Advertisement

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي السفر الثاني 002

الجزء الثاني
توفي أبو شجاع فاتك بمصر، فقال أبو الطيب يرثيه قبل خروجه من مصر، وأظهر الشعر بعد خروجه منها:
الحُزنُ يُقلِقُ والتَجَمَّلُ يَردَعُ ... والدَّمعُ بَينَهُما عَصِيٌّ طَيِّعُ
يَتَنازَعَانِ دُمُوعَ عَينِ مُسَهَّدٍ ... هذا يَجِيءُ بِهَا وهذا يَرجِعُ
النَّومُ بَعدَ أبي شُجَاعٍ نَافِرٍ ... واللَّيلُ مُعيٍ والكَواكِبُ ظُلَّعُ
الردع: الكف، وعصي: فعيل من العصيان، وفيه معنى المبالغة، والطيع، والمستحكم الطاعة، وانتزاع الشيء: الاعتماد له، والظلع: البطيئة السير، التي كأنها تتوجع في مشيها، الواحد: ظالع.
فيقول: الحزن يقلق المحزون فيغلبه على الصبر، ويدعوه إلى كشف ما يسره من الأمر، والتجمل يكف ذلك ويردعه، ويصرف عنه ويمنعه، والدمع يطيل التجمل فيتوقف ويذهب، ويغلب عليه الحزن فيفيض ويسكب.
ثم قال، وهو يشير إلى التجمل والحزن: يتنازعان دموع عين محزون مسهد، مفجوع مرزأ، فالتجمل يعوق الدموع ويكفها، والتأسف يجيء بها ويحثها.
ثم قال: النوم بعد أبي شجاع، يريد فاتكا، نافر لا يرجع، وشاد لا يسكن، والليل لطول مدته، ووفور جملته، كالمعيي الذي لا يرحل، والمقيم الذي لا يظعن، والكواكب فيه ظالعة لا تنهض في الذهاب، وثابتة لا تهم بالانتقال. يشير إلى
(2/1)

استطالته لليل بما يهيج له من الحزن، واستبطائه بحركات نجومه لما يقاسي فيه من الوجد.
إنَّي لأجبُنُ مِن فِراق أَحبَّتي ... وَتُحسُّ نَفسي بالحِمامِ فأشجُعُ
وَيَزَيدُني غَضَبُ الأعَادِي قَسوَةً ... وَيُلمُّ بي عَتبُ الصَّدِيقِ فأجزَعُ
الحمام: الموت، والعتب: الموجدة.
فيقول باسطا لعذره، فيما وصف به نفسه من الجزع، واستحكام الهلع لمصاب فاتك: إني لأجبن من فراق من أحبه؛ إيثارا للوفاء، وأضعف عن تحمل ذلك، مراعاة لأذمة الإخاء، وأحس بالموت فأشجع على مواجهته، وأتيقنه فلا أشفق من مباشرته.
ثم أكد ما قدمه فقال: ويزيدني غضب الأعادي أنفة وقسوة، ويبعث مني إعراضهم حمية وجرأة، ويلم بي عتب الصديق فأجزع، وأسلم لأمره، ويتزيد علي فأرضيه، وأقصر نفسي على حكمه. يشير إلى أن جزعه على فاتك لم يكن عن خور وضعف منة، وإنما كان عن كرم ووفاء جبلة.
تَصفُو الحَيَاةُ لِجَاهِلٍ أو غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى فيها وما يُتَوَقَّعُ
وَلِمَنْ يُغالِطُ في الحَقَائِقِ نَفسَهُ ... وَيَسُومُها طَلَبَ المُحَالِ فَتَطمَعُ
يقول: أن الحياة لا تصفو لمن يلحظ الدنيا بعين المعرفة، ويتأملها تأمل الدراية والتجربة، وإنما تصفو لجاهل لا يعرف عواقبها فيتوقعها، أو غافل لا يمتثل تصاريفها فيتذكرها.
ثم قال على نحو ما قدمه: وتصفو الدنيا لمن يكابر فيها عقله، وتحسن عند من يغالط فيها نفسه، ويسومها المحال فتركن إليه، ويمنيها إياه فتعتمد بأملها عليه.
أينَ الَّذي الهَرمَان مِن بُنيانِهِ ... ما قَومُهُ ما يَومُهُ ما المَصرَعُ؟!
تَتَخَلَّفُ الآثارُ عَن أَصحَابِها ... حِينَاً، ويَدرِكُها الفَنَاءُ فَتتَبعُ
(2/2)

الهرمان: بناءان عظيمان بأرض مصر، لا يكاد يعرف الباني لهما، وهما ثابتان بحسن بنائهما، غير متغيرين لقوتهما وإتقانهما.
فيقول منبها على أن الدنيا مفنية لأهلها، متنكرة على كل من اغتر بها: أين الذي بنى الهرمين، فدل ببنائهما على قوته، وأبقاهما شاهدين على تمكنه وقدرته؟! كيف تظن بقومه وكثرتهم وتمكنهم وقوتهم؟! وكيف تظن بيومه الذي انصرفت فيه مدته، ومصرعه الذي عجزت عنه قوته؟! أما عفت الدنيا على آثار ملكه، وأفنته ومن استضاف إليه من قومه؟!.
ثم قال مشيرا إلى الهرمين، ونبها على أن الفناء سيدركهما، والخراب سينالهما ويلحقهما: تتخلف الآثار عن أصحابها مدة، فتدل على أحوالهم في القوة ومنازلهم في الاقتدار والبسطة، ثم ينالها ما نالهم من الإنقضاء، ويدركها ما أدركهم من الفناء، فتذهب الآثار كما ذهب المؤثرون لها، وتعدم كما عدم الذين دلوا على أنفسهم بها. هذه حال الدنيا وأهلها، والمعهود من تصرفها وفعلها.
لَمْ يُرضِ قَلبَ أبي شُجَاعٍ مَبلَغٌ ... قَبلَ المَمَاتِ ولم يَسَعهُ مَوضِعُ
كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَملُوَءةً ... ذَهَباً فَمَاتَ وَكُلُّ دارٍ بَلقَعُ
وإذا المَكَارِمُ والصَّوارِهُ والقَنَا ... وَبَناتُ أعوَجَ كُلُّ شَيءٍ يَجمَعُ
البلقع: الخالية التي لا شيء فيها، وبنات أعوج: الخيل، وأعوج: فحل معروف.
فيقول: لم يبلغ فاتك من الرفعة مبلغا إلا رآه قليلا لنفسه، متواضعا عند جلالة قدره، وكذلك لم يملك جهة من الأرض إلا ضاقت عن همته، وقصرت مع سعتها عن الوفاء برغبته.
ثم قال: كنا نظن مع كثرة جبايته، وسعة أقطاره وولايته، أن دياره مملوءة بالذهب، وأن حاله في ذلك حال الجامع المكتسب، فمات ومال كل دار أن تكون خالية من ساكنها، بلقعا بعد ذهاب عامرها.
(2/3)

ثم قال: فلما شهدنا ما اقتناه وجمعه، واكتسبه وذخره، فإذا ذلك هبات قصرت عليه ذكر مكارمه، وسلاح وخيل أعدها بملاحم وقائعه.
المَجْدُ أَخسَرُ والمَكَارِمُ صَفْقَةً ... مِنْ أن يَعِيشَ لها الكَرِيمُ الأروَعُ
والنَّاسُ أَنزَلُ في زَمَانِكَ مَنزِلاً ... مِنْ أَنْ تُعايِشَهُمْ وَقَدرُكَ أَرفَعُ
الأروع من الرجال: ذو الجسم التام والمنظر الجميل، والإنزال: التواضع.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: المجد والمكارم أضيع وأخسر، وأتعس وأخيب، من أن يعيش لها فاتك الكريم، الموكل بحفظها، الأروع الجامع لشملها.
ثم قال، وهو يخاطبه: والناس من أهل زمانك أنزل منزلة، وأوضع مكانا ومرتبة من ان تعايشهم مع مباينتك لهم، وتصحبهم مع قلة اشتباهك بهم؛ لأنك ترتفع عنهم ويتواضعون عنك، وتكبر عن مماثلتهم ويتباينون منك.
بَرِّدْ حَشَايَ إِنْ استَطَعتَ بِلَفظَةٍ ... فَلَقَدْ تَضُرُّ إذا تَشَاءُ وَتَنفَعُ
مَا كانَ مِنكَ إلى خَلِيلٍ قَبلَها ... ما يُستَرابُ بِهِ ولا ما يُوجِعُ
يقول مشيرا إلى ما بنفسه عليه من شدة الوجد، وما يضمره من الأسف والحزن: برد حشاي أيها المفقود بلفظة أسمعها، وإشارة أتبينها، فقديما كنت تقول فيسمع، وتضر إذا تشاء وتنفع.
ثم قال: ما كان منك إلى أحبتك قبل أن تفجعهم بنفسك، وتطرقهم الأيام بفقدك، فعل ينكرونه فيريبهم، ويكرهونه فيوجعهم، وما زلت تشملهم بفضلك، وتعتمدهم بإحسانك وبرك، وبحسب ذلك أوجعت قلوبهم، وأبكيت بمصابك عيونهم.
وَلَقَدْ أراكَ وَما تُلِمُّ مُلِمَّةٌ ... إلاَّ نَفَاهَا عَنكَ قَلبٌ أصمَعُ
وَيَدٌ كَأنَّ نَوَالَها وقِتَالَها ... فَرضٌ يَحِقُّ عَليكَ وَهوَ تَبرُّعُ
الأصمعي: الذكي، والتبرع: التطوع.
فيقول: وهو يخاطب فاتكا: ولقد بلوتك وما تطرقك ملمة من الدهر، ولا تعن لك
(2/4)

عظيمة من الأمر، إلا نفى عنك وما تحذر من ذلك، قلب ذكي لا تنازعه الغفلة، ونفس جريئة لا تعارضها الهيبة.
ثم قال: ونفى ذلك عنك يد باذلة للنوال، قوية باطشة في القتال، كأن البذل والهبة، والنفاذ والقوة، فرض عليها لا تستبد منه، ولزام لا تجد محيصا عنه.
يا مَنْ يُبَدِّلُ كُلَّ وَقتٍ حُلَّةً ... أَنَّى رَضَيتُ بِحُلَّةٍ لا تُنزَعُ؟!
ما زِلتَ تَخلَعُها عَلَى مَن شَاَءها ... حَتَّى لَبِسْتَ اليَومَ ما لا يُخلَعُ
ما زِلتَ تَدفَعُ كُلَّ أَمرٍ فَادحٍ ... حَتَّى أَتَى الأمرُ الذي لا يُدفَعُ
الحلة: ثوبان يلبسهما الرجل مجتمعين، والفادح: الأمر الذي يثقل حامله.
فيقول، وهو يشير إلى فاتك: يا من يبدل كل وقت حلة يفيتها عن نفسه، بأن يخلعها على زائره، ويهبها لقاصده، كيف رضيت من اكفانك بحلة لا تنزع، واشتملت منها بلبسة لا توهب؟!.
ثم قال: ما زلت تخلع ملابسك خلع مبرة وإكرام، وتبذلها بذل تطول وإنعام، حتى لبست من جهاز الموت ما لا يوهب وأحاط بك منها ما لا يفارق وينزع.
ثم قال: وهو يريده: ما زلت تدفع كل فادح يطرقك بنفاذك وقوتك، وتستظهر عليه باقتدارك وجرأتك، حتى أتاك من الموت أمر لا يدفع بتصرف وحيلة، ولا يستكف بجلالة وقدرة.
فَظَلِلتَ تَنظُرُ لا رِمَاحُكَ شُرَّعٌ فِيمَا ... عَرَاكَ ولا سُيُوفُكَ قُطَّعُ
بِأبي الوَحِيدُ وَجَيشُهُ مُتَكَاثِرٌ يَبكي ... وَمِنْ شَرِّ السِّلاحِ الأدمُعُ
وإذا حَصَلتَ مِنَ السِّلاحِ على البُكا ... فَحشَاكَ رُعتَ بِهَا وخَدَّاكَ تَقرَعُ
إشراع الرماح: بسط الأيدي بها، والقرع: الضرب.
فيقول نادبا لفاتك: فظللت تنظر إلى الموت نظر المسلم، وتلحظه بعين المحكم، لا تطيق مدافعته، ولا تمكنك مباطشته، قد عجزت رماحك عن مطاعنته، وقصرت
(2/5)

سيوفك عن مجالدته، فسطا عليك سطوة المالك لك، وغلبك غلبة المحيط بك.
ثم قال مشيرا إليه: بأبي الوحيد من الأنصار مع تكاثر جيشه، المفرد من الأصحاب مع توافر جمعه، الباكي على نفسه عند تيقنه بفناء عمره، ومن شر السلاح عند المدافعة، وأظهره تقصيرا عند المغالبة، البكاء الذي لا ينفع المستعمل له، والدمع الذي لا يغني المستظهر به.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وأجرى قوله مجرى لمثلك وإذا حصلت من سلاحك على الحزن، ومن أنصارك على الدمع، فحشاك تروع بحزنك، وخداك تقرع بدمعك، والبكاء الذي ترتقب نصرته هو الذي يقصر عليك مكروهه وسطوته.
وَصَلَتْ إليكَ يَدٌ سَواءٌ عِندَها البَازِيُ ... الأشَيهبُ والغُرابُ الأبقَعُ
مَنْ لِلمَحَافِلِ والجَحَافِلِ والسُّرَى؟ ... فَقَدَتْ بِفَقدِاكَ نَيِّراً لا يَطلُعُ
وَمَنِ اتَّخَذْتَ على الضُّيوفِ خَلِيفَةً؟ ... ضَاعوا وَمَثلُكَ لا يَكادُ يُضيَّعُ
الباز: معروف، والأشهب: الذي غلب البياض على لونه، والغراب الأبقع: الذي في صدره بياض، ذكر ذلك رواة اللغة، والمحافل: جمع محفل، وهو المجتمع، والجحافل: جمع جحفل، وهو العسكر العظيم، والسرى: سير الليل، والنيران: الشمس القمر.
فيقول، هو يردي فاتكا: وصلت إليك من الموت يد لا يفلتها ما تأخذه، ولا يفوتها ما تقصده، سواء عندها الشريف والمشروف، والقوي والضعيف، فعلها في الباز الأشهب مع كرمه ورفعته، كفعلها في الغراب الأبقع مع قبحه وضعته، وكذلك نالك منها أيها الرئيس المعظم، وأدركك من مكروهها أيها السيد المقدم، كالذي يدرك الخامل الذي لا قدر له، والساقط الذي لا يحفل به.
ثم قال متفجعا عليه: من للمحافل (في إرشاد جماعتها، والجحافل) في تصريف كتائبها، وللسرى عند انتهاز فرص الحرب، وطلب الغرة من الأعداء في الغزو؟
(2/6)

فقدت أيها الرئيس بفقدك المرشد الذي كانت تستمد برأيه، والنير الذي كانت تهتدي بضوئه، فعدمت ما كانت تعهده عنده، وغرب ذلك النير غروبا لا يطلع بعده.
ثم قال متفجعا عليه: ومن اتخذت خليفة على ضيوفك الذين كنت تسر بقربهم، وتلتذ بما تتكلف في برهم؟ ضاعوا بعدك بما لحقهم من فقدك، وعدموا ما عهدوه من فضلك، ومثلك لا يضيع في حياته قاصده، ولا يخيب من مبرته زائرة، ولكن المنايا تغلب العادات، والأيام بتصرفها تفرق الجماعات.
قُبحَاً لِوَجهِكَ يا زَمانُ! فإِنَّهُ ... وَجهٌ لَهُ مِنْ كُلِّ قُبحٍ بُرقُعُ
أيَمُوتُ مِثلُ أَبي شُجَاعٍ فَاتِكٍ ... وَيَعيشُ حَاسِدُهُ الخَصِيُّ الأوكَعُ؟!
أيدٍ مُقطَّعَةٌ حَوَالي رَأسِهِ ... وَقَفاً يَصِيحُ بها: أَلا مَنْ يَصفَعُ؟
البرقع: معروف، والأوكع: الأحمق، والصفع: ضرب القفا باليد.
فيقول متظلما من الزمان، ومستنكرا لفعله، ومنبها على جوره: قبح الله وجهك أيها الزمان وأتعبه، وأهانه ولا أكرمه، فإنه وجه متبرقع بضروب من القبح، مستتر بصنوف اللؤم، لا يحمد مثله، ولا يشكر فعله.
ثم قال: أيموت مثل أبي شجاع فاتك، عماد الإفضال والكرم، وولي الآلاء والنعم، وبعيش كافور حاسده اللئيم الأوضع، والخصي المنقوص الأوكع؟!.
ثم قال، وهو يريد كافورا، مشيرا إلى عبوديته، ومخبرا عن سقوطه ودناءته: أيد حواليه لم يبعد عهدها بضربه، وتوجعها بتناول أدبه. وقفا يناديها منه، مع ما صار إليها من الرفعة، وما حصل عليه من الرئاسة والإمرة، استيحاشا للعادة، وترقبا لامتهان العبودية: ألا من يصفع على من عهدت؟ فيصير ويضرب، فأسلم ولا أنكر.
أَبقَيتَ أَكاذِبٍ أَبقَيتَهُ ... وَأَخذتَ أَصدَقَ مَن يَقُولُ وَيَسمَعُ
وَتَركتَ أَنتَنَ رِيحَةٍ مَذمُومَةٍ ... وَسَلَبتَ أَطيَبَ رِيحَةٍ تَتَضَوَّعُ
(2/7)

التضوع: شدة الفوح.
فيقول مخاطبا للزمان، ومؤكدا لما قدم من ملامته: أبقيت من كافور أكذب من أبقيته من الكاذبين، وأسقط من غادرته من المتأخرين، وأخذت أصدق من يقول فلا ينكر صدقه، وأكرم من يسمع فلا ينكر فضله.
ثم قال، وهو يخاطب الزمان: وتركت من كافور الأسود، أنتن ريحة وأخبثها، وأحقها بالذم وأكرهها، وسلبت من فاتك أطيل مشموم تعيق ريحه، وأكرم مشهور يتضوع فوحه.
فَاليَومَ قَرَّ لِكُلِّ وَحشٍ نافِرٍ دَمُهُ ... وَكَانَ كَأَنَّهُ يَتَطَلَّعُ
وَتَصَالَحَتْ ثَمَرُ السِّياطِ وَخَيلُهُ ... وَأَوَتْ إليها سُوقُها والأذرُعُ
وَعَفَا الطِّرادُ فلا سِنَانٌ رَاعِفٌ ... فَوقَ القَنَاةِ ولا حُسَامٌ يَلمَعُ
التطلع: الاستشراف، وثمر السياط: العقد التي تكون فيها، وأوت: سكنت ورجعت، وعفا: درس وذهب، والطراد: التجاول في الحرب، والسنان: سنان الرمح، والراعف: الذي يقطر منه الدم، والحسام: السيف القاطع، ويلمع: يبرق.
فيقول: فاليوم قر بوفاة فاتك دم كل وحش نافر كان يتوقع اقتناصه وتصيده إياه، وكان ذلك الدم كأنه يحس بالسفك ويتطلع إلى الجري. يشير إلى أن فاتكا كان يلازم الصيد بمواصلته للغزوات، وتبديه في المهامه والفلوات.
ثم قال: والآن تصالحت بوفاته ثمر السياط وخيله التي كان يستعجلها في العدو، ويستكرهها على مطاولة الغزو، وأوت إلى تلك الخيل أذرعها وسوقها بغراحتها وصيانتها، وجمامها وإقامتها؛ لأنها تثنيها راقدة، وتصرفها على اختيارها وادعة، وكانت بحياة فاتك لا تنفك من عجل، وكأنها كانت من الخيل بمعزل.
ثم قال: وعفا الطراد بوفاة فاتك ودرس، فلا سنان بعده يرعف باستعماله في المطاعنة، ولا حسام يلمع بتصريفه عند المجالدة. يشير إلى أن فاتكا كان عماد
(2/8)

الأمراء المتمرسين في زمانه بالحرب، والمشهورين بمداومة الطعن والضرب.
وَلَّى وَكُلُّ مُخالِمٍ وَمُنَادِمٍ بَعدَ ... اللُّزومِ مُشبِّعٌ وَمُودِّعُ
قَدْ كانَ فِيهِ لِكُلِّ قَومٍ مَلجأٌ ... وَلِسَيفِهِ في كُلِّ قَومٍ مَرتَعُ
المخالم: المصادق، والمنادم: المشارب، والمرتع: الموضع السري المتمكن الرعي.
فيقول، وهو يريد فاتكا: ولى عند النهوض به إلى قبره، والتقديم إلى لحده، وكل من أمله وخالمه، وعول عليه ونادمه، مشيعون له غير مؤانسين، ومودعون غير ملازمين.
ثم قال: قد كان فيه لكل من والاه وأطاعه ملجأ يتمسك بعصمته، وكان لسيفه في كل من عصاه وخالفه مرتع يروع القلوب بسطوته.
إنْ حَلَّ في فُرسٍ فَفيها رَبُّهَا ... كِسرى تَذلُّ لَهُ الرِّقابُ وَتَخضَعُ
أَو حَلَّ في رُومٍ فَفِيها قَيصَرٌ ... أو حَلَّ في عُربٍ فَفِيها تُبَّعُ
يقول: أن فاتكا كان معظما في كل أمة، معترفا بفضله في جل فرقة، فأن حل بين الفرس، لحظته العين التي كانت تلحظ بها كسرى، رب ملكها، والمنفرد بتدبير أمرها، فخضعت الفرس لطاعته، واعترفت برفعته وجلالته.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأن حل بين الروم أحلته محل قيصر ملكها المقدم، ومتوجها المعظم، فاحتملت على حكمه، وسلمت لأمره، وأن حل بين العرب كان كتبع، متوج جماعتها، والمتقدم في رئاستها، ولا يدفع فضله، ولا يخالف أمره، فأشار إلى أن فاتكا كان مقدما في جميع الأمم، محرزا لغاية البأس والكرم.
قَدْ كَانَ أَسرَعَ فَارِسٍ في طَعنَةٍ فَرَساً، ... وَلكنَّ المَنِيَّةَ أسرَعُ
لا قَلَّبتْ أيدي الفَوارِسِ بَعدَهُ رُمحَاً، ... ولا حَمَلَتْ جَواداً أَربَعُ
يقول: وهو يريد فاتكا: قد كان أسرع الفرسان فرسا إلى الطعن، وأشدهم إقداما على تقحم غمرات الحرب، ولكن المنية أسرع في إدراك ما تقصده، وأقرب إلى
(2/9)

ما تبغيه وتعتمده.
ثم قال، على سبيل الدعاء والتأكيد لما قدمه عليه من الثناء: لا قلبت أيدي الفوارس رمحا بعده، فإنها عاجزة عن سعيه، ولا حملت الخيل قوائمها، فإنها مقصرة عن نكاية العدو لفقده. فأشار إلى أن السلاح والخيل إنما كانا يكرمان بما يظهر فاتك فيهما من رغبته، وما كان يستعملها فيه مما يدعو إليه علو همته.
(2/10)

وقال أيضا بالكوفة يرثيه، وكتب بها.
حَتَّامَ نَحنُ نُسَارِي النَّجمَ في الظُّلَمِ ... وَمَا سُراهُ على خُفٍّ ولا قَدَمِ؟
وَلا يُحِسُّ بِأجفانٍ يُحِسُّ بِها ... فَقدَ الرُّقادِ غَرِيبٌ باتَ لَمْ يَنَمِ
الكسارات: المفاعلة من السرى، وهو سير الليل، والنجم: واحد النجوم، وقد يراد به الجميع، ويخبر عنه على ذلك، قال الله عز وجل: (والنجم إذا هوى)، قال اكثر أهل التفسير: أنه أقسم بغروب النجوم، والخف للجمل كالقدم للرجل، وكالحافر للدابة.
فيقول مستطيلا لأسفاره، ومنبها على كثرة رحله: إلى متى ترقب النجوم وتصحبها، وتجاريها في قطع الظلام وتمتثلها، وشأننا في ذلك غير شأنها، وسبيلنا غير سبيلها؛ لأنها ليست بذات خفاف فتتألم السير، ولا بذوات أقدام فتتهيب الليل، فنحن وإبلنا تتشكى من السرى، ما لا تحفل النجوم بمثله، وتتوجع منه لما هي مجبولة على فعله.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا تحس النجوم طول السهر، وفقد النوم في السفر، بأجفان يحس بها غريب شارد النوم، متعب متغير الحال. فأشار بما ذكره من مسارات النجوم إلى اتصال رحله، وبما هو عليه من قلة النوم إلى شدة ألمه.
تُسَوِّدُ الشَّمسُ مِنَّا بِيضَ أَوجُهِنَا ... ولا تُسَوِّدُ بِيضَ العُذرِ واللِّمَمِ
وَكَانَ حَالُهُما في الحُكمِ وَاحِدٌ ... لو احتَكَمنَا مِنَ الدُّنيا إلى حَكَمِ
وَنَتركُ المَاَء لا يَنفَكُّ مِنْ سَفَرٍ ... ما سَارَ في الغَيمِ مِنهُ سَارَ في الأدَمِ
العذر جمع عذار، وهو شعر العرض، واللمم: جمع لمة، وهي ما يكثر من شعر الرأس، فيزيد على الوفرة، والغيم: النوء الذي يكون عن تكاثف السحاب، والأدم: جلود يصنع منها القرب وغيرها.
فيقول: تسود الشمس منا فيما نعانيه من الرحيل، وما تتكلفه من السفر، بياض وجوهنا، وتذهب بنضرة جمالنا، وتبقي الشيب فلا تغيره، وتعرض عنه فلا تسوده
(2/11)

تناقلا عما نأمله، وسرعا إلى ما تكرهه، وإيذانا بفناء العمر، وتنبيها على اقتراب الهرم.
ثم قال مشيرا إلى اتصال أسفاره: ونترك الماء على ما نحن عليه من مداومة الترحل، ومعاناة السفر والتنقل، فما كان منه في السحاب فأودعته الأرض بانسكابها به، وصيرته في بطونها بأمطارها له، تزودنا مستكثرين، وحملناه غير مستبدين، فما كان ينتقل منه في السحاب المستعلية، نقلناه في المزواد والأسقية.
لا أُبغِضُ العِيسَ لكِنَّي وَقَيتُ بِهَا ... قَلبِي مِنَ الحُزنِ أو جِسمِي مِنَ السَّقَمِ
طَردتُ مِن مِصر أَيديها بأَرجُلهِا ... حَتَّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ والعَلَمِ
تَبري لَهُنَّ نَعَامُ الدُّوِّ مُسرَجَةً ... تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخَاةَ باللُّجُمِ
العيس: الجمال البيض، وهي من كرائم الجمال، ومرقن: يعني خرجن، يقال: مرق السهم من الرمية؛ إذا خرج عنها، وجوش والعلم: موضعان معروفان، وتبري: تعرض، والجدل: أزمة الجمال التي تقاد بها، واحدها جديل.
فيقول مشيرا إلى تخلصه من كافور، ومواصلته بالسير من مصر إلى أرض العراق: لا أبغض العيس ولا أنكر فضلها، ولا أزال أتشكر فعلها، وقد وقيت بها قلبي ما كان يحبه من الحزن، وكفيت بها جسمي ما كان يتوقاه من السقم. يشير إلى أن الإبل التي تخلص بها من مصر، وفات بها من كافور، استوجبت الشكر؛ لأنها استنقذته مما كرهه، وأدرك عليها ما حاوله ورغبه.
ثم قال مشيرا إلى شدة سيره، واعتزامه على ما حاوله من أمره؛ قرنت أيدي هذه الإبل بأرجلها، استعجلها بغاية الجهد للطلب الذي كنت أحذره، وسوء مذهب كافور الذي كنت أتيقنه، حتى مرقن بنا من جوش والعلم، فأمنت ما حذرت، واستبعدت ما كرهت.
ثم قال: تبري بهذه الإبل الخيل التي جنبناها مسرجة، وتعترض جدلها باللجم
(2/12)

متصرفة، وكنى عنها بنعام الدو، مشيرا إلى ما كانت عليه من سرعة السير، وما كلفها فيه من وجهته من ملازمة القفر، والعرب تضرب المثل بالنعام في السرعة فيقولون لمن أفرط في الهرب: (أشرد من ظلم)، و (شالت نعامة بني فلان)، وللنعام في القوة على ملازمة الفلوات حال لا تجهل، وقوة لا تنكر، فكنى عن الخيل التي جنبها في وجهتها بهذا الاسم، ووسمها لنفاذها في ملازمة القفر بهذا الوسم.
في غِلمَةٍ أَخطَروا أرواحَهُمْ وَرَضوا ... بِمَا لَقينَ رِضَى الأيسَارِ بالزَّلَمِ
تَبدو لَنَا كُلَّما أَلقوا عَمَائِمَهُمْ ... عَمَائِمٌ خُلِقَتْ سُودَاً بِلا لُثُمِ
بِيضُ العَوَارِضِ طَعَّانينَ مَنْ لَحِقُوا ... مِنَ الفَوَارِسِ شَلاَّلِينَ لِلنِّعَمِ
الخطر: الغرر، وأخطر الرجل نفسه: إذا عرضها لذلك، والأيسار: الذين يقترعون في الميسر، والزلم: قدح لا ريش له، وقداح الميسر كذلك، وكل واحد من الأيسار مسلم لما يصيبه بالقدح الذي يخرج له، واللثم: جمع لثام، وهو ما ستر الفم من مقنع أو عمامة، والعوارض: جمع عارض، وهو الذي يصل بين الرأس واللحية من الشعر، والشل: الطرد، والنعم: الإبل تختلط بالغنم وسائر الماشية.
فيقول: أنه قطع القفر الذي قدم ذكره، في غلمة رضي صحبتهم، وخبر إقدامهم وجرأتهم، فأخطروا معه أنفسهم مغررين، وتقحموا مكروه المخافة موطنين، ورضوا بما تجشمته خيلهم وركائبهم غير متسخطين، رضى الأيسار بالزلم الذي لا يخالفونه، وعلى نحو تسليمهم بحكمه الذي لا يتكرهونه.
ثم قال واصفا للقوم الذين صحبهم بالإقدام والشدة، والاقتبال والقوة: تبدو لنا منهم، كلما ألقوا عمائمهم، وحسروا عن رؤوسهم، عمائم من شعورهم، سود لا يتلثم بمثلها، باقية على حقيقة خلقها. وأشار بسواد شعور رؤوسهم إلى أنهم لم يخلقوا بالشيوخ الذين تضطرب أمورهم، ويقعد بهم السن فتضعف جسومهم.
(2/13)

ثم أكد ما قدمه فقال: أنهم بيض العوارض مع سواد شعر رؤوسهم. فأشار إلى اكتهال أسنانهم، وإحرازهم الكمال في جملة أحوالهم. ثم وصف غناءهم وشدتهم، وبأسهم وجرأتهم، فقال: أنهم طعانون بمن لحقوه من الفوارس عند حملاتهم، شلالون لما يستاقونه من النعم في غاراتهم. فدل بقوله: (طعانون من لحقوا) على ضعف الأعداء عن موافقتهم، وبما وصفهم به من شل ما يستاقونه، على عجز من أغاروا عليه عن متابعتهم.
قَد بَلَّغوا بِقَنَاهُمْ فَوقَ طَاقَتِهِ ... وَلَيسَ يَبلُغُ ما فِيهِمْ مِنَ الهِمَمِ
في الجاهِلِيَّةِ إلا أَنَّ أنفُسَهُمْ ... مِنْ طِيبهِنَّ بهِ في الأشهُرِ الحُرُمِ
نَاشوا الرِّماحَ وَكَانَتْ غَير نَاطِقَةٍ ... فَعَلَّموها صِياحَ الطَّيرِ في البُهَمِ
القنا: قصب الرماح، واحدها قناة، والهمم: جمع همة، وهي مراد الإنسان، وما تنزع إليه نفسه، والجاهلية: التصرف على غير أحكام الشريعة والشهر الحرم: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكانت العرب في جاهليتها لا تستحل القتال في هذه الأشهر، وناشوا: تناولوا، والبهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدري من أين يقصد في القتال لهيبته.
فيقول: أن الفرسان الذين قدم ذكرهم قد بلغوا برماحهم، بكثرة استعمالهم لها في الطعن، وتصريفهم إياها في شدائد الحرب، فوق ما تطيقه، واكثر مما تحتمله، فلا تزال في تلك الملاحم تنكسر، وفي تلك الوقائع تنحطم، وهي مع ذلك لا تبلغ الغايات التي تطمح إليها هممهم، والحدود التي ترضى ببلوغها أنفسهم.
ثم قال: أنهم لتمرسهم بالحروب، ومداومتهم للقتال والقتل، في مثل أحوال الجاهلية، إلا أن أنفسهم بتلك الرماح وما تكسبهم من العزة، وما يتيقنون بها من الظهور والقدرة، في مثل الأشهر الحرم التي كان أهل الجاهلية لا ينتهكون بالقتال عظيم حرمتها، ولا يزالون آمنين في مدتها.
(2/14)

ثم قال: تنالوا الرماح وهي خرس لا أصوات لها، وصوامت لا يظن الصياح بها، فكسروها عند مطاعنة الأقران، وأكرهوها في أجسام بهم الفرسان فحكت أصوات الطير عند تقصفها، ولم تبعد منها في حين تحطمها.
تَخدِي الرِّكابُ بِنَا مَشَافِرُها ... خُضراً فَرَاسِنُها في الرُّغلِ واليَنَمِ
مَعكُومَةً بِسياطِ القَومِ تَضربُها ... عَنْ مَنبِتِ العُشبِ تَبغِي مَنبِتَ الكَرَمِ
وَأَينَ مَنبِتُهُ مِنْ بَعدِ مَنبِتِهِ ... أبي شُجَاعٍ قَريعِ العُربِ والعَجَمِ؟
الوخد: ضرب سريع من السير، والركاب: الجمال التي يتحمل عليها، والمشافر للإبل كالجحافل للخيل، وهي ما تتناول العلف به من أفواهها، والفراسن: جمع فرسن، وهو (لحم) على خف البعير. والرغل والينم: نبتان، والمعكوم: المغلوب، أستعير له من الذي يجعل الكعام في فمه فلا يتكلم، وقريع القوم: سيدهم.
فيقول: تخدي الركاب بنا مسرعة، ونقطع بها الفلوات مستعجلة، ومشافرها بيض باللغام الذي تقذف به من أفواهها، وفراسنها خضر بالنبت الذي تطؤه في طرقها، فأشار بكثرة ما تقذفه الإبل من اللغام إلى استعجالهم لها، وبكثرة العشب في طرقهم إلى قلة المرور بها.
ثم قال، وهو يشير إلى الإبل: معكومة عن الهدير بشدة السير، مشغولة عنه بسياط القوم تضربها عن منابت العشب، وما تخيم عليه العرب من ذلك في البلد القفر، ونحن نعتمد ملوك الأمصار، أرباب النعم، والذين في أيديهم منابت الكرم.
ثم قال مستطردا إلى ذكر فاتك: وأين منبت الكرم بعد أبي شجاع، منبته ومألفه، وشقيقه ومحالفه، قريع العرب والعجم، والمحرز لغابات الفضل والكرم؟!.
لا فَاتِكٌ آخَرٌ في مِصرَ نَقصِدُهُ ... ولاَ لَهُ خَلَفٌ في النَّاسِ كُلِّهِمِ
مَنْ لا يُشابِهُهُ الأحيَاءُ في شيمٍ ... أَمسَى تُشابِهُهُ الأَمواتُ في الرِّمَمِ
عَدِمتُهُ وكَأَنَّي سِرتُ أَطلُبُهُ ... فَمَا تَزيدُنِي الدُّنيا على العَدَمِ
(2/15)

الشيم: الأخلاق، الواحد شيمة، والرمم: العظام البالية، واحدتها رمة.
فيقول: لا فاتك آخر غير المفقود في مصر فترحل إليه وتقصده، وتعول عليه وتعتمده، ولا له عوض في الناس كلهم فتعدل إلى ذلك العوض، تألفه وتقتصر عليه بالشكر والحمد.
ثم قال: من كانت لا تشابهه في شيمه، ولا تساجله في إقدامه وكرمه، وكان بينهم واحدا لا نظير له، وفردا لا يقترن رئيس به، أمسى في قبره رمة كسائر الرمم، وكواحد ممن أفناه الموت من الأمم.
ثم قال: عدمته بالموت الذي عاجله، والحتف الذي اخترمه وواقعه، ثم سرت مرتحلا عن أرضه، ومؤملا للعوض برئيس مثله، فلم تزدني الدنيا على العدم لما املته، ووقوع البأس عما طلبته.
مَا زِلتُ أَضحِكُ إبلي كُلَّما نَظَرَتْ ... إلى مَن اختَضَبتْ أَخفَافُها بِدَمِ
أَسِيرُهَا بينَ أَصنَامٍ أُشَاهِدُها ... وَلاَ أُشَاهِدُ مِنها عِفَّةَ الصَّنَمِ
حَتَّى رَجَعتُ وَأَقلامِي قَوائِلُ لِي ... المَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ
أخفاف الإبل: واحدها خف، وهو فرسن البعير الذي يطأ الأرض بأسفله، والأصنام: تماثيل من خشب وأحجار كانت تعبد في الجاهلية، والعفة: الكف عما لا يحل، والمجد: إدراك الشرف.
فيقول: ما زلت أضحك إبلي وأن كانت لا تعقل، وأطيل عجبها مع أنها لا تفهم، (كلمة) نظرت إلى ملوك الأمصار التي قصدتها، ورؤساء البلاد التي ىختللتها، وتبينت أحوال من اختضبت بالدم في قصده، ولقيت أشد الجهد في ترحلها إلى أرضه.
ثم قال: أسير إبلي منهم تشبه الأصنام (في تعظيمها وطاعتها، ولا تشبهها) بعفتها عما يستجيزونه من الظلم؛ وبراءتها عما يحتملون عليه من البغي.
(2/16)

ثم قال: حتى رجعت بعد تبيني لأحوالهم، ومعرفتي بحقيقة إقرارهم، وأقلامي تعاتبني جاهدة، وتخاطبني منادية قائلة: المجد للسيف الذي يعيد العز ويوجبه، ويجير المغلوب وينصره، لا للقلم الذي يخذل المستعمل له، ولا يبدو غناءه عن المدافع به.
أكتُبْ بِنَا أبداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ ... فإنَّما نَحنُ لِلأسيَافِ كالخَدَمِ
أسمَعتِنِي وَدَوائِي ما أَشَرتِ بِهِ ... فَإنْ غَفَلتُ فَدَائي قِلَّةُ الفَهَمِ
مَن اقتَضَى بِسِوَى الهِندِيِّ حَاجَتَهُ ... أَجَابَ كُلَّ سؤالٍ عَنْ هَلٍ بِلَمِ
يقول مخبرا عن أقلامه التي قيد بها عمله، وآدابه التي نظم منها شعره: أنها حضته على أن يقدم السيف في ما يطالبه، ويعول عليه فيما يحاوله؛ فأن الأقلام والآداب كالخدم للأسياف، تتبعها متواضعة لقدرها، وتخدمها ممتثلة لأمرها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد أقلامه: أسمعتني ودوائي لا محالة استعمال السيف الذي أشرت بالعدول إليه، وإيثار البطش الذي ندبت إلى التعويل عليه، فأن غفلت عن إنفاذ قولك، وقصرت عن امتثال رأيك، فدائي قلة الفهم لصحيح الآراء، وإعراضي عن امتثال أقوال النصحاء.
ثم قال على نحو ما تقدم: من اقتضى بغير السيف حاجته، وحاول من غير طريق الغلبة رغبته، خاب سعيه، واستضعف رأيه، وأجاب المستفهم بها عن أمره؛ بأنه لم يظفر فيه بإسعاد من دهره.
وَتَوَهَّمَ القَومُ أَنَّ العَجزَ قَرَّبَنا ... وفي التَّقَرُّبِ ما يَدعو إلى التُّهَمِ
وَلَمْ تَزَل قِلَّةُ الإنصَافِ قَاطِعَةً ... بَينَ الرِّجالِ وإنْ كَانوا ذَوِي رَحِمِ
الرحم: القرابة.
فيقول: توهم القوم المتوثبون على الدول، المتسورون على المدن، أن العجز عن مساجلتهم، والتقصير عن مقاومتهم، ونى بنا عنهم، وقربنا منهم، وفي التقرب
(2/17)

والمسامحة، والإمساك والمجاملة، ما يدعو إلى اتهام ذي القوة، واستضعاف من تشهر بالبأس والنجدة.
ثم قال: ولم يزل ما يغشانا به من نباشره من الولاة والمتوثبين، من قبح المعاملة، وقلة الإنصاف والمجاملة، يقطع ما بين المتواصلين، ويفرق ما بين المتعارفين، وأن كانوا ذوي أرحام واشجة، وقرابات لاصقة.
فَلاَ زِيادَةَ إلاَّ تُزورَهُمُ ... أيدٍ نَشَأنَ مَعَ المَصقُولَةِ الخُذُمِ
مِن كُلِّ قَاضِيَةٍ بالمَوتِ شَفرَتُهُ ... ما بَينَ مُنتَقَمٍ مِنهُ ومُنتَقِمِ
صُنَّا قَوائِمَها عَنهُمْ فَمَا وَقَعَتْ ... مَوَاقِعَ اللُّؤمِ في الأيدِي ولا الكَزَمِ
السيوف الخذم: القاطعة، الواحد خذوم، والقاضي: الحاكم، والكزم: قصر الأصابع.
فيقول: فلا بقية لنا عليهم، ولا زيادة بيننا وبينهم، إلا أن تزورهم بأيد باطشة، تصول بسيوف خذم ماضية، واصلتها في قديم النشأة، ووافقتها في حقيقة الجبلة، وأن كان في هذه العبارة زيادة على لفظ الشعر، فهي مفهومة من بنيته، محكوم عليها في حقيقته.
ثم قال على نحو ما قدمه: من كل سيف صارم تقضي بالموت شفرته، وتحكم به حدته، وتتصرف ما بين مطلوب ينتقم منه، وطالب تنطق سيوفه عنه.
ثم قال: صنا قوائم تلك السيوف عن المقصودين بها، وعلينا عليها المعرضين (لها)، وانفرادنا بها دونهم، وسبقنا إليها جميعهم، فلم تقع في أيديهم، في أيد لئيمة المخبر، كزمة قبيحة المنظر، وكزم اليد وخشونتها من دلائل الهجنة، ومقابح الخلقة.
هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ ... فإنَّما يَقَظَاتُ العَينِ كالحُلُمِ
ولاَ تَشَكَّ إلى خَلقٍ فَتُشمِتَهُ ... شَكوَى الجَريحِ إلى الغِربَانِ والرَّخَمِ
وَكُنْ عَلَى حَذرٍ لِلنَّاسِ تَكتُمُهُ ... ولاَ يَغُرُّكَ مِنهُمْ ثَغرُ مُبتَسِمِ
(2/18)

شق الشيء على طالبه: إذا صعب والحلم: معروف.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتجلد على ما تصعب من أمره: هون على بصرك ما ساءك أن تبصره، ولم يوافقك أن تشهده، فأن أمور الدنيا بجملتها سريع تنقلها، منتظر تبدلها، وإنما هي وأن كانت يقظة تتيقن، وحقيقة تتبين، كالأحلام العارضة، والخيالات الذاهبة.
ثم قال مخاطبا لنفسه: ولا تشك إلى أحد من الناس فتشمته بنفسك، وتسره بما تعوق من أمرك، وتكون فيما تشكو إليه كالجريح يشكو إلى الغربان والرخم، وهي تستبطئ هلكه، وترقب أن تلتهم جسمه.
ثم قال على نحو ما قدمه: وكن من الناس على حذر تضمره، وتوقع لا تظهره، ولا يغرك منهم من يبتسم في وجهك، ويخدعك بما يبديه من السرور بقربك، فكل ذلك كاذب لا يصدقك، وأباطيل تظاهر بها ولا تنفعك.
غَاضَ الوَفَاءُ فَمَا تَلقَاهُ في عِدَةٍ ... وَأَعوَزَ الصِّدقُ والإخبَارِ والقَسَمِ
سُبحانَ خالِقِ نَفسِي كَيفَ لَذَّتُها ... فِيما النُّفوسُ تَراهُ غَايَةَ الأَلَمِ؟!
غاض: ذهب، وأعوز: امتنع.
فيقول: غاض الوفاء، وعدم أهله، وزهد في المعروف، وأنكر فعله، فلست تلقى من يفي لك بوعده، ويخبرك بالحقيقة عن نفسه، وكذلك أعوز الصدق في الأخبار المجملة، والإيمان المؤكدة، فتساوى الأمران، وتماثل المذهبان.
ثم قال مخبرا عن جلده وقوته، ومبينا عن صرامته وشدته: سبحان من جعل نفسي متخلقة بالصبر، متجلدة على نوائب الدهر! تلتذ من ذلك بما سائر النفوس تتألمه، وتسكن فيه إلى ما غيرها من النفوس تستكرهه.
الدَّهرُ يَعجَبُ مِنْ حَملِي نَوائِبَهُ ... وَصَبر نَفسِي على أحدَاثِهِ الحُطُمِ
وَقتٌ يَضيعُ، وعَمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ ... في غَيرِ أُمَتِهِ مِن سَالِفِ الأُمَمِ
(2/19)

أَتَى الزَّمانُ بَنُوهُ في شَبِيبَتِهِ ... فَسَرَّهُمْ وأَتَينَاهُ عَلَى الهَرَمِ!
الأحداث: التصاريف، والحطم: التي تهلك بشدتها، واحدتها حطوم.
فيقول: الدهر يعجب من صبري على تحمل نوائبه، واستقلالي بما يطرقني من حوادثه، وأن كانت حطما موجعة، وكريهة مؤلمة، تطرق فأصبر، وتتابع فلا أنكر.
ثم قال مبينا لما قدمه: وقت من الدهر يضيع فلا أنتفع به، وينصرم وما أنا بالشاكر له، وعمر لا أغتبط بتراخي مدته، ولا أسر بتصرف في جملته، أقطعه في أمة لا أنس بقربها، ولا اسكن إلى مثلها وأود أني أفنيت عمري فيمن هدم من الأمم السالفة، وبين ما انصرم من القرون الماضية.
ثم قال: أتى الزمان من تقدمنا من أبنائه وهو شاب غير هرم، وطلق غير متجهم، فسر وأسعد، وأبهج وأغبط، وأتيناه هرما قد كبر، وعابسا قد بسر، فاكتنفتنا صروفه، وتعاورتنا خطوبه، ولم يكنا أن نحيله عن رتبته، ونعدل به عن بنيته.
(2/20)

دخل على أبي الطيب صديق له بالكوفة، وبين يديه طرائف مما أهدى إليه فاتك بمصر، فنظر إلى تفاحة ند وعليها أسم فاتك منقوشا، فأستحسنها فقال أبو الطيب:
يُذَكِّرُوني فَاتِكَاً حِلمُهُ وَشَيءٌ ... مِنَ النَّدِّ فيهِ أسمُهُ
وَلَستُ بِنَاسٍ وَلكِنَّني يُحدِّدُ ... ليْ رِيحَهُ شَمُّهُ
الحلم: معروف، والند: أخلاط مؤلفة من الطيب.
فيقول: يذكرني فاتكا ما شهدته من حلمه، وبلوته من سعة فضله، وشيء من الند يحضر لي، موسوم باسمه، متفاوح بتضوع نشره، ولست بناس لعهده، ولا بمعرض عن التفجع لرزئه، ولكن شم هذا الند جدد لي ما عهدته من ريحه، وذكرني بما شهدته من فوحه.
وَأَيُّ فَتىً سَلَبَتنِي المَنُونُ؟ ... وَلَم تَدرِ ما وَلَدَتْ أُمُّهُ!
ولاَ ما تَضُمُّ إلى صَدرِها وَلَو ... عَلِمَتْ هَالَها ضَمُّهُ
المنون: الموت.
فيقول: وأي فتى سلبتني المنون فيه؟ لم تدر أمه ما ولدت منه في موضعه من الرئاسة والرفعة، ومنزلته من الشجاعة والشدة.
ثم قال: ولا علمت بما تضم فيه إلى صدرها، ومن الذي ترضع منه بثديها، ولو علمت ما له في النجدة وما يبلغه من البأس والجرأة، لهالها إمساكه وضمه، ولأفزعها تقليبه وحمله.
بِمِصرَ مُلُوكٌ لَهُمْ ما لَهُ وَلَكنَّهُم ... ما لَهُمْ هَمُّهُ
وأَجوَدُ من جودِهِمْ بُخلُهُ وَأَحمَدُ ... مِنْ حَمْدِهِمْ ذَمُّهُ
وأَشرَفُ مِن عَيشِهِمْ مَوتُهُ وَأَنفَعُ ... مِنْ وُجدِهِمْ عُدمُهُ
الهم والهمة: بمعنى، والوجد الغنى والسعة، والعدم: الفقر والعسرة.
فيقول: بمصر رجال يساوونه في المال والسعة، والإكثار والجدة، ولكنهم لا يساوونه في علو همته، وكرم شيمته، فأجود من جودهم ما يستقل من هباته،
(2/21)

فيحل فيها محل البخل، وأبلغ من حمدهم ما يختصر من ثنائه، حتى يقع لاختصاره موقع الذم.
ثم قال: وأشرف مما يصيرون إليه بالعيش ما أحرزه من الثناء بالموت، وأنفع مما يفعلونه من الإكثار والوجد، ما يفعله مع الإقلال والعدم. ويشير إلى أنه يعجز جهد جميع المحسنين بعفوه، ويتقدمهم بأيسر سعيه.
وإنَّ مَنِيَّتهُ عِندَهُ ... لَكَالخَمرِ سُقِّيهُ كَرْمُهُ
فَذَاكَ الذي عَبَّهُ ماؤُهُ ... وَذَاكَ الَّذي ذَاقَهُ طَعمُهُ
وَمَنْ ضَاقَتِ الأرضُ عَن نَفسِهِ ... حرَّى أن يَضيقَ بِهَا جِسمُهُ
الخمر: تذكر في الأقل وتؤنث في الأكثر، وأحتمل على لغة من ذكر، والكرم: جمع كرمة، وهي شجرة العنب، وحرى (وحري) بمعنى واحد، يراد بهما ما يراد بحقيق.
فيقول، يريد فاتكا، ويشير إلى شجاعته: وأن منيته عنده، في أنسه بها، وقلة تهيبه لها، لكالخمر تسقاه الكرم فيضرب إلى عنصره وينزع به إلى أوله، والموت لفاتك على هذه السبيل؛ لأنه كان يستصحبه في وقائعه، ويقدم عليه في ملاحمه.
ثم قال نحو ما قدمه: فذاك الذي عبه الكرم من الخمر، ماؤه الذي لا يستنكره، كما أن الموت الذي ذاقه فاتك طعمه الذي لا يستكرهه. فأشار إلى أن فاتكا أنسه بالموت ما سلف له به من طول الصحبة، كما أن الكرم أنسه بالخمر كونه منه في حقيقة الخلقة.
ثم قال: ومن ضاقت الأرض عن نفسه، لعلو همته، وما كان عليه من ارتفاع رتبته، فهو حري أن يضيق فيها جسمه، ويرتفع أن تشتمل الأرض عليه قدره.
(2/22)

وقال يمدح عبد العزيز بن يوسف الخزاعي، وكانت بينه وبينه صداقة أيام ينزل ببلبيس.
جَزَى عَرَباً أَمسَتْ بِبلبِيسَ رَبُّها ... بِمَسعَاتِها تَقرَرْ فَذَاكَ عُيُونُها
كَرَاكِرَ مِنْ قَيسِ بِن عَيلانَ سَاهِراً ... جُفونُ ظُبَاها لِلعُلاَ وَجُفُونُها
بلبيس: موضع معروف، المسعاة: مفعلة من السعي، وهو الاجتهاد في العمل، والكراكر: الجماعات، الواحدة كركرة، والظبا: جمع ظبة، وهو حد آخر السيف، والجفون: جمع جفن، وهو غطاء مقلة العين.
فيقول: جزى العرب المستقرين ببلبيس، هذا الموضع، ربها بمسعاتها الكريمة، وأفعالها المشكورة؛ لتقر بذلك عيونها، وتبتهج بالجزاء الجميل من الله نفوسها.
ثم أشار إلى عز هؤلاء القوم وقوتهم، وامتناعهم من الأعداء وكثرتهم، فقال: كراكر من قيس عيلان تسهر جفونهم وجفون سيوفهم في سبيل المجد، ولا ينامون عن ما يستكثرون به من الشكر والحمد. وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة.
وَخَصَ بها عَبدَ العزِيزِ بنَ يُوسُفٍ ... فَمَا هُوَ إلا غَيثُها وَمَعِينُها
فَتىً زَانَ في عَينَيَّ أَقصَى قَبِيلَةٍ ... وَكَمْ سَيِّدٍ في حِلَّةٍ لا يَزِينُها
المعين: الماء الجاري على وجه الأرض، والحلة: الموضع الذي ينزله القوم، مجتمع فيه بيوتهم، والقبيلة: الجماعة من الثلاثة إلى ما فوق ذلك، إذا كانوا لأب واحد.
فيقول: وخص الله في هذه الجماعة بحسن الجزاء، وقبول ما قدمته من الدعاء، عبد العزيز بن يوسف؛ فأنه غيثها الذي يعمها فضله، ومعينها الذي ينالها رفده.
ثم قال: فتى زان في عيني أقصى قبيلته، وحسن عندي أحوال جماعته، ورب من يكون في الحلة التي تصغر عند مثلها القبيلة الحافلة، وتقل عند كثرتها الجماعة الوافرة، فلا يزينها بمشكور فعله، ولا يعمها بمرجو فضله.
(2/23)

