Advertisement

شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات



الكتاب: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات

بسم الله الرحمن الرحيم
قال امرؤ القيس بن حجر الكندي الملك بن عمرو المقصور. وإنما سمى المقصور لأنه اقتصر على
ملك أبيه. هذا قول يعقوب بن السكيت.
وقال أحمد بن عبيد: إنما سمي المقصور لأنه قُصر على ملك أبيه، كأنه كرهه فمُلِّك شاء أو أبى.
وقال: هذا أصح ما قيل في ذلك.
قال أبو بكر: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: امرؤ القيس بمنزلة عبد الله وعبد الرحمن.
وفي إعرابه أربعة أوجه، يقال: قال امرؤ القيس بضم الراء والهمزة، وقال امرأ القيس بفتح الراء
وضم الهمزة، وقال مُرءُ القيس بضم الميم والهمزة بغير ألف، ويقال مَرء القيس بفتح الميم وضم
الهمزة. فمن ضم الراء والهمزة أو الميم والهمزة قال: هو معرب من وجهتين. ومن فتح الراء أو
الميم قال: هو معرب من جهة واحدة. وعلى هذا تقول: أعجبني شعر امرئ القيس بكسر الراء
والهمزة، وتقول: أعجبني شعرُ امرأ القيس بفتح الراء وكسر الهمزة، وأعجبني شعر مِرء القيس
بكسر الميم والهمزة، وأعجبني شعر مرء القيس بفتح الميم وكسر الهمزة.
ويقال له: آكل المُرار. وإنما سمى آكل المرار لأنه غضب غضبة لأمر بلغه فجعل يأكل المُرار وهو
لا يعلم بمرارته؛ لشدة غضبه - والمرار: نبت شديد المرارة - فسمي آكل المرار لذلك. هذا قول أبي
نصر.
وقال قوم: إنما سمى أكل المرار لأنه حين لقي ابن الهبُولة الغساني جعل يأكُل اصل الشجرة المُرة،
وهي شجرة المُرارة، وإذا أكلتها الإبل تقلصت مشافرها.
وقال: أحمد بن عبيد: إنما سمى آكل المرار لأن الملك الغساني سبى امرأته فقال لها: ما ظنُّك
بحُجْر؟ فقالت: كأنه به قد طلع عليك كأنه جمل آكل مُرار! والجمل إذا أكل المرار أزبد.
(1/3)

(ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن مرتع). وقال قوم: ابن معاوية بن ثور بن مرتع.
وإنما سمي مرتع مرتعا لأنه كان من أتاه من قومه رتعه، أي جعل له مرتعا لماشيته. وهو عمرو بن
معاوية بن ثور - وهو كندة - بن عفير. وإنما سمى كندة لأنه كفر أباه نعمه. قال الله تبارك وتعالى:
(إنَّ الإنسانَ لربه لكنُودٌ). معناه لكفور. وقال الشاعر:
كنُودٌ لا تَمُنُّ ولا تُفادِى ... إذا علِقتْ حبائلُها برهنِ
(ابن عديّ بن الحارث بن مرة بن أدد). وأم مرة مدلة، وهي مذحج. وإنما سميت مذحج لأنها ولدت
على أكمة يقال لها مذحج، فسميت بها.
(ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشاذ - وبعضهم يقول:
أرفخشذ - بن سام بن نوح النبي عليه السلام).
وقال ابن الكلبي: يقال قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم النبي،
عليهما الصلاة والسلام.
وقال ابن الكلبي: إنما سمى حجرا آكل المرار لقول هند امرأته حين سألها الغساني عنه فقالت: كأني
أنظر إليه يذمر فوارسه ويذمرونه، كأنه جمل آكل مُرار! فسمى من ذلك. يقال: ذمرته فأنا أذمره ذمرا
وذمورا، إذا وبخته وحثثته على الشيء. ويقال في نسب امرئ القيس: هو امرؤ القيس بن حجر بن
الحارث بن عمرو.
وكان من حديثه أن الحارث الملك جده كان فرّق ولده في قبائل العرب وملَّكهم عليهم. وكان حجر بن
الحارث، وهو أبو امرؤ القيس، في بني أسد وغطفان. وكان شرحبيل في بنى بكر بن وائل، وهم عم
امرئ القيس، وهو قتيل الكُلابِ الأول،
(1/4)

وفي بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ايضا، وفي
بني أسيد بن عمرو بن تميم، وفي طوائف من بنى عمرو بن تميم. وكان معد يكرب، وهو غلفاء -
وإنما سمى غلفاء لأنه كان يغلف رأسه - في بني تغلب والنَّمر بن قاسط، وسعد بن زيد مناة،
وطوائف من بنى دارم بن حنظلة والصنائع وهم بنو رقية: قوم كانوا يكونون مع الملوك من شُذان
العرب - وشذان العرب: ما تفرق من العرب - وعبد الله على عبد القيس. وسلمة على قيس.
فلما هلك الحارث أو قُتل - وقد اختلف في ذلك - نفرق أمر ولده وتشتت، واختلفت كلمتهم، ومشت
الرجال بينهم، ووثب بنو أسد على حجر بن الحارث فقتلوه، وكان ابنه امرؤ القيس غائبا عنه، وإنما
كان في حشمه ومواليه. وذكر ابن الكلبي إنه قاتلهم بمن معه، فلما كثروه - أي غلبوه بالكثرة - قال
لهم: أما إذ كان هذا من أمركم فإني مرتحل عنكم ومخلِّيكم وشأنكم. فوادعوه على ذلك، ومال مع خالد
بن خدان أحد بني ثعلبة، فأدركه علباء بن الحارث أحد بني كاهل، فقال: يا خالد، اقتل صاحبك لا
يفلت فيعُرنا وإياك بشر! فجعل خالد يمتنع، ويمر علباء بقصدة رمح مكسورة فيها سنانها، فأخذها
وطعن بها خاصرة حجر وهو غافل فقتله، ففي ذلك يقول الأسدي:
وقِصدة عِلباءِ بن قيسِ بن كاهل ... منية حُجْر في جوار ابن خَدّانَا
فتفرق الناس، فأقبل امرؤ القيس في جموع من أهل اليمن، يريد بنى أسد، يقصد لعلباء ولا يعلم
الناس به، فلما كانت الليلة التي يصبحهم فيها بادر أن يخبروا، فسار ليلته فجعل القطا ينفر من
مواقعه فيمر على علباء وكان منكرا، فجعلت ابنته تقول: ما رأيت كالليلة ذات قطا! فيقول علباء: (لو
ترك القطا لنام!)،
(1/5)

ارتحلوا. فارتحلوا وبقى في الدار بنو كنانة، وصبحهم امرؤ القيس فأصابهم وقتل
فيهم فأكثر، وهو يظن انهم بنو أسد، فلما عرف كف عنهم وقد أسرع فيهم، فقال امرؤ القيس في ذلك:
(ألا يا لهفَ نفسي إثرَ قوم ... همُ كانوا الشفاءَ فلم يُصابوا)
(وقاهمْ جَدُّهم ببني أبيهم ... وبالأشقَينَ ما كان العَقاب)
الجد هاهنا: الحظ؛ من ذلك قولهم: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، أي لا ينفع ذا الحظ حظه من
امرك، وهو الذي تسميه العامة البخت. ومعنى البيت: وبالأشقين كان العقاب. العقاب اسم كان، والباء
خبر كان، وما صلة دخلت لتوكيد الكلام. ويجوز أن تكون ما في موضع رفع بالباء والعقاب اسم
كان، ولا خبر لكان لأنها بتقدير المصدر. والمعنى: وبالأشقين كون العقاب. ويروى: (وقاهم جدهم
ببني علي). وعلي هو عبد مناة بن كنانة، وإنما سمى عليا بعلي بن مسعود الغساني.
(وأفلتَهنّ علباءٌ جريضاً ... ولو أدركْنَهُ صَفِر الوِطابُ)
قوله (وأفلتهن) معناه وأفلت الخيل علباء. وإنما كنى عن الخيل ولم يتقدم ذكرها لأنه قد ذكر ما يدل
عليها. قال الله عز وجل: (إنا أنزلناهُ في ليَلة القدْر) أراد: أنزلنا القرآن، فكنى عن القرآن ولم يتقدم
له ذكر، لدلالة المعنى عليه. والجريض: الذي تكاد نفسه تخرج. يقال: إنه ليجرض بريقه وبنفسه، إذا
كان بآخر رمق. وقوله (ولو أدركنه) معناه ولو أدركت الخيل علباء لتركته جسدا بلا روح. والوطاب
جمع، وهو الزق الذي يكون فيه اللبن، ضربه مثلا. وقال أبو عبيدة: الجريض الذي صارت نفسه في
شدقه.
ثم أن أمرؤ القيس خرج إلى اليمن مستمدا، ثم أقبل بجموع من اليمن وربيعة، يريد بني أسد، فقال
امرؤ القيس في ذلك:
يا لهف نفسي أن خَطئن كاهلا
القاتِلين الملك الحُلاحلا
معناه أن أخطأت الخيل كاهلا ووقعت ببني كنانة. وبنو كنانة من أسد. ويروى:
يا لهف هند إذْ خئن كاهلا
(1/6)

هند بنت ربيعة بن وهب بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور، كندية، وكانت امرأة حجر أبي
امرئ القيس فلم تلد له شيئا، فخلف عليها امرؤ القيس. قال أبو بكر: الحلاحل: السيد. وقال
الأصمعي: الحلاحل: الرزين الركين.
تالله لا يذهبُ شيخي باطلا
يَا خير شيخ حسباً ونائلا
وخيرَهمْ قد عَلموا شمائلا
يَحْملِنْنَا والأسلَ النواهلا
تالله، معناه والله، فأبدلت التاء من واو القسم. ولا تبدل التاء من واو القسم إلا مع الله تبارك وتعالى.
ولا يجوز تالرحمن. ولا تالعزيز، لأن الاستعمال لم يكثر إلا مع الله عز وجل. و (باطلا) منصوب
لأنه خلف من مصدر، كأنه قال: لا يذهب شيخي ذهاباً باطلا. وقوله: (يحملننا) معناه تحملنا الخيل.
وقال الأصمعي: الأسل: الرماح؛ وإنما سمى الأسل لحدته. والنواهل: العطاش.
مستفرمات بالحصَى جوافلا
مستفرمات مثل، أي طيرنه إلى فروجهن. ويروى: (مستثفرات)، يقال للدابة إذا أثارت الحصى
بحوافرها عند ركضها فيكاد يرتفع الحصى إلى أثفارها: عند استثفرت. ويقال للكلب: قد استثفر
بذنبه، إذا أدخله بين فخذيه.
حتى أتَينَ مالكاً وكاهلا
نحن جلبنا القرَّح القوافلا
يستثفر الأواخرُ الأوائلا
القوافل: جمع القافل، وهو اليابس. والجافل: الذاهب.
(1/7)

[ثأر امرئ القيس لأبيه وما قيل في ذلك من الشعر]
فأغار امرؤ القيس على بني أسد، فقتل في بطون بني أسد مقتلة عظيمة، وقتل علباء وأهل بينه،
وألبسهم الدروع والبيض محمى، وكحل أعينهم بالنار،
وقال امرؤ القيس في ذلك:
(يا دار سَلمى دارساً نؤيُها ... بالرَّمل فالخَبْتَين من عاقل)
النؤى: الحفيرة تحفر حول البيت أو الخباء، ويجعل ترابه حول البيت يرد ماء المطر. وجمع النؤى
أنآء ونؤى، ونئي. والخبت: ما استوى من الأرض. ودارسا منصوب على الحال من الدار. والنؤى
مرفوع بمعنى دارس.
(صَمَّ صداها وعفا رسُمها ... واستَعجَمتْ عن منطق السائل)
قوله: (واستعجمت) أي لم تتكلم حين وقف عليها السائل فسألها. و (صم صداها) دعاء عليها. و (عفا
رسمها): درس.
(قولا لبُوصانَ عبيد العصا ... ما غرَّكم بالأسد الباسلِ)
بوصان: قبيلة. والباسل: الشجاع. وعبيد العصا، نعت لبوصان. وما: استفهام مرفوعة بما عاد من
غركم. والباء صلة غركم.
(قد قرّت العينان من مالك ... طُرَّا ومن عمرو ومن كاهل)
طرا منصوب على الحال من مالك، ومعنى طرا جميعا. وقوله: (ومن عمرو)، يعنى عمرو بن أسد.
(ومن بنى غَنم بن دُودان إذ ... يُقذَف أعلاهْم على السافلِ)
موضع دودان خفض بإضافة الابن إليه. وإذ من صلة قرت، ومن الأولى صلة قرت، والثانية
والثالثة منسوقتان عليها.
(1/8)

(حتَّى تركناهمْ لدى مَعرك ... أرجُلُهم كالخشَب الشَّائِلِ)
لدى من صلة تركنا. والمعرك: موضع القتال. والأرجل مرفوعة بالكاف. ومعنى الكاف مثل، كأنه
قال: مثل الخشب. يجوز في العربية نصب الأرجل كأنه قال: تركنا أرجلهم، كما قال عبدة بن
الطبيب:
فما كان قيسٌ هلكُه هُلكَ واحد ... ولكنَّه بنيانُ قوم تهدَّما
أراد: فما كان قيس ما كان هلكه هلك واحد. والرواية الجيدة: (هلكه هلك واحد) برفعهما جميعا على
أن خبر كان ما عاد من الهاء.
(جئنا بها شَهباءَ ملمومةً ... مثل بَشام القُلة الجافلِ)
الهاء تعود على الكتيبة. وشهباء منصوبة على الحال من الهاء. ومعناها بيضاء من بريق الحديد.
وملمومة نعت للشهباء، ومعناها مجتمعة. والقلة: قلة الجبل، وهي أعلاه. والبشام: شجر، شبه كثرتها
بها. قال جرير:
أتذكر حين تصقُل عارضَيْها ... بفَرع بَشامة سُقِىَ البَشامُ
ومثل منصوبة على القطع من الهاء. والجافل نعت للشجر، شبهه في اجتماعه وارتفاع أعاليه
بالشيء الجافل.
(فُهنَّ أرسالٌ كمثل الدَّبا ... أو كقطا كاظمةَ الناهلِ)
قوله: (فهن أرسال) يعني الخيل تأتي أرسالا: قطعة بعد قطعة. وهن ترتفع بالأرسال، والأرسال به.
والكاف في موضع رفع، كأنه قال: مثل الدبا. والكاف الثانية منسوقة. وكاظمة مخفوضة بإضافة القطا
إليها. والناهل مخفوض لأنه نعت للقطا. والدبا: الجراد، شبه كثرتها بها. وكاظمة: أرض. والناهل:
العطشان. يقول: خيلنا ترد القتال كما ترد القطا العطاش الماء. هذا قول الأصمعي. ويروى: (فهن
أرسال كرجل الدبا).
(نَطعُنهم سُلْكَى ومخلوجةً ... كرَّكَ رمين على نابلِ)
(1/9)

قوله (سلكى) معناه مستقيمة. ومخلوجة: غير مستقيمة. وقال أبو عبيدة: سلكى مستوية، ومخلوجة:
تختلجهم. وقال: سألت عنها أبا عمرو بن العلاء فقال: سألت عنها فلم أجد من يعرفها، وهي من
الكلام الدارس. وقال الأصمعي: سلكى: مستقيمة. ومخلوجة: يمنة ويسرة. ومثل من الأمثال: (الرأي
مخلوجة وليس بسلكى). وقوله: (كرك لامين على نابل)، أي كرك سهمين على رجل صاحب نبل
رماك بسهمين فكررتهما أنت عليه، أي رميتها فوقعا مختلفين. ويروى: (ليك لامين) و (لفتك لامين)،
فمن رواه: (ليك لامين) أراد كما تلوى سهمين. والأصل في ليك لويك، فلما اجتمعت الياء والواو
والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة، كما قال الله عز وجل: (وكان أمراً مَقْضيّا) أصله مقضويا، فلما
اجتمعت الياء والواو والسابق ساكن جعلتا ياء مشددة. وكذلك كويته كيَّا، ولويته ليَّا.
قال أبو بكر: وسمعت أحمد بن يحيى يقول: كرّك لامين على نابل، أي كما نقول: ارم ارم! يصف
سرعة الطعن، أي لا فصل بين الطعنتين.
(حلت لي الخمرُ وكنت امرأً ... عن شربها في شغل شاغِل)
وذلك إنه حلف ألا يشرب الخمر حتى يدرك بثأر أبيه.
(فاليومَ فاشربْ غير مستحقبٍ ... إثماً من الله ولا واغلِ)
قوله: (غير مستحقب) معناه غير مستوجب. والواغل: الداخل في قوم وليس منهم. والواغل في
الخمر، والوارش في الطعام، وهو مثل الطفيلي. والطفيلي مولد من كلام العرب. واليوم، منصوب
باشرب، كما تقول: زيدا فاضرب. وغير منصوبة على الحال بما في اشرب. والإثم منصوب
بمستحقب. والواغل منسوق على المستحقب. وأنشده سيبويه: (فاليوم أشرب) فسكن الباء طلبا
للتخفيف، كما قرأ أبو عمرو: (ويأمُرْكن)
(1/10)

و (ينصُرْكم)، وكما قال الآخر:
وناع يخبِّرْنا بمَهلِكِ سيد ... تُقطَّع مِن وجد عليه الأناملُ
أراد يخبرنا، فسكن الراء طلبا للتخفيف والاختصار.
وقال رجل من كندة في ذلك:
(سائلْ بني أسدٍ بمقتل ربهم ... حجرِ بن أمِّ قَطامِ عزَّ قتيلا)
الرب في هذا الموضع: السيد. قال الله عز وجل: (فيَسقِي ربَّه خمراَ)، معناه فيسقى سيده. والباء
صلة سائل. وحجر مخفوض على الترجمة عن الرب. وقطام مخفوضة بإضافة الأم إليها. وهي
مخفوضة في كل حال. تقول: قامت قطام، ورأيت قطام، ومررت بقطام. وكذلك حذاك ورقاش وما
أشله ذلك. وإنما صارت مخفوضة في كل حال لأنها تجرى مجرى الأمر في قولك: قوال قوال،
ونزال نزال، ونظار نظار. قال الفراء: كان الأصل في هذه الأشياء مصدرا، فصرفت عن المصدر
إلى الأمر، ففتح أولها ليفرق بين الأمر والمصدر، وكسر آخرها لأن المجزوم إذا حرك حرك إلى
الخفض. وقوله: (عز قتيلا) معناه عظم شأنه وغلب حزنه. ويقال في مثل من أمثال العرب: (من عزَّ
بزّ)، أي من غلب سلب. والقتيل منصوب على التفسير، وتقديره: عز القتيل قتيلا.
(إذْ سارَ التاج الهمامُ بجحفل ... لجِب يجاوب حَجرتيه صهيلا)
ذو التاج، يعني امرأ القيس. والهمام: السيد. والجحفل: الجيش. واللجب: الكثير الصوت. واللجب:
الصوت بعينه. وحجرتاه: ناحيتاه وجانباه. ويقال: فلان في حجرة القوم وحجرة المجد، أي في
ناحيته. ويقال في مثل للعرب: (فلان يأكل وسطا ويربض حجرة)، أي إذا كان خير توسطه، وإذا
كان شر تنحى عنه. وإذ، صلة سائل. والهمام نعت لذي. والباء التي في الجحفل صلة لسار. وما في
يجاوب يعود على الجحفل. والحرتان منصوبتان بيجاوب.
(1/11)

(حتَّى أبالَ الخيلَ في عَرَصاتهم ... فشفَى وزاد على الشفاء غليلا)
(أحْمَى الدروعَ لهم فسَرْبلهمْ بها ... والنَّارَ كحلهمْ بها تكحيلا)
قوله: (سربلهم) معناه ألبسهم الدروع. والنار منصوبة بكحل. والواو ظرف للفعل، والتقدير كحلهم
بالنار، فلما قدم النار نصبها بما بعدها، كما قال الله عز وجل: (والظَّالمين أعدّ لهمْ عذاباً أليما). الآية.
تقديره: وأعد للظالمين، فلما قدم الظالمين نصبهم بما بعدهم. ويجوز في العربية: (والنار كحلهم بها
تكحيلا). قال الله عز وجل: (والقمرُ قدّرناه منازل)، فرفع القمر وأعاد عليه من الهاء.
(والبِيضَ ألبسهمْ، شديدا حرُّها ... فكفَى بذلك للعِدَى تنكيلا)
البيض موضع نصب بالبسهم. والواو ظرف للفعل، كأنه قال: وألبسهم البيض. ويقال العدى بكسر
العين وطرح الهاء، والعداة بضم العين واثبات الهاء. قال أبو بكر: وحكى أبو العباس العدى، بضم
العين وطرح الهاء.
(وأقام يُسقَى الخمرَ في عَرَصاتهم ... مَلِكٌ يُعلُّ شرابُه تعليلا)
الملك مرفوع بأقام. ويسقى حال. قال: وأقام يسقى الخمر ملك يعل شرابه، أي أقام في هذه الحال
ملك. ويعل صلة ملك. ومعنى يعل يسقى مرة بعد مرة. وتعليلا منصوب على المصدر.
(حلَّت له من بعد تحريم لها ... أو أن يُمِسَّ الرأسَ منه غسيلا)
وقال في ذلك أيضا عمرو بن لأي بن موءلة بن عامر بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة ابن عكابة،
يتمنن على عمرو بن هند لما كان من نصرهم امرأ القيس على بني أسد:
(عَمرو بنَ هند أن مُهلكِةَ ... قولُ السَّفاه وشدّةُ الغَشْمِ)
عمرو بن هند، منصوب لأنه منادى مضاف، أراد: يا عمرو بن هند. والغشم: الظلم.
(ما شئتَ حِلٌّ لا حَرامَ له ... وحلالُكم أن شئتَ كالحِرمِ)
الحرم: الحرام. والحلال: المباح.
(1/12)

(فليس ذا ديناً يُدان به ... فاقصد بنا في الحكم والقَسْمِ)
الباء موضعها رفع لأنها قامت مقام ما لم يسم فاعله. ويدان به صلة الدين. والهاء تعود عليه. والدين
في هذا الموضع: الطاعة. قال الله عز وجل: (ما كان ليأخذ أخاه في دين المَلِك) الآية. أي في طاعة
الملك.
(وبنا تُدُورِكَ في بنى أسد وغْمٌ لحالك أكثرُ الوغم)
(قتلوا ابن أمِّ قطامِ ربَّهمُ ... حُجراً فما برئوا من الإثمِ)
(فسما امرؤ القيس الأغرُّ لهمْ ... في جحفل من وائل صَتْمِ)
(قُدُماً فهدَّم من مساكنهمْ ... ما كان أرعَنَ آمنَ الهدمِ)
الأرعن: الجيش العظيم.
(لم تَلقَ حيٌّ مثلَ صَبْحتهمْ ... في الناس من قتل ومن هَزْم)
(فأثبْ بخدمتنا وطاعتنا ... إيَّاكمُ وحديثُكم ينمِى)
أي يزيد ويكثر.
وقال الأصمعي:
حدثني من سمع عبد الله بن رألان التميمي - وكان راوية الفرزدق - يقول: لم أر رجلا ولم أسمع
به كان أروى لأحاديث امرئ القيس بن حجر وأشعاره من الفرزدق. وإن امرأ القيس كان صحب
عمه شرحبيلا قتيل الكلاب حتى قتل شرحبيل، وكان شرحبيل مسترضعا في بني دارم. وكان امرؤ
القيس رأى من أبيه جفاء فلحق بعمه حتى قتل أبوه وقتل عمه، فانصرف بعد قتلهما إلى قومه.
(1/13)

وقال عبد الله: أن الفرزدق قال:
أصابنا مطر بالبصرة جود، فلما أصبحت غدوت ركبت بغلة لي، وخرجت نحو المربد، فإذا بآثار
دواب قد خرجن إلى ناحية البرية، فظننت انهم خرجوا يتنزهون وهم خلقاء أن تكون معهم سفرة
وشراب، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير ماء، فأسرعت
المسير إلى الغدير فأشرفت، فإذا فيه نسوة مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة
جلجل! قال: ثم انصرفت فنادينني: يا صاحب البغلة، أرجع نسألك عن شيء. فانصرفت إليهن،
وقعدن في الماء إلى حلوقهن، ثم قلن: نسألك الله إلا حدثتنا حديث يوم دارة جلجل. قال: فأخبرتهن
كما كان.
قال عبد الله بن رألان: فقلت: يا أبا فراس، وكيف كان حديث يوم دارة جلجل؟
قال: حدثني جدي وأنا يومئذ غلام حافظ لما أسمع، أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه، يقال لها
عُنيزة، وإنه طلبها زمانا فلم يصل إليها، فكان محتالا لطلب الغرة من أهله، فلم يمكنه ذلك حتى كان
يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل.
وذلك أن الحي ارتحلوا، فتقدم الرجال وخلفوا النساء والعبيد والعسفاء - وهم الأجراء، واحدهم
عسيف - والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد قومه غلوة فكمن في غيابة من الأرض حتى
مر به النساء، فإذا فتيات فيهن عنيزة، فلما رأين الغدير قلن: لو نزلنا في هذا الغدير واغتسلنا ليذهب
عنا بعض الكلال. فقالت إحداهن: فافعلن. فعدلن إلى الغدير فنزلن ونحين العبيد عنهن ودخلن الغدير،
فأتاهن امرؤ القيس مخاتلا وهن غوافل، فأخذ ثيابهن وهن في الغدير، ثم جمعها وقعد عليها وقال:
(1/14)

والله لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو ظلت في الغدير إلى الليل، حتى تخرج كما هي متجردة فتكون
هي التي تأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه حتى ارتفع النهار، فخشين أن يقصرن دون المنزل الذي يردنه،
فخرجت إحداهن فوضع لها ثوبها ناحية فمشت إليه فأخذته ولبسته، ثم تتابعن على ذلك حتى بقيت
عنيزة، فناشدته الله تعالى أن يضع لها ثوبها، فقال: لا والله لا تمسينه دون أن تخرجي عريانة كما
خرجن! فخرجت ونظر إليها مقبلة ومدبرة، فوضع لها ثوبها فأخذته فلبسته، فأقبل النسوة عليه فقلن
له: غدنا فقد حبستنا وجوعتنا! فقال: أن نحرت لكنّ ناقتي تأكلن منها؟ فقلن: نعم. فاخترط سيفه
فعرقبها ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجج نارا عظيمة، فجعل يقطع لهن من كبدها وسنامها
وأطايبها فيرميه على الجمر، وهن يأكلن منه، ويشربن من فضله كانت معه في زكرة له، ويغنيهن،
وينبذ إلى العبيد من الكباب حتى شبعن وشبعوا، وطربن وطربوا، فلما ارتحلوا قالت إحداهن: أنا
أحمل حشيته وأنساعه. وقالت الأخرى: أنا أحمل طنفسته. فتقسمن متاع راحلته بينهن وزاده، وبقيت
عنيزة لم يحملها شيئا، فقال لها امرؤ القيس: يا بنت الكرام، ليس لك بد من أن تحمليني معك فإني لا
أطيق المشي ولم أتعوده. فحملته على بعيرها فكان يميل إليها ويدخل رأسه في خدرها ويقبلها، فإذا
مال هودجها قالت: يا امرأ القيس، قد عقرت بعيري! حتى إذا كان قريباً من الحي نزل فأقام، حتى
إذا أجنه الليل أتى أهله ليلا، فقال في ذلك شعرا، فكان مما قال:
(قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبِيبٍ ومنْزلِ ... بسِقْطِ الِّلوَى بين الدَّخُولِ فحَومَلِ)
قفا: أمر. ونبك جوابه. ومن صلة نبك. بسقط من صلة نبك. قوله (قفا) في الاعتلال له ثلاثة أقوال:
(1/15)

أحدهن: أن يكون خاطب رفيقا واحدا وثنى، لأن العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين، فيقولون
للرجل: قوما، واركبا. قال الله تبارك وتعالى مخاطبا لمالك خازن جهنم: (ألقِيَا في جَهنَّمَ كلَّ كفَّاٍ
عنيدٍ)، فثنى وإنما يخاطب واحدا. وقال الشاعر:
فإنْ تزجراني يا ابن عفانَ انزَجرْ ... وإن تَدَعاني أحمِ عرضاً ممنَّعا
أبيت على باب القوافي كأنَّما ... أصادي بها سرباً من الوحش نُزَّعا
وأنشد الفراء:
فقلت لصاحبِي لا تحبسانا ... بنَزْع أصوله واجتزَّ شيِحا
وأنشد الكسائي والفراء:
أبا واصل فأكسوهُما حلَّيهما ... فإنَّكما أن تفعلا فتَيان
بما قامتا أو تَغلواكم فغالِيا ... وإن ترَخُصا فهو الذي تُرِدَان
فقال: أبا واصل، ثم ثنى فقال: فإنكما. وقال امرؤ القيس:
خليليَّ قُوماً في عَطالة فانظرا ... أناراً ترى من نحوما بين أم برقا
فقال: خليلي فثنى، ثم قال: أناراً ترى، فوحد. وأنشد الفراء:
خليليَّ مراً بي على أم جندب ... لنقضيَ حاجاتِ الفؤاد المعذّبِ
ثم قال بعد:
ألم تَرَ أني كلما جئتُ طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تَطَيَّبِ
والعلة في هذا أن أقل أعوان الرجل في إبله وماله اثنان، وأقل الرفقة ثلاث، فجرى كلام الرجل
على ما قد ألف من خطابه لصاحبيه.
(1/16)

والقول الثالث: أن يكون أراد قفن بالنون، فبدل اللف من النون، وجرى الوصل على الوقف، وأكثر
ما يكون هذا في الوقف، وربما أجرى الوصل عليه. وكان الحجاج إذا أمر بقتل رجل قال: (يا
حرسي اضربا عنقه!). قال أبو بكر: أراد اضربن، فأبدل الألف من النون. وقال الله عز وجل:
(لنسفعاً بالناصية)، وقال في موضع آخر: (وليَكونا من الصَّاغرين) فالوقف عليهما لنسفعا وليكونا.
وأنشد الفراء:
فمهما تشأ منه فزارةُ تُعطكم ... ومهما تشأ منه فزارةُ تمنعا
أراد تمنعن. وأنشد الفراء:
فإنَّ لكَ الأيَّامَ رهنٌ بضربة ... إذا شُبِرت لم تدر من أين تُسبَرا
أراد: تسبرن. وقال عمر بن أبي ربيعة:
وقمير بدا ابنَ خمس وعشري ... نَ له قالت الفتاتان قوما
أراد: قومن. وأنشد الفراء:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شَيخاً على كرسيه معمَّما
أراد: يعلمن. وقال الأعشى:
وصَلِّ على حِينِ العشيَّات والضُّحى ... ولا تَحمَد المثرين واللهَ فأحمدا
أراد: فأحمدن. ويقال: إنما ثنى لأنه أراد: قف قف بتكرير الأمر، ثم جمعهما في لفظة واحدة.
والدليل على إنه خاطب واحدا قوله:
أعِنِّى على برقٍ أريك وميضَه
(1/17)

ويقال: وقف الرجل في الموضع يقف وقوفا بغير ألف في الماضي، وكذلك وقفت وقفا للمساكين،
ووقفت الدابة، وقف دابتك، لا تثبت الألف في شيء من هذا الباب الا في حرفين: أوقفت المرأة:
جعلت لها وقفا وهو السوار من الذبل، وتكلم فلان بكلام ثم أوقف أي قطع الكلام. وفي شعر
الطرماح.
فتطرَّبتُ للهوى ثم أوقف ... تُ رضاً بالتقى وذو البِرِّ راضِ
واخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: وقفت الدابة وأوقفتها. وقال: أوقفت عن الكسائي.
وموضع (قفا) جزم بلام ساقطة، والتقدير لتقفا، فسقطت اللام والتاء لكثرة الاستعمال والأصل فيه
بعد ذلك: اوقفا، فيجب أن تسقط الواو من الأمر بناء على سقوطها من المستقبل، فإذا سقطت الواو
سقطت الألف التي من أجل سكونها دخلت فتصير قفا. وعلامة الجزم في قفا سقوط النون.
وقوله: (نبك من ذكرى حبيب ومنزل) قال بعض أهل اللغة: نبك مجزوم على تأويل الأمر، وقال:
التقدير قفا فلنبك، واحتج بقول الله عز وجل: (ذَرْهم يأكلوا ويتمتَّعوا)، قال: فمعناه ذرهم ليأكلوا. قال:
وكذلك قوله عز وجل: (قل للذين آمنوا يغفروا) فمعناه فليغفروا. وقال آخرون: نبك مجزوم لأنه
جواب جزاء مقدر، والتقدير: قفا أن تقفا نبك، كما تقول للرجل: اقصد فلاناً ينفعك، ومعناه أن تقصده
ينفعك. وقال الفراء: الأمر لا جواب له في الحقيقة، وذلك أنك إذا قلت للرجل: أطع الله يدخلك الجنة
التقدير: أطع الله أن تطعه يدخلك الجنة، لأنه لا يدخل الجنة بأمرك، إنما يدخل الجنة إذا أطاع الله
تبارك وتعالى. يقال: بكى الرجل يبكى بكاء وبكى بالمد والقصر. قال شاعر:
بكت عينى وحق لها بُكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويلُ
(1/18)

ومن في صلة نبك. والذكرى خفض بمن. وهي مضافة إلى الحبيب. والمنزل نسق على الحبيب.
وقوله: (بسقط اللوى)، سقط اللوى: منقطعه، وهو مسقطه. واللوى: حيث يسترق الرمل فتخرج منه
إلى الجدد. يقال في مثل: (ألويتم فانزلوا). وقال أبو عبيدة: يقال في سقط الرمل وسقط النار وسقط
الولد ثلاث لغات: سِقْط وسُقط وسَقط. وقال الرياشي: كان الأصمعي لا يعرف إلا السقط، وهو سقط
الرملة مفتوحا. والباء فيها ثلاثة أوجه: إحداهن أن تكون في صلة المنزل، ويكون التقدير: من ذكرى
حبيب ومنزل بسقط اللوى. والوجه الثاني: أن تكون صلة لنبك، على معنى نبك بسقط اللوى. والوجه
الثالث: أن تكون الباء صلة لقفا، ويكون التقدير: قفا بسقط اللوى. أجاز النحويون: كل نكرمك
طعامنا، على معنى كل طعامنا نكرمك. والسقط خفض بالباء، وهو مضاف إلى اللوى. واللوى لا
يتبين فيه الإعراب لأنه مقصور معتل. والدخول وحومل وتوضح والمقراة: مواضع ما بين إمرة إلى
أسود العين. وأسود العين: جبل. وقال ابن حبيب: هي منازل كلاب. ورواه الأصمعي: (بين الدخول
وحومل). وقال: لا يقال: رأيتك بين زيد فعمرو. وقال الفراء: بين الدخول فحومل معناه بين اهل
الدخول فحومل، معناه فأهل حومل، فلذلك جاز أن يكون المنسوق بالفاء. قال الشاعر:
قفا نسألٍْ منازل آلِ ليلى ... فتُوضح بين حَومَل أو عُرادا
أراد: بين أهل حومل وبين أهل عراد. وقال الآخر:
لجارية بين السَّليل عُروقُها ... وبين أبي الصَّهباء من آل خالدِ
جعل السليل أبا جامعا، وكذلك أبو الصهباء، فلهذا المعنى رد (بين) مع الاسم الثاني.
(1/19)

وقال هشام بن معاوية: المعنى بسقط اللوى ما بين الدخول إلى حومل، فأسقط ما. قال أبو بكر: وهذا
خطأ في قول الفراء، لأن (ما) حد بين الشيئين، فلا يجوز سقوطها.
قال الفراء: من قال: شربنا ما زبالة فالثعلبية، على معنى: ما بين زبالة إلى الثعلبية لم يسقط (ما)،
لأنها هي الحد بين الوضعين. وأنشد الفراء لبعض بني سليم:
يا أحسنَ الناسِ ما قَرْنا إلى قدمٍ ... ولا حبالَ محبّ واصل تصلُ
أراد ما بين قرن إلى قدم. ولا يجوز إسقاط (ما) لأنها حد بينهما.
(فَتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعفُ رَسمُها ... لِما نسجَتْها من جَنُوبٍ وشَمأَلِ)
توضح والمقراة: موضعان، ويقال: المقراة: غدير يجتمع فيه الماء. وموضعها خفض على النسق
على الدخول فحومل، إلا أن توضح نصب لأنه لا يجرى للتعريف والتاء الزائدة في أوله، وما لا
يجري لا يدخله تنوين ولا خفض. لم يعف رسمها، قال الأصمعي: معناه لم يدرس لما نسجته من
الجنوب والشمال، فهو باق، فنحن نحزن، ولو عفا لاسترحنا. قال ابن أحمر:
ألا ليتَ المنازلَ قد بلينا ... قلا يرمين عن شُزُن حزينا
معناه لا يرمين عن تحرف وتشزن. يقال: شزن فلان ثم رمى، أي تحرف في أحد شقيه، وذلك أشد
لرميه ونزعه. وشَزْن وشَزَن لغتان معناهما واحد. ومعنى البيت: ليتها قد بليتن حتى لا ترمى قلوبنا
بالأحزان والأوجاع. يذهب الأصمعي إلى أن الريح أقبلت وأدبرت على هذه المواضع حتى عفتها
وأبقت منها الأثر أو الرسم. وقال قوم:
(1/20)

المعنى لم يعف رسمها للريح وحدها، إنما عفا للمطر والريح
وغير ذلك من مر الدهور به؛ وهو دارس في المعنى.
وقال آخرون: لم يعف رسمها لاختلاف هاتين الريحين، ولو دامت عليه واحدة لعفا؛ لأن الريح
الواحدة تدرس الأثر، والريحان لاندرسانه؛ لأن الريح الواحدة تسفى على الرسم فيدرس، وإذا
اعتورته ريحان فسفت عليه إحداهما فغطته ثم هبت الأخرى كشفت عن الرسم ما سفت الأولى.
والحجة في ذلك قول ذي الرمة:
مِنْ دمنة نسَفَتٍْ عنها الصَّبا سُفَعاً ... كما تُنشَّر بع الطِّيَّةِ الكُتبُ
سيلاً من الدِّعص أغَتْه معارفَها ... نكباءُ تسحب أعلاه فينسحبُ
يذهب إلى أن النكباء ألبست معارف هذه الدمنة سيلا من الدعص فسفته عنه الصبا، فكذلك هذا
الرسم ألبسته الجنوب التراب والرمل فكشفته عنه الشمال. فمعنى هذا القول أن الرسم لم يدرس.
وقال أبو بكر محمد بن آدم العبدي: معنى قوله: لم يعف رسمها، لم يدرس من قلبي وهو في نفسه
دارس.
والرسم: الأثر بلا شخص، وجمعه أرسم ورسوم، كما يقال أبحر وبحور في جمع البحر. ومعنى لم
يعف: لم يدرس. يقال: عفا الأثر يعفو عَفواً وعُفُوا وعفاء. قال الشاعر
تَحمَّلَ أهلُها منها فبانوا ... على آثار مَنْ ذهبَ العفاءُ
ويقال: عفا الشيء يعفوا عفوا، إذا كثر. قال الله عز وجل: (حتَّى عَفَوْا) يريد: حتى كثروا. وقال
الشاعر:
ولكنَّا نُعِضُّ السيفَ منها ... بأسؤُقِ عافياتِ اللحمِ كُومِ
(1/21)

ويقال: أعفيت الشيء، إذا كثرته. جاء في الحديث: (أحفوا الشَّواربَ وأعفُوا اللحى). ويقال: عفا
فلان فلانا، إذا طلب نائله، وهو عاف وجمعه عفاة. قال الأعشى:
تَطوف العُفاةُ بأبوابه ... كَطَوف النَّصارى ببيت الوثنْ
والرسم رفع بيعف، ويعف مجزوم بلم، علامة الجزم فيه سقوط الواو. وقوله: (لما نسجتها من
جنوب وشمأل). ما في معنى تأنيث، والتقدير: للريح التي نسجت المواضع. والهاء تعود على
الدخول فحومل وتوضح والمقراة. ونسجت صلة ما، وما فيه يعود على ما. قال الشاعر:
ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ... مما يقومُ على الثَّلاث كسيرا
فمعناه: فما يزال كأنه من الخيل التي تقوم على ثلاث، ومن الأجناس التي تقوم على ثلاث. ويروى:
(لما نسجته من جنوب). فالهاء تعود على الرسم. وقال بعض أهل اللغة: يجوز أن تكون ما في معنى
المصدر، يذهب إلى أن التقدير لنسجها الريح، أي لما نسجتها الريح. ثم أتى بمن مفسرة فقال: (من
جنوب وشمأل). ففي نسجت ذكر الريح لأنها لما ذكر الريح لأنها لما ذكرت المواضع والنسج والرسم
دلت على الريح، فكنى عنها لدلالة المعنى عليها. قال الله عز وجل: (والنهار إذا جلاّها). أراد: إذا
جلى الظلمة، فكنى عن الظلمة ولم يتقدم ذكرها لذلك المعنى. قال الشاعر:
أماويّ ما يُغنى الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حشرجَتْ يوماً وضاق بها الصَّدر
أراد: إذا حشرجت النفس، فكنى عنها ولم يتقدم ذكرها؛ لان معناها مفهوم. ولم يجز أبو العباس أن
يكون (ما) في معنى المصدر، واحتج بأن الفعل يبقى بلا صاحب.
وفي الشمأل ست لغات: شمال بإثبات الألف من غير همزة، وشمأل بإثبات همزة بعد الميم، وشأمل
بإثبات همزة قبل الميم. قال الشاعر:
(1/22)

وهبت الشأمل البليل وإذْ ... باتَ كميعُ الفتاة مُلتفِعا
وشَمَل بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة. وقال عمر بن أبي ربيعة:
ألم تربعْ على الطلل ... ومَغنى الحيِّ كالخلَلِ
تُعفِّى رسمَه الأروا ... حُ مرُّ صَباً مع البشَّمَلِ
وشَمْل، بفتح الشين وإسكان الميم. قال الشاعر:
أتَى أبدٌ من دُون حِدثانِ عهدها ... وجرَّت عليها كلُّ نافجة شَمْلِ
وشمول بإثبات الواو. قال ابن ميادة:
ومنزلة أخرى تقادم عهدُها ... بذي الرّمث يعفوها صَباً وشَمولُ
(تَرى بَعَرَ الآَرآم في عَرَصاتها ... وقيعانها كأَنَّهُ حَبُّ فُلفُلِ)
الأرآم: الظباء البيض، واحدها رئم. والعرصات: جمع عرصة، وهي الساحة. والقيعان: جمع القاع،
وهو الموضع يستنقع فيه الماء. وروى هذا البيت أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو منحول لا يعرف،
وقال: الأعراب يروونه فيها.
(كأَنِّي غَداةَ البَينِ يَومَ تحمَّلُوا ... لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقفُ حَنْظَلِ)
السمرات: شجر له شوك. يقول: اعتزلت أبكى كأني ناقف حنظل. لأن ناقف الحنظل تدمع عيناه،
لحرارة الحنظل.
(وُقوفاً بها صَحبِي عليَّ مطِيَّهُم ... يقُولونَ لا تَهلِكْ أسىً وتَجَمَّلِ)
(1/23)

وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم، في الاعتلال لنصب (وقوفا) أربعة أقوال:
قال أبو العباس: كان أصحابنا يقولون: نصب وقوفا على القطع من الدخول فحومل وتوضح
فالمقراة. قال أبو العباس: وأنا أذهب إلى أن وقوفا نصب على المصدر لقفا. قال: والتقدير: قفا
كوقوف صحبي عليَّ مطيهم.
وقال بعض النحويين: نصب وقوفا على القطع من الهاء التي في نسجتها، كما تقول: مررت بها
جالسا ابوها، فتنصب جالسا على القطع من الهاء.
وقال آخرون: نصب وقوفا على الحال مما في نبك، والتقدير عندهم: قفا نبك حال وقوف صحبي
على مطيهم.
وقال بعض النحويين: نصب على الحال مما في يقولون، والتقدير عندهم: يقولون لا تهلك أسى
وتجمل في حال وقوف صحبي على مطيهم. هذا غلط؛ لان الظاهر في التقدير مؤخر بعد المكنى،
فالمكنى الذي في يقولون للصحب، ومعنى الصحب التأخير مع وقوف بعد يقولون، فلا يتقدم المكنى
على الظاهر.
وقال بعضهم: نصب وقوفا على الوقت، كأنه قال: وقت وقوف صحبي، كما تقول العرب: خرجنا
خروجكم. يريدون خروجنا وقت خروجكم. فهذا قول خامس.
وقال بعض أهل اللغة: التقدير بين الدخول فحومل فنوضح فالمقراة الوقوف بها صحبي، فلما أسقط
الألف واللام نصبه على القطع. وهذا يرجع إلى معنى القول الأول الذي حكاه أبو العباس. إلا أن
الفراء أنكر قول الذين يقولون: القطع ينتصب بسقوط الألف واللام منه، وقال: يلزمهم ألا يأتوا
بالقطع مع المكنى فلا يقولوا: أنت متكلماً أحسن منك ساكتا، إذ كانت الألف واللام لا تحسن في
متكلم، لأن أنت لا ينعت؛ لشهرته وتعريفه.
والصحب، موضعهم رفع بمعنى وقوف. وعلى صلة وقوف، والباء فتحت لاجتماع الساكنين.
والمطي منصوي بوقوف. وواحد الصحب صاحب، كما تقول للطائر طير، وللراكب ركب. وواحد
المطي مطية. والمطية: الناقة، وإنما سمى المطية لأنه يركب مطاها،
(1/24)

أي ظهرها. ويقال: إنما سميت
مطية لأنها يمطى بها في السير، أي يمد بها. يقال: مطوت بالقوم أمطو بهم مطوا، أي مددت بهم.
قال امرؤ القيس:
مَطَوتُ بهم حتى تكلَّ غُزاتُهمْ ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بارسانِ
فمعناه مددت بهم. ووزن مطية من الفعل فعيلة، اصلها مطيوة، فلما اجتمعت الياء والواو والسابق
ساكن جعلتا ياء مشددة. ويقال في جمع المطية مطيات ومطي ومطايا. قال جرير:
ألستم خيرَ من ركِب المطايا ... وأنْدى العالَمين بطونَ راحِ
وقوله: (يقولون لا تهلك أسى وتجمل) معناه يقولون لا تهلك حزنا. يقال قد أسيت على الشيء أسى
شديدا، إذا حزنت عليه. ويقال رجل أسيان من الحزن، وامرأة أسيا. ونصب (أسى) على المصدر،
لأن قوله لا تهلك في معنى لا تأس، فكأنه قال: لا تأس أسى. هذا قول الكوفيين. وقال البصريون:
نصب أسى لأنه مصدر وضع في موضع الحال، والتقدير عندهم: لا تهلك آسيا، أي حزينا. وموضع
(تهلك) جزم بلا على النفي. وموضع (تجمل) جزم على الأمر، والياء صلة لكسرة اللام، كما قال
زهير:
أمن أم أوفَى دِمنةٌ لم تَكلَّمِ ... بحَومانة الدَّرّاج فالمتثلِّمِ
فوصل الكسرة بالياء. والمعنى: لا تظهر الجزع ولكن تجمل وتصبر، وأظهر للناس خلاف ما في
قلبك من الحزن والوجد، لئلا يشمت العواذل والعداة بك، ولا يكتئب لك الأوداء.
(وإِنَّ شِفائي عَبْرةٌ مُهَراقةٌ ... فَهَلْ عِندَ رسمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ)
ويروى: (وإن شفائي عبرة أن سفحتها). ومعنى سفحتها صببتها، قال الله عز وجل: (أو دَماً
مَسفوحاً)، يريد مصبوبا. وقال الشاعر:
(1/25)

أقول ونضوِي واقفٌ عند رمسها ... عليك سلامُ الله والعينُ تسفحُ
العبرة: الدمعة. والعُبْر والعَبَر: سُخنة العين. ومعنى قوله مهراقة: مصبوبة يقال أرقت الماء فأنا
أريقه إراقة. وهرقت الماء أهريقه. ومن العرب من يقول: أهرقت الماء فيزيد ألفا قبل الهاء. ووزن
أرقت أفعلت، أصله أريقت، فألقيت فتحة الياء على الراء، وصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، وسقط
الألف لسكونها وسكون القاف. ومن قال هرقت الماء قال: قدرت العرب أن الهمزة فاء من الفعل
فأبدلوا منها هاء، كما قالوا إبرية وهبرية، للذي يسقط من الرأس من الوسخ. وكما قالوا في الإغراء:
إياك إياك، وهياك هياك. والذين قالوا أهرقت الماء قدروا أن الهاء فاء من الفعل، فزادوا عليها الألف.
ووزن مهراقة من الفعل مفعلة، أصلها مريقة، فألقوا فتحة الياء على الراء فصارت الياء ألفا لانفتاح
ما قبلها وزادوا قبل الراء الهاء التي في هرقت الماء. وقوله: (فهل عند رسم دارس من معول) أن
قال قائل: كيف قال في البيت الأول لم يعف رسمها فخبر أن الرسم لم يدرس، وقال في هذا البيت:
(عند رسم دارس)؟ قيل له: في هذا غير قول، قال الأصمعي: قد درس بعضه وبقى بعضه ولم يذهب
إلى كله، كما تقول: قد درس كتابك، أي ذهب بعضه وبقى بعضه. وقال أبو عبيدة: رجع فأكذب نفسه
بقوله: (فهل عند رسم دارس)، كما قال زهير:
قف بالديار التي لم يَعفُها القِدمُ ... بلى وغيَّرها الأرواحُ والدّيَمُ
وقال آخرون: ليس قوله في هذا البيت (فهل عند رسم دارس) بناقض لقوله (لم يعف رسمها) لأن
معناه لم يدرس رسمها من قلبي وهو في نفسه دارس. وقالوا: أراد زهير في بيته: قف بالديار التي لم
يعفها القدم من قلبي، ثم رجع إلى معنى الدروس فقال: (بلى وغيرها الأرواح والديم). وقال آخرون:
معنى (فهل عند رسم دارس) الاستقبال كأنه قال: فهل عند رسم سيدرس بمرور الدهر عليه، وهو
الساعة باق، كما تقول: زيد قائم غدا، معناه: زيد يقوم غدا. قال الراجز
(1/26)

يأيُّها الفُصَيِّل المغنِّى ... إنك ريَّان فصَمِّتْ عَنِّي
تكفى اللَّقوحَ أكْلةٌ من ثِنِ ... حتى تُوَفّى غيضَها بسنِّ
فمعنى ريان ستروى فيما يستقبل. ومعنى البيت: يا أيها الفصيل أمسك عن طلب اللبن، وسكِّت
الاضياف عنى بإيثاري إياهم باللبن عليك، فإنما تعتلف أمك أكلة من هذا النبت فيرجع إليها ما نقص
من لبنها وتروى. فريان في تأويل مستقبل لهذا.
ومعنى قوله: (من معول) من مبكى. أخذ من العويل، وهو صياح. يقال: قد أعول الرحل فهو معول،
إذا فعل ذلك. قال الشاعر:
بكت عيني وحُقّ لها بُكاها ... وما يغنى البُكاءُ ولا العويلُ
وقال آخرون: معنى قوله من معول: من أمر يعول عليه، وهو كل أمر يعتمد عليه وينفع. ويقال
معنى قوله من معول: من محمل. يقال: عول على فلان، أي احمل عليه. أنشدنا أبو العباس عن ابن
الأعرابي:
أتيت بنى عمى ورهطي فلم أجِدْ ... عليه إذا اشتدَّ الزمانُ معوَّلا
يقول: فهل يحمل على الرسم ويعول عليه ويكلم. وأي شيء أدرس من هذه المنازل إذا لم ير فيها
إلا موتى.
(كَدأْبكَ منْ أُمِّ الحُوَيْرثِ قَبْلَها ... وجارتِها أُمِّ الرَّبابِ بمأْسَلِ)
الكاف صلة للكلام الذي قبلها. والمعنى: أصابك من هذه المرأة من التعب والنصب كما أصابك من
هاتين المرأتين. وفيه قول آخر: وهو أن يكون المعنى: لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك
أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها. قال
(1/27)

الله تبارك وتعالى: (كدأب آلِ فِرعَوْن). فالكاف صلة
للكلام الذي قبلها، والمعنى: كفرت اليهود ككفر آلِ فرعون. وروى أبو عبيدة: (كدينك من أم
الحويرث قبلها) يريد: كدأبك وحالك وعادتك. قال الشاعر:
يا دينَ قلبكَ من أسماء يا دِينا
يريد: يا حال قلبك وعادته. ويروى: (يا دين قلبك من أسماء) على معنى: يا هذا، دين قلبك من
أسماء، أي استعبد قلبك. وقال الآخر:
تقول وقد درأتُ لها وَضِيني ... أهذا دينُه أبداً وديني
أكُلَّ الدَّهر حَلٌّ وارتحالٌ ... أمَا يُبْقى علىَّ ولا يقيني
والدين ينقسم على خمسة أقسام: يكون الدين الحال والعادة والدأب، تقول العرب: ما زال ذاك دأبه
وحاله وعادته، ودينه، وديْدنه وديْدانه، وهجيراه وإهجيراته. قال الشاعر:
رمَى فأخطأ والأقدارُ غالبةٌ ... فانصَعْن والويل هِجيِّراهُ والحَرَبُ
والديدبون: طريق اللهو واللعب. ويكون الدين الحساب. قال عز وجل: (يسَألون أَيَّانَ يَوْمُ الدين)،
فمعناه أيان يوم الحساب. ويكون الدين الجزاء في الخير والشر، يقال: (كما تدين تدان)، أي كما
تصنع يُصنع بك. وقال الآخر:
واعلمْ وأيْقِنْ أن مُلكَك زائلٌ ... واعلم بأنَّك ما تَدين تُدانُ
أي كما تصنع يُصنع بك. وقال الآخر:
(1/28)

فلما صرَّح الشَّرُّ ... فأمسى وَهْوَ عُريانُ
ولم يبقَ سوِى العُدوا ... ن دِنَّاهمْ كما دانوا
أي جازيناهم. ويكون الدين الطاعة، قال الله عز وجل: (ما كانَ ليأخُذَ أخاهُ في دِين المَلِك)، أي في
طاعة الملك. ويكون الدين السلطان، قال زهير:
لئن حللت بجوٍّ في بنى أسد ... في دِين عمرو وحالتْ بيننا فَدَكُ
وفي الدين وجه سادس، وهو الذل والعبودية. جاء في الحديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت)، يريد من استعبد. وقال الأعشى:
هو دانَ الرِّبابَ إذْ كرهوا الدي ... نَ دِراكاَ بغَزْوة وصِيالِ
ثم دانَتْ بعدُ الربابُ وكانت ... كعذابٍ عقوبةُ الأقوال
أراد: هو استعبد الرباب. وقال القطامي:
رَمَت المَقاتلَ من فؤادي بعدما ... كانت نَوَارُ تدينك الأديانا
أي تستعبدك بحبها. وقال هشام بن محمد الكلبي: أم الحويرث هي هر أم الحارث بن حصن بن
ضمضم الكلبي. وقال غيره: أم الحويرث وأم الرباب: امرأتان من كلب. ومأسل: موضع.
وأم الحويرث مخفوضة بمن، وقيل منصوبة على الصفة، والجارة منسوقة على أم الحويرث، وأم
الرباب مترجمة عن الجارة.
(إِذا قامتا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهُما ... نَسِيمَ الصَّبَا جاءَتْ برَيَّا القَرنفُلِ)
ما في قامتا يعود على أم الحويرث وأم الرباب. وتضوع جواب إذا. ومعنى تضوع. أخذ كذا وكذا،
وهو تفعَّل تضوّع من ضاع يضُوع. يقال للفرخ إذا تسمع صوت أمه فتحرك: ضاعه صوت أمه
يضوعه ضوعا. قال الهذلي:
(1/29)

فُرَيخان ينضاعَان في الفَجر كلّما ... أحسَّا دَوِىَّ الماء أو صوتَ ناعبِ
والهاء في (منهما) تعود على قامتا. ونسيم الصبا: تنسمها، وهو هبوبها بضعف. قال المجنون:
لَهِنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمَتْ ... على كِبدِ مَحزون تجلَّتْ همومُها
والنسيم منصوب على المصدر، والمسك مرفوع بتضوع. وقال الفراء: المسك مذكر فإذا أنث فإنما
يذهب إلى الريح. وقال غيره: المسك والعنبر يذكران ويؤنثان. وأنشدوا في تأنيثهما:
والمسك والعنبر خيرُ طيب ... أخذناهنّ بالثمَنِ الرَّغيب
وقال الأعشى في تذكيرها:
إذا تَقومُ يَضُوعُ المسك آونةً ... والعنبر الوَرْدُ من أردانها شَمِلُ
والنسيم مضاف إلى الصبا، وجاءت صلة الصبا، وما فيه يعود على الصبا. وإنما جاز للصبا أن
توصل لأن هبوبها يختلف فيصير بمنزلة المجهول، فيوصل كما يوصل الذي. قال الله عز وجل:
(كمثلَ الحمار يَحمل أسفاراً) فيحمل صلة الحمار، والتقدير كمثل الحمار الذي يحمل أسفاراً. والباء
من صلة جاءت. وريا القرنفل: ريح القرنفل ولا تكون الريا إلا ريحا طيبة. قال الشاعر:
لَعمرُكَ ما أن طِبتَ إلاَّ وقد جرى ... برَيَّاك من ريَّا الحبيبِ نَسيمُ
ويروى:
إذا التفتَتْ نَحوِي تضوَّع ريحُها ... نسيمَ الصبَّا جاءت بريا القرتفُلِ
(1/30)

(فَفَاضَت دُموعُ العَينِ مِنىِّ صبَابةً ... عَلَى النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعِيَ مِحْمَلي)
قوله (ففاضت) معناه: فسالت. والصبابة: رقة القلب، ورقة الشوق. يقال: فلان صب بفلان، وقد
صب يصب. قال الشاعر:
يَصَبُّ إلى الحياة ويشتهيها ... وفي طول الحياةِ له عَناءُ
والصبابة منصوبة على المصدر، كما تقول: أقبل عبد الله ركضا، فتنصب ركضا على المصدر،
والتقدير ركض عبد الله ركضا. قال الشاعر:
يعجبه السَّخُونُ والعصيدُ ... والتَّمرً حباًّ ما له مَزيدُ
نصب الحب على المصدر، والتقدير: يحب السخون حبا. قال امرؤ القيس:
فصرنا إلى الحُسْنىَ ورقَّ كلامُنا ... ورُضْت وَذلَّتْ صَعبةً أيَّ إذلالِ
فنصب أي على المصدر، لان التقدير وأذللت أي إذلال. وقال الله عز وجل: (أنْبتَكُمْ مِن الأرضِ
نَباتاً). نصب النبات على المصدر، لان التقدير: نبتم نباتا. والمحمل: السير الذي يحمل به السيف،
والجمع على غير قياس حمائل. وليس للحمائل واحد من لفظها، ولو كان لها واحد لكان حميلة، ولكان
لم يسمع واحدها من العرب. وكذا قولهم: مطايب الثور والجزور، لا واحد للمطايب من لفظها. وقال
الشاعر في المحمل:
فارفضَّ دمعُكَ فوق ظهر المِحْمَلِ
أخرى: (وارفضَّ).
(1/31)

(أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ منهنَّ صالحٍ ... ولا سيَّما يَومٌ بدارةِ جُلجُلِ)
الافتتاح للكلام، ورب فيها لغات، أفصحهن ضم الراء وتشديد الباء. قال الله عز وجل: (رُبَّما يَوَدُّ
الذين كَفَروا لو كانوا مُسْلِمِين). وقال الأعشى:
رُبَّ رِفدٍ هرَقْتَه ذلك اليو ... مَ وأسرَى كأنَّهنَّ السَّعالي
وشيوخٍ حرَبَى بشطَّيْ أريكٍ ... ونساءٍ كأنَّهنَّ السَّعالي
ومن العرب من يضم الراء ويخفف الباء فيقول: رُبَ رجلٍ قائم. قرأ أهل الحجاز: (رًبَما يودُّ الذين
كَفَروا)، بتخفيف الباء. وقال الفراء: قال قيس بن الربيع عن عاصم: قرأت على زرر بن حبيش:
(رُبَّما) بالتشديد، فقال: إنك لتحب الرب (رُبمَا) فخفف. وقال الشاعر في التخفيف:
أشيَبْان ما أدراكَ أن رُبَ ليلةٍ ... غبقتكَ فيها والغَبوُق حَبيبُ
وقال الآخر:
رُبَ ذِي لِقَاحٍ وَيْبَ أمِّك فاحشٍ ... هاعٍ إذا ما النَّاسُ جاعُول وأجدَبُوا
وقال الآخر:
عُلِّقتُها عَرَضاً وأقتلُ قَومَها ... رُبَ مَزْعَم للمرءِ ليسَ بمزعَمِ
ومن العرب من يفتح الراء من رُبَّ ويشد الباء، فيقول: رَبَّ رجل قائل. وزعم الكسائي إنه سمع
التخفيف في المفتوحة. ومن العرب من يدخل معها تاء للتأنيث ويشدد الباء، فيقول: رُبَّت رجل قائم.
قال الشاعر:
ماويَّ بل رُبَّتَما غارةٍ ... شَعواءَ كاللَّذْعة بالميسمِ
(1/32)

ويجوز أن تخففها فتقول رُبَتَ رجل قائم. والمعنى: ألا رب يوم كان فيه لك سرور وغبطة.
واليوم مخفوض برب، واللام صلة لليوم، ومن صلة اللام، كما تقول: مررت برجل في الدار خلفك،
فتجعل في صلة رجل، وخلفك صلة في. ولا يجوز أن تكون اللام ومن صلتين لليوم، لأن الرسم لا
يوصل بصلتين، لا يجوز أن تقول مررت برجل قام قعد. ويجوز أن تكون اللام صلة صالح، ومن
صلة اللام. وصالح صلة لليوم مشبه بالنعت، من قبل إنه تبع اليوم، والصلات لا تتبع الأسماء.
وقوله: (ولا سيما يوم بدارة جلجل) معناه التعجب من فضل هذا اليوم، أي هو يوم يفضل الأيام،
والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم. فما بمعنى الذي، واليوم مرفوع بإضمار هو. ويروى (ولا سيما يوم)
فاليوم مخفوض بإضافة سي اليه، وما صلة. ويقال سيَما وسيَّما، بالتخفيف والتشديد. ويقال: هذا سي
هذا، أي مثل هذا. ويقال: هما سيان، أي مثلان.
ودارة جلجل: قام هشام بن الكلبي: هي عند غمر ذي كندة وقال الأصمعي وأبو عبيدة: دارة جلجل
هي في الحمى. ويقال: دار ودارة، وغدير غديرة، وإزار وإزارة. والباء في قوله: (بدارة جلجل)
صلة لليوم.
(ويَوْمَ عَقَرْتُ للعَذارَى مَطَّيتي ... فيا عجَبَا لرَحْلها المتَحمِّلِ)
اليوم موضعه رفع على الرد على اليوم الذي بعد سيما، إلا إنه نصب في اللفظ، لأنه مضاف غير
محض. قال الله عز وجل: (وما أدراكَ ما يومُ الدين. ثم ما أدراكَ
(1/33)

ما يومَ الدين. يومَ لا تَملِكُ نفسٌ شيئاً)، فموضع اليوم رفع، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. قال الشاعر:
مِن أيِّ يومَيَّ من الموتِ أفغِرّ ... أيَومَ لا يُقْدَرُ أم يومَ قُدِرْ
فاليوم الذي بعد الألف وبعد أم مخفوض على الرد على اليومين الأولين. وقال الآخر:
على حينَ انحنيتُ وشابَ رأسي ... فأيَّ فتىً دعوتَ وأيَّ حينِ
وقال الآخر:
على حينَ عاتبتُ المَشِيب على الصبِّا ... وقُلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازِعُ
ومن روى البيت الأول: (ولاسيما يومٍ) قال: موضع ويوم عقرت خفض على النسق على اليوم
الأول، إلا إنه نصب لأن إضافته غير محضة. وقال الفراء: لا يجوز أن يكون (يوم عقرتُ) مردودا
على قوله (ألا رب يوم لك منهن صالح)، لأنه مضاف غير محض وهو معرفة، فلا يجوز لرب أن
تقع على المعارف. وقال غير الفراء: اليوم منصوب بفعل مضمر، كأنه قال: وأذكر يوم عقرتُ.
وقالوا: معناه التعجب.
قال أبو بكر: والقول الأول عندي أقيس، لأنا نضمر إذا لم يمكنا النسق، فإذا أمكننا فليس بنا حاجة
إلى الإضمار.
ويقال: العذارَى والعذارِى، والصحارَى والصحارِى، والذفارَى والذفارِى. ومطيته: ناقته. ويقال حمر
مصارٍ ومصارَى: منسوبة إلى مصر؛ ودجاج بحارٍ وبحارَى: منسوبة إلى البحر.
وقوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل) معناه: فعلت هذا لسفهي في شبابي. ثم أقبل يخبر فقال: فظل
العذارى يرتمين. ويقال معنى قوله: (فيا عجبا لرحلها المتحمل): العجب لهن ومنهن كيف أطقن حمل
الرحل في هودجهن، فكيف رحلن إبلهن على تنعمهن ورفاهة عيشهن، ورخص أبدانهن.
(1/34)

(فظَلَّ العَذارَى يرتَمِينَ بلَحْمِها ... وشَحمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ)
العرب تقول: ظل فلان يفعل كذا وكذا، إذا فعله نهارا؛ وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلا. وظل من
الفعل فعل، ويظل يفعل، كان الأصل فيهما ظلل يظلل، فكرهت العرب أن يجمع بين حرفين
متحركين من جنس واحد فأسقطوا حركة الحرف الأول وأدغموه في الثاني، كما قالوا صم يصم،
والأصل فيه صمم يصمم، فأسقطوا حركة الميم الأولى وأدغموها في الثانية لما ذكرنا.
والعذارى موضعهن رفع بظل، كان الأصل فيهن العذارى، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفتها، لأن
الضمة إعراب والياء قد تكون إعرابا، فكرهوا أن يدخلوا الضمة عليها لهذه العلة. وخبر ظل ما عاد
من يرتمين من ذكر العذارى، والنون علامة الرفع والجمع والتأنيث.
وقال أبو عبيدة: معنى قوله (يرتمين بلحمها): يتهادينه ويناول بعضهن بعضا. والدمقس والمدقس:
كل ثوب أبيض من كتان أو إبريسم أو قز. وقال قوم: شبه شحم هذه الناقة وهؤلاء الجوارى
يترامينه، أي يتهادينه، بهدأب الدمقس، وهو غزل الإبريسم المفتول.
وقال الأصمعي: الهداب الهدب. والدمقس: الحرير. كانوا يتخذون قطفا من حرير يركبون عليها،
وكانت حواشيها مما يلي الهداب منها بيضا. فشبه بياض اللحم ولينه ونعمته بذلك. يقال هداب
وهدب.
وقال ابن حبيب: شبَّه اللحم في بياضه بالدمقس. وقد يكون أن يحتذبنه ليلقم بعضهن بعضا. فشبه
رقه الهدب به.
وقال السجستاني: ثم اقبل يخبر أنهن كن يرتمين بلحمها وشحمها، يرمى بعضهن بعضا به، شهوة
له.
(1/35)

وقال غيره: المعنى: بذلت لحم راحلتي لهن، فهن يطرحنه على النار.
والباء صلة يرتمين. ويرتمين يفتعلن من الرمي. والشحم منسوق على اللحم. والكاف في موضع
خفض لأنها نعت للشحم، كأنك قلت: وشحم مثل هداب، كما تقول: مررت برجل كالشمس، أي مثل
الشمس. والمفتل نعت للدمقس.
(ويَومَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فقالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرجِلِي)
اليوم منسوق على قوله: (ويوم عقرت)، يجوز فيه ما جاز فيه، وهو منصوب من قول قوم من
النحويين بفعل مضمر، كأنك قلت: واذكر يوم عقرت. والخدر منصوب بدخلت، وخدر عنيزة مترجم
عن الخدر الأول. وعنيزة مخفوضة بإضافة الخدر إليها، وكان ينبغي أن ينصبها بلا تنوين، لأنها لا
تُجرى، كما تقول نظرت إلى فاطمة وعائشة، ولكنه خفضها بتنوين لضرورة الشعر. وعنيزة هي
المرأة التي كانت حملته في هودجها فكان يحاول منها ما يحاول، فتمايل الهودج مرة به ومرة بها
فتقول له عند ذلك: لك الويلات إنك مرجلي.
قال ابن الكلبي: لا أعرف عنيزة. وقال الأصمعي: عنيزة لقب لفاطمة. وقال أبو نصر: عنيزة
امرأة. وقال ابن حبيب: إنما الرواية: (ويوم دخلت الخدر يوم عنيزة)، وقال: عنيزة: هضبة سوداء
بالشحر ببطن فلج. والدليل على أن عنيزة موضع قوله: (أفاطم مهلا).
وقوله: (لك الويلات) فيه قولان: أحدهما أن يكون دعاء منها عليه في الحقيقة، اذ كانت تخاف أن
يعقر بعيرها. والقول الآخر: أن يكون دعاء منها له في الحقيقة، كما تقول العرب للرجل إذا رمى
فأجاد: فاتله الله ما أرماه! قال الشاعر:
لك الويلاتُ أقدِمنْا عليهم ... وخير الطالبي الترةِ الغَشومُ
وقالت الكندية ترثي اخوتها:
هَوتْ أمُّهمْ ماذا بهم يوم صُرِّعوا ... ببَيْسانَ من إثباتِ مَجدٍ تصرَّما
(1/36)

فقوله: (هوت أمهم) دعاء عليهم في الظاهر، وهو دعاء لهم في الحقيقة.
وقوله: (إنك مرجلي) قال الأصمعي: دخل معها في الهودج فقالت: إنك تعقر بعيري فتدعني ذات
رجلة! والهودج، هو الخدر، ومن ثمة قيل: أسد خادر ومخدر، أي في أجمة مثل الخدر. يقال رجل
الرجل يرجل رجلا، وأرجله إرجالا.
وقال أبو عبيدة: إنما قال: (عقرت بعيري) ولم يقل ناقتي، لأنهم يحملون النساء على الذكور، لأنها
أقوى وأضبط.
والبعير يقع على المذكر والمؤنث. قال هشام: العرب تقول: اسقني لبن بعيرك، يريدون لبن ناقتك.
(تقولُ وقد مَالَ الغَبيطُ بنا معاً ... عَقَرْتَ بَعيرِي يا امْرأَ القيسِ فانْزلِ)
ما في تقول يعود على عنيزة في قول من زعم إنها امرأة، والواو واو حال، كأنه قال: تقول وهذه
حالها، كما تقول: ضربت زيدا وقد قام، أي وهذه حاله. وإنما جاز لمال أن تكون حالا لأن قد
صحبته، فصار بمعنى مائل، كما تقول: قد قام عبد الله وقاعد، فتنسق بقاعد على قد قام، لأنه بمنزلة
قولك قائم عبد الله وقاعد.
وقال الفراء: إذا قلت: قد اضطرب فلان، فهو مثل قولك: مضطرب فلان وأنشد:
أمِّ صبِيٍّ قد حبا أو دارجِ
قال الله عز وجل: (أو جاءوكم حَصِرِتْ صُدورُهم)، فمعناه قد حصرت،
(1/37)

لأن الماضي لا يكون حالا إلا بقد. وقد قرأ الحسن رحمه الله تعالى: (حَصِرة صُدورهم).
و (الغبيط) قال أبو عمرو الشيباني: هو الهودج بعينه. وقال الأصمعي: قتب الهودج. وقال غيرهما:
هو مركب من مراكب النساء. ومعا منصوب على الحال من النون والألف، والعامل فيه مال، كأنه
قال: وقد مال الغبيط بنا جميعا، كما تقول: قام الزيدان معا، أي قاما جميعا. وقوله: (عقرت بعيري)
قال الأصمعي: معناه تركت بعيري عقيرا.
وامرؤ القيس منصوب لأنه منادى مضاف. وانزل موضعه جزم على الأمر، إلا إنه كسر اللام
للقافية ووصل كسرة اللام بالياء، كما قال زهير:
أمِنْ أمِّ أوْفَى دِمنةٌ لم تَكَلَّم ... بحَومانة الدَّرَّاج فالمتثلِّمِ
(فقُلْتُ لها سِيرِي وأَرخى زِمَامَه ... ولا تُبعِديني مِنْ جَنَاكِ المُعَلِّلِ)
الهاء تعود على عنيزة. وقال الأصمعي: المعنى هوني عليك لا تبالي أعقر أم سلم. وقوله: (من
جناك) قال الأصمعي: جعلها بمنزلة شجرة لها جنى، فجعل ما يصيب من رائحتها وحديثها وقبلها
بمنزلة ما يصيب من رائحة الشجرة وثمرها. والمعلل: الشاغل الذي يعللني ساعة بعد ساعة، ويقال
للمعلل الملهى.
وموضع سيري جزم بتأويل لام ساقطة، كأنه قال: لتسيري، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، لأن
الأصل سيرين، وكذلك (أرخة زمامه). وقوله: (ولا تبعديني من جناك) موضع تبعديني جزم على
النهي بلا، وعلامة الجزم فيه سقوط النون، وكان الأصل تبعديني. والجنى مخفوض بمن، والمعلل
نعته.
(1/38)

وجنى النخل والشجر: ما اجتنى من ثمرها، قال الله عز وجل: (وجَنَى الجَنَّتَيِنِ دَان). وقال الشاعر:
وطيبُ ثمارٍ في رياضٍ أريضةٍ ... وأغصانُ أشجار جناها على قُربِ
(فَمِثْلِكِ حُبْلَى قد طَرَقْتُ ومُرضِعٍ ... فأَلْهَيْتُها عَنْ تَمائِمَ مُحْوِلِ)
فمثلك، مخفوضة بإضمار رب، كأنه قال: فرب مثلك. قال الشاعر:
ومنهلٍ فيه الغراب مَيْتُ ... سَقيتُ منه القومَ واستقيتُ
أراد: رب منهل، فحذف رب وأقام الواو مقامها. وقال الآخر:
رسِم دارٍ وقَفْتُ في طَلَلهْ ... كِدتُ أقْضِى الحياةَ مِن جَلَلِهْ
أراد: ورب رسم، فأسقط رب وأسقط الواو التي تخلفها، وقال الآخر:
مِثِلكِ أو خَيْرٍ تركتُ رذِيَّةً ... تقلِّب عينَيها إذا طار طائرُ
وحبلى خفض على الاتباع لمثل، لان مثلا تأويلها تأويل النكرة ولفظها لفظ المعرفة، فتبعتها حبلى
وهي نكرة من اجل تأويلها. وقد طرقت صلة حبلى، والهاء المضمرة تعود عليها كأنك قلت: قد
طرقتها. والمرضع مخفوضة على النسق على الحبلى، ويجوز
(1/39)

أن يكون حبلى منصوبة على القطع من مثل، لأن لفظها لفظ المعرفة. ويجوز نصب مرضع من وجهين: أحدهما أن تنسقها على الحبلى،
والوجه الآخر أن تنسقها على الهاء المضمرة، أي طرقتها وطرقت مرضعا. ولم يرو النصب أحد.
قال الأعشى:
ومثلِكِ مُعجبَةً بالشَّبا ... بِ صاكَ العبيرُ بأجسادها
فنصب معجبة على القطع من مثل، لان لفظها لفظ المعرفة، ويجوز الخفض لان تأويلها النكرة. قال
امرؤ القيس:
ومثلِكِ بيضاءَ العوارض طَفْلَةً ... لعُوبًٍ تنِّسيني إذا قُمتُ سربالي
زعم الكسائي أنهم ربما نصبوا بيضاء العوارض طفلة، ثم يخفضون لعوبا. ويجوز خفض بيضاء
العوارض طفلة ونصب لعوب. ويروى: (فمثلك بكراً قد طرقتُ ومرضع) فالبكر منصوبة على القطع
منمثل، والمرضع مخفوضة بالواو التي خلفت رب، كأنك قلت: ورب امرأة أخرى ترضع ولدها قد
طرقتها. وقال الأصمعي: معنى قوله: (فمثلك حبلى قد طرقت) أن الحبلى لا تريد الرجال ولا
تشتهيهم، يقول: فهي ترغي فيّ لجمالي. وكل حامل تمنع الذكر إلا المرأة. وقوله: (طرقت) معناه
أتيتها فغلبتها على نفسها حتى لهيت عن ولدها. ويقال: طرقت الرجل، إذا أتيته ليلا. ولا يكون
الطروق إلا بالليل. قال الله عز وجل: (والسَّماءِ والطارقِ) فالطارق: النجم، سمى طارقا لأنه يطرق
بالليل. قال جرير:
طرقَ الخيَالُ لأمِّ حزَرْة مَوهِناً ... ولَحَبَّ بالطَّيف الملمِّ خيَالا
(وقالت هند بنت عتبة):
نحنُ بناتُ طارقِ ... نمشي على النَّمارقِ
تريد: نحن بنات النجم في الحسن والعز. وقوله: (عن ذي تمائم محول). قال أبو عبيدة: التمائم:
العوذ، واحدتها تميمة. والمعنى: ألهيتها عن صبي ذي تمائم. ويقال: لهى الرجل عن الشيء يلهى، إذا
غفل عنه وأعرض. يقال في مثل: (إذا استأثر الله بشيء فاله عنه)، أي أعرض عنه. يقال: لهوت
من اللهو ألهو لهواً.
(1/40)

وقال أبو عمرو: المحول: الذي قد أتى عليه حول، يقال أحال إذا أتى عليه حول، وهو محيل
ومحول. وروي الأصمعي وأبو عبيدة:
فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُغْيِلِ
وقال الأصمعي: المغيل: الذي تؤتى أمه وهي ترضعه. يقال امرأة مغيل، ومغيل. وقد أغالت
وأغيلت، إذا سقت غيلا. والغيل: أن يرضع على حمل، أو تؤتى أمه وهي ترضعه.
وذكرت امرأة ابنها فقالت: (والله ما حملته وضعا - ويروى ما حملته تضعا - ولا ولدته يتنا، ولا
أرضعته غيلا، ولا أبته مئقا). فالوضع: أن تحمل به في آخر طهرها في مُقبل الحيض. ويقال للولد
وضع وتضع. واليتن والأتن والوتن: أن تخرج رجل المولود قبل رأسه. ويقال: أتنت المرأة وأيتنت
وأوتنت، اذا نالها هذا. قال عيسى بن عمر: سألت ذا الرمة عن شيء ليس على جهة فقال: أتعرف
اليتن؟ فقلت: نعم. قال: فكلامك هذا يتن، كأنه مقلوب. ويقال ألهيت الرجل عن الشيء ألهيه، إذا
شغلته عنه. ولهى الرجل عن الشيء يلهى. (ولا أبته مئقا)، معناه ما أبته ينشج من البكاء. وينشج:
يردد الصوت بالبكاء. وأبته من البيتوتة. ومثل للعرب: (أنت تئق وأنا مئق، فكيف نتفق)، أي أنت
ممتلئ غضبا وأنا سريع البكاء، فلا نتفق لهذا. ومن ذلك قول الناس: هو أحمق مائق. في المائق
قولان: أحدهما أن يكون معناه كمعنى الأحمق، والقول الآخر أن يكون المائق السيئ الخلق، فيكون
مأخوذا من الباب الذي ذكرناه.
(1/41)

(إِذا ما بَكَى مِنْ خَلْفِها انصرفَتْ له ... بشِقٍّ وتحتي شِقُّها لم يُحوَّلِ)
يقول: كانت تحتي، فإذا بكى الصبي انصرفت له بشق ترضعه وهي تحتي بعد. وإنما تفعل هذا لأن
هواها معي. وروى أبو عبيدة:
إذا ما بكى مِن خلفها انحرَفت له ... بشِقً وشِقٌّ عندنا لم يُحلحَلِ
أي لم يحرك. وما صلة، كأنه قال: إذا بكى. وما في (بكى) يعود على ذي تمائم. وانصرفت جواب
إذا، والهاء في له يعود على ما في بكى. ويروى: (إذا ما بَكَى من حُبِّها).
(ويَوْماً على ظَهْر الكَثِيبِ تَعذَّرَتْ ... عَلَّى وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ)
اليوم منصوب بتعذرت، وعلى صلة اليوم. والكئيب: رمل مجتمع. (وتعذرت): تشددت. ويقال:
تعذرت الحوائج عند فلان، أي تعسرت. و (آلت): حلفت. ويقال ألوة، وألية، وألوة. وقوله: (ويوم
على ظهر الكثيب). وقال السجستاني: تعذرت أصله من العذر، أي لم نجدها على ما نريد.
(أَفَاطِمَُ مَهْلاً بعضَ هَذَا التَّدلُّلِ ... وإِنْ كُنْتِ قد أَزمَعْتِ صُرْمى فأَجْمِلي)
قوله (أفاطم)، معناه يا فاطم. وفي الاسم المنادى تسع لغات: يقال يا فاطم بإثبات يا، ويقال فاطم
بإسقاط يا، قال الله عز وجل: (يا آدَمُ أنبئْهُمْ بأسمائهم) فأثبت يا، وقال في موضع آخر: (يوسُفُ
أعرِضْ عن هذا). ويقال: وافاطم، ويقال أيضا: أفاطم، ويقال آفاطم بهمزة بعدها ألف، ويقال أيْ
فاطم. أنشد الفراء:
ألم تسمعي أيْ عَبْدَ في رَونق الضُّحى ... بكاءَ حَمامات لهنَّ سَجيعُ
(1/42)

ويقال: آي فاطم، بإثبات ألف وياء بعد الهزة. قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: آي أمة، وأخرى،
أي أمه. ويقال: أيا فاطم. قال الشاعر:
أيا بانةَ الوادي أليس بليةً ... من العيش أن تُحمَى على ظِلالُكِ
وقال الآخر:
أيا عمرو لا تعذُلْ محباًّ ولا تُعنْ ... على لَومِهِ، أن المحبَّ أسيرُ
ويقال: هيا فاطم. أنشد الفراء:
هيا أمَّ عمرو هل ليَ اليومَ عندكمْ ... بِغَيْبةِ أبصارِ العُداةِ سبيلُ
وأراد بقوله أفاطم يا فاطمة، فأسقط الهاء وترك الميم مفتوحة، كما يقال في ترخيم بثينة وخديجة: يا
بُثين أقبلي، ويا خديج اقعدي. قال الشاعر):
بُثَينَ الزمِي لا أن لا أن لزمِته ... علَى كثرة الواشين أي مَعونِ
ويجوز في العربية: أفاطمُ بضم الميم، على أن تجعله اسما فترفع آخره، كما ترفع آخر زيد وعمرو
إذا ناديتهما. أجاز النحويون: يا بثينُ أقبلي ويا خديجُ اقعدي. وأنشد الفراء لذي الرمة:
فيا مَيَّ ما يُدرك أين مُناخنا ... مُعَرَّقةَ الألْحِى يمانِيَةً سُجْرا
وقال الفراء: يا فاطمةُ أقبلي ويا فاطمةَ أقبلي، فمن قال يا فاطمةُ هو نداء مفرد مرفوع، ومن قال يا
فاطمةَ كان لد مذهبان: أن تقول أردت أن أقول يا فاطم بالترخيم فرددت التاء وقدَّرت فيها فتح
الترخيم؛ والمذهب الآخر أن يقول: أردت يا فاطمتاه، فأسقطت الألف والهاء وتركت التاء على
فتحتها. قرأت القراء: (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا) على معنى يا بنياه. قال أبو بكر: وأنشدني أبو العباس
للنابغة:
كِلِيني لهمٍّ يا أميمةَ ناصِبِ ... وليلٍ أقاسيهِ بطئِ الكواكبِ
(1/43)

وذكر أبو العباس في فتح أميمة الوجهين اللذين ذكرهما الفراء. ويروى: (أفاطم أبقى بعض هذا
التدلل. وأبقى موضعه جزم، لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون، وهمزت الألف في الوصل لأنها
ألف قطع، والدليل على ذلك أن الماضي على أرعة أحرف والمستقبل مضموم الأول، فالماضي بقى
والمستقبل يُبقى. وبعض منصوب ببقى، وهذا مخفوض بإضافة بعض إليه، والتدلل تابع لهذا.
ويروى: (أفاطم مهلا بعض هذا التدلل) فبعض في هذه الرواية منصوب بفعل مضمر، كأنك قلت
مهلا أبقى بعض هذا التدلل، فحذفت الفعل لأن مهلا يدل عليه والرواية الأولى رواية أبي عمرو
الشيباني. وقوله: (وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي) أن شرط، والتاء اسم الكون، وخبر الكون ما
عاد من الاء التي في أزمعت، وصرمي منصوب بأزمعت، والفاء في قوله فأجملي جواب الشرط،
وأجملي موضعه جزم لأنه أمر علامة الجزم فيه سقوط النون. والمعنى: أن كنت عزمت على هجري
فأجملي في اللفظ. وقال الأصمعي: يقال قد أمعت على الأمر، وأجمعت عليه، وعزمت عليه، سواء.
وهذا مثل قول العجاج:
فإنْ تُديمي وَصْلَ عَفٍّ وَصَّالْ ... يدُم وإلاَّ ينْصرفْ بإجمالْ
وروى أبو عبيدة: (وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي). ويروى: (وإن كنت قد أزمعت هجري).
ويقال في المثل: (أجمل في قتلي). ويقال: قتلة أحسن من هذه. وقال يعقوب: الصرم: القطيعة. يقال:
صرمت الشيء أصرمه صرما، اذا قطعته؛ والصرم الاسم، ومنه سيف صارم، ومنه زمن الصِّرام
والصَّرام. ومنه الصرائم: قطع من الرمل تنقطع من معظمه. ومنه الصريمة: العزيمة. وقال ابن
الكلبي: فاطمة هي ابنة العبيد بن ثعلبة بن عامر. قال: وعامر هو الأجدار بن عوف بن كنانة بن
عوف بن عذرة. قال: ولها يقول:
لا وأبيكِ ابنةَ العامر ... ىِّ لا يدَّعى القومُ أني أفِرّ
وإنما سمى الأجدار لجدَرة كانت في عنقه.
(1/44)

(أَغَرَّكِ مِنِّي أن حُبَّكِ قَاتِلِي ... وأَنَّكِ مَهْمَا تأْمُري القَلبَ يَفْعَلِ)
قوله (أغرك مني) لفظه لفظ الاستفهام ومعناه معنى التقرير، وهو بمنزلة قول جرير:
ألَستمْ خيرَ مَنْ ركِب المطايا ... وأندَى العالمينَ بطونَ راحِ
فاللفظ لفظ الاستفهام، والمعنى: أنتم خير من ركب المطايا.
ومن صلة أغرك، وأن موضعها رفع بأغرك، كأنك قلت أغرك مني حبيك. وقاتلي موضعه رفع لأنه
خبر أن، وأن الثانية موضعها رفع لأنها منسوقة على أن الأولى، والكاف اسم أن الثانية، وخبرها ما
في تأمري، وتأمري موضعه جزم بمهما، علامة الجزم فيه سقوط النون، والقلب منصوب بتأمرى،
ومهما موضعه نصب بتأمري. قال الفراء: كان الأصل في مهما ما، فحذفت العرب الألف منها
وجعلت الهاء خلفا منها، ثم وصلت بما فدلت على المعنى وصارت كأنها صلة لما، وهي في الأصل
اسم. وكذلك مهمن. قال زهير:
ومهما تكُنْ عند امرئٍ من خليقة ... ولو خالَها تَخفى على الناس تُعلَمِ
فموضع مهما رفع بما في تكن من ذكره، والذي في تكن اسم الكون، وعند خبر الكون. وقال الآخر
في مهمن:
أماوِيَّ مَهْمَنْ يستمع في صديقه ... أقاويلَ هذا الناس ماوِيَّ يندمِ
فموضع مهمن رفع بما في يستمع. وقال بعض النحويين معنى مع كف، كما تقول للرجل إذا فعل
فعلا لا ترضاه منه: مه؛ أي كف. والمعنى: وأنك مهما تأمري قلبك يفعل لأنك مالكة له، وأنا لا أملك
قلبي. وقال قوم: المعنى مهما تأمرى قلبي يفعل لأنه مطيع لك.
(1/45)

(وإِنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّى خَلِيقةٌ ... فسلِّى ثِيابي مِنْ ثِيابكِ تَنْسُلِ)
قوله (إنْ تكُ) موضع تك جزم بإن، علامة الجزم فيه سكون النون، والواو من تكون سقطت لاجتماع
الساكنين، والساكنان الواو والنون، والنون حذفت لكثرة الاستعمال وشبهتها العرب بالواو والياء
فأسقطوها كما يسقطونهما، فإذا تحركت النون لم يجز سقوطها. تقول: لم يك زيد قائما، ولم يك عمرو
جالسا، فتسقط النون لما ذكرنا. فإذا قلت: لم يكن الرجل قائما لم يجز سقوط النون لتحركها. واسم
الكون الخليقة، والخبر ساءتك، وجواب الجزاء الفاء. والمعنى: أن كان فيَّ خلق لا ترضينه فلي
ثيابي من ثيابك، أي قلبي من قلبك. والثياب هاهنا كناية عن القلب. قال الله عز وجل: (وثيابَكَ
فطَهَّر) معناه قلبك فطهر. قال عنترة:
فشككتُ بالرُّمح الطَّويلِ ثيابَه ... ليس الكريمُ على القنَا بمحرَّمِ
أراد: فشككت بالرمح قلبه. وقال امرؤ القيس:
ثيابُ بني عَوف طَهارَى نقيَّةٌ ... وأوجهُهْم عند المَشَاهِدِ غُرَّانُ
أراد بالثياب القلوب. ويقول: سلى ثيابي من ثيابك، أي أمري من أمرك، اقطعي. وقال خالد ابن
كلثوم: كان طلاق أهل الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه من امرأته وتسل المرأة ثوبها. وقال أبو عبيدة:
إنما الثياب تنسل، وهو مثل للصريمة، كقولك: ثيابي من ثيابك حرام. وقال: هذا صرم والأول قتل،
يعني قوله أزمعت قتلي. ويروى: (وإنْ كنت قد ساءتك منى خليقة). والخليقة والطبيعة والسَّليقة
والسُّوس والتُّوس، كله واحد، ومعنى قوله (تنسل) تبين عنها. يقال للسن إذا بانت فسقطت: قد نسلت.
ويقال للنصل إذا سقط: قد نسل. ويقال للريش إذا بان عن الطائر: قد نسل. وهو النسيل والنُّسال.
وقد أنسل، إذا أنبت الريش.
وموضع سلى جزم على الأمر، علامة الجزم فيه سقوط النون، وموضع تنسل
(1/46)

جزم، لأنه جواب للجزاء المقدر؛ والتقدير: فسلي ثيابي من ثيابك، أي أن تسليها تنسل. واللام كسرت لأنه احتيج إلى
حركتها للقافية، والمجزوم إذا احتيج إلى حركته كسر. ويقال: نسل الريش ينسُل وينسِل. ويروى:
(فسلى ثيابي من ثيابك تنسل)، بكسر السين.
(وما ذَرَفَتْ عَيناكِ إِلاَّ لتَضْربي ... بسَهْمَيكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ)
قال ابن الأنباري: حدثني أبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا هشام ابن محمد قال: حدثني
شيبان بن معاوية قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال:
خرجت من البصرة أريد مكة، فبينا أنا أسير في ليلة بدر اذ نظرت إلى رجل على ظليم قد زمه
وخطمه، يعن لي - أي يعترض - وهو يقول:
هْل يُبْلغنّيهمْ إلى الصَّباحْ ... عِقْلٌ كأنَّ رأسَه جُمَّاحْ
قال: فاستوحشت منه وحشة شديدة، وتخوفت أن يكون ليس بإنسي. قال: فما زال يقول هذا البيت
حتى أنست به، فقلت له: يا هذا، من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
وما ذَرَفتْ عيناكِ إلاّ لتضربي ... بسهمَيك في أعشارِ قلب مُقتَّلِ
قلت: لمن هذا الشعر؟ قال لامرئ القيس. قال: قلت ثم من؟ قال: الذي يقول:
تطردُ القُرَّ بحرّ صادق ... وعكيكَ القَيظ أن جاء بِقُرّ
قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: لطرفة بن العبد. قلت: ثم من؟ قال: الذي يقول:
وتبْرُدُ بردَ رِداء العرو ... سِ في الصَّيف رَقرقْتَ فيه العبيرا
(1/47)

قلت: لمن هذا الشعر؟ قال: للأعشى. ثم توارى من عيني فلم أره.
ومعنى قوله: (إلا لتضربي بسهميك): ما بكت إلا لتجرحي قلبا معشرا، أي مكسرا. يقال برمة أعشار
وقدح أعشار، إذا كان قطعا. ولم يسمع للأعشار بواحد. يقول: بكيت لتجعلي قلبي مقطعا مخرقا
فاسدا، كما يخرق الجابر أعشار البرمة، والبرمة تنجبر والقلب لا ينجبر. ومثله قوله، هو للمرقش
الأصغر:
رمتْكَ ابنةُ البكريِّ عن فرعِ ضالةٍ ... وهنّ بنا خُوصٌ يُخلَن نعائما
أي نظرت إليك فأقرحت قلبك، وليس أنها رمتك بسهم. وقال غير الأصمعي: إنما هذا مثل لأعشار
الجزور، وهي تقسم على عشرة أنصباء. وقوله (بسهميك)، يريد المعلى وله سبعة أنصباء، والرقيب
وله ثلاثة أنصباء. فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع. والمقتل: المذلل. يقال: بعير مقتل، أي مذلل. وهذا
مثل. وروى أبو نصر عن الأصمعي إنه قال: معناه دخل حبك في قلبي كما يدخل السهم. يقول: لم
تبكي لأنك مظلومة، وإنما بكيت لتقدحي في قلبي، كما يقدح القادح في الأعشار.
(وبَيضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ... تَمتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بهَا غَيْرَ مُعْجَلِ)
معناه: رب بيضة خدر، أي رب امرأة كأنها بيضة في خدرها، شبهها بها لصفائها ورقتها. وقوله:
(لا يرام خباؤها) معناه لعزها لا يتعرض لخبائها. والخباء: ما كان على عمودين أو ثلاثة. والبيت: ما
كان على ستة أعمدة إلى التسعة. والخيمة من الشجر. وإنما شبهها ببيضة في خدرها لأنها مخدرة
مصونة مكنونة لا تبرز للشمس، ولا تظهر للناس، فشبهها بالبيضة لصفائها وملاستها. ويقال: شبهها
ببيضة النعام. وقوله: (تمتعت من لهو بها غير معجل) معناه: وصلت إليها وتمتعت على تمهل
وتمكث، لم أعجل ولم أعر. ويقال معنى قوله: (غير معجل) غير خائف، أي لم يكن ذلك مما كنت
أفعله مرة ولا مرتين.
ولا يرام خباؤها صلة البيضة، والخبياء اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة تمتعت، وبها صلة لهو،
وغير معجل منصوب على الحال من التاء.
(1/48)

(تَجَاوَزْتُ أحراساً إليها ومَعْشَراً ... عَلَّى حِراصاً لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي)
ويروى: (يشرون مقتلي) بالشين، أي يظهرون. يقال أشررت الشيء، إذا أظهرته. قال الشاعر يذكر
أصحاب على رضي الله تبارك وتعالى عنه:
فما برِحوا حتَّى رأى الله صَبَرهمْ ... وحتَّى أُشِرّتْ بالأكف المصاحفُ
يريد: حتى أظهرت. ويروى: (تخطيت أبوابا إليها ومعشرا). والأحراس: جمع الحرس. وقوله
(ومعشرا) يريد قومها. يقول. تجاوزت إليها أعداء يتمنون قتلى لو وصلوا إليه. وقال يعقوب بن
السكين: هذا مثل قولك: هو حريص على لو يقتلني. وقال غيره: معنى قوله (لو يسرون مقتلي): هم
حراص على إسرار قتلى، وذلك غير كائن؛ لشرفي ونباهتي وموضعي من قومي. ويقال أسررت
الثوب، إذا شررته وأظهرته. ويسرون حرف من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، إذا أخفيته؛
وأسررته، إذا أظهرته. قال الله عز وجل: (وأسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظَلَموا)، معناه: وأظهروا النجوى.
ذكر ذلك أبو عبيدة. واحتج بقول الشاعر:
ولما رأى الحجاجَ جرَّدَ سيفَه ... أسرَّ الحروريُّ الذي كان أضْمَرا
معناه أظهر الحروري. وقال أبو عبيدة في قول الله عز ذكره: (وأسَرُّوا النَّدامةَ لمَّا رأوُا العَذَاب):
معناه: وأظهروا الندامة. وكان الفراء يذهب إلى أن المعنى وأخفوا الندامة من السفلة الذين أضلوهم.
والأحراس منصوبون بتجاوزت، وواحدهم حرس، واليها صلة تجاوزت، والمعشر منسوق على
الأحراس. والمعشر جمع لا واحد له من لفظه، وكذلك النفر
(1/49)

والقوم، والرهط، والابل، والغنم، لا واحد
لهذه الجموع من لفظها. وحراصا نعت للمعشر، وعلى صلة حراص. ومعنى لو يسرون: أن يسروا،
وأن تضارع لو في مثل هذا الموضع، يقال: وددت أن يقوم عبد الله، ووددت لو قام عبد الله، إلا أن
لو يرتفع المستقبل بعدها بالزيادة التي في أوله، وأن تنصب الفعل المستقبل. قال الله عز وجل: (أيودُّ
أحدُكُمْ أن تكونَ له جَنَّةٌ مِنَ نخيِلٍ وأعناب)، فجاء بأن. ومعنى: (وَدُّوا لو تُدْهِنُ فيُدْهنُون): ودوا أن
تدهن فيدهنون ... ومقتلي موضعه نصب بيسرون.
(إِذا مَا الثُّرَيَّا في السَّماءِ تَعَرَّضَتْ ... تَعَرُّضَ أثْناءِ الوشَاح المُفَصَّلِ)
إذا من صلة تجاوزت، والمعنى: تجاوزت أحراسا إليها عند تعرض الثريا في السماء في وقت غفلة
من رقبائها. وقوله (تعرضت) معناه أن الثريا تستقبلك بأنفها أول ما تطلع، فإذا أرادت أن تسقط
تعرضت، كما أن الوشاح إذا طرح تلقاك بناحية. وهذا مثل قوله:
كما خَطَّ عبِرانيَّةً بيمينه ... بِتَيْماء حَبْرٌ ثم عَرَّض أسطُرَا
يقول: خط أسطرا مستوية، ثم خالف أسطرا فجعل واحدا كذا وواحدا كذا. قال: ومثل هذا قوله:
تعرَّضَتْ لي بمكانٍ حِلِّ ... تعرُّضَ المُهْرَة في الطِّوَلِّ
الطول: الرسن. يقول: تريك عرضها وهي في الرسن.
(1/50)

والوشاح: خرز يعمل من كل لون. والمفصل: الذي فصل بالزبرجد. وأثناء الوشاح: نواحيه
ومنقطعه، وواحد الأثناء ثنْى وثنِى وثَنىً، وواحد آلاء الله سبحانه وتعالى إلى وإلاً وألاً، وواحد آناء
الليل إنى وإناً وأناً. قال الشاعر:
حُلْوٌ ومُرّ كَعَطْف القِدحِ مِرَّتُه ... في كلِّ إنْىٍ قَضاهُ الله يَنتعِلُ
وقال الآخر:
أبيضُ لا يرهب الهُزالَ ولا ... يقطع رِحماً ولا يَخُونُ إلاَ
وأنكر قوم (إذا ما الثريا في السماء تعرضت) وقالوا: الثريا لا تعرض لها. ويحكى عن محمد بن
سلام البصري إنه قال: إنما عنى بالثريا الجوزاء، لان الثريا لا تعرض. قال: وقد تفعل العرب مثل
هذا، واحتج بقوله زهير:
فتُنْتَجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كلُّهم ... كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِع فتَفْطِمِ
قال: أراد كأحمر ثمود، فجعل عادا في موضع ثمود لضرورة الشعر. وقال أبو عمرو: تأخذ الثريا
وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة.
وإذا وقت، وما صلة للكلام على جهة التوكيد له، والثريا مرتفعة بما في تعرضت، وفي السماء صلة
تعرضت، وتعرض أثناء منصوب على المصدر، وهو مضاف إلى الأثناء، والأثناء مضاف إلى
الوشاح، والمفصل نعت للوشاح.
ويقال معنى قوله: كأثناء الوشاح، إنه شبه اجتماع الكواكب في الثريا ودنو بعضها من بعض
بالوشاح المنظم بالوداع المفصل بينه.
(فجئْتُ وقد نَضَتْ لنَومٍ ثِيابَها ... لَدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَةَ المُتفَضِّلِ)
قوله (وقد نضت لنوم ثيابها) معناه: وقد سلخت ثيابها عنها وألقتها. يقال:
(1/51)

نضا عنه ثيابه، وسرى
عنه ثيابه، إذا ألقاها. قال ابن هرمة:
سَرَى ثوبَه عنك الصِّبا المتَخايلُ
ويقال: نضا خضابه، إذا نصل من الشعر. وقد نضا الفرس الخيل، إذا نصل منها فخرج. ومنه
انتضى سيفه، إذا أخرجه. وقوله: (إلا لبسة المتفضل)، معناه ليس عليها من الثياب إلا شعارها، وهو
ثوبها الذي يلي جسدها، وتقوم وتقعد فيه وتنام. يقول: جئتها بعد هدء من الليل. ويروى: (فجئت وقد
ألقت لنوم ثيابها).
والفاء التي في قوله فجئت، تصل ما بعدها بما قبلها، والواو في قوله وقد نضت واو حال، وما في
نضت يعود على المرأة، ولدى الستر معناه عند الستر، واللبسة منصوبة على المصدر، وهي مضافة
إلى المتفضل. والمتفضل: الذي في ثوب واحد، وهو الفضل.
(فقالَتْ: يَمِينَ اللهِ مالَكَ حِيلةٌ ... وما أن أَرَى عَنْكَ الغَوايَةَ تَنْجَلِي)
وروى الأصمعي: (وما أن أرى عنك العماية). والعماية: مصدر عمى يعمى عمى وعماية. والغواية:
مصدر غوى يغوى غيا وغواية. ويقال: غوى الفصيل يغوى غوى، وهو أن يشرب من اللبن حتى
يتخثر ولا يروى. قال الشاعر:
معطَّفةُ الثناءِ ليس فَصِيلُها ... برازئها دَرّا ولا ميِّتٍ غَوَى
(1/52)

وقال الأصمعي: مالك حيلة، تجيء والناس أحوالي. وقال ابن حبيب: مالك حيلة، معناه لا أقدر أن
أحتال في دفعك عني. وقال غيره: وليس لك حجة في أن تفضحني. وقال آخرون: معناه ليس لك
وجه مجيء إلينا. ومعنى تنجلي تتكشف. والجلية: الأمر البيَّن، ومن ذلك جلوت العروس، معناه
أظهرتها. وجلا القوم عن منازلهم جلاء، معناه انكشفوا وظهروا، قال الله عز وجل: (ولولا أن كتبَ
اللهُ عليهم الجَلاَءَ لعذَّبَهُمْ في الدُّنيا). و (يمين الله) منصوب على مذهب القسم، قال الفراء: هو
منصوب بالجواب، وجواب القسم مالك حيلة، والحيلة مرفوعة باللام. وما جحد لا موضع لها،
والغواية منصوبة بأرى، وما جحد لا موضع لها وإن جحد أيضا، جمع بينها وبين ما لأنها تخالفها في
اللفظ. وخبر أرى ما عاد من تنجلي.
(فقُمْتُ بها أَمْشِى تَجُرُّ وراءَنا ... على إِثْرِنا أَذْيالَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ)
معناه: قمت بها وقد خاصرتها وأخذت بيدها: وهي تجر ذيلها لتعفى الأثر لئلا يستدل علينا. ويروى:
(خرجت بها أمشي)، أي خرجت بها من البيوت لنخلو. و (المرط): كساء من خز أو غيره، ويقال
هو ثوب من مر عزى. و (المرحل): ضرب من البرود، ويقال لو شيه الترحيل، وقد رحلت ترحيلا.
ويقال المرحل: المعلم بأعلام كالرحال. والمسهم: المعلم بأعلام تشبه أفاويق السهام. وأنشد الأصمعي:
فظَلَّتْ تعفِّى بالرداء مكانَنا ... وتَلقُط وَدْعاً من جُمان محطَّمِ
وقال غيره: هذا مثل قول الآخر:
تُعَفِّى بذَيل المِرْط إذْ جئتُ مَوْدِقي
(1/53)

وروى أبو عمرو: (على إثرنا أذيال نير)، ويروى: (على أثرينا نير مرط مرحل).
وأمشى موضعه رفع بالألف، علامة الرفع فيه سكون الياء، وموضعه في التأويل نصب على الحال
من التاء في قمت، والتقدير: قمت بها ماشيا. وتجر فيه كناية مرفوعة تعود على المرأة، والأذبال
منصوبة بتجر، وهي مضافة إلى المرط، والمرحل نعته.
(فلَمَّا أَجَزْنا سَاحةَ الحَيَّ وانْتَحَى ... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ)
ويروى: (بظن حقف ذي ركام). وقال الأصمعي: أجزنا: قطعنا، يقال: أجزت الوادي، إذا قطعته
وخلفته وجزته وسرت فيه. وقال أوس بن مغراء:
حتَّى يُقالَ أجِيزُوا آلَ صفوانا
يعني أنفذوهم؛ وهو من الأول. و (الساحة)، والفجوة، والعرصة، والباحة، والنالة، كل هذا فناء
الدار. وانتحى: اعترض. والخبت: بطن من الأرض غامض. والحقف: رمل منعرج. وركام: بعضه
فوق بعض. قال جرير:
عرفَتُ الدَّار بعد بِلَى الخيامِ ... سقُيتِ نَجىَّ مُرتجِزٍ رُكامِ
كأنَّ أخا اليهودِ يخطُّ وَحياً ... بكافٍ في منازلها ولامِ
(1/54)

وقال الله عز وجل: (ثمَّ يَجعلُه رُكاماً)، أي متراكما بعضه على بعض. و (القفاف): جمع قف، وهو
ما غلظ من الأرض وارتفع. وقال بعض أهل اللغة: لا يجوز: (انتحى بنا بطن خبت) لأن الخبت
المستوى من الأرض ولا يكون فيه ركام، والحقف يكون وسط الرمل. ويروى: (وانتحى بنما ثنى
رمل ذي قفاف). و (العقنقل): المنعقد الداخل بعضه فوق بعض. وعقنقل الضب: بطنه المنعقد. يقال
في مثل من الأمثال: (أطعم أخاك من عقنقل الضب) يضرب هذا المثل عند الخصوصية يخص بها
الإنسان. وعقنقله: كشيته وبيضه. والكشية: شحمة من أصل حلقه إلى رفغه. وجمع الكشية كشى. قال
الشاعر:
إنكَ لو ذُقْتَ الكشى بالأكبادْ ... لم ترسل الضَّبَّةَ أعداءَ الوَادْ
ولما وقت فيها طرف من الجزاء، والساحة منصوبة بأجزنا، وهي مضافة إلى الحي. وقال أبو
عبيدة: وانتحى نسق على أجزنا. وجواب فلما أجزنا (هصرت بفودي رأسها). وقال غيره: وانتحى
جواب فلما، والواو مقحمة لمعنى التعجب، وإنما تقحم الواو مع لما، وحتى إذا، قال الله عز وجل:
(فلمَّا أسْلَمَا وتَلَّهُ للجبِينِ ونادَيْناهُ أن يا إبراهيم) معناه ناديناه، فأقحم الواو. وقال عز وجل: (حَتَّى إذَا
فُتِحَتْ يَأجوجُ ومَأجوجُ وهُمْ من كل حَدَب يَنْسِلُون. واقْتَرَبَ)، معناه اقترب، فاقتحم الواو على
الجواب. وقال عز وجل: (حتى إذا جاءوها وفُتِحتْ أبْوابُها)، أراد: فتحت أبوابها، فاقتحم الواو.
وأنشد الفراء:
حتى إذا قَمِلتْ بطونكُم ... ورأيتُم أبناءَكم شَبُّوا
وقَلبْتُمُ بظنَ المِجَنِّ لنا ... إنّ اللئيمَ العاجز الخَبُّ
(1/55)

معناه قلبتم، فأقحم الواو. وقال أبو عبيدة: الواو في هذه الأبيات واو نسق، والجواب محذوف لعلم
المخاطبين به. وقال عبد مناف بن ربع، في آخر قصيدة له:
حتَّى إذا أسلَموهم في قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كما تَطُرد الجَمَّالةُ الشرُدا
فحذف جواب حتى إذا. واحتج بقول امرئ القيس:
ألاَ يا عينُ بكِّى لي شَنِينَا ... وبَكِّى للمُلوكِ الذَّاهبِينا
ملوك من بني حُجْر بن عمروٍ ... يُسَاقُونَ العشيّةَ يُقَتلونا
فلو في يومِ مَعركةٍ أصِيبوا ... ولكنْ في ديار بني مَرِينا
أراد: فلو كان في يوم معركة أصيبوا لكان أسهل، فحذف الجواب. واحتج بقول الأخطل في آخر
قصيدة له:
خلا أن حيّاً من قريش تكرَّموا ... على الناس أو أن الأكارمَ نَهْشلا
أراد: فعلوا كذا، فحذف خبر أنَّ، اتكالا على علم المخاطبين به.
(مَددْتُ بُغصْنَيْ دَومَةٍ فتمايَلَتْ ... عَلَّى هَضيمَ الكَشْحِ رَيَّا المخَلْخَلِ)
ويروى: (إذا قلت هاتى نوليني تمايلت). فمعنى هاتى أعطيني نوالك، أي أصيري إلى وصالك
وأفضلي علىَّ به.
ويقال للرجل: هات يا رجل، فعلامة الجزم فيه سقوط الياء، وهو على مثال قاض يا رجل. وتقول
للاثنين: هاتيا يا رجلان، وللجميع: هاتوا، وللمرأة: هاتي يا امرأة، وللمرأتين: هاتيا يا امرأتان،
وللنسوة: هاتين يا نسوة. وإذا قال رجل لرجل: هات يا رجل، فأراد أن يقول له لا أفعل قال: لا
أهاتي.
(1/56)

ومعنى (نوَّليني): ليصبني منك نوال. قال الأحوص:
ولقد قلت يومَ مَكةَ سرًّا ... قبل وشكٍ من بَيْنها نوِّليني
ويقال: معنى قوله نوِّليني قبِّليني. والتنويل والتقبيل واحد. وقل الأحوص:
لقد منعَتْ مُعروفَها أمُّ جعفرٍ ... وإني إلى معروفِها لفقيرُ
ومعنى (تمايلت) أصغت إلى رأسها، أي أمالته. ويروى: (مددت بفودي رأسها)، ويروى: (هصرت
بفودي رأسها): فمعنى هصرت جذبت وثنيت. والفودان: جانبا الرأس. ومن روى: (مددت بغصني
دومة) قال: الدومة الشجرة، ويقال في جمعها دوم. قال الشاعر:
أجِدَّكَ تَطِوى الدَّوْمَ ليلاً ولا ترى ... عليكَ لأهل الدَّوم أن تتلكَّما
وبالدَّوم ثاوٍ لو ثَويتَ مكانه ... فمرَّ بأهل الدَّوم عاجَ فسلَّما
و (هضيم الكشح): ضامر الكشح داخلته. والهضوم: مطمأنات من الأرض. ومنه: اهضم له من
حقك، أي انقص له من حقك. قال الله عز وجل: (فلا يَخافُ ظُلْماً ولا هَضْماً) معناه ولا نقصانا. قال
الشاعر:
يديان بيضاوان عند مُحلِّم ... قد تمنعانك بينهمْ أن تُهْضَما
أي تنقص. ويقال للجوارشن: الهاضوم. ويقال معنى قوله: (تمايلت علىَّ): التزمتني، وهو إعطاؤها.
و (الكشح): ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك. ويقال: هو الكشح، والخاصرة، والقرب، والأيطل،
والإطل، ومنهم من يكسر الطاء فيقول إطل، واحد. وليس في الكلام اسم واحد على مثال فعل إلا إبل
وإطل. و (المخلخل): موضع الخلخال. والمسور: موضع السوار. ويقال السُّوار بالضم.
(1/57)

والمخدم: موضع الخدمة. والمقلد: موضع القلادة. و (الريا): الممتلئة لحما المكتنزة. والذين رووه:
(بغصني دومة) قالوا: شبه المرأة بالدومة في طولها واعتدالها، وشبه كثرة الشعر بأغصان الدومة.
وتمايلت جواب إذا قلت هاتي، وفاعل تمايلت مضمر فيه، كأنه قال: تمايلت المرأة على. ونصب
هضيم الكشح على الحال مما في تمايلت. وموضع ريا المخلخل نصب على الاتباع لقوله هضيم
الكشح.
(مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ ... تَرائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ)
المهفهفة: الخفيفة اللحم التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن. والمفاضة: المسترخية البطن. وقال
يعقوب: مهفهفة: مخففة، ليست بمثقلة منفضخة ولا عظيمة البطن. وأنشد لأعشى باهلة:
مهفهفٌ أهضم الكَشْحَين منْخَرِقٌ ... جَيْبَ القميصِ لِسير اللَّيل محتقرُ
وقال بعض البصريين: مهفهفة معناه لطيفة الخصر. وقال يعقوب: المفاضة: المتفتقة المندحة البطن؛
يقال اندح، إذا اتسع. وهو من قولهم: حديث مستفيض. وقال أبو عبيدة: المفاضة قد طالت حتى
اضطربت وسمج طولها فأفرط؛ وهو في النساء عيب، وفي الدرع مدح. و (الترائب): جمع تريبة،
وهو موضع القلادة من الصدر. قال الله عز وجل: (يَخْرُجُ مِن بَيْن الصُّلب والتَّرائب). وأنشد الفراء:
والزَّعفرانُ على ترائبها ... شَرِقاً به اللَّبَّاتُ والنَّحرُ
(1/58)

ويقال في جمع التريبة تريب أيضا، قال الشاعر:
ومن ذهب يُسَنُّ على تَريبٍ ... كلون العاج ليسَ بذي غُضُونِ
وقال سهل: التريبتان: الثندوتان. وقوله (كالسجنجل) قال يعقوب: هو رومي. قال: وأراد مرآة. قال:
وهو أيضا قطع الفضة وسبائكها. وأبو عبيدة يرويه (مصقولة بالسجنجل). ويقال السجنجل:
الزعفران، ويقال السجنجل: ماء الذهب والزعفران.
والمهفهفة ترتفع بإضمار هي مهفهفة؛ وبيضاء وغير: نعتان لمهفهفة، وغير مضافة إلى المفاضة،
والترائب ترتفع بمصقولة، ومصقولة بالترائب، والكاف في موضع رفع لأنها نعت لمصقولة،
والتقدير هي مصقولة مثل السجنجل. ومن رواه (مصقولة بالسجنجل) نصب الباء بمصقولة. وإنما
يصف المرأة بحداثة السن. ويقال في جمع السجنجل سجاجل.
(تَصُدُّ وتُبْدِى عَنْ أَسِيلٍ وتَتَّقى ... بناظرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ)
قوله (تصد وتبدى)، معناه تعرض عنا وتبدى عن خد أسيل ليس بكز. وقوله (وتتقى بناظرة) أي
وتلقانا بناظرة، يعنى عينها. ويقال اتقاه بحقه، أي جعله بينه وبينه. ووجرة: موضع. ويقال لقينا
العدو فاتقينا بفلان، أي قدمناه بين أيدينا. ومطفل: ذات طفل، وهو الغزال. والمطفل أحسن نظرا من
غيرها؛ لحسن نظرها إلى طفلها من الرقة والشفقة، كما قال في قصيدته الأخرى:
نظرتْ إليك بعَينِ جازية ... حَوراءَ حانية على طِفْلِ
(1/59)

