Advertisement

تزيين الأسواق في أخبار العشاق



الكتاب: تزيين الأسواق في أخبار العشاق
المؤلف: داود بن عمر الأنطاكي، المعروف بالأكمه (المتوفى: 1008هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اطلع في بروج اعتدال القدود شموس المحاسن والجمال وأهل في منازل السعود بدور اللطائف والكمال وزين أغصان القدود برمان النهود ورياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود وألف بين ما نظم في الثغور وقلائد النحور وجعل تسريح الأبصار لذوي البصائر ولطافة الأفكار من أسباب الافتتان بتأمل الحسان فنزلهم وإن اختلفت أغراضهم منزلة الأغراض لرشق قسي الحواجب بسهام الألحاظ نحمده على تعديل أمزجة فرعها صحة التأمل في حسن التجمل وتصفية نفس لازمها الاستبصار والتبصر في الفرق بين الجهل والتعقل ونصلي ونسلم على من بعث ينهي النفس عن الهوى والإرشاد إلى طريق العدل والاستوا والأمر باعلاء العقل على النفس وقهر شهوات الجسم وتقييد مدارك الحس فحث على تهذيب النفس الأبية عن الرذائل الدنيئة سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المتخلقين بأكرم الأخلاق والأوصاف وأجمل اللطافة والعفاف ما نضرت الحدائق ونظرت الحدق وتأنق المفلق وتألق الفلق.
وبعد فلما دل تنويع أصل الإيجاد وتفريع عالم السكون والفساد مع قدرة الموجد على جعل ما أوجد من أصل واحد على سأم النفس من ملازمة الشيء الواحد في كل حال واستراحتها في اختلاف الأطوار بالنظر والانتقال وكان أعظم مطلوب منها تحصيل العلوم التي هي سبب السعادة الدينية وتشييد المباني الشرعية وجب إسعافها بالمفاكهات الأنيقة والأخبار اللطيفة الرشيقة لتنشط من عقال التعب وتستريح فتعود إلى المطلوب منها خفيفة من كل الوصب والنصب وذلك هو العلوم الأدبية كالتواريخ والأخبار ولطائف الحكايات والأشعار ولما من الله تعالى علي بعد تحرير العلوم العقلية وتهذيب النفس بالدائق الحكمية بالهجرة إلى الديار المصرية فمثلت بها بين يدي الأماثل وخدمت من سما فيها من أرباب الفضائل من أيضاً سبحانه وتعالى كجاري عوائده السنية بتحصيل ما أمكن من العلوم الشرعية بيد أني رميت في خلال الاشتغال بما شوش الفكر وغير البال وهيج أليم البلبال
من هموم وحاجة واغتراب ... كدرت مني القوى النفيسه
فهي في كل ساعة في ازدياد ... غبت منه عن مدرك الحميه
فأنا وهي في التلازم صرنا ... كالهيولي والصورة الجنسيه
لا أجد من يفرج الكرب إذا شكوت إليه ولا من أعول إذا ضاق الأمر عليه كان الزمان كما قيل:
ففي المساوي يد التساوي ... فلا معين ولا معين
(1/1)

فغيرت ذلك إدراكي الثاقب فقصرت عن بلوغ المآرب فأعملت الحيلة فيما به أريح النفس وأنفي اللبس في الفكر بعد طول التعب إن امتطى غارب الأدب فارست من الأصحاب من هوله كالعناصر فمال إليه ذهني الفاتر فشرعت في جمع شيء في محاسنه المختلفة وضمها بحيث تكون في الجنس وإن اختلفت بالنوع مؤتلفة فكان أول ما سطرته وأحكمت قواعده وحررته طبقات ذكرت فيها أخبار الحكماء ولطائف الأطباء ثم لم أزل أجيل النظر في مجاميع مختلفة إلى أن وقع اختياري على اختصار الأشواق المأخوذ من مصارع العشاق المنسوب إلى أبي بكر محمد بن جعفر البغدادي السراج رحمه الله فإنه وإن كان قد جمع فيه بين جد القول وهزله وظرائف نكت العشق وأهله ورقيق اللفظ وجزله إذ هو صنيعة وحيد زمانه ورئيس أقرانه وواحد عصره ونادرة دهره مولانا أبي الحسن إبراهيم بن حسن بن عمر الرباط الشهير بالبقاعي تغمده الله برضوانه وأسكنه فسيح جنانه إلا أنه كتاب طال في غير طائل وجمع ما لا حاجة بهذه الصناعة إليه من المسائل كذكر الأسانيد والتكرار الذي هو شأن الأحاديث النبوية لتوثيق الأحكام الدينية كالإخلال بمحاسن الأخبار ولطائف الأشعار التي هي بهذا الفن أعلق من الجوى بأهل الهوى وعدم الترتيب المستلزم لاختلال التهذيب وكالاعراض عن ذكر غالب أسباب وقوع بعض العشاق في شرك الحب إلى غير ذلك مما يظهر لمتأمل كتابنا مع أصله إذا طرح الهوى وانتظم في سلك الانصاف وأهله فألفت هذا الكتاب الذي هو في قلادة هذا الفن درة بيضاء وفي جبهة جواده غرة غراء أكملت فيه فوائده ورددت شوارده وأضفت ما نبذه ظهريا ولم آت شيافريا فزاد على أصله بأمور إثني عشر أحدها وهو الأعظم تبديل ما في الباب العاشر الذي سماه بالشارع الجامع لما في المصارع بما هو خليق بهذا الاسم وجدير بهذا الرسم ضمنته ما حل مما تقدمه محل الأصول من الفروع كجعلك الغيرة أصلاً لنحو حكاية ديك الجن وكتم الأسرار لنحو صاحب الجارية في عرفة وتأمل الخيال لنحو من عشق في نومه إلى غير ذلك وجمعت فيه ديوان الصبابة وغيره وهو نمط ما بسط قبل وثانيها حسن التقسيم في الأبواب وثالثها لطف الترتيب وضم الأنواع المتماثلة ورابعها حذف الأسانيد والتكرار مع ذكر ما اختلف باشارات كان وقيها وخامسها ذكر السبب الموقع لصاحب الحكاية فيها وسادسها تمييز من جهل شيء من أحواله ممن علم بسائر أقواله وأفعاله وسابعها تفصيل من علق الأحرار من أهل الرق والمسلمين من أهل الشرك وأمثال ذلك من قديم ومحمد وثامنها ذكر ما في الأصل من الألفاظ اللغوية مفسراً ذلك بازائه مبدلاً ذلك بأوضح منه وتاسعها شرح ما في الأشعار من الغريب وعاشرها تعليل الأسباب المتعلقة بهذا الفن بالعلل الحكمية مأخوذاً من الأصول والأدلة الفلسفية والقواعد الطبية وحادي عشرها ذكر تعلق هذا الفن بأنواع المواليد الثلاثة وكيفية دخوله فيه وثاني عشرها الزيادات في الأبواب فربما كانت أنواعاً مستقلة وتكميلاً لما وجد بعضه في الجملة وربما زاد عليه بأشياء غير المذكورة في مطاوي معانيه فترعن استحضارها الذهن هنا كل ذلك مما استخرجه فكري القاصر وذهني الفاتر أو ظفرت به في كتب ربما أسمى بعضها فيه هذا كله مع إني والله لم أخل في يوم من أيام عمله في مشوش طارىء على ما عندي لها سبقت الاشارة إلى ذكره ولما كمل واتسق وانتظم في أكمل نسق سنه بتزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق ورتبته على مقدمة وخمسة أبواب وخاتمة والله المسؤول أن ينفع به فيما قصد بترتيبه وأن يوفقنا إلى أصح القول وتهذيبه أنه أكرم من أعطى المراد وسئل فجاد فالمقدمة فيما جاء فيه من الأخبار والآثار ويلي ذلك أربعة فصول الأول في الترغيب فيه والثاني في رسمه والثالث في مراتبه والرابع في علاماته.
والباب الأول في مصارع محبي الله تعالى وفيه فصل ميزنا فيه من قتله التذكر بنحو سماع آية.
والباب الثاني في عشاق الجواري وهو ستة أقسام الأول فيمن اشتهر الثاني فيمن جهل الثالث في عشاق الاماء الرابع فيمن حظي بالتلاق بعد تجرع كأس من الفراق الخامس فيمن وسموا بالفساق من العشاق السادس فيمن نكث الصحبة وحل عقد المحبة وفي كل أقسام أصناف وأنواع بحسب ما احتمله المقام من صحة الانقسام.
(1/2)

والباب الثالث في عشاق الغلمان وهو أربعة أقسام الأول فيمن استلب الهوى نفسه الثاني فيمن جهل حاله الثالث فيمن ظفر بمطلوبه الرابع فيمن منعه الزهد والعبادة أن يقضي مراده وألحقت ذلك بخاتمة تشتمل على ذكر دوا للسلو عن الهوى.
والباب الرابع في ذكر دخول العشق فيما سوى البشر وهو نوعان الأول في الجن والثاني في الحيوان والنبات والمعدن والعناصر والأفلاك.
والباب الخامس قد اشتمل على فصول كل فصل منها قد احتوى على النكت والعجائب واللطائف والغرائب من أصول هذه الصناعة وقد ألزمت نفسي أن أفتح كل فصل منه بكلام استاذ الحقيقة ورئيس أهل الطريقة مسكت كل لافظ ومبين ما في الطريق من القواطع والعوارض سيدي عمر بن الفارض غمرنا الله تعالى ببركاته وطيبنا بنفحاته متبعاً ذلك بما تيسر من حل ألفاظه حسب ما سنح في الذهن ثم أقول بعد انتهاء متعلق الطريقة رجع إلى كلام المترسمين من أهل الظاهر واختم الفصل بما سمعت به القريحة الفاترة والفكرة القاصرة من لطائف النظم المناسب لما ذكر عن أهل الصناعة هنالك واتبعت الفصول بتتمة في لطائف الغزل الخاص والعام وتقسيم ذلك.
وأما الخاتمة ففي لطائف ونكت متفرقة لا التزم تعلقها بالعشق وبها يتم الكتاب.
المقدمة
فيما جاء فيه الكتاب من الأحاديث والآثار وفي حده ومراتبه
(1/3)

أعلم أن واهب الصور لما صدر عنه العقل كان أعظم صادر لقربه من الكمال الذاتي فالعود إليه وطلب القرب منه واجب على كل ذي نفس قدسية ومن تطابقت الأدوار شاهدة بذلك ويدل له عموم فقال له أقبل الحديث وعنه النفس الكلية ثم قسما الأجسام الفلكية والعنصرية كما هو في محله إلى أن كان أشرف النفوس وأرفعها على الاطلاق النفس الانسانية ولشبه الشيء بأصوله كما هو واضح مقرر في محله بالبراهين انقسمت هذه النفس باعتبار أصولها إلى ثلاثة أقسام أحدها النفوس المعدنية وهي الجامدة التي لا تعقل ما يراد منها ولا نعرف إلا ما تقوم به بنيتها ويصدر عنها وذلك أما بالخاصية أو بأمر أودعها صانعها فيها لمصالح يعلمها ويشهد لذلك ما يشاهد من صور في الجبال والطن ونحوهما وثانيهما النباتية وهي أرفع من الأولى باعتبار الذبول والتحلل الظاهر وثالثها الحيوانية وتفصل السابقة بالحركة الارادية والحساسية ونحوهما من العوارض ثم كل واحدة من هذه الثلاث تنقسم باعتهار ما تشابهه من النوع كانقسامه في نفسه وذلك كانقسام الأولى إلى ما يكون صافي الجوهر جيده كالياقوت والذهب والثانية إلى ما هو كثير النفع طيب الطعم والرائحة كالعنبر والعود والثالثة إلى ما هو صالح للنفع والزينة كالخيل وإلى شجاع كالأسد وخبيث كالنمر وحافظ للعهد كالكلب وقوام على حفظ ما يستحفظ كالقرد ونظائر ذلك ولما كانت النفس الانسانية زبدة الكائنات وخاتمة طرفي سلسلة العلل والمعلولات لا جرم كانت مقتدرة على أن تتبع شهوات الجسم وعوارض الكثيف فتكون حيوانية بحتة أو تعمل في خلاص النفس من ظلمة الطبيعة وقفص الجسم فتحلق بعالمها الأصلي وهي النفس الملكية المقرة بالمبدأ والمعاد المخلصة من محض الكثافة المنتظمة في سلك محض اللطافة أو تجمع بين الأمرين وتؤلف بين الطريقين وهذه هي الانسان المطلق والأولى الحيواني والثانية الملكي فقد بان لك أن الإنسان منقسم كأصله ومميز بفعله ثم لا شبهة في انقسام كل كالمنتسب إليه ويكون كماله منزلاً عليه فالحكيم محتاج في اصلاح الأولى إلى ما يكون بمجرد حسن اللفظ والسياسة كالطيور أو بالضرب والاهانة كالدب والحمار وباطعام الطعام كالخيل والكلاب أو بالارسال والجدب والتحفظ من غدرها كالأسود والجمال والثانية وإن تفاوتت مراتبها غنية عن الاصلاح إلا من قبل مبدعها والثالثة هي المحتاجة إلى العلاج وملاطفة الزاج والعشق الحقيقي لها غالباً لأنه تابع للأمزجة ولأن عشق الملكي والحيواني بسيط إذ الأول يكون لمحض ذات واجب الوجود ومبدع الفيض والجود والثاني لمحض قضاء شهوات الجسم الفاسدة الناشئة عن الفكر الجامدة إذا تقرر هذا فاعلم أن العشق بعد أن سمعت ما سمعت يختلف باختلاف المزاج على أنحاء أربعة سريع التعلق والزوال كما في الصفراويين وعكسه كما في السوداويين وسريع التعلق بطيء الزوال كما في الدمويين وعكسه كما في البلغميين ومثل هذه مراتب الحفظ والنسيان وأما المعتدل فيكون العشق فيه كذلك فعلى هذا يكون قولهم لكل أحد صبوة الأمل جفت خلقته أو نقصت بنيته أو خرجت عن الاعتدال أمزجته محمولاً على الاعتدال النسبي الذي إذا حصل لشخص كان به على ما ينبغي أن يكون عليه لا الحقيقي لعزة وجوده ولزوم ندور العشق حينئذ والواقع خلافه ثم هو متى وقع على ما وصفناه أمكن حصول المزايا المذكورة فيه فقد قال الاستاذ أن أقل مزاياه تعليم الكرم والشجاعة والنظافة وحسن الأخلاق وذلك أن غاية مراد العاشق رضا معشوقه ورضا المعشوق يكون بانصاف العاشق بما يوجب المدح ويحسن المرتبة في القلب فعلى ثبوت هاتين المقدمتين ينتج ما قلناه واللازم واقع فكذا الملزوم وبيان الملازمة ظاهر وايضاحه أن العاشق وإن بخل جداً فلا يمكن بخله على المعشوق ومنه يتطرق الحال إلى من يعلم أنه متى بخل عليه أوصل الأمر إلى معشوقه وهكذا فيؤدي الحال إلى مطلق الكرم وكذا باقي السجايا المذكورة ولذلك جاء الناموس الشرعي بمطابقة القانون الحكمي كما هو شأن الشارع في غير هذا أيضاً ليكون التطابق بين الحكمة والشرع في كل شيء ولا عبرة بكلام بعض الأغبياء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشق فعف فمات دخل الجنة زاد الخطيب عن فظفر ثم أبدل قوله دخل الجنة بقوله مات شهيداً وفي أخرى وكتم والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي وأمحله البيهقي
(1/4)

والجرجاني والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعاً وأبو محمد بن الحسين موقوفاً وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضاً وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثاً وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئاً فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيراً فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ: والحاكم في التاريخ بضعف سويد وتفرده به ورواه ابن الجوزي مرفوعاً وأبو محمد بن الحسين موقوفاً وأخرج الخطيب عن عائشة رفعه أيضاً وحاصل الأمر ما صحته أو حسنه والجواب عن تفرد سويد المنع بوروده عن غيره وحكايته تحديثاً وكونه قبل عماه فلا تدليس وإذ قد ثبت فهو شاهد بما قلناه لأن غاية الغايات دخول الجنة وهو مستلزم لرضا الله الذي لا مطلب أعلى منه وقد جعلت مقدمة هذا المطلب العالي العفة وهي مذهب الحكماء بل أساس الحكمة وهي كما صرح به المعلم ثمرة الأصل الطاهر لأن أعلى الخلق الرضا والمزاج المعتدل ومنا الكتم وهي ثمرة المروأة والشهامة وكلاهما مستلزم علو النفس وصحة المزاج فقد اتضح ما قلناه. وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له ووجهه الاعجاب القدرة على حكم زمام النفس وزجرها مع تركيب الشهية وتوفر الدواعي وما تكلفه في الأصل من أن المواد بالإعجاب أثره واضح لا يحتاج إليه لأنه وما شاكله من الرحمة التي هي رقة القلب لا تكون إلا لذي المزاج ولما علم بالضرورة تنزهه عن الأجسام والأعراض علم برؤه من لوازمها فما وقع مما يوهم شيئاً فالمراد لازمه ولصحة هذا الحديث واشتهاره بين الأكابر جاء تضمينه في أشعارهم كثيراً فمن ألطف ما قيل في ذلك قول ابن الصائغ:
سأكتم ما ألقاه يا نور ناظري ... من الأجر كيلا يذهب الأجر باطلا
فقد جاءنا عن سيد الخلق أحمد ... ومن كان براً بالعباد وواصلا
بأن الذي في الحب يكتم وجده ... يموت شهيداً في الفراديس نازلا
رواه سويد عن علي بن مسهر ... فما فيه من شك لمن كان عاقلاً
وماذا كثيراً للذي مات مغرماً ... سقيماً عليلاً بالهوى متشاغلا
وألطف من ذلك ما حكاه التاج السبكي في الطبقات الكبرى عن أبي نواس قال مضيت إلى باب أزهر والمحدثون ينتظرون خروجه فما كان إلا أن خرج وجعل يعظهم واحداً بعد واحد حتى التفت إلي فقال ما حاجتك فقلت:
ولقد كنت رويتم ... عن سعيد عن قتادة
عن سعيد بن المسيب ... أن سعد بن عباده
قال من مات محباً ... فله أجر شهاده
فقال أزهر نعم وذكر الحديث ولأبي نواس أيضاً:
حدثنا الخفاف عن وائل ... وخالد الحذاء عن جابر
ومسعر عن بعض أصحابه ... يرفعه الشيخ إلى عامر
وابن جريج عن سعيد وعن ... قتادة الماضي وعن غابر
قالوا جميعاً أيما طفلة ... علقها ذو خلق طاهر
فواصلته ثم دامت له ... على وصال الحافظ الذاكر
كانت لها الجنة مبذولة ... تمرح في مرتعها الزاهر
وأي معشوق جفا عاشقاً ... بعد وصال ناعم ناضر
ففي عذاب الله مثوى له ... بعداً له من ظالم غادر
(1/5)

وفي رستاق الاتفاق في ملح شعراء الآفاق لابن المبارك الامام:
حدثنا سفيان عن جابر ... عن خالد عن سهل الساعدي
يرفعه من مات عشقاً فقد ... استوجب الأجر من الماجد
وأما الآثار فكثيرة لا تكاد تحصى ولكن نورد ألطفها كم هو شأننا فمن ذلك ما روى عن المهدي قال: أشتهي أن أصلي على جنازة عاشق مات في الحب وكان شريح يكثر الجلوس في الطرقات ويقول لعلي أرى صورة حسنة وكان ابن الليث قاضي مصر يكتب في فتياً فسمع جارية تقول:
ترى في الحكومة يا سيدي ... على من تعشق أن يقتلا
فرمى القلم من يده وهو يقول: لا. وعن ابن عباس الهوى إله معبود فقيل له أتقول ذلك فقال نعم أليس الله تعالى يقول أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال العباس بن الأحنف:
ويح المحبين ما أشقى جدودهم ... إن كان مثلي الذي بي للمحبينا
يشقون في هذه الدنيا بعشقهم ... لا يدركون بها دنيا ولا دينا
يرق قلبي لأهل العشق إنهم ... إذا رأوني وما ألقى يرقونا
وله أيضاً:
أيها النادب قوماً هلكوا ... صارت الأرض عليهم طبقا
أندب العشاق لا غيرهم ... إنما الهالك من قد عشقا
وأخرج ابن الحسين الجاذري عن معن بن عيسى قال دخل ابن سجنون على مالك فقال يا إمام اجعلني في حل من أبيات قلتها فيك فقال وقد ظن أنه هجاه أنت في خل من ذلك فأنشد الأبيات بين يديه وهي:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والغنا ... وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبئكم إني مصاب وإنما ... أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى ... أثام وهل في ضمة المتهالك
فضحك وقال لا إن شاء الله وأظرف من ذلك ما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن الربيع بن سليمان قال دخل شاب على الشافعي برقعة فوقع فيها بعدما نظر وناوله إياها فتبعته على أنها فتياً أكتبها فإذا هي:
سل العالم المكي هل في تزاوره ... وضم المشتاق الفؤاد جناح
فكتب تحته:
أقول معاذ الله أن يذهب التقي ... تلاصق أكباد بهن جراح
فأنكرت كتابته مثل هذا الشاب وذكرته له فقال أنه هاشمي وقد دخل بعرسه في هذا الشهر يعني رمضان فسأل عن الضم والتقبيل هل يفسدان الصوم فقلت له لا قال الربيع فعاودته فإذا الأمر كذلك فعجبت من فراسته وحكى في الأصل عن ابن حجر قال أخرج أبو نعيم أيضاً عن ابن سيرين أنهم كانوا يعشون بلا ريبة وفي الطبقات الكبرى لابن السبكي وحكاه في الأصل متردداً قال كتب جلال الدولة إلى أبي الطيب الطبري سؤالاً صورته:
يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق ذاب من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيد ... سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزاً ... في النحر والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تفت فإني إذاً ... أصيح من وجدي واستعدي
فأجابه:
يا أيها السائل إني أرى ... تقبيلك العين مع الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنب ... قبلته بالجد والجهد
فإن من يرتع في روضة ... لا بد أن يجني من الورد
وإن من تحسبه ناسكاً ... لا بد أن يغلب بالوجد
فاستشعر العفة وأعصى الهوى ... يسلم لك الدين مع الود
تغنيك عنه كاعب ناهد ... تضمها بالملك والعقد
تملك منها كلمة تشتهي ... من غير ما فحش ولا رد
هذا جوابي لقتيل الهوى ... فلا تكن بالحق تستعدي
وأخرج الخطيب البغدادي عن الغزي قال رأيت عاشقين اجتمعا فتحدثا من أول الليل إلى الغداة ثم قاما إلى الصلاة وفي معناه أنشد العلامة محمود لنفسه وهو من لزوم ما لا يلزم
لله وقفة عاشقين تلاقيا ... من بعد طول نوى وبعد مزار
يتعاطيان من الغرام مدامة ... زاتهما بعداً من الأوزار
(1/6)

صدقا الغرام فلم يمل طرف إلى ... فحش ولا كف لحل ازار
فتلاقيا وتفرقا وكلاهما ... لم يخش مطعن عائب أوزاري
ومنه ما حكى عن بعضهم قال حكت لي امرأة عن شخص هويها وهويته أنه قال لها يوماً ها لك أن نحقق ما قيل فينا فقالت معاذ الله أن أفعل ذلك وأنا أقرأ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقيل لأعرابي ليلة تزويج محبوبته أيسرك أن تظفر بها قال نعم قيل فما كنت تصنع بها قال أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في اثمها.
وعن الأصمعي قيل لأعرابي ما تصنع إن ظفرت بمحبوبتك قال امتع عيني من وجهها وسمعي من حديثها واستر منها ما يحرم كشفه إلا عند حله وأنشد ابن القاسم في المعنى وإن كان فيه بعد لأنك تعتبر الحياء من الايمان اللازم للعفة وخوف الله تعالى
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وقد أودى بمعقولي
يأبى الحياء وشيبي أن ألم به ... وخشية اللوم من قال ومن قيل
وأصرح منه في المقصود ما أنشده إبراهيم بن عرفة
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الحسان وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب لا اتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
وأخرج صاحب الأصل عن سعيد بن عقبة الهمذاني قال لأعرابي حضر مجلسه ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا فقال عذري ورب الكعبة ثم سأله علة ذلك فقال لأن في نسائنا صباحة وفي فتياتنا عفة وأخرجه في الخليفيات أيضاً وفي معناه أنشد حرب
ما أن دعاني الهوى لفاحشة ... ألا عصاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يدي ... ولا مشت بي لزلة قدم
هذا ما جاء في الآثار من العشق مع العفة وأما ما يدل على كثرة وقوعه واختصاص قوم بمزيد منه فكثير. فمن ذلك ما أخرجه التنوخي عن عروة بن الزبير قال قلت لعذري أنكم أرق الناس قلوباً يريد أصباهم إلى الحب فقال نعم لقد تركت ثلاثين شاباً خامرهم السل ما بهم داء إلا الحب وقيل لشخص منهم مثله فقال كقوله وزاد لكن غلبتنا بنو عامر بمجونها وفي منازل الأحباب للشهاب محمود ليس حي أصدق في الحب من بني عذرة ولا نضرب الأمثال فيه إلا بهم وقال قلت يوماً أتعدون موتكم في الحب مزية وهو من ضعف البنية وهن العقدة وضيق الرئة فقال أما والله لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالعيون الدعج من تحت الحواجب الزج والشفاه السمر تبسم عن الثنايا الغر كأنها شذر الدر لجعلتموها اللات والعزى وتركتم الإسلام وراء ظهوركم وعن أبي عمرو بن العلاء قال استنطقت إعرابياً عند الكعبة واستنسبته لماذا هو فصيح عذري فسألته هل علقه الحب فأنبأ عن شدة ولوع فسألته ما قال في ذلك فأنشد
تتبعن مرمى الوحش حتى رميتنا ... من النبل لا بالطائشات المخاطف
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجباً للقاتلات الضعائف
وللعين ملهى في البلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الظرائف
وقال بعض حكماء الهند ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. وحكى الحافظ مغلطاي أن العشق يختلف باختلاف أصحابه قال الغرام أشد ما يكون مع الفراغ وتكرار التردد إلى المعشوق والعجز عن الوصول إليه فعلى هذا يكون أخف الناس عشقاً الملوك ثم من دونهم لاشتغالهم بتدبير الملك وقدرتهم على مرادهم ولكن قد يتذللون للمحبوب لما في ذلك من مزيد اللذة كقول الحكم بن هشام
ظل من فرط حبه مملوكاً ... ولقد كان قبل ذاك مليكا
تركته جآذر القصر صباً ... مستهاماً على الصعيد تريكا
يجعل الخد واضعاً تحت ترب ... للذي يجعل الحرير أريكا
هكذا يحسن التذلل بالحرّ ... إذا كان في الهوى مملوكا
وقول الرشيد أيضاً
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطعيهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني
(1/7)

وقال ابن الأحمر سلطان الأندلس
أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي ... على كل حال أنت لا بد لي منك
فأما بذل وهو أليق بالهوى ... وأما بعز وهو أليق بالملك
وقال ابن طاهر صاحب خراسان
فإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي أن يذلك له قدري
ودونهم أفرغ لقلة الاشتغال حتى يكون المتفرغ له بالذات أهل البادية لعدم اشتغالهم بعوائق ومن ثم هم أكثر الناس موتاً به. ثم أعلم أن العشق متى استولى لم يبق صفة سواه ولذلك يذهب الأخلاق العسرة وقوة النفس وفي معنى ذلك أنشد بعضهم حيث قال في رسالة أرسلها إلى محبوبته
شكوت فقالت كل هذا تبرم ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
وأدنو فتعصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي
ومنهم من تحمله الأنفة على أن يفارق بعد إظهار شدة شوق وقوة ميل وكذا شدة الإقبال من المحبوب فيتوهم حيث تشيع نفسه أن الشوق لا يعاوده فيفارق ويعود ذلك عليه بتلف نفسه والحق أن ذلك كله مع عدم التمكن وهو الموسوم بالاشراك وإلا فالصدق منه لا يرى وجوداً لسوى المحبوب ومن ثم طعن على من يرى الدنيا مثالاً لمحبوبه أو يظن وجوده ودونوا ما صدر عمن بدأ بالسلوان ثم ندم فمن ألطف ما قيل في ذلك قول الهذلي
ويمنعني من بعض إظهار ظلمها ... إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت إذا بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر
وإني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر
وقال ابن الجهم
نوب الزمان كثيرة وأشدها ... شمل تحكم فيه يوم فراق
يا قلب لم عرضت نفسك للهوى ... أو ما رأيت مصارع العشاق
فصل في الترغيب في العشق والحث عليه
قيل أن بهرام جور لم يرزق سوى ولد فأخذ في ترشيحه للملك وهو ساقط الهمة إلى أن اتفق المعلمون من الحكماء وغيره على أن لا نافع له غير العشق فسلط عليه الجواري يعبثن به إلى أن علق بواحدة منهن فأمرها الملك بالتجني عليه وإنها لا تطلب إلا رفيع الهمة ذا رغبة في العلم والملك فكان بسبب ذلك من أجل ملوك الفرس وأعلمها وفي المعنى قال ابن الأحنف:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
وقال بعضهم:
وما سرني إني خليّ من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق إلى غرب
وقال ابن أبي كثير لابن أبي الزرقاء هل عشقت حتى تكاتب وتراسل فقال لا قال لن تفلح والله أبداً وأنشد الشعبي:
إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء
وعجزه غيره فقال:
فكن حجراً من يابس الصخر جلدا
وأنشد ابن معاذ:
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... خليلاً ولم ينظر إليك حبيب
وقالت امرأة فيه أيضاً:
رأيت الهوي حلواً إذا اجتمع الشمل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل
ومن لم يذق للهجر طعماً فإنه ... إذا ذاق طعم الحب لم يدر ما الوصل
وقد ذقت طعميه على القرب والنوي ... فأبعده قتل وأقربه خبل
فصل في رسومه وحدوده
وما جاء عن الحكماء وغيرهم في ذلك
(1/8)

قال بعضهم العشق مجهول لا يعرف ومعروف لا يجهل هزله جد وجده هزل وهذا في الحقيقة تعريف بالعوارض غير اللازمة واشارات إلى اختلاف الحالات الكائنة عنه فإن الجهل يعتري العشاق عند تزايد الحب فيوجب الحيرة في الأمر وعكسه عند انفصاله عن المخيلة والهزل مباديه والجد تمكنه ونحوه ما أجاب ابن أكتم به وقد سأله المأمون ما العشق فقال سوانح للمرء تؤثرها النفس ويهيم بها القلب فقال له ثمامة إنما شأنك أن تفتي في مسئلة طلاق أو محرم فقال المأمون قل يا ثمامة فقال العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب مالك وملك قاهر مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جائرة ملك الأبدان وأرواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها وأعطى عنان طاعتها وقياد ملكها وقوى تصرفها توارى على الأبصار مدخله وغمض في القلوب ملكه فقال له المأمون أحسنت يا ثمامة وأمر له بألف دينار.
وفي رواية أنه قال له إذا امتزجت جواهر النفس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به بواصر العقل ويتصور من ذلك اللوامح نور خاص بالنفس متصل بجواهرها يسعى عشقاً أقول وهذا تعريف له بحقائقه ومواده الذاتية والأول تعريف بالعوارض والغايات وهذا بالحكمة أليق وإيضاحه نور البصر يوصل ما يدركه إلى المشترك وهو إلى الواهمة حتى يرتسم في القوة العاقلة المعروفة بالنفس الناطقة فقوله بوصل المشاكلة يريدان النظر الواقع عن تأمل عارف بتأمل المحاسن ودقائق لطيف الشمائل يوجب ارتسام أنوار في النفس تشبه الجواهر المجردة تزدوج بالنفس لاتحاد بينهما في اللطف والصفاء وهذا دليل على أن العشق لا يتصور من جاهل غليظ الطبع ووصفه بعض البلغاء بأنه فضيلة تنتج الحيلة وتشجع الجبان وتسخي كف البخيل وتصفي ذهن الغبي وتطلق بالشعر لسان الأعجم وتبعث حزم العاجز الضعيف وهو عزيز يذل له عز الملوك وتضرع له صولة الشجاع وهو داعية للأدب وأول باب تفتق به الأذهان والفطن ويستخرج به دقائق المكايد والحيل وإليه تستريح الهمم وتسكن به فواتر الأخلاق والشيم يمتع جليسه ويؤنس أليف وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكن في القلوب وقال سعيد بن سالم وقد قيل له أن ابنك شرع في الرقيق من الشعر فقال دعوه ينظف ويلطف ويظرف يعني أنه يطلع من رقيق العشر على أسرار البلغاء وليس أرق من الغزل ولا أدق لما فيه من تعلق العشق ومدح المحبوب وذلك يؤدي إلى ما ذكر فإن العاشق إذا علم ما يقربه إلى محبوبه بذلك فيه إمكانه والظرافة واللطافة والنظافة أعظم مقرب فكأنه قال دعوه لعله يتصف بالعشق ولولا الجمل على ذلك لم يصلح سوق هذا هنا لأنه على ظاهره ترغيب في مطلب الشعر فليتأمل ونقل ابن خلكان في ترجمة العلاف ما ملخصه أن العشق جرعة من حياض الموت وبقعة من رياض الثكل لكنه لا يكون إلا عن أريحية في الطبع ولطافة في الشمائل وجود لا يتفق معه منع وميل لا ينفع فيه عذل وفي معنى شدة العشق أنشد المؤمل:
شق المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر
وعرفه أرسطو بأنه جهل عارض صادف قلباً فارغاً دق عن الأفهام مسلكه وخفي عن الأبصار موضعه وحارت العقول في كيفية تمكنه غير ابتداء حركته وعظم سلطانه من القلب ثم يتغشى على سائر الأعضاء فيبدي الرعدة في الأطراف والصفرة في الأبدان واللجلجة في الكلام والضعف في الرأي والزلل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى الجنون زادت إعرابية يذهب العقل وينحل الجسم ويهمل الدمع بحدوده مرور الأيام ولا تفسده بل لا تغيره إساءة المحبوب على الدوام ومن ثم قال الأصمعي وقد سأله الرشيد ما حقيقة العشق فقال أنه شيء يستغرق القلب في محاسن المحبوب ويذهله عن مساويه فيجد رائحة البصل من المحبوب أعظم من المسك والعنبر وتعاقب امرأتان من أهل المدينة فيا لهوى فقالت إحداهما تعذل الأخرى ذكروا في الحكمة لا تلم من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك غرضاً للتهمة ومن لم يكن عوناً على نفسه من خصمه لم يكن عنده شيء من عقدة الرأي ومن قدم على الهوى وهو يعلم ما فيه من المتعبة سلط على نفسه لسان العذل وضيع الحزم فقالت المعدولة ليس الهوى إلى الرأي فيملكه ولا إلى العقل فيدركه أما سمعت قول الشاعر
(1/9)

ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبئك عنه مثل خبير
ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير
إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور
وقيل هي لعلية بنت المهدي حكاه الصولي ووجد على صخرة العشق ملك غشوم مسلط ظلوم دانت له القلوب وانقادت له الألباب وخضعت له النفوس فالعقل أسيره والنظر رسوله واللحظ حامله والتفكر جاسوسه والشغف حاجبه والهيمان نائبه بحر مستقره غامض ويم تياره طافح وفائض وهو دقيق المسلك عسير المخرج وضرب بعض الحكماء مثلاً للشهوة والعشق فقال هما كالنحل يستميل القلوب بحلاوة عسله وربما قتل بسمعه وذلك لأن الإنسان أما ذو عقل ملكي يتعقل الأشياء فينزجر أو نفس شهوانية ترى اللذات فتنهمك ومن ثم إذا وقع عن صدق جعل المتحابين كنفس واحدة.
حكي الغنوي قال دعيت إلى عيادة مريض أحبه آخر فدخلنا عليهما والمحب الصحيح يذب عنه فكان إذا شكا المريض شيئاً شكا الآخر مثله فقدر أن قضى ونحن عنده فحال مفارقة نفسه فارق الصحيح نفسه ومثله ما حكاه في ذيل الأمالي عن التميمي أن أخوين من امرأة يقال لهما فضل وفضيل قضى أحدهما فلما دفن طأطأ الآخر ينظره فلما سوي عليه اللبن أنشد
سأبكيك لا مستقصياً فيض عبرة ... ولا مبتغ بالصبر عاقبة الصبر
ثم عاد فلزم المنزل حتى قضى من الغد
فصل في بيان مراتبه
وما ورد في كيفية ترقيه حتى يستولي على الحواس النفسية ويستغرق القوى الحسية ويملك العقل والبدن ويورث الذل والمحن ويسهل الوقوع في المهالك ويغري على سلوك أوعر المسالك أعلم أنه ألطف موجود نشأ في الوجود كما حققناه وحيث هو كذلك فتعلقه لا يبد وأن يشاكله لاحتياج كل اثنين تألفاً إلى نسبة تأليفية ولا شبهة أن الروح ألطف ما في البدن فلذلك كان العشق أول ما يتشبث بها فهذا دليل على أنه يقابل الأمراض كلها ومن ثم قال المعلم العشق نصف الأمراض وشطر الأعراض وقسيم الأسقام وجل الآلام وهذا واضح لأن الروح ولا شك أن سريان اللطيف في اللطيف أسرع ملاكاً وأعظم استملاكاً ويليه اللطيف في الكثيف كالحمى في البدن ثم الكثيف في الكثيف كالفالج فيه فعلى هذا يتجه كلام المعلم بل أقول أن العشق غالب الأمراض وليست بالنسبة إليه إلا كالعشر إلى الكل والقطرة إلى البحر وبرهانه أن الأمراض غالباً تخص البدن وإنما اشتغال الروح حينئذ بالتدبير والأفهى في نفسها صحيحة وأما العشق فعاقبته إفساد البدن وتعطيل الفكر وإلحاق العقلاء بأهل الجنون ثم مرتبته الثانية تتولد عن تكرار نظر أو سماع خطاب يتعقل له في الذهن معن يكون لحديد القلوب مغناطيسياً جاذباً ولأنظارها السفسطية برهاناً غالياً ويسمى حينئذ العشق الحسي وقال فيثاغورس لا يسمى حسياً إلا إذا تولد عن مباشرة الحس وهذا عندي ليس بشرط وإن اشترط ففي حق البلداء من الناس ومن في حواسهم الباطنة ضعف وإلا فأحد الحاستين الأصليتين كاف في إيصاله إلى الحس المشترك ثم مرتبته الثالثة الخيالية وهي عبارة عن استيعابه التخيل حتى لم يبق للعاشق تخيل إلا صورة المعشوق وإن شارك الناس في الأمور الظاهرة.
كانت تلك المشاركة غير تامة وعلاماتها غلبة السهو ونقص الأفعال والاحتياج إلى محرك باعث ثم مرتبته الرابعة مرتبة الحفظ وهي الاستيلاء على الاستيلاء على الحفظ فتصرف القوة عن تحصيل كل كمال والنظر إلى كل جمال وهذا هو العشق الذي يرى صاحبه الميل إلى سوى المحبوب إشراكاً والفكر في غيره ضياعاً وأشغل الزمان بما سواه فساداً وخروجاً وإليه أشار الفارضي بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردتي
فتعبيره بالسهو إشارة إلى تقصي المراتب واستيفاء الشروط وكأنه يقول من المعلوم أن السهر لا يحدث إلا من كثرة الواردات ولم يبق على قلبي وارداً سواك فكيف أسهو ومن ثم أشار بعد ذلك إلى طرح المراد وإماطة العلائق واتحاد الطالب مع المطلوب وعدم الأثنينية بقوله:
وكل الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راض والصبابة أرضت
بعد أن كان قبل الوصول إلى هذه المرتبة قد أثبت لنفسه مراداً حيث قال:
وعيدك لي وعد وإنجازه مني ... ولىّ بغير البعد أن يرم يثبت
(1/10)

ثم الخامسة مرتبة الاستغراق وهي استيلاء الاشتغال بالمحبوب على النفس الناطقة بأسرها وارتسام صورة المحبوب في مرآة العاقلة وحدها مع محو ما سواها وإلى ذلك أشار العارف المذكور بقوله:
ولا غرو إن صلى الأنام إلى أن ... ثوت بفؤادي فهي قبلة قبلتي
وقوله:
ووجدي بها ما حيّ والفقد مثبتي
يعني إن وجدي الصحيح بالمحبوبة محاني أي صورتي التي كانت مع العالم الدنيوي فكأن فقدي لها هو الذي أثبتني وهذه المرتبة على الأصح من كلام كثير هي أول المراتب التي يقع ببلوغها اليأس من الانتفاع بالعلاج الذي ذكرته الأطباء كالنظر في الحساب والمحاورات وتذكر مساوىء المحبوب والنظر إلى أمثاله وما يقاربه إلى غير ذلك مما هو مقرر في مواضعه السادسة مرتبة الانقلاب وهي مرتبة ينقلب فيها ادراك العاشق في سائر آلاته فيصير إذا لمس الحجر أو ذاق الصبر أو سمع الإيذاء أو رأى شيئاً كالجيفة أو شم رائحتها فضلاً عن أضداد ذلك يعتقده المحبوب وربما تجرد عن صورته فشاهدها المحبوب وإليه أشار بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذه المرتبة مع العناية والاخلاص تنقل قدسية إذا كانت النفس الناطقة قبل ذلك قد تخلصت بالكمالات عن البهيمية وإلا ألحقت صاحبها بالحيوانات وعنها عبرت الأطباء بألمانيا والسرسام والسهر السباتي والماليخوليا.
والسابعة مرتبة العدم الكلي والمفارقة الأبدية وهي التي إذا بلغتها النفس لم تستقر في البدن وربما كانت مفارقتها بتذكر أو سماع ذكر أو تنفس صعداء أوامر من المحبوب وحاصلها أن يصير الموت أعظم أمنية للنفس كما أشار إليه بقوله:
فموتي بها وجدا حياة هنيئة ... وإن لم أمت بالحب عشت بغصتي
وقد صرت أرجو ما يخاف فاسعدي ... به روح ميت للحياة استعدت
إلى غير ذلك ما لو منح الله تعالى شخصاً مدداً يستغرق المدد وحياة تستفرغ الأبد وفراغاً يذر الشواغل سدى ونفحات قدسية تصقل مرآة عقله لقبوله الفيض أبداً وأفرغ ذلك كله في تحرير ما أودعه عارف الزمان وسلطان الآفاق وفرد دائرة الأكوان وجامع فضائل العشاق سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا وعلى المسلمين من فواضل بركاته وفضائل نفحاته من مراتب العشق وأدواره وتنقلاته وأطواره لغني الزمان ولم يدرك معشاره وبادت الأكوان ولم يعرف قراره ولولا ضيق هذا المختصر لأوضحت لك من بعض عجائب تدقيقاته في أقل أبياته وكلماته ما يدعك في حيرة الفكر وبحار التعجب غارقاً ويسكتك وإن كنت مصقاعاً ناطقاً ومن ثم قيل المحبوب خير من الحياة والمكروه بالطبع شر من الموت لتمنى كل عند حصول ذلك أما ما نقل عنه في بيان مراتبه خصوصاً ما ذكره هنا فليس بالجيد إذ بالبعض دال على الأسماء والبعض على الماهية والبعض على السبب فلم يحققه غيرنا أحد فاحفظ مقادير ما ظفرت به وها أنا أبين لك عدم انطباق ما ذكروه على المطلوب قال ابن صاعد في طبقات الأمم عن فيثاغورس صاحب سليمان نبي الله عليه السلام العشق طمع يتولد في القلب يعني عن النظر ثم ينمو ويحدث اللجاج والاحتراق حتى أن الدم يهرب عند ذكر المحبوب وقد يموت من شهقة أو برؤية المحبوب بغتة وربما اختنقت الروح من نحو ذلك فدفن ولم يمت وفي سيرة الاسكندر أن هذا لابقراط زاد التميمي في كتاب امتزاج النفوس عن جالينوس إن العشق من فعل النفس وذلك كامن في الأعضاء الرئيسية فمتى تمكن أفسدها وهذا كله إشارة إلى المراتب إجمالاً وفي كتاب المتيمين نظر رجل إلى معشوقته فغشى عليه فقال حكيم إنه من انفراج قلبه اضطرب جسمه فقيل له ما بالنا لا نكون كذلك عند النظر إلى أهلنا فقال محبة الأهل قلبية وهذه روحانية فهي أدق وألطف وأعظم سرياناً وفعلاً وقال أفلاطون العشق غزيرة تتولد عن الطمع زاد المعلم وهو يحدث عمى القلب عن عيوب المعشوق وبه جاءت السنة حيث قال حبك للشيء يعمي ويصم رواه أبو داود وأحمد وأنشد فيه
فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت رائيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
(1/11)

ورأيت في نسخة، ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً، وهي أليق بتحسين الكلام لما فيها من المقابلة وفي أخرى، ولا بعض ما فيه وإن كنت رائياً، وهذا أليق بالمقام وألطف وأحسن دلالة على المقصود فيه من دفع التوهم من كونه ضعيف النظر فإنه يقول لا أرى له عيباً مع إني صحيح النظر فهذا على حد قوله:
فوالله ما أدري وإن كنت دراياً ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
وقال السكري وابن أبي طاهر في المنثور والمنظوم وأبو عبيد البكري في كتابه اللآلي في شرح الآمالي أن اليقين لجرير بن الخطفي وقال السمعاني هما لعلي والأول أصح قال الحاتمي وقد سرق ابن عبد الأعلى هذا المعنى حيث قال:
وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخ الرضى عن ذاك تعمي
وأما الشيخ فقد حده بأنه مرض يشبه الماليخوليا تولده الفكرة من استحسان الصور والشمائل ولا يشترط اقترانه بشهوة جماع وقالت إعرابية العشق جل أن يرى وخفي عن الورى فهو كامن في الصدور كالنار في الحجر إن قدح أورى وإن ترك توارى وهذا حد له بحقيقته في النفس ويؤيد عدم اشتراط الشهوة فيه والحسن قول بعضهم:
وما الحب من حسن ولا من سماحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف
وعلامة ما يكون منه عن شهوة فقط زواله إذا زالت لأنه عرض وأما الكائن عن مشاكلة في النفس وارتسام في الذهن فحد لا يزول ومتى صح ارتسم عند كل من المتحابين ما عند الآخر لصفاء جوهر النفس وخلوها للمحبوب وقد تكون العوارض المذكورة سبباً لانقلابه إلى الحد الأصلي كما ستجده وأما نحو الرسيس والحب وغيرهما فأسماء اقترحتها الشعراء للتغزل والتشبيب لا تنطبق في الحقيقة على ما ذكرنا لكن وربما كان لبعض منها مسيس مناسبة فالرسيس من الرس وهو الثبات ورسوخ صورة المحبوب في النفس وزعموا أنه أول المراتب ولا ينطبق على المعنى اللغوي ويليه الحب وهو في الحقيقة أول الإلفة واشتق من حبة القلب أو من حباب الماء أو من حب البعير إذا برك أو من حبب الأسنان وهو بياضها وحدت المحبة بالميل الدائم بالقلب الهائم أو قيام للمحبوب بما يحب وعدم مشاركة شيء معه وفيه أنشد المتنبي:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
وأنشد بعضهم:
ومن عجب إني أحسن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
وألطف منه قوله:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
والحب أخص من العشق لأنه عن أول نظرة وأقصاه امتزاج الأرواح والرأفة أشد لأنها مبالغة في الرحمة قال الحراني هي أرق الرحمة والرحمة أعم لوقوعها على غير ذي صلة بخلاف الرأفة ويقرب من الحب الودأ وخالصه فيكون من الحب كالرأفة من الرحمة وفي معناه المقة والتتيم حالة يملك بها المعشوق العاشق فإذا زاد فهو الوله أعني الخروج عن حد الترتيب وأنشد في المعنى:
الحب أوله ميل يهيم به ... قلب المحب فيلقي الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... أو مزحة أشعلت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تضرمت أحرقت مستجمع الحطب
وأنشد أيضاً:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... كذا حب تملاق وحب هو القتل
(1/12)

والشجو هو الحزن والطرب أيضاً ضده ويطلق على القهر والغلبة وهو هنا عشق يقترن بالهم كما في ديوان الصبابة والخلة هي تمام المحبة سواء كانت بلا علة وهي الصداقة أو بها وهي فرط العشق الذي لا يخالطه غيره أخذت من الخلو أو التخلي فكان القلب لما تخلى للمحبوب دون غيره اتصف بها والعلاقة وهي في الصحيح اسم لمبادىء المحبة أخذت من علق بالتحريك أي حب وكسحاب الهوى وبهاء ويجوز أن يراد بها شدة اختلاط القلب بالحب ويقرب منها الغرام وهو أشد لأنه ولع واشتغال بالحب والهوى مطلق الميل والارادة ويطلق على ذهاب العقل في العشق وعلى نفس المحبوبة وأما العشق فأعم منها وقيل أخص وهو إعجاب بالحب أو افراط فيه وأخذ من العاشقة وهي شجرة تعلق وتلصق بما يليها وهي اللباب ومن ثم تسميه العامة عاشق الشجر والغمرة سكر القلب يتذاكر الحب واشتغاله به والشغف شدته مأخوذ من شغاف القلب أي غلافه أو سويدائه وبالمهملة رأس القلب مما يلي نياطه ويؤنث كأن النوع من الحب المجعول هذا الاسم علماً عليه قد بلغ هذا المحل والمراد من القلب هنا أمر معنوي في الانسان والشكل المعلوم وعنه ينتج الوله ثم الهيام وأما الاستكانة فالخضوع أوثق ينزع النفس من البدن إلى لقاء الحب ومن ثم قد يقتل عند الرؤية والشوق أرفع وهل يزيده الوصل أو ينقصه خلاف واستدل للأول بقول الشاعر.
وأعظم ما يكون الشوق يوماً ... إذ أدنت الخيام من الخيام
وللثاني بقوله
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر
والأصح أنه إن كان لمجرد شهوة تنقص بقضائها بل ربما عدم وإلا كان كلفاً لا تكلفاً وطبعاً لا تطبعاً وميلاً نفسانياً أنشأته المشاكلة فلا يزيده الوصل إلا رسوخاً على أنه لا دليل في الثاني على الدعوى لعدم ذكر الشوق في الشعر لأنه ذكر استقرار النوى وهو البعد الذي هو أعم فيجوز تفسيره بفرد غير الشوق على أن المحققين أجمعوا على الشوق حال الغيبة يغاير الشوق حال الحضور كما أنشد ابن الرومي في ذلك.
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاهاً كي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقي من الهيماني
كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن ترى الروحين يمتزجان
وأما الصبوة فلا تطلق حقيقة إلا على الميل والافتتان الواقعين زمن الصبا لكن تطلق تجوزاً على مطلق الميل للمشابهة والنزوع والاشتياق كالصبابة أو هي رقة وحرارة في الشوق والوجد شدتها والكلف الاستغراق والاشتغال وبالكسر العاشق نفسه والشجن الهم والكرب تحمل النفس كل مشقة متعلقها الحب والكآبة شدة الحزن كالتفجع أو هو توجع وبكاء على الفقد والبرح والغل شدة العشق أو الغل من الغلل يعني العطش والجامع ميل النفس والحنين شوق ممزوج برقة وكلف وتذكر يهيج الباعثة والبلبال شدة الشوق والجوى ضيق الصدر وكتم الهوى والأرق والسهد شدة السهر وتواتر أحوال المحبوب على القلب وفي معناه التحرق واللذع والولع وكذا اللوعة واللاعج وأما الوصب والنصب فلوعة مع مرض وغم وكذا الكمد والدنف شدته قيل مع صفرة أو الكمد تغير إلى سواد والدنف إلى صفرة وهو مولد والتبل والخبل الجنون وهذا في الأصح آخر المراتب والجزع عدم الصبر على الفرقة والهلع أشده والدله بالمهملة احتراق القلب بنار الحب والخلابة سلب العقل والهيام مجرد الحب أو هو السياحة فيه والبله حمق أو غفلة فيكون هنا استغراقاً في الحب فهذه حقيقة أسمائه التي جعلها مراتبه وليست إلا باعتبار صفة أو أول أو تسمية جزءاً وسبب بكل أو مسبب وعكس ذلك وإنما المراتب ما قررناه وفي ترتيب هذه الأسماء خلاف يرد على من التزم ترتيبها ونحن قد أوضحنا نفس المعاني ومنها يسهل الترتيب والتنزيل على المراتب فتأمله.
فصل فيما ذكر له من العلامات
(1/13)

وهي أحوال يتصف بها البدن كتغير الألوان والعينين وتواتر النبض والخفقان وربما ازدادت هذه عند رؤية المحبوب أو سماع ذكره حتى إنها قد تقضي بالهلاك وكذا اعتقال اللسان وأحوال يتصف بها الفكر كفساد الذهن والتعقل وقد مر ثم هذه قد يستدل عليها بالتطور والتنقل قيل أتى بشاب إلى طبيب فلما تأمله لم يجد به ألماً فقال وهو قابض على نبضه لغلامه قد أخذني البرد فأتني بالفرجية فتغير نبض الشاب تحت يده فقال لأمه أن هذا عاشق امرأة اسمها فرجية فقال وهو كذلك وأنشد.
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
وفي معناه محبة كل ما ينسب إلى المحبوب حتى الجدار وفيه قيل.
أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وأبلغ من ذلك هجر ما كان عليه زمن الوصل زمن الفرقة من نحو ملبس ومأكل والاستلذاذ بتقبيل النعل قال ابن أبي حجلة وقد رأيت من فعل ذلك وعنفته فادعى في ذلك لذة عظيمة فقلت له بعدها وقد رأيته بمكة كيف على ما أعلم فيك فأنشد يقول:
ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والخلاعة جانب
أقول وفيه تظرف عظيم حيث جعل حصة الله منه نصفاً وعدد المقابل وهو دليل مزيد الاشتغال بالله حيث لم يجعل المقاسم واحداً خصوصاً واللهو في شعره أعم من أن يكون بالمحبوب وغيره وأما التشبه بالمحبوب في سائر الأفعال والأقوال والميل إلى ما يحبه والاستلذاذ باستعمال ما كان من أثره فأمر معلوم لا يجهل ومطلوب بين العشاق حتى قيل أن شخصاً وجد في تركته إثنا عشر حملاً وفردة من السراويل لكونه رأى ميل محبوبه إليها وآخر ألف هاون لسماع صوت هاون محبوبته وأما اتحاد الأجساد والمرض حيث يمرض فكثير قيل مرض أبو نواس ولم يعلم سبب مرضه حتى عاده شخص فأخبره بمرض عنان جارية الناطفي وأنها نشطت فكتب إليها:
إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى يحدث عوادي بشكواك
فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا لحماك
وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك
حتى قد اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك
وفي معناه أنشد:
وقف الهوى بي وحيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوّم
ويقرب من هذا قول الشافعي:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه
إذا تقرر هذا فليكن الأخف منه كالغيرة وبذل النفس وترك ما سوى المحبوب بالطريق الأولى وكذا نظائرها كاستحلاء ما يتعلق به من نحو حديث وملبوس رؤية ما ينسب إليه ويقوله حسناً صحيحاً وإن كان بالخلاف ولم ينسب نحو هذا إلى المبالغة عند العشاق للاتيان بأعظم منه كما سمعت قال الزراع ودع هندي جارية كان يهواها فذرفت إحدى عينيه فغمض الأخرى عن الملاذ عقوبة لها أربعاً وستين سنة حتى مات.
وأما حصول العشق برؤية في النوم أو بالأثر أو بالسماع أو بالكلام أو الوصف أو اللمس أو بأول نظرة أو بالمطاولة والمعاشرة وزيادته بالبعد لقوم والقرب لآخرين فبحسب الأمزجة وقد أسلفت في طالعة الكتاب تفصيل ذلك وقبول المزاج سرعة الانتقاش والفرق بين لطافة المزاج وكثافته ونحو ذلك مما ينبئك على تعليل هذا فليراجع وقد ظهر لي في ذلك أن الناس أما ناظرون بلا حجب أو بها أما من العاشق والمعشوق معاً أو من أحدهما فقط وتختلف الحجب لطفاً وصفاء معكسهما فهذه أسباب الاختلاف وإن كانت لأهل الحقيقة بالذات.
الباب الأول
فيمن استشهد من المحبين شوقاً إلى حضرة رب العالمين
(1/14)

لما كان غاية المحبة أما وصولاً إلى المطلوبات الدنيوية أو الأخروية ومبدؤها من الحواس الظاهرة غالباً والباطنة ومطالبها العالية ومقاصدها الذاتية وأما اشتغال عن الحق بخيالات وهمية تنتقش في العقل من الخلق أو ميل نفسي إلى المبدع باستيحاش ممن سواه لا جرم قسمت المحبة قسمين أشرفها متعلقاً الثوابي وهو الحب في الله لأنه لا يفني متعلقه ولا تكيف غايته ولا يفضله شيء في الحقيقة إذ ما سواه وهام وتضمحل وتزول وأعراض تفني وتحول ولا شبهة في أن إدخار ما لا يتطرق إليه تغير ولا فناء أولى في الحكمة عند العقلاء فلذلك صدرت به الأبواب ومدار ما يذكر هنا في الأصل على ذكر من أنفى نفسه في طاعة ربه وأكثر اغترافه من الحلية لأبي نعيم إذا تقرر هذا فحد المحبة كما قال الحصري وصول إلى مقام الأنس والنعمة باطناً والوحشة والبلاء ظاهراً بشرط الإشراف على الغيوب وفناء الكل في بقاء المحبوب وهذا تعريف لها بحسب الغاية الخاصة وكان عليه أن يورد التعريف التام العام أولاً ثم يفصل وقال الاستاذ أبو يزيد البسطامي هي استهلاك النفسانية مع بقاء الروحانية وهذا عندي قريب من الأول غير أن بعض شراح النصوص قال أن فيه تعريفاً بالمادة وأظنه أخذ ذلك من قوله استهلاك وفيه تكلف ونقل الحدين البحراني في شرح التائية على قول الاستاذ فقالت هوى غيري قصدت وأقرهما وأحسن منهما ما نقل عن شيخ الطريقة الجنيد رضي الله عنه وقد سئل ما المحبة فقال هي الصفاء في الباطن مع حقائق الحق والوفاء في الظاهر مع استعمال دقائق الشرع فهذا والله هو الحد التام وإن كان إلى الخاص أميل فإن قوله الصفاء في الباطن يريد به الخلوة الحقيقية التي هي قفل أبواب الحواس عن ممارسة الخلق ونشر القلب بالاستكانة والخضوع على أعتاب الحق ونفي الكدورات الحسية عن الحواس النفسية لإلحاقها بالحضرة القدسية وذلك غير تام قبل نفي العوائق وقطع العلائق والخروج من شوائب الخلائق ليتحقق الصفاء والتخلق بتلك الحقائق
هناك وجدت الكائنات تحالفت ... على أنها والعون مني معينتي
حيث انتفت معاندات الأغيار وتحققت ممازجات الأخيار حتى انتقشت المطلوبات الحقية في مرآت الصورة الخلقية وانبسطت أشعة الأحوال البسطية حيث انتفت الكدورات الوحشية.
فلم تهوني ما لم تكن في فانياً ... لم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وقوله والوفاء في الظاهر يعني لكل معاهد بعهده وموعود بوعده وضال برده ومتغفل بتنبيهه وتقوية جده لأن العارض المتصف بما ذكر خليفة الله على خلقه ينفذ فيهم أوامره ويقيم شرائعه فإن فعل ذلك ظاهراً وباطناً فهو النبي وخلفاؤه ومن فعله على الأول فهم السلاطين أو على الثاني فهم الأفراد الأقطاب جوامع الأسرار ومعادن الحقائق والاستبصار علماء أمتى كأنبياء بني إسرائيل وورثة الأنبياء
فعالمنا منهم نبى ومن دعا ... إلى الحق منا قام بالرسلية
وأما قوله استعمال دقائق الشرع فإشارة إلى معنى لا يدركه إلا الخواص وإن غاص عليه من غاص فإن فيه إشارة إلى حفظ الكليات التي عليها مدار النظام واستقصاء الجزئيات التي قصر عنها الكلام واجتهاد النفس في جمع ما تفرقت فيه الآراء وتشعبت إليه الأهواء بيد أن ذلك قباء لم يخط على كل ذي قد وأشكال أقيسة فكر لم يستخلصها كل ذي جد اللهم حققنا بحقائق معارفك وأرفعنا من حضيض زوايا الخمول إلى أوج استقامة لطائفك وأنقل أنفسنا من مراكز عكس الصعود إلى أشرف منازل السعود وأما قول بعضهم وينسب إلى ذي النون المصري المحبة أرق بلا رقاد وجسم بلا فؤاد وتهتك في العباد وتشتت عن البلاد فتعريف بصورة الحالة الراهنة من المحبة بعد قطع الطرق فإن الأرق الذي هو السهر من الفكر في الأمور الطارئة على النفس لا يكون إلا بعد تمكن تلك الأمور في الذهن وإن الجسم لا يكون بلا فؤاد إلا إذا فني فهي كناية عن عدم الالتفات إلى ما من شأنه أن يدرك القلب مما سوى الموجود المطلق بقرينة المقام وفيه تكلف وخلط لحالة المجانين بأحوال المحبين وباقي الكلام ظاهر وعندي أن المحبة ميل نفساني إلى المراد يعضده الجزم بالاعتقاد ورؤية ما سوي المطلوب من الفساد وفي الدين ارتداد وإليه أشار عارف الوقت والحقيقة وسلطان عشاق الخليقة بقوله:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردتي
(1/15)

فقولنا ميل كالجنس ونفساني كالفصل وإلى المراد فصل قريب ولذلك أخره وهذا هو فعل المادة والصورة والجزم في الاعتقاد بالفاعلية وغاية ذلك الثبات على الحب حيث ثبت أن ما سواه فساد فقد جمع هذا الحد مطرداً ومنعكساً أحوال المحبة على وجه العموم فمن أراد تخصيصه فبالفصول اللائقة ثم لهذه المحبة أوصاف وشروط منها أن لا يبالي المحب بما يرد من المحبوب وأن يؤثر رضاه على نفسه فيتلذذ فيه بالبلاء كالعطاء وبالغيبة كالحضور والهجر كالوصل والفناء كالبقاء إذا كان ذلك رضا المحبوب قال العارف:
فكل الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راض والصبابة أرضت
فانظر إلى هذا الاستاذ كيف أوضح طرق السلوك للسالك ودل على المطالب والمسالك وأوضح مرقاة الوصول للدارج ونكب عن المعارج إلى أسنى المعارج حيث قال: نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي، لأن الزمان المذكور محل الميل إلى مرادات النفس وشهواتها ففي البيت مع الجناس التام واستيفاء مادة الكلام تحرير أحوال الغرام بأقصى المراد ثم أكد ما أسس وأبدع ما جنس وقوى جزئي الميل حتى صار كلياً بما وشح من بديع نظامه وأنق من لطيف كلامه بقوله:
محجبة بين الأسنة والظبا ... إليها انثنت ألبابنا إذ انثنت
ممنعة خلع العذار نقابها ... مسربلة بردين قلبي ومهجتي
فجدوا أيها المقصرون وانتبهوا أيها الغافلون وبادروا أيها المثمرون فإن المطلوب خطير والوصول عسير وليس هذا قطعاً عن الطريق وتخذيلاً للهمم كما زعمه بعض الشراح المتلبسين بهذه الصناعة الظانين أن الوصول إلى هذا النفس بالظاهر من البلاغة والبراعة كلا بل هو تبيين وتحقيق لئلا يقدم على هذا الأمر إلا من أراد علو همته وغلو قيمته ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا يتلبس بالعلم غير أهله ولا يبسق الفرع على غير أصله:
فللحب أقوام كرام نفوسهم ... منزهة عما سوى الحب يا خلي
(1/16)

إلى غير ذلك مما دلت عليه أبياته الفائقة وعباراته الرائقة وألفاظه الشاقة التي هي لصوادق الهمم إلى مقام الوصول سائقة ولولا ما في ذلك من التطويل الذي يستغرق المدد مع المدد ويستنفذ الأبد فضلاً عن طول الأمد لأوضحت لك ما في كلامه من الأسرار الحقيقية الدالة على أن أبيات القصيدة وضعت كدرج المرقاة في الإبرام والنقض لا يجوز تقدم بعضها على بعض ومن لطيف ما اتفق لي إني خلوت بنفسي ليلة وكانت ليلة الجمعة سادس رجب الفرد من شهور إحدى وسبعين وتسعمائة فأخذت أتفكر في كلامه متصفحاً في دقائقه إلى أن قام في فكري معارضة بين ما اتفق له من قوله وعيدك لي وعد البيت. وقوله عذب بما شئت غير البعد وقوله وأصعب شيء دون اعراضكم سهل. وبين قوله ولك الذي ترضاه البيت فإنه في جميع الأبيات أشار إلى أنه راض بكل أفعال المحبوب خلا البعد والهجر ثم أشار في هذا البيت إلى الرضا بسائر الحالات ومنها البعد والهجر ثم قام عندي جواب إن ذلك عام خصص ثم غشيني النوم فرأيت كأني بالمدرسة الأشرفية وقد زينت بأنواع الزينة وليس فيها غيري وإذا برجل طويل غليظ شديد البياض في يده عكاز أخضر متوشح بثوبين أبيضين وعلى رأسه كالأزار فقام عندي أنه الشيخ فإذا هو هو فسلم علي ووضع يده على كتفي ووقفنا متقابلين وهو يقول لي هذا جواب الفقهاء ولم أقصده فقلت يا سيدي وما الذي قصدت قال أما تعلم أنا لمسافر أثقل ما يكون في مبادي سفره ثم لم يزل يخف إذا طالت طريقه حتى لم يبق إلا هو وربما فني قلت نعم قال وكذلك السالك لم يزل يلقي مرادات نفسه حتى إذا وصل انطوى في دائرة المحبوب فلم يبق له مطلوب كما في الحديث القدسي فبي يسمع وبي يبصر فعلمت أن هذا الشأن لا يدرك بالعلوم الظاهرة إن لم تداركها نفحات من الحضرة الطاهرة فرجعت عما كنت عزمت عليه من الكتابة على القصيدة إلا أن تداركني الألطاف الباهرة وقال بعض العارفين شرط المحبة أن تكون ميلاً بلا نيل وشرطاً بلا جزاء لئلا تزول عند زوال العوض ويتأكد ذلك في أحباء الله عز وجل. روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول في مناجاته إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكني وجدتك أهلاً للعبادة ومن ثم قيل أفضل الحمد ما وقع دالاً على استحقاق الله له بلا شرط نحو نحمدك يا من جلت صفاته عن الاحصاء بخلاف ما وقع في مقابلة شيء كالحمد لله على ما أنعم وأخبر السراج عن أبي بكر الازدستاني بسنده إلى ابن كثر قال لما تاب داو عليه السلام كان له يوم نوح تجتمع إليه فيه الناس حتى الوحوش والطيور فينوح ويعظ مذكراً بالجنة ثم النار ثم الأهوال ثم الخوف من الله وفي كل واحدة يموت من كل طائفة خلق وولده قائم على رأسه فيقول حسبك يا أبت قد مات الناس ثم يقول له العباد لا تعجل بطلب الجزاء فيخر ساجداً مغشياً عليه فتأخذ كل طائفة من مات منها وتذهب ثم يدخل بيت عبادته وهو يقول يا إله داود غضبان أنت عليه أم راض إلى أن يخر مغشياً عليه وأخرج عبد العزيز بن علي الطحان عن ابن عطاء في معنى قوله عز وجل إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين أن أيوب لم يزل يأكله الدود حتى لم يبقى غير قلبه ولسانه فأكل بعضه بعضاً حتى بقيت واحدة فدبت إلى قلبه فقال ذلك لأنه قال أي رب لم أخف من بلاء ما دام قلبي عارفاً بحلاوة ذكرك فأوحى الله إليه بم تنظر إلي غداً قال بهاتين العينين قال لا ولكن أخلق لك عينين يسميان البقاء لتنظر إلى البقاء بالبقاء وقيل خرج عيسى عليه السلام في سياحته ليلة برد وريح ومطر فعاج إلى كهف ليستظل فخرج إليه أسد فقال أنت أحق بمكانك وعاد وهو يقول رب لكل ذي روح ملجأ إلا عيسى فأوحى إليه كأنك استبطأتني فوعزتي وجلالي لأزوجنك بجواري ولأولمن عليك أربعة آلاف سنة وحكى المنذري عن ابن سعد يرفعه أن أنصارياً بكي من خشية الله خوفاً من النار حتى حبسه البكاء في بيته فحكى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فلما اعتنقه خر ميتاً فقال جهزوا صاحبكم فإن الفرق بتحريك الراء يعني الخوف فلذ بالمعجمة يعني قطع كبده وحكى أبو نعيم في الحلية في ترجمة عبد الواحد بن زيد عن الفضيل بن عياض أن ابن زيد سأل ربه ثلاث ليال أن يريه رفيقه في الجنة فإذا بقائل يقول له هي ميمونة السوداء قال فقلت وأين هي قال بالكوفة فخرجت في طلبها فلما سألت عنها قالوا هي مجنونة وأنها بموضع كذا ترعى
(1/17)

