Advertisement

فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق المقال الصحفي



الكتاب: فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق «المقال الصحفي»
المؤلف: محمود أدهم
الناشر: مكتبة الأنجلو مصرية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
"مقدمة":
بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين..
وبعد:
فهذا هو كتابنا الأول عن "فن المقال الصحفي" الحادي عشر في حلقات هذه السلسلة التي أطلقنا عليها: "فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق".. وقد أبقينا على تناوله حتى الآن، حيث تصب في بحره، وتتجمع تحت ظلاله الفنون السابقة في مجموعها متفردا بهذه الخاصة هو و"فن التحقيق الصحفي".. وحيث تبدأ هذه الفنون بالخبر وتكون نهايتها "المقال الصحفي" وليس التقرير أو الماجريات كما يقول بعض النظريين.. ولأن المقال -كما ينبغي أن يكون- أعم وأشمل، ومستوياته أكثر حرفية وأقرب إلى الفن، ودوره أبعد تأثيرا وموضوعاته في أغلبها هي الأكثر خطورة ومحرره قد أصبح من مستوى الكتاب الأكثر نضجا وممارسة وثقافة, والأعمق فكرا والأقرب إلى التأثير في الرأي العام.. بعد أن اجتاز إلى ذلك طريقا طويلا وشاقا في مجالات صحفية أو أدبية أو علمية أو فكرية.. أو في هذه كلها، بحيث أصبحت هذه التجارب والممارسات وتأثيراتها التحريرية.. "صك قبول" عند القراء، وسندا يشد أزره.. ويرتبط باسمه في أكثر الأحوال.. وحتى الدارسين له فإن من البديهي -وهذا طابع المقال وتلك خطورته- أن تكون الفنون والأنماط السابقة قد مرت بهم أولا.. وأن يكونوا قد اكتسبوا خلال دراستهم لها ما يؤهلهم لدراسة فن المقال الصحفي, وإذن فإن تأجيل تناوله إلى هذا الحين هو أمر يتفق مع طابعه وأهميته وخطورته ومستويات محرريه، أو هكذا ينبغي أن يكون موقعه من الدراسات الإعلامية عامة والصحفية التحريرية خاصة, وكلنا يشهد أن محرري المقالات أو كتابها هم في أغلب الأحوال وأعمها من طبقة المحررين المتمرسين بفنون العمل الصحفي في مجموعه، أو من هؤلاء الذين دخلوا إلى الصحافة من باب مقدرتهم الكتابية على أي شكل من أشكالها أو الذين ينتسبون إلى هذه الأسرة
(1/3)

الصحفية من خلال هذه الصفات "التحريرية" نفسها وحيث تكون لهم أقلامهم وأفكارهم وأساليبهم المبدعة وبلاغتهم الصحفية التي تؤهلهم لهذا العمل القيادي الفكري الابتكاري الإبداعي معا وفي آن واحد..
على أننا ونحن نتوجه به إلى الدارسين أولا والزملاء الذين يجربون حظهم في هذا الحقل المتسع ثانيا وإلى كتاب المقالات من داخل أو خارج الأسرة الصحفية أو من "المصاحفين" ثالثا.. ونحن نفعل ذلك، إنما نرجو أن يكون مصحوبا بهذه النقاط:
النقطة الأولى: أن هذه الدراسة تتلاءم بالشكل الذي جاءت عليه وباتجاهاتها ومادتها مع طابع المقدمات أو المداخل التعريفية تلك التي تقف من المقالة الصحفية عن قرب، أو تقوم على هامشها.. لبقي بعد ذلك أن يفيد القارئ منها -طالبا أو دارسا أو متدربا أو صحفيا- عن طريق التطبيق، وبواسطة التجربة العملية التي تضع ذلك كله في مجالاتها الحقلية أو المعملية.. أي: إن هذا الذي ننوي الحديث عنه تكمله الخبرة، وتعركه التجربة، وتصيف إليه الممارسة.... فوق الصفحات وفي السطور نفسها..
النقطة الثانية: ومن هنا فنحن نقول أيضا أن حديثنا القادم ليس هو كل ما يمكن أن يقال في هذا المحال، وإنما كان تركيزنا بالدرجة الأولى على:
- ما يمكن أن يفيد في مجالي النظرية والتطبيق.
- ما يمكن أن يخضع لمثل هذه الدراسة، والأكاديمية التدريبية المعملية، وفي ضوئها.
- ما يتلاءم مع طبيعة المرحلة "الفكرية والعلمية"، التي يمر بها الدارس والقارئ عموما وهذه الخطوة التي يجتازها على طريق العمل أو الدراسة.. بالإضافة إلى من ذكروا من غير هؤلاء.
النقطة الثالثة: ومن هنا أيضا فنحن نقول أنها ليست جميع المقالات الصحفية وإنما أبرزها وأهمها، وليصبح عندنا بعد ذلك عدة مقالات أخرى سوف نتناولها -بإذن الله- خلال كتاب قادم.. على أن يكون من أبرزها "المقال التحليلي - المقالات المتخصصة".. وغيرها من أنواع المقالات التي رأينا أن يضمها كتاب
(1/4)

آخر.. وحتى لا يكون تناولنا لها فوق طاقة هؤلاء الذين نتوجه إليهم هنا قبل غيرهم..
النقطة الرابعة: أن اعتمادنا خلال الصفحات القادمة كان كبيرا، وأنه تركز على عدة مصادر نرتبها هنا بحسب أهميتها، والقدر الذي اعتمدنا عليها فيه، ومدى الفائدة المتحققة.
- المادة المقالية المنشورة على صفحات الجرائد والمجلات عربية وأجنبية.
- أفكار وملاحظات ومرئيات عدد من كتاب هذه المقالات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
- المراجع الأجنبية.
- المراجع العربية.
- ملاحظاتنا ومرئياتنا ونظرتنا الموضوعية إلى هذه المواد كلها.
وإذا كانت هذه النقاط في مجموعها تمثل إضافة ضوئية لا بد منها من أجل مزيد من الوضوح الذي نرجو أن يتهيأ للصفحات القادمة، فإن هذه الصفحات نفسها وكعهدنا في دراساتنا السابقة كانت فاتحتها تمثل إطلالة على مفهوم المقال، ونظرة طائر "خلفية" إلى قصته وماضيه مصريا وعربيا وعالميا، ثم أضفنا إلى هذه المعالم وقفة عند وظيفته أو الدور أو الأدوار التي يقدمها لجميع الأطراف المتصلة به تحريرا ونشرا وقراءة ومتابعة.. وحيث مثلت هذه النقاط مجموعة الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب ...
أما الفصل الثالث فقد تناول أنواع المقال بداية بالمقال "الصحفي العام" الذي يمكن أن يكتبه وأن تنشره الصحيفة أو المجلة لكل صاحب فكر وقلم، خاصة من نجوم المجتمع في الأمور التي تهم أفراده ومرورا "بالمقال الافتتاحي" بموقعه الفريد والمتميز و"الاستراتيجي" من وسيلة النشر، ثم "المقال القائد الموقع".. الذي يعتبر بديلا عن المقال السابق عند البعض، وبعد أن قل الاهتمام به عن ذي قبل على غير ما كان ينبغي أن يحدث..
وبعد ذلك كان حديثنا عن "مقال التعليق" ثم "مقال التفسير" برباطهما
(1/5)

القوي وإلى حد الاختلاط أو الامتزاج أحيانا.. ليكون "مسك الختام" في هذا التناول، وعلى هذه الصفحات نفسها حديثنا عن "المقال العمودي" المعروف بالعمود الصحفي ثم "مقال اليوميات الصحفية".. بمواقعهما الهامة وبجانب "البلاغة الصحفية" المرتبطة بهما.
كل ذلك مع عناية بجوانب تعريف هذه الأنواع وأهم خصائصها وأبرز أنماطها وما يمكن أو تنبغي معرفته عن محررها وأساليب وأطر تحريرها المختلفة.
حتى كان الفصل الرابع والأخير والذي وقفنا فيه عند عدة معالم أساسية كان ينبغي أن يفرد لها مثل هذا الفصل، مثل خطوات تحرير المقال ولغته والعوامل المؤثرة فيه.. وفي النهاية قدمت عددا من النماذج "التدريبية".. مع شرح مختصر يمثل نقطة ضوء عليها.
والله أسأل أن يكون فيه الخير والنفع وما يدخر ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
وإلى مؤلف آخر بعون الله وتوفيقه.
محمود أدهم
مصر الجديدة - القاهرة
(1/6)

الفصل الأول: ماهية المقال الصحفي وقصته
مدخل
...
الفصل الأول: "ماهية المقال الصحفي وقصته"
يمثل "المقال الصحفي"1 بتعدد أنماطه، وبكثرة أشكاله، المادة التحريرية الصحفية الأكثر أهمية، وإيجابية، وفعالية، عند "كبريات" الصحف العالمية، والعربية وتمثل صفحاته وأركانه وأعمدته وسطوره وكلماته الدليل المادي، والفكري، على حياة الصحيفة وقيامها بمسئوليتها الوطنية والاجتماعية بطريقة مباشرة. ومن ثم على أثرها وتأثيرها في مجريات الأمور، وعلى قيامها بالدور الذي ينبغي أن تقوم به خدمة لقرائها، وهو هنا دور واضح، ومتميز.. وإيجابي وفعال أيضا.
وما ذلك كله إلا لأن هذا الفن التحريري الصحفي، إنما يمثل عن حق -وكما قال عنه قدامى الكتاب الصحفيين- عقل الجريدة والمجلة، ومن هنا، فإنهما عندما يقدمان إلى قارئهما مقالا من المقالات، فهما يقدمان "آية" ذلك العقل، وصورة من صوره، وأثرا من آثاره، أو -في أسلوب آخر- تقدم الصحيفة بنشرها للمقال على أي شكل من أشكاله رسالة من عقلها إلى عقل قارئها، لينقلها عقل القارئ بعد ذلك إلى مراكز شعوره وإدراكه, وليحس بها في النهاية كل الإحساس..
وما دام المقال رسالة من العقل إلى العقل، فهو الأكثر رقيا، واقترابا من طابع الإنسان الذي ميزه الله بالعقل، وهو أيضا دعوة إلى التفكير والتدبير والتنفيذ والتصرف ومن هنا أيضا كانت "قيمة" وكان "مستوى" وكان "أثر" تلك الصحف التي تحرص على نشره، ونظرة واحدة إلى تاريخ الصحافة العالمية أو العربية، لتؤكد عظم الدور الذي قام به المقال، وكتابه ومحرروه.. وصحفه ومجلاته وحيث أضافت إلى دور "السجل الأمين لأحداث العصر ووقائعه" أدوار
__________
1 Article.
(1/8)

الرصد والتفسير والتحليل واستخلاص النتائج، لهذه الأحداث نفسها وكذا للاتجاهات والآراء والمواقف والقضايا.. تلك التي تصنع وتقود وتوجه الأحداث نفسها على يد كتابها.. هؤلاء الذين كانوا زعماء للفكر والإصلاح معا، والذين نهض العالم كله على أيديهم، وحقق ما حققه من تطور.. وحيث كان لمقالاتهم النقدية والفلسفية والعلمية والاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية والوطنية.. كان لها أبعد الأثر وأعمقه في فكر أمة بأكملها، في عصر بأكمله..
ومن هنا أيضا كان حرص الصحف "الأكثر احتراما والأكثر استشعارا لدورها الوطني والاجتماعي" على أن يقوم كتابها -من داخل أسرتها أو خارجها- بتحرير المقالات ونشرها، متوجهة بها نحو قارئها.. إلى "عقله" أولا، ليقبل عليها في البداية، وفي المحل الأول دائما، ذلك العدد من القراء "العقلاء أولا" الذين يرون الأمور بعقلهم، ويتعهدونها بفكرهم ويكون للعقل دوره في حركاتهم وسكناتهم وجميع تصرفاتهم التي بها يسود كل منهم ويحرز التفوق وبها يتقدم الصفوف قبل غيره من الذين يقدمون العاطفة، أو يتبعونها أو يبحثون عما يخاطبها من المواد..
وليس معنى ذلك -بالطبع- أن المقال الصحفي لا يعترف بالعواطف، ولا مكان فيه أو عند كتابه للإحساسات والمشاعر، وإنما معناه أنه -المقال الصحفي- يخاطب العقل أولا ويتخذ من مخاطبته له طريقا إلى مخاطبة العواطف السامية والاتقاء بالإحساسات النبيلة، كل ذلك عن طريق دعوته إلى إعمال الفهم، ودفع الفكر، وتفسير المحسوس، وشرح المؤثر والربط بين هذه كلها، وبين الفكرة التي يتناولها، والنتيجة التي يمكن أن يصل إليها.
وليس معنى ذلك أيضا.. أن فنون التحرير الصحفي الأخرى، وأن أشكاله وأنماطه المتعددة كالخبر والموضوع الإخباري والقصة الإخبارية والحديث والتحقيق والتقرير والماجري.. تقتصر على مخاطبة العواطف والإحساسات وحدهما ولا تخاطب العقل، وإنما معناه أن هذه الفنون تخاطب العقل والعاطفة معا، ولكن فنون الخبر تخاطب العقل من خلال "ما هو كائن" أو "ما هو جار" وكذلك من خلال "ما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يجري".. ثم تتوقف عند ذلك، لتخطو الفنون الأخرى خطوة إيجابية، أو أكثر من خطوة تؤكد رؤية المحرر وذاتيته وكيانه وتعكس فكره ورأيه وموقفه.. ولكنها -وبعضها كالتحقيق الصحفي
(1/9)

يعتبر عند عدد من العلماء نوعا من أنواع المقالات الوصفية أو الموضوعية أو مقالات المجلة بمعناها الشامل- تتوقف عند هذه الخطوات في أغلب الأحوال، ولا تواصل الشوط حتى النهاية.. شوط الخروج من دائرة وحدود "ما هو كائن".. إلى عمق وجوهر: "ما يجب أن يكون" بما يتصل بذلك من تفسير لما هو كان وتحليل له، وتوقع واستكشاف وتحذير ودعوة واستقطاب وهجوم ورد. وما إلى ذلك كله من أمر أكثر إيجابية، أكثر مضيا في دعوتها إلى أعمال الفكر واتخاذ المواقف، ودعوة إلى التغيير أيضا، وهو ما لا يمكن أن تقدمه المادة الإخبارية البحتة، على أي شكل من أشكالها وما يمكن أن تقدمه "بقدر" وبقدر محسوب، الفنون الأخرى التالية للخبر.. باستثناء فن المقال الصحفي طبعا.. الذي يقف كتابه عند قمة "الهرم الصحفي" بما وصلوا إليه خلال مسيرتهم الطويلة، أو خلال طريق الصعود إلى القمة، من تمرس بالتفكير، وتمرس بالتعبير أنتجا ما يتاح لهما مما لا يتاح لغيرهما من حرية مخاطبة القارئ والتوجه إلى عقله وإلى فكره بغية التأثير الإيجابي عليه، وعلى إدراكه، ومن ثم على دوافعه وسلوكياته كلها في النهاية.. من تصرفات وتحولات ومواقف مختلفة، يتفاعل خلالها من أحداث مجتمعه الصغير أو الكبير أو هما معا.. بتأثير مقال من المقالات التي سنتعرض لها خلال الصفحات القادمة بإذن الله.
وإذا كان للمقال الصحفي كل هذه الخطورة، وإذا كنا سوف نعود مرة أخرى -بإذن الله- إلى تناول مهامه ووظائفه.. فقد حان الوقت للتعريف به وبماهيته، وبقصته أيضا.
(1/10)

أولا: ماهية المقال الصحفي
ما يزال تعبير "المقال الصحفي" يغلف بنوع من الغموض، ويدل عند البعض على مواد عديدة بعضها واضح تماما، والآخر ينقصه الوضوح الكامل، كما أن بعضها غير محدد المفهوم، أو الطول، أو المساحة أو اللغة.. وما إلى ذلك كله، وربما كان هذا هو السبب في أن عددا ممن تناولوا فن المقال، قد أحجموا عن كتابة تعريف واضح ومباشر له، أو جامع مانع، أو أي تعريف على الإطلاق1، بينما اكتفى البعض بذكر تعريفين أو ثلاثة تعريفات من تلك التي أوردتها الكتب الأجنبية، دون أن يحاول تقديم تعريف من عنده، يعكس مفهومه في ذهنه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.. مع أنه
__________
1 مثل د. حسنين عبد القادر.
(1/10)

كان يستطيع ذلك ويقدر عليه أيضا1.. تماما كما أن البعض الأخير قد قدم عددا في خصائص المقال، ووصف أنواعه على أنها تعريفه الكامل والشامل2.
على أن ذلك لم يكن حال المراجع العربية وواقعها وحدها، أو لم تكن هي فريدة في هذا المجال، ذلك أن أكثر المراجع الأجنبية أيضا قد وقفت مثل هذا الموقف.
بل إن من العجيب أن هذه المراجع الأخيرة فقد قدمت "مئات" من التعريفات لفنون التحرير الصحفي الأخرى، خاصة الخبر، ثم وجدناها بخيلة في تعريفها لهذه المادة الأخيرة للأسباب نفسها "تشعبه وامتداده إلى فنون أخرى وكثرة تنوعه واختلاف معالمه وملامحه". ومن هنا كانت صعوبة التعريف.. الذي يمكن أن نستند إليه في مثل هذه الدراسة، استمرارا لطريقتنا التي تعتمد هذا الأسلوب..
ومن الغريب أن يكون الأصل في كلمة "مقالة" هي الكلام "المنطوق" أو الشفهي الذي يقصد به إحداث تأثير معين، قبل أن تأخذ شكلها المدون، من خلال نشاط ديواني "الإنشاء والرسائل" وحيث برزت الحاجة إلى تسجيل وتدوين وحفظ هذا اللون الفكري الأدبي أولا.. يدل على ذلك ورود الكلمة بهذا المعنى منذ "العصر الجاهلي" وفي مجالي الشعر والنثر معا فاستخدمت كثيرا تعبيرات مثل "مقالة حق, مقالة صدق, مقالة سوء, مقالة خير, مقالة شر ... إلخ" ومن ذلك -مثلا- قول الشاعر:
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ويقول أوس بن حجر:
ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا غائب
كما استمر استخدامها في صدر الإسلام ضمن ما يطلق على "الخطية" وقد فعل ذلك "ابن هشام" في سيرته أكثر من مرة وكثر ترديدها في الأحداث التي صاحبت وفاة محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبيعة أبي بكر الصديق وجاء في خطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "أما بعد: فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ... إلخ".
وقد دار التعبير كثيرا على ألسنة الكتاب والمتحدثين والأدباء.. كما ورد مرات عديدة ضمن سطور كتب الأدب العربي.. ففي "كليلة ودمنة" مثلا وجدناها تتردد "فلما فرغ بيدبا من مقالته، فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته ... إلخ"3.
__________
1 مثل أ. د. عبد اللطيف حمزة.
2 مثل أ. أحمد رشدي صالح.
3 بيدبا ترجمة عبد الله بن المقفع: "كليلة ودمنة" ص10 - ص20.
(1/11)

ولعل ذلك هو ما جعل تعريف "المقالة الأدبية" يطغى على تعريفات الأنواع الأخرى من المقالات.. حتى على الصحفية والعلمية.. فنجد على سبيل المثال لا الحصر تعريف "الموسوعة الثقافية" الذي يقول عن المقال أنه:
"فن من فنون التأليف الأدبي يكتب نثرا ويعطي أفكار المؤلف ومشاعره في أي موضوع من الموضوعات"1.
كما وردت تعريفات عديدة أخرى مماثلة لهذا التعريف الأدبي الطابع، تؤكد انتماء المقال أولا إلى الأدب، وامتداد هذه النظرة إلى الآداب الغربية أيضا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
- المادة الكتابية النثرية التي يخاطب فيها الكاتب القراء مقدما لهم أفكاره وآراءه وخواطره, وما يتصل برؤيته للناس والحياة في مجتمعه أو المجتمعات الأخرى.
- كل كلام مكتوب قصد به التأثير في قارئه وإحداث انفعال ما مؤقت أو مستمر.
- من تجارب وقراءات ومعايشات ورؤية الكاتب الخاصة والموجودة ضمن إطار إنشائي معين تتكون أغلب المقالات.
- والمقالة أيضا عند البعض الآخر عبارة عن: "وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام وهو قطعة إنشائية لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس صاحبها، أما الإنشاء المنظم فليس من المقال في شيء2.
- أهم الفنون الأدبية على الإطلاق في عالم اليوم.. أن أغلب الكتب الصادرة هي مجموعة من المقالات فالنقد والتأليف والتاريخ والاجتماع والرحلات.. كلها مقالات في مقالات وحتى القصة القصيرة أيضا فإن شكل "المقال القصصي" الذي يتناول حدثا أو شريحة من الناس أو المجتمع، هو نوعية أخرى من هذا الإنتاج المقالي الأدبي الرفيع.
وقريب من هذه النظرة الأدبية نفسها تعريف "قاموس اكسفورد" لهذا الفن والذي
__________
1 حسين سعيد وآخرون: "الموسوعة الثقافية" ص935.
2 عبد العزيز شرف: "فن المقال الصحفي" ص7، عن د. جونسون.
(1/12)

جاء به: "المقال هو إنشاء كتابي معتدل الطول في موضوع ما، وهو دائما يعوزه الصقل ومن هنا يبدو أحيانا أنه غير مفهوم ولا منظم"1.
ويحاول ناقد أدبي أن يجمع بين الزاويتين الأدبية والصحفية في تعريف له جاء فيه قوله أن المقال هو "شكل أدبي يستخدم للنثر عادة في توصيل الفكر من خلال طول معتدل يدور حول موضوع محدد، ويكون الموضوع عادة إخباريا أو تعليميا أو تحليليا، أي: إنه يجمع بين الرأي والخبر"2.
أما المقال الصحفي -من حيث هو- فقد وردت عنه بعض التعريفات كما أمكننا الحصول على عدد آخر منها.. ومن بين هذه وتلك أنه:
- "الأفكار والخواطر والآراء ووجهات النظر المتصلة بفكر الكاتب من جهة وبنبض القراء واهتماماتهم من جهة أخرى.. وهو يكتب للنشر في الصحف والمجلات أولا، في وقت معين، وتختلف أطواله من مقال إلى آخر ... وفق نوعية وطبيعة المادة المطروحة به"3.
- "ما يمثل جانب الرأي الحر في الصحف والمجلات بقلم محرر كبير أو كاتب من أعضاء الأسرة الصحفية أو خارجها يطرح فيه ما يعتقد أنه في حاجة إلى شرح وتعليق"4.
ومن التعريفات "التقليدية" له أنه:
- "إنشاء متوسط الطول يكتب للنشر في الصحف ويعالج موضوعا معينا بطريقة مبسطة وموجزة على أن يلتزم الكاتب حدود الموضوع"5.
- "المقال اسم يطلق على الكتابات التي لا يدعي أصحابها العمق في بحثها أو
__________
1 عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" ص227.
2 نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص189.
3 من حديث خاص مع الأستاذ "أحمد رشدي صالح" آخر ساعة 1977.
4 من حديث خاص مع الأستاذ "أبو الخير نجيب" نقابة الصحفيين بمصر 1981.
5 تعريف دائرة المعارف البريطانية.
(1/13)

الإحاطة التامة في معالجتها ذلك أن كلمة مقال تعني محاولة أو خبرة أو تطبيقا مبدئيا أو تجربة أولية"1.
وهناك تعريف آخر يقول:
"في ظننا أن المقال الصحفي هو المقال الذي تنشره الجريدة لتغطية تساؤلات أو اهتمامات ذات صفة حالية مرتبطة بالأحداث الهامة أو المشكلات الهامة أو القضايا الهامة بالفعل في حياة قرائها أو تلك التي يمكن أن تجري في حياتهم في المستقبل القريب، وهذا المقال يمتاز ببلاغته الصحفية ويتخذ الصيغة المميزة لطابع الصحيفة التي تنشره أو الصيغة المميزة للمدرسة أو للمذهب الصحفي الذي ينتمي إليه كاتب المقال"2.
- أما عن تعريفنا الخاص للمقال الصحفي والذي نقدمه في إطار هذه الدراسة، وبالاتصال بأبرز مبادئ التحرير الصحفي العام، ومن خلال نظرة تجمع بين النظرية والتطبيق فقد سبق لنا أن قدمنا أكثر من تعريف من بينها ما يقول إن المقال الصحفي هو:
- "فكرة يقتنصها الكاتب الصحفي خلال معايشته الكاملة للأنباء والأراء والقضايا والاتجاهات والمواقف والمشكلات المؤثرة على القراء وفي حركة المجتمع، يقوم بعرضها وشرحها وتأييدها أو معارضتها في لغة واضحة وأسلوب يعكس شخصيته وفكره وتنشر في الوقت المناسب وفي حجم يتلاءم مع نوعيتها وأهميتها ونتائجها المستهدفة".
- "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي في شكل فني معين وحجم مناسب ولغة واضحة وذلك للنشر الحالي بجريدة أو مجلة في إطار تفسيري أو توجيهي أو نقدي أو تحليلي أو بالجمع بين هذه الأطر، متناولة الأحداث والقضايا والمواقف والأشخاص والأفكار من أجل توعية القراء وتأكيدا لمسئوليته الاجتماعية، ولدور الصحيفة أو المجلة كوسيلة نشر".
- "المادة التحريرية التي يقدمها كاتب صحفي استنادا إلى فكرة يحصل عليها من
__________
1 تعريف معجم "لاروس".
2 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" ص203 فن مقال بقلم "أحمد رشدي صالح".
(1/14)

خلال حضوره الذهني الصحفي ومعايشته للأحداث وعلاقاته الاجتماعية واتصالاته وقراءاته وخطابات القراء ومكالماتهم الهاتفية وما يرد عبر الأثير وذلك في إطار يفسرها للقراء ويحيطهم بأبعدها ويوجههم بشأنها، وقد يقوم بتأييدها أو معارضتها بطريقة تحمل طابعه في التفكير وأسلوبه في التعبير، وذلك للنشر في الوقت المناسب متلائمة مع طابع الصحيفة أو المجلة واهتمامات القراء وصالح الفرد والمجتمع".
تدريب عملي "1":
1- ما الذي يمكن أن تستنتجه من هذه التعريفات كلها؟
"اكتب في حدود 30 سطرا".
2- قم بمحاولة لوضع تعريف من عندك للمقال الصحفي.. واذكر لماذا هذا التعريف؟
3- ارتكازا إلى دراساتك السابقة في فن التحرير الصحفي.. قارن بين تعريفات كل من:
أ- الخبر. ب- التحقيق الصحفي. جـ- المقال.
ثم اذكر ما يمكن أن تقدمه لك هذه المقارنة من نتائج.
(1/15)

ثانيا: المقال: تاريخ وصور
- وإذا كان من الصحيح أن الشكل الأول من أشكال المقالة الحديثة قد ظهر على يد الكاتب الفرنسي "ميشيل دي مونتاني" عندما نشر عام 1580 كتابه الذي أطلق عليه اسم "محاولات"1.
وكانت هذه أول مرة يطلق فيها هذا التعبير.. بما زخر به من مادة قريبة من "المحاورة" بما تقيمه من جسور بينه وبين القارئ.. نفذ من خلالها بكتاباته الذاتية عن عواطف الآباء تجاه الأبناء وعن الضمير والبطالة والفراغ والغرور إلى غير ذلك من موضوعات "وجدانية".
- وإذا كان من الصحيح أيضا أن الإنجليزي "فرنسيس بيكون 1561-1636" هو الذي قام بنقلها أو على الأصح زحزحتها من المجال الذاتي إلى الممارسة الموضوعية العلمية بما وضعه لها من أساس أو "تقاليد" من أهمها التركيز على الفكرة الأساسية، وتحديد زاوية التناول أو المعالجة.. وما إلى ذلك.
ثم تنتقل المقالة بعد ذلك إلى المجال "العملي" أو "الدوري" وهو نفسه المجال "الصحفي" على يد قادة الفكر الصحفي الإنجليزي في القرن الثامن عشر لا سيما "دانيال ديفو" و"ستيل"2 وغيرهما من الكتاب الذين شعروا بجسم الصحفي.. حاجة القراء إلى هذا اللون الجديد من المادة المقالية.
- إذا كان ذلك كله صحيحا.. فمن الصحيح أيضا أن يقال إن الحضارات
__________
1 "essays".
2 لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع ننصح بقراءة: "إبراهيم إمام: تطور الصحافة الإنجليزية - عباس محمود العقاد، يسألونك - محمد عوض محمد، فن المقالة الأدبية - محمد يوسف نجم: فن المقالة".
(1/16)

العالمية في عصور ازدهارها المختلفة لم تعدم وجود لون من الإنتاج الفكري الذي يمكن اعتباره من المقدمات الأولى لفن المقالة، أو من جذورها الضاربة في أعماق الفكر البشري، كما نحب أن نستخدم هذا التعبير.. وذلك على الرغم من:
- عدم وجود المطبعة.
- عدم معرفتنا بأسماء الكتاب إلا فيما ندر.
- عدم استخدام كلمة مقالة أو معرفتها أصلا.
وهكذا كان الحال بالنسبة لعدد كبير من ألوان الإنتاج الفكري القديم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر هذه الصور والمشاهد كلها:
1- ما يؤكده "ألن شورتر" من أن المصريين القدماء: "كانوا يغرمون دائما بالتعبير عن أفكارهم عن السلوك الشخصي في صورة نصائح مثل كتاب الأمثال في التوراة، وكان من عادة الكاتب أن يضعها على لسان رجل عظيم من عصر قديم يكون قد اشتهر بالحكمة"1.. ولعل من أقدم ما وصلنا عن هذه الحكم "المواعظ التي تمثل أقدم جذور لفن المقال بأنواعه المختلفة نصائح الوزير القديم جدا "كاجمني" أو "كاجمنا".. الذي كان وزيرا للبلاط الملكي في عهد الملك "سنفرو" -الذي تتخذ محافظة بني سويف من صورة هرمه شعارا لها- وهو من الأسرة الثالثة، وله كتابات عديدة من هذا الطراز تتصل بآداب السلوك الإجماعي والذوق العام وآداب الزيارة والمائدة ومن النوع الأخير -آداب المائدة- قوله في هذه العبارة:
"إذا جلست مع أشخاص كثيرين فاصطنع كراهية الطعام حي ولو كنت شديد الرغبة فيه, إن الأمر لا يستلزم وقتا طويلا لضبط النفس وإنه لمن المشين أن تكون نهما، تعس هذا الرجل الشره من أجل جسده"2.
2- على أن أهم هذه النوعية وأبعدها أثرا -من الجذور المصرية القديمة- ما عرف
__________
1 ألن شورتر: ترجمة نجيب ميخائيل إبراهيم: الحياة اليومية في مصر القديمة" ص122.
2 المصدر السابق ص123.
(1/17)

باسم "نصائح بتاح حتب" التي وجدها فلاح أقصري وباعها للعالم الأثري الفرنسي "بريس"1 الذي نشرها عام 1847 وأهداها للمكتبة الأهلية في باريس وهي تشمل على 18 صفحة مكتوبة بالخط الهيراطيقي بالحبر الأسود والأحمر.. وقد ترجمت إلى لغات العالم كما درست بالمدارس الإنجليزية.. وحيث نقدم هنا صفحتها، "المقالية، الأولى والتي جاء فيها"2:
من حكم بتاح حتب:
"إذا كنت رئيسا فعامل من هم أقل منك مرتبة برفق، واعلم أن مرؤوسك هو عضدك وساعدك، وأن التشدد في معاملته يعقل لسانه ويختم على قلبه فيخفي عنك ما قد يفيدك العلم به, أما إذا استعبدته بالحسنى فلعله يبوح لك بما يضمر ويفتح لك خزائن قلبه وعوده الحرية في القول يصدقك فيما ينفعك، ولا يخدعك فيما يضرك وإذا أتاك في أمر له فلا تجبهه بل كن شفيقا صبورا وإذا استطعت إجابة سؤاله فلا تبطئ فخير البر عاجله، وإياك والشدة في معاملة من يطيعون أمرك فقد تكون داعية إلى سوء الظن بك، واعلم أن الإصغاء للضعيف والمكروب فضيلة يمتاز بها الأخيار على الأشرار.
إذا شئت أن تستبقي حب أخيك وإخلاص صديقك فاحذر مشورة النساء؛ لأنها مجلبة الشر في كل زمان ومكان، واعلم أن حب المرأة مجلبة الهلاك وما طاب عيش امرئ يقضي على سعادته ويستهين بحياته في سبيل لذة لا تدوم أكثر من طرفة عين وتورث آلاما تبقى مدى الحياة.
اجتنب جلساء السوء فإن في بعدهم غنما وفي قربهم غرما. إذا شئت أن تكون صادقا في قولك أمينا في عملك فطهر نفسك من أدران العناد والطمع واحذر الشراهة والجشع، وإن كنت خلوا من تلك النقائص فحذار أن تقع في هوتها فإنها أدواء لا تستقيم حال المرء ما دامت جراثيمها عالقة به، واعلم أن تلك المعائب تفرق بين الوالد والولد
__________
1 Prisse.
2 من ترجمة قديمة جدا نشرتها مجلة "البيان" عام 1912 للأستاذ "محمد لطفي جمعة".
(1/18)

وتشتت شمل الجماعات وتبدد أوصال الصداقات وتقطع ما بين الرجل والمرأة من صلات الود والمحبة وتغرس بذور النفور والبغض".
3- ولعلنا نجد صورة أخرى من صور هذه الجذور المصرية القديمة ممثلة في تلك الكلمات التي كان كثير من "علية القوم" في مصر القديمة ينقشونها على شواهد قبورهم -كما فعل عرب جنوب شبه الجزيرة بعد ذلك- وحيث كان بعضها إخباري الطابع، والآخر يمت بصلة نسب قديمة جدا إلى الأحاديث الصحفية.. وبعضها الثالث والذي نحن بصدده، يمت بمثل هذه الصلة، ولكن إلى مقال "الاعترافات" من جانب، وإلى "الترجمة الشخصية" من جانب آخر.
وقد أشار إلى ذلك أحد الأساتذة حين قال: "لعل أقدم صورة للترجمة الشخصية تلك الكلمات التي كان ينقشها القدماء على شواهد قبورهم، فيعرفون بأنفسهم، وقد يذكرون بعض أعمالهم، واشتهر المصريون في عصور الفراعنة بكثرة ما نقشوا على قبورهم وأهراماتهم وفي معابدهم وهياكلهم من تواريخهم وأفعالهم"1 وحيث نذكر هنا أمثلة قليلة لهذه الجذور المقالية الكثيرة جدا:
- بعض ما جاء في "متون الأهرام" عن حياة الملك.
- ما تركه أحد حكام المقاطعات ممن عاشوا في القرن السابع والعشرين ق. م، حيث كتب على قبره عن حياته: "لقد أعطيت خبزا لكل الجائعين في جبل الثعبان -ضيعته- وكسوت كل من كان عريانا فيها، وملأت الشواطئ بالماشية الكبيرة وأراضيها المنخفضة بالماشية الصغيرة، وأشبعت كل ذئاب الجبل وطيور السماء بلحوم الحيوان الصغير.. ولم أظلم أحدا قط في ممتلكاته حتى يدعوه ذلك إلى أن يشكو بي.. إلخ"2.
- ومن أبرز هذه الجذور ما كتب على مقبرة "حرخوف"، الرحالة المعروف -من القرن السادس والعشرين ق. م- والذي نقش على واجهة مقبرته بأسوان قصة حياته المليئة بالمخاطرات، والتي يهدد فيها من يحاول سرقة هذه المقبرة قائلا: "ولقد أعطيت خبزا للفقير وملابس للعريان وعديت من لا قارب له، وأنتم أيها
__________
1 شوقي ضيف: "الترجمة الشخصية" ص7.
2 ج. هـ. برستيد - ترجمة سليم حسن: "فجر الضمير" ص137.
(1/19)

الأحياء الذين على وجه الأرض والمارون بهذا القبر سواء أكنتم نازلين مع النهر أم صاعدين فيه.. قولوا ألف رغيف وألف إناء جعة تقدم لصاحب هذه المقبرة، وأما من يدخل هذا القبر مدعيا ملكيته الجنائزية، فإنني سأقبض عليه كما يقبض على طائر يرى وسيحاكم على ذلك أمام الإله العظيم ... إلخ"1.
4- ما سجله "يوليوس قيصر" في كتابه الذي أطلق عليه المتخصصون اسم "التعليقات" مما يتناول حروبه في بلاد الغال والحرب الأهلية بينه وبين بومبي -أحد القادة المنافسين له- وإلى جانب عرضه عرضا بارعا يصور الدسائس والمؤامرات التي كان ينسج خيوطها من حوله الأصدقاء والأعداء على السواء، وهي المؤامرات التي انتهت بقتله بعد ذلك على يد ابن زوجته وربيب نعمته "بروتس"2.. وحيث يمكن اعتبار هذه الكتابات من جذور مقالات "الاعترافات" و"السيرة الذاتية".. أيضا، مثلها في ذلك مثل هذه الجذور السحيقة المصرية الطابع.
5- وبالمثل، وقريب من ذلك كله، ومما يمت بمثل هذه الصلة إلى هذه المقدمات نفسها تلك الصورة من صور "الوصايا" التي كان ملوك الفرس القدماء يوجهونها إلى أبنائهم، تعظهم وتقدم لهم تجربة الآباء والجدود، وتوضح سياستهم، وقد نقلها الغرب عنهم "وفي كتاب -تجارب الأمم- لمسكويه أن كسرى أنو شروان ألف كتابا في سيرته وسياسته، واكتفى مسكويه في التعريف به ببعض صفحات من هذا الكتاب تصور حروبه وانتصاراته على الروم والترك والديلم كما تصور سياسته الداخلية ونشره للعدل في رعيته وتخفيفه لمغارم الضرائب عنها حتى تقوى على عمارة الأرض واستخراج ثمارها"3.
6- وإذا كنا قد أشرنا -ومن قبلنا وولزلي ود. حمزة إلى اعتبار بعض "محاورات أفلاطون" من جذور الأحاديث الصحفية، فإن قراءتنا لهذه المحاورات4 تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن بعض فقرات هذه المحاورات الفلسفية القديمة
__________
1 المصدر السابق ص139.
2 يمكن العودة إلى هذه القصة خلال سطور المقال الأول من كتابنا السابق "هم والصحافة".
3 شوقي ضيف، مرجع سابق، ص7.
4 من ترجمة أ. د. زكي نجيب محمود.
(1/20)

هي الجد الأكبر لشكل من أشكال المقالات هو ذلك الذي يعرف باسم "المقال الحواري".
7- بل ولماذا لا نعتبر كتابات "أرسطو" شكلا من أشكال "المقالات الفلسفية والنقدية" لا سيما تلك الكتابات التي أودع فيها آراءه النقدية التي ضمنها كتابيه "الشعر - الخطابة"؟ إلى جانب تناوله لبعض أسس العلوم الأخرى إلى حد اعتباره واضعها وهي هنا علوم "المنطق, الحيوان, النبات, ما وراء الطبيعة".. وعلى الأخص، وبما يشبه المقالات الحديثة، قيام هذه الكتابات على أساس من منهجه العام, منهج الاستنباط الذي ينتهي إلى قواعد عامة.
8- وقد أشار إلى مثل هذه الكلمات ناقد متابع حين قال في كتاب له: " ... فكتاب العالم القديم مارسوا كتابة أشكال أدبية مشابهة لكنهم لم يطلقوا عليها اصطلاح مقالة, فمن الممكن أن يحتوي المفهوم العام للمقالة أشكال الحوار التي برع فيها أفلاطون والآراء التي عبرت عنها شخصيات ثيوفرا ستوس ورسائل بليني وسينكا وكتابات بلوتارك الأخلاقية ومجادلات شيشيرون وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو الفلسفية وغير ذلك من الكتابات التي تدور حول موضوع محدد وذات طول معتدل1.
9- على أن مؤرخ "فنون المقال" عامة، والصحفي خاصة، لا بد له من التوقف مرة أخرى عند عدد من "المقدمات" ذات الأطر والموضوعات الأدبية العربية، خاصة تلك التي سادت خلال "العصر العباسي" سواء ما يتصل بألوان وأغراض وأساليب الكتابة الفنية "الإنشائية" التي سادت في صدر الدولة، أو ما يطلق عليه مؤرخو الأدب "العصر العباسي الأول" بمدرسته الأولى النثرية التي تزعمها "ابن المقفع" أو مدرسته الثانية التي تزعمها "الصحفي الأول" وأعني به هنا الجاحظ، أو بالنسبة لألوان الكتابة التي سادت "العصر العباسي الثاني" لا سيما كتابات "عبد الحميد" وابن العميد، ولكل منهما مدرسته العلمية الكتابية المكملة للأخرى، والتي قيل عنها ضمن ما ذكرته كتب الأدب العربي:
__________
1 نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص190.
(1/21)

"فتحت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد".
أقول إن مؤرخ المقال لا بد وأن يتوقف عند هؤلاء, وبالذات عند عدد من نتاجهم الذي كان يمكن -وببساطة- أن ينشر ضمن صفحات الرأي وأبواب وزوايا المقالات الأدبية والنقدية والاجتماعية ومقالات الخواطر والتأملات ومقالات الفقرات وما إليها مما تنشره صحف اليوم باستثناء لغة العصر وأسلوبه، وحيث نتوقف هنا عند ملامح عدد من "مقدمات المقالة" عند اثنين من هؤلاء:
- عبد الله بن المقفع: أول ما يهمنا من كتاباته أن اهتمامه بعنصر "الفكرة" أو الموضوع كان كبيرا بحيث طغى في أحيان كثيرة على عنصر "الأسلوب" ويلي ذلك اهتمامه بالكتابة "الهادفة" فهي ليست بذات التأثير اللغوي البلاغي فقط، وإنما لها تأثيراتها الاجتماعية والإصلاحية أيضا، كما أن من أبرز خصائص كتابته المتصلة بالكتابة الصحفية عامة، والمقالية خاصة أنه وضع قاعدة هامة تنادي بأن يكون في صدر الكلام ما يدل على غرضه، ويهمنا ذلك من ثلاث زوايا:
أ- أنه يعني وصوله إلى تقسيم الكتابة إلى صدر وجسم أو مقدمة وصلب على نحو ما نفعل الآن.
ب- أنه توصل إلى أهم معالم العنوانات والمقدمات وهي: الاتصال بالنص والقيادة إليه ولفت الأنظار إلى مضمونه ومادته عموما والإعلان عنه.
جـ- أن ذلك يدخل في معرفته بما أسماه البلاغيون ورجال التحرير الصحفي بعد ذلك "براعة الاستهلال" وهي من الخصائص الفنية لأنواع الكتابة أدبية وصحفية.
- عبد الحميد بن يحيى الكاتب: ويهمنا من كتاباته -ومما يتصل بالمقدمات المقالية نفسها- معرفته بأن "لكل مقام مقال" أي: أن يكون نوع ولغة وطول الكلام على قدر مضمونه وأفكاره وأهميته عامة.. ثم حسن تقسيمه لرسالته، والترتيب الدقيق لأفكاره، والاهتمام بالخاتمة أو النهاية إلى جانب المقدمة أو الصدر كما كانت عباراته قصيرة، دقيقة ومتماسكة, كل ذلك إلى جانب ميله إلى تقديم الحجج القوية والبراهين التي تؤدي إلى إقناع القارئ بما يقول, كما كان يبتعد عن اللفظ الغريب، والوحشي أو السوقي، وكلها من خصائص "المقالة" ذات الصلة القوية بالمقالة الصحفية عامة.
(1/22)

تدريب عملي "2":
1- قم بالحصول على كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ واستخرج منه ما يمكن اعتباره من جذور المقال الصحفي، وذلك من وجهة نظرك الخاصة.
2- ادرس نصا للكاتب "عبد الله بن المقفع" وقم بنقده وتحليله في ضوء التعريفات السابقة للمقالات, وحدد كيف يمكن اعتباره من بين جذور المقال، أو من غيرها.
3- قارن بين نصين أحدهما للجاحظ والآخر لعبد الحميد الكاتب، وكتب مرئياتك لهما في ضوء هذه التعريفات نفسها.
(1/23)

الفصل الثاني: دور المقال وأهميته
مدخل
...
الفصل الثاني: دور المقال وأهميته
لا يستطيع دارس أو باحث أن ينكر ما للمقال من أثر على حياة الأفراد والمجتمعات، بل والإنسانية كلها.
وهذه التأثيرات لا تتوقف عند مجرد الانعكاس السريع، أو الانطباع الحالي الذي يمكن أن يتركه المقال في عقل وفكر ونفس وسلوكيات قارئه، بل يمتد أيضا إلى تصرفاته المستقبلية، بحيث تكون له أبعاده المستمرة، والتي يزيد من درجة تأثيرها حاجة الفرد في مجتمع اليوم إلى أكثر من مجرد الخبر البحت أو الخبر الصرف, وإنما تتضاعف حاجته إلى ما وراء الخبر، وما تمتد إليه مجالاته وما يمكن أن تمتد إليه اليوم وغدا في ظل مناخ مشحون بالقلق والخوف والرصد والرغبة في معرفة ما يطحن أحشاء القارئ العادي، ومسيرة ذلك كله، في خط متواز مع أهمية تنميته تنمية اجتماعية وسياسية تجعله يعيش عصره، بكل إيجابياته وسلبياته, ويقيه شر عواصفه وأنوائه الممثلة في ألوان دعايته وعوامل "تلوث" بيئته العقلية، ورغبة البعض في تسميم أفكاره والعمل على أن يفقد ثقته بقيمه ومبادئه التي نشأ عليها ودرج حتى تسهل مهاجمته وتدميره من الداخل والسيطرة الكاملة عليه، كطريق للسيطرة على مقدرات وطن من الأوطان، وجره وراء الأحلاف وربطه بمشروعات الدول الكبرى، بعد أن تنجح -كما تشاء أفكارها وأحلامها- في إقامة حاجز بينه، وبين مثله وأخلاقه وأعمدة مجتمعه التي يرتكز عليها.
وإذا كنا سوف نعود -عمليا- إلى هذه النقطة لنرى بعض صورها فإننا -في أسلوب آخر- نقول إن المقال الصحفي يمكنه أن يؤدي جميع وظائف الصحافة المطبوعة كوسيلة نشر.
ولا نقصد بذلك طبعا أن تقوم مقالة واحدة بجميع هذه الأدوار وإنما من
(1/26)

مجموع المقالات الصحفية المختلفة والمتنوعة، تحقق الوظائف الإعلامية المرموقة، وهي هنا وظائف:
1- الإعلام: بما تتضمنه المقالات من أخبار جديدة تعتمد على مصادر كتابها المختلفة وواضح أن هؤلاء الكتاب يكون لديهم من المصادر ما يفوق في أحيان كثيرة مصادر المخبر أو المندوب العادي، ومن هنا فإن من السهولة بمكان أن يخرج القارئ بعدة أخبار هامة وجيدة يعرفها لأول مرة تأتي عبر سطور مقال صحفي خاصة المقالات الافتتاحية والتعليقات والتفسيرات والمقالات التحليلية.
ومن المؤكد أن القارئ المصري والعربي، كانا يخرجان بأخبار جديدة تنشر لأول مرة خبر مقالات عدد من الأساتذة من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: "أحمد أبو الفتح, محمد التابعي، مصطفي أمين، ناصر الدين النشاشيبي، محمد حسنين هيكل، سليم اللوزي، سعيد فريحة"، كما أننا قمنا بتجارب عديدة خرجنا منها بعدد من الأخبار الجديدة من مقالات عديدة من كتاب الجيل التالي لهؤلاء، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر مقالات: "إبراهيم سعده، أحمد الجار الله،- تركي السديري، جهاد الخازن، محمود الكايد، ميشال أبو جوده وغيرهم" وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
ويزيد من أهمية الدور الإعلامي الإخباري لبعض المقالات -خاصة التحليلية منها- أن الأخبار والمادة الإخبارية التي تنشرها تكون من نوع الأخبار السياسية الهامة، وبعضها يكون من "الأسرار" التي قد لا يمكن للمندوب العادي أن يحصل عليها إلا بعد جهد جهيد، أو قد لا يعرف إليه سبيلا, ومن هنا فقد قلنا في كتاب سابق لنا، ويضاف إلى ذلك كله أنه قد تنشأ صداقة متينة بين رئيسن الدولة أو الحكومة أو المجلس التشريعي أو وزير الإعلام وبين رئيس التحرير نفسه إلى حد يجعل بعضهم أو جميعهم يخص رئيس التحرير بالأخبار الهامة.. صانعة المانشيتات1. ولكنه هنا -رئيس التحرير أو مديره أو نائبه- لا يستخدمها الاستخدام الإخباري العادي، وإنما يحتفظ بها لتظهر في مقاله العادي أو الأسبوعي ولتكون من أهم ما يحتويه هذا المقال.
__________
1 محمود أدهم: "فن الخبر" ص356.
(1/27)

وحتى في حالة عدم تضمن هذه المقالات لأخبار جديدة، فإن في إعادة نشرها للخبر الهام موضوع المقال نفسه دعم للجانب الإخباري، وفرصة لمن فاته قراءة الخبر في المرة الأولى، تماما كما يعرف بعض الكتاب بأن مقالاته "إخبارية" من الدرجة الأولى، وهكذا.
2- الشرح والتفسير: وهو الدور "الحضاري" الهام الملقى على عاتق عدد من أهم المقالات، من بينها مقالات افتتاحية تعرف بهذا الاسم، ومقالات تفسيرية كاملة، كما أن أغلب أنواع المقالات تستند إلى هذا الأسلوب وتعتمد عليه اعتمادا كبيرا، وهو طريقها إلى مساعدة القراء في الدراية بأحوالهم، ومحو أميتهم السياسية والفكرية، وسبيل إلى أداء هؤلاء لدورهم الوطني كمواطنين.
3- التوجيه والإرشاد: وهو ما تنتظره جموع القراء من كتاب المقالات بوصفهم من قادة الفكر والرأي والسياسة في بلد من البلاد يقوم على عاتقهم واجب توجيه الجماهير إلى ما فيه صالحها وخيرها وما يتصل بذلك كله من تنبيه إلى الأخطار المحدقة بالوطن، أو بخطط التنمية، أو بالفرد نفسه.
إن التوجيه والإرشاد من الأدوار السياسية، والاستراتيجية أيضا للمقال الصحفي بأنواعه المختلفة.
4- التثقيف: بما يقدمه كتاب المقالات العامة، والمتخصصة على وجه التحديد من ثقافة رفيعة المستوى تدعم دور الصحيفة أو المجلة بوصفها "مدرسة للشعب" يتعلم ويتثقف على صفحاتها وبين أعمدتها وسطورها المختلفة، وإذا كان هناك من يهاجم وسائل الإعلام مشككا في الدور الثقافي الذي تؤديه، فإن من الحق القول إن "صحافة الرأي" لا يمكن أن يوجه إليها مثل هذا الاتهام كما أن "كتاب المقالات" هم من قادة الثقافة أيضا.
5- تنمية المجتمع: تتنوع اتجاهات المقالات، ومجالاتها وكتابها وخوضها وتناولها لمسائل التنمية الفكرية والاقتصادية والصحية والشاملة لجموع المواطنين، والمقالات الصحفية هنا ذات اتجاه ثنائي، الأول يسهم في "الفكر التنموي"، إسهاما كبيرا بأسلوب مباشر بما يقدمه من أفكار ومقترحات وما يعرضه من تجارب الأمم والشعوب الأخرى، والثاني بقيام الكاتب، والمقالة نفسها بدور المراقب لتنفيذ خطط
(1/28)

التنمية، الحريص على متابعتها وعلى لفت الأنظار وتوجيه الانتباه لما يمكن أن يقوم من ثغرات، أو ينشأ من سلبيات في التطبيق، وهكذا تمارس المقالة دورها "الرقابي" من أجل صالح خطط التنمية نفسها، وكأسلوب إيجابي للعمل على نجاحها.
6- الدفاع عن العقيدة في مواجهة أعدائها الذين يهدفون إلى زعزعة الإيمان في صدور القراء.
7- مواجهة دعايات الأعداء والرد على أباطيلهم وحماية المواطن من شرها.
9- تأكيد القيم والمبادئ والمثل العليا والدفاع عنها والحث على اتباعها والتمسك بها.
10- تأكيد الروابط الاجتماعية وتقويتها، ودعم أواصرها بين أبناء الوطن الواحد بما يقدمه كتاب المقالات من أفكار وشروح وتحليلات تبرز دور التكافل والتضامن وتهاجم أدعياء الفرقة وتعمل على التقريب بين الاتجاهات والمواقف والمذاهب المختلفة.
11- التعليم: بما تقدمه المقالات التعليمية والمتخصصة في مجالات التدريب وطرق أداء الاختبارات وتنمية المهارات، وما تشرحه من أساليب تعليمية وإرشادية، خاصة بالنسبة لمقالات "الخدمات" التي أصبحت تنتشر فوق صفحات المجلة، إلى ما تقدمه من خبرات وتجارب وممارسات الأساتذة والرواد من كتاب المقالات العلمية والمتخصصة.
12- التسلية والإمتاع: وهي تنتشر بأنواع عديدة من المقالات، حتى بعض المقالات الانتقادية والثقافية، فضلا عن المقالات الكاريكاتورية نفسها التي يكون لها السبق في هذا المجال.
ولكننا نشير هنا إلى أنها ليست أية تسلية، وليس أي إمتاع، وإنما ما يهدف إلى القضاء على ملل القارئ، ويحول بينه وبين تسلل مشاعر اليأس والقلق والإحباط والاكتئاب وسط "ضغوط" المدنية الحاضرة، وما تجره من ويلات، وما تتيحه من فرص ضئيلة للاستمتاع بالحياة، والطبيعة وما بها من جمال.
13- تقديم الفكر الرفيع ومواجهة تيارات الإسفاف والقشرية التي تحاصر
(1/29)

الإنسان في شكل أفلام هابطة، وأغان تافهة، وبرامج رتيبة، وما أدخله "الفيديو" وأضافه إلى هذه كلها من عوامل فساد وإفساد، وما أدى إليه انتشاره في بعض البلاد العربية من سلبيات عديدة، وبتأثيره القوي على عقول الناشئة والأسرة كلها, تمثل المقالات وسط هذه التيارات كلها "جزيرة الأمل" أو "واحة" القارئ المحافظ على مثله وقيمه الباحث عن الهام والجاد والآمن.
14- التبشير بالجديد المفيد، والدعوة إلى إحلاله وتطوير المجتمع من خلاله، والحث على الإفادة من معالم التقدم الحضاري، في غير طفرة أو مغالاة.
15- الدفاع عن حرية الفرد والمجتمع، والعمل على تكوين الرأي العام النسابة والمستنير ودعم المجتمع الديموقراطي.. كسبيل إلى النهوض بالأمة ... وتعود الشعب وتعويده على الممارسة الديموقراطية السليمة، فكرا وتطبيقا بما يعود عنه بالخبر، وعلى الأجيال نفسها, قوة ومنعة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون من كتاب المقالات.
هذا بعض مما تقدمه المقالات للفرد والمجتمع.
ولكن.. لأهمية نقاط بعينها، وتأكيدا لدور المقالة، ووظائفها، فإننا نتوقف عندها هذه المرة بطريقة مخالفة لطرق تناولنا لأدوار الفنون الأخرى من تلك التي تحدثنا عنها سابقا، في كتبنا المختلفة، ومن هنا فنحن نقول:
(1/30)

أ- ماذا يريد القارئ اليوم؟
إن قارئ اليوم يريد حقيقة أن يعرف أخبار مجتمعه الصغير -المدينة أو المحافظة- وأخبار مجتمعه الكبير -الوطن- وأخبار المجتمع الأكبر.. العالمي.
ولكنه -حتما- لا يريد أن يعرف الأخبار فقط؛ لأن بعضها معقد تعقيدا كبيرا وبعضها الآخر يحتاج إلى شرح وتفسير, وإلى تعليق وتحليل، وإلى استكمال مناسب يربط بين أجزائه وأطرافه وإلى مادة تحدد في النهاية تأثيرها عليه.
أو في أسلوب آخر أنه يحتاج إلى: "شرح الأخبار المختلفة وتحديد مكانها من الأهمية وتفسير الصلة بينها وبين الأفراد والمجتمعات وتوضيح مغزاها للقارئ.
(1/30)

كما يحتاج أيضا إلى أن يحيط بأسبابها واحتمالات تطورها مع توجيهه وإرشاده وأحيانا دعوته إلى اتخاذ موقف بشأنها1.
ولكن لماذا يحتاج القارئ إلى كل ذلك؟
إنه إنعكاس لما يدور في عالم اليوم، وأثره على القراء، ومسئولية الصحافة -ممثلة في كتابها- في مواجهة ذلك كله.
- فهناك ذلك التعدد الكبير في المذاهب السياسية والفكرية والاجتماعية وما أسفر عنه ويسفر كل يوم من منازعات محلية وإقليمية ودولية، يقف القارئ حيالها وهو في أشد حاجة إلى من يقوده بينها إلى بر الأمان، لا سيما القارئ العربي والمسلم، الذي تستهدفه بعض هذه المذاهب من أجل زعزعة ثقته في دينه ومبادئه ومثله وأخلاقه, ووطنه أيضا، بما يضاعف من مسئولية المقال وكتابه من أجل درء هذه الأخطار والدفاع عن هذه الأعمدة، وفضح محاولات التضليل من جانب أصحاب هذه المذاهب، وأعلامهم الذي يحاول أن يبذر بذرتها وأن يبشر بها في مجتمعنا العربي والإسلامي.
- بل إن هناك الحاجة الشديدة والمتزايدة إلى التعريف بديننا الحنيف وما يحض عليه، وبركائزه وأبعاده وأسسه التي يقوم عليها، وما يحث عليه من فضائل وما يدفع إليه من مواقف تحق الحق وتنصر الضعيف وتدافع عن المظلوم وتردع الظالم.
- والحاجة شديدة أيضا إلى ألوان المقالات المختلفة من تلك التي تقدم التجارب الرائدة والمواقف الشجاعة والقصص المعلمة والقدوة الحسنة والأنموذج النابه وسط تيارات العصر التي تعصف بالقراء، والشباب منهم على وجه الخصوص, وتجعله يعيش قلقا وحائرا ومترددا، بينما يستطيع كتابها أن يحسنوا قادته وأن يضيئوا -بفكرهم وضميرهم اليقظ- طريقه.
- ولماذا لا نقول أن هناك الثغرات العديدة في البناء العربي، والمسافات البعيدة بين العقل العربي والعقل الآخر، بما يبعد أبناء الأمة الواحدة عن التواد والتعاطف والتضامن، وفي يد كتاب المقالات أن يحاولوا سد هذه الثغرات ورأب الصدع
__________
1 محمود أدهم: فن المقال الصحفي" محاضرات ألقيت على طلاب جامعات الملك سعود والإمارات العربية المتحدة والإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(1/31)

القائم أو الذي يقوم، والتقريب بين العقول والأفهام، وذلك بالتزامهم القوي بالصالح العربي، وبدعوتهم إلى السمو فوق الخلافات والمشكلات العارضة، والعمل على الوقوف صفا واحدا وكبنيان مرصوص، في مواجهة رياح الشر التي تعصف بهم من كل جانب.
هذا قليل من كثير مما يجعل من "المقال الصحفي" فنا ضروريا، لا بد من وجوده فوق الصفحات، أو في أسلوب آخر أنها -بالإضافة إلى أدائه لجميع أدوار ووظائف الصحافة- المسئولية الاجتماعية والوطنية والقومية الملقاة على عاتق كتاب المقالات الصحفية".
(1/32)

ب- الصحافة العربية.. وفن المقال, سطور مختارة:
وإذا كنا نتحدث عن دور المقال وأهميته، فإن من المناسب هنا الإشارة إلى أن الصحافة العربية كانت في أغلب فترات حياتها مقالة، ولعل في بعض الأسباب التي دعت إلى اتباعها هذا الطريق ما يزيد من إلقاء الضوء على دور المقال ووظائفه، خاصة من الزاويتين السياسية والوطنية، وهما دون شك أهم الزوايا.
- ومن هنا فنحن نسأل أيضا: لماذا كانت الصحافة العربية في أغلب فتراتها صحافة مقالة؟
أما الإجابة فتلخص في هذه النقاط:
1- في عهد "محمد علي باشا" الذي شاهد بداية الصحافة العربية المصرية، كانت هناك -أولا- عدة اتجاهات إخبارية قوية تعكس حالة بلد يجري بناؤه، وحكم يريد أن يتقرب إلى الشعب بأعماله حتى يتمكن من تثبيث دعائمه، إلى جانب معالم نهضة شاملة بدأت تتضح رويدا رويدا، وبرزت انعكاساتها الإخبارية في رغبة أولية للوالي بأن يقدم له عماله وموظفوه ملخصا عن حسابات الأقاليم والمصالح، وأهم ما يتصل بجوانب إدارتها وذلك في نهاية كل شهر ثم كل سنة ثم في فترات أخرى متقاربة في صورة تقرير أطلق عليه التعبير الفرنسي "جورنال".. ثم لما رأى "الباشا" تكاسل عماله أمر بمزيد من الاهتمام بها، وجعل لها ديوانا خاصا بالقاهرة وله فروعه بالأقاليم الكبرى أطلق عليه اسم "ديوان الخديو" زيادة في الاهتمام به، ومن هنا أخذت التقارير المعروفة باسم "جورنال" اسمها الشهير "جورنال الخديو" الذي قام بالدور الإخباري
(1/32)

على الشكل الذي أراده الوالي خير قيام، ويذكر مؤرخ له عن "فورني" أنه كان يطبع من الجورنال "مائة نسخة" باللغتين العربية والتركية متضمنا الأخبار الرسمية: الحكومية وبعض قصص من ألف ليلة وليلة، وكان هذا التقرير الذي يمكن تسميته بالجريدة الرسمية مع شيء من التجاوز يرسل إلى رجالات الدولة ومأموريها الذين يعنيهم أن يقفوا على أحوال البلاد والنظام الجديد فيها1.
ثم أخذت هذه "النغمة الإخبارية" تشتد وترتفع في الصحيفة الرسمية الأم "وقائع مصرية". تلك التي جاء بافتتاحية العدد الأول منها: "الحمد لله ... أما بعد فإن تحرير الأمور الواقعة من اجتماع جنس بني آدم المتدبجين في صحيفة هذا العالم ومن ائتلافهم وحركاتهم وسلوكهم ومعاملاتهم ومعاشراتهم التي حصلت من احتياج بعضهم بعضا هي نتيجة الانتباه والتبصر بالتدبير والإتقان، وإظهار الغيرة العمومية، وسبب فعال منه يطلعون على كيفية الحال والزمان وهذا واضح لدى أولى الألباب"2.
وصحيح أن "الاتجاه الإخباري" كان أكثر بروزا، ولكن ليس معنى ذلك أن الاتجاه المقالي لم يكن له وجود، وإنما كانت هناك مقالات عديدة إما بتوجيه من الوالي -محمد على باشا نفسه- أو من رجاله، أو من أجل مديح أعماله والإشادة بها, ومن ذلك -مثلا- الأمر الصادر من "المعية" إلى "سامي أفندي" ناظر "الوقائع" والذي جاء به: "فقد صدر الأمر العالي بأن تكتبوا مقالا شائقا في الوقائع في هذا الشأن"3.. يقصد بعد الأمر بصرف باقي استحقاقات "الآلاي الثاني والأورطة البلطجية".
ثم أخذ الاتجاه المقالي يقوى ويشتد ويسير بحذاء الاتجاه الإخباري مع بداية الاهتمام الخارجي للوالي.. وذلك في جانبيه: جانب العلاقات بينه وبين الباب العالي، وجانب اهتماماته الأوروبية، وحيث كانت حاجته تشتد إلى لون جديد من ألوان الدعاية "المقالية" التي تحاول أن تصل إلى القلوب والأفهام، وليست الدعاية أو الإعلان عن أعماله عن طريق المادة الإخبارية وحدها.. وذلك إلى جانب المقالات
__________
1 إبراهيم عبده: "تطور الصحافة المصرية" ص26.
2 "وقائع مصرية" المجلد الأول 1244-1245هـ.
3 إبراهيم عبده: "تاريخ الوقائع المصرية" ص57.
(1/33)

التي تناولت الأعمال الداخلية وبررتها, وراحت تكيل المديح للوالي والثناء على نهضة البلاد على يديه وعلى حكمه العادل.
حتى بدأت سيطرة المقالة مع ازدياد وقع أقدام جيوش الوالي المحاربة، واعتراضها لكل ما يقف في طريقها حتى السلطان التركي نفسه، ومع غضب الأخير وانبهار الدول الأوروبية وخوفها وقلقها ثم اجتماعها عليه وتحطيمها لأسطولة في موقعة "نافارين" البحرية.
2- وقد استمر الاهتمام بالمقالة في الصحف العربية التي صدرت بمصر بعد ذلك لا سيما صحف: "السلطنة 1857، يعسوب الطب 1865 للمقالات العلمية خاصة، وادي النيل 1866، نزهة الأفكار 1869, روضة المدارس 1870، وعند الأخيرة تتوقف قليلا لنقرأ مما يتصل بهذا الموضوع نفسه عن قرب.
فصحيح أن مادتها قد غلب عليها الطابع المدرسي أولا، العلمي ثانيا، ولكن من الصحيح أيضا القول أن اهتمامها بمختلف أنواع المقالات أدبية وعلمية وتعليمية واجتماعية وفكاهية وتاريخية.. قد جاء بشكل لم يحدث من قبل في الصحافتين المصرية والعربية، أما المقالات السياسية فإنها بعدت عنها قدر الاستطاعة, إلا ما تسلل منها إلى مادة بعينها لا سيما مدح الوالي خلال سطور مقالاتها الافتتاحية.. ولعل ذلك كان من الأسباب التي أتاحت الفرصة لنشر المقالات الأخرى. كما عنينا هنا كذلك أن كبار كتاب مصر قد ساهموا بمقالاتهم التي غطت جميع الصفحات وكان من بينهم على سبيل المثال لا الحصر هؤلاء جميعا: "رفاعه رافع الطهطاوي، على مبارك, علي فهمي رفاعة1، عبد الله فكري، إسماعيل الفلكي، صالح مجدي, حسونة النواوي, حسين المرصفي" وغيرهم, وحيث نستطيع أن نقول إن "روضة المدارس" كانت مدرسة كبرى لكتابة فن المقالة والتدريب عليها ذلك لأنها: "لم تسد الطريق على أي كاتب مهما يكن شأنه حتى ولو كان تلميذا بالمدارس"2 فضلا عن براعة الكتاب السابقين، وتنوع اهتمامات المجلة وكثرة توزيعها.
__________
1 وهو ابن الرائد الفكري الصحفي "رفاعة رافع الطهطاوي" وكان يعمل معلما للإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن وكان يعمل رئيسا لتحريرها.
2 محمد عبد الغني حسن، وعبد العزيز الدسوقي "روضة المدارس" ص43.
(1/34)

3- وإذا كانت الصحافة المقالية قد تعززت مواقفها "الفنية واللغوية" بعد ذلك مما دفع بها عدة خطوات الأمام بظهور طائفة من الكتاب الموهوبين النابهين وفي مقدمتهم الشيخ الإمام "محمد عبده" فإن الأحداث نفسها كانت تحمل لها دفعة قوية أخرى، خاصة في الاتجاه الوطني، وعلى أثر الاحتلال الإنجليزي, حيث لم يعد الأمر صراعا بين المحتل وأصحاب البلاد فقط، بل بين أكثر من تيار وأكثر من اتجاه وأكثر من فكر أيضا, لعل أهمها:
- تيار وطني عاطفي يتوقد حماسا ويعبر عنه في "مقالات خطابية" يقوده ويمثله "مصطفى كامل".
- تيار الدفاع عن الاحتلال والتأييد السافر له "مقالات تبريرية" يقوده المقطم وأصحابه.
- تيار التعقيل والنظر إلى المصالح وتهدئة المواقف "مقالات ترضية وترقب" يقوده أحمد لطفي السيد في "الجريدة".
- تيار يدعو إلى الإصلاح على المبادئ الدستورية ويؤيد الخديو ويقوده الشيخ علي يوسف "المؤيد".
- تيار يجنح بفكره وأمله إلى الجانب الفرنسي، يرى فيه إمكانية تقديم العون والمساعدة على التغيير، أو -على الأقل- تحريك الأذهان إلى دعوة الحرية.
- تيار العودة إلى الدين والتراث وتحقيق التضامن ويمثله كتاب عديدون.
- تيار مسيحي متعدد الاتجاهات وتقوده جريدة الوطن وجريدة مصر.
ومن الطبيعي أن تكون المقالة هي أداة الدعوة إلى كل تيار منها، وإلى الدفاع عنه، وعن فكرة وخططه وقادته, ولتزيد المساحات التي تحتلها المقالات في صحف هؤلاء؛ ولتكون أكثر حدة، وأوسع مجالا.
4- وقد عبر عن هذا المعنى كتاب كثيرون كان من بين أقوالهم على سبيل المثال لا الحصر: "كان موقفنا الوطني فيما بين الثورة العرابية إلى حوالي سنة 1930 موقف الكفاح السياسي للاستعمار البريطاني، وأيضا للاستبداد الوطني الذي كان يمثله
(1/35)

أمراء وملوك أسرة محمد علي, وكلمة الكفاح تعني -في النهاية- تنبيها وتحميسا وتحريضا وكل هذه المعاني كانت تستوعبها المقالة, وظهرت مقالات مصطفى كامل الالتهابية في التحميس لتنبيه الشعب إلى ضرورة السعي والجهاد للاستقلال, ومقالات على يوسف المنطقية ضد الإنجليز وأخيرا مقالات لطفي السيد في مكافحة الرجعية والدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي.
وعلى هذه الأقلام نشأ عبد القادر حمزة فنقل المقالة إلى المناقشة الحزبية وأصبحت المقالات من تقاليد الصحافة المصرية, لا ينشد صحفي التفوق بدونها"1. ويقول آخر: ومما يتصل بهذا المجال وهذه الفترة أيضا إن جيل الشباب الذي قرأ اللواء والمؤيد والجريدة وغيرها قبل الحرب العالمية الأولى كان هو نفسه الجيل الذي خاض غمار ثورة 1919, لم تقصد الصحف أن تجعل من قرائها جمهورا سلبيا، ومن هنا كانت الغلبة لمقالات الرأي واحتفاء الصحافة بالمقالات النزالية2.
5- وإذا كانت هذه الأوقات مما يعتبر "العصر الذهبي للمقالة الوطنية". فإنه مما يهمنا هنا الإشارة إلى بعض خصائص المقالة في هذه الفترة نفسها، والتي كان من أبرزها:
- إن كتابها كانوا من طائفة "الزعماء الوطنيين والصحفيين معا، وحديث كانت الزعامة والصحافة شيئا واحدا، وأبرز الأمثلة على ذلك: مصطفى كامل صاحب ورئيس تحرير "اللواء" وزعيم الحزب الوطني، وعلى يوسف صاحب ورئيس تحرير "المؤيد" وزعيم حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية وأحمد لطفي السيد صاحب "الجريدة" وزعيم حزب الأمة وهكذا.
- أنه نتج عن ذلك أن هذه المقالات الداعية إلى الاستقلال، وهو موضوعها الأول، كانت جميعها ذات اتجاهات وطنية متعددة، وإن اتفقت عليه في النهاية، كما كان أكثرها يغلب عليه الطابع الخطابي خاصة بالنسبة لمقالات مصطفى كامل ثم علي يوسف.
__________
1 سلامة موسى: "الصحافة حرفة ورسالة" ص72.
2 جلال الدين الحمامصي "الصحيفة المثالية". من مقال بقلم "أحمد رشدي صالح" ص237-240.
(1/36)

- أن المقالات كانت طويلة، كبيرة الحجم بحيث شغلت بعض أعداد الصحف بمقالة واحدة.
- أن بعضها انتظم في "حملة مقالات" كبيرة للرد على أداء مصر, وكان من أبرزها حملات مصطفى كامل المقالية في صحيفة "الفيجارو"1 الفرنسية خلال شهري يونيو ويوليو 1906 عقب حادثة دنشواي، وفي صحيفة "اللواء" وكان من أثرها عزل "كرومر" المستشار الإنجليزي في مصر, وكذا حملة الشيخ "علي يوسف" في جريدته "المؤيد" والتي تهاجم المستشار الإنجليزي المتهجم على مصر والعروبة والإسلام والتي ظهرت مقالاتها تحت عنوانين هما: "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء - لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا".
6- وقد استمر "العصر الذهبي للمقالة الوطنية" قائما حتى بعد الحرب العالمية الأولى مع تغيير بسيط في مسارها, فبالإضافة إلى "مقالات الثورة" خاصة تلك التي ظهرت في "الصحافة السرية" التي كانت توزع سرا من أسوان حتى الإسكندرية، فقد كان لموضوع "تأليف الوفد المصري" برئاسة "سعد زغلول" ثم في موضوع "بعثة ملنر" ثم في الأحداث التي تلت ذلك ومن أهمها: "الانقسام الذي حدث بشأن المفاوضات, الخلاف بين سعد وعدلي يكن, انقسام الوفد, مفاوضات عدلي وكيرزون, اعتقال سعد للمرة الثانية، نفي سعد وصحبه إلى سيشل، صدور الدستور، الإفراج عن سعد، الخلاف بين سعد والملك على حق تعيين الشيوخ, تأليف الأحزاب". كان لمثل هذه الأحداث وغيرها أثرها الكبير على استمرار عصر المقالة وسبقها للخبر والتحقيق والأحاديث الصحفية, كما كان تأثير موضوع اختلاف الوطنيين على تفاصيل مسار الحركة الوطنية مما أسفر عن تكوين الأحزاب الجديدة وصحفها, له دوره البارز والأساسي في هذا المجال، ومن ثم فقد صدرت الصحف الحزبية الكثيرة التي أكدت مقالاتها استمرار هذه "الظاهرة المقالية" نفسها وكان من أبرزها هذه الصحف وهؤلاء الكتاب:
"الأخبار، أمين الرافعي، الحزب الوطني 1920, البلاغ، عبد القادر حمزة الوفد 1922, كوكب الشرق، أحمد حافظ عوض، حزب الوفد 1924، السياسة
__________
1 "Le Figaro".
(1/37)

د. محمد حسين هيكل، حزب الأحرار الدستوريين 1922" وغيرها من الصحف الحزبية.
7- فإذا ولينا وجهنا شطر الشام -الخاضع أيضا للسلطة العثمانة- لوجدنا أن تأخره العام، وتفككه واستبداد ولاته الأتراك كلها كانت سببا في نزوح أبنائه إلى بلاد الله الواسعة خاصة مصر وتركيا، حيث بدأ هؤلاء في كتابة المقالات التي تدعو إلى حرية الوطن الشامي وتحريره، تماما كما عبرت عن آلام أبنائه وآمالهم, وقد كتب بعض هؤلاء في صحف الأستانة نفسها، وكان بعضهم قد تأثر بمبادئ الثورة الفرنسية, في الحرية والإخاء والمساواة, وكان من بين هؤلاء الكتاب الذين استمروا ببلادهم أو الذين نزحوا منها هؤلاء جميعا: "رزق الله حسون, إسكندر شلهوب, ناصيف اليازجي, بطرس البستاني, أحمد فارس الشدياق, عبد الله مراشي, عبد الرحمن الكواكبي" وغيرهم وحيث يمثل هؤلاء رجال المدرسة الأولى من مدارس المقالة في القطر العربي السوري أو الشام كما كان يطلق عليه وقبل التقسيم, وحيث قامت هذه الصحف بالدور المقالي خير قيام وكان من أهمها:
1- "مرآة الأحوال" أصدرها عام 1855 بالأستانة وهي أول جريدة عربية تصدر في عاصمة الخلافة أثناء الحرب التركية الروسية -حرب القرم- وحيث يقول عنها مؤرخ الصحافة العربية: "وأخذ رزق الله حسون1 يدبج المقالات السياسية عن هذه الحرب وعواملها وخفاياها وما يكمن وراءها من أسرار, كما كان يخص البلاد العربية والقطر الشامي بصفة خاصة بمقالات مسهبة"2.
ب- "حديقة الأخبار" والتي أصدرها عام 1858 في بيروت "خليل الخوري" وهي أول جريدة عربية تصدر في الشام بموافقة -رخصة- تركية. بعد صدور قانون المطبوعات العثماني -يناير 1857- وقد كانت مقالاتها اجتماعية وأدبية وثقافية وعلمية، وذلك حتى لا تتعرض للمضايقات المختلفة.
جـ- "نفير سورية" وقد أصدرها "المعلم" بطرس البستاني عام 1860 وكانت
__________
1 من أبناء حلب.
2 فبليب دي طرازي: "تاريخ الصحافة العربية" جـ1 ص47.
(1/38)

مقالاتها اجتماعية ووطنية هادئة وفي قالب أدبي خاصة بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في جبل لبنان في هذه الفترة.
د- "الجوائب" والتي أصدرها رائد من رواد الفكر العربي عامة وهو اللبناني "أحمد فارس الشدياق" في الأستانة عام 1860، وقد نالت شهرة واسعة في العالم العربي, وقد كانت الداعية الأولى لفكرة الخلافة الإسلامية، وساعدها في ذلك كثير من الزعماء العرب والمسلمين بما فيهم السلطان التركي نفسه "عبد العزيز".
8- وعلى ذكر الحرب الأهلية التي نشأت عام 1860 في جبل لبنان وامتدادها إلى الأقاليم السورية، يمكن القول أن هذه الحرب ومقدماتها قد ساعدت على نشأة المقالة في القطر الشامي, وعلى تطورها أيضا وذلك منذ بدأت الإرساليات والجمعيات الدينية المسيحية تعمل عملها الذي استخدمت فيه وسيلة "المجلة" في نشر أفكارها التبشيرية والتفككية مما دفع إلى إنشاء جمعيات إسلامية تتبع الأسلوب نفسه, وكان طريقهما إلى ذلك المقال الصحفي, وحتى أثناء هذه الحرب، وبعدها، وحيث تجددت وارتفعت الصيحات التي تطالب بالتحرر من سلطة العثمانيين, مما كان له أثره على المقال، وإن كانت هذه الاتجاهات قد ساعد عليها للأسف الشديد موفدو الدول الأجنبية الذين وفدوا على بيروت للتحقيق في "الفتنة الطائفية" بينما كان هؤلاء في حقيقة الأمر يسعون إلى تفتت وحدة البلاد الشامية، وإضعاف دولة الخلافة نفسها, ولكن أحدا من مؤرخي الصحافة لم يلتفت إلى ذلك إلا بعد فوات الأوان.
9- وبينما ظهر صحفيون بارعون من كتاب المقالة من أمثال "عبد الرحمن الكواكبي" وغيره.. مما زاد في الاهتمام بها ولفت الأنظار إلى موادها نجد أن الرقابة العثمانية -من حيث لا تدري- قد أسفرت عن اهتمام بالغ بفن المقال وسيطرته وذلك في بلاد "السلطنة".
- فالهجوم على الرقابة أداته المقال.
- والهجوم على الرقابة يعني تصرفا من جانب كتاب المقالات يتيح لهم حرية المناورة والهجوم والدفاع ومعرفة ما يتصل بالتوقيت المناسب وتجربة أساليب كتابية عديدة للقفز فوق حواجز الرقابة نفسها, أي: إن الرقابة -بأسلوب آخر- كانت تقدم لونا من التدريب غير المباشر على اصطناع الأساليب الكتابية المقالية المختلفة.
(1/39)

- والدستور العثماني وقف في مواجهة الصحف أولا، ولكنه في نفس الوقت سمح للمجلات بالذيوع والانتشار, في وقت لم تعرف فيه الأشكال والأنماط التحريرية الأخرى معرفة كاملة -كالحديث والتحقيق الصحفي مثلا- ومن ثم فقد كانت المقالات المتنوعة خاصة الأدبية والعلمية، والتي أنتجت بعد ذلك المقال الصحفي وتدرب كتابه أولا في مدرستيهما.
10- وكما حدث في مصر من اعتماد الاستعمار الإنجليزي على صحفه وصحافييه, فقد حدث أيضا بالنسبة للدول العربية الأخرى سواء في العهد التركي أو عهد الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي, ومن ثم فقد كان لا بد للصحافة الوطنية، ممثلة في كبار كتابها -وهم من قادة الفكر الوطني وزعمائه- كان لا بد من الرد بإنشاء الصحف والمجلات المعارضة، التي ترد أباطيلهم وتفند حججهم وميدان ذلك كله المقال "الوطني" أولا, مما دفعه إلى النمو والتطور من حيث الأغراض أو الأساليب معا.. لقد كان على هؤلاء أن يواجهوا في البداية السلطات العثمانية ثم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية -وهو ما حدث بالفعل- بسلاح الصحافة وبأسلوب المقالة.
11- ولا يعني ذلك أن عهد "العثمانيين" كان شرا كله, فقد شهد -ضمن ما شهده- بعض المحاولات المخلصة لتجنيد الطاقات الإسلامية والعمل على حشدها في مواجهة رياح الشر التي تعصف بالعالم الإسلامي وتهاجم الدين نفسه, وتعمل على بث الفرقة والتجزئة والإقليمية بين دوله وأبنائه، ومن ثم فقد تصدى لها عدد من الكتاب الذين استمالهم العثمانيون إليهم، وكان سلاحهم في ذلك هو المقالة التي كانت دعوتها مرتفعة في مواجهة هذه الدعاوي, كما كتب بعض هؤلاء في استجابة نبيلة منهم للحيلولة دون القضاء على اللغة العربية والتراث القومي والتاريخ العربي نفسه, ولعل أبرز هؤلاء كان "أحمد فارس الشدياق".
بل إننا في الواقع -ومن منطلق صدق- لا يمكننا أن نتجاهل بحال من الأحوال دور عدد من الولاة الأتراك الذين يبعدون كثيرا بأفكارهم وانتماءاتهم وبذرة الإصلاح في صدورهم عن صورة الوالي التركي التقليدية.
نذكر في مقدمتهم "محمد علي باشا"، و"إبراهيم باشا" وحيث كانت فترة ولايته للشام من أفضل الفترات على الرغم من تسامحه مع الأجانب والاستغلال السيئ من جانب هؤلاء لهذا التسامح, بل من يستطيع أن ينكر أثر "مدحت باشا" على
(1/40)

حركة الإصلاح عامة، وتشجيعه للتعليم والصحافة خاصة؟ وحيث دفع ذلك بالمقالة الإصلاحية عدة خطوات إلى الأمام.
- والخلاصة أن البيئة العربية كانت مهيأة تماما لأن تكون بيئة مقالية منذ بداية معرفة الصحافة المطبوعة، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية, باستثناء فترات قليلة بين هذين العهدين.
- فهي في البداية سلاح في مواجهة العثمانيين بسلبيات حكمهم وقوانين صحافتهم وتفضيلهم للعنصر التركي وسفه بعض الولاة واستخفافهم, فإذا نجح بعض هؤلاء في استمالة عدد من الصحفيين فهي مقالات أيضا للدفاع عن الفكرة العثمانية، وفكرة الخلافة الإسلامية.
- ثم هي سلاح في مواجهة نزعات التفتيت والتبعية ومحاولات زعزعة المبادئ الدينية في صدور المسلمين إلى جانب محاولات مضنية للقضاء على التراث واللغة والتاريخ العربي.
- ثم هي سلاح في مواجهة الاستعمار الأجنبي الإنجليزي والفرنسي والإيطالي وما بذره في البلاد من بذور الفرقة، والتجزئة ومحاولات نشر ثقافته ولغته, نهاية بالدعوة إلى الحرية والاستقلال، وما تبعها من دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتعليمي في الوطن العربي كله, باستثناء ندرة من أقطاره.
تدريب عملي "3":
- اكتب ما تعرفه عن هذه الأسماء من زاوية فن المقال الصحفي:
"الشيخ محمد عبده, عبد الله النديم, رزق الله حسون الحلبي, الجوائب, مدحت باشا".
- كان للمقالة ملامحها الخاصة الواضحة عند "أحمد فارس الشدياق" تحدث عن ذلك استنادا إلى قراءاتك ودراساتك الخاصة.
- اكتب مقالة "اجتهادية" في حدود 60 سطرا تحت عنوان: "عبد الرحمن الكواكبي شخصية صحفية".
(1/41)

الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي
مدخل
...
الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي
- سطور في المقدمة:
ما هي أبرز أنواع المقالات الصحفية؟
لقد قمنا بمحاولة لتتبع هذه الأنواع، من تلك التي تنشرها الصحف والمجلات، عربية وأجنبية استمرت وقتا ليس بالقصير؛ وذلك للخروج منها بتصنيف جديد لهذا الفن الإعلامي الصحفي التحريري، يضيف إلى التصنيفات السابقة -النظرية في الغالب- أهم وأبرز الأنواع الموجود فوق الصفحات نفسها، وليس بين المراجع العلمية فقط، وإن كان لا يتجاهل هذه الأخيرة فهي مثل مجهودات غير مذكورة، ومجتهدة، وإنما يعوزها الشمول والاكتمال، والنظرة العملية التطبيقية نفسها.
ولأننا هنا في مجال يغلب عليه طابع التعريف أولا، وما يتصل به من رصد لأهم الملامح والخصائص التي يكاد ينفرد بها فن عن فن آخر، أو يتميز بها نمط عن نمط, فإننا نوقف هنا عند هذا الحد تاركين لصفحات قادمة ما يتصل بجوانب الإعداد والتحرير والنشر وما إليها, من هنا نقول إن رصدنا لأنواع المقالات التي تنشرها الصحف والمجلات العامة، قد أسفر عن هذه الأنواع التي نتناولها هنا في سطور قليلة فقط تاركين التركيز على بعضها لصفحات قادمة -بإذن الله- والتركيز على بعضها الآخر, إلى كتب أخرى بعونه تعالى.
إن أبرز هذه الأنواع هي:
- المقال الصحفي العام.
- المقال الافتتاحي أو "الافتتاحية".
- مقال التعليق أو "التعليق الصحفي".
(1/44)

- المقال التفسيري.
- المقال القائد الموقع.
- مثال العمود أو مقال الفقرة القصيرة.
- مقال التجربة الخاصة "اليوميات الصحفية - الخواطر والتأملات".
- المقال التحليلي.
- المقال النقدي.
- المقال العرضي أو الاستعراضي.
- المقال المختصر.
- المقال المتخصص.
- مقال الفكاهة.
- المقال المهني "في غير الافتتاحيات".
- مقال المناسبات.
- المقال الإعلاني.
وقبل أن نخوض في تناولنا لهذه الأنواع فإننا نوجه النظر إلى ما يلي، على طريق هذا التعريف نفسه:
1- أن هذه هي أهم الأنواع التي تم رصدها وتسجيلها وليست جميعها, فمن الصعوبة بمكان حصرها أو الحديث عما يمكن أن يحمله الغد منها.
2- أننا لن نتناول جميع هذه الأنواع على درجة واحدة من التناول، فذلك، ما لا تسمح به طبيعة هذا الكتاب "التعريفي" وبصفته مقدمة فقط إلى دراسة المقال الصحفي من حيث هو، ومن هنا فإننا سوف نركز على أنواع منها فقط، من تلك التي تهتم بها الصحف بأنواعها أكثر من اهتمامها بغيرها، وبما يتلاءم مع قدرات الدارسين وإمكانياتهم ودرجة استيعابهم خلال هذه المرحلة التدريبية أو التعليمية.
3- أن بعض هذه الأنواع تعتبر من مواد "المجلة" بمفهومها الشامل أكثر مما هي مقالات صحفية بالمعنى المفهوم والأقرب إلى الأذهان، على الرغم من إرجاء الحديث عن مقالات المجلات بشكل تركيزي ومفصل.
(1/45)

4- أن بعض هذه الأنواع يتشابك مع البعض الآخر ويكاد يمتزح به، أو يلتحم معه لا سيما على الصفحات المطبوعة نفسها، كما أن بعض قوالبها الفنية وأساليب تحريرها تختلط أحيانا مما يجعل مهمتنا أكثر صعوبة.
5- أن هذا البعض ينقسم بدوره إلى أنواع أخرى من المقالات التي لا بد من التعرض لها والإشارة إلى معالمها وخصائصها حتى تكتمل المعرفة الكاملة بها, ويسهل التدريب على كتابتها انطلاقا من هذه القاعدة النظرية.
6- أن باستطاعة الطلاب تلمس هذه الأنواع وأبرز خصائصها فوق صفحات الجرائد والمجلات نفسها, وليس في بطون الكتب فقط وهو ما ندعوهم إليه بشدة، وبكل الصدق.
وبعد.. فما هي أهم وأبرز هذه الأنواع؟
(1/46)

المبحث الأول: المقال الصحفي العام
وهو من أبرز أنواع المقالات الصحفية، كما يتميز بأنه النوع الأكثر نشرا، والأكثر سيطرة على صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية والمجلات, كما أنه يعتبر من أهم مواد المجلات بصفة عامة، ولكثرة انتشاره ولسيطرته, فإنه ما نعنيه هنا أولا عندما يتكرر تعبير "المقال الصحفي", وعندما يتردد أيضا لفظ المقال في صالات التحرير وقاعاته وصالات وقاعات الدراسة, فما دمنا لا نطلق إحدى الصفات الأخرى على مقال بعينه، كأن نقول مثلا: "الافتتاحي، اليوميات, التعليق, التحليل". فإنه هو الذي يتبادر إلى أذهاننا، وأذهان العاملين في الحقل الصحفي لأول وهلة, ولذلك فإنه يعتبر "أبا" لهذه النوعية من المقالات، كما يصدق حديثنا السابق عليه بالدرجة الأولى، وقبل غيره، أو قبل أن نخصص حديثا يتناول غيره من الأنواع المنبثقة عنه، أو التي يجمعها هو في إطاره "العام".
"1"
ولأنه "مقال صحفي عام" فإننا نضيف إلى معالمه المميزة ومما يتصل بمضمونه وبتحريره وبمحرريه هذه النقاط:
- أن الحياة بكل ما فيها ومن فيها هي موضوعه الرئيسي الأول، دون أن نتجاهل جوانب الأهمية عند مجموع القراء واختلاف هذه الجوانب من وقت لآخر، من صحيفة لأخرى، من بلد لآخر, وهكذا.
- ويترتب على ذلك أن كتاب هذا النوع من المقالات غير محددين, وإن حاولت بعض الصحف والمجلات تحديدهم حتى يرتبط هؤلاء بها أكثر من ارتباطهم بغيرها, وحتى في هذه الحالة أيضا فإن من الصعب رفض مقال ممتاز يأتي من غير هؤلاء وإن كان
(1/47)

من غير المشهورين أيضا فإن من السهل التعريف به، ومن هنا ففي المجال متسع تماما ليكتب كل صاحب فكر ورأي وموقف وإبداع مقالا من هذا النوع، وترحب به وسائل النشر -في الأحوال العادية- طالما أنه يستحق النشر وأن من المنتظر أن يقبل على قراءته عدد من القراء، دون أن يعني ذلك بالطبع أن جميع هذه المقالات تكون على نفس الدرجة من النجاح.
ومن هنا فإننا نجد عددا كبيرا من المشاركين في تحرير مادته، من مشهورين وغير مشهورين، من بينهم على سبيل المقال لا الحصر: "أدباء، فنانون, أساتذة جامعات, باحثون، مصاحفون, هواة صحافة، طلاب بكليات ومعاهد وأقسام الأدب والإعلام, قراء عاديون, رجال قضاء ونيابة" كما لوحظ أن بعض السيدات والطالبات الجامعيات في عدد من دول الخليج يقمن بكتابة مثل هذه المقالات الصحفية العامة ويواظبن على إرسالها إلى الصحف والمجلات في هذه البلاد، وقد تكتبها واحدة باسم مستعار على غير العادة وأحيانا باسم رجل أيضا، أو برمز من الرموز، بسبب تقاليد هذه البلاد.
- ويترتب على ذلك أيضا أن يكون من حق من يمكنه الكتابة من أعضاء أسرة التحرير نفسها، يكون من حقه أن يكتب، وأن يعبر عن نفسه، وعن مرئياته واتجاهاته ومواقفه طالما أنها تستحق النشر، أقول ذلك كله؛ لأنه قد يوجد بين أعضاء هذه الأسرة من لا يمكنه ذلك، حتى وإن كان من المحررين الذين يشار إليهم بالبنان في مجال آخر، كالتحرير الإخباري مثلا.
- ويترتب على ذلك أيضا أن هذا النوع من المقالات يكون غير محدد الطول أو النظام أو الإطار الفني أو العنوان، وما إلى ذلك كله.
"2"
- ولكن حتى يسهل ارتباط القارئ ببعض مقالات عدد من الكتاب الذين "يواظبون" على الكتابة ويكون لهم "ثقلهم" الفكري والسياسي -حتى وإن كانوا من خارج أسرة الصحيفة أو المجلة- فإن هذا البعض قد يعمد إلى كتابة مقالاته تحت عنوان ثابت معين، يعرف به، وتوافق وسيلة النشر على هذا الاتجاه وتشجعه أيضا.
- ولكن الاتجاه الأبرز هو تخصيص صفحة يومية لنشر أمثال هذه المقالات
(1/48)

بنوعيها المقدمة من محرري وكتاب وسيلة النشر أو التي ترد من خارج أسرتها، كما أن بعض الصحف الأسبوعية، أو الأعداد الأسبوعية للصحف اليومية، قد تخصص لأمثال هذه المقالات أكثر من صفحة، وهكذا، كما قد تخصص هذه الصحف -كلها- مساحة محددة بين مساحات هذه الصفحة لنشر افتتاحيتها أو "مقالها الافتتاحي"، حيث يطلق على هذه الصفحات أسماء ثابتة من أهمها: "صفحة الرأي -الرأي للجميع- بأقلامهم"، إلى غير ذلك كله، أو تترك بلا اسم، على الإطلاق.
وقد تجمع بعض الصحف والمجلات بين أمثال هذه الصفحات وبين أعمدة "البريد" كما يحدث -مثلا- بالنسبة لصفحات عدد من الجرائد والمجلات الأجنبية وباعتبار أن صفحة "البريد" قد تتضمن بعض الآراء المختصرة، كما تسير على هذا النهج أيضا صحيفة "الأهرام" القاهرية.
- على أن ذلك لا يعني -بحال من الأحوال- أن هذه المقالات الصحفية العامة هي "البريد" أو "رسائل القراء" أو "بريد الصحيفة"، وما إلى ذلك كله؛ لأنها مقالات صحفية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ولها كتابها وموضوعاتها وأشكالها وملامحها حتى وإن ورد بعضها ضمن بريد الصحيفة القادم من الداخل أو من الخارج، أو كانت من أركان أو زوايا البريد ضمن الصفحات التي تحمل هذه المقالات.
"3"
وعلى مستوى الصحف العربية والمصرية، فقد أمكن ملاحظة عدد لا بأس من كتاب هذه المقالات الصحفية العامة، التي "يدبجها" الكتاب والمحررون من داخل أسرة الصحيفة أو المجلة أو من خارجها نذكر من بينهم وممن اشتهروا بكتاباتهم منذ فترة، أو في الآونة الأخيرة فقط، أو من الصحفيين "المخضرمين" هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر1.
"حافظ محمود, حمد الجاسر، عبد العزيز الرفاعي، محمد صبري أبو علم,
__________
1 هؤلاء ليسوا هم جميع الكتاب والمحررين، وإنما طائفة منهم على سبيل المثال، وممن داوموا على كتابة مثل هذه المقالات في الفترة الأخيرة, وهم غير مرتين أي نوع من الترتيب لاتباع الطريقة العشوائية في اختيارهم.
(1/49)