ويروى: (تصدى وتبدى عن أسيل) يريد تتصدى أي تتعرض لتنظر. وقال بعضهم: معنى قوله
تتقى، تتقى بعينها من تخافه من أوليائها. ويقال: إنما وصفها بأنها مطفل لأنه أراد: ليست بصبية، بل
قد استكملت وعقلت. وقال كثير:
وما أمُّ خِشْف بالعَلايَةِ شادنٌ ... تنشِّئُ في برَدِ الظِّلال غَزَالهَا
يقول: قد بلغت وليست بكبيرة فهو أكمل لها وأتم. وقال ابن حبيب: مطفل: معها طفل، فهي تلفت
إليه كثيرا. ويجوز أن يكون قال مطفل لأنه أحسن لعينها وأوسع، فشبه سعة عينيها بسعة عيني هذه
البقرة في هذه الحال. وروى: (وتبدى عن شتيت)، أي عن ثغر شتيت، أي متفرق ما بين الثنيتين.
قال الله عز وجل: (وقُلوبُهمْ شَتَّى)، فمعناه: وقلوبهم متفرقة. وواحد شتى شتيت. قال نابغة بني
شيبان:
وزانَ أنيابَها منها إذا ابتَسَمَتْ ... أحوى اللِّثاتِ شتيتٌ نَبْتُه رَتِل
وفاعل تصد مضمر فيه من ذكر المرأة، وتبدى نسق على تصد، وعن صلة تبدى وهي خافضة
للأشيل، وتتقى نسق على تصد، والباء صلة تتقى وهي خافضة للناظرة، ومن صلة ناظرة وهي
خافضة للوحش، والوحش مضافة إلى وجرة، ووجرة نصبت وهي في موضع خفض لأنها لا تجرى
للتعريف والتأنيث، ومطفل نعت لناظرة.
وقال السجستاني: (وتتقى بناظرة) معناه وتتقينا بناظرة، أي بمثل عين مطفل. قال: ومثله قول
الراجز:
متَّقياً بوجههِ الصَّحاصحا
يقول: الذي يلقى الأرض منه وجهه.
(1/60)

(وجيد كجِيدِ الرِّيمِ ليَس بِفاحشٍ ... إِذا هيَ نصَّتْهُ ولا بِمُعطَّلِ)
الجيد: العنق. قال الشاعر:
لها الجيدُ من جَيْداءَ والعَينُ طَرْفُها ... كعيناءَ يَهدِيها غَرَاها فتَرْمُقُ
الريم: الظبي الابيض الشديد البياض، وجمعه أرآم. قال زهير:
بها العِينُ والأرآم يَمْشِين خِلْفةً ... وأطلاؤها يَنْهضْنَ من كل مَجْثَم
والأعفر من الظباء: الذي يعلوه حمرة؛ ومنه قولهم: كثيب أعفر. والآدم: الطويل القوائم والعنق،
أبيض البطن، أسمر الظهر.
وقوله: (ليس بفاحش) معناه ليس بكريه المنظر. وقوله: (نصته) معناه نصبته ورفعته؛ ومنه النص
في السير، ومنه نصصته عن الحديث، ومنه المنصة. (والمعطل): العطل الذي لا حلى عليه. ويقال
قوس عطل: لا وتر عليها. وبعير علط، بتقديم اللام على الطاء، أي لا خطام عليه. وقال السجستاني:
وجدت في كتاب الأصمعي بخطه: الجيد اسم يقع لجمع العنق.
والجيد مخفوض على النسق على قوله بناظرة، والكاف موضعها خفض على النعت للجيد، والتقدير:
وجيد مثل جيد الريم. والجيد مضاف إلى الريم، واسم ليس مضمر فيها من ذكر الجيد، والخبر ليس
بفاحش. وإذا وقت من صلة فاحش، وهي رفع بما في نصت، والمعطل نسق على الفاحش.
(1/61)

(وفَرْعٍ يَزِينُ الْمَتْنَ أَسْوَدَ فاحم ... أَثِيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ)
الفرع: الشعر التام. والمتن والمتنة: ما عن يمين الصلب وشماله من العصب واللحم. والفاحم:
الشديد السواد، وهو مشتق من الفحم. وأثيث: كثير أصل النبات. والقِنْو والقُنْو والقنا: العذق، وهو
الشمراخ. والعَذق بفتح العين: النخلة. ويقال في جمع القنو قِنوان وقُنوان. وحكى الفراء قُنيان في
جمع قنو. وأنشد:
أثَّتْ أعاليهِ وآدَت أصولُه ... ومال بقُنيان من البُسْرِ أحمرا
قال الله عز وجل: (ومِنَ النَّخْل مِنْ طَلْعِها قِنْوَانٌ دَانِية). و (المتعثكل) الذي قد دخل بعضه في بعض
لكثرته. والعثاكيل: الشماريخ، الواحد عثكول وعثكال، ويقال أثكول أيضا. وقال أبو عبيدة: المتعثكل
الكثير العثاكيل. وقال بعض أهل اللغة: المتعثكل المتدلي. ويقال رجل أفرع، إذا كان تام الشعر.
والفرع نسق على الجيد، ويزين صلة الفرع، وما فيه يعود على الفرع، والمتن منصوب بيزين،
والأسود نعت للفرع، ونصب في اللفظ لأنه لا يجرى لا يدخله تنوين ولا خفض. والفاحم نعت
للأسود. ويقال أسود فاحم، وأسود حالك وحانك، ومثل حنك الغراب وحلك الغراب. ويقال أسود
حَلكوك وحُلكوك، وأسود حلبوب سُحكوك. قال الراجز:
تضحك منِّى شَيخةٌ ضَحوكُ ... واستَنْوكَتْ وللشَّباب نُوك
وقد يَشِيب الشَّعَرُ السُّحكوكُ
وأثيث نعت للفرع، والكاف في موضع خفض على النعت للأثيث، والتقدير: أثيث مثل قنو النخلة.
والقنو مخفوض بالكاف، وهو مضاف إلى النخلة، والمتعثكل نعت للقنو.
(1/62)

(غَدَائِرُهُ مَسْتَشْزَراتٌ إلى العُلَى ... تَضِلُّ العِقَاصُ في مُثَنٍّى ومُرْسَلِ)
الغدائر: الذوائب، واحدتها غديرة. ومستشزرات: مرفوعات؛ وأصل الشزر الفتل على غير الجهة.
فأراد إنها مفتولة على غير الجهة من كثرتها. والشزر: ما أدبرت به عن صدرك، وهو الدبير.
واليسر: ما أقبلت به على صدرك، وهو القبيل. وقال الأصمعي في قولهم: (ما يعرف فلان قبيلا من
دبير): معناه لا يعرف الإقبال من الإدبار. قال: والقبيل: ما أقبل به من الفتل على الصدر، والدبير:
ما أدبر عنه. وقال الأصمعي: هو مأخوذ من الناقة المقابلة والمدابرة؛ فالمقابلة: التي شق أذنها إلى
قدام؛ والمدابرة: التي شق أذنها إلى خلف. و (العقاص): ما جمع من الشعر كهيئة الكبة. ويروى:
(تضل المدارى) أي تضل من كثافة شعرها. والمدارى: جمع المدرى، وهو مثل الشوكة يصلح به
شعر المرأة. ويروى: (مستشزرات) بكسر الزاي، على معنى مرتفعات. وقال أبو نصر: إنما أراد أن
هذه الغدائر قضبت بالخيوط، وهو أن تلف بالخيوط من أسفل إلى فوق، وهو من الشيء الناشز.
وقوله (في مثنى ومرسل)، معناه: منها ما قد ثنى ومنها ما لم يثن. وروى أبو جعفر أحمد بن عبيد:
(يضل العقاص) بالياء، وقال: العقاص اسم واحد بمنزلة الكتاب والحساب وما أشبه ذلك. ورواه اكثر
الرواة: (تضل) بالتاء، وقالوا: العقاص جمع عقصة، وهو جمع مؤنث.
والغدائر ترتفع بمستشزرات، ومستشزرات بالغدائر، وإلى صلة مستشزرات، والعلى مخفوضة بإلى،
والعقاص رفع بتضل، وفي صلة تضل، وهي خافضة للمثنى، والمرسل نسق على المثنى.
(1/63)

(وكَشْحٍ لَطيفٍ كالجَدِيل مُخصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبوبِ السَّقِيِّ المذَلَّلِ)
الكشح: الخصر. واللطيف، أراد به الصغير الضامر. والجديل: الزمام يتخذ من السيور فيجيء حسنا
لينا يتثنى، أي كشحها يتثنى. قال العجاج:
في صَلَبٍ مثلِ العِنان المُؤْدَمِ ... ليس بجُعْشوش ولا يجُعْشُمِ
الصلب: الصلب في لغة العجاج. والمؤدم: الذي قد أظهرت أدمته، وهي باطن الجلد، فهو ألين له.
والجعشوش: الضعيف. والجعشم: الغليظ. قوله: (كأنبوب السقي)، الأنبوب: البردى الذي ينبت وسط
النخل. والسقى: النخل الذي يسقى. والمذلكك: الذي قد عطف ثمره ليجتنى منه. وإنما جعله مثل
المذلل لأنه يكرم على أهله ويتعهدونه، فلذلك جعله مثله. ويقال: ذللوا نخلكم، فتخرج كباسة من سعفه
عند التقاطه. فأراد إنه ناعم في كن. فشبه ساق المرأة بالبردى في بياضه ونعمته. وقال قيس بن
الخطيم:
تَمْشِي على بَرديَّتَين غَذَاهما ... غَدِقٌ بسَاحةِ حائر يَعبوبِ
معناه: تمشى على ساقين كأنهما برديتان في بياضهما. والغدق: الماء الكثير. والحائر: الموضع الذي
يتحير فيه الماء من كثرته. واليعبوب: الطويل. وقال العجاج:
كأنما عظامُها بَردِيُّ
والأنبوب: الكعب من القصب. ويقال: السقي: البردي. والمذلل معناه المذلل له الماء. وقال: الكشح
منقطع الأضلاع إلى الورك. وقال غيره: المذلل: الذي قد خاضه الناس. ويقال (كأنبوب السقي) معناه
أن البردية تصير وسط النخلة على أحسن ما يكون من مثال الساق الغليظة الحسنة، وأراد أيضا
اللين. والسقي: الذي يسقى من النخل. ويقال أيضا: السقي الذي تروى من الماء.
(1/64)

والكشح نسق على الجيد، واللطيف نعته، والكاف نعت للطيف، والمخصر نعت للكشح، والساق نسق
على الكشح، والكاف نعت للساق، وهي خافضة للأنبوب، والأنبوب مضاف إلى السقي، والمذلل نعت
للسقي.
(ويُضْحِى فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِها ... نَؤومُ الضُّحَى لم تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ)
قوله: (ويضحى فتيت المسك) معناه يبقى إلى الضحى. وفتيت المسك: ما يفت منه في فراشها. وقال
أبو جعفر أحمد بن عبيد: معناه كأن فراشها فيه المسك من طيب جسدها، لا أن أحداً فت لها فيه
مسكا. واحتج بقول امرئ القيس:
خليليَّ مُرَّا بي على أم جُندَبِ ... لَنْقضيَ حاجاتِ الفؤاد المعذّب
ألم تَرَياني كلَّما جِئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيّب
قوله (نؤوم الضحى) معناه لها من يكفيها من الخدم، فهي تنام ولا تهتم بشيء. وقال أبو جعفر أحمد
بن عبيد: هي مكرمة، لها من يكفيها، ولم يسبها أحد فتحتاج إلى الخدمة فتشد نطاقها. وقال يعقوب:
(ولم تنتطق عن تفضل) أي لم تنتطق، لتعمل، ولكنها في بيتها فضل. وقال يعقوب: لم تنتطق عن
تفضل، أي لم تنتطق لتعمل، ولكنها في بيتها فضل. قال: وهذا كقولك: ما عرق فلان عن الحمى، أي
ما عرق بعد الحمى. وأنشد للأعشى:
ولقد شُبّتِ الحُروب فما غُ ... مِّرتَ فيها إذْ قَلَّصَتْ عن حيالِ
أي فما وجدت فيها غمرا، أي ضعيفا، إذ لقحت بعد أن كانت حائلا، فذلك أسد لقوة الحرب. ومعنى
(عن حيال) أي بعد حيال. وأنشد يعقوب أيضا:
قرّبا مَربِط النَّعامة منى ... لقِحتْ حربُ وائل عن حيالِ
(1/65)

وهذا أقوى للولد. وأنشد للعجاج:
ومنهلٍ وَرَدْتُه عن مَنْهَلِ
معناه بعد منهل. فقال أبو عبيدة: معنى قوله لم تنتطق عن تفضل: لم تنتطق فتعمل وتطوف، ولكنها
تتفضل ولا تنتطق. وقال غيره: التفضل التوشح، وهو لبسها أدنى ثيابها. والانتطاق: الائتزاز للعمل.
والنطاق: ثوب تشده المرأة على وسطها للمهنة والعمل. ويقال: هو فتيت المسك، وفتوت المرأة
وفتيتها للذي تشربه. ونؤوم يُهمز ولا يهمز؛ فمن لم يهمزه قال: هو فعول من النوم، ومن همزه قال:
الواو إذا انضمت صلح همزها، كقول الله عز وجل: (وإذا الرُّسُل أقِّتَتْ)، همزت الواو لما انضمت،
كقول العرب: هذه أوجه حسان، للوجوه.
والفتيت يرتفع بيضحى، وفوق فراشها خبر يضحى، ونؤوم الضحى يرتفع على المدح بإضمار هي
نؤوم الضحى؛ ويجوز نؤوما بالنصب على المدح أيضا: كأنك قلت: أذكر نؤوم الضحى. وتنتطق
مجزوم بلم، وعن تفضل صلة تنتطق.
(وتَعْطُو برَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كأَنَّهُ ... أَساريعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحِلِ)
قوله (وتعطو) معناه وتتناول؛ من ذلك قولهم: قد أعطيتك الشيء معناه ناولتك. ومنه أيضا: قد تعاكى
فلان كذا وكذا، معناه صار يتناوله ويتعرض له. وقوله (برخص) معناه ببنان رخص. والبنان:
الأصابع. قال الشاعر:
كم لكَ مِنْ خَصلةٍ مُباركةٍ ... يَحسُبُها بالبنانِ حاسُبها
والشثن: الكز الخشن. وظبي: اسم كثيب. والكثيب: جبيل من الرمل أنشدنا أبو العباس:
وإنَّ الكثيبَ الفَرْدَ من جانِب الحمى ... إلىَّ وإن لم آتِهِ لحبيبُ
(1/66)

وأساريعه: دواب تكون فيه مثل شحمة الأرض، وهي دودة تكون في الرمل. يقال أساريع ويساريع.
فسبه أصابعها بالأساريع للينها. قل ذو الرمة:
خرَاعيبُ أمُلودٍ كأنَّ بنانَها ... بناتُ النقا تَخْفى مِراراً وتظهرُ
خراعيب: ملس لينة. وأملود: ناعمة. وبنات النقا: دواب بيض تشبه العظاء تكون في الرمل. وواحد
الأساريع أسروع ويسروع، وهي دواب تسمى بنات النقا. قال: وسرقه ذو الرمة منه، يعني من امرئ
القيس. وقال ابن حبيب: شبه أصابعها بمساويك إسحل في دقتها ونقائها واستوائها. وقال يعقوب:
الإسحل شجر له غصون دقاق يستاك بها ويتخذ منها الرحال. قال العجاج:
مَيْسَ عُمانَ أو رحالَ إسحِلِ
والفاعل مضمر في تعطو من ذكر المرأة، والباء صلة تعطو، وهي خافضة للرخص، وغير شثن
للرخص، والهاء اسم كأن، وهي عائدة على الرخص، والأساريع خبر كأن، وهي مضافة إلى الظبي،
والمساويك نسق على الأساريع، وهي مضافة إلى الإسحل.
(تُضِيءُ الظَّلاَمَ بالعِشَاءِ كأَنَّها ... مَنَارَةُ مُمْسَي راهبٍ مُتَبتِّلِ)
قوله (تضيء الظلام بالعشاء) معناه هي وضيئة الوجه زهراء مشرقة الوجه، إذا تبسمت بالليل
رأيت لثناياها بريقا وضوءا، وإذا برزت في الظلام استنار وجهها وظهر جمالها حتى يغلب الظلمة.
قال قيس بن الخطيم:
قضَى لها الله حين صّورها ال ... خالقُ أن لا يُجنَّها سَدَفُ
وقال يعقوب: المنارة هي المسرجة، وهي مفعلة من النور. وأنشد لأبي ذؤيب:
(1/67)

وكلاهما في كَفِّهٌ يزَنيَّةٌ ... فيها سنانٌ كالمنارة أصلعُ
والمتبتل: المجتهد في العبادة. والتبتل: الانقطاع عن الناس في العبادة. والبتل: القطع. قال الله عز
وجل: (وتَبتَّلْ إليه تبتيلا) فمعناه انقطع إليه انقطاعا. ويقال في نعت مريم عليها السلام: العذراء
البتول، معناه المنقطعة عن الناس في العبادة. قال أمية بن أبي الصلت في ذكر مريم عليها السلام:
أنابت لوجه الله ثم تبتَّلتْ فسبَّحَ عنها لَومَة المتلوِّمِ
وقال ابن حبيب: شبهها بسراج الراهب لان سراج الراهب لا يطفأ.
وفاعل تضي مضمر فيه، والظلام مفعوله، والباء صلة تضيء وهب خافضة للعشاء، والهاء اسم
كأن وهي عائدة على المرأة، والمنارة خبر كأن وهي مضافة إلى الممسى، والممسى مضاف إلى
الراهب، والمتبتل نعت للراهب.
والمنارة وزنها من الفعل مفعلة من النور، أصلها منورة فألقيت فتحة الواو على النون وصارت ألفا
لانفتاح ما قبلها. ويقال في جمع المنارة على القلة منارات، ويقال في جمعها على الكثرة مناور
بالواو، ومنائر بالهمز والياء، لغتان شاذتان لا يقاس عليهما.
(إِلى مِثْلِها يَرنُو الحَلِيمُ صَبَابَةً ... إِذا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ ومجْوَلِ)
قوله (يرنو الحليم صبابة) معناه يديم النظر. قال العجاج:
أي أديم النظر إلى النساء ويدمن إلى نظرهن. وأنشد الفراء:
أيامَ يدعوني الصِّبا فأجيبهُ ... وأعْيُنُ مَن أهَوى إلى رواني
(1/68)

معناه مديمات النظر. وقال جرير:
يَرين حَبابَ الماء والموتُ دونه ... فهنَّ لأصواتِ السُّقاة رواني
ويقال: رنا إليه بصره، أي أدام إليه بصره. ويقال: أرناني إليها حسن وجهها. وكأس رنوناة، أي
دائمة ثابتة. قال أبن أحمر:
بَنَتْ عليه الملكَ أطنابَها ... كأسٌ رَنوناةٌ وطرْفِّ طِمِرّ
واسبكرن: امتدت وتمت. يقال شعر مسبكر للمنبسط. وقال أبو عبيدة: المسبكر التام الممتلئ. يقال:
قد اسبكرت المرأة، اذا تم شبابها. أنشدنا أبو العباس للشنفري الأرذى:
فدقت وجَلَّت واسبكرّت وأُكمِلَتْ ... فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ
وقوله (بين درع ومجول)، معناه هي بين التي تلبس الدرع والتي تلبس المجول. وإنما يريد أن سنها
بين سن من يلبس الدرع وبين سن من يلبس المجول. والمجول: دريع خفيف تجول فيه الصبية. قال
الشاعر:
وعلىَّ سابغةٌ كأنَّ قَتيرَها ... حَدَقُ الأساودِ لونُها كالمجولِ
وقال ابن حبيب: المجول ملحفة. وقل أبو عبيدة: المجول قميص ليس له كمان، وهو البقيرة.
الصبابة: رقة الشوق. وقال يعقوب: مثل قوله (بين درع ومجول) قول رؤية:
فعَفَّ عن إسرارِها بعد العَسَقْ ... ولم يُضِعْها بين فِرْك وعَشَقْ
(1/69)

يقول: قد حملت فلم يضعها وهي بين فرك وعشق. والفرك: البض. والعشق: العشق. وقال ابن
حبيب: بين فرك وعشق، معناه لم يضع هذه الأتن، لا حين كانت تعشقه قبل حملها فتمكنه من
ظهرها، ولا حين حملت ففركته ومنعته من ذلك، فهو حافظ لها في الحالين جميعا.
والى صلة يرنو، والحليم يرتفع بيرنو، والصبابة تنتصب على المصدر، والتقدير يرنو الحليم
صبابة إلى مثلها. وإذا وقت من صلة يرنو، وما صلة للكلام لا موضع لها من الإعراب، وفاعل
اسبكرت مضمر فيه من ذكر المرأة، وبين صلة اسبكرت وهي خافضة للدرع، والمجول نسق على
الدرع.
(كِبكْرِ المُقاناةِ البَيَاضِ بصُفْرةٍ ... غَذَاها نَمِيرُ المَاءِ غَيْرَ مُحلَّلِ)
قال أبو بكر: سألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن إعراب البياض، فقال يجوز الخفض والنصب
والرفع؛ فمن خفضه أضاف المقاناة اليه، وصلح الجمع بين الألف واللام والإضافة لان الألف واللام
معناهما الانفصال، والتقدير كبكر المقاناة البياض قونى بصفرة. قال: ولا يجوز لمن خفض البياض
بالإضافة أن يجعل الباء صلة المقاناة، لأن المقاناة في مذهب الأسماء فلا يجوز أن توصل بالباء،
فخطأ في قول الكسائي والفراء مررت برجل وجيه الأب في الناس، لان وجيها في مذهب الأسماء،
فلا يجوز أن يوصل بفي. وكذلك مررت برجل راغب الأب فيك، خطأ لما ذكرنا. قال: ومن نصب
البياض نصبه على التفسير، كما تقول: مررت بالرجل الحسن وجها. ومن رفع البياض جعل الألف
واللام بدلا من لهاء بفعل مضمر، والتقدير كبكر المقاناة قونى بياضها بصفرة. انقطع كلام أبي العبس
هاهنا.
قال أبو بكر: والألف واللام تكون بدلا من الاضافة، لانهما جميعا دليلان من دلائل الأسماء، قال الله
عز وجل: (ونَهَى النَّفْسَ عن الهوى)، معناه عن
(1/70)

هواها، فأقام الألف واللام مقام الاضافة. وقال:
(يُصْهَرُ به ما في بُطونِهمْ والجلودُ) الآية، أراد وجلودهم. وقال النابغة:
لهم شيٍمةٌ لم يُعطِهَا اللهُ غَيَرهُمْ ... من النَّاسِ والأحلامُ غير عَوازبِ
معناه: وأحلامهم. وقال الشماخ:
فلما شَراها فاضَت العينُ عَبْرةً ... وفي الصدر حُزَّازٌ من اللَّوم حامزُ
أراد: في صدره. وقال الآخر:
ولكنْ نرى أقدامنا في نعالكم ... وأنُفَنا بين اللِّحى والحواجب
معناه: بين لحاكم وحواجبكم. وقال الفرزدق:
فلز سُئِلتْ عني النَّوارُ ورهطُها ... إذا أحدٌ لم تَنْطِق الشَّفتانِ
أراد: شفتاه.
والبكر: أول بيضة تبيضها النعامه. والمقاناة: المخالطة، التي قونى بياضها بصفرة، أي خلط بياضها
بصفرة.
والألف واللام للبيض، والمعنى كبيضة بكر البيض التي قونى بياضها بصفرة؛ فلما نقلت المقاناة
عن لفظ البياض إلى البيض أنث وأضيف إلى البياض، كما تقول: مررت بالمرأة الحسن وجهها
فتذكر الحسن لأنه للوجه فإذا نقلته عن الوجه إلى المرأة أنثته فقلت: مررت بالمرأة الحسنة وجهها.
وقال يعقوب: يقال ما يقانيني خلق فلان، أي ما يشاكل خلقي؛ وما يقانيني ذاك، أي ما يوافقني ولا
يلائمني. ويقال إذا كانت ظاهرة الجبة صفراء: أي شيء يقانيها؟ أي أيُّ يحسن معها. ويقال: قانى له
ذلك، أي جمع له ذلك وخالطه. ويقال: قانيت بين لقمتين: جمعتهما في لقمة واحدة. وكل ما جمع بين
لونين فقد قانى. قال الشاعر:
قانَى له بالصَّيف ظلٌّ باردٌ ... ونَصىُّ ناعجةٍ ومَحضٌ مُنْقَعُ
(1/71)

قال يعقوب: إنما أراد بالمقاناة ههنا المشاكلة، أي كبيضة مخلوط بياضها بصفرة، يعنى بيضة النعامة
الأولى. قال ومثله قول المخبل:
سبقَتْ قرائنهَا وأدفأوها ... قَرِدٌ كانَّ جنَاحه هِدْمُ
يعنى بيضة النعامة الأولى، وهي تستحسن.
ثم رجع إلى نعت المرأة فقال: (غذاها نمير الماء)، يريد إذا هذه المرأة أنمر الماء، أي نشأت بأرض
مريئة. والماء نمير: النامي الذي ينجع في الجسد. (غير محلل)، ومعناه لا يحلله أحد فيصفر ويتغير.
وقال أبو عبيدة: كبكر المقاناة، معناه كبردية بكر البردى. والمقاناة: الممتزجة البياض بصفرة. وقال:
البكر الدرة التي لم تثقب. والمقاناة: الألوان. والنمير: الماء العذب الذي يبقى في الأجواف. وليس كل
عذب بنمير؛ لأن النمير ما كان شاربه طويل الري منه؛ والذي يعطش صاحبه سريعا ليس بنمير.
وقال غيره: يروى (غذاها نمير الماء غير محلل) بكسر اللام، أي غذاها غذاء واسعا غير قليل
كتحلة النمير. والنَّمير: ما بقى في بطون الماشية وانحدر عن بطون الناس، لخفته وعذوبته. وقال
آخرون: غذاها نمير الماء معناه: إذا الدرة نمير الماء؛ لان البحر فيه مواضع يكون فيها الماء العذب.
قال أبو ذؤيب يذكر الدرة:
فجاء بها ما شِئتَ من لَطَميَّة ... يَدُومُ الفرات فَوقها ويموجُ
فالفرات: العذب. وقال أكثر أهل اللغة: الدر يخرج من الملح لا من العذب. ومعنى البيت أن الملح
للدرة بمنزلة العذب لغيرها، لأنها تنمى وتحسن عليه كما يحسن غيرها على العذب.
والنَّمير مرتفع بغذاها، وهو مضاف إلى الماء. وقال سهل: في كتابي (كبكر مقاناة البياض) بالرفع.
قال: وأظنها من صفة المرأة. ونصب (غير محلل) على الحال.
(1/72)

(تَسَلَّتْ عَمَاياتُ الرِّجالِ عن الصِّبَا ... وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَواكِ بمُنْسَلِي)
ويروى: (وليس فؤادي عن صباه بمنسلي)، ويروى: (وليس فؤادي عن هواها بمنسلي). وقوله
تسلت ذهبت. يقال: سلوت عن كذا وكذا وسليت، إذا طابت نفسي بتركه. قال يعقوب: وقال بعضهم:
يا فلان لقد سقيتني السلوة من نفسك، أي رأيت منك ما سلوت به عنك. وأنشدنا أبو العباس عن ابن
الأعرابي:
لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلِيتُ ... ما بي غنًى عنكِ ولو غَنِيتُ
وقال زهير في سلوت وأسلو:
وكلُّ محبٍّ أحدثَ النَّأيُ عِندهُ ... سُلوَّ فؤادٍ غَيْرَ حُبِّيكِ ما يَسلُو
وقوله (عمايات الرجال عن الصبا) عد الجهل عمى. والعمايات: جمع العماية. والصبا: اللعب. يقال
صبى يصبى صبا، وصبا إلى اللهو يصبو صباء.
والعمايات مرتفعة بتسلت، وهي مضافة إلى الرجال، وعن الصبا صلة تسلت، وفؤادي مرتفع بليس،
وبمنسل خبر ليس، وعن هواك صلة منسلى.
(أَلا رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُه ... نَصيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتلِي)
الألوى: الشديد الخصومة. قال الراجز:
وجَدْتَني ألْوَى شديدَ المسُتَمرّ
(1/73)

والتعذال: العذل. وقال: عذلته عذلا وتعذالا. ويقال. لوى الرجل الكلام يلويه ليا، إذا حرفه. قال الله
عز وجل: (لَيّاً بألسنتهم) معناه تحريفا بألسنتهم. ويقال: لوى الرجل غريمه ليا وليانا. قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (ليُّ الواجد يحل عقوبته)، فمعناه مطل الواجد. وقال ابن الدمينة:
فإنَّ على الماء الذي تَردانه ... غريماً لواني الدَّينَ منذُ زمان
وقال الآخر:
تُطيليلنَ لَيَّاني وأنت مليئةٌ ... وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاح التَّقاضيا
وقال بعض البصريين: يقال عذَلته عذَلا، بفتح الذال.
وقوله: (غير مؤتل) معناه غير تارك نصحي بجهده. يقال: ما ألوت وما آليت، أي ما قصرت.
ويقال أيضا: ما ألوت بمعنى ما استطعت.
وإلا افتتاح للكلام، والخصم خفض برب، وفيك صلة الخصم، وألوى نعت للخصم، ورددته خبر
لرب، ونصيح نعت للخصم، وغير مؤتل نعت للخصم أيضا، ونمير مضافة إلى المؤتلى. وقال بعض
البصريين: المعنى يصح على إنه يعذلني غير مؤتل.
(ولَيلٍ كَمْوجِ البَحْرِ أَرخَى سُدُولَهُ ... عَلَّى بأَنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِى)
قال يعقوب: يقول: اظلم حتى كأنه موج البحر إذا جاء من ظلمته. وقال ابن حبيب: معناه كموج
البحر في كثافة ظلمته. يقول: اظلم داخله حتى كأنه موج البحر إذا جاء من ظلمته. وسدوله: ستوره،
الواحد سدل. ويقال سدا ثوبه يسدله، إذا أرخاه ولم يضمه. قال: وكانوا يكرهون السدل في الصلاة.
(1/74)

وقوله (بأنواع الهموم) معناه بضروب الهموم. وقوله (ليبتلى) معناه لينظر ما عندي من الصبر
والجزع. قال الله عز وجل: (وبَلَوْناهُم بالحسَنَات والسَّيِّئاتَ) معناه واختبرناهم بالخصب والجدب.
وقال الله تبارك وتعالى: (يوم تُبْلَى السَّرائر) معناه تختبر السرائر. وقال أبو الأسود:
أرَيتَ امرأً كنتُ لم أبْلُه ... أتاني فقال اتَّخذْني خليلا
ويقال: لتبلون منى هذه الفلاة صبرا عليها، أي بتختبرن.
والليل خفض بإضمار رب، والكاف في موضع خفض على النعت لليل، وهي خافضة للموج،
والموج مضاف إلى البحر، ومرخ نعت لليل، والسدول منصوبة بمرخ، وعلى صلة مرخ، والباء
صلة له أيضا وهي خافضة للأنواع، والأنواع مضافة إلى الهموم، ويبتلى في موضع نصب بلام كي، والتقدير لكي يبتلى، قال الله عز وجل: (يُريدون ليطفئوا نُوَر الله بأفواههم) فيطفئوا نصب بلام كي،
والتقدير: لكي يطفئوا. وقال البصريون: يبتلى نصب بإضمار أن، والتقدير عندهم لأن يبتلى، وكذلك
يتأولون قول الله عز وجل: (يًريدون ليُطْفِئُوا) يزعمون أن التقدير يريدون لأن يطفئوا.
(فقُلتُ له لمَّا تَمطَّى بصُلْبِهِ ... وأَردَفَ أَعجازاً وناءَ بكَلْكَلِ)
قوله (لما تمطى بصلبه): لما تمدد بوسطه. يقال: تمطى الرجل، إذا تمدد، أي مد مطاه، أي ظهره.
ويقال: مطوت أمطو، اذا مددت في السير. ويقال تمدد الرجل، أي تمطى، إذا تبختر. والصلب:
الوسط.
وروى الأصمعي:
(1/75)

(فقلت له لما تمطى بجوزه) أي امتد. والجوز: الوسط، وجمعه أجواز. وأنشد
الفراء:
فهي تَنُوش الحوض نَوَشاً مِن عَلا ... نَوْشاً به تَقطعُ أجوازَ الفلا
أي أوساط الفلوات. وقال الأصمعي: أنشدني شعبة بن الحجاج في مثل معنى قول امرئ القيس:
كأنَّ اللَّيل مُدِّد جانباهُ ... وأوسَطُه بأمراسٍ شدادِ
قوله (وأردف أعجازاً) قال يعقوب عن الأصمعي: معناه حين رجوت أن يكون قد أردف أعجازا، أي
رجع. و (ناء بكلكل) أي تهيأ لينهض. قال: ومثله قول العجاج:
منها عَجَاساءُ إذا ما التجَّت ... حسبتها ولم تكُرّ كرَّتِ
العجاساء من الإبل: الثقال. فشبه قطع الليل بالإبل الثقال. يقول: كلما قلت قد ذهب كرت بطولها.
والكلكل: الصدر. ويقال: ردفت الرجل وأردفته، اذا ركبت خلفه. وقد أردفته خلفي لا غير. وقال
بعضهم: معنى البيت ناء بكلكله وتمطى بصليه وأردف أعجازا، فقدم وأخر.
والهاء تعود على الليل، ولما وقت فيها طرف من الجزاء، وأردف نسق على تمطى، والأعجاز
منصوبة به، وناء نسق على تمطى أيضا. وفي ناء لغتان: يقال ناء ونأى، قال الله عز وجل: (ونأى
بجانبه)، وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: (أعرضَ وناءَ بجانبه). والباء صلة ناء، وهي خافضة
للكلكل.
(1/76)

(أَلاَ أَيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ أَلاَ انْجَلِى ... بصُبْحٍ وما الإِصباحُ فِيكَ بأَمثَلِ)
معناه أنا معذب فالليل والنهار على سواء. وروى ابن حبيب:
... ألا انجلى ... وأنْ كنتَ قد أزمعتَ ذلكَ فافعلِ
وقال يعقوب بن السكيت: ألا انجلى ... ألا انكشف. والأمر الجلي: المنكشف. وقوله أنا ابن جلا: أنا
ابن المنجلى الأمر المنكشف المشهور وغير المستور. والجلية: الأمر المنكشف، ومنه جلوت العروس
جلاء وجلوة. وجلوت السيف معناه كشفته من الصدأ. ويقال: جلا القوم عن منازلهم جلاء، إذا
انكشفوا عنها. وقال الله عز وجل: (ولولاَ أن كتَبَ الله عليهمُ الجَلاَءَ لعذَّبَهُمْ في الدُّنيا). وقوله (وما
الإصباح فيك بأمثل)، معناه إذا جاءني الصبح وأنا فيك فليس ذلك بأمثل، لان الصبح قد يجيء والليل
مظلم بعد. قال حميد بن ثور، وذكر الفجر:
فلمَّا تجلَّى الصُّبح عنها وأبصرَتْ ... وفي غَبَش اللَّيل الشخوصُ الأباعدُ
غبش الليل: بقيته. يقول: جاء الفجر وفي غبش الليل الشخوص الأباعد، أي لا تراها لسواد الليل.
ويقال أيضا: معناه إذا جاء الصبح فإني أيضا مغموم.
والافتتاح للكلام، وأيها مرتفع لأنه منادى مفرد، والليل مرتفع على الاتباع لهذا، لان الأصل فيه ألا
أي هو هذا الليل. والطويل نعت لليل.
قال الفراء: يقال يأيها الرجل أقبل، ويأيهذا الرجل أقبل، ويا أيه الرجل. فمن قال يأيها الرجل أقبل
قال: الرجل تابع لهذا فاكتفى به من ذا. ومن قال يأيهذا الرجل أقبل، أخرج الحرف على أصله. قال
الشاعر:
ألا أيهذا المنزلُ الدارسُ الذي ... كأنك لم يعهد بك الحيّ عاهدُ
(1/77)

ومن قال يأيه الرجل أقبل قدر أن الهاء آخر الاسم فأوقع عليها ضمة النداء. انشد الفراء:
يا أَيُّهُ القَلْبُ اللَّجوجُ النَّفْسِ ... أفِقْ عن البيض الحسانِ اللُّعْسِ
وقال البصريون: الليل صفة لاي لازمة. ويجوز في قول المازني ألا أيها الليل الطويل، بالنصب،
على الرد على اصل أي لأصل النداء، وأصل النداء نصب.
وموضع انجلى جزم على الأمر، علامة الجزم فيه سكون اللام في الأصل، ثم احتاج إلى حركتها
بصلة لها، ليستوي له وزن البيت، فكسرها ووصل الكسرة بالياء. قال الفراء: العرب تصل الفتحة
بالألف، والكسرة بالياء، والضمة بالواو. ومن ذلك قول الله عز وجل: (سنُقْرئُك فلا تَنْسَى) موضع
تنسى جزم بلا على النهى، والألف صلة لفتحة السين. ومن ذلك قول الشاعر:
إذا الجوزاء أردفَت الثُّريَّا ... ظننتُ بآلِ فاطمةَ الظُّنونا
الألف في الظنون صلة لفتحة النون. والموضع الذي وصلوا فيه الكسرة بالياء قول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تَنْمِى ... بما لاقتْ لَبُونُ بنى زيادِ
الياء صلة لكسرة التاء. والموضع الذي وصلوا الضمة فيه بالواو قول الشاعر:
هجوتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئتَ معتذِراً ... مِن سَبِّ زَيَّان لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
الواو صلة لضمة الجيم، والإصباح مرتفع بأمثل، وفيك صلة أمثل.
(1/78)

(فَيَالَكَ مِنْ لَيلٍ كأَنَّ نُجومَهُ ... بكلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ)
ويروى: (كان نجومه بأمراس كتان إلى صم جندل).
قال أبو بكر: لم يرو هذا البيت الأصمعي ورواه يعقوب وغيره. وقال يعقوب: معناه كأن نجومه
شدت بيذبل، وهو الجبل. والمغار: الحبل الشديد الفتل. يقال: أغرت الحبل، إذا شددت فتله. ومن ليل
معناه التفسير للتعجب، والنجوم اسم كأن، وخبر كأن شدت، والباء صلة شدت، وهي خافضة ليذبل.
(كأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقتْ في مَصَامِهِا ... بأَمراسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ)
ويروى: (كأن نجوما علقت في مصامها). والامراس: الحبال. والجندل: الحجارة. وفيه تفسيران: أما
أحدهما فإنه شبه تحجيل الفرس في بياضه بنجوم علقت في مقام الفرس وهو مصامه، علقت بحبال
كتان إلى صم جندل، يعنى الحجارة شبه حوافره بالحجارة. فهذا تفسير من يرويه مؤخرا بعد صفة
الفرس. وعلى التفسير الثاني يصف الليل يقول: كأن النجوم مشدودة بحبال إلى حجارة فليست
تمضى. والمصام: مقام الفرس. وقال يعقوب: مصامها، معناه في موضعها. وأنشد للشماخ:
متَى ما يُسفْ خيَشومهُ فوقَ تلعة ... مَصامةَ أعيار من الصَّيف ينشِجِ
أي مقامهن. والصائم: القائم. ويقال: صام الماء، إذا سكن. (بأمراس) المرسة: الحبل، يقال مرسة
ومرس، وفي الجمع أمراس. وقال يعقوب: معنى قوله (إلى صم جندل) إلى جبال صم. يقول: كأن
لها أواخي في الأرض تحبسها.
(1/79)

والنجوم اسم كأن، وخبر كأن علقت، وفي وإلى والباء صلات لعلقت.
وروى بعض الرواة هاهنا أربعة أبيات، وذكر إنها من هذه القصيدة خالفه فيها سائر الرواة، وزعموا
إنها لتأبط شرا. والبيت الأول منها:
(وقِرْبَةِ أَقوامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَا ... عَلَى كاهلٍ مِنِّى ذَلولِ مُرحَّلِ)
عصام القربة: الحبل الذي تحمل به ويضعه الرجل على عاتقه وعلى صدره. والكاهل: موصل
العنق إلى الظهر. وقوله (ذلول مرحل) معناه قد اعتدلت ذلك. يصف نفسه بأنه يخدم أصحابه، يترجل
بذلك.
والقرية مخفوضة بالواو التي تخلف رب، وهي مضافة إلى الأقدام، والعصام منصوب بجعلت،
وعلى صلة جعلت وهي خافضة للكاهل، والذلول والمرحل نعتان للكاهل.
(ووادِ كَجَوْفِ العَيْرِ قَفْر قَطَعتُهُ ... به الذِّئبُ يَعْوِي كالخَليعِ المُعيَّلِ)
قال أبو بكر: قوله (كالخليع) فيه قولان: أحدهما أن جوف العير لا ينتفع منه بشيء، يعنى العير
الوحشي. ويروى: (وخرق كجوف العير) فالخرق: الذي يتخرق في الفلاة. وقال هشام بن محمد
الكلبي: العير هاهنا: رجل من العمالقة كان له بنون وواد خصب، وكان حسن الطريقة، فسافلا بنوه
في بعض أسفارهم فأصابتهم صاعقة فأحرقتهم، فكفر بالله سبحانه وتعالى وقال: لا أعبد ربا أحرق
بنيَّ! وأخذ في عبادة الأصنام، فسلط الله عز وجل على ذلك الوادي ناراً - والوادي
(1/80)

بلغة أهل اليمن يقال له الجوف - فأحرقته فما بقى منه شيء. وهو مضرب به المثل في كل مالا بقيه له.
و (الخليع): المقامر، ويقال هو الذي قد خلع غداره فليس يبالي ما ارتكب. و (المعيل): الكثير العيال.
والوادي مخفوض بإضمار رب، والكاف موضعها خفض لأنها نعت للوادي، وهي خافضة للجوف،
والذئب مرتفع بما عاد من يعوي، والكاف منصوبة بيعوي وهي خافضة للخليع، والمعيل نعت له.
(فقلتُ لَهُ لمَّا عَوَى: أن شأنَنا ... قَليلُ الغِنَى أن كُنْتَ لَمَّا تَمَوَّلِ)
معناه: أن كنت لما تصب من الغنى ما يكفيك. ويروى: (طويل الغنى). و (قلت له) معناه فقلت
الذئب. (لما عوى) معناه لما صاح. (إن شأننا قليل الغنى) معناه أنا لا أغني عنك وأنت لا تغنى عنى
شيئا. أي أنا أطلب وأنت تطلب فكلانا لا غنى له. ومن رواه (طويل الغنى) أراد همتي تطول في
طلب الغنى.
ولما وقت فيها طرف من الجزاء. وان كسرت لمجيئها بعد القول، والشأن اسم إن، وقليل خبر إن،
والتاء اسم الكون، وما عاد من تمول خبر الكون. ومعنى لما تمول: لم تمول.
(كِلاَنَا إذا ما نَالَ شَيئاً أَفَاتَهُ ... ومَنْ يَحتَرِثْ حَرثِي وحَرْثَكَ يُهْزَلِ)
معناه: إذا نلت شيئا أفته، وكذلك أنت إذا أصبت شيئا أفته. و (من يحترث حرثي وحرثك يهزل)،
أي من طلب مني ومنك شيئا لم يدرك مراده. وقال قوم:
(1/81)

معنى البيت: من كانت صناعته وطلبته مثل
طلبتي وطلبتك في هذا الموضع مات هزلا؛ لأنهما كانا بواد لا نبات به ولا صيد.
وموضع كلانا رفع بما عاد من جملة الكلام، وموضع من رفع بما في يحترث، ويحترث جزم بمن
على معنى الجزاء، والحرث منصوب بيحترث، ويهزل جواب الجزاء. فهذه الأبيات الأربعة رواها
بعض الرواة في قصيدة امرئ القيس، وزعم الأصمعي وأبو عبيدة وغيرهما إنها ليست منها.
(وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... بمُنْجرِدٍ قَيْدِ الأَوَابدِ هَيْكَلِ)
ويروى: (والطير في وكراتها). وقوله: (وقد اغتدى) معناه وقد أغدو. وقوله: (في وكناتها) معناه في
مواضعها التي تبيت فيها. وقال يعقوب: الوكنات في الجبال كالتماريد في السها، الواحدة وكنة. وهي
الوقنات ايضا، الواحدة وقنة. وقد وقن يقن. وقال الأصمعي: إذا أوى الطير إلى وكره قيل قد وكر
يكر، ووكن يكن. ويقال: جاءنا والطير وكور ما خرجن، ووكون ما خرجن. والمنجرد: القصير
الشعرة، وذلك من العتق. وقال بعض البصريين: من رواه في وكراتها قال: هو جمع الجمع، وذلك
أن الواحد وكر، والوكر جمع الوكر، والوكرات جمع الوكر. وقوله (قيد الأوابد) معناه إذا أرسل على
الأوابد قيدها، أي صار لها قيدا. والأوابد: الوحوش، وكذلك أوابد الشِّعر. ويقال: تأبد الموضع، إذا
توحش. والهيكل: العظيم من الخيل ومن الشجر، ومن ثمة سمى بيت النصارى هيكلا. وقال أبو
عبيدة: يقال قيد الأوابد، وقيد الرهان، وهو الذي كأن طريدته له في قيد إذا طلبها. وأول من قيدها
امرؤ القيس. قال: الأجرد: القصير
(1/82)

الشعرة الضافي الأديم. قل: والهيكل - والأنثى هيكلة والجمع
هياكل - هو العظيم العبل الكثيف اللين.
والباء في قوله بمنجرد صلة اغتدى، والواو واو الحال، ومنجرد خفض بالباء، وقيد الأوابد نعت
لمنجرد.
فإن قال قائل: منجرد نكرة وقيد الأوابد معرفة، فكيف نعتت النكرة بالمعرفة؟ قيل له: العلة في هذا
أن المعنى بمنجرد مثل قيد الأوابد. وقال الفراء: هو بمنزلة قولهم: له رأسٌ رأسُ الأسد، معناه له
رأسٌ مثل رأسُ الأسد.
(مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلِ)
قوله (مكر): يكر إذا أريد ذلك منه. و (مفر): يفر. (مدبر): إذا أدبر بعد إقباله. وقال يعقوب: معناه
إذا أردت الكر وأنا عليه وجدته عنده، وكذلك هذه الأشياء معاً عنده. و (الجلمود)، هي الصخرة إذا
كانت في أعلى الجبل كأن أصلب لها. وقال غير يعقوب: مكر: لا يسبق في الكر، ومفر: لا يسبق في
الفرار، ومقبل مدبر: إذا استقبلته حسن وإذا استدبرته حسن. ومعنى قوله (حطه السيل من عل) أراد
في سرعته. ويقال معنى حطه حدره. قال الشاعر:
... كأنها ... صُخورٌ تدلَّتْ من فُروع يَلملمِ
وقال الآخر:
كما تَدَهْدَي من العَرْض الجلاميدُ
العرض بفتح العين: الجبل. والعرض بكسر العين: الوادي.
ويقال: من علٍ، ومن علِ، ومن علُ، ومن علاَ، ومن علوُ، ومن علوَ، ومن علوِ، ومن عال، ومن
مًعال.
ومكر مفر مقبل مدبر، نعوت لمنجرد. وحطه السيل صلة الجلمود، والهاء تعود عليه، والسيل يرتفع
بحطه.
(1/83)

(كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حَالِ متْنِه ... كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمتنَزِّلِ)
ويروى: (عن حاذ متنه). وحاذ متنه: وسطه. شبه ملاسة ظهر الفرس لاكتناز اللحم عليه وامتلائه
بالصفاة الملساء. والحال الحاذ معناهما واحد. وقال يعقوب: أصل الخيل جلوداً وحوافر الكمت الحم.
وقال يعقوب: والحال: موضع اللبد. قال: ولم أسمع به إلا في هذا. وانشد لابن الدمينة:
وصوتٍ قد سَبقتُ إليه ركْضاً ... على جَرداءَ يَغْسلها الحَبَابُ
مُزَحلفَةٍ يزِلُّ اللبدْ عنها ... كأنَّ نَشَاق نَشْوتها المَلاَبُ
المزحلفة: التي لا يثبت عليها شيء. وانشد لأوس:
كميت يزلُّ اللبد عن دأياتها ... كما زلَّ عن رأس الشجيج المحارفُ
وهي الميل، والواحد محرفة. يقول: إذا شج الرجل أدخل الميل في شجته فيبلغ عظما لا يثبت عليه
شيء فيزل عنه. والصفوان: الصفاة اللينة يزلق عنها من ينزل عليها، وهي الصخرة الملساء التي لا
ينبت فيها شيء. يقال صفواء وصفوان وصفاة. وجمع صَفوان صِفوان، وجمع صفاة صفاً. قال لبيد:
وعَلاَه زبَدُ المَحْضِ كما ... زلَّ عن ظهَر الصَّفا ماءُ الوشَلْ
وقال غير يعقوب: بالمتنزل يعنى السيل والمطر. وقال: من رواه (حاذ متنه) قال: الحاذ: الحال.
واللبد مرفوع بيزل، ويزل في موضع النعت، والكاف في كما منصوبة بيزل، والصفواء مرتفعة
بزلت.
(1/84)

(على الذَّبْلِ جَيَّاشٌ كأَنَّ اهتزَامَهُ ... إِذا جاش فيه حَمْيُهُ غَلْىُ مِرْجَلِ)
وروى الاصمعي وأبو عبيدة: (على العقب جياش). ويروى: (على الضمر جياش)، يعنى إنه يجيش
في جريه، أي يسرع. و (كأن اهتزامه) يعنى صوت جريه إذا جاش فيه كغليان المرجل. شبه صوت
جرى الفرس بغليان المرجل. وقال يعقوب: قال الأصمعي: قال قوم: العقب جرى بعد جرى، يجيء
هذا على عقب هذا. وقال آخرون: على العقب، أي إذا حركته بعقبك جاش وكفاك ذلك من السوط.
ومثله:
إذا قُلتُ أطراف الرياح تنالهُ ... مَرَتْهُ به السَّاقانِ والقدمانِ
وقال ساعدة الهذلي وذكر خيلا:
يُوشونهنّ إذا ما آنسُوا فزَعاً ... تحت السَّنَوَّرِ بالأعقاب والجِذم
يوشونهن معناه يستخرجون ما عندهن. وقال الآخر:
جُنادفٌ لاحقٌ بالرأس مَنكِبُه ... كأنَّه كَودنٌ يُوشَى بكُلاَّبِ
أي يستخرج ما عنده. واهتزامه: صوته. وقوله (إلى مرجل) معناه إذا جاش غليه فيه فكأنه إلى
مرجل. قال يعقوب: وقال أبو عبيدة: الجياش المتزيد في حضره الذي لا ينقطع جريه، إنما يجيش
به. قال. وهذا البيت مثل قول جرير:
لِزاز حِضارٍ يَسبِق الخيلَ جَدُّه ... على الدّفعة الأولى وفي العَقْب مِرجما
يقول: في آخر العد ويضرب برجليه الارض ضربات شديدا. وقال بعض أهل اللغة: رواه ابن
الأعرابي: (على الدأل جياش)، وقال: أخذه من دألان الثعلب، كما قال في بيته الآخر:
(1/85)

بذِي ميعةٍ كأنَّ أدنى سِقاطه ... وتقريبِه هَوناً دَآليل ثَعلب
والجياش نعت لما تقدم قبله، والاهتزام اسم كأن وخبر كأن إلى مرجل، وحميه مرفوع بجاش،
ويجوز أن يكون خبر كان ما عاد من الهاء، والحمى مرتفع بالغلى. وإذا وقت فيها طرف من الجزاء.
(مِسَحٍّ إذا ما السَّابحاتُ على الوَنَى ... أَثَرْنَ الغُبارَ بالكَدِيدِ المرَكَّلِ)
مسح معناه يصب الجرى صبا. قال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر لدريد:
ويا رُبَ غَارةٍ أوضَعْتُ فيها ... كسَحِّ الخزرجىّ جَرِيمَ تَمرِ
اوضعت معناه أسرعت. قال دريد:
يا ليتني فيها جذَعْ ... أخُبُّ فيها وأضَعْ
ويقال: مطر ساح وسحاح وسحساح، إذا انصب انصبابا. وقد سحت السماء تسح سحا. ومنه غنم
سحاح وسحاح، أي يسيل دسمها. السابحات: اللواتي عدوهن سباحة؛ والسباحة في الجرى: أن تدحو
بأيديها دحوا، أي تبسطها ولا تلفقها. وقال أبو عبيدة: السح أن يمد ضبعيه حتى لا يجد مزيدا، كما
يسبح السابح. (على الونى)، معناه على الجهد والفتور. يقال: قد ونى الرجل ينى، إذا فر وضعف.
قال الله عز وجل: (ولا تَنيَا في ذِكِرى). وقال الراجز:
(1/86)

فما وَنَى محمدٌ مُذْ أن غَفَر ... له الإلُه ما مَضى وما غَبَرْ
يقول: إذا فعل العتاق هذا كان هو مسحا يصب الجرى صبا. و (الكديد): الموضع الغليظ. يقول:
فيثرن الغبار لصلابة حوافرهن. وروى أبو عبيدة: (بالكثيب السموءل). قال: وهو جوف من الأرض
واسع. و (المركل): تركله بحوافرها. وقال غيره: الكديد ما كد من الأرض بالوطء. والمركل: الذي
يركل بالأرجل. والسابحات موضعها رفع بما عاد من آثرن، وعلى والباء صلتان لأثرن.
(يَزِلُّ الغُلامُ الخِفُّ عَنْ صَهَواتِهِ ... ويُلوِى بِأَثوابِ العَنيفِ المثَقَّل)
ويروى (يزل الغلام الخف عن صهواته)، على معنى يزل الفرس الغلام الخف. وروى الأصمعي:
(يطير الغلام الخف) معناه يرمى به من خفته ونشاطه وسرعته. والخف: الخفيف. قال أبو عبيدة:
وسمعت الخف بالفتح. وصهواته: جمع صهوة، وهي موضع اللبد. وصهوة كل شيء: ظهره، وجمعها
بما حولها، كما قال الأسود بن يعفر:
فلقد أرُوح على التِّجارِ مَرجَّلا ... مَذِلاً بمالى ليِّناً أجيادِي
أراد الجيد وما حوله. وقال أبو عبيدة: الصهوة مقعد الفارس. قال يعقوب: وقال آخرون: بل هي ما
أسهل من سراة الفرس من ناحيتيها، والجمع صهاء كما ترى. وسراة كل شيء: أعلاه. فسراة الفرس:
أعلى ظهره. قال الأصمعي: معنى قوله (ويلوى بأثواب العنيف) يرمى بثيابه، أي يذهبها ويبعدها.
والعنيف: الذي ليس برفيق. والمثقل: الثقيل. وقال بعضهم: إذا كان راكب الفرس خفيفا رمى به،
وإذا كان ثقيلا رمى بثيابه. وقال ابن حبيب: إذا ركب الخيل غير المحاذق بركوبها رمت به. ومعنى:
(بأثواب العنيف) بيديه.
(1/87)

والغلام رفع بيزل، والخف نعته، وعن صهواته صلة يزل، ويلوى نسق على يزل، والباء صلة
يلوى وهي خافضة للأثواب، والاثواب مضافة إلى العنيف، والمثقل نعته.
(دَريرٍ كخُذْرُوفِ الوَلِيدِ أَمَرَّهُ ... تَتَابُعُ كفَّيِهِ بخَيْطٍ مُوَصَّلِ)
درير: مستدر في العدو. يصف سرعة جريه، يقول: يستدر في الجري كما يستدر المغزل.
والخذروف: الخرارة التي يلعب بها الصبيان تسمع لها صوتا: خرَّ خرَّ، فهي سريعة المر. و (أمره)
من الامرار، وهو احكام الفتل. قال الشاعر:
أمَرَّت من الكتان خَيطاً وأرسلَتْ ... جَرِيّاً إلى أخرى قريب يُعِينُها
وقوله: (بخيط موصل) معناه قد لعب به حتى خف وأخلق وملس، فتقطع خيطه فوصل، فهو أسرع
لدورانه. قال ابن مقبل وذكر جرى الفرس:
هَرْجَ الوليدِ بخيط مُبرَمٍ خَلَقٍ ... بينَ الرَّواجب في عُودٍ من العُشرِ
هرج: كثرة تخريره الخذروف. والهرج: الكثرة من القتل ومن النكاح. والمبرم: الشديد الفتل. وإنما
قال خلق لأنه لعب به حتى خف وجاد. وجعله من عشر لأنه أخف. والرواجب: سلاميات الأصابع.
وتتابع كفيه، يريد تتابعهما بالتخرير. ويروى: (أمره تقلب كفيه)، أي تقلبهما بالخرارة. ويقال مُغزل
ومِغزل، ومَغزل.
والدرير نعت لما تقدم قبله، والكاف نعت للدرير وهي خافضة للخذروف، والخذروف مضاف إلى
الوليد، والتتابع مرتفع بأمره، وهو مضاف إلى كفيه، والباء صلة التتابع، وهي خافضة للخيط،
وموصل نعت له.
(1/88)

(له إِطِلاَ ظَبْيِ وساقَا نَعامةٍ ... وإِرخاءُ سِرْحانٍ وتَقريبُ تَنْفُلِ)
ويروى: (له أيطلا ظبي)، وهي كشحاه، وهو ما بين آخر الضلوع إلى الورك؛ يقال له أطل وآطال،
وأيطل وأياطل. والأيطل والقرب والصقل والكشح واحد. وإنما شبهه بأيطل الظبي لأنه طاو وليس
بمنضخ. وقوله (وساقا نعامة) النعامة قصيرة الساقين صلبتهما، وهي غليظة ظمياء ليست برهلة.
ويستحب من الفرس قصر الساق لأنه أشد لرميها بوظيفها. ويستحب منه مع قصر الساق طول
وظيف الرجل وطول الذراع، لأنه أشد لدحوه أي لرميه بها. والإرخاء: جرى ليس بالشديد. يقال:
فرس مرخاء، وهي مراخي الخيل. وليس دابة أحسن إرخاء من الذئب. والسرحان: الذئب.
والتقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا. والتتفل: ولد الثعلب، وهو احسن الدواب تقريبا. ويقال
للفرس: هو يعدو الثعلبية، إذا كان جيد التقريب. وقال غير الأصمعي: مما يشبه من خلقة الفرس
بالظبي طول وظيفة رجليه، وتأنيف عرقوبيه، وعظم فخذيه وكثرة لحمهما، وعظم وركيه، وشدة متنه
وظهره، وإجفار جنبيه، وقصر عضديه، ونجل مقلتيه، ولحوق أياطله. ومن خلق النعام طول
الوظيفين، وقصر الساقين والمتنين.
وقال أبو عبيدة في الإرخاء: هو إرخاء أسفل وإرخاء أعلى؛ فالإرخاء الأسفل بمنزلة التقريب
الأعلى، والإرخاء الأعلى أن يخليه وشهوته من الجري، غير متعب له ولا مستزيد. ويروى: (تقريب
تتفل). و (تتفل). والإطلان يرتفعان بله وهما مضافان إلى الظبى، والساقان والإرخاء والتقريب نسق
على الإطلين.
(1/89)

(ضَليعٍ إذا استدبَرْتَهُ سدَّ فَرْجَه ... بضافٍ فُوَيْقَ الأَرضِ لَيْسَ بأَعْزَلِ)
يقال فرس ضليع وبعير ضليع، إذا كانا قويين منتفجي الجنبين؛ وهي الضلاعة. ويروى عن عمر
رضي الله سبحانه عنه إنه قال: (إذا اشتريت بعيراً فاشتره ضليعا، فإنْ أخطأك مخبر لم يخطئك
منظر).
وفرجه: ما بين رجليه بضاف، معناه بذنب ضاف، وهو السابغ. يقال: خير فلان ضاف على قومه.
ويكره من الفرس أن يكون أعزل ذنبه في ناحية، وأن يكون قصير الذنب، وأن يكون طويلا يطأ
عليه. ويستحب منه أن يكون سابغا قصير العسيب.
والضليع نعت لما قبله، وإذا وقت فيها طرف من الجزاء، وسد فرجه جواب إذا، والباء صلة سد،
وهي خافضة لضاف. وفويق الأرض منصوب على المحل، واسم ليس مضمر فيه، وخبرها بأعزل.
(كأَنَّ سَرَاتَهُ لَدَى الَبيْتِ قائماً ... مَدَاكُ عَرُوسٍ أو صَلاَيَةُ حَنْظَلِ)
معناه: كأن على ظهره حجرا أملس يسحق عليه العطار المسك وغيره. أراد به ملاسة ظهره
واستواءه، واكتناز اللحم عليه. شبهه بالصلاية في استوائها. وروى الأصمعي: (أو صراية حنظل)،
وروى: (كأن على الكتفين منه إذا انتحى). وقال يعقوب: السراة أعلى ظهره. وسراة الجبل أعلاه،
وسراة النهار: أعلاه. وسرو حمير أعلى بلادهم. ويقال كتف وكتف. وانتحى: اعترض. و (مداك
(1/90)

عروس) معناه صلاية عروس، لأنها قريبة عهد بالسحق، فهي تبرق. يقول: فهو أملس يبرق، لأنه
أجرد ليس بكثير الشعر. والصراية: الحنظلة التي قد اصفرت، لأنها من قبل أن تصفر مغبرة، فإذا
اصفرت صارت تبرق كأنها قد صقلت. قال الشاعر:
كأنَّ مَفالق الهاماتِ منْهم ... صَراياتٌ تَهَادَاها جَوَارِ
وقال الآخر، وهو امرؤ القيس يصف فرسا:
إذا استَعرضَتْ قُلتَ دُبّاءةٌ ... من الخُضر مغموسةٌ في الغُدُرْ
الدباءة: القرعة. يقول: كأنها من بريقها قرعة من الخضر مغموسة في غدر الماء. وقوله مغموسة،
ليس يريد انها مغموسة في الماء منقعة فيه، ولكن هذا كقول القائل: أنت مغموس في الخير. وقال ابن
مقبل:
كأنَّ دُبّاءةً شُدَّ الحِزامُ بها ... في جوز أهوجَ بالتَّقريبِ والحُضُرِ
وروى أبو عبيدة: (أو صراية حنظل) بكسر الصاد. وقال: شبه عرقه بمداك العروس أو بصراية
حنظل، وهو الماء الذي ينقع فيه حب الحنظل لتذهب مرارته، فهو أصفر مثل لون الحلبة. يقال
صرى يصرى صريا وصراية. وقال أبو نصر: إنما قال صلاية حنظل لأن حب الحنظل يخرج
دهنه فيبرق على الصلاية. والمداك: الحجر الذي يسحق به. والمدوك: الذي يسحق عليه. وقال بعض
البصريين: مداك من داكه يدوكه دوكا، إذا طحنه. وروى هذا البيت في هذا الموضع:
وأنْتَ إذا استدبَرْتَه سَدَّ فرجَه ... بِضاف فُويقَ الأرضِ ليس بأعزلِ
الفروج واحدها فرج: ما بين قوائم الفرس من الانفتاح. والضافي: الذنب السابغ. قال الشاعر:
ورفَّعْن أذيال المُرُوط الضَّوافيا
(1/91)

وروى محمد بن حبيب هذا البيت في هذا الموضع وليس هو موضعه عند يعقوب وغيره:
كأن الثريَّا عُلقت في مَصَامِها ... بأمراسِ كَتّان إلى صُمّ جَنْدلِ
قال: شبه تحجيل الفرس في بياضه وصفائه بنجوم شدت بحجارة، فشبه الحوافر بالحجارة.
والسراة اسم كأن، ولدى البيت محل، ومداك عروس خبر كأن، والصلاية نسق على مداك.
(كأَنَّ دِماءَ الهادياتِ بنَحْرِهِ ... عُصارةُ حِنَّاءٍ بشَيب مُرجَّلِ)
الهاديات: المتقدمات. والهوادي من الإبل والخيل والحمر ومن كل شيء: أوله. ويقال: مررت
بهودى الحمر. وجاءت الخيل يهديها فرس فلان، وجاءت الحمر يهديها فحلها. قال علقمة:
يَهدِى بها أكلَفُ الخَدَّيَنِ مُخْتَبرٌ ... مِن الجمال كثير اللَّحم عَيثومُ
أراد إنه يلحقها فيطعنها فتصيب دماؤها نحره. ويقال: القدم تهدى الساق، أي تتقدمها. قال طرفة:
لعبِتْ بَعدِىَ السيولُ به ... وجَرَى في رَونَق رِهَمُهْ
للفتى عَقْلٌ يَعيشُ به ... حيثُ تهدِى ساقَه قَدمُه
وقال الآخر:
إذا لم يجتْرِزْ لبَينهِ لحماً ... غَريضاً من هوادي الوحش جاعُوا
(1/92)

وقوله (بشيب مرجل)، معناه بشيب قد غسل عنه الحناء فرجل.
والدماء اسم كأن، والباء صلة الدماء، والعصارة خبر كأن وهي مضافة إلى الحناء، والباء صلة
العصارة، والمرجل نعت للشيب.
(فعَنَّ لنا سِربٌ كأَنَّ نِعاجَهُ ... عَذارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ)
قوله عن: اعترض. يقال عنَّ يعِنُّ ويعُنّ. ورجل معن إذا كان يعترض في كل شيء. قال الشاعر:
أتخذُل ناصري وتُعِزَّ عَبساً ... أيربوعَ بن غَيْظ للمِعَنِّ
معناه: اعجبوا للمعن
والسرب: القطيع من البقر والظباء والقطا والنساء. ودوار: نسك كانوا في الجاهلية يدورون حوله.
ودوار: موضع في الرمل. قال الشاعر:
كأنَّهن نِعاجٌ حَولَ دَوَّارِ
ودوَّار، بالفتح: سجن باليمامة. يقول: فهن يمسن كما تميس العذارى في الملاء. قال الطرماح:
يَمسح الأرضَ بِمعنَوْنِس ... مثلِ مئلاة النِّياح القِيامْ
المئلاة: خرقة تندب بها النائحة. قال أبو عبيدة: دوار: حجر أو حجار ينصبونها ثم يطوفون حولها
أسابيع، يتشبهون بأهل مكة. وقال الآخر في دوار بالفتح والتشديد:
(1/93)

كانت منازلُنا التي كنا بها ... شَتَّى فألَّفَ بيننا دَوَّارُ
والسرب يرتفع بعن، والنعاج اسم كأن، وعذارى خبر كأن وهي مضافة إلى دوار، وفي ملاء صلة
عذارى، ومذيل نعت للملاء.
(فأَدْبَرْنَ كالجَزْعِ المفصَّلِ بَيْنَهُ ... بجِيدِ مُعَمٍّ في العَشيرِة مُخْوَلِ)
قال يعقوب: أدبرن يبرقن كما يبرق الجزع الذي جعل بينه ما يفصله، أي أنهن متفرقات. قال
يعقوب: (بجيد معم) معناه في عنق غلام مُعمَ مخول، أي كريم العم والخال. وقال ابن حبيب: كأنه
قال: كريم الأبوين. وقال أبو نصر: الجزع: خرز فيه بياض وسواد، فالواسط ابيض والطرفان
أسودان إلى الطول؛ وذلك أن البقر بيض إلا القوائم والخدود. وقال (بجيد معم) لأن خرزه أجود
وأصفى. وقال أبو عبيدة: لا أعرف الجِزع بالكسر. وقال غيره: الجزع بالكسر: ما انعطف من
الوادي، والجَزْع: بالفتح: الخرز. قال الشاعر:
فقلتُ له أينَ الذين عهدتُهم ... بِجزْعِك في خَفْضٍ وطيبِ زمانِ
وقال ابن حبيب: أدبرن كالجزع: تفرقن. وقال بعض البصريين: كأنها قلادة فيها خرز وقد فصل
بينه بالخرز، وجعلت القلادة في عنق صبي كريم الأعمام والأخوال.
وأدبرن فيه كناية الهوادي، والكاف في موضع نصب، والتقدير: فأدبرن مثل الجزع المفصل بينه،
وبين في صلة المفصل، والباء صلة المفصل أيضا، والجيد مضاف إلى معم، ومخول نعته. وموضع
بين رفع في قول الفراء لأنها اسم ما لم يسم فاعله.
(1/94)

(فأَلحقَهُ بالهادِيَاتِ ودُونَهُ ... جَواحِرُها في صَرَّةِ لم تَزَيَّلِ)
الهاديات: السوابق المتقدمات. قال الأعشى:
إذا كان هادِى الفتَى في البلا ... دِ صدرَ القَناة أطاعَ الأميرا
وجواحرها: اللواتي قد تخلفن. وهو المجحر. والمجحر: المدرك. والجاحر: الذي قد تأخر حتى
أدرك. قال الشاعر:
إذا فزِعُوا طارُوا إلى مُجْحَريهمُ ... طوالُ الرماح لا قِصارٌ ولا غُزْلُ
قال الأصمعي: وقد تقول من جاحر: قد جحر. قال: ولا ادري كيف يفعل منه. وقوله (فألحقه
بالهاديات) معناه فألحق الفرس الغلام بالهاديات، أي ألحقه بالأوائل ودونه المتخلفات. قال الشاعر:
وكم دون بيتِك من صَفْصَفٍ ... ومن حَنَشٍ جاحر في مَكَا
وقال الآخر:
وقد جَحرتْ منها ثُعالب أورالِ
وقوله (في صرة لم تزيل) معناه في جماعة. وقوله (لم تزيل) معناه لم تفرق، أي لحق الأوائل
الأواخر، هذه حالهن. وقال الله عز وجل: (فأقْلَتِ امرأتُه
(1/95)

في صَرّة فصَكَّتْ وَجْهَهَا)، معناه فأقبلت
امرأته في جماعة. والصرة: الصيحة والضجة. ويقال: صرصر الباب، إذا صوّت. قال الشاعر:
كأنْ سَوَادةَ يَجْلو مُقْلَتَيْ لِحمٍ ... بازٍ يُصرصِرُ فوقَ المرقَب العالِي
والهاء منصوبة بألحق، والباء صلة ألحق، والواو واو الحال، وجواحرها مرفوعة بفي، ودونه صلة
في، ويجوز أن يرتفع بدونه ويكون في صلة لدون. ويروى: (فألحقنا)
(فعادَى عِداءً بيْنَ ثَورٍ ونَعْجةٍ ... دِراكاً ولم يُنْضَحْ بماءٍ فيُغْسَلِ)
قوله (عادى) معناه وإلى بين اثنين في طلق، قتلهما ولم يعرق، أدرك صيده قبل أن يعرق. وقوله
(فيغسل) معناه لم يعرق فيصير كأنه قد غسل بالماء. وقال رجل من جرهم:
وكلُّ كموح في العنانِ كأنها ... إذا اغتسلتْ بالماءِ فَتْخاءُ كاسرُ
والدراك: المداركة. يقول: صاد ثورا ونعجة ولم يجهد نفسه حتى يعرق. وهي لا تغتسل، ولكنها
تعرق. وأنشد بعض أهل اللغة:
واغتَسَلتْ بالزَّعفرانِ واغْتَسَلْ
أي تصابت وتصاب عرقا.
والعداء منصوب بعادى، وبين صلة عادى، ودراكا منصوب بعادى، وينضح مجزوم بلم، والباء
صلة ينضح، ويغسل منسوق على ينضح، واللام كسرت للقافية، وذلك أن المجزوم إذا احتيج إلى
حركته كسر. والياء صلة لكسرة اللام.
(1/96)

والعداء على أربعة أوجه: العداء الموالاة ممدودة، والعدى: الأعداء مقصور يكتب بالياء، والعدى:
القوم الغرباء مقصور ويكتب بالياء، والعدى: العداة مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر:
إنّ الخليطَ أجدُّوا البَينَ فانجردُوا ... وأخلفوك عِدَى الأمر الذي وعَدوا
والفراء يقول (عد) بغير ياء، بمعنى عدة؛ وهو الصحيح.
(فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحمِ منْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ)
الطهاة: الطباخون، واحدهم طاه فاعلم. يقال: قد طها، إذا طبخ. أنشدنا أبو العباس لأخت يزيد بن
الطثرية:
إذا ما طها للقومِ كانَ كأنه ... حَمِىٌّ وكانت شيِمةً لا تزايلُه
والصفيف: المرقق. والقدير: الطبيخ، واصله المقدور الذي طبخ في القدور، فصرف من مفعول إلى
فعيل. ويستحب تعجيل كل ما كان من الصيد يستطرف.
وظل بمنزله كان في العمل، ومن خبر ظل وهي خافضة لبين، وبين خافضة لمنضج. والصفيف
منصوب بمنضج، والقدير نسق على الصفيف في التقدير، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو
قدير معجل. أجاز الكسائي والفراء عبد الله مكرم أخيك في الدار وأباك، وعبد الله مكرم أخاك في
الدار وأبيك. وانشد الفراء:
فبينا نحْنُ ننظره أتانا ... مُعلِّقَ شِكوة وزناد رَاعِ
(1/97)

نصب الزناد على معنى أتانا معلقا شكوة. والمعجل يخفض لأنه نعت للقدير. والمعجل: إلي لا
يُحبس.
(ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُوَنْهُ ... متى ما تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ)
وروى الأصمعي وأبو عبيدة:
ورُحنْا وراحَ الطِّرفُ ينْفُض رأسهَ
الطرف: كل شيء كريم من رجل أو فرس؛ والأنثى طرفة. وقال أبو عبيد: قال منتجع بن نبهان:
الطرف: الكريم الطرفين من قبل الآباء والأمهات. وقال الأصمعي: قوله ينفض رأسه، معناه من
المرح والنشاط، قال: وقول الهمداني:
ترى المُهرةَ الرَّوعاء تَنفُض رأسَها ... كَلالاً وأيْناً والكميتَ المفزَّعا
فهذا ضد ذاك. يريد إنها تكبو في الحصى وتركع من الحفاد والجهد، فتنفض رأسها. وقوله: (متى
ترق العين فيه تسهل) قال بعض البصريين: معناه إذا صعد فيه البصر سهله، أي حدره من عجبه.
وقال غيره: معناه إذا رفع إليه رأسه ناظر رأى ما يعجبه فسهل. قال: وهذا مثل قولهم: صعد فيه
البصر وصوبه. ويقال للرجل: صعد في الجبل وسهل في الحضيض، وهي الأرض إذا نزل إليها من
الجبل. وهذا في الفرس كناية. وقال ابن حبيب: معناه من نظر إلى أعلاه نظر إلى أسفله لكماله،
ليستتم النظر إلى جميع جسده. ومن رواه: (يكاد الطرف يقصر دونه) أراد يقصر دون بصرع الناظر
لئلا تصيبه العين.
والطرف يرتفع بيكاد، وترق مجزوم بمتى ما، علامة الجزم فيه سقوط الياء. والعين مرتفعة بترق،
وتسهل جواب الجزاء والياء صلة لكسرة اللام.
(1/98)

(فباتَ عليْه سَرْجُه ولجامُه ... وباتَ بعيني قائماً غَير مُرسلِ)
يقول: بات متهيئا ليرسل في وجه الصبح. و (بات بعيني) معناه بحيث أراه. و (غير مرسل) معناه
يعلف وهو غير مهمل. وقال: بات عليه سرجه، لأنهم مسافرون لا ينزعونه عنه. قال: كأنه أراد
الغدو فكأنه معد لذلك.
والسرج يرتفع ببات، واللجام نسق، وعلى صلة بات وهي خبره، وبات الثاني نسق على بات
الأول، والباء صلة بات وهي خبره، وقائما منصوب على الحال، وغير مرسل نعت.
(أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّل)
ويروى: (أحار ترى ببرقا). قوله: أصاح، معناه يا صاحب. وقوله: أحار، معناه يا حارث فرخم.
قال الفراء: العرب ترخم عامرا، وحارثا، ومالكا، فيقولون: يا حار أقبل، ويا عام أقبل، ويا مال أقبل.
قرا بعض القراء: (ونادَوْا يا مالكٍ ليَقْضِ علينا ربك). وأنشد الفراء:
يا حارِ لا أرمَيَنْ منكمْ بداهيةٍ ... لم يَلقَها سُوقَةٌ قبلي ولا مَلِكُ
وأنشد الفراء أيضا:
ألا يا حارِ ويْحَك لا تَلُمنْني ... ونَفْسَكَ لا تضيِّعْها ودَعْني
(1/99)

وقوله (وميضه) معناه خطر إنه وبريقه كحركة اليد. يقال: أومض الرجل، إذا غمز بعينه. وقوله
(كلمع اليدين)، معناه كحركة اليدين (في حبي)، وهو ما حبا لك من السحاب، أي ارتفع. والمكلل:
الذي بعضه على بعض. وقال أبو عبيدة: (في حبي مكلل) هو الذي ينكل بالبرق، أي يبتسم. ويقال
انكلت المرأة، إذا تبسمت. ويروى: (أعني على برق أريك وميضه). وقال بعضهم: الحبى: لداني من
الأرض. وقال آخرون: الحبى الذي قد حبا بعضه إلى بعض: تدانى. قال عدى بن زيد:
وحَبيٍّ بعد الهدوّ تزجِّي ... هِ شَمالٌ كما يُزَجَّى الكسيرُ
معنى تزجيه تسوقه. ويقال المكلل: السحاب الذي قد كلل بالبرق. وجعل البرق للسحاب كالإكليل.
والبرق منصوب بترى، وأريك وميضه في صلة البرق، والهاء تعود على البرق، والكاف منصوبة
على النعت للبرق وفيها ذكره، وفي حبى صلة اللمع.
(يُضيءُ سَنَلهُ أو مَصابيحُ راهبٍ ... أَمالَ السَّليطَ بالذُّبالِ المفتَّل)
ويروى: (أو مصابيح راهب) بالخفض. فمن رفع المصابيح قال هي منسوقة على ما في الكاف من
ذكر البرق، ومن خفض المصابيح قال: هي منسوقة على اللمع، كأنه قال: كلمع اليدين أو مصابيح
راهب. والسنا: الضوء، مقصور يكتب بالألف. ويقال في تثنيته: سنوان. ويقال في تصريفه: سنا
يسنو سنوا. والسناء من المجد والشرف ممدود. قال الله عز وجل: (يَكادُ سَنَا بَرْقِه)، ويروى عن
طلحة بن مصرف: (سَنَاءُ بَرْقِهِ) بالمد، لأنه ذهب به إلى معنى المجد والشرف. وروى الأصمعي:
وكأنَّ سَناهُ في مصابيح راهبٍ ... أهانَ السَّليطَ للِذُّالِ المفتَّلِ
وقال: المعنى كأن مصابيح راهب في سناه، فقلب. قال: ومثله:
(1/100)

حتى إذا احتدمَتْ وصار ... رَ الجمرُ مثلَ تُرابِها
معناه وصار ترابها مثل الجمر. ومثله:
كأنَّ لونَ أرضِه سماؤُهُ
معناه: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه. قال: ومعنى قوله (أهان السليط) لم يكن عنده عزيزا،
يعنى إنه لا يكرمه عن استعماله وإتلافه في الوقود. قال: ومثله قولهم: (خذه بما عز وهان).
وقال الشاعر يذكر فرسا:
أهانَ لها الطَّعامَ فلم تُضِعْه ... غَداةَ الرَّوع إذْ أزَمَتْ أزَامِ
يقول: جعله عندها هينا. وأزام هاهنا: الداهية، أو أراد إنه أهان الطعام لها وغذا هذه الفرس فأنقذته
في الروع، وهو الفزع. وهذا يصف قتالا وحربا.
قال: وليس قوله أمال السليط بشيء، ولا معنى له. والسليط عند عامة العرب: الزيت، وعند أهل
اليمن: دهن السمسم. وأنشدنا أبو العباس للجعدي:
تضيءُ كضَوءِ سِراجِ السَّلي ... طِ لم يَجعَل اللهُ فيه نُحاسا
معناه دخانا. و (الذُّبال): الفتائل، واحدتها ذبالة. وشددها امرؤ القيس للضرورة، وذلك في قوله:
يضيءُ الفِراشَ وجهُها لضجيعها ... كقِنديلِ زيتٍ في مَصابيح ذُبَّالِ
والسنا مرتفع بيضيء، والسليط منصوب بأمال، والباء صلة أمال.
(1/101)

(قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارجٍ ... وبَيْنَ العُذَيبِ بُعْدَ ما مُتأَمّلِ)
ويروى: (قعدت له وصحبتي بين حامز وبين إكام). ويروى: (لكام). وحامز هو من بلاد غطفان،
وكذلك رحرحان. وآكام: جمع أكمة. ولكام: جبل بالشام. وقال الأصمعي: معناه قعدت لذلك البرق
انظر من اين يجيء بالمطر. وضارج والعذيب: موضعان. وقوله (بُعد ما متأمل) معناه يا بُعد ما
تأملت أي تبينت.
وموضع ما خفض ببعد ومعناها الذي، والمتأمل مرفوع بإضمار هو. وقال بعض أهل اللغة: معناه يا
بُعد تأملي. فالتأمل مخفوض بإضافة بعد اليه، وما صلة للكلام.
وقال بعضهم: (بُعد ما متأمل) فموضع ما رفع ببعد فألقيت ضمة العين على الباء، كما قالوا نعم
الرجل وأصله نعم الرجل. قال الشاعر:
إذا غابَ عنا غابَ عنا فُراتُنا ... وإنْ شِهْدَ أجْدَى فَضْله وجَداولُه
معناه وإن شهد، فألقى كسيرة الهاء على الشين. ويروى: (بعد ما متأمل) بفتح الباء على معنى بعد ما
متأمل، فما رفع ببعد. وسيجوز أن سيرتفع المتأمل ببعد وتكون ما حشوا، وتركت الباء على فتحتها،
وسقطت الضمة عن العين، كما تقول كرم الرجل وأنت تريد كرم الرجل. وقال بعضهم: موضع ما
خفض ببعد، كأنك قلت: بعد ما تأملت. قال: وليس الأصل في بَعْد بَعُد.
والصحبة يرتفعون ببين، والواو واو حال.
(عَلاَ قَطَناً بالشَّيْمِ أَيْمَنُ صَوْبهِ ... وأَيسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فيَذْبُلِ)
علا من العلو. وقطن: جبل في أرض بني أسد. والشيم: النظر إلى البرق
(1/102)

اين هو. يقال: شم البرق، أي انظر اين هو؟ قال الشاعر:
ما شِمتُ برَقكَ إلاّ نِلتُ ريِّقه ... كأنما كنتَ بالجَدْوَى تبادرُني
ورواه الأصمعي:
عَلَى قَطَنٍ بالشَّيم أيْمَنُ صَوبه ... وأيْسَرُه على النِّباج وثَيتَلِ
النباج وثيتل: موضعان، وهما ماءان لبني سعد بن زيد مناة مما يلي البحرين. والستار ويذبل:
جبلان. والصواب: نزول المطر؛ يقال صوب يصوب صوبا. قال الشاعر:
فلا تَعْد لِي بيني وبين مُغَمَّرٍ ... سَقتْكِ رَوَايا المُزْن حِينَ تَصُوبُ
معناه حين تنزل. ويقال صوب البرق. وعلا من العلو.
والقطن منصوب بعلا، وأيمن صوبه: ما كان يمنه؛ وأيسره: ما كان شأمة. العرب تقول: يمنة وشأمة
ولا يقولون يسرة. وأيمن مرفوع بعلا، وأيسر مرفوع بقوله على الستار، ويذبل نسق على الستار.
ومن رواه: (على قطن) قال: على صلة والقطن مخفوض بها، وأيمن يرتفع بعلى.
(فأَضْحَى يَسُحُّ الماءَ حَوْلَ كُتَيْفَةِ ... يَكُبُّ على الأَذقانِ دَوْحَ الكَنهْبُلِ)
معناه فأضحى السحاب. ومعنى يسح يصب. ورواه أبو عبيدة: (فأضحى يسح الماء من كل تلعة)،
والتلعة: مسيل الماء. ورواه الأصمعي: (فأضحى يسح الماء عن كل فيقة)، والفيقة: ما بين الحلبتين،
كأنه يحلب حلبة ويسكن ساعة ثم يحلب أخرى. يعنى السحاب، وذلك أشد المطر. قال الأعشى:
حتى إذا فِيقةٌ في ضرَعها اجتمعتْ ... جاءت لتُرضِعَ شِقَّ النَّفْس لِوْ رضعا
(1/103)

ويقال: أفاقت الناقة، إذا جاء وقت حلبها. ويقال: لا تنتظره فُواق ناقة وفَواق ناقة، بالضم والفتح،
والفتح هو المعروف في كلام العرب. وقوله (يكب على الأذقان) معناه يقلع الشجر، والأذقان: شجر.
ومعنى رواية الأصمعي (يسح الماء عن كل فيقة): يشح الماء بعد كل فيقة؛ فعن بمعنى بعد، كما قال
في هذه القصيدة (لم تنتطق عن تفضل) يريد بعد تفضل. ومن رواه (حول كتيفة) قال: كتيفة موضع.
والدوح: العظام من الشجر، واحدته دوحة. يقال شجرة دوحة، إذا كانت عظيمة كثيرة الورق
والاغصان والكنهبل: شجر هو من أعظم العضاه. وواحد الكنهبل كنهبلة، وواحد العضاة عضة.
ومعنى يكبه يقلعه فيلقيه على وجهه.
واسم أضحى مضمر فيه، وخبره ما عاد من يسح، وحول كتيفة صلة يسح، ويكب خبر مستأنف،
ويجوز أن يكون في موضع نصب وان كان مرفوعا في اللفظ بالباء على الحال مما في أضحى.
والدوح منصوب بيكب، وعلى صلة يكب.
(ومَرَّ عَلَى القَنَانِ مِنْ نَفَيانِهِ ... فأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مَنْ كُلِّ مَنْزلِ)
القنان: جبل بني أسد. وأصل النفيان ما تطاير عن الرشاء عند الاستقاء؛ وهو هاهنا ما شذ عن
معظمه. والعصم: تيوس الجبال، سمين عصما لبياض في أطراف أيديهن. قال الشاعر:
رُهبانُ مَديَنَ لو رأوكِ تَنَزَّلوا ... والعُصم من شَعَف العقولَِ القادرِ
ويروى: (فأنزل منه العفر في كل منزل). والعفر: البيضمن الظباء، واحدها أعفر، وإنما سمى
الأبيض أعفر لأن بياضه تعلوه غبرة، كما سموا الناقة صفراء لأن سوادها تعلوه صفرة. قال الله عز
وجل: (صفراءُ فاقعٌ لونُها).
(1/104)

يريد بالصفراء السوداء. وواحد العصم أعصم، والأعصم: الذي يخالط بياضه حمرة.
وروى الأصمعي:
وألقى ببُسيان مع اللّيلِ بَرْكَهُ
وبسيان: جبل. وبركه: صدره. ضربه مثلا. يقال برك وبركة. والبرك في غير هذا: جماعة من
الإبل. قال متمم بن نويرة:
ولا شارفٌ جَشَّاءُ هاجتْ فرجّعتَ ... حنيناً فأبكَى شَجْوُها البَرْكَ أجْمعا
وقال خداش بن زهير:
أتفرح أن يُهدى لك البَرْكُ مُصْلَحاً ... وتكره أن تُجْبَى عَليك العظائمُ
ويقال ألقى بركه، وألقى بعاعه، وألقى أرواقه، وحل نظاقه، إذا ثبت. والتقدير: ومر الماء على
القنان. وعلى صلة مر، وكذلك من، وانزل نسق على مر، والعصم منصوبة به، ومن صلة انزل.
ومعنى قوله (من كل منزل) من كل مكان تنزل منه العصم
(وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلةِ ... وَلا أُجُماً إِلاَّ مَشِيداً بجَنْدَلِ)
الأجم والآجام: البيوت المسقفة. ويروى: (ولا أطُما)، ويقال هي رواية الأصمعي. والأطم والآطام
مثل الأجم والآجام. يقول: لم يدع أطما إلا كان مشيدا بجص وصخر، فإنه سليم. والشيد: الجص. قال
عدي بن زيد:
شادَه مَرمراً وجَلَّلَه كَل ... ساً فللطَّيرِ في ذُراهُ وكورُ
(1/105)

وقال قيس بن الخطيم:
زجَرنا النًّخل والآجامَ حَتى ... إذا هي لم تشيِّعنا لزَجْرِ
هَمَمْنا بالإقامةِ ثمَّ سِرنْا ... كسَيرِ حُذيفةَ الخيرِ بن بدر
يقول: جهدنا بالنخل والآجام - يعنى البيوت المسقفة - أن تسير معنا، فلم تفعل فهممنا بالإقامة.
وتيماء من أمهات القرى، قرى عربية. يقول: ذهب السيل بكل البيوت المسطحة إلا هذا البيت
المشيد بالحجارة والجص.
وموضع تيماء خفض على النسق على القنان. ومعنى (لم يترك) لم يترك الماء بها جذع نخلة.
والاجم منسوقة على الجذع، والمشيد منصوب على الحال من الاجم أو على خبر الترك، والاختيار
أن ينصب بالرد على الاجم، كما تقول: لم أضرب أحدا إلا زيدا. والباء صلة مشيد.
(كأَنَّ ثَبيراً في عَرَانينِ وَبْلِهِ ... كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ)
عرانينه: أوائله. وثبير: جبل بمكة. والوبل واحده وابل، والوابل: المطر العظيم. قال الله عز وجل:
(فإنْ لَمْ يُصِبْها وَابِلٌ فَطَلٌّ). وقال نصيب في الجمع:
سقى تلك المقابرَ ربُّ موسى ... سِجالَ المُزْنِ وبْلاً ثم وَبْلا
المزن: السحاب. والوبل: العظيم من المطر الشديد الوقع. يقال وبلت السماء تبل وبلا، وأرض
موبولة. ورواها الأصمعي: (كأن أبانا في أفانينِ
(1/106)

ودقه). وقال: هما أبانان: جبل أبيض: وجبل أسود،
وهما لبني عبد مناف بن دارم. وأفانين: ضروب. والودق: المطر. قال الله عز وجل: (فَتَرى الوَدْقَ
يَخْرُجُ مِن خِلالهِ). وقال الأعشى:
فلا مُزنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها
والبجاد: كساء من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغنم مخططة؛ والجمع بجد. ومزمل:
ملتف. يقول: قد ألبس الوبل أبانا، فكأنه مما ألبسه من المطر وغشاه، كبير أناس مزمل؛ لأن الكبير
أبدا متدثر. وقال أبو نصر: إنما شبه الجبل وقد غطاه الماء والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه، بشيخ في
كساء مخطط؛ وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السواد والماء حوله أبيض.
وثبير اسم كأن، وفي حال لثبير، أي كأن ثبيرا وهذه حاله كبير أناس. فالكبير خبر كأن، والمزمل
نعت الكبير في المعنى، أجراه على أعراب البجاد للمجاورة، كما تقول العرب: هذا جحر ضب
خرب، يخفضون خربا على المجاورة للضب وهو في المعنى نعت للجحر. أنشدنا أبو شعيب
الحراني قال: أنشدنا سلمة:
كأنَّ نَسْجَ العنكبوتِ المُرْمَلِ
خفض المرمل على الجوار للعنكبوت، وهو في المعنى نعت للنسج. وأنشد الفراء:
كأنَّما ضَرَبتْ قُدَّامَ أعُينِها ... قُطناً بمستحصدِ الأوتار مَحلوجِ
فخفض محلوجا على الجوار للمستحصد، وهو في المعنى نعت للقطن.
(1/107)

(كأَنَّ ذُرَى رأْسِ المجَيمِرِ غُدْوةً ... مِنَ السَّيل والغُثَّاءِ فُلْكَةُ مِغزَلِ)
وقال ابن حبيب: الرواية (وكأن قليعة المجيمر) وكذلك ما بعده إلى آخرها، وبجعله مخزوما: وكأنَّ
وكأنَّ. ورواه الأصمعي: (وكأن طمية المجيمر غدوة). والمجيمر: أرض لبني فزارة. وطمية: جبل
في بلادهم. فيقول: قد امتلأ المجيمر فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل لما جمع السيل حوله من الغثاء.
وفي المغزل ثلاث لغات: المُغْزل والمِغَزل والمَغَزل. واكثر ما يقولون المَغزل بالفتح في الغزل. وبنو
تميم يقولون مُغزل بالضم.
ومعنى البيت إنه شبه قليعة المجيمر وقد علاها الماء والغشاء فما يستبين إلا رأسها، بفلكة.
و (قليعة): تصغير قلعة. و (الغثاء): حميلة السيل، وهو ما يجيء فوق الماء. ورواه الفراء: (من السيل
والاغثاء). فالأغثاء: جمع الغثاء، وهو جمع الممدود.
والذرى اسم كأن، وغدوة منصوبة على الوقت، والفلكة خبر كأن.
(وأَلْقَى بَصْحراءِ الغَبيطِ بَعَاعَهُ ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العيابِ المحَمَّلِ)
وروى الأصمعي:
كصَرْع اليَمَانِي ذي العيابِ المخوَّلِ
(1/108)

صحراء الغبيط: الحزن، وهي أرض بني يربوع. وقال: الغبيط: نجفة يرتفع طرفاها ويطمئن
وسطها، وهي كغبيط القتب. وبعاعه: ثقله. يقال: ألقى فلان عليه بعاعه، أي ثقله وما معه من المتاع،
فضربه مثلا للسحاب، أي: أرسل ماءه وثقله كهذا التاجر اليماني حين ألقى متاعه في الأرض ونشر
ثيابه، فكان بعضها احمر، وبعضها اصفر، وبعضها اخضر. ويقول: كذلك ما أخرج المطر من النبات
والزهر، ألوانه مختلفة كاختلاف ألوان الثياب اليمانية. يقول: فألقى بصحراء الغبيط معظمه. ومن
رواه: (كصرع اليماني)، أراد كما يطرح اليماني ذو العياب الذي معه الخول، ما معه إذا نزل بمكان.
ومثله قوله:
كأنَّ ثِقال المُزْن بين تُضارِع ... وشابةَ بَركٌ من جُذَامَ لبيجُ
أي ضرب بنفسه الأرض. يقال قد لبج به الأرض. ولم يرد أرض بني يربوع خاصة، أراد الغبيط
من الأرض. وكل أرض منخفضة فهي غبيط.
وروى خالد بن كلثوم وهشام والأصمعي وأبو عبيدة والأخفش: (المحمل) بفتح الميم، وروى ابن
حبيب: (المحمل) بكسر الميم، وهو الذي قد حمل عيابه، جمع عيبة. ويقال: ألقى عليه بركه،
وبعاعه، وأوقه، وأرواقه، وجراميزه، وعبالته، وأعباءه، أي ثقله ونفسه. قال الشاعر:
عزَّ على عمكِ أن تُؤرَّقي ... وأن تبيتي ليلةً لم تُغْبَقِي
أي يحمل عليك ما لا تقوين عليه.
وألقى فعل للسحاب. المعنى: وألقى السحاب بصحراء الغبيط بعاعه. والنزول منصوب على التفسير
والجزاء، والتقدير مثل نزول اليماني. وذي العياب المحمل نعتان
(1/109)

لليماني. ويروى: (كصوع اليماني)
أي كطرحه الذي معه إذا نزل بمكان. وقال بعضهم الصوع: الخطوط. يقال صاع يصوع.
(كأَنَّ مَكَاكيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةً ... صُبِحْنَ سُلافاً مِنْ رَحيقٍ مُفَلفَلِ)
المكاكي: جمع مكاء، وهو طائر. قال الشاعر:
مُكاؤُها غَرِدٌ يُجي ... بُ الصَّوتَ من ورشَانِها
والجواء: البطن من الأرض العظيم، وقد يكون الجواء جمعا واحده جو. وقال أبو عمرو: الجواء ما
اتسع من الأرض، وقد يكون موضعا. قال زهير:
عفا من آل فاطمةَ الجِواءُ ... فيَمْنٌ فالقَوادم فالحسِاءُ
و (صبحن) من الصبوح، وهو شرب الغداة. و (السلاف): أول ما يعصر من الخمر. و (الرحيق):
الخمر. قال أمية بن أبي الصلت:
تُصْفَقُ الرَّاحُ والرَّحيقُ علَيهمْ ... في دِنانٍ مَصفوفة وقِلالِ
وأباريقَ تَنْغِرُ الخمرُ فيها ... ورحيقٍ من الفُرات الزُّلالِ
وقال الله عز وجل، وهو أصدق قيل: (يُسقَوْنَ مِنْ رَحيق مَختوم)، وقال أبو عبيد: الرحيق صفوة
الخمر، وانشد:
نَدامَى للمُلوكِ إذا لقُوهُمْ ... حُبُوا وسُقُوا بكأسِهم الرَّحيقِ
و (المفلفل): الذي قد ألقيت فيه توابله. فأراد أن المكاكي تغرد كأنها سكارى من الخمر. وقال ابن
حبيب: مفلفل، معناه يحذي اللسان؛ وذلك أن
(1/110)

المكاء لما رأى الخصب والمطر فرح وصوَّت كأنه
شارب مغن. ويقال: أن المكاء لا يغرد إلا في الخصب. قال الأعشى:
ببابلَ لم تُعصَرْ فسالَتْ سُلافَةً ... تُخالِطُ قِنديداً ومِسْكاً مُختَّما
القنديد: طبيخ العنب يطيب بالأفواه. ومفلفل: كأنه فيه الفلفل.
والمكاكي اسم كأن، وغدية نصب على الوقت، وخبر كأن ما عاد من صبحن والذي في صبحن اسم
ما لم يسم فاعله، وسلافا منصوب بوقوع صبحن عليه.
(كأَنَّ السِّباعَ فِيِه غَرْقَى عَشِيَّةً ... بأَرْجائِهِ القُصْوى أَنابيشُ عُنصَلِ)
ويروى: (كأن السباع فيه غرقى غدية). يقول: حين اصبح الناس ورأوها فكأنها تلك الأنابيش من
العنصل. و (والأنابيش): جماعات من العنصل يجمعها الصبيان. ويقال: الأنابيش: العروق، انما
سميت أنابيش لأنها تنبش، أي تخرج من تحت الأرض، ومنه سمى النباش. ويقال نبشه بالنبل، أي
غرزه فيه. وقال أبو عبيدة: الأنابيش الغثاء وما تجمع. وقال أيضا: والأنابيش واحد. والعنصُل
والعُنصَل بالضم والفتح: بصل بري يعمل منه خل عنصلان، وهو شديد الحموضة لا يقدر على أكله.
ومثل عنصُل وعنصَل قولهم: إنه للئيم العنصُر والعنصَر، وهو دخلُله ودخلَله، ورجل تعدُد تعدَد، إذا
كان قليل الآباء إلى الجد الأكبر. وقال أبو عبيدة: شبه السباع الغرقى بما نبش من العنصل.
و (الأرجاء) النواحي والجوانب، واحدها رجا مقصور، وتثنيته رجوان. قال الله عز وجل: (والمَلَكُ
على أرجائها)، وقال معن بن أوس:
أخُو شَتَوات ما تَزالُ قُدورُهُ ... يُحَلُّ على أرجائها ثم يُرحَل
(1/111)

وقال خِداشُ بن زُهَير في الواحد:
فأوردَها والنَّجمُ قد شال طالعاً ... رَجَا منهلٍ لا يُخْلفُ الماءَ حائرُهْ
وأنشد أبو عبيدة في التثنية:
وما أنا بابنِ العم يُجعَلُ دُونَه ال ... نَّجِىُّ ولا يُرمَى به الرَّجوَانِ
والسباع اسم كأنّ، وغرقى منصوب على الحال من السباع، وأنابيشُ خبر كأنّ.
تمت قصيدة امرئ القيس
بغريبها، وهي اثنان وثمانون بيتا
الحمد لله على الإتمام، والصلاة على محمد سيد الأنام، وعلى آله الكرام، وأصحابه العظام.
(1/112)

2 - قصيدة طرفة بن العبد
(1/113)

بسم الله الرحمن الرحيم
حسبنا الله، ونعم الوكيل، وعليه التكلان
أخبرنا الحسن بن العنزي قال: أخبرنا العباس بن الفرج الرياشي. قال: أخبرنا عمر بن بكير، قال:
حدثنا الهيثم بن عدي قال: حدثنا حماد الراوية عن سماك بن حرب قال: حدثني عبيد راوية الأعشى
قال: حدثني الأعشى قال: حدثني المتلمس قال:
قدمت أنا وطرفة بن العبد على عمرو بن هند، وكان طرفة غلاما معجبا تائها يتخلج في مشيته بين
يديه، فنظر إليه نظرة كادت تقتلعه من مجلسه، وكان عمرو لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب
تسميه مضرط الحجارة، وملك ثلاثمائة وخمسين سنة، وكانت العرب تهابه هيبة شديدة، وهو الذي
يقول له الذهاب العجلي:
أبَى القلبُ أن يَهوَى السَّديرَ وأهلَه ... وإنْ قيل عيشٌ بالسَّدير غَريرُ
به البَقُّ والحُمَّى وأسْدُ خَفِيَّةٍ ... وعمرو بن هند يَهتدِي ويَجُور
ولا أنذِرُ الحيَّ الألَى نَزَلُوا به ... وإني لِمَن لم يَغْشَه لنذيرُ
قال العنزي: زاد هذا البيت أبو عبيدة.
وقال العنزي: أخبرني الرياشي قال: أخبرني أبو منجوف قال: أخبرني أبو عبيدة قال خلف الأحمر:
أن هذه القصيدة للجمال بن سلمة بن جذيمة بن عبد القيس، يعني: (أبى القلب).
(1/115)

قال المتلمس:
قلت لطرفة حين قمنا: يا طرفة أني أخاف عليك من نظرته إليك مع ما قلت لأخيه! قال: كلا! فكتب
له كتابا إلى المكعبر - وكان عامله على عمان والبحرين - وكتب لطرفة كتابا، فخرجنا حتى إذا
هبطت أيدي الركاب من النجف بالحيرة إذا أنا بشيخ عن يساري يتبرز، ومعه كسرة يأكلها ويقصع
القمل، فقلت: بالله أن رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! قال: وما تنكر؟ قلت: تتبرز وتأكل
وتقصع القمل؟! قال: أخرج خبيثا فأدخل طيبا وأقتل عدوا، وأحمق منى والأم حامل حتفه بيمينه لا
يدرى ما فيه!! فنبهني فكأني كنت نائما، فإذا أنا بغلام من أهل الحيرة فقلت: يا غلام تقرأ؟ قال: نعم.
قلت: اقرأه. فإذا: (باسمك اللهم. من عمرو بن هند إلى المكعبر. إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس
فاقطع يديه ورجليه، وادفنه حيا). فألقيت الصحيفة في النهر، وذلك من حيث أقول.
رضِيتُ لها بالماءِ لمَّا رأيتها ... يَعوم بها التَّيارُ في كلّ جدولِ
فقلت: يا طرفة، معك والله مثلها. قال: كلاَّ، ما كان ليكتب لي بذلك في عقر دار قومي، فأتى المكعبر
فقطع رجليه ويديه، ودفنه حيا.
ففي ذلك يقول المتلمس، وكان اسمه جرير بن عبد المسيح:
(1/116)

مَنْ مُبلغُ الشعراءِ عن أخَويهمُ ... خبراً فتصدُقَهم بذاكَ الأنْفسُ
أودَى الذي عَلِقَ الصَّحيفَةَ منهما ... ونَجَا حِذَارَ حِبائه المتلمسُ
ألْقِ الصَّحيفةَ لا أبا لَكَ إنَّه ... يُخْشَى عليك من الحباءِ النِّقرِسُ
قال أبو بكر: وحدثني أبي رحمه الله تعالى قال: حدثنا الرستمي قال: وقال أبو عمرو الشيباني:
كان من حديث طرفة بن العبد.
وقال هشام بن محمد الكلبي: أخبرني خراش بن إسماعيل العجلي قال:
وكان من حديث طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة بن عكابة
بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن
ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وقتل عمرو ابن هند مضرط الحجارة، وبدو ذلك: أن المنذر بن
امرئ القيس تزوج ابنة الحارث ابن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار، فتلد للمنذر عمرو بن
المنذر، والمنذر بن المنذر، ومالك بن المنذر، وقابوس بن المنذر. قال الكلبي: ومالك أصغرهم، كان
يدبر استعد.
قالوا: فلما كبرت هند عند المنذر بعدما ولت أعجبته ابنة أخيها أمامة بنت سلمة بن الحارث بن
عمرو المقصور، وهي أبنه أخي هند، فلما أعجبته أمامة طلق هندا وتزوج أمامة، فقال المنذر:
كبِرتْ فأدركَها بناتُ أخ لها ... فأزلْنَ إمتَّهَا بركض مُعْجَلِ
والأمة: النعمة. قرأ عمر بن عبد العزيز: (إنَّا وجَدْنا آباءَنا على أمَّة)، يريد على نعمة.
(1/117)

فولدت أمامة ابنة أخي هند للمنذر عمرا، وهو الذي قتلته مراد بقضيب. وقد كان المنذر في حياة منه
جعل الملك من بعده لابنه عمرو بن هند، ثم لقابوس، ثم للمنذر بعدهما، ولم يجعل لعمرو بن أمامة
شيئا. ففيه وقع الشر بينه وبين اخوته. وكان عمرو قد جعل لقابوس قوما من العرب يسامرونه
ويركبون معه، وقد كان طرفة بن العبد قد رأى من قابوس وعمرو جفوة، فأنشأ يقول:
فليتَ لنا مَكَان المَلْكِ عمرو ... رَغُوثاً حَوْل قُبتا تَخُورُ
قال: وكان قابوس قد قسم الدهر يومين: يوم نعيم لا يخرج فيه، ويوما يغشاه من عشيرته من أولاد
أولئك الأشراف الذين جعلهم عمرو مع قابوس، فيقفون ببابه إلى الليل، فإن أعجبه حديث أحد أدخله،
وإلا وقف مكانه. وكان غمرو يفعل ذلك أيضا. فلما ملك عمرو بن هند استعمل اخوته من أمة وقطع
عمرو بن أمامة، فقال عمرو بن أمامة في ذلك:
ألابِنَ أمك ما بدا ... ولك الخَورنَقُ والسَّديرُ
فلأمنعنَّ منابِتَ ال ... ضَّمْرانِ إذْر مُنع القصورُ
قوله: ألابن أمك، معناه الأخيك. وقوله: إذ منع القصور، معناه: إذ منعت منى واستؤثر بها عليَّ.
بكتائب تَرِدى كما ... تَرِدى إلى الجِيَف النسورُ
إنَّا من العَلاَّت تُقْ ... ضي دونَ شاهدِنا الأمورُ
ويروى: (إنا بني العلات). ويروى:
إنّ بني العَلاَّت تق ... ضَى دون شاهدها الأمورُ
تردى من الرديان. قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما الرديان؟ فقال: (عدو الحمار بين آريه
ومتمعكه)، وهو أن يسرع ويرجم الأرض بحوافره. وبنو العلات: الذين أمهاتهم شتى وأبوهم واحد.
وقوله: (تقضى دون شاهدنا الأمور)، معناه تقضى من غير أن نشهدها، ويستبد علينا فيها.
(1/118)

ثم أن عمرو بن أمامة لحق باليمن، فأتى ملكها ومعه ناس من قيس بن عيلان وغيرهم، وسار معه
طرفة بن العبد، وكان طرفة خلف إبلا لأبيه في جوار قابوس وعمرو بن قيس بن مسعود بن عامر
بن عمرو بن أبي ربيعة الشيباني، فلما قدم عمرو بن أمامة على الملك اليماني سأله أن يبعث معه
جندا يقاتل به أخاه عن نصيبه من ملك أبيه، فقال له: اختر من شئت. فاختار مرادا، فسيرهم معه،
وأقبل حتى نزل بهم واديا يقال له قضيب، من أرض قيس عيلان، فتلاومت مراد بينها وقالوا: تركتم
أموالكم ودياركم وعشائركم وتبعتم هذا الأنكد! فتمارض هبيرة بن عبد يغوث بن عمرو ابن الغذيل بن
سلمة بن بذاء بن عامر بن عوثبان، وشرب ماء الرقة، وهي البثر، فاصفر لونه، وهو صاحب مراد.
فبلغ ذلك عمرا فبعث إليه طبيبا وقد شرب هبيرة بن عبد يغوث المغرة، فلما دخل عليه الطبيب
جعل يمجها، فأدخل الطبيب مكاويه في النار ثم جعل يضعها على بطنه، فكلما وضع مكواة قال:
أصبت أصبت موضع الداء! حتى كشح بطنه بالنار - والكشح: الكي - وهو يريد إنه لا يجد مسها،
فسمى هبيرة المكشوح. ورجع الطبيب إلى عمرو بن امامة فقال: وجدته مريضا، ووجدته لا يجد مس
النار. فلما اطمأن عمرو بن أمامة سار إليه المكشوح وثار به من تلك الليلة، فلم يشعر حتى أحاطوا
به.
وقد كان عمرو بن أمامة عرس بجارية من مراد، وكانت أم ولده الغسانية معه، فسمعت جلبة الخيل
فقالت: أي عمرو أتيت! سال قضيب بماء وحديد. وقال ابن الكلبي: (لقد سال قضيب حديدا، وجاءتك
مراد وفودا). فذهبت مثلا. فقال لها عمرو: (وأنت غيري نغرة!). والنغرة: التي تغلى منالغيرة كما
تنغر القدر، أي انك غرت عليَّ. فذهبت مثلا.
(1/119)

ومر به قطيع من القطا، فقالت: يا عمرو، أتيت، (لو ترك القطا لنام). فذهبت مثلا. فثاروا إليه وثار
عمرو إلى سيفه فخرج عليهم وهو يقول:
لقد عرفتُ الموتَ قبل ذوقهِ ... إنّ الجبانَ حتَفْهُ من فوقِهِ
كلُّ امرئٍ مقاتِلٌ عن طوقهِ ... والثورُ يَحمِى جِلدَه برَوْقِهِ
ورواه غير ابن الكلبي: (كالثور يحمى جلده بروقه).
قال: ولقيه غلام يقال له جعيد بن الحارث المرادي. قال ابن الكلبى: يقال له تمتم بن الجعيد
المرادي. وقد كان عمرو بن امامة قال له: نعم وصيف الملك هذا! فقال جعيد:
أيَّ وصيفِ مَلك تراني ... أما تراني رابطَ الجَنَانِ
أفليه بالسَّيف إذا استفلاني ... أجيِبُهُ لبيك اذ دعاني
روَّيتُ منه عَلقاً ساني
نحن ضربْناه على تَطيابِه ... بالمرجِ مِن مَرجِحَ إذْ ثُرنا به
بكلِّ عضب صارم نَعْصَى به ... نلتهمُ القِرْنَ على اغْترابه
ذاكَ وهذا انقضَّ من شِعابِه ... قُلنا بِهِ قلنا بهِ قُلنا به
نحن أرحنا النَّاسَ من عذابه ... فليأتِنا الدَّهْرُ بما أتى به
وقال ابن الكلبي: إنما قال هذه القصيدة هبيرة بن عبد يغوث بن عمرو المذكور، ولم يقلها زنباع
المرادي. وزاد فيها ابن الكلبي أبياتا لم تكن في كتاب أبي عمرو، وهي:
نحن أرحنْا الناسَ من عِتابه ... لما التقَينا ثار في أصحابه
كَثَورَة الفالجِ في رِكابِه ... له صَليلٌ مِن صريفِ نابه
(1/120)

حتَّى إذا رَفَّع من عِقابه ... وحولَه ألفانِ من حِرابه
زُرقٌ بأيدي الفرس من حُجَّابه ... ضَربْتُ بالسَّيفِ على نِطابه
أتى به الدَّهرُ بما أتَى به ... قُلْنا به قُلنا به قُلنا به
ولم يعرف خراش ما النطاب.
فتفرقت عنه الناس وانصرفت مراد إلى اليمن، وأقبل جعيد بن الحارث امرأته الغسانية إلى بيت
الأسود بهجر، وبابنيه وهما غلامان قد أوصفا - أي صارا وصيفين - فأتى بهما عمرو بن هند فقال:
أيها الملك، سترت عورتك وقتلت عدوك! فقال له عمرو: وإن لك عندي لحبء أنت أهله، أضرموا
له نارا ثم اقذفوه فيها. فقال له: أيها الملك، أني كريم فليطرحني فيها كريم؛ فإن لي حسبا. فأمر ابنه
وابن أخيه أن يتوليا ذلك منه، فانطلقا به، فلما أدنى من النار مسح شراك نعله، فقيل له: ما دعاك إلى
مسح شراك نعلك وأنت مطروح في النار فقال: أحببت أن لا دخل النار إلا وأنا نظيف. ثم قال:
الخيرُ لا يأتِي به حبُّهُ ... والشَّرُّ لا ينفع مِنْه الجزَعْ
ثم قذف نفسه وبهما معه في النار فاحترقوا جميعا، فقال طرفة بن العبد، وكان أول من نعاه إليه:
أعمَرو بَن هند ما تَرى رأىَ معشرٍ ... أفاتُوا أبا حَسَّانَ جاراً مُجاورا
وهي قصيدة من شعره.
فاحتمل عمرو بن هند على طرفة الذي كان من مسيره مع عمرو بن أمامة فأضم عليه - أي حقد
عليه - وكانت أول موجدة عليه، فبعث عمرو بن هند إلى
(1/121)

إبل طرفة التي كانت في جوار قابوس
وعمرو بن قيس فأخذها، لما كان من مسيره مع عمرو بن أمامة، فقال طرفة:
لعمركَ ما كانت حَمولةُ معبدٍ ... على جُدِّها حرباً لدينك من مُضَرْ
وهي قصيدة من شعره.
وكان طرفة قد هجا عمرو بن هند قبل ذلك ولم يبلغه حتى خرج في بعض خروجه إلى الصيد،
فأمعن في الطلب وانقطع في نفر من أصحابه حتى أصار طريدة، فنزل وقال لأصحابه: اجمعوا
حطبا، وفيهم عبد عمرو بن بشر بن عمرة بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة،
فقال له: اشو للقوم. فأوقد نارا وشوى، فبينا عمرو يأكل من شوائه وعبد عمرو يقدم إليه، إذ نظر إلى
خصر قميصه منخرقا فأبصر كشحه، وكان من أحسن أهل زمانه كشحا وجسما. وكان بينه وبين
طرفة أمر وقع له بينهما شر، فهجاه طرفة فقال:
فيا عجبَا مِن عبدِ عمرو وبَغْيه ... لقد رامَ ظُلمي عبدُ عمرو فأنْعَمَا
- وهي قصيدة من شعره - فقال عمرو بن هند لعمرو، وقد كان عمرو سمع بهذه القصيدة: يا عبد
عمرو، هل أبصر طرفة كشحك؟ ثم تمثل:
ولا عيبَ فيه غير أن قيل واحدٌ ... وأنَّ له كشحاً إذا قام أهضما
وكان عمرو بن هند شريرا، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم، فيوم يركب في صيده يقتل أول من
يلتقي، ويوم يقف الناس ببابه فان اشتهى حديث رجل أذن له. وكان هذا دهره.
وقال أحمد بن عبيد: كان إذا ركب في يوم نعيمه لا يلقى أحدا إلا أعطاه ووهب له وقضى حاجته،
وإذا ركب في يوم بؤسه لم يلق أحدا إلا قتله. وكان طرفة قد هجه فقال:
(1/122)