غنيمات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازاً وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئاً من الدنيا فأبتغى إليه ثانياً إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت: مات لنا فجئتها فرأيتها قد غرست عكازاً وعليها جبة صوف مكتوب عليها لا تباع ولا تشرى والغنم ترعى مع الذئاب بلا ضرر وهي تصلي فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت يا ابن زيد ليس هذا موضع الموعد فقلت ومن أين عرفتيني فقالت الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وفي رواية أخرى قالت جالت روحي وروحك في عالم الملكوت فتعارفنا فقلت لها عظيني فقالت واعجبا من واعظ يوعظ ثم قالت يا ابن زيد لو وضعت معيار القسط على جوارحك لخبرتك بمكنون ما فيها يا ابن زيد ما من عبد أعطاه الله شيئاً من الدنيا فأبتغى إليه ثانياً إلا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة وأنشدت:
يا واعظاً قام لاحتساب ... يزجر قوماً عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقاً ... هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا ... غيك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب
تنهي عن الغيّ والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب
قال ثم سألتها ما بال الذئاب التي مع الغنم لا تضرها فقالت أصلحت ما بيني وبينه فأصلح ما بين الذئاب والغنم وفي الكتاب المذكور عن ابن المبارك قال بينما أطوف في الجبال إذا أنا بشخص فلما دنا مني إذا هو امرأة عليها ثياب من صوف فلما دنت سلمت ثم قالت من أين قلت غريب قالت وهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الضعفاء ومحدث الفقراء فبكيت فقالت ما بكاؤك ما أسرع ما وجدت طعم الدواء قلت هكذا العليل ثم قلت عظيني يرحمك الله فأنشدت:
دنياك غرارة فذرها ... فإنها مركب جموح
دون بلوغ الجهول منها ... منيته نفسه تطوح
لا تركب الشرّ فاجتنبه ... فإنه فاحش قبيح
والخير فاقدم عليه جهراً ... فإنه واسع فسيح
فقلت زيديني قالت سبحان الله أو ما في هذا الموقف من الفوائد ما أغنى عن الزائد قلت لا غنى لي عنه فقالت أحبب ربك شوقاً إلى لقائه فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه.
وفيه عن أبي الفيض ذي النون المصري رضي الله عنه قال بينما أنا في السياحة إذا لقيتني امرأة فقالت من أين قلت غريب فقالت كما قيل لابن المبارك إلا أنها زادت حيث نهت عن البكاء بأن قالت البكاء راحة القلب فما كتم شيء أحق من الشهيق والزفير فإذا أسبلت الدمعة استرحت وهذا ضعف عند العقلاء فتعجبت من ذلك وقال وصف لي رجل فقصدته فأقمت على بابه أربعين يوماً فلما رآني بعدها هرب مني فقلت له سألتك بالله إلا ما وقفت فقال ما تريد فقلت تعرفني بما عرفته فقال إن لي حبيباً إذا قربت منه قربني وأدناني وإذا بعدت صوب بي وناداني وإذا قمت باليسير رغبني ومناني وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني فهل رأيت مثله انصرف عني ولا تشغلني ثم ولى يقول:
حسب المحبين في الدنيا بأنّ لهم ... من ربهم سبباً يدني إلى سبب
قوم جسومهم في الأرض سائرة ... وإن أرواحهم تختال في الحجب
لهفي على خلوة منه تسدّدني ... إذا تضرّعت بالاشفاق والرغب
يا رب يا رب أنت الله معتمدي ... متى أراك جهاراً غير محتجب
(1/18)

وعن أبي الفتح بن سحنون قال كان سعدون صاحب محبة الله لهجاً بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنوناً لتردد قوله في المحبة فغاب عنا زماناً وكنت مشتاقاً إلى لقائه فبينما أنا بفسطاط مصر على حلقة ذي النون وإذا به وعليه جبة من صوف فنادى يا ذا النون متى يكون القلب أميراً بعدما كان أسيراً فقال إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير فيه إلا هو قال فخر مغشياً عليه ثم أفاق وهو يقول:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال يا أبا الفيض إن من القلوب قلوباً تستغفر الله قبل أن تذنب قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع قال يا أبا الفيض اشرح لي ذلك قال يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين فهم قد فطموا النفوس عن روح الشهوات فهم رهبان من الراهبين وملوك العباد وأمراء في الزاد للغيث الذي أمطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله تعالى شوقاً فليس فيهم من آنس بمخلوق ولا مسترزق من مرزوق فهو في الملأ حقير وعند الله خطير ثم ولى.
وعن أبي سليمان قال مررت ليلة فسمعت في جبل اللكام رجلاً يقول في دعائه سيدي وأملي وموئلي ومن به تم عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك وقلب لا يشتاق إليك ودعاء لا يصل إليك وعين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف ثم صعق فتركته وانصرفت وإذا أنا برجل نائم فركضته وقلت قم فإن الموت لم يمت فرفع رأسه وقال ما بعد الموت أشد منه.
وعن عبد الله بن المبارك قال مررت في سياحتي بالشام بطبيب يصف لكل ما يحب فقلت له يا طبيب أعندك دواء المذنوب فقال نعم فلما تفترق الناس قال لي يا هذا عليك بورق الفقر وعروق الصبر واهليلج الصاف وبليلج الرضا وغارقون في الكتمان وسقمونا الأحزان فأمر سهم بماء الأجفان ودعهم في طاجن القلق وأوقد تحتهم نار الفرق وصفهم بمنخل الأرق واشربهم على الحرق فإنه شفاؤك وأنشد:
يا طبيباً بذكره يتداوى ... وصفوه لكل داء غريب
ليس حزني عليك شيء عجيب ... إنما الصبر عنك شيء عجيب
وسئل أبو بكر الشبلي ما علامات العارف قال صدره مشروح وقلبه مجروح وجسمه مطروح قيل من العالم قال من عرف الله وعمل بما علمه الله وأعرض عما نهاه الله قيل فما الصوفي قال من صفا قلبه ورمى الدنيا وجفا الهوى واتبع المصطفى قيل فما التصوف قال التألف والأعراض عن التكلف وأحسن منه تصفية القلوب لعلام الغيوب وأحسن منه التعظيم لأمر الله والشفقة على عباد الله وأحسن منه من صفا من الكدر وخلص من العكر، وامتلأ من الفكر وتساوى عنده الذهب والمدر.
وعن إبراهيم بن أدم رضي الله عنه قال كنت يوماً من الأيام ماراً بقبر فترحمت عليه وبكيت عليه فسألني من معي عنه فقلت قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن غرق في الدنيا ثم استنقذه الله بلغني أنه سر يوماً من الأيام بما هو فيه ثم نام مع بعض محاظيه فرأى رجلاً واقفاً على رأسه وفي يده كتاب فناوله إياه ففتحه فإذا هو مكتوب بالذهب لا تؤثر فانيا على باق ولا تغتر بملكك وسلطانك وخدمك ولذاتك فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم وملك لولا أن بعده هلك وفرح وسرور لولا أن بعده غرور فسارع إلى أمر الله فإنه يقول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم فانتبه مرعوباً وخرج إلى هذا الجبل فما زلت أتعهده حتى مات ودفن ههنا.
وحكي أن ملكاً أراد الركوب يوماً فدعا بثياب الزينة فجيء بها فردها وقال أريد ثياب كذا فجيء بها فردها حتى جيء بأصناف كثيرة ثم اختار ما أراد وفعل كذلك بالدواب فلما ركب نفخ إبليس في أنفه فعلاه من التكبر ما لا يوصف حتى أنه لم يخاطب أحداً فبينما هو في موكبه إذا برجل رث الهيئة قد قبض على لجام دابته وهو يقول لي إليك حاجة قال حتى أرجع قال لا بل مكانك قال اذكرها فقال أدن مني فطأطأ فقال له أنا ملك الموت فتغير واضطرب وسأله أن يعود فيودع أهله فأبى وقبضه مكانه.
وحكى أنه عارض في ذلك الوقت رجلاً زاهداً فقال له كما قال للملك فقال حباً وكرامة فقال له ملك الموت هل لك حاجة تمضي إليها فقال لا حاجة أحب إلي من لقاء الله فقال اختر على أي حالة أقبضك فقال ألك ذلك قال نعم فتوضأ وصلى فلما سجد قبضه.
(1/19)

وعن عتبة المعروف بالغلام وسمي بذلك لكثرة خدمته أنه كان مقيماً بالجبانة فبلغ خبره علي بن سلمان أمير العراق فخرج حتى وقف عليه فسلم فرفع رأسه فرد عليه فقال له الأمير كيف أصبحت قال متفكراً في القدوم على الله بخير أم بشر ثم بكى وأطرق رأسه منكساً إلى الأرض فقال الأمير قد أمرت لك بألف درهم فقال قبلتها على أن تقضيني معها حاجة فقال وقد سر بذلك وما هي قال تقبل مني ما وهبتني فقال قد فعلت وانصرف ولقد كان عتبة هذا لا ينام إلا أول الليل ثم يستيقظ فزعاً مرعوباً ينادي النار النار قد شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ثم يتوضأ ويقف للخدمة وإن البكاء ليمنعه القراءة وكثيراً ما يقول اللهم يا عالماً بحاجتي غير معلم بما أطلب وما أطلب إلا فكاكي من النار اللهم إن الجزع قد أرقني من الخوف فلم يؤمني وكل هذا من نعمتك السابقة علي وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك إلهي قد علمت لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين.
وعن سهل ابن عبد الله التستري رضي الله عنه الناس ثلاثة أصناف صنف مضروب بسوط المحبة مقتول بسيف الشوق مضطجع على بابه ينتظر الكرامة وصنف مضروب بسوط التوبة مقتول بسيف الندامة مضطجع على بابه ينتظر العفو وصنف مضروب بسوط الغفلة مقتول بسيف الشهوة مضطجع على بابه ينتظر العقوبة.
وعن حيان القيسي العباد مع الله على ثلاث طبقات قوم ظعن بهم عن البلاء لئلا يسترق الجزع سرهم فيكون هذا حكمة أو يكون في صدورهم حرج من قضائه وقوم ظعن بهم عن مساكنة أهل المعاصي لئلا تغتم قلوبهم فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم وقوم صب عليهم العذاب صباً فما ازدادوا بذلك إلا حباً.
أقول والتقسيم الأول شامل لطبقات العالم السعيد منهم والشقي إلا أن القسم الأول أسعد السعداء وأما هذا التقسيم فهو تقسيم لأهل الله فقط على أن لنا أن نتكلف للأول أن يكون مثله وفي هذا تلميح إلى التسليم البحت في القضاء والقدر والأول إلى الاختيار.
وعن سحنون بن حمزة الخواص أن أبا بكر البصري وكان رجلاً من أكابر الأولياء مات قبل الجنيد بيسير وكان قد سمي نفسه بالكذب لبيت قاله وهو:
فليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فامتحني
فحصر بوله أثر قوله هذا فتضجر فسمي نفسه الكذاب في المحبة غيره:
ولو قيل طأفي النار أعلم أنه ... رضا لك أو مد لنا من وصالك
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها ... سرور الآتي قد خطرت ببالك
وله أيضاً:
وكان فؤادي خالياً قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببين منك إن كنت كاذباً ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني بعيشي يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي بغيرك يصلح
وله أيضاً:
يا من فؤادي عليه موقوف ... وكل همي إليه مصروف
يا حسرتي حسرة أموت بها ... إن لم يكن لي إليك معروف
وعن الجنيد رضي الله عنه قال أنفذ في السري في حاجة فلما قضيتها دفع إلي رقعة وقال قد أجزتك هذه الرقعة ففتحتها فإذا فيها:
ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... ألست أرى منك العظام كواسيا
وما الحب حتى يلصق بالجلد بالحشا ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وتضعف حتى لا يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
ودخل أبو بكر الشبلي يوماً المارستان فوجد غلاماً أسود قد غل إلى سارية فلما رآه قال يا أبا بكر قل لربك ما كفاه أن تيمنى بحبه حتى قيدني وأنشد يقول:
على بعدك لا يصبر من عادته القرب
وعن قربك لا يصبر من تيمه الحب
فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب
(1/20)

فصعق الشبلي وخر مغشياً عليه فلما أفاق وجد القيود مطروحة ولم ير الأسود. وعن علي ابن سعيد العطار قل مررت بعبادان بمكفوف مجذوم فإذا الزنبور يقع عليه فيقطع لحمه فقلت الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه وفتح من عيني ما أغلق من عينيه قال فبينما أنا أردد الحمد إذ صرع فبينما هو يتخبط نظرت إليه فإذا هو مقعد فقلت مكفوف يصرع مقعد مجذوم قال فما استتممت كلامي حتى صاح بي فقال ما دخولك فيما بيني وبين ربي دعه يفعل بي ما يشاء ثم قال وعزتك وجلالك لو قطعتني إرباً إرباً أو صببت علي العذاب صباً ما ازددت لك إلا حباً وللشبلي رضي الله عنه.
إن المحبين أحياء ولو دفنوا ... في الترب أو غرقوا في الماء أو حرقوا
أو يقتلوا بسيوف وسط معركة ... أو حتف أنف وإن أضناهم الغرق
لو يسمعون منادي الحب صاح بهم ... يوماً للباه من بالحب يحترق
وعن أحمد بن عيسى الجزار قال دعتني امرأة إلى غسل ولدها فلما جردته قبض علي يدي فقلت سبحان الله أحياه بعد موت فقال إن المحبين لله أحياء وإن ماتوا. ودعا عبد الواحد يوماً جماعة من الصوفية فأولمهم وكان فيهم عتبة الغلام فقام لخدمتهم ولم يأكل فلما انصرفوا قال له عبد الواحد لم لا تأكل قال ذكرت أهل الجنة واجتماعهم على الموائد وقيام الخدم على رؤوسهم فاشتقت إلى ذلك فأبت نفسي الطعام فبكى عبد الواحد وتفرقا متعاهدين على أن لا يولما ولا يشبعا من نوم ولا طعام. وقيل إن عتبة عاهد الله على أن لا ينام إلا مغلوباً وقرأ غلام يوماً بين يدي صالح المزي بالمعجمة نسبه إلى قرية بدمشق وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فقال كيف يكون لهم حميم وشفيع مطاع والمطالب لهم رب العالمين والملائكة تسوقهم بمقامع الحديد يسحبون تارة على الوجوه ويمشون أخرى ما بين باك ومناد بالويل ثم صاح يا ويلتاه ويا سوء منظراه. وبكى وبكت الناس فقام فيه تأنث فقال أوكل ذلك في القيامة يا أبا بشر فقال وأكثر من ذلك لقد بلغني أنهم يصرخون إلى أن تنقطع أصواتهم فقال الشاب إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى وخر ميتاً بعد أن استقبل ودعا بالتوبة فرؤي بعد قليل في النوم فقيل له ما فعل الله بك فقال أدخلني الجنة ببركة مجلس صالح ودعا صالح يوماً فمر به مخنث وهو يقول في دعائه اللهم أغفر لأقسانا قلباً واجمدنا عيناً واقربنا بالذنوب عهداً، فسمع المخنث فمات فرؤي في المنام فقال كما قال الشاب.
وقال عبد الوارث نظرت إلى رباح القيسي يقبل غلاماً من أهله فقلت تحبه قال نعم قلت ما كنت أظن أن في قلبك بقية لأحد فخر مغشياً عليه فلما أفاق مسح وجهه وقال إنما هي رحمة منه ألقاها في قلوب العباد.
وحكى ابن سعيد التيمي قال نظرت إلى جارية سوداء تسف الخوص وهي تقول:
لك علم بما يجنّ فؤادي ... فارحمن ذل ذلتي وانفرادي
فقلت لها ما علامة الحب وكان إلى جانبها يصرع فقال يا بطال الحب أن تقول لهذا المجنون قم فيقوم ورمقته فقام والجني يقول ويحك لا عدت إليه أبداً فهذا ملخص ما ناسب ترجمة الباب وقد ذكر في الأصل ما لا علاقة له إذا أمعن النظر بهذا المحل وربما يأتي بعضه حيث نجد له محلاً.
فصل من الباب
في ذكر من فارقت روحه من الأحباب
قال عبد الرحمن الصوفي مررت في أسواق بغداد بسوق النخاسين فرأيت جمعاً كبيراً على شاب مطروح فقلت ما باله قالوا سمع قارئاً يقرأ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فسقط مغشياً عليه قال فلما سمع الكلام انتبه وهو يقول:
ألم يأن للهجران أن يتصرما ... وللغصن غصن البان أن يتبسما
وللعاشق الصب الذي مات وانحنى ... أما آن أن يبكي عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحي ... كتاباً على نقش الوشاة منمنما
ثم صاح وخر مغشياً عليه.
وروى عن الحواري مثل ذلك إلا أنه زاد. وللغصن غصن البان أن يتكلما. وفي البيت الأخير كتاباً حكى نقش الوشاة. وقام أبو زهير في مجلس المزي فقال له اقرأ فقرأ صالح وقدمنا إلى ما عملوا من عمل إلى قوله وأحسن مقيلاً فقال له أعدها فلم يزل يكررها حتى سقط ميتاً.
(1/21)

وفي رواية الحافظ مغلطاي عن أبي القاسم في الأمالي وابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين عن صالح ومحمد بن واسع وحبيب وثابت البنالي ومالك بن دينار أنهم قالوا أتينا أبا زهير الضرير المذكور وقت الظهيرة للزيارة فخرج إلينا وكأنه نشر من قبر فصلى وجلس كالمهموم فسلمنا عليه فقال لصالح اقرأ فقرأ الآية المذكورة فخر ميتاً فقلنا هل له من أحد فقال الحاضرون نعرف امرأة تأتيه من هنا ببعض حاجاته فاستحضرناها بالقصة فقالت لعل فيكم صالحاً قلنا وما يدريك به قالت كثيراً ما كان يقول لي أن أقرأ علي صالح قتلني فجهزناه رحمه الله تعالى.
أخبرنا أبو الطيب وكان صوفياً من أهل سر من رأى مدينة بالعراق قال حضرنا يوماً في مجلس ومعنا رجل صوفي يقال له أبو الفتح فقرأ قارىء ولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر فقال الرجل بلى وخر مغشياً عليه فلم يفق إلى أن ذهب النهار ثم مضى فبلغني بعد أيام أنه حضر بالكرخ مجلساً فأنشدت فيه جارية الأبيات المنسوبة إلى عبد الصمد المغربي الاشبيلي المعروف بالمعدل:
يا بديع الدل والغنج ... لك سلطان على المهج
إن بيتاً أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج
وجهك المعشوق حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
فاعتراه اضراب شديد وأقبل يقول للصبية كيف قلت فلما بلغت البيت خر ميتاً وأخرج في الأمالي عن عبد المؤمن القصة إلا أن البيت الأخير. وجهك المأمول حجتنا. قلت ولعل الذي مات من سماعه الرجل هو هذا لأن العارفين إذا سمعوا ما يدل على صاحب البقاء كان أكثر أخذاً من نفوسهم ولا شبهة في أن المأمول أبلغ.
وحكى أبو الفرج الصوفي قال كنا نجتمع للخدمة وكان بالقرب منا رجل اسمه القاسم الشركي يرعى عنيزات وكلما دعوناه إلى السماع أبى فمر به صبي يوماً يغني:
إنّ هواك الذي بقلبي ... صيرني سامعاً مطيعاً
أخذت قلبي وغمض عيني ... سلبتني العقل والهجوعا
فدع فؤادي وخذ رقادي ... فقال لابل هما جميعا
فراح مني بحاجتيه ... وبت تحت الهوى صريعا
فاعتراه اضطراب شديد وأقبل يقول للصبي كيف قلت فخاف الصبي منه ومضى فجعل يقول له لا بأس عليك كيف قلت فلم يجبه وانصرف فرجع هائماً إلى رجل هناك بطبرية يقال لها حامد الفاخوري وكان عارفاً بالأشعار فجعل يردد الأبيات عليه ثلاثة أيام وهو يضطرب حتى مات.
وأخرج مغلطاي عن ابن أبي الدنيا والمنذري آخر الترغيب في فضل الخوف عن ابن عمر وصححه الحاكم أن رجلاً حبشياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت أكون معك في الجنة قال نعم ثم قال صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحانا لله كتب له بها مائة ألف حسنة فقال رجل يا رسول الله كيف يهلك بعد هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده أن الرجل ليجيء يوم القيامة بعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد تستنفد ذلك كله لولا ما يتفضل الله من رحمته ثم نزلت هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً إلى قوله وملكاً كبيراً فقال الحبشي يا رسول الله وهل ترى عيني في الجنة مثل ما ترى عينك فقال نعم فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه رضي الله عنه.
(1/22)

قال ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حرفته بيده رواه الطبراني عن أيوب عن عتبة. وأخرج مغلطاي عن ابن أبي الدنيا كتاب الخوف باسناده إلى عاصم البصري قال كنت إماماً بمسجد ابن جراد وكان يتردد إلي رجل فسألني يوماً مصحفاً ينظر فيه فأعطيته إياه فخرج وهو يقول فسيكون لي ولهذا المصحف نبأ عظيم واختفى فلم أره بقية اليوم يحضر الصلاة فلما كان الصباح دخلت عليه فوجدته ميتاً والمصحف على صدره فخرجت متفكراً في أي شيء أكفنه وإذا أنا بجماعة من العباد منهم حسان وحبيب وابن واسع ومع كل كفن وحنوط فقالوا أتعرف هنا رجلاً مات فقلت لا أعرف إلا رجلاً غريباً كان يصلي هنا فقالوا أنت أشقى من أن تعرف ثم دخلوا عليه وجعلوا يتنافسون في تجهيزه ثم صلوا عليه ودفنوه ورأيت هذه الحكاية في أنيس الجليس إلا أنه زاد ورأيت المصحف مفتوحاً وأول سطر فيه الله نزل أحسن الحديث الآية.
وفي الحلية عن ابن السماك قال دخلت البصرة على رجل أعرفه فسألته أن يدلني على رجل من العباد فدخلنا على رجل منكس الرأس كثير الصمت لابس الشعر فلم يكلمنا وخرجنا فقال لي أتدخل على ابن العجوز فدخلنا على شخص يشبه الأول وعنده أم له عجوز فقالت لا تذكروا لولدي ناراً ولا جنة فتفجعوني فيه فلما جلنا عنده رفع رأسه فقال أما للعباد موقف يقفون فيه فقلنا بين يدي من خلقهم فشهق شهقة فارق الدنيا.
وفيه قال دخل جماعة على أبي سعيد القطان فقرأ رجل منهم سورة الدخان فلما انتهى إلى قوله أن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين جعل يضرب ويعلو صدره حتى غشي عليه وأصاب صدره فأدماه وجاءت النساء وخرجنا إلى الباب فلما سكنت الغوغاء دخلنا عليه فإذا هو على فراشه يردد الآية حتى قضى عليه.
وحكى مغلطاي عن ابن أبي الدنيا قال كرر ابن خليد قوله عز وجل كل نفس ذائقة الموت فناداه مناد كم تكرر هذه الآية فقد قتلت بها أربعة نفر من الجن لا يرفعون رؤوسهم حتى يموتوا ورأيت في أنيس الجليس القصة وزاد فيه أن رجلاً قصد الحاج فعدل عن الطريق تائهاً أثر نوم فإذا هو في أرض لا يعهد مثلها وإذا بقوم قد أقبلوا إلى ماء هناك فتوضئوا ودعوه إلى الصلاة بهم فصلى وقرأ الآية فخروا إلى الأرض وحركوا فوجدوا أمواتاً وقائل يقول له يا عبد الله أن هؤلاء قوم من الجن قد اعتزلوا ههنا للعبادة وإن الخوف لم يترك فيهم بقية وأنت إن أردت الحاج فامض أمامك فستظفر بأصحابك طلوع الفجر قال الرجل فكان كذلك.
وعنه عن محمد بن صالح قال خرجنا ومعنا قارىء يقرأ فسمعته امرأة من أهل البصرة على سطح فاضطربت حتى غشي عليها واحتملت إلى بيتها فلم نبرح حتى قضت نحبها وكان لها مشهد عظيم.
وعن محمد عن منصور بن عمار قال مررنا في جوف الليل فإذا بشاب قائم يصلي وهو يقول في مناجاته إلهي ما أردت بمعصيتي مخالفتك ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بناكلك جاهل ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي فالآن من عذابك من يستنقذني وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك مني واشباباه واشباباه فلما فرغ تلوت آية من كتاب الله وهي فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا الآية فسمعت دكدكة وانقطع الصوت فلما أصبحنا رجعنا على الأثر وإذا بجنازة وعجوز قد أخذ منها الكبر فسألناها فقالت مر قارىء بولدي فقرأ آية فتفرطت مرارته ومات.
وعنه من طريق آخر الحكاية زاد فيها بعد قوله إن قطعت حبلك عني واسوأتاه إذا قيل للمخففين جوزوا وللمثقلين حطوا فيا ليت شعري أمع المثقلين نحط أو مع المخفين نجوز ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي ويحي كلما كبر سني كبرت خطاياي فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا استحي من ربي قال منصور فلما سمعت كلام الشاب وضعت فمي على باب داره وقرأت الآية المذكورة وعلمت الباب فلما رجعت الحكاية إلا أنه ذكر عن العجوز أن الشاب كان يصنع الخوص ويبيعه ويقسمه بين القوت والصدقة وشراء الخوص.
(1/23)

وعن ذي النون المصري قال بينما أنا أسير على جانب البحر في الليل وإذا أنا بجارية عليها أطمار شعر وهي ناحلة ذابلة فدنوت منها لسماع ما تقول وإذا هي متصلة الأحزان بالأشجان وقد عصفت الرياح واضطربت الأمواج وظهرت الحيتان فصرخت وسقطت إلى الأرض فأفاقت وهي تقول سيدي لك تقترب المتقربون في الخلوات ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات ولجلال قدسك تصافقت الأمواج المتلاطمات أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار والفلك الدوار والبحر الزخار والقمر النوار والنجم الزهار وكل شيء عندك بمقدار لأنك العلي القهار وأنشدت:
أحبك حبين حب الوداد ... وحباً لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى ... فحب شغلت به عن سواك
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراك
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك
ثم شهقت شهقة فارقت الدنيا فوقفت متعجباً وإذا بنسوة على أحسن ما يكون من الحالات قد أقبلن فاحتملنها ثم غبن وأقبلن بها قد جهزت فقدمنني للصلاة وهن ورائي فلما فرغت مضين بها.
قال المختصر عن مغلطاي رأيت غير ما مرة شيخاً مغربياً يحمل على ظهره الخضر من باب زويلة إلى الكتبيين ويكثر من إنشاد شعر بلا وزن مضمونه أن الحاكم أخذ ماله المتروك عن والده وأوراقاً كثيرة منها هذا الشعر وأنه استمع ليلة المحدث في سيرة البطال وقد ذكر أن جماعة قتلوا في الجهاد فقال المغربي للمحدث وفيم قتل هؤلاء قال في سبيل الله قال المغربي وأنا أيضاً أموت في سبيل الله فقال له المحدث افعل فتمدد إلى جانبهم فحرك فإذا هو ميت.
وعن أبي الحسين أحمد بن أبي الحواري قال مررت في الشام بقبة وإذا أنا بامرأة تدق الحائط فقلت لها ما بالك فقالت امرأة ضالة دلني على الطريق فقلت أي الطريق تريدين قالت طريق النجاة قلت هيهات أن بيننا وبينه عقبات لا تقطع إلا بسير حثيث ونصح المعاملة وقطع العلائق الشاغله من أمور الدنيا والآخرة فقالت سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تنقطع وحفظ عليك فؤادك فلم ينصدع ثم خرت مغشياً عليها فقلت للنساء حركنها فإذا هي ميتة ووصيتها إلى جانبها أن كفنوني في أثوابي وخلوا ما بيني وبينه فإن كان لي عنده خير فهو أسعد لي وإلا فبعد النفسي.
وفي الأصل قيل كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا اسمعيل وأنه سمع يوماً قارئاً يقرأ وله أسلم في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون فبكى حتى غشي عليه ثم أسلم وصحب فنجا الموصلي فحدث عنه أنه نظر يوماً إلى الدخان يفور من المدينة فبكى وقال قد قرب الناس قربانهم فليت شعري ما قرباني وجعل يبكي حتى فارق الدنيا.
هذا ما قرره من أول الباب إلى هنا وفي كل نظر وذلك أنه عقد الباب كله لعشاق الله ثم ذكر فصلاً لمن مات بذلك على أنه قد ذكر قبل الفصل من مات وبعده من لم يمت بآخر وقال أنه لعشاق الحور العين وقد أمطنا ما يتوقف فيه النظر حيث لم نذكر إلا ما يظهر فيه ظرف المناسبة ومن هنا إلى آخر الباب لم يخالف أوله فلا فائدة في الفصل فتأمل.
عن منصور بن عمار قال بينا أنا في السياحة إذ مررت بخدم وقصر ملكي لأتمكن الإحاطة بوصفه فهممت أن أدخله فانتهروني فلم أبالي بهم ودخلت فإذا أنا بشاب في أرفع طبقات الجمال والملابس وقد استحضر صبية تناسبه فلما رآني هم بقتلي فقلت أنا طبيب وقد رأيت فيك داء فقال وما هو قلت ميلك إلى الفاني وحبك ما لا يبقى وغفلتك عما عند الله ثم وصفت له الجنة والنار وما فيهما فتجرد من وقته وكان ملك البصرة فلما خرجنا وقد زال ما في القصر من البهجة تعلقت به الصبية وقالت على من تتركني ثم تجردت وخرجا هائمين فلما كان بعد عام وأنا في الطواف إذا أنابه يتضرع وقد أخلقته العبادة حتى لم أعرفه إلى أن قال لي أما تعرفني يا طبيب ثم ذكرني بالحالة ثم قال لي هل لك أن تنظر إلى نسوان يعني الصبية قلت نعم فأخذ بيدي حتى أوقفني عليها فلما رأتني قالت مرحباً أيها الطبيب ثم شهقت شهقة فارقت الدنيا فقال الرجل إني على أثرها فلا تبرح ثم نظر إليها وخر ميتاً.
(1/24)

وعن عبد الواحد بن زيد قال اشتكيت ألماً في ساقي حتى منعني القيام فتحاملت حتى عجزت فجمعت ازاري في المحراب وتوسدته فغفلت وإذا أنا بجارية كأنها جوهرة شفافة وعليها من الملابس ما يبهر العين رؤيته وخلفها جوار كأنهن الأقمار فقالت لبعضهن احتملنه ولا تؤذينه ثم قالت افرشنه ومهدنه وأقبلت تملس على ألمي ثم قالت قم إلى صلاتك بلا أذى فانتبهت كالذي نشط من عقال وعنه من رواية أخرى أنها قالت له أنا لك فجد في طلبك قال فلم أنم بعدها وفي أخرى عنه قال فما أخذتني السنة حتى رأيت شاباً وبيده ورقة بيضاء فناولني إياها وإذا فيها:
ينام من شاء على غفلة ... والنوم كالموت فلا تتكل
تنقطع الأعمال فيه كما ... تنقطع الدنيا على المنتقل
وكان كثيراً ما يردد هذه ويقول فرق الموت بين المصلين ولذة الصلاة ويعدد أفعال الخير ولعل الوقائع متعددة.
وعن صاحب المصارع بسنده إلى محمد بن الفرج قال نظرت إلى جارية تباع فقلت بكم هذه قيل بألف دينار فرفعت رأسي إلى السماء وقلت اللهم إنك تعلم أني لا قدرة لي على ذلك وأني لو سألتك إياها لوهبتها لي ولكني أسألك أنفس منها عندك من لا تمرض ولا تسقم ومهرها عندي أن لا أنام ليلاً ولا أطعم نهاراً ولا أضحك إلى أحد وها أنا مجد في المهر فلم ير بعد ذلك على غير ما قال حتى مات.
وعن رابعة العدوية قالت كان لي ورد في الليل قد اعتدته فمرضت مرضاً أعقبني فترة عنه فبينما أنا راقدة إذ نظرت كأني في روضة كثيرة النبات والقصور وجارية تطارد طيراً أخضر تريد أن تأخذه فالتهيت بحسنها عنه وقلت دعيه لأني لم أر أحسن منه فقالت ألا أريك أحسن منه فقلت بلى فأخذت بيدي فأدخلتني إلى بيت يحار فيه البصر من تلألؤ نوره ثم رفع عن بستان وخرج منه وصائف بأيديهن مجامر الند والعنبر فقالت لهن الآخذه بيدي إلى أين فقالوا إلى فلان قد قتل في البحر فقالت ألا تجهزن هذه المرأة فقالوا قد كان لها حظ في ذلك فتركته فانتبهت فزعة ولم أنم بعدها وبقي من هذا الباب بعض حكايات لا تناسب الترجمة ومع ذلك فائدتها قليلة فلذلك أضربنا عنها.
الباب الثاني
في أحوال عشاق الجواري والكواعب
وذكر ما صدر لهم من العجائب
وفيه خمسة أقسام الأول فيمن اشتهرت سيرته وظهرت في الحب سريرته قد تقدم في أحوال العشق أنه من الأحوال القديمة حتى ورد فيه ما سمعت من الأخبار والآثار وغالب ما يكون من قبل النساء حتى قال بعض العارفين وأظنه الجنيد كما أن النساء حبائل الشيطان فهن حبائل العرفان إذ قد يتوصل العاقل من عشقهن إلى معرفة مبدعهن لأن المقدمات الصريحة تنتج الأغراض الصحيح وبالحري من أمعن النظر في مخلوق زائل ترقى عند معرفة غايته إلى دائم فاعل وهذا مثل قولهم الرياء قنطرة الاخلاص.
عن ابن عباس قال لما عتقت بريرة وكان زوجها حبشياً وفي رواية اسود وخيرت فاختارت الفسخ جعل يطوف في المدينة باكياً يترضاها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تزوجته فقالت إن أمرتني بذلك فقال لا آمرك ولكني شفيع وقد أخرج القصة البخاري، وفي تتمة ذيل الأماني للقالي عن ابن الأنباري قال دخلت على إبراهيم بن محمد وقد سامته جاريه له البيع فأجابها وكان يحبها فأنشد:
أبت الغداة بوصلها غدّار ... فدموع عينك لا تجف غزار
واستبدلت بك صاحباً ومؤانساً ... وكذا الغواني وصلهن معار
وكان ابن عباس يوماً جالساً بفناء الكعبة إذ وضع بين يديه شخص قد حمله إلى الكعبة يستشفعون له فكشف عنه فأنشد:
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنّ ما أبقى حشاشة ما ترى ... على ما ترى عود هناك صليب
فرأى رسماً عافياً وحساً خافياً وجسماً بالياً فمكث أربعين يوماً لا يسأل الله بعد صلاته إلا المعافاة من العشق وأخرج ابن عساكر في الأمالي أن هذا المذكور عذري.
(1/25)

وقال السيوطي في شرح الشواهد أن اسمه عروة بن قيس وأنه ولع بجارية من العرب فزوجوه بها بشفاعة الحسين بن علي فأقام معها مدة وكانت أمه تقسم عليه أن يفارقها وهو يقول لها أخاف تلاف نفسي فلم ترض فلما كان يوم حر شديد وقفت حافية على الرمل وأقسمت لا تزول أو يفارق عروة الجارية ففارقها رفقاً بأمه فجعل يزداد به الوجد حتى امتنع من الطعام والشراب وعاود أهلها فأبوا عليه فأقام أياماً وحمل كما ذكر الكعبة فلم يغن عنه فلما عادوا به توفي في الطريق.
وحكي أن الأحوص بن جعفر الشاعر المشهور كان يهوى أخت زوجته ولا يفصح باسمها وفي الأمالي أن اسمها نخلة فتزوجت برجل من العرب اسمه مطر فاشتد بالأحوص الغرام فباح به وأنشد:
أإن نادى هديلاً ذات فلج ... مع الأشواق في فنن حمام
ظللت كأنّ دمعك درسلك ... هوى نسقاً وأسلمه النظام
تموت تشوّقاً طرباً وتحيا ... وأنت جوى بدائك مستهام
كأنك من تذكر أم حفص ... وحل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه ... تموت لها المفاصل والعظام
وإني من بلادك أم حفص ... سقى بلداً تحليه الغمام
أحل النعف من أحد وأدني ... مساكنها الشبيكة أو سنام
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
فلا غفر الإله لمنكحيها ... ذنوبهم وإن صلوا وصاموا
كأن المالكين نكاح سلمي ... غداة يرومها مطر نيام
فإن يكن النكاح أحل شيء ... فإنّ نكاحها مطر احرام
فلو لم ينكحو الاكفاء ... لكان كفيئها الملك الهمام
فطلقها فلست لها بكفء ... والاعض مفرقك الحسام
وساق في المطرب الحكاية بعينها إلا أنه زاد بيتاً في الأول وهو:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام
وقال في البيت الأخير والايعل مفرقك بدل عض. وأخرج أبو الفرج الأصفهاني عن زياد بن غطفان قال كنا بباب الولاة وإذا بإعرابي ينادي من أراد أن يسمع العجائب فليدن مني فدنوت منه وإذا هو الرماح بن مالك القيسي فقلت ما عندك فقال اعلم أني علقت امرأة يقال لها أم جحدر فاتصلت بها وطال الأمر وإني عتبتها يوماً فقلت لها الوصل عليك مردود فقالت ما قضى الله فهو خير وارتحلوا عنا وطال الأمر وراجعني الشوق فنذرت مراجعتها إن دنت دارها فلما كان ذلك خرجت أتصفح احياء العرب حتى وجدت امرأتين أمام البيت في كساء فسلمت عليهما ردت إحداهن وسألت عن شأني فأخبرتها فأشارت لي بدخول بيت فدخلت وإذا الساكنة أم جحدر وقامت لتدخل إلي وإذا بغراب ينعق فتغيرت فأقسمت عليها إلا ما أخبرتني عن تغيرك فقالت إن الغراب يخبرني أن لا اجتماع ففارقتها وغدوت لما أصبح النهار فأخبرتني امرأة أخيها أن شامياً خطبها إلى أهلها فزوجوه بها فجئت بالقرب من خبائها متردداً أياماً إلى أن مضى بها فكنت أنشد:
أجارتنا أن الخطوب تنوب ... عليّ وبعض الآمنين تصيب
أجارتنا لست الغداة ببارح ... ولكن مقيم ما أقام عسيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنني ... صبور على ريب الزمان صليب
جرى بانبتات الحبل من أم جح ... در ظباء وطير بالفراق نعوب
نظرت فلم أعيف وعافت وبينت ... لها الطير قبلي واللبيب لبيب
فقالت حرام أن نرى بعد يومنا ... جميعين إلا أن يلم غريب
أجارتنا صبراً فيا رب هالك ... تقطع من وجد عليه قلوب
(1/26)

وما نقله هنا من أن ابن ميادة سرق الأبيات فغير مسلم في الجميع وابن ميادة هو الرماح ابن مالك بن أبرد بن ميادة المشار إليه، والأبيات له ما عدا الأولين ولهما ثالث لم يورده والثلاثة لأمرىء القيس بن حجر الكندي ولهما حكاية عجيبة هي أنه لما قتل والده مضى إلى قيصر ملك الروم يستنصره فوعده النصر فأقام بالقسطنطينية أياماً فرأته ابنة قيصر فعلقته وراسلته فاجتمع بها وفيها يقول الا انعم صباحاً القصيدة المشهورة وإن القصة بلغت قيصر فكره قتله جهاراً للشنعة فألبسه حلة قد دهن زيقها بالسم وأمره بالمسير فلما بلغ جبلاً يقال له عسيب يبعد عن القسطنطينية مسافتين لعب فيه السم فنزل إلى جانب قبر فلما أحس بالموت سأل عن القبر فقيل هو قبر امرأة غريبة فقال ادفنوني إلى جانبها وأنشد البيتين الأولين وبعدهما:
أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وأما قوله فإن تسأليني هل صبرت إلى آخر الأبيات فللرماح وما ذكر من أن الثالث لجاهلي لم يعلم له ناقل وقد ساق القصة ابن هشام في شرح الدريدية وذكرها ابن عساكر في تاريخه الكبير وقوله نظرت فلم أعيف يعني لم أدرك حال الفرقة من زجر الطير المعروف عندهم بالعيافة وهو علم نفيس ولنا فيه رسائل وأخبر ابن دريد عن عمه قال عشقت حبيبة الحضرية ابن عم لها فدرى قومها فحجبوها فأنشدت:
هجرتك لما أن هجرتك أصبحت ... بنا شمتاً تلك العيون الكواشح
فلا يفرح الواشون بالهجر ربما ... أطال المحب الهجر والحب ناصح
وبعد النوى بين المحبين والهوى ... مع القلب مطوي عليه الجوارح
وهذا الذي ذكر من أول الباب إلى هنا كالمقدمة لهذا الباب وقد آن الشروع في مقاصده وأصدرها بأحد العشاق الأربع قال الفارسي في تنزيه النفس من لدن أدار الله الأفق على نظام التربيع حيث جعل دائرة العالم العلوي أربعة والعناصر والرياح والطبائع كذلك جعل المذاهب وطريقة الحقيقة يعني مسالك الصوفية والعشاق كذلك وكل من هذه معروف في مواضعه. فأما العشاق فجميل بثينة ومجنون ليلى وكثير عزة وقيس لبنى وهذا سر إشارة الاستاذ في التائية وغيرها إلى ما ذكر كقوله:
بها قيس لبنى هام بل كل عاشق ... كمجنون ليلى أو كثير عزة
وأقدم الكلام على جميل لأنه كما يقال أنسب الأربعة. وأما تقديمه في نزهة النفوس المجنون فمراعاة للأولية وجميل المذكور هو ابن عبد الله بن عامر يتصل نسبه بقضاعة.
كذا قاله مغلطاي عن أبي الفرج الأصبهاني كان شاعراً فصيحاً منطقياً صادق الصبابة عفيفاً منزهاً عن الرذائل عارفاً بالنسيب، روى عنه كثير وهو عن هدية ابن الخشرم عن الحطيئة عن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب المعلقة نشأ في قومه بني ربيعة بوادي القرى بين المدينة ومكة فعلق بثينة بن يحيى بن ثعلب من قومه صغيرين فلما انتشأ خطبها فرد لأن العرب كانت تستهجن إن تزوج من جرى بينهما عشق فكان يأتيها سراً يتحادثان فعلموا به فأرادوا قتله وأنها غمزته عن ذلك فاستخفى وفي ذلك يقول:
فلو أن الغادون بثنة كلهم ... غيارى وكل حارب مزمع قتلى
لحاولتها أما نهاراً مجاهراً ... وأما سري ليل ولو قطعت رجلى
فلما شاع ذلك شبب حواش أخو بثينة بأخت جميل وتفاخرا فغلبه جميل بشهادة العرب حتى قالوا له قل ما شئت في نفسك وأبيك وأنت الباسل الجواد ولحواش قل وأنت دونه في نفسك ويقال إن سبب عشقه بثينة أنه سرح أبله يوماً بواد البغيض وانسطح فأتت مع جوار يملأون الماء فعبثت بفصيل له فتسابا وهذا أخذ من قوله:
وأول ما قاد المودة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلت لها قولاً فجاءت بمثله ... لكل كلام يا بثين جواب
واستعدى أهلها عليه مروان بن هشام الحضرمي وكان والياً من قبل عبد الملك على تيماء وقيل ربعي بن دجاجة فتوعده فمضى مستخفياً إلى الشام وقيل إلى سيد من بني عذرة فأحسن مكانه وزين سبع بنات له رجاء أن يعلق واحدة منهن فيزوجه بها فكن يرفعن الخباء إذا أقبل جميل ففطن لذلك فأنشد:
حلفت لكيما تعلميني صادقاً ... وللصدق خبر في الأمور وأنجح
لتكليم يوم واحد من بثينة ... ورؤيتها عندي الذوا ملح
(1/27)

من الدهر أو اخلو بكنّ وإنما ... أعالج قلباً طامحاً حيث يطمح
وفي نزهة النفوس:
لرؤية يوم واحد من بثينة ... ألذ من الدنيا لديّ وأملح
وهو أحسن تركيباً وأظهر في أعمال أفعل التفضيل وقوله من الدهر معمول 3 حلفت وفي نسخة مدى الدهر وهو أحسن وأنسب فقيل الشيخ أرخين الخباء فوالله لن يفلح أبداً يعني لا يرجع عن العشق ويدل للأول قوله:
أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمي أو قاطع من لسانيا
ففي العيش محياة وفي الأرض مهرب ... إذا نحن دافعنا لهن المثانيا
ويحتمل تعدد الواقعة ولما عزل عاد وقيل مما استدل به على تمكن عشقه لها وأنه لا يمكن سلوه عنها مع حكاية البنات المذكورة قوله فيما رواه الشهاب محمود في منازل الأحباب عنه:
علقت الهوى منها وليداً فلم يزل ... إلى الآن ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظار نوالها ... وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
وللعشاق من أمثال ذلك كثير فمن ذلك قول عروة:
هواها هوى لا يعرف القلب غيره ... فليس له قبل وليس له بعد
وقول المجنون:
ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلي بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلي بها تغري بليلى ولا تسلي
وأعظم ما قيل في هذا المعنى واسجم وألطف وأرق وأصنع وأمنع قول الاستاذ رحمه الله:
حديثي قديم في هواها وماله ... كما علمت بعد وليس له قبل
فإنه قد جمع معاني الأبيات المذكورة الصناعات البديعية من المقابلة الضدية والطرفية ولعمري أنها لم تجتمع لغيره فيما نعلم وعن مغلطاي عن أبي الفرج وشت جارية بجميل وبثينة إلى أبيها وأنه الليلة عنها فأتى وأخوها مشتملين معتمدين سيفيهما لقتله فسمعاه يقول لها بعد شكوى شغفه بها هل لك في طف، ما بي بما يفعل المتحابان فقالت قد كنت عندي بعيداً من هذا ولو عدت إليه لن ترى وجهي أبداً فضحك ثم قال والله ما قلته إلا اختباراً ولو أجبت إليه لضربتك بسيفي هذا إن استطعت وإلا هجرتك أما سمعت قولي:
وإني لأرض من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرّت بلابله
بلى وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله
فقالا لا ينبغي لنا إيذاء من هذه حالته ولا منع التزاور وانصرفا وسأل عبد الملك يوماً كثيراً عن حال جميل وبثينة فقال يا أمير المؤمنين سايرته يوماً إليها فلما وصلنا بالقرب منهم أقبلت مع نسوة فلما رأينه ولين ووقفا يتحادثان من أول الليل حتى طلع الفجر ثم قالت حين أزمعا الفراق ادن مني فدنا فأسرت إليه فخر مغشياً عليه فلما أفاق أنشد:
فما ماء مزن في جبال منيفة ... ولا ما أكنت في معادنها النحل
بأشهى من القول الذي قلت بعدما ... تمكن في حيزوم ناقتي الرحل
وعن كثير قال سألني جميل أخذ موعد من بثينة فقلت هل بينكما موعد قال بوادي الدوم وهي تغسل الثياب فجئت أباها وهو جالس فحادثته قليلاً ثم أنشدته:
وقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل
فإن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وإن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهد منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فضربت سجاف البيت وقالت اخسأ فقال أبوها ما هذا فهذا كلب يأتينا من وراء هذه الرابية إذا نام الناس فمضيت وأخبرته فأقبل حتى اجتمعا ليلة وسارته كما سلف إلا أنه أنشد البيتين عند إفاقته لم يغير فيهما غير أن قال: نما مكفهر في مجامر جنة. ولا ما أسرت وعن مغلطاي قال دخلت بثينة على عبد الملك وقد أخلقها الدهر فقال لها ما الذي رأى فيك جميل حتى عشقك فقالت ما رأي فيك الناس حتى ولوك الخلافة فضحك حتى بدت له سن سوداء كان يسترها ودخل مصعب بن الزبير يوماً على زوجته عائشة بنت طلحة وكان شغفها بها فوجدها تتمشط فتمثل بهذا البيت:
ما أنس لا أنس منها نظرة عرضت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور
(1/28)

فقيل له إن أم منظور المشار إليها في هذا البيت موجودة فاستحضرها واستحكاها عن سبب قول جميل هذا البيت فقالت كنت ماشطة لبثينة وإني زينتها يوماً فأقبل على بعير ماراً فرآها بمؤخر عينيه فأنشد البيت فأمرها مصعب أن تصنع بعائشة كذلك وصنع هو كجميل وله فيها من الأشعار ما لا يحصى ما بين وصف ونسيب وذكر حكاية إلى غير ذلك فمن مستجادها اللامية التي أنشدها لعمر بن أبي ربيعة وكان من أجل معاصريه في الشعر لقيه يوماً فتفاخر واستنشده جميل فأنشد:
ألم تسأل الأطلال والمتربعا ... ببطن خليات دوارس بلقعا
أتانا رسول من ثلاث كواعب ... ورائقة تستجمع الحسن أجمعا
فلما توقفنا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا
وقرّبن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعاً كلما قسن أصبعا
فقلت لمطريهنّ بالحسن إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا
فأنشده جميل أثر هذه القصيد قصيدته المشهورة التي أولها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لاقسم مالي عن بثينة من مهل
أحلماً فقبل اليوم كان أوانه ... وأخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل
ومنها:
إذا ما تناشدنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة ... إلى ألفه فاستعجلت عبرة قبلي
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي
ومنها بيتان أنشدهما وقد مر به رجل فأضافه فريداً فجعل يأكل ويبث وجداً به على ابنة عمه حتى أتى عليه وهما:
ويعجبني من جعفر أنّ جعفراً ... يلح على قرصي ويبكي على جمل
فلو كنت عذريّ العلاقة لم تكن ... بطيناً وأنساك الهوى كثرة الأكل
ولما أنشد جميل هذه القصيدة قال لعمر يا أبا الخطاب هل لك في هذا الرومي شيء قال نعم وأنشد:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينها ... فقربني يوم الخضاب إلى قتلي
وطارت بوجد من فؤادي ونازعت ... قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فما أنس ما الأشياء لا أنس موقفي ... وموقفها يوماً بقارعة النخل
فلما تواقفنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
ومنها:
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدوّي بكائي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكنّ سري ليس يحمله مثلي
وقيل أن جميلاً لم ينشده في هذه المرة شيئاً بل قال له امض بنا إلى بثينة فقال له قد حجر علي فقال داني على أبياتها ففعل ومضى عمر فاجتمع بها ثم عاد ثانية وتلاقيا فأنشد جميل رائيته وهي:
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة ... شكرتكما حتى أغيب في قبري
وإنكما إن لم تعوجا فإنني ... سأصرف وجدي فأذنا اليوم بالهجر
وما لي لا أبكي وفي الأيك نائح ... وقد فارقتني شختة الكشح والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد ألفه ... واصبر ما لي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجنّ بذكرها ... فأقسم ما بي من جنون ولا سحر
واقسم لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما هب آل في معلمة قفر
وما لاح نجم في السماء معلق ... وما أورق الأغصان من ورق السدر
لقد شغفت نفسي بثين بذكركم ... كما شغف المجنون يا بثن بالخمر
ذكرت مقامي ليلة البان قابضاً ... على كف حوراء المدامع كالبدر
(1/29)

فكدت ولم أملك إليها صبابة ... أهيم وفاض الدمع مني على النحر
فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة ... تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة ... فيعلم ربي عند ذلك ما شكري
ولو سألت مني حياتي بذلتها ... وجدت بها إن كان ذلك من أمري
فلما سمعها عمر أعجب بها ثم قال لجميل دونك هذه وأنشد:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
ومنها:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان ونوّم سمر
فحييت إذ فاجأتها فتولهت ... وكادت بمكتوم التحية تجهر
وقالت وعضت بالبنان فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
أريتك أذهناً عليك ألم تخف ... رقيباً وحولي من عدوّك حضر
فوالله ما أدرى التعجيل حاجة ... أتى بك أم قد نام ما كنت تحذر
فقلت لها بل قادني الشوق والهوى ... إليك وما عين من الناس تنظر
فيا لك من ملقى هناك ومجلس ... لنا لم يكدّره علينا مكدّر
يمج ذكاء المسك منها مفلج ... رقيق الحواشي ذو غروب مؤشر
يرق إذا تفترّ عنه كأنه ... حصا برد أو أقحوان منوّر
وترنو بعينيها إليّ كما رنا ... إلى زرنب وسط الخميلة جؤذر
فلما تولى الليل إلا أقبله ... وكادت توالى نجمه تتغوّر
أشارت بأن القوم قد كان منهم ... هبوب ولكن موعد لك عزوز
فما راعني إلا منادٍ برحلة ... وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تنوّر منهم ... وإيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت أباديهم فأما أفوتهم ... وأما ينال السيف ثأراً فيثأر
فقالت أتحقيق لما قال كاشح ... علينا وتصديق لما كان يؤثر
إذا كان ما لا بد منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر
أقص على أختيّ بدء حديثنا ... وما لي عما يعلما متأخر
لعلهما أن ينعتا لك حيلة ... وأن يرحبا صدراً بما كنت أحصر
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا ... أقلى عليك الخطب فالأمر أيسر
يقوم فيمشي بيننا متستراً ... فلا سرّنا يفشو ولا هو يظهر
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فلما أنخنا ساحة الحيّ قلن لي ... ألم تثق الأعداء والليل مقمر
وقلنا أهذا دأبك الدهر سادراً ... أما تنتهي أو ترعوي أو تفكر
وقد أنشد عمر هذه القصيدة لعبد الله بن عباس بحضرة نافع بن الأزرق واتفق أهل ذلك العصر على أنه ليس أحد أشعر من جميل وابن أبي ربيعة، وكان جميل يثني على ابن أبي ربيعة كثيراً وكان الناس يقولون في عينيته أشعر وجميل في لاميته والذي يظهر أن جميلاً أشعر مطلقاً عند التأمل، ومن أشعار جميل أيضاً قوله:
ألا ليت أيام الصفاء جديد ... ودهراً تولى يا بثين يعود
فنبقى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبدلين زهيد
وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نحوي أمصر تريد
ولا قولها لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود
خليليّ ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفى الفؤاد شهيد
ألا قد أرى الله لا ربّ غيره ... إذا الدار شطت بيننا سنرود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحبّ قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فما ذكر الخلان إلا ذكرتها ... ولا البخل إلا قلت سوف تجود
فلا أنا مردود بما جئت طالباً ... ولا حبها فيما يبيد يبيد
(1/30)

جزتك الجوازي يا بثين سلامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد
وقلت له بيني وبينك فاعلمي ... من الله ميثاق له وعهود
وقد كان حبيبكم طريفاً وتالداً ... وما الحب إلا طارف وتليد
وإنّ عروض الوصل بيني وبينها ... وإن سهلته بالمنى لصعود
فأفنيت عيشي بانتظار نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طمائم سود
وليتهم في كل ممسى وشارق ... تضاعف أكبال لهم وقيود
ويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهنّ كنت أريد
فأقسم طرفي بينهنّ فيستوي ... وفي الصدر بون بينهنّ بعيد
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بوادي القرى إني إذاً لسعيد
وهل أهبطن أرضاً تظل رياحها ... لها بالثنايا الثاويات وئيد
وهل القين سعدي من الدهر مرة ... وما من حبل الوصال حديد
فقد تلتقي الأهواء من بعد يأسها ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد
وهل ازجرن حرفاً علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم قود
على ظهر سرحوب كأن نسوره ... إذا حار هلاك الطريق رقود
سبتني بعيني جؤذر وسط ربرب ... وصدر حكى لون اللجين وجيد
تزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طيّ الوشاح ميود
إذا جئتها يوماً من الدهر زائراً ... تعرّض منقوص اليدين صدود
يصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوباً علينا إنه لعنود
فاصرمها خوفاً كأني مجانب ... ويغفل عنا مرّة فنعود
فمن يعط في الدنيا قريناً كمثلها ... فذلك في عيش الحياة رشيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكل حديت بينهنّ بشاشة ... وكل قتيل بينهنّ شهيد
إذ فكرت قالت أدركت ودّه ... وما ضرّني بخلي ففيم أجود
ومن كان في حبي بثينة يمتري ... فبقاء ذي ضال عليّ شهيد
ألم تعلمي يا أم ذا الودع إنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود
ومما كان يلهج بهذه القصيدة لرصانتها ولطفها معبد وكان من أشهر الناس بالدخول وضرب العود والغناء والغريض، وكان أعظم منه حكى عنه في الأغاني إن الجن افتتنت به فأخرجوه إلى مكة فأقام بها لا يفتح بابه وإن معبداً أراد الاجتماع فقصده وأقام يطرق الباب فلم يجب فهجس له أنه لا يخرجه إلا الغناء فأنشد علقت الهوى منها وليداً البيت فلم يشعر إلا وقد فتح الباب وأذن له فدخل عليه فتحادثا وأنشده: وما أنس ما الأشياء لا أنس قولها إلى خمسة أبيات ثم قال إنما غنيتك ذلك لأني علمت أنك تريد أن أغنيك:
وما أنس ما الأشياء لا أنس شادناً ... بمكة مكحول لا أسيلا مدامعه
(1/31)

وإن الجن قد نهتني عنه، قال معبد فقلت لم تعد ما أريد ثم فارقته حين رأيته يستثقل المجالسة وطلبت أن يكمل لي السرور بأن أضم إلى اجتماعي به اجتماعي بمن رأى جميلاً لا آخذ عنه القصيدة فنعت لي شيخ في بني عذرة فجئته فسألته عن جميل فحدث أنه كان في إبل له وإذا رجل غشاه فنزل به فلما ائتلفا قال له هل لك أن تصع معي من الخير ما لو كانت لك الدنيا ذهباً وأنفقتها علي لم تبلغ معشاره قلت وما هذا قال تمضي إلى وراء السفح فتنشد لي بكرة صفتها كذا قلت نعم ومضيت فوجدت العرب مجتمعين على جزور ينحر فاستطلعتهم عنها ثم استأذنتهم في البيوت وقلت لهم إن النساء أدرى بالمارة فأذنوا فانصرفت اتصفح الحي إلى أن أحتدم النهار ولم أظفر بطلبة وإذا أنا بثلاث بنات فقلن لا أنصرف إليه وأدع هذا اليسير فجئتهن فسلمت فرددن ثم استنشدتهن البكرة فقالت إحداهن قد أصبت حاجتك ثم أدخلتني بيتاً وأتتني بقدح مفضض فيه تمر وصحفة شامية مفضضة فيها لبن فتناولت كفايتي ثم قالت إن بكرتك تأتي هذه الشجرة فتطوف بها الليل فرجعت إليه وحدثته القصة فابتهج كالذي أصاب بغيته وأنا لا أدري.
فلما جاء الليل وآنس أن قد نمت عمد إلى رحله فاستخرج بردين ملوكيين من برود الخلافة فأتزر بأحدهما واتشح بالآخر ومضى فتبعته بحيث لم يشعر حتى تلاقيا فلم يكن بينهما إلا ما يرضي الوشاة إلى أن رأيا الصبح فلما أزمعا الفراق سبقته ونمت وجاء فصلى ثم نبهني وهو مسرور فأكل معي وشرب ثم أخبرني أنه جميل وأنها بثينة ثم أعطاني برداً واعتذر وودعني بعد أن قال هل لك أن تمضي فتنشدها أبياتاً قلتها بعد منصرفي عنها قلت نعم فانشدني وما أنس ما الأشياء الأبيات الخمسة فمضيت إليها فقلت قد جئت بالأمس طالباً واليوم مسلماً وذكرت تناءه ووجدت ثم قلت هل أنت بارزة إلي قالت نعم فسمعت جارية تقول لها يا بثينة إن عليه برد جميل ثم خرجت في زنية وقالت يا أخا تميم إن بردك لا يشبه ما عليك واستخرجت ملاءة مصبغة بالعصفر وأقسمت أن أتشح بها ففعلت وأنشدتها ما قال ورجعت بملحفة بثينة وبرد جميل وحكي الشيخ لمعبد أن جميلاً لما اجتمع ببثينة قالت له هل قلت شيئاً فأنشدها:
علقت الهوى منها وليداً ولم يزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري في انتظاري نوالها ... وأفنت بذاك الدهر وهو جديد
قال معبد فرجعت جذلان بما اجتمع لي مما طلبت، وعن أبي زيد حين قرئت عليه هذه القصيدة أن هذين البيتين يليهما قوله فلا أنا مردود البيت وفي نسخة أن قوله فما أنس ما الأشياء بعد قوله فما أنا مردود ومنه برواية مغلطاي:
وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهناً قد دنا التعوّر
نشوان ريح مدامة معلولة ... بذكيّ مسك أو سحيق العنبر
إني لأحفظ غيبكم ويسرني ... لو تعلمين بصالح أن تذكري
ويكون يوماً لا أرى لك مرسلاً ... أو نلتقي فيه عليّ كأشهر
يا ليتني أخشى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر
لو أستطيع تجلداً عن ذكركم ... فأفيق بعد صبابتي وتفكري
لو تعلمين بما أجن من الهوى ... لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري
فلتبكين الباكيات ولم أبح ... يوماً بسرك معلناً لم أغدر
ومنه:
منع النوم شدة الاشتياق ... وادكار الحبيب يوم الفراق
ليت شعري إذا بثينة بانت ... هل لنا بعد بينها من تلاق
ولقد قلت يوم نادى المنادي ... مستحثاً برحلة وانطلاق
ليت لي اليوم يا بثينة منكم ... مجلساً للوداع قبل الفراق
حيث ما كنتم وكنت فإني ... غير ناس للعهد والميثاق
(1/32)

وعن ابن عياش قال لقيت عجوزاً من بني عذرة فقلت لها هل تروي شيئاً عن جميل ومحبوبته قالت نعم كنت يوماً وبثينة قد انفردت تبرم غزلاً والعرب قد اعتزلت الطريق خوف المارة إلى الشام وإذا برجل قد أقبل إلينا فاستثبتناه فإذا هو جميل فقلت له قد عرضتنا ونفسك شراً فمن أين جئت، قال من هذه الهضبة ولي بها ثلاثة أنتظر الفرصة لاحدث بكم عهداً فإني ذاهب إلى مصر فحدثنا ساعة وهو لا يتماسك فجئته بقدح فيه تمر واقط فنال منه يسيراً ثم ودع ومضى فلم نلبث أن جاء أهل الحي ومنه:
أرى كل معشوقين غيري وغيرها ... يلدان في الدنيا ويغتبطان
وأمشي وتمشي في البلاد كأننا ... أسيران للأعداء مرتهنان
أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها ... لي الويل مما يكتب الملكان
ضمنت لها أن لا أهيم بغيرها ... وقد وثقت مني بغير ضمان
ألا يا عباد الله قوموا لتسمعوا ... خصومة معشوقين يختصمان
وفي كل عام يستجدان مرة ... عتاباً وهجراً ثم يصطلحان
يعيشان في الدنيا غريبين أينما ... أقاما وفي الأعوام يلتقيان
وعن سهل الساعدي قال: قال لي رجل هل تعود جميلاً فإنه مريض، فدخلنا عليه فإذا هو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمراً ولم يسفك دماً ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منذ خمسين سنة. قلت من هذا فإني أظنه ناج قال أنا قلت عجيب منك تشبب ببثينة هذه المدة وأنت كذلك. قال أنا في آخر يوم من الدنيا لأنالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها بريبة وأكثر ما كان مني أن أسند يدها إلى فؤادي أستريح ساعة ثم أغمي عليه فلما أفاق أنشد:
صرح النعي وما كني بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كلّ خليل
ولما حضرته الوفاة قال من ينعاني إلى بثينة قال رجل أنا فأعطاه حلته فراح حتى جاء الحي فأنشد:
بكر النعي وما كني بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
بكر النعي بفارس ذي همة ... بطل إذا حمّ اللقاء مذيل
فسمعته بثينة فخرجت مكشوفة تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر لا حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
ثم قالت للناعي يا هذا إن كنت صادقاً فقد قتلتني وإن كنت كاذباً فقد فضحتني فقلت لها والله إني لصادق وأخرجت الحلة فلما رأتها صرخت وصكت وجهها وأقبل النساء يبكين معها حتى خرت مغشياً عليها، ثم أفاقت وأنشدت وإن سلوي البيتين فلم سمع منها غيرهما حتى قضت.
أخبار كثير عزة
هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الشهير بأبي جمعة قد أوصله الكلبي في جمهرة النسب إلى ماء السماء بن حارثة بن ثعلبة المشهور أحد أولاد الأزد ومن أجداده عمرو بن ربيعة الذي دعا العرب عن دين إبراهيم إلى عبادة الأصنام واقترح السوائب والبحيرة فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج يجر قصبه في النار وهو من خزاعة سموا بذلك لانقطاعهم عن الأزد أيام سيل العرم وجاؤا إلى الشام وهو صاحب عز بنت جميل ابن حفص بن اياس بن عبد العزى يتصل نسبها إلى عبد مناف علقها جارية قد كعبت نهودها بدليل قوله:
نظرت إليها نظرة وهي عاتق ... على حين إن شبت وبان نهودها
نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر انعام البلاد وسودها
وكان سبب دخول الهوى بينهما أن كثيراً مر بغنم له ترد الماء على نسوة من ضمرة بوادي الخبت فأرسلن له عزة بدريهمات تشتري بها كبشاً لهن منه فنظرها نظرة متأمل فداخله منها ما كان، فرد الدراهم وأعطاها الكبش، وقال إن رجعت أخذت حقي. فلما عاد سألته ذلك فقال لا أقتضي إلا من عزة فقلن له ليس فيها كفاءة فاختر إحدانا، فأبى وأنشد البيتين، فجعلن يبرزنها له كارهة ثم داخلها ما داخله وأنه خرج يوماً ومعه اداوة ماء فجفت من الحر ورفعت له نار فأمها وإذا بعجوز فناشدته من الرجل فقال صاحب عزه فقالت له أنت القائل:
(1/33)