د. مصطفى الديواني، محمد حسين زيدان، عبد الحميد يونس، عبد المغني سعيد، أحمد صدقي الدجاني، لطفي الخولي، د. زكي نجيب محمود، يوسف إدريس، د. إسماعيل صبري عبد الله، د. جابر قميحة، أحمد محمد جمال، د. محمد إسماعيل علي، علي الدالي، لويس الحاج، لمعي المطيعي، د. مصطفى كيرة، د. محمد البهي العيسوي، محمد رشوان، د. فاروق عبد السلام، د. خليل الديواني، محمد عمر توفيق، د. حسين فوزي، ممتاز نصار، د. نعمات أحمد فؤاد، د. غازي القصيبي، د. أحمد شفيق، صالح محمد جمال، مصطفى بهجت بدوي، د. سلطان أبو علي، عبد السلام محمد خير، عمر التلمساني، سعيد عبد الكريم الخطابي، علي منصور، د. سعد الدين إبراهيم، سيد ياسين، محمود عبد المنعم مراد، د. حسين مؤنس، د. فؤاد زكريا، عبد العزيز صادق، عرفات حجازي، أحمد بهاء الدين، د. ليلا تكلا، مكرم محمد أحمد، السيد فرج، إبراهيم دسوقي أباظة، د. حسين رمزي كاظم، عامر رشيد، زكريا نيل، د. عبد العظيم رمضان، حسني درويش عبد الحميد، د. إبراهيم البحر، د. مصطفى محمود، عبد الله الجفري.. إلخ".
"4"
على أننا نلاحظ على مقالات هؤلاء، وعلى المقالات الصحفية العامة في مجموعها، وعلى مختلف ألوانها وأشكالها وأنماط تحريرها واختلاف كتابها ومحرريها هذه الملاحظات كلها "خاصة بالفترة الأخيرة".
- أن القول بأنها "مقالات عامة" يحررها كتاب ومحررون من داخل الأسرة الصحفية أو خارجها لا يعني أنها تكتب بغير ضابط أو رابط، أو تتناول موضوعات غير جديرة بالتناول, بل إن من المشاهد أن هذه المقالات تحكمها عدة قواعد من أهمها:
أ- الاتفاق مع سياسة الصحيفة أو المجلة أو الحزب أو مجاراتها على الأقل, فإذا كانت معارضة لها, فإن نشرها من جانب الصحيفة يعتبر -في عالمنا العربي- من قبيل العمل الشجاع الذي لا يقع إلا في أحوال قليلة وتحت مسئولية رئيس التحرير شخصيا، أو تنشر بتوجيه معين، ولهدف مقصود.
ب- أن تتناول موضوعات "الساعة" سياسية أو اقتصادية أو الاجتماعية أو غير ذلك ذلك أو تتحدث عن ظاهرة ما تسود المجتمع في ذلك الوقت, ولكن ذلك أيضا
(1/50)

لا يكفي وإنما ينبغي أن تكون قادرة على تقديم الأفكار الجديدة والمعلومات المفيدة والمواقف الجديرة، وإلى حد تفجير القضايا الهامة التي تفيد المجتمع وإثارة ما يجب إثارته لصالحه.
جـ- أن يكون كاتبها -خاصة إذا كان من خارج الأسرة الصحفية- من البارزين في مجتمعه بمنصبه أو عمله القيادي في الحكومة أو القطاع العام أو الحزب أو الجامعات، أو أن يكون من نجوم الفكر أو الفن أو العلم أو الطب وهكذا، أو أن يكون معروفا لقراء هذه الصحيفة.
د- أن يرتفع قلمه وفكره إلى مستوى تحريرها، بمعنى أن يكون هناك ما يقول، وأن يعرف كيف يقول، في الوقت المناسب، وهو ما ينطبق أيضا على المحررين من داخل الأسرة الصحفية.
وصحيح أن قلم رئيس التحرير، وأعضاء قسم المراجعة تعمل عملها في أوقات كثيرة، ولكن من الصحيح أيضا ألا يقل المستوى عن الحمد الواجب أو اللازم للنشر تفكيرا وتعبيرا.
- أن بعض كتابها يكتب المقال العام في أكثر من صحيفة، وقد يقوم بتحرير المقالات المتخصصة في صحيفة أو دورية علمية، أو مهنية، أو جامعية، كما قد يكون بعض كتابها صحفيا مرموقا في صحيفة أخرى.
- أنها تختلط أحيانا ببعض أنواع المقالات خاصة المقال التحليلي، ومقال التجربة الخاصة، وإن كان من الواجب الفصل بينهما لصالح الصحيفة والقراء معا، وذلك عن طريق التوجيه الذكي والهادئ لكتابها خاصة إذا كان هؤلاء من خارج أسرة الصحيفة، وكذا عن طريق ضبط موعد النشر.
- أنها تكون متوسطة الطول في الغالب، وحيث يمكن أن تحتل الصفحة الواحدة ثلاث مقالات منها -بالإضافة إلى الإعلانات وأحيانا البريد- وربما تحتوي الصفحة على مقالتين فقط بالإضافة إلى الافتتاحية وعمود "ثابت" والبريد والإعلانات طبعا، تماما كما أن بعض المقالات قد يحتل الصفحة بأكملها, ولكن ينبغي ألا يزيد عددها عن ثلاثة خاصة في حالة جمعها بالبنط العادي 9 أو 12.
- أن بعضها يتعرض للاختصار في كثير من الأحوال.
(1/51)

أن أهم ما يلفت النظر إليها:
أ- عنوانها الدال على موضوعها.
ب- اسم كاتبها أو محررها.
جـ- إخراجها وطريقة نشرها ومكان النشر.
ومن هنا فإننا نجد أن بعض الصحف تحرص على نشر صورة كاتبها أو محررها، أو صورة كاتبتها أو محررتها بهدف مزيد من لفت الأنظار إلى المقالة نفسها، كما تحرص كذلك على تثبيت مكان نشرها وعدم تغييره من وقت لآخر، أو من صفحة لأخرى، إلى جانب استخدام العنوانات الدالة والمعبرة والجذابة أيضا.
وفي النهاية فإننا نشير إلى أن هذه المقالات تكون من الأهمية والجدارة بحيث تعكس انطباعات وآراء واتجاهات قادة الفكر في الموضوعات الهامة المؤثرة في حاضر المجتمع والمحددة لحركته، ومنها يعرف أيضا نبض الجماهير، وما يؤرقها، وما تحلم به، ودرجة حرارة مواقفها، ومن هنا فالمقالات التي ترد، حتى وإن جاءت بالطريق البريدي العادي، إلا أنها كما قلنا ليست "بريد القراء" ولا يصح أن تفهم هذا الفهم وإنما هي مقالات كاملة وهامة تعالج أبرز ما يطفو فوق سطح المجتمع أو أهم ما يمور به داخله.
"5"
وإذا كانت النقاط السابقة قد تضمنت أهم ما يتصل بمحرري المقال الصحفي العام، وإلى جانب أبرز ما يتصل بمادته وتحريرها، فإننا نضيف هنا بعضا من النقاط الأخرى التي تتصل بالتحرير نفسه عن قرب، ومن هنا نقول:
أ- ما يتصل بعنوان المقال: إننا هنا نركز على اعتقادين غير صحيحين لمسناهما من خلال حوار أجريناه مع عدد من كتاب هذا المقال:
أما أولهما -والذي تكرر أكثر من مرة- فهو قول هؤلاء من داخل الأسرة الصحفية وخارجها: لماذا أجهد نفسي في كتابة عنوان جيد أو ممتاز، بينما لم يحدث أن نشر العنوان الذي أقدمه، إلا في أحوال قليلة، بل نادرة؟!
(1/52)

وأقول إن ذلك لا يمنع من أن يقدم كاتب المقال عنوانا جيدا، أو ممتازا، ولو حدث ذلك فعلا لكانت فرصة نشره هو، لا فرصة نشر غيره أكبر، وكذلك فرصة نشره كما هو وبدون تعديل أو تغيير.
إنما الشاهد في أحوال كثيرة، أن كاتبه -لنفس السبب المطروح أو لقلة الحماس- لا يهتم بتحريره التحرير المناسب والذي يعني:
"صحة ودقة التعبير عن مضمون المقال، الارتباط الكامل به، الجاذبية، الاختصار، اللغة الصحيحة".
تماما كما أن البعض يعتقد أنه الكلام الإنشائي فقط، مع أن ذلك ليس صحيحا، ذلك كله بينما ينسى البعض أن العنوان يجري تغييره أحيانا؛ لأنه لا ينسجم مع عنوانات الصفحة الأخرى ومع سنياريو العنوانات بها بحيث يصبح مثل النغمة النشاز، التي ينبغي تصحيحها، وهو ما يقوم به المحرر المراجع أو المشرف على تحرير هذه الصفحة.
بينما تتضاعف الحاجة إلى تغييره عندما يكون مسرفا في إثارته، متعارضا مع السياسة التحريرية للصحيفة عامة، ولصفحة الافتتاحيات خاصة، وللسياسة المقالية على وجه التحديد.
وأما ثانيهما: فهو القول الذي جاء على لسان البعض من أن "العنوان الغامض" يدفع إلى قراءة المقال، وأقول أيضا إنه اعتقاد خاطئ، وثبت عدم صحته إلا في أحوال قليلة، وبالنسبة لبعض القراء من الذين يقبلون على قراءة بعض الأخبار المثيرة، على صفحات الجرائد الشعبية عامة، وبعض المجلات خاصة وليسر كذلك الحال بالنسبة لقراء المقال الصحفي، وصحيح أن البعض قد يتوقف لحظة أو أكثر من لحظة عند عدد من جوانب الغموض، ولكن من الصحيح أيضا أنه قد يتوقف ليحول عينه إلى مادة أخرى، وربما يقرأ عدة سطور يكتشف بعدها خديعة الكاتب، فيلوذ بالهرب إلى مادة أخرى.
الوضوح، الوضوح أيها الزملاء، فنحن نكتب ليفهم القراء، ويتابعوا، في عملية توصيل وتواصل -معا- ولسنا نكتب الألغاز أو الغريب الذي يعجز القارئ.
ب- وحجم المقال هنا، وفي أغلب الأحوال -أو هكذا ينبغي أن يكون- يجب أن
(1/53)

يسمح بأن يجري كاتبه أو محرره تقسيمه إلى ثلاث وحدات أساسية تقليدية، أو نمطية هي:
- المقدمة أو المدخل "فاتحة المقال": وكتابتها مسألة تخضع أولا لذلك القدر من الممارسة والتدريب على الكتابة، وتحكمها إلى حد كبير موهبة الكاتب، ولذلك فهي في كثير من الأحوال تكاد تكون أدبية الطابع عند الكاتب القدير والمتمكن، أو يكاد هو يصطنع لها بعض الأساليب الأدبية الجذابة، دون إغراق أو إسراف في ذلك طبعا، ولكن من المهم هنا أن تتضمن:
- ما يتصل بفكرة المقال الأساسية.
- ما يؤكد أهمية هذا التناول ويبرر الحرص عليه.
- ما يتيح نقل القارئ في براعة إلى بقية المقال دون تركه أو فقد عناصر جذبه والسيطرة على اهتمامه.
وعلى أن يتم ذلك كله، في عبارات قصيرة، واضحة كل الوضوح، جذابة ومشوقة دون إسراف ولا بأس هنا من دعم هذه البداية الاستهلالية وتأييدها بآية من القرآن الكريم، أو حديث نبوي شريف، أو قول لصحابي جليل، أو حكمة مأثورة، أو مثل سائر.
- الصلب أو الجوهر "الاستدلال": وهو الجانب الأساسي من المقال، والذي يمثل لبه وصميمه، وفيه يبذل المحرر جهده، ويقدح ذهنه ويعد عدته من أجل:
- عرض فكرته الأساسية عرضا واضحا لا يعرف أي إبهام أو غموض.
- تقديم الشواهد والأمثلة العديدة والمتنوعة على قيام هذه الفكرة كظاهرة تستحق الرصد والتسجيل بما يتصل بها من أهمية تؤثر على الفرد والمجتمع، أو على الوطن كله.
- عرض ما يتصل بهذه الفكرة، أو الظاهرة من الأقوال، والآراء والاتجاهات مما توصل إليه عن طريق مصادره الخاصة الحية، والإعلامية، والمكتبية والمعلوماتية.
- التوقف عند بعض هذه النقاط ومناقشتها في ضوء رؤيته الخاصة، وتجربته المتصلة بها.
(1/54)

- العودة إلى تقديم شاهد جديد، أو شاهدين جديدين، أو دليل أو دليلين يعيدان القارئ بذهنه إلى جوانب الأهمية في هذا الموضوع من زاوية جديدة.
- مناقشة هذا الشاهد أو الدليل الجديد في ضوء المرئيات السابقة.
- تقديم بعض المعلومات والأرقام التي تمثل آخر ما أمكن الحصول عليه مما يتصل بهذا الموضوع.
- الإشارة إلى بعض الوقائع والمواقف والتجارب المماثلة من تلك "القديمة" التي تتحدث عنها كتب التاريخ ووقائعه وصفحات مصادره المختلفة، أو تلك "الحديثة" التي مرت بها في السنوات أو الشهور الأخيرة أمم وشعوب مختلفة، دون أن يقتصر ذلك على مجرد الإشارة إلى الأحداث والوقائع، وإنما يتعداه إلى تقديم الحلول التي قدمتها هذه الأمم والشعوب والوسائل التي اتبعتها في هذا السبيل.
- استخلاص النتائج العديدة التي يمكن أن تنبثق من خلال هذا العرض، وذلك التفسير وتلك الشواهد، والإشارة إلى ما تعنيه هذه النتائج على مستوى الفرد والجماعة والوطن وربما الإنسانية كلها.
ولا يعني ذلك أن كل مقالة من هذه المقالات ينبغي أن تتضمن جميع هذه النقاط، وبنفس الترتيب السابق، كما لا يعني أيضا أن هذه النقاط هي جميع ما يمكن تقديمه، وعلى سبيل الحصر، إنما هي أمثلة ونماذج لـ"ركائز المعالجات" خلال هذه الخطوة، خطوة تحرير الصلب أو جوهر الموضوع نفسه، إذ إن ذلك يخضع لمستوى الكاتب ورصيده من التجارب وثقافته وقدرته على تنظيم أفكاره، وتقسيمها إلى عناصرها الرئيسية، والتعبير عنها في وضوح.
على أننا في نهاية الإشارة إلى تحرير الصلب، إنما نؤكد على دور المواهب، وأثرها في اصطناع قالب معين، أو مزج قالب بآخر، أو وضع المادة كلها في إطار من الأطر التي تتيح تنظيم عرضها وإتاحة فرصة قراءتها ومتابعتها، وقد وجدت -من خلال دراستي لأساليب عشرات الكتاب- أن أشهر هذه القوالب التي يستخدمها عرب وأجانب هي:
1- قالب العرض.
2- قالب الوصف.
(1/55)

3- القالب التاريخي.
4- قالب القصة.
5- قالب الضوء الجانبي.
6- قال الأنموذج الآخر "ما هنالك".
7- القالب المقارن.
8- القالب النقدي.
9- القالب المختلط.
10- القالب غير الفني "الابتكاري".
- "سؤال: ماذا تعني هذه القوالب؟ ".
ولا يعني ذلك بالطبع أن يلتزم الكاتب التزاما كاملا وتاما ودقيقا بأمثال هذه القوالب، أو غيرها مما يصل إليه بموهبته الابتكارية، وإنما الأصل هو حرية الكاتب الكاملة، وقفزه فوق جميع القيود والأسيجة، على أن يشتمل المضمون نفسه على أهم النقاط السابقة.
- النهاية أو الخاتمة "النتيجة أو الحصاد": وهي هامة بالنسبة لهذه النوعية من المقالات، تماما كما هي بالنسبة لبعض ألوان وأنماط التحرير الصحفي الأخرى، خاصة "التحقيقات الصحفية" وأيضا "المقال التحليلي" وحيث تسمح طبيعتها ويسمح طولها وتسمح المساحة التي تحتلها، وكثرة وتعدد مادتها بذلك كله، حتى يكون للمقال "الأثر الباقي" البارز والظاهر، والذي يظل قائما في الأذهان، مما يدفع بالقراء إلى الاستجابة لكاتب المقال فيكون للمقال مردوده، وتكون له نتائجه وكلما كانت النهاية أو الخاتمة قوية، متماسكة، شديدة الاتصال بمادة المقال ومضمونه، واضحة في طرحها للنتائج المحددة، هادئة وعاقلة وواقعية في تركيزها على أبرز الجوانب التي يريد لها المحرر أن تستقر في أذهان القراء، أو في الدعوة إلى عمل أو موقف أو اتجاه ما، كلما بذل الكاتب أو المحرر عنايته من أجل ذلك، كلما كانت استجابة القراء أكثر اقترابا من الطابع الإيجابي الذي يهدف إلى القصد ويحقق الغرض، بل واستجابة المسئولين أيضا.
وفي اللحظة التي يحس معها القارئ براحة ذهنية وعقلية من وراء قراءته لهذا المقال
(1/56)

والتي يتنفس فيها بعمق يؤكد إحساسه وتفاعله مع فكرتها وسطورها، والتي يكاد يهز رأسه دليل اقتناعه بما جاء فيها، وما أوحته إليه أو إثارته في صدره تكون النهاية بسطورها القليلة وعباراتها القصيرة الواضحة كل الوضوح قد أنتجت أثرها, بل والمقالة كلها أيضا, هكذا يكون الحال بالنسبة لنهاية المقال أو خاتمته أو حصاده.
تذكر:
- "أن الكاتب الجيد ينبغي أن يكون لديه ما يقول".
- "وأن يعرف كيف يقوله"1.
"كامبل - وولزلي".
__________
1 Campell, L.A & Wolseley R.E, "News Men At Work" p. 17.
(1/57)

المبحث الثاني: الافتتاحية أو المقال الافتتاحي
تعريفه
...
المبحث الثاني: الافتتاحية أو "المقال الافتتاحي" 1
إذا كان من المؤكد أن جميع المواد التي تنشرها الصحيفة أو المجلة، ليست على مستوى واحد من الأهمية، أو الأثر في عقول القراء أو نفوسهم، أو التأثير على المجتمع نفسه وما يزخر به من صور وأنشطة واهتمامات وقضايا أو بانعكاس ذلك كله على الصحيفة -كوسيلة نشر- وعلى دورها الحضاري الإعلامي الذي تقدمه لمجتمعها، فإنه مما لا شك فيه أن القارئ المثقف وأن الباحث، والدارس -جميعهم- لا بد لهم من التوقف كثيرا عند هذه المادة "القيادية"، التي تفوق غيرها من المواد كما تفوق غيرها من المقالات في أهميتها وأثرها، وإن كان ذلك لا يبدو بوضوح -على الأقل حتى الآن- بالنسبة لأكثرية الصحف العربية، وأكثر القراء العرب2، ولكن الأمل كبير في تجاوز ذلك مع ازدياد التعليم وارتفاع درجة الوعي، وهي مسئولية وسائل النشر عامة، والصحف والمجلات خاصة، وكتاب هذه المقالات على وجه التحديد، وأقصد بهم كتاب "الافتتاحيات" أو "المقالات الافتتاحية" أو المقالات الرئيسية"، وهي أشهر التعبيرات التي تطلق على هذه النوعية من أنواع المقالات المتميزة.
تعريفه:
ومعنى ذلك أنه إذا كانت المقالات السابقة هي الأصل أو "الأم" وهي أيضا الأكثر
__________
1 Leading & Ediitorial Article.
2 نحن في حاجة إلى الدراسات المتطورة التي توضح إقبال القراء على مادة معينة أو مادة أخرى ونوع ودرجة وفاعلية هذا الإقبال بدلا من الاعتماد على المشاهدة والملاحظة ومرئيات الزملاء فقط.
(1/58)

سيطرة على الصفحات فإنا هنا أمام أبرز الأنواع -الأنباء أيضا- وأهمها على الإطلاق وذلك من زوايا طبيعة القضايا المطروحة أو الرأي العام أو وسيلة النشر ذاتها:
وهنا نجد تعريفات كثيرة للمقالة الافتتاحية منها أنها:
- المقال الذي يحمل رأى الصحيفة أو المجلة وموقفها من القضايا والمشكلات والاتجاهات الهامة داخلية وخارجية.
- المادة التحريرية الهامة التي تنشر يوميا محددة موقف الصحيفة من القضايا الهامة والمشكلات والمواقف والأفكار الأساسية التي تتصل بمجتمع ما أو المجتمع الإنساني، والتي تنشر تحت عنوان ثابت وغفلا من التوقيع باسم كاتبها، وفي مكان بارز وثابت في أكثر الأحوال.
- رأي يومي للصحيفة في قضية مهمة يقوم بكتابته رئيس التحرير أو محرر مرموق يكون أقرب إلى مجاله ينشر في مكان شبه ثابت ولا يوقع باسم محرره؛ لأنه لسان حال الصحيفة.
(1/59)

خصائصه:
وإذا كانت هذه التعريفات القليلة تأتي معبرة عن أهم معالم هذا المقال الذي يعتبر دون شك "في المقدمة من المواد التحريرية بحيث يكون له دور القيادة والتوجيه"1، وحيث اشتهر باسم "الافتتاحية" وذلك جريا على عادة الطراز "الطراز الكلاسيكي" من الصحف التي تجعله على الصفحة الأولى مفتتحة به عددها، كما كان يشغل الصفحة الأولى كاملة في بعض الأوقات، ويكون أول ما يطالعه القراء إذا كانت هذه التعريفات تعبر عن ذلك، فإننا نتوقف هنا عند أهم الخصائص "الجديدة" للمقالة الافتتاحية بعد أن مرت بأطوار عديدة من حيث الطول والشكل والتوقيع والمساحة، وغيرها، أن أبرز هذه الخصائص هي:
- التنوع في الموضوعات والاهتمامات والأفكار والقضايا التي يناقشها، فصحيح
__________
1 F.J. Mansfield: "Mansifield's Complete Journalism" p. 247.
(1/59)

أن الموضوعات السياسية تكون هي الغالبة، خاصة في الأوقات التي تترى فيها الأنباء الساخنة، ولكن ليس صحيحا أن السياسة هي موضوع هذه المقالات الوحيدة، وإن كانت أبرزها وأهمها أو تمثل حوالي 75 في المائة من موضوعاتها.
- النشر اليومي الدائم، وحيث لا بد من أن يكون هناك ما يستحق التناول، وتحديد رأي الصحيفة إزاءه وموقفها منه، وصحيح أن بعض صحف المنطقة العربية لا تنشر المقالة الافتتاحية يوميا، وإنما من يوم لآخر، وفي مناقشة مع عدد من المسئولين عن هذه الصحف القليلة جدا -بل النادرة- اتضح أن السبب يتصل بالنقطة السابقة، وهو أنهم يرون أو يظنون أن المقال الافتتاحي ينبغي أن يكون موضوعه سياسيا بالضرورة، وما دام لا يوجد هناك من الأنباء السياسية الهامة التي تستحق التناول كل يوم، فإنه لا حاجة بهم أو بصحفهم -على حد زعمهم- إلى نشره يوميا1.
هذا بينما نجد أن المقال الافتتاحي -في الواقع- يقبل جميع الموضوعات التي يمكن أن يتناولها المقال السابق -الصحفي العام- بشرط مراعاة أسسه الفنية وقواعده التحريرية.
ومن هنا فإن مادة هذه الفقرة تقبل تماما أن تكتب الافتتاحيات عن موضوعات مثل "نظافة العاصمة، التطعيم ضد مرض منتشر، الجمارك, المرور، الكتاب الجامعي, التشجير، السياحة الداخلية, مواجهة الآفات الزراعية، تلوث المياه والهواء, الامتحانات, نتيجة الثانوية العامة، الاحتفال بالعيد الألفي للأزهر الشريف, موسم الحج ... ".
بل وحتى الموضوعات الفنية والرياضية والأدبية يمكن أن تكون مجالا لمقالات افتتاحية ناجحة ولكن كيف؟ "اذكر عددا من الموضوعات الفنية أو الرياضية أو الأدبية التي تصلح لأن تكون مجالا لمقالات افتتاحية ناجحة لصحيفة عربية".
- تعدد الكتاب وتنوعهم، فصحيح أن رؤساء التحرير هم أكثر من يقوم
__________
1 كان عدد الصحف التي لا تنشر الافتتاحيات منذ عشرة أعوام مثلا كبيرا إذا قيس بعددها الآن.
(1/60)

بكتابتها، وأن بعض التعبيرات التي تطلق عليه تعود إلى هذا السبب، ولكن من الصحيح أيضا أنه يشترك في كتابته أكثر من محرر وفق اتجاهاتهم وتخصصاتهم، حتى المحرر الفني والرياضي وغيرهما، بشرط أن يكون قادرا على الكتابة والتعبير في إطار هذا الفن "لعل ذلك يؤكد أيضا نوع مجالاته بدلا من المجال السياسي وحده".
- ومن خصائص المقال التي يراعيها هؤلاء ألا يخرج كتابه عن حدود سياسة وسيلة النشر، بل يقوم هؤلاء بمراعاة هذه السياسة التي تمثل "دستور العمل" بالنسبة لهم، وحيث إن ارتباط هذا النوع من المقالات بسياسة الصحيفة أو المجلة قائم ووثيق ولا يمكن التحرر منه طالما أنه يعبر عن رأيها وموقفها.
على أنه لا يكفي هنا هذا الارتباط القائم، وإنما ينبغي أولا أن تكون هذه المقالات الافتتاحية ثابتة ومستمرة على هذه السياسة، ولن يستطيع المحررون -طبعا- مراعاة ذلك، إلا إذا كانت هذه السياسة -سياسة الصحيفة أو المجلة- ثابتة هي أصلا، وليست عرضة للتعبير أو التبديل من وقت لآخر.
- ومن هنا، ومن بين هذه الخصائص أيضا والمرتبطة بالنقطة السابقة أن المقال الافتتاحي يكون غفلا من التوقيع، والمقصود هنا هو ألا يوقع باسم كاتبه أو محرره، وإنما تتعدد الاتجاهات والأساليب في هذه النقطة بالذات مثل: "أن يكون بلا توقيع على الإطلاق -أن يوقع باسم الصحيفة- أن يوقع بكلمة المحرر أو كلمتي رئيس التحرير أو بقوس بينه عدة نقاط وهكذا"، المهم ألا يقوع باسم أحد وحتى إذا قام رئيس التحرير بكتابه فإنه لا يوقعه باسمه وإنما بحكم منصبه فقط، والحكمة في ذلك واضحة وهو أن أحدا من هؤلاء، حتى رئيس التحرير نفسه لا يعبر عن رأيه الخاص وإنما عن رأي الصحيفة، وموقفها.
- وقد أسفرت النقطة السابقة بالذات عن عدة اتجاهات في ميدان كتابة المقالة الافتتاحية خاصة بالنسبة للصحف العربية وهي:
أ- الاتجاه الأول: وهو الأصل والأساس والاتجاه الصحيح والعلمي والمحافظ على أهم خصائص الافتتاحيات التقليدية والمرتبطة بها تماما والتي ينبغي أن تقوم دائما، وهو الذي تمثله -والحمد لله- الكثرة من هذه الصحف، ويقضي بألا توقيع للافتتاحية إلا على النحو السابق فقط، فإذا كتبها رئيس التحرير فإنما يوقعها بكلمتي "رئيس
(1/61)

التحرير" أو بكلمة "المحرر"، وليس بأي اسم من الأسماء.
ب- الاتجاه الثاني: وتتبعه قلة قليلة من الصحف العامة والحزبية وأساسه أن يقوم رئيس التحرير أو المحرر الأول بكتابة مقال يعتبر من وجهة نظرة ووجهة نظر مجلس الصحيفة بمثابة افتتاحية لها، غير أن هذه المقالة تعلوها لافتة "الافتتاحية"، بنصها الصريح في بعض هذه الصحف خاصة "السياسة" الكويتية، أو يشير إلى ذلك رسم يعبر عن الصحيفة أو يمثل "الرسم التحتي" الموجود أسفل اسمها كما هو الحال في "الأنوار"، أو لا يذكر اسم الافتتاحية أصلا كما في "العمل" التونسية و"النهار" اللبنانية وهي أشهر الصحف التي تتبع هذا الاتجاه. وإن كنا نرى أنه اتجاه يخالف فلسفة كتابة الافتتاحيات وتقاليد تحريرها، وصحيح أن رئيس التحرير هنا يقول لك إنه يمثل بمنصبه وباسمه معا هذه السياسة التحريرية، وأنه حتى في حالة قيام غيره بكتابتها فلا بد من توجيهاته وموافقته، كما قد يكون هو نفسه زعيم الحزب أو صاحب الجريدة ورئيس تحريرها -كما كانت أكثر الصحف في العشرينات والثلاثينات- ومن هنا يرى هؤلاء أن لهم الحق في توقيع أمثال هذه المقالات القائدة -والتي سوف نتحدث عنها بعد قليل- ونحن معهم في ذلك، ولكننا لسنا بحال من الأحوال مع تحول هذه المقالات إلى افتتاحيات موقعة، أو مع الافتتاحيات الموقعة أصلا, وحيث يأتي الرد على دعاة توقيعها باسم رئيس التحرير من خلال هذه النقاط:
- لأنه يشرف على تنفيذ السياسة التحريرية دون أن يكون هو واضعها الوحيد.
- لأن هناك غيره من المشرفين على وضع ورقابة وتنفيذ مثل هذه السياسة، وربما من هم أرفع منه درجة "رئيس مجلس الإدارة مثلا"، كما قد يكون هناك أكثر من رئيس تحرير واحد لأكثر من صحيفة ومجلة.
- أن السياسة التحريرية أكثر ثباتا واستقرارا من رؤساء التحرير في مناصبهم.
- أنه وإن كان بعضهم يمتلكون الصحيفة إلا أن ذلك لا يعني تحكمهم في السياسات المرتبطة أصلا بالقراء والمجتمع وأحيانا السياسة العامة للدولة، فالملكية الخاصة هنا لا تبرر التعبير عن رأيه الخاص في كل الأحوال، وإن عبرت عن مصالح طبقة ينتمي إليها.
- أن رئيس الحزب لا يعبر عن رأيه الخاص من عندياته، وانطلاقا من مرئياته
(1/62)

هو وإنما يرتبط ذلك ارتباطا أساسيا بسياسة الحزب نفسه، فضلا عن أنه في أكثر الأحوال معين، أو منتخب, أي: إنه منفذ أيضا لاتفاق تعهدي بين أعضاء الحزب وينوب عنهم في تنفيذه.
- لا يمكن تجاهل أدوار الآخرين ولا مرئياتهم فلماذا يكون هو وحده؟
جـ- الاتجاه الثالث: كتابة "الافتتاحيات البديلة"، حيث يوجد إلى جانب الافتتاحية الأساسية، أخرى على صفحة تالية، أو ثالثة، أو على صفحة السياسة العربية أو العالمية افتتاحية ثانية موقعة باسم رئيس التحرير، والعكس صحيح أيضا، أي: في حالة وجود كلمة رئيس التحرير على الصفحة الأولى مثلا، تقوم مقالة أخرى، على صفحة تالية توقع باسم الصحيفة أو لا توقع، أي: إنه اتجاه يخلط بين الاتجاهين السابقين لارضاء التقاليد الصحفية ورؤساء التحرير معا.
د- الاتجاه الرابع: بعدم كتابة افتتاحية أصلا كما تفعل بعض الصحف العربية في الخليج والشمال الأفريقي.
هـ- الاتجاه الخامس: بعدم كتابتها يوميا، بحجة الانتظار حتى يتم توافر الأدلة الكافية والحجج المقنعة التي يستطيع المحرر تقديمها.
وكما قلت فإن الاتجاه الأول هو الصحيح والمحافظ على أصول تحرير هذه المقالة وقواعدها وتقاليدها، والأقرب كذلك إلى طبيعتها والسلوك المهني نفسه.
- الجدة الزمنية الكاملة والتامة وإلى حد تناول الأحداث ما تزال ساخنة وملتهبة، أو تلك التي تكون عند درجة الغليان، ولا يشترط في ذلك -كما قلنا- أن تكون دائما من الأحداث والوقائع السياسية، فقد يكون موضوعا دينيا أو جامعيا أو صحيا ... إلخ.
- وبدون تعارض مع عنصر -الجدة الزمنية وتناول الأحداث الساخنة" فإن من الأهمية بمكان ألا تقدم الصحيفة رأيا أو تتخذ موقفا إلا بعد دراسة كافية وتقدير واع لجميع الظروف والنتائج والاحتمالات، فإذا كتبت بعد ذلك ففي هدوء وتبصر وفي نغمة دقيقة ومحاذرة؛ ذلك لأن هذا المقال يعبر -كما قلنا ونكرر- عن رأي الصحيفة وموقفها
(1/63)

ولو كان يعبر عن رأي كاتب من الكتاب أو محرر من المحررين ثم ثبت عدم صحة هذا الرأي، أو حتى عدم صدق الموقف نفسه فإن ذلك يعود إليه شخصيا، ومن السهل الدفاع عنه، أو نسيان آثاره أو نتائجه، ولكن "سقطة" الصحيفة أو المجلة هنا لا تغتفر، ويزيد من وقع "الكارثة" عندما تتصل بأمر من أمور البلاد السياسية أو المصيرية، وحيث يمكن أن يهدد ذلك بسقوط الصحيفة أو المجلة نفسها، أو -على الأقل- فقدانها لثقة قرائها ومواطنيها لفترة قد تطول من الوقت، وحيث يصعب استعادة هذه الثقة، وما يترتب على ذلك من آثار ونتائج توزيعية وإعلانية مهما كان مستواها الفني والصحفي، والأمثلة على ذلك كثيرة من تاريخ الصحافتين العربية والأجنبية.
ويزيد من هذه أهمية، أن هذا النوع من المقالات:
- يقود الرأي العام.
- يساعد القراء على اتخاذ موقف بشأن المسائل والمشكلات الهامة، وقد يدفع إلى بعض التصرفات أيضا.
- يعرف القراء أن محرريه هم من كبار الكتاب فهو أهل لثقتهم.
- يعتقد بعض القراء في الدول النامية والصغيرة والتي يسيطر عليها الإعلام الحكومي، أن الرأي المطروح ليس هو رأي الصحيفة، وإنما الحكومة نفسها التي سربته ودفعت إلى نشره.
ومن هنا كان لا بد من التفكير مرة ومرة، قبل كتابته، ومن هنا أيضا -ولعدد من الأسباب والخصائص السابقة- تعقد الصحف اجتماعا خاصا بهذه المقالة الهامة حيث يناقش مجلس تحرير خاص بهذا العمل، وقد يسمى أيضا "مجلس تحرير الافتتاحيات"1، عددا من الأمور هي:
أ- ما هو الموضوع الذي يصلح للتناول في إطار هذه المقالة في العدد القادم؟ "الخبر الهام الحالي".
__________
1 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" من مقال بقلم أحمد رشدي صالح ص215.
(1/64)

ب- من الذي يقوم بكتابة هذه المقالة؟ "المحرر الأقرب إلى موضوعها".
جـ- ماذا يكتب؟ "في إطار سياسة الصحيفة".
وذلك إلى جانب عدة نقاط أخرى تطرح للبحث في هذا الاجتماع المصغر الذي يعقد مساء كل يوم وبعد وضوح صور المحصول الإخباري وجوانب أهميته، وذلك مثل العنوان غير الثابت، والحجم إذا كان الأمر يتطلب تغييرا، وما إلى ذلك كله.
- إبراز جوانب الشرح والتفسير للخبر أو القضية أو الرأي الذي يجري تناوله أو تصل الصحيفة إليه، ويتصل بذلك الانتقال العاقل والهادئ إلى جوانب التوجيه والإرشاد الذي يستحسن أو يفضل أن يكون بأسلوب غير مباشر ودون تعال على القراء.
- احتلال المقال الافتتاحي لمكان ثابت في أغلب الأحوال، وهنا نقول إن الأصل في هذا المقال هو احتلاله لجزء من مساحة الصفحة الأولى، وحيث يكون ذلك أقرب إلى مفهومه ووظيفته وإلى طبائع الأشياء وكذلك إلى مواقع الأخبار التي يتناولها, وهي في الغالب أخبار الصفحة الأولى، ذات الأهمية الكبرى، ولكن بعض الصحف تنشره على الثانية، أو الثالثة أو صفحة الرأي أو صفحة "المقالات العامة" وهكذا، كما أن بعض الصحف تجعل مكانا ثابتا له في أعدادها اليومية العامة، ثم تغيره بالنسبة لعددها الأسبوعي أو للعدد الذي يحمل خطابا أو رسالة هامة لرئيس الدولة، أن المهم هنا هو ثبات مكانه وعدم تغييره من وقت لوقت إلا خلال فترات طويلة -عدة شهور مثلا وعند عمل ماكيت جديد أو غير ذلك- لأن تعرف القارئ على مكانه سبيل إلى قراءته وأداء دوره، فضلا عما يعكسه عنصر ثبات المكان من وقار وثقة, بالإضافة إلى اشتراكه في تكوين معالم الصحيفة التي تعرف بها وتساهم في تكوين شخصيتها.
- وبالمثل ينبغي أن يكون حجمه ثابتا قدر الاستطاعة، وللأسباب السابقة أيضا إلا في الأحوال غير العادية، وعند وقوع الأحداث الهامة جدا والخطيرة "اندلاع حرب, انقلاب, ثورة, حادثة اغتيال كبرى، إلخ" حيث تجيز مثل هذه الحوادث مضاعفة مساحته وربما أكثر من مرة أيضا، أما في غير هذه الأحوال فإن الثبات على حجم واحد في أغلب الأحوال هو الأصل والأساس في المقالات الافتاحية، أي: لا يتغير من يوم لآخر من مساحة لأخرى لثالثة وهكذا.
- ومن خصائص هذا المقال أيضا أن كاتبه يبذل جهده ويقدح ذهنه ويستعرض
(1/65)

مصادره وثقافته من أجل الوصول بمادته إلى درجة كافية من الإقناع ويكون ذلك عن طريق تقديم الشواهد على صدق ما يقول والأمثلة على صحة ما يعرض, وذلك من التجارب السابقة والحالية والأحداث والوقائع المختلفة الداخلية والخارجية القديمة والجديدة، وهو في ذلك يشبه -إلى حد كبير- محرر التحقيق الصحفي.
- ويكون عليه كذلك أن يوائم أن يقرن بين دوائر الأهمية المختلفة، التي حددها بعضهم في ثلاث دوائر فقط هي دوائر:
أ- سياسة الصحيفة.
ب- صياغة المقال.
جـ- اهتمام القراء، والتي نضيف إليها من واقع تتبعنا لأحدث اتجاهات التحرير والمادة المنشورة نفسها دائرة رابعة هي:
د- صالح الوطن، وخامسة هي:
هـ- صالح الإنسانية، وهكذا.
تلك هي أبرز خصائص المقال الافتتاحي، مما يتفق وطبيعة هذه الصفحات لتكون لنا عودة إلى خصائص محرره ولغته في مكانهما بإذن الله.
(1/66)

أنواعه:
وقد ثبت من الدراسات العديدة التي تناولت هذا الموضوع أن المقال الافتتاحي ينقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية هي:
أ- المقال الافتتاحي الشارع المفسر: وهو كما يتضح من هذا الاسم يركز فيه كاتبه على إطلاق الأضواء الكشافة التي يرى القارئ الحدث من خلالها واضحا "مكبرا" ومن هنا فهو يعتمد أولا على ثقافة الكاتب في موضوعه، وعلى رؤيته الشمولية الواضحة له، وتفيده في ذلك مصادر المعلومات المتاحة فائدة كبيرة لا سيما عن طريق تقديم الشواهد والتجارب والوقائع المماثلة التي تساعد على الشرح والتفسير وإذا كانوا يقولون إن الهدف الأول من هذا النوع من المقالات -في رأي باترسن وبري ورشدي صالح- تقديم التفسير الموضوعي للأحداث الداخلية والخارجية، فإن السؤال الذي يطرح
(1/66)

نفسه هو: إلى أي حد يمكن توافر هذه الموضوعية؟ ما دام الكاتب ملتزما بسياسة الصحيفة، والتي هي بالنسبة للصحف الحكومية والحزبية والموجهة، سياسة تقررها مصلحة هذه الجهات أولا، بصرف النظر عن موضوعيتها "الكاملة" أو أنها تراه موضوعية ولكن من خلال نظرتها إليها.
ب- المقال الافتتاحي النزالي: وهو يشبه دعوة إلى المبارزة بالكلمات حيث يقوم كاتبه بإلقاء القفاز في وجه معارضي رأي سياسي معين، أو دعوة، أو اتجاه، أو. . . في نفس الوقت الذي يقدم فيه الرأي أو الدعوة في الاتجاه أو الموقف المنافس. . . والذي يقف إلى جانبه بكل قوة، أي: إنه -في أسلوب آخر- مقال افتتاحي ينازل فيه كاتب من صحيفة هذه الاتجاهات كلها التي قد تطفو على سطح المجتمع، أو ترد على صفحات جريدة معارضة، أو ضمن مزاعم عدو للوطن أو للدين أو للتقاليد أو الإنسانية كلها، ومن هنا فنحن نقول إن أغلب المقالات الافتتاحية التي نشرتها الصحف العربية في مرحلة الاستعمار أو تنشرها في موضوع الحرب العربية الإسرائيلية، هي من هذا النوع الذي "ينازل" دعاوى الاستعمار والصهيونية.
جـ- المقال الافتتاحي المستكشف أو المتنبئ: وهو الذي يركز فيه كاتبه من خلال سياسة الصحيفة وفي ضوئها على تلمس مسار خبر هام جدا، وتتبعه في تطوراته حتى يمكنه وضع تصور خاص يتضمن توقعاته, إسنادا إلى. . . . العديدة لما يمكن أن يسفر عنه مثل هذا الخبر "المستمر" من نتائج يمكن أن تحدث غدا أو بعد غد، أو -في أسلوب آخر- أن محرره يقوم بعملية "استكشاف" أو "تنبؤ" بما يمكن أن يحدث نتيجة لوقوع الحدث، أو تفجر القضية، أو اتخاذ الموقف وواضح في جميع الأحوال أن المحرر لن يتمكن من ذلك إلا في حالة معرفته الكاملة بحقائق الحدث وإدراكه الشامل لجوانبه وزواياه وأبعاده الحالية وتلك المتصلة بالمستقبل، مباشرة وغير مباشرة.
كذلك، ومن خلال دراستنا الخاصة للمادة المنشورة فوق الصفحات وتتبع هذه النوعية الهامة من المقالات فقد أمكن ملاحظة أن هناك عدة اتجاهات حديثة تتصل بنوعيات أخرى بعضها ليس جديدا تماما على تلك السابقة، وبعضها الآخر يعتبر جديدا تماما، وأهمها -مما رصدنا ملامحه وخصائصه وأبعاده- هذه كلها:
د- المقال الافتتاحي ثنائي أو ثلاثي الموضوع: وهو يمثل اتجاها جديدا في كتابة
(1/67)

المقالات الافتتاحية يقوم على تقسيم المقال الواحد إلى مقالين أو ثلاثة مقالات، فأما إن كان من مقالين فيكون أحدهما "داخلي" أو يتناول" موضوعا داخليا والآخر "خارجي" أو يكون أحدهما محلي الطابع، والآخر يتناول موضوعا عربيا، فإذا كان المقال ثلاثي الموضوع فيكون "محليا، عربيا، إسلاميا" أو يكون "محليا، عربيا، عالميا"، وهكذا, وواضح أنه هنا يتكون من وحدتين أو ثلاث وحدات تقوم كل منهما أو منها بوظيفة مقال افتتاحي كامل ومختصر، له أهم خصائص المقالات ولا أقول جميعها، كما أنه يكون له من الطول والمساحة ما يفوق أطوال ومساحة المقالة الافتتاحية العادية وقد يكتفى -بالنسبة له- بالعنوان الثابت في أغلب الأحوال، كما أن هناك اتجاه آخر يفصل بين المقالين أو المقالات الثلاثة فيصبح كل مقالة وحدة تحريرية مستقلة، تمثل مقالا متكامل الأبعاد.
هـ- المقال الافتتاحي المقارن: وهو يقوم على أساس المقارنة بين رأيين أو اتجاهين أو موقفين أو نتيجتين، بحيث يقوم كاتبه بعرضهما وعقد مقارنة بينهما والخروج منها بنتائج واضحة ومحددة، وذلك في ضوء وعلى هدي سياسة الجريدة نفسها، وقد انتشرت هذه المقالات في الصحف الحزبية وصحف المعارضة،. . . . عقد المقارنات بين مواقف الأحزاب التي تمثلها ومواقف غيرها. كما تنشرها أيضا الصحف الحكومية والرسمية للغرض نفسه.
ومقال الدعوة إلى موقف أو عمل ما: وكاتبه لا يقف عند حد عرض الأخبار أو الآراء أو المواقف ومناقشتها والوصول إلى نتيجة بشأنها إنما يواصل دوره "القائد"، وذلك بدعوة القراء أو الجماهير إلى اتخاذ موقف إيجابي ما بشأن موضوع المقال كالدعوة إلى مقاطعة بضاعة أجنبية معينة، أو الامتناع عن شراء ما هو غير وطني، أو الدعوة إلى معاقبة المفطر في شهر رمضان علنا، أو إلى تغيير قانون ما غير كافية أحكامه لردع الجشعين أو المستغلين، وهو مقال هام وإيجابي وله دوره الكبير على مسار حركات الوطنية.
ز- المقال الافتتاحي التحذيري: وهو يشبه في كثير من الأحوال، النوع السابق من هذه المقالات -الدعوة إلى موقف أو عمل- كما يشبه أيضا المقال المستكشف أو المتنبئ، أو على وجه التحديد، ينطلق هذا المقال في فكرته الأساسية وخطه الواضح من حيث يتوقف النوعان السابقان حيث يضيف إلى عنصري الاستكشاف والدعوة إلى
(1/68)

موقف، التنبيه إلى خطر قادم، أو شر محدق أو نتيجة ينتظر أن يكون لها مثل هذا الأثر, تماما كما يكون اتجاهه الأساسي، إيقاظ النائم وتنبيه الغافل، ودق أجراس الخطر، وذلك على نحو ما جاء -شعرا- في قصيدة الشاعر العربي الذي أرسل ينصح قومه لما رأى الأعداء يعدون العدة للهجوم عليهم:
ما لي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا
وهو مقال شائع الاستخدام، وقد نشر بكثرة خلال أحداث الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة، وما يزال ينشر لصلته القوية -للأسف الشديد- بالأوضاع العربية الحالية.
جـ- المقال الافتتاحي "المهني": وهو مقال "مجلة" أصلا، كما تقبل على نشره بعض الصحف الأسبوعية, ولها في ذلك طرق واتجاهات عديدة حيث ينشر كافتتاحية أولى، أو مع غيره كافتتاحية ثانية، أو كمقال موجه من رئيس التحرير أو أسرة التحرير أو هيئته إلى القارئ، أو كمقال قائد موقع حيث يخرج هنا من مجال هذه السطور، أما في الحالات السابقة فإنه يكون نوعا من أنواع الافتتاحيات ولكنه نوع له طابعه الخاص جدا الذي يتصل بـ"المهنة" نفسها والعمل الصحفي ذاته ومن هنا تنشره بعض الصحف اليومية إضافة إلى المجلات الأسبوعية حيث تحدث فيه عن صورة من صور العمل أو تجربة من تجاربه أو مشكلة من مشكلاته أو جديد يتصل به أو عند. . . . بين الصحيفة والمجتمع الخارجي أو النظم أو القوانين الموجودة أو عن تجربة محرر أو عن قصة بعض المواد المنشورة أو عن ردود فعل إيجابية لبعض المواد التي نشرتها من قبل المسئولين أو القراء أو عن رسالة هامة من قارئ أو نجم وما إلى ذلك كله، على أنه ينبغي في جميع الأحوال أن يكون هناك ما يقال من مادة ذات فائدة ما.
ط- المقال الافتتاحي العام: أو "المحوري الشامل" والذي يجمع في إطار واحد بين عدد من النوعيات السابقة أي: إن كاتبه يشرح ويفسر الحدث "النوع أ" ولا بأس من مقارنة بين موقفين أو اتجاهين "هـ" كما قد تأخذ المقارنة الطابع النزالي أو تمتد إليه "ب" وقد يقوم الكاتب بدعوة القراء إلى موقف أو عمل ما استنادا إلى المقدمات السابقة "و" وقد يواصل حديثه باستكشاف أو توقع ما يمكن أن يحدث نتيجة لذلك "النوع جـ" ومن هنا فهذا المقال يكون أشمل المقالات الافتتاحية وأطولها وأكبرها مساحة، وإليه تنتمي المقالات الافتتاحية "الكلاسيكية" التي كانت الصحف العربية عامة والمصرية والعراقية
(1/69)

والسورية خاصة تنشرها في العشرينات والثلاثينات والأربعينات، وقبل ذلك أيضا، وكان بعضها يحتل صفحة كاملة أو أكثر، كما أن هذا المقال هو أقرب الافتتاحيات إلى "المقال التحليلي".
(1/70)

إضافات وملاحظات:
وختاما لهذه النقاط السابقة، فإننا نتوقف قليلا عند عدد من الإضافات والملاحظات من بينها:
- أن بعض الأركان والزوايا والصفحات وأحيانا الملازم الخاصة قد تكون لها افتتاحياتها المرتبطة بها أشد الارتباط وأوثقه، والتي يكتبها محررها، وإذا كان بعض هؤلاء الزملاء يرى توقيع "افتتاحية الصفحة أو الركن أو الباب" باسمه الخاص فإن البعض الآخر لا يرى ذلك، ويتركها غفلا من التوقيع، وقد يتصادف -من هنا- أن يقوم محرر واحد بكتابة افتتاحية الصحيفة كلها، وكذا كتابته افتتاحية الباب الخاص أو الجزء أو الركن أو الصفحة التي يحررها، أو يقوم هو بالإشراف على هذا التحرير.
- أن العبرة ليست دائما بكتابة المقال الافتتاحي على أي شكل وفي أي موضوع، وإنما المقال الهام الذي يؤدي دوره الإعلامي الكامل، تماما كما أنه ليست العبرة بعدد من يطالعون المقال الافتتاحي أو يمرون عليه مرورا سريعا عابرا، بل بأعداد من يتوقفون عنده ويطالعونه على مهل ويفكرون في سطوره وكلماته وما يمكن أن تعكسه من أفكار وتوجيهات وتحذيرات، وما إلى ذلك كله، بينما يتجلى الأثر الأكبر لهذه المقالات الهامة في ما يمكن أن يحققه للمستوى الرفيع من القراء، من المتعلمين والمثقفين ومن الصفوة -بصفة عامة- حيث يكون له مردوده الإيجابي الذي ينتقل من هؤلاء وعلى ألسنتهم ومع أفكارهم إلى غيرهم من الطبقات بوصفهم من قادة الرأي أو الفكر في بلد ما في وقت ما، وفي ذلك يقول أحد المؤلفين: "فالملاحظ أن الذين يقرءون المقال الرئيسي هم الصفوة من الشعب الذين يقفون منه موقف القيادة في جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ويهيمنون على شئونه ويصرفونها حسبما يريدون"1.
__________
1 حسنين عبد القادر: "الصحافة كمصدر للتاريخ" ص157.
(1/70)

- أن المقال الافتتاحي في المجلة يختلف عنه في الصحيفة اليومية وذلك من حيث الموضوع والحجم والمساحة، فالمجلة أكثر مرونة وأبعد عن الالتزام الكامل بالخصائص السابقة تماما كما أنها أقرب إلى استخدام المحرر لقدراته ومواهبه الإبداعية والابتكارية في مجال كتابته للمقال الافتتاحي، كما أن بعض المجلات العامة، وحتى المتخصصة والسياسية أيضا تنشر أكثر من مقالة افتتاحية واحدة "ما هي؟ وما هي أهم ملامحها؟ "، وقد راحت بعض الصحف الأسبوعية واليومية -وهي الأقرب إلى طابع المجلة وطبيعتها- تقلدها في هذه الملامح والأبعاد1.
- أن المضمون الدائم للمقالات الافتتاحية يجب أن يكون هو المضمون الجاد الدقيق والثابت وإلى حد الرسوخ أيضا، وأساس ذلك هو أن تبنى الافتتاحيات ويكون جوهرها الحقائق والمعلومات الصادقة والدقيقة، والأخبار التي ثبت صحتها، أما ما لم تثبت صحته من هذه المواد فينبغي أن يشار إلى ذلك، في وضوح وقوة.
- أما التردد بين المواقف المختلفة، وعدم وضوح الرؤية أو الهدف، والظهور بمظهر المؤيد أو المعارض دون سند كاف أو مبرر ظاهر، وكذلك عدم وضوح "شخصية الصحيفة" وما إلى ذلك كله، فيمكن القول بأنها "أعداء المقالات الافتتاحية"، وربما يكون ذلك هو ما عناه ناشر عندما وجه حديثه إلى كتاب افتتاحية صحيفته قائلا: "قبل كل شيء تجنب الافتتاحيات المجاملة التي ترضي كل إنسان, والتي يجب أن تلقى في سلة المهملات، إذ لا محل في صفحتنا الافتتاحية للغو الفارغ الذي لا يصل إلى نتيجة حازمة"2.
- أن مسايرة سياسة الصحيفة، والإخلاص لمبادئ الحزب، والالتزام بمبادئه، هي أمور تقدم المصلحة الشخصية للكاتب، وتفضل على أفكاره الخاصة، في هذه
__________
1 يصدق حديثنا السابق أول ما يصدق على المقالات الافتتاحية التي تنشرها الصحف اليومية والأسبوعية وأما المقالات الافتتاحية بالمجلات فسوف نتناولها بإذن الله في كتابنا الجديد: "دراسات في عالم المجلة".
2 ادموند كوبلنتز، ترجمة أنيس صايغ: "فن الصحافة" عن مقال بقلم جون س. نايب ناشر "Daily News" ص104.
(1/71)

النوعية من المقالات، وإلا فعليه أن يترك كتابتها إلى غيره من كتب الافتتاحيات، لتكون له ذاتيته في أنواع المقالات الأخرى، وذلك باستثناء ما يفعله من أسلوبه الخاص، وصياغته المغايرة لصياغة الآخرين.
- وبالمثل ينبغي أن يترك المحرر كتابة المقال الافتتاحي إلى غيره، إذا لم يكن مقتنعا بموضوعه الاقتناع "الوظيفي" الذي يشجع على الكتابة ويدفع إليها، أو إذا لم يكن يعلم عنه ما ينبغي أن يعلم، وليس عنده الوقت المتاح لذلك، أما إذا لم يتمكن من توفير الأدلة والشواهد الكافية لمادته المقالية فله أيضا أن يتخذ الموقف السابق، حتى تتوافر لديه الأدلة جميعها، أو يقترح موضوعا آخر، أو يقوم رئيس التحرير بالاقتراح، أو بتكليف آخر بتحريره.
(1/72)

محرره:
ومع تعقد الحياة وتشابكها وكثرة ألوان النشاط السياسي والعام، ومع تعدد المذاهب السياسية والاجتماعية والفكرية والفلسفية، وامتزاج ذلك كله وتفاعله مع الدور الإعلامي التوجيهي القيادي الصحفي، ورغبة الصحافة في أن تقوم بمسئولياتها المتعددة في هذا السبيل، مع كل هذه الأمور الهامة، وبالنظر إلى أهمية المقال الافتتاحي "القائد"، وتقديمه على غيره من المقالات، ووقوفه في الموقع "الاستراتيجي" المناسب لدوره وطبيعته، مع كل ذلك:
أ- أصبح من الضروري عقد الاجتماع الخاص به والذي سبقت الإشارة إليه "مجلس تحرير الافتتاحيات".
ب- لم يعد في إمكان، أو باستطاعة رئيس تحرير واحد، أو رئيس التحرير وحده أن يقوم دون غيره بتحرير الافتتاحيات على مدى أسبوع كامل، بل على مدى صدور الصحيفة، أو خلال فترة رئاسة تحريره على الأقل، وذلك بالإضافة إلى ألوان كتاباته الأخرى، وإلى قيامه بمسئوليات هذا العمل المتعددة والحساسة أيضا.
جـ- أصبح من الضروري أيضا، وقياسا على ذلك، أن يقوم أعضاء "مجلس الافتتاحيات" بالتعاون في كتابته، كأن يقوم أحدهم بكتابته يوما، والثاني في اليوم الذي يليه وهكذا، كما تجري الاستعانة بمحررين آخرين -من غير أعضاء
(1/72)

هذا المجلس- للقيام بمهمة تحرير الافتتاحيات ذات الموضوعات الخاصة، من مثل تلك التي تتصل بالمسائل "العسكرية، القانونية، البرلمانية، الدينية، الرياضية، وغيرها".
كل ذلك في حدود سياسة الصحيفة أو المجلة، وانطلاقا من قاعدة التعبير عن رأيها وموقفها في الأمور التي تتناولها الافتتاحية.
- ومن هنا، وتأسيسا على ذلك كله، وبالإضافة إلى ما ورد خلال سطور الفقرات السابقة عن محرر الافتتاحيات، فإننا نضيف هنا هذه الخصائص العشر التي ينبغي أن تتوافر فيه، أو في المحرر الزميل الذي يصلح -قبل غيره- للقيام بهذا العمل التحريري القياسي الحساس والبعيد الأثر، ولا يعني ذلك -بالطبع- أنها جميع الخصائص أو الشروط، وإنما أهمها وأبرزها أنها باختصار شديد:
1- الفهم الكامل والإدراك المتميز لجوانب السياسة الوطنية داخلية وخارجية ومعرفة أحدث الاتجاهات الخاصة بها وما يكمن خلفها من فلسفات.
2- الفهم الكامل والواعي لسياسة الصحيفة وأبعادها وكل ما يتصل بها من قواعد وأساسيات.
3- الانتماء الكامل والواضح والصريح والقوي الأسس بالوطن الذي تصدر فيه الصحيفة وما يستتبع هذا أو يسفر عنه من تقدير لظروفه، واستيعاب لأحواله وانصهار في بوتقته، وما يتصل بذلك كله من معرفة بدينه وتاريخه وتراثه ولغته وحضارته، واستعداد كامل للدفاع عنها دفاعا يقوم على الحق والصدق مع النفس وتحمل مسئولية هذا الانتماء وما يفرضه من مرئيات ومواقف تنطلق من صالح الوطن وتصب فيه أيضا.
4- المعايشة الصحفية الكاملة للأحداث اليومية من خلال رؤية ومنظار محرر الافتتاحية.
5- القدرة على تصيد الأفكار الصحفية المقالية الهامة والقائدة، وتغطيتها بالمادة المناسبة والتعبير عنها في وضوح أو في تعبير آخر، وبامتزاج وظيفي بين النقطتين السابقتين، أن يملك "حضورا ذهنيا" طيبا في مجال كتابة المقال الافتتاحي.
(1/73)

6- أن يمتلك قدرا لا بأس به من الحاسة النقدية التحليلية التي تتيح له تغطية جوانب الشرح والتفسير والربط والمناقشة، والعرض والتحليل والنقد والمقارنة بين سطور مقالة.
7- الثقافة العامة المتنوعة في مجالات متعددة هي مجالات الاهتمام الجماهيري، مع تركيز على مجال تخصصه أو حقله الذي يعمل به، وإلى حد تقديمه على غيره من الزملاء في مجال هذا الحقل أو التخصص.
8- أن تكون له مصادره المتنوعة والجديرة بالعودة إليها، وأن يعرف كيف يحصل منها أو يستخرج المادة والمعلومات التي تقدم فائدة أساسية لمقالة، وأن يعرف أيضا كيف يوظفها لخدمة هذا المقال، من بشرية ومعلوماتية ومكتبية ووثائقية.
9- أن يكون مستعدا وعن طيب خاطر وعن اقتناع أيضا لإخفاء ذاته وإبراز كيان صحيفته من خلال اهتمامه الكامل بتحرير مقال لا يوقعه باسمه، وربما بأكثر مما لو كان موقعا بهذا الاسم.
10- الشجاعة في إبداء الرأي، وقوة الشخصية، والإيجابية الفعالة التي تنعكس على سطور المقال ولمساته ولغته، حيث إن ذلك يختصر الطريق إلى التأثير، والتأثير القوي.
وربما من أجل ذلك كله كان وجود "مجلس تحرير الافتتاحيات"، وربما من أجل ذلك أيضا كانت عناية الصحف والمجلات العالمية بكتابها، فهم في أغلب الأحوال، وبالنسبة لجرائد الرأي والتوجيه والإرشاد، في مرتبة أكبر من مرتبة المحرر العادي بعضهم في مرتبة "المحرر" المسئول، أي: يكون رأسه برأس رئيس التحرير نفسه، دون أن يحتل هذا المنصب، أو يكون قد احتله في فترة سابقة، ومن هنا كان كتابه -قبل غيرهم- في درجة قادة الفكر والرأي في كل أمة، وتاريخ الصحافة، والأسماء العديدة التي تولت كتابته شاهدة بنفسها على صحة ذلك، وذلك بالطبع باستثناء ما يحدث في الصحف التي يتولى رئيس التحرير فيها كتابة الافتتاحية، أو تلك التي لا تكتبها أصلا.
(1/74)

تحريره:
- عن الوحدة التحريرية الأولى التي تمثلها "العنوانات" فقد ثبت أن هناك
أكثر من اتجاه تتبعها الصحف والمجلات -بأنواعها- عربية وعالمية، وهذه الاتجاهات هي:
1- وجود عنوان ثابت: قائم لا يتغير وهو مثل: "الافتتاحية، كلمة اليوم، كلمة الاتحاد، الزمان تقول، كلمة المحرر، كلمة التحرير، كل صباح.. إلخ"، والاكتفاء بهذا العنوان الثابت الذي يمثل اسما تعود عليه القراء، وعلى مكانه وحجمه وشكله أيضا، وهو في الغالب "مصغر" للافتة الصحيفة وشعارها1.
2- ولكن بعض الصحف والمجلات الأخرى، ترى عدم الاكتفاء بهذا العنوان الثابت "اللافتة"، حتى وإن تعوده القراء أو ألفوه، ومن هنا وزيادة في الاهتمام بموضوعه وجذبهم إليه، فإنها تضيف إلى هذا العنوان السابق عنوانا آخر "متغير" يتغير من يوم إلى يوم بالنسبة للصحف اليومية، أو من أسبوع لأسبوع بالنسبة للصحف الأسبوعية وصحافة المجلة، ويكون دالا على مقال اليوم كل الدلالة بحيث لا يصلح لأن يكون عنوانا لمقال غيره مثلا.
3- وهناك صحف ثالثة قليلة العدد -بل نادرة- لا تكتب الاسم أو اللافتة أو هذا العنوان الأول الثابت على الإطلاق، وإنما تكتب الثاني فقط.
4- وهناك اتجاه رابع نادر أيضا، حيث لا تكتب صحفه العنوان الأول الثابت نفسه، وإنما تضع بدلا منه "شعار الصحيفة"، أو الرسم الرمزي الدال عليها، والذي ألفه قراؤها، تماما كما ألفوا منها هذا الاتجاه، وقد تضيف إليه بعض الملامح الزخرفية البسيطة، أو لونا من الألوان، أو تخفف لونه عن ذلك الموجود باللافتة الأصلية، ثم تكتب العنوان غير الثابت.
5- وإذا كانت الصحف السابقة تضع شعار الصحيفة وعليه اسمها فإن صحفا نادرة للغاية تضح هذا الشعار بدون اسم على الإطلاق، أي: تكون اللافتة مجرد شعار فقط، يوجد فوق عنوان المقال المتغير، وهكذا.
__________
1 يمكن أن يطلق عليه اسم "عنوان اللافتة" لأنه يحمل اسما أكثر منه عنوانا "Name plate title".
(1/75)

على أن أهم ما يجب اتباعه في جميع الأحوال:
أ- بالنسبة للعنوان الثابت أن يكون في كلمة أو كلمتين واضحتين تماما دالتين على الصحيفة أو المجلة أو هيئة التحرير، ويمكن أن يكون من ثلاث كلمات في أحوال قليلة خاصة عندما يكون اسم الصحيفة مركبا من كلمتين وذلك مثل: "كلمة اللسان العربي - مرآة الحال تقول ... إلخ"،
ب- وأما العنوان المتغير بتغير المقالات الافتتاحية، فهو أقصر العنوانات المعروفة في عدد كلماته، كلمة واحدة أو كلمتان أو ثلاث على سطر واحد، أو أربع أو خمس أو ست على سطرين ولا ينبغي أن يزيد عدد كلماته عن ذلك وإلا عد ذلك على محرره وليس له، ثم الدلالة الكاملة على موضوع المقال ومضمونه، والوضوح التام والكلمات المشرقة الجذابة الصحيحة لغة.
ذلك كله أهم ما يمكن أن يقال عن تحرير هذه الوحدة الأولى، ثم ماذا؟
- عن الوحدة التحريرية الثانية التي يمثلها هنا: "جوهر المقال, صلبه, مادته الرئيسية" نقول وبالإضافة إلى ما ورد خلال الفقرات والنبذ السابقة:
- لقد مر الوقت الذي كانت المقالة الافتتاحية منه تشغل صفحة كاملة، وربما أكثر من صفحة خاصة بالنسبة للصحف النصفية الصادرة في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن.
- ومع عصر السرعة والاختصار والتركيز أصبح حجم الافتتاحية أقل من ذلك بكثير، وهي تشغل في أغلب الأحوال ما بين ربع عمود وعمود واحد طولا، وبالجمع على سطر واحد من البنط العادي، وبحساب مثل هذه المساحة ونسبتها في حالة الجمع بأكبر من بنط 9، أو بنط 12 "أقلها في حوالي ربع عمود وأطولها في حوالي عمود واحد وذلك في معظمها وبالنسبة للظروف والأحوال العادية".
- يستثنى من ذلك بعض الصحف الأسبوعية، والحزبية، التي تجعل من مقال رئيس تحريرها بمثابة افتتاحية لها، وهو الاتجاه الذي سبق أن أشرنا إلى تعارضه مع فلسفة الافتتاحيات وبالمثل ليستثنى من ذلك بعض مقالات المجلات، فهما في أحيان كثيرة أكثر طولا عن الحد المشار إليه -من نصف عمود إلى عمود كامل- وهو
(1/76)

نفس الحال بالنسبة لافتتاحيات بعض الدوريات المتخصصة.
وعموما، وفي أغلب الأحوال، وفي ضوء النقاط السابقة في مجموعها، فإن أكثر صور وأشكال تحرير هذه المقالات الأساسية والرئيسية تتم على النحو التالي:
فالمقال الافتتاحي، في أغلب الأحوال -وباستثناء بعض الاتجاهات- التي أشرنا إليها سابقا- يمثل:
- وحدة واحدة مستقلة لها كيانها المادي والمحدد فوق الصفحات تحريرا وشكلا.
- لا تسمح -في الأغلب- بالتقسيم الواضح والدقيق والمحدد تحديدا تاما إلى مقدمة وجوهر أو صلب، وخاتمة، كالتقسيم التقليدي.
- فإذا سمحت بذلك، فهي المقالات الطويلة التي سبقت الإشارة إليها -بعض الصحف الأسبوعية والحزبية والمجلات- أو أن يتم ذلك باختصار شديد وتركيز أشد يتناسبان مع طابع هذا المقال وطبيعته أي: إن المقدمة هنا تنقسم إلى قسمين يفصل بينهما خط وهمي التمهيد والبداية، ثم تأتي الوحدة التالية -الصلب- تليها الخاتمة، هذا إذا رأى محرر أن يستعين بهذا التقسيم التقليدي، على أن من المهم هنا الانسياب في سهولة ويسر من التمهيد إلى البداية وحتى نهاية المقال، دون وضع قيود أو أسيجة تفصل بينهما، حيث تجدنا نعود مرة أخرى إلى الاتجاه الأساسي "تذويب" و"مزج" هذه الوحدات بعضها ببعض، وكما هو الحال بالنسبة لأغلب المقالات باستثناء الأعمدة ومقالة الفقرات.
- ومن هنا، ومن دراساتنا لأفكار الزملاء والأساتذة الذين يتولون هذا العمل بعدد من الصحف المصرية والعربية، ومما هو منشور فوق الصفحات نفسها عربية وأجنبية، ومن خلال رؤية بعض الكتاب أيضا، فإننا نستطيع أن نصل إلى "دليل" لكتابة مادة الافتتاحيات يستند إلى رؤية معملية وتطبيقية، ويتأسس على المقدمات السابقة في مجموعها، بالإضافة إلى مراعاة الجانبين التعليمي والتدريبي؛ لأنهما الأكثر أهمية خلال هذه الصفحات، وليس للزملاء من الممارسين فعلا، أو أصحاب "الباع الطويل" والقلم المجرب في هذا العمل.
وهذا الدليل أيضا ينبثق من وحدة المقال الافتتاحي المستقلة، ومن هنا فهو يقول:
(1/77)

- في البداية لا بد أن تسأل نفسك سؤالا: هل أنت الشخص الجدير بكتابة هذه الافتتاحية؟ وهل أنت أكثر الأشخاص جدارة بهذا العمل؟
- وفي حالة الرد بالإيجاب، يتفرع سؤال آخر يقول: هل أنت مقتنع بتوجيه رئيس التحرير أو رئيس مجلس الإدارة، وبمرئيات الزملاء من أعضاء "مجلس تحرير الافتتاحيات" وذلك بشأن:
- الموضوع الذي تم اختياره للتناول.
- الموقف الذي يرى هؤلاء اتخاذه "التأييد بدرجاته، المعارضة بدرجاتها الدعوة، الهجوم, الثناء.. إلخ".
- طبيعة المعالجة.
- في حالة الرد بالنفي يكون عليك أن تعلن عن ذلك بكل وضوح، وأن تشرح وجهة نظرك بكل صراحة، فربما تمكنت من إقناع الآخرين بها، وكانت هي جوهر التناول وإلا فالاعتذار عن عدم الكتابة هو الواجب المهني الذي يريح ضميرك الصحفي.
- وأما في حالة الرد بالإيجاب، فإن عليك أن تزيد من استنادك وتشبثك بركائز أساسية هي:
أ- سياسة الصحيفة أو المجلة.
ب- إنكارك لذاتك من أجل الصالح العام لوسيلة النشر.
جـ- فهمك الكامل والتام لموضوع مقالك.
د- مقدرتك الكتابية وما يتصل بها من طابع معالجتك وتفاعلك مع موضوعك وصياغتك وأسلوبك الخاص.
هـ- توقعك لطبيعة القراء الذين يمكن أن يشدهم مثل هذا الموضوع.
- وبمراعاة الفروق القائمة بين كاتب وكاتب ومحرر ومحرر، وبالنظر إلى أن المقدرة على الكتابة غير واحدة، ودون أن نبخس المواهب حقها في التصرف والقفز فوق الحدود والأسيجة، نقول إن نوعية المقال -النوعيات السابقة- هي التي تتدخل إلى حد
(1/78)

كبير في طريقة المعالجة، وفي شكل المقال ومضمونه أيضا ولكن كيف؟
- دعونا في البداية نتفق على أن أفضل "مدخل" وأن أحسن "استهلال" هو ذلك الذي يقدم الخبر الهام الساخن أو الموقف الناشب الذي سوف تتناوله، أو تعالجه خلال هذا المقال, لماذا؟
- فهو مدخل هام وجذاب.
- وهو يوجه القارئ مباشرة إلى موضوعه دون إثارة لملله أو تبرمه.
- وهو يساعد العنوان المتغير على ذلك في حالة وجوده.
- فإذا لم يكن هذا العنوان موجودا قام المدخل بدوره.
- وهو يعيد إلى الأذهان هذا الخبر، أو الموقف أو القضية أو الرأي، فيطالعه مرة أخرى من سبقت له قراءته أو الاستماع إليه، بما يؤكده ذلك من معان متصلة به.
- أو يطلع القراء الجدد عليه ممن لم تسبق لهم مطالعته أو الاستماع إليه.
ولأن البساطة تصل بسرعة إلى عقول القراء وأفهامهم، فإن العرض البسيط لموضوع المقال من خلال هذا المدخل، وفي سطور وعبارات وكلمات قليلة، بسيطة واضحة، وبدون لف أو دوران أو اصطناع لغريب أو رمز، هذه هي أفضل طرق كتابته أيضا، ولا بأس هنا من آية قرآنية كريمة أو حديث شريف، أو قول مأثور أو حكمة خالدة تكون "مدخلا إلى المداخل" أو تمهيدا له تشد القارئ بكل الصدق وتجذبه نحوها بقوة، ولكنها -في جميع الأحوال- يجب أن تكون مناسبة للغرض، صحيحة ودقيقة، خاصة بالنسبة لآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأقوال السلف الصالح.
- ولأن نوعية المقال هي التي سوف تتدخل هنا تماما فإن أمامك بعد هذا التمهيد الموضوعي المناسب القوي والدال:
أ- إذا كان مقالك هو الافتتاحي الشارح المفسر: فإن الأمر لا يتطلب أكثر من التركيز الشديد على جوانب شرح ما طرحته في هذا التمهيد شرحا وافيا يجعله واضحا للعيان مفهوما من القراء، وتفسيره التفسير الذي "يحل" عقدته ويكشف عما خفي بين
(1/79)

سطوره وكلماته ويضع النقط على الحروف بشأنه، وهكذا من أول المقال إلى آخره. والذي سوف يكون في هذه الحالة مركبا من فقرتين: الأولى تمثل البداية أو التمهيد -وهي موجودة في جميع أنواع هذه المقالات- والثانية هي الأكثر طولا، والتي تستغرق المساحة المتاحة كلها ومضمونها هنا هو الشرح والتفسير.
ب- وأما المقال النزالي: فهو يتكون كذلك من فقرتين أساسيتين: الأولى التمهيدية ولكنها هنا تكون أكثر طولا منها في المقالة السابقة، لماذا؟ لأنها في الواقع تتكون من الفقرة الأولى التقليدية مضافا إليها سطورا تركز على ضرورة الرد وأهمية "النزال"، وتمهد له، ثم الفقرة الثانية، فقرة النزال نفسه، وحيث تفنيد الرأي وكشفه وتعريته ومقارعة الحجة بالحجة، في لغة يغلب عليها طابع السخونة والعنف في أكثر الأحوال وفي ذلك يقول أحد المؤلفين: "في هذا المقال نجد نزالا وصراعا وقتالا وطعنا وصدا لهذا الطعن، وفي العادة يكون المقال شديد اللهجة عنيفا إلى أقصى حدود العنف، ويطلق الفرنسيون على النقد النزالي مقال المبارزة، وإذن فلا بد من مهاجمة كاتب آخر في هذا اللون من المقال"1، على أننا لسنا مع المؤلف نفسه أو مع غيره من الكتاب الذين يتبعون ما يشير إليه قائلا: "وكثيرا ما يذهب المقال النزالي إلى السباب، ومن حق الكاتب المنازل أن يهزأ من الشخص الذي ينازله وأن يسخر من أفكاره وأن يهزه هزا عنيفا يفقده شخصيته بين الناس ولكن بدون هلهلة أي: بدون بذاءات"2. أقول لسنا معه؛ لأن للنزال أصوله وقواعده التي تحكمها التقاليد الصحفية، ومبادئ الزمالة والشرف والأخلاقيات، فضلا عن أن المقالات الافتتاحية تركز على الآراء والأفكار والمواقف والقضايا، وليس الأشخاص، كما أنه لا خصومة بين كاتبها -الممثل للصحيفة- وبين كاتب المقال الذي ينازل، أو من المفروض أن يكون ذلك هو الأصل، ثم أية هلهلة للكاتب أكثر من تلك التي تهزه هزا عنيفا يفقده شخصيته بين الناس؟ إن ذلك كله يذهب بالموضوعية أدراج الرياح فضلا عن أن اختلاف الرأي لا يعني هز الآخرين بعنف والعمل على إضعاف شخصياتهم، تماما كما أنه لا يفسد للود قضية.
وعموما فإن للنزال أسلحته عن طريق تقديم التجارب المماثلة والشواهد العديدة والاستدلالات المنطقية ومحاولة الإقناع عن طريق المناقشة الواعية التي تصل إلى
__________
1, 2 حسنين عبد القادر: "الصحافة كمصدر للتاريخ" ص159-160.
(1/80)

النتائج المطلوبة -إثبات فساد الرأي الآخر وعدم صحة الموقف أو الاتجاه الذي نازله -وإن كان لا بد من لغة فهي الجادة العنيفة أحيانا مع بعض جوانب السخرية والتهكم في الحدود المعقولة ودون أن يفقد الكاتب احترامه أو تفقد الافتتاحية تقديرها في أنظار القراء، وهي لسان حال الصحيفة وكلمة هيئتها.
جـ- وأما المقال الافتتاحي المستكشف أو المتنبئ: ففقرته الأولى تقليدية، أو هي فقرة عرضية تقدم المادة التي سوف تتناولها الفترة التالية بالشرح والتفسير والتحليل، وحتى هنا والأمر يشبه النوع الأول من هذه المقالات ولكن بأسلوب أكثر تركيزا واختصارا ثم -بعد ذلك- تأتي الفقرة التالية التي تصل، استنادا إلى ما سبق، وتأسيسا عليه. ومن خلال الفقرتين السابقتين، إلى ما يمكن أن يستشفه الكاتب، أو يستخلصه أو يتوقعه أو يستكشفه من نتائج وخلاصة وتطورات يرى أن بالإمكان وقوعها.
وفي أسلوب آخر إن هذا المقال يشبه المعادلة، أو القضية المنطقية التي تتكون من مقدمات وشواهد وتصل إلى نتائج، ولكن هذه النتائج هنا قد لا تكون منطقية بحال من الأحوال، من وجهة نظر القراء، أو الجمهور نفسه، وإنما يتوصل إليها الكاتب بحاسته الخاصة وملكة التوقع عنده من خلال الرؤية الخاصة والتحليل السليم، كل ذلك دون أن يفقد اهتمام القارئ الذي يربطه إليه بطول الفقرات الثلاث السابقة وذلك يعني:
- مزيدا من التركيز على موضوعه وعدم "الشرود" أو الخروج عليه حتى لا يشرد القارئ بذهنه فتختلط الأمور وتضيع الحقائق وتذوب الحدود أيضا.
- مزيدا من الوضوح والجاذبية.
- مخاطبة القارئ من نفس مستواه دون مغالاة أو تقعر أو اتخاذ أسلوب الحكم والمواعظ، أو التعالي عليه بأي شكل من الأشكال.
د- وعن المقال الافتتاحي ثنائي أو ثلاثي الموضوع نضيف إلى ما سبق أن قلناه عنه:
- أنه يمثل أكثر من مقال افتتاحي واحد تكتب في تركيز.
(1/81)

- أن من الضروري والمهم الاختلاف بين مضمون كل منها.
- على نفس المستوى يقف الاختلاف بين أساليب التحرير.
- ووضع عنوانات لكل منها تقترب من طابع عنوانات الفقرات هو تصرف إيجابي.
- وتناسب أطوال كل منها -وبحسب أنه فقرة مقالية أو مقالا صغير- هو عمل مطلوب.
- ولكن حجمه أو طوله -في مجموعه- والمساحة التي يحتلها تلقي على محرره مسئولية مضاعفة في الإمساك بحبل انتباه القارئ وشده إليه والارتباط به كله، بجميع فقراته وسطوره وعباراته.
- وهذا يعني مزيدا من جاذبية الصياغة، ووضوح التعبير، وتماسك نسيج العبارة، وثبات فكرتها.
هـ- والمقال الافتتاحي المقارن: يتكون عن فقرة البداية، يليها فقرة تركز على التمهيد للمقارنة ماذا تعنيه هنا؟ وما هي أهميتها؟ ثم الفقرة النهائية الأكبر حجما، والتي تكون ميدانا لهذه المقارنة بين الفكرة والفكرة والرقم الرقم والنتيجة والنتيجة، والبعد والبعد، والانعكاسات وغيرها وهكذا، ومن الواضح أن الكاتب الذي يملك مقدرة نقدية تحليلية وحسا يؤثر الموازنة، يكون أكثر من غيره نجاحا في تحرير هذا اللون من المقالات، على أنه ينبغي أن يلتفت إلى:
- أهمية التركيز على إقناع القارئ.
- الشواهد الجديدة، والقديمة معها.
- الاستدلالات المنطقية والواضحة والتي تنال ثقة القارئ.
- البراعة في عرض مادته المقارنة وفي التوجه بها واستخدامها الاستخدام الوظيفي الأمثل فهي هنا "سلاحه" الذي يواجه به الآراء والمواقف والاتجاهات الأخرى.
- الاهتمام بالموضوعية الكاملة، والبعد عن الهوى وعن الأمور الذاتية.
(1/82)

- ذكر الحسنات والسيئات معا، والجميع بين جوانب الصواب والخطأ في إطار واحد أي: ذكر ما للآخرين وما عليهم.
وبمثل هذا يكسب المقال الافتتاحي النقدي احترام قارئه، والصحيفة أيضا.
و ومقال الدعوى إلى موقف أو عمل ما: يركز على عدد من الفقرات السابقة، خاصة الفقرة الأولى التمهيدية، أو المدخل الهام أو الجذاب، وقد يشرح ويفسر في فقرة ثانية، أو يستكشف أو يتوقع أو يقارن في فقرة أخرى أو يجمع بين هذه الأساليب في فقرة واحدة مركزة تركيزا كاملا، أو في فقرتين، ثم تأتي الفقرة الأهم، وهي هنا تمثل جوهر المقال ونتيجته معا، حيث يقوم بالدعوة إلى عمل ما، أو موقف من المواقف أو تصرف من التصرفات أو اتخاذ إجراء معين، أو تصحيح وضع قائم، أو إحلال أو إبدال لمشروع دون آخر، أو مكافأة أو عقاب مسئول أو عدة مسئولين وهكذا، وعلى هذ النحو، في لغة قوية، صادقة وبكل موضوعية ممكنة، موضحا أن ذلك لمصلحة الوطن أو المواطن وليس من أجل الثواب أو العقاب في حد ذاته، أي: أن يهتم هنا بالتركيز على:
- عرض الحالة شواهدها وصورها.
- الموقف الذي يدعو إليه.
- الأسباب الكامنة وراء ذلك مباشرة وغير مباشرة.
- وقد يضيف النتائج التي يمكن أن تتحدد من وراء هذه الدعوة، وبتأثيرها.
ز- المقال الافتتاحي التحذيري: وتشبه كتابته طريقة كتابة المثال المستكشف أو المتنبئ وكذا طريقة كتابة المقال السابق، مع إضافة فقرة تحذيرية إلى المقال الأول -المستكشف- يركز فيها على جانب التحذير والتنبيه إلى الخطر القادم حتى يمكن تلافيه والحيلولة دون وقوعه، أو على الأقل التخفيف من حدته وحدة نتائجه المؤثرة على مصائر الناس ومصالح الجماهير.
جـ- المقال الافتتاحي العام: وهو كما قلنا، أكبرها مساحة وأكثر طولا، وقد يتضمن جميع الفقرات السابقة مركزة أو غير مركزة بما يضاعف من مسئولية كتابه ومحرريه، ومجال إظهار الثقافات والممارسات فيه متسع للقيادات التي تستطيع أن تقدم
(1/83)

هذا اللون، وهي قلة بالطبع ولكنها قلة مؤثرة وفعالة، وهم دائما من مرتبة رؤساء التحرير، على أن أهم ما يراعيه محرر هذا المقال المحوري الشامل:
- توزيع نقاط الأهمية والارتكاز والثقل على جوانب المقال كلها أو فقراته جميعها وليس في المقدمة أو التمهيد أو الصلب فقط.
- تقديم المعلومات الجديدة والأرقام التي تثري العمل وتدعمه دون حشوها حشوا يزحم فكر القارئ أو يجهده.
- تنوع أساليب تحريره من فقرة لأخرى.
- الاستعانة بعنوانات الفقرات كلما وجد إلى ذلك سبيلا، أو بما يمكن أن يقوم مقامها من رسوم زخرفية أو وحدات طباعية.
- بساطة التعبير وسهولته وانسياب عباراته وفقراته.
- مخاطبة عقل القارئ أولا، ثم إحساساته بعد ذلك انطلاقا من معرفة كاملة بنوعية قرائه ومستوياتهم الفكرية الرفيعة والمؤثرة.
- عدم إطلاق الأحكام أو تقرير النتائج الكاملة.
(1/84)

جولة عربية:
لا نترك هذا المجال -الحديث عن المقال الافتتاحي- دون أن نقوم برحلة سريعة على صفحات الجرائد العربية، نتوقف فيها عند عدد من أهم معالم هذا النوع من أنواع المقالات، كما تبدو فوق الصفحات والأنهر نفسها، ويكون دليلنا إليها تلك الكلمات السابقة التي تناولت -نظريا- أبرز هذه المعالم والخصائص، ماذا تقول هذه الرحلة ونتائجها والتي أجريناها على صفحات 14 جريدة عربية خلال النصف الأخير من يوليو، والنصف الأول من أغسطس 1983؟ وذلك وفق الترتيب الأبجدي لهذه الصحف:
1- "أخبار اليوم - مصرية":
عرفت صحيفة "أخبار اليوم" الأسبوعية القاهرية الكبرى منذ صدورها -في 11 نوفمبر- عدة أساليب لكتابة هذه المقالة كان من أبرزها الأسلوب الذي يجمع
(1/84)

بين مقالين أحدهما "الموقف السياسي" وكان أشهر من كتبه صاحبها أستاذنا "مصطفى أمين"، وقد اتبع الاتجاه غير التقليدي في كتابته وهو الذي يوقع فيه صاحب الجريدة ورئيس تحريرها الافتتاحية باسمه، كما اشتهر إلى جانب هذا المقال مقال آخر هو الأقرب إلى الطابع العام لهذه المقالات وكان يكتب باسمه: "أنوار كشافة"، ويوقع باسم "أخبار اليوم" أو "رئيس التحرير" كمنصب متبعا الاتجاه الأساسي والكلاسيكي أيضا، خلال هذه الجولة الأخيرة يمثل "الموقف السياسي" افتتاحية الصحيفة، وبينما اختفى "أنوار كشافة"، نجد أن الافتتاحية البديلة توقع باسم رئيس التحرير "الزميل إبراهيم سعده" وتنشر على مساحة عمودين على سطر واحد باتساع العمود الأول والثاني من الصفحة الثامنة داخل إطار أسود زخرفي ثقيل، وقد جاءت أهم موضوعاتها مما يتصل بالسياسة الداخلية وإلى حد اقترابها من الطابع "شبه الرسمي" بوصفها إحدى الصحف "القومية"1 و"الموقف السياسي" عنوانه أو اسمه الثابت المكون من الكلمتين، ثم عنوانه المتغير الدال على موضوع المقال وطابعه، ويسود كتابته الطريقة التحليلية في أحيان كثيرة، إلى جانب التناول التاريخي والمقارن، كما يمزج الكاتب أحيانا بين الطرق الثلاث، وهي عموما مقالة "طويلة" تعتبر أكثر طولا من غيرها من المقالات الافتتاحية العادية التي تنشرها الصحف العربية في الأحوال العادية، ومن هنا فقد تتناول أحيانا أكثر من موضوع، كا يجري إخراجها بطريقة تتيح عمل "وقفات" ومعالم تبرز سطورها عامة أشبه بعنوانات الفقرات، كما يستخدم سكرتير التحرير "بنطا" متغيرا بين فقرة وأخرى لتسهيل قراءتها وأحيانا تجمع ببنط واحد ثقيل أكبر من بنط المتن العادي.
2- "الاتحاد - الإمارات العربية المتحدة":
لصحيفة "الاتحاد" افتتاحيتها التي لعبت دورا مرموقا على المسرح السياسي بهذه الدولة منذ تأسست الصحيفة -1969- فهي تنشر الآن -خلال هذه الجولة- على الركن العلوي لنصف الصفحة الأول أسفل العنوانات الرئيسية، وذلك تحت عنوان
__________
1 ساد هذا التعبير في الوسط الصحفي المصري للدلالة على الصحف المعبرة عن "الحزب الوطني الديمقراطي" على الرغم مما في هذا التعبير من خطأ؛ لأن المفروض "قومية" جميع الصحف المصرية الحزبية الأخرى.
(1/85)

واحد ثابت هو: "كلمة الاتحاد"، الكلمة الأولى أبيض على أسود والثانية تمثل رسما مصغرا للافتة الصحيفة ورسمها "التحتي" بزيادة في درجة احمرار حبره، والافتتاحية متوسطة الطول تجمع على عمودين داخل إطار أسود رقيق في جانبين من جوانبه، سميك في الجانبين المواجهين وتأخذ في الغالب شكلا مستطيلا أو مربعا في بعض الأحوال، تدور موضوعاتها حول سياسة الدولة داخلية وخارجية، وتتصدى لتأييد ودعم الاتحاد، كما أن من أهم موضوعاتها الموضوعات الخليجية بصفة عامة والتغيير الملحوظ الذي يأخذ مكانه في الدولة بصفة خاصة، وهي أشد تعبيرا من الصحيفة الأولى عن الاتجاه الرسمي، بل لعلها أكثر افتتاحيات صحف الدولة تعبيرا عن هذا الاتجاه، كما أنها لا توقع بأي توقيع.
وبالإضافة إلى "كلمة الاتحاد" فقد لوحظ كذلك وجود عمود على النصف الأول من النهر الأخير للصفحة السابعة داخل إطار مستطيلي مماثل في سمك أعمدته للإطار الأول، ويحمل اسم "مع الأحداث"، ويوقع باسم المحرر، ويمكن اعتباره افتتاحية ثانية للصحيفة، وهو يركز على بعض الموضوعات الداخلية خاصة "العمالةالأجنبية, التعليم, الصحة, الزراعة ... إلخ" كما يحاول أن يربط بين هذه الموضوعات في إطار دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب موضوعات أخرى عديدة.
وقد كانت السمة الغالبة على افتتاحيات هذه الصحيفة هي "الشرح والتفسير" كما وجدت قلة منها تدعو إلى موقف أو عمل، وذلك خلال فترة هذه الدولة، كما أن أسلوب تناولها طيب وتعبيرها عن سياسة الصحيفة والدولة قوي النبرة واضح المعالم، وهي خاصة تعود إلى طبيعة انتمائها وأيام صدورها الأولى والتي حافظت عليها حتى اليوم.
3- "الأخبار - مصرية":
و"كلمة اليوم" هي افتتاحية صحيفة "الأخبار" الشعبية القاهرية، وقد تغير موقعها أكثر من مرة منذ صدور الصحيفة عام 1952، حتى استقرت أخيرا على العمودين الأول والثاني من نصف الصفحة الخامسة العلوي، وهي نفسها صفحة "الرأي للشعب" وهي ذات موضوعات سياسية عالمية وعربية متعددة، إلى جانب اهتمامها الكبير بموضوعات السياسة الداخلية وتلك التي تستقطب أنظار رجل الشارع العادي، والكلمتان تكتبان فوق كرتين تمثلان الكرة الأرضية مقسومة إلى قسمين وهما شعار
(1/86)

الدار - دار أخبار اليوم- كما أن للافتتاحية عنوان آخر غير ثابت، يتغير بتغير الموضوعات، كما أنها لا توقع بأي توقيع.
4- "الأنوار - لبنانية":
تتخذ هذه الصحيفة أحد أشكال "الاتجاه الثاني" في كتابة الافتتاحيات، حيث تكتفي بنشر المقالة التي يكتبها الآن وفي أغلب الأوقات "رفيق خوري" باعتبارها افتتاحية للصحيفة، وهو ما سوف نشاهده بالنسبة لصحف نادرة، وتشغل هذه المقالة في أغلب الأوقات أكثر مساحة العمود الأخير من الصفحة الأولى، وهي بدون عنوان لافتة ثابت وإنما تستبدله بشعارها الذي يوجد تحت لافتتها الرئيسية، كما أن لك مقالة عنوانها المتغير الذي ينشر على سطر أو أكثر متناولة موضوعات السياسة اللبنانية أولا ثم الشرق أوسطية ثانيا، والعالمية، وتوجد داخل إطار بطول الصفحة وباتساع العمود الذي يشغلها، كما أنها موقعة باسم كاتبها.
5- "الأهرام - مصرية":
وهي واحدة من الصحف الأولى التي بلغت عنايتها بالافتتاحيات مبلغا كبيرا منذ تحولت إلى صحيفة يومية في 3 يناير 1881، وقد تناولت افتتاحيات الأهرام منذ ذلك التاريخ جميع المسائل الداخلية والخارجية التي تهم القارئ المصري والقارئ العربي في مصر، وقد استمرت على هذه الحال بعد الاحتلال وفي أوائل القرن الحالي، يشهد على ذلك كله مؤرخها الذي يقول في هذا المجال: "فهي تهاجم في مقالاتها الافتتاحية أعوان الاحتلال من المصريين ثم تحمل على حضور المستشار ووكيل الاشغال الإنجليز بين مجلس النظار وتعلن مبتهجة إقالة الخديو عباس لحكومة مصطفى فهمي وتعقب على تعيين رياض بمدح الخديو وتذكر مأثرته الوطنية باختيار حكومة شعبية يرضى عنها الناس وتترصد في كل أخطاء الإنجليز وتصرفاتهم ... إلخ"1.
وتنشر الأهرام اليوم افتتاحياتها في الأعم الأغلب على العموديين الأول والثاني من ربع الصفحة السابعة العلوي مجموعة على سطر واحد -وهي نفس صفحة المقالات أو الافتتاحيات- وذلك تحت عنوان ثابت هو: "رأي الأهرام" يشبه كثيرا "شكل"
__________
1 إبراهيم عبده: "جريدة الأهرام، تاريخ وفن" ص265.
(1/87)

