Advertisement

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي السفر الثاني 001


الكتاب: شَرْح شِعْر المُتَنبي - السفر الثاني
المؤلف: إبراهيم بن محمد بن زكريا الزهري، من بني سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم ابن الإِفلِيلي (المتوفى: 441هـ)
دراسة وتحقيق: الدكتور مُصْطفى عليَّان
الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1412 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء: 2
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
الجزء الأول
ورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوهم في تمام بنائه على يد سيف الدولة؛ لأن ملكهم لزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغار والروس والصقالبة وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، فنظر فيها يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه؛ لضبطهم الطرق، فلما أسحر لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث، عادت إليه الطلائع فأخبرته بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول سيف
(1/1)

الدولة على عقبة يقال لها العيراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار خوفا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يمكن الله من نصره عليهم إلا في نقوب نقبوها، فأتتهم طلائع بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب، وولى كل فريق على ودهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم، وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه:
ذي المَعَالي فَلْيَعْلُونَ مَنْ تَعَالَى ... هكَذا هكذا وإلاَّ فلا لا
شَرَفٌ يَنْطَحُ النُّجومَ بِرَوْقَيْ ... هِ وعِزٌّ يُقَلْقِلُ الأَجْبَالا
حَالُ أَعدائِنا عظيمٌ وسَيْفُ الدَّ ... ولَةِ ابنُ السُّيوفِ أَعْظَمُ حالا
كلَّما أَعْجَلوا النَّذيرَ مَسِيراً ... أَعْجَلَتْهُمْ جِيادهُ الإِعْجَالا
فَأَتَتْهُم خَوارِقُ الأَرْضِ ماتَح ... مِلُ إِلاَّ الحَدِيْدَ والأَبْطالا
خافياتِ الأَلوانِ قد نَسَجَ ... النَّقعُ عليها بَرَاقِعاً وجِلالا
حالَفَتْهُ صُدُورها والعَوالي ... لَيَخُوضُنَّ دُونَهُ الأَهْوَالا
وَلَتَمْضِنَّ حيثُ لا يَجِدُ الرُّم ... حُ مَداراً ولا الحِصانُ مَجَالا
لا أَلومُ ابنَ لاونٍ مَلِكَ الرُّوم ... مِ وإِن كانَ ما تَمنَّى مُحَالا
أَقْلَقَتْهُ بَنيَّةٌ بين أذُنَيْهِ ... وبانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالا
كُلَّمَا رامَ حَطَّها اتَّسَعَ البَنْ ... يُ فَغَطَّى جَبِينَهُ والقَذالا
يَجْمَعُ الرُّومَ والصَّقَالِبَ والبُلْ ... - غَرَ فيها، وتَجْمَعُ الآجالا
وتُوافِيهُمُ بها في القَنا السُّمْ ... رِ كما وافَتِ العِطاشُ الصّلالا
قَصَدوا هَدْمَ سُورِها فَبَنَوْهُ ... وأَتَوْا كَيْ يُقَصَّروهُ فَطَالا
واستَجَرُّوا مكايدَ الحَرْبِ حَتَّى ... - تَرَكوها لَهَا عَلَيْهِمْ وَبالا
(1/2)

رُبَّ أَمْرٍ أَتَاكَ لا تَحْمَدُ الفُعْ ... عَالَ فيه وتَحْمَدُ الأفْعَالا
وقِسِيًّ رُمِيْتَ عَنْها فَرَدَّتْ ... في قُلُوبِ الرُّماةِ عَنْكَ النَّصَالا
أَخذوا الطُّرقَ يَقْطَعونَ بها الرُّسْ ... لَ فَكَانَ انْقِطاعُها إِرسالا
وهُمُ البَحْرُ ذُو الغَزَارِبِ إِلاَّ ... أَنَّهُ صَارَ عِنْدَ بَحْركَ آلا
ما مَضَوْا لَمْ يُقاتِلُوكَ وَلكِنْ ... - نَ القِتالَ الذي كَفَاكَ القِتَالا
الغوارب: الأمواج، والآل: السراب.
فيقول مخبرا عن الروم، ومخاطبا لسيف الدولة: أخذوا الطرق موكلين بها، وقاطعين عنك للرسل منها، فكان ذلك القطع إشعارا، وقام ذلك الضبط مقام الإرسال إليك، لأنك أنكرت فعلهم، واستربت أمرهم، فأسرعت نحوهم، وبادرت بنفسك وجيشك إليهم.
ثم قال: إنهم كالبحر ذي الغوارب؛ لتكاثف جمعهم، وتكاثر عددهم، إلا أنهم صاروا عند قوتك وعديدك، وبأسك وجنودك، كالآل الذي يتخيل ولا يصدق، ويتمثل ولا يتحقق، ففروا هاربين، وولوا عنك مدبرين.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: ما مضى الروم عنك غير مقاتلين لجيشك، ولا ولو غير متيقنين لأمرك.
ثم قال: ولكن القتال عند التأمل، والنزال الشديد عند التبين، ما أسكنت قلوبهم وقائعك من الهيبة، وما أودعتها من مهابة، حتى صار اسمك يهزم عساكرهم، وذكرهم يثني عزائمهم.
والذي قَطَّعَ الرَّقابَ مِنَ الضَّرْ ... بِ بِكَفَّيْكَ قَطَّعَ الآمالا
والثَّبَاتُ الذي أجادوا قديما ... عَلَّمَ الثَّابِتِيْنَ ذا الإجْفالا
الإجفال: الإسراع.
فيقول مخاطبا لسيف الدولة: والضرب الذي قطعت به كفاك رقاب الروم في
(1/3)

وقائعك، وأفنيت به أبطالهم في ملاحمك، قطع ما أملوه في حصن الحدث من مكايدتك، وأكذب ما حاولوه فيه من مغالبتك.
ثم قال مخاطبا له: والثبات الذي أجاد الروم قديما في قتالك، فأفضى بهم إلى المهالك، وأعقبهم أشد الهزائم، علم الثابتين من رجالهم، وأهل البأس من حماتهم وأبطالهم، الهرب منك، والاجتهاد في الإجفال عنك.
نَزَلُوا في مَصَارِعٍ عَرَفوها ... يَنْدُبُونَ الأَعْمَامَ والأخوالا
تَحِملُ الرَّيحُ بَيْنَهُمْ شَعَرَ الها ... مِ وتُذْري عَلَيْهِمُ الأَوْصَالا
تُنْذِرُ الجِسْمَ أَنْ يُقِيمَ لَدَيْها ... وتُرِيْهِ لِكُلَّ عُضْوٍ مِثَالا
الندب: ذكر الميت بجميل أفعاله، وتذري: تثير وتفرق.
فيقول: نزل الروم على الحدث في مواضع تقدمت معرفتهم بها وبإيقاع سيف الدولة عليهم فيها، فجعلوا يندبون من قتل [أبطالك] من أعمامهم وأخوالهم وأبطالهم وفرسانهم، وامتثلوا تلك الحال في أنفسهم، وتوقعوا أن يحدث ما يشبهها عليهم.
قم قال: تحمل الريح بينهم شعر هام القتلى منهم، وتذري ما تدفق من عظامهم عليهم وأوصالهم، فيخيفهم ويذعرهم، ويقلقهم ويفزعهم.
ثم قال: تنذر تلك الأوصال جسمهم بأن يؤول إلى مآلها، ويقيم لديها في مثل حالها، وتريه لكل عضو من أعضائه مثالا شاهدا، ونظيرا حاضرا، وأشار بما ذكره إلى رفعة سيف الدولة على الروم عند بنيانه لحصن الحدث التي وصفها في قصيدته التي أولها:
على قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ
ولم تَكُنْ بَعِيدة من هذه الغزوة، فقال: إن الروم لما اشرفوا على موضع تلك الوقعة، وتذكروا عظم تلك النكبة، أشفقوا من أن يعاودهم سيف الدولة بمثلها، فولوا هاربين، وفروا بين يديه منهزمين.
(1/4)

أَبْصروا الطَّهْنَ في القُلُوبِ دِراكاً ... قَبْلَ أَن يُبْصِروا الرَّماحَ خَيَالا
وإذا حاوَلَتْ طِعانَكَ خَيلٌ ... أَبْصَرَتْ أَذْرُعَ القَنَا أَمْيالا
الدراك: التتابع، والخيال: ما ترى على غير حقيقة.
فيقول لسيف الدولة: مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم، وأرتهم طعان رماحك دراكا في قلوبهم، قبل أن يتخيلوا ذلك ويتحققوه، ويتمثلوه ويشاهدوه، فعاذوا بالفرار منك، وولوا منهزمين عنك.
ثم قال: وإذا حاولت خيل طعانك، ومثلت لأنفسها قتالك، أراها الفزع أذرع رماحك أميالا متصلة؛ [لما تتوقعه من طعنها، وتحذره من مخوف فعلها].
بَسَطَ الرُّعْبُ في اليَمِيْنِ يَمِيْناً ... فَتَوَبَّوا وفي الشَّمالِ شِمالا
يَنْفُضُ الرَّوْعُ أَيْدِياً تَدْرِي ... أَسُيوفاً حَمَلْنَ أَم أَغْلالا
وَوجُوهاً أخافَهَا مِنْكَ وَجْهٌ ... تَرَكَتْ حُسْنَها لَهُ والجَمَالا
الروع: الفزع، والأغلال: رَوابط تشد بها الأيدي إلى الأعناق، واحدها غل.
فيقول: بسط الرعب في أيديهم أيديا مثلها، تمنعها من البطش، وتقصرها على الكف، فولوا وقد خذلتهم أعضاؤهم من الفزع، فاستولى على أنفسهم شدة الجزع.
ثم قال على نحو ما قدمه: ينفض الروع من أيديهم السلاح فيسقطه، ويسلبهم إياه الذعر فيذهبه، حتى كأن سيوفهم في أيديهم أغلال تملكها، وموانع تمنعهم من التصرف بها.
ثم قال على نحو ما تقدم، مخاطبا لسيف الدولة: وينفض الرعب عنهم وجوها قد امتقعها الخوف، وأذهب جمالها الذعر، فهي ترعد متغيرة، وتعبس متوقعة قد أخافها منك وجه أحرز غاية الحسن، وغلبها على الجمال والفضل.
والعِيَانُ الجَلِيُّ يُحْدِثُ لِلظَّنَّ ... زوالا ولِلْمُرادِ انْتِقالا
وإذا ما خلا الجَبَانُ بأَرضٍ ... طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ والنّزالا
(1/5)

أَقْسَمُوا لا رأَوْكَ إِلاَّ بِقَلْبٍ ... طال مَا غَرَّتِ العُيونُ الرَّجالا
الجلي: المكشوف.
فيقول مشيرا إلى الروم، وفرارهم عن أرض الحدث بين يدي سيف الدولة؛ بعدما تكلفوه من غزوه، وتعاطوا من حصاره: أن ما تيقنوه من قصد سيف الدولة لهم، وتسابق خيله نحوهم، أكذب ما ظنوه، واراهم الجلية فيما حاولوه، وعرفهم أن حظهم في الانتقال عما أضمروه من الإقدام إلى الفرار والانهزام.
ثم ضرب للروم مثلا في فعلهم فقال: وإذا ما خلا الجبان في أرضه، وبعد عن الأقران بنفسه، طلب الطعن والمنازلة، وتعاطى القتال للمبارزة، فإذا أحس بمن يقاتله، رجع إلى طبعه، واعتصم بالفرا عن قرنه، وكذلك شأن الروم وشأن سيف الدولة، اظهروا الإقدام عليه، فلما أحسوا به، فروا بين يديه.
ثم قال مخاطبا لسيف الدولة: أقسم الروم أنهم لا يرونك إلا بقلوبهم متباعدين عنك، ولا يلحظونك بعيونهم مقربين منك، فطالما اغتروا بموافقتك فأفنيت جيوشهم، وكثرا ما أقدموا في الحرب على معاينتك، فأتلفت نفوسهم. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة [قصده].
أَيُّ عَيْنٍ تَأَمَّلَتْكَ فَلا قَتْكَ ... وطَرْفٍ رَنَا إِليكَ فآلا
ما يَشُكُّ اللّعِينُ في أخْذِكَ الجَيْ ... شَ فهل تَبْعَثُ الجُيُوشَ نَوَالا
ما لِمَنْ يَنْصِبُ الحبائِلَ في الأر ... ضِ ومَرْجَاهُ أَنْ يَصِيْدَ الهِلالا
الرنو: النظر، وآل بمعنى: رَجَعَ، والنوال: العطاء، والحبائل: الأشراك، واحدتها حبالة، ومرجاة: مفعلة من الرجاء.
فيقول لسيف الدولة: أي عين بطل تأملتك فرقاك صاحبها، وأقدم على موافقتك الناظر بها، وأي شجاع مجرب، أو كمي مقدم دنا إليك طرفه، ولاحظتك عينه، فرجع قاصدا إليك، وتعرض للكر مقدما عليك؟!
(1/6)

ثم قال، وهو يريد ملك الروم: ما يشك اللعين في أنك تغلب جيشه وتأخذه، وتتحكم فيه وتتملكه، وتشمل أهله بالقتل والأسر، ويتكفل الله لك عليه بأبلغ النصر، أفتراه إنما يجهز الجيوش إليك عطاء لك تقصده، وإتحافا تعتمده.
ثم قال مؤكدا للإزراء على ملك الروم: ما لمن ينصب حبائله في الأرض، ويبث مكائده بين الناس، ورجا التأثير في سيف الدولة، وهو القمر في رفعته، وسبيه [به] في علو منزلته، فكيف لملك الروم أن يؤثر في القمر، ويعترض على سابق القدر؟!
إِنَّ دُونَ التي على الدَّرْبِ والأَح ... دَبِ، والنَّهْرِ مِخْلَطا مِزْيالا
غَضَبَ الدَّهرَ والمُلُوكَ عليها ... فَبَناها في وَجْنَةِ الدَّهْرِ خَالا
وحَمَاها بكلَّ مُطَّردِ الأكْ ... عُبِ جَوْرَ الزَّمانِ والأَوْجالا
الدرب: المدخل إلى أرض العدو من أرض الإسلام، والأحدب: جبل بقرب حصن الحدث، والاختلاط بالشيء: الالتباس به، والزوال عنه: المباعدة، والمخلط المزيال: الذي يلابس الشيء تارة، ويباعده تارة، والغضب: الأخذ بالقهر، والخال: شامة في الوجه، تخالف سائر لونه، والمطرد: المتصل الذي لا عوج غيه، والأكعب: العقد التي تكون بين أنابيب الرمح، واحدها كعب، والأوجال: المخاوف، واحدها وجل.
فيقول مشيرا إلى مدينة الحدث، وإلى سيف الدولة: إن دون المدينة المبنية على الدرب والأحدب والنهر من سيف الدولة، الذي يحمي حريمها، ويقاتل الأعداء دونها، ملكا متيقظا مقتدرا، مزيالا عن أطراف بلاده، واثقا بما يحميها من هيبته، مخلطا بالأعداء فيها عند مرامهم لها، سريعا لا يتأخر من سطوته، فهو وإن بعد، أدنته قوته، وإن انتزح، قربته مقدرته.
ثم قال: غضب الدهر والملوك على هذه المدينة، [وأدخل على كان في أول الكلام
(1/7)

غلب]، والعرب تفعل ذلك، وتحمل الكلام على المعنى إذا تقارب ولم يستحل، فبناها في وجنة الدهر كالخال الذي يزين الوجه مع مخالفته للونه، ويحسنه مع ما يثبت فيه من وسمه، فبين أن هذه المدينة امتنع أمرها، وجل قدرها، فكأن الدهر زين بها وجهه، ووسم برفعتها نفسه.
ثم قال يريد سيف الدولة: وحمى هذه المدينة بكل رمح مطرد الكعوب، جور الزمان وظلمته، ومخاوفه وصرفه، يشير إلى منعه لها من الروم بمسارعته دونها إليهم.
وهي تَمْشِي مَشْيَ العَرُوسِ اخْتِيالا ... وتَثَنَّى على الزّمانِ دَلالا
في خَمِيْسٍ مِنَ الأُسودِ بئِسٍ ... يَفْتَرسْنَ النُّفوسَ والأموالا
وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ مِنَ الحِلَّ ... فَقَدْ أَفْنَتِ الدَّماَء حَلالا
الاختيال: الزهو والتكبر، الدلال: الشكل، والخميس: الجيش، [والبئيس]: الكثير الشجعان، والافتراس: شدة الأخذ، وأصله دق العنق، والظبا: السيوف، والحرام: الممنوع، والحل: الحلال.
فيقول، وهو يريد مدينة الحدث: فهي تمشي مشي العروس اختيالا بمنع سيف الدولة منها، وتثنى على الزمان دلالا بمدافعته عنها، وأتى بهذا القول على سبيل الاستعارة، وأشار إلى أن هذه المدينة من الاعتزاز بسيف الدولة في حال تتيه معها على الدهر، وتفرط في الخيلاء والكبر.
ثم قال: وهي في خميس من جيشه، وكثرة من جمعه، وهم كالأسود الضارية، والسباع العادية، يفترسون نفوس الأعداء، ويأخذون أموالهم، ويقربون حتوفهم وآجالهم.
ثم قال، يريد. . . من سيوف هذا الجيش مشكور فعلها، محمود أثرها، تعرف الحلال والحرام، والمباح والمحظر، فقد أفنت الدماء التي أحل الله سفكها، ومنعت
(1/8)

البلاد التي أوجب حمايتها ومنعتها.
إِنَّما أَنْفُسُ الأَنِيْس سِبَاعٌ ... يَتَفارَسْنَ جَهْرَةً واغْتِيالا
من أَطَاقَ التِماسَ شيءٍ غِلابَا ... واغْتِصابا لم يَلْتَمِسْهُ سُؤالا
كلُّ غادِ لِحَاجَةٍ يَتَمنَّى ... أَنْ يَكُونُ الغَضَنْفَرَ الرَّئْبالا
الأنيس: جماعة الناس، والتفارس: التقاتل، والجهرة: معروفة، والاغتيال: القتل بالخديعة، والغلاب: المغالبة، والاغتصاب: الأخذ بالقهر، والغضنفر والرئبال: اسمان من أسماء الأسد.
فيقول: إنما أنفس الناس كالسباع فيما تبتغيه وتطلبه، من الاستعلاء بالقدرة، فهي تتفارس سرا وجهرة، ومكاشفة وغيلة.
ثم قال: وكل غاد منهم لحاجة، ومعتمد لبغيته، يود أنه الأسد بأسا وشدة، واقتدارا وقوة؛ ليتناول ما يقصده بفضل قوته، ويستظهر عليه ببأسه وشدته. وأشار إلى أن الروم لم يفروا بين يدي سيف الدولة على الخديعة أنفا ومكارمة، وإنما كان فرارهم فرقا ومحاذرة؛ لأن في طبائع الإنس أن يستعملوا فيما يطلبونه غاية قوتهم، [وأن يتناولوا ذلك بأبلغ قدرتهم].
(1/9)

وفزع الناس لخيل لقيت سرية لسيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب معه، فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه، فنظر إلى الدم عليه، وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت، فتمثل سيف الدولة بيتي النابغة:
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أَنّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ
تُوُرَّثْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ ... إِلى اليَوْمِ قَد جُرَّبْنَ كُلَّ التَّجارِبِ
فَأَنْشَدَ ارتجالا:
رَأَيْتُكَ تُوسِعُ الشُّعراَء نَيْلاً ... حَدِيْثَهُمُ المُوَلَّدَ والقَدِيْمَا
فَتُعْطِي مَنْ بَقَى مالاً جَسِيْماً ... وتُعْطي مَنْ مَضَى شَرَفاً عَظِيْماً
المولد: المتأخر من الشعراء، وبقى: بمعنى بقي، وهي لغة لطيء، يبدلون الكسرة فتحة، إذا كانت بعدها ياء مفتوحة، ويقلبون الياء ألفا، فيقولون في رضي: رضى، وفي ناصية ناصاة.
فيقول لسيف الدولة (. . . . . . .) وتعمهم بنيلك؛ حديثهم المولد في عصرك، وسالفهم المتقدم من قبلك.
ثم بين ذلك فقال: فتعطي (. . . . . . . .) يقنعهم، وتعطي ماضيهم شرفا عظيما يدفعهم.
سَمِعْتُكَ مُنْشِداً بَيْتي زيادٍ ... نَشِيْداً مِثْل مُنشِدِهِ كريما
فما أَنْكَرْتُ مَوْضِعَهُ ولكن ... غَبَطْتُ بِذاكَ أَعْظُمَه الرَّميما
زياد: نابغة بني ذبيان، وغبطت الرجل بحاله: إذا أيدت بصيرته (. . . . . . . .)، والرميم: العظم إذا بلي وتقطع.
فيقول لسيف الدولة: سمعتك تنشد بيتي النابغة نشيدا يشبه كرمه كرمك، [ويماثل صوابك شعره]، فما أنكرت موضع النابغة من (. . . . . .) لما رفعت من قدره، ولكنني غبطت عظامه البالية بتشريفك (. . . . . . . . .).
كمل السفر والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله
(1/10)

أجمعين، وكان الفراغ منه يوم السبت الموفي ثلاثين من شهر ربيع الآخر عام أربع. . . وكتبه بخطه لنفسه عفا الله عنه علي بن محمد بن جعفر.
(1/11)

اجتاز أبو الطيب برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة وبني رياح من بني تميم، يمدح سيف الدولة بهذه القصيدة، ولم ينشده إياها، فلما أنشده هذه القصيدة اللامية، أنشده إياها، وألحقت في هذا الموضع، وهي من قوله في صباه:
ذِكْرُ الصَّبا ومَرَابِعُ الآرامِ ... جَلَبَتْ حِمَامِي قَبْلَ وَقْتِ حَمامي
دِمَنٌ تَكاثَرَتِ الهُمومُ عَلَيَّ في ... عَرَصَاتِها كَتَكاثُرِ اللُّوَّامِ
فَكَانَّ كُلَّ سَحَابَةٍ وَقَفَتْ بِها ... تَبْكِي يِعَيْنَيْ عُرْوَةَ بنِ حِزَامِ
الذكر: جمع ذكرى. والآرام: الظباء، ومرابعها: المواضع التي تقيم فيها مدة الربيع، والحمام: الموت، والدمن: المواضع التي ينزل بها القوم فتبقى فيها أبعار إبلهم، وآثار نارهم، (وعرصات) الدمن: أوساطها، وعروة بن حزام العذري: أحد العشاق المتقدمين وهو ممن قتله العشق.
فيقول: ذكر الصبا وما فرط من طيبه، والشباب وما سلف من السرور به (. . .) زمن إلمامي على ربع الآرام من الأحبة، جلبت إلي الحمام قبل وقته (. . .).
ثم قال: دمن تكاثرت الهموم علي (. . .) في عرصاتها من دروس رسومها (. . .) كتكاثر اللوام على ما لحقني من الحزن، وأحاط بي من البث والشجن، وكأن سحاب (. . .) الأمطار المغيرة لها تبكي عليها رثاية لتغيرها، وأسفا على دروسها وتبدلها بعيني عروة بن حزام، الذي كان لا يرقا دمعه، ولا يفتر حزنه، فأشار ببكاء السحاب على هذه الدمن إلى ما كانت عليه من الحسن والجلالة، وبمداومة المطر لها إلى ما صارت إليه (. . . .).
وَلَطَالَما أَفْنَيْتُ رِيْقَ كَعَابهَا ... فِيها، وأَفْنَتْ بالعِتَابِ كَلامي
قَدْ كُنْتَ تَهْزَأُ بِالفرَاقِ مَجَانَةً ... وَتَجُرُّ ذَيْلَي شِرَّةٍ وَعُرامِ
لَيْسَ القِبَابُ على الرَكاب وإنما ... هُنَّ الحَياةُ تَرحَّلَتْ بِسَلامِ
الكعاب: الجارية التي ينبت ثديها في صدرها. والعتاب: المؤاخذة على الزلة.
(1/12)

والماجن: الذي لا يبالي بما صنع. والعرام: الشدة، والركاب: الإبل تحمل القوم.
فيقول: ولطالما أفنيت في هذه الدار ريق كعابها، مسرورا بوصلها، مبلغا أبلغ الأمل من قربها، وأفنت كلامي بمعاتبتها لي، واستكثرت من حديثي معجبة بي.
ثم قال مخاطبا لنفسه: قد كنت تهزأ بالفراق آمنا لفجاءته، وتمجن بذكره جهلا بمخوف عاقبته، وتجر في (. . . . .) ذيلي شره وعرام، وتتصرف فيه تصرف شبيبة واغترار.
ثم قال مشيرا إلى فراق أحبته، ورحيل من شغف بألفته: ليس على الركاب في (. . .).
لَيْتَ الَّذي خَلَقَ النَّوىَ جَعَلَ الحَصَى ... لِخِفَافِهِنَّ مَفَاصِلِ وَعِظَامِي
مُتَلاحِظْيَنَ نَسُحُّ مَاَء شُؤُونِنَا ... حَذَارَاً مِنَ الرُّقَبَاءِ في الأَكْمَامِ
أَرْواحُنَا انهَمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَا ... مِنْ بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الَقدامِ
النوى: البعد. وخفاف الإبل: ما تطأ به الأرض من أيديها وأرجلها. والسح: الانسكاب. والشؤون: مجاري الدموع. والانهمال: شدة الجري. والقطر: سقوط المطر الشيء بعد الشيء، ويستعار ذلك فيما قاربه. والمفاصل: ما تتصل عليه الأعضاء.
فيقول: ليت الذي خلق النوى وأنشأها، وابتدعها واخترعها، جعل بتلك القدرة حصى أحفاف إبل الأحبة عظامي؛ لأصحبها ولا أفارقها، وأقاربها ولا أباعدها.
ثم قال؛ يريد نفسه وأحبته الراحلين عنه: متلاحظين في موقف البين، نسخ ماء شؤونها - وأومأ إلى الدمع - غير معلنين بسكبه، ولا مظهرين لأمره، نسكبه في الأكمام، ونستره عن الرقباء واللوام.
ثم قال: ولم يكن ما بكينا به دموعا نسكبها ونذريها ويرسلها، وإنما كانت أرواحنا قطرت على أقدامنا منهلة، وظعنت عن أجسامنا مرتحلة، وعشنا منها بأنفس
(1/13)

ضعيفة، وحيينا بحشاشات يسيرة.
لَوْ كُنَّ يَوْمَ جَرَيْنَ كُنَّ كَصَبْرنَا ... عِنْدَ الرَّحِيْلِ لَكُنَّ غَيْرَ سِجَامِ
لَمْ يَتْرُكُوا لِيَ صَاحِباً إِلاَّ الأَسَى ... وَذَمِيْلَ ذِعْلِبَةٍ كَفَحلِ نَعَامِ
وَتَعَذُّرُ الأَحْرَارِ صَيَّرَ ظَهْرَهَا ... إِلا إليكَ عَلَيَّ فَرْجَ حَرَامِ
السجام: الجارية، واحدها ساجم، والأسى: الحزن، والذميل: ضرب من مشي الإبل، والذعلبة: الناقة السريعة.
فيقول: لو كانت (. . .) عند الوداع في حين (. . .) على مثل حال صبرنا؛ لكانت معدومة لا تسجم، ومفقودة لا تسكب. يشير إلى ما كان عليه في تلك الحال، من كثرة الجزع والدمع، وقلة العزاء والصبر. ثم قال، يريد أحبته: لم يتركوا لي صاحبا آنس بقربه، وموالفا أسكن إلى وصله، إلا الأسى الملازم، والكمد المداخل، وسير ذعلبة أركبها؛ رجاء السلوة، وأسير بها متعللا من كمد الفرقة.
ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: وتعذر الأحرار في الزمن الذي (. . . .) فضلك، وصغر أقدارهم قدرك، صير ظهر تلك الناقة علي فرج حرام لا أقربه (. . .).
أَنْتَ الغَريْبَةُ في زَمَانٍ أَهْلُهُ ... وُلِدَتْ مَكَارِمُهُمْ لِغَيْرِ تَمَام
أَكْثَرْتَ مِنْ بَذْلِ النَّوالِ ولَمْ تَزَلْ ... عَلَماً على الإفْضالِ والإِنْعَامِ
صَغَّرْتَ كُلَّ كَبيْرَةً وَكَبُرْتَ عَنْ ... لَكَأَنَّهُ، وَعَدَدْتَ سِنَّ غُلامِ
الغريبة من الأشياء: التي يعدم نظيرها، والمولود لغير تمام: الذي يولد قبل استيفاء مدة حمله، وذلك يخدج المولود، ويضعف خلقه، والنوال: العطاء، والعلم: العلامة، والغلام: الصبي.
فيقول لسيف الدولة: أنت غريبة الزمان بعموم فضله، وجلالة قدره، في زمان
(1/14)

مكارم أهله مخدجة ناقصة، مستقلة مستصغرة، فأنت مستغرب في دهرك، أنك بلغت غاية التمام في أوان النقصان (. . . . . .) فكيف بك وقد تناهت قوتك، وتمكنت شبيبتك. وهذه العبارة وإن كانت تزيد على لفظه، فهي مفهومة منه، وغير خارجة في جملتها عنه.
وَرَفَلْتَ في حُلَلِ الثَّنَاءِ، وإِنّما ... عَدَمُ الثَّنَاءِ نِهَايَةُ الإِعْدَامِ
عَيْبٌ عَلَيْكَ تُرَى بِسَيْفٍ في الوَغَى ... ما يَصْنَعُ الصَّمْصَامُ بالصَّمْصَامِ
إِنْ كَانَ مِثْلُكَ كانَ أو هُوَ كائِنٌ ... فَبَرِئْتُ حِيْنَئِذٍ مِنَ الإسْلامِ
رفل الرجل: إذا جر ذيله، والإعدام: الفقر، والوغى: الحرب، والصمصام: السيف.
فيقول لسيف الدولة: ورفلت صغيرا وكبيرا في حلل الثناء والحمد، وأحرزت أبعد غايات الكرم والمجد، وإنما عدم الثناء نهاية الإعدام والفقر، وغاية الإقلال والعسر.
ثم قال مخاطبا له: عيب عليك وأنت السيف نفاذا وحدة، وصرامة وهيبة، أن تتقلد السيف في حربك، ونستعمله (في) بطشك، والسيف يقصر (عن) فعلك، ويتصاغر عن جلالة قدرك، فما تفعل، وأنت الصمصام، بصمصام يعضدك، وما تريد، وأنت السيف، بسيف يعينك ويؤيدك.
ثم قال: إن كان مثلك في نظرائك من الرؤساء، ومن تقدمك من أكبر الكرماء، أو تظنه كائنا في الأغلب من (. . . .) ومنتظرا في غير عصرك، فبرئ حينئذ من الإسلام (. . . . . .).
مَلِكٌ زُهَتْ بِمَكَانِهِ أَيَّامُهُ ... حَتَّى افْتَخَرْنَ بِهِ على الأَيَّامِ
وَتَخَالُهُ سَلَبَ الوَرَى أَحْلاَمَهُمْ ... مِنْ حِلْمِهِ فَهُمُ بِلا أَحْلامِ
وإِذا امْتَحَنْتَ تَكَشَّفَتْ عَزمَاتُهُ ... عَنْ أَوْحَدِيَّ النَّقْضِ والإبْرَامِ
(1/15)

الزهو: العجب والكبر، وزهت بمعنى زهيت فأبدل من الكسرة فتحة، وقلب الياء ألفا، وحذفها لالتقاء الساكنين، وهي لغة طيء، وقد تقدم شرحها، والحلم: العقل، والإبرام: الإحكام، والنقض: ضده.
فيقول وهو يريد سيف الدولة: ملك زهيت أيامه بجلالة قدره وأعجبت بتكامل فضله حتى افتخرت به على الأيام كلها، وترفعت بمكارمه على الأزمنة بأسرها. وهذا على التجوز والإشارة إلى الأكثر.
ثم قال: وتخاله لوفور حلمه، وسعة إحاطته وعلمه، قد اجتمعت له أحلام الورى بجملتها، وقصرت عليه بعامتها، وصاروا بمعزل عنها قد سلموها لحلمه، وتصرفوا فيها على حكمه.
ثم قال: وإذا امتحنت أصالة رأيه، وجلالة أمره، تكشفت لك عزائمه على ألمعي في قوله وفعله، وأوحدي في إبرامه ونقصه.
وإذا سَاَلْتَ بَنَانَهُ عَنْ نَيْلِهِ ... لَمْ يَرْضَ بالدُّنْيَا قَضَاَء ذِمَامِ
مَهْلاً، أَلا لِلَّهِ ما صَنَعَ القَنَا ... في عَمْرِو حَابِ، وضَبَّةَ الأَغْتَامِ
لَمَّا تَحَكَّمَتِ الأَسِنَّةُ فيهِمِ ... جَارَتْ، وَهُنَّ يَجُرْنَ في الأَحْكامِ
الذمام: الحرمة، وعمرو حاب: أراد عمرو حابس فرخم في غير النداء، وعمرو [بن] حابس بطن من بطون [بني أسد]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: لما تحكمت أسنته فيهم، وتسلطت سلاح جنوده عليهم، جارت بالإسراف في قتلهم، وأفرطت فيما أفنت من جمعهم، وكذلك الرماح وأحكامها جائرة، وأفعالها في العقوبة بالغة.
فَتَرَكْنَهُمْ خَلَلَ البُيوتِ كَأَنَّمَا ... غَضِبَتْ رُؤُوسُهُمُ على الأَجْسَامِ
أَحْجَارُ نَاسٍ فَوْقَ أَرْضٍ مَنْ دَمٍ ... ونُجُومُ بَيْضٍ في سَمَاءِ قَتَامِ
(1/16)

وذِراعُ كُلَّ أَبي فُلانٍ كُنْيَةً ... حَالَتْ فَصَاحِبُها أَبو الأَيْتَامِ
الخلل: الفرجة بين الشيئين، والقتام: الغبار، وبيض الحديد معروفة، والواحد بيضة، والذراع: علامة معروفة يسم بها بنو سعد العشيرة.
فيقول لسيف الدولة: فتركت هاتين القبيلتين، وكأن رؤوسهم قد غضبت على أجسامهم ففارقتها، وتسخطت صحبتها فباينتها، وصاروا في خلل بيوتهم أجساما لا رؤوس لها، ورؤوسا لا تتصل الأجسام بها.
ثم قال على نحو ما قدمه: أحجار ناس، يشير إلى كثرتهم، وما قطعه القتل من حركتهم، وأنه أبقاهم جثثا كالأحجار في أرض قد لبسها الدم لكثرته، وستر (. . . . . . . . . . .) فصاروا في معتركهم كالأحجار الساكنة على أرض من لدماء الجارية تحت سماء من القتام؛ مثار سنابك الخيل، ونجومها لوامع البض.
ثم قال وعلامة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
عَهْدِي بِمَعْرَكَةِ الأَميرِ وَخَيْلُهُ ... في النَّقْعِ مُحْجِمَةً عن الإحْجَامِ
صَلَّى الإلهُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ ... وَسَقَى ثَرَى أَبَوَيْكَ صَوْبَ غَمَامِ
وَكَساكَ ثَوْبَ مَهَابَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ... وأَرَاكَ وَجْهَ شَقِيقِكَ القَمْقَامِ
المعركة: موضع القتال، والنقع: الغبار، والإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والصلاة الترحم، والشقيق: الأخ من الأب والأم، والقمقام: السيد الكثير الخير.
فيقول: عهدي بمعركة الأمير سيف الدولة في القوم الذين ذكر إيقاعهم بهم، وخيله في الرهج الذي ثار في تلك المعركة، مقدمة إلى الأعداء غير محجمة، متسابقة إليهم غير متهيبة، تتأخر عن الإحجام، وتقتحم أشد الاقتحام.
ثم قال مخاطبا له: وفر الله حظك من رحمته، ورضي عنك لا بالتوديع عند (. .
(1/17)

)، وسقى ثرى أبويك غماما يرويه صوبه، وسحابا يتصل عليه سكبه، وكساك من عنده ثوب المهابة، ومتعك بالتأييد والكرامة، وأراك وجه شقيقك، يريد: ناصر الدولة السيد (. . .).
فَلَقَدْ رَمَى بَلَدَ العَدُوَّ بِنَفْسِهِ ... في رَوْقِ أَرْعَنَ كالغِطَمَّ لُهَامِ
قَوْمٌ تَفَرَّسَتِ المَنَايَا فِيْكُمُ ... فَرَأَتْ لَكُمْ في الحَرْبِ صَبْرَ كِرَامِ
تَاللَّهِ ما عَلِمَ امرُؤ لَوْلاكُمُ ... كَيْفَ السَّخَاءُ وكَيْفَ ضَرْبُ الهَامِ
(. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال يخاطبهم: تالله لولا ما نهجتموه من البذل، وأظهرتموه من الإقدام في الحرب، ما عرف الناس حقيقة السخاء، ولا كيف تجالد الأبطال عند اللقاء.
(1/18)

وقال يمدحه، أنشدها إياه بآمد، وكان منصرفا من بلاد الروم في آخر نهار يوم الأحد لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهْيَ المَحَلُّ الثانِي
فَإذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْس مِرَّةٍ ... بَلَغَتْ مِنَ العَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الفَتَى أَقْرَانَهُ ... بالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُن الأَقْرَانِ
النفس المرة: الأبية التي لا تستعذب (. . .) من أقدم على (. . . . . . . . .) والأقران: الأكفاء، والواحد قرن.
فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
لَوْلاَ العُقُولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ ... أَدْنَى إِلى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ
وَلَمَا تَفَاضَلَتِ النُّفوسُ وَدَبَّرَتْ ... أَيْدِي الكُمَاةِ عَوَالِيَ المُرَّانِ
لَوْلاَ سَمِيُّ سُيُوفِهِ وَمَضَاؤهُ ... لَمَّا سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأَجْفَانِ
الضيغم: الأسد، والكماة: أبطال الشجعان، والمران: الرماح التي تجمع اللين مع الصلابة، واحدها مارن، والمضاء: النفاذ. والأجفان: أغماد السيوف.
فيقول مؤكدا للتنبيه على فضيلة الرأي: لولا العقول التي تبعث (على) الرأي، وتدل على مواضع الشجاعة، لكان أقل الأسد حالا، وأوضعها منزلة، أقرب (إلى) شرف الرفعة، وعلو المنزلة (من) الإنسان؛ لأنه يبلغ من ذلك ما لا يبلغه، ويدرك منها أكثر مما يدركه، ولكن الإنسان يفضله بعقله، ويزيد عليه بمعرفته وعلمه.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولولا العقول لما فضلت نفوس الإنس نفوس سائر الحيوان، ولا استعملت الكماة السلاح للمنازلة، ولا (استظهرت) به عند المقاتلة ولا دبرت أيدي الفرسان عوالي الرماح، ولا صرفتها فيما تقصده من الطعن، ولكن العقول أفادت ذلك ودلت عليه (. . . . . . . . . .) إليه.
ثم قال، يريد سيف الدولة: لولا سمي سيوفه وهيبته، ومضاؤه في الحرب (. . .
(1/19)

).
خَاضَ الحِمَامَ بهِنَّ حَتَّى ما دُرِي ... أَمِنِ احْتِقارِ ذاكَ أَمْ نِسْيَانِ؟
وَسَعَى فَقَصَّرَ عَنْ مَدَاهُ في العُلا ... أَهْلُ الزَّمانِ، وأَهْلُ كُلَّ زَمَانِ
(. . . . . . . . . . . . . . . .) والجموع المكسرة مع ذلك محمولة على التأنيث في الإخبار عنها، يقال: اجتمعت الرجال وسارت الجمال.
ثم قال، يريد سيف الدولة: خاض غمرات الموت بمن معه من أصحاب تلك السيوف، مبادرا لا يتوقف، ومقتحما لا يتهيب، حتى ما دري إلى أي الحالين ينسب فعله؛ إلى احتقاره لمن قاتله، أم إلى تناسيه لعظيم ما حاوله.
ثم قال: وسعى فيما ابتغاه من المجد، وما قصره على نفسه من الشكر والحمد، فقصر عن إدراك شأوه، ومماثلة فعله، أهل زمانه بجملتهم، والمحاولون لإدراكه بعامتهم، ومن تقدمه من الكرماء في الأزمنة الخالية، ومن كان قبلهم منهم في المدد السالفة.
تَخِذُوا المَجَالِسَ في البُيوتِ وعِنْدَهُ ... أَنَّ السُّروجَ مَجَالِسُ الفِتْيانِ
وتَوَهَّمُوا اللَّعبَ الوَغَىَ والطَّعْنَ في ال ... هيجاءِ غَيْرُ الطَّعْنِ في المَيْدانِ
تخذوا: لغة في اتخذوا. قرئ: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا)، و (لتخذت عليه أجرا)، والميدان: موضع يتخذ (. . . . .) الخيل.
فيقول: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
قَادَ الجِيَادَ إِلى الطَّعَانِ ولَمْ يَقُدْ ... إِلاَّ إِلى العَادَاتِ والأَوْطَانِ
كُلُّ ابنِ سَابِقَةٍ يُغِيْرُ بِحُسْنِهِ ... في قَلْبِ صَاحِبِهِ على الأَحْزَانِ
إِنْ خُلَّيَتْ رُبِطَتْ بِآدابِ الوَغَى ... فَدُعاؤها يُغْنِي عَن الأَرْسَانِ
الجياد: الخيل العتاق، والأوطان: مواضع الإقامة، والوغى: الحرب.
(1/20)

فيقول، وهو يريد سيف الدولة: قاد عتاق الخيل، وأشار بها إلى مواضع فرسانها من البأس؛ لأن استجادة الفرسان لها بحسب ملازمتهم للحروب بها.
فيقول: إنه قادها إلى الطعن، واقتحم بها غمرات الحرب، ولم يقدها من ذلك إلا عاداتها السالفة، وأفعالها الفارطة، ولا أراها من تلك الملاحم إلا فيما حولها بطول الاعتياد، كالأوطان التي تلزمها، والمساكن التي تألفها.
ثم قال واصفا لكرم تلك الخيل: كل ابن سابقة معرق في العتق، جار على وراثة من الكرم، يغير بحسن خلقته، وجمال صورته، على الأحزان في قلب صاحبه، فيكشفها عنه، ويطردها منه، ويبعث له السرور بنفسه، وشدة الإعجاب بحسنه.
ثم أكد ما قدمه، فقال: إن خليت تلك الخيل مهملة، وأطلقت مرسلة، ربطتها آداب الحرب، وملكها اعتياد التصرف (. . . . . . . . . . . .) فهي تنقاد إذا دعيت دون أرسان، وتفعل ما يرغب منها دون فرسان.
في جَحْفَلٍ سَتَرَ العُيُونَ غُبارُهُ ... فَكَأَنَّما يُبْصِرْنَ بالآذَانِ
يَرْمِي بِهَا البَلَدَ البَعِيْدَ مُظَفَّرٌ ... كُلُّ البَعِيْدِ لَهُ قَرِيْبٌ دَانٍ
فَكَأَنَّ أَرْجُلَها بِتُرْبَةِ مَنْبِجٍ ... يَطْرَحْنَ أَيْدِيَها بِحِصْنِ الرَّانِ
(. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) يقرب له البعيد إقبال جده، ويدنيه منه تمكن سعده، ثم أكد ذلك فقال: فكأن أرجل خيله بتربة منبج، وأرضه تطرح أيديها بحصن الران الذي أمه بقصده، واعتمده بجيشه، يشير إلى سرعة لحاقه لما قصد نحوه، وهذه (. . . . . . . .) فيمن أراد غزوه، وأن العوائق لم تعترضه دون بغيته، ولا أقدم الروم على مدافعته دون رغبته.
حَتى غَبَرْنَ بأَرْسَنَاسَ سَوَابِحا ... يَنْشُرْنَ فِيْهِ عَمَائِمَ الفُرْسَانِ
(1/21)

يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى مِنْ بَاردٍ ... يَذَرُ الفُحُولَ وهُنَّ كالخِصْيَانِ
أرسناس: واد من أودية بلاد الروم، والسابح: العائم، والجمع سوابح، والقماص: التوثب، والمدى: شفار السكاكين، واحدتها مدية.
فيقول على نحو ما قدمه من وصف إسراع خيل سيف الدولة إلى الروم: حتى عبرن - يريد الخيل - أرسناس، وهو النهر، وهي سوابح غير سائرة، وعوائم غير ماشية، تنتشر عمائم فرسانها من شدة نهوضها، وتضطرب بكثرة ازدحامها في (. . . . . . . . . . . .).
ثم قال - يريد الخيل: يقمصن في هذا النهر في مثل المدى
منْ مُنْعَقِدِ ثَلْجِهِ، وبَارِدِ مَائِهِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .).
والماءُ بَيْنَ عَجَاجَتَيْنِ مُخَلَّصٌ ... تَتَفَرَّقَانِ بِهِ وتَلْتَقِيانِ
رَكَضَ الأَمِيْرُ، وكالُّّلجِيِن حَبَابُهُ ... وَثَنَى الأَعِنّةَ، وهو كالعِقْبَانِ
العجاجة: الغبار الساطع، واللجين: الفضة، وحباب الماء: معظمه، والعقيان: الذهب.
فيقول: ماء ذلك النهر (. . . . . . . . .) على شطيه تنيرهما خيول سيف الدولة المترادفة القادمة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: ركض الأمير - يريد سيف الدولة - ومعظم هذا النهر كالجين في ابيضاض مائه، وخلوصه وصفائه، وثنى أعنة خيله عابرا غيه، وهو كالعقيان بما سفك عليه من دماء الروم (. . . . . . . . . . . . . . . . . .).
فَتَلَ الحِبَالَ من الغَدائِرِ فَوْقَهُ ... وَبَنَى السفِيْنَ لَهُ مِنَ الصُّلْبَانِ
(1/22)

وَحَشَاهُ عَادِيَةً بِغَيْر قَوائِمٍ ... عُقْمَ البُطُونِ، حَوْالِكَ الألْوانِ
تَأْتِي بِمَا سَبَتِ الخيولُ، كأنَّها ... تَحْتَ الحِسَانِ مَرابضُ الغِزْلاَنِ
الغذائر: الضفائر، واحدتها غديرة، والسفين: جمع سفينة، والصلبان: جمع صليب، وهي آلة معروفة يعظمها النصارى، والعادية: الجارية. والقوائم معروفة، والعقم التي لا تحمل ولا تنتج، واحدتها عقيم، والحوالك: السود ومرابض الغزلان: موضع إقامتها، واحدها مربض.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة: فتل الحبال على (. . . . . . . . . .) لغدائر نساء الروم، يشير إلى كثرتهن، وما بهن من الحزن على من قتله من رجالهن، وأنهن قطعن غدائرهن مظهرات (. . . . . . . . . . . . . . . .)، ومؤذنات بما بهن من شدة الثكل، وإن تلك الغدائر كانت (. . . . . . . . . . .).
ثم قال: تأتي تلك القوارب في ذلك النهر، بما تجلبه خيول سيف الدولة من سبايا الروم تحتهن، فكأنها تحتهن مرابض غزلان، ومكانس ظباء وآرام.
بَحْرٌ تَعَوَّدَ أَنْ يُذِمَّ لأَهْلِهِ ... مِنْ دَهْرِهِ وَطَوارِقِ الحِدْثَانِ
فَتَرَكْتَهُ وإذا أَذَمَّ مِنَ الوَرَى ... راعَاكَ واسْتَثْنَى بَنِي حَمْدَانِ
المُخْفِريْنَ بِكُلَّ أَبْيَضَ صَارِمِ ... ذِمِمَ الدُّرُوعِ عَلى ذَوي التَّيجَانِ
البحر: الماء الكثير، وأراد به هاهنا النهر الذي ذكره، ويذم: يعطي من نفسه عهدا، والحدثان: ما يحدثه الدهر من طوارفه، والمراعاة: المراقبة، والإخفار: نقض العهد، والذمم: العهود، والواحدة ذمة.
فيقول في النهر الذي قدم ذكره: بحر تعود يجتازه جيش إلى من خلفه، فكان يذم من جاوره على الدهر من أن يغشاه (. . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال، وهو يخاطب سيف الدولة: فتركته وإذا أجار من البرية، وأذم على جميع (. . . . . . . . . . . . . . . .).
(1/23)

مُتَصَعْلِكِيْنَ على كَثَافَةِ مُلْكِهِمْ ... مُتَوَاضِعِيْنَ على عَظِيْمِ الشَّانِ
يَتَقَيَّلونَ ظِلالَ كُلَّ مُطَهَّمٍ ... أَجَلِ الظَّلِيْمِ وَرِبْقةِ السرْحَانِ
خَضَعَتْ لِمْنْصُلِكَ المَنَاصِلْ عَنْوَةُ ... وأَذَلَّ دِيْنُكَ سَائِرَ الأَدْيانِ
التصعلك: الاحتمال على أفعال الصعاليك الذين لا مال لهم ولا نشب يرجعون إليه، فهم يفعلون ما بدا لهم غير (. . . . . .)، والكثافة: الثخن وشدة الاقتحام، والتقيل: القصد والاعتماد، والمطهم: التام الخلق، والظليم: ذكر النعام، والربق والربقة: ما يشد به عنق الشاة، والسرحان: الذئب، والعنوة: القسر والغلبة.
فيقول، - وهو يريد بني حمدان -: إنهم يتصعلكون في حروبهم بالمباشرة لها، والتقدم في النهوض بها على كثافة ملكهم، وجلالة أمرهم، ويتواضعون مع عظيم شأنهم، وارتفاع منزلتهم ومكانتهم.
ثم قال: يتقيلون ظلال خيولهم المطهمة في خلقها، المقدمة في عتقها، فيسكنون إليها، ويألفون الراحة فيها، وتلك الخيل آجال الظلمان؛ لأنها لا يفوتها عند الطلب، وربق السراحين؛ لأنها (. . . . . . . . . . . . . . .)، فأشار بما ذكره من راحتهم في ظلال خيولهم إلى ما هم عليه من مواصلة الغزو والمباشرة (. . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال لسيف الدولة: خضعت لسيفك سيوف ملوك الأمم عنوة، وأسلم جميعهم لأمرك هيبة، وأذل دين الإسلام سائر أديانهم، وأهان الله بجلالتك ما كان أرفع من شأنهم.
وعلى الدُّروبِ وفي الرُّجوعِ غَضَاضَةٌ ... والسَّيْرُ مُمْتَنِع مِنَ الإمكانِ
والطُّرْقُ ضَيَّقَةُ المَسَالكِ بالقَنَا ... والكُفْرُ مُجْتَمِعٌ على الإيمَانِ
نَظَروا إلى زُبَرِ الحَدِيْدِ كَأَنَّما ... يَصْعَدنَ بَيْنَ مَنَاكِبِ العِقْبَانِ
الدروب: المداخل إلى بلاد الروم، والغضاضة: الاحتقار والمهانة، والقنا: الرماح،
(1/24)