ليت لنا مكانَ المَلْكِ عَمروٍ ... رَغُوثاً حولَ قُبتنا تَخورُ
وهي قصيدة من شعره.
فلما قال عمرو بن هند لعبد عمرو: يا عبد عمرو لقد أبصر طرفة حسن كشحك! غضب من ذلك
وأنف من، وقال لعمرو: قد قال طرفة للملك أقبح من هذا! قال عمرو: ما الذي قال؟ فندم عبد عمرو
على ما سبق منه، وأبى أن يسمعه، فقال: أسمعينه، وطرفة آمن. فأسمعه القصيدة التي هجاه فيها،
فسكت عمرو بن هند على وقر في نفسه، وكره أن يعجل عليه لمكان قومه فأضرب عنه، وبلغ ذلك
طرفة وطلب غرته وطلب عمرو غرته والاستمكان منه، حتى أمن طرفة ولم يخفه على نفسه، وظن
إنه قد رضي عنه.
وقد كان المتلمس - وهو عبد المسيح بن جرير. قال ابن الكلبي: هو جرير بن عبد المسيح - قال
قصيدة يهجو فيها عمرو بن هند، وفيها غضب عليه، وهو قوله:
ولكَ السَّديرُ وبارقٌ ... ومُبايِضٌ لَكَ والخورنق
قال: فقدم المتلمس وطرفة على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه، فكتب لهما إلى عامله
على البحرين وهجر، وكان عامله فيما يزعمون ربيعة بن الحارث العبدي، وهو الذي كتب إليه في
شأن طرفة والمتلمس، وقال لهمها: انطلقا إليه فاقبضا جوائز كما. فخرجا، فزعموا أنهما لما هبطا
النجف قال المتلمس: يا طرفة، إنك غلام حدث، والملك من قد علمت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه،
فلست آمنا من أن يكون أمر فينا بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه فإن يك قد أمر لنا يخير مضينا، وأن
تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا. فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وحرص المتلمس فأبى، وعدل المتلمس
إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي فأعطاه الصحيفة، فقرأها فلم يصل إلى ما أمر به في المتلمس
حتى جاءه
(1/123)

غلام من بعده فأشرف في الصحيفة ولا يدرى ممن هي؟ فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه!
فانتزع الصحيفة من يدي الغلام واكتفى بذاك من قوله، واتبع طرفة فلم يلحقه، وألقى الصحيفة في
نهر الحيرة، ثم خرج هاربا إلى الشام، فقال المتلمس عند ذلك:
ألقيتُها بالثِّنْيِ مِن جَنْب كافرٍ ... كذلك أقْنُو كلّ قِطٍّ مُضَلَّلِ
الثنى والجزع واحد، وهو ما انثنى من الوادي. وقال أبو عمرو: كافر: نهر بالحيرة. وقال غيره:
كافر: نهر قد ألبس الأرض وغطاها. ويقال لليل كافر لأنه يلبس كل شيء ويغطيه.
وقال أبو عمرو: أقنو: أحفظ. وقال غيره: أقنو: أجزى. يقال: لقنونك بفعلك، أي لجزينك. والقط:
الصحيفة. ويقال للصك قط. فيقول: حفظي لهذا القط، أي الكتاب، أن أرمي به في الماء.
رضِيتُ لها بالماءِ لمَّا رأيتُها ... يَجُول بها التَّيَّارُ في كلّ جَدْولِ
التيار: الموج. ومضى طرفة حتى إذا كان ببعض الطريق سنحت له ظباء وعقاب، فزجروها وقال:
(لعمرِي لقد مَرَّتْ عَواطِسٌ جمّة ... ومرَّ قُبيلَ الصُّبح ظَبيٌ مصمَّعُ)
عواطس: ما يتشاءم به. قال العجاج:
قطعتُها ولا أهابُ العُطَّسا
جمة: كثيرة. يقال فلان جم العطاء: أي كثير المعروف. ويقال: اسقني من جم بئرك، ومن جمة
بئرك، أي من معظم مائها. ومجم البئر: الموضع الذي يجتمع فيه الماء. وفلان واسع المجم، إذا كان
كثير المعروف. ومصمع معناه ذاهب. وقال الطوسي فقال: هو الأقرن.
(1/124)

(وعَجْزاء دَفَّت بالجَناحِ كأنَّها ... مع الصُّبح شيخٌ في بجاد مُقَنَّعُ)
عجزاء: عقاب، قال الأصمعي: سميت عجزاء لأنها شديدة الدابرتين. وقال أبو عبيدة: لبياض في
عجزها. وقال الطوسي: في جنبها ريش أبيض. ودفت: طارت. والبجاد: كساء غليظ من أكسية
الأعراب. وقال الطوسي: البجاد ينسج من صوف. قال الشاعر:
قل للصَّعاليك لا تَستحسروا ... من اضطربٍ وسيْرٍ في البجادْ
فالموتُ أحْجَى على ما خَيَّلَتْ ... من اضطجاع على غَيْر وسادْ
إن وَصَل الغَيْث ابْنَيْنَ امرأ ... كانت له قُبَّةٌ سَحْقَ بِجادْ
والمقنع: المغطى رأسه.
(فلن تَمنَعِي رزقاً لعبدٍ يريده ... وهل يَعْدُوَنْ بؤساك ما يتوقَّعُ)
ورواه الطوسي: (لعبد يصيبه). قوله: (فلن تمنعي)، يعني العواطس، أي: ليست بمانعة العبد ما قدر
له. وبؤساك من البؤس، يعنى الموت. ويتوقع يتخوف وينتظر. وقال يعقوب: أي ما يتوقع من الشر.
يقول: فل يكون من بؤساك شيء هو أكثر من الموت الذي يتوقعه الناس.
قال: وقد كان المتلمس فيما يقال قال لطرفة حين قرا كتابه: تعلمن أن الذي في صحيفتك مثل الذي
في صحيفتي. قال طرفة: أن كان اجترأ عليك ما كان ليجترئ عليّ ولا ليغرني ولا ليقدم عليّ! فلما
سار المتلمس إلى الشام وقال:
مَن مُبْلغُ الشَّعراءِ عن أخوَيْهم ... نبَأ فتصدُقَهم بذاكَ الأنفسُ
(1/125)

أودَى الذي عَلِق الصَّحيفة منهما ... ونجا حِذَارَ حِبائه المتلمِّسُ
ألقىَ صحيفتَه ونحَّى كُورَه ... وَجْناءُ مُجْمَرةُ المناسم عِرمِسُ
عَيرانة طَبَخَ الهواجر لحمَها ... فكأنَّ نُقْبَتَها أديمٌ أملسُ
العيوانة: المرحة النشيطة، شبهت بعير الفلاة فيما زعم أبو عبيدة. وقوله: (طبخ الهواجر لحمها)، أي
أضمرتها الهواجر وعصرت بدنها، أي شحمتها، فانضمت لذلك. والواجر، والهجير، والهجر:
انتصاف النهار في شدة الحر. والوجناء: الضخمة العظيمة الصلبة، فكأنها لصلابتها ضربت بمواجن
القصار، الواحدة ميجنة، وهي مدقته. ويقال: الوجناء: العظيمة الرأس والوجنات، تشبه بالفحل.
ويقال: الوجناء الغليظة، أخذت من الوجين من الأرض، وهو ما غلظ. وقال ثابت (مجمرة المناسم)
معناه مجتمعة لطيفة. وقال الأصمعي: هي المجتمعة في صلابة وصغر. وقالوا كلهم: عظم الأخفاف
من الهجنة وليس من صفة النجائب. وللأعشى:
فأبقى رَوَاحي وسَيْرُ الغُد ... وِّ مِنها ذواتِ حذاء صغارا
وكل شيء جمعته فقد جمرته. ويقال للمرأة أجمري شعرك، أي اجمعيه. ويقال: جمر أمر الناس، أي
جمعه. قال الأعشى، وذكر النعمان بن المنذر:
يُجمِّر أمرَ الناس يوماً وليلة ... فهم ساكتون والمنية تنطقُ
عنى بالمنية النعمان. وقال أحمد بن عبيد. شبه النعمان بالمنية التي إذا جاءت لا يردها أحد، فكذلك
النعمان ينفذ أمره ولا يرده أحد. وقال العباس بن مرداس:
يأيها الرجلُ الذي يَهِوى به ... وَجْناءُ مُجْمَرةُ المناسِم عِرمِسُ
(1/126)

إما مررتَ على النبيّ فقُلْ له ... حقٌّ عليكَ إذا اطمأنَّ المجلسُ
يا خيرَ من ركب المطيَّ ومن مَشَى ... فَوقَ الترابِ إذا تُعدُّ الأنفُس
ويقال: عد ابلك نظائر، أي عد ثنتين ثنتين؛ وعدها جمارا، أي جملة جملة. قال ابن أحمر:
يَظَلُّ رِعاؤها يُلغُون مِنْها ... وإن عُدَّتْ نظائر أو جَمَارا
العرمس: الناقة الصلبة، وشبهت بالعرمس، وهي الصخرة الصلبة؛ والجمغ عرامس.
ثم سار طرفة حتى قدم على عامل البحرين وهو بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه، فقال
له: هل تعلم ما أمرت فيك؟ قال: نعم أمرت أن تجزني وتحسن إلي. فقال لطرفة: أن بيني وبينك
خؤولة أنا لها راع حافظ، فاهرب من ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن نصبح ويعلم بك
الناس. فقال له طرفة: قد اشتدت عليك جائزتي فأحببت أن أهرب وأن أجعل لعمرو بن هند على
سبيلا، كأني أنبت ذنبا؛ والله لا أفعل ذلك أبدا! فلما أصبح أمر بحبسه، وجاءت بكر بن وائل وقالت:
قدم عليك طرفة! فدعا به صاحب البحرين فقرأ عليهم وعليه كتاب الملك، ثم أمر بطرفة فحبس،
فتكرم عن قتله وكتب إلى عمرو ابن هند: أن ابعث إلى عملك فإني غير قاتل الرجل! فبعث إليه
عمرو بن هند رجلا من بني تغلب يقال له عبد هند بن جرد (وقال ثابت: ابن الجرد)، واستعمله على
البحرين، وكان رجلا شديدا شجاعا، فأمره بقتل طرفة وقتل ربيعة بن الحارث العبدي، فقدمها عبد
هند فقرأ عهده على أهل البحرين، ولبث أياما، فاجتمعت بكر وائل وهمت به، وكان طرفة
يحضضهم، وانتدب له رجل من عبد القيس
(1/127)

ثم من الحواثر يقال له أبو ريشة، فقتله، فقبره اليوم
بهجر بأرض منها لبني قيس بن ثعلبة.
ويزعمون أن الحواثر ودته إلى أبيه وقومه، لما كان من قتل صاحبهم إياه، وبهثوا بالإبل. وفي ذلك
يقول المتلمس وهو يحضض قوم طرفة على الحواثر:
ابَنِي قِلابةَ لم تكنْ عاداتُكمْ ... أخْذَ الدنِيَّةِ قبل خُطة مِعضِدٍ
قال أبو المنذر هشام بن الكلبي: قلابة بنت الحارث بن قيل بن ذهل، من بني يشكر، تزوجها سعد
بن مالك بن ضبيعة فولدت له مرثدا، وكهفا، وقمية ومرقشا الشاعر الأكبر.
وقال غيره: قلابة امرأة من بن يشكر، وهي بعض جدات طرفة، وهي بنت عمرو بن الحارث
اليشكري، أم مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة.
ومعضد: رجل من بني قيس بن ثعلبة. وروى أبو عبيدة: (معصد) بالصاد، أي يفعل به، وهو من
العصد.
وقالت أخت طرفة تهجو عبد عمرو لما كان من إنشاده الملك ذلك الشعر، فقال أن اسمها كبيشة.
ويقال أن هذه القصيدة، للخرنق بنت هفان بن تيم بن قيس ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن
بكر بن وائل:
(ألاَ ثِكلتْكَ أمُّكَ عبدَ عمروٍ ... أبا لخَرَبات آخيتَ الملوكا)
الخربات: الجنايات وما لا خير فيه. يقال رجل خارب وقوم خراب. فيقول: بهذا تواخى الملوك؟!
وقال الطوسي: الخربة الفعلة القبيحة. وقال أحمد بن عبيد: الخربة الفعلة الردية، أصل الخارب
اللص.
(1/128)

(هُمُ دَحُّوك للورِكين دَحّاً ... ولو سألوا لأعطيتَ البُرَوكا)
وروى الطوسي: (هم ركوك للوركين ركا). قوله دحوك، معناه ألقوك ودفعوك. وقال أحمد بن عبيد:
يقال أخذه بشحمة الركي، أي بعظم أوراكه وأليته. فإنما أراد بقوله: ركوك، أي طرحوك على أليتك.
وقال غيره: معنى ركوك أضجعوك للبروك، أي لأن يبرك على أربعة.
وزاد ابن الكلبي:
(ألا سِيانِ ما عمروٌ مُشيحاً ... على جَرداءَ مِسحَلَها عَلُوكا)
المشيح: الجاد، والمشيح: الحذر. والمسحل: الحديدة المعترضة من اللجام في فم الفرس. ويروى:
(عروكا).
(ويومُك عند رايته هَلوكٌ ... تظلُّ لرجْع مزِهرها ضحوكا)
ومضى المتلمس هاربا إلى الشام، وكتب عمرو بن هند إلى عماله على نواحي الريف يأمرهم أن
يأخذوا المتلمس أن قدروا عليه يمتار طعاما أو يدخل الريف، فقال المتلمس يذكر ما أشار به على
طرفة من إلقاء الصحيفة والنظر فيها، وتحذيره إياه:
مَن مُبْلغُ الشعراء عن أخَوَيْهمُ ... خبراً فتصدقكُمْ بذاكَ الأنْفُسُ
وقال فيما كان من كتاب عمرو بن هند إلى عماله على الريف ليأخذوه ويمنعوه من المسير،
ويحضضهم عليه:
يا آل بكر ألاَ لله أمكمُ ... طالَ الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
وقال أيضا:
إنّ العراقَ وأهله كانُوا الهَوَى ... فإذَا نآنا ودُّهمْ فليبْعُدِ
وقال أيضا:
أيُّها السَّائلي فإنّي غريبٌ ... نازحٌ عن مَحَلَّتي وصَمِيمِي
(1/129)

وقال أيضا:
كانوا كسامةَ إذْ خَلَّى مَسَاكنَه ... ثم استمرّتْ به البُزْلُ القناعيسُ
قال ابن الكلبي: يعنى سامة بن لؤي. وكان من سببه إنه جلس وكعب وعامر يشربون، فوقع بينهم
كلام، ففقأ سامة عين عامر وهرب إلى عمان.
وقال المتلمس في عصيان طرفة اياه وتركه نصيحته:
ألاَ أبلغَا أفناءَ سعدِ بن مالك ... رسالة مَن قد صار في الغرب جانبُه
أفناء: جماعات، واحدهم فنو. والغرب: ناحية المغرب التي هو فيها.
وقال المتلمس:
(قولاَ لعمرو بن هند غير متّئبٍ ... يا أخنسَ الأنفِ والأضراسُ كالعدَسِ)
قوله (غير متئب)، معناه غير مستحى. يقال أو أبته، إذا أتيت إليه ما تستحييه. قال الشاعر:
لما أتاهُ خاطباً في أربعَهْ ... أوْأبَهُ ورَدَّ من جاءَ معَهْ
الابة: العار وما يستحيا منه. قال ضمرة بن ضمرة:
أأصُرًّها وبُنَيُّ عَمى ساغبٌ ... فكفاك من إبةٍ علىَّ وعابِ
وقال أحمد بن عبيد: أو أبته: أخزيته؛ والإبة: الخزي. والخنس: تأخر الأنف وقصره أن يسبغ إلى
الشفة. وقوله: (والأضراس كالعدس): في صغرها وسوادها.
قال ابن الكلبي: ليس هذا الشعر للمتلمس، ولا قوله (كأن ثناياه)؛ إنما هو لعبد عمرو بن عمار
الطائي من بني جرم. وفي هذين الشعرين قتل. قال: وليس الشعر في عبد عمرو ولكنه في الأبيرد
الغساني وهو قتل عبد عمرو بن عمار.
(مَلْكُ النَّهارِ وأنتَ اللَّيلَ مُومِسةٌ ... ماءُ الرّجالِ على فخذيكَ كالقَرِسِ)
(1/130)

قال يعقوب: ملك النهار لغة ربيعة. ومومسة: فاجرة. كالقرس أراد القريس، وهو الجامد. والقرس:
البرد.
(لو كنتَ كلبَ قنيص كنتَ ذا جُدَدٍ ... تكون أربتُه في آخر المَرَسِ)
القانص والقنيص والمقتنص: الصائد. جدد: طرائق، واحدتها جدة. فشبهه بكلب فيه بُقع، وان شئت
بَقع.
والأربة: العقدة. يقال: أرب عقدك، أي شده. ومنه قد تأرب الرجل: تشدد وتعسر. وأربته: عقدته،
يعنى قلادة الكلب. والمرس: الحبل، أي هو في آخر الكلاب فقلادته آخر القلائد:
(لَعْواً حَريصاً يقول القانصانِ له ... قُبِّحتَ ذا أنفِ وجه ثَمَّ منتكِسِ)
قوله: (منتكس) معناه منكس الوجه. وقال الطوسي: منتكس خائب. واللعو من الكلاب: الحريص.
وقال أبو المنذر: هذا الشعر لعبد عمرو بن عامر بن أمتي بن ربيع بن منهب بن شمجي بن جرم -
وهو ثعلبة - بن عمرو بن الغوث، يهجو الأبيرد الغساني. وهذا البيت أيضا له:
كأنَّ ثناياه إذا افترَّ ضاحكاً رءوسُ جَراد في إرينَ تُحسْحَسُ
وما أبو عمرو فرواه لطرفة. والإرون: جمع ارة، وهي الحفرة فيها النار. تحسحس: تحرك. افتر:
تبسم، ويقال امرأة حسنة الفرة، أي حسنة الابتسام. وأما الطوسي فرواه: (في إرين تخشخش)، أي
تحرك.
ثم لبث عبد هند التغلبي على البحرين زمانا، إلى أن بلغ عمرو بن هند ما عتب عليه، فبعث إليه
رجلا يقال له بريم، وكان رجلا جسيما، فقال له: اذهب بكتابي هذا إلى فلان وقل له: أني قد
استعملتك على البحرين، وإياك أن يفلتك عبد
(1/131)

هند! فانطلق يريم حتى قدم على الرجل ودفع إليه
عهده، فقال له: دونك عبد هند. فقال بريم: أني لست أقبله منك حتى تشد رجله برجلي بسلسلة. ففعل
صاحب البحرين ذلك. وبلغ بني تغلب أمر صاحبهم وما صنع به. فأقعدوا لبريم على طريقه الذي
كان يأخذ عليه رجلا كان معه طعام كثير وزق خمر، وقالوا للرجل: إنهما ماران بك، فلا تأل أن
تطعمها وتسقى الرجل حتى تسكره، فعسى الله أن ينجي عبد هند. فمرا بالرجل فأنزلهما وأطعمهما
وسقاهما، حتى سكر بريم فخر لا يعقل، فقطع عبد هند السلسلة وهرب، واستيقظ بريم من سكره فلم
يجده، فلذلك حيث يقول عبد هند:
يُناديني لأنظرَه بُرَيمٌ ... فدعْني إنَّما أرَبى أمامي
قوله (لأنظره)، أي لأنتظره. أربى، معناه حاجتي. أمامي، أي أني أريد الهرب.
وقال طرفة:
(لِخَوْلةَ أَطلالٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِ ... ظَلِلْتُ بها أَبكي وأَبكي إلى الغَدِ)
قال هشام الكلبي: خولة: امرأة من كلب. و (الأطلال): واحدها ظلل. والطلل: كل شخص من آثار
الدار. قال امرؤ القيس:
ألا انعَمْ صباحاً أيها الطلَّل البالي ... وهل يَنْعَمنْ من كان في العُصُر الخالي
ويقال: حيا الله طللت، أي شخصك. ويقال في جمع الطلل أطلال وطلول. قال جرير:
بقِيَتْ طُلولُكِ يا أميمَ على البلى ... لا مِثل ما بقيِتْ عليهِ طُلولُ
والرسم: الأثر بلا شخص؛ وجمعه ارسم ورسوم. والبرقاء والابرق: رابية فيها رمل وطين، أو طين
وحجارة يختلطان. و (ثهمد): موضع. ويقال: ظللت
(1/132)

أفعل كذا وكذا، وظلت أفعله وظلت أفعله، بكسر
الظاء وفتحها، إذا كنت تفعله نهارا. وبت أفعل كذا وكذا، إذا كنت تفعله ليلا. وروى الأصمعي:
تلوح كباقي الوَشْم في ظاهرِ اليدِ
تلوح معناه تبرق. ويقال للثور الوحشي لياح وليَاح؛ لبريقه وبياضه.
و (الوشم): أن يغرز بالإبرة في الجلد ثم يذر عليه الكحل والنؤور، فيبقى سواده ظاهرا، يفعل ذلك
بضروب من النقش، كانت النساء في الجاهلية تفعله تزينا به، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه،
(لعن رسول الله عليه الصلاة والسلام النامصة والمنتمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة
والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة). فالنامصة التي تنتف الشعر عن وجهها؛ ومنه قيل للمنقاش
منماص، لأنه ينتف به الشعر من الوجه. والمنتمصة: التي يفعل ذلك بها. والواشرة: التي تشر
أسنانها، وذلك أن تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر. والأشر: تحدد في أطراف الأسنان، ومنه قيل
ثغر مؤشر، وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث، تفعله المرأة الكبيرة تشبها بالأحداث. والواصلة
والمستوصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر، والواشمة: التي تغرز ظهر كفها بالإبرة والمسلة
وتحشوها بالكحل. والنورة لتخضر. يقال وشمت تشم وشما، فهي واشمة والمفعولة موشومة. قال
قيس بن أبي حازم: (دخلت على أبي بكر الصديق، رضي الله سبحانه عنه، فرأيت أسماء بنت
عميس موشومة اليدين. وإنما كان ذلك الفعل منها في الجاهلية، ثم بقى فلم يذهب). وقال لبيد:
أو رَجْع واشمةٍ أسِفَّ نَؤُورها ... كِففَاً تَعرَّضَ فوقَهنَّ وِشامُها
وقال آخر:
كما وُشِم الرَّواهشُ بالنَّؤور
الرواهش: عروق ظاهر الكف. والنواشر: عروق باطن الذراع.
(1/133)

والأطلال يرتفع باللام، وخولة مخفوضة باللام ونصبت لأنها لا تجري، وتلوح صلة الأطلال، وما
فيه يعود على الأطلال، والباء في قوله ببرقة والكاف صلتان لتلوح.
وفيه وجه ثان: وهو أن يرتفع الأطلال باللام وتكون الباء صلة للأطلال، ويكون تلوح في موضع
نصب على الحال من الذكر الذي في الباء من الأطلال، لو صرفته إلى الدائم لكان نصبا فقلت: لائحة
كباقي الوشم، إلا أن تلوح يرتفع بالتاء، والكاف صلة لتلوح منصوبة به.
وفيه وجه ثالث: وهو أن يرتفع الأطلال بما عاد من تلوح ويكون اللام والكاف صلتين لتلوح، والباء
صلة الأطلال. وتقدير البيت: أطلال ببرقة ثهمد تلوح لخولة كباقي الوشم.
وفيه وجه رابع: وهو أن يرتفع الأطلال بالكاف ويرتفع الكاف بالأطلال، ويكون الباء صلة تلوح،
وتلوح في صفة الأطلال، فاللام صلة الكاف. وتقدير البيت: أطلال تلوح ببرقة ثهمد مثل باقي الوشم
لخولة.
والنؤور: شحمة تلقى على النار ويكب عليها طست أو غيرها مما يشبهها، فيعلق دخانها بها، فيؤخذ
ما لصق من الدخان بالطست فيذر في مغرز الإبرة. قال الطرماح يذكر ثورا:
يَقَقُ السَّراةِ كأنَّ في سَفِلاته ... أثَرَ النَّؤور جرَى عليه الإثمدُ
حُبِسَت صُهارتُه فظَّل عُثَانُه ... في سَيْطل كفِئتْ له يتردَّدْ
(1/134)

(وُقوفاً بها صَحْبي علىَّ مطَّيهُمْ ... يَقُولونَ لا تَهلِكْ أَسىً وتجَلَّدِ)
(الصحب): جمع صاحب؛ ويقال في جمع الصاحب أصحاب وصحب وصحبان. وقوله (لا تهلك
أسى) معناه لا تقتل نفسك. يقال: هلك الرجل يهلك هَلكا وهُلكا ومهلكة. ويقال: اذهب فإما هلك وأما
ملك، أي أما أن نهلك وأما أن نملك. والأسى: الحزن. وتجلد: تصبر.
(كأَنَّ حُدُوجَ المالكَّيةِ غُدْوةً ... خَلايا سَفِينٍ بالنَّواصِف من دَدِ)
(الحدوج): مراكب النساء، واحدها حدج. ويقال له حداجة وحدائج. ويقال: أحدج بعيرك حدجا، أي
اشدد عليه حداجه. ويقال: حدجه ببصره إذا رماه به؛ وقد حدجه بسهم. ويقال: حدجه بذنب غيره، إذا
رماه به. قال العجاج يصف الحمار وأتانه:
إذا اثبجَرَّا من سَوادٍ حَدَجَا
اثبجرا، معناه تفزعا وتقبضا. والسواد: الشخص. ومعنى حدجا: رميا بأبصارهما.
والمالكية: من بني مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وقال الطوسي: نسبها إلى مالك بن سعد بن
ضبيعة. وقال الأصمعي: الخلايا السفن العظام، واحدها خلية. ولا يقال سفينة خلية. وقال أبو عبيدة:
الخلية السفينة العظيمة معها قارب، أي زورق صغير. قال أحمد بن عبيد: لا تكون السفينة خلية إلا
ومعها قارب، كالخلية
(1/135)

من الإبل المعطوفة على ولد. قال الأصمعي: النواصف، واحدتها ناصفة:
مواضع تتسع من الأدوية كالرحاب. وقال ابن الأعرابي: هي أرض. وإنما أراد ناصفة فقال
نواصف. وقال الطوسي: قال بعضهم: النواصف مجارى الماء إلى الأدوية. و (ددٌ): مكان.
ويقال في جمع غداة غدوات، لا يقال في جمعها إذا كانت مفردة غدايا، فإذا صحبت العشية جمعت
غدايا لتزدوج اللفظتان، فيقولون: إنه ليأتينا بالعشايا والغدايا. وأنشد الفراء:
هتَّاكِ أخبْيِة وَلاّجِ أبْوِبَة ... يَخْلِط بالجدِّ منه البِرَّ واللِّينا
فجمع الباب ابوبة ليزدوج مع الأخبية.
والحدوج اسم كأن، والخلايا موضعها رفع على خبر كأن والإعراب لا يتبين في لفظها، والباء في
النواصف حال، ومن صلة النواصف، ومعنى الباء التقديم على الخلايا، وتقدير الكلام: كأن حدوج
المالكية غدوة بالنواصف من دد خلايا سفين، أي كأن حدوج المالكية وهي بالنواصف خلايا سفين،
أي وهذه حالها.
قال الله تبارك وتعالى: (فذَكِّرْ فما أنْتَ بِنعمةِ ربِّكَ بكاهِن ولا مجنونٍ) فالباء الثانية دخلت للجحد،
والأولى حال. والمعنى: فذكر فما أنت وأنت في نعمة ربك بكاهن أي فما أنت وهذه حالك بكاهن.
والغدوة موضعها نصب على الوقت وكان حقها إلا الثلاثاء لأنها لا تجرى، فاضطر الشعر إلى
إجرائها، وإنما صار حكمها ترك الإجراء لأنها مؤنثة معرفة. قال الفراء: سمعت أبا الجراح العقيلي
يقول: ما رأيت كغدوة قط، يعنى غداة يومه إنها كانت باردة. قال: والدليل على إنها معرفة لا تجري
أن العرب لا تضيفها ولا تدخل
(1/136)

عليها الألف واللام، ولا يقولون: رأيتك غدوة الخميس إنما يقولون غداة الخميس. وقد قرا أبو عبد
الرحمن السلمي: (واصبِرْ نَفْسَك مع الذين يَدعُون رَبَّهمْ بالغُدْوة والعَشِيّ)؛ وهي قراءة شاذة لا يقاس
عليها ولا تجعل أصلا.
(عَدَوْلِيّةٌ أو مِنْ سَفِينِ ابنِ يا مِنٍ ... يَجُورُ بها المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتدِي)
قال أحمد بن عبيد: العدولية منسوبة إلى جزيرة من جزائر البحر يقال لها عدولي في اسفل من
أوال، وأوال أسفل من عمان. وقال غيره: العدولية منسوبة إلى قوم كانوا ينزلون بهجر ليسوا من
ربيعة ولا من مُضر ولا من اليمن. وابن يامن: ملاح من أهل هجر أيضا. وقوله (يجور بها الملاح)
يعدل بها ويميل، ومرة يهتدي: يمضى للقصد. وقال ابن الأعرابي: عدولية نسبها إلى قدم أو ضخم.
ويروى: (عدولية) بالرفع. فمن خفضها جعلها نعتا للسفين، ومن رفع جعلها نعتا للخلايا. وموضع
سفين خفض إذا خفضت العدولية، ورفع إذا رفعت العدولية، لأنها نسق عليها، كما تقول: نحن بخير،
وكثير صيدنا، فتنسق كثيرا على الباء لأنها في محل رفع. وقال أحمد بن عبيد: (الرواية: عدولية،
بالخفض)، ويجور خبر مستأنف، ويجوز أن يكون في موضع خفض، لو صرفته إلى فاعل لخفضته
على النعت للعدولية. والملاح رفع بيجور، ويهتدى نسق على يجور.
(1/137)

(يَشُقُّ حَبَابَ الماءِ حَيزومُها بهَا ... كما قَسَمَ التُّربَ المُفايِلُ باليَدِ)
معناه يشق حيزومها حباب الماء. والحيزوم: الصدر، يقال له حيزوم وحزيم. قال الشاعر:
فتعَزَّيتُ إنني ذو عزاءِ ... وعلى كلِّهم شَددتُ حَزِيمى
ويقال في جمع الحيزوم حيازيم وحيازم؛ أنشدنا أبو العباس لأبي حية النميري:
رمَينَ فأنفَذْن القُلوبَ ولا تَرى ... دماً مائراً إلاَّ جوَىً في الحيازِم
ويقال: شققت الشيء أشقه شقا. والشَّق بفتح الشين المصدر. والشِّق بكسر الشين الاسم، والشق
أيضا: نصف الشيء، والمشقة أيضا. قال الله تبارك وتعالى: (لم تكونوا بالغِيِه إلاّ بشِقِّ الأنفُس) يقرأ
بفتح الشين وكسرها، والمكسور اسم والمفتوح مصدر. وقال أبو حزام العكلي:
وذُو إبِلٍ يَسَعى وتَحسِبها له ... أخِي نَصَب من شَقِّها ودُءوبِ
ويروى: (من شقها) بكسر الشين.
و (الحباب): طرائق الماء. وحجى الماء: نفاخاته، وقال الطوسي: هو حباب الماء. وقال أبو عمرو
وابن الأعرابي: هو أمواجه. وقال الطوسي وغيرهما: حباب الماء: النفاخات التي تراها فوق الماء،
الواحدة حبابة. قال عمارة بن عقيل في الحباب:
(1/138)

ولا متقِّلب الأمواج يبقى ... إلى نَجَواته السُّفنَ الحَبابُ
فجعل الحباب هاهنا الموج. و (المفايل): الذي يلعب لعبة لصبيان الأعراب، يقال لها الفيال
والمفايلة، وهي تراب يكومونه، أو رمل يخبؤون فيه خبيا، ثم يشق المفايل تلك الكومة بيده فيقسمها
قسمين ثم يقول: في أي الجانبين خبأت؟ فإن أصاب ظفر، وإن أخطأ قمر. ويروى:
يشقُّ حَبَابَ الماءِ حيَزُومُ صدرِها
ويقال للتراب: التورب، والتيرب، والتوراب، والتيراب، والترباء. ويجمع التراب أتربة، وتِرْبانا،
وتُرْبانا.
وموضع الكاف في (كما) نصب، وموضع ما خفض بالكاف وما بعدها صلة لها، ولا عائد لها لأنها
في معنى المصدر. والمفايل رفع بقسم، والترب مفعوله، والباء صلة.
(وفي الحيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ... مُظاهِرُ سِمْطيْ لُولوٍ وَزبَرْجَدِ)
الأحوى: ظبي له خظتان من سواد، وإنما أرد سواد مدمع عينه، فشبه المرأة بالظبي الأحوى،
والأحوى كناية عنها. وقوله: (ينفض المرد)، معناه يعطو ليتناول ثمر الأراك فيسقط عليه النفض.
والنفض: كل ما سقط من الورق. يقال: نفضت الغصن نفضا. ومثله اللقط. يقال لقطت الرطب لقطا؛
واللقط: ما سقط من الرطب فالتقط. والمرد: ثمر الأراك، الواحدة مردة. أتنشدنا أبو العباس:
وسَّودَ ماءُ المَردِ فاها فلونُه ... كلون النَّؤُورِ وهي أدْماءُ سارُها
(1/139)

يقول طرفة: فهذا الظبي في شجر الأراك، فهو ينفض ثمره بروقيه، والروق: القرن. وإنما أراد إنه
في خصب. و (الشادن): الذي قد تحرك وكاد يستغني عن أمه من الظباء؛ والأم مشدن، وقد شدن هو
شدونا، إذا قوى وتحرك.
وقال أحمد بن عبيد: (ينفض المرد) معناه يلعب، لأنه قد شبع. قال ابن مقبل:
والعيَرُ ينفُخُ في المَكْنانِ قد كَتنتْ ... منه الجحافلُ وَسْطَ العِضرِس الثُّجَرِ
والثجر: جمع ثجرة: وهو ما اجتمع من النبت؛ وكذلك نبت العضرس. يصف إنه قد شبع. وقال
غير أحمد بن عبيد: قوله (مظاهر سمطي لؤلؤ)، معناه لبس واحدا فوق آخر. يقال: تظاهرت الأخبار
وتطابقت، أي أتى خبر على إثر خبر. ويقال: تظاهر القوم على فلان: تعاونوا عليه. ويقال: ظاهر
بين ثوبين وطابق، إذا لبس واحدا فوق واحد. ويقال: ظهرت على الشيء، إذا علوت عليه. قال الله
عز وجل: (فَما اسْطَاعُوا أن يَظْهَرُوه)، معناه أن يعلوا. والسمط: الخيط من اللؤلؤ، وجمعه سموط.
وقال أحمد بن عبيد: السمط: الخيط من اللؤلؤ وغيره: وقال غيره: شبه المرأة بظبي يرعى ثمر
الأراك، ثم قال: (مظاهر سمطى لؤلؤ)، فاللفظ على الظبي والمعنى للمرأة. وقال العجاج:
برّاقة كظبية البَريرِ
والاحوى موضعه رفع بفي، وينفض المرد صلة الاحوى، والشادن يصف الاحوى وكذلك مظاهر
سمطى لؤلؤ. ويجوز في العربية: (مظاهر سمطى) بالنصب على الحال مما في ينفض من ذكر
الاحوى، لأن كناية النكرة معرفة. والزبرجد نسق على اللؤلؤ، وموضع سمطى خفض بإضافة مظاهر
إليه.
(1/140)

(خَذُولٌ تُراعِي رَلْرَباً بخَمِيلةٍ ... تَنَاوَلُ أَطْرافَ البَرِيرِ وتَرْتَدِي)
الخذول: التي خذلت صواحبها وأقامت على ولدها، وهي الخاذل. فان قال قائل: كيف قال: (وفي
الحي أحوى) ثم قال (خذول)، والخذول نعت الأنثى؟ قيل له: هذا على طريق التشبيه، أراد: وفي
الحي امرأة تشبه الغزال في طول عنقها وحسنها، وتشبه البقر في حسن عينيها؛ كما تقول: هي شمس
هي قمر! وقوله (تراعي ربربا) معناه أرعى مع الربرب، لأنها قد خذلت صواحبها وقطيعها، فهي
تراعى البقر. وإنما تخذل إذا كان لها خشف. وخص الخذول الجهتين: لأنها فزعة ولهة على خشفها،
فهي تشرئب وتمد عنقها وترتفع وترتاع؛ ولأنها منفردة، وهو أحسن لها، ولو كانت في قطيعها لم
يستبن حسنها. و (الربرب): قطيع الظباء والبقر. قال الشاعر:
إلى السَّلف الماضي وآخرَ سائرٍ ... إلى ربربٍ حِيرٍ حِسانٍ جآذرُه
أراد بالربرب القطيع من الظباء. والحير: الحور، أبدل من الواو ياء. قال الفراء: العرب تقول حور
عين وحير عين، وربما قالوا حير بالياء من غير أن يذكروا عينا. والحور: سواد المقلة كلها؛ وهو
في الظباء، وليس في الناس حور. هذا قول أبي عمرو. و (الخميلة): أرض سهلة لا حزن فيها، وهي
ذات شجر. وكل ذات خمل خميلة. وقال الطوسي: وقد تكون الخميلة من الرمال. وقال غيره:
الخميلة: رملة منبتة، قد صار النبات بمنزلة الخمل للقطيفة. أنشد الأحمر:
لها مُقْلتا حَوراءَ طُلَّ خميلةً ... من الوحش ما تنفكُّ تَرعى عَرارُها
معناه: لها مقلتا ظبية حوراء من الوحش، ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها.
(1/141)

فالخميلة: الرملة المنبتة. وطل من الطل، وهو المطر الصغير الضعيف. والعرار: نبات له نور
أبيض طيب الريح.
وقوله (تناول) معناه تتناول الظبية أطراف البرير، أي تعطو. والعطو: أن تضع يديها على ساق
الشجرة وتمد عنقها وتتناول ما فاتها وطالها من أغصان الشجرة. وقوله (وترتدي)، معناه أنها تعطو
ثمر الأراك فتهدل عليها الأغصان، فكان الأغصان رداء لها. كقول العجاج:
وقد تَردَّى مِن أراكٍ مِلحفَاً
ويقال: إنه لحسن الردية. ويقال رداء وردية، لكل ما ترديت به. ويقال للسيف رداء لأنه يتردى به.
قال متمم بن نويرة:
لقد كفَّن المِنهالُ تحتَ ردائهِ ... فتىً غيرَ مبطانِ العشيَّات أرْوَعا
قال أبو محمد التوزى: معناه تحت سيفه، لأن الرجل كان إذا قتل فارسا مشهورا وضع سيفه عليه
ليعلم إنه قاتله. وقال غيره: تحت ردائه معناه المثل؛ يقال للرجل إذا قتل رجلا: هو في إزاره، وقد
علق به إزاره. قال أبو ذؤيب:
تَبرَّأ من دَمّ القتيلِ وبَزِّه ... وقد عَلِقَتْ دَمَّ القتيلِ إزارُها
ورواه أبو عمرو (وبزه) بالرفع، يريد وبزه إزارها وقد علقت دم القتيل. والرداء: الدين. قال فقيه
العرب: (من سره النساء فلا نساء، فليباكر الغداء وليكر العشاء، وليخفف الرداء)، يعنى الدين.
والرداء: العطاء. قال الشاعر:
غَمرُ الرّداء إذا تبسَّمَ ضاحكاً ... عَلِقَتْ لضَحكتِه رِقابُ المالِ
والخذول نعت للأحوى، وتراعي ربربا صلة للخذول، والباء صلة تراعي. وقوله:
(1/142)

(تناول أطراف البرير)، أصله تتناول، لأنه فعل للمؤنث مستقبل، قال الله عز وجل: (تَنَزَّلُ الملائكةُ والرُّوح)، فمعناه
تتنزل الملائكة، فاستثقل الجمع بين تاءين فحذف إحداهما. قال الفراء: يجوز أن يحذف الأولى
ويجوز أن يحذف الثانية، لأن حركتهما متفقة. وقال هشام: المحذوفة هي الأولى. وقال البصريون:
المحذوفة هي الثانية، لأن الأولى علم استقبال لا يسقط. وترتدى موضعه رفع، لأنه نسق على تناول.
(وتَبْسِمُ عَنْ أَلْمَى كأَنَّ مُنَوِّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لهُ نَدِى)
قوله (وتبسم عن ألمى) معناه وتبسم عن ثغر ألمى. يقال: تبسم، وابتسم، وافتر وانكل، كل ذلك إذا
تبسم. وأما قول الراجز:
جاريةٌ في رمضانَ الماضي ... تُقطِّع الحديثَ بالإيماض
فإن الإيماض لمعان البرق، شبه صفاء ثغرها إذا بدا عند الافترار والابتسام بلمعان البرق. يقول:
فهذه المرأة إذا حدثت ابتسمت في خلال حديثها. وهم يمدحون الابتسام ويذمون الضحك. ومعنى قوله
(عن ألمى) عن ثغر ألمى، فحذف الثغر وأقام ألمى مقامه. قال ذو الرمة:
أضَلَّهُ راعيَا كلبيًّةٍ صَدَرا ... عن مُطْلِبٍ وطُلَى الأعناقِ تَضطربُ
أراد: صدرا عن ماء مطلب، أي قد حان أن يطلب، فأقام مطلبا مقام الماء. و (الألمى): الأسمر، أي
تبسم عن ثغر أسمر اللثات. وهم يمدحون سمرة اللثة، لأنها تبين بياض الأسنان. قال:
(1/143)

كأنَّ فاها إذا تُوسِّنَ في طِي ... بِ مَشَمٍّ وحُسْنِ مُبْتَسَمِ
رُكِّب في السَّام والزَّبيب أقَاح ... يُّ كثيبٍ تَنْدَى من الرّهَمِ
أراد بالزبيب الخمر. شبه طيب ريقها بالخمر. والسام: عروق المعدن، وهو أسود. فشبه سمرة لثتها
بسواد معدن الذهب والفضة. ويقال شجرة لمياء الظل، إذا كانت سوداء الظل كثيفة لكثرة أغصانها
وورقها. قال حميد بن ثور:
إلى شجر ألمى الظِّلال كأنه ... رَواهبُ أحْرمنَ الشَّرابَ عُذُوبُ
فشبه سواد الظل وكثرته بمسوح تكون على الرواهب. وأكثف الظل ظل حجر أو ظل جبل. قال
الراجز، وهجا رجلا بسواد الوجه فقال:
كأنما وجهك ظلّ من حَجَرْ
وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: معنى قوله: (عن ألمى): وتبسم عن ثغر رقيق براق كأنه من بريقه
ألمى، أو يخيل إلى الناظر إليه أن فيه غبرة من شدة صفائه. واحتج بقول الآخر:
وزُرق كستهنَّ الأسنَّةُ هَبوةً ... أرقَّ من الماء الزُّلال كليلُها
أراد بالزرق الأسنة. وقوله (كستهن الأسنة هبوة) أراد كستها الأسنة: المسان التي تحددها وتجلى
عليها غبرة، من شدة صفائها ورقتها. وقال غيره: المنور: الأقحوان الذي قد ظهر نوْره؛ ونَورُه
ونُوّاره: زهره. والأقحوان: نبت طيب الريح يقال هو خيري البر. فشبه بياض الثغر ببياض نور
الأقحوان. وقوله: (تخلل حر الرمل) معناه توسطه ودخل فيه ونبت في وسطه، يعني الأقحوان، فإذا
كان كذلك
(1/144)

كان أنعم لنبته وزهره: وحر الرمل: أكرمه وأحسنه لونا. وحر البلاد: أكرمها. وحر المتاع:
خياره. ومنه قوله:
فتناولَتْ قَيساً بحُرِّ بلادِهِ
أي بأكرم بلاده وأوسطها.
وقال الرستمي: قال أبو محمد التوزي: والحرة: الرطب الآزاذ، سمي حرة لكرمه. والد عص: كثيب
من الرمل، وليس بكثير، وقد يقال دعصه. وقوله: (له ندى) الهاء للمنور، ورواه الأصمعي: (وتبسم
عن ألمى يرف منور). قوله يرف معناه يقطر من نعمته وريه. يقال رف النبت يَرف ويُرف، بمعنى
واحد.
وقال ابن الأعرابي: نزل معاوية بن أبي سفيان بامرأة من العرب فقال لها: هل من قرى؟ قالت: نعم
يا أمير المؤمنين. قال: وما هو؟ قالت: (خبز خمير، وحيس فطير، ولبن هجير، وماء نمير). قال:
أحسنت الصفة فعجليه. فأتت به، فلما رفع يده قال: سلي حاجتك في نفسك. فسألت في الحس
أجمعين.
وقوله: (ندى) معناه في أسفله الماء؛ يقال للذي يندى ندى فهو ند.
والمنور اسم كأن، وخبر كأن مضمر والتقدير كأن به منورا، فحذف خبر كأن لأن الاسم نكرة
وموضع الخبر معروف. أنشدنا الفراء:
فلو كنتَ ضبيّاً عرَفتَ قرابتي ... ولكنَّ زنجيّا عظيمَ المشافرِ
معناه، ولكن بك، فحذف الخبر. وقال الأعشى:
إنَّ مَحَلاًّ وإنَّ مرتَحَلا ... وإنَّ في السَّفْر ما مضَوْا مَهَلا
معناه: أن لنا محلا؛ فحذف الخبر لدلالة المعنى عليه.
(1/145)

(سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْس إِلاَّ لِثاتِهِ ... أُسِفَّ ولم تَكدِمْ عَلَيهِ بإِثْمِدِ)
قوله: (سقته إياة الشمس) معناه حسنته وبيضته وأشربته حسنا. وإياة الشمس: ضوؤها وشعاعها.
فأراد أن ثغرها ابيض براق. ويقال: هو أياء الشمس بالمد وفتح الألف، وهو إيا الشمس بالقصر
وكسر الألف. وقال الفراء: قد يكسرون ويدخلون الهاء، فيقولون: إياة الشمس. وقال أحمد بن عبيد:
سقته إياة الشمس، من قول الأعراب، إذا سقطت سن أحدهم قال: يا شمس أبدليني سنا من ذهب أو
فضة. وقوله (أسف) معناه أسف بإثمد ولم تكدم عليه عظما فيؤثر في ثغرها ويذهب أشرها. والأشر:
تحديد يكون في الأسنان، ومعنى أسف ذر عليه، والمعنى على اللثة. وقال أحمد بن عبيد: قوله ولم
تكدم عليه بإثمد، معناه إنها عفيفة تأكل اللحم وتترك العظم، أي ليست بشرهة. وقال: هو كقول
الآخر:
وفيه عن التَّعراق تَنكابا
وقال غيره: يروى: (سقاه إياة الشمس).
والاياة ترتفع بفعلها، واللثات تنصب على الاستثناء، والباء صلة أسف، والتقدير: أسف بإثمد ولم
تكدم عليه.
(ووَجهٌٍ كأَنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ رداءَها ... عَلَيْهِ نَقِيُّ اللَّونِ لَمْ يَتخَدَّدِ)
يقال وجه ووجوه، وأوجه، وأجوه بالهمز على أن الهمزة بدل من الواو المضمومة.
(1/146)

قال الله عز وجل: (وإذا الرُّسُلُ أقِّتَتْ)، فمعناه وقتت، فأبدلت الهمزة من الواو. ويقال: وجهت
الرجل، إذا ضربت وجهه، فأنا واجهه والرجل موجوه؛ كما يقال: أفخت الرجل إذا ضربت يافوخه،
فأنا آفخ والرجل مأفوخ. ويقال واجهت الرجل، إذا قابلته؛ ووجهته، إذا صيرته وجيها؛ ووجهته، إذا
أرسلته. ومعنى (حلت رداءها عليه) ألقت حسنها وبهجتها؛ فالرداء هاهنا: الحسن والجمال. وروى
أبو عبيدة: (كأن الشمس ألقت قناعها عليه)، وهذا مثل، يعنى حسنها. وقوله: (نقي اللون)، معناه
صافي اللون لم يخالطه اصفرار ولا شيء يشينه. ويقال نقي بيِّن النقاء. يقال غسل الثوب حتى ظهر
نقاؤه. وقال الشاعر:
ووجه رداءُ الحُسنِ منه نَقاؤُه ... ويَسْطع من أبشارها لُمَعُ الفجرِ
والنقا مقصور، من الرمل. والنقا: كل عظم فيه مخ، وجمعه انقاء. قال ابن لجأ:
طويلة والطول من أنقائها
أي من عظامها الممخة. والتخدد: اضطراب الجلد واسترخاء اللحم، وهو أن يصير فيه خدود. ويقال
قد خدد جلده، وقد تغضن، وقد انخنث، كل ذلك إذا تكسر. وأصل الانخناث في السقاء، ومنه سمى
المخنث مخنثا. وكل شق في الأرض فهو خد، وخط، وأخدود. ومنه قول الشاعر:
وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجعَي ... ورُدَّا على عينَيَّ فَضْلَ رَدائيا
أي شقا لي قبرا. ومنه قول الآخر:
أعلِمتَ يومَ عُكاظَ حينَ لَقِيتَني ... تَحتَ الغُبار فما خَطَطْتَ غُبَاري
أي ما شققته ولا قطعته، بل قصرت عنى. قال الأعشى:
(1/147)

إني لعَمَرُ الذي خَطَّتْ مَناسِمُها ... تَخْدِي وسِيق إليه الباقر الغُيُلُ
أي شقت الأرض بمناسمها في سيرها. قال الله عز وجل: (قُتِلَ أصحاب الأخدودُ)
ويروى: (ووجه كأن الشمس). فمن رفع الوجه كان له في رفعه أربعة أوجه:
أحدهن أن يرتفع بإضمار ولها وجه، ويكون قوله كأن الشمس حلت رداءها عليه صلة الوجه، ونقى
اللون نعت للوجه، ولم يتخدد مستأنف، معناه الوصف للوجه.
والوجه الثاني: أن يرتفع الوجه بما عاد من يتخدد، ويكون قوله كأن الشمس حلت رداءها عليه صلة
الوجه، ونقى اللون نعت له.
والوجه الثالث: أن يرتفع الوجه بنقى اللون ويرتفع نقى اللون بالوجه.
والوجه الرابع: أن يرتفع الوجه بما عاد من الهاء المتصلة بكأن. وفي هذا الوجه قبح، لأن النكرة لا
ترتفع بما يلاصقها بعدها، لأنه صلة جعل لها، والاسم لا يرتفع بصلته.
ومن خفض الوجه كان له مذهبان:
أحدهما: أن يختفض على معنى وتبدى عن وجه، كما قال الشاعر:
إذا ما الغانياتُ بَرزْنَ يوماً ... وزجَّجن الحواجبَ والعُيونا
أراد: وكحلن العيون. وقال الآخر:
تراه كأنَّ الله يجدَعُ أنفَه ... وعَيْنَيْهِ أن مولاهُ أمْسَى له وَفْرُ
(1/148)

معناه يجدع انفه ويفقأ عينيه، فأضمر للعينين ما ينصبهما.
والوجه الآخر: أن يختفض الوجه على النسق على الألمى؛ لأنه لما قال: وتبسم عن ألمى، كان معنى
الكلام وتبدى عن ألمى وعن وجه، فتنسق الوجه على الألمى ولا يحتاج إلى إضمار فعل آخر. قال
الشاعر:
إذَا تَغَنَّى الحمامُ الوُرْقُ هيَّجنِي ... ولو تعزَّيتُ عنها أمَّ عمارِ
نصب أم عمار بهيجني؛ لأن معناه ذكرني. وقال الآخر:
ومِن قبلُ آمَنَّا وقد كان قومُنا ... يصلُّون للأوثان قبل مُحمَّدا
نصب محمدا بآمنا، لأن معناه صدقنا.
(وإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِندَ احتضارِهِ ... بِعَوْجاءَ مِرْقالٍ تَروحُ وتَغْتَدِي)
يقال: مضى الشيء يمضى مضاء ومضيا، ومضيته أنا أمضيه إمضاء، إذا أذهبته عنك. والمضاء:
السرعة. ويقال: هم وهموم، ويجوز في القياس أهم، كما يقال صك وأصك. ويقال همني الأمر، إذا
أذابني، من قولهم: قد انهمت الشحمة في النار، إذا ذابت. ويقال لما ذاب من الشحم: الهاموم. قال
الراجز:
وأنْهَمَّ هامومُ السَّديفِ الوارى
وقال الآخر:
تضحَكُ عن كالبَرَدِ المنْهمِّ
(1/149)

ويقال أهمنى الشيء، إذا أقلقني. هذا قول الأصمعي. وقال غيره: هما لغتان معناهما واحد، يقال
همني وأهمني، كما يقال حزنني وأحزنني. قال الشاعر:
لقد طرقَتْ ليلى فأحزَنَ ذِكرُها ... وكم قد طوانا ذِكر ليلىَ فأحزنَا
وقوله (عند احتضاره) معناه عند حلوله ونزوله بساحتي. يقال احتضر عبد الله الهم، وحضر عبد الله
ناس كثير. يقول: إذا نزل بي هم كثير سليته عنى وأمضيته بأن أرتحل على هذه الناقة العوجاء.
والعوجاء: التي قد لحق ظهرها ببطنها فاعوج شخصها. قال أبو بكر: سمعت أبا العباس يقول: العِوج
بكسر العين: كل ما لا يحيط به العيان، كقولك: في الدِّين عوج وفي الأرض عوج؛ والعَوج بفتح
العين: كل ما يحيط به العيان، كقولك: في العصا عوج وفي السن عوج. وأنشد للبيد:
في نابه عَوَج يخالف شِدقَهُ ... ويخالفُ الأعلى وراءَ الأسفلِ
وقال الله عز وجل: (لا تَرَى فيها عِوَجاً ولا أمْتا). ويقال قبة معوجة إذا كانت مرصعة بالعاج. وإنما
قال (عوجاء) فخصها - وهي المهزولة - أي إنها ذات أسفار، وقد اعتادت ذلك، فهو أصبر لها
وأمضى. وقال بعضهم: العوجاء التي اعوجت من الهزال إلى السمن. (والمرقال): المسرعة.
والارقال: أن ينفض البعير رأسه ويرتفع عن الزميل في سيره. ويقال أرقل إرقالا فهو مرقل.
والرواح بالعشي يقال: رحت رواحا، وتروحت تروحا. ويقال: خرج فلان برواح من العشي ورياح،
أي وعليه بقية من نهار. وقال الشاعر:
ولقد رأيتُكِ بالقوادم نظرةً ... وعلىَّ من سَدَف العشيِّ رياحُ
و (تغتدي) معناه تغدو في سيرها لم يكسرها سير ليلها وعشية أمسها أن تغدو. ويقال: غدا يغدو
غدوا، واغتدى يغتدي اغتداء. قال الشاعر:
أغَدواً واعَدَ الحيُّ الزّيالا ... وشوقاً لا يبالي الحيُّ بالا
(1/150)

والهم ينتصب بأمضى، وانضمت الألف من أمضى لأن الماضي على أربعة أحرف. والباء صلة
أمضى، والعوجاء مخفوضة بالباء، والمرقال نعتها، وتروح وتغتدي موضعهما نصب على الحال، لو
صرفتهما إلى فاعل لقلت: رائحة وغادية.
(أَمُونٍ كأَلواحِ الإِرَانِ نسَأْتُها ... علَى لاَحِبٍ كأَنَّه ظَهْرُ بُرْجُدِ)
الأمون: الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عثارها وزللها. وكل خشبة عريضة فهي لوح. وقال
يعقوب: الإران: تابوت كانوا يجعلون فيه سادتهم وكبراء هم خصيصي دون غيرهم. شبه هذه الناقة
في اجفار جنبيها به. والاران في غير هذا النشاط والمرح. ويقال: الثور يؤارن البقرة، أي يجرى
معها سننا بعد سنن. وقال يعقوب نصأتها ونسأتا معناه حملتها على السبر في هذا الطريق اللاحب.
وقال أحمد بن عبيد: معناه زجرتها وضربتها بالمنسأة. ونسأتها ونصأتها واحد. وقال الفراء: المنسأة:
العصا العظيمة التي تكون مع الراعى، أخذت من نسأت البعير، إذا زجرته ليزداد سيره، كما يقال:
نسأت اللبن، إذا صببت عليه الماء، واللبن هو النسء. ونسئت المرأة، إذا حبلت. وقال غير الفراء:
المنسأة يُهمز ولا يهمز. قال الله عز وجل: (إلاَّ دابةُ الأرضِ تأكلُ مِنْسأتَه) يقرأ بالهز، وبغير الهمز.
قال الشاعر في الهمز:
أمِن أجلِ حبلٍ لا أباكَ ضَرْبتَه ... بمنسأة قد جَرَّ حبلُك أحُبلا
(1/151)

وقال الآخر في ترك الهمز:
إذا دبَبْتَ على المنِساة من كبر ... فقد تَباعَدَ عنك اللَّهو والغزلُ
وقال: أبو محمد التوزي: يروى: (نسأتها) و (نصأتها). قال: فمعنى نصأتها قدمتها، ومعنى نسأتها
أخرتها، وكأنه مأخوذ من المناصاة، وهو أن تأخذ بناصيته ويأخذ هو بناصيتك. ولم يهمز نصأتها
يعقوب. وقال أحمد بن عبيد: من قال نصأتها من المناصاة فقد أخطأ، لأن نصأتها مهموز ونصيتها
من المناصاة غير مهموز. قال أبو بكر: هو عندي كما قال أحمد بن عبيد؛ لأن الناصية غير مهموزة
فان كان نصيت فقلت منها فهو غير مهموز. ولا يجوز أيضا فيه نصات بغير همز مع الألف، لأن
الياء إذا وقعت موقع اللام من الفعل فسكنت وانفتح ما قبلها صحت، كقولك قضيت ورميت وما أشبه
ذلك.
و (لاحب): طريق منقاد؛ يقال مر فلان يلحب، إذا مر مرا سريعا. واللاحب أيضا: الطريق المؤثر
فيه؛ واللاحب: البين. قال امرؤ القيس:
على رحب لا يُهتَدي بمنارِهِ ... إذا سافَهُ العَوْدُ الدِّيافيُّ جرجرَا
ويقال: قد لحبه بالسوط، إذا أثر فيه. و (البرجد): كساء فيه خطوط وطرائق. فشبه الطرائق بطرائق
البرجد، وهو كساء من أكسية الأعراب. وظهر البرجد: وسطه. وقال أحمد بن عبيد: أراد كأنه برجد،
ولم يرد ظهرا دون بطن. وقال الفراء في قول الله عز وجل: (بطائنُها من إستَبْرق): قد يجوز أن
يكون البطائن ظواهر، ويجوز أن يكون الظواهر بطائن. وحكى عن ابن الزبير إنه قال في كلام له:
(فقتلهم الله تحتَ بُطون الكواكب)، يريد بالبطون الظهور.
(1/152)

والامون نعت للعوجاء، والكاف نعت للامون، والهاء اسم كأن، وهر برجد خبرها، وكأن وما بعدها
صلة اللاحب.
(تُبَاري عِتَاقاً ناجياتٍ وأَتْبعَتْ ... وَظِيفاً وَظِيفاً فوقَ مَوْرٍ مُعبَّدِ)
معناه: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله. ومثل المباراة في السقي المواضخة،
يقال هما يتواضخان، إذا استقى هذا دلوا استقى هذا دلوا أخرى. و (العتاق): الكرام من الإبل
البيض. والعتق: الكرم؛ والعتق أيضا: الحسن والجمال. ويقال: إنه لعتيق الوجه. ويقال: قد عتق
الفرس، إذا سبق الخيل. وسكنى بيت الله عز وجل العتيق؛ لأنه عتيق أن يملك، أي سبق ذلك. ويقال
إنما سمي العتيقُ العتيقَ لأن الله عز وجل اعتقه من الجبابرة، فما قصده جبار إلا قصمه الله تبارك
وتعالى. وقال أحمد بن عبيد: إنما سمي عتيقا لكرمه، لأنه أكرم بيت وضع. والعتيق من كل شيء:
الكريم. و (الناجيات): السراع. والنجاء: السرعة. ويقال: النجاء النجاء! بالمد. وقوله: (واتبعت
وظيفا وظيفا)، معناه واتبعت الناقة وظيف يدها وظيف رجلها. ويقال: ما زلت اتبعه حتى اتبعته، أي
حتى سبقته فصار هو يتبعني. ويقال: هو تبع نساء وزير نساء، إذا كان يتحدث إليهن. والتبع:
الظل. قالت الجهنية:
يَردُ المياهَ حَضِيرةً ونَفِيضةً ... وِرْدَ القطاةِ إذا اسمألَّ التُّبَّعُ
معناه: إذا قلص الظل عند الهاجرة فصار ظل كل شيء تحته. وقال أحمد بن عبيد: قوله (أتبعت
وظيفا وظيفا)، معناه لم يتكل يدها على رِجلها ولا رجلُها على يدها، كقول القطامي:
(1/153)

يمشِينَ رَهْواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ ... ولا الصُّدور على الأعجاز تتَّكلُ
والوظيفان في اليدين: ما بين الرسغين إلى الركبتين، ثم الركبتان، ثم الذراعان، ثم العضدان، ثم
الكتفان. وفي الرجلين: ما بين الرسغين إلى العرقوبين، ثم العرقوبان، ثم الساقان، ثم الفخذان.
و (المور): الطريق. و (المعبد): الذي قد وطئ حتى ذهب نبته وأثر فيه الناس ولحبوه حتى صيرت له
جادة. والبعير المعبد: المذلل الذي قد طلى بالهناء من الجرب حتى ذهب وبره. من هذا قولهم (إياك
نعبد)، معناه نطيعك ونخضع لك ونذل ذل العبيد. ويقال بعير معبد، أي مذلل. وبعير معبد أي مكرم.
وهذا الحرف من الأضداد. قال الشاعر:
تقول ألا أمسِكْ عليكَ فإنَّني ... أرى المالَ عند الباخلين معبَّجا
معناه مكرما، كأنهم يعبدونه من كرامته عليهم.
وموضع (تبارى) نصب على الحال من الهاء والالف، لو صرفته إلى فاعل لنصبته، ويجوز أن
يكون في موضع خفض على الاتباع لأمون. والناجيات موضعها نصب على النعت للعتاق.
واختفضت التاء لأنها غير أصلية. و (فوق) صلة اتبعت. و (المعبد) نعت للمور.
(تَرَبَّعتِ القُفَّيْنِ بالشَّوْلِ تَرتَعي ... حَدَائقَ مَولِىِّ الأَسِرَّةِ أَغْيَدِ)
قوله (تربعت) معناه رعت الربيع. و (القف): ما ارتفع من الأرض في غلظ وصلابة ولم يبلغ أن
يكون جبلا في ارتفاعه: وقوله (بالشول) معناه في الشول، وكذلك رواه يعقوب. وروى التوزى
والطوسي: (في الشول). والشول: جمع شائلة، وهي التي قد أتى عليها من نتاجها ثمانية أشهر فخفت
بطونها وضروعها، كما يشول الميزان،
(1/154)

أي: يخف. وقال الطوسي: إذا أتى عليها سبعة أشهر من
نتاجها فهي شول، وواحد الشول شائلة، وواحد الشول وهي التي تشول شائل، جاء على غير القياس.
و (ترتعي): ترعى، وهو تفتعل من الرعي. و (الحدائق): الرياض.
قال أبو نجم:
حدائقَ الروض التي لم تُحْلَلِ
وقال عنترة:
فتركنَ كلَّ حديقةٍ كالدّرهمِ
يريد: كل روضة. وكل مكان اجتمع نبته واطمأن وسطه وأمسك الماء فهو روضة. وكل شجر ملتف
أو نخل فهو حديقة. وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: أن لم يمسك الماء فليس بروضة، وإنما يقال له
وهدة. وقوله (مولى) يقال وليت الأرض وليا حسنا، إذا أصابها مطر الولي، وهو مطر يقع بعد مطر
قبله. ثم هي الأولية إذا تبع بعضها بعضا. قال ذو الرمة:
لِنِي وَليةً تُمرعْ جنَابِي فإنَّني ... لما نلتُ من وسميِّ نعماك شاكرُ)
وقال الآخر:
عن ذات أوْليَة أساودُ ربَّها ... وكأنَّ لونَ الملِح لونُ شِفارِها
أي عن ناقة رعت وليا بعد ولي. وقال أحمد بن عبيد: معناه قد ابيضت الشفار من كثرة اللحم، وجمد
الشحم عليها من البرد. و (الأسرة): طرائق من
(1/155)

نبت. وقال الطوسي: الأسرة: بطون الأودية. وسرارة
الوادي: وسطه وأكرم موضع فيه. و (الأغيد): الريان المنثني من النعمة.
وفاعل تربعت مضمر فيه من ذكر الناقة. والقفان ينتصبان بتربعت، والباء صلة تربعت. وموضع
ترتعي نصب على الحال مما في تربعت، والحدائق منصوبة بترتعي، وهي مضافة إلى مولى.
والأسرة مخفوضة بإضافة مولى إليها. والاغيد نعت للمولى.
(تَريعُ إلى صَوْتِ المُهِيبِ وتَتَّقِى ... بِذِي خُصَلٍ رَوْعاتِ أَكْلَفَ مُلْبَدِ)
(تريع) معناه تعطف وترجع إلى راعيها. يقال: راع عليه القيء، إذا رجع عليه. فيقول: تعطف إلى
صوت المهيب، وهو الذي يصيح بها: هوب هوب. والمهيب هاهنا: فحلها. وقوله (وتتقي بذي
خصل) معناه بذنب ذي خصل مجتمعة من الشعر، واحدتها خصلة. معناه: وتتقى الفحل بذي خصل.
أي إذا أتاها الفحل اتقته بذنبها فرفعته تريه إنها لاقح. ويقال اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه، إذا جعله
بينه وبينه. و (الأكلف) لونه حمرة إلى السواد. وقال أحمد بن عبيد: المهيب صاحبها وراعيها،
والأكلف فحلها. وقال غيره: (ملبد): ضرب بذنبه على ظهره من الهياج وقد بال عليه وثلط فتلبد ذلك
على ظهره. و (الروعات): الفزع. والرَّوع، بفتح الراء: الفزع؛ والرُّوع، بضم الراء: النفس. ويقال:
وقع هذا في روعي، أي في نفسي.
وفاعل تريع مضمر فيه من ذكر الناقة، وإلى صلة تريع، وتتقى نسق عليه، والروعات في موضع
نصب بتتقي. وهي مضافة إلى الأكلف، والملبد نعت الأكلف.
(1/156)

(كأَنَّ جَناحَيْ مَضْرَحِيٍّ تَكنَّفَا ... حَفَافَيهِ شُكَّا في العَسِيبِ بمِسْرَدِ)
شبه هلب ذنبها بجناحي مضرحي. قال يعقوب: هو العتيق من النسور يضرب إلى البياض. قال
الطوسي: المضرحي: النسر الأمغر. وقال ابن الأعرابي: المضرحي: النسر الأبيض. وقوله (تكنفا)
معناه صارا من جانبيه عن يمين الذنب وشماله، وفي أحفته. و (حفافاه): جانباه. وقوله (شكا) غرزا
وأدخلا فيهما. و (العسيب): عظم الذنب. و (المسرد): المخصف، وهو الإشفى. وقال الأصمعي:
يستحب من المهاري أن يقصر أذنابها، وقلما ترى مهريا إلا رأيت ذنبه أعصل كأنه أفعى. وهو عيب
فيما يحلب. ويمدح في ذوات الحلب سبوغ الأذناب وكثرة هلبها. وقال ابن لجأ:
سابغَةَ الأذنابِ ذيَّالاتِها
هذا في ذوات الحلب. واحتج الأصمعي بقول الشاعر يصف بعيرا:
فطار بكفِّي ذو حراش مضمَّرٌ ... خفيفُ ذَلاذيلِ العسيب قصيرُ
يعنى إنه اجرد به أثر من ضرب. قال أحمد بن عبيد: ذو حراش معناه ذنب قد حرش، أي قد أخذ
هلبه. وقال غيره: كل الفحول من الشعراء وصف الأذناب بكثرة الهلب، منهم امرؤ القيس، وطرفة
بن العبد، وعتبة بن مرداس وغيرهم.
والجناحان اسم كأن، وتكنفا خبر كأن، ويجوز أن يكون تكنفا صلة المضرحي والهاء يعود عليه،
وشكا خبر كأن.
(1/157)

(فطَوْراً به خَلْفَ الزَّميلِ وتارةً ... على حَشِفٍ كالشَّنِّ ذاوٍ مجدَّدِ)
معناه طورا ترفع ذنبها وتضرب به خلف الزميل - أي الرديف - ومرة تضرب به ضرعها. وإنما
سماه حشفا لأنه متقبض لا لبن لها فيه. و (الطور): الحين. قال كثير:
فطَوراً أكرُّ الطَّرفَ نحو تهامةٍ ... وطَوراً أكٌرُّ الطَرف كراًّ إلى نجدِ
والتارة: المرة، وجمعها تارات. و (الشن): القربة الخلق، والإداوة الخلق. ويقال: قد استشن جلده، إذا
تقبض وتخدد. و (الذاوي): الذابل الذي قد أخذ في اليبس. قال ذو الرمة ووصف كناسا:
كأنَّما نَفَضُ الأحمالِ ذاويةً ... على جوانبه الِرصادُ والعنبُ
وقال الآخر:
ولو أن كفَّيها تمسّانِ يابساً ... من الشَّجَر الذاوي لعادَ بها رطْبا
والمجدد: الذاهب اللبن؛ يقال ناقة جدود، وهي التي قد ذهب لبنها من غير بأس. يقال للرجل إذا
دعى عليه: ماله جد ثدي أمه! أي قطع. والتي ذهب لبنها من عيب هي جداء. ويقال: فلاة جداء،
وهي التي لا ماء بها. وأصله من القطع. ومنه قولهم: صار وصل فلان جديدا، أي مقطوعا. قال
الشاعر:
أبَى حبِّي سليمى أن يِبيدا ... وأمسى حبلُها خلَقاً جديدا
(1/158)

أي مقطوعا، ويقال: خلقا في نفسه جديدا في قلبي. ويقال: قد جد ما بيننا من الوصل، أي قطعه. قال
الشاعر:
تمدُّ إلى الأقصى بثديك كلِّه ... وثديُ الأداني ذو غرارٍ مجدّدُ
وقال أحمد بن عبيد في قوله (كالشن ذاو مجدد): (المجدد): الذي قد قطع لبنه فذهب. وقال الطوسي:
(خلف الزميل) لا زميل هناك، إنما أراد أنها تضربه على وركها في موضع الزميل الذي يقعد فيه.
و (الطور) منصوب بفعل مضمر، والمعنى: فطورا تضرب به خلف الزميل. وكذلك التارة تنتصب
بفعل مضمر أيضا. قال الشاعر:
حنَتَني حانياتُ الدَّهرِ حتَّى ... كأنَّي خاتلٌ أدنو لصيدِ
قريبُ الخطو يحَسِب من رآنى، ... ولستُ مقيدّا، أنى بقيدِ
معناه اني مقيد بقيد، فحذف الفعل. و (الذاوي) نعت الحشف، وكذلك المجدد.
(لها فَخِذانِ أُكمِلَ النَّحْضُ فيهما ... كأَنَّهما بابَا مُنيفِ مُمَرَّدِ)
يقال فَخِذ، وفَخْذ، وفِخْذ. فمن قال فَخِذ أخرجه على حقه، ومن قال فَخْذ خففه فأسقط حركة الخاء،
ومن قال فِخْذ ألقى كسرة الخاء على الفاء فأسقط فتحة الفاء. وكذلك يقال كَبِد وكِبْد وكَبْد، وكَلِمة وكِلْمة
وكَلْمة. قال ابن الدمينة:
ولى كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروحِ
(1/159)

وقال عروة بن حزام:
وويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الكِبْد والأحشاء حدُّ سنانِ
وقال الفراء:
فإن النَّبيذَ الصَّردَ أن شُرْبَ وحده ... على غير شيء أوجع الكِبْدَ جوعُها
وقال الآخر:
وكِلمة حاسد في غير جُرم ... سمعت فقلت مُرّي فأنفُذيني
ويقال: فخذت الرجل، إذا ضربت فخذيه. وأفخته، إذا ضربت يا فوخه. ووجهته، إذا ضربت وجهه.
و (أكمل) معناه أتم. والكمال: التمام. و (النحض) اللحم. ويقال قد نحض العظم، إذا أخذ ما عليه من
اللحم. وروى الطوسي (لها فخذان عولي النحض فيهما). و (عولي) معناه ظوهر وكثر. وقوله
(كأنهما) كأن الفخذين بابا قصر (منيف) أي مشرف. يقال: أناف الشيء ينيف إنافة، إذا علا واشرف.
وقولهم: ألف ونيف من ذلك مشتق، لأنه زيادة على العقد وعلو عليه. قال طرفة:
وأنافت بهوادٍ تُلَّع ... كجُذوع شُذِّبت عنها القُشُر
ويقال للسنام نوف لإشرافه. و (الممرد) هو المطول. أنشد الأصمعي في صفة فحل وارتفاع سنامه:
بنَى له العُلَّفُ قصراً ماردا
يقول: رعى هذا الفحل فسمن وارتفع سنامه. والعلف: ثمر الطلح. وقال الله تبارك وتعالى: (صَرحٌ
ممرَّد مِن قَوارير)، فمعناه قصر مشرف مطول. وقال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين رسالةً ... بأنّ لنَّا جمعاً وحصنا ممرَّدا
(1/160)

وقال الأحوص:
فأمَّا المقيم منهما فممرَّد ... تُرَى للحَمَام الوُرق فيه مَواكنُ
ويقال الممرد: المملس. ويقال: شجرة مرداء؛ إذا سقط ورقها فصارت ملساء. وإنما سمى الأمرد
أمرد لأنه أملس الخدين.
والخدان يرتفعان بلها، وأكمل النحض فيهما صلة الفخذين، و (هما) اسم كان، وبابا منيف خبر كأن،
وهما مضافان إلى المنيف، والممرد نعت المنيف.
(وَطيُّ مَحَال كالحَنيِّ خُلوفُهُ ... وأَجرِنةٌ لُزَّتْ بدَأْيٍ منضَّدِ)
معناه: ولها طي محال، أي لها محال مطوية. (المحال): الفقر، الواحدة محالة، وهي خرز الظهر.
يقول: محال ظهرها متراصف متدان بعضه من بعض، وذلك اشد لها وأقوى من أن يكون محالها
متباينات. وربما كان للبعير المهري عدة من فقار واحداً. وقوله (كالحني) الحني: القسي، واحدتها
حنية، والجمع حنى وحنايا. وقال أحمد بن عبيد: اخبرنا أبو عمرو قال: المهرية ظهرها فقرة واحدة،
وهي الاجد، فإذا قالوا أجد أرادوا المهرية. وقال غيره: الخلوف مآخير الأضلاع، الضلع القصيرة
التي تلي الخاصرة. وقوله (لزت): قرن بعضها إلى بعض فانضمت واشتدت. ومنه قيل رجل ملزز،
أي مجتمع الخلق. و (أجرنة): جمع جران، وهو باطن الحلقوم، وإنما لها جران واحد، فجمعه بما
حوله، كما قال الأسود بن يعفر:
فلقد أروح على التَّجار مرجَّلاً ... مَذِلاً بمالى ليِّنا أجيادي
(1/161)

وقالوا: امرأة عظيمة الأوراك، وإنما لها وركان، ومزججة الحواجب، وألقاه في لهواته، كل هذا جمع
بما حوله. و (الدأي) والدأيات: فقار العنق، وكل فقرة دأية. ويقال للغراب: ابن دأية، لأنه يقع على
الدبر الذي يكون على الدأيات. وزعم الأصمعي أن في عنق البعير سبع دأيات وفي ظهره سبع. وقال
ابن الأعرابي: خلوفة: أضلاعه من جانبي المحال.
والطي يرتفع بإضمار لها. والخلوف يرتفع بالكاف. والاجرنة نسق على الطي. ولزن صلة
الأجرنة، والباء صلة لزت. والمنضد نعت الدأي.
(كأَنَّ كِناسَيْ ضالَةٍ يَكنُفانِها ... وأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ)
الكناس: أن يحتفر الثيران في اصل الشجرة كالسرب يكنها من الحر والبرد، والجمع كنس. وقد
كنست تكنس، إذا استظلت في كنسها من الحر. وإنما قال كناسي لأنه يستكن بالغداة في ظلها
وبالعشي في فيئها. و (الضال): السدر البري، الواحدة ضالة، والسدر الذي يكون على شاطئ الأنهار
هو العبري والعُمري. قال يعقوب: يتخذ الوحش واحدا لظل الغداة، وآخر لفئ العشي. وقوله
(يكنفانها) معناه كأن كناسي ضالة يكنفان هذه الناقة، من سعة ما بين مرفقيها وزورها. وإنما أراد أن
مرفقيها قد بانا عن إبطيها. شبه الهواء الذي بينهما بكناسي ضالة. وقوله (وأطر قسي) معناه: وكأن
قيسا مأطورة تحت صلبها، يعنى ضلوعها. والمأطور: المعطوف. ويقال لعود المنخل: اطار، ولما
حول الظفر: أطرة وإطارة. ويقال: قد أطرة يأطره أطرا، إذا عطفه. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لا والذي نفسه بيده حتى يأخذوا على يدي الظالم ويأطروه على الحق أطرً)، أي يعطفوه. قال
وأنشدنا أبو العباس قال أنشدنا إسحاق الموصلي:
إذا قُمن أو حاولنَ مشياً لحاجةٍ ... تأطَّرْن أو مالت بهنَّ الروادفُ
(1/162)

أي تعطفن وتثنين. ويقال هو الصُّلْب والصَّلَب. و (المؤيَّد) أي المشدد. والآد والأيد: القوة. قال الله
عز وجل: (واذكرْ عَبدنَا داودَ ذا الأيْدِ) يريد ذا القوة. قال الشاعر:
مِن أن تبدَّلت بآدى آدا ... وقَصباً حُنِّىَ حتِّى كادا
وقال حسان:
وقامت تُرائيك مُغْدَودِناً ... إذا ما تنوءُ به آدَها
وكناسي اسم كأن، وخبر كأن ما عاد من يكنفانها. والأطر منصوب بإضمار كأن، والتقدير كأن أطر
قسي تحت صلب مؤيد.
(لها مِرفَقَانِ أَفْتَلانِ كأَنّما ... تمرُّ بسَلْمَىْ دالجٍ متشدِّدِ)
واحد المرافق مرفق. ويقال: بات فلان مرتفقا، معناه متكئا. وقال الهذلي:
إني أرقت فبتُّ اللَّيلَ مرتفقاً ... كأن عَيْنَي فيها الصَّابُ مذبوحُ
وقال كعب بن مالك:
أنَّ الخيالَ من الحسناء قد طَرَقا ... فبتُّ مرتفقاً من حبِّها أرِقا
وقوله (أفتلان)، معناه بانا عن الزور فليس بها ماسح، ولا ناكت، ولا حاز، ولا ضاغط، ولا عارك.
فأما الماسح فأن يمسح طرف المرفق الكركرة. والناكت: أن ينكت طرف المرفق في الكركرة.
والحاز: أن يحز حرف
(1/163)

الكركرة باطن العضد. والضاغط: أن يضغط باطن العضد الإبط. والعارك:
أن يعركه حتى يجتمع جلده كأنه كير الحداد. وقوله: (كأنما تمر بسلمى) معناه تفتل وتجود الفتل. قال
الشاعر:
أمرّت من الكتَّان خيطاً وأرسلت ... جَرِيًّا إلى أخرى قريب يعينُها
يقال: ما زال فلان يمر فلانا حتى صرعه، أي ما زال يلويه أي يعالجه. وقال ابن الأعرابي: تمر
سلمى، فزاد الباء. وأنكر أحمد بن عبيد ضمها. وقال الطوسي: من قال تمر فهو من المرور. وقال
غيره: من رواه، (تمر) بالفتح، أراد تباين مرفقا الناقة عن زورها وتباعدا، كما يتباعد عضدا الفالج
عن زوره وجنبيه. وإنما قال (متشدد) لأنه اشد لتباعده. و (السلم): الدلو لها عروة واحدة مثل دلو
السقائين. فيقول: هما مفتولان كأنهما سلمان بيدي الدالج، فهو يجانبهما عن ثيابه. و (الدالج): الذي
يدلج بالدلو إلى الحوض، أي يمشي، حتى يصبها فيه. والمدلج: ممشاه.
والمرفقان يرتفعان بلها. وكأنما لا موضع لها من الإعراب، وما مع كأن حرف واحد. والباء صلة
تمر. والسلمان مضافان إلى الدالج، والنون حذفت للإضافة.
(كقَنطَرةِ الرُّوميِّ أَقْسَمَ رَبُّها ... لتُكْتَنَفاً حَتَّى تُشَادَ بقَرْمَدِ)
(القنطرة): الأزج. يقول: كأن هذه الناقة أزج؛ لانتفاخ جوفها. وإنما خص الرومي لأنه أحكم عملا.
و (أقسم ربها): حلف ربها. والرب ينقسم على ثلاثة أقسام، يكون الرب المالك كقولك: فلان رب
الدار. ويكون الرب السيد، كقوله
(1/164)

تبارك وتعالى: (فيسقي ربَّه خمراً). يعنى سيده. ويكون الرب
المصلح. والمربوب: المصلح. قال الفرزدق:
كانوا كسالئةٍ حمقاءَ إذْ حَقَنتْ ... سِلاءَها في أديم غير مربوبِ
معناه غير مصلح. وقوله (لتكتنفا) معناه تؤتى من اكنافها، يعني القنطرة. وأكنافها: نواحيها. ويقال:
ناقة كنوف، إذا كانت تبرك في أكناف الإبل لسمنها. ويقال: اذهب في كنف الله تعالى وفي كنفته، أي
ستره. قوله (حتى تشاد بقرمد) معناه حتى ترفع. ويقال: قد أشاد بذكره، إذا رفع ذكره. ويقال: يشاد:
يجصص. وقال ثابت وغيره: الشيد: الجص. وقال الطوسي: الصاروج. وقال عدى بن زيد:
شادهُ مَرمراً وجَلَّله كِلْ ... ساً فللطَّير في ذُراه وكورُ
ويقال قصر مشيد ومشيد. قال أبو العباس: المشيد: المطول؛ والمشيد: المجصص. وقال أحمد بن
عبيد: كل ما ملس على حائط فهو شيد؛ وهو السياع. وانشد غيره في السياع للقطامي:
فلمَّا أن جَرَى سِمَنٌ عليها ... كما بطَّنت بالفَدَن السَّيَاعا
الفدن: القصر، والتقدير: كما بطنت الفدن بالسياع، فقدم وأخر. والقرمد: الآجر، واحدته قرمدة، وهو
أعجمي عرب، وأصله قرميدي بالرومية فأعربته العرب. وقال الطوسي: بقرمد، أراد القراميد، وهي
آجر الحمامات. وقال أحمد بن عبيد: قرمد عربي معروف في كلامهم. قال: والقرمدة: التمليس، أي
هذه الناقة ملساء، كما قال:
(1/165)

بالعبير مُقرمَدِ
أي مطلي مملس. وقال: هذا عن العرب صحيح رواه ابن الأعرابي وغيره، أي تبنى بالآجر
والصخر. قال: ويشاد بقرمد، معناه يطلى بتمليس.
والكاف موضعها رفع لأنها نعت للمرفقين، والتقدير مثل قنطرة الرومي. واللام في لتكتنفا جواب
القسم، والنون دخلت للتوكيد، وهي ألف في الوقف والخط، واسم ما لم يسم فاعله مضمر في لتكتنفا.
(صُهَابيَّةُ العُثْنُونِ مُوجَدةُ القَرَا ... بَعيدةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارةُ اليدِ)
(الصهابية): التي لونها يضرب إلى الصهبة، وهي الحمرة. وقال الأصمعي: إذا قيل صهابية العثنون
فإنما يعنون اللون. وإذا قيل صهابية بغير الإضافة فإنما هي منسوبة إلى فحل يقال له صهاب.
والعثنون: ما تحت لحييها من الشعر. وقال الرستمي: الصهبة: أن تخلط بياضها حمرة فتحمر ذفاريها
وعنقها وكتفاها وذروتها وأوظفتها، وهو نجار النجائب. وقوله (موجدة القرا) معناه شديدة القرا موثقة
المطا، وهو الظهر، يقال: ناقة قرواء، إذا كانت كذلك. وقال أبو عمرو الشيباني: يقال: ناقة أجد إذا
كان عظم من فقارها واحدا. و (الوخد): أن تزوج بقوائمها وتستعجل، شبيها بعدو النعامة. يقال: وخد
يخد وخدا، وخدى يخدى خديا وخديانا. وقال أحمد بن عبيد: وخدها: زجها برجلها إلى خلف. أي
ترمى برجلها إلى خلفها رميا واسعا، وذلك لسعة ما بين رجليها. ويستحب قصر الرجل ومور اليد.
وضدهما مكروه، لأن الرجل لا تمور إلا من ضعف، واليد لا تقصر إلا من يبس عصب. وقال غيره
في قوله (موارة اليد): معناه يدها ليست
(1/166)

بكزة، ولكنها تمور، لأن جلد كتفيها ومنكبيها رهل، كقول الجعدي:
إلى جؤجؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ
أي هو كثير اللحم مضطرب ليس بجاس. ويستحب لليدين أن يكونا كذلك، ويستحب في الرجلين أن
يقصر نساهما ليكون أزج لهما بخفيهما، وأشد لرجليها، وأثبت لوطئها بهما.
والصهابية ترتفع بإضمار هي، والموجدة نعتها، وكذلك البعيدة والموارة، ويجوز نصبهن على
المدح.
(أُمِرَّت يَدَاها فَتْلَ شَزْر وأُجْنِحَتْ ... لها عَضُداها في سَقيفٍ مُسندِ)
قوله (أمرت يداها) معناه فتلت فتلا شديدا حتى نحيت عن جنبها. والامرار: شدة الفتل. يقال: رجل
ذو مرة، إذا كان ذا شدة وعقل. قال الشاعر:
قد كنت قبل لقائكم ذا مِرَّة ... عندي لكلِّ مخاصم ميزانُه
وقال الله تبارك وتعالى: (ذو مِرَّة فاستوى) معناه ذو عقل وشدة. و (فتل شزر) معناه على اليسار.
يعنى بذلك تجافى عضديها عن جنبيها. وقال الطوسي: الشزر أن يفتل من أسفل الكف إلى فوق.
واليسر: أن يفتل من أعلى الكف إلى صدره. واليسر هو القبيل، والشزر هو الدبير لأنك تدبر بذا عن
صدرك، وتقبل بذاك إلى صدرك. وهو قول الناس: (فلان لا يعرف قبيلا من دبير). وقال بعضهم:
القبيل: الشاة المقابلة، والدبير: الشاة المدابرة. فأما المقابلة فهي التي يقطع من مقدم أذنها شيء ثم
يترك معلقا لا يتبين كأنه زنمة. ويقال لمثل ذلك من
(1/167)

الإبل: المزنم، ويسمى ذلك المعلق الرعل. وأما
المدابرة فأن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة. وكذلك إذا بان ذلك كله من الأذن بعد أن يكون قد
قطع، فيقال لها مقابلة ومدابرة.
وجاء في الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضحي بخرقاء أو بشرقاء، أو مقابلة أو
مدابرة، أو جدعاء). فالشرقاء: الشاة المشقوقة الأذن باثنين. والخرقاء: أن يكون في الأذن ثقب
مستدير. والجدعاء: المقطوعة الأذن.
وقال أحمد بن عبيد: إنما قيل شزر لأن الشزر هو الفتل إلى خارج، واليسر إلى الصدر. فيقول:
فتلت فتلا متنحيا عن جنبها إلى ناحية، فلذلك قيل فتل شزر. وقال غيره: قوله (وأجنحت لها
عضدها): أميلت حتى كأنها متكئة كما تجنح السفينة. وقال ابن الأعرابي: اجنحت: رفعت في تباعد
قليل. ويقال عضُد وعضْد. وقال أحمد بن عبيد: أجنحت: أميلت إلى خارج، فيقول: كأن ظهرها
صفائح صخر لا يؤثر فيه شيء. يقال للعضدين: ابنا ملاط. وقال غيره: (السقيف) هاهنا: زورها
وما فوقه. وأصل السقيف صفائح حجارة. فيقول: كأن ظهرها سقائف حجارة. (مسند) يعنى مشدد
خلفه، كانه صفائح حجارة سوند بعضها إلى بعض.
واليدان اسم ما لم يسم فاعله، والفتل منصوب بأمرت، وهو مصدر كأنه قال: قال: فتلت فتلا شزرا.
والعضدان يرتفعان بأجنحت. وفي سقيف مثله.
(جنُوحٌ دُفاقٌ عَنْدلٌ ثُمَّ أُفرِعتْ ... لها كَتِفَاها في مُعَالي مُصَعَّدِ)
ويروى التوزي: (دفاق جنوح). الجنوح: التي تجنح في سيرها فتعتمد على أحد شقيها. والدفاق:
المتدفقة في سيرها المسرعة. ويقال: هو يمشي الدفقي،
(1/168)

إذا اندفق في سيره وأسرع. و (العندل):
الضخمة. وقال الطوسي: هي ضخمة الرأس. ويقال للرأس إذا كان ضخما: عندل، وصندل، وقندل.
وقال أبو جعفر: جنوح: جانحة الصدر من الأرض، وهذا يستحب في الإناث، كقول كثيِّر:
وفي صدرها أصبّ
أي انصباب. ويستحب إشرافه في الذكور. و (أفرعت) معناه أشرفت وعوليت. ويقال: إنه لمفرع
الكتف، إذا كان مشرفها.
قال: وقال عيسى بن عمر: سمعت أعرابيا يقول: (ففرعت رأس العبد بالعصا فقال الدم: أوه). وقال:
المعالي: المرتفع إلى فوق، والمصعد مثله. وقال أبو جعفر: يروى دِفاق ودُفاق، بالكسر والضم. قال:
وقوله في معالي، معناه مع معالي.
والجنوح يرتفع بإضمار هي، والدفاق والعندل نعتان لها، والكتفان اسم ما لم يسم فاعله.
(كأَنَّ عُلوبَ النِّسْعِ في دَأَياتها ... مَوَارِدُ مِنْ خَلْقاءَ في ظَهْرِ قَردَدِ)
(العلوب): الآثار، واحدها علب. وكل اثر من ضرب أو حبل أو خدش فهو علب، وبلد، وحبر،
وإنما سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يؤثر. قال الشاعر:
لا تملأ الدَّلَو وعرّقْ فيها ... ألاَ ترى حَبارَ من يسقيها
وقال الآخر:
ولم يُقلِّب أرضَها البيطارُ ... ولا لحبليه بها حَبَارُ
(1/169)

وقال الآخر:
لقد أشمتَتْ بي أهلَ فَيدَ وغادرتْ ... بجسمي حِبرْاً بنتُ مَصَّان باديا
وما فعلَتْ بي ذاكَ حتى تركتُها ... تُقَلِّبُ رأسا مثل جُمْعِيَ عاريا
وأفَلتَنِي منها حِماري وجُبَّتِي ... جزَى الله خيراً جُبَّتِي وحماريا
أراد بالحبر الأثر. وقال ابن الرقاع:
ذكَرَ الديارَ توهُّماً فاعتادَها ... من بَعد ما شمِل البِلى أبلادَها
وعنى بالسنع التصدير والحقب وغيرهما. يقال نسعة ونسع، وهي كل سيور مضفورة، وجمعها
انساع ونسوع. و (دأياتها) ضلوع صدرها. قال حميد الأرقط:
قد اكتسَيْنَ العَرقَ الأمسيّا ... وعَضَّ منها الظَّلِفُ الدَّئِيّا)
عَضَّ الثّقافِ الخُرُصَ الخطَّيَّا
يعنى ملتقى أضلاعها. و (الموارد): الشرك، وهي طرق الوراد. و (الخلقاء): الملساء، يعنى صخرة.
وكل ما أملس فهو أخلق. ويقال صخرة مخلقة، أي مملسة. والقردد: ارض صلبة مستوية. وظهر
القردد: أعلاه. فيقول: العلوب في صدرها مثل آثار الموارد في الصخرة. وقال أحمد بن عبيد: موارد
من خلقاء، معناه طرق. وأراد مر الحبال على حرف البئر المزبورة حتى يؤثر فيهما أثرا ليس
بالمبالغ؛ لصلابة جلدها. وذلك أن حبل البئر يمر على الحجر فيؤثر فيه، ويعمل الحجر في الحبل
حتى يقطع قواه. وقال الراجز، وهو العجاج يهجو بنيه:
(1/170)

إنْ بَنِىَّ بَلئامٌ زَهَدَه ... ما عندهم لأحدٍ من مَودَده
إلاّ كُودِّ مَسَدٍ لقَرمَده
أي هذا يحز في هذا.
والعلوب اسم كأن، والموارد خبر كأن.
(تَلاَقَى وأَحياناً تَبِينُ كأَنَّها ... بَنائقُ غُرٌّ في قميصٍ مُقدَّدِ)
(تلاقى)، معناه: هذه الشرك يكون بعضها يلي بعضا ويتصل بعضها ببعض. (وأحيانا تبين) أي
تفرق. والأحيان: جمع الحين. وقوله (كأنها بنائق غر) كأنها دخاريص قميص. وواحد الدخاريص
دخرصة، وواحدة البنائق بنيقة. والغر: البيض. والمقدد: المشقق. يقول: فآثار النسع في جلد هذه
الناقة كذلك مرة تلاقى، يعنى الحبال والآثار إذا سفلت إلى العرى التقت رءوسها، يعنى النسع، وإذا
ارتفعت إلى الرحل تباينت. وخص الدخاريص لدقة رأسه وسعة أسفله. فأراد أن الآثار مما يلي
الحلق دقيقة، وما علا من ذلك إلى الرحل واسع، لأن الحلق يجمع الحبال فيدق الأثر. وقوله (مقدد)
معناه متقطع.
والأحيان منصوبة على الوقت بتبين، والبنائق خبر كأن، وغر نعت البنائق.
(وأَتْلَعُ نَهَّاضٌ إذا صعَّدَتْ بهِ ... كسُكَّان بُوصِيٍّ بِدِجْلةَ مُصْعِدِ)
(اتلع) يعنى عنقها. والاتلع: المشرف. والتلع: الطول والإشراف. و (نهاض) ينهض في السير، إذا
سارت ارتفع. ويقال: قد نهض إليه، أي ارتفع
(1/171)

إليه. قد نهض الفرخ، إذا ارتفع وفارق عشه؛ وهي
النواهض. وقد نهض القوم لقتال عدوهم، إذا ساوروهم وثاروا إليهم. وقوله: (إذا صعدت به) معناه
اشخصته في السماء. ويقال: قد تصعدني الأمر، إذا شق عليك. ومنه قولهم: هو يتنفس الصعداء.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله سبحانه عنه: (ما تصعدتني خطبة كما تصعدتني خطبة النكاح).
ويقال: قد أصعد في الأرض، إذا ابعد فيها، وقد أصعد في الجبل يصعد إصعادا. وقد صعد في الدرجة
والسلم يصعد صعودا. قال الله عز وجل: (إذ تُصْعِدون ولا تَلْوُون على أحَد).
وقال الأعشى:
ألا أيُّهذا السائلي أين أصعَدَتْ ... فإنَّ لها في أهل يثربَ موعدا
فشبه طرفة عنق الناقة في طوله بسكان بوصي. و (البوصي): السفينة، وهو فارسي معرب. وروى
أبو عبيدة: (كسكان نوتي) وهو الملاح، وهم النواتي. والعركي: الملاح، والجمع عرك. ويقال للملاح
الصراري أيضا. وقال أبو جعفر: عركي منسوب إلى عرك. والعرك عمل الملاحين، والواحد عارك
والجميع عرك. قال: وربما سموا جماعة الملاحين بالعرك، كما يقال قوم صوم وفطر، ولا واحد
للعرك حينئذ. وقل أبو جعفر: للناقة سيرتان، فإذا أرقلت وارتفعت في سيرها رفعت رأسها، وإذا دفت
مدت عنقها، كأنها ترجم بمشفرها الأرض.
والاتلع يرتفع بمعنى ولها أتلع. والكاف في موضع رفع على النعت بأتلع. والمصعد نعت للبوصي،
والباء صلة مصعد.
وقال أبو جعفر: جعله كالسكان، أراد الدقل فلذلك قل مصعد؛ لأن السفينة إذا أصعدت انصب دقلها
ومدت.
(1/172)

(وجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلاَةِ كأَنّما ... وَعَى المُلتقَى منها إلى حَرفِ مِبرَدِ)
(العلاة): السندان التي يضرب عليها الحداد حديده. شبه جمجمتها بها في صلابتها. وقوله (كأنما
وعى) معناه اجتمع وجبر فالتقى. يقال: قد وعى عظمه، إذا اجتمع وتماسك واجتبر. ويقال: لا وعى
عن ذاك، أي لا تماسك. قال ابن أحمر:
فواعَدن أن لا وعْىَ عن فَرج راكسٍ ... فَرُحْنَ ولم يَغضرِن عن ذاكَ مغضَرا
معناه أن لا تماسك. ولم يغضرن، معناه ولم يعدلن. والملتقى، يعنى كل شأنين من شؤون الرأس.
وشؤون الرأس: ملتقى قبائله. وشؤون الجبل: طرائق تكون فيه تخالف سائر لونه. فيقول: كأن ملتقى
كل قبيلتين من رأس هذه الناقة حرف مبرد. يقول: قد شخصا وتسنما. وهذا أشد للرأس. وقال
الأصمعي: لم يقل أحد مثل قول عنترة:
غرِدٌ يسُنُّ ذراعَه بذراعِه ... قَدْحَ المكبِّ على الزّنادِ الأجذمِ
وقال أحمد بن عبيد: قوله: كأنما وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد، أراد صلابته فليس لملتقاه نتو،
كأنه ملتئم كله كالتئام المبرد من تحت حزوزه. فيقول: هذه الجمجمة كأنها قطعة واحدة في التئامها.
وخص المبرد للحزوز التي فيه. فيقول: فيها نتو غير مرتفع.
والجمجمة نسق على ما تقدم. ومثل نعتها. وكأنما حرف واحد لا يغير شيئا من الإعراب.
(1/173)

(ووَجهٌ كقِرطَاسِ الشَّآمِي ومِشْفَرٌ ... كسِبْت اليَمَانِي قَدُّهُ لم يُحَرَّدِ)
ورواه الطوسي والتوزي وأحمد بن عبيد: (وخد كقرطاس الشآمي). وقال أحمد: ووجه خطأ في هذا
البيت الذي رواه. و (وجه) أراد هو عنيق ليس فيه شعر، ويقال: أراد بياضه. قال الطوسي
والتوزي: شبه بياض خدها ببياض القرطاس. وقال أحمد: جعله كالقرطاس في نقائه وقصر شعرته.
قال: والشعر في الخد هجنه. وقال الطوسي: إنما قال الشآمي لأن الشام نحو مصر. يقال: رجل شآم،
إذا كان من أهل الشأم ويمان، إذا كان من أهل اليمن؛ وتهام من أهل تهامة. وانشد الفراء:
وأيّ الناس أكذبُ من شآمٍ ... له صُرَدانِ منطلقُ اللسانِ
والسبت: جلود البقر إذا دبغت بالقرظ، فإن لم تدبغ بالقرظ فليس بسبت. فأراد أن مشافرها طوال
كأنها نعال السبت، وذلك مما يمدح به. خص السبت للينه، ولأنه ليس بفطير لم يدبغ، فهو جاسئ.
وقال أحمد بن عبيد: شبهه بالنعل المستوية التي قد سبت شعرها، وهو لبس الملوك. وقال غيره: في
قوله: قده لم يحرد، معناه مثاله لم يعوج، هو مستو. ويروى عن ابن الأعرابي: (قده لم يجرد)، يقول:
لم يلق الشعر من جلده فهو ألين له. والقد: مصدر قددته أقده قدا. والتحريد: أن يجعل بعض السير
عريضا وبعضه دقيقا إذا قد. والقد: النعل بعينها. والقد الفعل. وقل أحمد بن عبيد: قوله قده لم يحرد،
معناه لم يميل. يصف إنها شابة فتية؛ وذلك أن الهرمة والهرم تميل مشافرهما.
والوجه معطوف على ما تقدم قبله. والكاف مرفوعة على النعت له. والمشفر نسق على الوجه. والقد
يرتفع بما عاد من يحرد.
(1/174)

(وعَينانِ كالماوِيَّتيْنِ استَكنَّتَا ... بكَهفَيْ حِجَاجَيْ صَخرةٍ قلْتِ مَوْردِ)
شبه عينيها بالماويتين لصفائهما. والماويتان: المرآتان. أي انهما نقيتان من الأقذاء. (استكنتا): حلتا
في كن. يقال: أكننت الشيء في نفسي، إذا سترته؛ وكننته في الوعاء، إذا صنته. ويقال: مكان كنين،
إذا كان ستيرا. قال الله تبارك وتعالى: (كأنَّهُنّ بيضٌ مكنون). وقال أبو دهبل:
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغَ ... وَّاصِ مِيزت مِن جَوهر مكنونِ
و (الكهف): غار في الجبل، وهو ها هنا: غار العين الذي فيه مقلتها. و (الحجاج): العظم المشرف
على العين الذي ينبت عليه الحاجب. قال الشاعر:
تَنَام قَريراتِ العيون وبينها ... وبين حِجَاجَيهل قَذىً لا يُنيمُها
و (القلت): نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، مؤنثة، وجمعها قلات. قال الشاعر:
لو كنت أملك منعَ مائكَ لم يذُقْ ... ما في قِلاتك ما حييتُ لئيمُ
و (قلت مورد) معناه قلت يتخذ موردا. وإذا كانت الصخرة في ماء كان أصلب لها. فيقول: هي
صلبة الحجاج. وقال الطوسي: شبه عينيها بالمرآتين في نقائهما وصفائهما. وشبه غؤور عينيها بقلت
في صخرة. والقلت: نقرة في حجارة. قال: والحجاج: ما حول العين. والمورد: الماء. وقال أحمد بن
عبيد: قوله: استكنتا بكهفي حجاجي صخرة، أراد صفاء الماء، لأن الماء في الصخرة أصفى له. أو
يريد: صفاء عينيها
(1/175)

كصفاء ماء القلت. وقوله (مورد) أراد يردها ماء المطر، ولو وردها الناس
لكدروها.
والعينان يرتفعان على النسق على ما قبلها. والكهفان مضافان إلى الحجاجين. والقلت نعت الصخرة.
(طَحُورانِ عُوَّارَ القَذَى فتَراهُما ... كمَكحُولَتَيْ مَذعورةٍ أُمِّ فَرقَدِ)
قوله (صحوران) يعنى العينين، يقول: ترميان بعوار القذى. و (العوار): القطعة من الرمد. فيقول:
عينها صحيحة. وقال الطوى: طحوران معناه طروحان. ويقال طحره ودحره، إذا فعه عنه وأبعده.
قال الله عز وجل: (ويُقْذَفون من كلِّ جانبٍ دُحوراً). وطحا به: أبعده. قال علقمة بن عبدة:
طحَا بك قلبٌ في الحسانِ طَروبُ ... بُعيَد الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مشيبُ
يقال سهم مطحر، إذا كان بعيد الذهاب. والعوار جمع، واحده عائر. ويقال: قذت عينه تقذى قذيا، إذا
ألقت القذى؛ وقذيت تقذى قذى، إذا صار فيها القذى؛ وأقذيتها إقذاء، إذا ألقيت فيها القذى؛ وقذيتها
تقذية، إذا نزعت منها القذى. وقال أحمد بن عبيد: معناه عينها صحيحة لا قذى فيها، كأنها ثد طحرته
ولا قذى بها. وقوله (فترهما كمكحولتي مذعورة)، يريد كعيني بقرة مذعورة، وإذا كانت مذعورة كان
أحد لنزرها وارشق لها. يقال: قد ذعرته أذعره ذعرا، إذا أفزعته. والذعر الاسم. و (الفرقد): ولد
البقرة، وهو الفز، والبحزج، والبرغز، والطلا، والذرع. قال ابن احمر:
يُهِلُّ بالفرقد رُكبانُها ... كما يُهلُّ الراكبُ المعتمر
(1/176)

وإذا كانت مطفلا كان أرشق لها وأحد لنظرها. وقال أحمد بن عبيد: الإرشاق يكون للظبية ولا يكون
للبقرة. ويقال: أرشقت الظبية، إذا مدت عنقها. ولا يقال: البقرة أرشقت، لأن البقر كلها وقص.
والطحوران نعت لما قبلهما. والعوار منصوب بهما، وهو مضاف إلى القذى. والكاف في موضع
نصب بالرؤية. وأم فرقد نعت للمذعورة.
(وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوجُّسِ للسُّرَى ... لهَجْسٍ خَفيٍّ أو لصَوْت مُندِّدِ)
قوله (وصادقتا سمع التوجس) يعنى أذنيها، أي لا تكذبها إذا سمعت النبأة. وأصل الصدق الصلابة.
يقال: قد صدقوهم القتال. ويقال: رمح صدق، إذا كان صلبا. والتوجس: التسمع. وقال أبو جعفر:
الصدق الصلب، فإذا كسر فهو ضد الكذب. وقال الطوسي: التوجس: الخوف والحذر. قوله (للسرى)
أي في السرى والسرى: سير الليل؛ يقال سرى وأسرى. قال الشاعر يصف السيف:
كأنَّ فوقَ مَتْنه مَسَرى دَبا ... فردٍ سَرَى فوق نَقاً غِبَّ صَبا
وقال الله تبارك وتعالى: (فأسْرَ بأهلك بقِطْعٍ من اللَّيْلِ). وقرا أهل المدينة: (فأسْرِ بأهلك) فجعلوه من
سريت. وقال أبو جعفر: التوجس: التسمع بحذر شبه حديث النفس من خفائه، أي لا يشغلها السرى
أن ترتاع للصوت تسمعه. وروى الطوسي: (لجرس خفي). والجرس: الصوت. ويقال: قد أجرس
الطائر، إذا سمعت صوت مره. و (المندد): الذي يرفع صوته. ورواه أبو جعفر: (أو
(1/177)

لصوت) بتنوين
الصوت (مندد) بفتح الدال، وقال: المندد نعت للصوت، وأنكر الإضافة مع كسر الدال.
والصادفتان ترتفعان بإضمار لها، وهما مضافتان إلى السمع.
(مُؤَلَّلتانِ تَعرِفُ العِتْقَ فيهما ... كسامِعتَيْ شاةٍ بحَوْمَلَ مُفْرَدِ)
(مؤللتان) معناه محددتان كتحديد الآلة. والآلة.: الحربة، وجمعها الآل. ويقال: أله يؤله ألا، إذا طعنه
بالألة. وقيل لامرأة وقد أهترت: هذا رجل يخطبك. فقالت: (أيعجلني أن أحل، ماله أل وغل!). قال
أبو جعفر: المرأة التي قيل لها هذه هي أم خارجة التي ولدت ست قبائل. قال غيره: يمدح من الأذنين
أن يؤللا، أي يحددا ويقل وبرهما. وقوله (تعرف العتق فيهما) يقول: إذا رأيتهما رأيت الكرم فيهما
لتحديدهما وقلة وبرهما. تقول: عرفته معرفة وعرفانا. والعتق: الكرم. وقوله (كسامعتي شاة) أي
كأذني شاة. والشاة هاهنا: الثور. و (حومل) اسم رملة. فشبه أذنيها بأذني ثور وحشي، لحدة سمعهما.
وأذنا الوحش أصدق من عينه عنده، وأنف السبع أصدق من عينه. وجعله مفردا لأنه أشد توجسا
وتفزعا، ولأنه ليس معه وحش يلهيه ويشغله، وإذا كان كذلك كان أشد لتسمعه وارتياعه. قال:
والظباء والبقر إذا فزعت كان أحسن لها وأسرع من أن تكون آمنة منقبضة. فيقول: قد سمع حسا فهو
مذعور. وقال أبو جعفر: العتق في الأذنين الا يكون في داخلهما وبر، فهو أجود لتسمعهما.
ومؤللتان مرتفعتان بإضمارهما. والكاف في موضع رفع على النعت لهما.
(1/178)

(وأَرْوَعُ نَبّاضٌ أَحَذُّ مُلَمْلَمٌ ... كمِرْداةِ صَخْرِ في صَفيحٍ مُصَمَّد)
(أروع) يعنى قلبها، وهو الحديد السريع الارتياع من القلوب، لحدته. ويقال: راعني الأمر يروعه
روعة، إذا أفزعك. و (نباض): ينبض، أي يضرب من الفزع. يقال: ما نبض منه عرق، أي ما
ضرب، ينبض نبضا ونبضانا. و (الأحذ): الأملس الذي ليس شيء يتعلق به. وقال أبو عمرو: هو
الخفيف. وقال ابن الأعرابي: الأخذ: الذكي الخفيف. وقال أبو جعفر: وأروع نباض: قلب شديد ليس
بمسترخ. وقال غيره: ململم معناه مجتمع. و (المرداة): صخرة تدق الصخور بها. يقال: رديت الحجر
ورديته، إذا صككته بحجر آخر لتكسره. و (الصفيح): صخر فيه عرض. و (المصمد): المشدد. وقال
في قوله: كمرداة صخر: معناه كمرداة من صخر، كما تقول: كمرداة حديد، وكخاتم فضة؛ ليس إنه
يكسر بها غيرها.
والأروع نسق على ما قبلها، والنباض نعته، والكاف نعت له أيضا. والمصمد نعت للصفيح.
(وإِنْ شِئْتُ سَامَى واسِطَ الكُورِ رأْسُها ... وعامَتْ بضبْعَيْها نَجَاءَ الخَفيدَدِ)
(سامى): عالي. يقال: سما يسمر، إذا ارتفع. ويقال: قد أسمى العير أتنه، إذا أخذ بها في السماوة.
والسماوة: أرض لبني كلب لها طول ولا عرض لها.
(1/179)

و (واسط الكور): العود الذي بين موركة الرحل ومؤخرته. والكور: الرحل، وجمعه أكوار وكيران.
وموركة الرحل: الموضع الذي يضع عليه الراكب رجليه. وقال أحمد بن عبيد: المورك: مهاد يمهده
الرجل لرجله إلى جانب الواسط اسفل منه، فإذا أعيا من الغرز نزع رجله من الغرز وجعلها على
الموركة. وقال أحمد بن عبيد: الواسط للرحل كالقربوس للسرج. ويروى: (ومارت بضبعيها)، أي
ذهبت وجاءت. ويقال: مار الشيء يمور مورا، ومارت الدماء، إذا سالت. والمور: التراب الدقيق.
و (ضبعاها): عضداها. و (النجاء): السرعة. و (الخفيدد): الظليم. والظليم: ذكر النعام. وجمعه ظلمان.
وقال أبو عبيد: الكور: الرحل بأداته، والجمع أكوار وكيران.
وشئت فعل ماض لو كان المستقبل في موضعه لكان مجزوما بإن. وسامى جواب الجزاء. وعامت
نسق عليه. ونجاء الخفيدد، منصوب على المصدر.
(وإِنْ شئْتُ لمِ تُرقلْ وإِن شئْتُ أَرقلَتْ ... مخافةَ مَلْوِيٍّ من القِدِّ مُحْصَدِ)
(الارقال): أن تنفض الناقة رأسها وترتفع عن الذميل. و (مخافة ملوي) مخافة سوط ملوي أو نسع
ملوي. و (المحصد): الشديد الفتل. وقال أحمد بن عبيد: معنى البيت: عند هذه الناقة كل ما أردت من
السير.
ولم ترقل جواب الجزاء. والمخافة منصوب على الجزاء، والمعنى: من مخافة ملوي، فلما أسقطت
الخافض نصبت ما بعده على الجزاء، وهو كقولك: قد أعطيتك خوفا وفرقا، أي من أجل الخوف
والفرق.
(وأَعْلمُ مَخْرُوتٌ من الأَنْفِ مارِنٌ ... عَتيقٌ مَتى تَرجُمْ به الأَرضَ تَزْدَدِ)
(الأعلم): المشفر. وكل الإبل علم. والعلم: شق في الشفة العليا. وجمع الأعلم عُلم. قال عنترة:
(1/180)

وحَليل غايةِ تركتُ مجدَّلاً ... تمكو فريصتُه كشِدق الأعلمِ
والفلح: الشق في الشفة السفلى، يقال: رجل أفلح وامرأة فلحاء. ويقال لكل شق فلح. وسمى الأكار
فلاحا لأنه يفلح الأرض، أي يشقها. ويقال في مثل: (الحديد بالحديد يفلح)، أي يقطع ويشق. قال
الشاعر:
قد علمتْ خيلُك أينَ الصَّحصحُ ... إنَّ الحديدَ بالحديد يُفلَحُ
ويقال للمكاري فلاح. قال الشاعر:
لها رطلٌ تكيل الزَّيتَ فيه ... وفلاّحٌ يَسُوق بها حِمارا
ولم يسمع الفلاح المكاري إلا في هذا البيت. و (المخروت): المشقوق. وخرت كل شيء: ثقبه. وكل
ثقب وثقبة خرت وسم. قال الله عز وجل: (حتَّى يَلِجَ الجملُ في سَمّ الخِياط). يعنى في ثقبه. قال
الشاعر:
مَن يَتَّق اللهَ ينفعْه تُقاهُ ومَن ... لا يتقيه فلم يُقْبَلْ له عملُ
ولا تكون جنانُ الخُلدِ منزلَه ... حتَّى يجاوز سَمَّ المِخْيط الجملُ
ويقال للدليل الهادي: الخريت. وسمى خريتا لأنه يهتدي إلى مثل خرت الإبرة. قال الاسدي:
على صَرماءَ فيها أصرماها ... وخِرّيتُ الفلاةِ بها مَليلُ
و (المارن): اللين. يقال: قد مرن الجلد، إذا لينه. وقوله (متى ترجم به الأرض)، معناه متى ترجم
الأرض برأسها. يقول: إذا أومأت برأسها إلى الأرض ازدادت سيرا. وقال الطوسي: إذا أدنت رأسها
من الأرض في سيرها؛ فذلك رجمها
(1/181)

إياه. وقال أحمد بن عبيد: يفعل هذا إذا أرسلها، فإذا جذب زمامها أرقلت ورفعت رأسها.
والأعلم يرتفع بالرد على ما قبله، والمخروت نعته، وكذلك المارن والعتيق. وترجم مجزوم بمتى.
وتزدد جواب الجزاء.
(عَلَى مِثلِها أَمْضِى إذا قالَ صاحِبِي ... أَلاَ لَيْتِني أَفدِيكَ مِنْها وأَفْتَدِي)
معناه: على مثل هذه الناقة أسير وأمضى إذا قال صاحبي أنا هالكون من خوف الفلاة. وقوله (ألا
ليتني أفديك منها) معناه من الفلاة، فجاء بمكنيها ولم يتقدم لها ذكر، لدلالة المعنى عليها، كما قال الله
عز وجل: (حتَّى تَوارَتْ بالحِجاب). فكنى عن الشمس ولم يجر لها ذكر. وقال حميد:
وحمراءَ منها كالسَّفينة نضَّجتْ ... به الحملَ حتَّى زاد شهراً عديدُها
أراد: وحمراء من الإبل؛ ولم يجر لها ذكر. وقوله: (ألا ليتني أفديك منها وأفتدي) معناه: ليتني أقدر
على أن أفتديك وأفتدي نفسي.
وعلى صلة أمضي، وكذلك إذا، والنون والياء اسم ليت، وخبرها ما عاد من أفديك، وأفتدي نسق
على أفديك.
(1/182)