عنوان افتتاحية صحيفة "الاتحاد" باستثناء استخدام الأخيرة للون الأحمر، كما أن للافتتاحية بالإضافة إلى عنوانها الثابت عنوان يومي متغير يختلف بما يناسب مادتها، وهي كذلك متوسطة الطول متنوعة في أساليب تحريرها قوية في مادتها، وهي غير موقعة بأي توقيع، وتوجد داخل إطار يقع بين المربع والمستطيل وهو زخرفي يتكون من وحدات صغيرة مستطيلة سوداء تكون إطارا ثقيلا "متقطعا".
وأغلب موضوعات الافتتاحية تتناول الموضوعات السياسية العربية والمصرية، كما أن للسياسة الداخلية نصيب كبير من اهتمامها، ولا يعني ذلك أنها لا تتناول الأحداث الخارجية، وإنما يعني أن اهتمامها بها قد قل عن ذي قبل، كما أن بعض الافتتاحيات تكاد تعكس "اتجاها رسميا" بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
كذلك فإن من الملاحظ أن للعدد الأسبوعي للصحيفة -والصادر كل يوم جمعة- افتتاحيته التي تنشر على الصفحة الثالثة أو الخامسة في إطار شبه مربع ويغلب عليه الطابع التحليلي وأحيانا يكون في بنط أصغر وحروف خفيفة، كما يلاحظ لجوء الصحيفة أخيرا إلى كتابة المقالات الثلاثية التي تصل بينها عنوانات مختلفة.
6- "الثورة - عراقية":
تحرص على نشر افتتاحية طويلة على العمودين الأولين, وقد يكون لها امتدادها بقية على صفحة داخلية هي في الغالب ص11، وهي بدون عنوان ثابت على الإطلاق وموقعة باسم الصحيفة "كليشيه" الثورة، وأغلب مواد الافتتاحيات خلال هذه الجولة تتصل بالحرب العراقية الإيرانية والأوضاع الداخلية في إيران تحت نظام "الخميني" وعن الجبهة العراقية، والعلاقات الإيرانية العربية، وهي افتتاحيات ذات لهجة حماسية خطابية عالية تتماشى مع طابع الظروف السائدة، كما أن نغمتها الرسمية والتزامها الوطني مرتفعان أيضا، والافتتاحيات بعد ذلك تنشر داخل إطار مادي يتغير حجمه بتغير حجم الافتتاحية نفسها.
7- الجزيرة - سعودية":
من أكثر الصحف الخليجية عامة، والسعودية خاصة ثباتا على نشر الافتتاحيات خلال السنوات الأخيرة كما أنها من أكثرها ثباتا على "الطابع الكلاسيكي" المتمسك بتقاليد الافتتاحية في التحرير والنشر، كفن مقالي صحفي، وقد رأيناها في فترة الجولة تواصل نشرها باتساع العمودين الأخيرين من الصفحة الثالثة وبطول يتفوق على نصف
(1/88)

العمود -صفحة، كما أن لافتتاحية الجزيرة عنوان ثابت هو: "كلمة الجزيرة" ويليه عنوان يتناسب مع مضمون المقال الذي يقع داخل إطار طولي ثنائي الأضلاع أحدهما -الداخلي- رقيق شعري أسود، والثاني رمادي سميك، والمقال يهتم- في أكثره بموضوعات السياسة الداخلية، خاصة خطط التنمية المختلفة، وأحوال التعليم والصحة والزراعة، وبالميزانيات، كما أن لبعض المقالات اتجاهاتها العربية عامة والخليجية خاصة، والسياسة الخارجية هي موضوع وارد أيضا, وتركز أغلب المقالات على أسلوب "الشرح والتفسير"، كما أن بعضها يعتمد الأسلوب المقارن وأسلوب الدعوة إلى موقف أو عمل ما، وهو يوقع باسم "الجزيرة".
8- الجمهورية - مصرية":
انتقلت الافتتاحية من مكان لآخر مع كل "تطوير" تدخله إحدى الإدارات الجديدة على "ماكيت" العدد العادي حتى استقرت أخيرا على النصف العلوي من العمود الأول للصفحة الثانية وهي صفحة "أخبار العالم العربي" بالنسبة للعدد العادي, وحيث نجد أن الافتتاحية تحمل عنوانا ثابتا هو: "الجمهورية تقول". والكلمتان موزعتان على سطرين تحملهما "شبكة" صغيرة وهو باتساع سطر واحد يفصل بينه وبين المادة المجاورة فاصل طولي، وعموما فالمقال الافتتاحي في صحيفة الجمهورية القاهرية موضوعاته عربية كثيرة، وداخلية أيضا، وبعدهما تأتي الموضوعات العالمية وهو يعتمد كل الاتجاهات التحريرية السابقة الإشارة إليها خاصة أسلوب الشرح والتفسير وكذا الأسلوب النزالي، والدعوة إلى موقف وحيث أخذ هنا كثيرا شكل "التحذير" مما يمكن أن يحدث مستقبلا، وهو متوسط الطول في أغلب الأحوال وكثيرا ما يقل عن الحجم العادي ويصبح في حدود ثلاثين سطرا وأحيانا أقل, وهذا المقال لا يوقع بأي توقيع.
9- "الجمهورية - عراقية" 1:
تكاد معظم افتتاحياتها تتشابه في كثير من ملامحها مع ملامح شقيقتها "الثورة" حيث تنشر افتتاحيتها باتساع حوالي عمود ونصف عمود على يمين النصف السفلى للصفحة الأولى، وهي طويلة جدا، ولها بقية على الصفحات الداخلية خاصة
__________
1 قمنا بتقديم صحيفة الجمهورية المصرية؛ لأنها الأقدم صدورا.
(1/89)

ص5، وليس لها عنوان ثابت؛ ولأنهما يصدران من خندق واحد -خلال فترة هذه الجولة- فقد كانت موضوعاتهما متشابهة إلى حد كبير إلا أن أسلوب أكثر مقالاتها أقل حماسية وخطابية وإن وصل إلى نفس النتائج النزالية والمقارنة كذلك يحيط بها إطار طولى "ملتف" ويوقع المقال باسم الصحيفة أيضا وعلى طريقته "الكليشيه".
10- "السياسة - كويتية":
تتبع أيضا -في صراحة- الاتجاه الثاني. فمقال رئيس التحرير "أحمد الجار الله" بمثابة افتتاحية لها، ولا تخفي الصحيفة ذلك، وإنما تنشر هذا المقال على يسار النصف العلوي من الصفحة الأولى تحت العنوان الرئيسي الثابت -اللافتة- باسم "الافتتاحية" كما تحتفظ ببعض المعالم الأساسية الأخرى الخاصة به كالمكان الثابت والمساحة شبه الثابتة في أكثر الأحوال، ولمقال رئيس التحرير هذا أو "الافتتاحية" عنوان آخر يتناسب مع مادته وموضوعاته عربية عامة وكويتية خليجية خاصة، وتأتي موضوعات السياسة الخارجية ثالثة ومحررها يحاول بذل جهد طيب من أجل تطوير أساليب تحريرها ولكننا نأخذ عليها التوقيع باسم رئيس التحرير.
11- "الشرق الأوسط - سعودية":
تتبع منذ فترة ليست بالقصيرة الاتجاه الجديد "ثنائي الموضوع" في أغلب الأحوال حيث تقوم بنشر افتتاحيتين لا افتتاحية واحدة، داخل إطار واحد، على الصفحة "9" أو "11" وهي أيضا صفحة الرأي "والترويسة" والكاركاتير, وتفصل بين المقالين بخط عرضي يختلف من عدد لآخر والافتتاحيتان -في أغلب الأحوال- أحدهما عربية، والأخرى خارجية أو عالمية، والافتتاحيتان تنشران تحت عنوان ثابت واحد هو: "رأي الشرق الأوسط" وبعد ذلك يكون لكل منهما عنوانه الخاص الذي علوه، وفي أغلب الأحوال يختلف أسلوب تحرير كل مقالة عن الأخرى ولكن يبرز من بين الأساليب الأسلوب النزالي، وأسلوب الدعوة إلى موقف أو عمل ولكنها دعو تتم بطريقة هادئة حتى وإن جمعت إليها "التحذير"، و"التنبيه" إلى خطر ما، والافتتاحيتان لا توقعان أي توقيع, وتبدو خلال سطورهما "حرفية" المحرر وتجربته الطيبة.
(1/90)

12- "الصحافة - سودانية":
لجريدة "الصحافة" افتتاحية قوية تنشرها بصفة غير منتظمة وذلك على العمودين الأخيرين من نصف الصفحة السفلي الأيسر وباتساع سطر واحد على عمودين وهي تحمل عنوانا ثابتا هو "كلمة الصحافة" وآخر للمادة نفسها وموضوعاتها سودانية في البداية عربية ثانيا عالمية في المحل الثالث، ويغلب على افتتاحياتها طابع التحليل الهادئ والمتزن كما أن الدعوة إلى موقف سوداني أو عربي تمثل طابعا عاما تتصف به, وهي متوسطة الطول مجموعة بحروف ثقيلة يحيط بها إطار مزدوج على هيئة مستطيل، وتوقع الافتتاحية بكلمة "الصحافة".
13- "العرب - قطرية":
استقرت صحيفة "العرب على نشر افتتاحية، ولكن أهم الملاحظات أنها تنشرها الآن على صفحتها الأخيرة، بل على العمود الأخير منها مما يبرر في رأيها تسميتها بـ"آخر عمود" نفس اسم عمود الزميل "إبراهيم سعدة" على الصفحة الثانية من أخبار اليوم وإن كان الاسم في العرب يعبر تعبيرا صحيحا عن موقع المقالة، ولكنه في نفس الوقت يخالف طابع "الافتتاحيات" التقليدي وعموما فإن آخر عمود تكتب باللون الأحمر خطا، وتمثل لافتة يتبعها عنوان متغير، واتجاهاتها قطرية وعربية وعالمية، وهي في حجم العمود في أغلب الأوقات, ويحيط بها إطار أسود مقسم أو في "شرط" سميكة، وتوقع باسم "العرب".
14- "العمل - تونسية":
تتبع جريدة "العمل" التونسية النصفية والتي أسسها الرئيس التونسي "الحبيب بورقيبة" نفس أسلوب صحيفة "السياسة" الكويتية, وبعض الصحف الحزبية في الوطن العربي مثل "الأحرار" في مصر, أي: إنها لا تنشر مقالة افتتاحية بأسلوب النشر التقليدي المعبر عن رأي الصحيفة، الغفل من التوقيع باسم المحرر، وإنما تعتبر أن محرر مقالها الرئيسي يعبر برأيه واسمه عن الصحيفة والحزب معا, وذلك في مقالتها التي تنشرها على العمود الأول من الصفحة الأولى وبطوله، ويجري توقيعها باسم محررها، وهي تحمل اسم "رسالة العمل" وتكون في أغلب الأحوال معبرة عن مواقف الحزب الذي تنطق باسمه وهو هنا "الحزب
(1/91)

الاشتراكي الدستوري" كما أن اهتمامها بالمسائل الداخلية واضح وقوي، وهي لا تغفل كذلك الأحداث العربية أحيانا، والعالمية في أوقات قليلة وأما عن أسلوب تحريرها فيغلب عليه الطابع التفسيري الذي يلقى بالأضواء الكشافة حول الخبر مجال المقال، والذي يقع داخل إطار طولي رقيق بحجم العمود وعرضه.
تدريب عملي " 4 ":
- قم بدراسة تطبيقية للمقالات الافتتاحية التي تنشرها إحدى صحف بلدك خلال فترة شهر، واكتب تقريرا عنها مع تركيز خاص على أهم الخصائص والملامح المتصلة بها.
- قم بدراسة مقارنة للمقالات الافتتاحية التي تنشرها صحيفة عربية وطنية تصدر في بلدك وصحيفة عربية تصدر في بلد آخر, مع عناية خاصة بـ:
نوعيات المقالات الرئيسية -أهم اتجاهاتها- أهم خصائصها في التحرير والنشر.
- قم بمحاولة لكتابة ثلاثة مقالات افتتاحية مختلفة الطابع والنوعية، على أن تختار موضوعاتها من الموضوعات المحلية الهامة، وذلك استنادا إلى ما درسته مما يتصل بهذا الموضوع.
(1/92)

المبحث الثالث: المقال القائد الموقع
عند تناولنا للمقال الافتتاحي، قلنا إن فلسفته وإن طابعه وإن ظروف تحريره ونشره قد أدت إلى وجود عدد من الاتجاهات التحريرية من بينها الاتجاه الثاني بتعدد أشكاله وأساليبه، وكذا الاتجاه الثالث الذي يقوم عليه "الافتتاحيات البديلة"، وقد رفضنا هذا الاتجاه نحو اعتباره افتتاحية كاملة لمخالفته لهذه الفلسفة، التي نحرص على اتباعها وثبات التقاليد المرتبطة بها.
والآن نقول إن هذه النوعية من المقالات التي يكتبها رؤساء التحرير في معظم الأحوال وأعمها، بل في "أغلبيتها الساحقة"، هي التي يطلق عليها عن حق وصدق تعبير: "المقالات القائدة الموقعة".
- فهي قائدة؛ لأنها تقود أفكار وتدفع بهم إلى الفهم الكامل لما تتناوله، أو تقودهم نحو اتجاه فكري أو سياسي معين؛ ولأن كاتبها من قادة الفكر الصحفي في حدود الجريدة أو المجلة التي تنشر هذا المقال.
- وهي موقعة لأن اسم كاتبها -وهو هنا اسم رئيس التحرير- يتذيلها، وحيث لا توقع كما هو الحال بالنسبة للمقالات الافتتاحية رمزا أو نقطا أو باسم الصحيفة أو لا توقع على الإطلاق وإنما يشهد التوقيع بالاسم واللقب على طبيعتها الخاصة.
وإذن وعلى الرغم من أهمية هذه المقالات، والتي تكاد تلي أهمية المقالات الافتتاحية تماما، بل على الرغم من كوننا نرى أن بعضها يكون مقروءا أكثر من المقالات الافتتاحية نفسها بما يتوافر لها من عنوان حالي وساخن وجذاب، واسم رئيس التحرير وتصدر الصفحة الأولى وتفنن المخرج في إبرازها، كل ذلك إلى جانب حالية موضوعاتها وسخونتها وحيث تكون في أحيان كثيرة بداية إشارة لقضية هامة
(1/93)

أو هجوما على وضع خطير، أو تبشيرا باتجاه يفيد الجماهير، أو تناولا لمؤتمر أو مباحثات أو معاهدة أو اجتماعات لها وزنها وتأثيراتها، على الرغم من ذلك كله فإننا هنا نضعها في مكانها الصحيح، وحيث إنها مقالات قائدة نعم، موقعه باسم رئيس التحرير نعم، ولكنها ليست "افتتاحيات" بحال من الأحوال.
ومعنى ذلك أن هناك أكثر من هدف، وأكثر من وظيفة تقوم أمثال هذه المقالات بأدائها تماما كما أن هناك أكثر من دافع لوجودها ونشرها، ومن بينها على سبيل المثال:
1- أن دورها الأول ووظيفتها الأساسية هي القيام بمهمة "الافتتاحية" بالنسبة للصحف والمجلات التي لا تنشر الافتتاحيات، والتي درجت على ذلك، لسبب من الأسباب.
2- فأما بالنسبة للصحف والمجلات التي درجت على نشر الافتتاحيات يوميا وبانتظام، فإنه يمثل في أيام نشره دور "الافتتاحية الثانية للصحيفة".
3- وهو يعطي فرصة أخرى لعرض وجهة نظر ثانية أو رأي آخر أو موقف جديد، مما يضاعف من بروز جانب الرأي في الصحيفة، ويعمل على استقطاب أنظار وفكر قراء جدد لهم أهميتهم ومستوياتهم الفكرية المرتفعة.
4- وهو يقدم لرئيس التحرير فرصة للتعريف بمرئياته ونظرته الخاصة إلى الأحداث دون تأثر كامل بسياسة الصحيفة أو خطتها العامة، وحيث يكون هذا المقال في أحيان كثيرة ممثلا للرباط القائم بين رئيس التحرير ككاتب، وبين قرائه، ومن هنا -ووسط مشاغل هؤلاء التي قد لا تتيح لهم كتابة أنواع المقالات الأخرى- نجد حرص رؤساء التحرير البالغ على كتابته كلما أتيحت لهم الفرصة إلى ذلك.
5- وهو أيضا يقدم لرئيس التحرير فرصة الدفاع عن آرائه، ورد الهجوم الذي يكون قد تعرض إليه من كاتب آخر، أو صحيفة أخرى، أو حزب معارض، مع ملاحظة أن هذا الهجوم والرد لا يتناولان الأمور الشخصية، حيث لا يجوز ذلك، وإنما المسائل السياسية واهتمامات الجماهير وحركتها بشكل عام.
6- وهو يخدم المسار الديمقراطي ويدعمه بما يقدمه من أفكار وما يعرضه من
(1/94)

آراء، وما يتناوله من أمور، خاصة بالنسبة للصحف الحكومية أو الرسمية، أو صحف البلاد النامية، وحيث تكون المقالة الافتتاحية في أغلب الأحوال موجهة، بشرط أن يستخدم رئيس التحرير حقه الكامل في الإعلان عن أفكاره وآرائه، وحيث تصطدم الآراء وتتعارض، وتأتلف وتتفرع بما يخدم التجربة الديموقراطية ويدعم حق المواطن في أن يعرف ما يدور في مجتمعه.
7- وبعضها قد يؤدي وظيفة "منطاد الاختبار" أو بالوناته التي تطلق في الجو، وهي هنا لقياس مدى استجابة القراء، وانعكاساتهم بشأن قرار ينوي المسئولون اتخاذه، أو قانون يزمع هؤلاء إصداره، أو إجراء هام يفكر ولاة الأمر فيه، ويريدون معرفة نظرة الناس إليه وواضح أن ذلك يتم بالنسبة لصحف البلاد النامية، التي قد تحقق مثل هذه الاتجاهات بعض النتائج المستهدفة في أوساطها المتواضعة المستوى "سياسيا".
8- المشاركة الإيجابية والفعالة والسريعة في قضايا الوطن بالفكر المستنير والرأي المخلص والقيام بدور رقابي متميز، من الصحيفة، على الأجهزة التنفيذية المختلفة وقراراتها وإجراءاتها المتصلة بمصالح الجماهير.
9- التمهيد لحملة صحفية ما تقوم بها الصحيفة أو المجلة تأييدا وتعضيدا لقانون أو موقف أو قضية أو اتجاه، أو هجوما عليها أو على وضع من الأوضاع غير السوية، أو على جانب من الجوانب التي تهدد راحة الناس، أو وحدة المجتمع، على أن الأمر لا يقتصر على التمهيد لأمثال هذه الحملات فقط، وإنما المشاركة في مسيرتها، وربما كتابة "مقال الختام" بالنسبة لهذه الحملة.
10- على ألا ننسى في هذا المجال أن هذا المقال، كغيره من المقالات الصحفية، يقوم بالوظائف الهامة التي تقوم بها المقالات في مجموعها من أمثال: "الإعلام، الشرح والتفسير، التوجيه والإرشاد، التثقيف، التعليم، التنمية،" إلى آخر هذه الوظائف التي أشرنا إليها أكثر من مرة.
على أن لهذا المقال بعض الخصائص والملامح المميزة، والتي تتصل به أولا، وتدل عليه قبل أن تدل على غيره، حتى وإن شاركته فيها بعض أنواع المقالات الأخرى، ومن بينها:
(1/95)

- الجدة التامة والملاءمة للأحداث والقضايا الساخنة داخلية وخارجية.
- أنه مقال سياسي بالدرجة الأولى، وإن تناول من المسائل الداخلية ما يتناوله، إلا أن هذه أيضا يكون اتصالها وثيقا بالسياسة الداخلية، وربما يكون لها انعكاساتها وأبعادها الخارجية.
- من المفروض أن تكون حرية كاتبه كاملة، في التعبير عن ذاته ومرئياته ورؤيته الخاصة، ومن الطبيعي أن يستخدم هو هذا الحق، وأن يتمسك به تماما "بالنسبة للقضايا والمسائل العامة".
- ولكن الحرية هنا تقابلها "مسئوليته" الاجتماعية، ككاتب مرموق، أو كرئيس تحرير، أو كقائد فكر ومن هنا فإنه مثل محرر المقال الافتتاحي, يجب عليه أن يفكر مرتين:
أ- مرة في مسئوليته تجاه القراء والمجتمع بما يمكن أن يحدثه من تأثيرات وردود أفعال.
ب- ومرة في اسمه الذي رفعه القراء إلى هذه الدرجة، ومن السهولة بمكان، أن يهبط به هو نفسه -في حالات فقدانه لثقة الجماهير- إلى القاع، أو إلى أن يكون محررا عاديا مثل عشرات ومئات المحررين الآخرين.
- بل إن بالإمكان إضافة بعد آخر ينبغي أن يفكر فيه، وهو مصلحة الصحيفة واسمها وتاريخها والعاملين بها, قبل أن يقدم على عمل غير مسئول، حتى وإن اتصف بالشجاعة والإقدام.
- أن نشره قد يتم يوميا في الأوقات الساخنة, أو أوقات وقوع الأحداث الكبرى الهامة والخطيرة بحيث يتناول كل يوم حدثا من هذه الأحداث أو جانبا من حدث منها, كما أن النشر قد يكون من يوم لآخر، أو في حدود كل ثلاثة أو أربعة أيام، وربما ينقضي وقت طويل دون نشر مثل هذا المقال.
- أن من الممكن نشره على حلقات، خاصة إذا اتصل بمثل هذه الموضوعات أو بحملة صحفية كبيرة.
(1/96)

- المكان شبه الثابت في أغلب الأحوال، وهو على الصفحة الأولى من الصحيفة ما لم تشغلها أنباء في غاية الأهمية، وحتى في هذه الحالة فإن بعض كتابه يصر على موقفه وينال مبتغاه وهو النشر على "ص1".
- الطول المتوسط في أغلب الأحوال، وإن أخذ أحيانا شكلا عرضيا بحيث يشغل نصف الصفحة العلوي مثلا، أو شكل العمود في أحيان أخرى.
وبدون ذكر الأسماء، فمن الممكن القول إن أغلب رؤساء تحرير الصحف العربية يمارسون كتابة هذا اللون، خاصة عندما لا يكتبون العمود، أو أي مقال آخر وحيث يكون هو الجسر الذي يعبره رئيس التحرير إلى عقول قرائه, وفكر مجتمعه ولذلك فمن الممكن أن نطلق عليه اسم: "مقال رئيس التحرير أو من هم في مثل مستواه" في مواجهة المقال الافتتاحي الذي هو "مقال الصحيفة" أو "مقال هيئة التحرير" أو "مقال أسرة التحرير" وهكذا.
وذلك كله -في واقع الأمر- هو ما يدفعنا هنا، لكي نشير إلى بعض خصائص محرره، بالإضافة إلى إشاراتنا السابقة عنه، وذلك على النحو الذي اتبعناه بالنسبة لأغلب أنواع المقالات السابقة، أن من المفروض أن يكون محرره "10 نقاط فقط".
1- من أكثر المحررين ثقافة شمولية وموسوعية متكاملة، مع تركيز خاص على الجانب السياسي الخارجي والداخلي.
2- أكثرهم علما بمجريات الأمور في بلده وما يتصل بأحوال سياستها الخارجية والداخلية، وما يمتد إليه ذلك من دراية بجوهر ومسببات ودلالات القرارات والإجراءات التي تتصل بهذه الأمور، وإلى حد معرفته بما لا يعرفه غيره منها، وبما يمكن اعتباره من الأسرار التي لا تعرفها إلا القلة القليلة جدا من أبناء البلد.
3- من أكثر المحررين معرفة بأهم المصادر في بلده، خاصة تلك التي تعتبر في قمة السلطة السياسية أو التنفيذية أو التشريعية، وبكل من يتدخل بشكل أو بآخر في صنع القرار السياسي الخارجي والداخلي الهام.
4- أن تكون صلته قوية للغاية بهؤلاء ومن هم دونهم مستوى، وأن يكون محل ثقتهم وتقديرهم.
(1/97)

5- أن يكون رصيده من الثقة في نفوس قرائه وزملائه في العمل كبيرا.
6- أن يكون على صلة ودية وإعلامية معا بأهم مصادر الأخبار الخارجية، وهؤلاء الذين يمكنهم تقديم المعلومات والمرئيات ووجهات النظر والتحليلات والتفسيرات وتطورات الأخبار المستمرة, لا سيما "قيادات وكالات الأنباء الخارجية العاملة في بلده أو التي تشترك فيها صحيفته، المراسلون الأجانب والعرب، بعض رؤساء التحرير وكبار الكتاب الخارجيين من العرب والأجانب، رؤساء تحرير الصحف الأجنبية الذين يتصادف وجودهم في بلده، المراسلون المتجولون العرب والأجانب، الصحفيون الذين يحضرون لتغطية الأحداث الهامة والساخنة التي تقع ببلده، بعض الزعماء والقادة والوزراء ممن لهم صلة قوية ببلده ورجاله وأحداثها، السفراء الأجانب والعرب، المستشارون الصحفيون والثقافيون بالسفارات الأجنبية والعربية ببلده، المحللون والمعلقون السياسيون بالإذاعة والتليفزيون الخاص ببلده أو الذين يراسلون الإذاعات العربية والأجنبية.... إلخ.
7- ولكننا نقول هنا إن الصلة القوية لا تكفي وحدها للتعامل مع المصادر الأجنبية، وإنما ينبغي أن تكون في إطار قوي من الدراية بأساليب هؤلاء والخبرة بطرق التعامل معهم والمعرفة الكافية باتجاهاتهم، واليقظة هنا، والحيطة والحذر أيضا هي أمور واجبة تحتمها طبيعة عمله عامة، وتحريره لهذا المقال خاصة، وذلك في ضوء واقع المادة الأجنبية التي يمكن أن يقدمها هؤلاء وتكون متاحة لها، بما يمكن أن يكون مدسوسا عليها أو ممتزجا بها، أو تكون هي ستارا له من مادة تضر بمصالح الوطن والمواطن.
8- أن يكون لرأيه اعتباره، ولوجهة نظره تقديرها في بلده، وبين أوساط صناع القرار، بل لماذا لا نقول إنه هو نفسه يكون من صناع القرار؟ أو الأحداث في هذا البلد؟ والأمثلة والنماذج المشرقة عديدة، على مستوى صحافتنا المصرية أو صحافتنا العربية أو الصحافة العالمية.
9- أن يكون على درجة عالية من الخبرة بأساليب التحرير والبيان الصحفي، له قلمه المعروف وأسلوبه المتميز، ودرجة سيطرته الكافية على لغته العربية، وعلى لغة أجنبية أو أكثر، بحيث يتيح له ذلك كله ألوان القراءة والاستماع والمتابعة والمناقشة، ثم التعبير الصحيح والواضح، بما يتصل به من "بلاغة صحفية".
(1/98)

10- أن يكون على درجة عالية من الخبرة بالعمل الصحفي، وما يتصل به من أمور فنية ومهنية، وأن يجيد القيام بدور رئيس الفريق، أو الموجه له، لأن إعداد هذا المقال -في أحوال كثيرة- يتطلب تعاونا كبيرا بينه وبين الآخرين، وجانبا هاما من جوانب عمل الفريق، خاصة بالنسبة للصحف الأجنبية.
ولكن: ماذا عن أساليب تحرير هذا النوع الهام من أنواع المقالات الصحفية، الذي قلنا إنه يلي المقال الافتتاحي أهمية؟ بل وربما تعنى به بعض الصحف أكثر من عنايتها بالمقال الافتتاحي نفسه بوصفه "مقال رئيس التحرير ومن هم في مستواه"، في أغلب الأحوال وأعمها، أو باعتباره افتتاحية الصحف التي ليست لها افتتاحية؟
ذلك أنه على الرغم من أن حصيلة كتاب هذا النوع من أنواع المقالات من التجارب والخبرات والممارسات تضعهم على درجة عالية من المهارة والكفاءة، والتي تجعل من أساليب تحريرها أساليب إبداعية بالدرجة الأولى، تعكس هذه الإمكانيات كلها، وتجعل باستطاعتهم التغيير والتعديل والتبديل والوصول إلى أساليب جديدة أو متجددة، وإلى أفكار كتابية فريدة، على الرغم من ذلك فقد أمكنني حصر عدد من هذه الأساليب نفسها، مما يتبعه عدد من الكتاب العرب والأجانب:
- أما عن العنوان فإن أشهر اتجاهات تحريره من حيث الشكل والمضمون واللغة -معا- فهي:
- الاتجاه الأول الذي يتبعه بعض رؤساء التحرير أو من هم في مستواهم من كتابة عنوان ثابت لا يتغير، يكتبون تحته مقالاتهم القائدة الموقعة، يليه عنوان خاص بالمقالة نفسها يتغير من مقالة لأخرى، ولا يعني هذا أن مقالنا القائد يكتب يوميا مثله في ذلك مثل المقال الافتتاحي، ولكنه حين يكتب فإنه يكون تحت هذا العنوان الثابت والآخر المتغير بتغير المقالة.
- والاتجاه الثاني الذي يكتفى فيه بالعنوان الأول الثابت الشمولي الذي يرتفع فوق هذه المقالات حين نشرها.
- والاتجاه الثالث لا يكون للمقال فيه عنوانه الثابت، وإنما المتغير من مقال إلى مقال، الدال على مضمونه ومحتواه ومادته، ولعل هذا الاتجاه الأخير يكون من أكثرها استخداما.
(1/99)

ولكنه في جميع الأحوال، العنوان القصير الواضح، والأكثر جاذبية ولفتا لأنظار القراء من غيره من عنوانات المقالات، والذي يظهر فيه شخصية كاتبه وأسلوبه في التعبير، كما دلت الدراسات على أن أكثر أنواع هذه العنوانات استخداما هي: "العنوانات المتغيرة هنا".
- العنوان الاستفهامي.
- العنوان المبرز لفكرة أو زاوية.
- العنوان الوصفي.
- العنوان الإنشائي أو المثير.
- عنوان الجملة المقتبسة.
- عنوان الآية القرآنية أو الحديث الشريف أو الحكمة أو القول المأثور.
- فإذا كان طول المقال يسمح، والمساحة المتاحة تتسع، فإنه يلي العنوان الثابت وحده أو الثابت والمتغير مقدمة قصيرة، تعتبر بمثابة مدخل أو تمهيد لمادة المقال أو موضوعه الأساسي وهذه المقدمة هي في أغلب الأحوال تشبه -من حيث النوعية- أنواع العنوانات السابقة، ولكن يتقدمها جميعها "المقدمة الخبرية" أو "الإخبارية" التي تربط القارئ بالخبر الأساسي الذي يدور حول المقال، وتقيم جسرا بينه وبين فكرته الأساسية كما قد تكون أيضا "مقدمة المختصر" التي تقدم أهم وقائع واتجاهات وأفكار الموضوع الأساسي الذي سوف يتناوله المقال، أو الفقرات والسطور التالية لها، وهناك -ثالثا- "المقدمة الساخنة"، وهي تصلح لبعض المقالات ذات الطابع الهجومي، مع ملاحظة هامة، تلك هي أن مقدمة بعض المقالات قد تكون مختصرة إلى أقصى حد، بحيث لا يلحظها القارئ، وهو أسلوب من الأساليب الفنية المتبعة، والتي تتلاءم مع بعض اتجاهات كتابات المادة نفسها خاصة "المقال الحواري".
وأما عن مادة المقال ووقائعه وشواهده فإن أبرز الأطر والقوالب الفنية التي يتبعها كتابهو والتي تشبه في أحيان كثيرة قوالب تحرير المقال الصحفي العام، فهي:
1- قالب العرض.
2- قالب الوصف.
3- قالب الضوء الخلفي.
(1/100)

4- قالب الضوء التركيزي على فكرة أو جانب.
5- القالب التاريخي.
6- قالب الفقرات القصيرة "المدخنة".
7- قال الأنموذج الآخر "ما هنالك".
8- القالب الهجومي.
9- قالب الحملة "حملة الكاتب الواحد".
10- القالب المقارن.
11- القالب الحواري.
12- قالب السؤال والجواب.
13- القالب النقدي.
14- القالب المختلط.
15- القوالب الإبداعية والابتكارية "كثيرة ومتعددة ومتجددة أيضا".
"ماذا تعني هذه القوالب في مجموعها وما هي أبرز ملامح كل منها؟ ".
- وأما عن النتيجة أو الخاتمة من المقال، فما قيل عن المقدمة يقال عنها أيضا، أي: إن كتابتها من عدم كتابتها مسألة تتصل بحجم المقال، والمساحة المتاحة لنشره ورغبة الكاتب ورؤيته الخاصة, وفي حالة وجود مثل هذه النهاية فهي تكون في أحيان كثيرة إحدى هذه النهايات:
- النهاية المبرزة للفكرة الأساسية من المقال.
- النهاية التذكيرية بجانب هام من جوانبه.
- نهاية التصريح الهام المؤيد لأفكار المقال الأساسية.
- نهاية الدعوة إلى موقف أو عمل ما.
- النهاية الإنشائية "نهاية العبارة القوية أو المتفجرة".
- النهاية المستترة, أو الممتزجة مع سطور المقال الأخيرة.
(1/101)

تدريب عملي " 5 ":
- ادرس المقالات القائدة الموقعة في صحف ومجلات بلدك لمدة شهر, وحاول أن تحدد أهم ملامح تحرير عنواناتها ومادتها التحريرية.
- يعتبر مقال الكاتب إحسان عبد القدوس في مجلة أكتوبر المصرية من أفضل المقالات التي تتبع "القالب الحواري" ادرس هذا المقال لفترة ثلاثة شهور مستخلصا النتائج الهامة مع تركيز خاص على: الأفكار الأساسية, طبيعة الحوار ولغته, جانب الخاتمة.
- أجب بطريقة تطبيقية كلما أمكن ذلك: "وهكذا تقع أهم الفروق بين المقال الافتتاحي والمقال القائد الموقع".
(1/102)

المبحث الرابع: مقال التعليق
"أ"
ولأن الإعلام بفنونه وأجناسه وأطره وأشكاله يتجدد باستمرار، ويتطور دائمًا ولا يبقى على حاله طويلًا، فقد جدت فنون عديدة، واستحدثت أنماط جديدة وأصبح هناك واقع إعلامي اتصالي عام، وصحفي خاص، وتحريري على وجه الدقة تبرز فيه فنون وأطر مختلفة عن تلك التي عرفتها وسائل النشر السابقة على معرفة الطباعة، أو تلك التي كانت معروفة منذ قرن أن نصف قرن من الزمان, تدفع إليها وتؤكدها الحاجة الصحفية المتزايدة إلى تقديم أكثر "عصرية"، وأكثر انسجامًا مع واقع "القارئ الجديد" ومع المرحلة الصحفية نفسها, ولا بأس هنا من أن يكون لوسائل الإعلام في مجموعها دورها المتنافس ثم المتكامل، والذي تتأثر فيه فنون إذاعية وتليفزيونية بأخرى صحفية والعكس صحيح أيضًا.
هكذا جاءت نشأة "مقال التعليق الصحفي" من خلال حاجة الصحيفة المتزايدة إلى تقديم ما هو أكثر من مجرد الخبر العادي، الذي يكون القارئ قد استمع إليه في إذاعة الأمس, وتكرر على أذنه في نشرة الصباح قبل أن تصل إلى يديه -بطريقة ما- صحيفته, وحتى إذا لم يكن قد استمع إليه أو شاهده في نشرة الأنباء المصورة، فإن دائرة الأخبار المسرعة وتزاحمها الكبير، وكثرة الأحداث وتلاحمها، وتشابكها وإلى حد الغموض أحيانًا، وإلى حد توجيه الأخبار وجهات معينة أو تصنيعها، أو "دس" ألوان الأخبار المغرضة والمريضة بين أعمدتها، كل ذلك جعل الحاجة ماسة في عالم اليوم اللاهث القلق المستغل المتصارع إلى استعانة المحرر الصحفي ببعض الأساليب الإذاعية والتليفزيونية -على طريق التكامل بين هذه الأجهزة- ومن بينها هذا النوع من المقالات الصحفية.
"ب"
ومعنى ذلك أن "مقال التعليق الصحفي" يحقق عدة وظائف هامة من وظائف
(1/103)

الصحافة الحديثة بوصفها مدرسة للشعب أو الشعوب عامة، وأهم هذه الوظائف العمل على تكوين رأي عام واع، والمساهمة في دعم المجتمع الديموقراطي، وتحقيق الفهم العام والمشترك لقضايا الوطن الداخلية والخارجية، وذلك فضلا عن الوظائف التقليدية للمقال، وعن طريقها أيضا وهي هنا "الإعلام، الشرح والتفسير، التوجيه والإرشاد، التثقيف، تنمية المجتمع، مواجهة الدعاية المضادة لأجهزة إعلام العدو.. إلخ".
وفي أسلوب جديد لتوضيح ماهية هذا النوع من المقالات نقول إنه -عمليا وتطبيقيا- يعني:
- اختيار خبر هام جدا وساخن للغاية وما يزال في قمة سخونته.
- ولكن الأهمية والسخونة وحدهما لا يكفيان وإنما يشعر المحرر المسئول بحاسته الصحفية والإخبارية والجماهيرية -معا- أن هذا الخبر على الرغم من أهميته وسخونته:
- تكتنفه ظلال من الشك في بعض جوانبه أو فيه كله.
- أحداثه متشابكة ومتلاحمة بحيث يصعب متابعتها.
- له مقدماته وجذوره التي أدت إلى صورته الحالية الساخنة.
- يتطلب رأيا لمحرر أو وجهة نظر لكاتب متخصص تفسره وتبرز جوانب الإيجاب والسلب فيه.
- تتصل به معلومات أساسية وهامة تزيده وضوحا واكتمالا, ولكن المساحة المتاحة خلال هذه الطبعة أو طبعات أخرى لم تمكن من إضافتها إليه.
- التعليق عليه سوف يقوم بتكراره ويقدم جوانب أهميته من زوايا جديدة تستقطب أضعاف قرائه، أو قراء هذا الخبر في صورته الإخبارية البحتة.
- استكمال معقول لأبرز المعلومات المتصلة به دون إسراف في ذلك أو إسهاب.
- الكشف عما يمكن أن يكون مستترا وراء الخبر من أهداف أو اتجاهات مغرضة
(1/104)

أو مريضة خاصة إذا كان الخبر قادما من وكالة أنباء معادية، أو لها مواقف سابقة تؤخذ عليها.
- ابداء الرأي في وقائع الخبر وتفصيلاته ونتائجه واحتمالات تطوراته الحالية والمستقبلة, والتحرز في ذلك واتخاذ جوانب الحيطة بقدر الإمكان خاصة بالنسبة للأحداث الهامة أو الاستشهاد بكلمات كبار المسئولين أو تصريحاتهم أو تعليقاتهم.
- إبراز أسلوب كاتبه في التفكير وطرح الرأي ومناقشته ومقارعة الحجة بالحجة وتقديم الشواهد والأمثلة المؤيدة لوجهة نظره.
- اهتمام أكبر بالإجابة على أداتي الاستفهام: "كيف - لماذا؟ " من خلال وجهة نظر الكاتب.
"جـ"
أنتجت الحياة الحديثة بكل صخبها وضجيجها ومطامع دولها وألوان تسليحها, ونزاع أممها، أنتجت هذا اللون المقالي الصحفي الإذاعي أصلا، ومع تعدد الصور والمشاهد المتشابكة والمريرة والمستعصية على فهم كثير من القراء، أصبح هذا المقال وعلى حد تعبير القائل: "من أهم واجبات الصحافة حتى يستنير القراء, ويقفوا على حقيقة مجريات الأمور"1، وكان لا بد -تبعا لهذا الاهتمام- أن تتعدد أساليب كتابه وأن تتنوع اتجاهاتهم وأن يدخل إليها التجديد والابتكار من أجل جذب القراء إلى هذه المادة الهامة, إذ ما فائدة خبر لا يستطيع القارئ العادي أن يفهمه تماما, وأن يدرك جوانبه وأبعاده لا سيما بعد ظهور أساليب وكالات الأنباء واتجاهات بعضها الاستعمارية، ووضعها "السم في العسل" كما يقولون، إلى جانب تيارات "الأنباء الموجهة" والمفبركة وغير الدقيقة "المصنعة وغير الحقيقية".
على أنه مهما تعددت الأساليب والاتجاهات فإن على كاتب مقال التعليق2 أن يضع نصب عينيه وأن يتذكر جيدا:
__________
1 حسنين عبد القادر: "الصحافة كمصدر للتاريخ" ص174.
2 "Commented Article".
(1/105)

- أن أساس نجاحه الأول يقوم على قدرته في مجال تنفيذ عنصر "الاختيار" ونعني به هنا اختيار ما ينبغي التعليق عليه، وما يستحق، وما يستأهل، وفي ذلك يقول القائل: "إن اختيار الخبر الذي يحتاج إلى تحليل أو تعليق أصعب بكثير من جمع الخبر نفسه"1.
- أنه إذا كان عدد من المحررين يقول إن مقال التعليق قد يكون -في بعض الأوقات- أهم من الخبر الأساسي الذي يتناوله، فإن هذا القول يعتبر على جانب كبير من الصواب وذلك من أجل:
- أنه يعيد نشر الخبر فيطالعه من لم تسبق له رؤيته، مثله في ذلك مثل مقالات أخرى كثيرة.
- فإذا كانت قد سبقت رؤيته بالنسبة لبعض القراء، ففي إعادة قراءته فائدة أيضا.
- أنه يكون أكثر أهمية بالنسبة لظروف وأحوال القارئ العربي.
- أنه يوسع من دائرة الفائدة المتحققة من خلال قيام التعليق بوظائف عديدة سبق ذكرها.
- أنه يلفت نظر المحررين الآخرين إلى أهمية تناول الخبر في أشكال وأطر فنية أخرى.
- ومعنى ذلك كله مسئولية مضاعفة بالنسبة لكتاب مقالات التعليق العرب.
- أن على كاتبه أن يذكر أنه ليس مخبرا، وأنه لا يعظ، ولا يصدر تعليمات إلى القراء ومن ثم فإن الهدف هو الفهم الكامل والواضح للأخبار وما وراء الأخبار.
- أن على كاتبه ألا يتوقف عند حد تقديم المعلومات المفسرة والموضحة، وإنما يخلط بين الخبر، وبين هذه المعلومات من جانب وبين الرأي من جانب آخر، وإلا أصبح مقاله تفسيرا وليس تعليقا مما سيرد ذكره بعد قليل.
__________
1 إجلال خليفة: "اتجاهات حديثة في فن التحرير الصحفي" جـ1 ص106.
(1/106)

- أي: إن من حقه أن يوافق وأن يعترض، موافقة كاملة أو منقوصة، أو اعتراضا يرتكز إلى وقائع وحقائق، كما أن من حقه أن يفند الخبر تفنيدا كاملا يحول بينه وبين التسلل إلى عقول القراء.
- أن عليه أن يعرف أن مهمة مقال التعليق الأولي هي: "تنوير القارئ" وما يتصل بذلك من توجيهه الوجهة السليمة، ومساعدته على تلمس الطريق، وتوضيح معالمه خاصة عندما في مجال السياسة الخارجية.
- أن يبذل المحرر عنايته لمراعاة "صالح المجتمع" ومثله وقيمه وتقاليده وكذا "الأيديولوجيات" التي تسود مجتمعه.
- كل ذلك بمراعاة أن تكون "المناقشة" والمناقشة وحدها هي الخيط الأساسي الذي يربط به مقاله من أوله إلى آخره، وأن يكون الرأي هو العنصر الأساسي الذي يرتبط به هذا الخيط ارتباطا شديدا.
"د"
وللطلاب والمتدربين والمعلقين والمحررين الجدد في بلاط صاحب الجلالة, وبالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، نقول إن تحرير مقال التعليق يمر بعدة خطوات -على طريق التعريف به- هي:
1- فرز المحصول اليومي المتجمع للأخبار الهامة فرزا دقيقا يلمح أبعاد أهميتها وجوانب خطورتها، ثم تصفيتها إلى عدد قليل جدا من الأخبار الجديرة بالتناول.
2- اختيار خبرين منها يكون في حاجة إلى مثل هذا التعليق، ووضع محرر كبير في الصورة بالنسبة لاختيار أحدهما للتعليق عليه، كرئيس أو مدير التحرير أو نائب رئيس التحرير أو محرر خبير ممارس, أما إذا كان أحد هؤلاء هو الذي يقوم بتصفية الأخبار واختيار الصالح منها, فإنه يركز هنا على خبر واحد فقط لا جدال في أهميته، ويشك في صحته أو صحة جزء منه وتكون له مقدماته ونتائجه الخطيرة.
3- وبعد الاتفاق على اختيار الخبر يقوم المحرر بقراءته مرة أخرى قراءة هادئة متأنية ودقيقة، بحيث تمتزج عنده وتختلط في فكره بأخبار ووقائع سابقة مماثلة أو
(1/107)

من نفس المصدر أو الحقل ولها نفس الصفات والرائحة والخصائص أيضا.
4- ولا بأس خلال هذه الخطوة من الاستعانة بما ذكرته مصادر أخرى مثل الصحف أو وكالات الأنباء أو الإذاعات، كلها أو بعضها مع أهمية التنوع بينها، حيث يقوم المحرر وهو على نفس الدرجة من اليقظة والوعي بعقد مقارنة سريعة بين أبرز سمات هذا الخبر نفسه وأهم ملامحه كما جاءت في هذه الوسائل وحيث يقوده ذلك، وهو في دائرة الشك المعلنة عن إيجابيته، يقوده إلى:
- أهم جوانب الاتفاق والاختلاف ودرجات ذلك شدة أو ضعفا.
- معناها الظاهر ومعناها المستتر.
- ما يمكن أن تتضمنه من جوانب خافية أخرى.
- أسباب ذلك.
5- ويساعده على ذلك، إلى جانب خبرته وممارسته وحسه التاريخي والصحفي وفهمه لطرق وأساليب التعامل مع هذه المصادر -خاصة وكالات الأنباء- يساعده مقال سابق لمعلق كبير، أو تقرير هام قام بتوزيعه المكتب الصحفي لإحدى السفارات أو وقائع مؤتمر صحفي يكون قد حضره، أو خطاب يتصل بموضوعه، أو كتاب جديد يتناول هذه النقطة، يساعده ذلك كله في تبين الصحيح من الفاسد والصادق من الكاذب والصالح من الطالح، وتبين أسبابه أيضا.
6- على أن من الأهمية هنا، أن تمتد نظرة المحرر إلى الصحف والمجلات الأخرى التي يمكن أن تسبق بتناوله ليرى موقفها منه، ويخلط بين هذه المواقف وبين اتجاهات هذه الصحف والمجلات وبين النتائج التي توصلت إليها، حيث يكون لذلك أثره في تقرير نتائجه هو، استنادا إلى المقدمات السابقة.
7- على أن يمتد ذلك كله إلى توقفه عند كلمات بعينها، وأفكار دون أخرى، ونتيجة قبل نتيجة، ليسأل نفسه دائما عن السبب، سبب النجاح أو الفشل أو قلة الأصوات أو مقاطعة الانتخابات أو انسحاب المرشح أو قيام المظاهرة أو اندلاع الحريق أو اللجوء إلى العنف أو سفر الوزير المفاجئ أو اجتماع الوزارة على غير موعد أو إلغاء الاحتفال أو الاجتماع، وما إلى ذلك كله.
(1/108)

8- وبينما يفعل المحرر ذلك كله، وبينما يستعين بهذه الأفكار والمقارنات والشواهد ويتوقف عندها طويلا ويفكر فيها مرة ومرة في ضوء تفكير الآخرين، وجوهر الخبر وكلماته -معا- بينما يفعل كل ذلك يمكنه من آن لآخر.
- تسجيل مشروع العنوان غير الثابت، إن كان التعليق يكتب بصفة يومية.
- تسجيل أهم العناصر -باختصار شديد وفي كلمات- التي سوف يتناولها.
- أهم وأبرز جوانب التعليق "ما يمكن أن يسأل القراء عن حقيقته.
- النتيجة الأساسية وما يمكن أن تسفر عنها من نتائج أقل أثرا وقيمه.
9- حتى إذا أتم ذلك كله، كان عليه أن يقوم لكتابة تعليقه، وقد يستعين هنا بخبر قديم أو رأي أو تحليل سابق، يطلبه من مركز المعلومات، ثم وبعد كتابة العنوان الدال المعبر، وهو هنا يكاد يتركز في العنوانات التالية: "الاستفهامي, الوصفي, الجملة المقتبسة, المباشر, الرد المباشر".
- يقوم بذكر مختصر للخبر يطلع القراء عليه ويذكرهم به.
- ينتقل إلى أهم فكرة استطاع أن يضع يده عليها.
- يبين مصدر الشك فيها أو الغموض في بعض جوانبها، أو فيها كلها.
- يوضح دلالات هذا الشك وأسبابه من وجهة نظره وما الذي أراده واضعوه على هذا النحو.
- يشير إلى معنى ذلك، وما الذي يمكن أن يسفر عنه من نتائج عاجلة أو سريعة أو مستقبلية على المدى البعيد أو القصير، مباشرة أو غير مباشرة.
- يركز على النتيجة النهائية والدلالة الأساسية والأولى, وما يمكن أن ينبثق أو يتفرع عنها.
10- على ألا ينسى -خلال ذلك كله- القواعد التحريرية الهامة التي تتناسب وطابع هذا المقال وطبيعة قراءه وصفحته، ودواعي نشره أيضا وهي:
- المناقشة الهادئة الرزينة والأسلوب المقنع.
(1/109)

- العبارات القصيرة المركزة إلى أبعد حد ممكن.
- الصياغة الجذابة.
- عدم التركيز على جانب "الأخبار" بكسر الألف الثانية، وإنما الشرح والتفسير.
- الطابع الجاد والحازم الذي ينال ثقة القراء واهتمامهم.
- الخاتمة الملخصة، التي تقدم الخبر أو الواقعة أو الرأي أو الموقف مرة أخرى، مع مختصر لرؤية المحرر، وما انتهى إليه.
- التوقيع باسم المحرر كاملا، أو بالكلمة الأولى منه، أو بالأحرف الأولى فقط والثبات على ذلك.
11- على أن من أهم عوامل النجاح في كتابة التعليق، وفي موضوعه كله:
أ- عدم التطرف في الاتجاهات والآراء السياسية الخاصة بالكاتب، ومحاولة إقناع القراء بها بالقوة، والتخويف، وليس الإقناع والهدوء.
ب- الحذر والدقة في اختيار الكلمات والتفكير مرة ومرة قبل إطلاق الأحكام.
جـ- الاحتفاظ بملامحه الراسخة في أذهان القراء وعدم تغييرها أو إبدالها من يوم لآخر وذلك مثل: "المكان, الحجم, الإطار، التتابع اليومي أو الأسبوعي.. إلخ"، فإذا تقرر مثلا نشره بصفة يومية أو على الصفحة الثانية أو الأخيرة فينبغي أن يكون ذلك دستورا أساسيا لا محيد عنه وهكذا، إلا في فترات متباعدة شأنه في ذلك شأن المقال الافتتاحي.
د- الاهتمام بتعريف القارئ بالشخصية التي يدور حولها أو حول عمل بارز أو رأي خطير لها تعليق المحرر وتوضيح أهميتها وما قدمته لمجتمعها أو للإنسانية كلها.
هـ- وظهور شخصيتك هنا، وعرض ما تحس به عن حق وصدق هو أسلوب ناجح ومؤثر بشرط أن يكون ذلك بدون إسراف أو مغالاة.
و التنوع في الموضوعات والاهتمامات والمجالات، مطلب هام وعامل من
(1/110)

عوامل النجاح، خاصة من وجهة نظر القارئ الذي تعود قراءة التعليق يوميا.
ز- العمل على كسب ثقة القارئ، وازدياد رصيد محرر التعليق من هذه الثقة باستمرار النجاح والمحافظة عليه، ومضاعفته "عن طريق التعليق الجاد والصادق والنزيه المتزن الذي يناقش رأيا ولا يفرض رأيا"1.
تذكر:
"الصحافة في يد الكاتب الصحفي العظيم ترتفع إلى مقام الأدب, بحيث تهدف في أخبارها ومقالاتها وسائر رسائلها إلى الإنسانية فلا تدعو إلى البغض ولا تحرك حوافز الحرب, ولا تقول بتعصب عنصري أو ديني ولا تغري القراء بمخاطبة غرائزهم السفلى"2.
__________
1 وليم الميرى: "الأخبار مصادرها ونشرها" ص142.
2 سلامة موسى: "الصحافة حرفة ورسالة" ص49.
(1/111)

المبحث الخامس: مقال التفسير
"أ"
نوع آخر هام من أنواع المقالات الصحفية عامة، ومقالات المجلات خاصة، من مثل هذه التي أنتجتها نفس الظروف التي أدت إلى وجود مقال التعليق -السابق- ولا سيما:
- اختصار معظم الأخبار وتركيزها حتى تستوعب الصفحة أو الصحيفة عددا كبيرا منها، أكبر عدد ممكن.
- الواقع الذي يسود عالم اليوم بما فيه من شحن معنوي واضطراب وقلق ومنافسة وحروب محلية وإقليمية واقتصادية وسباق تسلح في الأرض والبحر والجو ومحاولة السيطرة على الشعوب بأساليب جديدة تبدأ بالسيطرة على العقول، وحتى المقدرات والثروات.
- سلبية أجهزة المنظمات الدولية والإقليمية.
- غموض بعض الأخبار السياسية الواردة من الخارج أو المتسربة إلى الداخل بطريقة ما عن عمد أو عن غير عمد.
- الأمية السياسية التي يعيشها المواطن في بلدان كثيرة.
- انحسار المد الثقافي وانتشار معلومات وكتب "البرشامة" غير المؤثرة في إيجابية كاملة على فكر الإنسان وتطوره، أو المؤثرة تأثيرا عكسيا سلبيا.
- قيام ثورة الاتصالات والمعلومات بما تستطيع تقديمه من إمكانية التغطية الكافية والمؤثرة.
(1/112)

ومن هنا ظهر هذا النوع من المقالات، بل كان ظهوره سابقا على "مقال التعليق" حيث يعتبر الأخير تطويرا له، وإضافة إليه ومن هنا يصح القول بأن التفسير والتعليق هما مقالان شقيقان يقف الأول منهما -مقال التفسير- عند حدود الشرح والتوضيح الموضوعي لجوانب الخبر الخافية على معظم القراء ولا يتجاوزها إلا قليلا، ولكنه شرح وإضافة تفوق جوانب الشرح والإضافة التي تصاحب مقال التعليق، كل ذلك بينما يختصر المقال الأخير -التعليق- جانب الشرح الإضافة ولكنه في الوقت نفسه يضيف إليها جانب الرأي بصفة أساسية، وما يتبعه أو يتطلبه من مناقشات وحوار، وهذا في الواقع هو الخلاف الأساسي الذي يكون أكثر وضوحا وبروزا من جوانب الخلاف الأخرى بين المقالين الشقيقين.
"ب"
وربما كان هذا هو السبب في أن أكثر المراجع العربية قد تجاهل هذا الفن من فنون المقال، أو هذا "النمط المقالي"، حيث تذوب الحدود أحيانا بينه وبين شقيقه المطور له، وإلى حد اختلاطهما ومن هنا أيضا فإن بعض الزملاء يعتبر التعليق تفسيرا والتفسير تعليقا، طالما أن نسبة الشرح إلى الرأي غير محددة تماما، وغير مقننة كما نفعل بالنسبة للعلوم الأخرى، وطالما أن الأهداف واحدة -إلا قليلا- وأن الإطار بل والمساحة نفسها تكاد تكون واحدة.
ولهؤلاء أقول: مهلا، فإن هناك الخلافات الأخرى العديدة، حتى وإن نبع بعضها أو تفرع عن الخلاف السابق نفسه: "التركيز على الشرح والتفسير أولا في مقال التفسير وإضافة الرأي في مقال التعليق"، ومن قال إن كل شقيق لا بد وأن يتشابه مع شقيقه في كل شيء؟ ومن قال إن اختلاف الألوان وامتزاجها يمنع -علميا- من ترشيحها وتحليلها وفصلها؟
أريد أن أقول إن هناك عدة فروق أخرى في الملامح والمعالم والصور والأساليب تجعل من كل منهما فنا قائما بذاته وله كيانه الخاص، ومن بينها مثلا:
- أن أهداف ووظائف مقال التعليق أكثر تطورا وشمولية وفائدة للقراء والمجتمع.
- أن الأثر الإذاعي والتليفزيوني أكثر وضوحا في مقال التعليق أيضا.
(1/113)

- أن مقال التفسير يتطلب من محرره قدرا كبيرا من الثقافة العامة والموسوعية في أحيان كثيرة، وحتى إذا كان متخصصا فلا بد من إضافة هذا القدر إلى مجال تخصصه، بينما يتطلب مقال التعليق قدرة على رصد جوانب الإيجاب والسلب وعلى المناقشة الواعية وطرح الأراء والدفاع عنها والوصول إلى نتائج محددة تكون في صالح القراء والوطن كله.
- ولعل ذلك هو السبب في أن بعض كبار الكتاب الصحفيين الأجانب يحلو له أن يطلق على محرر مقال التفسير أنه رجل "نظري"، وعلى محرر مقال التعليق أنه رجل "عملي" ويضيف بعض هؤلاء إلى ذلك قولهم1 إن الأول يهدف إلى الجانب الفكري والثقافي أولا، بينما يهدف الثاني إلى تغيير الاتجاهات والآراء والمواقف والسلوكيات ونقل القراء من حالة إلى حالة.
- ولزيادة الوضوح والدلالة أقول إأن الفارق بين الكاتبين يمثل الفارق بين طبيبين، كلاهما طبيب ويحمل نفس الدرجة العلمية وعضو بنفس النقابة ويعمل في نفس التخصص, ولكن الأول يعنى أول ما يعنى ويهتم بادئ ذي بدء بقصة المرض وتطوراته ودقائق ذلك ويعطي للمريض معلومات مفيدة وقيمة عن نوعية هذا المرض نفسه وقد يضيف إليه تجارب مع مرضى آخرين ومشاهداته في عدد من المستشفيات العالمية وأقوال كبار الأطباء عنه، وما إلى ذلك كله، ويتوقف عند هذا الحد، أما زميله الطبيب الثاني -ويمثل هنا كاتب مقال التعليق- فهو يقدم معلومات معقولة وذات قدر طيب ولكنه سرعان من ينتقل إلى تشخيص الداء ووصف الدواء الذي يساعد على شفاء المريض والانتقال من حالة إلى حالة مغايرة.
- أن مقال التعليق ينشر بشكل ثابت في كثير من الأحوال وتحت عنوان ثابت في أغلبها أيضا، وليس كذلك مقال التفسير.
"جـ"
قياسا على ذلك، وتأكيدا له، فإن التفسير يتضمن بعض هذه الصور أو جميعها أو يقوم كاتبه بإلقاء أكثر من ضوء، هي:
__________
1 مثل: "Brennecke & Clark & Hohenberg" وغيرهم.
(1/114)

- ضوء وصفي: يتناول المناخ أو "الجو العام" الذي وقع فيه الحدث والمكان أو الأماكن المتصلة به بما يمكن تقديمه من وصف لجغرافية المكان نفسه واقتصادياته وعوامل القوة أو الضعف فيه.
- ضوء معلوماتتي: يركز على استكمال شامل لمختلف جوانب الأهمية المتصلة بهذا الخبر بعناصره وتطوراته المختلفة، كما يكون من حقه الاستعانة بالبيانات والإحصائيات المفيدة, ويجوز استخدام الرسوم التوضيحية والبيانية والخرائط المختلفة.
- ضوء إنساني: بالاهتمام بالتعرف الكامل على شخصيات أبطاله وتصرفاتهم واتجاهاتهم ومواقفهم السابقةو وهل هم من الحزبيين أو المستقلين أو المعارضين وربط ذلك كله بمادة الخبر أو الرأي أو الموقف ونتائجه.
- ضوء تاريخي: يقدم قصة الحدث أمس واليوم وأبرز التطورات المتصلة به.
- ضوء استشهادي: يقدم الأمثلة والنماذج والمواقف والتجارب المماثلة في البلد نفسه أو البلاد الأخرى, على أن يكون ذلك كله في إطار تفسيري كامل أو في أسلوب آخر يكون التفسير هو الأصل والأساس في إلقاء هذه الأضواء, والخيط العام الذي ترتبط به أو تشد هذه الجوانب نفسها إليه، بوصفها "الأركان الخمسة" التي يتكون منها مقال التفسير.
وصحيح أن بعض الزملاء يقول بقيام عدة أركان أو أعمدة أخرى، مثل جانب "تحليل الأسباب والدوافع الكامنة وراء الحدث"1، أو توقع النتائج المحتملة أو محاولة استكشافها وذلك جائز في أحيان قليلة، ولكنه ليس واجبا على المحرر أو شرطا قائما، أي: إن ذلك يجوز ولا يجب وإلا تداخلت المقالات وذابت الحدود، خاصة بين مقال التفسير وبين المقال الافتتاحي والمقال التحليلي, بل بينه وبين شقيقه المطور نفسه -مقال التعليق- وحتى لا تتطور مثل هذه التجاوزات فنجد أنفسنا في النهاية ونحن لا نعرف ما لفن من الفنون وما لفن آخر، وهكذا.
__________
1 وليم الميري: "الأخبار مصادر ونشرها" ص132.
(1/115)

"د"
إضافات عديدة تساهم في تحديد صورة "مقال التفسير" بأبرز ملامحه القائمة فوق الصفحات نفسها، وتحاول أن تقترب -مرة أخرى- من أهم خصائصه:
- فمن المؤكد أن عنصر الاختيار هنا قائم أيضا وأساسه الذي يقوم عليه تلك القاعدة الصحفية التحريرية التي تقول: ليست كل الأخبار تتطلب تفسيرا، وإنما المهمة وغير المكتملة والغامضة.
- ومن أجل ذلك فالتفسير -أو مقال التفسير- مقال غير منتظم النشر أو الصدور وإنما يكون ذلك في الأوقات التي تطلبه والأخبار والآراء التي تحتاجه فقط.
- ويقبل هذا النوع الاستعانة ببعض الكتاب المتخصصين في مجالاتهم المتصلة بالأخبار المتخصصة وكذلك بالمصاحفين، وحيث يحمل هذا المقال اسم كاتبه ويدل عليه في أغلب الأحوال.
- ومقال التفسير تحكمه عدة اعتبارات أخرى في مقدمتها طابع الصحيفة أو المجلة، وطبيعة قرائها ونظام المجتمع، والاتجاهات السائدة فيه، والمحصول اليومي من الأنباء الهامة التي يلف الغموض بعض جوانبها وحاجتها إلى الشرح الموضوعي الذي يقدم في الوقت المناسب ليؤدي أثره، وبالنسبة للنقطة الأخيرة نقول إنه ليس من المعقول -مثلا- أن يكتب مقال تفسيري لنظام جديد من نظم الانتخابات كالقائمة النسبية أو المطلقة، بعد الانتهاء منها، وهكذا إلا إذا كان تفسيرا للنتائج نفسها.
- على أن من الأهمية هنا الإشارة إلى جانب "تفسير النتائج" ووضعها في دائرة الضوء الذي يقربها إلى القراء ويجعلها أكثر وضوحا، وليس تفسير الوقائع والأحداث والآراء فقط، دون أن يتعدى ذلك حدود التفسير ووظائفه.
- وإذا كانت أجهزة المعلومات الحديثة تفيد الصحيفة والكاتب في حالة مقال التعليق، فإنها تقدم له هنا فائدة مضاعفة، حيث إن لب هذا العمل وجوهره وأساسه معلوماتي بالدرجة الأولى.
كما أن المعلومات الهامة والمتنوعة هي طريق كاتبه إلى عقل القارئ وإلى اصطناع
(1/116)

أساليبه المختلفة، ونشير هنا بالذات إلى أجهزة مثل "الذاكرة الأليكترونية, جهاز المعلومات المرئية, بنوك المعلومات"، وذلك إلى جانب الأجهزة التقليدية التي تعمل في إطار مراكز المعلومات والتوثيق والمكتبة الصحفية، وما إلى ذلك كله.
- وأخيرا قد يسأل سائل ما دام للمقال التفسيري كل هذه الخصائص في الشرح والتفسير، ألا يعتبر فنا "مكررا" وصورة أخرى للنوع السابق من المقال الافتتاحي الذي أطلقنا عليه تعبير "المقال الافتتاحي الشارح المفسر".
والحقيقة أنهما ينتميان معا إلى نفس المدرسة "التفسيرية"، وهي من أهم مدارس المقال الصحفي، وأساس عملها ونتاجها واضح ومعروف، ولكنهما على الرغم من هذا الانتماء "المضموني" إلا أن هناك -بعد ذلك- أكثر من فارق هام بينهما يمكن للدارس والمتدرب أن يتبينه بسهولة، ومن بين هذه الفروق على سبيل المثال لا الحصر:
- أن المقال التفسيري لا يمثل رأي الصحيفة وموقفها دائما وفي جميع الأحوال كما هو الحال في المقال الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن المقال التفسيري يوقع باسم كاتبه على عكس الثاني.
- أن التفسيري غير مرتبط تماما ولفترة طويلة بالنشر اليومي، وبعامل الثبات الزماني والمكاني وما يتصل بالمساحة في أغلب الأحوال كما هو شأن الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن من الممكن أن تنشر الصحيفة في العدد الواحد أكثر من مقال تفسيري واحد متشابه، بينما وصل العدد في بعض المجلات إلى خمسة مقالات تفسيرية إلى جانب المقال الافتتاحي أو جانب مقالين افتتاحيين كما هو الحال بالنسبة لصحافة المجلة في بعض الأحوال، وهو ما لا يحدث بالنسبة للصحف اليومية إلا في أحوال نادرة -نشر افتتاحيتين- وإن حدث أحيانا بالنسبة لبعض الصحف الأسبوعية لاقترابها من طابع المجلات.
- أن الصحف لا تعقد اجتماعات خاصة بالمقالات التفسيرية، بينما تعقدها بشأن الافتتاحية.
(1/117)

- أن مقال التفسير أكثر طولا وأكبر مساحة في أغلب الأحوال من الافتتاحي الشارح المفسر.
- أن مقال التفسير قد يقوم بكتابته أحيانا بعض المتخصصين من خارج أسرة الصحيفة أو المجلة وليس كذلك الافتتاحي، ولا ينبغي أن يكون.
- أن العائد المعنوي يصل أولا بمحرر التفسير ويعود عليه نجاحا أو فشلا، وأما بالنسبة للمقال الثاني فهو يعود إلى وسيلة النشر ذاتها، بالإيجاب والسلب معا.
إلى غير هذه كلها من فروق واختلافات.
"هـ"
لا نترك هذا النوع من المقالات دون أن نشير إلى بعض ملاحظاتنا عليه بالنسبة لعدد من الصحف العربية، خلال الفترة الأخيرة، مشفوعة بعدد من نتائج دراسة لنا على صحف: "الأهرام، الأخبار، مايو، الاتحاد، الخليج، السياسة، الرأي العام، الراية، الرياض، الشرق الأوسط"، وهي التي أسفر عنها الاختيار العشوائي لعشر صحف، وذلك خلال أربعة شهور من عام 1980 هي: "يناير، إبريل، يوليو، أكتوبر"،
- أن أكثرها نشرا لهذه النوعية من المقالات هي على التوالي: "الشرق الأوسط, الأهرام, السياسة"، وأقلها صحيفة "الراية"، وكانت الأرقام المسجلة هي 185 مقالا تفسيريا بالنسبة للأولى، 181 للثانية، 157 للثالثة و92 بالنسبة للأخيرة.
- أن أغلب هذه الصحف -خاصة الشرق الأوسط- كانت تستعين بعدد من الكتاب "المتعاونين" من خارج أسرة تحريرها، وكانوا بالنسبة لهذه الصحيفة بالذات من الكتاب العرب بالصحف والمجلات العربية الأخرى.
- أن صحيفة "الأهرام" كانت أكثرها استعانة بالكتاب المتخصصين وكانت نسبة كبيرة من هؤلاء من رجال القانون وأساتذة الجامعات وتأتي بعدها صحيفة "الاتحاد" ثم "الرأي العام".
- أن بعض هذه الصحف كان يستعين في بعض الأحيان بتفسيرات وكالات الأنباء
(1/118)

والصحف والمجلات الأجنبية وقد برز في هذا الاتجاه صحف: "السياسة, الرأي العام".
- أن أكثر هذه الصحف كانت تتبع أسلوب التحرير والنشر التقليدي الذي درجت عليه الصحف العربية في مجموعها، والذي يتبع المدرسة الكلاسيكية التي تقول بالفصل الكامل بين الأخبار ومقالات التفسير التي تتناولها، بل كثيرا ما كانت هذه المقالات في صفحات مختلفة، وأحيانا بعد نشر الخبر بيوم أو يومين.
- أن أغلبها كان ينشرها على صفحة الرأي أو الافتتاحيات.
- أن التفسير الموضوعي تماما، المحايد حيادا "مطلقا" أوشك على الاختفاء من هذه الصفحات، حيث كانت نسبة كبيرة جدا منها تعكس اتجاها حكوميا أو رسميا أو حزبيا، وقد ظهر ذلك بوضوح خاصة على صفحات "مايو, الخليج".
- أن بعض مقالات التفسير كانت في أحيان كثيرة ضعيفة "البنية" ضحلة المضمون، تبدو قلقة مترددة وغير ثابتة وإلى حد أن أكثر شطورها كانت مجرد ترديد للخبر أو حقائقه، مضافا إليه تصريحا لشخصية كبيرة بعكس ما رأيناه في عدد من الصحف والمجلات الأجنبية.
- أن تفسيرات صحف: "الشرق الأوسط، الأخبار، الأهرام" كانت أكثرها تنوعا في الموضوعات التي تناولتها، وأن أغلب هذه الموضوعات بصفة عامة كانت هي:
- الموضوعات السياسية.
- الموضوعات الاقتصادية.
- الموضوعات العلمية.
- أن الموضوعات العشرة الأولى التي تفوقت على غيرها في اهتمامات المقالات التفسيرية لهذه الصحف كانت هي على وجه التحديد:
"أحداث إيران التي أسفرت عن سقوط الشاه وحكم الإمام الخميني والموقف داخل إيران والعلاقات العربية الإيرانية عامة والخليجية الإيرانية خاصة، حرب الخليج، العلاقات المصرية الإسرائيلية، مجلس التعاون الخليجي، الأحداث
(1/119)

اللبنانية، حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية وأحداثها ونتائجها، اجتماعات الأوبك والأوابك وما يتصل بأسعار البتروك، خطط التنمية العربية، العلاقات العراقية السورية الفلسطينية الليبية، العلاقات العربية الليبية".
"ز"
لا نترك هذا الموضوع أيضا دون إشارة إلى أهم اتجهات وأساليب تحرير هذا المقال الصحفي الهام، والأكثر أهمية من كثير من المقالات بالنسبة للقراء العرب، ومن هنا، وبعد العنوان الثابت الذي تكون قد اختارته له الصحيفة أو المجلة -إذا كانت تسير على هذا النحو- وكذا بعد العنوان المتغير المختصر جدا، الجذاب والواضح إلى أقصى درجة، يكون على محرره الخبير والمثقف والأقرب إلى الموسوعية، وعن طريق الإفادة من مصادر المعلومات المتاحة، يكون عليه أن يختار بين أحد هذه الأساليب أو بين أكثر من أسلوب منها وهي:
أ- أسلوب التناول المعلوماتي: أقدم أساليب كتابة مقال التفسير وأشهرها وأكثرها سهولة، ويقوم على أساس إضافة معلومات إخبارية جديدة وقديمة تؤدي بدورها إلى وضوح الخبر وتساعد على فهمه وهو هنا يشبه أسلوب "الترقيع أو سد الثغرات" عن طريق المعلومات وحدها، وعلى الرغم من قدمه وسهولته ومع توافر أجهزة المعلومات الحديثة، إلا أنه أسلوب أقل إيجابية مما هو مطلوب في مثل الأحوال والظروف الدولية أو الداخلية الهامة، حيث يذكر بأسلوب "الاستكمال" العادي لفنون التحرير الأخرى.
ب- أسلوب التناول التاريخي: وهو أقرب أساليب كتابة التفسير الصحفي -أو مقال التفسير- إلى الأسلوب السابق، ويختلف عنه في تركيزه الشديد على "قصة الحدث" وتطوراته التاريخية وقد يتطرق إلى قصة صناعه "دولة جديدة، حزب، شخصيات, عصابات دولية ... إلخ" أو في أسلوب آخر، أنه يفسر الأحداث ويعلق عليها تعليقا "تاريخيا" أو من زاوية "التفسير التاريخي للأحداث".
جـ- أسلوب التناول المقارن: ويستند فيه محرر هذا النوع من المقالات إلى عقد مقارنة بين الحدث الذي يقوم بتفسيره وبين حدث آخر، أو بين أكثر من حدث
(1/120)

مشابه أو مختلف بحيث تساعد هذه المقارنة على شرح وتفسير وتوضيح الحدث الأول موضوع هذا التفسير أو يراه القراء من خلال "الضوء المقارن".
د- أسلوب التناول اللغوي: ويقوم أصحاب هذا الاتجاه بتتبع كلمات الخبر أو الواقعة أو الموقف أو الرأي تفسيره كلمة كلمة، بل وحرفا حرفا، وذلك من حيث إن المادة التي يقوم بتفسيرها -الخبر مثلا- هو رسالة إعلامية ذات نسيج لغوي، وهذا النسيج يتكون من خيوط عديدة ويمكن عن طريق الإمساك بها وتتبعها أن نصل إلى حقيقة كل شيء ولكنه بالطبع ليس أي تتبع للكلمات بهدف تعداها أو إعرابها أو الإعجاب بلغة محررها، وإنما التتبع من أجل الغوص وراء الكلمات والسطور وخلفها وتحتها وبين السطور نفسها، حتى نصل إلى سرها الكامن ونقدمه للقراء، أو أن سئت فقل إنه وضع للنقاط فوق الحروف مما يزيل من حالات اللبس والغموض التي تكتنفها، وهذا الاتجاه قوي وسائد ولكنه يحتاج إلى خبرة كبيرة وثقافة عريضة باللغة وأساليبها إلى جانب الثقافة العامة والتمرس بهذا العمل الهام.
هـ- أسلوب التناول المختلط: وهو الذي يخلط فيه محرره بين أكثر من أسلوب من الأساليب السابقة بغية إعطاء فرص متزايدة للتفسير المتنوع، المشرق والجذاب، ولكن هذه الطريقة الأخيرة تحكمها عدة اعتبارات، وإلا كانت نتيجتها عكس الاتجاه المأمول، أما هذه الاعتبارات فهي:
- أن يكون له ما يبرر قيامه.
- أن يكون طول المقال مما يسمح بذلك.
- أن تكون المساحة المتاحة مما يسمح بهذا الخلط أيضا.
- ألا يكون بين أكثر من أسلوبين في أغلب الأحوال، حتى لا يحدث التعارض وتقع التجاوزات التي تشتت ذهن القارئ.
وهكذا نجد أن الخلط بين الأسلوبين المعلوماتي واللغوي أو التاريخي والمقارن يمكن أن يعتبر خلطا معقولا عندما يكون هناك ما يبرر قيامه: "جفاف المادة، تشابك الأحداث بكثرة, غموض وإبهام نتائج عديدة وإلى حد يفوق الحد العادي".. إلخ.. لكن الخلط بين المعلوماتي واللغوي والتاريخي معا، صعب في حدود المساحة المحدودة، والاستعداد الذهني لعدد كبير من القراء.
(1/121)

ومن هنا يكون على المحرر أن يفكر مرة ومرة قبل اتباع هذا الأسلوب، حيث يجب أولا أن يكون قادرا على صهر هذه الأساليب التي يختارها في مزيج يمكن أن يحقق ما يهدف إليه من تنوع وجاذبية.
ز- الأساليب الإبداعية: ويطلق عليها البعض "الأساليب غير الفنية" لأنها ترتبط ارتباطا أساسيا بطريقة ما، أو شكل معين، بل يتمرد كتابها ومحرروها على الطرق والأشكال والأنماط والقوالب المختلفة، ونحن نرى أنها أكثر "فنا" وأكثر استخداما للمواهب، وقدرات المحررين الابتكارية، وحسهم الإبداعي، كما أن "التمرد" على القوالب والأساليب والأشكال الموجودة هو طبيعة الفن وسمة الفنان المبدع الذي يستطيع أن يبتكر لنفسه، ولمقاله القالب الجديد غير المعروف أو المعهود، وما دامت الكتابة في حد ذاتها عملية ابتكارية بالدرجة الأولى، وما دام التحرير الصحفي له جانبه الإبداعي الذي نعترف به ونقدره1، فإن هذه الأساليب الإبداعية تقف عندنا على نفس الأهمية من الأساليب السابقة، بشرط:
- أن تكون ملائمة للمادة نفسها.
- أن تسفر عن مادة واضحة ومفهومة تعرف طريقها إلى عقل القراء.
- ألا يطغى جانب أسلوب التعبير على جانب المضمون أو الفكرة الأساسية وتلك الأفكار المتفرعة عنها.
وهذه الأساليب كثيرة ومتعددة، ويستحدث الكتاب المبدعون منها الشيء الكثير.
تذكر:
"لا تكتب مقالة من أجل هدف شخصي، ولكن على المحررين أن يضعوا نصب أعينهم أن الحياد التام في معالجة المسائل العامة والأحداث الهامة، ليس مرغوبا تماما كما أنه غير محتمل"2.
__________
1 من أجل ذلك كانت دعوتنا إلى أن يدرس طلاب الإعلام: "الإبداع الإعلامي" في كتابنا السابق "الفكرة الإعلامية".
2 Stewart, K & Tebbel J. "Makers of Modern Journalism" p. 441.
(1/122)

المبحث السادس: المقال العمودي أو العمود الصحفي
مدخل
...
المبحث السادي: المقال العمودي أو العمود الصحفي 1
- مدخل:
وتتعدد فنون المقال الصحفي، ويعرف له أكثر من شكل، وأكثر من نمط، وهي مع تعددها وكثرة أنواعها وتكرار أنماطها تبدو وكأنها:
- تتلاءم مع طبيعة العصر وخصائصه، وتواكب متطلباته وإيقاعه السريع أيضا.
- ومع ظروف القراء وتأثيراتها على مقدرتهم الاستيعابية والتركيزية، ودرجة صبرهم على القراءة.
- وكثرة أنشطته، وزخم مشكلاته وامتلاء صفحته بالأحداث والوقائع.
- وتعدد الأفكار والاتجاهات والأساليب التحريرية.
ومن هنا، ولأن العصر نفسه هو عصر السرعة والاختزال والقصد إلى الهدف من أقصر طريق، عصر "المايكرو" و"المختصرات" و"البرشام" والقارئ المتسرع المتعجل اللاهث وراء أي شيء، أو وراء لا شيء.
ولأنه أيضا عصر "الأثير" و"الأسلاك الساخنة"، ومراكب الفضاء، والصواريخ تماما كما أنه عصر القصة القصيرة، والأقصوصة، والأغنية السريعة، وحيث لا وقت للروايات أو الملاحم أو الحوليات أو أغنيات الطرب وأحاديث السمار في ضوء القمر، ولياليه الطويلة.
__________
1 "Column".
(1/123)

ولأنه -في النهاية- العصر الذي تقوم فيه الصحف -أو ينبغي أن تقوم فيه- بالأدوار السابقة في مجموعها، بدءا بالدور الإعلامي الإخباري، ومرورا بالدور التفسيري، وحتى دور الإمتاع والمؤانسة.
لأن العصر هو عصر ذلك كله، فقد كان على الصحف أن تتحول إلى الأخبار الصغيرة والمتوسطة وإلى أسلوبها التلغرافي الذي يعد الكلمات عدا، أو يزنها بميزان حساس، تماما كما كان عليها وحتى يمكنها أن تحافظ على وجودها نفسه، على كيانها ذاته، وإلا أصبحت غريبة او شبه غريبة، أو تعيش بمعزل عن هذا الطابع اللاهث السريع، كان عليها أن تقدم "صياغة عصرية مناسبة" أو أكثر مناسبة، للمادة المقالية، وعلى طريقة "ما قل ودل" أو كما يقول البلغاء "دلالة قليل على كثير".
وحيث جاءت هذه الصياغة الجديدة في شكل "المقال المختصر" بفتح التاء والصاد ذلك الذي أطلقت عليه عدة أسماء من بينها أو أهمها: "المقال القصير، المقال العمودي، مقال العمود، العمود الصحفي" ... إلخ.
(1/124)

- تعريف:
وبعد هذه الإشارة السريعة إلى الفلسفة التي تكمن وراء الحاجة إليه أو الدافع إلى وجوده ونشره، فإننا نتوقف قليلا عند بعض التعريفات الدالة عليه، من تلك التي قدمها نظريون أو تطبيقيون، أو ما توصلنا إليه عبر دراساتنا الخاصة، لتكون هي نفسها -بالإضافة إلى المادة المنشورة فوق الصفحات- بمثابة دليلنا العملي الذي يقودنا إلى خصائص هذا النوع من أنواع المقالات ماذا تقول هذه التعريفات؟ أن العمود الصحفي هو:
- "إذا قلنا إن المقال الصحفي العادي هو المائدة الحافلة بألوان الطعام فإن العمود هو الطبق الرئيسي فيها، وأحيانا يكون مثل "السندويتش" الذي يتناوله الإنسان وهو في طريقه إلى عمله، أو يجلس إلى مكتبة أو يشاهد المباراة في الملعب، ولكنه يجب أن يكون مليئا بالفيتامينات شهيا ولذيذ الطعم وحلو المذاق أيضا"1.
__________
1 من حديث خاص أدلى به إلي الباحث المرحوم الأستاذ علي أمين صاحب ورئيس تحرير أخبار اليوم ومحرر عمود "فكرة" أشهر أعمدة الصحافة العربية الحديثة وذلك في يناير 1976.
(1/124)

- "أصغر المقالات الصحفية حجما ومن أكثرها أهمية، وهي تعبر عن كاتبها وتعكس شخصيته واهتمامه وثقافته وتؤدي دورا إعلاميا وصحفيا لا سبيل إلى إنكاره"1.
- "حديث شخصي يومي أو أسبوعي لكاتب بعينه يوقعه باسمه وتحت عنوان ثابت مثل "نحو النور" للأستاذ محمد زكي عبد القادر و"ما قل ودل" للأستاذ أحمد الصاوي محمد و"فكرة" للأستاذ علي أمين, ويمكن أن نطلق على العمود النبذة اليومية أو الأسبوعية أو الكلمة الشخصية أو كلمة المحرر"2.
- "فكرة أو رأي أو حل لمشكلة تنشر في عمود أو جزء من عمود وغالبا ما لا يتغير كاتبه وفيه تظهر ذاتيته وحاسته الصحفية التي عرف بها لدى القراء.."3.
- "أنه المادة الصحفية التي تتسم دائما بطابع صاحبها أو محررها في أسلوب التفكير وأسلوب التعبير ولا تتجاوز في مساحتها عمودا صحفيا على أكثر تقدير، وتنشر بانتظام تحت عنوان ثابت وتوقيع ثابت هو توقيع المحرر"4.
- "كلمة صاحبه في نطاق سياسة الجريدة"5.
__________
1 من حديث أدلى به الأستاذ عبد المنعم الصاوي إلى طلاب قسم الإعلام بجامعة الرياض بمكتبه بجريدة الجمهورية القاهرية في يناير 1976.
2 حسنين عبد القادر "الصحافة كمصدر للتاريخ" ص164.
3 محمود فهمي: "فن تحرير الصحف الكبرى" ص202.
4 عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" ص308.
5 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" ص216 من مقال بقلم: "أحمد رشدي صالح".
(1/125)

من قصته:
أ- وكما رأينا على صفحات سابقة من أن فن المقال الحديث له مقوماته وجذوره القديمة، والقديمة جدا في بعض الأحيان، فإننا نرى هنا أن هذه الجذور نفسها مصرية أو عربية هي أقرب إلى شكل "المقال العمودي" وإلى جوهره، لا سيما من حيث قصرها وتعدد موضوعاتها، بل من حيث أسلوبها القوي والبليغ أيضا، وإذا كنا قد أشرنا في هذا المقام إلى الحكم والمواعظ المصرية القديمة التي قدمها "كاجمني" أو
(1/125)

"بتاح حتب" أو غيرهما، وإذا كنا قد أشرنا كذلك إلى النقوش الموجودة على شواهد القبور في مصر أيضا وفي جنوب شبه الجزيرة العربية، وعند الرومان واليونان ثم إلى بعض الفنون والكتاب العرب، فإننا نركز هنا -عند الأخيرين- على بعض الفنون التي تعتبر من مقدمات العمود الصحفي وأصوله القديمة الأدبية الطابع، ومن أهمها هنا:
- الرسائل القصيرة جدا والموجزة للغاية ولكنها على قصرها وإيجازها كانت متعددة الأغراض والمجالات، بل حاول بعض كتابها الخوض في نفس مجالات أو موضوعات القصيدة الشعرية كالمديح والوصف والرثاء والهجاء والحماسة والاعتذار والتشوق والغزل والاستعطاف وغيرها.
- بعض قطع الأدب المترجم عن الهندية والفارسية إلى العربية وصور تقليده العربية والتي أطلق المؤرخون عليها اسم "الأدب التعليمي"، وحيث كانت النصائح والحكم والأمثال والقصص القصيرة جدا -الأقصوصة- المضروبة للتمثيل.
- كتابة "التوقيعات" التي تتجه إلى تحديد الهدف والقصد من أقصر طريق وبأسلوب بليغ استنادا إلى القاعدة التي تقول: "خير الكلام ما قل ودل"، وهي نفس القاعدة التي تتضمن الفلسفة القائمة من وراء مقال العمود.
ب- وقد عاد الاهتمام بالعمود في الصحافة المصرية منذ نهاية القرن الماضي، وكان هذا الاهتمام يخمد في فترات، ثم يرتفع ويزداد في فترات أخرى، وحيث ازدهر على يد عدد من الكتاب الموهوبين في نهاية القرن الماضي، والعشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر:
"إبراهيم المويلحي، محمد المويلحي، أحمد حافظ عوض، أمين الرافعي، أنطون الجميل، المازني، طه حسين، سلامة موسى، عبد القادر حمزة، محمد أبو شادي، حسن صبحي" وغيرهم.
ويلاحظ أن الطابع الأدبي الذاتي كان يغلب عليه دائما كما كان بعضه يتخذ له عنوانا ثابتا يحمل تعبيرا أدبيا، مثل: "ألوان، كلمة، أهازيج، خواطر، زهور، كلمة حب، ورد وشوك، أبيض وأسود، في الصميم، دنيا، لله والحرية،
(1/126)

بسم الله، من الجعبة، تلك الأيام، آمال وآلام ... ".
جـ- ولكن من المؤكد أن الطفرة الكبيرة في مقالات الأعمدة هي تلك التي حدثت بعد الأربعينات، وحيث تعددت أشكالها وموضوعاتها ومضامينها وكتابها، وتنوعت صورها وأساليب كتابتها، وحيث شهدت هذه الفترة ظهور واستمرار أبرز الأعمدة، وأشهر كتابها أيضا, وكان من بينهم أو في مقدمتهم هؤلاء جميعا:
(1/127)

أنواعه:
ومع كثرة مقالات الأعمدة وتعدد موضوعاتها وأشكالها وكتابها ومواقعها، بحيث أصبحت ظاهرة تحريرية صحفية تستحق الدراسة والبحث، كان لا بد من تقسيمها إلى عدة أنواع، تسهيلا على القراء والدارسين، وحيث ظهرت هنا عدة اتجاهات نتوقف عندها بعد الإشارة إلى هذه الملاحظات:
- فبادئ ذي بدء نقول إن العمود الذي نقصده هنا ليس هو العمود الإخباري، أو عمود المعلومات أو العمود الاستكمالي "الطقس، البورصة، العملات، في مثل هذا اليوم، في الصحيفة من 50 سنة ... إلخ" فجميعها تخرج عن مجال دراستنا وإنما
(1/127)

نقصد المقال القصير الذي يأخذ في أغلب الأحوال الشكل العمودي المنتظم، ويكون مضمونه مادة مقالية، أو مادة رأي على أي شكل من الأشكال.
- ومعنى ذلك، أنه ليست كل مادة تأخذ شكل العمود، أو تكون داخل إطار معين مما يمكن اعتباره عمودا مقاليا، هو مجال تناولنا خلال هذه السطور.
- وبالمثل -وإذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أخرى- فإننا نقول إن بعض الأعمدة قد تكتب باتساع عمودين ممتدين مثلا، أو تأخذ شكلا عرضيا، أو تكون داخل إطار مربع أو دائري، وهكذا، إن العبرة هنا بالحجم والمادة وطرق التناول والنشر والأسلوب، وليس بنشره على عمود كضرورة حتمية.
- ومعنى ذلك -مثلا- أن مقالات كثيرة تنشرها صحف عديدة في شكل وإطار العمود أو "النهر" ولكنها ليست من الأعمدة في شيء، بينما نجد أن "صندوق الدنيا: أحمد بهجت, وجهة نظر: كتاب مختلفون" وتنشرهما صحيفة الأهرام هما من أبرز: الأعمدة، وإن أخذ شكلا مخالفا أقرب إلى المربع منه إلى العمود الطولي، وهكذا.
أما أهم هذه الاتجاهات التي تقسمها إلى أنواع فهي:
- الاتجاه الأول: والذي يقسمها من زاوية ثبات المكان والكاتب الواحد والتوقيع الصريح من عدمه، وحيث نجد وفقا لهذا الاتجاه أننا أمام أكثر من نوع من أنواع الأعمدة هي:
1- العمود الموقع الثابت: وهو أبرز الأنواع وأكثرها سيطرة على الصفحات، كما أنه الأصل والأساس أيضا في هذا النوع من المقالات، وغيره يعتبر اتجاهات جديدة أنتجتها الظروف والأحوال وهو يومي ثابت وربما لعدة سنوات وربما لربع قرن أو أكثر، وهو يوقع باسم صاحبه، كما أنه ثابت المكان والشكل والطول تقريبا وفي أغلب الأيام باستثناء ما يدور بالنسبة للعدد السبوعي، حيث تحرص بعض الصحف وبعض الكتاب على الإبقاء عليه كما هو، أو يتغير شكله قليلا، ويكون لنفس الكاتب أو يأخذ مكانه عمود آخر، أو لا يأخذ على الإطلاق وتحل مكانه مادة أخرى تتناسب مع طابع العدد الأسبوعي نفسه، كما أن بعض الكتاب -بالنسبة للعدد اليومي- قد يوقعه بالأحرف الأولى، أو بالرمز وهكذا.
(1/128)

2- العمود الموقع غير ثابت المحرر: وهو عمود ثابت المكان والحجم في أغلب الأحوال ولكن لا يكتبه محرر واحد طوال الأسبوع والشهر والسنة كما هو الحال في العمود السابق، وإنما يتتابع على كتابته أكثر من محرر حسب نظام أو ترتيب يسمح بذلك، كان يتتابع على كتابته سبعة من المحرريين كل أسبوع أو عشرة كل عشرة أيام أو أكثر من هذا العدد -وصل عند بعض الصحف إلى ثلاثين محررا أي: إن كل محرر يكتب مرة واحدة شهريا- بحيث يعرف كل منهم موعد تقديمه المحدد بدقة والمسجل وفق نظام دقيق، كما أن هناك اتجاه آخر يترك ذلك لجهود المحررين وإمكانياتهم مع قيام نوع من التنسيق بينهم، حتى لا يظفر أحدهم بنصيب الأسد ويفوز هو بكتابته أكثر الأيام، وفي العادة يوقع هذا العمود باسم محرره ورمزا في أحيان قليلة، ولكن كاتبه يكون في أغلب الأحوال -ولا أقول جميعها- أقل مستوى وشهرة و"نجومية" وصلة بالقراء من كاتب العمود السابق، وهو فرصة كبيرة للتدريب على الكتابة، فقد يبرز أحد كتابه ويصبح كاتبا للعمود اليومي السابق.
3- العمود غير ثابت النشر: وهو عمود تقتضي كتابته بعض الظروف التي تطفو على سطح الحياة الاجتماعية أو السياسية أو حتى الصحفية نفسها، ومن ثم يقوم بكتابته رئيس التحرير أو نائبه أو مديره أو محرر مرموق يتناول هذا الظرف الطارئ أو العامل الساخن أو الاتجاه الذي يقفز فجأة إلى مستوى الأحداث الهامة، ومن هنا فهو غير ثابت المكان لا يعمل له المخرج حسابا يوميا أو أسبوعيا، وليست له مساحة محددة، تماما كما أن كتابه يتغيرون، وقد تمر عدة أيام، وقد يمر أسبوع كامل، وقد يمر أكثر من أسبوع دون كتابته، ولكن قد تجد هيئة التحرير نفسها أمام ضرورة تقتضي نشر أحد هذه الأعمدة في يوم، وآخر في يوم ثان، وثالث وهكذا، أي: إن الأحداث وحدها هي التي تقرر نظام النشر وطريقته ولكنها هنا ليست الأحداث الساخنة أو الملتهبة فقط، فقد يصدر كتاب جديد يجد فيه محرر ما يهدد المجتمع أو قيمه أو عمده فيسرع بكتابة عمود يحذر من تداوله ويطلب إيقاف توزيعه، كما قد يكتب آخر لافتا النظر إلى مخالفة ارتكبها سائق المترو -مثلا- ويجد في تكرارها ضررا يهدد أمن وسلامة الركاب، كما قد يكتب ثالث يطلب التبرع لعلاج بطل رياضي، وهكذا دونما نظام ثابت أو ترتيب، أو مساحة محددة بدقة، وحيث يمكن لكل من يعرف كيف يكتب، أن يشارك بجهده وقلمه في هذا المجال.
4- العمود الأسبوعي الثابت: وهو خاص بالصحف الأسبوعية، أو الطبعات
(1/129)

الأسبوعية للصحف اليومية وهو صورة من النوع الأول من هذه الأعمدة "العمود الموقع الثابت"، باستثناء النشر الأسبوعي بدلا من النشر اليومي، أما أهم ملامحه وخصائصه فتتشابه إلى حد كبير مع ملامح وخصائص هذا العمود الثابت الموقع نفسه، أي: إنه يكون ثابت المكان والمحرر والحجم والاتجاه في أغلب الأحوال وأعمها.
- الاتجاه الثاني: وهو لا يهتم كثيرا بتقسيمها -الأعمدة الصحفية- من زاوية الثبات أو التوقيع أو المكان، وإنما يقسمها إلى نوعين كبيرين أساسيين:
- النوع الأول: هو الأعمدة العامة التي تتناول كل ما يطرق باب فكر المحرر "العام"، أو ما يقفز إلى ذهنه، أو ما يداعب مخيلته، أو ما يقابله، وما يقبل -بالتالي- على قراءته جميع قراء الصحيفة اليومية أو الأسبوعية أو المجلة، دون حصر أو استثناء، وتمثل هذا النوع هنا، جميع الأعمدة السابقة التي تحدثنا عنها عند تناولنا للاتجاه الأول، وحيث يكون معظمها ذاتي الطابع أو يغلب عليه الطابع الذاتي في التفكير والتعبير، ويقترب فيه المحرر اقترابا شديدا من القارئ، كما ستوضح ذلك السطور القادمة بإذن الله، وحيث تنتسب إلى هذا النوع أغلب وأشهر الأعمدة التي تظهر فوق صفحات الجرائد والمجلات العربية والأجنبية.
على أن الذاتية هنا لا تعني أن يكون الكاتب "غير موضوعي" أو غير دقيق، أو يخاطب القراء من عل، أو من برج عاجي، فالأصل فيه هو الالتصاق الكامل بهم وبما يداعب أحلامهم أو يقض مضاجعهم.
- النوع الثاني: هو الأعمدة المتخصصة، تلك التي تنشر على الأجزاء والملازم والصفحات والأبواب والزوايا والأركان الخاصة، وحيث نستطيع أن نميز من بينها ومن أكثر ما تنشره الصحف العربية من أعمدة:
- أعمدة في السياسة الخارجية ومن أبرزها ما ينشر على صفحاتها في صحف: "الجمهورية المصرية: محمد العزبي, الأهرام: كتاب مختلفون من أبرزهم سلامة أحمد سلامة وجورج عزيز وحمدي فؤاد".
- أعمدة فنية وثقافية ومن بينها: "للنقد فقط - الأخبار: عبد الفتاح البارودي، قراءات وجولة الفكر - أخبار اليوم: كمال عبد الرءوف ونعمان عاشور، زووم -
(1/130)