ونبتدي بما هجا به كافورا الأسود، فنرتبه على ما قال في أوقاته. فمنه أنه دخل عليه بعد إنشاده: (كفى بك داء أن ترى الموت شافيا)، فلما سلم عليه ضحك في وجهه، وأراد القيام، فنظر إلى شقوق في رجليه لما لبس النعل فقال:
أُريكَ الرِّضَا لو أَخفَتِ النَّفسُ خَافِيا ... وَمَا أَنَا عَن نفسِي ولا عَنكَ رَاضِيا
أَمَينَاً وإخلافَاً وَغَدراً وَخِسَّةً ... وَجُبنَاً؟ أَشخصَاً لَحتَ لي أَم مَخَازيا؟!
الخافي من الأشياء: الذي يبدو ويظهر، والخفي: الذي ينطوي ويستتر، والمين: الكذب.
فيقول، وهو يريد كافورا: أريك من نفسي الرضا بقصدك، والاغتباط بما يكون من فعلك، لو أخفت النفس ما هو ظاهر من تكرهي لك، وطوت قدمي على ما ظننته من الجميل بك، وما أنا مع ما أظهره راضيا عنك، للدناءة التي خبرتها منك، ولا عن نفسي لسوء ما تخيرته فيك.
ثم قال: جمعت الإخلاف واليمن والخسة والغدر والدناءة والجبن، فما أدري أن كنت جثة منصوبة أو مخازي مجموعة؟!.
تَظُنُّ ابتِساماتِي رضجَاءً وغِبطَةً ... وَمَا أَنَا إلاَّ ضاحِكٌ مِنْ رَجَائِيا
وَتَعجِبُنِي رِجلاَكَ في النَّعلِ إنَّني ... رَأيتُكَ ذا نَعلٍ وَإنْ كُنتَ حَافِيا
وَإنَّكَ لا تَدري أَلونُكَ أَسودٌ ... مِنَ الجَهلِ أم قَد صَارَ أبيَضَ صَافِيا
يقول، وهو يخاطب كافورا: أتظن ما أظهره من الفرح والتهلل، وآوي إليه من الضحك والتبسم، رجاء فيك، وغبطة بك، وجنوحا إليك، وإخلاصا لك، وما أنا إلا ضاحك من الرجاء الذي عدل بي إليك، والرأي المخطئ الذي قصر أملي عليك.
ثم قال، وهو يخاطبه: وتعجبني رجلاك وأستغربهما، ويطول ضحكي عند تأملها؛ لأني أراها، وإن كنت حافيا، في نعلين من جفاء جلدتهما، وواقيتين من خشونة خلقتهما.
ثم قال: ورأيتك لا تدري، لشدة جهلك، وما أنت عليه بسبيله من عمى قلبك،
(2/24)

ألونك أسود حالك سواده، أم هو أبيض ناصع بياضه؟ ومن جهل مثل هذا من نفسه، لم تكن به هدية في شيء من أمره.
وَيَذكرُني تَخييطُ كَعبِكَ شَقَّهُ ... وَمَشيُكَ في ثَوبٍ مِنَ الزَّيتِ عَارِيا
وَلَولاَ فُضولُ النَّاسِ جِئتُكَ مادِحَاً ... بِمَا كُنتُ في سِرِّي بِهِ لَكَ هاجِيَا
فَأصبَحتَ مَسرُوراً بِما أَنا مُنشِدٌ ... وإن كَانَ بالإنشَادِ هَجوُكَ غَالِيَا
تخييط الكعب: ظهور آثار الشقوق الملتئمة فيه كالخيوط في بياضها واندماجها.
فيقول، وهو يريد كافورا: ويذكرني تخبيط كعبك بشقوقه في حين مهنتك، وما كنت عليه زمان عبوديتك، ومشيك عاريا في ثوب من الزيت الذي كنت تواصل الإدهان به، وتكثر الاستعمال له.
وخصيان النوبة في حين جلبهم إلى مصر، يساقون عراة؛ ليس عليهم غير جلود تستر عوراتهم، ويكثرون من الإدهان بالزيت، ليلينوا بذلك ما جف من جسومهم، فأشار أبو الطيب لكافور إلى تلك الحال التي تصرف في بؤسها، وتقلب في دناءتها، وقال: (في ثوب من الزيت) على سبيل الاستعارة؛ لأن الزيت لما شمل جسمه صار كالثوب له.
ثم قال مخاطبا له: ولولا فضول الناس، وأني لا آمن على أن ينبهوك على ما لا تعلمه، ويشرحوا لك ما لا تفهمه، لأنشدتك هجوك على طريق المدح وأنت لا تفهم، وأجزت ذلك عليك وأنت لا تعلم.
ثم قال: فكنت تصبح مسرورا بما أنشده من هجوك، وأوفق الصدق بذلك في وصفك، وأن كان هجوك غاليا يتكلف (ما) لا تشاكله، ومتواضعا عن إشغال الفكر به.
فَإنْ كُنتُ لا خَيراً أَفَدْتُ فَإنَّني ... أَفَدتُ بِلَحظِي مِشفَرَيكَ المَلاَهِيَا
وَمِثلُكَ يُؤتَى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ ... لِيُضحِكَ رَبَّاتِ الخُدُورِ البَوَاكِيَا
(2/25)

المشفر: إنما يكون للبعير، وهو منه بمنزلة الشفة من الإنسان، فاستعاره في كافور، إشارة إلى عظم شفتيه، وقبح خلقه، وهجنة شخصه، والخدور: جمع خدر، وهو ما تحجب النساء به من الستور في البيوت والهوادج.
فيقول لكافور: وأن كنت لم أفد خيرا في قصدك، ولا حصلت على طائل من برك، فقد أفدت بملاحظة مشفريك أفراحا مسلية، وضروبا من المضحكات مهلية.
ثم قال: وملك يؤتى من بلاد البعيدة، ويتكلف إليه مؤن الأسفار الطويلة، ليسلي ربات الخدور إذا طرقهن الحزن، ويلهيهن إذا عظم عليهن الرزء، فأخبر أنه لا نظير له في قبحه، ولا شبيه له في استكراه الأبصار لشخصه.
(2/26)

وقال أيضاً:
مِنْ أَيَّةِ الطُّرقِ يَأتِي مِثلَكَ الكَرَمُ ... أينَ المَحَاجِمُ يا كَافُورُ والجَلَمُ؟
جَازَ الأُولى مَلَكَتْ كَفَّاكَ قَدرَهُمُ ... فَعَرِّفُوا بِكَ أَنَّ الكَلبَ فَوقَهُمُ
لا شَيَء أَقبَحُ مِنَ فَحلٍ لَهُ ذَكَرٌ ... تَقُودُهُ أَمَةٌ لَيسَتْ لَهَا رَحِمُ
الجلم: المقراض، والمعروف فيه أن يقال: جلمان، إلا أنه قد جاء في بعض أشعار المتقدمين، قال بعض الأعراب: ونيرب من موالي السوء ذي حسد يفتات لحمي ولا يشفيه من قرم داويت صدرا طويلا عمره إحنا منه وقلمت أظفارا بلا جلم.
الرحم: وعاء الولد في البطن.
فيقول مخاطبا لكافور: كيف لك بالكرم الذي لا يشبهك؟! ومن أية الطرق يقصدك وهو لا يليق بك؟! وإنما كنت عبدا ساقطا تحلق وتحجم، وتلوم ولا تكرم.
ثم قال: جاز أهل مصر أقدارهم فيما تخلقوا به من الكبر، وأمنوه من حوادث الدهر، فعرفوا بولايتك لأمورهم، وانفرادك بتدبيرهم، أن الكلب مع ضعته يتعالى عنهم، وأنه أرفع منزلة منهم.
ثم قال: لا شيء أقبح من فحل كامل الخلق، سوي جميل الشخص، يقوده متملكا، ويصرفه متلاعبا به، خصي أسود يخرج من الرجال بالخصاء، ويتواضع عن حقيقة النساء.
سَادَاتُ كُلَّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهمُ ... وَسَادَةُ المُسلمِينَ الأعبُدُ القُزُمُ
أَغَايَةُ الدِّينِ أَن تَحفُوا شَوَارِبَكُمْ ... يا أُمَّةً ضَحِكَتْ مِنْ جَهلِهَا الأُمَمُ؟!
القزم: اللئام المحتقرون، وهي كلمة بمعنى المصدر، تقع للواحد والجمع، وإحفاء الشوارب: استئصال ما فيه من الشعر بالحلق، وكان أهل مصر يفعلون ذلك.
فيقول: سادات كل أمة رجال من أنفسهم، ومقدمون من صميمهم، وسادة المسلمين العبيد الذين لا تعرف أنسابهم، ولا ترضى مذاهبهم وأحوالهم. يشير إلى كافور وغيره ممن تأمر في أمصار المسلمين من الأتراك والديلم، فتممه على غلظ الخلق
(2/27)

في أمرهم وما نفذ في الإسلام من مكرهم.
ثم قال مخاطبا لأهل مصر: أغاية الدين عندكم، وجملة الفضل في معتقدكم إحفاؤكم شواربكم، وتقبيحكم بذلك لمناظركم، وأنتم مع ذلك معرضون عن محنتكم بهذا العبد الأسود الذي ملك رقابكم، وأستذل خياركم، وهذه العبارة وأن كانت تزيد على لفظه، فهي معربة عن حقيقة قصده، ومفهومة عند تأمل شعره.
ألا فَتىً يُورِدُ الهِندِيَّ هَامَتَهُ ... كَيمَا تَزُولَ شُكُوكُ النَّاسِ والتُّهَمُ؟
فَإِنَّهُ حُجَّةٌ يُؤذِي القُلُوبَ بِهَا ... مَن دِينُهُ الدَّهرُ والتَّعطِيلُ والقِدَمُ
مَا أَقدَرَ اللَّهَ أَنْ يُخزِي خَليقَتَهُ ... ولا يُصَدِّقُ قَوماً بِالَّذي زَعَمُوا
الهامة: الرأس من جميع الحيوان.
فيقول مشيرا إلى كافور: ألا فتى يورد السيف هامته فيقتله، ويبيع نفسه من الله في ذلك، ويهلكه ليزيل من أنفس الناس ما يلحقهم به من الشكوك والتهم، وتسقط عنهم ما يدركهم من الضلالات والفتن.
ثم قال: فإن تأمر مثل هذا الخصي الأسود، مع سقوطه وضعته، وعبوديته وخسته، حجة لأهل التعطيل والزيغ والقائلين بقدم الدهر، يؤذون القلوب بما في أمره من ظاهر المحنة، ويتسلطون بذلك على أهل التقصير والغفلة.
ثم قال: ما أقدر الله على أن يعاقب خليقته عن ذنوبهم بما شاء، دون أن يعجل لهم ما عجله من الخزي، وأن ينالهم ما نالهم به من الضر، وأن يكفيهم أمر كافور الذي قد صار من فتن الملحدين، وحدث به أشد المكاره على المسلمين.
(2/28)

وقال أيضاً:
أَمَا فِي هذهِ الدُّنيا كَرِيمُ ... تَزُولُ بِهِ عَنِ القَلبِ الهُمومُ؟!
أما في هذهِ الدُّنيا مَكَانٌ يُسَرُّ ... بِأَهلهِ الجَارُ المُقيمُ؟!
تَشَابَهَتِ البَهَائِمُ والعِبِدَّى عَلَينا ... والمَوَالِي والصَّمِيمُ
البهائم: ذوات الأربع وما أشبهها، والعبدى: جماعة العبيد على غير قياس واحده، والصميم: الخالص من كل شيء.
فيقول: أما في هذه الدنيا كريم يسكن إليه، وذو فضل يعول عليه، تزول بموضعه هموم النفس وتبعد، وتستدفع عنها المكاره وتطرد؟.
ثم قال: أما في هذه الدنيا مكان صالح يسكن العاقل إلى مثله، ويسر بما يباشره من حسنه، ويتأنس الجار المقيم فيه بعوائد فضله، ويغدو ويروح متشكرا لأهله؟!.
ثم قال: تشابهت البهائم فيه والعبدى لعدم العقول، وتساوت الطائفتان في قصر العلوم، وصار صميم القوم ومواليهم أشكالا في تواضع الهمم، وأشباها يعتقدونه بالإعراض عن الكرم.
وَمَا أَدرِي إذا دَاءٌ حَدِيثُ ... أَصَابَ النَّاسَ أَمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟!
حَصَلتُ بأرضِ مِصرَ على عَبِيدٍ كَأَنَّ ... الحُرَّ بَينَهُمُ يَتِيمُ
كَأَنَّ الأسوَدَ اللاَّبِيَّ فِيهِمْ غُرَابٌ ... حَولَهُ رَخَمٌ وَبُومُ
اللابي: منسوب إلى اللابة وهي الحرة، والحرة: أرض تلبسها حجارة سود، فنسب السودان إليها على سبيل المجانسة في اللون. روى أبو عبيدة أن العرب تقول في الحرة: لابة ولوبة، وإلى ذلك نسب السودان، وروى غيره لابة، والرخم والبوم: ضربان معروفان من الطير يماثلان الغربان في تكره الناس لهما، واستيحاشهم من أصواتهما.
فيقول: وما أدري أهذا الذي أصاب الناس، من محبتهم برئاسة العبدان، وأهل الزهادة في التفضل والإحسان، داء حديث طرقوا به، أو أمر قديم عرضهم الزمان
(2/29)

له.
ثم قال: حصلت بأرض مصر بين عبيد متغلبين وسوق معتدلين، كأن الحر فيهم يتيم مغلوب على أمره، ضعيف لا يدفع الضر عن نفسه.
ثم قال مشيرا إلى كافور: كأن الأسود اللابي، المتغلب على ملكهم، المنفرد بتدبير أمرهم، بين من يستضيف إليه من أصناف العبيد، اللذين هم أنصار دعوته، وأشباهه في دناءته، غراب يتجند بالبوم والرخم، ولا ينسب هو ولا من حوله إلى شيء من الكرم.
أُخِذتُ بِمَدحِهِ فَرَأيتُ لَهوَاً ... مَقَالِيَ لِلأحَيمَقِ يا حَليِمُ
وَلَمَّا أَن هَجَوتُ رَأيتُ رَأيتُ عَيبَاً ... مَقَالِي لأبنِ آوَى يا لَئِيمُ
فَهَلْ مِن عَاذِرٍ في ذا وفي ذا ... فَمَدفُوعٌ إلى السُّقمِ السَّقِيمُ
إذا أَتَتِ الإساَءةُ مِنْ وَضيعٍ ... وَلَمْ أَلمُ المُسِيَء فَمَنْ أَلُومُ؟!
الحليم: الوافر العقل، الواسع الصدر، وأبن آوى: دويبة ضعيفة حقيرة، واللئيم: الدنيء الساقط.
فيقول مشيرا إلى كافور: دفعتني الأيام إلى مدحه، وامتحنتني بقصد مثله، فرأيت بابا من اللهو، وضربا من ضروب الهزء، أن أصفه بالحلم مع بيان سخفه، وبالرجاحة مع ظهور ضعفه.
ثم قال: ولما أن أخذت في هجوه وعدلت إلى ذمه، رأيت من العي أن أدل من عيوبه على ما لا يجهل، ومن نقصانه على ما لا ينكر فأصير كمن يحتقر أبن آوى ولا أحد يستعظمه، ويسترذله ولا أحد من الناس يستنبله.
ثم قال: فهل من عاذر لي في الأمرين اللذين عاينتهما من مدحه وذمه، وتقريظه وهجوه؟ فلم أك في ذلك إلا في قبض الاضطرار، وغير جار على شيء من وجوه الاختيار.
(2/30)

ثم قال مشيرا إلى الاعتذار من انحطاطه إلى هجو كافور: إذا أتت الإساءة من وضيع خسيس، قذر، لئيم، حقير أمره، ولم ألمه على سوء فعله، وأعنفه بتقصير عقله، فمن الذي أعتمده باللوم، وأصرف فيه وجوه الهجاء؟!.
(2/31)

وقال أيضا:
أَنوَكُ مِن عَبدٍ وَمِن عِرسِهِ ... كمَن حَكَّمَ العَبدَ عَلى نَفسِهِ
وإنَّما تُظهِرُ تَحكِيمَهُ لِيَظهَرَ ... الإفسَادُ في حِسِّهِ
ما مَنْ يَرَى أَنَّكَ في وَعدِهِ ... كَمَنْ يَرَى أَنَّكَ في حَبسِهِ
عرس الرجل: زوجه، والحس: إدراك الأشياء بإحدى الحواس.
فيقول مشيرا إلى كافور: أنوك من العبد ومن عرسه الذي هو قيم أمرها، والمطلق على ملكها، من حكم العبد في نفسه، وهو يجد السبيل إلى مفارقة أرضه، والتباعد عن قربه.
ثم قال: وإنما نظهر التسليم لأمره، والوقوف عند رأيه، مغالطين غير محققين، ومظاهرين غير مجدين، لنخدعه عن نفسه، ونبين الإفساد في معرفته وحسه.
ثم قال: وليست حال من توهمه أنك منتظر لفضله، ومرتقب لما أسلف عندك من وعده، كحال من يعتقد أن بقاءك فيما قبله بقاء ضرورة وحبس، وغلبة وقهر، فنحن مضطرون إلى مغالطته في بقائنا عنده، لنستدفع بذلك مخوف فعله، ونأمن ما نحذره من أمره.
العَبدُ لا تَفضُلُ أَخلاَقُه ... عَنْ فَرَجِهِ المُنتِنِ أو ضِرسِهِ
لا يُنجزُ المِيعادَ في يَومِهِ ... ولا يَعِي ما قَالَ في أمسِهِ
وإِنَّما تَحتالُ في جَذبِهِ ... كأَنَّكَ المَلاَّحُ في قَلسِهِ
الملاح: النوتي، والقلس: حبل ضخم من حبال السفينة.
فيقول: العبد بطبعه قصير الهمة، لئيم البنية، ليس في أخلاقه فضل عن فرجه وفمه، يشير إلى النكاح والأكل، واشتغال العبد بهما، وأن همته لا تتجاوزهما.
ثم قال، وهو يؤكد ما قدمه: أن وعد العبد بوعد تناساه في يومه، ولم يستقبح الكذب فيه على نفسه، وأن فاتحك بقول تناساه في ليلته، ولم يضبطه في الأمس بلؤم طبيعته.
(2/32)

ثم قال، وهو يشير إلى كافور: إنما تحتال في جذبه إلى ما ترغبه وعطفه على (ما) تقصده، باستعمال المخادعة، وإظهار الملاطفة، على نحو ما يتحيل الملاح في جذب قلس السفينة، وما يتحمله في ذلك من المؤونة.
فَلاَ تُرَجِّ الخَيرَ عِندَ امرئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّخَّاسِ في رَأسِهِ
وإنْ عَرَاكَ الشَّكُّ في نَفسِهِ ... بِحالَةٍ فأنظُرْ إلى جِنسِهِ
يقول، وهو يخاطب نفسه، ويشير إلى كافور: فلا ترج الخير عند متن لئيم محتقر، قد مرت يد النخاس الذي عرض البيع به في ضرب رأسه، وامتهان نفسه، وإن نازعك في لؤم قدره، وتواضع أمره، بحال ينتقل إليها من الثروة، ورتبة يصير إليها من الرفعة، فأنظر إلى جنسه في العبودية، يتبين لك لؤم طبيعته، ولا يستتر عنك تمكن دناءته.
فَقَلَّما يَلؤمُ في ثَوبِهِ ... إلاَّ الذي يَلؤم في غِرسِهِ
مَنْ وَجَدَ المَذهَبَ عَنْ قَدرِهِ ... لم يَجِدِ المَذهِبَ عَنْ قِنسِهِ
الغرس: شيء يخرج من الولد كأنه مخاط، والقنس: الأصل.
فيقول على نحو ما قدمه: فقل من يتحقق منه اللؤم مشاهدة، ويتبين منه معاينة، إلا الذي يكون اللؤم في خلقته، ويلزمه في حين ولادته.
ثم قال على سبيل المثل، مؤكدا لما قدمه: من وجد مذهبا على قدره بنعمة يكتسبها، ومنزلة يستجدها، لم يجد مذهبا عن أصله، الذي إليه ينزع بطبعه، ويستبين عليه في قوله وفعله.
(2/33)

وسبب له إلى الرملة بمال يقبضه، فأستأذنه في الخروج إليها ليقبض المال، فمنعه من الخروج، وقال له: نحن نوجه لك من يقبضه فقال:
أتَحلِفُ لا تُكلِّفُني مَسِيراً إلى ... بَلَدٍ أُحَاوِلُ فِيهِ مَالا
وأَنتَ مُكلِّفِي أَنبَا مَكَانَاً وأَبعَدَ ... شُقَّةً وَأَشَدَّ حَالا
إذا سِرنَا عَنِ الفُسطَاطِ يَومَاً ... فَلِّقني الفَوَارِسَ والرِّجالا
لِتَعلَمَ قَدرَ مَنْ فَارَفتَ مِنِّي ... وَأَنَّكَ رُمتَ مِن ضَيمِي مُحالا
الشقة: المسافة، والفسطاط: قصبة مصر، والضيم: الذل.
فيقول، وهو يريد كافورا: أتحلف على أنك لا تكلفني مسيرا أتمونه، ولا تحملني سفرا أتجشمه، وأن كان ذلك المسير إلى مال أستفيده، ومكسب أستحدثه، مظهرا للصيانة لي، ومحتملا على الضنانة بي.
ثم قال: وأنت تكلفني المقام عندك في أنأى مكان من ذلك واكره، وأسوأ حال وأضيق، وتحملني في ذلك أبعد المسافات المنيعة، وتشملني بأشد الأحوال الموجعة.
ثم قال: إذا ما سرت عنك من الفسطاط يوما، أخرج به عن ضبطك، ويسقط عني ما أحاط بي من حصرك، فلقني فوارسك ورجلك وأجلب في تعويقي عن السير بمبلغ جهدك.
ثم قال: لتعلم قدر من تفارق مني في الإقدام والجرأة، والصرامة والقوة، وأنك قد حاولت من ضمي محالا لا يتمكن لمحاوله، وأمرا لا يقرب على متناوله.
(2/34)

وقال أيضاً:
لَو كَانَ ذَا الآكِلُ أَزوَادَنَا ضَيفَاً ... لأَوسَعنَاهُ إحسَانَا
لَكِنَّنا في العَينِ أَضيَافُهُ يُوسِعُنَا ... زُورَاً وَبُهتَانَا
فَلَيتَهُ خَلَّى لَنَا طُرقَنَا أَعانَهُ ... اللَّهُ وإِيَّانا
الزور: الكذب، والبهتان: قذفك الإنسان بما ليس فيه.
فيقول، وهو يريد كافورا: لو كان هذا الذي يأكل ما تزودناه، ويتحيف ما جمعناه، بإغفاله أمرنا، واضطرارنا إلى الإنفاق مما عندنا، (ضيفا) نتكلف مؤونته، وسائلا نتيقن ضرورته، لأوسعناه إحسانا ويرا، ولأوليناه إكراما وفضلا.
ثم قال: ولكننا أضيافه في عين الناظر، وقصاده في الشاهد، وهو يوسعنا مع ذلك زورا فيما يعدنا به، وبهتانا فيما يعرضنا له، غير مراع لحق ضيافتنا، ولا آخذ بحق من مجاملتنا.
ثم قال: فليته خلى لنا طرقنا فننصرف عنه، ولم يعترضنا في سلك سبلنا فنريح أنفسنا منه، وفقه الله لما فيه كفايتنا بفضله، وتخلصنا منه بخفي لطفه.
(2/35)

وقال عند خروجه من مصر في سنة خمسين وثلاث مائة.
عِيدٌ بأَيَّةِ حَالٍ عُدتَ يا عِيدُ بِمَا ... مَضَى أَمْ لأَمرٍ فِيهِ تَجدِيدُ
أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبَيدَاءُ دُونَهُمُ ... فَلَيتَ دُونَكَ بِيداً دُونَها بِيدُ
العيد: ما اعتاد الإنسان من مرض أو حزن، قال الشاعر:
عَادَ قَلبِي مِنَ الطَّويلَةِ عِيدُ ... واعتراني مِنْ حُبِّها تَسهِيدُ
البيداء: المفازة المقفرة، وجمعها بيد، وكسرت الباء من بيد، وهي على وزن فعل، للياء التي بعدها، كما فعل ذلك ببيض.
فيقول مخبرا عن الحزن الذي كان يعتاده باتصال غربته، وتراخي عهده بأحبته: عيد أنت أيها الحزن تتتابع ولا تغفل، وتتكرر ولا تفتر، فبأي حال عدت الآن أيها الحزن المتأكد، والبث المتمكن؟! ألمثل ما مضى وأنصرم، وسلف وتقدم، أم بضرب من الأشواق أحدثته، ونوع من أنواع الأحزان جددته؟!.
ثم قال، يخاطب البث المعتاد له، والحزن المتولع به: أما الأحبة فدارهم نازحة، والبيد المقفرة فيما بيني وبينهم قاطعة، وأنت أيها الحزن قريب لا تبعد، وملازم لا تفقد، فليت بيني وبينك مسافات متراخية، ومفازات بعيدة متنائية.
لَولاَ العُلَى لم تَجُبْ بي ما أَجُوبُ بِهَا وَجَنَاءُ ... حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدودُ
وَكَانَ أَطيَبَ مِن سَيفِي مُضَاجَعَةً ... أَشبَاهُ رَونَقِهِ الغِيدُ الأمَالِيدُ
جبت المفازة: إذا قطعتها، والوجناء: الناقة الضخمة القوية، والحرف: الضامرة، والجرداء: القصيرة شعر الجلد، والقيدود: الطويلة، ورونق السيف: ماؤه وصفاؤه، والغيد: الطوال الأعناق، الواحدة غيداء، والماليد، الحسان النواعم، الواحدة أملود.
فيقول: لولا العلى وما أرغبه من إكتسابها، وما أعتقده من الشغف بها، لم أتمون الأسفار الطويلة، ولا تكلفت الرحل البعيدة، ولا قطعت بي الفلوات النازحة، والمهامة الشاسعة، نجائب الإبل وكرائمها، وعتاق الخيل وسوابقها.
ثم قال: وكان أطيب من مضاجعة السيف في الأسفار التي أحاولها، والرحل التي
(2/36)

ألازمها، الخفض والدعة، والسكون والرفاهية، ومضاجعة الحسان اللواتي يشبهن رونق السيف بما هن عليه من الحسن والبهجة، ويتمكن الفلوات بما يبدين من الشباب والنعمة.
لم يَترُكِ الدَّهرُ مِن قَلبِي وَمِنْ كَبِدِي ... شَيئاً يُتَيِّمُهُ عَينٌ ولا جِيدُ
يا سَاقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما ... أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهِيدُ؟
أَصَخرَةٌ أَنَا؟ ما لي لا تُغَيِّرُني ... هذي المُدَامُ ولا هذي الأَغاريدُ!
يتيمه: يستعبده، والتسهيد: ذهاب النوم، والأغاريد: الأصوات المطربة.
فيقول: أن الدهر بكثرة نوائبه، وما طرقه به من مؤلم حوادثه، أعدمه قلبه وكبده، بتأثير أوجد فيهما، فلم يترك له منهما ما تتيمه العيون الفاترة، وتروق الأجياد الناعمة.
ثم قال: يا ساقيي أهذا الذي تدايرانه في كؤوسكما خمر يلتذ بطعمها، ويستفاد السرور بشربها، أم ذلك هم وسقم، وتسهيد وألم؟ يشير إلى أن الخمر كانت تثير كوامن وجده، وتجدد أسباب حوبه.
ثم قال معجبا بما هو عليه من تعذر السلوة، وقلة الجلد على الغربة: أصخرة أنا فلا تغيرني المدام بما تبعثه من الفرح، والأصوات الغردة بما تثيره من الطرب! فقد خرجت في ذلك عن المعهود، واقتصرت على الأسف الشديد.
إذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَّونِ صَافِيَةً ... وَجَدتُها وَحَبِيبُ النَّفسِ مَفقُودُ
ماذا أبقَيتُ مِنَ الدُّنيا؟ وأعجَبُها ... إِنِّي بِما أَنا بَاكٍ مِنهُ مَحسودُ!
أمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خَازِنَاً وَيَداً ... أَنَا الغَنِيُّ وَأقوَالي المواعِيدُ
الكميت من الخمر وغيرها: ما كان فيه حمرة وسواد، والمثري: الكثير المال.
فيقول: إذا أردت الخمر الكميت الصافية ألفيتها قريبة ممكنة، كثيرة متأتية، إلا أن أحبه وأمقه، وأسكن إليه وأتعشقه، بعيد متعذر القرب، معدوم غير متمكن الوصل؛
(2/37)

وهذه الحال تمنع من السرور بالخمر، وتثير الأحزان في القلب.
ثم قال: ماذا لقيت من الدنيا وتصرفها، ومن الأيام وتقلبها، وأعجب ما خبرت من ذلك وباشرت، وأغرب ما أبصرت منه وشاهدت، أني أحسد على ما هو يبكي ويحزن، وأنافس في ما مثله يوجع ويؤلم.
ثم قال: أمسيت أروح المثرين نفسا وخادما، وأفرغهم يدا وخازنا، لأني غني وأموالي عدات غير حاصلة، ومكثر وذخائري أقوال غير صادقة.
إنِّي نَزَلتُ بِكَذَّابِينَ ضَيفُهُمُ ... عَن القِرَى وَعَن التَّرحَالِ مَحدُودُ
جُودُ الرِّجالِ مِنَ الأيدِي وَجودُهُمْ ... مِنَ اللِّسَانِ فلا كَانُوا ولا الجُودُ
مَا يَقبِضُ المَوتُ نَفساً مِن نُفُوسِهمُ ... إلاَّ وفي كَفِّهِ مِن نَتنِها عُودُ
المحدود: الممنوع.
فيقول مشيرا إلى كافور، ومن كان يستضيف إليه (من) الإخشيدية: إني نزلت بكذابين لا يصدقون في قلوبهم، مذمومين لا يشكرون في فعلهم، يمنعون ضيفهم من أن يقضوا بالقرى حقه، ويعرضون عنه ويطرحون بره، ويحولون بعد ذلك بينه وبين الرحيل من أرضهم، ويتركونه محبوسا على شرهم. يشير إلى أن كافورا قصر من أمره، ومنعه مع ذلك من الخروج عن أرضه.
ثم قال: جود كرام الرجال بأيديهم وبذلهم، وما يتقدمون به من إحسانهم وفضلهم، وجود كافور وأصحابه من ألسنتهم وقولهم، وما يستجيزونه من كذبهم وإفكهم، فلا كانوا ولا كان الجود المرجو منهم، ولا أعدمهم الله الذم المأثور عندهم.
ثم قال: ما يقبض الموت نفسا من أنفسهم الدنية، ولا يتلف روحا من أرواحهم الخبيثة، إلا والموت يتكره ذلك ويتقذره، ويتفادى منه ويتسخطه، حتى كأنه إنما يتناول تلك النفوس بعود يصونه عن قبح روائحها، ويدفعها به إلى خبيث مصائرها. فبين أنهم أرجاس مهجورون، وسقاط محتقرون.
(2/38)

مِنْ كُلِّ رِخو وكِاءِ البَطنُ مُنفَتِقٍ ... لا في الرِّجالِ ولا النِّسوانِ مَعدُودُ
أَكُلَّما اغتَالَ عَبدُ السُّوءِ سَيِّدَهُ ... أو خَانَهُ فَلَهُ في مِصرَ تَمهيدُ
صَارَ الخَصِيُّ إمامَ الآبِقِينَ بِها ... فالحُرُّ مُستَعبَدٌ والعَبدُ مَعبودُ
الوكاء: الرباط، واغتال: قتل على غفلة، والتمهيد: التوطئة.
فيقول مشيرا إلى كافور: من كل عبد قد نقص الخصاء رباط بطنه، واضطربت لذلك أعضاء جسمه، فهو كالمنفق الذي لا يملك نفسه، والمغلوب الذي لا يضبط أمره، لا يعتد به في الرجال ولا في النسوان، ولا يلحظ إلا بعين النقصان.
ثم قال مشيرا إليه: أكلما اغتال عبد السوء سيده؛ بخيانة وجناية يتقلدها، كان له في مصر عند كافور تمهيد يفزع إليه، وسند يعول إليه، يريد أن لؤم العبودية نسب بينه وبين شرار العبيد، فهم يقصدونه فيأمنون به، ويقتحمون جناياتهم على طريق التأميل له.
ثم قال: صار الخصي كافور في هذه البلدة إمام الآبقين، وملجأ للمذنبين، فالحر فيما قبله مستعبد بحريته، مستذل بعروبيته، والعبد كالمعبود لجلالة قدره، وما يعترف به من تعظيم حقه.
نَامَتْ نَواظير مِصرٍ عَنْ ثَعالِبِها ... فَقَدْ بَشِمنَ وَمَا تَفنَى العَنَاقِيدُ
العَبدُ لَيسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بِأخٍ ... لَو أَنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
لا تَشتَرِي العَبدَ إلاَّ والعَصَا مَعَهُ ... إنَّ العَبِيدَ لأَنجَاسٌ مَناكِيدُ
النواظير: المخترسون، والبشم: غثيان النفس من الإفراط في الأكل، والأنجاس: الأقذار، الواحد: نجس، والمناكيد: المشائيم.
فيقول: نام المخترسون بفوائد مصر، والمعظمون لحرمتها، والمدافعون عن حوزتها، عن منع العبيد من ملكها، ودفعهم عن التغلب على أرضها، وكنى بالثعالب عن العبيد جنسهم، وضعتها في أنفسها. ثم قال: فقد أبشم تلك الثعالب
(2/39)

كثرة الأكل، وفوائد مصر لا تنفذ، وخيراتها لا تعدم، وكنى بالعناقيد والثعالب عن العبيد والفوائد.
ثم قال: العبد لا يؤاخي الحر الصالح؛ لمخالفته له بطبعه، ومباينته إياه بجنسه، فهو لا يألفه ولا يوده، ولا يضافيه ولا يحبه، لو أنه المشتمل عليه عند ولادته، والحافظ له بالغ حياطته.
ثم قال: لا تشتر العبد إلا وأنت مشتر للعصا معه، لتدخله تحت المخافة، وتحمله على أشد الإهانة، وإلا فإنك لا تستخلص وده، ولا تنتفع بما عنده، فالعبيد أنجاس لا يعدم نكدهم، شرار لا يؤمن تمردهم.
ما كُنتُ أَحسِبنُي أَحيَا إلى زَمَنٍ ... يُسِيءُ بي فِيهِ كَلبٌ وهو مَحمُودُ
ولا تَوَهَّمتُ أَنَّ النَّاسَ قَد فُقِدوا ... وَأَنَّ مِثلَ أَبي البَيضَاءِ مَوجودُ
وَأنَّ الأسوَدَ المَثقُوبَ مِشفرُهُ ... تُطِيعُهُ ذِي العَضَارِيطُ الرَّعادِيدُ
جَوعَانُ يَأكُّلُ مِنْ زَادِي ويَحسِبُنِي ... لِكي يُقالَ عَظِيمُ القَدرِ مَقصُودُ
أبو البيضاء: كناية عن سواد اللون على سبيل التفاؤل، كما قالوا للديغ سليم، وللقفر المفازة، والعضاريط: الذين يخدمون بطعام بطونهم، واحدهم عضروط، والرعاديد: الجبناء، واحدهم رعديد.
فيقول: ما كنت أحسبني أستديم العمر، وأصحب الدهر، إلى زمن بشيء بي فيه مثل كافور، وهو الكلب لؤما وضعة، وسقوطا ودناءة، وما اتفق له من السلطان، وأقترن به من إسعاد الزمان، يوجبان مظاهرته بالحمد على سوء فعله، والمساعدة له فيما يتكره من أمره.
ثم قال: ولا توهمت أن الناس قد عدم رؤساؤهم، وفقد زعماؤهم، حتى صار مثل أبي البيضاء موجودا فيمن يؤمل رفده، مذكورا فيمن يحاول قصده.
ثم قال، وهو يريد كافورا: ولا ظننت أن مثل هذا الأسود المثقوب المشفر، اللئيم
(2/40)

المحتقر، يرتهن طاعة المتصلين به من أتباعه السقاط الأرذلين، الأدنياء المستضعفين. وسمى شفته مشفرا على سبيل الإستعارة، وأشار بذلك إلى قبح خلقها، وتفاوت عظمها، والمشافر من الإبل كالشفاة من الناس، ودل بما ذكره من ثقبها على أنه من جفاة السودان، وأهل الغباوة فيهم والنقصان.
ثم قال: جوعان بلؤم طبعه وما هو عليه من افتقار نفسه، فهو لا يفتقدني بشيء من بره، ويسلبني ما قد تزودت به إلى أرضه، ويمنعني مع ذلك من الرحلة، ولا يوجدني سبيلا إلى النقلة، لكي يقال أنه مقصود مؤمل الفضل، مرجو معظم القدر.
إنَّ امرَأً أَمَةٌ حُبلَى تُدَبِّرُهُ ... لَمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفؤودُ
وَيَلُمَّها خُطَّةً وَيلُمِّ قَابِلِهَا ... لِمثلِها خُلِقَ المَهريَّةُ القُودُ
وَعِندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شَارِبُهُ ... إنَّ المَنِيَّةَ عِندَ الذُّلِّ فندِيدُ
الأمة: المملوكة، والمستضام: المستذل، والسخين: العين الذي يبصر ما يكره، والمفؤود: الذي أصيب فؤاده. والفؤاد: القلب، وقوله: ويلمها: أراد ويل أمها، فحذف الهمزة استخفاف، وبنى الكلمتين: بناء واحدا، وحرك اللام بالكسر على كرحة ما بعدها، كما حركوا الميم في قولهم: أبنم على حركة ما قبلها، حين جعلوا الكلمتين كلمة واحدة، وحذفوا مستخفين، وكل ذلك مسموع من العرب، والمهرية: جمال تنسب إلى مهرة، وهم قبيل من العرب يستفرهون الإبل، ولذ: بمعنى استطاب وأستعذب، والقنديد: شراب يطبخ من عصير العنب يجعل فيه أفاويه.
فيقول، وهو يشير إلى كافور: أن امرأ يدبره خصي كالأمة الحبلى، كثير أكله، منتفخ بطنه، أسود لونه، لمستضام سخين العين، مفجع مصاب القلب، موقوف على غاية ما يكره، مدفوع إلى أشد ما يحذر.
ثم قال: ويلم تلك الخطة، ويلم القابل لها، وأبعدها الله، وأبعد الراضي لنفسه بها، فللفرار من مثلها، وطلب النجاة من نشرها، تكلف السفر البعيد، واستعملت المهرية
(2/41)

القود.
ثم قال: وعند تحمل تلك الخطة، ومباشرة مكروه تلك الرتبة، يلتذ بطعم الموت شاربه، ويستسهل مخوف الحتف مباشره، أن المنية عند الذل قنديد يستطاب طعمه، وأمر لا يتخوف فعله.
مَنْ عَلِّم الأسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أَم آباؤُهُ الصَّيدُ؟!
أم أُذنُهُ في يَدِ النَّخَّاسِ دَامِيَةً ... أَم قَدرُهُ وهو بِالفَلسَينِ مَردُودُ
الصيد: الملوك السادة، واحدهم أصيد.
فيقول: من علم كافورا الأسود المخصي، الحقير الدني، إسداء النعم، وآثار الكرم؟ وأقومه البيض المشهورون بالرئاسة، أم آباؤه الصيد المتقدمون في السياسة؟!.
ثم قال: أم علمه المكارم حقيقة أمره، وما عهده قديما من نفسه، إذ كانت أذنه دامية في يد النخاس يفركها عند معاقبته، ويجبذها مظهرا لإهانته، أم قدره الساقط، وهو بالنزر اليسير بيعه، وبالتافه الحقير يتداول ملكه، فكيف يظن الخير بمثله، وينكر القبيح المذموم من فعله؟!.
أَولَى اللِّئامِ كُويفِيرٌ بِمَعذِرَةٍ ... في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنِيدُ
وَذَاكَ أَنَّ الفُحُولَ البِيضَ عَاجِزَةٌ ... عَنِ الجَمِيلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السُّودُ؟!
التفنيد: اللوم والتثريب.
فيقول: أولى اللئام بمعذرة في لؤم طبعه، ودناءة نفسه، كويفير، وصغره محتقرا بشأنه؛ لأنه لا سبيل لمثله إلى محمود الشيم، ولا سبب له في شيء من الكرم، وبعض العذر تفنيد لا شك فيه، وتوبيخ لا خفاء عليه.
ثم قال: وذلك أن الفحول الذين تم خلقهم، البيض الذين يروق حسنهم، قد عجزوا عن الجميل في هذا الزمان، الذي قل خيره، وخبث أهله، فكيف يظن ذلك بالخصية السود، مع نقصان خلقهم، وخبث عنصرهم، وإشتمال القبيح على أولهم
(2/42)

وآخرهم؟.
(2/43)

وقال عند وروده الكوفة، يصف خروجه ومنال طريقه، ويهجو كافورا.
ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيزَلَى ... فِدَى كُلِّ ماشِيَةِ الهَيدَبَى
وَكُلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ وما بِيَ حُسنُ المِشَى
وَلكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحَيَاةِ ... وَكَيدُ العُدَاةِ وَمَيطُ الأذَى
الخيزلى: ضرب من مشي النساء فيه تفكك، والهيدبى: ضرب سريع من عدو الخيل، والنجاة من النوق: السريعة، والبجاوية: منسوبة إلى موضع من بلاد النوبة، يستفره أهله الإبل، قال الطرماح يصف ناقة كريمة:
بُجَاوِيَّةٌ لَمْ تَستَدِرْ حَولَ مَشبَر ... وَلَم تَتَخَوَّنْ دَرَّها ضَبُّ آفِنِ
المشبر: الموضع الذي تضع فيه الناقة، وتخون الدر: استماحته، والضب: الحلب بجميع اليد، والآفن: الذي يلح في الحلب.
والخنوف: التي بيديها (ميل) إلى ناحية في مشيها لشدة نشاطها، والمشى: جمع مشية، والجبال: العهود والوصائل، والميط: مصدر ماط الشيء يميط، إذا أذهبه عن نفسه.
فيقول مشيرا إلى خروجه عن مصر، وما خلفه من التغرير بنفسه، والإسراع في سيره: ألا جعل الله حسان النساء اللواتي يمشين الخيزالي؛ لعظم خلقهن، وبراعة حسنهن، مع تمكنهن من النفوس، وتحكمهن على القلوب، فداء الخيل التي تهذب في سيرها، وتفوت الطلب بقوة عدوها.
ثم قال: وجعلهن الله فداء كل ناقة نجاة قوية، بجاوية كريمة، خنوف في مشيها، نشيطة في عدوها، وما بي أن اعتمد من المشي ما يعجب مثله، ويروق الأبصار حسنه.
ثم قال: ولكن الإبل والخيل من الأسباب التي تحرس الحياة، وتقرب النجاة، وتنفذ من الأعداء، وتنفذ الكيد فيهم، وتدفع أذاهم، وتسهل الظهور عليهم.
ضَرَبتُ بها التِّيهَ ضَرْبَ القِمارِ ... إمَّا لِهذا وإِمَّا لِذا
(2/44)

إذا فَزِعَتْ قَدَّمَتها الجيادُ ... وَبِيضُ السُّيوفِ وَسَمرُ القَنا
فَمَرَّتْ بِنَخلٍ وفي رَكبها ... عَنِ العَالَمِينَ وَعَنهُ غَنَى
التيه: قفر لا يكاد يهتدي فيه، والقمار: المخاطرة في الميسر وما أشبهه، والفزع: الفرق، وقدمتها: بمعنى تقدمتها، يقال: قدم وأقدم وأستقدم بمعنى واحد، والجياد: الخيل، ونخل: منزل بالبادية.
فيقول: ضربت بما تحملت عليه من الإبل مجهول القفر، ضرب المقامر، وأقدمت عليه إقدام المخاطر، إما لخلاص أتعجله، وإما لهلاك أتقحمه.
ثم قال: إذا فزعت الإبل لاستيحاش القفر الذي تقطعه، وصعوبة الطريق الذي تركبه، أنستها الخيل بتقدمهم لها، وأنهضتها أسلحة الفرسان لإحاطتهم بها.
ثم قال: فمرت بنخل؛ هذا المنزل من البادية، وفي ركبها، بنفاذ عزمهم، واكتفائهم بأنفسهم، غنى عن العالمين وعن العدول إليه، وقوة تمنعهم من التعريج عليه.
وأَمسَتْ تُخبِّرُنا بالنِّقابِ ... وادِي المِياهِ وَوادِي القُرى
فَقُلْنا لَهَا أَينَ أَرضُ العِراقِ؟ ... فَقَالَتْ وَنَحنُ بِتُربَانَ: ها
وَهَبَّتْ بِحِسمَى هُبُوبَ الدَّبُورِ ... مُستَقبِلاتٍ مَهَبَّ الصَّبَا
النقاب: موضع بعينه، ووادي (المياه) ووادي القرى: منزلان بالبادية بعيدان من النقاب، وتربان: واد معروف، بعيد من أرض العراق، وها: كلمة إجابة، وحسمى: موضع، وهبوب الرياح: انتشارها، والدبور: الريح الغربية، والصبا: الريح الشرقية.
فيقول مشيرا إلى سرعة مسيره، واستقرابه للبعيد من مسافات طريقه: ولما سرنا بالنقاب، كنا كالمشافهين لوادي المياه ووادي القرى؛ لسرعة ورودنا لها، وقصر المدة فيما حاولناه من الاتصال بها.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يشير إلى رواحله، ويخبر عما كانت عليه من سرعة
(2/45)

المشي، وقوة السير: فقلنا لها، ونحن بتربان، أين أرض العراق؟ مستطيلين للشقة، ومستكثرين لتراخي المدة، فكأنها أجابتنا منبهة على مشاهدتها، ومحيلة في ذلك المقام على معاينتها، وبين ما قصد إليه امرؤ القيس حيث يقول:
وَكَأّنَّما بَدرٌ وَصِيلُ كُتَيفَةٍ ... كَأَنَّما مِن عَاقِلٍ أرمَامُ
قال الأصمعي: يريد أن هذه المواضع كأنها اتصلت له مع تباعد من بينها؛ لسرعة سيرها، فلذلك قال أبو الطيب: (فقالت ونحن بتربان ها)، كأن ركائبه أجابته بالإشارة إلى العراق، استقصارا للمدة، وإخبارا عن قلة المهلة.
ثم قال، وهو يريد ركائبه، مؤكدا لما قدمه من سرعتها، وشدة نفاذها وقوتها: وهبت بحسمى، هذا الموضع، هبوب الريح الدبور إذا استقبلت مهب الصبا، وقصدت ذلك القصد، وأمت ذلك السمت، وشبه سرعتها بريح الدبور؛ لأن مهبها من المغرب، واعتمادها مهب الصبا، وهو حقيقة المشرق، وكذلك كان نهوضه من مصر وهي في المغرب، واعتماده العراق وهي في المشرق، فبلغ الغاية فيما وصفه من استعجال رحلته، وأعرب عن الابتداء والانتهاء في سفرته.
رَوَامِي الكِفَافِ وَكَبْدِ الوِهاد ... وَجَارِ البُوَيرَةِ وادِي الغَضَا
وَجَابَتْ بُسَيطَةَ جَوبَ الرَّدَاءِ ... بَينَ النَّعامِ وَبَينَ المَهَا
إلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتَّى شَفَتْ ... بِمَاءِ الجُراويِّ بَعضَ الصَّدَى
الكفاف وكبد الوهاد: موضعان، ووادي الغضا والبويرة: واديان متجاوران، وبسيطة: فلاة معروفة، والجوب: القطع، والمها: صغار بقر الوحش، وعقدة الجوف: موضع بعينه، والجراوي: ماء معروف، والصدى: العطش.
فيقول مشيرا إلى ركائبه، وذاكرا لمشاهير المواضع التي اجتازها في طريقه، ويؤكد لما قدمه من استعجال سيره: الكفاف، هذا الموضع، بقوة العدو، وحقيقة العزم، وفاعلة مثل ذلك في كبد الوهاد، هذا الموضع الآخر، وفي وادي الغضا
(2/46)

والبويرة، هذين الواديين المتجاورين، والموضعين المتقاربين.
ثم قال، وهو يريد ركائبه: وجابت بسيطة، هذه الفلاة، فشقتها شق الرداء، متوسطة لها، ومظهرة لأشد العجلة بها، وهي فيما هنالك بين النعام الشاردة، وصغار بقر الوحش السالمة. يشير إلى أن هذه المفازة بعيدة لا تسلك، ونائية لا تعبر، فوحشها لا يذعر، ونعامها لا ينفر.
ثم قال: أنه واصل السير غير مترفق، وأمضاه غير متثبط، حتى أورد مطاياه عقدة الجوف، فشفى بماء الجراوي بعض عطشها، وأعانها بورده على كد تعبها.
وَلاَحَ لَها صَوَرٌ والصَّبَاحُ ... وَلاَحَ الشَّغُورُ لها والضُّحَى
وَمَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئْدَاؤُها ... وَغَادَى الأضَارِعَ ثُمَّ الدَّنَا
فَيَالَكَ لَيلاً على أَعكُشٍ ... أَحمَّ الرَّواقِ خَفِيَّ الصُّوَى
صور والشغور والجميعي: مواضع بالبادية، والدئداء عدو أسرع من الخبب، والأضارع والدنا: مياه معروفة، وأعكش: موضع، والأحم: الأسود، والرواق: ظلة ترفع على عمود واحد. والصوى: حجارة تجمع في الطريق لتكون هداية فيه، واحدتها صوة.
فيقول مخبرا عن ركائبه: ولاح لها، بعد الماضع التي قدم ذكرها، صور، والصباح ظاهر، والليل ظاعن، ولاح الشغور لها، في ضحى ذلك اليوم.
(ثم قال: ومسى الجميعي) دائداء تلك الإبل، وهي جاهدة غير مفترة، ومسرعة غير مقصرة، وغادى ذلك الدائداء الأضارع والدنا، مع ما بينهما وبين ما تقدمها من طول الشقة، وبعد المسافة.
ثم قال مشيرا إلى الليل الذي قطعه، والإظلام الذي أدرعه: فيا لك ليل غشيني على أعكش، هذا الموضع، فمد علي رواق سدفه، وأخفى عنى الصوى، التي هي الهداية، بشدة ظلمه، فقطعته مشتملا به، ونهضت فيه غير متهيبة له.
(2/47)

وَرَدْنَا الرُّهيمَةَ في جَوزِهِ ... وَبَاقِيهِ أَكثَرُ مِمَّا مَضَى
فَلَمَّا أَنخنَا رَكَزنَا الرِّماحَ ... فَوقَ مَكَارِمِنَا والعُلاَ
وَبَتنَا نُقَبَّلُ أسيَافَنا ... وَنَمسَحُها مِنْ دِماءِ العِدَا
الرهيمة: موضع معروف، وجوز الليل: وسطه، والركز: الغرز.
فيقول: وردنا الرهيمة في وسط الليل، وقد أمنا مخوف الطلب، وتخلصنا من محذور الغرر، والليل قد استقبلنا أكثره، واستبقينا معظمه، فنزلنا مستريحين، وحططنا رحالنا مطمئنين.
ثم قال: فلما أنخنا رواحلنا، وأرحنا ركائبنا، وتركنا الرماح استغناء عن احتمالها، وفارقناها غير محتاجين إلى اعتقالها، فركزناها فوق ما خلدناه من مكارمنا، وأثبتناها فيما اخترناه من المجد بنفاذ عزائمنا.
ثم قال: وبتنا نقبل أسيافنا التي استدفعنا بها ما حذرناه، ونمسحها من دماء القوم الذين حاولوا منا ما كرهنا.
لِتَعلَمَ مِصرُ وَمَنْ بِالعِرَاقِ ... وَمَنْ بِالعَواصِمِ أَنِّي الفَتَى
وَأَنِّي وَفَيتُ وَأَنِّي أبَيْتُ ... وَأَنِّي عَتَوتُ عَلَى مَنْ عَتا
وَمَا كُلُّ مَنْ قَالَ قَولاً وَفَى ... وَلا كُلُّ مَنْ سِيمَ خَسفَاً أَبَى
فيقول: أن الذي تكلفه بالخروج عن مصر من الخطر، وواقعه في مباينته لكافور من الغرر، إنما كان ليعلم رؤساء البلاد التي ذكرها، وسائر أهلها، أنه الفتى الذي لا يقر على الذل، والكريم الذي لا يصبر على الضيم.
ثم قال: وليعلموا أجمعون أني وفيت شاكرا على النعمة، وأبيت من احتمال الذلة، وعتوت على من عتا على من عتا علي وتكبر، وفارقت من عدل عن الإنصاف وتنكر، فجازيت المحسن بالاعتراف لفضله، وقابلت المسيء بمقارضته على فعله.
ثم قال: وما كل من يقول يفي بقوله، ويقف عند ما يعد به من نفسه، ولا كل من
(2/48)