وزبر الحديد: (. . . . . . . . . . . .).
فيقول لسيف الدولة: وعلى الدروب في حين اعتراض الروم (. . . . . . . . . . .)، وضعف يتعلق بك، والتوقف لا يحسن والنهوض ممتنع لا يمكن.
ثم قال على نحو ما قدمه: وقد ضاقت مسالكها بالتفاف الرماح، وامتنع السير فيها لتكاثر السلاح، والكفر قد تداعت على الإيمان ضروبه، وتناصرت على الإيقاع به جموعه.
ثم قال: نظروا - يريد الروم - في ذلك الموقف إلى البيض في رؤوس فرسانك، وكأنها زبر حديد ماثلة، تحملها بين مناكبها عقبان طائرة، يصاولونهم فيستعلون عليهم، ويقصدونهم فيتسابقون إليهم.
وَفَوارِسٍ يُحْيِي الحِمَامُ نُفُوسَهَا ... فَكَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الحَيَوانِ
مَا زِلْتَ تَضْرِبُهُمْ دِراكاً في الوَغَى ... ضَرْبَاً كَأَنَّ السَّيْفَ فِيْهِ اثْنانِ
خَصَّ الجَمَاجِمَ والوُجُوهَ كَأَنَّمَا ... جَاَءتْ إليكَ جُسومُهُمْ بِأَمَانِ
الحِمامُ: الموت، والحيوان: ما كان فيه حياة وحركة، والدراك: التتابع، والوغى: الحرب، والجماجم: الرؤوس.
فيقول، - وهو يريد الروم -: ونظروا من فرسان سيف الدولة إلى فوارس كأن الموت يحيي أنفسها لسرورها به (. . . .)، فهم يتبادرون إليه، غير مستوحشين منه، ويقدمون عليه غير منحرفين عنه، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
فَرَمَوْا بِمَا يَرْمُونَ عَنْهُ وأَدْبَرُوا ... يَطَؤونَ كُلَّ حَنِيَّةٍ مِرْنَانِ
يَغْشَاهُمُ مَطَرُ السَّحَابِ مُفَصَّلاً ... بِمُهَنَّدٍ، ومُثَقَّفٍ وَسِنَانِ
حُرِمُوا الَّذي أَمَلُوا، وأَدْرَكَ مِنْهُمُ ... آمالَهُ مَنْ عَاذَ بالحِرْمَانِ
الحنية: القوس، والمرنان: التي تصوت عند الرمي، والمثقف: المقوم، وأملوا
(1/25)

بالتخفيف: لغة في أملوا، يدل على ذلك آمل، ومؤمل لا يكون إلا من أمل مثقل، وعاذ: لجأ.
فيقول، - وهو يريد الروم -: فرموا بالقسي التي كانوا يرمون عنها، وولوا هاربين، وأدبروا منهزمين، يطؤون كل حنية مرنان من قسيهم، وينبذون كل ما كانوا يستعملونه من سلاحهم.
ثم قال: يغشاهم من سلاح سيف الدولة ما هو كمطر السحاب في كثرته، وفي تتابعه وسرعته، إلا أنه مفصل بالسيوف المهندة، والرماح (. . . . . . . . . . .) المحدودة.
ثم قال: حرموا الذي أملوه من الظفر في حربهم، والإنجاح في سعيهم، ومن تتبع ذلك (. . . . . . . . . . .) قصاراه، والحتف ماله، وأدرك آماله منهم من ألجأ إلى الحرمان نفسه، مستنفدا في الفرار جهده، وكان (. . . . . . . . . . . . .) عليه غنما أدركه، ورجاء بلغه.
وإذا الرَّمَاحُ شَغَلْنَ مُهْجَةَ ثَائِرٍ ... شَغَلَتْهُ مُهْجَتُهُ عَن الإخْوَانِ
هَيْهَاتَ عَاقَ عَنِ العِوادِ قَوَاضِبٌ ... كَثُرَ القَتِيْلُ بِهَا، وَقَلَّ العَانِي
وَمُهَذَّبٍ أَمَرَ المَنَايَا فِيْهِمُ ... فَأَطَعْنَهُ في طَاعَةِ الرَّحْمانِ
الثائر: الذي يطلب بدم وليه، والعواد: المعاودة، والقواضب: السيوف القواطع، والعاني: الأسير.
فيقول: وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر بمطالبة نفسه، والإشراف على حتفه، شغلته مهجته على إخوانه وأحبته، وألهته عن الأقربين من ذوي مودته و (. . .)، كذلك كان المتخلص بالهرب من الروم في هذه الوقعة، مشغولا بنفسه عمن تخلفه من أهله، ومن أسلمه من قرابته (. . . . . .).
ثم قال: هيهات، عاق الروم عن معاودة سيف الدولة ومناصبته، وأقعدهم عن
(1/26)

معارضته ومبارزته، سيوف قواضب أعملها فيهم، وسلطها عليهم، فكثر فيهم الفناء والقتل، وقل من أسعده البقاء والأسر.
ثم قال: وعاقهم عن المعاودة من سيف الدولة ملك مهذب، جليل معظم، أمر المنايا فيهم فأطعنه، واستجدها عليهم فأجبنه، مطيعات للرحمن بنصرته، متزلفات إليه بإعزاز دعوته.
قَدْ سَوَّدَتْ شَجَرَ الجِبالِ شُعُورُهُمْ ... فَكَأَنَّ فِيْهِ مُسِفَّةَ الغِرْبَانِ
وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجِيْعُ القَانِي ... فَكَأَنَّهُ النَّارَنْجُ في الأَغْصَانِ
المسفة من الغربان وغيرها: التي تقرب من الأرض في طيرانها، والنجيع: الدم، والقاني: الشديد الحمرة، والنارنج: شجر له ثمر أحمر طيب الرائحة.
فيقول: إن ما نصبه جيش سيف الدولة من رؤوس الروم في أشجار الموضع الذي أوقع (. . . . . .) ذلك الشجر، فكأن ما (. . . . . . . . . . . . . . .) من شعورهم، وتغير فيها من رؤوسهم، غربان مسفة على الأرض، لا تزال ثابتة (. . . . . . . . . . .) طائرة.
ثم قال: وجرى على ورق تلك الأشجار النجيع القاني من دمائهم، فكأنه النارنج في حمرته، وما (. . . .) إلى الأمصار من (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
إِنَّ السُّيُوفَ مَعَ الَّذين قُلُوبُهُمْ ... كَقُلُوبِهِنَّ إِذا التَقَى الجَمْعَانِ
تَلْقَى الحُسَامَ عَلى جَرَاَءةِ حَدَّهِ ... مِثْلَ الجَبَانِ بِكَفَّ كُلَّ جَبَانِ
الحسام: السيف القاطع، والجراءة: النفاذ والإقدام، يقال: جرو الرجل يجرو جراءة وجرأة.
فيقول: أن السيوف إنما تصح نصرتها، وتخلص معونتها للذين قلوبهم كقلوبها في الإقدام والجرأة، والشجاعة والشدة، فإذا التقى الجمعان فالسيوف تنصر من
(1/27)

الطائفتين أشبههم بقوتها، وأشدهم احتمالا على مثل جرأتها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: تلقى السيف الصارم على جراءة حده، ونفاذه في فعله، إذا صار في كف (. . . .) كالرجل الجبان الذي يحجم ولا يقدم، ويفرق ولا يصدق. وإذا كان السيف في يد الشجاع جل قدره، وبان فضله، ونفذ فيما يستعمل فيه فعله. وهذا يصدق بما ذكره من أن السيوف إنما تنصر أشباهها من أهل الشدة، وتعين (. . .) من المشتهرين بالجرأة.
رَفَعَتْ بِكَ العَرَبُ وصَيَرَتْ ... قِمَمَ المُلُوكِ مَواقِدَ النَّيْرانِ
أَنْسَابُ فَخْرِهِمُ إِليك وإِنَّما ... أَنْسَابُ أَصْلِهِمِ إِلى عَدْنَانِ
العماد والعمود: الخشية التي تكون في وسط الخباء فيعتمد عليها، والقمم: أعالي الرؤوس، وعدنان بن أد: إليه ينتسب أكثر العرب.
فيقول: رفعت العرب بك عماد فخرها، وأبانت بك مقدار شرفها، واستعملت بموضعك على من خالفها من الأمم (. . . . . . . . . . . .)، وصيرت في قمم الملوك مواقد نيرانها، وأثافي قدورها، يشير إلى كثرة من قتله سيف الدولة (. . . . . . . . . . . . .).
ثم قال مخاطبا له: أنساب العرب عند تعديد مفاخرهم، والإشارة بمآثرهم مصروفة إليك، مقصورة عليك، وغاية فخر جميعهم الاتصال بنسبك، والترفع بشرفك، وإن كانت أنساب أصولهم (. . . .) عدنان بن أد، فكما أن عدنان (. . . . . . . . . . .).
يَا مَنْ يُقَتَّلُ مَنْ أَرَادَ بسَيِفهِ ... أَصْبَحْتُ مِنْ قَتْلاَكَ بِالإِحْسَانِ
فإذا رَأَيْتُكَ حَارَ دُونَكَ نَاظِري ... وإذا مَدَحْتُكَ حَارَ فِيْكَ لِسَانِي
القتل معروف، والحائر: الذي لا يهتدي لسبيله.
فيقول لسيف الدولة: يا من يقتل بسيفه من أراد فيغلبه، (. . . . . . .) ويقهره
(1/28)

بإتلاف حياته، قد قهرني إحسانك فلا أستقل بشكره، وأعجزني فلا أقوم بأيسر حقه، فحالي حال المقتول به لعجزي عن أقل الواجب، وقد استبان من عجزي بتتابع إحسانك، كالذي استبان على من قتلته باستعلاء سلطانك.
ثم قال مخاطبا له، ومؤكدا لما قدمه: فإذا رأيتك حار بصري دون ما أقابله من بهائك وهيبتك، وجلالتك ورفعتك، وإذا مدحتك حار لساني في تعديد فضائلك، وإدراك حقيقة مكارمك (. . . . . . . . . .) بالعجز عما يجب في وصفك.
(1/29)

تحدث بحضرة سيف الدولة أن البطريق أقسم عند ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، ففعل، فخيب الله ظنه، وأتعس جده، فقال أبو الطيب، وأنشدنا إياه بحلب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة:
عُقْبَى اليَمِيْنِ عَلَى عُقْبَى الوَغَى نَدَمُ ... مَاذَا يَزيْدُكَ في إقْدامِكَ القَسَمُ؟
وفي اليَمينِ على ما أَنْتَ فَاعِلُهُ ... ما دَلَّ أَنَّكَ في المِيْعَادِ مُتَّهَمُ
عقبى الشَّيِْ وعاقبته: آخره ومآله، والوغى: الحرب.
فيقول، وهو يريد صاحب جيش الروم، ويشير إلى (. . .) على التعرض للقاء سيف الدولة: عقبى اليمين على ما يستأنف في الحرب، ويعتقد أن (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) صاحب جيش الروم، فقال: ماذا يزيد القسم في جرأتك، وما الذي تستفيد به من الإقدام (. . . . . . . . . .) في اليمين على ما وعدت به من نفسك، وزعمت أنك تظهره من فعلك، ما يدل على أنك متهم في وعدك، غير مستعد للصدق في قولك؛ لأن ما أقسمت عليه إنما يصدقه الوفاء به، ويحققه الاستكمال له، واليمين عليه.
آلى الفَتَى ابنُ شُمُشْقِيْقٍ فَأَحْنَثَهُ ... فَتًى مِنَ الضَّرْبِ يُنْسَى عِنْدَهُ الكَلِمُ
وَفَاعِلٌ ما اشْتَهَى يُغْنِيْهِ عَن حَلِفٍ ... عَلَى الفِعَالِ حُضُورُ الفِعْلِ والكَرَمِ
آلى الرجل: إذا حلف.
فيقول زاريا (. . . . . . . . . . . .): آلى الفتى ابن شمشقيق على منازلة سيف الدولة ومقاومته، فأحنثه منه فتى ينسي باللعن والضرب، وإقدامه على شدائد الحرب، ما سلف من الكلم، وما تقدم في ذلك من القسم.
ثم أكد ما قدمه فقال: وأحنثه من سيف الدولة فاعل ما يشتهيه باتساع قدرته، واصل إلى ذلك بتمكن سعادته، يغنيه عن الحلف ما يعتقد فعله، والتقدم بذكر ما (. . . . . .) إنفاذه لفعله (. . . . . . . . . . . .) ذلك على حسب (. . . . .
(1/30)

) مع كرمه الذي يمنعه من العجب بما يفعله، وشرفه الذي يغنيه عن الفخر بما يبلغه. وهذه العبارة وإن كان فيها زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة منه، وغير خارجه في الحقيقة عن قصده.
كُلُّ السُّيُوفُ إذا طَالَ الضّرابُ بِهَا ... يَمَسُّهَا، غَيْرَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ السَّأَمُ
لَوْ كَلَّتِ الخَيْلُ حَتَّى لا تَحَمَّلُه ... تَحَمَّلَتْهُ إلى أَعْدَائِهِ الهمَمُ
السأم: الملل، والهمم: جمع همة، والهمة ما يهم به الإنسان مما يعتقد فعله.
فيقول: كل السيوف إذا طال الضراب بها (. . . . . . . . . .) الاستعمال لها، تسأم وتفتر، وتنتفل وتقصر، غير سيف الدولة (. . . . . . . . . . . .) لا يقصر فعله.
ثم قال: لو كلت الخيل عن الاستقلال بحمله، وعجزت عن البلوغ به إلى قصده، لأنهضته (. . . . . . . . . . . . .).
أَيْنَ البَطَارِيْقُ والحَلْفُ الذي حَلَفوا ... بِمَفْرِقِ المَلْكِ، والزَّعْمُ الذي زَعَمُوا
وَلَّى صَوارِمَهُ إكذابَ قَوْلِهِمُ ... فَهُنَّ أَلْسِنَةٌ أَفْواهُهَا القِمَمُ
نَواطِقٌ مُخْبِراتٌ في جَمَاجِمِهِمْ ... عَنْهُ بِمَا جَهَلوا، منْهُ وما عَلِمُوا
البطاريق: أكابر الروم، والملك: الملك، والمفرق معروف، وأشار به إلى رأس الملك (. . . . . . . . . . .)، والصوارم: السيوف، والقمم: أعالي الرؤوس.
فيقول: أين بطاريق الروم وحلفهم الذي حلفوا لملكهم، وزعمهم الذي زعموا له، وضمانهم الذي ضمنوه عنده انهم يلقون سيف الدولة معتزمين على مبارزته، مستميتين في مدافعته.
ثم قال: ولى سيف الدولة سيوفه إكذاب ما ضمنوه، وحملها إبطال ما زعموه (. . . . . . .).
الرَّاجعُ الخَيْلَ مُحْفَاةً مقَوَّدَةً ... مِنْ كُلَّ مِثْلِ وَبَارٍ أَهْلُها إِرَمُ
(1/31)

كَتَلّ بِطْريقٍ المَغْرورِ سَاكِنُها ... بِأَنَّ دَارَكَ قِنَّسْرِيْنَ والأَجَمُ
وَظَنّهِمْ أَنَّكَ المِصْبَاحُ في حَلَبٍ ... إِذا قَصَدْتَ سِوَاها عَادَها الظُّلَمُ
الراجع: الصارف، والمحفاة: التي أخفاها السير، والمقودة: التي تقاد ولا تركب لشدة إعيائها (. . . . . . . . . .)، وإرم: سكان (. . . .) الهالكون فيها. ويقال: إن عادا هو ابن إرم، وتل بطريق. (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .) لسيف الدولة: الراجع الخيل من بلاد الروم موضع غزوة، مستقر عدوه، محفاة (. . . . . . . . . .)، مقودة إعيائها من شدة الركض من كل بلد كوبار الهالكة أهلها، كارم هذه الطائفة الذاهبة.
يريد أن سيف الدولة (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
ثم قال: كتل بطريق هذه البلدة التي اغتر ساكنوها (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .).
والشَّمْسُ يَعْنونَ إِلا أَنَّهُمْ جَهِلُوا ... والمَوْتَ يَدْعونَ إلاَّ أَنَّهُمْ وَهِمُوا.
فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ نَاظِرِهَا ... إِلاَّ وَجَيْشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ
والنَّقْعُ يَأُخُذُ حَرَّانَاً وَبَقْعَتَها ... والشَّمْسُ تُسْفِرُ أَحْيانَا وتَلْتَثِمُ
سُحْبٌ تَمُرُّ بِحِصْنِ الرَّانِ مُمْسِكَةً ... وما بِهَا البُخْلُ لَوْلاَ أَنَّها نِقَمُ
جَيْشٌ كَأَنَّكَ في أَرْضٍ تُطَاوِلُهُ ... فَالأَرِضُ لا أَمَمٌ والجَيْشُ لا أُمَمُ
إِذا مَضَى عَلَمٌ مِنْهَا بَدَا عَلَمٌ ... وإِنْ مَضَى عَلَمٌ مِنْهُ بَدَا عَلَمُ
وَشُزَّبٌ أَحْمَتِ الشّعْرَى شَكائِمَها ... وَوَسَّمَتْهَا على آنافِهَا الحَكَم
حَتَّى وَرَدْنَ بِسِمْنِيْنَ بُحَيْرَتَها ... تِنِشُّ بالماءِ في أَشْداقِهَا اللُّجُمُ
وَأَصْبَحَتْ بِقُرَى هِنْزَبْطَ جَائِلَةً ... تَرْعَى الظُّبَا في خَصِيْبٍ نَبْتُهُ اللَّمَمُ
فما تَرَكْنَ بها خُلْدَاً له بَصَرٌ ... تَحْتَ التُّرابِ ولا بَازاً لَهُ قَدَمُ
(1/32)

ولا هِزَبْرَاً لَهُ مِنْ دِرْعِهِ لِبَدٌ ... ولا مَهَاةً لَهَا مِنْ شِبْهِهَا حَشَمُ
تَرْمِي على شَفَراتِ الباتِراتِ بِهِمْ ... مَكَامِنُ الأَرْضِ والغِطانُ والأُكُمُ
وَجَاوَزُوا أُرْسَناسا مُعْصِمِيْنَ بِهِ ... وَكَيْفَ يَصْمُهُمْ ما لَيْسَ يَنْعَصِمُ
ولا تَصُدُّكَ عَنْ بَحْرٍ لَهُمْ سَعَةٌ ... ولا يَرُدُّكَ عَنْ طَوْدٍ لَهُمْ شَمَمُ
ضَرَبْتَهُ بِصُدورِ الخَيْلِ حَامِلَةً ... قَوْمَاً إِذا تَلِفُوا قُدْماً فَقَدْ سَلِمُوا
تَجَفَّلَ المَوْجُ عن لَبَّاتِ خَيْلِهمَ ... كَمَا تَجَفَّلُ تَحْتَ الغَارَةِ النَّعَمُ
عَبَرْتَ تَقْدُمُهُمْ فيهِ وفي بَلَدٍ ... سُكَّانُهُ رِمَمٌ، مَسْكُونُها حُمَمُ
وفي أَكُفَّهِمُ النَّار التي عُبِدَتْ ... قَبْلَ المَجُوس إلى ذا اليَوْمِ تَضْطَرِمُ
هِنْدِيَّةٌ إِنْ تُصَغَّرْ مَعْشَراً صَغُرُوا ... بِحَدَّها، أو تُعَظَّمِ مَعْشَراً عَظُمُوا
قَاسَمْتَهَا تَلَّ بِطْرِيْقٍ فَكانَ لَها ... أَبْطَالُها، وَلَكَ الأَطْفَالُ والحُرَمُ
تَلْقَى لِهِمْ زَبَدَ التَّيَّارِ مُقْرَبَةٌ ... عَلى جَحَافِلِهَا مِنْ نَضْجِهِ رَثَمُ
دُهْمٌ فَوارِسُها، رُكَّابُ أَبْطُنِهَا ... مَكْدُودَةٌ وَبقَوْم لا بَها الأَلَمُ
مِنَ الجِيَادِ التي كِدْتَ العَدوَّ بِها ... ومَا لَهَا خِلَقٌ مِنْهَا ولا شِيَمُ
نِتَاجُ رَأُيكَ في وَقْتٍ على عَجَلٍ ... كَلَفْظِ حَرْفٍ وَعَاهُ سامِعٌ فَهِمُ
وَقَدْ تَمَنَّوا غَدَاةَ الدَّرْبِ في لَجَبٍ ... أَن يُبْصِروكَ فَلَمَّا أَبْصَروكَ عَمُوا
صَدَمْتَهُمْ بِخَمِسْسٍ أَنْتَ غُرَّتُهُ ... وَسَمْهَرِيَّتُه في وَجْهِهِ غَمَمُ
فَكَانَ أَثْبَتَ ما فِيهِمْ جُسُومُهُمُ ... يَسْقُطْنَ حَوْلَكَ والأَرْواحُ تَنْهَزِمُ
والأَعْوَجِيَّةُ مِلءُ الطُّرْقِ خَلْفَهُمُ ... والمَشْرَفِيَّةُ مِلءُ اليَومِ فَوْقَهُمُ
إِذا توافَقَتِ الضَّرْبَاتُ صَاعِدَةً ... تَوَافَقَتْ قُلَلٌ في الجَوَّ تَصْطدِمُ
وَأَسْلَمَ ابنُ شُمُشْقيقٍ أَلِيَّتَهُ ... إِلا انْثَنَى فَهْوَ يَنْأَى وهي تَبْتَسِمُ
لا يَاُمُلُ النَّفَسَ الأَقْصَى لِمُهْجَتِهِ ... فَيَسْرِقُ النَّفَسَ الأَدْنَى ويَغْتَنِمُ
تَرُدُّ قَنَا الفُرْسَانِ سَابِغَةٌ ... صَوْبُ الأَسِنَّة في أَثْنَائهَا دِيَمُ
(1/33)

تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُها ... كَأَنَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
فَلاَ سَقَى الغَيْثُ ما وَارَاهُ مِنْ شَجَرٍ ... لَوْ زَلَّ عَنْهُ لَوارَى شَخْصَهُ الرَّخَمُ
أَلْهَى المَمَالِكَ عَنْ فَخْرٍ قَفَلْتَ لِهِ ... شُرْبُ المُدَامَةِ والأَوْتارُ والنَّغَمُ
مُقَلَّداً فَوْقَ شُكْرِ اللَّهِ ذا شُطَبٍ ... لا تُسْتَدَامُ بِأَمْضَى مِنْهُمَا النَّعَمُ
أَلْقَتْ إِليكَ دِماءُ الرُّوم طَاعَتها ... فَلَوْ دَعَوْتَ بِلا ضَرْبٍ أَجَابَ دَمُ
يُسَابِقُ القَتْلُ فِيْهمْ كُلَّ حَادِثَةٍ ... فَمَا يُصِيْبُهُمُ مَوْتٌ ولا هَرَمُ
نَفَتْ رُقَادَ عَليًّ عَنْ مَحَاجِرِهِ ... نَفْسٌ يُفَرّجُ نَفْساً غَيْرَها الحُلُمُ
القائِمُ المَلِكُ الهادِي الذي شَهِدَتْ ... قِيَامَهُ وهُدَاهُ العُرْبُ والعَجَمُ
ابنُ المُعَفَّرِ في نَجْدٍ فَوَارِسَهَا ... بِسَيْفِهِ وَلَهُ كُوفَانُ والحَرَمُ
لا تَطْلُبَنَّ كَرِيْماً بَعْدَ رُؤيَتِهِ ... إِنَّ الكِرامَ بأَسْخَاهُمْ يَدَاً خُتِمُوا
(1/34)

وتوفيت أخت سيف الدولة وورد خبرها الكوفة، فقال أبو الطيب يرثيها، وكتب بالرثاء إليه:
يا أُخْتَ خَيْرِ أَخٍ يا بِنْتَ خَيْرِ أَبٍ ... كِنَايَةً بِهِما عَنْ أَشْرَفِ النَّسَبِ
أُجِلُّ قَدْرَكَ أَنْ تُسْمَى مُؤبَّنَةٌ ... وَمَنْ يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ لِلْعَرَبِ
لا يَمْلِكُ الطَّرِبُ المَحْزُونُ مَنْطِقَهُ ... وَدَمْعُهُ وَهُمَا في قَبْضَةِ الطَّرَبِ
الكناية: الإشارة إلى الشيء دون إظهار له، والتأبين: البكاء على الميت بعد موته، والطرب: خفة تغلب الإنسان عند شدة الفرح والحزن.
فيقول وهو يشير بالأخ إلى سيف الدولة، وبالأب إلى أبي الهيجاء أبيه: يا أخت خير الأخوة وأكرمهم، وابنة ارفع الآباء وأفضلهم، كناية بهذه المقابلة عن النسب الذي لا يعادل في شرف منصبه، والحسب الذي لا يماثل في كرم محتده.
ثم قال: أجل قدرك أيتها المؤبنة عن أن أرثيك مصرحا باسمك، وأندبك معليا بذكرك، ومن وصفك فقد سماك بعامة العرب؛ لأن أوصافك عليهم غير ملتبسة.
ثم قال: لا يملك الطرب، الذي غلبه حزنه، والمفجوع الذي قد استولى عليه وجله، منطقه، فيجريه على قصده، ودمعه، [فيرسله] على حكمه، إذا كان المنطق والدمع في قبضة الطرب، واستولى عليه شدة الأسف. وأراد أنه لم يخرجه بالأوصاف التي قامت مقام التسمية بها، والمفاخر الذي عرفت العرب بها، إلا أنه صار من الحزن إلى حال لم يملك معها دمعة، ولا صرف على إرادته نطقه.
غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ
وَكَمْ صَحِبْتَ أَخَاهَا في مُنازَلَةٍ ... وَكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَجِبِ
اللجب: اختلاط الأصوات، والمنازلة: المقاتلة.
فيقول: غدرت أيها الموت بهذه المتوفاة، وضيعت ما كان يلزمك من حقها، ومراعاة أمرها، فكم أفنيت بإصابتك لها من عدد قوم كان فضلها يظهرهم ويجمعهم، وكم أسكت من لجب طوائف كان إحسانها يعمهم ويشملهم.
(1/35)

ثم قال وهو يشير إلى سيف الدولة: وكم صبحت أخاها في منازلته لأعاديه، ومداومته لمغازيه، وكم سألته من نفوس فيما سلف من ملاحمه، وتقدم من وقائعه، فلم يبخل عليك لكثرة من قتله، ولا خبت لديه لعظيم ما فعله. وهذا من التجوز الذي لا يخفى قصد قائله، ولا يجري على الحقيقة لفظ ناظمه، وإنما أراد المتوفاة كانت من بيان الفضل، وجلالة القدر، على حال لو أن الموت يحفظ لأحد ذمة لحفظ لها ذمتها، ولو راعى وكيد حرمة، لما أخل برعاية حرمتها.
طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاَءني خَبَرٌ ... فَزِعْتُ فِيْهِ بآمالِي إِلى الكَذِبِ
حَتَّى إِذا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلاً ... شَرِقْتُ بالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بِي
تَعَثَّرتْ بِهِ في الأَفْوَاهِ أَلْسُنُها ... والُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ
طي البلاد: قطعها، والجزيرة: بلد يتصل بأرض الموصل، والفزع إلى الشيء: الاعتصام به، والشرق: الغصص، وتعثر الألسن: توقفها عن الإبانة، مستعار من عثار أرجل، والبرد: رجال يحملون الرسائل على دواب تتخذ لهم، الواحد منها بريد.
فيقول: طوى أرض الجزيرة خبر هذه المتوفاة مسرعا غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، حتى طرقني بغتة، وورد علي فجأة، ففزعت بآمالي فيه إلى تكذيب صدقه، ومخادعة نفسي بأمره.
ثم قال: حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا أتعلل بانتظاره، ورجاء أخدع نفسي بارتقابه، أعلنت بالحزن، واستشفيت بالدمع، فأذريت ما أشرقني تتابعه، وأدهشني ترادفه، حتى كدت أولمه كألمي له، وأشرقه كشرقي به.
ثم قال: تعثرت الألسن بذلك الخبر في الأفواه فلم تبنه لشنعته، ولم تفصح به لجلالته، كذلك تعثرت به البرد في الطرق استثقالا لحمله، والأقلام في الكتب استراها لذكره.
(1/36)

كَأَنَّ فَعْلَةَ لم تَمْلأْ مَوَاكِبُها ... ديِارَ بَكْرٍ وَلَمْ تَخْلَعْ وَلَمْ تَهَبِ
ولم تَرُدَّ حَيَاةً بَعْدَ تَوْلِيَةٍ ... وَلَمْ تُغِثْ دَاعِياً بالوَيْلِ وَالحَرَبِ
فعلة: كناية عن اسم المتوفاة عَلَى سَبِيْلِ التَّعْظِيمِ لَهَا، وديار بكر: بلد كان فيه استقرارها، والويل والحرب: كلمتان يدعو بهما المفجوع.
فيقول: كأن هذه المتوفاة لم تملا ديار بكر بالمواكب من حولها، والجموع من خدمها، ولم تخلع هنالك على من قصدها، ولم تهب الجزيل من العطاء لمن رجاها وأملها.
ثم قال: وكأنها لم تلاقي من يئس عن الجياة بإحسانها وعفوها، ولم تغث من يدعو على نفسه بالويل والحرب بتداركها وفضلها. يشير إلى ما كانت عليه من جلالة القدر، وما عدم بموتها من الإحسان والفضل.
أَرى العِراقَ طَويلَ اللَّيْلِ مُذْ نُعِيَتْ ... فكَيْفَ لَيْلُ فَتى الفِتْيانِ في حَلَبِ
يَظُنُّ أَنَّ فُؤَادي غَيْرُ مُلْتَهِبٍ ... وَأَنَّ دَمْعَ جُفونِي غَيْرُ مًنْسَكِبِ
العراقُ: بلاد معروفة، كان أبو الطيب فيها صناعته لهذا الشعر، وحلب: مدينة من مدائن الشام كان فيها استقرار سيف الدولة، والفؤاد: القلب، والالتهاب: التوقد، والمنسكب: السريع الجري.
فيقول: أراني بالعراق طويل الليل؛ لكثرة السهر، شديد الحزن؛ بكثرة الأسف، مذ نعيت هذه المتوفاة، فكيف ليل سيف الدولة؛ فتى الفتيان، وولي الإحسان في حلب؛ دار ملكه، وموضع مستقره.
ثم قال: أتراه يظن أني لا أشاركه في حزنه، وأساهمه في توجعه ورزئه، وأن فؤادي غير ملتهب لما دهمه، ودمع جفوني غير منسكب لما طرقه.
بَلَى وَحُرْمَةِ مَنْ كَانَتْ مُراعِيَةً ... لِحُرْمَةِ المَجْدِ والقُصَّادِ والأَدَبِ
وَمَنْ مَضَتْ غَيْرَ مَوْروثٍ خَلاَئِقُها ... وَإِنْ مَضَتْ يَدُها مَوْرُوثَةَ النَّشَبِ
(1/37)

وَهَمُّها في العُلاَ والمَجْدِ ناشِئَةً ... وَهَمُّ أَترابِها في اللَّهْوِ واللَّعِبِ
الحرمة: ما لا يضيع من الذمام، والمراعاة: المحافظة، والنشب: المال الثابت.
فيقول: بلى أني على أفضل ما يمكنني من مشاركة سيف الدولة، أقسم على ذلك بحرمة هذه المتوفاة، التي لم أزل مراعية لحرمة المجد، مثنية بالعطاء عن القصد، معظمة للأدب وأهله، عالمة بما يجب من حقه.
ثم قال على نحو ما قدمه من القسم بالمتوفاة: ومضت وخلائقها معدومة غير موروثة، ومفقودة غير موجودة، وإن كانت يدها مضت، وما أفادته هباتها من النشب، موروث لا ينفد، ومشهود لا يفقد.
ثم قال: وهمها من أول نشأتها في العلى والمجد وما تكسبه من الشكر والحمد، لا تدع ذلك ولا تغفله، ولا تتناساه ولا تهمله، وهم أترابها ممن حدث سنه، وتقاصر عمره، في اللهو والنعمة، واللعب والغفلة.
يَعْلَنَ حِينَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمها ... وليسَ يَعْلَمُ إلاَّ اللهُ بالشَّنَبِ
مَسَرَّةٌ في قُلُوبِ الطَّيْبِ مَفْرِقُها ... وحَسْرةٌ في قُلوبِ البَيْضِ واليَلَبِ
إِذا رَأَى وَرَاَءها رَأْسَ لابِسِهِ ... رَأَى المَقَانِعَ أَعْلَى مِنْهُ في الرُّتَبِ
الشنب: بريق الثغر مع ما يجول عليه من رضاب الفم، ومفرق الرأس: معروف، وبيض الحديد: معروفة أيضا، واحدتها بيضة، واليلب: الدرق، وقيل إنها بيض تتخذ من جلود الإبل، تصرف تصريف بيض الحديد، وصرف الضمير في قوله: لابسه إلى البيض واليلب، وأفرد لأنه أراد هذا الضرب من السلاح، وحمل الكلام على المعنى دون اللفظ، والعرب تفعل ذلك.
[فيقول]، وهو يريد الأتراب اللواتي قدم ذكرهن: يعلمن حسن مبسم المتوفاة من الحجاب، وجلالة النصاب، [ولا] يخبر شنب ذلك المبسم إلا الله الذي أتقن صنعه، وأكمل حسنه، وأشار إلى أنها ارتفعت عن أن تساوى في شرفها فتتزوج، وتماثل
(1/38)

في زمانها فتملك.
ثم قال: مسرة في قلوب الطيب وضروبه، استعمالها له، والتباس مفرقها به، واستعار للطيب قلبا على سبيل التجوز، وجمعه على معنى أن الطيب جنس اشتمل على ضروب كثيرة، وحسرة في قلوب البيض واليلب، ما تبغيه من أن يعلق ذلك المفرق، وتحمل ذلك الموضع.
ثم قال: إذا رأى هذا الضرب من السلاح رأس من يلبسه، ورأى هذه السيدة الجليلة، والعقيلة الكريمة، رأى المقانع التي تستعملها مكانه، وتحلها محله، أعلى منه رتبة، وأظهر جلالة ورفعة. يشير إلى أنها مع التأنيث يتواضع عنها فحول الرجال، ولا يساويها مشاهير الأبطال.
فَأِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنْثَى لَقَدْ خُلِقَتْ ... كَرِيمَةً غَيْرَ أُنْثى العَقْلِ والحَسَبِ
وَإِنْ تَكُنْ تَغْلِبُ الغَلْبَاءُ عُنْصُرَها ... فَإِنَّ الخَمْرِ مَعْنى لَيْسَ في العِنَبِ
الحسب: الشرف، وتغلب: القبيلة المعروفة، إليها ينسب بنو حمدان، والغلباء الضخمة القوية، والعنصر: الأصل.
فيقول: فإن تكن هذه المتوفاة أنثى في خلقها، وامرأة في حقيقتها، وكان التأنيث من صفات النقصان، فقد خلقت هي كريمة سيدة، فاضلة مقدمة، غير أنثى في عقلها وحسبها، ولا منقصة في رفعتها وشرفها.
ثم قال: وإن تكن تغلب؛ هذه القبيلة، مع جلالتها واشتهار فخامتها، أصل هذه المتوفاة، وكان لها من بين نسائها الشرف الذي لا يعادل، والفضل الذي يماثل، فذلك غير بديع، فالعنب أصل الخمر، وليس فيه ما يوجد في الخمر من توليد الفرح، وإثارة الطرب. يشير إلى أن الفرع قد يشرف أصله، والآخر قد يفضل أوله.
فَلَيْتَ طالعَةَ الشَّمْسَيْنِ غَائِبَةٌ ... وَلَيْتَ غَائِبَةَ الشَّمْسَيْنِ لَمْ تَغِبِ
(1/39)

وَلَيْتَ عَيْنَ التي آبَ النَّهارُ بَهَا ... فِداءُ عَيْنِ زَالَتْ وَلَمْ تَوبِ
فَمَا تَقَلَّدَ بالْيَاقُوتِ مُشْبِهُهَا ... وَلاَ تَقَلَّدَ بالهِنْدِيَّةِ القُضُبِ
عين الشيء: شخصه، وآب: بمعنى رجع، والقضب: القواطع: الواحد قضيب.
فيقول: فليت طالعة الشمسين غائبة، يريد: المتوفاة، وشمس النهار، والطالع منهما: الشمس المعهود، فتمناها أن تكون غائبة لا تطلع، ومعدومة لا ترجع، وليت هذه الشمس المفقودة طلعت موضعها فلم تعدم، وأقامت مكانها فلم تفقد، وكنى عن المتوفاة بالشمس، مشيرا إلى علو رتبتها، واستبانة شرفها ورفعتها.
ثم قال على نحو ذلك: وليت عين الشمس المعهود التي رجع النهار بها طالعة، وأظهرها بعد الغروب مشرقة، فداء عين الشمس التي غابت، فلم تكن لغيبتها أوبة، وفقدت فلم تكن لفقدها رجعة.
ثم قال مشيرا إلى موضع المتوفاة من الفضل، ومنزلتها من كرم الأصل: فما تقلد بالياقوت من النساء من أشبهها، ولا تقلد بالسيوف الصارمة من الرجال من يعدل بها، يريد: أنها فضلت النساء والرجال من أهل دهرها، وزادت عليهم بشرفها وقدرها.
وَلا ذَكَرْتُ جَمِيلاً مِنْ صَنائِعِها ... إِلا بَكَيْتُ وَلاَ وُدٌّ بِلا سَبَبِ
قَدْ كَانَ كُلُ حِجَابٍ دُونَ رُؤيَتِها ... فَمَا قَنِعتِ لَهَا يا أَرْضُ بالحُجُبِ
وَلاَ رَأَيْتِ عُيونَ الإنسِ تُدْرِكُها ... فَهَلْ حَسَدْتِ عَلَيْها أَعْيُنَ الشُّهُبِ!
الصنائع: الأيادي المشكورة، واحدتها صنيعة، والشهب: النجوم.
فيقول: ولا ذكرت جميلا مما كانت توليه، وكثيرا مما كانت تفعله وتسديه، إلا بكيت حزنا ورقة، وأسفت توجعا وشفقة، ولا يكون الود دون سبب يبعث عليه، ولا يتمكن دون موجب يقود إليه، وإحسان هذه المتوفاة أوجب علي ودها، وألزمني أن أنشر فضلها.
(1/40)

ثم قال: قد كان دون رؤيتها كل حجاب يمنع مثله، وكل شيء من الستر يمكن فعله، فما قنعت لها أيها الأرض حتى حجبتها بسترك، وصيرتها مغيبة مغيبة في تربك.
ثم قال: وقد كنت أيها الأرض آمنة عليها من عيون الإنس، أن تدركها من أبصارهم وأن تلحظها، أفتراك حسدت عليها أعين الكواكب فتضمنتها مغيبة لها؟! واشتملت عليها لبخلك بها؟! وأشار بهذا القول إلى موضع المتوفاة من الستر، وما كانت عليه من جلالة القدر.
وهل سَمِعْتِ سَلاَمَاً لِي أَلمَّ بِهَا؟ ... فَقَدْ أطَلْتُ وما سَلَّمْتُ مِنْ كَثَبِ
وَكَيْفَ يَبْلُغُ مَوْتَانَا الَّتي دُفِنَتْ ... وَقَدْ يُقَصّرُ عَنْ أَحْيَائِنَا الغَيَبِ
الكثب: القرب.
فيقول: وهل سمعت أيتها الأرض من سلامي الذي أردده، وذكري الذي أوصله؟ فقد أطلت في ذلك، وما تناولته من قرب، فأستمع من أخاطبه، وأدرك من هذا ما أحاوله.
ثم قال: وكيف يبلغ ما اسلم به موتانا الذين سترهم الدفن وغيبهم الترب، وهو يقصر عن أحيائنا الذين غيبهم عنا انتزاح منازلهم، وتباعدهم منا في مواضعهم.
يا أَحْسَنَ الصَّبْرِ زُرْ أَوْلَى القُلُوبِ بها ... وَقُلْ لِصَاحِبِه يا أَنْفَعَ السُّحُبِ
وَأكرمَ النَّاسِ لا مُسْتَثْنِيا أَحَداً ... مِنَ الكِرَامِ سِوَى آبائِكَ النُّجُبِ
يقول، وهو يريد سيف الدولة، أخا المتوفاة المرثية: يا أحسن الصبر وأوفره، زر أولى القلوب بهذه المتوفاة، يريد: قلب سيف الدولة الذي هو شفيق اخوتها، وأقعد الناس بقرابتها، وقل أيها الصبر لصاحب ذلك القلب، مخاطبا لسيف الدولة، ومرفعا به: يا أنفع السحب الساجمة، وأحمد الغيوث الوابلة.
ثم قال، على نحو ما قدمه، مخاطبا لسيف الدولة: ويا اكرم الناس! لا استثني أحدا
(1/41)

منهم، ولا أخص مذكرا فيهم، سوى آبائك النجب السادة، والرؤساء القادة، فهم الذين بلغوا من الكرم غايته، وأحرزوا من الفضل نهايته، فليس يجوز لأحد أن يبلغ من الكرم ما لم يبلغوه، ويفعل من الجميل ما لم يفعلوه.
قَدْ كانَ قاسَمَكَ الشَّخْصَيْنِ دَهْرَهما ... وَعَاشَ دُرُّهُمَا المَفْدِيُّ بالذَّهَبِ
وَعَادَ في طَلَبِ المَتْرُوكِ تَارِكُهُ ... إِنَّا لَنَغْفُلُ والأَيَّامُ في الطَّلَبِ
ما كَانَ أَقْصَرَ وَقْتَاً كانَ بَيْنهُمَا ... كَأَنَّهُ الوَقْتُ بَيْنَ الورْدِ والقَرَبِ
القرب: الدنو من الماء، والورد: الاحتلال به.
فيقول لسيف الدولة، ذاكرا لتتابع وفاة أختيه، وتأخر الكبرى التي رثاها بهذا الشعر بعد الصغرى: قد كان قاسمك الدهر الشخصين اللذين كنت تأنس بهما، وتسكن إليهما، وآثرك بالأحب إليك، وكلاهما كريم في نفسه، رفيع في حاله، وكنت كمن كان له در وذهب؛ فرزي بالذهب ومتع بالدر، ونامت عنه فيه حوادث الدهر.
ثم قال: وعاد الدهر عليك في طلب ما تركه، واسترجاع ما سلمه، يريد: ما حدث عليه بوفاة أخته الكبرى التي عزاه بها، إنا لنغفل والأيام طالبة، والحوادث في الإسراع نحونا جاهدة.
ثم قال، يريد أختي سيف الدولة المتوفاتين: ما كان أسرع ما كان بينهما من المدة، وأقل ما لحق ذلك من المهملة، كأنه لخفة وقعته، وسرعة جملته، ما بين القرب والورد، اللذين يتصلان بلا تأخر، ويتواليان دون توقف.!
جَزَاكَ رَبُّكَ بالأَحْزَانِ مَغْفِرَةً ... فَحُزْنُ كُلَّ أَخِي حُزْنٍ أَخُو الغَضَبِ
وأَنْتُمُ نَفَرٌ تَسْخو نُفُوسُكُمُ ... بِمَا يَهَبْنَ ولا يَسْخُونَ بِالسَّلَبِ
حَلَلْتُمْ مِنْ مُلُوكِ النَّاسِ كُلَّهِمُ ... مَحَلَّ القَنَا سُمْرِ القَنَا مِنْ سَائِرِ القَصَبِ
يقول لسيف الدولة: جزاك ربك بالأحزان التي تحدث على رزاياك مغفرة تشملك، وتجاوزا يعجله لك، فحزن الحزين باب من الغضب؛ لأنه يتخبط حاله، ويتكره
(1/42)

شأنه، وهذه سبيل صاحبها فقير إلى تجاوز ربه، وتداركه لمغفرة ذنبه.
ثم قال يخاطبه: وأنت وقومك نفر أعزة، وملوك أجلة، تسخو أنفسكم بجليل الهبات، وتسمح بجسيم الصلات، ولا تسمحون لقليل تستلبونه، ويسير تغتصبونه، ومن أصيب بحميم فالحزن مخوف عليه، وشدة الأسف سريعة إليه.
ثم قال يخاطبه: حللت وقومك من بين سائر الملوك في علوكم عليهم، وتقدمكم فيهم، وإن كان الاسم يجمعكم بهم، محل قنا الرماح من سائر القصب التي تشاركه في الاسم، وتنفرد دونه بالغناء والفضل.
فَلا تَنَلْكَ اللَّيْالي إِن أَيْدِيَها ... إِذا ضَرَبْنَ كَسَرنَ النَّبْعَ بالغربِ
ولا يُعِنَّ عَدوّاً أَنْتَ قَاهِرُهُ ... فإنَّهُنَّ يَصَدْنَ الصَّقْرَ بالخَرَبِ
وَإِنْ سَرَرْنَ بِمَحْبُوبٍ فَجَعْنَ بِهِ ... وَقَدْ أَتَيْنَكَ في الحالَيْنِ بِالعَجَبِ
النبع: شجر صلب العود تعمل منه القسي، والغرب: شجر ليست له صلابة النبع ولا كرمه، والصقر: طائر من الجوارح كالبازي وما أشبهه، والخرب: ذكر الحبارى.
فيقول داعيا لسيف الدولة: فلا جعل الله الليالي أن تنالك بمكروهها، وتتخطى إليك بمحذورها، فإن أيديها تكسر الأكثر بالأقل، وتحط الأرفع بالأوضع. وجعل النبع والغرب كالمثل في ذلك، وجعل لليالي أيديا على سبيل الاستعارة.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا جعلها اله أن تعين عدوا أنت قاهره، وتظهر عليك مخالفا أنت غالبه، فإن شأنها أن تظهر الدني على السري، وتديل الضعيف على القوي.
ثم قال على نحو ما قدمه، وهو يريد الليالي، وإن سررن بمحبوب فجعن بفقده، وإن أنسن به أعقبن ببعده، وقد أتينك، يخاطب سيف الدولة، من الحالين؛ في السرور بمن كنت تأنس به، والحزن بما أعقب ذلك من وفاته، والأسف له، بعجب
(1/43)

عجيب، وواعظ بليغ، والسكون إلى مساعدة الدهر غرور، والتمتع بمسرته يسير.
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الإنْسَانُ غَايَتَها ... وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَبِ
وَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لُبَانَتَهُ ... وَلاَ انْتَهَى أَرَبٌ إِلاَّ إِلى أَرَبِ
الاحتساب: التقدير، واللبانة: الحاجة، والأرب: المراد.
فيقول: وربما احتسب الإنسان ما تصيبه الليالي من صروفها، وتعتمده به من خطوبها، غاية فعلها، ومبلغ جهدها، ثم تفجأه بعد ذلك بما لم يبلغه تقديره، ولا انتهت إليه ظنونه.
ثم قال: وهي مع ذلك مرجوة فائدتها، ومنتظرة عائدتها، لا يقضي أحد منها غاية لبانته، ولا يبلغ فيها جملة إرادته؛ لأن أربه فيها موصول بمثله، وأمله مشفوع لشبهه.
تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لا اتَّفَاقَ لَهُمْ ... إِلاَّ عَلَى شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَّجَبِ
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ المَرْءِ سَالِمَةً ... وقِيْلَ تَشْرَكَ جِسْمَ المَرْءِ في العَطَبِ
وَمَنْ تَفَكَّرَ في الدُّنْيَا ومهْجَتِهِ ... أَقامَهُ الفِكْرُ بَيْنَ العَجْزِ والتَّعَبِ
الشجب: الموت.
فيقول: تخالف الناس مدة الدهر في مذاهبهم، وتداينوا في مقاصدهم، فليس بينهم اتفاق إلا على الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لمخلوق عنه، وهم في الموت مع تيقنهم له، على عادتهم في الاختلاف، وما عهد منهم من قلة الائتلاف.
ثم وصف اختلافهم في الموت فقال: منهم من يذهب إلى أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام إلى مواقيتها باقية، ومنهم من يذهب إلى أنها بفناء الأجسام فانية، وكلا القولين قد روي وذكر، وكثر الاختلاف فيه ونقل.
ثم قال: ومن تفكر في الدنيا، وتصرفها في أمور نفسه وتقلبها، أقامه فكرة بين التعب فيما يتدبره، والعجز عما يعاينه ويطلبه. يشير إلى أن علم الإنسان يسير،
(1/44)

وهو على العجز والنقصان مفطور.
(1/45)

وأنفذ إليه كتابا إلى الكوفة يحصله بأمان، وسأله فيه المسير إليه، فأجابه عنه، وأنفذها إلى ميارفارقين في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
فَهِمْتُ الكِتَابَ أَبَرَّ الكُتُبْ ... فَسَمْعَاً لأَمْرِ أَميرِ العَرَبْ
وَطَوْعاً لَهُ وابْتِهَاجَاً بِهِ ... وإنْ قَصَّرَ الفِعْلُ عَمَّا وَجَبْ
أبر الكتب: بمعنى أصدقها، وسمع: مصدر بمعنى الوقوف عند الأمر.
فيقول لسيف الدولة: قرأت كتابك، أبر الكتب وأكرمها، وأعزها وأفضلها، فسمعا لأمرك يا أمير العرب وسيدهم، وزعيمهم وأوحدهم.
ثم قال: وطوعا لكتابك وابتهاجا، ووقوفا عنده وامتثالا له، وإن قصر فعلي عما يجب من حقك، وعجز كثير شكري عما أحاط به من فضلك.
وَمَا عَاقَنِي غَيْرُ خَوْفِ الوُشَاةِ ... وَإِنَّ الوِشَايَاتِ طُرْقُ الكَذِبْ
وتَكْثِيرُ قَوْمٍ وَتَقْلِيْلُهُمْ ... وَتَقْرِيْبُهُمْ بَيْنَنَا والخَبَبْ
وَقَدْ كَانَ يَنْصُرُهُمْ سَمْعُهُ ... وَيَنْصُرُنِي قَلْبُهُ والحَسَبْ
عاقني: بمعنى صرفني، والوشايات: النمائم، والوشاة: الناقلون لها، والتقريب والخبب: ضربان سريعان من المشي، والحسب: الشرف.
فيقول لسيف الدولة: وما عاقني عن قصدك، ولا صرفني عن استيطان أرضك، غير تخوفي من الوشاة وكذبهم، وتوقعي لأهل الحسد وحيلهم، والوشايات طريق أهل الكذب، والنمائم سلاح أهل الحسد.
ثم أكد ذلك فقال: وما توقعته مما عهدته من تكثير أولئك الوشاة في جهتي عند التقرب، وتقليلهم عند قلة الاهتبال بهم، وتقريبهم بيننا، وخببهم بما يختلقونه من إفكهم، واجتهادهم فيما ينقلونه من كذبهم.
ثم قال مخبرا عن سيف الدولة: وقد كان ينصرهم باستماع ما ينقلونه وإظهار التقبل لما يقولونه، وينصرني قلبه بجميل معتقده، ويسعدني شرفه بكريم مذهبه، فكان يسمع منهم في جهتي ما لا يصدقه، ويظهر الإصغاء إليهم فيما لا يحققه.
(1/46)