السياسة: بدون، حديث الفن: الرأي العام، بلال عبد الله" إلخ.
- أعمدة دينية مثل: "قرآن وسنة - الجمهورية المصرية: د. عبد الجليل شلبي".
- أعمدة رياضية مثل: "خواطر رياضية - الأهرام: نجيب المستكاوي، نحو الهدف - الأخبار: عبد المجيد نعمان، تليكس - الجمهورية: محمود معروف، عمود الزميل عبد الرحمن فهمي، الجمهورية أيضا، بدون عنوان ثابت".. إلخ.
وذلك إلى جانب الأعمدة العلمية والطبية والزراعية والسياحية وغيرها من أعمدة عديدة تزخر بها صحفنا, وحيث يصدق على معظمها أغلب الملامح والخصائص التي تصدق على الأعمدة الثابتة الموقعة، وذلك باستثناء:
- موضوعها الخاص أو المتخصص وما يرتبط به من مضمون ولغة ومادة كلية.
- ارتباطها بجزء أو ملزمة أو ملحق أو ركن أو باب من حيث المساحة والموقع ووقت النشر.
- أنها أكثر موضوعية من الأعمدة السابقة في مجموعها.
(1/131)

خصائصه:
ولمقالات الأعمدة، أو الأعمدة الصحفية، أو المقالات القصيرة، بأنواعها، خصائصها الفريدة التي تميزها عن أنواع المقالات الأخرى التي سبق تناولها بين دفتي هذا الكتاب، أو التي لم يسبق تناولها على صفحاته, وعموما وعلى طريقي النظرية والتطبيق -معا- فإنه يمكننا أن نميز بين نوعين كبيرين من الخصائص، ينقسمان بدورهما إلى عدة أنواع صغيرة متميزة أنهما:
أولا: الخصائص العامة المشتركة وأهمها
أ- من حيث الشكل والحجم: تأخذ جميعها وفي أغلب الأحوال شكل العمود، وفي أحيان قليلة شكل المربع الصغير أو المستطيل، ولكن حجمها يتناسب مع حجم العمود, سطر واحد، وهي في جميع الأحوال أصغر أنواع المقالات حجما وعددا في
(1/131)

سطورها، وقد تبلغ عدة سطور قليلة جدا، تذكر بحجم "التقاريظ" و"التوقيعات" الصغيرة للغاية التي عرفها الأدب العربي والتي أشرنا إليها سابقا, غير أن ذلك لا يعني أن هذه الأعمدة لنفس الكتاب -نصف كلمة مثلا لأحمد رجب بصحيفة الأخبار القاهرية- تأخذ حجما صغيرا، عبارة واحدة مثلا في جميع الأوقات، وإنما تتضاعف العبارات وتتكون من عدة فقرات أحيانا داخل نفس المساحة اليومية، ثم تطول الأعمدة أحيانا لتصل إلى حجم العمود الكامل بطول الصفحة -من القلب لمحسن محمد ومن ثقب الباب لكامل زهيري: صحيفة الجمهورية -على أنه لا ينبغي الإكثار من ذلك الحجم، تماما كما لا ينبغي أن يزيد عن هذا الطول إلا في أحوال نادرة للغاية وشاذة أيضا، ولا حكم عليها.
على أن من أهم من نطالب به هو تثبيت حجم العمود بقدر الإمكان، ليحقق طابعه الخاص الذي يعرف به، ويتناسب مع طبيعته كأسلوب نشر، وكذا ليحقق الغاية من وجوده ونشره.
ب- من حيث ثبات النشر وانتظامه: ومن أبرز الخصائص الدالة على طابع الأعمدة الصحفية، ثبات نشرها على نظام أو ترتيب أو حال واحد، فإذا كانت يومية لكاتب واحد فينبغي مداومة النشر اليومي والإصرار على ذلك لأطول فترة ممكنة، وحتى في حالة سفر المحرر إلى الخارج، أو مرضه -لا قدر الله- فمن الواجب أن يقوم هو نفسه بمعالجة هذا الوضع، عن طريق كتابة عدة أعمدة بصفة "احتياطية"، أو عمل رصيد، أو مؤجلات "أعمدة مؤجلة" أو بذل الجهد من أجل وصول رسائله التي تحمل أعمدته -إلى جانب المواد التحريرية والمصورة الأخرى- إلى مقر صحيفته أو مجلته وذلك عن طريق البريد العادي، أو الراديو أو التليفون أو التليكس أو أجهزة النقل والاتصال الحديثة والخطوط الساخنة.
وهذا الكلام يصدق أيضا، إذا كان المحرر يقوم بكتابة عموده بصفة دورية، أو يقوم بكتابة عمود متخصص، فثبات موعد النشر وما يتصل به من ثبات موعد الكتابة وتقديم العمود المختص، من أهم أسباب اقتراب القراء منه، وتعرفهم عليه وارتباطهم به، ثم نجاحه في نهاية الأمر.
جـ- من حيث مكان النشر:
باستثناء العمود غير ثابت النشر، فإن القاعدة هي ثبات الأعمدة في أماكنها
(1/132)

المحددة على الصفحات لأطول فترة ممكنة، قبل أن تنتقل إلى مكان آخر، وفي هذه الحالة الأخيرة، فإنها يجب أن تثبت في مكانها الجديد، لأطول فترة ممكنة أيضا، تلك هي القاعدة الأساسية، ولكن هناك بعض الأحوال التي تتغير فيها أوضاع أو أماكن أو مواقع الأعمدة، ومن ذلك مثلا:
1- عندما تفسح مواد الصفحة كلها ومن بينها الأعمدة مكانها لمادة ساخنة وهامة جدا هي هنا خطاب رئيس البلاد أو رئيس الوزراء في مناسبة هامة، أو ما يقترب من أهمية هاتين المادتين.
وحيث يجري زحزحة هذه المواد إلى صفحة أخرى، أو تأجيل نشر العمود إلى اليوم أو الأسبوع التالي.
2- عند عمل "ماكيت" جديد للعدد أو الصفحات.
3- ما يتصل بعدد أسبوعي يجري نشر نفس العمود عليه، حيث يتغير موقعه من معالم عن ذلك الذي يحتله بالنسبة للعدد اليومي.
إلى غير ذلك كله، وحيث تتضح الغاية من ذلك في ارتباط القراء به، واعتباره من معالم الصفحة، ومعالم تكوين شخصية الصحيفة كلها، التي ينبغي أن تكون محددة ثابتة ومعروفة بالنسبة للقراء.
د- من حيث الموضوع:
لا يمكن -مهما حاولنا- أن نقوم بحصر موضوعات الأعمدة الصحفية العامة، أو ثبتها بين دفتي هذا الكتاب، ذلك لأن من الصحيح أن الحياة بكل ما فيها ومن فيها هي موضوع كتابها ومحرريها، ومن هنا تبدو أهمية التجديد في اختيار موضوعاتها وأفكارها المتغيرة من عمود لآخر، خاصة بالنسبة للأعمدة الثابتة اليومية، التي يواجه كتابها أو يكون عليهم أن يواجهوا "الموقف الصعب" المتمثل في تجديد الأفكار والموضوعات والمضامين والأساليب, ولن يستطيع كاتب أن يتغلب على هذا الموقف، أو يقفز فوق حاجز الرتابة والروتينية إلا إذا كان على المستوى المنشود، فكرا وموهبة وثقافة، وما إلى ذلك كله من أمور نناقشها خلال فترة قادمة بإذن الله، على أننا نريد التنبيه والتأكيد هنا على أهمية طرح القضايا الهامة والمشكلات التي تؤرق الوطن والمواطن،
(1/133)

والكشف عن جوانب السلب، وتسليط الأضواء على الإيجابيات الموجودة بالمجتمع، والمطالبة بإحقاق الحق، وتأييد الخير، ومواجهة النزعات المريضة، ورفض الأحقاد، والوقوف في وجه التعصب الأعمى، والدعوة إلى الانتماء للوطن ودعم قيم المجتمع، وأركانه وعمده، والحث على الفضيلة، ومحاربة الإثم والعدوان والرذيلة، والتبشير بالأفكار الجديدة المفيدة والناجحة، وبذر بدور المحبة والتعاون والتكافل، وإذكاء روح العمل المتحمس ونبذ الرتابة والتكاسل, كما أن من المهم تسليط الأضواء على أصحاب السلوك الإيجابي والمتميز، في مجالات العمل والإنتاج، والفن والرياضة، والطب والاقتصاد، دون نسيان لتقديم التجارب الثرية، والممارسات الناجحة، خاصة تجربة المحرر، وما يمكن أن يفيد القراء منها.
وذلك كله، بالإضافة إلى تناول ما يتصل بالقراء أنفسهم، ومكالماتهم، ومقابلاتهم وخطاباتهم كما يدخل ضمن هذه الموضوعات أيضا تناول قراءات المحرر، ورحلاته ومشاهداته والعروض المسرحية أو السينمائية التي شهدها، وبرامج الإذاعة والتليفزيون، وأحاديث الأصدقاء، والمقابلات الهامة والنوادر والطرائف وما إلى ذلك كله مما ذكرنا ومما لم نذكر.
على أنه قد ثبت أن موضوعات بعينها يقبل عليها القراء أكثر من غيرها، وتستقطب هي أنظارهم, وفي مقدمتها هذه كلها:
1- الرد على خطابات القراء، ونشرها ما يستحق منها.
2- ما يتصل بتبرع القراء لعلاج مريض أو سداد دين أو بناء مسجد.. إلخ.
3- تقديم كتاب جديد مثير يكون قد وصل إلى يدي المحرر قبل غيره.
4- مشكلة إنسانية يتعرض لها شخص له قيمته في مجتمعه.
5- ما يتصل بالأدباء والفنانين ونجوم المجتمع.
6- حادثة يرويها المحرر كشاهد عيان لها.
7- تجربة خاصة ذاتية للمحرر النجم مع أسرته أو أصدقائه.
8- المصريون والعرب خارج بلادهم.
9- الشباب الجامعي ومشكلاته.
10- الآثار المصرية القديمة.
11- السياحة وما يتصل بالفنادق والطيران والمطارات.
(1/134)

12- الطفولة.
13- البطولة والأبطال.
14- فنون الجيل الماضي وأفلامه وأغانيه.
15- نشاط المرأة الاجتماعي.
16- العصاميون.
17- نوادر الظرفاء.
18- الجانب الإنساني في الأحداث اليومية الهامة.
19- صناع الأحداث اليومية الكبرى.
20- ضحكات القدر ومفارقاته.
21- الطقس وتقلباته وتأثيراتها على المحرر ومجتمعه الصغير.
22- الخدمات العامة.
23- مغالاة العمال في أجورهم.
24- المرافق العامة وأحوالها.
25- المرور وأوجه القصور فيه والأفكار الجديدة المتصلة به.
26- الغلاء ونوادره ورخص الأسعار في السابق.
27- ارتفاع أسعار اللحوم.
28- الغريب في برامج التليفزيون.
29- البريد وأحواله.
30- المصايف والمشاتي.
31- الأعياد والمناسبات القومية وتجربة المحرر خلالها.
32- المسائل والمشكلات التموينية.
33- تنظيم الأسرة.
34- الأندية الرياضية والمنافسة بينها.
35- خطبة الجمعة.
36- المساجد الجديدة.
37- موسم الحج وذكرياته.
38- الشئون الأفريقية.
39- نضال الشعب الفلسطيني.
40- العلاج والمستشفيات.
41- تلوث الهواء والماء.
(1/135)

42- أزمة الإسكان.
43- الأمم المتحدة.
44- الجامعة العربية.
45- التنظيمات الشعبية.
46- المؤتمرات الهامة خاصة تلك التي يشارك المحرر في نشاطها.
47- الندوات السياسية والفنية والثقافية.
48- قضايا اللغة العربية.
49- حالة الشوارع في العاصمة والمدن.
50- العطلات الأسبوعية وكيف قضاها المحرر.
51- الكتب التي أهديت إليه.
52- حفلات الزواج والقران والخطوبة التي دعي إلى حضورها.
53- الشكاوى التي تصل إليه خاصة ما يتصل منها بالأوضاع الوظيفية.
54- الضيوف الأجانب الذين يقومون بزيارته.
55- أوضاع الصحافة في بلده والبلاد الأخرى.
56- ما يتصل بأول العام الدراسي والاستعداد له من جانب الوزارة والأسرة.
57- تفاصيل مكالمة تليفونية هامة جرت بينه وبين قارئ أو نجم أو شخصية رسمية مرموقة.
58- المخترعات الجديدة، وفائدتها للجنس البشري.
59- عجائب عالم الحيوان والطيور والحشرات.
60- ما يتصل بالعادات والتقاليد الأصيلة وما يطلق عليه "أخلاق القرية".
61- اعترافات المحرر التي تتضمن بعض ذكرياته الجاة أو الفكهة.
62- الأمثال الشعبية التي يعرفها وقصة معرفتها وانعكاساتها وظلالها الحالية.
63- الحياة النيابية في بلده والبلاد الأخرى.
64- القضايا الغريبة وأحكام القضاء فيها.
65- الذين ينتقلون إلى رحمة الله من البارزين والنجوم وأصدقاء المحرر.
66- الضجيج وآثاره.
67- سفاراتنا في الخارج.
68- انقطاع التيار الكهربائي.
69- عدم وصول المياه إلى الأدوار العليا.
70- الصحف الإقليمية.
(1/136)

71- الفنون الشعبية.
72- المعارض الفنية.
73- أسعار العلاج والدواء.
74- الجمارك.
75- العلاقة بين الرجل والمرأة في جانبيها الإيجابي والسلبي.
76- المصارف والبنوك.
77- الادخار.
78- القصص والأساطير الشعبية.
79- التدخين ومضاره.
80- نظافة الأحياء السكنية.
81- المناسبات الهامة عند المحرر وخواطره بشأنها.
82- تجربة خاصة مرة بالمحرر أمس أو في الأسبوع الماضي.
83- إعلانات الصحف والطرائف والغرائب والمتناقضات التي يمكن أن تحتوي عليها.
84- زيارة المحرر لقريته أو مهبط رأسه وانعكاسات ذلك على أحاسيسه وذكرياته.
85- السن وأثره وتأثيره وخواطر المحرر بشأنه.
86- بين المحرر وأولاده.
87- حوار قصير بينه وبين محرر صديق لعمود آخر.
88- عرض لكتاب على أكثر من عمود يمثل كل عمود حلقة منه.
89- الحوادث الهامة التي تكتب الصحف والمجلات عنها.
90- انطباعات المحرر عن بلد صديق.
91- رغيف العيش وحالته وصناعته.
92- نصائح المحرر وتوجيهاته إلى الشباب.
93- الدروس التي تتناول حب الوطن والانتماء إليه والذود عنه والعمل من أجله.
94- صوم رمضان وذكريات المحرر وخواطره بشأنه.
95- الإعلان عن مواطن أو أرملة أو طالب يطلب عونا ماديا أو مساعدة الأطباء.
96- آيات قرآنية لها دلالاتها وانعكاساتها عند المحرر.
97- مرور وقت معين على صدور الصحيفة، أو ظهور العمود وخواطره في هذا الصدد.
98- العلاقة بين الآباء والأبناء سابقا والآن.
99- الدعوة إلى التآلف والتراحم والود والحب.
100- النقابات والاتحادات والجمعيات.
(1/137)

101- الريف أو البادية وما فيهما.
102- الدعوة إلى الاستمتاع بالحياة.
103- نبذ الاتجاهات والتيارات والعادات الوافدة والغريبة عن مجتمعاتنا.
104- نوادر الأدب العربي.
105- عمل المرأة اليوم بين التأييد والمعارضة.
106- القضايا العربية السياسية الحالية والساخنة.
107- الإعلام العربي.
108- هموم الكتاب الخاصة وما يتصل بمشكلات النشر والتوزيع.
109- الهدايا الرمزية التي تصل إلى الكاتب والذين يقدمونها.
110- الأزياء خاصة ما يتصل منها بتقليد الزي الأوروبي.
هـ- من حيث المحرر "محرر العمود الصحفي":
ولكن.. إذا كانت هذه وغيرها هي أهم وأبرز موضوعات الأعمدة الصحفية، فإن المهم هنا ليس هو الموضوع في حد ذاته، وإنما يتوافر لهذا العنصر ما يمكن أن يتوافر له من فرص النجاح بانطلاقه من عدة قواعد أساسية، والتحامه بما توصل إليه، وهي تلك التي يمكن تحديدها بـ:
- ليس المهم هو الموضوع فقط، وإنما الموضوع الجديد والهام والساخن والجذاب والمفيد.
- وهذا بدوره يتوقف مقدار ما يصيبه من نجاح على:
- طريقة التناول.
- المضمون الإيجابي والثري الخصب.
- الوصول إلى عقل القارئ وقلبه وأحاسيسه.
- الأسلوب المشرق والجذاب الذي يجمع بين كل ذلك.
هذه "الأسس الفنية" لتحرير مقال العمود "العام" تعتمد أولا وأخيرا، وبصفة أساسية تماما على "العنصر البشري" الذي يمثله هنا محرره القادر والواعي والمثقف والموهوب والذي يمكنه عن طريق ذلك كله.
(1/138)

- التوصل إلى الموضوع الهام الذي يجتذب فكر القراء ويحصل على عنايتهم وكلفهم به، ثم إنه هنا ليس موضوعا واحدا، وإنما الموضوع اليومي أو الأسبوعي.
- المقدرة على اقتناص الأفكار الجديدة الخاصة به، من عمود إلى عمود، ومن يوم ليوم ونحن -كإعلاميين- نعرف تماما قيمة الأفكار الجديدة في العمل الإعلامي عامة، الصحفي خاصة, وحيث إنها -الأفكار الجديدة- "هي الأصل والأساس في كل عمل إعلامي ناجح"1 وإنها أيضا تعني: "الموضوع الجديد الذي يطرقه الإعلامي أو المادة أو البذرة أو الخميرة أو العنصر الأساسي الذي يقيم عليه جميع العناصر الأخرى تلك التي يقيم عليها بناءه الإعلامي ويشد إليها أركان عمله وتمثل هي جوهر هذا العمل ولبه وصميمه الذي تمتد منه خيوط نسيجه وتتشابك وتتصل"2.
وهذا وإذا كنا نقول -مثلا- أن على محرر التقرير، أو التحقيق الصحفي، أو الحديث، أو غيرها من "الأنماط والفنون التحريرية".. إذا كان على محررها أن يبذل مسعاه من أجل الحصول على الأفكار الجديدة التي يجري تنفيذها في صورة هذه المواد نفسها، فإنه يكون على محرر مقال العمود هنا -خاصة المقال العمودي اليومي- أن يبذل مزيدا من الجهد، وأن يقدح ذهنه بصورة مضاعفة؛ لأن ظروف النشر اليومي تجعله يخوض كل يوم تجربة صعبة، أو يقف موقفا لا يحسد عليه، من أجل العثور على فكرة جديدة:
- تختلف عن الأفكار السائدة على صفحات الجريدة نفسها.
- وتختلف عن الأفكار المطروقة على أعمدة الصحف والمجلات الأخرى أو هكذا ينبغي أن يكون.
- وتختلف عن فكرته هو نفسه التي تناولها في عمود الأمس, وحتى إذا كانت تعتبر امتداد لها، فإن تناولها تناولا جديدا، أو من زاوية جديدة يكون هو الأجدر والأفضل".
__________
1, 2 محمود أدهم: "الفكرة الإعلامية" ص5، 9.
(1/139)

وإذا كان الأمر يختلف بالنسبة لكتاب الأعمدة الأخرى، خاصة الأسبوعية أو غير الثابتة، فإن الذي لا خلاف عليه -ولا يمكن أن ينشأ- هو جدة الفكرة المطروحة وجدارتها وخصوبتها.
- المقدرة على تغطية موضوع الفكرة، التغطية المناسبة التي تحقق في كفاءة ومقدرة وبأسلوب إعلامي ناجح وإيجابي أيضا:
- جذب القارئ إلى العمود وصاحبه.
- ربطه به يوميا أو أسبوعيا.
- ارتباطه بالصحيفة في نهاية الأمر.
- الوصول إلى الأهداف الأخرى المنشودة من وراء تحرير ونشر المقال.
أقول: ولن يستطيع محرر مقال العمود "العام" أن يصل بفكره وقلمه إلى تحقيق هذه الأهداف إلا إذا توافرت فيه عدة "صفات" و"خصائص" و"مقومات" أساسية لا بد من توافرها، وإلا إذا حرص على أن يكون ممثلا أمينا لما تتحدث عنه السطور والكلمات التالية:
(1/140)

الخصائص العشر اللازمة لمحرر العمود الصحفي:
وهذه الخصائص نتناولها هنا بأسلوب جديد، وذلك بربطها بخصائص هذه الأنواع من المقالات الصحفية نفسها، وبالشروط الواجب توافرها فيها، ومن ثم في كتابها أو محرريها وحيث إن هذه كلها -الخصائص والشروط- لا تنطلق من فراغ، ولا تعمل في فراغ أيضا, وإنما تترد أصداؤها، في محيط العمل نفسه، وتجد بصماتها فوق الصفحات ذاتها، ومن هنا فنحن نقول عن هذه الخصائص.
1- لأن أبرز خصائص موضوعه "التنوع" من يوم ليوم، ومن أسلوب لأسلوب فإن ذلك يفرض على كاتبه أن يكون مثقفا بالمعنى القريب إلى الأذهان، بحيث يستطيع، ويملك أيضا، القدرة على تناول موضوعات مختلفة، وإلى أقصى درجات الاختلاف، فهو -مثلا- قد يتناول في موضوع اليوم مشكلة مرورية، وقد يتحدث غدا عن فوائد عسل النحل، وقد يتناول بعد غد كتابا أدبيا، وقد يكتب في اليوم الرابع عن ندوة سياسية حضرها، وفي الخامس يناقش ما ورد في خطاب قارئ مما يتصل بـ
(1/140)

"سلوكيات" بعض الأطباء وفي السادس يتناول موضوع الضرائب وفي السابع يتناول بعض القصص الشعبية المرتبطة بيوم وطني, وفي الثامن يكتب عن فريق رياضي قومي فائز ببطولة، وفي التاسع يعرض تاريخ قريته وأهم الأحداث التي مرت بها, وفي العاشر يقدم حوارا مختصرا دار بينه وبين عالم معروف, وفي الحادي عشر يقدم ديوان شعر أهداه صاحبه إليه, وفي اليوم الثاني عشر يقدم انطباعه عن المطار من خلال استقباله الصديق, وفي الثالث عشر يعلق على نتيجة الثانوية العامة, وفي الرابع عشر يقدم للقراء فنانا جديدا شابا, وفي اليوم الخامس عشر يقدم أفكارا جديدة لزائر ضيف لمكتبه, وفي اليوم السادس عشر ينبه إلى خطأ مطبعي ورد بمصحف شريف لا يعرف مكان طباعته, وفي اليوم السابع عشر يتحدث عن الضجيج الذي تسببه مكبرات الصوت في ناد قريب لمنزله, وفي اليوم الثامن عشر يعرض لبعض الدروس المستفادة من حرب لبنان، وفي اليوم التاسع عشر يقدم مختصرا لبحث قرأه عن تأثير فوضى استخدام الأدوية بدون استشارة الطبيب على صحة الناس، إلخ، وهكذا تتنوع المقالات والمجالات والموضوعات ويصبح عليه هنا -بحق- أن يأخذ من كل بستان زهرة، وأن يرشف من كل بحر قطرة، بل لماذا لا نقول إن عليه أن يكون مستعدا للكتابة والحديث في أي مجال, وأن يكون من قبل "الموسوعيين" ومن على شاكلتهم.
وقد يقول قائل هنا: ولكن مثل هذا الكاتب يكون تحت يديه الكثير من مصادر المعلومات, والتي يمكنه الاستعانة بها لحظة جلوسه إلى كتابة مقاله، فلماذا نشترط كل هذا القدر من الثقافة؟
والإجابة أن ذلك كله صحيح، ولكن كتابة مثل هذه المقالات عند كثيرين، يعتبر نوعا من العمل "الإبداعي" الابتكاري، الذي يمكن أن تعوقه -بشكل ما- الاستعانة بكتاب أو مرجع، أو تعرقل فكرة هامة طرأت على ذهن كاتبه، أو تذهب بها أدراج الرياح، حيث يصعب الحصول عليها أو اصطيادها بعد ذلك، بالإضافة إلى أن تألق لحظة الكتابة قد لا يستجيب تماما، مع الحصول الوقتي السريع على المعلومات.
وأن المعلومات التي تتضمنها مقالة العمود، هي تلك الراسخة في فكر المحرر وفي مخيلته وضميره أيضا منذ فترة ليست بالقصيرة، تلك التي تظهر في الوقت المناسب, والأمثل بالأسلوب الذي يعكس موهبته، وثقافته في آن واحد.
2- ولأنه ينبغي أن يكون مع الناس ولهم وبهم ومن أجلهم يفكر ويكتب ويبدع.
(1/141)

من هنا ينبغي أن يكون قريبا جدا منهم، لصيقا بهم، يعرف ما الذي فيه يفكرون؟ ومنه يخشون وعليه يحرصون وبه يحلمون وله يعملون؛ لأن ذلك كله هو مجال عناية قلمه، ومضمون فكره أي: إن حسه الاجتماعي، وإحساسه بمشكلات الناس وآمالهم، يجب أن يكون دائما في أقصى درجات عمله وتوقده.
3- كذلك؛ ولأن أعمدته ينبغي أن تكون خصبة، ثرية، وحافلة بمختلف ألوان الأفكار والآراء بل والأخبار الهامة، والطريفة والنادرة؛ ولأن مشكلات الناس -كما ورد في الفقرة السابقة- لن تحل إلا على يد المسئولين من الناس أنفسهم؛ ولأن عموده يعتبر بمثابة "صالون" على الورق يحضره المهمون من الناس والنجوم والمشاهير، من أجل ذلك كله فإن على محرره أن تكون له صلاته الكبيرة، والعديدة، والوثيقة، والمتشعبة بكل هؤلاء، بالذي يقدمه، أو يعرض فكره، أو كتابه، أو يطرح رأيه، وبالذي يطلب رأيه في مشكلة تعن لقارئ، أو مشاركته من أجل دفع غبن على قارئ ثان، أو تحقيق حلم لقارئ ثالث وهكذا، إن كاتب العمود هو صديق الجميع يحدثهم ويحادثونه في كل شيء.
4- ولن يستطيع محرر أن يفعل ذلك كله، وأن يقدم جوهر هذه العلاقات وزبدتها في صورة إبداعية قلمية هي هنا "العمود الصحفي"، ولن يستطيع أن يحصل على ثقة القراء، وصداقة هؤلاء الناس إلا إذا كان هو نفسه على شاكلتهم، أو في أسلوب آخر كان هو نفسه نجما في مجتمعه، معروفا بأفكاره وآرائه وخواطره التي يقبل عليها القراء، وقد ينتقلون خلفه استمرارا لصلتهم القوية به، وبما يكتب، من صحيفة لأخرى ومن مجلة لمجلة.
إن بابه مفتوح دائما لاستقبال القراء، والأصدقاء، والمشاهير، تماما كما أن ذهنه وفكره وكل موهبته في حالة عمل دائم ودائب، بما تفرضه هذه "الشهرة" من ضريبة، تؤثر إيجابا على عموده الصحفي نفسه، وفي ذلك يقول البعض بأهمية أن يكون محرر العمود من بين المعروفين والمشاهير في مجالات الأدب أو الفن قبل كتابة عموده، ونضيف هنا، ولماذا لا يكون مشهورا عن طريق كتابته الصحفية؟ أو ينال الشهرة عن طريق عموده الصحفي نفسه؟ علما بأنه يشبه هنا كاتب "مقال اليوميات".
5- ولكن لا ثقافته ولا قراءاته، ولا علاقاته الاجتماعية، ولا صداقته مع الجميع، مما يمكن أن يفيده في شيء، أو يمثل نهجا إيجابيا في سلوكياته، ما لم يكن قادرا
(1/142)

على دعم إمكانياته الخاصة، وشخصيته بكل هذه الأمور، أي: إن هذه القنوات الإيجابية ينبغي أن تصب في فائدة محققة له، ولعموده وللقراء، وفي أسلوب آخر إن عليه -وهو يعايش جميع هؤلاء- وهو يقرأ الكتب الجديدة والصحف ويستمع إلى الإذاعات ويفتح باب مكتبه لاستقبال القراء، ويهتم بخطاباتهم ومكالماتهم، وما إلى ذلك كله عليه أن يكون ذلك من منطلق صحفي كامل، وبأسلوب يضمن أن تحول هذه كلها إلى معايشات صحفية، أي: أن تتم وحضوره الذهني الصحفي الإعلامي كاملا من أجل أن يضع يده على الفكرة الجديدة، الجديرة بالتناول، والقضية التي يمكن أن تستقطب الأنظار، والموقف الذي ينتظر أن يقبل على عرضه القراء، والرأي المفيد للمجتمع، وهكذا لا تكاد تمر هذه كلها، إلا وهو يلتقطها ويكون مستعدا -من خلال هذه المعايشة- لتحويلها إلى عمود ناجح يقبل عليه القراء بكل شغف ويضيف جديدا إلى رصيد نجاحه عندهم.
6- وبالمثل، وتأسيسا على هذه المقدمات السابقة، فإنه لا ينبغي له أن يتوقف عند حد المعايشة الصحفية لكل ما يسمع أو يقال أو يقرأ أو لكل من يقابل، أو عند حد الحصول على الأفكار الناجحة، وإنما ينبغي أن يكون قادرا على أن يحول الأفكار التي حصل عليها إلى عمل إعلامي صحفي ناجح، هو هنا العمود الصحفي، ومعنى قدرته على تحويل الأفكار إلى أعمدة صحفية ترتبط به وباسمه وباسم صحيفته يعني هنا وفي المحل الأول أنه يعرف كيف يكتب؟ وبأية طريقة يعبر؟ وما هو الطريق إلى عقول وقلوب القراء؟ وحيث تبرز هنا ضرورة معرفته وإتقانه للكتابة الصحفية، وأساليب تحريرها كشرط أساسي يفوق غيره من الشروط, وإلى درجة تفوقه على غيره ممن يعرفون طرق وأساليب هذه الكتابة نفسها، وحيث لا يمكن لنا أن نتصور كاتب عمود صحفي لا يتقن الكتابة، ولا يكون بارزا في مجالاتها، أو من فرسانها المعدودين، بل إن على محرر العمود الصحفي هنا أن يكون على درجة طيبة من المعرفة بأساليب الكتابة العربية عامة, والأدبية خاصة وبأهم صور بلاغتها، وبيانها وبديعها، بحسب أن حاجته إليها تكون شديدة، وملحة أحيانا، انطلاقا من أن بعض الأعمدة تعتبر لونا من ألوان "الأدب الصحفي" الذي يلعب "الإبداع" فيه دوره، وتقدم المواهب الكتابية الكثير من صور النجاح المرتبط بالعمود شكلا ومضمونا.
7- ويرتبط بذلك أيضا جانب هام من جوانب أو صور كتابة الأعمدة الصحفية على وجه التحديد، ذلك هو مقدرة الكاتب أو المحرر على إلغاء المسافات التي تفصل بينه وبين
(1/143)

القارئ، بحيث يعتبره دائما وفي كل الأحوال صديقا له يخاطبه عن قرب، وبدون حدود، حتى إنه ليقص عليه ما حدث له، أو لأحد أصدقائه أو أحد أفراد أسرته، وقد يطلب من القراء الرأي والمشورة "أيضا" وقد يستأذنهم في القيام برحلة، أو السفر إلى الخارج، أو الحصول على إجازته وهكذا، وقد عبر عن ذلك أستاذ في الصحافة عندما قال: "وهو -كاتب العمود- يعتبر القراء بمثابة أصدقائه يفضي إليهم بكل ما يخطر على باله أو يجيش بصدره دون تكلف أو تحرز أو حيطة، بل إنه مستعد لأن يصف عيوبه لهم, ولا يخشى الاعتراف بالضعف البشري والتماس الأعذار، وهو مستعد أيضا للاعتذار عما أخطأ إذا وقع في الخطأ, كما أنه لا يضع نفسه من القراء موضع المعلم أو الناصح أو المؤدب أو المترفع أو المتعال وإنما يخاطبهم مخاطبة الزميل لزميله أو الند للند"1.
8- ويتصل بالنقطة السابقة، ويصبح انعكاسا لها، إن القارئ ينتظر الكثير من صديقه المحرر وأنه -إلى جانب مسئوليته الاجتماعية عن تقديم الرأي والنصح وحل المشكلة- مطالب أيضا بأن يقدم له نفسه، ذاته وأحاسيسه وانفعالاته ومشاعره، وألا يحجب شيئا منها وإلى جانب تقديمه آماله وأحلامه وخيالاته هو أيضا، فما دام قد ارتضى هذا "الوضع الخاص" عند القارئ، وما دام قد ارتضى أن يكون نجما، فإن كل دقائق حياته تصبح معروفة، ويحدث العتب ويقع الإحساس بالتجاهل في نفس القارئ الصديق, إذا لم يعرف عن كاتبه المفضل ونجمه على الورق كل هذه الأشياء, إن القارئ يعتبر نفسه هنا "صاحب البيت" ومن ثم فهو مدعو للمشاركة في كل أفراح الكاتب وأحزانه، وفي كل "خصوصياته" أيضا، وينبغي أن يكون المحرر على يقين من ذلك وعلى استعداد لتحمل تبعاته أيضا، حتى وهي تكلفه -أحيانا- كثيرا من الوقت والجهد والمال، وكثيرا ما رأينا بعض كتاب الأعمدة:
- يتدخل لعقد صلح بين زوج وزوجته.
- أو بين فنان وآخر.
- يقدم رأيه لقارئ في موضوع زواجه.
- ويقبل الدعوة لحضور حفل الزواج ويقدم الهدية المناسبة.
__________
1 حسنين عبد القادر: "الصحافة كمصدر للتاريخ" ص165.
(1/144)

- ويقدم معونات مادية لبعض القراء في ظروف معينة.
- وقد يشكو إليهم مما فعله جاره به أو العكس.
- وقد يستغيث بهم من "السباك أو الكهربائي أو النجار.. إلخ".
- وقد يبكي بين أيديهم صديقا رحل فجأة.
إلى آخر هذه الصور كلها.
9- أن يكون على قدر طيب من المعرفة بالعمل الصحفي وأساسياته وأساليبه وتقنياته وتقاليده بحيث يسمح هذا القدر أن يتبين بوضوح، وأن يعرف أيضا:
- أهمية تحديد موعد يومي أو أسبوعي لتسليم مقالته.
- خط سير المقال حتى الطباعة والنشر.
- أبرز الأقسام المعاونة أو التي يمكن أن يحتاجها أحيانا في عمله لا سيما سكرتيرية التحرير ومركز المعلومات، وقسم المعلومات وبعض الأقسام الإخبارية التي يمكنه العودة إلى مندوبيها ومحرريها في عمل أو أمر يتصل بمقاله.
- سياسة الصحيفة أو المجلة، ليس على سبيل التعبير عنها؛ لأنه غير مطالب دائما بذلك، وإنما على سبيل المعرفة الشمولية.
- أن علاقته الحسنة الوطيدة بأعضاء أسرة صحيفته هي شيء هام ومطلوب، وطريق إلى النجاح الذي يجد صداه في إقبالهم على ما يكتب بروح الود والحب مما يضاعف من فرص نجاح عموده.
10- كما أن هناك بعض الخصائص والصفات الأخرى التي تدعم عمله وتؤيده وتؤكد استمراريته ونجاحه, وبعضها يعود إليه هو نفسه، والآخر إلى كتاباته ومن أهمها:
أ- أن يكون خفيف الظل محبا للفكاهة حلو الحديث مؤثرا للإمتاع والمؤانسة, وأن ينعكس ذلك -لا سيما روح الفكاهة- على عموده، وإلى الحد الذي يجعل من هذه الروح عند البعض شرطا من شروط النجاح.
ب- أن يعرف تماما أنه أكثر حرية من غيره من الكتاب، وأن أمامة الفرص
(1/145)

الكبيرة والمضاعفة من أجل التعبير عن نفسه دون حدود أو قيود أو سدود.
جـ- ولكن في مقابل ذلك يصح عليه أيضا أن يعلم حق العلم أن حريته في الكتابة تقابلها مسئوليته الاجتماعية عما يكتب، وعن الآراء التي يطرحها، والتوجيهات التي يقدمها, ومن هنا يكون عليه تماما أن يتحمل مسئولية ما ينشر موقعا باسمه، أو حتى باسمه الرمزي، ويضاعف من ذلك عنصر "الثبات" أو "الانتظام" في النشر.
د- بل إن هذه المسئولية لتمتد وتتضاعف بالنسبة إلى هؤلاء الذين يعتبرهم القراء بمثابة "الأنموذج" و"القدوة"، والمثال النابه، ومن ثم يكون لكتاباتهم تأثيراتها العميقة والقوية على تصرفات هؤلاء وعلى سلوكياتهم, ومن ثم فإن الارتفاع إلى هذا المستوى يتطلب الحيطة والحذر، والإخلاص في النصح وكثيرا من الصدق مع النفس، والتجرد.
إن أمثال هؤلاء هم من طبقة "القادة" قادة الرأي والفكر والاجتماع، وينبغي أن يكون فكرهم وأن تكون كتاباتهم نابغة من هذا المنطلق، من الضمير الوطني والصحفي والإنساني اليقظ والمدرك لدوره وأبعاده وخطورته أيضا.
ثانيا: الخصائص النوعية
وإذا كانت الخصائص السابقة في مجموعها، تعتبر من "معالم" و"ملامح" فن المقال العمودي المميزة له، والدالة عليه بصفة عامة، والمرتبطة بأنواعه العديدة كلها، أو في مجموعها تلك التي فرضها الإيقاع السريع للعصر وما فيه, فإن هناك من الخصائص الأخرى ما يرتبط بنوع بالذات أو بنوع آخر أو ثالث من أنواع هذه المقالات، ويقف إلى جانبه ليدل عليه، وليشير إليه قبل دلالته على غيره وإشارته إلى هذا الغير, ومن هنا فإننا نقول:
1- أن النظام الكامل، والارتباط بموعد محدد وأساسي للنشر ينبغي الحرص عليه، بالنسبة للأعمدة الثابتة التي يكتبها أكثر من محرر، خاصة إذا كان عددها سبعة أعمدة فقط موزعة على أيام الأسبوع؛ وذلك لأن بعض القراء ينتظر كاتبه المفضل الذي ينبغي أن تحافظ الصحيفة على موعد لقائه به كل المحافظة.
2- ولا بد للعمود المتخصص من أن يرتبط بملزمة -في حالة المجلة- أو بجزء
(1/146)

أو بصفحة، أو بجزء من الصفحة تشغلها تلك المادة المتخصصة التي يكون العمود المتخصص من نفس معينها أو مجالها أو -على الأقل- قريبا من هذا المجال بشكل ما، فإذا استعصى ذلك على صحيفة جديدة مثلا فإن الواجب والتقاليد الصحفية تتطلب وضع عدد من الأخبار المتخصصة في نفس المجال، بالقرب وحول هذا العمود الصحفي، حيث يكون ذلك بمثابة دافع أكبر إلى قراءته وأدائه لدوره، وذلك بدلا من ترك الأعمدة المتخصصة تقف وحدها دون مادة تؤيدها، كالجزر المعزولة، إلا أنه يستثنى من ذلك بالطبع ما يحدث بالنسبة للأعمدة اليومية غير ثابتة المحرر، عندما يقوم المحرر العلمي -مثلا- بكتابة أحدها في اليوم المخصص له؛ لأن الأصل في هذه الأعمدة أنها غير مرتبطة بمادة مجاورة، أو غير مجاورة، حتى وإن تناولت حدثا ما يزال يشغل بعض أعمدة الصحيفة أو المجلة.
3- ومن المؤكد أن العمود الثابت الموقع لكاتب واحد يتميز عن غيره بعدة خصائص هامة تجعله في المقدمة من بين ألوان أو أنماط هذا النتاج الصحفي التحريري، ويليه في ذلك العمود الثابت متغير الكتاب، ومن أهم هذه الخصائص:
- أنه أكثرها تعبيرا عن ذات الكاتب وأحاسيسه.
- أنه يعكس شخصية كاتبه تماما، ويدل عليه ويشير إلى فكره وموهبته.
- أنه إذا كانت الأعمدة الصحفية أو مقالات الأعمدة من أقرب الفنون الصحفية إلى الأدب الخالص فإن العمود الموقع الثابت هو أقرب الأعمدة إلى الأدب يكاد يستوي في ذلك مع مقالات اليوميات والخواطر والتأملات.
- أنه أكثرها تنوعا في الموضوعات والأفكار والاهتمامات.
- أنه أكثرها استجابة للاتجاهات الجديدة في التحرير، وبالذات تلك التي تعكس عنصر "الإبداع الإعلامي".
- أنه أكثرها ارتباطا بعناصر ثبات العنوان والتوقيع والمكان والمساحة وشكل العمود أيضا.
4- وكون العمود الصحفي "متخصصا" لا يعني أنه يتوجه إلى المتخصصين.
(1/147)

وحدهم، فبالإضافة إلى أن حديثنا خلال هذه الصفحات يركز بالدرجة الأولى على الصحف والمجلات "العامة" و"السيارة" وليست المتخصصة أو المهنية أو الفنية، فإن ما يكتب فوق صفحات هذه الجرائد والمجلات ينبغي أن يكون لكل القراء، وصحيح ومن المعروف ومن المعترف به أيضا أن كل محرر يعرف نوعية القراء الذين يمكن أن تستقطب مادته التحريرية اهتماماتهم، وأن هناك المواد التحريرية العديدة -خاصة المقالات- تمر بها كثرة من القراء من الكرام، كل ذلك صحيح، ولكن من الصحيح أيضا أن على كاتب العمود المتخصص أن يعرف أنه لا يكتب للمتخصصين وحدهم، وأنه لا يمكنه إقامة سور أو حائط أو سياج يحول بين مادته وبين غير هؤلاء من القراء، بل من الصحيح أن يحاول اكتساب هؤلاء نحو بابه أو زاويته أو صفحته، وبالتاي نحو عموده، بل كثيرا ما يكون هذا العمود نفسه هو عنصر جاذب نحو الملزمة أو الصفحة أو الباب في مجموعه، بل إن في "كسبه" لقارئ جديد لمادته المتخصصة بعض علامات النجاح، وتحقيق الهدف من الباب كله، بل من الصحيفة كلها.
أريد بذلك أن أقول إن على كاتب العمود المتخصص أن يعرف أن من أهم معالم النجاح المرتبطة بعموده:
- أن يحسن اختيار موضوعه الهام الساخن القائم في الأذهان, والذي يكون مثار فكر الكثيرين, أو قائما في أذهانهم ومتداولا في مناقشاتهم.
- أن يعرف كيف يربط بين هذا الموضوع وبين واقع القراء، وحياتهم، ومشكلاتهم أيضا.
- في لغة سهلة وواضحة، لا تجعل القارئ يهرب من العمود أو الباب كله أو الصفحة جميعها.
- مع شرح واف للمصطلحات المستخدمة، أو تبسيطها تبسيطا يتيح فهمها على مستوى القراء عموما.
أما الموضوعات الجافة، والكتابة للغرض العلمي أو المهني، والتعمق واستعراض العضلات في موضوع متخصص، فإن على محرره أن ينتقل -بكل هذا- وقبله للغة العلم ومصطلحاته ونظرياته ومعادلاته، إلى الدوريات المتخصصة التي تصدرها
(1/148)

الجامعات ومعاهد البحوث والنقابات وغيرها، فذلك هو مكانها ولن يلومه أحد على ذلك، بل قد يوجه إليه اللوم إذا كتب بغير هذه الأساليب.
(1/149)

أعمدة شهيرة:
وإذا كنا قد أشرنا -خلال السطور السابقة- إلى عدد من أشهر ما قدمته الصحف المصرية من مقالات الأعمدة، لكبار كتابها أيضا، فإن الصحف المصرية والعربية عامة تعرف العديد من هذه الأعمدة المختلفة -عامة ومتخصصة- تلك التي تحمل الأسماء المختلفة ويكتبها كتاب ومحررون من متنوعي الأساليب والثقافات والاتجاهات, ومن هنا وقبل أن نتحدث عن أبرز خصائص تحرير مقال العمود الصحفي، أو هذا النوع "المنتشر" من أنواع المقالات، نقوم بجولة مصرية وعربية بين صفحات عدد من الجرائد على طريقة الاختيار العشوائي, نثبت فيها أهم أعمدتها، ألا وهي الصحف التالية وخلال شهري يوليو وأغسطس 1983 وفق ترتيب صفحاتها:
1- صحيفة أخبار اليوم الأسبوعية وبها هذه الأعمدة: "آخر عمود: إبراهيم سعدة، بالتليفون: عبد الوهاب مرسي، مواجهة: عبد العاطي حامد، كلمة: أكثر من كاتب، قراءات: كمال عبد الرءوف، جولة الفكر: نعمان عاشور، نحو الغد: حسين فهمي- فكرة: مصطفى أمين, رأي بالعربي: محمد طنطاوي، في الصميم جلال عارف, العزف على الهواء: علي شحاته، كلمة حق: مصطفى شردي".
2- صحيفة الأحرار الأسبوعية الحزبية المصرية: "كلمة: محمود فوزي, عيب: محمد عبد الشافي, نسمات: صلاح الرفاعي, آخر كلام: صلاح قبضايا".
3- صحيفة الثورة العراقية: "ضوء: مازن, آخر الكلام: ح".
4- صحيفة الأيام السودانية: "محطات صغيرة: عثمان عابدين".
5- صحيفة الأهرام القاهرية: "ميكروفون: محمد صالح, صندوق الدنيا: أحمد بهجت, وجهة نظر: كتاب مختلفون, مجرد رأي: صلاح منتصر, يوميات: أحمد بهاء الدين, مواقف: أنيس منصور" انظر الملاحظات.
6- صحيفة القبس الكويتية وبها هذه الأعمدة: "حياكم الله: ناصر الورع, شوكة: حسين عبد الرحمن, تعاونيات: مشارى العميري".
(1/149)

7- صحيفة الجمهورية القاهرية: "عمود على صفحة العالم العربي بدون عنوان محمود العزبي, قطر الندى: عبد المنعم الصاوي, من الذاكرة: د. مختار الوكيل, كلمة حب: محمد الحيوان, صواريخ: إبراهيم الورداني، العلم والحياة: د. عواطف عبد الجليل, قرآن وسنة: سعاد جلال ثم د. عبد الجليل شلبي, نقطة فوق حرف ساخن: رأفت الخياط, عمود فني بدون عنوان ثابت: سمير فريد، عمود رياضي بدون عنوان ثابت: عبد الرحمن فهمي, من القلب: محسن محمد، من ثقب الباب: كامل زهيري".
8- صحيفة الشرق الأوسط السعودية: "شجون عربية: عماد الدين أديب, فكرة: مصطفى أمين, يوميات: أحمد بهاء الدين، ظلال: عبد الله الجفري، صباح الخير: جهاد الخازن".
9- صحيفة الأخبار المصرية: "عمود فني على الصفحة الثانية: أكثر من محرر يوميا, دخان في الهواء: جلال الدين الحمامصي, كلمات: محمود عبد المنعم مراد، كل يوم: أكثر من محرر يوميا، ما قل ودل: أحمد الصاوي محمد، نفسي: أكثر من محرر، بلا مشاكل: أحمد زين "مكان نحو النور", علامة استفهام: عبد السلام داود، عزيزي: نبيل عصمت، 2/ 1 كلمة: أحمد رجب، للنقد فقط: عبد الفتاح البارودي، فكرة: مصطفى أمين".
10- جريدة الصحافة السودانية: "من غير سياسة: ع. م. خ, مفاهيم رياضية: حسن عز الدين، قمم وسفوح: بدون توقيع، كلام الناس: نور الدين مدني، خواطر فنية: محمد الياس السني".
11- جريدة السياسة الكويتية: "يوم ويوم: زاهد مطر، أضواء محلية: مراقب، ليس إلا: محمود السعدني، زووم: بدون".
12- صحيفة الجمهورية العراقية: "كل صباح: سلام خياط, نافذة: أنمار".
13- صحيفة الاتحاد الإماراتية: "بين السطور: محمود يوسف، شئون وشجون: علي جاسم، أقول لكم: محمد يوسف, من الأعماق: غواص".
(1/150)

14- صحيفة اليوم السعودية: "متابعات محلية: خالد محمد الخليفة، للمعلومية حرر: عبد الله الغشري، كل الحواس: مبارك العوض، آخر صوت: الحارث بن غريب".
(1/151)

تحريره:
وما دمنا نكتب أعمدة مقالية، لا إخبارية، واستنادا إلى أن التحرير يتألف في بساطة شديدة من الحصول على المعلومات والحقائق, والوصول إلى الآراء والمواقف والنتائج الهامة، وعرضها العرض اللائق الذي يجعل القراء يقبلون عليها ثم يفهمونها, انطلاقا من ذلك, وبحسب أن المقال العمودي هو رسالة قصيرة يومية أو أسبوعية أو دورية يكتبها كاتب مناسب إلى قارئ صديق يحدثه عن ظاهرة أو حقيقة أو قضية أو سلوك بهدف الإعلام والشرح والتفسير والتثقيف والإمتاع, وقيام الجسور الدائمة بين الصحيفة والمحرر من جانب والقراء من جانب آخر, وإلى تحقيق الربح المادي.
ما دامت هذه هي العوامل الثلاثة الأساسية التي تحكم "فلسفة" المقال العمودي، فإنها ينبغي أن تصب أولا وأخيرا في "التحرير الجيد والمتميز" والذي يرتبط بهذا الفن الإعلامي الإبداعي الصحفي قبل ارتباطه بغيره من الفنون التحريرية الأخرى, وحيث نجد أن لهذا التحرير معالم وملامح وخصائص نضيفها هنا إلى ما سبق تناوله منها، خاصة ما يتصل بالشكل العمودي، وصغر المساحة وما ينتج عنه.
أولا: في تحرير العنوان
- هناك عدة اتجاهات تحريرية تسيطر على تحرير عنوان العمود المقالي, ومن أهمها:
- اتجاه أول: وطابعه غالب يتمثل في كتابة اسم أو لافتة أو عنوان واحد رئيسي للعمود ثابت طبعا لا يتغير أبدا ويكتفى بهذا العنوان وحده، أي: يصير علما على جميع المقالات في جميع الأيام دون أن يتلوه أو يظهر بعده عنوان آخر وذلك مثل عنوانات: "فكرة, ما قل ودل، خاطر الصباح، نحو النور".
- اتجاه ثان: يتضمن الاسم أو اللافتة أو العنوان الرئيسي الثابت اليومي أو الأسبوعي
(1/151)

ولكن يظهر إلى جانبه وأسفله في أغلب الأحوال عنوان آخر يكون دالا على مقال اليوم أو الأسبوع أو المقال الدوري ويتغير بتغيره, وبما يناسب مادته وهو الأسلوب المتبع في مقالات أعمدة عربية مثل: "صندوق الدنيا، وجهة نظر، مجرد رأي، في الصميم، فنجان قهوة، آراء حرة" بصحف الأهرام والرأي العام والعرب على التوالي.
- اتجاه ثالث: يوجد فيه ثلاثة عنوانات كاملة للعمود الصحفي الواحد, ويحدث ذلك في أحوال من بينها عندما ينشر نفس العمود بنفس اسمه أو عنوانه الرئيسي على صفحات العدد الأسبوعي، أو عدد خاص أو عدد ضمن أعداء "الإعلام التسجيلي أو الإعلاني" كما قد يفعل بعض الكتاب ذلك في مناسبة من المناسبات الصحفية أو الخاصة أو الوطنية أيضا, ولعل أبرز هذه العنوانات عنوان عمود "جلال الدين الحمامصي" الذي ينشر في عدد الجمعة -آخر الأسبوع- من صحيفة الأخبار القاهرية حيث يتكون من ثلاثة عنوانات أولها الأساسي المنتظم الثابت الذي ينشر تحت اسم "دخان في الهواء" والثاني عنوان أسبوعي مفتاحي هو "دردشة آخر الأسبوع" بالإضافة إلى العنوان المتغير الذي ينشر من يوم لآخر مرتبطا بموضوع العمود اليومي.
- اتجاه رابع: يخلط بين الاتجاهين السابقين فقط, أي: إنه لا يستقر على حال، مما يخالف طبيعة الأعمدة, ولكن لحسن الحظ أنه اتجاه ضعيف، وقليل الحدوث، ونادر النماذج أيضا.
- اتجاه نادر آخر يعود بالعمود إلى بعض اتجاهات كتابة عنوانات الخبر الصغير، وكذا بعض أنواع المواد الإعلانية, حيث يظهر الخبر الصغير أو الإعلان بدون عنوان على الإطلاق حيث يقول بعض أصحاب هذا الاتجاه إن ذلك يكون طريقا هاما أو وسيلة إلى جذب القراء نحوه وتوقفهم عنده, وهو كما نرى اتجاه غير واقعي ومرفوض في أكثر الأحوال، بل في غالبيتها العظمى، حتى كاتجاه "حر" ثائر على التقاليد والأسيجة؛ ذلك لأننا لا نضمن إن كان القارئ سوف يمضي في متابعة الخبر أو الإعلان أم لا؟ فضلا عن روح الخديعة المشرب بها، وذلك بالإضافة إلى حيرة القارئ وتردده وقلقه وهو يحاول أن يتعرف على "هوية" هذه المادة قبل قراءتها أو متابعة هذه القراءة, كما لا يمكننا تجاهل جاذبية العنوان الثابت أو المتغير وارتباطه بكاتب صديق, وحيث يوشك هذا الاتجاه
(1/152)

أن يهدم بعض أركان "فلسفة الأعمدة" من أساسها.
- ولأن العنوان يقوم بدوره الهام من أجل جذب القراء إلى قراءة المقال، كما يقوم بعقد صلة التعارف ويدعمها بين القارئ والمقال نفسه، بالإضافة إلى الدلالة على نوعية العمود الصحفي وعلى اهتمامات كاتبه، وعلى موضوعه أو موضوعاته والاتجاهات التي تسوده، فضلا عن الدلالة على شخصية الكاتب نفسه وفكره, وذلك كله بالإضافة إلى ما يمكن أن يقدمه هذا العنوان نفسه من "خدمات" لسكرتير التحرير تتصل عن قرب بجوانب الجمال والإشراق في الصفحة وباعتباره ركيزة هامة من ركائزها أحيانا, أو من ركائز نصفها أو ربعها -وفق مكان العمود- وقبل ذلك كله؛ لأن عنوان العمود ركن هام من أركان "فلسفته" وقيامه بدور الصلة المستمرة والرابطة القوية والمدعمة بين القارئ والعمود، من أجل ذلك كانت هناك عدة ملامح وخصائص وشروط أيضا تتصل بتحرير هذه الوحدة الهامة وينبغي توافرها بالنسبة لها تلك هي:
1- أن يستقر أولا وبادئ ذي بدء على نظام واحد ثابت للعنوان, كأن يكون -مثلا- عنوانا واحدا يقوم بمقام "اسم" المقال، وينشر كل يوم في نظام ودقه، فإذا كان لا بد من عنوانين هذا الأول الثابت والآخر المتغير بتغير الموضوعات والمقالات، فينبغي أيضا الحفاظ على هذا النظام والدقة في تنفيذه، وهكذا وإن كنا نفضل في حالة قيام محرر واحد بكتابته يوميا أن يكون له هذا العنوان الواحد الثابت المنتظم؛ لأنه الأكثر اقترابا من فلسفة الأعمدة الصحفية من حيث:
2- أن يكون هذا العنوان -الذي هو بمثابة اسم للعمود- الذي جرى الاستقرار عليه مختصرا كل الاختصار، بحيث يتكون من كلمة واحدة مثل: "كلمة، صواريخ، غرابيل، فكرة ... إلخ" أو من كلمتين مركبتين مثل: "نحو النور، آخر العمود، خاطر الصباح، في الصميم, آراء حرة.. إلخ" ويستحسن ألا يزيد عن ذلك، فإذا زاد عن ذلك فهي ثلاث كلمات قصار، أو هما كلمتان فقط يضاف إليهما حرف هام أو أداة استفهام أو إشارة أو نحو ذلك مثل: "ما قل ودل, دخان في الهواء، من غير سياسة" وصحيح أن هناك -كما كان هناك أيضا- ذلك العنوان الثابت المكون من أربع كلمات مثل: "نقطة فوق حرف ساخن, مع قرائي كل صباح: صحيفة الجمهورية المصرية" ولكننا لا نميل كثيرا إلى اتباع ذلك.
(1/153)

3- ولكن المطلوب ليس هو اختصار العنوان فقط، خاصة إذا كان النظام المتبع هو أن يكتب تحته عنوان آخر متغير، وإنما ينبغي أن يكون هذا العنوان المختصر دالا كل الدلالة على طابع المقال وطبيعته ونوعية مادته الغالبة على أكثره، وعلى الاتجاه الذي سوف يسود كتابته في معظم الأيام أو الأسابيع فلا يعقل -مثلا- أن يكون العنوان الثابت هو "مع العلم" بينما العمود يتناول عرض أو نقد الكتب الجديدة.
كما أنه ليس من المعقول أن يرتفع عنوان مثل "في الشبكة" على عمود علمي متخصص وهكذا، وحتى الأعمدة العامة -وهي هنا مجال حديثنا الأول- ينبغي اختيار عنواناتها الدالة عليها وعلى مادتها وعلى شخصية محررها أيضا، فعنوان مثل "أتحدى" ينبغي أن يختلف مضمون عموده عن مضمون عمود بعنوان "قبلات" وعنوان آخر مثل "وسام على صدره" يدل تماما على مادة مقاله الذي يقدم الأنموذج والقدوة الصالحة، وهو -حتما- يختلف عن مقال عمودي آخر يرتفع فوقه عنوان مثل: "كلام فارغ" وهكذا.
4- كذلك فإن الاختصار والدلالة وحدهما لا يكفيان وإنما ينبغي أن تتصف كلمة أو كلمات العنوان:
- بما يجذب نحوها عيون القراء "الجاذبية".
- بما يجعلها واضحة الدلالة على مادتها ومضمونها وطابع المقال العمودي "الوضوح".
وهكذا نجد أن الجاذبية وأن الوضوح ضرورتان لاختيار كلمة العنوان أو كلماته، حيث تساهم هذه كلها في جذب القارئ نحوه، وحرصه عليه، ومتابعته له.
5- وبالمثل فإن جدة الفكرة -فكرة العنوان هنا- واتصالها بعنصر الابتكار المتفاعل، أو المنسجم مع الهدف من وجود العنوان، وبل والعمود كله، هذه أيضا تكون من معالم نجاح عنوان مقال العمود، ومن الشروط التي ينبغي توافرها فيه، وهذا العنصر يعني، ويتحقق بواسطة أساليب عديدة، يعرفها الموهوبون من
(1/154)

المحررين، ويحرصون عليها، ويبلغ حرصهم عليها أشده عند الاستقرار أو الاتفاق على كتابة عمود جديد، حيث يجهد المحرر -أو عدد من المحررين- أنفسهم من أجل العثور على عنوان أو "اسم" للعمود، ينبغي أن يتوافر فيه، وبالإضافة إلى ما سبق ومن زاوية ابتكارية هذه المرة:
أ- الجدة الكاملة، أي: أن يكون العنوان جديدا، لم يسبق استخدامه من قبل، ولا يستخدم الآن في صحيفة أو مجلة أخرى، وذلك باستثناء:
- أن يكون من الأعمدة ذات التاريخ الطويل والأثر الكبير وتريد الصحيفة أن تحافظ على بقائه كأحد معالمها الرئيسية والأساسية، ونتيجة لما أثرى به صاحبه حياتها والحياة الاجتماعية ككل.
ويزيد من ذلك عندما يكون لهذا المحرر أخ أو ابن أو قريب يعمل بالصحيفة نفسها أو بالعمل الصحفي في مجموعه، ويمكنه أن يقدم له طابع الاستمرار وأن يحافظ على هويته تماما، وعلى استمرار أدائه لدوره1.
- أن يكون العنوان الثابت قد استخدمته صحيفة أو مجلة قديمة، كانت تصدر بنفس البلد أو بغيره منذ عدة أعوام "بعد اتباع الأسلوب المهني اللائق خاصة في حالة وجود كاتبه أو رئيس تحرير الصحيفة أو صاحبها على قيد الحياة".
- أن تكون الصحيفة التي تستخدمه -أو المجلة- مما يصدر في بلد أجنبي، وإن كنا لا نفضل ذلك تماما ولا نؤيده؛ لأن أمام المواهب ما يتسع من أجل الحصول على أفكار لعنوانات جديدة، مبتكرة تختلف تماما عن العنوانات التي تستخدمها هذه الصحف والمجلات الأجنبية.
__________
1 لعل خير الأمثلة على ذلك في إطار صحافتنا العربية، قيام أستاذنا "مصطفى أمين" بكتابة العمود الشهير "فكرة" بعد وفاة شقيقه "علي أمين" الذي ارتبط العمود باسمه لأكثر من عشرين عاما، بل لقد رأينا العمود نفسه وعددا من الصحف العربية تتسابق إلى نشره وهو بقلم "مصطفى أمين"، وهكذا كما يقوم الزميل "سمير عبد القادر" بكتابة عمود "نحو النور" بعد وفاة والده "محمد زكي عبد القادر" الذي ارتبط العمود باسمه حوالي ثلاثين عاما، بعد أن تغير من عمود يومي إلى أسبوعي، وهكذا.
(1/155)

ب- الابتكار والاختلاف عن أفكار العنوانات الأخرى: فلا يكفي أن يكون العنوان جديدا لا يستخدمه الآن عمود آخر، لكاتب آخر، في صحيفة أو مجلة أخرى، وإنما ينبغي أن يتحقق به طابع الابتكار الذي يعكس المواهب. ويقدم الإبداع في أفضل صوره، ويدل على تلك الدرجة الرفيعة من الحس الفني الصحفي الابتكاري لأسرة الصحيفة أو المجلة عامة وللمحرر خاصة، ويحسب أن هذه الأسرة تشارك في عملية اختياره، هذا ومن أمثلة عنوانات الأعمدة التي تظهر فيها هذه المقدرة على الابتكار، وعلى سبيل المثال لا الحصر وإن تكرر ترديدنا لها, بحسبها هنا أعمدة "أنموذجية" خاصة ما يتصل بعنواناتها:
"فكرة، ما قل ودل، نحو النور، نحو الغد، قطر الندى، من القلب، خاطر الصباح، صباح الخير، نصف كلمة، حياكم الله، ورد وشوك، أقول لكم، بين السطور ... إلخ".
ومن الصحف الأجنبية:
"النوافذ المفتوحة, أبيض وأسود, لماذا؟ , من عش العصفور ... إلخ".
جـ- عقد صلة تعارف مباشرة: بمعنى أن يكون العنوان من ذلك النوع الذي يتجه إلى القارئ مباشرة بحيث يخاطب قلبه وحواسه إلى درجة يشعر معها كل قارئ أن صاحب أو محرر هذا العمود يتوجه به إليه قبل غيره، بل وربما إليه فقط كصديق، وصديق قديم أيضا، وذلك من مثل هذه العنوانات الثابتة والتي سبقت الإشارة إلى بعضها عربية وأجنبية: "مع قرائي، السلام عليكم، عزيزي، أقول لكم، من الأعماق، حياكم الله، كلمة حب ... إلخ".
6- ومن خصائص العنوان الناجح أيضا أن يكون سهل الارتباط بالقراء وسهل التذكر، وقبلها يكون سهل الدخول إلى عقولهم وقلوبهم أو سهل "التسلل" إليهما، وقد ثبت أن العنوانات المأخوذة عن آية قرآنية كريمة، أو عدة كلملات منها، أو عن حديث شريف، أو عن حكمة أو قول مأثور أو بيت شعر شهير أو جزء من خطبة تاريخية، ثبت أن مثل هذه العنوانات هي التي تحقق صفات الارتباط بالقراء وسهولة تذكرها، كما تزيد من قيام صلة التعارف التي تحدثنا عنها خلال
(1/156)

الفقرة السابقة، ومن هنا، وبالإضافة إلى ما سبق تقديمه فإننا يمكننا أن نقترح هذه العنوانات الجديدة للمقالات العمودية الثابتة التي يمكن أن تحقق هذه الصلة، فضلا عن سهولة تذكرها، أن من بينها مثلا، مع ملاحظة أن بعضها قد يكون قد استخدم في بعض الأوقات كعنوان لبعض الأعمدة، مما يقفز إلى ذاكرتنا، أو على سبيل توارد الخواطر فقط، حيث إننا لا نتذكر سابق استخدامها:
أ- عنوانات لأعمدة عامة يومية أو أسبوعية لكاتب واحد مثل: "أحلى الكلام، خبز وتمر، نعم، الحق أقول، حديث الروح، هكذا أقول، لوجه الله، بلا دموع، ضوء وظل، هنا وهناك نافذة ... إلخ".
ب- عنوانات لأعمدة دينية متخصصة يومية أو أسبوعية مثل: "بسم الله، الوعد الحق، أفلا يتذكرون؟، وإلى ربك فارغب، جنات وعيون، خير زاد، نصر الله، إنه كان توابا، من كتاب الله، السنة المحمدية، تسابيح مؤمن، البلاغ المبين، تسابيح، حزب الله".
جـ- عنوانات لأعمدة علمية متخصصة مثل: "من كل بحر، والله أعلم، بساط الريح، أبقراط يقول:، شعاع، قوس قزح، نافذة على العلم، دائرة الضوء، الفانوس السحري، أنت والعلم، اليوم وغدا, علم وتنمية, في بحر العلوم ... إلخ".
د- عنوانات لأعمدة نقدية مثل: "وجها لوجه، في الميزان، كيف؟، لماذا؟، كلمة صدق، حلو ومر ... إلخ".
هـ- عنوانات لأعمدة فكاهية كاريكاتورية مثل: "كلام × كلام، حنك السبع، لأ يا شيخ، سمك، لبن، تمر هندي، إلا, لا، لا، لا, جوز ولوز, خيار وفاقوس ... إلخ".
7- على أنه إذا كانت الشروط والخصائص والمعالم السابقة، مما يتصل أولا وبادئ ذي بدء بالعنوانات الثابتة التي ترتفع فوق مقالات الأعمدة لتدل عليها في شمول واكتمال بحيث تصبح "أسماء" لها أو "لافتات" تدل عليها، فإننا نضيف إليها هذه الشروط والخصائص والمعالم الأخرى المتصلة بالعنوانات المتغيرة، والتي
(1/157)

ترتبط بعمود اليوم ومادته ومضمونه أو عمود الأسبوع وتختلف باختلافه واختلاف هذه العناصر نفسها، نقول إنه ينبغي أن يتوافر فيها هي الأخرى وباختصار غير مخل:
- أن تشغل حيزا محددا وصغيرا يمثل في الغالب سطرا واحدا أو سطرين في أحوال أقل، وهنا ينبغي أن يمثل كل سطر وحدة ذات نسيج قوي ومتماسك.
- وهذا يعني أيضا الاختصار التام بما يشبه عنوانات الأخبار الصغيرة.
- عدم تكرار كلمة وردت في العنوان الثابت، وعدم تكرار كلماته أصلا إلا ما كان منها بهدف إحداث موسيقى لفظية معينة أو جرس لفظي مقصود لذاته.
- ألا تزيد كلمات السطر الواحد منه عن خمس كلمات في أغلب الأحوال، وألا تزيد كلمات السطرين عن عشر كلمات بحال من الأحوال، ولكن العدد المعقول والطيب هو بين ثلاث للسطر الواحد وسبع أو ثمان للسطرين، وهكذا.
- ألا توضع الأشكال والعلامات التي يمكن أن تصاحب العنوانات إلا عند الحاجة إليها وأن يكون وضعها صحيحا، بمعنى ألا توضع علامة استفهام أو تعجب أو قوس أو فاصل أو نقاط إلا في مواضعها الصحيحة تماما.
- أن تكون قوية الدلالة شديدة الارتباط بالمادة التي تعلوها أو ترتفع هي -العنوانات- فوقها.
- أن تكون واضحة وجذابة وشائقة.
- أن تتضمن رأيا مختصرا أو انطباعا سريعا أو اتجاها موجزا أو موقفا في لمحة واحدة إلى مثل هذه الأمور كلها، أو في تعبير آخر، أن تعبر عن ذاتية المحرر وشخصيته وفكره، كلما وجد إلى ذلك سبيلا.
- أن تكون صحيحة تماما من زاوية قواعد اللغة العربية والنحو والصرف.
- أن تختار ألفاظها وكلماتها بعناية كاملة وإذا كان لا يسمح خلالها باستخدام اللفظ الغريب أو الوحشي أو غير المعروف، فإنه يسمح -بقدر وبدون إسراف في ذلك-
(1/158)

باستخدام بعض ألفاظ الحضارة والألفاظ المنحوتة إلى جانب بعض كلمات من القرآن الكريم أو الحديث النبوي، أو الحكم أو المأثورات أو شطرا من بيت شعر، وهكذا.
- ولكنها في جميع الأحوال تلك العنوانات الدالة على مقدرة المحرر، وخبرته التحريرية الكبيرة التي أهلته لكتابة مثل هذا العمود، وممارساته وتجاربه، بل لماذا لا نقول إنها تلك العنوانات الدالة على موهبته، وقدرته على الإبداع، ونظرته الابتكارية، وحسه الصحفي الفني التحريري الذي يتميز به عن غيره من المحررين.
- تماما كما أنها العنوانات الدالة على شخصيته المتميزة، المغايرة لشخصيات غيره من كتاب الأعمدة المجاورة أو التي تحتل مواقعها على الصفحات الأخرى.
ثانيا: في تحرير نص العمود الصحفي "الصلب والجوهر"
يرتكز تحرير مقال العمود الصحفي على عدة حقائق أساسية يتأثر بها كل التأثر وتحدد هي طريق محرره وطريقته، كما تحكم الطابع العام له، وهذه الحقائق -التي ذكرناها في السطور السابقة- هي تلك التي تقول:
- أنه من أبرز مواد وفنون وأنماط التحرير الصحفي التي تتيح لكاتبها أكبر قدر من حرية التفكير وحرية التعبير معا.
- وأن مقال العمود -تأسيسا على ذلك- ينبغي أن يحمل طابع كاتبه وطريقته في البيان وتقديم الرأي والموقف والاتجاه، ثم في أسلوبه الذي يتناول به كل ذلك، أو يعرضه به.
- وأن مسئوليته تكون شخصية عما يكتب وعما يعرض وعما يتناول، طالما أن له هذا القدر الكبير من الحرية، وإلى حد جواز اختلافه عن سياسية الصحيفة في بعض الأحيان.
والواقع أن نظرة دقيقة إلى المئات من مقالات الأعمدة الصحفية، تلك التي تنشرها الصحف والمجلات العربية والأجنبية، لتؤكد -بمالا لا يدع مجالا للشك- أن الثالوث السابق الذي يبدأ من حرية الكاتب في التفكير والتعبير وينتهي إليها، هو المتحكم الأول من واقع تطبيقي كامل، في تحرير العمود الصحفي، وأن أول ما أسفر عنه ومما ظهر فوق الصفحات نفسها، حتى قبل أن تشير كثرة من المراجع
(1/159)

إلى ذلك، ومما سبق أن ألمحنا إليه، هو أن لكل كاتب طريقته الخاصة في كتابة عموده، تلك التي تعكس فكره وموهبته وقدرته الكتابية، تماما كما تعكس تجربته الذاتية، وممارسته الصحفية أو المتخصصة إلى جانب شخصيته بصفة عامة.
ولقد أسفر ذلك كله، وفي واقع الأمر، ومن خلال الدراسة التحليلية لعدد كبير جدا من الأعمدة الصحفية، عن عدة نتائج في مقدمتها:
- أنه أصبحت هناك كثرة من طرق وأساليب تحرير نص مقالة العمود.
- وأن هذه الكثرة تضاعفت -ليس عن طريق كثرة الصحف والمجلات والأعمدة فقط- وإنما لأنه كان على كتابها أن يجددوا من آن لآخر في طرقهم الكتابية، وأن ينوعوا في أساليب بيانهم أو "بلاغتهم الصحفية"، وأن يقفزوا فوق حاجز الرتابة والروتينية.
- أن كتابة العمود الصحفي هي عند كثيرين -وكما ينبغي أن تكون- عمل إبداعي ابتكاري بالدرجة.
- أنه إذا كان ينبغي للنظام والدقة أن يسودا عملية نشر العمود فإن تحرير نصه لا يخضع لنظام ولا رابط له.
- أنه في مثل هذه الأحوال يصعب -تماما- عمل حصر دقيق، أو ثبت كامل لهذه الطرق والأساليب التي تختلف من كاتب لآخر، وينبغي أن تختلف، كما تختلف عند نفس الكاتب من مقال إلى مقال إلى ثالث إلى رابع، ما دام يستطيع، وما دامت موهبته تسعفه، وفكره وتجربته يستجيبان إلى مطلب التجديد، حتى يظل لمقاله بريقه الدائم ونمائه الخصب وشبابه المتجدد فكرا وتعبيرا.
- ومع ذلك فإننا هنا -ولفائدة الدارسين والمتدربين- نقدم عددا من طرق وطرز وأنماط وأفكار تحرير هذه المادة "القائدة" الهامة التي يقبل عليها القراء، ربما أكثر من إقبالهم على أنواع المقالات الأخرى.
وحيث أمكننا رصد هذه الطرق كلها:
1- الطريقة التي يتناول بها المحرر فكرة واحدة فقط خلال عموده، يدخل إليها
(1/160)

مباشرة، وبأسلوب يذكر بالمدخل الإخباري أو المقدمة الإخبارية، ثم يتابع تقديم الوقائع والشواهد التي تؤيد فكرته الأساسية وتدل عليها.
2- طريقة الحديث الشخصي المباشر وتبدأ عادة بكلمات تصل بين عقل القارئ وقلبه، وبين المحرر الذي يحرص على الجانب الشخصي وكأنه يتحدث إلى كل قارئ على حدة وذلك من مثل:
"سمعت أمس هذه الحكاية التي أنقلها لك عزيزي القارئ، أستأذنكم اليوم في, هل يدلني أحدكم على, أروي لكم ما جاء في خطاب من, جاءني أمس من يقول لي.." ثم يتابع المحرر تقديم ما يريد.
3- طريقة نشر خطاب لقارئ بين يوم وآخر، على أن يكون دور الكاتب هو مجرد التقديم فقط.
4- طريقة نشر خطاب لقارئ كل يوم مع التعليق عليه تعليقا سريعا ومختصرا للغاية ولكنه يكون تعليقا في الصميم.
5- طريقة نشر رسالة مطولة من قارئ هام جدا، على حلقات بحيث تستغرق الرسائل ثلاثة أو أربعة أعداد، ثم يأتي التعليق عليها بعد ذلك. "انظر النماذج من فضلك".
6- طريقة تناول أكثر من خطاب من أكثر من قارئ في حدود العمود الواحد، يعرف كاتبه بأهم ما جاء بهذه الرسائل من أفكار على طريقة أو بأسلوب "ومن القارئ.. يروي, ومن القارئ.. يشير, ومن القارئ.. يقول, ومن القارئ يعترض ... إلخ".
7- طريقة رواية تجربة عاشها المحرر بالأمس تتم بأسلوب قصصي متميز يكون المحرر فيه هو البطل.
8- رسم صورة قلمية لأحد الأشخاص الذين التقى بهم المحرر أمس مع تقديم لأبرز أفكارهم وما طرحوه من قضايا.
(1/161)

9- طريقة الحوار السريع الذي جرى بين المحرر وأحد القراء أو المعارف هاتفيا أو وجها لوجه يعرض المحرر أهم ما دار فيه.
10- استكمال ما نشر بالأمس بأسلوب مختلف يبدأ بإثارة أهم قضية جاءت في هذا الحوار -مثلا- وذلك على نحو: "هل أنتم مع صديقي الطبيب الشاب في أن - من منكم يؤيد صديقي طبيب الأطفال في قوله بأن.. إلخ".
11- الطريقة الشمولية التي تتابع فيها مشاهد نشاط المحرر ومقابلاته وذلك من مثل:
"رأيت أمس، وقابلت، وقرأت، وعلمت، وسمعت ... إلخ".
12- طريقة عرض مشهد قديم تذكره المحرر ويقوم بتقديم أضواء خلفية عليه بادئا بما يكون قد ذكره بهذا المشهد.
13- طريقة تناول فكرتين لا فكرة واحدة وأحيانا ثلاث أفكار أو موضوعات يركز عليها داخل إطار العمود الواحد، على أنه يستحسن في هذه الحالة أن تكون مختلفة الموضوعات، وإلا عدت فكرة واحدة أو موضوعا واحد يتناوله المحرر من أكثر من زاوية.
14- التركيز على نشر خطاب من مسئول يصله، ردا على عمود سابق له مع تناول هذا الخطاب برؤيته الخاصة، أو بأسلوب الموافقة أو الرفض.
15- رسم صورة قلمية لمشهد سياسي أو أدبي أو فكري أو عائلي كان هو أحد حضوره وذلك كأن يكتب المحرر: "قام الزعيم الأفريقي. متحدثا في مؤتمر التضامن مع شعب زيمبابوي الذي عقد أمس في.. ركز الزعيم قوله على ... وفي نفس الوقت تحدث ... قائلا.. إلخ".
16- التركيز على "اللحظة الهامة والحاسمة"، وفقط من أول المقال إلى آخره، بحيث يصبح مثل إحدى طرق صياغة الخبر وهي هنا طريقة "التشويش المسرحي"، وذلك كأن يقول "انفجرت أمس إحدى طائرات السلاح الجوي الأمريكي فوق إحدى جزر المحيط الهادي النائية ... أسفر الانفجار عن ... ". مع تقديم مدلول الحادث
(1/162)

من وجهة نظره الخاصة "ماذا لو كانت تحمل قنبلة ذرية مثلا؟ - ماذا لو كانت قد سقطت فوق مدينة مزدحمة أو مدرسة أطفال؟ ماذا كانت تحمل؟.. إلخ".
17- طريقة تقديم خطاب مفتوح منه إلى أحد المسئولين يعرض فيه شكوى أو قضية لأحد القراء أو لأكثر من قارئ.
18- طريقة التركيز على مشهد واحد أو عدة مشاهد مما رآه وهو في طريقه من منزله إلى عمله وهي الطريقة المعروفة باسم "من زجاج السيارة".
19- طريقة التركيز على بعض جوانب الأهمية غير المعروفة في نشاط هام، أو قضية شهيرة أو موقف لزعيم أو قائد فكري معروف وحيث يركز الكاتب هنا على هذا الجانب المجهول مبتدئا بقوله مثلا: ما لا تعرفه عزيز القارئ عن -أو- أقول لكم سرا، إلخ". وهي الطريقة المعروفة باسم "الهمس" أو "من ثقب الباب".
20- طريقة التقديم السريع لأكثر من فكرة، وربما عشر أفكار، كل منها في سطور قليلة للغاية، لا تزيد عن خمسة أو ستة سطور مثلا، وهي الطريقة المعروفة باسم "الدبوس" أو "التماس"، وهي تكون أكثر صلاحية للمقالات العمودية الثابتة التي تنشر على صفحات عدد أسبوعي "انظر النماذج من فضلك".
21- طريقة عقد مقارنة بين موقف أو اتجاه أو رأي جديد وحالي وساخن، وبين رأي مشابه أو مخالف أو موقف مغاير، يعود إلى أكثر من عام إلى الوراء ولشخص أو زعيم أو مفكر آخر مع التركيز على جانب المقارنة، وذلك على النحو التالي: "ما الفارق بين دعوة ... التي تقول بـ ... وبين دعوة سابقة انتشرت خلال الثلاثينات تقول بـ ... وكان صاحبها هو..؟ " أو "هل هناك فارق بين؟ " أو "من يدلني على جوانب الاتفاق والاختلاف بين؟ ".
22- تصوير مشهد درامي بالغ، ثم -في النهاية- يشرح المحرر أنه كان أحد مشاهد الفيلم الجديد الذي شهده بالخارج أو المسرحية التي تعرض بعاصمة دولة أجنبية منذ أكثر من عام.
23- طريق عرض لما نشرته صحيفة أو مجلة أجنبية في قضية تمس الواقع المصري أو الواقع العربي أو الواقع الإسلامي كأن يقول المحرر: "أبرزت صحيفة..
(1/163)

وركزت على، وتساءلت، وتقول، وتفسر, وتضيف الصحيفة قولها.. وتتناول ... إلخ" ثم يعد بتناول ذلك من وجهة نظره في عمود الغد، ويتناوله فعلا.
24- ويقترب من ذلك أيضا طريقة نقل أهم أفكار كتاب تتناول فصوله بعض الموضوعات إلى تهم القراء.. كأن يقول: "كان السد العالي موضوع فصل هام من فصول كتاب صدر في لندن أخيرا.. يقول فيه مؤلفه..".. وقد يستمر عرض الكتاب وتناوله لعدة مقالات.. وهكذا.
25- وقد يركز كاتب المقال على قضية هامة تتناولها صحافة بلد آخر ويطلب إلى القراء رأيهم في هذا الموضوع الجديد القديم ويعرض هذه الآراء ويتناولها وذلك من مثل موضوعات.. "تنظيم للأسرة أم تحديد للنسل, الإجهاض, عقوبة الإعدام, قيادة المرأة للسيارة في بعض البلاد الإسلامية, المرأة والقضاء".. إلخ.
26- طريقة تخصيص عمود اليوم لقارئ يرد على قارئ آخر بشأن قضية هامة سبقت إثارتها.
27- طريقة الربط بين موقف حالي لحكومة أو حزب أو مؤسسة علمية وبين آية قرآنية أو بيت من الشعر، أو حكمة مأثورة أو مثل سائر بحيث تكون هذه هي المدخل الطبيعي لتناول هذا الحدث الحالي والساخن, وعلى سبيل المثال لا الحصر وعند تناول الكاتب لموضوع الوحدة الوطنية, يكون مدخله إلى ذلك الآية الكريمة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} 1. وعندما يتناول موضوع وضع الرجل المناسب في المكان المناسب يكون مدخله المثل القائل: "فاقد الشيء لا يعطيه".. وعندما يتناول قضية الانتماء يصح أن يكون مدخله إلى ذلك بيت أمير الشعراء القائل:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
__________
1 سورة المائدة آية: 82.
(1/164)

ثم يتوالى بعد ذلك تقديم الشواهد والأمثلة، انطلاقا من هذا القول أو الحكمة أو بيت الشعر1.
28- الطريقة التي من خلالها يحرك المحرر مساحة العمود كلها لنشر صفحة هامة من كتاب جديد لم يصل بعد إلى مستوى التوزيع العادي على القراء، يسبق به المحرر، وبصفحة منه تكون لها جوانب دلالاتها وجاذبيتها المختلفة.
29- وقريب من ذلك الطريقة التي من خلالها يترك المحرر مساحة العمود كلها أيضا لينشر حوارا مسرحيا يكون قد قرأه في مسرحية جديدة، لم يجر إخراجها وتمثيلها وعرضها بعد, وتكون لها انعكاساتها وظلالها وإسقاطاتها الحالية.
30- الطريقة التي يقوم المحرر من خلالها بتغليب الاتجاه المقارن.. فيقارن بين فكرة وأخرى، أو رأي ورأي، أو موقف وموقف أو تصرف وتصرف أو حدث ونتائجه وحدث آخر وما أسفر عنه، أو بين الأشخاص أنفسهم، وربما الحكومات والدول أيضا.
31- الطريقة التي يخصص فيها المحرر عمود اليوم كله للإشارة إلى كتابين أو ثلاثة أو أربعة كتب تكون قد وصلته خلال الفترة السابقة من عدد من الأصدقاء أو الكتاب، وهو هنا لا يقوم بعرضها أو نقدها أو تحليلها، وإنما مجرد الإشارة إلى واقعة إهدائها وإلى مؤلفيها مع تعريف سريع بهم وبها "انظر النماذج من فضلك".
32- الطريقة التي بها يفرد المحرر عمود اليوم أو الأسبوع لسؤال واحد من قارئ، يقوم هو بالرد عليه خلال المساحة المتبقية من عموده.
33- الطريقة التي يثبت فيها المحرر أهم ما دار بينه وبين وفد زائر بحثا عن
__________
1 من أفضل ما قرأته بهذا الصدد ومما علق بذهني حتى لحظة كتابة هذه السطور, 10/ 9/ 1983 ما كتبه المرحوم الأستاذ "أحمد قاسم جوده" رئيس تحرير صحيفة الجمهورية عندما احتدمت أزمة تمويل السد العالي, وجاء رئيس البنك الدولي ووزير الخارجية الأمريكي السابق -جون فوستر دالاس- يعرض شروط تمويله ... حيث كان مدخله في عموده اليومي "خاطر الصباح" المثل العربي الشهير: "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".
(1/165)

حل لمشكلة أو إجابة على عدد من الأسئلة، أو لتوضيح بعض الأمور وينشرها المحرر على هيئة سؤال وجواب يتضمن أهم ما دار في هذا اللقاء الحواري.
"انظر النماذج من فضلك".
34- طريقة "المفكرة" وهي تشبه طريقة كتابة "اليوميات" من جهة، وطريقة "الترتيب الزمني المعتدل" في تحرير القصة الإخبارية من جهة ثانية، أي: إن المحرر هنا يقوم بتحرير مقاله العمودي عن طريق اختياره لعدد من الأحداث أو المواقف التي وقعت خلال ساعات اليوم المختلفة.. التي تكون هي -التوقيت- مدخله إلى روايتها، كأن يقول مثلا: "الساعة 8 صباحا: خرجت من منزلي.. وجدت أمامي حادثة رهيبة لسيارة من سيارات المدارس التي تحمل عشرات الأطفال.. الساعة 10 صباحا: رنين التليفون لا ينقطع واضح أنها مكالفة خارجية.. نعم هي كذلك فعلا.. شقيقي يتحدث من النمسا طالبا مني.. الساعة الواحدة ظهرا: قمت لأتوضأ لصلاة الظهر.. اكتشفت أن المياه منقطعة عن مبنى الصحيفة كله ... إلخ". وهكذا إلى القدر الذي يتحمله المقال وبشرط حسن اختيار الوقائع التي تبدو غير عادية أو ذات الصفة الإنسانية.
35- العودة إلى حدث واحد نشر سابقا على سبيل المتابعة، يبدأ بتذكير القراء به، ومتى كتبه ثم يواصل طرح آخر ما وصل إليه من أخباره ونتائجه "حادث سيارة المدارس هنا مناسب بعد عدة أيام".
36- البعد -خلال سطور أحد الأعمدة- عن الأحداث والوقائع والشخصيات الهامة والقضايا الموجودة على سطح المجتمع.. البعد عن ذلك كله -وعلى سبيل التغيير- وكتابة عمود إنشائي وصفي، يقدم فيه لوحة قلمية لمنظر جميل شاهده من نافذة منزله أو شرفته أو من حديقة النادي أو وهو يتجول على شاطئ النيل، بحيث يكون له طابعه "الرومانتيكي" الشاعري، الذي يكون له وقعه في نفوس القراء، وسحره في قلوبهم.. وعلى طريقة "الواحة" ويصلح هذا الأسلوب أكثر ما يصلح خلال وقت الربيع، أو العطلات الأسبوعية.
37- الطريقة الساخرة أو التهكمية أو "الأسلوب الكاريكاتيري" الذي يسيطر على سطور المقال وكلماته، وتسوده هذه الروح من أوله إلى آخره بشرط وجود الموضوع الذي يتناسب مع هذا الأسلوب، ويستحق كل هذا التهكم.
(1/166)

38- طريقة طرح المحرر بنفسه لسؤال هام، ثم يقوم هو بالإجابة عنه عن طريق مرئياته الخاصة.
39- طريقة "لو تحدثت هذه لقالت".. وهي شبيهة بطريقة "التشخيص" التي كان يعرفها الشعر العربي في وقت من الأوقات والتي "يستنطق" فيها الشاعر جبلا أو صخرا أو حيوانا ويحاوره ويرد عليه، عن طريق الخيال الخصب.. وعلى طريقة قول "المثقب العبدي" الذي أجهد راحلته معه بحثا عن محبوبته التي غادرت منازل الحي إلى وجهة غير معروفة مما جعله يقول:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى علي، ولا يقيني
وهكذا يكتب المحرر وعلى سبيل المثال: "لو تحدث هرم خوفو لقال ... , قبل أن تضربها المعاول التي تقوم بهدم السجن صرخت جدران الزنزانة رقم 16 قائلة ... , وأنا ماض في طريقي إلى منزلي سمعت تمثال إبراهيم باشا يقول لي.. إلخ".
40- التركيز على جانب الشرح والتفسير من وجهة نظره الخاصة لحدث أو واقعة أو قضية أو موقف بري بفكره وحصافته أن فهمه يشق على كثيرين من القراء، وهم هنا قراء عموده بالدرجة الأولى.. الذين ينبغي عليه أن يتوجه إليهم وأن يوضح ذلك لهم.
41- أسلوب تناول قول شهير من الأقوال التي برزت خلال أحداث الأسبوع لأحد الزعماء أو القادة من صناع الأحداث الكبرى يتوقف عنده المحرر وبتناوله من خلال رؤيته الخاصة له ولقائله.
42- الأسلوب الاستعراضي الذي يقدم فيه المحرر مقاله العمودي في شكل تقرير مركز للغاية ومختصر تماما عن رحلة قام بها أو مؤتمر هام كان أحد شهوده أو أعضائه.. ويمكن أن ينشر على أكثر من يوم، بحيث يكون ذلك مضمون أكثر من عمود.
43- الأسلوب الاستدراجي.. الذي يقوم فيه المحرر ومن خلال عموده
(1/167)

باستدراج كاتب عمود آخر لكي يرد عليه، ويدلي بدلوه بشأن موقف أو قضية هامة آثارها.
44- ويتبعه -حتما- أسلوب الرد على مقال الكاتب الزميل مؤيدا أو معارضا، أو نصف مؤيد، أو معارضا لبعض ما جاء في هذا المقال وليس جميع ما جاء فيه.
45- الأسلوب "الحكمي" بفتح الحاء والكاف، والذي يقوم فيه المحرر بدور الحكم أو القاضي النزيه والموضوعي والمحايد بين موقفين أو اتجاهين أو وجهتي نظر بشأن قضية أدبية أو اجتماعية أو سياسية هامة بحيث يعرض -في نزاهة- لوجهتي النظر ويقدم رأيه ومبررات أو "حيثيات" الحكم أو الوقوف إلى جانب طرف ضد آخر.
46- طريقة تقسيم الموضوع إلى عناصر.. يستقل كل عنصر منها بفقرة قصيرة مكونة من عدة جمل أو عبارات بحيث تبدأ بكلمة مجموعة ببنط أكبر أو بكرة سوداء أو بكرتين أو بمربع، بحيث يسهل على القارئ تتبع هذه العناصر والوقوف عند كل عنصر منها على حدة لالتقاط أنفساه واستيعاب ما جاء به قبل أن يبدأ قراءة العنصر التالي الذي تعبر عنه الفقرة التالية.
47- الطريقة التي يغلب عليها طابع "الاعتراف".. أي: اعتراف المحرر بعمل قام به أما وهو غير مطمئن إليه، أو على غير رغبته أو هواه، أو رغما عنه.. بحيث يبدو وكأنه يشكو إلى صديق عزيز أو أصدقاء أعزاء ما قدمت يداه.
49- الطريقة التي يركز فيها كاتب العمود على دعوة القراء إلى موقف ما أو دعوتهم إلى القيام بعمل معين بهدف تحسين حال مرفق من المرافق المتصلة بهم أو القيام بجهد ذاتي لاتمام مشروع ما دون اعتماد على السلطات، أو إلى موقف معارض لطائفة من طوائف التجار أو المهنيين.. وغيرها.
50- طريقة "السوط" وفيها يقوم المحرر بالهجوم الساخن والملتهب والسريع الذي يستمر مقالا واحدا.. على وضع من الأوضاع غير السليمة، أو على جانب من جوانب السلب أو الثغرات القائمة، بحيث يحدث هذا الهجوم مثل فرقعة "الكرباج"
(1/168)

ولكنها ليست فرقعة في الهواء، وإنما فرقعة سريعة وموجعة ومؤثرة1.
ثالثا: في تحرير خاتمة العمود أو نهايته
على الرغم من أهمية "النهاية" أو "الخاتمة" بالنسبة لمواد وفنون وأنماط التحرير الصحفي الأخرى عامة، وللمقالات المطولة خاصة، إلا أن الموقف يختلف بشأن نهاية مقال العمود أو العمود المقالي، وحيث نجد أنفسنا أمام أكثر من صورة تتصل جميعها بتحرير هذه "الوحدة الفنية التحريرية النهائية" ما هي هذه الصورة؟ وما هي أهم معالمها؟
أ- فحيث يكون المقال قصيرا جدا، ويتكون من مجرد عدة عبارات أو جمل على النحو الذي نشهده في أعمدة عديدة يصعب أن توجد نهاية، بل يصعب رصد مثل هذه التقسيمات إلى وحدات فنية أصلا.
ب- وأما المقالات الأكثر طولا من النوع السابق -دون أن تقفز فوق حدود المساحة المحددة للعمود نفسه- فإن محررها يستخدم أحيانا بعض النهايات ولكنها تكون في أغلبها ذات ثلاثة أنواع هي:
- النهاية المستترة أي: التي لا تظهر كوحدة متميزة وإنما مختلطة ومستترة خلف سطور المقال النهائية.
- نهاية الدعوة إلى موقف أو عمل التي تمثل السطور الأخيرة من العمود.
- النهاية المؤكدة.. التي تكرر وتركز على بعض ما جاء في النص على سبيل تأكيده وتثبيته في كلمات قليلة جدا ومركزة للغاية.
جـ- وأما المقالات التي درج كتابها على أن تكون أكثر طولا -وإن كانت في حدود الأعمدة أيضا- وحيث تشغل عمود الصفحة كلها أحيانا، أو أكثر سطور هذا العمود
__________
1 لا نقصد بهذا الأسلوب المقال النقدي الرياضي -في الغالب- الذي كان يكتبه من آن لآخر وكلما ظهر ما يستحق الأستاذ "جلال الدين الحمامصي" ويوقعه بـ"الكرباج".
(1/169)