يسام الخسف يأباه منكرا له، ويستدفعه غير مرتض به، فأشار إلى أنه فارق كافورا أنفة من الذل، ووفى له بما تقدم له في مفارقته من القول.
وَمَنْ يَكُ قَلبٌ كَقَلبِي لَهُ يَشُقُّ ... إلى العِزِّ قَلبَ التَّوى
ولا بُدَّ لِلقَلبِ مِن آلَةٍ وَرَأيٍّ ... يُصَدِّعُ صُمَّ الصَّفَا
وَكُلُّ طَرِيقٍ أَتَاهُ الفَتَى عَلى ... قَدَرِ الرَّجلِ فِيهِ الخُطَا
التوى: الهلاك، والآلة: الشدة والجرأة، والصفا: الحجر العظيم الأملس، والخطا: معروفة، واحدها خطوة.
فيقول: ومن يكن له قلب كقلبي في ثباته وقوته، وشجاعته وجرأته، يطلب العز وينافس فيه، ويحاوله ويحرص عليه، ويشق إليه الهلاك المحض، الذي لا يكاد يتخلص من مثله، ولا يبعد المنقحم فيه من الإشراف على التلف بنفسه.
ثم قال: ولا بد للقلب من إقدام وجراة، وجلد وشدة، ورأي راجح، وإدراك ثاقب، يدفعان الصفا بقوتهما، وينفذان فيهما بصحة نيتهما.
ثم قال: وكل طريق يأتيه الفتى ويسلكه، ويحتمل عليه ويركبه، على قدر ثبات رجله فيه وتمكنها، تتصل خطاه عند تنقلها. وهذا مثل ضربه لنفسه، وأعرب فيه عن نفاذ فعله، واخبر أن الإنسان إنما يكون تصرفه في قصده بمقدار ما يثبت عليه من صحة عقده.
وَنَامَ الخُوَيدِمُ عَنْ لَيلِنَا ... وَقَد نَامَ قَبلُ عَمىً لا كَرَى
وَكَانَ على قُربِنَا بَينَنا ... مَهَامِهُ مِن جَهلِهِ والعَمَى
الخويدم: تصغير خادم، وهو العبد المحبوب، والكرى: النوم، والمهامة: القفار، الواحد مهمه.
(فيقول) مشيرا إلى كافور، وصغر أسمه على سبيل الاحتقار له: ونام الخويدم عما أنفذناه في ليلنا، وأحكمناه من امرنا، في خروجنا عن ارضه، ونقصنا لما
(2/49)

حاوله في جهتنا من مكره، وقد نام قبل ذلك جهلا بما نديره، وعمى عن معرفة ما نقصده، لا نوم حقيقة تغلبه على عقله، وتمنعه من التبيين لأمره.
ثم قال: وكان مع قربنا منه في رأي العين، واتصالنا به على ظاهر الحال، يبعد عنا بجهله، ويعمى عما يديره بقصر عقله، حتى كان بيننا وبينه مهامه لا تسلك، لبعد غايتها، وفلوات لا تعبر، لطول مسافتها.
لَقَدْ كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيَّ أَنَّ ... الرُّؤُوسَ مَقَرُّ النُّهى
فَلَمَّا نَظَرْتُ إلى عَقلِهِ ... رَأيتُ النُّهَى كُلَّها في الخُصَى
النهى: العقل، وهو جمع نهية، والنهية: ما ينتهي في الأمور.
فيقول، وهو يشير إلى كافور: ولقد كنت أحسب قبل مشاهدة الخصي، أن الرؤوس تضم العقول وتجمعها، وتشتمل عليها وتتضمنها.
ثم قال: فلما خبرت كافورا في جملة أمره، وتبينت ما هو عليه من قصر عقله، علمت أن الخصى معدن العقول، وأن عليها مدار التحصيل، فمن عدمها فلا تحصيل له، ومن فقدها فلا يظن شيء من العقل به.
وَمَاذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ وَلكِنَّهُ ... ضَحِكٌ كَالبُكَا
بِهَا نَبطِيٌّ مِنْ أهلِ السَّوادِ ... يُدَرِّسُ أَنسَابَ أهلِ الفَلاَ
وَأسوَدُ مِشفَرُهُ نِصفُهُ يُقالُ ... لَهُ أنتَ بَدرُ الدُّجَى
النبط: صنف ن العجم ينزلون سواد العراق، واحدهم نبطي، وأراد ها هنا الوزير ابن حنزابة، وهو جعفر بن الفضل بن الفرات، وكان على بنت الإخشيد مولى كافور، فعرض به، ونسبه إلى أصله، بنو الفرات من أعقاب من أسلم من النبط. والفلا: جمع فلاة، وهي الأرض المقفرة، والمشفر: الشفة الضخمة، استعارها لكافور من الجمل؛ لأن المشفر من الجمل كالشفة من الرجل.
فيقول: وماذا بمصر من الأمور المضحكة، والأعاجيب المستغربة، وأن كان ذلك
(2/50)

الضحك كالبكاء عند النظر والتبين، والإحتمال على حقيقة التأمل.
ثم قال، وهو يريد ابن حنزابة، وكان مولعا بتتبع أنساب العرب: بها نبطي من أرض السواد قد جعل مطالعة أنساب العرب علمه، وقصر على الاعتناء بها نفسه، فهو يدرس أنساب أهل البادية ويتعلمها، ويبحث عنها بجهده ويتفقدها، والعرب ليسوا من صنفه، والاعتناء بأنسابهم ليس من شأن مثله.
ثم قال: وبها من كافور مدبر أمرها، ومصرف ملكها، أسود، مشفره لعظمه نصف جسمه، وبصر الناظر إليه تقذى لقبحه، وهو مع ذلك يغالط في امره، ويكذب عن نفسه، ويقال له: أنه إنما يماثل البدر في الحسن والبهجة، ويساويه في العلو والرفعة.
وَشَعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَ ... بَينَ القَريضِ وَبَينَ الرُّقَى
فَمَا كَانَ ذلِكَ مَدحَاً لَهُ ... وَلكِنَّهُ كان هَجوَ الوَرَى
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفسُهُ قَدرَهُ ... رَأى غَيرُهُ مِنهُ ما لا يَرَى
الكركدن: دابة تكون بأرض الهندن مستشنعة الصورة، متفاوتة الخلق، شبه بها كافورا في اضطراب خلقه، وتناهي قبحه، والقريض: الشعر، والرقى: جمع رقية، وهي المعاذة.
فيقول: ومن أعاجيب مصر شعر مدحت به كافورا، الذي هو كالكركدن في قبح صورته، واستكراه العيون لطلعته، وكان ذلك الشعر بين القريض فيما ظاهرت به من مدحه، وبين الرقى فيما استدفعت به من شره.
ثم قال: فما كان ذلك مدحا خلصته له، ولا ثناء أعتد به، ولكنه كان هجوا للورى بجملتهم، واستهجانا لهم بكليتهم، إذ صار مثله فيهم ملكا يغتنم قصده، ومرجوا يؤمل رفده.
ثم قال على سبيل المثل، مشيرا إلى ما كافور عليه بن الجهل لنفسه، والغلط في
(2/51)

مبلغ قدره: ومن جهل نفسه، وتعدى طوره، رأى الناس من أمره ما لا يراه ولا يدركه، وبدا لهم فيه ما لا يبين لهم فيه ولا يعرفه، وكذلك كافور يجهل محله من الدناءة والخسة، ويظن أنه بموضع من الجلالة والرفعة، والناس بما يجهله عالمون، وهم لما يظنه مكذبون.
(2/52)

وقال أيضاً:
وأَسْوَدٌ أَمَّا القَلبُ مِنهُ فَضَيِّق ... نَخِيبٌ وَأَمَّا بَطنُهُ فَرَحِيبُ
يَمُوتُ بِهِ غَيظَاً على الدَّهرِ أَهلُهُ ... كَمَا مَاتَ غَيظَاً فَاتِكٌ وَشَبِيبُ
النخيب: الضعيف، وهو فعيل بمعنى مفعول، وفاتك: هو فاتك الإخشيدي الذي رثاه أبو الطيب وامتدحه، وشبيب (هو) ابن جرير العقيلي الذي خرج في الشام على كافور، وهلك بدمشق في خروجه ذلك، ونظم في أمره أبو الطيب قصيدة.
فيقول، وهو يريد كافورا: (وأسود أما القلب منه فضيق)، بعدم حلمه، نخيب لتمكن جبنه، إلا أن بطنه رحيب، لا تكاد يده تشبعه، ولا الكثير من الأكل يقنعه.
ثم قال: يموت أهل الدهر غيظا به وكمدا، وتنقطع أنفسهم استكراها له وأسفا، كما مات من ذلك شبيب وفاتك، مع موضعهما من الكرم، ورغبتهما في إسداء النعم.
أَعَدْتُ على مَخصَاهُ ثُمَّ تَرَكتُهُ ... يُتَبِّعُ مِنِّي الشَّمسَ وَهِيَ تَغِيبُ
إذا ما عِدِمتَ العَقلَ والأَصلَ والنَّدَى ... فما لِحَيَاةٍ فِي جَنَابِكَ طِيبُ
الجناب: الناحية.
فيقول: أعدت الخصاء عليه؛ لنقضي لأمره، وإبطالي لمكره، واجتنابي لأرضه، وتركته فيما عاناه من طلبي، وحاوله من توجيه خيله على أثري، كمن يتبع الشمس عند غروبها، ويريد أن يلحقها في حين مغيبها.
ثم قال يخاطبه: إذا ما عدمت بعبوديتك كرم الأصل، وبعدت بجهالتك عن وفور العقل، ولؤمت بطبيعتك، وكرهت كل جميل بخليقتك، فما للحياة في جنابك طيب تسكن النفوس إلى موضعه، وتستلذ ما تباشر من تطعمه.
(2/53)

وقال، وأراد بها سيف الدولة:
فَارَقتُكُمْ فإذا ما كَانَ عِندَكُمُ ... قَبلَ الفِرَاقِ أَذَّى بَعدَ الفِراق يَدُ
إذا تَذَكَّرْتُ ما بَيِني وَبَينَكُمُ ... أَعَانَ قَلبِي على الشَّوقِ الذي أَجِدُ
فيقول لسيف الدولة: فارقتكم فإذا ما كان أذى عندكم، ومكروها في حين إلمامي بكم، قد صار يدا بعد مفارقتكم، وإنعاما في حين مباعدتكم، فإذا تذكرت عقوقكم الذي كنت أتألمه، وتقصيركم بي الذي كنت أتكرهه، أعان ذلك قلبي على الوجد الذي أجده في التباعد منكم، والأسف الذي أضمره على الانفصال عنكم.
(2/54)

نزل أبو الطيب في سفره إلى الكوفة بحسمي، وطابت له فأقام بها شهرا، وكان بطيف به رجل من طيّء يقال له وردان، فأفسد عليه غلمانه، وكانوا ينقطعون إلى بيته، فوافق غلاما منهم كان أشدهم، على أن يحتال على أبي الطيب، ويسرق سيفا له كان عليه حلية ذهب، فوافق الغلام رفيقا له وأعطاه السيف، واستوى على ظهر فرسه، وأراد الغلام أن يأخذ فرس أبي الطيب، وكان نائما على مقوده، فأنتبه أبو الطيب وأنكر أمر الغلام، فضرب وجهه بالسيف، فرمى برأسه، وأفلت الغلام الآخر بالسيف على الفرس في جوف الليل، فقال أبو الطيب:
لَحَا اللَّهُ وَردَانَاً وَأُمَّاً أَتَتْ بِهِ ... لَهُ كَسبُ خِنزيرٍ وَخُرطُومُ ثَعلَبِ
فَمَا كَانً مِنهُ الغَدرُ إلاَّ دَلاَلَةً ... عَلى أَنَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمِّ والأَبِ
إذا كَسَبَ الإنسَانُ مِنْ هَنِ عِرسِهِ ... فَيا لُؤمَ إنسَانٍ ويا لُؤمَ مَكسَبِ
لحا الله: بمعنى أهان وأبعد، والهن: كلمة تستعمل في الكناية، وأراد بها ها هنا الفرج، وكسب الخنزير العذرة، لأنه يتقوت بها ويحرص عليها، حكى ذلك المؤلفون في الحيوان، وخرطوم الثعلب: ما يتناول به مأكوله، والخراطيم للسباع كالمشافر للإبل والجحافل للخيل.
فيقول: لحا الله وردان وأمحقه، وأهانه وأبعده، ولحا أما ولدته، وحاملة وضعته، فإنه لا يرتفع عن الخنزير في لؤم كسبه، ولا عن الثعلب في دناءة مطعمه، وأشار إلى ما استجازه وردان من سرقته، وما رضي به من الدناءة في وجهته.
ثم قال: فما كان ما عاملني من غدره، وما أشرفت عليه من مذموم فعله، إلا دلالة قاطعة، وشهادة صادقة على أن ذلك اللؤم أورثته إياه أمه بقبح اتصالها بأبيه، وبعدها عن الولادة الصالحة فيه.
ثم قال مشيرا إليه، وإلى ما تقدم من إفساد وردان لغلمانه عليه: إذا كسب الإنسان من هن عرسه، وسهل مثل هذه الفعلة المذمومة على نفسه، فيا لؤم ذلك الإنسان، وأبعد إليه مثله، ولا مرحبا به، وقبح الله فعله.
(2/55)

أَهذا اللُّذَيَا بِنتُ وَردَانَ بِنتُهُ ... هُما الطَّالِبانِ الرَّزقَ مِن شَرِّ مَطلَبِ
لَقَدْ كُنتُ أَنفِي الغَدرَ عَنْ تُوسِ طَييءٍ ... فَلا تَعذُلاني رُبَّ صِدقٍ مُكَذَّبِ
اللذيا: تصغير الذي، والتوس: الأصل.
فيقول، وهو يشير إلى وردان، ويخبر عن أبنته: أهذا وردان الذي بنت وردان بنته، وهي الموصوفة بأقبح الصفة، المشهورة بقلة العفة، التي تطلب مع أبيها الرزق من أخبث مطالبه، ويسلكان إليه الأم طرائقه.
ثم قال: لقد كنت قبل ما خبرته من وردان أنفي اللؤم عن طييء هذه القبيلة وأصلها، وأظن الجميل بها في أوائلها ونسلها، فأنا الآن أوجب ما نفيته، وأصدق ما كذبته، ورب صدق لم يتبينه السامع فأنكره، ولا وقف على حقيقته فدافعه.
(2/56)

وقال أيضا:
فَإنْ تَكُ طَيِّيءٌ كانَتْ لِئَامَاً ... فَألأَمُها رَبيعَةُ أَوْ بَنُوهُ
وإِنْ تَكُ طَيِّيءُ كانَتْ كِرَامَاً ... فَوَردَانُ لِغَيرِهِمُ أَبُوهُ
بنو ربيعة بن جرول: قبيلة من قبائل طييء، كان منهم وردان الذي هجاه أبو الطيب.
فيقول: أن طيئا، هذه القبيلة، أن كانوا لئاما متحققين باللؤم، أدنياء مقصودين بالذم، فألأمهم ربيعة الذي وردان منهم، ومن نسله أو بنوه الذين شركهم وردان في أصله.
ثم قال: وأن كانت طييء كراما لا ينكر فضلهم، خيارا لا ينتقص مثلهم، فوردان كاذب فيما يدعيه من ولادتهم، مبطل فيما ينسب إليه من قرابتهم.
مَرَرَنا مِنهُ حِسمَى بِعَبدٍ يَمُجُّ ... اللُّؤمَ مَنخِرُهُ وَفُوهُ
أَشَذَّ بِعرسِهِ عَنِّي عَبيدْي ... فَأَتْلَفَهُمْ وَمالي أَتْلَفُوهُ
فَإنْ شَقِيَتْ بِأَيدِيِهِمْ جِيَادِي ... لَقَدْ شَقِيَتْ بِمُنصُلِيَ الوجُوهُ
حسمى: موضع معروف، ومج الرجل الشراب: إذا رماه من فيه، وأشذ: فرق، والعرس: الزوج، والجياد: الخيل، والمنصل: السيف.
فيقول، وهو يريد وردان: مررنا منه في حسمى، هذا الموضع، بعبد، فيما شاهدناه من فعله، دنيء لا تحسن العروبية بمثله، يمج منخره وفوه اللؤم، لقبح خليقتهما، ويشهدان به عليه لما يظهرانه من هجنتهما.
ثم قال مشيرا إليه: أشذ عني عبيدي بما أباحهم من عرسه، وأتلفهم وأتلف مالي بما استجازه من قلة الصيانة لنفسه.
ثم قال: فإن شقيت جيادي بإباق عبيدي بها، وعدمتها بما حملهم وردان عليه من الانتهاب لها، لقد شقيت بسيفي من العبيد وجوههم، ولقد فللت بمن قتلت منهم عديدهم.
(2/57)

وقال في العبد الذي قتله:
أَعْدَدتُ لِلغادِرِينَ أَسيَافاً أَجدَعُ ... مِنهُمْ بهنَّ آنافَا
لا يَرحَمُ اللَّهُ أَرؤُسَاً لَهُمُ ... أطرنَ عَنْ هَامِهنَّ أَقحَافا
ما يَنقِمُ السَّيفُ غَيرَ قِلَّتهِمْ ... وأَنْ تضكُونَ المِئُونَ آلافَا
الجدع قطع الأنف والأذن، والهام: الرؤوس، الواحد هامة، والأقحاف: أعالي الجماجم، الواحد قحف، ونقم: بمعنى أنكر.
فيقول مشيرا إلى قتله العبد الذي حاول الغدر به: أعددت لمن أراد الغدر بي أسيافا صارمة، وعزائم قوية نافذة، وأجدع بتلك السيوف أنوفهم، وأقرب بتلك العزائم حتوفهم.
ثم قال داعيا عليهم: لا يرحم الله أرؤسا لهم اعتقدت الغدر، وأساءت الفعل، فأوجبت بذلك إطارة أقحافها، وتعرضت لما أفضت إليه من إهلاكها وإتلافها.
ثم قال: ما ينكر السيف إلا أنهم قليل لا يدرك بهم رغبة، يسير لا يلحقهم بمثلهم بغية، وبوده أن المئين منهم آلاف متكاثرة، وجماعات مترادفة.
يا شَرَّ لَحمٍ فَجعتُهُ بِدَمٍ وَزَارَ ... لِلخَامِعَاتِ أَجوافَا
قَدْ كُنتَ أُغنِيْتَ عَنْ سُؤالِكَ بي ... مَنْ زَجَرَ الطَّيرَ لي وَمَنْ عَافَا
وَعَدْتُ ذَا النَّصلَ مَن تَعرَّضَهُ ... وَخِفْتُ لَمَّا اعتَرَضْتَ إخلافَا
الخمع: العرج، والخوامع: الضباع، وهي توصف بالعرج، وزجر الطير: التفاؤل بها، والعيافة: التكهن على سبيل الزجر، والنصل: السيف.
فيقول مشيرا إلى العبد الذي قتله. يا شر لحم فجعته بسيفك دمه، وإعدام نفسه، فزار أجواف الضباع، وأصبح من أقوات السباع.
ثم قال، وهو يريده: قد كنت أغنيت عن أن تسأل بي غيرك، وأن تغالط في نفسك بما سلف لك معي من طول الصحبة، وما توليته لي من قديم الخدمة، ثم رجع إلى الاستفهام على سبيل التعجب، فقال: من زجر الطير لي مع ما كان عليه في جهتي
(2/58)

من ثابت المعرفة، ومن تولى العيافة في أمري مع ما سلف له من قديم التجربة.
ثم قال: وعدت سيفي بأعماله فيم ن تعرض له، وإمكانه ممن تمرس به، ووجلت لما اعترضني هذا العبد أن أخالف السيف فيما وعدته، ولا أنفذ له ما قد شرطته.
لا يُذْكَرُ الخَيرُ إن ذُكِرتَ ولا ... تُتبِعُكَ المُقلَتَانِ تَذرافَا
إذا أمرُؤٌ راعَنِي بِغَدرِتَهِ ... أَورَدْتُهُ الغَايَةَ التي خَافَا
التذراف: انحدار الدمع من العين.
فيقول، وهو يريد العبد الذي قتله: لا يذكر الخير عندما يعن من ذكرك، ولا يتأخر الذم عنك بما قدمته من غدرك، ولا تتبعك المقلتان تذراف الدمع، ولا تظهر عليك شيئا من الحزن.
ثم قال: إذا امرؤ فاجأني وحاولني بمكروه فعله، لقيته القتل فصار إلى ما كان يتخوفه، وجاريته به فأفضى إلى ما كان يتوقعه.
(2/59)

وقال في طريقه:
بُسَيطَةُ مَهلاً سُقِيتِ القِطارَا ... تَرَكْتِ عُيونَ عَبِيدي حَيَارَى
فَظَنُّوا النَّعَامَ عَلَيكِ النَّخيلَ ... وَظَنُّوا الصِّوارَ عَلَيكِ المَنَارَا
فَأمسَكَ صَحبِي بِأكوَارِهم ... وَقَدْ قَصَدَ الضِّحكُ فِيهمْ وَجَارَا
بسيطة: فلاة معروفة، والقطار: جمع قطر، والصوار: القطيع من بقر الوحش، والمنار: الصوامع، واحدتها منارة، والأكوار: الرحال، والقصد: الاستقامة في الشيء، والجور: الخروج فيه عن الواجب.
فيقول مخاطبا للفلاة: بسيطة مهلا! فيما كلفتنا من السير، ولازمتنا به من قلة النوم، فقد تركت عيون عبيدي حيارى في نظرها، غير متحققات للمرئيات عند تأملها.
ثم قال: فظن عبيدي عليك (أن) النعام نخيل؛ بما توالى عليهم من السير، وأن بقر الوحش صوامع؛ بما أتصل لهم من طول السفر. وأشار إلى أنهم يتمنون الخروج من تلك الفلاة إلى القرى المعمورة، لتطاولها عليهم، فكانوا يظنون نعامها نخيلا، وبقرها الوحشية منارا.
ثم قال: فأمسك صحبي بأكوارهم معتصمين بها، وعولوا عليها ملتزمين لها، وقد أخذ الضحك فيهم بحظه، وتجاوزوا فيه إلى أكثر مما عهد من أمره، وأشار بما ذكر إلى أنهم كاد أن يسقطهم الضحك عن رواحلهم، وأن يخرجهم بغلبته عن مواضعهم.
(2/60)

ونجم ناجم من بني كلاب، وسار إلى الكوفة، فخرج إليه أهلها، وكان فيمن خرج إليه أبو الطيب، وجرى بينهم طراد، فانهزم الخارجي ومن معه من بني كلاب، وجرد الديلمي دلير بن يشكروز إلى الكوفة ومعه جيش، فصادف القوم وقد انهزموا، فواصل أبا الطيب وأنفذ إليه ثيابا من الديباج الرومي والخز والدبيقي، وقاد إليه فرسا بمركب ثقيل، فقال أبو الطيب يمدحه، أنشده في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
كَدَعواكِ كُلٌّ يَدَّعِي صِحَّةَ العَقلِ ... وَمَنْ ذَا الَّذي يَدري بِمَا فِيهِ مِنْ جَهلِ
لَهِنّضكِ أَولَى لاَئِمٍ بِمَلامَةٍ ... وَأَحوَجُ مِمَّنْ تَعذِلِينَ إلى العَذلِ
تَقُولِينَ ما في النَّاسِ مِثلَكَ عَاشِقٌ ... جِدِى مِثلَ مَنْ أَحبَبتُهُ تجِدِي مِثلِي
لهنك: كلمة إضمار ومخاطبة معناها: لأنك، فأبدلوا الهاء من الهمزة، كما قالوا: هراق وهم يريدون أراق، وأدخلت لام الإخبار على ذلك.
فيقول مخاطبا لعاذلته، ومشيرا إلى لائمته: مثل الذي تدعينه أيتها العاذلة من صحة العقل، وتظنينه في عذلك من صواب الفعل، يدعيه كل ذي رأي سواك ويعتقده، وكل ذي مذهب يتخيره ويلتزمه، ومن ذا الذي يشعر بمقدار جهله، وينظر بعين الحقيقة من نفسه؟!.
ثم قال: لهنك أيتها العاذلة أحق اللائمين بالملامة، وأبعدهم عن طرق الإصابة، وأحوج إلى العذل من الذي تقصدينه بعد ذلك وتعتمدينه بلومك.
ثم قال مشيرا إليها: تقولين لي ما في الناس عاشق على مثل بصيرتك، ولا محب يحتمل على طريقتك، وقولك في ذلك لا يدفع عن الصدق، ورأيك لا يعدل عن الحق، فجدي مثل من أحببته في جلالة القدر، تجدي مثلي فيما بلغته من الحب.
مُحِبٌّ كَنَى بالبِيضِ عَنْ مُرهَفَاتِهِ ... وَبالحُسنِ في أَجسَامِهِنَّ عَنِ الصَّقلِ
وَبِالسُّمرِ عَنْ سُمرِ القَنَا غَيرَ أَنَّني ... جَنَاهَا أَحبَّائِي وَأَطرَافُهَا رُسلي
المرهفات: السيوف، والقنا: الرماح، وجنى الشجرة: (اجتنى) ثمرتها، ويستعار
(2/61)

ذلك في كل ما ترتقب فائدته.
فيقول لعاذلته: والمثل الذي أشير لك إليه؛ هو محب يكنى بالبيض عن مرهفات سيوفه عند ذكرها، وبالحسن في أجسامهن عما يعجب به من صنيعها وصقلها.
ثم قال: ويكني بالسمر عن سمر رماحه كلفا بها، ويجعل ما يظهره من الشغف خالصا لها، ويعتقد أن ما يجتنيه بتلك الرماح، كالأحباب الذين ينحو نحوهم، ويجعل أطرافها إليهم، الرسل الذين يستحفظهم أمرهم.
عَدِمتُ فُؤادَاً لَم تَبِتْ فيهِ فَضلَةٌ ... لِغَيرِ الثَّنَايَا الغُرِّ والحَدَقِ النُّجلِ
فَمَا حَرَمَتْ حَسنَاءُ بالهَجرِ غِبطَةً ... وَلا بَلَّغَتها مَنْ شَكَا الهَجرَ بالوَصلِ
الثنايا من الأسنان: معروفة، والغر: البيض، والأعين النجل: الواسعة.
فيقول: أعدمني الله قلبا (لا) تكون فيه فضلة عن الاشتغال بالحب، والتصرف في أسباب لعشق، والكلف بحسان النساء، ذوات الثنايا الغر الواضحة، والعيون النجل الفاترة، ولا مرحبا بقلب ينزع من الأمور إلى أرفعها، ويحن من منازل الشرف إلى أجلها وأكرمها.
ثم أكد ما دقمه، فقال: فما حرمت حسناء بهجرها غبطة يتشرف المحروم بنيلها، ولا منعته كرامة ترتفع منزلته بإدراك مثلها، ولا بلغت إلى ذلك من شكا هجرها بما تبذله من الوصل، ولا من ألم لبعدها بما تسمح له به من القرب.
ذَرِينِي أَنَلْ ما لا يُنَالُ مِنَ العُلاَ ... فَصَعبُ العُلاَ في الصَّعبِ والسَّهلُ بالسَّهلِ
تُريِدينَ لُقيَانَ المَعَالِي رَخيصَةً ... ولا بُدَّ دُونَ الشَّهدِ مِنْ إبَرِ النَّحلِ
حَذَرْتِ عَلَينَا المَوتَ والخَيلُ تَدَّعِي ... ولم تَعلَمِي عَنْ أَيِّ عَاقِبَةٍ تُجلِي
اللقيان: لغة في اللقاء، وإبرة النحل: التي تلدغ بها، وكذلك إبرة العقرب، وجمعها: إبر، والإدعاء في الحرب: الانتساب على طريق الافتخار وطلب الاشتهار، والإجلاء: الكشف.
(2/62)

فيقول مشيرا إلى عاذلته: ذريني لأنال من العلا ما يصعب نيله، وأدرك منها ما لا يقرب مثله، فليس يدرك من المعالي ما تجل قيمته، إلا بتكلف ما تعظم مشقته، وما كان منها يقرب تناوله، فبحسب ذلك يكون تسافله.
ثم قال مخاطبا لها: تريدين أن ألقى المعالي وادعا غير متمون، وأدركها ريحا غير متكلف، ولابد دون الشهد والتلذذ بتطعمه من لدغ إبر النحل، والتحمل لألمه.
ثم قال، وهو يريد عاذلته، وأشار إلى الوقعة التي شهدها عند وروده الكوفة، حذرت علينا الموت، والحرب تسعر، والفرسان في غمراتها تدعي وتفتخر، ولم تعلمي ما أجلت عنه من الظهور والغبطة، وما أعقبت به من الكرامة والرفعة. وأشار إلى تشكره له دلير بن يشكروز من اشتهاره في تلك الحروب، وما قارضه به من الإحسان والبر.
وَلَسْتُ غَبِينَاً لَو شَرَبْتُ مَنِيَّتي ... بإكرامِ دِلِّيرَ بنِ يَشكَرَوَزَ لِي
تَمُرُّ الأَنَابِيبُ الخواطِرُ بَينَنَا ... وَنَذكُرُ إقبَالَ الأَميرِ فَتَحْلَو لِي
وَلَو كُنتُ أَدرِي أَنَّها سَبَبُ لَهُ ... لَزَادَ سُرورِي بالزِّيَادَةِ في القَتْلِ
الغبين: المغبون، وهو فعيل بمعنى مفعول، كما يقال قتيل بمعنى مقتول، وشريت الشيء، بعته، وشريته: ابتعته، وأراد هاهنا الابتياع، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، واحدها: أنبوب، وأشار بها إلى الرماح.
فيقول: ولست مغبونا لو ابتعت المنية مغتبطا بها، ولقيتها غير متكره لها، جزاء بما أولاني دلير بن يشكروز من كرامته، ومقارضة لما خصني به من ملاطفته.
ثم قال مشيرا إلى الوقعة التي شهدها بالكوفة، وكانت سبب قدوم دلير بن يشكروز على الناحية: تمر بيننا أنابيب الرماح التي استعملناها في المطاعنة، وضربناها فيما عانيناه من المقاتلة، ونذكر ما يدعو ذلك إليه من قدوم الأمير دلير بن يشكروز، فيحلو لي لنا من ذلك ما مر طعمه، ويحسن عندنا منه ما يستكره أمره.
(2/63)

ثم قال: ولو كنت أدري دراية تيقن أن ما باشرته في تلك الوقعة سبب إلى قربه، وموجب للنظر إلى وجهه، لزاد سروري بوفور حظي من القتل الذي كنت أحذره، واقتحامي على الهلاك الذي كنت أتوقعه.
فَلا عَدِمَتْ أَرضُ العِراقَينِ فِتنَةً ... دَعَتكَ إليها كاشِفَ الخَوفِ والمَحْلِ
ظَلِلْنَا إذا أَنبَى الحَدِيدُ نُصولَنَا ... نُجَرِّدُ ذِكرَاً مِنكَ أَمضَى مِنَ النَّصلِ
وَنَرمي نَواصِيهَا مِنِ أسمِكِ في الوَغَى ... بِأَنفَذَ مِنْ نُشَّابِنَا وَمِنَ النَّبلِ
المحل: الجدب، والعرقان: الكوفة والبصرة، والعراق: شاطئ، ولذلك سميتا، والنصول: السيوف، ونبوها: تأخرها عن النفاذ في القطع، والوغى: أصوات المقاتلين في الحرب.
فيقول مخاطبا لدلير: فلا أعدم الله العراق فتنة قدمت بك إلى أرضها، وصيرتك مدبرا لأمور أهلها، فأنت كاشف الخوف عنها بهيبتك، وبركة سياستك، وصارف المحل بكرمك وجود راحتك.
ثم قال يخاطبه: ظللنا في الوقعة التي قدمت على أثرها إذا نبت السيوف بأيدينا عند المجالدة، وعليها كثرة (جنن) أعدائنا المتظاهرة، نجرد فيهم من ذكرك ما هو أنفذ من السيوف الصارمة، وأشد عليهم من النصول الماضية.
ثم قال، وهو يريده: ونرمي من أسمك نواصي الخيل التي نستقبلنا، ونراكب الفرسان التي تعترض لنا، بأنفذ من نشابنا، وأمضى ما نستعمله من سلاحنا. يريد أنه كان تداعيهم في تلك الحرب باسمه، وإجلابهم على المقاتلين لهم بذكره، أنفذ مما رموه من النشاب عن القسي العجمية، ومما رموا به من نبلهم عن القسي العربية، والنبل: سهام العرب، وصاحبها نابل ونبال، وسائر سهام العرب النشاب. قال الأعشى وهو يذكر عجم الفرس في يوم ذي قار:
لَمَّا أَمالوا إلى النُّشاب أَيدِيَهُمْ ... مِلْنَا بِبِيضٍ فَظَلَّ الهَامُ يُختَطَفُ
(2/64)

وقال الفند الزماني:
وَنَبلي وقفاها كعراقيبِ ... قَطىً طِحِلِ
وقال أمرؤ القيس:
وَلَيسَ بِذي سَيفٍ وَلَيسِ بِنَبَّالِ
هذا المعروف الغالب، وإليه أشار أبو الطيب حين فرق بين النشاب والنبل.
فَإنْ تَكُ مِنْ بَعدِ القِتَالِ أَتَيتَنا ... فَقَدْ هَزَمَ الأَعدَاَء ذِكرُكَ مِنْ قَبلِ
وما زِلْتُ أَطوَي القَلْبَ قَبلَ اجتمَاعِنَا ... عَلَى حاجَةٍ بَينَ السَّنَابِكِ والسُّبلِ
ولو لم تَسِرْ سِرْنَا إليكَ بأَنفُسٍ ... غَرائِبَ يُؤثِرونَ الجِيادَ على الأَهلِ
وَخَيلٍ إذا مَرَّتْ بِوَحشٍ وَرَوضَةٍ ... أبَتْ رَعيَها إلاَّ وَمِرجَلُنَا يَغلِي
السنابك: مقادم حوافر الخيل، واحدها: سنبك، والسبل: الطرق، واحدها سبيل، والجياد: الكرام، والمرجل: القدر.
فيقول مخاطبا لدلير: فأن كنت أتيتنا على عقب وقعتنا، ولم تشهد ما قصدت له من نصرتنا، فلم نهزم أعداءك قبل ورودك إلا بذكرك، ولا أظهرنا إلا ما أحاط بنا من سعدك.
ثم قال: وما زلت قبل اجتماعي بك، وما حصلت عليه من المشاهد لك، أطوي القلب على نية في قصدك، وحاجة من النهوض إلى أرضك، قضاؤها والوفاء بها مكتسب بين سنابك الخيل التي تستعمل ركضها، ومناهج الطرق التي تستأنف قطعها.
ثم قال: ولو لم تسر نحونا لبادرنا إليك مسرعين، وليممنا أرضك متسابقين، بأنفس غرائب تؤثر الجياد على الأهل، ولا تأنس إلا بما يوفر حظها من الفضل.
ثم قال: وكنا نقصدك بخيل كرام لا يستنكر سبقها، عتاق لا يستكره خلقها، إذا عنت لها سوانح الوحش، وأحاطت بها خمائل الروض، أبت أن تطمئن راتعة،
(2/65)

وتستقر وادعة، حتى تدرك بها ما تحاوله من الوحش، فنخضب فيما نعفره بعدوها، كإخضابها فيما تستقبله من رعيها.
وَلَكِنْ رَأَيتَ الفَضْلَ في القَصدِ شِركَةً ... فكانَ لَكَ الفَضلانِ بِالقَصدِ والفَضلِ
وَلَيسَ الذي يَتَّبَّعُ الوَبلَ رائِداً ... كَمَنْ جَاَءهُ في دارِهِ رائِدُ الوَبلِ
وَما أَنا مِمَّنْ يَدَّعِي الشَّوقَ قَلبُهُ ... وَيَحتَجُّ في تَركِ الزِّيارَةِ بالشُّغلِ
الشركة: لغة في الشركة، والوبل: المطر، والرائد: الذي يرسله القوم ليطلب لهم الكلأ.
فيقول مشيرا إلى دلير: ولكنك رأيت القصد لمن يعتقد قصدك، ومن أجمع على الرحلة نحوك، تشريكا بين ضربين من الفضل، واستكمالا لنوعين مشكورين من الفعل، فكان لك الفضل لما تكلفته من قصدك، وأكدت ذلك بما قرنته من إنعامك وفضلك.
ثم قال: وليس الذي يتبع الوبل مقتفيا لأثره، متكلفا للرحلة إلى كلأه، كمن جاءه الوبل وهو ناظر في منزله، وأحاط به الخصب وهو متودع في موضعه، أن فضل دلير كان مضاعفا؛ لأنه كفاه مؤونة الرحلة، وأعتمده بأوفر النعمة.
ثم قال: وما أنا ممن يدعي الشوق ولا يصدق ذلك بظاهر فعله، ويحتج في ترك الزيارة بما يترادف عليه من شغله. يشير إلى أنه لو تأخر عنه دلير، لم يقصر هو عن قصده، ولا كان ممن يقدر التأخر عنه على مثله.
أرادَتْ كِلابُ أَنْ تقومَ بِدَولَةٍ ... لِمَنْ تَرَكَتْ رَعيَ الشُّوَيهاتِ والإبِلِ؟!
أَبَى رَبُّها أَن يَترُكَ الوَحشَ وَحدَها ... وَأَن يُؤمِنَ الضَّبَّ الخَبيثَ من الأَكلِ
كلاب: قبيلة معروفة من قيس بن عيلان، كان الخارجي الذي قاتله أبو الطيب قبل إقبال دلير منهم، والضب: دابة تأكلها الأعراب.
فيقول: أرادت كلاب، هذه القبيلة الضعيفة الحال، المتأخرة القليلة المال، أن تقوم
(2/66)

بسلطان ودولة، وتتسور على ملك وإمرة، فلمن كانت تترك رعي شويهاتها وإبلها، وما هي عليه من إقلالها وجهدها؟!.
ثم قال: أبى ربها أن يظفرها من ذلك بما طلبته، ويعنيها على ما حاولته ورغبته، وأن يترك الوحش في القفر من مجاورتها، عادما لما هو بسبيله من مساكنتها، وأن يؤمن الضب الخبيث من تصيدها، وما هي عليه من استعمالها للتفوت بها. فأشار إلى أن الله قد حكم على بني كلاب بسكنى القفار، والتقوت بالضباب، فكيف لهم مع ذلك بالتسمي بالإمرة، والتعاطي لمنازل الرفعة؟!.
وَقَادَ لَها دِلَّيرُ كُلَّ طِمرَّةٍ ... تُنيفُ بِخَدَّيهَا سَحُوقُ مِنَ النَّخلِ
وَكُلَّ جَوادٍ تَلطِمُ الأرضَ كَفُّهُ ... بِأَغنَى عَنِ النَّعلِ الجَديدِ مِنَ النَّعلِ
الطمرة: الفرس الكريمة السريعة، والسحوق: النخلة الطويلة.
فيقول، وهو يريد بني كلاب؛ هذه القبيلة: وقاد لها دلير كل فرس طمرة سريعة الجري، كريمة عظيمة الخلق، كأن ما يشرف برأسها من عنقها، سحوق ترفعه، وجذع ينيف به على من تأمله. وأشار بالخدين إلى الرأس؛ لأنهما منه غير منفصلين عنه.
ثم قال: وقاد لها كل حصان جواد، قوي أسره، شديد خلقه، تلطم الأرض كفه لصلابتها وقوتها، وسلامتها وصحتها، بما هو أغنى من نعل الحديد من ذلك النعل عن نفسه، وما هو أثبت منه في حقيقة جنسه.
فَمَرَّتْ تُريغُ الغَيثَ والغَيثَ خَلَّفَتْ ... وَتَطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجلِ
تُحَاذِرُ هَزْلَ المَالِ وهِي ذَليلَةٌ ... وأَشهَدُ أَنَّ الذُّلَّ شَرٌّ مِنَ الهَزْلِ
وأَهدَتْ إلينَا غَيرَ قاصِدَةٍ بِهِ ... كَريمَ السَّجايا يَسْبِقُ القولَ بالفِعْلِ
الإراغة: الارتياد والمحاولة، والغيث معروف، وأشار به إلى ما يكون من الخصب والكلأ، والمال: السائمة من الإبل وغيرها، وهزل ذلك: إضاعته حتى
(2/67)

يغلب الضعف عليه، يقال: هزل فلان إبله يهزلها هزلا، إذا أضاعها حتى تهزل، روى ذلك أبو حاتم عن شيوخه، والسجايا: الخلائق، الواحد سجية.
فيقول، وهو يريد بني كلاب، هذه القبيلة: فمرت تريغ الغيث، وتطلب الخصب، وقد خلقت ذلك في البلاد التي نفاها عنها دلير، بخلافها على السلطان الذي جرده نحوها، وقلد مناصبتها وحربها، فصارت تطلب ما كان في أييدها وملكها وهي وادعة آمنة، بالانتقال والرجل وهي متوقعة خائفة. وأشار باليد والرجل إلى هاتين الحالين، وكنى بهما عن هاتين الطريقتين.
ثم قال: تحاذر على مالها الضياع والهزل، وتستسهل لأنفسها الصغار والذل، وأشهد أن الذل أشد من الهزل، وأن الصغار أوجع لقلوب الحرار من الفقر.
ثم قال: وأهدت إلينا بنو كلاب، بما أظهرته من العصيان، وما عملت به من خلاف السلطان، غير عامدة إلى ما أهدته، ولا قاصدة لما أوجبته من (قدوم) الأمير دلير، كريم الخلائق، مشكور المذاهب، يسبق في الإفضال فعله قوله، ويتقدم في الإحسان إنجازه وعده.
تَتَبَّعَ آثارَ الرَّزايا بِجُودِهِ ... تَتَبُّعَ آثارِ الأَسِنَّةِ بالفُتلِ
شَفَى كُلَّ شَاكٍ سَيفُهُ ونَوالُهُ ... مِنَ الدَّاءِ حَتَّى الثَّاكلاتِ مِنَ الثُّكلِ
عَفِيفٌ تَرُوقُ الشَّمسَ صُورَةَ وَجهِهِ ... فَلَو نَزَلَتْ شَوقَاً لَحادَ إلى الظِّلِّ
الرزايا: الفجائع، وآثار الأسنة: الجراح التي تحدثها، والفتل: معروف، واحدها فتيل، والنوال: العطاء، والثاكلات: المفجعات، والثكل: المصاب.
فيقول مشيرا إلى دلير: تتبع آثار الفجائع فسلى عنها بجوده، وتقصى بقايا المكاره فعزى عنها بفضله، وتلافى ذلك كما تتلافى جراح الأسنة بالفتل، التي تجبر خللها، وترفع عواديها وألمها.
ثم قال، وهو يريده: شفى من الداء كل من يتشكاه؛ فأذهب الآجال بسيفه، وقرب
(2/68)

الآمال بجوده، حتى انه أجار الثواكل من الثكل، وأعداهن على مؤونة الحرب. يشير إلى أنه عم بالإحسان والفضل، وأجار بكرمه من نوائب الدهر.
ثم قال، وهو يشير إليه: عفيف يروق الشمس بحسن صورته، ويبهرها بجماله وبهجته، فلو نزلت إليه مشتاقة إلى قربه، لحاد عنها إلى الظل، غير مسعد لها بوصله.
شُجَاعٌ كَأَنَّ الحَربَ عَاشِقَةٌ لَهُ ... إذا زارَها فَدَّتهُ بالخَيلِ والرَّجلِ
وَرَيَّانُ لا تَصدَى إلى الخَمرِ نَفسُهُ ... وَعَطشَانُ لا تَروَى يَداهُ مِنَ البَذلِ
وتَملِيكُ دِلَّيرٍ وتَعظِيمُ شَأنِهِ ... شَهِيدٌ بِوَحدَانيَّةِ اللَّهِ والعَدلِ
الريان: الذي قد بلغ غاية الري، والصدى: العطش، والبذل: العطاء.
فيقول، وهو يريده: شجاع كأن الحرب تصبو إليه، وتعشقه وتعجب به، فهو عند زيارته لها، وما يتسرع إليه من الإلمام بها، تفديه من الخيل والرجل بما يطلبه، وتمكن له من الصنع أفضل الذي يرغبه.
ثم قال: وهو ريان الجوانج بما هو عليه من صيانته، مترفع عن المحارم بما يؤثره من توفير مروءته، فنفسه لا تعطش إلى الخمر، ورأيه لا يعدل به إلى الباطل واللهو، ولكنه عطشان من الكرم، فيداه لا تروى منه، ورغبته تتأكد فيه، ورأيه لا ينصرف عنه.
ثم قال: فتمليك دلير، وتمكين الله لأمره، وتأييده على ما يوجب له تعظيم قدره، مع ما هو عليه من إيثار الإحسان، وما يعتقده من مواصلة التطول والإنعام، شهيد بوحدانية الله وعدله، وما جدد به من لطائفه وصنعه.
وما دَامَ دِلَّيرٌ يَهُزُّ حُسَامَهُ ... فلا نَابَ في الدُّنيا لِلَيثٍ ولا شِبلِ
وما دامَ دِلَّيرٌ يُقَلِّبُ كَفَّهُ ... فلا خَلقَ مِن دَعوى المكارِمِ في حِلِّ
الناب: السن الذي يلي الرباعية، وبه تكون غاية السبع، والليث: الأسد.
(2/69)

فيقول: أن دلير مادام يهز سيفه في وقائعه، ويمضيه على الأعداء في ملاحمه، فالليوث وأشبالها مستسلمة لا يخاف عاديتها، وأنيابها كليلة لا تتوقع مضرتها.
ثم قال: وما دام يقلب كفه بما يستعملها فيه من الكرم، وما يمطر بها من سحائب النعم، فلا أحد في حل من دعوى المكارم، والانتساب إلى ما انفرد به من الفضائل؛ لأنه المستولي على ذلك، والمنفرد فيه بجميل الذكر، والمشهور به، والمتقدم فيه لأنباء الدهر.
فَتىً لا يُرجِّى أَن تَتِمَّ طَهَارَةٌ ... لِمَنْ لَم يُطَهِّرْ راحَتَيهِ مِنَ البُخلِ
فلا قَطَعَ الرَّحمنُ أَصلاً أَتى بِهِ ... فَإنِّي رَأيتُ الطَّيِّبَ الأَصلِ
الطهارة: التبرؤ من الدنس.
فيقول: أن دلير مستبصر في أصل الفضل، محبول على الكرم والبذل، يكره البخل وينافره، ويبغضه ويخالفه، ولا يعد الدنس إلا في الالتباس به، ولا الطهارة إلا في المجانبة (له).
ثم قال: فلا قطع الرحمن أصلا أنجب مثله، وحرس النسل الذي نشر علينا فضله، فأني رأيت الفروع إنما تطيب بحسب طيب أصولها، وتكرم بمقدار كرم من إليه يكون مصيرها.
(2/70)

وسأله أشراف أهل الكوفة أن يهجو ضبة بن يزيد، وكان فيمن كان مع الخارجي الذي كان في بني كلاب، فقال هذه القصيدة في الميدان وهو على ظهر فرسه.
ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّهْ ... وأُمَّهُ الطُّرطُبَّهْ
رَمَوا بِرَأسِ أَبيهِ ... ونُاكوا الأُمَّ غُلُبَّهْ
فَلاَ بِمَنْ مَاتَ فَخرٌ ... ولا بِمَنْ نِيكَ رَغبَهْ
وإنَّما قُلتُ ما قُلتُ ... رَحْمَةً ولا مَحَبَّهْ
وَحِيلَةً لك حَتَّى ... عُذِرت لو كُنتَ تَيْبَهْ
وما عَلَيكَ مِنَ القَتلِ ... إنَّما هِي ضَربَهْ
الطرطبة: طويلة الثديين، والغلبة: لغة في الغلبة، ونيك: بمعنى نكح، يقال بالباء والنون، وتيبه: بمعنى تشعر.
وما عَلَيكَ مِنَ الغَدْرِ، ... إنَّما هِي سُبَّهْ
وما عَلَيكَ مِنَ العارِ ... أَنَّ أُمَّكَ قَحبَهْ
وما يَشُقُّ على الكَلبِ ... أَنْ يكونَ ابن كَلْبَهْ
ما ضَرَّهَا مَنْ أَتَاها ... وإنَّما ضَرَّ صُلبَهْ
ولم يَنِكْهَا ولكِنْ ... عِجَانُها نَاكَ زُبَّهْ
وقَلبُهُ يَتَشَهَّى ... ويُلزِمُ الجِسمَ ذَنبَهُ
لو أَبصَرَ الجِذْعَ فِعلاً ... أَحَبَّ في الجِذْعِ صَلبَهْ
يَلُومُ ضَبَّةَ قَومٌ ... ولا يَلُومُونَ قَلبَهْ
السبة: ما يسب الرجل به، والقحبة: المرأة الفاجرة، والعجان: السوءة من المرأة والرجل، والزب: الذكر، والجذع: عمود النخلة.
يا أَطيَبَ النَّاسِ نَفَسَاً ... وأَلبَنَ النَّاسِ رُكبَهْ
وأَخبَثَ النَّاسِ أَصلاً ... في أَخبَثِ الأرضِ تُربَهْ
وأَرخَصَ النَّاسِ أُمَّاً ... تَبِيعُ أَلفاً بِحَبَّهْ
(2/71)

كُلُّ الفُعولِ سِهامٌ ... لِمَريَمٍ وهِيَ جَعبَهْ
وما عَلَى مَن بِهِ الدَّاءُ ... مِنْ لِقاءِ الأَطِبَّهْ
ولَيسَ بَينَ هَلُوكٍ ... وَحُرَّةٍ غَيرُ خِطبَهْ
الجعبة: كنانة النشاب، والهلوك: المرأة الفاجرة، والخطبة (والخطبة) لغتان في خطبة المرأة إلى نفسها.
يا قاتِلاً كُلَّ ضَيفٍ غِنَاهُ ... ضَيحُ وعُلبَهْ
وخَوفَ كُلِّ رَفِيقٍ ... أَباتَكَ اللَّيلُ جَنبَهْ
كَذا خُلِقْتَ ومَنْ ذَا الَّذِي ... يُغالِبُ رَبَّهْ
وَمَنْ يُبَالِي بِذَمٍّ ... إذا تَعَوَّدَ كَسبَهْ
أَما تَرَى الخَيلَ في النَّخلِ ... سُربَةً بَعدَ سُربَهْ
على نِسَائِكَ تَجلو ... فُعُولَها مُنذُ سَنبَهْ
الضيح: اللبن يخالطه الماء، والعلبة: قدح ضخم، والسربة: القطعة من الخيل والوحش والنساء وما أشبه ذلك، والسنبة: الدهر.
وَهُنَّ حَولَكَ يَنظُرْنَ ... والأُحَيراحُ رَطبَهْ
وَكُلُّ غُرمُولِ بَغلٍ ... يَرَينَ يَحسُدْنَ قُنبَهْ
فَسَلْ فُؤادَكَ يا ضَبْبَ ... أَينَ خَلَّفَ عُجبَهْ
وإن يَخُنكَ فَعَمرِي ... لَطَالَما خَانَ صَحبَهْ
وكَيفَ تَرغَبُ فِيهِ ... وقَدْ تَبَيَّنْتَ رُعبَهْ
ما كُنتَ إلاَّ ذُبَابَاً ... نَفَتْكَ عَنهُ مَذَبَّهْ
الغرمول: الذكر الضخم، والقنب من الفرس والبغل والحمار: وعاء القضيب، والعجب: الزهو والكبر.
وكُنْتَ تَنخُرُ تِيَهاً ... فَصِرتَ تَضْرِطُ رَهبَهْ
(2/72)

وإنْ بَعُدنا قَليلاً ... حَمَلتَ رُمحَاً وحَربَهْ
وَقُلْتَ لَيثٌ بِكَفِّي ... عَنانَ جَردَاَء شَطبَهْ
إنْ أَوحَشتْكَ المَعَالي ... فإنَّها دارُ غُربَهْ
أو آنسَتْكَ المَخَازِي ... فإنَّها لَكَ نِسبَهْ
وإنْ جَهِلتَ مُرَادي ... فإنَّهُ بِكَ أَشبَهْ
الليث: الأسد، والجرداء: الفرس القصيرة شعر الجلد، وذلك يدل على كرمها، والشطبة: الطويلة الحسنة، والرهبة: المخافة، والحربة: أقصر من الرمح.
هذا جميع ما قاله أبو الطيب بالكوفة من الشعر.
-
(2/73)