إذا ما أتينا خلة كي تزيلنا ... أبين وقلن الحاجبية أول
سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبية أوصل
هلا قلت كما قال جميل
يا رب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تأمل ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي
والله لأسقينك شيئاً فتركها وانصرف ولما اشتدت حالته أنشد:
يزهدني في حب مية معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب
وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الآذان إلا من القلب
هكذا رواه ابن إسحاق، وقال الشهاب محمود بذلك ونقل في الطبقات الأبيات إلا أنه قال:
يزهدني في حب عزة معشر
ثم قال هذه الأبيات لكثير وقد توهم قوم أنها لذي الرمة بدليل قوله: يزهدني في حب مية معشر، وليس كذلك وإنما كان سهواً، ودخل كثير على عبد الملك ابن مروان فقال له وقد كان يتهمه بالتشيع بحق علي هل رأيت أعشق منك، فقال لو أقسمت علي بحقك لأخبرتك فقال بحقي إلا ما أخبرتني فقال يا أمير المؤمنين خرجت يوماً وإذا أنا بصياد قد نصب شبكته ليصطاد ما يسد به رمقه فقلت له إن ساعدتك شاركني فيما يكون قال نعم فجاءت ظبية فوقعت في الأحبولة فسبقني إليها فحلها ثم مسح وجهها وقبلها وأطلقها وأنشد:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثائقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
فعينك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق
ودخلت عزة على أم البنين بنت عبد العزيز فقالت لها ما الحق الذي مطلته كثيراً إذ قال:
قضى كل ذي حق فوفى حقوقه ... وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت وعدته قبلة فقانت نجزيها وعلي اثمها وفي رواية أن الحكاية مع سكينة بنت الحسين. وفي الذيل من رواية الفارسي: قضى كل ذي دين فوفى ديونه. وفي أخرى غريمه، وللبيت حكاية من عجيب الاتفاق هي أن كثيراً كان له غلام يتجر على العرب فأعطى النساء إلى أجل، فلما اقضى ما له منهن ماطلته عزة فقال لها يوماً وقد حضرت في نساء أما آن أن تفي بما عندك فقالت كرامة لم يبق إلا الوفاء. فقال صدق مولاي حيث يقول قضى كل ذي دين وأنشد البيت فقلن له أتدري من غريمتك فقال لا نلن هي والله عزه فقال أشهدكن علي أنها في حل مما عندها ومضى فأخبر مولاه بالحكاية فقال له وأنت حر وما عندك لك، ورأيت في روضة الدولتين لأبي شامة إن الذي وهبه كثير ألف دينار وأنشد حين أعتق الغلام:
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائله
يودّ بأن يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند عز شمائله
ودخلت عزة على عبد الملك فقال لها أتروين قول كثير:
لقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والخليقة كالتي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر
فقالت لا أدري هذا ولكن أروي قوله:
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو يمشي بها العصم زلت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن سلّ منها ذلك الوصل ملت
فضحك من ذلك وقيل أنه سألها عن قوله قضى كل ذي دين وهذان البيتان من قصيدة طويلة رواها في الذيل عن ابن دريد عن عمه عن حماد عن كثير وقال أنها من عجائب شعره وهي:
خليليّ هذا بع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات الحزن حتى تولت
وفي رواية ولا موجعات القلب البيت:
فقد حلفت جهداً بما نحرت له ... قريش غداة المازمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرت ... بفيفاً غزال رفقة وأهلت
(1/34)

وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كنا ذرة نذراً فأوفت وحلت
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
ولم يلق انسان من الحب ميتة ... تغم ولا غماء إلا تجلت
كأني أنادي البيتين:
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة فيدت ... بحبل ضعيف حزمنها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فدلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العشار استقلت
أريد التواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلي وأما بالنوال فضنت
يكلفها الخنزير شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
ومن أول القصيدة إلى قوله فما أنصفت لزوم ما لا يلزم ولم يخالفه إلا في البيت المذكور، وللبيتين اللذين بعده حكاية هي أن كثيراً سافر مع جماعة إلى مكة فاتفق أن خرجت عزة وزوجها في ذلك العير، فلما كان في أثناء الطريق مرت بجمل له فسلمت على الجمال فبلغ كثيراً ذلك فجاء إلى الجمل فحله وأطلقه من الحمل وأنشد:
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت ... فحي ويحك من حياك يا جمل
ليت التحية كانت لي فأرددها ... مكان يا جمل حييت يا رجل
زاد أبو علي بيتاً بين هذين وهو:
لو كنت حييتها ما زلت ذامقة ... عندي ولا مسك الادلاج والعمل
ثم اتفق أن زوجها أمرها ليلة أن تقتبس ناراً وقال في النزهة أن تستعطي سمناً فلقيها كثير فأخبرته بحاجتها فأخرج أدواة سمن وجعل يسكب في إناء عزة وهما يتحادثان فلم يشعرا حتى غرقت أرجلهما، فلما رجعت أنكر زوجها كثرة السمن وأقسم عليها فأخبرته فحلف ليضربنها أو لتخرجن فتشتم كثيراً بحيث يسمعها ففعلت فأنشد يكلفها الخنزير البيتين وفي منازل الأحباب أنها وقفت عليه وهو يبري سهاماً ما فجعل يبري ساعده فدخلت عليه فمسحت الدم بثوبها وأن زوجها لم ينكر إلا وجود الدم، وقيل له أنت أشعر أم جميل فقال كيف يكون أشعر مني وهو القائل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا القائل هنيئاً مريئاً البيت وليس فيما ذكر دليل على أنه أشعر منه وإنما يدل ذلك على أن كثيراً أرق قلباً وأشفق على محبوبته وأشد عشقاً فلو سبق الكلام لذلك فكان الصق بالمعنى وأولى وتمام القصيدة:
ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحباً ... وحققت لها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... مناويح لو سارت بها العيس كلت
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت ... بعافية أسبابه قد تولت
خليليّ إن الحاجبية طلحت ... قلوصيكما إذ ناقتي قد أكلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن نقلت
ولكن انبلي واذكري من مودة ... بناخلة كانت لديك فضلت
وإني وإن صدت لمثن وصادق ... عليها بما كانت علينا أدلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامتاً إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت
وأصبحت قد أبليت من دنف بها ... ولا بعدها من خلة حيث خلت
وما مر من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده ... فلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس إذ وطنتها كيف زلت
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
(1/35)

لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيم اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فما جاوزته استهلت
وخرج يوماً من عند عبد الملك فاعترضته عجوز معها نار في روثة فقالت من أنت قال صاحب عزة فقالت أنت القائل:
وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها
يا طيب من أردان عزة موهناً ... إذا أرقدت بالمندل الرطب نارها
قال نعم قالت ويحك إذا أوقد المندل الرطب على هذه الروضة أو بخرت به أمك العجوز الشناء كانت كذلك فهلا قلت كما قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
ألم ترياني كلما جئت زائراً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
فناولها مطرف خز كان معه وقال استري علي ذلك وهذه الحكاية نقلها قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه، ثم قال إن بعض مشايخ الأدب قال ليس على كثير شيء فإن قوله إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها نعت للروضة المذكورة انتهى وهذا جيد لو لم يطلب كثير من العجوز الستر فإنه عرفنا أنه ما أراد إلا المعنى المعترض فيكون هذا تصحيحاً لإثبات قصده، وتوفي كثير سنة خمس ومائة في اليوم الذي مات فيه عكرمة مولى ابن عباس وقبر في مقابر المدينة وله في عزة أشعار كثيره من محاسنها قوله:
يقولون سوداء العيون مريضة ... فأقبلت من أهلي إليها أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدوداً كان النفس ليس تريدها
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
وقيل أن هذه الأبيات لذي الرمة لأنه بعد ما ذكر يقول:
وكنت إذا ما جئت ميا أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ومنها وقد سأل عبد العزيز أن يرشده إلى قبر عزة فلما وقف عليه أنشد:
وقفت على ربع لعزة ناقتي ... وفي البر رشاش من الدمع يسفح
فيا عز أنت البدر قد حال دونه ... رجيع تراب والصفيح المضرح
وقد كنت أبكي من فراقك خفية ... فهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح
فهلا فداك الموت من أن ترينه ... بمن هو أسوأ منك حالاً وأقبح
ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة ... لشيء ولا ملجأ لمن يتملح
فلا زال رمس ضم عزة سائلاً ... به نعمة من رحمة الله تسفح
فإن التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح الموجح
أرب بعيني البكا كل ليلة ... فقد كاد مجرى الدمع عيني يقرح
إذا لم يكن ما تسفح العين لي دماً ... وشر البكاء المستعار المسيح
ومنها:
ألا حيا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أصحابي غدا بقفولي
تبدت له ليلى لتذهب عقله ... وشاقتك أم الصلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
إذا ذكرت ليلى تغشتك عبرة ... تعل بها العينان بعد نهول
ومنها:
حلفت برب الراقصات إلى منى ... خلال الملا يمددن كل جديل
يمين امرىء مستغلظ من ألية ... يكذب قيلاً قد ألح بقيل
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا راسلتهم برسول
فإن جاءك الواشون عني بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بخيول
ومنها:
تذكرت أتراباً لعزة كالمهى ... حبين بلفظ ناعم وقبول
وكنت إذا لاقيتهنّ كأنني ... مخالطة عقلي سلاف شمول
ومنها:
كفى حزناً للعين إن رد طرفها ... لعزة عير آذنت برحيل
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكى ... فقلت البكى أشفى إذن لغليلي
توليت محزوناً وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلى بغير قتيل
(1/36)

لعزة إذ ما حل بالخيف أهلها ... فأوحش منها الخيف بعد حلول
وبدل منها بعد طول إقامة ... تبعث نكباء العنى جفول
لقد أكثر الواشون فينا وفيكم ... ومال بنا الواشون كل مميل
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقصي بكل سبيل
ومنها:
لا تغدرن بوصل عزة بعد ما ... أخذت عليك مواثقاً وعهودا
إن المحب إذا أحب حبيبه ... صدق الصفاء وأنجز الموعودا
الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خرو العزة خاشعين سجودا
والميت ينشر أن تمس عظامه ... مساو يخلدان يراك خلودا
وهذا الشعر رواه الحافظ مغلطاي كما هو عن جميل وقد رأيته في النزهة منسوباً إليه وبعدما ذكر بيتاً استشهد به على مجيء التوكيد بالحرق قال وكثيراً ما نقله النحاة هكذا:
لا لا أبوح بحث بثنة أنها ... أخذت عليّ مواثقاً وعهودا
قال القالي هو لكثير وذكر بثنة سبق قلم والأصل عزة أو أن الشعراء كثيراً ما يعدلون عن اسم من يريدون إلى ما لا يريدون تودية وغيرة وسيأتي لذلك ايضاح.
ومنها:
تفرق أنواع الحجيج على منى ... وفرقهم شعب النوى بين أربع
فلم أر داراً مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التف الحجيج لمجمع
أقل مقيماً راضياً بمقامه ... وأكثر جاراً ظاعناً لم يودع
فشاقوك لما وجهوا كل وجهة ... سراعاً وأخلوا عن منازل بلقع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك خبت يفرع
أخبار قيس ولبنى
هو قيس بن ذريح بن سنة، وفي رواية ابن الحباب يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه ذهب بعض حاجاته فمر ببني كعب وقد احتدم الحر فاستسقى الماء من خيمة منهم فبرزت إليه امرأة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته اداوة ماء، فلما صدر قالت له ألا تبرد عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال نعم، فمهدت له وطاء واستحضرت ما يحتاج إليه وإن أباها جاء.
فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهم بياض اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من بها فوجد عندها أضعاف ذلك فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر.
فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان.
فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.
(1/37)

ونقل السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر، أن الحين بن علي لما بلغه انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل فقام ومرغ وجهه على أقدامه، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. ونقل الجلال السيوطي أن الحسين أدى المهر من عنده، ولما تزوجها أقام مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة، وأن قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وقال لا أسيبها قط. وأقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أو هي أمه لا يكنه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وقد قوض فسطاطها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غداة غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق وأنشد:
وإني لمفن دمع عيني بالبكى ... حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ما حان حائن
وقال أيضاً:
يقولون لبنى فتنة كنت قبلها ... بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي ... وأقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت الله أني عصيتم ... وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوص البحر والبحر زاخر ... أبيت على اثباج موج مفرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها ... عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر ... ويكره سمعي بعدها كل منطق
وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد:
لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباعد دار لبنى ... وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب ... وكان الدهر سعيك في تباب
وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل أثر بعيرها، فليم على ذلك فأنشد:
وما أحببت أرضكم ولكن ... أقبل أثر من وطىء الترابا
لقد لاقيت من كلف بلبنى ... بلاء ما أسيغ له الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى ... عييت فلا أطيق له جوابا
ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرار فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول:
بت والهم يا لبينى ضجيعي ... وجرت مذ نأيت عني دموعي
وتنفست إذ ذكرتك حتى ... زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
يا لبينى فدتك نفسي وأهلي ... هل لدهر مضى لنا من رجوع
وقال أيضاً:
قد قلت للقلب لا لبناك فاعترف ... قضلت لبانة ما قضيت فانصرف
قد كنت أحلف جهدي لا أفارقها ... أُف لكثرة زيف القيل والحلف
حتى تكنفني الواشون فافتلتت ... لا تأمنن أبداً من غش مكتنف
هيهات هيهات قد أمست مجاورة ... أهل العقيق وأمسينا على سرف
حيّ يمانون والبطحاء منزلها ... هذا لعمرك شكل غير مؤتلف
وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يعبن لبنى عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد:
يقر لعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها
فلم ينصرفن ودمن على ما كن فيه فنادى يا لبنى فقلن ما لك قال خدرت رجلي وكان من المعلوم عند العرب أنه إذا خدرت رجل الرجل وذكر لها أحب الناس إليها سكنت ثم قال:
إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت
(1/38)

دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لفارقتها في حبها فقضيت
برت نبلها للصيد لبنى عشية ... ورشت بأخرى مثلها وبريت
فلما رمتني أقصدتني بلبلها ... وأخطأتهم بالسهم حين رميت
وفارقت لبنى ضلة فكأنني ... قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل يرجعن قول المفرط ليت
فوطن لنفسي منك هلكاً فإنني ... كأنك بي قد يا ذريح قضيت
ورأيت الأبيات في كتاب لا أعرف جامعه وفيها يقول:
فيا ليت إني مت قبل فراقها ... وهل ينفعن بعد التفرق ليت
فإن يك تهيامي بلبنى غواية ... فقد يا ذريح بن الحباب غويت
فوطن البيت، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندمع وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيباً وقينات يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالو عليه أنشد:
عند قيس من حب لبنى ولبنى ... داء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماً ... قالت العين لا أرى من أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضي ... أنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منها ... داء خبل فالقلب منه عميد
فقال له الطبيب مذ كم هذه العلة بك ومذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... وليس إذا متنا بمنفصم العقد
فزاد كما زدنا وأصبح نامياً ... وليس إذا متنا بمنصم المهد
ولكنه باق على كل حادث ... وزائرتي في ظلمة القبر واللحد
فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً ... وحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما ... على ألف شهر فضلت ليلة القدر
إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفت ... من البهر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشت ... ومتن كغصن البان منضمر الخصر
وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج وأنشد:
لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وازجر عنها النفس إن حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا
فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بتصفح احياء العرب فلعل أن تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسأل عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً فمجنون.
فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً وركب فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فقال شفقت علي وأجاب فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى يرغب الكرام وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعمله أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب هذا وإن أبا لفنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها:
لبينى زوجها أصبح ... لا حر يوازيه
له فضل على الناس ... وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاً ... صريع في بواكيه
فلا يبعده الله ... وبعداً لنواعيه
(1/39)

ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد:
إلى الله أشكوا فقد لبنى كما شكا ... إلى الله بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه ... نحيل وعهد الوالدين قديم
وأنشد حين بلغه هدر دمه:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... مقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ... ومن كرب تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشا ... وليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين غزيرة ... بكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى ... يا نعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة بظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور
وقال أيضاً:
وإن تك لبنى قد أتى دون قربها ... حجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بيننا ... ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحين تلتقي ... ونعلم أنا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا ... سماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي ... ترات يرها عندنا وذحول
وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:
إذا طلعت شمس النهار فسلمي ... فإني يسليني عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت ... وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي أسلمي ... طوت حزناً وارفض منها دموعها
وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:
ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي ... غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنيني نيلاً وتلويني به ... فنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمة ... لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة ... فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة ... لديك فلا تبكي غداً حين أرفع
فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة وفي منازل الأحباب يرفعه إلى ابن عباس قال مررت بربع عفا وسمه وإذا بشخص فسلمت عليه لم يرد فمضيت وإذا هو يناديني فرجعت فرد علي السلام واعتذر ثم ذكر أنه تعتريه غيبة العقل أطواراً هذا ودمعه يسفح كالغيث فقلت له من أنت قال قيس ابن ذريح وأنشد:
أمانيه لبنى ولم يقطع المدى ... بوصل ولا هجر فبيأس طامع
أبى الله أن يلقي الرشاد متيم ... ألا كل شيء حمّ لا شك واقع
هما برحابي معولين كلاهما ... فؤاد وعين ماقها الدهر دامع
إذا نحن أفنينا البكاء عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع
قال الحافظ مغلطاي وأخبرت لبنى بمرضه في حبها فقالت دفعاً للوهم مم يتمارض فبلغته القصة فأنشد:
تكذبني بالودّ لبنى وليتها ... تكلف مني مثله فتذوق
ولو تعلمين الغيب أيقنت أنني ... لكم والهدايا المشعرات صديق
تتوق إليك النفس ثم أردّها ... حياء ومثلي بالحياء حقيق
إذ ود سوام النفس عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق
شهدت على نفسي بأنك غادة ... رداح وإن الوجه منك عتيق
(1/40)

وأنك لا تجزين مني صحابة ... ولا أنا للهجران منك أطيق
وإنك قسمت الفؤاد فنصفه ... رهين ونصف في الحبال وثيق
كأن الهوى بين الحيازيم والحشا ... وبين التراقي واللهاة حريق
فإن كنت لما تعلمي العلم فاسألي ... وبعض لبعض في الفعال يفوق
سلى هل قلاني من خليل صحبته ... وهل ذمّ رحلي في الرفاق رفيق
وهل يجتوي القوم الركام صحابتي ... إذا اغبرّ محشيّ المعجاج عميق
واكتم أسرار الهوى فأميتها ... إذا باح مزاح بهن يروق
هل الصبر إلا أن أصدّ فلا أرى ... بأرضك إلا أن يكون طريق
وروى أن قيساً انتقى ناقة من إبله وقصد المدينة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، ثم قال له ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته، فقالت المرأة لخادمتها سليه ما بال وجهه متغيراً شاحباً فتنفس الصعداء، ثم قال هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها لا ينطق ساعة، ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال ما بالك عدلت قبض مالك وإن شئت زدناك، فلم يكلمه ومضى فدخل الرجل فقالت له ما هذا الذي فعلت إنه لقيس فحلف أنه لا يعرفه، وأنشد قيس معاتباً لنفسه:
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر
كأني في أرجوحة بين أحبل ... إذا فكرة منها على القلب تخطر
وقيل أنه حين جاء ليقبض ثمن المطية رأى لبنى فعاد مبهوتاً فسأله الرجل فقال له لا تركب لي مطيتين فقال أنت قيس قال نعم قال ارجع لنخيرها فإن اختارتك طلقتها وظن الرجل أنها تبغض قيساً فخيرها فاختارت قيساً فطلقها لوقته.
وحكي أن سبب طلاقها أن قيساً قصد ابن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة في ذلك، فجاء إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في ذلك فقال سلوا ما شئتم فقال له ابن أبي عتيق أهلاً كان أو مالاً قال نعم، فقال أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي فقال أشهدكم أنها طالق ثلاثاً فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له لو علمت الحاجة ما جئت.
وروى أن لبنى عاتبت قيساً على تزويج الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها لفظة واحدة وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته لبنى أنها كاره زوجها وأعلمته أنها لم تتزوجه رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلى عنها فطلقها حين علم ما بينهما وأرسل أخو الفزارية إلى قيس حين أبطا عنه يسأله الرجوع فأعاد الرسول بالخيار في أمر اخته فاختار الرجل عدم الفرقة وقصد قيس معاوية فمدحه فرق له وكان ذلك قبل طلاق لبنى فقال له إن شئت كتبت إلى زوجا بطلاقها فقال لا ولكن ائذن لي أن أكون ببلدها ففعل فنزل قيس حين زال هدر دمه بحبها وظافرت مدائحه فيها حتى غنى بها معبد والغريض واضرابهما فرق الناس له هذا ولما طلقت نقلت إلى العدة بأمر ابن أبي عتيق فمن ذاهب إلى أنها أكملت عدتها وتزوجها وأقاما إلى الموت بدليل مدحه لابن أبي عتيق حيث قال:
جزى الرحمن أفضل ما يجازى ... على الاحسان خيراً من صديق
فقد جربت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأى حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي
ومن ذاهب وهم الأكثر إلى أنها ماتت في العدة وأن مدحه لابن أبي عتيق حين لم يشك في عودها إليه وقد نهاه عن مدحه وقال له من سمع بهذا يعدني قواداً والقائلون بموت لبنى في العدة أجمعوا أن قيساً خرج حين بلغه ذلك حتى وقف على قبرها وأنشد:
مات لبينى فموتها موتي ... هل ينفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئب ... قضى حياة وجداً على ميت
(1/41)

ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات بعد ثلاث ودفن إلى جانبها وكان ذلك في سنة وله أشعار كثيرة منها حكاه الشهاب في منازل الأحباب عن أبي العباس على تردد في أنه لابن الدمينة.
وفي عروة العذري إن مت أسوة ... وعمرو بن عجلات الذي قتلت هند
وبي مثل ما قد نابه غير أنني ... إلى أجل لم يأتني وقته بعد
وفيض دموع العين بالليل كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
ومنها:
لقد عنيتني يا حب لبنى ... فقع إما بموت أو حياة
فإن الموت أيسر من حياة ... منغصة لها طعم الشتات
وقال الآمرون تعز عنها ... فقلت ولا إذا حانت وفاتي
ومنها:
ما وجدت وجدي بها أم واحد ... ولا وجد النهدي وجدي على هند
ولا وجد العذري عروة في الهوى ... كوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي
ومنها:
لو أن امرأ أخفي الهوى عن ضميره ... لمت ولم يعلم بذاك ضمير
ولكن سألقي الله والنفس لم تبح ... بسرّك والمستخبرون كثير
ومنها:
عفا سرف من أهله فشوارع ... فجنبا أريك فالبلاد الدواقع
فمكة فالأخياف أخياف طيبة ... بها من لبينى مخرف فمرابع
لعلّ لبينى أن يحم لقاؤها ... ببعض بلادي إن ما حم واقع
بجذع من الوادي خلا عن أنيسه ... عفا وتخطته العيون الجوازع
ولما بدا منها الفراق كما بدا ... بظهر الصفا الصلد الشقوق الشوائع
تمنيت أن تلقي لبيناك والمنى ... تعاصيك أحياناً وحيناً تطاوع
وما من حبيب وامق لحبيبه ... ولاذى هوى الإله الدهر فاجع
وطار غراب البين وانشقت العصا ... لبين كما شق الأديم الصواقع
ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع
وأنك لو أبلغتها قيلي اسلمي ... طوت حزناً وارفض منها المدامع
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت كآت غيه وهو طائع
فلا تبكين في اثر شيء ندامة ... إذا نزعته عن يديك النوازع
فليس لأمر حاول الله جمعه ... مشت ولا ما فرّق الله جامع
كأنك لم تقنع إذا لم تلاقها ... وإن تلقها فالقلب راض وقانع
فيا قلب خبرني إذا شطت النوى ... بلبنى وصدت عنك ما أنت صانع
أتصبر للبين المشت مع الجوى ... أم أنت امرؤ ناسي الحياة فجازع
فما أنا إن بانت سليمى بهاجع ... إذا ما استقلت بالنيام المضاجع
وكيف ينام المرء مستشعر الجوى ... ضجيع الأسى فيه نكاس روادع
فلا خير في الدنيا إذا لم تزورنا ... لبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع
أليست لبينى تحت سقف يكنها ... وإياي هذا إن نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا ... ونبصر ضوء الصبح والفجر ساطع
تطأ تحت رجليها بساطاً وبعضه ... أطأه برجلي ليس يطويه مانع
وافرح أن تمسي بخير وإن يكن ... بها الحدث العادي ترعني الروائع
كأنك بدع لم تر الناس قبلها ... ولن يطلعنك الدهر فيمن يطالع
وقد كنت أبكي والنوى لا أظنه ... بنا وبكم لم ندر ما البين صانع
وأهجركم هجر البغيض وحبكم ... على كبدي منه كلوم صوادع
فواكبدي من شدة الشوق والأسى ... وواكبدي إني إلى الله راجع
واعجل للاشفاق حتى يشفني ... مخافة شحط الدار والشمل جامع
واعمد للأرض التي من ورائكم ... لترجعني يوماً إليك الرواجع
فيا قلب صبراً واعترافاً لما ترى ... ويا حبها قع بالذي أنت واقع
(1/42)

لعمري لمن أمسى وأنت ضجيعه ... من الناس ما اختيرت إليه المضاجع
ألا تلك لبنى قد تراخى مزارها ... وللبين غمّ ما يزال ينازع
إذا لم يكن إلا الجوى فكفى به ... جوى حرق قد ضمنتها الأضالع
أبائنة لبنى ولم تقطع المدى ... بوصل ولا صرم فييأس طامع
نهاري نهار الوالهين صبابة ... وليلى تنبو فيه عني المضاجع
قد كنت قبل اليوم خلوا وإنما ... تقسم بين الهالكين المصارع
وهذان البيتان في غير رواية أبي علي:
ولولا رجاء القلب أن يعطف النوى ... لما حملته بينهنّ الأضالع
له وجبات أثر لبنى كأنها ... شقائق برق في السحاب لوامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدى ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني بالليل والهم جامع
إذا نحن أنفدنا البكاء عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع
وللحب آيات تبين للفتى ... شحوب وتبري من يديه الأشاجع
وما كل ما منيت نفسك خالياً ... تلاقي ولا كل الذي أنت تابع
تداعت له الأحزان من كل وجهة ... فحن كما حن الطيور السواجع
أراك اجتنبت الحي من غير بغضة ... ولو شئت لم تجنح إليك الأصابع
كأن بلاد الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الناس قفر بلاقع
ألا إنما أبكي لما هو واقع ... وهل جزع من وشك بينك نافع
أحال عليّ الدهر من كل جانب ... ودامت ولم تقلع على الفجائع
فمن كان محروقاً غدا لفراقنا ... مذ الآن فليك لما هو واقع
وقد انتهت أخباره كما وجدت وكأني بغبي يعترض على نقلي له من مراتب من حظي بالتلاق إلى مراتب من مات دونه من العشاق ولم يدر أن الحينيات توجب بالتأمل الصائب والفهم الذكي الثاقب ما لم يدركه الغافل الغبي أما تقدم هذه الأربعة فقد علم. وأما ذكر هذا هنا فقد قال في النزهة والبدور المسافرة وطوالع الأزهار وغالب شراح ديوان الاستاذ ومن بحث عن أحوال العشاق أنه رأس أهل الهوى ولكن وقوعه في فرقة المحبوب وقعة في هذه المرتبة وقال المتكلمون على الديوان المذكور إن سلطان العشاق واستاذ العارفين على الاطلاق قد أشار إلى تفضيله على الكل حيث شبه غرامه بغرامه وحسن لبنى ببهجة الحضرة الممدوحة حيث قال:
بفرط غرامي ذكر قيس بوجده ... وبهجتها لبنى أمت وأمت
لا يقال قد أفرد غيره بالذكر أيضاً الآن أساليب دقائق كلامه وأفانين مطاوي نظامه تجلى عن أن تنال الأبشق الأنفس والله يؤتي فضله من يشاء فإن قوله: فإن كنت ليلى أن قلبي عامر. ونحوه ليس تمويهاً بعظم الشأن كما في البيت السابق اه. قلت وقد يقال لا تفضيل القيس في البيت على غيره فيجاب بأن قوله رضي الله عنه:
بها قيس لبنى هام بل كل عاشق ... كمجنون ليلى أو كثير عزة
صريح في جعله في مقابلة الجموع حيث ذكرهم بالحرف الدال على الانتقال عن الأرفع ومثل بالأمثل وذلك يقتضي التفضيل على الجميع وحكمة ذلك والله أعلم كونه قد عرف لذة الوصل والتلاق ثم رمي بغصة البعد والفراق وذلك عند العقلاء أبلغ وأعظم وأرفع في مقاسات الغرام وأفخم وفيه تلميح بما ذكر في التفضيل بين البشر والملائكة.
أخبار المجنون وصاحبته ليلى
(1/43)

قد اختلف في اسمه هل هو عامر أو مهدي أو الأقرع أو معاذاً وقيس ابنه أو ابن الملوح أو البحتري بن الجعد، والصحيح الأول لإشارة عارف الوقت في البيت السابق وفي نسبه عامري أو كلابي أو جعدي أو قشيري أو المجانين متعددة أو هما اثنان في بني عامر أو لم يكن أحد وإنما امرؤ تعشق واستكبر عن أن يصرح باسمه واسم محبوبته فموه بالمجنون وليلى والصحيح أنه من بني عامر وهو عامر بن ملوح بن مزاحم يتصل نسبه عند صاحب الأغاني إلى كعب بن ربيعة بن صعصعة كان مديد القامة جعد الشعر أبيض اللون ولم ينله الهزال والجنون وتغير اللون إلا من العشق، وصاحبته هي ليلى بنت مهدي بن سعد تتصل بنسبه في كعب بن ربيعة وكنيتها أم مالك وهذا أخذ من قوله ذلك في شعره كثيراً نحو قوله:
تكاد بلاد الله يا أم مالك ... بما رحبت يوماً عليّ تضيق
وهذا كاستدلالهم بأن اسم أبيه ملوح بن مزاحم وأنه مات قبل اختلاط عقله فعقر عليه ناقة بقوله:
عقرت على قبر الملوّح ناقتي ... بذي السرح لما أن جفاه أقاربه
وقلت له كوني عقيراً فإنني ... غداة غد ماش وبالأمس راكبه
فلا يبعدنك الله يا ابن مزاحم ... فكل امرىء للموت لا بد شاربه
وروى باسقاط هاء السكت وحذف البيت الأخير وذكروا أن سبب عشقه لليلى أنه مر يوماً على ناقة له وعليه حلتان من حلل الملوك بامرأة من قومه وعندها نسوة يتحدثن فأعجبهن فاستنزلنه للمنادمة فنزل وعقر لهن ناقته وأقام معهن بياض اليوم فأقبل فتى اسمه منازل يسوق غنماً فانصرفن إليه وتركن المجنون فقام مغضباً وأنشد:
أأعقر من جرّا كرائم ناقتي ... ووصلي مقرون بوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكن ... إذا جئت اخفوا صوت تلك الخلاخل
فقوله من جرا وكرائم يعني من أجلها وكرائم اسم المرأة التي كن عندها وروى ووصلى مفضول أي دون وصل منازل وهو أليق بالمقام وفي النزهة:
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم يكن ... إذا جئت بل أخفين صوت الخلاخل
يقول قد أظهرن صوت الحلي حين جاء منازل وهذه كناية عن قيامهن له ولم يكن ذلك عند مجيئي وهذا هو اللائق ولم يؤخذ من البيت السابق وقيل تداعيا المناضلة أو الصراع فقال له المجنون قم إلى حيث يرينك ولا تراهن فافعل ما تقول وأنشد في ذلك:
إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلته ... وأن يرم رشقاً عندها فهو ناضلي
فعلى هذا يكون ضمير عندها عائداً على النسوة وهذا دليل على شدة استحيائه فإنه يقول له ما دمت تنظر إليهن فإنك تشجع فتغلبني وهذا على حد قوله:
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد وسمع
يقول جدي في السجع فإن سعاد تنظرك وتسمعك قلت هذا ما نقل في الأصل عن ابن الكلبي ولا دليل فيه على تعلقه بليلى، وإنما الدليل فيما رواه صاحب نزهة المشتاق قال لما دعته النسوة إلى النزول نزل وجعل يحادثهن ويقلب طرفه حتى وقعت عينه على ليلى فلم يصرف عنها طرفاً وشاغلته، فلم يشتغل ثم قال لها هل عندكن ما تأكلن قالت لا، فعمد إلى الناقة فنحرها وقطعها وجاءته لتمسك معه اللحم فجعل يحز بالمدية في كفه وهو شخص فيها حتى أعرق كفه فجذبتها من يده ولم يدر، ثم قال لها ألا تأكلين الشواء قالت نعم فطرح من اللحم شيأ على الغضى وأقبل يحادثها، فقالت له أنظر إلى اللحم هل استوى أم لا فمد يده إلى الجمر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر فلما علمت ما داخله صرفته عن ذلك ثم شدت يده بهدب قناعها ثم ذهب وقد تحكم عشقها من قلبه وقيل أنها بعد هذا المجلس استدعته للمحادثة وقد داخلها الحب فقالت له هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف فقال ومن لي بذلك ثم تزل وعقر ناقه كما مر وأنها كانت مغرمه بأحاديث الناس والأشعار وكان هو أروى الناس لذلك فكانت تستدعيه لتسمع منه وكان يجيبها إلى ذلك فتداخلت بينهما المحبة وفي نديم المسامرة أنهما انتشئا صغيرين يرعيان الغنم بدليل قوله:
تعلقت ليلى وهي ذات تمائم ... ولم يبد للاتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى إليهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
(1/44)

فتحابا وأنها حجبت عنه فداخله جنون وعلى كل الطرق لما عرف كل منهما ما عند الآخر وتمكنت المحبة منهما جعل يأتيها نهاراً قبل الحجب ويذهب ليلاً وفي ذلك يقول:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني بالليل والهم جامع
قلت وقد تقدم أن البيتين لقيس بن ذريح وصرح في نزهة العشاق بذلك وقال أن المجنون كان يتمثل بهما وهذا هو الصحيح فإنهما كان متعاصرين حتى نقل في الأغاني أن قيساً مر بالمجنون وهو في مبادي مخالطة العقل والانفراد وكان كل منهما يشتهي لقاء صاحبه فسلم عليه فلم يرد فعرفه بنفسه فقام إليه واعتنقه وتباكيا واشتكى كل إلى الآخر ما عنده فقال المجنون لقيس أن حي ليلى قريب فهل لك أن تبلغها سلامي فمضى حتى وقف بها ونسب نفسه فتعارفا وبلغها فأخبرته أن وجدها به أعظم، ولكن قالت أنا عاتبة عليه حيث يقول:
أتت ليلة بالغيل يا أم مالك ... لكم خير حب صادق ليس يكذب
إلا إنما أبقيت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
فأي ليلة كانت ومتى اختليت معه بالغيل أو غيره فقال لها لا تحمليه على ما تقول الناس فلم يرد سوأ وانصرف قيس ليخبره فلم يجده وكان المجنون عند أبيه أعظم منزلة من اخوته وكان أبوه ذا ثروة فدفع له خمسين بعيراً وراعيها في مهر ليلى فلم يقبل أبوها مع أنه دونهم لما مر من أن العرب كانت تكره تزويج اثنين انتشرت أخبارهما بالمحبة فخيروها بينه وبين رجل اسمه ورد وهددوها على أن تختاره ففعلت كارهة وفي ذلك يقول المجنون:
ألا يا ليل إن ملكت فينا ... خيارك فانظري لمن الخيار
ولا تستبدلي منا دنيا ... ولا بر ما إذا حث القتار
يهرول في الصفير إذا رآه ... وتعجزه ملمات كبار
فمثل تأيم منه نكاح ... ومثل تموّل منه افتقار
وأبصر يوماً في طريقه إلى زيارتها جارية عسراء فتطير وأنشد:
وكيف يرجى وصل ليلى وقد جرى ... بجد القوى من ليل أعسر حاسر
صريع العصا جدب الزمان إذا انتحى ... لوصل امرىء لم تقض مه الأواطر
وشكا ذلك إليها فقالت لا بأس عليك والله لا اجتمعت بغيرك إلا كارهة وكانت قبل هذا القول قد امتحنته لتنظر ما عنده من المحبة لها فدعت شخصاً بحضرته فسايرته أو صرفت وجهها عنه إلى غيره ثم نظرته قد تغير حتى كاد أن يتقطر فأنشدت تقول:
كلانا مظهر للناس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين
وفي رواية وكل مظهر في الناس وبعده.
وأسرار الملاحظ ليس تخفى ... وقد تغري بذي اللحظ العيون
وبهذين البيتين تظافرت الروايات وجاء في رواية:
وقد تغري بذي اللحظ الظنون
وبعده:
وكيف يفوت هذا الناس شيء ... وما في الناس تظهره العيون
فسر بذلك حتى كاد أن يذهب عقله فانصرف وهو يقول:
أظن هواها تاركي بمضلة ... من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضى إليه وصيتي ... ولا صاحب إلا المطية والرحل
محا حبها حب الأولى كن قبلها ... وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل
وفي رواية ولا وارث المطية والأولى أصح وأنسب لأن المطية لا ترث وتستصحب كما جاء في كلام العرب:
إن الحمار مع الحمار مطية ... وإذا خلوت به فبئس الصاحب
وأصل ذلك أن الصحبة في الأصل مجرد الاجتماع وأما شدة المخالطة والمداخلة فصداقة. وخرج يوماً في سفر مع قوم فأفضت به الطريق إلى مسلكين أحدهما يمر برهط ليلى ولكنه يزيد مرحلة فتقدم إلى القوم وسألهم أن يسلكوها أو يمكثوا له حتى يرجع فأبوا عليه فقال أنشدكم الله لو أن شخصاً تحرم بكم فضل بعيره أكنتم تسعفونه قالوا نعم فقال إن ليلى لأعظم من ذلك وأنشد:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذن لصبور
هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير
وللصاحب المبرور أعظم حرمة ... على صاحب من أن يضل بعير
(1/45)

عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكماً عليّ تجور
واستشهد شخصاً عن عروة بن حزام فأخبره بحاله وأنه مات براحة فتعجب من كثرة ذكر الناس له مع حسن حاله في العشق وأنشد:
عجبت لعروة العذري أمسى ... أحاديثاً لقوم بعد قوم
وعروة مات موتاً مستريحاً ... وها أنذا أموت كل يوم
ولما اشتهر أمرهما في العرب وشاع شعره فيها منعه أهلها الزيارة وكان في حي ليلى امرأة من بني عامر قد تزوجها رجل من حريش ومات عنها وقد ترك لها صبية فكان يأتيها المجنون يتعرف منها أخبار ليلى فبلغ أهلها ذلك فزجروا المرأة وجاء المجنون فأخبرته فأنشد متمثلاً بيت امرىء القيس وضم إليه ثانياً له:
أجارتنا إنا غريبان هنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فلا تزجريني عنك خيفة كاشح ... إذا قال شراً أو أخيف لبيب
ثم تركها وكان يأتي غفلات الحي فلما علموا بذلك شكوه إلى مروان فكتب إلى عامله بهدر دمه إذا وجد عند ليلى فقرؤا عليه ذلك فأنشد:
لئن حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يميناً جاهداً لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير إني أحبها ... وإن فؤادي عند ليلى سميرها
ولما يئس من زيارتها قلق لذلك قلقاً أدى لزوال عقله فهام على وجهه يلعب بالتراب والعظام لا يعقل غير ذكرها وأنها جزعت لذلك جزعاً أدى إلى سقمها فحج بها أهلها فرآها ثقفي فخطبها إليهم فأجابوا بعد أن ردوا جماعة ونمى إلى المجنون ذلك فأنشد:
ألا أن ليلى العامرية أصبحت ... تقطع إلا من ثقيف حبالها
هم حبسوها محبس البدن وأبتغي ... بها المال أقوام ألا قل مالها
إذا ما التقت والعيس صفر من الثرى ... من العين جلى عبرة العين حالها
هذا ما تظافرت به الأخبار وفي رواية إلا تلك ليلى العامرية أصبحت وفيها والعيس صفر من البكا وقد حرف هذا البيت وفي رواية الأغاني لقد حبسوها محبس البدن وفي أخرى بعده:
خليلي هل من حيلة تعلمانها ... فيدنى بها تكليم ليلى احتيالها
فإن أنتما لم تعلماها فلستما ... بأول باغ حاجة لا ينالها
كان مع الركب الذين اغتدوا بها ... غمامة صيف زعزعتها شمالها
نظرت بمفضى سيل حوضين والض ... حى تحث بأطراف المحارم آلها
بمنهلة الأجفان هيج شوقها ... مجامعة الآلاف ثم رآلها
إذا التفت من خلفها وهي تعتلي ... على العيس جلى عبرة العين حالها
وحين تحقق عنده تزويجها أنشد:
دعوت إلي دعوة ما جهلتها ... وربي بما تخفي الصدور خبير
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لا فقر مني إنني لفقير
فقد شاعت الأخبار إن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير
وجعل يمر ببيتها فلا ينظر إليه فأنشد:
ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وإن حله شخص إليّ حبيب
هجرتك اشفاقاً وزرتك خائفاً ... وفيك عليّ الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلها ... بيوم سرور في الزمان تؤب
وأفردت إفراد الطريد وباعدت ... بي النفس حاجات وهن قريب
لئن حال واش دون ليلى لربما ... أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب
ومنيتني حتى إذا ما رأيتني ... على شرف للناظرين يريب
صددت وأشمت العدوّ بصرمنا ... أثابك يا ليلى الجزاء مثيب
والبيتان الأولان لمحمد بن أمية هذا ما نقله والصحيح أن البيت الأول للمجنون ذكر ذلك في النزهة وأقره في تسريح الناظر غير أنه قال في الثاني والثالث أنهما ليسا للمجنون وفيه وفي رواية هنا: بيوم سرور وفي الزمان تثوب. والمعنى واحد وبقي أبيات من هذه القصيدة آخرتها الآن لها حكاية وحين بلغه نقلها إلى الثقفي:
كان القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح
(1/46)

قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما ترجى ... ولا في الصبح كان لها براح
وفي تسريح الناظر عن الأمالي قال اجتمع إلى المجنون عزوة من قومه ممن كان ينادمه حال صحته وقد ذهبوا به حين بني الثقفي بليلى فعزموا على أن يسافروا به متنزهين في أحياء العرب ليذهب ما به فساروا وهو معهم تعاوده الصحة دوراً والجنون دوراً وهم يردون كل منتزه ويعرضون عليه من بنات العرب كل من أجمع على حسنها وأنهم غفلوا عنه ليلة ثم افتقدوه فرأوه قد ذهب فركب ابن عم له في طلبه فرآه عنده مشرعة وبين يديه ظبية لا حراك به وهو يمسح عنها التراب ويقبلها ويبكي هذا ما في تسريح الناظر زاد في نزهة المشتاق أنه كان ينشد:
أيا شبه ليلى لا تخافين إنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
فقال له اذهب بنا فلم يجب فقال اذهب لنمر بليلى فقام معه فلما جاء إلى أصحابه جلس متفكراً لا يخاطبهم حتى جاء الليل فلما كان السحر هبة نسمة وأبرق برق مما يلي حي ثقيف فأنشد:
طربت وشاقتك الهمول الدوامع ... غداة دعا بالبين أسفع نازع
شجاه نعياً بالفراق كأنه ... حريب سليب نازح الدار جازع
فقلت الا قد بين الأمر فانصرف ... فقد راعنا بالبين قبلك رائع
سقيت سماماً من غراب فإنني ... تبينت ما أخبرت أذهو واقع
ألم تر أني لا محب ألومه ... ولا ببديل بعدهم أنا قانع
ألم تر دار الحي في رونق الضحى ... بحيث انحنت للهضبتين الأجارع
وقد يتناءى الألف من بعد صحبة ... ويصدع ما بين الخليلين صادع
وكم من هوى أو جيرة قد ألفتهم ... زماناً فلم يمنعهم البين مانع
كأني غداة البيت ميت حوية ... آخر ظما سدت عليه المشارع
يخلص من أوصال ماء صبابة ... فلا الشرب مبذول ولا هو نافع
وبيض تطلى بالعبير كأنها ... نعاج الفلا جيبت عليها البراقع
تحملن من وادي الاراك وأومضت ... لهن بأطراف العيون المراتع
فما جئن ربع الدار حتى تشابهت ... هجائنها والجون منها الجوامع
وحتى حملن الجور من كل جانب ... وخاضت صدور الرقم منها الأكارع
فلما استوت تحت الخدود وقد جرى ... عبير ومسك بالعرانين رادع
أشرن بأن حثوا الجمال فقد بدا ... من الصيف يوم لاقح الظل مانع
فلما لحقنا بالحمول تباشرت ... بنا مقصرات عاب عنها المطالع
يعرضن بالدل المليح وأن يرد ... خباهن مشغوف فهن موانع
فقلت لأصحابي ودمعي مسبل ... وقد صدع الشمل المشتت صادع
أليلى بأبواب الخدور تعرضت ... لعينيّ أم قرن من الشمس طالع
ومرض قبل الاختلاط فقلق قلقاً شديداً ودخل عليه جماعة أو هو أبوه للعيادة فسمعوه ينتحب بأشد تحرق وتوجع وينشد:
ألا أيها القلب الذي لج هائماً ... بليلى وليداً لم تقطع تمائمه
أفق قد أفاق العاشقون وقد أبى ... لما بك أن تلقى طبيباً تلائمه
فما لك مسلوب العزاء كأنما ... ترى نأي ليلى مغرماً أنت غارمه
أجدك لا ينسيك ليلى ملمة ... تلم ولا ينتسيك عهداً تقادمه
فاستتروا حتى أتم نشيده ودخلوا عليه فحادثوه في السلو فزاد في الهيام ولما عوفي جعل يعاود موضعها ويتمرغ في التراب ويبكي إلى الليل وعزم على التوحش والخروج فراجع ابن عم له في ذلك فكان يعزم عليه أن لا يفعل ويشاغله إلى أن بلغه أن ليلى دخلت إلى جارة لها فنضت أثوابها واغتسلت ونظرت إلى نفسه وقالت ويح ابن الملوح لقد علق بي عظيماً على غير استحقاق فأنشدك الله أصادق هو في وصفي أم كاذب فقالت بل صادق ثم خرجت من عندها وعادت لأخذ سواك نسيته فلما صار في يدها قالت سقى الله من أعطانيه فقالت لها جارتها ومن أعطاكيه قالت قيس فخرج هائماً وأنشد:
(1/47)

نبئت ليلى وقد كنا نبخلها ... قالت سقى الله منه منزلاً خربا
قالت لجارتها يوماً تسائلها ... لما استحمت وألقت عندها السلبا
يا حبذا راكباً كنا نهش له ... يهدي لنا من أراك الموسم القضبا
ناشدتك الله ألا قلت صادقة ... أصادق وصفه المجنون أم كذبا
وقيل إنما كان خروجه من نظره إليها يوم رحلها زوجها أو قومها حين بلغهم زيارته لها وكان حضوره يوم رحيلها على خفية رجاء أن يسكن ما به فزاغ واختشى قومه أن يفتضح فيقتل لما تقدم من أنه كان قد هدر دمه إن دخل الحي وحذر فقال الموت أولى وخرج على وجهه.
وعن الهذلي عن رجل من بني عامراً وهو رباح بن سعد بن اثالة قال خرجت أثر سماء أربعنا بها وأحيت الأرض بعد الجدب فبينا أنا بوادي القرى أو الغيل إذ لاح لي شخص إلى جانب حجر يبكي فقصدته وسلمت عليه وإذا هو المجنون فقلت ما يبكيك فقال هذا السيل ثم تنفس الصعداء ثم أنشد الأبيات التي وعدنا بها وهي تمام القصيدة التي أولها ألا أيها البيت وقيل أنه أنشد القصيدة كاملة في هذا الوقت، وفي النزهة أن خالد بن كلثوم ضم هذه إلى تلك من عند نفسه وإلا فالمجنون لم ينشدها إلا متفرقة وهي:
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنه ... يكون بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب
فيا ساكني أكناف نخلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
أظل غريب الدار في أرض عامر ... إلى كل مهجور هناك غريب
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إليّ وإن لم آته لحبيب
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرق إليك حبيب
وقيل إن آخر مجلس للمجنون من ليلى أنه لما اختلط عقله ومزق ما عليه وتوحش جاءت أمه إليها فأخبرتها بذلك وسألتها أن تزوره فعساها أن تخفف ما به فقالت أما نهاراً فمتعذر خيفة أهلي وسآتيه ليلاً فأما أمكنتها الفرصة أتته وهو مطرق يهذي فسلمت عليه ثم قالت له:
أخبرت أنك من أجلي جننت وقد ... فارقت أهلك لم تعقل ولم تفق
فرفع رأسه إليها وأنشد:
قالت جننت على رأسي فقلت لها ... الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع الانسان في الحين
زاد عليها في نديم المسامرة:
لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمي ... وكيف تسهر عيني لم تلوميني
ثم فارقته فهام من ثم مع الوحش وقيل سئل عن سبب خروجه فقال لقيتها يوماً فشكيت إليها ما نزل بي من حبها وقلت إن لم ترحميني ذهب عقلي فقالت هو المطلوب فهمت لمرادها وقيل كان هيمانه مقاصة لقوله:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
ثم أن الأسانيد الصحيحة والآثار المتظافرة دلت على أنها كانت من الغرام به والميل إليه أيضاً بمنزلة عظيمة.
حكى رباح بن عامر وكان من الجريشيين قال دخلت من نجد أريد الشام فأصابني مطر عظيم فقصدت خيمة رفعت لي فإذا بامرأة فسألتها التظليل فأشارت إلى ناحية فدخلت وقد أقبل رعاة وإبل وغنم كثيرة ثم قالت للعبيد سلوه من أين الرجل فقلت من نجد فتنفست الصعداء ثم قالت نزلت بمن فيها فقلت ببني الجريش.
وفي رواية ببني جعدة فرفعت ستارة كانت بيننا وإذا بامرأة كأنها القمر ثم قالت أتعرف رجلاً فيهم يقال له قيس ويلقب بالمجنون قلت أي والله سرت مع أبيه حتى أوقفني عليه وهو مع الوحش لا يعقل إلا أن ذكرت له ليلى فبكت حتى أغمي عليها فقلت مم تبكين ولم أقل إلا خيراً فقالت وأنا والله ليلى المشؤومة عليه غير المساعدة له أو قالت غير المكافئة أو المواسية له ثم أنشدت:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة ... متى رجل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحله ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
(1/48)

ولما أيس من ليلى حين ارتحلت مع زوجها واشتد هيمانه أجمع قومه أن يتقدموا إلى أبيه في حمله إلى مكة فعل الله أن يخفف عنه، ففعل وسار معه ابن عمه زياد بن كعب فمروا بحمامة على دوحة تنوح فوقف المجنون صاغياً لها ويخلف معه ابن عمه فقال له سر بنا فقد أبعد الرفاق فتنفس الصعداء وأنشد:
أأن هتفت يوماً بواد حمامة ... بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
دعت ساق حر بعدما غلت الضحى ... فهاج لك الأحزان إن ناح طائر
تغنى الضحى والصبح في مر حجنة ... كثاف الأعالي تحتها الماء حائر
كان لم يكن بالغيل أو بطن ايكة ... أو الجزع من قول الاشاءة حاضر
يقول زياد إذ رأى الحي هجروا ... أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر
وإني وإن غال التقدم حاجتي ... ملم على أوطان ليلى فناظر
ودخل مكة فنظر إلى الناس وهم يدعون ربهم محرمين فأنشد:
دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة وهنا إن تمحى ذنوبها
وناديت أن يا رب أول سؤلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله خلق توبة لا أتوبها
فزجره أبوه عن ذلك وأمره أن يدعو الله أن ينسيه ذكرها وأخذه حتى أمسكه أستار الكعبة ثم قال له قل اللهم انسني ذكرها وامح من قلبي حبها فقال اللهم اجمعني بها وارزقني حبها وزدني بها كلفأ وفيها تلفاً وأنشد مكملاً للأبيات السابقة:
يقر لعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها
فكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها
ولما اجتمع الناس بمنى سمع هاتفاً يهتف بليلى فخر مغشياً عليه إلى الصباح ثم أفاق متغيراً حائل اللون وأنشد:
عرضت على نفسي العزاء فقيل لي ... من الآن فايأس لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح تائباً ... فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
دعا باسم ليلى ضلل الله سعيه ... وليلى بأرض عنه نازحة قفر
ثم انساب منهم وكانت هذه سياحته الكاملة فجعل يقتات بعشب البر حتى طالت أظفاره وغطاه شعره فألفته الوحوش فكان يرد الماء معها ثم يهيم على وجهه حتى يقع بالشام فيرى أقواماً وأرضاً ينكرها فيقول أين جبل توباد من بني عامر وهو جبل. كان يرعى هو وليلى عنده الغنم فيقولون له أين أنت من توباد ويعرضون عليه الثياب والطعام فيأبى ويقول دلوني عليه فيرحمونه ويقولون له اتبع نجم كذا يوصلك إليه فيمضي حتى يقع باليمن فيكون له مثل ذلك إلى أن يظفر أحياناً بالجبل فينشد حين ينظره:
وأجهشت للتوباد حين رأيته ... وكبر للرحمن حين رآني
وأذريت دمع العين لما عرفته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له قد كان حولك جيرة ... وعهدي بذاك الصرم منذ زمان
وقلت له أين الذين عهدتهم ... بقربك في حفظ وطيب أمان
فقال مضوا واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
وإني لابكي اليوم من حذري ... غداً فراقك والحيان مؤتلفان
سجالاً وتهتاناً ووبلاً وديمة ... وسحاً وتسجالاً وتنهملان
وعن فتى من قيس أو هو رباح بن مالك قال لما أخذ المجنون إلى مكة للاستشفاء كما مر مررت يوماً وإذا أنا بجماعة قد تعلقوا بشخص متغير اللون ناحل البدن وقد هم أن يلقي نفسه من جبل فسألت عنه فإذا هو المجنون خرج ليتنسم صبا نجد فقلت علام تحبسونه قالوا نخاف أن يجني على نفسه ولو تقدمت إليه فأخبرته أنك من نجد أسكنت روعه ففعلت فجعل يسألني عن موضع موضع ويبكي أحر بكاء ثم أنشد:
ألا حبذا نجد وطيب ترابها ... وأرواحها إن كان نجد على العهد
(1/49)

ألا ليت عشري عن عو يرضي قبا ... لطول الليالي قد تغيرتا بعدي
وعن جارتينا بالنخيل إلى الحمى ... على عهدنا أم لم يدوما على العهد
وعن علويات الرياح إذا جرت ... بريح الخزامى هل تهب على نجد
وعن أقحوان الرمل ما هو صانع ... إذا هو أثري ليلة بثرى جعد
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة ... تطالع من وهد خصيب إلى وهد
وهل انغضن الدهر أفنان لمتي ... على لاحق المتنين منذ لد الوخد
ومر يوماً على جبلي نعمان وهو موضع من نجد به جبلان ليسا بالعظيمين بينهما فاصل يسير فقال لرفقة معه هذا مكان يقرب من منزل كانت تنزل به ليلى قال فأي الرياح تهب منه قالوا الصبا فحلف لا يبرح من مكانه حتى تهب فمضوا وتركوه ثم عادوا بعد ثلاث فأقاموا معه حتى هبت فأنشد:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يخلص إليّ نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها
قلت قال في النزهة بعد ذكر هذه الأبيات أن أبا الفرج بن الجوزي تزوج امرأة اسمها نسيم الصبا فأقام معها مدة ثم وقعت بينهما وحشة ففارقها فاشتد بها كلفه وزاد غرامه ورسالها فأبت عليه وطال بينهما الأمر وأنها حضرت مجلس وعظه يوماً فلاحت منه نظرة فرآها وقد استترت بجاريتين فتنفس الصعداء وأنشد أيا جبلي نعمان الأبيات فاستحيت ثم ذهبت وقد داخلتها الرقة له فحكت لبعض النساء ذلك فمضين فأخبرنه فراسلها فأجابت فتزوج بها ومر يوماً بعد ما تمكن منه التوحش بليلى ظاعنة فلما رآها سقط مغشياً عليه فأخذه بعض قومها فمسح عنه التراب وسألوها أن تكلمه رقة عليه فاستعذرت من الخوف فأرسلت امرأة تأمنها بالسلام والاستعطاف والاستعذار وأنها لولا الخوف لأتنه، فلما بلغته المرأة ذلك ثاب إليه عقله وأنشد:
أقول لأصحابي هي الشمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد
لقد عارضتنا ريح ليلى بنفحة ... على كبدي من طيب أرواحها برد
فما زلت مغشياً علي وقد مضت ... أناة ولا عندي جواب ولا رد
أقلب بالأيدي وأهلي تعولني ... يفدونني لو يستطيعون أن يفدوا
ولم يبق إلا الجلد والعظم عارياً ... ولا عظم لي إن دام ما بي ولا جلد
أدنياي ما لي في انقطاعي وغربتي ... إليك ثواباً منك دين ولا نقد
عديني بنفسي أنت وعداً فربما ... جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد
وقد يبتلي قوم ولا كبليتي ... ولا مثل وجدي في الشقاء بكم وجد
غزتني جنود الحب من كل جانب ... إذا حان من جند قفول أتى جند
وسئل يوماً وهو حاضر من الغمرة ما أحسن ما رأيت قال ليلى فقيل له ذلك معلوم وإنما نعني غيرها فقال ما رأيت شيئاً غيرها وذكرتها الاسقط من عيني إلا ظبياً رأيته يوماً فذكرت ليلى فزاد في عيني حساً فانطلقت أعدو خلفه حتى كلت رجلاي وغاب عن عيني فأخذت راحتي ثم انطلقت حتى وجدته وقد فتك به ذئب فأخذت سهماً وضربت به الذئب فلم يحظ قلبه، فشققت بطنه وأخرجت ما أكل فضممته إلى ما بقي من الظبي ودفنته، وأنشد:
أبى الله أن يبقى لحي بشاشة ... فصبراً على ما شاء الله بي صبرا
رأيت غزالاً يرتعي وسط روضة ... فقلت أرى ليلى تراءت لنا ظهرا
فيا ظبي كل رغد هنيئاً ولا تخف ... فإنك لي جار ولا ترهب الدهرا
وعندي لكم حصن حصين وصارم ... حسام إذا أعلمته أحسن العبرا
فما راعني الأذويب قد انتحى ... فأعلق في أحشائه الناب والظفرا
فبوأت سهمي في كتوم غمزتها ... فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا
فاذهب غيظي قتله وشقى جوى ... بقلبي الحر قد يدرك الوطرا
(1/50)

واجتمع إليه النساء يوماً فقلن له أما آن لك أن تصرف عنك هوى ليلى ليرد إليك عقلك فإنها امرأة من النساء وفينا عنها كفاية فاختر إحدانا فقال لو ملكت لفعلت ولكني مغلوب فقلن ما أعجبك منها قال كل شيء رأيته وسمعته فقلن صفها فأنشد:
بيضاء خالصة البياض كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إن الجمال مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء تعرب عن سواد الاثمد
خو إذا ذكر الكرام رأيتها ... تحمي الحمى وإذا تكلم تقصد
وقال له رجل من قومه إني قاصد حي ليلى فهل عندك شيء تقوله لها، قال نعم أنشدها إذا وقفت بحيث تسمعك هذه الأبيات:
اللهّ يعلم أن النفس قد هلكت ... باليأس منك ولكني أمنيها
منيتك النفس حتى قد أضربها ... وأبصرت خلفاً مما أمنيها
وساعة منك ألهوها ولو قصرت ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها
قال الرجل فمضيت حتى وقفت بخيامها فلما أمكنتني الفرصة أنشدت بحيث تسمع الأبيات فبكت حتى غشى عليها ثم قالت أبلغه عني السلام وأنشده:
نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا ... ما كان غيرك يجزيها ويرضيها
صبراً على ما قاضه الله فيك على ... مرارة في اصطباري عنك أخفيها
قال الرجل فلما بلغته ذلك بكى حتى غشي عليه ثم أفاق وهو يقول عجبت لعروة العذري البيتين السابقين في صدر القصة ولما أيس أهله منه وخالط الوحوش أخذوا يحتالون على إصلاحه فقال أبوه يوماً لشخص أريد أن تمر به فتذكر له ليلى وأنك من عندها وأنها تذكره كثيراً فإذا أعطاك سمعه وتمكنت منه فاذكر له أنها تشتمه وتنقصه فعساه أن يداخلة كرهها. قال الرجل فمضيت حتى اجتمعت به وأعلمته بذلك حتى ذكرت أنها تشتمه فأنشد:
تمر الصبا ضفحا بساكن ذي الغضى ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
إذا هبت الريح الشمال فإنها ... جوابي بما يهدي إليّ جنوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفسي حيت كان حبيبها
وحسب الليالي إن طرحنك مطرحاً ... بدار قلى تمسي وأنت غريبها
حلال لليلى شتمنا وانتقاصنا ... هنيئاً ومغفور لليلى ذنوبها
هذا ما ذكر في الأصل وأنكر في النزهة ذلك وقال إن أبا المجنون مات قبل اختلاط عقله كما سبق. وفي تسريح الناظر إن الذي أمر الرجل بذلك زياد بن كعب أحد بني عم المجنون وهو الأوجه. وقيل للمجنون يوماً أتحب ليلى قال نعم حباً خالط الدم ومازج الأعضاء قيل فما يغني حبك لها وهي مريضة وأنت لا تعودها فتنفس الصعداء وأنشد:
يقولون ليلى بالصفاح مريضة ... فماذا إذا يغني وأنت صديق
شفى الله مرضي بالصفاح فإنني ... على كل شاك بالصفاح شفيق
(1/51)

وعن نفول بن مساحق بن عبد الله بن المسور بن مخرمة وكان والياً على الصدقات من قبل مروان أو عبد الملك وله صحبة عند الذهبي. قال قدمت على بني عامر لأخذ أموال الصدقة فرأيت شخصاً عارياً يلعب بالتراب فأمرت له بثوب فقيل لي لو كان يلبس لكان في مال أبيه كفاية فإنه سيد الحي، ولكنه تولع بحب امرأة فصيرته هكذا قال فقمت إليه وكلمته فلم يعقل فقيل لي إن أردت أن يفهم ما تقول فاذكر له ليلى. فقلت أتحب ليلى قال نعم فقلت له أتريد أن أزوجك بها قال أو ممكن ذلك قلت نعم فقل يا له من جميل لو أن أهل الأرض شكروك معي لم يفوا فعند ذلك قام فلبس ثيابه وأقام معه بوعد منه إلى يوم مجتمع لهم فهم ليأخذه فأخبروه باهدار السلطان دمه فصرفه وقيل هموا بقتاله فصرفه إنما كان خوف الفتنة فقال المجنون له والله إنك لم تف بالوعد ثم مزق ما عليه وانصرف. وفي الكتاب ما يشعر بأن القصة مع محمد بن نوفل وليس كذلك لما ستعرفه من أن نوفلاً لم يزل من ذلك اليوم متطلباً لأخبار المجنون جامعاً لأشعاره وأنه قدم سنة من السنين يسأله عنه فقالوا لم نعرف له خبراً فركب في طلبه حتى لاح له وراء اراكة بين قطيع من الغزلان وقد غطاه شعره فصعد نوفل الشجرة مستخفياً وشربت الظباء وانصرفت فوقف المجنون يرعى هذا ما في الأصل وفي نزهة المشتاق أنه انصرف معهم ولم يمكنه الاجتماع به فرجع متأسفاً وشكا ما به إلى شيخ كبير في بني سعد فقال له الشيخ إن للمجنون داية يألفها وأنها تحمل له الطعام والخبز أحياناً فيأكل منها ولو صحبتها لأمكن أن تظفر به ففعل، فهرب المجنون منهما فرجع وأخبر الشيخ فقال له الشيخ قد قرأت في سالف الأخبار أن سلطاناً قال لوزيره أخبرني عن أعظم رائحة وأقوى لذة وأشد حافر على الأرض وقد أمهلتك ثلاثاً فإن لم تجب جللتك بالسيف.
فمضى مهموماً وكان له ابنة قد اتخذت قصراً مفتوحاً إلى الأربع جهات على قارعة الطريق للنزهة فلما رأت ما بأبيها استعطفته حتى أخبرها فاستسهلت الأمر وقالت له إذا عدت إليه من الغد فأخبره أن أقوى رائحة رائحة الخبز وأعظم الأشياء لذة الجماع وأشد حافر على الأرض البغال فلما أعلمه قال له أخبرني من أين لك ذلك فصدقه الأمر فاستحضر البنت وقال لها لئن لم تخبريني عن تعليل ذلك وإلا ضربت عنقك فإنك بكر لم تعلمي أحوال النساء ولا لذة الجماع فقالت أيد الله الملك إن قصري منفتح للأهوية فلم أجد من لدن قطنت به رائحة يتكيف بها الهواء أعظم من الخبز ولم يتحرك جدار القصر من شيء غير البغال وأما الجماع فإنني أخذته من شدة ألم الوضع وما شاهدت من مقاساة النساء فيه فلو لم يكن الجماع أعظم لذة ما عدن إليه والرأي عندي أن تصنع خبزاً وتجعله في طابق يضم بخاره وتفتحه حيث يشمه فإنه يقف لبعد عهده به فتذكر له ليلى فيزداد أنساً. قال الرجل فمضيت وعملت برأي الشيخ وطيبت الخبز بالأفاويه حتى إذا أقبل ولمحته من خلال الأواكة كشفت الخبز وصعدت لتشرب الظباء فشربن وسرن ووقف يشم الرائحة فأنشدته من الشجرة.
أتبكي على ليلى ونفسك باعدت ... مزارك من ليلى وشعباً كما معا
فاندفع يقول:
فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أجزعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... على الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
واذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن يصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا
معي كل عز قد عصى عاذلاته ... بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت ... إليه العيون الناظرات التطلعا
ثم سقط مغشياً عليه فتمثلت بقوله:
يا دار ليلى بسقط الحي قد درست ... إلا الثمام وإلا موقد النار
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها ... كما ينحت قدح الشوحط الباري
ما تفتئوا الدهر من ليلى تموت كذا ... في موقف وقفته أو على داري
(1/52)