-كأعمدة جلال الدين الحمامصي ومحسن محمد وكامل زهيري- فمن السهل رصد هذه الوحدات الفنية بين سطورها وكلماتها.. ومن السهولة أيضا تتبع نهاياتها وأنواعها.. حيث تكون بالإضافة إلى الأنواع الثلاثة السابقة:
- النهاية الإنشائية: والمكونة من عبارات إنشائية وشاعرية رقيقة تهدف إلى إحداث قدر من التأثير المعنوي على القراء وتسمى أيضا نهاية "العبارة القوية أو المتفجرة".
- النهاية المبرزة للفكرة الأساسية من المقال.
- النهاية التوقعية أو التنبؤية: التي يتوقع فيها الكاتب نتيجة معينة قياسا إلى مقدمات معينة.
- النهاية الاستدراجية: التي يقوم المحرر فيها باستدراج محرر آخر أو مسئول للرد عليه.
- النهاية المختلطة: فقد تكون مبرزة وإنشائية، أو مؤكدة واستدراجية وهكذا.
رابعا: إضافات تحريرية
على أننا في نهاية حديثنا عن العمود الصحفي، أو مقال العمود وتحريره، إنما نتوقف قليلا عند عدد من الإضافات والملاحظات التحريرية الهامة، تلك التي ترتبط به وبمحرره وبأساليب تحريره عن قرب، نقول عنها باختصار شديد جدا:
1- أنه إذا كنا قد قدمنا عددا من الأساليب والأفكار التحريرية الخاصة بالأعمدة المختلفة فإن هذا الذي قدمناه ليس بأكثر من عدد من الأمثلة والنماذج، بعضها عادي، وبعضها طيب المستوى، ولكننا قدمناها هنا لتؤدي دور المثال "التدريبي"، وقد تقدم فائدة في شحذ الأذهان، وتحريك العقول، والمساعدة على تنمية القدرات المختلفة المتصلة بهذا المجال، دون أن نقول إننا قدمنا حصرا لهذه الأساليب أو الأفكار أو أحطنا بها جميعا؛ لأنها عمل إبداعي ابتكاري بالدرجة الأولى، أي: لا يمكن تقنينه تقنينا كاملا، أو حصره حصرا دقيقا.
(1/170)

2- ومن ثم فإننا نقول إننا سوف نعود -بإذن الله- إلى مثل هذا التناول لأفكار هذه المقالات.. ولغيرها، عندما تتاح لنا فرصة تقديمها، وتقديم الاتجاهات الجديدة في تحريرها في غير هذا الموضع بإذن الله.
3- أن من أهم الأمور، ومما يتصل بتحرير هذا النمط المقالي، أن يحصر الكاتب نفسه ويحدد فكره ملتزما بطابع العمود الصحفي، وبمساحته؛ لأنه لا يكتب هنا مقالة قائدة موقعة أو مقالا صحفيا عاديا أو مقالا تحليليا مما لا يرتبط بطابع معين أو مساحة محددة، وإنما يكتب مقالا له طابعه ومساحته وأهدافه وفلسفته، وجميعها ترتبط ببعضها وتنبثق عن حاجة القراء السريعة، وإيقاع العصر اللاهث والمواءمة بين ذلك كله، وبين أغراض هذا المقال وأفكاره.
4- على أنه في جميع الأحوال، ومهما كان طابع المقال، أو كان مجاله، أو الحقل الذي يضرب فيه، أو الموضوع الذي يتناوله، فإن تحريره عامة، ولغته خاصة ينبغي أن تتصف بهذه الخصائص:
- ما يتصل بمقدرة المحرر اللغوية "صحة اللغة".
- ما يتصل بقدرته التعبيرية وبلاغته الصحفية "جمال الأسلوب وحسن اختيار الألفاظ".
- ما يتصل بالربط بين الفكرة التحريرية ونوعية الموضوع ومادته.. أي: تقديم الأسلوب والطريقة التحريرية المناسبة للموضوع الذي يتناوله المحرر وعلى طريقة "لكل مقام مقال".
- ما يتصل بعنصر التنوع في طرق التحرير من يوم ليوم وأسبوع لأسبوع.
- ما يتصل بذاتية المحرر، وأهمية إبراز فكره وقراءاته ومرئياته وشخصيته وأسلوبه الخاص.
- وضوح الكلمات وسهولة العبارة وقصرها ودقتها وإيجازها غير المخل والمتجه إلى الهدف مباشرة.
(1/171)

- روح الفكاهة والسخرية والأسلوب التهكمي.. خاصة إذا كان طابع المقال يسمح بذلك.
- الاستعانة بآيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والحكم المأثورة، والأمثال السائرة والاستشهاد بأقوال كبار الساسة وقادة الرأي والفكر.
- والاختلاف والتنوع هنا لا يعنيان ألا يكون لمحرر العمود أسلوبه الخاص، أو طريقته التي يعرف بها والتي لا تختلط بأساليب أو طرق غيره من الكتاب، وإنما يقصد بهما -الاختلاف والتنوع- أن يتما داخل هذا الإطار "الذاتي"، وبالتفاعل الكامل معه فأنا أغير طريقة كتابتي من يوم لآخر أو من أسبوع لأسبوع دون أن أبتعد تماما عن ملامح كتابتي الخاصة، وأسلوب الذاتي الذي عرفت به، وأعرف به أيضا.
- وإذا كان البعض يحب أن يختتم عموده ببعض الكلمات، أو بعبارة متميزة من عنده أو عند غيره تكون قصيرة وساخنة ولاذعة، أو مثل "وخز" الدبوس أو "إبر النحل" فإنه ينبغي حسن اختيارها لتحقق الهدف من وجودها، وألا تكون كثيرة العدد، وإلى الحد الذي يجعلها تحتل مساحة أكبر من مساحة المادة الأساسية المقالية نفسها، كما أن في الفصل بينها وبين هذه المادة بعض ما يساعد على قراءتها ويربط بينها وبين أذهان القراء.. وهكذا.
- وأن تكون اللغة الغالبة هي لغة الصديق، وأن يكون هذا الصديق هو الذي يتحدث دائما إلى صديق آخر، بل وصديق عزيز أيضا، وليس مجرد قارئ وحسب.
على أن النماذج التحريرية التي سوف نقدمها، سوف تزيد الأمر وضوحا، وتجعله أقرب إلى الأذهان.
(1/172)

تدريب عملي "6":
1- اختر عشرة من العنوانات الثابتة التي تصلح لترتفع فوق مقالات عمودية عامة.
2- في حدود ثلاثين سطرا اكتب مقالة قصيرة تنتهي بهذه العبارة "وكان هذا هو أغرب خطاب وصلني في حياتي".
3- وفي حدود نفس هذا العدد من السطور اكتب مقالة قصيرة بعنوان "رجل في ذاكرتي".
4- تناول خمسة من كتاب الأعمدة في صحافة بلدك بالدراسة, محددا أهم خصائص أعمدتهم من خلال دراسة تطبيقية على صفحات الجرائد الوطنية لمدة شهر.
(1/173)

المبحث السابع: اليوميات
مدخل
...
المبحث السابع: اليوميات
عندما تذكر كلمة "المقال الصحفي".. على اتساع معناه وتشعب أنواعه، يتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر عدة أنواع بعينها من هذه المقالات في مقدمتها "المثال الصحفي العام، ويليه "المقال العمودي".. بينما تأتي "اليوميات" ثالثا.. أو ثالثة هذه الأنواع.. وبعدها تأتي أنواع المقالات الصحفية الأخرى1.
واليوميات أو "مقال اليوميات الصحفية" هو الصورة الثالثة، الظاهرة، والمسيطرة على صحافة اليوم.. بعد المقال العام، والمقال العمودي، بل إنها من أكثر مظاهر "المقالات الجديدة" منذ عرفت صحافة القرن التاسع عشر هذه المادة على المستوى الصحفي لا الأدبي، مرتبطة بخصائصها المميزة التي جعلت الفرق ظاهرا، والمسافة ملحوظة بينها وبين مقالات العصور الوسطى، أو تلك السابقة عليها.. وكان من أبرز هذه الخصائص:
- ظهور شخصية الكاتب.
- كثرة الموضوعات وتعددها وتفرعها واتساع دائرتها.
- ازدياد طولها.
- نظم نشرها.
__________
1 على مدى أكثر من عام كننت أقوم -في بداية محاضرات فن المقالات- بمحاولة للتعرف على الأفكار القائمة في أذهان الطلاب والدارسين وأحيانا بعض الهواة عن
مفهومة القائم في أذهانهم, ولم تكن النتيجة تزيد كثيرا عن هذه التي نثبتها هنا، وبإضافة المقال الافتتاحي أحيانا ولذلك لزم التنويه.
(1/174)

وعندما واجهت هذه المقالات في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الكثرة من المعالم الصحفية الجديدة بكل مطالب القراء، واختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم وأذواقهم ومشاربهم، وبداية طابع السرعة الذي تسبب -بعد ذلك- في ظهور المقال العمودي.. عندما واجهت مقالات القرن التاسع عشر هذه الملامح المتعاقبة، والتي كانت تأخذ مكانها الذي يتضاعف باستمرار فوق صفحات الجرائد.. كان لا بد لها ولكتابها من مواكبة هذا التطور الحادث نفسه.
فالقارئ لم تعد تجذبه تلك الدراسات الطويلة والرسائل الجادة تماما والموضوعات العلمية الكاملة، أو تلك التي تتصف بالجفاف، والقراء أنفسهم قد تضاعفوا وأصبحت هناك طبقات جديدة عديدة منهم، ومدرسة الخبر والإيقاع السريع والأسلوب التلغرافي تزيد من سيطرتها على الصفحات، وتتأثر بها حتى أكثر الصحف جدية، أو تلك المحافظة والتقليدية.. وبين هذا وذاك، يدرك رجال الصحف من "العقلاء" أنه لا بد من تقديم غذاء الفكر والروح معا، أو في أسلوب آخر عمل نوع من التوازن المنشود بين المادة الإخبارية والمادة المقالية ولكنها -حتما- ليست أية مقالات، وحيث لا تقدم مقالات العصور الوسطى، أو القرن التاسع عشر نفسها ما يمكن أن يؤيد هذا التوازن أو يساعد على إحلاله، أو يدعم "فن المقال" في مواجهة فن الخبر.
أقول.. كان لا بد من نوع جديد من المقالات.. يرضي متطلبات الصحافة الجديدة فكرا وأسلوبا وموضوعا ويقع في صميم صحافة المقالة فنا وشكلا، ويطعم نفسه ببعض معالم مدرسة الخبر، أو فن الخبر، ثم -في النهاية- يتوجه بذلك كله إلى مجموع القراء الذي يحاول
أن يرضي كل أذواقهم، وأن يجذب إليه أكبر عدد ممكن منهم. ومن هنا ظهر فن اليوميات الصحفية.. بل وأطلق عليه أكثر من اسم بعضها تأخذ كثيرا
من هذه الخصائص التي تمثل بدورها مزيجا من شكل وأساليب بعض المقالات القديمة، وطابع وموضوع وأفكار وأساليب المقالات الحديثة نفسها.. ولعل أشهر هذه الأسماء "
العلمية" التي تطلق عليه هي:
- المقال المتعدد الفقرات.
- المقال الذاي المتنوع "مقال المنوعات الذاتي".
- مقال التجربة الخاصة.
- مقال الخواطر والتأملات.
(1/175)

وذلك فضلا عن الاسم الشهير الذي أصبح يعرف به وهو: "اليوميات الصحفية".
- ولقد أسفر ذلك الوضع العجيب، وفي واقع الأمر عن عدة نتائج كان من بينها:
- أن محرر هذا النوع من المقالات قد أصبح يقف موقفا صعبا وذلك مثل الكثرة من محرري المقالات.
- فهو مطالب -من جهة- بأن يجمع على النحو السابق بين الشكل والأسلوب والموضوع القديم والجديد معا، في إطار مقال واحد.
- وهو مطالب أيضا بأن يبذل جهدا مضاعفا من أجل اجتذاب اهتمامات القراء التي أصبحت تجذبها بالدرجة الأولى وانعكاسا للأوضاع الراهنة القلقة.. المقالات السياسية والعسكرية وغيرها.
وقد عبر عن ذلك كاتب بقوله: "فقد توارت المقالة الشخصية أو الذاتية في الظل؛ لأن اهتمام القراء في العالم كله أصبح منصبا على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة التي تؤثر بدورها على حياتهم الخاصة ومستقبل أبنائهم، ولم يعد لديهم الوقت في هذا العصر الصاخب اللاهث لكي يشاركوا كاتب المقالة تأملاته المتأنية التي تثيرها انفعالاته الذاتية"1.
- ولكن الواقع نفسه يقول إن هذا الذي يحمل بذور الخطر كان يحمل أيضا بذور القوة والمنعة لهذه المقالات وكتابها.. ولكن كيف؟
أن الكثرة من القراء قليلة الصبر، قلقة, وأن العصر نفسه الذي يحمل الضجيج والتلوث وصخب المشكلات السياسية، والاقتصادية، الذي يكاد يصم الآذان ويطحن أحشاء الناس والذي جعلهم يبذلون اهتمامهم بالمقالات التي تتناول ذلك كله، وتحاول أن تقدم حلولا لها جعلهم في نفس الوقت يحاولون الهرب من كل ذلك، أو يهربون فعلا لكي يلتقط كل منهم أنفاسه مع مقالة عمود، أو مقالة من هذا النوع الذي يعيش فيه مع
__________
1 نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص193.
(1/176)

فكر الكاتب وخواطره وحتى أحلامه أيضا، فتكون هذه كلها "راحة" له، وشعبا -بكسر الشين- يستظل بظله وفي مغانيه، وينسى فيه همومه ومطالبه الملحة، وعجزه عن تحقيقها, تماما كما يفعل مع تحقيق صحفي من تحقيقات الرحلات أو التحقيقات العامة المشوقة، أو مع قصة من قصص الخيال أو الخيال العلمي وهكذا.. وقد زاد من ذلك الإحساس ومن "هروب" القراء من مقالات السياسة والمشكلات وضجرهم بها، وضيقهم أيضا ومن ثم انصرافهم عنها إلى غيرها خاصة مقالات الأعمدة واليوميات أن كتاب السياسة والاقتصاد في العالم العربي عامة يواجهون ضغوطا شديدة, ومناخا غير مشجع وظروفا لا تمكنهم من النجاح، أو تقديم الحلول النافعة فعلا، فإن وجدوا، وإن قدموا فإنهم يصرخون في واد، أو ينفخون في "القربة المقطعة"1 أو يؤذنون في "مالطة" ومن هنا قل وجود الكاتب السياسي، بل وجد من يكتب في السياسة؛ لأنه عليه -بحكم وظيفته- أن يكتب.. ومن هنا أيضا هرب بعض هؤلاء إلى مثل هذه المقالات.. إلى حيث يجدون أنفسهم وذواتهم، ويجدهم القراء أيضا.
- ولكن ذلك كله، قد ألقى على كتاب مقالات الأعمدة واليوميات مسئولية مضاعفة، بل وألقى على كاهل الصحف والمجلات نفسها بمثل هذه المسئولية، بحثا عن المحرر النابه المثقف الموهوب صاحب القلم المتميز من بين أبنائها من الذين يمكنهم تحرير هذا النوع من أنواع المقالات -اليوميات- وعندما لم تجده بحثت عنه ضمن كبار الأدباء والمثقفين ومشاهير الفنانين ورجال الجامعات وقامت بـ"توظيفهم" ضمن أفراد أسرة تحريرها، أو رتبت ونظمت قيامهم بهذا العمل من خارج أسرتها..
وخذ عندك -مثلا- هذه الأسماء التي قامت بكتابة "يوميات الأخبار" في وقت من الأوقات:
"عباس محمود العقاد, توفيق الحكيم, د. طه حسين، سلامة موسى، محمد ذكي عبد القادر، د. سعيد عبده، إبراهيم المصري، أحمد بهاء الدين، كمل الشناوي ... إلخ".
__________
1 وهو اسم الكتاب الذي أصدره معبرا عن هذا المعنى ضمن ما يعبر عنه من معان كثيرة الأستاذ "جلال الدين الحمامصي".
(1/177)

وخذ عندك أيضا هذه الأسماء التي قامت بكتابة هذا النوع من المقالات في صحيفة الأهرام تحت عنوان "مفكرة الأهرام" في وقت من الأوقات, وحيث كان من بينهم "توفيق الحكيم, د. زكي نجيب محمود، د. رشاد رشدي، د. يوسف إدريس، عبد الرحمن الشرقاوي، د. الحسين فوزي، ثروت أباظة، نجيب محفوظ.. إلخ"1.
بل إننا -في واقع الأمر- وعندما نمعن النظر في هذه المقالات وكتابها بالنسبة للصحف العربية عامة لا نجد كاتبا كبيرا واحدا، لم يقم بمثل هذا العمل على صفحات جرائد بلده الوطنية.. وكان من أبرز هؤلاء الكتاب الذين أثروا صحافة بلادهم بمقالات يومياتهم، أو الذين يواصلون إثراءها بها حتى الآن وعلى سبيل المثال لا الحصر من القدامى والحاليين:
"أحمد السباعي، حمد الجاسر، علي الطنطاوي، محمد جابر الأنصاري، سعيد فريحة، غسان التويني، محمد حسين زيدان، حمزة شحاته، سليم اللوزي، أحمد محمد جمال، ناصر الدين النشاشيبي، بسام فريحة، محمود الكايد، نبيل الخوري، وليد أبو ظهر، عبد الله نعمة، أحمد الجار الله".. وغيرهم.. كما برزت في هذا المجال عدة كاتبات عربيات خاصة في السنوات الأخيرة نذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر: "أمينة السعيد، مي شاهين، جاذبية صدقي، زينب صادق، حسن شاه الهاكع، نوال المساعيد، خيرية السقاف، فوزية صالح البكر، حصة التويجري" ... وغيرهن.
__________
1 بعضهم أيضا كان يشارك في كتابتها تحت أسماء أخرى غير المفكرة.
(1/178)

تعريفه:
والآن ننتقل إلى تقديم عدد من تعريفات هذا النوع من أنواع المقالات الصحفية؛ لأنها -على الرغم من ندرتها- تقدم مزيدا من الضوء عليها، وتعتبر بمثابة مدخل طبيعي إلى التعريف الكامل بها وبأهم خصائصها وملامحها المميزة.. ما هي هذه التعريفات؟
- "أهم أفكار الكاتب وخواطره وهمومه التي تجمعت خلال أسبوع أو أكثر بكتبها في إطار ذاتي يفصح عن طريقته في التفكير وثقافته وتجاربه وأسلوبه في التعبير
(1/178)

بحيث يقدم بواسطته للقراء وجبة فكرية طيبة تنشر في موعد محدد ومكان واحد وتحت عنوان يشترك فيه مع غيره في الصحيفة اليومية، أو هو وحده في المجلة"1.
- "يقترب فن اليوميات الصحفية من روح فن العمود الصحفي من حيث التعبير عن خوالج النفس وروح المذهب الذي يعتنقه الكاتب ونظرته إلى الحياة، حيث يشجل في هذا الفن المقالي خواطره المتناثرة التي تؤثر في القارئ، وهي خواطر تتصل بصلات من العاطفة أو الخيال، ذلك أن فن اليوميات يتضمن خاطرا يلحق خاطرا ويتبعه لا لأن بينهما علاقة منطقية كالتي تأتي بالنتيجة وراء سببها، بل لأن هذين الخاطرين مرتبطان في خيال الكاتب أو يتصلان بعاطفته كما يذهب إلى ذلك تشارلتن"2.
- ومن حديث لـ"أحمد رشدي صالح" نستنتج منه أن هذا المقال هو الذي يضع القارئ "وجها لوجه أمام عقل الكاتب وقلبه، فكره وخياله، منطقه وعواطفه، خبرته وطلاقته بل يجوز أن نقبل الأنا في هذا الجنس من المقال"3 ومن هنا هو كذلك "يفرض على كاتبه أن ينوع أفكاره وموضوعاته وبالتالي فهذا المقال لا يتقيد بالتخصص وإنما هو يتقيد بالمرونة في اختيار الموضوعات وطرحها"4.
- وفي مذكرة سابقة لنا وردت هذه التعريفات مقال اليوميات، حاولنا خلالها أن نجمع بين أكثر من اتجاه يتناولها، وكانت أبرز هذه التعريفات الخاصة بنا هي:5
- "أفكار الكاتب الشهير المنبثقة عن معايشته لمجتمعه بمن فيه وما فيه والمعبرة عن خبراته وقراءاته واتصالاته يعرضها بطريقة تنم عن شخصيته وتعبر عن أسلوبه الخاص وتنشر دوريا في صحيفة أو مجلة تحت عنوان ثابت وفي مكان ثابت وحجم يفوق حجم العمود الصحفي أكثر من مرة".
- "الأفكار والآراء والخواطر والمواقف والصور التي يحتفظ بها الكاتب ليتناولها
__________
1 المرحوم الأستاذ سليم اللوزي، حديث خاص، الرياض 1976.
2 عبد العزيز شرف: "فن المقال الصحفي" ص72.
3, 4 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" ص225-226.
5 محمود أدهم: "فن المقال الصحفي" مذكرات غير مطبوعة.
(1/179)

في الوقت المناسب بطريقة تحمل طابعه في التفكير وأسلوبه في التعبير تنشر وفق نظام متبع في صحيفة أو مجلة وفي حجم متوسط".
- "الطريقة الفنية التي ينقل بها كاتب مرموق مرئياته ووجهات نظره وانطباعاته وإحساساته إلى جمهوره القارئ عن طريق صحيفة أو مجلة بصفة دورية وتحت عنوان ثابت وفي مكان ثابت أيضا".
- "المقال متنوع الموضوعات متوسط الطول الذي تنشره الصحيفة يوميا لكاتب مختلف بحيث يحمل أفكاره وخواطره وتجاربه إلى قرائه في طابع ينم عن شخصيته وأسلوبه الخاص".
(1/180)

وظائفه:
وإذا كنا قد تحدثنا في فصل سابق عن الفائدة التي تؤديها المقالات بشكل عام، والوظيفة التي تقوم بها خدمة للقراء، والصحيفة، والمحرر نفسه، وكذا للمجتمع الذي تتوجه إليه، فإننا نركز هنا على عدد من هذه الوظائف "النوعية" التي ترتبط بهذه المقالات نفسها عن قرب، ومن هنا فإننا نقول باختصار شديد:
- إن باستطاعة هذه المقالات -في مجموعها وليس مقالة واحدة منها- أن تؤدي جميع وظائف الصحافة مجتمعة.
- فإذا شئنا "التخصيص" نقول إنها تؤدي أكثر من غيرها وظائف التفسير والتوضيح والتوجيه والإرشاد، والتثقيف، والتعليم، وتنمية المجتمع والإمتاع والمؤانسة.
- ولكن بالإضافة إلى ذلك كله، ومن زاوية المجتمع أيضا، فإننا من خلال معايشة الأساتذة الزملاء من كتابه، والقراء أيضا، وكذا من خلال المادة الموجودة فوق الصفحات نستطيع القول بأن هناك مجموعة من الوظائف الأخرى التي يؤديها على سبيل التخصيص نفسه ومنها على سبيل المثال لا الحصر هذه كلها:
1- اعطاء "جرعة" ثقافية أكبر من تلك التي تقدمها أنواع المقالات الأخرى وذلك من حيث المضمون ومن حيث التنوع أيضا.
(1/180)

2- إعطاء قدر كبير من المتعة الذهنية أكبر من ذلك الذي تقدمه أنواع المقالات الأخرى.
3- المساهمة في تخفيف وطأة عصر القلق والحضارة السريعة وإيقاع العصر اللاهث، وما جلبته الحضارة من تأثيرات على أعصاب الإنسان وراحته تجعله في حاجة ملحة وشديدة إلى أن يلتقط أنفساه, ويستريح من عناء يومه, ويسند رأسه عند مقالة إبداعية ممتعة يجد فيها طمأنينته أو هدوءه المنشود أو فردوسه الأرضي المفقود.
4- تقديم لون مغاير تماما للون الإخباري الذي أصبح يذكر الإنسان دائما بأزماته اليومية، ومعاناته في الحصول على حاجياته ومتطلباته، وصراعه مع غيره من الناس من أجل الحصول على الكسب المادي أو المعنوي، أو الوظيفة، أو المسكن الملائم -خاصة في دول العالم الفقيرة أو غير الثرية- وكذا تقديم لون مغاير للجانب الإخباري الآخر -والهام جدا من وجهة نظر صحافة الخبر- المتمثل في أخبار الحروب والحوادث الهامة والكوارث الطبيعية وغيرها من مادة تفوح منها رائحة الدم، وحيث تزيد أهمية الخبر، بزيادة أعداد الذين أدركتهم الوفاة، أو المصابين.. مما دفع ببعض القراء إلى مقاطعة الصحف في بعض الأيام؛ لأن أكثر ما فيها يثير "النكد" من وجهة نظره.. المقال هنا ومن هذا النوع بالذات يقدم المادة الهادئة التي تشرح صدر القارئ، وتقر بها عينه، بل والتي تعيده إلى مشاعره الحقيقية، الإنسانية، بعيدا عن تلك التي تثيرها "الأخبار الدموية" من دوافع شريرة، وأحقاد دفينة.
5- ما يمكن أن يقدمه الكاتب للقارئ من إيجابيات عديدة تصل بجمال الفكرة وجمال العرض، وجمال الأسلوب وما يثيره هذا في نفسه من صور ومعان عديدة تدفعه إلى سلوك إنساني متطور, وتحقق سروره وسعادته لفترة من الوقت, ولعل ذلك يتصل بجانب الفكر والعاطفة و"الأنا" في هذه المقالات التي قلنا إنها تمثل -بالإضافة إلى بعض الأعمدة- لونا من الأدب الصحفي الخالص, ولعل ذلك أيضا ما يجعل من تحريرها "فنا" متميزا.
6- تنمية حاسة "التذوق" عند القراء، والسمو بنظرتهم الجمالية إلى الأشياء.
7- تشجيع القارئ ودفعه إلى التفكير وأعمال ملكاته الكامنة، انطلاقا مما
(1/181)

تثيره أفكار الكاتب، والمجالات المتعددة التي يطرقها.
8- تدريب القارئ وتعويده تنظيم أفكاره، وحسن التعبير عنها انطلاقا من الفكر المنظم لكاتبه.
9- المساهمة الإيجابية في تكوين شخصية الصحيفة وارتباطها بمقالات معينة لكتاب يرتبطون في ذهن القارئ بها وحتى المساهمة في تعرف القارئ على شكلها عند الموزع أو في وسيلة المواصلات.
10- مساعدة القارئ على قضاء وقت فراغ مفيد وبطريقة إيجابية.
11- تنمية المشاعر والحواس الإنسانية والارتقاء بها عند القراء، وما يمتد إليه ذلك من تأثير.
- إعطاء فرصة أكبر لتكوين الرأي العام والمساهمة في دعم المجتمع الديموقراطي بواسطة الكلمة الصادقة والحرة والشريفة أيضا.
- مساعدة الصحيفة على مواجهة المنافسة الحادة بينها وبين الصحف الأخرى، وحيث يكون لكتابها -الذين يحق لها أن تفتخر بهم وبوجودهم ضمن أعضاء أسرتها- دورهم الكبير في ذلك انطلاقا من شهرتهم الكبيرة، وجذبهم لأعداد غير قليلة من القراء وقيامهم بالمواءمة بين صحافتي الرأي والخبر ودورهم القيادي نفسه.
(1/182)

أنواعه:
وإذا كان من المفروض أن هذا المقال يتركز في يوميات الكاتب المقسمة إلى فقرات كل منها تتحدث عن يوم من الأيام، مما يعني تركيزه على نوع واحد هو "اليوميات المختلطة والمتنوعة".. كما سنشير إلى ذلك فإن من الواضح أنه قد أصبحت هناك اتجاهات عديدة تضاف -من جهة- إلى هذا النوع الأساسي القاعدي كما أنها من جهة أخرى تمثل مضمونا تختلف مادته من فقرة لأخرى، ومن مقالة لثانية، ومن كاتب لكاتب, ومن هنا وسواء اتخذ المقال بشكل الفقرات العديدة المرتبطة أو غير المرتبطة بأيام الأسبوع، أو كان نهرا في حد ذاته, فإن من الملاحظ أن هذه المقالات يمكن تقسيمها "موضوعيا"، أو طبقا لمضمونها الغالب عليها إلى هذه الأنواع كلها:
(1/182)

1- المقال الذي يتصل بخواطر المحرر وتأملاته وانطباعاته عن الناس والحياة والمجتمع والسلوكيات, وهو ما يصدق عليه هنا بحق تعبير "مقال الخواطر والتأملات" وهو من أقربها إلى المقالات الأدبية، بل إن تعبيرنا الذي ذكرناه في كتبنا السابقة، وكتابنا هذا "الأدب الصحفي" ليصدق عليه أولا قبل أن يصدق على غيره من أنواع المقالات الأخرى، وكثيرا ما يكون كاتبه من خارج أسرة الصحيفة، إذا لم يكن هناك من يقدر على كتابته من أعضاء هذه الأسرة وإن كنا نشك في ذلك؛ لأن بعض الصحف يحرص على أن يكون مثل هذا الكاتب أو الأديب الموهوب ضمن أعضاء أسرتها، بل ومجلس إدارتها أحيانا1, كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
2- المقال في الاتجاه الديني ويقوم بتحريره "المحرر الديني" أو أحد الكتاب بالصحيفة أو المجلة أو من خارج أسرتها ويربط فيها بين الدين والحياة، أو الدين والمجتمع، كما يتناول المسائل الدينية المختلفة والعبادات وأمور الشريعة الغراء، والاتجاهات الدينية, وما إلى ذلك كله تناولا بسيطا يختلف عن تناوله لها عندما يكتب في مجلة أو جريدة متخصصة وهكذا.
3- مقال "الاعترافات": وهو يركز على ذكريات الكاتب ومذكراته, وعلى ما مر به من تجارب وخبرات, وكذا على أمور فرحه وحزنه ولقاءاته ومواقفه، بشرط أن يكون كاتب هذا المقال من النجوم في صحيفته ومجتمعه معا، وأكثر شهرة من غيره من الكتاب، بل أكثر شهرة من غيره من كتاب هذه المقالة نفسها, وأن يعرف أيضا كيف يقول ما عنده بالأسلوب الذي يجذب القراء نحوه, وقد ألمحنا -عند حديثنا عن تاريخ فن المقال- إلى أن مقال "الاعترافات" له أصل في الأدب العربي وفي الآداب العالمية، خاصة بالنسبة لذلك الفن الأدبي الذي يعرف باسم "الترجمة الشخصية".
ولا نريد هنا -طبعا- أن نقول إن هذا المقال يتناول ترجمة شخصية لكاتبه، ولكن نريد أن نقول إنه يأخذ كثيرا من خصائص وملامح هذا الفن الأدبي, خاصة ما يتصل بـ"روح المقال" وحسن اختيار الوقائع، وصدق التعبير وعرض الطبائع الإنسانية وكثرة المعلومات ونقل الصور والمشاهد العديدة التي يفصل بينها وبين القراء مسافات بعيدة زمنية وجغرافية معا وهكذا.
__________
1 مثل الأساتذة: "توفيق الحكيم, نجيب محفوظ, ثروت أباظة".. وغيرهم بالنسبة لأسرة صحيفة "الأهرام".
(1/183)

4- المقال النقدي: ولكن النقد هنا لا يطغى عليه المعنى العلمي1 الذي يركز على تطور الأنواع الأدبية كما نادى بذلك أول من نادى الفرنسي "فردينان برونتير" وهي النظرية التي حاربها جمهور النقاد والأدباء أنفسهم بعد ذلك, وليس هو أيضا النقد التاريخي2 الذي يهدف إلى "تفسير الظواهر الأدبية والمؤلفات وشخصيات الكاتب فهو يعنى بالفهم والتفهيم أكثر من عنايته بالحكم والمفاضلة"3, وليس هو كذلك النقد اللغوي الذي يعنى بصحة اللغة وجمال الأسلوب وصدق التعبير وإتقان الكتابة وأحكام الصنعة, أو في أسلوب آخر إن المقال النقدي لا يشمل هنا النقد بمعناه الضيق الذي يعني فقط: "تحليل القطع الأدبية وتقدير ما لها من قيمة فنية"4, أو الحكم على البرنامج أو مجموع البرامج أو الفيلم أو المسرحية أو الكتاب أو الدراسة، وإظهار ما له، وما عليه، وما يتفرع عن ذلك كله من ملاحظات وآراء وأحكام ونتائج مختلفة, وإنما يعنى النقد هنا أكثر من ذلك كله، ويضيف إلى هذه المفاهيم السابقة، نقد كل ما يقع تحت سمع وبصر الكاتب من شخصيات وأفكار وآراء واتجاهات ومواقف ومشاهد ولوائح وقوانين وأحزاب وما إليها.
فالهجوم على فريق رياضي بمناسبة نتائجه السيئة هو نقد، وليس ضروريا أن يتم ذلك بمعرفة المحرر أو الناقد الرياضي، وبيان ما للائحة العاملين الجديدة من مزايا وما بها من ثغرات هو نقد أيضا، والهجوم على بعض رؤساء الأحياء غير النظيفة والدعوة إلى مكافأة غيرهم هو نقد أيضا, وهكذا تتسع الدائرة، ويصبح الكاتب بحق، لسان مجتمعه المؤيد والمعارض معا.
5- المقال الفكاهي: وهو من أبرز أنواع مقالات اليوميات الصحفية وأقربها إلى قلوب القراء، وصحيح أنه مقال قريب الشبه جدا بالمقال السابق "النقدي" وإلى حد اعتبار بعض المؤلفين لهما على أنهما نوعية واحدة، ولكننا -في واقع الأمر- نميل إلى الفصل بين النقد "الجاد" للائحة أو قانون أو حزب أو كتاب، حتى وإن ارتفع صوت ناقده وإن وردت خلال مقاله عدة كلمات ساخرة, نميل إلى الفصل
__________
1 "Critique Scientifque".
2 "Critique Historique".
3 محمد مندور: "في الأدب والنقد" ص20.
4 شوقي ضيف: "النقد" ص9.
(1/184)

بين هذا النقد وبين ذلك النوع الذي تطغى فيه الفكاهة على ما عداها، وتكون هي النغمة السائدة، والمرتفعة من أول المقال إلى آخره, ومن هنا فإطلاق تعبير "المقال الكاريكاتوري" يصح أيضا على هذا النوع، وحيث يكون لكاتبه أن يفعل كما يفعل الرسام الكاريكاتوري، أي: لا يكتفي بإظهار العيوب ووضع يد القراء عليها، وإنما يقوم بتوضيحها وإبرازها وتجسيمها والمبالغة فيها والتهويل من شأنها أيضا, وذلك على النحو الذي وضعه رائد هذا الفن الأدبي الصحفي -معا- الأديب الصحفي "الجاحظ" وعلى نحو ما فعله من كتاب الجيل السابق "عبد العزيز البشري، فكري أباظة، أحمد حافظ عوض" وعلى نحو ما يفعل من كتاب الجيل الحالي: "أحمد بهجت, محمود السعدني, محمود عفيفي, عباس الأسواني, أحمد رجب, فايز حلاوة" وغيرهم.
6- المقال القصصي: وهو ليس بالمعنى المفهوم، وإنما بعض الأحداث التي عاشها الكاتب والوقائع التي عاصرها، والمشاهد التي رآها، تمر من خلال فكره، أو بوتقته الخاصة لتنصهر فيها ثم تتحول بمقدرة فائقة إلى مقال قصصي يضيف إليه الكاتب كثير من عندياته، أو في أسلوب آخر إنها رصد الحياة بمن فيها وما فيها يضعها الكاتب الصحفي -الأديب- في قالب قصصي بعد أن يضيف إليها كل ذلك, ولا أقول يضيف الخيال، إلا بقدر، ودون أن يسرف في ذلك، دون أن يتجاهل ما يتصل بعناصر الطرافة والتشويش, ولقد كان من أبرز من كتبوا هذا المقال على مستوى الصحافة العربية "د. طه حسين, توفيق الحكيم, المازني, حمزة شحاته, أحمد السباعي" وغيرهم, وواضح أنه لا يقدر على كتابته، ولا يستطيع أيضا إلا من يملك حسا أدبيا وقلما يمكنه التعبير الجيد, ولذلك فإن ما قلناه عن انتساب كتاب مقال "الخواطر والتأملات" إلى الأدب يصدق أيضا على هؤلاء.
7- مقال "الصورة القلمية" وقريب من المقال السابق -القصصي- ذلك اللون الإبداعي الذي يقوم فيه صاحبه برسم صورة ليست بالفرشاة والألوان، أو بواسطة آلة التصوير، أو بالضوء وإنما يقوم برسم صورة قلمية هي في أغلب الأحوال صورة الشخصيات عرفها وتعامل معها وخبرها أيضا خلال رحلة حياته، وما تزال في ذاكرته تعيش إن كانت قديمة، أو تقوم وتمشي وتتحدث وتجادل وتنشط وتلهو إن كانت حديثة، ولكنها في جميع الأحوال قائمة في ذهنه بمنظرها وهيئتها وملابسها وأفعالها وأقوالها, ومن هنا ولأن القراء يقبلون على هذا النوع من أنواع
(1/185)

المقالات، فإن كتابه يستجيبون لهم ويحدثونهم عن مثل هذه الموضوعات على طريقة الصورة القلمية التي يقومون برسمها لها, وإذا كانت كلمة الصورة تستعمل عادة: "للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي وتطلق أحيانا مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات"1 فإننا لا نقوم هنا برسم صورة أدبية كاملة كما يفعل الشاعر أو كاتب القصة مثلا, وإنما ننقل بقلمنا صورة واقعية في أغلبها لأشخاص عاشوا بيننا وعشنا بينهم وذلك من مثل: "صديق قديم له من أيام الطفولة يتحدث عنه، صديق جامعي يسأل أين هو الآن, صديق من أيام القرية كانت له هوايات غريبة, مأذون القرية وقصصه، العمدة، موظف البريد بالقرية الذي ضبط وهو يفتح خطابات أهلها, خفير القرية العجوز الذي حاول منع القطار من المرور بالقرية؛ لأنه أخذ ابنه إلى المدينة ولم يعد به فمات تحت عجلاته، أول شخص قابله في الجامعة وصار صديقا بعد ذلك، بعض الوجوه التي لا ينساها والتي التقى بها خلال حياته الجامعية، بعض الشخصيات التي عرفها أثناء عمله الصحفي، الوجوه التي لا ينساها خلال رحلة خارجية كبيرة له".. إلخ، وقد تميز بهذا اللون من الكتابات الأساتذة: "محمود تيمور، أحمد الصاوي محمد، محمد زكي عبد القادر، ثروت أباطة، أحمد بهجت "وغيرهم.
8- مقال الرحلات: كثيرة هي الرحلات الداخلية والخارجية التي يقوم بها المحررون وكتاب المقالات, ثم يعود كل منهم وفي جعبته الكثير من الصور والمشاهد التي تستحق التناول, ولكن -أيهما- لا يكتب هنا لونا من ألوان "أدب الرحلات"2 بنوعيه الخرافي الذي عرفه الأدب المصري القديم كقصة "الملاح الغريق" أو الأدب العربي كسيرة "سيف بن ذي يزن" وكذا رحلات "بديع الزمان الهمذاني" في مقاماته، أو رحلات " السندباد البحري" التي وردت في قصص "ألف ليلة وليلة", ومعناه "هزار أفسان" أي: "الخرافات الألف", كما لا يكتب أيضا عن أدب الرحلات الواقعي القديم الذي ورد في حكايات الرحالة القدماء منذ أيام حرخوف وسنوحي وسفن حتشبسوت ثم المغامرين أيام الإمبراطورية الرومانية, أو الذين كتبوا بعناية يصفون البلاد المختلفة
كالمؤرخ هيرودوت وككتاب بوزانايس "جولة في بلاد الأغريق" الذي يعود إلى نهاية القرن الثاني بعد الميلاد "والذي ترك بصماته واضحة على أدب الرحلات
__________
1 مصطفى ناصف: "الصورة الأدبية" من المقدمة ص3.
2 Travel Literature.
(1/186)

حتى يومنا هذا"1, والذي برع فيه الرحالة العرب من أمثال: "ابن جبير، الحموي، الاصطخري، أبو دلف، المسعودي، ابن بطوطة" وغيرهم من الجوابين، والرحالة ورجال الجغرافية الوصفية.
لا يكتب المحرر أو الكاتب هنا مثل هذا اللون، كما لا يكتب أيضا تحقيقا صحفيا من تحقيقات الرحلات -وإن اختلطت هذه بتلك, ولاعتبارها ذات مصدر أو معين واحد- وإنما يقوم بكتابة مقال رحلات وصفي يتحدث فيه حديثا ذاتيا عن الصور والمشاهد التي رآها, وانطباعاته عنها وكيف رآها ويضفي عليها الكثير من طابعه الخاص وأسلوبه الخاص ورؤيته الخاصة التي قد تختلف عن رؤية الآخرين لها، كما يحاول أن يقترب من قارئ الصحيفة، وليس كتاب أدب الرحلات كلما أمكنه ذلك، دون إخلال بالجوانب الذاتية نفسها، وقد برع في هذه المقالات "أحمد عبد الرحيم، بشارة تقلا، محمد حسين هيكل، محمد ثابت، أمين الريحاني، أحمد الصاوي محمد، أنيس منصور، محمد زكي عبد القادر، حمد الجاسر, جاذبية صدقي، حسين فوزي" وغيرهم.
9- مقال الغد: ويطلق عليه أيضا "مقال المستقبل" حيث يكون الاتجاه الغالب عليه هو التبشير بما يقدمه العلم من فرص كبيرة للانطلاق والتقدم وحل مشكلات الإنسان, وما يتصل بمسائل التعليم والتنمية ورحلات الفضاء، وما ينتظر الإنسان خلالها ووجود نظام اقتصادي عالمي، وما يتصل بالقضاء على الجوع والفقر، والجهل والمرض, وإلى غير هذه الأمور التي تجذب جميع القراء الذين أصبحوا يتأثرون بما يحدث في هذه المجالات كلها في ظلال تقدم وسائل الاتصال, وإمكانية الحصول على الوسائل المتقدمة بالنسبة لدول كثيرة كانت تعتبر في عداد الدول النامية, ثم أمكنها استغلال مواردها وثرواتها الطبيعية التي حباها الله بها, مما جعلها على استعداد كبير لتقبل جوانب التقدم العلمي والتكنولوجي والإفادة منها, خاصة والأنباء تحمل إلينا صور التقدم المختلفة والتطورات الهائلة التي تحدث كل يوم، وتكون هي مجال هذه النوعية من المقالات التي أصبح لها كتابها من المعروفين في دولهم وفي العالم كله, وبعد أن كانت كتاباتهم تنزوي على استحياء بعض الزوايا أو الأركان
__________
1 نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" ص9.
(1/187)

الخاصة، إذ بها تقفز إلى الأعمدة، ثم إلى مقالات اليوميات نفسها، انعكاسا لأثرها وأهمية مادتها وإقبال القراء عليها.
10- المقال التاريخي: إذا كان التاريخ يصبح خبرا في بعض الأحيان، عندما يبرز الجديد الذي يتصل بحدث قديم، أو عندما يكشف النقاب عن سر تاريخي، أو عند وقوع كشف أثري تكون له نتائجه الجديدة، وحيث يتحقق هنا عنصر "الجدة"1, حتى وإن كان الخبر يتصل بموضوع قديم أو "على سبيل استكمال جوانب بعض الأخبار التي جدت بشأنها بعض الوقائع والظروف الجديدة، أو عندما يحدث ذلك الجديد الذي يتصل بموضوع قديم"2, إذا كان التاريخ يصبح خبرا في مثل هذه الأحوال، فإنه يصبح مقالا كذلك, ومن هنا نقول إن هناك من كتاب اليوميات من يبدي اهتماما كبيرا بالجانب التاريخي, وإلى درجة التخصص في بعض الأحيان, حيث يمكنه هنا أن يحول كل مقال إلى ورقة بحث مختصر، أو كل عدة مقالات إلى مبحث تاريخي يقدم الجديد الذي يغير بعض المفاهيم التاريخية السائدة، أو يتناول موضوعا قديما من زاوية جديدة، أو يطالب بإعادة بحث بعض الوقائع التاريخية المشكوك في صحتها, كما قد يكون لبعض الكتاب اهتمامات تاريخية خاصة تتيح له أن يتناول من آن لآخر بعض الموضوعات المتصلة بها على هذا النحو.
ولعل كاتب هذا المقال -في النهاية- وهو يهتم بالماضي عن طريق الاستقصاء والبحث والدرس والاهتمام بالتجارب والأحداث والوقائع والشخصيات الماضية، يختلف كثيرا عن كاتب المقال السابق الذي يعمل في مجال الغد، وفي محيط المستقبل.
11- المقال المختلط أو المتنوع: ولا يعني تأخير ثبته ضمن هذه القائمة حتى الآن أنه أقل من غيره من المقالات أهمية, أو أخف أثرا في نفوس وعقول القراء، بل العكس من ذلك هو الصحيح؛ وذلك لأنه فضلا عن مسايرته للاتجاه العام الرئيسي لهذه المقالات، ومواكبته للفلسفة التي تقوم عليها، وتعبيره الوظيفي الكامل عن مفهوم "مقال الفقرات" وأيضا "اليوميات".. فضلا عن ذلك كله، ومما
__________
1 "Timeliness".
2 محمود أدهم: "فن الخبر" ص495.
(1/188)

يجعله الأقرب إلى طابع وطبيعة هذه النوعية، فإن في تنوع مجالاته، واهتمامه وأخذه من بعض المقالات السابقة بطرف يتمثل في فقرة معينة، ثم بطرف آخر في إطار مقال آخر.. وهكذا.. في ذلك ما فيه من جوانب إيجابية عديدة تتمثل في زيادة فائدته، وتعدد جوانب منفعته، ونجاحه في جذب أكبر عدد ممكن من القراء إليه، من متنوعي الثقافات والاهتمامات، الذين يجذبهم تعدد فقراته وتنوعها, وذلك بالإضافة إلى سهولة كتابته -نوعا ما- عن المقالات ذات الاتجاه الواحد, تلك التي قد لا تجيد كتابتها بالطريقة المطلوبة والأسلوب الذي يقبل عليه القراء، ويحقق الهدف منها غير قلة من الكتاب قد لا تتوافر للصحيفة، وقد لا تتوافر على مستوى بعض البلاد التي ما تزال صحافتها تحاول إثبات وجودها، وأدبها أيضا.
من هنا، نعود إلى القول والتأكيد، بأن هذا المقال "المتنوع" هو الأصل والأساس، وكلما وجد الكاتب الذي يجيد اختيار المواد المتنوعة الجذابة والمفيدة، ثم التعبير عنها بصدق وقوة، كلما كان ذلك أقرب إلى طبائع الأشياء، وإلى النجاح نفسه للكاتب والصحيفة معا, خاصة إذا ندر وجود من يقوم بتحرير الأنواع السابقة، وعلى النحو الذي تناولناها به.
على أن التنوع هنا لا يرتبط بشكل معين، أو بحجم ثابت لكل فقرة، فقد تطول فقرة وقد تقصر أخرى، وقد يتضاعف طول إحدى الفقرات حتى لتستغرق أكثر طول المقال نفسه، بحيث لا تكون هناك مساحة لغير سطور قليلة تكتب فيها بعض الخواطر أو المأثورات أو الطرائف أو التوقيعات, إلى غير ذلك كله من مادة مختصرة تماما.
وإذا كانت السطور القادمة سوف تزيد من وضوح ما يتصل بمضمون هذه النوعيات، وبعد حديثنا عما يتصل بشكل مقال اليوميات -بإذن الله- فإننا نتوقف هنا عند عدد من الملاحظات السريعة التي تتصل بهذه النوعيات نفسها عن قرب، ما هي؟.
- أهمية الإشارة إلى أن هذه الأنواع نفسها تتبع "التقسيم الموضوعي" الذي فضلناه هنا على غيره من التقسيمات، بينما سنلم -بإذن الله- بأهم معالم التقسيمات الأخرى، خلال الفقرات القادمة، خاصة ما يتصل منها بالجانب الشكلي.
(1/189)

- أن هذه هي أبرز الأنواع التي وجدناها تسيطر على أفكار الكتاب العرب والأجانب المقالية لا سيما ما يتصل منها بالمقال متعدد الفقرات متنوع الموضوعات، ولكننا لا نقول بأنها جميع الأنواع إذ إن هناك أيضا بعض الأنواع الأخرى الأقل نشرا، لا سيما "مقال المناسبات". والمقال في الاتجاه الاقتصادي، ولا أقصد بالأخير -طبعا- المقال الذي ينشره المحرر الاقتصادي، أو أحد رجال الاقتصاد من آن لآخر، وعندما تكون هناك حاجة إليه، ولكن أقصد المقال الذي يدور داخل "اليوميات" نفسها.
- أن من الممكن جدا، وهو اتجاه قائم ومطروق ومنتشر تقسيم هذا المقال نفسه -باتجاهه وموضوعه الواحد- إلى فقرات متعددة، مما يقترب به من الشكل العادي والأساسي والغالب على هذه النوعية، أقول، مع الاحتفاظ له بهذه الوحدة الموضوعية، وحيث يصدق عليه هنا هذا التصنيف، كل الصدق.
(1/190)

خصائصه:
وعلى طريق التعريف الكامل بهذا المقال، وماهيته وأنواعه وأشكاله وأساليب تحريره نواصل حديثنا، حيث نقترب هذه المرة، من أهم معالمه كما تتضح ليس من أقوال كتابه فقط، وإنما من خلال من أمكننا أن نضع عليه أيدينا من تلك الخصائص البارزة، أو التي برزت وكانت لصيقة بهذه المادة نفسها على صفحات الجرائد والمجلات عربية وأجنبية، وذلك بالإضافة إلى شتات السطور القليلة التي تحدثت عنه في بطون المراجع المختلفة، على أننا -ومن أجل مزيد من التركيز والوضح- نقسم هذه الخصائص إلى:
أولا: الخصائص العامة
وهي خصائص عديدة ارتبطت بهذه النوعية من أنواع المقالات منذ فترة طويلة، حتى أصبحت علما عليها، بل صارت تمثل نوعا من "التقاليد الصحفية" المرتبطة بها، تماما كما ترتبط تقاليد أخرى بنوعية أخرى من أنواع المقالات، وعموما فإن من أبرز هذه الخصائص العامة:
1- أن يتتابع نشر المقال يوميا وأن تحافظ الصحيفة اليومية على هذا "الثبات" نفسه لأطول فترة ممكنة، وطالما أن الصحيفة نفسها تواصل صدورها
(1/190)

اليومي, ونفس الحال بالنسبة للصحف الأسبوعية، والمجلات، أي: أن تحافظ هذه وتلك على ثبات النشر الأسبوعي ومداومته.
2- أن يختلف كاتب المقال من يوم لآخر، وخلال الأسبوع، أو خلال فترة معينة تنظم بدقة بمعرفة القائمين على أمر الصحيفة اليومية الذين يكون عليهم مراعاة أكثر من نقطة هامة من بينها:
- الحرص على قيام حد أدنى من التنوع بين أفكار واتجاهات واهتمامات وتخصص كتابه بحيث تبدو المقالات في مجموعها هي تمثل هذا الخليط المثمر والإيجابي, والذي يفيد منه القراء على اختلاف مشاربهم وأذواقهم كل الفائدة، وهو هنا تنوع يقوم بين الموضوعات السابقة نفسها.
- ارتباط أيام معينة، باتجاهات معينة، وأبرزها بالطبع يوم الجمعة وارتباطه بالمقال الديني الإسلامي.
3- الحرص على أن يكون هذا المقال في شكل "يوميات محرر" أو أوراق أو صفحات من مفكرته أو مذكراته, وحيث تبدو المقالات في مجموعها -وفي النهاية- وكأنها يوميات الصحيفة أو المجلة ذاتهما.
4- ضرورة اختيار مكان هام لنشر هذا المقال على صفحات الجريدة أو المجلة، وهذا المكان في أغلب الأحوال -وبالنسبة للأولى- يقع على إحدى الصفحات اليسارية التي تتجه إليها العين مباشرة -الصفحات الفردية- وهي في الغالب الصفحات الثالثة أو الخامسة أو السابعة, كما أن هناك اتجاه له نفس القوة ينشرها على الصفحة الأخيرة.
5- ويكمل اختيار هذا المكان الهام، ويؤيده أيضا، ثبات نشر المقال على نفس المكان من نفس الصفحة أيضا, وهو نفس الحال تقريبا بالنسبة للمجلات التي تحرص على أن تكتب مثل هذه المقالات.
6- ثم يضيف إليه ويؤكده في أذهان القراء على اختلافهم ثبات عنوانه اليومي الذي يعتبر أحد المعالم الرئيسية لهذا الفن، وهو هنا عنوان اللافتة أو العنوان الاسمي كما سبق وأن أشرنا.
(1/191)

7- واسم الكاتب، وضرورة إبرازه، فضلا عن شهرته في مجالات الفكر عامة، والصحافة والأدب والفن والنقد والدين والسياسة خاصة، ووضع ذلك كله في مكان "القلب"، أو عند نقطة التوازن التي تتجه إليها عين القارئ، واعتبار هذا الاسم وطريقة نشره وثباتها، ذلك كله يعتبر أيضا من الخصائص الهامة المرتبطة بمقال اليوميات.
ثانيا: من حيث الشكل
في بساطة شديدة وللدارسين والمتدربين ومن هم في بداية الطريق أولا، وحتى نقلل من حدة الخوف والحذر والتردد التي يمكن أن يشعر بها بعض هؤلاء خلال مراحل الكتابة الأولى, وفي بساطة شديدة نقول وكملاحظة أولى إن مقال اليوميات الصحفية، والخواطر والتأملات والفقرات، شديد الصلة، قوي الشبه بالمقال العمودي السابق, وحيث يعتبر في أغلب أنواعه المسيطرة, وتبعا لمفهومه وفلسفته وكما لاحظنا فوق الصفحات نفسها, يعتبر إطارا شكليا يتضمن صورة تحريرية من هذه الصور التي نفصل الحديث عنها في موضع آخر:
- أكثر من عمود واحد مركب يقع كل منها في حجم العمود العادي, وحيث تمثل كل فقرة منه عمودا من الأعمدة السابقة ذات موضوعات متعددة أو ذات موضوع واحد "الشكل الأساسي الغالب".
- تفصيل للمقال العمودي الذي يتضمن أكثر من فقرة وأكثر من فكرة أيضا دون وجود فواصل بينها.
- تناول مسهب لمادة العمود نفسها بموضوعه الواحد وفكرته الواحدة من أكثر من زاوية جديدة، فالعمود مركز ومختصر، ومادتنا هذه يقوم كاتبها بما يتطلبه الإسهاب والإطناب في حدود المعقول والمقبول، والمرتبط بخصائص المادة الصحفية نفسها وبمراعاة حدودها، ومن هنا وإضافة إلى ذلك فإننا نقول بوجود أكثر من شكل، وأكثر من إطار لعل من أبرزها ما تتحدث عنه السطور القادمة:
1- من المفروض أن يكون الأصل في هذا المقال أنه نوع واحد فقط يقسم فيه كاتبه مقاله العام أصلا والمتنوع أساسا إلى عدة فقرات تستقل كل فقرة منها بما يتصل بيوم من الأيام وحيث الصلة قوية، والرابطة قائمة بين هذا النوع
(1/192)

وبين مقال الاعترافات أو المذكرات الشخصية التي تكتب يوميا، وصحيح أن أكثر الكتاب -في هذه الحالة- لا يقسمون المقال إلى سبعة أقسام أو فقرات تمثل أيام الأسبوع، بعد أن كانوا يفعلون ذلك، وإنما يختصرونها إلى ثلاثة أو أربعة أو حتى خمسة أيام فقط, ولكن هذه المقالات على الرغم من ذلك، كانت -وما تزال- الأقرب إلى طابع هذا المقال وطبيعته ومن ثم إلى نوعيته الواحدة العامة كما ينبغي أن تكون، ومن هنا، واستنادا إلى ذلك، فإننا ما نزال ننظر إلى المقالات التي تأخذ هذا الشكل على أنها النوع الأول الأصلي والأساسي في مقالات اليوميات.
ولكن لأسباب عديدة من بينها: "الرغبة في التجديد, دخول عامل التخصيص, الاستعانة بالصف الثاني من الكتاب وندرة وجود الصف الأول, الحرص على أن يكون لكل طابعه الخاص المميز حتى وإن كان على حساب الشكل الأساسي لهذا المقال, عدم وضوح الفارق بينه وبين نوعيات أخرى من المقالات خاصة الصحفي العام والتحليلي" لهذه الأسباب وغيرها، وجدنا أنفسنا أمام أنواع عدة من مقالات اليوميات، والخواطر والتأملات كان من أبرزها -من حيث الشكل أو الإطار هنا, إضافة إلى هذا المقال القياسي الأساسي نفسه- تلك التي تعبر عنها الاتجاهات "التقسيمية" التحريرية أيضا، الآتية:
2- المقال المقسم إلى فقرات متعددة عامة، وليس إلى أيام أو في إطار أيام: وهو الشبيه الأول بالنوع السابق، وأقرب الأنواع إليه بل يكاد لا يختلف عنه في شيء مطلقا سوى أنه لا يأخذ شكل اليوميات ولا ينتظم في إطارها، ومن ثم فإن فقراته لا تسيطر عليها "روح" اليوميات ولا ترتفع فوقها كأصله المقالي وكعنوانات فقرات تلك الأيام التي يتحدث الكاتب عما وقع خلالها فتكون على سبيل المثال: "السبت, الاثنين, الخميس" مثلا، وإنما ترتفع فوقها عنوانات فقرات عادية كالتي نراها مصاحبة للمواد الأخرى، أو بديلاتها، ومن ثم فإن الإطار التحريري لهذا المقال، لا يعتمد أيضا على عنصر الزمن، أو اليومية أو "المفكرة" أو "الأجندة" وإنما على عمومية الموضوع فقط ومن هنا أطلق عليه عن جدارة تعبير "مقال الفقرات"، في مقابل مقال "الفترة الواحدة" وهو العمود الصحفي القصير جدا.
3- المقال المقسم إلى فقرات متعددة ذات موضوع واحد: وهو شبيه بالمقالين
(1/193)

السابقين شكلا، أو من حيث نظامه الكتابي، وتقسيمه إلى فقرات ولكنه في نفس الوقت:
- لا يعتمد الأيام كأسلوب للتقسيم.
- وفقراته غير متعددة أو متنوعة الموضوعات.
أي: إنه مقال من المقالات ذات الموضوع الواحد، ولكن هذا الموضوع نفسه يقسم إلى عناصر يستقل كل عنصر منها بفقرة خاصة به, وحيث يتضح الشبه الكبير بينه وبين "المقال الصحفي العام" إلا أن هناك أكثر من فارق "بسيط بينهما" أولها التزامه بطابع الفقرات، ثم ثبات مكان نشره وموعد النشر في أغلب الأحوال، وكذا انتظامه, وقبلها جميعها تأتي طبيعة موضوعاته التي تسمح بأن يعبر الكاتب عن خصوصياته، وانفعالاته وأحاسيسه وما يتصل بذلك من أساليب تحرير وليس كذلك المقال الصحفي العام.. وهكذا.
فإذا أردنا بعد ذلك أن نقدم مقالا يوضح الفارق بين هذا النوع والنوعين السابقين لقلنا:
- في المقال الأول "مقال اليوميات الصحفي الأساسي والقياسي" يكتب المحرر عن أربعة مواقف أو مشاهد حدثت بالنسبة له خلال أربعة أيام: الموقف الأول وقع في اليوم الأول، السبت، وهو يتصل بمعارضته لبعض جوانب لائحة للعاملين صدرت أخيرا, ويكتب عن خلاصة لقاء تم بينه وبين عدد من الذين تؤثر سلبيات هذه اللائحة على مستقبلهم، والموقف الثاني وقع في اليوم الثاني، الأحد، ويتحدث فيه عن خطاب وصله من مصري يعمل بدولة الكويت ويتحدث عن تجربة جديدة شاهدها في رحلة له إلى فرنسا, ويتمنى تنفيذها عندنا, والموقف الثالث وقع في اليوم الرابع الثلاثاء عندما دعي فجأة للحديث خلال ندوة سكانية ويصف ما فعل، والموقف الرابع في اليوم السادس، الخميس، ويتناول ملاحظة عابرة له عندما لاحظ -مثلا- أن جميع وزراء الزراعة خلال فترة طويلة هم من أبناء محافظة الفيوم, أو من الذين "خدموا" بها خلال فترة من فترات حياتهم، وقد لاحظ ذلك خلال حديث له مع وزير الزراعة الحالي.. وهكذا، وحيث يرتب المقال في فقرات يرتفع فوق كل منها يوم من هذه الأيام.
- وفي المقال الثاني يكتب عن أربعة موضوعات مختلفة هي بالتتابع: "ذكرياته
(1/194)

في هذا اليوم عندما وقف بعرفة وهو يؤدي فريضة الحج, جار له وصل أخيرا هربا من جحيم الحرب في القطر اللبناني بين "ميليشيات" الدروز والكتائب, أول إصدار شعري لشاعر جديد يبشر بالخير وينتظر منه الكثير, انفعالات بعض أفراد أسرته أثناء مشاهدة مباراة كرة قدم بالتليفزيون" وهكذا وحيث يرتب المقال في فقرات يرتفع فوق كل منهما عنوان يستمد من نفس الموضوع, موضوع الفقرة التالية له.
- وفي المقال الثالث يكتب المحرر عن أربعة موضوعات أو مشاهد أو صور أو لقاءات تتصل جميعها برحلة قام بها إلى بلد عربي -أو أي بلد آخر- وعاد منها أخيرا، حيث كان عضوا في وفد صحفي "رسمي" يمثل صحافة بلاده في زيارة لهذا البلد ردا على زيارة وفد صحافته, فإذا كانت الزيارة -مثلا- من جانب الوفد الصحفي المصري إلى دولة "الإمارات العربية المتحدة" فإن موضوعاته مثلا سوف تكون "حديث طائر: عن طائرة طيران الخليج والرحلة وما حدث خلالها, حفل الفروسية: عن حفل أقيم لهم بناد للفروسية, مدينة العين: عن زيارة لهذه المدينة وعيونها ومتحفها وجامعتها, لقاء مع زايد: عن استقبال رئيس الدولة للوفد وما دار خلال اللقاء" وهكذا أو أي شكل آخر، أو مشاهد أخرى ترتبط بهذه الزيارة، ويستقل كل منها بفقرة كاملة على أنه ليس ضروريا أن يتم هذا الارتباط بين موضوعات الفقرات على هذا النحو القوي والمباشر، فيمكن أن يكون أقل ارتباطا، أو يرتبط بالزيارة نفسها عن بعد وهكذا.
4- المقال الذي يتخذ طريقة أمس واليوم وغدا: وهو نوع آخر من أنواع مقال "اليوميات" لا يتخذ طريقة الفكرة العادية، ولا تتتابع فقراته -زمنيا- وفق تتابع أيام الأسبوع وعلى النحو السابق، وإنما يوضع المقال في إطار زمني آخر هو إطار "أمس, اليوم, غدا" وحيث يتكون هنا من ثلاث فقرات فقط تلك التي تتحدث عن مشهد أو لقاء أو حادث وقع بالأمس، والأمس هنا يعني الماضي القريب في مجموعه، ويجوز أن يكون الماضي البعيد أيضا، أي: إن التاريخ يدخل ضمن هذا المجال أيضا, ثم عن آخر يكون قد وقع في نفس يوم كتابة المقال، أي: إن هذه الفقرة تكون حالية في معظم المقالات، ذاتية في أكثرها أيضا، أو -في أسلوب آخر- تكون فقرة حالية ساخنة، تذكر بالمادة الإخبارية، يقوم الكاتب نفسه بوصفه أحد شهودها -شهود العيان هنا- أو أحد صناعها بتقديمها
(1/195)

إلى القراء, فإذا لم تكن تمثل هذه التجربة الخاصة، فهي حالية فقط وإن غلب عليها الطابع الإخباري.. وأما الفقرة الثالثة -فقرة الغد- فتتناول حدثا أو نتيجة أو واقعة من تلك التي "ينتظر" أن تقوم أو تتم, ولكن الغد هنا لا يعني "اليوم التالي" بمفهومه الضيق، وإنما يعني المستقبل كله.
5- مقال الفقرات الموضوعية الثابتة: وهو مقال فقرات عادي، ولكنه من جهة أخرى ثابت الموضوع دوريا، أو خلال فترة نشره، بمعنى أن موضوعات فقراته تكون واحدة تقريبا، وتجري وفق نظام واحد أيضا -في الغالب- من أسبوع لأسبوع, وقد ظهر داخل هذه الدائرة، أو انبثق عنها عدة اتجاهات أخرى ترتبط به، تقسم هذه الفقرات إلى تقسيمات نوعية ومن ذلك مثلا:
- فهناك كاتب يقسمها إلى: "خبر ومعنى, لقاء, حكاية قصيرة, قالوا".
- وهناك من يقسمها إلى: "سياسة, أدب, رياضة, دين".
- وهناك من يقسمها إلى: "زائر الأسبوع, كتاب, موقف, أقوال".
- وهناك من يقسمها إلى: "مكان وتاريخ, ذكرى, رسالة, مأثورات".
- وهناك من يقسمها إلى: "مصري, عربي, إسلامي, عالمي".
- وهناك من يقسمها إلى: "سياسة, فن, نقد, خطاب من قارئ".
إلى آخر هذه التقسيمات كلها التي يكاد يلتزم فيها الكاتب بموضوعاتها من أسبوع لأسبوع أو دوريا وفق النظام المتبع، وليس ضروريا بالطبع أن يذكر ذلك في بداية كل فقرة مقالية.
6- المقال غير المقسم إلى فقرات أو مقال الوحدة الواحدة: وهو -كما يؤخذ من اسمه- لا يرتبط بالفقرات، ولا يجري وفق تقسيم معين، بل لا يقوم محرره بتقسيمه أصلا، ولا كذلك مخرج الصفحة أو سكرتير التحرير، وإنما يجري على نسق واحد، وينساب -كنهر- دون عوائق أو سدود، ودون عنوانات فقرات أيضا، من أول المقال حتى آخره، أي: إنه يأخذ شكل المقال العادي، أو الفصل العادي من فصول الكتاب أو المبحث العادي دون تقسيمات أخرى رئيسية أو فرعية يقول هؤلاء -كتابه- عنها أنها تقطعه وتمزق أوصاله ومن ثم تشتت فكر
(1/196)

القارئ وتبعثره، فضلا عن دلالتها القوية على "قصر نفس" وقلة صبر كتابها, وهي أقوال مردودة أو يمكن الرد عليها دون شك, خاصة بما يرتبط بـ"شخصية" هذا المقال، وفلسفته واتجاهاته الأساسية والغرض منه، وطبيعته.
ولعل هذا المقال -بعد ذلك كله- يكون أقرب هذه النوعية نفسها إلى "المقال الصحفي العام" وذلك باستثناء ما يتصل بثبات مكانه ووقت نشره وكاتبه وما يتصل بعنصر الذاتية, وما إلى ذلك من أمور يقع بشأنها الخلاف بينهما.
7- مقال الفقرة الواحدة الطويلة والفقرة القصيرة: وهو تطوير للمقال السابق، أو أنه يكون عبارة عن واحدة واحدة، تتمثل في فقرة واحدة طويلة، تكون من فقرات قصار دون أن يفصل بينها فاصل ما, ولو فاصل زخرفي أو طباعي أو "موتيف" أو نحو ذلك، وإنما تنساب فقراته وجمله وعباراته كنفس النهر المتدفق, ولمسافة بعيدة، هي أكثر المساحة المتاحة أو المخصصة لنشر المقال, ولكن يوجد في نهايته مساحة أخرى صغيرة تقع في حوالي خمس أو سدس مساحة المادة السابقة -المقال الأساسي- وتشغلها إحدى هذه الصور العديدة، أو غيرها:
- آية قرآنية كريمة تصور واقعا نعيشه أبلغ تصوير.
- حديث نبوي شريف يتناول وضعا نلمسه ونحسه.
- مثل عربي سائر ينعكس على صورة أو ظاهرة حالية.
- بيت شعر لا ينساه ويردده المحرر كثيرا.
- أقوال لبعض الزعماء، أو الحكماء أو رجال الفكر من التي ذكرت خلال الأسبوع أو في الماضي تكاد تصدق مع موضوع المقال الذي يعلوها، وتسايره هي أيضا.
- مختصر خطاب من قارئ موجه إلى الكاتب يطرح فكرة أو شكاية أو نقدا.
- رد أو عدة ردود موجهة إلى بعض القراء.
- بعض الطرائف والنوادر التي يعرفها أو عاشها حديثا.
(1/197)

- بعض التوقعيات أو الحكم الخاصة التي أملتها تجاربه وأفرزتها خبراته وممارساته.
- بعض الخواطر السريعة إلى قارئ مجهول أو قارئة مجهولة.
- سطور قليلة مما قرأه في كتاب صدر حديثا.
- بعض الأخبار القصيرة جدا والهامة للغاية التي نمت إلى علمه والتي تعتبر في حكم الأسرار مع الاهتمام بجاذبية صياغتها وملاءمتها للمادة المقالية.
- قصة قصيرة جدا أو أقصوصة هو نفسه كاتبها.
- حوار قصير يجري بينه وبين قارئ أو مستمع في حدود نفس المساحة.
- ما يتصل بالتراث والكشف عنه والحفاظ عليه.
- بعض التعبيرات الخاصة به والتي يطلقها على مفاهيم أو ظواهر أو أسماء معروفة إلى غير هذه اللمحات والخواطر والتوقيعات والمواد كلها.
ثالثا: من زاوية المضمون
وعندما يريد كاتب من الكتاب، أو صحيفة، أو مجلة أن يحققوا لمقالات اليوميات فرص النجاح فإن ذلك، فضلا عن توفير الكاتب الجيد نفسه، والمكان المميز، والنظام الدقيق، وما يتيحه ذلك كله من أبعاد يمر ذلك -حتما- بالعمل على توفير المضمون الجيد لتلك المقالات, وهذا المضمون الجيد يعني أكثر من عامل، أو عنصر هام, بعضها عوامل أو عناصر عامة، وبعضها نوعية، تتصل بأنواع المقالات نفسها, وهذه وتلك تتحدث عنها السطور القادمة:
- الخصائص العامة لمضمون مقال اليوميات: ونعني الاهتمام بهذه الخصائص والعمل على توفيرها كعناصر أساسية ترتبط بمقالات هذا المحرر أو الكاتب في مجموعها, ومن ثم ترتبط بمقالات الكتاب كلهم, في مجموعها أيضا, وأهم هذه العناصر أو العوامل أو الخصائص:
1- الفكرة الجديدة: التي يجب أن تختلف عن أفكار نفس الكاتب من أسبوع لأسبوع، أو خلال الفترة الدورية التي يقوم فيها بالكتابة، وتنشر له الصحيفة أو المجلة مقاله، إلا ما كان منها متصلا بنفس المقالة التي تنشر مجزأة أو في حلقات, وحتى هذه أيضا، فإن الفكرة الجديدة المرتبطة بكل جزء أو بكل حلقة, تضاعف من
(1/198)

فرص نجاح المقال نفسه, ومن ثم فإن اختلاف أفكار الكاتب الواحد، وتكراره يعني اختلاف أفكار الكتاب في مجموعهم, وهي الصورة "المثلى" المطلوبة والتي تطبع مقالات الصحيفة أو المجلة بطابع الجدة، والتجديد، والخصوبة، والتدفق فضلا عما تعكسه من مواهب الكتاب، ومقدرتهم، وظهور ذلك على الورق نفسه.
على أنه يقفز هنا أكثر من سؤال من بينها:
- هل يمكن أن يتناول المحرر أو الكاتب فكرة جديدة أسبوعيا؟ والإجابة نعم، بل وأكثر من فكرة جديدة, وإلا لما استحق أن يكون من كتاب هذا المقال، ولما تعرض لكتابته أصلا، وذلك من وجهة نظرنا على الأقل.
- وسؤال آخر: هل كل كاتب يفعلها؟ ونقول: من المفروض أن يتم ذلك، ثم إننا نتناول ما ينبغي أن يكون دون اهتمام كامل بما هو كائن, وحيث تختلف إمكانيات وقدرات ومواهب، ومن ثم تختلف أفكار الكتاب، أو تختلف مقدرتهم في الحصول عليها وتناولها.
- وسؤال ثالث: وما العمل إذا لم يجد الكاتب فكرة جديدة كل أسبوع؟ والإجابة أن الحل بسيط، وهو تناول الفكرة القديمة من زاوية جديدة، وحيث يقدم له ذلك عشرات الزوايا وليس زاوية واحدة فقط1.
2- التنوع: والتنوع هنا لا يعني تنوع الأفكار, وإنما تنوع الموضوعات التي يتناولها المحرر، وحيث تؤثر هذه -كل الأثر- في اختلاف المضمون وتنوعه من فقرة إلى فقرة ومن مقال إلى مقال، ومن أسبوع لأسبوع, وهكذا وحيث يتحقق بهذا التنوع جانب أساسي من جوانب "الفلسفة" التي تقوم عليها هذه المقالات، وهو تناولها لمختلف الثقافات والاتجاهات والمواقف، سعيا وراء جذب "عامة القراء" وعلى اختلاف أذواق القراء ومشاربهم ومواقفهم, والارتفاع بمستوياتهم "جميعا" وتحقيق أهداف بالنسبة إلى "كل" القراء.
3- المعاصرة: ولها في فكر كتابه وينبغي أن يكون لها أيضا أكثر من مفهوم متشعب ومتسع بحيث تعني تلاحم هذه العوامل وتشابكها معا:
__________
1 رجاء العودة إلى كتابنا: الفكرة الإعلامية" من ص9 إلى ص17.
(1/199)

أ- مواكبة الاهتمامات الحالية للقراء في مجموعهم، داخلية وخارجية.
ب- متابعة الاتجاهات والآراء والمذاهب والمواقف الجديدة وتقديمها للقراء.
جـ- الاهتمام بعنصر الشخصيات الجديدة التي تظهر على الساحة.
د- إبراز الجوانب الجديدة في الموضوعات القديمة أو المعروفة.
4- الثراء: ومعناه ألا يكون المضمون خفيفا، ظاهريا أو قشريا، وإنما يتضمن من المعلومات الجادة، والمتنوعة والدقيقة، ومن الأفكار والآراء والأقوال، والدلائل والاستشهادات، والأحداث والوقائع والتفاصيل, يتضمن من هذه كلها الكثير والوفير والخصب, والذي يعكس ثقافة كاتبه وأحيانا "موسوعيته" وحيث يحس القارئ في نهاية المقال أنه قام برحلة فكرية أفاد منها الشيء الكثير من الثقافة، والمتعة، وأطلعته على العديد من الأفكار، وأثارت المتنوع من القضايا، ووضعت يده على أشياء لم يكن على معرفة بها وساعدته على اكتشاف عوالم جديدة، فضلا عن قضاء وقت مفيد, وبما يبرر ما بذله في قراءتها من وقت وجهد، بما يبرر المساحة التي شغلتها من حيز الصفحة.
5- الجاذبية: وصحيح أن هذا العنصر يمكن أن يتحقق بواسطة اللغة والأسلوب، كما يتحقق أيضا بواسطة "الإخراج الصحفي" ولكن ما نقصده هنا هو جاذبية المضمون وتفاعلها مع العناصر السابقة، واللاحقة أيضا وحيث تعني هذه الجاذبية عدة أمور من بينها مثلا:
أ- جاذبية "الفكرة" والتي تتحقق بحسن اختيار الأفكار التي تجذب إلى موضوعها أكبر عدد ممكن من القراء على اختلافهم وتنوعهم.
ب- غرابة موضوع المقال بالنسبة لغالبية القراء.
جـ- طرافة المضمون بحيث يقبل على قراءته الكبير والصغير والفتى والفتاة بل والأطفال أيضا.
د- كثرة القضايا والمواقف الساخنة والملتهبة أيضا التي يمكن أن يثيرها المقال.
هـ- الشخصيات الهامة التي يتناولها خاصة ما يتصل منها بعنصر الشهرة أو النجومية كالحديث عن نجوم العلم أو الفن أو الأدب أو الرياضة وغيرهم.
(1/200)

و محلية الموضوع واقترابه من القارئ في سكناه أو عمله "عنصر المكان".
6- التقاليد: عنصر أخلاقي، يتصل بضمير الكاتب ودوره في مجتمعه، ومعناه في بساطة أن يكون المضمون العام للمقال مما يؤكد المثل العليا، ويدعم التقاليد ويؤيد ويبرز السلوكيات الإيجابية ويدافع عن الحق والعدل، ويدعو إلى العمل ويحض على الخير ويحث على الفضيلة بنفس القدر، الذي يهاجم به الحقد والأثرة والأنانية والتفرق والتمزق، ويحمل فيه على الشر والسلوكيات المريضة, ويقف في مواجهة الخنوع والسلبية والرذيلة.. وهكذا.
7- بين الموضوعية والذاتية: ومقال اليوميات الصحفي، مثله في ذلك مثل فنون صحفية تحريرية أخرى كثيرة، في مقدمتها "فن التحقيق الصحفي" ينبغي أن يجمع فيه كاتبه وخلال مضمونه بين طرفي نقيضين، أو قطبين أحدهما سالب والآخر موجب, هذان هما: الموضوعية والذاتية, ومن هنا وبينما يجب وينبغي عليه أيضا أن يكون موضوعيا في نظرته إلى الأمور والمشكلات والمواقف والقضايا، وهو يتابعها، ويقرأ عنها، ويستمع إلى أصحابها ويناقشهم, وما إلى ذلك كله نجد أن عليه في نفس الوقت ألا يهمل رأيه الخاص، أو يتجاهل ذاتيته وإيجابيته، أو يلقي بأحاسيسه وعواطفه وانفعالاته أدراج الرياح, لا سيما في المجالات التي تتطلب ذلك، وفي الأنواع التي تكون الذاتية "زيتها ووقودها" الذي به تشتعل وتتوهج وتضيء أيضا، خاصة ما يتصل منها بمقالات: "الخواطر والتأملات, الصورة القلمية, الاعترافات" بل إننا هنا لسنا من القائلين -بالنسبة لهذه المقالات بالذات- بأن على محررها أو كاتبها أن يترك آراءه الخاصة عند باب غرفة التحرير، أو يخلعها كما تخلع المعاطف وأغطية الرءوس وتترك العصا وربما السلاح أيضا عند أبواب الاحتفالات, أو اللقاءات الهامة حتى إذا ما انتهى من حضور الحفل -الكتابة هنا- عادت إليه هذه الأدوات أو الأردية كلها, أقول إن من الواجب أن تعطي لكاتب هذه الأنواع من مقالات اليوميات التي تمثل "الأدب الصحفي" حرية أكبر في التعبير عن نفسه وأحاسيسه وعواطفه, دون إلغاء أو تأييد لإلغاء ما هو شخصي ليس فقط لأن: "اهتمامات الصحفي ولو كانت خاصة قد تتصل باهتمامات القراء أنفسهم"1 وإنما لأن كاتبه
__________
1 جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية" ص225 من مقال بقلم "أحمد رشدي صالح".
(1/201)

حتى وإن كانت المادة الإخبارية هي ميدان عمله الأساسي أو القديم, إلا أنه عندما يجلس إلى كتابة هذا النوع من المقالات فإن عواطفه وأحاسيسه تقدم وتكاد تسيطر عليه, كما أن أكثر كتابه يتميز بطابع الفنان الذي يريد التعبير -في صدق- عن مشاعره، فضلا عن الكتاب الأدباء أصلا, وجميعهم يقدمون للقارئ ما يرى فيه نفسه وما يتحدث بلسانه، وما يضع يده على مواطن المتعة والراحة النفسية, وكم نحن في حاجة إلى أمثالهم, حتى وإن كان بعضهم يغلب "الأنا" ويقدمه.
على أنني أقول إن من الملاحظ أن الكثرة من هؤلاء الكتاب -والحمد لله- تعرف جيدا، وتقوم أيضا بالربط الوثيق بين "الأنا" وبين اهتمامات القراء ومصالحهم وتحاول تحقيق التوازن بينهما.
8- وخصائص عديدة: وهناك عدة خصائص وعوامل وعناصر نجاح أخرى ينبغي أن تتوافر في هذه المقالات، نجملها هنا في الآتي:
أ- أن يكون الطابع السائد والنغمة الطاغية على هذا المضمون هو طابع مقال اليوميات ونغمته وليس طابع مقال آخر غيره، وبالتالي ليس الطابع الإخباري أو النغمة الإخبارية، كما أنه ليس الطابع التقريري وما إلى ذلك كله.
ب- أن يتناسب المضمون مع المساحة المتاحة لنشر هذه المقال، ومن ثم يقع نفس التناسب بين فقراته، من فقرة إلى أخرى.
جـ- أن يكون المضمون نفسه مما يتصف بالوضوح والإشراق وليس الغموض أو الإهام.
د- أن يحدث التوازن المطلوب بين "الإضافات المشوقة والمثيرة"1 التي تتصف بها عادة المادة الصحفية، وبين الإبقاء على قدر محترم وبارز ومفيد من المضمون المقالي, أو في تعبير آخر، أن يحدث هذا القدر من التوازن بين فكر الكاتب وتعبيره، وبين شكل المقال ومضمونه, علما بأن هذه الإضافات المشوقة, وهذا التعبير هنا هو بقلم الكاتب نفسه وليس بقلم أحد غيره.
هـ- وعندما يتعرض الكاتب لبعض المسائل العلمية، أو الحقائق المقررة والثابتة،
__________
1 قاروق خورشيد: "هموم كاتب العصر" ص7.
(1/202)

أو يقدم على دعم مقاله بواسطة الرقم، وإلى غير هذه الأمور، فإن الدقة تمثل ضرورة لا بد منها ومطلبا لا محيد عنه, وهي هنا لا تتعارض -بحال من الأحوال- مع ذاتيته، أو تعبيره الخاص، أو طابع الجاذبية، بشرط أن يحسن المواءمة بين هذه الأمور كلها.
- الخصائص النوعية لمضمون مقال اليوميات: أي إنها مجموعة العوامل والعناصر التي ينبغي أن يتصف بها كل مقال من المقالات السابقة، والتي ترتبط به قبل ارتباطها بغيره من النوعيات الأخرى، كما يكون توافرها في نوع ما أكثر منه في نوع آخر، ومن هنا، ومن خلال المادة المنشورة فوق الصفحات نفسها فإننا نتتبع هذه الخصائص من مقال يوميات إلى مقال يوميات آخر, وذلك بالإضافة إلى ما سبق، وحيث نجد:
1- بالنسبة لخصائص مقال "الخواطر والتأملات" نستطيع أن نقول: إنها ليست كل خاطرة تترى على ذهن الكاتب، أو تقفز إليه، وليس كل تأمل أيضا يكون جديرا بالتناول, وإنما ينبغي أن تتوافر في هذه الخواطر والتأملات، وكذا في مضمون مقالها نفسه عدة أمور من بينها:
- البعد عن الخواطر والتأملات الفلسفية أو ذات الطابع الفلسفي.
- البعد ما أمكن عن هموم الكاتب الخاصة باستثناء ما يمكن أن يكون له انعكاساته على هموم القراء، أو ما يحس الكاتب أن له أثرا في ذواتهم.
- عدم الإغراق في الجانب الذاتي إلى أقصى حد، وكما يحدث في حالة كتابته لمؤلف أدبي يعلن عن خياله وأحلامه ما دام المقصود بالكتابة هو النشر الصحفي.
- البعد عن المضمون الرمزي الذي لا يسهل إدراكه بالنسبة لكثرة من القراء.
2- وبالنسبة للمقال الديني فإن على كاتبه أن يلتفت إلى تحقيق عدة أمور من بينها:
- الاهتمام بالموضوعات والقضايا ذات الأهمية عند جموع القراء، وخاصة تلك التي تثير نوعا من الجدل بينهم استنادا إلى وقائع وقضايا حديثة طغت على سطح مجتمعهم.
- ولكنه الجدل بالحق، والذي يفتح باب الحوار الإيجابي الهادف والبناء في أمور الدين.
(1/203)

- أن يكون المضمون مما يحث على طاعة الله واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يكون ذلك هو الطابع الغالب عليه.
- الصلة الوثيقة بالعبادات والفرائض خاصة بالنسبة للمقالات التي تنشر في المواسم والأعياد الدينية الكريمة "شهر رمضان المعظم, عيد الفطر المبارك, موسم الحج, عيد الأضحى ... إلخ".
- الدقة في نقل آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والأمانة والحرص في ذلك.
- العودة إلى فكر ورأي المتخصصين في الأمور التي يقع الخلاف بشأنها.
3- أما بالنسبة لمقال "الاعترافات" فإنه يكون على كاتبه أن يهتم بعدة أمور منها:
- أن يختار من بين اعترافاته تلك الأكثر فائدة للقراء استنادا إلى خبراته وتجاربه وممارساته.
- وتلك الأكثر جذبا وتشويقا للقراء في مجموعهم، ودون إسراف كامل في ذلك.
- وتلك التي تقدم الدروس العديدة للشباب، خاصة من هؤلاء الذين يريدون أن تكون مسيرتهم على نفس طريقه أو تخصصه، فضلا عن الدروس العامة التي تقدم لجميع القراء "ما يستحق التناول من تجربته الخاصة".
- والمضمون الصادق الواقعي الحقيقي الذي حدث فعلا، وكان هو بطله الأول، أو شاهد عيان عليه وليس عن طريق السماع فقط، أو يكون قد وصل إليه بطريقة من الطرق.
- أن يكون الاعتراف دالا عليه هو، خاصا به نفسه، وليس لشخصية أخرى مجهولة، أو شخصية مخالفة يتقمصها.
- أن يختار من بينها تلك التي لا تهدف إلى الإثارة، ولا تخاطب الغرائز ولا تلعب بعواطف الشباب.
- أن يهاجم الآخرين لأسباب مقنعة؛ ولأنهم يستحقون ذلك فعلا، وأن تكون لديه الأسباب والدوافع والأدلة التي ترد في اعترافاته بما يؤكد ضرورة هذا الهجوم
(1/204)

ويبرره، دون أن يكون ذلك لمجرد الهجوم، أو تصفية الحسابات القديمة، أو كشف عورات الغير.. وهكذا.
- ألا يقوم في اعترافاته بالهجوم على شخصيات لا تملك حق الدفاع عن نفسها لسبب من الأسباب "المرض, الوفاة, كبر السن, عدم إتاحة فرصة النشر.. إلخ".
- أن تكون الأمانة الكاملة، هي الطابع العام المسيطر على مضمون هذا المقال من أوله إلى آخره.
4- وأما بالنسبة للمقال النقدي فإننا نقول إن على كاتبه أن يبذل عنايته لكي يتضمن مقاله عدة خصائص هامة من بينها:
- أن يكون هناك ما يستحق النقد أو ما يستحق التناول في إطار هذا النوع.
- وأن يكون النقد لمصلحة عامة، أو لمصلحة المجتمع أو البلد نفسه أو الإنسانية كلها وليس لهدف شخصي.
- وأن يوضح المضمون الدافع إلى ذلك والأسباب الداعية إليه.
- وأن يتضمن سياقه الأدلة والبراهين والوثائق التي تؤكد الغاية التي يقصد إليها المحرر أو الهدف الذي يرجوه من وراء نقده.
- وأن يتضمن أيضا عرضا لمختلف الاتجاهات والآراء والمواقف، من جميع الزوايا ودون تجاهل لأي منها، أو تغليب رأي على رأي، أو الاهتمام بموقف على حساب آخر.
- وأن يتضمن كذلك ما يؤكد إيمان المحرر بما يقول، واقتناعه به اقتناعا كاملا أو غير كامل ودرجة ذلك.
- وأن يتضمن -قبل ذلك كله- ما يثبت أن الكاتب يعرف تماما المفهوم الحقيقي للنقد، بمعنى ألا ينظر بمنظار واحد فقط، أو من خلال زاوية واحدة فقط، وهي زاوية إظهار العيوب والكشف عن المثالب وتعرية الثغرات والأخطاء والهجوم عليها فقط, وإنما بالإضافة إلى ذلك وعلى نفس مستواه من الأهمية، بل ويسبقه أيضا إظهار المحاسن والكشف عن الإيجابيات وتأييدها ودعمها والدعوة إلى المزيد منها، إلى تحقيق القدر المضاعف من فرص النجاح لها أي: النظرة إلى الصورة بوجهيها معا، وليس إلى وجه واحد منها, وحتى بالنسبة للوجه "الكالح" أو الذي يزخر بالبقع السوداء، أو
(1/205)

الثغرات أو السلبيات، فإن النقد الحقيقي لا يتوقف عند حد الكشف عنها والهجوم عليها, بل يمتد إلى جوانب اقتراح الحلول والتوجيه بما يقلل من فرصها أو يقضي عليها, ورسم الطريق نحو تغيير صورتها إلى الأفضل والأحسن.
وصحيح أن النقد في بعض الأوقات السابقة -قبل العصر العباسي- كان يستخدم بمعنى الذم والاستهجان، ولكن هذا المفهوم تعدل منذ مئات السنين، وأصبح متفقا على أنه "تمييز" الطيب من الخبيث، والفصل بين الحقيقي وبين الزائف من "الدراهم والدنانير" أي: بيان هذا وذاك, وهو ما ينبغي أن يكون الخط الأساسي لمضمون هذا المقال.
5- ومضمون "المقال الفكاهي" ينبغي أن تسوده وأن تنتشر في جوانبه:
- عدم افتعال أو اصطناع عيوب غير حقيقية أو ليس لها أصل واقع فعلا.
- روح الظرف والفكاهة والمرح والسخرية والإضحاك, هي الروح الطاغية عليه.
- الاهتمام بما يتصل بالمفارقات اليومية التي تحدث بين الناس.
- أن يكون الخط الأساسي المسيطر على المضمون هو استخدام هذه الأسلحة: الفكاهة والسخرية والمرح في كشف المثالب والعيوب, والمساهمة في رأب الصدع وإصلاح بعض جوانب الخلل الموجود في السلوكيات، أو بعض الأشخاص أو المجتمع نفسه.
- دون أن يخل ذلك بجانب ثقافي، أو بوجود فكر معبر وذكي، يقدم في إطار خفيف ومرح.
- مع تنويع المضمون من مقال لآخر.. حيث يتناول مرة السلوكيات، وأخرى الشخصيات وثالثة الأدواء الاجتماعية ورابعة بعض الظواهر السلبية وهكذا.
6- وأما عن "المقال القصصي" فإن على كاتبه الاهتمام بأن ترد مثل هذه الملامح والعالم بين فقرات وعبارات وسطور مضمونه التحريري.
- الاقتراب من الواقع الذي يعيشه القراء وتصويره بما فيه ومن فيه بحيث يكون صورة مجتمعه ونبضه.
- لتعمق في معالجة الأمور التي يتعرض لها في مضمون مقاله القصصي.
(1/206)

- المضمون الحي المتحرك المتجه في النهاية إلى تصوير ما يمور به المجتمع وما يطحن أحشاءه كما يتناول أيضا ويعبر عن قيم هذا المجتمع وأهدافه وطموحاته.
- الاهتمام بعرض المواقف وتفسيرها وتحليلها والغوص وراء أحداثها ووقائعها بنفس الأسلوب القصصي, أو في أسلوب آخر، الاهتمام بالقيمة والدلالة اهتماما كاملا.
- تقديم الجانب الإنساني بما يحيط به من مشاعر وأحاسيس تطغى في النهاية على جوانب السلب أو الجموح أو الأثرة.
7- كذلك، فإنه يكون على كاتب "الصورة القلمية" أن يهتم بأن يأتي مضمونه "حاويا" لأمثال هذه الملامح والمعالم كلها أو بعضها:
- الشخصية أو الموقف أو المشهد الذي يجري اختياره بعناية و"فنية" بحيث يصلح للتناول في شكل هذه الصورة القلمية.
- الاهتمام بالتركيز على جانب واحد فقط من جوانب الشخصية أو الموقف أو المشهد تركيزا كاملا يقدم كل ما يتصل به ويسلط الأضواء كاملة عليه وحده.
- التركيز أيضا على ما يتصل بالملامح والجوانب النفسية والتأثيرات والتراكمات العديدة.
- الواقعية في التفكير والتناول والتصوير والتعبير.
- المضمون الإيجابي الذي يقدم للقراء زادا فكريا ومعنويا طيبا من خلال وقائع وخيوط وتفاصيل هذه الصورة نفسها.
- الاهتمام بإبراز الجوانب المستترة أو الغريبة، أو العجيبة في مجال هذه الصورة وموضوعها.
- والاهتمام أيضا بعنصر الخلفيات والمكونات السابقة, والكشف عنها مع التركيز على ظلالها الحالية وأثرها على جانب التناول الرئيسي.
8- وكاتب "مقال الرحلات" يكون عليه أن يضمن مقاله، على أن شكل كتبه وحرره:
- المضمون الحي المتحرك الذي يغطي أكثر من مكان وأكثر من مشهد.
- المضمون المتغير والمتنوع الذي يهتم مرة بالطبيعة وأخرى بالمتاحف وثالثة بالأسواق ورابعة بالفنون الشعبية وخامسة بالشواطئ والأنهار وسادسة بالشخصيات
(1/207)

وسابعة بالأزياء وثامنة بالعادات والتقاليد وتاسعة بالأمور الغريبة وعاشرة بلقاء هام, وهكذا بحيث تكون موزعة على عدة مقالات، تتضمن عدة فقرات، أو يركز على بعضها إذا كان ما يكتبه مجرد مقال واحد.
- أن يركز المضمون على جانب الوصف الصادق, ولكنه المشوق والجذاب والمشرب بروح المحرر ورؤيته الخاصة أيضا.
- ما يعتقد أن أغلب القراء لم يره, ولن تتاح له فرصة رؤيته.
- ما يتصل بالمناطق المجهولة أو الغريبة أو العجيبة.
- المضمون الذي يربط بين بعض الأحداث الهامة، أو التاريخية، وبين بعض الشخصيات المماثلة في إطار الرحلة نفسها.
- الاهتمام بأن يكون المضمون معبرا عن ثلاثة أبعاد هامة هي:
"المكان بما فيه -الناس بأزيائهم واهتماماتهم وفنونهم وتراثهم وأبرز صفاتهم- الواقع الحالي بما فيه من أحداث ووقائع وتطورات من وجهة نظر كاتب الرحلات, وليس المراسل الخارجي أو المتجول أو الكاتب السياسي مثلا".
- المضمون المنتظم الذي تتتابع فيه الأفكار المعبرة عن الصور والمشاهد في أسلوب سردي، أو عرضي أو قصصي يساعد على إبراز هذه الجوانب.
9- والكاتب الذي يفضل أن يكون "الغد" موضوعا لمقالاته يكون عليه أن يضمنه هذه الملامح والمعالم:
- المضمون السهل الواضح والبسيط.
- والجذاب والمشوق أيضا.
- والذي يضرب على الوتر الحساس عند القراء, ومعنى ذلك هنا أن يربط بين الاتجاهات والأحداث العلمية الجديدة، وبين حاجات القراء واهتماماتهم, حتى اليومية البسيطة منها.
- وهو أيضا المضمون الذي يزرع الأمل في الصدور، وينشر البشر والتفاؤل في النفوس.
- مع الاهتمام بجانب الجهد الإنساني المبذول, وتقديم المثل المكافح في صمت العامل في غير ضجيج, جانب العلماء طبعا.
(1/208)