العميديات
ثم خرج إلى بغداد فراسله ابن العميدي، أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميدي، وزير ركن الدولة من أرجان، فسار إليه، وقال يمدحه:
بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصبِرِا ... وَبُكَاكَ إنْ لَمْ يَجرِ دَمعُكَ أو جَرَى
كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتِسَامُكَ صَاحِبَاً ... لَمَّا رَآهُ وفي الحَشَى ما لا يَرَى
أَمَرَ الفُؤَادُ لِسَانَهُ وجُفُونَهُ ... فَكَتَمنَهُ وَكَفَى بِجِسمِكَ مُخبِرا
يقول مخاطبا لنفسه، ومتشكيا لما أعجزه من الاستتار بحبه: باد هواك ووجدك، وظاهر بكاؤك وحسرتك، فصبرت وأظهرت حبك، وتجلدت وأذريت دمعك، فعليك من ظاهرك شاهد لا تدفعه، ومن تغير جسمك دليل لا تنكره، وقوله: (أم لم تصبرا) أراد النون الخفيفة، فحرك الراء بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم وقف للقافية، فأبدل من النون ألفا، كما يفعل بالأسماء المنصوبة إذا وقف عليها في النصب؛ لأن التنوين والنون الخفيفة من موضع واحد، وهما حرفان زائدان، كل واحد منهما علامة لما قصد به، فالنون الخفيفة علامة للتوكيد، كما أن التنوين علامة للتمكن، فحملا في الوقف محملا واحدا، وعلى ذلك كلام العرب، قال الشاعر يصف جبلا أحاطت السيول به:
يَحسِبُهْ الجَاهِلُ ما لَمْ يَعلَمَا ... شَيخَاً على كُرسِيِّهِ مُعَمَّا
ثم قال: كم غر صبرك وتجلدك، وابتسامك وتحملك، صاحبا معنيا بأمرك، ومشفقا متوجعا لسقمك، وفي حشاك من لواعج الحب ما لا يلحظه، ومن دواعي الوجد ما لا يعلمه.
ثم قال: أمر قلبك لسانه بالإمساك عن شكوى الحب، وألزم جفونه الإعراض عن إسبال الدمع، فأسعدنه على كتمان سره، ووافقته في إخفاء أمره، وكفى بجسمك مخبرا عما تضمره، وبتغيره معربا عما تستره.
تَعِسَ المَهَارِي غَيرَ مَهرِيٍّ غَدَا ... بِمُصَوَّرٍ لَبِسَ الحَريرَ مُصَوَّرَا
(2/74)

نَافَسْتُ فِيهِ صُورَةً في سِترِهِ ... لَو كُنتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظهَرَا
تعس الرجل: بمعنى عثر ولم ينعش، والمهاري: إبل كريمة تنسب إلى بني مهرة وهم حي من قضاعة، وكانوا يستفرهون الإبل، والمنافسة: الحسد والتغاير، والمصور: البارع الجمال، ولذلك سمي عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب صاحب شرطة سعيد بن عثمان بالمصور، وتقول العرب للرجل الجميل صير ومصور.
فيقول: أتعس الله المهاري فهي من أسباب الرحلة، وأبعدها فإنها من دواعي الفرقة، وحاشى من ذلك مهريا خصه؛ من احبه بنفسه، وأسعده الزمان بقربه، فأنا أجله عن الإتعاس له، وأتحرج من أن أتربص مكروها به.
ثم وصف حال ذلك المهري، فقال: غدا ممن أحبه بمصور قد تناهى حسنه، ومنعم معدوم مثله، يرفل في الوشي المنمنم، ويتستر بالديباج المصور، فليس يبعد ما يستره عما يلبسه في حسن الهيئة، وجلالة القيمة لمحل هذا المحبوب من الرفعة، ومكانه من الرفاهية والنعمة.
ثم قال: نافست في ذلك المحبوب صورة ممثلة في مثله، دانية متمكنة من قربه، غلبتني عليه، وانفردت دوني بالدنو إليه، ولو كنت تلك الصورة لأخفاني النحول دون ما توليته من ستره، وأظهرني ما حجب ذلك المثال من حسنه، وأشار بما ذكره إلى أنه متمكن السقم، وفي غاية من نحول الجسم.
لا تَتْرَبِ الأَيدِي المُقِيمَةُ حَولَهُ ... كِسرَى مُقامَ الحاجِبَينِ وَقَيصَرَا
يَقِيانِ في أَحَدِ الهَوَادجِ مُقلَةً ... رَحَلَتْ وَكَانَ لَهَا فُؤادِي مَحجِرا
قَد كُنتُ أَحذَرُ بَينَهُمْ مِنْ قَبلِهِ ... لَو كَانَ يَنفَعُ حائِناً أَنْ يَحذَرا
تربت اليد: إذا خسرت وأفتقر صاحبها، وكسرى: الاسم الذي يخص به ملك الفرس، وقيصر: الاسم الذي يخص به ملك الروم، والهوداج: مراكب النساء، واحدها هودج، ومقلة العين: معروفة، والمحجر: العظم الذي يحيط بأسفل العين،
(2/75)

والبين: الفراق، والحائن: الهالك.
فيقول: لا تترب الأيدي الصانعة لستور هودج من أحبه، المحكمة لآلات مركبه، الممثلة في تلك السجوف المسبلة، وفي تلك الستور المرسلة، كسرى وقيصر قائمين مقام المتحققين به، نازلين منزلة الحاجبين له، وقليل ذلك فيما يستحقه؛ لجلالة قدره، ويستوجبه بتكامل حسنه، فكأن صناع تلك الستور صنعوها في حين حياكتها على قصد، ومثلوا فيها كسرى وقيصر ليقيموها له مقام الحاجبين على عمد.
ثم قال، وهو يريد صورتي كسرى وقيصر: يقيان في ذلك الخدر ممن أهيم بحبه، وأعلل فؤادي بذكره، من أحله محل مقلة العين التي يستضاء بنورها، ويستنفذ غاية الجهد في صونها، فتولت راحلة، وبانت عن ما كان يستضيء بها ظاعنة، وأبقت لفؤادي لمثالها، كالمحجر للمقلة، الذي هو على حفظها، موضوع للاعتناء بأمرها.
ثم قال: قد كنت أحذر البين من الأحبة قبل طروقه لي، وامتثله قبل نزوله بي، لو كان ينفع الحائن اشتداد مخافته وحذره، أو يغني عنه إفراط توقعه ووجله.
وَلَو استَطَعتُ إذا اغتَدَتْ رُوَّادُهُمْ ... لَمَنَعْتُ كُلَّ سَحَابَةٍ أَنْ تَقطُرَا
فَإذَا السَّحابُ أَخُو غُرابِ فِراقِهمْ ... جَعَلَ الصِّياحَ بَينَهُمْ أَن يُمطِرا
وإذا الحَمَائِلُ ما يَخِدنَ بِنَفنَفٍ ... إلاَّ شَقَقنَ عَلَيهِ ثَوباً أَخضَرا
الرواد: الذين يتوجهون في طلب الكلأ، واحدهم: رائد، والحمائل: الإبل التي يتحمل عليها، الواحد: حمولة، ويخدن: يسرعن في المشي، والنفنف: المفازة المقفرة.
فيقول: ولو استطعت في حين توجيه الحي الذين منهم أحبتي، الذين أهيم بهم، وأشفق من بينهم بالرواد، الذين يطلبون لهم مواقع الغيث ليرحلوا نحوها،
(2/76)

ويقصدون لرعي ما تنبتها من بقلها، لمنعت السحاب من أن تجوده بقطرها، وتسمح بما يرتقبه الرواد من ويلها، ليكون ذلك عائقا للأحبة على الرحلة، ومانعا مما أحذروه فيهم من الفرقة.
ثم قال: إذا السحاب بما يسمح به من انهماله، وما ظفر به الرواد من تواصل انسكابه، يشاكل حال الغراب الذي ينعب بينهم، ويتطير به فيما يحذر من بعدهم، وكأن أصوات السحاب عند تكاثر صوته يؤذن من فراق الأحبة لمثل ما يؤذن به الغراب بصوته.
ثم قال: وإذا الهوادج المتضمنة لهم، والحمائل الراحلة بهم، لا يخدن بقفر يقطعنه، ونفنف يتجشمنه، إلا شققن عليه من هوادجهم، ومصبغات ركائبهم، ثوبا أخضر يروق مبصره، وملبسا مونقا يعجب متأمله.
يَحمِلْنَ مِثلَ الرَّوضِ إلاَّ أَنَّها ... أَسبَى مَهَاةً لِلقُلوبِ وَجُؤذَرا
فَبلَحظِها نَكِرَتْ قَنَاتي راحَتي ... ضُعفاً وَأَنكَرَ خَاتِمَايَ الخِنصَرا
أَعطَى الزَّمانُ فَمَا قَبِلتُ عَطَاَءهُ ... وَأَرادَ لِي فَأرَدْتُ أَن أَتخَيَّرَا
المهاة: البقرة الوحشية، والجوذر: ولدها، والخنصر: آخر أصابع اليد، وهو أصغرها.
فيقول، وهو يريد الحمائل: يحملن من الهوادج التي يسبل عليها الديباج ما هو كالروض في الحسن والبهجة، وما يشاكل ذلك في الجمال والنضرة، إلا أن ما يتضمنه الديباج من الأحبة المشتملات، والحسان المرسلات له، أملك للعقول، وأقدر على تصريف العقول من مها رياض القفر وجآذرها، وما تتصرف الأقوال فيه من محاسنها.
ثم قال: فلبحظ تلك المها الراحلة، ومحاسن الجآذر الظاعنة، نكرت قناتي راحتي بما صرت إليه من نحول الجسم، وما لا أزال أتشكاه من دخيل النعم، وأنكر
(2/77)

خاتمي خنصري الذي يألفه، وباشر منه غير ما كان يعرفه. وثنى الخاتم مشيرا إلى خنصريه، واستغنى بذكر أحدهما عن ذكر صاحبه، إشارة إلى ما قدمه من تثنية الخاتم، معولا على ما أسند إليه من فهم السامع.
ثم قال: أعطى الزمان فلم أقبل عطاءه الذي بذله، وأراد لي فلم أقنع بمراده الذي مكنه، ورغبت عمن أصحبنيه من الأمراء، وأرشدني إليه من الرؤساء، وتخيرت سيدهم وعمدتهم، وصراحهم وغرتهم، وأشار بذلك إلى ابن العميد الذي اعتمد بمدحه، وآثره بقصده.
أرَجَانَ أَيَّتُها الجِيادُ فإنَّهُ ... عَزمي الَّذي يَذرُ الوَشِيجَ مُكسَّرا
لَو كُنتُ أَفعَلُ ما اشتَهَيتِ فَعَالَهُ ... ما شَّقَّ كَوكَبُكِ العَجَاجَ الأكدَارَا
أرجان: بلد من بلد فارس، فيه كان ابن العميد، والجياد: السراع من الخيل والإبل، والوشيج من الرماح: ما التف عند نباته، وكوكب الركب: جماعتهم ومعظمهم، والعجاج: الغبار، والأكدار: المظلم.
فيقول مخاطبا لإبله: أرجان أيتها الإبل! اعتمديها بقصدك، وأسرعي نحوها بجهدك، فإن السابق لك والناهض نحوها بك، عزمي المستحكم الذي يكسر وشيج الرماح بقوته، ويغلبه بنفاذه وشدته.
ثم قال، وهو يخاطب إبله: لو كنت أفعل ما يوافقك مثله، ويكون على حسب اختيارك فعله، ما تجشمت بك ركوب القفر الذي تواصلين قطعه، ومحاولة البعد الذي تعتمدين قصده، ولا يشق كوكبك العجاج الذي تثيرينه في سيرك، وتقتحمينه بمبلغ جهدك.
أُمِّي الفَضْلِ المُبرَّ ألِيَّتِي ... لأُيَمِّمَنَّ أَجَلَّ بَحرٍ جَوَهرَا
أَفتَى بِرُؤيَتِهِ الأنامُ وحَاشَ لِي ... مِنْ أَنْ أَكُونَ مُقصِّراً أو مُقصِرا
الأم: القصد، والألية: الحلف، والتيمم: الاعتماد.
(2/78)

فيقول، وهو يريد إبله: أمي أبا الفضل الذي أبره به قسمي الذي قدمته، وحلفي الذي اعتقدته بقصد جوده، واعتماد فضله، وهو البحر الذي يصغر كل بحر عن مماثلته، ويقصر عن مساواته ومكافأته، ولا يتضمن كجواهر علمه، ولا يظهر كالذي يظهره من كرمه وفضله.
ثم قال: أفتى الأنام أجمعون بالبدار إلى رؤيته، وأشاروا فيما خص الجميع عليه، أو مقصرا عن إتيان ما ندب ذوو الألباب إليه.
صُغْتُ السِّوارَ لأَيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْ ... بِابنِ العَمِيدْ وأَيِّ عَبدٍ كَبَّرا
إنْ لَمْ تِغُثِنْي خَيلُهُ وَسِلاحُهُ ... فَمَتَى أَقُودُ إلى الأعَادِي عَسكَرَا؟
يقول: صغت السوار لتحلية الكف المشيرة إلى ابن العميد، الذي قصدت نحوه، ويممت أرضه، وأعددت نفيس الرغائب، ورفيع المواهب، لأي عبيدي كبر محيلا على رؤيته، مستصحبا بضياء غرته.
ثم قال: إن لم تغشني خيله مغيثة منجدة، وسلاحه ناصرة مؤيدة، فمتى أقود إلى الأعادي عسكرا أتكثر بقوته، وجمعا أسطو عليهم بما أسند إليهم من نصرته؟!.
بِأَبِي وأُمِّي ناطِقٌ في لَفظِهِ ... ثَمَنٌ تُبَاعُ بِهِ القُلُوبُ وتُشتَرَى
مَنْ لا تُرِيهِ الحَربُ خَلقَاً مُقبِلاً ... فِيها ولا خَلقٌ يَرَاهُ مُدبِرا
خَنثَى الفُحولِ مِنَ الكُماةِ بِصَبغِهِ ... كا يَلبَسُونَ مِنَ الحَديدِ مُعصفَرا
خنثى: أسم أخذه من خنثى، والخنثى: الذي يكون له ما للرجل والمرأة، والكماة: الشجعان، واحدهم كمي، والمعصفر من الثياب: ما صبغ بالحمرة وما أشبهها.
فيقول، وهو يشير إلى ابن العميد: بأبي وأمي ناطق في براعة نطقه، وما يظهره من البلاغة في لفظه، ثمن تتملك به القلوب فتباع وتشترى بمثله، ويتحكم عليها بما يتضمنه من حسنه.
ثم قال: وهو يريده، من لا تريه الحرب خلقا يقدم فيها على مواجهته، ويقبل
(2/79)

متعرضا لمنازلته، ولا خلق من الناس يراه مدبرا عن حربه، مقصرا عما يحاول فيه من إنفاذ أمره.
ثم قال: (خنثى الفحول من الكماة)؛ أي: صيرهم كالخناثى، لعجزهم عن مجالدته، وضعفهم عن شدة مطاعنته، وبما أجراه من دمائهم عن الدروع التي يتحصنون بالتستر بها، والجواشن التي يقدرون الامتناع بآلاتها، فيعصفرها بما يجريه من دمائهم، ويحصنها بما يسيل عليها من جراحهم.
يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعيفُ بِخَطِّهِ ... شَرَفاً عَلى صُمِّ الرِّماحِ وَنَفخَرا
وَيُبَينُ فِيمَا مَسَّ مِنهُ بَنَانُهُ ... تِيهُ المُدِلِّ فَلَو مَشَى لَتَبَختَرا
التبختر: الإزهاء في المشي.
فيقول، وهو يريد الممدوح، مشيرا إلى الكتابة التي كانت صناعته: يتكسب ضعيف قصب الأقلام من الشرف بخطه، وما يتقيد به من متخير لفظه، ما يقصر عنه صم الرماح مع شدة أسرها، ولا تبلغ أقله مع جلالة أمرها، وتفخر الأقلام عليها بما يتخيره من الكتاب بها، وما لا يزال عليه من استعماله لها.
ثم قال مشيرا (إلى أقلامه): ويبين فيما مس بنانه من قصب الأقلام تيه المتكبر، ويظهر عليه زهو المتبختر، فلو مشى ذلك القصب لتبختر في مشيه، ولو تصرف لاستبان الاختيال في فعله.
يا مَنْ إذا وَرَدَ البِلادَ كِتَابُهُ ... قَبلَ الجُيوشِ ثَنَى الجُيوشَ تَحَيُّرا
أَنتَ الوَحِيد إذا رَكِبتَ طَريقَةً ... وَمَنِ الرَّدِيفُ وَقَد رَكِبتَ غَضَنفَرا
الغضنفر: الأسد.
فيقول، وهو يريد الممدوح: يا من إذا ورد البلاد كتابه ورسله، وأنتشر فيها إرادته وأمره، ثنى تلك الجيوش من قبل أن يردها بجيشه، وفرق جموعها دون أن يقتحم عليها بجمعه.
(2/80)

ثم قال: أنت الوحيد فيما تحاوله، الذي لا نظير لك، والفريد الذي لا يقترن أحد بك، ومن الذي يكون رديفك فيما تفعله، ورسلك فيما تبلغه، وأنت فيما تركبه من الهول، وتستهله من متعذر الفعل، كراكب الأسد الذي لا تؤمن سطوته، والمستذل له وإن كانت تحذر صولته.
قَطفَ الرِّجالُ القَولَ قَبلَ نَباتِهِ ... وقَطفتَ أَنتَ القَولَ لَمَّا نَوَّرا
فَهوَ المُتَبَّعُ بالمَسَامِعِ إنْ مَضَى ... وَهُوَ المُضَاعَفُ حُسنُهُ إِنْ كُرِّرا
وإذا سَكَتَّ فَإنَّ أَبلَغَ نَاطِق ... قَلَمٌ لَكَ أتَّخَذَ الأَصابِعَ مِنبَرَا
القطف: القطع والاجتناء، والمنبر: موقف الخطيب.
فيقول، وهو يخاطب الممدوح: تناول الرجال القول من قبل وقته، وقصدوه من غير وجهه، وتناولته أنت وقد نور وحسن، وتكامل وتمكن، يريد: أنه حاوله غير مستكره له، واقتدر عليه اقتدار عالم به.
ثم قال: فهو المتبع بالمسامع حرصا على الاستكثار من حسنه، والمتضاعف البهجة عندما يقع من تكرير لفظه. يشير إلى أن الناس يجتهدون في تحفظ ذلك الكلام لموضعه من الحكمة والبراعة، ويعجبون بتكريره لتقدمه في الحسن والبلاغة.
ثم قال مخاطبا له: وإذا سكت معولا على كتابتك، وأخذت في تسطير خطابتك، فأن أبلغ خطيب يقله منبره، ومتكلم يشتمل عليه محضره، قلم أقلته في الكتابة أصابعك، ونهضت به في الخطابة أناملك.
وَرَسائِلٌ قَطَعَ العُدَاةُ سِحَاَءها ... فَرَأوا قَناً وَأَسِنَّةً وَسَنَوَّرا
فَدَعَاكَ حُسَّدُكَ الرَّئيسَ وَأَمسَكوا ... وَدَعاكَ مُنصِفُكَ الرَّئيسَ الأكْبَرَا
خَلَفَتْ صِفَاتُكَ في العُيونِ كَلاَمَهُ ... كالخَطِّ يَملأُ مِسمَعَيْ مَنْ أَبصَرا
السحاء: جمع سحاءة، وهي الحزامة التي يشد بها الكتاب عند ختمه، والسنور:
(2/81)

الدروع والسلاح.
فيقول على نحو ما قدمه: وأبلغ الكلام رسائل قطع العداة سحاءها، ونشروا مدمج طيها، فتبينوا فيها من فخامة لفظك، وشاهدوا من جزالة قولك، ما قام عندهم مقام السلاح في التهيب لفعله، وناب منابه فيما يتوقع من أمره.
ثم قال، وهو يريده: فدعاك حسدك الرئيس غير مستبدين، وأقروا لك بذلك، فعل مضطرين، ودعاك من أنصفك في قوله، ووفاك حقك في وصفه؛ الرئيس الأكبر غير مدافع، والعميد الأعظم غير منازع.
ثم قال: ونطقت صفاتك بتصديق منصفك، وخلفت أفعالك مقال معظمك، كالخط يملأ مسمعي من أبصره، اعتبارا دون محاورة، ويناديه بما تضمنه تدنوا من غير مكالمة.
أرَأَيتَ هِمَّةَ نَاقَتِي في نَاقَةٍ ... نَقَلَتْ يَدَاً سُرُحاً وَخُفّاً مُجمَرا
تَرَكَتْ دُخَانَ الرَّمْثِ في أَوطَانِهِ ... طَلَبَاً لِقَومٍ يُوقِدونَ العَنبَرا
وَتَكَرَّمَتْ رُكُبَاتُها عَنْ مَبرَكٍ ... تَقَعانِ فِيهِ وَلَيسَ مِسكَاً أَذفَرا
اليد السرح: الخفيفة، والخف من الجمل: كالحافر من الفرس، والمجمر: الصلب، والرمث: ضرب من أشجار بلاد العرب، والعنبر: معروف، والمسك الأذفر: الذكي الرائحة.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: أرأيت كهمة ناقتي في سائر النوق، المجتازة للرحل، والإبل المداومة للسفر، المتنقلة بالأيدي الخفيفة السريعة، والمتصرفة بالأخفاف الشديدة الصلبة.
ثم أشار إلى ناقته، منبها على ارتفاع همتها، وموقفا على جلالة بغيتها، فقال: تركت بلاد العرب رغبة عن ضيق عيشها، وتشحطها لافتقار أهلها، وتكرها لدخان الرمث وما شاكله من الشجر الذي توقد به العرب نيرانها، وتحتطبه في
(2/82)

أوطانها، استدفاعا للقر، وتفاديا من شدة الضر، واعتمدت قوما يوقدون العنبر مستطرفين لريحه، ويحرقونه متنعمين بفوحه.
ثم قال مشيرا إلى ناقته: وتكرمت ركباتها عن البروك في الرمل، وترفعت عن الوقوع على الترب، فاعتمدت بلادا تقع فيها على المسك الأذفر، وتفوز من سعادتها بالحظ الأوفر.
فَأَتَتكَ دَامِيَةَ الأَظَلِّ كَأنَّما ... حُذِيتْ قَوَائِمُها العَقيقَ الأَحمَرَا
بَدَرَتْ إليكَ يَدَ الزَّمانِ كَأَنَّمَا ... وَجَدَتْهُ مَشغُولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا
الأظل: خف البعير وبه يطأ الأرض.
فيقول مخبرا عن ناقته، ومخاطبا للممدوح: فأتتك دامية الأظل، لشدة سيرها، وبعد مسافة أرضها، كأن قوائمها قد حذيت بالعقيق الأحمر. يشير إلى أن أخفافها ألمة حافية، وأسافلها مكلومة دامية.
ثم قال، وهو يريد ناقته، ويخاطب ابن العميد ممدوحه: بدرت إليك يد الزمان، التي تقبض الآمال؛ بتعرض صروفها، وتعوقه عما يقصده بترادف خطوبها، وكأنها وافقت منه غرة، فانتهزت فيه فرصة، ووجدته مشغول اليدين، ففاتته بنفسها، ومقبلا على التفكير، فلم يعقها عما حاولته من أمرها.
مَنْ مُبلِغُ أَنِّي بَعدَها ... جَالَستُ رَسْطَالِيسَ والإسكَندَرَا
وَمَلِلتُ نَحرَ عِشَارِها فَأضَافَنِي ... مَنْ يَنحَرُ البِدَرَ النُّضَارَ لِمَنْ قَرَى
رسطاليس: حكيم معروف من حكماء اليونانيين، والإسكندر: ملك من ملوك الروم دانت له الأرض بجملتها، والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لحمها عشرة أشهر، والبدر: جمع بدرة، وهي كيس فيه عشرة آلاف درهم، والنضار: الذهب، وقرى: بمعنى أضاف.
فيقول: من مبلغ الأعراب الذين فارقتهم، وفرقهم الذين كنت تألفهم، أني جاست
(2/83)

بعدهم من ابن العميد الذي قصدت نحوه.
وتيممت أرضه، رسطاليس في درايته وحكمته، والإسكندر في تملكه ورفعته.
ثم قال: ومللت ما تعتد به الأعراب من نحر عشارها، وما تفتخر به في الضيافة من عقر جمالها، فأضافني ابن العميد؛ من ينحر لأضيافه بدر الذهب، ويريحهم من كد الطلب، ويعزون بجواره فلا يذلون، ويأمنون بمكانه فلا يخافون.
وَسَمِعْتُ بَطْلَيموسَ دَارِسَ كُتْبِهِ ... مُتَمَلِّكَاً مُتَبَدِّياً مُتَحَضِّرا
وَلَقِيتُ كُلَّ الفاضِلِيْنَ كأَنَّمَا ... رَدَّ الإلهُ نُفوسَهُمْ والأَعصُرا
نُسِقُوا لَنَا الحِسَابِ مُقَدَّماً ... وَأَتَى فَذلِكَ إذْ أَتَيتَ مُؤخَّرا
بطليموس: حكيم من حكماء اليونانيين، ومليك من ملوكهم، والمتبدي: الذي يألف البوادي، والمتحضر: الذي يلازم الحواضر، والنسق: الجمع والنظم.
فيقول: وسمعت من ابن العميد بطليموس في سعة علمه، وبراعة لفظه، وتفقد لدراسة كتبه، متملكا في رفعته وجلالته، متبديا في عروبيته وفصاحته، متحضرا في دقته ولطافته.
ثم قال: ولقيت بلقائي له كل الفاضلين، وجميع الحكماء المتقدمين، حتى كأن الإله أشهدني عصورهم بمشاهدة عصره، وأراني كرم نفوسهم بما رأيته من كرم نفسه.
ثم قال: نسقوا لنا بذكر خصالهم، وما قيدته الأخبار من رفيع أحوالهم، على ما تقدم منهم في الأزمان الخالية، والمدد السالفة، وكانوا كالحساب الذي يقدم الكاتب في الصك ضروب رسومه، ويبين تفاسير وجوهه، ثم يجمع تلك الرسوم بجملتها، والتفاسير مع كثرتها، بقوله: فذلك، مشيرا إلى رأس العدد الذي يحضر ما ذكره، ويشتمل على جميع ما قدمه، فشبه ابن العميد بذلك الرأس، الذي يحيط مع تأخره، بما يتكاثر من الحساب مع تقدمه، وجعل فضائل جميع المتقدمين مشهودة بمشاهدة فضائله، محصورة في تضاعيف محاسنه.
(2/84)

يا لَيتَ بَاكِيَةً شَجَانِي دَمعُها ... نَظَرَتْ إلَيكَ كما نَظَرْتُ فَتَعذِرا
فَتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمسُ تَشرِقُ والسَّحَابُ كَنَهوَرا
الشجو: الحزن، والكنهور من السحاب: ما تراكب وصار كأمثال الجبال.
فيقول مخاطبا لأبن العميد، ومشيرا إلى من تخلفه من أهله: يا ليت باكية شجاني عند فراقها ما أذرته من الدمع، وأوجعني ما أبدته من الوجد، نظرت كما نظرت، وأبصرت من فضائلك كالذي أبصرت، فتعذرني فيما تكلفته إليك من الرحلة، وما تحملته من ألم الفرقة.
ثم قال: فكانت تشهد منك الفضل الذي لا يعارض برده، والكرم الذي (لا) عهد لها بمثله، وتعاين من سحاب جودك كنهورا لا يفتر وبله، ومترادفا لا ينقطع سكبه، والشمس مع ذلك لا ينكسر ضوءها، ومشرقة لا ينتقض نورها، فترى السحاب على غير ما عهدته، وانسكابه على خلاف ما باشرته.
أَنَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ أَطيَبُ مَنزِلاً ... وَأَسَرُّ راحِلَةً، وَأَربَحُ مَتجَرَا
زُحَلٌ على أَنَّ الكواكِبَ قَومُهُ ... لَو كَانَ مِنكَ لَكانَ أَكرَمَ مَعشَرَا
زحل: كوكب معروف من السبعة الخنس التي ذكرها الله عز وجل.
فيقول مشيرا باغتباطه بالوفود على ابن العميد: أنا أفضل الناس منزلا بكرم المنزل الذي تبوأته، وأسرهم راحلة ببركة السفر الذي تكلفته، وأربحهم متجرا بقبول الرئيس الذي وجهن إليه، واقتصرت بآمالي عليه.
ثم قال يخاطب ابن العميد ممدوحة: زحل مع جلالة رتبته، واستبانه رفعته، وأن الكواكب قومه، وبينها شاهد فضله، لو كان منك وإليك، وأقتصر في انتسابه عليك، لكان أشرف من الكواكب معشرا، وأجل منها أولا وآخرا. وهذا من إفراط الشعراء الذين يقصدون منه بذكر ما لا يمكن، إحراز الفضل ببلوغ غاية ما يمكن.
(2/85)

وقال يمدحه ويهنئه نوروزه، ويصف سيفا قلده إياه، وخيلا حمله عليها، وجائزة وصله بها.
جَاَء نَوروزُنَا وَأَنتَ مُرَادُه ... وَوَرَت بِالَّذي أَرَادَ زِنَادُهْ
هِذِهِ النَّظرَةُ التي نَالَهَا مِنْكَ ... إلى مِثلِهَا مِنَ الحَوْلِ زادُهُ
يَنثَنِي عَنْكَ آخِرَ اليَومِ مِنهُ نَاظِرٌ ... أَنْتَ طَرفُهُ وَرَقَادُهُ
النوروز: وقت من الربيع يعظمه الفرس، وتتخذه عيدا لأنفسها، والزناد: عيدان من أشجار معلومة، أشهرها المرخ والعفار، يحك منها العود بصاحبه بها النار، وتقول العرب: ورت الزناد، ووريت الزناد: إذا أخرجت النار على سرعة، وورت زناد فلان بأمر كذا: إذا أصاب منه ما يحب، ووريت كذلك، والطرف: تحرك العين بالنظر.
فيقول، وهو يخاطب ابن العميد: جاء نوروزنا الذي كنا نرتقب وقته وننتظر حينه، وأنت أيها الرئيس مراده الذي قصده، ومرجوه الذي اعتمده، ووردت زناده بالوفود عليك، وأدرك ما أمله من الوصول إليك.
ثم قال مخبرا عن النوروز، ومخاطبا للممدوح: هذه النظرة التي نالها من غرتك، والرفعة التي أحرزها بالوصل إلى حضرتك، زاده إلى مثل هذا الوقت من العام المستقبل، والزمان المنتظر، ويحسب ذلك يسرا ليرضيك بفعله، ويتزين لك ليوافقك بحسنه.
ثم قال على نحو ما قدمه: ينثني عنك عند اقتراب آخره، وانصرام سائره، ناظر منه، أنت طرفه الذي به ينتشر ويبصر، ورقاده الذي إليه يأوي ويسكن، فاستيحاشه إليك بمقدار سروره بالوفود عليك.
نَحْنُ في أَرضِ فَارِسٍ في سُرورٍ ... ذا الصَّباحُ الَّذي نَرَى مِيلادُهُ
عَظَّمَتُهُ مَمَالِكُ الفُرسِ حتَّى كُلُّ ... أَيَّامِ عَامِهِ حُسَّادُهُ
الميلاد: وقت الولادة، والممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك.
(2/86)

فيقول: نحن بأرض فارس في سرور قد عم، وشمل وكمل، وصباح يوم النوروز ميلاد ذلك السرور وأوله، وباعثه وموجبه، فالآمال منبسطة، والفرحات متصلة، والنعم سابغة، وأعين الحوادث نائمة.
ثم قال، وهو يريد النوروز: وقد أوجبت ممالك الفرس تعظيمه، وأظهرت إجلاله، حتى صارت أيام العام تحسده على رفعته، ولا تساويه في شرف رتبته.
ما لَبِسْنَا فِيهِ الأَكَالِيلَ حَتَّى لَبِسَتْها ... تِلاعُهُ وَوِهَادُهُ
عِندَ مَنْ لا يُقَاسُ كِسرَى أَبو سَاسَانَ ... مُلكَاً بِهِ ولا أَوْلادُهُ
عَرَبِيٌّ لِسَانُهُ فَلسَفِيٌّ رَأيُهُ ... فَارِسِيَّةٌ أَعيَادُهُ
الأكاليل: العصائب المنظومة بالجوهر، واحدها إكليل، والتلاع: أماكن مرتفعة يجري فيها الماء من الجبال، واحدها تلعة، والوهاد: مطمئنات من الأرض، واحدتها وهدة.
فيقول مشيرا إلى النوروز: ما لبسنا فيه الأكاليل، وما يقع موقعها من معلمات العمائم، ومزينات العصائب، مختلفين في حسن الهيئة، مشتملين بفاخر الكسوة، حتى لبست تلك الملابس تلاع فارس ووهادها، بما أبدته من أزاهير الروض، وأظهرته من بدائع النور. يشير إلى أن النوروز إنما يكون في الوقت الذي تتزين الأرض فيه لمبصرها، وتروق بما تبديه من غرائب زخرفها.
ثم قال مشيرا إلى ابن العميد ممدوحه: عند من لا يقاس به أبو ساسان، ولا سائر الأكاسرة من ولده، في سلطانه وجلالته، ونفاذه وسياسته، وما رفعه الله من قدره، وتكفل به من إعلاء أمره.
ثم قال مشيرا إليه: عربي اللسان فصاحة وإبانة، فلسفي الرأي حكمة ودراية، فارسي الأعياد كرما وسيادة، يشمل من ملكه بفضله، ويرضيه بقوله وفعله.
كُلَّما قَالَ نائِلٌ: أنَا مِنهُ سَرَفٌ، ... قَالَ آخرٌ: ذا اقتِصَادُهُ
(2/87)

كَيفَ يَرتَدُّ مَنْكِبِي عَنْ سَمَاءٍ ... والنِّجَادُ الذي عَلَيهِ نِجَادُهُ؟!
الاقتصاد: التوسط في الأمور، والنجاد: محمل السيف.
فيقول مشيرا إلى ابن العميد: كلما قال نائل من بذله، ومشهود من فضله، أنا إسراف فيما قصدت به، وغاية من الكثرة فيما اعتمدت له، أردف ذلك من جوده ما يزيد عليه ويغمره، ويجعله في حيز القصد ويصغره.
ثم قال وهو يريده: كيف يرتد منكبي عن رفيع من المواضع، وجليل من المراتب، والسيف الذي نجاده عليه من عطاياه ومواهبه، وما خصني به من فواضله؟! يشير إلى أنه خلع عليه سيفا أبان به ما يراعيه من أمره، ووصفه أبو الطيب فيما يتصل بهذا من شعره.
قَلَّدَتْنِي يَمِينُهُ بِحُسَامٍ ... أَعقَبَتْ مِنهُ واحِداً أَجدَادُهُ
كُلَّما استُلَّ ضاحَكَتْهُ إيَاةٌ ... تَزعُمُ الشَّمسُ أَنَّها أَرآدُهْ
مَثَّلوهُ في جِفْنِهِ الفَقدِ ... فَفِي مِثلِ أَثْرِهِ إغمَادُهْ
الحسام: السيف الصارم، والأعقاب: مأخوذة من العقب، وهو ولد الرجل، وإياه الشمس: ضوءها، والأرآد: الأنوار، واحدها رأد، وأثر السيف: فرنده.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح، ويذكر السيف الذي وهب له: قلدتني يمينه بسيف، فرند في جنسه، وجيد في جلالة قدره، وأعقبته السيوف المتقدمة منه في الأزمان الخالية، والمده الطوال الماضية، واحدا لا نظير له، وغريبا لا يقترن شيء من السيوف به.
ثم قال منبها على كرم جوهره، وشرف عنصره: كلما أسئل ضاحكته إياة من أراد هذا السيف الظاهرة، وأنواره المشرفة البادية، وأن الشمس، مع أنها أصل الضياء، مضافة إليه، وعيال في الإشراق عليه.
ثم قال مشيرا إلى السيف الذي قدم ذكره: مثلوه في جفنه كلفا به، واستحسانا له؛
(2/88)

يردي: أن جفن هذا السيف كان محلى بذهب قد أجيد صقاله، وأثبت فيه مثاله، فصار الصقال في جفنه كالفرند المتلألئ في متنه، فكأنما أغمد في ذلك الأثر؛ لما في الذهب الذي حلي به غمده من جودة الصقل.
مَنعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَبَاً يَحْمِلُ ... بَحراً فِرندُهُ إزبَادُهُ
يَقسِمُ الفَارِسَ المُدَجَجَ لا يَسلَمُ ... مِنْ شَفرَتَيهِ إلاَّ بدادُهْ
جَمَعَ الدَّهرُ حَدَّهُ وَيَدَيهِ ... وَثَنائي فاستَجمَعَتْ آحادُهُ
المنعل من السيوف: الذي يكون في أسفل غمده من الذهب والفضة، أو ما يقوم مقامهما مما يصان به، والفرند: وشيء السيف، والازباد: الرمي بالزبد، والمدحج: المشتمل بالسلاح، والبداد: لبد السرج، والآحاد: الأفراد.
فيقول: أن السيف الذي ذكره أنه وهب له، كان منعلا بالذهب، لا لحفاء لحقه، ولا لوهن أدركه، ولكن على سبيل الصيانة له، والشح به، وذلك الغمد المنعل يحمل من نصله ما هو كالبحر في رونقه وصفائه، وفرنده عليه كالزبد المتصل بمائه.
(ثم قال): الفارس المدجج في السلاح لا يعتصم منه بشكته، وما استظهر به من آلته وعدته، وينفذ فيه إلى أن يقد سرجه، ويدرك لبده. يريد أن هذا السيف قد جمع غاية الكرم في فعله ومخبره، كما جمع غاية الحسن في هيبته ومنظره.
ثم قال: جمع هذا السيف لهذا الدهر؛ ما هو عليه من نفاذ حدته، ويدي ابن العميد اللتين يبطشان بقوته، وثنائي الذي دللت به على حقيقة صفته، فاجتمعت له آحاد الزمان التي لا تماثل، ومفرداته التي لا تقاوم، وثنى اليد، وإنما تصرف السيف مفردة؛ لأن الأخرى تعضدها في تصرفها، وتسبب لها أسباب تمكنها.
وَتَقَلَّدَتْ شَامَةً في نَدَاهُ ... جِلدُها مُنفِسَاتُهُ وَعَتَادُهْ
فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِ فَارَقَتْ ... لِبْدَهُ وَفِيها طِرَادُهْ
وَرَجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَرَاها وَبِلادٌ ... نَسِيرُ فيها بِلادُهْ
(2/89)

الشامة: معروفة، وهي التي تكون في الجسد مخالفة لسائر لونه، والمنفسات من المتاع: كل ما ارتفعت قيمته، الواحدة: منفسة، والعتد: ما إدخر لمهمات الأمور، والتفريس: تعليم الفروسية، والسوابق: كرائم الخيل، واللبد: لبد السرج، والطراد: تجاول الفرسان.
فيقول مشيرا إلى السيف الذي ذكره، ومخبرا بأنه كان محتقرا مع جلالته، فيما اقترن به من هبات ابن العميد التي وهبها له: وتقلدت من هذا السيف الذي قدمت وصفه، ما هو فيما استضاف إليه من الهبات المقترنة، كالشاملة التي لا تعتد بها لقلتها، ولا تكاد تتبين في الجلد لصغرها ودقتها، وجملة المواهب التي كان السيف فيها من منفسات المتاع، ومتخيرات العتاد. وكنى عن جملة المواهب بالجلد، وعن السيف الذي قل فيها بالشامة، وحمل الكلام على الاستعارة.
ثم قال: أفادتنا الفروسة سوابق خيل كانت في تلك الهبات، بحسن أدبها وتأتيها في تصرفها، ففارقت لبد الممدوح، وفيها ما حملها عليه من حسن الانقياد في المطاردة، ومحمود الطواعية عند المجاولة. وأشار بما ذكره إلى موضع ابن العميد من الفروسة، وأنه لم يؤثره بخيل في ركوبه، إلا لما أظهر عليه من الكرامة.
ثم قال: ورجت هذه الخيل أن تنال بهبتها لنا، راحة مما كانت عليه من مواصلة الغزو، ومداومة السفر، وهي تحمل منا في بلده أبناء نعمته، والمتصرفين بأمره في إقامته ورحلته.
هَلْ لِعُذْرِي إلى الهُمَامِ أَبي الفَضلِ ... قَبُولٌ سَوادُ عَينِي مِدَادُهْ
أَنَا مِنْ شِدَّةِ الحَيَاءِ عَلِيلُ ... مَكرُمَاتٌ المُعِلِّهِ عُوَّادُهْ
ما كَفَانِي تَقصيرُ ما قُلْتُ فِيهِ ... عَنْ عُلاهُ حَتَّى ثَنَاهُ انتِقادُهْ
الهمام: الملك الرفيع الهمة، وثنيك الشيء عن وجهه: إذا صرفته، والانتقاد: الامتحان والتخير.
(2/90)

فيقول مشيرا إلى تقصيره عن واجب الشكر، وتعديد ما أحاط به من الفضل: هل لعذري عند أبي الفضل الهمام الكبر، والرئيس الأكرم: موضع من تقبله، وحظ من تجوزه، فاجعل مداد كتابي بذلك العذر سواد عيني، إكراما له، وأبدر إلى ذلك وإلى مثله، إعجابا به.
ثم قال على نحو ما قدمه: أنا من شدة الحياء؛ لتأخري عن ما يلزمني لهذا الرئيس، كالعليل المخول الصحة، ردي الألم، المغلوب القوة، إلا أن مكرمات الذي أعلتني فواضله، بعجزي عن وصفها، وأخجلتني بتقصيري عن حقائق حمدها، تعودني متتابعة، وتتعاهدني متوالية، فلست أدري أي طريق أسلك إليها من الشكر، ولا كيف أقاوم كثرتها بجميل النشر؟!.
ثم قال: ما كفاني تقصير شكري عن فضله، وتأخر ما أبدعه من الشعر عن رفيع قدره، حتى أردف ذلك بانتقاده، الذي يقل كل إحسان عنده، وامتحانه الذي يغلب كل اجتهاد عفوه، فكيف لي بما يرضي ثاقب درايته، ويثبت على انتقاده مع سعة إحاطته؟!.
إنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنْنَ ... أَجَلَّ النُّجومِ لا أصطَادُهْ
رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَّفظُ عَنهُ ... والَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اعتِقَادُهْ
ما تَعَوَّدْتُ أَن أرَى كَأَبي الفَضلِ ... وَهذا الَّذي أَتَاهُ اعتِيَادُهْ
التعبير: الإبانة عن المعنى بظاهر اللفظ.
فيقول: أنني أصيد البزاة؛ يشير إلى أنه يبرز على المبرزين في الشعر، ويتقدمهم في بدائع النظم، وأجرى الكلام على الاستعارة، ثم قال: ولكن البازي مع ما هو عليه من النفاذ في الصيد، والتقدم في ذلك لأكثر صنوف الطير، لا ينال النجوم ولا يدركها، ولا يصيدها ولا يلحقها، وكذلك ابن العميد في فضله، وما آثره الله به من جلالة قدره، ولا يمكنني تعديد مكارمه، وأنا أقاوم بشعري ما أبانه الله من
(2/91)

فضائله.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: رب شيء لا تعبر الألفاظ عن مثله، ولا تبلغ إلى حقيقة وصفه، والفؤاد يشهد له ويصدقه، ويعتقده ويتحققه. فأشار إلى أن في نفسه من إعظام ابن العميد وتفضيله ما لا يعبر عنه بشعره ولا يستوفيه بمبلغ وسعه.
ثم قال باسطا لعذر نفسه، ومعترفا بالتقصير عن وصف فضل الممدوح لشعره: ما تعودت أن أرى كأبي الفضل فيمن رأيته من العلماء، وامتدحته من الرؤساء، وكان امتداحي لهم بحسب أحوالهم، ومبلغ أقدارهم، فأشرت منه غير ما عهدته، واستقللت له من الشعر ما نظمته، والذي أسداه إلي من الفضل، وغمرني به من البذل، عادته التي عهدها، وطريقته التي لا منكر لها، فهو لا يخرج في الكرم عن عرفه، وأنا أحاول غير ما عهدته في وصفه.
إنَّ في المَوجِ لِلغَرِيقِ لَعُذْرَاً ... واضِحاً أَنْ يَفوتَهُ تَعْدادُهْ
لِلنَّدى الغَلبُ أَنَّهُ فَاضَ والشِّعْرُ عِمادِي ... وأبنُ العَمِيدِ عِمادُهْ
يقول مشيرا إلى ما أحاط به من فضل ابن العميد، وتقصيره عن بلوغ الواجب في ذلك: أن ما في موج البحر مع كثرتها، وامتناع الإحاطة بجملتها، ما يبسط عذر الغريق في عجزه عن حصرها بذكره، وإحصائها بعده. فشبه ما تتابع عليه من مواهب ابن العميد بأمواج البحر، وشبه بالغريق فيها؛ لتقصيره عن حقيقة الشكر.
ثم قال: للندى الذي هو خلق ابن العميد، الغلبة في المساجلة، والزيادة عند المماثلة، لأنه فاض علي وهو عماده، والإغراق فيه مراده، فعارضته بما أهديته إليه من الشعر، وأتحفته به من غرائب النظم، وذلك بأن الذي أسند إليه، وأعول عليه، فأعجز قولي بفعله، وزاد على جهدي بعفوه.
نَالَ ظَنِّي الأُمورَ إلاَّ كَريماً ... لَيسَ لِيْ نُطقُهُ ولا فِيَّ آدُهْ
ظَالِمُ الجُودِ كُلَّما حَلّ رَكْبٌ ... سِيمَ أَنْ تَحمِلَ البِحَارَ مَزَادُهْ
(2/92)

الأيد والآد: القوة، والسوم: تحميل المشقة، والمزاد: القرب، الواحدة مزادة.
فيقول: أدركت الأمور ظنوني البعيدة، وكشفت المعاني العويصة، وقصرت عن أن تدرك كريما كابن العميد يربي على الكرام، ويزيد بفضائله على جميع الأنام، ولست مع ذلك أتعاطى في النطق رتبته، ولا أقوى على قوته، مع تقدمي في إدراك غوامضه، واشتهاري بالغوص على بدائعه.
ثم قال: وهو في كرمه ظالم لسؤاله، ومفرط على قصاده، يسومهم أن تتضمن أوعيتهم ما يهبه، وتستقل إبلهم بما يبذله لهم، هو في ذلك كمن يكلفهم تضمن البحر في الأوعية، والتحمل به في المزاد والأسقية.
غَمَرَتنِي فَوائِدٌ شَاَء فِيهَا ... أَنْ يَكونَ الكَلامُ مِمَّا أَفَادَهْ
ما سَمِعْنَا بِمَنْ أَحَبَّ العَطَايَا ... فَاشتَهَى أَن يَكونَ فيها فُؤادُهْ
يقول مشيرا إلى ابن العميد: غمرتني منه عطايا متتابعة، وفوائد مترادفة، أراد إفادتي فيها بغرائب الكلام، وإيثاري بنوادر البيان، مع أني رب هذه الصناعة، والمحتفل من هذه البضاعة.
ثم قال مشيرا إليه: ما سمعنا بمثل هذا الرئيس، من كريم أحب العطايا وألفها، وأفرط في شدة الشغف بها، حتى اشتهى أن يكون قلبه وما تضمنه من سعة الإحاطة، وأشتمل عليه من ثاقب الدراية، مما يهبه لمن يطرقه، ويتفضل به على من يقصده. يريد أن الممدوح أفاض عليه من علمه، كما أفاض عليه من جوده.
خَلَقَ اللهُ أَفصَحَ النَّاسِ طُرَّاً في ... مَكَانٍ أَعرَابُهُ أَكرَادُهْ
وَأَحَقَّ الغُيوثِ نَفْسَاً بِحَمدٍ ... في زَمانٍ كُلُّ النُّفوسِ جَرَادُهْ
مِثلَمَا أَحدَثَ النُبُوَّةَ في العالَمِ ... والبَعثَ حِينَ شَاعَ فَسَادُهْ
زَانَتِ اللَّيلَ غُرَّةُ القَمَرِ الطَّالعِ ... فيهِ، وَلَمْ يَشنهَا سَوَادُهْ
طراً: يريد جميعاً، والأعراب: أَهل البادية، والعرب: أصحاب الإبل وبيوت
(2/93)

الشعر، والأكراد: صنف من العجم في أطراف بلاد فارسِ، يذهبون مذاهب الأعراب في مداومة الرحل، واتخاذ بيوت الشعر والإبل، والعالم: جميع الخلق.
فيقول: خلق الله ابن العميد، وهو أفصح الناس كلهم، وأنفذهم في البيان بأسرهم، في مكان من فارس منقطع عن الموسومين بالفصاحة، منتزح عن المتقدمين في حسن الإبانة، أعراب ذلك المكان الأكراد، الذين هم أهل العجمة، والمشهورون بالغباوة والهجنة.
ثم قال: وخلق في ذلك المكان من ابن العميد أحق الغيوث نفسا بحمد، وأهدى الكرماء إلى كل مجد، في زمان قد قل خيره، ودق أهله، وصارت أنفسهم كالجراد في دناءتها وقلتها، وما طبعت عليه من مضرتها، وكذلك إنما تلافى الله الناس بالرسالة الهادية، وأرشدهم بالنبوة الصادفة، حين شاع الفساد فيهم، واستولت أسباب الجاهلية عليهم، وكذلك يتلافاهم الله بأهل الكرم والبذل؛ ليديل بهم عن استيلاء الدناءة والبخل. يشير إلى أن ابن العميد ممدوحه، أصلح الله به ما فسد من أهل زمانه، وعمهم بتطوله وإحسانه.
ثم قال مبينا أن فضل ابن العميد لا يخل به نقصان أهل داره، وأن ذلك يزيد فيما أبانه الله من فضله: زانت الليل مع شدة سواده، واستكراه النفوس لإظلامه، غره القمر المشرق فيه بنوه، المجلي الظلمة بضوئه، ولم يشنه ذلك السواد ولا نقصه، ولا أخل به ولا وضعه، بل زادت مخالفته لليل في حسنه، وأكدت ما رفعه الله من قدره، وكذلك نقصان أهل الزمان، لا يخل بما جمعه الله لأبن العميد من التمام، بل ذلك يضاعفه ويتممه، ويبين مقدار نعمة الله فيه.
كَثُرَ الفِكرُ كَيفَ نُهدِي كَمَا أهدَتْ ... إلى رَبِّها الرَّئيسِ عَبَادُهْ
والَّذي عِندَنا مِنَ المَالِ والخَيلِ ... فَمِنهُ هِبَاتُهُ وَقِيَادُهْ
فَبَعَثْنَا بِأربَعِينَ مِهَارَاً كُلُّ ... مُهْرٍ مَيدَانُهُ إنشَادُهْ
(2/94)

الرب: المالك، ورب كل شيء مالكه، والعباد: جمع عبد، والقياد. ما يقتاد به الرجل الشيء إلى نفسه، والمهر: معروف، والميدان: مجال الخيل.
فيقول: كثر تفكيري فيما أهديه إلى هذا الرئيس في نوروزه، ممتثلا لما فعله عبيد نعمته وأبناء دولته، وعلمت أن ما يلزمني من الإتحاف له بحسب ما شملني من السعادة به.
ثم قال: وتأملت ما عندي من المال، وما أملكه من الخيل، فرأيته الذي وهب ذلك وبذله، وقاده نحوي وأرسله، فلم يحصل إتحافي له بهبته، وأطرافي إياه بنعمته.
ثم قال: فبعثت بمهار أربعين؛ يشير إلى أبيات شعره، وما أهداه فيها من مدحه، كل مهر إذا أرسله منشده، وأبان عنه مورده، تمكن في الآذان، وجال في ميدان الإحسان.
عَدَدٌ عِشتُهُ يَرَى الجِسمُ فِيهِ أَرَبَاً ... لا يَراهُ فِيمَا يُزادُهْ
فَارتَبِطهَا فإنَّ قَلبَاً نَمَاها مَربِطٌ ... تَسبِقُ الجِيادَ جِيادُهْ
الأرب: المراد، والجياد: عتاق الخيل، ونميت الشيء: رفعته وأظهرته.
فيقول مشيرا إلى بيوت شعره الأربعين التي قدم ذكرها: عدد عشته في تزيد من القوة، وتمكن من الصحة، يرى الجسم فيها لنفسه إرادة لا يراها فيما يستزيده من عمره، ويستقبله من دهره؛ يريد أن الأربعين أمد القوة، ومدة الشبيبة، وأن الإنسان بعدها منتقص في جسمه، منحط في جملة أمره؛ فلذلك ما تفاءل بالأربعين في عدة بيوت شعره، وأعتقد ذلك لممدوحه، فيما يقربه الله به من مقاصده، وييسره له من مواهبه.
ثم قال مخاطبا (أبن العميد)، ومشيرا إلى ما قدمه: فأرتبط ما قيدت فيك من هذه البيوت النادرة، وما أتحفتك به من هذه البدائع الشاردة، فأن قلبا نماها وأظهرها وهداها وسيرها، مربط تسبق الجياد غرائب فكره، وتتقدمها بدائع لفظه.
(2/95)