وما قُلْتُ لِلْبَدْرِ أَنْتَ اللُّجيْنُ ... ولا قُلْتُ لِلشَّمْسِ أَنْتِ الذَّهَبْ
فَيَقْلَقَ مِنْهُ البَعِيْدُ الأَنَاةِ ... ويَغْضَبُ مِنْهُ البَطِيءُ الغَضَبْ
اللجين والذهب: معروفان، وبعد الأناة: شدة التثبيت.
فيقول: وما بخست سيف الدولة يسيرا من حقه، ولا قصرت به في شيء من ذكره، ولا وصفته بأقل أوصافه، ولا نسبته إلى أخص أحواله، فأكون كمن مثل البدر بالجين، والشمس بالذهب، فلم يعط التمثيل حقه، ولا في التشبيه قسطه، مع قليل ما فرط فيه، ويسير ما دخل من السهو عليه، ولكنني وصفته غير مقصر في وصفه، ومدحته غير متأخر في مدحه.
ثم قال: ولم يكن فيما ذكرته به ما يقلق منه مثله، من أهل الأناة البعيدة، والتؤدة الشديدة، وما يغضب منه من يبطئ الحلم بغضبه، ويحمله على التلبث شرف حسبه.
وما لاقَنِي بَلَدٌ بَعْدَكُمْ ... ولا اعْتَضْتُ مِنْ ريَّ نُعْمايَ رَبْ
ومَنْ رَكِبَ الثَّوْرَ بَعْدَ الجَوَ ... دِ أَنْكَرَ أَظْلافَهُ والغَبَبْ
لاق الشيء بالشيء: إذا ضمه ولصقبه، ورب الشيء: مالكه، والأظلاف من الشاة والثور: بمنزلة الحافر من الدابة، وغبب الثور: ما تحت عنقه من الجلدة الرخوة.
فيقول لسيف الدولة: وما لاقني بلد بعدك أستقر فيه، ووطن أعتمد عليه، ولا اعتضت منك وأنت رب نعمتي، وحافظ جملتي، ربا أسند إلى فضله، ومالكا أتعبد نفسي لمثله.
ثم قال: ومن صحبك على جلالتك، وشاهدك مع عظيم سيادتك، ثم فارقك وصحب غيرك ممن يتسمى بالإمرة، وينتسب إلى العلو والرفعة، وأحواله مع ذلك تعقده، وأخلاقه تقصر به وتؤخره، كان كمن ركب الثور مع هجنة خلقه، بعد ركوب الجواد المتقدم في عتقه. وهذه العبارة وإن لم تجر على رتبة لفظه فهي
(1/47)

معربة عن حقيقة قصده.
وما قِسْتُ كُلَّ مُلُوكِ البلادِ ... فَدَعْ ذِكْرَ بَعْضٍ، بِمَنْ في حَلَبْ
ولو كُنْتُ سَمَّيْتُهُم بِاسْمِهِ ... لَكانَ الحَدِيْدَ وكانُوا الخَشَبْ
أَفي الرَّأْي يُشْبِهُ، أَمْ في السَّخا ... ءِ، أَمْ في الشَّجاعَةِ، أَمْ فِي الأَدَبْ؟
حلب: مدينة من ثغور الشام فيها كان مستقر سيف الدولة.
فيقول: وما قست ملوك البلاد بجملتهم، غير مستثن لأحد من جماعتهم بمن في حلب منهم، يريد سيف الدولة، إلا كانوا لا يساوونه في أقل فضائله، ولا يحكون منه أخصر مكارمه.
ثم قال: ولو كنت سميتهم باسمه، وألحقهم به في اللقب المعرب عن قدره؛ يشير إلى معنى سيف الدولة، هذا الاسم، لكان هو السيف حقيقة في مضائه وجدته، وصرامته وشدته، وكانوا هم من السيوف كالخشبة في نبوهم وكلالهم، وضعفهم ومهابتهم.
ثم قال: وفي أي خصاله يشبهونه، أفي رأيه وصحته، أم في سخائه وكثرته، أم في شجاعته وصرامته، أم في أدبه ونباهته؟! وكل هذه الأحوال تقدمه عليهم، وتحكم له بالشرف فيهم.
مُبارَكُ الاسْمِ، أَغرُّ اللَّقَبِ ... كَرِيْمُ الجرِشَّى، شَرِيفُ النَّسَبْ
أَخُو الحَرْبِ، يُخْدِمُ ممَّا سَبَى ... قَنَاهُ، ويَخْلَعُ مما سَلَبْ
إِذا حَازَ مالاً فَقَدْ حَازَهُ ... فَتًى لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ
الأغر: الفاضل، ولقب الرجل: ما وسم به، والجرشى: النفس.
فيقول في الممدوح، واسمه علي، ولقبه سيف الدولة: مبارك الاسم، فاضل اللقب، كريم النفس، شريف النسب، أخو حروب يداومها، وغزوات يواصلها، فهو يخدم قاصده من الإماء والعبيد، ما سبته رماحه وصوارمه، ويخلع عليه مما أفادته
(1/48)

ملاحمه ووقائعه.
ثم قال: إذا حاز المال وجمعه، واستفاده وتملكه، فقد حازه فيه فتى لا يسر من المال إلا بما وهبه، ولا يغتبط منه إلا بما أعطاه ومنحه.
وإِنّي لأُتْبِعُ تَذْكَارَهُ ... صَلاَةَ الإِلهِ وسَقْيَ السُّحُبْ
وأُثْنِي عَلَيْهِ بآلائِهِ ... وأَقْرُبُ مِنْهُ نَأَى أَوْ قَرُبْ
فَإِنْ فارَقَتْني أَمْطارُهُ ... فَأَكْثَرُ غُدْرَانِها ما نَضَبْ
التذكار: التذكر، وصلاة الإله: رحمته، والآلاء: النعم، والغدران: مجامع المياة، والنضوب: الجفوف.
فيقول: وإني لأتبع تذكري لسيف الدولة أفضل الدعاء وأبلغه، وأزكاه وأكرمه، وأسأل الله أن يخصه بزلفاه ورحمته، وأن يسقيه من السحاب بحسب رغبته، وأثني عليه بآلائه الشاملة، وأياديه الحديثة السالفة، وأقرب منه بامتثالي له، وما اعتقده من تعلق أملي به، أكان مني بعيدا نائيا، أو كان مني قريبا دانيا.
ثم قال: وإن فارقتني نعمه السابغة، ولم تسقني أمطاره الساجمة، فآثار تلك النعم، وغدران تلك السحب، مشهورة عندي لا تبعد، وكثيرة لدي لا تنفد.
أَيَا سَيْفَ رَيّكَ لا خَلْقِهِ ... ويا ذا المَكارِمِ لا ذا الشُّطَبْ
وأَبْعَدَ ذِي هِمَّةٍ هِمَّةً ... وأَعْرَفَ ذِي رُتْبَةٍ بالرُّتَبْ
وأَطْعَنَ مَنْ مَسَّ خَطَّيَّةً ... وأَضْرَبَ مَنْ بِحُسَامٍ ضَرَبْ
الشطب: طرائق في متن السيف، واحدتها شطبة، والخطية: واحدة من قنا الرماح، تنسب إلى الخط، وهو بلد معروف. فيقول لسيف الدولة: أيا سيف الله، لا سيف أحد من خلقه، ويا رحمته التي يبسطها في أرضه، ويا ذا المكارم لا ذا الشطب، يريد: إنه وإن وافقه السيف في اسمه، فإنه يفارقه بمشهور فضله.
ثم قال: ويا أبعد ذوي الهمم همة، وأظهرهم علوا ورفعة، ويا أعرف ذوي
(1/49)

المراتب بحقائق الرتب، واقعدهم بكرم الحسب.
ثم قال: ويا أطعن من حمل رمحا بنفسه، وأضرب من قلب حساما بكفه؛ يشير إلى إنه أعلم الناس بالطعن والضرب، وأشدهم إقداما على مضائق الحرب.
بِذا اللَّفظِ ناداكَ أَهْلُ الثُّغورِ ... فَلَبَّيْتَ والهَامُ تَحْتَ القُضُبْ
وَقَد يَئِسوا مِنْ لَذيذِ الحَيَاةِ ... فَعَيْنُ تَغُورُ وقَلْبٌ يَجِبْ
القضب: السيوف القواضب، واحدها قضيب، والقضب: القطع، ووجيب القلب: شدة خفقانه.
فيقول لسيف الدولة، بعد ما ذكره من فضائله: بمثل ما أقول به في وصفك، وأعدده من فضائلك في مدحك، ناداك أهل الثغور مستصرخين لك، واستعانوا مستجيرين بك، عند نزول الروم عليهم، وتصميم جموعهم إليهم، فلبيتهم مسرعا نحوهم، وأغثتهم مؤمنا ذعرهم، وهامهم تحت السيوف تمتثل وقعها، وأنفسهم في قبض الحتوف وهي ترتقب فعلها.
ثم قال: وقد يئسوا عن لذة الحياة لعظيم ما لحقهم، وتيقنوا مباشرة الهلاك؛ لكثرة من حل من الروم بهم، فعين ثغور لما نالهم من السهر والتعب، وقلب يجب لما اشرفوا عليه من مقاربه العطب.
وَغرَّ الدُّمُسْتُقَ قَوْلُ الوُشَا ... ةِ: إِنَّ عَليَّاً ثَقِيْلٌ وَصِبْ
وقد عَلِمَتْ خَيْلُهُ أَنَّهُ ... إذا هَمَّ وهو عَلِيلٌ رَكِبْ
الدمستق: صاحب جيش الروم، والوشاة: الأعداء، والثقيل: الضعيف عن الحركة، والوصب: الشديد المرض.
فيقول: وغر الدمستق عند تحركه إلى ثغور المسلمين قول من كان يواليه على سيف الدولة من أهل تلك البلاد، إنه ثقيل المرض، شديد الشكية والألم، فتحرك وقد أمن إغاثة سيف الدولة للثغر، وتحقق ما كان فيه من الألم والضر.
(1/50)

ثم قال: وقد علمت خيل سيف الدولة أن علته لا تثني همته، وشكاته لا تعوق عزيمته، وإنه إذا هم عليل ركب غير متوقف، وإذا أراد أمرا أمضاه غير متلوم، وأن تجلده لا تثنيه العلل، واعتزامه لا يصرفه الألم.
أَتاهُمْ بأَوْسَعَ مِنْ أَرْضِهِمْ ... طِوال السَّبِيْب قِصارَ العُسُبْ
تَغِيْبُ الشَّواهِقُ في جَيْشِهِ ... وتَبْدو صِغاراً إذا لم تَغِبْ
ولا تَعْبُرُ الرَّيحُ في جَوَّهِ ... إذا لَمْ تَخَطَّ القَنَا أَو تَثِبْ
السبيب: خصل الذنب، والعسب: جمع عسيب وهو العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب، وقصره من الفرس دليل على عتقه، وطول سبائبه من شواهد كرمه، والشواهق: الجبال العالية، واحدها: شاهق،
والجو ما ارتفع من الهواء.
فيقول، وهو يشير إلى سيف الدولة، وإلى أهل الثغر: أتاهم الدمستق بجيش ضاقت عنه أرضهم، وزادت سعته على سعة بلدهم، كثيرة جموعه، كريمة خيوله؛ سبائب تلك الخيول. . .، تغيب شواهق تلك الجبال في ذلك الجيش لعظمه، وتخفى فيه لكثرة عدده، وما بدا منها فهو صغير في عين مبصره، قليل فيما يسبق إلى متأمله.
ثم قال: يمنع ذلك الجيش الريح من أن تعبره لتكاثف كتائبه، ويعوقها عن أن تسلكه لالتفاف رماح عواليه، فليس تنهض الريح في جوه إلا مستعلية متحيلة، ولا تتخلص منه إلا مرتفعة متوثبة.
فَغَرَّقَ مُذْنَهُمُ بالجُيوشِ ... وأَخْفَتَ أَصْواتَهُمْ باللَّجَبْ
فَأَخْبِثْ بِهِ طَالِباً قَتْلَهُمْ ... وأَخْيِبْ بِهِ تارِكاً ما طَلَبْ
الأخفات: الإخفاء، واللجب: اختلاط أصوات أهل العسكر.
فيقول: فغرق الدمستق مدن الثغر في جمعه، وغيبها فيما أحاط بها من حشده،
(1/51)

واخفت أصوات أهلها بلجبه، وغطى عليها بكثرة عدده، فما أخبثه في طلب قتلهم، ومحاولة الظفر بهم، عند معرفته بعلة سيف الدولة، ومسارعته إلى انتهاز تلك الفرصة، ومبادرة تلك الغرة، وما أخيبه في ترك مت طلبه، وإعراضه عما قصده، عند مقاربة سيف الدولة له، ودنوه منه، واعتصامه بالفرار بنفسه، ومعرفته بما له مع سيف الدولة في حربه.
نَأَيْتَ فَقَاتَلَهُمْ باللَّقاءِ ... وجئتَ فَقَاتَلَهُمْ بالهَرَبْ
وكانوا لَهُ الفَخْرَ لَما أَتَى ... وكُنْتَ لَهُ العُذْرَ أَمْا ذَهَبْ
يقول لسيف الدولة: نأيت عن أهل الثغر، ووقفتك عنهم علتك، فقاتلهم الدمستق بغزو أرضهم، ولقاء خيلهم، وجئت نحوهم فقاتلهم بالهرب عنهم، والفرار منهم.
ثم قال: وكانوا له الفخر بغزوه إليهم، وإقدامه عليهم، وكنت له العذر في انصرافه عما كان أنفذه من قصدهم، وفراره عما اقتحم فيه من أرضهم؛ لأن من عجز عن حربك فهو غير ملوم في عجزه، ومن فر عن لقاك فهو غير مضيق عليه في عذره.
سَبَقْتَ إليْهِمْ مَنَاياهُمُ ... ومَنْفَعَةُ الغَوْثِ قَبْلَ العَطَبْ
فَخَرُّوا لِخَالِقِهِمْ سُجَّداً ... وَلَوْ لَمْ تُغِثْ سَجَدوا لِلصُّلُبْ
وَكَمْ ذُدْتَ عَنْهُمْ رَدًى بالرَّدَى ... وَكَشَّفتَ مِنْ كُرَبٍ بالكُرَبْ
ذدت: بمعنى دفعت، والعطب: الهلاك.
فيقول لسيف الدولة: سبقت إليهم مناياهم التي كانت قد قاربتهم ومهالكهم التي كانت شافهتهم، مسرعا نحوهم غير متوقف، ومبادرا غير متأخر، ومنفعة الغوث أن تكون قبل وقوع العطب، وفائدته أن يسبق به قبل حلول التلف.
ثم قال: فخر أهل الثغر لخالقهم ساجدين لقصدك نحوهم، ونادوك شاكرين على احتلالك أرضهم، ولو لم تغثهم لغلبت الروم عليهم وكانوا يفتنونهم عن دينهم،
(1/52)

ويلزمونهم السجود لصليبهم.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: وكم دفعت عن أهل الثغر من وقائع الروم بإيقاعك بهم، وكم صرفت عنهم من رداهم بردى أحدثته عليهم، وكم كشفت من كربهم؛ الكرب التي واليتها على الروم في قتلك لهم، وإيقاعك بهم، فأمنت أهل الثغور بإخافتهم، وأرحتهم بمواصلة نكايتهم.
وَقَدْ زَعَموا إنه إِنْ يَعُدْ ... يَعُدْ مَعهُ المَلِكُ المُعْتَصِبْ
ويَسْتَنْصِرانِ الذي يَعْبدانِ ... وعِنْدَهُما إنه قَدْ صُلِبْ
ويَدْفَعُ ما نَالَهُ عَنْهُما ... فيا لَرَّجالِ لِهذا العَجَبْ
المعتصب: ملك الروم الأعظم الذي يعتصب بالتاج، والاعتصاب بالتاج: حمله على الرأس، موضع العصابة.
فيقول: وقد زعم الروم أن الدمستق إن عاد إلى الثغر عاد معه ملكهم الأعظم المعتصب بالتاج، فحشد مع نفسه جميعهم، وكثر بحضوره عديدهم.
ثم قال: ويستنصران عيسى بن مريم الذي يعتقدون ربوبيته، ولا ينكرون إلهيته، ويزعمون مع ذلك أن اليهود صلبوه واستضعفوه وغلبوه.
فيقول: إنه سيدفع عن الدمستق وعن ملك الروم من القتل ما لم يدفعه عن نفسه، ويملك من أمرهما ما لم يملكه من أمره، فيا للرجال لهذا العجب العجيب، والثناء الغريب.
أَرى المُسْلِمينَ مَعَ المُشْرِكِيْنَ ... إِما لِعَجْزٍ وإِما رَهَبْ
وأَنْتَ مَعَ اللَّهِ في جَانِبٍ ... قَلِيْلُ الرُّقَادِ كَثيرُ التَّعَبْ
كأَنَّكَ وَحْدَكَ وَحَّدْتَهُ ... وَدانَ البَريَّةُ بِابْنٍ وأَبْ
الرهب: الخوف.
فيقول: أرى المسلمين مع المشركين يألونهم ويهادنونهم ويتمسكون بهم
(1/53)

ويسالمونهم، إما لعجزهم وضعفهم، وإما لتوقعهم وخوفهم.
ثم قال، يخاطب سيف الدولة: وأنت مع الله في جانب عنهم، وفي معزل منهم، تغاور الروم وقد ضيع المسلمون غزوهم، وبذلهم إذا استعظم من سواك أمرهم، لا تغفل عن ذلك ولا ترقد، ولا تسأم من التعب فيه ولا تسكن.
ثم قال: كأنك وحدك عظمت الله ووحدته، ونصرت دينه وأيدته، وكان من سواك من المعظمين للروم، المسالمين لهم، دانوا للشرك والتزموه، وقالوا به وانتحلوه.
فَلَيْتَ سُيُوفَكَ في حاسِدٍ ... إذا ما ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَئِبْ
ولَيْتَ شَكاتَكَ في جِسْمِه ... ولَيْتَكَ تَجْزِي بِبُغْضٍ زحُبْ
فَلَوْ كُنْتَ تَجْزِي بِهِ نِلْتُ مِنْ ... كَ أَضْعَفَ حَظًّ بِأَقْوى سَبَبْ
يقول: فليت سيوفك معملة في حاسد ينكر مشهور فضلك، ولا يعرف لك بكريم سعيك، فإذا أظهرك الله على الروم أسف وحزن، وإذا أظفرك بهم ارتمض واكتأب.
ثم قال: وليت شكاتك في جسم ذلك الحاسد، يكفيك ألمها، وعلتك مقصورة عليه، تنوب عنك في تحملها، وليتك تجزي من أحبك على مقدار حبه، ومن أبغضك بمقدار ما يعتقده لك من بغضه، فتقارض كلا بقسطه، وتجزيه على حقيقة قدره.
ثم قال: فلو كان ذلك رأيك ومذهبك، واختيارك ومعتقدك، لنلت أضعف حظ من تقبلك، بأقوى سبب أمت به من الإخلاص لك. يشير إلى أن سيف الدولة يغمض لكثير ممن حوله، على ما تيقن منه من قلة الخالصة، والبعد من سلامة الناحية، وإنه اغفل أمر أبي الطيب مع ما هو عليه من ثابت البصيرة في مودته ونصحه، وخالص النية في الاعتراف بإحسانه وفضله.
نجز ما قاله أبو الطيب في سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وفي جملة ذلك الأشعار الثلاثة التي كتب بها إليه من العراق، وهي آخرها، أثبتناه من أشعاره
(1/54)

فيه.
(1/55)

الكافوريات
وفارق أبو الطيب سيف الدولة، وكان سبب مفارقته إياه إنه تغير عليه، وأصغى إلى قول الحساد فيه، فكثر الأذى عليه منه، فرحل من حلب، وركب البرية إلى دمشق. وكاتبه الأستاذ كافور المسير إليه، فسار إليه، فنزل بالرملة، فحمل إليه الأمير الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلعا، وحمله على فرس بموكب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وأراد منه أن يمدحه، إليه بالأبيات الرائية:
تَرْك مَدْحِيْكَ كالهجاءِ لِنَفِسي
قد تقدمت وألحقت بما قاله في ابن عبيد الله قديما.
ثم فارقه وقدم مصر، فأخلى له كافور دارا وخلع عليه، وحمل إليه آلافا من الدراهم، فقال يمدحه، أنشدها إياه في جمادى الآخرة من سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
كَفَى بكَ دَاءً أَنْ تَرَى المَوْتَ شَافِيا ... وَحَسْبُ المَنَايَا أَنْ أَمَانِيَا
تَمَنَّيْتَها لَمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَى ... صَدِيْقا فَأَعْيَا أَوْ عَدُوّاً مُدَاجِيا
المداجاة: المساترة.
فيقول: كفى بك من الداء وشدته، ومن المكروه وبلوغ غايته، أن ترى الموت شفاء تطلبه، وتعتد به دواء ترغبه، وحسب المنايا في الظفر ببغيتها، والتمكن من إرادتها، أن يكن أماني يؤمل ورودها، ورغبات يستبطأ حلولها.
ثم قال يخاطب نفسه، ويبسط في تمنيه للمنايا عذره: تمنيت الموت واستبطأته، وكرهت العيش واستثقلته؛ لفساد الزمان وأهله، واستحالته في جملة أمره، وإني تمنيت أن أرى فيه صديقا فلم أجده، أو مداجيا بالعداوة فلم أبصره، إذ الناس كلهم أعداء غير ساترين، وأضداد غير مجاملين.
وأشار إلى قلة إنصاف سيف الدولة، وإنه أكثر من الإضرار به، وأن ذلك حمله على مفارقته، ودعاه إلى مباعدته ومصارمته.
(1/56)

إذا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعيْشَ بِذِلَّةٍ ... فلا تَسْتَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمَانِيا
ولا تَسْتَطِلَّنَّ الرَّماحَ لِغَارَةٍ ... ولا تَسْجِيْدَنَّ العِتَاقَ المَذّاكِيا
فَما يَنْفَعُ الأسْدَ الحَياءُ مَنَ الطَّوَى ... ولا تُتَّقَى حتَّى تكونَ ضَوارِيا
الحسام: السيف القاطع، واليماني: الذي طبع بأرض اليمن، والعتاق: الخيل الكريمة، والمذاكي: القرح منها، والطوى ضمور البطن من الجوع، والضواري من السباع: العادية، واحدتها: ضار.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومنبها في مفارقته لسيف الدولة علة عذره: إذا كنت ترضى أن تعيش ذليلا غير مكرم، ومستضعفا غير معظم، فما لك تستعد بالسيف وتحمله، وتستجيده وتتخيره؟!
ثم قال على نحو ذلك: وما لك تستطيل الرماح للمطاعنة، وتستفره الخيل للمغاورة، إذا كنت لا تستعمل ذلك في المدافعة عن نفسك، وتصرفه فيما يدل على جلالة قدرك؟!
ثم قال: وما ينفع الأسد بما توصف به من الحياء في جوع بطونها، ولا يوجب لها السكون تمكن أمورها، ولا تتقى حتى تكون ضارية، متسرعة عادية. وأشار إلى أن طول بقائه عند سيف الدولة أخل بقدره، وأن استعماله الحياء في مفارقته، منعه من إظهار غنائه وفضله.
حَبَبْتُكَ قَلْبِي قَبْلَ حُبَّكَ مَنْ نَأَى ... وَقَدْ كَانَ غَدَّارا فَكُنْ لِيَ وَافِيا
وَأَعْلَمُ أَنَّ البَيْنَ يُشْكِيْكَ بَعْدَهُ ... فَلَسْتَ فُؤادِي إِنْ رَأَيْتُكَ شَاكِيا
فإِنَّ دُمُوعَ العَيْنِ غَدْرٌ بِرَبّها ... إِذا كُنَّ إِثْرَ الغادِرِيْنَ جَوَاريا
النأي: البعد، والغدر والوفاء: معروفان، والبين: الفراق، والفؤاد: القلب، والشاكي: الألم. وأفرد غدرا وهو خبر عن الدموع؛ لأنه مصدر، والمصادر لا تثني ولا تجمع إذا نعت بها، أو أخبر، يقال: امرأة خصم ونساء خصم، ورجل غدر
(1/57)

ورجال غدر، والرب: المالك.
فيقول مخاطبا لقلبه، ومهونا لفراق سيف الدولة على نفسه: حببتك أيها القلب قبل حبك لسيف الدولة الذي نأى عنك، وتباعد منك، وقد كان غدارا في فعله، وغير مقارض لك فيما كنت عليه من وده، فكن أيها القلب راضيا لي بالسلوة عن حبه، والإعراض عن التطلع إلى ذكره.
ثم قال: واعلم أيها القلب أن الذي أنت عليه من الوفاء لمن صحبته، والتعلق بمودة من صافيته، يوجب عليك أن تشجى لبعده، وتستوحش لفقده، فلست فؤادي إن أشكاك ما آثرته في أمره، وما تخيرته من المفارقة لأرضه.
ثم أكد ما قدمه فقال: فإن دموع العين غادرة بربها، ظالمة للباكي بها، إذا كانت جارية في إثر الغادرين به، مستعملة عند ذكر القاطعين له.
إِذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصاً مِنَ الأَذى ... فلا الحَمْدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
وَلِنَّفْسِ أحْوَالٌ تَدُلُّ على الفَتَى ... كانَ سَخَاءً ما أَتَى أَم تَساخِيا
السخاء: معروف والتساخي: استعمال السخاء على غير نية.
فيقول معرضا لسيف الدولة، وبحاله عنده: إذا الجود لم يرزق خلاصا من أذى المستعمل له، حتى يكون سالما غير مكدر، وهنيا غير منغص، فذلك الجود عناء من متكلفه، تعب من متمونه؛ لأنه لا يستفيد به حمدا يدخره، ولا يجر إليه شكرا يكتسبه، وماله مع ذلك ذاهب، وما يسديه من الإحسان ضائع.
ثم قال: وللنفس أحوال ظاهرة، وآثار شاهدة، تدل على الإنسان، سخاؤه إرادة وتطبع، لأن الكريم يغتبط بأياديه؛ فيتابعها ويحتفظها، والمتكلف للكرم يتندم عليه؛ فيضيعها ويفسدها.
أَقِلَّ اشْتِياقَاً أَيُّها القَلْبُ رُبَّما ... رَأَيْتُكَ تُصْفِي الوُدَّ مَنْ لَيْسَ جَازِيَا
خُلِقْتُ أَلوفا لو رَحَلْتُ إلى الصَّبا ... لَفَارَقْتُ شَيْبِي مُوْجَعَ القَلْبِ باكِيا
(1/58)

يقول مخاطبا لقلبه: أقل اشتياقا أيها القلب إلى سيف الدولة، وهون عليك ما تكلفته من مفارقته، فقد كان لا يعطيك بحقك، ولا يجزيك بصفاء ودك، وكثيرا ما صفوت لمن لا يصفو لك، وبخلت بمن لا يبخل بك.
ثم قال على نحو ذلك: خلقت ألوفا لمن أصاحبه، خالص الود لمن أداخله، معرضا عن زلته، صابرا على هفوته، حتى إني لما أرعاه من حق الصحبة، وأحفظه من وصائل الخلة، لو رحلت إلى الصبا، مع أثرته، وأسف النفوس على انصرام مدته، لفارقت الشيب موجع القلب لفرقته، باكيا عليه لما أرعاه من ذمة صحبته، مع أن الشيب يؤذن بذهاب القوة، ويشهد على انصرام المدة.
وَلكِنَّ بالفُسْطَاطِ بَحْراً أَزَرْتُهُ ... حَياتِي ونُصْحِي والهَوَى والقَوافِيا
وجُرْدَاً مَدَدْنا بَيْنَ آذانِها القَنَا ... فَبِتْنَ خِفَافاً يَتَّبِعْنَ العَوالِيا
تَماشَى بأَيْدٍ كُلَّما وَافَتِ الصَّفَا ... نَفَشْنَ به صَدْرَ البُزَاةِ حَوافِيا
الفسطاط مدينة مصر، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من شواهد الكرم، والقنا: الرماح الخفاف المتسابقة إلى الجري، والصفا: حجارة ملس، واحدتها صفاة، والحوافي: التي لم يبلغن بالحديد.
فيقول: لكن بالفسطاط من كافور ممالكها، بحرا يزخر جوده، ومنعما لا يمطل فضله، أزرته حياتي ونصحي، واعتمدته شعري ومودتي، وأشار بالهوى إلى وده، وبالقوافي إلى شعره.
ثم قال: وازرته خيلا كراما امتطيتها ومن معي إليه، ومددنا القنا بين آذانها حرضا عليه، فباتت خفافا متسرعة، نشاطا متسابقة، تتبع الرماح المتقدمة بها، ولا تتوقف على الناهض بها.
ثم قال، يشير إلى قوة تلك الخيل وكرمها، وإلى نفاذها وجلودها: تماشى بأيد، إذا قرعت الصفا مع قوته، ووافقته مع صلابته وشدته، مقشت به مثل صدور البزاة
(1/59)

وهي حافية منعلة، ومتعبة غير مرفهة، يشير إلى قوة وطئها، وصحة خلقها، وأفرد صدور البزاة وهو يريد الجمع؛ لأنه اسم شائع في نوعه، فواحده يعرف عن جميعه، والعرب تفعل مثل ذلك، أنشد سيبويه:
كُلوا في بَعْضِ بَطْنِكُمْ تَعِفُّوا ... فإنَّ زَمانَكُمْ زَمانٌ خَمِيصُ
فأقام البطن مقام البطون، كما أقام أبو الطيب الصدر مكان الصدور.
وتَنْظُرُ مِنْ سُودٍ صَوادِقَ في الدُّجَى ... يَرَيْنَ بَعِيْداتِ الشُّخوصِ كما هِيا
وَيَنْصِبْنَ لِلْجَرسِ الخَفِيَّ سَوَامعا ... يَخَلْنَ مُناجَاةَ الضَّمِيرِ تَناجِيا
تُجاذِبُ فُرْسَانَ الصَّبَاحِ أَعِنَّةً ... كَأَنَّ عَلَى الأَعْنَاقِ مِنْها أَفَاعِيَا
الدجى: الظلمة، واحدتها دجية، والجرس: الصوت، والمناجاة: السرار، والأفاعي: حيات معروفة.
فيقول: وهو يصف الخيل المذكورة: وتنظر في ظلم الليل من أعين سود المقل، صادقة النظر، يرين الشخوص النائية في الليالي السود الداجية، على حسب حقيقتها، وما هي عليه من شهود هيئتها. وحدة السمع والبصر في الخيل من شواهد الكرم.
ثم قال: وتنصب للجرس من الخفي سوامع صادقة، وآذانا منصبة، تخال لصدق حسها، ونفاذ سمعها، مناجاة الضمير تناجيا لا خفاء به، وإعلانا لا التباس فيه. وأشار إلى كرم الخيل بما ذكره من حدة سمعها، كما أشار إلى ذلك فيما ذكره من قوة نظرها.
ثم قال: تنازع بقوتها على السير، وتبادرها إلى الجري، الفرسان الذين سروا عليها في الليل، وواجهوا عليها ضوء الصباح؛ الأعنة التي يمسكونها ويصرفونها فيها، حتى كأن على الأعناق منها أفاعي تلسعها، وحيات تكف بها. يشير إلى مرحها مع شدة تعبها، ونشاطها مع اتصال سيرها.
(1/60)

بِعَزْمٍ يَسِيْرُ الجسْمُ في السَّرْجِ رَاكباً ... بِهِ ويَسيرُ القَلْبُ في الجِسْمِ ماشِيا
قَواصِدَ كَافُورٍ تَوارِكَ غَيْرْهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السَّواقِيا
يقول: إنه امتطى ما ركبه من الخيل المذكورة، هو ومن استضاف إليه، بعزم ثابت، وجد بالغ، يسير القلب بهما ماشيا في الصدر، كما يسير الجسم بهما راكبا في السرج، وأشار بما ذكره من مشي القلب في الجسم إلى ما فسرناه من الصدر؛ لاشتمال الجسم عليه، وأعرب عن قوة نيته فيما قصده، واستفراغه غاية المجهود في إنفاذ ما اعتقده، وأخبر عن القلب بالمشي على طريق التجوز، وطابق بين الركوب والمشي، كما طابق بين الجسم والقلب، وجمع بين الإبداعين في نيته، واستوفاهما مع اختصار لفظه.
ثم قال، مشيرا إلى خيله: قواصد كافور توارك غيره من الملوك الذين منزلة جميعهم بالإضافة إلى قدره، وموازنتهم بما أبانه الله من فضله، منزلة السواقي من البحر، والأجزاء اليسيرة من الكل. يشير إلى استعلائه عليهم، وانفراده بالرئاسة فيهم.
فَجاَءتْ بِنا إِنْسانَ عَيْنِ زَمانَهِ ... وَخَلَّتْ بَيَاضاً خَلْفَها ومَآقِيا
نَجُوزُ عَلَيْها المُحْسِنينَ إلى الذي ... نَرَى عِنْدَهُمْ إِحْسَانَهُ والأيَادِيَا
الأماق: جمع موق، وهو طرف العين مما يلي الأنف.
فيقول: فجاءت هذه الخيل بنا من كافور، هذا الملك، إنسان عين الدهر الذي ينظر به، وعماده الذي تسلم الملوك له، وأعرضت عن سائر الملوك الذين منزلتهم منه منزلة بياض العين من سوادها، وموقها من ناظرها. فأشار إلى تفصيل كافور بسواد لونه ألطف إشارة، ودل على تقدمه لبيضان الملوك أوضح دلالة.
ثم قال: نجوز على تلك الخيل من مررنا عليه من الرؤساء الذين قد ظهر إحسانهم، وجلت أحوالهم، إلى كافور، هذا الملك، الذي إحسانهم من إحسانه إليهم،
(1/61)

وسلطانهم من أياديه عليهم. يريد: أن كافور رئيس الرؤساء، والمقدم على من رآه من الأمراء.
فَتًى ما سَرَيْنا في ظُهورِ جُدودِنا ... إلى عصرهِ إِلاَّ نُرَجّي التَّلاقِيَا
تَرَفَّعَ عَنْ عَونِ المَكارِم قَدْرُهُ ... فما يَفْعَلُ الفَعْلاتِ إِلاَّ عذَاريَا
يُبِيْدُ عَدَاواتِ البُغَاة بِلُطْفِهِ ... فإِنْ لم تَبِدْ مِنْهُمْ لأَبَادَ الأَعَادِيَا
السرى: وأصلة السير في الليل والنهار، والعون: جمع عوان، وهي المرأة ذات الزوج، والعذراء من النساء: البكر، ويجمع على عذارى وعذار، مثل صحارى وصحار، وقصد أبو الطيب لغة من نون، ورد الياء المحذوفة من عذار؛ لوقوع الاسم غي موضع النصب، وخفة الفتح في الكلام، ثم أشبع الفتحة للقافية وسقط التنوين لاجتلاب الياء التي كان عوضا منها.
فيقول: إن كافورا الملك الذي أمله الناس بفطرتهم، ورجوه بما ركبه الله في جبلتهم، وكأنهم إنما انتقلوه في ظهور أجدادهم، يتسابقون إلى إدراك عصره، ويرجون أن يسعدهم الله بمشاهدة فضله.
ثم قال: ترفع عما سبق إليه من المكارم، وما تمكن مشاركته فيه من فضائل، ففعل من الجميل ما لم يفعل مثله، وأظهر من الكرم ما لم يعهد قبله، فصارت أياديه كالعذارى، لم تكن قبل مدته، ولا عهدت متقدمة لدولته، وأخبر عن المكارم بالعون والعذارى على سبيل الاستعارة.
ثم قال: يبيد عداوات البغاة، ويقطعها بإحسانه إليهم، وتألفه لجميعهم، فإن لم ينجع فيهم طبه، ولم يصرفهم إلى الانقياد لطاعته لطفه، حلوا محل الأعداء، فأبادتهم سطوته، وأصارتهم إلى التلف عقوبته.
أَبا المِسْكِ ذَا الوَجْهِ الَّذِي كُنْتُ تائِقاً ... إِليهِ وَذَا الوقتُ الذي كُنْتُ راجِيا
لاقِيْتُ المَرَوْى والشَّنَاحِيْبَ دُونَهُ ... وَجُبْتُ هَجِيْراً يَتْرُكُ الماَء صَادِيا
(1/62)

التائق إلى الشيء: الذي يرغب فيه، وينزع إليه، والمروري: القفر الذي لا شيء فيه، والشناخيب: أنوف الجبال، واحدها شنخوب، قاله أبو عبيدة، وجبت: بمعنى قطعت، والهجير: حر وسط النهار، والصادي: العطشان.
فيقول مخاطبا لكافور: أبا المسك! وجهك الوجه الذي لم أزل تائقا إليه، للمشاهدة له، متلقنا للسعادة به، وهذا الوقت الذي أظفرني الوصول إليه، الوقت الذي كنت أرجوه وأؤمله، وأرقبه وأنتظره.
ثم قال: لقيت دونه ما تمونته من ركوب القفار الموحشة، وما تجشمته من معاناة الجبال الممتنعة، وقطعت فيها من الجواهر ما يحمى به الماء فيعطش بحره، ويتقد عليه فيخرج معه عن طبعه.
أَبَا كُلّ طِيْبٍ لا أَبَا المِسْكِ وَحْدَهُ ... وَكُلَّ سَحَابٍ لا أَخُصُّ الغَوَادِيَا
يُدِلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كُلُّ فاخِرٍ ... وَقَدْ جَمَعَ الرَّحْمنُ فِيْكَ المَعَانِيَا
الغوادي: السحاب التي تنشأ في الصباح.
فيقول مخاطبا لكافور: أبا كل طيب، لا أخص المسك وحده عند ذكرك، ولا أفرده بالدلالة على ما أظهره الله من فضلك، وأبا كل سحاب من الكرم، وكل جليل من النعم، لا أخص غادي ذلك دون رائحه، ولا أقصد أوله دون آخره.
ثم قال: يدل كل فاخر بمعنى من الفضل قد أحرزه، وموضع من السيادة قد بلغه، وقد جمع الله الفضائل، فقرنها بك، والمكارم فأخلصها لك، فكل ما افترق من المجد في غيرك فقد جمعته، وكل ما امتنع منه على سواك فقد بلغته.
إذا اكْتَسَب النَّاسُ المَعَالِيَ بالنَّدى ... فإِنَّكَ تُعْطِي في نَدَاكَ المَعَالِيَا
وَغَيْرُ كَبِيْرٍ أَنْ يَزُورَكَ راجِلٌ ... فَيَرْجِعَ مَلِكا لِلعِرَاقَيْنِ وَالِيا
المعالي: جوامع الشرف، واحدتها: معلاة، والندى: الكرم، والملك: لغة في الملك، خفف الكسرة لتسكينها، والعرب تفعل ذلك في الضم والكسر، فيقولون في عضد
(1/63)

عضد، وفي ملك ملك، والعراقان: الكوفة والبصرة.
فيقول لكافور: إذا اكتسب الناس الشرف بكرمهم، وأحرزوا المعالي بعطاياهم ومننهم، وكان نيل الشرف غاية قصدهم، وإدراكه مبلغ جهدهم، فأنت تهب الشرف لمن قصدك، والمعالي لمن أملك، وترفع سائلك فتجعله مرجو الفضل، وتبسط يده حتى يوجد كثير البذل.
ثم قال: وغير بديع فيما شهر عنك، ولا غريب فيما عهد منك، أن يزورك راجل لا مطية له، وساع على قدميه لشدة الفاقة به، فتغنيه وتجبره، وتشرفه وتظهره، حتى يكون ملكا واليا على الأمصار العظيمة، متقلدا للأعمال الرفيعة، لا تبعد العراقان عن ولاية مثله، ولا تستنكر أن تدبر بأمره.
فَقَدْ تَهَبُ الجَيْشَ الذي جَاَء غَازِياً ... لِسائِلِكَ الفَرْدِ الذي جَاَء عَافِيا
وتَحْتَقرُ الدُّنيا احْتقَارَ مُجَرَّبٍ ... يَرَى كُلَّ ما فِيها وحَاشَاكَ فَانِيا
العافي: السائل، وحاشا: حرف يجر به، وفيه معنى التعويذ والاستثناء، وقد يكون فعلا فينصب ما بعده.
فيقول لكافور: فقد يردك العافي من قصدك، فترفعه وتشرفه، وتعليه وتمكنه حتى يكون أمير جيش، يصرفه قائدا له، ويتملكه غازيا به، فيردك فردا عافيا، ويصير بك أميرا عاليا.
ثم قال مخاطبا له: وتحتقر الدنيا احتقار من خبرها بتجربته، وحصرها بمعرفته، فرأى كل ما فيها فانيا لا يدوم، وكل ما شاهد منها راحلا لا يقيم، فسخا بجليل ذلك غير مستعظم، وبذله غير مستكثر، وحاشاك أيها المأمول من معالجة الدنيا لك بالفناء، ونسأل الله لك طول البقاء.
وما كُنْتَ مِمَّنْ أَدْرَكَ المُلْكَ بالمُنَى ... وَلكِنْ بأَيَّامٍ أَشَبْنَ النَّواصِيَا
عِداكَ تَرَاهَا في البِلادِ مَسَاعِيَاً ... وَأَنْتَ تَراها في السَّمَاءِ مَرَاقِيَا
(1/64)

لَبِسْتَ لَهَا كُدْرَ العَجَاجِ كأَنَّما ... تَرَى غيرَ صَافٍ أَنْ تَرَى الجَوَّ صَافِياً
المنى: الأماني، واحدتها أُمْنِيَّةٌ، والنواصي: مقادم شعر الرؤوس، الواحدة ناصية، والمساعي: المطالب، واحدتها مسعاة، والمراقي: الدرجات، والكدر: الغبر، والعجاج: ما سطع من الغبار، واحدتها عجاجة، والجو: ما ارتفع من الهواء.
فيقول لكافور: وما كنت ممن أدرك الملك بجد لم ينصره طلب، واتفاق لم يوجبه تعب، ولكنك أدركته بأيام معلومة، ووقائع على الأعداء مشهودة، شيبت النواصي لشدتها، وانقطعت الآمال عنها ببعد غايتها.
ثم قال: عداك ترى تلك الأيام بعين من يحتسبها مساعي في البلاد يحاولها، ومطالب يتبعها ويتناولها، وأنت تراها مراقي ترفعك في السماء، وتحوز لك أعظم الاعتلاء، فأدركت من ذلك بمقدار همتك، وبلغت فيه إلى أفضل رغبتك.
ثم قال: لبست لتلك الأيام ووقائعها، ولأهوالها وشدائدها، كدر عجاجات الكتائب، ومظلم ارهاج المواكب، تعتمد بجيوشك من نازعك، وتصول بسيوفك على من خالفك، وتألف ذلك وترغبه، وتؤثره وتفضله، حتى كان غير صاف عندك أن ترى الجو صافيا من الغبار، وتشاهده خلوا من إظلام القتام.
وَقُدْتَ إليها كُلَّ أَجْرَدَ سَابِحٍ ... يُؤَدّيكَ غَضْبَانَاً وَيَثْنِيْكَ رَاضِيا
ومُخْتَرَطٍ ماضٍ يُطِيْعُكَ آمراً ... ويَعْصِي إِن اسْتَثْنَيْتَ أَوْ كُنتَ نَاهِيَا
وَأَسْمَرَ ذِي عِشْرِيْنَ تَرْضَاهُ وارِداً ... ويَرََْاكَ في إِيْرادِهِ الخَيْلَ سَاقِياً
الأجرد من الخيل: القصير شعر الجلد، وهو من شواهد الكرم، والسابح: الذي يمد يديه في العدو، ويؤديك: بمعنى: يبلغك، ويثنيك: بمعنى: يصرفك، والمخترط: السيف المسلول. والخرط: السل، والماضي: القاطع، والأسمر: الرمح اليابس، وذو العشرين: الذي فيه عشرون من الكعوب، وهي العقد الناشزة بين أنابيبه، وأشار بهذا إلى طوله، والوارد: الذي قد شرع في الماء.
(1/65)

فيقول لكافور: وقدت إلى تلك الوقائع كل فرس كريم في خلقه، سريع في جريه، يبلغك غضبان عندما تستفتحه من حربك، ويصرفك راضيا لما يكتفل الله به من نصرك.
ثم قال: وقدت إليها كل سيف ماض في فعله، حسام في قطعه، يطيعك آمرا بنفاذه حين تعمله، ويعصيك مستثنيا بنهيك إياه حين تمسكه، يريد: إنه لا مثنوية لضربته، ولا صارف لنفاذه وحدته، وأخبر عن السبب وهو يريد صاحبه، مقيما للمضاف إليه مقام المضاف.
ثم قال: وقدت إلى تلك الوقائع كل رمح يابس طويل، ترضاه واردا على أعدائك عند المطاعنة به، ويرضاك مقتحما على الفرسان عند سقيك في الدماء له، وأخبر عن الرمح وهو يريد حامله على نحو ما قدمه، وجعل المخاطبة لكافور والإخبار عن كتائبه، والإشارة إليه، والقصد إلى عساكره، واختصر ثقة بفهم من أخبره، وحذف معولا على بيان ما ذكره.
كَتَائِبُ ما انْفَكَّتْ تَجُوسُ عَمائِراً ... مِنَ الأرْضِ قَدْ جَاسَتْ إليها فَيَافِيا
غَزَوْتَ بِها دُورَ المُلُوكِ فَبَاشَرَتْ ... سَنَابِكُهَا هَامَاتِهِمْ والمَغَانِيَا
الكتائب: الجماعات من الخيل، واحدتها كتيبة، والجوس: التردد في الماكن، والعمائر: البلاد المعمورة، والواحدة عمارة، والفيافي: الفلوات المقفرة، والهام: الرؤوس، والسنابك: مقادم حوافر الخيل والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى.
فيقول مؤكدا لبيان ما قدمه، من ذكر الجيوش التي قادها كافور إلى أعاديه: كتائب لا تزال تقطع البلاد سائرة، وتخترقها غازية، معتمدة لعمارات من الأرض تطؤها، ولوسائط من البلاد تجوسها وتملكها.
ثم قال، غزوت بتلك الكتائب الملوك المخالفين، يريد: المعترضين لحربك، فباشرت سنابك خيلك هاماتهم بعد قتلك لهم، ووطئت مغاني آثارهم بعد إيقاعك
(1/66)

بهم.
وَأَنْتَ الذي تَغْشَى الأَسِنَّةَ أَوَّلاً ... وتَأْنَفُ أَنْ تَغْشَى الأَسِنَّةَ ثَانِيا
إذا الهِنْدُ سَوَّتْ بَيْنَ سَيْفي كَرِيْمَةٍ ... فَسَيْفُكَ في كَفَّ تُزِيلُ التَّساوِيا
ومِنْ قَوْلِ سَامٍ لو رآكَ لِنَسْلِهِ ... : فَذَى ابْنَ أَخي نَسْلِي ونَفْسِي وماليَا
الغشيان: المباشرة، وأسنة الرماح: معروفة، والأنفة: الغضب والحمية، والهند أمة محكمة لطبع السيوف، إليهم تنسب السيوف الهندية، والكريهة: شدة الحرب، وسام بن نوح، ومن نسله جميع البيضان، وحام أخوه، ومن نسله جميع السودان.
فيقول مخاطبا لكافور: وأنت الذي تسمو إلى الحرب غير متهيب، وتبادر نحوها غير متوقع، فتغشى الأسنة أولا قبل جيشك، وتقدم عليها مدلا بنفسك، ولا تأتيها ثانيا مقتديا بغيرك، ولا تاليا مسبوقا في فعلك.
ثم قال: إذا الهند سوت بين سيفين في إحكام صنعتهما، وكرامة جوهرهما، فالذي يصير منهما في كفك، فأنت ترفع التساوي عنه، وتوجب الفضل له بثبات ضربتك له، وشدة قوتك.
ثم قال: ومن قول سام بن نوح لنسله، لو رأى تصاغرهم عن قدرك، وتقصيرهم عن بلوغ غايات فضلك: أفدى ابن أخي هذا بنفسي، ومن انسلته، ومالي وما ملكته. فأشار إلى أن فضيلة بني حام بكافور ظاهرة، وزيادتهم على بني سام بموضعه بينه.
مَدَّى بَلَّغَ الأُسْتَاذَ أَقْصَاهُ رَبُّهُ ... وَنَفْسٌ لَهُ لَمْ تَرْضَ التَّنَاهِيا
دَعَتْهُ فَلَبَّاها إلى الفَضْلِ والعُلاَ ... وَقَدْ خَالفَ النَّاسُ النُّفوسَ الدَّواعِيا
فَأَصْبَحَ فَوْقَ العَالَمِيْنَ يَرَوْنَهُ ... وَإِنْ كَانَ يُدْنِيهِ التَّكَرُّمُ نَائِيَا
المدى: الغاية، والأستاذ: كافور، والتناهي في الأمور: بلوغ آخرها، والتلبية: الإجابة بالطاعة، والنأي: البعد.
(1/67)

فيقول: إن الذي أجرى إليه الأستاذ كافور من الاستيلاء على الفضل، والتقدم في الانفراد باحتياز الشكر، مدى بلغته أقصاه نفس له كريمة، عالية شريفة، لا ترضى من المكارم إلا ببلوغ غايتها، ولا تقنع من الفضائل إلا باستيعاب نهايتها.
ثم قال: دعته تلك النفس إلى اكتساب المجد، والانفراد بالشكر والحمد، فلباها بأنفذ بصيرة، وساعدها على ذلك بأثبت عزيمة، وقد خالف غيره من الملوك أنفسهم، بالقعود عن مثل ما بدر إليه، وزهدوا في ما أظهر هو الحرص عليه.
ثم قال: فأصبح فوق العالمين يرونه، قد فاقهم بمرتبته، واستعلى عليهم بمنزلته، وإن كان تواضعه يدنيه إليهم، وكرمه يعطفه عليهم.
(1/68)

وهنأه الناس بالدار الجديدة التي على البركة، فقال:
إِنَّما التَّهْنِئَاتُ لِلأَكْفاءِ ... وَلِمَنْ يَدَّنِي مِنَ البُعَداءِ
وَأَنَا مِنْكَ لا يُهَنَّئُ عُضْوٌ ... بِالْمَسَرَّاتِ سَائِرَ الأَعْضَاءِ
الأكفاء: الأشكال، ويدني: بمعنى يقترب، وهو مثال يفتعل من الدنو، والبعداء: الأباعد، واحدهم بعيد.
فيقول لكافور: إنما التهنئات بين الأكفاء المشاكلين، والنظراء المتماثلين، أو لبعيد يستعمل التهنئة ليقرب، ويتكلفها ليتقبل، ويجعلها وسيلة تدني موضعه، وذريعة تسهل مطلبه.
ثم قال: وأنا منك لاتصالي بخدمتك، واشتمالي بنعمتك، قد حللت منك محل البعض من الكل، والعضو من سائر الجسم، فكيف أهنئك وأنا عبدك، وأتوددك وأنا بعضك.
وُسْتَقِلٌّ لَكَ الدَّيَارَ واو كَا ... نَ نُجوماً آجُرُّ هذا البِنَاءِ
وَلَوْ أَنَّ الذي يَخِرُّ مِنَ الأَمْ ... واهِ فِيهِ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءِ
الخرير: صوت الماء عند جريه، يقال: خر الماء يخر خريرا.
فيقول لكافور: استقل الديار الجليلة لقدرك، واستصغر المنازل الرفيعة عند عظم حالك، ولو أن البناء الذي استحدثته، والقصر الذي احتللته، يشاكل آجره النجوم بحسنها، ويماثلها في جلالة أمرها، لكنت مستوجبا لأرفع منه بقدرك، وما أحرزه الله لك من عموم فضلك.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولو أن المياه التي تخر في هذا البناء ذوب جواهر ناصعة، وفضة بيضاء خالصة، لاستقللت ذلك فيما تستحقه بنفسك، وما رفعه الله في المكارم من ذكرك.
أَنْتَ أَعْلَى مَحَلَّةً أَنْ تُهَنَّى ... بِمَكانٍ في الأَرْضِ أَوْ فِي السَّماءِ
وَلَكَ النَّاسُ والبلادُ وما يَسْ ... رَحُ بَيْنَ الغَبْرَاءِ والخَضْرَاءِ
(1/69)