فرفع رأسه وقال من أنت حياك الله فقلت له نوفل أخبرني ما صنعت بعدي فأنشد إلا حجبت ليلى الأبيات ثم أخذ يفاوضني فيا لكلام حتى سنح له قطيع ظباء فطفق يعدو حتى اختلط بها وفارقته فلم أره بعد قلت وفي النزهة أنه تطلبه مرة أخرى غير هذه فوجده بين حجرين ميتاً فأخذه ودفنه وسيجيء ذكر ما رأى له من الأشعار منقوشاً في التراب أورده آخر القصة على النمط السابق في غيره ومر برجلين قد اصطادا ظبية وربطاها فعزم عليهما أن يطلقاها فأبيا عليه فأطلقها بشاة من غنمة وأنشد:
شريت بكبش شبه ليلى ولو أبوا ... لأعطيت مالي من طريف وتالد
فيا بائعي شبهاً ليلى قتلتما ... وجنبتما ما ناله كل عايد
فلو كنتما حرين ما بعتما فتى ... شبيهاً لليلى بيعة المتزايد
واعتقتماها رغبة في ثوابها ... ولم ترغبا في ناقص غير زائد
وقيل إن الرجلين أخوه وابن عمه وأنه أنشدهما متعرضاً لبخلهما:
يا أخوي اللذين اليوم قد أخذا ... شبهاً لليلى بحبل ثم غلاها
إني أرى اليوم في أعطاف شاتكما ... مشابهاً أشبهت ليلى فحلاها
وأنه عرض عليهما اقتل حين أبيا افلاتها لأنه كان أجلد منهما وفي رواية فداها بقلوص ولما ذهبت تعدو وأنشد أيا شبه ليلى الأبيات وزاد هنا.
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك رقيق
وقد وردت هذه الرواية من طرق كثيرة وفي إحداها يا صاحبي اللذان وهو أسلم من الزحاف هذا ما تلخص من صحيح أخباره وأما ما قيل من أنه مر بزوج ليلى وهو في حي بني عامر عند ابن عم له يصطلي فوقف على رأسه وأنشد:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل زفت عليك قرون ليلى ... زفيف الأقحوانة في نداها
فقال أما إذ حلقتني فنعم فصرح المجنون وقبض الجمر بكلتا يديه وسقط مغشياً عليه فأكل الجمر لحم راحتيه وقام زوج ليلى مغموماً. وما قيل أيضاً من أن أبا المجنون طرقه ضيوف ليلاً فأرسله إلى أبي ليلى ليقترض منه سمناً فأمرها أبوها أن تخرج إليه بنحى فتملأ وعاءه فجعلت تسكب فيه ويتحاثان حتى غرقت أرجلهما.
وأنه جاء ليلة أخرى يستقبسها ناراً فخرجت إليه بقضبة فكان يتحدث معها ويقطع من برد عليه يغلف به النار، وكلما احترقت قطعة أخذ أخرى حتى صار عرياناً فلم يصح اسناده عندنا كصحة غيره ومثل ذلك ما قيل من أن جنونه كان مجازاة لقوله قضاها لغيري أو لسماع هاتف أنشده:
كلانا مغرم في حب ليلى ... بفيّ وفيك من ليلى التراب
فاختلط عقله، وأما حال موته فالصحيح ما قدمناه وقيل أن رجلاً شامياً كان مغرماً بأشعاره وأشعار قيس بن ذريح قدم للاجتماع به أو الرجل من بني جعدة أو مرة أو هو الصباح بن عامر الكفاني. أقوال فسأل أهله عنه فأخبروه أنه متوحش من الأنس إلا صديقاً له يذهب إليه في كل يوم يكتب ما يقول من الأشعار وداية تذهب إليه بطعام فمضى إليهما يسألهما الحيلة في الاجتماع عليه فقالا له أقصده في موضع كذا فستجده جالساً عند خط حوله التراب وهو يعبث بأصابعه فيه فإذا رآك أخذ الأحجار وهم بضربك فاصرف بصرك عنه وأطل الجلوس ثم أنشد ما يحضرك من شعر قيس فإنه مغرم به فإذا فعلت بلغت ما تريد منه فمضى الرجل يقتفي أثره حتى وجده على ما وصف فلما أنس به قال رحم الله قيساً حيث يقول:
نبيت ونضحي كل يوم وليلة ... على منهج تبكي عليه القبائل
قتيل للبنى صدع الحب قلبه ... وفي الحب شغل للمحبين شاغل
فقال أنا والله أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... معرّقة تضحى إليه وتضجر
وأخليتها من منحها وكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذر
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني ... بي الضر إلا أنني أتستر
ثم انساب يعدو وفارقته فلما كان اليوم الثاني جئت على العادة وأنشدت قول قيس:
تبادر أم تروح غداً رداحاً ... ولن يستطيع مرتهن براحا
سقيم لا يصاب له دواء ... أصاب الحب مقلته فباحا
(1/53)

وعذبه الهوى حتى براه ... كما القيت بالسفن القداحا
فكاد يذيقه جرع المنايا ... ولو أسقاه ذلك لاستراحا
فقال أشعر منه حيث أقول:
فما وجد مغلوب بصنعاء موثق ... لساقيه من ثقل الحديد كبول
قليل الموالي مستهام مروّع ... له بعد نومات العشاء عويل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غداً ومسلم فقتيل
بأعظم مني روعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل
ثم فعل فعلته بالأمس وعاودته فقلت أحسن والله قيس حيث يقول:
ألا يا غراب البين ويحك أنبني ... بعلمك في لبنى وأنت خبير
فإن أنت لم تخبر بشيء علمته ... فلا طرت إلا والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك بينهم ... كما قد تراني بالحبيب أدور
وفي رواية ابن الأعرابي.
ألا يا غراب البين هل أنت مخبري ... بخير كما خبرت بالنأي والشر
وخبرت أن قد جد بين وقربوا ... جمالاً للبنى مثقلات من العذر
وهجت فدى عين للبنى مريضة ... إذا ذكرت فاضت مدامعها تجري
وقلت لداك الدهر ما زال فاجعاً ... صدقت وهل شيء بباق على الدهر
فقال له المجنون أحسن والله ولكي أشعر منه حيث أقول. كان القلب البيتين فأمهلته حتى فرغ. ثم قلت وأحسن قيس أيضاً حيث يقول. وأني لمفن دمع عيني بالبكا.
الأبيات السابقة في قصة قيس قال فبكى حتى ظننت أنه فاضت نفسه ثم قال أحسن والله وأنا أشعر منه حيث أقول.
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حين لالى حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح
قال ولم أزل أعاوده أكتب ما يقول إلى أن تطلبته فوجدته بين أحجار ميتاً وفي رواية أن هذا الرجل لم يجتمع به. وأخرى رآه ميتاً محمولاً قد دلت عليه دايته وأنه لم يكتب أشعاراً إلا من عند صديقه المقدم ذكره بالجملة فمحل الاجماع أنه وجد ميتاً فاحتمل وغسل ودفن وحضر جنازته جميع بني جعدة وسعد والحريش وحضر أبو ليلى فأظهر جزعاً شديداً وتنصل واعتذر بأنه لم يعلم أن أمره يقضي إلى هذه الحالة ولو يعلم لاحتمل العار وزوجه، ولما غسل وجدوا الرقعة مكتوباً فيها.
ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى ... شقيت لا هنئت من عيشك الخفضا
شقيت كما أشقيتني وتركتني ... أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا
كأن فؤادي في مخاليب طائر ... إذ أذكرت ليلى يشد به قبضا
كأن فجاج الأرض حلقة خاتم ... على فما تزداد طولاً ولا عرضا
وقيل أن ليلى توفيت قبله وأنه سمع هاتفاً يقول.
أمنعية بالموت ليلى ولم تمت ... كأنك عمد أظلك غافل
فسقط ميتاً وهذا أمر يتعذر الوصول إلى تحقيقه وله أشعار كثيرة بلا أسباب من محاسنها قوله:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
ومنها:
تقول العدا لا بارك الله في العدا ... تقاصر عن ليلى ورثت رسائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى جديداً أوائله
ومنها:
فلو تلتقي في الموت روحي وروحها ... ومن بين رمسينا من الأرض منكب
لظل صدى رمسي وإن كنت رمه ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
قلت قال في النزهة وشتان ما بين هذا وما بين قول ثوبة في ليلى الأخيلية:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسلم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
قول وفحوى الكلام أن قول المجنون أبلغ لأن تلاقي روحيي ميتين أعظم في جانب المبالغة من تلاقي حي وميت وكلام ثوبة من الثاني ويمكن نقل هذا إلى مبحت حكمي وعكس كلام صاحب النزهة فقد أجمعت الحكماء بل وأصحاب الشرع بأن استلذاذ الأرواح واداركها بعد مفارقة إليها كل الجسمية أشد وأقوى فتأمله.
ومنها:
فلو زرت بيت الله ثم رأيتها ... بأبوابه حيت استجار حماها
(1/54)

لمست ثيابي إن قدرت ثيابها ... ولم ينهني عن مسهن حمامها
ولو شهدتني حين تأتي منيتي ... جلا سكرات الموت عني ابتسامها
ومنها:
أقول لألف ذات يوم لقيته ... بمكة والانضاء ملقى رحالها
بربك أخبرني ألم تأثم التي ... أضر بجسمي من زمان خيالها
فقال بلى والله سوف يمسها ... عذاب وبلوى في الحياة تنالها
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... سريع إلى جيب القميص انهمالها
عفا الله عنها ذنبها واقالها ... وإن كان في الدنيا قليلاً نوالها
ومنها:
وأحبس عنك النفس والنفس صبة ... بذكراك والممشى إليك قريب
مخافة أن يسعى الوشاة بظنة ... وأحرسكم أن يستريب مريب
لتد جعلت نفسي وأنت اخترمتها ... وكنت أعز الناس عنك تطيب
فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل ... لك الدهر مني ما حييت نصيب
أما والذي يبلوا السرائر كلها ... ويعلم ما تبدي به وتغيب
لقد كنت ممن تصطفى النفس خلة ... لها دون خلان الصفاء حجوب
ومنها.
ألا ليت ليلى اطفأت حر زفرة ... أعالجها لا أستطيع لها ردا
إذا الريح من نحو الحمى نسمت لنا ... وجدت لمسراها ومنسمها بردا
على كبد قد كاد يبدي بها الهوى ... ندوباً وبعض القوم يحسبني جلدا
وإني يماني الهوى منجد النوى ... سبيلان القي من خلافهما جهدا
سقى الله نجداً من ربيع وصيف ... وما ترجى من ربيع سقى نجدا
بلى أنه قد كان للعيش مدة ... وللعيس والركبان منزلة حمدا
أبى القلب أن ينفك من ذكر نسوة ... رقائق لم يخلقن شوها ولا نكدا
إذا رحن بسحبن الذيول عشية ... ويقتلن بالألحاظ أنفسنا عمدا
مشا عيطلات رجح بحضورها ... روادف وعثات ترد الخطا ردا
وتهتز ليلى العامرية إذ مشت ... ولاثت بثوب القز ذا غدر جعدا
إذا حرك المدى ضفائرها العلا ... مزجن بذي الريحان والعنبر الوردا
ومنها.
أبى القلب الأحبة عامرية ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو
تكد يدي تندى إذ ما لمستها ... وتنبت في أطرافها الورق الخضر
ومنها وقد ضعف فعاده الناس ولم تعده ليلى فأنشد.
ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعي ... بليل ولا يجري بذلك طائر
بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت ... بليلى ولكن ليس للطير زاجر
أزالت عن العهد الذي كان بيننا ... بذي الأيك أم قد غيرتها المقادر
فوالله ما في القرب لي منك راحة ... ولا البعد يسليني ولا أنا صابر
ووالله ما أدرى بأية حيلة ... وأي مرام أو خطار أخاطر
وتالله إن الدهر في ذات بيننا ... عليّ له في كل حال لجائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركت ... جميع القوى والعقل مني وافر
ولكن أيامي بحقل عنيزة ... وبالردم أيام حباها التجاور
وقد أصبح الود الذي كان بيننا ... أمانيّ نفس والمؤمل حائر
لعمري لقد كدرت يا أم مالك ... حياتي وساقتني إليك المقادر
ومنها:
فوا كبدي من حب من لا يحبني ... ومن زفرات ما لهن فناء
أريتك إن لم أعطك الحب عن يد ... ولم يك عندي إذ أبيت اباء
أتاركتي للموت أنت فميت ... وما للنفوس الخائفات لقاء
ومنها:
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقي ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالو به من أعين الجن نظرة ... ولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس
ومنها:
وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ما كان فيك فأنتم شغلي
وأرى جليسي إذ يحدثني ... إن قد فهمت وعندكم عقلي
ومنها:
(1/55)

سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى ... بها السير وارتادت حمى القلب حلت
فللعين تهمال إذا القلب ملها ... وللقلب وسواس إذا العين ملت
ووالله ما في القلب شيء من الهوى ... لأخرى سواها أكثرت أم قلت
ومنها:
ذكرت عشية الصدفين ليلى ... وكل الدهر ذكراها جديد
عليّ ألية إن كنت أدرى ... أينقص حب ليلى أم يزيد
ومنها:
يا ويح من أمسى تخلس عقله ... فأصبح مذهوباً به كل مذهب
خلياً من الخلان إلا معذراً ... يضاحكني من كان يهوى تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وأرجعت ... روائع عقلي من هوى متشعب
وقالوا صحيح ما به طيف جنة ... رلا الهم إلا بافتراء التكذب
تجنبت ليلى إذ يلح بك الهوى ... وهيهات كان الحب قبل التجنب
ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما يذهب به الريح يذهب
ولم أر ليلى بعد موقف ساعة ... بخيف منى ترمي جمار المحصب
وتبدي الحصا منها إذا قذفت بها ... من البرد أطراف البنان المخضب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
ومنها:
وإني لمجنون بليلى موكل ... ولست عزوفاً عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة ... لتذكارها حتى يبل البكا الخدّا
ومنها:
ألا يا حمام الأيك مالك باكياً ... أفارقت الفاً أم جفاك حبيب
دعاك الهوى والشوق لم ترنمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروب
تجاوب ورقاً قد أذن لصوتها ... فكل لكل مسعد ومجيب
ومنها:
لقد غردت في جنح ليل حمامة ... على إلفها تبكي وإني لنائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
ومنها:
إذا قربت داري كلفت وإن تأت ... أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت على الوعد
ففي كل حب لا محالة فرحة ... وحبك ما فيه سوى محكم الجهد
ومنها، وهو كما قال في النزهة من الأشعار التي قيلت على الأوهام قال لما حضروا به في مكة بات ليلة فجعل يحدث نفسه كالذي في النوم ويعاتب امرأة حاضرة فقيل له في ذلك فحلف أن ليلى كانت إلى جانبه في هذا الوقت ثم أنشد:
طرقتك بين مسبح ومكبر ... بحطيم مكة حيث كان الأبطح
فحسبت مكة والمشاعر كلها ... وجبالها باتت بمسك تنفح
ومنها:
لئن نزحت دار بليلى لربما ... عنينا بخير الزمان جميع
وفي النفس من شوقي إليك حرارة ... وفي القلب من وجدي عليك صدوع
وأما قصيدته الموسومة بالمؤنسة فهي أطول قصيدة أنشدها وواظب عليها قيل أنه كان يحفظها دون أشعاره وأنه كان لا يخلو بنفسه إلا وينشدها وهي من محاسن الأشعار وأرقها لفظاً وأعذبها سبكاً وألطفها شجواً وأبلغها نسيباً وغزلاً تهيج الشجون وتعين المحزون وللناس في الاقتصار على بعضها والاستصفاء منها اختلاف كثير أحسنه:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا ... وأيام لا أعدى على الدهر عاديا
ويوم كظل الرمح قصرت ظله ... بليلى فلهاني وما كنت لاهيا
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة ... إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا
خليليّ ألا تبكي لي التمس ... خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا
فما أشرف الايفاع إلا صبابة ... ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
لحي الله أقوا ما يقولون إننا ... وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
وعهدي بليل وهي ذات مؤصد ... ترد علينا بالعشي المواشيا
فشب بنو ليلى وشب بنو ابنها ... واعلاق ليلى في فؤادي كما هيا
(1/56)

إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه ... تواشوا بنا حتى أمل مكانيا
سقى الله جارات لليلى تباعدت ... بهن النوى حيث احتللن المطاليا
بتمرين لاحت نار ليلى وصحبتي ... بقرع العصا ترجى المطى الحوافيا
فقال بصير القوم لمحة كوكب ... بدا في سوادا لليل من ذي يمانيا
فقلت لهم بل نار ليلى توقدت ... بعليا تسامى ضوءها فبدا ليا
خليلي لا والله لا أملك الذي ... قصى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا
فلو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت أتى نيا
وماذا لهم لا أحسن الله حالهم ... من الحظ في تصريم ليلى حباليا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والابرام حتى علانيا
فيا رب سوّ الحب بيني وبينها ... يكون كفافاً لا عليّ ولا ليا
فما طلع النجم الذي يهتدى به ... ولا الصبح الاهيجا ذكرها ليا
ولا سرت ميلاً من دمشق ولا بدا ... سهيل لأهل الشام إلا بدا ليا
ولا سميت عندي لها من سمية ... من الناس الا بل دمعي ردائيا
ولا هبت الريح الجنوب لأرضها ... من الليل إلا بت للريح جانيا
فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها ... عليّ فلن تحموا عليّ القوافيا
فاشهد عند الله إني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا
قضى الله بالمعروف منها لغيرنا ... وبالشوق مني والغرام قضى ليا
وإن الذي أملت يا أم مالك ... أشاب فؤادي واستهان فؤاديا
أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
واخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا
أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلي ورائيا
وما بي اشراك ولكن حبها ... وعظم الحوى أعيى الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وفق اسمها ... وأشبهه أو كان منه مدانيا
خليليّ ليلى أكبر الحاج والمنى ... فمن لي بليلى أو فمن لها بيا
لعمري لقد أبكيتني يا حمامة العقيق ... وأبكيت العيون البواكيا
خليليّ ما أرجو من العيش بعدما ... أرى حاجتي تشرى ولا تشترى ليا
وتجرم ليلى ثم تزعم أنني ... سلوت ولا يخفى على الناس ما بيا
فلم أر مثلينا خليلي صبابة ... أشد على الرغم الأعادي تصافيا
خليلان لا نرجو اللقاء ولا ترى ... خليلين إلا يرجوان تلاقيا
وإني لاستحييك أن تعرض المنى ... توصلك أو أن تعرضي في المنى ليا
يقول أناس على مجنون عامر ... يروم سلوا قلت أنى لما بيا
إذا ما استطال الدهر يا أم مالك ... فشأن المنايا القاضيات وشأنيا
إذا اكتحلت عيني بعيني لم تزل ... بخير وجلت غمرة عن فؤاديا
فأنت التي إن شئت شقيت عيشتي ... وأنت التي إن شئت أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... يرى نضو ما أبقيت الارثي ليا
أمضروبة ليلى عليّ أزروها ... ومتخذ دين لها أن ترانيا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني ... أصانع رحلي أن يميل حياليا
يميناً إذا كانت يميناً وإن تكن ... شمالاً ينازعني الهوى عن شماليا
(1/57)

وإني لاستغشى وما بي نعسة ... لعل خيالاً منك يلقي خياليا
هي السحر إلا أن السحر رقية ... وإني لا ألقي لها الدهر راقيا
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى المطايانا بذكراك هاديا
ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت ... لها وهج مستضرم في فؤاديا
ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
أسائلكم هل سال نعمان بعدنا ... وحب إلينا بطن نعمان واديا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتما ... عليّ الهوى لما تغنيتما ليا
وأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا
ويا أيها القمريتان تجاذبا ... بلحنيكما ثم اسجعا علانيا
فإن أنتما استطربتما أو أردتما ... لحاقاً بأطلال الغضى فاتبعانيا
ألا ليت شعري ما للعلى وما ليا ... وما للضبا من بعد شيب علانيا
ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى ... إلى من تشها أو لمن أنت واشيا
لئن ظعن الأحباب يا أم مالك ... فما ظعن الحب الذي في فؤاديا
فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى ... فزنى بعينيها كما زنتها ليا
وإلا فغضا إلي وأهلها ... فإني بليلى قد لقيت الدواهيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا
خليليّ إن ضنوا بليلى فقرّبا ... إلى النعش والأكفان واستغفرا ليا
أخبار عروة بن حزام وصاحبته عفرا
هو عروة بن حزام بن مالك بن حزام بن ضبة بن عبد بن عدرة شاعر لبيب حاذق متمكن في العشق. قيل أنه أول عاشق مات بالهجر من المخضرمين أو من العذريين ولشدة مقاساته في العشق ضرب به المثل بين العرب والمولدين قال المجنون عجبت لعروة العذري البيت، وقال أبو عيينة:
فما وجد النهدي إذا مات حسرة ... عشية بانت من حبائله هند
ولا عروة العذري إذ طال وجده ... بعفراء حتى شف مهجته الوجد
كوجدي غداة البين عند التقائها ... وقد طار عنها بين أترابها البرد
وقال آخر:
وقبلك مات من وجد بهند ... أخو نهد وصاحبه جميل
وعروة والمرقش هام دهراً ... بأسماء فلم يغن العويل
قتيل الجريح من قبل الغواني ... فلا قود ولا يودي قتيل
وقال جرير:
هل أنت شافية قلباً يهيم بكم ... لم يلق عروة من عفراء ما وجدا
ما في فؤادي من داء يخامره ... إلا التي لو رآها راهب سجدا
إنّ الشفاء وإن ضفنت بنائله ... قرع البشام الذي تجلو به البردا
إن غير ذلك. وعفراء هي بنت هصر أخي حزام كلاهما ابنا مالك من بطن من العذريين، يقال له نهد قال في تسريح النواظر إن سبب عشقه لها، أن أباه حزاماً توفي ولعروة من العمر أربع سنين وكفله هصر أبو عفراء، فانتشئا جميعاً فكان يألفها وتألفه. فلما بلغ الحلم، سأل عروة عمه تزويجها فوعده ذلك ثم أخرجه إلى الشام بعير له. وجاء ابن أخ له يقال له اثالة بن سعيد بن مالك يريد الحاج فنزل بعمه هصر فبينما هو جالس يوماً تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرة عن وجهها ومعصميها تحمل أدواة سمن وعليها ازار خز أخضر.
فلما رآها وقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها من عمه فزوجه بها. وإن عروة أقبل مع البعير وقد حمل أثالة عفراء على جمل أحمر فعرفها من البعد، وأخبر أصحابه، فلما التقيا وعرف الأمر بهت لا يحير جواباً حتى افترق القوم فأنشد:
وإني لتعروني لذكراك رعدة ... لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن رآها فجاءة ... فأبهت حتى ما يكاد يجيب
فقلت لعرّاف اليمامة داوني ... فإنك إن أبرأتني لطبيب
فما بي من حمى ولا مس جنة ... ولكنّ عمي الحميريّ كذوب
(1/58)

عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب
بنا من جوى الأحزان والبعد لوعة ... تكاد له نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة مقول ... على ما به عود هناك صليب
وما عجبي موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
وقيل أنه لم ينشد في ذلك الموقف سوى البيتين الأولين، وأما قوله: فقلت لعراف اليمامة إلى قوله وما عفراء منك قريب. فإنه أنشده حين أتى به إلى الطبيب وسبب ذلك أنه حين وصل الحي أخذه الهذيان والقلق وأقام أياماً لا يتناول قوتاً حتى شفت عظامه ولم يخبر بسره أحداً، وأنه حمل ليلة إلى فضاء ليتنزه به، فسمع رجلاً يقول لوالده على أي ناقة حملت الشعب، يعني قرب الماء، فقال على العفراء، فأغمي عليه ساعة ثم قام مخبولاً وكان باليمامة عراف يعني كاهناً له قرين من الجن يعرفه الأخبار ودواء بعض الأدواء وكان يقال له رياح بن راشد وكنيته أبو كحلاء مولى لبني يشكر فحملوه إليه فلما رآه أخذ يعالجه بأنواع العلاج والرقي والصب عليه وأصل ذلك أن العرب كانت إذا تخليت بشخص سحراً جعلت على رأسه طبقاً فيه ماء ثم أذابت الرصاص وسكبته في ذلك الماء ودفنته في فضاء من الأرض فيزول عن الشخص ما به، وإن الكاهن فعل بعروة ذلك مراراً فلما ينجع، أخبرهم أن ما به ليس إلا من العشق.
وقيل أنه عرف ذلك من يوم قدومهم به، فلما أحس باليأس أنشد: فقلت لعراف اليمامة الأبيات فحمل إلى عراف آخر بنجد ففعل به مثل ذلك فأنشد الأبيات الآتية في نونيته وهي قوله جعلت لعراف اليمامة. وأما قوله بنا من جوى الأحزان ويروي وبي من جوى الأحزان فعلى الأصح كما في النزهة أنه من هذا الشعر.
وقيل أنشده حين حمل إلى ابن عباس ليدعو له بمكة وقد سلف أن صاحب القصة غيره وإن صحح ابن عساكر خلافه، ولما أيس من الشفاء تمرض بين أهله زماناً حتى شاع انتحاله في العرب مثلاً. وإن ابن أبي عتيق مر به فرأى أمه تلاطف غلاماً كالخيال فسألها عن شأنه، فقالت هو عروة فسألها نضوا الغطاء عنه، فلما شاهده قضي عجباً ثم استنشده فأنشد جعلت لعراف اليمامة حكمه الأبيات ولما علم الضجر من أهله، قال لهم احتملوني إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء.
فلما حل بها وجعل يسارق عفراء النظر في مظان مرورها، عاودته الصحة. فأقام كذلك إلى أن لقيه شخص من عذرة فسلم عليه. فلما أمسى دخل على زوج عفراء فقال له متى قدم هذا الكلب عليكم فقد فضحكم بكثرة ما يتشبب بكم فقال من قال عروة قال أنت أحق بما وصفته به والله ما علمت بقدومه وكان زوج عفراء موصوفاً بالسيادة ومحاسن الأخلاق في قومه. فلما أصبح جعل يتصفح الأمكنة حتى لقي عروة فعاتبه وأقسم بالمحرجات أنه لا ينزل إلا عنده فوعده ذلك، فذهب مطمئناً وأن عروة عزم أن لا يبيت الليل، وقد علم به فخرج فعاوده المرض فتوفي بوادي القرى، دون منازل قومه.
وقيل وصلها لرواية ابن العاص، قال استعملني عمر رضي الله عنه في جباية صدقات العذريين فبينما أنا يوماً بإزاء بيت إذ نظرت امرأة عند كسر البيت وإلى جانبها شخص لم تبق إلا رسومه فجلست أنظر إليه فتموج ساعة ثم خفق خفقة فارق الحياة فقلت لها من الرجل قالت عروة فقلت كأنه قضى فقالت نعم، ولما بلغ عفراء وفاته قالت لزوجها قد تعلم ما بينك وبيني وبين الرجل من الرحم وما عنده من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضي، قال ذلك إليك فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلاً ثم أنشدت:
ألا أيها الركب المحثون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعدك راحة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت انثى تماماً بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لابلغتم حيث وجهتم له ... وغصتم لذات كل طعام
وفي كتاب النزهة لابن داود أن ركباً شاهدوا موته، فلما قدموا الحي أنشد رجل منهم عند بيت عروة:
ألا أيها القصر المغفل أهله ... بحق نعينا عروة بن حزام
(1/59)

فجاوبته عفراء ألا أيها الركب هكذا بيتاً فبيتاً إلى أربعة والباقي لعفراء وهذا غير صحيح لأن القبر في طريقها قبل منازلهم. وفي هذه الرواية بدل قوله فلا لقي الفتيان، فلا هنىء الفتيان بعدك غادة. والأول ألطف وبدل فلا وضعت انثى. فقال للحبالى لا يرجين غائباً وفيه إضافة غير مناسبة إذ لا مناسبة بين الحمل والغيبة إلا بتأويل لا يليق بفصاحة العرب، ولما فرغت من شعرها ألق نفسها على القبر فحركت فوجدت ميتة وما قيل من أنها منعت المجيء إلى قبره ومن أنه كان في عهد عثمان أو معاوية وأن الذي شهده الحاكي أحدهما ومن أن عمر قال لو أدركتها لجمعت بينهما غير صحيح الرواية كما في النزهة نعم حمل قول عمر على الرؤية وتمسك من قال أن عفراء لم تزر قبره بقولها:
عداني أن أزورك يا خليلي ... معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ تويت اليوم لحداً ... فدور الناس كلهم اللحود
فلا طابت لي الدنيا فراقاً ... لبعدك لا يطيب لي العديد
ولما قضت دفنت إلى جانبه فنبت من القبرين شجرتان حتى إذا صارتا على حد قامة التفتا فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات وكثيراً ما أنشدت فيهما الناس فمن ذلك قول الشهاب محمود:
بالله يا سرحة الوادي إذا خطرت ... تلك المعاطف حيث الرند والغار
فعانقيهم عن الصب الكئيب فما ... على معانقة الأغصان انكار
وقول صاحب الأصل:
غصنان من دوحة طال ائتلافهما ... فيها فجالت صروف الدهر فافترقا
فصار ذا في يد تحويه ليس له ... منها براح وهذا في الغلاة لقا
حتى إذا ذويا يوماً وضمهما ... بعد التفرق بطن الأرض واتفقا
حنا على العهد في أرجائها فحنا ... كل على ألفه في الترب واعتنقا
قلت وبين هذين خلاف في اللفظ والمعنى ويحتمل رجوعه إلى خصوص وعموم مطلق فإن الأول أرق وأعذب وألطف ولكنه قاصر عن المراد وغير دال على خصوص المقام وفيه التكرار الذي عدته البلاغة عيباً فإن الرند والغار مترادفان وفيه عيب خفي إلا على الناقد فإنه لم يجعل المتعانقين المتحابين بل أمر السرحة يعني الشجرة أن تعانق تلك المعاطف يعني معاطف المعشوقة نيابة عن العاشق وعلل ذلك بالانكار على تعانق المتحابين وقد تظافرت كلمات المحبين باستسهال الذم في قضاء الوطر.
وأما الثاني فقد تضمن حكاية الحال مع حسن الاستعارة المكنية ودل على المقام ولكنه غير رقيق ولا خال عن السماجة. وتوفي عروة بن حزام على ما ذكر الذهبي في تاريخه في غلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة ورأيت في كتاب مجهول التأليف أن وفاته كانت لعشر يقين من شوال سنة ثمان وعشرين ومن محاسن شعره قصيدته التي على حرف النون فقد ضمنها حكاية حاله بألفاظ رقيقة ومعان أنيقة وهي هذه:
خليل من عليا هلال بن عامر ... بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الأجر عندي واجعلا ... فإنكما بي اليوم مبتليان
ألم تعلما أن ليس بالمرج كله ... أخ وصديق خالص فذراني
أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعيني إنساناً هما غرقان
وعيناي ما وافيت نشر فتنظرا ... بما فيهما إلا هما تكفان
ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر البلقاء ثم دعاني
على جسرة الأصلاب ناجية السرى ... تقطع عرض البيد بالوخدان
ألماً على عفراء إنكما غدا ... بشحط النوى والبين مفترقان
فيا واشي عفراء ويحكما بمن ... وما والي من جئتما نشيان
بمن لو أراه غائباً لفديته ... ومن لو رآني عائباً لفداني
فيا واشي عفرا دعاني ونظرة ... تقر بها عيناي ثم زماني
أغركما مني قميص لبسته ... جديداً وبرد أيمنة زهياني
متى تكشفا عني القميص تبينا ... بي الضرر من عفراء يا فتيان
(1/60)

إذا تريا لحماً قليلاً وأعظماً ... بلين وقلباً دائم الرجفان
على كبدي من حب عفراء قرحة ... وعينان من وجدي بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني
أحب ابنة العذري حباً وإن نأت ... ودانيت فيها غير ما متداني
إذا رام قلبي هجرها حول دونه ... شفيعان من قلبي لها جدلان
إذا قلت قالا بلى ثم أصبحا ... جميعاً على الرأي الذي يريان
فيا رب أنت المستعان على الذي ... تحملت من عفراء منذ زمان
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس والانعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة ... ويرعاها ربي فلا يريان
فيا ليت محيانا جميعاً وليتنا ... إذا نحن متنا ضمنا كفنان
ويا ليت أنا الدهر في غير ريبة ... خليان نرعى القصر مؤتلفان
هواي أمامي ليس خلفي معرج ... وشوق قلوصي في الغدو يماني
هواي عراقي وثنى زمامها ... لبرق إذا لاح النجوم يماني
متى تجمعي شوقي وشوقك تطلعي ... ومالك بالعبء الثقيل يدان
يقول لي الأصحاب إذ يعدلونني ... أشوق عراقي وأنت يماني
تحملت من عفراء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان
كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعرّاف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفيان
فقالا نعم تشفى من الداء كله ... وقاما مع العوّاد يبتدران
نعم وبلى قالا متى كنت هكذا ... ليستخبراني قلت منذ زمان
فما تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا وقد سقياني
وما شفيا الداء الذي بي كله ... ولا ادّخر نصحاً ولا ألواني
فقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان
فرحت من العراف تسقط عمتي ... عن الرأس ما التائها ببنان
معي صاحباً صدق إذا ملت ميلة ... وكانا بجنبي سرعة عدلاني
فيا عم إذا العذر لا زلت مبتلى ... حليفاً لهم لازم وهوان
غدرت وكان الغدر منك سجية ... فألزمت قلبي دائم الخفقان
وأورثتني غماً وكرباً وحسرة ... وأورثت عيني دائم الهملان
فلا زلت ذا شوق إلى هويته ... وقلبك مقسوماً بكل مكان
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ... وعفراء يوم الحشر ملتقيان
ألا يا غرابي دمنة الدار بيننا ... أبالهجر من عفراء تنتحبان
فإن كان حقاً ما تقولان فاذهبا ... بلحمي إلى وكريكما فكلاني
كلاني أكلا لم ير الناس مثله ... ولا تهضما جنبي وازدرداني
ولا تعلمان الناس ما كان قصتي ... ولا يأكلنّ الطير ما تذراني
ألا لعن الله الوشاة وقولهم ... فلانة أضحت خلة لفلان
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه ... تواشوا بنا حتى أمل مكاني
تكنفني الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني
ولو كان واش باليمامة أرضه ... أحاذره من شؤمه لأتاني
يكلفني عمي ثمانين ناقة ... ومالي والرحمن غير ثمان
فوالله ما حدّثت سرك صاحباً ... ضحى وقلوصانا بنا تخدان
ضحينا ومستنا جنوب ضعيفة ... نسيم لرياها بنا خفقان
تحملت زفرات الضحى فأطقتها ... ومالي بزفرات العشيّ يدان
فيا عم لا سقيت من ذي قرابة ... بلالاً فقد زلت بك القدمان
ومنيتني عفراء حتى رجوتها ... وشاع الذي منيت كل مكاني
(1/61)

فوالله لولا حب عفراء ما التقى ... عليّ رواقاً بيتك الخلقان
رواقان خفاقان لا خير فيهما ... إذا هبت الأرواح يصطفقان
ولم أتبع الأظعان في رونق الض ... حى ورحلي على نهاضة الخديان
لعفراء إذ في الدهر والناس غرة ... إذا خلقان بالصبي يسراني
لادنو من بيضاء خفاقة الحشى ... بنية ذي قارورة شنآن
كان وشاحيها إذا ما ارتدتهما ... وقامت عناناً مهرة سلسان
وليس بأبدان لها ملتقاها ... ومتناهماً رخوان يضطربان
وتحتيهما حقفان قد أذقتني ... وحزن ألح العين بالهملان
وعينان ما وافيت نشراً فتن ... ظراً بمأقيها الا هما تكفان
فهل حاد يا عفراء إن خفت فوتها ... عليّ إذا ناديت مرعويان
ضروبان للتالي القطوف إذا ولى ... بسيحان من يعصي به حذران
فما لكما من حاديين كسيتما ... سرابيل مغلاه من القطران
وما لكما من حاديين رميتما ... بحمى وطاعون ألا تقفان
فويلي على عفراء ويلاً كأنه ... على الكبد والأحشاء حدّ سنان
ألا حبذا من حب عفراء ملتقى ... نعم وإلا لا حيث يلتقيان
لو أن أشد الناس وجداً ومثله ... من الجن بعد الانس يلتقيان
ويشتكيان الوجد ثمة اشتكي ... لا ضعف وجدي فوق ما يجدان
فقد تركتني ما أعى لمحدّث ... حديثاً وإن ناجيته ونجاني
وقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح غراب دائم الخفقان
قوله خليلي، خطاب بالنداء محذوف الأداة وليس بشرط أن يكونا وجوديين، فقد جرت عادة العرب بذلك، حتى قيل إنهم وإن خاطبوا الواحد جعلوا الصيغة لاثنين، أما ليجري مجرى التأكيد أو أنهم يطلبون التعظيم أو أنهما أقل الرفقة.
وقوله إلى حاضر البلقاء يريد المكان الذي كانت به كما سبق في الحكاية ويروي إلى حاضر الروحاء موضع بالبلقاء من طرف حوران وقوله حسرة الاصلاب صفة مشبهة كناية عن العجلة التي لم تدعه يشد كور الناقة ويروي نواخة السرى وموارة أي عجلة تبلغ المآرب وقوله بمن لو أراه البيت كناية عن الاتحاد وشدة المحبة حتى لم يقع تأثير بينهما من نقل شيء وقوله متى تكشفا.
روى بدله متى ترفعا، والأول أبلغ لاخصيته ولزوم رؤية البدن منه، وقوله إذا تريا جواب متى وروى بدله تعرفاً، والأول ألطف. وقوله كأن قطاة البيت قد أخذه المجنون حيث قال:
قطاة غرها شرك فباتت
البيت وهذا من السرقات العامة التي تتفاوت بحسن الاختلاس والتظرف ومعنى هذا أنه شبه كبده في شدة خفقاته من هياج نار العشق بقطاة علقت بجناح واحد وجعلت ترفرف بالآخر طلب الخلاص.
وأما المجنون فقد تظرف ثم بالغ لأنه جعل القلب هو القطاة بعينها وجعل المعلق هو الشرك واعلم أن ابن الأثير ألف كتاباً بأسماء أعمدة المعاني للمنثور والمنظوم ذكر فيه من اقترح معنى ومن سرق منه وزاد عليه فقال في هذا الموضع أن المجنون تظرف حيث أسند الخفقان إلى القلب والتعليق إلى الشرك وأما أنا فأقول إن قول عروة أبلغ لأن الكبد ليس من شأنه الحركة ولا الخفقان كما هو دأب القلب فإسناد الخفقان الناشىء عن العشق إليه أبلغ ولأن حركته تستلزم حركة القلب دون العكس ولا يساوي هذا المعنى كون محل التعقل ومسكن المحبوب كما في كلماتهم إذا الملحوظ حينئذ الروح الحيواني قوله عراف اليمامة قد سبقت قصته والعراف في الأصل الكاهن واستعمله هنا على الطبيب لاتحادهما لغة وما الثأتها يعني ما رددتها وهي كناية عن شدة المرض، وعمه المدعو عليه هو أبو عفراء وقد عرفت عذرهن وقوله فلو أن واش باليمامة قد استعاره المجنون حيث قال:
ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت أتانيا
وهي سرقة شنيعة مذمومة وهو هنا أظرف وأبلغ من حيث الايهام لأن قوله أحاذره من شؤمه يحتمل أن يكون بأقصى فارس وهذا هو اللائق بالمبالغة. وأما حضرموت واليمامة فكلاهما في إقليم واحد فلا يعظم مجيء الواشي.
(1/62)

أخبار عبد الله بن عجلان وصاحبته هند
هو عبد الله بن عجلان بن عبد الأحب بن عامر بن كعب يتصل بقضاعة وهو فخذ من بني الحريش وسعد افترقوا من قضاعة على ما ذكر في الأنساب أربعون فخذاً.
وفي النزهة أنه عذري وليس كذلك، ولكن بينه وبينهم حيث لا ترمي العصا وذلك دون خمس جدود وقال في كتاب الأنساب كانت العرب تعد الرجل منها ما لم يفارقهم بخمس بطون فإذا بلغ ذلك، قالوا قطع النسب، ورميت العصا وكان عبد الله هذا يكنى أبا عمرة وهو شاعر مفلق وناطق مزلق رقيق أديب قال في بلغة الاشفاق في ذكر أيام العشاق وهو جزء لطيف لابن رشيق موضوعه ذكر مدة العشاق في العشق أن عبد الله هذا أقل العشاق أياماً، عاش مكابد المحبة وغصة العشق ثلاثين سنة وهو جاهل يضرب به المثل كما ضرب بعروة فما قيل فيه قول قيس:
فما وجدت وجدي بها أم واحد ... ولا وجد النهدي وجدي على هند
ولا وجد العذري عروة في الهوى ... كوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي
فقوله النهدي إشارة إلى ابن عجلان هذا وقد سماه عمراً في أبيات سبقت في قصته وقوله على هند متعلق بوجدي فليحذر من فهم صاحب النزهة وقول البحتري:
هوى لا جميل في بثينة ناله ... بمثلي ولا عبد بن عجلان في هند
وهند هي بنت كعب بن عمرو بن ليث النهدي يتصل مع عبد الله في النسب قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها، أنه خرج يوماً إلى شعب من نجد ينشد ضالة فشارف ماء يقال له نهر غسان وكانت بنات العرب تقصده فتخلع ثيابها وتغتسل فيه.
فلما علا ربوة تشرف على النهر المذكور ورآهن على تلك الحالة، فمكث ينظر إليهن مستخفياً فصعدن حتى بقيت هند، وكانت طويلة الشعر فأخذت تمشطه وتسبله على بدنها وهو يتأمل شفوف بياض جسمها من خلال سواد الشعر، ونهض ليركب راحلته فعجز، وأقعد ساعة وكان يقال عنه قبل ذلك أن العرب كانت تصف له ثلاث رواحل قائمة فيحلقها ويركب الرابعة فعند ذلك داخله من الحب ما أعجزه وعطل حركاته فأنشد فوراً:
لقد كنت ذا بأس شديد وهمة ... إذا شئت لمساً للثريا لمستها
أتتنى سهام من لحاظ فأرشقت ... بقلبي ولو أستطيع ردّ أرددتها
ثم قال هذه والله الضالة التي لا ترد ثم عاد وقد تمكن الهوى منه فأخبر صديقاً له، فقال اكتم ما بك واخطبها إلى أبيها فإنه يزوجك بها وإن أشهرت عشقها حرمتها ففعل وخطبها فأجيب وتزوج بها وأقاما على أحسن حال، وأنعم بال لا يزاد فيها إلا غراماً فمضى عليهما ثمان سنين وأنها أقامت على ذلك تحمل، وكان أبوه ذا ثروة ليس له غيره فأقسم عليه أن يتزوج غيرها ليولد له ولد لحفظ النسب والمال فعرض عليها ذلك فأبت أن تكون مع أخرى فعاود أباه فأمره بطلاقها فأبى فألح عليه وهو لم يجب إلى أن بلغه يوماً أن عبد الله قد تمكن السكر منه فعدها فرصة وأرسل إليه يدعوه، وقد جلس مع أكابر الحي فمنعته هند وقالت والله لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران فيريد أن يعرض عليك الطلاق ولئن فعلت لمت وأظن أنك فاعل.
قال في النزهة وكان قد خلى على هند قبل ذلك اليوم عجوز كاهنة تضرب الحصا وأخبرت هند أنها ستطلق، فأبي عبد الله إلا الخروج فجاذبته ويدها مخلقة بالزعفران فأثرت في ثوبه. فلما جلس مع أبيه وقد عرف أكابر العرب حاله فأقبلوا يعنفونه ويتناوشونه من كل مكان حتى استحى فطلقها، فلما سمعت بذلك احتجبت عنه فوجد وجداً كد أن يقضي معه وأنشد:
طلقت هنداً طائعاً ... فندمت بعد فراقها
فالعين يذرف دمعها ... كالدر من آماقها
متحلباً فوق الردا ... فتجول في رقراقها
خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها
ولقد ألذ حديثها ... وأسر عند عناقها
إن كنت ساقية ببز ... ل الأدم أو بحقاقها
فاسقي بني نهد إذا ... شربوا خيار زقاقها
فالخيل تعلم أحلق ... ها غداة لحاقها
بأسنة زرق منحن الق ... وم حد رقاقها
حتى ترى قصد القنا ... والبيض في أعناقها
(1/63)

ولم يزل شوقه ينمو ووجده يسمو حتى لزم الوساد، وتوفي على ما ذكر في النزهة قبل عام الفيل بأربعة أعوام، وكان سبب وفاته على الأصح أنه قصد هنداً وقد تزوجت في نمير وهي قبيلة من عامر، وكان بينهم وبين بني نهد ثارات ودماء كثيرة، فحذره أبوه من ذلك ومناه الاجتماع بعكاظ في الأشهر الحرم حيث تكف الجاهلية عن الحرب.
فأبى وخرج سراً حتى أتاها، فرآها جالسة على حوض وزوجها يسقي إبلاً له، فلما تعارفا شد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتى اعتنقا وسقطا إلى الأرض. فجاء زوجها فوجدهما ميتين.
وقيل أن عجوزاً دخلت عليه في مرضه فأخبرتهم أنه عاشق وأن يطبخوا له شاة ويرفعوا قلبها ويقدموها إليه، ففعلوا فجعل يحاولها بضعة بضعة فقال أما لشاتكم قلب فقال له أخوه أعاشق أنت ولم تدر، فتأوه ومات. وقيل رأى زوج هند يطوف وعليه ثوب فيه كف كالذي في ثوبه، حين جاذبته فمات، وقيل أنه ترنم بهذه الأبيات يوماً ومد بها صوته فمات وهي:
ألا أن هند أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
فأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوساً وأسهما
وقيل أن هذه الأبيات لمسافر بن عمرو أنشدها حين ولع بهند بنت عتبة وأراد زواجها، فخرج إلى النعمان بن المنذر بالحيرة ليطلب مهرها، وقيل أنها حملت منه فخرج هارباً، وأصابه من عشقها مرض كبر معه فاستحضر له النعمان أطباء العرب فأجمعوا على كيه فكوي وبرىء، فقدم أبو سفيان أو هو غيره فسأله عن مكة.
فلما انتهى إلى زواج هند شهق فمات، وقيل خرج فمات في الطريق، وقيل هي يعني الأبيات للمغيرة في أسماء النهشلية والصحيح أن أبيات المغيرة هي:
تحدثنا أسماء أن سوف نلتقي ... أحاديث طسم إنما كنت حالما
ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً ... وأصبحت من أدن حموّتها حما
ولابن عجلان أشعار كثيرة من محاسنها قوله:
قد طال شوقي وعاد لي طربي ... من ذكر خود كريمة الحسب
غرّاء مثل الهلال صورتها ... أو مثل تمثال صورة الذهب
ومنها:
ألا بلغا هنداً سلامي وإن نأت ... فنلبي منشطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم من أهل الديار تطوّف
أتت بين أتراب تمايسن إذ مشت ... دبيب القطا أوهن منهن ألطف
يباركن مرات خلياً وداده ... ذكياً وبالأيدي مدال ومسوف
أشارت إلينا في حياء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقال تباعد يا ابن عم فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعنف
ومنها:
خليلي زورا قبل شحط النوى هنداً ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغياً يلاقي في التعجل أم رشدا
ومر عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
أخبار ذي الرمة وصاحبته مي
هو غيلان بن معدي بن عمرو الكناني القحطاني أو هو سعدي وقيل إبن عقبة بن يهوس ابن ربيعة يتصل من عبد مناف بالياس بن مضر وهو الأصح أديب شاعر رقيق النظام جزل الكلام وافر الحظ من الفصاحة والشعر ورقة المزاج خبير بأحوال العشق والرمة بالضم وتكسر قطعة حبل تجعل في عنق البعير ووهب طريف بن غطفان بعير الشخص بالحبل الذي في عنقه فقيل أعطاه برمته فضرب مثلاً لمن يعطي الشيء جميعه وبالكسر العظام البالية، وسمي بذلك لأنه كان كثيراً ما يجعل في عنقه أو على عاتقه الحبل أو أنه سمي بذلك لشدة نحوله في العشق.
ومي هي بنت طلابة بن قيس بن عاصم الغساني أحد ملوك العرب ووالده قيس نظير المنذر بن ماء السماء كان ذا حظ في الملك تميل إليه العرب ويعطي القياد حتى ضربت به الأمثال، قال طرفة بن العبد بعد اشتكاء سوء حظه: ولو شاء ربي كنت قيس بن عاصم. يعني في ارتفاع الجد وسعة الملك قال في النزهة وكان ذو الرمة لطيف المنظر حسن الهيئة طويلاً إلى رقة وبياض واسع الصدر عجل المشية.
(1/64)

وكانت مي جارية إلى القصر ما هي سمراء بدينة إلا أن في كلامها عذوبة وفي طرفها تغزل. قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها أنه مر يوماً بالحي وقد أدركه الأوام فنظر إلى بيت قد شرع رواقه وارتفعت أطباقه وعلا عموده وأطنابه ومدت أوتاده وأسبابه، فقصده حتى وقف بإزائه، وذا هو بامرأة تتمشط حاسرة الرأس وقد أسبلت شعرها كأنه عثاكيل النخل، ووجهها يشف من خلاله فناداها هل من اداوة تبرد الغليل، فأبرزت إليه ماء قد شيب بلبن، فشرب ثم ناشدته الراحة، وقدمت إليه طعاماً فأكل ولم تزل تنادمه وهو يعجب بها ويحترك لها قلبه إلى أن انصرف بعد بياض النهر وقد علق من قلبه بحبها الأعج عجز عن إطفائه وغرام كل عن إخفائه فجعل يعاودها الزيارة، فقيل له في تقليل ذلك وأن بلادها بعيدة عن بلاده وأن ذلك يوجب له نصباً ومشقة فأنشد:
وكنت إذا ما جئت مياً أزورها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وجلس قوم يتحادثون فأفضوا إلى حديث ذي الرمة وفيهم عقبة بن مالك الفزاري وهو يومئذ شيخ قد جاوز المائة فقال منى خذوا خبره أتاني يوماً، فقال إن حي مية خلوف فهل تسعدني في الزيارة فركبنا حتى أتيناها، فلما نظر النساء إلى ذي الرمه عرفنه فجئن حتى جلس عنده وتفاوضوا في الحديث فقالت ظريفة من النساء أسمعنا يا ذا الرمة ما قلت فالتفت إلي وقال لي قل فأنشدت قوله:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
فلما انتهيت إلى قوله:
نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتم ... بمغرورق نمت عليه سواكبه
بكى وامق حال الفراق ولم تخل ... حوائلها أسراره ومعاتبه
هو الالف قد حان الفراق ولم تحل ... مخاولها أسراره ومقانبه
قال الظريفة لكن اليوم فلتحل ثم مضيت فلما انتهيت إلى قوله:
وقد حلفت الله مية ما الذي ... أحدثها إلا الذين أنا كاذبه
إذاً فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
قالت مي ويحك يا ذا الرمة خف عواقب الله عز وجل ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله:
إذا سرحت من حب مي سوارح ... على القلب أمته جميعاً غواربه
فقالت الظريفة قتلته قتلتك الله، فقالت مية ما أصحه وهنيئاً له قال فتنفس ذو الرمة تنفيسة كاد حرها يذهب بلحيته ثم مضيب حتى انتهت إلى قوله:
إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضى الدرع سالبه
فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومرحوق تعالى شاربه
وفي رواية القالي إذا راجعتك بدل إذا نازعتك فقالت الظريفة هذا القول قد تتوزع والوجه بدافن لنا بان ينضى الدرع سالبه فقالت مي ماذا تريدين وتضاحكا فقالت الظريفة إن لهذين لشأناً فقم بنا فقمت وجلست بحيث أراهما فتعاتبا طويلاً ولن يبرح من هكانه ولم أسمع منهما غير أن قالت كذبت والله لم أعلم علام كذبته ثم جاءني ومعه قارورة دهن قد اتحفته بها فقال لي شأنك وهي ثم قال وهذا قلائد قد أعطتنيها فوالله لا قلدتها بعيراً وعقدها في سيفه وانصرفنا، فلما ظعن الحي جاءني فقال امض بنا نودع الآثار فجئنا حتى وقفنا على أطلال مية فأنشد:
ألا فاسلمي يا دارمي على البلا ... ولا زال منها بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر
وانفضحت عيناه بالعبرة فقلت مه فقال إني جلد وإن كان مني ما ترى ثم انصرفنا فوالله ما رأيت أشد صبابة ولا أحسن صبراً منه وكان آخر العهد به وله أشعار كثيرة فمن ألطفها القصيدة الحائية التي أولها:
أمنزلتي مي سلام عليكما ... على النأي والنأي بودّ وينصح
ومنها:
ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتنصح
من المؤلفات الرمل أدماً بحرّة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح
رأينا كأنا عامدون لصيدها ... ضحى فهي تنبو تارة وتزحزح
(1/65)

هي الشبه اعطافاً وجيداً ومقلة ... ومية أبهى بعد منها وأملح
ومنها:
على حين راهقت الثلاثين وارعوت ... لذاتي فكد الحلم بالجهل يرجح
إذا خطرت من ذكر مية خطرة ... على القلب كادت في فؤادي تجرح
تصرف أهوى القلب مني ولا أرى ... نصيبك من قلبي لغيرك يمنح
فبعض الهوى بالهجر يمحي فينمحي ... وحبك عندي يستجد ويرجح
ولما شكوت الحب كيما تثيبني ... بوجدي قالت إنما أنت تمزح
بعاداً وادلالاً علي وقد رأت ... ضمير الهوى قد كاد بالجسم يبرح
لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ذكراك فالموت أروح
ومنها:
خليلي عدا حاجتي من هواكما ... ومن ذا يواسي النفس إلا خليلها
ألما بمي قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحاً أو قبل بين يزيلها
وإن لم يكن إلا تعلل ساعة ... قليلاً فإني نافع لي قليلها
ومنها:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بمجهود حزوي فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي وحيّ البلابل
ومنها:
ولما تلاقينا جرت من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطاً من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع
ومنها:
إذا هبت الأرياح من نحو جانب ... به آل مي زاد قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
أخبار مالك وصاحبته جنوب
هو مالك بن الحرث بن الصمصامة بن أخرش الجعدي من بني أخرش أخو ذي الرمة قال في الأنساب هم أكبر فخذ من قحطان ولم يعقب أخو ذي الرمة غيره وغير مسعود وهمام وهم قبائل معروفة.
وكان مالك شجاعاً جلداً نجدة ولكنه مات بالعشق على نحو ثمان وعشرين من عمره.
وجنوب هي بنت قيس بن أصبغ بن محصن بن أخرش الجعدي، علقها شابين وسبب ذلك أنه جاء يوماً إلى أخيها الأصبغ يسترفقه إلى حي من كنانة لحاجة عرضت لمالك عندهم لما بينهم من الصحبة والقرابة فرأى جنوب وقد ألقت ما عليها خلاسب أخضر شفاف فرآها على بغتة فوقعت من قلبه فعاد وقد تمكن حبها منه فأفضى بذلك إلى رجل من أصحابه فوشى به إلى أخيها، وكان معروفاً بالشجاعة فحلف ليقتلنه إن تيقن ذلك فمضها يوماً مجلس وقد قبلت جنوب فلم يستطع أن يكلمها وأخذته رعدة فضمه شخص إلى صدره، وفطن الأصبغ فقام خجلاً وبقي مالك مغشياً عليه، فلما أفاق أنشد:
خليلي إن حانت وفاتي فادفنا ... برابية بين المقابر فالنفر
لكيما تقول العبدلية كلما ... رأت جدثي سقيت يا قبر من قبر
وفي النزهة فادفنا عظامي ما بين الربية فالنفر. قال والربية طريق بين نجد وتهامة تسلكه العرب، والنفر تربة مشهورة. وهذه الرواية أصح وأنسب بالمعنى، وفيها بدل سقيت حييت ثم إن العرب نجعوا نجعة وسيمة يعني مكاناً أمطر وأعشب سابقاً، فوقف مالك يتصفح الظعن متخفياً حتى مرت جنوب فأخذ بطام بعيرها وأنشد:
رأيتك إن أزمعتم اليوم نية ... وغالك مصطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذي ... إذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت ثم قالت أرعى والله ولا تهون عندي ودائعه فأطلقها ومضى في نشيده يقول:
ألا إن ورداً دونه قلة الحمى ... مني النفس لو كانت تنال شرائعه
فلا أنا فيما صدني عنه طامع ... ولا ارتجى وصل الذي هو قاطعه
وكيف ومن دون الورد عوائق ... وأجنح حال ما أحب ومانعه
ثم انصرف فبات ليلة قلقاً، فلما أصبح ركب وضرب الفضاء لينزه نفسه فبينما هو على ماء يستريح إذ سمع شخصاً يشتكي إلى شخص ثقل رأسة وقلة سمعه فقال له منذ كم أصابك قال من أمس، فقال هذا من الهواء الذي كان بارحة أمس فإنه جنوب وهواء الجنوب ضار.
فلما طرق الكلام رأسه قال أي والله ولا أضر من هواها أجد وسقط كالمصروع فجاؤوا إليه واحتملوه بعد أن قارب الفراق، ثم مضوا به إلى الحي فقام ليلتين ثم قضى.
(1/66)

وفي النزهة أنهم دعوا له طبيباً فلما أبصره أنكر حاله فدعا بشراب وسقاه، فلما تمكن منه أنشد:
خليلي إن العبدلية أزمعت ... على الصد والهجران فاستدينا عنسي
فلا صبر لي بعد الفراق على الجفا ... ولا راحة إلا التوسد في رمسي
فصبر محب عن حبيب يحبه ... نحال وهل جسم يعيش بلا نفس
ثم شهق شهقة خرجت نفسه، قلت وهذه الأبيات قد ثقلتها من جزء لطيف سماه صاحبه جلاء الأذهان في منتخب شعر قتلى الحسان.
وفي النزهة نقله عن ذي الرمة، ورواه بلفظ أن المنقرية يعني مية، وفي لطائف الفوائد وظرائف الشوارد لابن عبد ربه، أن مالكاً هذا لما قضى اتصل نعيه بجنوب وقد قدم إليها لبن، فلما امتصته ووقع الكلام في أذنها اضطربت خفيفاً، ثم اضطجعت فإذا هي ميتة.
أخبار عبد الله بن علقمة وصاحبته حبيش
هو عبد الله بن علقمة بن زرارة من قحطان.
وصاحبته حبيش بنت سعد بن أسلم من خريمة قبيلة من اليمن، ولم يذكره في النزهة ولكني رأيت في ظرائف الأخبار أن سبب اعتلاقه بها أنه أضاف أهلها، فأجلسوه في متحدث لهم، فخرجت حبيش وعلى وجهها سب أخضر فوقفت تحلب ناقة وهو ينظر، فضرب الهواء السب فكشف وجهها ويديها وكانت طويلة إلى الرقة واسعة الصدر كان وجهها البدر، فلما عاينها غاب عن حسه ساعة ثم عاوده الشعور فسكت خيفة أن يظهروا على حالة، ثم جاءت إليه باللبن ليشرب، فلما تناوله ارتعد حتى سقط من يده ففطنت لما به، وكان شاباً كأن القمر فداخلها ما داخله ولم يكونا متقاربين في المنزل لأنهما من فخذين فافترقا على ما داخلهما من الهوى.
وإن الغلام أرسل أمه بهدية إليها وتبعها وأقاما عدها فلم يزل كذلك يذهب مع أمه ويعود إليها أياماً، وكان في أوائل الهجرة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى جذيمة وعليهم خالد بن الوليد فصادفوا العرب ظاعنين، ورأوا عبد الله وراء القوم يسوق قلوصاً له، فأمسكوه وعرضوا عليه الاسلام فقال وما هو، فقالوا كذا وكذا. فقال أرأيتم إن أنا لم أسلم فما أنتم صانعون قالوا نضرب عنقك. فقال هل لكم أن تتركوني أمضي إلى الظعن. قالوا بلى ونحن في أثرك. فمضى يتصفح الهوادج حتى وقف على هودج حبيش، فناداها أسلمي، فقد نفد العيش.
وفي رواية انقطع فقالت حبيش أو أسلم عشراً أو تسعاً وتراً أو ثماناً أو ثلاثاً تتراً على الخلاف في السيرة والمستدرك والتهذيب ثم أنشد:
أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... ببرزة أو أدركتم بالخوانق
أما كان حقاً أن ينوّل عاشق ... تكلف ادلاج السرى والودائق
فإني لا سر لدي أضعته ... ولا راق عيني بعد وجهك رائق
على أن ما ناب العشيرة شاغل ... ولا ذكر إلا أن يكون توامق
فها أنا ما سور لديك مكبل ... وما أن رآني بعدها اليوم ناطق
فأجابته:
أرى لك أسباباً أظنك مخرجاً ... بها النفس من جنبي والروح زاهق
فأجابها:
فإن يقتلوني يا حبشي فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلة الصدر
فأنت التي قفلت جلدي على دمي ... وعظمي وأسبلت الدموع على النحر
فأجابته:
ونحن بكينا من فراقك مرة ... وأخرى وقاسينا لك العسر باليسر
فأنت ولا تبعد فنعم أخو الندى ... جميل المحيا في المروأة والبشر
وفي رواية بعد قوله تكلف ادلاج السرى والودائق:
فلا ذنب لي قد قلت أنا هنا معاً ... أثيبي بود قبل أخذ الصفائق
أثيبي بود قبل أن يشحط النوى ... وتنأى الليالي بالحبيب المفارق
ثم ضربه غلام فأطار يده وقدم فشربت عنقه، وقيل أوثقوه أولاً حين أدركوه، وأنه رأى رجلاً منهم فقال له أما تستطيع أن تعرضني على النساء قبل أن تقتلوني، فقال سهل ما طلبت وعلى كلا الأحوال أنهم قتلوه وأنها نزلت حين رأت ذلك فقبلته وشهقت شهقة أو شهقتين فماتت.
(1/67)

ولما أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال أما كان فيكم رجل رحيم. وفي نديم المسامرة للمقدسي أن عبد الله هذان حين فشا أمره مع حبيش قالوا لأمه إن ولدك قد تولع بهذه وليست من حيلكم فاعرضي عليه نساءكم لعله يشتغل بواحدة منهن عنها، ففعلت فقيل له ما ترى فيهن قال حسناً وجمالاً، فقيل أيما أحسن هن أم حبيش فتنفس الصعداء ثم قال ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كالسعدان فمضى مثلاً في العرب.
أخبار نصيب وصاحبته زينب
هو ابن محجن نصيب بضم النون وفتح الصاد المهملة الشهير بالشاعر الزنجي مولى راشد ابن عبد العزى من كنانة.
وصاحبته أم بكر زينب بنت صفوان بن غاوي كنانية في الأصح وليست زنجية كما زعم وسبب الوصلة بينهما.
أن نصيباً كان يرعى ابلاً لمولاه وكانت رعاة مولاه تخالط رعاة صفوان، في المبروك بوادي البوار، وكانت زينب تأتي رعاة أبيها فتأخذ لبناً، وأن نصيباً تولع ببري القسي واراشة السهام وحجز الأوتار فبرع في ذلك حتى اشتهر في أحياء العرب، وكان يجلس لفعل ذلك وتذهب الرعاة فتقوم عنه بالخدمة وتتخلف الحلوب من النوق في المعاطن فتأتي زينب وهي جارية صغيرة فتأخذ اللبن، فينظرها وكان حاذقاً حسن التأمل في دقائق المحاسن ولطائف الشمائل، وهي من ذلك في أرفع المراتب، فنشأ عنده من حبها ما غير باله، وأشغل حاله فشبب بها وفشا ذلك فأتت العرب مولاه فقالت إن عبدك هذا قد برع في الشعر، ونخشى أن يهجو أحدنا ويشبب بنسائنا، وليس لنا في أحد الخليتين سيرة، فقال له مولاه إني بائعك فانظر لنفسك، فأقبل حتى دخل على الأمير وهو يومئذ عبد العزيز بن مروان فأنشد:
لعبد العزيز على عترته ... وغيرهم منن ظاهره
فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرين ... من الأم بالابنة الزائره
وكفك حين تري السائلين ... لأثرى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناء ... بكل محبرة سائره
فأمر له بألف دينار. فقال أصلحك الله إني عبد لا آخذ الجوائز ولكن أباع فقال لخادمه امض به إلى باب الجامع فإذا انتهت الرغبات فيه فأخبرني فمضى فلما نودي عليه بذل فيه شخص خمسين ديناراً فقال نصيب قولوا يحسن كذا وجعل يعدد صنائعه وهو يوفي بها حتى انتهى إلى ألف دينار.
فأخذه الأمير فكان في خدمته إلى أن توفي فأوصى به سليمان بعد أن أعتقه على ما ذكر بعض المعتنين بذكر محاسن الحبش والزنج، فكان من أكبر سماره وكان يلهج بالعشق وقال ابن فاتك في محاسن العبيد.
أن سليمان استخفى ليلة فسمع نصيباً وقد استخلي بنفسه يبكي ويقول متمثلاً بكلام المجنون قضاها لغيري البيت فاستحضره فقال ما هذه التي قضاها لغيرك وابتلاك بحبها أو عاشق أنت. قال أي والله جعلت فداك من العشق فقال ولمن قال لجارية في كنانة علقتها فمنعت منها القلة حسبي وحقارة نسبي عند العرب فكنت أجلس في ممرها لأخالسها النظر وفي ذلك أقول:
جلست لها كيما تمرّ لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلم
فلما رأتني والوشاة تحذرت ... مدامعها خوفاً ولم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري ... حياة جميع العاشقين بدرهم
فوعده سليمان بتزويجها. ففي النزهة ومحاسن العبيد لابن فاتك أنه زوجه بها وأقام معها وأنها توفيت عنده في خلافة سليمان.
وقيل أنه تزوج بها على يد اليزيد بن الوليد وما ذكره هنا من أن يزيد استخبره عل عشقت فقال نعم عشقت جارية حمراء يعني من البيض ومنعت منها مدة فلما توفي من كان يمنعها كتبت إليها:
فإن أك حالكاً فالمسك لوني ... وما لسواد جلدي من دواء
وبي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض عن جوّ السماء
ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلي لا يردّ عن النساء
فإن ترضى فردّى قول راض ... وإن تأبى فنحن على السواء
(1/68)