وأنفذت هاتان القصيدتان من أرجان إلى أبي الفتح بن محمد بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها، فقال أبو الطيب عند قراءة الكتاب:
بِكُتْبِ الأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْ ... فَدَتْ يَدَ كاتِبِهِ كُلُّ يَدْ
يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِندَنَا ... وَيَذْكُرُ مِنْ شَوقِهِ ما نَجِدْ
فَأَخرَقَ رَائِيَهُ ما رَأى ... وأبرَقَ ناقِدَهُ ما انتَقَدْ
أخرق: بمعنى أدهش، وأبرق: بمعنى أبهت.
فيقول: بكتب الأنام كتاب يعدلها بجلالته، وينوب عن جميعها بكرامته، جعل الله كل يد فداء يد كاتبه، ولا أعدم الزمان تزينه به.
ثم قال: يعبر فيه عن مثل ما بأنفسنا من الحرص عليه، ويخبر عن مثل ما نعتقده من النزاع إليه، ويذكر من الشوق كالذي نجده، ويقول فيه ما نعتقده.
ثم قال: فأخرق ذلك الكتاب ما رأى من غرائبه، وأبرق منتقده ما باشره من بدائعه، وأشرف من ذلك على ما يسلب النفوس بحسنه، ويتحكم عليها ببراعة لفظه.
إذا سَمَعَ النَّاسُ ألفاظَهُ ... خَلَقْنَ لَهُ في القُلُوبِ الحَسَدْ
فَقَلْتُ وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَ ... كَذَا يَفعَلُ الأَسَدُ ابن الأَسَدْ
الخلق: التقدير في الصناعة، والفرس: دق العيون.
فيقول مشيرا إلى الكتاب الذي قدم ذكره: إذا سمع الناس بدائع لفظه، وتأملوا غرائب حسنه، بعث ذلك في قلوبهم الحسد لكاتبه، وأوجب عليهم المنافسة فيه لصاحبه.
ثم قال مخبرا عن نفسه: فقلت وقد فرس الناطقين بعجزهم عن مقاومته، ووقوع البأس لهم عن مماثلته، هكذا يفعل الأسد ابن الأسد في إدراك ما لا يدرك مثله، والوصول إلى ما يتعذر فعله.
(2/96)

وأحضرت مجمرة قد حشيت نرجسا وآسا، حتى خفيت نارها، فكان الدخان يخرج من خلالها، فقال أبو الطيب:
أَحَبُّ امرئٍ حَبَّتِ الأَنفُسُ ... وَأطيَبُ ما شَمَّهُ مَعطِسُ
وَنَشَرٌ مِنَ النَّدِّ لَكِنَّمَا ... مَجَاِرُهُ الآسُ والنَّرْجِسُ
وإنَّ القِيامَ الأُلى حَولَهُ ... لَتَحْسُدُ أَرجُلَها الأَرُؤسُ
النشر: الفوح، والند: ضرب من الطيب، والآس: الريحان، والنرجس: نوار معروف، والألى: بمعنى الذين، والعز الأقعس: التمكن الظاهر.
فيقول مشيرا إلى ابن العميد: هذا أحب من تخصه النفوس بحبها، وتعتمده الألسن بشكرها، وحذف هذا، وجعل أحب الذي هو خبر عنه دليلا عليه، والعرب تفعل ذلك، ثم أشار إلى ما كان بحضرته من الطيب، فقال: وأطيب ما سكنت الأنفس إلى ريحه، وشمت المعاطس تضوع فوحه، وحمل آخر الكلام من الحذف على ما حمل عليه أوله.
ثم قال على نحو ذلك: ونشر من الند يسطع دخانه، ويعبق نسيمه، إلا أن مجامر ذلك الدخان يشملها الآس الذي قد جللها، وبعينها النرجس الذي قد أحاط بها.
ثم قال: ولسنا نرى لهبا يؤثر في ذلك الند، ولا نارا تهيج روائح ذلك الطيب. يشير إلى أن الآس والنرجس سترا ذلك اللهب وغيباه، وأحاطا به وشملاه، فهل هاجه أيها الرئيس وأبانه، وأظهره فوح كرمك وأثاره؟!.
ثم قال مخبرا عن الممدوح الذي استفتح بذكره: وأن القيام الذين حوله لتحسد رؤوسهم أرجلهم على ما تتصرف فيه من خدمته، وتنافسها في اعتماد القائمين عليها بحضرته.
(2/97)

وكتب إليه الملك فنا خسرو عضد الدولة كتابا يستزيره فيه، فقال عند مسيره إليه مودعا:
نِسُيتُ وما أُنسَى عِتَاباً على الصَّدِّ ... وَلاَ خَفَراً زَادتْ بِهِ حُمرَةُ الخَدِّ
ولا لَيلَةً قَصَّرتُها بِقَصُرتُها بِقصُورَةٍ ... أَطَالَتْ يَدي في جِيدِها صُحبَةَ العِقدِ
الخفر في المرأة: إفراط الحياء، والقصيرة والقصورة من النساء: التي تقصر في حجابها، والجيد: العنق.
فيقول: تتناساني من أكلف بحبه، وأكثر الحنين إلى قربه، وما أنسى عتابي له على صده، وتوسلي بإقامتي على عهده، وخفره عند تلك المعاتبة، وخجله لما أورد من تلك المخاطبة، وازدياد حمرته بذلك الخفر، وتمتعي منه بلذة النظر.
ثم قال: ولا أنسى ليلة قصرتها بقصير كثيرة النشر، منعمة رفيعة القدر، أطالت يدي صحبة العقد في جيدها، ونعمت بمساعدتها وقربها، وأشار بما ذكره من صحبة يده لعقدها إلى المعانقة، ودل بذلك على شدة الملازمة.
وَمَنْ لِي بِيَومٍ كَرهْتُهُ ... قٌربتُ بِهِ عِندَ الوَدَاعِ مِنَ البُعْدِ
وألاَّ يَخُصَّ الفَقدُ شَيئَاً لأَنَّني ... فَقَدْتُ فَلَمْ أَفقِدْ دُمُوعِي ولا وَجدِي
تَمَنٍّ يَلذُّ المُستَهامُ بِمثلِه ... وإن كانَ لا يُغنِي فَتِيلاً ولا يُجدِي
الفتيل: سحاءة في شق النواة، يضرب المثل في القلة، ويجدي: بمعنى يفيد.
فيقول: ومن لي بيوم كيوم وداعي لمن أحبه، مع تكرهي لكونه، وما أتشكاه من فعله، فقد قرب لي من الدنو إليه ما كان يبعد، ومكن لي ما كان يمنع، فكيف لي بألم يقود إلى مثل تلك اللذة، ومكروه يؤدي إلى مثل تلك الخطوة؟!.
ثم قال: ومن لي بأن يكون الفقد فيما يسوء ويسر، وشاملا فيما ينفع ويضر؟ فإني فقدت من أحبه، ولم افقد الوجد به، وعدمته ولم أعدم الحزن له، فليت الفقد عدل في حكمه، وجرى على العموم في فعله.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه: تمن أتمناه ملتذا بذكره، وقول به المستهام يسكن إلى
(2/98)

مثله، وأن كان لا يجدي على من يستعمله، ولا يغني فتيلا عمن يتكلفه، فالأماني شواغل لا تحمد عواقبها، وأباطيل لا ترتقب عوائدها.
وَغَيظٌ عَلى الأَيَّامِ كَالنَّارِ في الحَشَا ... وَلَكِنَّهُ غَيظُ الأَسِيرِ على القِدِّ
فَإما تَرَيْنِي لا أُقِيمُ بِبَلدَةٍ ... فآفَةُ غِمدِي في دُلُوقِيَ مِنْ حَدِّي
يَحُلُّ القَنَا يَومَ الطِّعَانِ بِعَقوَتِي ... فَأَحرِمُهُ عِرضِي وَأُطعِمُهُ جِلدِي
القد: سير من جلد يشد به الأسير، والدلوق: خروج السيف من الغمد دون استلال، والعقوة: فناء الدار.
فيقول على نحو ما قدمه: وغيظ على الأيام فيما تؤثره من الجور في الحكم، والإساءة في الفعل، يشبه النار في التضرم، وما يثيره في الإحساس من التوقد، ولكنه غيظ الأسير على القد يذله ويقصر هـ، ويستولي عليه ويقهره.
ثم قال مقبلا على مخاطبه: فإما تريني موقوفا على الرحل، متحملا لمؤونة السفر، لا أقيم ببلدة، ولا أنفد من رحلة، فآفة ما يشتمل علي من تلك البلاد، أنه لا يقنعني برفده، فأدلق عنه دلوق السيف الصقيل من غمده.
ثم قال مشيرا إلى موضعه من البأس، وما هو عليه من جرأة النفس: تحل الحرب بساحتي فتساجل فيها الأقران، وتطاعن فيها الفرسان، فأبلغ من الإقدام على شدائدها، والاقتحام في غمرات وقائعها، مبلغا أعرض فيه نفسي، وأظهر فيه جسمي للسلاح غير متوقع، وأباشر غير متهيب، ولا أوجد السلاح سبيلا إلى عرضي بالإحجام عنه، ولا يتعلق على المذمة في الإشقاق منه.
تُبَدِّلُ أَيَّامِي وَعَيشِي وَمَنزِلي ... نَجَائِبُ لا يُفكِرْنَ في النَّحسِ والسَّعْدِ
وَأَوْجُهُ فِتيَانٍ حَيَاءٍ تَلَثَّموا ... عَلَيهِنَّ لا خَوفَاً مِنَ الحَرِّ والبَردِ
وَلَيسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّنْبِ شِيمَةً ... وَلَكنَّهُ مِنْ شِيْمَةِ الأسَدِ الوَردِ
النجائب: كرائم الإبل، والتلثم: التنقب على الفم، فإذا كان على الأنف فهو التلثم،
(2/99)

والشيمة: الخلق.
(فيقول) مشيرا إلى ملازمته للسفر، وما هو عليه من مداومه الرحل: تبدل أيامي بتخالفها، وعيشي بتصرفه، ومنزلي بتقاربه وتباعده، نجائب نافذات في السير، جريات على تقحم القفر، لا يفكرن فيما يتهيأ لهن من إقبال الجد، ولا يحلفن بما يواجهنه من النحس والسعد.
ثم قال: ويبدل ذلك فتيان أصحبهم، وأنجاد من الأبطال الفهم، وآنس بموضعهم، وأدل ببأسهم وتقدمهم، يستعملون اللثم على وجوههم حياء، يقودهم إليه فضلهم، ويحدوهم عليه وكرمهم، لا ضعفا عن الحر وتحمله، وإشفاقا عن البرد وتموته.
ثم قال: وليس حياء الوجه من شيم الذئاب، وما شاكلها من مخاتلة السباع، ولكنه من شيم الأسد التي تقصد ما تريده مجاهرة، وتأخذ ما تفرسه مغالبة. فأشار إلى أن الحياء الذي وصف به أصحابه موصول فيهم بأشد القوة، مصحوب بأوفر البأس والنجدة.
إذا لَمْ تُجِزهم دَارَ قَومٍ مَوَدَّةٌ ... أَجازَ القَنَا والخَوفُ خَيْرٌ مِنَ الوُدِّ
يَحِيدونَ عَنْ هَزلِ المُلُوكِ إلى الَّذي ... تَوَفَّرَ مِنْ بَينِ المُلُوكِ على الجِدِّ
الحائد عن الشيء: الذي يعدل عنه، والتوفر على الشيء: التفرغ له، والجد في الأمور: الاعتزام ومجانبة الهزل.
فيقول مشيرا إلى بأس أصحابه: إذا لم تجزهم ديار من يمرون به في سفرهم المودة والمقاربة، والمحبة والمؤالفة، أجازتهم رماحهم وشدتهم، ونفذ بهم إقدامهم ونجدتهم، والخوف في تقريب المطالب، وتسهيل المقاصد، أنفذ من المحبة، وأنفع من المعرفة والمودة، ولذلك تقول العرب: (فوق خير من حب).
ثم قال، وهو يريد أصحابه، يحيدون عن هزل الملوك وترفهم، وباطلهم ورفاهيتهم، إلى ابن العميد مقصودهم، وهو الذي وفر نفسه من بين سائر الملوك
(2/100)

على الجد، وصرف اعتياده إلى ما يستكثر به من السيادة والمجد.
وَمَنْ يَصحَبِ أسمَ ابن العَمِيدِ مُحَمَّدٍ ... يَسرْ بَينَ أَنيَابِ الأسَاودِ والأُسدِ
يَمُرُّ مِنَ السُّمِّ الوَحِيِّ بِعَاجِز ... وَيَعبُرُ مِنْ أَفواهِهِنَّ عَلى دُردِ
الأساود: الحيات، والأسد: معروفة في السباع، والسم الوحي: السريع القتل، والدرد: التي قد ذهبت أضراسها.
فيقول: ومن يصحب أسم ابن العميد متبركا به، ويتفاءل بسعادته قاصدا له، يستقرب البعيد، ويسهل عليه العسير، ويسير بين أنياب الأساود والأسد غير متهيب، ويتصرف هنالك غير متوقع.
ثم أكد ما قدمه؛ فيما يكشف قاصد ابن العميد من سعادته، فقال: يمر من السم الوحي بعاجز عن ضره، ويستعمله غير متخوف له على نفسه، ويعبر من أفواه الأسد والأساود على درد لا يتخوف عضها، ومغلوبة لا يتهيب أمرها، وجعل ما ذكره على سبيل المثل، وأشار إلى أن سعادة ابن العميد تحجز قاصده عن كل مضرة، وتحول بينه وبين كل مساءة.
كَفَانَا الرَّبِيعُ العِيسَ مِنْ بَرَكَاتِهِ ... فَجَاَءتهُ لم تَسمَعْ حُدَاءً سِوَى الرَّعدِ
إذا ما إستَحَينَ الماَء يَعرِضُ نَفسَهُ ... كَرَعنَ بِسبتٍ في إناءٍ مِنَ الوَردِ
كَانَا أَرادَتْ شُكرَنَا الأرضُ عِندَهُ ... فَلَم يُخلِنَا جَوٌّ هَبَطنَاهُ مِنْ رِفْدِ
الربيع: مدة ثلاثة أشهر، أولها انصرام ثنتين وعشرين ليلة من شهر آذار، والعيس: الجمال البيض، والكرع: الشرب، والسبت: جلود تدبغ من القرظ، والجو: المطمئن من الأرض، والرفد: المعونة.
فيقول: أن سعادة ابن العميد أوجبت سفره إليه في أوان الربيع، فكفاه ذلك تمون طلب الكلأ والماء، ولم يعدم من الربيع سحابا يرويه، ورياضا معجبة، فجاءت رواحله والرعد يسوقها حاديا بها، والسحاب يرويها متعاهدا لها، كل ذلك ببركة
(2/101)

من قصدته، وسعادة الرئيس الذي اعتمدته.
ثم قال مشيرا إلى رواحله: (إذا ما استحين الماء)؛ لكثرة تعاهده لها، وأردن مقارضته لما يظهره من البر لها، ألفينه والروض يشمله، وشربنه والزهر يستره، فتناولته بمشافر كالسبت، ووافقته في إناء من الورد؛ فأشار بالورد إلى تروض مشاربها، وبالسبت إلى رقة مشافرها، وكذلك ترق مشافر الإبل إذا كرمت مراعيها، وإذا رعت الشوك جفت وغلظت، وتغيرت وخشنت، وقد ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره من الرواة.
ثم قال على نحو ما قدمه: كأنا بما أظهرته لنا الأرض من زخارفها، وطالعتنا من محاسنها، أرادت أن تشكر عند الرئيس الذي قصدناه بفعلها، ونثني عليه بما شهدناه من عونها، فلم يخلنا جو هبطناه، وموضع احتللناه، من رفد ومعونة، وتأثير ومبرة.
لَنَا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِ ... وإتيَانِهِ نَبغِي الرَّغائِبَ بالزُّهدِ
رَجَوْنَا الَّذي يَرجونَ في كُلِّ جَنَّةٍ ... بِأَرجَانَ حَتَّى ما يَئسنَا مِنَ الخُلْدِ
الرغائب: الأشياء المرغوبة، واحدتها رغيبة، والزهد في الشيء: الإعراض عنه، وأرجان: البلد الذي كان فيه ابن العميد، والخلد: طول البقاء.
فيقول، وهو يريد ابن العميد: لنا مذهب العباد الذين يزهدون في الدنيا وأهلها، ولا يحفلون بشيء من أمرها، لما يرتجون في الآخرة من جزيل الثواب، ويرتقبونه فيها من كريم المآب، وكذلك رجونا نحن من الممدوح بزهدنا في غيره، كالذي رجاه العباد من نعيم الجنة، وأملوه من الراحة والنعمة، حتى ما يئسنا مع ذلك بسعادة الممدوح من بقاء يشبه الخلود بدوامه، ويتكمل بأفضل ما يؤمله من تفضله وإنعامه. وهذا الإفراط من تزيد الشعراء الذين يدعون فيه ما لا يمكن ليظفروا ببلوغ الغاية فيما يمكن.
(2/102)

تَعَرَّضُ لِلزُّوَّارِ أَعنَاقُ خَيلِهِ ... تَعَرَّضَ وَحشٍ خائِفاتٍ مِنَ الطَّردِ
وَتَلقَى نَواصِيها المَنَايا مُشيحَةً ... وُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحنَ في وِردِ
وَتَنسُبُ أَفعَالُ السُّيُوفِ نُفُوسَهَا ... إليهِ وَيَنسُبنَ السُّيوفَ إلى الهِندِ
تعريض الفرس لعنقه: أن يولي الناظر صفحته، ويعدل عنه بوجهه، والمشيح: الجري المقدم، وقد تكون الإشاحة بمعنى الحذر، وتكون بمعنى الإعراض، والقطا الصم: الذي لا عهد لها بالأنيس ولا بأصواتهم، وهي تجيب (الماء) لا تسمع صوتا، ولا تذعر فيه، فليس تنثني عن الورود، قال الراجز:
رِدِي رِدِي وِردَ قَطاةٍ صَمَّا ... كُدْرِيَّة أَعجَبَها بَردُ المَا
فوصفها بالصمم لشدة إعتزامها على الورود.
فيقول: أن خيل ابن العميد تذعر بزواره؛ لاعتيادها أن تكون فيما يهبه لهم، فهي إذا أحست بهم عرضت أعناقها مستشرفة، وأصغت إليهم حذرة متوقعة، كما تفعل الوحش عند إحساسها بصائدها، وتوقعها لعادية طالبها.
ثم قال: وتلقى نواصي تلك الخيل المنايا مقدمة غير محجمة، ومبادرة غير متوقعة، وتردها ورد القطا الصم على مشاربها، وتسرع إليها كإسراعها إلى مواردها.
ثم قال، وهو يريد الممدوح: وتنسب أفعال السيوف أنفسها (إليه)، ولا تعول في نفاذها إلا عليه، مع أن السيوف إلى الهند منسوبة، وهي في تلك البلاد مطبوعة، ولكن أفعالها لهذا الممدوح خالصة، وهي في وقائعه متصرفة نافذة.
إذا الشُّرَفاءُ البِيضُ مَتُّوا بِقتوِهِ ... أَتَى نَسَبٌ أَعلى مِنَ الأَبِ والجَدِّ
فَتىً فَاتَتِ العَدوَى مِنَ النَّاسِ عَينُهُ ... فَمَا أَرمَدَتْ أَجفانُهُ كَثرَةُ الرَّمْدِ
وخَالَفَهمْ خَلقَاً وخُلقاً وَمَوضِعَاً ... فَقَد جَلَّ أَن يُعدَى بِشَيءٍ وأَنْ يُعدِي
القتو: الخدمة، والعدوى: اتصال الداء بغير صاحبه بالمجاورة ما هو أجل من
(2/103)

أنسابهم، وأعلى من أوليتهم وأحسابهم.
ثم قال وهو يريده: فتى فات بكرمه أهل داره، وأربى عليهم برفيع قدره، فلم يعدوه بالنقصان الذي لحقهم، ولا نالوه بالتخلف الذي أحاط بهم؛ وضرب بالرمد مثلا لأهل زمانه، فيما هم عليه من التأخر، وأشار بسلامة الممدوح منه إلى موضعه من الرئاسة والتقدم.
ثم دل على حال الممدوح في أهل الزمان، فقال: وخالفهم بخلقه وخلقه ومنزلته وموضعه، فقد جل أن يعدوه لتواضعهم عنه، أو يعديهم لتباعدهم منه؛ لأنهم يقصرون عن تمامه، ويعجزون عن تفضله وإنعامه.
يُغَيِّرُ أَلوانَ اللَّيالِي على العِدَى ... بِمَنشُورَةِ الرَّاياتِ مَنصُورَةِ الجُندِ
إذا ارتَقَبُوا صُبحَاً رَأَوا قَبلَ ضَوئِهِ ... كَتَائِبَ لا يَردِي الصَّباحُ كَما تَردِي
وَمَبثُوثَةً لا تُتَّقَى بِطَلِعَةٍ ... ولا يُحتَمَى مِنها بِغَورٍ ولا نَجدِ
المنشورة الرايات: الجيوش، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والرديان: ضرب من العدو شديد، والغور: ما اطمأن من الأرض، والنجد: ما ارتفع منها.
فيقول مشيرا إلى الممدوح، وما هو عليه من كثرة جيوشه التي يوجهها إليهم، وجموعه التي تتواتر عليهم: ومما تتضمنه تلك الجيوش من السلاح الذي يضيء ويشرق، وينير ويتألق، وما يقترن بذلك من الرايات المنشورة، والكتائب المؤيدة المنصورة.
ثم قال، وهو يريد أعداء الممدوح: إذا ارتقبوا إسفار صبحهم، وانتظروا انصرام ليلهم، رأوا قبل ذلك كتائب سائرة، ومقانب راجعة، تبادر الصباح لسرعة سيرها، وتسابقه برديانها وعدوها.
ثم قال: ورأوا كثرة من الخيل مبثوثة، لا يعتصم من مثلها بطليعة؛ تؤذن بقربها، وتنبه من وراءه على أمرها، ولا يتخلص منها بسهول الأرض والإمعان في
(2/104)

قطعها، ولا بجبالها والترقي في وعرها؛ لأنها تملأ السهول والأوعار، وتعم البسائط والجبال.
يَغضْنَ إذا ما عُدْنَ في مُتَفاقِدٍ ... مِنَ الكُثرِ غَانٍ بِالعَبِيدِ عَنِ الحَشْدِ
حَثَتْ كُلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِ ... فَهُنَّ عَلَيهِ كالطَّريقِ في البُردِ
يغضن: يستترن، والمتفاقد: الجيش الذي يضل فيه الرجل صاحبه فلا يجده؛ لكثرة أهله، والكثر والقل: لغتان في الكثرة والقلة، والغاني: ذو الغنى، والحشد ما يستكثر به من الأباعد، وحثت: طرحت، والبرد: ثوب مطرق من ثياب اليمن.
فيقول مشيرا إلى (الكتائب) المبثوثة من الجيش الذي وصفه: يغضن، مع ما هن عليه من كثرتهن، واحتفال عدتهن عند انصرافهن إلى الجيش، في متفاقد لا يهتدي فيه الرجل إلى صاحبه، ولا الطالب إلى بغيته؛ لاحتفال جمعه وكثرة أهله، وهو مع ذلك مستغن بعبيد الممدوح عن الاحتشاد بغيرهم، وبخاصتهم عن الاستكثار بمن لا يدخل في رسمهم.
ثم قال مشيرا إلى كثرة ذلك الجيش، وحفل جماعته، وسعة موضعه، وبعد مسافته: حثت كل بقعة من الأرض في غباره تربة، وأظهرت في عجاجه سمة، فهي في ذلك الغبار كالطرائق في البرد تتبين ولا تكتتم، وتتميز ولا تستتر، وكل بقعة موضعه من الأرض على كثرة ما اشتمل عليه من الجمع.
فَإنْ يَكُنِ المَهدِيُّ مَنْ بَانَ هَديُهُ ... فَهذا، وإلاَّ فالهُدَى ذَا، فما المَهدِى؟!
يُعَلِّلُنا هذا الزَّمَانُ بِذا الوَعدِ ... وَيَخدَعُ عَمَّا في يَدَيهِ مِنَ النَّقْدِ
هَلِ الخَيرُ شَيءٌ لَيسَ بِالخَيرِ غَائِبٌ ... أَمِ الرُّشْدُ شَيءٌ غَائِبٌ لَيسَ بالرُّشدِ
المهدي: إمام عادل من أهل البيت، بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون في آخر الزمان، فيما ينقله بعض الرواة، والهدى: الاحتمال على الرشد.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فأن يكن المهدي الذي بشر به، إنما استحق هذا
(2/105)

الاسم لبيان رشده، وتكامل فضله، فهذا الممدوح ذلك لا محالة، وإلا فأن الهدى مشهود في صواب فعله، وما أظهره الله من مشكور سعيه، فما المهدي؟ وما الزيادة التي ترتقب منه، والفضيلة الغائبة التي تؤثر عنه؟.
ثم قال: يعللنا هذا الزمان بما يتخاين به عن المهدي، وصلاح الجميع به، وما دخره الله من الفضائل له، ويخدعنا عما نشهده في ابن العميد من تمام خصاله، وجلالة حاله، فيصير في ذلك كمن يدع النقد لدين يرتقبه، والحاصل لأجل ينتظره.
ثم قال مؤكدا لما قاله: فهل يجوز لمن تحقق الخير وشاهده، أن يظن أنه غائب عن حضرته؟ أم يمكن لمن باشر الرشد وعاينه، أن يحتسب أنه بعيد عن مشاهدته؟! فأشار إلى أن ابن العميد تقتضي صفاته جميع ما بشر به في المهدي، وإذا كان ذلك، فهو أحق الناس بهذا الاسم، وأولاهم بإحراز هذا الفضل.
أأحزَمَ ذِي لُبٍّ وأَكرَمَ ذِي يَدٍ ... وَأَشجَعَ ذِي قَلبٍ وَأَرحَمَ ذِي كِبدِ
وَأَحسَنَ مُعتَمٍّ جُلوسَاً وَرِكبَةٍ ... عَلَى المِنبَرِ العَالِي أَو الفَرَسِ النَّهدِ
تَفَضَّلَتِ الأيَّامُ بالجَمعِ بَينَنَا ... فَلَمَّا حَمِدْنا لَم تُدِمنا على الحَمْدِ
اللب: العقل، والفرس النهد: القوي المشرف.
فيقول، وهو يخاطب ابن العميد، وناداه بالألف وهي من حروف النداء: أأحزم ذوي الألباب فيما يشيره وتفعله. وأكرم ذوي الأيد فيما يسمح به ويبذله، وأشجع ذوي القلوب فيما يقصده، وأرحم ذوي الأكباد من يرعاه فقصر الحزم على اللب؛ لأنه الباعث عليه، والكرم على اليد؛ لأنها المتصرفة فيه، والشجاعة على القلب؛ لأنها منسوبة إليه، والرحمة على الكبد؛ لأنها موصوفة بها في المدح، وبالقسوة التي هي ضدها في الذم. وهذا باب من البديع يعرف بالتقسيم.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأحسن المعتمين جلوسا على المنابر العالية، وأجملهم
(2/106)

ركوبا على الخيول العتاق السامية؛ فأشار بذكر العمائم إلى تفضيله على جميع ملوك العرب الذين يختارونها لزيهم، ويتجملون بها في أيام حفلهم، وذل بما وصفه من التمكن على المنابر إلى موضعه من الخطابة، وبما وصفه به من الحذق بركوب الخيل إلى موضعه من الشجاعة، وأبدع بحسن التقسيم ولطف الإشارة.
ثم قال مؤذنا لرحلته، وقاصدا إلى الممدوح بمخاطبته: تفضلت الأيام لمشاهدتي لك، وما مكنته من الاجتماع بك، فلما حمدت ما فعلته، وسكنت إلى ما مكنته، لم يدم ذلك فأديم حمدها، ولا وصلته فأقول بشكرها، ولكنها ألزمتني الارتحال عنك، وسلبتني غبطة الاقتراب منك.
جَعَلْنَ وَدَاعي واحِداً لِثَلاثَةٍ ... جَمَالِكَ والعِلمِ المُبَرِّحِ والمَجدِ
وَقَدْ كُنتُ أَدرَكتُ المُنَى غَيرَ أَنَّني ... يُعَبِّرُنِي أَهلِي بإدرَاكِها وَحدِي
وَكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بِمُصبَحِي ... أَرَى بَعدَهُ مَنْ لا يَرَى مِثلَهُ بَعدِي
العلم المبرح: الذي يشق بالطالب إدراك مثله، والصبح: وقت الصباح.
فيقول مشيرا إلى الأيام، ومخاطبا للممدوح: جعلن وداعي فعلا مني واحدا لخصال منك ثلاث؛ جمالك الذي لا تقاوم بهجته، وعلمك الذي لا تعادل كثرته، ومجدك الذي لا تماثل رفعته.
ثم قال: وقد كنت أدركت منك غاية الرغبة، واشتملت في حضرتك بأوفر النعمة، إلا أن أهلي يعيرونني بالاستئثار عليهم، وينكرون انفرادي بالحظ الجليل دونهم، فأنا أرغب مساهمتهم في فضلك، ومشاركتهم فيما وصله الله عز وجل علي من رفدك.
ثم قال: وكل من يسر من أهلي بمصاحبتي له، ويرتاح عند اختلائي به، أرى منك بعده من لا يعتاض بعدي بمثله، ولا يصل إلى ما أصل إليه من فضله، والنفوس
(2/107)

إلى الأهل جانحة، وفي مشاركتهم بصلاح الحال راغبة.
فَجُدْ لِي بِقَلبٍ إنْ رَحَلتُ فَإنَّني ... أُخَلِّفُ قَلبِي عِندَ مَن فَضلُهُ عِندِي
وَلَو فَارَقَتْ جِسمِي إليكَ حَياتُهُ ... لَقُلتُ أَصَابَتْ غَيرَ مَذمُومَةِ العَهدِ
يقول مخاطبا للممدوح: فجد لي بقلب أستمتع به بعد رحيلي عن أرضك، وأسكن إليه بعدما أحرمه من قدرك، فأني أخلف قلبي منك من يخلف عندي فضله، ولا أضن به على ما أستوفي بجهدي شكره.
ثم قال: ولو فارقتني حياتي إليك، وتاركتني بحرصها عليك، لقلت أصابت غير مذمومة العهد، وسلكت أبين مناهج الرشد.
(2/108)

العضديات
وقال يمدح الملك عضد الدولة أبا شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة.
أَوهِ بَديلٌ مِنْ قَولَتِي وَاهَا لِمَنْ ... نَأتْ والبَدِيلُ ذِكرَاها
أَوهِ أَنْ لا أَرَى مَحَاسِنَها ... وَأَصلُ وَاهَاً وَأَوهِ مَرآها
أوه: كلمة تقال على معنى التذكر والحزن، واها: كلمة تقال عند التلهف والتفجع، قال أبو النجم:
وَاهَاً لِسَلمَى ثُمَّ وَاهَاً وَاهَا
والذكر والذكرى: معروفان، والمرأى: المنظر، وما تعيده الرؤية من حقيقة المرئي.
فيقول: أنه يتداول كلمات التأسف والتفجع، فيستقل من أوه إلى قوله واها، تلهفا على من نأت عنه بعد القرب، وباعدته بعد ما كانت تبذله من الوصل، فاعتاض من السرور بقربها، ما هو عليه من التعلل بذكرها.
ثم قال معيدا لما ابتدأ به من التفجع، ومشيرا إلى ما يتشكاه من شدة التألم: أوه من ألا أرى محاسنها الكاملة، وبدائع خلقها المعجبة الرائقة، وأصل واها وأوه اللتين أشير بهما إلى ما بنفسي من الوجد والأسف، على ما امتحنت به في محبوبتي من البعد بمرآها، الذي يملكني بحسنه، وتبدلت من مشاهدته بذكره. وقد قبل إن (واها) كلمة تأتي بمعنى الاستطابة والتعجب، وهي في التلهف أبين.
شَامِيَّةٌ طَالَ ما خَلَوْتُ بِهَا ... تُبصِرُ في نَاظِري مُحيَّاهَا
فَقَبَّلتْ ناظِري تُغَالِطُني ... وإنَّما قَبَّلتْ بِهِ فَاهَا
فَلَيتَها لا تَزَالُ آوِيَهُ ... وَلَيتَهُ لا يَزالُ مَأوَاها
المحيا: الوجه، والناظر: سواد العين، والآوي: الذي يصير إلى مكان يستقر فيه، والمأوى: المكان المشتمل على من يأوي إليه.
فيقول: أم محبوبته كانت من أهل الشام، وطال ما نعم بخلوتها، واستوفر الحظ من
(2/109)

محبتها، ولاعبها محيشا لها، ولثمها متصلا بها، فأبصرت في خلال ذلك محياها في ناظره، وقاربته هذه المقاربة إعجابا به. يشير إلى موضعه من نفسها، وما كانت تخصه به من إسعادها ووصلها.
ثم قال: فقبلت ناظري مغالطة بما تظهر في ذلك من الإعجاب بي، وما تبديه في فعلها من الإيثار لي، وإنما رأت في ناظري شخصا فراقها حسنه، وتبينته فأعجبها أمره، فقبلته وفوها المقبل، وصبت إليه ووجهها المتأمل. وأشار بهذه الجملة إلى شدة المقاربة، وأعرب بها عن تمكن الاتصال والملابسة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: فليتها لا تزال من ناظري في مأوى تنزله، وتقيم منه في محل تتخيره، وليت ناظري ذلك المأوى الذي تكون فيه إقامتها، والمحل الذي تشتمل عليه إرادتها.
كُلُّ جَريحٍ تُرجَى سَلامَتُهُ إلاَّ ... فُؤادَاً دَهَتهُ عَينَاها
تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابتَسَمَتْ مِنْ ... مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاها
ما نَفَضَتْ في يَدِي غَدائِرُها جَعَلَتهُ ... في المُدامِ أَفواهَا
الفؤاد: القلب، ودهته: نالته بغاية الضر، والثنايا: الأضراس الأربعة المتوسطة في أعلى الفم وأسفله، وهي معروفة، والغدائر: جمع غديرة، وهي كل خصلة من الشعر تفتل ثم ترسل وتعقد، والأفواه: أخلاط الطيب، واحدها فوه.
فيقول: كل جريح ترجى سلامته، وتؤمل من جراحه إفاقته، غير قلب سحرته عيناها وتيمته، ورمته بسهامها فأقصدته، فأن ذلك جريح لا يبل من سقمه، وعليل لا يبرأ من كلومه وألمه.
ثم قال: تبل خدي كلما ابتسمت لاهية عما أتشكاه، ومستقلة لما أكابده وألقاه، (وقوله): (من مطر)، أشار به إلى دمعه، وكثرة (ما) بريق منه على خده.
ثم ذكر أن برق ذلك المطر، الذي هو واكف دمعه، ما يبديه من التبسم وميض
(2/110)

ثناياها الواضحة، وما يطلعه من تلألؤ تلك الأنوار الساطعة. وعقد البيت على الإيماء والإشارة التشبيه والاستعارة.
ثم قال مشيرا إلى موضع محبوبته من الرفعة، وما هي عليه من الرفاهية والنعمة: ما نفضت في يدي غدائرها من الطيب والعطر، وما اكتسبتها من الفوح والنشر، جعلته أفواها تتضوع، ومشاما تعبق وتسطع.
لَقَينَنَا والحُمُولُ سَائِرَةٌ وَهُنَّ ... دُرٌّ فَذُبنَ أَمواها
في بَلَدٍ تُضرَبُ الحِجَالُ بِهِ ... عَلى حِسَانٍ وَلَسنَ أَشبَاهَا
كُلُّ مَهَاةٍ كَأَنَّ مُقلَتَها ... تَقوُل: إيَّاكُمُ وإيَّاهَا
فِيهنَّ مَنْ تَقطُرُ السُّيوفُ دَمَاً ... إذا لِسَانُ المُحِبِّ سَمَّاها
الحمول: الإبل عليهن النساء في هوادجهن، واحدها حمل، والأمواه: جمع ماء، والهمزة (مبدلة من هاء كما) في قولهم هرقت وأرقت وما أشبهه، ويدل على أن همزة ماء مبدلة من هاء قولهم في تصغير ماء مويه، وفي النسب إليه ما هي، وفي جمعه أمواه.
فيقول مشيرا إلى محبوبته والمتصلات بها: لقيننا والحمول سائرة بهن في حسنهن، وتضوع بياضهن كاللؤلؤ المكنون، والدر الرفيع المصون، فذبن أمواها من الخجل، وغيرهن إفراط الأسف والحزن.
ثم قال مشيرا إلى اللواتي قدم ذكرهن: كل مهاة تفتن بحسنها، وتغلب على القلوب بتكامل دلها، كأن مقلتها بما تضمنته من السحر، وصرفته من فتور اللحظ، تحذر من أبصرها من عواقب الحب، وتسير إلى قسوتها على المتيم الصب.
ثم قال مبينا لمنزلة المذكورات من الرفعة، وموضعهن من جلالة الرتبة: فيهن من لا تتفوه الألسن بذكرها، ولا يتمكن التصريح باسمها، فأن أعلن المحب بذكر؛ لفرط كلفه لها، قطرت السيوف دما عند ذلك إكراما لها. فأشار إلى أن المذكورات
(2/111)

يتصلن بالملك، ويشتمل عزه عليهن بلا شك.
أُحِبُّ حِمصَاً إلى خُناصِرَةٍ ... وَكُلُّ نَفسٍ تُحِبُّ مَحيَاهَا
حَيثُ التقى خَدُّها وَتُفَّاحُ لُبنَانَ ... وَثَغرِي على حُمَيَّاها
وَصَفتُ فِيهَا مَصِيفَ بادِيَةٍ ... شَتَوتُ بالصَّحصَحَانِ مَشتَاهَا
حمص وخناصرة: بلدان من الشام، ولبنان: جبل من جبال الشام، لا نظير لتفاحه في طيب المطعم، وعبق الريح، وحميا الكأس: سورتها وحدتها، والصحصحان: ما استوى من الأرض واتسع، والمحيا والمصيف والمشتى: مصادر بمعنى الحياة والصيف والشتاء.
فيقول: أنه يحب حمص، هذا البلد، إلى خناصرة، هذا الموضع، وما بين هذين المكانين مقر أحبته، وجماع مسرته، وكل نفس تألف حياتها وترغبها، وتؤثرها بالإرادة وتفضلها.
ثم قال مشيرا إلى الجهة التي وصفها، وإلى محبوبته التي رفع بها: حيث التقى خد تلك المحبوبة بلثمي له، وتفاح لبنان بتنقلي به، وحميا الخمر التي نازعت محبوبتي كؤوسها، وقاسمتها مؤانستها وسرورها. واعتمد تفاح لبنان من بين سائر نقله، لمماثلته الخد الذي لثمه في الخلقة، ومقاربته له في اللون والنكهة.
ثم قال، وهو يريد الناحية التي قدم ذكرها: (وصفت فيها مصيف بادية)، يخبر بأنه مدة ذلك المصيف جانب الحواضر، واثقا بجرأته، وتصرف في البادية مسندا إلى نفاذه وشدته، وكذلك قطع الشتاء المتصل بذلك الصيف في صحصحان تلك البادية، غير معتصم ببنيان يسكنه، ولا معرج على حصن يمنعه، معولا على نفسه ومن يألفه من الفتيان، ومستظهرا بمن يستضيف إليه من حماة الفرسان.
إنْ أعشَبَتْ رَوضَةٌ رَعَينَاهَا أَو ... ذُكِرَتْ حِلَّةٌ غَزَونَاهَا
أَو عَرَضَتْ عَانَةٌ مُفَزَّعَةٌ ... صِدْنَا بِأُخرَى الجِيادِ أُولاَهَا
(2/112)

أَو عَبَرَتْ هَجمَةٌ بِنَا تُرِكَتْ ... تَكُوسُ بَينَ الشُّرُوبِ عَقْراها
الحلة: البيوت المجتمعة تنزلها القبيلة من الأعراب في البادية، والعانة: القطيع من حمر الوحش، والهجمة: ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وكوس الدابة: أن تمشي على ثلاث قوائم، يقال من ذلك: كاست تكوس كوسا، وشروب: جمع شرب، وهم القوم يعكفون على الشراب.
فيقول واصفا لحاله، يبديه الذي قدم ذكره: أن أعشبت روضة وردناها غير متوقفين، ورعتها إبلنا وخيلنا غير مدافعين، لا نحذر غارة تطرقنا، ولا نخاف جماعة تنازعنا، وإن ذكرت لنا حلة من حلل العراب غير حلتنا، غزوناها غير مستبقين لها، وأتيناها موقعين بها. يشير إلى ما يتصرف فيه من العزة، وما هو عليه من الاستظهار والقوة.
ثم قال: أو عرضت لنا في خلال ما نحن عليه، عانة من حمر الوحش مذعورة مفزعة، مستنفرة مروعة. يشير بذلك إلى استفراغها لأنفسها في الجري، وبلوغها إلى غاية ما تستطيعه من العدو؛ طردناها طالبين، وتلوناها متبادرين، وقصدنا بأواخر خيلنا أوائلها، وبالمتأخرين من فرسانها سوابقها. فأعرب عن موضع خيله وخيول أصحابه من العتق، ومحلها من الكرم والسبق؛ لأن متأخرها بعفوه أدرك متقدم الحمر، مع ما بذل في العدو من جهده.
ثم قال: وإن عبرت علينا هجمة من الإبل ضربنا سوق كرائمها بسيوفنا، فكاست عقراها بين شروبنا، فعقرناها مطعمين متكرمين، كما صدنا ما طردناه من الوحش منعمين مقتدرين.
فَالخَيلُ مَطرُودَةٌ وَطَارِدَةٌ ... تَجُرُّ طُولَى القَنَا وَقُصراها
يُعجِبُها قَتلُها الكُمَاةَ ولا ... يُنظِرُها الدَّهرُ بَعدَ قَتلاها
الطولى والقصرى: بمعنى الطويلة والقصيرة، وكلاهما فعلى، من طال يطول
(2/113)

وقصر يقصر، بمنزلة الحسنى والسرءى، من حسن يحسن، وساء يسوء، والكماة: جمع كمي، وهو الذي يستر من شجاعته أكثر مما يظهر مأخوذة من كميت الشيء: إذا سترته، وينظرها: يمهلها.
فيقول: وخيلنا مطرودة وطاردة، ومطلوبة وطالبة، في قتال من تقصده، ومنازلة من تغير عليه وتعتمده، تجر ما طال من القنا لصحته وسلامته، وما قصر لتكسره في استعمال المطاعنة به. يشير إلى مداومته ومداومة أصحابه للحرب، وتنازعهم لشدة الطعن.
ثم قال مشيرا إلى خيله: يعجبها قتل من تقتله منك كماة الفرسان، ومشاهير الشجعان؛ لما لها في ذلك من الظهور والظفر، وما يتخلد لها من طيب الخبر، إلا أنها مع ذلك لا يمهلها الدهر فتطول مددها، ولا يتراخى عنها القتل فيتأخر أمدها. وقصد إلى قول بني الحارث بن عبد المدان.
وإنَّا أُنَاسٌ لا نَرَى القَتلَ سُبَّةً ... إذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنَا لَنَا ... وَتَكرَهُهُ آجَالُهم فَتَطُولُ
فأفتخر بإسراع القتل إلى أصحابه وإليه، وتوطينهم لأنفسهم عليه.
وَقَدْ رَأَيتُ المُلوكَ قَاطِبَةً ... وَسِرْتُ حَتَّى رَأَيتُ مَولاَها
وَمَنْ مَنَاياهُمُ بِراحَتِهِ يَأمُرُها ... فِيهمْ وَيَنهَاهَا
أَبَا شُجَاعٍ بِفَارِسٍ عَضدَ الدَّولَةِ ... فَنَاخُسرُو شَهنَشَاها
قاطبة: كلمة بمعنى المصدر، كأن الذي يقول: رأيت القوم قاطبة، يقول: رأيتهم عامة وجميعا.
فيقول: وقد رأيت الملوك محتفلا في رؤيتهم، وشهدتهم مستوعبا لجماعتهم، وسرت حتى بلغت إلى الملك الممدوح، فرأيت منزلته في المسميين باسمه، منزلة المولى من خادمه، والرئيس من تابعه، وعلمت أنه ملك الملوك لاشك فيه، وعظيم
(2/114)

العظماء لا خفاء عليه.
ثم قال: ورأيت منه الذي منايا الملوك براحته، وتصرفهم في الأمور على حسب إرادته، فمن أرضاه مكنت له السعادة جميع مقاصده، ومن أسخطه أورده الحين أخبت مارده. وهذه العبارة وإن لم تكن على نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
ثم قال، يريد الممدوح: أبا شجاع الذي أتيته بفارس، هذه البلدة الجليلة، والناحية المعظمة الكريمة، ثم أردف ذلك بقوله: فناخسرو شهنشاها، فأبان عنه بأسمه، وأتبعه برفيع من وصفه. والكلمتان فارسيتان، ومفهوم الوصف فيهما الإجلال والتعظيم، ومراد التفضيل والتقديم.
أَسَامِياً لَمْ تَزِدهُ مَعرِفَةً وَإنَّما ... لَذَّةٌ ذَكَرنَاهَا
تَقُودُ مُستَحسَنٌ الكَلاَمِ لَنَا ... كما تَقُودُ السِّحابَ عُظمَاها
هو النَّفِيسُ الَّذي مَواهِبُهُ ... أَنفَسُ أَموَالِهِ وَأسنَاهَا
العظمى من السحاب هي العظيمة، على وزن فعلى من العظم، وأسنى الأموال أرفعها قيمة.
فيقول فيما قدمه من أسماء الممدوح: تلك الأسماء لم تزده شهرة، ولا أفادته في الناس معرفة، لما عظمه الله من قدره، وأبانه من جلالته وفضله، ولكنه أجتلبها التذاذا بذكرها، وأعلن بها استكثارا من حسنها.
ثم قال: أن تلك الأسماء تقود مستحسن الكلام لنا وتتدقمه، وتشتمل عليه وتتضمنه، كما تقود العظمى من السحاب تواليها، وتتصل سائرها في النهوض بها.
ثم قال مشيرا إلى الممدوح: هو النفيس الذي عطاياه ومواهبه، ومكارمه وفواضله، أنفس مما يقتنيه ويدخره، وأرفع ما يستفيده ويكتسبه، يريد أنه لا يصون الأموال
(2/115)

على البذل، ولا يلذ بغير ما يظهره من الفضل.
لا تَجِدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ إذا ... انتَشَى خَلَّةً تَلاَفَاهَا
تُصَاحِبُ الرَّاحُ أَريَحِيَّتَهُ ... فَتَسقُطُ الرَّاحُ دُونَ أدنَاهَا
لو فَطَنَتْ خَيلُهُ لِنَائِلَةٍ ... لَمْ يُرضِهَا أَنْ تَرَاهُ يَرضاها
الانتشاء: السكر، والخلة: الوهن والنقصان، والراح: الخمر، والأريحية: اتساع الخلق والانبساط بالمعروف.
فيقول، وهو يريد الممدوح: لا تجد الخمر عند تناوله لها، وانتشائه بها، خلة في كرمه تتلافاها بالزيادة فيما قصر عنه، ولم تبلغ بطبيعته إلى الغاية منه؛ لأن جوده في حين صحوه، لا تمكن الزيادة فيه بسكره.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: يصاحب الخمر في حين سكره، وما تزيد عليه من أريحية كرمه في حين صحوه، فيسقط ما يبعث عليه طرب السكر عند أقل ما تبعث عليه طبيعته من الكرم والفضل، وأراد ما سبق إليه أمرؤ القيس حيث يقول:
وَتَعْرِفُ فيهِ مِنْ أَبيهِ شَمَائِلاً ... وَمِنْ خَالِهِ وَمِنْ يَزيدَ وَمَنْ حُجُرْ
سَمَاحَةَ ذا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفاَء ذَا ... وَنَائِلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
ثم قال: لو فطنت خيله لعموم بذله فيما يملكه، وسروره بما ناله؛ ما يوافقه ويستحسنه، لما أرضاها أن ترضيه بتقدمها في سبقها، وتروقه بما يشهده من تطهيمها وعتقها؛ لما يدعو إليه ذلك من تقصيرها في جملة ما يبذله، فيما يؤثره من الإنعام والفضل.
ثم أكد ذلك بقوله:
تَسُرُّ طَربَاتُهُ كَرَائِنَهُ ... ثُمَّ تُزِيلُ السُّرورَ عُقبَاهَا
بِكُلِّ مَوهوبَةٍ مُولولَةٍ ... قَاطِعَةٍ زِيرَهَا وَمَثْناهَا
تَعُومُ عَومَ القَذَاةِ في زَبَدٍ ... مِنْ جُودِ كَفِّ الأَمِيرِ يَغشَاهَا
(2/116)

الكرائن: الضوارب بالكران، وهو العود، الواحدة كرينة، والمولولة: المرأة التي ترفع صوتها داعية بالويل على نفسها، والزير والمثنى: معروفان من أوتار العود، والقذاة: اليسير من الأشياء تطفو في الكثير من الماء، والزبد: السير الشديد، او البحر الهائج.
فيقول: (تسر طرباته كرائنه) لما يرتجينه عنده من الحظوة، ويرتقبنه من الاختصاص والأثرة، ثم يعقب ذلك السرور منهن ما ينقله إلى ضده، ويحيله إلى غيره.
ثم قال مبينا لذلك: بكل موهوبة موهن، تدعو بالويل على نفسها، وتجزع لمفارقة ما تستحقه بخدمته من ارتفاع قدرها، فتقطع أوتار عودها متحزنة، وتنفذ في جملة هباته متأسفة.
ثم أشار إلى الكريمة المذكورة، فقال: تعوم عوم القذاة في جميل مواهبه، وتحفى في ما يبذله من عطاياه وفواضله، وتحل في ذلك محل القذاة في البحر، والخردلة في المهمة القفر، بما وصف به الممدوح، على أن ما حسن موقعه منه يخرجه الكرم بالهبة عنه.
تُشْرِقُ تِيجانُهُ بِغُرَّتِهِ ... إشرَاقَ أَلفَاظِهِ بِمَعنَاهَا
دَانَ لَهُ شَرقُهَا وَمَغرِبُها ... وَنَفسُهُ تَستقِلُّ دُنيَاهَا
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ مِلءُ ... فُؤادِ الزَّمانِ إحدَاهَا
تشرق: تضيء، والغرة: بياض في الجبهة وما أشرف من الوجه، ودان: اعترف بالطاعة، والهمم: جمع همة، وهي ما انعقدت النية على فعله من رفيع الأفعال.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: تشرق تيجانه بجمال وجهه، وتزهى ببهائه وحسنه، إشراق ألفاظه البديعة المتخيرة، بمعانيه الحكيمة المستصوبة، فأقترن له ما اختص به من جلالة المنظر، بما استضاف إلى ذلك من براعة المخبر.
(2/117)

ثم قال، وهو يشير إلى الدنيا، وأضمر ثقة ببيان ما قصد له: دان له شرقها ومغربها، على بعد ما بين الأمرين، وتراخي الأمد بين الغايتين، ونفسه تستقل الدنيا بجملتها، ولا يقنعها أن تنفرد بإمرتها، لما تتحققه من بيان فضله، وتتيقنه من انقياد الرئاسة لمثله.
ثم قال: تجمعت في فؤاده همم لا تتناهى رفعتها، ومقاصد في السيادة لا تتحصر جملتها، إحدى تلك الهمم تملأ فؤاد الزمان وتذعره، وتعجزه بما يحاوله وتبهره.
ثم قال مشيرا إلى همم الممدوح المذكورة:
فَإنْ أَتَى حَظُّهَا بِأَزِمِنَةٍ أَوسَعَ ... مِنْ ذَا الزَّمانِ أَبدَاهَا
وَصَارَتِ الفَيلَقَانِ واحِدَةً تَعثُرُ ... أَحياؤُها بِمَوتاهَا
وَدَارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ تَسجُدُ ... أَقمَارُهُ لأَبِهَاهَا
الحظ: الجد، والفيلق: الكتيبة الشديدة، والنيرات: السيوف والأسنة، استعار ذلك من أسماء الكواكب، والفلك هاهنا: حيث تدور الحرب، شبهة بمدار النجوم على ما قدمه من استعارة أسمها للأسنة والسيوف.
فيقول: فأن أتى حظ همم الممدوح المقرونة بالسعادة، المحروزة لغايات السيادة، بأزمنة هي أوسع من زمانه المشهور بما يقرب الله للممدوح من المراد، ويقربه بمقاصده من السداد، أبدى تلك الهمم وأظهرها، وصرفها فيما يحاوله وأعملها.
ثم قال مبينا لما قدمه: وصارت الفيلقان، من أصحابه والمقدمين على خلافه، فيلقا واحدا باستيلائه على المناصبين له، وتملكه لمرهم، يعثر الأحياء المتغلبون من أصحابه في جثث القتلى المصرعين من أضداده.
ثم قال مشيرا إلى السلاح ومجال الحرب: ودارت النيرات في فلك تسجد فرسان مغانيه، وتخضع زعماء مواكبه، وهم أقمار ذلك الموقف الطالعة، وكواكبه النيرة الثاقبة، لأبهاها وأرفعها، وأجلها وأكملها، يشير إلى أن الممدوح تخضع له في
(2/118)