وَبَسَاتِيْنُكَ الجِيادُ وما تَحْ ... مِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءِ
السماء: كل مكان تنامى علوه، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، والبساتين: الجنات، والجياد: الخيل الكريمة، والسمهرية: القناة الصلبة.
فيقول لكافور: أنت أجل رتبة، وأظهر علوا ورفعة، من أن تهنأ بمكان في الأرض تحله، أو بموضع من العلو تناله؛ لأن جميع ذلك يقل عند سيادتك، ويصغر مع سلطانك ورئاستك.
ثم قال: وكيف لا يكون ذلك والناس حولك، والبلاد ملكك، وما يسرح من الأرض والسماء لك، قد أحرزت ذلك بسعة سلطانك، وارتفاع مكانك.
ثم قال: وأنت مع ذلك على حال من حزمك، ونفاذ من قوتك وعزمك، وبساتينك معها التي تونقك، ورياضك التي تروقك وتبهجك، الخيل والأبطال المصرفون لها، وسمر الرماح والفرسان المطاعنون بها. ودل بما ذكره على ما اجتلبناه مما أضمره.
إِنَّما يَفْخَرُ الكَرِيمُ أَبُو المِسْ ... كِ بِمَا يَبْتَنِي مِنَ العَلْيَاءِ
وَبِأَيَّامهِ الَّتي انْصَرَمَتْ عَنْ ... هُ وَمَا دارُهُ سِوَى الهَيْجَاءِ
وَبِما أَثَّرتْ صَوارِمُهُ البِيْ ... ضُ لَهُ في جَمَاجمِ الأعْدَاءِ
الانصرام: الانقطاع والانقضاء، والهيجاء: الحرب، والصوارم: السيوف القاطعة، والجماجم: الرؤوس.
فيقول: إنما يفخر أبو المسك الكريم النفس، المشهور الفضل، بما يبتنيه من العلياء والمجد، وما يكتسبه من الثناء والحمد، لا ببناء يستحدثه، ولا بعرض من الدنيا يستخلصه.
ثم قال: ويفخر بأيامه التي أسلفها، والحرب داره، ومواقعة الأعداء شأنه، حتى انقادوا لأمره، وسلموا لحكمه.
(1/70)

ثم قال: ويفخر بما أحدثته بيض صوارمه، ومشهور وقائعه في جماجم أعدائه المخالفين له، وأضداده لمتمرسين به من الضرب الذي أتلف نفوسهم، والجلاد الذي هشم رؤوسهم.
وَبِمِسْكٍ يُكْنَى بِهِ لَيْسَ كَالْمِسْ ... كِ وَلكِنَّهُ أَرِيْجُ الثَّناءِ
لا بِمَا تَبْتَنِي الحَوَاضِرُ فِي الرَّيفِ وما يَطَّبِي قُلُوبَ النَّسَاءِ
الأريج: الفوح، والريف: البلد الواسع المخضب، والإطباء: الاستمالة.
فيقول على نحو ما قدمه: ويفخر أبو المسك بمسك ينسب إليه، من فوح مكارمه، وتضوع آثار محاسنه، ليس كالمسك في حقيقته، ولكنه بناء يفضله بفوحه، ويزري عليه بعبق ريحه.
ثم قال: وليس يفخر أبو المسك بما يبتنيه أهل الحضر من القصور المشيدة، والمنازل المحسنة، وما يطبي قلوب النساء من تلك البساتين وبهجتها، وتلك المباني ورفعتها، حسبه ما يرفع بع عماد الكرم، وما يجدده من سوابغ النعم.
نَزَلْتَ إِذ نَزَلَتْها الدَّارُ في أَحْ ... سَنِ مِتْها مِنَ السَّنا والسَّنَاءِ
حَلَّ في مَنْبِتِ الرَّياحِيْنِ منْهَا ... مَنْبِتُ المَكْرُمَاتِ والآلاءِ
السَّنَا مقصور: الضياء، والسناء ممدود: الاعتلاء في المجد، والرياحين: ما طابت رائحته من النبات، واحدها: ريحان، والآلاء: النعم.
فيقول: نزلت هذه الدار التي ابتنيتها من الضياء والبهجة، والعلو والرفعة، في احسن مما نزلت فيه من مبانيها المتقنة، ومصانعها المحسنة، وأفدتها من التشريف لها، أكثر مما أفادتك من السرور بها.
ثم قال: حل منك في منبت ريحانها، وساحات بنيانها، الملك الذي ينبت المكرمات بفضله، ويجدد الآلاء والمنن بمشكور فعله.
تَفْضَحُ الشَّمْسَ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّم ... سُ بِشَمْسٍ مُنِيْرَةٍ سَوْداءِ
(1/71)

إِنَّ في ثَوْبِكَ الذي المَجْدُ فِيهِ ... لَضِياءً يُزْرِي بِكُلَّ ضِيَاءِ
إِنَّما الجِلْدُ مَلْبَسٌ، وابْيِضَاضُ النَّ ... فْسِ خَيْرٌ مِنِ ابْيِضَاضِ القَبَاءِ
يقال ذرت الشمس: إذا طلعت، والقباء: ثوب معروف.
فيقول لكافور: أن استنارة مكارمك، وما ألبسك الله من ضياء فضائلك، تفضح الشمس وتبهرها، وتزيد عليها وتغلبها، فأنت شمس تنير أفعالها مع سواد لونها، ويشرق إحسانها لمن اعتمد فضلها.
ثم قال: إن في ثوبك الذي يشتمل منك على ولي الحمد، والمقيم لأود المجد، لضياء يصر كل ضياء عن بهجته، ويتواضع عند جلالته ورفعته.
ثم قال على نحو ما قدمه: إنما جلد الإنسان ملبس، لا يحرز الفضل بياض لونه، ولا يوجبه تكامل حسنه، وإنما يوجب ذلك بياض النفس، وكرم جوهرها، وعلوها وشرف عنصرها. يشير إلى أن سواد كافور تضيء منه بياض نفسه، وتشرق عليه شواهد فضله.
كَرَمٌ في شَجَاعَةٍ، وذَكاءٌ ... في بَهاءٍ، وَقُدْرَةٌ في وَفَاءِ
مَنْ لِبِيْضِ المُلُوكِ أَنْ تُبْدِلَ اللَّوْ ... نَ يِلَوْنِ الأُسْتَاذِ والسَّحْنَاءِ
وتراها بَنُو الحُرُوبِ بِأَعْيَا ... نٍ تَرَاهُ بها غَداةَ اللَّقَاءِ
الذكاء: الفطنة، والبهاء: حسن المنظر وفخامته، والسحناء: الهيئة، والأعيان: جمع عين.
فيقول: إن كرم كافور مقرون بشجاعته، وذكاءه مصحوب بفخامته، وقدرته متلوة بوفاء عنده، محمولة على صحة عقده. وهذا من باب البديع يعرف بالتقسيم.
ثم قال: من لبيض الملوك أن تبادل الأستاذ بلونه وسحنائه، وتشركه في كرمه واعتلائه.
ثم أكد فقال: من لها بأن تراها بنو الحرب عند اللقاء بما تراه به من الهيئة،
(1/72)

وتعتقد لها ما من الجلالة والرفعة، فلا تواجهها هناك كما أنها لا تواجهه، ولا تعارضها كما أنها لا تعارضه.
يا رَجاَء العُيُونِ في كُلَّ أَرْضٍ ... لَم يَكُنْ غَيْرَ أَنْ أَراكَ رَجَائِي
وَلَقَد أَفْنَتِ المَفَاوِزُ خَيْلِي ... قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي، وَزَادِي وَمَالي
المفاوز: القفار البعيدة الغايات.
فيقول لكافور: يا رجاء العيون في كل أرض نازحة، ويا غاية أمنيتها في كل بلدة نائية، لم يكن رجائي غير أن أسعد برؤيتك، وأظفر بما بلغته من مشاهدة حضرتك، وأنت رئيس المحسنين، وقبلة آمال الراغبين.
ثم قال، مشيرا إلى ما تمونه في قصده: ولقد قطعت إليك أبعد شقة، ويممتك بأصدق نية، فأفنى خيلي ما اخترقته من المفاوز، وأذهب زادي ومالي ما اقتحمته من المهالك، ولم يقعدني عنك شديد ما تكلفته، ولا منعني منك مخوف ما تمونته.
فَارْمِ بي ما أَرَدْتَ مِنَّي فَإِنَّي ... أسدُ القَلْبِ آدَمِيُّ الرُّواءِ
وَفُؤَادِي مِنَ المُلُوكِ وَإِنْ كَا ... نَ لِسَانِي يُرَى مِنَ الشُّعَرَاءِ
الرواء: المنظر، والقلب والفؤاد: واحد.
فيقول لكافور: فارم بي نحو ما تريده كمي، تجدني مسارعا إلى دعوتك، مجتهدا في مقارضة نعمتك، أنفذ ولا أتكل، وأقدم ولا أعجز، فإني أسد القلب في الاجتراء والشدة، وإن كنت آدمي الشخص في الرواء والخلقة.
ثم قال: وفؤادي من الملوك بشرفه ونزاهته، وان كان لساني من الشعراء بنطقه وصناعته، فوفني جزاء همتي، وتوسمني بحسب حقيقتي، وحملني من فضلك بمقدار ما انشره من شكرك.
(1/73)

وقال أيضا يمدحه.
أنشدها إياه في انسلاخ شهر رمضان، سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
مَنِ الجَآذِرُ في زِيَّ الأَعَارِيْبِ ... حُمْرُ الحُلَي والمَطَايا والجَلاَبِيْبِ
إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ شَكَّاً في مَعَارِفِها ... فَمَنْ بَلاكَ بِتْسَهِيْدٍ وتَعْذِيبِ؟!
الجآذر: صغار البقر الوحشية، والأعاريب: جمع الأعراب، وهم سكان البادية من العرب، والحلي: جمع حلية، وأكثر ما تستعمل في حلى السيوف، وربما استعمل في حلى النساء، لتقارب الأمرين، والمطايا: الجمال المتخذة للركوب، والجلابيب: ثياب دون الأردية، تتخذ لتغطية الرؤوس والصدر، واحدها: جلباب، والتسهيد: عدم النوم.
فيقول كالمستفخم عن النساء اللواتي يشب بهن: من النساء اللواتي هن الجآذر في حسنهن، وكحل أعينهن، المشتملات بزي الأعراب؟ فهن حمر الحلي بتحليهن بالذهب، حمر المطايا لتقدم ما ركبنه في الكرم. وحمر المطايا: كرائمها؛ ولذلك يقول القائل من العرب فيما يرفع به: ما وددت أن لي بكذا وكذا حمر النعم. وحمر الجلابيب: حمر ما يتحلين به، وحمر الجلابيب من أحسن الملابس، وآتق المناظر، وقد دل على ذلك بشار بقوله:
وخذي مربِسَ زِينةٍ ... ومُصَبَّغاتٍ فَهْيَ أَشْهَرْ
وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِي ... بِالحُسْنِ إِنْ الحُسْنَ أَحْمَرْ
فأشار أبو الطيب بما ذَكره إلى موضع من وصفه من الرفعة، وتمكنهم في الجدة والنعمة.
ثم قال يخاطب نفسه: إن كنت تسأل؛ اعترضك الشك في معرفة هؤلاء النسوة، وأشكلت عليك أمورهن عند الرحلة، فمن بلاك بالبحث عما يفيدك التسهيد والأرق، ويقصر عليك التعذيب والقلق؟!
لا تَجْزِني بِضَنًى بِي بَعْدَها بَقَرٌ ... تَحْزِي دُموعَي مَسْكوباً يِمَسكوبِ
(1/74)

سَوَائِرٌ رُبَّما سَارَتْ هَوادِجُها ... مَنِيْعَةً بَيءنَ مَطْعونٍ ومَضْرُوبِ
وَرُبَّما وَخَدَتْ أَيْدي المَطِيَّ بِهَا ... عَلى نَجِيْعِ من الفُرْسَانِ مَصْبُوبِ
الضنى: المرض المخامر، والبقر: كناية عن النساء، والعرب تكني عنهن بالظباء والبقر، والمسكوب: المصبوب، والهوادج: مراكب النساء، والوخد: ضرب من المشي، والنجيع: الدم.
فيقول: لا جعل الله الأحبة اللواتي أضناني بعدهن، وأسقم جسمي نأيهن، أن يجزينني ضنى؛ بضناي بهن، كما جزينني بكاء ببكائي عليهن. يؤكد أنهن أسعدنه في البكاء عند الرحلة، وأسفن كأسفه عند الفرقة، فدعا لهن ألا يضنين بضناه، كما أبكاهن ما أبكاه.
ثم ذكر موضع عشيرته من القوة، وحالهم في الاستظهار والكثرة، فقال: أنهم ربما عارضهم معارض في رحيلهم، وناصبهم مناصب دون مقصدهم، فأوقعوا بمن عارضهم، واستولوا على من خالفهم، وملكوا بهوادجهم على مواضع وقائعهم، فصارت بين قتيل قد أثبته الضرب، وبين صريع قد أنفذه الطعن.
ثم قال على نحو ما قدمه: وربما وخدت تلك الهوادج أيدي مطيها على دماء من الفرسان سائلة، وبقايا من آثار الحرب ظاهرة.
كَمْ زَوْرَةٍ لَكَ في الأعرَابِ خَافِيَةٍ ... أَدْهَى، وقد رَقَدوا، منْ زَوْرَةِ الذَّيْبِ
أَزُورُهُمْ وسوادُ اللَّيْلِ يَسْفَعُ لِي ... وأَنْثَنِي وبَيَاضُ الصُّبْح يُغْرِي بِي
الدهاء: النفاذ والمعرفة، والانثناء: الانصراف.
فيقول وهو يخاطب نفسه: كم زورة لك إلى أحبتك من الأعراب، وقد سكن سامرهم، واستثقل في النوم راقدهم، وسواد الليل يشفع لي بستره، ويسعدني بما يلقي علي من جنحه، وأنثني والصبح يكشف مذهبي، ويغري بي من يحاول ترقبي.
(1/75)

قَدْ وَفَقُوا الوَحْشَ في سُكْنَى مَراتِعِها ... وخالَفُوها بِتَقْويضٍ وتَطنِيْبِ
جِيْرانُها وَهُمُ شَرُّ الجِوارِ لَهَا ... وصَحْبُها وَهُمْ شَرُّ الأَصَاحِيءبِ
فُؤَادُ كُلَّ مُحِبًّ في بُيُوتِهِم ... ومَالُ كُلَّ أَخِيذِ المالِ مَحْروبِ
الوحش: ما لا يستأنس مما سكن القفر، والمراتع: المراعي، واحدها مرتع، والتقويض: حط الأبنية ونقلها، والتطنيب: إقامتها ومد طنبها، والطنب: حبال الخباء، والأخيذ: المأخوذ، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح، والمحروب: المسلوب.
فيقول واصفا لمن قدم ذكره من الأعراب: قد وافقوا الوحش بالسكنى في مراتعها، والانتقال في مواضع مسارحها، وخالفوها بأنهم ذووا بيوت يقوضونها عند رحيلهم، ويطنبونها عند نزولهم.
ثم قال: فهم جيران الوحوش، إلا أنهم لها شر الجيران؛ لملازمتهم لصيدها وصحبها، وهم شر الأصحاب لإلحاحهم على عقرها. يشير إلى أن من الوحوش أقواتهم، ومن لحومها تقوم حياتهم.
وأشار إلى حسن نسائهم، وكثرة غاراتهم، فقال: فؤاد كل محب في بيوتهم؛ لاستباء نسائهم بالحسن له، ومال كل من ذهب ماله فيها، لرجوعهم من الغارات به. فدل على أن الفلوات منازلهم، والوحوش فيها تجاورهم، والغارات مكاسبهم، والقلوب بحسن نسائهم تتابعهم.
ما أَوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحْسنَاتُ بِهِ كأَوْجُهِ ... البَدَويَّاتِ الرَّعابِيبِ
حُسْنُ الحَضَارَةِ مَجْلُوبٌ بِتَطْرِيَةٍ ... وفي البَدَاوَةِ حُسْنٌ غَيْرُ مَجْلُوبِ
أَيْنَ المَعِيْزُ مِنَ الآرامِ ناظِرَةً في الحُسْنِ والطَّيْبِ
الحضر: خلاف البدو، وأخبر عنه وهو يريد أهله، على سبيل التجوز، والرعابيب من النساء: الطوال القدود، الناعمات الأحسام، الواحدة رعبوبة، والحضارة: سكنى
(1/76)

الحاضرة، والبداوة: سكنى البادية، والتطرية: التجديد والصناعة، والمعيز: ذوات الشعر من الغنم، وهي المعز والمعزى، والمعيز: الواحدة معزاة، والناظرة: المقبلة على الشيء بنظرها، والآرام: الظباء.
فيقول: ما أوجه نساء الحضر المستحسنات فيه، مع بهجتها وحسنها ونضرتها، كأوجه البدويات من الأعراب، ذوات الأجسام الكاملة، والمحاسن الرائعة.
ثم بين ما ذكره فقال: إن حسن الحضارة تزيده الصناعة، وتحفظه الكفالة، ويجتلب بالتزيين والتهيئة، ويكمل بالتحسين والتطرية، وحسن البداوة إنما يروع النظار بحقيقته، ويروقهم ببنيته، قد استغنى فيه عن التصنيع، واكتفى ببراعته عن التزين، فكم بين التكلف والخلقة، وبين التمويه والحقيقة؟!
ثم أكد ما قدمه فقال: أين معيز الحضر من نظائرها من آرام البدو، في حسن المقل، وفتور النظر، وطيب الروائح وغير ذلك من المحاسن، فبمقدار تفاضلها، وعلى حسب تباينها، يفضل نساء البادية نساء الحاضرة في براعة الدل، وإحراز غايات الحسن.
أَفْدِي ظِباَء فَلاةٍ عَرَفْنَ بها ... مَضْغَ الكَلامِ ولا صبْغَ الحَواجِيْبِ
ولا بَرَزْنَ مِنَ الحَمَّامِ مائِلَةً ... أَوْرَاكُهُنَّ صَقِيْلاتِ العَراقِيْبِ
ومِنْ هَوَى كُلَّ مَنْ لَيْسَتْ مُمَوَّهَةً ... تَرَكْتُ لَوْنَ مَشِيْبِي غَيرَ مَخْضُوبِ
الظباء: معروفة من شاء البر، ومضغ الكلام: ترديده دون إبانة، والصقل: الجلاء والتصنيع، والعرقوب: العضلة التي تصل بين الساق وآخر القدم، والجمع عراقيب، والتمويه: المخادعة في الشيء بظاهر لا حقيقة له.
فيقول على نحو ما قدمه من تفضيل نساء الأعراب: أفدي بنفسي ظباء فلاة، معشوقات الدل، متكاملات الحسن، لا يمضغن الكلام لفصاحتهن فيه، ولا يتكلفن صبغ الحواجيب، لاستغنائهن عنه.
(1/77)

ثم قال: لا يعرفن الحمام ولا يردنه، ولا يحتجن إليه ولا يدخلنه، ولا يبرزن منه ببطون ضخمة وأوراك رخوة، قد حل الحمام أجسامهن، وصقل عراقيبهن، على ما يفعله نساء الحضر، ولكنهن مجدلات الأجسام، معتدلات القوام، قد أغناهن الحسن عن الصنعة، وسقطت به عنهن مؤن الكلفة.
ثم قال: ومن هوى كل من لا تموه حسنها، ولا تحتاج إلى أن تصنع نفسها، رفضت الخضاب محتملا على اجتناب المغالطة، وكرهته لما فيه من المكاذبة، فتركت الشيب ولم أخضبه، وأنست به ولم أغيره.
وَمِنْ هَوَى الصَّدْقِ في قَوْلِي وعادَته ... رَغِبْتُ عَنْ شَعَرٍ في الوَجْهِ مَكْذُوبُ
لَيْتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أَخَذَتْ ... مِنَّي بِحِلْمي الذي أَعْطَتْ وَتَجْريبي
فما الحَدَاثَةُ مَنْ حِلْمٍ لِمانِعَةٍ ... قَدْ يُوجَدُ الحِلْمُ في الشُّبَّانِ والشَّيْبِ
يقول: ومن هوى الصدق وإيثاري له، وحرصي عليه وإعجابي به، رغبت عن الخضاب الذي يغر مبصره، ويخدع متأمله، فرفضت ذلك مؤثرا للصدق، وأبقت منه متحملا على الحق.
ثم قال: ليت حوادث الأيام السالفة، وتصاريف المدد الخالية، باعتني ما أعدمتنيه من القوة، وسلبتنيه من الإقبال والشبيبة، بما استفدته بها من المعرفة، وأشرفت عليه بكثرة التجربة.
ثم قال: فما تمنع الحداثة من الحلم، ولا تبعد عن التقدم في العلم، فقد توجد الحلوم الراجحة، والعلوم البالغة، في الكهول والفتيان، والشيوخ والشبان.
تَرَعْرَعَ المَلِكُ الأُسْتَاذُ مُكْتَهِلاً ... قَبْلَ اكْتِهَالٍ، أَدِيْباً قَبْلَ تَأْدِيبِ
مُجَرَّباً فَهِمَاً مِنْ تَجْرِبَةٍ ... مُهَذَّباً كَرَماً، مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبِ
حَتَّى أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا نِهَايَتَها ... وَهَمُّهُ في ابتداءاتٍ وتَشْبِيبِ
ترعرع الصبي: إذا تحرك للمشي، والاكتهال: بلوغ سن المشيب، والأديب:
(1/78)

المدرك للأدب، والتأديب: تعليم الأدب، والمهذب: الخالص من العيوب، والتهذيب: التفعيل من ذلك، والنهاية: الغاية، والهم: الهمة، وتشبيب الشيء: رفعه والزيادة فيه.
فيقول، وهو يريد كافورا: ترعرع الملك الأستاذ، وله من المعرفة في صغره مثل الذي للكهل مع تجربته وكبره، قد استفاد بكرم طبعه، كالذي استفاده الكهل في مدة عمره، وتأدب بجبلته دون تأديب، وعلم دون تعليم، فأدرك في صغره حال التكهل، وتأدب بطبعه قبل معاناة التأدب.
ثم قال على نحو ما قدمه: عالما لما لم يجربه؛ لما هو عليه من صحة فهمه، مهذب دون أن يهذبه أحد؛ بطبيعته وكرمه.
ثم قال: فأدرك من الدنيا أرفع منازلها، وحل منها من أجل مراتبها، حديث السن، مقتبل العمر، وهمته في تشبيب وزيادة، وابتداء من طلب الغاية.
يُدَبَّرُ المُلْكَ مِنْ مِصْرٍ إلى عَدَنٍ ... إِلى العِرَاقِ فَاَرْضِ الرُّومِ فالنُّوَبِ
إِذا أضتَتْها الرَّياحُ النُّكْبُ مِنْ بَلَدٍ ... فَما تَهُبُّ بها إِلاَّ بِتَرْتِيْبِ
ولا تُجاوِزُها شَمْسٌ إذا شَرَقَتْ ... إِلاَّ ومِنْهُ لَهَا أُذُنٌ بتَغْرِيْبِ
مصر: بلد معروف من بلاد المغرب، وعدن: قاعدة بلاد اليمن، وهي في الجنوب، والعراق: بلاد معروفة في المشرق، وأرض الروم: معروفة في المغرب، والنوب: ضرب من السودان، أخبر عنهم وهو يريد بلادهم على سبيل التجوز، والعرب تفعل ذلك، والنكب: جمع نكباء، وهي ريح بين ريحين، وترتيب الشيء تصريفه على رتب معروفة، وشرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت.
فيقول: إن كافورا ملك جليل المنزلة، بعيد أقطار المملكة، يملك من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، ومن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ويدبر ذلك
(1/79)

تدبير من يعمه بهيبته، ويضبطه بحسن سياسته، وليس بعد أقطار ملكه، يمنعه من أن يشتمل جميعها بحزمه.
ثم قال: فإذا هبت الرياح النكب في هذه البلاد، مع اضطراب هبوبها، وشدة اختلاف سيرها، سبق إلى النفوس أن ضبطه يحصرها، وما يحيط به من الاستقامة يسددها، فتحله من الضبط والحزامة ما لا يمكن. يشير بذلك إلى إنه قد بلغ فيهما غاية ما يمكن، ومثل هذا التجوز متعاهد في لسان العرب؛ فهم إذا أرادوا أن يدلوا على المرأة قد بلغت غاية الحسن، سموها بالشمس، وإذا أرادوا أن الرجل قد بلغ غاية الجود، سموه بالبحر، فيجعلون الكذب شاهدا على الصدق، والمحال إشارة إلى الحق.
ثم قال على نحو ما قدمه: ويسبق إلى النفوس أن كافورا مع ما هو عليه من قوة الملك، وشدة الحزم، لا يخرج في أعماله شيء عن حكمه، ولا يتصرف إلا على حسب أمره، وأن الشمس إذا سامتت تلك الأعمال أدركها ذلك الحكم، وأحاط بها ذلك الحزم، فتجري في الشروق والغروب على ذلك. وهذا وإن كان محالا في نفسه، كذبا في حقيقته، فإنما يتجوز بعلم أهل اللسان المراد فيه، وأن المفهوم منه: أن الممدوح كافورا يبلغ في الضبط أبعد غايته، ويستوفي فيه أقصى نهايته، هذا مفهوم ما قصده، وحقيقة مراده فيما نظمه.
يُصَرَّفُ الأَمْرَ فيها طِيْنُ خاتَمِهِ ... وَلَوْ تَطَلَّسَ مِنهُ كُلُّ مَكْتُوبِ
يَحُطُّ كُلَّ طويلِ الرُّمحِ حامِلُهُ ... عَنْ سَرْجِ كُلَّ طويل البَاعِ يَعْبُوبِ
كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسَامِعِهِ ... قَمِيْصُ يُوسُفَ في أَجْفَانِ يَعْقُوبِ
التطليس: إفساد الخط، ويحط: ينزل، واليعبوب: الفرس الطويل السريع، وأجفان العيون: ما يحيط بالمقل.
فيقول: إن كافورا يصرف الأمر في البلد التي تقدم ذكره لها، تصريف مالك لا
(1/80)

يخالف، وقادر لا يعارض، تنفذ فيها كتبه ولو طلس طين خواتمها، ولا تتعرض وإن تغير نقش طوابعها؛ لأن هيبته تمنع من مراجعته، وجلالته تحول دون مخالفته.
ثم أكد ذلك فقال: يحط حامل تلك الطينة، والمسند إلى تلك القوة، كماة الفرسان عن خيولهم، ويستنزلهم من سروجهم، حتى ينتصف منهم، ويدرك ما يطلبه عندهم، وإن كانوا في غاية الجرأة، وعلى أتم أحوال الرفعة. ودل بطول رماح المذكورين على شجاعتهم، وبفراهة خيلهم على رئاستهم.
ثم قال، مشيرا إلى موضعه من الفضل، وحرصه على العطاء والبذل: كأن السؤال في مسامعه؛ لسروره به، وما يعتقده من الارتياح له، قميص يوسف، الذي أعاد إلى يعقوب بصره، حرصه عليه، وأذهب عنه العمى استبشاره بالنظر عليه.
إذا غَزَتْهُ أَعَادِيْهِ بِمَسأَلَةٍ ... فَقَدْ غَرَتْهُ بِجَيْشٍ غَيْرِ مَغْلُوبِ
أَو حَارَبَتْهُ فَما تَنْجُو بِتَقْدِمَةٍ ... مِمَّا أَرَادَ ولا تَنْجو بِتَجْبِيْبِ
أَضْرَتْ شَجَاعَتُهُ أَقْصَى كَتَائِبِهِ ... على الحِمَامِ فَمَا مَوْتٌ بِمَرْهُوبِ
التقدمة: تفعلة من التقدم، والتجبيب: الهروب، يقال: جبب الرجل: إذا هرب، وأضرت: بمعنى عودت، والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجماعات من الخيل، والحمام: الموت.
فيقول: إذا غزت كافورا أعاديه بجيش؛ من خضوعهم وضراعتهم، ورغبتهم ومسألتهم، فقد غزوه بجيش لا يغلبه، وعارضوه بأمر لا يدفعه، يريد: إنه من الفضل في حال يجيب معها من سأله، ولا يضيع من رجاه وأمله.
ثم قال: وإن عدلوا إلى محاربته، وأقدموا على مخالفته، فما يغني عنهم التقدم، لعجزهم عن القيام به، ولا يعصمهم الهرب، لتقصيرهم عن الفوت له، بل هم في كلا الحالين في قبضة ملكه، وعلى الوجهين مسلمون لأمره.
(1/81)

ثم قال: إن من سكن أقصى ثغوره، وبعد عنه من كتائبه وجيوشه، يتصرفون بأوامره، ويشجعون بشجاعته، ويحتملون على مذاهبه، ويخذون بحظ من صرامته، فما يخاف الموت فيهم ولا يرهب، ولا يهاب ولا يتوقع، وإذا كانت هذه حال من بعد عنه، فكيف الظن بمن شهده وقرب منه.
قَالُوا هَجَرْتَ إليه الغَيْثَ! قُلْتُ لَهَمْ: ... إلى غُيُوثِ يَدَيْهِ والشآبِيْبِ
إِلى الَّذي تَهَبُ الدَّوْلاَتِ رَاحُتُهُ ... ولا يَمُنُّ على آثار مَوْهُوبِ
الشآبيب: الدفع الغزيرة من المطر، واحدها شؤبوب، والدولات: مدد السلطان في الملك، الواحدة: دولة.
فيقول: إن بعض من عذله على اعتماده لكافور في مصر بقصده، ونسبه في ذلك إلى قلة الاختيار لنفسه، فقال له: أتهجر الشام وتدعها، وتتناسى كثرة الغيوث بها، وما تظهره من ترويض أرضها، وتجدده من بهجة حسنها، وتقصد مصر الذي تعرض السحاب عن سقيها، ولا تمطر شيئا من أرضها، فقال: إنه هجاها إلى غيوث يدي كافور، الذي عمت الأرض بمواهبه، وروتها بشآبيب مكارمه، وأنست السحاب بكثرتها، وزادت عليها بوفور جملتها، فهجرت تلك البلاد، وسيف الدولة مالكها، إلى كافور ملك الملوك، وسيد السادات، الذي يرفع من أحوال قصاده، وأقدار خدامه، حتى يجعلهم ذوي دولات تؤمل، وممالك تهاب وتتوقع، ولا يمن مع ذلك بعظيم ما تفعله، ولا يستكثر جليل ما يبذله. فدل على تقصير سيف الدولة عن كافور أبين دلالة، وأشار إلى ذلك أوضح إشارة، وهذه العبارة التي عبرنا بها عنه، وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من أغراض شعره.
ولا يَرُوعُ بِمَغْدُورٍ بِهِ أَحَداً ... ولا يُفَزَّعُ مَوْفُوراً بِمَكُوبِ
بَلى يَرُوعُ بِذِي جَيْشٍ يُجَدَّلُهُ ... ذا مِثْلِهِ في أَحَمَّ النَّقْعِ غِرْبِيْبِ
الترويع: التفزيع، والموفور: الكثير المال، والمنكوب: المعرض لسقوط الحال،
(1/82)

والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الشديد السواد.
فيقول: إن كافورا وفي لا يخترم، وكريم لا يغدر، يصل إلى ما يطلبه وصول مستقدر، وينفذ مستظهر، ولا يغدر بأحد ليروع الناس بغدره، ولا يغلب ذا مال فينكبه، ليفزع ذوي الوفر بظلمه. وبرأ كافورا من هذه الأحوال معرضا بسيف الدولة فيما كان يواقعه منها.
ثم قال: بلى إن كافورا يروع برئيس جيش يقتله، وزعيم قوم يجدله، يقصده في الحرب ويصرعه في أحم غربيب من النقع، فيجدله هناك غير مساتر، ويعتمده غير مخادع، ويخوف ذا جيش مثل جيشه، ورئيس جمع مثل جمعه، فيغنيه اقتداره عن الغدر، ويدفع عنه كرمه قبيح الذكر.
وَجَدْتُ أَنْفَعَ ماٍ كُنْتُ أَذْخِرُهُ ... ما في السَّوابِقِ مِنْ جَرْيٍ وتَقْريبِ
لَمَّا رَأَيْنَ صُروفَ الدَّهْرِ تَغْدُرُ بي ... وَفَيْنَ لي وَوَفَتْ صُمُّ الأَنابِيبِ
فُتْنَ المَهَالِكَ حَتَّى قَالَ قَائِلُها: ... ماذا لَقِيْنَا مِنَ الجُرْدِ السَّراحِيْبِ
ذخرت الشيء: إذا صنته مساعدا به، والسوابق: الخيل السريعة، والجري: معروف، والتقريب: ضرب من العدو لا يبلغ الجري، والأنابيب: ما بين كعوب القنا، واحدتها: أنبوب، والصم: الصلاب، والجرد من الخيل: القصار شعر الجلود، والسراحيب: الطوال العناق، الواحد: سرحوب.
فيقول: وجدت أنفع مال ادخرته، وأقرب معين استغنيته، ما أيدتني الخيل به، عند قصدي لكافور، من تقريبها وجريها، وشدة نهوضها في سيرها، وأشار إلى ما لحقه من طلب خيل سيف الدولة، وحرصها على الظفر به.
ثم قال: لما رأت سوابق خيلي أن الدهر قد غدرت بي صروفه، واعتمدتني خطوبه، وفت لي بما أمدتني من قوة جريها، وشدة عدوها، ووفت لي عند ذلك صم أنابيب الرماح التي امتنعت بموضعها، وتهيبت لمعرفتي بالتصريف لها.
(1/83)

ثم قال: فاتت بي تلك السوابق المهالك التي طلبتني مجتهدة، وصممت نحوي معتزمة، حتى قالت وقد فتها ونادت وقد أعجزتها: ماذا لقينا من الجرد السراحيب، التي حمت من كنا نطلبه، ومنعت مما كنا نرجوه ونرتقبه؟!
تَهْوي بِمُنْجَردٍ لَيْسَتْ مَذَاهِبهِ ... لِلُبْسِ ثَوْبٍ ومَأْكُولٍ ومَشْرُةبِ
يَرْمي النُّجومَ بِعَيْنَيْ مَنْ يُحاوِلُها ... كأَنَّها سَلَبٌ في عَيْنِ مسْلُوبِ
تهوي: تنصب في العدو، والمنجرد: المجد في الذهاب.
فيقول: والسوابق التي ذكر أنها تهوي منه، بمجد معتزم، ومستبصر مجتهد، ليس مذهبه في أن يستجد الملابس، ويتخير المطاعم والمشارب، وإنما مذهبه في ابتناء المكارم، واحتياز المفاخر، والوصول إلى أجل المراتب.
ثم قال على نحو ما قدمه: يرمي النجوم بعيني من يحاول مواضعها، ويروم تناولها، حنى كأنه لاستبصاره في ذلك ينظر منها إلى سلب سلبه، ومنع منه، وملك كان بيده فدفع عنه.
حَتَّى وَصَلْتُ إلى نَفْسٍ مُحَجَّبَةٍ ... تَلْقَى النُّفوسَ بِفَضْلٍ غَيرِ مَحْجُوبِ
في جِسْم أَرْوَعَ صَافِي العَقْلِ تُضْحِكُهُ ... خَلائِقُ النَّاسِ إِضْحَاكَ الأَعَاجِيْبِ
فالحَمْدُ قَبْلُ لَهُ، والحَمْدُ بَعْدُ لها ... ولِلْقَنَا ولإدْلاَجِي وتَأْويْبي
الإدلاج: سير الليل، والتأويب: سير النهار، والأروع: ذو الجسم والهيئة.
فيقول: حتى وصلت إلى كافور، فشهدت منه نفسا محجبة؛ بعلو المرتبة، مستترة بعظم المملكة، وفضلها ظاهر لا يحجب، وجودها قريب لا يمتنع.
ثم قال: وتلك النفس الكريمة العنصر، الرفيعة الموضع، في جسم ملك أروع، صافي الإدراك والعقل، محسن في القول والفعل، تضحكه خلائق الناس؛ بتقصيرها عن التمام، وعدولها إلى النقصان، إضحاك الأعاجيب التي ينكرها مشاهدها، والغرائب التي يستبعدها معايبها.
(1/84)

ثم قال: فالحمد قبل كل، لكافور بما أولاني من تفضله، وكريم تقبله، والحمد بعد ذلك لسوابق الخيل التي أدنتني إليه، ووفدت بي عليه، وللرماح التي أدللت بها، ووثنت بامتناعي بحسن التصريف لها، وبجلدي على الإدلاج والتأويب، وشدة الإسراع في المسير.
وَكَيْف أَكْفُرُ يا كَافُورُ نِعْمَتَها ... وَقَدْ بَلَغْنَكَ بي يا كُلَّ مَطْلُوبي
يأَيُّها المَلِكُ الغَانِي بِتَسْمِيَةٍ ... في الشَّرْقِ والغَرْبِ عن وَصْفٍ وتَلْقِيبِ
أَنْتَ الحَبِيْبُ وَلكِنَّي أَعُوذُ بِهِ ... مِنْ أَنْ أَكُونَ مُحِبَّاً غَيْرَ مَحْبُوبِ
الغاني: الظاهر الغنى، وهو فاعل من غني: يغنى، واللقب: يقرن باسم الرجل مما تؤكد به معرفته.
فيقول: وكيف أكفر يا كافور نعمة السوابق التي أدنتني إليك، وأنجتني من القوم الذين حاولوا تعويقي عنك، وبلغن بي إليك، وأنت الأمل الذي أوضعت نحوه، والملك الذي أصلت فضله، والذي هو كل مطلوب يقصد، وكل رجاء يعتمد. وجانس بين أكفر وكافور، والتجنيس من بديع الكلام.
ثم قال، وهو يخاطب كافورا: يا أيها الملك الجليل قدره، والرئيس المعظم أمره، الذي يحوز له اسمه من كرم الذكر، ويحدد له من الاعتلاء والفخر، ما يغنيه عن الشرف بتلقيب الخلفاء، والاحتمال في ذلك على أحوال سائر الرؤساء.
ثم قال له: أنت الحبيب الذي أصفيته غاية مودتي، وآثرته بأملي وخالصتي، وبه أعوذ وبكرمه، وبما حملني من جليل نعمه، من أن أكون محبا لا يقارض بحبه، ومخلصا لا يجازى بحقيقة وده.
(1/85)

وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة.
أَوَدُّ من الأيَّامِ ما لا تَوَدُّهُ ... وأَشْكُو إليها بَيْنَنَا وهيَ جُنْدُهُ
يُباعِدْنَ حِبًّا يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ ... فكيفَ بِحِبّ يَجْتَمِعْنَ وصَدُّهُ
البين: الفرقة، والصد: المجانبة.
فيقول: إنه يود من الأيام ما لا تود الأيام مثله، ويكالبها بما لا تعتقد فعله، ويشكو إليها من بين أحبته، وفراق أعزته، ما هي جنده الذي يوجبه، وسببه الذي يدنيه ويقربه.
ثم قال: إن الأيام بطبعها، وما هي عليه من معهود أمرها، تبعد من الأحباب من تجامعه، وهو على أتم الوصل، وأكرم المذاهب في القول والفعل، فكيف بها في حبيب تجامعه، وهو على بصيرة في الصد، ونية في ترك الإقامة على العهد؟!
أَبى خُلُقُ الدُّنيا حَبِيْباً تُدِيْمُهُ ... فما طَلَبي مِنْها حَبِيْباً تَرُدُّهُ
وأَسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراً ... تَكَلُّفُ شَيءٍ في طِباعِكَ ضِدُّهُ
الخلق: الطبيعة: والطباع: نحو ذلك، والضد: الخلاف في كل شيء.
فيقول: أبت بطبيعتها، وما هي عليه عند تأمل حقيقتها، أن تمتع بالأحبة، وتديم وصلهم، وتعتزم بالفرقة على قربهم، فكيف أطلب منها أن ترد من فقد، وتقرب من بعد؟!
ثم قال: وأسرع شيء فعلته إلى التغير، وأقرب ذلك إلى الاستحالة والتبدل، شيء تتكلفه وأنت مطبوع على ضده، وتظاهر به وأنت مجبول على غيره؛ يريد: أن الدنيا خلقت على تشتيت الفرقة، وقطع وصائل الألفة، وإن أظهرت غير ذلك، أسرعت في إحالته، وعدلت بطبيعتها إلى إزالته.
رَعَى اللَّهُ عِيْسَاً فَارَقَتْنَا وَفَوْقَها ... مَهاً كُلُّها يُوْلَى بِجَفْنَيْهِ خَدُّهُ
بِوَادٍ بِهِ ما بالقُلُوبِ كَأَنَّهُ ... وَقَدْ رَحَلوا جِيْدٌ تَنَاثَرَ عِقْدُهُ
إِذا سارتِ الأَحْداجُ فَوْقَ نَبَاتِهِ ... تَفاوَحَ مِسْكُ الغَانِيات وَرَنْدُهُ
(1/86)

العيس: البيض من الجمال، الواحد أعيس، والمها: بقر الوحش، والولي: المطر الذي يتلو أول أمطار السنة، وذلك المطر يسمى الوسمي، ويولي: يتابع فيه الولي، فاستعار الأسم له معه، وأشار به إلى تتابعه، والجيد: العنق، والعقد: معروف، والأحداج: ضرب من الهوادج، إلا أنها لا تقبب، واحدها: حدج، والتفاوح: التساجل في الفوح، والغانيات: الشواب من النساء، الواحدة غانية، والرند: شجر طيب الريح، ويقال إنه الآس.
فيقول: تولى الله بأكرم ولايته عيسا فارقتنا بمن نحبه، ورحلت عنا بمن نوده، وفوق تلك العيس من أحبتها مها تفوت المها بحسنها، وتزيد عليها بفتور لحظها، وكلها للتأسف على مفارقتنا، والتألم لمباعدتنا، يولي خده بدمعه، ويبعثه على مواصلة البكاء، تمكن وجده.
ثم قال، مشيرا إلى الموضع الذي رحل عنه أحبته: بواد ناله ألم تلك الفرقة، واستيحاش تلك الرحلة، كالذي نال قلوبنا، وأوجع نفوسنا، فكأنه وقد رحل عنه، واستقلت ظغائنهم منه، جيد تناثرت جواهر عقده، وتقطعت جوامع حليه، فتعوض بالعطل من ذلك الحلي، وبالوحشة من ذلك الحسن. ثم قال: إذا سارت الأحداج بين أشجار غياضه، وارتحلت بين زهرات رياضه، تفاوح مسك الغانيات وريح الرند وأشباهه من ذلك النبات.
وحَالٍ كإحْدَاهُنَّ رُمْتُ بُلُوغَهَا ... ومِنْ دُونِها غَوْلُ الطَّريق وبُعْدُهُ
وأَتْعَبُ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ زَادَ هَمُّهُ ... وقَصَّرَ عَمَّا تشْتَهي النَّفْسُ وُجْدُهُ
الغول والاغتيال: إذهاب الشيء في غير مهملة، والهم والهمة: بمعنى واحد، والوجد: السعة في المال.
فيقول: ورب حال تشبه من وصفه من أحبته في بعد تناولها، وتعذرها على محاولها، أعمل في بلوغها نفسه، واستنفذ في إدراكها جهده، ومن دون ما طلب
(1/87)

منها غول الطريق، وكثرة مخاوفه، وبعده وشدة مكارهه.
ثم قال مقيما لعذره فيما تمونه في السفر، وتكلفه من شدة الغرر: وأتعب خلق الله كلهم، من زادت همته ومعرفته، وقصرت جدته ومقدرته، فهو لا يزال يشتهي ما لا يبلغه، ويمتحن بما يأباه ويكرهه.
فلا يَنْحَلِلْ في المَجْدِ مالُكَ كُلُّهُ ... فَيَنْحَلَّ مَجْدٌ كانَ بالمالِ عَقْدُهُ
ودَبَّرْهُ تَدْبِيْرَ الذي المَجْدُ كَفُّهُ ... إِذا حَارَبَ الأَعْدَاَء والمالُ زَنْدُهُ
فلا مَجْدَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَالُهُ ... ولا مَالَ في الدُّنْيَا لِمَنْ قَلَّ مَجْدُهُ
المجد: كرم الفعل، والزند: إحدى قصبتي الذراع، والزندان: القصبتان، وباجتماعهما يكون الساعد، ورأساهما يتصلان بكف الإنسان.
فيقول على نحو ما قدمه من تفصيل المال، وبسط العذر في طلبه، وما يجب من تشييد المجد به: فلا ينحلل في المجد مالك بجملته، ولا تعدم نفسك ما تسند إليه من قوة، فينحل من مجدك ما عقده الغنى والسعة، ويذهب منه ما أوجبه الإكثار والجدة.
ثم قال: ودبر الأمرين في الجمع بهما، والحراسة لحالهما، تدبير من يجعلهما كالكف والزند في احتياج كل واحد منهما إلى صاحبه، وتأيده على التصرف بجانبه.
ثم قال على نحو ما قدمه: فلن تجد مجدا بائنا لمن أغفل ماله وأتلفه، ولن تجد مالا زاكيا لمن ضيع مجده وأهمله.
وفي النَّاسِ مَنْ يَرْضَى بِمَسْورِ عَيْشِهِ ... ومَرْكُوبُهُ رِجْلاَهُ والثَّوْبُ جِلْدُهُ
وَلكِنَّ قَلْباً بَيْنَ جَنْبَيَّ ما لَهُ ... مَدَّى يَنْتَهي بي في مُرَادٍ أَحْدُّهُ
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفَاً تَرُبُّهُ ... فَيَخْتَارُ أَنْ يُكْسَى دُرُوعاً تَهُدُّهُ
المدى: الغاية، والشفوف: ثياب رقاق، واحدها شف، وتربه: تنميه وتنعمه، وتهده:
(1/88)

تحطه وتهدمه.
فيقول: وفي الناس من لا تسمو به همته، ولا تنهض به منته، فيقنعه ما تيسر من عيشه، ويرضيه ما اتفق له من دهره، فيعرى ولا يألم، ويركب رجليه ولا يحزن.
ثم قال: ولكن قلبا بين جنبي بعيدا مرامه، جليلا مراده، ليس لما يبغيه مدى أقف عنده، ولا لما يحاوله طرف أحصر بالوصف حده.
ثم قال: يرى ذلك القلب جسمه في دعة من العيش، وصلاح من الأمر، تربه الشفوف الناعمة، وتتصل له الأحوال الوادعة، فيختار دروعا تهده حملها، ومخاوف لا يأمن عليه مثلها.
يُكَلَفُني التَّهْجِيرَ في كُلَّ مَهْمَهٍ ... عَلِيْقِي مَرَاعِيْهِ وزاديَ رُبْدُهُ
وأَمْضَى سِلاحٍ قَلَّدَ المرءُ نَفْسَهُ ... رَجاءُ أَبي المِسْكِ الكَريمِ وقَصدُهُ
هُما ناصِرا مَنْ خانَهُ كُلُّ ناصِرٍ ... وأُسْرَةُ مَنْ لَمْ يُكْثِرِ النَّسْلَ جَدُّهُ
التهجير: المسير في الهاجرة، والمهمة: القفر، والعليق: قضيم الدابة، والربد: النعام، وأسرة الرجل: رهطه وأقاربه.
فيقول مشيرا إلى ما قدمه من ذكر قلبه: يكلفني ذلك القلب يبعد مطالبه، وارتفاع [همته]، وجودة مقاصده، الأسفار البعيدة، والمئون الشديدة، والتهجير في كل مهمه، لا يجد فيه علفا مراعيه، ولا زادا غير ما أصيده من النعام الربد فيه.
ثم قال: وأمضى ما تقلده المرء من السلاح والشكة، وما يستعين به من النفاذ والقوة، رجاء أبي المسك والقصد إليه، وتأميله والتعويل عليه.
ثم قال، يريد الرجاء والقصد اللذين قدم ذكرهما: [هما] ناصرا كل من بعدت عليه النصرة، ومكثرا كل من تعذرت عليه الكثرة، وأسرة من قل نسل جده، وعدم عشيرة تؤيده على أمره.
أَنا اليَوْمَ مِنْ غِلْمانِهِ في عَشِيرَةٍ ... لَنَا والدٌ مِنْهُ يُفَدَّيهِ وُلْدُهُ
(1/89)

فَمِنْ مالِهِ مالُ الكَبِيْرِ ونَفْسُهُ ... وَمِنْ مَالِهِ دَرُّ الصَّغِيْرِ ومَهْدُهُ
العشيرة: القبيلة، وولده: جمع ولد، يقال: ولد وولد، كما يقال أسد وأسد، والدر: اللبن.
فيقول: أنا اليوم من غلمان كافور وحشمه، والمنتسبين إلى نعمه، في عشيرة حافلة، وجماعة وافرة، لنا منه والد بما شملنا من خيره ورأفته، وله منا بنون نفديه، ونستهلك في طاعته.
ثم قال: فمن ماله مال كبيرنا ونفسه، ومنه در صغيرنا ومهده، يعمنا بتعهده وإحسانه، ويغذونا بتطوله وإنعامه، فالكبير لا يعد نفسه وماله إلا من عنده، والصغير لا ينشأ ولا يتقلب إلا في فضله.
نَجُرُّ القَنَا الخَطَّيَّ حَوْلَ قِبابِهِ ... وتَرْدِي بنا قُبُّ الرَّباطِ وَجُرْدُهُ
ونَمْتَحِنُ النُّشَّابَ في كُلَّ وابِلٍ ... دَوِيُّ القِسِيَّ الفَارِسِيَّةِ رَعْدُهُ
القنا: الرماح، والخطية منها المجتلبة من الخط، وهو موضع، والرديان: ضرب سريع من العدو، والرباط: الخيل المرتبطة لجهاد العدو. والقب: الضامرة، والجرد: التي قصر شعر جلودها، وذلك من دلائل كرمها، وقد تقدم ذكر ذلك، والوابل: المطر الغزير.
فيقول: نجر القنا الخطي حول قباب كافور مرتقبين لأمره، ونتكاثر في أفنيته متظاهرين على نصره، تردي بنا عتاق الخيل وجردها، وتحملها كرائمها وقبها.
ثم قال: ونمتحن النشاب في أظهر شكة، ونرمي به في أحفل عدة، فكأنه لكثرته، وما يتفق من وفور جملته، وابل؛ دوي قسيه رعده، وعارض؛ قطر سحابه نبله.
فَأِنْ لا تَكُنْ مِصْرُ الشَّرَى أَو عَرِيْنَهُ ... فإِنَّ الذي فيها من النَّاسِ أُسْدُهُ
سَبَائِكُ كافورٍ وعِقْيانُهُ الذي ... بِصُمَّ القَنا لا بالأَصَابع نَقْدُهُ
بَلاَهَا حَوَالَيْهِ العَدُوُّ وغَيْرُهُ ... وجَرَّبَها هَزْلُ الطَّرادِ وجِدُّهُ
(1/90)