فقالت المال والعقل يغطيان غيرهما لو تزوجتني يدل على أن ليس ليزيد في تزويجها شيء. وقيل أنه تزوجها على يد ابن أبي عتيق. وفي تسريح النواظر أنه لم يتزوجها وأنها اعتذرت حين أرسل إليها بأن العرب تعيرها بزواج الزنجي والمتواتر خلاف ذلك أخبر التنوخي والتوزي كلاهما عن ابن الجزار بسنده إلى العتبي.
قال شهدت هوادج مزينة حين نزلنا إلى مكة، فلما نزل الحاج خرج من أعظمها هودجاً امرأة وقد مهد له مهاد فجلست وأقبل زنجي حتى جلس إلى جانبها فمر سائق ابل وهو يقول:
بزينب ألمم قبل أن يدخل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب
فوثبت المرأة فضربت الذي إلى جانبها وقالت قد فضحتنا فسألنا عنهما فقيل هي زينب وهو نصيب ونحو هذا عن الزبير عن الخزامي وعن ابن خلف وابن الجوهري في أخبار السودان وكل يصف المرأة بالبياض ما عدا الأول فإنه قال إنها زنجية.
وعن ابن خلف من طريق آخر بيننا نحن في الركب إذا بزنجي يمشي وإلى جانبه امرأة كأنها البدر والمسك يسطع منهما فقالت له من أنت قال أنا الذي أقول:
ألا ليت شعري ما الذي هو حادث ... غدا غربة النأي المفرّق والبعد
لدى أم بكر حين يقذفها النوى ... بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي
أتصر مني عند الذين هم العدا ... فتشمتهم بي أم تدوم على العهد
فصاحت المرأة لا والله بل ندوم على العهد، وتوفي نصيب سنة ثلاث عشرة ومائة وقيل إحدى عشر. وفي كتاب ابن الجوهري كانت وفاته تاسع شوال من السنة المذكورة، وقيل توفيت قبله ورؤي باكياً عليها وهو يقول:
أيا دهر ما هذا لنا منك مرة ... عثرت فأقصيت الحبيب المحببا
وأبدلتني من لا أحب دنوّه ... وأسقيتني صاباً من العذب مشربا
ومن لطائف شعره:
كسيت ولم أملك سواداً وتحته ... قميص من الصوهيّ بيض بنائقه
وما ضرّ أثوابي سواد وإنني ... لكالمسك لا يخلو عن المسك ناشقه
ولا خير في ودّ أمري متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه
إذا المرء لم يبذل من الود مثله ... بعافية فاعلم بأني مفارقه
ومنها:
وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً أبداً حزيناً ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي أن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
أخبار المرقش وصاحبته أسماء
هو عمرو أو عوف بن سعد بن مالك بن قيس بن ثعلبة بن ربيعة أعلى قبائل طيء، ولد باليمن قبل خروج ربيعة ثم انتقلوا إلى العراق فنشأ بها وله اخوان أنس وحرملة رفعهم أبوهم إلى نصراني ببغداد يتعلمون الكتابة، وكان سعد والده يرى دين النصرانية، ومات فقام عمرو مقامه في العرب، فكان شجاعاً مهاباً في العرب.
خرج يوماً وقد قطع وادي نجران بأسد ونمر فلم يطق أحد أن يمر منهما فلما رأى عمرو الأسد وثب عليه فزاوغه ووثب فصار على ظهره فأمسك أذنيه مستثبتاً ثم دق رأسه وسلخ جلده، فلما أحس بالنمر ألف في جلد الأسد وناماً سيفه فوثب النمر لينزل عليه فتلقاه بالسيف ثم سلخه، وأخذ جلده عليه وأقبل على العرب فسموه المرقش، وقيل سمي بذلك لقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأدني قلم
ومن ولد أخيه حرملة رجل دعته العرب بالمرقش الأصغر لشبهه ذاك.
وأسماء هي بنت عوف بن سعد بن مالك أيضاً، وكان عمرو قد ألفها من التربية صغيرين فخطبها إلى عمه فأنعم ومضى عمرو إلى جار الفلاة فمدحه، وحظى عنده فأمسكه مدة وأن الغلاء وقع بالبادية وطرقها جدب فقدم مرادي على عوف فخطب أسماء فزوجه بها على مائة ناقة واحتملها إلى قومه وعمدوا إلى عظام كيس فذبحوه ودفنوا عظامه وصيروها قبراً، فلما قدم عمرو أخبروه أنها ماتت وأروه القبر فلزمه حتى ضني وتغير حاله فبينما هو يوماً منتحباً إذ سمع ولداً قد اقتتل مع آخر على كعب يقول هذا أخذته من عظام الكبش الذي دفن وقيل لعمرو أنها أسماء فدعاه وسأله الخبر فحين عرف ذلك دعا بزوج ابنته وسارا في طلب المرادي.
(1/69)

فقيل إن إخوته شعروا به فردوه فمات وتظافرت الأخبار بأنه وصل إلى واد بقرب مراد وقد ثقل في المرض فقال زوج ابنته لها اتركيه واذهبي بنا فقد أجهدنا، فلما سمع ذلك كتب على مؤخر الرحل:
يا صاحبيّ تلبثا لا تعجلا ... إن الرواح رهين أن لا تفعلا
فلعل لبثكما يقرّب بيننا ... أو بسبق الاسراع سيبا مقبلا
يا راكباً ما عرضت فبلغن ... أنس بن سعد إن لقيت وحرملا
لله درّكما ودرّ أبيكما ... لا يفلت العبدان حتى يقتلا
من مبلغ الأقوام أن مرقشاً ... أضحى على الأصحاب عيا مثقلا
وكأنما ترد السباع بشلوه ... إذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا
فلما رأى أخوته الكتابة قتلا الرجل والمرأة، وأما عمرو فحين ذهبا عنه بقي مطروحاً فأوى إلى غار هناك وكان يألفه راع من مراد بينما هو به إذا هو بغنم وراعيها. فلما بصر به الراعي قال له من أنت فأعله باسم الذي هو عنده فإذا هو زوج أسماء فقال له تكلم مولاتك قال لا ولكن تأتيني جارية من عندها لأخذ اللبن.
قال في النزهة وكانت أسماء قد مرضت أيضاً شوقاً إليه فلم تغتذ إلا بقدح من لبن في اليوم، فنزع عمرو خاتمه وقال للراعي ألقه في القدح فستصيب به خيراً، فلما رأته دعت الجارية فأخبرتها أن لا علم لها فنادت زوجها وأخبرته القصة فاستحضر الراعي، فلما عرفه ركب وأركب زوجته فأدركوا عمراً وبه رمق فاحتملوه عندهم، فمات وقيل أنشد عند موته:
سما نحوي خيال من سليمى ... فأرّقني وأصحابي هجود
فبت أدير أمري كل حال ... وأذكر أهلها وهم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الارطي وقود
حواليها مها بيض التراقي ... وآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس عيش ... أوانس لا تروح ولا ترود
يرحن معاً بطاء المشي روداً ... عليهنّ المجاسد والبرود
سكنّ ببلدة وسكنت أخرى ... فقطعت المواثق والعهود
فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد
وربّ أسيلة الخدّين بكر ... نعمة لها فرع وجيد
وذي أشر شنيب النبت عذب ... نقيّ اللون برّاق برود
لهوت بها زماناً في شبابي ... وزين بها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلاً ... عناني منهم وصل جديد
وله:
أغالبك القلب اللجوج صبابة ... وشوق إلى أسماء أم أنت غالبه
يهيم ولا يعني بأسماء قلبه ... لدات الهوى امراره وعواقبه
وعلى قوله راكباً البيتين أورد المصنف الحكاية المشهورة دليلاً على ذكاء العرب وأسندها إلى مجهول وأصلها قال في روضة القلوب أن أسامة بن غسان بن حارث الكناني قتل أبو صبراً في تميم، فخرج يستجيش له نصرة وذلك قبل يوم أوارة بأعوام يسير، فلما طال عليه المدى وقد صحب عبدين لخدمته ولحقته علة فعزما على قتله، فلما أحس ذلك قال لهما هل أنتما مبلغا ابنتي هذين البيتين قالا وما هما قال تقولان:
ألا يا بنات الحيّ أن أباكما ... لله در كما ودر أبيكما
فلما أتيا الحيّ أخبرا بموته فقالوا هل أوصي بشيء، فقالا لا ضرر عليا فيما ذكره وذكرا لهم القول، فقالت إحدى بناته اقتلوا العبدين قد قتلا أبي فقالوا ومن أين لك ذلك قالت إن هذا الكلام سفه وهدر وقد كان مصوناً عن ذلك وإنما كتم عنهما تكملة البيتين والأصل:
ألا يا بنات الحيّ إن أباكما ... أضحى قتيلاً في التراب مجندلا
لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا
فاستخبروهما فأقرا بالقصة. قلت وفي البيت خزم بالحرف الأول وهو عيب مشهور سائغ الاستعمال في الصناعة. وقوله بنات الحي، ثم عدل إلى التثنية في قوله أن أباكما جرياً على الغالب في خطاب العرب فإنهم يستعملون التثنية في موضع الجمع والأفراد.
(1/70)

قال ابن النحاس وأصل ذلك أن البدوي كان أكثر ما يكون مع راعيه ورفيقه أو أن نزل ابنتيه منزلة الجمع تعظيماً، ثم عاد إلى أصله وقد حكى في شرح العبدونية هذه القصة عن المهلهل، وقال في صدر البيت الأول من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً والباقي على حكمه.
أخبار عتبة بن الحباب وصاحبته ريا
هو عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري.
وصاحبته هي ريا بنت الغطريف السللي. علقها بمسجد الأحزاب يوم منتزه، وأصل ذلك أن عبد الله بن معمر القيسي حين دخل المدينة قال بينما قد زرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً وجلست إذا أنا بشخص ينشد بصوت شجي ولا أراه:
أشجاك نوح حمائم السدر ... فاهجن منك بلابل الصدر
يا ليلة طالت على دنف ... يشكو الفراق وقلة الصبر
أسلمك من تهوى لحرّ جوى ... متوقد كتوقد الجمر
ما كنت أعلم أنني كلف ... حتى تلفت وكنت لا أدري
فالبدر يشهد أنني كلف ... مغري بحب شبيهة البدر
وفي رواية صاحب الأصل تقديم هذا وصدر الذي قبله ما كنت أحسب إنني شجن فتبعت الصوت فرأيت شاباً حرقت الدموع خده، فقال لي اجلس أحدثك أنا فلان كنت يوماً بمسجد الأحزاب إذا بنسوة يتنزهن، فيهن جارية لم أر مثلها، وقفت علي وقالت ما تقول في وصل من يطلب وصلك، ثم مضت فلم أعرف خبرها، ثم غشي عليه ساعة فلما أفاق أنشد:
أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني في القلوب على البعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ولو ... كنت في الفردوس أو جنة الخلد
فشرعت في تسليته، فقال هيهات أو يؤب القارظان مثل مشهور أصله أن أخوين خرجا يجتنيان القرظ نبت معروف فلم يعلم لهما خبر، قال عبد الله فلما طلع الصبح قلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فأنشد:
يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النوى طربا
ما أن يزال غزال فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس أن الأجر هيمه ... أو أنه طالب للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراً ... مضمخاً بفتيت المسك مختضبا
فمضينا إلى المسجد فحيناً صلينا الظهر أقبل النسوة ولم نر الجارية فيهن، فقلن له ما ظنك بمطالبة وصالك، فقال وأين هي، قلن له مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد:
خليليّ ريا قد أجدّ بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة عيرها
خليليّ قد غشيت من كثرة البكى ... فهل عند غيري عبرة استعيرها
فقلت له قد وردت بمال جزيل أريد به الحج، وقد عزمت على أن أبذله في حاجتك فهل لك أن تسير معي إلى قومها وأبيها، فقال نعم فسافرنا إلى أن وافينا أباها، ففرش لنا الانطاع ونحر لنا النحائر، فحلفنا ألا نأكل له طعاماً أو يقضي حاجتنا، فقال اذكروها فأعلمناه بخطبة عتبة، فقال من عتبة، فقلنا من الأنصار، قال ذاك إليها فقلنا له أخبرها، فدخل عليها وأعلمها فشكرت عتبة فقال قد نمى إلي أمرك معه وأقسم لا أزوجك به، فقالت إن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً فإن كان ولا بد فاغلظ عليهم المهر، فقال نعم ما أشربت به، ثم خرج فقال قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم هجرية ومائة ثوب من الابراد والخز وخمسة أكراس من العنبر، فضمنا له ذلك وقلنا له إذا أحضرناها أجبت قال فاحضرنا ذلك، فأولم أربعين يوماً ثم أخذناها ومضينا، فحين قاربنا المدينة خرج علينا خيل كثيرة حسبنا وهم بأمر أبيها فقاتلناهم زماناً، فجاءت طعنة في نحر عتبة فسقط ودمه يفور، فجاءتنا النجدة فإذا هو ميت فحين علمت الجارية بموته جاءت حتى انكبت عليه وأنشدت:
تصبرت لا إني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه
ولو انصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه
فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلاً ولا نفس لنفس موافقه
(1/71)

ثم شهقت شهقة فماتت فواريناهما معاً. قال عبد الله فأقمت سبع سنين ثم رجعت إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لا أبرح أو أزور عتبة، فجئت فإذا أنا بشجرة عليها ألوان من الورق قد نبتت على القبر، فسألت عنها فقالوا شجرة العريسين.
أخبار الصمة وصاحبته ريا
هو أبو مالك الصمة بن عبد الله بن مسعود بن رقاش القشيري التغلبي من بني ربيعة، كان أديباً شجاعاً عارفاً بأيام العرب ووقائعها ومواضعها وكثيراً ما يسند إليه ابن دريد والأصمعي، قال ابن الفوار والوزير أنه أدرك أوائل الاسلام.
وريا هي بيت مسعود بن رقاش أيضاً، كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن نشأت مع الصمة صغيرين وكانا يتذاكران الأدب وملح الأشعار فأعجب بها وتمكنت منه ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فلما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها، فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الابل، فمضى الصمة إلى أبيه فأعطاه تسعاً وتسعين فأبى مسعود إلا التمام وعد الله إلا ذلك وحلف كل على ما قال وأقفوا الأمر فحملت الصمة الانفة على أن خرج عنهما إلى العراق.
فقالت الريا ما رأيت رجلاً أضاعه أبوه وعمه ببعير إلا الصمة لما عندهما من العلم بحبه لها، فلما طال عليه الأمر وتنازعه الشوق والشهامة المانعة له من العود بلا طلب مرض حتى أضناه السقم، وقيل أتى كاهناً بالعراق فسأله عما أضمر فأخبره أنه لا يتزوج بها أبداً فضعف، والصحيح كما حكاه صاحب قوت القلوب في أخبار المحب والمحبوب أنه قدم رجل يقال له غاوي بن رشيد بن طلابة المذحجي على مسعود فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعائها، فزوجه بها فحملها إلى مذحج فبلغ الصمة ذلك فلزم الوساد وطال أمره، فدخل عليه رجل كان يألفه فعنفه وسلاه فأنشد:
أمن ذكر دار بالرقاشين أعصفت ... به بارحات الصيف بدأ ورجعا
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وسعياً كما معا
فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
كأنك لم تسمع وداع مفارق ... ولم تر شعبي صاحبين تقطعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
الرقاشين اسم واد بين نجد واليمن كانت تنزله بنو ربيعة، والبارحات رياح معلومة صيفية تستبشر بها العرب والضمير يعود على الوادي.
وفي قوت القلوب أعصفت بها سانحات الصيف يريد بالدار، والسانحات أيضاً رياح لكنها لا تخص الصيف فيشكل التعيين هنا وقوله وسعياً كما معطوف على قوله ونفسك باعدت يريدان السعي والنفس أبعداه عن المحبوبة وغلط في قوت القلوب حيث أعرب وسعييكما نصباً بالياء على أنه معمول باعدت عطفاً على مزارك.
وقوله فما حسن أن يأتي الأمر وبكت عيني اليمنى البيتين قد استعارهما المجنون وباقي الشعر واضح ويقال إن في القصيدة طولاً:
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وجالت بنات الشوق تحتي نزعا
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... رجعت من الاصغاء الوي وأجزعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكراك ما كففت للعين مدمعا
فقالت بلى والله ذكرى لو أنه ... تضمنه صم الصفا لتصدعا
ولما طالت عليه دعا له صاحبه العراقي بطبيب حاذف، فلما تأمله قال إنما يشكو العشق لا غيره وأرى أن يلزم النزهة والفرح بنحو البساتين ليتشاغل عما هو فيه فأخرجه صاحبه مع بعض الخدم إلى الثغور، فبينا هو يوماً على شاطىء نهر وقد وجد به الكرب إذ سمع امرأة تنادي ابنتها يا ريا فسقط مغشياً عليه فاحتملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد:
تعز بصبر لا وجدك لا ترى ... سنام الحمى إحدى الليالي الغوابر
كان لساني من تذكري الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريس طائر
ولم يزل يرددها حتى قضى، ولما وصل خبره إلى الريا داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكي حتى ماتت، ومن لطيف شعره قوله:
(1/72)

ألا من لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الآثال الا استهلت
ألا قاتل الله الحمى من محلة ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت
غنينا زماناً باللوى ثم أصبحت ... براق الهوى من أهلها قد تخلت
فما وجد أعرابية قذفت بها صرو ... ف اللوى من حيث لم تك ضنت
تمنت أحاليب الرغاء وخيمة ... بنجد ولم يقدر لها ما تمنت
إذا ذكرت نجد وطيب ترابها ... وبرد الحصى من أرض نجد أرنت
ومنه:
أرى الدهر بالتفريق والبين مولعاً ... وللجمع ما بين المحبين آبيا
فأف عليه من زمان كأنني ... خلقت وإياه نطيل التعاديا
أخبار كعب وصاحبته ميلاء
هو أبو خثعم كعب بن مالك أو عبد الله أو خثعم بن لابي بن رباح بن ضمرة طائي من عرب الحجاز يعرف بالمخبل، وكان جواداً سخياً شجاعاً، مألوف الصورة.
وميلاء هي بنت لابي بن رباح أصغر أخواتها كانت أجمل نساء الحجاز وكان كعب قد خطب إلى عمه أخت ميلاء، وكانت تسمى أم عمرو فزوجه بها فشغف بها شديداً وألفها طويلاً وأنه دخل عليها يوماً فوجدها قد نضت ما عليها وهي عريانة فسرته حين نظر إليها، فقال أنشدك الله هل تعلمين امرأة أحسن منك فقالت نعم أختي ميلاء فقال ومن لي بأن أنظرها فأخبأته وأرسلت إليها فحضرت، فلما رآها وقعت من قلبه موقعاً أدى إلى زوال عقله من العشق فانطلق في طلبها فاستعرضها وشكا إليها ما لقي من حبها، فأعملته أنها أعظم من ذلك في حبه، وشعرت أختها فتبعتها فرأتهما يتشاكيان المحبة فمضت إلى اخوتها وكانوا سبعة فأخبرتهم بذلك، وقالت إما أن تزوجوا كعباً من ميلاء، أو تغيبوها عني.
فلما علم بمعرفة اخوتها به هرب إلى الشام فمكث بها أياماً، وأن شامياً خرج يريد الحج فضلت به الطريق فاسترشد امرأة وكانت بالتقدير المحتوم ميلاء وإلى جانبها أختها فأنشد الشامي متمثلاً:
أفي كل يوم أنت من بارح الهوى ... إلى الشمّ من أعلام ميلاء ناظر
بعمشاء من طول البكاء كأنما ... بها حرّ نار طرفها متحادر
تمنى المنى حتى إذا قلت المنى ... جرى واكف من دمعها متبادر
كما أرفض سلك يعد ما ضم ضمة ... بخيرط الفتيل اللؤلؤ المتناثر
قلت وهذا الشعر قاله كعب حين علق ميلاء قبل وقوعه إلى الشام والمصنف تبع الشيزري في أنه قاله بالشام وأصل الحال غلط الشيزري في قوله الشم فإنه قرأها إلى الشام بدليل أن الشامي لما أنشد الشعر سألته ممن الرجل قال من الشام قالت أو تعرف صاحب الشعر. قال هو أعرابي اسمه كعب أنه يحتمل إلى معرفتها من ذكر اسمها ويكون ما ذكر صحيحاً. ولما أخبرها باسم الأعرابي أقسما عليه أن لا يبرح حتى بنظره أخوتها فإنهم يكرمونه ثم سألاه هل تروي له غير ذلك، قال نعم وأنشد:
خليليّ قد رضت الأمور وقستها ... بنفسي وبالفتيان كل مكان
ولم أخف يوماً للرفيق ولم أجد ... خلياً ولاذا البث يستويان
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لولا الناس قد قفياني
منوعان ظلامان ما ينصفانني ... بدلهما والحسن قد خلباني
يطيلان حتى يعلم الناس أنني ... قضيت ولا والله ما قضياني
خليليّ أما أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني
بلينا بهجران ولم ير مثلنا ... من الناس إنسانان يهتجران
أشد مصافاة وأبعد عن قلى ... وأعصى لواش حين يكتنفان
يبين طرفانا الذي في نفوسنا ... إذا استعجمت بالمنطق الشفتان
فوالله ما أدري أكل ذوي هوى ... على شكلنا أم نحن مبتليان
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوى ... فبي كل يوم مثل ما ترياني
خليليّ عن أيّ الذي كان بيننا ... من الوصل أو ماضي الهوى تسلاني
وكنا كريمي معشر حم بيننا ... هوى فحفظناه بحسن صيان
نذود النفوس الحائمات عن الهوى ... وهن بأعناق إليه ثواني
(1/73)

سلاه بأم العمر يشفي فقد بدا ... به السقم لا يخفى وطول هوان
فما زادنا بعد المدى نقص حده ... ولا رجعنا عن عملنا ببيان
خليليّ لا والله ما لي بالذي ... تريدان من هجر الصديق يدان
ولا لي بالهجر اعتلاق إذا بدا ... كما أنتما بالبين معتلقان
ولا لاهياً يوماً إلى اليوم كله ... ببيض لطيفات الخصور رواني
يمنيننا حتى يرعن قلوباً ... ويخلطن مطلاً ظاهراً بليان
أعينيّ يا عينيّ حتام أنتما ... بهجران أم العمر تختلجان
فما أنتما إلا عليّ طليعة ... على قرب اعتدائي كما ترياني
فلو أن أم العمر أضحت مقيمة ... بمصر ودوني الشحر شحر عمان
إذن لرجوت الله يجمع بيننا ... وأنا على ما كان ملتقيان
من البيض نجلاء العيون كلاهما ... مقيم وعيشي ضارب بجران
أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناً هما غرقان
إذا ذرفت عيناي قالت صحابتي ... لقد ولعت عيناك بالهملان
ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر الروحاء ثم ذراني
هذا ما نقله الجل، واخرج هنا عن الأغاني من قوله ولا لاهياً يوماً إلى آخر القصيدة لم ينشده الشامي قلت وقوله ففي كل يوم أنت رام وقوله ألا فاحملاني البيتان مسروقان من كلام عروة بن حزام.
ثم نزل وجاء اخوتهما فأكرموه ودلوه على الطريق بعد أن استخبروا منه عن كعب وموضعهن ثم توجهوا في طلبه وضعفت ميلاء على ما رواه في نهاية الأدب بصداع أصابها.
فلما حضروا بكعب نزل ناحية، وصادف وقت وفاتها فرأى الناس عند عند البيت مجتمعين، فأحس قلبه بالشر. فقال لصبي بإزاء البيت الذي هو فيه من أبوك.
قال كعب وكان تركه صغيراً حين مضى إلى الشام فقال له ما اجتماع الناس على طنب هذا البيت قال على خالتي ميلاء ماتت الساعة. فلما سمع ذلك وضع يده على قلبه واستند إلى طنب البيت، وحرك فوجد ميتاً فدفنوه إلى جانبها رحمة الله عليهما.
القسم الثاني
فيمن جهل اسمه أو اسم محبوبته أو شيء من سيرته أو مآل حقيقته
ختمناه بصنف لطيف القوانين في ذكر عقلاء المجانين، ونحن وإن كنا قد ذكرنا من هذا النوع فيما سلف بعضاً، لكنهم إنما نقصوا شيئاً مما ذكرنا بالنسبة إلى هذا الكتاب لقلة فحصه وإلا فهم مشهورون كثيراً بخلاف من يأتي بعد، وستقف على كثي منهم كامل النسب.
والأسباب أذكره إن شاء الله تعالى لكنه غير قوي الشهرة ولم أتبعه في التنويع بأن أقول نوع فيمن نزل به الحال ونحو ذلك إذ لا طائل فيما صنع، ولا فائدة فيما نوع ووضع وإنما كان الأولى أن يذكر المشاهر ثم أهل الجاهلية وهكذا كما وقع ترتيبه هنا وهؤلاء القوم كثيرون.
فمنهم
سامة بن لؤي بن غالب القرشي مشهور
قال في النزهة نحر يوماً لضيوف مائة من الابل فأكلوا قليلاً وبقي الغالب فعاتبه أخوه كعب في ذلك وقال له لو بقيت عليها الحاجة كان أولى فغضب منه ورحل مستخفياً فنزل عن أزيد فنظرت إليه زوجته فوقع من قلبها، وهي من قلبه وزوجها يرصدهما فلم يستطيعا أن يعرف كل منهما الآخر ما عنده فاستاك أسامة ورمى السواك فأخذته وامتصته ففطن زوجها لذلك فعزم على قتله فسم له قدحاً من لبن وقدمه إليه فغمزته فأراقه ثم ركب وسار فهوت ناقته في الخميلة إلى عرفجة لترعاها فلما جذبتها خرجت حية فضربت ساق سامة فمات لوقته وبلغه الأزدية فلم تزل تبكيه حتى ماتت ولولا ما في هذه الحكاية من الاعتبار بمصادفاة الأقدار لم أوردها إذ لا مناسبة لها بهذا المعيار.
ومنهم
عمرو بن عوف وبيا
(1/74)

هوى جارية اسمها بيا فشغف بها طويلاً فخطبها إلى أهلها فلمخ يجيبوه وزوجوها من غيره فلما شعر زوجها بحال عمرو معها رحل بها حتى نزل اليمن ببني الحرث بن كعب وطال الحال على عمرو فطاش عقله وطار لبه فأشار عليه أصدقاؤه أن يقصد مكة فيتعلق بأستار الكعبة ويسأل الله أما جمعه عليها أو صرف قلبه عنها ففعل فبينما هو يطوف في الموسم إذ رآه شخص من بني الحرث فوقعت بينهما ألفة فأخبره بالحال وغياب المرأة فأعلمه بمكانها منهم فقال عمرو هل لك في صنيعة يحسن شكرها قال نعم قل فقال عمرو ليتخلف كل منا عن أصحابه بعد النفر ثم نسير إلى مكان يقرب منها وتمضي أنت فتعلمها بمكاني ففعلا ومضى به الرجل حتى جعله في بيته وذهب فأعلم بيا فكانت تأتيه فيتحادثان ويتشاكيان ما لقيا من الوجد فأنكر زوجها غشيانها المنزل من غير عادة وحسن حالها بعد ما كانت فيه من الضجر فأظهر لها سفراً يتيب فيه عشراً ثم عاد بعد ليلتين وقد فرشت لعمرو بساطاً أمام البيت وتحادثا فنام كل على طرف من البساط آمناً فنبه عمراً فثاب عليه بالسيف فقال من ينجيني منك يا عمرو وأنا لم أهرب هنا إلا منك فقال يا ابن العم والله لم يكن بيننا أكثر من الحديث وإنما غلب علي حبها من الصغر فقال زوجها حيث تحققت أن لا ريبة فلا بأس عليك فأقاما جميعاً حتى مات عمرو من العشق والعفة والوجد.
وحكى أنها عمرت بعده فسئلت عن أي شيء مات عمرو وجداً بك مع أنه لأحسن عندك فقالت ما كنت بالقبيحة ولد كنت أروي الشعر وأحسن الأدب.
ومنهم
بشير الشهير بالاشتر وجيداء
هوى جارية من قومه اسمها جيداء فاشتد بها كلفه وزاد في حبها تلفه فمنعها أهلها عنه فثار بينهما شر وخصومة عظيمة، فلما طال شوقه واضمحل حاله جاء إلى صديق له يقال له نمير فقال له: هل عندك صنيع تمن به علي عسى أن تعود روحي إلي، قال أشر بما شئت فإني فاعل قال له: تمضي إلى حي جيداء فإذا صادفت جاريتها فأخبرها بحالي فعسى أن تأخذ لي موعداً، قال نمير فمضيت حتى لقيت الجارية فأخبرتها فمضت إلى مولاتها فأخذت منها موعداً بأن تأتي بعد العشاء عند شجيرات هناك.
فلما كان الليل أقبلت فقام إليها بشير وهممت بالإنصراف عنهما فقالا: والله ما بيننا أكثر مما ترى فمكانك فجلسنا حتى مضى شطر من الليل فعزمت على الذهاب فكادت نفس بشير أن تزهق ثم سألها الإقامة معه بقية الليلة فقالت لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون في صاحبك هذا خير. فقلت فيم شئتم؟ فرمت بثيابها إلي وقالت إذهب إلى خدري كأنك أنا فسيجيء زوجي ويطلب القدح للحلب فلا تعطه حتى تطيل نكده ثم ارم به إلي فإني أفعل ذلك فإذا عاد باللبن فلا تأخذه حتى يضعه بنفسه أو يطول وقوفه فإنه بعد ذلك لا يأتيك بقية الليلة.
قال نمير ففعلت ذلك غير أني بعد أن طال وقوفه باللبن وأراد وضعه وأردت أخذه فاختلفنا فكب القدح وقال هذا طماح ثم عمد إلى سوط مفتول فضربني حتى زايلتني نفسي وهممت أن أوجره بالسكين فخلصوني وردوا علي الستر وجاءت أمها تعنفني وتوصيني بأن لا أخالف زوجي ظناً أنني ابنتها وتقول مالك وللأشتر ثم قامت عني على أن ترسل لي ابنتها الأخرى تؤنسني. فلما جاءت جعلت تبكي وتدعو على من ضربني واضطجعت إلى جانبي فوضعت يدي على فمها ثم قلت أن أختك مع بشير في موضع كذا وقد جرى لي من جهتها ما علمت وأنت أولى بالستر على أختك فارتعدت ساعة ثم أنست فبت معها في أطيب ليلة من اللطف والعفة حتى إذا جاء الصباح وأقبلت أختها فأنكرت من معي فقلت هي أختك وستخبرك بما كان ثم مضيت إلى بشير فأعلمته بالخبر فلما رأى تأثير السوط في بدني وخروج الدم قال لقد عظمت صنيعك ووجب شكرك.
قال ابن طاهر فلم يقم بعدها بشير إلا دون شهر وجاءه شخص فقصد مما جنتة فقال له وهو يتناول عنباً أتتفكه وجيداء قد قضت الساعة فلم يسمع منه إلا شهقة وحرك فإذا هو ميت فبلغ الخبر الجارية فهتكت سترها وجزت شعرها وألقت نفسها في بئر هناك فماتت.
ومنهم
مسعدة بن واثلة الصارمي
(1/75)

قال في تسريح النواظر وكان غلاماً حسن الوجه سخي الكف شجاعاً وأن أباه توفي فاختلف مع عمه على بكرات فرحل مغضباً حتى نزل على بني باهلة فأقام عندهم برهة فورد الماء يوماً فصادف جارية على بعير تشد عقاله وهمت بالنزول فلما رأته قالت هل لك في أن تكفيني كلفة التعب. قال وفيم تتعبين وماذا تطلبين قالت ملء هذه السقاية ورمت بها إلي فلما ملأتها وهمت أن تتناولها شمرت عن زندين كأنما حجبت عظامهما بالبلور الصافي ثم تناولت القربة فانكشف البرقع عن وجه كأنما تستعير منه الشمس الضياء فداخلني ما خشيت معه زهاق نفسي قال ثم مضى متغير الحال فشكا إلى صديق له ما جرى له وسأله عن اسم الجارية فقال هي رملة بنت أثيلة بن مصقع وأعلمه بمكانها فكان يمضي في كل يوم فيقف حتى يراها فيشكو إليها ما عنده من حبها. قال الشيزري فداخلها من العشق ما داخله فلما علم أهلها بذلك حجبوها وبلغه علمهم فخرج حياء وخوفاً فرأى حمامات على أراكة ينحن فهاجت بلابله فأنشد:
دعت فوق أغصان من الايك موهناً ... مطوقة ورقاء في أثر آلف
فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت ... وشبت ضرام الشوق بين الشراسف
ثم أدركه الليل قريباً من حي خشي أن يكونوا من قومها فنزل قريباً منهم فسمع قائلاً يقول:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
وكان يرى الطير فارتابت نفسه من ذلك وراجعه القلق ثم أخذته سنة فإذا هو بقائل ينشد:
ولا شيء بعد اليوم إلا تعلة ... من الطيف أو تلقى بها منزلاً قفرا
فزاد قلقه ثم عاودته السنة فسع قائلاً يقول:
لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل بكر عليهم ونهار
لم يبق يوماً عاشقان بحالة ... إلا وقد جاءتهم الأغيار
كل وإن طال المدى متصرم ... حكم الإله وسارت الأقدار
فقام فركب متفكراً وسار فلما برق الفجر إذا هو براع ينشد:
كفى بالليالي مخلقات لجدة ... وبالموت قطاعاً حبال القرائن
فعرف صوته فقال فلان قال نعم فقال له ما دهاك؟ قال قد ضاجعت رملة الثرى فسقط مغشياً عليه فلم يفق حتى حميت الهاجرة وحمل إلى بيته فأنشد:
يا راعي الضأن قد ألقيت لي كمدا ... يبقى ويقلقني يا راعي الضان
نعيت نفسي إلى روحي فكيف إذا ... أبقى ونفسي في أثناء كفاني
لو كنت تعلم ما أسررت في كبدي ... بكيت مما تراه اليوم أبكاني
فلم يزل يردده حتى مات:
ومنهم
زرعة بن خالد العذري
كان غلاماً حسن الوجه عذب المنطق سخي الكف راوية عارفاً بأيام العرب وأشعارها خرج يوماً للصيد فما ورد المشرعة وجد النساء يغترفن الماء ودونهن جارية قد انفردت تمشط شعرها على جانب الغدير وقد أسبلته كأنه الليل المظلم ووجهها من خلاله كأنه البدر في تمه فحين أبصرها سقط مغشياً عليه فقامت إليه فرشت عليه الماء فلما أفاق وأبصرها قال وهل مقتول يداويه قاتله قالت كفيت ما تشكو وحادثته فثابت نفسه إليه وقد داخله من الحب ثم رجع وهو يقول خرجنا لنصيد فاصطدنا ثم أنشد:
خرجت أصيد الوحش صادفت قانصاً ... من الريم صادتني سريعاً حبائله
فلما رماني بالنبال مسارعاً ... رقاني وهل ميت يداويه قاتله
ألا في سبيل الحب صب قد انقضى ... سريعاً ولم يبلغ مراداً يحاوله
(1/76)

قال ابن الفرات ثم أنه لزم الوساد أياماً وأن أمه أقسمت عليه حين سمعته يكرر الأبيات الا ما أخبرها بحاله فأظهرها على الأمر فعرفت الجارية فإذا هي ظريفة بنت صفوان بن واثلة العذري فمضت إليها وأعلمتها القصة وقبلت رجليها على أن تزور بيتهم فعسى أن يشفى ولدها فقالت أن الوشاة كثيرون ولكن خذي هذا الشعر إليه فإن أمسكه فإنه يشفى ثم جزت لها شيئاً من شعرها فلما ذهبت إليه جعل يتنشقه فتراجعت نفسه شيئاً فشيئاً حتى اشتهى ما يأكل فقدم إليه فتناوله وقام فكان يأتي قريباً من الأبيات فيسارقها النظر وتخالسه هي أيضاً إلى أن فطن أهلها فآلوا على قتله وبلغه فوقع إلى اليمن وكان كلما اشتد شوقه قبل الشعر وجعله على وجهه فيستريح لذلك فلما كان يوم من الأيام وقد خرج لبعض حاجاته سقط منه الشعر فلما أيس منه عزم على العود فعنف فقال دعوني فإني أرجو أن أظفر أو أموت فصحبه غلام.
قال أبو شراعة فرأيته في الطريق وعليه بردان وهو يعلم الصبي الأبيات ويقول له إذا حاذيت موضع كذا فأنشدها رافعاً صوتك ولك أحد هذين البردين فتبعتهما حتى بلغ الموضع فأنشد:
مريض بأفناء البيوت مطرح ... به ما به من لاعج الشوق يبرح
وقالوا لأجل اليأس عودي لعل ما ... تشكاه من آلام وجدك يمسح
وليس دواء الداء إلا بحيلة ... أضربنا فيها غرام مبرح
إذا ما سألناها نوالاً تنيله ... فصم الصفا منها بذلك اسمح
فتبعت الصبي وهو لا يشعر بي فلما حاذاها رفع عقيرته بالأبيات ينشدها فسمعت من بعض الأبيات قائلاً يقول:
رعى الله من هام الفؤاد بحبه ... ومن كدت من شوقي إليه أطير
لئن كثرت بالقلب أتراح لوعة ... فإن الوشاة الحاضرين كثير
فيمشون يستشرون غيظاً وشرة ... وما منهم إلا أب وغيور
فإن لم أزر بالجسم رهبة مصدر ... فللقلب آت نحوكم فيزور
وفي النزهة فإن لم أزر بالجسم خيفة معشر وهو أحسن ثم رجع الصبي فأنشد أبياتها فأغشى عليه ساعة ثم أفاق وهو ينشد:
أظن هوى الخود الغريرة قاتلي ... فيا ليت شعري ما بنو العم صنع
أراهم وللرحمن در صنيعهم ... تراكى دمي هدراً وحاب المضيع
ثم مضى متنكراً حتى دخل بيته ولزمه أياماً إلى أن زفت ظريفة إلى رجل منهم يقال له ثعلب فلما بلغه الخبر اضطرب ساعة ثم أغمي عليه فحرك فإذا هو ميت وبلغها فلزمت البكاء أياماً ولم تمكن الرجل من نفسها فما كانت ذات ليلة خرجت من بعد انتصاف الليل فتعبها حتى انتهت إلى نهر فألقت بنفسها فيه فأخرجها وليس بها حراك ثم احتملها إلى الخيمة، فلما أصبح الصبح جاءت أمها فوجدت بها رمقاً ولكنها لم تفقه كلاماً فأشارت أن تسقى الماء فسقوها فقضت من وقتها. وفي روضة القلوب أنها غرقت ولم تخرج إلا ميتة.
ومنهم شخص
قال التوزي مسنداً عن بعضهم أنه رآه وقد تهيأ إلى الحج فلما دخل بغداد رآه وقد أقبل تحت قصر ومعه تفاح فجعل يرشق به إلى القصر وجوار تناوله بأيديها فقال له ويحك ألم ترد الحج فأنشد:
ولما رأيت الحج قد آن وقته ... وأبصرت برك العيس بالركب يعسف
رحلت مع العشاق في طلب الهوى ... وعرّفت من حيث المحبون عرفوا
وقد زعموا أن الجمار فريضة ... فزعفر لي بعض وبعض مغلف
وقمت حيال القصر ثم رميته ... فظلت له أيدي الملاح تلقف
وإني لا أرجو أن تقبل حجتي ... وما ضمني للحج سعي وموقف
(1/77)

ومنهم رجل من بني كندة. فحذ من بني عذرة أورده مجهولاً وكذا ابن أبي الأصبغ في الطبقات في ترجمة الحرث بن كلدة وفي النزهة قال لا نعلم اسمه وحكايته مشورة وهي أن أخاه استخلفه على بيته وخرج لغرض فصادف يوماً أن دخل وزوجة أخيه سافرة فرآها فلما علمت بذلك سترت وجهها بيديها فكان ما لقيه من رؤية معصميها أضعاف ما لقيه من وجهها فخرج وقد اشتعل الحب في قلبه فأقام أياماً يكابد العناء حتى لزم الوساد وجاء أخوه فأبصره وقد ذوت أعضاؤه وذهبت محاسنه وتغير جسمه فلم يترك عرافاً ولا طبيباً حتى دعاه له فلم ينجح شيئاً فوصف له الحرث بن كلدة، وكان أحذق أهل زمنه فلما رآه قال ليس به إلا العشق. فقالوا وما السبيل إلى معرفة ذلك قال تسقوه الخمر فعساه أن يصرح ففعلوا ثم غدا عليهم فقالوا له قد ذكر العشق ولكن لم يصرح باسم المحبوبة فقال زيدوه ففعلوا فصرح بريا زوجة أخيه فقال أخوه أشهدكم أنها طالق ثلاثاً لأني أعتاض عنها ولا أعتاض عن أخي فبشروه فقال هي علي كأمي إن تزوجتها، ومات بعد قليل. وقيل خرج هائماً ولم يدر أين مات، وأن أخاه حين فقده مات أسفاً ولما سقوه الخمر غنى أبياتاً حذفتها هنا وفي مختصر الطبقات لسخافتها فاختلف في أيهما أكرم.
ونظير ذلك في السماحة ما وقع للحكم بن المطلب المخزومي فإنه هوى جارية فاشتراها بمال عظيم وأراد الدخول بها فلبس أفخر ثيابه ومضى ليعلم أباه، وكان أبوه يحب أخاه عتبة أكثر منه فأقسم عليه أن يهب الجارية لأخيه ففعل فأبى أخوه فأعتقها حتى قيل أنه مات بحبها وله عطايا مشهورة قيل أن رجلاً حجازياً لزمه دين ثلاثة آلاف دينار فقصد خالد بن عبد الله القسري بهدايا فصادف الحكم وكان جابياً فلما وقف على قصته وهب له أربعة آلاف دينار وقال له وفر عليك المشاق.
ومنهم غلام
قال في النزهة هذلي واسمه راشد بن صفوان الهذلي قال الجلال السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر أن اسمه غاوي وكان له كلب اسمه راشد وكان له صنم يأتي إليه كل صبيحة فيسجد له ويذهب إلى الصيد فجاء يوماً فرأى الثعالب قد بالت على رأس الصنم فكسره وأنشد:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه الخبر فأسلم فقال له ما اسمك؟ قال غاوي. قال وكلبك؟ قال راشد. قال لا أنت راشد وكلبك غاوي ثم ذهب وكان يعدو على بني عامر لالفة بينه وبين رجل منهم فلمح جارية منهم يقال لها هيفاء بنت عبد الله بن عامر وكانت من أجمل نساء العرب فغادره من حبها ما كاد أن يأتي على نفسه ثم أن الجارية تزوجت بشخص من جهينة فلما حملها إلى حيه وطال على الغلام الشوق وانقطاع الأخبار ذهب عقله فكان يسيح عارياً فصادف صياداً قد اصطاد خشفاً فوقف ينظر إليه ويبكي ثم أنشد:
وذكرني من لا أبوح بذكره ... محاجر ظبي في حبالة قانص
فقلت ودمع العين يجري بحرقة ... ولحظى إلى عينيه لحظة شاخص
ألا أيهذا القانص الظبي حله ... وإن كنت تاباه فعشر قلائص
خف الله لا تحبسه أن شبيهه ... حبيبي فقد أرعدت فيه فرائصي
فقال له الصياد دونك فحله فتقدم إليه وقبله وأطلقه واتبعه نظره حتى غاب ثم قال للصياد ائتني غداً في موضع كذا، وأقبل يسوق عشراً من الإبل فأبى الصياد قبولها فأقسم عليه إلا ما أخذها فقبلها وانصرف.
ومنهم قيس بن منقذ بن مالك الكناني المشهور
ابن الحدادية
كان يهو نعمى الخزاعية وكانت كنانة وخزاعية يتقاربون في المنزل لأن بينهم نسباً لم ترم فيه العصا فكان قيس يجلس إلى نعمى فيتحادث معها فدخل بينهم الهوى وقيل أنها رأته وقد ركب يوماً في ملعب وزينة ففخر على أكثر من حضر بالشجاعة فدعته للمحادثة وقد نزلت مع أتراب لها على منتزه فنزل وتحادثت معه ساعة فأقبل داع يسوق غنماً فاشترى قيس منه عنزة وذبحها للنساء فلما أكلن وقمن ترك الفاضل منها على الأرض ثم تمثل بهذا البيت ويقال أنه لحاتم الطائي:
إذا لم يكن للطير في زاد عزوة ... نصيب فليسوا في الورى بكرام
(1/78)

وفي النزهة إذا لم يكن للوحش والمعنى قريب فانتشأ الود بينهما ولم يزالا على ذلك برهة إلى أن أجدبت سنونهم فارتحلوا منتجعين وافترقت القبيلتان فلما كان يوم من الأيام نظت كنانة إلى موضع ديارها فوجدوا البروق ملية والسحب فضية فعلموا أن الغيث عما فارتحلوا إلى أن نزلوا بها فنظر قيس في مواضع خزاعة فتذكر اجتماعهم فتنفس الصعداء وأنشد:
إذا ما نأت نعمى فهل أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالاً ولكن كل ما صين مانع
فإن تلق لي نعمى هديت فحيها ... وسل كيف ترعى بالمغيب الودائع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع
وقد يلتقي بعد الشتات أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
وما ذات جيد نازعت حبل حابل ... لتنجو ثم استسلمت وهي طائع
بأحسن منها ذات يوم لقيتها ... لها نظر نحوي كذى البث خاشع
كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع
فقلت لها يا نعم خلي محلنا ... فإن الهوى والشمل يا نعم جامع
فقالت وعيناها يفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
وإني لعهد الود راع وإنني ... لوصلك ما لم يطوني الموت طامع
ثم لم يزلا متعللاً بالأماني يعتوره الخيال أياماً إلى أن بلغه خزاعة بجبل بالشم من اليمن فارتحل حتى وقع بهم فقيل أنه عند رؤيتها سقط ميتاً.
وقال في النزهة أقام عندهم إلى أن أغارت عليهم بنو فزارة فقتل يومئذ.
ومنهم
توبة بن حمير بن أسيد الخفاجي
وكان شجاعاً مبرزاً في قومه، فصيحاً مشهوراً بمكارم الأخلاق ومحاسنها، وخفاجة على ما ذكر في النزهة فخذ من قحطان، وكانت تنزل ببني الأخيل كعب بن معاوية ويغزون معهم ويتحدثون في المسرح. وكان رئيس بني الأخيل حذيفة بن شداد بن كعب. وكان له ابنة قد شاع في العرب ذكرها بالحسن، والفصاحة من توبة التفاتة وقد برزت النساء بالبشر والاسفار للقاء القادمين من الغزو.
فرأى ليلى فافتتن بها فجعل يعاودها فيتحادث معها إلى أن أخذت قلبه، وأطارت لبه، فشكا لها يوماً ما نزل به منها فأعلمته أن بها منه أضعاف ذلك فأقاما على التزاور إلى أن حجبها زوجها، فقلق توبة لذلك حتى خامره الجزع، فكان يذهب بعقله أحياناً فأشاروا عليه بتعاطي الأسفار والخوض في المحادثات فعزم على الشام فمر بجميل فأنزله وأحسن خدمته، ثم تداعيا الصراع وكانا في موقف تشرف منه بثينة عليهما، فصرعه جميل، ثم نضله ثم قهره على ظهر الفرس ولم يكن له كفؤاً.
فقال له توبة كأنك تسحب ذلك منك ولم تدر أنه بربح هذه الجالسة، وأشار إلى بثينة ثم دعاه إلى واد يخفى عنها وتصارعا فيه، فصرعه توبة ثم مضى في طريقه، فمر سحراً بأشجار في وادي الغيل وعليها حمائم تغرد فعاودته الأشجان فأنشد:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها
وخفت نواها من جنوب عفيرة ... كما خف من نيل المرامي جفيرها
يقول رجال لا يضرك نأيها ... بلى كل ما شق النفوس يضيرها
أليس يضر العين أن تكثر البك ... ى ويمنع منها نومها وسرورها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان حولاً كل يوم نزورها
خليليّ روحا راشدين فقد أبت ... ضرية من دون الحبيب ونيرها
يقرّ بعيني أن أرى العيس تعتلي ... بنا نحو ليلى وهي تجري صقورها
وما لحقت حتى تقلقل عرضها ... وسامح من بعد المرام صقورها
وأشرف بالأرض اليفاع لعلتي ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
فناديت ليلى والحمول كأنها ... مواقير نخل زعزعتها دبورها
فقالت أرى أن لا تفيدك صحبتي ... لهيبة أعداء تلظى صدورها
(1/79)

فمدت لي الأسباب حتى بلغتها ... برفقي وقد كاد ارتفاقي يضيرها
فلما دخلت الخدر أطت نسوعه ... وأطراف عيدان شديد سيورها
فأرخت لنضاخ الذفاري منصة ... وذي سيرة قد كان قدماً يسيرها
وإني ليشفيني من الشوق أن أرى ... على الشرف النائي المخوف أزورها
وإن أترك العيش الحسير بأرضها ... يطيف بها عقبانها ونسورها
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعمة ... ولا زلت في خضراء دان بريرها
وقد تذهب الحاجات يسترها الفتى ... فتخفي وتهوى النفس ما لا يضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد رابني منها صدود رأيته ... واعراضها عن حاجتي وقصورها
أرتك حياض الموت ليلى وراقنا ... عيون نقيات الحواشي تديرها
ألا يا صفي النفس كيف بقولها ... لو أن طريداً خائفاً يستجيرها
تجير وإن شطت بها غربة النوى ... ستنعم ليلى أو يفادى أسيرها
وقالت أراك اليوم أسود شاحباً ... وإني بياض الوجه جر جرورها
وغيرني إن كنت لما تغيرت ... هواجر لا أكتنها وأسيرها
إذا كان يوم ذو سموم أسيره ... وتقصر من دون السموم ستورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقل لعقيل ما حديث عصابة ... تكنفها الأعداء ناء نصيرها
فإن لا تناهوا يركب اللهو نحوها ... وخفت برجل أو جناح يطيرها
لعلك يا قيساً ترى في مريرة ... معذب ليلى إن رآني أزورها
وادماء من حر الهجان كأنها ... مهاة صوار غير ما مس كورها
من الناعبات المشي نعباً كأنما ... يناط بجذع من أراك جريرها
من العر كنانيات حرف كأنها ... مريرة ليف شد شداً مغيرها
قطعت بها موماة أرض مخوفة ... ردأها حين يستن مورها
ترى الضعفاء القوم فيها كأنهم ... دعاميص ماء نس عنها غديرها
وقسورة الليل التي بين نصفه ... وبين العشا قد ريب منها أسيرها
أبت كثرة الأعداء أن يتجنبوا ... كلابي حتى يستشار عقورها
وما يشتكي جهلي ولكنّ عزتي ... تراها بأعدائي لبيثاً طرورها
أمخترمي ريب المنون ولم أزر ... جواري من همدان بيضاً نحورها
تنوء بإعجاز ثقال واسوق ... جدال واقدام لطاف شعورها
أظن بها خيراً وأعلم أنها ... ستنفك يوماً أو يفك أسيرها
أرى اليوم يأتي دون ليلى كأنما ... أتت حجة من دونها وشهورها
عليّ دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنباً غير أني أزورها
وإني إذا ما زرتها قلت يا اسلمي ... ويا بأبي قول اسلمي ما يضيرها
وهذه القصيدة قال صاحب النزهة أنشدها كلها حين سجع الحمائم وقيل أنشدها متقطعة بحسب الوقائع وإنما جمعتها الشعراء وها أنا أورد ذكر غريبها وما وقع لبعض أبياتها من الحكايات قيل لما وقفت ليلى على قوله ولما دخلت الخدر غضبت غضباً شديداً ثم أمسكت عن كلامه برهة فتوسل إليها وعرض عليها أنه يريد أن يسقي نفسه السم إن لم تكلمه، فجمعت ثلاثة من أهلها بحيث يخفون عليه واستحضرته فلما آنسته قالت أي خدر دخلت معي حتى تقول ما تقول؟ فقال هذا استرسال الشعراء ثم ذكر لها أمثال ذلك وتنصل ففرحت بسماع أهلها ذلك. وقوله منصة يريد بها الستر وقوله حمامة بطن الوديين ترنمي هو أول بيت تفوه به من القصيدة إلى قوله وكنت إذا ما زرت ليلى ثم ضم الباقي.
(1/80)

وأما قوله وكنت إذا ما زرت ليلى فالحقه بعد اكمالها وسبب انشاده أنه كان يزورها على خيفة وخفية، فلما اشتد التحريج عليه جعلت بينها وبينه أمارة فقالت إذا مررت فوجدتني مبرقعة فاجلس مطمئناً فلا حرج حينئذ، فلما قوي حرصهم وتوعدهم لها وأجمعوا أن يفتكوا به إذا رآها خرجت يوم ميعاد سافرة على كثيب بحيث يراها على البعد، فلما أقبل ورآها سافرة مضى في طريقه منتكباً وهو يقول: وكنت إذا ما زرت ليلى الأبيات. ثم دخل الشام فأقام بها يسيراً فلم يأخذه قرار وتاقت نفسه إلى العرب فكان يخرج إلى الربوة ليسلي نفسه فلم يكن له دأب إلا البكاء فأقام أياماً لا يلذ له حال ولا ينعم له بال فخرج يريد البادية فمر حين قابل حيها بصغير يلعب فقال له هل أنت عارف بليلى؟ قال نعم. قال امض إليها وأنشد: وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت وعد إلي فسأحسن منقلبك.
فمضى الغلام فأنشد البيت لليلى فعلمت أن توبة قد ورد الحي فقالت للغلام قل له أنها الآن مبرقعة فمضى الغلام إليه وأعمله بذلك فأعطاه دينارين وأقبل فجدد زيارتها ثم قال لها مكنيني من تقبيل يدك، وفي الروض النضير أنه سألها قبلة فأنشدت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
ففطن أنها استرابت منه فحلف أنه لم يرد سوءاً وأن نفسه قد حدثته بأن يجربها فاستشاطت شوقاً ثم ودعها على استحياء ومضى، فما استقر به المنزل حتى عزمت خفاجة على غزو الهذليين، فخرج فقتل في الوقعة، ولما وقع به رمق أدركه ابن عمه فقال له هل لك حاجة؟ قال نعم تبلغ ليلى هذه الأبيات وأنشد:
ألا هل فؤادي من صبا اليوم طافح ... وهل ماوأت ليلى به لك ناجح
وهل في غد إن كان في اليوم علة ... سراح لما تلوى النفوس الشحائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
ولو أن ليلى في السماء لأصعدت ... بطرفي إلى ليلى العيون الكواشح
ولو أرسلت وحياً إلي عرفته ... مع الريح في موارها المتناوح
أأغبط من ليلى بما لا أناله ... إلا كل ما قرت به العين صالح
سقتني بشرب المستضاف فصرت ... كما صرد اللوح النطاف الصحاصح
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها ... وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها جار من الدمع سافح
وفتيان صدق قد وصلت جناحهم ... على ظهر مغبر التنوفة نازح
بمائرة الضبعين معقورة النسا ... أمين القرى مجترة غير جانح
وما ذكرتي ليلى نأى دارها ... بنجران إلا الترهات الصحاصح
قوله ولو أن ليلى البيتين قد سبق الكلام عليهما في قصة المجنون وزقا بالزاي وقوله: وهل تبكين ليلى، يعني وهل هي باكية إذا مت فليلى في البيت فاعل حذراً مما توهم هنا، وفي النزهة وما ذكر تنبيه على بعد دارها وقيل أن هذه القصيدة أنشدها حين خرج قبل ورود الوقعة، وإنما أنشد عند موته قوله:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلى خيالها
وإن ابن عمه حين جاء أنشدها الأبيات أو هذا البيت فأجابته:
وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... فعزت علينا حاجة لا ينالها
وقيل مات عشقاً وكيف كان لما بلغ نعيه ليلى خلعت الزينة وأقامت على الحزن حتى ماتت بعده لكن بعده بسنين كثيرة فقد قيل أن وفاة توبة كانت سنة سبعين وقيل إحدى وسبعين ووفاة ليلى كانت إحدى ومائة.
قيل مرت بقبر توبة فقال زوجها هذا قبر توبة الكذاب فقالت لم يكن والله كذاباً فقال لها أليس يقول ولو أن ليلى الأخيلية البيتين، سلمي عليه لننظر فامتنعت فأقسم عليها أن تفعل فلما سلمت خرج من طاقة القبر بومة فأجفلت الناقة فوقعت ليلى ميتة فدفنت إلى جانبه.
(1/81)

وقيل طير كانت العرب تزعم أنه يقيم في هامة المقتول حتى يؤخذ بثاره وحكى أنها هي التي قصدت ذلك وهذه القصة رواها في النزهة عن متفرقين ووثقها وأما هنا فقد حكى ما قررناه إلا السبب عن ليلى نفسها وأنها حكت ذلك للحجاج حين قدمت عليه تجتديه من جدب الزمان فوهب لها مائة من الإبل برعاتها وذلك فيما أخرجه المدائني عن مولى عنبسة قال كنت مع استاذي عند الحجاج إذ قال له الحاجب أن بالباب امرأة فقال أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه إلى الأرض واستجلسها ثم استنسبها فانتسبت فقال ما جاء بك قالت اخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج فقالت الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والبرك معقل وذي العيال مجشل والهالك المقل والناس مسنتون رحمة من الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة لم تدع لنا هبعاء ولا ربعاء ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال وفرقت الرجال وأهلكت العيال فانظر إلى هذه الفصاحة والبلاغة ولذلك انقاد لها مع تجبره فقولها خلاف النجوم تريد به الأنواء فإن العرب يعرفون بمساقط النجوم لانواء يستدلون بها على صحة السنة وخصبها وكثرة الأمطار فكأنها تعد بذلك فإذا لم تأت بذلك فقد أخلفت وقلة الغيوم تريديه لازمها الغالب وهو المطر وفيه عطف الأخف على الأعم وكلب البرد شدته والعرب تطلق هذا الاسم على أيام مخصوصة من تاسع كانون أعني كيهك إلى ثامن عشر شباط أعني امشير والفجاج هنا الأرض وغبرتها كناية عن عدم نداوة الأرض فإن ذلك يثير الغبار واقشعرار الأرض عدم نباتها والبرك الايل وعقلها كناية عن عدم ما تحمله والأجشال اليبس والاملاق والهبعاء الحسنة والربعة السيئة وعن الأصمعي الهبعاء ما يزرع في سوى الربيع والربعاء ما يزرع فيه أو هما مطران أو الابل والغنم ضعيف وفي تهذيب الاصلاح للتبريزي هما كلمتان يراد بهما الاخبار عن نفاد ما في اليد مثل ما عنده سبد ولا لبد والعافطة العنز والنافطة النعجة.
ويقال أيضاً الاثا غية ولا راغية أي لا غنم ولا ابل ثم مدحته حتى استعفى وقال لم يصب وصفي منذ دخلت العراق غيرها ثم قال لخازنه اقطع لسانها فأراد ذلك فقالت ويحك إنما أراد بالعطاء فراجعه فغضب وأمر بعودها ثم قال لجلسائه هذه ليلى التي مات توبة من حبها. ثم قال أنشدينا ما قال فيك، فأنشدت حمامة بطن الواديين، فقال وما قلت أنت فيه فقالت كثيراً أيها الأمير فقال هات فأنشدت:
نظرت ومن دوني عماية منكب ... وبطن الركايا نظرته النواظر
أونس إن لم يقصر الطرف دونهم ... فلم تقصر الأخبار والطرف قاصر
وهي قصيدة ترثيه فيها بكلام حسن غير أن فيها طولاً ومن محاسنها في توبة:
أتته المنايا بين زعف حصينة ... واسمر خطى وجرداء ضامر
على كل جرداء السراة وسابح ... دوان بشباك الحديد زوافر
عوابس تغدو التغلبية ضمرا ... فهن سراح بالشكيم الشواجر
فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاك المنايا دارعاً مثل حاسر
فإن لم يكن بالقتل برّ فإنكم ... ستثقون يوماً ورده غير صادر
فتى لا تخطاه الرفاق ولا برى ... لقدر عيالاً دون جار مجرور
ولا تأخذ الابل المهاري رماحها ... لتوبة من صرف السري في الصنابر
إذا ما رأته قائماً بسلاحه ... نفته الخفاف بالثقال البهاذر
إذا لم يجز منها برسل فقصره ... ذرى المرهفات والقلاص التواجر
قرى سيفه منها مشاشاً وضيفه ... سنام المهاري السباط المشافر
وتوبة أحيى من فتاة حيية ... وأجرأ من ليث بخفان خادر
ونعم الفتى إن كان توبة فاجراً ... وفوق الفلى إن كان ليس بفاجر
فتى ينهل الحاجات ثم يعلها ... فتطلعه عنها ثنايا المصادر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يثن ابراداً عتاقاً لفتية ... كرام ورحل قيل في الهواجر
ولم ينجل الضيفان عنه وبطنه ... خميص كطي السبت ليس بخادر
(1/82)

فتى كان للمولى سناء ورفعة ... وللطارق الساري قرى غير فاتر
ومنها:
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاً ... وأحفل ما نالت صروف المقادر
على مثل همام وكابن مطرف ... تبكي البواكي أو كبشر بن عامر
غلامان كانا استوردا كل سورة ... من المجد ثم استوثقا في المصادر
ربيعي حياً كانا يفيض نداهما ... على كل مغمور نداء وغامر
كان سنا ناريهما كل شتوة ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر
ومن مراثيها فيه أيضاً:
أيا عين بكى توبة بن حمير ... بسح كفيض الجدول المتفجر
لتبكي عليه من خفاجة نسوة ... بماء شؤن العبرة المتحدر
سمعن بهيجا أضلعت فذكرنه ... وما يبعث الأحزان مثل التذكر
كان فتى الفتيان توبة لم يسر ... بنجد ولم يطلع مع المتغوّر
ولم يرد الماء السدام إذا بدى ... سنا الصبح في بادي الحواشي منوّر
ولم يغل بالجود الجياد يقودها ... أسرته يوم المشان فاقسر
ولم يغلب الخصم الصحاح ويملأ الجف ... ان سديفاً يوم نكباء صرصر
وصحراء موماة يحاربها القطا ... قطعت على هول الجبان بمنسر
يقودون قبا كالسراحين لاحها ... سراهم وسير الراكب المتهجر
فلما بدت أولى العدوّ سقيتها ... بصياب مسكوب المزاد المقير
ولما أهابوا بالنهاب حويتهم ... بخاطي البضيع كره غير أعسر
بمرّ ككرّ الأندري مثابر ... إذا ما ونينا مخصف الشد محضر
وألوت بأعناق طوال وراعها ... صلاصل بيض سابغ ومسوّر
ألم تر أن العبد يقتل ربه ... فيظهر جدّ العبد من غير مظهر
قتلتم فتى لا يسقط الروع رمحه ... إذا الخيل جالت في القنا المتكسر
فيا توب للهيجا ويا توب للندى ... ويا توب للمستنج المتنوّر
ويا رب مكروب أجبت ونائل ... بذلت ومعروف لديك ومنكر
وأنشدته غير ذلك مما لا حاجة لنا إلى ذكره، إذ ليس على شريعتنا فانعم عليها فوق ما سألت، ثم قال لها هل بقي لك حاجة. قالت نعم تدفع إلي النابغة أحكم فيها بما أرى، وكان يتهاجى هو وإياها.
فلما سمع بذلك هرب إلى الشام فتبعته، ثم استأذنت عبد الملك فيه فأذن لها وأظنه الذي سألها عن توبة أكان كما يقول الناس. فقالت يا أمير المؤمنين كان والله سبط البنان حديد السنان عفيف المئزر جميل المنظر لا معاوية كما قيل هنا ثم أنها لم تزل في طلب النابغة حتى توفيت بقومس بلدة من أعمال بغداد على جانب الفرات، وقيل بحلوان والمدى بينهما قريب، وهذا يعارض ما سبق من موتها عند قبر توبة وظاهر تطار الروايات صحة الأول.
ومنهم
عامر بن سعيد بن راشد
وينسب إلى كعب بن الأميل الطائي، كان يهوى ابنة عمه جميلة بنت واثلة بن راشد.
قال في النزهة إن ولادتهما كانت في ليلة واحدة ونشآ غير متفرقين حين بلغا الحلم وقد اشتد كلف كل منهما بصاحبه وكان سعيد ذا ثروة وكان أخوه واثلة قد اتفق معه على تزويج ابنته من عامر فاتفق أن وقع بين تميم ومزينة فانتهبت مزينة فلم يترك لسعيد ثنية ولا ناب ووقع فيه جراح كثيرة، فمات أثر الوقعة بأيام وقد أملق أهله فامتنع وائلة من تزويج عامر وحجبت جميلة عنه فاختبل واعتوره الجنون وقال الشيزري لم يمنعه منها لاملاقه، وإنما كان أبوه يمنعه عن أن يشيع عشقها.
فلما مات أشاعه في العرب وشبب بها فامتنع عمه لما سبق لك بيانه من عادة العرب ولما اشتد به الحال أشار النساء على والدته ان تعرض عليه العذريات. فكان كلما رأى واحدة يشكرها ثم يتنفس الصعداء، ويقول ماء ولا كصداء المثل السابق. فلما كان بعد مدة قدم رجل من طيء على واثلة فخطب جميلة منه وذكر النسب فزوجها منه، فلما زفت إليه وقع عامر على الوساد فاعتزلت به أمه عن العرب لئلا يرى الزفاف.
(1/83)

قال الأخفش سعيد بن مسعدة، خرجت في طلب ضالة لي، فوقفت على هذا البيت أو قال نزلنا على ما لطيء فإذا أنا بخيمة منفردة فقصدتها، وأخرج الحكاية في نديم المسامرة عن أبي عمرو بن العلاء عن تميمي، فأسندها إلى الأصمعي، وأخرج الدقاق عن لاسدي أن المباشر للحكاية هو الأصمعي، وعلى كلا التقديرين، فمحل الاتفاق أن الرجل حين انتهى إلى البيت رأى عجوزاً عليها بقية الجمال ساهية متفكرة، وفي كسر البيت شخص كالخيال مسجى عليه قطيفة. قال فسألتها عنه، فقالت هو ولدي وشأنه كذا وأعادت القصة ثم قالت هل لك أن تعظه، فوعظته وزهدته حتى قلت له أنها امرأة كغيرها ألا ترى كيف يقول كثير:
هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف
فقال هو مائق يعني أحمق، وأنا وامق يعني صادق الألفة، فلست كهو إنما أنا كأخي تميم يعني جميل حيث يقول:
ألا لا يضير الحب ما كان ظاهراً ... ولكن ما أخفى الفؤاد يضير
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسير
ثم أنشد:
ألا ما للملحة لا تعود ... أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني عوّاد قومي ... فما لك لم ترى فيمن يعود
فقدتك بينهم فبكيت شوقاً ... وفقد الالف يا أملي شديد
فلو كنت المريضة لا تكوني ... لعدتكم ولو كثر الوعيد
ولا استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من ذوي رحمي عديد
ثم فاضت نفسه فجزعت، فقالت العجوز لا تخف فقد استراح مما كان فيه ولكن إن أحببت كمال الصنيعة فانعه إلى الأبيات ففعلت، فخرجت جارية عليها أثر العرس وهي أجمل من رأيت فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبلته وأنشدت:
عداني أن أزورك يا منايا ... معاشر كلهم واش حسود
أذاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ حللت ببطن أرض ... وقصر الناس كلهم اللحود
فلا بقيت لي الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثري عديد
ثم خرت مية فخرج شيخ وهو يقول لئن لم أجمع بينكما حبين لأجمعن بينكما ميتين ودفنهما في قبر.
هذا ما اتفق عليه سوى الوعظ فلم يرو عن الأخفش وبعض تغيير في الأبيات فإن الأخفش لم يرو الثالث وروى التميي لم تعدني أي بدل لا تعود.
ومرضت فعادني أهلي جميعاً. وفي النزهة فما استبطأت غيرك وهو الأقعد وفي قولها عن التميمي: عداني أن أعودك يا حبيبي. معاشر فيهم وفيها أنها قالت له حين نعى بفيك الحجر المصلت من تنعي. قلت فلاناً. قالت أو قد مات. قلت نعم. وعن الأصمعي أنه حين سأله عن حاله لم ينطق فقال له من حوله أذكر له الشعر فأنشد:
سبق القضاء بأنني لك عاشق ... حتى الممات وأين منك مذاهبي
فأنشد:
أخلو بذكرك لا أريد محدثاً ... وكفى بذلك نعمة وسرورا
أبكي فيطربني البكاء وتارة ... يأتي فيأتي من أحب أسيرا
فإذا أتى سمج بفرقة بيننا ... أعقبت منه حسرة وزفيرا
وفيها قال أنه عامر بن غالب وجميلة بنت أميل:
ومنهم ما حكى الأصمعي
قال بينما أنا أسير إذ فاجأني الليل فأويت إلى جبانة فتوسدت قبراً فإذا أنا بهاتف منه يقول:
أنعم الله بالخيالين عيناً ... وبمسراك يا سعاد إلينا
وحشة ما لقيت من خلل القبر ... عسى أن نراك أو أن ترينا
فدخلت حين طلع الصبح إلى الحي، فإذا أنا بجنازة فتبعتها حتى جاؤا بها فدفنت إلى جانب القبر الذي سمعت منه الصوت فحدثتهم بذلك فأخبروني أن هذا الرجل منهم أحب ابنة عمه هذه فتزوج بها فلم تقم إلا قليلاً.
فلما حضرته الوفاة تعاهدا على أن لا تتزوج بعده، فاشتد بها الوجد حتى ماتت الليلة. قلت وهذا جائز أن يقع من النفوس المجردة إذا تصادق اعتلاقها فإن اللذات بعد مفارقة الهياكل الجسمانية أعظم.
ومنهم فتى أسدي
أحب ابنة عمه وكان اسمها سعدى فمنعه أبوه أن يتزوج إلا بأرفع منها، وأبى الغلام إلا هي، فلما أيس أبوها زوجها من رجل، فاشتد وجد الغلام وأنه لقيها يوماً فأنشد:
لعمري يا سعدى لطال تأيمي ... ومعصيتي شيخي فيك كلاهما
(1/84)