حومة الحرب الأمراء، وتسجد له الشجعان والرؤساء.
ثم قال يريد الممدوح:
الفَارِسُ المُتَّقِي السِّلاَحُ بِهِ المُثنِي ... عَلَيهِ الوَغَى وَخَيلاها
لَو أَنكَرَتْ مِنْ حَيَائِهَا يَدُهُ ... في الحَربِ آثَارَهَا عَرَفنَاهَا
وَكَيفَ تَحفَى الَّتي زِيادَتُها ... وَنَاقِعُ المَوتِ بَعضُ سِيمَاها
الوغى: الحرب، سميت بذلك لارتفاع الأصوات فيها، وناقع الموت: كثيره وشديده، والسيما: العلامة.
فيقول، وهو يريد الممدوح: الفارس الذي يستكف السلاح بجلالته، ويتقي بإحجام الأبطال عن مواجهته، تثني عليه الوغى باستيلائه على جملتها، واستيفائه غاية حقيقتها، الذي يثني عليه خيلا الحرب من أصحابه وأضداده؛ فأما أصحابه فلاعتصامهم به، وأما أضداده فلاعترافهم له.
ثم قال: لو أنكرت يده آثارها في الحرب، وزيادتها على جميع الشجعان في الطعن والضرب، ترفعا عن التمدح بذلك، وحياء من استجلاب ذكره، لعرفناها بانفرادها دون مماثلة، وتوحدها من غير مشابهة.
ثم قال: وكيف تخفى أفعاله التي تزيد على ما تفعله الفرسان، وتقلل ما يفعله الشجعان، وناقع الموت المرتبط بها، ونفاذه في كل من يتعرض لها، بعض سيماها التي تخصها وتعينها وتظهرها للناس وتبينها.
لَو كَفَرَ العَالمونَ نعمَتَهُ لَمَا ... عَدَتْ نَفسُهُ سَجَايَاهَا
كالشَّمسِ لا تَبتَغِي بِمَا صَنَعَتْ ... مَنفَعَةً عِندَهُمْ ولا جَاهَا
العالمون: جميع الخلائق من الإنس والجن، والسجايا: الطباع، واحدتها سجية، والجاه: ارتفاع المنزلة في الناس.
فيقول مشيرا إلى الممدوح: لو كفر العالمون نعمته الجليلة الشاملة، وأياديه الرفيعة
(2/119)

الظاهرة، لما عدت نفسه سجيتها في الفضل، ومذهبها في إتيان الكرم والبذل؛ لأن نعمه ليست على سبيل الاستكثار من الشكر، وإنما هي على ما يضمنه عنه شرف الطبع.
ثم قال مؤكدا لما قدمه من وصف الممدوح، وما جبله الله عليه من عموم فضله، والتقدم في الإحسان بطبعه: أنه كالشمس التي تنير بخلقتها، وتريق الخلائق بجبلتها، ولا تبتغي عندهم جزاء تعتقده من الشكر، ولا منزلة تحوزها بجميل الذكر، وأن كرمه خلق جبل عليه، لا لعرض من الدنيا يرغب إضافته إليه.
الوَاسِعُ العُذرِ أَن يَتيهَ عَلَى الدُّنيَا ... وَأَبنَائِها وما تَاهَا
وَلَّ السَّلاطينَ مَنْ تَوَلاَّها ... والجَأ إليهِ تَكُنْ حُدَيَّاها
ولا تَغُرَّنَّكَ الإمارَةُ في ... غَيرِ أَميرٍ وَإنْ بِهَا بَاهَى
التيه: الكبر، وحديا السلاطين: الذي يساجلهم ويباريهم، والمباهاة: المكاثرة بجمال الحال.
فيقول: أن الممدوح في خلال من الرفعة، ومنزلة من الجلالة والمملكة، يوسعان عذره في التيه على الدنيا وأهلها، والأخذ في ذلك لنفسه (يفي) بحقها، ولكنه يؤثر التواضع ويألفه، وبجانب الكبر ولا يوافقه.
ثم قال: ول ما عدا الممدوح من السلاطين من اعتمدهم بقصده، وما إليهم بتأميله ووده، ودعهم وما آثروه، وسلم إليهم ما تخيروه، والجأ إلى الممدوح تكن موازنا لغيره من السلاطين بنفسك، ومباريا لهم بجلالة حالك، فخدمته تفيد أكثر مما استفادوه، وتتكفل بأوفر ما جاوزه من النعمة.
ثم قال: ولا تغرنك الإمارة ممن ينتحلها وليس باسم لها، ويتقلد أسمها دون أن يتحقق بها، مباهيا في ذلك غير منصف، ومغالطا بباطله غير معترف.
ثم قال مؤكدا لما قدمه:
(2/120)

فَإنَّما المَلْكُ رَبُّ مَملَكَةٍ ... قَدْ فَعَمَ الخَافِقَينِ رَيَّاهَا
مُبتَسِمٌ والوُجُوهُ عَابِسَةٌ ... سَلمُ العِدَى عِندَهُ كَهَيجَاهَا
النَّاسُ كالعِابِدِينَ آلِهَةً ... وَعَبدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّهَا
الملك والملك والمملكة: سلطان الملك، وفعم: بمعنى سد وملأ، والخافقان: المغرب والمشرق، والريا: الريح الطيبة، والسلم: الصلح، يقال بفتح السين وكسرها، فمن فتح أنث، ومن كسر ذكر، والهيجاء: الحرب، والآلهة: ما عبد من دون الله.
فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فإنما الملك الذي لا يجهل قدره، والمعظم الذي لا يدفع أمره، من كان كالممدوح رب مملكة، قد فعم الخافقين طيب ريحها، وسد ما بينهما تضوعها وفوحها.
ثم قال، وهو يريده: مبتسم عند شدة الحرب، والوجوه عابسة، والعقول لأهوالها طائشة، وهو لا يحفل بأمرها؛ لاستظهاره فيها، ولا يستوحش منها، لتيقنه بالقدرة عليها، فسلم أعدائه عنده كحربهم؛ لأنه يغلبهم، وطاعتهم كمعصيتهم؛ لأنه يستذلهم ويملكهم.
ثم قال: الناس المعتقلون غيره، كالعابدين آلهة في بعدهم عن رشدهم فضلالهم فيما آثروه بقصدهم، وعبده المتمسك بحبله، المقتصر بأمله على فضله، في صواب ما رآه وتخيره، وصحة ما اعتمد عليه وآثره، كالذي يوحد الله فيتمسك بالحق ويؤمن به، فلا يعدل في ذلك عن الصدق.
تم بحمد الله. . . . ابتداء الزيادة.
(2/121)

وقال أيضا يمدحه ويذكر شعب بوان:
مَغَانِي الشَّعبِ طَيبَاً في المَغَانِي ... بِمَنزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
وَلَكِنَّ الفَتَى العَرَبِيَّ فِيها ... غَريب الوَجهِ واليَدِ واللِّسَانِ
الشعب: ما انفرج بين الجبلين، وشعب بوان الذي ذكره: موضع معروف ببلاد فارس، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى، والربيع: الفصل الذي يكون بين فصل الشتاء وفصل القيظ، وهو حين يأخذ النهار في الزيادة، والليل في النقصان، وفي هذا الفصل من السنة يقوى النبات وتكثر الزهرات.
فيقول مشيرا إلى شعب بوان: مغاني هذا الموضع في سائر المغاني المألوفة، والمواضع المستحسنة المحبوبة، كالربيع في سائر فصول الزمان التي يفضلها ببهجته، وتألفه النفوس من بينها بجملته، وتظهر الأرض فيه بدائع نورها، وتتصرف الأبصار في غرائب حسنها.
ثم قال مشيرا إلى نفسه، وانقطاعه عند حلوله في تلك المغاني عن أبناء جنسه. ولكن الفتى العربي في هذه الأماكن غريب الوجه؛ بمخالفته الأعاجم من أهلها في الهيئة، غريب اليد؛ بمفارقته لهم في الكتابة والصنعة، غريب اللسان؛ ببعده في الإبانة واللغة.
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سَارَ فِيهَا ... سُلَيمَانٌ لَسَارَ بِتُرجُمَانِ
طَبَتْ فُرسَانَنَا والخَيلَ حَتَّى ... خَشِيتُ وَإنْ كَرُمْنَ مِنَ الحِرَانِ
الملاعب: مواضع اللعب والتجاول، والواحد منها ملعب، الجنة: جمع جني، والهاء لتأنيث الجمع، وسليمان: هو النبي صلى الله عليه وسلم، وسخر الله له الجن وفهمه لغاتها ولغات ما لا يتكلم من الحيوان، وطبت: صرفت وأمسكت، والحران: معروف.
فيقول مشيرا إلى شعب بوان، وإقفاره مع حسنه، واستيحاشه مع طيبه: وأن مغانيه ملاعب جنة، ومواضع عزلة، فلو سار فيها سليمان لواجه من الجن ما لا يفهم
(2/122)

لغته إلا بمترجم، ولا يتفسر له قوله إلا بمبين، مع أنه قد علم كلام النمل، وتفسرت له لغات ما لا ينطق من الحكل.
ثم ذكر أن تلك المواضع مع تباعدها عن الأسنة، وما هي عليه من الإقفار والوحشة؛ طبت فرسانه وخيلهم بجمالها وطيبها، وحببت إليهم الإقامة فيها ببهجتها وحسنها، حتى خشي على فرسانه التأخر عنه؛ لسرورهم بها، وعلى خيله الحران؛ لإيثارها لها.
غَدَونَا تَنفُضُ الأغصَانُ فيهِ ... عَلَى أَعرَافِها مِثلَ الجُمَانِ
فَسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرَّ عَنَّا ... وَجِئنَ مِنَ الضِّياءِ بِمَا كَفَانِي
وَألقَى الشَّرقُ مِنهَا في ثِيابِي ... دَنَانِيرَاً تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ
الجمان: أمثلة تؤخذ من الفضة كاللؤلؤ، واحدتها جمانة، والشرق: مطلع الشمس، والبنان: أطراف الأصابع.
فيقول: غدونا نسير في هذا الشعب الذي ذكره، بين أشجار متكاثفة الظلال، متدانية الأغصان، تنفض على أعراف خيلنا من الندى المستقر في أوراقها، عند اتصالنا بها وتحريكنا لها، قطرا يشبه الجمان في حسن منظره، ويماثله في صفاء جوهره.
ثم قال: فسرت بين تلك الأشجار، وقد حجبت عني الحر فما أتأمله، وأهدت إلي من الضياء بحسب ما أرغبه، وألقى الشرق على ثيابي من خلل تلك الأغصان، وفرج تلك الظلال لمعا من أنوار الشمس في هيئة الدنانير، تفر من بنان الأيدي فلا تدركها، وتسبقها عند الإيماء إليها فلا تلحقها. يشير إلى أن طريقه إنما كان بين أشجار متدانية، وحدائق متوالية، لا يتشكى الحر من سلك بينها، ولا يتوقعه من تفيأ ظلها.
لَهَا ثَمَرٌ يُشيرُ إليكَ مِنهُ ... بأشْرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أوَانِي
(2/123)

وَأَموَاهٌ يَصِلُّ بِهَا حَصَاهَا ... صَلِيلَ الحَلْي في أَيدِي الغَوَانِي
الثمر: حمل الشجر، والصليل: امتداد الصوت، والغواني: الشواب ذوات الأزواج، واحدتها غانية.
فيقول: أن للشجر التي قدم ذكرها ثمرا في غاية النضرة، وعلى أفضل ما يروق ويعجب من النعمة، يكاد ينذاب في فم آكله، ولا يتماسك في يد متناوله، كالشراب المستجد في غير إناء، والقائم بنفسه من دون وعاء.
ثم وصف المياه المطردة في تلك الغياض، والعيون المتفجرة بين تلك الرياض، فقال: أن تلك الأمواه يصوت حصاها عند تحريكها له، ويصل عند سيلانها به، تصويت جواهر الحلي إذا حركت، وعلى مثل حالها من الحسن والبهجة إذا تؤملت.
وَلَو كَانَتْ دِمَشقَ ثَنَى عِنَانِي ... لَبِيقُ الثُّردِ صِينِيُّ الجِفَانِ
يَلَنْجُوجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيفٍ ... بِه النِّيرانُ نَدِيُّ الدُّخانِ
يُحَلُّ بِهِ عَلَى قَلبٍ شُجَاعٍ ... وَيُرحَلُ مِنهُ عَنْ قَلبٍ جَبَانِ
دمشق: مدينة في الشام معروفة، واليلنجوج: العود الذي يتبخر به، والند: أخلاط من الطيب يجمع بالعنبر المذاب، ويستعمل ذلك في البخور، والجفان الصينية: جفان تتخذ من حنتم الصين، وهو أرفع ما يكون فيه الطعام.
فيقول: ولو كانت هذه المنازل دمشق، قاعدة الشام التي لم أزل أعتقد التفضيل لها، وأتخير الاستقرار بها، لثنى عناني عنها الممدوح الذي أقصده، والرئيس الذي أعتمده، الجاري على سير العرب في بذل الطعام، والاحتمال من ذلك على سنن الكرام، إلا أن ثرده لبيقة خاصية الصنعة، وجفانه صينية جليلة القيمة، وما يرفعه للضيفان من نيرانه يلنجوجي الوقود، وما يثور عن ذلك من الدخان ندي الوجود.
ثم قال: يحل زواره منه على قلب شجاع، متقدم في برهم، ويرحلون منه عن قلب
(2/124)

جبان محجم عن فقدهم. وطابق ما بين الشجاعة والجبن، وجرى جميع ذلك على غاية الحسن.
مَنازِلُ لم يَزَلْ مِنهَا خَيَالُ ... يُشَيِّعُنِي إلى النَّوبَندَجانِ
إذا غَنَّى الحَمَامُ الوُرقُ فِيهَا ... أَجَابَتهُ أَغَانِيُّ القِيَانِ
وَمَنْ بالشَّعبِ أَحوجُ مِنْ حَمَامٍ ... إذا غَنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ
وَقَدْ يَتَقارَبُ الوَصفَانِ جِدّاً ... وَمَوصُوفاهُمَا مُتَبَاعِدَانِ
الخيال: ما يتمثل في المنام مما تشتغل النفوس به، والنوبندجان: موضع من أرض فارس، والورقة: سواد في غبرة، والقيان: الإماءة المتزينات برفيع الصنع، والشعب: هو شعب بوان الذي قدم ذكره.
فيقول: أن المنازل التي ذكر حسنها، وأحتفل في وصفها، لم يزل يشيعه منها خيال يمتثله، وتذكر يتوهمه، إلى أن صار بالنوبندجان؛ وأشار بهذا إلى ما باشره بالشعب من المحاسن المعجبة، وما شاهده من الأمور المستغربة.
ثم قال: إذا غنت الحمام الورق في هذه المنازل، متداعية في أشجارها، مكثرة من التغريد على مجاري مياهها، أجابت تلك الألحان أغاني القيان المطربة، وأصواتها الندية المستحسنة.
ثم قال: ومن بالشعب المذكور من أهله وساكنيه، ومستوطنيه وعامريه، أحوج من الحمام إذا غنى وناح، إلى بيان ما يذكره، والتعريف بما يرجعه. يشير إلى لغات أهل تلك البلاد، قد غلبت عليها العجمة، وفشي فيها الاستغلاق واللكنة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى تلك الأغاني والنغم، مفارقة لما عهد من نظائرها في بلاد العرب: وقد تتفاوت الأوصاف وتتماثل، وتتدانى هيئتها وتتشاكل، وأعيان الموصوفات بها متفارقة متنائية، وبعيدة في حقائقها متباينة.
يَقُولُ بِشَعبٍ بَوانٍ حِصَانِي ... أعَنْ هذا يُسَارُ إلى الطِّعانِ؟!
(2/125)

أبُوكُمْ آدَمٌ سَنَّ المَعَاصِي ... وَعَلَّمَكُمْ مُفُارقَةَ الجِنَانِ
الحصان: الذكر من الخيل.
فيقول: أن فرسه الذي كان يحمله، ظهر عليه من التثاقل في الخروج عن الشعب، والنشاط إلى الاستقرار به، والحرص على الكون فيه، ما حل محل العاذل لراكبه، واللائم لمزعجه، حتى كأنه قال له: أعن هذه الجنات الظاهرة، والحدائق الملتفة الرائقة، يستعمل الرحلة إلى الملوك الذين لابد عندهم من الطعن والضرب، والطعان والمبارزة للأقرا؟! وكأنه خاطبه في عذله، وما تابع عليه من لومه بأن قال له: أنك من جماعة سن لهم أبوهم المسارعة إلى العصيان، والمفارقة للخلود في الجنان، فليس بعجيب ما تتخيره من التقصير بنفسك، وما تستهله من إتعاب جسمك.
فَقُلْتُ إذا رَأيتَ أَبَا شُجَاعٍ ... سَلَوتَ عَنِ العِبَادِ وذا المَكَانِ
فَإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَرِيقٌ ... إلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَانِ
لَهُ عَلَّمْتُ نَفسِي القَولَ فِيهِمْ ... كَتَعلِيمِ الطِّرادِ بِلا سِنَانِ
الطراد: التجاول في الميادين على الخيل، والسنان: الحديدة التي تركب في أعلى القناة، وبها يكون الطعن.
فيقول مجيبا لما نسبه من الخطاب إلى حصانه: إذا رأيت أيها الحصان الممدوح أبا الشجاع، الذي أريده وأقصده، وأؤمله وأعتمده، وتقلبت في ذراه، وأحاطت بك عوارفه ونعماه، سلوت عن هذا المكان، وحدث لك زهد في جميع الأنام.
ثم أكد ما قدمه بأن قال: فأن الناس باجمعهم، والدنيا المشتملة عليهم، طريق إلى من فات الناس بفضله، وبذهم بجلالة قدره، فليس له فيهم نظير يشبهه، ولا ثان يدانيه ويقاربه.
ثم قال: له علمت نفسي ما قدمته من مدح الأمراء، وما نظمته من الشعر في
(2/126)

الرؤساء، لألقاه من ذلك في غاية الدربة، وعلى أفضل ما يرغب في الشعر من النفاذ والقوة، وإنما كنت فيما تقدم لي من الشعر كمن يتعلم الطراد بقناة لا سنان لها، ومطاعنة لا يتأذى بها، فلما أرضاه موضعه من الإحسان، وتقدمه في ذلك الشان، بلغ بالطراد إلى غايته، وأستعمله من حقيقة الحرب في نهايته، وكذلك لما رضيت موضعي من الشعر، اعتمدت من فات أهل زمانه في جلالة القدر.
بِعَضدِ الدَّولَةِ امتَنَعَتْ وَعَزَّتْ ... وَلَيسَ لِغَيرِ ذِي عَضُدٍ يَدَانِ
ولا قَبضٌ على البِيضِ المَواضِي ... ولا حَظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللِّدانِ
دَعَتْهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء مِنهَا ... لِيومِ الحَربِ بِكرٍ أَو عَوَانِ
عضد الدولة: هو لقب فناخسرو، وخفف عضدا؛ لأن الضمة والكسرة تخففان في الثلاثي في مثل عضد وإبل، ذكر ذلك سيبويه، وربما قرءوا الكلمة على حسبها قبل التخفيف، وربما قلبوا الضمة والكسرة على ما قبلهما، فيقولون في عضد: عضد، وفي كتف: كتف. والبيض: السيوف، والسمر: الرماح، واللدان منها: كثيرة الاهتزاز، والحرب البكر: التي لم يكن قبلها حرب، والعوان: التي تكون بعد حرب، واستعار ذلك من صفات النساء، فالبكر منهن: التي لم تتزوج، والعوان: التي قد كان لها زوج.
فيقول: بالممدوح عضد الدولة امتنعت الدولة وعزت، وامتدت أطنابها وجلت، وفخمت على سائر الدول، وتواضع لها ملوك الملل، وما كان من الدول مما لم يكن فيه ممن يتغلب بها اللقب من رجال دعوتها، والمتصلين بجملتها، فليس لها يدان تبطش بقوتهما، وتبسط وتقبض بموضعهما؛ لأن اليدين إنما يتصرفان بالعضد، وهو لها أثبت سند. ثم أكد ذلك فقال: ومن لا عضد له فقد عدم حظه من أعمال البيض الصوارم، وتصريف السمر الذوابل. يشير إلى الترفيع بهذا اللقب، ويخبر أن له في السيادة أجل سبب.
(2/127)

ثم قال زائدا في تأكيد ما قدمه: دعته الدولة بمفزع أعضائها عند الشدائد، وعمدتها في الأمور العظائم، فكأن هذا اللقب إنما اشتق الممدوح من معناه، وأخبر عما تقلده في الدولة وتولاه.
فَمَا يُسمِي كَفَنَّاخُسرُو مُسمٍ ... ولا يُكْنَى كَفَنَّاخُسرُو كَانِ
ولا تُحصَى فَضَائِلُهُ بِظَنٍّ ... ولا الإخبَارِ عَنهُ ولا العِيَانِ
أُرُوضُ النَّاسِ مِنْ تُربٍ وخَوفٍ ... وَأرضُ أَبي شُجَاعٍ مِنْ أَمَانِ
يسمي: بمعنى يسمي، وهو ذكر الرجل بالعلامة التي يعرف بها، يقال سميته وأسميته، والكنية: معروفة.
فيقول: ما يسمي مسم، ولا يكني كان كفناخسرو في نفاذ أمره، وجلالة قدره، وانفراده بالمكارم، وبحمله للعظائم.
ثم قال: ولا تطمح الظنون إلى أن تحصي فضائله، ولا تبلغ الأخبار إلى أن تستوفي محاسنه، ولا يستوعب العيان ذلك ولا يدركه، ولا يأتي عليه ولا يستكمله، إذ هو واحد زمانه في جلالة الشأن، ومقدم أهله في علو المكان.
ثم قال: فإذا كانت أروض الملوك في زمانه من ترب متماثل، وخوف شامل لا يتباين، فأرضه من أمان ودعة، وأهلها في خفض وسعة، قد ضبطها بقوة سياسته، وسكنها بتعاهده ورعايته.
تُذِمُّ على اللُّصوصِ لِكُلِّ تَجرٍ ... وَتَضمَنُ لَلصَوارِمِ كُلَّ جَانِ
إذا طَلَبَتْ وَدَائِعُهُمْ ثِقَات ... دُفِعنَ إلى المَحَانِي والرِّعانِ
فَبَاتَتْ فَوقَهُنَّ بِلا صِحَابٍ ... تَصِيحُ بِمَنْ يَمُرُّ أَمَا تَرَانِي؟!
تذم: تجير وتعاهد، واللصوص: القاطعون للسبل، ومن يجري مجراهم، والتجر: جماعة التجار، يقال: تاجر وتجر، كما يقال شارب وشرب، والمحاني: معاطف الأودية، والرعان: أنوف الجبال، الواحد رعن.
(2/128)

فيقول: أن أبا شجاع الممدوح بحسن ضبطه، وقوة سلطانه، تذم أرضه على اللصوص للتجر، ويجيرهم من أذاهم في المهمه القفر، فيأمنون ضررهم بحسن رعايته، ويتصرفون دون مخافة في كنف حياطته، وتضمن الجناة لصوارم السيوف حتى تحكمها فيهم، وتعود بهم إليها حتى يبسطها عليهم ثم قال مؤكدا لما قدمه: فإذا طلب التجار لودائعهم ثقات يحفظونها، وذوي أمانات فيها يؤدونها، اكتفوا بمعاطف أودية بلاده، وأن بعدت، وبأنوف جبالها وأن إنفردت، لا يخاف التجار على أموالهم في أعماله عدوة ظالم،. . . ولا يحوزون مضرة لص خارب.
ثم قال مؤيدا لما ذكره: فتبينت تلك الأموال في القفار النازحة، وتهمل على أنوف الجبال الشامخة، والأيدي عنها منقبضة، ومضرات أهل الاستطالة دونها مرتفعة، حتى كأنها تهتف باللصوص مزرية عليهم، وتناديهم متقدمة بالوعيد إليهم.
رَقَاهُ كُلُّ أَبيَضَ مَشرَفِيٍّ لِكُلِّ ... أَصَمَّ صِلٍّ أُفعوانِ
وما يَرقِي لُهَاهُ مِنْ نَدَاهُ ... ولا المالَ الكرِيمَ مِنَ الهَوانِ
الأبيض المشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام تنسب إليها صوارم السيوف، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والصل منها: الشديد العادية، والأصم: الذي لا ينفع الرقي فيه، واللها: دفع العطاء، واحدتها لهوة.
فيقول: أن رقى الممدوح فناخسرو لكل قاطع سبيل، ضرره كضرر الصل الأفعوان، سيف صارم يهلكه به، وحتف عاجل يمكنه له.
ثم قال: وما يرقي الممدوح أبو شجاع أمواله من بذله، ولا يبقى على لهاه بتفريقه لها في تأكيد فضله، ولا يعصم كرائم أمواله من إصابته لها بالبذل، واستهلاكه إياها في سبيل الحمد والشكر.
حَمَى أطرَافَ فَارِسَ شِمَّرِيٌّ ... يَخُضُّ على التَّبَاقِي في التَّفانِي
بِضَربٍ هَاجَ أَطرَابَ المَنَايَا ... سِوى ضَربِ المَثَالِثِ والمَثَانِي
(2/129)

الشمري: النافذ الماضي من الرجال، والمثالث والمثاني: أوتار معروفة في عيدان الغناء.
فيقول: حمى أطراف بلاد فارس من الممدوح فناخسرو، شجاع صارم، نافذ عازم على استدامة السلامة والبقاء، باستهلال الهلكة والفناء؛ يريد: أنه يعتقد أن الإكثار من القتل في سبيل الحق يعود راحة شاملة، وسلامة لمن يلتزم الاستقامة دائمة.
ثم أكد ما قدمه، فقال: بضرب تطرب المنايا بأصواته، وترتاح عند حلول أوقاته، هو غير ضرب المثالث والمثاني المستعمل لتسلية المكروب، واستجلاب الفرح إلى القلوب.
كَأَنَّ دَمَ الجَمَاجِمِ في العَنَاصِي ... كَسَا البُلدَانَ رِيشَ الحَيقُطانِ
فَلَو طُرِحَتْ قُلُوبُ العِشقِ فيها ... لَمَا خَافَتْ مِنَ الحَدَقِ الحِسَانِ
العناصي: خصل الشعر، الواحدة عنصوة، الحيقطان: ذكر الدراج.
فيقول: كأن ما رفعه الممدوح فناخسرو من رؤوس اللصوص والقاطعين للسبل في أقطار بلاد فارس، وما صار في عناصي تلك الرؤوس من دمائها، وما أفضى إليه ذلك من إخافة المفسدين، وتأمين المستورين، مهد البلاد وأمنها، ووطأها وسكنها، حتى كأنها مفروشة بريش الدراج من الطير، الذي هو أوطأ فراش وألينه، وأوثر مهاد وأفضله.
ثم أكد ذلك فقال: لو طرحت في تلك البلاد قلوب العشاق، وهي أضعف القلوب منة، وأكثرها وقارا وروعة، لما خافت من الحدق الحسان، مع نفاذ الحدق عليها فيما تقصده، وقوتها فيما تدعو إليه وتوجبه. فأشار إلى فناخسرو، بقوة سلطانه، وشدة ضبطه لأعماله، أمن من المخاوف ما لا يؤمن مثله، وفعل في ذلك ما لا يتمكن لأحد فعله.
وَلَمْ أرَ قَبلَهُ شِبلَيْ هِزَبرٍ ... كَشِبلَيهِ ولا فَرَسَي رِهَانِ
(2/130)

أَشَدَّ تَنَازُعَاً أَصلٍ وَأشبَهَ ... مَنظَرَاً بِأبٍ هجانِ
وأكثَرَ في مَجَالِسهِ استِماعَاً ... فُلانٌ دَقَّ رُمحاً في فُلانِ
الهزبر: الأسد، والشبل: ولده، والرهان: المسابقة بالخيل، والهجان من الرجال: الكريم الفضل، والدق: الكسر.
فيقول: ولم أر قبل ورثة الممدوح فناخسرو شبلي أسد كشبلية، ولا متسابقين إلى مجد كولديه. يشير إلى أنه لما لقيه وأفضى إلى ما شاهده من عظم شأنه، وجلالة سلطانه، أبصر من ولديه من يحذو حذوه، ويمتثل فضله، ورآهما يتسابقان في المجد، ويجريان إلى إحراز غابات الحمد.
ثم قال، وهو يريده: أشد منهما تنازعا لأصل كريم يتلوان فضله، وأثبت شبها بأب جليل يمتثلان فعله، مقتفين لما خلده من المكارم، مستبقين إلى ما شيده من الفضائل.
وأكثر منهما استماعا في مجالسه، لما يتخابر به من أمور الحرب، وما ينسب إلى الأبطال من التقدم في الطعن والضرب، لا يصغيان إلا على مثل ذلك، مما يزيد في الإقدام والبأس، ويحمله تحفظه على قوة النفس.
وَأَوَّلُ دَايَةٍ دَأَيَا المَعَالِي ... فَقَدْ عَلِقَا بِهَا قَبلَ الأوَانِ
وَأَوَّلُ لَفظَةٍ فَهِمَا وَقَالا ... إغَاثَةُ صَارخٍ أَو فَكُّ عَانِ
وَكُنتَ الشَّمسَ تَبهَرُ كُلَّ عَينٍ ... فَكَيفَ وَقَدْ بَدَتْ مَعَهَا اثنَتَانِ؟!
الداية: الحاضنة التي تتولى تربية الولد دون أمه، والعاني: الأسير، وفكه: إطلاقه، وتبهر: بمعنى تغلب.
فيقول، وهو يريد ولدي الممدوح: وأول داية وليت تربيتهما، واتصلت بهما عند نشأتهما، معالي الأخلاق الذي غذتهما، وشراف الأفعال التي ألفتهما، فقد علقا ذلك قبل أوانه، وجريا على اكرم عادة في استحسانه.
(2/131)

ثم قال: وأول لفظة تفوها بذكرها، وأحاط علما بحقيقة أمرها؛ إغاثة صارخ يفزع إليهما، وفك أسير يقتصر بأمله عليهما، فلم يعرفا غير الفضل والإحسان، ولا عهدا غير التطول والإنعام.
ثم قال يخاطب الممدوح فناخسرو: وكنت الشمس منفردا بنفسك، متوحدا في جلالتك ومجدك، تبهر العيون ضياء وبهجة، وتغشيها كمالا ورفعة، فكيف الظن بك إذا قارنك شمسان نيرتان تقفوانك في الجلالة وتماثلانك، وتحكيانك في السياسة وتظاهرانك؟!.
فَعَاشَا عِيشَةَ القَمَرَينِ يُحيَا ... بِضَوئِهِمَا ولا يَتَحَاسَدانِ
ولا مَلَكَا سِوى مُلكِ الأَعادِي ... وَلاَ وَرثَا سِوَى مَنْ يَقتُلانِ
وكانَ ابنَا عَدوٍّ كاثَرَاهُ ... لَهُ يَاَءي حُروفِ أُنَيسَيَانِ
القمران: الشمس والقمر، تسميا بأخف الاسمين كما قيل العمران في أبي بكر وعمر رحمهما الله، وأنيسيان: تصغير إنسان على غير قياس، وياءاه ياء تصغير.
فيقول، وهو يريد ولدى فناخسرو: فعاشا عيشة القمرين في طول بقائهما، وبيان إعتلائهما، يحيا الأنام بنورهما، وتشرق الدنيا بضوئهما، ولا جعلهما الله يتحاسدان فيما منحهما من فضله، ووصل بهما ما أتاهما من جميل صنعه.
ثم قال: ولا جعلهما يستزيدان ملكا غير ملك من عاداهما وخالفهما، ولا أن يرثا مالا غير من أباداه من الأعداء بقتلهما، فلا يزالان ظاهرين على الممالك بإبادتهما لأربابهما، ومحثوثين على أموال أهل الخلاف بغلبتهما لأصحابها.
ثم قال: وجعل الله أبني من كاثراه من الأعداء، ومن نازعهما من أهل البغضاء، له كياءي حروف أنيسيان، يعودان عليه التصغير والذلة، ويجلبان إليه غاية الضعف والقلة.
دُعَاءٌ كالثَّنَاءِ بلا رياءٍ ... يُؤدِّيهِ الجَنَانُ إلى الجَنَانِ
(2/132)

فَقَدْ أَصبَحْتُ مِنهُ في فِرندٍ ... وَأصبَحَ مِنكَ في عَضبٍ يَمَانِ
وَلَولا كَونُكمْ في النَّاسِ كَانُوا ... هُذاءً كالكَلامِ بلا مَعَانِي
الفرند: وشيء السيف، وهو الأثر، والعضب: السيف الصارم، واليماني: الذي طبعه أهل اليمن، والهذاء: ما لا يعقل من الكلام.
فيقول: ودعائي الذي قدمته، كالثناء في حسنه، وصحة ما يتأدى من لفظه، لا رياء فيه، ولا سبيل للتصنع عليه، يؤديه مني ضمير خالص، ويتلقاه أيها الممدوح منك ضمير (مخلص).
ثم قال يخاطبه: فقد أصبحت منه في فرند يخبر عن كرم جوهرك، وشاهد عدل يبين عن شرف عنصرك، وقد أصبح منك في سيف صقيل صارم، وفي عضب يمان نافذ، يبدو عليه كما يبدو الأثر على السيف، فيخبر عن كرمه وعتقه، ويتقدم به على سائر جنسه.
ثم قال: ولولا كونك وكون بينك ورهطك ملوكا في عصركم، وأمراء على أبناء دهركم، لكان الناس كالهذاء من الكلام، الذي لا يعقل لفظه، ولا يعود على السامع له نفعه.
(2/133)

وقال يمدحه، ويذكر وقعة كانت مع وهسوذان بن محمد بالطرم؛ (حصن من حصون أذربيجان).
إثلِثْ فَأنَّا أَيُّها الطَّلَلُ ... نُبكِي وَتُرزِمُ تَحتَنَا الإبِلُ
أو لا، فلا عَتبٌ عَلَى طَلَلٍ ... إنَّ الطُّلُولَ لِمِثلِها فُعلُ
ثلث الواحد الاثنين: إذا صار ثالثا لهما، والطلل: ما أشرف من بقايا الديار، وإرزام الإبل: أصواتها بالرغاء عند الكلال، والعتب: الموجودة.
فيقول مستدعيا لإسعاد الطلل على ما هو بسبيله من الحزن، وما يذريه في رسومه الدارسة من الدمع: كن لنا ثالثا أيها الطلل في البكاء على ما غيرته الأيام من بهجتك، وأذهبته من غضارتك وجدتك، ووصلته من نأي أحبتنا العامرين لك، الجامعين لشمل السرور بك، فإننا نبكي فيك وإبلنا ترزم وتندب ساكنيك، ودموعنا تسجم.
ثم قال: أو لا، فلا عتب عليك في الخرس عن الجواب، والتأخر عن الإطلاب، فالطلول بمثل ذلك فاعلة، وهي في الاحتمال عليه متشاكلة.
لو كُنتَ تَنطِقُ قُلتَ مُعتَذِرَاً ... بِي غَيرُ ما بِكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ
أَبكَاكَ أنَّكَ بَعضُ مِنْ شَغَفُوا ... لَم أَبكِ أَنِّي بَعضُ مَنْ قَتَلوا
إنَّ الَّذينَ أَقَمتَ واحتملوا ... أَيَّامُهُمْ لِدِيارِهِمْ دُوَلُ
الشغف: إحراق الحب القلب، والدولة: مدة الإقبال.
فيقول، وهو يخاطب الطلل: لو كنت تنطق أيها الطلل، لقلت صادقا غير مكذب، ومعذورا غير مؤنب؛ إن الذي أشكوه وأظهره يقل عند ما تخفيه وتضمره، وأن دلائل ما تطويه من الأسف بادية، وشواهده وأن صمت مناديه، ولقلت: أني أبكي بكاء من شغفه الراحلون عنك بحبهم، وأوحشوه بما منعوه من قربهم، وأنك تبكي بكاء من قتلوه فلا حراك به، وأياسوه فلا رجاء في البقاء له.
ثم قال، يخاطب الطلل: أن الذين أقمت ورحلوا عنك، وبعدوا بجماعتهم منك،
(2/134)

أيامهم للديار التي يحتلونها، والمنازل التي يتخيرونها، دول سرور مستقبلة، وأيام جذل مستأنفة، والذي صرف عنك من ذلك يوحشك، وما منعت منه لا محالة يؤلمك.
الحُسْنُ يَرحَلُ كُلَّما رَحَلوا ... مَعَهُمْ وَيَنزِلُ حَيثُمَا نَزَلُوا
في مُقلَتَي رَشَأٍ تُدِيرُهُما ... بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بِهَا الحِلَلُ
تَشْكو المَطَاعِمُ طُولَ هِجرَتِها ... وَصُدُودِهَا وَمنِ الَّذي تَصِلُ؟
الحلة: البيوت المجتمعة للقوم النزول، والرشأ: الصغير من الظباء.
فيقول: الحسن يرحل مع الذين هاجه الحزن لرحيلهم، وينزل من المواضع بالمكان الذي ينزلونه، ولا يفارقهم انقيادا لهم، ولا يتأخر عنهم كلفا بهم.
ثم قال: وجماع ذلك الحسن الذي أرفع بوصفه، وأطنب فيما اجتلب من ذكره، في مقلتي رشأ تديرهما بدوية ساحرة الطرف، ناعمة ظاهرة الظرف، يفتن بها ما تأوي إليه من الحلل، ويقتضي بقربها غاية الأمل.
ثم قال: تشكو المطاعم الرفيعة طول هجرتها لها، ويوحشها قلة إلمامها بها، وكيف لها بتقلبها مع ما هي فيه من الترفه، ومن الذي تصله مع موضعها من الجلالة والرفعة؟!.
ما أَسَارَتْ في القَعبِ مِن لَبَنٍ ... تَرَكَتهُ وهو المِسكُ والعَسَلُ
قَالَتْ: أَلا تَصْحو؟ فقلت لَهَا: ... أَعلمتِنِي أَنَّ الهَوى ثَمَلُ
السؤر: ما يبقيه الشارب لغيره، والقعب: القدح الضخم، والثمل: السكر.
فيقول مخبرا عن التي وصفها بالحسن، وأخبر عنها بالدلال والدل: أن الذي أسأرته من اللبن بعد شربها، وغادرته في القعب بعد ملامستها بكفها، تركته وهو المسك في أرجه وفورجه، والعسل في حلاوته وطيبه.
ثم خاطبته فقالت: ألا تصحو عن الحب، وعما أنت بسبيله من اشتغال القلب؟!
(2/135)

فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى سكر يغلب على العقل، والممتحن به لا يصغي إلى الملامة والعذل.
لَو أَنَّ فَنَّاخُسرُو صَبَّحَكُمْ ... وَبَرَزْتِ وَحدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ
وَتَفَرَّقَتْ عَنكُمْ كَتَائِبُهُ ... إنَّ المِلاَحَ خَوادِعٌ قُتُلُ
الغزل: الكلف بأمور النساء، وشدة الحرص عليهن، والكتائب: مواكب الخيل المجتمعة، والوحدة كتيبة، والقتل: اللواتي يقتلن بحبهن، والواحدة: قتول.
فيقول لمحبوبته التي قدم وصفها: لو أن فناخسرو صبح بلادك بجموعه، وأعتمد ناحيتك بجيوشه، وبرزت وحدك، فأبديت له حسنك، ونظر إليك وقد سفرت عن وجهك، لعاقه غزل الحب عما استظهر به من الجموع للحرب.
ثم قال: ولتفرقت كتائبه عنكم، ويئست عما تحاوله منكم، فالملاح خوادع العقول، والكلف بهن من أسباب الذهول.
مَا كُنْتِ فَاعِلَةً وَضَيفُكُمُ ... مَلِكُ المُلُوكِ وَشَأنُكِ البَخَلُ
أَتَمنَعِينَ قِرىً فَتَفتَضِحِي ... أَمْ تَبذُلِينَ لَهُ الَّذي يَسَلُ؟
بَلْ لا يَحُلُّ حَلَّ بِهِ ... بُخلٌ ولا جَورٌ ولا وَجَلُ
ضيف القوم: الذي يأوي إليهم، والبخل: لغة في البخل، والقرى: ما يتكلف للضيف، والوجل: الخوف.
فيقول مخاطبا لمحبوبته: ما كنت فاعلة وضيفك ملك الملوك، وسيد السادة، وسبيل من حل به أن يظهر إجلاله وأعظامه، وأن يلتزم مبرته وإكرامه، وشأنك الإعراض والبخل، وخلقك التثاقل والكسل.
ثم قال: أكنت تمنعين من قراه، فتفضحي في فعلك، أم تسمحين بذلك فتخرجي عن المعهود من أمرك؟.
ثم قال: بل لا يحل بحيث حل من منازله، ولا يصير فيما يستقل به من مواضعه،
(2/136)

بخل يفارق في البذل، ولا جور يخالف مذهبه في العدل، ولا وجل يعترض فيما بسط الله به من الدعة والأمن.
إنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ قَبلَهُ عَجَزُوا ... عَمَّا يَسُوسُ بِهِ فَقَدْ غَفَلُوا
حَتَّى أَتَى الدُّنيا ابن بَجْدَتِها ... فَشَكَا إلَيهِ السَّهلُ والجَبَلُ
شَكوى العَلِيلِ إلى الكَفِيلِ لَهُ ... ألاَّ تَمُرَّ بِجِسمِهِ العِلَلُ
أبن بجدة الشيء: الذي يعلم باطنه، والكفيل: الضامن.
فيقول: أن الممدوح فناخسرو ساس الملك أحسن سياسة، وعمرت الأرض به أفضل عمارة، وأربى بإحاطته على الملوك المتقدمين، وزاد على سير الحكماء الأولين، فأن لم يكن من قبله من الملوك عجز عما أبداه في السياسة وأظهره، فقد قصر في أهمل ذلك وأغفله.
ثم قال: حتى تملك الدنيا منه ابن بجدتها، الخبير ببواطنها، ودبر أمورها، الرئيس الجليل البصير بمصالحها، فشكا إليه السهل والجبل ما لحقهما من الخلل، واستنهضاه إلى إزاحة ما نالهما من العلل.
ثم قال: شكوى العليل المنهوك بالعلة إلى الكفيل بالبرء والصحة، فداوى ما شكاه بثابت من علمه، ونهض فيما أملاه بمشكور من عزمه، وأمن القريب والبعيد من مكروه الضرر، وتلاف جميع ذلك بأجمل النظر.
قَالَتْ فلا كَذَبَتْ شَجَاعَتُهُ ... أَقدِمْ فَنَفسُكَ مَا لَهَا أَجَلُ
فَهوَ النِّهايَةُ إن جَرَى مَثَلٌ ... أَوْ قِيلَ يَومَ وَغىً مَنِ البَطَلُ؟
الوغى: الأصوات في الحرب، والبطل: المتقدم في الشجاعة.
فيقول: قالت شجاعته؛ فيما مثلته لنفسه، وانعقدت عليه حقيقة أمره، فلا أكذبها الله فيما ضمنته له من الفوزة، وصدقها فيما حسنته عنده من الجرأة: أقدم في حروبك، والسلامة مضمونة لك، وأشجع، فالغلبة مقرونة بك، فأجلك مؤخر لا
(2/137)

تحذره، والمكروه مصروف عنك فلا تتوقعه.
ثم قال: فإذا ضرب المثل بأعلام الفرسان، وهتف في الحروب بأبطال الشجعان، فهو الشجاع الذي لا يعدل أحد به، والبطل الذي تخضع رقاب الأبطال له.
عُدَدُ الوُفُودِ العَامِدِينَ لَهُ ... دُونَ السِّلاحِ الشُّكْلُ والعُقُلُ
فَلِشُكْلِهِمْ في خَيلِهِ عَمَلٌ ... وَلِعَقلِهِمْ في بُختِهِ شُغُلُ
تُمسِي على أَيدِي مَوَاهِبِهِ هِيَ ... أَوْ بِقِيَّتُها أو البَدَلُ
العقل: جمع عقال، وهو رباط البعير، والشكل: معروفة، والشكل واحدها شكال، والبخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي، والبدل: العوض.
فيقول: أن الوفود القاصدين إليه قد غنوا عن تحمل السلاح في بلاده، لما شمل أهلها من الدعة، وما عمها من السكون والأمنة، وأنهم لا يتحملون إلا بالشكل والعقل، متيقنين لما يختارون في هباته من الخيل وما يصير إليهم بها من البخت.
ثم قال مشيرا إلى صدق ظنون الوفود القادمين عليه فيما يشملهم به من الفضل، ويتابعه عندهم من الإحسان والبذل: فللشكل الذي يجلبونها عمل في خيله، وللعقل التي يتحملون بها نحوه تصرف في بخته.
ثم قال: تمسي تلك الخيل والبخت مقبوضة من قاصديه، محوزة في تملك مؤمليه، نافذة على أيد مواهبه، متصيرة عندهم في جمل فواضله، وأن سبق إلى بعضها المتقدمون من عفاته، والأولون من وفوده، كان لمن تلاهم من قصاده ما بقي من حملها، أو ما حل مما يعتاضه محل بدلها.
يَشتَاقٌ مِنْ يَدِهِ إلى سَبَلٍ ... شَوقَاً إلَيهِ يَنبُتُ الأسَلُ
سَبَلٌ تَطُولُ المَكرُمَاتُ بِهِ ... والمَجْدُ لا الحَوذَانُ والنَّفَلُ
وَإلى حَصَى أَرضٍ أَقَامَ بِهَا ... بِالنَّاسِ مِنْ تَقبِيلِهِ يَلَلُ
إنْ لم تُخَالِطْهُ ضَواحِكُهُمْ ... فَلِمَنْ تُصَانُ وَتُذخَرُ القُبَلُ
(2/138)

السبل: المطر المنسكب، والأسل: قني الرماح، وكل نبات يتشعب دون ورق فهو أسل، والواحدة أسلة، والحوذان والنفل: ضربان من النبات، والضواحك من أضراس الأسنان: ما ولي الأنياب وأتصل بالطواحن، والليل: قصر في الأسنان، وإذا وصف بذلك الرجل قيل رجل أيل.
فيقول: يشتاق إلى سبل يده التي تنسكب بالنعم، وتفيض بالآلاء والمنن، وينبت الأسل رغبة فيما يتصل بذلك السبل من الحكم، وما يتصرف به في الحرب والسلم.
ثم قال: سبل يطول به الكرم والمجد، ويكثر عليه الشكر والحمد، وليس ينبت به الحوذان والنفل، ولا ترتعيه الشاء والإبل.
ثم قال: ويكثر الشوق إلى حصى الأرض التي أقام الممدوح فيها، وآثرها وأستوطنها وتخيرها، فبالناس من تقبيل حصاها يلل يبدو ويظهر، ونقصان يتبين في ضواحكهم ولا يستتر.
ثم قال: وإذا لم تباشر الأفواه وضواحكها الحصى إعظاما للممدوح، وإجلالا لقدره، وقضاء بالخضوع لحقه، فلمن يذخر ذلك بعده، وعند من يرتقب الجزاء فيه من الناس إلا عنده؟!.
في وَجهِهِ مِنْ نُورٍ خَالِقِهِ قُدَرٌ ... هِيَ الآياتُ والرُّسُلُ
فإذا الخَمِيسُ أَبَى السُّجودَ لَهُ ... سَجَدَتْ لَهُ فِيهِ القَنَا الذُّبُلُ
وإذا القُلُوبُ أَبَتْ حُكومَتَهُ ... رَضِيَتْ بِحُكمِ سُيُوفِهِ القُلَلُ
القدر: جمع قدرة، والخميس: الجيش الكثير، والقنا: الرماح، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة.
فيقول: أن الله عز وجل أبقى على وجه الممدوح فناخسرو، من الإشراق والبهجة، والإجلال والمحبة، ما فيه دليل بين على القدرة، وتصديق لما أخبرت به الرسل
(2/139)

عن الله تبارك وتعالى من بالغ الحكمة.
ثم قال: فإذا الخميس توقف أهله عن أن يسجدوا له سجود الإذعان، ويعترفوا بطاعته اعتراف الإقرار، حكمت له القنا الذبل بما يرغبه، وانقادت لأوامره فيما يقصده، فكان ذلك منها كالسجود الذي يؤذن من يستعمله بالإنقياد، ويخبر عنه بالعدول عن مكروه العناد.
ثم قال: وإذا القلوب أبت من الإذعان لحكمه، وانطوت على (العصيان) لما يبغيه من أمره، حكمت السيوف بذلك (الضرب) على قللهم، وقومت ما يظهرون بالعصيان من ميلهم.
أَرَضِيتَ وَهسُوذَانُ ما حَكَمَتْ ... أَم تَستَزِيدُ؟ لأُمِّكَ الهَبَلُ!!
وَرَدَتْ بلادَكَ غَيرَ مُغمَدَةٍ ... وَكَأَنَّهَا بَينَ القَنَا شُعَلُ
والقَومُ في أَعيَانِهِمْ خَزَرٌ ... وَالخَيلُ في أَعيَانِها قَبَلُ
الهبل: الثكل، تقول العرب: لأم فلان الهبل، أي الثكل، والخزر: أن تميل حدقة العين إلى اللحاظ، وهو آخر العين، والقبل: أن تميل إلى الموق، وهو مقدم العين المتصل بالأنف.
فيقول مخاطبا لوهسوذان، بعد أن هزمه جيش ركن الدولة، وهو حسن بن بويه والد فناخسرو: أرضيت ما صنعته بك سيوف فناخسرو، لأن عسكر أبيه عسكره، أم تستزيد لأصحابك من القتل، ولنفسك من الخزي والذل؟ الهبل لأمك، والهوان والصغار لمثلك!.
ثم قال مشيرا إلى السيوف المذكورة: وردت بلادك مصلته غير مغمدة، ومعملة غير ممسكة، فكأنها بين الرماح شعل نار مضطرمة، وسرج تضيء متقدة.
ثم قال: وردت تلك السيوف بلادك، والرجال الممسكون لها غضاب، في عيونهم خزر، والتخازر من نظر المغضب من الرجال، والخيل في عيونها قبل، والقبل
(2/140)

تشاوس، وهو من نظر المغضب من الخيل.
فَأَتَوْكَ لَيسَ لِمَنْ أَتَوا قِبَلٌ ... بِهِمُ وَلَيسَ بِمَنْ نَأَوْا خَلَلُ
لَمْ يَدْرِ مَنْ بالرَّيِّ أَنَّهُمُ ... فَضَلُوا ولا يَدرِي إذا قَفَلوا
وَأَتَيتَ مُعتَرِفَاً ولا أَسَدٌ ... وَمَضَيتَ مُنهَزِماً ولا وَعَلُ
القبل: الطاقة، والخلل: الوهن في الأمر، والري: مدينة معروفة فيما بين أرض فارس وأرض خراسان، وهي كانت قاعدة ركن الدولة، والفصول: الخروج عن قاعدة الاستقرار إلى العدو، والقفول: الرجوع عن الغزو، والوعل: التيس البري. وحذف العائد على (من)، في قوله: (ليس لمن أتوا)، وهو يريد: أتوه، والعائد على (من) الثانية في قوله: (وليس بمن نأوا) يريد: نأوا عنه، وأسند إلى دلالة ما ذكره على ما حذف.
فيقول مشيرا إلى رجال عسكر ركن الدولة: فأتوك ليس لمن أتوه قبل بهم، وهو يريد وهسوذان وجيشه، وليس بمن نأوا عنه خلل يمنعهم، وهو يعني ركن الدولة وجمعه، وأشار إلى ركن الدولة من كثرة العدد، وسعة العمل، بحيث لا يحفل بمثل الجيش الذي فصل إلى وهسوذان عنه، ولا يلتفت إلى اقترابه منه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى ركن الدولة: لم يدر من بالري، أن الجيش الذي هزم وهسوذان فصل عنه؛ لقلتهم في جمعه، ولا درى أنهم قفلوا إليه؛ لتواضع مقدارهم في نفسه.
ثم قال، وهو يخاطب وهسوذان: وأتيت معتزما، ولا أسد في الإقدام يشبهك، ومضيت منهزما، ولا وعل في الفرار يلحقك.
تُعطِي سِلاحَهُمُ وَرَاحَهُمُ ... مَا لَمْ تَكُنْ لِتَنَالَهُ المُقَلُ
أَسخَى المُلوكِ بِنَقلِ مَملَكَةٍ ... مَنْ كَادَ عَنهُ الرَّأسُ يَنتَقِلُ
الراح: الأيدي، وهو جمع راحة.
(2/141)