الشرى: موضع كثير الأسد، والعرين: مأوى الأسد، والسبائك: قطع تخلص بالإذابة من الذهب والفضة، والعقيان: ذهب يوجد بنفسه دون أن يخلص من تراب المعادن، والقنا: الرماح، وصمها: صلابها، والنقد: تمييز الدراهم والدنانير، وبلاها: بمعنى خبرها، والطراد تجاول الفرسان.
فيقول: فإن لم تكن مصر الشرى، الموضع المعروف بالأسد، وعرينه الذي يأوي أسده إليه، فإن الذين من جند كافور أسد الشرى في بأسهم وشدتهم، ونظيرها في إقدامهم وجرأتهم.
ثم قال: وهم مال كافور الذي ادخره، ووفره من الذهب والعقيان الذي جمعه، ينتقدهم بصم القنا في طرادهم، ويختبرهم بالتصريف لهم في قتالهم، لا بالأصابع التي بها تنتقد الأموال، وتميز الفضة والعقيان.
ثم قال: جربت تلك الأسد حواليه الأعداء في حربه، والأولياء في موادعته وسلمه، وأبان عنها هزل الطراد وجده، وجهد الاختيار وعفوه، فغلبوا من غالبهم، وظهروا على من خالفهم، وخلصت لكافور طاعتهم، وشهرت في أعدائه نكايتهم.
أَبو المِسْكِ لا يَفْنَى بِذَنْبِكَ عَفْوُهُ ... ولكِنَّهُ يَفْنَى بِعُذْرِكَ حِقْدُهُ
فيأَيُّها المَنْصُورُ بالجَدَّ سَعْيُهُ ... ويأَيُّها المَنْصُورُ بالسَّعْيِ جَدُّهُ
تَوَلَّى الصبَّا عَنَّي فَأَخْلَفْتَ طِيْبَهُ ... وما ضَرَّنِي لَمَّا رأَيْتُكَ فَقْدُهُ
لَقَدْ شَبَّ في هذا الزَّمانِ كُهُولُهُ ... لَدَيْكَ وشابَتْ عِنْدَ غَيْركَ مُرْدُهُ
الحقد: إضمار العداوة، والجد: البخت، والكهل من الرجال: الذي خالطه الشيب.
فيقول مخبرا عن كافور: أبو المسك لا يفني ذنوبك بكثرتها عفوه، ولا يضيق بتتابعها فضله، ولكن حلمه يفني حقده عليك بأيسر عذر، ويتغمد إساءتك بأهون سعي.
ثم قال مخاطبا له: فيا أيها الملك الذي قرن الله سعيه بإقبال جده فأنجحه، وقرن
(1/91)

جده بمشكور سعيه فمكنه، فلم يخل حزمه من جد يصحبه، ولم يخل جده من حزم يمضيه ويؤيده.
ثم قال مخاطبا له: تولى الصبا عني، بكثرة السن، وفناء أكثر العمر، فعوضتني منه بالمسرات التي تابعتها لي، وجددت عندي ما سلف من طيبه بالكرامات التي وصلتها لي، وما ضرني فقد الشباب لما صرت في جنبتك، ولا عدمت طيبه مع ما تتابع علي من نعمتك.
ثم قال مخاطبا له: لقد شب لديك كهول الرجال بما احيينه من همههم، وأسبغته من نعمهم، وبما يسره الله على يديك من السعادة لهم، وشاب المرد عند غيرك من الملوك، بعجزهم عن ضبط أعمالهم، واضطراب أحوال رعاياهم وأحوالهم.
أَلا لَيْتَ يَوْمَ السَّيْرِ يُخْبِرُ حَرُّهُ ... فَتَسْأَلَهُ واللَّيْلَ يُخْبِرُ بَرْدُهُ
ولَيْتَكَ تَرْعَانِي وحَيْرانُ مُعْرضٌ ... فَتَعْلَمَ أَنَّي مِنْ حُسَامِكَ حَدُّهُ
وأَنَّي إذا بَاشَرتُ أَمْراً أُرِيْدُهُ ... تَدَانَتْ أَقاصِيهِ وَهَانَ أَشُدُّهُ
المراعي للشيء: الناظر إليه، وحيران معرض: ماء على طريق سلمية، هو منها على أقل من يوم، واعترض دونه أبو الطيب، فغال المعترضين له، واستظهر عليهم، والمعرض: الظاهر، والحسام: السيف القاطع، وحده: معروف.
فيقول لكافور مخبرا عن شدة سيره، وما تجشمه من المخاوف في قصده: ألا ليت نهار سيري نحوك يخبرك بما قاسيت من حره، وليت ليله يعرفك بما لاقيت من برده، فتتبين قدر بداري نحوك، وما تمونته عند قصدي أرضك.
ثم قال: وليت تشهدني وحيران؛ هذا الماء، مغب ظاهر، ومعرض بين، والأعداء يدفعونني عنه، ويمنعونني مجتهدين منه، فتشهد حينئذ بلائي في مقاتلتهم، ونفاذي في منازلتهم، وتعلم أن مثلي إذا صار في جندك والممتثلين لأمرك، كان من سيفك في موضع حده، ونائب في قوة فعاله.
(1/92)

ثم قال: وكنت تعلم أني من الصرامة والجزالة، على حال من إذا باشر أمرا يريده، وحاول بعيدا يرومه، تدانى له منه ما بعد؛ لشدة بطشه، وسهل له منه ما صعب؛ لشجاعة نفسه.
وما زالَ أَهْلُ الدَّهْرِ يَشْتَبِهونَ لي ... إِليكَ فَلمَّا لُحْتَ لي لاَحَ فَرْدُهُ
يُقالُ إِذا أَبْصَرْتُ جَيْشاً وَرَبَّهُ ... أَمَامَكَ ربُّ؛ ربُّ ذا الجَيْش عَبْدُهُ
وَاألْقَى الفَمَ الضَّحَّاكَ أَعْلَمُ أَنَّهُ ... قَرِيْبٌ بِذِي الكَفّ المُفَدَّاة عَهْدُهُ
رب الجيش: الذي يملكه ويدبره.
فيقول مخاطبا لكافور: وما زال أهل الدهر الذين شهدتهم، وملوكه الذين قصدتهم، تتقارب عندي أمورهم، وتتماثل في نفسي أحوالهم، حتى بدوت لي، فعلمت أنك واحد الدهر، والمخصوص بين أهله بأعظم الفضل.
ثم قال: إنه كلما لقي في قصده نحو كافور جيشا كثير أهله، وأميرا رفيعا قدره، قيل له: أمامك من كافور مقصودك أمير، أمير هذا الجيش واحد من حشمه، وتابع من عبيده وخولة.
ثم قال: وألقى الفم الضحاك الذي أضحكه الجذل، وغلب صاحبه الفرح، فأعلم أن ذلك الفم قريب عهده بيد كافور، المفداة لكثرة ما يبذله، المعظمة لجلالة ما يفعله.
فَزَارَكَ مِنّي مَنْ إِلَيْكَ اشْتِياقُهُ ... وفي النَّاسِ إِلاَّ فِيكَ وحدكَ زُهْدُهُ
يُخَلَّفُ مَنْ لم يَأْتِ دَارَكَ غايةً ... ويَأْتي فيُدْرَى أَنَّ ذلكَ جَهْدُهُ
فإِنْ نِلْتُ ما أَمَّلْتُ مِنْكَ فَرُبَّما ... شَرِبْتُ بِماءٍ يُعْجِزُ الطَّيْرَ وِرْدُهُ
الزهد في الشيء: قلة الرغبة فيه، والورد: حلول المشرب.
فيقول لكافور: فزارك مني من لا يشتاق إلا إليك، ولا يحرص إلا عليك، ومن هو زاهد في الناس إلا فيك وحدك، ومعرض عنهم عندما تخيره من قصدك.
ثم قال مخاطبا لكافور: يخلف المتأخر عن إتيان دارك، واعتماد أرضك، غاية
(1/93)

مؤملة، وأمنية منتظرة، ويأتيك فيعلم أنه قد تمكن في السعد، وبلغ في نفسه غاية الجهد.
ثم قال: وإن نلت منك ما أملت، وأدركت ما حاولت، فكثيرا ما شربت بالمياه التي يعجز الطير ورودها، ولا تدركها بغاية جهدها. يريد أنه إذ ظفر من كافور ببغيته، فليس بستغرب ذلك مع نفاذه وقوته.
وَوَعْدُكَ فِعْلٌ قَبْلَ وَعْدٍ لأَنَّهُ ... نَظِيرُ فَعَالِ الصَّادِقِ القَوْلِ وَعْدُهُ
فَكُنْ في اصْطِنَاعِي مُحْسِناً كَمُجَرَّبٍ ... يَبينْ لَكَ تَقْرِيبُ الجَوَادِ وَشَدُّهُ
إِذا كُنْتَ في شَكًّ مِن السَّيْفِ فابْلُهُ ... فَإِمَّا تُنَفَّيِه وإِمَّا تُعِدُّهُ
وما الصَّارِمُ الهِنْدِيَّ إِلاَّ كَغَيْرِهِ ... إِذا لَمْ يَفَارقْهُ النَّجادُ وغِمْدُهُ
التقريب: ضرب من الجري لا يستفرغ الجهد، وشد الفرس: استيفاء غاية الجري، وبلوت الشيء: إذا اختبرته، وتنفيته: إذا طرحته، والصارم: السيف القاطع، والنجاد: محملة.
فيقول لكافور: ووعدك أيها الرئيس يسابقه فعلك، ويتقدمه نجازك، وكذلك وعد من صدق قوله، وتيقن فضله، يقترن فعله به، ولا يتأخر إنجازه له.
ثم قال يخاطبه: فكن في اصطناعك لي، وما تصنعه من الجميل في، محسنا كمجرب، ومفضلا كمختبر، يتبين لك عفو شكري وجهده، وتقريب امتداحي وشده. وكنى بالجواد عن نفسه، وضرب بحاليه مثلا من جريه.
ثم قال: إذا كنت في شك من السيف وفعله، وصرامته في قطعه، فاختبره بتجربتك، واحمله على محنتك، فإما تنفيه وتطرحه؛ لنبو حده، وإما تعده وتعجب به، لما تشتهده من فعله.
ثم قال: وما السيف الهندي الصارم، والحسام النافذ القاطع، إلا كغيره من متأخر السيوف، إذا لم يفارق السيف غمده، ويشهد بصرامته فعله، لأن صور السيوف
(1/94)

متقاربة، وظواهرها متشابهة، وكذلك الرجال تكشف فضائلهم الخبرة، وتبين غناءهم التجربة.
وَإِنَّكَ لَلْمَشْكُورُ في كُلَّ حَالةٍ ... ولو لَمْ يَكُنْ إِلاَّ البَشَاشَةَ رِفْدُهُ
وكلُّ نَوَالٍ كانَ أَو هُو كائِنٌ ... فَلَحْظَةُ طَرْفٍ مِنْكَ عِنْديّ ندُّهُ
وإِني لَفي بَحْرٍ مِنَ الخَيْرِ أَصْلُهُ ... عَطَايَاكَ أَرجو مَدَّها وهي مَدُّهُ
البشاشة: الترحيب، والرفد: العون بالعطاء، ومد البحر: زيادته وتكاثره.
فيقول لكافور: وإنك للجدير بالشكر، والمستحق لأكرم الذكر، ولو لم يكن عطاؤك إلا برك، ونوالك إلا ترحيبك وبشرك.
ثم قال: وكل نوال سبق قبلك، أو ما يمكن أن يكون بعدك، فلحظة طرف منك تفي بذلك وتعدله، وتزيد عليه وتفضله؛ لأن مشاهدتك أمان من الفقر، والنظر إليك استظهار على الدهر.
ثم قال: وإني لفي بحر من مواهبك، وغمرة من فواضلك، وعطاياك مرجوة لمد ذلك البحر، ومتابعة ذلك الفضل، وهي عند أتم ما يبلغه الرجاء من مواصلة ذلك المد، وارتهان أوفر الشكر والحمد. وكنى بالبحر ومده عن متابعة كافور عليه بفضله.
وما رَغْبَتي في عَسْجَدٍ أَسْتَفِيْدُهُ ... ولكِنَّها في مَفْخَرٍ أَسْتجِدُّهُ
يَجُودُ بِهِ مَنْ يَفْضَحُ الجُودَ جُودُهُ ... ويَحْمَدُهُ مَنْ يَفْضَحُ الحَمْدَ حَمْدُهُ
فإِنَّكَ ما مَرَّ النُّحوسُ بِكَوْكَبٍ ... وقابَلْتَهُ إِلاَّ ووجْهُكَ سَعْدُهُ
العسجد: الذهب.
فيقول: وما رغبتي في وفر أدخره، ومال أكتسبه، ولكنها في كرامة أستجد فخرها، ورتبة من الشرف أخلد ذكرها.
ثم قال، وهو يشير إلى كافور: يجود لي بتلك الرتبة، ويخصني بتلك الرفعة، من
(1/95)

يفصح كل جود بعظم جوده، ويزيد على كل فضل بجلالة فضله، ويحمد ذلك مني من يفصح حمده حمد الحامدين، ويدني على من تقدم من الشاكرين.
ثم قال، وهو يخاطب كافورا: فإنك ما مرت النحوس بكوكب، ولا أحاطت به في موضع، وقابلته لوجهك، وأقبلت عليه بنفسك، إلا والإقبال ينهضه، والسعادة تكشفه؛ لأن النحوس قد رفعها الله بتمكن سعدك، وأنقذ منها ببركتك وإقبال جدك.
(1/96)

وشكى إليه إبراهيم بن عباس طول قيامه في مجلس كافور، فقال له ارتجالا:
يَقلُّ لَهُ القِيامُ على الرُّؤوسِ ... وبذْلُ المُكْرَمَاتِ مِنَ النُّفُوسِ
إِذا خَانَتْكَ في يَوْمٍ ضَحوكٍ ... فَكَيْفَ تَكُونُ في يَوْمٍ عَبُوسِ؟
النفوس المكرمات: المعتمدات بالكرامة، والواحدة مكرمة، يقال: أكرمت النفس، فهي مكرمة، واليوم العبوس: الذي يكثر فيه لشدة أهواله.
فيقول لمخاطبه [يقل] أن يقام له على الرؤوس إعظاما لقدره، وأن توضع مواضع الأقدام اعترافا لشكره، وأن يبذل في طاعته من النفوس ما أكرم، ويمتهن له منها ما شرف وعظم.
ثم قال للذي خاطبه: إذا خانتك نفسك في قضاء حقه، ومعارضة فضله، فلم تسعدك على القيام له في يوم سرور وغبطة، وضحك وبهجة، فكيف تظنها في يوم حرب عبوس، يستكره مثله، شديدا لا يؤمن بأسه؟!
(1/97)

ودخل إليه بعد انتقاله من البركة إلى الدار الثانية، فقال، وأنشدها إياه في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.
أَحَقُّ دَارٍ بأَنْ تُدْعَى مُبارَكَة ... دَارٌ مباركَةُ المَلْكِ الذي فِيها
وأَجْدَرُ الدُّورِ أَنْ تُسْقَى بِسَاكِنِها ... دَارٌ غدا النَّاسُ يَسْتَقُونَ أَهْليها
الملك: الملك، خففت الكسرة فيه من اللام، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا الموضع، فتقول في إبل إبل، وفي عضد عضد؛ لأنهم يستثقلون الكسر والضم فيصيرون فيها إلى التخفيف.
فيقول: أحق دار بأن يقضى لها بركة، ويقطع عليها بالسعادة، دار قد قصر الله البركة على الملك الساكن لها، وقضى بالسعادة على الرئيس المستقر بها.
ثم قال: وأجدر الدور بأن تسقيها السحاب بإقبال ساكنها، وتخضب ساحتها بيمن عامرها، دار غدا الناس يستسقون فضل من سكنها، ويعم جميعهم نعم من عمرها.
هذي مَنازِلُكَ الأُخْرَى يُهَنَّئُها ... فَمَنْ يَمُرُّ على الأُولى يُعَزَّيَها
إذا حَلَلْتَ مَكاناً بَعْدَ صاحِبِهِ ... جَعَلْتَ فيهِ على ما قَبْلَهُ تِيْها
يقول: هذه الأخرى من منازلك، يشير إلى الدار التي انتقل عنها، يهنئها بتشرفها بك، وبما اخترته من الرفعة في اشتمالها عليك، فمن يمر على الدار التي أخليتها من نفسك، وأوحشتها إلى أنسك، يسليها عما عدمته، ويصبرها على ما فارقته وحرمته.
ثم قال: إذا حللت في مكان بعد آخر، ترحل عنه، وتطير إلى ذلك المكان، تنتقل منه، أظهرت فيه على المنازل التي فارقتها، وزهوا على الأماكن التي رحلت عنها وتركتها.
لا تٌنْكِرِ الحِسَّ مِنْ دَارٍ تَكُونُ بها ... فإِنَّ رِيْحَكَ رَوْحٌ في مَغَانِيْهَا
أَتَمَّ سَعْدَكَ مَنْ لَقَّاكَ أَوَّلَهُ ... ولا اسْتَرَدَّ حَياةً مِنْكَ مُعْطيها
الحس: الإدراك والمعرفة، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى.
(1/98)

فيقول لكافور: لا تنكرن ما ذكرته من حس الديار لحلولك وارتحالك، وقطونك وانتقالك، فعبق ريحك في تلك المواضع، وطيب نسميك في تلك المنازل، روح في مغانيها يكسبها الحس، وحياة لها تفيدها العلم، فهي تزهى وتسر بقربك، وتكتئب وتستوحش لبعدك.
ثم قال داعيا له: أتم الله لك السعد كما لقاك أوله، وتابعه لديك ووصل لك أكمله، ولا استرد حياتك كما أعطاها، ممتعا بمدتك، وأطال بقاءك متفضلا ببركتك.
(1/99)

وقاد إليه فرسا، فقال يمدحه، أنشده يوم الأحد، لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة.
فِراقٌ وَمَنْ فارَقْتُ غَيْرُ مُذَمَّمِ ... وأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّمِ
وما مَنْزلُ اللَّذَّاتِ عِنْدي بِمَنْزِلٍ ... إذا لَمْ أَبَجَّلْ عِنْدَهُ وأكَرَّمِ
سَجِيَّةُ نَفْسٍ ما تَزالُ مُلِيْحَةً ... مِنَ الضَّيْمِ مَرْمِيًّا بها كُلُّ مَخْرَمِ
أممت الشيء ويممته: بمعنى قصدته، والتبخيل: التعظيم، والسجية: الخليقة، والمليح: المشفق الحذر، والضيم: الذل، والمخرم: منقطع أنف الجبل.
فيقول وهو يشير إلى مفارقته سيف الدولة، وقصده لكافور: فراق تكلفته، ومن فارقت من سيف الدولة محمود لا يذم، ومشكور لا ينكر فضله، وأم لكافور اخترته، وقصد إليه آثرته، ومن يممت أكرم ميمم، ومن أملت أفضل مرجو ومؤمل.
ثم قال: وما منزل اللذات والسعة، ومحل الرفاهية والدعة، عندي بمنزل يؤثر، ومحل يؤلف، إذا لم يتصل لي بذلك التبخيل والتكريم، والتوقير والتعظيم. يشير إلى أن سيف الدولة وإن كان خصه يسابغ فضله، فإنه لم يوفه حقيقة بره.
ثم قال: وتلك مني سجية نفس كريمة، أبية شريفة، لا تزال تأنف الضيم وتنكره، وترغب العز وتطلبه، متجشمة في ذلك البعيدة، مقتحمة على المخارم المنيعة.
رَحَلْتُ فَكَمْ بَاكٍ بِأَجْفَانِ شَادنٍ ... عليَّ وكمْ باكٍ بأَجفَانِ ضَيْغَمِ
وما رَبَّةُ القُرْطِ المَلِيْحِ مَكَانُهُ ... بِأَجْزَعَ مِنْ رَيَّ الحُسَامِ المُصَمَّمِ
فَلَوْ كَانَ ما بي مِنْ حَبِيْبٍ مُقَنَّعٍ ... عَذَرْتُ ولكِنْ مِنْ حَبِيبٍ مُعَمَّمِ
الشادن: ولد الظبية، والضيغم: الأسد، والحسام المصمم: القاضي فيما يضرب به، والقرط من الحلي: معروف.
فيقول: رحلت عن سيف الدولة، فكم فارقت من حبيب أشجيته، فبكى علي بأجفان شادن، يشير إلى من تخلفه بحلب من أهله، وكم خلفت من خليل أحزنته، فبكى
(1/100)

علي بأجفان أسد، يشير إلى سيف الدولة، وأنه أوجعه بفراقه، وأحزنه برحيله.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما ربة القرط من أهل الظاهرة الملح، البارعة الحسن، بأجزع علي مفارقتها لي من سيف الدولة؛ رب الحسام المصمم في قطعه، النافذ في كرامته وفعله.
ثم قال مشيرا إليه: فلو كان ما أشكوه من الأسف، وأظهره من الشوق والشغف، من حبيب مقنع، يحسن العشق بمثله، ولا يستنكر الشغف بشكله، عذرت نفسي في [ما] أظهره، وسقط اللوم عني فيما أذكره، ولكنه من حبيب معمم، خالص مودتي له كالشغف، وأسفي على مفارقتي له أشد الأسف. وأشار بما ذكره إلى سيف الدولة، وما هو عليه من الشكر له، وشدة الإعجاب به.
رَمَى واتَّقَى رَمْيِي ومِنْ ما اتَّقى ... هَوًى كاسِرٌ كَفَّي وقَوْسِي وأَسْهُمِي
إذا سَاَء فِعْلُ المَرْءِ سَاَءتْ ظُنُونُهُ ... وصَدَّقَ ما يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وعادَى مُحِبَّبيهِ بِقَوْلِ عُداتِهِ ... وأَصْبَحَ في لَيْلٍ مِنَ الشَّك مُظْلِمِ
يقول، وهو يشير إلى سيف الدولة: رماني بما أظهره من العقوق لي، واستجازه من التقصير بي، واتقى أن أرميه بالذم لفعله، وأجزيه على ذلك بمثله، ومن دون ما حذره واتقاه وتوقعه، هوى مني له صادق، وشكر متمكن خالص، يكسر القوس التي بها يكون الرمي، والكف التي يكون بها الفعل، والسهم الذي يطيش ويرسل، ويسير وينفذ. وكنى بالقوس والكف والسهم عن النية والقول والفعل.
ثم قال: إذا ساء فعل المرء فيما يقدمه، وسبق منه المكروه فيما يتقلده، ساءت ظنونه في مقارضته على فعله، ومجازاته على الظلم بمثله، وصدق في ذلك ما يعن له من الأوهام الخاطرة، والظنون السيئة العارضة. وهذا مثل سائر، والمثل من أرفع أبواب البديع.
[ثم قال]: من تقدم بقبيح الفعل، وأكسبه ذلك سوء الظن، عادى من يحبه بقول من
(1/101)

يبغضه، وتنكر لمن يوده بنمائم من يكرهه، وأصبح من الشك في ليل مظلم، ومن التوقع في أمر مؤلم.
أصادِقُ نَفْسَ المَرْءِ منْ قَبْلِ جِسْمِهِ ... وأَعْرِفُها في فِعْلِهِ والتَّكَلُّمِ
وأَحْلُمُ عَنْ خِلَّي وأَعْلَمُ أَنهُ ... مَتَى أَجْزِهِ حِلْماً على الجَهْلِ يَنْدَمِ
فَإِنْ بَذَلَ الإنسانُ لِي جُودَ عابِسٍ ... جَزَيْتُ بِجِودِ التّاركِ المُتَبَسَّمِ
يقول: أصادق نفس المرء بمشاكلتي له من قبل جسمه، وأصافيه بمناسبتي إياه من قبل أن يفاتحني بلفظه، وأعرف حال نفسه في فعله وتكلمه، وإشارته وتصرفه.
ثم قال: وهو يشير إلى إعراضه عن مقارضة تقصير سيف الدولة به: وأحلم عن خلي تمسكا بمحبته، وضنانة بما أحرزته من مودته، وأعلم أني إذا جازيته بالحلم على جهله، والصبر على ما قدمه من سوء فعله، أصاره ذلك إلى الندم والإنابة، والإنصاف والاستقامة.
ثم قال، وهو يشير إليه: وإن بذل الإنسان لي من نفسه جود عابس مستكره لجوده، مستثقل لما يسمح من بذله، جزيته بجود تارك عفيف عما وهبه، معرض زاهد فيما بذله، مستبشرا من ذلك بما افعله، متبسما غير مستثقل لما أؤثره.
وأَهْوَى مَنَ الفِتْيَانِ كُلَّ سُمَيْدَعٍ ... نَجِيْبٍ كَصَدْرِ السَّمْهَرِيَّ المُقَوَّمِ
خَطَتْ تَحْتَهُ العِيْسُ الفَلاَةَ وخَالَطَتْ ... بِهِ الخَيْلُ كُبَّاتِ الخَمِيسِ العَرَمْرمِ
ولا عِفَّةَ في سَيفِهِ وَسِنَانِهِ ... ولكِنّهَا في الكَفَّ والفَرْجِ والفَمِ
السميدع: السيد الكريم، والنجيب: الظاهر السيادة، والسمهري: الرمح الصلب، وصدره: أعلاه، وخطت: قطعت بخطوها، والعيس: البيض من الجمال، والبياض فيها من شواهد الكرم، والكبات: القطع العظيمة من الإبل، الواحدة كبة، والخميس: الجيش، والعرموم: الكبير، والعفة: اجتناب المحارم.
فيقول: وآلف من الفتيان كل كريم سيد، نجيب أوحد، جريء نافذ، شجاع صارم،
(1/102)

كصدر الرمح في قوته وإقدامه وشدته.
ثم أكد وصفه بالجلد، فقال: جرب الأسفار وعرفها، وباشر الفلوات وقطعها، ونفذ في الحزومة بقوته، وخالطت به الخيل كبات الجيوش بجرأته.
ثم وصفه بجرأة النفس، وشدة البطش، فقال: إنه لا عفة في سيفه ورمحه؛ لمبادرته إلى الحرب، وتسرعه إلى الطعن والضرب، ولكن العفة في كفه؛ بإمساكه عن مكروه المكاسب، وفي فرجه بتنزهه عن إتيان المحارم، وفي فمه بترفعه عن القول بالمآثم.
وما كُلُّ هاوٍ لِلْجميلِ بِفَاعلٍ ... ولا كُلُّ فَعَّالٍ لَهُ بِمُتَمَّمِ
فِدىً لأَبي المِسْكِ الكِرامُ فَإِنَّها ... سَوابِقُ خَيْلٍ يَهْتَدينَ بأَدْهَمِ
أَغَرَّ بِمَجْدٍ قَدْ شَخَصْنَ وَرَاَءهُ ... إِلى خُلُقٍ رَحْبٍ وخَلْقٍ مُطَهَّمِ
الرحب: الواسع، والمطهم: التام.
فيقول: وما كل من يهوى الجميل يفعله، ولا كل من يبتديه يتممه، فرب من يحب الشيء ولا ييسر لفعله، وبتديه ولا يتممه على وجهه.
ثم قال: فدى الله أبا المسك بجميع الكرام، وأولي الفضل والإنعام، فإنهم وإياه كخيل تتسابق في الجري، وتتبارى في العدو، وقد بذها وسَبقها، وبرز عليها وتقدمها، أدهم تهتدي بفعله، وتسعى جاهدة على أثره. وأشار بقوله أدهم إلى سواد كافور، وأنه لا يخل به مع فضله وكرمه، كما لا تخل الدهمة بالفرس العتيق مع سبقه وتقدمه.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: وذلك الأدهم أغر، قد وسمه مجده، ورفعه من المتسابقين في الكرم فضله، فشخصت أبصارهم منه إلى خلق رحب معظم، وخلق مستحسن مطهم. وكنى بالخيل وسابقها عن الكرام وفاضلها.
إِذا مَنَعَتْ مِنْكَ السَّيَاسَةُ نَفْسَها ... فَقِفْ وَقْفَةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمِ
(1/103)

يَضِيقُ عَلَى مَنْ راَءهُ العُذْرُ أَنْ يُرَى ... ضَعِيْفِ المَسَاعِي أَو قَلِيْلَ التَّكَرُّمِ
لمساعي: المطالب، وراءه: مقلوب من رآه، تقول العرب: رأى وراء.
فيقول: إذا منعت السياسة من محاولها نفسها، وصعب عليه أن يدرك علمها، فليقف قدام كافور وقفة، وليشهد أوامره ساعة، يتعلم من ذلك ما يكتفي بعلمه، وينكشف له منه ما يستغني بمثله.
ثم قال: يضيق العذر على من رآه وشهده، ووصل إليه وأبصره، في أن يضعف عن سعي يحاوله، أو يقصر في كرم يتناوله؛ لأن سعادته تقرب المطالب، ومشاهدته تعلم المكارم.
ومَنْ مِثْلُ كافُورٍ إذا الخَيْلُ أَحْجَمَتْ ... وكانَ قَليلاَ مَنْ يقولُ لها أَقْدُمي
شَدِيدُ ثَباتِ الطَّرْفِ والنَّقْعُ وَاصِلٌ ... إِلى لَهَواتِ الفَارسِ المُتَلَثَّمِ
الإحجام: التأخر، وهو مقلوب من الإحجام، والنقع: الغبار، واللهوات: أقصى الفم، الواحدة: لهاة، والتلثم: التقنع بالعمامة ونحوها.
فيقول: ومن مثل كافور في الرؤساء، والمذكورين من الأمراء، إذا أنفذت الحرب وأحجمت الفرسان عن تقحمها، واضطرمت فجبنت الكماة عن تورطها، وكان قليلا منهم من يقول للخيل أقدمي غير متهيبة، واقتحمي غير متثبطة. يشير إلى نفاذ كافور في الشدائد، واعتياده للتقدم في الملاحم.
ثم قال: إنه شديد ثبات الطرف في تلك المواقف، متمكن النظر في تلك المضائق، لا يعتريه دهش المخافة، ولا يضطرب بصره من المهابة، والرهج ثائر بتطاول الفرسان، والعجاج ساطع بتنازل الأقران، فليس تعتصم منه لهوات الفارس المتلثم لكثرته، ولا تمتنع عليه لتكاثف جملته.
أَبَا المِسْكِ أَرْجُو مِنْكَ نَصْراً على العِدَا ... وآملُ عِزًّا يَخْضِبُ البِيْضَ بالدَّمِ
وَيَوْماً يَغِيظُ الحاسِدِيْنَ وحَالَةً ... أُقيمُ الشَّقا فيها مَقَامَ التَّنَعُّمِ
(1/104)

ولَمْ أَرْجُ إِلاَّ أَهْلَ ذاكَ ومَنْ يُرِدْ ... مَواطِرَ مِنْ غَيْرِ السَّحائِبِ يَظْلِمِ
يقول لكافور: أبا المسك أرجو منك نصرا على من أعاديه، واستظهارا على ما أحاوله وأرتجيه، وأؤمل بك عزا أصل به إلى ما أطلبه، وأظفر ما أحاوله وأرغبه، وأخضب السيوف بدماء المخالفين لي، وأعملها في قتل المعترضين علي.
ثم قال: وأرجو أن أدرك بك يوما أظهر فيه وأغلب، وأتمكن وأقدر، وأغيظ الحاسدين لي على فضلك، والمنافسين في تقلبك وبرك، وأقيم الشقاء بما أتقلده في ذلك اليوم من الحرب، واحمل نفسي عليه من الكره مقام التنعم واللذة، وأجعله بدل الرفاهية والراحة.
ثم قال: ولم أرج منك إلا أهل ما آمله، والجدير بتحقيق ما أرغبه، ومن يرد المطر من غير السحاب فقد أخطأ رأيه، واستبان لجميع الناس عجزه، وكذلك من يصرف أمله إلى غيرك في استحداث نعمة، واستجلاب سلطان ورفعة، فقد ضل عن رشده، وعمي عن سبيل قصده.
فَلَو لَمْ تَكْنْ في مِصْرَ سِرْتُ نَحْوها ... بقَلْبِ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ المُتَيمِ
ولا نَبَحَتْ خَيْلي كِلابُ قَبَائِلٍ ... كَأَنَّ بِها في اللَّيْلِ حَمْلات دَيْلَمِ
ولا اتَّبَعَتْ آثارَنا عَيْنُ قَائِفٍ ... فَلَمْ تَرَ إِلاَّ حَافِراً فَوْقَ مَنْسِمِ
المشرق: الشديد الشوق، والمستفهام: الذي غلب الحب على عقله، والمتيم: الذي تعبده الحب، والديلم: طائفة معروفة من عجم المشرق، شديد بأسهم، والقائف: الذي يتبع الأثر، والمنسم: مقدم ثفنة البعير، وهي منه بمنزلة الظفر من الإنسان.
فيقول لكافور: فلو لم تكن في مصر ما قصدتها كلفا بقصدها. مشغوفا بالوصول إلى أرضها، أحن نحوها حنين المستهام إلى إلفه، المشوق المتيم إلى حبه.
ثم قال: ولولا ما آثرته من قصدك، وشغفت به من اعتماد أرضك، ما تجشمت
(1/105)

قطع المهامه النائية، والقفار التي لا تنزلها القبائل إلا منفردة، ولا تحل بها إلا مستوحشة، فلكلابها لشدة إنكارها للأنيس على من قاربها منهم، حملات كحملات الديلم في شدتها، وما هي عليه من تمكن قوتها.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا اتبعت آثارنا عين قائف يقفو سبيلنا، ويتحسس خبرنا، فلا يرى إلا حافر فرس على آثار منسم بعير. يشير إلى أنه ومن كان معه جنبوا الخيل مرتجين لها، وركبوا الإبل سائرين بها.
وَسَمْنَا بها البَيْداَء حَتَّى تَغَمَّرَتْ ... مِنَ النيْلِ واسْتَذْرَتْ بِظِلَّ المُقَطَّمِ
وأَبلَجَ يَعْصِي باخْتِصِاصِي مُشِيْرَهُ ... عَصَيْتُ بِقَصْدَيْهِ مُشيريِ ولُوَّمِي
فَسَاقَ إِليَّ العُرْفَ غَيْرَ مُكَدَّرٍ ... وَسُقْتُ إِليهِ الشُّكْرِ غَيْرَ مُجَمْجَمِ
الوسم: العامة، وسمت الشيء: إذا أثبت فيه علامة يعرف بها، والبيد: جمع بيداء، وهي الأرض المقفرة، وغمرة الماء مجتمعه، والتغمر: الدخول في الغمرة، والنيل: نهر معروف، والاستذراء بالشيء: التستر به، والمقطم: جبل يقرب من مصر، والأبلج: الطلق الوجه بالمعروف، والمجمجم من الكلام: الملتبس الذي لا يتبين.
فيقول: وسمنا البيداء بآثار ما ركبناه من الإبل، وجنبناه من الخيل، حتى وردت بنا غمار النيل، نهر مصر، واستذرت بظل جبلها، وأشار إلى أنه اعتمد في سيره القفار المتروكة، والطرق المعهودة، فصار آثار إبله وخيله فيها كالسمات المستغربة، والعلامات المشتهرة.
ثم قال مشيرا إلى كافور: ورب أبلج من الملوك، يعصي المشير عليه بالاقتصار فيما خصني به من بره، ويعرض عنه فيما أسبغه علي من فضله، عصيت من أشار علي بالتأخر عن قصده، وأعرضت عن اللائم لي في الرحلة إلى أرضه.
ثم قال: فساق إلي عرفه كثيرا غير مقلل، وهنيئا غير مكدر، وسقت إليه شكري صريحا لا أجمجم في ذكره، ووافرا لا أقصر في نشره، فقارضته عما أسدى إلي
(1/106)

من الفضل، بما خلدت فيه من بدائع الشعر.
قد اخْتَرْتُكَ الأمْلاَكَ فاخْتَرْ لَهُمْ بِنا ... حَدْيْثاً وقَدْ حَكَّمْتُ رَأيَكَ فاحْكُمِ
فَأَحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وأَيْمَنُ كَف فِيْهِمُ كَفُّ مُنْعِمِ
وأَشْرَفُهُمْ مَنْ أَشْرَفَ هِمَّةً ... وأَكْثَرَ إِقْداماً على كُلَّ مُعْظَمِ
اليمن: البركة، ومعظم الشيء: أعظمه وأكثره.
فيقول لكافور: قد اخترتك من بين الملوك بقصدي لك، واختر لهم بي وبك حديثا كريما فيما تخصني به من إكرامك، وتظهره علي من تفضلك وإنعامك، وقد حكمت رأيك فيما أملته بك، ووثقت بكرمك فيما ضمنته لنفسي عنك، فاحكم غير متهم في حكمك، ولا مقصر فيما ترضاه لي من برك. ثم قال: فأحسن الوجوه وجه محسن، يرتهن جزيل الشكر بفضله، وأيمن الأكف كف منعم، يخلد كريم الذكر ببذله.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأحق الناس بالشرف والرفعة، وأجدرهم بعلو الرتبة، من كان أشرفهم نفسا وهمة، وأثبتهم نفاذا وقوة، وأكثرهم إقداما على كل ما عظم من الأمور فتهيب، وكبر منها فحذر وتوقع.
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إِذا تُرِدْ بها ... سُرورَ مُحِب أو مَساءة مُجْرِمِ
وَقَدْ وَصَلَ المُهْرُ الذي فَوْقَ فَخْذِهِ ... مِنْ اسْمِكَ ما في كُلَّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
لكَ الحيوانُ الرَّاكِبُ الخَيْلَ كُلُّهُ ... وإِنْ كان بالنَّيرانِ غَيْرُ مَوَسمِ
الوسم: العلامة.
فيقول لكافور: لمن تطلب الدنيا جاهدا في طلبها، وتنافس فيها مظهرا للصبابة بها، إذا كنت لا تقصد بها سرور محب تعليه وتظهره، ومساءة عدو تضعه وتخمله؟! وألم بهذا البيت بقول بعض العرب، وقد سئل، فقيل له: ما السرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
(1/107)

ثم قال مشيرا إلى المهر الذي قاد إليه: وقد ورد المهر الذي فوق فخذه من اسمك، ومن تعليمك ووسمك، كالذي في الأعناق والمعاصم من آثار نعمك، وشواهد عوارفك ومننك. يريد أنه يسم الناس بالإحسان، كما يسم الخيل بالنيران، واعتمد الأعناق والمعاصم؛ لأنها المواضع المعتمدة من المتملكين بالوسم، وقد تقدم الشاهد على ذلك.
ثم قال: وكل من يركب الخيل معترفون بملكك، مستعدون بما أحاط بهم من فضلك، على نحو ما ركبوه مما حملتهم عليه، وامتطوه مما انفردت عندهم بالإحسان فيه، وقد شهدت لك نعمك بملكهم، وأغنتك عن تكلف وسمهم.
ولو كُنْتَ أَدْري ما حَياتي قَسَمْتُها ... وصَيَّرْتُ ثُلْثَيْها انْتِظَاركَ فاعْلَمِ
ولكِنَّ ما يَمْضِي مِنَ العُمْرِ فائِتٌ ... فَجُدْ لي بحَظَّ البادر المُتَغَنَّمِ
البادر: الفاعل، من بدر إلى الشيء يبدر: إذا أسرع، والمتغنم: المتفعل من طلب الغنيمة.
فيقول: إن الموت لا يؤمن، وطوارق الدهر لا تغفل، وهذا يحفزني إلى استنجاز وعدك، ويسرع بي إلى اقتضاء فضلك، ولو كنت أعلم مدة حياتي، لجعلت أكثرها في انتظار ما ارقبه منك، وأضمنه لنفسي عنك.
ثم قال: ولكن ما يمضي من العمر فائت لا يلحق، وما ينصرم منه ذاهب لا يدرك، فجد لي منك بحظ عاجل، أفوز به فوز البادر إليه، وأسر بموضعه سرور المتغنم الحريص عليه.
رَضِيْتُ بما تَرْضى بِهِ لي مَحَبَّةَّ ... وَقُدْتُ إِليكَ النَّفْسَ قَوْدَ المُسَلَّمِ
ومِثْلُكَ مَنْ الوَسِيطُ فُؤادُهُ ... فَكَلَّمَهُ عَنَّي ولم أَتَكَلَّمِ
المسلم: الراضي بما يفعل فيه، والوسيط: المتوسط، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وسط يسط، والفؤاد: القلب.
(1/108)

فيقول لكافور: رضيت لنفسي من فضلك بما ترضى به، وسلمت لجميع ما تراني أهلا له، وقدت نفسي إليك قود واثق بفضلك، مسلم لما يتيقنه من اعتلائك ومجدك. ثم قال مشيرا إلى استنجاز وعده، واقتضاء ما أمله من فضله: ومثلك من كان له من قلبه مذكر باعث، ومن كرمه محرك حافز، فقال عني ما أرغبه وإن صمت، وحرك في جهتي إلى ما آمله وإن سكت.
(1/109)

وجرت وحشة بين الأمير أبي القاسم وكافور مديدة ثم اصطلحا، فقال أبو الطيب في ذلك:
حَسَمَ الصُّلْحُ ما اشْتَهَتْهُ الأَعادِي ... وأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الحُسَّادِ
وأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبي ... رُكَ ما بَيْنَها وبَيْنَ المُرَادِ
الحسم: القطع، والإذاعة: الإفشاء.
فيقول: حسم صلح كافور لأبي القاسم بن الإخشيد مولاه، ما كانت أعداء دولتهما تشتهيه وترتغبه، وترتجيه وتؤمله، وانقطع ما كانت ألسن الحساد تذيعه من الأسباب الداعية إلى الفرقة، والموجبة للاختلاف والوحشة.
ثم قال: وانحسم بهذا الصلح ما تطلعت إليه أنفس أعداء، حال تدبيرك، أيها الأستاذ، بينها وبين ما أرادته من إيهان الدولة، وما أجرت إليه من نفوذ دواعي الفتنة.
صَارَ مَا أَوْضَعَ المُخِبُّونَ فِيْهِ ... مِنْ عِتَابٍ زِيَادَةً في الوِدَادِ
وَكلامُ الوُشَاةِ لَيْسَ على الأَحْ ... بابِ سُلْطَانُهُ على الأَضَّدادِ
إِنَّما تَنْجَحُ المَقَالَةُ في المَرْ ... ءِ إِذا وَافَقَتْ هَوًى في الفُؤَادِ
الإيضاح في الشيء: الإسراع فيه، والمخب: المجتهد في الشيء، والعتاب: إظهار السخط، والوشاة: النمامون، والأضداد: المختلفون من جميع جهاتهم، والفؤاد: القلب.
فيقول مخاطبا لكافور: صار ما أوضح فيه المخبون، من تسبيب العتاب بينك وبين الأمير أبي القاسم بن الإخشيد، زيادة في وداده لك، وموجبا لاستحكام ثقته بك؛ لأنك أعرضت عما سببوه، ولم يخف عنك كذبهم فيما نقلوه، فاسترضيته بكريم معاملتك، وعذت فيما أنكره بحلمك ومجاملتك.
ثم قال: وكلام الوشاة وسعيهم، واحتيالهم وبغيهم، لا ينجحان في أهل المحبة، ولا سلطان لهما على المعتقدين للمودة، وإنما سلطان ذلك على لأضداد المتنافرين،
(1/110)

والأعداء المتباغضين. فاعتقد تقديم ما أخر، وأضمر ثقة بما أظهر، وأراد: وكلام الوشاة سلطانه على الأضداد، ليس سلطانه على الأحباب، فحذف ثقة بفهم المخاطب.
ثم قال: إنما تنجح في المرء مقالة الناقل، وتثبت فيه وشاية الحاسد، إذا وفق ذلك هوى قد رسخ في قلبه، وتصديقا قد سبق إلى نفسه، وذلك أيها الأستاذ لا يخاف بينك وبين أبي القاسم الأمير، لأنك ظئره وحافظه، وظهيره وناصره.
وَلَعَمْري لَقَدْ هُزِزْتَ بِمَا قِيْ ... لَ فَأُلْفِيْتَ أَوْثَقَ الأَطْوَادِ
وَأَشَارَتْ بِمَا أَبَيْتَ رَجَالٌ ... كُنْتَ أَهْدَى مِنْهَا إلى الإِرْشَادِ
قَدْ يُصِيْبُ الفَتَى المُشِيْرُ وَلَمْ يَجَ ... هَدْ وَيُشْوي الصَّوابَ بَعْدَ اجْتِهَادِ
الأطواد: الجبال، واحدها طود، والإرشاد: الإشارة بالرشد، والمشوي: الذي يخطئ المقاتل، ويصيب الأطراف.
فيقول لكافور: ولعمري لقد هزك الأعداء بقولهم، وراموا أن يستفزوك بإفكهم، فألفوك أوثق الأطواد، برجاحة رأيك، وأبعدها من الخوف بأناتك وحلمك.
ثم قال يخاطبه: وأشارت عليك محاربة الأمير أبي القاسم رجال لم ينصحوك في قولهم، ولا أصابوا في رأيهم، فكنت بما آثرته من الحلم، واحتملت عليه من الصبر، أهدى إلى السداد، وأعلم بطرق الإرشاد.
ثم قال باسطا لبعض عذر الطائفة المشيرة بالحرب، وأن ذلك غاية جهدهم، ومبلغ علمهم، وأن كافورا أربى على جهدهم بعفوه، وعلى رويتهم ببديهة رأيه: قد يصيب المشير دون اجتهاد لنفسه، ويدرك المطلوب من حقيقة الرأي بأيسر سعيه، وقد يخطئ مع الإمعان في النظر، ويحرم الصواب مع شدة البحث والطلب.
نِلْتَ ما يَنَالُ بالبِيْضِ والسُّمْ ... رِ َصُنْتَ الأَرْواَحَ بالأَجْسَادِ
وَقَنَا الخَطَّ في مَرَاكِزِها حَوْ ... لَكَ والمُرْهَفَاتُ في الأَغْمَادِ
(1/111)

ما دَرَوْا، إذْ رَأَوْا فُؤَادَكَ فِيْهْم ... سَاكِناً، أَنَّ رَاُيَهُ في لبطّرادِ
البيض: السيوف، والسمر: الرماح، وقنا الخط: رماح تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف. ومراكز الرماح: المواضع التي تغرز فيها، والمرهفات: شفرات السيوف، والطراد: تجاول الفرسان.
فيقول، وهو يخاطب كافورا: نلت بسعة حلمك، وصواب رأيك، من بلوغ مرادك، واستبانة رشادك، ما لا يبلغ مثله بالسيوف والرماح، وصنت الأرواح في أجسادها عن القتل، وفقك الله لمشكور الفعل.
ثم قال مخاطبا له: وقنا الخط في مراكزها حولك ثابتة، والسيوف في أغمادها ساكنة، فأثارت الصلح مع كثرة أنصارك، وعدلت عن الحرب مع استظهارك بقوة أعوانك، فعرفك الله بركة رأيك، وتكفل لك بإنجاح سعيك.
ثم قال: ماد درى الجيش المحيط بك، إذ رأوك مقيما فيهم، ساكن القلب بينهم، أن رأي قلبك في الطراد، تمتثل وجوه عواقبه، وتتأهب لتصريفه على حقائقه، فآثرت الصلح مع قوتك على الحرب، وتكفل الله لك في ذلك بأجمل الصنع.
فَفَدَى رَاُيَكَ الذي لم تُفَدْهُ كُلُّ ... رَأْيٍ مُعَلَّمٍ مُسْتَفَادِ
وإِذا الحِلْمُ لم يَكُنْ في طِبَاعٍ لم ... يُحَاَّمْ تَقَدُّمَ المِيْلاَدِ
الطباع: الطبيعة.
فيقول مخاطبا لكافور: ففدى رأيك الذي لم تفده بالدلالة عليه، ولا أدركته بالإرشاد إليه، وأفادك إياه شرف طبعك، وما أنت عليه من سعة حلمك، كل رأي يستفاد بالتعلم، ويستظهر عليه بطول التبين.
ثم قال: وإذا الحلم لم يبعث عليه كرم الخلقة، ولا استفاده صاحبه بشرف الجبلة، لم تبعث عليه الأعمار الطويلة، ولا أرشدت إليه المواليد القديمة. وهذا البيت من الأمثال السائرة، والمثل أرفع أبواب البديع.
(1/112)

فَبهذا وَمِثْلِهِ سُدْتَ يا كا ... فُورُ واقْتَدْتَ كُلَّ صَعْبِ القِيَادِ
وَأَطَاعَ الذي أَطَاعَكَ والطَّا ... عَةُ لَيْسَتْ خَلائِقُ الآسادِ
إِنَّما أضنْتَ والِدٌ والأبُ القا ... طِعُ أَحْنَى مِنْ وَاصِلِ الأَوْلاَدِ
اقتدت الشيء، وملكت قياده، إذا ارتهنت طاعته، والحنو: الانعطاف بالمودة.
فيقول: فيما ذكرته من سعة حلمك، ووصفته من قوة حزمك، وبأمثال ذلك من ضروب فضلك، أحرزت السيادة، واستحققت الرئاسة، واقتدت كل من صعب قياده، وأدركت كل ما بعد مثاله.
ثم قال: وبذلك أطاعك من أهل المنعة والإقدام والقوة، فألزمتهم طاعتك، وإن كانت الطاعة ليست بمعهودة من مثلهم، لأنهم آساد، والآساد تحذر صولتها، ويتعذر انقيادها وطاعتها.
ثم قال: وإنما أنت للأمير أبي القاسم كالوالد المشفق، وكالأب الملطف، والأب وإن أظهر القسوة على ابنه، فهو أشد إشفاقا من الابن، وإن أظهر المبالغة في بره.
لا عَدَا الشَّرُّ مَنْ بَغَى لَكُما الشَّرَّ ... وَخَصَّ الفَسَادُ أَهْلَ الفَسَادِ
أَنْتُمَا ما اتَّفَقْتُمَا الجِسْمُ والرُّو ... - حُ، فلا احْتَجْتُما إلى العُوَّادِ
وإِذَا كانَ في الأَنابيبِ خُلْفٌ ... وَقَعَ الطَّيْشُ في صُدورِ الصَّعادِ
العواد: الزوار في العلل، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، الواحد: أنبوب، والطيش: اضطراب على غير قصده، والصعاد: جمع صعدة، وهي القناة، وصدورها: أعاليها.
فيقول مشيرا إلى كافور وإلى الأمير أبي القاسم: لا عدا الشر، ولا بعد عنه، ولا فاته ولا تخلص منه، من بغى لكما الشر من حساد نعمتكما، وأعداء دولتكما، وخص بالفساد وأصيب به، ولقيه وعرض له، المتسببين للفساد بجهدهم، الحاملين عليه بمذموم سعيهم.
(1/113)

ثم قال، وهو يريد أبا القاسم وكافورا: أنتما إذا اتفقت مذاهبكما، والتأمت أموركما، كالجسم والروح، اللذين بالتآمهما تكون الحياة والصحة، وباصطحابهما تحرز السلامة والقوة، فلا احتجتما إلى العواد، الذين إنما يعتادون من شكا العلة، ويفتقدون من عدم الصحة. وأشار بهذه العبارة إلى ما رغبه لهما من حسن المؤالفة، واطراح ما حذره عليهما من الاختلاف والمنافرة.
ثم قال: وإذا كانت أنابيب الرماح مختلفة غير متفقة، ومتظافرة غير ملتئمة، طاشت صدورها في الحرب، وقصرت عند ما تستعمل فيه من الطعن، وكذلك يقول لكافور وأبي القاسم بن الإخشيد: وإن اختلفت اراؤكما، وتنافرت اهواؤكما، أخل ذلك بهيبتكما، وعاد بالفساد على دولتكما. وهذا البيت جمع [وجهين]؛ انه مثل سائر، وعجيب من الإشارة نادر، وكلا الوجهين مقدم في بديع الكلام.
أَشْمَتَ الخُلْغ_فُ بالشُّرَاةِ عِدَاهَا ... وَشَفَى رَبَّ فَارِسٍ مِنْ إِيَادِ
وَتَوَلَّى بَنِي اليَزِيْديَّ بالبَصْ ... - رَةِ حَتَّى تَمَزَّقوا في البِلادِ
وَمُلُوكَاً كَأَمْسٍ في القُرْبِ مِنَّا ... وكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعَادِ
الخلف: الاختلاف، والشراة: الخوارج، ورب فارس: كسرى ملكهم، ومن ملك شيئا فهو ربه، وإياد بن نزار: أخو مضر وربيعة ابني نزار بن معد، وكان ولده قد كثر عددهم، وقوي أمرهم، واشتدت على الفرس شوكتهم، ثم اختلف ما بينهم، وقاتلتهم الفرس فظهروا عليهم، وأفنوا عددهم، وبنو اليزيدي: كتاب وثبوا بالبصرة في خلافة المقتدر، فعظم شأنهم، وفخم أمرهم، وكانوا اخوة ثلاثة، ثم شجر ما بينهم فقتل أكبرهم أوسطهم، فكان ذلك سببا لانتقاض أمرهم، وتلف جميعهم، وطسم وأختها جديس: قبيلتان من العرب العاربة، هلكتا في قديم الدهر بحروب جرت بينهم.
فيقول لكافور ولأبي القاسم بن الإخشيد، مرغبا في الائتلاف، ومحذرا من عواقب
(1/114)