(وجاشتْ إليه النَّفْسُ خَوفاً وخَالَهُ ... مُصَاباً ولَو أَمْسَى عَلى غَيْرِ مَرصَد)
قوله (وجاشت)، معناه ارتفعت إليه من لخوف ولم تستقر، كما تجيش القدر، إذا ارتفع غليانها. قال
عمرو بن معد يكرب:
فجاشتْ إلى النَّفسُ أول مَرّةٍ ... فرُدَّت عل مكروهها فاستقرَّتِ
وقوله (إليه) معناه إلى صاحبه. وقوله (وخاله مصابا) معناه ظن إنه هالك ولو أمسى وليس يرصده
عدوه. و (عَلَى) معناه في والتقدير ولو أمسى في موضع لا يرصد فيه. وقال الطوسي: ولو أمسى
على غير مرصد، معناه على غير سبيل هلكة ولا خوف.
والنفس يرتفع بجاشت، وإليه صلة جاشت، وما في خاله يرتفع به، والهاء اسم خال، ومصابا خبره.
(إِذا القَومُ قالُوا مَنْ خِلْتُ أَنّني ... عُنِيتُ فلم أَكْسَلْ ولم أَتَبَلَّدِ)
معناه: إذا قالوا: من فتى لأمر عظيم ظننتني عنين بذلك الأمر. وقال أبو جعفر: إذا قالوا: من فتى
يحدو بنا لننجو.
وإذا وقت فيه طرف من الجزاء، وموضع من رفع بفتى، وفتى مرفوع بمن، وأن كافية من اسم
خلت وخبره، والنون والياء اسم أن، وخبرها ما عاد من التاء.
(1/183)

(أَحَلْتُ عَلَيها بالقَطِيع فأَجذمَتْ ... وقد خَبَّ آلُ الأَمْعَزِ المتوقِّدِ)
(أحلت) معناه أقبلت عليها بالسوط. يقال: أحلت عليه ضربا، إذا أقبلت تضربه ضربا في إثر
ضرب أو على ضرب. ومنه قولهم:
يُحيلون السِّجالَ على السجالِ
أي يصبون دلوا على اثر دلو. قال زهير:
يُحيلُ في جَدوَلٍ تحبو ضفادعهُ ... حَبْوَ الجوارِي تَرى في مائه نُطُقا
والقطيع: السوط. قال الشاعر:
ولقد مررتُ على قطيعٍ هالكٍ ... من مالِ أشعثَ ذي عيالِ مُصرِم
من بعد ما اعتلَّت علىَّ مطيتي ... فأزحتُ عِلَّتَها فظلَّت تَرتمي
قوله (اجذمت): أسرعت. يقال ناقة مجذام؛ إذا كانت سريعة. يقال: مر مجذما، إذا مر مسرعا.
ويقال: جذمت الشيء: قطعته. ويقال: يد جذماء، إذا كانت مقطوعة. وقوله (وقد خب) معناه جرى
واضطرب؛ وذلك عند اشتداد الحر. ويقال: قد خب البعير والفرس، والاسم منه الخبب. والخبب دون
التقريب. و (الآل): السراب. قال أبو زيد: والأمعز والمعزاء: المكان الغليظ الكثير الحصى.
و (المتوقد): الذي يتوقد بالحر. يقال توقدت النار توقدا، ووقدانا، ووقدا، وقدة. قال الشاعر:
ما كان من سُوقةٍ أسقَى على ظمأٍ ... خمراً بماءٍ إذا ناجُودُها بَردَا
(1/184)

مِن ابنِ مامة كعبٍ ثمَّ عيَّ به ... زَوُّ المنية إلاَّ حِرَّةً وقَدَى
ورواه ابن الأعرابي: (وقدا) بفتح الدال على أن الألف بدل من التنوين. ورواه الأحمر: (وقدى)
ممال، وزعم إنها ياء زائدة مقل ياء الجمزي والقفزي.
والواو في قوله: وقد هب، واو الحال، والآل مرتفع بفعله، وهو مضاف إلى ما بعده.
(فذالَتْ كما ذَالَتْ وَلِيدةُ مَجْلِسٍ ... تُرِى رَبَّها أَذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ)
قوله (فذالت) معناه ماست في مشيتها وتبخترت. يقال: ذال يذيل، وماس يميس، وراس يريس،
وعال يعيل، كل ذاك إذا تبختر. قال الراجز:
يا ليت شعري عنك دَخْتَنوسُ ... إذا أتاكِ الخبر المرموسُ
أتحلق القرونَ أم تميسُ ... لا بل تَميِسُ إنَّها عروسُ
يقول طرفة: تتبختر هذه الناقة كما تتبختر وليدة عرضت على أهل مجلس فأرخت ثوبها واهتزت
بأعطافها. قال يعقوب بن السكيت: يقال: راست، وماست، وماحت، وذالت، وفادت، بمعنى واحد.
وقوله (سحل) أي ثوب أبيض ممدد، أرسلته ثم تبخترت وثنت أعطافها. وقال الطوسي: السحل
الثوب الذي لم ينسج، هو ممدود في النول. قال: وأنشد ابن الأعرابي:
كأنه مُسْحَلٌ في النَّول منشورُ
وزعم الأصمعي وأبو عبيدة أن السحل الثوب الابيض، والجمع سحول. وإنما تريهم الذيول
بتبخترها. وإنما قصد طرفة إلى سبوغ ذنب ناقته وطولها.
(1/185)

وموضع الكاف نصب بذات. والوليدة رفع بفعلها. وترى ربها صلة الوليدة، والأذيال نصب بترى.
و (الرب): المالك في هذا الموضع.
(ولَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاعِ مَخَافةً ... ولكنْ مَتَى يَسترفِدِ القَومُ أَرفِدِ)
قال أبو جعفر: قال فذالت، ثم قال بعده، ولست بحلال التلاع؛ يقول: أنا رجل في السفر، كريم في
الحضر. وقال غيره: التلاع مجارى الماء ينصب في الوادي تستر من نزل فيها. وروى الأصمعي:
(ولست بولاج التلاع). يقول: لا أنزلها مخافة فتواريني من الناس حتى لا يراني ابن السبيل
والضيف، ولكنى انزل الفضاء وأرفد من يسترفدني، وأعين من استعانتي. وروى الطوسي: (ولست
بحلال التلاع ببيته)، يقول: لا اضرب بيتي فأنزل في التلاع - وهي مسايل جوف تستر من نزل
فيها - ولكني أنزل الفضاء، ولا أنزل مكانا يخفى، مخافة القرى وحلول من يحل بي.
والتاء اسم ليس، والباء خبر ليس. والمخافة منصوبة على المصدر. ويسترفد مجزوم بمتى، والدال
كسرت لاجتماع الساكنين، وأرفد جواب الجزاء.
(وإِنْ تَبْغِني في حَلْقَةِ القَوْم تَلْقَني ... وإِن تَقْتِنصْني في الحَوانيتِ تَصْطَدِ)
وروى الطوسي: (وإن تبغني في مجلس القوم تلقني)، ويروى: (وإن تلتمسني). يقول: أن تطلبني
تجدني مع الشراب. و (الحوانيت): بيوت الخمارين
(1/186)

أيضا. والحوانيت: الخمارون. ويقال: هي حلقة
القوم، وهي حلقة الحديد، بتسكين اللام. والحلقة بفتح اللام: جمع الحالق. وقد حكى بعض أهل اللغة
فتح اللام في حلقة الحديد وحلقة القوم.
وموضع تبغني جزم بإن، وتلقني جواب الجزاء، وما بعد الفاء نسق على ما قبلها.
(مَتى تَأْتني أَصْبَحْكَ كَأساً رَوِيَّةً ... وإِن كنتَ عنها غانياً فاغْنَ وازدَدِ)
وروى التوزي والطوسي: (وإن تأتني أصبحك كأسا). قوله (أصبحك) هو من الصبوح. والصبوح:
شرب الغداة. والغبوق: شرب العشي. والقيل: شرب نصف النهار. والفحمة: شرب الليل.
والجاشرية: شرب السحر. ويقال: إناء روى، أي مرو. ويروى: (وإن كنت عنها ذا غنى). وتأتني
مجزوم بمتى، وأصبحك جواب الجزاء. و (الكأس) مؤنثة. قال الفراء: الكأس: الإناء الذي فيه لبن أو
ماء وخمر أو غير ذلك، وإن كان فارغا لم يقل له كأس؛ كما أن المهدى: الطبق الذي تكون الهدية
فيه، فإن أخذت الهدية منه قيل له طبق ولم يقل له مهدى.
وكنت موضعه جزم إلا أن الجزم لا يتبين فيه لأنه ماض، والفاء جواب الجزاء. واغن مجزوم على
الأمر، علامة الجزم فيه سقوط الألف.
(وإِنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الجمِيعُ تُلاَقِني ... إِلى ذِرْوةِ البَيْتِ الكريم المصَمَّدِ)
معناه إذا التقى الحي الجميع الذين كانوا متفرقين وجدتني في الشرف. وذروة كل شيء: أعلاه.
و (المصمد): الذي يصمد الناس إليه من شرفه. ويروى:
(1/187)

(إلى ذروة البيت الرفيع المصمد). والصمد:
السيد الذي يصمد إليه في النوائب والحوائج والأمور، أي يقصد فيها. انشد أبو عبيدة:
سيرُوا جميعاً بنصفِ اللَّيلِ واعتمدوا ... ولا رَهينةَ إلاَّ سيِّدٌ صَمَدُ
وقال الآخر:
علوتهُ بحُسام ثم قلتُ له ... خذُهْا حُذَيفَ فأنت السيِّد الصَّمدُ
وقال الله تبارك وتعالى: (اللهُ الصَّمَد)، أي السيد الذي يصمد إليه في الحوائج.
ويلتق مجزوم بإن، والحي رفع بفعله، وتلاقني جواب الجزاء.
(ندَامَايَ بِيضٌ كالنُّجومِ وقَيْنَةٌ ... تَروحُ إِلينا بينَ بُرْدٍ ومُجْسَدِ)
(الندامى): الأصحاب. قال يعقوب: قال أبو عبيدة: يقال فلان نديم فلان، إذا شاربه؛ وفلانة نديمة
فلان، ويقال ذلك أيضا إذا صاحبه وحدثه وان لم يكونا على شراب. و (بيض): جمع أبيض، وهو
فعل مثل أحمر وحمر. وقوله: (كالنجوم) أي هم أعلام. وقال أبو جعفر: قوله نداماي، إنما سمي النديم
نديماً لندامة جذيمة حين قتل نديميه مالكا وعقيلا اللذين أتياه بعمرو ابن أخته فسألاه أن يكونا في
سمره، فوجد عليهما فقتلهما وندم، فسمى كل مشارب نديما. وقال غيره، في قوله (وقينة تروح الينا):
القينة: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية. قال زهير:
ردَّ القِيانُ جِمالَ القوم فانصرفُوا ... إلى الظَّهيرة أمرٌ بينهم لَبِكُ
(1/188)

والقينة في بيت طرفة هي الأمة، ويقال: القينة: الخادم في بيت طرفة. والقين: كل عامل بحديد.
يقال: قد قان الحداد الحديدة يقينها قينا، إذا طرقها. وقوله (تروح إلينا بين برد ومجسد) معناه: وعليها
برد ومجسد. والمجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران حتى يكاد يقوم قياما. والجساد: الزعفران. ويقال:
قد جسد به الدم، إذا يبس عليه واجتمع. والمِجسد والمُجسد، عن الطوسي: الثوب المشبع بالصبغ.
وقال يعقوب: المُجسد: الثوب الذي يلي الجسد، وهو الشعار.
والندامى يرتفعون ببيض، والكاف مرفوعة على النعت لبيض، والقينة ترتفع بإضمار: ولنا قينة
وعندنا قنية، وتروح صلة القينة، والى وبين صلتان لتروح.
(رَحِيبٌ قِطابُ الجَيْبَ مِنْها رَفيقةٌ ... بجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المتُجَرَّدِ)
قال أبو بكر: هذه رواية الأصمعي، ورواه غيره: (رحيب قطاب الجيب)، فأنكر أبو جعفر هذه
الرواية الثانية وقال: لا أعرف إلا الرفع مع التنوين. أي الجيب الذي يضيق فهو منها واسع رحيب.
وقال غيره: الرحيب: الواسع. والرحبة: المتسع. من ذلك قولهم: مرحبا وأهلا، أي لقيت سعة وأهلا
فاستأنس. قال الله عز وجل: (لا مَرحباً بهم)، معناه لا لقوا رحبا. قال الشاعر:
إذا جئتُ بوّاباً له قال مرحباً ... ألاَ مرحبٌ واديك غيرُ مَضِيقِ
ويقال: قد رحب المكان يرحب رحبا، إذا اتسع. ويقال للفرس إذا أمر بالخروج إلى السعة: ارحب
وارحبي: اتسعى. و (قطاب الجيب): مجتمع الجيب. قطب، أي جمع. ومنه: جاء الناس قاطبة، أي
جميعا. ويقال قطبه يقطبه، إذا جمعه. وقوله (رفيقة بجس الندامى) يقول: قد استمرت على الجس.
(1/189)

وقال الطوسي: قال بعضهم: جس الندامى: أن يجسوا بأيديهم يلمسونها، كما قال الأعشى:
لِجَسّ الندامى في يدِ الدّرع مِفتَقُ
فهذا يصدق قول من قال: انهم يلمسون بأيديهم. وذلك أن القينة كان يفتق فتق في كمها إلى الرسغ،
فإذا أراد الرجل أن يلمس منها شيئا ادخل يده فلمس. ويد الدرع: كمه. و (البضة): البيضاء الرقيقة
الجلد الناعمة. ويقال: ابيض بض. وقال يعقوب: البضة الرقيقة الجلد الناعمة. ويقال ابيض بض ولا
يقال أسود بض. وقوله (المتجرد) يعنى هي بضة عند التجريد إذا جردتها من ثيابها. وقال يعقوب:
المتجرد: ما سترته الثياب من الجسد
والقطاب يرتفع برحيب، ورحيب نعت لقينة، وقطاب رفع بمعنى رحيب، والألف واللام بدل من
الهاء كأنه قال: رحيب قطاب جيبها. وقال بعضهم: من خفض قطابا جعل الرحيب نعتا للقينة.
وخفض قطاب عندي خطأ، لأن الرحيب لو كان منقولا إلى القينة لقال رحيبة قطاب الجيب. والرفيقة
نعت لها أيضا، أعني القينة، وكذلك البضة.
(إِذا نَحْنُ قُلنا أَسْمِعِينا انبرَتْ لنا ... على رِسْلِها مَطروفةً لم تَشَدَّدِ)
قوله (انبرت لنا) معناه اعترضت لنا. وقال الطوسي: معناه أخذت فيما يطلب منها فغنت. وقوله
(مطروفة) معناه فاترة الطرف، معناه ساكنة كأنها طرفت عن كل شيء تنظر اليه، وطرف طرفها
عنه. وقال أبو جعفر: معنى قوله مطروفة كأنها قد أصابت عينها طرفة من فتورها. وأنشد للمخبل:
وإذا ألمَّ خيالُها طُرِفَتْ ... عيني فماءُ شُؤُونها سَجْمُ
(1/190)

وروى التوزي وأبو يوسف: (على رسلها مطروقة لم تشدد) فمعناه مسترخية لم تشدد: لم تجتهد.
يقال: رجل مطروق: فيه طريقة، أي استرخاء وتساقط. ويقال في مثل: (إن تحت طريقته لعند أوة)
أي تحت ضعفه لدهاء. وقال أبو جعفر: لا اعرف مطروقة بالقاف. وقال يعقوب: يروى على وجهين
بالقاف والفاء، قال: فالمطروقة بالفاء: التي عينها إلى الرجال.
ونحن في موضع رفع بما عاد من النون والألف في قلنا، وانبرت جواب إذا. ومطروفة منصوبة
على الحال من الضمير الذي في انبرت.
(وما زالَ تَشْرابِي الخُمورَ ولَذَّتي ... وبَيعي وإِنفاقِي طَرِيفي ومُتْلدِي)
(التشراب): الشرب. والطارف، و (الطريف): ما استحدثه الرجل واكتسبه. والتالد والتليد: ما ورثه
عن آبائه. قال الشاعر:
وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ ... لِغيري وكان المالُ بالأمس ماليا
وقال كثيِّرٌ:
ونعود سيِّدنا وسيِّدَ غيرنا ... ليت التشكِّيَ كان بالعوّادِ
لو كان يُفدَى ما به لفَديتُه ... بالمصطفَى من طارفي وتَلادي
وموضع التشراب رفع بزال. واللذة والبيع والإنفاق نسق على الشراب.
(إِلى أن تَحَامَتني العشِيرةُ كُلُّها ... وأُفْرِدْتُ إِفرادَ البَعيرِ المعبَّدِ)
قال أبو جعفر: معناه لم أقبل من عذالي فتركوني ألقي حبلي على غاربي ولم يقربني أحد. وقال
غيره: معناه صرت كالبعير المعبد، وهو الذي قد طلى بالهناء من الجرب
(1/191)

حتى ذهب وبره. فيقول: عزل عن الإبل لئلا يعديها. قال أبو عبيدة: المعبد: الأجرب عبده الجرب، أي ذهب بوبره. وقال
الطوسي: المعبد: المهنو بالقطران، يفرد لئلا يقارب الإبل فيعديها بجربه. قال: ومعبد: مذلل
بالقطران، كالطريق المعبد المذلل. هذا قول أبي عبيدة وابن الأعرابي. فيقول: أعييت عذالي
فتحوميت كما يتحاي البعير الأجرب المهنو بالقطران.
وإلى خبر زال. وأفردت نسق على تحامتني. والأفراد منصوب على المصدر.
(رأَيتُ بَنى غَبْراءَ لا يُنْكِرونني ... ولا أَهلُ هذاكَ الطِّرافِ الممدَّدِ)
(بنو غبراء): الصعاليك، وهم المحاويج والفقراء والسؤال والاضياف. و (الطراف): بيت من أدم،
وأهله المياسير والأغنياء. يقول: يعرفني الفقراء والأغنياء، أي أعطي الفقراء وأنادم الاغنياء،
و (الممدد): الذي قد مد بالأطناب، والطراف لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجمع.
وموضع بنى نصب برأيت، وخبر رأيت ما عاد من ينكرونني. ولا أهل هذاك، بالرفع، ويروى:
(ولا أهل هذاك) بالنصب. فمن رفع أهل نسقهم على ما في ينكرونني، ومن نصبهم ردهم على بني
غبراء، كما تقول: أن أخواتك يقومون واخوتُنا بالرفع، وإن شئت قلت واخوتَنا بالنصب. وفي هذاك
لغات: يقال هذاك الرجل قام، وذلك الرجل، وذاك الرجل، وذانك الرجل.
(أَلاَ أَيُّهذا الَّلائِمي أَشْهَدُ الوغَى ... وأَن أَحضُرَ الَّلذَّاتِ هل أَنتَ مُخْلِدِي)
معناه يأيهذا اللائمي. يقال يأيها الرجل ويا هذا الرجل أقبل، ويا أبه الرجل اقبل بضم الهاء. ويقال:
لمت الرجل ألومه لوما ولائمة وملاما، إذا عذلته. ويقال
(1/192)

رجل لومة: يلوم الناس؛ ورجل لومة: يلومه الناس. وقد ألام الرجل فهو مليم، إذا أتى بما يلام عليه. والأم، إذا أتى باللؤم. ورجل ملآم، بكسر
الميم والهمز، إذا كان يعذر اللئام. ويروى: (ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى) بالنصب، فمن نصب
أضمر أن، ومن رفع قال لما فقد المستقبل أن رفع بالحرف الذي في أوله. قال الشاعر:
وهَمَّ رجالٌ يشفعوا لي فلم أجدْ ... شفيعاً إليه غير جُودٍ يُعادلُه
وقال الآخر:
ألاَ ليتني متّ قبلَ أعرفَكُمْ ... وصاغَنا اللهُ صِيغةً ذهبا
أراد قبل أن أعرفكم، وأراد في البيت الأول: وهم رجال أن يشفعوا. وقال الله تبارك وتعالى:
(تأمرونِّي أعبدُ) أراد أن أعبد، فلما أسقط الناصب رفع. وروى التوزي: (ألا أيها اللاحي أن أحضر
الوغى). اللاحي: اللائم. يقال: لحاه يلحاه ويلحوه، إذا لامه. والوغى والوحى: الصوت في الحرب.
والمعنى: هو يلحاني ويلومني أن أحضر الوغى وأن أنفق مالي في الخمر وغيرها.
وموضع اللائمي رفع على الإتباع لهذا، وموضع أن نصب بفقد الخافض. ويروى: (ألا أيهذا
الزاجري أحضر الوغى).
(فإِن كُنْت لا تَسْطِيعُ دَفعَ مَنِيَّتي ... فدَعْني أَبادِرْها بما مَلَكَتْ يَدِي)
معناه: أبادر المنية بإنفاق ما ملكت يدي في لذاتي.
(1/193)

(فلولا ثلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشةِ الفتَى ... وجَدِّكَ لم أَحفِلْ متَى قام عُوَّدِي)
معناه: فلولا ثلاث خلال. وقد بينهن في البيت الثاني. وجدك، مخفوض على القسم. وقوله (لم
أحفل): لم أعظمه مبالاة. وقوله (قام عودي) معناه متى مت. ويروى: (فلولا ثلاث هن من حاجة
الفتى). وقال أبو جعفر في قوله قام عودي: معناه هم عنده فإذا قضى قاموا عنه.
والثلاث يرتفع بلولا، وهن مرفوع بمن.
(فمِنهُنَّ سَبْقُ العاذِلاتِ بشَرْبةِ ... كُمَيتٍ مَتَى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبدِ)
وروى أبو عمرو: (فمنهن سبقى العاذلات)، أي أغدو على شرب الخمر قبل لوم العاذلات.
و (الكميت): الحمراء إلى الكلفة. وقال الطوسي: حمرتها تضرب إلى السواد. وقال أبو جعفر: هي من
العنب الأسود.
والسبق رفع بمن. وهن تعود على ثلاث. وتعل مجزوم بمتى ما، وتزبد جواب الجزاء.
(وكَرِّى إذا نادَى المُضَافُ مُحَنَّباً ... كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهتَهُ المتورِّدِ)
(كرى): عطفى. يقال: كر يكر كرورا وكرا، إذا عطف ورجع. والكر:
(1/194)

الرجوع والعطف. والكر:
الحبل العظيم الغليظ، وجمعه كرور. وانشد يعقوب:
جَذْبُ الصَّراريَّينَ بالكُرورِ
والكُر، بضم الكاف: حمى صغير، والجمع كرار. قال كثير:
به قُلُبٌ عاديةٌ وكِرارُ
وقال أبو جعفر: الكر أشد القتال، لأنه إنما يكر ليحمى من انهزم. وقال غيره في قوله (إذا نادى):
معناه إذا صوت ليعطف عليه. ويقال: قد نادى الشجر والنخل والكرم، إذا تفطر بالنبات وخرجت
أكمامه. قال العجاج:
كالكرْم إذْ نادى من الكافورِ
وقال يعقوب والطوسي: (المضاف): الملجأ الملحق المدرك. وقال أبو عبيدة: المضاف: الذي قد
أضافته الهموم. وأنشد:
وكنتُ إذا جارى دعا لمَضُوفةٍ ... أشمِّر حتَّى ينَصُفَ الساقَ مئزرِي
وقال النحويون: المضوفة وزنها من الفعل مفعلة، والاصل فيها مضيفة فاستثقلت الضمة في الياء
لأنها إعراب والياء تكون إعرابا أيضا في حال، فلم يدخل أعرب على إعراب، فألقيت ضمة الياء
على الضاد وصارت الياء واواً لانضمام ما قبلها. ويقال: قد أضاف فلان من ذلك الأمر، أي أشفق
منه. و (محنبا): فرسا أقنى الذراع. والتحنيب كالقنا في الذراع وفي الوظيف، وهو يمدح به. وقال
عبد الله بن محمد بن رستم: سألت التوزي عن التحنيب والتجنيب أيهما في اليدين وأيهما في
الرجلين؟ فقال: الجيم مع الجيم. وقال الأصمعي: المحنب الناتئ العظام، شبيها بالقنا في الأنف، وهو
انحناء في الوظيف. و (السيد): الذئب. وذئب الغضا أخبث الذئاب، لأنه خمر يستخفي. ويقال: اخبث
الذئاب ذئب الغضا، وأخبث الحيات حية الحماط،
(1/195)

وأخبث الأفاعي أفعى الجدب، وأسرع الظباء تيس الحلب،
وأشد الرجال الأعجف الضخم، وأقبح النساء القفرة الجهمة. ويقال لحية الحماط شيطانة. ففي
الشيطان ثلاثة أقوال: يقال هي الشياطين التي يعرفها الناس؛ لأن الناس قد تيقنوا وحشتها وان لم
يعاينوها. ويقال الشياطين حيات الحماط، والحماط الشجر. قال حميد بن ثور:
فلمَّا أتتْه أنشبَتْ في خِشاشِهِ ... زِماماً كشيطان الحماطةِ محكَما
ويقال الشياطين نبات تعرفه الأعراب، وحش الرءوس، شبه الله عز وجل الطلع به. و (الغضا):
شجر. ويقال: نار غضوية، إذا كانت تثقب بشجر الغضا. و (نبهته): هيجته. و (المتورد): الذي
يطلب الورد. وقال أبو عبيدة: المحنب من الخيل: الذي في عظامه انحناء. ويقال: محنب الخلق،
وموتر، ومعقرب إذا كان فيه انحناء. ويقال للشيخ: فيه توتير، إذا انحنى صلبه. وروى الطوسي:
(كسيد الغضا في الطخية). والطخية: السحابة عليها طخاء. وقال أبو جعفر: الطخاء هو السحاب
المظلم. وقال غيره: المتورد: الذي يطلب ورود الماء. قال: وذئب الغضا أخبث من ذئب الفضا.
وموضع الكر رفع لأنه نسق على السبق. ومحنبا منصوب على الحال من المضاف، والكاف في
موضع نصب على النعت لمحنب. والمتورد نعت للسيد.
(وتَقصيرُ يومِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ ... ببَهْكَنةٍ تَحتَ الخبءِ المعمَّدِ)
قوله (وتقصير يوم الدجن) معناه أقصره باللهو، ويوم اللهو قصير، وليلة اللهو والسرور قصيران.
قال بعض الأعراب:
(1/196)

لئن أيامُنا أمستْ طِوالاً ... لقد كُنا نعيش بها قِصارا
أي طالت بالحزن وقصرت بالسرور. وقال الآخر:
شهورٌ ينقضين وما شَعَرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سِرارِ
وأنشد يعقوب:
ظللنا عند دار بني أنيسٍ ... بيومٍ مثل سالفة الذُّبابِ
ويوم الدجن يوم ندى ورش. قال الشاعر يذكر حمامة:
ناحت على غُصُن من أيكةٍ نَضِرٍ ... في يوم دَجْن له ريحٌ وأنداءُ
فالرّيح ترفعه والطلُّ يخفضُه ... والعينُ والغُصن يجرى منهما الماءُ
ويروى: (بهيكلة). و (البهكنة): التامة الخلق. والهيكلة: العظيمة الألواح والعجيزة والفخذين.
و (الطراف): بيت من أدم. و (المعمد): المرفوع بالعمد. ويروى: (الممدد)، وهو المضروب الممدد
بالحبال.
والتقصير نسق على سبق. والدجن مرتفع بمعجب.
(كَأَنّ البُرينَ والدَّماليجَ عُلِّقَتْ ... على عُشَرٍ أو خِرْوعٍ لم يُخَضَّدِ)
(البرين): الخلاخيل، واحدها برة. وأصل البرة حلقة من صفر تكون في منخر البعير. يقال: أبريت
البعير فهو مبري. والجمع برون وبرين. و (العشر): شجر أملس مستو ضعيف العود. شبه عظامها
وذراعيها به. قال يعقوب: كل نبت ناعم خروع؛ ومنه قيل امرأة خريع، إذا كانت لينة ناعمة. و (لم
(1/197)

يخضد): لم يثن. شبه ساقيها وعضديها به في نعمته. يقال خضدت الغصن اخضده خضدا، إذا ثنيته
لتكسره.
والبرين اسم كأن، وخبر كأن ما عاج من علقت، ولم يخضد صلة الخروع.
(ذَريني أُرَوِّي هامتي في حيَاتها ... مَخافة شِربٍ في الحياة مُصرَّدِ)
(الشِّرب) بكسر الشين، والشرب بضمها: اسمان للمشروب. والشَّرب بفتح الشين: مصدر شربت
شربا. والشَّرب أيضا بفتح الشين: جمع شارب. وقد يقال الشَّرب والشِّرب والشُّرب لغات معناهن
واحد، يراد بكلهن المصدر. و (المصرد): المقلل. وقال أبو جعفر: لا أعرف هذا البيت في قصيدة
طرفة.
(كريمٌ يُرَوِّي نفسَه في حَياتهِ ... سَتعْلَمُ أن مُتنَا غَداً أَيُّنا الصَّدِي)
يقال رويت من الشراب فأنا أروى منه ريا. ويقال شراب رواء وروى، المد مع فتح الراء، والقصر
مع كسر الراء. قال الراجز:
تَبَشَّري بالرِّفْه والماء الرِّوَي ... وفَرَجٍ منكِ قريبٍ قد أتى
و (النفس): واحدة النفوس. والنفس: قدر دبغة من الدباغ. ويقال: أن لي في هذا الأمر لنفسا، أي
لمتسعا. وقوله (ستعلم أن متنا غدا أينا الصدى)
(1/198)

كان أهل الجاهلية يزعمون إذا مات الميت خرجت
من قبره هامة تزقو عليه، وكانوا يسمون الصوت الصدى، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا
وقال: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر). ويقال في جمع الهامة هام، وفي جمع الصدى أصداء. وقال
لبيد يرثي أخاه أربد:
فليس الناسُ بعدَك في نقيرٍ ... ولا همْ غير أصداءٍ وهامِ
وقال الآخر:
فإن تك هامةً بهراةَ تزقو ... فقد أزقيتَ بالمَرْوَين هاما
ويقال: الصدى: جسم الرجل بعد موته. والصدى في غير هذا: العطش. و (الصدى) بكسر الدال:
العطشان. ويروى: (صدى أينا الصدى) بخفض أي بإضافة الصدى إليها. وموضع صدى رفع
بالصدى، والتقدير صدى أينا العطشان. ويروى: (صدى - بالتنوين - أينا الصد) بالرفع، وأي على
هذه الرواية يرتفع بالصدى.
(أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بخيلٍ بمالِه ... كقَبْر غَوىٍّ في البَطَالة مُفْسِدِ)
(النحام): الزحار عند السؤال البخيل. يقال نحم ينحم نحْما ونحَما. والنحيم والنحمان: شبيه بالزحير.
قال رؤبة:
بَيّضَ عينيه العَمَى المعَمِّى ... مِن نَحَمان الحَسَد النِّحَمِّ)
(1/199)

فيقول: أن الشحيح بماله، وهذا الفاتك المبذر؛ يصيران إلى الموت، ولا ينفع الشحيح شحه.
ويقال بخل يبخل بخلا.
والقبر اسم أرى. والكاف منصوبة على خبر أرى، ومفسد نعت الغوى، وفي البطالة صلة مفسد.
(تَرَى جُثْوَتَينَ مِنْ تُرابٍ عَلَيهمِا ... صفائحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ)
ويروى: (في صفيح). وروى التوزي والطوسي: (أرى جثوين من تراب عليهما). والجثوة: التراب
المجموع. ويقال للرجل: إنما هو جثوة اليوم أو غد. وقال الطوسي: يقال جُثوة وجِثوة، والكسر أكثر،
وهو التراب المجموع. ويقال: تراب وتورب وتيرب وتوراب وتراء. ويقال في جمع الترباء ترب.
ويقال في جمع التراب: أتربة وتِربان وتُربان. والصفائح: صخور عراض صم صلاب. ويروى:
(من صفيح منضد). والصفيح: الحجارة العراض. والمنضد: الذي ند على القبر.
والجثوتان منصوبتان بترى، والصفائح ترتفع بعلى، وصم نعت الصفائح.
(أَرَى الموتَ يَعتامُ الكِرام ويَصْطَفي ... عَقِيلةَ مالِ الفاحشِ المتشَدِّدِ)
(يعتام): يختار. ويقال إعتامه واعتماه، إذا اختاروه. و (عقيلة) كل شيء: خيرته وأنفسه عند أهله.
ويقال للمرأة: هي عقيلة قومها. و (يصطفي): يختار، أخذ من الصفوة من الشيء، وهي خياره.
ويقال: هي صفوة الماء، وصفوة المال، وصفوته. و (المتشدد): البخيل الممسك.
(1/200)

والموت منصوب بأرى، وخبر أرى ما عاد من يعتام، ويصطفي نسق على يعتام. ويروى: (أرى
الموت يعتاد النفوس).
(أَرى العَيَش كَنْزاً ناقصاً كُلَّ ليلةٍ ... وما تنقُصِ الأَيَّامُ والدَّهُر يَنفَدِ)
معناه: وما نقصاه الأيام والدهر ذهب.
وموضع ما نصب بتنقص، والأيام مرتفعة به. ويجوز أن تضمر هاء يرتفع ما بعودتها. ويجوز ينفد
على جواب الجزاء. ويكون التقدير: وما تنقصه الأيام والدهر ينفد.
(لَعَمْرُكَ أن الموتَ ما أَخطأَ الفَتَى ... لكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِتْياهُ في اليدِ)
قوله (لعمرك) معناه وحياتك. وفيه ثلاث لغات: يقال لعمرك إني لمحسن، باللام والرفع، وهي اللغة
المختارة، قال الله عز وجل: (لَعَمْرك إنَّهمْ لَفي سَكْرتِهِم يَعْمَهُون). ويقال عمرك بالنصب وإسقاط
اللام. وأنشد الفراء:
عَمْرَكِ اللهَ ساعةً حدّثينا ... ودَعِينا مِنْ ذكر ما يُؤذينا
(1/201)

ويقال عمرك بالرفع وإسقاط اللام، انشد الفراء:
أجِدَّكَ هذا عَمْرُك اللهَ بعدما ... بَرَاك الهوى بَرحٌ بِعينيكَ بارحُ
والمعنى: أن الموت في حال إخطائه الفتى كالطول، أي كالحبل المرخى وهو بيد الإنسان إذا شاء
جذبه. ويقال: الفرس يرعى في طوله، أي في حبل قد طول له فيه. والطول: حبل طويل تربط به
الدابة يطول لها في الكلأ حتى ترعاه. فيقول: الإنسان قد مد له في أجله، وهو آتيه لا محالة، وهو في
يدي من يملك قبض روحه كما أن صاحب الفرس الذي قد طول له إذا شاء اجتذبه وثناه إليه.
و (ثنياه): ما انثنى على يده وعطفه إليه.
وموضع ما نصب، وهي في تقدير المصدر، والتقدير: لعمرك أن الموت في اخطائه الفتى، فلما
أسقطت الخافض نصبت ما. والكاف في موضع رفع على خبر إن.
(فَمالي أَرانب وابنَ عمِّىَ مالكاً ... متى أَدْنُ منه يَنْأَ عَنِّي ويبعُدِ)
معناه: إذا أردت دنوه تباعد عني. يقال: قد نأي فلان، وقد ناء فلان، إذا بعد. ونسق يبعد على ينأ،
ومعناهما واحد لما اختلف اللفظان، كما قال الآخر:
ألا حبّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى مِن دونها النَّأي والبُعدُ
فنسق النأي على البعد لما اختلف اللفظان.
(يَلُوم وما أَدرِي عَلاَمَ يَلُومُني ... كما لاَمَنِي في الحيِّ قُرطُ بنُ أَعْبَد)
قرط بن أعبد: رجل منهم. وقوله: (علام يلومني) معناه على أي شيء يلومني؛
(1/202)

فحذف الألف من ما اكتفاء بفتحة الميم فيها؛ لأنها مع على بمنزلة الشيء الواحد. ومن العرب من يُثبت الألف فيقول:
على ما؟ انشد الفراء:
على ما قامَ يشتُمني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تَمرَّغَ في رَمادِ
وإنما يجوز حذف الألف من ما في الاستفهام خاصة إذا اتصلت بالخافض.
(وأَيأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيرٍ طَلَبتُهُ ... كأَنّا وضَعناهُ إلى رَمْسِ مُلْحَدِ)
يقال: يئست من الشيء أيأس، وأيست منه آيس. وقال بعض أهل اللغة: يقال يئس من الشيء ييأس
وييئس، ونعِم وينعَم وينعِم، ويبس ييبَس وييبِس. فيقول: قد يئست من خيره حتى كأنه قد مات
ودفنته. و (الرمس): القبر. يقال: ارمس هذا الحديث، أي ادفنه. والروامس: الرياح الدوافن. قال
حسان:
ديارٌ من بني الحسحاس قفَرٌ ... يعفِّيها الرَّوامِس والسَّماءُ
و (اللحد): ما يشق في جانب القبر: يقال لحد يلحد لحدا. ويقال لحدته وألحدته، فهو ملحد وملحود.
واللحد جمعه لحود.
(1/203)

(على غَيرِ ذَنْبٍ قُلتُهُ غيْرَ أَنَّني ... نَشَدْتُ فَلم أُغفِلْ حَمُولةَ مَعْبدِ)
ويروى: (فلم اغفل) بفتح الألف. وقوله (نشدت) معناه أنشدت بذكرها. ويقال: نشدت الضالة، إذا
طلبتها؛ وأنشدتها، إذا عرفتها. و (الحمولة): الإبل التي يحمل عليها. والفرش: الإبل الصغار التي لم
تبلغ أن يحمل عليها. قال الله عز وجل: (ومِن الأنعام حَمولةً وفرشاً). قال الشاعر:
له إبلٌ فَرْشٌ أسنَّةٍ ... صُهابيّةٌ ضاقت عليها حقوقُها
و (معبد): أخو طرفة. قال ابن الأعرابي: هذه إبل كانت له ولأخيه معبد، كانا يرعيانها يوما ويوما،
فلما غبها طرفة قال له أخوه معبد: لم لا تسرح في إبلك، كأنك ترى إنها أن أخذت يردها شعرك هذا!
قال: فإني لا أخرج فيها ابد حتى تعلم أن شعري سيردها أن أخذت. فتركها فأخذها ناس من مضر،
فادعى جوار عمرو وقابوس، ورجل من اليمن يقال له بشر بن قيس، فقال طرفة في ذلك:
أعمرو بن هندٍ ما ترى رأيَ صِرمَةٍ
ومن روى: (فلم أغفل) بضم الألف أراد نشدت حمولة معبد فلم أغفل ذلك. ومن روى: (فلم أغفل)
أراد: فلم أغفل عن ذلك.
(1/204)

(وقرَّبتُ بالقُربَى وجَدِّكَ إِنَّهُ ... مَتَى يَكُ أَمرٌ للنَّكيثةِ أَشْهَدِ)
قوله (وقربت بالقربى) يقول: أدللت على مالك بالقربى، أي أدللت على ابن عمي بالقرابة. وقوله:
(للنكيثة) يقول: متى يجيء أمر نبلغ فيه أقصى المجهود من النفس أشهده. يقال: بلغت نكيثة البعير،
إذا جهدته في السير فلم يبق من سيره شيء. والجمع نكائث، قال الراعي:
تُضحي إذا العيِسُ أدركْنا نكائثها
وقال الطوسي: النكيثة: شدة النفس. يقال: بلغت نكيثة البعير، إذا بلغ جهده في السير. قال أبو
جعفر: الرواية الجيدة: (إنني متى يك أمر). وقال غيره: وجدك مخفوض على القسم، ومعناه الحظ،
أي وحظك.
ويك موضعه جزم بمتى، والأصل فيه يكن، فذهبت النون لكثرة الاستعمال، وشبهت بالياء والواو
والألف. والهاء اسم إن، وجملة الكلام خبر أن، وتقدير الهاء: أن الشأن وأن الأمر. وأشهد مجزوم
على جواب الجزاء، ومن روى: (إنني متى يك أمر) قال: النون والياء اسم إن، وخبر أن ما عاد من
أشهد، والتقدير: إنني أشهد متى يك أمر، فلما وقع خبر أن في موضع جواب الجزاء جزم وتأويله
الرفع والتقديم.
(وإِنْ أُدْعَ في الجُلَّى أَكُنْ من حُمَاتها ... وإِنْ يَأْتِكَ الأَعداءُ بِالجَهْدِ أَجْهَدِ)
وروى الطوسي: (وإن أدع للجلى). قال: والجلى: الأمر الجليل العظيم. وقال يعقوب: الجلى فعلى
من الأجل، كما تقول: الأعظم والعظمى. وقال
(1/205)

غيره: الجُلى بضم الجيم مقصورة، وإذا فتحت جيمها
مدت فقيل الجَلاء. و (حماتها): الذين يقومون بها.
وأدع مجزوم بإنْ، وأكن جواب الجزاء.
(وإِنْ يَقْذِفوا بالقَدْعِ عِرْضَكَ أَسقِهمْ ... بشُربِ حِياضِ الموتِ قَبْلَ التَّنجُّدِ)
(القدع) والقذع: اللفظ القبيح والشتم. يقال: أقذع له. قال أبو جعفر: القذع الاسم. وقال: (يقذفوا)
يرمونه بذلك ويؤنبونه به. و (العرض): موضع المدح والذم من الرجل. والعرض: ريح الجسد.
يقال: إنه لطيب العرض ومنتن العرض. وقال أبو جعفر: العرض رائحة الجسد. ويقال: امرأة حسنة
العرض. وقل غيره: العرض النفس. وانشد لحسان يقول لأبي سفيان بن الحارث:
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ
أراد بلعرض النفس. وروى الطوسي: (وأن يقذفوا بالقذع) بالدال والذال. فالقذع: الشتم، والقدع:
الزجر والكف: يقال: قدعته عني، أي كففته. والعرض: الجسد. والعرض: أفاصل. وقال غيره: يقال
شربت أشرب شَربا وشُربا وشِربا. و (الحياض): جمع حوض. وهذا مثل، أي أوردهم حياض
المهالك. ويقال: قد احتاض الرجل وحوض، إذا اتخذ حوضا. و (التنجد): الاجتهاد. وروى ابن
الاعرابي: (قبل التهدد)، أي أقتلهم قبل أن أتهددهم. وقال أبو جعفر: معناه لست صاحب تهدد، أنا
صاحب قتل ولست بمهذار.
وموضع أسقهم جزم على جواب الجزاء.
(1/206)

(بِلا حدَثٍ أَحدثتُه وكَمُحْدِثٍ ... هِجائي وقَذْفي بالشَّكَاة ومُطرَدي)
وروى الأصمعي: (كمحدَث) بفتح الدال، أي فعل بي ما فعل بلا حدث ولا جرم كان مني، وكمحدث
مني أتى ذلك إلي. وقال الطوسي: معناه هجيت وشكيت وكمحدث مني أتى ذلك إلي. وقال أبو جعفر:
من روى (كمحدِث) بكسر الدال أراد الرجل الذي هجاني كرجل احدث حدثا عظيما، ومن فتح الدال
أراد: وهجائي كمحدَث: أمر عظيم. قال الأصمعي: هجا غرثه وأهجاه، أي كسره. ويقال: فلانة تهجو
زوجها، أي تذم صحبته. ويروى عن الأصمعي في قوله: (وكمحدث) بفتح الدال، معناه كإحداثي
شكايته إياي. و (مطردي) أي اطرادي. ويقال: أطردته، إذا صيرته طريدا؛ وطردته عني، إذا نحيته.
والمحدث مصدر، يقال أحدثته إحداثا ومحدثا.
والحدث مخفوض بالباء، والهجاء مرفوع بالكاف، والقذف والمطرد منسوقان على الهجاء.
(فلو كانَ مَولايَ امرأً هو غَيرُهُ ... لفرَّجَ كَربى أو لأَنظَرَنِي غَدِي)
ويروى: (فلو كان مولاي ابن أصرم مسهر). ومن روى الرواية الأولى قال: مولاي في موضع رفع
على اسم الكون، وامرأ خبر الكون. ومن روى الرواية الثانية قال: مولاي في موضع نصب على
خبر الكون، وابن أصرم اسم الكون، ومسهر مترجم عن الابن.
(1/207)

و (المولى) هنا: ابن العم: قال الله تبارك وتعالى: (يَومَ لا يُغْني مَولىً عن مَولىً شيئاً)، معناه لا
يعنى ابن عم عن ابن عمه. قال الشاعر:
فأبقُوا لا أبا لكُم عليهمْ ... فإنَ مَلامة المولى شَقاءُ
معناه فان ملامة ابن العم. قوله (لأنظرني غدي) معناه: تأن في أمري ولا تعجل عليَّ حتى أصير
إلى ما تحب. ويقال أنظره غده، أي دعه حتى يرجع إليه حلمه ويحسن رأيه. ويقال نظرت الرجل
أنظره، إذا انتظرته؛ وأنظرته أنظره، إذا أخرته. وقال الطوسي. لفرج كربي، معناه أعانني على ما
نزل بي من الغم.
(ولكنَّ مَولايَ امرُؤٌ هو خانِقي ... على الشُّكْرِ والتَّسْآلِ أو أَنا مُفْتَدِ)
معناه يسألني أن أشكره وأفتدي منه بمالي. قال الأصمعي: أو أنا مفتد منه. وقال أبو جعفر في قوله
أو أنا مفتد: يقول: أو أنا هارب منه أفتدى نفسي منه بغيري. وقال أبو عبيدة: (هو خانقي على غير
ما أذنبت أو أنا معتد)، أي معتد عليه. وفي رواية أبي عبيدة أو بمعنى أم، وعلى رواية العامة أو
بمعنى بل، كأنه قال: بل أنا مفتد منه. وقال الله عز وجل: (إلى مائةِ ألف أو يزَيدون). وأنشد الفراء:
بدتْ مثلَ قرن الشَّمسِ في رَونق الضُّحى ... وصُورِتها أو أنتِ في العين أملَحُ
معناه بل أنت. ويقال أو بمعنى الواو، والتقدير: وأنا مفتد. قال الله عز وجل: (ولا تُطعْ منهمْ آثماً أو
كَفوراً)، معناه آثما وكفورا. وأو بمعنى أم قليل في الكلام. وروى الرستمي وغيره بعد هذا البيت الذي
مضى بيتا:
(1/208)

(وظُلمُ ذَوِى القُرْبى أَشَدُّ مَضَاضة ... عَلَى المرءِ من وقع الحُسام المُهَنّدِ)
وقال أبو جعفر: ليس هذا البيت من قصيدة طرفة، إنما هو لعدي بن زيد العبادي. وأصل (الظلم)
وضع الشيء في غير موضعه، من ذلك قولهم: (من أشبه أباه فما ظلم)، معناه: ما وضع الشبه في
غير موضعه. ويقال: ظلمت السقاء، إذا سقيت اللبن منه قبل أن يخرج زبده. والمظلومة: الأرض
يحفر فيها في غير موضع حفر. يقال ظلمه ظلما بفتح الظاء؛ والظُّلم بالضم الاسم. يقال سيف هند
وأني و (مهند)، وهو منسوب إلى الهند. و (الحسام): القاطع.
والظلم يرتفع بأشد، والمضاضة منصوبة على التفسير.
(فذَرْني وخُلْقي إِنَّني لكَ شاكرٌ ... ولو حَلَّ بَيْتِي نائياً عند ضَرغَدِ)
ويروى: (فذرني وعرضي). و (ضرغد): حرة بأرض غطفان. ويقال: قد نأى فلان عنا وناء، إذا
بعد؛ والنأي: البعد.
(فلو شاءَ رَبِّي كنتُ قَيْسَ بنَ خالدٍ ... ولو شاءَ ربِّي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرثَدِ)
ورواه أبو عبيدة:
أرى كلَّ ذي جَدّ ينوءُ بجَدّه ... فلو شاء ربِّي كنت عَمرو بنَ مَرثد
(1/209)

وقيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين من بني شيبان. وعمرو بن مرثد: ابن عم طرفة. ومن روى:
(أرى كل ذي جد ينوء بجده) أراد: أرى كل ذي حظ ينهض بحظه. يقال نؤت بالحمل أنوء به، إذا
نهضت به. وقال أبو عبيدة: قال عمرو بن بن مرثد لما سمع قول طرفة: ابعثوا إلى طرفة. فأتاه
طرفة فقال له: أما الولد فليس ذاك إلي فالله تعالى يعطيكم، وأما المال فمحلوفه لا تبرح حتى تكون
أوسطنا مالاً! ثم دعا بنيه وهم سبعة: بشر بن عمرو، ومرثد والفيض، وذهل بنو عمرو، وأمهم
زهيرة بنت عائذ بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان؛ وشرحبيل بن عمرو، ومحمود بن
عمرو، وحسان بن عمرو، وأمهم ماوية بنت جوى بن سفيان بن مجاشع بن دارم. فقال: يا بشر
أعطه. فأعطاه عشرا من الإبل، حتى أعطاه بنو عمرو سبعين بعيرا. ثم قال لثلاثة من بني الأبناء:
أعطوه عشرا عشرا، فكان أحد الثلاثة عبد عمرو بن بشر، والآخر عمارة بن مرثد، وآخر صعصعة
بن محمود، فكان بنو الأبناء الذين أعطوا طرفة يفخرون على سائر الأبناء الذين لم يعطوا طرفة،
يقولون: جعلنا جدنا مثل بنيه.
وكنت جواب لو، وقيس بن خالد خبر الكون، وما بعد الواو نسق على ما قبلها.
(فأَصْبحتُ ذا مالٍ كثيرٍ وعادَني ... بنُونَ كرامٌ سادَةٌ لمسَوَّدِ)
قوله (وعادني) معناه واعتادني. وقال بعضهم: معناه آتوني وعضدوني. وروى يعقوب: (وزارني).
ويقال: (عادني) فلان واعتادني، وزارني وازدارني ويقال قد تعود إتياننا واعتاد إتياننا. قال الراجز:
واعتاد أرباضاً لها آريُّ
(1/210)

يقال فرس عتد وعتيد، أي معد للجري. يقال: عاده عيد، إذا أتاه ما كان يعتاده من فرح أو حزن.
قال الشاعر:
عادَ قلبي من الطَّويلة عيدُ ... واعتراني من حبها تسهيدُ
وقال تأبط شرا:
يا عِيدُ مالكُ مِن شوقٍ وإيراقِ ... ومّرِّ طيفٍ على الأهوالِ طَرَّاقِ
يقال: فلان زور فلان، وبنو فلان زور فلان، أي زواره. قال الراجز:
كأنَّهنّ فَتَياتٌ زَوْرُ ... أو بَقَراتٌ بينهنَّ ثَورُ
وقوله (سادة لمسود). قال يعقوب: هذا كما تقول: شريف لشريف. ويقال: ساد فلان بني فلان،
واستادهم. ويقال: قد استدت فلانة، أي تزوجتها من سادة قومها. قال الشاعر:
أراد ابنُ كُوز والسَّفاهةُ كاسمها ... ليستادَ مِنَّا أن شَتَوْنا لياليا
تَبغَّ ابنَ كُوز في سِوَانا فإنَّه ... إذا النَّاسُ مذْ قام النبيُّ الجواريا
معناه: أراد ابن كوز أن يسود فينا بتزوج بناتنا وليس هو بكفو لهن؛ من اجل ما لحقنا من الدب.
الشتاء عند العرب وقت الشدة. وقال الشاعر:
إذا نزلَ الشتاءُ بأرض قومٍ ... تجنَّبَ جارَ بيتِهم الشِّتاءُ
يقول له: تبغ ابن كوز في سوانا، أي أخطب غير بناتنا؛ فإنه قد حرم على الناس قتل البنات مذ جاء
النبي صلى الله عليه وسلم.
وموضع ذا مال نصب على خبر الإصباح. والبنون يرتفعون بفعلهم، والكرام والسادة نعتان لبنين.
ويجوز نصب سادة على الحال، ولم يرو النصب أحد.
(1/211)

(أَنا الرَّجُلُ الجعْدُ الذي تَعرفونه ... خَشَاشٌ كرأْس الحيَّة المتوقْدِ)
(الرجل): ضد الأنثى. والرجل: الشديد الشجاع. والرجل: الراجل. و (الجعد) من الرجال: الخفيف.
قال الراجز:
إني أراك والداً كذاكا ... جَعْدَ القَفَا قصيرةً رجلاكا
قد طال هذا الظلُّ مِن عصاكا
قال أبو جعفر: وروى الأصمعي: (أنا الرجل الضرب). والضرب: الخفيف. ومن روى (الجعد) أراد
المجتمع الشديد. والضرب في غير هذا الموضع: مصدر ضربت الرجل ضربا. والضرب: الجنس
من الشيء: يقال: هذا من ضرب كذا وكذا، أي من جنسه. والضرب: العسل الأبيض، بفتح الراء.
ويقال: عرفت الشيء معرفة وعرفانا. والمعارف: الوجوه. ومعارف الدار: معالمها. و (الخشاش)
الرجل الذي ينخش في الأمور ذكاء ومضاء. وروى الأصمعي: (خِشاش) بالكسر وقال: كل شيء
خشاش بالكسر إلا خشاش الطير. وقوله (كرأس الحية)، معناه هو خفيف الروح ذكي. ويقال حية
وحيات. وأرض محياة ومحواة، إذا كانت كثيرة الحيات. وقال بعض أهل اللغة: إنما سميت الحية
حية لأنها تحوت، أي اجتمعت وتقبضت. وقال أبو عبيدة: الحوايا: ما تحوى من البطن واستدار.
وقال المفسرون: (الحوايا): المباعر، واحدها حاوياء وحاوية. و (المتوقد): الذكي. يقال: توقدت النار
توقدا، ووقدت تقد وقدانا ووقدا.
وأنا رفع بالرجل، والجعد نعته، وخشاش يرتفع على التكرير، كأنه قال: أنا خشاش. والكاف في
موضع رفع على النعت لخشاش.
(1/212)

(فآليْتُ لا ينفَكُّ كَشْحي بِطانَةً ... لأَبيض عضْبِ الشَّفْرتين مهنَّدِ)
قوله (فآليت) معناه حلفت. والإيلاء: مصدر آليت. ويقال هي الألية، والأُلوة، والإلوة، والألوة.
ويقال: يا فلان أبل فلانا يمينا، أي احلف له يمينا تطيب بها نفسه. قال اوس بن حجر:
كأنَّ جديدَ الأرض يُبْليلك عنهم ... تقيُّ اليمينِ بعدَ عهدِك حالفُ
معناه: كأن جديد الأرض يحلف لك. وقال الآخر:
تسائلُ أسماءُ الرّفاقَ وتبْتلى ... ومن دون ما تَهوينَ بابٌ وحاجبُ
يقول: تستحلفهم بالله هل رأيتم فلانا. ومن دون ما تهوين باب وحاجب، معناه أن الرجل الذي تطلبه
كان محبوسا. وقال كثيِّر:
فإنِّي لأُبْلِى من نساءٍ سَوائها ... فأمَّا على ليلى فإنِّيَ لا أُبْلى
معناه: لا أحلف. ويروى:
فأقسمت لا ينفكُّ كَشحِي بِطلنةً ... لعَضْب رقيق الشَّفْرتين مُهَنَّدِ
فقوله: لا ينفك، معناه لا يزال. و (العضب): السيف القاطع. و (الكشح): الخاصرة وما اضطمت
عليه الأضالع. ويروى (أضلاع). وشفرتا السيف: حداه. و (مهند): منسوب إلى الهند، وهي نسبة
على غير قياس. وقال أبو عمرو: التهنيد: شحذ السيف.
والبطانة منصوبة على خبر لا ينفك، وكشحي في موضع رفع لأنه هو لاسم.
(1/213)

(حُسَامٍ إذا ما قُمْتُ مُنتصرا به ... كفَى العوْد منه البَدْءُ ليس بمِعْضدِ)
(الحسام): القاطع من السيوف. ويقال للرجل الماض: إنه لحسام. ويقال للرجل إذا انكسر عند
جرأته: كل حسامه. ويقال: قد حسمته عن كذا وكذا وفطمته وقطعته بمعنى. ويقال: قد حسم قطعه،
بمعنى كواه لينقطع عنه الدم. وقوله (منتصرا) معناه متابعا للضرب. ويقال: قد تناصر القوم على
رؤية الهلال، إذا تتابعوا. ويقال: قد نصر الله تعالى أرض بني فلان، إذا جادها بالمطر. قال الراعي:
إذا انسلَخَ الشَّهرُ الحرامُ فودٍّعِي ... بلادَ تميمٍ وانصري أرضَ عامِرِ
ويقال منتصرا معناه ناصرا. وقال أبو جعفر: منتصرا معناه انتصر من ظلمي. وقوله: (كفى العود
منه البدء)، يقول: كفت الضربة الأولى التي بدأ بها أن يعود ثانية. و (المعضد): الردى من السيوف
التي تمتهن في قطع الشجر. وما قطع من الشجر فهو عضد. وقال بعضهم: المعضد، والددان،
والكهام، والمنثنى من السيوف: الكليل.
ونصب (منتصرا) على الحال من التاء. والبدء يرتفع بكفي، واسم ليس مضمر فيها
(أَخي ثِقَةٍ لا ينْثَني عَنْ ضريبةٍ ... إِذا قيلَ مَهْلاً قال حاجزُه قَدِ)
قوله (لا ينثني عن ضريبة) معناه إذا ضرب به لم يرجع. و (الضريبة): المضروبة. ومضرب
السيف ومضربه. والمضرب من الاسم، والمضرب المصدر. ويقال:
(1/214)

المضرب على رأس شبر من ظبته. وقوله (إذا قيل مهلا).
قال الذي يحجزه، قد فرغ. وقال الطوسي: حاجزه الهاء للسيف،
و (حاجزه) هاهنا: حده. وقوله (قد) معناه حسب، أي قد فرغ. ويقال: قد عبد الله درهم، أي حسب عبد
الله درهم. ويقال: قدي درهم، وقدني درهم.
وأخي ثقة نعت لما تقدم قبله. ويجوز في النحو: أخا ثقة، نصب لما تقدم قبله وعلى المدح أيضا.
والرواة مجمعة على الخفض. ومهلا منصوب على تقدير المصدر، وهو مما يكون للواحد والاثنين
والجمع والمؤنث بلفظ واحد.
(إِذا ابتَدَرَ القَوم السِّلاحَ وَجدْتَني ... مَنيعاً إذا بَلَّتْ بقائمِهِ يَدِي)
قوله (إذا ابتدر القوم)، معناه إذا عجلوا إليه وتبادروا. ويقال: ناقة بدرية، إذا كانت تبكر اللقاح وتنتج
قبل الإبل، وذلك من فضل قوتها. قال الراجز:
لسالم أن سَكَت العَشِية ... عن البكاء ناقةٌ بدريَّهْ
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (إسرافاً وبداراً) معناه مبادرة قبل أن يدرك ويونس منه الرشد. ومن
ذلك سمى البدر بدرا، لأنه بادر غيبوبة الشمس فطلع قبل أن تغيب. ويقال: سمى بدرا لامتلائه
واستدارته. ويقال غلام بدر وجارية بدرة، إذا كانا ممتلئين سمنا. وسميت البدرة بدرة لامتلائها.
ويقال: بدرة وبدر، وبدر جمع الجمع. و (السلاح) يذكر ويؤنث. قال الفراء: قالت امرأة من بني أسد:
إنما سمي
(1/215)

جدنا دبيرا لأن السلاح أدبرته. يقال: وجدت الذي ضاع أجده وجدانا، ووجدا، ووجدانا أكثر
في كلامهم. وأنشدنا أبو العباس:
أنشِدوا الباغي يُحبُّ الوِجدانْ ... قلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبَكْرانْ
وأضل رجل بعيرا له فجعل ينشده ويقال: من وجده فهو له، فقيل له: فما تصنع به؟ فقال: أين فرحة
الوجدان! وقال أبو جعفر: معنى قوله إذا ابتدر القوم السلاح، إذا فوجئوا بالغارة فدهشوا كنت منيعا.
وقوله (إذا بلت بقائمه يدي)، معناه إذا علقت بقائمه يدي وظفرت به. ويقال: بللت بكذا وكذا، إذا
ظفرت به. ويقال: لئن بللت به لتجدنه رجل سوء. قال ابن أحمر:
فبَلِّى أن بَلِلْتِ بأريحيٍّ ... من الفِتيان لا يمُسِي بطينا
يَلُوم ولا يُلاَم ولا يُبالي ... أغَثاًّ كان لحمُك أم سمينا
وقائم السيف: مقبضه. وقلته: قبيعته. ويقال: سيف مقلل؛ أي متمم. قال الكميت:
فدونكموها آلَ أحمد إنَّها ... مقَّللةٌ لم يألُ فيها المقلِّلُ
ويروى: لم يأل فيها المتمم، والمتمم هو الكميت نفسه. وقال أبو جعفر في قوله مقللة: معناه قليلة
لكم. قال: ويقال مقللة معناه مزينة، من قللة السيف.
ويدي في موضع رفع ببلتْ.
(1/216)

(وبَركٍ هُجُودٍ قد أَثارتْ مَخَافتي ... نَوَادِيه أَمشِي بعضْبٍ مجرَّدِ)
قال الأصمعي: البرك: جماعة إبل أهل الحواء. وقال أبو عبيدة: البرك يقع على جميع ما يبرك من
الجمال والنوق على الماء وبالفلاة، من حر الشمس أو الشبع، الواحد بارك والأنثى باركة. قال متمم:
ولا شارفٍ جَشَّاءَ هاجَتْ فرجّعتْ ... حنيناً فأبكى شجوُها البَرْك أجمعا
والبرك في غير هذا: الصدر. ويقال برك وبركة، إذا أدخلت الهاء كسرت أوله، وإذا سقطت الهاء
فتحت. ويقال لزياد: الأشعر بركا، أي الأشعر صدرا. وذلك أن صدره كان فيه شعر كثير. ومثل
البَرك والبِركة صفو الماء وصفوته. و (الهجود): النِّيام. ويقال: قد تهجّد الرجل، إذا سهر. وقال
الأصمعي ذكر أعرابي امرأته فقال: عليها لعنة المتهجدين! أي الساهرين بذكر الله جلّ جلاله. وقوله
(قد أثارت مخافتي) معناه خوفُها إياي. يقال خفتُ الشيء مخافة وخوفاً وخيفة. قال الشاعر:
فلا تقعُدنَّ على زخَّةٍ ... وتُضمِرَ في القلب وجداً وخِيِفَا
وخيف: جمع خيفة. ويقال: ما خفته، أي ما رجوته وما أمّلته. قال الأعشى يذكر الخمرَ وبيت
الخمّار:
(1/217)

ومِزهرُنا مُعمَلٌ دائبٌ ... فأيُّ أولئك أزْرى بها
ترى الصَّنْجَ يَبْكى له شَجْوَه ... مَخافةَ أن سوفَ يُدعَى بها
معناه رجاء أن يُدعى بها. قال أبو جعفر: الهاء للخمر، وذلك أن الخمارين إذا أتاهم الذين يشربون
أسمعوهم الغناء ليطربوا ويشتهوا الخمر. وقال في قوله (فأي أولئك أزرى بها) عنى بأولئك الصّنج
والعود والملاهي. يقول: أي هذه الملاهي أزرى بالخمر؛ أي هذه تزيد فيها وتحرّض المشتري على
الشّرى. وقال غيره: معنى قوله مخافة أن سوف، خوف أن سوف يُدعى بها. و (نواديه): أوائله وما
سبق منه. ويروى (نواديها). ونوادي الخيل والإبل والحُمر: ما سبق منها وأوائلها. ومعنى (أثارت
مخافتي)، أي أثار ما شذ منها خوفها مني أن أعقرها وأنحرها للأضياف. وإنما خص النوادي لأنه لا
يُفلت من عقري ما شذّ فند. وأمشي حال، أي قد أثارت مخافتي نوادي هذا البَرك في حال مشي إليه
بالسيف. ويقال مشى يمشي مشياً، وإنه لحسن المشية. و (العضب): القاطع. و (المجرّد): المسلول
من غمده، وهو المُصلت أيضاً. ويقال: أن فلانة لحسنة المجرد والتجريد والجُردة، إذا كانت حسنة إذا
تجرّدت من ثيابها.
والبرك مخفوض بإضمار ربّ، والمخافة ترتفع بأثارت، والنوادي تنتصب بأثارت. وموضع أمشى
رفع في اللفظ بالألف وموضعه في التأويل نصب على الحال
(1/218)

(فمرَّت كَهَاةٌ ذاتٌ خَيْفٍ جُلاَلةٌ ... عَقيلةُ شيخٍ كالوبيلِ يَلَنْدَدِ)
يقال مر يمر مروراَ ومرّاً، إذا تقدّم وأسرع. ويقال مرّة ومرات، ومرور ومرّ. قال ذو الرّمة:
ومَرّاً بارحٌ تَرِبُ
ويقال: مر الشيء يمر مرارةً، وأمر يمر إمراراً، إذا صار مُراً. ويقال: أمررت الحبلَ، إذا أنعمت
فتله وأحكمته. والحبل ممر والرجل ممر. وقال يعقوب: الكَهاة: الضّخمة المسنة. وقوله: (ذات
خيف)، الخيف: جلد الضّرع. وبقال: ناقة خيفاء، إذا كانت عظيمة الخَيف. وبعير أخيف، إذا كان
واسعَ جلد الثّيل. وقال الطوسي: الخيف: جراب الضرع، وهو جلدته العُليا. و (الجُلالة) والجليل:
وهو الجُلال أيضاً. قال القُطامي:
جُلالٌ هيكلٌ يَصِف القِطارا
وقال أبو جعفر: يصف القطار، معناه إنه إذا كان في قطار وصف ذلك القطار به. و (العقيلة): خير
ماله؛ وكذلك عقيلة النساء: خيرتهن. وقال أبو جعفر: الشيخ هاهنا يعني أباه، أي إنه كان يشفق عليها
ويحوطها. و (الوبيل): العصا، ويقال هي العصا الطويلة الغليظة، أي قد يبس هذا الشيخ حتى صار
مثل
(1/219)

هذه العصا. والوبيل أيضاً: الحزمة من الحطب، وهي الإبالة أيضاً والايبالة. ويقال: (ضغث
على إيبالة) و (ضغث يزيد على إبالة) أيضاً. قال الشاعر:
لي كلَّ يومٍ من ذُؤاله ... ضغثٌ يَزِيد على إبَاله
و (الألندد) واليلندد: الشديد الخصومة، يبدل الياء من الهمزة كما قالوا: الأرندج واليرندج، والأرقان
واليرقان.
والكهاة مرتفعة بفعلها، وذات والعقيلة نعتان لها، والكاف والألندد مخفوضان على النعت للشيخ.
(تَقُولُ وقَد تَرَّ الوَظيفُ وساقُها ... أَلسْتَ تَرى أن قَدْ أَتَيتَ بمؤْيِدِ)
قوله: (وقد تر) معناه ندر. يقال ترّت يده وأتررتُ يده، إذا أندرتها. و (الوظيف): العظم الذي بين
الرسغ والساق، وفي اليد: ما بين الرسغ والذراع، والجميع أوظفة. ويقال ساق وأسوق وسيقان.
ويقال: رجل أسوق وامرأة سوقاء، إذا كانا حسني الأسوق. ويقال: قد سُقته بالعصا، إذا ضربت ساقه
بها. وقوله (بمؤيد) معناه بالداهية. وقال الطوسي: في الرجل خمسة أعظم من الجمل والفرس:
الرسغ، والوظيف، والساق، والفخذ، والورك. وفي اليد خمسة أعظم: الرسغ، والوظيف، والذراع،
والعضد، والكتف.
(وقال: أَلاَ ماذا تَرَوْن بشاربٍ ... شَديدٍ عليكْم بَغيُهُ متعمِّدِ)
ويروى:
إلاَ ماذا ترونَ بشاربٍ ... شديد عليها سخطُه متعيِّد
(1/220)

المتعيد: الظلوم. قال الشاعر:
يَرَى المتعيِّدون عليّ دوني ... أسودَ خفيةَ الغُلْبَ الرّقابا
و (ألا) افتتاح للكلام، وموضع ماذا نصب بترون. ويجوز أن يجعل ما في موضع رفع ويكون
التقدير: ما الذي ترونه بشارب. وشديد مخفوض على النعت لشارب، والبغي يرتفع بمعنى شديد.
(وقالَ ذَرُوهُ إنما نَفْعُها له ... وإِلاَّ ترُدُّوا قاصَى البَرْك يْزدَدِ)
يقال ذره ولا تذره وإنما أذره. ولا يقال وذرته. ويقال: نفعته منفعة ونفعا. وروى التوزي والطوسي:
(فقال ذروها إنما نفعها له). وقوله: (يزدد) معناه يزد في عقرها. ويروى: (تزدد) أي تزد في نفارها
وتذهب. و (البرك): الإبل. و (قاصيها): ما تقصى منها وتنحى.
وإنما حرف واحد، والنفع مرتفع باللام، وترد وا جزم بإلا، ويزدد جواب الجزاء.
ووزن يزدد يفتعل، أذله يزتيد، فأبدلوا من التاء دالا لأنها أشبه بالزاي، وأسكنوا الدال الثانية للجزم،
وجعلوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم أسقطوها لسكونها وسكون الدال الثانية، وكسرت الدال
الثانية للقافية.
وقال أبو جعفر: معنى البيت: ذروه لا تلتفتوا إليه، واطلبوا قاصى البرك لا يذهب على وجهه، وإلا
تردوه يذهب نفارا.
(1/221)

(فظلَّ الإِماءُ يَمْتَلِلْنَ حِوَارها ... ويُسعَى علينا بالسَّديف المسَرْهَدِ)
يقال: ظللت افعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت افعله، إذا كنت تفعله نهارا. و (الإماء): جمع أمة،
ويقال في جمعها إمام وآم. أنشدنا أبو العباس في جمعها:
يا صاحبيَّ ألاّ لا حيَّ بالوادي ... إلاَّ عبيدٌ وآمٍ بين أذوادِ
ويقال في جمعها إموان. أنشدنا أبو العباس:
أمَّا الإماء فلا يدعُونني ولداً ... إذا ترامَى بنو الإمْوانِ بالعارِ
وقوله (يمتللن) معناه يشتوين في الملة، وهي الرماد الحار، والجمر، وموضع النار. ويقال: قد مل
خبزته يملها ملا، إذا حورها ودفنها في الجمر. ويقال: أطعمنا خبز ملة وخبزة مليلا، ولا يقال أطعمنا
ملة، لأن الملة الرماد الحار والجمر. ويقال للحفرة التي يكون فيها النار: الإرة والبؤرة. وقال يعقوب:
يقال خبز مليل. وأنشد:
لا أشتُم الضَّيفَ إلاّ أن أقول له ... أباتَك الله في أبياتِ عمَّارِ
أباتَك الله في أبياتِ مُنتزِحٍ ... عن المكارم لا عفٍّ ولا قارِ
يأبى النَّدى زاهدٌ في كل مكرُمةٍ ... كأنما ضيْفُه في مَلَّة النَّارِ
(1/222)

و (الحوار): ولد الناقة، والحوار أيضا، وجمعه أحورة وحيران. أنشد يعقوب لشاعر يصف امرأة:
تبادُر الأحورة الفُوَاقا ... دأدأةً صمعاءَ وافتلاقا
دأدأة: عدوا كعدو البعير. وصمعاء يعني المرأة جادة في فعلها. وافتلاقا: ما تأتي بالفليقة، وهي
الداهية. وقال غيره في قوله (ويسعى علينا بالسديف) معناه ينقل إلينا الأطعمة ويختلف بها علينا.
يقال سعى يسعى، إذا عدا وإذا مشى. قال الله عز وجل: (إذا نُوديَ للصَّلاة مِن يَومِ الجُمُعَة فاسْعَوْا إلى
ذِكْرِ الله)، معناه: فامضوا إلى ذكر الله تبارك وتعالى. وقال الشاعر:
أسعَى على جُلِّ بني مالك ... كلُّ امرئٍ في شأنه ساعِ
يقال: قد سعى على الصدقة يسعى عليها، إذا وليها. و (السديف): شطائب السنام، وهي قطعه.
و (المسرهد): الحسن الغذاء، ومثله المسرعف، والمخرفج، والمعذلج. قال الطوسي: المسرهد: السمين.
وقال أبو جعفر: كانوا يأنفون أن يأكلوا الأحورة.
والإماء اسم ظل، وخبر ظل ما في يمتللن، والباء في السديف اسم ما لم يسم فاعله.
(فإِن مُتُّ فانْعِيني بما أَنا أَهْلُهُ ... وشُقِّل علىَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعَبدِ)
قوله: (فانعيني) معناه فاذكريني واذكري من أفعالي ما أنا أهله. يقال: ينعى على فلان ذنوبه فلان،
إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها. قال الشاعر:
خَيلانِ من قومي ومن أشياعهم ... خفضوا أسنَّتَهم وكُلٌّ ناع
(1/223)

أي ينعى على صاحبه ذنوبه ويعددها عليه. وفيه معنى آخر، وهو أن يكون أراد: وكل نائع، أي
عطشان إلى دم صاحبه، فقلبه فجعل الياء بعد العين. ويكون هذا من قولهم: جائع نائع، أي عطشان.
ويقال النائع تابع للجائع في مثل معناه، كما يقال حسن بسن. وروى التوزي والطوسي: (فانعيني لما
أنا أهله). ويقال شققت الشيء شقا. والشق: نصف الشيء. والشق أيضا: المشقة. قال الله عز وجل:
(لم تكونوا بالغِيهِ إلاّ بشِقِّ الأنفس)، أي إلا بالمشقة على الأنفس. ويقال جيب وجيوب، وقد جبت
القميص وجيبته، أي قطعت جيبه. وقطعت الجيب. إنما خص الجيب لأن الشق من الجيب أمكن.
والفاء جواب الجزاء، وما في معنى الذي، وأنا مرفوع بالأهل، والتقدير: فانعيني بالذي أنا مستأهله.
و (لا تجعليني كامرئ ليس همه كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي)، معناه لا تسوى بيني وبين من لا
يشبهني في شجاعتي وكرمي. وموضع الكاف نصب بليس، وموضع غنائي نصب والتقدير فيه: ولا
يغني مثل غنائي.
والغناء إذا فتحت عينه مد، وإذا كسرت فصر وكان مضادا للفقر. وربما اضطر الشاعر إلى مده،
وهو مما لا يقاس عليه. أنشد الفراء:
سيُغنيني الذي أغناكَ عني ... فلا فَقرٌ يدوم ولا غِناءُ
(بَطيءٍ عَن الجُلَّي سَريعٍ إلى الخَنا ... ذَلولٍ بأَجْماعِ الرِّجال مُلَهَّدِ)
ويروى: (بطيء عن الداعي). يقال بطؤ يبطؤ بطئا وبطأة وبطاء. و (الجلي): الأمر العظيم، إذا
ضمت الجيم منه قصر وإذا فتحت مد فقيل
(1/224)

الجلاء يا فتى. و (الذلول): ضد الصعب. ويروى: (ذليل
بإجماع الرجال)، روى ذلك التوزي والطوسي وغيرهما. والذليل: ضد العزيز. والذل: ضد العز
والذل: ضد الصعوبة. قال الله تبارك وتعالى: (واخفِضْ لهما جَناحَ الذُّلِّ من الرِّحمة). وقرأ سعيد بن
جبير، وعاصم الجحدري: (جَناحَ الذِّلِّ) بكسر الذال. و (الإجماع): جمع جُمع وجِمع، وهو قبض
الرجل أصابعه وشده إياها للكز. يقال: ضربه بجمع كفه بجمع كفه، إذا جمع أصابعه ثم لكزه. قال:
لقد أشمتَتْ بي أهلَ فَيدَ وغادرتْ ... بجسميَ حِبْراً بنتُ مَصَّانَ باديا
وما فعلَتْ بي ذاكَ حتَّى تركتُها ... تقلّبُ رأساً مثل جُمْعيَ عاريا
ويقال: ماتت المرأة بجُمع وجِمع، إذا ماتت وولدها في بطنها. ويقال لها إذا ماتت وهي بكر لم
تزوج: هي بجُمع وبجِمع. و (الملهد) والملهز واحد، وأصله الغمز. يقال: لهده، إذا ضغطه وغمزه.
ويقال: لكزه ووكزه، ولهذه، ولهزه، ووهزه. وقال أبو عبيد: لا يقال لكزه، إنما يقال وكزه وبهزه.
وقال غيره: في قراءة عبد الله بن مسعود: (فنكَزَه مُوسى فقضَى عليه). وقال رؤبة:
دعْ ذا فقد يُقرَع للأضَزّ ... صَكِّي حجاجَيْ رأسِه وبَهْزِي
قال الطوسي: الملهد: المدفع. وقال أبو جعفر: ملهد: لا ينهض بحمل، إذا حمل حمالة أو أمر لا
ينهض به ولم يطقه، فلهده الحمل.
والبطيء، والذلول، والملهد، نعوت لامرئٍ.
(1/225)

(ولو كُنْتُ وَغلاً في الرِّجال لَضَرَّني ... عَداوةُ ذِي الأصحاب والمتوحَّدِ)
و (الوغل): الضعيف من الرجال. والواغل. الداخل على القوم في شرابهم من غير أن يدعى.
والوارش: الذي يدخل في طعامهم من غير أن يُدعى، مثل الطفيلي. والوغل: الشراب الذي يشربه
الطفيلي. قال الشاعر:
إن أكُ مسكيناً فلا أشرب ال ... وَغْلَ ولا يَسلم منِّي البَعيرْ
الوغل: الضعيف في القوم وليس منهم. يقال: قد أوغل في الأرض، إذا أبعد في الذهاب. وقد وغل
يغل وغولا. ويقال (ضره) يضره ضرا ومضرة وضارورة، وقد ذاره يضيره ضيرا، وضاره يضوره
ضورا لاهل العالية. ويقال: ليس عليك في ذلك الأمر مضرة ولا ضارورة. والضر: ضد النفع.
والضر: الهزال. ويقال: عاداه معاداة وعداوة. ويقال: رجل عدو، وامرأة عدوة وعدو، وقوم عدو.
ويقال قوم أعداء بالمد، وعِدِّى بالكسر والقصر وعُداة بضم العين وإدخال الهاء. والاختيار إذا ضممت
العين أن تدخل الهاء، وقد يجوز أن تسقطها؛ فإذا كسرت العين لم يجز إدخال الهاء. وأنشدنا أبو
العباس:
معاذَةَ وجهِ الله أن أُشمِتَ العِدَى ... بليلي وإن لم تَجزني ما أدينها
وقوله (عداوة ذي الأصحاب) أي عداوة من كان معه جماعة. ويقال صاحب وأصحاب وصحبان
وصحب، والصحاب والأصحاب، وهم الصحب. و (المتوحد) الفرد من الرجال الذي ليس معه أحد.
ويقال متوحد، ووحد، وأحد. والأصل في أحد وحد، فأبدلوا من الواو المفتوحة همزة، وهذا قليل في
المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة
(1/226)

والمكسورة، كقولهم: وُجوه وأُجوه، وإسادة ووسادة، وإنما ذكر
الفعل وقال: (لضرني عداوة)، ولم يقل ضرتني، لأنه حمله على معنى لضرني بُغض ذي الأصحاب.
(ولكنْ نَفَى عَنِّى الأَعادي جُرأَتي ... عَليهمْ وإِقدامي وصِدْقي ومَحْتِدي)
ويروى: (ولكن نفى عني الرجال جراءتي). ويروى: (ولكن نفى الأعداء عني جراءتي). فيقول:
محتدى وصدقي وجرأتي نفين عني إقدام الرجال وتسرع الأعداء إلى أن يقدموا عليَّ بالمساءة.
ويقال: نفيت الشيء أنفيه نفيا، ونفاية، إذا نحيته عنك. والنفي: ما تطاير من الرشاء عن يد المستقى
من الماء. قال الراجز:
كأن مَتنَيه من النفيِّ ... مواقعُ الطَّيرِ على الصُّفِيّ
ويقال: جرؤ الرجل جرأة وجراءة. ويقال: أقدم يقدم إقداما، واستقدم استقداما. ويقال: إنه لجريء
المقدم، أي جريء عند الإقدام. ويقال: نحر فلان مقدمة ابله، وهي التي تبكر في اللقاح. والمحتد.
والمنصب، والضئضئ، والحنج، والبنج، والبؤبؤ، والإص، والقبص، والسنخ، والنِّجار، والنُّجار،
والنَّجر: الأصل.
والجرأة موضعها رفع بفعلها، وهو نفي. والإقدام والصدق والمحتد منسوقات على الجرأة.
(1/227)

(لعَمْرُكَ ما أَمرِي عَلَّى بغُمَّةٍ ... نهاري ولا ليلِي عليَّ بِسَرْمَدِ)
(الغمة): الغم. والغمة أيضا: الأمر المبهم الذي لا يهتدي له. قال الله تبارك وتعالى: (ثُمَّ لا يكُنْ
أمرُكمْ عليكم غُمَّةً). وقول طرفة (بغمة) معناه إذا هممت بشيء أمضيته ولم يشتبه على الوجه فيه.
و (سرمد): دائم. يقول: ليس ليلي عليَّ بالدائم غير المنقطع، إذا نزل بي هم لا أتوجه فيه، ولكن ماض
في أمري. قال الفراء: يقولون سرمدا سمدا. قال: فيجعلون سمدا تابعا لسرمد كما يقولون حسن بسن.
والعمر مرفوع بجواب القسم، والأمر موضعه رفع بغمة؛ ونهاري موضعه نصب على الوقت.
(ويَوْمَ حبَسْتُ النَّفسَ عِنْدَ عِرَاكِهِ ... حِفَاظاً على عَوْراتهِ والتَّهدُّدِ)
معناه: ورب يوم حبست نفسي عند عراك اليوم، وهو علاجه. يقال اعتركت الإبل على الحوض،
إذا ازدحمت عليه. ويقال: أرسل ابله عراكا، إذا أرسلها على الحوض جميعا. وإذا ازدحم الناس في
ورد أو حرب قيل: هم في عراك. والمعترك: المزدحم. قال الشاعر:
قَذَفوا صاحبَهم في ورطةٍ ... قَذْفَكَ المقْلَةَ وسْطَ المعَتَركْ
وقال الطوسي: (ويوم حبست النفس عند عراكها). وقال: عراكها اعتراك
(1/228)

القتال والحرب. وقوله (حفاظا)، معناه محافظة. ويروى: (على روعاته). والروعات جمع روعة، وهي الفزعة: يقال:
راعني الأمر يروعني روعا، إذا أفزعك. ويقال: وقع ذلك في روعي، أي في خلدي. فيقول: صبرت
نفسي على روعات اليوم وتهدد الأعداء إياي، حفاظا على روعات ذلك اليوم. و (العورة): موضع
المخافة، وهي الفرج أيضا.
(علَى مَوطنٍ يَخشَى الفتى عِندَه الرَّدَى ... مَتَى تَعترِكْ فيه الفرائصً تُرعَدِ)
(الفرائص): جمع فريصة، وهي المضغة التي تحت الثدي مما يلي الجنب عند مرجع الكتف، وهي
أول ما يرعد من الإنسان ومن كل شيء عند الفزع. و (الردى): الهلاك. ويقال: ردِى يردى ردى
ومردى. قال الشاعر:
وإنّ لي يوماً إليه موئلي ... متى أنَلْهُ أرْدَ مَردَى أوَّلي
فيقول: حبست نفسي في موطن يخشى الردى عنده ذو الفتوة؛ حفاظا على عوراته، وصبرا مني
لنفسي على روعاته.
وعلى صلة حبست. والتقدير: حبست النفس في عراكها على موطن. وتعترك جزم بمتى، وترعد
جواب الجزاء.
وروى أبو عمرو الشيباني هاهنا بيتا لم يروه الأصمعي ولا ابن الأعرابي، وهو:
(وأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظَرتُ حِوَارَه ... على النَّار واستَوْدعُتُه كفَّ مًجْمِدِ)
قال أبو عمرو: يعنى بالأصفر قدحا، وإنما صفره لأنه من نبع أو سدر.
(1/229)

والأصفر في غير هذا الموضع: الأسود. قال الله عز وجل: (صَفْراءُ فاقعٌ لونُها)، فمعناه سوداء.
وقال الأعشى:
تَلك خيَلي منه وتلك ركابي ... هُنَّ صُفْرٌ ألوانُها كالزَّبيبِ
وقوله (مضبوح): ضبحته النار وضبته، إذا غيرت منه. وقوله (نظرت حواره) معناه انتظرت فوزه
وخروجه. والحوار: مصدر حاورته محاورة وحوارا. وقوله (على النار) معناه عند النار، وذلك في
شدة البرد، كانوا يوقدون النار وينحرون الجزور ويضربون بالقداح، واكثر ما يفعلون ذلك بالعشي
في وقت مجيء الضيف. قال النمر:
ولقد شهدتُ إذا القداحُ توحدت ... وشهدتُ عند اللَّيلِ مُوقِدَ نارِها
عن ذاتِ أوْليَةٍ أساودُ ربَّها ... وكأنّ لونَ المِلح فوق شفارها
قال أبو جعفر: اساود رب هذه الناقة، أي أخادعه عنها. و (توحدت): أبى كل أحد أن يأخذ إلا الفذ
من صعوبة الزمان.
وقوله (واستودعته كف مجمد)، قال يعقوب: المجمد، الذي يأخذ بكلتا يديه ولا يخرج من يديه شيء.
وقال أبو جعفر: يقال أجمد الرجل، إذا لم يكن عنده خير ولا فضل.
وأصفر مخفوض بإضمار رب، ومضبوح نعته.
(سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ ما كُنْتَ جاهلاً ... ويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ)
قوله (سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ)، معناه ستظهر لك ما كنت جاهله. وقوله (ويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ)،
معناه يأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك.
(1/230)

قال الأصمعي: حدثني رجل من أهل الصلاح، وهو من أضاخ قال: قدم علينا رجل لم نعرفه فقلت
له: من أنت؟ قال: أنا جرير. فلما عرفناه قلنا له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: (غد غد ما
أقرب اليوم من غد).
(سيأَتيك بالأَخبار من لم تَبِعْ له ... بَتاتاً ولم تَضرِبْ له وقتَ مَوعدِ)
تمت قصيدة طرفة بغريبها وأخبارها، وهي مائة بيت وبيتان
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله أجمعين
(1/231)

3 - قصيدة زهير بن أبي سلمى
(1/233)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي: قال يعقوب بن إسحاق السكيت:
كان من حديث زهير بن أبي سلمى وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكان بنو عبد الله غطفان
جيرانهم وقد ولدتهم بنو مرة، وكان من أمر أبي سلمى - واسمه ربيعه بن رياح، وخاله أسعد بن
الغدير بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض - وإن أسعد خرج هو وابنه كعب بن
أسعد في ناس من بني مرة يغير على طيئ، ومعه أبو سلمى، فأصابوا نعما وأموالا فرجعوا حتى
انتهوا إلى أرضهم، فقال ربيعة بن رياح وهو أبو سلمى، لخاله أسعد بن الغدير وابنه كعب: أفردا لي
سهمي. فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما حتى إذا كان من الليل أتى أمه فقال: والذي يحلف به
لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي ما تحت قرطك! فقامت أمه إلى بعير
منها فاعتنقت سنامه، فقال أبو سلمى يرتجز:
ويلٌ لأجمال العجوز منِّي ... إذا دنَوتُ ودنونَ مني
كأَنَّني سَمَعْمعٌ من جِنِّ
السمعمع: الخفيف.
فخرج بها وبالإبل حتى انتهى بها إلى مزينة، فلذلك حيث يقول:
لتَغْدواً إبل مجنَّبة ... من عند أسعدَ وابنه كعب
الآكلين صَريح قومهما ... أكل الحُبارَى بُرعُمَ الرُّطْبِ
البرعم: وعاء الزهر، يقال برعم وبراعيم.
(1/235)

فلبث فيهم حينا، ثم إنه أقبل بمزينة مغيرا على بني ذبيان، حتى إذا مزينة أسهلت وخلفت بلادها،
ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا راجعين وتركوه وحده، فذلك حيث يقول:
من يشتري فرساً كخير غزوُها ... وأبت عشيرةُ ربِّها أن تُسِهلا
وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله بني مرة، فلم يزل في بني عبد الله بن غطفان
إلى اليوم.
وكان ورد بن حابس قتل هرم بن ضمضم المزني الذي يقول فيه عنترة:
ولقد خشيتُ بأن أموتَ ولم تكنْ ... للحرب دائرةٌ على ابَنْي ضمضمِ
قتله في حرب عبس وذبيان قبل الصلح، ثم اصطلح ولم يدخل حصين بن ضمضم أخوه في الصلح،
فحلف ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع
على ذلك أحدا، وقد حمل الحمالة الحارث أبو عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان بن أبي حارثة.
فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم حتى نزل بحصين بن ضمضم، فقال: ممن أنت أيها
الرجل؟ قال: عبسي. قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى غالب، فقتله حصين،
وبلغ ذلك الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، فاشتد ذلك عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو
الحارث، فلما بلغ الحارث ركوب بني عبس وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم، - وإنما أرادت بنو
عبس أن يقتلوا الحارث - بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه وقال للرسول: قل لهم: آللبن أحب
إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال ربيع بن زياد: أن أخاكم قد أرسل إليكم
الإبل أحب إليكم أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا فيتم الصلح، فذلك قول زهير
حيث يمتدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان.
(1/236)

قال زهير بن أبي سلمى، وهو ربيعة، بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن
لاطم بن عثمان بن مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. وآل أبي سلمى حلفاء في بني عبد
الله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر:
(أَمِنْ أُمِّ أَوفَى دِمنةٌ لم تَكلمِ ... بحَوْمَانة الدَّرَّاجِ فالمتثَلِّمِ)
قال الأصمعي: قوله (أمن أم أوفى)، معناه أمن دمن أم أوفى دمنة لم تكلم، أي أمن منازل أم أوفى.
وهذا على التفجع، كما قال الهذلي:
أمنك برقٌ أبيت اللَّيلَ أرقبه ... كأنَّه في عِراص الدار مصباحُ
ومعنى لم تكلم: لم يتكلم أهلها. و (الدمنة): آثار الناس وما سودوا بالرماد وغير ذلك. وإذا اسود
المكان قيل: قد دمن هذا المكان. والد من: البعر والسرجين. أنشدنا أبو العباس:
وقد ينبت المرعى على دِمَن الثرى ... ويبقى حزازات النفوس كما هيّا
والد منة في غير هذا الحقد، وجمعها دمن. قال الشاعر:
ومن دِمَن داويتها فشفيتها ... بسَلمك لولا أنت طال حروبُها
(1/237)

والحومانة جمعها حوامين: أماكن غلاظ منقادة. وقال أبو العباس: يروى (الدُّراج) بضم الدال. وقال
يعقوب: قال الأصمعي: الدَّراج بفتح الدال. وقال: حومانة الدراج والمتثلم: موضعان بالعالية منقادان.
قال الشاعر:
زقَا ثم قَوقَا بعد ما لعبت به ... حوامينُ أمثالُ الذّئاب السوافدِ
والدمنة رفع بالصفة، ولم تكلم صلة الدمنة، والباء حال للدمنة، وكسرت الميم لأن الجزم إذا حرك
حرك إلى الخفض، واحتيج إلى كسرها إصلاحا للقافية، وجعلت الياء صلة لكسرة الميم.
(دِيارٌ لها بالرَّقْمَتَيْن كأَنَّها ... مَراجعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ)
قال الأصمعي: الرقمتان إحداهما قرب المدينة والأخرى قرب البصرة، وإنما صارت هاهنا حيث
انتجعت. وقال يعقوب: قوله بالرقمتين معناه بينهما. وقال الكلابي: الرقمتان بين جرثم وبين مطلع
الشمس بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة والرمل. والرقمتان أيضا: حذاء ساق
الغرو، وساق الغرو: جبل في أرض بني أسد. والرقمتان أيضا بشط فلج أرض بني حنظلة. وقوله
(مراجع وشم)، أي معاطف، أي رجع الوشم وأعيد. وكلما رجعت شيئا فقد رددته. يقال فلان يرجع
صوته بالقرآن وغيره. فشبه وشوم الديار، أي الآثار التي فيها بمراجع الوشم. والوشم: أن يثقب
ظاهر الذراع بإبرة أو غيرها ثم يحشى بالكحل والنؤور ليخضر. وقال أبو جعفر: واحد المراجع
رجع، وهو على غير القياس. وقال يعقوب: النواشر عصب الذراع من ظاهرها وباطنها، واحدتها
ناشرة. وقال أبو جعفر: النواشر عروق ظاهر الذراع خاصة.
والهاء والألف اسم كأن، و (المعصم): موضع السوار وهو أسفل من الرسغ، والرسغ: موصل
الذراع بالكف. والديار يرتفع بإضمار هي، واللام صلة الديار، والمراجع خبر كأن، وفي صلة الوشم.
ويروى: (ودار لها بالرقمتين).
(1/238)

(بِهَا العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلفةً ... وأَطلاؤُها يَنْهضْنَ من كلِّ مَجْثَمِ)
العين: البقر، واحدها أعين وعيناء، وإنما سميت عيناء لسعة عينها. والآرام: ظباء بيض خوالص
البياض، واحدها ريم وريمة، ومساكنها الرمل. وقال يعقوب: العفر ظباء تعلو بياضها حمرة، قصار
الأعناق والقوائم، ومساكنها القفاف والجلد، وهي معزى الظباء، ومراعيها العضاه، لأنها أخف الظباء
لحوما. قال: والأدم ظباء بيض البطون سمر الظهور طوال الأعناق والقوائم، ومساكنها الجبال، وهي
إبل الظباء، وهي أغلظ الظباء ممضغة لحم، وهي مشرفة القطوات مجدولة المتون. قال يعقوب:
وقال الأصمعي: وليس يطمع الفهد في العفر لسرعتها. وقال أبو جعفر: العفر تكون في بلاد هذيل
وقيس وأسد في جبالهم. وأما الأدم عند بني تميم فمساكنها الرمال، وهي البيض الخالصة البياض.
وأنشد لذي الرمة:
ذكرتُكَ أن مَرَّت بنا أمُّ شادنٍ ... أمامَ المطايا تشرئبُّ وتَسنَحُ
من المؤْلفاتِ الرَّمل أدماءُ حُرّةٌ ... شُعاعُ الضُّحى في متْنها يتوضَّحُ
وقال أبو جعفر: وإبل الظباء هي في الظباء كالإبل، أي هي أنبلها وأطولها أعناقا. وقال يعقوب في
قوله (خلفة): معناه إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر. وإنما
أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش.
قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله عز وجل: (وهو الذي جَعَل اللَّيِلَ والنَّهار
خِلْفةً)، معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة بالليل صلاها بالنهار. قال الشاعر:
(1/239)

تَربَّبَها التَّرعيب والمَحضُ خِلفةً ... ومسكٌ وكافور ولُبنَى تَأكَّلُ
الترعيب: السنام. والمحض: اللبن. أراد: إذا مضى الترعيب خلفه اللبن. وحكى يعقوب عن بعض
أهل اللغة إنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه. وقال أبو جعفر: معناه في أمن
وخصب. وقوله (وأطلاؤها ينهضن)، معناه أنهن ينمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن
أن أولادهن قد أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صوتن بأولادهن فنهضن للأصوات ليشربن. فقال: هذا
مثل بيت ذي الرمة:
كأنَّها أمُّ ساجي الطرف أخدَرها ... مستودَعٌ خَمرَ الوعساء مَرخُوم
لا ينعَش الطَّرفَ إلاّ ما تخوَّنَه ... داع يناديهِ باسم الماءِ مبغومُ
و (الطلا): ولد البقرة والظبي والشاة، ويقال له طلا من ساعة يولد إلى نصف شهر. وقد يستعار
الطلا لأولاد الناس. و (المجثم) للغزال والأرنب والطائر: موضعه الذي يجثم فيه. يقال جثم يجثِم
ويجثُم. قال أبو عبيدة: الجثوم للطائر والإنسان بمنزلة البروك للإبل. قال الله عز وجل: (فأصبحوا
في دارهم جاثمين). وأنشد أبو عبيدة:
صاحب طَلْح أو عِضاه أو سَلَمْ ... إذا الجبانُ بين عِدْليْه جَثَمْ
ويروى (مجثم) بكسر الثاء. فمن فتح الثاء قال المجثم اسم من جثم يجثم، كما يقال المدخل من دخل
يدخل. ومن قال مجثِم بكسر الثاء قال: هو الاسم من جثَم يجثِم.
(1/240)

(وقَفْتُ بها منْ بعد عِشرين حِجَّة ... فَلأْياً عَرَفْتُ الدّارَ بعد توَهمِ)
معناه عهدي بها منذ عشرين حجة، عرفتها بعد أن توهمت فلم أعرف. و (لأيا): بعد إبطاء وجهد
عرفتها. قال يعقوب: يقال التأت عليه الحاجة، إذا أبطأت، تلتئي التياء. ويقال التوت عليّ، إذا
عسرت. وأمر ألوى، إذا كان عسرا. قال: ويقال فعله لأيا بعد لأي، أي بعد إبطاء وشدة. وقال أبو
جعفر: يقال التأت، إذا عسرت؛ والتوت: طالت؛ ومنه لي الغريم، وهو مطله ودفعه. وأنشد:
تُسيئين لَيّاني وأنت ملية ... وأحسِنُ يا ذات الوِشاح التقاضيا
وقال يعقوب: الحَج والحِج لغتان. قال: والحِجة مكسورة لا تفتح. وسمعت أبا العباس يقول: الحِج
الاسم والحَج المصدر. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان.
ونصب لأيا على المصدر بعرفت، وبعد صلة عرفت، والحجة نصب على التفسير عن العدد.
وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: يقال حججت حجة وحجتين. قال: ولم أر العرب
تقول حَجة، وهو قياس إذا أردت مرة واحدة.
(أَثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرجَلٍ ... ونُؤْياً كجذْمِ الحَوْض لم يتثَلَّمِ)
يقال أثافي وأثاف بالتثقيل والتخفيف، واحدتها أثقية مشددة. وقال هشام: إذا كانت الواحدة مشددة ففي
الجمع التثقيل والتخفيف، كقولك أمنية وأماني وأمان،
(1/241)

وأوقية وأواقي وأواق، وأثفية وأثافي وأثاف، وأوارى وأوار في جمع آرى. قال النابغة:
إلاّ أوارىَّ لأياً ما أبيّنها ... والنؤىَ كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ
ويروى: (إلا أوارى) خفيف. قال الله عز وجل: (لا يَعلمون الكتابَ إلاّ أمانيَّ). وقرأ أبو جعفر
وشيبة بتخفيف (الأماني). وكذلك الأضاحيّ والأضاحي بالتشديد والتخفيف في جمع الأضحية.
والأثافيّ والأثافي: الأحجار التي ينصب عليها القدر. وقال يعقوب: واحدتها أثفية وإثفية. قال هشام:
يقال سُرية وسِرية، وأضحية وإضحية، وذُرية وذِرية، وأوقية ولا يجوز كسر أولها، لأنهم لو فعلوا
ذلك لوجب أن تصير الواو ياء لانكسار ما قبلها فيزول الحرف عن مجراه. قال الشاعر:
فلمَّا أن بغَوا وطغَوا علينا ... رميَناهم بثالثة الأثافي
أراد: رميناهم بجيش كالجبل في شدته. وذلك أن القدر ينصب لها حجران ويجعل أصل الجبل
الحجر الثالث. فأراد بثالثة الأثافي الجبل. قال يعقوب: يقال قد أثفت القدر، وثفيتها، وأثفيتها، وقد
أثفت لها. قال خداش بن زهير:
وذلك أمرٌ لا تثَفَّي له قِدِري
وقال الفرزدق:
وقدِرٍ فثأنا غَليْهَا بعد ما غلَتْ ... وأخرى حشَشْنا بالعَوالي تؤثَّفُ
وأنشد أبو عبيدة:
وماثلاتٍ ككما يؤثْفَيْنْ
والسفعة: سواد إلى حمرة. ومعرس المرجل: موضعه على الأثافي. قال الأصمعي:
(1/242)

والمرجل: كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد أو خزف أو نحاس. وأصل التعريس نزول القوم ليستريحوا؛
وأكثره من آخر الليل، وقد يكون من أوله؛ هذا قول يعقوب. وقال أبو جعفر: النزول من أول الليل
التهويم، وفي آخره التعريس، وفي القائلة التغوير. وقال يعقوب: النؤى حاجز يرفع حول البيت من
تراب من خارج لئلا يدخل الماء البيت، وجمعه أنآء ونئي، ويقال: انتأيت نؤياً، ونأيت نؤيا. وحكى
ابن الأعرابي وغيره في النؤى نأى ونى. وجذم البيت: أصله. وقوله (لم يتثلم) يعنى النؤى قد ذهب
أعلاه ولم يتثلم ما بقى منه. ويروى (كحوض الجر). والجر: سفح الجبل. وإذا احتفر الحوض بذلك
الموضع ولم يعمق بقى دهرا طويلا لا يتغير، لصلابة موضعه وإنه ليس من الأماكن التي تحتفر فيها
الحياض. وقال أبو جعفر: الجر أسفل الجبل؛ وإنما سمى جرا لأن الحجارة تدهدأ من الجبل فتقع في
الجر فيمسكها. والجد: البئر الجيدة الموضع من الكلأ.
والأثافي موضعها نصب بعرفت، والسفع نعتها، والأثافي لا تجرى ولا يلحقها التنوين، والنؤى نسق
على الأثافي، والكاف نعت النؤى.
(فلمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلتُ لرَبْعها ... أَلاَ انعَمْ صَباحاً أَيُّها الرَّبعُ واسلَمِ)
(الربع): المنزل. يقال: هذا ربع بنى فلان، أي منزلهم. ويقال في الجمع القليل أربع، وفي الجمع
الكثير ربوع ورباع. قال المجنون:
وخيَماتُك اللاتي بمنعرَج اللوى ... بَلِينَ بِلىً لم تبْلهَنَّ ربوعُ
(ألا أنعم صباحاً) معناه لقيت يا ربع نعيما في صباحك. والدعاء في الظاهر للربع، وفي المعنى لمن
كان يسكن الربع، ممن يألفه ويحبه. وقال يعقوب: ألا انعم
(1/243)

صباحاً وعم صباحاً، وانعم ظلاما وعم ظلاما: تحية لهم.
وروى الأصمعي: (ألا عم صباحا). وقال: معناه انعم. وقال: هكذا تنشده عامة
العرب، وتقدير الفعل الماضي منه وعم يعم، ولا ينطق به. وقال الفراء: قد يتكلمون بالأفعال
المستقبلة ولا يتكلمون بالماضي منها. فمن ذلك قولهم: عم صباحا ولا يقولون وعم. ويقولون: ذر ذا
ودعه، ولا يقولون وذرته ولا ودعته. ويتكلمون بالفعل الماضي ولا يتكلمون بالمستقبل. فمن ذلك
عسيت أن أفعل ذاك، ولا يقولون أعسى في المستقبل، ولا عاس في دائم. وكذلك يقولون: لست أقوم،
ولا يتكلمون منه بمستقبل ولا دائم. وقال أبو عبيدة: ويروى: (ألا انعم صباحا) والعرب تقول: نعم
ينعَم ينعِم، وحسب يحسَب يحسِب، ويئس ييأس وييئس، ويبس ييبَس ييبِس؛ فكسر المستقبل في
هؤلاء الأحرف على غير القياس؛ لأن بناء فعل أن يكون مستقبله يفعل بالفتح، إلا هؤلاء الأحرف
وقولهم ولى يلي، وهذه حروف شاذة لا يقاس عليها.
وألا افتتاح للكلام، وانعم مجزوم على الأمر، وصباحا منصوب على الوقت. ومن رواه (ألا عم
صباحا)، قال: علامة الجزم سكون الميم. والواو التي في وعم في التقدير سقطت من الأمر بناء على
سقوطها من المستقبل، إذ كان تقدير عم في الأمر تقدير زن من الوزن، وعدْ من الوعد.
(تَبَصَّرْ خليلِي هَلْ تَرَى من ظعائنٍ ... تَحَمَّلنَ بالعَلياءِ منْ فوقِ جُرثُمِ)
قال أبو جعفر: قوله (تبصر خليلي) معناه إنه هو شغل بالبكاء فقال لخليله: تبصر أنت، لأني أنا
مشغول بالبكاء عن النظر. قال: وكذلك قول امرئ القيس:
أعنِّي على برقٍ أُريكَ وميضَه ... كلمعِ اليدين في حَبِيّ مكلَّلِ
(1/244)

وقال يعقوب: الظعائن: النساء في الهوادج، واحدتها ظعينة. ويقال للمرأة وهي في بيتها ظعينة.
والظعون: البعير الذي تركبه المرأة. ويقال: هذا بعير تظعنه المرأة، أي تركبه. والظِّعان: النسعة
التي يشد بها الهودج. و (العلياء): ما ارتفع من الأرض. وقال الأصمعي: جرثم: ماءة من مياه بني
أسد. وقال يعقوب: قال بعض الأعراب: جرثم بين القينان وبين ترمس، والترمس: ماء لبني أسد.
وأجرى الظعائن لضرورة الشعر. قال الفراء والكسائي: الشعراء تجرى في أشعارها كل ما لا
يجري، ألا أفعل منك فإنهم لا يجرونه في وجوه من الوجه، لأن من تقوم مقام الاضافة، فلا يجمع بين
إضافة وتنوين. وتحملن صلة الظعائن.
(جَعَلنَ القَنانَ عَن يمينٍ وحَزْنَه ... وكَم بالقنَان من مُحلٍّ ومُحْرِمِ)
وروى الأصمعي: (ومن بالقنان). وقال: القنان: جبل بني أسد: و (الحزن) والحزم سواء، وهو
الموضع الغليظ. قال يعقوب: وقال غير الأصمعي: من الأعراب من يقول الحزم أرفع من الحزن،
وربما كان الحزم سهلا. والحزن: ما غلظ من الأرض اتطاء وارتفع. يقال: قد أحزنا، إذا صرنا إلى
الحزونة، وهو مكان حزن وأماكن حزون. وقال أبو جعفر: الحزم ما ارتفع من الأرض من الأرض
وامتد ولم يبلغ أن يكون جبلا وفيه لين؛ وأما الحزن فإنه أصلب من الحزم وكله حجارة صلبة،
ويكون متطامنا ويكون مرتفعا. وقوله (ومن بالقنان) قال يعقوب: ومن بالقنان من محل، أي ليس في
حرمة تمنعه من عهد ولا ميثاق. قال: (ومحرم) أي من له عهد أو ذمة أو جوار هو له حرمة من أن
يغار عليه؛ فهذا محرم. ومن ثم قيل مسلم محرم، أي من لم يحل من نفسه شيئا يوقع به له. ومنه قول
الراعي:
قتلوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ مُحْرِماً ... ودعَا فلم أر مثلَه مخذولا
(1/245)

أي كانت له حرمة من أن يقتل. وقال الأصمعي: أنشدني خلف الأحمر:
قتلوا كسرَى بليلٍ مُحرِماً ... فتولَّى لم يُشَيَّعْ بكفَنْ
معناه لم يمتع. ويقال: شتمته مسلما محرما؟! ويقال حل من إحرامه يحل حلا، بغير ألف؛ وقد أحرم.
ويقال أحل القوم، إذا خرجوا من أشهر الحرم إلى أشهر الحل. وقد تطيب عند حله وعند حرمه. وقال
أبو زيد وأبو عبيدة: يقال حل من إحرامه وأحل. وقال أبو جعفر: قوله (وكم بالقنان) معناه كم به من
عدو وصديق لنا. والمعنى إنه طلب الظعن فمر بالقنان، فيقول: حملت نفسي في طلب هذه الظعن
على شدة وممر بموضع فيه أعدائي، لو ظفروا بي لهلكت.
والقنان منصوب بجعلن والحزن نسق عليه، وكم في موضع رفع، وكذلك (من) على رواية الذين
رووا (ومن بالقنان)، ويجوز أن يكون في موضع نصب بالنسق على القنان.
(وعالَيْنَ أَنماطاً عِتاقاً وكِلّةً ... وِرَادَ الحواشي لونها لونُ عَنْدمِ)
وروى الأصمعي:
عَلَون بإنطاكيَّة فوق عِقْمةٍ ... وِرادٍ حَواشيها مشاكِهةَ الدَّمِ
وقال أبو جعفر: وقوله: (عالين أنماطا) معناه رفعن الأنماط والكلل عن الإبل التي ركبها الظعن،
وسويت لهن الأنماط، وسترن بالكلل. وقال يعقوب: وقوله: (وعالين أنماطا عناقا) معناه طرحن
المتاع أنماطا. و (وراد) معناه لونها إلى الحمرة، أراد إنه أخلص الحاشية بلون واحد، لم يعملها بغير
الحمرة. وقال: الأنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى إنطاكية. وقال: كل شيء جاء من
الشام فهو عندهم
(1/246)

أنطاكي. و (عقمة): جمع: عقم، مثل شيخ وشيخة. والعقم: أن يظهر خيوط أحد
النيرين فيعمل العامل به، فإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه فأغمضه وأظهر ما يريد عمله.
وأصل الاعتقام اللي. والمشاكهة والمشابهة والمشاكلة سواء. و (العندم): البقم. وقال أبو جعفر:
الأنماط تفرش لهن في خدورهن. وقال في قوله (وراد الحواشي): أراد أنها وراد كلها. وقال: الأنماط
كلها حمر. وأنشد للنابغة:
يصونون أجساداً قديماً نعيمُها ... بخالصة الأردان خُضر المناكبِ
قال: أخبرني ابن الأعرابي إنه أراد خضرا كلها. وقال أبو جعفر: العندم: ثمر نبت لا ساق له، ينبت
في أصل الطلح كهيئة اللبلاب، له ثمرة حمراء تشبه أطراف الأنامل المخضوبة.
والوراد منصوب على النعت للكلة. فان قال قائل: الكلة واحدة فكيف جاز أن تنعت بوراد وهو
جميع؟ قيل له: وراد على لفظ واحد، وهو على مثال كتاب وحمار، فكان بمنزلة قولك مررت برجل
كرام الآباء ومررت بامرأة كرام الآباء. وأنشد الكسائي والفراء:
يا ليلةً خُرسَ الدَّجاج طويلةً ... ببغدانَ ما كادت عن الصُّبح تنجلي
جعل خرسا وهو جمع نعتا لليلة؛ لأن خرسا في تقطيع قفل وبرد وما أشبه ذلك.
(1/247)

(ظهَرنَ من السُّوبانِ ثُمَّ جزَعْنَهُ ... على كُلِّ قَيْنيٍّ ومُفْأَمِ)
قال يعقوب: (ظهرن من السوبان) معناه خرجن منه. وقوله: (ثم جزعنه) معناه عرض لهن مرة
أخرى فقطعنه لأنه يتثنى. وقال: السوبان: واد. وقال: روى الأصمعي: (قشيب مفأم). وقال أبو
جعفر: ظهرن منه معناه طلعن منه ثم جزنه. وأنكر أن يكون جزعنه عرض لهن مرة أخرى. وقال:
جزعنه: خلفنه ومررن ولم يعرض لهن بعد ذلك. وقال يعقوب: قوله: قيني أراد غبيطاً، وهة قتب
طويل يكون تحت الهودج. وقيني نسب إلى بلقين. وقشيب: جديد. يقال ثياب قشب. وقال أبو عمرو:
(ومفأم) يعنى جملا ضخما. وقال الأصمعي: مفأّم بالتشديد: قد وسع زيد فيه بنيقتان من جانبيه ليتسع.
يقال فئَّم دلوك؛ فتزيد فيه بنيقة. والبنيقة: وصلة بمنزلة بنيقة القميص. وقال أبو جعفر: القيني
الرحل. والغبيط يكون تحت الرحل، والقتب يكون تحت المتاع. القتب للإبل التي تحمل المتاع.
والغبيط للرحال. وقوله (قشيب) معناه جديد. يصف نعمتهن وأنهن ملوك. وقال: الفئيمة والبنيقة
والدخرصة واحد. قال: وإنما جعله مفأماً لضخم النساء وأن لهن أجساما.
وعالين، وظهرن، ووركن، نسق على جعلن، وفيه ضمير الظعائن. والمفأم نسق على قيني. ومن
رواه مفأم جعله نعتا للقشيب.
(ووَرَّكْنَ في السُّوبانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُ ... عليهنَّ دلُّ النَّاعم المتَنَعِّمِ)
قال يعقوب: وركن معناه ملن فيه. يقال: أسلك طريق كل وكذا. فإذا
(1/248)

عرض لك طريق عن يمينك وشمالك فورك فيه، أي مل فيه.
ويقال: قد وركت موضع كذا وكذا، إذا خلفته وراء أوراكها.
و (المتن): ما غلظ من الأرض وارتفع. وقوله: (عليهن)، معناه على الظعائن. قال أبو جعفر: ووركن:
عدلن أوراك إبلهن ونزلن لما علون متنه وحزنه لترفقهم بهن، وهو قوله (عليهن دل الناعم المتنعم).
ويعلون، فيه ضمير الظعائن وتقديره الحال، فهو في موضع نصب في التأويل، والتقدير: ووركن
في السوبان عاليات متنه، أي في هذه الحال. ويعلون على مثال يدعون ويغزون، وتكون للمذكر
والمؤنث بلفظ واحد؛ فالواو مع المذكر مزيدة للتذكير والجمع، والواو مع المؤنث أصلية هي لام
الفعل، والنون علامة التأنيث والجمع.
(كأَنَّ فُتَاتَ العِهْن في كل موقفٍ ... وقَفْن به حبُّ الفَنَا لم يُحطَّمِ)
ويروى: (في كل منزل نزلن به). قال أبو جعفر: أراد كثرة العهن. أي أنهن قد زين إبلهن به، فمن
كثرته ينقطع ويتناثر إذا ازدحمن. وقال يعقوب: ويروى: (كأن حتات العهن) وهو ما انحت.
و (العهن): الصوف المصبوغ. فشبه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج إذا نزلن منه منزلا
بحب الفنا. و (الفنا): شجر ثمره حب أحمر وفيه نقطة سوداء. وقال الفراء: هو عنب الثعلب. وقوله
(لم يحطم)، أراد أن حب الفنا صحيح، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. قال الأصمعي:
العهن: الصوف صبغ أو لم يصبغ، وهو هاهنا المصبوغ؛ لأنه شبه بحب الفنا.
والفتات اسم كأن، والحب الخبر. والفنا على وجهين: الفناء: نفاد الشيء؛ والفنا: عنب الثعلب،
مقصور.
(1/249)