وتركي للحيين لم أبلغ منهما ... سواك ولم يربع هواي عليهما
فقالت الجارية:
حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي ... كفاني ما بي من بلاء ومن جهد
ومن عبرات تعتريني وزفرة ... تكاد لها نفسي تسيل من الوجد
غلبت على نفسي جهاراً ولم أطق ... خلافاً على أهلي بهزل ولا جد
ولن يمنعوني أن أموت بزعمهم ... غدا خوف هذا العار في جدث وحدي
فلا تنس أن تأتي هناك فتلتمس ... مكاني فتشكو ما تحملت من جهد
فقد أوضحت له أنها هالكة من الغد بعشقه. فلما كان الموعد جاء فوجدها ميتة فاحتملها إلى شعب بذرى جبل يقال له عرفات بفتح المهملة، وضمها ملتزماً لها، فمات واختفى أمرهما حولاً حتى مر شخص من العرب فسمع هاتفاً على الجبل يقول:
إنا الكريمان ذو التصافي ... الذاهبان بالوفاء الصافي
والله ما لقيت في تطوافي ... أبعد من غدر ومن اخلاف
من مبتين في ذرى اعراف فصعد الناس فوجدوهما على تلك الحالة فواروهما.
ومنهم عمرو بن كعب بن النعمان ابن المنذر بن ماء السماء ملك العرب المشهور
قال ابن عساكر وكان من فرسان العرب وحماتها وكرمائها وشجعانها، وان جده النعمان صاحب الخورنق هو الذي كفله حين مات أبوه وهو صغير فلما زهد النعمان في الملك كما هو مشهور، ضاع أمر الغلام. قال في الشامات فأخذه عمه أبو النجاد، فلما بلغ عنده وكان له بنت تعرف بالعقيلة، وهي من أجمل نساء العرب وأعلمهن بالأدب وأحوال العرب أياماً ووقائع، فعلقت نفس عمر بها واشتد ولوعه وزاد غرامه، خطبها إلى عمه فطلب منه مهراً يعجز عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى ابرويز بن كسرى، لما كان بين جدودهما من الوصلة.
فلما ذهب في الطريق مر بعراف، فبات عنده فاستعلم منه الأمر، فأخبره أنه ساع فيما لا يدرك، فعاد فوجد عمه قد زوج العقيلة لفزاري، فهام على وجهه إلى اليمامة، فلما بنى بها الفزاري وكان عندها من العشق لعمرو أضعاف ما عنده لها فكانت تشد الفزاري إذا جن الليل إلى كسر البيت وتبيت في الخدر، فإذا أصبح الصبح تطلقه فيستحي أن يخبر العرب بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلة.
فلما كثر توبيخ العرب له واختلاف ظنونهم به، خرج لا يدري أين ذهب، وأقامت العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل مما يمسك الرمق ودأبها البكاء على عمرو وهو كذلك ولم يمكنهما الاجتماع قال الغريابي في عجيب الانفاق في تطابق أحوال القامة فمرض عمرو مرضاً كاد أن يأتي على نفسه فكان لا يرى إلا شاخصاً إلى السماء متمسكاً بسبب قد علقه بيديه من العشاء إلى الصباح وهو ينشد:
إذا جن ليلى فاضت العين أدمعا ... على الخد كالغدران أو كالسحائب
أودّ طلوع الفجر والليل قائل ... لقد شدت الأفلاك بعد الكواكب
فما أسفي إلا على ذوب مهجتي ... ولم أدر يوماً كيف حال الحبائب
فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقه فوجده غاصاً بالضحك مستبشراً، فسأله فقال:
لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقي ... ويبدل بعد بيننا بتداني
فقد آن للدهر الخؤون بانه ... لتأليف ما قد كان يلتثمان
ثم شهق شهقة فاضت نفسه فيها، قال الفريابي فضبط اليوم الذي مات فيه فوجد موت عقيلة في ذلك اليوم أيضاً.
وأخرج المصنف عن ابن دريد عن الفرزدق، قال خرجت في طلب غلام آبق، فلما صرت على ماء لبني حنيفة جاءت السماء بالأمطار فلجأت إلى بيت من جريد النخل فيه جارية سوداء، فأنزلتني فلم ألبث إلا ريثما أخذت الراحة وقد دخلت لي جارية كأنها القمر، فحيت ثم قالت ممن الرجل قلت تميمي. قالت من أيها قبيلة، قلت من نهشل بن غالب، فقالت إذاً أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
قلت نعم، قالت قد هدمه جرير بقوله:
أخزى الذين سمك السماء مجاشعاً ... وأحل بيتك بالحضيض الأوهد
قال فأعجبتني فلما رأت ذلك في عيني قالت أين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت:
(1/85)

تذكرت اليمامة أن ذكرى ... بها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقي المليك أجش جوناً ... تجود بصحة تلك اليمامه
أحيى بالسلام أبا نجيد ... فأهل للتحية والسلامه
قال فأنست بها فقلت أذات خدر أم ذات بعل فقالت:
إذا رقد النيام فإن عمراً ... تؤرقه الهموم على الصباح
تقطع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخلى ولا بصاح
سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحن إلى الرواح
فقلت لها من عمرو فأنشدت:
إذا رقد النيام فإن عمراً ... هو القمر المنير المستنير
وما لي في التبعل من براح ... وإن ردّ التبعل لي أسير
ثم سكتت كأنها تسمع كلاماً ثم أنشأت تقول:
يخيل لي أبا كعب بن عمرو ... بأنك قد حملت على سرير
فإن يك هكذا يا عمرو إني ... مبكرة عليك إلى القبور
ثم شهقة شهقة فماتت.
ومنهم ما حكاه الأصمعي
وقد قال له الرشيد حدثني بأعجب ما رأيت. قال أخبرني السميدع بن عمرو الكلابي وقد جاوز المائة. قال كنت كثير الأسفار فمررت قاصداً اليمامة ببيت يلوح، وقد قرب الليل فأردت المبيت عند، فقالت لي امرأة منه أضيف أنت، قلت نعم فقالت على الرحب والسعة، ولكن تنحى حتى يأتي رب المنزل فعدلت إلى طوى هناك فسقيت ناقتي وجلست وإذا بسوداء تحمل جفنة تريد معها تمر ورطب، فقالت تعلل بهذا فقلت في دونه كفاية فأكلت وأخرجت دقيقاً فأطعمت ناقتي وتوسدت ذراعها وإذا بقيم قد حال بيني وبين البيت، ثم غفت عيني فلم أفق إلا وشاب على أحسن ما يكون، ومعه عبيد قد أقبلوا بحطب ونار فأضرموها وجاؤا بكبش فذبح وكشط وطبخوا وثردوا وقدم إلينا فأكلنا، ثم قال لي كن هنا حتى آتيك الصباح فلما أشرف الصبح جاء ففعل كما فعل ليلته. فلما أكلنا قال لم أقض حقك فأقم عندي يومك.
فقلت سمعاً وطاعة، فركب ومكثت ساعة وإذا الجارية تقول لي أجب ابنة عمك، فقلت كيف أكلمها وقيمها غائب. قالت من وراء حجاب فأقبلت فسلمت، فقالت يا ابن العم أتريد اليمامة، قلت نعم. قالت فاحفظ عني هذه الرسالة وأعد إلي جوابها، وأنشدت:
أعلى العهد مالك بن سنان ... أم سقاه أفاوق الغدر ساق
أن يكن خان أو تناءى فإني ... لعلى العهد ما استناع رماقي
ما ألم الرقاد مذ بنت إلا ... بجفون قريحة الآماق
فعليك السلام ما لألأ النور وم ... ادب في الثرى عرق ساق
ثم قالت ليكن انشادك الأبيات بالحضرمة، فلما خرجت في اليوم الثاني خرج الشاب فقال يا ابن عمي هل أنت مبلغ عني رسالة وعائد إلي بجوابها؟ قلت نعم. فقال قف بقران بني سحيم وأنشد:
أيا سر حتى قرّان بالله خبراً ... عن البكره العيساء كيف نزاعها
فلو أن فيها مطمعاً لمتيم ... نأت دارها عنه وخيف امتناعها
لهان عليه جوب كل تنوفة ... يخاف عليه جورها وضياعها
تغرّبت عن نفسي وأيقنت أنها ... تريد وداعاً يوم جدّ وداعها
فلما دخلت اليمامة وقفت حيث وصف وأنشدت الأبيات، وإذا بجارية حاسرة كأنها مهرة تنشد:
تحمل هداك الله مني تحية ... إليه جديد كل يوم سماعها
وخبر عن العيساء إن قد توح ... مت مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البين المشتت ألفة ... عزيز علينا أن يحم انقطاعها
ثم شهقت شهقة فماتت، فلما أردت الانصراف وقفت بالحضرمة وأنشدت أبيات المرأة فأجابني فتى:
لم يحل عن وفائه ابن سنان ... لا ولا غاله انتشاء الفراق
إن بين الحشا لهيب اشتياق ... ليس يطفي جواه إلا التلاقي
إنما أبقت الهموم خيالاً ... بالياً ممسكاً بماء الرماق
ثم شهق شهقة فمات، فلما رجعت إلى الحي أخبرت المرأة بجوابها فشهقت شهقة فارقت نفسها، وعلت الأصوات فأقبل الشاب فقال لي ما شأنها؟ فأعلمته الخبر ثم أنشدته جواب أبياته، فقال فها أنا أيضاً ميت فاضطجع فكأنما كانت نفسه بيده.
(1/86)

وهذه الحكاية أخرجها في نديم المسامرة والشهاب في منازل الأحباب. والحافظ مغلطاي في الواضح وأمثال هذه عندهم يعرف بالعشق المسلسل ونظيره ما حكاه الشيزري عن العتبي قال تذاكرنا العشق يوماً وبيننا شيخ ساكت فقلنا له ألا تحدثنا بما عندك في هذا، فقال جلسنا يوماً للشرب ومعنا قينة فغنت:
علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى
فقال شاب كان في المجلس أحسنت والله يا سيدتي، أتأذني لي أن أموت فقالت مت راشداً إن كنت عاشقاً، وكان يهوى القينة فاضطجع فإذا هو ميت فتنغص مجلسنا، ثم دخلت إلى أهلي فأخبرتهم بالقصة، وكان لي ابنة تهوى الشاب ونحن لا ندري. فلما سمعت الخبر قامت إلى خلوة وأنكرت قيامها، فدخلت إليها فإذا هي متوسدة كما وصفت لها الشاب ميتة، فلما خرجنا بجنازتها وبالشاب وجدنا جنازة ثالثة وإذا هي القينة ماتت حين بلغها موت ابنتي لأنها كانت تهواها.
ومنهم ما أخرج الحافظ عن ابن دريد عن عبيد النعالي غلام أبي الهذيل
قال رجعت من تشييع جنازة وقد اشتدت الهاجرة فملت إلى ظل أتفيأ به، فسمعت صوتاً مطرباً فطرقت الباب أستسقي الماء، فخرج شاب على أحسن صورة غير أن العلة لم تبق إلا رسمه فأدخلني إلى موضع أنيق بالفرش، وجاءت جارية فغسلت رجلي ثم بعد يسير جاءت بالطست فقلت قد غسلت قالت نعم، ولكن اغسل يديك للغداء، فغسلت وجاءوا بطعام فأقبل يضاحكني ويأكل متغصصاً والعبرة تخنقه، ثم جاء بشراب فسقاني وشرب، ثم قال قم بنا إلى نديم إلي، فدخلت معه إلى بيت لطيف فيه قبر قد صب حوله الرمل، فجلسنا فشرب وسقاني ثم أنشد يقول:
أطأ التراب وأنت رهن حفيرة ... هالت يداي على صداك ترابها
إني لا غدر من مشى إن لم أطأ ... جفون عيني ما حييت جنابها
لو أن حشو جوانحي متلبس ... بالنار اطفأ حرها وأذابها
ثم أكب على القبر مغشياً عليه، فجاءه خادم فرش عليه الماء فأفاق، وسقاني وأنشد:
اليوم ثاب لي السرور لأنني ... أيقنت أني عاجلاً بك لاحق
فغدا أقاسمك البلا ويسوقني ... طوعاً إليك من المنية سائق
ثم قال قد وجب عليك حقي، فاحضر غداً جنازتي فدعوت له بطول البقاء وانصرفت فقال عققتني إن لم تقل:
جاور خليلك مسعداً في رمسه ... كيما ينالك في البلا ما ناله
فانصرفت عنه فلم أعرف نوماً حتى أصبحت فأتيته فإذا هو قد مات، فدفن إلى جانبها قلت نقل في عجيب الاتفاق وليس من شأنه هذا إن هذا الشاب كان يهوى ابنة عمه ومنع عنها زماناً، ثم مات أبوها فتزوج بها فأقام معها ثلاث ليال ثم حمت ساعة من نهار فجلس وأخذ رأسها على ركبته، فشربت الماء فشهقت وماتت فدفنها في بيته، وأقام يبكي وقد هجر الطعام والشراب واللبس والنوم، فكانت مدته إلى أن لحق بها ثلاثة عشر يوماً.
وأيضاً من نظير المسلسل ما روي عن يونس النحوي، قال نزلت بصديق لي ببادية يقال له مالك العذري فإذا نحن بامرأة تقول قد تكلم فاستبشر النساء بذلك، فسألت صديقي عن الخبر، فقال رجل منا أجب ابنة عمه وتزوجها رجل وحملها إلى الحجاز فصار ملقى على فراشه من نحول لا ينطق، فقلت أحب أن أنظره فقمنا حتى وقفنا عليه، فقالت أمه يا ولدي هذا عمك مالك ففتح عينيه وأنشد:
ليبكني اليوم أهل الود والشفق ... لم يبق من مهجتي إلا شفا رمق
اليوم آخر عهد بالحياة فقد ... أطلقت من ربقة الأحزان والقلق
ثم تنفس فإذا وميت فقمنا عنه، فلما رجعنا إذا نحن بشابة بيضاء ناعمة الثياب تبكي بحرقة وجزع فسألناها عن السبب فأنشدت:
اليوم أبكي لصب شف مهجته ... طول السقام وأضنى جسمه الكمد
يا ليت من خلف القلب المقيم به ... عندي فأشكو إليه بعض ما أجد
انشر تربك أسرى لي النسيم به ... أم أنت حيث يناط السحر والكبد
ثم شهقت شهقة وماتت، فإذا هي تهوى الشاب قلت. قال في النزهة عن الرياشي عن يونس هذا، قال اجتمعت بصديق بعد ذلك اليوم، بمدة لا تزيد عن شهرين.
(1/87)

فقال لي أتعرف الشاب الذي مات يوم كذا. قلت نعم، قال قدم علينا الحجازي زوج ابنه عمه فأخبر أن المرأة من لدن حملها لم تنفك عن المرض، حتى قضيت يوم كذا فإذا هو اليوم الذي مات فيه الشاب.
ومنهم ما حكاه الكاتب
قال، كنا في منتزه وقد أقبل ابن عائشة يسوس غلاماً لا يستطيع أن يملك نفسه، فسألناه عن أمره فقال من العشق، فتذاكرنا أخبار العشاق فقلت ألا أحدثكم بأعجب من هذا، قالوا هات قلت أخبرني بعض العرب. قال مررنا بماء وعليه صبية يتغاطسون وقريب منهم شاب عليه أثر الجمال، إلا أنه كالمنتحل من علة، فسلمت عليه فقال مما الراكب قلت من الحمى، فقال من كم عهدك به قلت قريباً فتنفس الصعداء وأنشد:
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما يروي به ويشيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحل به شخص عليّ كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه ... لديّ وإن شط المزار نعيم
ومن لا منى فيه حبيب وصاح ... ت فردّ بغيظ صاحب وحميم
ثم أغشي عليه فصببا عليه الماء فأفاق ثم أنشد:
إذا الصب الغريت رأى خضوعي ... وأنفاسي تزين بالخشوع
ولي عين أضر بها التفاني ... إلى الأجزاع مطلقة الدموع
إلى الخلوات يأنس فيك قلبي ... كما أنس الغريب إلى الجميع
فقلت له إن كان لك حاجة فيها شفاء نفسك فمرني بها فإني مطيع فقال أعلم أنك محل ولكن لم تدرك مني إلا صبابة لا تتلافى ففارقته فبلغني أنه لم يبت تلك الليلة.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب
قال، كان في بني عذرة فتى ظريف يهوى محادثة النساء، فعلق جارية فأضنته حتى لزم الوساد وسئلت في أمره فامتنعت حتى إذا بلغ الموت، جاءته فحين رآها أنشد:
أريتك إن مرّت عليك جنازتي ... تمر على أيدي طوال وشرّع
أما تتبعين النعش حتى تسلمي ... على رمس ميت في الحفيرة مودع
فحلفت أنها لم تعلم أنه بلغ به الحب إلى هذا الحال وأخذت تستعطفه، فتمثل بقول بشر بن حضرم الكلاعي:
أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم أغشي عليه وانكبت تقبله، فإذا هو ميت فلم تمكث بعده إلا قليلاً.
ومنهم ما حكاه ابن الجوزي
أن رجلاً علق جارية نصرانية وأخذ هواها منه حتى أزال عقله فحمل إلى البيمارستان فأقام به مدة، وكان له صديق يتعاهده فقال له يوماً وقد أشرف على التلف قد أيست من ملاقاة فلانة في الدنيا، وأخاف أن لا ألقاه في الآخرة إن مت مسلماً. ثم تنصر ومات فخرج من عنده فوجدها عليلة، وهي تقول قد أيست من فلان في الدنيا فأنا أسلم لألقاه في الآخرة، ثم أسلمت وماتت.
ومنهم الحرث المشهور بابن الفرند من خزاعة
وقال في الشامل أنه من قحطان نشأ وابنة عمه عفراء بنت الأحمر ممتزجين بالألفة إلى أن بلغا فتزوج بها فأقاما مدة ينمو الهوى بينهما إلى أن عزمت يوماً على أن تزور أباها فجهزها إليه فأقامت مدة وكل منهما يأبى أن يجيء بنفسه، وزادت الوحشة بينهما وحلف أبواهما على أن يأتي أحدهما الآخر مخافة أن تزري العرب به. فمرض الحرث فكتب إليها:
صبرت على كتمان حبك برهة ... ولي منك في الأحشاء أصدق شاهد
هو الموت إن لم تأتني منك رقعة ... تقوم لقلبي في مقام العوائد
فأجابته:
كفيت الذي تخشى وصرت إلى المنى ... ونلت الذي تهوى برغم الحواسد
ووالله لولا أن يقال تظنناً ... بي السوء ما جانبت فعل العوائد
فلما قرأ ما في الرقعة وانتشق ريحها وكانت أعطر زمانها غشي عليه فإذا هو ميت فقيل لها ما كان عليك لو أحييته بزورة، قالت خشيت أن يقال صبت إليه ولكني قاتلة نفسي عن قريب فلم يشعر بها إلا وهي ميتة.
ومنهم
عياش الكناني
قال هشام: خرجنا في حاجة وهو معنا فمررنا ببني حنيفة فرأى جارية منهم فوقعت من قلبه موقعاً عظيماً فتخلف عنا، وراسلها فأبت وكان لا يخطىء سهمه إذا رمى فسحب قوساً، وأقبل في الليل وهي نائمة بين أخواتها فأيقظها، فلما شعرت به قالت لئن لم تذهب لأوقظنهم فيقتلونك فحلف إن أعطته يدها يضعها على فؤاده تسكيناً لما به، لينصرف ففعلت فانصرف.
(1/88)

فلما كان من قابل أتى وفعل كفعلته، فقالت له كالأول فحلف إن أمكنته من رشفة مضى. ففعلت وشعر به الحي فتبعوه، فخرج على جبل وأعقب الوقت سماء، فرجع النساء وأخذ الجارية من الوجد أضعاف ما عنده، فخرجت مع جارية من الحي وقد زهر القمر فرآها على بعد، وقد أسبلت شعرها من الندى فحبسها بعض من يطلبه فرماها بسهم فلم يخط قلبها ونزل فوجدها تتخبط بدمها وقد أشرفت على الهلاك فقتل نفسه.
ومنهم ما رواه أعرابي أو هو جبلة بن الأسود
قال خرجت في طلب ضالة لي فوقعت على راع عنده غنم يرعاها، وقد اتخذ بيتاً في كهف هناك، فسألته القرى فرحب بي وأنزلني، ثم جاء بشاة فذبحها وجعل يشوي ويقدم إلي ويحادثني حتى اكتفيت.
فلما جن الليل إذا بفتاة كأحسن ما يكون من النساء قد أقبلت إليه، فجلسا يتحادثان حتى طلع الفجر فمضت وسألته الذهاب فأبى، وقال الضيافة ثلاث فأقمت، فلما جاء الليل رأيته يقوم ويقعد متضجراً ثم أنشد:
ما بال مية لا تأتي كعادتها ... أعاجها طرب أم صدها شغل
لكنّ قلبي عنكم ليس يشغله ... حتى الممات وما لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم ... لما اعتذرت ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقماً ... تكاد من حرّة الأعضاء تنفصل
لو أنّ غادية منه على جبل ... لما دوا نهد من أركانه الجبل
فسألته عن شأنه فقال هذه ابنة عمي وأنا أحبها فخطبتها من عمي فأبى علي لفقري وزوجها من رجل وقد حملها إلى هذا الحي فخرجت عن مالي، وعملت راعياً لهم، فهي تأتيني على غفلة من زوجها، فأنظر إليها ونتحادث ليس غيره، والآن قد قلقت لفوات ميعادها، وفي الطريق أسد قد كسر وأخاف أن يكون أصابها، فعلى رسلك حتى أعود وأخذ السيف ومضى قليلاً ثم عاد يحملها وقد أصابها الأسد فطرحها ثم غاب ورجع يجر الأسد مقتولاً، فطرحه وانكب يقبلها ويبكي، ثم قال لي أسألك بالذمة إلا ما دفنتني وإياها في هذا الثوب.
وكتبت على القبر هذا الشعر فإني لا بقاء لي بعدها، ثم انكب عليها، فإذا هو ميت، وقيل انكب على السيف فخرج من ظهره. وفي رواية ونمنا إلى الصباح فوجدته ميتاً فلففتهما ودفنتهما وكتبت على القبر الشعر الذي أوصى به وهو:
كنا على ظهرها والدهر في مهل ... والعيش يجمعنا والدار والوطن
ففرّق الدهر بالتصريف الفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم فرقت الغنم ومضيت إلى عمه فأخبرته بذلك فكاد أن يقضي أسفاً، على عدم الجمع بينهما.
منهم
كامل بن الرضين
وكان يحب ابنة عم له يقال لها أسماء، فافتتن بها حتى أنحله السقم ولزم الوساد فسأله أبوه أباها أن يزوجها منه فقال له أحمله إلي لأزوجه بها ففعل، فلما علم بذلك قال أو أنا بموضع تسمعني به. قالوا نعم فشهق شهقة فمات، فقالت قد كنت قادرة على زيارة فتركتها خوف الريبة فلأتبعنه، ثم مرضت فقالت لأخص نسائها صوري لي صورته ففعلت، فلما اعتنقتها فارقت نفسها فدفنت إلى جانبه وكتب على قبريهما:
بنفسي من لم يمتعا بهواها ... على الدهر حتى غيبا في المقابر
أقاما على غير التزاور برهة ... فلما أصيب قرّبا بالتزاور
فيا حسن قبر زار قبراً يحبه ... ويا زورة جاءت بريب المقادر
ومنهم
مرة النهدي
وكان قد شغف بابنة عمه ليلى، وكانت أوحد نساء زمانها حسناً، فكتم حبه لها حتى تزوجها، فأقاما مدة لا يزداد حالهما إلا شغفاً إلى أن أمره الخليفة بالتجهيز إلى غزو خرسان. فشكا إليها عدم القدرة على فراقها، فقالت اصنع ما شئت، فحملها معه حتى أودعها عند صاحب له، وتعجل الغزو.
فلما رجع كره أن يدخل ابتداء، فجلس بإزاء القصر، فخرجت جارية فسألها ما صنعت المرأة التي خلفتها عندكم، قالت ذاك القبر الجديد قبرها فتردد حتى خرجت أخرى فأخبرته مثل ذلك، فمضى إلى القبر فجعل يتمرغ عليه ويبكي، ثم أنشد:
أيا قبر ليلى لو شهدناك أعولت ... عليها نساء من فصاح ومن عجم
ويا قبر ليلى ما تضمنت قبلها ... شبيهاً لليلى في عفاف وفي كرم
ويا قبر ليلى أكرمنّ محلها ... يكن لك ما عشنا علينا بها نعم
(1/89)

ويا قبر ليلى إنّ ليلى غريبة ... براذن لم يشهدك خال به وعمّ
ولم يزل كذلك حتى مات ودفن إلى جانبها.
ومنهم رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف
تزوج ابنة عمه، فشغف بها حتى لم يستطع فراقها فنفد ما معه، وضاق حاله، ولم يكتسب شيئاً يقتات به، فقالت له يوماً لو خرجت إلى هشام بن عبد الملك فسألته شيئاً لما منعك، فجهز نفسه، فلما صار قرب الرصافة أغمي عليه ساعة، ثم أفاق وأنشد:
بينما نحن بالملاكت بالقا ... ع سراعاً والعيس تهوى هويا
خطرت خطرة على القلب من ... ذكراك وهنا فما استطعت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين ردّ المطيا
فكررنا صدور عيس عتاق ... مضمرات طوين بالسير طيا
ذاك مما لقين من دلج السير ... وقول الحداة بالليل هيا
ثم قال للجمال ارجع، قال يا سبحان الله قد وصلت إلى الرصافة فاقسم لا يخطى إلا راجعاً، فلما عاد صادفه رجل من بني عمه فأخبره أن زوجته قد ماتت فلم يسمع منه إلا شهقة وفارقته نفسه.
فصل فيمن أناخ به الحب ثقله ... حتى أذهب عقله
وهؤلاء المعروفون عند أهل القوانين بعقلاء المجانين، وقد أفردوا كثيراً بالتأليف وجعلتهم من المجاهيل لاشتباههم بهم فيما قدمت من الشروط.
فمنهم ما أخرجه مغلطاي عن الأديب
قال عشق فتى عندنا جارية، فلم يزل يزداد ولعه بها حتى ذهب عقله، فكان آونة يسكن إلى الناس وأخرى يسكن الخربات ويتوحش، فمررت به يوماً في خربة يثير التراب على وجهه، فسألته عن حاله فأنشد:
يتمني حبها وأضناني ... وفي بحار الهموم ألقاني
كيف احتيالي وليس لي جلد ... في دفع ما بي وكشف أحزاني
يا رب اعطف بقلبها فعسى ... ترحم ضعفي وطول أشجاني
ففارقته ومضيت، فلما كان بعد مدة إذا أنا به يتمرغ على الأرض، فلما أبصرني قال يا عم أنا الليلة ميت، فدعوت له ومضيت، فلما أصبحت غدوت عليه فإذا هو قد قبض.
ومبهم ما ذكره ابن المرزباني في الذهول والنحول عن سعيد بن ميسرة
قال صحبنا شاب فكان لا يلهج إلا بهذه الأبيات:
الا إنما التقوى ركائب ادلجت ... وأدركت الساري بليل فلم ينم
وفي صحبة التقوى غناء وثروة ... وفي صحبة الأهواء ذل مع العدم
فلا تصحب الأهواء واهجر محبها ... وكن للتقي الفاتكن في الهوى علم
فسألناه لمن الأبيات قال لأخ لي كنت أحبه شديداً ولم أر أمزح منه مع التقوى، فسألته: الدنيا تلهج بهذه أم لأخرى، فقال لأمر لا أخبرك به حتى ينفذ من يدي.
ودام على ذلك حتى لزم الفراش فكانت الأطباء تختلف إليه ولم تؤثر معه شيئاً وكان يصرخ الليل كله فأجمعنا على أن ندعه وشأنه، فكان يجلس نهاره على الباب، وكلما مر به شخص يسأله إلى أين يذهب فيقول إلى موضع كذا فيقول لو مررت على من نريد لحملناك حاجة، فقال له صاحب له أنا مار حيث تريد فقال:
تقر السلام على الحبيب تحية ... وتبثه بتطاول الأسقام
وتفيده أنّ التقى ذم الهوى ... لما غدا مستغولاً بزمام
قال نعم، فلما كان بأسرع من أن رجع، فقال بلغتهم رسالتك فقالوا:
لئن كان تقوى الله ذمتك أن تنل ... أمور أنهى عنها بنهي حرام
فزرنا لنقضي من حديث لبانة ... ونشفي نفوساً آذنت بسقام
قال فوثب قائماً ثم أنشد يقول:
سأقبل من هذا وفيه لذي الهوى ... شفاء وقد يسلو الفتى جد وامق
إذا اليأس حل القلب لم ينفع البكى ... وهل ينفع المعشوق دمعة عاشق
قال ومضى، فقمت خلفه وحدي حتى أتى منزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين، وكانت له ابنة من أجمل النساء، فوقف على الباب وقال:
فها أنا قد جئت أشكو صبابتي ... وأخبركم عما لقيت من الحب
وأظهر تسليماً عليكم لتعلموا ... بأنّ وصولي ثم ذا منكم حسبي
قال فلما فهمت القصة وخشيت أن يظهر أمره قلت له ما جلوسك على باب القوم ولم يأذنوا لك، قال بلى قلت كيف وهم يقولون:
(1/90)

بالله ربك لا تمر ببابنا ... أنا نخاف مقالة الحساد
فقال يا صالح أقد قالوا هذا؟ قلت نعم، فجعل يهذي ويقول:
إن كان قد كرهو زيارة عاشق ... فلرب معشوق يزور العاشقا
ثم رجع فلزم الوساد حتى مات.
ومنهم ما حكاه الوراق عن الصوفي
قال حدثني صديق لي، قال دخلت البيمارستان ببغداد، فرأيت شاباً نظيف الثياب قد شد إلى سارية ووراءه وسادة وبيده مروحة، فسلمت عليه وقلت لها ماذا تريد، فقال قرصين وفالوذج فأحضرتهما فلما فرغ قلت له هل تطلب غير هذا؟ قال وما أظنك تقدر عليه قلت أذره، فلعل الله أن يساعدني عليه. فقال تمضي إلى زقاق الغفلة فتقف بباب كذا وتقول مجنونكم من ذا أنحله فمضيت وفعلت ما قال، فخرجت إلي عجوز فقالت قل له عليكم من ذا أعله، فرجعت إليه وأخبرته بذلك فشهق شهقة فمات فرجعت إلى الباب فوجدت الصراخ وقد ماتت الجارية.
ومنهم ما حكاه السامري
قال مررت أنا وصديق لي بدير هرقل، فقال هل لك أن تدخل فتنظر إلى ما فيه من ملاح المجانين، فدخلنا وإذا بشاب نظيف الثياب حسن الهيئة جميل المنظر، فحين بصر بنا قال مرحباً بالوفد قرب الله بكم بابي، من أين أقبلتم؟ فقلنا جعلنا فداءك ومتسع الله بك أقبلنا من كذا، ثم قلنا له ما أجلسك ههنا وأنت لغير هذا المكان أهل وهو لغيرك محل، فتنفس الصعداء وهو مشدود إلى الجدار في سلسلة وصوب طرفه إلينا وأنشد:
الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنها ... بلد وأخرى حازها بلد
أما المقيمة ليس ينفعها ... صبر وليس يقرها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
قلت وسيأتي منه أنه ينسب هذا الشعر لخالد الكاتب ولا يمكن أن يقال إن هذا المحكى عنه هو لأن خالداً لم يحبس وإنما كان سائحاً، كما سيأتي فلم يبق إلا استعارة أحدهما من الآخر قال الراوي، ولما فرغ من شعره التفت إلينا فقال هل أحسنت فقلنا نعم ثم ولينا، فقال بأبي ما أسرع ذهابكما أعيراني سمعكما فعدنا إليه فأنشد:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... ورحلوها وسارت بالهوى الابل
وقلبت من خلاف السجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين منهمل
فودعت ببنان عقدها عمن ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها ... يا نازح الدار حلّ البين وارتحلوا
يا حادي العيس عرج كي أودعها ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم ... فليت شعري وطال العهد ما فعلوا
فقلنا له مجوناً لننظر ما يفعل ماتوا فقال أقسمت عليكم ماتوا، قلنا نعم فجذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه وبرزت عيناه وانبعث الدم من شفتيه وشهق فإذا هو ميت. فما ندمنا على شيء أعظم منه.
وحكاها المبرد كما هي وزاد، إن قال فوجدنا في الدير مجانين ليس فيهم أنظف من شاب عليه بقايا ثياب ناعمة فدنونا منه فقال أنشدوني شيئاً من الشعر أو أنا أنشدكم فقلنا له أنشد، فأنشد الشعرين فلما قال ما فعلوا قال رجل بغيض معنا ماتوا فقال وأنا أيضاً أموت فقال له افعل ما شئت فتجدب حتى مات وأخرج الزجاج في آماليه، عن المبرد الحكاية أيضاً لكنه قال فقال لنا أنشدوني فقلت لرفيقي أنشده فأنشد:
قبلت فاها على خوف مخالسة ... كقابس النار لم يشعر من العجل
ماذا على رصد في الدار لو غفلوا ... عني فقبلتها عشراً على مهل
غضي جفونك عني وانظري أمما ... فإنما افتضح العشاق بالمقل
فقال أنا وهذا القائل على طرفي نقيض فإنه يرى محبوبه وأنا مقصي، فقلنا له أنت عاشق قال نعم. قلنا لمن قال أنت سؤل، قلت محسن إن أخبرت قال عقد لي أبي على ابنة عم لي ثم توفي وترك مالاً كثيراً فاستولى عمي على المال ونسبوني إلى الجنون.
قال المبرد هذا كله والقيم يقول احذروه فإنه يتغير ثم التفت إلي فقال: أنشدني أنت فإنك من أهل الأدب فلم يحضرني إلا قول الشاعر:
قال سكينة والدموع زوارف ... تجري على الخدين والجلباب
(1/91)

ليت المغيري بالذي لم أجزه ... فيما أطال تبصري وطلابي
كادت تردّ لنا المنى أيامه ... إذ لا ألام على هوى وتصابي
خبرت ما قالت فقلت كأنما ... ترمي الحشا بصوائب النشاب
اسكين ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظما وحب شراب
بالذ منك وإن نأيت وقلما ... يرعى النساء أمانة الغياب
ومنهم ما حكاه الأسدي عن أبيه
قال دخلت دير هرقل فوجدت شاباً حسن الهيئة مكبلاً بالحديد فقلت له من الذي أوجب لك هذه الحالة فأنشد:
نظرت إليها فاستحلت بنظرتي ... دمي ودمي غال فأرخصه الحب
وغاليت في حبي لها ورأت دمي ... رخيصاً فمن هذين داخلها العجب
ومنهم ما حكاه ابن غنيم
قال مررت بخربة فرأيت مجنوناً مصفداً بالحديد يتمرغ في التراب ويقول:
ألا ليت أنّ الحبّ يعشق مرة ... فيعرف ماذا كان بالناس يصنع
يقولون فز بالصبر إنك هالك ... وللصبر مني ألف مرة أجزع
ومنهم ما حكاه أبو الحسن المؤدب
قال انحدرت من بالس أريد العراق، فبينما أنا في بعض أزقة الموصل إذ سمعت ضجة فسألت فقيل دار المجانين فدخلت فإذا أنا بشاب في الحديد قد تضرج بالدم، فلما بصر بي قال من أين قلت من بالس. قال وأين تريد قلت العراق. قال أتعرف بني فلان قلت نعم، قال هم الذين صيروني إلى ما ترى في عشقهم وأنشد:
زموا المطايا واستقلوا ضحى ... ولم يبالوا قلب من تيموا
ما ضرّهم والله يرعاهم ... لو ودّعوا بالطرف أو سلموا
ما زلت أذري الدمع في أثرهم ... حتى جرى من بعد دمعي دم
ما أنصفوني يوم بانوا ضحى ... ولم يفوا عهدي ولم يرحموا
ومنهم للفويرك وهو من المشاهير في عقلاء المجانين
قال الأبلي رأيته والصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رآني قال: أما ترى ما صنع هؤلاء بي مع ما أنا فيه من العشق والجنون، قال بلى والله وبي عشق شديد قلت فما أنشدت فيه شيئاً قال بلى وأنشد:
جنون وعشق ذا يروح وذا يغدو ... فهذاله حدّ وهذاله حدّ
هما استوطنا جسمي وقلبي كليهما ... فلم يبق لي قلب صحيح ولا جلد
وقد سكنا تحت الحشا وتحالفا ... على مهجتي أن لا يفارقها الجهد
فأيّ طبيب يستطيع بحيلة ... يعالج من داءين ما منهما بدّ
وقال يوماً وقد لقيته وفي عنقه حبل يقودونه يا أبا بكر بماذا يعذب الله عباده قلت بجهنم فقال صفها فقلت له ومن الذي يقدر أن يصف عذاب الله فقال أنا والله في عذاب أعظم منه وكشف عن جسم نحيل وعظام بالية، وأنشد:
أنظر إلى ما صير الحبّ ... لم يبق لي جسم ولا قلب
انحل جسمي حبّ من لم يزل ... من شأنه الهجران والعتب
ما كان أغناني عن حبّ من ... من دونها الأستار والحجب
وقال له ابن الزيات متى حدث بك العشق قال من زمان طويل، ولكن كنت أكتمه حتى غلب فقال أنشدني ما قلت فيه فأنشد:
كتمت جنوني وهو في القلب كامن ... فلما استوى والحب أعلنه الحبّ
وخلى والجسم الصحيح يذيبه ... فلما أذاب الجسم ذل له القلب
فجسمي نحيل للجنون وللهوى ... فهذاله نهب وهذاله نهب
ومنهم خالد بن يزيد
يكنى أبا القاسم ويعرف بالكاتب خراساني الأصل بغدادي المنشأ أحد كتاب الجيش في الدولة العباسية والمشهورين باللطف والرقة وحسن الشعر، ثم اعتراه الجنون قيل من السوداء.
نقله في النزهة وقال أنها كانت تعتريه زمن الباذنجان فإذا جاء الشتاء، حسن حاله وحكى في امتزاج الأرواح ورياض اللطائف أنه خرج إلى بعض الأعمال بأذربيجان فشهد مجلساً وفيه قينة فأعجب بها وطلب أن يصطحبها فامتنعت فداخله حبها حتى خامر عقله، فكان يصحو أحياناً ويغمر أحياناً فترك العمل مدة ثم استعمله محمد بن عبد الملك في كتابه بعض الأعمال فمر بماجنة تغني:
من كان ذا شجن بالشام يطلبه ... ففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن
(1/92)

فسقط مغشياً عليه حين سمع ذلك وتذكر به حال الماجنة وأنها أخبرته أنها تطلب الشام، ثم أفاق ورجع ورمى العمل وكان يركب قصبة ويطوف ببغداد وأهلها يطلبونه خصوصاً أرباب الدواوين ليسمعوا شعره، قيل قال له ابن الجهم يوماً هب لي قولك:
ليت ما أصبح من رقة حدّيك بقلبك
فقال من الذي يهب ولده، ورآه يوماً والصبيان يضربونه، فأدخله بيته ثم قال له بعدما أخذ الراحة، ماذا تريد قال هريسة ورطباً فأحضرهما، فلما أكل قال أسمعني شيئاً من شعرك فأنشد:
تناسيت ما أودعت سمعك يا سمعي ... كأنك بعد الضر خال من النفع
فإن كنت مجبولاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فاجعله طبعي
هل الحب تجنيه عليّ التفاتة ... فافرح بعد اليأس مني ومن نفعي
علام الجفايا من كلفت بحبه ... أتتلفني بالهجر منك وبالقطع
لئن كان أضحى فوق خديك روضة ... فإن على خدي غديراً من الدمع
فقال له أحسنت والله ووجد لذلك وجداً عظيماً، ثم قال له أسمعني شيئاً غير هذا قال حسبك لن ينالك بهريستك ورطبك أكثر مما سمعت، وخرج من عنده، وله أيضاً:
يا تارك الجسم بلا قلب ... إن كنت أهواك فما ذنبي
يا مفرداً بالحسن أفردتني ... منك بطول الهجر والحب
إن تك عيني أبصرت قينة ... فهل على قلبي من عتب
حسيبك الله لما بي كما ... أنك في فعلك بي حسبي
ودخل على ابن عباد فرفع مجلسه فقال ابن الأعرابي من هذا فقال أو ما تعرفه قال لا. قال هو خالد الكاتب فقال له ابن الأعرابي، أسمعنا من شعرك فأنشد:
لو كنت من بشر لم يفتن البشرا ... ولم يفق في الضياء الشمس والقمرا
نور تجسم منحلاً ومنعقداً ... سلك تضمن في تنظيمه دررا
فقال له ابن الأعرابي كفرت هذه صفة الخالق لا المخلوق أنشدنا غير هذا فقال:
أراك لما لججت في غضبك ... تترك ردّ السلام في كتبك
حتى أتى على قوله:
أقول للسقم عد إلى بدني ... حباً لشيء يكون من سببك
فقال له إنك لفوق ما وصت به ووقف عليه إبراهيم بن المهدي عشية وقد تلفع برداء أسود فقال له أنت القائل:
قد بكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل
قال نعم، قال يا غلام ادفع له ما معك، فقال خالد وما ذاك؟ قال ثلثمائة دينار، قل لا أقبلها أو تعرفني من أنت؟ قال أنا ابن المهدي، فأخذها وانصرف إبراهيم، فلما بويع له بالخلافة طلبه فقال له أنشدني من شعرك فأنشد:
عش فحبيك سريعاً قاتلي ... والضني إن لم تصلني واصلي
قد طغى الشوق بقلب دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب المائل
وحكى عن حمزة الشاعر نحو ما سبق عن ابن الجهم من رؤيته مع الصبيان وادخاله وإطعامه لكنه قال: فأطعمه رطباً فقط واستنشدته فأنشد:
قد حاز قلبي فصار يملكه ... فكيف أسلو وكيف أتركه
رطيب جسم كالماء تحسبه ... يخطر في القلب منك مسلكه
يكاد يجري من القميص ... من النعمة لو القميص يمسكه
فصل في ذكر من جرع كأس الضنى وصبر على مكابدة العنا واتصف بذلك كله من النساء وثبت بعد فراق محبوبه على النوى أو كان منها داعية الاعتداء
حكى صاحب النزهة، قال نشأ ببني حران شاب لبعض التجار يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطافة والعفة، وكان له ابنة عم تسمى لطيفة، وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال. فتوفي أبوها وتركها صغيرة فكلفها عمها حتى بلغت، فكانت تنظر إلى ابن عمها فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها، فمرضت وهي تكتم أمرها.
(1/93)

وكانت امرأة عمها فطنة مجربة للأمور فامتحنتها فوجدتها تغيب عن حسها أحياناً. فإذا دخل الغلام صحت والتمست ما تأكل فأخبرت أباه، فقال يا لها نعمة، ثم زوجه منها فأوقع الله حبها في قلبه فأقاما على أحسن حال مدة، وهو يأمرها أن تكون دائماً متزينة متطيبة، ويقول لها لا أحب أن أراك إلا كذا فلم يزالا على ذلك حتى ضعف الشاب ومات، فحزنت عليه وفقدت عقلها، فكانت تتزين بأنواع زينتها كما كانت وتمضي وتمكث على قبره باكية إلى الغروب.
قال الأصمعي مررت أنا وصاحب لي بالجبانة فرأيتها على تلك الحالة فقلنا لها علام ذا الحزن الطويل فأنشدت:
فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان
وإني لاستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
فعجبنا منها ثم جلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشدت:
يا صاحب القبر من كان يؤنسني ... وكان يكثر في الدنيا موالاتي
قد زرت قبرك في حلى وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
لزمت ما كنت تهوى أن تراه وما ... قد كنت تألفه من كل هيآتي
فمن رآني رأى عبرى مولهة ... مشهورة الزي تبكي بين أموات
ثم انصرفت فتبعناها حتى عرفنا مكانها فلما جئنا إلى الرشيد، قال حدثني بأعجب ما رأيت فأخبرته بأمر الجارية. فكتب إلى عامله على البصرة أن يمهرها عشرة آلاف درهم ففعل وأتي بها إليه وقد أنهكها السقم فتوفيت بالمدائن.
قال الأصمعي فلم يذكرها الرشيد إلا ذرفت عيناه. وحكى بعض أهل المدينة، قال دعاني صاحب لي لسماع جارية تغني، فدخلنا عليها فإذا هي منخرطة الوجه متغيرة تكثر من السهر والاطراق كأنها مشغولة فعزمت عليها أن تخبرني بما بها، فقالت برح الذكر ودوام الفكر وخلو النهار وتشوقي إلى من سار، والذي ترى مما وصفت لك فإن كنت ذا أرب صرفت العتب عن ذي الكرب، واجتهدت في طلب الدواء لمن أشرف على العطب وأخذت العود فغنت تقول:
سيوردني التذكار خوض المهالك ... فلست لتذكار الحبيب بتارك
أبى الله إلا أن أموت صبابة ... ولست لما يقضي الإله بمالك
كأن بقلبي حين شط به النوى ... وخلفني فرداً صدور التيازك
تقطعت الأخبار بيني وبينه ... ليعد النوى واستد سبل المسالك
فوالله لقد خفت أن تسلب عقلي بغنائها، فقلت جعلني الله فداءك وهذا الذي صبرك إلى ما أرى يستحق ذلك مع أن الناس كثير فلو تسليت بغيره فلعل ما بك يسكن ويخف فقد قال الأول:
صبرت على اللذات لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطعمت تاقت وإلا تولت
فقالت قد رمت ذلك فكنت كما قال قيس ولما أبى إلا جماحا البيتين، فأسكتتني حجبها عن المحاورة، وما رأيت كمنطقها وحسنها وأدبها.
وحكى الزبير بن بكار قد دخلت على الأمير بن طاهر حين قدم من الحجاز فتبسم في وجهي ثم قال:
لئن باعدت بيننا الأنساب ... فقد قربت بيننا الآداب
وأن أمير المؤمنين اختارك لتأديب ولده، فأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشر نحوت وبغال تحمل عليها أمتاعك، فشكرت فضله.
فلما عزمت على الانصراف قال زودنا أيها الشيخ حديثاً نذكرك به فقلت أحدثك بما رأيت أبو بما سمعت قال بما رأيت أو بما سمعت. قال بما رأيت قلت بينما أنا بين المسجدين أو قال على اثاوة الأعرج، إذا أنا برجل صاد ظبياً وهم ليذبحه فنشب الظبي بقرنيه في الرجل فدخلا في جوفه فسقط الصياد والظبي ميتين أو قال رأيت حبالة منصوبة وظبياً مذبوحاً ورجلاً ميتاً فجاءت امرأة حسارة وهي تقول:
يا حسن يا بطل لكنه أجل ... على الاساءة ما أودي بك البطل
يا حسن قلقل أحشائي وأزعجها ... وذاك يا حسن عنيد كله جلل
أمست فتاة بني نهد علانية ... وبعلها في أكف القوم يبتذل
قد كنت راغبة فيه أضن به ... فحان من دون ضن الرغبة الأجل
(1/94)

ثم شهقت فماتت، فلم أرى أعجب من الثلاثة. وفي رواية وبعلها فوق أيدي القوم محتمل فوهب له عشرة آلاف درهم، ثم قال أتدرون ما استفدنا من الشيخ قالوا لا، قال قوله علانية يعني ظاهرة وهذا حرف لم أسمعه من العرب.
وحكى أن امرأة أحبت رجلاً وكان متمنعاً عنها زماناً فراسلته أن يتزوج بها ففعل وكانت بينهما ألفة شديدة فمكثا على ذلك مدة، فمرض ومات فجعلت المرأة تتردد إلى قبره ولزمته يوماً تبكي وتنشد:
كفى حزناً إلى أروح بحسرة ... وأغدو على قبر ومن في لا يدري
فيا نفس شقي جيب عمرك عنده ... ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر
فما كان يأبى أن يجود بنفسه ... لينقذني لو كنت صاحبة القبر
ثم زادت في النحيب وانكبت على القبر فإذا هي ميتة. وحكى الربيع قال مررت بجارية على قبر تقول:
بنفسي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الموت صبراً على الحب
قال فقلت لها بم صار كذلك قالت كان إذ أعنف في حبي يصبر وإذا لحى عليه يسكت وإذا زاد به الغرام ينشد هذين البيتين:
يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى ... وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا
فما للذي يهوى ويكتم حبه ... من الأمر إلا أن يموت فيقبرا
ولم يزل يكررهما حتى مات فها أنا مقيمة على حفظ عهده لا أبرح حتى يتصل القبران ثم صرخت وسقطت فاجتمع النساء فحركنها فإذا هي ميتة، فدفنت إلى جانبه.
وحكى رجل من تميم قال ضلت لي ابل فخرجت في طلبها فإذا أنا بجارية كأنها قمر تغشى بصر من ينظر إليها، فما رأتني قالت مالك؟ قلت ضلت لي ابل فلم أعرف خبرها. فقالت هل أدلك على من عنده علمهن. قلت بلى قالت إن الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن وهو أحق بردهن فسله من طريق التيقن لا من طريق الاختبار فأعجبني كلامها ووقفت أنظر إليها ثم راودتها عن نفسها فقالت هبك ليس لك مانع من أدب أمالك زاجر من الحياء فقلت لن يرانا إلا الكواكب. فقالت أين مكوكبها؟ فقلت ألك بعل قالت قد كان ولكن دعي إلى ما خلق له فصار إلى ما خلق منه ثم أنشدت:
إني وإن عرضت أشياء تضحكني ... لموجع القلب مطوي على الحزن
إذا دجا الليل أحياني تذكره ... وزادني الصبح أشجاناً على شجني
وكيف ترقد عين صار مؤنسها ... بين التراب وبين القبر والكفن
ابلي الثرى وتراب الأرض جدّتة ... كأن صورته الحسناء لم تكن
أبكي عليه حنيناً حين أذكره ... حنين والهة حنت إلى وطن
أبكي على من حنت ظهري مصيبته ... وطير النوم عن عيني وأرقني
والله لا أنس حبي الدهر ما سجعت ... حمامة أو بكى طير على فنن
فقلت لها عندما رأيت من جمالها وفصاحتها هل لك في زوج لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه فأطرقت ملياً ثم أنشدت تقول:
كنا كغصنين في أصل غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمني ... أن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضاً فعالجه ... ريب المنون قريباً من سنيات
فاصرف عنك عمن ليس يردعه ... عن الوفاء خلاف في التحيات
وحكى إبراهيم الموصلي، قال كان كثيراً ما يصف في زلزل جارية عنده فلما مات مولاها وسمعت عرضها للمبيع ركبت حتى دخلت عليها فإذا هي جاريه كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها ونقص منه فسألتها أن تغني، فأخذت العود وغنت:
اقفر من أوتاره العود ... فالعود للاقفار معمود
وأوحش المزمار من صوته ... فما له من بعدك تغريد
من للمزامير ولذاتها ... وعارف اللذات مفقود
فالخمر تبكي في أباريقها ... والقينة الخمصانة الرود
فركبت إلى أمير المؤمنين فأعلمته بها، فاستحضرها فلما وقعت من قلبه، قال لها هل لك أن أشتريك؟ فقالت أما إذا اشتريتني فلا خير لك فيّ، فرحمها وأعتقها وأجرى عليها مؤونة.
(1/95)

ومن وفاء النساء أن كسرى أبرويز ترك جارية كانت حظية فطلب ولده أخذها فعالجت ناوس كسرى ففتحته ودخلت فمصت خاتماً مسموماً كان في أصبعه فماتت.
القسم الثالث
فيمن خالسته عيون الاماء فأسلمته إلى الفناء وكادت أن تقضي عليه لولا المداركة بالوفاء
ومما ينبغي ذكره هنا مصدر الحكاية المشهورة عن حبابة، وهي جارية في الأصل للأحوص، وقيل لرجل مدني، وأنها كانت تسمى العالية، وأنه دخل بها على يزيد بن عبد الله في خلافة أخيه وعليها ازار له ذنبان وبيدها دف فغنته:
ما أحسن الجيد من ملكية ... واللبات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة إذا هجع ... الناس ونام النيام صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحد ... يسعى علينا إلا كواكبها
فاشتراها بأربعة آلاف دينار، فبلغ أخافه فعزم على أن يحجر عليه فردها فاشتراها رجل من أفريقية. وقد تولعت بها نفس يزيد وكان قد تزوج سعدى بنت عبد الله بن عثمان وزنجية بنت عبد الله بن جعفر وأمهر كلاً منهما عشرين ألف دينار، فخاف من سليمان الحجر فلم يزل ينتظر حتى انتقلت إليه الخلافة، فأرسلت سعدى مولى لها في طلب حبابة، فبلغه أنها في المدينة فمضى إليها فقيل بمصر، فمضى إليها فقيل بافريقية، فمضى حتى اجتمع بمولاها فاشتراها منه بمائة ألف درهم بعد امتناعه من بيعها، لولا أني أخبرته بأن الخليفة سيأخذها منه قهراً، ولما ارتحل بها مولى سعدى أنشد الافريقي وقد تبعتها نفسه:
أبلغ جبابة أسقي ربعها المطر ... ما للفؤاد سوى ذكراً كم وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكركم ... أو عرسوا تستهيم النفس والفكر
ولما مر بها على مكة شيعها الناس، وقيل من المدينة وكانوا مائتي رجل إلى ذي خشب، وسألوها أن تزودهم صوتاً فأنشدت:
سلكوا بطن مخيض ... ثم ولوا راجعينا
أورثوني حين ولوا ... طول حزن وأنينا
ثم كتبت أسماءهم حتى عرضتهم على يزيد فوهب كلاً ألف درهم، ولما وصل بها إلى سعدى ألبستها حللاً ووبهتها جواهر وطيباً كثيراً، ثم قالت للخليفة قد وهبك الله الملك فهل بقي عليك شيء، وهي تعلم ما في نفسه، فقال لا. فقالت بل أنا أعلم فاخبرني عسى أن أوصلك إليه، فقال العالية يعني حبابة. فقالت أوتعرفها إذا رأيتها؟ قال نعم فأخذت بيده حتى أدخلته عليها فسر وعظمت منزلة سعدى عنده، وكان عاهدت حبابة أن لا تدع لها حاجة عند الخليفة إلا فضتها، وأن يجعل الخلافة لولدها ففعلت، وكانت ربيحة قد اشترت سلامة وهي أيضاً جارية كانت لمدني وكان قد رآها يزيد فوقعت من نفسه موقعاً عظيماً، فلما اجتمعنا عنده، قال أنا الآن كما قيل:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر
وأول ما عظمت به عنده أن دخل يوماً فسمعها تغني من وراء الستر ولا علم لها به:
كان لي يا يزيد حبك حيناً ... كاد يقضي عليّ حين التقينا
فكشف الستر فوجدها مستقبلة الجدار فعلم أنها لم تشعر به فألقى نفسه عليها وارتفعت منزلتها عنده وكانت حبابة أجمل نساء زمانها قد حوت اللطافة والمعرفة بالأدب والآلات والغناء وأخذته عن أهله مثل معبد وجميلة وأم عوف وغيرهم وكان يزيد قبل خلافته يختلف إلى أم عوف ويقترح عليها أن تغني:
متى أجر خائفاً تسر مطيته ... وإن أخف آمناً تنبو به الدار
سيروا إليّ وأرخوا من أعنتكم ... إني لكل امرىء من وتره جار
فسأل حبابة أن تغنيه ولم يمكنها الطعن على أم عوف فبكت يزيد بحبه لها بأن غنت أثر الصوت:
أبى القلب إلا أم عوف وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفندا
فضحك وقال لمن هذا فقالت لمالك فكان كثيراً ما يسألها أن تغنيه، فغنت يوماً:
لعمرك أنني لا حب سلعا ... لرؤيتها ومن بجنوب سلع
تقر بقربها عيني وإني ... لأخشى أن تكون تريد فجعي
حلفت برب مكة والهدايا ... وأيدي السابحات غداة جمع
لأنت على التنائي فأعلمته ... أحبّ إليّ من بصري وسمعي
(1/96)

ولما أنشدته البيت الأول تنفست الصعداء، فقال يزيد مالك وله والله لو أردته حجراً حجراً لجئت به إليك فقالت ما أصنع به إنما أريد صاحبه أو ساكنه واقترح عليها وعلى سلامة يوماً أن يغني كل منهما ما في نفسه، ومن أصابت فلها ما تطلب فغنت سلامة فلم تصب وغنت حبابه:
خلف من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا
فأصابت به ما في نفسه فقال احتكمي، فقالت تهب لي سلامة وما لها، فأبى وقال اطلبي عيرها فأبت إلا هي، فقال أنت أولى بها وبما لها فغمت سلامة لأنها كانت أرفع منها زمن التعليم عند معبد، حتى كان يأمرها أن تدرب حبابة، فذكرتها ذلك فقالت لا ترين إلا خيراً. ثم طلب يزيد شراءها فأعتقتها وزوجتها منه، واختلفتا يوماً في صوت لحنه معبد من شعر لجرير وهو قوله:
ألا حيّ الديار بسعداني ... أحبّ لحب فاطمة الديارا
أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
فاستحضره يزيد ليقضي بينهما وقد أخبر أنه إلى حبابة أميل، فقضى لها فقالت سلامة إنما قضيت للمنزلة ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لما له علي من الحق فأذن لها فمضى معبد فوجد سلامة قد سبقت حبابة بالضلة ولم تزل تفتقده حتى رجع.
وهذان البيتان غنتهما قينة للفرزدق عند الأحوص، فقال الفرزدق ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز، فقال الأحوص إنما هو لجرير يهجوك به، فقال ويل ابن المرارة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره، وقيل أن معبداً حين حضر عند الخليفة غنى قول كثير:
ألم يأن لي يا قلب أن أترك الهوى ... وإن يحدث الشيب الملم لي العقلا
على حين صار الرأس مني كلما ... علت فوقه نذافة العطب أعزلا
فيا عزان واش وشى بي عندكم ... فلا تكرميه أن تقولي له أهلا
كما لو وشى واش بودّك عندنا ... لقلنا تزحزح لا قريباً ولا سهلا
فأهلاً وسهلاً بالذي شدّ وصلنا ... ولا مرحباً بالقائل أصرم لنا حبلا
فطرب يزيد حتى جعل الوسادة على رأسه، ودار في الدار وهو يقول: السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان. فلما رجع إلى مجلسه ذكر اختلافهما السابق لمعبد، فرجع لحبابة كما سبق، فقالت له سلامة يا ابن الفاعلة تعلم أن الحق معي ولكن قضيت للمنزلة، فضحك يزيد وأحسن صلته وكان البيدق من المهرة في الغناء وكان يختلف إلى حبابة. فلما علت عند يزيد قصدها ليستعطيها وسمعت به فأدخلته وقد جلست مع الخليفة، فقالت له إن هذا أبي وشكرت من صوته وأشارت إليه أن يقرأ فقرأ حتى بكي يزيد ثم أومأت أن يغن فغنى شعر سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بتلحين بن شريح.
من لقلب مصفد ... هائم القلب مكمد
أنت زوّدته جوى ... بئس زاد المزوّد
ثاوياً تحت تربة ... وهي رمس بفدفد
غير إني أعلل النف ... س باليوم أو غد
فطرب يزيد فضربه بمدهن من ذهب مفصص بالياقوت، فأشارت إليه أن يأخذه فأدخله في كمه.
فقال يزيد لحبابة انظري إلى أبيك كيف أخذ مدهننا فقالت ما أحوجه إليه، ثم خرج فأمر له بثمانين ديناراً وغنته يوماً الشعر السابق أول القصه، بتلحين ابن شريح فطرب وقال هل رأيت أطرب مني، فقالت نعم معاوية بن عبد الله بن جعفر، فغضب وأحضره فأرسلت حبابة فأعلمته أن لا يطرب إلا عندما تغني الصوت المذكور، فلما غنته رقص وطرب، وجعل يقول الدخن بالنوى فأمر له يزيد بثمانية آلاف دينار.
وقال لها مرة أخرى من أطرب مني، فقالت مولاي الذي باعني فاستحضره مقيداً، فلما دخل عليه وقد أرسلت من عرفه القصة أيضاً غنت فألقى نفسه على الشمعة حتى حرقت لحيته، وهو يقول الحريق يا أولاد الزنا فضحك الخليفة وأكرمه بألف دينار. ثم لم يزل منعكفاً على الاقامة معها، والمحافظة على اللهو والطرب والشرب، وقيل أنه جعل فسقية من الخمر في مجلسه وكان إذا طرب سقط فيها ومزق حلة قيمتها ألف دينار.
(1/97)

قيل ذكر أخوه سليمان بحضرة الرشيد فقال الأصمعي، كان رجلاً نهماً، إذا قدم إليه السماط لا يصبر حتى يبرد بل يتناول اللحم بكمه، وأما أخوه يزيد فكان يسقط في الخمر بثيابه، فقال الرشيد للأصمعي ما أعلمك بالناس، والله إن ثيابهما عندي وإن الدهن في أكمام سليمان وأثر الخمر في ثياب يزيد، ولما استمر على حاله وكان قد ولى الخلافة أثر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وقد اعتاد الناس العدل والاصلاح ثقل عليهم حاله وتعطلت الحاجات فضجوا فدخل عليه مسلمة أخوه فعنفه ولامه ووعظه وذكره عدل عمر. وقيل أنه قال من نفسه، والله ما عمر بأحوج إلى الله مني فهجر الجواري والشراب أياماً.
وقال لمسلمة أرجو أن لا تعتبني بعد اليوم، ثم جلس للناس فثقل ذلك على حبابة فأرسلت إلى الأحوص فعمل شعراً واستحضرت معبداً فلحنه ثم احتالت على أسماعه الخليفة قيل عارضته وهو خارج إلى الصلاة، وقيل رشت خادماً مقرباً منه فأوقفها بحيث يسمع وأنشدته فطرب وقال مروا مسلمة أو قال صاحب الشرط فليصل بالناس ولعن من يلومه في ذلك وعاد فاعتكف على ما كان عليه، وقيل إن الذي أمره بالكف عن ذلك مولى خراساني، كان ذا رتبة عنده، وأنه قال له سأحضرك معهن وأقول أنك عمي، فإن عنفتني رجعت وفعل فشعرن به وقمن يضربنه فوقاه يزيد ثم قال له أدوم على ذلك أم لا فقال دم فاستمر والشعر الذي أنشده الأحوص هو هذا:
ألا لا تلمه اليوم أن يتلبدا ... فقد غلب المحزون أن يلجلدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن فندت الصبا في طلب الصبا ... لا علم أني لست في الحب أوحدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلدا
فما العشق إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
وعهدي بها صفراء رود كأنما ... نضى عرق منها على اللون عسجدا
مهفهفة الأعلى وأسفل خلقها ... جرى لحمه من دون أن يتخددا
من المدمجات اللحم خدّا كأنها ... عنان صناع مدمج الفتل عضدا
كأن ذكيّ المسك منها وقد بدت ... وريح الخزامى عرفه ينفح الندا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبردا
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت ... وهل قول ليت جامع ما تبدّدا
علاقة حب كان في زمن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
نظرت رحاب الموقرات فكم أرى ... أكاريس يحتلون خاخاً فمنشدا
فأوفيت في نشز من الأرض يافع ... وقد يسعف الايفاع من كان مقصدا
كريم قريش حين ينسب والذي ... أقرت له بالملك كهلاً وأمردا
وليس عطا من كان منه بمانع ... وإن جل عن أضعاف أضعافه غدا
أهان تلاد المال في الحمد أنه ... أمام هدى يجري على ما تعوّدا
تردّى بمجد من أبيه وجدّه ... وقد أورثا بنيان مجد مشيدا
ولو كان بذل المال والجود مخلدا ... من الناس إنساناً لكنت المخلدا
فأقسم لا انفك ما عشت شاكراً ... لنعماك ما طار الحمام وغردا
(1/98)