الاختلاف: أشمت الاختلاف بالخوارج المهلب وأصحابه، ففل حدهم، وأباد جمعهم، وأشار إلى الاختلاف الذي وقع بين قطري بن الفجاءة وعبد ربه
ثم قال: وكذلك أوجب الاختلاف على بني اليزيدي بالبصرة فساد دولتهم، وذهاب نعمتهم.
ثم قال: وكذلك أصاب الاختلاف ملوكا يكثر ذكرهم، ويطول عددهم، منهم من هو كأمس في قرب عهده، ودنو أمره، ومنهم أمم سالفة، وقرون ماضية، كطسم وجديس أختها، وجميعهم أهلكهم التخالف، وأبادهم التدابر، فحذر كافورا وأبا القاسم بن الإخشيد من الاختلاف الذي [في] تمزقه زوال الدول، وتغيير النعم، ووعظهما بمن تقدمهما من الملوك الأولين، والرؤساء السالفين.
بكُمَا بِتُّ عَائِذاً فِيْكَمَا مِنْ ... هُ وَمِنْ كَيْدِ كَلَّ بَاغٍ وَعَادِ
وَبِلُبَّيْكَمَا الأَصِيْلَيْنِ أَنْ تَفْ ... رُق صُمُّ الرَّماحِ بَيْنَ الجِيادِ
أَوْ يَكُونَ الوَلِيُّ أَشْقَى عَدُوًّ ... بالَّذي تَدْخرانِهِ مِنْ عَتَادِ
العائذ: المستجير، والضمير في منه راجع إلى الاختلاف، والباغي: معروف، والعادي: الظالم، واللب: العقل، والأصيل: الثاقب،
وصم الرماح: صلابها، والجياد: الخيل الكريمة، والذخر: المال المصون، والعتاد: ما اتخذ للدهر عدة.
فيقول لكافور ولأبي القاسم: بكما أيها الرئيسان، وبما بلوته من سعة حلمكما، وتظاهر فضلكما، بت مستجيرا فيكما من كيد كل من يبغي المكروه لكما، ويتعدى فيما ينقله من النمائم بينكما.
ثم قال: وبلبيكما الأصيلين، وطبعيكما الكريمين، أستجير فيكما من أن تؤول أموركما إلى الحرب التي تفرق فيها صم الرماح بين الخيل، بتطارد الفرسان، وتطاعن الأقران.
(1/115)

ثم قال: ويكون عند ذلك وليكما أشقى عدو لكما، ما تستعملانه في حربكما مما ذخرتماه من عتادكما، وما تستظهران به من خيلكما وسلاحكما، فبكما وبلبيكما استجير فيكما من هذه الحال ووحشتها، ومكروهها وسوء مغبتها.
هَلْ يَسُرَّنَّ بَعْدَ مَاضٍ ... ما تَقُولُ العُدَاةُ في كُلَّ نادِ
مَنَعَ الوُدُّ الرَّعَايَةُ والسُّؤْ ... دَدُ أَنْ تَبْلُغَا إلى الأَحْقَادِ
وحُقُوقٌ تُرَقَّقُ القَلْبَ لِلْقَلْ ... بِ ولَوْ ضُمَّنَتْ قُلُوبَ الجَمَادِ
النادي: المجلس يجتمع فيه القوم، والرعاية: المحافظة، والحقد: إضمار العداوة، وجمعه أحقاد، والجماد: ما لا يعقل ولا يحس كالصخور والجبال وما أشبهها، وجعل لها قلوبا على سبيل الاستعارة.
فيقول لكافور ولأبي القاسم: هل يسرن من يبقى منكما بعد صاحبه إذا فارقه على حال مشهورة من المقاطعة، وسبيل مكشوفة من المقاتلة، ما يقول به الأعداء في كل ناد من الأول التي لم أوجبها الشماتة، وتحمل عليها العداوة؟.
ثم قال: منع الود والرعاية، والكرم والسيادة، من أن تبلغا إلى الضغائن والحقد، وتقدح النميمة فيما بينكما من كرم العهد.
ثم قال: ويمنع من ذلك حقوق ترقق القلوب وتعطفها، وتعدل بها عن القطيعة وتصرفها، ولو ضمنت قلوب الجماد في قسوتها، وكانت على ما هي عليه من غلظها وخشونتها.
فَغَدَا المُلْكُ بَاهِراً مَنْ رَآهُ ... شَاكِراً ما أَتَيْتُما مِنْ سَدَادِ
فِيْهِ لأَيْديْكُما على الظَّفَرِ الحُلْ ... - وِ وَأَيْدي قَوْمٍ على الأكْبادِ
الباهر: الغالب، والسداد: الصواب.
فيقول مخاطبا لكافور وأبي القاسم: فغدا الملك بصلحكما وما أنعم الله به من التئام أمركما، باهرا لمن رآه بحسنه، غائظا لمن حاول أن يكيده ببغيه، شاكرا على ما
(1/116)

آثرتماه من الموادعة، مبتهجا بما احتملتما عليه من المسالمة.
ثم قال: قد تواصلت فيه أيديكما على الظفر والنصر، وتوافقت على مشكور الفعل، وأيدي الساعين بالفساد على أكبادهم، لشدة ألمها، وما أودعها الله باتفاقكما من تغيظها وسقمها.
هذِهِ دَوْلَةُ المَكَارمِ والرَّأْ ... فَةِ والمَجْدِ والنَّدَى والأَيَادِي
كَسَفَتْ سَاعَةً كما تَكْسِفُ الشَّمْ ... سُ وَعَادَتْ ونُوْرُهَا في ازْدِيَادِ
الدولة: مدة سلطان الملك، والرأفة: الرحمة.
فيقول: وهو يشير إلى الدولة الإخشيدية: هذه دولة الكرم والتراحم والمجد والتعطف، والندى والبذل، والأيادي الجليلة والفضل، فكيف يجوز التقاطع على ولي نعمتها، ويظن الاختلاف برئيسي جملتها؟!
ثم قال: كسفت ساعة بما جرى بين كافور وأبي القاسم من الوحشة، وما أظهراه من الاختلاف والموجدة، ثم ذهب ذلك وانقطع، وعدم وارتفع، وعاد كل واحد منهما لصاحبه بأفضل عهده من مودته، وأنزل به أتم ما كان ينزله من ثقته، فعادت الدولة إلى بهجتها، وراقت بحسنها ونضرتها، كالشمس بأثر الانكساف، لم ينقص ضوءها، ولم يختل نورها، بل زاد ذلك وحسن، وخلص وتمكن.
يَزْحَمُ الدَّهْرَ رُكْنُها عَنْ أَذَاها ... بِفَتًى مَارِدٍ عَلَى المُرَّادِ
مُتْلِفٍ، مُخْلِفٍ، وَفِيًّ، أَبِي ... عَالمٍ، حَازِمٍ، شُجَاعٍ، جَوَادِ
الزحام: التضاغط والمدافعة، والركن: الناحية القوية، والأذى: معروف، والتمرد: شدة الإقدام، وواحد المراد: المارد، والأبي: الظاهر الأنفة.
فيقول مشيرا إلى كافور: يزحم ركن هذه الدولة الدهر على ما تكرهه، ويدافعها عما تحذره، بفتى من كافور، مشهور بالبأس والقوة، معلوم الإقدام والنجدة، يوقع بالمتمردين، ويستعلي مقدرته على المخالفين.
(1/117)

ثم قال، وهو يريده: متلف لكثير ما يجمعه ببذله، مخلف لذلك لتيقظه وحزمه، أبي لا يعلق الضيم به، عالم بالصواب فيما يعن له، حازم لا بفرط ولا يغفل، شجاع لا يجبن وينكل، جواد لا يضن ويبخل، وهذا التصنيف يعرف بالتقسيم، وهو من بديع الكلام.
أَجْفَلَ النَّاسُ عَنْ طَرِيْقِ أَبي المِسْ ... كِ وذَلَّتْ لَهُ رَقَابُ العِبَادِ
كيْفَ لا يُتْرَكَ الطَّرِيْقُ لِسَيْلٍ ... ضَيَّقٍ عَنْ آتِيهِ كُلُّ وَادِ
الإجفال: الإسراع في الذهاب، والآتي: ما يسوقه السيل، وهو أيضا الخليج يخرج من النهر.
فيقول: تهيب الناس أبا المسك، فأجفلوا بين يديه مسرعين، وعجزوا عن التعرض، له فأذعنوا بطاعته معلنين، وذلت رقاب العباد لملكه، وسلم الناس أجمعون لأمره.
ثم قال: وكيف لا يعجز الناس عن اعتراض سلطان لا يمانع، وسيل لا يدافع، يضيق كل واد عن كثرة اجتلابه، ويضعف كل قوي عن معارضة عبابه، وكنى بالسيل والطريق عن كافور ومقاصده، فأخبر أنه في غاية القوة، وأنه فيما يبتغيه على نهاية القدرة.
(1/118)

وقال يمدحه، أنشدها في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.
أُغَالِبُ فِيْكَ الشَّوْقَ والشَّوْقُ أَغْلَبُ ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أَعْجَبُ
أَمَا تَغْلَطُ الأَيَّامُ فِيَّ بِأَنْ أَرَى ... بَغِيْضَاً تُنَئي، أَو حَبِيْبَاً تٌقَرَّبُ
يقول: أغالب فيك الشوق بمحاولة ستره، وأدافعه بالاحتيال على كتمه، فيقوى علي ويغلب، ويستبين في ويظهر، وكذلك الحب لا تخفى شواهده، والشوق لا تستتر دلائله، وأعجب من ذا الهجر واتفاقه لي، ومن هذا الاجتناب واغترائه بي، وما أبغيه من الوصل أبعد وأعجب، وأقل وأغرب؛ لأن سبيل المحبوب أن يضن بوصله، وسبيل المحب أن يمتحن بهجره، هذا هو المشهور الذي لا ينكر، والمعهود الذي [لا] يدفع.
ثم قال: أما تغلط الأيام فتسعدني في البدرة، ويغفل عني وتسعدني في الفلتة، فيبعد مني البغيض، وتريحني ببعده، وتمكن لي الحبيب وتؤنسني بقربه. يشير إلى أن الأيام مغترية بمنافرته، وأن أحكامها جارية على مخالفته.
وَللِهِ سَيْرِي ما أَقَلَّ تَئِيَّةً ... عَشِيَّةَ شَرْقِيَّ الحَدَالِي وغُرَّبُ
عَشِيَّةَ أَحْفَى النَّاسِ بي مَنْ جَفَوْنُهُ ... وأَهْدَى الطَّرِيْقَيْنِ الذي أَتَجَنَّبُ
التئية: الرفق والتمهل، والحدالي وغرب: موضعان معروفان، والحفي بالشيء: اللطيف به، المعتني بأمره.
فيقول على سبيل التعجب من سرعة سيره، والإخبار عن حقيقة أمره: ولله السير الذي سرته، والاستعجال الذي تكلفته، عشية كان مني الحدالي وغرب؛ هذان الموضعان في جهة المشرق، وأنا أنفذ ما أقصد له، ولا أعرج على من أكلف به. وأشار إلى رحيله عن سيف الدولة نحو كافور، وما حذره من الطلب، وما تكلفه من الإسراع والعجل.
ثم قال: عشية أحفى الناس بي، وأشدهم إشفاقا علي من جفوته من أحبتي الذين
(1/119)

تركتهم، ومن تخلفته من آلائي الذين فارقتهم، وأهدى الطريقين إلى ما أقصده، وأقربهما فيما أريده واعتمده، الطريق الذي أتجنبه وأتركه. وثنى الطريقين مشيرا إلى الطريق الذي ركبه، والطريق الذي تجنبه، ودل على أنه خرج فارا بنفسه، وأخفى طريقه الذي سلك بمبلغ جهده.
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبَّرُ أَنَّ المَانَويةَ تَكْذِبُ
وَقَاكَ رَدَىَ الأَعْدَاءِ تَسْرِي عَلَيْهِمُ ... وَزَارَكَ فيه ذو الدَّلالِ المُحَجَّبُ
المانوية: أصحاب مان الثنوي، وهم الذين يقولون إن الأشياء كلها من النور والظلمة، فالخير كله من النور، والشر كله من الظلمة، وردى الأعداء: الهلاك على أيديهم، والسرى: سير الليل، والدلال: الثقة بقبول العاشق وإظهار التحكم عليه.
فيقول مشيرا إلى ما عاناه من التستر في رحلته، وما حاوله من تكلف سير الليل في وجهته: وكم لظلام الليل عندك؛ يخاطب نفسه، من يد مشكورة لا تكفر، ونعمة مشهورة لا تنكر، تخبر أن أصحاب مان، الذين يقولون إن الشر كله من الظلمة، يكذبون في قولهم، ويفرطون في إفكهم.
ثم قال: وقاك ظلام الليل ردى أعدائك في سراك عليهم، وأيدك فيما استعملته من الاحتيال فيهم، وأظفرك في سالف أمرك بمن أحببته، فزارك مسعدا بوصله، وأسعدك على ما كنت تلتمسه من قربه، ولولا الليل لما أمكنك ذلك، فنعم الليل عليك كثيرة؛ لأنه أنجاك مرارا، وقرب لك ما تبتغيه وترغبه، وكل هذا يشهد بأن مانيا وأصحابه يخطئون في قولهم، ويدفعون المشاهدة برأيهم.
وَيَوْمٍ كَلَيْلِ العَاشِقِيْنَ كَمَنْتُهُ ... أرَاقِبُ فيهِ الشَّمْسَ أَيَّانَ تَغرُبُ
وَعَيْنِي إِلى أُذْنَيْ أَغَرَّ كَأَنَّهُ ... مِنَ اللَّيْلِ بَاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَوْكَبُ
لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسمِهِ في إِهَابِهِ ... تَجِيُّ على صَدرٍ رَحِيْبٍ وَتَذْهَبُ
(1/120)

الكمون: الاستتار، وأيان: كلمة تستعمل بمعنى الاستفهام عن الوقت، والإهاب: الجلد، والرحيب: الواسع
فيقول واصفا لحاله، بعدما قدمه من ذكر سراه في ليله، وهو يشير بذلك إلى جملة ما كان عليه مدة رحلته، من الوجل وشدة الحذر: ويوم كليل العاشقين في استطالتي لمدته، وحرصي على انصرام جملته، كمنته احتمالا على الحزم الذي كنت أؤثره، وتوقعا للطلب الذي كنت أحذره، أراقب الشمس مستبطئا لغروبها، وألاحظها متمنيا لمغيبها.
ثم قال: وعيني إلى أذن الفرس الذي كنت أركبه، ألحظهما متأملا لهما، مقتديا بهما. والفرس يضرب به المثل في صدق حسه، ونفاذ سمعه، وأذناه بتحديده لهما يشهدان بما يشير إليه، ويخبران عما يشرف عليه.
ثم ذكر أن ذلك الفرس كان أغر أدهم، فصرح بغرته، وأشار بتشبيهه له بالليل إلى دهمته، فأبدع في الإشارة، وبلغ الغاية في حسن العبارة.
ثم قال دالا على عتق هذا الفرس: له فضله من إهابه عن جسمه، وتمام لا يخفى من خلقه، فتلك الفضلة تجيء على صدره وتذهب، وتجول لرخاوتها وتضطرب، والفرس إذا كان كذلك سمي رخو اللبان، ودلت هذه الصفة على سرعة جريه، وتمكن عتقه.
شَقَفْتُ بِهِ الظَّلْمَاَء أُدْنِي عِنَانَهِ ... فَيَطْغَى وَأُرْخِيْهِ مِراراً فَيَلْعَبُ
وَأَصْرَعُ أَيَّ الوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِهِ ... وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِيْنَ أَرْكَبُ
قفيت الشيء: إذا تلوته متتبعا له.
فيقول: شققت بهذا الفرس الظلماء واثقا بعتقه، مطمئنا إلى سرعة جريه، أدني عنانه فيطغى بعزة نفسه، وأرتخيه فيلعب مستعملا للمرح في مشيه.
ثم قال: وأصرع ما قفيت به من الوحش، لما هذا الفرس عليه من السرعة،
(1/121)

واقتدر على ذلك بما اجتمع فيه من الكرم والقوة، وأنزل عنه والبهر لا يلحقه، والكلال لا يدركه، على مثل حاله عند ركوبي له، قد بلغ ما طلبه بعفوه، واستظهر على ذلك بأيسر سعيه.
وما الخَيْلُ إِلاَّ كالصَّدِيْقِ قَلِيْلَةٌ ... وإِنْ كَثُرَتْ في عَيْنِ مَنْ لا يُجَرَّبُ
إِذا لم تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِها ... وأَعْضَائِها فالحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ
الشيات: العلامات، واحدها شية.
فيقول: وما الخيل في كثرة عدتها، وقلة ما بقي بما يراد من خبرتها، إلا كالصديق الذي ينتحل لك اسمه أكثر من تأتي عليه معرفتك، ومن تتصل به مشاهدتك، فإذا طالبت حقيقة هذا الاسم، ومن يتقلده، واقفا عند شروطه، صار بيدك عدما لا تدركه، وعزيزا لا تكاد تلحقه. فأشار إلى أن العتيق من الخيل قليل بالجملة، كما أن الصديق من الناس عدم عند الخبرة.
ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا لم تشاهد من الخيل غير حسن شياتها وأعضائها، ومناظرها وأجسامها، فحسنها مغيب عنك، وما تراه له بعيد منك، وإنما حسن الخيل في كرم خبرتها، وتأتيها للفرسان وسرعتها.
لَحَا اللَّهُ ذِي الدُّنيا مُنَاخاً لِراكبِ ... فَكُلُّ بَعِيْدِ الهَمَّ فيها مُعَذَّبُ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَقُولُ قَصِيْدَةً ... فَلاَ أَشْتَكِي فيها ولا أَتَعَتَّبُ
لَحا: بمعنى أبعد، وذي: اسم مبهم يشار به إلى المؤنث، كما يشار به إلى المذكر، والمناخ: موضع النزول، والهم والهمة: ما رمى إليه الإنسان بأمله، والقصيدة من الشعر: معروفة، والتعتب: التسخط.
فيقول: لحا الله هذه الدنيا منزلا لراكب يقطع فيها مسافة عمره، ويتقلب بين خطوبها فيما يحاول من أمره، فما تزال غادرة بأهلها، جائزة في حكمها، تعذب البعيد الهمة بقلة الاستعداد له، وتؤمله لشدة الاغترار به.
(1/122)

ثم قال: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة، وآمالي متمكنة، ورغباتي متأتية، لا أشتكي الدهر ولا أظلمه، ولا أتعتب عليه ولا أجوره.
وَبي ما يَذُودُ الشَّعْرَ عَنَّي أَقَلُّهُ ... وَلَكِنَّ قَلْبِي يا بْنَةَ القَوْمِ قُلَّبُ
وَأَخْلاَقُ كَافُورٍ إِذا شِئْتُ مَدْحَهُ ... وإِنْ لَم أَشَأْ تُملِي عَلَيَّ وأَكْتُبُ
يذود: يدفع ويطرد، وابنة القوم: الأشراف، وأشار بإظهار الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الترفيع بأمرهم، والعرب تفعل ذلك، قال بعض الشعراء من همدان:
فَإِنَّ خُزَيْماً إِذْ رَجَا أَن يَرُدَّها ... وَيَذْهَبُ مَالي يابنةَ القَوْمِ عَالِمُ
والقلب: الحسن التقلب في الأمور.
فيقول مشيرا إلى ما قدمه من تشكي زمانه: وبي من اعتراض الدهر لي بصروفه، واعتماده إياي بخطوبه، ما يذود أقله الشعر ويطرده، ويمنع منه ويشرده، ولكن قلبي قلب لا يهن، وجريء لا يجبن، وأخلاق كافور الملك الذي عولت على قصده، واعتقلت آمالي بفضله، تسهل لي سبيل الشعر، وتنتهج لي طريق المدح، فإن حاولت مدحه، واعترضت عنه، فمكارمه تملي علي فأنا أكتب، ونعمه تتابع عندي وأنا أنظم.
إِذا تَرَكَ الإِنْسَانُ أَهْلاً وَرَاَءهُ ... وَيَمَّمَ كَافُوراً فَمَا يَتَغَرَّبُ
فَتًى يَمْلأُ الأَفْعَالَ رَأْيَاً وَحِكْمَةً ... وَبَادِرَةً أَحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ
يمم: بمعنى قصد واعتمد، والبادرة: ما يسبق من حده الرجل.
فيقول: إذا ترك الرجل أهله وبلده، وفارق إلافة ووطنه، ويمم كافورا بقصده، وبادر إليه بنفسه، فما يتغرب برحلته، ولا يستوحش لمن بعد عنه من أحبته.
ثم قال، وهو يريد كافورا: يشمل أفعاله برأيه وحكمته، ويملأها ببادرته وقوته، فينفذها على حسب ما يقصد، ويمضيها بمقدار ما يعتقد، في رضاه وسخطه،
(1/123)

وتقبله وغضبه، لا يرد أمره، ولا يعترض رأيه.
إِذا ضَرَبَتْ في الحَرْبِ بالسيْفِ كَفُّهُ ... تَبَينْتَ أَنَّ السَّيْفَ بالكَفَّ يَضْربُ
تَزِيْدُ عَطَايَاهُ على اللَّبْثِ كَثْرَةً ... وَتَلْبَثُ أَمْواهُ السَّحَابِ فَتَنْضُبُ
نضوب الماء: ذهابه.
فيقول: إذا ضربت كف كافور في الحرب بسيفه، وأمده بقوة ساعده، تبينت من سرعة قطعه، وبدا لك من نفاذ فعله، ما تعلم به أن السيف إنما يضرب على حسب الكف التي تمسكه، وينفذ بمقدار قوة الساعد الذي تصرفه.
ثم قال: تزيد عطايا كافور مع لبثها كثرة، وتكتسب بإقامتها قوة؛ لأنه يشفعها بمثلها، ولا يغفل عن مواصلتها وحفظها، وأمواه السحاب إذا لبثت تجف وتنضب، وإذا أقامت تعدم وتذهب، فعطاياه لا تقاومها الغيوث الساجمة، وكفاه لا تساجلها السحاب الهاطلة.
أَبا المِسْكِ هَلْ في الكَأسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ؟ ... فَإِنَّي أَغَنَّي مُنْذُ حِيْنٍ وَتَشْرَبُ
وَهَبْتَ على مِقْدَارِ كَفَّيْ زَمَانِنَا ... وَنَفْسِي عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْكَ تَطْلُبُ
إِذا لَمْ تَنُطْ بي ضَيْعَةً أَو وِلايَة ... فَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ
نطت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وعلقته منه.
فيقول لكافور: أبا المسك! قد أطربتك بما أهديت إليك من المدح، وسررتك بما نظمت فيك من الشعر، وصرت في ذلك كله كأني أغنيك وأنت تشرب، وأفرحك وأنت تطرب، فهل في كأس سرورك فضل أناله فأرتاح لنيله، وتخصني به فأسكن إلى مثله؟.
ثم قال: وهبت لي من جزيل عطاياك، وخولتني من كثير حبائك، بما غاية الزمان أن تجود كفاه بمثله، وتسمح للطالب ببذله، فإن كنت بلغت فيما بررتني به إلى المعهود من مواهب الرؤساء، وصلات كرائم الأمراء، فأنت أجلهم رتبة، وأثبتهم
(1/124)

رفعة، ولست أقنع من برك بما يبلغه جهد الزمان، ويتعارف من مآثر الإحسان، وإنما أطلب أن يكون ما تهبه على حسب قدرك، وما تجود به كفاك على ما يحسن بمثلك.
ثم قال: إذا لم تنط بي ضيعة استظهر بعلتها، أو ولاية أتشرف برفعتها، فجودك يكسوني ظاهره، ويقوم بحاجاتي حاصله، وشغلي بمدحك يسلبني تلك الكسوة، ويقلل لدي تلك النعمة؛ لأن معاناتي له تعوقني عن التكسب، وعكوفي عليه يمنعني من التصرف، والمؤن في خلال ذلك مترادفة، وتكاليف الزمان جمة متكاثرة.
يُضَاحِكُ في ذا العِيدِ كُلٌّ حَبِيْبَهُ ... حِذَائي وأَبْكِي مَنْ أحِبُّ وأَنْدُبُ
أَحِنُّ إِلى أَهْلِي وَأَهْوَى لِقَاَءهُمْ ... وَأَيْنَ مِنَ المُشْتَاقِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ؟
فَإِنْ لَمْ يَكُن إِلاَّ أَبو المِسْكِ أَوْهُمُ ... فَأِنَّكَ أَحْلَى في الفُؤادِ وَأَعْذَبُ
وَكُلُّ امْرِئٍ يُوْلي الجَمِيْلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيبُ
التحنين: شدة الشوق، والعنقاء: طائر غلب التأنيث عليه، لا يوقف على شخصه، والمغرب: الذي يبعد في الطيران، ويضرب المثل بهذا لكل ما عدم فلم يوقف عليه، والفؤاد: القلب.
فيقول مشيرا إلى كافور، وانقطاعه إليه بنفسه، واغترابه عن وطنه وأهله: يضاحك حذائي في هذا العيد كل محب حبيبه، ويزور كل قريب قريبه، وأبكي من أحب وأحزن لبعده، وأندبه وأتأسف على فقده.
ثم قال: أحن إلى أهلي حنين الصب إليهم، وأهوى لقاءهم وأظهر الحرص عليهم، وكيف لي بهم مع شدة الشوق، واستحكام الصبابة والتوق، وهم كعنقاء مغرب في تعذر قربهم، وعلى مثل سبيلها في انتزاحهم وبعدهم؟!
ثم قال: فإن لم يكن إلا الأهل والوطن، والإلاف والسكن، والانقطاع إلى أبي المسك وأرضه، والتقلب في إكرامه وفضله، فإنك، يريد أبا المسك، ألصق بالنفس
(1/125)

وأقرب، وأحلى في القلب وأعذب.
ثم فسر ما ابهمه، وبين ما قدمه، من إيثاره لأبي المسك على اهله، وما رآه في ذلك من الحظ لنفسه، فقال: وكل امرئ يولي الجميل ويفعله، ويتقدم بالإحسان ويبذله، محبوب لا يختلف في حبه، مألوف لا ينتقل عن مثله، وكل مكان ينبت العز ويكسبه، ويعيد الإكرام ويوجبه، مستطاب لا يرغب عنه، مستعذب لا يرتحل منه.
يُرِيدُ بِكَ الأَعْدَاءُ ما اللَّهُ دَافِعٌ ... وَسُمْرُ العَوَالِي والحَدِيدُ المُذَرَّبُ
وَدُونَ الذي يَبْغُونَ ما لو تَخَلَّصُوا ... إلى الشَّيْبِ مِنْهُ عِشْتَ والطَّفْلُ أَشْيَبُ
العوالي: الرماح، والمذرب: المفرط الحدة.
فيقول: لكافور: يريد بك أعداؤك ما الله يكفيه ويدفعه، ويقيك إياه ويصرفه، وما يمنعك منه عوالي الرماح النافذة، وشفرات السيوف الصارمة.
ثم قال: ودون الذي يبغون من الظهور عليك، والتسرع من المكروه إليك، ما يمنع منه خشونة جتنبك، وكثرة ناصرك، وما لو جاز أن يتخلصوا منه إلى عمر المشيب، وسبق لهم في علم الله أن يستكملوا عمر السباب، لعجل الله الشيب لأطفالهم، لتنصرم مدد آجالهم، ولعيشك الله بعدهم ممتعا بما عودك من النصر، مكنوفا بما تكفل لك به من جميل الصنع.
إِذا طَلبوا جَدْوَاكَ أعْطُوا وحُكَّموا ... وإِنْ طَلَبُوا الفَضْلَ الذي فِيْكَ خُيَّبُوا
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْووا عُلاَك وَهْبْتَها ... وَلِكنْ مِنَ الأَشْيَاءِ ما لَيْسَ يُوْهَبُ
وَاَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِداً ... لِمَنْ بَاتَ في نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
الجدوى: العطاء.
فيقول لكافور: إذا طلب حسادك العطاء منك، فاضت عليهم بحار فضلك، وأمطرتهم سحائب بذلك، فأخذوا من ذلك بحسب بغيتهم، وأدركوا منه غاية
(1/126)

رغبتهم، وإن طلبوا التشبيه بك في فضلك، والمساواة لك في جلالة قدرك، خيبوا مما طلبوه، وعجزوا عن ما حاولوه.
ثم قال: ولو جاز أن يحووا علاك لوهبتها، جاريا على عاداتك، وسمحت بها محتملا على سجيتك، ولكن من الأشياء ما لا تمكن الهبة في مثله، ولا تبلغ طاقة الإنسان إلى بذله.
ثم قال: وأظلم أهل الظلم وأجورهم، وأحقهم باللوم وأجلهم، من بات حاسدا لحائط جملته، مضطغنا على ولي نعمته، فهو يضمر العداوة لمن يتقلب في فضله، ويتربص الدوائر بمن يأمن المكاره في ظله.
وَأَنْتَ الذي رَبَّيْتَ ذا المُلْكَ مُرْضِعَاً ... وَلَيْسَ أَمَّ سِوَاكَ ولا أَبُ
وَكُنْتَ لَهُ لَيْثَ العَرِيْنِ لِشِبْلِهِ ... وَمَا لَكَ إِلاَّ الهُنْدُوانِيَّ مِخْلَبُ
الليث: الأسد، والعرين مأواه، وشبله: ولده، والهندواني: السيف الهندي الصارم.
فيقول لكافور: وأنت الذي ربيت ذا الملك، يريد ملك الإخشيد مولاه، وبنيه من بعده، فحفظته من أول مدته، وفخمته بتمكينك لبنيته، وحرسته بعد الإخشيد، فكنت أباه وأمه، وخطته فكنت عماده وأوصله.
ثم قال: وكنت له ولابن الإخشيد الموسوم به، في ذبك عن حوزته، ومدافعتك عن شبله، وما يبذله في منع عرينه من نفسه، وما لك غير السيف مخلب تصول بحدته، ويحذرك الأعداء لمخالفة سطوته، وكنى بالسيف عن المخلب بعد ما صدر به من تشبيهه بالليث، وهذا باب من البديع يعرف (بالمصافاة).
لَقِسْتَ القَنَا عَنْهُ بِنَفْسٍ كَرِيْمَةٍ ... إِلى المَوْتِ في الهَيْجَا مِنَ العَارِ تَهْرُبُ
وَقَدْ يَتْرُكُ النَّفْسَ التي تَهَابُهُ ... وَيَخْتَرِمُ النَّفْسَ التي تَتَهَيَّبُ
الهيجاء: الحرب، واخترام المنية لمن يصيبه: نزولها به، وإتلافها له. والتهيب: التوقع.
(1/127)

فيقول لكافور: لقيت القنا عن ذلك الملك بنفس مقدمة كريمة، جريئة على الأهوال أبية، تهرب في الحرب إلى الموت من العار، وتؤثره على قبح الفرار.
ثم قال: وقد يترك الموت النفس التي لا تهابه وتقدم عليه، ولا تحذره وتتسرع إليه، ويخترم النفس التي تتهيبه بغاية جهدها، وتتحرز منه بأبلغ وسعها، فأشار إلى أن الموت لا يستدفع بالحذر، ولا يفضي إليه بالإقدام على الغرر.
وما عَدِمَ اللأَّقوكَ بَأْساً وَشِدَّةً ... وَلكنَّ مَنْ لاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ
ثَنَاهُمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ صَادِقٌ ... عَلَيْهِمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ خُلَّبُ
البيض: السيوف، والبيض جمع بيضة، وهي التي تحصن الرؤوس بها، وثناهم: ردهم، والخلب من البرق: الذي يومض ولا يمطر. فيقول لكافور: وما عدم أعداؤك الذين هزمتهم، وأضدادك الذين غلبتهم، من أنفسهم بأسا وشدة، وإقداما وقوة، ولكنهم لاقوا منك من هو أشد وأنجب، وأقوى في الحرب وأنفذ، فعجزوا عنك مع قوتهم، وقصروا عن مقاومتك مع شدتهم.
ثم قال: ثناهم منك وهزمهم، واستولى عليهم وغلبهم، الشجاع الذي لا يجبن، والنجيب الذي لا ينكل، وبرق السيوف في البيض صادق فيهم، ممطر للدماء عليهم، وبرق البيض في السيوف خلب غير ماطرة، وكاذب صادق. فأشار إلى أن السيوف قدت البيض، وأسرعت في المتسترين بها، فصدقت بروقها، وعجزت البيض عن تحصينهم، فلم ينتفعوا ببريقها.
سَلَلْتَ سُيُوفاً عَلَّمَتْ كُلَّ خَاطِبٍ ... عَلَى كُلَّ عُودٍ كَيْفَ يَدْعو وَيَخْطُبُ
وَيُغْنِيْكَ عَمَّا يَنْسُبُ النَّاسُ أَنَّهُ ... إِليكَ تَنَاهَى المَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
وَأَيُّ قَبِيْلٍ يَسْتَحِقُّكَ قَدْرُهُ؟ ... مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانٍ فِداكَ وَيَعْرُبُ
معد بن عدنان: جد مضر وربيعة، وربيعة أبناء نزار بن عدنان، ويعرب: جد جميع اليمن، وهذان الأصلان إليهما مآل جميع العرب.
(1/128)

فيقول لكافور: سللت في إقامة الدعوة الإخشيدية سيوفا صارمة، منصورة غالبة، ارتهنت لك مخافتها طاعة أكثر الأمصار، وذللت لك وقائعها رقاب الأحرار، فأذعن الناس لأمرك، وخطب على منابر الآفاق باسمك، فعلمت سيوفك الخطباء بالدعاء لك وجه الكلام، وحملتهم بالترفيع بك على حقيقة الصواب.
ثم قال: ويغنيك عن الشرف بالأنساب العربية، والافتخار بشرف الأولية، أنك أرفع من الشرفاء الأولين، الذين إليهم يرتفع الفخر، وعليهم يقتصر بجميل الذكر، وشاهد ذلك أن المكرمات إليك تتناهى وتنسب، ولديك تبتغي وتطلب.
ثم قال: وأي آباء القبائل يستحقك وهم في الفضائل دونك، وبأيهم يمثلك، وهم أجمعون لا يساوونك، والأصلان اللذان إليهما في العرب مآل القبائل، وبشرفهما يفتخر فيهما جميع العشائر، لو شهداك لفدياك بأنفسهما، ولاستصغرا عند كرمك عظيم كرمهما.
وما طَرَبي رَأَيْتُكَ بِدْعَةً ... لَقَدْ كُنْتُ أَرجو أَنْ أراكَ فَأَطْرَبُ
وَتَعْذُلُنِي فِيْكَ القوافِيِ وَهِمَّتي ... كَأَنّي بِمَدْحٍ قَبْلَ مَدْحِكَ مُذْنِبُ
الطرب: خفة تلحق الإنسان فتكشف ما بنفسه من الفرح والحزن، وهي في الفرح أشهر.
فيقول: وما فرحي بِمُشَاهَدَةِ حضرتك، ولإفراطي في السرور بالنظر إلى عزتك، بدعة من الفعل، ولا غريبة من الأمر، فما زلت مستحكم الرجاء في الفرح، بما ألقاه من برك، ثابت اليقين فيما شملني عند رؤيتك، من إكرامك وفضلك.
ثم قال: تعذلني القوافي التي استعملها في غيرك، وهمتي التي أخرت تصريفها في قصدك، حتى كأني بمدح من مدحته قبلك مذنب لا يلتفت إلى عذره، ومقصر لا يعرج على قوله.
وَلكِنَّهُ طَالَ الطَّريقُ وَلَمْ أَزَلْ ... أْفَتَّشُ عَنْ هذا الكلام وَيُنْهَبُ
(1/129)

فَشَرَّقَ حَتَّى لَيْسَ لِلشَّرْقِ مَشْرِقٌ ... وَغَرَّبَ حَتَّى لَيسَ لِلغَرْبِ مَغْربُ
إِذا قُلْتُهُ لم يَمْتَنِعْ مِنْ وُصُولِهِ ... جِدّارٌ مٌعَلَّى أَو خِباءٌ مُطَنَّبُ
الجدار: الحائط، والخباء: معروف، وتطنيبه: مد حباله.
فيقول معتذرا مما تقدم له من الأشعار، فيمن مدحه قبل اجتماعه لكافور: ولكن الشقة طالت بيني وبينك، والمدة تراخت في لقائك، والملوك يتنافسون في مدحي لهم، ويحرصون على ترفيعي لهم، ولم أزل قبل لقائي لك أطالب بالشعر، وأفتش عن قوله، واضطر إليه، وأحمل على نظمه؛ فينتهبه الملوك بمبلغ جهدهم، ويختارون منه على مقدار وسعهم.
ثم قال: فسار في الناس باختياري للفظه، وطار الرواة به؛ لإبداعي في نظمه، فشرق حتى بلغ من المشرق أقصى غاياته، وغرب حتى بلغ من الغرب أبعد نهايته، فلم يبق لما بلغه من المشارق مشرق يتقدمه، ولا بقي لما أدركه من المغارب مغرب يؤممه. يريد: أنه أدرك أقصى الطرفين، وبلغ أبعد الغايتين.
ثم قال، وهو يشير إلى شعره: إذا قلته وأرسلته، ورويته واظهرته، لم يمتنع من وصوله جدار معلى في قصر، ولا خباء مطنب في قفر، وأشار بذكر الجدار والخباء إلى أن شعره يرويه البادي والحاضر، ويفضله البعيد والشاهد.
(1/130)

واتصل به أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة، فقال ولم ينشدها كافورا:
بِمَّ التَّعَلُّلُ؟ لا أَهْلٌ ولا وَطَنُ ... ولاَ نَدِيْمٌ، ولا كَأسٌ، ولا سَكَنُ
أْرِيْدُ مِنْ زَمَني ذا أَنْ يُبَلَّغَنِي ... مَا لَيسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمَنُ
التعلل: التشاغل، والوطن: موضع الاستقرار والإقامة، والنديم: خليط الرجل الذي يكون محادثه ومشاربه، والكأس: القدح وما فيه من الشراب، وقد يكون القدح خاصة، روى ذلك يعقوب، والسكن: الإلف الذي يسكن إليه.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتوجع من حاله: على أي أمر تقبل وتعول، وبأي شيء تشتغل وتتعلل؟! وأنت بعيد الأهل والوطن، ممتنع من النديم والكأس والسكن، غريب بين قوم لا تشاكلهم، منقطع عن معارفك الذين كنت تألفهم، تؤمل من المطالب ما يصعب امره، وتحاول منها ما لا يعرف مثله. وأشار إلى مطل كافور له بالولاية التي ذكرها، وتغافله عنه في الرتبة التي رجاها وأملها.
ثم قال مشيرا إلى تعذر الزمان في تأخير ما طلبه، ويسقط الملامة عنه في امتناع ما رغبه؛ لجلالة ذلك في نفسه، وما عهد به من قلة إسعاد الزمان على مثله: أريد من زمني هذا أن يبلغني ما أحاوله، ويظفرني فيما أطالبه، بما لا يسمح الزمان به لنفسه، ولا يبلغه مع استعماله لغاية وسعه، فكيف يظهرني على ما يمكنه، ويبلغني إلى ما يدركه؟ وأشار بهذا إلى ارتفاع ما طلب، وجلالة ما حاول ورغب.
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلاَّ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ... ما دامَ يَصْحَبُ فِيْهِ رُوحَكَ البَدَنُ
فما يُدِيْمُ سُرورٌ ما سُرِرْتُ بِهِ ... ولا يَرُدُّ عَلَيْكَ الفائِتَ الحَزَنُ
الاكتراث: الاهتمام.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا لقلة الأسف، وصابرا غير متوجع: ما دامت الحياة متفقة لك، وأسبابها متصلة بك، فحوادث الدهر لا تمطل، وعوارضه لا تغفل، ومن لم يجعل الصبر جنته، والجلد على صروف الدهر عدته، لم يسلك سبيل رشده، ولا أحسن النظر لنفسه.
(1/131)

ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يخاطب نفسه: فما يديم سرور لك ما سرك وأنسك، ولا يرد الحزن عليك ما فاتك وأوحشك، فكلا الأمرين سريع الزوال، وما شهد منهما قريب الانتقال، وما كانت هذه حاله، فالسرور منه لا تكثر الغبطة به، والحزن فيه لا يشتد الأسف له.
مِمَّت أَضَرَّ بأَهْلِ العِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وما عَرفوا الدُّنيا ولا فَطَنُوا
تَفْنَى عُيُونُهُمُ دَمْعَاً وأَنْفُسُهُمْ ... في إِثْرِ كُلَّ قَبِيْحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
يقول: مما أضر بأهل العشق فأعماهم عن رشدهم، وزين لهم ما تمسكوا به من أمرهم، وقصرهم على الأسف، ووكلهم إلى الوجد والشغف، أنهم هووا جاهلين بالدنيا وتصرفها، غافلين عن التفطن لتقلبها، فاغتروا بالظواهر، وأعرضوا عن النظر في العواقب.
ثم قال: تفنى عيونهم بما تذرفه من الدمع، وتذهب أنفسهم بما يتعذب به من الحزن في أثر كل حبيب، قليل الإنصاف والود، قبيح المعتقد والعهد، يهجر من يكلف به ويحبه، ويقطع من يواصله ويوده، وهو مع قبيح هذه الخلائق، ومستكره هذه المذاهب، يروق الأبصار بحسنه، ويغلب على القلوب بدله.
تَحَمَّلوا حَمَلَتْكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍ ... فَكُلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ اليومَ مُؤْتَمَنُ
مَا في هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ ... إِنْ مِتُّ شَوْقاً ولا فِيْهَا لَهَا ثَمَنُ
الناجية: الناقة السريعة، والبين: الفراق، والهوادج: مراكب مقببة، تتخذ للنساء على الرحال.
فيقول مخاطبا لأحبته، ومظهرا للجلد على بعدهم، وقلة الأسف على فقدهم: تحملوا؛ حملتكم كل ناقة سريعة السير، قوية حثيثة المشي؛ ليكون ذلك أقرب فيما تحاولونه من الرحلة، وتتسرعون إليه من الفرقة، فكل بين علي اليوم مأمون لا تحذر عاقبته، محتقر لا تتوقع عاديته.
(1/132)

ثم قال: يخاطبهم: ما في هوادجكم من الأحبة الذين أذنتم بنأيهم، وأزمعتم على بعدهم، عوض من مهجتي التي أعرضها التلف؛ لتكلف الشوق إليهم، وأشافه بها الموت؛ بملازمة الحزن عليهم، فليسوا في الحقيقة عوضا من نفسي التي أتوقع هلاكها، ولا بهم ثمن لحياتي التي أخاف هلاكها، والحظ لي في السلو عن حبهم، واستشعار اليأس من قربهم.
يا مَنْ نُعِيْتُ على بُعْدٍ بِمَجْلِسِهِ ... كُلٌّ بما زَعَمَ النَّاعونَ مُرْتَهَنُ
كَمْ قد قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مِتُّ عِنْدَكُمُ ... ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ القَبْرُ والكَفَنُ
نعي الرجل: الإخبار بموته، والمرتهن بالشيء: الموقوف عليه، المتخذ مقام الرهن عنه.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة: يا من نعيت بمجلسه، على بعد داري من داره، وانتزاح محلي عن محله، كل واحد منا مرتهن بما ذكره الناعي له من الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، والشمات في ذلك ساقط، والحرص فيه من المتربصين زائد، والناس في الموت إسوة، وليس بهم على استدفاعه قوة.
ثم قال، وهو يريد سيف الدولة: كم قد مت عندكم وفقدت، واخترمتني المهالك وقتلت، ثم انتفضت فزال الكفن والقبر، وكذب ذلك الخبر والذكر.
قَدْ كَانَ شاهِدَ دَفْنِي قَبْلَ قَوْلِهِم ... جَمَاعَةٌ ثُمَّ مَاتوا قَبْلَ مَنْ دَفَنوا
ما كُلُّ ما يَتَمنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرَّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهي السُّفُنُ
يقول لسيف الدولة معرضا بتربصه به، وما يعتقده من الضغينة له: قد كان شاهد دفني قبل الذين نعوني عندك، وقطعوا على موتي في مجلسك، جماعة حققوا ذلك وقرروه عندك، ثم مات أولئك المخبرون، وبقيت بعدهم، وسلمت، وأكذب الله قولهم، فهلكوا قبل من دفنوه بزعمهم، وتلفوا وما استضررت بكذبهم.
ثم قال: ما كل ما يتمنى المرء يظفر به، ولا كل ما يرتجيه يتيسر له، فقد تشتهي
(1/133)

السفن ما تجري الرياح بغيره، وتتمنى النفوس ما تنفذ الأقدار بضده، وكذلك أنتم في تربصكم بي، وما تستعجلون من المكروه. وأخبر عن السفن وهو يريد أهلها، كما قال عز وجل: (واسئل القرية) وهو يريد أهلها.
رَاَيْتُكُمْ لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكُمُ ... ولا يَدِرُّ عَلى مَرْعَاكُمُ اللَّبَنُ
جَزَاءُ كُلَّ قَرِيْبٍ مِنْكُمُ مَلَلٌ ... وَحَظُّ كُلَّ مُحِبًّ مِنْكُمُ ضَغَنُ
وَتَغْضَبُونَ عَلَى مَنْ نَالَ رِفْدَكُمُ ... حَتَّى يُعَاقِبَهُ التَّنْغيصُ والمِنَنُ
در اللبن: إذا كثر، والضغن: الحقد، والرفد: العطاء.
فيقول لسيف الدولة: رأيتكم تضيعون جاركم ولا تصونون عرضه، وتهينونه ولا تريدون بره، ورأيت عطاءكم لا تمنى به نعمة، وإحسانكم لا تنتقل به إلى الصلاح حالة، وكنى بقوله: ولا يدر على مرعاكم اللبن عن هذه العبارة؛ لأن المرعى قوة الماشية، واللبن فائدته، والدرور مادته.
ثم قال: جزاء من استقريتموه الملل منكم، وحظ من استخلصتموه الاضطغان عندكم، فليس يخلص أحد من تعتبكم، ولا يبعد عن كراهتكم وتسخطكم.
ثم قال: ويغضبكم الذي ينال رفدكم، ويسخطكم بما يناله من فضلكم، حتى يعاقب ذلك التنغيص والكدر، ويتلوه الامتنان والضجر، فليس تسلم لكم عند أحد نعمة، ولا ترتفع بكم لمؤمل رتبة.
فَغَادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ ... يَهْمَاَء تَكْذِبُ فيهِ العَيْنُ والأذُنُ
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ بَعْدِ الرَّسيم بها ... وَتَسْأَلُ الأَرضَ عَنْ أَخْفَافِها الثَّفِنُ
مغادرة الشيء: تركه، والهجر، القطيعة، واليهماء: المفازة البعيدة، وتحبو: تزحف في مشيها لشدة إعيائها، والرواسم: الإبل التي تستعمل الرسيم في مشيها، وهو ضرب من السير، والأخفاف للإبل كالحوافر للدابة، وهي الفراسن، واحدها فرسن، والثفن: ما يقع من الإبل على الأرض عند بروكها.
(1/134)

فيقول: فغادر ما آثرته من هجركم، واخترته من الفرار عنكم، ما بيني وبينكم، مفازة مقفرة، بعيدة متنائية، تكذب العين فيها صاحبها لبعد مسافتها، ولا تحقق الأذن فيها ما تسمعه، لكثرة تخيل أصواتها.
ثم قال: تحبو الإبل فيها بعد رسيمها، وتزحف معيية بعد شدة مسيرها، وتسأل ثفانها الأرض عن أخفافها الممتحقة، وينحتها عما تطؤها به من فراسنها الذاهبة المتمحقة.
إِنَّي أُصاحِبُ حِلْمي وَهو بي كَرَمٌ ... ولا أُصَاحِبُ حِلْمي وهو لي جُبُنُ
ولا أُقيمُ على مالٍ أُذَلُّ بِهِ ... ولا أَلَذُّ بما عِرْضِي بِهِ دَرِنُ
الدرن: الوسخ.
فيقول: إني أصاحب حلمي إذا كان بي كرما وتجاوزا، وأوثره إذا كان إغضاء وتغافلا، ولا أصاحبه إذا كان عجزا وجبنا، ولا أرتضيه إذا كان ذلة وخورا.
ثم قال: ولا أقيم على مال أذل بكسبه، ولا أغتبط بوفرة لا تقترن لي الكرامة بجمعه، ولا ألذ بما يدنس عرضي ويخلقه، ولا أسر بما يحط من قدري ويضعه، فأشار إلى أن مفارقته لسيف الدولة إنما كانت لتقصيره به، وزواله عنه إنما أوجبه قلة إكرامه له.
سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيْلِي وَحْشَةً لَكُمُ ... ثمَّ اسْتَمَرَّ مَريري وارْعَوَى الوَسَنُ
وإِنْ بُلِيْتُ بِوُدًّ مِثْلِ وُدَّكُمُ ... فَإِنَّني بِفِراقِ مِثْلِهِ قَمِنُ
السهر: معروف، والمرير: الاعتزام، والوسن: النوم، والقمن بالشيء: الخليق به، يقال: فلان قمن لذلك وقمن وقمين: كل ذلك بمعنى واحد.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة، سهرت بعد رحيلي عنكم استيحاشا لبعدكم، وارتمضت توجعا لفقدكم، ثم استمر عزمي على مفارقتكم، ووطنت نفسي على مصارمتكم، وارعوى الوسن فراجع نافرة، واطمأن فعاود شارده.
(1/135)