(بَكرْنَ بُكوراً واستَحَرْنَ بسُحْرةٍ ... فهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد في الفمِ)
يقال بكرت في الحاجة، وأبكرت، وبكرت خفيف. قال عمر بن أبي ربيعة:
أمِن آل نعم أنت غادٍ فمُبْكرُ ... غداةَ غدٍ أورائحٌ فمهجِّرُ
ويقال أيضا: ابتكرت في الحاجة أبتكر ابتكارا. ويقال: خرجنا بسحرة، أي في السحر. و (الرس):
ماء ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه. وروى الأصمعي: (كاليد للفم) ... وقال أبو جعفر: كاليد للفم،
أي دخلن فيه كما تدخل اليد في الفم، ولم يرد القصد. وقال يعقوب بن السكيت؛ وقوله كاليد للفم،
معناه يقصدن لهذا الوادي فلا يجزنه كما لا تجوز اليد إذا قصدت للفم ولا تخطئه.
ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه، فتضم الفاء في موضع الرفع وتفتح في موضع النصب
وتكسر في موضع الخفض، فيكون معربا من جهتين. ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فتعربه من جهة واحدة. ومنهم يضم الفاء في كل حال فيقول: هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فيكون معربا من جهة واحدة. وروى أبو عبيدة عن يونس أن من العرب من يقول: هذا فم ورأيت فما
وأخرجه من فمه، فيلزم الفاء الكسر في الرفع والنصب والخفض، وهو على هذا الوجه معرب من
جهة واحدة.
(1/250)

(فلَمَّا وَرَدن الماءَ زَرْقاً جِمامُه ... وَضَعنَ عصى الحاضرِ المتخيِّمِ)
يقال: ماء أزرق، إذا كان صافيا. وهذا مثل قول هميان:
فصبّحت جابيةً صُهارِجا ... كأنه جلدُ السماء خارجا
أي لصفائه وزرقته. و (الجمام) قال الأصمعي: يقال للماء إذا خرج من عيونه فارتفع في البئر: قد
جم يجم جموما؛ ويسمى الماء نفسه جما. ويقال: استق لي من جم بئرك. ويقال: بئر جموم، أي
سريعة رجوع الماء. وقوله (زرقا) معناه لم يورد قبلهن فيكدر، فهو صاف. وقوله (وضعن عصى
الحاضر المتخيم) معناه أقمن كما يطرح الذي لا يريد السفر عصاه ويقيم. ويقال للرجل إذا أقام: ألقى
عصا التسيار. و (المتخيم) يريد الذي يتخذ خيمة، وهي أعواد تنصب وتجعل لها عوارض فتظلل
بالثمام، ويكون في جوانبها خصاص منها الريح في القيظ. فهي أبرد من الأخبية. وأنشد للأبيرد
الرياحي:
فألقتْ عصا التَّسْيار عنها وخيَّمتْ ... بأجْباءِ عذبِ الماءِ بيضٍ محافرهُ
قوله بيض محافره: معناه حفر في أرض حمراء ولم يحفر في سوداء ولا دمن. والأجباء: جمع جبا،
وهو ما حول البئر والحوض؛ وجمعه أجباء بالمد، وخيمت: اتخذت خيمة وأقامت. وقال أبو جعفر
أحمد بن عبيد: بيض محافره معناه إنه أنبط في أرض بيضاء، فهو أغزر لمائه. وقال: إنما تظلل
الخيمة بالثمام لأنه
(1/251)

أبرد ظلا من غيره. وقال أبو جعفر في بيت زهير:
وضَعْن عصىَّ الحاضرِ المتخيِّم
وصف أنهن في أمن ومتعة، فإذا نزلْن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
وزرقاً منصوب على الحال من الماء، والجمام رفع بمعنى زرق، والجمام: جمع جمة. ولما وقت فيه
طرف من الجزاء، وهو من صلة وضعن.
(وفيهنَّ مَلْهىً للطِيفِ ومنْظرٌ ... أَنيقٌ النَّاظرِ المتوسِّمِ)
اللطيف، يعنى نفسه يتلطف في الوصول إليهن. ومنظر أنيق: لم ينظر إليهن من بعيد. وقال
يعقوب: اللطيف الذي يتطلف في طلب اللهو. و (الأنيق): المعجب. يقال آنقني الشيء يونقني إيناقا.
ويقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا وملهى. ولهيت عن الشيء فأنا ألهى عنه لهيا، إذا تركته.
و (المتوسم): المتثبت. وقال الكلابي: المتوسم: الذي ينظر. والوسامة: الحسن. قال الله عز وجل: (إنَّ
في ذلك لآيات للمتوسمِّين)، أي للناظرين المتبصرين. وأنشد أبو عبيدة:
تجردَ في السِّربال أبيضُ حازمٌ ... مُبيينٌ لعَين الناظرِ المتوسِّمِ
والملهى مرفوع بفي، والمنظر نسق عليه، والأنيق نعته، واللام صلة أنيق.
(سَعى ساعِيَا غَيظِ بن مُرَّة بعدما ... تبزَّلَ ما بَينَ العشيرةِ بالدَّمِ)
قال الأصمعي: سعى ساعيا، معناه عملا عملا حسنا. (تبزَّل): كان بينهم صلح فشقق بالدم. تبزل.
تشقق وتفطر، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فأصلحاه.
(1/252)

ومنه قيل المبزل والبزال. ومنه بزول البعير بنابه؛ لأنه يتفطر موضعه. ومنه قيل البزلاء للرأي
الجيد؛ لأنها قد انتجعت وبزلت. ويقال: إنه لذو بزلاء. قال الراعي:
من أمرِ ذي بَدَواتٍ ما تزالُ له ... بزْلاءُ يعيا بها الجَثَّامةَ اللُّبَدُ
قال يعقوب: قال أبو عبيدة: غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. قال: وعنى
بالساعيين خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة، والآخر الحارث بن
عوف بن أبي حارثة.
(فأَقسَمْتُ بالبَيتِ الذي طافَ حَوْلَه ... رجالٌ بَنَوْهُ من قُريش وجُرْهُمِ)
قال أبو عبيدة: كانت الكعبة رفعت حين غرق قوم نوح عليه السلام، فأراد الله تبارك وتعالى تكرمة
قريش، فأمر الله عز وجل أبويهم إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، أن يعيدا بناء
الكعبة شرفها الله تعالى على أسها الأول، فأرادا بناءها لما أراد الله عز وجل من تكرمة قريش، فأنزل
الله تعالى في القرآن: (وإذْ يَرْفع إبراهيم القواعدَ من البيت وإسماعيل ربَّنا تقبَّلْ منَّا) ... الآية. ألا
ترى أنهما أول من رفع البيت بعدما كان رُفع، فلم يكن وهو مرفوع له ولاة منذ زمن نوح عليه
الصلاة والسلام، ثم أمر إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل عليهما السلام بالبيت، لما أراد الله جل وعلا
من كرامة قريش، فكان إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام يليان البيت بعد عهد نوح عليه السلام،
ومكة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة
(1/253)

يومئذ جرهم، فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة منهم. وقال في ذلك
عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بعد ذلك:
وصاهَرَنا مَن أكرمُ النَّاسِ والداً ... فأبناؤه منَّا ونحن الأصاهرُ
قال أبو عبيدة: وحدثنا مسمع بن عبد الملك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه قال: (كان أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل عليه
الصلاة والسلام وهو ابن أربع عشرة سنة)، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا حدثني به أبو
جزء. فإسماعيل أول من تكلم بالعربية المبينة، ثم صارت إلى قريش خاصة. وتصديق ذلك في
القرآن: (وما أرسلْنا من رسولٍ إلاّ بلسانِ قومهِ ليبيَّن لهم)، إلا أن العربية المبينة لهم بلسان قريش
قوم النبي صلى الله عليه وسلم.
فولى البيت بعد إبراهيم ابنه إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت بن إسماعيل، وأمه جرهمية.
ثم مات نبت بن إسماعيل ولم يكثر ولد إسماعيل عليه السلام، فغلب جرهم على ولاية البيت. وقال
عمرو بن الحارث الجرهمي:
وكنَّا وُلاةَ البيت من بعد نابتٍ ... نطوفُ بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ
فكان أول من ولى البيت مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي، ثم وليه بعده كابر عن كابر، حتى
بغت جرهم بمكة - عظمها الله تعالى - واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا
من دخل مكة، ثم لم يتناهوا، حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى.
فزعموا أن إسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين.
(1/254)

وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسكى
(الناسة) وتسمى (بكة)، تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها. ويقال: إنما سميت مكة لازدحام الناس بها.
وقال يعقوب: سميت الناسة لأن أهلها كأنهم ينسون من العطش. قال:
وبلد يُمْسِي قَطاهُ نُسَّسَا
قال أبو عبيدة: فلما لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو
حارثة بن عمرو بن عامر فأوطنوا تهامة، فسميت خزاعة (فخزاعة: كعب، ومليح، وسعد، وعوف،
وعدي - بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر - وأسلم، وملكان بن أفصي بن حارثة
بن عمرو بن عامر) بعث الله عز وجل على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم. فاجتمعت خزاعة ليجلوا
من بقي، ورئيس خزاعة عمرو بن عامر؛ وأمه فهيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى،
وليس هو ابن مضلاض الأكبر. فاقتتلوا، فلما أحس عمرو بن الحارث بن مضاض بالهزيمة خرج
بغزالي الكعبة وحجر الركن، يلتمس التوبة وهو يقول:
لا هُمّ أن جرهماً عبادُكا ... النَّاس طِرفٌ وهمُ تلادُكا
وهمْ قديماً عَمَروا بلادَكا
فلم تقبل توبته. فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها، وخرج من بقى من جرهم إلى
إضم من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتى فذهب بهم، فقال أمية بن أبي الصلت:
وجُرهم دمَّنوا تِهامة في ال ... دَّهرِ فسالت بجمعهم إضَمُ
وولى عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وقال بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث
بن عمرو، أحد بني غبشان بن سليم، من بني ملكان بن أفصي، ولى البيت، وهو الذي يقول:
ونحن وَلينا البيتَ من بعد جُرهم ... لنمنعَه من كلِّ باغٍ وملحدِ
(1/255)

وقال:
وادٍ حرامٌ طيرُهُ ووحشُه ... نحن ولِينا فلا نغُشُّه
وزاد غير أبي عبيدة:
وابن مُضاض قائمٌ يمُشُّه ... يأخذ ما يُهدّى له يفُشُّه
وقال عمرو بن الحارث الجرهمي:
كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يسمُرْ بمكَّة سامرُ
ولم يتربع واسكاً فجنوبَه ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضرُ
بلى نحنُ كنَّا أهلهَا فأبادَنا ... صروفُ اللَّيالي والجدودُ العواثرُ
وقال أيضا:
يأيها الناس سِيروا أن قَصْرَكمُ ... أنْ تُصبحوا ذاتَ يومٍ لا تسيرونا
كنَّا. أناساً كما كنتمْ فغيَّرنا ... دهرٌ فأنتم كما كُنَّا تكونونا
حُثُّوا المطيَّ وأرخوا من أزمتَّها ... قبلَ الممات وقَضُّوا ما تقضُّونا
يقول: بادروا فخذوا بحظكم من الدنيا وما تقدمون لأنفسكم، فإنكم تموتون كما متنا. أي اعملوا
لآخرتكم وأحكموا أمر دنياكم.
فوليت خزاعة البيت. إلا إنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال:
الإجازة للناس بالحج من عرفة. وكان ذلك إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة، ثم كانت في ولده
وكان يقال لهم صوفة، فكانت إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة! ففخر بذلك أوس بن
مغراء السعدي فقال:
قلا يَريمون في التعريف موقفَهم ... حتَّى يقال أجيزوا آلَ صُوفانا
قال: يقال لكل من ولى من أهل البيت شيئا، أو أقام بشيء من خدمته أو بشيء من أمر المناسك:
صوفة وصوفان؛ لانهم بمنزلة الصوف، فيهم من كل لون: قصير وطويل، وأسود وأبيض؛ ليسوا من
قبيلة واحدة؛ لأنه يذهب قوم ويجيء قوم.
(1/256)

والثانية: الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى. فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان بن عمرو بن
قيس بن عيلان، فكان آخر من ولى ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن
الحارث، فكان إذا أراد أن يفيض بالناس غداة جمع قال: (يا صاحب الحمار الأسود، علام تحسد،
فهلا صاحب الأمون الجلعد، اللهم اكف أبا سيارة الحسد!). ثم يفيض بالناس فكان يقال: (هو أصح
من حمار أبي سيارة!). وكان يقال إنه دفع بالناس عليه أربعين سنة لا يعتل. قال أبو عبيدة: فقال
قائل:
نحن دفَعْنا عن أبي سيَّارَه ... حتَّى أفاضَ مُجْرياً حمارَه
والثالثة: النسيء لشهور الحرام، فكان ذلك إلى القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن
مالك بن كنانة، ثم في بنيه، حتى صار ذلك إلى آخرهم وقام عليه الإسلام، أبي ثمامة، وهو جنادة بن
عوف بن أمية، أحد بني حذيفة بن عبد. فكانوا يحلون من الحرم ما شاءوا، ويحرمون من الحلال ما
شاءوا ثم إذا أراد الناس الصدر قام الذي يلي ذلك فقال: (اللهم إني لا أحاب ولا أعاب، ولا مرد لما
قضيت. اللهم أني قد أحللت دماء المحلين من طي وخثعم إحلال دم ظبي، فاقتلوهم حيث ثقفتموهم.
اللهم أني أحللت أحد الصفرين: الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل).
وإنما أحل دماء خثعم وطي لأنهم كانوا لا يحرمون الأشهر الحرم. وإنما قالوا أحد الصفرين لأنهم
جعلوا المحرم الصفر الأول ليقولوا إنه حلال إذا أحلوا، لأنهم
(1/257)

استشنعوا إحلال المحرم. فلما قلم الإسلام قام وقد عادت الحرم إلى أصلها،
فأحكمها الله تعالى وأبطل النسيء، قال الله عز وجل فيه تلك
الآيات. ففخر بذلك عمرو بن قيس، جذل الطعان، فقال:
ألسنا الناسئينَ على مَعَدّ ... شُهورَ الحِلِّ نجعلُها حراما
فلما أمرت معد - أي كثرت - تفرقت. فقال مهلهل:
غنيَتْ دارنا تِهامةُ في الدَّه ... رِ وفيها بنو مَعِدٍّ حُلولا
وأما قريش فلم يفارقوا مكة منذ خلقوا، ولم يدعوا ميراثهم عن إسماعيل عليه الصلاة والسلام. فلما
كثروا وقلت المياه عليهم تفرقوا في الشعاب والجباجب من الحرم ولم يخرجوا منه والجبجب
والأخاشب: جبال مكة. يقال: (ما بين أخشبيها وبين جبجبيها أحمق من فلان!).
فتزوج كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فاطمة بنت سعد بن سيل، وهم من الجدرة، وهم
حي من جعثنة من أزد شنوءة، حلفاء في بني كنانة. فولدت لكلاب زيدا وزهرة، فهلك كلاب وزيد
صغير وقد شب زهرة، فقدم ربيعة بن حرام، من عذرة بن سعد هذيم بن زيد مكة، فتزوج فاطمة
(1/258)

فحملها وابنها زيدا وهو صغير، فأتى بهما بلاده. فولدت فاطمة رزاحا. وشب ابن كلاب في حجر
ربيعة، فسمى زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه؛ ولم يبرح زهرة مكة.
ثم أن قُصياً قال له رجل من بني عذرة: الحق بقومك فإنك لست منا. فقال: ممن أنا؟ قال: اسأل
أمك. فسألها فقالت: أنت أكرم منه نفسا ووالداً ونسبا، أنت ابن كلاب بن مرة القرشي، وقومك آل الله
في حرمه وعند بيته. فجهزته، وقال: لا تعجل حتى تخرج حجاج قضاعة فتخرج معهم، فإني أخاف
عليك. فلما شخص الحاج شخص قصي معهم حتى قدن على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد،
فكانت خزاعة بمكة أكثر من قريش. فاستنجد قصي أخاه لأمه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من
امرأة أخرى: حن، ومحمود، وجلهمة، بنو ربيعة بن حرام. فأقبل بمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع
قصي قومه، فنفوا خراعة عن البيت.
وزعم قوم من خزاعة أن قصياً تزوج حبي بنت حليل بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو بن
ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، فولدت له عبد الدار، وعبد العزى، وعبد مناف، وعبداً، بني
قصي.
وكان حليل آخر من ولى البيت من خزاعة، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابته حبي، فقالت: قد
علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. قال: إني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به.
فجعله إلى أبي غبشان، وهو سليم ابن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن
عامر، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود، فلما رأت ذلك خزاعة كثُروا على قصي،
فاستنصر أخاه فقدم بمن معه من قضاعة، فقاتل خزاعة حتى نفوا خزاعة.
قال أبو عبيدة: فأما الخلفي - وهو رجل من بني خلف - فزعم أن
(1/259)

خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم، فلما رأت ذلك جلت عن مكة،
فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع؛ ومنهم من أسكن.
قال أبو عبيدة: وهذا باطل، ليس كما قال الخلفي.
فولي البيت قصي، وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في
الشعاب في رءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم فسمى مجمعا. وفيه يقول مطرود أو غيره لبنيه:
وزيدٌ أبوهمْ كان يُدعَى مجمِّعا ... به جَمَع اللهُ القبائلَ من فهرِ
وملكه قومه عليهم، فكان قصي أول من أصاب الملك من ولد كعب بن لؤي. فلما قسم أبطح مكة
أرباعاً بين قريش هابوا أن يقطعوا شجر الحرم ليبنوا منازلهم، فقطعها قصي بيده، ثم استمروا على
ذلك من سنة قصي.
(يَمِيناً لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدْتُمَا ... عَلَى كُلّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبْرَمِ)
معناه: لنعم السيدان وجدتما حين تفاجآن لأمر قد أبرمتماه. وأمر لم تبرماه ولم تحكماه، على كل حال
من شدة الأمر وسهولته. وأصل السحيل والمبرم أن المبرم يفتل خيطين حتى يصيرا خيطا واحدا.
والسحيل خيط واحد لا يضم إليه آخر. وقال أبو جعفر: قوله (من سحيل ومبرم) معناه من أمر شديد
أو لين، محكم أو غير محكم. وأنشد يعقوب:
باتَ يُصادي أمرَه أمُبْرمُه ... أعْصَمُه أم السَّحيل أعصَمُه
ويمينا نصب بأقسمت، وموضع نعم نصب بوجدتما، والسيدان رفع بنعم.
(1/260)

(تَدَاركتُما عَبساً وذُبيانَ بعد ما ... تَفَانَوْا وبَقَّوْا بينَهمْ عِطَر منَشِمِ)
في أخرى: (ودقوا)، وكذا الخزاعي: (ودقوا). قال أبو جعفر: يصف قوما تحالفوا ثم أخذوا العطر
بأيديهم ليتحرموا به، ثم خرجوا إلى الحرب فقتلوا جميعا فتشأمت العرب بها، واسمها منشسم. وقال
الأصمعي في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا. يقول: فصار هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر.
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: عطر منشم إنما هو من التنشيم في الشر، ومنه قولهم: (لما نشم
الناش في عثمان رضي الله سبحانه عنه). ومنه قول علقمة:
خَضَر المزاد ولحمٌ فيه تنشيمُ
أي قد ابتدأ في الإرواح.
وقال أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة، كقولهم: (جاءوا على بكرة أبيهم)،
وليس ثم بكرة.
وقال أبو عمرو الشيباني: منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرا بمكة، فإذا حاربوا اشتروا منها
كافورا لموتاهم؛ فتشأموا بها.
وقال ابن الكلبي: منشم امرأة الوجيه الحميري.
وعبسا منصوب بتداركتما، وأجرى لأنه اسم لرجل لا علة فيه تمنعه الإجراء. وذبيان لا يجري لأن
فيه ألفا ونونا زائدتين.
(1/261)

(وقد قلتما أن نُدركِ السلْم واسعاً ... بمال ومعروف مِن القَوْلِ نسلَمِ)
السِّلْم والسَّلْم: الصلح؛ وهو يذكر ويؤنث. قال الله عز وجل: (وإنْ جَنَحُوا للسَّلْم فاجْنحْ لها)، فيجوز
أن يكون أنث لتأنيث الجنحة، لأن المعنى فاجنح للجنحة. وأنشد أبو العباس:
فلا تضيقَنَّ أن السلم واسعةٌ ... مَلْساءُ ليس بها وعْثٌ ولا ضِيقُ
وقوله (واسعا) معناه ممكن. يقول: نبذل فيها الأموال ونحث عليها.
وموضع واسع نصب على الحال من السلم، والباء صلة ندرك، وموضع نسلم جزم على جواب
الجزاء.
(فأَصْبَحْتُما منها على خَير مَوطنٍ ... بَعيدين فيها مِنْ عُقوقٍ ومَأْثَمِ)
معناه: لا تركبان منها ما لا يحل لكما.
ونصب بعيدين على الحال، وعلى خبر أصبحتما.
(عظيمَيْن في عُليا معَدٍّ هُدِيتُما ... ومَنْ يسْتَبحْ كَنْزاً من المجدِ)
عليا معد: أرفعها؛ يقال: هو في عُليا معد وعَليا معد. قال النابغة:
يا دار مية بالعَلياء فالسَنَدِ ... أقْوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
(1/262)

وقال أبو جعفر: قوله (يستبح كنزا) أي يجد كنزل مباحا فيأخذه لنفسه فيعظم حينئذ. وقال (يعظم):
يأتي بأمر عظيم. و (يعظم): يعظمه الناس. و (يعظم) يصير عظيما. وقال: يروى على هذه الوجوه
الثلاثة.
وموضع عظيمين نصب على الإتباع لبعيدين. وموضع من رفع بما عاد من يستبح، ويعظم موضعه
جزم لأنه جواب الجزاء.
(وأَصبَحَ يُحْدَي فيكُم مِن إِفالِها ... مَغانِمُ شَتَّى منْ إِفالِ مُزَنَّمِ)
يحدي: يساق. ويروى: (فأصبح يجري فيهم من تلادكم). والتالد من المال والتليد: ما ولد عندهم،
وأصله الوالد والوليد، فأبدلت التاء من الواو؛ كما قالوا متزن، والتراث وأصله الوراث، وتجاهى
وأصله وجاهي. والطارف والطريف: ما استحدثوا. يقول: صرتم تغرمون لهم من تلادكم. هذا قول
يعقوب. وقال أبو جعفر: قوله من تلادكم معناه من كرم سعيكم الذي سعيتم لهم حتى جمعتم لهم
الحمالة. وقال: هذا قول ابن الأعرابي. ورواه أبو جعفر: (من نتاج مزنم) وقال: إفال خطأ، لأنه لا
ينبغي أن تكون مزنمة. وقال يعقوب: الإفال: الصغار من الإبل بنات المخاض وبنات اللبون، الواحد
أفيل وأفيلة للأنثى. وقوله (مزنم)، والتزنيم علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن
يسحى ظاهر الأذن، أي تقشر جلدته، ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب. قال المتلمس:
وإنَّ نصابي أن سألتَ وأسرتي ... من الناس حيٌّ يقتنون المزنَّما
وروى أبو عبيدة: (من إفال المزنم)، وقال: هو فحل معروف. قال: ويقال عطاء مزنم ومزند، أي
قليل. وقال أبو جعفر: يقال عطاء مزلم ومزند. وأنكر النون مع الميم.
(1/263)

والمغانم ترتفع لأنها اسم أصبح، وخبر أصبح ما عاد من يحدى، وشتى في موضع رفع على النعت
للمغانم.
(تُعفَّى الكُلومُ بالمِئِينَ فأَصبحَتْ ... يُنَجِّمُها مَنْ ليس فيها بمُجْرِمِ)
قوله (تعفى الكلوم) معناه تمحى الجراح بالمئين من الإبل تؤدي، يجعلونها نجوما. ويقال عفا الشيء
يعفو عفاء، إذا درس. وقد عفوته وعفيته ويقال كلم وكلام وكلوم. وقد كلمت الرجل أكلمه كلما،
وقرحته أقرحه قرحا، وجرحته أجرحه جرحت. وهو رجل كليم في قوم كلمى، وجريح في قوم
جرحى، وقريح في قوم قرحى. وقوله: (من ليس فيها بمجرم) يقول: انتم تغرمونها ولم تجرموها
وتجنوها. يقال أجرم الرجل يجرم إجراما، وجرم يجرم جرما وجرمة. قال عمرو بن البراقة
الهمداني:
وننصُر مولانا ونعلم أنَّه ... كَمَا النَّاسِ مجرومٌ عليه وجارمُ
وقال أبو جعفر: من ليس فيها بمجرم، يعني الساعيين.
والكلوم اسم ما لم يسم فاعله، والباء صلة تعفى، واسم أصبحت مضمر فيه من ذكر المئين، وخبر
أصبحت ما عاد من الهاء في ينجمها، وموضع من رفع. بينجم، وليس صلة من، وما فيه يعود على
من، وبمجرم خبر ليس، وفيها صلة مجرم.
(1/264)

(يُنجِّمُها قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامةً ... ولم يُهَرِيقُوا بَينَهُمْ مِلءَ مِحْجَمِ)
قوله (ينجمها) معناه يجعلونها نجوما ويؤدونها نَجْماَ نجماً. يقول: لم يكن لهم في تلك الحروب ذنب
ولاهراقوا فيها دما، ولكنهم حملوها. يقال أرقت الماء أريقه إراقة، ويا فلان أرق ماءك، والماء مراق.
وقوم يبدلون من الهمزة هاء فيقولون هرقت الماء أهريقه هراقة، والماء مهراق، ويا فلان هرق.
وقوم يتوهمون أن الهاء أصلية - وإنما هي بدل من ألف أفعلت - فيزيدون عليها ألفا فيقولون
أهرقت الماء أهريقه إهراقا، والماء مهراق بتسكين الهاء، ويقولون أهرق ماءك. ويقال ملأت الإناء
فأنا أملؤه ملئا بفتح الميم، والمِلء، بكسر الميم الاسم، وهو ما يأخذه الإناء الممتلئ من الشراب. يقال
أعطني ملء القدح وملأيه، وأعطني ثلاثة إملائه. وأصل يهريق يؤروق، فأبدلوا من الهمزة هاء
فصار يهروق، واستثقلوا الكسرة في الواو فألقوها على الراء، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
والقوم يرتفعون بفعلهم، والغرامة تنتصب على المصدر، والملء ينتصب بوقوع الفعل عليه.
(أَلاَ أَبلِغِ الأَحلافَ عنِّى رِسَالةً ... وذُبْيانَ هَلْ أَقْسمتمُ كُلَّ مُقْسَمِ)
الأحلاف: أسد وغطفان، الواحد حلف. يقال فلان حلف بني فلان، إذا حالفوه أن يمنعوه مما يمنعون
منه أنفسهم وأن يكون معهم يدا على غيرهم. ويقال أقسمت في اليمين فأنا أقسم إقساما ومقسما.
والمقسمة: الموضع الذي يحلف فيه.
وألا افتتاح للكلام. والرسالة مفعول ثان، وكل مقسم منصوب على المصدر.
(1/265)

(فلا تَكْتُمُنَّ اللهَ ما في صَدُوركم ... ليَخفَى ومَهما يُكتَمِ اللهُ يَعلَمِ)
معناه: لا تكتموا الله تعالى ما صرتم إليه من الصلح وتقولوا إنا لم نكن نحتاج إلى الصلح وأنا لم
نسترخ من الحرب؛ فإن الله جل وعلا يعلم من ذلك ما تكتمونه. يقال كتمت الأمر كتمة وكتمانا، إذا لم
تظهره. وقال الأصمعي: يقال ناقة كتوم، إذا كانت لا ترغو. قال: ويقال قوس كاتم، إذا لم ينصدع
قلبها. ويقال كتمت المزادة كتوما، إذا ذهب سيلانها، حكى هذا يعقوب عن أبي عمرو الشيباني. يقال
خفي الشيء يخفى، إذا استتر؛ وأخفيته، إذا سترته؛ وخفيته، إذا أظهرته. وقال أبو جعفر: معنى
البيت لا تظهروا الصلح وفي أنفسكم أن تغدروا، كما فعل حصين بن ضمضم إذ قتل ورد بن حابس
بعد الصلح. يقول: فلا تفعلوا، صححوا الصلح.
وموضع تكتمن جزم على النهى، والنون دخلت للتوكيد، وما نصب بوقوع الفعل عليها، ويخفى
نصب بلام كي، وبكتم جزم بمهما، ويعلم جواب الجزاء.
(يُؤَخَّرْ فَيوضَعْ في كِتاب فيُدَّخَرْ ... ليوْمِ الحِساب أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ)
قال يعقوب: معناه لا تكتمن الله تعالى ما في نفوسكم فيؤخر ذلك إلى الحساب فتحاسبوا به ويعجل
في الدنيا لكم النقمة به. وقال أبو جعفر: إنما أراد بهذا الغدر وتعظيم شأنه.
ويؤخر مجزوم على الاتباع ليعلم. قال الله عز وجل: (ومَن يَفعلْ ذلك يَلْقَ أثاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ).
فجزم يضاعف على الإتباع ليلق أثاما. وموضع فيدخر ويعجل وينقم نسق على يؤخر.
(1/266)

(وما الحرْبُ إِلاْ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ... وما خُوَ عَنْها بالحَدِيثِ المرجَّمِ)
قال يعقوب: معناه وما الحرب إلا ما قد جربتم وذقتم، فإياكم أن تعودوا. وقوله: (وما هو عنها
بالحديث المرجم) معناه: وما الخبر عنها بحديث يرجم فيه بالظن، ولكن هذا ما شهدتم وباشرتم
وعرفتم. المرجم: الذي يرمى فيه بالظن. وقال أبو جعفر: معناه أن غدرتم ثم عادت الحرب وهي ما
قد جربتم وعرفتم فإياكم أن تغدروا.
والحرب موضعها رفع بما علمتم، وما مرفوعة بها، وعلمتم صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما،
والتقدير: وما الحرب إلا ما علمتموه. وذقتم نسق على علمتم، وما جحد لا موضع لها وهو مرفوع
بالحديث، والمرجم نعت الحديث، وعنها حال، كأنه قال: وما هو وهو عنها لا عن غيرها. ويصلح
في قول الكسائي أن تجعل (عنها) من صلة المرجم ويصلح تقديمها لأن الحديث خبر، والمرجم نعته،
والألف واللام ينوى بهما الطرح في مواضع الإخبار. أجاز الكسائي: ما عبد الله بأخيك فيك الراغب،
لأن الراغب نعت الأخ، والأخ في هذا الموضع اسم والألف واللام لا تلغى في مواضع الأسماء.
(متَى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذميمةً ... وتَضرَ إذا ضَرَّيتموها فتَضْرمِ)
قوله (ذميمة) معناه مذمومة. يقول: أولها صغير ثم تعظم بعد. يقال رجل ذميم، إذا كان مذموما
بالذال، وامرأة ذميم بغير هاء، لأنه مصروف مذمومة إلى ذميم. وهو كقولك كف خضيب، وعين
كحيل، ولحية دهين. ويقال رجل دميم، بالدال، إذا كان حقيرا. قال الشاعر:
كضرائر الحسناء قُلنَ لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميمُ
(1/267)

قوله (وتضر) معناه تضرى كما يضرى السبع. ويروى: (إذا ضريتموها وتلذم) أي تلزم. قال
يعقوب: قال الأصمعي: يقال ألذم به، إذا أغرى به حتى لزمه. وقال أبو جعفر: يقال لذم به وألذم به،
والألف أكثر. وقال الأصمعي: قال عمر بن الخطاب رضي الله: (إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة
كضراوة الخمر). وتضرم: تضطرم. يقال: أضرم نارك. وقد تضرمت، إذا اشتعلت. يقال: هو
يتضرم من الغيظ. قال أبو عبيدة: (والضرم: دق الحطب وما تسرع فيه النار الاشتعال، وهو
الضرام. والجزل: ما غلظ منه.
وتبعثوها جزم بمتى، وتبعثوها الثاني جواب الجزاء، وذميمة نصب على الحال من الهاء، وتضرم
مجزوم لأنه نسق على تبعثوها، وعلامة الجزم في تضر سقوط الألف، وتضرم نسق على تضر.
وقال أبو جعفر: تضرم: تحرق.
(فَتَعْرُكْكُمُ عَركَ الرَّحَى بِثِفالها ... وتَلقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنتَجْ فتُتْئِمِ)
الثفال: جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. ولم يرد كما تعرك
الرحى ثفالها، وإنما أراد عرك الرحى ومعها ثفالها، أي عرك الرحى طاحنة، يريد في حال ظحنها.
فالباء تقديرها تقدير الحال، وقد فسرناه في غير موضع. ولا تجعل الثفال تحتها أبدا إلا أن تطحن،
فإذا طحنت جعل الثفال تحتها حينئذ. ويقال ثفل رحييك وثفل لهما، أي اتخذ لهما ثفالا. يقال قد لقحت
الناقة لَقحا ولِقاحا. و (الكشاف): أن تحمل على الناقة في كل سنة فتلقح، وذلك أردأ النتاج. يفظع
بهذا، أي يتدارك عليكم أمرها. ومثل الكشاف في الغنم الإمغال. وأحمد النتاج في الإبل أن يحمل على
الناقة سنة ثم تجم سنة؛ وذلك أقوى للولد. وفي الغنم أن يحمل عليها في السنة مرة، فاذا حمل عليها
في السنة مرتين فذلك الامغال. ويقال نتجت الناقة تنتج نتاجا، ونتجها أهلها؛
(1/268)

ولا يكون الفعل لها إلا في قولك أنتجت الناقة، وذلك إذا نتجت فوضعت ولدها وليس أحد يحضرها.
ويقال ناقة كشوف وإبل كشف. وقد أكشف بنو فلان العام فهم مكشفون. وقوله (فتتئم) معناه تنتج اثنين في بطن.
يفظع بهذا. يقال: أتأمت المرأة والشاة فهي متئم، إذا ولدت اثنين في بطن واحد. فإذا كان ذلك من عادتها قيل
متآم. ويقال: هذا توأم وهذه توأمة، والجمع توائم وتؤام. انشد الفراء:
قالت لنا ودمعُها تُؤامُ ... على الذين ارتحلوا السّلامُ
وقال أبو جعفر: قوله كشافا، يعجل عليكم أمرها بلا وقت. وقال أبو جعفر: الامغال: كثرة الولد من
كل شيء. وأنشد في امرأة:
ريّا الروادف لم تُمغِلْ بأولاد
وقال أبو جعفر: أنتجت الناقة، إذا بلغت وقت نتاجها ولما تنتج.
وموضع تعرككم جزم لأنه نسق على يؤخر، وكذلك ما بعده من الأفعال المجزومة. والكشاف
منصوب على المصدر في قول الكوفيين، وقال البصريون: هو مصدر جعل في موضع الحال.
(فَتُنْتجْ لكُمْ غلِمانَ أَشأَمَ كُلُّهُمْ ... كأَحمرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتفْطِمِ)
معناه تنتج لكم غلمان شؤم. وأشأم هو الشؤم بعينه. يقال كانت لهم بأشأم، يريد بشؤم، فلما جعل أفعل
مصدرا أفعل مصدرا لم يحتج إلى من. ولو كان افعل لم يكن له بد مِن مِنْ. وإنما أراد كأحمر ثمود،
فاضطره الشعر إلى عاد، فقال على جهة الغلط، كما قال الأعشى:
(1/269)

فإني وثوبَيْ راهب اللُّجّ والتي ... بناها قصيُّ وَحدَه وابنُ جُرهُم
وقصي لم يبن الكعبة. وقال الشماخ:
وشُعبتَا مَيسٍ بَرَاها إسكافْ
أراد: براها نجار، فجعل الإسكاف في موضع النجار. وقال النابغة:
وكلُّ صَموتٍ نَشْلةٍ تُبَّعيَّةٍ ... ونسجُ سُليمٍ كلَّ قَضَّاءَ ذائلِ
أراد: ونسج سليمان؛ وسليمان لم ينسج الدروع وإنما نسجها داود. وقال الآخر:
والشَّيخِ عثمانَ أبي عَفَّان
وقال أبو عبيد: كأحمر عاد وثمود سواء. وقوله: (ثم ترضع فتفطم) معناه أن أمرها يطول عليكم ولا
يسرع انكشافها عنكم حتى تكون بمنزلة من يلد ويفطم. وقال أبو جعفر: المعنى إنها تسرع بكم
وتدارك بذنوبكم شرا بعد شر، فيفنى بعضكم بعضا وتذهب أموالكم في الحمالات. وقال يعقوب: يقال
للصبي وللسخلة في لغة أهل نجد: رضع يرضع رضاعا. وفي لغة تهامة: رضع يرضع. وقال
الأصمعي: وقال رجل من أهل مكة: أيقول أحد إلا رضع؟ قال: وأخبرني عيسى بن عمر الثقفي قال:
ينشد أهل تهامة هذا البيت لابن همام السلولي:
وذمُّوا لنا الدُّنيا وهم يرضِعونها ... أفاويقَ حتَّى ما يدرّ لها ثُعْلُ
(1/270)

قال: ويقال: التمس لي مرضعا، أي ذات لبن، فإذا كانت ترضع فهي مرضع ومرضعه. وقال أبو
عبيدة: قال بعضهم:
كمرضِعةٍ أولادَ أخرى وضَيَّعتْ ... بنيها فلم تَرقَعْ بذلك مَرقَعا
وقال امرؤ القيس:
فمثلِكِ حُبلى قَد طرقتُ ومُرضع ... فألهيْتُها عن ذي تمائمَ مُحوِلِ
وقال الفراء: يقال الرِّضاع والرَّاع، والرِّضاعة والرَّضاعة، والرضع. وأنشد ابن الأعرابي وغيره:
داويَّة شَقَّت على اللاعِ الشَّكِعْ ... وإنَّما النوم بها مثل الرَّضِعْ
واسم ما لم يسم فاعله مضمر فيه من ذكر الحرب، كأنه قال: فتنتج لكم الحرب غلمان أشأم. ونصب
الغلمان بوقوع الفعل عليهم، ويقول بعض النحويين: هو خبر ما لم يسم فاعله. وأشأم موضعه خفض
إلا إنه لا يجري، وكلهم مرفوع بالكاف الزائدة لأنها في معنى مثل، والتقدير كلهم مثل أحمر عاد،
وهو على مثال أفعل، لأنه أضافه، وكل اسم لا يجري إذا أضيف جرى.
(فتُغْلِلْ لَكُمْ ما لا تُغِلُّ لأَهْلِها ... قُرىً بالعِراقِ مِن قَفِيز ودِرهم)
قال يعقوب: هذا تهكم، أي هزء. يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من
الطعام والدراهم، ولكن غلة هذا عليكم ما تكرهون. قال أبو جعفر: فتغلل لكم معناه أنكم تقتلون
ويحمل إليكم ديات قومكم، فافرحوا فهذه لكم غلة.
(1/271)

وموضع (فتغلل) جزم على النسق على فتنتج لكم. وموضع قرى رفع بتغلل.
وموضع ما نصب بتغلل، ومن دخلت مع الجحد وهو (لا)، كقولك: لا أضرب من أحد، والذي بعدها
نكرة في تأويل مفعول، وهي في هذا المعنى لا تدخل إلا على نكرة.
(لِحَيٍّ حِلالٍ يَعصِمُ النَّاسَ أَمرُهُم ... إِذا نَزَلتْ إحدى اللَّيالي بِمُعظَمِ)
قال يعقوب: الحلال: الكثير. والحلة: مائتا بيت تكون في موضع واحد: فيقول: هذه الإبل التي في
الدية لحي كثير. وإنما أراد أن يكثرهم ليكثر العقل. وقوله (يعصم الناس أمرهم) معناه إذا ائتمروا
أمرا كان عصمة للناس. وقوله (إذا طرقت) معناه أتت ليلا. وقال أبو جعفر: قوله لحي، معناه تصير
إليكم الحمالات بسبب هذا الحي الذي يقوم لكم بأخذها، ثم مدح الحي. فقال يعقوب: (بمعظم): بأمر
عظيم وقال أبو جعفر: يروى: (بمعظم) أي بأمر عظيم. قال: ومن أراد بمعظم، أي بأمر يعظمه
الناس.
والحلال نعت الحي، والأمر رفع بيعصم، ومعنى يعصم يمنع، كما قال الله عز وجل: (لا عاصمَ
اليومَ من أمر الله)، أي لا مانع.
(كِرامٍ فلا ذُو الضِّغْنِ يُدْرِكُ تَبلَهُ ... ولا الجارِمُ الجاني عَلَيهِمْ بمُسْلَمِ)
يقال ضغن عليه يضغن ضَغنا وضِغنا. والتبل والذحل واحد، يقال، في قلبي عليه ضغن، وذحل،
وحقد، وإحنة، وترة، وتبل. قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤٌ حاولْن أن يقتتلنَه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذَحْلِ
وقال نصيب:
أمن ذِكر ليلى قد يُعاودني التَّبلُ ... على حينَ شاب الرأس واستوسَق العقلُ
(1/272)

ويقال: في قلبي عليه وغر، ودغم، وغمر. وقال الأعشى:
يقوم على الوغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقمْ
ويقال: في قلبي عليه حزاز وحزازة. وأنشد أبو العباس عن ابن الأعرابي:
إذا كان أبناء الرجال حزازةً ... فأنت الحلالُ الحلو والباردُ العذبُ
ويقال: في قلبي عليه غمر. قال الأعشى:
ومِن كاشحٍ ظاهرٍ غِمرْه ... إذا ما انتسبتُ له أنكرَنْ
ويقال: في قلبي عليه دمنة. قال الشاعر:
ومن دِمَنٍ داويتَها فشفيتَها ... بسَلمكَ لولا أنتَ طال حروبُها
ويقال: في قلبي عليه حسيفة وكتيفة. وأنشد أبو العباس:
أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُه ... وترفضُّ عند المحْفِظات الكتائفُ
ويقال: في قلبي عليه وتر. وقد وتره فلان وتبله. والجاني، من قولك: جنى عليه شرا. يقول: من
جنى عليهم لم يسلموه. ويقال: جنى عليهم شرا، وأجل يأجل أجلا، وجر يجر جريرة.
والكرام نعت الحي، وذو رفع بما عاد من يدرك، والجارم رفع بمسلم. وروى يعقوب:
كرام فلا ذو الضّغْن يدرك تبلَه ... لديهمْ ولا الجاني عليهم بمسلَمِ
(1/273)

(رَعْوا ظِمْأَهم حتَّى إذا تَمَّ أَوْرَدَوا ... غِماراً تَسِيلُ بالسِّلاح وبالدَّمِ)
ويروى: (رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا). ويروى: (تفرى بالسلاح). والظمء: ما بين
الشربتين. وقوله: رعوا ما رعوا، ضربه مثلا لرمهم أمرهم ثم وقوعهم بالحرب. و (الغمار): الأمور
العظام. قال الراجز:
الغَمَرات ثم ينجلينا
وغمرة كل شيء: معظمه. قال أبو عبيدة: يعنى سكنوا وكفوا عن القتال ثم أوردوا غمارا، أي قاتلوا.
و (تفرى): نشقق عليهم. يقال: تفرى الأديم وتفرى الثوب، إذا تشقق؛ وقد أفريته، إذا شققته. قال أبو
جعفر: قوله (رعوا ظمأهم) معناه إنه رجع إلى وصف أمرهم قبل الصلح، فأخبر أنهم رعوا ظمأهم.
يعني أن بعضهم كان يثب على بعض فيقتله قبل اجتماعهم في الحرب، فلما عادوا في ذلك أوردوا
إبلهم غمارا، وإنما يريد أنفسهم. والغمار هاهنا مثل، يريد ما غمرهم من أمر الحرب.
والظمء منصوب برعوا، والغمار نصب بأوردوا، وتسيل صلة الغمار.
(فَقضَّوْا مَنَايا بَينهُم ثُمَّ أَصدَروا ... إِلى كَلأٍ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخَّم)
قوله: (ثم أصدروا إلى كلأ) معناه إلى أمر استوخموا عاقبته. وهذا مثل، يقال:
(1/274)

كلأ وبيل وماء وبيل،
إذا صار غير مريء. ومنه استوبل فعلته، أي استوخمها. قال عنترة:
إن المنية لو تُمثَّلُ مُثِّلتْ ... مثلى إذا نزلوا بضنك المنزلِ
يعني أنهم كانوا من أشدائهم ثم صاروا إلى اخذ دياتهم، فذلك قوله (إلى كلأ مستوبل متوخم).
والمنايا نصب بقضوا، والمستوبل نعت الكلأ.
(لعَمري لَنِعْمَ الحي جَرَّ عَليهمُ ... بما لا يُوَاتيهمْ حُصَيْنُ بنُ ضَمضمِ)
قوله (بما لا يواتيهم) معناه بما لا يوافقهم. و (جر) من الجريرة. ويروى: (بما لم يمالئهم حصين بن
ضمضم)، فاجتزأ بأن لم يذكر عليه فقال: لعمري لنعم القوم جر عليهم حصين بن ضمضم بما لم يكن
عن ملأ منهم. والممالأة: المتابعة. وحصين من بني مرة، كان أبى أن يدخل في صلحهم، فلما اجتمعوا
للصلح شد على رجل منهم فقتله. وقال أبو جعفر: المعنى لنعم الحي جر عليهم بتركه الصلح الذي
دخلوا فيه ومخالفته إياهم.
والحي رفع بنعم، وحصين رفع بجر.
(وكانَ طَوَى كَشْحاً عَلى مُسْتكنّةٍ ... فلا هُوَ أَبْداها ولمْ يَتقَدَّمِ)
معناه: وكان طوى كشحه على فعلة أكنها في نفسه فلم يظهرها. ويروى: (ولم يتجمجم) أي لم يدع
التقدم على ما أضمر. يقال: أكننت الشيء، إذا سترته
(1/275)

وأخفيته في نفسك، فأنا مكن والشيء مكن. قال الله عز وجل:
(أو أكننتم في أنفسكم). ويقال كننت الشيء، إذا صنته. والشيء مكنون والرجل كان.
قال الله عز وجل: (كأنهن بيضٌ مكنون). وقال أبو دهبل:
وهي بيضاءُ مثل لؤلؤة الغ ... وَّاضِ مِيزَتْ من جوهر مكنونِ
و (الكشح): الخاصرة. وقال أبو جعفر: كان هرم بن ضمضم قتله ورد بن حابس، فقتله أخوه
حصين به. و (المستكنة): الغدرة. واسم كان مضمر فيها، وطوى خبرها. ولا، معناها لم، كأنه قال:
لم يبدها لهم، كما قال الله عز وجل: (فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى) معناه فلم يصدق ولم يصل. قال الشاعر:
إنْ تغفر اللهمَّ تغفرْ جَمَّا ... وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمَّا
معناه: لم يلمم.
(وَقالَ سَأَقْضي حَاجَتي ثُمَّ أَتَّقي ... عَدُوِّي بأَلْفِ منْ ورَائيَ مُلجِمِ)
ويروى: (ملجم). فمن رواه ملجِم أراد بألف فارس ملجم، ومن رواه ملجَم أراد بألف فرس ملجم.
والملجم نعت الألف، والألف مذكر، فان رأيته في شعر مؤنثا فإنما يذهب بتأنيثه إلى تأنيث الجمع.
وقال أبو جعفر: حاجته قتل ورد بن حابس.
(1/276)

(فَشَدَّ ولمْ يُنْظِرْ بُيوتاً كَثيرَةً ... لدَى حَيْثُ أَلقتْ رَحْلَها أٌُمُّ قَشْعَمِ)
ويروى: (ولم تنظر بيوت). وروى الأصمعي: (فشد ولم تفزع بيوت كثيرة) يقول: شد على عدوه
وحده فقتله ولم يفزع العامة بطلب واحد - يريد بذلك تملقهم وألا يغضبوا - وإنما قصد لثأره ولم
يردكم، فاقبلوا الدية والصلح ودعوا الحرب. و (أم قشعم): الحرب الشديدة. وقوله (ألقت رحلها) أي
حيث شدة الأمر. ويقال أم قشعم للمنية. وقال أبو عبيدة: أم قشعم: العنكبوت. أي شد عليه بمضيعة
فقتله. ويروى: (ولم تفزع بيوت كثيرة)؛ أراد إنه لم يستعن عليه بأحد. ومن روى: (ولم ينظر بيوتا)
أراد ولم ينظر حصين بيوتا. ومن روى: (ولم تنظر بيوت) جعل البيوت اسم ما لم يسم فاعله.
وموضع حيث خفض بلدى، والأم ترتفع بألقت، والرحل منصوب به، وإنما ضمت وهي في موضع
خفض لأن أصلها حوث فعدلت عن الواو إلى الياء وجعلت ضمة الثاء خلفا من الواو. هذا قول
الكسائي، وقال الفراء: ضمت لتضمنها معنى المحلين، ومن العرب من يظهر الواو في حيث فيقول
حوث، فإذا قلت عبد الله حيث زيد، فمعناه عبد الله في مكان فيه زيد، فلما قامت حيث مقام محلين
أعطيت أثقل الحركات.
(لَدَى أَسدٍ شاكي البَنانِ مُقاذِفٍ ... لهُ لبَدٌ أَظفارُه لمْ تُقَلَّمِ)
وروى الأصمعي: (لدى أسد شاكي السلاح مقذف). يقال: هو شاكي السلاح، وشاكُ السلاح وشاكُّ
السلاح، بالتخفيف والتشديد، ومعناه سلاحه ذو
(1/277)

شوكة. وأصل شاكي شائك، كما قالوا جرف هار
وأصله هائر، قال الشاعر:
فلو أني رميتُكَ من بعيدٍ ... لعَاقكَ عن دُعاء الذئب عاقِ
أراد عائق فقلب. ومن قال شاك في السلاح فمعناه إنه دخل في السلاح. والشكة: السلاح أجمع.
وقوله: (البنان) أراد براثن الأسد. وأصل البنان أصابع الإنسان، الواحدة بنانة. قال الله عز وجل:
(واضربوا منهم كلَّ بَنَان)؛ قال الشاعر:
كم لك مِن خَصلةٍ مباركةٍ ... يحسبها بالبنان حاسبُها
و (المقذف): الغليظ اللحم. و (اللبد): جمع لبدة، وهي الشعر المتراكب على زبرة الأسد، وهو ما بين
الكتفين قد تلبد عليه الشعر. وقوله (اظفاره لم تقلم) معناه إنه تام السلاح حديده، يريد الجيش، واللفظ
على الأسد. وأنشد:
لعمركَ إنَّا والأحاليفَ هؤلا ... لفي حِقبْةٍ أظفارُها لم تقلَّمِ
وهذا البيت لأوس، أي في دهر. ومثله قول النابغة:
وبنو قُعَين لا مَحالةَ إنَّهمْ ... آتُوك غيرَ مقلَّمي الأظفارِ
وقال الأصمعي: اخذ هذا المعنى زهير والنابغة من أوس. وأنشد لبشر:
وإذا عُقابُهمُ المُدِلَّةُ أقبلَتْ ... نُبِذتْ بأفصحَ ذي مَخالبَ جَهضَمِ
قوله بأفصح، يعني الأسد، وهو مثل للجيش. والأفصح: الأصبح؛ والصبحة: بياض يعلوه حمرة.
وقال أبو جعفر: الرواية الجيدة (مقاذف). قال: ومن رواه (مقذف) أراد كأنه قذف باللحم قذفا من
شدته، كما قال النابغة:
مقذوفة بدخيش النَّحضِ بازلُها ... له صريفٌ صريفَ القعو بالمسَدِ
(1/278)

ولدى صلة شد، وشاكي نعت للأسد، وكذلك المقاذف، واللبد رفع بله، وأظفاره رفع بما عاد من تقلم.
والذي في تقلم اسم ما لم يسم فاعله.
(جَرِيءٍ متَى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بظُلمه ... سَريعاً وإِلاَّ يُبَدْ بالظُّلمِ يَظْلمِ)
معناه أن هذا الجيش متى تكن له ترة في قوم طلبها، وإن لم تكن له ترة وتر.
ويبد جزم بإلا، علامة الجزم فيه سقوط الألف. يقال بدأت بالشيء بتحقيق الهمز، وبدأت بالأمر على
تليين الهمز، وبديت على الانتقال من الهمز إلى التشبيه بقضيت ورميت. فمن قال بدأت قال لم أبدأ،
ومن قال بدأت قال لم أبدا، ومن قال بديت قال لم أبد، وكذلك قرأت وقرأت وقريت، وخبأت وخبأت
وخبيت.
(لَعَمْرُك ما جرَّتْ علَيهمْ رماحُهمْ ... دمَ ابْنِ نَهيكٍ أو قتيلِ المثَلَّمِ)
ويروى: (أو دم ابن المهزم). جرت، من الجريرة. يقول: ما حملوا دم ابن نهيك ودم ابن المهزم،
لأن رماحهم كانت جرت جريرته، ولكنهم تبرعوا بذلك ليصلح ما بين عشيرتهم. وقال أبو جعفر:
المعنى أن هؤلاء قتلوا قبل هذه الحرب، فلما شملهم هذه الحروب أدخلوا كل قتيل كان لهم في هذه
الحرب فطالبوا بهم حمالات وقودا حتى اصطلحوا.
والعمر يرتفع على القسم، وما جرَّت جواب القسم، والرماح رفع بجرَّت، والدم منصوب به.
(1/279)

(ولا شارَكَتْ في الموْتِ في دَم نَوْفلِ ... ولا وَهَبٍ مِنْها وَلا ابنِ المُحزَّمِ)
وروى أبو جعفر: (المخزم) بالخاء معجمة. ورواية يعقوب وجماعة من الرواة (المحزم) بالحاء غير
معجمة.
وفاعل شاركت مضمر فيه من ذكر الرماح، ووهب نسق على نوفل.
(فكُلاًّ أَرَاهُمْ أَصْبحُوا يَعقِلونهُ ... صَحيحاتِ ألف بَعْدَ ألف مُصَتَّمِ)
العقل: الدية. قال الأصمعي: أصله أن يؤتى بالإبل فتعقل بأفنية أولياء القتيل؛ ثم كثر استعمالهم هذا
حتى قالوه في الدراهم. و (المصتم): التام؛ يقال عبر مصتم وحمل مصتم، إذا كان جملا مسنا
مصنوعا. وحكى الفراء مال صتم وأموال صتم، كما قيل فرس ورد وأفراس ورد. وقال أبو جعفر:
معنى البيت: كل هؤلاء لم يكونوا في هذه الحرب.
وموضع كل نصب بأرى، والمعنى: فأرى كلا أصبحوا يعقلونه، فلما تقدم المفعول عن موضعه
أدخلوا هاء في موضعه تخلفه ويشتغل الفعل بها، واسم أرى الهاء والميم، وخبره ما عاد من أصبحوا؛
ويجوز رفع كل بما عاد من الهاء والميم.
(ومَنْ يَعْصِ أَطرافَ الزِّجاجِ فإِنَّهُ ... يُطيعُ العَوالِي رُكِّبتْ كُلَّ لَهذَمِ)
قال الأصمعي: من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير. وقال أبو عبيدة: هذا مثل، يقول:
أن الزج ليس يطعن به، وإنما الطعن بالسنان،
(1/280)

فمن أبى الصلح - وهو الزج الذي لا طعن به -
أعطى العوالي، وهو التي يطعن بها. قال: ومثل للعرب (الطعن يظأر) أي يعطف على الصلح. وقال
غيره: كانوا إذا لقوا قوما لقوهم بالأزجة ليؤذنوهم أنهم لا يريدون حربهم، فان أبوا قلبوا لهم الأسنة
فقاتلوهم. قال يعقوب: وسمعت أبا عمرو يقول: يقال رمح مزج. إذا عمل له الزج؛ ومنصل، إذا
عمل له نصل. ويقال أنصلت السهم، إذا نزعت نصله؛ ونصلته، إذا عملت له نصلا. قال الأعشى:
تَداركَه في مُنْصِل الألِّ بعدما ... مضَى غير دأداءٍ وقد كاد يعطبُ
أراد بمنصل الأل رجبا؛ لانهم كانوا ينزعون النصال فيه ويتركون القتال. والأل: جمع ألة، والألة:
الحربة. ومعنى (يطيع العوالي) أي إذا طعن بها سقط موتا، فكأنه لما مات مطعونا بها مطيع لها.
و (العوالي): جمع عالية، وهي نحو من ذراع من مقدم الرمح. وقال أبو جعفر: العامل على مقدار
ذراعين من أعالي الرمح، وهو الذي يعمل في الطعن. والعالية من نصفه إلى أعلاه، والسافلة من
نصفه إلى أسفله. وقال يعقوب في قوله كل لهذم: معناه الماضي؛ يقال سنان لهذم ولسان لهذم، سواء.
قال أوس بن حجر:
تُخُيِّرن أنضاءً وركِّبن أنصلاً ... كجمرِ غضىً في يوم ريحٍ تزيَّلا
وموضع من رفع بما عاد من يعص ومعناها الجزاء، ويعص جزم بها علامة الجزم فيه سقوط الياء،
والفاء جواب الجزاء، والهاء اسم إن، وخبرها ما عاد من يطيع. وموضع العوالي نصب بيطيع،
وسكن الياء على لغة من يقول رأيت الجواري بتسمين الياء، واللغة الجيدة فتحها. ويقول أحاب هذه
اللغة: رأيت قاض وداع. والكلام الجيد: رأيت قاضيا وداعيا. قال الشاعر:
(1/281)

فكسوتُ عارٍ جنبُه فتركته ... جذلانَ جادَ قميصهُ ورداءه
وركبت صلة العوالي، كأنه قال: فإنه يطيع التي ركبت كل لهذم.
(ومَنْ يُوفِ لا يُذْمَمْ ومن يُفْضِ قلْبُهُ ... إِلى مُطْمئنِّ البرِّ لا يَتجَمْجمِ)
معناه: ومن وفى لا يذم. يقال: وفى الرجل يفي، وأوفى يوفي. قال الشاعر:
أمَّا ابنُ طَوقٍ فقد أوفىَ بذمّته ... كما وفَى بقِلاص النَّجم حاديها
فجمع بين اللغتين. وقوله (ومن يفض قلبه إلى مطمئن البر) يقول: من كان في صدره بر قد اطمأن
وسكن، ليس ببر يرجف ولم يطمئن، لم يتجمجم وأمضى كل أمر على جهته، وليس كمن غدرا فهو
يتردد في أمره ويتثنى. و (البر): الصلاح: يقال بررت يا رجل وأنت تبر، وصدقت يا هذا وبررت.
وكذلك بررت والدي أبره. وقولهم: برك الله تعالى، معناه وصلك الله سبحانه.
وموضع من رفع بما عاد من يوف، ويوف جزم بمن علامة الجزم فيه سقوط الياء، ويذمم جواب
الجزاء، والواو نسقت ما بعدها على ما قبلها، ومن الثانية رفع بما عاد من الهاء المتصلة بالقلب،
والقلب رفع بيفض، ويتجمجم جواب الجزاء.
(1/282)

(ومَن يَبغِ أَطرافَ الرِّمَاحِ يَنَلْنَه ... ولو رامَ أن يَرقَى السَّماءَ بسُلَّمِ)
يقال: بغيت الشيء فأنا أبغيه بغية وبغاء. قال الشاعر:
لا يمنعنَّك من بُغا ... ءِ الخير تعليقُ التمائمْ
فيقول: من تعرض للرماح نالته. و (رام): حاول. ويقال: رقى في الدرجة والسلم يرقى رُقياً ورِقياً.
ورقيت الصبي أرقيه رُقية. ورقأت دموعه ترقأ رقوا، إذا انقطعت. يقال في الدعاء على الإنسان: لا
يرقيء الله دمعه، إذا دعى عليه بطول البكاء. ويقال: رقأ الدم يرقأ رقوا، إذا انقطع. والرقوء: ما
أرقأت به الدم، أي قطعته، يقال: (لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم)، أي تعطى في الديات فتحقن
بها الدماء. ويقال: أرقأ الله بفلان الدم، أي أتاح الله تعالى له قوما يطلبون بدمه فيقتلونه بصاحبهم.
والسلم يذكر ويؤنث. قال الله عز وجل: (أم لهم سُلَّم يستمعون فيه). وقال الشاعر:
لنا سُلَّم في المجد لا يبلغونها ... وليس لكم في سُورة المجد سلَّمُ
ومن مرفوعة بما في يبغ، ويبغ مجزوم بمن، وينلنه جواب الجزاء، ويرقى نصب بأن. ورواه أبو
جعفر:
ومَن هاب أسبابَ المنايا ينلنْهَ ... ولو رامَ أن يرقَى السَّماء بسُلَّمِ
(1/283)

(ومَن يَكُ ذا فَضْلٍ فيَبخَلْ بفضله ... على قَوْمهِ يُستَغْنَ عَنه ويُذْمَمِ)
يقال ذممت الرجل أذمه ذما ومذَمة ومذِمة. ويقال قد أذم الرجل، إذا أتى بالذميم من الأمر.
ومن مرفوعة بما في يك، ويك مجزوم بمن علامة الجزم فيه سكون النون في الأصل، والنون
سقطت لكثرة الاستعمال، وشبهت في حال سكونها بالواو والياء والألف، ولم يجز سقوطها إذا
تحركت، كقولك: لم يكن الرجل قائما. وقال الله عز وجل في موضع: (فلا تكونَنَّ من الممترين).
وقال في موضع آخر: (فلا تكنْ من المُمْتَرين) وقال في غير هذه الموضعين: (فلا تكُ في مرْية منه).
فالموضع الذي قال فيه فلا تكن سكن النون للجزم، والموضع الذي قال فيه فلا تك حذف النون لكثرة
الاستعمال، والموضع الذي قال فيه فلا تكونن زاد النون لتوكيد المستقبل وأثبت الواو لتحرك النون،
واسم الكون مضمر فيه من ذكر من، وذا فضل خبر الكون، ويبخل نسق على يك، ويستغن جواب
الجزاء علامة الجزم فيه سقوط الألف، ويذمم نسق على يستغن.
(ومَن لا يَزَلْ يسترحِلُ النَّاسَ نفْسَه ... ولاَ يُعْفِها يوماً من الذَّمِّ يَندَمِ)
ويروى: (ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه). فمن رواه (يسترحل) أراد يجعل نفسه كالراحلة للناس
يركبونه ويذمونه ومن رواه (يستحمل) أراد يحمل الناس على عيبه.
وموضع من رفع بما عاد من يزل، واسمها مضمر فيها، وخبرها ما عاد من
(1/284)

يسترحل، ويعفها نسق على يزل، ويندم جواب الجزاء، ويسترحل في لفظ المرفوع وموضعه نصب على الخبر؛
لأنك لو وضعت الدائم في موضعه لقلت لا يزل مسترحلا للناس. ويروى: (ولا يغنها يوما من الشر يسأم).
ويروى عن المازني إنه قال: (قال أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو مذ أربعون سنة
وقال أبو عمرو: قرأتها مذ خمسون سنة ولم أسمع هذا البيت إلا منك). يعني أبا زيد.
(ومَنْ يَغتربْ يَحسِبْ عَدُوًّا صديقَه ... ومَن لا يكرِّمْ نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ)
يغترب، معناه يبعد عن قومه، يقال رجل غريب وغرب، ورجل جانب وجنب. ويقال رجل غريب
أجنبي، معناه تضطره الحاجة إلى البعيد منه.
ومن جزاء، ويحسب جواب الجزاء واسم المحسبة العدو، وخبرها الصديق. ومعنى يكرِم يُكرِم،
وكرم وأكرم بمعنى.
(ومَنْ لا يَذُدْ عَن خَوضِهِ بسِلاحِهِ ... يُهدَّمْ، ومَن لا يَظْلمِ النَّاسَ يُظْلَمِ)
قال يعقوب: يذد: يدفع. يقال ذدت الإبل فأنا أذودها ذودا وذيادا عن الحوض، إذا نحيتها عنه. وقد
أذدت الرجل، إذا أعنته على ذياد الإبل. قال الراجز:
ناديتُ في الحيّ ألاَ مُذيدا ... فأقبلت فِتيانُهم تخويدا
وقال أبو عبيدة: الذود: الحبس. وقال في قول الله عز وجل: (امرأتين تذودان) معناه تحبسان الغنم.
يقال ذاد غنمهم، إذا حبسها. وأنشد:
وقد سَلبتْ عصاك بنو تميم ... فما تدرى بأيِّ عصاً تذودُ
(1/285)

وقال الآخر:
وينهض قومٌ في الحديد إليكمُ ... يذودون عن أحسابهم كلَّ مُجرمِ
وقال الفراء: السلاح يذكَّر ويؤنَّث. وقال: قالت امرأة من بني أسد: إنما سمى جدنا دبيرا لأن السلاح
أدبرته. وقال الطرماح وذكر الثور:
يهزُّ سِلاحاً لم يَرِثْها كَلالةً ... يشكُّ به منها غموض المغابِنِ
و (يرثه)، يعنى قرنيه.
وقوله (ومن لا يظلم الناس يظلم) معناه من كف عن الناس ظلموه وركبوه.
وموضع يذد جزم بمن وعلامة الجزم فيه سكون الدال، والواو سقطت لاجتماع الساكنين، ومن
مرفوعة بما عاد من يذد، ويهدم جواب الجزاء.
(ومَنْ لم يُصانِع في أَمورٍ كثيرة ... يُضرَّسْ بأَنيابٍ ويُوطَأْ بِمنْسِمِ)
قوله (يصانع) معناه يترفق ويداري. وقوله (يضرس بأنياب): يمضغ بضرس. و (يوطأ بمنسم)
وهذا مثل، يقال: طأني بظلف وكلني بضرس. والمنسمان: الظفران في صدر خف البعير. يقال
وطئته فأنا أطؤه وطئا، مثل وضعا. ويقال: نعوذ بالله من طئة الذليل. وقال أبو جعفر: قوله ويوطأ
بمنسم، معناه يذل، كقول الفرزدق:
هنالك لو تَبعِي كُليبا وجدتَها ... أذلَّ من القِردان تحت المناسمِ
ويصانع جزم بمن، ومن مرفوعة بما عاد من يصانع، ويضرس جواب الجزاء، ويوطأ نسق عليه.
(1/286)

(ومَنْ يَجْعَلِ المعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِه ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ)
معناه من اصطنع المعروف إلى الناس وقى عرضه. و (العرض): موضع المدح والذم من الرجل.
يقال إنه لطيب العرض، إذا كان طيب ريح الجسد. وقال بعضهم العرض: النفس. ولحسان بن ثابت:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاكَ الجزاءُ
فإنّ أبى ووالدهَ وعِرضي ... لِعرض محمد منكم وِقاءُ
أراد: نفسي. والحديث الذي يروى في أهل الجنة، انهم (لا يتغوطون ولا يبولون، إنما هو عرق
يجري من أعراضهم مثل المسك)، معناه من أجسادهم. وقوله (يفره) يجعله وافرا. ويقال وفرت ماله
وعرضه فأنا أفره، وقد وفر مال بني فلان يفر وفورا. ويقال أرض وافرة: لم تحش ولم ترع.
ويجعل مجزوم بمن، واللام كسرت لاجتماع الساكنين، ويفره جواب الجزاء علامة الجزم فيه سكون
الراء. وكان الأصل فيه يوفره، فحذفت الواو لوقوعها بين الكسرة والياء، كما حذفت من يزن ويلد.
وقال الكسائي: حذفت الواو فرقا بين الواقع وغير الواقع: فالواقع قولك يزن الأموال ويلد الأولاد،
وغير الواقع وجل يوجل ووحل يوحل.
(سئمِتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعِشْ ... ثمانينَ عاماً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ)
قال يعقوب: سئمت ما تجيء به الحياة من المشقة. يقال: عليّ من هذا الأمر تكلفة، أي مشقة. ويقال
سئمت من الشيء فأنا أسأم منه سأما، وسأمة ساكنة الهمزة، وسآمة بألف بعد الهمزة. ومثله رأفة
ورآفة، وكأبة وكآبة، حكاهن الفراء، وأنشد:
(1/287)

لما رأيتُ إنه لاقامه ... وأنَّني ساق على السآمه
نزعت نَزعاً زَعزعَ الدِّعامه
ومعنى سئمت مللت. قال لبيد:
ولقد سئمتُ من الحياة وطولها ... وسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيدُ
وقال أبو جعفر: سئمت تكاليفي في الحياة.
والثمانين نصب بيعش، والحول نصب على التفسير، والأب منصوب بلا على التبرئة، ولك خبر
التبرئة، وهذه اللغة العالية، وهي مبنية على لغة الذين يقولون قام أباك وأكرمت أباك ومررت بأباك.
ويقال لا أب لك على لغة الذين يقولون قام أبك وأكرمت أبك ومررت بأبك. وأنشد الفراء:
فلا أبَ وابناً مثلُ مروانَ وابنهِ ... إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزّرا
(رَأَيْتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْواءَ مَنْ تُصِبْ ... تُمِتْهُ ومَن تُخْطئْ يُعمَّرْ فَيَهْرَمِ)
قال يعقوب: (خبط عشواء) معناه تعشو فلا تقصد، فمن أصابته قتلته. يقال عشا يعشو عشوا، إذا
جاء على غير بصر. ومنه قوله:
متى تأتهِ تعشو إلى ضوء نارِه ... تجدْ خير نارٍ عندها خيَرُ مُوقِدِ
(1/288)

أي تأته على غير قصد. وقد عشى يعشى عشىً، إذا أصابه العمى. ورجل أعشى وامرأة عشواء
ممدود. قال: وسمعت الكلابي يقول: فتنة عشواء، أي اتسعت حتى ليس لأحد تخلص منها. ويقول
الرجل للآخر: استعشيتني على القوم، وذلك أن تخبرهم أن له عندهم طلبة وليس له عندهم طلبة،
فيظلمهم بلسانه أو يده. ويقال لا تعاش عليَّ، وذلك إذا رأى منه ميلا عليه وليس له قبله حق. وقال
أبو جعفر في قوله (رأيت المنايا خبط عشواء): هو مثل، معناه أن المنايا تأتي بما لا تعرفه، فمن
أصابته أماتته، فكأنها ناقة عشواء لا تبصر، وقد ندت فهي تقتل من أصابته.
والمنايا اسم رأيت، وخبط عشواء خبرها، والمعنى كخبط عشواء.
(ومَهْمَا تَكُنْ عِندَ امرئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَلوْ خَالَها تَخْفَى عَلى النَّاس تُعْلَمِ)
قوله (ومهما) معناه وما تكن عند امرئ. فأرادوا أن يصلوا ما بما التي يوصل بها حروف الجزاء
كقولك إما، ومتى ما، فثقل عليهم أن يقولوا ماما؛ لاستواء اللفظين، فأبدلوا من الألف الأولى هاء
ووصلوها بالثانية فقالوا مهما. وقوله (ولو خالها) معناه ولو ظنها. وقال يعقوب: معناه أن الرجل
سيلبس رداء عمله. والهاء والألف اسم خال، والخبر ما عاد من تخفى.
(وَأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ والأَمْس قَبْلَه ... وَلكنَّني عَنْ علْمِ ما في غَد عَمِى)
قوله (عمى) معناه غبي عنه جاهل. يقال رجل أعمى القلب وعمى القلب. والأمس نسق على اليوم.
وسبيل أمس أن يكون مكسورا إذا كان معرفة لا ألف ولا لام فيه، كقولك: مضى أمس ورأيته أمس.
فإذا دخلت عليه الألف واللام عرب بوجوه
(1/289)

الإعراب، كقولك مضى الأمس بما فيه، ولقيته الأمس،
وربما أدخل عليه الألف واللام وترك على كسره، كقول الشاعر:
وإني حُبِستُ اليومَ والأمسِ قبله ... ببابكَ حتَّى كادت الشمسُ تغربُ
وإنما الزم الكسر إذا كان معرفة لا ألف ولا لام فيه، لأن أصله عندهم الأمر؛ كقولك: أمس عندنا يا
رجل، فلما سمى به الوقت ترك على كسره. والأصل في (غد) غدو، فحذفت الواو وعربت الدال.
قال لبيد:
وما الناس إلاّ كالدّيار وأهلِها ... بها يومَ حلُّوها وغَدْواً بلاقعُ
وقال ابن أحمر:
أغَدْواً واعَدَ الحيُّ الزِّيالا ... وشوقاً لا يبالي الحيُّ بالا
تمت قصيدة زهير بغريبها
وهي تسعة وخمسون بيتا
وتتلوها قصيدة عنترة
(1/290)

4 - قصيدة عنترة بن شَدَّاد
(1/291)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال عنترة، ويكنى أبا المغلس، بن معاوية بن شداد بن قراد. كذا قال يعقوب بن السكيت في نسبه.
وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد في نسبه:
عنترة بن شداد بن معاوية بن قراد، أحد بني مخزوم بن عوذ بن غالب. وكان أبوه من عبس،
وكانت أمه حبشية، وكان له اخوة من أمه عبيدا، وكان من أشد الناس بأسا وأجوده بما ملك، فجلس
يوما في مجلس، بعد ما أبلى واعترف به أبوه وكان قبل ذلك ينكره أبوه لسواده ودناءة أمه، فسابه
رجل من بني عبس فذكر سواده وأمه واخوته، فسبه عنترة حتى قال له: أن الناس ليترافدون بالعطية
فما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط، وإن الناس ليدعون فيفزعون، فما رأيناك في
خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وان اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحد من أهل بيتك
بخطة فصل قط، فلو كنت فقعا نبتت بقرقرة، وكنت في مرزك الذي أنت به الآن فما جدتك لمجدتك.
فلو سألت أمك وأباك عن ذلك لأخبراك أن نصحا لك.
الفقع: ضرب من رديء الكمأة. والقرقرة: الصحراء الواسعة. والمرز: الموضع الذي ولد فيه.
وقال له عنترة: إني لأحتضر البأس، وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت، وأفصل
الخطة الصمعاء. قال له الرجل: أنا أشعر منك. قال: ستعلم ذلك!
(1/293)

وقال قطرب: عنترة يكون مشتقا من العنتر، وهو الذباب، فيكون فعلة من ذلك. وقد يجوز أن يكون
عنترة فنعلة من العتيرة، وهي التي تنحر للآلهة أول ما تنتج. يقال: عتر الرجل يعتر: فعل ذلك. قال
زهير:
فزلّ عنها وأوفَى رأسَ مرقبةٍ ... كناصب العِتْر دمَّي رأسَه النسكُ
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (لا فرعة ولا عتيرة). فالفرعة: ذبيحة كانوا
يذبحونها في رجب للأصنام، والعتيرة هي التي قدمنا تفسيرها.
وقال قطرب: يجوز أن يكون عنترة مشتقا من العتر، وهو الذكر، ويكون مشتقا من العترة، وهي
شجرة صغيرة تكون بنجد وتهامة، كثيرة اللبن.
فقال عنترة أول ما قال من الشعر يذكر قتل معاوية بن نزال وغيره، وكان عنترة يومئذ لا يقول من
الشعر إلا البيت والبيتين في الحرب، فقال:
(هَلْ غَادَرَ الشُّعَراءُ مِنْ مُترَدَّمِ ... أَمْ هَلْ عَرَفْت الدَّارَ بَعدَ تَوَهُّمِ)
قال يعقوب: سمعت أبا عمرو يقول: لم اكن أروى هذا البيت لعنترة حتى سمعت أبا حزام العكلي
ينشده له.
وقوله (غادر) معناه ترك. يقال: بقى لساعي بني فلان غدر، أي شيء من الصدقة لم يقبضه. وقال
الله عز وجل: (وحَشَرناهمْ فلم نُغادِرْ منهم أحداً).
(1/294)

أراد: فلم نترك. وإنما سمى الغدير غديرا لأن السيل غادره، أي تركه. ويقال إنما سمى غديرا لأنه
يغدر بأهله. والغدائر: الذوائب، واحدتها غديرة.
و (الشعراء): جمع شاعر، وسمى الشاعر شاعرا لفطنته. وهو الفقيه أيضا، والفقه عندهم: الفطنة.
قال بعض الأعراب ليونس بن حبيب وأحمد جوابه: قضيت لك بالفقه، أي بالفطنة. والشاعر، من
قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي فطنت له. قال الشاعر:
ليت شعري إذا القيامةُ قامت ... ودُعِي بالحساب أين المَصِيرَا
أراد: ليتني أشعر المصير أين هو؟
وقوله (من متردم)، قال الأصمعي: يقال ردم ثوبك، أي رقعه. ويقال ثوب مردم، أي مرقع. يقول:
هل ترك الشعراء شيئا يرقع. وإنما هذا مثل. يقول: هل تركوا مقالا لقائل، أي فنا من الشعر لم
يسلكوه. وقال أبو جعفر: معناه هل ترك الشعراء شيئا إلا وقد قالوا فيه فكفوك المؤونة، ثم قال: (أم
هل عرفت الدار بعد توهم) يقول من تغيرها، أي لم أعرفها إلا توهما إنها هي الدار التي كنت أعهد.
وشبيه هذا قول الكميت:
أطلال مُحْلِفة الرسو ... مِ بألوتَيْ بَرٍّ وفاجرْ
أي أطلال دار محلفة. والمحلفة: التي يشك فيها فيقف عليها الرجلان قد كانا يعرفانها، فينكرها هذا
ويعرفها الآخر، فيتلاجان في الشك حتى يحلف أحدهما إنها ليس الدار التي كان يعهد، ويحلف الآخر
إنها هي. وسرقة الكميت من أوس بن حجر في قوله:
كأنّ جديدَ يُبْليك عنهم ... تَفيُّ اليمين بعد عهدك حالفُ
يبليك معناه يحلف لك.
(1/295)

وهل حرف استفهام لا موضع لها. والشعراء يرتفعن بغادر. والمتردم خفض في اللفظ بمن،
وموضعه في التأويل نصب، والتقدير: هل غادر الشعراء متردما. وتما تدخل من مع الجحد وما
يضارعه من الاستفهام والجزاء وما أشبهه، فإذا جاءت الأفعال المحققة لم تدخل معها، كقولك: أكرمت
رجلا وكسبت مالا، لا يجوز أكرمت من رجل وكسبت من مال. وأم نسقت ما بعدها على ما قبلها،
والتاء رفع بفعلها، والدار مفعوله، وبعد صلة الفعل.
(يا دارَ عَبْلَةَ بِالجِوَاءِ تَكَلَّمِي ... وعِمِي صَبَاحاً دارَ عَبْلَةَ واسْلَمِي)
(الدار): منزل القوم مبنيا وغير مبني. و (الجواء): بلد يسميه أهل نجد حواء عدنة. والجواء أيضا:
جمع جو، وهو البطن من الأرض الواسع في انخفاض. وقوله (تكلمي)، معناه اخبري عن أهلك
وسكانك. قال:
وقفتُ يوماً به أسائله ... والدَّمعُ منى الحثيثُ يستبِقُ
يا ربعُ أنَّى تقولهم سَلكوا ... بأيِّ وجه تراهم انصفقوا
وقال جرير:
يا دارُ لا تستعجمي يا دار ... وأخبرِي ما فعل الأحرارُ
وقوله (وعمي صباحا) أراد: انعمي واسلمي في الصباح من الآفات. ومعنى (أسلمي) سلمك الله
تبارك وتعالى من الآفات. يقال: انعم صباحا وعم صباحا، وانعم ظلاما وعم ظلاما. قال الشاعر:
أتَوْا ناري فقلت مَنُون قالوا ... فإنَّا الجنُّ قلت: عموا ظلاما
فقلتُ: إلى الطعام فقال منهم ... زعيمٌ: نحسُدُ الإنسَ الطعاما
(1/296)

ودار عبلة منصوب على النداء، وعبلة مخفوضة بإضافة الدار اليها، ونصبت لأنها لا تجرى
للتعريف والتأنيث. والباء التي في الجواء صلة الدار. وإنما جاز للدار أن توصل وهي مضافة إلى
معرفة لأن تأويلها يا دارا لعبلة بالجواء. ومثله قول النابغة:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياء فالسَّنَدِ ... أقْوَتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
وقوله (وعمي صباحا) عمى جزم على الأمر، علامة الجزم فيه سقوط النون والصباح منصوب على
الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عمى، من قولهم: عمت السماء تعمى. وهذا عندنا خطأ، لأنه لو
كان كذلك لكان واعمي على مثال واقضي، لأن عمت تعمى على مثال قضت تقضي، فينبغي أن
يكون أمر المؤنث منه اعمي على مثال أقضي. وكان أصحابنا ينكرون قول أبي عمرو ويحتجون
بهذا الذي وصفناه، وقالوا: الصحيح عندنا أن يكون عمى من وعمت تعم، على مثال وعدت تعد،
فيكون الأمر منه عمى على مثال عدى. وكان الأصل في المستقبل يوعد ويوعم فحذفت الواو
لوقوعها بين الكسرة والياء.
(فوَقَفْتُ فِيها ناقَتِي وكأَنَّها ... فَدَنٌ لأَقضِيَ حَاجَةَ المتَلَوِّمِ)
(الفدن): القصر، قال الشاعر:
فلمَّا أن جَرَى سِمَنٌ عليها ... كما بطَّنت بالفَدَن السَّيَاعا
معناه كما بطنت الفدن بالسياع. والفدن: القصر. والسياع: الصاروج. و (المتلوم): المتمكث. فيقول:
لأقضي حاجتي التي تلومت لها، أي تمكثت. وعنى بالمتلوم نفسه. ويقول الرجل لصاحبه: تلوم عليَّ،
أي تحبس وتمكث.
والهاء التي في قوله تعود على الدار، والهاء التي في كأنها تعود على الناقة، وأقضى في قول
الكوفيين منصوب بلام كي، وهو في قول البصريين منصوب بإضمار أن، كأنه قال: لأن أقضي.
وقال الكوفيون: معناه لكي أقضي.
(1/297)

(وَتَحُلُّ عَبْلةُ بالجِواءِ وأَهْلُنا ... بِالحَزْن فالصَّمَّانِ فَالمتَثَلِّمِ)
(الجواء): بلد. وقال أبو جعفر: الجواء بنجد، والحزن لبني يربوع، والصمان لبني تميم. وعبلة
مرفوعة بفعلها، والباء في البجواء صلة لتحل، والأهل يرتفعون بفعل مضمر، والباء الثانية صلته،
والتقدير: ويحل أهلنا بالحزن.
(حُيِّيتَ مِنْ طَلَل تَقادَمَ عَهْدُه ... أَقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ)
قوله (حييت) دعاء له بالتحية. والتحية: السلام. والتحية: الملك أيضا؛ من ذلك قولهم: التحيات لله،
معناه الملك لله تبارك وتعالى. قال عمرو بن معد يكرب:
أسير به إلى النعمان حتَّى ... أُنيخَ على تحيَّته بجُنْدِ
أي على ملكه. ويقال: التحيات لله، معناه السلام على الله. قال الكميت:
ألاَ حُيِّيتِ عنَّا يا مَدِينا ... وهل بأسٌ بقولِ مسلِّمينا
وتكون التحية البقاء. قال زهير بن جناب الكلبي:
ابَنَّي أن أهلك فإ ... ني قد بنيتُ لكم بنَيَّه
وتركتكم أولادَ سا ... دات زنادُكمُ وريَّه
مِن كلِّ ما نال الفتى ... قد نلتُه إلاّ التحيه
معناه إلا البقاء فإنه لا ينال. ويقال حياك الله وبيَّاك، فمعنى حياك ملكك، ومعنى بياك أضحكك. ولهذا
تفسير طويل قد مضى في (كتاب الزاهر). ومن قال: حياك الله، بمعنى أبقاك الله، فحياك بمنزلة
قولهم: كرمك الله وأكرمك. و (الطلل):
(1/298)

ما شخص من آثار الدار من أثفية أو نؤى ومن غير ذلك.
و (الرسم): ما كان له أثر ولا شخص له. ويقال: الدعاء في الظاهر للطلل، وفي المعنى لمن كان يسكنه
من أهله. وقوله (تقادم عهده) معناه قدم عهده بسكانه الذين نزلوه. وقوله (أقوى) معناه خلا. يقال
منزل قواء، إذا كان خاليا. قال الشاعر:
خليليّ من عُليا هوازن سلِّما ... على طللٍ بالصَّفحتين قَوَاءِ
ويقال: أقوى الرجل، إذا ذهب زاده. قال الله عز وجل (مَتَاعاً للمُقْوين)، أي للمسافرين الذين ذهبت
أزوادهم. و (أقفر) معناه كمعنى أقوى، فلما اختلفت اللفظتان نسق إحداهما على الأخرى كما قال عدى
بن زيد:
وقدّدتِ الأديمَ لراهشيه ... وألفى قولها كذباً وميْنا
أراد بالمين الكذب فنسقه عليه لما خالف لفظه. وقال الحطيئة:
ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هند ... وهندٌ أتَى من دونها النأي والبعدُ
والتاء موضعها رفع لأنها اسم ما لم يسم فاعله. ومن دخلت على المفسر، معناه حييت طلل. وتقادم
صلة الطلل. وأقوى خبر مستأنف، وأقفر نسق عليه، وبعد صلة أقوى، وان شئت جعلته من صلة
أقفر.
(حَلَّتْ بأَرْضِ الزَّائرينَ فأَصْبحَتْ ... عَسِراً عَلَّى طِلاَبُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ)
(الزائرون): الأعداء يزئرون عليه من أجلها، وأصله من زئير الأسد.
ويروى: (شطت مزار العاشقين). يعنى شطت عبلة مزار العاشقين. أي بعدت من مزارهم. يقال
شط فلان، أي بعد مني. ويقال: شطت داره وشطنت، وتنعنعت، وتراخت. قال عمر بن أبي ربيعة:
تشُطُّ غداً دارُ جيراننا ... وللَدَّارُ بعد غد أبعَدُ
(1/299)

ويقال شطنت الدار، إذا اعوجت.
فإن قال قائل: كيف قال حلت بأرض الزائرين فذكر غائبة، ثم قال طلابك ابنة مخرم فخاطب؟ قيل
له: العرب ترجع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة. فالموضع الذي رجعوا فيه من
الغيبة إلى الخطاب قول الله عز وجل: (وسَقَاهم ربهم شراباً طَهُوراً. إن هذَا كان لكم جزاءً)، فرجع
من الغيبة إلى الخطاب، قال لبيد:
باتت تَشَكَّي إلى النَّفسُ مجهشَةً ... وقد حملتُك سبعاً بعد سبعينا
فرجع من الغيبة إلى الخطاب. والموضع الذي رجعوا فيه من الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى: (حتَّى
إذا كنتم في الفُلْكِ وجَرَينَ لهم)، معناه: وجرين بكم، فرجع من الخطاب إلى الغيبة. قال أوس بن
حجر:
لا زال مسك وريحانٌ له أرج ... على صَداكَ بصافي اللون سلسالِ
يسقى صَدَاه ومُمساهُ ومُصْبَحه ... رِفهاً ورمسُك محفوفٌ بأظلالِ
واسم (أصبحت) مضمر فيه من ذكر عبلة، ولفظ عسر خبر أصبحت، والطلاب مرتفع بمعنى عسر.
(عُلِّقْتُها عَرَضاً وأَقْتُلُ قَومَها ... زَعَماً لَعَمْرُ أَبيكَ ليس بمَزْعَمِ)
(علقتها) معناه أحببتها. يقال: بفلان علق من فلانة وعلاقى، أي حب قد نشب بقلبه وعلق به. قال
المرار:
أعَلاقةً أمَّ الوليِّد بعدما ... أفنانُ رأسكَ كالثَّغام المُخْلِسِ
وقوله (عرضا)، معناه كانت عرضا من الأعراض اعترضني من غير أن أطلبه.
(1/300)

وقوله (وأقتل قومها) معناه علقتها وأنا أقتل قومها فكيف أحبها وأنا أقتلهم، أم كيف أقتلهم وأنا أحبها.
ثم رجع مخاطبا لنفسه فقال: (زعما لعمر أبيك ليس بمزعم)، أي هذا فعل ليس بمثل فعلي.
و (الزعم). الكلام. ويقال: هذا أمر فيه مزاعم أي فيه منازعة. ومثله قول الآخر:
أبى القلب إلاّ حبَّهُ حارثيةً ... تُجاوِر أعدائي وأعداؤها معي
والعرض منصوب على المصدر. والزعم أيضا. واسم ليس مضمر فيها من ذكر الزعم، وبمزعم
خبرها.
(ولقد نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَهُ ... مِنِّى بمنْزلةِ المحَبِّ المُكْرَمِ)
قوله (فلا تظني غيره) معناه غير ذلك، أي غير نزولك في قلبي. أنشد الفراء:
وليس المال فاعلمْه بمالٍ ... وإن أغناك إلاّ للنديّ
أراد: فاعلم ذلك. وقوله (بمنزلة المحب) يقال رجل محب ومحبوب. فمن قال محب أخرجه على
القياس وقال: هو مبنى على أحب يحب فهو محب. ومن قال محبوب بناه على لغة الذين يقولون
حببت الرجل أحبه. قال الشاعر:
حَبَبْتُ أبا مروان من حُبِّ تمره ... وأعلمُ أن الرّفق بالعبد أرفَقُ
وواللهِ لولا تمرُه ما حَبَبْتُه ... وما كان أدنَى من عُبيدٍ ومُشرِقِ
وقرأ أبو رجاء: (فاتَّبعوني يَحْبِبْكم الله) على لغة الذين يقولون: حببت الرجل.
(1/301)

وقال البصريون: لا يقال حببت الرجل. وقالوا في قولهم: رجل محبوب: هو مبني على حببت،
وحببت غير منطوق به، كما قالوا رجل مجنون فبنوه على جنه الله تعالى، وجنه غير منطوق به،
إنما يقال أجنه الله سبحانه.
واللام في لقد لام اليمين، وتظني مجزوم بلا على النهى، علامة الجزم فيه سقوط النون، وغيره
منصوب بالظن، وهو كاف من الاسم والخبر، ومن والباء صلتان لنزلت.
(كَيْفَ المَزارُ وقَدْ تَربَّعَ أَهْلُهَا ... بِعُنيزَتَيْنِ وأَهْلُنَا بالغَيْلَمِ)
ويروى:
شطّ المزار إذا تربَّعَ أهلُنا ... حَضَناً وأهلُكِ ساكنٌ بالغَيْلَمِ
وقوله (شط) معناه بعد. والمزار: مكان الزيارة. ويقال زرته مزارا وزورا. والزيارة معناها الميل.
ويقال زرت الرجل، إذا ملت إليه ونزلت عليه. أنشد أبو عبيدة:
فينا كراكرُ أجوازٌ مُضَبَّرة ... فيها دُروء إذا شئنا من الزَّوَرِ
أراد: من الميل. وقال الآخر:
أيُوعدني إذ ما غبتُ عنه ... ويَصرف رُمحهَ والزُّرقُ زورُ
أراد: والزرق مائلة. وقال الآخر:
ودونَ ليلى بلدٌ سَمَهْدرُ ... جَدبُ المندَّى عن هَوانا أزْورُ
وقال الله تبارك وتعالى، وهو أصدق قيل: (وتَرَى الشَّمسَ إذا طَلَعَتْ تَزَاوَر عن كَهفِهِمْ ذاتَ اليمين)،
أي تمايل. ويقال: فلان زور فلان، أي
(1/302)

زائره. وفلانة زور فلان، أي زائرته. ورجال زور ونساء
زور. ولا يثنى ولا بجمع ولا يؤنث. وأنشد يعقوب لبعض الرجاز وذكر ملات بيضاً:
كأنَّهنّ فَتياتٌ زَوْرُ ... أو بَقَراتٌ بينهنّ ثَور
وقوله (تربع أهلها) معناه نزلوا في الربيع. يقال: قد تربع بنو فلان وارتبعوا مكان كذا وكذا، إذا
نزلوه في الربيع ورعوه. وحضن: جبل بنجد، يقال في مثل: (أنجد من رأى حضنا)، أي من بلغ من
هذا الأمر هذا المبلغ فقد بلغ معظمه. والغيلم: موضع. وعنيزتان أيضا: موضع.
والمزار رفع بكيف، والأهل رفع بتربع، والأهل الآخرون يرتفعون على معنى وحل أهلنا بالغيلم،
والباء صلة الفعل وكذلك الثانية.
(إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِراقَ فإِنَّما ... زُمَّتْ رِكَابُكُمُ بلَيْلٍ مُظْلِمِ)
قوله (أزمعت الفراق) معناه عزمت على الفراق. ويقال: أزمع على كذا وكذا، وأجمع عليه، وعزم
عليه، إذا أراد أن يفعله. يقول: أن كنت قد عزمت على الفراق فقد كان ذاك في نفسك قبل. يقال
للأمر الذي أحكمه أهله قبل أن يظهروه: (هذا أمر أسرى عليه بليل)، أي فرغ منه. ومثله قول
الكميت:
زَحرتَ بها ليلةً كلَّها ... فجئتَ بها مُؤْيِداً خَنْفقيقا
قوله: زحرت بها ليلة، معناه دبرت بها ليلتك، تأنح وتزحر لتدبيرها حتى فرغت منها، فجئت بها
داهية. و (الركاب): الإبل. وقوله (زمت) مثل، يريد أمرا فرغ منه بليل. وقال أبو جعفر: معنى
البيت: أن كنت كتمتني هذا الرحيل فقد بان لي. والتاء اسم الكون، والخبر ما عاد من التاء في
أزمعت، والفراق منصوب
(1/303)

بأزمعت. والمعنى أزمعت على الفراق، فلما أسقط الصفة نصب الفراق
بالفعل. انشد الفراء:
نُغالي اللَّحمَ للأضياف نِيّاً ... ونبْذله إذا نضج القدورُ
أراد: نغالي باللحم؛ فأسقط الصفة ونصب. وأنشد الفراء أيضا:
وأيقنتُ التفرّقَ يوم قالوا ... تُقُسّم مالُ أربَدَ بالسهامِ
أراد: وأيقنت بالتفرق.
والركاب اسم ما لم يسم فاعله، والباء صلة زمت.
(مَا رَاعَنىِ إِلاَّ حَمُولةُ أَهْلِهَا ... وَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ)
(راعني) أفزعني. يقال: راعني الشيء يروعني روعا، وارتعت له ارتياعا. ويقال: وقع ذلك في
روعي، أي في خلدي. ويقال: رجل رائع وامرأة رائعة، إذا كانا يروعانك من جمالهما إذا فاجأتهما
بالنظر. و (الخمخم) واحدتها خمخمة، وهو آخر ما يبس من النبت. فيقول: لم يبق شيء إلا الرحيل
إذا صارت تأكل حب الخمخم. وذلك انهم كانوا مجتمعين في ربيع أقاموا كله حتى ذهب ويبس البقل
فارتحلوا وتفرقوا. والاقتماع والاستفاف واحد، يقال: سففت الدواء أسفه، واستففته استفافا، إذا
اقتمحته. ويروى: (وسط الديار)، وروى أبو جعفر: (حب الحمحم) بالحاء غير معجمة، وقال: هو
آخر ما يبس من النبت، وهو الذي راعه لأنه يبس في أول الهيج. و (الحمولة): الإبل التي أطاقت
أن يحمل عليها. قال الله عز وجل: (ومن الأنعامِ حَمولةً وفرشاً)، فالحمولة: الإبل التي تطيق أن
يحمل عليها. والفرش: الصغار التي لا تطيق الحمل عليها. وقال بعض المفسرين: الحمولة: الابل؛
والفرش: البقر والغنم. وأهل اللغة على القول الأول. أنشد يعقوب وغيره:
له إبلٌ فَرشٌ ذواتُ أسنَّة ... صُهَابية ضاقت عليها حقوقُها
(1/304)

فهذا يشهد للقول الأول.
والحمولة يرتفع براعني، ووسط الركاب صلة تسف، وتسف حال للحمولة، والحب منصوب بتسف.
(فِيهَا اثْنَتانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُوداً كَخَافِيةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ)
وقال يعقوب: يروى (خلية). ويقال اثنتان وثنتان؛ ومنهم من يسقط النون فيقول ثنتا. قال الشاعر:
لنا أعنز لُبنٌ ثلاث فبعضها ... لأولادها ثنتا وفي بيتنا عَنْزُ
وقد يقال حلوب. انشد الفراء:
يبيت النَّدى يا أمَّ عمرو ضجيَعهُ ... إذا لم يكن في المُنْقيات حَلوبُ
والخلية: أن تعطف ثلاث نوف أو اثنتان على حوار واحد، وتنحر أولادها، فيدررن عليه، فيلمظ من
ثنتين ويتخلى الراعي بواحدة لنفسه، وأهل البيت لأنفسهم. وإنما تعطف هذه الخلية عليه ثم يتخذونها
لأنفسهم لأنهم لو لم يعطفوها على ولد لم تدرر.
وقال يعقوب عن الأصمعي: أخبرني أعرابي من بني وائل من باهلة قال: مر رجل من بني ضبة -
يعني قتيبة - وقد عطفوا الثلاث والأربع على حوار واحد وذبحوا البقية من أولادها وأكلوها، ليفضل
اللبن للخيل فتسقى فتسمن ويغار عليها،
(1/305)

وهي الغارة التي أغاروا فيها على بني تغلب فأصابوا النوار بنت عمرو بن كلثوم، وذلك اليوم يسمى يوم ذي طلح.
وقوله (سودا)، ما كان للحلب فالسواد فيه أبهى وأملأ للفناء. وهم يستحبون الحمر والصهب
للركوب.
والخوافي: الريش دون الريشات العشر من مقدم الجناح. والأسحم: الأسود. والحلوبة يقال في جمعها
حلائب، والخلية يقال في جمعها خلايا. قال أبو النجم:
يدفعُ عنها الجوعَ كلَّ مَدفَعِ ... خمسون بُسْطاً في خلايَا أربع
والاثنتان يرتفعان بفيها، والأربعون نسقٌ عليهما. والحلوبة منصوبة على التسفير عن العدد، وسُوداً
نعت للحلوبة.
فإن قال قائل: كيف جاز لسُودٍ وهو جمع أن يكون نعتاً لحلوبة وهي واحدة؟ قيل له: إنما صلَح هذا
لأن سُوداً في تقطيع الواحد، وهو على مثال قُفل وبُرد وخُرج.
ويجوز في العربية: أربعون حَلوبةً سودٌ، على أن يكون نعتاً للعدد المرفوع. أجاز الفراء: عندي
عشرون درهما جيادا وجياد، وقال: النصب على النعت للدرهم، لأن جيادا في تقطيع كتاب وحمار،
والرفع على النعت للعشرين. ومن قال هذا قال عندي عشرون رجلا صالحون، ولم يقل صالحين
على النعت لرجل، لأن صالحين لم يخرج على تقطيع الواحد. أنشد الفراء:
ألاَ أن جيراني العشيَّةَ رائحُ ... دَعَتْهم دواعٍ من هوىً وَمنادحُ
فقال جيراني ثم قال رائح بالتوحيد، لأن جيرانا في تقطيع عمران. والكاف التي في الخافية في
موضع نصب على النعت لحلوبة، والخافية مضافة إلى الغراب، والأسحم نعته.
(1/306)

(إِذْ تَسْتَبيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضحٍ ... عَذْبٍ مُقَبَّلُهُ لذيذِ المَطْعَمِ)
قوله (تستبيك): تذهب بعقلك. وقولهم: سباه الله تعالى، معناه غربه الله جل وعلا. ويقال: جاء السيل
بعود سبى. وقوله بذي غروب، معناه: بثغر ذي غروب. وغروب الأسنان: حدها، واحدها غرب،
وغرب كل شيء: حده. وقوله (واضح) معناه أبيض. والوضح: البياض. والوضح: اللبن، سمى
وضحا لبياضه. قال الشاعر:
عقَّوا بسهم فلم يشعُر به أحدٌ ... ثم استفاءوا وقالوا: حبَّذا الوضَحُ
أي حبذا اللبن نشربه ولا نقاتل. عير قوما قبلوا الدية. ويروى: (إذ تتقيك بذي غروب)، أي تريك
ثغرها وتجعله بينك وبلينها، كانها تضحك في وجهك. يقال اتقاه بحقه وتقاه بحقه، أي جعله بينه
وبينه. قال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر:
جلاها الصيَّقلونَ فأخلَصوها ... خِفافاً كلُّها يَتَقِي بأثرِ
(1/307)

وقال الآخر:
تقاك بكعبٍ واحدٍ وتلذُّه ... يداك إذا ما هُزّ بالكفّ يعسلُ
وقال الآخر:
فلا أتَقِى الغَيورَ إذا عَراني ... ومثلي لُزَّ بالحمِس الرَّبيسِ
الحمس: الشديد القتال. والربيس: الداهية.
وقوله (عذب) معناه بارد. ويقال: لذيذ بين اللذاذة، وقد لذ الشراب يلذ لذة. ويقال رجل لذ وقوم لُذ،
إذا كان ظريفا كثير الأحاديث والنتف.
وإذ من صلة راعني. وفاعل تستبيك مضمر فيه من ذكر عبلة، والباء صلة تستبيك، وواضح وعذب
نعتان لذي، والمقبل رفع بمعنى عذب، ولذيذ نعت لذي ايضا، وهو مضاف إلى المطعم، والمعنى لذيذ
الذوق. وقال الله عز وجل: (وَمَنْ لم يَطْعَمْه فإنه منِّي)، أراد: ومن لم يذقه، أي ومن لم يذق الماء.
(وكأَنَّ فارةَ تاجِرٍ بقسيمةٍ ... سبَقَتْ عَوارِضَها إِليكَ من الفمِ)
قوله (وكأن فارة تاجر) معناه كان فأرة مسك. و (التاجر) هاهنا: العطار. أي كأن فارة تاجر، بامرأة
(قسيمة) أي حسنة. يقال: فلان قسيم الوجه، أي حسن الوجه. والقسم: الحسن. والمقسم: المحسن.
والقسامي: الحسن. والقسمة الوجه، وجمعه قسمات. أنشد الفراء:
كأنّ دنانيراً على قَسِماتهمْ ... وإنْ كان قد شَفْ الوجوهَ لِقاءُ
(1/308)

ويقال: رجل بشير وامرأة بشيرة، إذا كانا حسنى الوجه. ويقال: جمل بشير وناقة بشيرة، إذا كانا
حسنين. قال الشاعر:
يا بِشرُ حُقَّ لوجهك التبشير ... هَلاّ غضبتَ لنا وأنت أميرُ
أي حق لوجهك الحسن. ويقال: وجه مخطط ورجل مخطط، إذا كان جميلا تام الحسن. ورجل
أروع: يروعك جماله إذا رأيته. ورجل منصف، إذا كان كل شيء منه حسنا. وقد تناصف وجه فلان،
إذا كان فوه حسنا وعيناه حسنتين وأنفه حسنا، يشاكل بعضه بعضا، فهو متناصف. قال الشاعر:
مَن ذا رسولٌ مرسَلٌ فمبلِّغٌ ... عنّي عُلَيَّةَ غيرَ قِيلِ الكاذبِ
أنِّى غَرِضْتُ إلى تناصُفِ وجهها ... غَرَض المحبِّ إلى الحبيب الغائب
أي اشتقت إلى وجهها. ويروى: (وكأن ريا فارة هندية). يقول: كأن فارة مسك أتتك ريحها من فم
هذه المرأة، قبل أن تدنو منها فتقبلها أو تدنو من عارضها. والريا: الريح الطيبة، وهي النشوة أيضا.
قال الشاعر:
كأنَّما فوها لمن يُساوفْ ... نَشوة ريحانٍ بكَفَّيْ قاطِفْ
وصوار المسك: نفحة من ريحه. والأصورة: نفحات ريح المسك.
وقال أبو جعفر: الصوار القطعة من المسك. قال: ومن جعله الريح أراد ريح الصوار. وذاك إنه
ينعت فيقال صوار أحسب، والريح لا ينعت بأحسب. وانشد لكثيِّر:
دَعينا ابنةَ الكعبيّ والمجدَ والعُلا ... وراعى صِواراً بالمدينة أحسبَا
أي دعينا نحن وأقبلي على الطيب والمسك وما يصلح للنساء. وقال غيره: التضوع: ريح كل شيء
طيب وتهيجه. قال: وأنشدني غير واحد للأسدي:
تضوَّع مسكا بطن نَعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ خفراتٍ
(1/309)

ويروى: (عطرات). وقال الآخر:
تضوَّعَ منها المسكُ حتى كأنما ... تَرَجَّلُ بالرَّيحان رطباً ويابسا
والريدة: الريح اللينة الطيبة. واللطيمة: العير تحمل المسك والطيب. قال الباهلي: إنما سميت لطيمة
لأن التجار إذا اشترى بعضهم من بعض تماسحوا بالأكف، أي أن البيع قد وجب. وقال يعقوب:
بقسيمة، معناه بامرأة جميلة. وقال أبو جعفر: بقسيمة، معناه بسوق فيها العطارون، فقد فاح ريحها،
فكأن ريح فمها ريح تلك الفارة. قال: وقوله سبقت عوارضها، معناه صارت إليك رائحتها قبل أن
تقبلها فكيف إذا قبَّلتها. وقال أبو محمد الرستمي: القسيمة عندي الساعة التي تكون قسما بين الليل
والنهار، وفي تلك الساعة تغير الأفواه. فيقول: من طيب رائحة فمها في الوقت الذي يتغير فيه الأفواه
إذا استنكهتها سبقت عوارضها إليك برائحة المسك، أي أول ما تشم منها رائحة المسك.
و (العوارض): ما حلف الرباعية من الأسنان. ويقال: العوارض: ما خلف الضواحك من الأسنان من ذا
الشق ومن ذا الشق. أنشدنا أبو العباس:
إذا وردَ المِسواك ظمآنَ بالضُّحى ... عَوارضَ منها ظلَّ يَخصِرُه البردُ
وقال جرير:
أتذكرُ يومَ تصقُل عارضَيْها ... بفَرع بَشَامةٍ سُقِىَ البَشَامُ
وقال الآخر:
وعارضٍ كعارض العراقِ ... أنبتَ بَرَّاقاً من البُرَّاقِ
أراد: أنبت ثغرا. وقال أبو جعفر: العوارض هي الضواحك، وأراد الأسنان كلها لم يرد العوارض
وحدها. وقال غيره: في الفم اثنتان وثلاثون سنا: ثنيتان من فوق وثنيتان من تحت، وضاحكان من
فوق وضاحكان من تحت، وثلاث أرحاء من فوق وثلاث
(1/310)

أرحاء من تحت في الجانب الايسر، وناجذ من فوق وناجذ من تحت في الجانب الأيمن؛ وهكذا في الجانب الأيسر.
والفارة اسم كأن، وخبر كأن ما عاد من سبقت، والعوارض مفعول بها.
(أَو رَوْضَةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبتَها ... غَيثٌ قَلِيلُ الدِّمْنِ ليس بِمَعْلَمِ)
معناه: كأن ريحها المسك أو ريح روضة. و (الروضة): المكان المطمئن يجتمع السه الماء فيكثر
نبته. ولا يقال في الشجر روضة. والروضة في النبت، والحديقة في الشجر. ويقال روضة ورياض
وروض. وقد أراض هذا المكان واستروض، إذا كثرت رياضه. وحكى أبو عمرو الشيباني قال:
الروضة البقية من الماء يبقى في الحوض. وأنشد:
وروضة في الحوض قد سقيتها ... نضوِى وأرضاً قفرةً طويتها
وقوله (أنفا) معناه لم يرعها أحد فهو أطيب لريحها. ويقال: كأس أنف إذا كانت لم يشرب بها قبل
ذلك. وقال أبو جعفر: كأس أنف، أي أول ما بزلت من دنها فهو أطيب لرائحتها. والكأس: الإناء
الذي فيه الشراب، فان كان فارغا قيل إنه قدح أو إبريق ولم يقل له كأس. وقوله (تضمن نبتها غيث)
معناه تضمن إنبات نبتها غيث. والغيث هاهنا: المطر والماء. يقال: أرض مغيثة ومغيوثة، إذا أصابها
الغيث والمطر. قال ذو الرمة: (قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها، سألتها عن المطر فقالت: غثنا ما
شئنا). وقوله (قليل الدمن). الدمن والدمنة: السرجين والبعر. فأراد أن هذه الروضة في مكان حر
الطين خال. وقال أبو جعفر: قوله (تضمن نبتها غيث قليل الدمن) قليل اللبث لم يدمن عليها،
والمعنى: أصابها مطر خفيف لم يكثر، فهو أحسن لها وأطيب لرائحتها؛ ولو كان كثيرا لم تفح
(1/311)

رائحتها ولم تحسن. وقال غيره في قوله (ليس بمعلم): معناه ليس بمكان معروف، إنما هي فياف، فهو
أطيب لرياضها.
والروضة منسوقة على قوله: وكأن فارة تاجر بقسيمة. والألف نعت الروضة، وتضمن نبتها غيث
كلام مستأنف، والغيث رفع بتضمن، والنبت منصوب به، وقليل الدمن نعت الغيث، واسم ليس
مضمر فيها من ذكر الغيث، ويجوز أن يكون في ليس ذكر النبت وبمعلم خبر ليس.
(جادَتْ عَليهِ كلُّ بِكرٍ ثَرَّةٍ ... فتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقةٍ كالدِّرهمِ)
ويروى:
جادت عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ ... فتركن كلَّ قَرارة كالدِرهمِ
وقوله (جادت عليه): أصابته بالجود، أي بالمطر الجود. يقال قد جيدت الأرض تجاد جودا. والجود
من المطر: الذي يروى كل شيء ويرضى أهله. ويقال مطر جود بين الجود. وقوله (عليه) معناه
على المكان. وقال أبو جعفر: إنما قال هاهنا جادت عليه وقال قبل هذا: غيث قليل الدمن، لا المعنى
جادت عليه حتى أنبتته وبلغت به، ثم جلاه بعد ذلك هذا الغيث القليل الدمن، أي اللبث، فحسن وطاب
ريحه. وكذلك صفات العرب كلها. وقال غيره: قوله كل بكر، معناه أنها من أول المطر. والباكورة:
أول الفاكهة. وقوله (ثرة معناه كثيرة المطر دائمته. والثرارة: سعة الشخب. يقال ناقة ثرة وشاة ثرة،
إذا كانتا واسعتي الإحليل. والإحليل: مخرج اللبن. ويقال سحابة ثرة، إذا كانت عظيمة القطر كثيرة
الحلب. والعين: مطر أيام لا يقلع، خمسة أو ستة أو نحو ذلك. يقال: أصابتنا عين غزيرة. ويقال:
بنو فلان تحت عين، إذا دجنت السماء عليهم أياما. و (الحدائق): الحيطان التي فيها الشجر والنخل.
وقال يعقوب: كل
(1/312)

روضة مستديرة فيها نبت فهي حديقة. وقوله (كالدرهم) معناه إنها امتلأت كلها فكأن
استدارتها بالماء استدارة الدرهم، وليس إنها كقدر الدرهم في السعة. والعرب تشبه الشيء بالشيء ولا
تريد به كل ذلك الشيء، إنما تشبهه ببعضه. من ذلك قولهم: (بنو فلان بأرض مثل حدقة الجمل)
والأرض واسعة، إنما يريدون إنها كثيرة الماء ناعمة العشب مخصبة، ولم يذهبوا إلى سعة العين ولا
ضيقها. ويقولون: بنو فلان في مثل حولاء الناقة، وهي هنة مثل المرآة تسقط مع السلى فيها ماء
صاف. و (القرارة): مستقر الماء في بطن الوادي.
وكل رفع بفعلها. وثرة نعت للبكر. ويجوز رفع ثرة على النعت لكل. وما في تركن يعود على كل
بكر، لأن كلا في معنى جمع. قال الله عز وجل: (وعلى كلِّ ضامرِ يأتين)، فجمع الفعل على معنى
كل. وكل والكاف منصوبتان بتركن.
(سَحًّا وتَسكاباً فكُلَّ عَشِيّةٍ ... يَجري عليها الماءُ لم يَتَصرَّمِ)
معناه: جادت عليه كل بكر سحا وتسكابا. والسح: الصب. يقال: سحت السماء تسح سحا، إذا صبت
المطر. ويقال: غنم ِسُحاح: يسيل دسمها إذا شويت. و (التسكاب) والسكب والسح: الصب. وإنما
جمع بين التسكاب والسح وكلاهما واحد لاختلاف لفظهما. والعرب تفعل ذلك اتساعا وتوكيدا. وكل ما
كان من المصادر على هذا المثال فهو مفتوح الأول، نحو التطواف، والتمشاء، والترداد، والتأكال، الا
حرفا جاء نادرا وهو التبيان. وما كان على هذا المثال من الأسماء فهو مكسور، نحو التمساح،
والتجفاف، والتقصار، وهي القلادة اللاصقة بالحلق. قال عدي بن زيد:
عندها ظبيٌ يؤرَّثها ... عاقدٌ في الجِيد تِقصارا
(1/313)

يؤرثها: يوقدها. وقوله (كل عشية) يقال: أتيته عشية وعشاء، وعشيانا وعشيشيانا، وعشيشانا،
وعشيشية. وإنما خص العشي لأن الزهر والنبات إلى الماء بالعشي أحوج؛ لأن الشمس قد أذهبت
نداه وجففت أرضه. وقوله (لم يتصرم) معناه لم ينقطع. والصرم: القطيعة، ومنه صرام النخل، ومنه
الصرائم من الرمال، وهي قطع تنقطع منه. وقال يعقوب: ويروى: (سحا وساحية)، فالساحية: التي
تقشر وجه الأرض.
والسح منصوب على المصدر، والتسكاب نسق عليه، وكل عشية منصوبة على الوقت، والناصب
لها يجري، والماء رفع بيجري.
(وخَلاَ الذُّبابُ بِها فليَس ببارحٍ ... غَرِداً كفِعِل الشَّاربِ المترنِّمِ)
قوله (وخلا الذباب) معناه: قد خلا هذا المكان له، فليس فيه شيء يزاحمه ولا يفزعه، فهو يصوت
في رياضه. أي خلا بذا المكان. والذباب بمعنى الجمع. والذباب أيضا: واحد الأذبة. والذباب أيضا:
طرف كل شيء وحده. وقوله (فليس ببارح) معناه بزائل. يقال ما برحت قائما، أي ما زلت. قال الله
عز وجل: (لا أبرح حتَّى أبلُغَ مجمعَ البَحريَن)، أراد: لا أزال. وقال أوس بن مغراء:
وأبرحُ ما أدامَ الله قومي ... بحمد اللهِ منتطقا مُجِيدا
أراد: ولا أبرح. أي ولا أزال، فأضمر لا. ويقال: ما زال فلان قائما، وما برح فلان قائما وما فتئ،
بمعنى واحد. قال الله عز وجل: (تَالله تَفْتؤُ تذكرُ يوسفَ) أراد: لا تزال تذكره. وقال الشاعر:
وما فتئت خيلٌ تثوب وتدَّعي ... ويَلحق منها لاحقٌ وتَقطَّعُ
(1/314)