هكذا وجدت القصيدة وإن بترها المصنف إلا أن في بعض أبياتها تغييراً ففي نسخة بدل إذا لم تكن تعشق. إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا. يعني بالعزهاة بالمهملة فالزاي محب اللهو والطرب وبدل قوله وإني وإن فندت أغرقت، وبدل قوله لكنت المخلدا لكان ولما سمعه قال لحبابة من يقول هذا قالت الأحوص فاستحضره وأحسن صلته وتراسات فيه يوماً هي وسلامة، فغنيتا إلى أن قالت حبابة كريم قريش، فقال يزيد من يعني قالت أنت، فقالت سلامة أسمع باقيه وأكملته فأجزل صلة الأحوص وكانت إذا غنته حبابة الشعر يطرب حتى يقول أحسنت يا حبيبتي أتأمرين أن أطير فتقول له إلى من تكمل الأمة فيقول إليك واشتد طربه بها يوماً فقال لها قد استخلفتك واستعلمت فلاناً عنك، فقالت قد عزلته فقال أوليه وتعزلينه، وقام مغضباً فلم تكترث به وارتفع النهار فدعا خادماً لها فقال له ما تصنع حبابة؟ قال قد اتزرت بازار خلوقي وهي تلعب بلعبها، فقال هل تقدر أن تمر بها علي، ولك حكمك.
فمضى فلاعبها ساعة واستل لعبة وفر فانطلقت في طلبه تخطر حتى مرت عليه فوثب واعتنقها وهو يقول وليته وهي تقول عزلته، واصطلحا وأقاما على ذلك إلى أن قال يزيد يوماً قد بلغني إن السرور لم يصف لشخص يوماً كاملاً وإني مجرب ذلك، ودعا بحجابه فأوصاهم أن لا يدخلوا عليه أحداً واحتجب معها ببستان له بمقربة من الغوطة تسمى ببيت رأس علي.
زعم المؤرخون أن يزيد بن معاوية وضع رأس الحسين بها حين قدموا به فلم يزل معها على عادتهما حتى انتصف النهار وأنه ضاحكها ثم رشقها بعنبة أو حبة رمان، وقيل هي ابتلعتها فشرقت بها فماتت، واشتد غم يزيد وحزنه وأقام ثلاثاً يرشفها ويضمها ولم يقم أحداً لدفنها حتى ضج به القوم وعذلوه فأذن في تجهيزها ثم لم يستطع النهوض إلى الصلاة عليها، فقيل حمل على رقاب الناس، وقيل قال له مسلمة أنا أكفيك مع أنه لم يحضر ثم ضم جويرية كانت تخدم حبابة فأنس بها فقال لها يوماً ههنا كنا نجلس، قالت نعم، فأنشدك
كفى حزناً للهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
وخرج إلى قبرها فبكى طويلاً، ثم تمثل بقول كثير:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا ميت اليوم أو غد
ثم مكث خمسة عشر يوماً وعاوده القلق فأمر بنبشها، فقيل منعه أخوه وقال له الناس أنك أتيت في عقلك فيخلعونك فرجع وقيل استخرجها وجعل يقبلها، فقيل له قد تغيرت. فقال أراها أحسن منها اليوم وإنه مات حينئذ وقيل أقام أربعين يوماً ثم مات ودفن في جانبها. قالوا ولم يسبق أن خليفة مات عشقاً سواه، وأما سلامة فأقامت بعدهما حتى توفيت ما قيل في عهد المنصور.
وحكى عن رجل أنه قال دخل علي غلامي ومعه كتاب ففتحته وإذا فيه:
تجنبك البلاء ونلت خيراً ... ونجاك المليك من التموم
فعندك لو مننت شفاء نفس ... وأعضاء فنين من الكلوم
فعلمت أنه عاشق وأمرت بإدخاله فلم يجدوه، فعرضت الكتاب على جواري وقلت من عرفت منكن أمر صاحب هذا فهي له ومائة دينار، فحلفن أنهن لم يعرفن ذلك وبقي الكتاب والدراهم سنة في جانب البيت، فبينا أنا يوماً جالس إذ دخل علي غلامي بكتاب مثل الأول وفيه:
ماذا أردت إلى روح معلقة عند ... التراقي وحادي الموت يحدوها
حبست حاديها ظلماً فجدّ بها ... في السير حتى تخلت في تراقيها
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة ... وإن عقباك دنيانا وما فيها
لقلت لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها
لولا الحياة لبحنا بالذي كتمت ... بنت الفؤاد وأيدينا أمانيها
(1/99)

فطلبته فلم أجده أيضاً فغمني أيضاً أمره، وقلت للخادم لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى أراه، وكان قد قرب الحاج فلما وقفت بعرفة إذا بشاب على ناقة إلى جانبي وقد أخذ منه النحول والسقم إلا أن عليه آثار الجمال والأدب فسلم علي وقال هل تعرفني قلت زدني قال أنا صاحب الكتابين قلت قد وهبت لك الجارية ومائة دينار فامض وأعرفها وتسلمها فقد تعبت من أمرك. قال لم أطلب شيئاً مما تقول فعرفني اسمها لا كرمها من أجلك، قال ما كنت بالذي يبوح بشيء وانصرف بعد أن أنشد:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سواها حذار أن تضيع السرائر
أصون الهوى خوفاً عليك من العدا ... مخافة أن يغري بذكراك ذاكر
ومنهم أبو عبد الله الخبشاني عشق جارية سوداء يقال لها صفراء، ومرض من حبها حتى لزم الوساد فقيل لمولاه لو أرسلت بها إليه فعساه أن يجد الشفاء فلما دخلت عليه قالت كيف أصبحت قال بخير ما رأيتك قالت ما تشتهي، قال قربك قالت مما تشتكي؟ قال هجرك قالت فيم توصي؟ قال بك إن سمع لي قالت إني أريد الانصراف، قال لا تعجلي ثواب الصلاة علي، فلما رآها ولت شهق شهقة فمات.
ومنهم شاب بصري قال في النزهة اسمه ظريف بن نعيم الغفاري كان بأعظم حالة من الجمال وأمكن رتبة من المال، وأنه اقترح على أبيه وكان من أكابر تجار البصرة أن يرسله بمتجر إلى بغداد، فمانعه زماناً وكان يقول له نحن غير محتاجين إلى اكتساب بالأسفار فلا تفجعني فيك، فأبى إلا السفر فجهز له حملاً وسار حتى دخل بغداد، فأقام بها مدة يتنزه ويسرح في ملاذها ناظره ويشرح بمنازهها خاطره إلى أن أشار عليه بعض ندمائه بحضور الدكة يعني المكان الذي تباع به الجواري فحضر مع خواص التجار وجيء بجارية بهرت الحاضرين وأشغلت الناظرين.
فكانت كلما أراد أحد تقليبها لم تمكنه من النظر إلى أكثر من عضو واحد وكانت كلما أراد أحد شراءها عابته حتى وقعت عينها على البصري فأحبته وأطعمته بنفسها فساوم مولاها حتى أخذها بمائة ألف درهم ثم انطلق بها إلى منزله.
فلما كان الليل إذا بطارق فخرج فإذا هو صاحب شرطة الحجاج فأخذوه حتى دخلوا به عليه فقال له علي بالجارية التي اشتريتها، فقال أصلح الله الأمير إنها روحي فلا تكن سبب هلاكي. فأمر بالقبض عليه وأرسل من جاء بالجارية، فلما رآها علم أنها لم تبق له إن عرف الخليفة ذلك فوجه بها إلى الشام من ليلتها إلى عبد الملك وحبس الشاب، فلما زال عقله أطلقه وأخذ ماله، فتوجه الشاب إلى دمشق فأقام بها مدة متنغص الحياة، فأراد أن يحتال للاجتماع بالجارية فلم يمكن فوقع في قصة أنه رأى أمير المؤمنين يأمر جاريته نعمى أن تغني لي ثلاثة أصوات اقترحها، ثم يفعل ما شاء. فلما سمع القصة اشتد غضبه ثم عاوده الحلم فلما انصرف الناس أحضر الشاب والجارية، وقال مرها بما شئت، فقال لها غني لي قول قيس بن ذريح لقد كنت حبس النفس إلى أربعة أبيات فغنت فمزق أثوابه، ثم قال لها غني قول جميل:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
إلى ستة أبيات فغنت فغشي عليه، ثم أفاق فقال غني قول المجنون:
وفي الحيرة الغادون من بطن وجرة
إلى أربعة أبيات فلما غنت قام والقي نفسه من علو شاهق فمات.
فقال عبد الله لقد عجل على نفسه أيظن أني أخرجت جارية وأعود بها خذها يا غلام فاعطها لورثته أو فتصدقوا بها عليه، فلما نزلوا بها نظرت إلى حفيرة معدة للسيل فجذبت يدها من الغلام وهي تقول:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
وألقت نفسها في الحفيرة فماتت وسأل القوم عن الغلام فقيل أنه قدم من كذا وكذا يوماً ورؤي في الأسواق وهو يقول:
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
وقيل إن القصة وقعت بين يدي سليمان بن عبد الملك وأنه اقترح في الصوت الأول قول امرىء القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
إلى ثلاثة أبيات وفي الثاني:
غداً يكثر الباكون منا ومنكم
البيتين وفي الثالث:
تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يكفيك مني عدوّ ثائر حنق ... بكفه كحباب الماء مصقول
وأنه كان يطلب كل مرة النبيذ فيسقي.
(1/100)

ومنهم الشريف البياضي عشق جارية لبنت فخر الملك فأحبها حباً عظيماً وتطاول أمره حتى شاع في الناس ذكره ولم يزل حتى مرضت فمرض أيضاً هو، فلما توفيت طاش عقله وبقي شهراً فما دون ثم لحق بها وله فيها أشعار كثيرة منها:
خليليّ مرّ بالعراق منادياً ... إلا من رأى قلباً من الوجد باليا
وإن أنتما أعييتما في ابتغائه ... ولم تجداه فابغيا لي ناعيا
ومنها:
دع الوقوف على الأطلال والدمن ... فليس ينفع مسكون بلا سكن
أما تراني لا أثني على طلل ... بعد الفراق ولا آوي إلى وطن
وكيف يأنس قلبي بالديار وقد ... أصاب فيها الردى من كان يؤنسني
إن الذين أذاقوني فراقهم ... أفنيت بعدهم دمعي من الحزن
لله من لعبت أيدي المنون به ... ضنا بما فيه أن يبقى على الزمن
جعلت روحي له من روحه عوضاً ... مقيمة معه في ذلك الكفن
فصار كالحي إذ روحي تحل به ... وصرت كالميت إذ لا روح في بدني
وكيف تصحب روحي بعده جسدي ... وكان إن غاب تأبى أن تصاحبني
ومنهم ما أخرجه ابن الجوزي في تنوير العيش عن التنوخي والثوري يرفعانه إلى إسماعيل بن جامع، قال وقع بيني وبين أبي وحشة فذهبت إلى خالي باليمن فكنت عنده في غرفة تشرف على نهر فنظرت يوماً إلى سوداء قد أقبلت تملأ قربة فوضعتها واستراحت ثم أنشدت
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما
فداوي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه هائم القلب مغرما
ثم ملأت القربة ومضت فنزلت أعدو حتى لحقتها استعيد الصوت فأبت وقالت إني لفي شغل عن ذلك قلت بماذا قالت علي درهمان فأعطيتها إياهما واستعدت الصوت حتى حفظته، فلما أصبحت فإذا هو قد ذهب مني، وأقبلت السوداء على عادتها فاستعدته منها، فقالت كأنك تستكثره بأربعة دراهم، وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار.
فلما كنا عند الرشيد أو قال عند المأمون وبين يديه أربعة أكياس كل واحد ألف دينار، قال من أطربني فله ألف دينار فغنيته البيتين فرماني بكيس واستعاد الصوت فرماني بالآخر حتى أعطاني الأربعة فحدثته القصة، فقال لم تكذب السوداء.
ومنهم ما أخرجه ابن إسحاق قال انحدرت مع محمد بن إبراهيم من سر من رأى، ودجلة في طغيانها، فأحضر الشراب فاندفعت جارية تغني:
وارحة للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يشتمون ويضربو ... ن ويهجرون فيصبرونا
فقالت لها مغنية أخرى فيصنعون ماذا قالت هكذا ورمت بنفسها في الماء وكان على رأس محمد غلام اشتراه بألف دينار فحين رأى فعل الجارية، ألقى بنفسه وهو يقول:
أنت التي عرّفتني ... كيف الهوى لو تعلمين
لا خير بعدك في البقاء ... والموت زين العاشقينا
فدفع من طلبهما فقيل وجدا متعانقين، وقيل استخرجا ودفنا. وفي رواية الحافظ أن القصة وقعت في بيت محمد المذكور وكان على الدجلة، وأن الغلام هو الذي ألقى نفسه حين سمع الجارية فتبعته وأنها غنت هذا الصوت:
يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك يستمتع
إن كان ربي قد قضى كل ذا ... منك على راسي فما أصنع
ومنهم شخص كان يهوى مغنية عند عبد الله بن جعفر فشغف بها حتى كان يأتي الباب لسماع صوتها، فلما فطن به زينها ونزل بها إليه فوجده نائماً فنبهه وقال له دونكها فامض بها إلى منزلك، فلما رآها فحص برجله وحرك فإذا هو ميت، وكانت هذه الجارية قد طلبها يزيد فأبى عبد الله أن يدفعها إليه، فقيل أنها ماتت بعد ذلك بيسير وأن موتها كان عشقاً.
القسم الرابع
في ذكرى من حظى بالتلاق بعد تجرع كأس الفراق
وهذا القسم هو الذي ترجمه بمن ساعده الزمان بمطلوبه حتى ظفر بمحبوبه وذلك إما لشفاعة أو جاه حيلة أو عناية أزلية وهم أيضاً بالنسبة إلى النساء أما متعلق بالأحرار أو مرمي بالعشق من جهة الجوار.
(1/101)

فمن الصنف الأول عبد الله بن أبي بكر الصديق عشق عاتكة فكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لا يشتغل بسواها ثم قدم عليه تجارة من الشام فخرج ليتعاطى أمرها، فخيل له حين خرج أنه لم ينظر إلى عاتكة، فعاد في الأثر فجلس معها وترك التجارة، فلما كان يوم جمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له أجمعت، فقال وهل صلى الناس، فقال قد ألهتك عاتكة عن التجارة فلم نهتم في ذلك ولم نقل شيئاً وقد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها طلقة واعتزلت ناحية، فلما كان الليل قلق قلقاً شديداً فأنشد:
أعاتك لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوّق
لها منطق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوى في حياء ومصدق
فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلق
وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له، فقال ارجعها، فقال قد أرجعتها، ثم أشرف على غلام له، فقال له أنت حر وأشهد أني أرجعت عاتكة ثم ضمها إليه وأعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده فلما قتل بالطائف رثته بأبيات منها:
وآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فالله عيناً من رأى مثله فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الجون أشقرا
وتزوجها عمر بعد أن استفتى علياً في ذلك، فأفتى بأنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها، وآليت لا تنفك البيت، ثم قال كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ثم تزوجت بعده بالزبير وبعده بالحسين بن علي، حتى قال ابن عمر من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة وخطبها علي فقالت إني لأضن بك عن القتل وخطبها مروان بعد الحسين، فقالت ما كنت متخذة حموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنهم ما حكاه معبد المغني
قال بينما أنا جالس إذ طرق بابي فقلت للغلام أخرج فانظر من بالباب، فخرج وعاد مستأذناً، فأذنت فدخل غلام فوضع بين يدي ثلثمائة دينار وقال غن لي:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبو حنّ حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في الكفن
فعملت لهما لحناً شجياً وغنيته به فأغمى عليه فنضحت عليه الماء، فلما أفاق جعل يقبل يدي ورجلي على أن أعيد الصوت فقلت أخشى أن تموت فقال من لي بذلك فغنيته الصوت فخر مغشياً عليه فلم أزل أنضجه بالورد والطيب حتى أفاق فوضعت الدنانير بين يديه، وقلت خذها وامض عني، فقال لك مثلها إن أعدته فشرهت عيني، فقلت له إن أقمت عندي وأكلت طعامي حتى تقوي نفسك وأخبرتني بقصتك أعدته ففعل وحدثني أنه خرج غب سماء وقد سال العقيق مع فتية إلى منتزه فإذا هم بنسوة بينهن فتاة قد فضحت الشمس بعينين لا يرتدان إلا باقتناص النفس فأوقعت به وعاد مسلوب العقل فأقام لا يعرف لها خبراً حتى كاد أن يقضي عليه فقالت له قرابته، لا بأس عليك إذا أربع الوقت خرجنا بك ولا نعود إلا بخبرها، قال فلما جاء الابان خرجنا إلى المنتزه، فإذا نحن والنسوة كفرسي رهان فقلت لبعض قرابتي قولوا لهذه الجارية لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانتنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فقالت الجارية قد أحسن من أجاب:
بنا مثل ما نشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب وتبعتها حتى عرفت المنزل فكنا نجتمع ونتحادث إلى أن علم أهلها فحجبوها وخطبتها فامتنعوا محتجين بالشهرة فها أنا على ما ترى. قال معبد فغنيته الصوت، ومضى فلما حضرت مع جعفر غنيته إياه فطرب وسأل عنه فأخبرته القصة فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فطيب قلبه وذهب إلى الخليفة فحدثه بالحديث، فاستحضرتا جميعاً وطلب أن أغنيه الصوت فغنيته فطرب وكتب إلى عامله على الحجاز بإحضار الرجل وأهله، فلما حضروا أمهرها الخليفة وزوجها منه.
ومنهم رجل عذري دخل على معاوية في جمع، فلما أخذ كل مجلسه قام فأنشد:
معاوي يا ذا الحلم والفضل والعقل ... وذا البر والاحسان والجود والبزل
(1/102)

أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي ... وأنكرت مما قد أصيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإنني ... لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذا أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني ... فهذا أمير المؤمنين من العدل
فاستدناه وقال له ما شأنك، قال تزوجت ابنة عمي وكانت من المبررات في الجمال والحياء، فأنفقت عليها إلى أن أملقت، فرفع أبوها القصة إلى ابن أم الحكم فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهاً، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها فأتيتك مستغيثاً بعدلك، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها، ويقول في آخر الكتاب:
ركبت ذنباً عظيماً لست أعرفه ... فاستغفر الله من جور أمرىء زاني
قد كنت تشبه صوفياً له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحباً ... يشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهوداً لا أخيس بها ... أولاً فبرئت من ديني وإيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع ... واشهد على ذاك نصر أو ابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب ... ولا فعالك حقاً فعل إنسان
فلما وقف عليه، قال وددت لو خلي بيني وبينها سنة، ثم عرضني على السيف ثم طلقها فأخرجها، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها، وقالوا هذه لا تصلح لأعرابي، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم استنطقها، فإذ هي فتنة فقال له هل لك عوض عنها، قال نعم إذا بان رأسي عن بدني، ثم أنشد:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئب ... يمسي ويصبح في همّ وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق ... وأشعر القلب منه أي أشعار
والله والله لا أنسى محبتها ... حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبار
فغضب معاوية من ذلك وخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها، فأنشدت:
هذا وإن أصبح في اطمار ... وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري ... وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار ... خل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للديار ... وإن عسى نظفر بالأوطار
فقال خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة، فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب عن بعض الحمدونية، قال صحبت المتوكل إلى الشام، وكنت مغرماً بالفراديس لظرفها، فحين بلغناها قال المتوكل هل لك في أن تتصفح الكنائس والرياض فتتنزه فيها، فقلت نعم، فأخذ بيدي وجعلنا نستقري الأماكن ونشاهد ما فيها من العجائب، وحسن ثياب النصارى، حتى خلوت براهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر، حتى أقبلت جارية لم يرمق أحسن منها، وبيدها مجمرة تبخر فسأله عنها فقال هي ابنتي، قال ما اسمها قال شعانين، فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء، فقالت يا سيدي ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك ولو كانت حياتي ترويك لجدت بها، وأسرعت بكوز فضة فأومأ إلي أن أشربه فشربته، ثم قال لها إن هويتك تساعديني، فقالت أنا الآن بإمرتك وأما إذا صدق المحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حباً ... ثم لما ملكت صرت عدوّا
أين ذاك السرور عند التلاقي ... صار مني تجنباً ونبوأ
(1/103)

فطرب حتى كاد يشق ثوبه، ثم قال لها هبيني نفسك اليوم فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمر لم ير مثله وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما أخذ منه الشراب أحضرت آله وغنت:
يا خاطباً مني المودة مرحباً ... روحي فداؤك لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني ... واعدل بكأسك عن جليسك إذ أبى
قد والذي رفع السماء ملكتني ... وتركت قلبي في هواك معذبا
فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من النساء عنده.
ويقرب من ذلك ما حكي عن الوليد بن يزيد أنه عشق نصرانية، وراسلها فأبت عليه فكاد أن يطيش عقله فتنكر يوم عيد للنصارى، وبايع صاحب بستان تتنزه فيه بناة النصارى فأدخله، فلما رأته قالت للبواب من هذا؟ قال لها مصاب، فجعلت تمازحه حتى اشتفى بالنظر إليها، فقيل أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا لها هو الخليفة، فأجابت حينئذ وتزوج بها وفيها يقول:
أضحى فؤادك يا وليد عميداً ... صباً قديماً للحسان صيودا
من حب واضحة العوارض طفلة ... برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق ... حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح نفسي من ... رأى منكم صليباً مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه ... وأكون في لهب الجحيم وقودا
وفي ذلك يقول أيضاً لما اشتهر أمره بها:
ألا حبذا سعدى وإن قيل إنني ... كلفت بنصرانية تشرب الخمرا
يهون علينا أن نظل نهارا ... إلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا
وكان يقال لم يبلغ مدرك هذا المبلغ لأنه لم يطلب إلا أن يكون صليباً في الزنار.
ومثل ذلك ما حكي عن ابن العباس بن المفضل أنه عشق نصرانية، بدير سرماجيس فكان لا يفارق البيع شغفاً بها، فوجدها يوماً في بستان فجلست معه أسبوعاً فقال في ذلك:
رب صهباء من شراب المجوس ... قهوة بابلية خندريس
قد تجليتها بناي وعود ... قبل ضرب الشماس بالناقوس
وغزال مكحل ذي دلال ... ساحر الطرف سامري عروس
قد خلونا بظبية نجتليه ... يوم سبت إلى صباح الخميس
بين ورد وبين آس جنى ... وسط بستان دير سرماجيس
يتثنى في حسن جيد غزال ... في صليب مفضض أبنوس
كم لثمت الصليب في الجيد منها ... كهلاك مكلل بشموس
وبقرب من ذلك ما حكاه الصلاح الصفدي في تاريخه، قال رأيت بحماة رجلاً وافر الحظ من الخط وقد أوثقه المؤيد ليكتب عنده، فكان لا يمكنه من الخروج فحكى أنه علق نصرانية بشيزر فكان يكتب إلى المغرب بحماة ثم يذهب إليها فيجلس معها إلى الصباح ويأتي وأقام على ذلك طويلاً، وأنها قالت له يوماً أن أحببتني فاكو على رأسك صليباً ففعل وأنا رأيته.
ومنهم الشحمي وهو رجل من فزارة أو هو على زبالة، عشق ابنة عمه وكلف بها وأبى عمه أن يزوجه بها فتسور عليها ليلة فأحس به، فقبض عليه وأتى به إلى خالد القسري فأقام جماعة فشهدوا أنه سارق وسأله فأقر ليسترها فأمر بقطع يده فرفع أخوه إلى خالد رقعة يقول فيها:
أخالد قد وطئت والله عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقر بما يأته المرء أنه ... رأى القطع خير من فضيحة عاتق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألقيت في أمر له غير ناطق
إذا مدت الكعبان في السبق للعلا ... فأنت ابن عبد الله أول سابق
فتجسس خالد على الأمر فلما استصحه أحضر أباها وأمره أن يزوجها من الغلام فأبى، فأجبره ودفع المهر من عنده.
ومنهم
محمد بن صالح العلوي
(1/104)

قال لما خرجنا على المتوكل أخذت أنا وأصحابي قافلة الحاج فجمعنا مالاً ومتاعاً لا يحصى، وكنت قد جلست على كرسي وأصحابي يجمعون إلي المال إذا أنا بامرأة قد رفعت سجاف هودج فأضاء منها الموضع ولا أضاءته بالشمس فقالت أين الشريف صاحب السرية فلي إليه حاجة قلت انه يسمع كلامك، فقالت أنا حمدونية بنت عيسى ابن موسى تعلم مكاننا عند الخليفة، وأنا أسألك أن تأخذ مني ثلاثين ألف دينار مع أني أعطيتك ما في يدك، ولكن أسألك بفضلك أن لا يكشف لي أحد وجهاً.
فناديت أصحابي، فلما اجتمعوا قلت من أخذ منكم من هذه القافلة عقالاً آذنته بحرب، فردوا حتى الأطعمة وخفرتهم إلى المأمن. فلما ظفر بي الخليفة وحبسني بسر من رأى دخل على السجان يوماً، فقال إن بالباب امرأتين من أهلك يريدان الدخول عليك، ولولا أن دفعتا إلي دملج ذهب ما أذنت لهما، فقد منع الخليفة أن يدخل عليك أحد.
فخرجت فإذا أنا بها مع امرأة وجارية تحمل شيئاً، فلما بصرت بي قالت أي والله هو، وبكت لما أنا فيه ثم قبلت قدمي وقالت لو استطعت أن أفديك بنفسي لفعلت، ولكني لا أقصر في خلاصك ودونك هذه النفقة، ورسولي يأتيك في كل يوم بما تريد حتى يفرج الله عنك، ودفعت إلي خمسمائة دينار وثياباً وطيباً وطعاماً، وانصرفت وقد أضرمت بقلبي نار أقدحتها النظرة الأولى، فأنشدت:
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتشعبت بشعابه أشجانه
وبدا له من بعدما اندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانه
يبدوا كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنعاً أركانه
فبدا لينظر أين لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه
يا قلب لا يذهب بحلمك باخل ... بالنيل باذل تافه منانه
واقنع بما قسم الاله فأمره ... ما لا يزال على الفتى اتيانه
والبؤس ماض لا يدوم كما مضى ... عصر النعيم وزال عنك أوانه
ولم يزل رسولها يعاودني بالإحسان وملاطفة السجان إلى أن خرجت وعظم أمري عند الخليفة، فخطبتها فامتنع فكان سجن هواها أعظم علي من السجن فلم أر إلا أن أتيت إبراهيم بن المقتدر فأخبرته بذلك وكان أبوها صنيعته، فركب إليه فلم يفارقه حتى زوجني بها ولابن صالح فيها وفي إبراهيم مدائح كثيرة تركتها.
ومنهم
جعد بن مهجع العذري
قال عمرو بن أبي ربيعة أنه كان فتى مغرماً بمحادثه النساء، وحفظ طرف الأخبار وملح الأشعار مع أنه غير عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يحضر الموسم فتقصده الناس لتسمع منه. فانقطع سنة، فسألت عنه العذريين، فقال لي رجل تريد أبا المسهر؟ قلت نعم إياه أعني، فتنفس الصعداء، ثم قال قد أصبح والله كما قال:
لعمرك ما حبي لا سماء تاركي ... صحيحاً ولا أقضي به فأموت
قلت وما به؟ قال مثل ما بك من تيهكما في الضلال. قلت فمن أنت؟ قال أخوه، قلت كأنك وإياه على طرفي نقيض ثم انطلقت أقول:
أرائحة حجاج عذرة روحهم ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما أقل يسمع وإن قال اسمع
فلا يبعدنك الله خلا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي
فلما كان الموسم من قابل وأنا بعرفة رأيت شاباً لم تبق إلا رسومه، فعرفته بناقته فسلمت عليه وسألته عن حاله، فشكا إلي ما به فقلت له إن هذا دعاء فادع الله أن يزيل ما بك، فلم يزل يدعو حتى الغروب فسمعته يقول:
يا رب كل غدوة وروحه ... من محرم يشكو الضحى ولوحه
أنت حسيب الخصم يوم الدوحه
فقلت له وما الدوحة قال. إذا انصرفنا حدثتك، فلما انصرفنا حدثني أن له أخوالاً من كلب وأنه حول ما له إليهم خشية التلف، فأقام معهم وأنه خرج يوماً على فرس وقد صحب شراباً فاشتد الحر ورفعت له دوحة فقصدها ونزل تحتها، فلما استقر حتى بان له شخص عليه درع أصفر وعمامة سوداء، يطرد منحلة وأتانا فقتلهما، وقصد الدوحة ونزل بها فحادثته فخلب عقلي لفظه فدعوته إلى الشراب فشرب وقام ليصلح من شأن فرسه فتزحزح الدرع عن ثدى كحق العاج فقلت امرأة أنت؟
(1/105)

قالت نعم، ولكن شديد العفاف حسنة الأخلاق والمفاكهة فتحادثنا ساعه وأخذها النوم. فوالله لقد هممت بهجر العفة لما داخلني، ثم راجعت المروءة فلما انتبهت وعزمت على الذهاب سألتها عن الزيارة فذكرت أن لها اخوة شرسة وأب كذلك، ثم مضيت وها أنا كما ترى فقلت ثبت نفسك، فإني موصلك إلى مطلوبك، ثم قمت فشددت على ناقتي وصحبت ألف دينار ومطرف ذو قبة خضراء من أدم، ومضينا حتى نزلنا بالشيخ فأحسن ملقانا فقلت له قد أتيتك خاطباً قال فوق الكفاءة أنت والمرغوب في مثله فقلت لم أخطب إلا لصاحبي هذا هو ابن أختكم فقال الحسيب الكريم ولكن أخيرها بينكما قلت ما أنصفتني فأومأ صاحبي إلى أن أدعه، فقلت افعل فخيرها ففوضت الأمر إلي فحمدت الله فزوجتها من صاحبي وأمهرتها ألفاً وكسوت الشيخ المطرف وسألته أن يبني بها من ليلته ففعل وجئته من الغد فقلت كيف كانت ليلتك وكيف وجدت صاحبتك قال أبدت لي كثيراً مما أخفته عني قديماً وسألتها عن ذلك فأنشدت:
كتمت الهوى أني رأيتك جازعاً ... فقلت فتى بعد التصديق يريد
فإن تطرحني أو تقول فتية ... يضير بها برح الهوى فتعود
فوريت عنما بي وفى الكبد والحشا ... من الوجد برح فاعلمن شديد
ومنهم ما حكاه أسدي وهي من العجائب المستلطفة
قالت ضلت لي ابل فطلبتها في قضاعة حتى إذا دهمني الليل أمسيت في بيت تفرست أن كفؤ للضيف فناديت أهله فلبتني امرأة كالشمس جمالاً، وقالت انزل على الرحب، وأجلستني عند نار فاصطليت وأتتني بعشاء كثير فأكلت وهي تحادثني وإذا ابل كثيرة قد أقبلت إلى البيت وقد أقبل شخص فبادرت إليه ومعها ولد تلاعبه فتناوله وجعل يلثمه وأنا أظنه عبداً لقباحته حتى جلس إلى جانبها فقال لها ممن الضيف قالت أسدي فعلمت أنه زوجها، فجعلت أتأمل ما بينهما من المباينة ففطن لذلك فقال كأنك تعجب منا قلت إي والله وأي العجب قال أحدثك بوصولها إلي قلت ما أشوقني إلى ذلك قال أعلم إني كنت سابع سبعة أخوة إذا رأيتني ظننتني عبدهم وكانوا يطرحوني للرعي ونحوهن فضل لنا بعير فقالوا امض في طلبه، فقلت ما أنصفتموني فقال أبي اذهب يا لكع وإلا جعلته آخر أيامك وتهددني بالضرب فمضيت وأنا على أسوأ حالة من البرد والجوع، فدفعني المساء إلى عجوز عليها سمة الخير والشرف، وإلى جانبها هذه العزبة، فجعلت تسخر بي وتقول: هل لك إذا نام الناس أن تدخل علي فأتحدث معك فإني لم أر أحسن منك فقلت دعيني من هذا، وأقبل أبوها واخوتها سبعة فناموا بإزاء الخيمة فأغراني الشبع والدفء فدخلت الستر، فلما شعرت بي قالت من تكون؟ قلت الضيف، قالت أخرج لا حياك الله ولا صبحك، فخرجت فزعاً، فتلقاني كلبهم يريد أن يأكلني وأنا أرده بعصاي حتى علق بجبة صوف علي فتجاذبنا حتى سقطت أنا وإياه في حفرة لا ماء فيها وكانت الصبية شعرت بذلك فأقبلت حتى إذا بصرت بي قالت: وددت والله أن أجعلها قبرك لولا خشية الضرر، ثم أدلت لي حبلاً وقالت لي أرق، فحين قاربت فم الحفرة انهارت من تحت أقدامها، فسقطنا جميعاً.
فلما كان الصباح وافتقدوها فلم يجدوها وكان أبوها عارفاً بما حصل فأقبلوا بالسيوف والأحجار على قتلنا. فقال أبوها إني لاعرف من ابنتي ما لا ريبة فيه، فأمسكونا وأخرجونا فأقبل علي أبوها فقال أفيك خير لأزوجك بها اتقاء الشهرة، فقلت حين شممت الحياة وهل عندي إلا الخير، فزوجني بها على خمسين بكرة وأمة وعبداً، ورجعت إلى أبي فأخبرته بذلك فأحضرها وأقبلت بها إليهم فأخذوها وبنيت بها وها هي تسمع ما أقول.
ومن الصنف الثاني ما حكى عن علي رضي الله عنه أنه كان له مؤذن شاب وكان عنده جارية، وكان إذا رآها المؤذن يقول لها إني أحبك فأخبرت علياً بذلك فقال لها قولي له وأنا أيضاً أحبك، فماذا تريد؟ فقالت له ذلك فقال إذاً نصبر حتى يوفينا أجورنا من يوفي الصابرين أجرهم. ومضت وأخبرت علياً فدعا به وزوجه منها.
(1/106)

وحكى عن عبد الله بن جعفر أنه كان يحب جارية فبلغه أنها تهوى عبداً من عبيده، فقال لها في ذلك فقالت أعيذك بالله من هذا فأقسم عليها أن تصدقه فأطرقت ساكتة فزوجها منه ثم داخله من حبها ما كاد أن يذهب عقله، فدعا الغلام فقال له هل تنزل عنها بعشرة آلاف درهم. فقال ولا مائة ألف. فقال بارك الله لك فيها، فلم يكن إلا قليل ومات العبد فأعادها ابن جعفر، وقيل أنه حين دخل بها أنشد:
رضيت بحكم الله في كل أمره ... وسلمت أمر الله فيه كما مضى
بلاني وأبلاني بحب دنية ... وصبرني حتى انمحى الحب فانقضى
لعمري ما حب بحب ملالة ... ولا كان حبي زائلاً فتنقضا
ولكن حبي معه دل يزينه ... ويعرض أحياناً إذا الحب أعرضا
حكى الرياشي قال اشترى بصري جارية على أرفع ما يكون من الجمال والفصاحة، فكلف بها وكان مثرياً، فأنفق عليها ما في يده حتى إذا أملق ولم يبق معه شيء أشارت عليه ببيعها شفقة عليه.
فلما حضر بها السوق أخذت إلى ابن معمرة، وكان عاملاً على البصرة، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت:
هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي غير التذكر
أقول لنفسي وهي في غشى كرية ... أقلى فقد بان الحبيب أو أكثرى
إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئاً سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء مولاها وأنشد:
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري
أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلباً طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر للبصري خذها ولك المال فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سبباً لفرقة محبين.
وحكى عن ابن دأب أنه مرض مرضاً شديداً وطال به الأمر فدعوا له أطباء الروم فعالجوه بضروب من العلاج فلم يؤثر فيه شيء فأمروا أهله أن يوكلوا به امرأة تسقيه من الخمر دون السكر لعله يبوح بما عنده، فأرسل إليه عمه جارية، فلما سقته وغنت عنده، أنشد يخاطب الجارية المغنية وحاضنة كانت له يقول:
دعوني لما بي وانهضوا في كلاءة ... من الله قد أيقنت أني لست باقيا
وإذ قد دنا موتي وحانت منيتي ... وقد جلبت عيني إليّ الدواهيا
أموت بشوق في فؤاد مبرح ... فيا ويح نفسي من به مثل ما بيا
فأعلموا عمه بذلك فرحمه، وبعث إليه بجارية ظريفة كثيرة الأدب فاستخرجت ما عنده بلطف، فأخبرها أنه رأى جارية أخته في نومه فعشقها وأصابه هذا الحال، فأعلمت أخته فوهبت له الجارية فبرىء من علته.
وحكى رجل، قال عشق عبد أسود لصديق لي بالمدينة جارية لرجل أيضاً، وكان يواصلها سراً، فلما علم مولاها جاء إلى مولى العبد فأخبره بذلك فضرب العبد وسجنهن فتوله وطار عقله فدخلت عليه يوماً فقلت له ما هذا الحال قد فضحتنا بهذه السوداء فهل عندها ما عندك فبكى وأنشد:
كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحياناً وما بي تجلد
نخاف وعيد الكاشحين وإنما ... جنوني عليها حين أنهي وأوعد
فخرجت وأعلمت مولاه فحلف لا يبيتن حتى يجمع بينهما فاشتراها باثني عشر ديناراً وزوجها منه.
وحكى عن ابن جعفر أيضاً أن أحب جارية عنده اسمها عمارة وحباً شديداً فكان لا يستطيع فراقها سفراً ولا حضراً، فقدم على معاوية سنة من السنين لأخذ حقه فزاره يزيد فغنت الجارية بحضرتهن فأخذت بمجامع قلبه وتمكن حبها من نفسه وكان ذا دهاء فكتم أمرها.
فلما أفضت إليه الخلافة استشار أهل سره في أمرها، وأنه لا يهنأ له قرار دونها. فقالوا له ابن جعفر عند الناس بمنزلة، وتعرف ما كان عليه مع أبيك، ولا نأمن عليك في ذلك، فالزم المهلة واجتهد في الحيلة فأخذ في تدبير ذلك حتى ظهر له، فأحضر رجلاً عراقياً معروفاً بالدهاء والحيل، وأطلعه على أمره، فقال له مكني مما أريد، ولك علي أن آتيك بها، فقال لك ذلك وسترى مني ما يسرك، ثم أعطاه مالاً وثياباً وجواهر.
(1/107)

وخرج العراقي كبعض التجار حتى نزل بساحة عبد الله بن جعفر وبلغه، فأحسن ملتقاه، وأخذ العراقي في التودد إليه، فأرسل إليه بقماش وجواهر وهدايا تزيد على ألف دينار وساله قبولها، فقبلها ونقله إلى خواصه، فزاد في الهدايا إلى أن صار من ندمائه.
فأحضر الجارية، فلما غنت أعجب بها العراقي حتى قال ما ظننت أن في الدنيا مثل هذه، فقال له كم تساوي عندك؟ قال الخلافة. قال عبد الله تقول ذلك لتزين لي شانها وتطلب بذلك سروري. قال يا سيدي أنا تاجر جمع الدرهم إلى الدرهم ولو بعتنيها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال قد بعتك. قال اشتريت، وقام العراقي فرحاً بما ظفر به، وبات ابن جعفر متفكراً.
فما أصبح إلا وقد جاء العراقي بالمال، فقال له ابن جعفر أنا كنت مازحاً فقال له يا سيدي أنت تعلم أن المزح في البيع جد وهذا لا يليق بمثلك وأنت معروف بالكرم والصلات، فكيف ترضى أن يشيع عنك مثل هذا.
وطال بينهما الكلام إلى أن خدعه، فأخرجها له وهو كالمجنون لا يملك نفسه، فرحل بها من يومه، وأقام ابن جعفر حزيناً باكياً لا يقر له قرار. فلما دخل العراقي الشام وجد يزيد قد مات، فاجتمع بولده معاوية، فقص عليه الخبر وكان صالحاً، فقال له اخرج عني بها فلا ترني وجهك.
فخرج العراقي وكان قد قال للجارية، أنا لست من رجالك، وإنما أخذتك للخليفة فاستترت فلم ير لها وجهاً، فلما قال له معاوية ما قال جاء إليها وقال قد صرت لي، ولكن استتري فإني معيدك إلى مولاك، ثم رحل بها حتى دخل على ابن جعفر.
فلما تلاقيا أخبره بالقصة وأنه لم يكن تاجراً ولكن كان مطلوبه الجارية ليزيد وأنه حين رآه قد هلك لم ير نفسه أهلاً لها، فأعادها إليه ولم ير لها وجهاً ثم أخذها فسلمها إليه، فلما تلاقيا وتعانقا خرا مغشيين ساعه، ثم أدخلها ورفع منزلة العراقي حتى صار أعظم الناس عنده ووهب له المال، وانصرف وأقاما على ما كانا عليه.
وحكى في الأغاني عن ابن أبي مليكة عن جده، قال كان في المدينة رجل ناسك كثير العبادة، فمر يوماً بجارية تغني شعر أعشى بني قيس وهو:
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت العود فالحدين فالفرعا
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فهام حتى كاد أن يخرج عقله وذهب إليه عطاء وطاوس يلومانه في ذلك فأنشد:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي اطار اللوم أم وقعا
وسمع ابن جعفر بذلك فاشترى الجارية بأربعين ألف درهم، ثم احضر الناسك وكان الصوت الذي سمعه من الجارية بتلحين عزة الميلاء فأحضرها وقال له تحب أن تسمع الصوت من صاحبته، قال نعم فأمرها فغنت فسقط مغشياً عليه.
فقال ابن جعفر قد أثمنا فيه الماء الماء، فأتى بالماء فجعل ينضحه حتى أفاق، فقال له اسمعه من الجارية، قال قد رأيت ما وقع لي منه مع من لا أحبها فكيف منها فقلل أتعرفها؟ قال وهل أعرف غيرها، فأخرجها له وسلمها إليه وقال هي لك والله ما رأيتها، فقبل يديه ورجليه وقال قد أعدت عقلي وأحييت نفسي ودعا له، فقال يا غلام احمل معه مثل ثمنها مالاً وثياباً وطيباً يتطيب به فأخذ ذلك وانصرف.
وحكى أنه كان ببغداد رجل من ذوي النعم، فعشق قينه على أوفر ما تكون من الجمال والمعرفة بالغناء والضرب، فأنفق عليها ما معه حتى ضاق حاله، فأشار عليه بعض أصدقائه أن يأذن لها في الغناء عند الناس فإنها مطلوبة ويحصل له بذلك الثروة، فغم لذلك وأخبره أن الموت عنده أسهل من ذلك وقالت له الرأي أن تبيعني فتحصل من ثمني على غناك أو أكون أنا في ثروة فإنه لا يشتري مثلي إلا غني.
(1/108)

فحضر بها السوق فاشتراها هاشمي من أهل البصرة بألف وخمسمائة ديناراً فلما قبض المال وتفارقا صار كل منهما على أقبح حال من البكاء، واجتهد في الإقالة، قال فخرجت لا أدري إلى أين أذهب إذ لا يمكنني الدخول إلى البيت وقد أوحش منها، فدخلت مسجداً فجعلت الكيس تحت رأسي، فما انتبهت إلا وشاب قد أخذ الكيس فقمت لأعدو خلفه، فإذا رجلي مشدودة فما تخلصت إلا وقد ذهب فاشتد ما بي فجئت فلففت وجهي وألقيت نفسي في دجلة طالباً أن أغرق، فأنقذني الحاضرون ظانين أني وقعت غلطاً، فلما أخبرتهم بقصتي فمنهم من عنف، ومنهم من رحم، فخلا بي شيخ منهم فوعظني، وقال لست أول من افتقر بعد غنى، أما كفاك ذهاب مالك حتى تذهب نفسك وتصير في النار، فسكن ما بي قليلاً ثم عاودني القلق، فأخبرت صديقاً لي فأعطاني خمسين درهماً، وأشار على أن أخرج من بغداد فعسى أن أجد من أكتب عنده من الأكابر لحسن خطي.
فعزمت على واسط لأن لي بها صديقاً من الكتاب فجئت فرأيت زلالاً مهيأ، فطلبت النزول معهم فقالوا نحملك بدرهمين ولكن الزلال لهاشمي لا يريد معه غريباً فتزيا بزينا كأنك بعض الملاحين فوقع بقلبي أن الزلال للذي اشترى جاريتي فأتسلى حينئذ بصوتها فاشتريت الجبة ولبستها كالملاحين فما وقفت إلا وجاريتي قد أقبلت ومولاها فضربت لها ستارة، فلما انحدروا وجاء العشاء وأكلوا وشربوا، قال للجارية إلى كم هذا الحزن والمدافعة عن الغناء أأنت أول من فارقت مولاها، وأحلوا عليها فأخذت العود وغنت:
بان الخليط بمن علمت فادلجوا ... عمداً لقتلك ثم لم يتحرجوا
وغدت كان على ترائب نحرها ... جمر الغضى في ساعة يتأجج
ثم غلب عليها البكاء ونهضت، فانتفضت وصرعت فنضحوا علي الماء، وأذنوا في أذني فأفقت ولم يزالوا يتلطفون بها حتى عادت فغنت:
فوقفت أنشد بالذين أحبهم ... وكان قلبي بالشفار يقطع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
فشهقت فكادت تتلف وصرعت، فقالوا كيف حملتم مجنوناً اطرحوه، فلحقني أمر عظيم فتصبرت، فلما شارف القوم المنزل في بعض الطريق، أوقفوا الزلال وصعدوا يتنزهون، وخلا الزلال فعمدت على غفلة إلى العود فأصلحته على طريقة معروفة بيني وبينها.
فلما رجعوا وكان الوقت مقمراً تلطفوا بها، وقالوا ترين ما نحن عليه في هذا الوقت فبالله عليك إلا ما انشرحت معنا، فأخذت العود فشهقت شهقة منكرة، ثم قالت هذا العود على طريقة كان يحبها مولاي ويضرب معي، وأنه لمعنا فقالوا لها والله لو كان معنا ما امتنعنا عن عشرته ليخف ما بك، فقالت هو معنا لا محالة، فقالوا للملاحين هل حملتم أحداً، وأشفقت أن ينقطع السؤال.
فقلت أنا يا سيدي فاحضرني، وقال إني والله ما وطئتها وأنا رجل قد وسع الله علي ما أخذتها إلا لسماع غنائها فكن معنا إلى منزلنا فأعتقها، وأزوجك بها ولا أريد منك إلا أن تحضرها كل ليلة وراء ستارة فسمع غناءها وننصرف.
فقلت كيف أمنع ذلك عنك وأنت سبب حياتي، فقال للجارية أرضيت بذلك؟ قالت نعم، وشكرته وزاد سرورها فجعلت تغني وأنا أقترح عليها الأصوات فتضاعف سرور الرجل ودمنا على ذلك حتى بلغنا نهر معقل ليلاً ونحن ثملون، فصعدت حتى ربطت الزلال لقضاء الحاجة، فأخذني النوم ولم يدروا بي حتى سافر، فأفقت بحر الشمس فلم أجدهم، وعدت إلى المحنة، فجاز بي سمارية فنزلت معهم إلى البصرة فدخلتها لم أعرف بها موضعاً ولا أحداً ولم أكن سألت الرجل عن اسمه ولا موضعه.
فرأيت رجلاً من بغداد ماراً فقمت لأشكو إليه حالي، فقال اتبعني فتبعته حتى عرفت موضعهن وجئت به إلى بقال فأخذت منه ورقة لأكتب عن حالي إلى الرجل فاستحسن البقال خطي واسترث حالي وسألني عنه، فلم أشرح له أكثر من أنه لم يبق في يدي شيء، فقال هل لك أن تكتب عندي في كل يوم بنصف درهم وما تحتاج إليه فتضبط مالي، فأجبته فرأى بعد شهر الزيادة بضبطي وحفظي ما كان يسرق له فزاد في إكرامي، فزوجني بعد حول بابنته وأشركني في ماله غير إني في خلال ذلك منكسر النفس حزين القلب.
(1/109)

فلما كان ذات يوم رأيت الناس مجتازين بأنواع الزينة فسألت عن ذلك فقيل عيد الشعانين للنصارى، والناس تخرج للفرجة فوقع في نفسي أن أخرج معهم وأن عسى أن أظفر بأصحابي، فاستأذنت الرجل فأصلح لي ما أحتاج إليه، وخرجت فما وصلت إلا والزلال بعينه في أوساط الناس، فلم أملك إن طرت إليهم فحين رأوني فرحوا بي وقالوا نحن منذ فقدناك ما شككنا أنك غرقت.
فخرجت الجارية من ثيابها وكسرت العود وجزت شعرها. فلما وصلنا البصرة خيرناها فيما تريد، فاختارت لبس السواد وتمثيل قبر تجلس عنده تبكي، ثم أخذوني وأدخلوني عليه وهي على تلك الحالة، فلما رأتني شهقت شهقة ما شككت في موتها.
فلما أفاقت قال مولاها قد وهبتها لك، قلت لا ولكن افعل ما تقدم من العتق والتزويج، ففعل بالشروط السابقة وأعطاني ثياباً وخمسمائة دينار، وقال هذا مقدار ما كنت أجريه عليك إلى اليوم وهو مستمر لك فجئت إلى البقال فأعلمته بذلك وطلقت ابنته وأقمت مع الجارية في أحسن حال.
وحكى أن جعفر بن يحيى حين قدم البصرة مع الرشيد، قال لاسحاق بن إبراهيم قد بلغني أن هنا جارية لم ير مثلها لكن لا يريها مولاها إلا في بيته فاخرج بنا ننظر إليها، فخرجنا والنخاس مستخفين حتى طرقنا الباب فخرج شاب متغير اللون في ثوب خشن فأدخلنا داراً خربة، ففرش لنا حصيراً وأجلسنا ورحل، فخرجت جارية بذلك الثوب إلا أنها تفوق الشمس حسناً وجمالاً فأخذت العود وغنت:
أن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقاً وبيتك موحشاً مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى البلا ... دهراً بوصلك راضياً مسرورا
كنت المنى وأعز من وطىء الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا
ثم غلبها البكاء حتى منعها الغناء، فنهضت إلى البيت تعثر في القميص، فسمعنا لهما بكاء وشهيقاً، ثم خفيت أصواتهما حتى ظننا أنهما قبضا، ثم خرج الشاب بالثوب بعينه، وقال أشهدكم أنها حرة وأريد أن تزوجوني بها ففعلوا وغم جعفر لفواتها، وقال له ما حملك على هذا قال حديثي طويل إن شئت حدثتك به، قال قل فقال أنا ابن فلان، وقد كنا من ذوي العلم وهذا يعرف ذلك وأشار إلى النخاس.
ثم قال وكانت هذه الجارية لأمي فنشأت أنا وإياها فادخلنا المكتب فبرعنا في الأدب وأخرجت هي لتعليم الغناء فلم أطق فراقها فصرت معها، فلما برعت فيه طلبت أمي بيعها فأيقنت بالموت فصدقتها الخبر فوهبتها لي وجهزوها لي ودخلت بها بعد أن امتنعت من تزويج بنات الأكابر وأظهرت الزهد والعفة كل ذلك لقصور شهوتي عليها، والناس يظنونه عفة. فأقمنا في أرغد عيش إلى أن مات أبي فلم أحفظ النعمة، فأنفقت الأموال وأكثرت من الهبة وأسرفت حتى لم يبق عندي إلا هذا الثوب أتناوبه أنا وإياها، فأشفقت عليها فقلت لها حين دخل الخليفة الرأي أني أبيعك واعلم أني هالك أثر ذلك، ولكني أختار أن تعيشي بخير.
فلما عرضت عليكم ودخلت إلي، قالت لو كان عندك مني ما عندي منك ما ذكرت بيعاً، فقالت أتحبين أن أعتقك وأتزوج بك وتقيمي معي على هذا الحال. فقالت إن كنت صادقاً في الحب فافعل، فخرجت وفعلت ذلك، فعذره جعفر، قال إسحاق: فلما ركبنا قلت له أنت تبزل الأموال وتغني المحاويج أفلا ترق لهذا؟ قال بلى. ولكن قد غبت لفوت الجارية، ثم التفت إلى النخاس وقال كم صحبت من المال؟ قال ثلثمائة ألف دينار، قال أدفعها إليه وأمره أن يأتيني غداً وفلما أعطاه النخاس المال وأخبره أن الذي كان عنده جعفر وأنه يدعوك إليهن كاد أن يطير فرحاً وأقبل إليه من الغد وقد تزين فأخبر به الخليفة، فأجرى عليه رزقاً وجعله من الكتاب، لما رأى عنده من الظرف والأدب وأمر كلاً من العسكر أن يهاديهه ففعلوا وأقام في النعم.
وأغرب من ذلك، ما حكى أن أندلسياً كان مغرماً بجارية يحبها حباً شديداً وأنه أراد بيعها لوحشة، فلما حقت الصفقة كاد أن يطير عقله فحكم المشتري في ماله فأبى فتشفع عنده بأكابر بلدته فلم يجب، فمضى إلى الملك وأخبره بحاله، فأحضر المشتري وشفع عنده وبذل له مالاً كثيراً فامتنع وادعى محبتها.
(1/110)

فلما رأى الأندلسي اليأس منها ألقى نفسه من شاهق فأبهت الملك وأمر أن يتلقى فقدر أنه لم يصب بشيء وجيء به إلى الملك، فقال الله أكبر قد ظهر الحكم في ذلك، ثم قال للمشتري قد رأيت ما فعل هذا من حبها فإن كنت تحبها كما تقول فافعل كفعله فإن عشت فأنت أحق بها، فقال أفعل ثم هم بذلك ورجع فأمر أن يلقي غصباً، فلما حقق ذلك قال أعطيته إياها فأخذت منه وأعيدت إلى مالكها.
وحكى أن المأمون افتتن بجارية من جواري أبيه الرشيد، وكان يكتم أمره وكانت من خواص الخدمة، فبينا هي يوماً تصب على يديه وقد التفت إذ أشار لها المأمون بقبلة فغمزته مشيرة بحاجبها إلى أنها خائفة ففترت بصب الماء ففطن الرشيد فحلف إن لم تخبره ليفتكن بها، فأعلمته فنظر إلى المأمون وقد كاد أن يقضي من الخوف فضمه وسكن ما به ثم قال له أتحبها؟ قال نعم. قال قم فاختلي بها في هذه الخلوة ففعل، فلما خرج قال له أنشد في هذه فأنشد:
ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه
قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه
وردّ أخبث ردّ ... بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه
وحكى أن إبراهيم بن المهدي زمن اختفائه من المأمون مكث عند عمه عليه بنت المنصور، وكان عندها جارية قد أحسنت تأديبها وتعليمها حتى صارت من الطف أهل زمنها فوكلتها بخدمة إبراهيم فعلقها وزاد به الوجد وهو يكتمه حياء حتى سكر يوماً فغنى:
يا غزالاً لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أجللت خد ... يه فقبلت يديه
بأبى وجهك ما ... أكثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه
ففطنت للطفها بما أراد فأخبرت مولاتها فوهبتها له، فلما رآها مقبلة أعاد الصوت فقبلت رأسه فنهاها فأخبرته أنها له فقرت عينه.
وحكى أن رجلاً مكياً كان عنده جارية وكانت على أحسن صورة، وألطف هيئة قد كملت فوق حسنها بالبراعة بالغناء والضرب، حتى أن الناس كانوا يقصدون الحج لينظروا إليها لأنه كان لا يخرجها إلا زمن الموسم يطلب فيها الزيادة.
وأنه كان بمكة فتى ناسك قد عرف عند الناس بالعبادة فوقع عنده من حب الجاريه ما غير حاله وهيج بلبابه وانحل بدنه وأهاج شجنه، فكان يقنع في كل سنة بالنظر إليها زمن الموسم، ثم يمكث باقي السنة عليلاً في بيته. فدخل عليه صديق له فعاين من حاله ما حير قلبه، وأطار لبه، فتلطف به حتى عرف أمره، وما هو عليه من أمر الجارية.
ورغب إليه أن لا يفشي سره، فخرج حتى اجتمع بمولاها فحدثه القصة فزينها وخرج بها كيوم الموسم، فلما اجتمع الناس، قال أشهدكم أني وهبت هذه الجارية لهذا الفتى، فقيل له كيف تفعل هذا وقد بذل لك فيها الأموال. قال دعوني إني أحييت كل من على الأرض، لأن الله يقول: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ".
وحكى عن الحرث بن سليمان، قال كنا بمجلس سليمان بن عبد الملك، فأتاه سعيد بن خالد فقال له أنا شاك إليك من ظلمني وانتقص حرمتي. قال من قال موسى شهوات، قال علي به فاحضر، فقال له أنت شتمت هذا؟ قال لا وأيد الله أمير المؤمنين إنما مدحت ابن عمه فاغتاظ، فقال سليمان وعلام مدحته. قال موسى يا أمير المؤمنين عشقت جاريه حتى كادت نفسي تتلف في حبها ولم أكن أقدر على ثمنها فشكوت حالي إلى أصدقائي فلم يجبني أحد فشكوت إليه فاستمهلني ثلاثاً وأتيته وهو جالس فقال لغلام عنده، أخرج الوديعة فإذا بالجارية، فقال هذه طلبتك. قلت نعم، فقال تسلمها ثم قال للغلام أخرج ما عندي من النفقة فأخرجها فإذا هي مائة دينار فصرها مع طيب في ملحفة ودفع الكل إلي، فقال سليمان وما قلت فيه فأنشد:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو ابويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الن ... دى فإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن إحسانكم برقود
(1/111)

فأحضره سليمان وقال أحق ما يقول عنك موسى، قال قد كان ذلك. فقال كم عليك من الديون؟ قال ثلاثون ألفاً. قال هي لك ومثلها وثلث مثلها قال موسى فلقيته صبيحة اليوم فقلت كم عندك من المال قال والله لم يبق منه شيء. قلت ففيم أنفقته؟ قال في تفريج عن صديق واعطاء محتاج وصلة رحم.
وحكى عن الربيع، قال سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول اشتريت جارية وكنت أحبها فأقول لها:
ومن السعادة أن تحب ... وأن يحبك من تحبه
ومن الشقاوة أن تحب ... ولا يحبك من تحبه
فتقول:
ويصدّ عنك بوجهه ... وتلح أنت فلا تغبه
وحكى عن إبراهيم بن ميمون، قال حججت فإذا أنا بسوداء قائمة ساهية فأنكرت حالها فمكثت ساعة ثم أنشدت:
أعمر وعلام تجنبتني ... أخذت فؤادي وعذبتكم
فلو كنت يا عمرو وأخبر ... تني أخذت حذاري فما نلتني
فقلت لها ومن عمرو؟ قالت زوجي أوهمني أنه يحبني حتى تزوجه، وعندي من الحب له ما عنده لي، فتركني ومضى إلى جدة. فقلت له لك أن أجمع بينكما؟ قالت ومن لي بذاك، فمضيت حتى وقفت بالساحل فصرت أنادي من يخرج من المركب يا عمرو وكانت قد وصفته لي بأنه أحسن ما أرى فإذا أنا بفتى على ما وصفت فأنشدته الشعر فقال قد رأيتها. قلت فما يمنعك منها؟ قال والله عندي أضعاف ما عندها وإنما منعني الاكتساب. قلت فكم يكفيك في كل سنة؟ قال ثلثمائة درهم فأعطيته ثلاثة آلاف درهم، وقلت هذه بعشر سنين، فإذا فنيت أو قاربت فاتني أوجه إليه بمثلها، ثم جمعت بينهما فكان أعظم عندي من الحج.
وحكى أن بعض التجار قدم لأصدقائه طعاماً وفيه ديك، وقال ابن الجوزي سكباج وأبى أن يكأل معهم فامتنعوا لأجله، فقال كلوا فلولا أذى يلحقني منها لأكلت ثم عاود نفسه، وقال أتحمل وآكل.
فلما فرغو وجيء بالغسول غسل يديه أربعين، فقالوا له أبك وسواس؟ قال لا، ولكن هذا الأذى الذي قلت لكم وله حديث عجيب قالوا وما هو؟ قال أوصاني أبي وكان من ذوي النعم ولا وارث له غيري أن أحسن الانفاق والتكسب وأن أسبق إلى السوق وأتجر فيه فحفظت ما قال. فبينا أنا يوماً في السوق سحراً، وقد عرفني الناس بذلك فكان ربما يأتي ذو حاجة في وقت لا يجد غيري فأقضيها فاكتسبت بذلك مالاً وجاهاً.
فبينا أنا يوماً جالس إذا بامرأة على حمار وخادم يمسكه فنزلت عندي، فرحبت بها فرأيت نغمة وشكلاً بهرني، فقلت ماذا تريدين؟ قالت ثياباً صفتها كذا. فقلت إجلسي حتى يتكامل الناس وقد أذهبت عقلي وأطارت لي، فجمعت لها ثياباً بخمسة آلاف درهم، فأخذتها وانصرفت ولم تعطني شيئاً ولم أفق من دهشتي أن أقول لها في ذلك، ووقع عندي أنها محتالة. فقلت أبيع ما عندي وأعطي الناس وألزم بيتي.
فمضى على ذلك أسبوع، فبينا أنا جالس إذ أقبلت على العادة فقمت وأجلستها ونسيت ما كان عندي. فقالت قد أبطأنا عليك، فقلت رفع الله قدرك عن هذا فأخرجت المال جميعه فأعطيته لأربابه مع ما ربحت في ذلك ثم طلبت ثياباً بألف دينار فأخذها ومضت، فعاودني ما مضى فأبطأت فقلت والله هذه حيلة أوفت خمسة آلاف درهم وأخذت ألف دينار، ثم طالت غيبتها شهراً وطالبني الناس فعزمت على بيع عقاري وما لي أو قال بعت وأوفيت، وإذا هي قد أتت على العادة ونزلت عندي فأنسيت ذلك فأخرجت المال جميعه وطلبت غيره.
فشاغلتها بإحضار التجار. فقالت هل لك زوجة، قلت لا والله وطمعت فيها فأخذت خادمها على خلوة وأرغبته في أن يكلمها فضحك وقال هي والله أعشق منك لها فرجعت وكلمتها في ذلك فضحكت وقالت الخادم يأتيك برسالتي.
ومضت ولم تأخذ شيئاً إذ لم يكن بها حاجة من الأصل إلا العشق، فما كان بعد أيام حتى جاء الخادم فأكرمته وشرح لي أنها مملوكة لأم المقتدر، وقد رغبت في جعلها قهرمانة. فلما تألفت بك مضت فشكت إليها حبك ورغبت إليها أن تزوجها بك، فأبت دون أن تراك وقد أخذوا في حيلة يدخلونك بها إليها فإن تمت تم أمرك وهي أن تجلس الليلة بمسجد كذا فمضيت إلية، فما كان السحر أقبل خدام ومعهم صناديق فوضعوها وإذا أنا بالخادم والجارية فأدخلوني في صندوق منها وجعلوا في الباقي ثياباً وحملوها إلى الدار فكلما جاروا بطبقة من البوابين يريدون أن يفتشوا ذلك فتمنعهم، حتى عارض خادم وقال لا بد من تفتيش هذا الصندوق.
(1/112)

فأدركني الخوف حتى انساب معه البول مني، فصاحت أفسدت المتاع، وكسرت عليه أواني ماء الورد. فقال اذهبي فمضوا حتى أخرجوني في خلوة وجعلت تطعمني وتسقيني حتى أتتني يوماً فعرضتني على السيدة فرضيتني لها، فاحتالت في خروجي وأمرتني بأن أتزين في أحسن زينة إلى باب الخلافة، ففعلت فأخذوني وأجلسوني في بيت وجعلوا يدخلون ويخرجون ويذكرون أن هذا وقت زفاف فلانة على البزاز ويذكرون صاحبتي ففرحت فرحاً أطار عقلي غير أني جعت جوعاً أحرق أحشائي، واستطعمت الخدام فلم يطعموني لأنهم لم يعرفوني حتى جاء خادم يعرفني فشكوت إليه الجوع فقدم لي ديك فأكلت وغسلت يدي غسلاً ظننت معه النقاء.
فلما خلوت بها رفستني وقالت عجبت كيف تفلح وأنت عامي سفلة، وهمت بالخروج فتعلقت بها وأخبرتها القصة، ثم قلت يلزمني صوم الأبد والحج ماشياً والطلاق والعتاق وصدقة مالي أن لا آكلها بعد اليوم إلا وأغسل يدي أربعين مرة فضحكت.
ودعت بطعام وشراب فأكلنا وشربنا، ولما مضى أسبوع أعطتني مالاً وأمرتني أن أشتري به داراً فاشتريت وتحولنا وقد صحبت نعمة عظيمة فأقمنا على أحسن حال.
وحكى التنوخي في المستجاد ونقله في نديم المسامرة، قال حمل المأمون من البصرة عشرة قد رموا بالزندقة، فلما اجتمعوا للنزول في السفينة، جاء طفيل فنزل معهم، وقال ما أظن هؤلاء اجتمعوا إلا لوليمه، فلما قيدوا ندم وعلم أن لا خلاص له. فحين ضربت أعناقهم وكان المأمون يعرفهم سأل عنه فقالوا لم نعرفه. فسأله فقال زوجتي طالق إن كنت أعرفهم أو أحوالهم، وإنما رأيتهم مجتمعين فظننت أنها وليمة.
فقال المأمون يبلغ التطفل بأصحابه إلى هذا، عزروه لئلا يعود إلى مثلها فقال ابن المهدي هبه لي يا أمير المؤمنين وأحدثك عن التطفل بحديث عجيب قال وهبته لك فحدثني قال يا أمير المؤمنين ركبت يوماً حتى مروت بموضع فشممت رائحة طعام وأبازير ما شممت مثلها قط، ورأيت معصماً من الشباك أخذ بقلبي أيضاً فاشتهيت أن آكل منه وأخذت في الحيلة إذ لم أكن أعرف أحداً من أهل المكان، فجئت إلى خياط قريب من المنزل فسألته عن اسم صاحب المكان فقال لي عن اسمه، وأنه تاجر يحب عشرة مثله، أيشرب الخمر؟ قال نعم. وأظن عنده اليوم جماعة من أصحابه.
فمكثت ساعة فإذا هم مقبلون، فقال لي هؤلاء أصحابه، فحركت دابتي حتى لحقت بهم فقلت قد أبطأتم وفلان ينتظركم. ثم دخلنا وهم يظنون أني من جماعة صاحب المنزل وهو يظن أني معهم فأكرمني كل منهم، وقدم الطعام فأكلنا فقلت في نفسي هذا الطعام قد قضيت منه شهوتي وبقي الكف والمعصم، ثم رفع الطعام ووضع الشراب وجاءت جارية ومعها عود فغنت:
توهمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي فآلم كفها ... فمن ضم كفي في أناملها عقر
فهيجت بلابلي وطربت لحسن شعرها ثم غنت أيضاً:
أشرت إليها هل عرفت مودتي ... فردّت بطرف العين أني على العهد
فحدث عن الاظهار عمداً لسرها ... وحادت عن الاظهار أيضاً على عمد
فصحت وطربت وطرب القوم حتى لم نملك نفوسنا ثم غنت أيضاً:
أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تبدي سرائر نفس ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها على الحذق والاصابة غير أني قلت بقي عليك شيء، فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون في مجالسكم البغضاء فتألموا مني فقلت قد فاتني ما أملت أن لم اتلاف قلوبهم. فقلت هل عندكم عود؟ قالوا نعم، وأحضروه فأحكمت إصلاحه وغنيت:
ما للمنازل لا تجيب حزينا ... أصممن أم قدم البلا فبلينا
لا بل بلين فهجن داء ساكناً ... لمتيم واثرن منه دفينا
راحوا العشية روحة مذكورة ... إن متن متنا أو حيين حيينا
فقبلت عند ذلك يدي وقالت معذرة إليك، وزاد القوم في إكرامي، فلما رأيت مزيد بسطهم اندفعت أيضاً فغنيت:
أفي العدل أن تمسين لا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكراك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما
(1/113)