فيقول مخاطبا لوهسوذان، وواصفا لهربه عن جيش ركن الدولة: تعطي سلاحهم وأيديهم من التحكم في جيشك، وبلوغ المراد من تريق جمعك، ما لم تكن العيون تطمح إلى رؤية مثله، ولا النفوس تطمع بإدراك نيله.
ثم قال: أسخى النفوس بنقل الممالك، وأشجعها على اقتحام المتالف، من جهل في ذلك ما يتقلده، ولم يعرف الحقيقة فيما يقصده، فأشرف على مثل ما أشرف عليه وهسوذان، من توقعه بمفارقة رأسه لجسده، واعتصامه بالفرار عن مملكته وبلده.
لَوْلاَ الجَهَالَةُ ما دَلَفْتَ إلى ... قَومٍ غَرِقْتَ وإنَّما تَفَلُوا
لا أَقبَلُوا سِرَاً ولا ظِفَروا غَدراً ... ولا نَصَرَتهُمُ الغِيَلُ
الدلوف: الزحف، والتفل: البصق، والغيل: جمع غيلة، وهو القتل على الغفلة.
فيقول: لوهسوذان: لولا جهلك بأمرك، وغلطك على نفسك، لما أقدمت على مزاحفة يوم بصقوا عليك فغرقوك، وأشاروا نحوك فأهلكوك. يشير إلى ركن الدولة وفناخسرو ورهطهما.
ثم قال يريدهم: لا يقصدون إلى الأعداء سرا ومخاتلة، ولا يظفرون بهم غدرا ومخادعة، ولا تعصر عليهم الغيل، ولا تستنقذ الأعداء منهم الحيل.
لاَ تَلْقَ أَفرَسَ مِنْكَ تَعرِفُهُ ... إلاَّ إذا ما ضَاقَتِ الحِيَلُ
لا يَستَحِي أَحَدٌ يُقالُ لَهُ ... فَضَلُوكَ آلُ بُوْيْهٍ أَوْ نَضَلُوا
قَدَروا عَفَوا، وَعَدوا وَفَوا، سُئِلُوا ... أَغنَوا، عَلَوا أعلَوا، وَلُوا عَدَلُوا
التناضل: المسابقة في الرمي، ويقال: نضل الرجل، إذا ظهر عليه لكثرة الإصابة.
فيقول مشيرا إلى وهسوذان: لا تلق أفرس منك على ظهور الخيل، وأنفذ منك في شدائد الحرب، إلا إذا ضاقت الحيل بك، وانقطعت طرق النجاة دونك، يعرض بوهسوذان في أنه تعرض لحرب ركن الدولة وأبنه فناخسرو، وهو عاجز عنهما، وترك الخضوع لهما، وهو غير بعيد من جميل عائدتهما، ولو إعترف لهما لقبلاه،
(2/142)

ولو استقام على طاعتهما لما قاتلاه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وما يستحي أحد من أن يقال له فضلك آل بويه ونضلوك، واستولوا عليك وغلبوك، فيعترف بالتقصير عنهم، ويجعل الإذعان وسيلته في أن يأخذ بخطه منهم.
ثم قال، يريد بني بويه: قدروا لعظم المملكة، فعفوا، وحمدت قدرتهم، ووعدوا من انقاد لهم بسعة الإفضال، فوفوا وأنجزوا عدتهم، وسئلوا التشريف بسلطانهم، والمشاركة في أموالهم، فأغنوا وشرفوا سائلهم، وعلت أحوالهم في الملك وجلالة الأمر، فأعلوا أقدار المتصلين بهم، ورفعوا منازل المؤملين لهم، واتصلت لهم ولاية أمور الناس، فشملوهم بالإحسان والمعدلة، ودبروا أمورهم، فعمهم ذلك التدبير بالمصلحة، فمن خالفهم فهو ظالم لهم، ومن ناصبهم فهو شديد الاغترار بهم. وهذا التأويل وأن لم تكن جملته في لفظ الشعر، فهو مفهوم منه، وغير خارج عند التأمل عنه.
فَوقَ السَّمَاءِ وَفَوقَ ما طَلَبُوا ... فَإذا أَرَادُوا غَايَةً نَزَلُوا
قَطَعَتْ مَكَارِمُهُمْ صَوَارِمَهُمْ ... فَإذا تَعَذَّرَ كاذِبٌ قَبِلُوا
لا يَشهَرُونَ عَلَى مُخَالِفِهِمْ ... سَيفَاً يَقُومُ مَقَامَهُ العَذَلُ
فيقول، وهو يريد بني بويه على توسع الكلام: فوق السماء منازلهم في العلو والرفعة، وأحوالهم فوق ما طلبوه لأنفسهم من جلالة الرتبة، فإذا أرادوا غاية بعدما بلغوه، لم يجدوا ذلك إلا بالتواضع عما أدركوه والتطأطؤ دون ما أحرزوه وشيدوه.
ثم قال: حكمت مكارمهم على سيوفهم؛ لشمول عفوهم، وعموم فضلهم، فإذا اعتذر إليهم كاذب قبلوا عذره، وإذا استجاز بتجاوزهم مخالف سهلوا بسعة حلومهم أمره.
ثم قال: لا يشهرون على من عارضهم سيفا في حرب، ولا يقصدون له بمساء وضر، مادام العذل يؤثر فيه، وحسن التبصير يحكم عليه، ولا يبعد عنه عفوهم إذا
(2/143)

استدعى فضلهم وعطفهم.
فَأبُو عَلِيَّ مَنْ بِهِ قَهروا ... وَأَبُو شُجَاعٍ مَنْ بِهِ كَمُلُوا
حَلَفَتْ لِذا بَرَكاتُ غُرَّةِ ذَا ... في المَهْدِ: ألاَّ فَاتَهُمْ أَمَلُ
أبو علي: حسن بن بويه، ركن الدولة، والد فناخسرو، وأبو شجاع: فناخسرو عضد الدولة أبنه.
فيقول، وهو يريد بني بويه: فأبو علي الذي قهروا أعداءهم بقوته، وأذلوا من خالفهم برفعته، واستظهروا على مطالبهم بجلالة منزلته، وأبو شجاع أبنه الذي كملت به مملكتهم، واستبانت على من خالفهم قوتهم، وانقاد لهم ما رغبوه، وأدركوا ما أملوه.
ثم قال، وهو يشير إلى أبي علي ركن الدولة: (حلفت لذا بركات غرة ذا)، وهو يشير إلى فناخسرو، وهو مستقر في مهده، وفي النهاية من صغر سنه، بما ظهر عليه من شواهد البركة والنجابة، ومخايل الإقبال والسعادة: لا يفوت الوالد منهما وولده، ومن كان منهما بقرابة، وجمعه وإياهما اتصال ولادة، أمل يحاولون البلوغ إليه، وألا يمتنع دونهم مراد يعولون بقصدهم عليه.
(2/144)

وقال أيضا يمدحه ويذكر وهسوذان:
أَزَائِرٌ يا خَيَالُ أَمْ عَائِد؟ ... أم عِندَ مَولاكَ أَنَّنِي رَاقِدْ؟
لَيسَ كما ظَنَّ غَشْيَةٌ عَرَضَتْ ... فَجِئتَنِي في خِلاِلهَا قَاصِدْ
الخيال: ما يطرق في النوم، فيمثل الشيء على المعهود منه، والعائد: المتفقد لأحوال العليل، والمولى: الولي على جميع وجوه الولاية، وخلال الشيء: أثناؤه وما اشتمل عليه.
فيقول: أزائر أنت أيها الخيال الطارق على الانتزاح والبعد، أم عائد لما يتيقن أني أقاسيه من الصبابة والوجد، أم عند مولاك الذي تدينه وتمثله، وتقربه وتظهره، أني رقدت فتعاهدني بزوره، وأكد ما بنفسي من ذكره؟.
ثم قال مخاطبا للخيال، ومشيرا إلى محبوبه الذي مثله له: ليس الأمر كما قدره مهديك؛ من أن تهويمي تهويم رقاد ودعة، وسكون وراحة، وإنما ذلك لغشية من الألم مذهلة، وغمرة من غمرات السقم مؤلمة، أتيتني في خلالها متفضلا بالقصد، ومبشرا عمن أحبه بإقامته على العهد.
عُدْ وَأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ ... أَلصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهِ النَّاهِدْ
وَجُدْتَ فِيه بِمَا يَشُحُّ بِهِ ... مِنَ الشَّتِيتِ المُؤشَّرِ البارِدْ
الثدي الناهد: الذي قد كعب، والشتيت: الثغر الذي ينفصل فيه ما بين الثنيتين والرباعيتين، والأشر: تحزيز يكون في أطراف الأضراس أول ما تنبت، ويصحب ذلك في مدة الشباب.
فيقول، وهو يخاطب الخيال: عد أيها الطيف وأعد تلك الغشية، وصل وأن جددت علي تلك الشدة، فحبذا تلف مثل لي عناق ذلك الثدي الناهد، وأدناني من ذلك الجسد الناعم.
ثم قال، على نحو ما قدمه: وحبذا تلف تجود لي فيه بما يشح به من أنت خياله الزائر، ومثاله المقترب الواصل، من تقبيل الثغر الشتيت المؤشر، البديع المنظر
(2/145)

والمخبر.
إذا خَيَالاتُهُ أَطَفْنَ بِنَا ... أضْحَكَهُ أَنَّنِي لَهَا حَامِدْ
وَقَال إنْ كَانَ قَدْ قَضَى أَرَباً ... مِنَّا فَمَا بَالُ شَوقِهِ زَائِدْ؟
لا أجحَدُ الفَضلَ رُبَّما فَعَلتْ ... ما لَم يَكُنْ فاعِلاً ولا واعِدْ
يقول: إذا طافت خيالات من نحبه زائرة، وأنستنا بأنفسها متدانية، فأحمدنا ما ننعم به من قربها، وما نسر به من تداني محلها، أضحكه ذلك وأعجبه، وألهاه كلفنا به وأستغربه.
ثم قال مخبرا عن محبوبه: وقال أن كان قضى أربا منا بالخيال الذي وصله، والطيف الذي تمثل له، فما له يجرع ولا يصبر، وكمده يزيد ولا يفتر؟!.
ثم قال: لا أدفع فضل خيالاته الطارقة، ولا أنكر الأنس بها، وأن لم تكن بالصادقة، فربما فعلت ما لا يسمح بفعله، وقربت ما لا يسعد على العدة بمثله.
ما تَعرِفُ العَينُ فَرْقَ بَينَهُمَا كُلٌّ ... خَيَالٌ وِصَالُهُ نافِدْ
يا طَفْلَةَ الكَفِّ عَبلَةَ السَّاعِدْ ... عَلى البَعِيرْ المُقَلَّدِ الواخِدْ
زِيْدي أَذّى مُهجَتِي أَزِدكِ هَوىً ... فَأجهَلُ النَّاسِ عَاشِقٌ حَاقِدْ
الطفلة الكف: الناعمة أصابع اليد، والعبلة: الغضة البضة، والساعد: ما بين المرفق والكف من الذراع، والوخد: ضرب سريع من مشي الإبل، والحاقد: الذي ينطوي على الضغينة.
فيقول: ما تعرف العين فوق ما بين الخيال ومرسله، والطيف الطارق وممثله، فكلاهما وصاله اختلاس يتوهم ولا يصدق، ويتذكر ولا يتحقق.
ثم قال مخاطبا لمحبوبته الذي يعتاده طيفها: يا طفلة الكف، البارعة الحسن، العبلة الساعد، الباعثة لي على الحزن، التي يخد بها البعير المزين بالقلائد لكرامته، المقدم في الإبل لنجابته.
(2/146)

ثم أكد ما قدمه، فقال يخاطب المذكورة: زيدي مهجتي من الأذى والوجع ببعدك، فأنني متزيد من الكلف بحبك، فأجهل الناس من يحقد على من يعشقه، وينكر ما يناله في ذلك من الألم، ويطرقه من السقم.
حَكَيْتَ يا لَيلُ فَرْعَها الوارِدْ ... فاحْكِ نَوَاهَا لِجَفنِيَ السَّاهِدْ
طَالَ بُكَائِي على تَذَكُّرِهَا ... وَطُلْتَ حَتَّى كِلاكُما وَاحِدْ
الفرع: الشعر، وفرع كل شيء: أعلاه، والوارد: السابغ الكثير، والساهد: الذي لا يرقد.
فيقول مخاطبا لليل: حكيت أيها الليل فرع التي أشبب بها في سواده وحلكته، وسيوغه وكثرته، فاحك نواها بانصرام مدتك وقلة إقامتك، لجفني الذي سهدته، وطرفي الذي أتبعته وأرقته.
ثم قال: طال بكائي على تذكر التي أحببتها، وطلت أيها الليل بسهري من أجلها، فكلاكما واحد فيما يبعث لي من الأسف، وما يضاعف علي من ألم الشغف.
ما بَالُ هذِي النُّجومِ حَائِرَةً ... كَأَنَّها العُميُ ما لَهَا قائِد؟!
أو عُصْبَةٌ مِنْ مُلُوكِ ناحِيَةٍ ... أَبو شُجَاعٍ عَلَيهِمُ واجِدْ
إنْ هَرَبُوا أُدرِكُوا، وإنْ وَقَفُوا ... خَشُوا ذِهابَ الطَّريفِ والتَّالِدْ
هذي: لغة في هذه، والعصبة: العشرة من القوم فما فوقهم إلى الأربعين، والحائر: المتردد في مكانه، والواجد هنا: المتغيظ. والطريف: المال الحديث، والتالد: المال القديم.
فيقول، وهو يشير إلى نجوم ليلته: ما بال هذه النجوم حائرة لا تنتقل، وثابتة لا تتزول، كأنها عمي لا قائد لها، ولا مرشد يسلك الطريق بهم.
ثم قال مؤكدا في تشبيه ما قدمه: أو كأن النجوم المذكورة عصبة من ملوك جهة من الجهات، قد أتهم أبو شجاع طاعتهم، وقابل بالتسخط جماعتهم فتيقنوا موجدته،
(2/147)

ولم يأمنوا عقوبته.
ثم قال مشيرا إلى الملوك الذين قدم ذكرهم، فهم أن هربوا أدركهم بسلطانه وقوته، وأن وقفوا خشوا ذهاب طارفهم وتالدهم بعقوبته.
فَهُمْ يُرجُّونَ عَفْوَ مُقتَدِرٍ ... مُبَارَكِ الوَجهِ جائِدٍ ماجِدْ
أَبلَجَ لَوْ عَاذَتِ الحَمَامُ بِهِ ... ما خَشِيتْ رامِيَاً ولا صَائِدْ
أَوْ رَعَتِ الوَحشُ وَهِيَ تَذكُرُهُ ... ما رَاعَهَا حابِلٌ ولا طَارِدْ
الماجد: الشريف الكريم، والأبلج: النقي ما بين الحاجبين، وذلك من صفات السادة، والحمام: ذوات الأطواق من الطير، وما جرى مجراها كالقماري والقطا والفواخت ونحو ذلك، والوحش: ما لا يستأنس من دواب البر، الذي يصيد الوحش بالحبالة، والطارد: الذي يصيدها بالمطاردة، والعائذ: المستجير.
فيقول، وهو يريد الملوك المشفقين من موجدة الممدوح: فهم يرجون عفو مقتدر لا يدافع إلا بالخضوع له، ولا يعارض إلا بإنزال الثقة به، ميمون مبارك العزة، كريم جواد الرحاة، ماجد مشهور الرفعة.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: أبلج لو عاذت الحمام بأمنه، واعتصمت بكنفه وظله، مع تولع الناس بصيدها، وتقوت جوارح الطير بها لضعفها، ما خشيت راميا يقصدها، ولا صائدا يخيفها ويعتمدها.
ثم قال على نحو ما قدمه: أو رعت الوحش معتصمة بذكره، منتسبة إلى رعايته وملكه، لما راعها حابل يصرعها مخادعة، ولا طارد يحتازها مغالبة.
تُهْدِي لَهُ كُلُّ سَاعَةٍ خَبَراً ... عَنْ جَحفَلٍ تَحتَ سَيفِهِ بائِدْ
وَمُوضِعَاً في فِتَانِ ناجِيَةٍ ... يَحمِلُ في التَّاجِ هَامَةَ العَاقِدْ
تهدي: تبعث، والجحفل: الجيش العظيم، والبائد: التالف، والموضع: والمجتهد في السير، والفتان: غشاء أحمر يتخذ للرحل، والناجية: الناقة السريعة، والعاقد:
(2/148)

المذكور الذي يعقد التاج على رأسه.
فيقول، وهو يريد الممدوح: تهدي له كل ساعة من ساعات أيامه فتحا يغبطه، وخبرا عن أوليائه يبهجه؛ يتضمن هلاك جيش من أعدائه، وظفرا يجدد الله لأوليائه.
ثم قال: وتهدي له ساعة رسولا يوضع ملتزما لفتان ناقة ناجية، مستعجلا من ناحية نائية، يتحمل رأس ملك قد عقد التاج على هامته، فأجتلب رأسه في التاج على راحلته.
نِلْتَ وَمَا نِلتَ مِنْ مَضَرَّةٍ وَهْسُوذَانَ ... ما نَالَ رَأَيُهُ الفَاسِدْ
يَبدأُ مِنْ كَيدِهِ بِغَايَتِهِ ... وَإنَّما الحَربُ غَايَةُ الكَائِدْ
فيقول مخاطبا لفناخسرو: نلت ما قصدت من الظفر بوهسوذان، وما بلغت منه باستلابك لملكه، وإيقاعك به وبجمعه، أكثر مما بلغه من نفسه، بسوء التدبير، وضعف نظره في عواقب الأمور، وما أصاره إليه فساد رأيه، ومذموم اختياره.
ثم بين ذلك فقال: يجعل غاية كيده أول أمره، وفاتحه ما قصده من العصيان أبعد جهده، فيبدر إلى الحرب وهو يضعف عن القيام بها، ويسارع إليها وهو عاجز عن الصبر لها.
ماذَا عَلَى مَنْ أَتَى مُحارِبَكُمْ ... فَذَمَّ ما اختَارَ لَوْ أَتَى وافِدْ
بِلا سِلاحٍ سِوَى رَجائِكُمْ ... فَفَازَ بالنَّصرِ وانثَنَى راشِدْ
يُقارِعُ الدَّهرُ مَنْ يُقارعُكُمْ ... عَلَى مَكَانِ المَسُودِ والسَّائِدْ
الوافد: الزائر، والمنثني: الراجع، والمسود: التابع، والسائد: المتبوع.
فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومشيرا إلى وهسوذان: ماذا على من تعرض لحربكم، وأقدم على المخالفة لأمركم، فذم ما تخير لنفسه، وتعرف أخبث العواقب في رأيه، لو أتاكم وافدا يستمطر فضلكم، وراغبا متصرفا على قصدكم.
(2/149)

ثم أكد ما قدمه، فقال: دون سلاح يتحملها سوى قوة الرجاء لكم، ولا عدة يتكلفها غير إنزال الثقة بكم، فيرجع ظافرا بما يطلبه، وينثني راشدا منصورا فيما يرغبه.
ثم قال: يقارع الدهر من يتعرض لحربكم، ويصرع كل من لا يتصل بحزبكم، ويأبى الله إلا أن يجعل السيد منكم، والمسود المغلوب من ينحرف عنكم.
وَلَيْتَ يَومَيْ فَنَاءِ عَسكَرِهِ ... وَلَمْ تَكُنْ دَانِيَاً ولا شَاهِدْ
وَلَمْ يَغِبْ غَائِبٌ خَلِيفَتُهُ ... جَيشُ أَبِيهِ وَجَدُّهُ الصَّاعِدْ
وَكُلُّ خَطِيَّةٍ مُثقَّفَةٍ ... يَهُزُّها مارِدٌ عَلَى مَارِدْ
سَوَافِكٌ ما يَدَعْنَ فَاصِلَةً بَينَ ... طَرِيِّ الدِّماءِ والجَاسِدْ
الجد: البخت، والصاعد: المتزايد، والخطية: قناة الرمح، تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف، والمثقفة: المقومة، والمارد: الشديد الجرأة، والجاسد: الدم اليابس.
فيقول مخاطبا لفناخسرو، ومخبرا عن وهسوذان: وليت يومي فناء عسكره اللذين فلت فيهما جيوشك حده، وفر بنفسه وحده، وكنت بعيدا عنه، ولم تكن في تلك المزاحفة دانيا منه، بل عصفت به رياح تدبيرك على البعد، وأذلته لأوليائك طوالع السعد.
ثم قال مبينا لما قدمه: ولم يغب عن مزاحفة عدوه من يخلفه في ذلك؛ جيش أبيه وجنده، وإقبال دولته وجده.
ثم قال: ويخلفه كل رمح خطي مثقف بيد كل مارد في الحرب، متصرف يحمله من الخيل ما يماثله في النفاذ والشدة، ويشاكله في الإقدام والجرأة.
ثم أكد ذلك فقال: سوافك للدماء، معتادة الإيقاع بالأعداء، تتبع طري الدماء بالجاسد، وسائلها بالراكد الجامد.
يا عَضُدَاً رَبُّهُ بِهِ العَاضِدْ ... وَسَارِيَاً يَبعَثُ القَطَا الهَاجِدْ
(2/150)

وَمُمطِر المَوتِ والحَيَاةِ مَعَاً ... وَأَنتَ لا بَارِقٌ ولا رَاعِدْ
إذا المَنَايا فَدَعوَتُها ... أُبدِلَ نُونَاً بِدالِهِ الحائِدْ
العضد: كناية عن القوة، وكان لقب فناخسرو عضد الدولة، والعاضد: المعين، والساري: الذي يسير بالليل، والهاجد: الساكن النائم، والسحاب البارق الراعد: الذي يكثر فيه البرق والرعد، والحائد: المنحرف، وإنما يريد الحائد عن الطاعة.
فيقول مخاطبا لفناخسرو: يا عضد الدولة، ربها قد عضدها به، وأحرز الفخر في ذلك له، ويا ساريا على أعدائه في الفلوات النائية، والمهامه النازحة، التي تنام القطا فيها لبعدها، وتنقطع عن الأنيس بمبلغ جهدها، وجيوشك تطرقها في تلك المواضع لحفلها، وتبعثها من أقاصيها بكثرة أهلها.
ثم قال، على نحو ما قدمه من مخاطبة الممدوح: ويا من يمطر الموت على أعدائه، ويمطر الفضل وأسباب الحياة على مؤمليه، وهو في الحالين لا يبرق ولا يرعد، ولا يتهدد، بل يسبق القول بفعله، وتصحبه السعادة والتأييد في جملة أمره.
ثم قال، وهو يريد الممدوح: إذا المنايا بدت ناصرة له على من خالفه، ومسعدة بما يقصده في من حاربه وناصبه، فدعوتها أن يبدل الحائد عن طاعته، والمنحرف عن جماعته بنون من دال أسمه، حتى يصير حائنا بهلاكه، وفناء عمره، كما كان حائدا عن الاحتمال على أمره.
إذا دَرَى الحِصنُ مَنْ رَمَاهُ بِهَا ... خَرَّ لَهَا في أسَاسِهِ سَاجِدْ
ما كانتِ الطِّرْمُ في عَجَاجَتِها ... إلاَّ بَعِيراً أَضَلَّهُ نَاشِدْ
تَسألُ أهلَ القِلاعِ عَنْ مَلِكٍ ... قَدْ مِسَخَتهُ نعامَةً شَارِدْ
الطرم: حصن معروف من حصون طبرستان، والناشد: الذي يهتف على الضالة.
فيقول، وهو يشير إلى جيوش فناخسرو، والمنايا التي يبعث فيها على الأعداء: إذا درى الحصن الذي تقصده تلك الجيوش، وتيقن الباعث لها، والمصرف لأمورها،
(2/151)

خر له ساجدا في أساسه قبل الحرب، وتداعى بالانهدام قبل تجشم الطعن والضرب، فكيف بنية الممدوح فيه مؤونة المنازلة، وبدر أهله إلى الخضوع بطاعته قبل تكلف المقاتلة؟!.
ثم قال: ما كانت الطرم؛ وهو حصن وهسوذان المتقدم الذكر، لما أحاطت به عجاجة تلك الجيوش، ودارت عليه كتائب تلك الجموع، إلا كبعير ظفر به (ناشده)، فتملكه دون مدافعة، ووصل إليه فأستحقه من غير منازغة. يشير إلى عجز وهسوذان عن منعه، ومبادرته إلى الفرار عنه بنفسه.
ثم قال مؤكدا، وهو يريد الطرم المذكور، ويشير إلى سرعة افتتاح جيوش والد فناخسرو لها، وعجز وهسوذان عن ضبطها: تسأل أهل القلاع التي تماثلها، والمعاقل التي تشابهها وتشاكلها عن وهسوذان ملكها، وقد مسخته بمفارقته لها، وانحطاطه عن الإمارة التي كان ينتحلها به، نعامة شاردا في المهامه القفرة، ومستأنسا فيها بالانفراد والوحشة.
تَستَوحِشُ الأَرضُ أَنْ تُقِرَّ بِهِ فَكُلُّهَا ... إنَّهُ بِهِ جَاحِدُ
فلا مُشَادٌ ولا مَشِيدٌ حِمىً ... ولا مَشيدٌ أَغنَى ولا شَائِدْ
أشدت البنيان وشيدته: إذا طولته وأعليته، والبنيان مشاد ومشيد، وشدته: إذا علوته بالشيد، وهو الجص والبلاط، والنبيان مشيد.
فيقول، وهو يريد وهسوذان: تستوحش الأرض من الإقرار به؛ لما عليه من الطلب، وتجحده بما يظهر فيها من الفرار والهرب، فكلها يدفعه ولا يتقبله، ويخيفه ولا يؤمنه.
ثم قال: فلم يحمه من الحصون ما ارتفع وطول، ولا عصمه من البنيان ما احكم وأتقن، ولا عاد إلا بالفرار على وجهه، وأن يطلب النجاة بذلك لنفسه.
فَاغتَظْ بِقَومٍ وَهْسُوذَ ما خُلِقُوا ... إلاَّ لِغَيظِ العَدُوِّ والحِاسِدْ
(2/152)

رَأوْكَ لَمَّا أَتَوكَ نابِتَةً ... يَأكُلُها قَبْلَ أَهلِهِ الرَّائِدْ
وَخَلِّ زِيّاً يُحَقِّقُهُ ... ما كُلُّ دَامٍ جَبِنُهُ عَابِدْ
وهسوذ: ترخيم وهسوذان في غير النداء، وذلك جائز في الشعر، والرائد: هو الذي يطلب المرعى لمن وراءه.
فيقول: فأغتظ يا وهسوذان من فناخسرو وأبيه وجماعتهما، بقوم ما خلقوا إلا ليغيظوا أعداءهم بقوة سلطانهم، ويشجوا حسادهم بترادف تفضلهم وإحسانهم.
ثم قال مشيرا إلى فناخسروا وأبيه وجيوشهما، ومن ورد على وهسوذان من قوادهما: رأوك احتقارا لك، وقدروك في قلة الاحتفال بك، بمنزلة المرعى الذي يستمحيه الرائد قبل أن يرد عليه من أرسله، ويستأهله قبل أن يلحق به الحي الذي وجهه؛ لأنك أهلكك طرف من جيشهما، واستولى عليك من لم يخش به من جمعهما.
ثم قال: وخل الملك والتزيي به، والترؤس والتعرض له، لمن يحقق ذلك بفخامته، ويوفيه شروط بمنصبه وجلالته، فليس كل من دمي جبينه ينسب إلى العبادة، ولا كل من انتحل الإمرة يقوم بشروط الرئاسة.
إن كَانَ لا يَعْمَدِ الأَمِيرُ لِمَا ... لَقِيتَ مِنْهُ فَيُمنُهُ عَامِدْ
يُقلِقُهُ الصُّبْحُ لا يَرَى مَعَهُ ... بُشرى بِفَتحٍ كَأَنَّهُ فَاقِدْ
الفاقد: الذي يفقد من يكرم عليه، يقال ذلك للرجل والمرأة.
فيقول، وهو يخبر عن فناخسرو، ويخاطب وهسوذان: إن كان لم يتعمد الأمير ما لقيت منه في افتتاح جيوشه لقاعدتك، وإيقاعهم بك وبجماعتك؛ لما قدر عليك من حين الاعتراف، وما تخيرت لنفسك من مكروه الخلاف، فيمنه اعتمد التحين لك، وصالك حتى نفذ الإيقاع بك.
ثم قال، وهو يريد فناخسرو يقلقه صباح يوم ولا يبشر فيه بفتح يقدم عليه،
(2/153)

وسرور بذلك يتجدد فيما لديه، حتى كأنه (فاقد) لما قد ألفه، وممنوع مما سكن إليه وعرفه.
والأَمْرُ لِلَّهِ رُبَّ مُجتَهِدٍ ... ما خَابَ إلاَّ لأَنَّهُ جَاهِدْ
وَمُتَّقٍ والسِّهامُ مُرسَلَةٌ ... يَحِيدُ عن حابضٍ إلى صَارِدْ
فَلا يُبَلْ قاتِلٌ أَعادِيَةُ ... أَقائِمٌ نَال ذَلِكَ أَمْ قَاعِدْ
المجتهد: الذي يستعمل في الشيء طاقته، والجاهد: الذي يستسهل في الشيء مشقته، والجابض في السهام: الذي يقع دون الغرض، والصارد: الذي ينفذ في الغرض، ويبل: بمعنى يبالي، حذفت الياء منه للنهي، والألف لكثرة الاستعمال على غير قياس، فقال: فلا يبل، ذكر ذلك سيبويه.
فيقول مشيرا إلى ما مكنه الله من فتح الطرم، والإيقاع بوهسوذان، دون استعمال ما كان يقتضيه مثل هذا الأمر الكبير من الأهبة، وما عهد في مثله من المؤن والكلفة: والأمر لله فيما ينفذه من الأمور ويمكنه، وما يمضيه فيها ويقدره، ورب مجتهد كان الاجتهاد سبب خيبته، ومرديا إلى تعذر بغيته، ورب مترفق في الطلب قد أدرك بعفوه ما لا يدركه المجتهد بجهده.
ثم قال على نحو ما قدمه: ورب متق للسهام في الحرب يحيد عن حابض متأخر ما كان يدركه إلى صادر نافذ يقضي عليه ويهلكه. يشير إلى أن وهسوذان لو اعتصم بالسلم، لتخلص مما أهلك به نفسه في تخير الحرب.
ثم قال مشيرا إلى فناخسرو وركن الدولة أبيه، وما مكنت لهما السعادة من الظفر بوهسوذان دون تعب ولا تمرن: فلا يبل من ظفر بأعاديه، وأدرك من ذلك غاية أمانيه، أنال ذلك عن تعب ومزاولة، أم قربه السعد له بأيسر محاولة. وجعل القيام والقعود كناية عن هذا التفسير.
لَيْتَ ثَنَائِي الَّذي أَصُوغُ فِدَى ... مَنْ صِيغَ فِيهِ، فإنَّهُ خَالِدْ
(2/154)

لَوَيتُهُ دُملُجاً على عَضُدٍ ... لِدَولَةٍ رُكنُها لَهُ وَالِدْ
الملج: ضرب من الأسورة يستعمله نساء الأعراب في أعضادهن.
فيقول: ليت ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة فداه، وكان مما يحذر عليه بدله، فأن ثنائي خالد لا ينفد عمره، ومحفوظ لا ينقطع ذكره.
ثم قال، وهو يريد شعره: لويته دملجا، والدملج من حلي العضد، على عضد دولة أبوه ركنها، والذي أورثه شرفها وفضلها، فهما متعاقبان في القيام بجملتها، متشاكلان فيما حازاه من جلالتهما ورفعتهما.
(2/155)

وقال في يوم الجلسان، وقد نثر عليهم الورد وهم قيام بين يديه حتى غرقوا فيه.
قَدْ صَدَقَ الوَردُ في الَّذي زَعَمَا ... أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَمَا
كَأنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ ... بَحْرٌ حَوَى مِثلَ مائِهِ عَنَمَا
الديم: السحاب الدائمة المطر، واحدتها ديمة، والمائج: الذي يدخل بعضه في بعض، والعنم: شجر من شجر السواك، لين الأغصان لا يعظم، وله زهر أحمر يشبه به وبأغصانه بنان النساء إذا اختضبن، وكنى به عن الورد على المماثلة.
فيقول مخبرا عنه، ومخاطبا لعضد الدولة: قد صدق الورد فيما زعمه من أمره، وأخبر به عن نفسه، أنك صيرت ما نثرت منه ديما واكفة، وأمطرت به سحائب مترادفة.
ثم قال مشيرا إلى الورد: فكأن الهواء من كثرته، وما اشتمل عليه من وفود جملته، بحر يحوي مثل مائه من العنم، وينسكب على مستمطره بالزهر المنسجم.
نَاثِرُهُ النَّاثِرُ السُّيُوفَ دَمَاً ... وَكُلَّ قَولٍ يَقُولُهُ حِكَمَا
والخَيْلَ قَدْ فَصَّلَ الضِّيَاعَ بِهَا ... والنِّعَمَ السَّابِغَاتِ والنِّقَمَا
فَليُرِنا الوَردُ إنْ شَكَا يَدَهُ ... أَحسَنَ مِنهُ مِنْ جُودِهَا سَلِمَا
يقول مخبرا عن الورد، ومشيرا إلى عضد الدولة: ناثره في مجالسه إكراما للأولياء، ناثر السيوف وقد تغشت بالدم في وقائعه، انتقاما من الأعداء، ومرسل القول حكما بالغة، ونوادر على وجه الدهر سائرة.
ثم قال، وهو الذي ينثر الخيل والضياع بها مفصلة، ومننه فيها على مؤمليه متبينة، ويشفع النعم على من والاه، كما يعتمد بالنقم من خالفه وناوأه.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: فليرنا الورد أن أنكر فعله، وشكا منه كرما وبذله، أحسن منه هيئة ومنظرا، وأكرم محتدا وعنصرا، قد سلم من جوده لضنانته به، ولم ينفد في مواهبه لإيثاره له.
فَقُلْ لَهُ لَسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْ ... وَإنَّمَا عَوَّذَتْ بِكَ الكَرَمَا
(2/156)

خَوْفَاً مِنَ العَينِ أَنْ يُصَابَ بِهَا ... أصَابَ عَينَاً بِهَا يُعَانُ عَمَى
يعان: يصاب بالعين.
فيقول: فلست أيها الورد أفضل ما نثرته يد عضد الدولة المنبسطة بالنعم، المنطلقة بالآلاء والمنن، وإنما عوذت بك كرمها من العيون الحاسدة، وتفاءلت له بالسلامة من الحوادث الطارقة.
ثم قال: وتخيرت ذلك حذرا من نظرة باغية، ونية على الحسد منطوية، أصاب عينا يعان بها صاحب تلك اليد، الذي هو عماد المجد، والمرتهن لضروب الشكر والحمد، عمى يبادرها ولا يمطلها، وتلف يعاجلها ولا يؤخرها.
(2/157)

وتوفيت عمة عضد الدولة، فقال يرثيها ويعزيه عنها:
آخِرُ ما المَلْكُ مُعَزّىً بِهِ ... هذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ
لا جَزَعَاً بَل أَنَفَاً شَابَهُ ... أَنْ يَقدِرَ الدَّهرُ عَلَى غَصبِهِ
لَو دَرَتِ الدُّنيا بِما عِندَهُ ... لاستَحيَتِ الأيَّامُ مِنْ عَتْبِهِ
الملك: الملك، خففت الكسرة منه، والكسرات والضمات تخفف في مثل هذا الموضع، والأنف: الحمية، والعتب: الموجدة.
فيقول: آخر رزء يعزى الملك به، ويعرضه الزمان له، هذا الرزء الذي أثر ما حدث منه في قلبه، وأهدى بمضضه في نفسه.
ثم قال: وليس ذلك المضض من عضد الدولة جزعا ورقة، ولكنه يبعث منه غضبا وأنفة، وإنكارا لأن يكون الدهر يسؤه في أهله، ويقدر في المفقودة على ما حاوله من غصبه، وفي هذا من التزيد فيما يدخل في باب الإفراط الذي تصف الشعراء الشيء فيه بما لا يمكن، إيذانا ببلوغ الموصوف إلى غاية ما يمكن.
ثم قال مشيرا إلى عضد الدولة: لو درت الدنيا بما عنده من الفضل، وما يصله في أهلها من التثبت والعدل، لاستحيت من التعرض لعتبه، وأن تطرقه أيامها بما يهدي الوحشة إلى قلبه.
لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذي ... لَيسَ لَدَيهِ مِنْ حِزبِهِ
وَأَنَّ مَنْ بَغدادُ دَارٌ لَهُ ... لَيسَ مُقِيماً في ذُرَى عَضبِهِ
وَأَنَّ جَدَّ المَرءِ أَوطانُهُ ... مَنْ لَيسَ مِنهَا لَيسَ مِنْ صُلبِهِ
الذري: الكنف والستر، والعضب: السيف القاطع، والجد: معروف، والصلب إشارة إلى الولادة.
فيقول: لعل الأيام تعتقد أن من بعد عن عضد الدولة من أهله فقد انقطع عن جملته وحزبه، فلذلك أخرجته في المفقودة عما عهده من تأديدها لسعده، وحفظ من إليه (ينسب) بما يمكنه من إقبال جده.
(2/158)

ثم قال على نحو ما قدمه: ولعل الأيام تعتقد أن من سكن بغداد وقطنها، وأستقر بها وأستوطنها (ليس ممن في كنفه، أو في حماية سيفه)، فأن البعد مع لصوق القرابة عضبة، والحلول بالمحل القريب من قلبه.
ثم قال مشيرا إلى الأيام: ولعلها تظن أن وطن الإنسان أقعد به من جده، وأن تباعده فيه يقطعه عمن يفارقه من أهله، فلذلك خالفت الأيام عضد الدولة في عمته المفقودة ببغداد، فلم يكتنفها ما يكتنف سائر أقاربه المستقرين بدار سلطانه، وموضع استيطانه، من نساء العمر، والتباعد بسعادته عن حوادث الدهر. وهذا على نحو الإفراط المتقدم الذي وصف فيه المعزى بما لا يمكن، إشارة إلى أنه قد بلغ في الإقبال غاية ما يمكن.
أَخَافُ أَنْ يَفطُنَ أَعداؤُهُ ... فَيُجفِلوا خَوفاً إلى قُربِهِ
لابُدَّ لِلإنسَانِ مِنْ ضَجعَةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضجَعَ عَنْ جَنبِهِ
يَنسَى بِهَا ما كَانَ مِنْ عُجبِهِ ... وما أَذَاقَ المَوتُ مِنْ كَربِهِ
الإجفال: الإسراع.
فيقول: أخاف أن يفطن أعداؤه لما يصحب المتصلين به من حفظ الله بجملتهم، وحراسته لجماعتهم، فيجفلوا مبادرين إليه، ويترادفوا وافدين عليه، رجاء في أن تحيط بهم سعادة قربه، والاعتصام بتداني محله.
ثم قال مبينا للصدق فيما قدمه، وكاشفا لقناع الحق فيما ظاهر به وموهه، ومخبرا بأن الموت لا منجا منه، ولا محيص لأحد عنه: لابد للإنسان من ضجعة بالمنية لا تقلبه عن جنبه، ولا تملكه شيئا من أمره، تطرقه بأجله، وتسلمه إلى ما قدمه من عمله.
ثم قال مخبرا عن الإنسان: ينسى بتلك الضجعة ما كان عليه من العجب، وما قاساه عند الموت من شدة الكرب، بما يشرف عليه من هول المطلع، وما يكتنفه
(2/159)

عند ذلك من الإشفاق والفزع.
نَحنُ بَنُو المَوتَى فَمَا بَالُنا ... نَعَافُ لابُدَّ مِنْ شُربِهِ؟!
تَبخَلُ أَيدِينَا بِأَرواحِنَا ... على زَمَانٍ هيَ مِنْ كَسبِهِ
فَهذِهِ الأرواحُ مِنْ جَوَّهِ ... وَهذِه الأجسَامُ مِنْ تُربِهِ
نعاف: نكره، يقال: عفت الشيء أعافه عيافة: إذا كرهته، والجو: الهواء.
فيقول: نحن بنو الموتى المطبوعون على الموت، والمخلوقون له، والمطروقون في الغدو والرواح (به)، فما بالنا نعاف ما لا بد لنا من الورود عليه، ونكره ما لا عاصم لنا من المصير إليه.
ثم قال: تبخل أيدينا بأرواحنا فيما نظهره من الشح بها، ونتكلفه في الصيانة لها، وإنما ذلك على زمان نشأت فيه على شرط الفناء، وصحبت أجسامها متيقنة لقلة البقاء، والزمان فيما يستوفيه منها كالطالب لكسبه والمسترجع لما تصرف في حفظه.
ثم قال مشيرا إلى أن الإنسان قطعة من هذه الدنيا الفانية الجملة، المطبوعة على قصر المدة: فليس في الحق أن ينكر جملته، ويتكره خلقته، فنفسه من جوها، وأول جسمه وآخره من تربها، والله عز وجل قد فطر على الموت بعد الحياة أهلها، وجعل إلى الزوال والانقضاء أمرها.
لَو فَكَّرَ العَاشِقُ في مُنتَهَى ... حُسنِ الَّذي يَسْبِيهِ لَمْ يَسبِهِ
لَمْ يُرَ قَرْنُ الشَّمسِ في شَرقِهِ ... فَشَكَّتِ الأنفُسُ في غَرْبِهِ
قرن الشمس: أول ما يطلع منها.
فيقول مؤكدا لما قدمه من أن أمور الدنيا صائرة إلى الزوال، مبنية على سرعة الانتقال: لو فكر العاشق في مآل الذي يسبيه بحسنه، ويفتنه بجمال خلقه، من الموت الذي يعدمه، ويفنيه ويغيره، لخفف ذلك ما استقر له بقلبه، ولحسن له السلو
(2/160)

عن حبه.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لم ير قرن الشمس ظاهرا عند إشراقه وطلوعه، وتزين الدنيا بتزيد نوره، فشكت الأنفس في أنه على عجل معدوم غارب، وظلام الليل له معاقب، وكذلك الدنيا ببهجتها سريعة النقلة، ومسرتها قصيرة المدة.
يَمُوتُ رَاعِي الضَّأنِ في جَهلِهِ ... مِيتَةَ جَالِينُوسَ في طِبِّهِ
وَرُبَّما زَادَ على عُمْرِهِ ... وَزَادَ في الأمْنِ عَلَى سَربِهِ
وَغَايَةُ المُفْرِطِ في سِلْمِهِ ... كَغَايَةِ المُفرِطِ في حَربِهِ
فَلا قَضَى حاجَتَهُ طالِبٌ ... فُؤادُهُ يَخفِقُ مِنْ رُعبِهِ
السرب: الطريق والمذهب، والسلم: الصلح، والخفق: شدة الاضطراب.
فيقول مخبرا بأن الموت لا يستدفع بحيله، ولا يمتنع منه بقوة، وأن العالم والجاهل يتساويان في الاستسلام له، ويتماثلان في الفناء به: يموت راعي الضأن فيما هو عليه من الجهل كميتة جالينوس مع منزلته من العلم والطب، على سبيل واحدة، وطريقة في العجز على استدفاع الموت واضحة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: وربما زاد الجاهل على العالم في طول العمر، وقصر العالم عنه في مداومته لصحبة الدهر.
ثم قال: وغاية المفرط فيما يجنح إليه من السلم، ويؤثر من الدعة بأشد العزم، كغاية المحارب المقدم على اقتحام المهالك، المستسهل لركوب المخاوف، في أن كليهما لا يفوت الموت، ولا يبعد عنه، ولا يدفعه ولا يعتصم منه، فلا بلغ الجبان بغية من حاجته، ولا ظفر بأقل مراد من إدراك إرادته، إذا كان فؤاده يخفق من خوفه، وهو عند أجله مدفوع إلى حتفه.
أَستَغفِرُ اللَّهُ لِشَخصٍ مَضَى ... كَانَ نَداهُ مُنتَهَى ذَنبِه
وَكَانَ مَنْ عَدَّدَ إحسَانَهُ ... كَأَنَّما أَسرفَ في سَبِّهِ
(2/161)

يُريْدُ مِنْ حُبِّ العُلاَ عَيشَهُ ... ولا يُرِيدُ العَيشَ مِنْ حُبِّهِ
يقول، وهو يريد المرثية: أستغفر الله لشخص مضى بالموت وفقد، وغيب في لحده وبعد، ونداه أقل خصاله، والذي يقع منه موقع الذنب؛ لتصاعده عند جليل خلاله.
ثم قال مشيرا إلى الشخص الذي كنى به عن المرثية: وكان من عدد عنده ما يوليه من الأفضال، وواجهه بما يتابعه من الإنعام، يواقع من يكرهه لذلك، (أي) كالذي يواقعه لترفعه عن الإمتنان، وإستقلاله لعظيم ما يوليه من الإحسان.
ثم قال مشيرا إلى الشخص المذكور: يريد العيش لما يكسبه من الحمد، ويعتقد فيه من الشرف والمجد، ولا يريده لاستدامة النعمة، والاغتباط برفاهية العيشة.
يَحسَبُهُ دافِنُهُ وَحدَهُ ... وَمَجدُهُ في القَبْرِ مِنْ صَحْبِهِ
وَيَظهَرُ التَّذكِيرُ في ذِكْرِهِ ... وَيُستَرُ التَّأنيثُ في حُجْبِهِ
أُختُ أَبي خَيرِ أَمِيرٍ دَعَا ... فَقَالَ جَيشٌ لِلقَنَا لَبِّهِ
يقول، وهو يريد الشخص الذي كنى به عن المرثية: يحسبه دافنه مفردا بنفسه، ومتوحدا في لحده، كسائر المقبورين، ومن سواه مم عهد من المدفونين، والمجد مدفون بدفنه، ومغيب معه في لحده.
ثم قال: ويظهر في ذكره التذكير بجلالة وصفه، وما ترفعه أفعاله من قدره، والتأنيث فيما تطويه الأستار من شخصه، وما تشتمل عليه الصيانة من حقيقة أمره.
ثم قال مشيرا إلى المرثية، وأنها عمة عضد الدولة: أخت أبي خير مليك تواضعت الملوك لقدره، وامتثلت الجماعات ما يرد عنه من أمره، ودعا فأجابت الجيوش الحافلة دعوته، وبادرت السيوف والرماح فيها تلبيته.
يا عَضُدَ الدَّوْلَةِ مَنْ رُكنُهَا ... أَبُوهُ والقَلبُ أَبُو لُبِّهِ
(2/162)

وَمَنْ بَنُوهُ زَينُ آبائِهِ ... كَأَنَّها النَّورُ على قُضبِهِ
فَخرَاً لِدَهْرٍ بِتَّ مِنْ أَهلِهِ ... وَمُنجِبٍ أَصبَحتَ مِنْ عَقبِهِ
اللب: العقل والإدراك، والنور: لغة في النوار، وعقب الرجل: ولده ومن يتناسل منهم، وبت: بمعنى أمسيت، والمنجب: الذي ينجب النجباء.
فيقول، وهو يخاطب فناخسرو: يا عضد الدولة الذي أبوه ركنها وعمدتها، وسيفها وعدتها، والقلب أبو العقل ودافعه، ومقر الإدراك وحافظه.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من نداء عضد الدولة: ومن بنوه بنجابتهم وفضلهم، وسيادتهم ومجدهم، زين آبائه الأولين، وسلفه الكرام المتقدمين، كأنهم النور على قضب الشجر، وما يبديه للروض مونق الزهر.
ثم قال: فخرا لدهر أمسيت ملكا في أهله، ولمنجب أصبحت أميرا مقدما من عقبه، انسلك وأنت عماد الكرم، وأنجبك وأنت المنفرد بالفواضل والنعم.
إنَّ الأَسَى القِرنُ فلا تُحيِهِ ... وَسَيفُكَ الصَّبرُ فلا تُنْبِهِ
ما كَانَ عِنْدِي أَنَّ بَدرَ الدُّجَى ... يُوحِشُهُ المَفقودُ مِنْ شُهبِهِ
الأسى: الحزن، والقرن: المثل في الشجاعة، والنابي: الذي لا يقطع، والدجى: جمع دجية، وهي القطعة من الليل، والشهب: النجوم، واحدها شهاب.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أن الحزن قرنك في هذه الرزية، فلا تغلبه على نفسك بقلة التجلد له، وسيفك الصبر الجميل فلا تفله وتنبه، بترك الاستمساك به، وأحتسب مصابك يعوضك الله بجزيل الأجر، وسلم لله فيه يثبك بكريم الذخر.
ثم قال: ما كان عدني أن بدر الدجى وهو يخلف الشمس بنوره وبهجته، ويتلوها بضيائه ورفعته، يوحشه ما يفقده من شبهه، وما يعدمه من النجوم المتصلة بقربه. يشير بذلك إلى أن منزلة المفقودة من عضد الدولة منزلة النجم من البدر، ومحلها بالإضافة إليه محل الوشل من البحر.
(2/163)

حَاشَاكَ أَنْ تَضعُفَ عَنْ حَمْلِ مَا ... تضحَمَّلَ السَّائِرُ في كُتْبِهِ
وَقَد حَمَلْتَ الثِّقلَ مِن قَبلِهِ ... فَأغْنَتِ الشِّدَّةُ عَنْ سَحبِهِ
يَدْخُلُ صَبْرُ المَرءِ في مَدْحِهِ ... وَيَدخُلُ الإشفاقُ في ثَلبِهِ
حاشاك: بمعنى أستثنيك وأعيذك، السحب: الجر، وثلب الناس: ذكر عيوبهم.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: أعيذك، وحاشاك، من أن تضعف عن الاستقلال بالرزء الذي استقل بتحميله الرسول الوارد عليك في كتبه، والقادم الناهض به نحوك على ثقله، وأن تجزع والصبر شيمتك، وأن تضعف والقوة نيتك.
ثم قال يخاطب عضد الدولة: وقد حملت الأثقال قبل هذا الرزء، فاستقللت بحملها، وأغنتك شدتك ومقدرتك عن تهيبها وسحبها، فضع هذا الحادث موضع ما كفيته من الخطوب بشكور الفعل، وما حزت بالصبر على ذلك من الشرف والفضل.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: يدخل صبر المرء في مناقبه ومدحه، ويدخل إشفاقه في معائبه وثلبه، فلا تختر أيها المعزى إلا أعلى المنزلتين، ولا تعدل بنفسك إلا (إلى) أرفع الصفتين.
مِثلُكَ يَثنِي الحُزْنَ عَنْ صَوبِهِ ... وَيَستَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَربِهِ
أَيَما لإبقاءٍ عَلَى قَلبِهِ ... أيَما لِتَسلِيمٍ على رَبِّهِ
وَلَم أَقُلْ مثلُكَ أعنِي بِهِ ... سِوَاكَ يا فَردَاً بِلا مُشبِهِ
يثني: يصرف، والصوب: الاندفاع والترادف، والغرب: واحد الغروب، وهي مجاري الدمع من العين، وأيما بفتح الهمزة وكسرها: بمعنى أما، وقال عمر بن أبي ربيعة:
رَأتْ رَجُلاً أيمَا إذا الشَّمسُ عَارَضَتْ ... فَيَضْحَى، وإيمَا بالعَشِيِّ فَيَحصَرُ
بإثبات الياء وفتح الهمزة وكسرها.
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة: مثلك في نفاذ عزمك، وسعة إحاطتك وعلمك،
(2/164)

يصرف الحزن عند تردافه، ويكفه بحسن السلو عند تكاثره، ويسترد الدمع عند تحرره، ويثنيه عن سبيله بجميل تصبره.
ثم قال على نحو ما قدمه، من مخاطبة عضد الدولة: أيما أن يستعمل السلوة مبقيا بذلك على نفسه، ومنزها عن ضعف الجزع لقدره، وأيما أن يفعل ذلك مرضيا لربه، ومسلما لما نفذ في رزيته من حكمه.
ثم قال مخاطبا لعضد الدولة: (ولم أقل مثلك) وأنا أريد غيرك وأعتقد أن سواك يشاكل قدرك، فأنت المنفرد بكل منقبة، السابق إلى غاية كل مكرمة، والأوحد في ملوك الزمان، والمنفرد فيهم بالتطول والإحسان.
(2/165)