ثم قال: وإن بليت بعدكم بود مثل ودكم، ورأي في تكدير الفضل كرأيكم، فإنني قمن بفراق مثل فراقي لكم، واحتمال على مآثرته من قلة التمسك بكم.
أَبْلَى الأَجِلَّةَ مُهْرِي عِنْدَ غَيْرِكُمُ ... وَبُدَّلَ العُذْرُ بِالفُسْطَاطِ والرَّسَنِ
عِنْدَ الهُمَامِ أبي المِسْكِ الذي غَرِقَتْ ... فِي جُودِهِ مُضَرُ الحَمْرَاءِ واليَمَنِ
الأجلة: أغطية الخيل، واحدها جل، وهذا الجمع على سبيل التكثير، يقال: جل وجلال، مثل خف وخفاف، ثم يجمع جلال على أجلة، كما يجتمع عنان على أعنة، والعذر: جمع عذار، وهو ما يستطيل من اللجام على خد الفرس، والهمام: الرفيع القدر، والفسطاط: واسعة مصر، ومضر الحمراء: يريد مضر بن نزار ومن ولده القبائل، وسميت مضر بالحمراء؛ لأن نزار بن معد لما قسم ماله بين بنيه، أعطى مضر قبة له حمراء، وقال: هذه وما جانسها لك، فسميت مضر بمضر الحمراء بذلك، واليمن كل من ولد يعرب بن قحطان، وهذان الأصلان يشتملان على جمهور العرب.
فيقول مخاطبا لسيف الدولة، ومشيرا إلى استطابته لمصر، واغتباطه بصحبة كافور: أبلى مهري الأجلة بطول المقام عند الأستاذ كافور، الذي تخيرته وانقطعت إليه، وآثرته وعولت عليه، وبذلت بالفسطاط عذره وأرسانه، فبطة بالموضع الذي أصبحت مستقرا به، ولاغبة في الرئيس الذي تتابع شكري له، فلم أهم عنه برحلة، ولا أخلاني من إكرام ونعمة.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر إقامته: عند الهمام أبي المسك، الذي تتواضع الملوك عند قدره، وتعترف بالتقصير عند جلالته وفضله، وتغرق مضر واليمن، وهم جمهور العرب في جوده وكرمه.
وإِنْ تَأَخَّرَ عَنَّي بَعْضُ مَوْعِدِهِ ... فَمَا تَأَخَّرُ آمالي ولا تَهِنُ
هو الوَفِيُّ ولكِنَّي ذَكّرْتُ لَهُ ... مَوَدَّةً فهو يَبْلُوها ويَمْتَحِنُ
(1/136)

فما تأخر آمالي: يريد تتأخر، وحذف التاء وهو يريدها، وأبقى الفعل على حسبه معها، والعرب تفعل ذلك، قال الله عز وجل: (تنزل الملائكة والروح)، فحذف التاء وهو يريدها،
يقول: إن تأخر عني بعض موعد كافور في الولاية التي أرغبها منه، والكرامة التي ضمنتها لنفسي عنه، فما تتأخر آمالي فيه ولا تكذب، ولا تضعف ثقتي به ولا تهن.
ثم قال باسطا لعذر كافور في تأخره عن إنجاز ما تقدم عنده من عدته، وتوقفه عن إسفاف ما بذله إليه من رغبته: هو الوفي الذي لا يرتاب في صدقه، وهو الكريم الذي لا يختلف في فضله، ولكنني مننت إليه بمودة قد شهد جملتها، وخالصة قد تيقن صحتها، وهو مع ذلك يبلوها ويمتحنها، ويتبينها ويختبرها.
(1/137)

وقال أيضا:
صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنا ذا الزَّمانا ... وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأنِهِ ما عَنَانَا
وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْ ... هُ وإِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنِيْعَ لَيَالِيْ ... هِ ولكِنْ تُكَدَّرُ الإِحْسَانَا
عَنَى فلان الشيء: إذا شغله وأهمه، والغصة: شجى يعترض في الحلق، ويضرب بذلك المثل في كل ما شق على الإنسان، والصنيع: ما يصنعه الصانع، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح.
فيقول: صحب الناس هذا الزمان قبلنا، وخبروه متقدمين لنا، وكلهم عناهم ما عنانا من أمره، ونالهم كالذي نالنا من اختلاف شأنه.
ثم قال: وتولوا كلهم منه بغصة حادثة، وفارقوه بعد مصائب عارضة، وإن سر أحيانا بعضهم، وساعد في الفلتات رأيهم.
ثم قال: وربما أحسنت الصنيع لياليه، وسرت بظواهرها [صاديه]، ولكنها تكدر الإحسان بإساءتها، وتعقب الحلاوة بمرارتها، وتسلب ما تعطيه مرتجعة له، وتأخذ ما تؤتيه غير ممتعة به.
وَكَأَنَّا لَمْ تَرْضَ فِيْنَا بِرَيْبِ ال ... دَّهْرِ حَتَّى أَعَانَهُ مَنْ أَعَانَا
كُلَّما أَنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَانَا
ومُرادُ النُّفوسِ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ ... تَتَعادَى فيه وأَنْ تَتَفانى
يقول: إن من نكد الأيام أنها مجبولة على التنكر لأهلها، والاستحالة على من اغتر بها، وأهلها مع آثارها فيهم، يؤيدون على أنفسهم أمرها، ويمتثلون إلى الإساءة فعلها، فيعينونها على أنفسهم باختلاف مذاهبهم، ويسببون على أنفسهم أسباب المكروه باتصال تكالبهم، فكأنهم لم يقنعوا لأنفسهم بريب الدهر وصروفه، حتى أعانوا ذلك بجهدهم، وأيدوه بمبلغ وسعهم.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: كلما أنبت الزمان للإنسان قناة، يعدها لحربه، ويدخرها
(1/138)

لمطالبة نفسه، أعانه الإنسان على مذهبه، فركب في تلك القناة سنانا يحسن القناة بها للمطاعنة، وتتم بما يقصد إليه من المحاربة. فأشار بالقناة إلى ما يسببه الزمان للإنسان من المكروه، وبالسنان إلى ما يؤكده الإنسان به على نفسه مراد الزمان من سوء صنعه، ومذموم فعله.
ثم قال: ومراد النفس أقل وأصغر، ومدة التمتع به إذا تمكن أحقر وأقصر، من أن تستجاز العداوة من أجله، وتتقلد أسباب التفاني إعجابا بأمره، فمال الإنسان ومتاع الدنيا يقاتل عليه، وهو على عجل منه، وينافس غيه، وهو منقول لا محالة عنه؟!
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي تمَنَايَا ... كالِحَاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا
ولو أَنَّ الحَيَاةَ تَبْقَى لِحَيًّ ... لَعَدَدْنَا أَضَلَّنا الشُّجْعَانا
وإذا لم يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا
كُلُّ ما لم يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأَنْ ... فُسِ سَهْلٌ فيها إِذا هو كانا
الكلوح: العبوس.
فيقول: غير أن الفتى الموفق لرشده، العالم بحقيقة أمره، يؤثر لقاء المنايا كالحات لشدتها، مؤيسات عن الحياة بمباشرتها، ولا يلاقي الهوان معترفا به، [ولا] يرتضيه مسلما له.
ثم قال: ولو أن الحياة باقية غير فائتة، ومقيمة غير راحلة، لعددنا الشجعان أضلنا عن القصد، وأجهلنا بطريق الرشد، بتعرضهم للمهالك، وتقحمهم في المخاوف.
ثم قال: ولكن إذا كان الموت لا بد منه، والفناء لا محيص لأحد عنه، فمن العجز أن تجبن عما لا ينجيك منه توقعك، ولا يدفعه عنك إشفاقك وتحرزك.
ثم قال مؤكدا لما ذكره من اطراح التوقع لما لا بد من المصير إليه، وإسقاط التكره لما يتيقن الإنسان أنه قادم عليه: كل ما لم يكن من الصعب المستكره في النفوس، والمخوف بالمتوقع في القلوب، سهل فيها إذا وقع أمره، خفيف عليها إذا
(1/139)

نفذ كربه، وليس يجدي على الإنسان إيثار الخوف، ولا يمنعه من المكروه استعمال التوقع.
(1/140)

واصطنع كافور شبيب بن جرير العقيلي، ورد إليه عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته، وزادت مرتبته، واشتدت شوكته، وغزا العرب في مشاتيها بالسماوية وغيرها، واجتمعت العرب إليه، وكثرت حواليه، وسولت له نفسه أخذ دمشق، والعصيان لكافور، فسار إليها في عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها، واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها، واعتصموا بالنشاب، فترك بعض أصحابه على أبوابها الثلاثة التي تلي المصلى ليشغلهم [بهم]، ودار هو حتى دخل من الحميرين على القنوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي والمدينة ليأخذها.
وكان من تقدم أصحابه، فقيل إن امرأة دلت على رأسه صخرة فقتلته. واختلف الناس في أمره، فلم يصح لأحد كيف قتل؛ لأنه لم يوجد في شيء منه أثر لسهم ولا لغيره، ولا نظر أحد إلى شيء أصابه سوى اعتناقه الفرس وسقوطه إلى الأرض، فانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، فلما بقي وحده مطروحا أخذ رأسه، ووردت الكتائب إلى مصر بخبره، فقال أبو الطيب، وأنشدها يوم السبت، لست خلون من جمادى الأخيرة من سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسَانِ ... وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
وَلِلَّهِ سِرٌّ في عُلاكَ وإنما ... كَلاَمُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ
القمران: الشمس والقمر، غلب فيهما أخف الاسمين، وهو المذكر فيهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، فغلبوا الخف، والهذيان: [كلام] لا حقيقة له.
فيقول مخاطبا لكافور: عدوك مذموم بكل لسان يذكره، مبغض في كل قلب يمتثله، ولو كان القمران من أعدائك مع رفعة شأنيهما، وارتفاع مكانيهما، لنالهما أبلغ الذم، وما اعتمد بجميل الذكر، فكيف يظن بغيرهما ممن يقدم على اعدائك، ويتعرض لمخالفة إرادتك؟! ثم قال: ولله في تأييد علاك سر ينفذه على ما سبق في علمه، ويمضيه بالصنع الجميل لك على ما تقدم من حتمه، وكلام الورى فيما
(1/141)

يقدمونه من خلاف ذلك باطل لا يحفل به، وهذيان لا حقيقة له.
أَتَلْتَمِسُ الأعْدَاءُ بَعْدَ الَّذي رَأَتْ ... قِيامَ دَلِيْلٍ أو وُضوحَ بَيَانِ؟!
رَأَتْ كُلَّ مَنْ يَنوي لَكَ الغَدْرَ يُبْتَلى ... بِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
الالتماس: الطلب والمحاولة.
فيقول لكافور: يلتمس من يضمر العداوة لك، ويرتقب من يتربص المكاره بك، دليلا في تأييد الله لأمره، وبيانا فيما يتكفل الله به من إعلانك ونصرك، بعد الذي أظهره في شبيب لما شانك وناصبك، وعصاك وخالفك.
ثم قال: رأت أعداؤك كل من قابل وفاءك بالغدر، وإحسانك بالجحود والكفر، يبتلى بغدر حياته، ومعاجلة حتفه له، وإن تخطاه ذلك، اختلفت أحوال الزمان إليه، وصممت بمكارهها إليه.
بِرَغْمِ شَبِيْبٍ فَارَقَ السَّيْفَ كَفُّهُ ... وكانَا على العِلاَّتِ يَصْطَحِبَانِ
كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالتْ لِسَيْفِهِ: ... رَفِيْقُكَ قَيْسِيٌّ وأَنْتَ يَمَانِي
العلات: العوارض المانعة.
فيقول: برغم شبيب أعجل الله الحتف نفسه، وفارق السيف كفه؛ لما كفر أيها الأستاذ نعمتك، وخلع طاعتك، وكان السيف قبل ذلك ينصره على العلات ولا يخذله، ويعضده فيما يجادله ولا يسلمه، فلما خالفك أغفل نصرته، ولما فارقك كره صحبته.
ثم قال: كأن رقاب الناس بإفراطه في قطعها، وإسرافه في ضربها، طالبته في نفسه، وتمتمت به إلى سيفه، فذكرته بما بين اليمن وبين قيس عيلان من الإحن القديمة، والترات المشهورة، فقالت له: أنت منسوب إلى اليمن، واليهم تنسب السيوف، وشبيب رفيقك من رؤساء قيس عيلان، فما لك لا تدرك فيه لترتك، وتخذله تعصبا لليمن جماعتك؟! فكأن السيف أصغى إلى تلك التماتم، وطالب شبيبا
(1/142)

بتلك الطوائل، فخذله عند حاجته إليه، وأسلمه مع اعتماده عليه.
فَإِنْ يَكُ إِنْسَانَاً مَضَى لِسَبِيْلِهِ ... فَإِنَّ المَنَايا غَايَةُ الحَيَوانِ
وَمَا كَانَ إِلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ ... يُثِيْرُ غُبَارَاً في مَكانِ دُخانِ
فَنَالَ حَياةً يَشْتَهِيْهَا عَدُوُّهُ ... وَمَوْتاً يُشَهَّي المَوْتَ كُلَّ حَبَانِ
يقول كالمتأسف على شبيب فيما أدركه من الخذلان؛ لمخالفته الأستاذ كافورا مع أسلف إليه من نعمته، وأظهره من إكرامه ورفعته، ولم يمنع أبا الطيب ما استجازه شبيب من معصية كافور، من أن يقول عنده بما خبره من فضله، وجربه من شجاعة نفسه، إيثارا للإنصاف، واحتمالا على حسن الاعتراف، فقال: فإن يك شبيب إنسانا أدركه يومه، وأحاط به حينه، فتتقحم فيما أفضى به إلى الهلكة، وسلبه رفيع المنزلة، فإن المنية التي صار إليها غاية كل حي، لا محيص عنها، ولا مفر لأحد منها.
ثم قال: وما كان شبيب في شجاعة نفسه، وضرامته وبطشه، إلا كالنار التي تتلف ما واجهها، وتهلك ما عارضها، وكان يستدل عليه في غاراته، بما تثير خيوله من الغبار، كما يستدل على النار بما يثيره لهيبها من الدخان.
ثم قال: فنال من الحياة أعزها، وأدرك من المراتب أجلها، ثم مات ميتة كريمة تشهي الموت إلى الجبناء، وتبقي عليك أكرم الثناء. وإنما حسن له الثناء على شبيب مع عصيانه لكافور ممدوحه، ما شرحه من أنه مع رفيع منزلته، لما فارق طاعة كافور، عاجله الله بنقمته.
نَفَى وَقْعَ أَطْرَافِ الرَّماحِ بِرُمْحِهِ ... وَلَمْ يَخْشَ وَقْعَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
ولم يَدْرِ أَنَّ المَوْتَ فَوْقَ شَوَاتِهِ ... مُعَارُ جَنَاحٍ مُحْسِنُ الطَّيَرانِ
وَقَدْ قَتَلَ الأَقْرَانَ حَتَّى قَتَلْتَهُ ... بِأَضْعَفِ قِرْنٍ، في أَذَلَّ مَكَانِ
وقع الشيء ووقوعه: كون ما يحذر منه، والنجم: الثريا، والدبران: كوكب تتصل
(1/143)

به كواكب تتلو الثريا، وهما من منازل القمر، وليس في جميع المنازل منزلتان تتقارب تقاربهما، وتسمي العرب ما بينهما ضيقة، ويتشاءمون بمواجهتها عندما يعاونونه من أمورهم، ولذلك يقول الأخطل، وهو يهجو سعيد بن بيان التغلبي، وكان تزوج برة بنت أبي هانئ التغلبي، وكان الأخطل يشبب بها فقال:
وَكَيْف يُدَاوي الطَّبِيْبُ مِنَ الجَوَى ... وَبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ بنِ بَيَانِ
فَهلاً زَجَرْتَ الطَّيَر إِذ جاَء خَاطِباً ... بِضِيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
والشواة: جلدة الرأس، والأقران: الأكفاء في الحرب، الواحد: قرن.
فيقول: إن شبيبا نفى برمحه وقع أطراف رماح أعاديه، واستظهر عليهم، وفتح دمشق التي كانوا تحصنوا منه فيها، ولم يعرج على التطير بالنجم والدبران ثقة بنفسه، وإدلالا بشجاعته وبأسه.
ثم قال: ولم يدر مع ما اتفق له من الغلبة، وتمكن له من الظهور والمقدرة، حين فتحه لدمشق، وملكه لها، وظفره بها، أن الموت قد أوفى على شواة رأسه، ينهض إليه بأسرع سعي، ويطلبه بأبلغ جهده، حتى كأنه طار نحوه لشدة مبادرته، واستعان بجناح يستعمله لقوة مسارعته.
ثم قال، وهو يريد شبيبا، ويخاطب كافورا: وقد قتل الأقران بمبارزته لهم، وإقدامه في الحرب عليهم، حتى قتلته بقوة إقبالك، وسعادة أيامك، بأضعف قرن كفاك أمره، وفي أذل مكان لقي به حتفه، وذلك أن شبيبا لما فتح دمشق، وتغلب على من كان فيها من أصحاب كافور، وقف تحت طاق من طيقانها، وانتشر أصحابه في أقطارها، ثم عاودوه فألفوه صريعا ميتا لا يعرف قاتله. فقيل إن امرأة دلت عليه من الطاق رحى، وقيل إنه أصيب بسهم، وقيل إن السرج ضربه بحركة الفرس الذي كان يركبه، والله أعلم بحقيقة ذلك. وإلى هذا أشار أبو الطيب في قوله: بأضعف قرن في أذل مكان.
(1/144)

أَتَتْهُ المَنَايَا في طَريقٍ خِفِيَّةٍ ... عَلَى كُلَّ سَمْعٍ حَوْلَهُ وَعِيانِ
وَلَو سَلَكَتْ طُرْقَ السَّلاحِ لَرَدَّها ... بِطُولِ يَمِيْنٍ واتَّساعِ جَنَانِ
الجنان: روح القلب.
فيقول، وهو يريد شبيبا: أتته المنايا في طَريق خفية مستترة، محجوبة عن الأبصار متغيبة، لا تدرك بسمع ولا بصر، ولا يستدفع ما يريد منها بشدة حذر.
ثم قال: ولو سلكت المنايا إليه طرق السلاح على سبيل القتال والمغالبة، والمعهود من الدفاع والمنازلة؛ لردها عن نفسه بيمين تطول ولا تقصر، وجنان يتسع بالحرب ولا يحصر.
تَوَحَّدَهُ المِقْدَارُ بَيْنَ صِحَابِهِ ... على ثَقَةٍ مِنْ دَهْرِهِ وَأَمَانِ
وَهَلْ يَنْفَعُ الجَيشُ الكَثِرُ التِفَافُهُ ... عَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِ مُعَانِ؟
وَدَىَ ما جَنَى قَبْلَ المَبِيْتِ بِنَفْسِهِ ... وَلَمْ يَدِهِ بالجامِلِ العَكَنَانِ
الجامل: القطيع من الجمال، والعكنان: الكثير من ذلك.
فيقول: إن شبيبا، وما قدمناه من شرح قتله، توحده المقدار مصمما نحوه، وساق إليه مستعجلا حتفه، وأصحابه مجتمعون، وأنصاره متوافرون، وثقته مستحكمة بما تمكن له من الغلبة، وهو آمن بما أفضى إليه من الهلكة.
ثم قال: وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على أمير لا يأذن الله بنصره، ولا تتراخى الأيام به في سابق علمه.
ثم قال: إنه لم يبت ليلته تلك حتى أدى دية جنايته بتلف نفسه، وعجلت له نقمة عصيانه بمواجهة حتفه، ولم تكن دية ما جناه بالجمال الكثيرة، ولا وقعت على السبيل والمعهود.
أَتُمْسِكُ ما أَوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ ... وتُمْسِكُ في كُفْرانِهِ بعِنَانِ؟
وَيَرْكَبُ ما أَرْكَبْتَهُ مِنْ كَرامَةٍ ... وَيَرْكَبُ لِلعِصْيَانِ ظَهْرَ حِصَانِ!
(1/145)

ثَنَى يَدَهُ الإِحسَانُ حَتَّى كَأَنَّها ... وَقَدْ قَبضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ
الحصان: الذكر من الخيل، وثنى: بمعنى قبض، والبنان: أصابع اليد.
فيقول: وهو يخاطب كافورا، ويشير إلى شبيب: أتمسك يد عاقل كالذي كانت يد شبيب تمسكه، وملكتها إياه بعطاياك وإحسانك، ثم تمسك في كفران ذلك بعنان تصرفه في معصيتك، وتستعمله في مخالفة طاعتك؟ ويركب من الكرامة كالذي أركبته، ويصير منها إلى ما ملكته وخولته، ثم يركب بعد ذلك حصانا يستقل به في عصيانك، ويوديه إلى جحود إحسانك!
ثم قال مخبرا عن شبيب: ثنى يده إحسانك، فلم تجبه إلى قبض عنانه، وتصريف حصانه، حتى كأنها عند قبضت ولا بنان لها، وحاولت مساعدته والخير قد أحاط بها، وهكذا النعمة تحكم لصاحبها، وتسرع بالنقمة إلى جاحدها.
وَعِنْدَ مَنِ اليومَ الوَفاءُ لِصَاحِبٍ؟ ... وَأَوْفَى مَنْ تَرَى أخَوانِ
قَضى اللَّهُ يا كافورُ أَولٌ ... ولَيْسَ بِقاضٍ أَنْ يُرَى لَكَ ثَاني
يقول: وعند من يوجد في زماننا الوفاء؟ ومن يظن به شكر النعمة؟ ومن يقضى بذلك له؟ وشبيب في هذه الحال، وأرفع من ينسبها إليه، ويقدرها عليه، نظيران متساويان، وأخوان متشابهان، وإذا عدم الوفاء في مثل شبيب فهو معدوم في أبناء سائر الدهر، ومن ينتسب إلى الكرم والفضل.
ثم قال: قضى الله يا كافور أنك أول في أهل الفضل، بل مقدم في المنسوبين إلى المكارم، منفرد بجميل الصنع، وأوحد في جلالة القدر، وليس الله بقاض أن يرى لك ملك ثان يعدلك، ويتلوك في سعادتك ويشبهك.
فَمَا لَكَ تَخْتَارُ القِسِيَّ وإنما ... عَنِ السَّعْدِ يُرْمَى دُونَكَ الثقلانِ؟
وما لَكَ تُعْنَى بالأَسِنَّةِ والقَنَا ... وجَدُّكَ طَعَّانٌ بِغَيْرِ سِنَانِ؟
ولَمْ تَحْمِلُ السَّيْفِ الطَّويلَ نِجَادُهُ ... وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْهُ بالحَدَثَانِ
(1/146)

الثقلان: الإنس والجن، والجد: البخت، والنجاد: حمائل السيف، والحدثان: ما يقع من الحوادث في الدهر.
فيقول لكافور: فما لك تختار القسي وتعدها، وتستجدها وتستظهرها، وسعادتك تصريف الثقلين في نصرك، وجميعهم يرمي على حسب رغبتك، فمن عصاك فالله يكفه لوجهه، ومن أطاعك فالله يتكفل بإنجاح سعيه.
ثم قال: وما لك تعنى بالقنا وأسنتها، وتتأهب للمطاعنة ومؤونتها، وجدك يطعن أعداءك بغير سنان تستعمله، ويصرعهم بغير قتال تتمونه.
ثم قال: ولم تحمل السيف مستظهرا بحمله، وتعده متأهبا ليله، وأنت غني بما يصنعه الله لك، ويقربه من السعادة بك، فالحدثان لا يمهل من عند عن طاعتك، وصروف الدهر لا تغفل عمن تعرض لمخالفتك.
أَرِدْ لي جَمِيْلاً: جُدْتَ أو لَمْ تَجُدْ بهِ ... فَإِنَّكَ ما أَحْبَبْتَ فِيَّ أَتَانِي
لَوِ الفَلَكُ الدَّوارُ أَبْغَضْتَ سَعْيِهُ ... لَعَوَّقَهُ شَيءٌ عَنِ الدَّوَرَانِ
الفلك: مدار النجوم.
فيقول لكافور: أرد لي الجميل وإن لم تجد ببذله، واعتقده في وإن لم تبدر إلى فعله، فسعادتك تنفذ إرادتك وأنت غير متعرض لها، والله ينجح مطالبك وإن تكثر العناية بها.
ثم قال: لو الفلك الدوار، مع عظيم شأنه، وارتفاع مكانه، لم يشتمل على ما قضى الله به من إنجاح مطالبك، وتقريب مآربك، لعوق ذلك القضاء جريه، ولأنفذ الله لك إرادته وعلمه. وهذا الكذب من الشعراء، ومثله قد فهم أهل اللغة القصد فيه، وعلم المراد به، وذلك أن الشاعر إذا أراد أن يوجب بصفة بلوغ غاية ما يمكن، نسب إليه في تلك الجهة ما لا يمكن، فعلم السامع عند ذلك أن الشاعر لم يقصد إلى إحالة لفظه، والإزراء على نفسه، ولكنه قصد إلى استيفاء الغاية، وبلوغ أبعد
(1/147)

أسباب النهاية، وسهلت له الثقة بمعرفة قصده، ما يتقلده من المحال في ظاهر لفظه.
(1/148)

وقال يمدحه
مُنىً كُنَّ لي أَنَّ البَيَاضَ خِضَابُ ... فِيَخْفَى بِتَبييضِ القُرونِ شَبَابُ
لَيَالِيَ عِنْدَ البِيْضِ فَوْادَيَ فِتْنَةٌ ... وَفَخْرٌ وذَاكَ الفَخْرُ عِنْدِي عَابُ
فَكَيْفَ أَذُمُّ اليَوْمَ ما كُنْتُ أَشْتَهِي ... وَأَدْعُو بِما أَشْكُوهُ حِيْنَ أجَابُ
المنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان، والقرون: ما أشرف من جوانب الرأس، الواحد: قرن، والشباب: حداثة السن، والبيض: حسان النساء، والفودان: ناحيتا الرأس، والفتنة: زيادة في المحبة تغلب على الرأي، والعاب: لغة في العيب.
فيقول: أمان تقدمت فيما أسلفته من العمر، وقطعته أيام الشبيبة من الدهر، حملتها أن يكون البياض خضابا فاستعمله، واكتسابا فأتعرض له؛ لأخفي بذلك من شبابي ما كان يروق ويعجب، وأغير منه ما كان يروع ويفتن.
ثم قال: ليالي كانت فوادي عند حسان النساء، بسواد شعرهما وحسن منظرهما، فتنة يستمال بها ودهن، ووسيلة يرتهن بها حبهن، وفخرا يتنافس فيه، ويحرص جميعهن عليه، وذلك الفخر عندي عيب أتحرج منه، ونقصان أرغب بنفسي عنه. يشير إلى أنه تخلق بأخلاق الكهول في صغره، ولم يؤثر التصابي في شيء من مدة عمره.
ثم قال مشيرا إلى سروره بشيبه، واغتباطه في ذلك بحالة: فكيف أذم الآن من الشيء ما لم أزل أوثره وأرضاه، وأرغبه وأتمناه؟! وكيف أشكو منه عند الإجابة، ما لم أزل داعيا فيه، وأكره ما كنت مظهرا لأشد الحرص عليه؟!
جَلاَ اللَّوْنُ عَنْ لَوْنٍ هَدَى كُلَّ مَسْلَكٍ ... كما انْجَابَ عَنْ ضَوْءِ النَّهارِ ضَبَابُ
وفي الجِسْمِ نَفْسٌ لا تَشِيْبُ بِشَيْبِهِ ... وَلَوْ أَنَّ ما في الوَجْهِ مِنْهُ حِرابُ
لها ظُفُرٌ إِنْ كَلَّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُ ... وَنَابٌ إذا لَمْ يَبْقَ في الفَمِ نَابُ
يُغَيَّرُ مِنَّي الدَّهْرُ ما شَاَء غَيْرَها ... وَأَبْلُغُ أَقْصَى العُمْرِ وهيَ كَعَابُ
جلا: بمعنى كشف، والمسلك: الطريق، وانجاب: بمعنى ارتفع، والضباب: ندى
(1/149)

كالغمام، والناب: السن الذي تلي الرباعية إلى داخل الفم، والكعاب: الجارية التي قد نتأ صدرها.
فيقول: جلا لون شعري الشباب، الذي هو سواده، عن لون من المشيب، أبان كل مسلك من الرشد، وهدى إلى كل مطلب من الحق، وأنقذ من غواية الحداثة، وبصر من جهالة الغرارة، وكان كالضباب الذي ينجاب عن وضح النهار، وينكشف فيبدو ضياؤه للأبصار.
وفي الجسم مني نفس كريمة، صابرة على ريب الخطوب، جليدة لا تشيب بشيب الجسم المتضمن لها، ولا تهرم بهرم الشخص المستقل بها، ولو أن ما في الوجه من شيبة حراب تنكته، وأسنة تطعنه.
ثم قال مشيرا إلى نفسه: لها ظفر إذا فني الظفر المستعز به، وناب من الجلد إذا فني ناب الفم المتفجع له، فأنا اعتاض بها مما يغلبني عليه الدهر، وأصبر بكرمها على ما يتعذر عليه الصبر.
ثم قال: يغير مني الدهر ما شاء بتصرفه، ويبلي ما انصرم عليه بتقلبه غيرها، فإنه لا يبلي جدتها، ولا يضعف جلادتها وقوتها، وأيام الدهر تنصرم وهي كعاب مقتبلة، ومدة تفنى وهي على أخلاق الشباب محتملة.
وَإنَّي لَنَجْمٌ يَهْتدِي صُحْبتِي بِهِ ... إذا حَالَ مِنْ دُونِ النُّجومِ سَحَابُ
غَنِيٌّ عَنِ الأَوْطَانِ لا يَسْتَخِفُّنِي ... إلى بَلَدٍ سَافَرْتُ عَنْهُ إيابُ
وَعَنْ ذَمَلانِ العِيْسِ إِنْ سَامَحَتْ بِهِ ... وإِلاَّ فَفي أَكْوارِهِنُ عُقَابُ
الصحبة والأصحاب والصحابة والصحاب: كل ذلك بمعنى، والوطن: محل الإنسان وموضع مستقره، والإياب: الرجوع، والذملان: ضرب من عدو الإبل، والعيس: جمال يغلب على ألوانهن البياض، والأكوار الرحال، واحدها كور.
فيقول: وإني في علو القدر، وبيان التقدم والفضل، لكالنجم أهدي صحبتي إلى
(1/150)

مطالبهم، وأنهج سبل مذاهبهم، إذا خفي عنهم ما يحاولونه، وعمي عليهم ما يقصدونه، وكانوا كمن يهتدي بالنجوم فتستتر عنه، ويعول عليها فتمتنع بالسحاب منه.
ثم قال: إنه غني عن وطنه إذا فارقه بالبلد الذي يصير فيه، وعن مستقره بالموضع الذي يقدم عليه؛ لأنه شريف الخصال، مشهور الحال، فحيث حل فهو جليل القدر، وحيث كان فهو رفيع الذكر، فليس يستخفه مع ذلك رجوع إلى بلد يخرج عنه، ولا يلحقه أسف على موضع ينتقل منه.
ثم قال مشيرا إلى جلادته، ومخبرا عن نفاذه وصرامته: وأستغني عن ذملان العيس في سيرها، ولا أفتقر إليه في حين رحيلها، فإذا سامحت بذلك فإنما أتقبله دون حاجة، وأعدل إليه عن غير ضرورة، ولو تعوقت علي لكان مني في أكوارها عقاب، لا يبعد عليه مكان يقصده، ولا يفتقر إلى الإبل في شيء مما يعتمده. يريد أنه غني عن ركوب الإبل بقوة جسمه، مساجل للعقاب في طيرانها بسرعة سيره.
وَأَصْدَى فَلا لأُبْدِي إلى المَاءِ حَاجَةً ... وَلِلشَّمْسِ فَوْقَ اليَعْمَلاتِ لُعَابُ
وَلِلسَّرَّ مِنَّي مَوْضِعٌ لا يَنَالُهُ ... نَدِيْمٌ ولا يُفْضِي إِليهِ شَرَابُ
وَلِخَوْدِ مِنَّي سَاعَةٌ ثُمَّ بَينَنَا ... فَلاَةٌ إلى غَيْرِ اللَّقاءِ تُجَابُ
الصدى: العطش، واليعملات: النوق المعتملة في السير، الواحدة يعملة، ولعاب الشمس: السراب، والنديم: الشريب، والخود: الجارية الشابة، وتجاب: تقطع.
فيقول: وأعطش في الهواجر الحامية، والقفار البعيدة النائية، فلا أبدي إلى الماء حاجة، ولا أظهر إليه ضرورة، وللشمس فوق اليعملات، بشدة حرها، وتأجج نارها، لعاب من السراب، وما يتخيل منه للأبصار.
ثم قال: وللسر مني، بصيانتي له، وضنانتي به، موضع لا يناله نديم أشركه فيه،
(1/151)

ولا جليس أطلعه عليه، ولا يصل إليه شراب يغلبني عن حفظه، ويخرجني عما أستبصر فيه من كتمه.
ثم قال: وللخوذ مني ساعة ألهو فيها بحسنها، وأعذل إلى مؤانستها ووصلها، ثم أعقب برحلة تفصل بيني وبينها، بفلوات متنائية، وقفارات متباعدة، لا تتكلف مشقتها على سبيل المراجعة، ولا تحمل مئونتها على نية المعاودة، وإنما تقطع إلى فرقة لا يتصل اللقاء بها، ورحلة لا تقرب الأوبة عن المعترض لها.
وما العِشْقُ إِلاَّ غِرَّةٌ وَطَماعَةٌ ... يُعَرَّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصابُ
وَغَيْرُ فُؤادِي لِلْغَوَانِي رَمِيَّة ... وَغَيْرُ بَنَانِي لِلرَّخَاخِ رِكَابُ
الغرة: الغفلة، والطماعة والطمع: بمعنى واحد، والفؤاد: القلب، والغواني: الشواب من النساء اللواتي غنين بأزواجهن، والبنان: أصابع اليدين، والرخاخ: رخاخ الشطرنج، واحدها: رخ.
فيقول: وما العشق إلا غرة على غير تبين، وطمع على غير تأمل، يعرض القلب نفسه للحب فيصيبه برمية، ويمكنه منها فيتملكه بحكمه، ولو نظر بعين الحقيقة لما عمي عن رشده، ولو ملك طريق الصواب لما غلب أباطيل الحب على نفسه.
ثم قال: وغير فؤادي للغواني رمية ترشقه بنبال لحظها، وتفتنه ببدائع حسنها، وغير بناني للرخاخ ركاب تألفها، وآلات تستعملها وتصرفها؛ لأني قد شغلت نفسي بالجد فلا أعدل إلى الهزل، وبالحق فلا أعرج على شيء من اللهو.
تَرَكْنَا لأَطْرَافِ القَنَا كُلّ شَهْوَةٍ ... فَلَيْسَ إِلاَّ بِهِنَّ لِعَابُ
تُصَرَّفُهُ لِلطَّعْنِ فَوْقَ حَوَاذِرٍ ... قد انْقَصَفَتْ فِيهِنَّ مِنْهُ كِعَابُ
اللعاب: مصدر بمعنى اللعب، والحواذر: ذوات التوقع والحذر، وأشار إلى الخيل، والانقصاف: الانكسار، والكعاب: جمع كعب، وهي العقدة الناشزة بين الأنابيب.
فيقول: تركنا لأطراف الرماح وتصريفها عند مطاردة الفرسان، وإعمالها عند
(1/152)

مجاوزة الأقران، كل راحة وشهوة، وكل إرادة وردة، فليس لنا إلا بهن لعب نستعمله، ولا عمل بغيرهن نقبل عليه ونحاوله.
ثم قال، وهو يشير إلى القنا، وذكر لأنه قصد إلى النوع: نصرفه للطعن فوق خيل حواذر للإصابة بالطعن، معتادة للاقتحام على الحرب، قد انقصفت فيهن كعوب الرماح بتغاور الفرسان لها، وأصابتهن الكلوم الموجعة لتصادم الأقران بها، فهي تحذرها عن خبرة، وتتوقعها عن اعتياد وتجربة.
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ ... وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ
وَبَحْرٍ أبو المِسْكِ الخِضَمُّ الذي لَهُ ... على كُلَّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وعُبَابُ
تَجَاوَزَ قَدْرَ المَدْح حَتَّى كَأنَّهُ ... بِأَحْسَنِ ما يُثْنَى عَلَيْهِ يُعَابُ
الدنى: جمع دنيا، وجمع لأنه جعل كل جهة من جهات الدنيا على حالها، والسابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، والخضم: السيد الجواد، والزخرة: المد والزيادة، والعباب: الارتفاع والكثرة.
فيقول: أعز مكان في جهات الدنيا سرج فرس سابح، كريم سابق، يخترم من الأعداء بمنعته، ويدرك ما يحاول عليه بسرعته،
وخير جليس في الزمان كتاب يمتعك ولا يملك، ويؤنسك ولا يضرك، يريك عقول الأولين، ويؤثر لك أحوال السالفين، دون مؤونة تتحملها، وبغير مشقة تتكلفها.
ثم عطف الكلام على قوله: وخير جليس، فقال: وبحر، يريد: وخير بحر أبو المسك الذي يربي على السحاب جوده، وعلى البحار فضله، فله على كل بحر زخرة، تزيد على مدة وعبابه، يصغر البحر عند جلالة قدره.
ثم قال: تجاوز قدر المدح بما أظهره من الفضل، وأعيا جهده بما أبداه من السماحة والبذل، فصار المطري له بتقصيره عن وصفه، وعجز مقدرته عما يلزمه من مدحه، كأنه يعيبه بأحسن ذلك غير قاصد، ويبخسه ما يجب له في
(1/153)

المدح غير عامد.
وغَالَبَهُ الأَعْدَاءُ ثُمَّ عَنَوْا لَهُ ... كما غَالَبَتْ بِيْضُ السُّيوفِ رِقَابُ
وَأَكْثَرُ ما تَلْقَى أبا المِسْكِ بِذْلَةً ... إِذا لم يَكُنْ إِلاَّ الحَدِيدَ ثِيابُ
غالبت الرجل: إذا حاولت أن تغلبه، والعنو: الخضوع، والبذلة: اطراح التصاون.
فيقول، وهو يريد كافورا: وغالبه الأعداء مختبرين لمقدار قوته، ودافعوه جاهلين بمبلغ قدرته، ثم عنوا له مسلمين لأمره، وتذللوا راضين بحكمه، فكانوا في مغالبتهم إياه كالرقاب التي تغالب السيوف فتقطعها، وتعارضها فتفريها وتفصلها، وإلى مثل ذلك كان مآل أعدائه في مغالبتهم له، ومصيرهم في تفرسهم به.
ثم قال: وأكثر ما تلقى أبا المسك ابتذالا لنفسه، واطراحا للترفع عن مباشرة أمره، إذا لم يكن ثيابا إلا الدروع السابغة، وجنن الحديد الشاملة، يشير إلى مباشرة الحرب والإقدام على الطعن الضرب.
وَأَوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْرَاً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وَطَعْنٌ والأَمَامُ ضِرَابُ
وأَنْفَذُ ما تَلْقَاهُ حُكْمَا إذا قَضَى ... قَضاءً مُلوكُ الأرْضِ مِنْهُ غِضَابُ
يَقودُ إليهِ طاعَةَ النَّاسِ فَضْلُهُ ... ولو لم يَقُدْها نَائِلٌ وعِقابُ
الرماء: مصدر المراماة، يقال: رامى الرجل يرامي رماء، وكذلك الضراب مصدر المضاربة، والنائل: العطاء، والعقاب: مصدر المعاقبة.
فيقول: وهو يريد كافورا: وأوسع ما تلقاه صدرا، وأطيب ما تراه خلقا ونفسا، إذا توسط الوقائع وباشرها، واقتحم على الملاحم وواجهها، فخلف وراءه المراماة والطعن برغبته بنفسه عنهما، وأقدم أمامه على الجلاد والضرب لأخذه بأوفر الحظوظ منهما.
ثم قال: وأنفذ ما تلقى حكمه، وأمضى ما تشاهد أمره، إذا قضى قضاء يقصر به ملوك الأرض ويقهرهم، ويضطرهم إلى التسليم له ويغضبهم، فذلك القضاء أمضى
(1/154)

أقضيته؛ لما صرف إليه من همته، وذلك الأمر أنفذ أوامره، لما يستعمل فيه من قوته.
ثم قال: يقود إليه طاعة الناس ما يعترفون به من فضله، ويرتهنها له ما يظهره من إنصافه وعدله، فلو لم يطعه الناس طمعا في جزيل عطائه، لأطاعوه علما منهم بفضله، ولسلموا له رضى من جميعهم بحكمه.
أَيَا أَسَدَاً في جِسْمِهِ رُوحُ ضَيْغَمٍ ... وَكَمْ أسُدٍ أَرْوَاحُهُنَّ كِلابُ
وَيَا آخِذَاً مِنْ دَهْرِهِ حَقَّ نَفْسِهِ ... وَمِثْلُكَ يُعْطَى حَقُّهُ وَيُهَابُ
الأسد: مغروف، والضيغم من صفاته؛ وهو الكثير العض، ويهاب: يعظم.
فيقول لكافور: يا من ظاهره ظاهر الأسد في إقدامه وشدته، وصرامته وقوته، وروحه روح أسد صائل فيما طبع عليه من العزة، وما في جبلته من ارتفاع الهمة، ورب من الملوك في ظاهر هيئتها، وشدة قوتها، وأنفسها أنفس كلاب في رقتها ودناءتها، ولؤمها وجهالتها.
ثم قال يخاطبه: ويا آخذا من الدهر حق نفسه، ومتقدما في إنفاذه غير متأخر، ومثلك يهاب فلا يمطل بحقه، ويتوقع فلا يعارض في إنفاذ أمره.
لَنَا عِنْدَ هذا الدَّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّهُ ... وَقَدْ قَلَّ إِعْتَابٌ وَطَالَ عِتَابُ
وَقَدْ تُحْدِثُ الأَيَّامُ عِنْدَكَ شِيْمَةً ... وَتَنْعَمِرُ الأَوْقَاتُ وَهِيَ يَبَابُ
وَلاَ مُلْكَ إِلاَّ أَنْتَ والمُلْكُ فَضْلَةٌ ... كَأَنَّكَ سَيْفٌ فيهِ وَهوَ قِرَابُ
اللط: اللزوق بالشيء، والإعتاب: الإرضاء، والعتاب: السخط والشيمة: والطبيعة، واليباب: القفر الموحش، والقراب: غمد السيف.
فيقول لكافور: لنا عند هذا الدهر حق يلطه ويمسكه، ويستأثر به ويحسبه، وقد قل إعتابه لنا مما نكره، وإعفاؤه إيانا مما نكرهه، وطال عتابنا في ذلك وتسخطنا، وتشكينا منه وتظلمنا.
(1/155)

ثم قال يخاطبه: وقد تحدث الأيام عندك شيمة في الإسعاف مشكورة، وتكتسبه حالا في الإحسان مأمولة، وتنغمر بسعادتك الأوقات بعد إقفارها ووحشتها، وتأنس بعد تباعدها وتغربها. يريد أن الزمان في جنبة كافور يطيب لأهله، ويعود الله فيه على ذوي المطالب بفضله، ويقرب عليهم من الزمان ما بعد، ويلين لهم من اختلافه ما استوعر وخشن.
ثم قال يخاطبه: ولا أملك إلا أنت، والملك فضلة بعدك، يريد: أنه يعظم الملك بنفسه، ويرفع شأنه بجلالة قدره، والملك بعده وآلاته فضول لا يحفل بمثلها، وزيادات لا تدعو حاجة إلى ذكرها، كأنك سيف فيه، وهو قراب يتخذ لصونك، وآلة تستعمل لحفظك، فالملك مضاف إليك، والفضائل فيه مقصورة عليك.
أَرَى لِي بِقُرْبي مِنْكَ عَيْنَاً قَرِيْرَةً ... وَإِنْ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ
وَهَلْ نَافِعي أَنْ تُرْفَعُ الحُجْبُ بَيْنَنَا ... وَدُونَ الَّذي أَمَّلْتُ مِنْكَ حِجَابُ؟!
العين القريرة: الساكنة بنظرها إلى ما تستحسن، والشوب: الخلط.
فيقول لكافور: أرى لنفسي باستقرابك لي، وما تظهره من الأنس بي، عينا قريرة بحسن رأيك، مسرورة اعتنائك، وإن كان ذلك الاستقراب مشوبا بالبعد عنك، منغصا بما احرمه منك.
ثم فسر ما ذكره فقال: وهل ينفعني الوصول إلى حضرتك، وارتفاع حجابك لي، بما تظهره لي من خاصتك، إذا كان دون ما أؤمله منك، حجب مانعة، واعترضت لي فيما أسألك إياه عوائق ظاهرة، فما الغبطة ببر لا ثمرة له، وإكرام لا يتصل الإسعاف به؟!
أَقِلُّ سَلاَمِي حُبَّ مَا خَفَّ عَنْكُمُ ... وَأَسْكُتُ كِيْمَا لا يَكُونُ جَوَابُ
وفي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وفيكَ فَطَانَةٌ ... سُكُوتِي بَيَانٌ عِنْدَها وخِطابُ
وما أَنَا بِالبَاغِي على الحُبَّ رِشْوَةً ... ضَعيفٌ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ
(1/156)

الفطنة والفطانة: صدق الظن، وحسن المعرفة، والرشوة: العطاء يتقرب به طالب الحاجة، والثواب: الجزاء الجميل.
فيقول لكافور: اختصر السلام عليك مؤثرا للتخفيف عنك، والتزم السكوت لكيما لا أمونك باقتضاء جواب منك، واستعمل فيما بيني وبينك أفضل الأدب، وأرغب بنفسي عن مواجهتك بالطلب.
ثم قال: وفي نفسي حاجات لي قد أخرت قضاءها، وفيك فطانة لا غاية وراءها، وضرورتي فيما أرغبه إلى المسألة، وما أنت عليه مع ذلك من ثاقب المعرفة، بيان لا إضمار فيه، وخطاب لا خفاء عليه. يشير إلى الولاية والإقطاع اللذين قدم المسألة فيهما، وتأخر عنه كافور بما رغبه منهما.
ثم قال مشيرا إلى كافور: وما أجعل ما ابتغيه منك جزاء عن محبتي، ولا أسأل ذلك رشوة على موالاتي وطاعتي، فالحب الذي يقصد به الثواب ضعيف في نفسه، والود الذي تبغي عليه الرشوة لا يغتر بمثله، ولكنني أرغب أن يكون تشرفي بك بحسب ما اعتقده من التأمل لك.
وَمَا شِئْتُ إِلاَّ أَنْ أَدُلَّ عَوَاذِلي ... عَلَى أَنَّ رَأْيي في هَواكَ صَوَابُ
وأْعْلِمَ قَوْمَا خَالَفُونِي، فَشَرَّقُوا ... وَغَرَّبْتُ: أَنَّي قد ظَفِرْتُ وَخًابوا
يقول: وما أردت فيما رغبته، ولا حاولت فيما سألته، إلا أن أدل عواذلي على قصدك، والمخالفين لي في الرحلة إلى أرضك، على أن رأيي في ذلك صواب لا تدفع صحته، ونجاح لا تمطل غبطته.
ثم قال: ولأعلم قوما خالفوني فيما أظهرته من التأميل لك، ونافروني فيما أنزلته من الثقة بك، فشرقوا راغبين عنك، وغربت راجيا في أن آخذ بحظي منك: أني قد ظفرت بما أملته، وخابوا مما وصلت إليه وأدركته.
جَرَى الخُلْفُ إِلاَّ فِيكَ أَنَّكَ وَاحِدٌ ... وَأَنَّكَ لَيْثٌ والمُلُوكُ ذِئَابُ
(1/157)

وَأَنَّكَ إِنْ قُويِسْتَ صَحَّفَ قَارِئُ ... ذِئَاباً ولم يُخْطِئ فَقَالَ ذُبَابُ
وَإِنَّ مَدِيحَ النَّاسِ حَقٌ وباطِلٌ ... وَمَدْحُكَ حَقٌ لَيْسَ فيهِ كذَابُ
الخلف: الخلاف، تقول العرب: أبيعك هذا الغلام وأبرأ إليك من خلفة فيه، يريدون: مخالفة، والليث: الأسد، والمقايسة: الموازنة والمماثلة، والذئاب: سباع معروفة، والتصحيف: قراءة الشيء على غير حقيقته، والكذاب: لغة في الكذب، يقال: كذاب وكذاب وكذب، كل ذلك بمعنى.
فيقول لكافور: جرى الخلاف بين الناس في تعظيم الملوك وتفضيلهم والترفيع بهم، ولا خلاف في أنك بينهم الأعظم، وزعيمهم الأفضل، وأنهم معك كالذباب مع الأسد، والأتباع مع الملك، يصغرون عنك، وتجل فيهم، ويتواضعون لك، وتقدر عليهم، وإنك إن قويست بهم على حقيقة المقايسة، وسبيل الإنصاف في الموازنة، فإنهم يصغرون عن أن يكون محلهم منك محل الذئاب من الأسد، بل يصحف القارئ الذئاب فيقول ذباب فلا يخطئ مع تصحيفه، ولا يفارق الصواب مع تبديله، وقد يعلم أن زيارتك عليهم أكثر من زيادة الأسد على الذئاب في قوة الأسر، وفوتك لهم أبين من فوت الأسد للذئاب في جملة الأمر.
ثم قال: ومن المعروف الذي لا خلاف فيه، أم ما يمدح الناس به يكون فيه الصدق والكذب، والحق والباطل، ومدحك وإن استعمل فيه المادح جهده، واستنفذ وسعه، صدق ولا طريق للكذب فيه، وحق لا سبيل للباطل عليه.
إِذا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فالمَالُ هَيَّنٌ ... وكُلُّ الذي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ
وَمَا كُنْتُ لَوْلاَ أَنْتَ إِلاَّ مُهَاجِراً ... لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بَلْجَةٌ وَصِحَابُ
وَلكِنَّكَ الدُّنيا إِليَّ حَبِيْبَةٌ ... فَمَا عَنْكَ لِي إِلاَّ إِليكَ ذَهَابُ
المهاجر: الذي يهجر بلده وينتقل إلى غيره، والصحاب: كثير جمع صاحب، يقال: صاحب وصحب، ثم يجمع على صحاب، كما يقال: راكب وركب، ثم يجمع ركب
(1/158)

على ركاب.
فيقول لكافور: إذا نلت رضاك ومودتك، ووافقت مرادك ومسرتك، فالمال قليل في جنب هذه الرفعة، وما استفيد منه حقير عند هذه الأثرة، وجميع ما على الأرض بالإضافة إلى ذلك كالتراب الذي لا يحفل بأمره، ولا يعرج على الاستكثار من جمعه.
ثم قال يخاطبه: وما كنت لولا سروري بقربك، وما تتابعه عندي من إحسانك وفضلك، إلا مهاجرا لا أستوطن بلدة، ومسافرا لا أعدم رحلة، أستجد كل يوم سفرة، وأحدث بقوم معرفة وصحبة.
ثم قال: ولكنك عندي كالدنيا التي طبعت القلوب على حبها، وجبلت على شدة الإعجاب بها، فما لي معول إلا عليك، ولا أعتقد ذهابا عنك إلا إليك.
(1/159)

نالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل النهار بعرق شديدة، فقال في ذلك في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة:
مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عَنِ المَلامِ ... وَوَقْعُ فَعَالِهِ فَوْقَ الكَلاَمِ
ذَرَاني والفَلاةَ بِلا دَلٍيلٍ ... وَوَجْهي والهَجِيْرَ بلا لِثامِ
فَإِنَّي أَسْتَرِيحُ بِذي وهذا ... وَأَتْعَبُ بالإنَاخَةِ والمَقَامِ
وقع الفعل: كونه وتأثيره، والفلاة: الأرض المقفرة، والهجير: حر نصف النهار، واللثام: القناع الذي يقع على الأنف فيستر ما تحته من الوجه، والإناخة: تعريض الإبل للبروك، والمقام والإقامة: بمعنى واحد.
فيقول لصاحبيه اللذين أنكرا عليه مراده في فراق كافور، والخروج عن مصر: فأنتما أيها العاذلان! لا تلومان مني ما يجل عن الملام، وتعذلان من يرتفع عن العذل، ومن يصدق قوله بما يفعله، وتزيد خبره على ما يذكره.
ثم قال يخاطبهما: ذراني وركوب الفلاة دون دليل استرشده، ومواجهة الهجير دون لثام استعمله، فإني غني عن الدليل لقوتي على اختراق القفر، وعن اللثام لجلدي على البرد والحر،
ثم أكد ما وصف به نفسه من الشدة، وما هو عليه من النفاذ والقوة، فقال: فإني أستريح بذي، يريد: الفلاة، وهذا، يريد: الهجير، وأتعب بالسكون والإناخة، وآلم للقرار والإقامة. يشير إلى أنه اعتاد الأسفار، فهو يستريح بها، ولم يعرف الإقامة، فهو يستوحش لها.
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْنِي ... وَكُلُّ بُغَامِ رَازِحَةٍ بُغَامِي
فَقَدْ أَردُ المِيَاهَ بِغَيْرِ هَادٍ ... سِوَى عَدَّي لَهَا بَرْقَ الغَمَامِ
الحائر: الذي لا يهتدي لسبيله، وبغام الناقة: صوتها عند الإعياء، والرازح من الإبل: الذي قد بالغه الكلال، وعده برق الغمام: إشارة إلى ما كانت العرب تفعله، وذلك أنهم كانوا يشيمون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا ولم يبعثوا رائدا
(1/160)