- المضمون الذي يناسب جميع القراء من حيث الاختيار ونوعية الحدث ومقاييس الأهمية.
10- وأما بالنسبة لـ: "المقال التاريخي" فإن مضمونه يتناول أو ينبغي أن يتناول بعض هذه الصور, وأن يتصف بهذه الصفات:
- ما يتصل بإعطاء الأمثلة النابهة والجديرة والأنموذجية من الأحداث والسلوكيات والأشخاص.
- المزج بين ألوان متغيرة من التاريخ من مقال لآخر، كالتاريخ القديم والوسيط والحديث, وكذا السياسي والأدبي والديني والعسكري وما إلى ذلك كله.
- الحقائق، وعدم اصطناع الأحداث أو تحريفها أو تلوينها.
- ما يقدم الدروس المستفادة، والعبرة المتجددة.
- أن يتضمن ما يتصل بالرؤية الجيدة والمعاصرة للأحداث والوقائع القديمة.
- المزج الفني بين أربعة عناصر أساسية هي: "الزمان, المكان, الحدث, الشخصية".
- الاهتمام بالجانب الإنساني في غمار الحدث أو الأحداث وإبرازه قدر الاستطاعة.
11- وفي النهاية -نهاية حديثنا عن مضمون مقال اليوميات- يأتي دور "المقال المختلط أو المتنوع" لنقول في بساطة إنه المضمون الذي يتناسب مع هذا الطابع العام المسيطر نفسه -طابع المزج بين أكثر من مضمون من المضامين السابقة النوعية، والجمع بين أكثر من واحد منها- تعبر عنه تلك الفقرات التي يتكون المقال منها، في مجموعها، مع أهمية توافر عدة شروط من بينها:
- حسن اختيار المادة المتنوعة.
- أن تكون مما يتلاءم مع بعضها، بحيث تكون هذا المزيج المتناسق أو المتناسب المضامين وليس لمجرد التنوع أو الاختلاط فقط، بحيث يبدو بعضها غريبا أو كالنغم النشاز.
- توافر المضمون الأكثر صلاحية للعرض والطرح والمناقشة في إطار مقال صحفي والذي يغلب عليه هذا الطابع.
(1/209)

- العمل على وجود نوع من التوازن بين أفكار مضامين الفقرات المختلفة, بحيث لا تطغى فكرة منها على الفكرة الأخرى، أو تجعل القارئ يتوقف عندها وحدها، ثم يتحول عنها إلى مادة أخرى غير هذا المقال نفسه، وغير فقراته الأخرى.
- البعد ما أمكن عن المضمون الجاف، البارد، من فقرة لأخرى، والعمل في نفس الوقت على توزيع عناصر الجاذبية والتشويق وتلك التي تبث الحرارة والحياة والدفء في الفقرات كلها.
(1/210)

محرره:
ومحرر "مقال اليوميات الصحفية" ليس كأي من المحررين السابقين، وباستثناء محرر المقال الأخير "مقال العمود الصحفي" حيث يقتربان في خصائصهما تمام الاقتراب، بل إن من الملاحظ أنهما -في أحوال كثيرة- شخصا واحدا, بمعنى أنه ذلك الشخصي الذي يقوم بكتابتهما معا نعم إنه ليس كأي من المحررين السابقين للمقالات السابقة على العمود الصحفي, ومن الظلم له ولهم أيضا أن يكون كذلك.
وصحيح أن بعض المحررين، وأن بعض كتاب المقالات السابقة يقدر ويستطيع أن يقوم بذلك العمل ولكنه -في هذه الحالة- يكون بحاجة إلى خصائص وصفات جديدة مميزة، فضلا عن تعميق عدد من الخصائص العادية التي تتطلبها كتابة هذه المقالات السابقة نفسها.
أريد أن أقول إن هذا الرجل يكون هو الأقرب إلى تعبير أحد أساتذة جيلنا عندما كان يكرر أن الصحفي هو "رجل يتكون من عدة رجال أو هو مركب من عدة رجال"1 نعم، يتكون هذا الرجل من عدة من المحررين، بل قد يكون لفظ المحرر هنا غير دقيق، ولا واف؛ لأنه يكون أقرب إلى "الكاتب" منه إلى المحرر العادي، محرر الخبر والموضوع الإخباري والقصة والإخبارية والحديث الصحفي والتحقيق وما إلى ذلك كله من مواد "سابقة" على المقال بأنواعه وأنماطه وأشكاله ومضامينه.
ومن هنا وبطريقة أشبه بالمقارنة نقول:
- إنه إذا كان على كاتب المقال الافتتاحي في المجال السياسي أن يكون ذا حاسة
__________
1 الأستاذ الدكتور عبد اللطيف حمزة - رحمه الله.
(1/210)

سياسية أولا تحليلية ثانيا بالإضافة إلى الحاسة الصحفية طبعا, وذلك حتى يتمكن من الاختيار ووضوح الرؤية والتوقع والوصول إلى الموقف أو النتيجة الهامة.
- إنه إذا كان على كاتب المقال الصحفي العام أن يكون ذا حاسة اجتماعية أولا نقدية ثانيا، تحليلية بعد ذلك.
- وإنه إذا كان على كاتب مقال التعليق، والمقال التحليلي أن يتمتعا بالحاسة السياسية والتحليلية والتاريخية بقدر معقول ومتناسب لكل منها.
- فإن على كاتب مقال اليوميات الصحفية أن يكون صاحب هذه الحواس جميعها:
- الحاسة الصحفية.
- الحاسة الاجتماعية.
- الحاسة النقدية.
- الحاسة التاريخية.
- الحاسة السياسية.
- الحاسة التحريرية.
ولكن كيف؟ وما الذي تقدمه له هذه الحواس كلها أو هذا الحس "الركب"؟
- أما الحاسة الأولى الصحفية فإنها تجعله "يعايش" الأمور حوله من منطلق صحفي، كما تعني القدرة على التوصل إلى الأفكار الجديدة لمقالاته، أو تناولها من زاوية جديدة، كما تدفع به إلى حسن اختيار المادة التي يستجيب لها القراء, ورصدها والحصول عليها وتسجيلها بفكر صحفي يقظ وخصب ومتجدد ومتطور أيضا, ويشبهه في ذلك كاتب العمود الصحفي، ثم محرر التحقيق, ويأتي بعدهما الآخرون "في هذا المجال بالذات".
- وأما الحاسة الاجتماعية فهي التي تدفعه إلى أن يعيش كل المشاهد وجميع الصور في مجتمعه، ومع الناس، فيضع يده انطلاقا من فهم كامل، على الظواهر السائدة، والاتجاهات القائمة، والمطالب المأمولة والمشكلات الملحة، كما يتبين السبل إلى تناولها والطرق إلى مضاعفة الأمور الإيجابية والإكثار منها، وإلى علاج السلبيات, إن الكاتب الحقيقي هنا، وانطلاقا من هذه الحاسة يكون باستطاعته أن يسمع
(1/211)

الشكاية ويصغي إلى نداء الحق حتى لو كان همسا، وتحركه الظاهرة الاجتماعية الإيجابية إلى الوقوف بجانب أصحابها, كما يضع مصلحة مجتمعه وأفراده فوق كل اعتبار ويشبهه هنا أيضا كاتب المقال الصحفي العام، ومحرر التحقيق والحديث والخبر أو المندوب الصحفي.
- وأما الحاسة النقدية فهي تكمل الحاسة السابقة، وتحقق النتيجة المرجوة من ورائها حيث تتحول هذه المعايشة الاجتماعية -إذا صح التعبير- وتسفر عن مواقف إيجابية عديدة تمليها روح نقدية صحيحة ترى الأمور على حقيقتها، وبدون خداع أو تزييف أو تحريف أو تلوين، وتردها إلى أصولها, وتمعن النظر إليها وتدقق في تفاصيلها ومن جميع الزوايا حتى يمكنها في النهاية التوصل إلى الواقع الصادق والصورة الحقيقية, ودعمها وتأييدها والدعوة إلى انتشارها بعد فصلها عن شوائبها، واستبعاد جوانب السلب، والثغرات القائمة، والبقع العديدة وفصلها عنها وإظهارها والهجوم عليها والعمل على القضاء الكامل على أسبابها ونتائجها.
- وعن الحاسة التاريخية نقول إنها تلك التي تمكنه من أن يضع يده على حوادث التاريخ ووقائعه القديمة أو الوسيطة، المشابهة لموقف يتناوله, فيقنص من بين صفحات التاريخ ويتصيد أيضا الفكرة الصادقة التي تقدم أكثر من دليل مادي يفيد عمله، كما تمكنه كذلك من ربط الماضي بالحاضر، والقيام بمحاولات توقع ما يمكن أن يحدث على طريق المستقبل, وذلك فضلا عن تمكنه من إعادة تصوير بعض المشاهد الماضية بمنظور جديد، وبفكر جديد أيضا يكشف عن حقائق كانت خافية بشأنها, ويعيدها إلى الأذهان بما تحمله من دلالات وعبر, كما أن "التفسير التاريخي" للأحداث الحالية والذي يتحقق بالعودة بها إلى منابعها الحقيقية وأصولها التاريخية، أو بمقارنتها بأحداث مشابهة جرت في الماضي هو تفسير قائم وله مؤيدوه, ويستطيع أن يقوم به الكاتب الصحفي الذي يملك هذا الحس, وبالإضافة إلى ذلك كله فإن هذه الحاسة تمكنه من اختيار المادة المناسبة التي تدعم مقاله, وترفع من قدره وتمده بكم ثقافي معترف به ومحبب وجذاب ومشوق, فضلا عما يمكن أن يقدمه للأجيال الحالية والقادمة من مادة مفيدة.
- والحاسة السياسية: تفيده في تفهم التيارات الحالية الموجودة على السطح، أو تحت السطح أيضا وتوضح له أهمية ما يمكن أن يتناوله أو يتناوله فعلا في المنطور
(1/212)

السياسي، كما تضع يده على أسس ومعالم سياسة بلده والبلدان الأخرى، والفلسفة التي تقوم عليها، كما تقترب به مما يدور في أذهان الساسة, وتمده بمقدرة على التعمق والتوغل داخل هذه الدروب مما يفيده في مجالات التفسير والتحليل والمقارنة, وتوقع النتائج الهامة المتصلة بسياسية بلده، وغيرها من البلاد, وصحيح أنه لا يكتب مقالة في السياسة الداخلية أو الخارجية، كما يفعل محرر المقال الافتتاحي أو التعليق، أو التحليل أو غيرهم -مثلا- ولكن من قال إن ما يكتبه يمكن في جميع الأحوال والظروف أن "يهرب" من الواقع السياسي، أو أن "ينفصل" عنه بطريقة من الطرق؟.. الحق أنه قد يجد في كل موضوع يتناوله جانبا من جوانب السياسة, بشكل من الأشكال داخلية أو خارجية, بدأ برغيف الخبز, ومرورا بأزمات المرور ونقص الدواء ولبن الأطفال, وكثرة أو قلة المعروض من "معلبات" المواد الغذائية, وحتى ارتفاع أو انخفاض أسعار الأحذية والمياه الغازية!!
- وأما الحاسة التحريرية فهي تلك التي تعطي لمحصلة هذه الحواس، ولتفاعلها وتشابكها، تعطي لها الصورة النهائية التي يشهدها عليها القراء، أو تلبسها "الثوب" الذي تبدو به أمامهم.
فالحواس الماضية هي مجرد خيوط مختلفة متجمعة من هنا وهناك، ولكن الحاسة الأخيرة هي التي تشدها إلى بعضها وتربطها ببعضها أيضا, لتضعها -في النهاية- في القالب الأمثل، والطريقة الأنموذجية.
إذًا ماذا تفعل محصلة هذه الحواس إذا لم تكن لـ: "تصل" إلى جموع القراء؟ وفي اسلوب آخر نقول إن الحواس السابقة -خاصة الصحفية- تقدم "الفكر" المقالي "الخام" أو هي تقدم جانب "التفكير".. وأما الحاسة الأخيرة، فهي تقدم جانب "التعبير" بكل ما يتصل به من أساليب وصور تعمل على أن تصل أفكار المحرر، والمادة المقالية نفسها إلى عقل القارئ وقلبه أيضا.
- وإذا كان لنا -في النهاية- أن نضيف أكثر من "خصيصة" أخرى تتصل بهذا الكاتب نفسه، أكثر مما تتصل بغيره، مما تسفر عنه هذه الحواس السابقة في مجموعها، فإننا نقول إن على كاتب "مقال اليوميات الصحفية" أن يكون:
- من المتمتعين بقدر وافر من الثقافة "الموسوعية" المتنوعة والشاملة, والتي تضرب في كل مجال, وميدان وحقل.
(1/213)

مع اهتمام أساسي ووافر بـ: "التاريخ الوطني والعربي والإسلامي, الثقافة الإسلامية, التراث القومي, بعض المعارف اللغوية, بعض معالم الأدب العربي والآداب العالمية, اللغة العربية, لغة أجنبية أو أكثر".
- ذا قسط طيب من المعرفة بالأساليب التحريرية البليغة التي تجذب إليها القراء, بحيث يتمكن من اختيار الكلمات والتعبيرات الدالة، القوية، الواضحة، المشرقة, الجذابة، التي توصل المعاني إلى عقول القراء وتثير إعجابهم، بما في ذلك من استخدام ذكي وغير مسرف لبعض فنون البلاغة بمعناها الأدبي تلك التي حصرها البلغاء في عشرة أقسام هي: "الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان"1 وبالطبع فإنه لن يستخدمها استخدام كتاب العصر العباسي الأول أو الثاني, كما لن تغلب عليها صنعة كتاب عصر المماليك، وإنما سوف يستخدم بعضها دون إسراف، وبعد تطويعه وتحديثه وإضفاء طابع لغة العصر عامة والصحافة خاصة عليه, ومن ثم وضعه في خدمة الأفكار والمعاني التي يتحدث عنها أو يتناولها بكتاباته.
- ذا قدر طيب من "التذوق الأدبي" يمكنه من وضع يده على مواطن الجمال والمتعة في أساليب غيره، وتحقيق الفائدة منها.
- وقبل ذلك كله، أن يكون موهوبا في الكتابة الصحفية عامة, ومن هذا النفر الذي وضع الله في صدره سر هذا الجانب الإبداعي الابتكاري، وأوقد بين جوانحه هذه "الشعلة الفطرية" التي تجعله ينقل الصور والمشاهد وما يرى وما يسمع وما يحس وما يدرك إلى كلمات معبرة وناجحة.
- ذا علم وممارسة وتجربة لا بأس بها في مجال العمل الصحفي، أو الأدبي، أو هما معا، وله من الكتابات المنشورة، أو غير المنشورة ما يؤكد ذلك كله.
ويا لها من خصائص، تجعل منه عملة نادرة في السوق الصحفي.
__________
1 بدوي طبانة: "علم البيان" ص5.
(1/214)

تحريره:
وبالإضافة إلى ما ورد عن تحرير هذا المقال خلال الصفحات والسطور السابقة، لا سيما ما يتصل منها بشكله ومضمونه ومحرره, وإذا كنا -كمقدمة- نعيد التذكير بإشارتنا السابقة أن مقال اليوميات الصحفية في صورته الأساسية أو القياسية، يكاد يتشابه مع عدة مقالات من مقالات الأعمدة الموجودة أو القائمة إلى جوار بعضها داخل إطار تحريري واحد، وبقلم محرر واحد، أو هي مقالة واحدة عمودية من تلك التي تحوي أكثر من فكرة واحدة كتبت بطريقة مسهبة -على الرغم من تعارض ذلك مع الأسس الفنية لتحريره- أو مقالة عمودية ذات فكرة واحدة اتبع محررها طريقة الإسهاب أيضا, وقام بتقسيمها إلى عدة فقرات تغطي كل فقرة منها عنصرا من العناصر أو تركها كنهر واحد.
إذا كنا نعيد التذكير بذلك؛ فلأن معناه هنا أن جانبا كبيرا من جوانب تحرير المقال العمودي الثابت المنتظم لكاتب واحد، أو المتغير لأكثر من كاتب -ولا أقول جميع الجوانب- تتشابه في كثير من الملامح والخصائص التحريرية، مع هذا المقال الأخير وذلك باستثناء طابع الاختصار والمساحة والفكرة الواحدة في أغلب الأحوال -كأصل وأساس- وما يتصل بذلك من ملامح وخصائص تحريرية.
ومن هنا، وفي ضوء ذلك كله فإننا نقول إن مقال اليوميات الصحفية، كغيره من المقالات، ومن فنون وأنماط التحرير بصفة عامة، يتألف من هذه العناصر والوحدات التحريرية المختلفة، التي تختص بدورها بهذه الخصائص.
تحرير عنوانات مقال اليوميات:
أولا: في تحرير العنوان الرئيسي.
وحي نجد أنفسنا كذلك أمام أكثر من اتجاه تحريري من أبرزها:
- الاتجاه الأول: وهو الاتجاه الرئيسي الغالب والمسيطر على أكثر أنواع الصحف والمجلات, وأهم معالمه أن يتكون العنوان من:
1- عنوان رئيسي ثابت يعتبر اسما للباب وعلامة عليه ويكون كلافتة1 ثابتة له، تعرف به ويعرف هو بها، وهذه اللافتة أو العنوان الرئيسي لا يضعها المحرر من عندياته، وإنما هيئة التحرير المشرفة على الصحيفة أو المجلة، وذلك منذ التفكير في كتابة اليوميات الذي قد يصاحب التخطيط الأول لإصدار الصحيفة ويرتبط به، وبوصف "اليوميات" تكون من معالم الصحيفة الرئيسية التي تعرف بها على مستوى التحرير والإخراج
__________
1 "Name plate".
(1/215)

والسياسة الصحفية نفسها, على أن أهم ما يتصف به هذا العنوان الثابت الأقرب هنا إلى اللافتة هذه الخصائص:
- الثبات لأطول فترة ممكنة قد تكون هي كل حياة الصحيفة حيث يظهر معها منذ صدورها كما قلنا.
- الاختصار وحيث يكون في كلمة أو كلمتين ومن النادر أن يزيد على ذلك.
- استخدام بعض الأخيلة والصور وحسن البيان.
- الوضوح والجاذبية.
- ما قد يرتبط باسم الصحيفة أو بالدلالة على نوعية هذه المقالات في مجموعها، أو هما معا.
وهذا العنوان هو من مثل: "يوميات الأخبار, من مفكرة.., الأسبوع ستة أيام, الأسبوع سبعة أيام, يوميات, استراحة المحارب, واحة الاتحاد, حروف وأفكار ... إلخ".
2- عنوان رئيسي متغير هو عنوان مقال اليوم، أو في تعبير آخر هو عنوان حلقة اليوم من هذه السلسلة الدورية من المقالات التي "يتناوب" على تحريرها كاتب كل يوم, وهذا العنوان يرتبط بهذه الخصائص، وغيرها:
- إما أن يكون معبرا عن فقرة مقالية واحدة، في حالة الفقرات متغيرة المضمون، وهنا أما إن تكون هي الفقرة الأولى، أو إحدى الفقرات الأخرى الهامة، الثانية أو الثالثة أو الرابعة وهكذا.
- وإما أن يكون معبرا عن المقال كله في حالة كتابة مقال واحد، مكون من عدة فقرات "داخلية" أو في حالة كونه قطعة واحدة بدون تقسيمه إلى فقرات.
- ولكنه في جميع الأحوال العنوان الواضح الجذاب القصير أو المكون من عدة كلمات قصيرة تمثل عبارة واحدة، وتكتب أيضا على سطر واحد في أغلب الأحوال.
- كما أنه المعبر تماما عن الفقرة أو المقال كله، المرتبط به وبمضمونه كل الارتباط.
أنه مثل هذه العنوانات التي نشرتها بعض الصحف العربية ليومياتها، من تلك التي تحرص على نشرها:
(1/216)

- "موت الشيطان, الأخبار, محمد فهمي عبد اللطيف".
- "الحقيقة الناقصة, الاتحاد, محمد المزروعي".
- "الدليل الحضاري ومشكلة الثقافة, الرياض, محمد عبد الإله العصار".. إلخ.
- الاتجاه الثاني: ويقتصر فيه على العنوان الرئيسي الأول -عنوان اللافتة- ولكن في نفس الوقت يكون لكل فقرة عنوانها الجذاب المرتبط بها وحدها.
- الاتجاه الثالث: ولا يكون لمقال اليوميات الصحفية فيه ذلك العنوان الرئيسي الأول الثابت الذي أطلقنا عليه تعبير "عنوان اللافتة" وإنما يكون لكل كاتب من كتاب هذه المقالات عنوانه الرئيسي الثابت الذي يكتب تحته مقاله دوريا, ثم يختلف الوضع بعد ذلك من كاتب لآخر حيث يقتصر البعض على هذا العنوان الذي يرى فيه الكفاية والدلالة، بينما يفضل البعض الآخر كتابة عنوان رئيسي متغير لكل حلقة من حلقات هذه اليوميات إذا صح التعبير, وهذه الرؤية الأخيرة تفضل الأولى وتكاد تكون أقرب إلى طبائع الأشياء وإلى معاونة القراء, ولكن في الحالتين فإنه يكون العنوان المختصر والواضح والجذاب والمعبر, والذي يعكس مقدرة تحريرية وبلاغة وحسن بيان صحفي أيضا.
كما أن هناك اتجاهات عديدة أخرى استخدمتها الصحف والمجلات من فقرة لأخرى.
ثانيا: عنوانات الفقرات 1
وهي العنوانات الثانية، إذا اعتبرنا أن العنوان الرئيسي الأول -الثابت- والعنوان الرئيسي الثاني -المتغير- هما بمثابة نوعية واحدة، أو إذا اعتبرنا أن الأول مجرد اسم أو لافتة لليوميات في مجموعها, أو هي -عنوانات الفقرات- العنوانات الثالثة في حالة اعتبار العنوانين السابقين بمثابة عنوانين من نوعية مختلفة وهكذا.
__________
1 Block - titles.
(1/217)

وعموما، فإن هذه العنوانات هي تلك الكلمات القصيرة المختصر للغاية، الجذابة جدا التي تعلو كل فقرة، أو ترتفع فوقها وتكون مرتبطة بها دالة عليها، كما أنها تقوم بدور الفصل بين فقرة وأخرى وثالثة وهكذا.
وواضح أن هذه العنوانات لا تستخدم إلا في حالة المقالات المقسمة إلى فقرات مختلفة أو المقال الواحد المقسم إلى فقرات، وأما المقال القائم دون تقسيم، وكقطعة واحدة، فإن هذه العنوانات لا تستخدم بالنسبة له حيث لا تكون لها وظيفة تذكر في هذه الحالة.
وواضح أيضا أن هذه العنوانات تقوم بنفس أدوار العنوانات عامة، في الدلالة على مادتها ولفت الأنظار إليها, كما تقوم بدور إخراجي كفاصل تحريري، وكعلاة يتوقف عندها القارئ ليلتقط أنفاسه، ويحدد بها ما سبقت قراءته، وكعامل للتغلب على اللون الواحد للصفحة وكسر حدة بياضها أو رماديتها, ولذلك فبعض الصحف والمجلات تتفنن في أشكالها وخطوطها أو تضعها أحيانا داخل إطار زخرفي وهكذا.
ومن الملاحظ أن هناك أيضا أكثر من اتجاه واحد يتصل بكتابة هذه العنوانات:
- فهناك الاتجاه الأول الرئيسي الذي يكون اليوم فيه "السبت, الاثنين, الثلاثاء" ... إلخ بمثابة عنوان للفقرة، وهو اتجاه يساير الاتجاه التقليدي الأساسي في كتابة هذه المقالات.
- وهناك الاتجاه الثاني الذي يضيف إلى اليوم عنوان فقرات آخر دال ومعبر فيقول مثلا: "السبت: حكاية معلم, الاثنين: رحلة سريعة, الثلاثاء: قصيدة.. مثلا".. وهو اتجاه تقليدي كلاسيكي ولكنه عملي وناجح أيضا.
- وهناك الاتجاه الثالث الذي يكتب العنوانات بدون إشارة إلى الأيام، وهو الاتجاه الغالب والمسيطر على عنوانات مقالات اليوميات الآن.
- وهناك اتجاه رابع يقسمها تقسيما نوعيا وحسب مضمونها حيث يكتب مثلا: "سياسية, ذكريات, فن, خطاب" ... إلخ وهكذا.
- وهناك اتجاه خامس بديل لا يكتب عنوانات من أساسه وإنما يستخدم الفواصل الطباعية والزخرفية أو الرسوم الإيضاحية، فيستخدم النقط أو المربعات أو الخطوط
(1/218)

المتقطعة والفواصل الناقصة والمتنوعة وما تبتكره فرشاة الرسام وريشة الخطاط من أشكال ورسوم.
- على أنه قد ثبت أن أكثر هذه العنوانات الرئيسية المتغيرة، أو عنوانات الفقرات من تلك التي تمثل -في أغلبها- هذه التصنيفات:
- العنوان الوصفي.
- العنوان الإنشائي.
- العنوان المبرز لفكرة أو زاوية.
- العنوان الموضح.
- العنوان المقارن.
- العنوان المختلط.
- العنوان المباشر.
- عنوان التساؤل.
- العنوان المختصر.
- عنوان الجملة المقتبسة.
- عنوان الكلمة الواحدة القوية المتفجرة.
- العنوان الساخر أو التهكمي.
تحرير مادة مقال اليوميات:
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره عند تناولنا لأنواع وأشكال ومضامين هذا المقال، وفي ضوئه أيضا، ودون حاجة إلى تكرار ما سبقت الإشارة إليه من هذه الأمور, نقول إن تحرير مادة المقال نفسها يتأثر تماما، ويخضع في مجموعه لهذين الاعتبارين قبل أية اعتبارات أخرى.. وهما هنا:
- شكل المقال أي: كونه يتمثل في عدة فقرات منفصلة أو متصلة أو قطعة واحدة.
- نوع المقال وما يتصل به من مضمون تحريري أو طابع يغلب على مادته كلها، أو يتغير من فقرة لأخرى، لثانية، لثالثة.. وهكذا.
ومن تشابك هذين الاعتبارين -أو العنصرين- ومن تلاحمهما معا، تتأثر كتابة
(1/219)

هذا المقال أيما أثر، وحيث نجد أنفسنا -ولمزيد من الوضوح والدلالة- أمام هذه الصورة التحريرية التي نتحدث عنها باختصار شديد:
أولا: الصورة التحريرية الأولى "قالب اليوميات التقليدي"
وهو كما قلنا الأصل والأساس، حيث يكون القالب هنا، هو القالب الزمني اليومي ومن هنا فإن أهم معالم تحريره هي:
1- الالتزام الكامل والدقيق بهذا الإطار الزمني بحيث يستقل كل يوم من الأيام المختارة بعناية، بفقرة مستقلة، هذا هو الشكل الأساسي.
2- أما عن المقدمة، أو المدخل فإننا نجد أنفسنا أمام أكثر من اتجاه:
أ- اتجاه شائع لا يقوم الكاتب فيه بكتابة مقدمة ما، ولكن يفعل ذلك سكرتير التحرير، وفي أغلب الأحوال تكون هذه المقدمة عبارة عن "جملة مقتبسة" من المقال نفسه ولكنها ليست أية جملة وإنما جملة قوية ومعبرة وجذابة أيضا.
ب- واتجاه شائع آخر يقوم فيه المحرر أو الكاتب نفسه هنا بكتابة مقدمة لمقاله تأخذ أحد هذه الأساليب:
- الأسلوب السابق نفسه ولكن الاختيار هنا بيد المحرر كما قلنا.
- أو مع تغيير بسيط كأن يختار الكاتب جملة من كل فقرة، ثم يصلها ببعضها، لتصبح جملة قوية معبرة عن المقال كله، دالة على فقرائه، في صدق وجاذبية.
- أو يقوم بكتابة مقدمة جديدة تعبر عن مضمون المقال دون أن تكرر بضعة من كلماته على النحو السابق.
- أو يكتب مقدمة أخرى لا تعبر عن مضمونه، وإنما تشير إلى بعض الجوانب المتصلة به، كقصة المقال أو مصدر بعض ما جاء به أو اعتذار عن التأخر في كتابته عن الموعد المناسب أو ما يتصل بكاتبه نفسه.
جـ- واتجاه ثالث لا تكتب فيه مقدمة على الإطلاق، أو من أي نوع، وإنما يبدأ المقال بالعنوان "اليومي" وحده، أو بمصاحبة غيره وهكذا.
3- ثم تنساب الفقرات تباعا فقرة في أثر أخرى بحيث تشبه كل فقرة منها مقالا عموديا متوسط الطول، ومن الملاحظ ومن المستحسن أيضا أن يسير ذلك وفق هذا النظام.
(1/220)

أ- أن تبدأ كل فقرة بعبارة تمهيدية أو عبارتين تمهيديتين قصيرتين بحيث تعتبر هذه بمثابة مفتاح أو مدخل قصير أو فاتحة مختصرة -ولا أقول مقدمة كاملة- لهذا العمود نفسه وهي تأخذ إحدى هذه الصور العشر البارزة التي نقدمها على سبيل المثال:
- صورة المدخل الزمني الذي يركز على وقت الحدث.
- المدخل الإنشائي القريب من الأسلوب الأدبي.
- المدخل التصويري لبطل أو أبطال الحدث.
- المدخل الشخصي الذاتي الذي يصور حالة المحرر وقت وقوعه.
- المدخل الإخباري الساخن، الذي يشبه مقدمة لخبر هام وحالي.
- المدخل الحواري.
- المدخل المقارن.
- المدخل اللحظوي: وهو نوع من أنواع المدخل الزمني, ولكنه يركز بشدة على لحظة التفجر.
- المدخل التحذيري: الذي يدعو القراء إلى الانتباه واليقظة منذ البداية.
- مدخل الموقف: الذي يعلن منذ الكلمات الأولى عن موقف المحرر من القضية المطروحة.
على أننا نقول في نهاية رصد هذه المداخل أو عبارات التمهيد لكل فقرة من فقرات مقال اليوميات التقليدي:
- إنها أكثرها استخداما، وليست جميعها.
- وإن مقالات الفقرات الأخرى تستخدمها فهي ليست وقفا على هذا النوع وحده.
- وإنها عمل ابتكاري إبداعي قبل أي شيء آخر.
- وإن التطبيق الجيد لها أو لغيرها يقتضي أن تكون مختلفة عن نوعية المقدمة العامة التي تقدم للمقال كله, إذا كانت هناك.
- كما يقتضي كذلك التنويع والاختلاف بين مداخل ومفاتيح كل فقرة من الفقرات، فمدخل حواري للفقرة الأولى، لحظوي للثانية، مقارن للثالثة، إنشائي للرابعة، وهكذا.
(1/221)

ب- وأن يتبع هذا المدخل، نص الفقرة المقالية الذي يقوم على تقديم المادة الأساسية نفسها وعرضها عرضا واضحا يقرب من فكرتها الرئيسية إلى أذهان القراء، ويقدم ما في جعبة المحرر من معلومات متوافرة، وأقوال وآراء تتصل بها بأسلوب يغلب عليه طابع الشرح والتفسير في تقديم الشواهد والدلالال والأمثلة على ما يقدم، مما يتصل بالرأي الذي يريد أن يعلن عنه، أو الموقف الذي يريد الدعوة إليه بطريقة هادئة، ومقنعة، تنتهي به إلى طرحه دون ضجيج أو مغالاة أو تعال على القراء, وهكذا بالنسبة لكل فقرة من تلك التي سوف ينتقل إليها.
على أن يكون حرصه بالغا، خلال ذلك كله على أن ترتبط كل فقرة من هذه الفقرات بمعالم أساسية من بينها وفي مقدمتها:
- وحدة موضوعها، واختلافه من فقرة -تمثل يوما- لأخرى.
- التغطية الكاملة والمختصرة أو المركزة في نفس الوقت لزوايا الفكرة وامتداداتها.
- انسياب الفقرات الصغيرة التي تتكون من جمل وعبارات لتمثل بدورها مضمون الفقرة المقالية في سهولة ويسر وتتابعها بدون عوائق أو حواجز.
- الأسلوب المناسب للموضوع:
- أن يحس المحرر أنه عبر عما يريد أن يقول وأنه حقق ما يرجوه.
- في روح من المودة والألفة.
4- وأما عن النهاية -نهاية المقال- أو خاتمته أو خلاصته، فإن الفقرة النهائية هنا -اليوم النهائي- هي التي تقوم بذلك العمل في أغلب الأحوال، ومن هنا فإن حسن اختيار موضوعها والدقة في ذلك، وفي مزيد من العناية بتحريرها، وارتباطها بشدة بفكرة، أو موقف أو دعوة إلى عمل هام أو في تقديم بعض "المنوعات" أو "الحكم" أو "الطرائف" أو "التوقيعات" الدالة والمعبرة في قوة وصدق, وداخل إطار الفقرة الأخيرة نفسها, في ذلك ما فيه من أسباب النجاح التي ينبغي الحرص عليها.
ثانيا: الصورة التحريرية الثانية "قالب الفقرات التقليدي"
وهو -كما قلنا- لا يعتمد على عنصر الزمن أو المفكرة أو "الأجندة" وإنما يقفز فوق حدود هذا الحاجز الزمني, ومن هنا، وعلى الرغم من ذلك فإننا نقول عنه:
(1/222)

1- إن التزامه والتزام محرره الأساسي يكون بوضعه في إطار أو أنموذج الفقرات العادية والتقليدية أيضا، والتي يفصل بين كل فقرة منها والفقرة الأخرى فاصل ما تحريري أو زخرفي أو طباعي.
2- أما عن المقدمة، فإن نفس الحديث عن المقال السابق -اليوميات التقليدي- يصدق أيضا على مقدمة هذا النوع "مقدمة سكرتير التحرير من كلمات المؤلف -مقدمة المؤلف من نفس كلماته أو بالجمع بين أكثر من عبارة من كل فقرة أو مقدمة جديدة وثيقة الصلة بالفقرات أو تقف على حافتها أو هامشها- أو بدون مقدمة على الإطلاق".
إلا أننا لاحظنا وجود عدد من المقدمات الأخرى المغايرة ومن أبرزها:
- المقدمة الدالة على الفقرة الأولى فقط من غير أن تستخدم نفس كلماتها.
- المقدمة الدالة على إحدى الفقرات الأخرى الأكثر قوة وجاذبية من غيرها.
- مقدمة الجملة المقتبسة لأحد الأفراد الذين يرد عنهم ما يستحق في فقرة معينة أو لشاهد عيان.
3- ثم تنساب كذلك الفقرات تباعا، من أول فقرة حتى آخر فقرة وحيث نلاحظ هنا:
أ- أن كل فقرة من الفقرات تكون لها وحدتها الفكرية وإطارها المستقل عن الأخرى تماما، وإلى حد اعتبارها أو إمكانية اعتبارها مقالة عمودية يمكن أن تقوم بذاتها وتؤدي هذا الغرض.
ب- أن كل فقرة تبدأ بنفس العبارة التمهيدية أو العبارتين التمهيديتين وبنفس الصور السابقة أيضا, إلا أنه لوحظ بعض الاختلاف القائم في أنواعها وفي مضمونها وأطوالها ومن ذلك مثلا:
- أن بعض الكتاب قد يبذل محاولة لا بأس بها لربط الفقرة السابقة باللاحقة في كلمات قليلة دون أن يأخذ ذلك شكل الربط الكامل الذي تذوب فيه الحدود أو تطغى الألوان على بعضها، وذلك على أساس اتصال حبل الكلام، وامتداده، والكلام -كما نعرف- يجر بعضه بعضا، كما أن الشيء بالشيء يذكر، ومن هنا، فالفقرات الثانية والثالثة والرابعة قد تبدأ -عند هؤلاء- بمثل هذه من عبارات الربط المدخلية أو التمهيدية:
(1/223)

- "ويذكرني هذا الموقف السابق بمشهد رأيته ذات يوم ... ".
- "في رحلتي إلى الهند رأيت ما هو أعجب من ذلك المشهد السابق..".
- "وإذا كانت هذه التجربة السابقة تبدو للبعض من قبيل الأمور النادرة، فقد عاش صديق لي ما هو أغرب وأعجب منها ... ".
- "أليس في ما يفعله الاتحاد السوفييتي بأفغانستان على هذا النحو السابق ما يذكر بقصة العميان والفيل, تلك التي تقول ... ".
- "ولكن هذا الكتاب نفسه يتضاءل بفكرته وموضوعه أمام ما قرأته أمس خلال صفحات رسالة جامعية يقول صاحبها ... ".
- إن بعض المقالات التي تحوي فقرات قليلة العدد، أكبر حجما من تلك الفقرات العادية ثلاث فقرات في المتوسط، كانت تبدأ بأكثر من عبارتين، ثلاث أو أربع مما يجعلها في حجم وصورة وأسلوب المقدمة الكاملة.
- كتابة سؤال مختصر أو عبارة تساؤلية تكون هي المدخل التمهيدي أو الفاتحة المختصرة, التي تكون الفقرة المقالية عبارة عن إجابة كاملة ومركزة ومفسرة وشارحة لهذا السؤال نفسه.
4- على أن تكون كل فقرة مختلفة الموضوع والمادة والمضمون عن الفقرة الأخرى، والثالثة والرابعة والخامسة وهكذا.
5- مع مراعاة عدة أشياء هامة تتصل بهذا المضمون التحريري نفسه ومن بينها:
- أن توزع جوانب الأهمية مختلفة من زوايا الأهمية.. أو تختلف عن تلك الزاوية الموجودة بفقرة أخرى "واحدة تركز على الزمان, ثانية على المكان, ثالثة على الحدث, رابعة على الشخصية, خامسة على الدروس المستفادة, سادسة على الجانب الجديد، سابعة على الجانب التاريخي.. إلخ".
- وأن تتبع طريقة في الكتابة تختلف من فقرة لأخرى.
- وتكون -مع اختلافها- مناسبة لموضوعها.
(1/224)

- وأن يكون طول كل فقرة معقولا، ومتناسبا مع أطول الفقرات الأخرى، أو يماثله، وأقول يماثله فقط، ولا يكون في طوله تماما, أو بعدد السطور بالضبط.
- وأن تختار اللغة المناسبة للمضمون المناسب، أو المادة المناسبة، فلغة الأحداث السياسية الهامة، غير لغة الخواطر والتأملات، ولغة الحديث عن صديق رحل إلى العالم الآخر غير لغة مقالة الرحلات وهكذا.
ثالثا: الصورة التحريرية الثالثة "قالب الفقرات موحدة الموضوع"
وهو يشبه القالب السابق كما يشبه القالب الأول أيضا، من حيث الشكل، ولكنه -وكما قلنا- لا يتخذ من الأيام موضوعا أو إطارا زمنيا لمادته، كما أن فقراته كلها ذات موضوع واحد في مجموعها، وإن اختصت كل فقرة من فقراته، بعنصر من العناصر، أو بجانب من الجوانب، أو بزاوية من الزوايا، ولكنها -جميعها- ذات صلة موضوعية ببعضها البعض، وبهذا الموضوع الواحد نفسه ومن هنا، وحتى لا نكرر ما سبق أن قلناه عند حديثنا عن خصائص "مقال اليوميات الصحفية" من حيث الشكل، ومن حيث المضمون، وحتى لا نكرر ما قلناه أيضا عن القالبين السابقين, من هنا نقول:
1- إن ما قلناه عن تحرير القالبين السابقين يصدق بشكل أو بآخر بالنسبة لهذا القالب أيضا وفي أكثر أحوال الاستعانة به، أو اتباع الكاتب له.
2- وذلك باستثناء بعض الاختلافات البسيطة القائمة التي نجملها في الآتي:
أ- أن وجود الرابطة بين الفقرة السابقة، والفقرة اللاحقة شيء هام وضروري.
ب- أن هذه الرابطة تشبه جسر الاتصال الذي يربط بين المقدمة وصلب الخبر حيث تمثله هنا عبارة ربط اتصالية تربط بين الفقرات وبعضها البعض.
جـ- كما أن بعض المحررين أو الكتاب يتبع في تحرير الفقرة نفسها أسلوبا يقترب من طريقة "الحديث المنقول".. ولكنه هنا لا ينقل حديثا لأحد أو خطابا أو رسالة لشخصية هامة، وإنما يتبع فقط جانب هذه الرابطة التي تتألف كما هو الحال في قالب التحرير الإخباري المشار إليه من:
- الفقرة الأولى المكونة من تمهيد وجسم.
- مختصر لفكرتها ثم ربط لها بفقرة جديدة "الثانية".
- مختصر لفكرة الفقرة الثانية, ثم ربط لهذا المختصر بفقرة جديدة "الثالثة", وهكذا حتى نهاية المقال.
(1/225)

- كما أن من المقبول هنا أن تكون هناك فقرة أكثر أهمية وجاذبية من فقرة أخرى، لا سيما الفقرة الأولى، طالما كانت هناك هذه الوحدة الموضوعية التي تجعل القارئ يحكم على المقال كله، أو في مجموعه.
3- ولأنه قالب موحد الموضوع على الرغم من فقراته، فإن الفقرة الأخيرة هنا -كذلك- تعتبر في مقام النهاية أو بمثابة الخاتمة, ولذلك فأمام الكاتب أحد طريقين:
أ- إما أن يضع بها كل ثقله بوصفها آخر ما يستقر في ذهن القارئ، حيث يقوم بختام مقاله ختاما قويا مؤثرا في عقل القارئ يذكر بأهم ما سبق طرحه أو بالهدف الأساسي أو الغاية التي يرمي إليها من وراء مقاله.
ب- وإما أن تكون النهاية هي تلك الفقرة العادية التي تحدث في سهولة وبساطة ودون ضجيج أو اصطناع تأثير قوي على القراء، بينما يوجد حقا وقولا ضمن سطورها وكلماتها ما يعتبر نهاية هادئة, ولكنها هنا تشبه "النهاية المستترة" التي يصطنعها محرر زميل قد يكون أقل خبرة وتجربة من كاتب هذا المقال, وقد لا يكون, وهو هنا محرر فن التحقيق الصحفي.
4- وأخيرا.. لعل في تجربة كتابة هذا القالب ما يؤكد عظم الحاجة إلى الكاتب الممارس الموهوب الذي يعرف كيف يحقق الاختلاف والتنوع فكرا وتعبيرا, في إطار الموضوع الواحد، أو الحدة الموضوعية، ومن هنا فقد يكون عمله هذا، أكثر صعبة من عمل زميليه السابقين.
رابعا: الصورة التحريرية الرابعة "قالب أمس واليوم وغدا"
وهو -كما قلنا- قالب زمني آخر ولكن فقراته لا تتابع زمنيا وفق أيام الأسبوع, وإنما وفق تتابع الماضي والحاضر والمستقبل, في إطار الأمس واليوم والغد, ومن هنا، وبالإضافة إلى ما سبق أن قلناه عنه، فإننا نشير إلى أهم معالمه:
- مقدمة تأخذ أحد هذه الأشكال:
- أن ترتبط بالفقرة الأولى "الأمس".
- أو بأقوى وأهم الفقرات الثلاث, بصرف النظر عن موقعها.
- أو أن تكون شاملة تتناولها جميعا.
- وقد تكون عبارة أولى أو أخيرة وردت -كما هي- في فقرة من الفقرات.
(1/226)

- وقد تكون من المرتبطة ببعض الأشخاص الذين تتحدث عنهم الفقرات أو فقرة منها.
- وقد لا تكون هناك مقدمة على الإطلاق, وإنما تتابع الفقرات دون أن ترتفع فوقها هذه الوحدة.
وواضح أنه بذلك يتشابه مع معالم كثيرة من تلك التي اختصت بها مقدمات المقالات السابقة.
- وأما عن الفقرات نفسها فهي -كقاعدة- تتكون من ثلاث تلك أهم معالمها:
- أنها تكون أكثر طولا، وأكبر حجما من الفقرات السابقة، أي: إن من المفروض أن نفس المساحة التي تشغلها في المقالات السابقة أربع أو خمس أو ست فقرات أحيانا، تشغلها هنا ثلاث فقرات فقط.
- أن ذلك يعطي الفرصة لتكون هناك مقدمة شبه كاملة، بل ونهاية في أحيان كثيرة، لكل فقرة من فقرات المقال الثلاث.
- وأن كل فقرة منها تمثل وحدة مستقلة الموضوع عن الفقرة التي تليها، كما هي مختلفة الزمن.
- ومن المفيد هنا أن ينوع المحرر في أساليب تناول هذه الموضوعات المستقلة, فيستخدم بالنسبة لمقالة هذا الأسبوع الأسلوب العرضي بالنسبة للفقرة الأولى، النقدي بالنسبة للثانية، الوصفي بالنسبة للثالثة، وبالنسبة لأسبوع آخر يستخدم الأساليب الأخرى مثل القصصي والحواري والمقارن، وبالنسبة لأسبوع ثالث يستخدم أساليب مختلفة كالضوء الزمني الخلفي والاعتراف والنزالي, وفي أسبوع رابع يجمع بين ثلاثة من أساليب الأسابيع السابقة أو تلك التي استخدمها سابقا وهكذا.
- على أن تقوم في ذهنه دائما, وأن يلتفت تماما إلى أهمية اختيار الأسلوب المناسب للمادة المناسبة.
- وقد لوحظ في الآونة الأخيرة وجود بعض الاتجاهات الحديثة في تحرير هذا القالب، ومنها على سبيل المثال:
- ظهور بعض المرونة في كتابة هذا النوع من المقالات، كان من أبرزها إضافة فقرة أخرى تحمل طابع وعنوان "وبعد غد"، وأحيانا فقرة تكرر مشهدا آخر أو موقفا مختلفا تأتي بعنوان "وأمس أيضا" إذا كانت تتناول الماضي, أو "واليوم أيضا" إذا كانت تتفق مع هذا التوقيت, وهكذا نجد عندنا أربع فقرات أو خمس تعلوها
(1/227)

العنوانات ذات البعد الزمني الآتية: "أمس, واليوم, وغدا, وبعد غد" أو "أمس، واليوم، واليوم أيضا، وغدا" وهكذا.
- اقتصار بعض مقالاته خلال أحد الأسابيع على "الأمس" فقط وحيث يكون المضمون التاريخي هو الغالب, مع أهمية أن يشير الكاتب إلى ذلك في بداية المقال، وأن يكون هناك ما يستحق هذا التناول أو هذه الرؤية التاريخية, وحيث يكون الكاتب حرا بعد ذلك في اختيار القالب الفني التحريري, ولكنه -في الغالب- يختار قالب الفقرات أيضا وحيث يكون قريب الشبه جدا بالقالب السابق وإلى حد اعتبارهما قالبا واحدا موحد الموضوع, وهو هنا الموضوع التاريخي طبعا.
- كما ظهر من يتبع "الاتجاه العكسي" فيبدأ بالمستقبل أولا ثم الحاضر -اليوم- ثم الأمس كنوع من التغير وليس في جميع أساليب كتابته أو بالنسبة لجميع مقالاته.
- كما ظهر من يكتب عن "الأمس واليوم والغد" في قالب غير قالب الفقرات أساسا، وإنما يخلط بينها, على طريقة قالب الوحدة المقسمة إلى فقرات غير منفصلة بفاصل ما، أو الوحدة الواحدة غير المقسمة أصلا, والذي سيأتي الحديث عنه بعد قليل.
خامسا: الصورة التحريرية الخامسة "الفقرات الموضوعية الثابتة"
ويكاد ينطبق عليها ما قلناه عن:
- قالب الفقرات التقليدي: وذلك باستثناء ثبات موضوعات الفقرات هنا من مقالة لأخرى، أو من أسبوع لأسبوع, حيث لا يتغير موضوعها ولا ترتيبها بالنسبة لبعض الصحف المحافظة أو ذات الاتجاهات "الكلاسيكية".
- قالب أمس واليوم وغدا: من حيث الحفاظ على ثبات الموضوع دوريا فقط، ولكن الفقرات هنا ليست ذات بعد زمني ثلاثي، وإنما متنوع من فقرة لأخرى، مع هذا الثبات نفسه.
كما تتشابه -تماما- معالم تحرير مقدماتها وصلبها أو مادتها ونهايتها مع هذين المقالين أيضا والفروق البسيطة الحادثة، قد تعود في معظمها إلى ذوق المحرر نفسه، وإبداع الكاتب ذاته, وذلك في حالة قيامها.
(1/228)

سادسا: الصورة التحريرية السادسة "قالب الوحدة الواحدة"
وهو يختلف هنا -تمام الاختلاف- عن المقالات السابقة، بقوالبها المختلفة، وهنا الاختلاف راجع إلى شكله في البداية الذي لا يتبع أسلوب الفقرات، وإلى مضمونه في معظمه، حيث يكون موضوعا واحدا ينساب -كما قلنا- وفي وحدة متماسكة، وخيوط ممتدة من أول المقال إلى آخره, ومن هنا فنحن نقول عن تحريره:
1- إنه يفضل أن يبدأ هذا القالب بمقدمة عادية تقليدية يمكن أن نتوقف قليلا لنقول بشأنها:
أ- إن في "تصنيف المقدمات" التي وردت سابقا, ما يعين المحرر على اختيار واحدة منها.
ب- إن على الكاتب أن يختار من بين هذه المقدمات وبوصف أن مقالته طويلة وذات وحدة واحدة:
- المقدمة الأكثر انسجاما واتفاقا مع هذا القالب ومع مضمون المقال.
- والأكثر ارتباطا بهذا المضمون بحيث لا تصلح لغيره مطلقا.
- الأكثر جاذبية وتشويقا والتي تعكس حسا صحفيا وفنيا كبيرا.
جـ- وننصح هنا بأن يقوم الكاتب بتحرير مقدمتين لا مقدمة واحدة.
- المقدمة الأولى: أساسية تقوم كوحدة تحريرية فنية متكاملة.
- المقدمة الثانية: احتياطية احتمالا أو تحسبا لاحتمال حاجة المخرج إليها, وذلك بصرف النظر عن البداية أو المدخل التقليدي الذي يمكن أن يقوم للمقال نفسه.
- وعلى أن تكون نوعية المقدمة الأولى مختلفة عن نوعية المقدمة الثانية.
د- كما ننصح هنا أيضا بمراعاة أهمية أن تكون المقدمة هنا -وكاتبها خبير- من تلك الأجزاء الثلاثة الأساسية وهي:1
- المدخل أو التمهيد أو المفتاح.
- الموضوع.
- عبارة التحول.
__________
1 رجاء العودة إلى كتابنا السابق: "دراسات في التحرير الإخباري" من ص79 إلى ص84.
(1/229)

وصحيح أن القراء لا يلاحظون ذلك، وأن تماسك المقدمة يساعد على هذه الحالة، كما أن ذلك يتصل أكثر بمقدمات المادة الإخبارية, ولكن من الصحيح أيضا أن ذلك "البناء" يؤدي إلى مزيد من نجاح المقدمات، القائم على أساس من أداء دورها.
2- وأما عن مادة المقال خلال هذا القالب نفسه، أو باتباعه فإنه يمكن ملاحظة الآتي:
أ- أن هذا القالب يمثل إطارا شكليا أو شكلا من الأشكال التي توضع فيها المادة المقالية.
ب- أي: إنه ليس بديلا -بوحدته الواحدة- عن أن تكون هناك تلك الطريقة التحريرية الفنية أو ذلك القالب التحريري الفني الذي يسيطر على مضمونه نفسه دون أن يتعارض في ذلك مع إطار أو شكل الوحدة الواحدة.
ومن خلال دراستنا للمادة المنشورة فوق الصفحات نفسها وجدنا أن هذه القوالب تكاد تتشابه وبعض القوالب المستخدمة بالنسبة لمقالين سبق أن تناولناهما وهما: "المقال الصحفي العام - المقال القائد الموقع" كما تستبدل بعض قوالبهما بقوالب أخرى جديدة, وعموما فإن هذه القوالب والطرق الفنية هي:
1- قالب العرض.
2- قالب الوصف.
3- قالب القصة.
4- القالب التاريخي.
5- قالب الأنموذج الآخر.
6- القالب المقارن.
7- القالب الحواري.
8- قالب السؤال والجواب.
9- قالب الاعترافات.
10- القالب التركيزي "الضوء التركيزي".
11- قالب البحث "الدراسة الصحفية".
12- القالب المختلط.
جـ- على أنه يلاحظ اهتمام كاتبه بهذه الأمور كلها خلال هذه الخطوة:
(1/230)

- طرح الأفكار الجديدة وباستمرار على هيئة "عناصر مقالية" عديدة تقدم خلال هذا العمل.
- إبراز الجانب الذاتي في التناول والربط بين الأفكار وصاحبها وتصويرها من خلال تجربته الخاصة وممارساته وقراءاته وانفعالاته.
- المناقشة الهادئة، والحوار الهادئ أيضا.
- التوجه إلى كل القراء، وليس إلى طائفة منهم دون طائفة.
- أسلوب الصديق, ولكنه الصديق الخبير والمجرب والحكيم أيضا.
- وليس معنى قولنا إن هذا المقال تكون صورته التحريرية هي صورة "الوحدة الواحدة" أنه يكون مثل هذه الوحدة من أول سطر حتى آخره، فذلك ضد لطبائع الأشياء نفسها، بل ضد لبناء عناصره الأساسية، كما أن ضد لجانب مساعدة القارئ على متابعته، ومن هنا فإن على كاتب هذا المقال أن يقسمه "وهميا" إلى عدة فقرات يختص كل منها بعنصر من العناصر، وتتخذ هي شكل الفقرة، دون أن يفصل بينها وبين الفقرة الأخرى أي فاصل قائم فعلا، بينما تتكون كل فقرة من عدة جمل وعبارات تتناول هذا العنصر أو ذلك، أو بعض جوانبهما.
- عدم ترك فكرة أو عنصر من العناصر قبل الإحساس باكتمال تناوله أو مناقشته خلال هذا الإطار، وإلا فاستكمال التناول أو المناقشة خلال مقال آخر هو أمر واجب، كما أن من المهم هنا إعلام القراء بذلك.
- الاهتمام بالشواهد العديدة، والأمثلة الدالة، والتي تكون في مستوى جميع القراء.
- الانتقال الهادئ، من فكرة إلى فكرة، ومن عنصر إلى عنصر ومن زاوية لأخرى، دون الإعلان عن ذلك، أو وضع الحواجز أو العراقيل في مواجهة فكر القارئ وقدرته على الاستمرار.
- اختيار المادة الواضحة التي يسهل فهمها وتبسيط ما يتصل بالمعلومات العامة أو المادة العلمية الجافة، والتعبير عنها بالأسلوب الذي ينتظر أن يفهمه وأن يقبل عليه جميع القراء.
- اللغة المناسبة للموضوع المناسب.
- والصحيحة تماما.
(1/231)

- مع قدر لا بأس به من جمال الأسلوب وحلاوته، ورقة التعبير وشاعريته، ووضوح المعنى وجاذبيته.
3- وأما عن خاتمة المقال أو نهايته, فهي تلك التي تجمع بين هذه المعالم، كلها أو بعضها:
- التركيز على "نتيجة" واحدة هامة ينبغي أن تقوم في أذهان القراء.
- أو على عدد من النتائج "الشاملة" في أسلوب يختصرها ويقررها.
- أو تقديم ما يؤكد صحة الرأي أو الموقف أو الاتجاه الذي انتهى إليه الكاتب.
- أو طلب مشاركة القراء في تقديم الحل، أو مجموعة الحلول، أو الحكم في قضية ذات أهمية.
- أو جعلها نهاية عاطفية "إنسانية" تثير شجون القراء وانفعالاتهم.
- أو جعلها نهاية تصويرية, تصور المشهد الأخير "الحدثي" أو "الوقائعي" قبل نزول الستار.
- أو جعلها نهاية "هجومية" تركز على شخص أو مؤسسة أو عمل ما.
- أو بعودة "التركيز المختصر" -مرة أخرى- على الفكرة الرئيسية الأولى التي يقوم عليها هذا المقال, وليست النتيجة هذه المرة.
- أو بتلخيص وتركيز الأفكار والعناصر المقالية كلها، والتي سبق طرحها خلال النص نفسه.
- أو بالعمل على "استفزاز" بعض الكتاب من أجل الرد على ما جاء بالمقال، وإلقاء "الريشة" أو "القفاز" في وجوههم.
- أو بمجرد دعوتهم دعوة هادئة إلى النزال، والرد عليه.
- أو بجعلها نهاية "تاريخية" يذكر فيها الكاتب بحدث أو حديث أو موقف تاريخي مماثل.
- أو بجعلها نهاية مستترة, يقول الكاتب فيها ما يريد قوله خلال الفقرة الأخيرة نفسها، وبين سطورها، ووراء حروفها وما يمكن أن يقوم خلفها من انعكاسات أو ظلال.
- أو بجعلها نهاية "تنظيمية" توجه الدعوة للقارئ إلى متابعة المقال القادم الذي يمثل حلقة في هذه السلسلة مثلا.
(1/232)

- أو بالجمع بين أكثر من صورة من هذه الصور نفسها أو بين أكثر من اتجاه منها, أو بين هذه وغيرها مما تقدمه مقدرة المحرر الكتابية وروحه وحسه الصحفي التحريري الابتكاري.
سابعا: الصورة التحريرية السابعة "الفقرة الطويلة والفقرة القصيرة"
ونضيف إلى ما سبق أن قلناه عنه هذه الكلمات:
أ- أنه يمكن تصوره -شكلا- عندما نقوم بكتابة المقال السابق مع حذف النهاية كلية أو اختصارها أو جعلها نهاية "مستترة".
ب- على أن توضع مكانها أو يتم استبدال إحدى الصور العديدة السابقة بها، والتي أشرنا إليها عند تناولنا لهذا المقال من حيث الشكل.
جـ- ومن المفضل ألا يكون لهذه الفقرة الأخيرة -على أن شكل من أشكالها- صلة ما بالفقرة الكبيرة السابقة، تلك الممثلة أصلا للمقال الأساسي، وإنما تختلف موضوعا وفكرة ومادة.
د- ولذلك فإن من الأهمية بمكان أن تكون -على الرغم من قصرها وصغر مساحتها- قوية التعبير بالغة الدلالة، محكمة النسج، مضمونة التأثير.
هـ- ومن هنا فآيات الكتاب البينات والأحاديث النبوية الكريمة والحكم والأقوال المأثورة هي من خيرة "المضامين" لهذا الجزء النهائي.
و وباعتبارها نهاية أو خاتمة فمن غير المعقول أن تكون هناك نهاية أخرى، وذلك باستثناء بعض المواد التي يكون من الأفضل إبراز معالم النهاية بها وذلك مثل: "أن تكون الفقرة عبارة عن قصة قصيرة أو أقصوصة, أو حوار قصير, أو سطور كتاب, أو ما يتصل بالتراث.. إلخ".
تدريب عملي "7":
- قم بمحاولة لكتابة مقال يوميات صحفية متبعا في ذلك الطريقة التي ترى أنها أكثر مناسبة لك ولإمكانياتك ومقدرتك التحريرية, مع تركيز على تجربتك الخاصة.
- قم بعمل دراسة لمقالات اليوميات الصحفية كما تعرفها إحدى جرائد بلدك لمدة ثلاثة شهور مبينا أهم ملاحظاتك عليها في ضوء دراستك السابقة مع تركيز خاص على:
شكل المقال, مضمونه, أهم ملامح تحريره.
- قارن بين مقالات اليوميات الصحفية كما نشرت على صفحات جريدتين من جرائد بلدك لمدة شهر كامل, موضحا.
أبرز الكتاب, أبرز ملامح كتاباتهم, أشهر أنواع المقالات, المعالم الأساسية.
(1/233)

الفصل الرابع: حول المقال الصحفي إضافات ومعالم
أولا: إضافات تحريرية
...
الفصل الرابع: حول المقال الصحفي إضافات ومعالم
وقبل أن تكتمل فصول هذا الكتاب -بحمد الله- وقبل أن ننتقل إلى كتاب آخر يتناول الأنواع الأخرى من هذه المادة المقالية -بعونه تعالى- وحتى يتم هذا الجانب "التعريفي" الذي وقفنا فيه على هامش أهم وأبرز "المقالات الصحفية" سياسية وغير سياسية, من تلك التي نشرتها وما تزال الصحف والمجلات عربية أجنبية, قبل ذلك كله؛ ولأن هناك من المعالم والأفكار والخصائص ما يمكن أن يضيع، أو يقل أثره أو يتضاءل عندما ينتشر أو يتناثر وسط "زحام" الأنواع السابقة, بكل ما اتصل بها من ملامح وأسس فنية وتحريرية.
من أجل ذلك كله، ولأسباب أخرى عديدة، نتوقف هنا أكثر من وقفة، نحاول فيها قدر الجهد والاستطاعة أن نقدم بعض الإضافات الجديدة، وأن نركز على عدد من الملاحظات الهامة وأن نسجل -لهذا الفن الهام- بعض الخصائص الأخرى التي تتميز بها جزئياته, وأن نشير كذلك إلى عدد من الأفكار الجديدة التي تتصل بالمقالات الصحفية نفسها عن قرب.
على أنه -وحتى لا يطول حبل الكلام- ومن أجل مراعاة طبيعة وخصائص "المستفيدين" من هذا الكتاب قبل غيرهم, فإننا سوف نتناول ذلك كله بطريقة مختصرة كل الاختصار، وبأسلوب مركز كل التركيز دون أن نتجاهل ما يمكن أن يثيره هذا الأسلوب نفسه من دعوة إلى التفكير وإعمال العقل بين هؤلاء، وهو مطلب أساسي تدريبي يقدم "عائدا مقاليا" لا بأس به, ومن هنا فنحن نقول:
أولا: إضافات تحريرية
ومن خلالها نتوقف عند عدد من الموضوعات الهامة, وعند أكثر من زاوية جديدة، تتصل بالفكر التحريري المقالي، وبتحرير المقال من حيث هو كفن قائم وإيجابي وهام.
خطوات تحرير المقال الصحفي:
لقد دلت التجارب، وتجمعت الأدلة، وقال الكثيرون كلمتهم، تلك التي اتضح من خلالها أن "تحرير المقال" يمر بعدة خطوات نجملها في الآتي وذلك بالإضافة إلى
(1/236)

إشارتنا السابقة، خلال الصفحات والسطور الماضية وبصرف النظر عن "المقالات الموجهة" على أي شكل من أشكالها، وبصرف النظر أيضا عن المقالات القصيرة -بأنواعها- والتي قد لا تحتاج إلى مثل هذا الجهد، وإن احتاجت إلى مقدرة كتابية كبيرة.
1- الخطوة الأولى: "الإعداد للكتابة" 1 وأهم معالمها:
- النظرة "المقالية" أو تلك التي تتبع "عينه إلى المقال"2 إلى كل ما يراه أو يسمعه, والتي عبرنا عنها بقولنا إنها "المعايشة الصحفية الكاملة - ككاتب مقال" لكل ما يمر به خلال يومه، تماما كما أنها هنا "الحضور الذهني الصحفي المقالي".
- اقتناص الفكرة الجديدة لموضوع مقال أو الحصول عليها على سبيل الاختيار من بين عشرات الأفكار الأخرى، وبعد مناقشتها بينه وبين نفسه هنا "وهو ما يختلف فيه كاتب المقال عن غيره من المحررين في أغلب الأحوال" وكذا بعد التأكد من صحة ودقة ما تقوم عليه من مادة إخبارية أو مادة رأي.
- تقسيم هذه الفكرة إلى عناصر تناولها التي تحدد ما سوف يكتبه المحرر.
- تغطية ما يمكن أن تحتاج إليه بعض هذه العناصر من مادة معلوماتية أو مادة رأي من مصادر المعلومات المختلفة، الأليكترونية، أو البشرية أو التقليدية, أو من مادة مترجمة، أو تأتي عن طريق مصدر خارجي "وكالات الأنباء, وكالات المعلومات, وكالات الصور".
- تحديد الاتجاه العام الذي ستأخذه مادته، والموقف الذي ستكون عليه كتابته, وذلك في ضوء المواءمة بين رؤيته الخاصة وسياسة الصحيفة، والصالح العالم، والقراء الذين ينتظر أن يقبلوا على قراءتها.
2- الخطوة الثانية: "تنظيم المادة" 3 وأهم معالمها:
- ترتيب الفكرة الأساسية والأفكار الفرعية وما يتصل بها من عناصر.
- استبعاد بعض العناصر الضعيفة أو القلقة.
- استبعاد بعض المعلومات أو المادة الإخبارية غير الدقيقة.
__________
1 "Preparation".
2 "His eye for Article".
3 "Organization".
(1/237)

-تأجيل بعض جوانب التناول لبعض الأفكار أو العناصر حتى تتاح فرصة تغطيتها والحكم عليها.
- تحديد أهم معالم الكتابة والشكل الذي سيأخذه المقال "نهر واحد, فقرات, فقرة واحدة كبيرة وأخرى صغيرة ... إلخ".
- تحديد عنصر البداية.
- أو تحديد فقرة البداية وتنظيم الفقرات نفسها "الأولى, الثانية, الثالثة ... إلخ".
- تحديد واضح للموقف من "النهاية".
3- الخطوة الثالثة: "كتابة المقال" وأهم معالمها:
- كتابة عنوان اللافتة "كإرشاد لسكرتير التحرير".
- كتابة العنوان الرئيسي الثابت "إن كان هناك".
- كتابة اسم المحرر "لمعلومية سكرتير التحرير وحتى يمكن جمعه أو كتابته خطأ أو غير ذلك".
- كتابة العنوانات المتغيرة على النحو الذي تعوده الكاتب ووفق النظام الذي جرى الاتفاق عليه.
- كتابة المقدمة على النحو السابق أيضًا، ويفضل كتابة مقدمة "احتياطية".
- كتابة العنصر الأول، أو الفقرة الأولى.
- كتابة العنصر الثاني، أو الفقرة الثانية.
- توالي تحرير الفقرات حتى فقرة النهاية.
-أو كتابة المقال -كنهر واحد- بما يتضمنه من شواهد وأمثلة ومناقشات وآراء وشروح داخل إطار أحد القوالب الفنية التي سبقت الإشارة إليها، أو باستخدام الطرق الإبداعية الأخرى.
- ضمان تغطية كافة العناصر، مع المحافظة على وحدة الفقرة أو المقال كله "الوحدة الموضوعية".
- وبمراعاة القالب الفني المناسب وعبارات الربط والمفاتيح التمهيدية المختلفة.
(1/238)

4- الخطوة الرابعة: "المراجعة" وأهم معالمها
- استبدال عنوان بآخر.
- تغيير نوع المقدمة إلى نوع أكثر صلاحية، أو تعديل بعض جوانبها، أو اختصارها، أو الإضافة إليها "في حالة وجودها".
- تقديم أو تأخير فقرة من الفقرات.
- تغيير عنوان إحدى الفقرات.
- حذف أو تعديل فقرة غير مناسبة أو يكتشف الكاتب بعض جوانب ضعفها.
- حذف أو إضافة بعض العبارات أو الجمل "القلقة".
- التأكيد من صحة بعض الآراء أو المواقف الواردة أو بعض جوانب الخاتمة.
- الاطمئنان إلى تغطية كافة العناصر وعدم نسيان عنصر هام من بينها.
- الاطمئنان إلى الوصول للنتيجة المرجوة والتي يحس القارئ معها بجدوى قراءته للمقال.
- الاطمئنان إلى أن طول المقال وعدد صفحاته وسطوره "تقريبًا" مما يناسب المساحة المتاحة التي تعودها الكاتب.
- تصحيح بعض الأخطاء النحوية والبلاغية التي تكون قد تسللت إلى مادة المقال.
- تصحيح بعض الأسماء والمعلومات على النحو السابق.
على أننا نضيف هنا هذه النقاط المهمة المتصلة بالخطوات السابقة نفسها وهي:
- أن من الضروري اختيار الفكرة الجيدة "الخصبة" و"الطازجة" والتي تكون صالحة للتناول ولتقديم ما يصلح للكتابة المجدية, وما يمكن أن يقال في إطار مقال صحفي ناجح ومسئول ... وفكرة المقال هنا، مثل "البذرة" التي يمكن أن تثمر "محصولا" أو "حصيلة" وافرة من المادة المقالية ومرورا بالمعلومات والأخبار والآراء، وحتى النتائج المؤثرة.
- أنه يمكننا أن نطلق على الخطوات الأربع السابقة تعبيرات تعليمية تجعلها أكثر سهولة وتتلاءم مع أهم ملامحها وهي:
- الخطوة الأولى - خطوة التفكير.
- الخطوة الثانية - خطوة التصميم.
- الخطوة الثالثة - خطوة التنفيذ أو "البناء".
- الخطوة الرابعة - خطوة الاختبار والتحقق من الاكتمال.
وهكذا ...
(1/239)

* كما لا يمكن لنا أن نتجاهل خطوة أخرى هامة تتبع الكتابة والمراجعة وتسليم المقال إلى المسئول عن ذلك في الوقت المحدد بدقة.. أو قبله، وليس بعده، تلك هي خطوة "المتابعة".
والمتابعة هنا تنقسم إلى قسمين:
- متابعة قبلية: أي متابعة قبل نشر المقال، وهي هنا أقل منها أهمية بالنسبة لمتابعة "المحرر لموضوعه أو لحديثه أو قصته أو تحقيقه الصحفي؛ لأن سكرتير التحرير يعرف تماما موعد نشر المقال حسب "خريطة المقالات" ولأن الكاتب قد تعود الحجم الصحيح والطول المناسب، كما أن من النادر استخدام بعض الصور أو الخرائط إلى غير ذلك كله من أمور تجعل من الأهمية وجود هذه المتابعة القبلية, التي تتطلب وجود كاتب المقال للقيام بمثل هذه العمليات "الحذف, الإضافة, كتابة كلام الصور ... إلخ"ولكن في أحيان قليلة تزداد الحاجة إلى مثل هذه المتابعة, خاصة في مثل هذه الأحوال:
- تطور مفاجيء في موضوع هام يتناوله مقاله المكتوب, والذي سلم منذ وقت قصير، وربما الذي بدأ جمعه منذ دقائق.
- وقوع حدث هام تشغل مادته جزءا من صفحة المقالات، مما يحتم اختصار المقالات الطويلة اختصارا كبيرا يفضل أن يكون بيد المحرر نفسه.
- اعتراض "الرقابة" في بعض البلاد على نشر بعض أجزاء من المقال، أو على نشر المقال كله، مما يتطلب إعادة الاتصال بكاتبه لإجراء الحذف أو التعديل أو كتابة مقال جديد, حيث يكون لوجوده ضرورته.
- وقوع حدث هام وخطير يتطلب إرجاء أو تأجيل نشر هذا المقال كله، وتناول هذا الحدث الهام في إطار هذا المقال نفسه.
إلى غير هذه الأسباب كلها.
متابعة بعدية: أي متابعة تالية لنشر المقال, وحيث تمكن المحرر من الآتي:
- تناول ما سبق تأجيل تناوله في حلقة سابقة.
- طرح الجديد المتصل بأفكار هذا المقال وعناصره.
- اقتناص بعض الأفكار المقالية الأخرى التي توحي بها ردود القراء، ومكالماتهم الهاتفية وحطاباتهم.
(1/240)

- معرفة درجة تأثير أفكار المقال، وأيها كان أكثر تأثيرا من غيره ولماذا -البحث عن الأسباب- ومراعاة ذلك بالنسبة لمقالات أخرى قادمة.
- الرد الموضح والمفسر لما خفي من بعض جوانبه على عدد من القراء.
- الرد على بعض المقالات الأخرى التي تكون قد تناولته بالعرض أو النقد أو التعليق أو الهجوم.
- احتمال العودة إلى تناول بعض أفكاره وعناصره على سبيل الإضافة، أو تأكيد المعنى ودعمه.
- احتمال تحوله هو أو مقال آخر يتصل به إلى بداية حملة مقالية تؤيد أو تدعو أو تهاجم وضعا يستحق ذلك الموقف.
(1/241)

ثانيا: لغة المقال الصحفي
مدخل
...
ثانيا: لغة المقال الصحفي
أ- مدخل:
تنتسب لغة المقال الصحفي، وتقع ضمن حدود، وتقوم ضمن دائرة ما أطلق عليه العلماء والنقاد تعبير "المستوى الصحفي" تمييزا له عن "المستوى الأدبي" بصوره وأخيلته وبيانه وبديعه وألوان بلاغته الأدبية، وعلى سبيل الاختلاف بينه وبين "المستوى العلمي" بقواعده وقوانينه ونظرياته وموضوعيته وأرقامه, وما إلى ذلك كله.
و"المستوى الصحفي" هنا -المعبر عن لغة هذا الفن أو النمط التحريري- يعني أيضًا ذلك المستوى "العلمي" و"الاجتماعي" و"الوظيفي" من مستويات الكتابة عربية وغير عربية, وذلك منذ وضحت قوة "وسائل الاتصال" وتطورت تطورا كبيرا, كان له تأثيراته العميقة في قيام ونمو هذا المستوى نفسه، بل وفي اعتراف اللغويين به -أي: بلغة الصحافة- كنمط من أنماط اللغة المعاصرة، يجتمع حوله، ويطالعه، ويفهمه ملايين القراء في العالم كله، وملايين القراء العرب أيضا.
بل إن الرأي الذي يقول إن لغة الصحافة عامة تمثل كل المستويات السابقة، أو كل الأنماط اللغوية: أدبية، وعلمية أو صحفية، هذا الرأي -في واقع الأمر- لا يبتعد عن الحقيقة كثيرا, وذلك بالنسبة للمادة الإخبارية، أو المقالية, وإلا فما معنى هذه الأخبار العلمية في مجالات الطب والذرة والفضاء والفلك، والعسكرية
(1/241)

والاقتصادية والزراعية وغيرها، بنشرها ليس في حدود وأطر أبوابها وزواياها أو "صفحاتها المتخصصة" وإنما على الصفحة الأولى نفسها؟ وما معنى ذلك أيضا بالنسبة لهذه الأبواب؟ ثم ما معناه -في النهاية- بالنسبة للمادة المقالية المتنوعة، والمختلطة؟
بل إننا نرى -في هذا المجال- أنه إذا كانت لغة الصحافة عامة تمثل هذه المستويات أو الأنماط الأدبية والعلمية -معا- فإن أقربها إلى هذا التمثيل هي "لغة المقال الصحفي" على وجه التحديد ولكن كيف؟
ذلك لأنه من المستبعد تماما أن يقوم محرر "الخبر الصحفي" أو المادة الإخبارية بشكل عام، بدعمها وتذويقها وتلوينها وتصويرها بألوان الصور والأخيلة وأنواع المجاز والكناية والتشبيه والاستعارة ووصف الأحداث وصفا شاعريا أو رقيقا أو مدعما بضروب الشعر أو الخطب أو المأثورات.
ومن المستبعد أيضا أن يقدم الوقائع والتفاصيل في لغة جافة جامدة عقيمة تقوم على المصطلح وتستند إلى القانون والنظرية وتزخر بالمعادلات والتطبيقات وغيرها.
ومن المستبعد كذلك، أن يفعل الثاني، ما يمكن أن يفعله -على وجه الدقة- ذلك الذي يقوم بتلوين وتذويق وصباغة مادته, ولا ما يفعله الأول بالنسبة للمادة الإخبارية.
ولكن الأخير -كاتب المقال- يحاول أن يأخذ من كل ذلك بطرف، مما يفعله محرر "المادة الإخبارية" ومما يفعله "المحرر العلمي" مع أهمية المواءمة بين ذلك كله وبين "نوعية المقال الصحفي" الذي يكتبه, بمعنى أن بعض أنواع المقالات تقبل من هذه وتلك قدرا ضئيلا ولكنه ملموس، والبعض الآخر يقبل قدرا معقولا ويشعر به القراء تماما, ويقبلون عليه، والبعض الثالث يقبل قدرا مضاعفا من "الذوق الأدبي" و"النغمة العلمية" أو يجمع بينهما في إطار صحفي واحد، وفي نسيج لغوي صحفي معبر، اعترف به اللغويون أنفسهم، ولكن ليس بالقدر الذي يحول المقال كله إلى مقال أدبي أو علمي كامل, وإنما لمحرر هذا المقال وفي ضوء نوعية أو أخرى، أن يأخذ من العلم بنصيب ومن الأدب بنصيب أيضا.
(1/242)

ب- إضافة:
بل إنني -ومن خلال واقع نظري وتطبيقي فوق الصفحات نفسها- أذهب إلى أبعد من هذا الحد نفسه، لأقول: صحيح أن لغة المقال هي اللغة الصحيفة أولا، لو أن مستواه هو "المستوى الصحفي" والذي قلت إنه يجمع في أحوال كثيرة وصور عديدة، وأكثر من غيره من المستويات بين عدد من خصائص المستويين الآخرين "الأدبي والعلمي" يتناسب شدة أو ضعفا مع نوعية المقال, ذلك كله صحيح، ولكن من قال، ومن يستطيع أن يدلل، أو يؤكد، أن هذا "المستوى الصحفي" نفسه عبارة عن شكل واحد فقط؟ أو نمط واحد فقط؟
إن نظرة فاحصة ومدققة، نحو المادة المطبوعة والمنشورة في مجموعها، ومن أول سطر حتى آخر سطر، على صفحات جريدة أو مجلة، مثل هذه الخطوة وحتى إن لم تتسم بقدر كاف من الدقة والتمهل، لتضع أيدينا -كباحثين ودارسين ومثقفين وقراء, وليس شرطا أن نكون من علماء اللغة عامة، أو البلاغة والأدب خاصة- على ملاحظة هامة تكاد ترتفع إلى مستوى "الظاهرة الصحفية" أو "الحقيقة" نفسها, تلك هي التي تقول، صحيح أن هناك "لغة صحفية" أو "أسلوبا صحفيا" ولكن هذه اللغة نفسها وهذا الأسلوب ذاته ليس مجرد شكل واحد فقط، وليس بنمط واحد أيضا، بل إنه لا يكون على نفس الطريقة، أو الطابع أو الصورة، بالنسبة لجميع الفنون والأنماط التحريرية الصحفية، حتى وإن انتسبت كلها، إلى هذه اللغة الصحفية، أو الأسلوب الصحفي، كفرع في شجرة اللغة عامة.
وإنما يمكننا كذلك أن نلاحظ أن نفس "المستوى الصحفي" يشهد ويتكون من هذه الأشكال والأنماط أو الصور "الأسلوبية" أو المستويات الصحفية الفرعية" كلها.
- المستوى الصحفي "الإخباري" البحت: للأخبار الصغيرة والمتوسطة والكبيرة قبل غيرها من المواد أو الفنون الأخرى.
- المستوى الصحفي "التسجيلي": ويمكن أن يطلق عليه أيضا "التقريري" وذلك تختص به أساليب تحرير القصص والموضوعات والتقارير الإخبارية أولا وقبل غيرها من المواد أو الفنون الأخرى، ويليها في ذلك بعض أنواع "الأحاديث الصحفية".
(1/243)

- المستوى الصحفي "التفسيري": وتختص به على درجة متقاربة بعض أساليب تحرير أنواع الأحاديث الأخرى، وبعض أنواع التقارير ذات الاتجاهات الحديثة في الكتابة، والتي لا يقتنع أصحابها بالجانب التسجيلي فقط، وكذا أساليب تحرير أجزاء من التحقيقات الصحفية, ولكن طابعه يغلب -قبل ذلك كله- على عدد من أساليب تحرير مقالات أو أجزاء من مقالات: "الافتتاحي الشارح المفسر, التعليق, التفسير, القائد الموقع, التحليلي".
- المستوى الصحفي "الوصفي": وهو "يتداخل" مع عدد من المستويات السابقة ويغلب على طابع وأساليب تحرير "الماجريات بأنواعها" وكذا بعض جوانب "الأحاديث, التقارير, التحقيقات" إلى جانب مقالات: "الأعمدة واليوميات الصحفية" خاصة تلك التي بمضمونها العام نحو: "الرحلات, الخواطر والتأملات, المناسبات, الاعترافات" قبل غيرها.
- المستوى الصحفي "المتأدب": على نحو ما يقول علماء اللغة "الأسلوب العلمي المتأدب" حيث يضفي المحرر هنا على كتابته مسحة من الأدب، أو قدرا من الذوق الأدبي، لا يزيد عن الحد المعقول كما يبدو ذلك من خلال طابع وأساليب تحرير بعض أنواع العنوانات والمقدمات والنهايات للأحاديث والتقارير المصورة والتحقيقات الصحفية عامة، وما يتصل منها بالمجلات خاصة، كما نشاهده أيضا ضمن مادة أو صلب هذه الأنواع، وكذا ضمن أساليب تحرير مقالات الأعمدة واليوميات الصحفية, خاصة ما يتصل منها بالجانب الذاتي.
- المستوى الصحفي "العلمي": وهو الذي يغلب -أو ينبغي أن يغلب- على طابع وأساليب تحرير "المحرر العلمي" و"المحرر العسكري" و"المحرر الاقتصادي" و"المحرر الزراعي" وغيرهم من محرري "المواد المتخصصة" بشكل عام.
- وأخيرا: المستوى الصحفي "العام": ويمكن أن يجمع فيه كاتبه بين أكثر من مستوى من المستويات الفرعية السابقة في مجموعها، أو بين هذه المستويات كلها، ولن يتحقق ذلك بالقدر المطلوب إلا على نطاق، وفي دائرة أو إطار عدد من الفنون والأنماط الصحفية المتميزة هي على وجه التحديد:
- التحقيقات الصحفية المتميزة خاصة "تحقيق المشكلات, تحقيق الدراسة
(1/244)

الصحفية, تحقيقات دراسة الشخصية"1.
- تحقيقات "الحملة الصحفية" أو "حملة التحقيقات الصحفية"2.
- المقالات القائدة الموقعة.
- مقالات اليوميات الصحفية.
- المقال التحليلي.
بشرط أن تجد التحقيقات الصحفية الأفكار التي تستحق، والمحرر الذي يقدر، أو مجموعة المحررين الذين يعملون "كفريق عمل" وأما الفنون والأنماط الأخرى، فمن الصعوبة أن يجمع المحرر أو الكاتب بين هذه المستويات الفرعية كلها، في إطار فن واحد منها.
ونضيف هنا، وكدليل على هذه النقطة الأخيرة بالذات, انفراد التحقيقات والمقالات بالمستوى الصحفي العام- أن ما ذكرناه عن "شمولية" و"موسوعية" كتاب هذه المقالات، وأن ما سوف نذكره عن المقالات نفسها -بإذن الله- يؤكد ذلك، وأما عن المادة الأخرى -مادة التحقيقات الصحفية- فبالإضافة إلى أنها أقرب أنواع الفنون والأنماط التحريرية إلى الفن أو النمط المقالي، وإلى حد اعتبار بعض المؤلفين لها أنها من نفس النوعية, وأنها "مقالات موضوعية" أو"مقالات وصفية" كما أشرنا إلى ذلك من قبل فإننا نقدم هنا ثلاثة أدلة تعريفية من بين عشرات تؤكد هذا المعنى نفسه "اعتمادها واتخاذها المستوى التحريري الصحفي العام الذي يجمع بين أكثر المستويات الفرعية الأخرى".
بالإضافة إلى أن التحقيق الصحفي عند محرر وأستاذ صحافة معروف هو: "معالجة ذاتية متميزة للجوانب ذات السجية العاطفية أو الدراماتيكية أو الشخصية - الجوانب التي تنطوي على جانب مثير للاهتمام الإنساني"3 أليس في ذلك ما فيه من اعتماد للمستوى الصحفي المتأدب والمستوى الوصفي، فضلا عن المستوى الإخباري، وحيث
__________
1, 2 رجاء العودة إلى كتابنا السابق "التحقيق الصحفي" صفحات 47, 50, 68, 75, 85.
3 توماس بيري، ترجمة مروان الجابري: "الصحافة اليوم" ص161.
(1/245)

يقوم كل تحقيق على خبر من الأخبار، وذلك بالإضافة إلى المستويات التحريرية الصحفية الأخرى التي يمكن أن يتضمنها التحقيق نفسه؟
ب- وأما "ف. فريزر بوند" فإنه يعطي بتعريفه معنى "شموليا" يؤدي مباشرة إلى إمكانية اتباع محرره لأكثر هذه المستويات التعبيرية الصحفية نفسها أو "مستويات البلاغة الصحفية" إذا صح التعبير وذلك كله عندما يقول: "لنفكر في عبارة التحقيق الصحفي كمصطلح مرن، فنحن نستطيع أن نجعله يمتد بحيث يشتمل على مواد صحفية كالمقالات والشعر والأقصوصة والقصص المسلية والأعمدة والنماذج والصور والرسوم الإيضاحية والمقطوعات الهزلية"1 وما دام التحقيق يمكن أن يتضمن بعض هذه المواد -ولا أقول كلها كما يقول نفس المؤلف- فإن من الطبيعي، بل من البديهي أن يعتمد هذه المستويات نفسها كأساليب تحريرية له "ومن الطبيعي أن هذا المؤلف لا يقصد أن يضم تحقيق واحد بين سطوره كل هذه المواد"2. وإن كان من الممكن أن يضم أكثرها تحقيق واحد كبير متميز من هذه النوعية التي أشرنا إليها.
جـ- كما يؤكد ذلك أيضا أن التحقيق: "يعطي القراء الحقائق في قالب مشوق -ينتقل إلى ما رواء هذه الحقائق عن طريق تدعيمها بدراسة أو بحث أو حديث- حيثما تقدم القصة الصحيفة الحقائق عارية يجعلها التحقيق الصحفي تأخذ طابعا دراميا ويمدها بمعلومات مسهبة تلهب خيال القراء"3.
.. بل إن وجهة نظرنا العلمية التي رددناها في أكثر من مكان والتي تقول بإن "التحقيق الصحفي" يعتبر "أبا" للفنون والأنماط الصحفية الحديثة، تؤكد هذه الاتجاهات والمفاهيم نفسها.
ونترك الآن هذا الفن، بعد أن أثبتنا أنه مثل المقال، وأنهما -وحدهما- يختصان بهذا المستوى التحريري الصحفي العام، الذي يؤكد بدوره أن المستوى التحريري الصحفي ليس واحدا.
__________
1 ف. فريزر بوند، ترجمة راجي صهيون: "مدخل إلى الصحافة" ص207.
2 محمود أدهم: "التحقيق الصحفي" ص19.
3 Batterson. H. M, "Writing and Selling Feature Articles" p.c."
(1/246)

وقبل أن ننتقل إلى جانب الشواهد والأمثلة على هذه "اللغة المقالية" بمستوياتها العامة نقول: سل أي محرر "كبير وممارس ومجرب" من الذين قاموا -خلال تاريخهم الثري- بالعمل في مجالات هذه الفنون والأنماط في مجموعها, تجده يقول لك: إنه صحفي نعم، محرر أيضا، ولكنه عندما يجلس إلى تحرير خبر من الأخبار يكون غيره عندما يجلس إلى تحرير "تقرير مصور" ويكون غيره أيضا عندما يجلس إلى تحرير "مقال تعليق" ويكون غيره حتما عندما يجلس إلى تحرير "مقال عمود" أو مقال "يوميات صحفية" هو في الأولى محرر أخبار يكتب بكل الاختصار والتركيز والدقة والسرعة والموضوعية وفي الثانية يسجل ويصف مع لمسة فنية أو بلاغية صحفية, وفي الثالثة دقيق وحذر ومفسر ولكنه في الرابعة والخامسة -العمود واليوميات- يكون أكثر حاجة إلى عنصر "الإبداع التحريري" لأنه يكون أقرب إلى الناس والانفعالات والتصرفات والدموع والضحكات, يكون أقرب إلى القلوب أيضا.
بل إن هذا المحرر نفسه قد يكتب في الصباح خبرا عن معركة صغيرة جرت على حدود بلده، بين أفراد من جيشه الوطني وبين عدو متسلل، يكتبها -خبرا- بكل الدقة والاختصار والموضوعية، مهتما بالوقائع نفسها وما أسفر عنه الاشتباك من نتائج, حتى إذا جلس إلى مكتبه يحرر عموده، قام خلال سطوره بوداع جاره الضابط البطل الشهيد في لغة مؤثرة، وأسلوب يأخذ بنياط القلوب، ودعا إلى تكريمه، وتكريم زملائه وقدم بعض صور شهامته ورجولته من خلال تجربة ذاتية معه, وإن شاء بكاه ورثاه وتوعد عدوه, كل ذلك بينما كان هذا الجار الصديق البطل مجرد سطر في خبر الصباح، معلومة أو حقيقة واحدة, مثل غيره من الحقائق والمعلومات والأسماء، وبصرف النظر عن الروابط المعنوية أو العائلية أيضا.
أي: إنه من الممكن جدا -وما لم يكن كاتب المقال أديبا أو فنانا في الأصل جرى انضمامه إلى أسرة تحرير المقالات بالصحيفة أو المجلة- من الممكن، خاصة في حالة كاتب العمود أو اليوميات الصحفي أصلا، أن تختلف لغته، وأن يختلف مستوى تعبيره في اليوم الواحد، وعلى صفحات العدد الواحد، من مادة لأخرى، ومن فن لفن، ومن نمط إلى آخر وهكذا.
وأضيف إلى ذلك أيضا، أنها ليست اللغة وحدها، وليس الأسلوب وحده، وإنما كل ما يمكن أن يعكس "إنسانية" المحرر، وروحه وحسه "المجتمعي"، وارتباطه
(1/247)

بأفراده حتى وهو وسط الأحداث الكبرى وسيطرتها الكاملة، وجلبتها التي تكاد تصم الآذان، حتى وهو مشغول بتتابع الوقائع الرهيبة، فإنه قد يعكس هذه الروح، وهذا الحس، في فكرة "مبدعة" ينسجها في خيوط مختلفة وكلمات مختلفة أيضا.
وقد عبر عن هذا المعنى نفسه، وعن هذه الحالة ذاتها -على سبيل المثال- وأبرز ذلك المضمون مقال عمودي نشر بصحيفة "الأهرام" القاهرية المصرية لحظة كتابة هذه السطور, يقول فيه صاحبه:1
مجرد رأي: ولد وبنت
استطاعت سيدة تسكن في منطقة الزاوية الحمراء نصف متعلمة, وربما كانت أمية لا تعرف القراءة والكتابة، أن تسبق كل مؤلفي ومخرجي أفلام الإثارة والخيال عندما قامت بحركة فريدة من نوعها تمكنت فيها من استبدال طفلة كانت معها بطفل كانت تحمله شقيقته..
عادت الشقيقة إلى البيت دون أن تدري ما حدث، ثم كانت المفاجأة الكبيرة للأم عندما كشفت الإيشارب عن وجه رضيعها "3 شهور" لتجد وجها غريبا غير وجه ابنها، ثم بعد عملية فحص سريعة لما تحت الملابس التي كانت وللعجب نفس ملابس ابنها اكتشفت أن الولد أصبح بنتا!
جرت الأم إلى قسم البوليس، وتم وضع الطفلة الجديدة في مركز رعاية الأطفال الموجود في المنطقة، وبعد يومين تم العثور على الطفل المفقود وأعيد إلى أمه, ولكن دون أن ينكشف لغز السيدة التي قامت بهذه العملية.
الضحية الآن هذه الطفلة التي تصرخ في مركز رعاية الطفل, من أبوها ومن أمها؟
في وسط الاحتفالات بذكرى حرب رمضان، ومحاولات عقد مؤتمر المصالحة بين الأطراف المتحاربة في لبنان، والتهديدات المشتعلة بإغلاق مضيق هرمز في إيران، جذبت
__________
1 صحيفة "الأهرام" العدد الصادر في 10/ 10/ 1983 عمود "مجرد رأي" للأستاذ صلاح منتصر "أنموذج رقم 1".
(1/248)

اهتمامي تفاصيل القصة الإنسانية الغريبة، في البداية كانت مشاعري مع أم الطفل المفقود، ثم عندما تم العصور عليه أصبح قلبي على الطفلة الضحية الآن في كل القصة.
إن وجهها -كما يبدو من صورتها التي نشرتها الأهرام أمس الأول- يبدو أجمل كثيرا من وجه الطفل الذي لم تنم أمه حتى عثروا عليه, مع ذلك لم تستطع هذه الأم أن تحمل الطفلة الجميلة وجرت تسلمها إلى قسم البوليس, إن المسألة ليست جمالا أو قبحا, إنها إحساس, والسؤال من هي الأم التي فقدت إحساسها بهذه الطفلة وتخلت عنها بهذه الطريقة؟
أن من الممكن ألا تكون السيدة التي ارتكبت جريمة الخطف والاستبدال هي نفس أم هذه الطفلة، من الممكن أن تكون قد خطفتها من أم أخرى, فأين هذه الأم المعذبة؟
من الممكن أيضا أن تكون نفسها أم الطفلة، ولكن زوجها مصر على أن يكون أبا لولد لا لبنت, نفس القصة أو المأساة القديمة.
- أي تفسير يمكن أن يقوله الإنسان لهذه العملية وأية مشاعر نفسية وإنسانية تعيش فيها الأم المجهولة؟
(1/249)

جـ- وإضافة أخرى:
على أننا نلاحظ أيضا، أن بعض الأقوال، لرجال "البلاغة" وعلمائها, تكاد تصدق -بالدرجة الأولى- على هذا الفن التحريري الصحفي، بلغته وأساليب التفكير فيه، والتعبير عنه, ومن هذه الأقوال على سبيل المثال لا الحصر:
- فنحن نذكر مثلا القول الشهير الذي يشير إلى أن: "الأسلوب هو الشخص نفسه" لنجد أنه يعبر عن كاتب المقال أولا، لا سيما مقالات الأعمدة واليوميات للصحيفة، بأنواعها المختلفة التي تعكس "ذاتية المحرر" وتصور أحاسيسه وانفعالاته، حيث يكون له أن يفعل ذلك، وليس كذلك محرر "الخبر الصحفي" والمادة الإخبارية عامة.
- ونحن نذكر أيضا قول "عبد الله بن المقفع"، الذي ورد ذكره سابقا -قصة المقال- عندما سئل عن البلاغة فأجاب قائلا: "الإيجاز هو البلاغة"1 وكذا قول الشاعر
__________
1 بكري شيخ أمين: "البلاغة العربية" جـ1 ص13-15 نقلا عن "الجاحظ".
(1/249)

العربي "عبد الله بن المعتز" الذي يصفها بأنها "البلوغ إلى المعنى ولما يطل سفر الكلام"1 حيث يشترك في ذلك محرر الأخبار، مع محرر المقال القصير أو مقال العمود بأنواعه المختلفة بصرف النظر عن اهتمامه الأول بعنصر الحدث ووقائعه، واهتمام الثاني بالأفكار والمعاني أولا.
- كما نذكر كذلك، ومما جذبنا إليه بشدة، سطورا من "درة كتب البلاغة العربية" ونعني به هنا كتاب "الصناعتين" يقول فيه مؤلفه2: "إن الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر، وإذا كان المعنى صوابا واللفظ باردا فاترا -والفاتر شر من البارد- كان مستهجنا ملفوظا ومذموما مردودا" وحيث يمكن أن تصبح هذه الكلمات بمثابة منار لكتاب المقالة لا سيما المقالات الوصفية ومقالات الرحلات والاعترافات والتجارب الخاصة وغيرها، تلك المقالات "الذاتية" أو التي يغلب عليها هذا الطابع.
- وقريب من ذلك، ومما جذبنا إليه أيضا، ومما يمكن أن يصدق على أنواع أو أنماط ومستويات الكتابة الصحفية بشكل عام، أو على "المستوى الصحفي العام" كما عبرنا عنه من قبل، قول أحد رواد تدريس البلاغة وهو يعدد خصائص الأسلوب البليغ: "وأن أبرز صفاته ترجع إلى ثلاث:
أولا: الوضوح، ثانيا: القوة أقصد التأثير، ثالثا: الجمال لقصد الإمتاع أو السرور3.
__________
1 المصدر السابق ص15.
2 أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، من الأهواز وعاش ببغداد والبصرة، عالم بالفقه واللغة والأدب والشعر وله غير "الصناعتين" العديد من الكتب من أشهرها: "جمهرة الأمثال" و"ديوان المعاني".
3 أحمد الشايب: "الأسلوب" ص45.
(1/250)