وخرج أبو شجاع ومعه عدة للصيد، فكان يسير قدام الجيش يمنة وشأمة، فلا يطير شيء إلا صاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن يكون على عشرة فراسخ من شيراز، تحف به الجبال، والأرزن في غاب ومياه ومروج، فكانت الأيائل تصاد، ويقبل ببعضها تمشي والحبل في قرنه، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضائق، فإذا أثخنتها النشاب هوت من رؤوس الجبال إلى الدشت، فتسقط بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه، ومنها ما يذبح فيخرج نصول النشاب من كبده، فأقام بذلك المكان أياما على عين حسنة، وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه ويصف الحال، وأنشده في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة:
ما أَجدَرَ الأيَّامَ واللَّيَالِي ... بِأنْ تَقولَ مَا لَهُ وما لي؟
لا أَنْ يَكُونَ هكذَا مَقَالِي ... فَتىً بِنِيرانِ الحُروبِ صَالِي
مِنْهَا شَرَابِي وَبِهَا اغتِسَالِي ... لا تَخطُرُ الفَحشَاءُ لِي بِبَالِي
الصالي للنار: الذي يقاسي شدة حرها، والفحشاء: الإقدام على ما حرمه الله.
فيقول: ما أجدر الليالي والأيام، التي هي جماع الدهر، ومنها يكون التظلم في جملة الأمر، بأن تتشكاني مشفقة من تأثيري في جملتها، واقتداري على كف عاديتها، فتقول: ما له وما لي! متواضعة بذلك مستعفة، ومعتذرة إلي بذلك مسترضية، لا أن يكون ذلك مقالي، متوقعا لمضرتها، ومتشكيا لسوء صحبتها، قد شهدت مني فتى يصلي بنيران الحروب أنسا بها، ويجعلها شرابه وغسله؛ لقلة تهيبه لها، ولا تخطر الفحشاء بباله؛ لصدق عفته، ولا تتمثل له؛ لما هو عليه من مروءته.
لَو جَذَبَ الزَّرَّادُ مِنْ أَذيَالِي ... مُخَيَّراً لي صَنعَتَيْ سِربَالِ
ما سُمتُهُ سَرْدَ سِوَى سِروَالِي ... وَكَيفَ لا وإنَّما إدلالي
بِفَارِسِ المَجروحِ والشَّمَالِ ... أَبي شُجَاعٍ قاتِلِ الأبطَالِ
(2/166)

الجذب: المد، والزراد: صانع الدروع، والأذيال: أسافل الثياب، وما يقع منها على الأرض، واحدها ذيل، والصنعة: ما يحاول من العمل، والسربال: القميص، وقد يسمى بذلك الدرع على الاستعارة، وثنى الصنعة مشيرا إلى عمل السربالين من القميص والدرع، والسرد: مداخلة حلق الدرع بالنسج لها، والسروال: لغة في السرابيل، وهي عجمية معربة، والمجروح والشمال: اسما فرسين لعضد الدولة.
فيقول: لو جاذبني الزراد فضول ثيابي، حرصا على الاتصال بي، ورغبة في الموافقة (لي)، مخيرا في ثوب أصطنعه، وسربال أدرعه من صنعتي الحديد والكتان، وما أستظهر من ذلك على الأقران، ما سمته إلا سرد سروال أتأيده على العفة، وأستعين بذلك على ما أضمره من النية.
ثم قال: وكيف لا يكون ذلك؟! وإنما أدل فيه بموضعي من عضد الدولة، فارس المجروح والشمال، المنفرد بالإنعام والإفضال، قاتل الأبطال ببأسه وشدته، ومستعبد الأحرار بما يسبغ عليهم من نعمته.
سَاقِي كُؤُوسِ المَوتِ والجِريَالِ ... لَمَّا أَصَارَ القُفْصَ أَمْسِ الخَالِي
وَقَتَّلَ الكُرْدَ عَنِ القِتَالِ ... حَتَّى اتَّقَتْ بالفَرِّ والإجفَالِ
فَهَالِكٌ وطَائِعٌ وجَالِي ... وأقتَنَصَ الفُرسَانَ بالعوالِي
والعُتُقِ المُحْدَثَةِ الصِّقَالِ
الجريال من الخمر: الشديدة الحمرة، والجريال: صبغ أحمر يشبه الخمر به، والقفص: صنف من عجم طبرستان، والكرد: صنف من العجم، أصحاب أخبية وجولان، يشبهون بالأعراب، والإجفال: الاجتهاد في الهرب، والعوالي: الرماح، والعتق من السيوف: الصارمة الماضية، والمحدثة الصقال: التي تتعاهد بالتصنيع.
فيقول مشيرا إلى الممدوح عضد الدولة: ساقي كؤوس الخمر من أطاعه ووالاه، وساقي كؤوس الموت من عصاه وعاداه، فهو يلطف وينعم (على) أهل محبته
(2/167)

وطاعته، ويبيد ويتلف من تعرض لمخالفته.
ثم قال: لما أصار القفص، مع احتداد شوكتهم، وما كانوا عليه من كثرتهم وقوتهم، كأمس الذاهب، بسطوته عليهم، وتركهم حديثا يذكر بوقائعه فيهم، وقتل الكرد دون ما حاولوه من قتاله، وأهلكهم قبل تمكنهم فيما قصدوه من خلافه، سطا بهم فأجفلوا من مخافته هاربين، واقتدر عليهم فعاذوا بالفرار مستسلمين، وصيرهم ما بين هالك أتلفه التعرض لحربه، وطائع أنجاه التسليم لأمره، وجال هارب سار في الأرض على وجهه، قد لج في الفرار يطلب خلاصا لنفسه.
ثم عاد إلى الإخبار عن الممدوح، إلى عضد الدولة، فقال: وأقتنص، بعد إيقاعه بالقفص والكرد، فرسان أعاديه بعوالي رماحه، واعمل فيهم صوارم سيوفه، ودان له من قرب وبعد، وأطاعه من اعترف وعند، ولم يبق له مخالف يقصده، ولا عدو يناصبه ويعتمده.
سَارَ لِصَيدِ الوَحْشِ في الجِبَالِ ... وفي رَقَاقِ الأرضِ والرِّمالِ
على دِمَاءِ الإنسِ والأوصَالِ ... مُنفَرِدَ المُهْرِ عَنِ الرِّعَالِ
من عِظَمِ الهِمَّةِ لا المَلاَلِ ... وَشِدَّةِ الضَّنِّ لا الاستِبدَالِ
ما يَتَحَرَّكْنَ سِوَى انسِلالِ ... فَهُنَّ يُضرَبْنَ على التَّصْهَالِ
الرقاق من الأرض: اللينة الوطيئة، والرعال: قطع الخيل، والواحدة رعلة، لغة في الملل، والضن والضنة والضنانة والمضنة: لغات في الشح، والاستبدال: التصرف في صغائر الأمور، والانسلال في الحركة: المحاولة للاستتار بها، والتصهال: تفعال من الصهيل.
فيقول: أن الممدوح عضد الدولة لما استماح أعداءه بقوته، وقربت له آماله بما مكنه من سعادته، سار ليصيد الوحش المعتصمة بالجبال الشامخة، ويقصرها في أقاصي الفلوات النازحة، موطئا لخيله ورجاله ما سفكه من دماء الإنس في
(2/168)

وقائعه، وما انفصل من أوصال أعاديه في ملاحمه.
ثم وصف سير عضد الدولة في وجهته، فقال: أنه سار منفرد المهر عما يتبعه من رعال الخيل، ومتوحدا من جيوشه التي هي كقطع الليل، وذلك التوحد من عظم همته، وجلالته وهيبته، ولا لملال أدركه، ولا لسآمة لحقته، ولكنه يضن بالمواكبة، وتحميه منزلته عن المقاربة، فيتقدم جيشه ترفعا وعزة، وليس يتقدم تبذلا وقلة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يريد الخيل التي تتلو في سيرها عضد الدولة: فما يتحركن إلا انسلالا ومسارقة، ولا يتناجى فرسانها إلا سرارا ومخافته، فهي تضرب لهيبته على الصهيل، وتحمل عند مقاربته على الهدوء والتدليل.
كُلُّ عَلِيلٍ فَوقَهَا مُختَالِ ... يُمسِكُ فَاهُ خَشيَةَ السُّعَالِ
مِنْ مَطلَعِ الشَّمسِ إلى الزَّوَالِ ... فَلَم يَئِلْ ما طَارَ غَيرَ آلِ
وَمَا عَدَا فَانغَلَّ في الأدغَالِ ... وما احتَمَى بِالمَاءِ والدِّحَالِ
مِنَ الحَرَامِ اللَّحْمِ والحَلاَلِ ... إنَّ النُّفوسَ عَدَدُ الآجالِ
المختال: المعجب بنفسه، المتكبر في مشيه، ويئل: يرجع إلى موئل، والآلي: المقصر، والانغلال: الاستتار، والأدغال: الآجام، واحدها: دغل، والدحال: أنفاق كالأسراب في جوانب الآبار، واحدها: دحل.
فيقول: كل عليل على ظهور الخيل المقاربة لعضد الدولة، كبير في نفسه، مختال في حاله، لا يجهر بالسعال إن اعترضه، فاه من المهابة إن حدث له، يتكلف ذلك أكثر النهار، من وقت طلوع الشمس إلى وقت الزوال، إعظاما لعضد الدولة، وإجلالا لقدره، وتوقيرا له، وإكبارا لأمره.
ثم وصف حال الجيش المذكور فيما قصد لصيده، فقال: فلم يرجع إلى موئله ما اعترض من الطير، وإن كان الطيران غير مقصر، ولا نجا ما عدا من الوحش، وانغل في الأدغال فعل المتستر.
(2/169)

ثم قال: فصيد ما حرم لحمه وما حل، واحتيز ما كثر من ذلك وما قل، وللنفوس آجال تبلغها، ومدد في الحياة تستوفيها وتستكملها.
سَقيَاً لِدَشْتِ الأرزَنِ الطِّوَالِ ... بَينَ المُرُوجِ الفِيحِ والأغيَالِ
مُجاوِرَ الخِنزِيرِ والرِّئبَالِ ... دَانِي الخَنانِيصِ مِنَ الأشبَالِ
مُشتَرِفَ الدُّبِّ على الغَزَال ... مُجتَمِعَ الأضدادِ والأشكَالِ
كَأَنَّ فَنَّاخُسْرُ ذا الأفضَالِ ... خَافَ عَليهَا عَوزَ الكَمَالِ
فَجَاءَها بِالفِيلِ والفَيَّالِ
الدشت: موضع معروف في بلاد طبرستان، واسمه فارسي، والأرزن: شجر يطول ويعظم، والفيح: المواضع السهلة الواسعة، واحدها أفيح، والأغيال: جمع غيل، والغيل: أجمة الأسد، والخنانيص: جراء الخنازير، واحدها خنوص، والأشبال: جراء الأسد، واحدها شبل، والاشتراف: الإطلال، والعوز: العدم، والفيال: خادم الفيل.
فيقول: سقى الله دشت الأرزن الطوال، ونسب الموضع إلى الأرزن؛ لكثرة هذا الضرب من الشجر فيه، وكان مضطرب عضد الدولة في المتصيد الذي ذكره بهذا الموضع.
ثم ذكر أنه بين المروج الفيح السهلة، والأغيال الممتنعة الصعبة، وأن السباع تتقارب فيه وتتجاور، وتتوالد وتتناسل، وأن الخنانيص دانية من الأشبال، والدب لا يبعد من الغزال، يشير إلى خلاء هذا الموضع وعزلته، وبعده عن الإنس بجملته، فالأضداد والأشكال فيه متدانية، والسباع والظباء في أكنافه متسالمة.
ثم قال: كأن فناخسرو ممدوحه ذا الإحسان والفضل، والمتقدم في جلالة القدر، خاف على أصناف هذه السباع والوحوش، مع ما هي عليه من الكثرة، واتفاق الأضداد والأشكال فيها بالجملة، خلل النقصان، وأراد أن يحلها من التمام بأرفع
(2/170)

مكان، فجاءها بالفيال وفيله، وأردفهما بمقانب خيوله.
فَقِيدَتِ الأُيَّلُ في الحِبالِ ... طَوعَ وُهُوقِ الخَيلِ والرِّجالِ
تَسِيرُ سَيْرَ النَّعَمِ الأَرسَالِ ... مُعتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجذَالِ
وِلُدْنَ تَحتَ أَثقَلِ الأَحمَالِ ... قَدْ مَنَعَتهُنَّ مِنَ التَّفالِي
لا تَشرَكُ الأَجسَامَ في الهُزَالِ إذا ... تَلَفَّتْنَ إلى الأَظلاَلِ
أَرَينَهُنَّ أَشنَعَ الأَمثَالِ ... كَأَنَّما خُلِقْنَ لِلإخْلاَلِ
زِيادَةً في سُبَّةِ الجُهَّالِ ... والعُضْوُ لَيسَ نَافِعَاً في الحَالِ
لِسَائِرِ الجِسْمِ مِنَ الخَيَالِ
الأيل: جمع إيل، والوهق: حبل يثنى على صناعة تؤخذ به الدابة والإنسان، إذا رام من يقع فيه التخلص منه أشد عليه، والنعم: الإبل والشاء، والأرسال: المتتابعة، والأجذال: أصول الشجر يشبه بها قرون تلك الأيل، ومعتمة: مفتعلة من التعميم، والتفال: التفاعل من الافتلاء، وخبال الجسم: انحلاله وذوبه.
فيقول: فقيدت المسنة من الأيل في الحبال مغلوبة، وفي وهوق الفرسان والرجالة مملوكة، تسير سير النعم متتابعة، وتنقاد لما تحمل عليه متخاضعة، معتمة من قرونها فيما يشبه أصول الشجر العادية، وتتشعب تشعب الأغصان المثنية، فهي مولودة منها تحت أحمال مثقلة، ومتصرفة تحت آلات متعبة، وأن لم تكن كذلك في حين النشأة، فما لها إلى هذه الحال في حقيقة الخلقة.
ثم قال: قد منعتها تلك القرون من التفالي بعظمها، ولم تشرك أجسامها في هزالها وسمنها، فإذا التفتت إلى أظلالها رأت من أنفسها أبشع الأمثلة، ونظرت إلى الشخوص مفزعة، فكأنما ألزمت تلك القرون على سبيل الإذلال لها، وحملتها ليسب جميع الجهال بها.
ثم قال: والعضو إذا تفاحش أمره، وخرج عن المعهود قدره، فليس يمنع سائر
(2/171)

الجسم من خبال يطرقه، ولا يعصمه من اختلال يلحقه.
وَأَوفَتِ الفُدرُ مِنَ الأَوعَالِ ... مُرتَدِياتٍ بِقِسِيِّ الضَّالِ
نَواخِسَ الأَطرَافِ لِلأكفَالِ ... يَكَدْنَ يَنفُذْنَ مِنَ الآطالِ
لَهَا لِحىً سُودٌ بِلا سِبَالِ ... يَصلُحْنَ لِلأضْحَاكِ لا الإجلاَلِ
كُلُّ أَثِيثٍ نَبتُها مِتفَالِ ... لم تُغْذَ بالمِسْكِ ولا الغَوالِي
تَرضَى مِنَ الأدهَانِ بالأبوالِ ... وَمِنْ ذَكِيِّ المِسكِ بالدَّمَالِ
لَو سُرِّحَتْ في عَارِضَيْ مُحتَالِ ... لَعَدَّهَا مِنْ شَبكاتِ المَالِ
بَينَ قُضَاةِ السُّوءِ والأطفَالِ
الفدر من الوعل: التي قد أسنت وضخمت، والواحد فادر، والضال: شجر السدر البري، والآطال: الخصور، والواحد: أطل، والسلبتان: ما عن يمين الشفة العليا وشمالها من الشعر الممتد، والواحد: سبلة، والجمع: السبال، والأثيث من الشعر: الملتف الكثير، والمتفال: المنتن، والغوالي من الطيب: معروفة، والواحدة: غالية، والدمال: زبل الدواب.
يقول: وأوفت على عضد الدولة فيما صيد له، المسنة من الأوعال، وقرونها في طولها وكبرها، وتمامها وعظمها، كقسي الضال؛ منحنية على ظهورها، قد صارت الأوعال كالمرتدية لها، وأقبلت كالمشتملة بها، قد انعطفت منها على الأكفال، وكادت تنفذ من الخصور والآطال.
ثم زاد في صفة الوعول فقال: لها لحى سود وافرة دون سبال، تبعث على الضحك ولا تبعث على الإجلال، أثيثة منتنة، ريحها كريه، غاليتها وبانها الأبوال، ومسكها وطيبها الدمال، فلو سرح مثلها في عارضي شاهد محتال، لجعلها في طلب المال أوكد وسيلة، وفي التسبب إليه أمكن ذريعة، وللبس بها على قضاة السوء فيمن يلونه من الأطفال، ولبلغ من ذلك أبعد الآمال.
(2/172)

شَبِيهَةُ الإدبارِ بالإقبَالِ ... لا تُؤثِرُ الوَجهَ على القَذالِ
فاختَلَفَتْ في عَارِضِي نِبَالِ ... مِنْ أسفَلِ الطَّودِ وَمِنْ مَعَالِ
قَدْ أودَعَتْهَا عَتَلُ الرُّجَّالِ ... في كُلِّ كَبْدٍ كَبِدَيْ نِصَالِ
فَهُنَّ يَهْوِيْنَ مِنَ القِلالِ ... مَقْلُوبَةَ الأظلافِ والإرقَالِ
يُرِقِلْنَ في الجَوِّ على المَحَالِ ... في طُرُقٍ سَريعَةِ الإيصَالِ
يَنَمْنَ فيها نِيمَةَ الكِسَالِ ... على القُفِيِّ أَعجَلَ العَجالِ
لا يَتَشَكَّينَ مِنَ الكَلالِ ... ولا يُحاذِرنَ مِنَ الضَّلاَلِ
القذال: مؤخر الرأس، والعارض: ما علا من السحاب، والعارضان من النبال: كالسحابتين منها، والطود: الجبل، والمعالي منه: ما علا وأرتفع، والعتل: القسي الفارسية، والرجال: الرجالة، الواحد: راجل، كما يقال كاتب وكتاب، والكبد: معروفة، والنصال: جمع نصل، وهو الحديدة المركبة في السهم، وكبدها وسطها، وكبداها: عن يمين العين الناشر في وسط تلك الحديدة وشماله، ويهوين: يقلبن، والقلال: رؤوس الجبال، الواحد: قلة، والأظلاف من الوعول: كالحوافر من الدواب، والإرقال: ضرب سريع من مشي الإبل، فاستعار لانصباب الوعول من الجبال، والجو: ما إرتفع من الهواء، والمحال: فقار الظهر، والوحدة: محالة، والنيمة: هيئة النوم، والكسال: العاجزون عن الحركة، الواحد: كاسل، والقفي: جمع قفا، والعجال: جمع عاجل، والكلال: الإعياء، والضلال: العمى عن القصد.
فيقول، وهو يصف الوعول المصيدة: أنها يشبه إقبالها إدبارها في الوحشة، ولا يتباين ذلك في مكروه الخلقة، فوجوهها كأقفائها في الكره، وأواخرها كأوائلها في القبح.
ثم وصف إحاطة الهلع بها، واعتماد الرماة في خلال ذلك فقال: فاختلفت بين عارضين من النبل، وبين طائفتين مطالبتين لها بالقتل من أعالي الجبال وأسافلها،
(2/173)

ومن أواخرها وأوائلها، قد أودعت أكبادها قسي رجالة الرماة، أكباد يصال أيأستها من الحياة، فهن يهوين من رؤوس الجبال مستعجلة، مقلوبة أظلافها محولة، ترقل على محال ظهورها إرقال مكرهة، وتنصب في الجبل على ظهورها غير متخيرة، في طرق تسرع بها على القفي في إعجال العجل، ولا تتشكى مع ذلك ألم الكلال، ولا تحذر في انصبابها مكروه الضلال.
فكانَ عَنْهَا سَبَبَ التَّرْحَالِ ... تَشويقُ إكثَارٍ عَلى إقلالِ
فَوَحْشُ نَجدٍ مِنهُ في بَلبَالِ ... يَخَفْنَ في سَلمَى وفي قِيالِ
نَوافِرَ الضِّبَابِ والأورَالِ ... والخاضِبَاتِ الرُّبدِ والرِّئالِ
والظَّبْيِ والخَنسَاءِ والذَّيَّالِ ... يَسمَعْنَ مِنْ أَخبَارِهِ الأزوالِ
ما يَبعَثُ الخُرْسَ على السُّؤَالِ
الترحال: تفعال من الرحلة، والبلبال: وسواس الهموم، وسلمى وقيال: جبلان معروفان من جبال الحجاز، والضباب: صنف من الهوام تكون في بلاد العرب، واحدها ضب، والأورال: نحوها، والواحد ورل، والخاضبات: النعام التي أكلت الربيع فاحمرت سوقها، واحدها خاضبة، والربد: القفر (المربد) الألوان، والريال: صغار النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي الطويل الذنب، والأزوال: الحسان، واحدها زول.
فيقول: فكان سبب الرحلة عن صيد الأيل والوعول التي قدم ذكرها، إقلالها بكثرتها، وتشويقها إلى القلة منها بترادف جملتها.
ثم قال: فوحش نجد من الممدوح عضد الدولة في إشفاق ووجل على بعد الشقة فيما بينها وبينه، تخافه في سلمى وقيال، على تناء هذين الجبلين منه، وانتزاحهما بطول المسافة عنه، فضبابها وأورالها نافرة، ونعامها وريالها خائفة، وظباؤها وبقر وحشها فازعة، يسمعن من أخبار عضد الدولة العجيبة المستحسنة، وسطواته
(2/174)

المخوفة المتوقعة، ما يبعث الخرس على أن تبحث وتسأل، ويوجب لها أن تتروع وتحذر.
فُحُولُها والعُوذُ والمَتَالِي يَوَدُّ ... لو يُتحِفُها بِوَالِي
يَركَبُها بالخُطمِ والرِّحالِ ... يُؤمِنُها مِنْ هذهِ الأهوالِ
ويَخمُسُ العُشْبَ ولا يُبَالي ... وماَء كُلِّ مُسبِلٍ هَطَّالِ
الفحول: التي لم تحمل، والعوذ: التي تعوذ بها أولادها، والمتالي: نحو ذلك، والإتحاف: إهداء ما يستحسن، والخطم للإبل: كاللجم للخيل، وأستعارها للوحش، والرحال للإبل: كالسروج للخيل والإبل والبغال، واستعارها في هذا الموضع.
فيقول: فحول الوحوش وعوائذها ومتبوعاتها، تود لو يتحفها بوال يملكها، وحائط يصرفها، فيركبها بالرحال والخطم، ويثقفها بالأزمة واللجم، ويؤمنها من هذه الأهوال الحادثة، ويسكنها من روعات هذه الأخبار السائرة، ويخمس العشب؛ بأخذه الخمس مما ترعاه من العشب النابت، وما ترد عليه من ماء السحاب الهاطل، ولا تبالي ذلك ولا تكرهه، ولا تخافه ولا تحذره.
يا أَقدَرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ ... لو شِئْتَ صِدتَ الأُسدَ بالثّعَالِ
أو شِئتَ غَرَّقْتَ بِالعِدَى بالآلِ ... ولو جَعَلْتَ مَوضِعَ الإلاَّلِ
لآلِئاً قَتَلْتَ بالآلي ... لَمْ يَبقَ إلاَّ طَرَدُ السَّعالِي
في الظُّلَمِ الغائِبَةِ الهِلالِ ... على ظُهُورِ الإبِلِ الأُبَّالِ
فَقَدْ بَلَغَتْ غَايَةَ الآمالِ ... فَلَمْ تَدَعْ مِنهَا سِوى المُحالِ
في لا مكانٍ عِندَ لا مَنَالِ
السفار: المسافرون، وليس هذا الجمع واحد من لفظه، والقفال: الراجعون من سفرهم، الواحد: قافل، والثعال: الثعالب على الترخيم في غير النداء، والآل: السراب، وهو ما يتخيل في بطون الفلوات عند شدة الحر، مما يشبه الماء،
(2/175)

والإلال: الحراب، الواحد ألأة، واللآلي: الدر، واحدها: لؤلؤة، والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول التي تتمثل من الجن في الفلوات، والإبل الأبال: التي طال مكثها في المرعى، وهي لا تركب ولا يحمل عليها، وقد صارت كالمتوحشة، الواحدة آبل.
فيقول مخاطبا للممدوح عضد الدولة، ومشيرا إلى الوجهة التي وصفها في صيده، وإلى إنصرافه عنها: يا أكرم من سافر وقفل، وأفضل من حل ونزل، لو شئت بما حكم الله لك به من السعادة، وقصره عليك من الجلالة والسيادة، لصدت الأسد بالثعالب، انقيادا من جميع الحيوان لك، ولما امتنع عليك ذلك، لما وصله الله من التمكين بك، ولو شئت؛ لقدرتك على الأعداء، ونفاذ إرادتك في جميع الأشياء، لغرقت أعداءك بالآل، تيقنا منهم لقدرتك، ولغلبت أهل الجبر على شجاعتهم، خضوعا لهيبتك. وأن لم تكن هذه العبارة في نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.
ولو استعملت فيمن يقاتلك مكان الرماح النافذة، حسان اللآلئ الرائقة، لقتلت بها مع بعدها من القتل، ولبلغت بها غاية ما تقصده من الفعل.
ثم قال على نحو ما قدمه من مخاطبة عضد الدولة، والإشارة إلى الوجهة التي انصرف عنها من صيده: لم يبق لك بعد ما ذللت من ملوك البلاد، وبلغت فيهم من غاية المراد، وأظهرت من الاقتدار على الوحوش النافرة، والتملك لها في قلل الجبال الشامخة، غير طرد سعالي الجن التي تتمثل في الفلوات في حناديس الظلم، التي لها فيها أشد السطوات على ظهور الإبل المؤبلة التي لا تركب، فلو فعلت لحكم لك السعد في ذلك بأفضل ما ترغب.
ثم قال: فقد بلغك الله في مقاصدك غاية ما أملته، وقرب لك من ذلك أغبط ما حاولته، فلم تدع شيئا من الأشياء إلا ما يستحيل البلوغ إليه، ولا فاتك إلا ما لا
(2/176)

يشتمل الإمكان عليه.
يا عَضُدَ الدَّولَةِ والمَعَالِي ... النَّسَبُ الحَلْيُ وَأَنتَ الحَالِي
بِالأبِ لا الشَّنْفِ ولا الخَلخَالِ ... حَلياً تَحَلَّى مِنكَ بالجَمَالِ
وَرُبَّ قُبحٍ وَحُلىً ثِقَالِ ... أَحسَنُ مِنهَا الحُسْنُ في المِعطَالِ
فَخْرُ الفَتَى والأفعَالِ ... مِنْ قَبلِهِ بالعَمِّ والأخوَالِ
العضد: ما بين المنكب والمرفق، وهو عماد اليد التي بها يكون البسط والقبض، ولقب فناخسرو بعضد الدولة من هذا الاشتقاق؛ لنفاسة العضد في الأعضاء، والحلي: ما يتزين النساء به من الجوهر والذهب وما أشبه ذلك، ويستعار أسمه على المشابهة، والحلي: جمع حلية، وهي ما يتزين به من الحلي وغيره، والمعطال: المرأة العارية من الحلي.
فيقول مخاطبا فناخسرو: يا عضد الدولة! ويا عضد المعالي المنفرد في ذلك بالمجد، والحائز فيه لضروب الحمد، نسبك حلي لك بجلالته ورفعته، وأنت الحالي منه بفخامته وعلو منزلته، وأنت المتزين منه بالآباء السادة، لا بالشنف والخلخال والقلادة، وذلك الحلي يتحلى منك بما تنميه من مناقبك، وتزيد في جماله بمكارمك وفضائلك، ورب شرف لا يشيده وارثه، ولا يزينه بخصاله صاحبه، ورب قبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الحسناء المعطال مع البذاذة الظاهرة، وفخر الفتى بنفسه وأفعاله أوكد من فخره بأعمامه وأخواله، وتمام الشرف أن ينصر آخره أوله، ويزين حديثه متقدمه.
(2/177)

وقال عند وداعه لعضد الدولة:
فَدىً لَكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ نَدَاكا ... فَلا مَلِكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكَا
وَلَو قُلْنَا فَدىً لَكَ مَنْ يُسَاوِي ... دَعَوْنَا بِالبَقَاءِ لِمَنْ قَلاكَا
وآمَنَّا فِدَاكَ كُلَّ نَفسٍ ... وإنْ كَانَتْ لِمَملَكَةٍ مِلاكا
فديت الرجل فداء: إذا كنت وقاية له، وبدلا منه فيما يكرهه، وقليت الرجل أقليه قلى: إذا أبغضته، والمملكة: سلطان الملك، وملاك الشيء: عماده.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، وداعيا له: جعل الله فداءك من الملوك من يقصر عن نداك وفضلك، ولا يساويك في كرمك وجودك، فأن الملوك، إذا سمع الله هذا الدعاء فيك، ويفدونك بجملتهم، ويقونك المكاره بجماعتهم؛ لتحقيرهم عنك في مجدهم، وتواضعهم دون منزلتك وقدرك.
ثم قال: ولو دعونا بأن يفديك من يساويك ويماثلك ويوازيك، لكنا قد أحلنا في فدائك على معدوم لا يوجد، وأشرنا إلى مفقود لا يعهد، ولدعونا بالبقاء لمن يقليك ويكرهك، ويتجنبك ويحسدك.
ثم قال: وآمنا فداءك أنفس الخلق أجمعين، وملوكهم المترفعين، وإن كان في تلك النفوس ما هو ملاك مملكة، ومن ينفرد بعلو منزلة، فهم عند إضافتهم إليك، كالعوام الذين لا يحفل بهم، والسوق الذين لا حظ في السلطان لهم.
وَمَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُودَاً ... وَيَنصِبُ تَحتَ ما نَثَرَ الشَّبَاكَا
وَمَنْ بَلَغَ الحَضيضَ بِهِ كَرَاهُ ... وإنْ بَلَغَتْ بِهِ الحَالُ السُّكاكا
فَلَو كَانَتْ قُلُوبُهُمُ صَديقَاً ... لَقَدْ كَانتْ خلائِقُهُمْ عِدَاكَا
لأَنَّكَ مُبغِضٌ حَسَبَاً نَحِيفاً إذا ... أَبصَرْتَ دُنياهُ ضِنَاكا
يظن: يفتعل من الظن، أبدلت التاء من الظاء، لتقارب مخرجيهما، ثم أدغمت الظاء الأولى في الثانية كما قال زهير:
هُوَ الجَوَادُ الَّذي يُعطِيكَ نائِلَهُ ... عَفواً وَيُظلَمُ أحيانَاً فَيَظَّلِمُ
(2/178)

والحضيض: قرار الأرض، والسكاك: ما ارتفع من الهواء، وأفرد صديقا وهو خبر عن جميع؛ لأن العرب تفعل ذلك فيه، وفي أشياء مما يكون على وزن فعيل، نحو نعل خصيف، وريح خريق، ورجل صديق، يستوي في ذلك المذكر والمؤنث والجمع والواحد، والحسب: الشرف، والنحيف: الهزيل، والمرأة الضناك: الضخمة المتداخلة الخلق، فاستعار ذلك في الدنيا.
فيقول، وهو يخاطب عضد الدولة، مؤكدا لما قدمه: ولامنا فداءك من الملوك من يظن قليل العطاء جوادا بالغا، ويرصد لمن يبذل له ذلك حتفا قاصدا، تكرها للجود وفعله، ومنافرة للكرم وأهله. وضرب لقلة العطاء مثلا بنثر الحب، وبنصب الشباك لما يبغي بها ناثرها من الكيد.
ثم قال على نحو ما قدمه، مخاطبا لعضد الدولة: ولآمنا فداءك ملوكا قد بلغ الحضيض بهم قصر أفهامهم، وتأخر إدراكهم، وأن كانت أحوالهم قد بلغت بهم السكاك في العلو والرفعة، والتمكن والحظوة.
ثم قال يخاطبه: فلو كانت قلوبهم تعتقد مودتك، وضمائرهم تخلص طاعتك، لعادوك بلؤم خلائقهم، ولأمحضوك مذموم مذاهبهم.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: لأنك مبغض من الولاة من دنياه ضناك قوية، وأوليته نحيفة دنية، فهو يتشبه بأهل الشرف، ويقعد به في ذلك لؤم السلف.
أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمْتَ على فُؤادِي ... بِحُبِّكَ أَنْ يَحُلَّ بِهِ سِواكا
وَقَدْ حَمَّلْتَنِي شُكْرَاً طَويلاً ... ثَقِيلاً لا أُطِيقُ بِهِ حَرَاكا
أُحَاذِرُ أَنْ يَشُقَّ على المَطَايَا ... فلا تَمشِي بِنَا إلاَّ سِوَاكَا
الرواح: السير بعد ذهاب صدر النهار، والختم: الطبع على الشيء، والحراك: لغة في الحركة، يقال: حرك الشيء يحرك حراكا وحركة، والسواك: ضعيف من مشي الإبل.
(2/179)

فيقول لعضد الدولة: أروح عنك وقد ختمت على قلبي بحبك، واستخلصته بما ترداف علي من برك، فلم يدع حبك فيه لغيرك مكانا ينزله، ولا أفضلت لسواك نصيبا يتناوله.
ثم قال: وقد حملتني من شكرك ما هو طويل لا يتناهى ذكره، وثقيل لا يستخف حمله، لا أطيق به حراكا لكثرته، ولا يمكنني استقلال بجملته.
ثم قال مؤكدا لما قدمه: فأنا أحاذر أن يشق على المطايا نقله، وأن ينهرها وفوده وثقله، فلا ينهضها إلا متساولة، ولا ترحل بها إلا مغلوبة متهالكة.
لَعَلَّ اللَّهَ يَجعَلُهُ رَحِيلاً ... يُعِينُ على الإقَامَةِ في ذَرَاكَا
فَلَوْ أَنِّي استَطَعْتُ خَفَضتُ طَرفِي ... فَلَمْ أبصِرْ بِهِ حَتَّى أرَاكَا
وَكَيفَ الصَّبْرُ عَنكَ وَقَدْ كَفَانِي ... نَدَاكَ المُستَفِيضُ وما كَفَاكَا
الذرا: الكنف.
فيقول: لعل الله يجعل رحيلي عنك رحيلا يعين على الاستكثار من قربك، والاستزادة من أنعامك وفضلك، ويؤدي إلى الدقوم بالأهل والجماعة عليك، والإقامة معهم فيما لديك.
ثم قال على نحو ما قدمه: فلو أنني استطعت لما اعتقده من عاجل، الأوبة، وأرغبه من سرعة الرجعة، خفضت طرفي فلم أبصر به، حتى أرد على حضرتك، وأكحل جفونه بالنظر إلى غرتك.
ثم أكد ما قدمه فقال: وكيف لي بالصبر عنك، والتجلد على الانفصال منك، وقد كفاني ما غمرني من برك، وأحاط بي من أنعامك وفضلك، وما أجزاك ذلك ولا كفاك، ولا أقنعك ولا أرضاك؟.
أَتَتْرُكُنِي وَعَينُ الشَّمسِ نَعْلِي ... فَتَقْطَعُ مِشْيَتِي فِيها الشَّرَاكَا؟!
أَرَى أَسَفِي وما سِرْنَا شَدْيداً ... فَكَيفَ إذا غدا السَّيرُ إبتِراكا؟!
(2/180)

وَهذا الشَّوقُ قَبْلَ البَينِ سَيفٌ ... وهاأنا ما ضُرِبْتُ وَقَدْ أحاكَا!
عين الشمس: قرصها، وعين كل شيء: شخصه، والشراك: سير النعل، والابتراك: السقوط على الركب، وحاك السيف وأحاك: لغتان في قطعه.
فيقول لعضد الدولة: أتتركني وقد أنعلتني الشمس بما أوليتني من برك، وقربت به محلي من نفسك، فأتأخر عنك وأبتذل الكرامة التي شرفتني بها، والرتبة الرفيعة التي رأيتني أهلا لها؛ بصحبة غيرك من الملوك الذين لا يحلون محل خدمتك، فأكون عند ذلك كمن أنعل الشمس فأبتذلها في مشيه، وقطع الشراك فيها بحسب ما اعتاد من ذلك في نعله.
ثم قال يخاطبه: أرى أسفي قبل السير شديدا على مفارقتك، وإشفاقي قبل الرحلة يؤلمني لضعفي عن مباعدتك، فكيف تظن بي إذا كان السير ابتراكا لعثار الإبل، وعجزت عن الإسراع لتطاول السفر.
ثم قال على نحو ما قدمه: وهذا الشوق الذي أمتثله قبل الرحلة، وإقامتي بسببه أشد اللوعة؛ سيف صارم لم أضرب به وقد قطع، ولا باشرته وقد آلم وأوجع.
إذا التَّودِيعُ أَعرَضَ قَالَ قَلبِيْ ... عَلَيكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا
وَلَولا أَنَّ أكثَرَ ما تَمَنَّى ... مُعاوَدَةٌ لَقُلْتُ: ولا مُنَاكَا
قَدِ استَشفَيتَ مِنْ دَاءٍ بِداءٍ ... وأَقتَلُ ما أعَلَّكَ ما شَفَاكَا
أعرض الشيء: إذا بدا وظهر، والصمت: السكوت، والمنى: جمع منة، واحدة ما يتمناه الإنسان، والاستشفاء: التعالج من الداء، والشفاء: البرء من السقم.
فيقول: إذا قرب توديعي لعضد الدولة، وعزني ما أخاطبه به عند حلوله، دافعني قلبي عن التفوه لذكر ذلك، وقال لي: الزم الصمت، لا صحبت فاك إن أفصح بالرحلة، ولا استمتعت به أن صرح بذكر الفرقة.
ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومخبرا عن قلبه في ملامته له: ولولا علمي بأن أكثر ما
(2/181)

يتمناه لقاء عضد الدولة، ولي نعمتك، ومعلي منزلتك لقلت: ولا صاحبت مناك، مدفوعا عن جملتها، ممنوعا من الاغتباط بمسرتها.
ثم أخبر أن قلبه قال له: قد استشفيت من البعد عن أهلك بمفارقتك لأرفع الناس في نفسك، فصار أشد ما تشكوه من عللك ما قدرت أن فيه الشفاء من ألمك.
فَأسْتُرُ مِنْكَ نَجوَانَا وأُخفِي ... هُمُومَاً قَدْ أَطَلْتُ لَهَا العِرَاكَا
إذا عَاصَيتُها كَانَتْ شِدَادَاً ... وَإنْ طَاوعْتُها كَانَتْ رِكَاكَا
وَكَمْ دُونَ الثَّوِيَّةِ مِنْ حَزينٍ ... يَقُولُ لَهُ قُدُومِي ذَا بِذاكا
وَمَنْ عَذْبِ الرُّضابِ إذا أَنَخْنَا ... يُقَبِّلُ رَحْلَ تُروَكَ والورَاكَا
النجوى: (ما) يستتر به من الكلام، والعراك: المحاكة والمزاحمة، والركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف المنحل، والثوية: موضع فيما يقرب من الكوفة، والكوفة وطن أبي الطيب، والرضاب: ريق الفم، وتروك: أسم الناقة، والوراك: جلد يكون على مقدم الرحل يثني الراكب عليه رجله.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة، ومشيرا إلى منازعة قلبه: وأستر منك أيها الملك ما يقصد بي قلبي إلبه، وما أنطوي من الأسف عليه، وأخفي من ذلك هموما، أعاركها مدافعا لها، وأتحملها وأنا مستحكم الألم.
ثم قال مشيرا إلى الهموم التي قدم ذكرها: إذا عاصيتها بإجرائها على الحقيقة، والنظر إليها بالعين البصيرة، كانت شدادا مؤلمة، وإذا طاوعتها باطراح الفكر فيملا يبعثها، كانت ركاكا هينة.
ثم قال: وكم دون الثوية التي أقصدها، والكوفة التي أريدها وأعتمدها، من حزين من أهل قد أخل به اغترابي عنه، وبلغ الأسف لذلك كل غاية منه، يقول له قدومي سرورك مني بهذه الأوبة بما كان يحزنك مني من طول الغربة.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر أهله: وكم في تلك الحلة من عذب الرضاب،
(2/182)

بارع الحسن، فائق الجمال، مستحسن القرب، يقبل عند قدومي عليه رحل ناقتي ووراكها إعجابا بها، ويفديها بنفسه إكراما لها.
يُحَرِّمُ أَنْ يَمَسَّ الطَّيبَ بَعدِي ... وَقَدْ عَبَقَ العَبِيرُ بِهِ وَصَاكَا
وَيَمنَعُ ثَغْرَهُ مِنْ كُلِّ صَبٍّ ... وَيَمنَحُهُ البَشَامَةَ والأرَاكَا
عبق الطيب: إذا فاح، وصاك العبير: إذا لصق، والبشام والأراك: ضربان من الشجر يستاك بفروعهما.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحرم أن يمس الطيب بعد مفارقتي له، وأن يتصنع من الزين، لما يتيقنه من شغفي به، فيلقاني، وقد برت أليته، وكملت بقدومي أمنيته، وفاح الطيب من أردانه وعبق، وصاك العبير في أثوابه ولصق.
ثم قال: ويمنع ثغره من كل من يصبو به، صيانة وعفة، ويمنحه البشامة والأراك، نظافة وترفها.
يُحَدِّثُ مُقلَتَيهِ النَّومُ عَنِّي ... فَلَيتَ النَّومَ حَدَّثَ عَنْ نَدَاكَا
وَأَنَّ البُخْتَ لا يُعرِقْنَ إلاَّ ... وَقَدْ أَنضَى العُذَافِرَةَ اللِّكَاكَا
وَمَا أرضَى لِمُقلَتِهِ بِحُلمٍ ... إذا انتَبَهَتْ تَوَهَّمَهُ ابتِشاكَا
ولا إلاَّ بِأنْ يُصغِي وأحكِي ... فَلَيتَكَ لا يُتَيِّمُهُ هَوَاكَا
البخت: الجمال الخراسانية، واحدتها بختي، والإعراق: إتيان العراق، وبلد الكوفة الذي كان مستقرة؛ أحد العراقين، والعذافرة: الناقة الصلبة، واللكاك: المكثرة اللحم، والابتشاك: الإسراع.
فيقول مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: يحدث مقلتيه النوم عني، يردي: أنه يتمثل له في نومه، ويتخيله في رقاده؛ لشدة حرصه على قربه، فليت ذلك النوم مثل له ما أحاط بي من فضلك، وما ظهر علي من تشريفك وبرك، فكان له في ذلك أبلغ السلوة، وفي السكون إليه أتم الأنسة.
(2/183)

ثم قال: وليت النوم حدثه أن البخت لا ترد بي العراق مع ما هي عليه من القوة، وما شهرت به من وثاقة الخلقة، إلا وقد أنضى الإعراق منها العذافرة الصلبة الخلق، اللكاك المكثرة اللحم، وحذف الإعراق لدلالة يعرقن عليه، كما قال عز وجل: (فاطر السموات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير)، فرد الضمير إلى الجعل، ولم يذكره لدلالة جعل عليه.
ثم قال مشيرا إلى محبوبه الذي قدم ذكره: وما أرضى لمقلته بحلم تنتبه فلا تتحققه، لعدم رؤيته، ولا تتمتع به لقصر مدته.
ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر محبوبه: ولا أرضى له إلا بأن أرد عليه فيصغي إلى ما أورده عنك من ميل الذكر، واحكي ما أسديته إلي من جليل الفضل، فليته عند ذلك لا يتيمه هواك إعجابا بك، وبما جمعه الله من الفضائل لك، وحذف أرضى من لفظه استغناء بما قدم من ذكره.
وَكَمْ طَرِبِ المَسَامِعِ لَيسَ يَدرِي ... أَيَعجَبُ مِنْ ثَنَائِي أَمْ عُلاَكا
وَذَاكَ النَّشْرُ عِرضُكَ كانَ مِسكَاً ... وَذَاكَ الشِّعْرُ فِهري والمَدَاكَا
فَلاَ تَحمَدْهُمَا وأحمَدْ هُمَامَاً ... إذا لَمْ يُسْمِ حامِدُهُ عَنَاكَا
الطرب: خفة تغلب عند شدة الفرح والحزن، والعلا: غايات الشرف والرفعة، والواحدة عليا، والنشر: الفوح، والفهر: الحجر الذي يسحق به الطيب، والمداك: صلاية الطيب التي يداك عليها، والدوك: الدق والسحق، والهمام: الملك العظيم.
فيقول: وكم من فرح المسامع بما أبثه من فضلك، وأنظمه في شعري من مدحك، فليس يدري عند سماعه لذلك أيعجب من علاك، وما تبلغه من الجلالة والرفعة، أم من ثنائي وما يشتمل عليه من الاحتفال والكثرة؟.
ثم قال: وذلك الفوح (الذي) يتضوع عندما أصفه من مجدك، وأذكره من ترادف
(2/184)

فضلك، نشر عرضك الذي هو المسك في كرم جوهره، وفي عبق طيبه ومخبره، وفهر ذلك المسك ومداكه اللذان يستخرجان حقيقة فضله، ويخبران عن جلالة قدره، شعري الذي يسير فيه في البدو والحضر، ويتغنى بذكره عند الحلول والسفر.
ثم قال مخاطبا لنفسه: فلا تحمد النشر وطيبه، ولا تستكثر الشعر وحسنه، وأحمد الهمام الباعث لهما، والمنفرد بما أكمل له الفضل منهما، الذي إذا أضمر شاعره وأضافه إلى نفسه، وكنى عنه ولم يصرح عن أسمه، علم أنه يقصدك ويعنيك، ولم يشك عند ذلك من يسمعه (أنه) فيك.
أَغَرُّ لَهُ شَمَائِلُ مِنْ أبِيهِ ... غَدَاً يَلقَى بَنُوكَ بِهَا أَبَاكا
وفي الأحبابِ مُختَصٌّ بِوَجدٍ ... وَآخَرُ يَدَّعي مَعَهُ اشتِراكا
إذا اشتَبَهَتْ دُمُوعٌ في خُدودٍ ... تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى
الأغر: البهي الأبيض، والشمائل: الطبائع، والواحد: شمال، والتباكي: استعمال للبكاء.
فيقول، وهو يريد عضد الدولة: أغر، ذو بهاء وجلالة، وجمال ووسامة، له شمائل في الفضل سامية، ومذاهب في الكرم بارعة، هي شمائل أبيه المعروفة، ومذاهبه الجليلة المعلومة.
ثم أقبل بالمخاطبة على عضد الدولة، وترك الأخبار عنه، وجواز ذلك وما يشبهه مشهور في الكلام، قال الله عز وجل: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة) فأجرى المخاطبة والإخبار مجرى واحدا، فيقول لعضد الدولة: وغدا يلقى بنوك أباك بتلك الشمائل، ويحكونه في تلك الفضائل، ويحتذون في ذلك حذوك، ويقفون أثرك وهديك.
ثم قال مشيرا إلى أسفه على مفارقته، وما بنفسه من الألم لمباعدته: وفي من
(2/185)

يدعي وينتحل الإخلاص والمودة، من يخصه ذلك ويلزمه، ويصدق فيما يضمره، وفيهم من يدعي المشاركة في ذلك بلا حقيقة، ويتحمل فيه على طريقة غير قديمة.
ثم قال مشيراً إلى من يخلفه من أهله، وما هم عليه من البكاء والأسف من بعده: إذا اشتبهت دموع في خدود قوم يتشكون ألم الحزن، ويخبرون عن أنفسهم بشدة الوجد، تبين من بكي مجداً في حزنه، ومن تباكى مظاهراً بفعله، يريد: أن فيمن يخلفه من أهله من يصدقه في وده، ولا يغالطه فيما يبديه من التوجع لبعده.
ثم قال مشيراً إلى من كنى عنه من أحبته:
أَذَمَّتْ مَكْرُماتُ أَبي شُجَاعٍ ... لِعَيَنْي مَنْ نَوَايَ على أُولاكا
فَزُلْ يا بُعدُ عَنْ أيدِي رِكابٍ ... لَهَا وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا
وَأَيَّا شِئْتِ يا طُرُقِي فَكُونِي ... أَذَاةً أَوْ نَجَاةً أَوْ هَلاَكا
الذمة: العهد، وأذم الرجل لغيره إذا عاهده على أمر يلتزمه له، والنوى: البعد، وأولاك: لغة في أولئك، والركاب: الإبل المتحملة بالقوم، والأذاة: فعلة من الأذى، والنجاة: كذلك من النجا.
فيقول مشيرا إلى من يقصده من أهله وأحبته: أذمت مكرمات أبي شجاع عضد الدولة لعيني على ملاحظة من أقصده في أقرب مدة، والوصول إليه على أتم غبطة، وذمامة مقرون بالوفاء، وعدته لا تتصل بالإبطاء.
ثم قال مخاطبا للبعد الذي حاول قطعه، والسفر الذي عانى أمره: فزل أيها البعد عن أيدي ركاب؛ سعد عضد الدولة يكتنفها، وإقباله ينهض بها، وهي لما تشاهد من غلبتها واقتدارها عليك وقوتها تفعل فعل الأسنة في نفسك، وتستقل ما تستعظمه من جملة أمرك.
ثم قال: وأيا شئت أيها الطرق، فكوني؛ أن شئت متباعدة صعبة، وأن شئت متدانية
(2/186)

سهلة، أذاك وإهلاكك كوقايتك وإنجائك، يعصمني من مضرتك فضل الله عز وجل، وسعد الملك الذي فارقته، وإقبال عضد الدولة الذي اعتلقته وأملته.
فَلَو سِرْنَا وفي تَشرِينَ خَمسٌ ... رَأوني قَبْلَ أَنْ يَرَوا السِّمَاكَا
يُشَرِّدُ يُمنُ فَنَّاخُسرُو عَنِّي ... قَنَا الأعدَاءِ والطَّعْنَ الدِّراكَا
وَألبَسُ مِنْ نَدَاهُ في طَرِيقِي ... سِلاحَاً يَذعَرُ الأبطَالَ شَاكَا
تشرين الأول بالسريانية: هو شهر أكتوبر بالرومية، والسماك الأعزل: كوكب معروف من كواكب الأنواء، وهو يطلع بالغداة لخمس يخلون من تشرين المذكور، والطعن الدراك: المتتابع، والسلاح الشاك: الحديد.
فيقول على ما قدمه، من ثقته بما أحاط به من سعادة عضد الدولة: فلو سرنا وقد انصرم لتشرين خمس من لياليه، لرآني من أقصده من أهل، وأحن إليه من الجماعة المتصلة بنفسي، قبل أن يروا السماك الذي هو في هذا الوقت أول طوالع الغداة البداية، وأظهرها إلى العيون الناظرة؛ إشارة إلى سرعة سيره، وما يثق به من تأييد الله تعالى له في جملة أمره.
ثم قال على نحو ما قدمه من إسناده إلى الاعتزاز بعضد الدولة، والتصرف في سعادته: يشرد يمن فناخسرو عني جميع ما أحذره من آفات السفر، وما أتوقع في ذلك من حوادث الضرر، واستظهر به على الأعداء، واستدفع ببركته مكروه اللأواء.
ثم قال: وألبس في طريقي من نداه المترادف، وإفضاله الجزيل المتتابع، سلاحا شاكا، أدعر به حماة الأبطال، وأغنى بهيبته عن التعرض للقتال.
وَمَنْ اعتَاضُ مِنكَ إذا افتَرَقْنَا ... وَكُلُّ النَّاسِ زُورٌ ما خَلاَكا
وَمَا أَنَا غَيرُ سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يَعُودُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امتِسَاكا
حَيِّيٌ مِنْ إلهي أَنْ يَرَانِي ... وَقَدْ فَارقَتُ دَارَكَ واصطَفَاكَا
(2/187)

الزور: الكذب والباطل، والاصطفاء: الاختيار.
فيقول مخاطبا لعضد الدولة: ومن الذي اعتاضه منك إذا فارقتك، وأتخذه بدلا بعدك إذا باعدتك، والناس ما خلاك زور لا يحفل بهم، وملوكهم بالإضافة إليك سوق لا حظ في الإمارة لهم.
ثم قال مخاطبا له، ومخبرا عما يعتقده في استعمال الانصراف إليه: وما أنا إلا سم أرسلته مستعليا في الهواء فنفذ وأسرع، ثم لما بلغ غايته لم يستمسك فيها هنالك ورجع.
ثم قال: وإني لأستحيي من الله عز وجل أن يراني مفارقا لأرضك، مع ما خصك به من الفضل، ومترحلا عنها مع ما بسط بك على أهلها من العدل.
تم السفر بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على مولانا محمد وآله وكان الفراغ من نسخه يوم الاثنين التاسع عشر من المحرم أوائل عام ثمانين وتسعمائة عرفنا الله خيره ووقانا شره ومكروهه آمين يا رب العالمين.
(2/188)