والتغريد: التطريب. يقال: غرد الحادي في حدائه يغرد تغريدا، فهو مغرد، وغريد، وغرِد، وغرْد،
إذا طرب في حدائه. قال الشاعر:
وقد هاجني للشوق نَوحُ حمامةٍ ... هَتوفُ الضُّحى هاجت حماماً فغرّدا
قال أبو جعفر: التغريد: مذ الصوت بالغناء والحداء. وروى أبو عبيدة والأصمعي: (وترى الذباب
بها يغني وحده هزجاً). فالهزج: السريع المتدارك صوته. وقوله (كفعل الشارب المترنم) أراد مغردا
كتغريد الشارب، أي كغنائه. والمترنم: الذي يطرب قليلاً قليلا لا يرفع صوته. والهزج: خفة وتدارك.
ويقال: فرس هزج، إذا كان خفيف الرفع والوضع سريع المناقلة. والهزج من الشعر: الخفيف منه.
والذباب رفع بفعله، واسم ليس مضمر فيها من ذكر الذباب، وببارح خبر ليس واسم بارح مضمر
فيه، وغردا خبره. وقال الفراء: ما برح وما زال وما فتئ بمنزلة ما كان، يرفعن الأسماء وينصبن
الأخبار.
(هَزِجاً يحُكُّ ذِراعَه ... قَدْحَ المُكِبِّ على الزِّنادِ الأَجذَمِ)
قوله (هزجا) معناه سريع الصوت متدراكه. وروى الأصمعي: (غردا يسن ذراعه بذراعه). الغرد:
المطرب في صوته. وقوله (يحك ذراعه بذراعه) معناه يريد: قدح المكب الأجذم على الزناد فهو
يقدح بذراعه، فشبه الذباب به إذا سن ذراعه بالأخرى. وقال بعضهم: الزناد هو الأجذم، فهو قصير،
فهو أشد لإكبابه عليه. فشبه الذباب إذا سن ذراعه بالأخرى برجل أجذم قاعد يقدح نارا بذراعيه.
والأجذم: المقطوع اليد، جاء في الحديث: (من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى أجذم)، أي مقطوع
اليد.
والهزج منصوب بالرد على الغرد، والذراع منصوب بيحك، والقدح منصوب على المصدر،
والأجذم نعت للمكب في قول قوم، ونعت للزناد في قول قوم آخرين. وعلى الزناد صلة المكب، أي
قدح الذي أكب على الزناد.
(1/315)

(تُمْسِى وتُصْبحُ فوقَ ظَهْرِ حِشيَّةٍ ... وأَبِيتُ فوقَ سَراةِ أَدهَمَ مُلجَمِ)
قوله (تمسى وتصبح)، أراد: تمسى عبلة وتصبح هكذا، أي هي منعمة موطأ لها الفرش والحشايا،
وأبيت أنا على ظهر فرسي. وسراته: أعلاه. وسراة النهار: أوله. وسرو حمير: أعلى بلادهم.
و (الأدهم): الأسود. يقال قد دهِم ودهُم وإدهام. ويروى: (أجرد ملجم)، والأجرد: القصير الشعر من
الخيل؛ وطول الشعر هجنة. وقال أبو جعفر: معنى البيت اني تغيرني الخطوب والحروب والسمائم
وهي لا تتغير؛ لأنها في كن ونعمة.
واسم تمسى وتصبح مضمر فيهما من ذكر عبلة، والخبر فوق ظهر حشية، وأدهم موضعه خفض إلا
إنه لا يجرى، للزيادة التي في أوله وهي الألف. وملجم نعت الأدهم.
(وحَشِيَّتى سَرجٌ على عَبْلِ الشَّوَى ... نَهْدٍ مَراكِلُه نَبيلِ المَحْزِمِ)
(حشيته): فراشه. وقوله (على عبل الشوى) معناه على فرس غليظ القوائم والعظام، كثير العصب.
ويقال: رجل عبل وامرأة عبلة؛ وقد عبل عبالة، إذا غلظ. و (الشوى): القوائم؛ والشوى في غير هذا
الموضع: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، قال الله تعالى: (نَزَّاعةًٌ للشَّوَى). وأنشدنا أبو العباس
للأعشى:
قالت قُتَيلة مالَه ... قد جُلِّلت شيباً شَواتُه
أم لا أراه كما عهدْ ... تُ صحا وأقصرَ عاذلاتُه
(1/316)

وقال: أنشده أبو الخطاب الأخفش (شواته) فقال له أبو عمرو بن العلاء: صحفت، وذلك أن الراء
كبرت فظننتها واواً، إنما هي (سراته)؛ وسراة كل شيء: أعلاه. فقال أبو الخطاب: كذا سمعته. قال
أبو عبيدة: فلم نزل دهرا نظن أن أبا الخطاب صحف حتى قدم أعرابي محرم فقال (اقشعرت
شواتي)، يريد جلدة رأسي، فعلمنا أن أبا عمرو وأبا الخطاب أصابا جميعا. والشوى في غير هذا:
إخطاء المقتل. يقال: رماه فأشواه، إذا أخطأ مقتله. والشوى: رذال المال. قال الشاعر:
أكلنْا الشَّوَى حتَّى إذا لم ندَعْ شَوىً ... أشرنْا إلى خيراتها بالأصابع
و (النهد): المجفر الجنبين الغليظ؛ يقال: إنه لمجفر الجنبين، ونابى المعدين ومجرئش الجنبين، ونهد
المراكل. والمجفر: الممتلئ، وكذلك المجرئش. والنابي: المرتفع. والمعد: موضع عقبى الفارس من
جنبى الفرس. و (المراكل): جمع المركل؛ والمركل بمنزلة المعد. و (المحرم): موضع الحزام. وقال
أبو جعفر: النهد: المشرف الصدر والمقدم.
والحشية مرفوعة بسرج، وسرج بها، والنهد نعت لعبل، والمراكل مرتفعة بمعنى نهد، ونبيل المحزم
نعت لعبل.
(هَلْ تُبْلِغَنِّي دارَها شَدَنيَّةٌ ... لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرَّمِ)
دار العرب: مكانها الذي تنزله. يقال: دار ودارة. و (شدنية): ناقة نسبت إلى أرض أو حي باليمن.
وقوله (لُعنت) دعى عليها في ضرعها لا تلقح ولا تحمل فهو أشد لها. وقوله (بمحروم الشراب) معناه
لعنت في محروم الشراب، والمعنى لا شراب فيها، أي لا لبن بها. وقال أبو جعفر: لعنت بمحروم
الشراب، كأنه دعى عليها
(1/317)

بأن يُحرم ضرعها الشراب. قال: وقال خالد بن كلثوم: لُعنت: نحيت عن
الإبل لما عُلم إنها معقومة، فجعلت للركوب الذي لا يصلح له إلا مثلها. و (المصرم): الذي أصاب
أخلافة شيء فقطعه، من صرار أو غيره. وقال الآخر:
ملعونة بعُقُرٍ أو خادج
أي دعا عليها أن تكون عاقرا أو تخدج فلا يتم لها ولد. وقال أبو جعفر: المصرم: الذي يكوى رأس
خلفه حتى ينقطع لبنه. وهو هاهنا مثل لاكى. يريد أنها معقومة لا لبن بها، كما قال الأعشى:
عن فرج معقومة لم تتَّبعْ رُبَعا
والشدنية مرتفعة بتبلغني، والدار منصوبة به، والنون دخلت في تبلغني من أجل الاستفهام، كما
تقول: هل يقومن عبد الله؟ فتدخل النون مع هل لتوكيد المستقبل، واسم ما لم يسم فاعله مضمر في
لعنت، أي لعنت الشدنية. والمصرم نعت لمحروم الشراب.
(خَطّارةٌ غِبَّ السُّرَى زَيّافةٌ ... تَطِسُ الإِكامَ بذات خُفِّ مِيثمِ)
قوله (خطارة) يعنى تخطر بذنبها تحركه وترفعه تضرب به حاذيها. وقد خطر الفحل يخطر خطرا،
إذا رفع ذنبه فضرب به عجزه. قال ذو الرمة:
...... بعدما ... تقوّب عن غربانِ أوراكها الخِطْرُ
والحطر لا يتقوب، إنما يتقوب أثر الخطر الذي على غربان أوراكها. وقوله (غب السرى) معناه
تخطر بعدما أسرت ليلها ثم أصبحت، لأن السير لا يكسرها.
(1/318)

وغب كل شيء: بعده. يقال في مثل: (زر غبا تزدد حبا)، أي زر يوما واترك يوما، لا تملهم
بالزيارة. وجاء في الحديث: (ادهنوا غبا)، أي يوما ويوما لا. و (السرى): سير الليل. ويقال سرى
وأسرى، إذا سار ليلا. وقوله (زيافة) معناه تزيف في سيرها، أي تسرع. و (الوطس)، والوطث،
واللثم: الضرب الشديد بالخف؛ ومثله الوثم. يقال وثمت الناقة الأرض بإخفاقها، إذا ضربتها بها.
ويروى: (تقص الإكام) أي تدقها. يقال: وقصه يقصه وقصا، إذا كسره. و (الآكام): جمع أكمة، وهي
كل رابية مرتفعة عن وجه الأرض. يقال أكمة، وإكام، وأكم، وآكام، وأُكم، وأكم. وقوله (بذات خف)
معناه بقوائم ذات أخفاف أو بوظيف ذات خف. ويروى: (بوقع خف). وقال أبو جعفر في قوله بذات
خف: معناه بيد أو برجل ذات خف.
والخطارة والزيافة نعتان لشدنية، وغب السرى منصوب على مذهب الصفة، وتطس موضعه رفع
بالتاء، ومعناه أيضا الرفع على النعت لخطارة، كأنه قال: واطسة الإكام، والباء صلة تطس.
ومعنى قول ذي الرمة: تقوب: تقشر. وغربان أوراكها: جمع غراب، وهو طرف الورك.
(وكأَنّما أَقِصُ الإِكامَ عَشِيَّةً ... بقريبِ بَيْنَِ المَنْسِمَينِ مُصَلَّمِ)
(أقص) معناه أكسر، أي كأنما أكسر الإكام بظليم قريب بين المنسمين يقول: ليس بأفرق. والصلم:
قطع كل شيء من أصله. والظليم مصلم، لأنه ليست له إذن ظاهرة. ومنسماه: ظفراه المقدمان في
خفه. فإذا كان بعد
(1/319)

ما بينهما قيل منسم أفرق. وروى الأصمعي: (وكأنما أقرو الحزون)، أي أتبع شيئا
بعد شيء. و (الحزون): جمع جزن؛ والحزن والحزم: ما غلظ من الأرض. يقال: قد أحزنا من
الأرض، إذا صرنا إلى الحزن؛ ولا يقال أحزمنا. وقال أبو جعفر: إنما قال بقريب بين المنسمين لأنه
إذا كان كذلك كان أصلب لخفه ولم يكن أفرق، أي مفتح الرأسين ليس بمجتمع.
وكأنما حرف واحد، والإكام منصوبة بأقص، وعشية منصوب على الوقت، والباء صلة أقص.
(تَأْوِي له قُلُصُ النَّعامِ كما أَوَتْ ... حِزَقٌ يَمَانيَةٌ لأَعْجَمَ طِمْطِمِ)
قوله (تأوي له) معناه تأوي إليه، أي ينقنق لهن فيأوين اليه، كما أوت هذه الحزق اليمانية لراع أعجم
لا يفهم كلامه. و (الحزق): الجماعات، وهي الحزائق أيضا من الإبل وغيرها. يقال أعجم طمطم
وأعجم طمطماني، إذا كان لا يفهم الكلام. و (الحزق): الفرق من الإبل، واحدتها حزقة، ويقال حزيقة
وحزيق وحزائق، ويقال أيضا حازقة. و (القلص): أولاد النعام حين يدففن ويلحقن ولم يبلغن المسان،
واحدتها قلوص. والبكر بمنزلة الفتى من الرجال، والقلوص بمنزلة الفتاة. ويقال في جمع القلوص
أيضا قلائص. قال الشاعر:
ألا أيُّهذا القانص الخِشْفَ خَلّهِ ... وإن كنت تأباه فعَشرُ قلائِصِ
ويروى: (تبرى له حول النعام كما انبرت). والحول: التي لا بيض لها. فيقول: إذا نقنق هذا الظليم
اجتمع إليه النعام كما تجتمع فرق الإبل لإهابة راعيها الأعجمي الطمطماني. يقال: أهاب الراعي
بإبله إهابة، إذا زجرها لتجتمع. ومن رواه (تبرى) أراد تعرض له. يقال: تبريت لفلان، أي تعرضت
له.
(1/320)

أنشد الفراء:
وأهْلَةِ وُدٍّ قد تبريَّتُ وُدَّهمْ
أي تعرضت لودهم.
والقلص ترتفع بتأوى، والكاف منصوبة به، وأعجم مخفوض بالالم، وطمطم نعته.
(يَتْبَعْنَ قُلَّةَ رَأَسِهِ وكأَنّهُ ... حَرَجٌ علَى نَعْشٍ لهنَّ مُخَيَّم)
قوله (يتبعن) يعنى النعام، إنها تتبع الظليم. يقول: إنها قد اتخذت عنقه ورأسه خيالا يتبعنه. يقال
تبعته وأتبعته بمعنى واحد. ويقال: ما زلت أتبعه حتى أتبعته، أي حتى تقدمته فصار يتبعني. ويقال:
فلان تبع نساء، إذا كان يتبعهن ويحب محادثتهن. والتبع: الظل. قال الشاعر:
يَرِد المياهَ حضيرةً ونفيضةً ... وِردَ القطاةِ إذا اسمألَّ التُّبَّعُ
يقول: إذا تقلص الظل في الهاجرة. وقلة كل شيء: أعلاه. وجمع القلة قلال. وقوله: (وكأنه حرج)
معناه: وكأن الظليم حرج. والحرج: مركب من مراكب النساء، قال: وأصله النعش ثم صاروا
يشبهون به المركب. وقوله (مخيم) معناه جعل له خيمة. فيقول: كأن الظليم حرج قد خيم لهن عليه،
ثم أظهر الهاء التي في عليه فقال نعش، لأن الحرج هو النعش، والنعش هو الحرج. ولذي الرمة:
يُخيِّلُ في المرعَى لهنّ بنفسه ... مُصَعْلَلُ أعلى قُلَّة الرأسِ نقِنقُ
أي يجعل نفسه لهن خيالا يتبعنه لأنه يصطع في السماء ويمد جناحيه فيتبعنه.
(1/321)

ورواها المفضل: (وكأنه حرج على نعش). والحرج: الخيال. وأنشد:
وشرُّ الندامى من تظلُّ ثيابهُ ... مجففَّة كأنَّها حِرجُ خَائلِ
وروى الأصمعي: (كأنه زوج على حرج لهن) يعنى النعام، أنهن يتبعن الظليم. و (الزوج): النمط.
فيقول: كأنه نمط بنى على مركب من مراكب النساء. قال لبيد:
من كلِّ محفوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّه ... زَوجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرامُها
ورواه أبو جعفر: (وكأنه حرج) لأن الحرج هو النعش، فلا يجوز أن يقول: وكأنه نعش على نعش،
وإنما المعنى كأنه خيال للنعام على نعش مخيم. جعل جسمه كالنعش، ورأسه وعنقه كالخيال.
وفي يتبعن ضمير النعام، والقلة منصوبة به، والهاء اسم كأن، وحرج خبرها، ومخيم نعت للنعش،
وعلى صلة حرج، ولهن صلة مخيم، ومخيم نعت معناه الصلة.
(صَعْلٍ يَعودُ بِذِي العُشَيرةِ بَيضَهُ ... كالعبدِ ذِي الفَروِ الطَّويلِ الأَصْلَم)
(الصعل): الصغير الرأس الدقيق العنق. و (يعود) معناه يأتي ويرجع إلى بيضه. يقال: تعود إتياننا
واعتاد إتياننا. وكل ما عاودك من مرض أو حب أو غيره لوقته فهو عيد. قال الشاعر:
عاد قلبي من الطَّويلة عِيدُ ... واعتراني من حبِّها تسهيدُ
(1/322)

وقال تأبط شرا:
يا عيد مالك من شوقٍ وإبراقِ ... ومرّ طيفٍ على الأهوالِ طرّاقِ
يريد: يأيها المعتادي مالك من شوق وإيراق، كأنه يتعجب منه، أي إنك أتيت بالشوق والأرق. قال
العجاج:
واعتاد أرباضاً لها آريُّ ... كما يعود العِيدَ نصرانيُّ
و (ذو العشيرة): موضع. وقوله (كالعبد)، شبه الظليم براع أيود مجتاب فروة. و (الأصلم): المقطوع
الأذنين. والظلمان كلها صلم، أي لا آذان لها. فشبه الظليم بأسود مقطوع الأذنين. قل ابن الأعرابي:
أضل أعرابي ذودا له فخرج في بغائها، فمر برجل من بني أسد يحتلب ناقة له فقال: أحسست ذودا
لي شردت؟ فقال: ادن فاشرب من اللبن ثم أدلك على ذودك. فلما شرب قال: ماذا رأيت حيث خرجت
من منزلك؟ قال: كلبا ينبح. قال: نواه تنهاك، وزواجر تزجرك. قال: ثم ماذا؟ قال: رأيت شاة تثغو.
قال: ثم ماذا؟ قال: رأيت نعامة. قال: طائر حسن، هل في منزلك مريض يعاد؟ قال: نعم. قال: ارجع
فإن ذودك في أهلك. فرجع فأصاب ذوده.
ويقال: إنه استدل بهذا البيت:
صعلٍ يعود بذي العُشَيرة بيضَه ... كالعبد ذِي الفَرْو الطَّويل الأصلمِ
وصعل مخفوض على النعت لقريب بين المنسمين، والكاف موضعها خفض على النعت لصعل،
والطويل والأصلم نعتان للعبد.
(1/323)

(شَرِبتْ بماءِ الدُّحرُضَينِ فأَصبَحتْ ... زَوْراءَ تَنفِرُ عن حِياضِ الدَّيلَمِ)
قوله (شربت بماء الدحرضين) أراد: من ماء الدحرضين، فالباء بمعنى من. حكى عن العرب: سقاك
الله بحوض الرسول، أي من حوض الرسول صلى الله عليه وسلم. و (الدحرضان): ماءان يقال
لأحدهما دحرض، وللآخر وسيع، فلما جمعهما غلب أحد الاسمين، كما قال الآخر، أنشده الفراء:
فبصرة الأزد منَّا والعراقُ لنا ... والموصلان ومنَّا مصر فالحرمُ
أراد: والموصل والجزيرة، فغلب الموصل على الجزيرة فقال الموصلان. وقال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السَّماء عليكم ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطوالعُ
أراد: لنا شمسها وقمرها، فغلب القمر على الشمس فقال قمراها. وقال الآخر:
فقرُى العراقِ مَقيلُ يومٍ واحدٍ ... فالبصرتان فواسطٌ تكميلهُ
أراد: فالبصرة والكوفة، فغلب البصرة على الكوفة فقال: فالبصرتان. وقال الآخر:
نحن سبينا أُمَّكمْ مُقْرباً ... يومَ صَبَحْنا الحِيرتَين المنونْ
أراد: الحيرة والكوفة، فغلب الحيرة. وقال العجاج:
وبالنِّبَاجَينِ ويَوْمَ مَذْحجا
أراد: النباج وثيتل، فغلب النباج. ومعنى البيت: شربت بماء الدحرضين فهي به آمنة ريا تنفر عن
حياض الديلم، أي مياه الديلم. والديلم عند الأصمعي: الأعداء وإن كانوا غرباء. وهذا كما يقال
للأعداء: كأنهم الترك والديلم. يريد أن عدواتهم كعداوة أولئك. وأنشد الأصمعي:
كأني إذْ رهنتُ بَنىَّ قومي ... دفعتُهم إلى صُهب السبِّالِ
(1/324)

أي كأني دفعتهم إلى الأعداء. وقال أوس بن حجر:
نكَّبتُها ماءَهمْ لمَّا رأيتهمُ ... صُهبَ السِّبال بأيديهم بيازيرُ
البيازير: جمع بيزارة، وهي العصا الغليظة. وحكى أبو العباس عن أبي محلم إنه قال: حياض الديلم
مياه معروفة للأعراب، وحكى ذلك عنهم وقال: غلط الأصمعي في قوله: الديلم الأعداء. وقال أبو
جعفر في قوله تنفر عن حياض الديلم: معناه سقيتها بهذين الماءين فأرويتها لمعرفتي؛ أي أني أمر
بحياض الديلم، وهم الأعداء، فأجيزها إياها ولا ألتفت إلى الأعداء. فجعل الخبر لها والمعنى له. وقال
غير أبي جعفر: الديلم: الداهية. وقال بعضهم: قرى النمل. وقيل: الديلم ماء من مياه بني سعد.
فيقول: تزاورت وتجانفت عنها لأنها تخافها. وقوله (زوراء): تجانف عن الحياض أي تمايل.
والباء صلة شربت، واسم أصبحت مضمر فيه من ذكر الناقة. وزوراء خبر أصبحت، وتنفر
موضعه في التأويل نصب على الاتباع لزوراء، كأنه قال: فأصبحت زوراء نافرة عن حياض الديلم.
(وكأَنمّا تنأَى بِجانبِ دَفِّها ال ... وَحشيِّ من هَزِجِ العشِيِّ مُؤَوَّمِ)
يقول: بها من الحدة والنشاط ما كأن هرا بها تحت دفها ينهشها. و (تنأى): تبعد. و (الدف): الجنب.
قال الراعي:
ما بال دَفِّك بالفِراش مَذِيلا ... أقَذىً بعينك أو أردتَ رحيلا
والدف: الذي يلعى به، تفتح الدال منه وتضم. والوحشي من البهائم: الجانب الأيمن. والإنسي:
الجانب الأيسر؛ لأنها تؤتى في الركوب والحلب والمعالجة منه قال الراعي:
(1/325)

فجالت على شِقِّ وحشيِّها ... وقد رِيعَ جانبُها الأيسرَ
روى أبو عبيدة عن الأصمعي أن الوحشي الجانب الذي يركب منها الراكب ويحتلب منها الحالب.
وقال الرستمي: بيت عنترة هذا يصدق هذا القول. وقال يعقوب: إنما قالت الشعراء: فجال على شق
وحشيه، وانصاع جانبه الوحشي، لأنه يؤتي في الركوب والحلب والمعالجة منه، فإنما خوفه منه.
وفيه قول آخر: إنها تقي على جانبها الوحشي وهو الجانب الأيسر على ما حكاه أبو عبيدة؛ لأن القلب
في الجانب الأيسر وهي تحذر عليه وترتاع له. و (المؤوم): العظيم القبيح من الرءوس. يقال: رأس
مؤوم ومعدة مؤومة. قال أبو نجم:
يَحُضْنَ من مِعدته المؤوّمه ... ما قد حَوى من كِسرةٍ وسَلْجمَه
وإنما جعله هزج العشي لأنه إذا هزج هزجت الناقة لهزجه. وجعله بالعشي لأنه ساعة الفتور
والإعياء. فأراد إنها أنشط ما تكون في الوقت الذي يفتر فيه الإبل، فكأنها من نشاطها يخدشها هر
تحت جنبها. ومثل هذا كثير. قال الشماخ:
كأنّ ابنَ آوى مُوثَق تحت نحرها ... إذا هو لم يَخدِش بنابَيه ظفَّرا
وقال الأعشى:
بجُلالةٍ سُرُحٍ كأنَّ بغرزها ... هراًّ إذا انتعل المطيُّ ظلالها
وقال أوس بن حجر:
والتفّ ديكٌ برجليها وخنزيرُ
(1/326)

وقال أبو جعفر: المعنى في خصه الوحشي أن السوط بيمينه، فهي تميل على ميامنها وهو الوحشي،
مخافة السوط، كما قال الأعشى:
تًرى عينَها صَغْواءَ في جنب مأقها ... تراقِبُ كفىِّ والقطيعَ المحرَّما
وتنأى تبعد، كأنها تنحى ميامنها أن يضربها بالسوط، فلذلك قال: كأن بدفها حرا. ومن صلة تنأى،
كأنه قال: تنأى بدفها من هر يخدشها هزج العشي؛ لأن السنانير أكثر صياحها بالعشيات وبالليل.
وقوله (مؤوم) مثل معوم، مفعل من الآمة؛ والآمة: العيب؛ فيقول: هو مشوه الخلق. فأما الموأم مثل
الموعم فهو الذي قد زيدت فيه وئيمة، وهي البنيقة. وليس هذا موضعه.
وكأنما حرف واحد لا موضع لها من الإعراب. والباء صلة تنأى، ومؤوم نعت الهزج، والجانب
مضاف إلى الدف، والوحشي نعت الدف.
(هِرٍّ جَنِيبٍ كُلَّما عَطَفَتْ لهُ ... غَضْبَي اتَّقاها باليدَينِ وبالفَم)
بيَّن ما الهزج فرد عليه (هر جنيب). و (الهر): السنور. و (الجنيب): المجنوب؛ كأنه جنب إلى هذه
الناقة. وإنما يعني إنها من نشاطها وحدة نفسها كأن هرا يخدشها. ومثله قول الشماخ:
كأنّ ابنَ آوى مُوثَقٌ تحت غَرزها ... إذا هو لم يَكدِمْ بنابَيه ظَفَّرا
أي إذا لم يجرح بنابيه خدش بظفره. وقوله (غضبي اتقاها) يقول: إذا عطفت إليه غضبي لتعضه
تلقاها بيده وبفمه. ويقال: اتقاه بحقه يتقيه، وتقاه يتقيه، إذا تلقاه به وجعله بينه وبينه. قال الشاعر:
ولا أتَقِي الغَيور إذا دعاني ... ومثلي لُزَّ بالحمِس الرَّبيسِ
(1/327)

وأنشد الفراء:
زيادتَنا نُعمانُ لا تحرِمَنَّها ... تَقِ الله فينا والكتابَ الذي تتلو
وقال الآخر:
تَقُوه أيُّها الفتيانُ إني ... رأيت اللهَ قد غَلبَ الجدودا
وقال أوس بن حجر:
تَقاك بكعبٍ واحدٍ وتَلَذُّه ... يداك إذا ما هُزّ بالكفِّ يَعسِلُ
وصف رمحا، يقول: إذا هززته اهتز من أوله إلى آخره حتى كأنه كعب واحد. وقال أبو جعفر: إنما
جعله كالكعب الواحد، يصفه إنه مقوم إذا هز اهتز اهتزازا واحدا مستويا. ويقال: هذا فَم، وهذا فُم،
وهذا فِم.
وهر من نعت هزج العشي، وغضبى موضعه نصب على الحال مما في عطفت، واتقاها جواب
كلما، والباء صلة اتقاها. وقال أبو جعفر في قوله (كلما عطفت له غضبى): معناه إنها تفعل هذا اتقاء
السوط، من حدة نفسها. وقال غيره: يقال هي الهر والهرة، والقط، والسنور والسنورة، والضيون،
بمعنى واحد.
(أَبقَى لها طُولُ السِفّارِ مُقَرمَداً ... سَنَداً ومثلَ دعائم المتخيَّمِ)
قال الرستمي: لم يرو هذا البيت أحد إلا الأصمعي. وقال أبو جعفر: لم يرو هذا البيت الأصمعي ولا
غيره. وقوله (مقرمدا) معناه: سناما لزم بعضه
(1/328)

بعضا. وأصل المقرمد المبني بالآجر. وقال أبو جعفر:
المقرمد: الأملس المطلي، كما قال النابغة:
بالعَبير مُقَرمَدِ
ويروى: (طول السفار ممردا)، أي سناما طويلا. يقال لكل شيء طويل مشرف: ممرد. يقال قصر
ممرد، أي طويل، وهو المارد ايضا، ومنه سمى المارد ماردا لطوله، وهو حصن بوادي القرى. قالت
الزباء وغزته فلم تقدر على فتحه: (تمرد مارد وعزَّ الأبلق). وهما حصنان. قال الراجز:
بنَى لها العُلَّفُ قصراً ماردا
يقول: إنها سمنت عن رعى العلف وطال سنامها. فشبهه بالقصر المارد، وهو الطويل. فيقول: أبقى
طول السفر لها بعد أن سوفر عليها سناما طويلا. وهذا مثل قوله:
أبقى الحوادثُ من خلي ... لك مثلَ جَندلةِ المَراجِمْ
ومثله قول المثقب العبدي:
فأبقى باطلي والجدُّ منها ... كدُكَّان الدَّرابنة المَطِينِ
وقال يعقوب: هذا ضد قول الراعي:
فأبتُ بنَفْسها والآلِ منها ... وقد أطعمتُ ذروتَها السِّفارا
وقوله (سندا) أراد عاليا. ويقال: ناقة سناد، إذا كانت مشرفة. ويقال: قد سندوا في الجبل يسندون، إذا
ارتفعوا. قال فيه أعشى همدان:
عَهدي بهم في النَّقب قد سَنَدوا ... تَهدِى صِعَابَ مطيِّهم ذُلُلُهْ
(1/329)

وقوله (ومثل دعائم) معناه أن قوائمها قوية صلاب طويلة بعد الجهد والسفر. و (المتخيم): الشيء
الذي يتخذ خيمة. والمتخيم: الرجل الذي يتخذ الخيمة.
وطول السفار مرفع بأبقى، ولها صلة أبقى، ومقرمداً منصوب بأبقى، وسنداً من نعت المقرمد، ومثل
نسق على المقرمد، وهي مضافة إلى الدعائم.
(بَرَكَتْ عَلى ماءِ الرِّداعِ كأَنمّا ... بَرَكَتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ)
ويروى: (بركت على جنب الرداع). يقول: كأنما بركت على زمر. والمعنى إنها بركت فحنت،
فشبه صوت حنينها بصوت المزامير، أي كأن حنينها مزامير. ومنه قول الهذلي:
ماذا يُغِير ابنَتَيْ رِبعٍ عَويلُهما ... لا ترقُدان ولا بُؤْسَى لمن رقَدا
كلتاهما أبطنتْ أضلاعُها قَصَبا ... من بَطن حَلْيةَ لا رطباً ولا نَقِدا
و (الأجش): الذي فيه بحوحة؛ يقال: رحى جشاء وغيث أجش، إذا كان في صوته بحوحة. قال
الشاعر:
ولا زال من نَوء السِّماك عليكما ... أجشُّ هزيمٌ دائمُ الوكَفانِ
وقال أبو جعفر: الجشة: غلظ حسب، ولو كان أبح لم يسمع صوته. و (المهضم): الذي قد غمز حتى
انفضح، وهو النرمناي. والنرمناي: ضرب من آلات الزمر. وإنما قيل له مهضم لأنه يكسر ويضم
طرفه. وقال أبو عبيدة: إنما أراد القصب المخرق الذي يزمر به الزامر. فشبه صوت حنينها بصوت
المزمار. وقال ابن الأعرابي: أراد إنها بركت على موضع قد نضب ماؤه وجف أعلاه وصار له قشر
رقيق، فإذا بركت عليه سمعت له صوتا، لأنه ينكسر تحتها. وكان أبو جعفر يقول بالقول الأول
وينكر الثاني وقال: لا أعرفه في قول ابن الأعرابي. وحكاه الرستمي عن ابن الأعرابي.
(1/330)

وبركت فاعله مضمر فيه من ذكر الناقة، وعلى صلة بركت، وكأنما حرف واحد لا موضع لها،
وعلى الثانية صلة الفعل الثاني، وأجش موضعه خفض على النعت للقصب ونصب في اللفظ لأنه لا
يجري، وما لا يجري ينصب في موضع الخفض.
(وكأَنَّ رُبًّا أو كُحَيلاً مُعْقَداً ... حَشَّ الوَقودُ به جَوانبَ قُمقُمِ)
شبه العرق بالرب أو القطران، والقطران أسود. وعرق الإبل أول ما يخرج أسود، فإذا يبس اصفر.
قال العجاج:
يصفرُّ لليُبْس اصفرارَ الورْسِ
وعرق الخيل أول ما يخرج أسود، فإذا يبس اصفر. قال بشر:
تَراها من يَبِيس الماء شُهباً ... مُخالِطَ دِرّةٍ منها غِرارُ
ويقال: سقاء مربوب، إذا طيب بالرب. وقال أبو جعفر: عرق الخيل أول ما يبدو أصفر إلى
الحمرة، ثم يبيض عند اليبس. قال بشر:
مُهارِشةِ العِنانِ كأنَّ فيه ... جرادةَ هَبوةٍ فيها اصفرارُ
وقال غير أبي جعفر: الكحيل: هناء يهنأ به الإبل من الجرب شبيه بالنفط يقال له الخضاض.
و (المعقد): الذي قد أوقد تحته حتى انعقد وغلظ. يقال: أعقدت العسل والدواء، بألف؛ وعقدت الحبل
والعهد، بغير ألف. وقال أبو جعفر: الكحيل: رديء القطران يضرب إلى الحمرة وليس بخالص
السواد، ثم يسود إذا أعقد. وقوله (حش الوقود) الوقود بفتح الواو: الحطب؛ وبضم الواو: الاتقاد.
وقال جرير:
أهَوىً أراكَ بِرامتَيِن وَقودا ... أمْ بالجُنَينة من مَدافِع أودا
(1/331)

وقال أبو جعفر: (حش الوقود) معناه اتقاد النار، وهو أجود وأحسن من الحطب، كأنه قال: أغلى
الاتقاء جوانب القمقم وهذا الرب والكحيل فيه. ويقال: شبه ملاسة ناقته بملاسة القمقم. وقال غيره:
(حش الوقود) معناه أحمى الوقود، يقال للرجل: إنه لمحش حرب. ويروى: (حش القيان به). يقال
للأمة قينة.
وقوله (به) الباء حال، معناه وهو في القمقم. يقال: أوقدت القدر باللحم، أي أوقدت القدر وفيها اللحم.
والرب اسم كأن، والكحيل نسق عليه، ومعقدا نعت لكحيل، وخبر كأن ما عاد من الهاء في به،
والجوانب منصوبة بحش.
(يَنْباعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرةٍ ... زَيّافةٍ مِثْلِ الفَنيقِ المُكْدَمِ)
قال أكثر أهل اللغة: ينباع معناه ينبع على مثال يفعل، من نبع الماء ينبع، فزاد الألف على الاتباع
لفتحة الباء، لأنهم ربما وصلوا الفتحة بالألف، والضمة بالواو، والكسرة بالياء. قال الراجز:
لا عَهدَ لي بنِيضالْ ... أصبَحْتُ كالشَّنِّ البالْ
أراد: بنضالٍ، من المناضلة. وقال الآخر:
كأنِّي بفتْخاء الجناحين لِقوةٍ ... على عَجَل منّى أطاطئ شِيمالي
أراد: شيمالي. وقال الآخر:
اللهُ يعلم أنَّا في تلَفُّتنا ... يومَ الفِراق إلى إخواننا صُورُ
وأنَّني حيثُما يَثنى الهَوَى بَصَرِي ... مِن حيثُما سَلَكوا أدنو فأنظورُ
(1/332)

أراد: فأنظر، فوصل الضمة بالواو.
و (الذفرى)، والذفريان: الحيدان المشرفان وراء الأذنين، وهما عن يمين النقرة وشمالها. وأول شيء
يعرق من البعير الذفريان. وأول ما يبدو فيه السمن لبانه وكرشه، وآخر ما يبقى فيه السمن عينه
وسلاميتاه وعظام إخفاقه. والدليل على ذلك قول الراجز:
بناتُ وَطَّاء على خَدِّ اللَّيلْ ... لا يَشْتكينَ عَملاً ما أنقَيْنْ
ما دامَ مُخٌّ في سُلامَي أو عَيْنْ
وآخر ما يبقى منه فيما يظهر منه تليله وفائلة. والدليل على ذلك قول النابغة:
شوازب كالأجلام قد آلَ رِمُّها ... سَماحيقَ صُفراً في تليلٍ وفائلِ
الشوازب: الضوامر. والأجلام: ضرب من الشاء. وقال الآخر:
إنّ لنا خَيْلاً فديناهُنَّهْ ... قد بَسَأتْ بالحرب حتَّى هُنَّهْ
صَواليَ الموتِ هواديهنَّهْ
و (الغضوب) والغضبى واحد، وهي المتزغمة. و (الجسرة): الطويلة. ويقال رجل جسر، أي
طويل. قال الشاعر:
(1/333)

ديار خَودٍ جَسْرة المخدَّمِ
ويقال الجسر: الجسور التي لا يهولها شيء. قوله (زيافة): تزيف في مشيها: تسرع. وقال أبو
جعفر: قال أبو عمرو: الجسرة الحسنة. وقال أبو جعفر في قول النابغة: (شوازب كالأجلام) ...
البيت: قد آل: قد رجع. والرم: المخ والشحم. والسماحيق: رقيق الشحم كسماحيق الغيم، وهو مارق
منه. وسماحيق الشجاج، الواحد سمحاق وهي التي قد بقى منها لطخ لحم لم توضح عن العظم.
فيقول: كان شحمها سماحيق فرجع فاصلا حتى بلغ الغاية، وهو الفائل في الفخذ، كما قال الراعي:
فلمَّا أدركَ الرَّبَلاتِ منها ... إلى الكاذَات باتَ بها وقالا
الكاذة: لحم باطن الفخذ.
وقال أبو جعفر: الزيف والزيفان: أن تجمع قطريها من النشاط وتثب. وقال في ينباع: هو ينفعل من
باع يبوع، إذا مر مرا لينا فيه تلو، كقول الآخر:
ثُمَّت ينباع انبياعَ الشُّجاعْ
وأنكر أن يكون الأصل فيه ينبع، وقال: ينبع يخرج، كما يخرج الماء من الأرض؛ ولم يرد هذا، إنما
أراد السيلان وتلويه على رقبتها كتلوي الحية. و (الفنيق): الفحل الذي ودع من الركوب والحمل
عليه. و (المكدم): الغليظ، أراد أنها مذكرة.
والغضوب مخفوضة لإضافة ذفرى إليها، والجسرة نعتها، وكذلك الزيافة ومثل، والفنيق مختفض
بإضافة مثل إليه، والمكدم نعته.
(1/334)

(إِنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فإِنّني ... طَبٌّ بأَخْذِ الفارِس المُسْتلئِمِ)
معناه: أن نبت عينك عني فأغدفت دوني قناعك فإني حاذق بقتل الفرسان وأخذ الأقران. والإغداف:
إرخاء القناع على الوجه والتستر. يقال: أغدف سترك، أي أرخه. وقال أبو جعفر: معناه أن تستري
مني فإني أنا الحامي مثلك أن تسبى، فلم تسترين عن مثلي؟ يرغبها في نفسه. وقال غيره: قوله:
(فإنني طب) معناه حاذق بأخذه. فحل طب، إذا كان حاذقا بالضراب. ويقال رجل طب وطبيب، إذا
كان حاذقا بالأمور. والطب: الجنون؛ يقال رجل مطبوب، أي مجنون. ويقال في مثل: (اعمل في
حاجتي عمل من طب لمن حب)، أي من حذق لمن أحب. وقال علقمة بن عبدة:
فإنْ تسألوني بالنِّساء فإنَّني ... خبيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
و (الفارس): واحد الفرسان؛ يقال فارس بين الفروسة. و (المستلم): اللابس اللأمة. والملأم: الملبس
اللأمة. واللأمة: الدرع، وجمعها لؤم. قال العجاج: ووصف جيشا أتاهم:
إذا أناخ أو أنّى مُستطعَمهُ ... باتَ وبَوَّاتُ المَخَاذِ بُرَمُه
وَحشُو مَحشُوّ العِياب لُؤَمه
المعنى: إذا أناخ، أي نزل، أو أنى له أن يفعل ذاك. و (بوات المخاض برمه)، كانوا ينحرون
الجزور إذا أرادوا الغزو ثم يطبخون لحمها، ثم يخشون جلد الجزور ويحملونه معهم يستعينون على
السفر، فمتى أرادوا لحما أكلوا منه. فجعله كالبو إذ كان يحشى باللحم، وجعل ذلك الجلد كالقدر له،
وهو الذي يقال له الخلع. وقوله (حشو محشو العياب لؤمه)، معناه: وحشو ما حشي من العياب دروع
لا غير.
وتغدفي مجزوم بإن علامة الجزم فيه سقوط النون، والفاء جواب الجزاء، والنون
(1/335)

والياء اسم إن، وطب خبر إن، والباء صلة طب، والأخذ مضاف إلى الفارس، والمستلم نعته.
(أَثْنِى عليّ بما عَلِمْتِ فإِنّنِي ... سَمْحٌ مُخَالَطَتي إذا لم أُظْلَمِ)
الثناء في المدح لا غير، والنثا مقصور يكون في الخير والشر. وقوله (سمح مخالطتي) معناه سهل
مخالطتي. يقال: سمح سماحة، إذا سهل. يقول: أنا سهل مخالطتي إذا لم أظلم. وأصل الظلم وضع
الشيء في غير موضعه. وقال أبو جعفر: قد قال قبل هذا: أن تغدفي دوني القناع، ثم قال: أثنى عليّ
بما علمت؛ لأن المعنى: إذا رآك الناس قد كرهتني وأغدفت دوني القناع توهموا أنك استقللتني
واسترذلتني، وأنا مستحق لخلاف ما صنعت، فأثنى عليّ بما علمت.
وموضع أثنى جزم على الأمر، والنون والياء اسم إن، وخبرها ما عاد من الياء في مخالطتي، وسمح
مرتفع بالمخالطة، والمخالطة مرتفعة به، وإذا منصوبة على الوقت.
(فإِذا ظُلِمتُ فإِنَّ ظُلمِي باسِلٌ ... مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كطَعْم العَلْقَمِ)
معناه: أن ظلمني ظالم فظلمي إياه باسل لديه كريه عنده. ويقال رجل باسل وبسيل، إذا كرهت مرآة
ومنظره. وقد بسل بسالة؛ وتبسل تبسلا. قال الشاعر:
فكنتُ ذَنوبَ البئر لمَّا تَبسَّلَتْ ... وسُرْبلتُ أكفاني ووُسِّدتُ ساعدي
وقال الراجز:
بيِس الطعام الحنظل المبسَّلُ ... تَيْجع منه كَبدِي وأكسلُ
(1/336)

ويقال: قد مر الشيء مرارة، وأمر يمر إمرارا. وقوله (مذاقته) معناه ذوقه. يقال ذقت الشيء
وتذوقته، إذا تطعمت منه. و (العلقم): الشديد المرارة. يقال طعام شديد العلمقة.
وإذا وقت فيها طرف من الجزاء، وظلمي اسم إن، وباسل خبر إن، ومر نعت باسل، والمذاقة رفع
بالكاف، والتقدير: مذاقته مثل طعم العلقم. ويجوز أن ترفع المذاقة بمعنى المرارة وتجعل الكاف نعتا
للباسل.
(ولقَدْ شَرِبتُ مِنَ المُدامةِ بَعَدَ ما ... ركَدَ الهواجرُ بالمَشُوفِ المُعْلَم)
المدام والمدامة: الخمر، وإنما سميت المدامة لأنها أديمت في الدن، أي أطيل مكثها. فيقول: شربت
من الخمر بعد ركود الهواجر، أي حين ركدت الشمس ووقفت وقام كل شيء على ظله. يقال: ركد،
إذا سكن. وقال أبو جعفر: إنما سميت الخمر مدامة لأنها أديمت في الدن حتى أدركت فسكن غليانها
وصفت. ومنه يقال: أدم قدرك، أي اكسر غليانها بتحريك أو بماء.
واللام في لقد جواب اليمين. وقال أبو جعفر: إنما خص ركود الهواجر لأنه أراد كنت منعما، وهذا
الوقت وقت النعمة في شدة الحر.
وقوله (بالمشوف) معناه بالدينار المشوف. أي المجلو. يعنى إنه اشترى خمرا بدينار مجلو. يقال:
شاف درعه، إذا جلاه. قال النابغة الجعدي:
في وجوه شُمِّ العرانين أمثال ... لِ الدنانير شُفْن بالمثقالِ
أي زين بالتمام، لسن بمقطعات ولا نواقص. وكل جلاء وتحسين فهو شوف. وقال أبو جعفر: قوله
شفن معناه جلين من الكيس ليوزن بالمثقال، أي بالوزن. ومثله قول عدي بن زيد.
وعند الإله ما يَكيد عبادَه ... وكُلاًّ يوفِّيه الجزاءَ بمثقالِ
(1/337)

أي بوزن. وقال الشاعر في الشوف:
دنانير مما شِيفَ في أرض قيصرٍ
أي جلى. و (المعلم): الذي فيه كتاب، يعنى الدنانير. وقال ابن الأعرابي: عنى بالمشوف المعلم
بعيرا مطليا بالقطران. فأراد إنه شرب خمرا ببعير.
ومن وبعد والباء صلات لشربت، والهواجر ترتفع بركد.
(بِزُجاجةٍ صَفْراءَ ذاتِ أَسِرَّةٍ ... قُرِنتْ بأَزهرَ في الشِّمالِ مُفدَّم)
قوله (ذات أسرة) معناه ذات طرائق وخطوط وتكسر. ويقال للخطوط التي في باطن الكف أسرة.
أنشدنا أبو العباس:
فقلت لها هائي فقالتْ براحةٍ ... تُرِى زعفراناً في أسرَّتها وَردا
ويقال للتكسر الذي في الجبين أسرة. قال الشاعر:
وإذا نظرتَ إلى أسِرّة وجهه ... برقَتْ كبَرقِ العارضِ المتهلِّلِ
وواحد الأسرة سر وسرر. ويقال في الجمع القليل أسرة وأسرار. قال الأعشى:
فانظر إلى كفٍّ وأسرارها ... هل أنتَ أن أوعدتَني ضائري
ويقال في الجمع الكثير أسارير. جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل على عائشة
رضي الله عنها تبرق أسارير وجهه). وقوله: (قرنت بأزهر)، معناه جعلت مع إبريق أزهر، وهو
الأبيض، يعنى إبريق فضة أو رصاص. وقوله (مفدم) معناه مشدود فمه بخرقة. قال عدي بن زيد:
(1/338)

والأباريقُ عليها فُدُمٌ ... وعِتاق الخيل تَرِدى في الجِلالِ
وقال أبو جعفر في قوله: (مفدم): معناه عليه الفدام يصفى به، كما تشرب الملوك. ويروى: (ملثم)،
أي عليه لثام.
والباء في الزجاجة صلت للشراب، وصفراء نعت الزجاجة، وذات نعت الزجاجة أيضا، والباء
الثانية صلة قرنت، وأزهر مختفض بالباء إلا إنه نصب لأنه لا يجري، ومفدم نعته، وفي صلة
قرنت.
(فإِذا شَرِبْتُ فإِنَّنِي مُسْتهلِكٌ ... مالِي وعِرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ)
يقول: إذا شربت أنفقت مالي وأهلكته في السخاء. وقال أبو جعفر في قوله: (فإنني مستهلك مالي):
معناه وهبت وأعطيت وأكلت وشربت. أحب أن يعلمها إنه سخي كريم في الحالين جميعا: في صحوه
وسكره، وأن الخمر لا تحل منه شيئا كان ممنوعا. وقال غيره: العرض موضع المدح والذم من
الرجل. والعرض أيضا: البدن. جاء في الحديث: (إن أهل الجنة لا يتغوطون ولا يبولون، إنما هو
عرق يجري من أعراضهم مثل رائحة المسك). وقال بعضهم في قوله (وعرضي وافر): معناه نفسي
كريمة. قال: فالعرض النفس. واحتج بقول حسان:
فإنّ أبي ووالدَه وعرضي ... لعِرض محمدٍ منكم وِقاءُ
أراد: نفسي: و (الوافر): التام. يقال وفر الشيء يفر وفورا ووفرا.
والفاء الأولى تصل ما بعدها بما قبلها، والفاء الثانية جواب إذا، والنون والياء اسم إن، ومستهلك
خبرها، ومالي منصوب بمستهلك، وعرضي مرتفع بوافر، والواو التي في العرض واو الحال، كما
تقول: أنا ضارب زيدا وعبد الله قاعد. ويكلم جزم بلم.
(وإِذا صَحَوتُ فما أُقصِّرُ عَنْ ندىً ... وكما عَلمتِ شمائلي وتكرُّمي)
قوله (صحوت): ذهب سكرى. يقال: صحا السكران من سكره، والمحب من
(1/339)

حبه، يصحو صحوا فهو صاح. وأصحت السماء فهي مصحية. وقوله (فما أقصر عن ندى) معناه عن خبر ومعروف.
ويقال: فلان أندى كفا من فلان، أي أسخى منه. ويقال: إنه ليتندى على أصحابه. وقوله، وكما علمت
شمائلي) معناه كعلمك شمائلي، أي ومثل علمك، فالكاف هاهنا بمعنى مثل. وتكون (كما) في غير هذا
الموضع بمعنى كي. أنشد هشام وغيره:
وطرفَكَ أما جثتنا فاصرفنَّه ... كما يَحسِبوا أن الهَوَى حيث يُصرَفُ
و (الشمائل). الأخلاق، واحدها شمال. يقال: فلان حلو الشمائل والغرائز والنحائز.
والواو عطفت ما بعدها على ما قبلها، والفاء جواب إذا، وما جحد لا موضع لها، والكاف في موضع
رفع، والعلم مرتفع بها، والتكرم نسق على الشمائل، وما خفض بالكاف، وعلمت صلة ما، ولا عائد
لها لأنها بمعنى المصدر.
(وحَليلِ غلنيَةٍ تَرَكْتُ مُجدَّلاً ... تمكُو فريصتهُ كشِدقِ الأَعْلَمِ)
قوله (وحليل غانية) معناه وزوج غانية. يقال: فلان حليل فلانة، وفلانة حليل فلان. وأصل الغانية
ذات الزوج، أي المستغنية بزوجها، ثم قيل للشابة غانية، ذات زوج كانت أو غير ذات زوج. قال
يعقوب: انشد أبو عبيدة:
أزمانَ ليلى كَعابٌ غير غانيةٍ ... وأنت أمردُ معروفٌ لك الغزَلُ
وأنشد ابن الأعرابي:
أحِبُّ الأيامَى إذ بثينةُ أيِّمٌ ... وأحببتُ لَمَّا أن غَنيتِ الغوانيا
(1/340)

أي لما أن تزوجت. وقال يعقوب: قال عمارة: الغواني الشواب اللواتي يعجبن الرجال ويعجبهن
الرجال. وقال آخرون: الغواني: اللواتي استغنين بجمالهن عن الزينة. وقوله (مجدلا) معناه
مصروعا، وأصله إنه لصق بالجدالة، وهي الأرض. قال الشاعر، انشده أبو زيد:
قد أركب الحالةَ بعد الحالهْ ... وأترك العاجزَ بالجداله
أي بالأرض. قال أبو جعفر: (وأترك العاجز بالجدالة)، معناه: وأترك الأمر العاجز، أي آخذ بالحزم
وأترك العجز.
وقوله (تمكو فريصته) معناه تصفر فريصته. والمكاء: الصفير. قال الله عز وجل: (وما كان صَلاتُهم
عِند البيت إلاّ مُكَاءً وتَصْديةً)، أراد بالمكاء الصفير، وبالتصدية التصفيق. قال الأصمعي: قلت لمنتجع
بن نبهان: ما تمكو فريصته؟ فشبك بين أصابعه ثم وضعها على فمه ونفخ. و (الفريصة): المضغة
التي في مرجع الكتف، ترعد من الدابة إذا فزع. وإنما خص الفريصة لأنها إذا طعنت هجمت الطعنة
على القلب فمات الرجل. فأخبر عن حذقه بالطعن وإنه لا يطعن إلا في المقاتل وقلبه معه، ولو كان
مدهوشا لم يدر أين يضع رمحه. وإنما يصفر الجرح إذا ذهب الدم كله، لأنه يخرج منه ريح بعد
الدم. وقوله (كشدق الأعلم)، يريد سعة الطعنة، أي كأن هذه الطعنة في سعتها شدق الأعلم. والأعلم:
الجمل. وكل بعير أعلم؛ لأن مشفره الأعلى مشقوق. وأنشد:
من كلِّ نجلاءَ كشِدق الأعلمِ
وليس قول من قال: الأعلم: الرجل، بشيء؛ لأن العلم إنما يكون في الشفة، فشدق الأعلم والصحيح
سواء. ويقال: رجل أعلم، إذا كان مشقوق الشفة العليا؛
(1/341)

ورجل أفلح؛ إذا كان مشقوق الشفة السفلى. قال الشاعر:
وعنترةُ الفَلْحاءُ جاءَ مُلأَّماً ... كأنَّكَ فِنْد من عَمَاية أسْودُ
وقال أبو جعفر: الأعلم في هذا البيت: البعير؛ ولا يجوز أن يكون الرجل، لأن كل بعير أعلم، فهو
أشهر، وليس كل إنسان أعلم.
والحليل خفض بإضمار رب، وتركت صلة الحليل، والهاء المضمرة تعود على الحليل ومجدلا
منصوب بتركت، وتمكو موضعه نصب في التأويل على الحال، والتأويل: ماكية فريصته. والفريصة
رفع بتمكو، والكاف في موضع النصب على المصدر.
(سَبقَتْ يَدَايَ له بِعاجلِ طعْنةٍ ... ورَشَاشِ نافذةٍ كلْونِ العَنْدَمِ)
(سبقت يداي)، أي عجلت إليه بالطعنة. و (الرشاش): ما تطاير وتفرق من الدم. والرشاش، بالكسر:
جمع رش. و (النافذة): التي نفذت إلى الجانب الآخر. ويقال: النافذة: التي نفذت إلى الجوف.
و (العندم): صبغ أحمر، يقال إنه البقم.
(هَلاَّ سَأَلتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ ... إِنْ كنتِ جاهلةٍ بما لم تَعلَمِي)
قال الفراء: هلا، ولولا، ولوما، إذا دخلت على ماض كانت توبيخا ولم يكن لها جواب، كقولك، خلا
قمت! هلا قعدت! هلا اتقيت ربك! وإذا دخلت على مستقبل كان جوابها بلا وبلى، كقولك: هلا تقوم؟
هلا تقعد؟ هلا تجلس؟ جوابه لا، وبلى. وقوله (سألت الخيل) معناه ركاب الخيل،
(1/342)

فحذف الركاب وأقام الخيل مقامهم. يقال: (يا خيل الله اركبي)، على معنى: يا أصحاب خيل الله اركبوا، فحذف
الأصحاب وصرف الفعل إلى الخيل فقال اركبي ولم يقل اركبوا.
والتاء اسم الكون، وجاهلة خبر الكون، وتعلمي صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما: والتقدير
فيه: بما لم تعلميه، وعلامة الجزم في تعلمي سقوط النون.
(إِذْ لا أَزالُ علَى رِحالةِ سابحٍ ... نَهْدٍ تَعَاوَرُه الكُماةُ مُكَلَّمِ)
(الرحالة): سرج كان يعمل من جلود الشاء بأصوافها، يتخذ للجري الشديد. و (السابح) من الخيل:
الذي يدحو بيديه دحوا ولا يتلقف. و (النهد): الغليظ. (تعاوره الكماة)، أي يطعنه ذا مرة وذا مرة.
ويقال: تعاورنا فلانا ضربا، إذا ضربته ثم جاء صاحبك ثم الذي يليك ثم الذي يليه. و (الكماة): جمع
كمى، وهو الشجاع، سمى كميا لأنه يقمع عدوه. يقال: كمى شهادته، إذا قمعها ولم يظهرها. وقال أبو
عبيدة: الكمى: التام السلاح. وقال ابن الأعرابي: سمى كميا لأنه يتكمى الأقران، أي يتعمدهم. وقوله
(مكلم) معناه مجرح، معناه قد جرح ثم جرح. ويروى: (نقذ تعاوره الكماة)، أي تنقذ من خيل قوم
آخرين.
وإذ صلة لسألت، والكماة يرتفعون بفعلهم، والمكلم نعت السابح. والأصل في تعاوره تتعاوره،
فاستثقلوا الجمع بين حرفين متجانسين متحركين، فحذفوا أحدهما.
(طَوراً يُجَرَّدُ للطِّعان وتارةً ... يَأْوِي إلى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ)
قوله (طورا) معناه مرة؛ وجمعه أطوار. وقال قوم: الطور: الحال، قال
(1/343)

الله عز وجل: (وقد خَلقَكُم أطواراً) أراد على حالات وضروب مختلفة. وأنشدنا أبو العباس لكثيِّر:
فطوراً أكُرُّ الطَّرفَ نحوَ تِهامةٍ ... وطوراً أكُرُّ الطَّرفَ كراًّ إلى نجدِ
قوله (يجرد) معناه يبرز له ويجد فيه؛ وهو مأخوذ من قولك: تجرد فلان لذلك الأمر، أي جد فيه
وبرز له. فيقول: يبرز للطعان ساعة ثم يقف إذا ترك من أن يقاتل عليه. وقوله (يأوي إلى حصد)
معناه إلى جيش كثير القسي. يقال غيضة حصدة وحصداء، إذا كانت كثيرة النبت ملتفة الشجر.
ويقال: وتر محصد، أي متدان بعض أسونه من بعض. والأسوان: قواه التي يفتل عليها. وهو من
الوتر الأسون، ومن الحبل القوي. وقوله (عرمرم) معناه شديد. قال رجل من غسان:
فذوقوا من الوجد الذي ليس بارحاً ... فإنّ لكم يوماً عبوساً عرمرما
وقال أبو عبيدة: العرمرم: الكثير. وقال أبو جعفر: قوله يجرد للطعان، معناه إذا أغير علينا جردنا
الخيل للطعان، ونغزو إذا غزونا في جيش، فلسنا نخلو من أحد هذين. والتجريد: الا يكون مع الخيل
راجل. يقال: خرجوا في خيل جريدة، أي ليس فيها راجل.
ونصب طورا بيجرد، واسم ما لم يسم فاعله مضمر في يجرد، واللام صلة يجرد، وتارة منصوب
بيأوى، والى صلة يأوى، وعرمرم نعت لحصد القسي.
(يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقيعةَ أَنّني ... أَغْشَى الوَغَى وأَعِفُّ عِند المَغْنَمِ)
الوقيعة والوقعة سواء. ويقال في مثل: (الحذر أشد من الوقيعة). والوغى والوعي والوحي: الصوت
في الحرب. وأنشد:
وليلٍ كساج الحمْيريِّ ادّرعتُه ... كأنّ وعَى حافاته لغَطُ العُجْمِ
(1/344)

فيقول: آتى الحرب ولى فيها غناء، فإذا كانت الغنيمة كففت وعففت؛ أي ليست الغنيمة بدهري.
يقال: عف يعف عفافا وعفة وعفافة. وقال أبو جعفر في قوله (وأعف عند المغنم): معناه لا تشره
نفسي إلى الغنيمة، ولكني أهب نصيبي للناس.
ويخبرك موضعه جزم على جواب الجزاء المقدر، كأنه قال: هلا سألت الخيل، أن تسألي يخبرك.
وموضع أن نصب بيخبرك، وخبر أن ما عاد من أغشى، وأغشى مرتفع بالألف، وأعف نسق عليه.
(ومُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزَالَه ... لا مُمْعِن هَرَباً ولا مستَسْلِمِ)
المدجَّج والمدجِّج: الذي قد توارى بالسلاح، بكسر الجيم وفتحها. وقد جاءت أحرف في لفظ الفاعل
والمفعول هذا أحدها، ومنها قولهم: مخيَّس ومخيِّس، ورجل ملفَج وملفِج للفقير، وعبد مكاتَب ومكاتِب.
وقوله (نزاله)، معناه منازلته، وهو مصدر نازلته منازلة ونزالا. وقوله (لا ممعن هربا)، معناه لا
يمعن هربا فيذهب ويبعد، ولا هو مستسلم فيؤسر، ولكنه يقاتل. ويقال: معناه لا يفر فرارا بعيدا، إنما
هو متحرف لرجعة أو لكرة يكرها. وقال أبو جعفر في قوله لا ممعن هربا: معناه ليس له ثمة هرب
إلا التحرف والتمكن للطعن والضرب، كما قال قيس بن الخطيم:
إذا ما فَرَنا كان أسوا فِرارِنا ... صُدودَ الخدودِ وازورارَ المناكبِ
والمدجج خفض بإضمار رب، وكره الكماة نزاله صلة المدجج، وممعن ومستسلم مخفوضان على
النعت لمدجج، ولا في معنى غير، كأنه قال غير ممعن هربا.
(1/345)

(جادَتْ يدايَ لَهُ بعاجِل طعْنَة ... بمثَقَّف صَدْق الكُعوبِ مُقَوَّمِ)
قال أبو جعفر في قوله (بعاجل طعنة): معناه سبقته بالطعن، كنت أحذق به منه. و (المثقف):
المصلح المقوم. و (الكعوب): عقد الأنابيب. و (الصدق) الصلب.
ويداي رفع بجادت، والباء صلة جادت، والعاجل خفض بالباء، والباء الثانية صلة عاجل، ومثقف
خفض بالباء: وصدق الكعوب نعته: ومقوم نعت لصدق الكعوب. وروى الأصمعي بعد هذا البيت بيتا
لا نعلم أحدا رواه غيره، وهو:
(بِرَحيبةِ الفَرْغَينِ يَهدِي جَرْسُها ... باللَّيْل مُعْتَسَّ الذِّئابِ الضُّرَّمِ)
(الرحيبة): الواسعة؛ يقال مكان رحب ورحيب، أي واسع. وقولهم: مرحباً وأهلا وسهلا، معناه أتيت
سعة وأتيت أهلا كأهلك؛ فاستأنس. ويروى عنه: (برغيبة الفرغين) فالرغيبة: الواسعة، يقال جرح
رغيب. وما بين كل عرقوتين من الدلو فهو فرغ، ومدفع الماء إلى الأودية فرغ، والجمع فروغ.
فضرب هذا مثلا لمخرج دم هذه الطعنة، فجعله مثل مصب الدلو. و (الجرس) والجرس: الصوت،
وهو حس الشيء وصوته. ويقال: أجرس الطائر، إذا سمعت مرصوته. فيقول: حس سيلان دم هذه
الطعنة يدل السباع إذا سمعن خرير الدم منها، فيأتينه فيأكلن منه. و (المعتس) من الذئاب وغيرها:
المبتغى الطالب. يقال: خرج يعتس، أي يطلب فريسته يأكلها. و (الذئاب): جمع ذئب، وهي الذؤبان.
وذؤبان العرب خبثاؤهم. و (الضرم): الجياع. يقال: لقيت فلانا ضرما، ولا يقال هو ضارم. وضرم
جمع ولم يتكلم بضارم.
والباء صلة لجادت، والرحيبة خفض بالباء، والفرغان مخفوضان بإضافة رحيبة
(1/346)

إليهما، والجَرْس رفع بيَهدِى، ومعتسَّ الذئاب منصوب بيهدي، والضرَّم نعت الذئاب.
(فشكَكْتُ بالرُّمح الأَصمِّ ثِيابَه ... لَيسَ الكريمُ على القَنَا بمحرَّمِ)
قوله (شككت) معناه انتظمت. يقال: شككته أشكه شَكَّا، إذا انتظمته. ويقال: شاكٌّ في السلاح وشاكٍ
في السِّلاح، إذا كان سلاحُه ذا شوكه. وأصل شاكٍ شائك فقُلب، كما قالوا: جُرف هارٍ وأصله هائر.
ويروى: (كمشت بالرمح الأصم ثيابه). يقول: طعنته طعنة شمرت ثيابه وضمتها إلى صدره. هذا
قول يعقوب. وقال الطوسي: قوله ثيابه، معناه قلبه. قال الله عز وجل: (وثيابَكَ فطَهِّرْ). أراد: وقلبك
فطهر. وقوله: (ليس الكريم على القنا بمحرم)، معناه لم يمنعه من أن يقتل بالقناة كرمه. قال الجعدي:
وما يشعرُ الرُّمحُ الأصمُّ كعوبُه ... بثروةِ رهط الأبلج المتظِّلم
وقال أبو جعفر في قوله (ليس الكريم على القنا بمحرم): معناه ليس بمحرم على القتل، أي منيته
القتل ليس يموت على فراشه. ومثله قول الآخر:
وإنْ يُقْتَلوا فيُشتَفَى بدمائهم ... وكانوا قديماً من منَاياهم القتلُ
والباء صلة شككت، والثياب منصوبة بشككت، والكريم اسم ليس، وبمحرم خبر ليس.
(فتركتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَه ... ما بينَ قُلَّةِ رأَسِه والمِعْصمِ)
(الجزر): جمع جزرة. والجزرة: الشاة والناقة تذبح وتنحر. فيقول: صار للسباع جزرة. ضربه
مثلا. وقوله (ينشنه)، أي يتناولنه بالأكل. يقال:
(1/347)

نشت الشيء أنوشه نوشا، إذا تناولته. قال الله الأعز الأعظم:
(وأنى لهم التَّناوُشُ مِن مكان بعيد) أي التناول، أي كيف لهم بأن يتناولوا التوبة. قال الشاعر:
كغِزلانٍ خَذَلن بذات ضالٍ ... تَنُوش الدانياتِ من الغُصونِ
أي يتناولن. وقال الآخر:
فهي تنوش الحوضَ نَوشاً من علا ... نَوشاً به تقطع أجواز الفلا
ومن قرأ: (لتَّناؤُش) بالهمز أراد التأخر، من قولهم: نأش، إذا تأخر. ويروى: (فتركته جزر السباع
يعدنه)، أي يأتينه. يقال: تعود إتياننا واعتاد إتياننا بمعنى. قال العجاج:
واعتاد أرباضاً لهَا آريُّ ... كما يعود العيدَ نصرانيُّ
و (قلة رأسه): أعلى رأسه، فكذلك قلة الجبل: أعلاه، والجمع قلل وقلال. قال ذو الرمة:
كضَوء البرقِ يَختلسُ القِلالا
ويروى: (يقضمن حسن بنانه والمعصم)، فيقضمن معناه يأكلن. يقال: قضمت الدابة شعيرها، ولا
يقال قضمت. والضم: أكل كلِّ شيء يابس، والخضم: أكل كل شيء رطب. و (المعصم): موضع
السوار، وهي المعاصم. و (البنان): الاصابع، واحدته بنانة. والأنامل: أطرافها، واحدتها أنمَلة وأنمُلة.
قال الله تبارك وتعالى: (واضربوا منهم كل بنان). قال الشاعر:
(1/348)

كم لكَ من خَصلة مباركة ... يَحسبِها بالبنان حاسُبها
قال أبو جعفر: البنان الأصابع بكمالها.
وجزر السباع نصب بتركته، وما في موضع نصب بينشنه، أي فيما بين.
(ومَسَكِّ سابغةٍ هَتَكتُ فروجَها ... بالسَّيف عن حامي الحقيقةِ مُعْلِمِ)
و (مسكها): سمرها. وروى الأصمعي: (ومشك سابغة). قال: ومشكها: حيث يجمع جيبها بسير قال
الأصمعي: كانت العرب تجعل سيرا في جيب الدرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحدهم الفرار جذب السير
فقطعه واتسع الجيب فألقاها عنه وهو يركض. والسابغة: الدرع الفاضلة الواسعة التامة. وقوله:
(هتكت) معناه قطعت وخرقت. وقوله (حامي الحقيقة)، معناه يحمي ما يحق عليه أن يمنعه. قال حمى
أنفه حمية، ومحمِية، ومحميَّة. قال الفرزدق:
دافعْ إذا ما كنت ذا محميَّةْ ... بدارِ ميٍّ أمُّه ضبِّيَّهْ
صَمَحْمح مِثلِ أبي مَكّيَّه
يعنى نفسه. وذلك إنه ولدت له جارية من سوداء فسماها مكية وتكنى بها. وقوله (معلم) معناه قد اعلم
نفسه، أي هو معروف. وقال أبو جعفر في قوله (ومشك سابغة): مشكها: نسجها.
والمسك مخفوض بإضمار رب، وهتكت فروجها صلة سابغة، والباء وعن صلتان لهتكت، والحامي
خفض بعن، والمعلم نعت لحامى الحقيقة.
(رَبِذٍ يَدَاهُ بالقِداحِ إذا شَتا ... هَتّاكِ غاياتِ التِّجارِ مُلَوَّمِ)
(1/349)

(الربذ): السريع الضرب بالقداح؛ والربذ المصدر. يقول: هو حاذق بالقمار والميسر، خفيف اليد
بضرب القداح. وهذا كان مدحا عند العرب في الجاهلية. وقوله (إذا شتا) قال يعقوب: إنما يضربون
بالقداح في شدة الزمان وكلب البرد. وقوله (هتاك غايات التجار)، الغاية: الراية راية الخمارين.
وأنشد قول أبي ذؤيب ووصف الخمار:
له رايةٌ تَهدى الكرامَ عُقابُها
وقوله (هتاك غايات التجار)، معناه إنه يأتي الخمارين فيشتري كل ما عندهم من الخمر فيقلعون
راياتهم ويذهبون، فذلك هتكه. وقال أبو جعفر: كان أصحاب الخمر إذا نزلوا رفعوا راية ليُعرفوا بها.
والراية هي الغاية، فلا يقلعونها حتى تشتري خمرهم جمعاء. وقوله (ملوم) معناه معذّل يلام على
إنفاق ماله في الفتوة. يقال: ألام الرجل، إذا أتى بما يلام عليه. وقد ألأم، إذا أتى باللؤم.
وربذ وهتاك وملوم نعوت لحامي الحقيقة، واليدان مرتفعان بمعنى ربذ.
(لمَّا رآني قد نزلْتُ أُريدُه ... أَبْدَى نَواجذَه لغير تبسُّمِ)
قوله (أبدى نواجذه) معناه كلح في وجهي فبدت أضراسه. والناجذ: آخر الأضراس. ومن ذلك قولهم:
عض على ناجذه. وقال الأعشى:
ولسوفَ تَكلَح للأسِ ... نَّةِ كَلْحةً غيرَ افترَارَهْ
يقول: ليس إبداؤه نواجذه للضحك، إنما ذاك لكراهة منه وخشية من الموت.
وفاعل رآني مضمر فيه من ذكر حامي الحقيقة، وأريده موضعه رفع في اللفظ بالألف، وموضعه
نصب في التأويل على الحال، كأنه قال: قد نزلت مريدا له. وأبدى جواب لما.
(1/350)

وقال أبو جعفر في قوله (أبدى نواجذه لغير تبسم)، معناه استبسل للموت. وأخرى استبسل.
(فَطَعنتُه بالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوتُه ... بمهنَّدٍ صافِي الحَديدةِ مِخْذَمِ)
(المهند): المعمول بالهند. قال يعقوب: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: التهنيد: شحذ السيف.
و (المخذم) من السيوف: الذي ينتسف القطعة، أي يرمى بها. قال الشاعر:
عَقِيلا سُيوفٍ مِخذَمٌ ورسوبُ
والرسوب: الذي يرسب، وهو الغامض القطع.
وصافي الحديدة نعت للمهند؛ لأن صافي الحديدة نكرة في التأويل، إذ كانت الألف واللام تحسنان
فيه، فيقال الصافي الحديدة.
(عَهْدِي به مَدَّ النَّهارِ كأَنَّما ... خُضِبَ البنانُ ورأسُه بالعِظلَمِ)
(مد النهار): أوله، أي حين امتد النهار. يقال: أتيته مد النهار، وشد النهار، ووجه النهار، وشباب
النهار، أي أوله. ويروى: (شدَّ النهار) أي ارتفاعه. و (العظلم): الوسمة.
ومد النهار منصوب على الوقت، وخبر عهدي ما عاد من الهاء، والتقدير: كأنما خضب بنانه
ورأسه، فأقام الألف واللام في البنان مقام الهاء، كما قال الله عز وجل: (ونَهَىَ النَّفْسَ عن الهوى)، أي
عن هواها.
(1/351)

(بَطَلٍ كأَنَّ ثيابَهُ في سَرحَةٍ ... يُحْذَى نِعالَ السِّبْتِ لَيْسَ بتَوْأَمِ)
ويروى: (كأن سلاحه في سرحة)، يقول: هو طويل من الرجال تام، فكأن ثيابه التي هي عليه، إنما
هي على سرحة من طوله. والسلاح يذكَّر ويؤنَّث، قالت الدبيرية: سمى جدنا دبيرا لأن السلاح
أدبرته. والمسالح: المواضع يستعمل فيها السلاح. ومعنى قوله (في سرحة)، أي على سرحة، فأقام
(في) مقام (على). قال الله عز وجل: (ولأصَلِّبنَّكم في جذوع النَّخْل)، أي على جذوع النخل. قال
الشاعر:
نصبنا رأسَه في رأس جذع ... بما جَرَمت يداه، وما اعتدينا
أي على رأس جذع. وقوله (يحذى نعال السبت) معناه ليس براعي إبل فيلبس الجلد الفطير.
والسبت: جلود البقر إذا دبغت بالقرظ، فإن لم تدبغ بالقرظ فليست بسبت. وقوله (ليس بتوأم)، يقول:
لم يزحمه آخر في الرحم فيخرج ضاويا ضعيفا. يقال: هو توأم، إذا ولد معه آخر. والجميع توائم
وتؤام. وأنشدنا أبو العباس:
قالت لها ودمعُها تؤام ... على الذين ارتحَلُوا السَّلامُ
وقد أتأمت المرأة فهي متئم، إذا ولدت اثنين في بطن، فإذا كان ذلك عادتها فهي متآم. وقال أبو
جعفر: توائم جمع توأمة للمؤنث، وتوأمن جمع توأم للمذمر. و (السرحة): الشجرة الطويلة؛ وجمعها
سرح.
وبطل مخفوض لأنه نعت لحامي الحقيقة، والثياب اسم كأن، وفي سرحة خبر كأن ويحذى مرفوع
بالياء وموضعه في التأويل خفض لأنه نعت لبطل، ولورد إلى الدائم لقيل فيه بطل محذو نعال
السبت، واسم ما لم يسم فاعله مضمر في يحذى، والنعال خبر ما لم يسم فاعله، واسم ليس مضمر
فيها، وتوأم خبرها.
(1/352)

(يا شاةَ ما قَنَصِ لمنْ حَلَّتْ له ... حَرُمَتْ عَليَّ وليتَها لم تَحْرُمِ)
قوله (يا شاة) كناية عن المرأة. والعرب أيضا تكنى عن المرأة بالنعجة، قال الله عز وجل: (إن هذا
أخي له تسع وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدة). أراد بالنعجة المرأة. وأراد: يا شاة قنص، أي صيد.
والقنيص والقنص: الصيد؛ والقانص والقنيص: الصياد. وقوله (لمن حلت له)، أي لمن قدر عليها.
وقوله (حرمت عليَّ) معناه هي من قوم أعداء له. وقال الأثرم في قوله (حرمت عليَّ): معناه هي في
جواري فقد حرمت عليّ. ويروى: (حرمت عليه). وأنكر أبو جعفر قول الأثرم وقال: العرب لا
تشبب بجاراتها، والمعنى فيه مدح، أراد: يا شاة قنص، أي من اقتنصها فقد غنم. يقال: إنه أراد امرأة
أبيه، وهي سُمية التي يقول فيها:
أمِن سُميَّةَ دمعُ العين تذريفُ ... لو أن ذا منكَ قبل اليوم معروفُ
وقال الفراء: أنشدني الكسائي بيت عنترة: (يا شاة من قنصٍ لمن حلَّت له). قال: وزعم الكسائي إنه
إنما أراد يا شاة قنص، وجعل من حشوا في الكلام كما تكون ما حشوا. وأنكر الفراء هذا وقال: إنما
أراد يا شاة من مقتنص، لأن من لا تكون حشوا ولا تلغى. وأنشد الكشائي والفراء:
آل الزبير سَنامُ المجدِ قد علمتْ ... ذاك القبائلُ والأثَروْن مَنْ عددا
فقال الكسائي: من صلة والمعنى الأثرون عددا. وقال الفراء: عددا صلة لمن كأنه قال: من معدودا.
والشاة منصوبة على النداء، وما صلة للكلام. ويجوز أن تكون ما خفضا بإضافة الشاة اليها، وقنص
مختفض على الاتباع لما، كما تقول في الكلام: نظرت إلى ما معجب
(1/353)

لك، على معنى؛ نظرت إلى شيء معجب لك، واللام صلة قنص، وحلت له صلة من، والهاء تعود على من،
وفي حلت ضمير الشاة، والهاء والألف اسم ليت، والخبر ما عاد من تحرم.
(فبعثْتُ جَاريتيِ فقلتُ لها اذْهَبِي ... فتَحسَّسِي أَخبارَهَا لي واعْلَمِي)
الفاء تصل ما بعدها بما قبلها، وقلت نسق على بعثت، والجارية نصب ببعثت، وعلامة الجزم في
اذهبي سقوط النون، وكذلك تحسسي واعلمي، والأخبار نصب بالتحسس.
(قالتْ رأَيتُ مِنَ الأَعادِي غِرَّةً ... والشَّاةُ ممْكِنَةٌ لمن هو مُرْتَم)
قوله (مرتم) معناه لمن أراد أن ينظر ويلتمس. وقال أبو جعفر: معناه لمن أراد أن يصطادها
ويأخذها. وقوله (غرة) معناه إمكان واغترار وغفلة. قال الراجز:
أمَّا تريْني أذَّرِي وأدَّري ... غِرّاتِ جُمْل وتَدَرّي غِرَري
قوله (أذري) هو أفتعل من ذرى يذري. وقوله وأدرى، معناه أختلها بالنظر إذا غفلت. ومعنى البيت
أن هذا الشاعر كان يجيء فيلعب بالتراب كأنه يذريه. فإذا أصاب غفلة نظر إلى هذه المرأة.
والغرة نصب برأيت، والأعادي: جمع أعداء، والأعداء: جمع عدو، والأصل فيه من الأعادي،
فاستثقلوا الكسرة فأسقطوها، والشاة رفع بممكنة، والواو واو الحال، كأنه قال: في حال إمكان الرمي.
(1/354)

(وكأَنَّها التفتَتْ بِجيدِ جَدَايةٍ ... رَشأٍَ مِن الغِزلان حُرٍّ أَرثَمِ)
(الجيد): العنق، وجمعه أجياد. قال الشاعر:
أيام أبدتْ لنا جيداً وسالفةً ... فقلت إنَّي لها جيدُ ابنِ أجيادِ
معناه فقلت لها: أنى لها عنق هذا الظبي الذي يكون في هذا الجبل. وأجياد: جبل بمكة. ويقال: رجل
أجيد وامرأة جيداء، للطويلة العنق. يقول: فكأن جيدها الذي التفتت به جيد جداية، وهي من الظباء
بمنزلة الجدي من الغنم أتت عليه خمسة أشهر أو ستة. وقال الآخر:
يُريح بعْدَ النَّفَس المحْفوزِ ... إراحَةَ الجَدَاية النَّفوزِ
النفوز: القفوز. و (الحُرّ): الحسن العتيق. و (الأرثم): الذي على أنفه بياض.
والجيد خفض بالباء، وهو مضاف إلى الجداية، والرشأ والحر والأرثم نعوت الجدابة
(نُبِّئتُ عَمْراً غَيَر شاكِرَ نِعْمتي ... والكُفْرُ مَخْبثَةٌ لنفْس المُنْعِم)
قوله: (لنفس المنعم): عليه. فيقول: إذا كفره خبث ذلك نفس المنعم الذي له عليه نعمة. ويقال: طعام
مطيبة للنفس، ومخبثة لها؛ وشراب مبولة.
وعمرا اسم نبئت، وغير شاكر خبر نبئت، والكفر رفع بمخبثة، والنفس خفض باللام وهي مضافة
إلى المنعم.
(1/355)

(ولقد حَفِظْتُ وَصَاةَ عَمِّي بالضُّحَى ... إِذْ تَقْلِصُ الشَّفَتانِ عنْ وضَحِ الفَمِ)
(الضُّحى) مؤنثة؛ والضَّحاء، بالمد والفتح مذكر، والضَّحاء للإبل بمنزلة الغداء. أنشدنا أبو العباس:
أعجَلَها أقدحي الضَّحاء ضُحىً ... وهي تُناصِي ذوائبَ السَّلَمِ
وقوله (تقلص) إذا فزع الرجل تقلصت شفتاه. (عن وضح) الفم، أي عن بياض الأسنان، كما قال
العجاج:
إذا العَوالي أخرجتْ أقصى الفمِ
والوضح: اللبن، سمى وضحا لبياضه. قال الهذلي وذكر قوما انهزموا:
عقَّوْا بسهم فلم يشعُر به أحد ... ثمَّ استفاءوا وقالوا حبَّذا الوضحُ
أي رجعوا وقالوا: حبذا اللبن نشرب منه. والتعقية: أن يرمى بسهم في السماء.
واللام في لقد لام اليمين، وإذ وقت لما مضى، والشفتان رفع بتقلص، وعن صلة تقلص، والوضح
مضاف إلى الفم.
(في حومِة الموتِ التي لا يتَّقِي ... غَمَراتِها الأَبطالُ غيرَ تَغمْغُمِ)
حومة كل شيء. معظمه. ويقال نعم حوم، أي كثير. و (غمراتها): شدائدها. قال الشاعر:
الغمراتُ ثمَّ ينجلينا
(1/356)

و (الأبطال): الأشداء. (والتغمغم): صوت تسمعه ولا تفهمه. وقال أبو جعفر: يقال نعم حوم، إذا كان
كثيرا لا يدرك عدده.
وفي حومة الموت من صلة تقلص. ويجوز أن يكون من صلة حفظت، والتي نعت للحومة،
والأبطال رفع بيتقي، والغمرات نصب بيتقي، واختفضت التاء لأنها غير أصلية، وغير نصب على
المصدر.
(إِذْ يتَّقُونَ بي الأَسِنّةَ لم أَخِمْ ... عَنْها ولكنِّى تَضَايقَ مُقدَمي)
قوله (يتقون بي الأسنة): معناه يجعلونني بينهم وبينها. يقال اتقاه بحقه، وتقاه بحقه، أي جعله بينه
وبينه. والأسنة: جمع سنان. وهو الذي يطعن به. والسنان والمسن هو الحجر الذي تحدد به
السكاكين. قال ذو الرمة:
وزُرقٍ كسَتهنَّ الأسنَّةُ هَبوةً ... أرقَّ من الماء الزُّلال كليلُها
وقوله (لم أخم)، معناه لم أنكل ولم أضعف. يقال خام يخيم، إذا ضعف وجبن. وقد أخام يخيم، إذا
أصاب رجله كسر أو علة فلم ينبسط في المشي. قال الشاعر:
رأوا وقرةً في عظْم ساقي فحاولوا ... جُبوريَ لمَّا أن رأوني أُخيمُها
قوله (ولكني ضايق مقدمي) معناه ضاق المكان الذي اقدم فيه، فصرت في مضيق من الأرض لا
أستطيع أن أقدم فرسي فيه. يقال: إنه لجريء المقدَم، أي عند الإقدام، كقولك: حلفت بجهد المقسم، أي
بجهد القسم. ولا يجوز جري المقدِم بكسر الدال، لأن المقدِم لا يكون مصدرا؛ إنما المقدِم الرجل الذي
يقدم، ولا معنى له هاهنا. ويقال: نحر فلان مقدمة إبله، وهي التي تبكر باللقاح. والعرب تقول للشيء
معناه فعل: قد تفاعل، كقولك: قد تباعد
(1/357)

ما بين القوم، تريد بعدما بينهم. وكقولك: تطاول الليل، أي طال؛ وتعالى النهار، أي علا.
وإذ وقت للماضي، وأخم جزم بلم، علامة الجزم فيه سكون الميم، والياء سقطت لسكونها وسكون
الميم، والياء اسم لكن، والخبر ما عاد من الياء في مقدمي، وموضع مقدمي رفع بتضايق، والمقدم
بمعنى الإقدام، كما تقول: الحمد لله ممسانا ومصبحنا، أي في إمسائنا وإصباحنا.
(لَمّا رأَيتُ القومَ أَقْبلَ جَمعهمْ ... يتَذامَرونَ كرَرتُ غيرَ مذَّممِ)
قوله (يتذامرون) معناه يحرض بعضهم بعضا ويزجر بعضهم بعضا. يقال: ذمره يذمره ذمرا، إذا
حضه. والذمر: الرجل الشجاع، وجمعه أذمار. والمذمر: الذي يدخل يده في حياء الناقة فيلمس ذفري
السليل وعنقه، فيعلم أذكر هو أم أنثى. والمذمر: الموضع الذي يلمسه المذمر.
ولما وقت فيها طرف من الجزاء، والجمع يرتفعون بأقبل، ويتذامرون موضعه رفع في اللفظ بالياء
وموضعه في التأويل نصب على الحال؛ والتقدير: أقبل جمعهم متذامرين. وكررت جواب لما، وغير
مذمم نصب على الحال من الباء، وأقبل جمعهم حال للقوم، معناه: قد اقبل جمعهم.
(1/358)

(يَدعُونَ عَنتَر والرَّماحُ كأَنَّها ... أَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ)
معناه: كأن الرماح حين أشرعت إليه في طولها حبال. و (اللبان): مجرى اللبب.
والرماح رفع بما عاد من الهاء، والهاء والألف اسم كأن، وخبرها أشطان، والواو في الرماح واو
الحال.
(ما زِلْتُ أَرميهِمْ بِغُرَّةِ وجهِهِ ... ولَبَانه حَتَّى تَسرْبَلَ بالدَّمِ)
قوله (تسربل) معناه صار له سربال من الدم. والسربال: القميص. قال امرؤ القيس:
ومثِلِك بيضاءِ العوارض طَفْلةٍ ... لعَوبٍ تُنَسِّيني إذا قمتُ سِربالي
أراد: قميصي.
والتاء اسم زلت، والخبر ما عاد من أرمى، والباء صلة أرمى. ورواه ثابت: (ما زلت أرميهم بثغرة
نحره)، قال: ثغرة النحر: الهزمة التي بين الترقوتين.
(ولقد شفَى نفسِي وأَبرأَ سُقْمها ... قِيلُ الفَوارس وَيْكَ عنترُ أَقدِمِ)
يقال سُقم وسَقم، وعُدم وعَدم، وبُخْل وبَخَل. وقال أبو جعفر: معنى البيت: كنت أكثرهم، فلذلك
خصوني بالدعاء. وقوله (ويكأنه) معناه ويلك، فأسقط اللام. ومعناه في غير هذا: ألم تر. قال الله عز
وجل: (وَيْكأنَّه لا يُفلِحُ الكافرون). قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى ويلك اعلم أنه، فأسقط اللام
(1/359)

من ويلك وأضمر قبل إنه أعلم. ويجوز أن يكون ويك ألم تر. قال الشاعر:
سألتاني الطَّلاَقَ أن رَأتاني ... قَلَّ مالي قد جئتماني بهُجْرِ
ويك أن من يكن له نشبٌ يُح ... بَبُ ومن يفتقرْ يَعِشْ عيشَ ضُرِّ
قال يعقوب بن السكيت: أنشدني هذا البيت محمد بن سلام الجمحي عن يونس وقال: معناه ألم تر.
ومعنى (شفي نفسي) أي اشتفيت حيث قالوا لي أقدم فأقدمت. وقال أبو جعفر: أصل هذا الفرح إنه
أقر به أبوه، فلما قالوا (ويك عنتر أقدم)، والذي قال له أقدم أبوه، قال له: ويك عنتر أقدم فاذهب
بالحرم والمال! فقال: (العبد لا يحسن الكر، إلا الحلب والصر) فأعاد عليه مرارا، فلما تخوف أن
يذهب الحرم قال: أي بني أما ترى؟ قال: الآن نعم. فعندها قال: (وأبرأ سقمها).! فركب فرسه عريانا
وأخذ قناته فرد الظعن وقتل من قتل.
والقيل مرتفع بشفى. وأبرأ نسق على شفى. وعنتر فيه وجهان: فتح الراء وضمها. من فتحها قال:
أراد الترخيم يا عنترة ثم أسقط التاء وترك الراء على فتحها؛ لأنه يطالب التاء. ومن قال عنتر ضم
الراء لأنه منادى مفرد. وموضع اقدم جزم على الامر، والياء صلة لكسر الميم، كما قال امرؤ القيس:
ألاّ أيها الليل الطويلُ ألاَ انجلِي
(وازورَّ مِنْ وقْعِ القَنا بلَبانِهِ ... وشَكَا إِليَّ بَعَبْرةٍ وتَحَمحُمِ)
(1/360)

(العبرة): الدمعة، وجمعها عبر. أنشدنا أبو العباس:
ولا تنفَّستُ إلاّ ذاكراً لكُم ... ولا تبسَّمتُ إلاّ كاظماً عِبَرا
وقال أبو جعفر: العبرة تنزل الدمعة، وهي ارتفاع الغم من الصدر حتى يخنق فيكاد يقتل. فيقال:
خنقته العبرة. والدمعة لا تقتل. وانشد لذي الرمة:
أجَلْ عَبْرةً كادتْ لعِرفانِ منزلٍ ... لميَّة لو لم تُسهِلِ الماءَ تَذْبحُ
و (ازور)، معناه تمايل، وهو مأخوذ من الزور، والزور: الميل، يقال: ازور يزورّ، وتزاور يتزاور،
وازوار يزوار، وازَّاور يزَّاور. قال الله تبارك وتعالى: (وتَرَى الشَّمسَ تزَّاور عن كهفهم)، معناه
تمايل، والأصل فيه تتزاور، فأدغمت الزاي الأولى في الثانية. وتقرأ (تزاور) بتخفيف الزاي،
والاصل فيه تتزاور، فحذفوا إحدى التاءين، وقرا قتادة: (تزورُّ) على مثال تحمر، وهذا مستقبل
تزورّ. وقرأ أبو رجاء: (تزْوارُّ) على مثال تحمارُّ وتصفارُّ، وهذا مستقبل ازوار. و (اللبان): الصدر
وموضع اللبب، وقد يستعار للناس. وقوله: (وشكا إليَّ بعبرة) مثل، معناه فعَل فعِل مستعبر، أي لو
كان ممن يتكلم لشكا بلسانه.
والتحمحمم نسق على العبرة.
(لو كانَ يَدْرِي ما المحاورةُ اشتكَى ... أَو كانَ لو عَلِمَ الكلامُ مُكلِّمي)
اسم كان مضمر فيها، والخبر ما عاد من يدري، والمحاورة رفع بما وما بها، واشتكى
(1/361)

جواب لو، واسم كان الثانية مضمر فيها، ومكلمي خبرها، والنصب لا يتبين فيه؛ لأن الياء لا يكون الذي قبلها
إلا مكسورا.
(والخَيلُ تَقتحِمُ الخَبَارَ عوابساً ... من بين شَيظمةٍ وأَجردَ شَيظَمِ)
الاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة. و (الخبار): الارض اللينة ذات الجحرة والجرفة، والركض
يشتد فيها. و (العوابس): الكوالح من الجهد. و (الشيظم): الطويل. و (الأجرد): القصير الشعرة. أنشد
اللحياني في الخبار:
أمِن جَرَّى بني أسدٍ غضبتُم ... ولو شئتم لكان لكم جِوارُ
ومن جَرّائنا صرتمْ عَبيداً ... لقومٍ بعد ما وُطئ الخَبارُ
جرى معناه اجل، وهي مما يمد ويقصر.
والخيل ترتفع بما عاد من تقتحم، وعوابسا نصب على الحال، ومن معناها التفسير، والاجرد
موضعه خفض بالنسق على شيظمة، الا إنه نصب لأنه لا يجري. والشيظم نعت الاجرد.
(ذُلُلٌ رِكابي حيثُ شِئتُ مُشايِعِي ... لُبِّى وأَحفِزُهُ بأَمر مُبْرَمِ)
ويروى: (مشايعي همي واحفزه برأي مبرم).
الذلول من الإبل وغيرها: الذي هو ضد الصعب؛ والجمع ذلل. ويقال: ذلول بين الذل. ويقال رجل
ذليل وهو ضد العزيز، والجمع أذلاء، بين الذل والمذلة والذلة. و (الركاب): الإبل. يقول: هي معتادة
للرحيل قد فارقت الافها وأوطانها مرة بعد مرة، فاللفظ للركاب والمعنى له، أي لا أبالي فراق من
تعرض لفراقي. وقوله (مشايعي لبي). يقول: عقلي لا يعزب عني، و (أحفزه)
(1/362)

معناه أدفعه وأقويه.
والحفز: أن تدفع الشيء وتدنو منه. وقال أبو جعفر: أراد وأحفز الأمر المبرم بعقلي، أي أنفذ الأمر
المبرم بعقلي. وقال: معنى أحفزه أدفعه وأمضيه. وقوله (بأمر مبرم) أي برأي ليس بمتنقض
وضعيف. واصله من الفتل المبرم، وهو أن تفتل الطاقتين حتى تصيروا طاقة واحدة. ويروى:
(مصاحبي عقلي).
وركابي مرتفعة بذلل، وذلل بها، ولبى رفع بمشايعي. واحفزه فعل مستأنف، والباء صلة أحفزه.
(ولقدْ خَشِيتُ بأَنْ أَمُوتَ ولم تكُنْ ... للحربِ دائرةٌ على ابنَيْ ضَمضَمِ)
ابنا ضمضم: هرم وحصين ابنا ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، وكان عنترة قتل أباهما
ضمضما، فكانا يتواعدانه، ويروى: (ولم تدر للحرب دائرة)، أي لم تدر عليهم دائرة السوء من القتل.
واللام في (لقد) لام اليمين، والباء موضعها نصب بخشيت، وهي مؤكدة للكلام؛ لأن سقوطها لا يخل
بالمعنى. ألا ترى إنك لو قلت: (ولقد خشيت أن أموت) كان سائغا حسنا. والدائرة رفع بتكن، واللام
خبر الكون، وعلى صلة دائرة، والواو في قوله: (ولم تكن) واو الحال.
(1/363)

(الشَّاتِمَيْ عِرضِي ولم أَشْتُمْهُما ... والنَّاذِرَينِ إذا لقِيتُهما دَمِي)
قوله (والناذرين إذا لقيتهما دمى) معناه والقائلين والله لئن لقيناه لنقتلنه. وإنما قال إذا لقيتهما ولم يقل
إذا لقياني، وهو أبين في الكلام، لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. قال الله عز وجل: (فتلقَّى
آدمَ من ربِّه كلماتٍ)، وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: (فتلقَّى آدمَ من ربِّه كلماتٌ) فمعنى القراءتين
واحد لأن ما لقيك فقد لقيته وما لقيته فقد لقيك. وقال الله تبارك وتعالى: (لا ينالُ عَهدي الظالمين)،
وفي قراءة عبد الله: (لا ينالُ عهدي الظَّالمون)، قال الفراء: معنى القراءتين واحد، لأن ما نلته فقد
نالك وما نالك فقد نلته.
وموضع الشاتمين والناذرين خفض على النعت لابني ضمضم، وموضع عرضي خفض بإضافة
الشاتم إليه. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالشاتمي، ومعناه الشاتمين، إلا أن النون حذفت من
التثنية بناء على حذفها من الواحد، والاختيار الخفض؛ لأن النصب إذا أريد دخلت النون. يقال:
رأيت الضاربَي زيد، ورأيت الضاربِي زيد، فتختار خفض زيد على نصبه. ويجوز أن تقول: رأيت
الضاربَيْ زيداً، ورأيت الضاربِي زيداً على التفسير الذي مضى؛ فإذا أدخلت النون لم يجز إلا
النصب كقولك: رأيت الضاربين زيداً ورأيتُ الضاربِين زيدا. قال الله عز وجل: (والمقيمي الصلاةِ)،
فقراءة العوام خفض الصلاة. وروى العباس بن الفضل عن أبي عمرو: (والمقيمي الصَّلاةَ)، بنصب
الصلاة على ما مضى من التفسير.
(1/364)

وقال الفرزدق:
أسَيِّدُ ذو خُرَيِّطة نهاراً ... من المتلقِّطي قَرَدَ القُمامِ
ويجوز أن يكون موضع الشاتمي والناذرين نصبا على الذم، ويجوز أن يكون رفعا على الذم،
بإضمار هما الشاتما.
(إِنْ يَفعَلاَ فلقَد تَركْتُ أَباهما ... جَزَرَ السِّباعِ وكُلِّ نَسْرٍ قَشْعَمِ)
قوله (جزر السباع) معناه هو مقتول لها تأكله. و (القشعم): الكبير من النسور. والفاء جواب إن،
والأب اسم تركت، وجزر السباع خبره، وكل نسق على السباع. وقال أبو محمد الرستمي: روى هذا
البيت الذي فسرناه الأصمعي ولم يروه أبو عمرو:
(إِنِّي عَدَاني أن أَزورَكِ فاعلمِي ... ما قد عَلمِتْ وبَعضُ ما لم تَعْلمي)
(عداني) معناه شغلني. وما مرتفعة بعداني، وبعض نسق على ما.
(حالتْ رِماحُ ابنَيْ بَغيضٍ دُونكمْ ... وزَوتْ جَوانِي الحربِ مَنْ لم يُجرِم)
(ابنا بغيض): عبس وذبيان، يعني قتالهم في حرب داحس والغبراء. وقوله (وزوت جواني الحرب)
يقول: من لا جرم له زوته جريرة من أجرم. ومعنى زوته: حازته إلى ناحية لا يقدر أن ينفرد من
قومه، مخافة أن يقتل، كقول رؤبة:
وأزمعَتْ بالشرِّ أن تَلفَعَّا ... حَربٌ تضمُّ الخاذلِينَ الشُّسَّعَا
وأصل الانزواء والتقبض والاجتماع، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (زويت لي الأرض
فأريتُ مشارقها ومغاربها)، أي جُمعت. ويقال: انزوت
(1/365)

الجلدة في النار، إذا تقبَّضت واجتمعت. قال الأعشى:
يزيدُ يغضُّ الطَّرف دوني كأنَّما ... زَوَى بين عينَيه عليَّ المحاجمُ
فلا ينبسطْ من بين عينيَكِ ما انزوَى ... ولا تلقَني إلا وأنفُك راغمُ
والجواني رفع بزوت، ومن منصوبة به، والأصل في جوان جواني، فاستثقلت الضمة في الياء
فأسقطت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون اللام. وقال الرستمي: قرئ هذا البيت والذي قبله على
الأصمعي. وقال أبو جعفر: لا أعرفهما ولم أقرأهما على أحد البتة.
تمت القصيدة وهي تسعة وسبعون بيتا
(1/366)

5 - قصيدة عمرو بن كُلثوم
(1/367)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن
غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار
بن معد بن عدنان.
وقال أبو عمرو الشيباني:
كانت بنو تغلب بن وائل من أشد الناس في الجاهلية. قال أبو عمرو: وقد ذكر لي بعض أهل العلم
أنهم شهدوا يوم خزاز. وخزاز: جبل كانت فيه وقعة. وهم من أظهر الناس عدة وسلاحا، وخيلا
ورجالا.
قال أبو عمرو: وسألت ابن الكلبي عن بني تغلب، فزعم إنه سمع أباه يقول: حدثني بعض أصحابي
قال: لو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت بنو تغلب الناس.
وكان بينهم في الجاهلية حروب شديدة في كليب بن ربيعة أخي مهلهل، وهو كليب وائل، كادت تأتي
عليهم.
قال أبو عمرو: وأخبرني ابن الكلبي قال:
نافر عمرو بن كلثوم رجلا من بني تيم اللات بن ثعلبة، فذهبا إلى رجل من مضر يحتكمان إليه في
منافرتهما، وقد كانا خوَّفا ذلك الرجل، فقالا: يحكم بيننا أول من يعرض لنا. فعرض لهما رجل يقال
له أبو مليل، فاحتكما إليه فأخذهما فحبسهما سنة ثم افتديا منه.
(1/369)

ويقال: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم، فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم،
فرجعوا فمات منهم سبعون رجلا عطشا. ثم أن بني تغلب اجتمعوا لحرب بكر بن وائل، واستعدت
لهم بكر حتى إذا التقوا كره كل صاحبه، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت، فدعا بعضهم بعضا
إلى الصلح فتحاكموا في ذلك إلى الملك عمرو بن هند، فقال عمرو: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني
بسبعين رجلا من بكر بن وائل فأجعلهم في وثاق عندي، فان كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم، وإن
لم يكن لهم حق خليت سبيلهم. ففعلوا وتواعدوا ليوم يجتمعون فيه، فقال الملك لجلسائه: من ترون من
بني تغلب تأقي به لمقامها هذا؟ فقالوا: شاعرهم وسيدهم عمرو بن كلثوم. قال: فبكر بن وائل؟
فاختلفوا عليه وذكروا غير واحد من أشراف بكر بن وائل، قال: كلا والله لا تفرُج بكر بن وائل إلا
عن الشيخ الأصم يعثر في ريطته فيمنعه الكرم أن يرفعها حتى يرفعها قائده فيضعها على عاتقه. فلما
أصبحوا جاءت تغلب يقودها عمرو بن كلثوم حتى جلس إلى الملك. وقال الحارث بن حلزة: أني قد
قلت خطبة فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه. فرواها ناسا منهم، فلما قاموا بين يديه لم
يرضهم، فحين علم إنه لا يقوم أحد مقامه قال لهم: والله لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة
ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه - وذلك لبرص كان به - غير أني لا أرى أحدا يقوم
بها مقامي، وأنا محتمل ذلك لكم. فانطلق حتى أتى الملك، فلما نظر إليه عمرو بن كلثوم قال للملك:
أهذا يناطقني وهو لا يطيق صدر راحلته! فأجابه الملك حتى أفحمه. وأنشد الحارث قصيدته:
آذنتْنا ببينها أسماء
وهو من وراء سبعة ستور، وهند تسمع، فلما سمعتها قالت: تالله ما رأيت كاليوم قط أن رجلا يقول
مثل هذا القول يُكلم من وراء سبعة ستور! فقال الملك: ارفعوا سترا. فدنا فما زالت تقول ذلك ويرفع
ستر فستر حتى صار مع الملك على مجلسه، ثم أطعمه في جفنته وأمر ألا ينضح أثره بالماء، وجز
نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من بكر ودفعها إلى الحارث. وأمره ألا ينشد قصيدته إلا
متوضئاً. فلم تزل تلك
(1/370)

النواصي في بني يشكر بعد الحارث، وهو من بني ثعلبة بن غنم، من بني
مالك بن ثعلبة. وأنشد عمرو بن كلثوم قصيدته، فلما فرغ منها ظن الناس إنها لا يعدلها شيء. وقال
حين أنشدها:
(أَلا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصَبحِينا ... ولاَ تُبْقِي خُمورَ الأَندَرِينا)
قوله (هبي) معناه قومي. قال الشاعر:
ألا أيّها النوام ويحكمُ هُبُّوا ... أسائلْكمُ هل يقتلُ الرجلَ الحبُّ
و (الصحن): القدح الضخم الواسع، والتبن: أكبر الأقداح، والرفد: القدح الضخم. قال الأعشى يمدح
الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر:
رُبَّ رِفدٍ هرقته ذلك اليوْ ... مَ وأسَرى من مَعشرٍ أقتالِ
وقال أبو عمرو: الكتن: القدح الصغير. وقال أبو زيد: يقال للقدح الصغير الغمر، ثم العس أكبر
منه. وقال غيره: القرو: قدح صغير. وأنشد:
وأنت بين القَرْو والعاصرِ
والقعب: قدح صغير يروى الرجل الواحد.
وقوله (فاصبحينا) معناه فاسقينا صبوحا، وهو شرب الغداة. والأندرين: قرية بالشام كثيرة الخمر.
و (ألا) افتتاح للكلام، وهبي مجزوم على الأمر علامة الجزم سقوط النون،
(1/371)

والفاء جواب الجزاء المقدر، وتبقى جزم بلا على النهى، واصبحينا مجزوم على الأمر علامة الجزم فيه وفي تبقى سقوط
النون، وموضع الأندرين خفض بالإضافة، وفتحت النون لأنها مشبهة بنون الجمع، والألف صلة
لفتحة النون. ويقال في رفعها الأندرون.
(مٌشَعشَعَةً كأَنَّ الحُصَّ فيها ... إِذَا ما الماءُ خالطَها سَخِينا)
(المشعشعة): الخمر التي أرق مزجها، وما مزج فأرق مزجه فقد شعشع، ومنه قيل رجل شعشاع، إذا
كان طويلا خفيف اللحم. و (الحص): الورس. و (فيها) معناه في الخمر. وقوله (إذا ما الماء خالطها
سخينا) قال أبو عمرو: معناه إذا خالها الماء وشربناها كنا أسخياء، أي ازداد سخاؤنا على ما كان
عليه قبل شربناها. وقال غيره: إذا ما الماء خالطها سخينا معناه إنها تمزج بالماء الحار. يقال ماء
سخين، إذا كان مسخنا. ويروى: (إذا ما الماء خالطها شخينا) بالشين معجمة وبالحاء غير معجمة.
ومشعشعة نصب بقوله فاصبحينا. وإذا وقت، والماء رفع بما عاد من خالط، وما صلة وسخينا فعل
ماض من السخاء جواب لإذا. ومن قال سخينا حارا نصبه على الحال من الماء. ومن رواه شحينا
بالشين نصبه على الحال من الهاء، وأراد خالطها مشحونة أي مملوة؛ من قول الله تبارك وتعالى:
(في الفلك المشحون) فصرف من مفعول إلى فعيل، فلم تدخلها الهاء، وكان بمنزلة قولهم: كف
خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين؛ يراد به: مخضوبة، ومكحولة، ومدهونة.
(1/372)

(تَجُور بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ ... إِذَا مَا ذاقَها حتّى يَلِينا)
(اللبانة): الحاجة، يقال: لي إليه حاجة، ولبانة، وأشكلة، وشهلاء. أنشد أبو عمرو:
لم أقضِ حين ارتحلوا شهلائي ... من الكَعَاب الطَّفْلة الحسناء
ويقال: لي إليه مأربة، أي حاجة؛ وجمعها مآرب. قال الله تبارك وتعالى: (وليَ فيها مآرب أخرى)،
أي حوائج. ويقال: لي في هذا الشيء أرب وإربة، أي حاجة. قد أربت إلى الشيء آرب أربا، إذا
احتجت إليه. ومنه قولهم: ما أربك إلى كذا وكذا. ويقال: ما بقيت في صدري حوجاء ولا لوجاء الا
قضيتها. ويقال: قضيت من الشيء وطرا، إذا قضيت حاجتي منه. قال الله تبارك وتعالى: (فلمَّا قَضَى
زيدٌ منها وطراً). ومعنى البيت أن الخمر تميل بشاربها عن حاجته.
وفاعل تجور مضمر فيه من ذكر الخمر، وما صلة، وإذا نصب بتجور، ويلينا نصب بحتَّى، والألف
صلة لفتحة النون.
(تَرى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عَلَيه لمالِهِ فيها مُهِينا)
(اللحز): الضيق البخيل؛ والعقص مثله. والحصر: الممسك. والحصر أيضا: الذي يكتم السر ولا
يبذله وهو مدح. قال جرير:
ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفوا ... حصِراً بسرك يا أميم ضنينا
وقال أبو عمرو: اللحز: السيئ الخلق اللئيم. وقال غيره: يقال للسيئ الخلق:
(1/373)

الشرس، والشكس، واليلندد. والقاذورة: الفاحش السيئ الخلق. قال متمم بن نويرة اليربوعي:
وإنْ تَلقَه في الشَّرْب لا تَلَقَ فاحشاً ... على الكأس ذا قاذورة متزبعا
قاذورة: متباعد من الناس. ومتزبع: متكبر؛ ويقال: هو المعربد يلقى الشر بين القوم. ومعنى البيت:
أن الكأس إذا أديرت على القوم وشرب البخيل السيئ الخلق حسن خلقه وأهان ماله.
واللحز منصوب بترى، ومهينا خبر ترى، واللام وفي صلتان لمهين.
(وإِنا سَوفَ تُدْركُنا المنايا ... مُقَدَّرَةً لنا ومُقَدَّرِينا)
(المنايا): جمع منية، وهي الموت. ويقال: المنايا: الأقدار، من قول الله عز وجل: (مِنْ نُطفة إذا
تُمْنَى)، معناه إذا تقدَّر. ويقال: مناه الله تعالى بما يسره، أي قدر الله له ما يسره. قال الشاعر:
لعمرُ أبي ليلى لقد ساقه المَنَى ... إلى جدث يُوزَى له بالأهاضب
وقال الآخر:
مَنَتْ لك أن تلاقيني المنايا ... أحَادَ أحادَ في الشَّهر الحلالِ
(1/374)

أراد: قدرت، وقال الآخر:
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعلُه ... حتَّى تَبيَّنَ ما يَمنِى لك الماني
أي ما يقدر لك القادر. وقال الآخر:
وعلمت أن النَّفسَ تلقى حتْفَها ... ما كان خالقُها المليكُ مَنَى لها
أي قدر لها. وقوله (مقدرة لنا ومقدرينا)، معناه قدرت علينا وقدرنا لها.
ونصب مقدرة على الحال من المنايا، ونصب مقدرين على الحال من النون والألف في تدركنا،
ونسق مقدرين على مقدرة، وأضمر بعد مقدرين نحن، أي ومقدرين لها نحن.
(قِفِي قبْلَ التفرُّقِ يا ظَعينا ... نخَبِّرْك اليقينَ وتُخْبرينا)
قوله (يا ظعينا) معناه يا ظعينة، فرخم فحذف الهاء ووصل فتحة النون بالألف. ونخبِّرك ينجزم لأنه
جواب الجزاء المقدّر. يريد: أن تقفي نخبرك. وتخبرينا نسق على نخبرك، علامة الجزم فيه سقوط
النون.
وخبَّر وأخبر لغتان معناهما واحد، كما تقول: مهَّل وأمهل، ووصّى وأوصى. قال الله تعالى: (ووصّى
بها إبراهيمُ بنيه). وقرأ أهل المدينة: (وأوصى) والمعنى واحد.
(بِيومِ كَريهةٍ ضَرباً وطَعناً ... أَقرَّ به مَوَاليكِ العُيونا)
الباء صلة نخبرك اليقين. بيوم كريهة، أي بيوم وقعة كريهة أي مكروهة.
(1/375)

وإنما ثبتت الهاء في كريهة وهي في تأويل مفعولة لأنها جعلت اسما بمنزلة النطيحة والذبيحة
و (الكريهة): اسم لشدة الناس في الحرب، قال الأشترالنخعي:
خيلاً كأمثال السَّعالي ضُمَّراً ... تَعدو بفتيان الكريهة شُوسِ
وقالت الخنساء:
نُهين النفوسَ وهُونُ النفو ... سِ يوم الكريهة أوقَى لها
و (الموالي): بنو العم في هذا الموضع. ومعنى قوله (أقربه مواليك العيونا) ظفروا فنامت عيونهم
وزال سهرهم. يقال: أقر الله سبحانه وتعالى عينك، أي أنام الله عز وجل عينك. وقال الأصمعي: أقر
الله عينك، معناه أبرد الله جل وعلا دمعتك. وزعم أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة. وأقر
عنده مشتق من القر والقرة، وهما البرد يقال للماء البارد القرور. وقال: أسخن الله تعالى عينه معناه
حزنه الله سبحانه حتى تسخن دمعته. وأنكر أبو العباس قول الأصمعي وقال: الدمع كله حار في فرح
كان أو حزن. وقال: معنى قولهم: أقر الله عينك: أعطاك الله تعالى أملك وبلغك مرادك حتى ترضي
نفسك به وتقر عينك عن الاستشراف إلى غيره. ويقال لكل شيء وقع في موضعه الذي ينبغي أن
يقع فيه: (صابت بقُر). أي أدرك قلبك ما كان متطلعا إليه فقرَّ. قال طرفة:
سادراً أحسِبُ غَيِّي رشَداً ... فتناهيت وقد صابت بِقُرّ
(1/376)

السادر: الذي كأن على بصره غشاوة. وقال غيره: لسادر: الراكب هواه لا يبالي ما صنع.
وضربا وطعنا منصوبان على المصدر، ومواليك رفع بأقر، والعيون نصب بأقر أيضا:
(قِفِي نسأَلْكِ هَلْ أَحدثْتِ وصلاً ... لوْ شْك البَينِ أَم خُنْتِ الأَمينا)
ويروى: (صرما). والصرم: القطيعة. و (وشك البين): سرعته. يقال منه: جعل الله ذلك فرجا عاجلا
وشيكا، أي سريعا. والبين: الفراق. والبيْن: الوصال. قال الله عز ذكره: (وجعَلنْا بينَهُمْ مَوْبقاً)، معناه
جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة. وقال الشاعر:
لعمرك لولا البين لانقطَعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حَنَّ للبيْن آلفُ
فالبين الأول والثاني بمعنى الوصال.
واللام صلة وصل، وخنت نسق على أحدثت، معناه: أم هل خُنت الأمين. و (الأمين): الوفيُّ العهد.
(تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍ ... وقد أَمِنَتْ عُيونَ الكاشِحينا)
(الكاشحون): الأعداء، واحدهم كاشح، وإنما قيل له كاشح لأنه يعرض عنك ويوليك كشحه. والكشح،
والخصر، والقرب واحد، وهو ما يلي الخاصرة. قال الأعشى:
(1/377)

ومن كاشح ظاهرٍ غِمْرُه ... إذا ما انتسبتَ له أنكرَنْ
وقال آخرون: وإنما قيل للعدو كاشح لأنه يضمر العداوة في كشحه. واحتجوا بقول الكميت:
لمَّا رآه الكاشحو ... ن من العيونِ على الحنادر
الحنادر: نواظر العيون، واحدها حُنُدورة، وحِنْدَورة، وحِنديرة. والمعنى: رأوه كأنه على أبصارهم
من بغضهم له واستثقالهم إياه. وقال الآخر:
فأضمَر أضغاناً عليّ كشوحُها
وقال:
أأرضِى بليلى الكاشحينَ وأبتغي ... كرامةَ أعدائي بها وأهينُها
وقال أصحاب هذه المقالة: إنما خص الكشح لأن الكبد فيه. فيراد أن العداوة في الكبد. ولذلك يقال
عدو أسود الكبد، أي شديد العداوة قد أحرقت كبده. قال الشاعر:
فما أجشِمْتُ من إتيان قوم ... همُ الأعداء والأكبادُ سُودُ
ويقال: قد طوى فلان كشحه، إذا أعرض. قال الشاعر:
صرمتُ ولم أصرِمكمُ وكصارِم ... أخٌ قد طَوى كشحاً وأبّ ليذهبا
معنى أب تهيأ وتشمر، والاسم الإبابة. قال زهير:
(1/378)

وكان طوَى كشحاً على مستكنَّةِ ... فلا هُوَ أبداها ولم يتقدَّمِ
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح). ويقال: قد كاشح فلان
فلانا، فهو مكاشح، إذا عاداه. وقال ابن هرمة:
ومكاشحٍ لولاك أصبحَ جانحاً ... للسِّلْم يَرقِى حَيَّتى وضِبابي
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل للعدو كاشح لأنه أدبر بوده عنك. وقالوا: هو بمنزلة قولهم: قد كشح
عن الماء، إذا أدبر عنه. واحتجوا بقول الشاعر:
كشْحَ حمار كشَحَتْ عنه الحُمُرْ
أراد: أدبرت عنه. وقال امرؤ القيس:
فلم يَرَنا كالئٌ كاشح ... ولم يُفْشَ منا بدى البيت سِرّْ
و (الخلاء) من الخلوة ممدود. والخلا: ما اختليته بيدك من البقل مقصور، والواو في (وقد) واو
الحال.
(ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكرٍ ... تربَّعت الأَجارعَ والمُتونا)
قوله (ذراعي عيطل) معناه تريك إذا دخلت على خلاء ذراعي عيطل. والعيطل والعيطاء،
والعطبول، والعنطنطة: الطويلة. ويقال: العطبول، والعطبولة، والعيطاء والعنقاء: الطويلة العنق.
و (الأدماء): البيضاء. وقوله (تربعت الأرجاع) معناه أقامت أيام الربيع بالأجارع. وواحد الأجارع
أجرع، وهو من الرمل ما لم يبلغ أن يكون حبلا. قال: وأنشدنا أبو العباس لابن الدمينة:
(1/379)