د- خصائص:
ومن خلال المقدمات السابقة في مجموعها، وتأسيسا عليها، لا سيما ما يتصل منها باختصاص هذا الفن الصحفي المقالي، أو هذا "النمط التحريري"، على اختلاف صوره وأشكاله ومضامينه، بما أسميناه "المستوى الصحفي العام" من مستويات التعبير اللغوي، وكذا من خلال اختصاصه بهذه "الأسس الفنية البلاغية" التي ذكرتها السطور القليلة السابقة وبعد "توظيفها" لا لتكون في خدمة البلاغة بمعناها الأدبي، وإنما بمفهومها "الاتصالي" أو "الإعلامي" الإنساني ومجاله هنا "المقال الصحفي".
(1/250)

أن هذه "الرسالة الإعلامية" أولا الموجهة من "فكر" محررها، وبقلمه إلى قراء الصحيفة أو المجلة, أقول من خلال ذلك كله نستطيع أن نضع أيدينا على أهم وأبرز خصائص "لغة المقال الصحفي" بشكل عام ودون تركيز على نوع أو آخر كما نلمح إلى مكوناتها وما يتصل بها من شواهد وصور عديدة.
1- أن لغة الكتابة هنا، هي العربية الفصحى "كقاعدة أساسية" وأن نسيجها هو النثر وأنه ينبغي على "كتاب المقالات" أن يحافظوا على ذلك تماما، على صفحات الجرائد والمجلات التي تصدر في مختلف الأقطار الغربية, وأن يواصلوا في ذلك دور الرعيل الأول من "الصحفيين الزعماء" الذين واجهوا أشد الأخطار حين أراد الاستعمار أن يزحزحها عن ميدان الفكر العربي الإسلامي الواحد كمخطط خبيث وبعيد المدى من أجل بذر بذور التفرقة، وتوجيه معاول الهدم نحو الدين الحنيف، والقضاء على التراث تحت دعوى كاذبة كان من بينها: "أن الحفاظ على اللهجة المحلية في الكتابة فيه ما فيه من الحفاظ على معالم الإقليمية التي تختلف من بلد لبلد, أن لكل تراثه وتاريخه المختلف, أن استخدام الفصحى قد حال بين العرب وبين العلوم الحديثة, وقلص من دور الإبداع والفكر المبتكر والمخترع عندهم, وأنها لغة صعبة في التعليم, وأنها تضيق من فرص انتشار الأدب العربي لقلة المتعلمين, وأن الكتابة تكون أكثر سهولة بلغة الحديث" أن لغة الصحافة عامة، والمقالات خاصة، يجب أن تنهض بهذا الدور نفسه، ولن يستطيع الكتاب ذلك إلا بمداومة الكتابة بهذه اللغة.
2- إلا أنها ليست اللغة العربية "المتقعرة" أو التي يتسابق الكتاب في ظلالها إلى حشو مقالاتهم بالكلمات "العقيمة" أو الألفاظ الغريبة، أو الوحشية، والتي تجعل القارئ يهرب من المقال إلى مادة أخرى تكون كلماتها وألفاظها أكثر سهولة وجزالة وسلاسة, أو -على الأقل- تجعله يبحث من آن لآخر عن معنى لفظ أو أصل كلمة، في بطون المعاجم وطي صفحات كتب اللغة, وإنما هي العربية السهلة الواضحة القريبة من فهم "أغلبية" القراء التي تنساب كلماتها دون صعوبة يحسها القارئ، أو تعنيد يسشعره.
3- تماما كما أنها العربية التي تثبت وأثبتت كل يوم أن في مقدورها، وأن باستطاعتها أن تجدد نفسها، وأن تستحيل إلى لغة "عصرية" فهي -فضلا عن عراقتها التي حفظت التراث الديني والثقافي، وعن كونها لغة القرآن الكريم الصالح لكل
(1/251)

زمان ومكان- نجد أن من خصائصها الفريدة، أنها استطاعت دائما وفي كل العصور، وحتى العصر الحالي مواكبة كل التطورات الحادثة، بما تحمله من تلك الخصائص والوسائل التي تمكنها من ذلك ومن بينها مثلا:
- الاشتقاق.
- القياس.
- النحت.
ومن خلال استخدام كتاب المقالات لهذه الوسائل اللغوية الفنية وغيرها، جرت دماء الفتوة والشباب الدائم، في جسد لغتنا العربية، وكان من الطبيعي أن تشهد ذلك صفحات الجرائد والمجلات عامة, ومواقع وأنهار وسطور المقالات خاصة، تلك التي شهدت الاحتكاك الحقيقي، والصدام المباشر بين اللغة، والفكر الحضاري الحديث, وحيث أمكن -من خلال التفاعل المستمر والتأثير والتأثر- إضافة "معجم جديد وعصري" إلى المعجم اللغوي التقليدي, يقوم على ما اشتقه الكتاب ونحتوه وراحوا يقيسونه، ثم يولدون منه الألفاظ التي سرعان ما تداولها الناس في كل مكان، وذلك بالإضافة إلى الألفاظ التي ولدتها الحياة الحديثة الواقعة نفسها، وإلى التراكيب التي يقوم هؤلاء أيضا بصياغتها, وإلى استخدامهم "العصري" لأبواب وأنواع البيان العربي.
وفي حفاظ كتاب المقالات على هذا النهج القويم، وفي استمرارهم عليه، ما يدعم اللغة العربية، ويزيد من قوتها وارتباط فكر القارئ وثقافته بها وعنها.
4- ومن هنا فنحن لا نرى غضاضة أو حرجا أو عيبا في أن يستخدم كاتب المقالة هذه "اللغة الجديدة العصرية" التي نقدم بعض تراكيبها وألفاظها من واقع المقالات التي نشرت بصحيفتين عربيتين في الآونة الأخيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:
أ- فنحن نقرأ من بين سطور مقالة واحدة نشرتها صحيفة "الدستور" الأردنية هذه الكلمات والألفاظ والتراكيب والتعبيرات الجديدة العصرية التي لم يكن كاتب الجيل السابق يعرفها أو يعرف إليها سبيلا ومنها مثلا:
"رفاق السلاح, الاقتتال, تصفية منظمة التحرير, البدائل الجاهزة, روابط القرى, الساحة اللبنانية, الأصابع العربية, تمرير المؤامرة, الحوار الديمقراطي,
(1/252)

التصفية الدموية، ترسيخ الوحدة الوطنية، تعميق الحوار للوصول إلى الاختيارات الممكنة، الصف الفلسطيني، التمزق العربي، التشكيك، تتمركز، التنمية، الانطباعية، استقلالية القرار، النظام العربي، الأطراف الفلسطينية، قوى العمالة"1.
ب- ومن بين سطور مقالة واحدة كذلك نشرتها صحيفة "الشرق الأوسط" نقرأ هذه المشتقات والتراكيب والألفاظ التي أضيفت إلى القاموس اللغوي من باب الصحافة, عد أن اعتمدها عقل القارئ وعينه وسمعه:
"الفكر السياسي، الأطراف المتعارضة، الشعارات، القوات الدولية، القوات متعددة الجنسيات، تأمين التعامل الدولي، الإدارة الأمريكية، عدم الانحياز، قرار جماعي، القيادات الطائفية، التوزيع الطائفي، الكتاب، جبهة الخلاص الوطني، القوى الأجنبية، تحالف الانتظار، التعامل العسكري، التحالف الطائفي، الخيار السياسي"2.
5- بل إننا نؤكد أيضا، في ظلال الحقائق السابقة، أن هذا المعجم الجديد الذي أضافه كتاب الصحف ومحرروها، ويقومون بالإضافة إليه مع كل عدد جديد يصدر:
- يأتي متأثرا بالواقع السياسي الحدثي وظروفه وأحواله المتغيرة.
- ومتصلا بالتحول الاجتماعي أو بالتعبيرات التي يمر بها مجتمع من المجتمعات.
- ودالا على مقدرة وسائل الاتصال عامة والصحافة خاصة على دعم اللغة العربية والعمل على إثرائها.
- ومتفاعلا مع التطور الحادث في اللغات الأخرى.
ومن هنا كانت مسئولية كتاب المقالات أولا، وبقية المحررين ثانيا في أن يدعموا مقالاتهم, وأن يقوموا بإثرائها بمثل هذا الجهد, غير هيابين ولا وجلين, ومن حسن
__________
1 صحيفة "الدستور" العدد الصادر في 22 يوليو 1983 من الافتتاحية "رأي الدستور" ص1.
2 صحيفة "الشرق الأوسط" العدد الصادر في 7/ 10/ 1983 من مقال بقلم "إحسان عبد القدوس" ص9.
(1/253)

الحظ أن كتابنا وأن محررينا يقومون بهذا الجانب خير قيام.
6- ولكن لماذا تكون هذه مسئولية كتاب المقالات والمحررين أولا، ولماذا لا تكون مسئولية "المندوب الصحفي" في المحل الأول؟
ومن هنا نقول: بالإضافة إلى أن المسافة قريبة جدا بين عمل ثلاثتهم، وأن المندوب في صحافة اليوم هو المحرر نفسه, ويكون بعضهم من الكتاب أيضا، وبعد أن اختفت -أو كادت- دولة المندوبين الذين يركزون عملهم في الحصول على الخبر وكتابة أهم نقاطه أو إيداعها ذاكرتهم القوية الحافظة لكل التفاصيل، ثم الإسراع بها إلى أقرب تليفون، أو إلى محرر يعرف كيف يكتب، أو إلى "المحرر المراجع" يقدمون له ما جمعوا ليقوم هو بتحريره, وهي فترة شهدتها الصحافة المصرية والعربية, بالإضافة إلى ذلك:
- فإن هذه التراكيب والمشتقات والألفاظ الجديدة تثبت وتتأصل في ميدان المقالة قبل غيره من الميادين.
- ولأن كتاب المقالة هم الأقدر على التعبير عنها ووضعها في مكانها الصحيح والدقيق أيضا أو هكذا ينبغي أن يكون الحال.
- ولأن قراء المقالات أيضا هم في أغلب الأحوال من الفئة المثقفة أو القائدة، وحيث تنتقل هذه "المفردات الجديدة" على ألسنتهم وتصبح قابلة للتداول، ومن ثم تنتقل إلى الأوساط الأخرى, حتى تستقر -في النهاية- على صفحات المعجم نفسه.
7- وبالإضافة إلى ما سبق بالنسبة لمقال صحيفة "الدستور" ومفرداته الجديدة التي جاءت متأثرة بالأحداث الفلسطينية، ولمفردات مقال صحيفة "الشرق الأوسط" التي جاءت كذلك متأثرة بالأحداث اللبنانية, نقدم عددا من المفردات الأخرى من تلك التي:
- أفرزتها حرب أكتوبر رمضان 1973م/ 1393هـ وما تبعها من أحداث ونتائج.
- أو إخراجها من الظل ونفضت عنها غبار الركود وقلة الاستعمال أو محدوديته.
- وأعطت لها أكثر من بعد جديد وأمدتها بحياة جديدة.
- أو خرجت بها من نطاق الاستخدام العلمي أو العسكري المحدود إلى الاستخدام العام.
(1/254)

- ثم إضافتها من باب الصحافة والمقالات إلى القاموس العام، أو وضعتها في مكان جديد وبارز, لم يكن لها به عهد من قبل, على صفحات المعجم اللغوي نفسه.
أنها من مثل هذه الصور والتراكيب والمشتقات والألفاظ كلها وغيرها وأكثر منها:
"الاستيطان، إطار السلام، مسيرة السلام، روح الاتفاقيات، القوة متعددة الجنسيات، حرب يوم الغفران، العبور إلى النصر، المستوطنات، حرب الاستنزاف، القنابل العنقودية، قرار الحرب، الساتر الترابي، مستوى الأداء، الروح القتالية، الحظر البترولي، أزمة الطاقة، التطبيع، الدشم، النقط الحصينة، سام 6، 7، الصاروخ المضاد، الدفاع الجوي، الحرب الإليكترونية، المانع المائي، مرحلة السلام، القدرة القتالية، جسر جوي، غابة الصواريخ، الضربة الجوية، الشراك الخادعة، المانع الصناعي، المانع الطبيعي، التشويش الإليكتروني، صواريخ أرض/ أرض، صواريخ أرض/ جو، فصل القوات، الدفرسوار، فك الاشتباك، روح أكتوبر، إرادة القتال، الطيران المنخفض، الشرارة، الضربة الأولى، القوات الخاصة، عملية السلام، تطوير الهجوم، أجهزة الاستكشاف، المظلة الجوية، خطة الخداع، ضربة الإجهاض، مصيدة الطائرات، نقطة الصفر، الثغرة، الرماية الصاروخية، صاروخ الكتف، الرأس المتفجرة، المرونة التكتيكية، هوك، كروتال، تنويع مصادر السلاح، لنشات الصواريخ، المعابر، تجريف الرمال، خط بارليف، تصفية الثغرة، زلزال السلام، نجمة سيناء، ملحمة العبور، حائط الصواريخ، الأداء العسكري، المؤسسة العسكرية، المبادرة، تحريك القضية، اللاسلم واللاحرب، المضايق, التمركز، قنص الدبابات، طاقم الاشتباك, رءوس الجسور, الأطقم الأرضية, أسراب الدبابات, مجموعة القتال ... " إلخ.
8- على أن هذه المفردات التي اعتمدتها الصحافة، وأصبح من حق كتاب المقالات استخدامها والحرص على ذلك، والإضافة إليه لم تتوقف، ولا ينبغي لها أن تتوقف عند هذه المفردات والصور والتراكيب العسكرية والسياسية فقط، وإنما أضيف إلى هذا المعجم اللغوي نفسه كلمات وتعبيرات وتراكيب وألفاظ أخرى متنوعة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
"العقل الأليكتروني، الخط الساخن، المايكروفيلم، التقنية، التنمية، تجريف,
(1/255)

تجريم، ترشيد، تقنين، تكريس، الأمن الغذائي، تلوث الهواء، التوثيق، التكامل، الكوادر، المتغيرات, أزمة الطاقة، حوار الشمال والجنوب، الآثار الجانبية، تدويل، تكريس، الأيديولوجيات، الفيديو، شرط التسجيل، حزب البعث، منظمة التحرير، الصيغة اللبنانية، الهيكل التمويلي، لجنة السياسات، المدعى الاشتراكي، مجلس التعاون الخليجي، الموازنات، الانفتاح، بنوك الاستثمار، مؤتمر المصالحة، محكمة القيم، تنظيم الأسرة، التأمينات الاجتماعية، قوة التدخل السريع، الحسابات الدولية، الميكنة الزراعية، الآلة الحاسبة، أمراض العصر ... إلخ".
9- وبالمثل وعلى الرغم من اعتراضنا الكامل على ألا تكون العربية الفصحى هي الأصل في تحرير المقالات, وهي الأساس الذي تقوم عليه دعوتنا إلى أن تكون هي لغة هذا الفن التحريري الصحفي، وكل فن صحفي آخر, على الرغم من ذلك إلا أنه يمكن للكاتب أن يستعين من وقت لآخر ببعض الكلمات العامية, تلك التي ينبغي أن تكون وفي وضوح وصدق كامل نقول:
- مأخوذة عن "مثل شعبي" شهير، أو تمثل هي هذا المثل نفسه.
- أو تمثل حكمة أو جزاء من حكمة يعرفها القراء.
- أو تكون شطرا من بيت شعر شعبي "زجل" يحسن الكاتب اختياره.
- أو عبارة جاءت على لسان بعض من يتحدث عنهم المقال.
- أو يقدر المحرر أن هذه الكلمة أو العبارة الشعبية أو العامية سوف تكون أكثر وقعا بين من ينتظر أن يجذبهم المقال.
- أو تكون لها "جاذبيتها" و"تشويقها" ودلالتها.
على أن يكون ذلك في الأحوال النادرة فقط، ودون إسراف في ذلك، أو حشد لأكثر من عبارة أو جملة, أو لفقرة من الفقرات، فإن ذلك ما لا نوافق عليه.
ومن هنا فإن باستطاعة كاتب المقال أن يستخدم مثل هذه الألفاظ والتعبيرات والتراكيب الشعبية أيضا في "متن" مقاله، أو كعنوانات رئيسية متغيرة للأعمدة أو للفقرات.
"قليل البخت يلقى العظم، يا سلام، حسنة وأن سيدك، الكعكة في إيد اليتيم، على باب الله, مش معقول، خالف تعرف، يا صبر أيوب، أنت وبختك,
(1/256)

القرش الأبيض، تيجي تصيده.. يصيدك، بس يعيش، من العشم، من رضى بقليله، من قدم السبت، اللي يبص لفوق، يا نايم الليل كله ... إلخ".
10- وبالمثل، ومما يقترب من هذا الموضوع نفسه نقول, وكما يكون على كاتب المقال أن يستخدم هذه "المفردات" الحديثة التي أفرزتها الأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية بواقعها الجديد، وأن يدعمها ويضيف إليها ما يمكنه من ألفاظ وتراكيب ومفردات أكثر جدة ودلالة على هذه "المتغيرات" كما يكون عليه أن يستخدمها الاستخدام "الوظيفي" الأمثل من خلال مقالاته، فإنه وبنفس الدرجة، يكون عليه أيضا ألا يعود إلى الوراء لاستخدام ألفاظ ومفردات قديمة أسدلت عليها ستائر النسيان، وكادت تختفي أو اختفت فعلا من صفحات "المعجم" الجديد, ومنها على سبيل المثال:
"نظارة، الحقانية، البلدية، وزارة الحربية، دولة ... باشا، مدير المديرية، القطر المصري، الأستانة، وزارة الأشغال، الديار المصرية، المحاكم الأهلية، رئيس قلم، وزارة المعارف العمومية، قومندان، أمير البحر، مكاتب، معتمد فرنسا، مفوضية، نجد والحجاز، الخليج الفارسي، الباب العالي.. إلخ". إلا إذا كان يكتب مقالا تاريخيا، أو يتناول موضوعا بهذا الشأن.
11- وما دامت العربية الفصيحة، في غير إغراب أو مغالاة، هي لغة المقال الصحفي الأساسية فإن لغة المقال، كمطلب وشرط أساسي- يجب أن تتوافر فيها عدة شروط من
زاوية "قواعد اللغة" أو ما اصطلح على تسميته بـ"النحو" ولا نقصد بذلك أن يكون الكاتب عالما في النحو والصرف، أو منافسا لرجاله ولا نريد أن نكبله أو نقيده بمطالب "النحاة" أو "غلاة النحاة" وإنما نقول إن عليه فقط أن يعرف السبيل إلى الكتابة الصحيحة نحو السابعة من حيث بنيتها المتصلة بتركيبها، وألا يخرج عن هذه "الخواص الشكلية" التي تمثل هذه القواعد، والتي يعد الخروج عليها من قبيل الخطأ كما عليه أن يتجنب الأخطاء الشائعة.
وقد يقول قائل لم هذا الشرط أو المطلب، وهناك قسم التصحيح؟
ونقول نعم: هناك هذا القسم برجاله الأكفاء، ولكن "مستوى" كاتب المقال وموقعه، وطبيعة عمله تجعلنا نطالب بذلك، بالإضافة إلى ريادته ومبررات اختياره
(1/257)

للقيام بهذا العمل, وإلا فإن "المأساة تكون مدمرة إذا استمر ذلك طويلا بالنسبة لسمعة الصحيفة"1 وهو أيضا, الكاتب نفسه وليس معنى ذلك -بالطبع- أننا نقر أخطاء الآخرين، أو نوافق عليها -محرر الخبر مثلا.
وإنما نقول وندعو إلى أن يكون محرر المقال أشد حرصا على صحة لغته، وأكثر حفاظا على قواعدها وخصائصها، ولن يتحقق له ذلك إلا بالاقتراب منها والاقتراب الشديد أيضا, حيث يجد فيه ما يمكن أن يقيه عواقب الزلل، وأن يعصمه من مغبة الخطأ.
12- على أننا في نهاية هذا التناول للغة المقال الصحفي وطبيعتها وخصائصها إنما نتوقف عند عدد من النقاط الهامة التي تتصل بالموضوع نفسه عن قرب، وذلك لأنها تستحق مثل هذه الوقفة المؤكدة، والمدعمة لما سبق تناوله:
- فليس معنى قولنا إن كاتب المقال الصحفي -خاصة الأعمدة العامة ومقالات اليوميات والخواطر والتأملات والتجارب الخاصة- يكون أكثر حاجة من غيره من الكاتبين إلى "المستوى الصحفي الوصفي" وكذلك إلى "المستوى الصحفي المتأدب" بما يترتب على ذلك أو يقوم من جمال في العرض ورقة وعذوبة في الأسلوب، ليس معنى ذلك أن يستمر في الشوط حتى نهايته ودون رابط أو ضابط من طابع أو معالم أو نظام وإلى الحد الذي يتقمص فيه شخصية "الأديب الكامل" بكل ذاتيته وكل الصدق في تبيان أحاسيسه أو الجموح في عواطفه أو الغلو في انفعالاته، أو أن يرتدي جميع ثياب الأديب بألوانها وزخارفها وبهرجتها أو أن يكون له مثل خياله وأحلامه ورؤاه الإبداعية الابتكارية, أو تلك "اللغة" وهذه "المفردات" وأنواع "التراكيب" التي تستحق أن تكون ضمن سطور كتاب أدبي، أو نقدي، أو علمي يكتب للخاصة وحدهم, أم نقصد نحن إلى ذلك، ولم تتطرق أمثال هذه المعاني إلى ذهننا, وإنما كان قصدنا بالدرجة الأولى، والذي ألمحنا إليه خلال الصفحات والسطور السابقة:
- أن يستخدم "المستوى الصحفي المتأدب" ولم نقل المستوى الأدبي الكامل أو "البحت".
__________
1 جون هونبرج -ترجمة ميشيل تكلا: "الصحفي المحترف" ص126.
(1/258)

- وأن تكون استعانته ببعض صور وأساليب وخصائص "المستوى الأدبي" محدودة ودون تهافت عليها أو مغالاة فيها.
- وأن يكون ذلك لغرض "وظيفي" أولا وليس لغرض جمالي بل يكون الجمال هنا في خدمة وبهدف "توصيل" أفكار الكاتب إلى القراء.
- وأن يغلب على هذا الاستخدام طابع الارتباط بوحدات التحرير الفنية الأولى قبل غيرها, وهي هنا العنوانات بأنواعها والمداخل والمفاتيح والمقدمات ووحدات الربط, قبل غيرها من الوحدات الأخرى التي تتصل بالنص نفسه الذي يكتفي بشأنه بخصائص "البساطة، والوضوح، والإيناس والاختيار الجيد للكلمة، والدقيق أيضا" وذلك في أغلب الأحوال وأعمها.
- ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن استخدام بعض الألفاظ والتراكيب والمفردات العلمية, أنها القريبة من فكر القراء، والتي أصبحت متداولة بسهم.
- ومثله يقال أيضا عن "الاختصارات" الشائعة والمفهومة، حيث لا إفراط ولا تفريط.
- ومن هنا يثور سؤال آخر, يتسم بالواقعية: فكيف لي أن أعرف درجة انتشار لفظ من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب، أو كلمة من الكلمات؟ كيف لي أن أعرف أن هذا التعبير يكون قريبا من فكر القارئ؟ وأن الآخر يكون بعيدا عنه؟
- والإجابة على ذلك سهلة ميسورة، وإن كانت تدعمها الخبرات والتجارب والممارسات, أنها تلك التي تقول بأن عليك أن تضع نفسك مكان القارئ العادي في أي مكان يكون، وفي أي موقع يعمل على كل المستويات والأساليب، فالقارئ كل قارئ هو "المستهدف" أولا، وبالدرجة الأولى من وراء هذا الجهد العقلي والكتابي الذي تقوم به.
- ومن هنا نقول ونؤكد أن أسلوبك البليغ هنا، هو ذلك المتوجه إليه، إلى كل القراء، في كل الأماكن على اختلاف مستوياتهم الفكرية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، بل والاقتصادية كلهم هؤلاء الذين ينبغي أن يجذبهم مقالك، وأن تشدهم كلماتك، وأن تربطهم بها مفرداتك وتعبيراتك, ومن ثم فهي هنا "بلاغة عملية" و"بلاغة وظيفية" و"بلاغة اجتماعية" أيضا إذا صح التعبير.
(1/259)

بل لماذا لا نقول إنها بكل هذا التوجه، وتأسيسا عليه، تكون في معناها الأكثر دقة "بلاغة صحفية" أو "بلاغة الأسلوب الصحفي" التي تقف إلى جانب "البلاغة" بمعناها الأدبي، القريب من الأذهان؟
- ولعل أمثال هذه المفاهيم هي التي كانت تقوم في أذهان عدد من الكتاب والمؤلفين من العرب والأجانب عندما كتبوا يقولون، على سبيل المثال لا الحصر:1
- ما يقوله استأذنا -د. حمزة- في هذا المجال من أن المقال الصحفي: "ينبغي أن يكتب باللغة التي يفهمها أكبر عدد ممكن من الشعب على اختلاف أذواقهم أو أفهامهم أو بيئاتهم أو ثقافاتهم, وهذه اللغة هي اللغة القومية في صورة من صورها تمتاز بأشياء منها البساطة والوضوح والإيناس واللفط والرشاقة تنأى ما أمكن عن صفات التعالي على القراء أو التقعر أو الغرابة في الأسلوب، أو المبالغة في التعمق الذي لا تقبله طبيعة الصحف بحال من الأحوال"2.
- ويقول مؤلف آخر: "لأن القراء أو جمهور المستقبلين ليسوا قطاعا واحدا من الناس؛ ولأن الصحفي يكتب لكل الناس في كل الأوقات, وليس لجزء من الناس في كل الأوقات أو لكل الناس بعضا من الوقت، فإنه يجب عليه أن يجاهد لتحقيق هدف عام وهو جعل رسالته مفهومة لدى الجميع"3.
- ويقول ثالث: "ولغة الصحافة ليست لغة فنية خاصة يمتاز بها مجموعة من الناس, بل هي لغة عامة يتفق من يستطيعون القراءة على فهمها، وما تقدمه لقرائها يجد طريقه ميسرا إلى لغتهم حين يكتبون أو حين يتكلمون، فليس غريبا إذن أن تكون لغة الصحافة أقرب إلى الأنماط السابقة تمثيلا للخصائص اللغوية, التي تميز العربية الآن"1 وحيث يصدق ذلك على "لغة المقال" في أغلب الأحوال.
__________
1 لمزيد من التفاصيل في هذا المجال نوصي بالرجوع إلى: "بين الأدب والصحافة، هموم كاتب العصر: فاروق خورشيد, اللغة والتطور: عبد الرحمن أيوب, البلاغة تطور وتاريخ: شوقي ضيف, اللغة الإعلامية: عبد العزيز شرف, الأسلوب: أحمد الشايب, البلاغة الغنية: علي الجندي.. وغيرها".
2 عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" ص289.
3 عبد العزيز شرف: "اللغة الإعلامية" ص79.
(1/260)

ثالثا: مؤثرات المقال
والمقالات تأسيسا على كل ما تقدم، واستنادا إليه، لا سيما ما يتصل بدورها ووظائفها والأهداف "النهاية" منها, المقالات هنا لا تعيش، ولا تبقى، ولا تنمو ولا تتطور, إنتاجا وتحريرا ونشرا وتسويقا، لا تفعل ذلك وحدها، أو وهي كالجزر الفكرية والصحفية المعزولة وإنما يعتبر "الواقع الفكري المقالي" في بلد من البلاد مرآة تعكس واقع هذا البلد نفسه بكل ما فيه ومن فيه، من اتجاهات وقضايا وعوامل تقدم أو تأخر، وشد أو إرخاء، وتنوير أو تعتيم, تماما كما تعتبر سطورها "ميدانا" أو "حلبة" ليس لتصارع الآراء والأفكار والمواقف والمشاعر والأحاسيس فقط، وإنما ميدانا للصراع من أجل "الوجود المقالي" أو قيام هذا الفن نفسه والمستوى الذي يكون عليه شدة أو ضعفا.
ومن هنا، فإن هناك عدة عوامل تتجمع في "سماء المقال" أو "على تربته" ليتأثر بها مقال أو آخر، ولتؤثر هي بدورها في "مجموع المقالات" التي تنشرها صحفها ومجلاتها, نعم إن "المناخ المقالي" يتأثر بدرجات ملحوظة، ويؤثر بدوره على واقعه، إنتاجا وتحريرا ونشرا وتسويقا بهذه المؤثرات أو العوامل كلها وبتفاعلها مع بعضها البعض واتصالها الدائم وارتباطها الوثيق أيضا, ذلك الذي يقرر في النهاية الصورة التي تكون عليها مقالات صحافتها.
أ- المؤثرات السياسية:
وهي عديدة، وتأثيرها بالغ، وتفاعلها مع "واقع" المقال شديد، كما أن العوامل الأخرى ترتبط بها أقوى ارتباط، بحيث تعكس -في النهاية- درجة هذا التأثير نفسه قوة أو ضعفا, أو تكون هي "المؤثر الأساسي" لا سيما بالنسبة لعد كبير من المقالات ذات الطابع السياسي، أو تلك التي يغلب عليها مضمونه، لا سيما المقالات "الافتتاحية, التفسير أو التعليق, الصحفي العام, المقال التحليلي.. إلخ" وليس معنى ذلك بالطبع أن أنواع المقالات الأخرى لا تتطرق إلى هذا الجانب السياسي، ولا تقتحم السياسة
__________
1 محمد حسن عبد العزيز: "لغة الصحافة المعاصرة" ص12.
(1/261)

مضمونها وليس معناه أيضا أن هذه المؤثرات لا تصل "بمفعولها" حتى مقالات الأعمدة أو اليوميات الصحفية, فهذه وتلك تتأثر بها أيضا بدرجات متفاوتة, ولكن تأثيرها على المقالات الأولى يكون أكثر وضوحا وأشد وقعا, وعموما فإن المؤثرات كلها -السياسية- يمكن اختصارها في "الموقف من الديمقراطية" فبقدر اقتراب البلد الذي تصدر فيه الصحيفة أو المجلة التي تحمل هذه المقالات إلى الناس، بقدر اقترابه فكرا وحكما وسياسة وطابعا منها، أو بقدر ابتعاده عنها، يكون هذا "الواقع المقالي" منذ لحظة التفكير في كتابة مقال من المقالات، وحتى لحظات مبيعها وقراءتها, ومتابعة آثارها, وحيث يكون الكاتب أو المحرر مشدودا بفكره إلى مظاهر هذا "الموقف من الديمقراطية" الذي تقفه بلده ونظام الحكم فيه وحكومته وسلطاتهو وحيث يترتب على ذلك كله أكثر من أمر تتصل بهذه الأشياء أو العلامات جميعها:
- اتخاذ قرار بالكتابة أو الهرب و"التقاعس" عنها.
- اتخاذ القرار باختيار الموضوع الذي يتناوله الكاتب.
- اتخاذ القرار بالموقف الواجب، والأسلوب الصحيح للمعالجة.
- الوصول إلى النتيجة النهائية.
- متابعة "ردود أفعال" ما كتب، وأصداء ما قال واستقراء آثاره.
على أن أهم "مظاهر" هذه الديمقراطية التي تؤثر إيجابا أو سلبا على "الموقف المقالي" هذه الصور كلها دون أن يعني ذلك أنها يمكن أن تتجزأ, وإنما هي واحدة في ضمير الأمم والشعوب انطلاقا من قاعدتها الأساسية التي تقول بحكم الشعب نفسه، ولخيره في ظل الحرية والمساواة والحياة النيابية الصحيحة, إن أهم مظاهرها المؤثرة في الواقع المقالي هي:
- الحرية السياسية: وهي المظهر الأساسي أو الأصل والجوهر في قيام هذا النظام, وتعني هنا أن يكون الشعب هو مصدر السلطة وصاحب السيادة,. وأن تكون الحقوق السياسية متاحة ومقررة وواحدة بالنسبة لجميع المواطنين، كما يعني ذلك أيضا حرية تكوين الأحزاب وممارستها لنشاطها على قدم المساواة، إلى جانب كفالة حق العمل والمساواة في الحقوق الأساسية للجميع، بينما تكون الحكومة هي حكومة الأغلبية.
(1/262)

- الحرية الفردية: التي تشد أزر الأفراد وتجعلهم ينطلقون في مجالات العمل والإنتاج والبحث والاختراع والسياسة استنادا إلى إيمان السلطات بروح الفرد وكرامته وإدراكها لمكانته في المجتمع, واقتناعها الكامل بحقه في اتخاذ ما يراه صالحا له ولمجتمعه, وما يترتب على ذلك من حريته في الحركة والتعبير عن مصالحه.
- الحرية الصحفية: تلك التي يكون من أهم مظاهرها حرية الأفراد والأحزاب والمؤسسات في إصدار الصحف دون اعتراض من جانب السلطات، وحرية الكاتب في كتابة ما يريد من أفكار وطرح ما يشاء من آراء دون رقابة قبلية أو بعدية، وأن يكون ذلك حق لجميع الكتاب في الوطن الواحد الذي يستظلون بظله، أو -في أسلوب آخر- أنها حرية "جميع الصحفيين" دون تفضيل أو تمييز لكاتب على آخر بسبب انتمائه أو اتجاهه، كما أنها ليست بالطبع حرية رؤساء التحرير فقط، أو قادة التحرير دون غيرهم, كما يعني ذلك -عندنا- ألا يضار كاتب بسبب رأيه أو وجهة نظرة طالما أن الجميع يعملون بروح من الولاء للوطن والصالح العام وبدافع الرغبة في الإصلاح والتقدم والرفاهية المنشودة لشعب من الشعوب.
إن توفير هذا "المناخ الديمقراطي" يعني -بالضرورة- توافر "البيئة المقالية" الصالحة حيث يمكن للفكر المقالي الصحفي أن ينطلق بغير خوف أو قلق أو تردد، وبغير تهديد أو إرهاب، ومن هنا ومن خلال تلاحم هذا "الثلاثي الحر" أو "ثلاثي الحرية" يمكن أن تنطلق الأقلام، وأن تبرز المواهب الكتابية، وأن تنمو الملكات القادرة على الرؤية الصحيحة والصادقة والدقيقة لمشكلات المجتمع ولجوانب الصورة المختلفة، ومن كافة الزوايا والأبعاد.
إنها تلك البيئة التي لا تكتم أنفاس الكاتب، ولا تعمل على إخمادها أو تحاول بوسائلها المتعددة أن تخنق رأيه أو تغتال فكره, وبدلا من ذلك وكأسلوب واع بأهمية الصحافة عامة، والمقالات خاصة، وبطريقة "حضارية" و"ذكية" ومشرفة أيضا تمهد له السبيل إلى معرفة الحقائق والوقائع, وتقدم له المعلومات الصادقة والكاملة والدقيقة حتى يمكنه -وهو قادر على ذلك- أن يرى الحق حقا والصدق صدقا والباطل باطل والإثم إثما, وحيث يكون ذلك في صالح الديمقراطية نفسها, بل يكون في هذه الأقلام وفي هذا "الواقع المقالي الحر" الذي يسند فيه الكاتب ظهره إلى جدار الحرية القوي الصلد، يكون فيها تأييدا إيجابيا وفعالا للنظام نفسه، وحماية له ذاته
(1/263)

من كل أعدائه، وهم -حتما- أعداء الديمقراطية بكل ما تعنيه من قيم وما تسعى إليه من خير الوطن ورفاهيته, إذ ما أسهل أن يتسلل هؤلاء -أعداء الوطن والمواطن- في ظلال القيود وظلام القوانين المكبلة للحريات ووسط أغلال الكبت والتهديد ووأد الأقلام والأفكار واغتيال المشاعر.
وبالإضافة إلى هذه "العوامل" السياسية السابقة، تلك التي تدور حول "الحرية" كمؤثر أساسي وإيجابي، فإن هناك بعض المؤثرات أو العوامل السياسية الأخرى، التي تتدخل بشكل أو بآخر في تحديد هذا "الموقف المقالي" نفسه ومن أهمها، وباختصار شديد:
- حرص الشعب على ممارسة حقوقه الدستورية لا سيما حقه -المواطن- في الترشيح وإاعطاء صوته لمن يستحق.
- النظرة من جانب السلطات الأخرى التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى الصحافة عامة كسلطة رابعة شعبية, ولها دور أساسي في الرقابة والنقد والتوجيه السليم والموضوعي، بما في ذلك احترام آراء وتوجيهات كتاب المقالات.
- عناية الكثرة من القراء بالإقبال على صحف الرأي بما في ذلك الاهتمام بقراءة المقالات ومتابعتها ومناقشتها والرد عليها, والأخذ بها في الأحوال التي تقتضي ذلك إلى غير ذلك كله مما يدخل في باب انتشار "الوعي السياسي" المؤثر تماما في هذا "الموقف المقالي" تفكيرا وتحريرا ونشرا وتأثيرا.
ب- المؤثرات الفكرية:
ولأن المقال هو جزء من "النشاط الفكري" أو "العقلي" لأمة من الأمم، كما أنه يمثل -بشكل أو بآخر- صورة من صور "الإبداع" عند شعب من الشعوب، فإن واقعه يتأثر كذلك بتلك العوامل المؤثرة في فكر الأمة، وإبداع الشعب، في مجموعها، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، وبالإضافة إلى المؤثرات السابقة "السياسية".
1- المستوى "الثقافي" و"الفكري" عامة للشعب الذي تصدر الصحف والمجلات تحمل هذه المقالات من أجله، ومؤشرات هذا المستوى، بدءا من نسبة أعداد الأميين" به إلى غير الأميين، ومرورا بأرقام توزيع وسائل الثقافة والأدب والإعلام المطبوعة، ومدى إقباله عليها وتفاعله مع كتاباتها عامة ومقالاتها خاصة، وحتى الانبهار
(1/264)

والاحتفاء والترحيب بالإصدارات الجديدة، وألوان الإنتاج الفكري المختلفة.
2- انتشار "روح النقد" من أجل الأفضل والأحسن، وما يتصل بها أو ينبثق عنها من مظاهر "إيجابية" كانتشار المناقشات المتصلة بقضايا الفكر والثقافة، وحتى "المعارك الأدبية والفكرية" ومثل ذيوع "الجدل" بالحق، وليس بالباطل، دون أن يعني ذلك -بالطبع- تحولها إلى مناقشات "سوفسطائية" أو فلسفية عميقة، وإنما يكون الهدف الواضح أمامها هو صالح الفرد والمجموع والوطن كله والإنسانية جمعاء.
3- تشجيع السلطات القائمة لألوان الإنتاج الأدبي والعلمي والإعلامي, وعملها على إزالة المعوقات التي تعترض طريقه، وتحطيم القيود التي تقف في مواجهته لا سيما ما يتصل منها بمشكلات النشر وتوفير الورق وتوزيع الكتاب والصحيفة خارجيا, واستيراد الكتب والصحف والمجلات الأجنبية وتخفيف قيود الرقابة والجمارك عليها وعلى مستلزمات إنتاجها.
4- اهتمام البيت والمدرسة بتشجيع الأبناء والتلاميذ على القراءة المفيدة والمثمرة وتنمية عاداتها الصحيحة بشقيها "الميكانيكي" أو "الفسيولوجي" الذي يتركز في الإقبال على المادة المطبوعة والشغف بها والاستجابة لها, ثم بشقها العملي الذي يعني التعرف على معاني الكلمات والتفكير في مدلولاتها, والوصول إلى نتائج تتلاءم والمرحلة إلى يمر خلالها الابن والتلميذ, وحيث يشب مرتبطا بهذه العادة مقبلا عليها مما يدفعه إلى المزيد من طلب العلم والثقافة في بطون الكتب وعلى صفحات الجرائد والمجلات.
إننا -في هذه النقطة بالذات- نرى ارتباطا قويا بين القراءة والتعود عليها، وبين استقلال الفكر والرأي, وحيث يضع القدر الكبير من الثقافة الإنسان عند بداية الطريق نحو حرية التفكير, ولعل ذلك ليس ببعيد عن أقوال الرئيس الأمريكي "توماس جيفرسون" في أكثر من مجال ومن هذه الأقوال مثلا:
"أن من يقرأ هو الحر بعينه، ذلك لأن القراءة تطرد الجهل والخرافة, وهما من ألد الأعداء للحرية".
"حيثما كانت الصحافة حرة, وكل إنسان قادرا على القراءة فكل شيء في أمان".
ومن حق القارئ هنا أن يسأل، ولكن ماذا عن المعلومات التي تصل له عن طريق
(1/265)

"الكلمة المسموعة والمرئية" وحيث نكرر هنا أن سيطرة الكلمة المطبوعة ما تزال هي الأقوى، وأن سلطانها ما يزال هو الأشد، وأن تأثيرها على عقول الناس -خاصة من طبقة القراء الأكثر وعيا واستعدادا للتقدم- يكون أبرز من تأثير غيرها.
ويكفي -قبل ذلك كله- أن الحق تبارك وتعالى قد أمر أمره الإلهي "اقرأ" كأقوى دليل على أهمية الكلمة المقروءة بما تتضمنه من دلائل حق وعلامات صدق تبرز دور القراءة على حياة الإنسان ووجوده كله1.
5- اهتمام الحكومة بإنشاء "أجهزة الثقافة" خاصة "المكتبات العامة" والخاصة ومكتبات المرافق والمدارس والجامعات والمساجد، بما في ذلك توفير الكتاب الجيد الجذاب بنوعية ورقه الطيبة وطباعته المتميزة, وتقديم العون والدعم المادي في سبيل ذلك، ويتصل بذلك أيضا تشجيع الدول على تنظيم معارض الكتاب والمؤتمرات العلمية والثقافية وإقامة الأندية والروابط والجمعيات الأدبية والثقافية, إلى جانب أندية القراءة والاستماع وحيث ينبغي أن يسير ذلك جنبا إلى جنب وفي خط متواز مع اهتمامها برغيف الخبز وصحة الإنسان، وتوفير الدواء والكساء.
إن مثل هذا الاهتمام يدخل دائرة "بناء الإنسان" أو "بناء البشر" بما في ذلك من أمل كبير في مستقبل أكثر إشراقا، وفي وعي أكثر تطورا وفي إحساس أكثر بواقع الوطن يترجم إلى مزيد من العمل من أجله وفي خدمته.
6- النظرة إلى المؤلفين من جانب السلطات وأفراد الشعب كقادة فكر وكقادة اجتماع بما يؤدي إليه ذلك من تقدير وإعزاز ومراعاة لظروف عملهم الابتكاري, وما يتطلبه من حماية وتعضيد, وما يمتد إليه ذلك من ميادين وأبعاد كحماية حقوق التأليف وتوفير الإمكانيات المادية والإعفاءات الضرييبية, وتوفير سبل الراحة والحياة الكريمة لهؤلاء خلال سنوات عطائهم، وتأمينهم ضد العجز والشيخوخة والمرض بما في ذلك تقديم المعاش الكريم والعلاج السليم لهم.
__________
1 للاستزادة بهذا الموضوع ننصح بقراءة عدة كتب من بينها: "البيان والتبيين للجاحظ - لماذا نقرأ، لمجموعة من المؤلفين: دار المعارف,
How to Read A Newspaper.. وغيرها".
(1/266)

إن هؤلاء هم القاعدة الأساسية التي تقدم لنا "كتب المقالات" على اختلاف أنواعها, وإن تأثير هذه الأمور لكبير على فكرهم وإبداعهم، وعلى مستوى الوعي الثقافي والسياسي كله في نهاية الأمر.
جـ- المؤثرات الصحفية:
كذلك فإن "الواقع المقالي" هو جزء من الواقع الصحفي الموجود داخل جدران الصحيفة أو المجلة التي تنشر المقالات، وهذا بدوره جزء من الواقع الصحفي "الكلي" أو "الشمولي" الذي تمثله هنا الصورة التي توجد عليها صحافة بلد، أو صحافة آخر، بكل أبعادها، وظلالها وألوانها وحيث نجد قيام هذه المؤثرات الصحفية أو "المهنية" ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- تعدد الصحف والمجلات التي تصدر في بلد من البلاد أو قلتها, وكذا تعدد أفكارها وآرائها ومواقفها واتجاهاتها ومشاربها وحيث يؤثر ذلك -إيجابا أو سلبا- على الاهتمام بالمقال بنوعيته المختلفة وبكتابه أيضا، انطلاقا من المنافسة الشريفة، وصراع الرأي المطلوب والذي يثري الحياة الفكرية ويمدها بالحرارة والخصوبة، أو -في حالة عدم تعددها- يحكم عليها بالجمود والتوقف والركود الفكري المؤثر -سلبا- على هذا الواقع المقالي نفسه.
2- وحتى داخل الصحيفة أو المجلة الواحدة، فإن إعطاء الفرصة المتكائفة للكتاب من مختلفي الاتجاهات والمواقف والآراء، وعلى قدم المساواة وبدون تفرقة بين محرر وآخر أو حجبها عنهم، في ذلك ما فيه من تأثير إيجابي أو سلبي على الفكر المقالي المنطلق المتجدد المنشور بمزيد من الاهتمام والرعاية، أو المحارب، أو "المحجم"، والمحكوم برغبات واتجاهات رئيس التحرير وحده، أو صاحب الصحيفة وحده وهكذا.
3- طبيعة وسيلة النشر ذاتها والمدرسة الصحفية التي تسير عليها والسياسية "التحريرية" التي تنتهجها، وهل هي صحيفة "إخبارية"؟ أو صحيفة "رأي"؟ أو هي صحيفة تحاول الجمع بين الاتجاهين؟ وإلى أي مدى؟ على الرغم من صعوبة ذلك، بل إن الصحف الإخبارية لتختلف أيضا في أساليبها, فمنها ما هو إخباري عادي، شعبي يتقدم الأخبار لذاتها ومن حيث هي مادة أساسية, ومنها ما يسرف في أساليب تحريرها ونشرها إلى حد التطرف والإثارة والصخب, وحيث استحقت -عن جدارة- أن يطلق
(1/267)

عليها تعبيرات عديدة من مثل: "صحافة الجاز"1 أو "صحافة الإثارة"2 أو "الصحافة الصفراء"3 إلى غير هذه التعبيرات كلها, كما أن هناك الصحف والمجلات التي تمزج بين الأسلوبين، وتقف وسطا بين الاتجاهين كلما دعت الظروف الإخبارية نفسها إلى ذلك، وحيث تجد في بعض الأخبار ما ينبغي تحريره ونشره وفق أسلوب "رشيد" أو "عاقل" وفي بعضها الآخر ما ينبغي وضع بعض ألوان "التوابل" و"المشهيات" بصحبته، أو زيادة هذا القدر بالنسبة لأخبار ثالثة, وهكذا تماما كما أن هناك تلك التي تسيطر على صفحاتها وسطورها باستثناء جزء من الصفحة الأولى، المقالات بأنواعها، تلك التي يغلب عليها تمام طابع المقالة، بالإضافة إلى المجلات والدوريات المختلفة حيث يتكرر ذلك بشكل أو بآخر.
4- إمكانيات الصحيفة المادة التي يمكن أن تؤثر في حالة توافرها وثرائها في مقدرتها على جذب عدد من الكتاب المشهود لهم بالكفاءة والمقدرة -ولا أقول كلهم- من الذين يقبل القراء على كتابتهم أكثر مما يقبلون على كتابات غيرهم، ومن هنا نرى صحيفة ما، أو مجلة دون أخرى وقد احتشد لها هذا العدد من المجيدين من الكتاب, إما عن طريق انضمامهم إليها كأعضاء في أسرة تحريرها، وإما عن طريق التعاون أو الكتابة من وقت لآخر نظير مكأفأة ما أو "بالقطعة" وإلى غير ذلك كله والعكس صحيح أيضا, وفي أغلب الأحوال أي: إن الصحف "الفقيرة" أو "متواضعة المستوى" ماديا، لا يمكنها دائما توفير مثل هؤلاء الكتاب، على اختلاف كتاباتهم ونوعياتها, ولنا في أمثال هذه الصحف الشاهد على ذلك حيث أمكن لها -سابقا وحاليا- أن توفر لقرائها كتابات أمثال هذه "الصفوة"، أو النخبة الممتازة من كتاب المقالات, إنها من مثل صحف ومجلات: "المصري, الأهرام, أخبار اليوم, الأخبار, الشرق الأوسط, الأنوار, الحوادث, المجلة, العربي, الدوحة ... إلخ". على أنه لا ينبغي أن يتخذ من هذا العامل المادي قاعدة في جميع الأحوال والظروف، فقد تفشل أكثر الصحف والمجلات ثراءا أو وفرة في الإمكانيات المادية في استقطاب بعض الكتاب إليها، ويفضلون في ذلك نشر مقالاتهم في صحف ومجلات "فقيرة" في هذا
__________
1 Gass Journ
2 Sensation Journ
3 Yellow Journ
(1/268)

الجانب، أو "متواضعة" في إمكانياتها المادية ولكنها -على الرغم من ذلك- تكون أكثر احتراما وتقديرا في عيون القراء والرأي العام, وإن كانت أقل ميزانية وتوزيعا.
أريد أن أقول أن الثراء هو عامل هام، ولكن يزيده أهمية ويدعمه ويفضله في أحوال عديدة أن تضاف إليه بعض "القيم" الصحفية كالالتزام والثبات على المبدأ والأمانة والنزاهة والدفاع عن الرأي والعقيدة، فإذا اكتملت جوانب الصورة -الثراء والالتزام والأمانة- تكون هي "الصحيفة الأنموذجية" أو "المجلة المثالية" التي ننشدها، والتي نحن أحوج ما نكون إليها في عالمنا العربي, وتكون في الوقت نفسه التربة الخصيبة لأمثال هؤلاء من قادة الفكر المقالي الصحفي.
5- ويتصل بهذه النقطة السابقة أيضا ما يمكن للصحيفة أن توفره للمحررين عامة، ولكتاب المقالات خاصة من "مصادر المعلومات المختلفة" وما تضعه تحت أيديهم وفي طائل فكرهم من معلومات متاحة، ونذكر من بين هذين وعلى سبيل المثال لا الحصر:
- ما يمكن أن توفره من إمكانيات تجهيزية حدثية إخبارية سلكية وبرقية تتيح لهؤلاء الاطلاع على أحدث الأخبار والوقائع والصور ومن مصادر متنوعة وعديدة, وليس من مصدر واحد فقط, ونذكر هنا من بين هذه على سبيل المثال لا الحصر: "أجهزة وكالات الأنباء, أجهزة الإرسال والاستقبال الحديثة, الأجهزة الإليكترونية لتصنيف وتنسيق وتخزين الأخبار, أجهزة بث والتقاط الصور سلكيا ولا سلكيا, أجهزة المعلومات المرئية" ... إلخ.
- الاشتراك في "بنوك المعلومات" ووكالاتها المختلفة للموضوعات والشخصيات والصور.
- ما يمكن أن يضمه "مركز المعلومات والتوثيق" من منادة حدثية وشخصية ومتنوعة.
- ما يمكن أن تضمه "المكتبة الصحفية" بين جدرانها وأقسامها من مراجع وقواميس ومعاجم وكتب معلومات.
- الصحف والمجلات العربية والعالمية التي يمكن أن توفرها لكتاب المقالات, والتي يتابع على صفحاتها هؤلاء أحدث ما كتب من مقالات تتناول الموضوعات المختلفة
(1/269)

عربية وعالمية بما تتضمنه من أفكار وما تقدمه من أساليب وما تتطرق إليه من مواقف وآراء وتعليقات وتحليلات, ومواقف تثري فكر الكاتب وتجدده وتساهم في تعريفه بما يدور حوله.
من هذه الزاوية يكمن أحد جوانب أهمية "ثراء" الصحيفة، حيث تستطيع أن توفر لكتابها بذلك كله، ما لايستطيع غيرها توفيره مما يؤثر -حتما- في مستوى مقالاتها أفقيا ورأسيا, ومن حيث التفكير والتعبير -معا- بشرط أن يعرف كتابها طرق الإفادة من هذه الأجهزة والمستحدثات كلها, وإلا كان وجودها مثل عدمه، لا يقدم ولا يؤخر كثيرا.
6- وإلى جانب ذلك كله، فإن هناك عدة عوامل أخرى تؤثر إيجابا أو سلبا على هذا الموقف الصحفي من المقال كتابة وكتابا ونشرا، كما أنها تتصل بشكل أو بآخر بالعوامل السابقة في مجموعها، ومن هنا فإننا نركزها في الآتي:
- توقيت صدور الصحيفة أو المجلة وهل هي يومية، تصدر في طبعة واحدة أو في أكثر من طبعة، أو أسبوعية، أو مجلة من المجلات الأسبوعية أو الشهرية.
- نوعية المقال، ومضمون مادته، وهل هو مقال افتتاحي، أو مقال تعليق أو تفسير أو مقال صحفي عام، أو يوميات وما إلى ذلك له، فصحيح -كما قلنا- أن هذه كلها تدخل ضمن دائرة "المستوى الصحفي العام" ولكن بعضها قد يحتاج إلى قدر من الذوق الأدبي، أكثر مما يحتاجه البعض الآخر، كما أن البعض قد لا يحتاج إلى هذا القدر، أو إلى غيره أصلا، كما نوجه النظر هنا إلى حاجة "المقالات المتخصصة" من تلك التي تنشر على الصفحات والأركان والأبواب المختلفة ذات الطبيعة الخاصة حاجتها إلى استخدام بعض كلمات "المعجم الخاص" لتحرير هذه المقالات، والتي يختار الكاتب من بينها ما شاع استخدامه منها علمية أو اقتصادية أو عسكرية أو رياضية، وما إلى ذلك كله.
- الوقت المتاح للكاتب والذي يختلف من مقال لآخر، وحيث يتطلب بالنسبة للمقالات الافتتاحية، والتعليقات والتفسيرات والتحليلات، في أغلب الأحوال ذلك "الإيقاع التحريري السريع" والمباشر والذي يتجه إلى الغرض من أقصر الطرق وأقربها إلى عقول القراء بما يؤكد معنى "الحدثية" وإلا فاتت فرصة نشره، أو أصبح
(1/270)

نشره متأخرا، واتسم بـ"البرود" وعدم القدرة على اللحاق بتفاصيل الحدث، بل إن بعض هذه المقالات نفسها قد تسبق الأحداث، بما تتضمنه من "توقعات" لا سيما المقال الافتتاحي "المستكشف" وبعض المقالات القائدة، والصحفية العامة، على المستويات المختلفة, مما يدخل في باب ما أطلق عليه بعض الكتاب تعبير: "أهمية الإنذار بالخطر قبل وقوعه"1 وكذا "الاندماج في التغيير قبل وقوعه"2 وعلى النحو الذي أشرنا إليه من قبل عند حديثنا عن أنواع هذه المقالات.
على أن الحال ليس كذلك بالنسبة لكتاب الأعمدة، ومقالات اليوميات الصحفية بأنواعها، ومقالات الصحف الأسبوعية والمجلة، من تلك التي تأخذ نفس الطابع، وحيث يكون عند هؤلاء فسحة من الوقت للكتابة الهادئة المتأنية ذات الإيقاع البطيء التي تنتج في النهاية لونا من الألوان التي تقترب من "الأدب الصحفي" أو تكون هي نفسها أدبا صحفيا من حيث الطابع العام المسيطر على جانب التفكير والتعبير معا, حيث نعود مرة أخرى، إلى مسألة طابع الصحيفة أو المجلة، وموعد الصدور مما يؤكد تلاحم وتشابك هذه العوامل كلها.
- ردود الأفعال من جانب زملاء العمل في التحرير عامة، وتحرير المقالات خاصة، حيث يكون لكلماتهم المؤيدة والمشجعة والناقدة أحيانا في تجرد وموضوعية، يكون لها دورها وأثرها على كتابات الزملاء من أعضاء الأسرة الصحفية، ولا يمكن لنا أن ننكر أثر هذا العامل الإنساني المهم, أن كلمة صدق معبرة من زميل قد تدفع إلى الأفضل، وإلى مزيد من محاولة الإبداع والإجادة، وقد يكون لها وقع السحر، كما قد يكون لغيرها من الكلمات أثرا عكسيا خاصة عند هؤلاء الذين يمارسون خطواتهم الأولى على طريق تحرير ونشر المقال الصحفي وهم كثيرون.
- تجاوب "المخرج" أو "سكرتير التحرير" مع المقال وأهميته ووضعه في المكان اللائق ولفت أنظار القراء إليه والعمل على إبرازه البروز الكافي، والعكس صحيح أيضا.
__________
1, 2 جون هونبرج مؤلف عدة كتب من أشهرها:
"The professional Journalist"
(1/271)

د- مؤثرات خاصة:
وهل تلك التي تتصل بمحرر المقال نفسه، وتعود إلى الكاتب ذاته، أي: إنها عامل خاص هذه المرة، وصحيح أن هذه العوامل أو المؤثرات تتأثر بدورها بتلك السابقة في مجموعها وتسير بحذائها أيضا، ولكنها على الرغم من ذلك يكون لها طابعها الخاص، الذي تنفرد به عن هذه العوامل السابقة، انطلاقا من قاعدتها "الأدبية" تلك التي تؤكد أن كاتب المقال في الأعم والأغلب هو "مطبوع" لا "مصنوع" ليس "مطبوعا" أو "موهوبا" من حيث التحرير واللغة والأسلوب فقط، وإنما تتسع دائرة هذا "الطبع" وتلك "الموهبة" وتمتد خيوطها إلى مجالات أخرى عديدة، كمجال اختيار الأفكار الجديدة والصور والمشاهد والأمور غير العادية أو المتبعة أو القريبة من الأذهان أو المتكررة أو المقلدة، وكذا اختيار الموضوع المناسب للوقت المناسب للقارئ المناسب، بالإضافة إلى "ملكة" التحليل والتفسير والتوقع واستكشاف الأحداث واستقراء تفاصيلها واستكناه وقائعها والنفاذ إلى جوهرها الخفي، ولبها المستور والخروج منها بنتائج وعوامل ومسارات جديدة يكون لها وقع "الكشف" الذي لا يصل إليه غير هذه القلة النادرة، ذلك كله إلى "مواهب" الالتصاق بالمجتمع والإحساس بأدراجه وأحزانه بأكثر مما يحس الآخرون، والنفاذ إلى ما تحت السطح الهادئ أو الراكد، تماما مثل موهبته على النفاذ من بين السطور، والمقدرة على طرح الحلول الواقعية لمشكلاته، واصطناع المواقف الإيجابية والفعالة، التي تنتقل من الصفحات لتؤثر في الجماهير وحركتها واتجاهاتها وحاضرها ومستقبلها, ذلك كله فضلا عن موهبة "وضع" ثقافته ومعاصرته وقراءاته وتجاربه وممارساته وخبرته في خدمة القراء، والمجتمع والإنسانية كلها, وهكذا نجد مواهبه الفريدة والمؤثرة والحاسمة، بدءا من النظرة المدققة والفاحصة التي ترى ما لا يراه غيرها وحتى ترجمة ذلك كله، بكل ما يمتد إليه، وبمختلف أجزائه وأركانه، وظلاله إلى "عمل" مقالي يعكس في النهاية موهبته "التحريرية" وقدرته على كتابة العنوانات والمقدمات والمادة والشواهد والصور والنماذج وغيرها بطريقته الخاصة، التي تختلف عن طرق غيره، بأسلوبه الخاص المميز الذي يعرف به.
خلال هذه "اللحظات" الهامة، السابقة على كتابة المقال، أو خلال جلوسه إلى مكتبه أو في أي مكان آخر, وحيث يحلو للبعض أن يكتب في ناديه الرياضي أو "المقهى" أو الحديقة أو الشرفة تكون هناك مثل هذه المؤثرات العديدة المتصلة
(1/272)

بهذا الجانب نفسه تماما كما تتصل بمكوناته "ككل" وبطاقته "المقالية" التي يكنزها ويستثمرها حين يشاء باختصار شديد نقول إنها:
- خبراته وتجاربه وممارساته ودراساته السابقة والحالية وقراءاته العامة.
- تأثيرا نشأته الأولى لا سيما ما يتصل منها بـ"بيئته" الأصلية والمناخ الذي كان يسودها خاصة ما يتصل بـ"العامل الديني" وأثره وتأصله في هذه "البيئة" إلى جانب القيم والتقليد والعادات الموروثة.
- قدرته على الاقتراب من الناس والمجتمع بكافة صوره وشرائحه وطبقاته والانغماس في هؤلاء, وتحقيق قدر عظيم من المعرفة بما يؤرقه وما يسعده، وما يفكر فيه الناس جميعا، وتلك الأهداف المشتركة التي يسعون إلى تحقيقها، وتلك التي تعكر صفو حياتهم، أو تطحن أحشاءهم، أو تذهب بآمالهم وأحلامهم أدراج الرياح، وإلى الدرجة التي يصبح فيها "ترمومترا" لهذا المجتمع بمن فيه وما فيه.
- استعداده لتحمل مسئوليته الاجتماعية كمنكر وكاتب مقال بما في ذلك من مشاركته الايجابية في طرح ومناقشة وتقديم الآراء والمواقف المفيدة للمجتمع، والمتفاعلة معه ومع قضاياه الهامة، والحالية، والملحة، أو تلك التي تتصل بمستقبله ومستقبل أفراده دون تهرب أو ردة أو اتخاذ موقف سلبي بشكل أو بآخر.
- حسه الوطني والقومي، وما يتصل بشعور "الانتماء" للأرض والناس والمجتمع, وأنه غير منفصل عنهم بما يعنيه ذلك من اهتمام بمسائل وأمور غير مؤثرة، أو غير مناسبة لوقت ما، أو غير ملائمة لبيئة أو أخرى، أو من تلك التي تعتبر ترفا عقليا، بما يتصل بذلك من البعد عن مسائل الجدل العقيم أو غير المفيد، أو تلك التي لا تحقق مردودا وطنيا أو قوميا إيجابيا بما يتصل له ذلك من استعداده الكامل للدفاع بالقلم والفكر والموقف عن هذا الوطن وعن عقيدته، وعن تاريخه وعن تراثه وعن تقاليده وعن العمد التي يرتكز إليها مجتمعه.
- التجهيزات والتسهيلات التي تضعها صحيفته بين يديه ومصادر المعلومات والأخبار التي يمكن أن توفرها له، والرحلات التي تنظمها من أجل مساعدته على الرؤية والدراسة.
- "المناخ" الذي يمكن أن توفره له ليكتب داخل الصحيفة أو المجلة أو خارجها،
(1/273)

ومن ذلك -مثلا- اختصاصه بحجرة متسعة بها لمسات من جمال، في مكان هادئ، وتطل على أكثر من مشهد طبيعي، إلى جانب "الديكور" المناسب, وصحيح أن بعض الكتاب يقدر ويستطيع وربما يفضل الكتابة في صالة التحرير نفسها أو بين صخب الزملاء وضجيج آلات "التيكرز" أو حتى ضجيج "المطبعة" نفسها, كما قد يقوم بالكتابة في أي مكان، ولكنه -حتما- يكون في حاجة إلى مثل هذا المكان الذي يمثل "صومعة" الشاعر أو "محراب" الفنان، من أجل "استجماع" أفكاره، وترتيبها، أو حتى الحصول عليها.
- علاقاته الخاصة والجيدة، بل والممتازة مع عديد من الناس والمسئولين والقراء والزملاء وأهل الحي، الذين يمكن أن يضعوا يده على حركة الجماهير, وما يفكر فيه المجتمع كما يقدموا له أفكار هذه المقالات، وقد يطلعونه على نتائجها وآثارها مما يشكل مادة مقالية جديدة، وكما سبق القول.
- حضوره الذهني المقالي، أو حاسته الصحفية المقالية التي تجعله يعيش يومه كله بإحساس كاتب المقال، يفكر ويتحدث ويستمع ويناقش ويستقبل ويحاور ويشهد ويلاحظ ويتحرك، ويتدبر وروح المقال تطغى على كل حركاته سكناته وتصرفاته، إنه يرى في كل مشهد وكل كلمة، حتى تلك العابرة، أو التي تبدو للبعض غير هامة، حتى في تلك "اللفتة" أو "اللمسة" أو "الإيماءة" أو التعليق السريع، أو الخاطرة، أو "الوخزة" يرى فيها -جميعها- إمكانية الإمساك بخيطها حتى نهايته، فقد يكون هناك ما يصلح للتعبير عنه في شكل مقال، أو تناوله ضمن هذا الإطار الفني التحريري.
- وجود "أرشيف" أو "مركز معلومات" خاص به يتضمن من الملفات والأوراق والقصاصات عددا هائلا مفهرسا ومرتبا حسب موضوعه أو شخصيته خاصة عندما يتضمن:
- ما يتصل بمجالات اهتماماته الأساسية والغالبة "معلومات وموضوعات".
- ما كتبه الآخرون عنها "مقالات متنوعة".
- الشخصيات الهامة التي تدور حولها مقالاته.
- ما يتصل بكتاب المقالات التي تتصل باهتماماته.
- الصور الخاصة بالشخصيات الهامة التي تتناولها كتاباته.
(1/274)

- خطابات القراء والأصدقاء والزملاء إليه.
- تعليقات القراء والكتاب والزملاء على مقالاته.
- ما يتصل بصحيفته ونظام العمل بها وكتابها.
- أصول المقالات التي يكتبها قبل الحذف والاختصار.
- "أجندة" أو "مفكرة" الأحداث الهامة للعام.
- بعض المقالات الأخرى العامة في موضوعات لا تدخل ضمن دائرة اهتماماته ولكنها تكون مقالات هامة، أو خطيرة، أو لقيمة علمية أو صحفية أو فنية أو تحريرية أو سياسية أو تاريخية.
- مقالات نفسها "المطبوعة" في صحيفته أو الصحف والمجلات الأخرى.
- خطاباته الخاصة، وما يتصل به شخصيا.
- أصول رسائله أو صور منها خاصة تلك التي تتصل بموضوعات هامة، أو تلك التي تحوي ردودا على رسائل الأصدقاء والكتاب والتي نوقشت خلال سطورها بعض الموضوعات الهامة، التي تتصل بمقالات أو مشروعات مقالات.
- القدر من الصفاء الذهني ووضوح الرؤية, وما يمكن أن يتمتع به من نظرة دقيقة وفاحصة تتيح له أن ينفذ إلى ما رواء الظواهر والقشور والشكليات والأمور السطحية ليصل لي الجوهر والعمق في ثبات وثقة, ومن خلال فكر متجدد خصب، ليضع النتائج والاحتمالات والتقديرات، في خدمة القراء وصالح المجتمع.
- القدر الذي يتمتع به من الحس الأدبي، والذوق الفني الذي يتيح له التعبير الجميل والأسلوب البليغ والمناسب في المواضع التي تتطلب ذلك.
- القدر من المعرفة باللغة العربية، التي تسفر عن كتابة صحيحة يرضى عنها القراء والبلغاء ورجال اللغة، ودون حاجة إلى قلم المصحح أو المراجع.
- معرفته بعدد من اللغات الأخرى، وما يهيئه له من فرص الاطلاع على المادة الصحفية عامة، والمقالية خاصة التي تنشرها الصحف والمجلات الأجنبية وبلغاتها الأصلية، فضلا عن قراءة المؤلفات الهامة سياسية وأدبية، بهذه اللغات نفسها وتأثير ذلك الإيجابي على "مكوناته" وثقافته وشخصيته، وفكره، ومن ثم على مقالاته نفسها.
(1/275)

- وهذه القراءة نفسها لمقالات الآخرين، بلغته وبغير لغته، يكون لها أثرها في التمرس بأفكارهم والتعرف عليها ونقدها والخروج من خلالها بأفكار جديدة، فضلا عما يتيحه ذلك من التعرف على كتابات الآخرين، وأساليبهم وأنماطهم البلاغية، وأطرهم التي يضعون مادتهم خلالها وما إلى ذلك من "آثار مقالية" تقدم له الدراية بها ووضعها في دائرة الضوء الكثير من الخبرات الكتابية والممارسات التحريرية نفسها, وشتان بين كاتب يقرأ لغيره، ويوميا، وكاتب لا يقرأ، أو يقرأ ما يكتبه فقط.
- إدراكه لأهمية وجود "أجندة" عنده أو "قائمة انتظار للأفكار" يدون فيها أفكاره التي سوف يتناولها أو يمكن أن يتناولها في وقت ما, ويحدد هذا الوقت كما يدون فيها أيضا مشروعات "العناصر" الرئيسية لتناول هذه الأفكار.
- ما يمكن أن تحدثه استجابة القراء وتشجيع المسئولين وإحساس السلطات بقيمة ما يكتب، وأثر ما يقدم.
- شخصيته القوية في غير تصلب، الشديدة في الحق وما أجله، المحبوبة من الزملاء والأصدقاء والقراء والمجتمع كله.
وبقدر توافر هذه العوامل -كلها أو بعضها- بقدر ما يتحقق وجود "المقال الصحفي الأنموذجي" الذي يقف من ورائه فكر خبير، وموهبة مبدع، ورأي مجرب، وموقف مسئول وقائد اجتماعي.
بقدر توافرها يكون مستوى المقال ومكانته وتأثيره وردود أفعاله ونتائجه.
وصدق الحق تبارك وتعالى القائل في محكم كتابه العزيز: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} .
(1/276)

النماذج التحريرية
أنموذج رقم "2"
...
أنموذج رقم "2"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: المقال الصحفي العام.
- المحرر: د. زكي نجيب محمود.
- لاحظ: جدة الزاوية التي يتناول بها موضوعا طرق من قبل أكثر من مرة، العنوان الجذاب, المدخل السهل ولكنه من النوع المشوق لأمثال قراء هذا المقال, طريقة التناول، المزج بين عدة قوالب في مجال المقال الواحد وهي هنا قوالب الوصف والقصة والنقد, كيفية "إدارة الحوار الفني" خلال سطور المقال نفسه, المحافظة على سلامة اللغة العربية, طول المقال.
شبح اسمه الغزو الثقافي:
إنه لا يزورني إلا حينا طويلا بعد حين طويل، لكنه إذا فعل، بشرت نفسي بمحدث يستولي على لب سامعه بسحر حديثه، ومع ذلك فكثيرا ما يلوذ بصمت مفاجئ لا أدري له سببا، وذلك ما حدث في زيارته الأخيرة وهي أخيرة ولكنها وقعت منذ عامين أو نحو ذلك.
أنه في تلك الزيارة، جاء فاستوى على كرسيه بجواري، ولزم الصمت بعد تحية سريعة قصيرة هامسة، فأخذت من جانبي أحييه ثم أحييه، وأرحب به ثم أرحب به، فيكتفي بهزة رأسه ووضع كفه على صدره، مع ابتسامة مصنوعة، فبحثت في مخزون الدماغ عن أي شيء أقوله، لعلي أحرك فيه شهوة الإجابة، فتنحل عقدة لسانه، قلت: إنني يا أخي كثيرا ما أقع خلال قراءتي على عبارة هنا وعبارة هناك، فيها من الغرابة عن المألوف ما يصدم، ولكن فيها كذلك من الحق ما يوقظ، وعندئذ أنظر إلى العبارة مرقومة أمامي على صفحتها بمداد أسود, إلا أنها تتألق أمام بصري وكأنها تحولت إلى أحرف من نور، أو هكذا يخيل إلي ساعتها، ولعل ذلك الوهم العجيب في طبيعتي إزاء عبارات كهذه، هو الذي يعين ذاكرتي على الاحتفاظ بها، وكأنها احتفرت فيهما بمسمار من نار.
(1/279)

هنا تحرك زائري حركة خفيفة على مقعده، وقال في اهتمام واضح: مثل ماذا؟ فقلت: مثل عبارة وردت في سياق ما يعرضه الكاتب، تقول "إنهم يقولون لماذا تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، مع أن هؤلاء الناس قد ولدتهم أمهاتهم مكبلين بقيود من فولاذ، هي قيود الغرائز التي لا حيلة لهم فيها، وقيود الظروف التي ترسم لهم معظم طريق الحياة مقدما" تلك عبارة، وأخرى وجدتها تقول: "لا تنصت إلى من ينصحك بأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، فقد فعلت ذلك ولقيت الوبال، فأنا أحب لنفسي أن يعاملني أصغر صغير وكأننا متساويان في الصغر، أو متساويان في الكبر إذا أردت فعاملت كبيرا ذات يوم بنبرة في الحديث قد توحي إليه بأننا متساويان صغرا مثل صغري، أو كبرا مثل كبره، فحزن لذلك واغتم وبطش بي بعد ذلك بطش الأشداء لأعرف من هو ومن أنا، وكم تكون المسافة بيننا" وعبارات أخرى في مجالات أخرى، مثل قول الجاحظ في كتاب الحيوان: إن القردة تشبه الإنسان في ظاهر ملامحه وحركاته, ولكنها لا تشبهه في السريرة التي تبعثه على الوفاء, وأما الكلاب فتشبه الإنسان من باطن، إذ تشبهه في بواعث سريرته ولا تشبهه في ملامح وجهه أو حركات بدنه, ولذلك نضحك من القردة؛ لأنها تحاكي الظاهر ولا تحاكي الباطن، ولا نضحك من الكلاب؛ لأنها اختارت الباطن حين حاكت، هذا هو معنى ما ورد عند الجاحظ, وضعته لك في عبارتي؛ لأنني لا أحفظ نص عبارته، وهكذا يا صاحبي فماذا ترى في أقوال كتلك؟
تحرك زائري مرة أخرى في مقعده، وابتسم، لكن حركته هذه المرة لم تكن كسابقتها صادرة عن قلق بل جاءت لتعبر عن طمأنينة، كما لم تكن ابتسامته هذه المرة مصنوعة كسالفتها بل جاءت مطبوعة بطبعة الرضا الودود، ثم قال: لقد صدقت إنها عبارات كاشفة كأنها المصابيح يتوهج الضوء في زجاجها، وهنا رأيته وقد اعتدل في جلسته، مسترخيا هادئا، استرخاء المطمئن وهدوئه، فعرفت أنني مقبل على حلو الحديث، قال:
سأقص عليك قصة، هي -كالعبارات التي ضربت لي أمثلة منها- في ظاهرها من البعد عن المألوف ما يصدم, ولكن فيها كذلك من الحق ما يوقظ؟ فلعلي ذكرت لك مرارا، ذلك الصديق الذي ورث عن أبيه الثراء العريض كما ورث منه كذلك ميلا إلى تحصيل المعرفة تحصيلا دائبا متصلا, ومع ذلك فهو لم يصل عند ذلك التحصيل حد الإشباع، إن لم يكن قد زاده نهما، وهو الصديق الذي قلت عنه أنه دائم السفر، لا يستريح
(1/280)

من رحلة إلا ليأخذ أهبته, ويعد عدته إلى رحلة أخرى، في كل مرة يعود إلي بزاد وفير، عما رآه وسمعه في طول أرض الله وعرضها، ولقد جاءني هذه المرة بأغرب ما يروى وربما كان كذلك أصدق ما يروى في دلالته الخافية لا في صورته الظاهرة.
زعم لي أنه مر بإحدى الجزر المجهولة في الجزء الجنوبي من المحيط الهادي، ذكر لي اسمها، لكني نسيته؛ لأنه مما ينسى لطوله وكثرة أجزائه، وأهل تلك الجزيرة -كما روى لي- يرتدون ثيابا غريبة لكن الطيبة تشع نورا هادئا من وجوهم السمحة، وعيونهم الوديعة ويبدو أن الجزيرة غنية بطيباتها مما يتيح لأهلها فراغا وراحة، ثم ما هو إلا أن سمعوا صاحبي ينطق جملا متقطعة بلغته العربية غير المفهومة لهم، فأدركوا من فورهم أنها هي لغة من جاءهم من الرحالة وأحبهم، وأقام معهم، فأسرعوا به ليلتقي بهذا الزائر الجديد، وإذا بالرجل يمني عربي، استطاب الإقامة فأقام وكان ذلك لصاحبي نعمة هبطت إليه من السماء.
تلازم العربيان: وأخذ الزائر القديم يقص على الوافد الجديد عن أهل الجزيرة أغرب القصص, وكان أغربها عن سلطان الجزيرة الذي يقيم وحده في برج مغلق عليه، أو لعله برج بلا نوافذ وأبواب.
قال اليمني -واسمه حامد- لصديقي الرحالة: منذ بضعة أعوام ضجت هذه الجزيرة الهادئة ضجة اهتز لها كل أبنائها وذلك إثر حادث غريب، امتزج فيه الوهم بالواقع، واختلطت الخرافة بالعلم الصحيح، وكانت نقطة البداية أن رأى السلطان -أو خيل إليه أنه رأى لا في أحلام نومه، بل في عز صحوته، شبحا غريبا- لا ندري كيف وجد طريقه إلى داخل البرج، والبرج مصمت كما ترى وكأن الشبح -فيما نقل عن رواية الرواة- شبحا لرجل، لا كالرجال في عالم الإنسان، فهو أطول من أي رجل رأته العين، وأعرض كتفين، وأغلظ عنقا، ورأسه بلا شعر، وله ثلاثة أعين في وجهه، وعين رابعة في أم رأسه، وأما عيون الوجه فاثنتان في الصدغين والثالثة في جبهته.
فزع السلطان لرؤيته فزعا شديدا، وهم بصرخة المستغيث لولا أن كتمه الشبح بإحدى راحيته قائلا له: لا تخف يا صاحب الجلالة، سوف تجدني صديقا معينا.
- السلطان: من أنت، ومن أين جئت؟
- الشبح: وماذا ينفعك من أكون؟ وماذا يفيدك من أين جئت؟ لكن الذي
(1/281)

يهمك حقا هو أنني جئتك منذرا بغزوة تقلب نعاسكم يقظة، وغفلتكم صحوة وحرصا.
- السلطان: لم أفهم عنك شيئا.
- الشبح: سل عراف المعبد في الجزيرة ينبئك الخبر اليقين.
واختفى الشبح، فجزع السلطان لاختفائه كما جزع لظهوره، ولما أصبح الصباح، أرسل في لهفة مرتاعة يطلب من عراف المعبد أن يمثل بين يديه، ولكن -يا هول ما يسمع وما يرى- فقد عاد إليه رسوله، لينبئه بأن العراف يصر على بقائه في معبده وعلى السلطان أن يذهب إليه إذا كانت به حاجة، فلم يجد السلطان بدا من أن يقصد متخفيا إلى المعبد، وكيف كان ليعلن عن نفسه أمام شعب الجزيرة، الذي لم يعهد قط في سلطانه إلا أن يبقى حصينا في برجه، وعلى كل من أمر السلطان بمثوله بين يديه أن يصدع بالأمر بمن فيهم عراف المعبد؟
قصد السلطان متخفيا إلى عراف المعبد وهو في صومعته ودار بينهما حديث:
- السلطان: جئتك لأقص عليك نبأ عجيبا.
- العراف: أعرف كل شيء، فقد فأجأك الشبح ليلة أمس.
- السلطان: ومن أدراك؟
العراف: أنسيت جلالتكم أنني العراف؟
السلطان: قل لي أيها القديس، ماذا يكون ذلك الشبح المخيف؟
- العراف إنه ليس مخيفا.
- السلطان: إنك إذا رأيته وسمعته، فقد رأيت وحشا نبتت في رأسه قرون الشياطين، وله في يديه وقدميه مخالف الذئاب وصوته ذو بحة كفحيح الأفاعي، أتوسل إليك أن تنبئني من يكون؟ وماذا يعني نذيره لنا؟
- العراف: هون على نفسك الأمر يا صاحب الجلالة، فهو آت من بلد بعيد، جنسه ليس جنسنا، وعقله لا يشبه عقولنا، وقد أطلقوا عليه اسم "الغزو الثقافي" وحق لهم أن يفعلوا؛ لأنه يكتسح ويغزو، لا بالدبابة والمدفع، ولكن بما يملكه من فكر وفن.
- السلطان: اللهم احفظنا من كل سوء.. وكيف جاء إلينا، والبحر يحيط بنا والسماء فوق رءوسنا؟
(1/282)

- العراف: ومن ذلك البحر وهذه السماء جاءكم، فهو ساحر يسبح فوق البحر آنا ويغوص في جوفه آنا، ثم هو يطير في الهواء بأجنحة كأنه في جماعة النسور.
- السلطان: ولكن لماذا أطلقوا عليه، أو أطلق على نفسه، هذا الاسم المركب الذي لم يألفه الناس اسما بين الأسماء وهل سمعت -أيها القديس- باسم كهذا من قبل؟
- العراف: الذي أطلق عليه اسم "الغزو الثقافي" هو أنتم يا مولاي، هو أهل جزيرتكم فاستملح هو الاسم حين سمعه، واصطنعه لنفسه، وكأنه عده ضربا من التحدي فقبل التحدي، قذفتم له بالقفاز كما كان يفعل المتبارزون، فالتقط هو القفاز. هو في الأصل كان اسمه "ثقافة" فقط وكان وهو بهذا الاسم البسيط في صورة بشرية من لحم ودم، فلما تحول على أيديكم وأيدي أهل الجزيرة، يا مولاي من "ثقافة" إلى "غزو ثقافي" تحول كيانه تبعا لذلك، ليتم التطابق بين الاسم والمسمى فتحول من صورته البشرية الأولى إلى صورته الشبحية الراهنة، وماذا كنتم تريدون له أن يفعل ما دمتم قد جعلتموه شيئا لا وجود له بين ما هو موجود في دنيا الوقائع والحقائق.
- السلطان: ماذا تعني بهذا الكلام العجيب؟
- العراف: أعني أن الموجود عندنا أو عند غيرنا هو ثقافة لا غزو فيها, فإذا أضفتم إليها صفة الغزو، انتقلت هي بعد هذه الإضافة من الوجود إلى العدم؟ ومن هنا جاءت ضرورة أن يتحول الجسم الحي إلى شبح كالذي رأيته ليلة أمس يا مولاي.
وبعد أن فرغ زائري من روايته لما قصه عليه صديقه الرحالة ضحك ضحكة هادئة وسألني: هل خرجت من هذه القصة بشيء، قلت له: نعمن بالتأكيد فقد كنت أتابع ما نقلته عن صديقك فأشعر كأنني أتابع قصة الثقافة في مصر إبان تاريخها الحديث، أو على الأقل خلال فترات من ذلك التاريخ، منها هذه الفترة الراهنة التي نجتازها اليوم, فأدهشت إجابتي الأخ الزائر دهشة انفعل بها حتى أخرجته من هدوئه فسألني بما يشبه الصياح، وهو يمد ذراعيه أمامه ويطوح بهما ذات اليمين وذات اليسار مرة وإلى أعلى وإلى أسفل مرة أخرى قائلا في ذهوله ماذا: تقول يا أخانا؟ أقص عليك خرافة عاشتها جزيرة نائية حينا من دهرها، فتجعلها أنت تصويرا للثقافة المصرية في بعض مراحل تاريخها الحديث كيف كان ذلك يا مولانا قل لي بربك كيف كان ذلك؟
(1/283)

قلت: اهدأ قليلا يا أخي، فليس الصياح برهانا ولا اضطراب الأعصاب يزيدنا شيئا في توضيح المعاني سأبين لك الآن كيف أن ما أسميته أنت بخرافة أهل الجزيرة هو في الوقت نفسه تصوير لحياتنا نحن الثقافية اليوم، فلنفرض أن أحدا جاءني وأراد الاستعانة بي في تفسير حلم له رآه في نومه، ثم أخذ يقص علي هذه القصة ذاتها التي رويتها لي عن الجزيرة وأهلها نقلا عن صديقك الرحالة، فكيف كنت لأفسرها، كنت لأقول له شيئا كالآتي: أما الجزيرة الصغيرة النائية، فترمز هنا للعزلة المميتة التي نحيا اليوم في ظلمتها -وأعني بها عزلتنا الثقافية- وذلك لأن المعول في الحكم على حياتنا الثقافية ليس هو تلك العشرات القليلة من صفوة المثقفين الذين يتابعون تيارات الفكر والفن في العالم المتقدم، الذي شاء له الله في هذا العصر أن يكون مبدع الحضارة الجديدة، والثقافة الجديدة معا، بل المعول هو على ما ينشره أصحاب الصوت المسموع لجماهير الشعب ولتسعة أعشار المتعلمين أيضا فإذا رأيت هؤلاء جميعا في واد، وما يعج به العالم المتقدم في واد آخر، فاعلم إذن أن خير تصوير لهذه الحالة هو جزيرة نائية في جنوبي المحيط الهادي لا تسمع عن أحد ولا يسمع عنها أحد.
وأما سلطان الجزيرة -والحديث هنا عن حياتنا الثقافية بوجه عام- فهو يرمز إلى أولئك الذين أمسكوا بزمام الجماهير يكتبون للجماهير ويذيعون للجماهير، فتسمع الأذان جميعا، وتقرأ الأعين القارئة، فذلك السلطان المتسلطن على عرشه، لم تكفه عزلة الشعب في جزيرة فينعزل معه، بل أمعن في العزلة فسكن برجا مصمت الجدران، لا تبصر فيه العين بابا ولا نافذة حتى لتعجب من أين يكون الدخول والخروج، اللهم إلا أن يكون السقف مفتوحا نحو السماء.
وأما الشبح البشع المخيف، الذي هاجم سلطان "الثقافة" الشعبية، فليس هو في الحقيقة بذي وجود وإلا لما كان شبحا، وإنما هو موجود في أوهام السلطان وأعوانه وأشباهه ومريديه, إن الشبح إذا كان قد هدد السلطان بغزو وشيك لجزيرته فما ذلك إلا انعكاس للسمادير الهائمة في تلافيف دماغ السلطان وأدمغة الحاشية، وصورة من الهلوسة التي تفزعهم بالنهار ويرونها في كوابيس الليل، أما الموجود حقا عبر المحيط، والذي يتسلل إلى الجزيرة رغم أنف الكارهين، فهو "ثقافة" تأتي لتنفتح الأبصار وترهف الأذان.
هنا قاطعني زائري بقوله: وما الذي يدعوهم إلى أن يظنوا بالثقافة "غزوا"
(1/284)

إذا لم يكونوا قد رأوا تلك الثقافة خطرا على حياتهم.
قلت له: نعم لقد صدقت، فالثقافة العصرية بعلومها وفنونها وآدابها، هي بالفعل خطرا على "حياتهم، لأنها تحمل من العلم ما لا يعلمون، ومن الفن ما لا يقدرون، ومن الأدب ما لا يتذوقون, إن الأمر -يا سيدي- لا يزيد ولا يقل عن دفاع غريزي عن النفس تماما كما يفزع الكائن الحي أينما كان، لأخف حركة غير مألوفة يحس بها وقد فاجأته فتسري في بدنه رعدة الخوف، وتفرز له الغدد المختصة ما تفرزه داخل جسمه وينسحب الدم من رأسه حتى ليصفر وجهه، وذلك ليتجه ذلك الدم المنسحب إلى الأذرع والأرجل استعدادا إما لمواجهة القتال وإما للفرار وهو أمر طبيعي يا أخي لا غرابة فيه ولا شذوذ، والسلطان "وحاشيته وأشباهه" في حايتنا الثقافية قد حفظ أشياء حفظا أصم, وهو مستعد لإخراجها كلما دعت الحاجة ثم يطويها في صندوقها انتظارا للحظة أخرى يطلب منه فيها إعادة تسميعها، ومن هذا يكسب رزقه الحلال، فلماذا يعرض نفسه للخطر الجديد الوافد كائنا ما كان نفعه عند أصحابه؟ من هنا رأيته يرى في أية "ثقافة" ترد إلى أرضه "غزوا".
قال زائري: ومتى يا ترى، ولماذا أخذ أصحابنا هذا الموقف؟ أما كانت تلك هي الحل دائما معنا ومع غيرنا.
أجبته قائلا: إنها حالة تنتاب الرءوس في مراحل الضعف، لكنها تختفي اختفاء تاما في مراحل القوة، انظر إلى العرب الأوائل عندما بلغوا من القوة ما بلغوا في صدر الإسلام، لقد فتحوا ثغورهم جميعا لكل ثقافة تأتي من خارج حدودهم، أيا ما كان مصدرها, وهي إن لم تأتهم من تلقاء نفسها أتوابها عامدين، جاءتهم "ثقافة" وأرسلوا رسلهم ليجيئوا لهم بثقافة ولم يخطر لأحد منهم -إلا نادرا- أن يقول قائل منهم إنه "غزو ثقافي" وذلك لأنهم كانوا أصحاء أشداء لا يخشون على أنفسهم لفحة البرد أو حتى ضربات الصقيع.
ولماذا نطوي القرون القهقرى أكثر من ألف عام بحثا عن مثال لما قد كان بين الأسلاف، أنه لتكفينا بضع عشرات من السنين، لنرسل أبصارنا إلى ساحة الرجال، فهذا هو الشيخ محمد عبده يقرأ ما كتبه هانوتو ليرد عليه ثم يسافر إلى انجلترا ليلتقي وجها لوجه مع شيخ فلاسفة بريطانيا في ذلك العهد، وهو هربرت سبنسر، ثم هاجم أولاء رجالنا في العشرات الأربع الأولى من هذا القرن: قاسم أمين, لطفي السيد, طه حسين,
(1/285)

العقاد، الدكتور هيكل، سلامة موسى، أحمد شوقي، طلعت حرب إلى آخر ذلك الرعيل الرائد من أقوياء فتحوا لكل ما عند العصر من فكر وأدب وفن فتحوا له صدورهم وقلوبهم وعقولهم، في غير خوف، فلا بارك الله أنفس الجبناء.
وأعود إلى رؤيا الحالم الذي افترضت وجوده، وتخيلت أن تكون رؤياه التي جاءني بحثا عن تعبيرها عندي، هي نفسها الصورة التي نقلتها إلي عن الجزيرة وأهلها والشبح الذي اسمه "الغزو الثقافي" فأقول إن "عراف المعبد" الذي ورد ذكره في الرواية إنما يرمز إلى الفئة المباركة التي "تعرف" الأمر على حقيقته وأين تعرفه؟ إنها تعرفه وهي في المعبد، تعرفه وهي مؤمنة بربها وبنفسها، تعرفه وهي على صلة بخالقها ومصورها وباريها فهكذا خلقها سبحانه فئة طموحة تريد أن تطير في الهواء بأجنحة النسور، أستغفر الله بل تريد أن تطير إلى ما هو أبعد من حدود الهواء، فتنطلق في أعماق الكون بأجنحة الصواريخ.
(1/286)

- أنموذج رقم "3"
- الصحيفة: الشرق الأوسط.
- المادة: مقال صحفي عام.
- المحرر: عبد الله الجفري.
- لون من ألوان الأدب الصحفي, عندما يتناول كاتب وأديب أحداث الساعة بقلمه من زاوية صحفية، لاحظ العنوان المرتبط بالقصة التاريخية والأسطورة ولكنه المعبر عن الواقع الموضوعي لاحظ أيضا ذلك الاستهلال "الإنشائي التصويري".. وأقول أيضا "الشاعري" البارع تتابع الأفكار والعناصر مع العناية بالشواهد والأمثلة التاريخية, والتي تتصل بالذكريات وإسقاطها على أحداث الحاضر, القالب الفني المختلط الذي يعتمد على الجمع بين بعض جوانب وزوايا قوالب الوصف والقصة والتاريخي، النهاية التصويرية والتحذيرية في آن واحد.. لاحظ أوجه الشبه القائمة بينه وبين المقال السابق على الرغم من اختلاف الموضوعين.
كان ياما كان.. أرض اسمها لبنان!
كان الليل في لبنان هو ذلك المساء الراقص بخطوات السهارى، وبخطرات النسيم التي تجرح خدود الحسان، كما وصف شاعر يحمل في أسراره التأمل والصخب معا، ويزرع فوق أرضه مع مطلع كل فجر سوسنة حب يلتف الناس حولها حنوا ووفاقا لا خنوعا وخلافا.
(1/286)

كان الليل في لبنان هو ذلك الزمن الجديد الطالع كل مساء بضحكات الساهرين.. تتردد في أصدائه "الدبكة" متجانسة مع حركات النضال، ومع أحلام الحرية، ومع أضواء التاريخ التي كانت تنبعث من جنبات صفوف أعمدة "بعلبك".
قادر -ذلك الليل- على أن يفصل بين ضجيج الأضواء والسهارى وبين صمت تلك الصخور الناطقة برسومها وبنقوشها وبدلالتها على حضارة عظيمة.
وكان يسري بين الضجيج والصمت ذلك "الحلم" الرومانسي الصادر من صوت "فيروز" وهي تحكي قصة لبنان، ثم وهي تبكي لبنان بعد ذلك، ثم وهي تفتش عن لبنان الآن.
أصبح الليل في لبنان هو هذا الظلام الذي اعتقل خطوات السهارى، وجلد خطرات النسيم حتى جعلها لهبا، وأحال "الدبكة" إلى رقصة حرب في أدغال أفريقية في مجتمع أكلة لحوم البشر عندما اختل التقييم، وانتفى الفرق بين أن يقتل اللبناني أخاه، أو يقتل جاره، أو يقتل أي إنسان, إلا أن يكون ذلك المقتول عدوا حقيقيا.
والذكريات صدى السنين الحاكي -كما غنت فيروز- نتذكر اليوم ساعة مرت في العمر، قبل اندلاع الحرب الأهلية وقبل التهام جنوب لبنان, كما نقف بجانب شواهد من التاريخ في لبنان, تلك التي ما زالت باقية من عهد الرومان بضخامتها وبرموزها، وهي تطل على سهل فسيح وتبدو من شرفاتها أشجار المشمش والكرز، وترجع فيها هياكل "جوبيتر وفينوس وباخوس" إلى القرون الأولى للميلاد، ويحيط ببعضها جزء من أسوار عربية شيدت بعد ذلك!.
هنا يرى التاريخ حكايات عن: جبابرة نقلوا إليها الحجارة الضخمة قبل نوح والطوفان، وعن عمالقة من عوالم أخرى نقلت حجارة عالم بعيد، وعن غزاة حاولوا تذويب معالمها وتغريب لسانها، وكل أولئك ذهبوا وبقيت لبنان.
فالأرض لا تموت أبدا بل الذي يموت هو الإنسان.
إذا فرط الإنسان في أرضه.. مات!
إذا باع حريته ثمنا لمصالحه.. مات!
إذا وضع "الشخص" فوق قيمة ومصلحة أرضه.. مات.
ذلك أيضا.. يعيدني إلى "وقفة" فلسفية، من خلال أسئلة طرحت على
(1/287)