لثقتهم بالماء.
فيقول: إنه على مقدرة من الرحلة في القفار النائية، وقوة على التصرف في المهامه الشاسعة، دون ركاب تحمله، وبغير إبل تنقله، لإدلاله بشدته، ونفاذه في الفلوات بمعرفته، فإن حار عند ذلك، فعيون رواحله عينه، وإن أعيي فصوت ركائبه صوته. يشير إلى أنه لا يستعين بالركاب، ولا يفتقر إلى الأصحاب.
ثم أكد ما قدمه فقال: فقد أرد المياه في تلك القفار منقطعا إلى الوحدة، معولا على ما استند إليه من النفاذ والقوة، لا استعين بهاد استرشده، ولا أعول على دليل أقلده، غير البرق الذي أهتدي بلمعانه، وأعرف مواقعه بتتابع خفقانه، يشير إلى أنه من ملازمة الفلوات على مادة متقدمة، ومن الخبرة بها على معرفة متمكنة.
يُذِمُّ لِمُهْجَتِي رَبَّي وَسَيْفِي ... إذا احتَاجَ الوَحِيدُ إلى الذمَامِ
ولا أُمْسِي لأَهْلِ البُخْلِ ضَيْفَاً ... وَلَيْسَ قِرى سِوَى مُخَّ النَّعامِ
الذمام: العهد، ومخ النعام: مثل ضربه للعدم؛ لأن النعام لا يكاد يوجد له مخ في عظامها، وإنما هي جوف لا مخ لها، ولذلك لا ينجبر ما انكسر منها.
فيقول: أنه لا يحتاج إلى دمام يمتنع به، ولا إلى جوار ينعقد له، وإنما يذم له ربه بفضله، [ويجيره] سيفه بحده، فهو كثير بنفسه، يمتنع بقوته وبأسه، إذا كان الوحيد ممن سواه مفتقرا إلى ذمام يحفظه، ومحتاجا إلى مجير يمنعه.
ثم قال: ولا أرضى أن أوجد ضيفا للبخلاء، معولا فيما أحاوله على الأدنياء، يوهمون أنهم ينالونني برفدهم، ويستميلونني بفضلهم، وقراهم لي مخ النعام، الذي هو عدم لا يوجد، ومسمى لا يعهد، وإنما أشار إلى تبخيل كافور وذمته، وإلى استقلال ما صار إليه من عنده.
وَلَمَّا صَارَ وُدُّ النَّاسِ خِبَّاً ... جَزَيْتُ على ابْتِسَامٍ بابْتِسامِ
وَصِرْتُ أَشُكُّ فِيْمَنْ أَصْطَفِيْهِ ... لِعِلْمِي أَنَّهُ بَعْضُ الأَنَامِ
(1/161)

يُحِبُّ العَاقِلُونَ على التَّصَافِي ... وَحُبُّ الجاهِلِيْنَ على الوَسَامِ
الخب: [المكر والخديعة] والاصطفاء: الاختيار، والأنام: الخلق، والوسام، جمال المظهر.
فيقول: ولما صار ود الناس خبا لا حقيقة له، وكذبا لا يوثق به، جزيت على الابتسام في اللقاء بايتسام مثله، وقابلت ما أشاهده من النفاق؛ نفاق الناس بشكله.
ثم قال: وصرت فيمن أصطفيه ممن أوده، ومن أسكن إليه ممن أحبه، على شك لا أدافعه، وارتياب لا أنكره؛ لأن علمي بأمر ذلك الذي خبرته واحد من الأنام الذين عم الفساد جملتهم، وملك النفاق عامتهم.
ثم قال: يحب العاقلون على قدر ما يجدونه فيمن أحبوه من المصافاة والمشاكلة، والمؤاخاة والمشاركة، وحب الجاهلين على قدر وسامة من يخصونه بمحبتهم، ويحسب جاه من يعتمدونه بمودتهم، وإنما ذلك لأن مودتهم احتيالات لا يوثق بها، وصناعات لا حقيقة لها.
وآنف من أَخِي لأَبي وأُمي ... إِذا ما لَمْ أَجِدْهُ مِنَ الكِرامِ
أَرَى الأَجْدَادَ يَغْلِبُها كَثِيراً ... على الأَولادِ أخْلاقُ اللَّئامِ
وَلَسْتُ بِمقتنِعِ مِنْ كُلَّ فَضْلٍ ... بَأَنْ أعْزَى إلى جَد هُمَامِ
الأنفة: الغضب والحمية، وأعزى: أنسب، والجد الهمام: العظيم الهمة.
فيقول: [آنف] من استقراب أخي شقيقي، وأكرهه وأنفر عنه وأتجنبه، إذا لم أجده كريما يتزين بفضله، سريا تسكن النفوس إلى مثله، فآلفه لكرم شيمه، ولا آلفه لعدم ذلك؛ لقرب رحمه.
ثم قال: أرى كرام الأجداد يغلبهم كثيرا على أولادهم، ويسبقهم إلى أعقابهم تخلقهم بأخلاق اللئام؛ لكثرة المتخلقين بها، ورغبتهم في مذاهبهم؛ لما يباشرونه من اعتياد الناس لها، وليس الأعقاب محمولين على الأجداد والسلف، ولا يتوارث ما قدموه
(1/162)

من الشرف، وإنما يشرف الإنسان بنفسه، ويرفعه ما يتبين من فضله.
ثم قال: ولست اقنع من الشرف والفضل، واقتصر من الكرم والشرف، على أن أعزى إلى جد جليل قدره، وأنسب إلى أب رفيع ذكره، حتى أحرز الشرف، بما أحويه من كرم الخلال، واستحقه بما أحوزه من شرف الخصال.
عَجِبْتُ لِمَنْ لَهُ قَدٌّ وحَدٌّ ... وَيَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إشلى المَعَالِي ... فَلا يَذَرُ المَطِيَّ بِلا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ شَيْئاً ... كَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمامِ
القضم من السيوف: الذي طال عليه الدهر فكسر حده، والكهام: الذي ينبو عند القطع، والسنام: أعلى الظهر.
فيقول: عجبت لمن يؤتى بسطة في جسمه، وجرأة من نفسه، ويعجز عن النفاذ في مطالبه، ويقصر عن التقدم في مذاهبه، فيكون ظاهره ظاهر السيف الكهام، وحقيقته حقيقة الصارم الحسام. وإنما أشار إلى نفسه في مقامه بمصر خاملا مع قدرته في غيرها على الظهور، مقيما مع قوته على التنقل والمسير.
ثم قال على نحو ما قدمه: وعجبت ممن يجد السبيل إلى معالي الأمور فلا يعمل في ذلك نفسه، ويستنفذ فيه جهده. وجعل المطي الذي ذكرها إشارة إلى المعنى الذي قصده.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: ولم أر في عيوب الناس عيبا أظهر وأبين، وعجزا أبلغ وأمكن، من نقص من به على التمام أعظم قدرة، وخمول من له على الظهور أوفر قوة. وأشار بجميع هذا إلى نفسه، وإلى ما عليه في المقام بمصر من الإخلال لقدره.
أَقَمْتُ بِأَرْضِ نِصْرَ فَلا وَرَائِي ... تَخُبُّ بِيَ الرَّكَابُ ولا أَمَامي
وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وَكَانَ جَنْبِي ... يَمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلَّ عَامِ
(1/163)

قَلِيْلٌ عَائِدِي، سَقِمٌ فُؤادِي ... كَثِيْرٌ حَاسِدِي، صَعْبٌ مَرَامي
عَلِيلُ الجِسْمِ، مُمْتَنِعُ القيامِ ... شَدِيدُ السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ المُدَامِ
الخب: ضرب من العدو، والركاب: الإبل تحمل القوم، والمرام: المطلب، والمدام: الخمر.
فيقول: أقمت بأرض مصر لا أهم عنها برحلة، ولازمتها لا أزمع منها على نقلة، وهي نائبة بي غير موافقة، وموحشة لي غير ملائمة.
ثم قال: وملني الفراش لطول العلة، ولازمته مع شدة الضرورة، وما زال جنبي يمله في كل عام بغزوة استقبلها، وغبطة في الحركة أتعرفها.
ثم قال: وهاأنا الآن في مرضي، قليل من يعودني فآنس بقربه، ويعتقدني فأثق بوده، سقيم بفؤاد بما حصلت عليه من الخيبة، مستوحش النفس لما صرت إليه من الوحدة، كثير من يحسدني على النبل، ويصعب عليه ما أحرزته من الفصل.
ثم قال: وأنا مع ذلك عليل الجسم، لا أستطيع على القيام، متصل السكر، دون أن ألم بالمدام. يشير إلى شدة ضعفه، واستيلاء المرض عليه في جملة أمره.
وَزَائِرَتِي كَأَنَّ بِها حَيَاءً ... فَلَيْسَ تَزُورُ إِلاَّ في الظَّلامِ
بّذَلْتُ لها المَطَارفَ والحَشَايَا ... فَعَافَتْها، وَبَاتَتْ في عِظامي
يَضِيْقُ الجِلْدُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْهَا ... فَتُوسِعُهُ بِأَنْوَاعِ السَّقَامِ
المطارف: ثياب خز مربعة لها أعلام، [والحشايا]: واحدها حشية، [وهو ما حشي من الفرش مما يجلس عليه]، وتوسعه: بوزن تفعله، من قولهم أوسعت على فلان.
فيقول، وهو يشير إلى الحمى التي كانت تناله: وزائرتي التي تفتقدني، ومعتادتي التي تردني، كأن بها حياء في الزيارة لي، وخجلا عند الإلمام بي، فليس تزور إلا معتمة، ولا ترد إلا مستترة، وذلك أشد لألمها، وأبلغ في وجعها؛ لأنها توجب حينئذ السهر، وتثير البلابل والفكر، فأشار إلى هذا التشكي بوجه، بسطة للحمى من
(1/164)

العذر، ودل عليه بضرب، أظهره لها من الستر، وهذا باب من البديع مزج به الإيماء بالاستعارة، والكناية بمفهوم الإشارة.
ثم قال: بذلت لها المطارف الأنيقة، والحشايا الأثيرة، فعافت بما بذلته، وكرهت ما أعددته، واعتمدت عظامي تزحمها، ولازمتها توجعها وتؤلمها.
ثم قال على نحو ما قدمه: يضيق جلدي عني وعما يحاوله من الاشتمال به، وتطالبه من الاقتحام له، فتوسعه بأنواع السقم، وتغمه بضروب الألم، وكل هذا على نحو ما قدمه من الإشارة الكافية، والكناية المغنية.
إذا ما فَارَقَتْنِي غَسَّلَتْني ... كَأَنَّا عَاكِفَانِ على حَرَامِ
كَأَنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُها فَتَجْري ... مَدَامِعُها بِأَرْبَعَةٍ سِجَامِ
أرَاقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ ... مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
وَيَصْدُقُ وَعْدُها والصَّدْقُ شَرٌّ ... إذا ألْقَاكَ في الكُرَبِ العِظَامُ
العكوف على الشيء: الإقامة عليه، والمدامع: مخارج الدمع، وهي أمواق أربعة، واحدها موق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، لكل عين موقان، وهما أعلى ذلك الموضع وأسفله، والسجام: السائلة.
فيقول، مشيرا إلى الحمى: إذا ما فارقتني بعد طول المضاجعة، وتاركتني بعد شدة الملازمة، وأعقبتني من العرق ما هو كالغسل، وأحدثت علي به ضربا من الشغل، حتى كأننا عاكفان على حرام، نفترق عنه، ونستأنف الاغتسال منه.
ثم قال: كأن الصبح يطردها عني بما تحذره من الرقبة، ويفصلها بما هو عليها في الزيادة من الريبة، فتفارقني باكية، وتولي عني مشفقة، فتبلني بدمعها، وتوددني بما تظهر لمفارقتي من حزنها.
ثم قال: أراقب وقتها مراقبة الحذر، وأتعهده تعهد المنتظر، ويوجب ذلك شدة الإشفاق والتوقع، لا شدة الاشتياق والتطلع، وهي مع ذلك ملازمة غير متوقعة،
(1/165)

ومعاودة غير متخلفة.
ثم قال: ويصدق ما تعد به من العودة فلا تخلفه، وتلتزم الوفاء فيه فلا تغفله، والصدق في ذلك شر لك؛ لأنه يقودك إلى ما تكرهه، ويورطك فيما تحذره وتتوقعه.
أَبِنْتَ الدَّهْرِ عِنْدي كُلُّ بِنْتٍ ... فَكَيْفَ خَلَصْتِ أَنْتِ مِنَ الزَّحَامِ؟!
جَرَحْتِ مُجَرحاً لم يَبْقَ فِيْهِ ... مَكَانٌ لِلسُّيُوفِ ولا السَّهامِ
يقول: وهو يخاطب الحمى: أبنت الدهر، الطارقة من حوادثه، وناشئته الواردة من مكارهه، عندي كل بنت من نكباته يحدثها، وكل طارقة من صروفه يبعثها، فكيف خلصت أنت من زحام تلك الحوادث الواردة، وتضايق تلك النوائب القاصدة؟! فسمى الحمى بنت الدهر على سبيل الاستعارة، وأشار بما ذكره إلى اعتماد الدهر له بما يكرهه، وشدة تكرره عليه بما يؤلمه.
ثم قال، وهو يخاطب الحمى، ويشير إلى نفسه: جرحت مجرحا قد نهكته خطوب الدهر، وبالغته بما يقصده من الضر، فلم يبق فيه للسيوف مكان تناله بالضرب، ولا للسهام بقية تعتمدها بالرمي، فأشار إلى سوء حاله، ومبالغة الألم له، وشدة اغتراء الزمان به، وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة والتجوز.
ألا يا لَيْتَ شِعْرَ أتُمْسي ... تَصَرَّفُ في عِنَانٍ أو زِمَامِ
وَهَلْ أَرْمِي هَوَايَ بِراقِصاتٍ ... مُحَلاَّةِ المَقَاوِدِ بِاللُّغَامِ
الشعر: مصدر شعرت بالشي، إذا انتبهت له، ونسب ذلك إلى يده على سبيل الاستعارة، والزمام: المقود الذي يصرف به البعير، وهو له كالعنان للفرس، واللغام: ما ترمي أفواه الإبل من الزبد، والراقصات: التي كأنها تتوائب في سيرها، والإبل توصف بذلك.
فيقول مستبطئا لما كان يهم به من الارتحال عن مصر، ومشيرا إلى تأسفه على
(1/166)

طول المقام بها: ألا ليت شعر يدي هل لها سبيل إلى عدم التضجع في مصر، والتخلص منها بتصريف أزمة الإبل في السير، وأعنة الخيل في العدو، فأصير إلى ما اعتدته، وأعمل نفسي فيما عهدته وعرفته؟!
ثم قال: وهل تؤول الحال بي إلى أن أرمي ما أحاوله وأرغبه، وأهواه وأؤمله، براقصات من الإبل أحثها في السير، وأحهدها وأداومها به، واستعجلها حتى يصير لعابها على أزمتها كأنه حلي يشملها، ونظام يحسنها.
فَرُبَّتَما شَفَيْتُ غَلِيْلَ صَدْري ... بِسَيْرٍ أو قَنَاةٍ أو حُسَامِ
وَضَاقَتْ خُطَّةٌ فَخَلَصْتُ مِنْها ... خَلاصَ الخَمْرِ مِنْ نَسْجِ الفِدامِ
وَفَارَقْتُ الحَبِيْبَ بِلا وَدَاعٍ ... وَوَدَّعْتُ البِلادَ بِلا سَلاَمِ
غليل الصدر: حرارته، والخطة: الحالة، والفدام: آلة تكون على فم الإبريق تصفى بها الخمر.
فيقول: فربتما شفيت صدري من حره، وداويته من سقمه، بسير استعمله في رحلة، وقناة أو سيف أصرفهما في غزوة.
ثم قال: ورب خطة ضيقة، صعبة متعذرة، خلصت منها بعزم نافذ، وأقدمت عليها بقلب صارم، واقتحمت بين شدائدها، ونفذت في مكارهها، وخرجت عنها خروج الخمر من الفدام، التي لا يمسكها بضيق مخارجه، ولا يوقفها بدقة مسالكه.
ثم قال: وفارقت الحبيب عند ذلك على عمل أذهلني عن مرغوب الوداع، وودعت البلاد على شغل عوقني عن معهود السلام، يريد: أنه على عادة من الوقوع تحت مخاوف الطلب، وعلى قوة من التقحم على مكاره الغرر.
يَقُولُ لِيَ الطَّبيبُ: أَكَلْتَ شَيْئاً ... وَدَاؤُكَ في شَرَابِكَ والطَّعَامِ
وما في طِبَّهِ أَنَّي جَوَادٌ ... أَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبَّرَ في السَّرايا ... وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ
(1/167)

فَأُمْسِكَ لا يُطَالُ لَهُ فَيَرْعى ... وَلاَ هُوَ في العَلِيقِ ولا اللَّجامِ
الجواد: الفرس الكريم، والجمام: الدعة وقلة التعب، والقتام: الغبار، والعليق: القضيم الذي يعلق على الدابة.
فيقول: يكفني الطبيب في علتي عن الأكل، ويحذرني من الخطأ في التطعيم والشرب، على العادة المعهودة في المعالجة، وما تؤثره الأطباء من الملاطفة.
ثم قال: وما في علم الطبيب الملم بي، والمعالج المتفقد لي، أني كالجواد الذي أضر الجمام بجسمه، وبعث عليه أسباب سقمه، وهو يصلحه التعب، ويستثير قوته النجاء والطلب، فأشار إلى أنه يألف الأسفار، ويستكره الدعة والقرار.
ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر الجواد الذي كنى به عن نفسه: تعود ذلك الجواد أن يثير الغبار في الغارات، ويستعمل الجد في الغزوات، ويخرج من قتام يقطعه، إلى قتام يرهج به ويبعثه، جاهدا لا يفتر، ومعتزما لا يقصر.
ثم قال: فأمسك الآن مقصودا على ما يكرهه، ممنوعا مما يألفه ويرغبه، لا يطال له عند الرعي، ولا يتسع له في العليق والقضم، ولا يتصرف في لجامه غازيا، ولا يختال بتحمله سائرا، فأشار إلى ضبط كافور له بمصر ألطف إشارة، وعبر عن ضيق الحال فيها أحسن عبارة، وضرب لنفسه مثلا بالجواد، أبدع في استعارته، وبلغ فيه غاية البيان بكنايته.
غَإِنْ أَمْرَضْ فَما مَرِضَ اصْطِبَارِي ... وَإِنْ أحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعْتِزَامِي
وَإِنْ أَسْلَمْ فَمَا أَبْقَى وَلكِنْ ... سَلِمْتُ مِنَ الحِمَامِ إلى الحِمَامِ
الحِمَامِ: الموت.
فيقول: فإن مرضت وبالغني المرض، وحممت وخامرني الألم، فإن صبري في غاية الصحة، وعلى أفضل ما عهدته عليه من القوة، وإن حممت فإن عزمي نافذ لا تعلق الحمى به، ثابت لا تتعرض العلل له.
(1/168)

ثم قال: وإن أفضيت من العلة إلى السلامة، ومن المرض إلى الكفاية، فإنما أسلم من الموت ومصيري إليه، وأعدل عنه ولا بد من الورود عليه.
تَمَتَّعْ مِنْ سُهادٍ أو رُقَادٍ ... ولا تَأْمُلْ كَرى تَحْتَ الرَّجامِ
فإِنَّ لِثَالِثِ الحالتَيْنِ مَعْنى ... سِوَى مَعْنى انْتِبَاهِكَ والمَنَامِ
السهاد: عدم الرقاد، والكرى: النعاس، والرجام: القبور، الواحد: رجم.
فيقول، وهو يخاطب نفسه: تمتع من النوم واليقظة، ومن السكون والحركة، ولا تأمل النوم في برد أباطيل الدنيا، بعد زيارة لحدك، وانصرام عمركن فإن الموت يهدم اللذات، وينقل عن معهود الراحات.
ثم قال: وتيقن أن بعد اليقظة والنوم معنى ثالثا من الحق، وحالا منتظرة من الجد، هي غير هذه الأباطيل، وخلاف هذه التكاذيب، فلتلك الحال فاعمل بجهدك، وإليها فاقصد بسعيك، فإنما تطلبك ولا تغفلك، وتعجبك ولا تمطلك.
(1/169)

قدم أبو شجاع فاتك (المعروف بالمجنون) من الفيوم إلى مصر، فواصل أبا الطيب، وحمل إليه هدية قيمتها ألف دينار، فقال يمدحه، أنشدها لتسع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مَالُ ... فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لم يْسْعِدِ الحَالُ
واجْزِ الأَمِيْرَ نُعْمَاهُ فَاجِئَةٌ ... بِغَيْرِ قَوْلٍ ونُعْمَى النَّاسِ أَقْوَالُ
فَرُبَّما جَزتِ الإحْسَانَ مُوْلِيَهُ ... خَرِيْدَةٌ مِنْ عَذَارى الحَيَّ مِكْسَالُ
الفاجئ من الأمور: الذي يرد بغتة، والخريدة: الحيية من النساء، والعذارى: الأبكار، والمكسال من النساء: التي لا تكاد تبرح من موضعها.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومشيرا إلى ما ابتدأه به فاتك من فضله: لا خيل عندك تقارض بها من تاحفك بخيله، ولا مال تجازي به من وصلك بماله، فإذا قصر بك يسارك ووفرك، فليسعدك على المقارضة لسانك وشكرك.
ثم قال مشيرا إلى فاتك: وأجز الأمير الذي يفجأ إنعامه وفضله، فيسبقان مقاله ووعده، وأكثر نعم الناس أقوال لا حقيقة لها، وعدات لا يتصل الإنجاز بها.
ثم قال: فربما جزت الإحسان الخريدة الحفرة، والعذراء المكسال المستترة، بحسن اعترافها بالفضل، ومقابلته ببذل المجهود في الشكر. ومن قابل الإحسان بنشره، فهو كمن جازى عليه بفعله.
وإِنْ مُحْكَمَاتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُني ... ظُهُورَ جَرْيٍ فَلِي فِهن تَصْهَالُ
وَمَا شَكَرْتُ لأَنَّ المَالَ فَرَّحَنِي ... سِيَّانَ عِنْدي إكثارٌ وإقلاَلُ
لكِنْ رَأَيْتُ قَبيْحا أَنْ يُجَادَ لَنَا ... وَأَنَّنا بِقَضَاءِ الحَقَّ بُخَّالُ
المحكمات: المتقنات، والشكل: القيود، الواحد: شكال، والتصهال: صوت الفرس، والسيان: المثلان، والبخال: أهل الشح والضنانة، واحدهم باخل.
فيقول: وإن قيود الإقلال، ومحكمات شكل الإقتار، تمنعني من مجازاة أهل الكرم، ومساواة المتفضلين بالنعم، فلي فيهم بما أنظمه من الشعر، وما أخلده من الشكر،
(1/170)

تصهال يخبر عما أنويه وأضمره، ومقال يعرب عما أريده واعتقده، كما أن الفرس الكريم إذا عاقته الشكل عن جريه، دل صهيله على عتقه.
ثم قال: وما اشكر فرحا بالمال، وارتياحا له، وحرصا عليه، واعتزازا به، فسيان عندي الإكثار والإقلال، والسعة والإقتار؛ لما اعتقده من القناعة، واحتمل عليه من النزاهة، والمكثر والمقل متفقان في فراق حاليهما على عجل، والمتاركة لهما على غير مهل. فأمور الدنيا فانية، وعواريها منقطعة زائلة.
ثم قال: ولكنني رأيت أن من القبيح الذي لا يجمل، وخلاف الإنصاف الذي لا يحسن، أن يجاد لنا بجزيل العطاء، ولا نقضي حق ذلك بمخلد الثناء. فأشار أن مدحه لفاتك، مع ما ابتدأه به من الفضل، وتابعه له من البر، فرض لا يسمح تركه، وواجب لا يضيع مثله.
فَكُنْتُ مَنْبِتَ رَوْضِ الحَزْنِ باكَرَهُ ... غَيْثٌ بِغَيْرِ سِبَاخِ الأَرْضِ هطَّالُ
غَيْثٌ يُبَيَّنُ لِلنُّظَّارِ مَوْقِعُهُ ... أَنَّ الغَيُوثُ بما تَأْتِيهِ جُهَّالُ
الحزن: ما غلظ من الأرض وارتفع، والسباخ من الأرض: مواضع مالحة ينبع فيها الماء، ولا يكون فيها نبت، واحدتها: سبخة، والغيث: المطر المحمود، والهطال: المتتابع.
فيقول مخبرا عن نفسه: فكنت بما أسداه إلي فاتك من الفضل، وما ابتدأني به من الإحسان والبر، كمنبت روض الحزن إذا باكره الغيث بسقيه، وجاد عليه بصوبه، فآنق وأعجب، وحسن وأبهج. فأراد أن النعمة أصابت منه أهلها، وحلت عند من يستقل بشكرها، وكانت كالغيث يصيب الحزن، ولم تكن كالغيث الذي يصوب على سباخ الأرض، فيضيع ولا ينبت، ويذهب ولا يثمر.
ثم قال، وهو يشير إلى جلالة ما وضع عنده فاتك من إحسانه، وكثرة ما أظهره عليه من إنعامه: إن ذلك الانفصال كان ضربا من الغيث، يبين موقعه للنظار أن
(1/171)

الغيوث لا تحل محله، ولا تبلغ مبلغه، وأنها جاهلة بما يدركه، مقصرة عما يفعله، وأن السحاب لا يماثله في جوده، ولا يساويه فيما يبذله من فضله. فأشار إلى كثرة ما وضع عنده فاتك من العطاء ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة.
لا يُدْرِكُ المَجْدَ إِلاَّ سَيَّدٌ فَطِنٌ ... لِمَا يَشُقُّ عَلَى السَّادَاتِ فَعالُ
لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بِغَيْرِ السَّيفِ سَئالُ
يقول: لا يدرك المجد ويبلغه، ويجوزه ويكسبه، إلا سيد ثاقب الفطنة، فاضل كريم الجبلة، يفعل من الجميل ما يشق على السادات فعله، ويخلد من الكرم ما يتعذر على ذوي الإحسان مثله.
ثم قال: لا وارث لما وهب فيكون جاهلا بحقيقة قدره، ولا كسوب بغير السيف فيهون عليه ما يسمح ببذله، ولكنه غصب ما أكتسبه من غير مسئلة، وغلب عليه دون استعمال رغبة، فأعطى المال بعدما عاناه من المشقة من جمعه، وجاد به بعدما تكلفه من المغالبة على كسبه. فأشار إلى أن جمع المال بنفسه، وأدرك الشرف بشجاعته وبأسه، وأعطى بكرم طبعه، ولم يجهل مقدار ما بذله من فضله.
قالَ الزَّمانُ لَهُ قَوْلاً فَأَفْهَمَهُ ... إِنَّ الزَّمانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ
تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بِرَاحتِهِ ... أَنَّ الشَّقِيَّ بِهَا خَيْلٌ وَأَبْطَالُ
الأبطال: الشجعان من الرجال، الواحد: بطل.
فيقول: إن الزمان نادى فاتكا فأفهمه، ووعظه فأسمعه وعرفه، أنه على الإمساك عذال لا يفتر عذله، ولائم لا يقلع لومه، فألف الجود لعلمه بحسن عواقبه، وعادى البخل لتيقنه بقبح مصائره، ورأى أن الزمان لا يمتع البخيل بما كسب، ولا يفقد الجواد خلفا فيما وهب وبذل.
ثم قال: تدري القناة عند اهتزازها براحته، وتصرفها على حسب إرادته، أن الشقي بها خيل يعتودها بالطعن، وأبطال يعمهم بالتجريح والقتل. فأشار إلى أن
(1/172)

السلاح أطال صحبته، حتى عرف مذاهبه، ولازمه حتى تيقن مقاصده.
كَفَاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنْقَصَةٌ ... كالشَّمْس قُلْتُ، وما لِلشَّمْسِ أَمْثَالُ
القائِدُ الأسْدَ غَذَّتْها بَرَاثِنُهُ ... بِمِثْلِها مِنْ عِداهُ وهيَ أَشْبالُ
القاتِلُ السَّيْفَ في جِسْمِ القَتِيْلِ بِهِ ... وَلِلسُّيُوفِ كما لِلنَّاسِ آجالُ
براثن الأسد: مخالبها، والأشبال: صغار الأسد، والآجال: أوقات الهلاك، الواحد: أجل.
فيقول: والسيد المدرك للمجد هو فاتك، هذا الممدوح، في كرم خصاله، وشرف خلاله، ودخول الكاف في تشبيهه منقص لما أكمله الله من مجده، وأفرده به من جلالة قدره؛ لأنه كالشمس في شرف عنصرها، وعلو موضعها، وما للشمس أشباه تعادلها، ولا أمثال تقارنها.
ثم قال مشيرا إليه: القائد الأسد من اصحابه، والسباع الضارية من أشياعه الذين غذاهم بقتل نظرائهم من الفرسان، وعودهم الإيقاع بأمثالهم من الأقران، وهم كالأشبال التي لم تتكامل قوتها، وصغار السباع التي تتناهى شدتها، فأنسها بالوقائع حتى قوى أسرها، واقتحم بها على المهالك حتى بلغت الأشد من سنها.
ثم قال، وهو يريد فاتكا: القاتل السيف في جسم من يقتله، والكاسر له في أعضاء من يضربه، والسيوف كالناس في الفناء الذي يدركها، والآجال التي بلغها. فأشار إلى أن فاتكا في غاية الجرأة، وضربه في غاية الشدة والقوة.
تُغِيْرُ مِنْهُ عَلَى الغَاراتِ هَيْبَتُهُ ... ومَا لَهُ بأَقاصِي الأَرْض أَهْمَالُ
لَهُ مِنَ الوَحْشِ ما اخْتَارَتْ أَسِنَّتُهُ ... عَيْرٌ وَهيْقٌ وَخَنْسَاءٌ وَذَيَّالُ
الأهمال: [الإبل] المتروكة لا يعنى بحفظها، واحدها همل، والمال، الماشية من الإبل والبقر والغنم، والوحش: كل ما لا يستأنس من دواب البر، والعير هاهنا: حمار الوحش، والهيق: ذكر النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والخنس: انخفاض
(1/173)

قصبة الأنف، وعرض أرنبته، والذيال: الثور الوحشي.
فيقول: إن فاتكا لبعد ذكره، وجلالة قدره، تتهيبه الفرسان في غاراتها فتحجم عن مقابلة أعماله، وتحذره فتعرض مولية عن السائمة من ماله، وهي مهملة ر يحفل بأمرها، ومتروكة لا يعرج على حفظها.
ثم قال، يشير إلى ما فاتك عليه، من مواصلة الغارات، وملازمة الفلوات، والتقوت بلحوم الوحش، والمعرفة بصيده، والاقتدار على جميع صنوفه: له من الوحش ما اختاره وقصده، وحاوله واعتمده، لا تفوت رغبته، ولا تسبق أسنته، فحمار الوحش وظليم النعان والذكر والأنثى من البقر، سواء عليه، وضرب واحد عنده، يسبق جميع ذلك بركضه، ويملكه بكرم خيله.
تُمْسِي الضُّيُوفُ مُشَهَّاةً يَعَقْوَتِهِ ... كَأَنَّ أَوْقَاتَها في الطَّيبِ آصالُ
لو اشْتَهَتْ لَحْمَ قَارِيْهَا لَبَادَرَها ... خَرَادِلٌ مِنْهُ في الشَّيْزَى وأَوْصَالُ
المشهي: الذي يعطي شهوته، والعقوة: ما حول الدار، والآصال: العشايا، الواحدة: أصيل، والقاري: المضيف، والخرادل: القطع، والشيزى: جفن تصنع من الشيزى وهو خشب أسود.
فيقول: تمسي الضيوف إذا احتلت بأفنية دار فاتك مكرمين، لا يمطلون لشهوة، مرفهين لا يستوحشون إلى نعمة، كأن أوقاتهم آصال في برد نسيمها، وما يتصل لهم من مسراتها ونعيمها.
ثم قال: ولو اشتهوا لحم القاري لهم لما تعذر عليهم لانخلاعه في مبرتهم، وحرصه على موافقتهم ومسرتهم، ولبادرهم منه خرادل مقطعة، وأوصال في الشيزى ممثلة، فكيف يظن بسائر ذلك مما يمكن إكرامهم به، وما يقدر استحسانهم له؟! وهذا من الإفراط الذي يخبر فيه بما لا يمكن، إشارة إلى استيفاء غاية ما يمكن.
(1/174)

لا يَعْرِفُ الرُّزَْء في مَالٍ ولا وَلَدٍ ... إِلاَّ إِذَا حَفَزَ الأَضْيافَ تِرحَالُ
يُرْوي صَدَى الأَرْضِ مِنْ فَضْلاتِ ما شَرِبُوا ... مَحضُ اللَّقَاحِ وَصَافِي اللَونِ سَلْسَالُ
الصدى: العطش، والمحض: اللبن الذي لم يشبه ماء، واللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة الحلوب، والسلسال والسلاسل: الذي يسهل جريه في الحلق، وأراد هاهنا الخمر، وذكرها على المعنى؛ لأن الخمر في معناها شراب، والشراب مذكر، والعرب تؤنثها وتذكرها، والتأنيث أشهر.
فيقول: إن فاتكا ممدوحه كريم الضيافة، مشهور السماحة، مرحب بقاصده، شديد الأنس بزائره، لا يوجعه الرزء لفقدان ماله وولده اللاصقين بنفسه، كايجاع فقدان أضيافه، ولا يوحشه ذلك كإيحاش ترحل زواره.
ثم قال مشيرا إلى سعة ضيافته، وكثرة ما يبذله للزوار من كرامته: يروي صدى الأرض بفضلات ما يسقيه أضيافه من اللبن والخمر، وما يتابع لهم من الألطاف والبر، فيفضل عنهم من ذلك ما يقوم للأرض مقام السقي البالغ، وما يحل محل المطر الساجم. وهذا ما قدمنا تفسيره من استجازة الوصف بما لا يمكن، إشارة إلى بلوغ غاية ما يمكن.
تَقْرِي صَوَارمُهُ السَّاعاتِ عَبْطَ دَمٍ ... كأَنما السَّاعُ نُزَّالٌ وَقُفَّالُ
تَجْري النُّفُوسُ حَوَالَيْهِ مُخَلَّطَةً ... مِنْها عُدَاةٌ وَأَغْنَامٌ وآبالُ
لا يَحْرِمُ البُعْدُ أَهْلَ البُعْدِ نائِلَهُ ... وَغَيْرُ عَاجِزَةٍ عَنْهُ الأطَيْفالُ
القرى: الضيافة، وعبط الدم: إجراؤه عبيطا، والعبيط: الطري، والساع: جمع ساعة من ساعات الزمان، والنزال والقفال: الأضياف الذين منهم من يقصد فينزل، ومنهم من ينصرف فيقفل، والآبال: جمع إبل على سبيل التكثير، والنائل: العطاء، والأطيفال: صغار الصبيان، وصغر الجمع على لفظه.
فيقول: إن فاتكا يعم ساعات زمانه بدماء يسفكها فيها، وأنفس يتلفها عند ورودها،
(1/175)

حتى كأن ساعات زمانه متضيقة عليه، فهو يقضي بالقرى واجب حقها، ويعتبط الدماء فيها بإجرائها وسفكها.
ثم أكد ذلك وفسره فقال: تجري النفوس حواليه مختلفة، ويكثر إتلافه لها ممتزجة، ومن تلك النفوس نفوس أعداء يتلفها بالقتل، وفيها نفوس أغنام وآبال يذهبها بالذبح والعقر؛ فمن تلك النفوس ما يذهب به الإكرام والضيافة، ومنها ما يذهب به الإيقاع والإخافة، فساعدته مشمولة بالحالتين، مغمورة بهذين الأمرين.
ثم قال: وهو يشير إلى فاتك: لا يحرم البعد نائله من بعد عنه، ولا يعوق مؤمله عما رجاه؛ لأن جوده يعم عموم الغيث، ويفيض كفيض البحر، فهو يدرك النائي البعيد، كما يشمل الداني القريب، وليس يعجز صغار الأطفال عن الاشتمال به، ولا يخرجها الصغر عن التناول له؛ لأنه عام لا خصوص فيه، ممكن لا يعترض المنع عليه، يدركه الكبير والصغير، ويتقلب فيه القريب والبعيد.
أَمْضَى الفَرِيْقَيْنِ في أَقْرانِهِ ظُبَةً ... والبِيْضُ هادِيَةٌ والسُّمْرُ ضُلالُ
يُرِيكَ مَخْبَرُهُ أَضْعَافَ مَنْظَرهِ ... بَينْ الرّجالِ وفِيها المَاءُ والآلُ
وَقَدْ يُلَقبُهُ المَجْنُونَ حاسِدُهُ ... إِذا اخْتَلَطْنَ وَبَعْضُ العَقلِ عُقالُ
القرن: الند والمثل، والظبة: حد السيف، والهادي إلى الشيء: الذي يقصده بوجهه، والآل: السراب، وهو الذي يتخيل في قيعان الأرض عند شدة الحر، كأنه ماء، والعقال: داء يكون في أرجل الدواب يمنعها من المشي.
فيقول: إن فاتكا شديد البأس، مقدام النفس، وإنه أمضى الفريقين ظبة من أصحابه واعدائه، إذا حميت الحرب واستمر الجلاد والضرب، وقصرت الرماح وضلت، عن مقاصدها، وضاق المجال عن استعمال التطاعن بها، وصار الأمر إلى مباشرة الحتوف والتجالد بالسيوف، فصارت السيوف هادية مبصرة، والرماح متضللة مقصرة، فحينئذ يكون فاتك أمضى الفريقين من أصحابه وأعدائه، وأنفذ
(1/176)

الطائفتين من أوليائه وأضداده.
ثم قال: إن فاتكا وإن كان جمع الجمال والوسامة، والبهاء والجلالة فإنه يريك بما يخبره من فضله، وتؤديه المحبة إليك من كرمه وبأسه، أضعاف ما يؤديه ظاهره في الرجال، وما يتعرف فيه من الوسامة والجمال، وفي الرجال ما هو كالماء الذي يرويك ولا يعطشك، ويصدقك ولا يخذلك، وفيها ما هو كالآل الذي يكذب ولا يصدق، ويخدع ولا ينفع.
ثم قال: وقد يلقبه المجنون حاسده الذي لا يلحقه، وظالمه الذي لا ينصفه، وإنما ألزمه هذا اللقب إقدامه على الطعن والضرب، واقتحامه في غمرات الحرب، وبعض العقل في ذلك الموقف عقال يعقل صاحبه، وسبب من أسباب الضعف يعجز إلفه، وكان فاتك يلقب بالمجنون، ففسر عليه أبو الطيب هذا اللقب تفسيرا أذهب قبحه، وحسن عند المنكر له أن يتقلد مثله.
يَرْمِي بِهَا الجَيْشَ لا بُدَّ لَهُ وَلَهَا ... مِنْ شَقَّهِ ولو أَنَّ الجَيْشَ أَجْبَالُ
إِذا العِدَى نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُ ... لم يَجْتَمِعْ لَهُمْ حِلْمٌ ورئْبالُ
فيقول مشيرا إلى السيوف التي قدم ذكرها: يرمي بها الجيش الذي يناصبه، والجمع الذي يتعرض له، ولا بد له ولتلك السيوف المطيفة به من شق ذلك الجيش، وفض ذلك الجمع، ولو كان هضابا عارضة، وأجبالا قاتلة.
ثم قال: إذا العدى المتمرسون، والأضداد المتعرضون له، نشبت مخالبه فيهم، وأظهر سطوته عليهم، لم يجتمع لهم في ذلك الموطن أسد تحذر عاديته، وحلم تؤمن بادرته، فأشار إلى أن الاستسهال للموت، والاقتحام على الحرب، ليس من طريق الحلم، ولا تحمل عليها أحكام العقل.
يَرُوعُهُمْ مِنْهُ دَهْرٌ صَرْفُهُ أَبداً ... مُجَاهِرٌ وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تَغْتالُ
أَنالَهُ الشَّرَفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ ... فَمَا الَّذي بِتَوَقي ما أَتَى نالوا
(1/177)

إِذا المُلُوكُ تَحَلَّتْ كانَ حِلْيَتُهُ ... مُهَنَّدٌ وأَصَمُّ الكَعْبِ عَسَّالُ
يروعهم: يفزعهم، وصروف الدهر: ما يقع من حوادثه، والمجاهرة بالشيء: الإعلان به، والاغتيال: الإهلاك على غفلة، والشرف: ارتفاع المنزلة في الفضل، والتوقي: التوقع، والمهند: السيف، والأصم: اليابس، والكعب: العقدة الناشزة في آخر كل أنبوب من القناة، والعسال: المضطرب، وأراد الرمح بهذه الصفة.
فيقول مشيرا إلى فاتك، ومخبرا عن أعدائه: يروعهم منه ملك، هو كالدهر في قدرته عليهم، ونفاذ ما يريده فيهم، إلا أن ما يبعثه عليهم من صروفه، إنما يبعثه مجاهرا، ويمضيه على الأعداء مغالبه، والدهر يغتال بصروفه، ولا يؤذن بخطوبه، فجعل لفاتك على الدهر مزية بينة، وزيادة ظاهرة.
ثم قال: أناله من الشرف أعلى منازله، ومن السلطان أرفع مراتبه؛ إقدامه وجرأته، واقتحامه على المهالك وشدته، فما الذي ناله أعداؤه بتوقيهم لما أقدم عليه، وإبطائهم عما تسرع إليه؟
ثم قال: إذا الملوك تحلت بحسن الملبس، وقدرت لأنفسها الهيبة بجمال المنظر، كان فاتك المذكور حليته سيف مهند يتقلده، ورمح عسال يتحمله، يريد: أنه احتاز الرئاسة مغالبة بسيفه، واستحقها لشجاعة نفسه.
أَبو شُجاع أبو الشُّجْعانِ قاطِبَةً ... هَوْلٌ نَمَتْهُ مِنَ الهَيْجَاءِ أَهْوالُ
تَمَلَّكَ الحَمْدَ حَتى ما لِمُفْتَخِرٍ ... في الحَمْدِ حَاءٌ ولا مِيْمٌ ولا دَالُ
عَلَيْهِ مِنْهُ سَرَابِيْلٌ مُضَاعَفَةٌ ... وَقَدْ كَفَاهُ مِنَ الماذِيَّ سِرْبَالُ
قاطبة: يؤيد جميعا، والهول: ما أخاف وأفزع، والمضاعف من الثياب: الذي يكون عليه مثله، والماذي: الدروع.
فيقول، وهو يريد فاتكا: أبو شجاع كنيته، وهي له صفة ثابتة، وحقيقة ظاهره؛ لأنه أبو الشجعان قاطبة، برئاسته فيهم واستعلائه عليهم، وأنه كبيرهم وقدوتهم،
(1/178)

وقطبهم وعمدتهم، والهول الذي ينميه من الحرب أهوال لا يعهد مثلها، ولا يشارك في شرفها وفضلها.
ثم قال: تملك الحمد وأحاط به، واحتازه وأصبح خالصا له، فما لأحد منه نصيب يعلم، ولا حظ يتبين ويعرف، وجعل ذكر الحاء والميم والدال إشارة [إلى] انفراده بجملته، واحتيازه لعامته.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: عليه من الحمد سرابيل مضاعفة، وحلل متتابعة؛ يشير إلى رغبته فيه، واستكثاره منه، وليس عليه من الدروع إلا سربال واحد؛ لأنه لا يكثر التوقع، ولا يحتفل في التحرز. فأشار إلى أنه مستكثر مما يشتمل به من كريم الذكر، ومستخف بما يدفع به عادية الحرب، فوصفه بالرغبة في الإحسان، وقلة التوقع عند لقاء الأقران.
وكَيْفَ أَسْتُرُ ما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَقَدْ غَمَرْتَ نَوالاً أَيُّها النَّالُ
لَطَّفْتَ رَأيَكَ في وَصْلي وَتَكْرُمَتِي ... إنَّ الكَرِيْمَ عَلى العَلْيَاءِ يَحْتَالُ
حَتَّى غَدَوْتَ وَلِلأَخْبَارِ تَجْوَالٌ ... ولِلكَواكِبِ في كَفيْكَ آمالُ
النوال: العطاء، والنال: الكثير النوال، يقال: رجل نال: إذا كان كثير النوال، كما يقال رجل مال، إذا كان كثير المال، روى ذلك يعقوب، ولطفت: بلغت الغاية من الرفق.
فيقول، وهو يخاطب فاتكا: وكيف استر ما أوليتني من الفضل، وأغفل ما ألزمتني من الشكر، قد أفضت علي بحورا غمرتني من جودك، وحملتني أعباء أثقلتني من برك، يا أيها النال الذي لا ينقطع نواله، ولا يتأخر تطوله وإفضاله.
ثم قال: لطفت رأيك فيما فتحته لي من باب صلتك، وما خصصتني من ظاهر كرامتك، إن الكريم على العلياء محتال لا تعجز حيلته، ومجتهد لا تضعف نيته.
ثم قال: حتى غدوت بما أوليتني من فضلك، وما وجدت لي من إحسانك وبرك،
(1/179)

قد جعلت للأخبار مجالا تستعمل في ذكره، ومكانا تتصرف في مثله، وصيرت الكواكب مع علو مواضعها، وارتفاع منازلها، تأمل من يديك زيادة في الرفعة، واستكثارا من علو الرتبة.
وهذا من الغلو الذي أشار فيه بذكر ما لا يمكن إلى إحراز غاية ما يجوز ويمكن.
وَقَدْ أَطَالَ ثَنائي طُول لابِسِهِ ... إِنَّ الثَّنَاَء عَلَى التَّنْبالِ تِنْبالُ
إِنْ كُنْتَ تَكْبُرُ أَنْ تَخْتَالَ في بَشَرٍ ... فإِنَّ قَدْرَكَ في الأَقْدَارِ يَخْتَالُ
التنبال: القصير من الرجال، والاختيال: إظهار الزهو والعجب.
فيقول مشيرا إلى فاتك: وقد أطال لساني بالثناء، وفتح لب باب المدح والإطراء، جلالة قدر من مدحته، وكثرة فضائل من وصفته، وإنما أنا في ذلك ذاكر لما عاينت، ومخبر عما شاهدت، والثناء إنما يقصر على التقصير الحال، الراغب عن الكرم والإفضال.
ثم قال، يخاطب فاتكا: إن كنت تكبر عن استعمال الاختيال والزهو، وتكلف التعظم والكبر في بشر أنت منهم، ومن قوم أنت فيهم، فقدرك في أقدار الملوك المتشبهين بك، يختا بجلالته، وينفرد برفعته وفخامته.
كَأَنَّ نَفْسَكَ لا تَرْضَاكَ صَاحِبَها ... إلاَّ وَأَنْتَ على المِفْضالِ مِفْضَالُ
ولا تَعُدُّكَ صَوَّانا لِمُهْجَتِها ... إِلا وأَنْتَ لَهَا في الرَّوْعِ بَذَّالُ
الروع: الفزع.
فيقول: كأن نفسك لا تألفك راضية بفعلك، ولا تصحبك شاكرة لسعيك، حتى يكون كل مفضال إنما يفضل بما تعب له، ويجود بما تعطيه وتبذله.
ثم قال: وكأن نفسك لا تعدك صائنا لمهجتها، ولا تعتقدك ساعيا في مسرتها وغبطتها، إلا إذا ابتذلتها في الروع، بتقحم المهالك، وعرضتها في الحرب لمواجهة المتالف.
(1/180)

لأَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ كُلُّهُمُ ... الجودُ يُفْقِرُ والإقْدَامُ قَتَّالُ
وإنما يَبْلُغُ الإِنْسَانُ طَاقَتَهُ ... ما كُلُّ مَاشِيَةٍ بالرَّجْلِ شِمْلالُ
الشملال: الناقة القوية السريعة.
فيقول مبينا لصواب ما قدم ذكره من أفعال فاتك: لولا المشقة في إيثار المجد، وكثرة التمون في اكتساب الحمد، لساد الناس كلهم، وأدركوا الشرف بأسرهم، ولكن الجود يورث الإقلال والفقر، والشجاعة توجب التلف والقتل، وهذه الشدائد لا يتكلفها إلا من شرف طبعه، ولا يتحملها إلا من وطن على المكاره نفسه.
ثم أكد ما قدمه، فقال: وإنما يبلغ المرء فيما يقصده مقدار طاقته، ويدرك ما يحاوله على حسب استطاعته، فليس كل كريم يحوز غاية الكرم، ولا كل شريف يبلغ نهاية الشرف، كما أن كل ماشية من النوق برجلها شملال سريعة، وكريمة النجار قوية، وكذلك ليس كل من يتعاطى الكرم من الأمراء، ويوصف بالتقدم والفضل من الرؤساء، يبلغ في ذلك مبلغ فاتك الذي لا يعادل في فضله، ولا يماثل في جلالة قدره.
إِنَّا لَغِي زَمَنٍ تَرْكُ القَبِيحِ بِهِ ... مِنْ كْثَرِ النَّاسِ إِحْسانٌ وإجْمَالُ
ذِكْرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني، وحاجَتُهُ ... ما قاتَهُ، وَفُضولُ العَيْشِ أَشْغَالُ
يقول منبها على غرابة فاتك في دهره، وانفراده بالكرم من أبناء عصره: إنا من إدبار خير الزمان، وزهد أهله في الفضل والإحسان، لفي زمن إمساك أهله عن قبيح الفعل، وتأخرهم عن مذموم السعي، [فضل] يؤثر، وإحسان يحمد ويشكر، فكيف أتفق فيه مثل فاتك، وهو رئيس المحسنين، وزعيم الكرماء المنعمين؟!.
ثم قال، مشيرا إلى ما خلده فاتك من الفضل، وأبقى على نفسه من جميل الذكر، وأن التوفيق في ذلك موصول برأيه، والصواب مقصور على فعله: ذكر الفتى بجميل مساعيه، وما يخلده من مكارمه ومعاليه، عمره الثاني التالي لعمره، وحظه
(1/181)

من الدنيا المبقي لذكره، وحاجته فيما عدا هذا قوت يبلغه، وكفاف من العيش يستره، ومن رغب من الدنيا غير ذلك، فإنما يتعلق بفضول تشغله، وأباطيل تموته.
تم السفر بحمد الله وعونه وتأييده وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما. يتلوه: ومات أبو شجاع فاتك.
(1/182)