سَلِي البانَة العَليا من الأجْرع الذي ... به البان هل كلَّمتُ أطلالَ دارك
ويقال: رمل أجرع، ورملة جرعاء. و (المتون): ما غلظ من الأرض، واحدها متن. ورواه أبو
عبيدة:
ذراعَيْ حُرَّة أدماءَ بِكرٍ ... هِجانِ اللَّونِ لم تقرأ جنينا
فالحرة تكون امرأة خالصة كريمة. و (هجان اللون) معناه بيضاء. والهجان أيضا: الكريم من كل
شيء، تمثل علي بن أبي طالب رضي الله سبحانه عنه:
هذا جَنايَ وخياره فيهْ ... إذْ كلُّ جانٍ يدْه إلى فيه
أراد: وخياره وكرائمه فيه. وكذلك قولهم: هذه هجائن النعملن. ويقال: بعير هجان وناقة هجان وإبا
هجان، وهي التي قارفت الكرم. قال الشاعر:
وإذا قيل مَن هِجانُ قريش ... كنتَ أنت الفتى وأنت الهِجانا
وقوله: (لم تقرأ جنينا) قال أبو عبيدة: معناه لم تضم في رحمها ولدا قط. ويقال للتي لم تحمل قط: ما
قرأت سلى قط. وقال: إنما سمى كتاب الله عز وجل قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها. واحتج بقوله
تعالى: (فإذا قرأناه فاتَّبعْ قرآنَه)، أي إذا ألفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك.
وقال قطرب: يقال: ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم ترم بولد. واحتج بقول حميد بن ثور:
أراها غُلاماها الخَلَى فتشذّرَتْ ... مِراحاً ولم تقرأ جنيناً ولا دما
فمعناه لم ترم بجنين ولا ولد. وقال: سمي كتاب الله الكريم قرآنا لأن القارئ يظهره، ويبينه، ويلقيه
من فيه. والجنين: الولد.
(1/380)

و (ذراعي عيطل) نصب بتريك. وأدماء نعت لعيطل، وفي تربعت كناية العيطل. وأراد: ذراعي
عيطل، يعني ظبية عيطلا.
(وثَدياً مِثلَ حُقِّ العاج رَخْصاً ... حَصَاناً من أَكُفِّ اللاَّمِسِينا)
أراد: تريك ذراعي عيطل وتريك ثديا في بياضه ونتوه مثل حق العاج. (حصانا): عفيفة في قول
أبي عمرو. وقال غيره: الحصان: التي قد تحصنت من الريب بزوج. (من أكف اللامسين)، يقول: لم
تمسها أكف الناس. ويقال امرأة حصان من نسوة حصائن، أي عفائف. قال حسان:
حَصان رَزَان لا تُزَنُّ بريبة ... وتُصبح غَرثَى من لُحوم الغوافل
وقال أبو عبيدة: يقال امرأة حاصن للعفيفة. وأنشد للعجاج:
وحاصنٌ من حاصات مُلْسِ ... من الأذى ومن قراف الوَقْسِ
الوقس: الجرب، والقراف: الدنو منه.
ويقال امرأة حصان بينة الحصانة والحصُن والحصْن. وقد أحصنت وحصُنت. قالت امرأة من
العرب وخرجت إلى الطريق فنظرت إلى شاب فغازلها، فلما رجعت إلى أمها قالت:
يا أمتَّي أبصَرَني راكبٌ ... يسير في مسحَنْفرٍ لاحبِ
ما زلتُ أحثِي التُّربَ في وجههِ ... عَمداً وأحمِي حَوزةَ الغائبِ
فأجابتها:
الحُصْنُ أدنَى لو تريدينَه ... مِن حَثْيكِ التربَ على الراكبِ
(1/381)

ويروى: (لو تأييته).
والثدي نسق على ذراعي عيطل، ومثل ورخصا وحصانا من نعت الثدي، ومن صلة حصان.
ويجوز أن ينتصب حصانا على الحال من الضمير الذي في تريك.
(ومَتْنَىْ لَدنةٍ طالتْ ولانتْ ... روادِفُها تَنُوءُ بما يَلينا)
ويروى: (بما ولينا). (اللدنة): اللينة، يقال من ذلك: قناة لدنة، أي لينة. و (روادفها): أعجازها.
(تنوء): تنهض. (بما يلينا)، أي بما يليهن، يعنى بما يقرب من أعجازهن. يقال نؤت بالحمل، إذا
نهضت به. قال حسان:
وقامت تُرائيك مغدودناً ... إذا ما تنوء به آدَها
أراد: تنهض به. و (المتنان): جانبا الفقار. (طالت ولانت)، معناه هي طويلة القامة لينتها.
والألف في يلينا صلة لفتحة النون، ومتنى لدنة نسق على ذراعي عيطل، والروادف مرتفعة بطالت،
وفي تنوء ضمير مرفوع من اللدنة.
(تَذَكَّرتُ الصِّبا واشتَقْت لمَّا ... رأَيتُ حُمولَها أُصُلاً حُدِينا)
و (الحمول) الإبل التي تحمل. و (أصلا): عشيا. وفي الأصل قولان، يقال هو اسم واحد بمنزلة
الحلم والعقب. قال الأعشى:
يوماً بأطيبَ منها نَشْرَ رائحة ... ولا بأحسَنَ منها إذْ دنا الأصُلُ
(1/382)

ويقال: هو جمع أصيل، كما يقال طريق وطرق. قال الله عز وجل: (بُكْرةً وأصيلا)، وقال بعض
الأعراب:
يحنُّ إذا الجنائبُ هيَّجَتْه ... ضُحَيّاً أو هَبَبْنَ له أصيلا
ويقال في جمع الأصل آصال، كما قال تعالى: (بالغُدُوِّ والآصال). والأصائل: جمع الآصال. قال
الشاعر:
لعمري لأنت البيتُ أكرِمُ أهلَه ... وأقعُد في أفيائه بالأصائِلِ
وأنشد الفراء:
يا عَمرو أحسِنْ نَواكَ الله بالرَّشَد ... واقرأ سَلاماً على الانقاء والثَّمدَ
وابكِنَّ عيشاً تولَّى بعد جِدّته ... طابت أصائلُه في ذلك البلدِ
ويقال صبي بيَّن الصِّبا والصَّباء، وقد صبا إلى اللهو يصبو صبوا. (حدينا) معناه حدت الحداة الإبل.
ولما نصب بتذكرت. وأصلا نصب على الوقت، والحمول نصب برأيت، وحدين معناه قد حدين،
وتأويله الحال.
(وأَعرضَتِ اليمامةُ واشمَخَرَّتْ ... كأَسيافٍ بأَيدي مُصْلِتينا)
(أعرضت اليمامة) معناه ظهرت وبدت، أي لمع بها السراب. يقال: أعرض لط الظبي فارمه، أي
أمكنك من نفسه. ويقال أعرض: أمكنك من عرضه، أي من ناحيته. وبعضهم يقول: عرض لك
الشيء، والأكثر في كلامهم أعرض
(1/383)

بالألف. ويقال: عرضت الكتاب والجند عرضا، وأعرضت عن
الشيء إعراضا، وأعرض لك الشيء، إذا بدا. وعرضت الجارية على البيع عرضا، وعرض الرجل
عرضا. ويقال: ما يعرضك لهذا الأمر. والعرْض: خلال الطول. والعرَضَ: طمع الدنيا وما يعرض
منها، والعود معروض على الإناء، وكذلك السيف معروض على فخذيه. والعِرض: ريح الرجل
الطيبة أو الخبيثة. والعرض: موضح المدح والذم من الإنسان. يقال: إنه لنقي العِرض، أي بريء من
أن يُشتم أو يعاب. والعرض ناحية الوادي. وأنشد الفراء:
لَعِرضٌ من الأعراض يُمسِى حمامهُ ... ويُضحى على أفنانه الغِينِ يَهتفُ
و (اشمخرت) معناه ارتفعت وطالت. وقوله (كأسياف بأيدي مصلتينا) معناه بأيدي قوم مصلتين.
يقال: أصلت سيفه، إذا سله من غمده وشهره.
والكاف نصب بأعرضت، والباء صلة الأسياف، والألف في مصلتينا صلة لفتحة النون.
(فَما وَجَدَتْ كَوجدِي أَمُّ سَقْب ... أَضلَّتْهُ فرجَّعَتِ الحَنينا)
(أم سقب): ناقة. والسقب: الفصيل. قال الأصمعي: إذا وضعت الناقة فولدها ساعة تضعه سليل قبل
أن يعلم أذمر هو أم أنثى، فإذا عُلم فإن كان ذكرا فهو سقب وأمه مُسقب، وإن كان أنثى فهو حائل،
فإذا قوى ومشى فهو راشح وأمه مُرشح، فإذا ارتفع عن الراشح فهو جادل.
وقوله (أضلته)، معناه فقدته. ويقال: أضللت البعير، إذا ضيعته.
(1/384)

وضللت الشيء إذا خفي علي موضعه، كقولك: ضللت المسجد والدار. قال الله عز وجل: (في كتابٍ
لا يَضِلُّ ربِّي ولا ينسَى)، فمعناه لا يخفي موضعه على ربي. وقال الجعدي:
أنشُدُ الناسَ ولا أُنشِدهمْ ... إنَّما ينشُدُ مَن كانَ أضَلِّ
معناه من كان ضيع شيئا. وقال الآخر:
وجدي بها وجدُ المضلِّ قَلُوصَه ... بمكَّة لم تعطفْ عليه العواطفُ
وقال الأخفش: ضللت أضل، على مثال علمت أعلم؛ وضللت أضل على مثال ضربت أضرب. قال
الشاعر:
ولَلصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ حُرمةً ... على صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ
ويقال: وجدت في الحزن وجدا، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت في المال وجدا وجِدَة،
ووجدت الضالة وجدانا. قال الراجز:
أنْشُدُ الباغِي يحبُّ الوِجْدانْ ... قلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبُكرانْ
وما جحد، والكاف في موضع نصب بوجدت، وفي أضلت ورجعت ذكر من الأم.
(ولا شَمْطاءَ لم يَترُكْ شَقَاها ... لها مِن تسِعةِ إِلاّ جَنينا)
(1/385)

معناه ما وجدت كوجدي امرأة فقدت تسعة أولاد فما بقى من ولدها إلا جنين، أي أجنته الأرض.
يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل، أي ستره. ومن العرب من يقول: جنه الليل. قال الشاعر:
يوصِّل حبلَيْه إذا الليلُ جَنَّه ... ليرقي إلى جاراته في السَّلالِمِ
ويقال: أجننت الشيء في نفسي، إذا سترته. والأصل في قوله (إلا جنينا). إلا مجنا، فصرف عم
مفعل إلى فعيل، كما قال تعالى جده: (تلك آياتُ الكتابِ الحَكِيم) أراد المحكم. وقال عمرو بن معد
يكرب:
أمِنْ رَيحانةَ الداعي السميعُ ... يؤرِّقُني وأصحابي هجوعُ
أراد المسمع، فصرف عن مفعل إلى فعيل. و (الشقاء) يمد ويقصر، قال امرؤ القيس:
صَبَّتْ عليه ولم تَنَصَبَّ عن أمَمٍ ... إن الشَّقاءَ على الأشقَينَ مصبوبُ
وقال الآخر في مده أيضا:
فإنْ يغلبْ شقاؤكُم عليكمْ ... فإنِّي في صلاحكمُ سعيتُ
والشمطاء منسوقة على أم سقب، وشقاها رفع بيترك، والجنين نصب بيترك أيضا:
(وإِنّ غداً وإِنَّ اليومَ رهنٌ ... وبَعدَ غدٍ بما لا تَعلمينا)
(1/386)

معناه يأتيك غد بما لا تعلمين من الحوادث وغيرها. وفي غد لغتان: غد، وغدو. قال لبيد:
وما الناسُ إلا كالدّيار وأهلها ... بها يومَ حَلُّوها وغَدْواً بلاقِعُ
وغدا اسم إن، واليوم نسق على غد، ورهن خبر إن، وإن الثانية لغو. وإن غداً واليوم. ويجوز أن
يكون رهن خبرا لإحداهما ويكون خبر الأخرى مضمرا، يريد: وان غدا رهن وان اليوم رهن. قال
الحطيئة:
قالت أمامَة لا تجزَعْ فقلت لها ... إنَّ العزاء وإنَّ الصَّبَر قد غلبا
أراد: أن العزاء والصبر قد غلبا، فإن الثانية لغو. ويجوز أن يكون أراد: أن العزاء قد غلب وإن
الصبر قد غلب، فجمع بين الخبرين لاتفاقهما. وقال الآخر:
إنّ قلبي وإنّ روحي جميعاً ... سايرَاها الغداةَ في الأظعان
فالجواب فيه كالجواب في البيت الأول، وإنما يوحد الرهن إذا ألغيت أن الثانية؛ لأن مصدر رهنت
رهنا، والمصدر يكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنث بلفظ واحد، كقولك: الرجال عدلٌ والمرأة
رضاً. قال زهير:
متَى يَشتجِرْ قومٌ بَقْلُ سَرَواتُهمْ ... همُ بيننا فَهُمْ رضاً وهُمُ عَدلُ
والباء في قوله (بما لا تعلمين) صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما يريد بالذي لا تعلمينه.
(أَبَا هِنْدٍ فلاَ تعجَلْ عَلَينا ... وانظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا)
أبو هند: عمرو بن المنذر. و (أنظرنا) معناه انتظرنا. ويجوز أن يكون معناه
(1/387)

أخرنا. قال الله تبارك وتعالى: (للذين آمنوا انظُرونا) فمعناه انتظرونا، إذا ذهبت ألفه للوصل. يقال نظرت الرجل انظره،
إذا انتظرته. وقال الشاعر:
فَخَرَت فانتمتْ فقلت انظُريني ... ليس جهل أتيتُه ببديعِ
معناه انتظريني. وقرأ حمزة وغيره: (للذين آمنوا أنظِرونا) فمعناه أخرونا. ويجوز أن يكون معناه
انتظرونا. ويروى: (أمهلنا).
ونصب أبا هند على النداء، والفاء تصل ما بعدها بما قبلها، ونخبِّرك جواب الجزاء المقدر، أي أن
تنظرنا نخبّرك.
(بأَنَّا نُورِدُ الرَّاياتِ بِيضاً ... ونُصْدِرُهنَّ حُمْراً قد رَوِينا)
(الرايات): الأعلام. يقول: نوردهن بيضا، ونصدرهن أي نردهن حمرا قد روين من الدم فصرن
حمرا.
وبيضا وحمرا منصوبان على الحال. وقد روينا معناه الحال أيضا، أي حمرا رواء. والألف صلة
لفتحة النون ليستوي وزن البيت.
(وأَيّامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ ... عَصَينَا المَلْكَ فيها أن نَدِينا)
معناه: ورب أيام لنا بيض مشهورة. وواحدة الغر أغر. قالت الخنساء ترثي أخاها:
أَغرُّ أبلجُ تأتمُّ الهُداةُ به ... كأنَّه علمٌ في رأسه نارُ
(1/388)

وقال أبو عبيدة: إنما سمى الأيام غر طوالا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، لعزهم، فأيامهم غر
لهم، وطوال على أعدائهم.
قال أبو بكر: ربما جعلت العرب الأيام نعما. قال الله تبارك وتعالى: (وذكِّرهم بأيَّام الله)، قال مجاهد:
معناه بنعم الله عز وجل. قال أبو عبيدة: هذه كلمة قلمَّا وجدنا لها شاهدا في كلامهم: أن يقال للنِّعم
أيام؛ إلا أن عمرو بن كلثوم قد قال: (وأيام لنا غر طوال)؛ فقد يكون جعلها غرا طوالا لإنعامهم على
الناس فيها. فهذا شاهد لمذهب مجاهد. وقوله (عصينا الملك فيها أن ندينا)، معناه عصينا الملك أن
نطيعه. يقال: دنت لفلان، أي دخلت في طاعته. و (الملك) يقال ملك ومليك. روى عبدو الوارث عن
أبي عمرو: (مَلْكِ يوم الدِّين) بتسكين اللام. وقال ابن الزبعري للنبي صلى الله عليه وسلم:
يا رسولَ المليكِ أن لساني ... راتقٌ ما فتقْتُ إذْ أنا بُورُ
والأيام مخفوضة بمعنى رب، ولنا صلة الأيام، وأن ندينا نصب بإسقاط الخافض. ويروى: (وأيام لنا
ولهم طوال).
(وسَيِّدِ مَعْشَرٍ قد تَوَّجُوه ... بِتاجِ المُلْك يَحمِي المُحجرينا)
ويروى: (قد عصبوه بتاج الملك). و (يحمى) معناه يمنع. و (المحجرين) معناه الذين ألجئوا إلى
الضيق. والسيد مخفوض بإضمار رب، وقد توجوه صلة سيد، ويحمى موضعه خفض في التأويل
على النعت للسيد، أي حامي المحجرين.
(تَرَكْنَا الخَيلَ عاكِفةً عَليهِ ... مقلَّدةً أَعتَّتَها صُفُونا)
تركنا الخيل عاكفة عليه، معناه واقفة مقيمة عليه. وواحدة الصفون صافن،
(1/389)

قال الله عز وجل: (الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً) فمعناه مقيما. قال الشاعر:
باتت تَبيَّا حَوضَها عُكوفا ... مِثلَ الصُّفوف لاقت الصُّفوفا
وقال الفراء: الصافن القائم على ثلاث. قرأ ابن عباس رضي الله سبحانه عنه: (فاذكروا اسمَ الله
عليها صَوَافِنَ) أي قائمة على ثلاث. قال الشاعر:
ألِفَ الصُّفونَ فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثَّلاث كسيرا
وقال الأعشى:
وكلّ كميتٍ كجذع السَّحوقِ ... يَزِين الفِناءَ إذا ما صَفَنْ
وعاكفة نصب بتركنا، ومقلدة تابع لعاكفة، وكذلك صفونا.
(وقد هرَّتْ كِلابُ الحَيّ منّا ... وشذَّبْنا قَتَادَة مَن يلينا)
وقد هرت كلاب الحي منا، معناه كرهتنا كلاب الحي. وكلابهم: الذين يهرون من سوء أخلاقهم.
وقوله (شذبنا قتادة من يلينا)، هذا مثل، وأراد: وكسرنا حد من يلينا ممن يفاخرنا. وشذبنا: فرقنا.
والقتادة: شجرة لها شوك لا تمس إذا هاجت لشدة شوكها. من ذلك قولهم: (دون ما تروم خرط القتاد).
وهي خفض
(1/390)

بإضافة القتادة إليها، ويلينا صلة من، وما فيه يعود على من، وشذبنا نسق على هرَّت.
(متَى نَنقُلْ إلى قَومٍ رَحانا ... يكونوا في اللِّقاءِ لها طحينا)
قوله: متى ننقل إلى قوم رحانا يكونوا كالطحين للرحى، أي كالحنطة. وهذا مثل، معناه متى حاربنا
قوم كانوا كذلك. قال مهلهل بن ربيعة:
كأنَّا غُدوةً وبنى أبينا ... بجنْبِ عُنيزة رحَيا مُديِرِ
وننقل جزم بمتى، ويكونوا جواب الجزاء، وطحينا خبر الكون وأصله مطحونا، فصرف عن مفعول
إلى فعيل:
(يكونُ ثِفالُها شَرقيَّ سَلْمى ... ولُهوتُها قُضَاعَة أَجمَعينا)
(الثفال): جلدة أو خرقة تجعل تحت الرحى، ليكون ما سقط من الطحين في الثفال. وهذا مثل
ضربه، أراد أن شرقي سلمى للحرب بمنزلة الثفال للرحى. قال زهير:
فتعرككمُ عركَ الرَّحى بثفِالها ... وتَلقَح كِشافاً ثم تُنْتَجْ فتُتْئمِ
و (اللهوة): القبضة من الطعام تلقيها في الرحى، وجمعها لهى. وهو مثل أيضا. أراد أن قضاعة
تطحنهم الحرب كما تطحن الرحى ما يلقى فيها من الطعام. ويروى: (يكون ثفالها شرقي نجد).
(1/391)

والثفال اسم يكون، وشرقي سلمى الخبر، واللهوة رفع بإضمار يكون، وقضاعة خبر الكون المضمر.
(وإِنَّ الضَّغن بعدَ الضِّغْنِ يبدُو ... عَليكَ ويُخْرج الدَّاءَ الدَّفينا)
(الضغن): الحقد. يقال: في قلبي عليه ضغن، وحقد، وتبل، وترة، ووغر، ووغم، وغمر، وحزاز،
وحزازة، ودمنة، وحسيفة، وحسيكة، وكتيفة، وذحل. قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤ حاولْن أن يقتتلنه ... بلا إحنةٍ بينَ النُّفوسِ ولا ذَحْلِ
وقال الآخر:
فتىً لا يبيت على دمنةٍ ... ولا يشرب الماءَ إلا بدمْ
وأنشدنا أبو العباس:
أخوك الذي لا تملك الحسَّ نفسُه ... وترفضُّ عند المُحْفِظات الكتائفُ
وأنشدنا أبو العباس أيضا:
إذا كانَ أولادُ الرِّجال حزازةً ... فأنت الحلالُ الحُلْو والباردُ العذْبُ
قوله (ويخرج الداء الدفين) معناه المستتر في القلب، والأصل في الدفين المدفون، فصرف عن
مفعول إلى فعيل.
والضغن اسم إن، ويبدو الخبر، ويروى: (يفشو).
(وَرِثْنا المجدَ قد علمَتْ مَعَدٌّ ... نُطاعِنُ دونَه حتّى يَبينا)
(1/392)

(المجد): الشرف والرفعة. وقوله (حتى يبينا) معناه حتى يظهر ويستبين. ورواه بعض الناس: (حتى
يُبينا) بضم الياء، وقال: يقال أبان الشيء، إذا ظهر وتبين. ويروى: (حتى نُبينا) بضم النون، أي
حتى نبين مجدنا وفضلنا. ويروى: (حتى يلينا): حتى ينقاد لنا.
ونطاعن موضعه نصب في التأويل على الحال. تقديره: ورثنا المجد مطاعنين دونه نحن. ويجوز
أن يكون خبرا مستأنفا والعلم معترض لا اسم له ولا خبر.
وقال أبو جعفر أحمد بن عبيد: الرواية (حتى يَبينا) بفتح الياء، أي ينقطع منهم ويصير إلينا.
(ونَحْنُ إذا عِمادُ الحَيِّ خرَّتْ ... عَلَى الأَحفاضِ نَمنَعُ ما يَلينا)
ويروى: (عن الأحفاض). قوله (عماد الحي)، معناه الخشب الذي تقوم به أخبيتهم ويوضع عليها
المتاع. و (الأحفاض): الإبل التي تحمل المتاع، واحدها حفض. والأحفاض هاهنا: المتاع بعينه.
ويقال عماد الحي العمد. يقول: إذا فزع كل قوم فتساقطت أخبيتهم وهموا بالهرب نمنع نحن من يلينا.
ويروى: (ما يلينا). وقال أبو جعفر: من روى (على الأحفاض) أراد: من عجلتهم قوضوا بيوتهم على
متاعهم ونزعوا أعمدة البيوت من الفزع. ومن روى: (عن الأحفاض) أراد بالأحفاض الإبل التي
تحمل المتاع. يقول: إذا أدركتهم الغارة فظفروا ألقوا المتاع عن الإبل. وقال أبو جعفر في قوله:
(نمنع من يلينا): معناه لا ندعهم يرحلون، بل نقاتل عنهم. قال: وهذا مثل قول جرير:
وإنْ شُلَّ رَيعانُ الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويْحَكم لا تنفِّروا
على رِسلكم إنكا سنعدى وراءكم ... فتمنعكم أرماحُنا أو سنعذر
وإن شُلَّ، الشَّلّ: الطرد. والريعان، ريعان كل شيء: أوله.
(1/393)

لا تنفروا إبلكم فأنا سنعدي خيلنا، أي نستحضرها في آثار العدو، أو سنعذر نصنع ما نعذر عليه.
ومثله قول الأخطل:
قوم إذا رِيعوا كأنَّ سَوامَهم ... على رُبَع وسط الدِّيار تعطَّفُ
الربع: الحوار الذي ينتج في النتاج الربعي، وهو أول النتاج. يقول: فإبلهم لا تطرد ولا تبرح، كأنها
قد عطفت على ولد فهي لا تبرحه. ومثله للأعشى:
نَعَمٌ تكون حِجارَه أرماحنا ... وإذا يُراعُ فإنه لن يُطردا
حجاره، حجار النعم وحجارُه: الذي يحجره ويمنعه. يقول: لأرماحنا تمنع إبلنا. يراع: يفزع.
ونحن رفع بما عاد من نمنع، وإذا وقت منصوب بنمنع.
(نُدافعُ عَنهمُ الأَعداءَ قِدْماً ... ونحمل عَنهمْ ما حمَّلونا)
ويروى:
نعمُّ أناسَنا ونَعِفّ عنهم ... ونَحمِلُ عنهمُ ما حمَّلونا
معناه نعمهم بالخير ونعف لا نسألهم شيئا. ومن روى: (ندافع) أراد ندافع عن من يلينا ونحمل ما
حمَّلونا من ديات أو دماء.
وقدما نصب بندافع، وما نصب بنحمل، وحملونا صلة ما، والهاء المضمرة تعود على ما.
(نُطاعِنُ ما تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا ... ونَضرِبُ بالسُّيوف إذا غُشِينا)
(1/394)

ويروى: (ما تراخى الصف عنا). وقوله (تراخى) معناه تباعد. يقال: تراخت داره، إذا بعدت.
ويقال: ما بيني وبينك متراخ، أي متباعد. وقوله (ونضرب بالسيوف إذا غشينا) معناه إذا دنا بعضنا
من بعض ونطعن إذا تباعدوا. وقال أبو جعفر: هذا مثل قول زهير:
يَطعنُهمْ ما ارتمَوْا إذا اطَّعَنُوا ... ضربَ حتَّى إذا ما ضاربوا اعتَنَقَا
أي يكون قريبا منهم، فإذا رموا طاعن، فإذا طاعنوا ضارب، وإذا ضاربوا اعتنق.
وما نصب بنطاعن، وتراخى الناس عنا صلة ما ولا عائد لما؛ لأنها في مذهب المصدر وأصلها
الجزاء.
(بسُمْرٍ من قَنا الخَطِّىِّ لُدْنٍ ... ذَوَابِلَ أو ببِيض يَعْتَلينا)
أراد: نطاعن بسمر من قنا الخطى. و (الخطى) منسوب إلى الخط، والخط مرفأ البحرين. قال
زهير:
وهل ينُبِتُ الخطِّىَّ إلاّ وشيجُه ... وتُغَرس إلاّ في منابتها النخلُ
يقول: لا ينبت القناة إلا القناة. و (الوشيج): القنا، واحدها وشيجة. والوشوج: دخول الشيء بعضه
في بعض. و (لدن): لينة. و (ذوابل): فيها بعض اليبس. يقول: لم تجف كل الجفوف فتنشق إذا طُعن
بها وتندق. قال الشاعر:
سائلْ بنا حُجر بن أمِّ قَطَامِ إذْ ... ظلَّت به السُّمْر الذوابلُ تلعبُ
أراد: تسرع فيه وتهلكه.
(1/395)

والباء صلة نطاعن، ولدن وذوابل نعتان للقنا، والبيض نسق على السمر، ويعتلينا صلة البيض.
ومعناه يعلون. والألف صلة الفتحة.
(نشُقُّ بها رُؤُوسَ القَومِ شَقًّا ... ونُخْلِيها الرِّقاب فيختَلينا)
نشق بها، معناه بالسيوف. و (نخليها الرقاب) معناه نجعل الرقاب لها كالخلي والخلى: الحشيش،
مقصور يكتب بالياء. قال الشاعر:
وبعضُ بيوت الشِّعر حُمْمٌ وبعضُها ... خَلىً لفّه في ظلمةِ الليل حاطبُه
(فيختلين) معناه يقطعن. يقال: اختليت الحشيش، أي قطعته. وقال أبو جعفر: معناه أن هذه السيوف
تقطع كل شيء تمر به.
والهاء والألف نصب بنخلي، والرقاب مفعول ثان، ويروى: (ويخلين الرقاب فيختلينا) فاسم ما لم
يسم فاعله مضمر في يخلين، والرقاب نصب بيخلين، ويقال هو خبر ما لم يسم فاعله.
(تَخالُ جماجِمَ الأَبطالِ فيها ... وسُوقاً بالأَماعِز يرتَمِينَا)
(الأبطال): الأشداء، يقال بطل الرجل يبطل بطولة، إذا كان بطلا. و (الأماعز): جمع أمعز،
والأمعز: مكان فيه حصى؛ وكذلك المعزاء. قال الشاعر:
خُدوداً جَفَت في السَّير حتَّى كأنما ... يُباشِرْن بالمَعْزاءِ مَسَّ الأرائكِ
ويرتمين معناه يسقطن.
والجماجم اسم تخال. وقوله (وسوقا) خبر تخال. والوسوق: جمع وسق؛ والوسق: الحمل.
(1/396)

والباء صلة وسوق.
(نحُزُّ رُءُوسهم في غَيرِ بِرٍّ ... فما يدرونَ ماذا يتَّقُونا)
قوله (في غير بر) معناه في غير بر منا بهم، ولا شفقة عليهم، فما يدرون كيف يردون عن أنفسهم.
و (في) من صلة نحز، وهي حال معناه نحز رءوسهم غير بارين.
وموضع ما رفع بذا، وذا بما، ويتقون صلة ذا، والهاء المضمرة تعود عليه، وتقديره: ما الذي
يتقونه. ويجوز أن يكون ماذا حرفا واحدا منصوبا. بيتقون، يريد بأي شيء يتقون. ويروى: (نجذ
رءوسهم) أي نقطعها. قال الله جل ذكره: (عَطاءً غيرَ مجذود) أراد غير مقطوع. ويقال: جذت الشيء
أجذه جدا، أي قطعته. قال الشاعر:
رضيتُ بها فارضَيْ كميعَكِ واسلمي ... فلو لم تخوني لم نجذَّ الحبائلا
ويقال جددت الشيء بالدال غير معجمة، أي قطعته. ويروى: (نجذ رءوسهم في غير شيء). وقال
أبو جعفر: قد دهشوا فما يدرون كيف يتقون ونحن نقتلهم كيف شئنا. قال: ويروى: (نحز رؤوسهم
في غير بر)، أي تسقط في بحر من الدماء، يريد لا تسقط في صحراء. وهذا مثل، أي صارت
الأرض كالبحر من الدم. ويروى (نجز رؤوسهم) بالجيم والزاي.
(كأَن سُيوفنا فِينا وفيهمْ ... مخَاريقٌ بأَيدِي لاعِبِينا)
معناه: كأن اختلاف سيوفنا فيما بيننا في كثرتها وسرعتها مخاريق بأيدي صبيان يلعبون. وواحد
المخاريق مخراق، وهو ثوب يفتل. وقال أبو جعفر: معناه من حذقنا وخفتنا بالضرب كأن سيوفنا
مخاريق بأيدي صبيان يلعبون.
(1/397)

والسيوف اسم كأن، ومخاريق خبر كأن، وفينا وفيهم معناهما الحال. ونوَّن مخاريق وهي لا تجري،
لأن كل مالا يجرى تجريه الشعراء في شعرهم ليستوي بالتنوين وزن البيت، إلا أفعل إذا صحبته
من، فإنه لا يحتمل لأحد إجراؤه في شعر ولا في كلام، كقولك: هو أعقل منك، لأن في أعقل معنى
إضافة. ألا ترى أنك تقول: هو أعقل من زيد فتجد معناه هو أعقل الرجلين، فلا يجوز فيه التنوين،
اذ كانوا لا يجمعون بين التنوين والإضافة. والباء صلة مخاريق.
(كأَنَّ ثِيابنا مِنّا ومِنهم ... خُضِبن بأُرجُوانٍ أو طُلِينا)
(الأرجوان): صبغ احمر. فشبه كثرة الدماء على الثياب بصبغ أحمر.
وخبر كأن ما عاد من خضبن، وطلينا نسق على خضبن.
(إِذَا ما عيَّ بالإِسناف حَيٌّ ... مِن الهَوْل المشبَّه أن يكونا)
(الإسناف): التقدم في الحرب. و (عي) من العي في الحرب لهولها. يقال: عييت بالأمر، وأعييت
في المشي. والأصل في عي عيي، فاستثقلوا الجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسكنوا
الياء الأولى وأدغموها في الثانية التي بعدها. و (المشبه) إذا اشتبه الأمر عليهم فلم يعلموا كيف
يتوجهون له.
وما صلة، واسم الكون مضمر فيه، ولا خبر للكون لأنه بمعنى الحدوث والوقوع. يريد أن يقع
ويحدث.
(نصَبْنا مِثْل رَهْوةَ ذاتَ حدٍّ ... محافظَةً وكُنّا السَّابقينا)
معناه إذا عي أهل الحرب بالحرب واشتبهت عليهم أمورهم فلم يتوجهوا لها نصبنا مثل رهوة.
و (رهوة): جبل. أي أتينا بكتيبة مثل رهوة. (ذات حد): كتيبة
(1/398)

ذات شوكة. محافظة لأحسابنا. ويروى:
(كنا المسنفينا)، معناه المتقدمين.
ونصبنا جواب إذا، وإذا نصب بنصبنا، ومثل نصب بنصبنا، ورهوة خفض بإضافة مثل إليها،
وانتصبت لأنها لا تجري، وذات حد نعت لمثل. معناه نصبنا كتيبة مثل رهوة ذات حد. ومحافظة
نصب على المصدر.
(بِفِتيانٍ يَرَوْنَ القَتلِ مَجْداً ... وشِيبٍ في الحروبِ مجرَّبينا)
(المجد): الحظ الوافر الكافي من الشرف والسودد.
(حُدَيَّا الناسِ كلِّهِمُ جميعاً ... مُقارَعةً بنيهِمْ عَنْ بَنينا)
قوله (حديا الناس) قال بعض أهل اللغة: حُدياك معناه أغلبك، كما يقال: فلان واحد الناس. وقال
آخرون: نحن أشراف الناس. يقال: أنا حدياك في الأمر، أي أنا أفوقك. والحديا: الغاية. والمقارعة:
المخاطرة. وقال أبو جعفر: حديا الناس معناه أحدو الناس، أسوقهم وأدعوهم كلهم، لا أحاشي منهم
أحدا، إلى المقارعة. وقال: حديا تصغير حدوى، كأنه قال: أحدو الناس كلهم بالمقارعة ولا أهاب أحدا
فأستثنيه. مقارعة: مراهنة، بنيهم. عن بنينا، أي أقارعهم على الشرف والشدة ولا أستثني أحدا. قال
أبو جعفر: ومثله قول المرار:
وما خاللتُ منهم من خليلٍ ... ولكنِّي حَدوتهمُ جميعا
وموضع حديا الناس رفع بإضمار نحن حديا الناس. ويجوز أن يكون منصوبا على المدح، يريد:
أذكر حديا الناس. ويجوز أن يكون مخفوضا على معنى الباء، يريد بفتيان بحديا الناس. ويجوز أن
يكون منصوبا على المصدر، يريد أحدو حديا الناس. وجميعا ومقارعة منصوبان على المصدر،
وبنيهم نصب بفعل مشتق، معناه نقارع بنيهم.
(1/399)

(فأَمَّا يَومَ خَشْيتِنا عَلَيهمْ ... فنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا)
ويروى: (فتصبح خيلنا عصبا ثبينا). قال أبو جعفر: فسر معنى المقارعة بهذا الكلام. (عليهم) معناه
على البنين والحرم. وقوله (فنصْبِحُ غارةً مُتلبِّبينا) معناه فنصبح متيقظين مستعدين. ويقال: أغرت
على العدو إغارة وغارة. وغار الرجل على أهله يغار غيرة. قال جرير:
مَن سَدَّ مُطَّلَعَ النِّفاق عليهم ... أم مَنْ يصول كصَولة الحجَّاجِ
أم من يغَار على النساءِ حفيظةً ... إذْ لا يثقْنَ بغَيْرة الأزواجِ
يقال: غار الرجل فهو غائر، إذا أتى الغور. وغار الماء يغور غورا، وغارت عينه غؤورا، وغار
الرجل أهله يغيرهم غيارا وغيرا، إذا مارهم، وهي الغيرة والميرة. وأغار الحبل إغارة، إذا أحكم
فتله. و (العصب): الجماعات. و (الثبون): المتفرقون، وواحدها ثبة. قال زهير:
وقد أغدو على ثُبَةٍ كرامٍ ... نَشَاوَي واجشدينَ لما نشاءُ
ويقال في جمع ثُبة ثُبات وثُبون. قال الله تعالى: (فانفِروا ثُبَاتٍ) وقال الشاعر:
فقد خربت قبورُهمُ فأمستْ ... قبورهمُ جميعاً أو ثُبِينا
واليوم نصب بنصبح، واسم نصبح مضمر فيه، وخبره غاؤة، ومتلببينا نعت لغارة.
(وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْ ... فنُصْبحُ في مجالسنا ثبينا)
معناه وأما يوم لا نخشى أن يغار علينا فنصبح في مجالسنا على هذه الصف. وقال بعض أهل اللغة:
أراد بقوله في البيت الأول متلبّبينا: لا بسين السلاح. ويروى:
(1/400)

وأَمَّا يومَ لا نَخْشى عليهمْ ... فنُصْبِحُ غارةً مُتلبِّينا
التفسير في إعرابه كالتفسير في البيت الأول.
(برأْسٍ مِن بني جُشَمَ بنِ بَكْرٍ ... ندُقُّ به السُّهولةَ والحُزونا)
(الرأس): السيد. والرأس هاهنا: الحي. ويقال: حي رأس، إذا كان مستغنيا أن يجلبه أحد، أي يعينه.
والسهولة: ما لأن من الأرض. و (الحزون): جمع حزن. والحزن: ما غلظ من الأرض. وقال أبو
جعفر: معناه ندق به كل صعب، لا نبقي شيئا ولا أحدا إلا أغرنا عليه. قال: والرأس هاهنا: جيش.
وأنشد للراعي:
يَقُدْن ولا يُقَدْنَ لكلِّ غيثٍ ... وفي رأسِ يَسِرْنَ وينتوينا
أي في جيش. والباء صلة فعل مضمر معناه نجيء برأس ونغير برأس، وندق خبر مستأنف.
ويجوز أن يكون نعتا للرأس في التأويل، والهاء تعود على الرأس.
(بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍ ... نكونُ لقَيْلكُمْ فيها قَطِينا)
(القيل) جمعه أقيال. والأقيال: وزراء الملوك في قول بعض أهل اللغة. وقال أبو عبيد: ملوك باليمن
دون الملك الأعظم، واحدهم قيل، يكون ملكا على قومه ومخلافه ومحجره. واحتج بالحديث الذي
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كتب لوائل بن حجر ولقومه: (من محمد رسول الله إلى
الأقيال العباهلة من أهل حضرموت). والأقيال قد مضى تفسيرهم. و (العباهلة): الذين أقروا على
ملكهم لا يزالون عنه. وكل شيء أهملته فكان مبهما لا يمنع مما يريد ولا يضرب على يديه فهو
معبهل. قال تأبط شرا:
مَتى تَبغنِي ما دمتَ حيّاً مسلّما ... تجدني مع المسترعِلِ المتَعبْهلِ
فالمسترعل: الذي يخرج في الرعيل، وهي الجماعة من الخيل وغيرها. والمتعبهل:
(1/401)

الذي لا يمنع من شيء. وقال الراجز يذكر الإبل أنها قد أرسلت على الماء ترده كيف شاءت:
عبَاهلٌ عَبْهَلَها الوُرّادُ و (القطين): الخدم. قال جرير:
هذا ابنُ عمي في دمشقَ خليفةً ... لو شئتُ ساقكمُ إلى قطينا
والقطين في غير هذا: سكان المنزل.
والباء صلة نكون، واسم الكون مضمر فيه، وخبره قطينا.
(بأَيِّ مَشِيّئةٍ عمْرَو بنَ هِندٍ ... تُطيعُ بنا الوُشاةَ وتَزْدرينا)
(المشيئة) من شئت. و (الوشاة): النمامون، واحدهم واش. و (تزدرينا) تستخف بنا. ويروى:
(وتزدهينا)، أي تستخفنا. ويروى في البيت الأول: (نكون لخلفكم فيها قطينا) لخلفكم: لنسلكم.
والخلف: من يجيء بعد. والخلف أيضا: الرديء. قال الله عز وجل: (فخلَفَ من بعدهم خَلْفٌ). وقال
لبيد:
ذهَب الذين يُعاشُ في أكنافهم ... وبقِيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
والخلف أيضا: الخطأ من الكلام؛ يقال: (سكت ألفا ونطق خلفا). ويقال: هو خلف صدق من أبيه،
وخلف سوء.
والباء صلة تطيع، وتزدرينا نسق على تطيع، وأي معناها الاستفهام.
(تهدَّدْنا وأَوْعِدْنا رُوَيداً ... مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا)
(1/402)

يقال: وعدت الرجل خيرا وشرا، وأوعدته كذلك. فإذا لم تذكر الخير قلت: وعدته، وإذا لم تذكر الشر
قلت: أوعدته. قال الله تبارك وتعالى: (النَّار وعدَها اللهُ الذين كَفَروا)، وقال عز وعلا: (وعَدَ الله الذين
آمنوا وعَملِوا الصَّالحاتِ منهم مغفرة). قال الشاعر:
وإنِّي وإنْ أوعدتْه أو وعدتُه ... لأخلف إيعادي وأنجز مَوْعدِي
وإذا دخلت الباء فهو من الإيعاد في الشر، كقولك: أوعدتك بالضرب والسب. وأنشد الفراء:
أوعدَني بالسجن والأداهم ... رِجلي ورجلي شَثْنةُ المناسمِ
و (المقتوون): الخدم، واحدهم مقتوي، وهو قول عمرو بن كلثوم:
متى كنَّا لأمِّك مَقْتوينا
والاسم منه القتو. قال: أنشدنا الأحمر:
إني امرؤ من بني فزارة لا ... أحسِنُ قَتْوَ الملوكِ والخبَبَا
قال أبو عبيد: وقال أبو عبيدة: قال رجل من بني الحرماز: هذا رجل مقتوين، ورجلان مقتوين،
ورجال مقتوين. كله سواء، وكذلك المؤنث، وهم الذين يعملون للناس بطعام بطونهم.
وتهددنا جزم على الأمر، ورويدا نصب على المصدر، وهو تصغير رود. أنشدنا أبو العباس:
تكادُ لا تثلم البطحاءَ وطأته ... كأنه ثملٌ يمشي على رُودِ
ويروى: (تهددنا وتوعدنا رويدا) بالرفع على معنى الخبر. وقال الفراء: الرواة والنحويون ينشدون
بيت عمرو (مَقتوينا) بفتح الميم كأنه نسب إلى مقتي،
(1/403)

وهو مفعل من القتو - والقتو: الخدمة خدمة الملوك خاصة والتذلل لهم - ثم أن الشاعر اضطر
إلى تخفيف الياء فقال مقتوين يريد مقتويين. فإذا
قالوا للواحد رجل مقتوى رجعلوا إلى التشديد، ففي هذا دلالة على أن الشاعر اضطر. ووجد التخفيف
في الكلام يأتي كثيرا في المشدد، مثل نيَّة ونِيَة، وطيَّة وطيَة، أشباه ذلك.
(فإِنَّ قَناتَنا يا عَمرُو أَعْيَتْ ... على الأَعداءِ قَبلكَ أن تَلِينا)
ويروى: (وإن قناتنا)، أي عودنا وأصلنا. وهذا مثل. يريد أن كل من نازعنا وأراد مغالبتنا خاب
وفزنا بالظفر به.
وموضع أن نصب على معنى بأن تلين، ولأن تلين.
(إِذَا عَضَّ الثِّقافُ بها اشمأَزَّتْ ... وولَّتْهُمْ عَشَوزَنَةً زَبونا)
(الثقاف): ما تقوم به الرماح، قال عبد الله بن مسعود رضي الله سبحانه عنه: (أعربوا القرآن فإنه
عربي، فإنه سيجيء قوم يثقفونه وليسوا بخياركم). فمعنى يثقفونه يقوّمون حروفه كما يثقف المثقف
الرمح. ومعنى الحديث أنهم يقومون ألفاظه ولا يعملون به. وقوله (اشمأزت) معناه نفرت.
و (عشوزنة): شديدة صلبة. و (زبون) تضرب برجليها وتدفع. ويقال زبنه بزبنه، أي دفعه. والزبانية
عند العرب: الأشداء؛ سموا زبانية لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم. قال الله تبارك وتعالى:
(سَنَدْعُ الزَّبانية). وقال الشاعر:
مَطاعيمُ في المَقْرَى مَطاعينُ في الوغَى ... زَبَانيَةٌ غُلْبٌ عظامٌ حلومُها
والعشوزنة نصب بولت، والزبون نعت العشوزنة.
(عَشَوزنةً إذا انقلبَتْ أَرنَّتْ ... تَدُقُّ قَفَا المثقِّف والجَبينا)
(1/404)

(إذا انقلبت) معناه إذا انقلبت أرنت في ثفافها، أي صوتت وشجت قفا من يثقفها، أي يقوّمها. وهذا
مثل ضربه. أي قناتنا لا تستقيم لمن أراد أن يقومها. ويروى: (مثقفة إذا غمزت أرنت). ويروى في
البيت الأول: (ولته عشوزنة) بالتوحيد؛ فمن جمع رد الهاء على الأعداء، ومن وحد ردها على واحد
الأعداء. انشد الفراء:
فإنْ تعهدي لامرئٍ لمَّة ... فإنَّ الحوادث أزرى بها
ذهب بالحوادث إلى معنى الحدثان. والعشوزنة الثانية مردودة على الأولى، والجبين نسق على القفا.
(فهل حُدِّثْتَ في جُشَمَ بنِ بكرٍ ... بنقْصٍ في خُطوب الأَوّلينا)
ويروى: (عن جشم). وإنما يخاطب عمرو بن هند. معناه هل حدثت أن أحدا اضطهدنا في قديم
الدهر. و (الخطوب): الأمور، واحدها خطب. قال الله عز وجل: (ما خَطْبُك)، معناه ما أمرك. ونقص
من النقصان.
وفي الأولى صلة حدثت، والثانية صلة نقص.
(وَرِثْنا مَجدَ عَلْقمةَ بنِ سَيفٍ ... أَباحَ لنا حُصون المَجْدِ دِينا)
ويروى: حصون الحرب دينا. (المجد): الشرف والرفعة. وعلقمة: رجل منهم. وقوله (أباح لنا
حصون الحرب) معناه إنه كان قاتل حتى غلب عليها ثم تركها مباحة لنا. و (دنيا) معناه خاضعا
ذليلا. ويروى: (أباح لنا حصون المجد حينا).
ودينا منصوب على الحال مما في أباح، وهو مجعول في موضع الحال.
(1/405)

(وَرِثْتُ مُهلهِلاً والخيرَ منهمْ ... زُهَيراً ذُخْرُ الذاخرينا)
مهلهل: رجل من بني تغلب، وكذلك زهير. ويروى: (والخير عنهم)، ويروى: (والخير منه).
والخير نسق على مهلهل، وزهير مترجم عن الخير، والذخر رفع بنعم. والمعنى: نعم ذخر الذاخرين
هو، فحذف هو لدلالة المعنى عليه.
(وعتَّاباً وكُلثوماً جميعاً ... بِهِمْ نِلنا تراثَ الأَكرمينا)
وكلثوم أبو عمرو الشاعر، وعتَّاب جده. و (التراث): الميراث. قال الله عز وجل (وتأكلون التُّراثَ
أكلاً لَمًّا) فمعناه تأكلون الميراث. وأصله الوراث لأنه فعال من ورثت، فأبدلوا من الواو تاء لقربها
منها في المخرج. ويروى: (بهم نلنا مساعي الأكرمينا).
وجميعا نصب على الحال، ومساعي منصوبة بنلنا، والأصل فيه مساعي الأكرمينا، فأسكن الياء في
النصب على لغة الذين يقولون: رأيت قاضيك وداعيك. قال الأعشى:
فتًى لو يُنادى الشَّمسَ ألقَتْ قِناعَها ... أو القمرَ الساري لألْقَى المقالدا
أراد: أو القمر الساري، فأسكن الياء. ومثله قول الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القَرِقْ ... أيديَ جَوارٍ يتعاطَينَ الوَرِقْ
(1/406)

معناه: كأن أيديهن، فأسكن الياء.
(وذا البرَةِ الذي حُدِّثتَ عَنْهُ ... به نُحْمَى ونَحمِي الملجَئينا)
ذا البرة: رجل من بني تغلب بن ربيعة. و (الملجئين): الذين قد التجئوا واحتاجوا إلى من ينصرهم.
وقال أبو جعفر: ذو البرة يقال له (برة القُنفذ) لقب بذلك لشعر كان على أنفه يلتوي كأنه برة،
مستديرا.
وذا البرة نسق على مهلهل، والباء صلة.
(ومِنّا قبلَه السَّاعِي كُلَيبٌ ... فأَيَُّ المجدِ إِلا قَد وَلينا)
كليب الملك الساعي، سعى في المجد. (ولينا) من الولاية، أي صار إلينا فصرنا ولاة عليه. وقال
هشام بن معاوية: أنشد الكسائي هذا البيت برفع أي بما عاد من الهاء المضمرة، أراد فأي المجد إلا قد
وليناه. قال: وإنما أضمر الهاء لما لم يصل إلى نصب أي بولينا، وشبهه بقولهم: ما عبد الله إلا
أضرب، معناه ما عبد الله إلا أضربه، ونصب عبد الله خطأ. والفراء يرفع أيا بما عاد من الهاء
المضمرة، ويحتج بأن أيا لها صدر الكلام، إذ كانت لا يسبقها العامل فيها، فصار الذي بعدها كالصلة،
وأضمرت الهاء فيه كما تضمر في الصلة. ولا يجيز الفراء ما عبد الله إلا أضرب، على إضمار
الهاء، لأن عبد الله لا يضمر له في خبره الهاء، اذ كان يكون قبله وبعده. ونصب عبد الله خطأ في
قول جماعة من النحويين، لأن إلا لا ينصب ما بعدها ما قبلها.
وقال هشام: روى بيت عمرو أبو عمرو والأصمعي بالنصب: (فأي المجد إلا قد ولينا) بنصب أي.
ولم يعرف هشام لروايتهما مذهبا.
قال أبو بكر: والصواب عندي رواية الكسائي، لأن الا أداة مانعة تمنع ما بعدها من نصب من قبلها.
(1/407)

والساعي رفع بمن، وكليب مترجم عن الساعي، وقبله صلة منا، لأنه إذا اجتمعت صفتان فإحداهما
صلة الرافعة.
(مَتَى نَعقِدْ قَرِينَتَنَا بحَبلٍ ... نَجُذَُِّ الحبل أو نَقِص القَرينا)
ويروى: (متى نعقد قريتنا بقوم نجز الحبل). ويروى: (تجذ الحبل) و (القرينة): التي تقرن إلى
غيرها. يقول: متى نقرن إلى غيرنا، أي متى نسابق قوما نسبقهم، ومتى قارنا قوما في حرب
صابرناهم حتى نقص من يقرن بنا، أي ندق عنقه. ومن قال (نجذ الحبل) جعله للمتكلم، ومن رواه
بالتاء جعله للقرينة.
ونعقد جزم بمتى، ونجذ جواب الجزاء وكسرت الذال لاجتماع الساكنين. ويروى (نجذُّ الحبل) بضم
الذال، وضمها على الاتباع لضمة الجيم. ويجز (نجذَّ الحبل) بفتح الذال بناء على التثنية. ومثله قول
الآخر:
فإنْ يقدر عليك أبو قُبيَسٍ ... تُمَطّ بك المعيشةُ في هوانِ
يجوز في (تمط) الضم والفتح والكسر على ما مضى من التفسير. ونقص نسق على نجد. والأصل
في نقص نوقص، فحذفت الواو لوقوعها بين كسرة وياء. قال أبو جعفر: الرواية (نجذ الحبل) بالنون،
وأنكر التاء، وقال: القرينة من غيرهم فلا معنى للتاء.
(ونُوجَدُ نحنُ أَمنعَهُمْ ذِماراً ... وأَوفاهُم إذا عَقَدُوا يمينا)
(الذمار): حريم الرجل وما يجب عليه أن يحميه. وقوله: (وأوفاهم إذا عقدوا يمينا)، معناه إذا عاهدوا
أوفوا بعهدهم ولم ينقضوه. وقال الحطيئة:
(1/408)

قومٌ إذا عَقَدوا عقْداً لجارِهم ... شَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبا
فمعنى قوله عقدوا عقداً لجارهم: عاهدوه. وقال الله عز وجل: (أوْفُوا بالعُقود) فمعناه بالعهود. وقال
أبو العباس: العناج: خيط يشد من عراقي الدلو إلى أسفلها. والكرب: الحبل الذي يشد على تلك
الثلاث العراقي. يقال أكربت الحبل على الدلو، إذا شددت عليها.
ونحن يرتفع لأنه توكيد لما في نوجد، وأمنعهم منصوب على خبر نوجد، وأوفاهم ينتصب بالنسق
على أمنعهم، وذمارا ويمينا منصوبان على التفسير. وقال أبو جعفر: الذمار: ما يذمر نفسه في
التقصير فيه ويحث عليه.
(ونَحنُ غَدَاةَ أُوقِدَ في خَزَازٍ ... رَفَدْنا فوق رِفْدِ الرَّافدِينا)
خزاز: مكان. يقول: أوقدت نار الحرب في خزاز. وقوله (رفدنا) معناه أعنا. (فوق رفد الرافدين):
فوق عون من أعان. أي أتينا بجيش فوق كل جيش. والرفد: العطية، وهو الاسم. والرفد، بفتح الهاء:
مصدر رفدته رفدا. قال الله عز وجل: (بئسَ الرِّفدُ المرفود)، فمعناه بئست العطية والحبوة.
ونحن رفع بما عاد من النون والألف في رفدنا. والغداة نصب على الوقت. ويروى: (ونحن غداة
أوقد في خزازي).
(ونحْنُ الحبِسُونَ بذِي أُراطَي ... تَسَفُّ الجِلَّةُّ الخُورُ الدَّرينا)
أراطي: مكان. والجلة: ذوات العظام من الإبل. والخور: الغزار الكثيرة الألبان. وتسف: تأكل.
والدرين: حشيش يابس. قال الشاعر:
(1/409)

إذا زُرتَ يوماً قبرَه حال دونَه ... من الأرض تُربٌ حائل ودِرينُ
فيقول: حبسنا في هذا المكان إذ لم يكن للإبل ما ترعى إلا الدرين.
وأراطي: مخفوض بإضافة ذي إليه، وترك إجراؤها لما فيه من علامة التأنيث. وقال أبو جعفر:
معناه أقمنا في الثغر وحبسنا ابلنا على الدرين. صبرا، حتى ظفرنا ولم يطمع فينا عدو.
(ونَحنُ الحاكمونَ إذا أُطِعنا ... ونحنُ العازِمُون إذا عُصِينا)
ونحن الحاكمون، معناه الذين الناس من كل ما لا ينبغي لهم الدخول فيه. اخبرنا أبو العباس عن ابن
الأعرابي قال: يقال قد أحكمت الرجل، إذا رددته عن رأيه. ويقال: احكم بعضهم عن بعض، أي اردد
بعضهم عن بعض. وقال: إنما سميت حكمة الفرس حكمة لأنها ترد من غربه، أي من حده. ويقال قد
حكم الرجل يحكم، إذا تناهى وعقل. وإنما قيل للقاضي حكم وحاكم لعقله وكمال أمره. وأنشدنا أبو
العباس عن ابن الأعرابي للمرقش:
يأتي الشبابُ الأقَوْرِينَ ولا ... تغبط أخاكَ أن يُقالَ حَكَمْ
معناه: لا تغبطه أن يطول عمره فإن الهرم كالموت. وقال حميد بن ثور:
لا تغبطْ أخاك أن يقال له ... أمسى فلانٌ لعمره حَكَما
إنْ سرَّه طولُ عمرِه فلقد ... أضحىَ على الوجه طُولُ ما سلما
ويقال: أحكمت الفرس فهو محكم، وحكمته فهو محكوم، إذا جعلت له
(1/410)

حكمة، وهي الحديدة المستديرة في اللجام على حنك الفرس. وقوله (العازمون إذا عصينا)،
معناه: إذا عزمنا على الأمر أنفذنا
عزيمتنا ولم نهب أحدا.
وإذا وقت منتصبة بالفعل.
(ونحنُ التَّارِكونَ لِمَا سَخِطْنا ... ونَحنُ الآخِذُونَ لِمَا رَضِينا)
ونحن التاركون لما سخطنا، معناه إذا كرهنا شيئا تركناه ولم يستطيع أحد إجبارنا عليه، وإذا رضينا
أخذناه ولم يحل بيننا ولبنه أحذ؛ لعزنا وارتفاع شأننا.
وما في معنى الذي، والهاء المضمرة تعود عليها، والتقدير للذي رضيناه.
(وكنَّا الأَيْمَنِينَ إذا التقَيْنا ... وكانَ الأَيسرِينَ بَنوُ أَبينا)
معناه: وكنا أصحاب اليمين وكان بنو أبينا أصحاب الشمال. قال الله تبارك وتعالى: (وأصحاب
الميَمَنَةِ ما أصحاب الميمَنة). قال المفسرون: أصحاب الميمنة: الذين يُعطَون كتبهم بأيمانهم،
وأصحاب المشأمة: الذين يُعطَون كتبهم بشمائلهم. وقال أبو العباس: أصحاب الميمنة: أصحاب التقدم،
وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخر. يقال: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي اجعلني في
المقدمين عندك، ولا تجعلني في المؤخرين. أنشدنا أبو العباس لابن الدمينة:
أبِيني ففي يمنَي يديك جعلتِني ... فأفرحَ أمْ صيَّرتِني في شِمالكِ
فمعناه: أأنا من المقدمين عندك أم من المؤخرين.
وبنو أبينا اسم كان، والأيسرين خبر كان. ويجوز في النحو: وكان الأيسرون بني أبينا، على أن
تجعل الأيسرين الاسم وبني أبينا الخبر. قال الفراء: إذا قلت كان
(1/411)

القائم أخوك، كان الوجه رفع الأخ ونصب القائم؛ لأن القائم ينتقل إذ كان فعلا محدثا ينقطع،
والأخوة لا تنقطع لأنها نسب متصل. قال:
وقد يجوز أن يقول: كان القائم أخاك، فتجعل القائم اسم كان والأخ خبر كان.
(فَصَالُوا صَولَةً فيمَنْ يَليِهمْ ... وصُلْنا صَولةً فيمن يَلينا)
فصالوا صولة، معناه: فحملوا حملة فيمن يليهم وحملنا فيمن يلينا. ويروى:
فصالوا صولة فيمن يليِهم ... وصُلْنا صولةً فيمن يلينا
والصول منصوب على المصدر. والصولة منصوبة على التفسير عن عدد المرات. والاصل في
قولهم: صال فلان عليَّ، أي ترفَّع عليّ. وأصل الصيال تخمط الفحل ووثوبه عليه.
(فأبوا بالنِّهابِ وبالسَّبايا ... وأُبْنا=بالمُلُوكِ مُصَفَّدنيا)
قوله (فآبوا) معناه فرجعوا. والأواب: الرجاع. قال عبيد:
وكل ذي غيبةٍ يئوبُ ... وغائبُ الموت لا يئوب
و (النهاب): الغنائم وما ينتهب. والصفاد والصفد: الغل. وجمع الصفد أصفاد. قال الله تعالى:
(مُقَرَّنينَ في الأصفاد)، فمعناه في الأغلال. وقال الشاعر:
ولقد علمتُ ليَغْلِبنَّ محمدٌ ... ولينَزِلنَّ بها إلى أصفادِ
وقال أبو جعفر: معنى البيت ظفرنا بهم فلم نلتفت إلى أسلابهم ولا أموالهم، وعمدنا إلى ملوكهم
فصفدناهم في الحديد. قال: وهذا أمدح وأشرف. وهو بمنزلة قول عنترة:
يُخبرْك مَن شهِد الوَقيعة أنَّني ... أغشَى الوغَى وأعفُّ عند المغنَمِ
أي لا أطلب المال، إنما أطلب الرجال.
ومصفدين نصب على الحال من الملوك.
(1/412)

(إِليكمْ يا بني بَكرٍ إِليكمْ ... أَلَمَّا تعِرفوا مِنَّا اليَقِينا)
قوله (إليكم يا بني بكر)، معناه ارجعوا. يقال: اذهب إليك. وقوله (ألما تعرفوا منَّا (اليقينا) معناه ألما
تعرفوا منا الجد في الحرب.
واليكم صلة لفعل مضمر، معناه: اذهبوا إليكم.
(أَلمَّا تعِرفوا مِنَّا ومِنْكمْ ... كَتائبَ يَطَّعِنَّ ويرْتَمينا)
(الكتائب): الجماعات، واحدتها كتيبة، وإنما سميت الكتيبة كتيبة لاجتماع بعضها إلى بعض. يقال:
قد تكتب القوم، إذا اجتمعوا. قال الشاعر:
أنبئتُ أن بني جديلة أوعَبُوا ... نُفَراء من سَلْمَى لنا وتكتَّبوا
أي تجمعوا. ويقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبا وكتابة ومكتبة. وإنما سمي الكاتب كاتبا لأنه يضم بعض
الحروف إلى بعض، من قولهم: كتبت القربة، إذا ضممت منها خرزا إلى خرز. قال ذو الرمة:
وفراءَ غَرْفيَّةٍ أثْأى خوارزَها ... مُشَلْشلٌ ضَيَّعتْه بينها الكُتَبُ
الوفراء: المزادة. والغرفية: المدبوغة بالغرف، وهو شجر. وأثأى: أفسد. والمشلشل: الماء. والكتب:
الخرز. يقال كتبت البغلة، إذا كتبت بين شفرتيها
(1/413)

بحلقة. قال الشاعر:
لا تأمننَّ فَزَارياً خَلوتَ به ... على قلوصِك واكتُبْها بأسيار
قوله (يطعن ويرتمينا) يطعن من السطعن، ويرتمين من الرمي بالنبل.
ويطعن صلة الكتائب والأصل فيه يطتعن فأبدلوا من التاء طاء وأدغموها في الطاء التي بعدها.
وقال أبو جعفر: معنى قوله في البيت الأول (ألما تعرفوا منا اليقينا): ألم تعرفونا فيما مضى وتعلموا
أنَّا نقتل من لقينا. وقال: معنى قوله (إليكم يا بني بكر إليكم): ارجعوا فلستم من رجالنا وأريحوا
أنفسكم.
(عَلَيْنا البَيْضُ واليَلَبُ اليَمَانِي ... وأَسيافٌ يُقَمْنَ ويَنْحنينا)
(اليلب): ترسة من جلود الإبل يعمل باليمن. وقال أبو عبيد: اليلب الدرق. قال: ويقال هي جلود
تلبس بمنزلة الدروع، الواحدة يلبة. وقال الأصمعي: اليلب: جلود يخرز بعضها إلى بعض تلبس على
الرءوس خاصة، وليست على الأجساد. وقال أبو عبيدة: هي جلود تعمل منها دروع، وليست بترسة.
قال الشاعر:
ترى الأبدنَ فيها مُسْبَغاتٍ ... على الأبطال واليلبَ الحصينا
وقال بعض أهل اللغة: جلود تلبس تحت الدروع. وقوله (يقمن وينحنينا) يريد ترفع وتوضع إذا
ضرب بها. ويروى: (يقمن وينحنينا) بفتح الياء وضم القاف. وقال بعضهم: هو أن يضرب بها حتى
تنحني ثم تقوم فيضرب بها أيضا. قال أبو جعفر: المعنى تنصب عند الضرب بها، فإذا ضربوا بها
انحنت. و (الأبدان): الدروع. قال الله عز ذكره: (فاليومَ نُنَجِّيكَ بَبدنك)، فمعناه نلقيك على نجوة من
الأرض بدرعك.
ويقمن صلة الأسياف، ومعنى يقمن ينتصبن.
(1/414)

(عَلينا كلُّ سابغةٍ دِلاص ... تَرى فوقَ النِّجادِ لها غُضُونا)
ويروى: (فوق النطاق). والنطاق: المنطقة. و (الدلاص): المحكمة، ويقال هي السهلة اللينة. وإلى
هذا كان يذهب أبو عبيد. و (النجاد): حمائل السيف. و (النطاق) هو ما شددت به وسطك.
و (الغضون): فضول الدرع تفضل من الرجل فيشمرها. وإنما يفعل هذا الراجل. وربما شدت بالعرى.
وقال أبو جعفر: قوله (ترى تحت النجاد لها غضونا) معناه تثنى الدرع، للينها وسهولتها تتثني على
النجاد. يصف أنها قديمة عتيقة، ليست بمحدثة فتكون منتصبة. وأنشد لعمرو بن معد يكرب:
ومن نسج داود موضونةٌ ... دِلاصٌ تَثَنَّى على الرَّاهشِ
وأنشد أبو عبيد للبيد، يذكر كتيبة أو درعا:
فَخمةٍ زفراءَ تُرتَى بالعُرَى ... قُردُمانيًّا وتَركَا كالبصَلْ
يعني الدروع، أن لها عرى في أوساطها، فيضم ذيلها إلى تلك العرى وتشد لتشمر عن لابسها. قال:
فذلك الشد هو الرتو. وهو معنى قول زهير:
ومفاضة كالنِّهي تنِسُجُه الصَّبا ... بيْضاءَ كَفَّتْ فضلَها بمهنَّدِ
يعني إنه علَّق الدرع بمعلاق في السيف. والتَّرك: البيض، واحدته تركة. والقردماني أصله فارسي،
وهو قسي تعمل وتوضع في الخزائن، ويقال لها بالفارسية:
(1/415)

(كردمانذ) معناه عمل وبقى.
والدلاص نعت للسابقة.
(إِذَا وُضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يَوْماً ... رأَيْتَ لَها جُلودَ القَوْمِ جُونا)
ويروى: (إذا وضعت على الأبطال يوما). و (الجون): السُّود. يقول: إذا وضعت الدروع عن
الأبطال يوما رأيت جلودهم سودا من صدأ الحديد. وقال أبو جعفر: معناه من طول لبسهم إياها
اتسخت جلودهم. ولم يرد أن درنها على الجلود.
والجلود منصوبة برأيت، والجون كذلك، والتأويل: ورأيت من أجلها جلود القوم. قال الله عز وجل:
(وإنه لحبِّ الخير لشديدٌ)، فمعناه من أجل حب المال لبخيل.
(كَأَنَّ مُتونَهنَّ مُتُونُ غُدْرٍ ... تُصَفِّقُها الرِّياح إذا جَرَينا)
كأن متونهن متون غدر، شبه فضول الدرع التي تشنج منها بمتون غدر. وقال أبو جعفر: إنما يصف
تدريج الدرع وحسن نسجها، فشبها بطرائق الماء إذا هبت عليه الريح. و (متونها): ظهورها.
ويروى: (إذا عرينا) فمعناه إذا أصابتهن الريح الباردة. والعرية عندهم: الريح الباردة، وكذلك القرة،
والحرجف والصرصر. والبليل: التي فيها برد وندى
وتصفقها الرياح صلة غدر، وأصله غدُر فسكنّت الدال تخفيفا. وهو كقولهم: كتاب كُتُب وكتْب.
ويروى: (كأن غضونهن)، أي تكسرهن.
(1/416)

(وتَحْمِلُنا غَداةَ الرَّوعِ جُرْدٌ ... عُرِفْنَ لنا نَقائِذَ وافتُلِينا)
(الأجرد) من الخيل: القصير الشعر الكريم. ويروى: (جرد مسومة نقائذ). فالمسومة: المعلمة
بالسيما، وهي العلامة، قال الله عز وجل: (بألف من الملائكة مسوَّمين)، فمعناه مُعلمين. وكذلك قوله
تعالى: (والخيلِ المسوَّمة)، ويجوز أن يكون معناها الحسنة، من قولهم: وجه فلان وسيم، أي حسن.
والأصل في مسوَّمة موسَّمة، لأنها من وسمت الشيء، إذا علَّمته، فنقلت الواو من موضع الفاء إلى
موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وما أيطبه. و (النقائذ): ما استنقذت من قوم آخرين. وواحد النقائذ
نقيذة. و (افتلين): فطمن عن أمهاتهن. ويقال: افتليت المهر عن أمه، إذا قطعته. ويقال: افتلين: نتجن
عندنا.
ومن رواه: (عرفن لنا) نصب نقائذ على الحال مما في عرفن. ومن رواه: (جرد مسومة) رفع نقائذ
على النعت لجرد.
(ورِثْنَاهُنَّ عَنْ آباءِ صِدْقٍ ... ونُورثُها إذا مِتْنَا بَنينَا)
قوله (ورثناهن) معناه ورثنا الخيل عن الآباء. ويجوز في الكلام ورثناها؛ لأنك تقول: الخيل
اشتريتها واشتريتهن.
(وَقَدْ عَلِمَ القَبَائلُ مِن مَعَدٍّ ... إِذا قُبَبٌ بأَبْطَحِها يُنِينَا)
ويروى: (وقد علم القبائل غير فخر). ومعنى البيت: وقد علم القبائل إذا ذربت القباب أنَّا سادة
العرب وأشرافهم. (غير فخر)، يريد ما نفخر به: لأن عزنا وشرفنا أعظم من أن نفخر به.
و (الأبطح): وادٍ فيه حصى. وقال أبو جعفر:
(1/417)

أراد أبطح مكة الذي يجتمع من كل وجه. وقال: المعنى
قد علم الناس كلهم أنا أشرافهم وساداتهم. ونصب (غير فخر) على مذهب المصدر، أراد قولا غير
فخر. والقبب رفع بما عاد من بنينا، والباء صلة قُبب.
(بأَنَّا العاصِمُونَ بكُلِّ كَحْلٍ ... وأَنّا الباذِلونَ لمُجْتدِينا)
(العاصمون): المانعون. يقال عصم الله سبحانه وتعالى فلانا، أي منعه من التعرض لما لا يحل له.
وقال الله جل ذكره: (لا عاصمَ اليومَ من أمر الله)، فمعناه: لا مانع. قال الشاعر:
وقلت عليكمْ مالكاً أن مالكاً ... سيعصِمكُم أن كان في الناس عاصمْ
معناه سيمنعكم. وقال الفراء: كحل: سنة شديدة، وهي أنثى تُجرى ولا تُجري والوجه إلا تجري.
وأنشد لسلامة بن جندل:
قومٌ إذا صرَّحتْ كحلٌ بيوتهمُ ... عزُّ الضَّعيف ومأوى كلِّ قُرضوبِ
و (المجتدي): الطالب، وهو الجادي أيضا. انشد أبو العباس عن ابن الأعرابي:
فما ذُمّ جاديهم ولا ساء رأيهم ... ولا كَشِفُوا أن أفزع الحيَّ خائفُ
كشفوا: جنبوا. والأكشف: الجبان في قول ابن الأعرابي؛ وفي قول غيره: الذي لا تُرس معه. وقال
الآخر:
إليه تلجأ الهَضّاءُ يوماً ... فليس بقائل هُجْراً لجادِي
أي لطالب. والهضاء: الجماعة من الناس. ويقال للعطية الجدوى. ويقال قد أجدى، إذا أعطى، فهو
مجد. والأصل في (أنَّا) أنَّنا فحذفن النون تخفيفا. وقال الفراء: أنَّا أجود من أنَّنا، وكلاهما جائز.
ورواه أبو جعفر:
(1/418)

بأنا العاصمون إذا أُطعْنا ... وأنَّا العازمون إذا عُصينا
وروى بعض الرواة:
وأنَّا التاركون لمَا سَخِطنا ... وأنَّا الآخذون لمَا رضينا
متصلا بهذا البيت المتقدم، أعني الذي آخره (لمجتدينا). وقد ذكرته أنا في غير هذا الموضع من
القصيدة.
(وأَنّا المانِعُونَ لما يَلِينَا ... إِذَا مَا البِيضُ فارقَت الجُفُونا)
معناه إذا ما السيوف سُلَّت من أغمادها. وما صلة، والبيض رفع بما عاد من فارقت.
(وأَنَّا المانِعُونَ إذا قَدَرْنَا ... وأنَّا المُهْلِكُونَ إذا أُتِينا)
معناه: نُنعم على من أسرنا بالتخلية، ونُهلك من أتانا يُغير علينا.
(وأَنَّا الشَّارِبُونَ الماءَ صَفْواً ... ويَشربْ غيرُنا كَدِراً وَطِينَا)
إنما ضرب الماء مثلا. يريد أَنَّا نغلب على الفاضل من كل شيء فنحوزه ولا يصل الناس إلا إلى ما
ننفيه ولا نريده، لعزنا وامتناع جانبنا.
وصفوا نصب على المصدر.
(أَلاَ سَائلْ بَنِي الطَّمَّاحِ عَنَّا ... ودُعْمِيًّا فكيفَ وَجَدْتُمونَا)
الطماح ودعمى: حيان من إياد. والمعنى: فقل لهم: كيف وجدتم ممارستنا؟ فأضمر القول لبيان معناه.
(1/419)

وموضع كيف نصب بوجدتمونا:
(نَزَلتم مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنّا ... فعَجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا)
قوله (نزلتم منزل الأضيافِ مِنَّا) معناه نزلتم بحيث نزل الأضياف فعجلنا القرى. وإنما هذا مثل.
أراد: عاجلناكم بالحرب ولم ننتظركم أن تشتمونا. ويقال: معناه عاجلناكم بالقتال قبل أن توقعوا بنا
فتكونوا سبباً لشتم الناس إيانا. وقال أبو جعفر: معناه نحن مستعدون، فلا يُطمع فينا، ولا يفجؤنا بغارة
أحد.
وموضع أن نصب على معنى لأن لا تشتمونا، فحذف الخافض واكتفى بأن من لا فأسقطها. قال الله
عز وجل: (رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم)، معناه لأن لا تميد. قال الشاعر:
رأينا ما يرى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عليها أن تُباعا
معناه: أن لا تباع. وقال الراعي:
أيَّامَ قومي والجماعةَ كالذي ... لزِمَ الرِّحالةَ أن تَميل مَمِيلا
معناه: أن لا تميل. وربما حذفوا أن واكتفوا منها بلا، كقول الشاعر:
واحفظْ لسانَك لا تقول فتُبتَلى ... إنّ البلاءَ موكَّل بالمنطقِ
معناه: لأن لا تقول. وربما حذوا أن ولا جميعا. قال أبو النجم:
أوصيكِ أن يحمدك الأقاربُ ... ويرجعَ المسكينُ وهو خائبٌ
أراد: أن لا يرجع المسكين وهو خائب.
(1/420)

وقال بعض النحويين: أراد كراهة أن تشتمونا، فحذف الكراهة وأقام أن مقامها، كما تقول: الشعر
زهير، تريد الشعر شعر زهير.
(قَرَيْنَاكُمْ فعجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيل الصُّبْحِ مِرداةً طَحُونا)
(مرداة): صخرة. شبه الكتيبة بها فقال: جعلنا قراكم إذ نزلتم بنا الحرب، ولقيناكم بكتيبة تطحنكم
طحن الرحى، والمرداة نصب بقرينا. والقرى يمد ويقصر. وروى بعض الرواة متصلا بهذا البيت:
(يَكُونُ ثِفَالُها شَرْقَّي نَجْدٍ ... ولُهْوتُهَا قُضاعةَ أَجمَعينَا)
(عَلَى آثَارنا بِيضٌ حِسَانٌ ... نُحاذِرُ أن تُقَسَّمُ أو تَهُونا)
معناه: لقيناكم ومن ورائنا النساء. وكذلك كان أهل الجاهلية يفعلون إذا حاربوا. ويروى: (نحاذر أن
تفارق أو تهونا)، أي تُسبى.
وموضع نحاذر رفع في اللفظ بالنون ونصب في التأويل على الحال مما في كرام من ذكر البيض،
أي محاذرين نحن تقسيمهن.
(ظَعَائنُ مِنْ بَني جُشَمَ بَنِ بَكْرٍ ... خَلَطْنَ بمِيسَمٍ حَسَباً ودِينا)
أصل (الظعينة) المرأة في الهودج، ثم قيل للمرأة وهي في بيتها ظعينة. والظعون: البعير تركبها
المرأة. و (الميسم): الحسن، وهو مفعل من وسمت، أصله موسم، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها
صارت ياء، كما قالت العرب ميثاق وأصله موثاق، لأنه مفعال من الوثائق؛ الدليل على هذا انهم
يقولون في جمعه مواثيق.
وظعائن ترتفع على الاتباع لبيض، وخلطن خبر مستأنف.
(1/421)

(أَخَذْنَ على بُعولِتِهنَّ عَهْداً ... إِذَا رقَوْا كتائبَ مُعْلِمِينا)
ويروى: (أخذن على بعولتهن نذرا). وقال أبو جعفر: معنى البيت: الواجب علينا أن نحميهن، فصار
كالعهد. وعهدهن: ما لهن في قلوبهم من المحبة، لا أنهن أخذن عليهم العهد، ويروى: (أخذن على
فوارسهن عهدا) و (المعلمون): الذين معهم الإظلام. وإنما قال (إذا لاقوا) وأخذن فعل ماض وإذ شبه
بالماضي إذ كنت تقول: أحسنت إليك إذا أحسنت إليَّ؛ لأن الفعل الماضي تأويله الاستقبال، فصحبته
إذا لتأويله. وتقديره يأخذن على بعولتهن عهدا إنما لاقوا. قال الله عز وجل: (وقالوا لإخوانهم إذا
ضَرَبوا في الأرض) فأتى بإذا لأن معناه يقولون لإخوانهم إذا ضربوا. وقال جل وعلا: (إلا الذين
تابوا منْ قَبل أن تقدروا) معناه إلا الذين يتوبون. وكذلك قوله تبارك وتعالى: (إلا من تابَ وآمن)،
معناه إلا من يتوب ويؤمن. قال الشاعر:
ما ذاقَ بوسَ معيشة ونعيمَها ... فيما مضى أحدٌ إذا لم يَعشَقِ
قال الفراء: معناه ما ذاقها أحد فيما مضى ولن يذوقها فيما يستقبل إذا لم يعشق. فلذلك أتى بإذا.
وأنشد الفراء:
فإني لآتيكمْ تشكُّرَ ما مضى ... من الأمر واستيجابَ ما كان في غدِ
معناه: واستيجاب ما يكون في غد.
(1/422)

(لَيَسْتلبُنَّ أَبداناً وَبِيضاً ... وَأَسْرَى في الحديدِ مُقَرَّنينا)
ويروى: (وأسرى في الحديد مقنعينا). (الأبدان): الدروع. قال الأعشى:
وبيضاءَ كالنِّهى موضونة ... لها قَونسٌ فوقَ جيب البَدَنْ
معناه جيب الدرع.
واللام في قوله (ليستلبن) جواب لأخذ العهد؛ لأنه يمين. وقال الفراء: قال المفضل: هذا البيت الذب
أوله (ليستلبن) ليس هو من هذه القصيدة. قال الفراء: فجواب أخذ العهد محذوف لبيان معناه. قال الله
تبارك وتعالى: (فإن استطعتَ أن تَبتغي نفقاً في الأرض أو سُلَّماً في السماء)، فجوابه معناه أن
استطعت فافعل، فحذف الجواب لبيان معناه. قال امرؤ القيس:
فلو أنَّها نفسٌ تَموتُ سوِيَّةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تَسَلقَطُ أنفُسا
أراد: فلو أنها نفس تموت سوية لانقضت وفنيت، فحذف الجواب لدلالة المعنى:
و (مقرنين): مغللين. و (مقنعين) معناه مستلئمين. والمستلئم: الذي عليه لأمته، وهي الدرع. قال
متمم بن نويرة:
ولا بكَهامٍ بَزَّه عن عدوّهِ ... إذا هو لاقَى حاسراً أو مقنَّعا
و (الحاسر): الذي لا سلاح ومغفر عليه. والكهام: الكال. والبز: السلاح. والمقنع: الذي عليه المغفر.
(1/423)

(إِذا مَا رُحْنَ يَمْشِينَ الهُوَيْنَى ... كمَا اضْطرَبتَ مُتُونُ الشَّاربينَا)
إذا ما رحن: إذا ما راح النساء يمشين الهويني، أي لا يعجلن في مشيهن. كما اضطربت متون
الشاربين، أي ينثنين في مشيهن ويتمايلن كما تفعل السكارى. وقال الآخر:
مشيَنَ كما اهتزَّتْ رماحٌ تسفَّهتْ ... أعاليَها مرُّ الرِّياحِ النَّواسمِ
الهوينى في موضع نصب، وسبيله أن يكتب بالياء لأنه يجرى مجرى متى.
(يَقُتْنَ جِيادَنا ويَقُلن لَسْتُمْ ... بُعولَتَنا إذا لمْ تَمنَعونا)
(الجياد): الخيل. وقوله (يقتن) من القون. قال الفراء: يقال قات أهله بقوتهم قياتة وقوتا، والقوت
الاسم. وأقات الشيء إقاتة، إذا اقتدر عليه. قال الله تعالى: (وكانَ الله على كلِّ شيء مُقِيتاً)، وقال
بعض المعمرين:
ثم بَعْدَ الممات ينشُرني مَن ... هُو على النَّشْر يا بنيَّ مُقِيتُ
أي مقتدر. وجاء في الحديث: (كفى للمري إثما أن يضيع من يقوت). ويروى (من يقيت) على ما
مضى من التفسير. ويقال: ما عنده قيتة ليلة وقيت ليلة، وبيتة ليلة وبيت ليلة.
وفي يقتن ضمير الظعائن، ويقتن جواب إذا، وما توكيد الكلام.
(إِذا لم نَحمِهنَّ فلا بقِينا ... لشَيءٍ بَعدهنَّ ولا حَيِينا)
ويروى:
إذا لم نحمهنَّ فلا تُركنا ... لشيءٍ بَعدهنَّ ولا بقينا
وقال أبو جعفر هذا البيت منحول. ورواه جماعة من الرواة غيره.
(1/424)

(وَمَا مَنَعَ الظَّعائِنَ مِثلُ ضَرْبٍ ... تَرَى مِنهُ السَّواعِد كالِقُلِينا)
القلين: جمع قلة، وهي خشبة يلعب بها الصبيان يديرونها ثم يضربون بها. ويقال في جمع القُلة
قُلات أيضا. قال الشاعر:
كأنّ نَزْوَ فراخ الهام وسْطهمُ ... نَزْوُ القُلات زَهاها قالُ قالينا
ومثل رفع بمنع، والكاف نصب بترى، والتقدير: ترى منها السواعد مثل القلين.
(إِذا مَا المَلْكُ سامَ الناسَ خَسفاً ... أَبَينا أن يُقِرَّ الخسْفَ فينا)
الملْك: الملِك. وفيه ثلاث لغات: ملِك، وملْك، ومليك. وقد يقول بعضهم: الملْك تخفيف الملك، بمنزلة
قولهم: قد هرْم الرجل بمعنى هرِم الرجل. قال الأعشى:
فقلتُ للمَلْك سرِّحْ مِنْهمُ مائةً ... رِسلاً من القول مخفوضاً وما رفَعا
وقال أبو النجم:
من مَشْيهِ في شَعَر يذيِّلُه ... تَمَشّىَ المَلْكِ عليه حُلَلُهْ
وقوله (سام الناس)، أي أولى الناس الخسف وأراده منهم. قال الله عز وجل: (يَسُومونكمْ سُوءَ
العَذاب)، فمعناه يُولُونكم ويريدونه منكم. وقال الشاعر:
نسومكمُ الرَّشادَ ونحن قومٌ ... لِتارِكِ ودِّنا في الحرب ذامُ
(1/425)

وقال آخر:
تداركنْ حَيًّا من نُميرِ بن عامرٍ ... أُسارَى تُسام الذُّلَّ قتلاً ومَحربا
و (الخسف): الظلم والنقصان. يقول: إذا حمل الملك الناس على الظلم أبينا أن نحتمل ذلك ونقرَّ به.
وموضع أن نصب بأبينا.
(أَلاَ لاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَينا ... فَنَجْهَلَ فوق جَهْل الجاهلِينا)
فنجهل فوق جهل الجاهلين، معناه فنهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله، فنسب الجهل إلى نفسه
وهو يريد الإهلاك والمعاقبة، ليزدوج اللفظان، فتكون الثانية على مثل لفظ الأولى وهي تخالفها في
المعنى؛ لأن ذلك أخف على اللسان وأخصر من اختلافهما. قال الله عز وجل: (فمن اعتدَى عليكم
فاعتدُوا عليه بمثل ما اعتَدَى عليكم)، معناه فعاقبوه على اعتدائه. والثاني ليس اعتداء في الحقيقة، بل
هو عدل، فسمى اعتداء للازدواج والتوفيق بين اللفظتين. قال الله تبارك وتعالى: (وجَزَاءُ سَيئة سَيئةٌ
مِثْلُها)، والسيئة الثانية ليست بسيئة في الحقيقة؛ لأن المجازي بمثل ما فعل به ليس بمسيء. وجاء في
الحديث: (فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا). فمعناه فان الله تعالى لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا من
مسألته وتزهدوا فيها، فالله جل ثناؤه لا يمل في الحقيقة، وإنما نسب المل إليه لازدواج اللفظين. وقال
بعضهم: أراد بقوله (فنجهل) فنجازيه، فسمى المجازاة على الجهل جهلا، كما قال الله تعالى: (إنَّ
المنافِقين يُخادعون اللهَ وهو خادعُهم)، يريد مجازيهم على مخادعتهم. وقرأ عبد الله
(1/426)

بن مسعود: (بَلْ عَجِبتُ ويَسخَرون) فمعناه: بل جازيتهم على عجبهم، لأن الله عز وجل أخبر عنهم في غير موضع
من القرآن الكريم أنهم عجبوا، فقال تعالى: (عَجبوا أن جاءَهم مُنذِرٌ منهم) وقال حاكياً عنهم: (إنَّ هذا
الشيءٌ عُجابٌ) فقال: (بَلْ عَجِبتَ) يريد بل جازيتهم على عجبهم. ولا يجوز أن يكون قول عمرو:
(فنجهل فوق جهل الجاهلينا) اعترافا منه بالجهل وتثبيتا منه إياه لنفسه؛ لأن الجهل لا يستحسنه أحد
ولا يرتضيه.
ونجهل منصوب بالفاء لأنها جواب الجحد. وألا افتتاح للكلام، ودخلت النون في يجهلن لتوكيد
المستقبل.
وهو البيت آخر القصيدة في رواية أكثر الناس. وروى بعض الرواة فيها بعد البيت الماضي ثلاثة
أبيات:
(لنا الدُّنيا وما أَمْسَى عَليْها ... ونَبْطِشُ حِينَ نَبْطِش قادِرينا)
(بُغاةً ظالِمينَ وما ظُلِمْنا ... ولكنّا سنَبدأُ ظاَلمينا)
(مَلأَْ البَرَّ حتَّى ضاقَ عنّا ... ونحنُ البحرَُ نملؤُه سفينا)
(1/427)

عرف أبو جعفر البيت الأخير ولم يعرف البيت الأخيرين اللذين قبله.
ويجوز في (البحر) الرفع والنصب؛ من رفعه رفعه بما عاد من الهاء ورفع نحن بما عاد من نملؤه.
ومن نصبه نصبه بنملأ، والتقدير: ونحن نملأ البحر سيفناً، والهاء مع البحر بمنزلة الشيء الواحد.
وسفينا مفعول ثان. قال الله تعالى: (إنَّا كلَّ شيء خَلَقْناهُ بقدر) فنصب كلا بالخلق. ويجوز رفعها بما
عاد من الهاء.
تمت هذه القصيدة
(1/428)

6 - قصيدة الحارث بن حِلّزة
(1/429)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال حارث بن حلّزة بن مكروه بن بديد بن عبد الله بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة
بن يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب ابن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن
نزار بن معد بن عدنان بن أدد.
وكان من حديثه أن عمرو بن هند لما ملك - وكان جبارا عظيم الشأن - جمع بكرا وتغلب فأصلح
بينهم وأخذ من الحيين رهنا، من كل حي مائة غلام، وكف بعضهم عن بعض، فكان أولئك الرهن
يكونون معه في مسيره، ويغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم، فهلك عامة التغلبيين وسلم
البكريون، فقالت تغلب لبكر ابن وائل: أعطونا ديات أبنائنا فإن ذلك لكم لازم. فأبت ذلك بكر،
فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم فقال عمرو لتغلب: بمن ترون بكرا تعصب أمرها اليوم؟ قالوا:
بمن عسى إلا برجب من أولاد ثعلبة. قال عمرو: أرى الأمر والله سينجلي عن أحمر أصلع، أصم
من بني يشكر. فجاءت بكر بالنعمان بن هرم، أحد بني ثعلبة ابن غنم، من بني يشكر، وجاءت تغلب
بعمرو بن كلثوم، فلما اجتمعوا عند الملك قال عمرو بن كلثوم للنعمان بن هرم: يا أصم، جاءت بك
أولاد ثعلبة تناضل عنهم وقد يفخرون عليك. قال النعمان: وعلى من أظلت السماء يفخرون. قال
عمرو بن كلثوم: والله أن لو لطمتك لطمة ما أخذوا لك بها! فقال: والله لو فعلت ما أفلت
(1/431)

بها قيس أير أبيك! فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر فقال: يا جارية أعطيه لحيا بلسان -
يقول الحيه - فقال له النعمان: أيها الملك، أعط ذلك أحب أهلك إليك. فقال عمرو بن هند: أيسرك
أني أبوك؟ قال: لا، ولكني وددت أنك أمي. فغضب عمرو بن هند غضبا شديدا حتى هم بالنعمان،
وقام الحارث بن حلزة - وهو أحد بني كنانة بن يشكر - فارتجل قصيدته ارتجالا وتوكأ على قوسه.
فزعموا إنه انتظم بها كفه وهو لا يشعر من الغضب.
وقال أبو عبيدة: كان عمرو بن هند شريرا، وكان يقال له مضرط الحجارة لشدته، وكان لا ينظر
إلى أحد به سوء، وكان الحارث بن حلزة أيضا بنشد من وراء الحجاب لأنه كان أسلع، أي أبرص.
فلما أنشد هذه القصيدة أدناه حتى خلص إليه.
وقال قطرب: حكى لنا أن الحلزة ضرب من البنات. قال: ولم يسمع فيه غير ذلك.
وأخبرنا أحمد بن محمد الأسدي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن النطاح قال: حدثنا أبو عبيدة قال: أجود
الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن عبد.
وقال أبو عبد الله: وقصيدة عمرو بن كلثوم التي عنى أبو عبيدة:
ألاَ هُبِّيّ بصَحنِكِ فصبَحينا
وقصيدة الحارث:
آذنَتْنا ببَينها أسماءُ
وقصيدة طرفة:
لخَولَة أطلالٌ بُبرقة ثَهمدِ
(1/432)

وقال التوزي: زعم الأصمعي أن الحارث قال وقصيدته وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين ومائة سنة،
وقال حين ارتجلها مقبلا على عمرو بن هند الملك:
(آذنَتْنا بِبَينِهَا أسْماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ)
قوله (آذنتنا) معناه أعلمتنا، قال الله عز وجل: (آذنْتُكم على سَواء) أراد أعلمتكم. وقال جل ذكره:
(فأذَنوا بحرب من الله ورسولهِ) أي فأعلموا. ويقول الرُجل للرجُل: لم توذني بكذا وكذا، يريد: لم
تعلمينه. (البين): الفراق. يقال: بان الرجل يبين بينا وبينونة. وقال زهير:
إنَّ الخليطَ أجدَّ البَينَ فانفرقا ... وعُلّق القلب من أسماء ما عَلِقا
والبين من الأضداد، يكون الفراق ويكون الوصال. قال الله عز وجل: (لقد تقطَّعَ بينكم) قرأ مجاهد
وغيره: (بينُكم) بالرفع، على معنى تقطَّع وصلكم. والبين، بكسر الباء: القطعة من الأرض قدر مد
البصر. قال تميم بنى مقبل:
بسَروِ حِميرَ أبوالُ البِغال به ... أنَّى تَسَدَّيتَِ وهناً ذلك البِينا
تسديت معناه علوت وركبت.
وقوله (رب ثاو يملُّ منه الثواء) معناه: رب مقيم يمل منه إقامته، ولكنَّا لا نمل ثواء هذا المرأة.
والثاوي: المقيم. والثواء: الإقامة. يقال ثوى الرجل، إذا أقام. قال الشاعر:
(1/433)

ثَوَى في مَلحد لابدَّ منه ... كفَى بالموت نَأياً واغترابا
قال أبو عبيدة: ثوى الرجل وأثوى، إذا أقام. قال الأعشى:
أثَوى وقصَّر ليلةً ليزوَّدا ... فمضَى وأخلفَ من قُتَيلة مَوِعدا
وقال غير أبي عبيدة: يقال ثوى الرجل ولا يقال أثوى. وكان هؤلاء يروون بيت الأعشى: (أثوى)
بفتح الثاء، على معنى الاستفهام.
و (أسماء) رفع بفعلها، والباء صلة الفعل، وثاو خفض برب، أصله ثاوي فاستثقلت الكسرة في الياء
فألقيت، وأسقطت الياء لسكونها وسكون التنوين، ويمل منه الثواء صلة ثاو. لو رددت يمل إلى الدائم
خفضته على النعت فقلت ثاو مملول منه. الثواء رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ومن صلة يمل.
(بَعد عَهْدٍ لهَا ببُرقَةِ شَمَّا ... ءَ فأَدنى ديارِها الخَلْصاءُ)
ويروى: (بعد عهد لنا). ومعنى البيت: آذنتنا ببينها بعد عهدنا بهذا الموضع. و (شماء): هضبة
معروفة. والهضبة: الجبل من الرمل. و (البرقة) والأبرق والبرقاء: رابية فيها رمل وطين، أو طين
وحجارة مختلطان. ثم أخبر أن له عهدا بهذه المرأة في الخلصاء أقرب من عهده بها في برقة شماء.
و (الخلصاء): أرض.
وبعد صلة آذنتنا، واللام والباء صلتان للعهد، وشماء مخفوضة بإضافة البرقة إليها، إلا أنها نصبت
لأنها لا تجرى بمدة التأنيث التي فيها. وأدنى رفع بالخلصاء، والخلصاء به.
و (الديار): جمع دار. والأصل في دار دور، وديار في الجمع بمنزلة قولك عبد وعباد، وبحر
وبحار. ويقال في جمع الدار أيضا أدؤر ودور. والأصل في أدؤر
(1/434)

أدور، فلما انضمت الواو همزت.
(فمُحَيَّاةُ فالصِّفاحُ فأَعلَى ... ذي فِتَاقٍ فعاذبٌ فالوَفَاءُ)
فمحياة: أرض. والصفاح: أسماء هضاب مجتمعة. وواحد الصفاح صفحة. وفتاق: جبل. ويروى:
(فأعناق فتاق). وعاذب: واد. والوفاء: أرض. أخبر بقرب عهده بهذه المواضع وبهذه المرأة فيها.
ومحياة وما بعدها من أسماء المواضع ترتفع بالنسق على الخلصاء.
(فرِياضُ القَطا فأَودِية الشُّر ... بُبِ فالشُّعبتانِ فالأَبلاءُ)
رياض القطا: رياض بعينها بكثر فيها استنقاع الماء ودوامه، تعشب فتألفها الطير لذلك. لا يقال في
الشجر روضة، إنما الروضة في النبت، والحديقة في الشجر. قال أبو عبيدة: الترعة: الروضة تكون
على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان المطمئن فهي روضة. قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إن منبري على ترعة من تُرع الجنة)، أراد على روضة. وقال أبو عمرو الشيباني: الترعة:
الدرجة. وقال غيره: الترعة: الباب. وقال أبو زياد الكلابي: أحسن ما تكون الروضة على المكان
الذي فيه غلظ وارتفاع. ألا تسمع قول الأعشى:
ما روضةٌ من رياض الحَزْن مُعْشبة ... خضراءُ جادَ عليها مُسبِلٌ هَطِلُ
قال: والحزن: ما بين زُبالة فما فوق ذلك مصعدا في بلاد نجد، وفيه ارتفاع وغلظ. والأصل في
رياض رواض، فصارت الوا ألفا لتحركها وانكسار ما قبلها. و (الشربُب): جبل. ويروى: (الشرْبَب)،
بفتح الباء الأولى. وقال
(1/435)

الأصمعي: إنما أراد بوادي الشُّربب، فاضطره الشعر إلى الجمع. وقال غيره:
العرب توقع الجمع على الواحد؛ من ذلك قول الله تعالى: (فنادَته الملائكة)، أراد: فناداه جبريل عليه
السلام وحده. وقوله: (فالشعبتان) هي أكمة لها قرنان ناتئان. والأكمة جبل من الرمل. (الأبلاء): اسم
بئر. خبر إنه قد كان يعهد من يواصله في هذه المواضع كلها، ثم تحملوا عنها وخلَّفوها خاوية.
والرياض وما بعدها من أسماء المواضع نسق على الخلصاء.
(لا أَرَى مَنْ عَهِدتُ فيها فأَبكِي ال ... يومَ دَلْها وما يردُّ البُكاءُ)
يقول: لا أرى من عهدت من أحبابي في هذه المنازل، فأنا اليوم أبكي شوقا إليهم، أني حيث رأيت
آثارهم تذكرت ما كنت فيه منهم، فهاج ذلك لي البكاء. وقوله (دلها) معناه باطلا وضياعا. أي بكائي
يذهب ضياعا، إذ كنت لا أستدرك به شيئا. يقال: رجل مدله العقل، إذا كان ذاهب العقل. ويروى:
لا يُرى من عهدت فيها فأبكى ... أهلَ ودِّي ......
وقوله (وما يرد البكاء) معناه ما يردهم عليّ ولا يغنى شيئا، غير أني أبكي لتذكرهم، وأشفى بعض
ما بي من الحزن على فراقهم. ويروى: (وما يحير البكاء) أي وما يرد. قال الله تعالى. (إنَّه ظنَّ أن
لن يَحُورَ بَلَى) أراد: أن يرجع. قال الشاعر:
إن كنتِ عاذلتي فسيرِي ... نحوَ العراقِ ولا تَحُوري
ومن نصب بأرى، وعهدت صلة من، والهاء المضمرة تعود على من، كأنه
(1/436)

قال: من عهدته فيها. ودلها نصب على المصدر، وما نصب بيرد ومعناها الاستفهام كأنه قال: وأي شيء يرد البكاء.
ويجوز أن تكون في موضع رفع بما عاد من الهاء المضمرة، كأنه قال: وأي شيء يرده البكاء.
والبكاء رفع بفعله.
(وبَعينَيكَ أَوْقَدَتْ هِندٌ النَّا ... رَ أَخيراً تُلْوِى بها العَلْياءُ)
قوله (وبعينيك) معناه وبرأي عينيك أوقدت هند النار. وهند ممن كان يواصل. أخبر إنه رأى نارها
عند آخر عهده بها؛ لقوله (أخيراً). وقوله (تلوى بها العلياء) معناه ترفعها وتضيئها له. و (العلياء):
المكان المرتفع من الأرض. وإنما يريد العالية، وهي الحجاز وما يلية من بلاد قيس. أنشدنا أبو
العباس:
يا دارَ ميَّةَ بالعَلياء فالسَّنَدِ ... أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبَدِ
ويقال: هو من عُليا معد، بضم العين مع القصر، ومن عَلياء معد بفتح العين مع المد. فأراد أن
العلياء تضيء النار كما يلوى بالرجل بثوبه إذا رفعه يلوح به للقوم إذا بشرهم من بعيد. وكذلك يقال:
ألوت الناقة بذنبها، إذا رفعته.
وهند ترتفع بأوقدت أيضا. وأخيرا نصب على الوقت أراد وقتا آخرا. وتلوى موضعه رفع في اللفظ
بالتاء وفي الحقيقة نصب، والعلياء ترتفع بتلوى، والباء صلة تلوى.
(أَوقدَتْها بين العَقيقِ فشَخْصَيْ ... نِ بعُودٍ كما يَلُوحُ الضِّياءُ)
(1/437)

ويروى:
بين العقيق فشَخصٍ ... ذي قِضِينٍ كما يلوحُ الضّياءُ
قوله (أوقدتها بين العقيق)، معناه رأى النار بالعلياء ولم يدر أين موضعها من العلياء، حتى تأملها
فعلم أين هي من العلياء فقال بين العقيق - و (العقيق): مكان - وبين شخصين - وشخصان: أكمة
لها شعبتان - فعلم أن موقد النار كان بالعلياء بين العقيق وشخصين. وقوله (بعود) أراد الذي يُتبخر
به، وهو الألنجوج واليلنجوج، والألوة. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال في صفة أهل
الجنة: (مجامرهم الألوة). وقال أبو دهبل:
تَجعل النَّدَّ والألوَّةَ والمِسْ ... كَ صِلاءً لها على الكانونِ
ولعل هذه المرأة التي ذكر لم تر عودا قط، ولكن الشعراء قالوا في ذلك فأكثروا. وما جعلوها كذلك
إلا لحبهم موقدي النار.
ثم قال: (كما يلوح الضياء)، أي كما يظهر الضياء. والضياء: الضوء. وضياء الفجر من هذا. ضياء
السراج وضياء النهار واحد.
والقضين: جمع قضة، وهي شجرة. ويقال: هذه قضون فاعلم، ورأيت قضين، فتفتح النون لأنها
مشبهة بنون الجمع. ومنهم من يقول هذه قضين ورأيت قضينا ونظرت إلى قضين، فتعرب النون
لأنها بمنزلة ما هو من الاسم.
ويروى: (أوقدتها بين العقيق وذي السدر). وذو السدر: موضع.
وفاعل أوقدت مضمر فيه من ذكر هند، والهاء والألف تعودان على النار، وهي والباء صلتان
لأوقدت، وشخصين نسق على العقيق، والكاف نصب به أيضا،
(1/438)

وما خفض بالكاف، ويلوح الضياء صلتها، ولا عائد لها لأنها في معنى المصدر
(فتنوَّرْتُ نارَها مِن بَعيد ... بخَزَازٍ هيهاتٍ مِنْكَ الصِّلاءُ)
قوله (تنورت نارها) معناه نظرت لي سناها في الليل. والتنور: نظرك إلى النار وتأملك أين هي؟
قريبة أم بعيدة. ثم قال (بخزاز). وخزاز: جبل بين العقيق وشخصين كما وصف. ثم إنه أطمع نفسه
في اصطلائها فظن إنها قريب، فلما علم إنها بعيدة قال: هيهات منك الصلاء، أي ما أبعده منك.
ويقال: قد تنور فلان النار، إذا نظر إليها. قال الشاعر:
وأجَّجْنا بكل يَفَاعِ أرضٍ ... وَقودَ النار للمتنوّرينا
ويقال: قد أنار القمر الموضع ونوره، إذا صار الموضع نيرا به. قال الأعشى يمدح بشر بن معد
يكرب الكندي:
لو كنتُ مِن شيءٍ سوى بشرٍ ... كنت المنوِّرَ ليلةَ البدرِ
ومعنى هيهات البعد. قال الله عز وجل: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِمَا تُوعَدون) معناه: بعيد ما توعدون. قال
الشاعر:
تَرى أمرَ بكر ثم أنت تلومُني ... على خَلَّةٍ هيهاتَ منك قريبُها
فمعناه: بعيد. ويقال: هيهاتٍ هيهاتٍ بكسر التاء فيهما مع التنوين. ويقال: هيهاتاً هيهاتاً بنصبهما مع
التنوين. قال الأحوص:
(1/439)

تَذكَّرُ أياماً مضَين من الصّبا ... وهيهات هَيهاتاً إليك رجوعُها
ويقال: أيهاتَ أيهاتَ. وانشد الفراء:
فأيهات أيهاتَ العقيقُ ومَن بهِ ... وأيهاتُ وَصْلٌ بالعقيق تُواصلُه
ويقال: هيهاتُ بالرفع بغير تنوين، وهيهاتٌ بالرفع مع التنوين.
و (الصلاء): النار بكسر الصاد فيمد. والصَّلا بالفتح مقصور. قال الشاعر:
وباشَرَ راعيها الصَّلاَ بلَبانِهِ ... وكَفَّيهِ حَرَّ النار ما يتحرّفُ
ومن والباء صلتان لتنورت، والصلاء رفع بهيهات، والنار نصب يتنورت.
(غَيْرَ أَنِّي قَدْ أَستعِينُ على الهَ ... مِّ إذا خَفَّ بالثَّوِىِّ النَّجاءُ)
غير اني، معناه إلا أني، فلما وضعت غير في موضع إلا نصب على الاستثناء وفتحت الراء
لاجتماع الساكنين؛ وذلك إنه ترك ما كان فيه من ذكر الصبا ثم أنشأ شيئا صار فيه وقال: (إذا خف
بالثوى النجاء)، وهو المقيم. و (النجاء): الانطلاق والانكماش، والغالب عليه المد وربما قصر في
الشعر، فإذا كرر فقيل النَّجا النَّجا، جاز فيه المد والقصر. و (خف) معناه مضى وذهب. والنَّجا
مقصور: ما ألقيته عن الرجل من حلة أو لباس. يقال: أنجو عنه كذا وكذا، إذا ألقيته. قال الشاعر:
(1/440)

فقلتُ انجُوَا عنها نجا الجِلْد إنَّه ... سيرضيكما منها سَنَامٌ وغاربُه
(بزَفُوفِ كأَنّها هِقْلةٌ أُ ... مُّ رِئالٍ دَوِّيّةٌ سَقْفاءُ)
زفزف: نافة مسرعة خفيفة، تزف زفيفا. والزفيف: عدو النعام إذا أسرع والدَّفيف؛ طيران الطائر إذا
أسرع في الحال التي يكون فيها قريبا من الأرض. فالزفيف للنعام، والدفيف للطير. يقال: زف
الرجل يزف زفيفا، إذا أسرع قال الله تعالى: (فأقْبَلوا إليه يَزِفُّونَ). وقرأ بعض القراء بالتخفيف:
(يَزِفُونَ) وإنما وصف الناقة بصفة النعامة لأنها شبهت بها. والهقلة نعامة، والذكر هقل. قال الأعشى:
فإذا أطاف لُغامُه بسَديسِهِ ... ثَنَّى ورادَ لحاجة وتزيَّدا
شبَّهتَه هِقْلاً يُبارِي هِقلةً ... رَبْداءَ في خَيط نَقانِقَ أربَداَ
النقانق: جمع نقنق، الذكر منها، والأنثى نقنقة. واللغام: الزبد والسديس: ناب من أنيابه. والمربد:
الذي يضرب إلى السواد. والخيط: القطعة من النعام. وفيه خَيط وخيط، بالفتح والكسر. والخيْط من
الخُيُوط،
(1/441)

ولا يجوز الا بالفتح. و (الرئال): فراخ النعام، واحدها رأل، وثلاثة أرؤل، فاذا كثرت فهي
رئال ورئلان. و (دوية) منسوبة إلى الدو. والدو: الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. و (سقفاء):
نعامة في رجلها انحناء. ويقال للرجل أسقف، وللمرأة سقفاء، إذا كان فيهما انحناء.
والهاء اسم كأن، وهقلة خبر كأن. وأم رئال، ودوية، وسقفاء، نعوت لهقلة.
(آنستْ نَبْأَةً وأَفْزعَهَا القَ ... نَّاصُ عَصْراً وقَددنا الإِمساءُ)
معناه: آنست هذه النعامة نبأة. و (النبأة): الصوت الخفي لا يدري من أين هو. و (آنست) هنا:
أحسست. والإيناس: النظر وإبصارك الشيء. ويقال؛ آنست الشيء، إذا وجدته. قال الله عز وجل:
(آنَسَ مِنْ جانب الطور ناراً)، أراد: وجد. وقال الأنصاري:
فعِفْتَ المدينَةَ إذْ جئتَها ... وآنسْت للأُسدِ فيها زئيرا
وقوله (وأفزعها القناص) يعنى الصياد. والقنص: الصيد. يقول: فلما رأتهم طارت على وجهها
فزعا. و (عصرا) معناه عشيا. وإنما سميت العصر في الصلاة عصرا لأنها في آخر النهار. والعصر
في غير هذا: الدهر. وفيه لغتان: عُصُرٌ وعصْر. وقال امرؤ القيس:
إلا انعَمْ صباحاً أيها الطَّللُ البالي ... وهل ينعَمَنْ مَن كان في العُصُر الخالي
ويقال في جمعه أعصر، وعصور. قال الشاعر:
(1/442)

تذكَّرتُ ليلى والشَّبيبة أعصُرا ... وذكرُ الصّبا بَرْحٌ على من تذكَّرا
وفاعل آنست مضمر فيه من ذكر النعامة، والنبأة منصوبة به، وعصرا منصوب على الوقت، والواو
في وقد واو الحال. والإمساء رفع بدنا، وهو مصدر أمسى.
(فَتَرى خَلْفَها مِن الرَّجْعِ والوقْ ... عِ مَنِيناً كأَنّه إهباءُ)
والمعنى: فترى خلف الناقة من الرجع، أي من رجع قوائمها. و (المنين): الغبار الدقيق الذي تثيره
بقوائمها. وكل ضعيف منين، فعيل بمعنى مفعول. والممنون: الذي ذهبت منته. والمنة: القوة؛ ولذلك
قيل للحبل الخلق منين. قال الله عز وجل: (فلهمْ أجرٌ غَير مَمْنون)، أراد: غير مقطوع ولا ضعيف.
ويقال معناه غير محسوب. وقال آخرون: لا يمن الله سبحانه وتعالى عليهم به. ويقال: فلان قدمنه
السير، أي أضعفه. و (الإهباء): إثارتها الهباء. والهباء: الغبار الذي كأنه دخان. وإذا دخلت الشمس
في الكوة فالذي تراه كأنه غبار من السماء يتناثر هو الهباء. قال الله تبارك وتعالى: (وقَدِمْنا إلى ما
عَمِلوا مْن عَمَلٍ فجعلنْاه هَبَاءً مَنْثوراً). والمنثور: المنتشر المتفرق. والهبوة: الغبرة. قال الشاعر:
وزُرق كسَتْهنّ الأسنة هَبوةً ... أرقّ من الماء الزُّلال كليلُها
الزرق: نصال الأسنة. والأسنة أراد بها المسان التي يحد بها النصال، الواحد مسن. وقوله: كستهن
هبوة، أراد أن النصال جلتها المسان حتى اشتد جلاؤها، فكانت كأن عليها غبرة من شدة الصفاء؛
وهو مثل الظلم في الأسنان، وهو ماؤها، وذلك إذا نظرت إليها خيل إليك أن فيها غبرة من شدة
صفائها وبياضها.
(1/443)

والرماد الهابي هو الأسود الذي يعلوه بياض وهبوة.
ومن رواه (كأنه أهباء) بفتح الهمزة قال: الأهباء جمع الهباء. يقال: ثار أهباء، أي غبرة في إثر
غبرة. ويقال: أهبي الظليم يهبي إهباء، إذا غبر. والإهباء بالكسر في هذا البيت أصح في قول
الأصمعي، على معنى المصدر.
والمنين نصب بترى، والهاء اسم كأن، والاهباء خبرها.
(وطِرَاقاً مِنْ خَلفِهنَّ طِراقٌ ... ساقطاتٌ تُلْوِى بها الصَّحراءُ)
ويروى: (أودت بها الصحراء)، ويروى: (تودى بها الصحراء). الطراق: مطاوقة نعال الإبل. وقوله
(من خلفهن طراق)، يريد: طورقت مرة بعد مرة. وقد قيل: الطراق: الغبار هاهنا. و (ساقطات): قد
سقطت من أرجلها. فالطراق تؤدى بها الصحراء، أي تبلى هذه النعال فتسقط. ويقال أطرقت النعل،
إذا ضربت واحدة بأخرى، إطراقا، وطارقت. وقد يجوز ذلك في كل شيئين أحدهما على الاخر.
ونصب طراقا لأنه نسق على المنين، كأنه قال: وترى طراقا. والطراق الثاني رفع بمن، وساقطات
نعت لطراق، لأنه وان كان لفظه لفظ الواحد فمعناه بمعنى الجمع. والصحراء رفع بتلوى، والباء
صلة.
(أَتَلَهَّى بها الهَوَاجِرَ إِذْ كُ ... لُّ ابنِ هَمٍّ بَلِيَّةٌ عَمياءُ)
أتلهى بها، معناه بالناقة، أي أركبها وأتعلل بوطئها وسرعتها وحسن ذهابها ونشاطها في شدة الحر،
فلا أجد، مع ما أنا فيه، شدة من الحر عليّ. و (الهواجر). انتصاف النهار، واحدتها هاجرة. قال أبو
العباس: إنما سميت الهاجرة هاجرة لبعدها من
(1/444)

وقت البرد وطيب الهواء، أخذت من قولهم: قد هجرت
الرجل، إذا بعدت منه. وقوله (إذ كل ابن هم)، معناه: كل ذي هم وكب من نزل به الهم. يقال هذا ابنُ
هم وأخو همّ، إذا لحقه ذلك. قال المجنون:
لقد عشتُ من ليلى زماناً أحبُّها ... أخا الموت إذ بعضُ المحبين يكذِبُ
معناه أجد هما يكسب الموت. وقال ابن الطثرية:
حلفتُ لها أن قد وُجِدت من الهوى ... أخا الموت لا بِدعاً ولا متآسيا
يقول: إذا كان صاحب الهم لا يدري كيف يتوجه من عيه بالأمور فأراد أن ينجو، ليلا كان أو نهارا،
لا أعيا أنا بأمري.
وشبهه بالبلية. والبلية: ناقة الرجل إذا مات عقلت عند رأسه، أي عند القبر مما يلي الرأس، وعكس
رأسها بذنبها، فتترك لا تأكل ولا تشرب حتى تموت، فهي عمياء لا تتجه. وقال بعضهم: كانوا في
الجاهلية يعقلون ناقة الرجل عند رأسه ويقولون: إذا قام من قبره للبعث ركبها.
وموضع (أتلهى) رفع بالألف، والباء صلة أتلهى وهي منصوبة، والهواجر نصب بأتلهى، وكل رفع
بالبلية، والبلية مرتفعة به، والعمياء نعت البلية، وإذ وقت ماض، وهي من صلة أتلهى منتصبة به.
(وأَتانَا عن الأَراقم أَنبا ... ءٌ وخَطْبٌ نُعنَى به ونُسَاءُ)
قوله (أنباء) معناه أخبار. قال الله عز وجل: (عن النَّبأ العظيم)، وهو القرآن. و (الخطب): الأمر،
قال الله تبارك وتعالى: (ما خَطْبُكَ يا سامرِيُّ)، أراد:
(1/445)

ما أمرك. قال الشاعر:
آذنت جارتي بِوَشْك رحيل ... بَكَراً جاهَرَتْ بخطبٍ جليل
أراد: بأمر عظيم. والخطب: القصة؛ والمعنى واحد. والعرب تقول للخبر نبأ، حقا كان أو باطلا.
ويقال: أنبأني فلان ونبأني. وقوله (نعنى به) معناه نهتم به ويثقل علينا. يقال عنيت بالشيء أعني به
فأنا به معنى. و (الأراقم): أحياء من بني تغلب اجتمعوا هم وأحياء من بني بكر بن وائل، وهم عجل
وحنيفة وذهل به شيبان، كانوا مالوا بني تغلب على بني يشكر.
والأنباء ترتفع بأتانا. وإنما قال وأتانا ولم يقل وأتتنا لأن فعل المؤنث إذا فُصل بينه وبين المؤنث
بشيء كان الفاصل بينهما كالعوض من تاء التأنيث. ويجوز أن يكون ذكر الفعل لأن الأنباء جمع نبأ،
والنبأ مذكر، فبنى الجمع على الواحد. وخطب نسق على الأنباء، ونعني به صلة خطب، والهاء تعود
عليه، ونساء نسق على نُعنى. ومعنى نساء به نُظن فيه ونلزم الإساءة. وقال بعض أهل اللغة: معناه
ويسوءنا ما يأتينا من ذلك. ويروى:
وأتانا من الحوادث والأنْ ... باء خَطبٌ نُعنَى به ونُساءُ)
(أَنّ إِخوانَنَا الأَراقِمَ يَغْلُو ... ن عَلَينا فِي قَولِهمْ إِحفاءُ)
(1/446)