الفيلسوف الأديب "ميخائل نعيمة" في مناسبة تقدمه إلى "التسعين" من العمر يومها سئل عن علاقته بالزعيم الدرزي "كمال جنبلاط" فأجاب:
- علاقتي معه كانت مبنية على أسس روحية بعيدة عن السياسة، وكان من الناس الذين يتعشقون الفلسفة الهندية.
وعندما جاء "وليد جنبلاط" في مكان أبيه.. تكشف لنا أنه ابتعد هو بدوره عن الفلسفة الهندية، وخالف والده ولم تعد فلسفة "اليوجا" تقنعه كدور سياسي في الصراعات التي اندلعت، خاصة بعد مقتل والده, فأعضاء "وليد جنبلاط" وفكره أصبحا أكثر قسوة على لبنان، مما جعل ممارسة "اليوجا" تتعذر عليه.
ولم يجد "وليد جنبلاط" في قدراته ما كان يراه في قدرات والده على الاسترخاء فوق ذلك السرير الهندي المليء بالمسامير المدببة، التي كان "جنبلاط" الأب يراها أكثر رحمة من سرير جديد للبنان يمتلئ بما يوفق المسامير، ويسمى: سرير التقسيم الطائفي.
ولكن ما الذي أوصل "لبنان" واضطر هذا البلد الذي كان مخمليا، وفيروزيا لينام فوق سرير التقسيم الطائفي، وينظر إلى "اليوجا" على أنها فلسفة نظرية، برغم أنها عملية جدا، ويجري إلى التذبيب الأقسى؟
إنها "الفوضى" التي أوصلت لبنان إلى هذا الحال وإلى الاستلقاء القسري فوق سرير التقسيم الطائفي, فالفوضى أصبحت قانون لبنان الجديد، وتنظيمها السياسي، ومجابهتها للغزاة.
- وسئل "ميخائيل نعيمة" إن كان ينتمي لحزب ما، فأجاب:
- لا أنتمي إلى أحزاب أيا كانت؛ لأنها تختلف عن طبيعتي، ولأنني لا أريد أن أتنازل عن حريتي.
فإذا فقد "الوطن" وحدته الوطنية أصبح غاية, وتحول إلى فوضى.
ثم أضاف "ميخائيل نعيمة" عبارته المباشرة بعد ذلك، فقال:
- إني أربأ بلبنان أن يصبح سلعة تتناقشها شتى الأيدي، أو أن يخسر طابعه الخاص!
وإذن فقد بلغ "لبنان" الوطن الواحد هذه المرحلة الخطيرة مرحلة: السلعة التي تتناقشها شتى الأيدي.
(1/288)

والآن.. إلى أين يهرب لبنان من تاريخه وهياكله وأعمدته بشجرة الأرز؟ الآن.. إلى أن يركض "اللبناني" بوطنه.. هروبا من الوحدة الوطنية، وتفكرا للوفاق واغتيالا لشخصية الوطن التي تقدم قربانا وثمنا لشخصية الفرد؟!
الآن لا أمريكا، ولا روسيا، ولا حتى إسرائيل مسئولية عن ما سيحدث في لبنان من تقسيم، ومن إعادة بدء حكاية "قابيل وهابيل" بل المسئول الأول والأخير هو "اللبناني" نفسه.
وفي البدء -عندما اشتعلت الحرب الأهلية- كان "اللبناني" هو الذي يتحمل وزر التمزق الوطني من الداخل حتى لو لمسنا خلفيات الأحداث، وأثبتنا تدخل جهات غير لبنانية في مصير لبنان، وسياسته، فكانت تلك الجهات هي السبب في تصعيد الحرب الأهلية, ذلك أن الجهات الأجنبية قد خططت بالفعل لشرذمة وتمزيق الأرض اللبنانية، ولكن الإنسان اللبناني الذي حمل السلاح وصوبه إلى صدر أخيه اللبناني في حرب أهلية مقيتة ومخجلة, كأن هو الأداة وهو الذي جعل مهمة تطبيق وتنفيذ مخطط التمزيق مهمة سهلة.
لقد بقي اللبناني مسئولا حتى عندما اجتاح العدو الصهيوني أرض لبنان؛ لأنه لولا تفكك الوحدة الوطنية، ولولا تنازع الأخوة فيما بينهم.. لما أمكن لإسرائيل أن تدخل الأرض اللبنانية، ولا أن تغريها تلك الخلافات باقتناص الفرصة.
وإذن فإن ما حدث في "لبنان" منذ بدء الحرب الأهلية، وحتى الاجتياح وما سيحدث بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار من محاولات تقسيم, هو في الرؤية الأبعد والأشمل تشبث بمبدأ "المصالح الشخصية" أو المصالح الطائفية، أو مصالح الزعامة السياسية التي يجسد كل زعيم من خلالها مصالحه الذاتية، وأن يكون ذلك "القبضاي" وأن يكون المستفيد من تجارة السلاح، ومن المزايدت السياسية في المنطقة.
إن أعتى الأساطيل لا تقدر أن تهزم أصغر الشعوب, لو اتحد هذا الشعب، وآمن بقضيته، وحرص على وحدة أرضه, فهو سيواجه المعتدي بذلك الإيمان, وبتلك الجذور التي تشده إلى أرضه.. وقد رأينا كيف بدأت أمريكا تصرخ من "اقتناص" أفراد "المارينز" قبل وقف إطلاق النار، فكانت مقاومة شعبية رائعة لن تستمر أو تتأكد إلا في ترسيخ الوحدة الوطنية, تماما بنفس الصورة التي كانت تعانيها أمريكا في حرب فيتنام, فلماذا لا تضحك أمريكا وإسرائيل وسعد حداد اليوم؟.
فالدولة القوية المعتدية, لن تصمد أمام الدولة الصغيرة التي تقاوم الاستعمار
(1/289)

والدخلاء والتي تلفظ كل جسم غريب يحاول الالتحام بجسد الوطن.
وبعد فمازلنا نكتب الكلمات "البيضاء" من أجل مصلحة لبنان الوطن، ودفاعا عن وحدة الأرض اللبنانية وعن شخصية الإنسان اللبناني في الجماعة, قبل أن يفيض الماء وتستوي على الجودي, فلا يتبقى لنا إلا الكلمات السوداء!
(1/290)

أنموذج رقم "4"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: المقال الصحفي العام.
- المحرر: د. مصطفى محمود.
- أهم الملاحظات: جدة الفكرة وطريقة التناول, الإحساس بالمسئولية الاجتماعية للكاتب, اختلاط القالب القصصي والقالب الوصفي, المقدمة التصويرية, وضوح الأسلوب وجاذبيته, فنية الحوار, النهاية التصويرية القوية المعبرة.. أوجه الشبه في كثير من الزوايا بين هذا المقال ومقال د. زكي نجيب محمود، أنموذج رقم "2".
الفجوة:
هو: دكتوراه في الكيمياء من جامعة أسيوط، يحمل معه جلافة الريف وبساطته وطيبته, وهي خريجة آداب قسم سياحة تحمل معها حقيبة كريستيان ديور وتنظر دائما غربا إلى باريس لتأخذ عاداتها وقيمها وموضاتها، وبينما هو ينظر شرقا إلى مكة معلق القلب والفؤاد بالكتب القديمة الصفراء والمدائح النبوية وحلقات الذكر في سيدي أبي العباس.
وهو في زيارة للسويد والنرويج مدعوا في مؤتمر علمي وهو يصحب زوجته في شهر عسل وهما يهبطان معا درجات الفندق الفخم في ستكهولم, وكلما مر بهم نزيل أومأ برأسه في تحية فتضغط على ذراعه هامسة:
- رد على التحية بإيماءة برأسك أنت الآخر, أترى كم هم مؤدبون, تعلم إذا حييتم بتحية فردوا بأحسن منها، أترى النظافة حولك كل شيء حولك يلمع، والأرض كأنها مرآة، المواعيد بالدقيقة والثانية، الكلمة واحدة كأنها ميثاق، لا غش ولا احتيال ولا مكر ولا تعقيد, المرأة هنا حرة رشيد مستقلة الإرادة تملك مفتاح عربتها ومفتاح شقتها وتخوض الحياة بلا خوف وتختار زوجها في حرية, وتعمل في أي مهنة تحب, حارسها ضميرها وحده، يدها مع يد زوجها على دفة القياة, لا رياسة لأحد على
(1/290)

الآخر ولا تحكم ولا استبداد, لها نصف ما يملك إذا افترقا، هكذا يضمنون للمرأة مستقبلها هنا ويؤمنونها من غوائل الدهر وطغيان الرجل، دستور الزوجية احترام متبادل ومساواة في الحقوق وثقة وحرية من كل طرف في الآخر, ولا تدخل ولا فضول، لا مساءلة ولا محاكمة, أين كنت بالأمس, ولماذا جئت متأخرة، تذكرة طائرتها في جيبها وباسبورها في حقيبتها، تسافر إلى آخر الدنيا وحدها، حرة, رشيدة، مستقلة، حارسها ضميرها وهذا يكفي، انظر حولك وتعلم، هذه هي القيم التي نحتاجها في مصر، لتصنع مصر، جديدة وحضارة جديدة ومدنية جديدة هذه فرصتك لتغسل دماغك من أتربة الريف وتجدد شباب عقلك، وتتشرب هذه القيم العصرية، لا أحب أن أصادر على تفكيرك, ولكني أطالبك فقط بإعادة النظر وعدم الرفض الفوري لأي جديد لا أحبك أن تشيح بيدك وتقول كلمتكم التقليدية: هذه دولة الكفر، فأين الكفر فيما ترى، هل النظافة كفر، هل الأمانة كفر، هل الوفاء بالوعد كفر، هل النظام كفر، هل العلم المتقدم كفر، هل الصناعة كفر.
ومرت امرأة بيدها كلب وأومأت برأسها في تحية فرد صاحبها بإيماءة أخرى من رأسه فضغطت صاحبتنا على يده في حب وقالت وهي تلفت نظره إلى الكلب:
- أترى أصابع الكوافير كيف صففت شعرها هذا الكلب، والفيونكة الحمراء الجميلة، هل العطف على الحيوان الضعيف كفر، هل رأيت المستشفى الأنيق أمام الفندق إنه مستشفى للكلاب ودار حضانة للكلاب, تترك المرأة كلبها في الصباح ثم تعود لتأخذه في المساء.
قال الرجل الريفي وهو يهز رأسه غير مصدق:
- شيء عجيب.
- هل تعلم أن هناك أكثر من عشرين صنف لحوم معلبة للكلاب، وإن المحل يترك لك الحرية لتعرضها على كلبك ليجربها ويختار منها ما يحب.
قال الرجل الريفي وهو ما زال يهز رأسه:
- شيء عجيب إذا كانوا يصنعون هذا بالكلاب فماذا يصنعون لبني آدم.
- سوف ترى يا عزيزي لا تتعجل.
- إذا كان هذا مقام الكلب في الأسرة، فماذا يكون مقام الأسرة في المجتمع؟
- سوف ترى بنفسك الليلة, ألسنا مدعوين معا إلى تلك العائلة السويدية.
(1/291)

- نعم، نعم، لقد دعانا الدكتور كرافت على فنجان شاي لنحدثه عن مصر وعن أخبار مصر, فهو عالم في المصريات كما تعرفين.
- بل نريده أن يحدثنا هو عن بلاده وعن المعجزة الأوروبية.
- نعم، صدقت.
وفي المساء كان الدكتور كرافت يمد يده ليصافحها في حرارة وهو يقول:
- أخيرا جاءت مصر إلينا، أخيرا أصافح أحفاد حتشبسوت وإخناتون يدا بيد، قال الرجل الريفي:
- لا أظن فقد اختلطت الأنساب كثيرا في بلادنا يا عزيزي الدكتور بقدر ما تعاقب عليها من فرس وروم ومقدونيين وهكسوس وعرب وإنجليز وفرنسيين، لا أظنك اليوم تجد حفيدا واحدا حقيقيا لحتشبسوت أو إخناتون، لن تجد هذا الحفيد إلا في مقابر تل العمارنة في تاوبت سرق كل ما فيه، ولم تبق إلا الجثة.
قال الرجل وهو يتنهد أسفا:
- صحيح هذا مؤسف، لم يبق لنا إلا تاريخ ومعابد وبرديات هيروغليفية ورشف الدكتور كرافت رشفة هادئة من فنجان الشاي.
- لو كنتما هنا أمس الأحد، لسعد أبواي بكما كثيرا، فهما مثلي يحبان مصر كثيرا ويتنسمان أخبارها.
قال الرجل الريفي:
- وأين هما يا ترى.
- هما عجوزان لطيفان, وهما في هذه السن التي يصعب فيها التفاهم والتواصل بينهما وبين باقي الأسرة وحتى بينهما وبين بعضهما، ولهذا انتهى بهما المطاف إلى دار للمسنين، لكل منهما غرفة منفصلة وكل منهما يقطع النهار في حل الكلمات المتقاطة وشرب النبيذ ومشاهدة إلى التليفزيون, وهذا شأن الكبار هنا حينما تتقدم بهم السن.
قال الرجل الريفي في استغراب:
- والصغار؟
- بعد السابعة عشرة يذهب كل واحد وشأنه, لي ثلاثة أخوة وأخت رابعة تفرقوا في القارات الخمس وتفرقت بهم المصائر, الأخ الأكبر تزوج من امرأة بوذية في كمبوديا والأصغر قطعت ساقه في حادث وهو يعمل بارمان في كلكتا والأخ الأوسط يشتغل
(1/292)

في مصنع سلاح في جنوب أفريقيا، أما الأخت فقد تزوجت من فيتنامي ولم تنجب، ثم افترقت عن زوجها، وأنجبت ولدا تكرس له الآن كل وقتها وتعمل مدرسة بيانوا، وزوجها؟
- إنها لم تتزوج بعد الفيتنامي، لقد أنجبت ولدا بعد قصة حب, وكما تعلم هذه الفورات العاطفية تنتهي إلى لا شيء وتبدأ المشاكل, وهذه مسائل عادية تحدث الآن كثيرا.
- عبر كروت الكريسماس وهدايا عيد الميلاد كل عام.
ودخل الكلب وكانت حول بطنه ضمادة.
واحتضنه الدكتور كرافت في حنان بالغ، وراح يربت على رأسه ويقبله:
- المسكين علمنا له بالأمس رسم قلب كهربائيا وفحصا بالأشعة وبالأمواج فوق الصوتية واتضح أن عنده ورما سرطانيا, وقام الجراح منذ أسبوع باستئصال الورم بنجاح، صدقني لقد حزنت من أجله كثيرا، ولم أذق طعم النوم منذ أيام.
قال الرجل الريفي وهو يقلب كفيه في عجب:
- هذا شيء مؤسف فعلا, هذا قدره.
وراح الدكتور يسأل صاحبنا ماذا يعني بكلمة القدر، وقال إنه سمع الشرقيين يتحدثون كثيرا عن القدر، ويلاحظ أنهم يدسون هذه الكلمة في كل شيء، وها أنت تدسها حتى في شئون الكلاب، صدقني أنا لا أفهم.
وأخذ الرجل الريفي يتكلم في إسهاب عن الإيمان بالله وبالقدر، وأن الله بيده ناصية كل الخلق وما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها، سواء كانت بهيمة أو كلبا أو حشرة، وأنه ما من ورقة تسقط إلا يعلمها ولا رطب ولا يابس، عنده في كتاب.
وقال الدكتور كرافت في براءة شديدة:
- ولكن أين هو؟
- من؟
- الله الذي تقول.
فكست الرجل الريفي وانعقد لسانه دهشة من السؤال الفجائي ثم عاد يقول ببطء:
- الله لا يقال عنه متى؟ أين؟ لأنه هو الذي خلق المتى والأين، هو الذي خلق
(1/293)

الزمان والمكان ولا يخضع لهما كما نخضع, هو فوق الأين.
فبدا على الدكتور كرافت أنه لا يفهم ولكنه قال في احترام شديد:
- ألا يمكن أن نتكلم كلاما أكثر وضوحا وواقعية, ألا يمكن أن تقول لي عن الله شيئا ملموسا، صدقني إني في دهشة من إيمانكم العميق أيها المصريون، إيمان بطول سبعة آلاف سنة، إنه شيء عجيب يدهشني، منذ سبعة آلاف سنة وأنتم تبنون للموت ولا تعيشون للحياة ولكن لما بعد الحياة, وكأنما أنتم متأكدون تماما من كل شيئ ألا يدهشك هذا, من أين لكم بهذا اليقين بأن بعد الموت شيء, لكم أتمنى أن أرى الله كما ترونه.
فقال الرجل الريفي في بساطة:
- إني لا أرى غيره، أراه في تفتح الزهرة وابتسامة الوليد وأراه في الصواعق وأرى مشيئته في حركة التاريخ وأرى يده في قبضه الجاذبية التي تضم شمل الكون وتمسك بالمجرات وتحمل السموات بلا عمد، وأراه أقرب إلي من نفسي بل أقرب إلي من نطقي وأراه في العماء خلف كل شيء، في غيب الغيب، لا يوصف ولا يحد، سبحانه لبس كمثله شيء.
وحاول أن يبحث عن كلمات تقول أكثر وتفصح أكثر وتجسد أكثر, كلمات يعبر بها الفجوة الهائلة بينه وبين محدثه ولكنه لم يجد.
كانت الفجوة كبيرة, فجوة بين حضارتين:
حضارة لا تؤمن إلا بما ترى وتلمس وتحس وتسمع.
حضارة مادية تبدأ من المادة وتنتهي إلى المادة وتشيد من المادة معجزات وخوارق واختراعات وسفنا فضائية وقنابل وتصنع بها الدمار والعمار.
وحضارة أخرى تواقة حالمة متطلعة إلى الغيب تتصنت بالقلب والروح عني ما لا يرى وما لا يسمع وتعبر المادة أبدا ودائما إلى ما وراءها.
وسكت الرجل الريفي ولم يجد كلاما يقوله ليعبر به الفجوة.
وأخذ يعيد ما قال, وكأنما يخاطب نفسه:
- إني لا أرى غيره، لا أرى إلا الله سبحانه لا سواه.
قال الدكتور كرافت:
- إني لا أملك إلا أن احترمك، ولكني لا أفهمك.
وفي المساء في الفراش كان الرجل الريفي يحدث زوجته وهو يخبط كفا بكف:
(1/294)

- أرأيت، إنه لا توجد أسرة لقد انفرط كل شيء, البنت تحمل سفاحا والأخوة تفرقوا في أركان الأرض ليواجه كل منهم مصيره بلا عون وبلا سند, والأب والأم منبوذان يعيشان وحيدين في دار للمسنين ولم يبق إلا الكلب, أقاموه صنما بديلا يبذلون له الود والحب والحنان والعبادة التي خلت منها الحياة, ويحاولون أن يخلقوا فيه المعنى والحكمة التي سلبوها كل شيء، إن كل ما تشاهدينه في الفندق من تحيات ومجاملات وآداب مائدة وسلوك مهذب ولياقة، كلها تعبيرات فارغة لا تدل على شيء ولا تحتوي على مضمون، إنها مجرد حياة تلهث وراء متع لحظية، ثم موت ثم تراب ثم عدم، ثم لا معنى ولا حكمة وإنما عبث.
ولم يعجب زوجته الكلام وأعطته ظهرها، وقالت كالعادة:
- لا تتعجل في الحكم، ولا تستخرج حكما عاما من لقاء عابر، انظر حولك، إنك في عالم كعرائس الخيال أبهة ونظافة وأناقة وجمالا وعلما وصناعة.
قال في هدوء وقد أعطاها ظهره هو الآخر:
- كل هذا يمكن أن ينهدم في لحظة، حينما تنهدم القيم التي تمسك به.
كل هذا يصبح مثل النقش على الماء.
- قالت في مرارة:
- وهل عندنا في مصر قيم, هل عندنا أخلاق.
- صحيح لقد أصابت عدوى الانحلال الكثيرين في بلادنا, وصحيح عندنا فساد. ولكن ما زال عندنا أولو بقية من أهل الخير يعرفون الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقومون الليل ويسبحون النهار، وهؤلاء هم عمد الأرض وأركان الدنيا, يحفظ الله الدنيا من أجلهم وبدونهم لا يعود لها بقاء.
قالت وهي ما زالت تنظر غربا وقد أعطته ظهرها:
- بل أركان الدنيا هنا، ولكنك ترفض أن تراها وأعمدة الحياة حولك ولكنك تنكرها، وناطحات السحاب تنطح السماء وتصنع الأقدار للألوف والعقول الألكترونية تدير المصائر للملايين وما تسميه انحلال الأسرة هو روح الحرية, والمغامرة ولكنك لا تريد أن ترى ولا تريد أن تغير من نفسك شيئا.
قال وهو ما زال يعطيها ظهره وينظر شرقا:
- نسيت أن صانع كل هذا العمار ترك نفسه خرابا، وإنه يوشك أن ينتحر وأن
(1/295)

يقتل نفسه بما صنعه، وأن عمد الدنيا في نظرك وأركان توشك أن تنقض على بعضها البعض بالأسلحة الذرية والقنابل النووية, وأنهم لونوا ما حولهم الفضاء والماء والهواء كما لونوا عقولهم بالخمور والمخدرات, ولونوا أرواحهم بالكفر والجحود، وإن ما ترينه براقا حولك هو الغرور ومتاع الغرور وخيال اللحظة ونشوة اللمحة البارقة واقرئي التاريخ، انظري خلفك، بل تحت قدميك، بل في التراب تحتك حيث اندثرت أمم وإمبراطوريات، وحيث انتهى عماليق طاولوا الشمس وخرقوا السماء.
ولكنها لم تنظر إلى وراء ولم تلتفت إلى التراب تحت قدميها, وإنما ظلت ناظرة مبهورة دائما إلى غرب، بينما ظل هو شاخصا إلى الشرق إلى مطلع الأنوار, وقد أعطى كل منهم ظهره للآخر، وبينهما خيط رفيع، رفيع هو عقد زواج، يوشك أن ينقطع.
(1/296)

أنموذج رقم "5"
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يلاحظ:
المقال بعنوان لافتة أساسي "الجمهورية تقول" وعنوان يختلف من يوم لآخر وباختلاف مادته -وهو من نوع "المقال الافتتاحي التحذيري" إلى جانب لون من ألوان "الاستشكاف" إلا أن الطابع التحذيري يغلب عليه، والمقال قصير في حجم نصف العمود -حجم مقال العمود في أغلب أحواله- وغير موقع على الإطلاق كما أن أسلوبه سهل وواضح شأن الأسلوب الواجب اتباعه بالنسبة للمقالات الافتتاحية.
الجمهورية تقول:
قبل أن تقع الواقعة
عندما يطالب إلياهو بن اليسار رئيس لجنة الشئون الخارجية في الكنسيت الإسرائيلي بضم الضفة الغربية وغزة إلى إسرائيل, فإننا لا يجب أن نأخذ كلامه باستخفاف أو نعتبره من قبيل المزايدات السياسية أو "بالونات الاختبار" وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن ابن اليسار من النجوم الصاعدة في المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة, فقد كان عضوا بارزا في المنظمة الإرهابية التي قادها بيجين قبل عام 48 ثم مديرا لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ثم أول سفير لبلاده في القاهرة، ثم احتل منصب رئيس لجنة
(1/296)

العلاقات الخارجية بالبرلمان الإسرائيلي، ورجل كهذا تعتبر تصريحاته من المؤشرات الهامة التي تحدد اتجاهات السياسة الإسرائيلية.
ثانيا: أن دعوة ابن اليسار إلى ضم الضفة الغربية وغزة تعبر عن هدف أساسي من أهداف السياسة الإسرائيلية، وتنسق مع كل الإجراءات والتصرفات التي تمارسها إدارة الاحتلال الإسرائيلي في هذه المناطق منذ عام 1967 تنفيذا لهذا الهدف.
ثالثا: أن المناخ السياسي في الشرق الأوسط يعتبر مناخا ملائما من وجهة النظر الإسرائيلية لتحقيق هدف ضم الضفة الغربية وغزة، فليست هناك قوة عربية يمكن أن تقاوم "عملية الضم" إلا قوة المواطنين الفلسطينيين العزل من السلاح!
لذلك لا بد أن نتوقع أن يكون تصريح ابن اليسار مقدمة لإجراء إسرائيلي معين في الضفة وغزة, خصوصا وأن وزير الدفاع الإسرائيلي قد أدلى بتصريح مماثل منذ أيام.
فهل يملك العرب أن يردوا على هذا الخطر المتوقع؟!
(1/297)

- أنموذج رقم"6".
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يلاحظ:
يعلو المقال عنوان لافتة أساسي هو: "رأي الأهرام" وهو ثابت يوميا يتلوه عنوان آخر متغير يوميا، وهذا المقال هو من نوع مقال "الدعوة إلى موقف أو عمل" وهو يتوجه بهذه الدعوة مباشرة، ومنذ الكلمة الأولى فيه، كما أن به مسحة من "التحذير" وهو يأتي في كلمات واضحة وصريحة, وحجمه حجم المقال العمودي القصير -حبذا لو كان أطول قليلا عن طريق مزيد من الشرح والتحليل- كما أنه غير موقع على الإطلاق.
أمريكا.. والمستوطنات:
مطلوب من الولايات المتحدة مواقف واضحة ومحدودة من قضية انتشار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة وغزة، وفي المدن الآهلة بالسكان وبالذات في الخليل، ونابلس، وفي كل مدينة وقرية فلسطينية.
وغموض المواقف، وصدور التفسيرات والتوضيحات يستفيد منه الطرف الإسرائيلي، مما يزيد من تعقيد المشاكل وبروز الخلافات ومحاولة الاستفادة من العبارات المبهمة التي تصدر بين حين وحين لتفسير مواقف مرفوضة، أبرزها استخدام الولايات المتحدة لحق
(1/297)

الفيتو لمنع قرار يصدر من مجلس الأمن يدين سياسة المستوطنات ويستنكرها ثم إصدار بيان يصف إزالة هذه المستوطنات بأنها من الأمور غير العملية وغير الواقعية.
وإذا كان البيان الأمريكي قد تضمن نصا يؤكد أن بناء المستوطنات يمثل عقبة أمام السلام فالذي لا شك فيه أن صدور بيان يدين بناء المستوطنات ويستنكرها بصورة قاطعة واضحة وصريحة سوف يخدم قضية السلام، وسوف يعيد بالتأكيد مواقف أمريكية التزمت بها, ويجب أن تلتزم بها إذا كانت تريد أن يصبح السلام حقيقة واقعة وليس مجرد سراب نتطلع إليه ونتمناه.
مصر أدانت وتدين المستوطنات وتطلب وتطالب كل من يحرص معها على استمرار مسيرة السلام أن يعلن موقفه ويدين الخطأ، لا يحمي الجريمة ولا يخفيها ولا يسعى لإيجاد تفسير أو مبرر لها.
(1/298)

أنموذج رقم "7"
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: مقال افتتاحي.
- يأخذ طابع المقالات الافتتاحية لهذه الصحيفة خاصة من حيث العنوانات والطول والتوقيع وهو أنموذج طيب للمقال الافتتاحي من نوع "الشارح المفسر" وأسلوبه سهل، وعباراته مترابطة وتناوله للحدث طيب، لكن يؤخذ عليه وعلى غيره من المقالات التي تناولت هذا الحدث إطلاق تعبير "عيد" البترول وكان يمكن أن يقال "يوم البترول" أو "يوم عودة البترول إلى مصر" أو أي تعبير آخر مناسب للحدث, لا سيما بعد أن كثرت مثل هذه "الأيام" وواضح أن السبب هنا ليس المحرر أو الصحيفة فليس هو أو هي، من أطلق هذا التعبير.
عيد البترول:
اليوم نحتفل بعيد البترول, وهناك أسباب عديدة تجعل هذه المناسبة جديرة بالتسجيل والاحتفال.
في مقدمة هذه الأسباب أنها تأتي في ذكرى مرور سبع سنوات على عودة حقول بترول سيناء في نوفمبر 1975 في إطار بداية عودة السيادة المصرية لسيناء التي ظلت أسيرة للاحتلال الإسرائيلي منذ هزيمة يونية 1967.
وثاني هذه الأسباب أن عودة هذه الحقول كانت ثمرة من ثمار حرب أكتوبر 1973
(1/298)

التي استطاعت بها القوات المسلحة المصرية أن تمحوا عار الهزيمة, وأثبتت قدرتها على انتزاع النصر وتحدي كل عوامل الإحباط والتثبيط.
وثالث هذه الأسباب أن عودة هذه الحقول تقدم إضافة لا بأس بها لطاقة الإنتاج البترولي التي تزايدت بشكل مستمر طوال السنوات الماضية وتزايد الأسعار العالمية للبترول, ولكن أيضا نتيجة لحسن توجيه الاستثمارات المخصصة للعمل الاستكشافي والإنتاجي والتحويل في هذا القطاع الحيوي.
ورابع هذه الأسباب وليس آخرها أن ناتج العمل البترولي يمثل مصدرا رئيسيا من مصادر الناتج والدخل القومي, ووسيلة أساسية من وسائل دعم ميزان المدفوعات وفضلا عما يقدمه لكافة قطاعات الإنتاج والخدمات من وسائل الطاقة والخدمات فإنه قبل ذلك يقدم دعما للاقتصاد الوطني وجهود التنمية.
والاحتفال بعيد البترول وكذلك الاهتمام بالنشاط البترولي لا يعنى بأي شيكل التقليل من أهمية قطاعات الإنتاج الأخرى وفي مقدمتها الزراعة والصناعة أو المرافق والخدمات, فكلها روافد تصب في بناء الاقتصاد المصري, وزيادة الإنتاج فيها جميعا هدف نسعى إليه لدعم الاقتصاد المصري, وهي في نفس الوقت وسيلة لتحقيق أمن الوطن ورفاهية المواطن.
(1/299)

أنموذج رقم "8"
- الصحيفة: الرأي العام.
- المادة: مقال افتتاحي.
- تتبع الأسلوب التقليدي في كتابة الافتتاحيات، وهو الأكثر صحة وسلامة من غيره، اختيار جيد للموضوع, مزج بين أساليب وأنواع الشارح المفسر والمستكشف والتحذيري، اللغة سهلة واضحة والنغمة هادئة أيضا.
لماذا؟.. ولمصلحة من؟
الاشتباكات الفلسطينية - الفلسطينية التي تندلع عنيفة من وقت لآخر يجب أن توقف؛ لأنه من غير المعقول، ولا المسموح، أن تتواصل مثل هذه الاشتباكات وأن تلتهب بينما هناك من يثابر على الإغراء والانزلاق أكثر وأكثر في لعبة استعراض القوة، جميع المؤشرات تؤكد أن الاقتتال الفلسطيني ترك ضررا كبيرا على القضية الفلسطينية، وجعل الذين يحملون تقديرا قويا لهذه القضية، يخشون أن تشكل الخلافات الحالية بين رفاق
(1/299)

السلاح، تربة خصبة تنمو فيها بذور الضعف والانهيار، كما برهنت التجارب الماضية هنا، في مناطق كثيرة.
من هنا نرفض أن تتواصل الخلافات داخل البيت الفلسطيني، أو أن تتحول إلى ظاهرة مرضية نعمل على إخفائها أو نستحي من الإفصاح عنها.
لقد عانى الفلسطينيون درجات متفاوتة من أعنف أشكال القهر والظلم على أيدي المحتلين الصهاينة، ومثل هذه المعاناة القاسية تمتد جذورها عميقا في أرضية التاريخ. ولهذا لم يعد من الجائز أن يضيف الفلسطيني مزيدا من تلك المعاناة وأن يعدم الوسيلة التي تجعله يتوقف عن فعل المزيد.
في الضفة الغربية وقطاع غزة لم تعد إسرائيل تخشى أن تنتهي أساليبها في القمع والإرهاب ضد سكان الأرض الأصليين إلى إدانة أو خسارة معنوية.
وفي إسرائيل أيضا، يكاد تعبير "المناطق المدارة" ينهار ويختفي أمام المد الاستيطاني الزاحف، وأمام "حق اليهود في العيش في يهودا والسامرة، التي هي كما قال بيغن، مهد تاريخنا، ولا يحق لأحد أن يحرمنا من هذا الحق، حيث إن تاريخنا المجيد هو من أهم ركائزنا "كذا" ... ".
بهذه العبارات الواضحة توجه مناحيم بيغن إلى مستوطنيه اليهود مذكرا بالأواصر التاريخية والتوراتية التي تبيح لهم حق ممارسة العنف والإرهاب وشتى صنوف القتل والتدمير ضد أصحاب الأرض الأصليين, الذين يوشكون أن يتحولوا إلى غرباء أو طارئين على أرضهم وأرض أجدادهم، نعم، لقد حرص بيغن على أن يخاطب عواطف المستوطنين الصهاينة، كي لا ينسوا سهوا، تلك الأواصر وتلك الحقوق المزعومة التي يحرصون على الانتصار لها بكل الأساليب والوسائل.
إن النقطة الأكثر أهمية في الصراعات الجانبية الدائرة في الساحة الفلسطينية، هي أنها لعبة دموية، تبعث على الأسى والحزن، وتثير شهية القوى المعادية على الاختراق وإثاره البلبلة وانعدام الوزن.
وأخشى ما نخشاه أن تتحول جهود المصالحة الفلسطينية إلى مباراة خارج إطار العقل والتعقل، بينما يتوالى سقوط الضحايا على أرض القضية ومن حسابها, وهو ما لا يمكن احتماله أو التهاون به.
(1/300)

أنموذج رقم "9"
...
أنموج رقم "9"
- الصحيفة: الأخبار.
- المادة: عمود صحفي "ما قل ودل".
- أحد أساليب كتابة الأعمدة, العمود عبارة عن رسالة من قارئ يقدمها محرر العمود لتشمل أكثر سطورة, الأسلوب الذي درج عليه الأستاذ أحمد الصاوي محمد في أكثر أعمدته منذ منتصف الستينيات تقريبا، وهو اتجاه تحريري عالمي معروف في تحرير مقالات الأعمدة الثابتة.
ما قل ودل:
الثروة الخشبية، وضرورة حماية الأشجار صغيرها وكبيرها، ومضاعفة الاهتمام بها للإكثار منها، يقول الأستاذ خليل إبراهيم الصيحي مدير بنك التسليف بشبراخيت وعضو مجلس إدارة البنك بالبحيرة:
عندما ارتفعت الأسعار العالمية للأخشاب ترتب عليه ارتفاع ملحوظ في أسعار الخشب محليا, واتجه الكثيرون إلى اغتيال الثروة الخشبية بقطع الأشجار والشجيرات واستغلالها دون أي رقابة أو حماية لها.
قيتم حاليا في الريف قطع الأشجار الصغيرة والكبيرة على السواء لمواجهة احتياجات السوق المحلية من الأخشاب, ولم يقابل ذلك تخطيط علمي مدروس لمواجهة ذلك بكثرة المشاتل.
إنني آمل من سيادتكم بتوجيه نظر المسئولين إلى تشجيع هذه المشاتل وتوزيع الشجيرات على السادة الزراع بأسعار التكلفة, على أن تتولى تفاتيش وزارة الزراعة بالاشتراك مع الجمعيات التعاونية الزراعية المشتركة بإعداد هذه المشاتل على أساس علمي فني مدروس لتلافي القضاء على هذه الثروة الخشبية في أواخر هذا القرن.
حيث إن الأمور لو تركت على ما هي عليه الآن في ظل اغتيال الثروة الخشبية فسيرتب عليه انعدام الثروة الخشبية في فترة زمنية قصيرة ما لم يقابل ذلك بالكثير من المشاتل.
مع تحياتي وتمنياتي بالتوفيق من أجل الأجيال القادمة.
أحمد الصاوي محمد
(1/301)

أنموذج رقم "10"
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: عمود صحفي.
- المحرر: إبراهيم الورداني.
- أسلوب آخر من أساليب كتابة الأعمدة يمثل نوعية مختلفة، العمود عبارة عن عدة رسائل من القراء يقدمها الكاتب أو يقوم بالتعليق عليها تعليقا سريعا، لاحظ أسلوب الكاتب الخاص به، من خلال السطور والكلمات القليلة التي صاحبت خطابات القراء, اتجاه تحريري آخر يتبعه المحرر من حين إلى حين.
صواريخ:
صباح الخير..
و.. القراء الطيبون وصواريخ قصيرة بأقلامهم!
- بصراحة.. صحافتنا الموجودة يجب أن تهز نفسها في الغربال, فأغلب ما فيها لم تعد تهضمه معدة القارئ المعاني!.. "16 صفحة" يومية تنهال على رأس القارئ في الصباح، كلها عن الحروب ومصائب الشعوب، والوعود وتلال البنود، ومقالات الشتم والصخب والمعارضة، وصفحات الأزمات والاختناقات والانهيارات وضجر وآراء وتعليقات تتكرر وبيانات وإعلانات لا أول لها ولا آخر, فأين القضية الجيدة وأين القصيدة الحارة وأين مناهل الفن والأدب والفكر وأين الكاتب الذي يلاغي قراءة وينعش ويشبع وجدان جمهوره!! حرام عليكم أما كفانا حياة الخنادق؟!
دكتور طاهر سليم بالغردقة
- كتب إبراهيم نافع في أهرام الجمعة الماضي يصارح القراء بأن المشكلة القائمة الآن في الاقتصاد المصري هي تجمد موارده من العملة الصعبة, بل انتظار هبوطها في السنوات القادمة! وموارد العملة الصعبة لدينا فهي من قناة السويس والبترول والسياحة وأرصدة المبعوثين في الخارج، أما الزراعة فما شاء الله كلها نحن نستهلكها!.. صارحنا وأنذرنا بهذا شكرا له فقط يستوقفنا مما أورد عن آخر أرقام هذا الرقم الهزيل المخجل من موارد السياحة!.. هنا الوقفة.. بل هنا تعاسة الحيرة فما هذا التحاذل السياحي الذي نحن فيه؟.. كيف منحنا الله أعظم رقعة سياحية على ظهر الأرض بكل كنوزها من
(1/302)

ثروة آثار ونهر وصحراء وطبيعة وعذوبة بشر، ولا نأخذ من استثمارها حتى بما يوازي جزيرة صخرية صغيرة مثل قبرص؟!
أحمد رأفت مدرس بالخليج
- قرأنا في العدد الأخير من آخر ساعة تحقيقا صحفيا طويلا عن مشكلة مصلحة الضرائب مع أجور الفنانين! فالظاهرة الآن أن عادل إمام أو نادية الجندي أو سواهما وعندما يكتبان العقد مع المنتهج فبملغ الـ 60 ألفا يتحول في العقد إلى ثلاثة آلاف فقط، أما الباقي فيعطى يدا بيد تحاشيا أو تهربا من دفع الضرائب!.. قصص صريحة ووقائع ثابتة أوردها التحقيق من ألسنة المنتجين والممثلين والعاملين بالأسماء والأرقام والصور! والمذهل بل الأدهى هو ما جاء في التحقيق على لسان رجال الضرائب وبعد عرض تلك الوقائع عليهم، بأنهم يعرفون هذا جيدا ويرونه عيني عينك, ولكن ماذا بوسعهم أن يفعلوا أمام عدم وجود أدلة أو إثباتات يمكن للقانون أن ينفذ منها وينال حقوقه!
عجيبة.. ألا تعتبر تلك الوقائع المنشورة أدلة تستدعي الاستنفار منهم مثلا.. بصراحة مصلحة الضرائب قد استرخت ونامت على مخدة الأحوال.
سيد عويس - القاهرة
القراء الطيبون، ونستمر!
إبراهيم الورداني
(1/303)

أنموذج رقم "11"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: عمود صحفي موقع ثابت "مواقف".
- المحرر: أنيس منصور.
- أهم الملاحظات: الحجم الأنموذجي للمقال الموقع القصير, قالب السؤال والجواب, الوضوح, قصر العبارة, تعدد الأفكار, الدلالة على شخصية الكاتب وفكره.
مواقف:
جاءتني طالبات من الجامعة الأمريكية، ولديهن أسئلة كثيرة من بينها: ما الذي يفعله الشاب ليكون مثقفا؟
والجواب: لا شيء أكثر من أن يكون متفتحا.. يقرأ ويقرأ ويرى جمال الدنيا
(1/303)

ويسمع أجمل عباراتها وموسيقاها وأن يجد في ذلك متعة.
والسؤال: وإذا لم يجد متعة؟
والجواب: إذا لم تمتعه القراءة فليغير نوع الذي يقرؤه.. وإذا لم تمتعه الموسيقى فليغير نوعيتها، لكن لا بد أن يقرأ وأن يسمع.
ويجيء السؤال: ويكون أديبا؟
والجواب: الإنسان لا يكون أديبا ولا فنانا, وإنما يولد أديبا وفنانا وشاعرا.. فالأدب موهبة.. وما دامت موهبة فهي تنمو رغم أي شيء.
والسؤال: ويكون ناجحا بعد ذلك؟
والجواب: النجاح قسمة ونصيب.. ففي هذه الدنيا ينجح صاحب الحظ ولا ينجح صاحب الموهبة.. وينجح الصبور الذي لا موهبة له، ولا ينجح صاحب الموهبة العصبي المتعجل.. وينجح صاحب العلاقات ولا ينجح المنطوي.
والسؤال: ما هي قاعدة النجاح؟
والجواب: قد تكون القاعدة أنه حيث لا يوجد قانون، فالعلاقة الشخصية هي القانون.
والسؤال: الوصوليون ينجحون والأصوليون يفشلون؟
الجواب: ليس دائما.
والسؤال: إذن لا أمل في أن يكون النجاح على أسس أخلاقية أو علمية.
والجواب: لا علاقة للنجاح بالأخلاق, كثيرا ما نجح اللصوص والانتهازيون والمبتزون.. وكثيرا ما نجح الأخلاقيون المجتهدون، ولكن إذا كانت السرقة أسرع، فإنني أفضل النجاح البطيء مع الأخلاق.
والسؤال: وأنت نجحت؟
والجواب: إنني ما زلت أحاول؟
والسؤال: هل يظل الإنسان يحاول؟
والجواب: ما دمت حيا فعليك أن تحاول.. تماما كالمشي.. فالمشي معناه أنك في محاولة مستمرة ألا تكون ضحية للجاذبية الأرضية.
أنيس منصور
(1/304)

- أنموذج رقم "12".
- الصحيفة: الأخبار.
- المحرر: محمد زكي عبد القادر.
- موضوع فكري فلسفي يدل على طابع الكاتب، أنموذج آخر من نماذج الحوار من خلال العمود، ولكن الحوار هنا مع أي تلميذ، فليس هناك تلميذ مجدد، على طريقة الدكتور طه حسين، عرض أفكار الكاتب من خلال تصور حوار مع شخصية وهمية، بساطة أسلوب الكاتب ووضوحه، ووضوح شخصيته والدلالة عليها، تناثر مع تعكسه التجربة الحية، والمعاصرة المثمرة, مسئولية كاتب العمود الاجتماعية، يمكن اعتباره كذلك من علامات "الأدب الصحفي".
نحو النور:
قال التلميذ لأستاذه: ما هي القمة وما هو الحضيض؟
أجاب الأستاذ: القمة أن تملك نفسك والحضيض أن تملكك نفسك.
قال التلميذ: ولكن للناس رأيا آخر.. القمة هي الصعود إلى السلطان أو الثروة أو الجاه والحضيض عندهم هو النزول عن هذه القمة, القمة عندهم مادية والحضيض مادي.
قال الأستاذ: لو ملك الإنسان نفسه وهو على القمة ما آذاه النزول إلى الحضيض، ولكن لماذا تعتمد رأي الناس في القمة والحضيض ولا تعتمد رأس أستاذك؟
أجاب التلميذ وهو منكمش آسف: ما قصدت أن اعتمد رأيهم وأهمل رأيك, ولكنه موقف أرجو أن أعرف رأيك فيه، واعذرني فأنا أعيش مع الناس وتعيش أنت في برجك العاجي.
قال الأستاذ: الذي يعيش في البرج يرى أوضح وأبعد وأصدق وأشمل, المشترك في المعركة تضطرب رؤيته لها، الضجة والغبار والصراع والصراخ، كل أولئك يحجب الكثير من الحقائق، أما الذي يرقبها من بعيد فتتضح أمامه كافة جوانبها، فلا يلفته جانب ظاهر عن رؤية جانب آخر ربما كان أكثر أهمية وأشد أثرا, الناس متعجلون يبهرهم النصر السريع والارتفاع المفاجئ بغير نظر إلى حقائق الأمور، إلى الأساس الذي قام عليه النجاح مثلا، وقد يكون هشا، وقد يكون كذبا وخداعا وتهويشا، لا يلبث أن ينكشف فيكون الهبوط من القمة إلى الحضيض.
(1/305)

وسأل التلميذ: يقولون إن من في القمة يشعرون بالدهشة والخوف والعزلة.
أجاب الأستاذ: لا يشعر بهذا الشعور إلا من يحسون أن ارتفاعهم إلى القمة كان بغير حساب أو بغير استحقاق، أما من كان ارتفاعهم بالجد والاستحقاق وامتلاك النفس وقسرها على ما ينبغي، والبعد بها عما لا ينبغي فلا يشعرون بغير الطمأنينة، والرضاء سواء أبقاهم الناس في القمة أو دحرجوهم إلى الحضيض, ارتفاعهم إلى القمة كان من داخلهم وليس بعمل أحد من الناس، ولذلك يظلون فيها وعليها، حتى وإن رفض الناس أن يبقوهم حيث هم، طمعا أو حسدا أو تآمرا, ومن هنا قلت لك إن القمة هي أن تملك نفسك وتحسن سياسيتها.
محمد زكي عبد القادر
(1/306)

أنموذج رقم "13"
- الصحيفة: الأحرار.
- المحرر: محمود فوزي.
- المادة: عمود صحفي "متخصص".
- الموضوع طيب وواضح في اختياره تمرس المحرر بهذه النوعية من الكتابات، والحجم معقول أيضا والأفكار المعروضة جيدة، ولكن يؤخذ عليه اللغة العامية فقط, وصحيح أنه يكتب لمستوى معين أولا، ولكنه يكتب أيضا لكل القراء في صحيفة حزبية عامة, وقارئ هذا المقال أيا كانت نوعيته سوف يستطيع الإلمام بهذه الأفكار في حال كتابتها باللغة الصحفية العادية، وليس بهذه العامية الفلاحية إذا صح التعبير، كما أنه مقال صحفي، وليس حديثا إذاعيا.
- يصلح أيضا ليكون مقالا قائدا موقعا لهذا الركن أو الزاوية المتخصصة.
كلمة:
أخواني الفلاحين.. سلاما وتحية.
بكرة أول نوفمبر -أول السنة الزراعية- وكل سنة وأنتم طيبين وفي شهر نوفمبر بنزرع القمح, ولازم ننتهي من زراعة القمح قبل آخر نوفمبر علشان نجيب محصول كويس يوفي المصاريف, ويجيب لنا عائد كويس يكفينا ويكسينا احنا وأولادنا, وزراعة القمح بدري بتدي فرصة للنبات يكبر ويقوى, والسبلة تكون كبيرة والمحصول كثير. أما التأخير في الزراعة فله تأثير وحش قوي على المحصول. وعلى رأي المثل
(1/306)

الفلاحي "من كل ميت بدري لما يغيب بدري ومن كل ميت وخري لما يصبح وخري" والنهاردة زرعة القمح مكسب والحمد لله؛ لأن الفدان لما يحاسب من سعر 10 أرادب يكون دخله للفلاح حوالي 430 جنيه -القمح سعره 13 جنيه للأردب والتبن 30 جنيه للحمل وكل أردب يجيب حمل تبن يعني زرعة مبروكة والحمد لله. في نفس الوقت البلد محتاجة القمح قبل آخر نوفمبر علشان إننا بنستورد حوالي 4.7 مليون طن قمح كل سنة علشان تكفي الاستهلاك ده علاوة على الدقيق والذرة، ولو كل فلاح اتبع التعليمات تمام في زراعة القمح من جهة الزراعة البدري والخدمة والتسميد والبدار راح يوصل إلى 14 أو 15 أردب قمح على الأقل بالأصناف الجديدة اللي الوزارة استنبطتها للقمح.
بلاش تزرع قمح في مخصص القطن، وكلنا عارفين مخصص القطن فين، وكروكيات الدورة متعلقة على باب الجمعية, وأي فلاح له شكوى يشتكي دلوقتي قبل زراعة القمح؛ لأن زراعة القمح بتحدد الدورة الزراعية؛ لأن الفلاح لو زرع قمح في تجميعة القطن مش من السهل إزالتها.
كل سنة وأنتم طيبين وربنا يعمم الخير علينا جميعا إن شاء الله.
محمود فوزي
(1/307)

أنموذج رقم "14"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: المقال القصير الموقع الثابت.
- المحرر: أحمد بهجت.
- أهم الملاحظات: ليس شرطا أن يوضع في شكل عمودي, الصلة القوية بالقارئ والعلاقة الوطيدة القائمة بينهما, الأسلوب الفكاهي المسيطر من أول العنوان حتى الكلمات الأخيرة على الرغم من جدية الموضوع, الوضوح والجاذبية.
مغلق للتحسينات:
نزف إلى السادة القراء نبأ سعيدا.. جعل الله كل أنبائكم سعيدة، وجنبكم مغص الأمعاء وهي تقرأ الأنباء.
النبأ السعيد أن دكان صندوق الدنيا سيغلق لمدة تقارب أسبوعين إن شاء الله, أما سبب الغلق فيجب أن نؤكد لجمهور النظارة الذين يتفرجون ولا يشترون أنه
(1/307)

ليس غلقا إداريا قد تحصل بسبب تجاوز التسعيرة أو البيع خارج التموين أو التلاعب في البطاقات الفئوية أو الحمصية أبدا.
إن دكان صندوق الدنيا لا يغلق غلقا إداريا, إنما يغلقه المعلم صاحب الدكان بسبب سفره إلى الأرض الحجازية، حتى يعود بلقب الحاج فيزداد غشا للزبائن ويزداد خداعا لهم، ويقول صاحب الدكان إنه سيتوب هذه المرة، ولكنني أؤكد لكم إنني لا أصدقه، أنا الصبي البسيط الذي يعمل في الدكان ويتعرض لبطش المعلم حين يبطش بنا.
على أي حال..
لقد أعلن المعلم أن دكان صندوق الدنيا في حاجة إلى بياض وتنظيف وترتيب وغسيل.
صرح بأنه ذاهب ليحج عن صديق قديم من أصدقائه مات قبل أن يحج، سمعناه يقول إنه ينوي الحج عن أمين فهمي, رحمه الله رحمة واسعة.
على أي حال سيغلق الدكان أسبوعين أو ثلاثة, وسنكتب على الدكان بالقلم الكوبيا أن صاحبه ذهب لأداء فريضة الحج.
وهذا يعني أننا سنرسم جملا وهلالا على باب الدكان عندما يعود, وسوف يقع رسم الجمل على كاهلي، ولن يعجب المعلم، وسيقول عليه إنه حمار ولا يشبه الجمل, إن المعلم لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب.
بصراحة..
أقول لكم إني سعيد.. نحن صبيان المعلم لا نكاد نجد فرصة نلتقط فيها أنفاسنا وهو موجود, إن الشغل لا يعجبه، وهو دائم الزعيق دائم الشكوى.
ونحن نرتاح منه صارحة حين يذهب إلى الحج أو العمرة, أطال الله فترات غيابه، وجعله دائما على سفر هذا أدعى إلى السلامة والراحة.
المعلم قادم يجمع أشلاء حقيبته وسوف أنصرف قبل أن يراني.
(1/308)

أنموذج رقم "15"
- الصحيفة: الأهرام.
- المادة: عمود صحفي "يوميات".
- الكاتب: أحمد بهاء الدين.
- صورة أخرى من صور الارتباط بالقارئ بالنسبة لكاتب العمود الصحفي، استئذان ببدء الإجازة في أسلوب مختلف، بعض ما يتصل بالعلاقة بين كاتب العمود والقارئ, الأسلوب الصحفي البسيط والواضح مع بعض "اللمحات" أو "الدبابيس" التي تعكس شخصية الكاتب واهتماماته وطريقته الخاصة في الكتابة.
يوميات:
أرجو أن أستأذن من القراء الأعزاء، في إجازة من كتابة هذه اليوميات، بضعة أسابيع قليلة.
إن انقطاع الكاتب -بإرادته- عن التواصل مع قرائه، دائما قرار صعب؛ لأن الكاتب يتغذى من هذا التواصل، والحوار مع القراء، واستلهام رسائلهم، ومعرفة النبض الحقيقي لكل الفئات من هذه الرسائل.
وأي موضوع حيوي يثيره الكاتب، يتلقى بعده دائما رسائل تهاجمه، ورسائل تؤيده ورسائل تطور له أفكاره وتزيد عليها.
أو قد يكتب الكاتب عن أمر يظنه بسيطا، فإذا به يفاجأ بأنه لمس عصبا حساسا لدى الرأي العام, ويكتشف أن ما كتب عنه -عرضا- هو أمر بالغ الأهمية لدى قطاعات واسعة، ومن هذا أيضا يتعلم الكاتب.
والكاتب حين ينقطع عن الكتابة يشعر بوحشة وعزلة شديدتين, يشعر كأنه فقد بعضا من حواسه الخمس، التي بها يلمس الأشياء، ويشم رائحتها، ويراها ويتأملها.
ولكن الأطباء كان رأيهم قاطعا حازما في ضرورة هذه العزلة بعضا من الوقت، وأخذ إجازة من اقتتال اللبنانيين، وحروب العراقيين والإيرانيين، وانشقاق الفلسطينيين، ومغامرات العقيد في تشاد، والقوائم المطلقة في مصر، وضجيج القاهرة الرهيب!
وإلى لقاء أرجو أن يكون قريبا.
أحمد بهاء الدين
(1/309)

- أنموذج رقم "16".
- الصحيفة: عكاظ.
- المحرر: هاشم عبده هاشم.
- المادة: عمود صحفي.
- أسلوب آخر من أساليب تحرير الأعمدة يقوم على تناول الموضوع الواحد من جميع زواياه وجوانبه وذلك بتقسيمه إلى عناصر أو أفكار تتناول كل منهما عبارة أو جملة أو فقرة قصيرة جدا على هيئة "دبوس" بينما بدأ كل منها بكرتين للفت الأنظار والتوقف بالإضافة إلى مدخل تحريري يتناسب معها ويخالف الأخرى، ثم ينتهي العمود بفاصل عبارة عن حكمة، أو قول مأثور يعتبر امتدادا للمادة السابقة، والعمود يشرح ويحلل المواقف والاتجاهات والأفكار المتصلة به بشكل جيد وفي أسلوب مقالي طيب.
إشراق:
- المحصلة النهائية لكل "جهد متكامل".. لا تكون سيئة.. ولا تكون محدودة.. ولا تكون ناقصة بالتأكيد.
- وعلى العكس من هذا، فإن كل خطوة "مبتورة" وكل عمل ناقص، لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج "باهرة".
- والذين يتوقعون "المعجزة"، وينتظرون أن تتحقق لهم نتائج إيجابية، من خطوات هزيلة وضعيفة، وعاجزة، هم أناس "خياليون" لأنهم لم يدركوا حقيقة ما تعنيه "المعاناة" من عطاء متواصل, لا بد وأن تواجهه الكثير من المعوقات, ولكنه يستمر إلى النهاية, ليصل إلى مثل هذه النتائج بإصرار.
- والشاعر الذي قال: "وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام".. كان يدرك "أن أي شيء، لا يأتي من لا شيء"، وإن كل هدف يرسمه الإنسان لنفسه، لا يكفي لتحقيقه أن يجلس الإنسان مع نفسه، ويستعرض أحلامه، ويذهب إلى البعيد البعيد، ويرقص طربا، لمجرد أن هذه الأحلام، رائعة وجميلة.
- نعم.. قد تكون هذه الأحلام آية في الروعة والجمال, ولكن الأهم من روعتها هو توتر الإمكانية المطلقة لدى الإنسان لتحقيقها والسعي المستمر إلى ذلك.
- والذين "يضيقون" بالمحاولة، ويقطعون خطوات محدودة في الطريق الصعب، ثم لا يكلمون بقية طريق المعاناة، يشجعون الآخرين على "التشمت" بهم، والتقليل من شأن قدرتهم، ويعطونهم فرصة لتثبيت آرائهم في أذهان الناس، استغلالا لأي تراجع, أو ضعف في قوة تصميمهم وإصرارهم على المضي إلى نهاية الطريق.
- إن الإيمان بالهدف يضع في الإنسان قوة مستحيلة على التحدي والصبر، والتفوق.
(1/310)

- كما أن "إدراك" نتائج التراجع عن الهدف، وأخطاره، يدفعه هو الآخر إلى المزيد من الصمود، والثبات وربما إلى الانطلاق.
- ذلك أن أصحاب الأهداف النظيفة يظلون أقوى من كل المشاكل التي تعترضهم، وتقف أمام طموحهم.
فواصل:
- الطموح لا يقتله.. إلا الناس.
(1/311)

أنموذج رقم "17"
- الصحيفة: الجمهورية.
- المادة: عمود صحفي.
- المحرر: محسن محمد.
- فكرة العمود تقوم على عرض كتاب لأستاذنا الدكتور "السيد أبو النجا"، وقد عرضه الكاتب على هيئة أفكار وعناصر عديدة, استقل كل منها بفقرة من الفقرات، التي توالت في أسلوب سلس ومشرق حتى نهاية العمود التي يكتشف القارئ معها -لأول مرة- أنها ليست أفكار الكاتب الخاصة, وأن ما يقدم هو عرض بديع لأفكار الرجل صاحب التجربة الثرية، والعمود يأخذ الشكل التقليدي أو الكلاسيكي لهذه النوعية، والذي يحتاج إلى باع ونفس طويلين في الكتابة وإلى ثراء خصب وأسلوب مشرق الديباجة، وبهذه كلها يمكن أن يرتبط القارئ، وأن يتابع العمود كله.
من القلب:
- آن الأوان في المنطقة العربية إلى الدعوة إلى النظرة الواقعية ووضع تقاليدنا في خدمة أهدافنا وأن نؤمن بالبحث قبل المقال وبالأرقام والنسب المئوية بدل الصفات, وعلينا أن نكرم العقل ونحكمه في العاطفة، وننصرف عن المستحيل إلى طلب الممكن، ونضع المصالح جنبا إلى جنب مع المبادئ.
- معظم القادة ينجحون بالسلوك أكثر مما ينجحون بالمعرفة، نابليون وستالين ومصطفى كامل وسعد زغلول ورياض الصلح لم يكونوا أعلم أقوامهم وشجاعتهم هي التي جعلت منهم قادة.
- كارتر كان يواجه أزمة إيران وغزو أفغانستان بمنطق الجمع والطرح دون كلمة شاردة في حق الخميني أو برجينيف.
(1/311)

ودول الغرب تحسب ما لها من ديون على إيران، وما قد ينقصها من نفط قبل أن تحدد موقفها منها أو من العراق.
وإني أدعو زعماء العرب والصحف ومحطات الإذاعة إلى تخليص مقالاتهم وخطبهم من الشتائم, وأن يعملوا عقولهم وأن يخففوا عن حناجرهم، فإن العرب لا يعرفون كيف يختلفون.
الاختلاف عند العرب خصومة شخصية وممارسة عصبية, ولذلك يعبرون عنه بالصراخ والشتائم والاتهامات.
- أليس من الممكن الاستعانة بالرادار أو بغيره من الأجهزة الحديثة لرؤية القمر، وبذلك يتفق المسلمون على بدء السنة الهجرية، وعيد الهجرة، وعيد الأضحى، إلى غير ذلك من المناسبات الدينية.
- على البلاد العربية أن تتبادل ثقافاتها مهما يكن بينها من اختلاف سياسي، ولن يكون ذلك إلا بتيسير تصدير الكتاب واستيراده، وتخفيف قيود العملة والرقابة على المطبوعات وتخفيض ثمن الإعلان عن الكتب في الصحف والإذاعة والتليفزيون.
- فقدت الشهادات في العالم العربي مدلولها حتى أصبح بعض الحاصلين على الشهادة الابتدائية لا يجيدون القراءة والكتابة.
- إذا أكرمنا الضيف بتكويم الطعام فوق المائدة ورفضنا الجلوس إليها معه دورنا نخدمه واقفين حتى ينتهي من طعامه فهذه حفاوة بغريزة الجوع.
- إذا كانت الفتاة العربية تنفق اليوم على فستان زفافها مئات الجنيهات فإنها قد تتجه غدا إلى فستان من الورق.
- لا بد من حذف نون النسوة والألف بعد واو الجماعة وكتابة الكلمة كما ننطقها واستخدام اللفظ الأجنبي في المخترعات الحديثة.
ولا ينبغي أن تكون أسماء الأشخاص قابلة للإعراب.
- كلما صليت الجمعة في مسجد سمعت من الخطيب نفس الكلام الذي كنت أسمعه وأنا صغير, كلام في حكمة الصوم، وفائدة الصلاة وأصول الحج، كان الإسلام عبادات فقط وليس معاملات أيضا.
- لماذا تكون المساجد دائما من طابق واحد، وهي غالبا في أماكن مرموقة؟ لماذا لا يكون الطابق الأرضي للصلاة، ولمناسبات الوفاة والزواج، ويكون الطابق
(1/312)

الأول لعيادة خارجية، والطابق الثاني لمدرسة تعلم القرآن واللغة والحساب.
ثم لماذا هذه المآذن الشاهقة التي تكلف ذهبا.
- ألا يمكن أن تبنى قاعات دائمة للعزاء توفر العبث في الوقت والعمل والمال بدلا من إقامة السرادقات وهدمها في جامع عمر مكرم بالقاهرة.
والقراء الذين وصلت أتعاب بعضهم إلى ألف جنيه في الليلة الواحدة، ألا يمكن أن نخفف عن المصابين بإذاعة أشرطة معبأة بأصواتهم يتقاضون منها حق الأداء العلني؟
- السنيون والشيعيون -وكلاهما مسلمون- يكرهون بعضهم بعضا، ولا يكرهون غير المسلمين.
- معظم رجال الدين أكثر انشغالا بشئون الآخرة منهم بشئون الدنيا، ولذلك يكثرون من الكلام في العبادات، ولا يتحدثون إلا قليلا في المعاملات.
وبعد..
هذه نتائج تجربة السيد أبو النجا بعد أن تجاوز السبعين.
وقد أمضى السيد أبو النجا حياته مديرا ناجحا, ولكنه عرف في كل مكان بأنه رجل إعلان ناجح، ولذلك رأى أن يعلن عن تجربته، أو على حد قوله التبشيري بما يعتقد أنه صالح ومفيد، وهذه الآراء خلاصة كتاب أصدرته دار الشروق وعنوانه "عروبتنا سنة 2000".
وهو كتاب رائع يعلن عن سيد أبو النجا وأن تجاربه كانت مثمرة تستحق أن تنتفع بها مصر والأمة العربية كلها.
محسن محمد
(1/313)

أنموذج رقم "18"
- الصحيفة: الأخبار.
- المادة: يوميات.
- المحرر: أحمد رشدي صالح.
- أهم الملاحظات: تنوع الفقرات, تنوع الموضوعات, العنوان الجذاب وصلته بالأدب الصحفي, جاذبية الفقرة الأولى, اختلاف درجات الأسلوب ومستوياته باختلاف موضوعات الفقرات, الفقرة الأخيرة وصلتها بالأدب, عنوانات الفقرات, صلاحية
(1/313)

المقال ليكون مثالا لمقال اليوميات الصحفي من نوع "المختلط", طول المقال بعض الشيء.
يوميات الأخبار:
في كل مرة أكاد أسأل البحر عن الناس.. عن القلوب التي أسمعته خفقانها منذ أن قيل للأرض كوني يابسة فكانت, وقيل للمياه كوني بحارا وأنهارا فكانت ينابيع عذبة وينابيع من ماء الملح, وكان الإنسان بين هذه وتلك يطلب قطرة ماء.
وعدنا نسأل البحر:
تأخذني الدهشة لمن يفاخر بأنه لا يخطف أياما لنفسه، ويمضي إجازة بعد عام كامل من العمل والإرهاق.
أشعر بالرثاء لهذا الإنسان؛ لأنه يظن أن "الراحة" ترف وأنه بالخبز وحده يعيش هذا الكائن العجيب، الذي تعلم منذ عشرات آلاف السنين أن ينال "حقه" في العمل, وأن ينسى حقه في الراحة.
هكذا أقول لنفسي وأنا أحزم حقائبي وأهاجر إلى شاطئ البحر, هاربا بأحلامي إلى حيث أستطيع أن أمشي على رمال الشاطئ فاحلم وأن أسبح في مياه البحر القريبة من الشاطئ فأغرق في الأحلام ولا أخاف من الغرق الحقيقي.
وفي كل مرة أكاد أسأل البحر عن الناس, عن القلوب التي أسمعته خفقانها منذ أن قيل للأرض كوني يابسة فكانت، وقيل للمياه كوني بحارا وأنهارا فكانت ينابيع عذبة وينابيع ملحة, وكان الإنسان مضطربا بينها, يطلب قطرة ماء.
كم منها تحقق فارتفع بها الإنسان فوق مساره عن تراب الأرض، وسباحته أو هل زاد عدد الحيوانات البشرية التي تعيش بلحمها منذ آلاف السنين، أم قل هذا العدد؛ لأن الإنسان ارتقى وتقدم؟
كم من أحلام البشرية ضاعت، كما يضيع الرذاذ فوق الأمواج المترامية بلا آخر.
كم منها تحقق فارتفع بها الإنسان فوق مساره على تراب الأرض، وسباحته أو غرقه بين الأمواج؟
كم من الذين عبروه فوق ظهور السفن، أو في قلب الغواصات، أو على أجنحة الريح، أضاعتهم الحياة كما يضيح "المقامر" أغلى ما يملك على مائدة القمار؟
أكاد أسأل البحر، عن هواجس الشعراء والعشاق، والمجانين, فكل قمر يضيء،
(1/314)

فوق أمواجه ظلال للمجانين والعشاق والشعراء, وكل مشهد جميل يبدو في أفق الشروق والغروب عندما يلامس أمواجه، ضياع "مؤكد" لمواقع أقدام كثيرة، تمشي على الأرض!
أكاد أسأل البحر، هل حقا كانت البشرية أيام الفراعنة والرومان والإغريق، أكثر تبديدا لحياة الإنسان من البشرية في عالمها المعاصر؟
وكيف لأمواج البحر أن تجيب على أسئلة زائر، يهاجر إليها مرة كل عام، "هاربا" بأحلامه إلى حيث لا يتغير شيء في البحر منذ الأزل؟
وهل يستطيع إنسان أن ينجو من قلق التساؤل, ما عاش غارقا في مشاغل كل يوم, وغارقا في الأحلام التي تعدل عنده كل شيء؟
عيب أي "كائن" أنه يعيش بقلبه.
والقلب قد لا يرى البحر مساحة من الماء واضطرابا في الموج.
وإنما يراه "فيلسوفا" يشهد أمور الدنيا، ويرد عليها بوشوشة المياه في لحظة الهدوء، وصخب الموج في لحظة الاضطراب, وأما هموم الإنسان، فأقل عنده، من الرذاذ الطائر فوق الأمواج، وأضعف عنده من حبات الرمل؛ لأنها في النهاية هي التي أضاعت منذ البداية عمر الإنسان، كما يضيع المقامر أغلى ما يملك على مائدة القمار.
"الحق" في القراءة
لمن؟.. ولماذا؟
أصدرت إنجلترا قانون تعميم التعليم منذ أكثر من مائة وخمسين سنة, وخصصت الميزانيات الكبيرة للقضاء على الأمية، في تلك الجزر التي كانت ذات يوم هي "المصنع الأول" في العالم و"البنك" الأول, والعاصمة التي لا تغيب الشمس عن نفوذها.
وبعد مائة وخمسين سنة من صدور ذلك التشريع اكتشفوا أن هناك "مليونين" يسكنون أنحاء بريطانيا، ولا يعرفون القراءة والكتابة.
ولم يدق الإنجليز بأيديهم على صدورهم، ولم يتمزقوا "حزنا" عصبيا, وإما "عاملوا" هذه الحقيقة بعقل ومنطق.
أخذت الهيئات المشتغلة بالتعليم تنبه الأذهان إلى "وجود" هذا" العيب الذي لا يجوز.
(1/315)

ونقل الوزير المختص مبلغ مليون جنيه من إعانات الحكومة للتعليم العالي، وخصصه لمحو أمية هؤلاء الذين فاتهم التعليم وأصبحوا "كبارا" يشتغلون في الصناعة والتجارة والزراعة ولا يعرفون كيف يكتبون كلمة واحدة.
وصدرت "مطبوعات" مثيرة للانتباه حول ما حدث هناك, ومنها أوراق، تحمل عنوان "الحق في القراءة".
ولكن حق من؟ ولماذا؟
إنه حق "الكبار" وليس حق الأطفال والشباب
حق الذين يعطون أعمارهم الآن للإنتاج وليس حق الذين سيعملون بعد عشر سنوات، أو عشرين سنة.
أن "الحاضر" أهم من المستقبل.
هكذا قالوا في كلامهم المطبوع وفي سلوكهم بإزاء هذه المشكلة.
وينقلني هذا الحديث إلى حيث نقف نحن ونعيش.
في كل صيف تقوم الدنيا، وتنشط الصحف ووسائل الإعلام، ونصاب بحمى الحديث عن القبول في الجامعات.
ويا للبشرى العظيمة، التي يدلي بها بعض المسئولين، عندما يقولون لنا إن عدد الناجحين في الشهادة الثانوية قد زاد على العدد الذي أتم تلك المرحلة في الموسم الماضي.
ولم أقرأ -على مدار شهور- حديثا جادا عن تعليم "الكبار" أولئك الذين يشتغلون بالفعل، في ميادين العمل المختلفة، ويشاركون في زيادة نسبة الإنتاج!
وإني لأتساءل:
- ما هو نوع الاهتمام الذي نمنحه لتعليم هؤلاء المنتجين الأميين وما هي درجة إلحاح مشكلتهم علينا؟ وما هو نوع الأولوية التي أعطيناها في سياسة التعليم للارتقاء بكفاءة الملايين المشتركة بالجهد والواقع في توفير أسباب الحياة لنا؟.
إني أتساءل؛ لأنني "واحد" من الذين داروا ويدورون حول الاهتمام الزائد عن الحد، بتعليم أجيال المستقبل، بينما يتراجع إلى الوراء الاهتمام الواجب حقا، بتعليم أجيال الحاضر, ونعني بهم أولئك الكبار الذين ولدوا وعاشوا، محرومين من فرصة فك رموز اللغة, والذين نضع على أكتافهم مسئولية إنجاح مشروعات التنمية, والإنتاج
(1/316)

والذين قد ننساهم ونحن نتحدث عن المستقبل بالرغم من أن "الغد" لن يولد أبدا إلا من اليوم.
هل للمسئولين عن التربية والتعليم أن يعيدوا "التوازن" إلى طريق التنوير الذي أخذ من مصر جهدا هائلا، وأحلاما ضخمة، وأموالا فلكية، بأمل أن نكسر حاجز الأمية، وننطلق على طريق المعرفة إلى حياة أفضل؟
مشكلات الجامعة هناك.. ومشكلاتها هنا:
حدثني صديق عائد من زيارة لإنجلترا فقال لي إن أزمة الجامعات هناك هي أن إقبال الطلاب عليها ضعيف, ففي جامعة إكسفورد عشرات من الكليات والمعاهد الجامعية, لكن عدد التلاميذ المنتظمين فيها لا يزيد على الإحدى عشر ألف طالب!
إنها عكس "المشكلة" التي تواجهها الجامعات في بلادنا وفي غيرها من البلاد, ولم أذكر لهذا الصديق، خاطرة عبرت ذهني، عبور الظل السريع.
النامية:
عندما زار المؤرخ الإغريقي القديم هيرودوت مصر ورأى أسلوب حياتها ووصفه بقدر طاقته، أراد أن يختصر انطباعاته عنه، فقال الرجل الإغريقي في بساطة: إن كل شيء نصنعه في أثينا يصنع المصريون عكسه.
وقد كان لليونان حضارتها العظيمة، ولمصر القديمة حضارتها الأعظم.
لكن الوراثة في التاريخ، حقيقة واردة.
وقد مر هذا الخاطر سريعا، بذاكرتي، وأنا استمع إلى حديث هذا الصديق، ولا أستغربه، ولا أشعر بأن اشتداد الزحام على أبواب الجامعات عندنا "مشكلة" عاصفة تدعو إلى القلق العاصف, فكل بلاد الدنيا المتقدمة عبرت مثل هذه المرحلة وجربتها، وخرجت منها بتوجيه نظم التعليم إلى حيث يرتبط التلميذ بالحياة، ولا يرتبط بها عن طريق الصكوك الجامعية التي يرفعها في وجه الحياة.
إنني أحلم باليوم القريب الذي ننجح فيه، في أن نحول التيار القوي من التدفق صوب أبواب الكليات، إلى التدفق صوب المعاهد الفنية والعلمية على اختلافها.
وحتى يتحقق هذا الحلم، ولا مفر -فيما أظن- من أن تتغير أشياء كثيرة في سلوكنا العادي, ولا مفر من أن ينجح المسئولون عن التعليم ووسائل الإعلام في "إقناع" رجل الشارع البسيط بأن أعظم حق ينبغي له أن يستخدمه لبناء حياة
(1/317)


أفضل لا ولأبنائه، هو أن يتجه الطالب إلى أفق الحياة، عبر "المعاهد" أو "مراحل التعليم" التي تعطيه خبرة بالعمل, وليس "لقبا" لامعا, يكتبه الخريج على بطاقته الشخصية.
وما أقسى الزمن، مع الذين يظنون أن جواز المرور في الحياة هو "فقط" اللقب العلمي الرنان.
بعد استقالة نيكسون:
لم استغرب أن ينتهي مشوار نيكسون بأن يقدم استقالته ويرحل من البيت الأبيض.
ولم يكن نبأ استقالته خبرا عجيبا بل كان الخبر العجيب أن يستمر نيكسون "جالسا" في مقعد الرئاسة.
وعندما كنت في زيارة للولايات المتحدة في الصيف الماضي، كنت أشعر بأن السيل الذي يتدفق على نيكسون من الاتهام والنقد و"القرص" المستمر يهزه من فوق كرسي الرئاسة "هزا" شديدا.
وكان الناس خارج أمريكا، يتابعون -من بعيد- ما كان يحدث للرئيس الأمريكي السابق، وما كان يصنع هو ليقف على قدميه فوق أرض، تحولت إلى منطقة زلازل سياسية لا تعرف الهوادة.
وكان الذين يستمعون إليه أحيانا، يلاحظون أن هناك "شرخا" قد أصاب قبضته ومكانته، وهشم صوته, وأن هذا "الشرخ" يتزايد كلما شن نقاده حملة جديدة عليه، بسبب فضيحة "ووترجيت".
وانتهى أمر نيكسون بأن ترك مقعد الرئاسة في البيت الأبيض.
وقد يكون "حقا" أن ما يحدث في قمة المجتمع الدولي، يهم سائر الذين يعيشون ضمن هذا المجتمع.
لكن الحق أيضا، أن تاريخ العالم لا يصنعه أفراد ولو كانوا جالسين فوق قمة القمم.
إن هذا التاريخ تصنعه البشرية بمختلف قواها، وشرائحها، ومواقعها.
ونحن في الشرق العربي، الذين نصنع تاريخ بلادنا، ونشارك في صنع حاضر الدنيا ومستقبلها.
(1/318)

لا نزعم بهذه الكلمات أننا كآلهة الإغريق، أو أننا مثل الإله "آمون" نستطيع أن ننسى أننا موجودون على سطح هذا الكوكب الأرضي العجيب.
وإنما نزعم أن ما حدث لنيكسون هو قمة الأمور الداخلية الخاصة بأمريكا، وأنه عندما يجري حدث غير مسبوق في هذا المستوى من القمة فينبغي أن نعرفه جيدا، وأن ندرسه دراسة موضوعية عميقة، وأن نطرح جانبا، الميل إلى المبالغة أو قلة الاهتمام, فاستقالة نيكسون حدث جسيم, وحقائق العصر الذي نعيش فيه، أضخم بكثير، وأعمق بكثير، من أن يخطفها رأي عابر، أو "انفعال" يدق هنا أو يدق هناك.
هذا القلق.. المضيء في عينيه:
في عينيه دائما أرقب "القلق" لأعرف كم فات من عمره، وكم تجدد.
هذا القلق المضيء، هو بشري الحاة في عيني هذا الصديق.
يشرق في نظرته لحظة، تصحح كل أيام الركود التي تأكل عمره.
عرفت هذا الصديق، منذ سنوات الدراسة.
كان في البداية، ثلجي الأعصاب! وكنا نظن أنه فولاذي الإرادة.
وكانت عيناه تخدعان كل من ينظر إليهما, فدائما كانت هاتان العينان تتكلمان بنفس حديث لسانه.
لم يكن هناك تناقض بين لغة عينيه ولغة لسانه.
وأيامها كنت أشعر بأنه سيعيش إلى آخر أيامه وهو يتقن "لعبة" التنسيق الكامل بين تعبيرات وجهه وأصوات فمه.
لكني لقيت هذا الصديق بعد طول غياب، فوجدته قد أصبح إنسانين يسكنان في جسم واحد.
إنسان يومض في لحظات القلق المضيء التي تطل من عينيه فأشعر أنه موجود وأن هذا الإنسان "تعذب" بمتعة الحياة ومرارتها حتى الأعماق.
وإنسان آخر، ينطق من بين الشفتين بنفس الألفاظ المختارة المتقنة التي لم تنكسر تحت وطأة الزمن فأشعر أن أشياء كثيرة ماتت في حياة هذا الصديق.
وما رأيته في عينيه من قلق مضيء هو متعة تجربة الحياة.
وما سمعته في حديثه، هو الصدأ الذي تركه هذا الصديق يطبق على قلبه، ويخنق صدق الحياة مع نفسه.
(1/319)

يا إلهي!
كم يعاني هذا الصديق، فهو لم يزل قادرا على أن ينفجر بالقلق المضيء, فيتعرض بنظرات عينيه وكأنه بهما يفجر زلزالا, ويرضى بهذه النظرات وكأنه ينشئ فردوسه الموعود على الأرض.
وليس كل قلق إنساني، بخطيئة.. إن له ميزة عظيمة، هي أنه يجعل الشيء الحي، في حياة هذا الصديق لا يموت قبل الأوان.
(1/320)

- أنموذج رقم "19"
- الصحيفة: الأنباء.
- المادة: يوميات.
- المحرر: محمد الجاسم.
- لاحظ: تقليدية الطريقة التي كتب بها المقال وهي الطريقة الأصل في كتابتها والتي منها أخذت هذه النوعية اسمها, تنوع الموضوعات, الارتباط بين اليوم والموضوع, الصلة الوثيقة بالقارئ.
- اكتب ملاحظاتك الأخرى على هذا المقال لا سيما من حيث: "العنوانات, الأسلوب واللغة, الموضوعات".
الأسبوع 6 أيام.. السبت.. العيد:
غدا يصادف أول أيام عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الأمة الإسلامية والعربية كافة بالخير والسعادة، في العيد تنحر الأضاحي تقربا إلى الله عز وجل, وفيها رمز لقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وما رآه في الحلم، ونحن في عالمنا العربي نعيش كوابيس
اليقظة المستمرة لذبح شعوبنا العربية, وما يخطط لها اليوم ولا نجد من يفتديها ليس بكبش واحد ولكن بقطيع من الأغنام، وحتى يظهر من يفتدي هذه الأمة بهذا القطيع سيستمر كابوس اليقظة بتقديم قطيع لا ينقطع من بشر هذه الأمة, التي أصبح رمزها الوحيد هو الاقتتال فيما بينها وتقديم القرابين البشرية إلى المارد الشيطان الذي يسيطر
عليها, وإلى أن يشرق عيد عربي تقدم فيه القرابين الرمزية خالية من بحور الدم المتلاطمة فإننا نضرع لله عز وجل وبينما يحل هذا اليوم، أن يلطف بعباده وأن تخف
(1/320)

كوابيس اليقظة حتى نصل إلى اليوم الذي نرى فيه عبدا حقيقيا تقدم فيه القرابين من الخراف لا من البشر تقدم للشيطان، وعلى كل حال عيدكم مبارك وعساكم من عواده.
الأحد: عيد جنيف
كان يا ما كان في بلد يضرب بها المثل بالهدوء والسكينة اسمها جنيف, وكان لهذه البلدة عيد تحتفل به في شهر أغسطس من كل عام بهدوء أيضا, بعيدا عن أعين الحساد, وكانت تتمتع إلى جانب المزايا السابقة بنظافة تحسدها عليها مستشفيات أغلب الدول العربية ومطاعمها، هذه المدينة الصغيرة تحتفل بعيدها بطريقتها الخاصة يعني بهدوء ونظافة ونظام لا حد لها، وكان سكان هذه المدينة مرتاحين في عيدهم وينتظرونه كل سنة بفارغ الصبر، ولكن دوام الحال من المحال فبقدوم غزوات العرب الصيفية في جنيف وعيدها, وهي غزوات شبيهة بغزوات التتار الرهيبة, ولكن بدون هولاكو وتيمور لنك، تحولت جنيف بين ليلة وضاحها إلى مدينة صاخبة تنام في النهار وتصحو في الليل وانقلب حالها، الأوساخ تزخر بها المدينة، والفوضى أصبت سيدة الموقف, وأهل جنيف ينظرون بحيرة بلهاء إلى ما أصاب مدينتهم بفضل غزوات الصيف, واحتفالات العيد التي يفكرون بإلغائها حتى ينعموا بمميزات مدينتهم الشهيرة التي أصبحوا يعرفونها فقط عن طريق المتاحف والروايات القديمة عن النظافة والهدوء والنظام، وكل عيد جنيف وأنتم بخير.
الاثنين ... بين البروفسور هيس والشيف سيف:
"بادغشتاين" مدينة صغيرة تقع في أحضان سلسلة من جبال الألب بجنوب النمسا لها من جمال الطبيعة الذي حباها الله به ما يجعل أجمل الجميلات تتدارى خجلا من جمالها البسيط مقارنا بجمال باغشتاين الأخاذ، الهواء مشحون بالراديوم ويجعلك تستغني عن وجبات كاملة إذا أخذت أنفاسا عميقة عند جسر الشلال، رياضة المشي، حمامات المياه الدافئة المعدنية، العلاجات الطبيعية، مياه الشرب المعدنية، كلها تجعل هذه المدينة الصغيرة منتجعا مثاليا لطالبي الراحة, وتخفيف الوزن وعلاج الروماتيزم والكلى وغيرها، إلى هنا والكلام جميل خصوصا إذا أشرف على علاجك الدكتور هيس، ولكن في هذه السنة ظهر لنا الشيف المصري "سيف" من تحت الأرض في الفندق الذي نسكنه، فحول كل هذا الجمال إلى كلام فارغ بجانب أطباقه التي
(1/321)

يقدمها لنا؛ لأنه بمجرد شمها فقط تزيد كيلو غرام على الأقل فكيف هو الحال إذا أقدمت على أكلها، المهم حاولنا مرارا وتكرارا أن نتجنب الشيف "سيف" ولكنه يظهر لنا من حيث لا نعلم, ويلتف حولنا كما دودة القز فيبادرنا قائلا إيه يا بهوات ما قلتوليش حتكلوا إيه النهاردة على الغدا, ما قلتوليش حتكلوا إيه النهاردة على العشا، الفطار يا بيه أنا عامل لكم فول وحمص أنما إيه. جبتلكم حمام بالفريك من سالزبورغ إنما إيه، عملت لكم كفتة وكباب إنما إيه، أعتقد أن الباميا بالرز مع الشعرية حتكلوها النهاردة على العشا، مش كده ولا إيه، ويلاحقنا من مكان إلى مكان ونحاول أن نصده فلا نقوى على سماع كلمة حمام أو فول أو باميا نستسلم له من أول ابتسامة. حاولنا مرارا أن ندخل من الباب الداخلي للفندق ولكنه كان لنا بالمرصاد, اقترح أحدنا أن ننزل بالبراشوت من السطوح فلم تنجح الفكرة؛ لأننا لا نعرف الهبوط بها، فكرنا باغتياله لعل وعسى نرتاح من الأكل الدسم الذي زاد في وزن كل واحد منا خمس كيلوا غرامات على الأقل.
وأخيرا حدث ما لم يكن بالحسبان, سمع البرفيسور هيس بالموضوع وزمجر وغضب مدعيا أننا نفسد علاجه وبالتالي نجلب السمعة البطالة لبادغشتاين، وخيرنا بين أن يستمر هو في علاجه معنا أو يتركنا تحت رحمة الشيف سيف, وأنتم تعرفون النتيجة.
الثلاثاء: الخلافات.. والوساطات.:
يقف المواطن العربي اليوم مشدوها أمام الخلافات في العالم, والتي تقوم بين الدول وتكون لها أسبابها المتعددة فتختلف من قضية إلى أخرى، أما عندنا وبكل بساطة فإنك تجد على الساحة العربية كل المشاكل السياسية الموجودة في العالم أجمع لكن على شكل أضخم وأعقد، ولكن الذي يحيرني شيء واحد فقط, وهو مسألة الخلافات والوساطات بين الدول العربية، فالملاحظ أنها تقع بين كل الدول العربية باستثناء دول الخليج التي تقوم دائما بدور الوسيط, ولا أعني دول الخليج كلها، ولكن الدول الغنية جدا نفطيا فقط مثل السعودية والكويت وقطر, والذي يحيرني أن الواسطة دائما تكون خيرة من هذه الدول الخليجية الغنية وتنجح وساطتها، ولكن بعد مرور زمن غير طويل تتجدد الخلافات العربية المشرقية والمغربية فتباشر دول الخليج الغنية نفطيا وساطتها الناجحة دائما في فترات تطول وتقصر على حسب "حجم" الوساطة؛ لهذا نقدم هذه الظاهرة مجانا لدارسي العلوم السياسية والاقتصادية لتقديم رسالتهم
(1/322)

في الدكتوراه حول "الخلافات العربية ووساطة الدول الخليجية الغنية نفطيا" لعلنا نستفيد من هذا البحث السياسي الهام, ونعرف أسباب الخلافات وأسباب نجاح الوساطات الخليجية لحل هذه الخلافات.
الأربعاء: طبقة إصدار السندات
لا أعرف كيف تم تحديد شريحة طبقة صغار المستثمرين بمبلغ مليوني دينار، لكنني أعرف أن هناك طبقة ظهرت في المجتمع اسمها "طبقة أصحاب السندات من صغار المستثمرين" الذين باعوا أسهمهم على أحد المفلسين بمبالغ سندية، وجاء القانون ليعطيهم صفة صغار المستثمرين؛ لأنهم فقط يا حبة عيني، ما باعوا على المفلسين إلا فقط بمبلغ لا يتجاوز المليوني دينار، تصوروا شلون هؤلاء فقارى! المهم ما لنا شغل بإجراءات الحكومة وشغلها، لكن هذه الطبقة حلت محل كبار المتعاملين في سوق المناخ سابقا وكبار مفلسي سوق المناخ حاليا هذه الطبقة التي ظهر نشاطها واضحا في ملاهي ومواخير لندن وموائد القمار في كازينوهاتها وغيرها، هيئة التحكيم سحبت سيارات مفلسي سوق المناخ فاختفت لفترة هذه السيارات الفارهة ولكن "لكل زمان دولة ورجال" لقد ظهرت سيارات "طبقة المستفيدين من السندات" الجديدة لتحل محلهم.
الخميس: القضاء والقدر
كان يسافر على مدى ثلاثين عاما بكافة وسائل النقل الحديثة ما عدا الطائرة فخوفه من هذه العجيبة.
كان يسافر من أقصى الأرض إلى أقصاها دون أن يرتفع مترا واحدا عن اليابسة أو الماء من سيارة إلى قطار إلى باخرة وبالعكس، لم يفكر مرة واحدة أن يسافر في طائرة، كان يكره هذا الاختراع ويكره مخترعه لخوفه الأسطوري منه، لذلك لم ير داخلها، كيف كان شكلها، في هذه السنة استقل سيارته كالعادة في طريقه إلى محطة "القطر" ومنها إلى القاهرة إلى الأسكندرية ثم ركب الباخرة إلى ميناء نابولي وأثناء نزوله من الباخرة زلت قدمه ووقع وقعة نقلته إلى العالم الآخر, لقد كانت وقعته هذه مميته رحم الله الدكتور محمود الذي كان يخاف من الطائرة, ولكن الباخرة عجلت في قضاء الله وقدره.
(1/323)

أهم مراجع الكتاب:
أولا: المراجع العربية والمعربة
1- إبراهيم إمام: "تطور الصحافة الإنجليزية"، القاهرة 1956.
2- إبراهيم عبده: "تطور الصحافة المصرية" القاهرة 1982.
3- إبراهيم عبده: "تاريخ الوقائع المصرية" القاهرة 1983.
4- إبراهيم عبده: "جريدة الأهرام: تاريخ وفن" القاهرة.
5- إجلال خليفة: "اتجاهات حديثة في فن التحرير الصحفي" القاهرة 1981.
6- أحمد الشايب: "الأسلوب" القاهرة 1976.
7- بدوي طبانة: "علم البيان" القاهرة 1962.
8- بكري شيخ أمين: "البلاغة العربية في ثوبها الجديد" بيروت، بدون تاريخ.
9- جلال الدين الحمامصي: "الصحيفة المثالية": القاهرة.
10- حسنين عبد القادر: "الصحافة كمصدر للتاريخ" القاهرة 1960.
11- حسين سعيد وآخرون: "الموسوعة الثقافية"، القاهرة، بدون تاريخ.
12- راجي صهيون: "مدخل إلى الصحافة" مترجم عن ف. فريزر بوند، بيروت.
13- سلامة موسى: "الصحافة حرفة ورسالة" القاهرة 1948.
14- سليم حسن: "فجر الضمير" مترجم عن ج. م. برستد، القاهرة 1980.
15- شوقي ضيف: "الفن ومذاهبه في النثر العربي" القاهرة، بدون تاريخ.
16- شوقي ضيف: "الترجمة الشخصية" القاهرة 1979.
17- شوقي ضيف: "النقد" القاهرة 1979.
18- عبد العزيز شرف: "فن المقال الصحفي" القاهرة 1981.
19- عبد العزيز شرف: "اللغة الإعلامية" القاهرة 1980.
20- عبد اللطيف حمزة: "المدخل في فن التحرير الصحفي" القاهرة 1968.
21- عبد الله بن المقفع "كليلة ودمنة" مترجمة عن "بيدبا" القاهرة.
22- فاروق خورشيد: "بين الأدب والصحافة" القاهرة.
(1/324)

23- فاروق خورشيد: "هموم كاتب العصر" القاهرة 1980.
24- فيليب دي طرازي: "تاريخ الصحافة العربية" بيروت.
25- محمد حسن عبد العزيز: "لغة الصحافة المعاصرة" القاهرة 1978.
26- محمد عبد الغني حسن، عبد العزيز الدسوقي: "روضة المدارس" القاهرة.
27- محمد مندور: "في الأدب والنقد" القاهرة 1978.
28- محمد يوسف نجم: "فن المقالة" بيروت 1967.
29- محمود أدهم: "فن الخبر" القاهرة 1979.
30- محمود أدهم: "التحقيق الصحفي" القاهرة 1980.
31- محمود أدهم: "فن تحرير التحقيق الصحفي" القاهرة 1979.
32- محمود أدهم: "الفكرة الإعلامية" القاهرة 1983.
33- محمود فهمي: "فن تحرير الصحف الكبرى" القاهرة 1982.
34- مروان الجابري: "الصحافة اليوم" مترجم عن توماس بيري، بيروت 1962.
35- مصطفى ناصف: "الصورة الأدبية" القاهرة 1958.
36- ميشيل تكلا: "الصحفي المحترف" مترجم عن جون هونبرج، القاهرة 1982.
37- نبيل راغب: "دليل الناقد الأدبي" القاهرة 1981.
38- نجيب ميخائيل إبراهيم: "الحياة اليومية في مصر القديمة" مترجم عن أ. شورتر، القاهرة.
39- وديع سعيد: "الصحفي الأمريكي" مترجم عن ب. ويزبرجر، القاهرة 1962.
40- وليم الميري: "الأخبار, مصدرها ونشرها" القاهرة 1968.
(1/325)

ثانيا: صحف عربية
1- أخبار اليوم.
2- الاتحاد.
3- الأخبار.
4- الأهرام.
5- الأيام.
6- الثورة.
7- الجزيرة.
8- الجمهورية - مصر.
9- الجمهورية - العراق.
10- الدستور.
11- الرأي العام.
12- الرياض.
13- السياسة.
14- الشرق الأوسط.
15- الصحافة.
16- القبس.
17- العراق.
18- العرب.
19- العمل.
20- النهار.
(1/325)

ثالثا: أهم المراجع الأجنبية
1. Archer. Jules: c I Sell What I Write» Newyork, 1950.
2. Barnhart, T.F. «Weekly Newspaper: Writing and Editing* Newyork, 1958.
3. Brucker, H. «Journalist» Neuwor, 1962.
4. Campell, L.A. & Wolsely, R.E. «Newsmen at Works Houghton, 1957.
5. Coplentez, E.D.: «Newsmen Speak» Calif 1954.
6. Dodge, J., «The Practice of Journalism» U.S.A. 19-54.
7. Drierg. Tom: «Beaverbrook» Lond. 1956.
S. Harkleo, and Henry, J. «How to write Columns» U.S.A. 1956.
9. Johson. S. and Harriss. J., «The Complete Reporter» N. Y. 1955.
10. Macdougal, CD. «Interpretative Reporting» N.Y. 1972.
11. Mansfield, F.J.. «Mansf. S. Complete Journa.» Lor.d. 1961.
12. Mencher, M., «News Reporting and Writing» Iowa 1979.
13. Patterson, H.M., «Writing and Selling Feature Articles» N.Y. 1958.
14. Stewart, K. & Tebbel J.. «Makers of Modern Journalism» N.Y.
1952.
(1/326)

محتوى الكتاب:
صفحة
2 إهداء
3 مقدمة
7 الفصل الأول: ماهية المقال وقصته
10 أولا: ماهية المقال الصحفي
16 ثانيا: المقال.. تاريخ وصور
26 الفصل الثاني: دور المقال وأهميته
30 أ- ماذا يريد القارئ
32 ب- الصحافة العربية وفن المقال
44 الفصل الثالث: في أنواع المقال الصحفي
47 المبحث الأول: المقال الصحفي العام
58 المبحث الثاني: الافتتاحية أو المقال الافتتاحي
58 تعريفه
59 خصائصه
66 أنواعه
70 إضافات وملاحظات
72 محرره
74 تحريره
84 جولة عربية
93 المبحث الثالث: المقال القائد الموقع
103 المبحث الرابع: مقال التعليق
112 المبحث الخامس: مقال التفسير
123 المبحث السادس: المقال العمودي أو العمود الصحفي
123 مدخل
(1/327)

صفحة
124 تعريف
125 من قصته
127 أنواعه
131 خصائصه
140 الخصائص العشر
149 أعمدة شهيرة
151 تحريره
174 المبحث السابع: مقال اليوميات
174 مدخل
178 تعريفه
180 وظائفه
182 أنواعه
190 خصائصه
210 محرره
214 تحريره
236 الفصل الرابع: حول المقال الصحفي، إضافات ومعالم
236 أولا: إضافات تحريرية، خطوات تحرير المقال
241 ثانيا: لغة المقال الصحفي
261 ثالثا: مؤثرات المقال
279 النماذج التحريرية
324 أهم المراجع العربية والأجنبية
تم بعون الله ويليه بإذنه تعالى
كتاب جديد من سلسلة
فنون التحرير الصحفي بين النظرية والتطبيق
(1/328)