قوله (يغلون علينا) معناه يرتفعون علينا في القول ويظلموننا، ويُحملوننا ذنب غيرنا ويطلبون ما
ليس لهم بحق. وأصل الغلو في اللغة: الارتفاع والزيادة. قال الله عز وجل: (لا تَغْلُوا في دينِكم غَيرَ
الحقّ) أراد: لا تجوروا ولا ترتفعوا من محجة الطريق. وجاء في الحديث: (من إجلال الله عز وجل
إجلال حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإعظام ذي الشيبه المسلم)، أراد غير المرتفع فيه
عن محجة القصد. ويقال غلا السعر، إذا ارتفع وزاد. ويقال: غلا الصبي، إذا شب وزاد. وغلا
النبات يغلو، إذا طال. ويقال: فعل ذلك في غلو شبابه، أي في أوله وزيادته. قال عبد الله بن قيس
الرقيات:
لم تلتفت للِداتها ... ومضَتْ على غُلوائها
أي سبقت نظراءها في السن وزادت عليهن. ويقال للجارية إذا شبت شبابا حسنا (غلا بها عُظم)،
أي زادت على أترابها في الطول والتمام وحسن الشباب. قال الحارث بن حلزة:
خُمصانة قَلِقٌ موشَّحُها ... رُود الشَّباب عَلاَ بها عُظْمُ
وقوله (في قولهم إحفاء) معناه انهم حملوا علينا وألحوا في مساءتنا، وألصقوا بنا ما نكره. وهو من
قولهم: أحفيت الشيء، إذا استقصيت عليه. ويقال: أحفيت شاربي وشعري. وجاء في الحديث: (أحفوا
الشوارب وأعفوا اللحى)، أي وفروها وزيدوا فيها. ويقال: قد أحفى فلان في الشتم، إذا اشتد فيه
وألح. ويقال: قد تحفى فلان بفلان، إذا استقصى وأظهر العناية به. وقال الله عز وجل: (يَسْألونَكَ
كأنكَ حَفِيٌّ عنها)، أي كأنك معنى بها مستقص في السؤال عنها. وقال الأعشى:
(1/447)

فإنْ تسألي عني فيا ربُّ سائلٍ ... حَفّيٍ عن الأعشى به حيث أصعَدَا
أراد: معنى به. ويقول: رأسك حاف، إذا دام شعثه، يحف حفوفا. وقد حف الشيء، إذا مر به يعدو.
وقد حففت الشيء أحفه حفا، إذا دُرت حوله أو جعلت حوله شيئا؛ من قول الله عز وجل: (حافِّينَ مِن
حَوِلِ العَرْش).
وموضع أن رفع على الترجمة عن الأنباء، كأنه قال: أتانا أن إخواننا الأراقم. والأراقم ينتصبون
على الترجمة عن الإحفاء، وخبر أن ما عاد من يغلون، وعلى صلة يغلون، والاحفاء يرتفع به.
ويروى: (في قيلهم إحفاء)، وهي لغة؛ يقال قول وقيل، وقال. ويجوز أن يكون أن في موضع نصب
في قول الفراء، وخفض في قول الكسائي، على معنى بأنَّ ولأنَّ.
(يَخْلِطونَ البريءَ مِنَّا بِذي الذَّنْ ... بِ ولا يَنْفَعُ الخَلَّيِ الخَلاَءُ)
يخلطون، معناه يشوبون ذا الذنب بالذي لا ذنب له، ظلما لنا وإساءة بنا؛ فهذا عين الجور. وقوله (لا
ينفع الخلي لخلاء)، معناه ولا ينفع البريء من الذنب براءته منه. و (الخلاء) بفتح الخاء: البراءة
والترك. يقال: منزل خلاء، إذا كان خاليا. قال الشاعر:
أصبحتْ دارُنا خلاءً قِفارا ... بعد عَدنان والإلهُ مُجارُ
وروى أبو جعفر وغيره: (ولا ينفع الخلي الخِلاء، بكسر الخاء، وقال: الخلاء المتاركة. يقال: قد
خالي فلان فلانا يخاليه خلاء، إذا تاركه. واحتج بقول النابغة:
قالت بنو عامرٍ خالُوا بني أسدٍ ... يا بوسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوام
فمعناه: تاركو بني أسد.
(1/448)

واخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: المخالي: المحارب. ويقال: أنا الخلاء منك وأنا البراء
منك، بفتح الخاء في الخلاء، أي أنا خليُّ منك، أي بريء منك.
ويتركان موحدين في التثنية والجمع، مذكرين في المؤنث، كقولك: نحن الخلاء والبراء منك، وهند
الخلاء والبراء منك. قال الله تبارك وتعالى: (إنَّني بَراءٌ ممَّا تعبدون).
والخلاء بالكسر في غير هذا: علة في النوق، بمنزلة الحران في الدواب.
يخلطون موضعه رفع في اللفظ بالياء، وموضعه في التأويل نصب على الحال، كأنه قال: خالطين.
والبري منصوب بيخلطون، وهو مهموز لأنه فعيل من بريء من الذنب براءة. والباء صلة يخلطون
ايضا، وهي نصب به، والخلاء رفع بينفع، والخلى نصب به ولا يجوز همزه لأنه ليس بأخوذ من
فعل مهموز، إنما هو فعيل من الخلوة، كأن الأصل فيه الخليو، ولما اجتمعت الياء والواو والسابق
ساكن أبدل من الواو ياء وأدغمت الباء الأولى فصارتا ياء مشددة. وكذلك حكم الواو إذا سبقت الياء
والواو ساكنة.
(زَعَمُوا أن كُلَّ ؤمَنْ ضَرَبَ العَيْ ... رَ مَوَالٍ لَنَا وأَنّا الوَلاءُ)
قال أبو نصر أحمد بن حاتم: لم يقل الأصمعي في هذا البيت شيئا. وقال أبو عمرو: معناه أن
إخواننا الأراقم يلوموننا ويصفوننا بالباطل، ويضيفون إلينا ذنب غيرنا، ويعلقونه علينا، ويطالبوننا
بجناية كل من جنى عليهم ممن نزل صحراء أو ضرب عيرا، ويجعلونهم موالى. والموالى في هذا
الموضع: بنو العم. قال الله تعالى: (وإني خِفْتُ المَوَاليَ مِن ورائي)، أراد بني العم. قال الشاعر:
ومِن الموالي مَوليانِ فمنهما ... مُعطى الجزيلِ وباذلُ النَّصِر
(1/449)

ومن الموالى ضَبُّ جندلةٍ ... لَحِزُ المروَّة ظاهر الغِمْرِ
أراد: بني العم. وقال قوم: الموالى في هذا البيت معناهم الأولياء. أي جعلوا كل من فعل هذا الفعل
وليا لنا. قال الله عز وجل: (إنَّ الكافرينَ لا مولَى لهم) أراد لا ولى لهم. وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل)، أراد بغير إذن وليها. وقال الأخطل:
كانوا مَوالىَ حقّ يَطلبُون به ... فأدركوه وما ملُّوا وما لَغِبَوا
يعني أولياء حق. وقال أيضا:
فأصبحتَ مولاها من الناس بعده ... وأحْرَى قريش أن يُهابَ ويحمدا
وقال المفضل بن محمد، وأبو علي، وأبو مالك: أراد بالعير الوتد، وإنما سمي عيرا لنتوه من
الأرض، مثل عير النصل والسهم، وهو الناتئ في وسطه. يقول: كل من ضرب وتدا في الصحراء
فأذنب في الأراقم الزمونا ذنبه. وقال أبو الحسن الأثرم: حدثني أبو عمرو عن خراش العجلي قال:
العير أراد به كليبا ابن وائل، أي جعلتم كل من قتل كليبا أو أعان على قتله ابن عم لنا، فألزمتمونا
ذنبه ظلما. وإنما سمى كليبا عيرا لجلالته وعلو شأنه وسودده. والعرب تسمى السيد العظيم من
الرجال عيرا. وإنما قيل للسيد من الرجال عير لأنه شبِّه بالحمار
(1/450)

في الصيد، إذ كان أجل ما يصطاد. من ذلك الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم،
أن أبا سفيان استأذن عليه فحجبه، ثم أذن له، فقال: ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهتين!
فقال: (يا أبا سفيان، أنت كما قال القائل:
كلُّ الصَّيد في جوف الفرا). والفرا: الحمار، يُهمز ولا يهمز. أنشدنا أبو العباس:
إذا اجتمعوا عليَّة أشقذُوني ... فصرت كأنني فَرَأٌ مُتارُ
ومتار ... من الإتآر. والجهلتان: جانبا الوادي.
وقال قوم: أراد بالعير الحمار نفسه. يقول: يضيفون إلينا ذنوب كل من ساق حمارا ويجعلوننا
أولياءهم. وقال آخرون: العير جبل في المدينة، ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرم ما
بين عير إلى ثور). يريد: جعلوا كل من ضرب إلى ذلك الموضع وأراده وبلغه أولياءنا.
وقوله (وأنَّا الولاء) معناه وأنا أصحاب الولاء، فحذف الأصحاب وأقام الولاء مقامه، كما قال
الشاعر، أنشدنا أبو العباس:
وكيف نصاحب من أصبحتْ ... خَلالتُه كأبي مرحبِ
أراد: خلالة أبى مرحب. وقال الآخر:
وشرُّ المنايا ميَّت وسط أهله ... كهذا الفتى قد أسلم الحيَّ حاضرهُ
أراد: وشر المنايا ميته ميت، فحذف الميتة وأقام الميت مقامها. والولاء: العون واليد، يقال: هم عليه
ولاة ولائه، أي عون ويد. والولاء في العون ممدود. والولي في المطر يكتب بالياء.
(1/451)

وإن كفت من اسم زعموا وخبره، وكلا اسم أن، وضرب العير صلة من، وما في ضرب يعود على
من، وموال رفع لأنه خبر أن، والأصل فيه موالي فاستثقلت الضمة في الياء لسكونها وسكون
التنوين. ولنا صلة، وأن الثانية نسق على الأولى، والنون والألف اسم أن، والولاء خبرها.
(أَجْمَعُوا أَمرَهُمْ بلَيْل فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصبَحَتْ لهمْ ضوضاءُ)
أجمعوا، معناه أحكموا. يقال: قد جمعت الشيء، إذا وفقت بينه وأزلت تفرقه. وأجمعت الأمر، إذا
أحكمته. قال الله عز وجل: (فأجمِعُوا أمركُم وشركاءَكم)، قرأ بعضهم: (فأجْمَعُوا) على التفسير الذي
مضى. وأنشد الفراء:
يا ليت شِعري والمُنَى لا تَنفعُ ... هل أغدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ
أي محكم. ويروى: (أجمعوا أمرهم بليل)، أي عزموا على أن يصبحوا بالذي اتفقوا عليه وبيتوه في
الليل وتقدموا فيه. ويروى: (أجمعوا أمرهم عشاء)، أي لم يدعوا منه شيئا إلا أحضروه، كقول القائل:
هذا أمر قد أسرى عليه بليل، أي دبر بليل. وقوله (أصبحت لهم ضوضاء)، معناه جلبة. والضوضاء
حرف ممدود، وهو جمع واحدته ضوضاءة، وربما قصر فيكون حينئذ جمع ضوضاة. وروى بعضهم
(أصبحت لهم غوغاء)، فالغوغاء: الرذال من الناس. والغوغاء من الجراد: الصغار الذي يركب
بعضه بعضا.
وفاعل جمعوا مضمر فيه ولا خبر له. والضوضاء اسم الإصباح الثاني واللام خبره.
(1/452)

وقال الفراء: أصبح على معنى بيَّن، إذا أردت أن تفيد المخاطب صباح الاسم استغنيت عن الخبر،
كقيلك أصبح زيد قائما. وأمسى بمنزلة أصبح. وأصح الروايتين رواية الذين رووا: (أصبحوا
أصبحت لهم غوغاء)؛ لأن البيت الثاني يدل على الصياح والجلبة.
(مِن مُنادٍ ومِن مُجيبٍ ومن تَص ... هالِ خَيلٍ خِلالَ ذاكَ رُغاءُ)
معناه من مناد يقول يا فلان، ومن مجيب المنادى، ومن صهيل خيل. وقوله (خلال ذاك رغاء) معناه
بين ذاك رغاء؛ لاجتماع بني تغلب علينا، وتهمتهم إيانا بأبنائهم الذين قتلهم العطش، يقولون: أدوا
إلينا أبناءكم فإنكم اغتلتمونا اغتيالا. قال الله عز وجل: (فجاسُوا خلالَ الدِّيار)، أراد: بين الديار. أي
قتلوكم بين بيوتكم. والرغاء: رغاء الخيل والإبل. والرغي: جمع رغوة اللبن، مقصور يكتب بالياء.
والرغوة فيها ست لغات، يقال الرَّغوة، والرُّغوة، والرِّغْوة، والرَّغاوة، والرُّغاوة، والرِّغاوة.
ومن صلة الضوضاء، ورغاء يرتفع بقوله خلال. ويروى: (خلال ذاك الرغاء) بالألف واللام.
(أَيُّها الناطقُ المُرَقِّشُ عَنَّا ... عِندَ عَمروٍ وهَلْ لذاك بقاءُ)
قوله (أيها الناطق) يعنى عمرو بن كلثوم. و (المرقش): المزين للشيء، ومعناه هاهنا تزيينه: قوله
للملك: إنَّا قتلنا أبناءهم واغتلناهم اغتيالا، وادعاؤهم الكذب والباطل عند الملك. ثم قال: (وهل لذلك
بقاء)، يقول: وهل للكاذب بقاء عند الملك. أي هو ينظر فيما ادعيتم فيعرف صدق ذلك من كذبه،
ويعرف ترقيشك القول له بالباطل وبما لم يكن. ويروى: (أيها الناطق المحبر عنا عند عمرو)، وهو
المزين. يقال: حبرت الكلام ورقشته، ونممته ونمنمته، وذهبته وأذهبته، بمعنى. قال المرقش:
(1/453)

الدَّار قفرٌ والرسومُ كما ... رقَّش في ظهر الأديمِ قلَمْ
اراد: زيَّنَ.
والمرقش نعت الناطق، وعن وعند صلتان له، والبقاء رفه باللام في قوله لذاك. وفي رواية قطرب:
(وماله إبقاء)، معناه: ليس يبقى على أحد. ويروى: (المخبر عنا)، بخاء معجمة.
(لا تَخَلْنا عَلَى غَرَائك إِنَّا ... قَبلُ ما قَدْ وشَى بنا الأَعداءُ)
قوله (لا تخلنا) معناه لا تظننا. يقال: خلت عبد الله قائما، أي ظننته. قال الفراء: هو مأخوذ من
الخيال والشيء يشبه لك، ثم ذهب به مذهب الظن. وإنما خاطب بهذا النعمان بن المنذر. أراد: لا
تحسب أنا جازعون لإغرائك الملك بنا. و (الغراء) مأخوذ من قولك: غريت بالشيء أغرى به، إذا
اولعت به ولزمته. يقال غريت بالشيء أغرى به غراء. والغرا: ولد البقرة مقصور، يكتب بالألف
لانهمن الواو، يقال في ثنتيته غروان. قال الشاعر:
لها الجيد من جَيداء والعين طرفها ... كعيناء يهديها غَرَاهَا فريق
وأنشدنا أبو العباس في المعنى الأول لكثير:
(1/454)

إذا قلت مهلاً غارت العين بالبكا ... غِرَاءً ومدَّتها مدامعُ حُفَّلُ
قال الأصمعي: غارت فأعلت من غريت بالشيء أغرى، إذا لزمته. والغراء الذي يلزق به، إذا كسر
مد وإذا فتح قصر. وقيل هو الغري. وقوله (إنَّا قبل ما قد وشى بنا الأعداء)، معناه طال ما نمم بنا
الأعداء قبلك عند الملوك فلم يضرنا ذلك. يريد: إنا قد مرنا على ذلك وعداوة الناس إيانا. ويروى:
(طال ما قد وشى). ومعنى وشى نمم. والواشي هو النمام، وجمعه واشون ووشاة، قال بعض
الأعراب:
فما لكَ من سدر ونحنُ نحبُّه ... إذا ما وشَى واشٍ بنا لا نجادلُهْ
كما لو وشَى بالسدر واش رددتُه ... كئيباً ولم تَملُحْ لدينا شمائلُهْ
وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الزبير بن بكار:
قال الوشاة لهندٍ عَنْ تُصارِمَنا ... ولستُ أنسى هوى هندٍ وتنساني
معناه: أن تصارمنا، فأبدل العين من الهمزة، والأصل فيه من الشية وهي العلامة. فإذا قال وشى به
فمعناه نسب إليه أمرا جعله به علما. قال الله عز وجل: (لاشيَةَ فيها)، أراد لا بون فيها يخالف لون
جميع جلدها، أي ليست فيها علامة. ويقال: وصفت شيات الغنم، أي علامتها. قال النابغة:
من وَحش وجرة مَوشِىّ أكارعُه ... طاوِى المَصيرِ كسيَفِ الصَّقل الفَرَدِ
معناه: معلم أكارعه، أي هو أبيض في وجهه سفعة. وطاوى المصير، معناه ضامر. والفرد، يريد هو
منقطع القرين لا نظير له في الجود. ويقال أتيتك قبلَ وقبلُ،
(1/455)

وقبلاً وقبلٌ، وكذلك بعدُ وبعدٌ. أنشدنا أبو العباس:
ونحن قتلْنا الأزد أزدَ شنوءة ... فما شربوا بَعدٌ على لذَّة خمرا
وتخلنا جزم بلا على النهى وعلامة الجزم فيه سكون اللام، والألف سقطت لسكونها وسكون اللام.
والنون والألف اسم المخيلة، وعلى خبرها، والنون والألف اسم أن، وخبرها ما عاد من النون والألف
في بنا، وقبل ضمت على الغاية، وما صلته، والأعداء رفع بوشى. ومن رواه (طال ما قد وشى) رفع
ما بطال، وما بعدها صلتها ولا عائد لها ولأنها في معنى المصدر، كأنه قال: سعى الأعداء بنا.
(فبَقِينا عَلَى الشَّناءَةِ تَنْمِي ... نَا حُصُونٌ وعِزَّةٌ قَعْساءُ)
ويروى: (فعلونا على الشناءة). والشناءة: البغض. تقول: شنئت الرجل، إذا أبغضته. والشناءة
والشنَّآن بفتح النون المصدر أيضا، قال الله عز وجل: (ولا يَجْرِمنكمُ شَنَآنُ قوم)، أراد: لا يجرمنكم
بغض قوم. قال الفراء: من سكَّن النون فقرأ: (شَنْآن) أراد الاسم، أي بُغض قوم. قال الشاعر:
وأي رئيس القوم ليس بحامل ... ...... بالبغضاء والشنَآن
ويقال رجل مشنوء ومشنى، أي مبغض. ويترك همزته فيقال مشنو ومشنى. قال الشاعر:
وما خاصم الأقوامُ من ذي خصومةٍ ... كورْهاءَ مشنوٍّ إليها حليلُها
ويروى: (مشنى). ومن العرب من يترك همزة شنآن فيقول شنان، على مثال أبان. قال الشاعر:
(1/456)

وما العيشُ إلا ما تلذّ وتشتهي ... وإنْ لامَ فيه ذو الشَّنَان وفنَّدا
ومعنى البيت: بتنا على بغض الناس، أنا نزداد رفعة وعلوا ويزدادون غيظا، لما يرون من ثبات
عزنا ومكاننا من الملك، ونحن لا نبالي عدوا ولا حسودا ولا وشاية منهم بنا. وقوله (تنمينا جدود) أي
ترفعنا آباؤنا بأحسابهم. والجدود: جمع جد، وهو في هذا الموضع أبو الاب، ويجوز أن تكون جمع
جد، والجد: الحظ، وهو الذي تسميه العامة البخت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت الجنة فإذا
أكثر الناس - أي أهلها - الفقراء، وإذا أصحاب الجد محبوسون)، أي أصحاب الحظ في الدنيا.
ويقال للرجل: ما كنت ذا جد، ولقد جددت، وأنت تجد. أنشدنا أبو العباس:
ولقد يجُدُّ المرء وهو مقصِّر ... ويخيب سعى المرءِ غيرَ مقصّرِ
ويقال: رجل حظيظ وجديد؛ ورجل جد، إذا كان عظيم الجاه في الناس.
ويروى: (تنمينا حصون). ويروى ايضا: (ومنعة قعساء)، أي الحصون تحول بيننا وبين شناءة
الناس إيانا. و (العزة): الغلبة، من قولهم: (من عز بزَّ)، أي من غلب سلب. وإنما سمى العزيز
عزيزا لغلبته. و (القعساء): الثابتة المصمتة. ويروى: (تُنبيها حصون)، أي ترفعها؛ أخذ من النبوة
والنباوة وهي المكان المرتفع. قال القطامي:
لما وردْنَ نبيّاً واستتبَّ لنا ... مسحنفرٌ كخطوط النَّسج مُنْسحلُ
(1/457)

وقال أبو عبيدة: العرب تترك همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز، وهي النبي من أنبأ عن الله عز
وجل؛ والخابية، وهي مأخوذة من خبأت؛ والذرية، وهي من ذرأ الله تعالى الخلق. وبعض العرب
يهمز النبي ويخرجه على أصله.
والجدود مرتفعة بتنمينا. والعزة نسق عليها.
(قَبْلَ ما اليومِ بيَّضَتْ بِعُيونِ ال ... نّاسِ فيها تعَيُّطٌ وإِباءُ)
معناه: قبل اليوم عظم شأنها على الناس حتى أعمتهم وعظمت على أبصارهم. يقال للرجل: لأوصلن
إليك مكروها يظلم من أجله عليك نهارك وشبيه به قولهم: لأرينك الكواكب بالنهار، أي لأفعلن بك
أمرا يظلم من أجله نهارك حتى يصير في عينك بمنزلة الليل فترى الكواكب. وقال النابغة:
تبدو كواكبه والشمسُ طالعةٌ ... لا النور نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ
وقال الأعشى:
رجَعتَ لمَّا رُمتَ مُستحسراً ... ترى للكواكب كهرا وَبيصَا
أي رجعت حسيرا كئيبا قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى فيه الكواكب بعالي النهار بريقا. والكهر:
ارتفاع النهار.
ومما يداني هذا المعنى أيضا قول جرير يرثى عمر بن عبد العزيز:
فالشمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍ ... تبكى عليك نجومَ اللَّيل والقَمَرا
معناه الشمس كالكاسفة لشدة ظلمتها. ونصب نجوم الليل والقمر على الوقت،
(1/458)

كأنه قال: تبكى عليك أبدا. ورواه البصريون:
والشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ
كأنه قال: طلعت الشمس ولم يكسف ضوءها نجوم الليل والقمر، لحزنها وبكائها عليك. وقال محمد
بن يزيد:
تبكي عليك نجومُ الليل والقمرا
فرفع النجوم ونصب القمر على معنى مع القمر؛ فلما حلت الواو محل مع نصب ما بعدها، كما
تقول: لو تُرك عبد الله والأسد لأكله. والذي أذهب إليه أن يكون نصب النجوم والقمر بتبكى، كانه
قال: بكت الشمس ونجوم الليل والقمر فبكتهما الشمس تبكيهما، أي غلبتهما بالبكاء، كما تقول: كارمني
عبد الله وكرمته وأنا أكرمه: غلبته.
ومعنى قوله: (بيضت بعيون الناس): بيضت عيون الناس، والباء زائدة، كما قال الله تبارك وتعالى:
(ومَن يُردْ فيه بإلحادٍ بظُلْم)، أراد: ومن يرد فيه إلحادا. وقال الفراء: سمعت أعرابيا من ربيعة وسألته
عن شيء فقال: أرجو بذاك، يريد: ذاك. وأنشدني أبو الجراح:
فلما رجَتْ بالشرب هَزَّ لها العصا ... شحيحٌ له عند الإزاء نَهيمُ
أراد: رجت الشرب. وقال امرؤ القيس:
ألاَ هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌ ... بأنّ امرأ القيس بن تَمِلكَ بَيْقَرا
أراد: هل أتاها أن امرأ القيس. وقال قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنْباء تَنمى ... بما لاقتْ لبَونُ بني زيادِ
(1/459)

أراد: ألم يأتك ما لاقت. وأنشد أبو عبيد:
ضَمنتْ برزق عيالنا أرماحُنا ... ملءَ المراجل والصَّريحَ الأجردَا
أراد: ضمنت رزق عيالنا. وقوله (فيها تعيط معناه فيها ارتفاع وامتناع، أي في عزتنا. والإباء معناه
أنها تأبى الضيم. ومن التعيط قولهم: اعتاطت الناقة واعتاصت، إذا امتنعت من الحمل فلم تحمل
أعواما. ويقال: ناقة عائط، وفي الجمع نوق عوط وعيط. وحكى الفراء عوطط في الجمع، وهو على
غير القياس.
وقبل نصب ببيضت، وما صلة اليوم مختفض بقبل، والتعيط رفع بفي، والإباء نسق عليه.
(وكأَنَّ المَنُونَ بنا أَرْ ... عَنَ جَوْناً يَنْجابُ عَنه العَمَاءُ)
(المنون): المنية. وقال الأصمعي: المنون أيضا: الدهر، لأنه يذهب بمنة كل شيء. والمنة: القوة.
وسمعت أبا العباس يقول: حبل منين، إذا كان ضعيفا قد ذهبت منته. ويقال: قد منه السفر، إذا
أضعفه. قال ذو الرمة:
إذا الأروع المشبوبُ أضحى كأنَّه ... على الرحْل مما منَّه السَّير عاصِدُ
أي لوى عنقه ... وقال أبو ذؤيب:
أمن المنونِ وريبها تتوجَّعُ ... والدهر ليس بمعتبٍ مَن يجزَعُ
(1/460)

فأنث المنون لأنه أراد المنية. وقال أبو العباس: (وريبه) على معنى الدهر. وقال الفرزدق:
إن الرزيَّة لا رزية مثلها ... في الناس موتُ محمدٍ ومحمدِ
ملكانِ عُرِّيت المنابر منهما ... أخَذ المنونُ عليهما بالمرِصد
أراد المنية: وقوله (يردى) يقال ردى يردى رديا ورديانا، إذا رمى. وردى يردى ردى، إذا هلك.
وقوله (أرعن) الأرعن: الجبل الذي له أنف يتقدم منه. ويقال للجيش العظيم أرعن لأنه يشبه بالجبل.
قال النابغة الجعدي في وصف جيش:
بأرعنَ مثلِ الطَّودِ تَحسب أنهم ... وُقُوفٌ لحاجٍ والركاب تهملجُ
والجون في هذا البيت: الأسود؛ وهو من الأضداد يكون الأبيض ويكون الأسود. قال الشاعر:
غيَّرَ يا بنتَ الحُلَيسِ لونى ... كرُّ الليالي واختلافُ الجَوْنَ
وسفرٌ كانَ قليلَ الأون
أراد بالجون النهار. والأون: الدعة والرفق. وقال الفرزدق يصف قصرا أبيض:
وجَونٍ عليه الجصُّ فيه مريضة ... تَطلَّعُ منه النفسُ والموت حاضرُه
أراد بالجون قصرا أبيض. وقوله (فيه مريضة): امرأة فاترة الطرف. وقوله:
(1/461)

(تطلع منه النفس) معناه: تكاد النفس تخرج من اجله لهوله وصعوبته.
وقال الأصمعي: دخل أنيس الجرمي على الحجاج - وكان فصيحا - يعرض عليه درعا من حديد
صافية، فلم يتبين الحجاج صفاءها فقال: ليست بصافية. فقال له أنيس: أصلح الله تعالى الأمير، أن
الشمس جونة. يريد: أن شدة شعاع الشمس أذهب صفاء الدرع.
وقوله (ينجاب عنه) معناه ينشق عنه الغيم ويتفرق عن هذا الجبل لطوله وارتفاعه. قال الله عز
وجل: (الذينَ جابوا الصَّخْر بالوادِ)، أراد شقوا الصخر وبنوا فيه. قال سابق:
فلم ينجُ منهم في البحور ملجِّجٌ ... ولم يُنج مَن جابَ الصُّخورَ اجتيابُها
ويقال: جبت الفلاة، إذا دخلت فيها. قال معن بن أوس:
إليك سعيدَ الخيرِ جابَتْ مطيَّتي ... فُروجَ الفيافي وهي عوجاء عَبْهلُ
و (العماء): الغيم الرقيق، ومثله الضباب، والطخاء، والطهاء. ويروى: (وكأن المنون ترمى بنا
أصحم عصم). والأصحم: الوعل الذي يعلو بياضه سواده. أتنشدنا الأصمعي بن أبي عائذ الهذلي:
أوَ أصحمَ حام جراميزَه ... حَزابيةٍ حَيَدَى بالدِّحالِ
الأصحم هاهنا: الحمار. وقوله: حام جراميزه، معناه حام نفسه من الرماة والصيادين. وحزابية معناه
ضخم ممتلئ. والحيدى: الذي يحيد. والدحال: جمع دحل، وهو خرق في الارض. والوعل: تيس في
الجبل. و (العصم): جمع أعصم. و (الأصحم): الوعل الذي في يديه بياض. ويروى: (وكأن المنون
(1/462)

ترمي بنا على أعصم صم) معناه على أعصم جبال صم. ويروى: (على أعصم جون)، أي أعصم
جبل جون.
ومعنى البيت: وكأن المنون ترمى بنا جبلا فلا تضرنا ولا تؤثر فينا كما لا تضر الجبل.
والمنون اسم كأن، وتردى خبره، وينجاب موضعه رفع، ونصب في التأويل على معنى منجابا عنه
العَماء.
(مُكْفَهِرَّاً علَى الحَوَادثِ لا تَرْ ... تُوُ للدَّهرِ مُؤْيِدٌ صَمَّاءُ)
مكفهر، معناه هذا الجبل متراكم بعضه على بعض ممتنع مارد على الحوادث، فنحن لا تضرنا ولا
نباليها. يقال وجه فلان مكفهر، إذا كان قاطبا. وقوله (لا ترتوه) الرتو: القصر من الشيء والنقصان
له؛ وهو من قولك: رتوت من القوس، إذا كان بوترها استرخاء فشددته وقصرت منه؛ وأصل الرتو
الشد والجمع، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحساء: (إنه يرتو فؤاد الحزين، ويسرو
عن فؤاد السقيم)، أي يشد فؤاد الحزين ويقويه. وقوله (ويسرو) معناه ويكشف عن فؤاده؛ ومنه قولهم:
سريت الثوب عن الرجل، إذا كشفته عنه. ويقال سروت وسريت في هذا بمعنى. و (مؤيد) معناه
داهية قوية شديدة تغلب كل من تعرض لها. يقال: رجل ذو أيد وآد، أي ذو قوة. قال الله عز وجل:
(والسَّمَاءَ بنَيناها بأيْد)، أراد بقوة. وقال عز من قائل: (وأيَّدْناه بروح القُدْس)، أراد: قويناه. ويقال
أيضا: آدنى الشيء يئودني، إذا أثقلني. قال حسان:
وقامت ترائيك مُغْدوجناً ... إذا ما تنوءُ به آدَها
أراد أثقلها. وأنشد أبو عبيدة:
(1/463)

إنّ القدَاح إذا اجتمعنَ فرامَها ... بالكَسر ذو حَنَقٍ وبطشٍ أيدِ
عزّتْ ولم تُكسَر وإن هي بدِّدت ... فالوَهن والتكسير للمتبدِّدِ
أراد: وبطش قوي. وأنشد العجاج:
من أن تبدّلت بآدى آدا
ويروى: (موئد) بتقديم الواو على الهمزة على إنه مفعل من الوأد. والوأد: الثقل. وقوله (صماء)
معناه لا جهة لها لشدتها وامتناعها. وقال بعضهم: الصماء: التي لا يسمع الصوت فيها لاشتباك
الأصوات.
ونصب (مكفهرا) على النعت لأرعن. ومن رواه بالخفض جعله نعتا للأعصم على رواية الذين
يرون: (وكأن المنون ترمى على أعصم صم). والمؤيد رفع بترتوه. ويروى: (ما ترتوه). وصماء
نعت المؤيد، واللام صلة ترتوه.
(أَيَّما خُطَّةٍ أَردتُم فأَدُّو ... ها إِلينا تَمشِي بها الأَمْلاءُ)
قوله: (فأدوها إلينا) معناه فابعثوا ببيان ذلك إلينا مع السفراء. والسفير: المصلح بيننا وبينكم يمشون
به إلينا وتشهد به الاملاء، فان شهدوا وعرفوا ما ادعيتم كان ذلك لكم، وإن ادعيتم ما لا تعرفه الاملاء
فليس بشيء. ويروى: (أيما خطة أخذتم). و (الأملاء): الجماعات، واحدهم ملأ؛ ولا يكون الملأ إلا
رجالا لا امرأة فيهم. وهو مقصور مهموز، وربما ترك همزه في الشعر. قال حسان:
ودونك فاعلمْ أن نَقْضَ عُهودنا ... أبَاه المَلاَ منَّا الذين تبايعوا
أبَاه البَراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعدُ يأباه عليك ورافعُ
(1/464)

وقال أبو عبيدة: الملأ الرؤساء والأشداء. قال الله عز وجل: (ألم تَرَ إلى الملإ من بني إسرائيلَ).
وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا من الأنصار يقول بعد انصرافه من بدر:
(إنما قتلنا عجائز ثلعا)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولئك أملاء قريش لو احتضرت فعالهم
احتقرت فعالك مع فعالهم). والملأ: الخلق، مقصور مهموز. ويقال: (أحسنوا أملاءكم)، أي أخلاقكم.
قال الشاعر:
تنادوا يالَ بُهثَةَ إذْ رأونَا ... فقلنا أحسنوا مَلأ جُهَينا
يريد: خلقا. ويروى: (أحسنى). ويقال تمالوا، من قولك: تمالوا عليه، أي اجتمعوا عليه وتظافروا.
قال الشاعر:
فإن تك خيراً تحسبوا مَلأً به ... وإن يك شراًّ تشربوه تحاسيا
والملا: ما اتسع من الارض واستوى، مقصور غير مهموز، ويكتب بالألف والياء، والالف أجود.
قال الشاعر:
ألا غنّياني وارفعا الصَّوت بالملا ... فإنّ الملا عندي يَزِيدُ المَدَى بُعْدا
وقال تأبط شرا:
ولكنني أروِى من الخَمر هامتي ... وأمضِى المَلاَ بالصاحب المتبدّلِ
وأيما نصب بأردتم، وما صلة، كأنه قال: أي خطة أردتم. ومعنى أي الجزاء، والفاء جواب الجزاء،
وتمشى مرتفع في اللفظ بالياء، ومنتصب في التأويل على الحال من الهاء، والأملاء رفع بتمشي.
(1/465)

(إِنْ نَبَشْتُمْ ما بينَ مِلْحَةَ فالصَّا ... قِبِ فيه الأَمواتُ والأَحياءُ)
قوله (إن نبشتم) معناه أن أثرتم ما كان بيننا وبينكم من القتل في الوقَعات التي كانت بين ملحة
فالصاقبِ، ظهرَ عليكم ما تكرهون من قتلَى قتَلْنا لم تدركوا بثأرهم. والتقدير فيه: أن نبشتم ما بين
أهل ملحة فأهل الصاقب، فحذف الأهل وأقام ملحة والصاقب مقامهم. وملحة: مكان. والصَّاقب: جبل.
والصاقب في غير هذا الموضع: الملاصِق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجار أحقَّ بصَقبَه)، أي
مُلاصِقيه. وقال الشاعر في حَمَام:
يَهجْن على ذي الشَّوق مكنونَ عَبرةٍ ... فدمعُ الهوى يستنُّ بالخيب ساكبه
وما ذاك إلاّ من جميعٍ تقرّقتْ ... بهم نيَّةٌ هاجتْ هوىً ما يصاقبُه
قوله (فيه الأموات والأحياء) معناه: في هذا النَّبش والأمر الذي يثيرونه موتى قد ذهبوا ونسوا ومات
امرهم، وفيه أحياء قد بقوا حديث أمرهم، ففي إثارة ذلك ما يعرف فضلنا عليكم وادعاءكم علينا
الباطل. وأراد بقوله (فيه الأموات)، أي ملحة والصاقب، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما. وأنشد أبو
العباس عن ابن الأعرابي:
يا ابن التي ادعى أنها عكل تقف ... لتعلمن اليومَ أن لم تنصرفْ
أن اللئيمَ والكريمَ مختلفْ
(1/466)

أراد: مختلفان، فاكتفى بأحدهما.
ويروى: (والصاقب) بالرفع، والرافع له عود الهاء عليه، وهو حينئذ مستأنف والواو التي فيه واو
الحال. ومن خفضه أضمر الواو مع في وأراد: وفيه الأموات، أي وهذه حاله، كما تقول: لقيت عبد
الله والشمس طالعة عليه، ولقيته الشمس طالعة عليه. وكذلك تقول: ما رأيت عالما إلا وأبوك أفضل
منه، وإن شئت قلت: إلا أبوك أفضل منه. أنشد الفراء في إظهار الواو:
أما قريش فلن تلقاهم أبداً ... إلا وهمْ خيرُ من يَحفَى وينتعلُ
وأنشد أيضا في إظهارها:
إذا ما ستورُ البيت أرخِينَ لم يكنْ ... سراجٌ لنا إلاّ ووجهُك أنوَرُ
وأنشد في إضمارها:
وما مسَّ كفىِّ من يدٍ طاب ريحُها ... من الناس إلاّ ريحُ كفك أطيبُ
أراد: ألا وريح كفك أطيب. وأنشدنا أيضا الأصمعي في إضمارها:
لقد علمتْ لا أبعَثُ العَبْد بالقِرى ... إلى القوم إلاّ أكرمُ القوم حاملهُ
أراد: وإلا أكرم القوم، فأضمر الواو.
وما ينتصب بنبشتم، وتأويله: أن أثرتم الأمر الذي بين ملحة. وجواب الجزاء محذوف لوضوح
معناه. كأنه قال: أن نبشتم هذا هلكتم. وإن شئت كان الجواب الفاء التي في البيت الثاني، لأن النقش
يضارع معنى النبش. وملحة خفض ببين، إلا أنها
(1/467)

لا تُجرى. والصاقب نسق عليها، والأموات رفع بفي.
(أَوْ نقَشْتُمْ فالنَّقْشُ تَجشَمُه النا ... سُ وفيه الصَّلاَحُ والإِبراءُ)
ويروى: (وفيه السقام) ويروى: (وفيه الضجاج، ويروى: (وفيه الضجلج)، ويروى: (وفيه
الإصلاح). ويروى: (إن نقشتم). والتأويل أن استقصيتم فالاستقصاء يتجشمه الناس ويتكلفونه. يقال:
قد جشمتك لقاء فلان؛ أي كلفتكه. قال الشاعر:
فما أجشمتُ من إتيان قومٍ ... هم الأعداءُ والأكباد سُودُ
وفي الاستقصاء صلاح، أي انكشاف للأمر. يقول: أن استقصيتم صرتم من ذلك إلى ما تكرهون.
ومن روى: (وفيه السقام)، أراد: وفي الناس سقام وبراءة، أي لا تأمنوا أن استقصيتم أن يكون السقام
فيكم - وسقمهم أن يكونوا قتلوا أو قهروا فلم يثأر بهم ولم يطلب بثأرهم - وعسى أن يكون الإبراء
منا فيستبين ذلك للناس ويصير عاره عليكم في الاستقصاء والنقش، فتركه خير فما راحتكم فيه. وقال
أبو عبيد: لا أحسب نقش الشوكة من الرجل إلا من هذا، وهو استخراجها حتى لا يترك في الجسد
منها شيء. قال الشاعر:
لا تنقُشَنَّ برجلِ غيرِك شوكةً ... فتقَي برجلك رجلَ مَن قد شاكَها)
يريد: رجل من قد دخل في الشوك. يقال: شكت الشوك فأنا أشاكه، إذا دخلت فيه. فإذا أردت إنه
أصابك قلت: قد شاكني فهو يشوكني شوكا. وإنما سمى المنقاش منقاشا لأنه ينقش به، أي يستخرج به
الشوك. ويقال: انتقشت من الرجل جميع حقي، أي استخرجته منه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(من
(1/468)

نوقش في الحساب عذب)، أي من استقصى عليه.
والنقش رفع بما عاد من الهاء، والناس مرتفعون بفعلهم، والواو في الصلاح واو حال، والصلاح
رفع بفي، والأبراء نسق عليه.
(أَوْ سَكَتُّم عنَّا فكنَّا كمَنْ أَغْ ... مَضَ عَيْناً في جَفْنها أَقذاءُ)
معناه: أن نبشتم على أنفسكم ما قد غاب عن الناس بادعائكم غير الحق خرج عليكم من ذلك ما
تكرهون، وان سكتم عنا فلم تستقصوا كنا نحن وانتم عند الناس في علمهم بنا سواء، وكان أسلم لنا
ولكم، على أنا نسكت ونغمض عينا على ما فيها منكم. وهذا مثل. و (القذى): شيء يسقط في العين.
ويقال: عين قذية. ويروى:
... فكنَّا جميعاً ... مثلَ عينٍ في جفنْها أقذاء
ويروى:
أبعدوا في المَدَى وكونوا كمن أغ ... مض عيناً ......
أي ابلغوا غايتكم. أنشدنا أبو العباس لأبي صخر:
فيا حبَّ ليلى قد بلغتً بَي المدَى ... وزدتَ على ما ليسَ يبلغُه الهجرُ
أراد: الغاية. و (الأجفان): أغطية العينين. والأشفار: حروف الأجفان التي فيها الشعر، والشعر يقال
له الهدب.
والكاف خبر الكون، وأغمض عينا صلة من، وفي جفنها أقذاء صلة العين، والهاء تعود على العين،
والأقذاء رفع بالصلة.
(أَو مَنَعتم ما تُسأَلُونَ فَمَنْ حُ ... دِّثتموهُ لَهُ عَلينا العَلاَءُ)
(1/469)

معناه: أو منعتم ما تسألون من النصفة فيما كان بيننا وبينكم، فلأي شيء كان ذلك منكم مع ما
تعرفون عن عزنا وامتناعنا. ثم قال: فمن حدثتموه له علينا العلاء، يقول: فمن بلغكم إنه اعتلانا في
قديم الدهر فتطمعوا في ذلك منا.
والعلاء من العلو والرفعة، بالعين غير معجمة. ويروى: (الغلاء) بالغين معجمة وهو الارتفاع أيضا،
من قوله عز وجل: (لا تَغْلُوا في دينكم غيرَ الحقّ).
وما نصب بمنعتم، وتسألون صلتها، والهاء المضمرة تعود عليها، ومن رفع بما عاد من الهاء في
حدثتموه، والهاء الأولى اسم حدثتم، وما عاد من الهاء الثانية خبرها، والعلاء رفع باللام، وعلينا صلة
العلاء وحدثتم وأنبئتم مشبه بظننتم، تنصب الاسم والخبر، فكأنه قال: فمن ظننتموه له علينا العلاء.
(هَلْ عَلِمتمْ أَيّامَ يُنْتَهَبُ النَّا ... سُ غِواراً لكلِّ حَيٍّ عُوَاءُ)
قال الأصمعي: كانت العرب من نزار تملكهم الأكاسرة، وهم ملوك فارس، وتملَّك عليهم من شاءت،
وكانت غسان تملكهم ملوك الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه - وكان الذين غلبوه بني
جفنة - غزا بنفسه قيصر، فضعف أمر كسرى، وغزا بعض العرب بعضا.
و (الغوار): مصدر غاور القوم مغاورة وغوارا، إذا غار بعضهم على بعض. قوله (لكل حي عواء)،
أي صياح، مما ينزل بهم من الإغارة عليهم. قال الشاعر:
فإن يكُ شاعرٌ يَعوي فإني ... رأيتُ الكلبَ يقتلُه العُواءُ
أي الصياح. يقول: فنحن حين كان الناس هكذا لم يطمع فينا أحد من العرب
(1/470)

لأنا أعزهم، وكنا يومئذ أمنع العرب، فلا تطمعوا انتم في ظلمنا وضررنا، فان لنا عزا دائما ثابتا.
وقال أبو عبيدة في قوله (أيام ينتهب الناس) قال: هي أيام غزا فيروز الترك فأسروه، فضعف أمر
ملك العرب، فجعلت بكر بن وائل تغير على القبائل، حتى أغارت على تميم فأصابت منهم أسرى
وسبايا.
والأيام نصب بعلمتم، وهي مضافة إلى ينتهب، وغواراُ نصب على المصدر، وعواء رفع باللام.
ويروى: (لكل حي لواء).
(إِذْ رفَعْنا الجِمالَ من سَعَفِ البَح ... رَينِ سَيراً حتَّى نَهَاها الحِسَاءُ)
قوله (اذ رفعنا الجمال)، يخبر عن مغازيهم، أي قد أغرنا على من لقينا من الناس حتى انتهينا إلى
النخل فاكتفى بالسعف من النخل، لأنه كما قال الجعدي:
كأنّ فاها إذا تُوُسِّنَ من ... طِيب مَشَمٍّ وحُسنِ مبتَسَمِ
ركِّب في السامِ والزَّبيب أقاح ... يُّ كثيب تَنْدَى من الرّهَم
أراد: ركب في السام والخمر، واكتفى بالزبيب من الخمر لأنه من سببها والسام: عرق المعدن، وهو
يضرب إلى السواد، فشبه اللثة به، يريد: هو يضرب إلى السواد. وشبه طيب ريقها بالخمر ثم مضينا
نغير وننتهب، حتى انتهينا إلى الحستء. ومعنى (نهاها) كفها وحبسها. والحساء: جمع حسى البحر.
والحسى: الماء الجاري. يقول: فلما بلغنا الحساء لم يكن وراءها مغار. ويروى: (إذ ركبنا الجمال).
وإذ من صلة علمتم، والسير نصب على المصدر، والحساء رفع بفعلها.
(1/471)

(ثُمَّ مِلْنا عَلى تميمٍ فأَحرَمْ ... نا وفينا بَنَاتُ مُرٍّ إِماءُ)
معناه: بلغنا الحساء ثم ملنا على تميم، فلما صرنا إلى بلادهم أحرمنا: دخلنا في الأشهر الحرم، فكففنا
عن قتالهم. وفينا بنات مر إماء، يريد: قد سبيناهن قبل دخول الأشهر الحرم. ويروى: (وفينا بنات
قوم إماء). يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الشهر الحرام. وقال ابن الأعرابي: تميم هو ابن مر،
فأحرمنا معناه عففنا عنهم وفينا إماء لو شئنا وطئناهن، فكففنا عن قتالهم وفينا بناتهم إماء. ويقال:
أحرم الرجل الشيء، إذا جعله على نفسه حراما. وحرمت الشيء أحرمه حرمانا. قال عبيد:
مَن يسألِ الناس يَحرِموهُ ... وسائلُ الله لا يخيبُ
وقال الآخر:
وأنبئتُها أحرمَتْ قومَها ... لتَنكِحَ في معشرٍ آخَرينا
أراد: حرمت قومها على نفسها.
والبنات رفع بإماء، والإماء رفع بالبنات، والواو واو حال، كأنه قال: وبنات مر إماء فينا.
(لا يُقيمُ العَزيزُ في البَلَدِ السَّهْ ... لِ ولا يَنْفَعُ الذَّليلَ النَّجاءُ)
يقول: لم يكن العزيز الممتنع يقدر أن يقيم بالبلد السهل؛ لما فيه الناس من المغاورة والحيف والجهد،
ولا ينفع الذليل النجاء، أي الهرب. يقول: إن هرب
(1/472)

الذليل لم ينتفع بذلك. والرواية المعروفة:
(النَّجاء) بفتح النون، ويروى (النِّجاء) بكسر النون على إنه جمع نجوة، فتجري مجرى قولهم نسوة
ونساء، وركوة وركاء. و (العزيز): القاهر الغالب. قال جرير:
يَعُزُّ على الطَّريقِ بمنَكِبَيهِ ... كما ابتركَ الخَليعُ على القِداحِ
أراد: يغلب على الطريق. ويقال رجل ذليل بين الذل والذلة والمذلة. ودابة ذلول بينة الذل. قال الله
عز وجل: (واخفضْ لهما جناحَ الذِّلِّ من الرحمة) بكسر الذال. قال الشاعر:
منه الحِباء سَديد هَدُيه حسن ... عند المصائب منه الذِّلُّ والنُّبُلُ
والعزيز رفع بيقيم، والنجاء رفع بينفع، والذليل نصب بوقوع الفعل عليه.
(ليس يُنْجِي مُوائلاً مِنْ حِذارٍ ... رأسُ طَودٍ وحَرَّةٌ رَجْلاءُ)
الموائل: الهارب طلبا للنجاة. يقال: وأل الرجل يئل، إذا نجا. قال الله عز وجل: (بل لهم مَوعدٌ لن
يَجِدوا من دونه مَوئلاً)، أراد: منجي. قال الشاعر:
فإنْ لم أعوِّد نفسِيَ الكرَّ بعدَها ... فلا وألتْ نفسٌ عليك تحاذرُ
معناه: فلا نجت. وقال الآخر:
كانوا جَمالاً للجميع وموئلاً ... للخائفين وسادةً في النادي
و (الحذار): ما يخاف ويحاذر، وهو مصدر حاذر حذارا. قال حاتم طي:
(1/473)

ولست بحازنٍ لغدٍ طعاما ... حِذارَ غدٍ لكلِّ غدٍ طعامُ
و (الحرة) من الأرض: التي جبالها وحجارتها سود. و (الرجلاء) فيها قولان: قال بعضهم: هي
حجارة سود وما يلي الجبل أبيض، وهي مع ذلك صعبية شديدة. وقال آخرون: الرجلاء التي يرتجل
الناس فيها لشدتها.
واسم ليس مضمر فيها مجهول كأنه قال: ليس الأمر وليس الشأن، والجملة التي بعد ليس خبرها.
ويجوز أن يكون رأس طود اسم ليس وينجي خبرها. ويجوز أن تكون ليس في مذهب (ما) فتستغني
عن الاسم والخبر، ويرتفع رأس طود بينجي. ويحكى عن العرب: ليس الطيب إلا المسك، معناه ما
الطيب إلا المسك. وقال الشاعر:
هي الشفاءُ لدائي لو تَجودُ به ... وليس منها شفاءُ الدَّاء مبذولُ
فيجوز أن يكون في ليس مجهول، ويجوز أن يكون ليس في معنى ما. والشفاء رفع بمبذول،
ومبذول به.
والحرة نسق على رأس، ورجلاء نعتها. ويروى:
ليس يُنجى الذي يُوائل منَّا
(فمَلَكْنا بذلِكَ النَّاسَ حتَّى ... مَلَك المنذِرُ بنُ ماءِ السَّماءِ)
قال أبو محمد التوزي: سمعت الأصمعي يروي هذا البيت سنة ثمانين ومائة، قال:
(1/474)

وأنا سألته عنه وقال الأصمعي: أنشدني هذا البيت حرد بن المسمعي وقال: لا يضره إقواؤه، قد أقوى النابغة في
قصيدته الدالية وعاب ذلك عليه أهل المدينة فلم يغيره، وإنما هذه القصيدة كانت شبيها بالخطبة، قام
بها الحارث مرتجلا. والارتجال: الاقتراح والابتداء من ساعته.
وأراد بإقواء النابغة قوله في:
زعمَ البوارحُ أن رحلتنا غدٌ ... وبذاك خبَّرنا الغرابُ الأسودُ
والقصيدة مخفوضة:
عجلانَ ذا زادٍ وغير مزوَّدِ
وأقوى في موضع آخر فقال:
يكاد من اللَّطافة يُعقَدُ
وقال أبو الحسن الأثرم ويعقوب بن السكيت: لا يتم معنى (وهو الرب والشهيد) إلا بهذا البيت الذي
أقوى فيه.
والناس نصب بملكنا، والمنذر رفع بملك، والابن نعته.
وإنما قيل له ماء السماء لأنه شبه عموم نفعه بعموم ماء المطر.
(وهو الرَّبُّ والشَّهِيدُ على يَوْ ... مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ)
(1/475)

والرب عني به المنذر بن ماء السماء. يخبر إنه قد شهدهم في هذين اليومين فعلم فيه صنيعهم
وبلاءهم الذي أبلوا. وكان المنذر بن ماء السماء غزا أهل الحيارين ومعه بنو يشكر فأبلوا بلاء حسنا.
و (البلاء بلاء) معناه: والبلاء شديد. فيجوز أن يكون البلاء من البلية، ويجوز أن يكون البلاء من
الإبلاء والإنعام، كما قال:
فما من بلاءٍ صالحٍ أو تكرُّمِ ... ولا سُودَدٍ إلاّ له عندنا أصلُ
والرب في هذا الموضع: السيد. قال الله جل ذكره: (فيَسقي ربَّه خَمْراً) أراد: فيسقى سيده. والرب:
المالك، يقال ربني فلان يربني ربا، أي ملكني. والرب أيضا: الإصلاح، من قولهم: أديم مربوب، أي
مصلح. وفي الرب لغتان: رب بتشديد الباء، ورب بتخفيفها. أنشد الفراء:
وقد علم الأقوامُ أن ليس فوقه ... ربٌ غير من يُعطى الحظوظ ويَخلُقُ
والحياران: بلدان. ورواه ابن الأعرابي: (يوم الحوارين).
والرب رفع بهو، والشهيد نسق عليه، ومعناه الشاهد، كما تقول عليم وعالم. وعلى صلة شهيد،
والبلاء الأول رفع.
(مَلِكٌ أَضلَعُ البِريَّةِ لا يُو ... جَدُ فيها لِمَا لدَيْهِ كِفاءُ)
معناه: ليس في البرية أحد يضطلع من الأمور بمثل ما يضطلع، أي يحتمل مثل الذي يحتمل المنذر
من الأمور الثقيلة. ويقال رجل ضليع، إذا كان كثير اللحم عظيم الجسم. وقوله (لا يوجد فيها لما لديه
كفاء)، معناه ليس في البرية أحد يكافئه ولا يستطيع أن يصنع مثل ما يصنع من الخير. يقال: كافأت
الرجل أكافئه مكافأة وكفاء.
(1/476)

والملك يرتفع بإضمار هو. وأضلع البرية نعته. والبرية فيها لغتان: الهمز وترك الهمز، فمن همزها
أخذها من برأ الله تعالى الخلق، أي خلقهم، كما قال الشاعر:
وكلُّ نفسٍ على سلامتها ... يميتُها اللهُ ثم يُبرئُها
فبنى فعيلة من ذلك. ومن لم يهمزها كان له مذهبان: أحدهما أن يقول: هي فعيلة من بريت أبرى.
والوجه الآخر أن يقول: هي فعيلة من برأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز، كما بنيت الخابية على
ذلك، وهي من خبأت.
والكفاء رفع بيوجد وهو اسم ما لم يسم فاعله، وفي صلة يوجد وكذلك اللام، ولديه صلة ما، وما فيها
يعود على ما.
(فَاتْرُكُوا البَغْيَ والتَّعدِّي وإِمّا ... تَتعَاشَوْا ففي التَّعاشِي الدَّاءُ)
ويروى: (الطيخ). والطيخ: الكلام القبيح. ويقال رجل طيلخة، إذا كان مستعملا ذلك. ويقال: الطيخ:
الكبر والعظمة. ويقال: طاخ يطيخ طيخا. و (التعاشى): التعامي. يقال: تعاشى يتعاشى تعاشيا. وقد
عشى يعشى عشىً. ويقال: أوطأتك العِشوة والعَشوة والعُشوة، إذا خبَّرتك بما لم يكن. ويقال: عشوت
أعشو عشوا، إذا نظرت نظرا ضعيفا. قال الله عز وجل: (ومن يَعْشُ عن ذِكر الرحمن). وأنشدنا
الفراء:
متَى تأتِه تَعْشُو إلى ضوءِ نارِه ... تجدْ خير نار عندها خيرُ مُوقدِ
ومعنى البيت: أن تتجاهلوا ففي ذلك الهلاك. أي اتركوا القول القبيح والتعامي عن أيامنا، فإنكم أن
تعاميتم وألجأتمونا إلى الإخبار صرتم إلى ما تكرهون، وذلك إلزامكم.
والتعدي منصوب لأنه نسق على الطيخ، وأسكنت الياء، وحقها أن تفتح، على لغة
(1/477)

الذين يقولون رأيت قاضيك بإسكان الياء. والتعدي وزنه من الفعل التفعل، أصله التعدو، فلما وقعت الواو طرفا
وانضم ما قبلها ردت إلى الياء، والضمة التي قبلها إلى الكسرة. وأما حرف جزاء، وما صلة، والفاء
جواب الجزاء، والداء رفع بقوله ففي التعاشي. ويروى: (فاتركوا الطيخ والضلال وإما).
(واذكُروا حِلْفَ ذي المَجَازِ وماقُ ... دِّمَ فيه العُهودُ والكُفلاءُ)
و (ذو المجاز): موضع بمكة المكرمة. قالبشر بن أبي خازم:
وكان مَقامُنا ندعُو عليهم ... بأبطح ذي المجاز له أثامُ
وهو الموضع الذي أخذ عمرو بن هند الملك على تغلب وبكر العهود والمواثيق، وأصلح فيه بين
الحيين وأخذ منهم رهنا من أبنائهم، من كل حي ثمانين رجلا، فلذلك قوله (وما قدم فيه العهود).
وواحد الكفلاء كفيل وكافل. ويقال: كفلت الرجل وكفلته وكفلت بالرجل. قال الله عز وجل: (وكفَلها
زكريَّا)، وقرأ بعضهم: (وكَفِلَها) بالكسر.
وموضع ما نصب بالنسق على الحلف، والعهود رفع بقدم، والكفلاء نسق عليها.
(حَذَرَ الخَوْنِ والتَّعدِّي وهَلْ يَنْ ... قُضُ ما في المَهَارقِ الأَهواءُ)
ويروى: (حذر الجور). والخون من الخيانة، والتعدي من الاعتداء. والمهارق: الصحف، واحدها
مهرق. قال الأصمعي: المهرق فارسي في الأصل، وهو في
(1/478)

كلام الفرس (مهره كرد)، أي المصقول.
وقوله (وهل ينقض ما في المهارق الأهواء)، معناه: فإن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة
بعدما تحالفنا وتعاقدنا فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوب عليكم، من العهود والمواثيق والبينات،
فيما علينا وعليكم؛ وذلك لا ينقضه شيء. ويروى: (ولن ينقض). وكذلك معنى هل الجحد.
والحذر نصب على المصدر، والأهواء رفع بينقض، وما نصب بينقض، وفي صلة ما.
(واعْلمُوا أَنَّنا وإِيّاكمُ في ... مَا اشْتَرَطْنا يومَ اخْتلَفْنا سَواءُ)
ويروى: (يوم اختلفنا فيما اشترطنا سواء). والمعنى: كان من أشراطنا وتحالفنا إنه لا يجنى أحد من
العرب اليكم جناية ولا إلى غيركم إلا كانت تلك الجناية علينا ونحن المأخوذون بها دون أصحابها،
واشترطتم علينا مثل ذلك. يقول: فنحن وأنتم في هذه العهود والمواثيق سواء. وان كفت من اسم العلم
وخبره.
(أَعَلَيْنا جُناحُ كِنْدَةَ أن يَغْ ... نَم غَازِيهمُ ومِنَّا الجزاءُ)
قال الأصمعي: كانت كندة كسرت خراجها على الملك، فبعث إليهم رجالا من بني تغلب فقتلوا فيهم
وأسروا. فيقول: أن كانت كندة فعلت هذا بكم فلم تقدروا أن تمنعوا وتأخذوا بثأركم منهم، فعلينا
تريدون أن تحملوا ذنبهم وجنايتهم إليكم. أي أتغنم كندة فيكم ويكون جناح ما صنعوا علينا.
و (الجناح): الإثم، وهو رفع، وكندة نصب وهو في موضع خفض، وإن نصب بفقد الخافض، والغازي
رفع بيغنم، والجزاء رفع بمن.
(1/479)

(أَم عَلَينا جَرَّى حِنيفةَ أو ما ... جمَّعَتْ من مُحاربٍ غَبْراءُ)
معناه: هل علينا في العهود والمواثيق التي أخذتموها علينا أن تأخذونا بذنوب حنيفة وما أذنبت
لصوص محارب. و (الغبراء): الصعاليك، وهم الفقراء. قال طرفة:
رأيتُ بني غبراءَ لا يُنكرونني ... ولا أهلُ هذاكَ الطرافِ الممدّدِ
وجاء في الحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم ليستفتح بصعاليك المجاهدين)، أي يفتتح القتال
بهم تيمنا.
وكان من حديث حنيفة التي ذكرها: أن شمر بن عمرو الحنفي، وهو أحد بني سحيم، لما غزا المنذر
بن ماء السماء غسان، وكان أم شمر غسانية، فخرج يتوصل بجيش المنذر بن ماء السماء، يريد أن
يلحق بالحارث بن جبلة الغساني، فلما دنا من الشام سار حتى لحق بالحارث بن جبلة، فقال له شمر
بن عمرو: أتاك مالا تطيق! فندب الحارث بن جبلة مائة رجل من أصحابه، وجعلهم تحت لواء شمر
بن عمرو الحنفي، ثم قال: سر حتى تلحق بالمنذر بن ماء السماء وتقول: إنا معطوه ما يريد
وينصرف عنا. فإذا وجدتم منه غرة فاحملوا عليه. فخرج شمر ابن عمرو يسير في أصحابه حتى
أتى عسكر المنذر، فدخل عليه فأخبره برسالة الحارث بن جبلة، فركن إلى قوله، واستبشر أهل
العسكر وغفلوا بعض الغفلة، فحمل الحنفي عليه بالسيف فضرب يافوخه وسال دماغه، ومات من
الضربة مكانه، وقتلوا بعض من كان حول القبة، وتفرق أصحاب المقتول، فقال أوس بن حجر في
ذلك:
نبّئت أن بني سُحيمٍ أدخلوا ... أبْياتَهمْ تامورَ نفْسِ المُنذرِ
والتامور: دم القلب.
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم غبراء لأنهم أخلاط من كل ضرب. وقال
(1/480)

آخرون: الغبراء: قوم يجتمعون فيتناهدون. ويقال إنما قيل للفقراء بني غبراء، لأن الفقر ألصقهم بالأرض. والغبراء:
الأرض، ويقال: الغبراء: السنة الشديدة، وهو يرجع إلى معنى الفقر.
وجرى رفع بعلى، وما نسق على جرى، وغبراء رفع بفعلها.
(أَمْ جَنَايا بَنى عَتيقٍ فَمنْ يَغْ ... دِرْ فإِنّا مِن حَربِهِمْ بُرآءُ)
ويروى: (إنا من حربهم لبراء). ومن العرب من يقول: فلان براء منك، ولا يثنيه ولا يجمعه ولا
يؤنقه. قال الله عز وجل: (إني براءٌ مما تعبدون). ومنهم من يقول: القوم براء منكم، ومنهم من يكسر
الباء فيقول: القوم براء، على مثال ظراف. قال الشاعر:
فإنّ أباكم الأدنى أبوكم ... وإنَّ صدورهم لكم بِراءُ
والجنايا رفع بالنسق على جرى، ومن رفع بما في يغدر، وبراء خبر إن، ومن صلة برآء، ويروى:
(فإنا من غدرهم بُرآء).
(أَم عَلينا جَرَّى العِبادِ كما نِي ... طَ بجَوْزِ المحمَّلِ الأَعباءُ)
معناه: أن بعض العباد، وهم العباديون، أصابوا في بني تغلب دماء فلم يدرك بنو تغلب بثأرهم منهم،
فيقول: تريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء وتعلقوها عليما كما عُلَّق بوسط البعير الأثقال. و (نيط)
معناه علِّق. و (الجوز): الوسط، وجمعه أجواز. أنشد الفراء:
فهي تنوشُ الحوضَ نَوشاً مِن عَلا ... نَوشاً به تقطع أجوازَ الفلا
و (المحمل): البعير. و (الأعباء): جمع عبء، وهو الثقل.
والكاف في موضع نصب، والأعباء اسم ما لم يسم فاعله.
(1/481)

(أَم عَلَينا جَرَّى قُضاعةَ أَمْ لَيْ ... سَ علينا ممَّا جنوْا أَنداءُ)
هذا تعبير منه لبنى تغلب لما فعلت قضاعة. يقول: أفعلينا ما جنت قضاعة؟ وذلك أن قضاعة غزت
بني تغلب فقتلوا فيهم وسبوا. فيقول: أفتريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء الذين أذنبوها إليكم،
وليس علينا فيما جنوا أنداء. يريد: ليس يندانا مما جنوا شيء
هذا كله تعيير منه لبني تغلب، وعمرو بن كلثوم يسمع.
والأنداء اسم ليس، واحدها ندى، وعلينا خبر.
(لَيْسَ مِنَّا المضرَّبُونَ ولا قَيْ ... سٌ ولاَ جَنْدَلٌ ولا الحَدَّاءُ)
هؤلاء قوم من بني تغلب ضربوا بالسيوف فعيرهم بهم. والحداء: قبيلة من ربيعة، ويقال: هو رجل
من ربيعة.
والمضربون اسم ما لم يسم فاعله، والأسماء التي بعدهم نسَق عليهم.
(أَم عَلينا جرَّى إِيادِ كما قِي ... لَ بطَسْمٍ أَخوكمُ الأَبَّاءُ)
معناه: أم علينا في العهد الذي كان بيننا وبينكم أن نؤاخذ بما جرت إياد. وقال هشام بن محمد الكلبي:
كانت إياد بن نزار تنزل سنداد، وسنداد: نهر فيما بين الحيرة إلى الابلة، وكان عليه قصر يحج
العرب اليه، وهو القصر الذي ذكره الأسود بن يعفر:
(1/482)

أرضُ الخورنق والسَّدير وبارقٍ ... والقصرُ ذو الشرفات من سِندادِ
قال: ولم يكن في نزار حي أكثر من إياد ولا أحسن وجوها ولا أمد أجساما، ولا أشد امتناعا. وكانوا
لا يعطون الإتاوة - وهي الخراج - وكان من قوتهم أنهم أغاروا على امرأة لكسرى أنوشروان،
فأخذوها وأموالاً لهم كثيرة، فجهز لهم كسرى الجيوش مرتين، كل ذلك تهزمهم إياد. ثم إنهم ارتحلوا
حتى نزلوا الجزيرة، فوجه إليهم كسرى ستين ألفا، وكان لقيط بن معمر الإيادي ينزل الحيرة، فكتبَ
إلى أياد وهو بالجزيرة:
سلامٌ في الصحيفة من لَقِيطٍ ... إلى مَنْ بالجزيرة من إيادِ
بأنَّ الليثَ كسرى قد أتاكم ... فلا يشغَلْكمُ سَوْقُ النِّقادِ
أتاكم منهمُ ستُّون ألفاً ... يزجُّون الكتائب كالجرادِ
على حَنَقٍ أتينَكمُ فهذا ... أوانُ هلاككم كهلاك عاد
فلما بلغ كتاب لقيط إيادا استعدوا لمحاربة الجنود الذي بعث بهم كسرى، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا،
حتى رجعت الخيل وقد أصيب من الفريقين. ثم إنهم بعد ذلك اختلفوا فيما بينهم، وتفرقت جماعتهم،
فلحقت طائفة منهم بالشام، وأقام الباقون بالحيرة.
وقال الأصمعي: كان جديس وطسم أخوين، فكسرت جديس على الملك
(1/483)

خراجها، فأخذت طسم بذنب جديس.
يقول: فتريدون أن تحملوا علينا ذنوب الناس كما قيل لطسم: أن أخاكم كسر الخراج فنحن نأخذكم
بذنبه.
والأخ رفع بالأباء، وجملة الكلام اسم ما لم يسم فاعله.
(عَنَناً باطلاً وظُلماً كما تُع ... تَرُ عن حَجرِة الرَّبيِض الظِّباءُ)
(عننا) معناه اعتراضا. يقول: انتم تعترضون بنا اعترضا وتدعون الذنوب علينا، ظلما وميلا علينا.
يقال عن يعن عنونا، إذا اعترض. وقوله (تعتر)، العتر: الذبح. والعتيرة: الذبيحة، وهي ذبيحة كانوا
يذبحونها في رجب لآلهتهم، يسمونها الرجبية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فرعة ولا عتيرة).
فالفرعة: أول ولد تلدة الناقة، كانوا يذبحونها لآلهتهم. وجمعه فرع. ويقال: قد أفرع القوم، إذا فعلت
إبلهم ذلك. ويقال: قد عتر يعتر عترا، إذا ذبح العتيرة. قال: زهير:
ثمّ استمرّ فأوفى رأسَ مرَقبة ... كصاحب العِتر دميَّ رأسَهُ النسُك
و (الحجرة): الحظيرة تتخذ للغنم. و (الربيض): جماعة الغنم. وكان الرجل من العرب ينذر نذرا
على شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة، وكانت تلك الذبائح تذبح في رجب، وكان
ذلك واجبا عليهم في دينهم، فكان الرجل منهم إذا دخل رجب وقد بلغت شاؤه مائة، وبخل أن يذبح من
غنمه شيئا، صاد الظباء وذبحها عن غنمه؛ ليوفى بها نذره. فقال الحارث: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا
كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. والحجرة: الناحية. يقال في المثل:
(1/484)

(تأكل وسطا وتربض حجرة).
والعتر نصب على المصدر، والكاف نصب له على النعت، وما مصدر. ويروى: (عبثا باطلا
شدوخا)، أي يشدخ الناس بشدته.
(وثَمانُونَ مِن تميمٍ بأَيدِي ... همْ رِماحٌ صُدورهُنَّ القَضاءُ)
وثمانون من تميم، معناه أن عمرا أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم، خرج في ثمانين رجلا من بني
تميم غازين، فأغار على ناس من بني تغلب يقال لهم بنو رزاح، كانوا ينزلون أرضا يقال لها نطاع،
قريبة من اليمن، فقتل فيهم وأخذ أموالا كثيرة. وقوله (صدورهن القضاء) معناه الموت.
والثمانون رفع بما عاد من الهاء والميم، والرماح رفع بالباء وما بعدها صلتها، والقضاء رفع
بالصدور.
(لم يُخَلُّوا بني رِزاحٍ ببَرقا ... ءِ نِطاعٍ لهمْ عليهمْ دُعاءُ)
ورواه أبو العباس: (ببرقاء). نصب برقاء لأنها لا تجري لمدة التأنيث. ونطاع، نعت برقاء. ومن
رواه ببرقاء نطاع، قال: كل ما لا يجرى إذا أضيف جرى. (لهم عليهم دعاء): يدعون الله تعالى
عليهم.
(تَرَكُوهمْ مُلحَّبِينَ فَآبُوا ... بِنِهابٍ يَصَمُّ فيه الحُدَاءُ)
ويروى: (يصم منه الحداء). قوله (ملحبين): مقطعين بالسيوف. و (آبوا): رجعوا. وقوله (بنهاب)،
معناه ما انتهبوا من أموال بني رزاح. وقوله (يصم فيه الحداء) معناه أن الإبل والمواشي التي أخذت
من بني رزاح لها جلبة
(1/485)

ورغاء، فجلبتها أكثر من أن يسمع فيها الحداء.
وملحبين نصب على الحال من الهاء والميم، والحداء رفع بيصم. ويروى: (يُصم) أي يصادف قوما
صما. يقال أصممتهم، إذا صادفتهم صما.
(وأَتَوهُمْ يَسترَجعون فلم تَر ... جِعْ لهُمْ شامَةٌ ولا زَهراءُ)
ويروى: (ثم آبوا يسترجعون)، أي رجعت بنو رزاح وقد اجتمعوا إلى بني تميم يسترجعون ما أخذوا
منهم. فلم يرجع لهم شامة ولا زهراء، أي رجعوا خائبين ولم يرجعوا بناقة سوداء ولا بيضاء. ويكون
في الغنم وغير الغنم. والشامة سوداء والزهراء بيضاء. ويروى: (ولا غبراء)، أي ما ليس بخالص
البياض.
والشامة رفع بيرجع، والزهراء نسق عليها.
(ثُمَّ فاءُوا مِنهمْ بقاصِمَة ال ... ظَّهرِ ولا يَبْرُدُ الغليلَ الماءُ)
ثم فاءوا: رجعوا، يعنى بني رزاح ومن حشد معهم من بني تغلب وغيرهم. فرجعوا بقاصمة الظهر،
أي قصمت بنو تميم ظهورهم، حيث ساقوا أموالهم وتبعوهم فلم يصلوا إلى شيء مما أخذ منهم،
فرجعوا خائبين. وقوله (ولا يبرد الغليل الماء) معناه الذي في صدورهم من الحزن والبلاء الذي نزل
بهم لا يبرده الماء، أي لا يسكنه. والغليل: الحرارة التي تكون في الصدر. ويروى: (ولا يبرد
الصدور الماء)، أي لما فيها من عظيم الحرارة. والقاصمة: الكاسرة. والتأويل: رجعوا بداهية تكسر
الظهر.
والباء صلة فاءوا، والماء رفع بيبرد، والغليل نصب به.
(ثُمَّ خيلٌ من بَعْدِ ذاك مع الغَ ... لاّقِ لا رأْفةٌ ولا إِبقاءُ)
(1/486)

يريد: غزتكم بعد بني تميم خيل من الغلاق. (لا رأفة)، يقول: ليس لأصحاب الغلاق رأفة بكم ولا
إبقاء عليكم. والغلاق: رجل من بني يربوع بن حنظلة، من تميم، كان على هجائن النعمان بن المنذر
الأكبر، وكان أغار على بني تغلب فقتل فيهم.
والخيل رفع بما عاد من المضمر، معناه: لا عندهم رأفة، والرأفة رفع بالصفة.
(ما أَصَابُوا مِن تَغْلَبيٍّ فمطْلُو ... لٌ، عَلْيهِ إذا توَلَّى العَفَاءُ)
ويروى: (إذا أصبنا العفاء). يقول جاءكم الغلاق ومن معه بحرد وغيظ وأصابوا فيكم، فكل من
أصابوا من بني تغلب فقد طل دمه، أي أهدر دمه ليس له من ينتصر له. قال أبو عبيد: كان أبو
عبيدة يقول: فيه ثلاث لغات: طل دمه طلا وطلولا، وطل دمه، وأطل دمه إطلالا. وقال أبو زيد: قد
طل دم فلان الحاكم، إذا أبطله. وقوله (عليه إذا تولى العفاء) هذا دعاء عليه. يريد: فعلى دمه العفاء.
والعفاء: الدروس في هذا الموضع. يقال: عفا الله أثرك يعفوه، أي محاه. ويقال: قد عفا الرسم، إذا
درس. وهذا كله تعيير لبني تغلب.
وموضع ما نصب بأصابوا، ومعناها الجزاء، والفاء جواب الجزاء، ومطلول رفع بإضمار هو،
والعفاء رفع بعليه.
(كتَكالِيفِ قَومِنَا إِذْ غَزَا المنْ ... ذِرُ هَلْ لابنِ هِندٍ رِعاءُ)
التكاليف من التكلُّف، يعير بني تغلب. وذلك إنه لما قتل المنذر بن ماء السماء انحازت طائفة من
بني تغلب عنه، وقالوا: لا نعطي أحدا من ولده طاعة! فلما ولي عمرو بن هند - وهو عمرو بن
المنذر بن ماء السماء، وكانت أمه هند بنت عمرو
(1/487)

بن حجر بن الحارث آكل المرار - بعث إلى
الذين انحازوا عن أبيه من بني تغلب يدعوهم إلى الرجوع إلى طاعته والى الغزو معه، فأبوا أن
يجيبوه وقالوا: مالنا نغزو معك، أرعاء نحن لك! فإنما حكى الحارث في قوله (هل نحن لابن هند
رعاء) قول بني تغلب. فغضب عمرو بن هند عند ذلك، وأراد أن يغزو غسان يطلب دم أبيه، فبعث
في أهل مملكته فاستنفرهم، فنفر معه من كل حي جماعة، وبكر بن وائل، وقوم من بني تغلب، فلما
اجتمع له ما أراد من عشائر العرب رأس عليهم أخاه النعمان بن المنذر، وأمره أن يغزو غسان
ويجعل أول غزوته على الذين خالفوه من بني تغلب.
وقال بعض الرواة: كان عمرو بن هند غزا واستخلف أخاه النعمان، فمر ببني تغلب فقتل قوما ممن
خالفه، فلذلك قال الحارث بن حازة في البيت الأول:
ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... لٌ، عليه إذا تولَّى العَفاءُ
ثم قال: (كتكاليف قومنا) يقول: كما كلفوا أن يرجعوا إلى عمرو بن هند فقالوا: لا نرجع. فجعل أول
غزاة عليهم، فقتل من قتل منهم فطلت دماؤهم، فعيرهم الحارث بقتل الغلاق إياهم، فطُلت دماء من
قُتل منهم، كما طُلت دماء هؤلاء الذين قتل عمرو أيضا حين كلفوا الطاعة فأبوا. ثم أن عمرو بن هند
لما فرغ من بني تغلب أقبل يريد الغسانيين، فمر ببعض مدن الشام فقتل ملكا من ملوكهم، وأخذ بنتا
له وكان اسمها ميسون، واستنقذ أخاه امرأ القيس بن المنذر بن ماء السماء، وكان أسر يوم قتل المنذر
بن ماء السماء.
والكاف معناه مثل، والرعاء رفع بنحن.
(إِذْ أَحَلَّ العَلاةَ قُبّةَ مَيْسو ... نَ فأّدنَى دِيارِها العَوصاءُ)
(1/488)

ويروى: (إذ أحل العلياء قبة ميسون). وميسون: بنت الغساني التي قتل أباها وأخذها وقبتها وقدم
بها. والمعنى: لما قدم عمرو بن هند بميسون الغسانية وقد قتل أباها أنزلها العلياء. والعلياء: ارض
قريبة من العوصاء. والعوصاء: ارض اقرب دار، أنزلها عمرو بميسون حين أخرجها من الشام.
ويقال: قد أحل الرجل منزل، إذا أنزله فيه. وهو من قول الله عز وجل: (الذي أحَلَّنا دارَ المُقَامة).
وقد حل الرجل يحل حلولا.
وإذ معناه لما أحل المنذر العلاة قبة ميسون. وأدنى رفع بالعوصاء، والعوصاء به.
(فتأَوَّتْ لهم قَراضِبَةٌ مِنْ ... كُلِّ حَيٍّ كأَنَّهُمْ أَلقاءُ)
ويروى: (فتأوت له قراضبة)، تأوت: اجتمعت حين دعاهم إلى الغزو. والقراضبة: الصعاليك، وهم
الفقراء، واحدهم قرضوب، ويقال قرضاب أيضا. وقوله (كأنهم ألقاء)، واحد الألقاء لقي، وهو الشيء
المطروح الذي لا يكترث به. واللقى من الرجال: الخامل الذي لا يعرف، فذكره مطروح ملقى. ويقال
لثياب المحرم إذا ألقاها عند فراغه من الحج: لقي وألقاء. وقال بعض الرواة: الألقاء: جمع لقوة،
وهي العُقاب. والقول الأول هو الذي نختاره.
ومن صلة تأوت. والألقاء خبر كأن، وهو ممدود واحده مقصور يكتب بالياء.
(فَهَداهُمْ بالأَسودَينِ وأَمْرُ اللّ ... ه بِلْغٌ يَشْقَى به الأَشقياءُ)
معناه: هدى عمرو بن هند أصحابه وجمعهم حين غزا بهم، و (الأسودان): التمر والماء، وإنما قيل
لهما أسودان وواحدهما ابيض لأن العرب تغلب أحد الاسمين على الآخر. من ذلك قولهم: سنة
العمرين، يريدون أبا بكر وعمر رضي الله
(1/489)

سبحانه عنهما. والموصلان يريدون الموصل والجزيرة.
والبصرتان: البصرة والكوفة. والقمران الشمس والقمر. وقال بعضهم: الأسودان: الليل والنهار. وقال
آخرون: الأسودان: رجلان والأبيضان: الماء واللبن. قال الشاعر:
ولكنه يأتي لَي الحولُ كاملاً ... وماليَ إلاّ الأبيضَينِ شرابُ
وقوله (وأمر الله بلغ)، معناه بالغ بالسعادة والشقاء، فمن كان سعيدا بلغته السعادة، ومن كان شقيا بلغه
الشقاء فيشقى به. وقال الحرمازي: بلغ معناه نافذ يبلغ حيث يشاء
والأمر رفع ببلغ، ويشقى موضعه رفع في التأويل على الاتباع لبلغ، ويجوز أن يكون منصوبا على
الحال مما في بلغ.
(إِذْ تَمَنَّوْنَهُمْ غُروراً فساقَتْ ... هُمْ إِليكمْ أُمْنِيَّةٌ أَشْراءُ)
يقول: تمنيتم لقاءهم أشرا، أي بطرا، فساقتهم إليكم أمنية ذات أشر، أي ذات بطر. يقول لبني تغلب:
تمنونهم، يعنى تمنون عمرو بن المنذر وأصحابه الذين تجمعوا له، وذلك أنكم قلتم: من عمرو ومن
معه؟ إنما معه قراضبة قد جمعوا له من كُلّ مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم فيعلم عمرو كيف نحن
وهو. وهذا أمنيتهم.
وإذ صلة هداهم، وغرورا نصب على المصدر، وتمنونهم مرفوع في اللفظ بالتاء، وإذ مضافة إليه
في التأويل.
(1/490)

(لم يَغُرُّوكمُ غُرورا ولكنْ ... يَرفَعُ الآلُ جَمْعَهمْ والضَّحَاءُ)
ويروى: (رفع الآل). ويروى: (حزبهم والضحاء) يقول: هؤلاء الذين غزوكم، يعنى عمرا
وأصحابه، لم يأتوكم عن غرة، ولكن الآل والضحاء رفعا لكم جمعهم فأتوكم على خبرة منكم بهم،
تنظرون إليهم والآل يرفعهم لكم. و (الضحاء): ارتفاع النهار. و (الآل): الذي يراه الإنسان من بعد
في وقت ارتفاع النهار يخيل له.
والآل رفع بيرفع، والضحاء نسق عليه.
(أَيُّها الشَّانئ المبلِّغُ عَنّا ... عِنْدَ عَمرو وهلْ لذاك انتهاءُ))
قوله (أيها الشانئ)، يريد به عمرو بن كلثوم التغلبي. يقول: أنت تشنؤنا وتشي بنا عند عمرو الملك،
ومبلِّغ عنا ما لا نعرفه. ويروى: (أيها الكاذب المبلِّغ)، ويروى: (المخبر)، ويروى: (المرقش)،
ويروى: (المقرّش). ومن روى: (وهل لذاك انتهاء) أراد: هل لذاك غاية ينتهي إليها.
والانتهاء رفع باللام المكسورة الزائدة.
(مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأَكمَل مَنْ يَمْ ... شِي ومِنْ دونَ ما لدَيه الثَّناءُ)
المقسط: العادل. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط، إذا عدل. وقسط فهو
(1/491)

قاسط، إذا جار. قال الله عز وجل: (إنَّ الله يُحِبُّ المقْسِطِين). وقال سبحانه وتعالى:
(وأما القاسطون فكانوا لجهنَّم حَطَباً). ويروى:
(ملك باسط)، أي منبسط الأمر، قد بسط عدله في الناس. وإنما يمدح بهذا عمرو بن هند. ويروى:
(أكرم من يمشي) أي فعلا، و (أكمل من يمشي) يريد به عقلا ورأيا. وقوله (ومن دون ما لديه الثناء)
معناه الثناء بنا عليه اقل مما فيه، وعنده من الخير والمعروف أكثر مما نصف ونثني عليه.
والملك رفع بإضمار هو، والثناء رفع بمن.
(إِرَميٌّ بمثله جالَتِ الجِ ... نُّ فآبتْ لخَصْمها الأَجلاءُ)
قوله (إريى) نسبة إلى إرم عاد، أي ملكه قديم كان على عهد إرم. وقال بعضهم: أراد كأن هذا
الممدوح من إرم عاد في الحلم، كما قال الأغلب العجلي:
جاءوا بشيخَيهم وجئنا بالأصمّْ ... شيخ لنا كان على عهد إرمْ
قد كدم الشَّيبُ قفاه وكدَمْ
(1/492)

وقال آخرون: ذهب إلى أن جسمه وقوته يشبهان أجسام عاد وشدتهم. وقوله (بمثله جالت الجن)،
الجن في هذا الموضع: دهاة الناس وأبطالهم. يقال للرجل إذا كان بطلا: ما هو إلا جنى. و (جالت):
فأعلت من المجالاة، وهي المكاشفة. يقول: بمثل عمرو بن هند كاشفت الجن الناس فآبوا، أي رجعوا،
وقد فلج خصمهم على كل من خاصمهم. و (الأجلاء): جمع الجلا. والجلا: الأمر المنكشف. قال سحيم
بن وثيل:
أنا ابنُ جَلاَ وطلاَّعُِ الثنايا ... متَى أضعِ العمامةَ تعرفوني
أي أنا ابن البارز الأمر المنكشف.
والباء صلة جالت، والأصل في جالت جالوت، فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها،
وسقطت لسكونها وسكون التاء. والأجلاء رفع بآبت، واللام صلة آبت.
(مَنْ لَنا عِندَه مِنَ الخَيْر آيا ... تٌ ثَلاثٌ في كلِّهنَّ القضاءُ)
ويروى: (في فصلهن القضاء)، يعني عمرو بن هند. والآيات الثلاث: العلامات الثلاث. يقول: نحن
أنصح الناس للملك وأكرمهم عليه، وأجودهم منه منزلة ومكانا. (في كلهن القضاء) معناه في كلهن
يقضى الناس لنا بذلك.
ومن رفع بإضمار هو، والايات رفع باللام. ويروى:
إنّ عمراً لنا لديه خلالٌ ... غيرَ شكّ في كلهن القضاءُ
(آيةٌ شارِقُ الشَّقيقةِ إِذْ جا ... ءُوا جَميعاً لكلِّ حَيٍّ لِواءُ))
شارق الشقيقة، بنو الشقيقة: قوم من بني شيبان جاءوا يغيرون على إبل لعمرو بن هند، وعليهم
قيس بن معد يكرب، وهو أبو الأشعث بن قيس، فردتهم بنو يشكر
(1/493)

وقتلوا فيهم. وقوله (شارق) معناه جاء من قبل المشرق، أي هو صاحب المشرق.
ويروى عن أبي عمرو إنه قال: الشقيقة: صخرة بيضاء.
والآية رفع بإضمار منهن، وهي العلامة. وشارق تابع للآية، واللواء رفع باللام الزائدة.
(حَولَ قَيسٍ مُستلئمِينَ بكَبشٍ ... قَرَظيٍّ كأَنَّه عَبْلاءُ)
يقول: هؤلاء بنو الشقيقة حول قيس بن معد يكرب. (مستلئمين)، أي قد لبسوا الدروع. وقوله
(قرظى) نسبة إلى البلاد التي ينبت فيها القرظ، وهي اليمن. وقوله (كأنه عبلاء): هضبة بيضاء.
ويروى عن أبي عمرو إنه قال: لا اعرف قيسا الذي ذكره في هذا البيت، وقال الأعبل: حجر أبيض.
ومستلئمين نصب على الحال مما في جاءوا، وحول صلة جاءوا.
(وصَتِيت مِنَ العَواتِكِ ماتَنْ ... هاهُ إِلاّ مُبْيضَّةٌ رَعْلاءُ)
الصتيت: الجماعة. والعواتك: نساء من كندة من الملوك. وقوله (ما تنهاه إلا مبيضة رعلاء) يقول:
لا يكف هذا الجمع إلا ضرب شديد موضح عن بياض العظم. والرعلاء: الضربة المسترخية اللحم
من الجانبين جميعا حتى يظهر العظم، وإنما هو شدة الضرب. وبنو العواتك خرجوا مع قيس بن معد
يكرب.
والصتيت منخفض بالنسق على الكبش، كأنه قال: جاء بنو الشقيقة مستلئمين بكبش وبصتيت من
العواتك، والمبيضة رفع بتنهاه، والهاء يعود على الصتيت.
(فجَبهْناهمُ بضَربٍ كما يَخْ ... رُجُ مِن خُربةِ المَزَادِ الماءُ)
(1/494)

ويروى: (فرددناهم) والمعنيان متقاربان. وقال الأصمعي: الخربة هاهنا: عزلاء المزادة، وهو مسيل
الماء منها. فشبه خروج الدم ونزوه من الجرح بخروج الماء من فم تلك العزلاء. والخربة: تجمع
خربا. والمزاد: جمع مزادة. والمزادة والقربة سواء
والكاف موضعها نصب ومعناها المصدر.
(وحَمَلناهمُ على حَزْمِ ثَهْلا ... نَ شِلالاً ودُمِّىَ الأَنساءُ)
الحزم: ما غلظ من الأرض ومن الجبل وخشن. فشبه شدة ما أصابهم وما حملوهم عليه من القتل
بشدة هذا الحزم. هذا قول الأصمعي، وقال أبو مالك: وحملناهم على حزم ثهلان بعينه. يقول:
جرحناهم فركبوا حزم ثهلان على خشونته. وقوله (شلالا): هرابا. وقد دميت من الجراح أنساؤهم.
يقال منه: شللت الرجل أشله شلا، إذا طردته.
وثهلان موضعه خفض إلا إنه لا يجري. وشلالا نصب على المصدر، وتقدير فعله شاللت شلالا.
(وفَعَلْنا بِهِمْ كما عَلِم اللَّ ... هُ وما أن للحائنينَ دِماءُ)
وقوله (وفعلنا بهم كما علم الله) معناه: قتلنا منهم قتلا عظيما شديدا قد علمه الله تبارك وتعالى. وقوله
(وما أن للحائنين دماء) معناه من عصى فقد حان أجله؛ وذلك إنه يجيء فيخاطر بنفسه، وإذا قتل
فليس له من يطلب بدمه. وقال بعضهم:
(1/495)

من قدّر الله تعالى عليه الحين فليس له بقاء. ويروى:
(لحائنين ذماء) بذال معجمة؛ فالذماء: بقية الروح.
والكاف نصب بفعلنا، وان معناها الجحد، وهو مؤكدة لما.
(ثُمَّ حُجراً أَعنِي ابنَ أُمِّ قَطَامٍ ... ولَهُ فارسِيَّةٌ خَضْراءُ)
يقول: الآية الثانية التي صنعنا بحجر، وكان حجر غزا امرأ القيس أبا المنذر بن ماء السماء، بجمع
من كندة كثير، وكانت بكر بن وائل مع امرئ القيس، فخرجت إليه بكر بن وائل فردته وقتلت
جنوده. وقوله (وله فارسية خضراء): يقول: معه كتيبة خضراء من كثر السلاح. فارسيَّة: أي سلاحها
من عمل فارس.
ونصب حجرا بالنسق على الهاء والميم، أي رددنا حجرا.
(أَسَدٌ في اللِّقاءِ وَرْدٌ هَموسٌ ... ورَبيعٌ أن شنَّعتْ غَبراءُ)
الهموس: المختال الذي يخفى وطأة حتى يأخذ فريسته. قال الله عز وجل: (فلا تَسمع إلاّ هَمْساً) أي
وقع الأقدام. قوله (إن شنعت) يقول: إذا أقحطوا كان لهم ربيعا. والتشنيع: إذا أجدبت السنة وقل
مطرها ونباتها فذلك التشنيع. ويقال شنَّعتْ: جاءت بأمر شنيع. و (الغبراء): السنة القليلة المطر.
(فَرَددْناهُمُ بطَعنٍ كما تُنْ ... هَزُ عَنْ جَمَّةِ الطَّوِيِّ الدِّلاءُ)
(1/496)

ويروى: (فجبهناهم)، أي طعنا جباههم. قوله (كما تنهز) أي تحرك الدلاء لتمتلئ. ومعنى (عن
جمة): كثرة الماء فيه، ويروى: (في جمة الطوى). وقال الأصمعي: جمة البئر: الذي قد جم فليس
يستقى منه. وقال أبو مالك: جمة البئر: الموضع الذي يبلغه الماء من البئر لا يبلغ أكثر منه، فيرى
ذلك الموضع مستديرا كأنه إكليل.
والدلاء اسم ما لم يسم فاعله، والكاف نصب بالفعل.
(وفَكَكنا غُلَّ امرئ القَيسِ عَنهُ ... بَعْدَ ما طالَ حبسُهُ والعَناءُ)
يعنى بامرئ القيس ابن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند من أبيه، وكانت غسان
أسرته يوم قُتل المنذر أبوه، فأغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على بعض الشام فقتلوا ملكا
لغسان، واستنقذوا امرأ القيس، وأخذ عمرو ميسون بنت ذلك الملك التي ذكرها الحارث.
وبعد صلة فككنا، وما معناه المصدر، كأنه قال: بعد طول حبسه.
(وإَقَدْناهُ ربَّ غسَّانَ بالمنْ ... ذِرِ كَرهاً إِذْ لا تُكَالُ الدِّماءُ)
يقول: قتلنا ملك غسان هذا، وإنما قتلناه بالمنذر كرها لأن لا تكال الدماء. ويروى: (وما تكال
الدماء)، يقول: كانت القتلى منهم أكثر من أن تحصى، فليست تحسب الدماء ولا تكال من كثرتها.
وقال بعض اهل اللغة: معنى قوله: (وما تكال الدماء): ذهبت هدرا ليس فيها قود. يقال: كيل فلان
بفلان، إذا قُتل به.
والهاء نصب بالفعل، والرب مفعول ثان، وكرها نصب على المصدر.
(1/497)

(وفَديناهُمُ بِتِسعَة أَملا ... كٍ نَدامَى أَسلابُهم أَغلاءُ)
ويروى: (بتسعة أكلاك كرام). وكان المنذر بن ماء السماء بعث خيلا من بكر ابن وائل في طلب
بني حجر آكل المرار حين قُتل حُجر، فظفرت بهم بكر بن وائل وقد كانوا دنوا من بلاد اليمن، فأتوا
بهم المنذر بن ماء السماء فأمر بذبحهم وهو بالحيرة، فذبحوا عند منزل بني مرينا، وكانوا ينزلون
الحيرة، وهم قوم من العباد. وفي ذلك يقول امرؤ القيس:
ألا يا عَين بكِّى لي شَنِينا ... وبكِّي للملوك الذاهبينا
ملوك من بني حُجْر بن عمرو ... يُساقُون العشيَّةَ يُقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديارِ بني مَرينا
و (الأملاك): جمع ملك، والملك يقال في جمعه ملكون وملوك وأملاك. والأسلاب رفع بالأغلاء.
(ومعَ الجَونِ جَوِن آلِ بني الأَوْ ... سِ عَنودٌ كأَنَّها دَفْواءُ)
الجون: ملك من ملوك كندة، وهو ابن عم قيس بن معد يكرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
تزوج بنت عبد الرحمن بن الجون، وكان عبد الرحمن مسلما، وبنو الأوس من كندة. وكان الجون
جاء يمنع بني عمرو بن حُجر آكل المرار ومعه كتيبة خشناء، فهزمته بكر وأخذوا ابن الجون فأتوا
به المنذر. وقوله (ومع الجون) يقول: كان الجون مع ولج عمرو بن حجر ومعه هذه الكتيبة.
و (العنود) هاهنا: كتيبة محكمة. و (الدفواء) هاهنا: كتيبة منحنية على من تحتها. يعني
(1/498)

أن هذه الكتيبة منعطفة على ملكها تمنعه. والأدفى من القرون المنحنية: الذي قد انحنى في عجب الوعل أو غيره،
يمنع ما تحته ولا يوصل إليه. والرجل الأدفى: الذي في ظهره انحناء؛ وكذلك المرأة الدفواء إنما
أخذت من هذا. وقال بعض الرواة: الدَّفواء: العقاب، والدفواء: المائلة. وإنما يريد الكتيبة، جعلها
دفْواء من بغيها، يقول: كما تنقض العُقاب على الصيد كذلك تميل هذه الكتيبة من بغيها.
والجون خفض بمع، والعنود رفع بمع، وكأنها دفواء صلة العنود.
(ما جَزِعْنا تَحْتَ العَجَاجةِ إِذْ وَ ... لَّتْ بأَقفائها وحَرَّ الصَّلاءُ)
ويروى: (إذ جاءوا جميعا وإذ تلظى الصلاء). يقول: لم تجزع حين لقينا الجون وهو في جمع كثير.
و (العجاج): الغبار الذي قد أثارته الخيل بسنابكها فارتفع كأنه دخان. يقول: لم نجزع من هذه الكتيبة
الخشناء. قوله (إذ ولَّت بأقفائها) معناه بأعجازها. ومن روى: (وحر الصلاء) أراد وقدت النار. يقال
حر اليومُ يحر حرا، وحر المملوك يحر حرارا.
والصلاء رفع بفعله وهو حر. والأقفاء: جمع قفا كما تقول ندى وأنداء، ورحى وأرحاء؛ ولا تكاد
العرب تقول في جمعه أقفية، وربما قالوه كما قالوا ندى وأندية. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي
لابن محكان السعدي:
في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أندية ... لا يُبصر الكلبُ من ظلمائها الطُّنُبا
(1/499)

وقال بعض الرواة: قوله (إذ ولت بأقفائها) معناه انبعث ما كان فيها مثل الشيء ينفتق فيخرج ما فيه.
(وَوَلدْنا عَمْرَو بنَ أَمِّ أُنَاسٍ ... مِن قريبٍ لمَّا أَتانا الحِباءُ)
قوله (وولدنا عمرو بن أم أناس)، يريد عمرو بن حجر الكندي، وكان جد الملك عمرو بن هند، وهند
بنت عمرو بن حجر آكل المرار، وكانت أم عمرو بن حجر أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة،
وعمرو بن أم أناس هذا هو جد امرئ القيس الشاعر. وقوله (من قريب)، معناه السبب بيننا وبينه
قريب ليس بالمتباعد، إذ أمه بنت ذهل بن شيبان، وهي جدة أم عمرو بن المنذر. وقوله (لما أتانا
الحباء) يقول: حين أتانا حبلاء الملك عمرو بن حجر لما خطب إلينا ورآنا أهلا لمصاهرته.
وابن أم أناس نعت لعمرو، وأناس خفض بإضافة الأم إليه.
وقال الفراء: إذا كنيت امرأة بأم أناس وأم صبيان، وأم رجال، وأم نساء كان الغالب عليها ألا
تجري، لأنه لما لم يكن ما أضيفت إليه اسما من أسماء الرجال معروفا كان كالاسم لها. وأنشد لبشر
بن أبي خازم:
وإلى ابن أم أناسَ تَعمِد ناقتي ... عمروٍ ستُنجِحُ حاجتي أو تتلفُ
فلم يجر أناس. قال الفراء: ولو تُوهِّم في أناس إنه اسم لابن لها، وإن لم يكن لها ابن، جاز إجراؤه.
ولما نصب بالوقت.
(1/500)

(مِثلُها تُخرجُ النَّصيحةَ للقوْ ... مِ فَلاةٌ مِن دونها أَفلاءُ)
معناه: هذه القرابة بيننا وبينك أيها الملك تخرج نصيحتنا لك، ثم قال: (فلاة من دونها أفلاء) يعنى
نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة التي دونها أفلاء كثيرة. والأفلاء على هذه الرواية: جمع فلا؛ وفلاً:
جمع فلاة. قال الشاعر:
إليك أبا حفص تعسَّفتِ الفلا ... بِرَحلَي فَتلاءُ الذّراعين جلعدُ
ويروى: (فلاء من دونها أفلاء)، أي يتولد من النصيحة مثل الفلاء، وهو جمع فلو. والفلو يخدع
بالشيء بعد الشي حتى يسكن، ثم يفلي عن أمه: يفطم. فالأفلاء على هذه الرواية: جمع فلو، وهو
على مثال قولهم عدو وأعداء.
والفلاة مرفوعة على التكرير، كأنه قال: مثلها فلاة. والأفلاء رفع بمن، ومثل الظاهرة رفع بما عاد
من تخرج.
تمت القصيدة بغريبها وأخبارها ومعانيها.
(1/501)

7 - قصيدة لبيد بن ربيعة
(1/503)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة بن
معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ابن عيلان بن مضر بن نزار
بن معد بن عدنان.
وكان يقال لمالك: الطيان، لأنه كان طاوي البطن.
وبعضهم يقول: قيس عيلان. وقال هشام بن محمد الملبي: سمعت بعض النساب يقول: قيس بن
النَّاس بن مضر، وكان عيلان حضن الناس بن مضر فغلب عليه. وقال آخرون: بل كان فرس يقال
له عيلان فنسب إليه. والناس: ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد، ثم انقطع النسب.
وقال أبو الحسن الأثرم: كان لمضر الياس والناس: ابنا مضر.
وكان وفد أبو براء، وهو عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الأسنة؛ وإنما سمى ملاعب الأسنة لقول
الشاعر في أخيه طفيل بن مالك:
فراراً وأسلمتَ ابنَ أمِّك عامراً ... يُلاعبُ أطرافَ الوشيج المقَوَّمِ
في رهط من بني جعفر على النعمان، ومعه لبيد بن ربيعة وهو يومئذ غلام، فوجدوا عند النعمان
الربيع بن زياد العبسي، وكانت امه فاطمة ابنة الخرشب الأنمارية، من انمار بن بغيض، وهي أم
الكملة: عمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وقيس الحفاظ، والربيع الكامل. وكان ربيع نديما للنعمان مع
تاجر من تجار الشام يقال له
(1/505)

سرجون بن توفيل، وكان له حريفا يبايعه، وكان أديبا حسن الحديث
والمنادمة، فاستخفه النعمان، فكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه والى النطاسي: متطبب كان
له، وإلى الربيع. فلما قدم الجعفريون على النعمان ومعهم لبيد، كانوا يحضرون النعمان لحوائجهم،
فإذا خرجوا من عنده وخلا به الربيع، طعن عليهم وذكر معايرهم، فصده عنهم. وأنهم دخلوا يوما
فرأوا من النعمان جفاء وتغيرا، وكان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجالسهم، فخرجوا من عنده غضابا،
ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم كل صباح فيرعاها، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم
يتذاكرون أمر الربيع وما يلقون منه، فسألهم عما هم فيه فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعا،
ولا أسرح لكم بعيرا أو تخبروني بهذا الأمر! وكانت أم لبيد امرأة من بني عبس، يتيمة في حجر
الربيع بن زياد، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك وصد بوجهه عنَّا. فقال: هل تقدرون على أن
تجمعوا بيني وبينه فأزجره عنكم بقول مُمض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا: وهل عندك
من ذلك شيء؟ قال: نعم. قالوا ك فإنا نبُلوك بشتم هذه البقلة - لبقلة قدامهم دقيقة القضبان قليلة
الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تُدعى التربة - فقال:
(هذه التربة التي لا تذكى نارا، ولا توهل دارا، ولا تسر جارا؛ عودها ضئيل، وفرعها ذليل،
وخيرها قليل؛ أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعا، وأشدها قلعا؛ آكلها جائع، والمقيم عليها قانع.
فالقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس، وأدعه من أمره في لبس).
قالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال عامر: انظروا غلامكم فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما
يتكلم بما جاء على لسانه، وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبه. فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلا
وقد تكدم واسطه، حتى أصبح. قالوا له: أنت والله صاحبه. فعمدوا إليه فحلقوا رأسه، وتركوا له
ذؤابتين، وألبسوه حلة،
(1/506)

ثم غدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى ومعه الربيع بن زياد،
وهما يأكلان، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوة من الوفود. فلما فرغ من الغداء أذن
للجعفريين، فدخلوا عليه وقد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض
الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز وهو يقول:
يا ربَّ هَيْجا هي خيرٌ من دَعَه ... أكلَّ يوم هامتي مقَزَّعه
لا تَمنعُ الفِتيانَ من حُسن الرِّعَهْ ... نحنُ بني أمِّ البنين الأربعه
- أم البنين: ابنة عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ولدت لمالك بن جعفر عامرا
ملاعب الأسنة، وطفيلا فارس قرزل، وربيعة ربيع المقترين - وربيعة: أبو الوليد - ومعاوية معوج
الحكماء، وعبيدة الوضاح، وهو صدق بر، فلم يمكنه للقافية أن يجعلهم خمسة فجعلهم أربعة. ونصب
بني أم البنين على المدح لنحن
ونحن خيرُ عامر بن صعصعه ... المُطِعمون الجَفْنة المُدَعدَعهْ
والضّاربون الهامَ تحت الخيضعه ... مَهلاُ أبيت اللعنَ لا تأكل معه
إنّ استَه من بَرَص ملمَّعه ... وإنَّه يُدخِل فيها إصبعَه
(1/507)

يدخلُها حتى يوارى أشجعَه ... كأنَّه يطلب شيئاً ضيَّعه
الأشاجع: أصول الأصابع في الراحة.
وزعموا إنه لما أنشد لبيد هذا الرجز التفت النعمان إلى الربيع شزرا فقال: أكذاك أنت يا ربيع؟
فقال: لا والله لقد كذب ابن الحمق اللئيم! فقال النعمان: أف لهذا الطعام، لقد خبثت على طعامي!
فغضب وقال: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه. فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، وهي من نسوة
غير فعل، وأنت المرء فعل بيتيمة في حجره. فغضب الربيع وغضب لغضبه بنو فقيم ونهشل،
وضمرة ابن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل - وكان أبرص - وكانت بنو كلاب أسروا ضمرة
فمنُّوا عليه. فقال لبيد يرجز بضمرة أيضا:
يا ضَمْرَ يا عبدَ بني كلاب ... يا أيرَ كلب عَلِفٍ بباب
تمكو استُه من حَذَر الغراب ... يا وَرَلاً ألقِىَ في السَّراب
أكان هذا أول الثَّواب ... لا يَعلقَنْكم ظُفُري ونابي
إني إذا عاقبتُ ذو عقابِ ... بصارمٍ مذكَّر الذُّباب
فأمر النعمان بلبيد وأصحابه فأخرجوا، وقام الربيع فانصرف إلى منزله فبعث إليه النعمان بضعف
ما كان يحبوه، وأمره بالانصراف إلى أهله.
فكتب إليه الربيع: (أني قد عرفت إنه وقر في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث إليَّ من
يجر دنى، فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال).
فأرسل إليه: (إنك صادق، لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا على ما زلت به
الألسن، فالحق بأهلك).
(1/508)

فلحق بأهله وأرسل إلى النعمان بأبيات قالها:
لئن رحلتُ جِمالي لا إلى سعةٍ ... لا مثلُها سعةٌ عرَضاً ولا طُولا
بحيثُ لو وُزِنت لخمٌ بأجمعها ... ما وازنت ريشةً من ريش سَمويلا
ترعَى الرَّوائمُ أحرارَ البقول بها ... لا مثلَ رعيكمُ مِلحاً وغَسويلا
فابرُقْ بأرضك بعدي وأخلُ متكئاً ... مع النِّطاسي طوراً وابنِ تَوفيلا
السمويل: طائر، ويقال: بلدة كثيرة الطير. والروائم: الإبل العواطف على أولادها. والغسويل: شجر
ينبت في السِّباخ. فأجابه النعمان:
شرّدِ برجلكِ عنِّى حيثُ شئتَ ولا ... تُكثرْ علىَّ ودعْ عنك الأباطيلا
فقد ذُكرتَ به والركبُ حاملهُ ... ما جاورَ الغَيْلُ أهلَ الشامِ والنيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما جَزَعتْ ... هُوجُ المطيّ به أبراق شِمْليلا
قد قيل ذلك أن حقاًّ وإنْ كذباً ... فما اعتذاركَ من شيءٍ إذا قيلا
فالحقْ بحيث رأيتَ الأرضَ واسعةً ... فانشُرْ بها الطَّرف أن عرضاً وإن طولا
جزعت: قطعت. وشمليل: موضع.
وقال لبيد أيضا يرجز بالربيع:
ربيعُ لا يسُقْك نحوي سائقُ ... فتُطلَبَ الأذحالُ والحنائقُ
ويُعلمَ المُعْيا به والسَّابقُ ... ما أنتَ أن ضُمَّ عليك المازِقُ
إلاَّ كشيءٍ عاقه العوائقُ ... إنك حاسٍ حُسوةً فذائقُ
لا بُدّ أن يُغْمَز منك الفائق ... غَمزاً ترى أنك منه ذارقُ
(1/509)

الفائق: عظم في مؤخر الرأس حيث اتصلت العنق بالرأس. والذارق: الملقى أذى بطنه.
وكان لبيد مخضرما، قال الشعر في الجاهلية والإسلام. وإنما قيل لمن كان على هذه السبيل
مخضرما لأن بعض أيامه مضت في الجاهلية وبعضها في الإسلام. يقال ناقة مخضرمة، إذا شقت
أذنها بنصفين.
وقال بعض الرواة: لم يقل لبيد في الإسلام إلا بيتا واحدا:
الحمد لله إذْ يأتني أجلى ... حتَّى لبِستُ من الإسلام سربالا
وأخبرنا أبو عمران موسى بن محمد الخياط قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الخراساني - وهو ابن
أبي إسرائيل - قال: حدثنا شريك عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله
سبحانه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ
وأخبرنا موسى بن يحيى الكاتب قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي قال: حدثني عبد الله بن محمد بن قنفذ الوادي، من أهل وادي القرى، قال: حدثني ابن أخي
ابن شهاب عن عمه، أن عمر بن الخطاب رضي الله سبحانه عنه كان يأمر برواية قصيدة لبيد:
إنَّ تَقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ ... وبإذنِ اللهِ رَيْثي وعَجَلْ
وأخبرنا موسى قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثني محمد بن عمران بن زياد بن كثير الضبي
قال: حدثني القاسم بن يعلى، عن المفضل قال:
قدم الفرزدق الكوفة فمر بمسجد بني أقيصر، وعليه رجل ينشد:
وجَلاَ السُّيولُ عن الطُّلول كأنَّها ... زُبُرٌ تُجدُّ متونَها أقلامُها
فسجد فقيل: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: أنتم تعرفون سجدة القرآن
(1/510)

وأنا أعرف سجدة الشعر!
وحدقنا أبو عمران الخياط قال: حدثنا أحمد - وهو ابن الدورقي - قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا
هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله سبحانه عنها، أنها كانت تكثر تمثل هذين البيتين:
ذهبَ الذين يُعاش في أكنافهم ... وبَقِيتُ في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
يتأكَّلون مَلامةً ومذمَّةً ... ويُلام قائلهم وإن لم يَشغَبِ
قالت: ويح لبيد بن ربيعة، كيف لو بقى إلى مثل هذا اليوم؟
قال هشام: قال أبي: فكيف لو بقيت عائشة رضي الله عنها إلى هذا اليوم! قال هشام: وأنا أقول:
كيف لو بقي أبي إلى هذا اليوم.
وحدثنا الكديمي قال: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن لاحق، عن أبي مليكة عن عائشة رضي الله
عنها؛ إنها كانت تمثل بهذا البيت:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجربِ
ثم قالت رضي الله سبحانه عنها: رحم الله تعالى لبيدا، إني لأروى له ألف بيت.
وأخبرني أبو بكر عبد الله بن خلف قال: أخبرني سلم بن يزيد قال: أخبرني عيسى بن إسماعيل:
أخبرني إسماعيل بن أبي عبيد الله عن هشام بن محمد قال: أخبرني أبي قال:
مر لبيد بن ربيعة بالكوفة بمسجد بني نهد وهو يوكأ على محجن له، فلما جازهم أرسلوا إليه فتى
منهم فقالوا: الحق أبا عقيل فاسأله: من أشعر العرب؟ فقال الملك الضليل - يعني امرأ القيس -
فرجع إليهم فأخبرهم فقالوا له: ارجع إليه فاسأله: ثم من؟ فرجع إليه فقال: ثم من؟ فقال: ثم صاحب
المحجن أبو عقيل، يعني نفسه.
وقال هشام بن محمد الكلبي: أخبرني رجل من بني جعفر، يقال له علقمة، قال:
(1/511)

عاش لبيد بن ربيعة مائة وثلاثين سنة، وأدرك معاوية بن أبي سفيان.
قال: وكانت أعطيات العرب ألفين وخمسمائة. قال: فكتب معاوية إلى زياد بن أبيه بحط الخمسمائة.
قال: ففعل. قال فجاء لبيد ليأخذ عطاءه فقال له زياد: أبا عقيل، هذان الخرجان فما بال العلاوة؟ قال:
ألحق العلاوة بالخرجين فإنك لا تثبت إلا قليلا حتى يصير إليك الخرجان والعلاوة! قال: فأعطاه زياد
ألفين وخمسمائة، ولم يعطها غيره. قال: فما أخذ لبيد عطاء حتى مات.
قال هشام: وكان للبيد يوم جبلة تسع سنين، وولد عامر بن الطفيل في تلك الليلة، ووفد عامر إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن نيف وثمانين سنة.
وقال بعضهم: عاش لبيد مائة وأربعين سنة، وقال حين طوى سبعا وسبعين:
قامت تَشَكَّى إلى النفسُ مُجْهِشةٍ ... وقد حملتُكَ سبعاً بعد سبعينا
فإنْ تُزادِي ثلاثاً تَبلُغي أملاً ... وفي الثلاث وفاءٌ للثمانينا
ويروى: (تبلغي أملا). فلما بلغ تسعين حجة قال:
كأني وقد جاوزت تسعين حِجَّةً ... خَلَعتُ بها عن منكِبَيَّ ردائيا
يقول: كأن مضى هذه السنين في سرعتها بمنزلة خلعي ردائي عن منكبي.
فلما بلغ مائة سنة وعشرا قال:
أليس في مائة قد عاشَها رجلٌ ... وفي تكامل عَشْر بعدها عِبَرُ
فلما بلغ مائة وثلاثين سنة قال:
ولقد سَئِمتُ من الحياة وطولِها ... وسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيدُ
غَلبَ العزاءَ وكان غيرَ مغلَّبٍ ... دهرٌ طويل دائمٌ ممدودُ
يومٌ إذا يأتي علىَّ وليلةٌ ... وكلاهما بَعدَ المضاء يعودُ
ويروى: (غلب البقاء). فلما حضرته الوفاة قال لابنه: أي بني، أن أباك لم يمت ولكنه فني، فإذا
قُبض أبوك فغمضه وأقبله القبلة، وسجه بثوبه، ولا أعلمنّ
(1/512)

ما صرخت علىّ صارخة، ولا بكت علىّ باكية. وانظر جفنتي التي كنت أصنعها فاصنعها وأجد صنعتها،
ثم أحملها إلى مسجدك، ومن كان
يغشاني عليها، فإذا قال الإمام سلام عليكم فقدمها إليهم يأكلوها، فإذا فرغوا فقل: احضروا جنازة أخيكم
لبيد، فقد قبضه الله تبارك وتعالى!
وقال جعفر بن كلاب: لما حضر لبيد الموت دخل عليه بنو جعفر فقال: ابكوا حتى أسمع. فأرموا
ساعة فقال شاب منهم: قد قلت. قال: فأنشدني - قال: وكان لبيد حلف ليطعمن كلما هبَّت الصَّبا! -
فقال:
لتبكِ لبيداً كلُّ قدرٍ وجَفنةٍ ... وتبكي الصَّبا مَن فاد وهو حميدُ