فردّي مصاب القلب أنت سلبته ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
إلى الله أشكو أنها أجنبية ... وأني لها ما عشت بالود محرما
فرأيت من طرب القوم ما فارقوا به عقولهم، فأمسكت عنهم خشية أن يتلفوا ساعتئذ ثم غنيت:
هذا محبك مطوي على كمده ... وجدا مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفاً في حبه دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده
فقالت الجارية هذا والله الغناء لا ما نحن فيه وسكر القوم حتى غابوا، إلا المنزل لجودة شربه، فأمر بحملهم إلى منازلهم وخلاني، فسألني من أنا فأخذت أروي فأقسم علي إلا ما عرفته بنفسي، وقال قد ذهب أكثر عمري هدراً إذا لم أعرف مثلك.
فلما عرفته بنفسي وثب قائماً، وقال لا أقضي باقي ليلتي في جدمتك إلا قائماً، فأقسمت عليه أن أجلس، فجلس وأخذ يستخبرني عن سبب مجيئي، فأخبرته القصة حتى انتهيت إلى أنه لم يبق علي إلا المعصم، فقال تناله إن شاء الله تعالى.
وعرض علي جواريه فلم أر الغرض، فقال يا سيدي لم يبق عندي إلا أمي وأختي، ابدأ باختك فأتى بها فإذا هي الغرض، فقلت ها هي، فقال والله أقررت عيني، ثم دعا بالشهود من ليلته فعقد لي عليها وأدخلني بها، فلما أصبحنا حول معها متاعاً لا يوجد مثله إلا عندك يا أمير المؤمنين، وهذا ولدي فلان منها.
القسم الخامس
في ذكر من وسموا بالفساق من العشاق
وهؤلاء هم الذين وقعوا في المعاصي أو هموا بها فسموا الفساق لجلالة العشق وعظمته عند أهله، فإنهم يرون تصور السلو معصية بل تصور خطور غير المحبوب في الذهن كذلك ولا نعلم أحداً حقق هذا المناط للسالكين، وبينه حتى البيان للمتمسكين أجل من العارف الجامع لحقائق المعارف سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا من مدده حيث يقول:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردّتي
فإن الخطور مجرد جوار الميل على القوى من غير أن يتمسك منه بشيء، هذا عند العقلاء قسري لعدم احتياجه إلى مقدمات والارادة مجرد الميل والخاطر باب الحدس والسهو استيلاء الطبيعة الثانية على المزاج البشري، وهو صفة للخطور قسرية أيضاً، ومن ثم لم يحكم الشرع مع غاية شرفه واحتياطه في الاصلاح على الخارج به بشيء رحمة وتخفيفاً، فقد بان أن الأستاذ يقول أن شرح المحبة مبني على المراقبة المخالطة للقوى العقلية مخالطة نزل السهو فيها منزلة العمد فكأن المحبوب قو قوى المحب التي بها يعقل كما أشار إليه أيضاً في الدلالة على غاية المرتبة بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذا القسم هو الباب السادس من الكتاب وهو أصناف.
الصنف الأول في ذكر من حمله هواه على أذية من يهواه وهؤلاء أم نساء أو رجال وكل من القسمين أما بالغ مناه أو مكفوف أذاه
فمن الأول ما حكى عن مرثد أنه شغف بصحبة عمرو بن قمئة حتى صار يأكل معه ومع زوجته، فعلقته المرأة فأرسلت إليه على حين عقله من مرثد تقول أن عمك يدعوك، فجاء فلم يجده فقامت إليه فراودته عن نفسه فأبى، فقالت لئن لم تفعل ما آمرك لأوذينك.
فقال إن الأذى أن أفعل ما تحبين، وخرج فأمرت بجفنة فوضعت على موضع قدمه وكان ملتصق الأصابع. فلما جاء مرثد أخبرته أن رجلاً من أقرب ما يكون إليك ساومني نفسي، فامتنعت فجهد في أن تخبره، فأبت وقالت أنا لا أصرح باسمه ولكن هذا قدمه فعرفه وهجره فأنشد في ذلك:
لعمرك ما نفسي بجدّ رشيدة ... تؤامرني شر الأصرم مرثدا
عظيم رماد القدر لا متعبس ... ولا مؤبس منها إذا هو أخمدا
فقد ظهرت منه بوائق جمة ... وأفرع من لومي مراراً وأصعدا
على غير ذنب أن أكون جنيته ... سوى قول باغ جاهد فتجهدا
وقيل أنه حلف ليضربنه بالسيف، فهرب إلى الحيرة وأرسل بهذين البيتين.
رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري ... فما بال من يرمي وليس برامي
فلو أنها نبل إذ الا تقيتها ... ولكنما أرمي بغير سهام
(1/114)

انتهى ما ذكره، وفي النزهة أن مرثداً أتى يوماً من سفره في الليل، وكان الظلام شديداً فسمع زوجته وهي لا تشعر به تقول:
لعمرك إن القلب شط به النوى ... ولم تسعف الأيام للمدنف الصبّ
بلت بمن لم يدر حالي بحبه ... ألا أن عمراً في الهوى قاسي القلب
فعلم أنها مولعة به وأن ذلك كان كيداً منها فقتلها وأرسل إليه فأصلح أمره معه فعلى هذا تكون هذه الحكاية من الرابع.
ومن الثاني قصة سوسن المشهورة وللناس فيها كلام كثير غير أن المصنف رحمه الله لشدة معرفته باختلاف الألسن واللغات، نقلها من نصل الله عز وجل عليها في التوراة.
فذكر أن في سفر دانيال عليه السلام، من هذه القصة ما ترجمته لما كان في السنة الثالثة من ملك يواكيم ملك يهوذا قدم بختنصر ملك بابل إلى أورشليم يعني بيت المقدس بالعربية. وأسلمها الرب في يده ثم نزل ببيت صنمه بشنغار وهو موضع مشهور ببيت المقدس.
ولما استقرت آراؤهم على الشريعة الناموسية الموسوية حكم شخصين قاضيين عرفا بالعبادة والزهد في بني إسرائيل، فكانا يحكمان في الشعب ويأويان إلى بيت يواكيم.
وكان له زوجة يقال لها سوسن، وكانت في أرفع رتبة من الجمال والحسن وبهجة المنظر والصلاح لأن والديهما كانا صديقين في بني إسرائيل، وكانت في كل يوم تنزل إلى بستانها تمشي للنزهة. ورآها القاضيان فوقعت منهما واشتغلا بها عن النظر في الحكومات، وكتم كل عن الآخر حتى إذا كان منتصف النهار من يوم شديد الحر، قال كل منهم لصاحبه قد اشتد الحر فليذهب كل منا فيستريح.
وخرجا مضمرين العود رجاء الظفر بالجارية، فلما التقيا فحص كل عن عود الآخر فأظهرا ما عندهما من حبها واتفقا عليها وأنها دخلت مع جاريتين البستان، فعزمت على الحموم وقد استخفيا، فأرسلت الجاريتين ليأتياها بزيت وغسول، فظهرا وأغلقا الأبواب وقالا لها لئن لا تجيبينا، وإلا قلنا إنا وجدنا معك شاباً، ومن أجل ذلك أرسلت الجاريتين وأنت تعلمين مكاننا من بني إسرائيل.
قالت سوسن والله لا أغضب الرب أبداً وصرخت، فصرخ القاضيان ومضى أحدهما ففتح الباب، وجاء العبيد فأخبراهم بالقصة، فبقوا مبهوتين لأنهم لا يعلمون عليها سوء، ثم أتى يواكيم فأعملوه بالأمر وأنهما لم يقدرا على مسك الشاب، فجمع الشعب وتقدم الشيخان فكشفا عن سوسن وقالا نشهد على هذه أنها دخلت البستان ومعها جاريتان فأرسلتهما وأغلقت الأبواب، فجاء حدث من وراء شجرة فضاجعها، فحين رأينا المعصية صحنا فانفلت الشاب.
فبكت سوسن ورفعت طرفها إلى السماء، وقالت يا الله يا دائم يا عالم الخفيات أنت تعلم أنهما كذبا علي. ثم أقاماها للقتل وكان دانيال عليه السلام شاباً عمره ثلاث عشرة سنة، فجاء وصاح عليهم أن قفوا فإنها بريئة مما رميت به، ثم أمر بالتفريق بينهما، فقال لأحدهما من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة بطم فقال كذبت وهذا ملاك الله شاهد عليك بالكذب. ثم أخره وقدم الآخر وقال له من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة زيت فقال كذبت وأقامهما فنشرا ونزلت نار فأحرقتهما وحفظ الله الدم الزكي وعظم أمر دانيال عليه السلام.
ومن الرابع ما حكى في نديم المسامرة أنه كان بالبصرة رجل اسمه عباد، وكان يدعى بالمخنث لما كان يظهر من التزيي بزي النساء، فاجتمع ليلة مع قوم، وتذاكروا الشجاعة.
فقالوا له هازئين به هل تقدر أن تذهب فتدق هذا الوتد بالضريح الفلاني وكان معروفاً بالوحشة بعيداً عن العمارة. فمضى حتى صار فيه فحين شرع يدق الوتد سمع صرير سلسلة تدنو كلما دق حتى صار عنده، فإذا هو قرد قد ذهب من صاحبه، فأخذه وهم ليخرج إذ سمع امرأة تخاطب رجلاً فتقول ما الذي صنعت حتى تقتلني، فيقول أقتلك وأموت خير من أن تصيري إلى زوجك وأموت غماً.
فخرج عباد حينئذ عليهما وصرخ على القرد فتعلق بالرجل فظنها جناً، فرمى السلاح فأخذه عباد وفك المرأة واستخبرها، فأخبرته بأبيها فعرفه وأن هذا ابن عمه كان يهواها فخطبها إلى أبيها فأبى وهم بتزويجها من غيره وأنها خرجت لمفترج فكبسها هذا مع جماعة فتفرق النساء اللواتي كن معها وأخذها هو فصيرها إلى هذه الحالة، فأخذها عباد إلى أهلها وأخبر أصحابه بالقصة فكذبوه فأرهم ذلك فصار يعد من الشجعان.
(1/115)

ومن الثالث ما حكى عن حبوبة بن حباب الطابخي أنه حين قتل أبوه رجلاً من كلب من فخذ وبرة ووجبت عليه الدية رهنه صغيراً مع أمه، وخرج ليجمعها فمات فأقاما عندهم وأنه كان شاباً حسناً جميلاً فولع به النساء حتى شاع أمره فطردوه فوقع بعدما قتل أخا امرأة اشتهر بها إلى بلقين، فأجاروه ففعل عندهم ما فعل في كلب واشتدوا عليه فجاء إلى أمه ليلاً فأخفته وأخبرت ظئراً لها، فقالت ادفعه إلي فأخذته فجعلته في متاع لها خارج البيت ومر عدي رئيس بني كلب فقال ما هذا قالت متاعي وأنا على سفر وأريد أن تجيره، فقال قد أجرته وحمله إلى بيته وقد أنكره ففتش فرآه فقال لا حياك الله، وخرج فأقام عنده زماناً فعلق ابنته وطال بينهما الأمر فأنشد فيها:
ما زلت أطوي الحي أسمع حسهم ... حتى وقفت على ربيبة هودج
فوضعت كفي عند مقطع خصرها ... فتنفست صعداً ولما تنهج
وتناولت رأسي لتعلم مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
قالت وعيش أبي وحرمة والدي ... لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج
وبلغ عدي بن أوس ذلك فقتله.
ومن الثالث قصة وضاح اليمن المشهورة واسمه إسمعيل أو عبد الله أو عبد الرحمن ابن كلال وكان من أمره أنه كان يبرقع وجهه خوف الفتنة بحسنه، وأنه نشأ مع أم البنين بنت عبد العزيز صغيرين فكان لا يصبر أحدهما عن الآخر.
فلما بلغت حجبت فازداد شوقهما، فحين أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك. وقيل ليزيد والصحيح الأول لما سبق في قصة حبابة، وذكر زوجات يزيد حجبها فازداد بوضاح الأمر حتى نحل، فخرج إلى الشام فكان يطوف بالقصر إلى أن ظفر بجارية لأم البنين فأخبرها بمكانه وأنه ابن عم مولاتها فأخبرتها فأدخلته في صندوق، فكانت إذا أمنت تمكث معه وإذا خافت أدخلته الصندوق وجيء للوليد بجوهر نفيس فأمر خصياً بحمله إليها فحين دخل الخصي وجد وضاحاً فأدخلته الصندوق واستوهبها الخادم لؤلؤة فأبت فمضى وأخبر الوليد.
فدخل عليها فمازحها واستوهب الصندوق فأبت فراجعها فوهبته إيه، واحتمله إلى مجلسه. فلما جاء الليل أمر غلمانه فحفروا إلى الماء ثم قال مشافها للصندوق خفية قد بلغنا عنك أمر فإن كان صحيحاً فقد كافأناك، وإلا فما علينا في دفن الخشب ورماه ورمي الخصي حياً، وقيل ضرب عنقه حين أخبره وأهال التراب ولم يبين لها غيظاً، وقيل فارقها وأنها كانت تأتي المكان فتبكي فوجدت ميتة فيه.
وقيل أنه لم يقتله بذلك وإنما شبب بها حين رآها في طريق الحاج فبلغه تشبيبه بها فاستشار فيما يفعل به فقيل له أكرمه كما فعل معاوية بأبي دهبل حين شبب بأخته فأبى إلا قتله.
ومنه أيضاً سحيم وهو حبشي نشأ في بني الحسحاس، وكان أعجمياً غليظاً ثم تخرج في الشعر وشاع ذكره حتى اشتري لعثمان فقال لا حاجة لي بن إذا شبع شبب بالنساء، وإذا جاع هجا فرده فاشتراه رجل منهم اسمه أبو معبد فعلق ابنته وأنهم خرجوا إلى سفر فتشوق أبو معبد إلى ابنته فكان يتمثل بهذا البيت:
عميرة ودع إن تجهزت غادياً ... كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا
فأكمل العبد القصيدة بما يزيد على مائة بيت فمنها في التشبيب بابنة مولاه:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا
توسدني كفاً وتثني بمعصم ... عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فما زال ثوبي طيباً من نسيمها ... إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا
فذهب جندل به ليبيعه فأنشد:
وما كنت أخشى جندلاً أن يبيعني ... بشيء ولو أمست أنامله صفرا
أخوكم ومولى مالك وربيبكم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
أشوقاً ولما يمض بي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا عشرا
فرق له فرده ولامه قومه وأرادوا قتل العبد فضن به ثم رفعه الحاكم فعزره ثمانين وانصرف به فأنشد:
أبا معبد بئس العزاضة للفتى ... ثمانون لم تترك لحلفكم جلدا
كسوني غداة البين سمراً كأنها ... شياطين لم تترك قراراً ولا عهدا
(1/116)

فما السجن إلا ظلّ بيت دخلته ... وما السوط إلا جلدة خالطت جلدا
أبا معبد والله ما حلّ حبها ... ثمانون سوطاً بل يزيد بها وجدا
فإن يقتلوني يقتلوا ابن وليدة ... وأن يتركوني يتركوا أسدا وردا
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
فلما علم مولاه اصراره أحرقه.
ومن الأول المتجردة وهي امرأة المنذر بن ماء السماء، وكانت من أعظم نساء العرب جمالاً، فلما مات عنها أخذها ولده النعمان فكان يجلسها مع نديميه النابغة والمنخل، فشغفت بالمنخل وامتزجا فأمر النعمان يوماً النابغة أن يصفها، فقال:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزّور بالرشاء المحصد
فقال المنخل هذا وصف معاين، وحرض النعمان على قتله فهرب وكان عفيفاً، فلما خرج النعمان إلى الصيد رجع بغتة فوجد المتجردة مع المنخل قد ألبسته أحد خلخاليها وشدت رجله إلى رجلها وله فيها:
إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
والكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير
فرثت وقالت هل بجس ... مك منخل من فتور
ما شف جسمي غير حب ... ك فاهتدى وعني وسير
وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير والكبير
فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير
يا هند هل من ناهل ... يا هند للعاني الأسير
ومن الرابع ما يحكى عن سليمان بن عبد الملك، وكان شديد الغيرة أنه خرج لغرض ومعه سنان وكان فارساً معروفاً بالشجاعة والمحبة لسليمان، وكان حسن الغناء وكان يتركه كثيراً لمعرفته بغيرة سليمان، فزاره ضيوف فأكرمهم فقالوا يا سنان لم تكرمنا ما لم تسمعنا الغناء وكان قد أخذت منه الخمر فأنشد:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... في آخر الليل لما بلها السحر
تثني على فخذها مثنى معصفرة ... والحلى منها على لباتها حصر
لم يحجب الصوت احراس ولا غلق ... فدمعها الطروق الصوت منحدر
في ليلة النصف ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من رقة المشي ينفطر
فلما سمع سليمان الصوت خرج فزعاً يتفهمه، وكانت عنده جارية اسمها عوان، وكان يحبها حباً شديداً وهي مشهورة بالجمال. فجاء إليها فرآها على صفة الأبيات، وكانت يقظانه، فلما فطنت به قالت يا أمير المؤمنين قالت الله الشاعر حيث قال:
ألا رب صوت جاءني من مشوّه ... قبيح المحيا واضع الأب والجدّ
قصير نجاد السيف جعد بنانه ... إلى أمة يدعى معاً وإلى عبد
فسكن ما به وقال: قد راعك صوته، قالت صادف مني يا أمير المؤمنين فحلف ليقتلنه فأرسلت عبداً يحذره، وقالت إن لحقته قبل فلك ديته وأنت حر، فسبقت رسل سليمان فجاؤا به فنظر غله ملياً، ثم قال أنت المجترىء ويلك؟ فقال أنا فارسك فاستبقني، فقال لا أقتلك ولكن أزيل تفحلك، وأمر به فخصي وألقي في دير الخصيان.
قالوا وفي ذلك الوقت بلغ سليمان كثرة المخنثين المغنين بالمدينة، فكتب إلى عامله أن أحصهم يعني أضبطهم لننظر في أمرهم. فسبقت نقطة على الحاء فأمر العامل بخصيهم، فقال كل عند خصيه كلمة سارت مثلاً، فقال طوبس ما هذا إلا ختان أعيد علينا. وقال دلال بل هو الختان الأكبر، وقال نسيم السحر بالخصي صرت مخنثاً حقاً. وقال نومة الضحى بل صرنا نساء حقاً، وقال ابن الفؤاد استرحنا من حمل ميزاب البول معنا. وقال ظل الشجر ما نصنع بسلاح لا يستعمل.
(1/117)

ويروى أن الذي سمعه سليمان لم يكن سناناً الكلبي بل كان سميراً الأيلي وفي الرواية بدل محجوبة وعادة سمعت وبدل قوله في ليلة النصف في ليلة البدر وهو أليق في هذا المقام لأن القمر وإن لم ينقص ليلة النصف، فهو في ليلة البدر أبهج ولم يلهج الشعراء إلا به وأن سليمان قال حين روجع في خصيه أن الفرس يصهل فتستودق الحجرة، والفحل يخطر فتضبع الناقة والتيس ينب فتستحرم العنز والرجل يغني فتشبق المرأة.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يعمل بالمسحاة لفقره، وكان عنده امرأة مفرطة في الجمال، وكان إذا قدم قامت لخدمته من فرش وتقديم طعام ونحوه. وأن عجوزاً دخلت عليها فتأملت حسنها، وذهبت فوصفتها للملك فعشقها ووعد العجوز بمال كثير على أن تخلصها له، فقالت لها كيف تذهبين هذا الجمال مع رجل يعمل بالمسحاة، ولو طاوعتني لزوجتك بالملك وأمرتها أن تعصيه وترجع عن خدمته.
فجاء فلم تقم إليه على العادة، ولم تقدم له شيئاً، فقال ما هذا يا هناه؟ قالت هو ما تراه. فقال أطلقك، قالت نعم. ففعل وتزوج بها الملك فحين نظر إليها كف ومد يده فشلت، فرفع الأمر إلى نبي ذلك الزمان، فجاءه الوحي أن يعبني ما فعل بصاحب المسحاة وقد ساق هذه الحكاية في النزهة في باب من عشق بالسماع وذكر أن المرأة أيضاً فلجت وأنها ماتت بعد سبعة أيام.
ومنه الزرقاء جارية ابن راميين كانت من المشاهير بالجمال والحسن والغناء، وافتتن بها غالب أهل زمانها، وكان الناس يقصدونها لسماع صوتها ويبذلون لها مالاً خطيراً. فاشتد ولوع يزيد بن عون الصيرفي بها، فدخل عليها ومعه لؤلؤتان، فقال لها قد بذل لي فيهما أربعون ألف درهم. فقالت هبهما لي. فقال افعل إن شئت. قالت شئت فحلف لا يعطيهما لها إلا من فمه إلى فمها.
فغمزت الخادم فخرج، وكان يزيد واقفاً منكسراً بين يديها، يعني كاتفاً يديه. فجلس مقعياً يعني على رؤوس أصابعه وتقدم إليها فأقبلت لتتناولهما فجعل يزوغ بفمه ليستكثر من مقابلتها فانقضت عليه فأخذتهما وقالت المغلوب في استه عود فقال أما أنا والله لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي وفمي ما حييت أبداً وأنها أفضت إلى جعفر بن سليمان وأبوه عامل المنصور، فدخل على ابنه يعتبه على شرائها واشتغاله بها في هذه الأيام.
وقد خرج عليهم خارجي فغمز جعفر الخادم فأخرجها إليه فقبلت رأسه واجتلبته فرضي ولم يعتب بعدها وأن جعفراً قال للزرقاء يوماً هل تمكن أحد من مجيئك يوماً منك بشيء فخشيت أن تكتمه ما عساه أن يكون بلغه فأخبرته بموافقة الصيرفي فاحتال عليه حتى واعترف بما نسب إليه فضربه حتى مات.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل، رجل اسمه عبود كلف بابنة عمه حتى كان لا يصبر عنها ساعة، فتزوج بها وأقاما مدة فماتت فاشتد وجده وطار عقله.
فمضى إلى المسيح عليه السلام وسأله أن يحييها له، فقال لا يتيسر إلا أن تهبها من عمرك شيئاً، فقال قد وهبتها نصف عمري، فأحياها له ومضيا وقد لحق عبوداً تعب شديد فجلسا يستريحان فوضع رأسه على ركبتها فنام، فمر ملك الناحية فرآها فعلقت بقلبه وهو أيضاً فعرض عليها أن تكون معه فأجابته فحملها في قبة وانتبه عبود فلم يجد أحداً فقام مرعوباً، فوجد قوماً من المارة ينعتون حسنها. فسألهم فأخبروه بأنها مع الملك فلحقها وجعل يذكرها بما صنع وهي ساكتة.
فقال لها قد كنت مت وسألت المسيح في احيائك، ووهبتك نصف عمري على أن تكوني معي، فحيث لم ترضي فردي علي ما وهبتك، فقالت قد رددته، فما خرجت الكلمة حتى ماتت.
ومن الثالث ما حكي عن لقمان بن عاد الذي كان يضبط عمره بأن يمسك النسر من حين خروجه من البيضة إلى أن يموت فيؤتي بالآخر كذلك حتى عاش عمر سبعة كل واحد على ما قيل مائة عام أنه كان مغرماً بالنساء ومع طول عمره وكثرة تزوجه كان شديد الاحتراس وهن يخنه.
(1/118)

فتزوج جارية صغيرة وجعلها في بيت نقره في جبل لا يصعد عليه إلا بالسلاسل، وأن عمليقاً نظرها فوقعت من قلبه، فأمر قومه فشدوه في حزمة سيوف واستودعوها لقمان مدة فوضعها في بيته، فلما خرج تحرك العملي فحلته الجارية فكان يكون معها إلى أن يأتي لقمان فتجعله في السيوف حتى انقضت المدة وطلبوا سيوفهم فدفعها، ثم جلس فنظر إلى نخامة في سقف بيته، فسألها عن فعلها. قالت أنا فأمرها تفعل فقصرت لأن النساء لا يقدرون على رفع النخامة إلى الأعلى لضعف مزاجهن.
فقال يا ويلتاه والسيوف دهتني، ثم رمى المرأة من أعلى الجبل ونزل فلقيته ابنته فضربها بحجر فكسر رأسها. فضربت العرب أمرها مثلاً لمن يؤخذ بلا ذنب فكان يقول المظلوم منهم، ما أذنبت إلا ذنب صخر يعني ابنة لقمان.
ومن الثاني ما حكي أن رجلاً عشق ابنة عمه حتى فني في حبها، فتزوج بها فكان لا يصبر عنها ساعة، وكان يجالس الناس فلم يصبر إلى انقضاء غرض المجالس حتى يدخل فينظرها ثم يرجع.
وأن ابن عم لها غيره اكترى داراً إلى جانبها وراسلها فوقع حب كل عند الآخر. فنزلت إليه ودخل زوجها فلم يجدها وسأل أمها فقالت تقضين حاجة فطلبها مكان الحاجة فلم يجدها، وإذا هي قد أتت من الدار فعزم عليها أن تصدقه أين كانت.
فقالت أما إذا عزمت علي فإنني أصدقك، وحدثته القصة فرمى عنقها وعنق أمها وهرب، فكان كثيراً ما يتمثل عند ذكر ذلك بشعر ديك الجن الآتي.
الصنف الثاني في ذكر من اشتدت به الغيرة إلى أن خامرته الحيرة فجرته إلى تهمة محبوبه فآثر قتله على نيل مطلوبه
حكي أن عبد الله بن رغبان الكلبي، وقيل عبد السلام المشهور بديك الجن الحمصي، كان أديباً حاذقاً، شاعراً لبيباً كأنما تنطق قريحته بالرقة واللطافة، والغزل والظرافة إلا أنه كان من أعظم الفساق بين العشاق، وأجمعهم للقساوة والاشتياق.
وأنه عشق جارية وغلاماً واشتد بهما كلفه وتهالك في حبهما حتى حان تلفه فاشتراهما، وكان يجعل الجارية عن يمينه، والغلام عن شماله ويجلس للشرب فيلثمها ويشرب من يدها تارة والغلام أخرى، ولم يزل كذلك إلى أن أحسن نفسه من شدة الحب أنه سيموت ويصيران إلى غيره فذبحهما وحرقهما، وعمل من رمادهما برنيتين، فكان يشرب فيهما ويقبلهما عند الاشتياق وأشعاره في ذلك متظافرة، ومن أحسن ما كان ينشده عند تقبيل برنية الجارية قوله:
يا طلعة طلع الحمام عليها ... فجنى لها ثمر الردى بيديها
حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
روّيت من دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها
فوحق عليها لما وطىء الحصى ... شيء أعز عليّ من نعليها
ما كان قتيلها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن بخلت على العيون بلحظها ... وأنفت من نظر العيون إليها
ومن لطيف شعره أيضاً:
جاءت تزور فراشي بعدما قبرت ... فظللت الثم نحراً زانه الجيد
وقلت قرة عيني قد بعثت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه مودعة ... تعيث فيها بنات الأرض والدود
وهذه الروح قد جاءتك زائرة ... هذي زيارة من في القبر ملحود
وعند تقبيل برنية الغلام:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو ابتلى بعد الوصال بهجره
قمرقد استخرجته من دجنه ... لبليتي وأثرته من خدره
فقتلته وله عليّ كرامة ... فلي الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحيّ منه بكى له في قبره
غصص يكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره
ومن لطيف شعره في الدعاء على المحبوب:
كيف الدعاء على من جار أو ظلما ... ومالكي ظالم في كل ما حكما
لا آخذ الله من أهوى بجفوته ... عني ولا اقتصّ لي منه ولا ظلما
(1/119)

ومما أرخه الفرس عن أردشير ملك الطوائف، أنه لما حضر ثرثار، وهي قلعة في بر سنجار من مدن الشرق استعصم بها ملكها المعروف بالساطرون وطال الأمر فصعدت ابنته يوماً على القلعة فرأت أردشير فعلقته فرمت إليه بكتاب في نشابة فيه أن أنت شرطت لي أن تتزوجني عرفتك كيف تأخذ القلعة فراجعها أني شرطت لك ذلك فدلته.
فلما أخذ القلعة وتزوج بها وأقاما مدة ضجرت ذات ليلة من شيء يؤلمها في الفراش فكشفوا فإذا هي باقة نرجس فتفكر في رقة جلدها فقال لها ما كان يطعمك أبوك قالت الشهد ومخ العظم والزبد. فقال إذا كنت غدرت بمن هو عليك بهذه الصفة من الشفقة والدلال فكيف بي واشتد عنده التخيل والغيرة والحساب فقتلها.
وحكى صاحب محاسن البلدان ونزهة الأزمان. أن لكل اقليم اختصاصاً بصفة وتمييزاً بحالة تغلب عليه من قبله ما تتغير به الكائنات الفاسدة من العلويات وغيرها.
أن مصر وضعت في طالع الجوزاء وهي تعرف عندهم بالتوأمين، والعذراء والمؤنسة ومقتضاها الرقة وسرعة التأليف، واللطف وعدم الانضباط على حالة وقلة الغيرة وكثرة الغفلة. وقد ظهر أثر ذلك في أفعالهم.
قال ألا ترى إلى لطف العزيز وتغافله، وقد رأى زوجته متهيئة للخلوة من غلق الباب ونحوه ولم يكن عالماً بعصمة يوسف عليه السلام ليقال أنه استند إلى ذلك ومع هذا قال للرجل أعرض عن هذا، وقال للمرأة استغفري لذنبك.
وعكس ذلك الاقليم الخامس فقد وضع في طالع المريخ ومقتضاه الغلظة واليبس والقسوة وسفك الدم. ألا ترى أن ملكاً من ملوك الأندلس كان شديد الكلف بجاريه عنده حتى أنه كان لا يستطيع عنها صبراً. فجلس مع ندمائه يوماً وغنت الجارية فاستعاد منها بعض خواصه صوتاً.
فلما انقضى المجلس جيء بطست فوضع بين يدي مستعبد الصوت، وقال له الملك اكشفه، فإذا فيه رأس مقطوع، فقال له استعد الصوت منها فقام مريضاً وقد نقل الحكاية أبو حيان في تفسيره ملخصاً.
الصنف الثالث في ذكر من عانده الزمان في مطلوبه حتى شورك في محبوبه فصنع من الحيل ما أفضى إلى قتله وقتل من شاركه في فعله
حكى لي رجل بحب سنة ثلاث وستين وتسعمائة، أن رجلاً موصلياً علق امرأة فزاد بها وجده، فكان يصبر عنها ساعة وتلطف بها حتى فارقت زوجها وتزوج بها وأقاما مدة. وجاء يوماً فوجدها تأكل في طعام لم يكن جاء به هو، فسألها عنه فقالت من بعض أهلي.
فداخله من ذلك شيء وقوى عنده وتجسس عن أمرها فلم يقع على شيء فمضى وركب دواء سمياً، ثم جاء به إليها فقال احتفظي بهذا فإنه باهي، فقالت كل منه فأكل ورفعت الباقي ومضى فعالج نفسه من السم وعاودها بعد يوم متمرضاً فوجدها والرجل ميتين. فخرج وقد اتفق عليه الغم وباقي السم فمات من ليلته.
ورأيت في الشهنامة الفارسية ما ترجمته أن أبرويز أحد ملوك الفرس تزوج امرأة صغيرة بديعة في الحسن وقد بلغ ثمانين سنة فوجد بها وازداد عشقه لها هي تظهر حبه وتخفي بغضه، وعلقت ولده واشتد ميلها إليه، وأن الملك دخل فرآهما على الحالة المنكرة فكادت نفسه أن تزهق.
وعلم أنه إن أظهر أنه رآهما، أمرت المرأة ولده بقتله فرجع وأخذ في تدبير الحيلة فأخذ كتاباً وسم ورقه وجلده بالذهب ورصعه بالجواهر وأودعه صندوقاً وجاء به إلى المرأة فقال لها قلد علمت ما حوت يدي من الذخائر والنفائس.
غير أنه لم يكن يعدل نفسي إلا هذا الصندوق فاحتفظي به وعلم أنها ستطلع عليه. فلما خلت به أخبرته القصة فقال علي بالصندوق فأحضرته ففضه فلم يجد إلا الكتاب مطبوقاً، فحاول فتحه فوجد ورقه معتلقاً بعضه ببعض، فجعل يبل أصبعه من ريقه ويتصفح الأوراق فلعب السم فيه وعلم بالحيلة، فأخذ السيف وخرج فضرب أباه فسقطا ميتين.
ووقفت في سنة خمس وستين وتسعمائة بمحروسة دمشق على كتاب لم أعرف مؤلفه، سماه درر الأفكار في التحريض على تزويج الأبكار، ذكر فيه ما ملخصه.
أن قدماء الفرس كانوا يمنعون التزوج بالثيب لأن حكماءهم يقولون أن المرأة لا تلقي مقاليد طاعتها ولا تصدق لطائف شهوتها ولا تظهر حسن مودتها إلا لمن يفض ختام بكارتها لأنه القاطف لزهر محاسنها والمجتلي على أول مطالع بدر مواطنها فإن وقع منها الغيرة ودفنا در لا يعتديه ونزر لا ينبغي التمسك بسببه. ولم تزل هذه الوصايا عندهم محفوظة وبعين الكمال ملحوظة.
(1/120)

وأن ملكاً تجاوز الستين ولم يرزق ولداً وكان ذا ملك عظيم، ومال ورزق جسيم، فكان يتأسف على خروج ذلك منه وانتقاله عنه. فجمع أهل التنجيم والخطوط وأمرهم بالنظر في ذلك فرأوا أنه إن تزوج من الحبشة رزق ولداً يكون له الملك.
فأرسل فجيء له ببنت فاختاروا له طالعاً يبني بها فيه وواقعها، فحملت وجاءت بذكر صحيح سوى حسن الخلقة، فأولم الملك أربعين صباحاً ونشأ الولد فحفظ الأدب والحكمة، وأن أباه طلب تزوجيه ونادى بعرض البنات عليه، فوقع اختياره على واحدة ليست بالشريفة المناسبة للملك، فأرادوا تحويله عنها فأبى فزوجه بها على غضاضة في نفسه.
ودخل فوجدها ثيباً، فكتم أباه ذلك لشدة عشقه وشغفه بها، وأن أمه ودهاة النساء من خدمتها جعلن ينظرن في حب كل منهما لصاحبه فيجدنه أعظم حباً لها، فكن يخبرن الملك فيقول إن صدق الحدس فإنها ثيب ولا يستطيع أحد أن يكلمه في أمرها.
فلما أقضى الملك إليه بعد والده دخل يوماً فوجدها كالتي فرغت من الجماع وكان له مدة لم يتغشاها، وكان إذا جامعها تدوم حمرة وجهها مصفرة يوماً وهذه والتي تغيب حال الفعل تسمى الربوخ. فسألها عن العلة، فأجابت أنها تشكو صداعاً وكان عارفاً بالطب فلم يرض بذلك ولكن كره أن يغضبها، فأمسك وتكرر منه رؤيتها كذلك وكان قد برع في الدهاء فصنع قارورة طيب نفيسة وأتى بها إلى بيتها فوضعها في صندوق محرز في خزانة سره، وأخذ مفتاحها وجعل كلما جامعها أخرج من الطيب ودهن مذاكيره وسرته وأمرها فتدهن فرجها وأخبرها أن ذلك ذخيرة لم يظفر بها سواه وأنه يقوي الأعضاء ويعين على الفعل ويحفظ الصحة والصبا والقوة.
وخرج عنها فجاء صاحبها فكانت تطيبه من الطيب إلى أن علم ثبوت ذلك عندها فجاء بسم قاتل لوقته فأوهمها الأخذ من الدهن ووضع ذلك فيه وأعملها أنه خارج في شغل يقيم فيه سبعة أيام، وخرج بعسكره من البلد، ثم عاد من الغد على غفلة مستخفياً، فدخل عليها فوجدها والرجل فيهما رمق الحياة فرمى عنقهما وسأل عن الرجل فإذا هو جارها نشأ معها صغيراً، فعلم أنه الذي أزال بكارتها، ثم أقام مدة فكان يعاوده من حبها وهو على سرير ملكه ما يذهب عقله فيقوم إلى الخلوة ويذكر عشقها للسوقة عليه وإيثارها الأرذال فيسكن ما به ويعود فلم يزل أياماً على ذلك حتى غلب الحب على التآسي فمات.
الصنف الرابع في ذكر من عوقب بالفسق ولم يشتهر بالعشق
قد خلط المصنف هؤلاء بالعشاق وعقد للكل باب عقوبة الفساق، وأهل العشق الصحيح بريؤون من الاثم خارجون عن التسمية بهذا الاسم.
فمن أهل هذا الصنف ما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه آلى أن لا يهدر دم مسلم. فأتى يوماً بشاب أمرد مقتول، فعرف المكان الذي وجد فيه واستكتم من جاء به أمره وقال أرجو أن لا يفوتني، فلما كان بعد حول رأى طفلاً ملقى موضع الشاب فقال قد أدركت ما أطلب وأخذه فسلمه إلى من ترضعه وأجرى عليها ما تحتاج إليه، وقال لها إذا رأيت امرأة تقبله وتضمه فاعلميني بها.
فجاءت جارية يوماً إلى المرأة، فقالت إن سيدتي تطلب الغلام ساعة فمضت به إليها فرشفته وضمته ثم دفعته إلى المرأة. فجاءت إلى عمر فأعلمته بذلك فأخذ سيفه ومضى إلى الباب فإذا أبوها شيخ من الأنصار قد كبر فقال أين ابنتك فقال بالبيت فقال كيف سيرتها فقال على أحسن حال من طاعة الله ورسوله والقيام بحقي فقال مكانك حتى أدخل عليها وأعظها فقال افعل فاستأذن عليها فحين صار عندها قال أصدقيني ما فعلت وإلا رميت عنقك فقالت يا أمير المؤمنين إني والله محدثتك بما كان لا أكذبك شيئاً، اعلم أن عجوزاً كانت تدخل علي من الصغر وتخدمني إلى أن صرت كما ترى وأنا أظنها صالحة فقالت لي يوماً قد عزمت على مكة وعندي ابنتي ولا آمن أن أتركها في البيت فأريد أن أجعلها عندك حتى أعود فقلت كرامة فمضت وأحضرت شخصاً مؤزراً مبرقعاً. فلما كان الليل ونمت آمنة وثب على صدري فنال مني فعمدت إلى شفرة بالقرب مني، ففجرت بها بطنه وجعلناه حيث رأيت.
فبعد مدة رأيت أني حامل، فلما وضعت جعلته مكانه، فدعا لها وجزاها خيراً وأوصى أباها بها.
ومنهم أعرابي من أسد
(1/121)

خرج لحاجة فنزل على باهلة عند امرأة، فقدمت له ما يحتاج إليه فلما لم ير عندها أحد أسامها نفسها، فقالت على رسلك لأصلح من شأني وغابت، ثم جاءت وقد أخفت مدية فوثب ليعانقها فضربته بها في نحره فخر ميتاً، وسقطت حين رأت الدم.
وجاء بعض أهلها وهي على تلك الحالة، فأجلسها حتى سكن ما بها وحدثته القصة فشاعت حتى قال فيها شاعرهم قيل جعفر بن أبي علية وقيل صيفي بن سعيد الباهلي وقيل غيرهما هذه الأبيات:
لعمري لقد أخفت معاداة ضيفها ... وسوت عليه مهده ثم برت
فلما بغاها نفسها غضبت لها ... عروق نمت وسط الثرى فاستقرت
وشدت على ذي مدية الكف معصماً ... وضيئاً وعزت نفسها فاستمرت
فأمت بها في نحره وهو يبتغي النك ... اح ومرت في حشاه وجرت
فنح كان الغيل في جوف صدره ... وأدركها ضعف النساء فخرت
ويقرب منه ما حكى أن رجلاً أضاف بني هذيل، فحين خرج من البيت رأى جارية منهم فراودها عن نفسها فتعاسفا فأخذت حجراً فضربته به ففضت كبده، وبلغ عمر فقال هو قتيل لا يودى. وغزا رجل فخرج جاره فرأى في بيته مصباحاً وأنصت فسمع قائلاً يقول:
وأشعث غره الاسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويضحى ... على جرداء لاحقة الحزام
كان مواضع الربلات منها ... فئام ينتمين إلى فئام
فدخل فقتله، وكان في عهد عمر أيضاً. فلما أصبح أعلمه فنشد عمر عن سيرة الرجل فلم يقل إلا خيراً، فقال له أقتله. فقال قد فعلت فجزاه خيراً واقتدى به في عدم ايداء الفاسق عبد الملك بن مروان وقد حمل إليه رجل راود امرأة عن نفسها فأغلقت بينها وبينه، فأدخل رأسه فشدخته وقال لا بودي.
وأما مصعب بن الزبير فأخذ دبة رجل وجده مع زوجته فقتله.
ومنهم ما حكى عن عبد الله بن سيرة
أن امرأة مغيبة يعني غاب عنها زوجها أرسلت إليه، فلما جاء أخبرته أن رجلاً يسومها نفسها، فقال ابعثي إليه واختفى. لما جاء قام فقتله، وأمر الجارية فحفرت حفرة وألقاه فيها، وقتل الجارية وجعلها معه وأعطى المرأة سبعين ديناراً، وقال اشتري بها خادماً وقال: وكل حديث جاوز اثنين شائع وكان عبد الله هذا من أعظم الناس مروءة حتى قيل أن شامياً اسمه فيروز خرج إلى العرب ببيع العطر فوضع يده على عجيزة امرأة فقالت يا عبد الله بن سبرة وبلغه فخرج من أذربيجان في طلب العصار إلى الشام حتى قتله:
ومنهم ما حكى عن جويرية بن أسماء عن عمه
قال خرجنا نريد الحاج فبتنا ليلة وبالقرب منا امرأة، فلما أصبحنا إذا حية قد التفت على عنقها، فخفنا من ذلك فلم تزل إلى أن دخلنا الحرم فانسابت.
فلما قضينا المناسك سمعنا الغريض يقول للمرأة أي شقية أين حيتك؟ فقالت في النار. فقال ستعلمين من في النار، فلما أردنا الخروج عزمت على صديق لي وبينه وبين الغريض صداقة أن يمضي بنا إليه لنسمع من غنائه. فلما سرنا عنده أكرمنا وسأله صاحبي الغناء فغنى:
مرضت فلم تحفل عليّ جنوب ... وأدنيت والممشى إلى قريب
فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صوبنا صبوة سنتوب
واستعدناه الصوت فغنى قول المجنون عفا الله عن ليلى الأبيات السابقة، فتخيلنا أن الجبال ترقص طرباً، ثم استزدناه عند الوداع، فغنى أبيات أبي الأسود الدؤلي التي أوصى بها ابنته عند الزفاف:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في ثورتي حين أغصب
فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
فلما رجعنا إذا بالمرأة وقد جاءت الحية حيث انسابت فانطوت عليها، وإذا بالوادي كله حيات فأقبلن ينهشنها حتى ماتت. فسألت جاريتها فقالت بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولداً فتحرقه.
القسم السادس
في ذكر من حل عقد المحبة وخالف سنن الأحبة
وهو بالنسبة إلى من استدرك الغلط واستقال ما فرط وإلى من تمادى على نقض العهد واخلاف الوعد، ينحصر في صنفين أردفهما بثالث من هذا الكتاب، إذا لم يكن مناسباً للباب.
(1/122)

قد سبق لك في الخطبة أن المؤلف رحمه الله قد أكثر في كتابه من التخليط في تبويبه، وذكر غير المناسب لمطلوبه، ولكن لعمر لم يقع له بهدة الأوصاف أكثر من الباب السابع حيث ترجمه بمن استخفه الملل والضجر لطول الزمان فغدر المحبوب وهجر، فإن الوقف على هذه الترجمة يفهم منها أنه يذكر متحابين نكث أحدهما عهد الآخر، ولم يذكر من ذلك إلا قصة التي ترجم لها في الباب بمن تاب عن عقوقه ورجع إلى معشوقه فمات في نادي الهوى وسوقه. وها أنا أذكر ما وقع لي من ذلك على الشرط المتقدم إن شاء الله تعالى.
الصنف الأول في كر من تاب عن الخلاف ورجع إلى حسن الائتلاف وكان محبوبه في الوجود فتراضيا على ضم شمل العهود
حكى المسعودي في جزء لطيف سماه اقتداح زناد الأشواق واسترجاع شوارد العشاق.
أن المجنون أخبر بعد توحشه بزواج ليلى، فجاء ولبس أثوابه وأقام مدة يظهر انحلال العشق وأنه لم يبق له فيها أرب. لما كان قد عاهدها وعاهدته أنها تدوم معه على المحبة ولا تنقض لعهد الصحبة.
فبينما هو ليلة نائم إذ رآها باكية فدنا منها فولت وجهها وقالت أي غادر لو ملكت من أمري ما تملكه أنت من أمرك ما فعلت وأيم الله إني لم أكن معه إلا كمفترش النار في الهواجر أو متوسد السعدان عارياً فانتبه مرعوباً باكياً، ثم نزع ما عليه وعاد إلى التوحش.
وفيه أيضاً أن قيس بن ذريح حين تزوجت لبنى خرج متصفحاً أحياء العرب حتى ظفر بامرأة اسمها لبنى فتزوج بها، وقال عشق بعشق وامرأة بامرأة وأقام معها، والصحيح أن ذلك لم يكن باختياره، وإنما وقع بحيلة ولم يقم معها وقد بسطت الخبر في قصته.
وفيه ونقله المصنف هنا أن عزة أرادت أن تعلم ما لها عند كثير فتنكرت ومرت به متعرضة، فقام إليها وكلمها فقالت أين حبك لعزة؟ قال جعلت فداءك لو أنها أمة لوهبتها لك. قالت لا تفعل فقد بلغني أنها لك مخلصة وفي المحبة صادقة. فقال دعيني منها فهل لك في المخالاة؟ قالت وكيف تصنع بما قلت فيها؟ قال أديره فيك، ثم أنشد يقول:
ما وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية عن وصلها خلف
فكشفت عن وجهها فبهت، إلى هنا يا فاسق فهلا كنت مثل جميل حيث يقول:
لحا الله من لا ينفع الوعد عنده ... ومن حبله أن مد غير متين
ومن هو ذو وجهين ليس بدائم ... على العهد خلاف بكل يمين
ثم لم يزل يعتذر ويتنصل إلى أن قبلته ولا مناقضة بيت هذا وبين ما تقدم من أنه أثبت من جميل لقوله هينئاً مريئاً البيت وقول جميل رمى الله في عيني بثينة الأبيات لأن تلك أدل على الأشفق وهذه على الأعشق.
وأما قصة ذي الرمة حيث عابت عليه المرأة تشبيهه محبوبته بالعنز في الأبيات التي منها:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم
فتنصل واعترف حتى وهبها الراحلة فأعادتها وصفحت فليس من هذه القبيل إذ ليس بنقض عهد وإنما هو غفلة عن مقام الحبيب المحبوب قاد إليه التوغل في التشبيب ونظيرها ما سبق في قصة كثير من اعتراض العجوز عليه في قوله: فما روضة بالحزن البيتين، وأما من رجع نادماً على الهفوات فوجد الحبيب قد فات فجرعته الغصص من ذلك كأس الممات فقليل.
ومنهم ما حكاه في النزهة ونقله هنا مجهولاً
أن كعب بن مسعدة الغفاري، قال خرجت أنا ومالك بن غفيلة العذري نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن أي والله هو، ثم قربن منا فقالت إحداهن قل لصاحبك:
ليست لياليك في حاج بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم
فقالت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره:
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
وانصرفنا فما استقريت إلا وجارية تقول أجب المرأة التي كلمتك، فلما صرت إليها، قالت أنت المجيب. قلت نعم، قالت فما أقصى جوابك قلت لم يحضرني غيره فقالت لم يخلق الله أحب إلي من الذي كان معك فقلت علي أن أحضره إليك، فقالت هيهات فضمنته في الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة فلما كان الوقت مضيناً فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسنا فتعاتبا فأنشدته أبيات أميمة امرأة ابن الدمينة.
(1/123)

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لها غرضاً أرمي وأنت سليم
فلو كان قول يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
فأجابها:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... وفي بعض هذا للمحب عزاء
جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتني ... فحبك في قلبي إلى اذاء
فالتفتت إلي وقالت ألا تسمع فغمزته فكف ثم أنشدت:
تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي ... فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته ... نصيب ولي رأي وعقل موفر
ولكنما آذنت بالصرم بغتة ... ولست على مثل الذي جئت أقدر
فأجابها:
لقد جعلت نفسي وأنت احترمتها ... وكنت أعز الناس عنك نطيب
وفي روضة القلوب بدل هذا البيت:
لقد كنت أنهي النفس عنك لعلها ... إذا وعدت بالنأي عنك تطيب
وفيها أنه قبلها وأنشد:
دمعي عليك من الجفون سكوب ... والقلب منك مروع مكروب
لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى ... إن لم يخن عهد الحبيب حبيب
فأجابته:
خلوتم بأنواع السرور هناكم ... وأفردتموني للصبابة والحزن
وعذبتموني بالصدود وإنني ... لراض بما ترضونه لي من الغبن
والمشهور أنهما لم يأتلفا بعد بل حين أنشد لقد كنت أنهي النفس البيت، قالت له أو كنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا، فقالت لكعب ما قلت لك أنك لا تفي بضمانك، ولكن إذا كان السحر فأتني. قال كعب فجئت فإذا أنا بالصباح فسألت جارية فقالت حين خرجتما جعلت في عنقها انشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها فجلست ساعة تحادثنا وتفتكره فتقول إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت.
وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاء به في النوم، فقالت هلا كان هذا قبل، فمات من وقته.
قال في النزهة وأصل هذه الحكاية، أن هذه المرأة كانت من عذرة، واسمها سعدى وكانت وهذا الفتى على أعظم رتبة من شدة تعلق كل منهما بصاحبه، وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشي به إلى أهلها فحجبوها منه فتراسلا بالمحبة وبلغه فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل، ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكانت عند مالك أنفة.
فخرج إلى مكة ناقضاً للعهد، فلما بلغ زوجة ذلك الرجل وجه الحيلة، وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به وتم بينهما ما سمعته.
الصنف الثاني في ذكر من تمادى على نقض العهد ومات على اخلاف الوعد
أخرج في اقتداح زناد الأشواق عن الأصمعي، قال نزلت على رجل من بني هذيل فأكرمني وأطرفني بلطائف الأخبار، فكان يوم أقصر ما يكون بالسرور.
فلما كان الليل فرش لي موضعاً لطيفاً موطئاً ونمت وجلس، فقلت هل بقي لك ارب في السهر؟ قال لا وعافاك الله ثم ودعني لما بي فحدثت أن له شأناً فأوهمته النوم فقام وفتح مخدعاً فأخرج منه كلبة عليها الحرير وأطواق الذهب. فقدم لها طعاماً وشراباً، فلما اكتفت غسلها بماء الورد وبخرها بالعود، ثم مكث ساعة ونزع ما كان عليها ورشها بالرماد والزيت وعاقبها طويلاً وهو مع الفعلتين يبكي بشهيق أخال فيه أن نفسه زهقت ثم أعاد عليها وأدخلها المخدع وجلس يبكي وينشد:
أأحبابنا لو تعلمون بحالنا ... لما كانت اللذات تشغلكم عنا
تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأبديتم الهجران ما هكذا كنا
وآليتم أن لا تخونوا عهودنا ... فقد وحياة الحب خنتم وما خنا
غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن ... وحلتم عن العهد القديم وما حلنا
وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم ... ونحن على صدق الحديث الذي قلنا
ودام كذلك حتى طلع الفجر، فجاء ليوقظني فرآني منتبهاً، فلما ودعته تفرس أن في وجهي كلاماً، فقال أنشدك الله هل رأيت من حالتي شيئاً أنكرته. قلت اللهم نعم، قال أو تحب أن أطرفك به قلت أي والله فتنفس الصعداء وكفكف دمعه فلم يملك ذلك وخنقته العبرة فأرسلها وأنشد:
(1/124)

أكفكف جفن العين والدمع سافح ... كشبه غدير فوق خدي جاريا
فيا ليت شعري ذا البكاء إلى متى ... وحتى متى ذا الحزن والجسم باليا
ثم غيض دمعه، وقال يا أخا العرب كانت لي ابنة عم لا أملك الصبر عنها فتزوجت بها فكانت بي أبر من أمي، وأقمنا مدة لم آل جهداً في الاتفاق عليها، فتعاهدنا على عدم التفرق والاستبدال. فلما أملقت أنفقت مني فأخذت في التحامل والتجنب فقلت لها ماذا تريدين؟ قالت أو فاعل أنت ما أقول؟ قلت نعم، قالت تطلقني فخامرني حبها فقلت قد فعلت. فاعتزلتني وعاودني القلق فألمت طويلاً وجئت وشكوت إليها ذلك وذكرتها العود والمواثيق، فطيبت نفسي وحلفت أنها لا تتزوج ولا تتزين لغيري.
فقمت وجئتها يوماً فوجدتها على أحسن ما يكون من أنواع الزينة فكلمتها فلم تجب، فسألت فقيل لي تزوجت فحلفت لها أن لا آخذ بدلها للبسها وزينتها التي عندي إلا كلبة وفعلت فأنا الآن أمثلها بتذيين هذه الكلبة وأذكر غدرها فأسلبها وأعاقبها كما رأيت.
قلت فهل وقع بينكما بعد ذلك مراسلات قط. قال نعم قد كلفها الذي تزوج بها شططاً وسلمها نقصاً، فندمت فراسلتني فلم أجب مع أنه لم يكن على البسيطة أعز علي منها ولكنها الغيرة تمنعني.
قال الأصمعي فلم أر أغرب منها.
وأخرج في النزهة عن الرياشي، قال اتجر صديق لنا فحمل الصندل إلى شهرزور وقد بلغه أنه نافق. فلما حل بها صادف كساداً، فمكث مغموماً فبينا هو كذلك إذ مرت به عجوز فسلمت عليه بلطف وسألته عن حاله، فشكى إليها ما يجد من الغربة والوحدة وكساد متجره.
فقالت أما الكساد فسيزول ولم تزل الناس على هذا، وأما وحدتك وغربتك فلا أرى لما دواء إلا أن تتزوج بمن تحفظك إذا غبت، وتؤنسك إلى حضرت وتفرج عنك إذا حزنت.
قلت ومن أين لي بما ذكرت؟ قالت أنا الضامنة لك ما تطلب ابتغاء لوجه الله تعالى، فشكرت صنيعها وأمرتها أن تفعل. فما مضت عني إلا وقد جاءت الدلالون فاشتروا البضاعة بأحسن ربح إلى أجل فتوسمت فيها الخير، وجاء فقالت قد هيأت لك ما تطلب فقم لتنظرها.
فمضينا إلى دار لطيفة وقد فرش لي قطيفة بزة، فجلست وجاءت امرأة تسر القلب وتملأ العين إلا أن عليها آثار الحزن وشعار الفرقة، فسلمت بحشمة وجلست فقالت العجوز ها هي فتراضينا ودخلت بها ودمت أسبوعاً في أنعم حال غير أني أجدها تقوم من الصباح فتجلس في موضع يشرف على الأشجار وتبكي حتى ترتفع الشمس، فلم أسألها عن ذلك.
فلما كان يوم وقد أخذها النوم حتى طلعت الشمس، انتبهت مرعوبة ترتعد، ثم ذهبت إلى المشرف وعادت ومزقت أثوابها وجلست تبكي فلم تلهج يومها كله إلا بهذه الأبيات:
أيا عين نوحي بالدموع السواجم ... على طامس بالشرق خافي المعالم
وسحى دماً إن سح دمعك واسعفي ... حليف الهوى من قبل حمل التمائم
إذ ناحت الورقا على فقدانها ... ولم تك ذا عقل فما حال عالم
حرام عليّ النوم إذ فاتني به ... زمان البكا والنوح قبل الحمائم
فضاق صدري لحالها، وراجعت نفسي في سؤالها، ثم غلب علي عدم التصبر بعد أيام وهي تجالسني كالمشغولة وتقوم بما أحتاجه حتى إذا نمت مكثت جالسة حتى يسفر الفجر فتروح إلى المكان الذي يشرف على الشجر كعادتها. فقلت يا سيدتي قد ضاق صدري لحالك. وأنا أعزم عليك إلا ما أخبرتني بما أنت فيه.
فقالت أو لا بد، قلت أي والله. قالت قد كان أبي ذا ثروة وعزة، وكان لي ابن عم قد كفله أبي صغيراً فنشأت وإياه ليس عند أحدنا أعز من الآخر فزوجني منه، فأقمنا لا نستطيع صبراً.
وكان في هذا البستان زوج حمام يبيت فيه ويصبح ويغرد بأنواع التغريد فإذا اختفت واحدة في شجرة دارت الأخرى عليها حتى تكاد أن تموت، فإذا التقينا تعانقا وغردا.
فلما كان يوم مر بهما حمام فطارت إحداهما إليه ومضت فلم ترجع فأقامت الأخرى تغرد كل صباح إلى ارتفاع الشمس، ثم تلقي نفسها كالميتة حتى ذهبت نضارتها وذوى ريشها.
(1/125)

فقلت له يوماً لئن فارقتني لأكونن كهذه. فقال أنا لا أفارقك أو أموت فقلت له قد تجد أحسن مني. قال معاذ الله أن يكون في الدنيا مثلك فأردت أن أعرف صدقه، وكانت لي صديقة قد احتوت على أرفع رتبة من الجمال، فاستحضرتها وأريته إياها من خلاف السجف، فوقعت بقلبه فراسلها فأجابته فتزوج بها فلم توافقه.
فرجع يطلب مني ما كنت عليه فأبت نفسي أن تطيع كما كانت وتشفع فلم يفد. فقال أطلقك مرة، قلت نعم ففعل وخرج، فلم أعرف خبره.
وإنما أخذتك لأنك غريب تفارقني، فإن رضيت هذا الحال وإلا فشأنك قلت فلأي شيء هجرك النوم قالت كفارة لنومي عن مناوحة الحمامة وسبقها لي.
الصنف الثالث في ذكر من أشبه العشاق في محبته وشاكلهم في مودته فتعاهدا لشدة كلفه بالمحبوب على عدم الفراق فنكث أحدهما عهد الآخر بعد التلاق
وهذا هو الذي عقد له المصنف الباب، ووعدنا بزيادته لأن الترجمة له خلاف الصواب. وقصة عاتكة مع عبد الله وإن كان لها بهذا الباب اعتلاق إلا أنها بما مضى الصق.
فمنهم صخر بن عمرو
وكان من أشجع العرب وأكرمهم وأجملهم، وكانت تحبه سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي، وصخر هذا هو أخو الخنساء المشهورة فيه بالشعر.
وكان عاهد سلمى على أن لا تتزوج بعده وهو كذلك عاهدها، وكان يقول إذا نظر إليها لا أكره الموت إلا أنه يفرق بيني وبين هذه. فلما كان اليوم المشهور بيوم الكلاب وهو الذي تحارب فيه بنو عوف وبنو الحرث، التقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم فطعن ربيعة صخراً، وكان رمح صخر قصيراً فأصاب ربيعة في بطنه حلقاً من الدرع فمرض صخر سنة بالطعنة، فكانت أمه تلاطفه وقصرت سلمى في خدمته، فسمع يوماً امرأة تقول لأمه كيف حال صخر؟ فقالت نحن بخير ما دمنا نرى وجهه، وسألت امرأته أخرى فقالت لا حي فيرجى ولا ميت فينعى، فغم لذلك وأنشد:
فأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في عنا وهوان
وحكى في النزهة أنه جلس يوماً ليستريح وقد رفع سجف البيت فرأى سلمى واقفة تحدث رجلاً من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها فسمعه يقول لها أيباع هذا الكفل فقالت عن قريب.
فقال صخر لأمه علي بسيفي لأنظر هل صدىء أم لا فأتته به فجرده وهم بقتل سلمى، فلمى دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله فبكى وأنشد:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
وهذا مثل يضرب للعجز والبيت والذي قبله من قصيدة لصخر وأولها:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان
آهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
فلو مت خير من حياة كأنها ... محلة يعسوب برأس سنان
فأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقي وهوان
ولما اشتد غمه وطال مرضه نتأت قطعة موضع الطعنة، فقيل له اقطعها فحموا له حديدة فأدخلوها فيها فقيل كيف صبرك فأنشد:
فإن تسأليني هل صبرت فإنني ... صبور على ريب الزمان أريب
ثم مات فتزوجت سلمى بعده، وقيل سبب موته أنه سكر مع بلعاء بن ربيعة، وكان الآخر جميلاً عند يهودي فحسدهما على الحسن فسقاهما في الشارب سماً والصحيح الأول.
ومن لطيف شعر الخنساء في صخر قولها:
قذى بعينك أم بالعين أعوار ... أم اقفرت إذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي لصخر هي العبر أو قد ثكلت ... ودونه من جديد الترب أستار
تبكي خناس على صخر وحق لها ... إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
وما عجول على بويحنّ له ... لها حنينان اعلان وأسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي اقبال وادبار
يوماً بأوجع مني حين فارقني ... صخر وللدهر أحلاه وأمرار
(1/126)

لا بد من ميتة في صرفها غير ... والدهر في صرفه حول وأطوار
يا صخر وراد ماء قد تبادره ... أهل الموارد ما في ورده عار
يمشي السبنتي إلى هيجاء معضلة ... له سلاحان أنياب وأظفار
وأن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا يشتو لنحار
وأن صخر التأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت ياكله ... لكنه بارز بالصخر مهمار
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخر ... ضخم الدسيعة بالخيرات امار
وقالت أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد ضحكتني زمناً طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا
رفعت بك الخطوب وأنت حي ... فمن ذا يرفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وأدركت الخنساء الاسلام، وحسن إسلامها، فقالت لها عائشة يوماً أتبكين صخراً وهو في النار، فقالت هو أشد لجزعي عليه وادعي للبكاء فعد من الأجوبة المسكتة.
ومنهم هدية بن الخشرم
وكان معروفاً بالشجاعة والنجدة والجلادة والصبر والمروءة، وله أخ اسمه حوط وأخت اسمها سلمى تزوج بها زيادة بن اليزيد الذبياني، وهو رئيس قومه فراهنه أخو هدبة يوماً على اطلاق جملين يوماً وليلة في القيظ وحملوا الماء، فأخذت أخت هدبة ماء زوجها إلى أخيها فقصرت لذلك ابل زيادة فسبها فغضب حوط فثار بينهما شر.
وعلم هدبة فبيت زيادة فقتله ورفع الأمر إلى سعيد بن العاص عامر معاوية على المدينة وقد هرب هدبة فحبس عمه، فجاء وسلم نفسه ومضى أخو زيادة فشكا إلى معاوية فأرسل إلى سعيد أن يقود هدبة إن قامت البينة، فكره الحكم وأرسلهم إلى معاوية فسال هدبة عن الخبر فقال تريده نثراً أو نظماً فقال نظماً فأنشد:
ألا يا قومي للنوائب والدهر ... للمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد ترا ... كمت عليه فوارته بلماعة قفر
إلى أن ذكر القصة التي ذكرناها، وأنه قتله. فقال معاوية قد أقررت فهل للمقتول ولد قالوا نعم. قال ردوه حتى يبلغ فحبس ثلاث سنين. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها أرسل إلى زوجته، وكانت من أجمل النساء وكان بها مغرماً، فحضرت إليه في طيب وثياب فاخرة، فحادثها ليلة، وراودها عن نفسها فأجابت فحين تمكن وسمعت الحديد اضطربت فتنحى عنها وأنشد:
أأدنيتني حتى إذا ما جعلتني ... لدى الخصر أو أدنى استقلك راجف
رأت ساعدي غول وتحت ثيابه ... جآجيء يدمي حزها والحراقف
وحين أخرج للقتل مر على زوجة مالك بن عوف، فقالت في سبيل الله شبابك وصبرك وشعرك فأنشد ارتجالاً:
تعجب حبي من أسير مكبل ... صليب العصا باق على الرسفان
فلا تعجبي مني حليلة مالك ... كذلك يأتي الدهر بالحدثان
ونظر إلى زوجته فجزع وأنشد:
أقلي عليّ اللوم يا أم بو زعا ... ولا تجزعي مما أصاب فاوجعا
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... اغم القفا والوجه أليس بانزعا
كليلاً سوى ما كان من حد ضرسه ... لدى الزاد مبطان العشيات أروعا
ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا الناس هشوا للفعال مقنعا
وتحلى بذي أكرومة وحمية ... وصبراً إذا ما الدهر عض فأسرعا
وكوني حبيباً أو لأروع جاهد ... إذا ضنّ أعشاش الرجال تبرعا
وجعل الناس يستخبرون خبره وهو يجيب كلاً عن سؤاله وينشد الأشعار وهم يتعجبون، فقال له عبد الرحمن بن حسان أتزوج هذه بعدك يريد زوجته فقال إن كنت بالشروط التي ذكرتها لها وأنشد أقلى على اللوم الأبيات ثم نظر إلى زوجة مالك وقد قالت له كيف تصبر عن هذه فأنشد:
وجدت بها ما لم تجد أم واحد ... ولا وجد حبي بابن أم كلاب
(1/127)

رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما اشترطت من قوة وشباب
فمالت إلى شفرة جزار فجدعت بها أنفها وشفتيها، قال ابن عساكر وأذنيها وأقبلت عليه، فقالت أهذا حال من تتزوج قال لا الآن طاب الموت ثم التفت إلى أبويه فرآهما في أسوأ حال قد تهيآ للحزن فأنشدهما.
أبلياني اليوم صبراً منكما ... إن حزناً إن بدا بادىء شر
لا أراني اليوم إلا ميتاً ... إن بعد الموت دار المستقر
اصبر اليوم فإني صابر ... كل حي لقضاء وقدر
وأراد سعيد أن يفديه بمائة ناقة حمراء سليمة، فقال أخو زيادة لو ملت لي قبتك هذه مالاً ما فديته لقوله:
لنجدعن بأيدينا أنوفكم ... ويذهب القتل فيما بيننا هدرا
فسلمه إليه، فلما أراد قتله أرسل إلى عائشة لتستغفر له ثم صلى ركعتين وأقبل على الناس وقال لولا أن يقال جزع لأطلتهما.
قال السيوطي في شرح الشواهد ثم قال للقاتل أحد سيفك وثبت جنانك وباعد بين قدميك وأجد الضربة، ثم قال بلغني أن القتيل يعقل فإن كان كذلك فإني قابض رجلي وباسطهما ثلاثاً. فلما رمى عنقه فعل ذلك.
وفي شرح الشواهد أنه أول قتيل في الاسلام قوداً وخطبت بعد ذلك زوجته على ما بها من التشويه فتزوجت وتزينت ورؤيت ولها ولدان قد قاربا الترعرع.
ومنهم
حمزة بن عبد الله بن الزبير
تزوج بفاطمة بنت القاسم بن جعفر بن أبي طالب، وكانت ذات جمال ففتن بها، فلما حضرته الوفاة أظهر أنه لم يكن جازعاً على شيء غير تزويجها بعده بطلحة بن عمرو، فحلفت له بصدقة ما لها وعتق رقيقها إن تزوجت، فلما مات خطبها طلحة فأخبرته، فقال إن حنثت وفيت عنك بضعف ما عليك. فتزوجته فوفى لها فولدت له إبراهيم وكان أوجه الناس ورمله فزوجها بمائة ألف دينار فقيل له أنت أتجر الناس تزوجت فاطمة بأربعين ألف دينار وكفرت عنها بعشرين فربحت إبراهيم وأربعين ألفاً.
ومنهم
الحسن بن الحسن
خيره عمه الحسين بين إحدى بنتيه سكينة وفاطمة فاستحيا وكان يحب فاطمة لأنها كانت منقطعة القرين في الجمال. فقال الحسين رضي الله عنه قد اخترت لك فاطمة لأنها أشبه بأمي فزوجه بها.
فلما حضرته الوفاة جزع جزعاً شديداً فقيل علام هذا، وإنما تقدم على جدك وآبائك. فقال هو كذلك ولكني أجد كرباً غير الموت، ثم قال لبعض أصحابه كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان، وقد جاء في كبكبة يظهر جزعاً علي، وما هو إلا ليخطب فاطمة.
فلما سمعت حلفت أن لا تتزوجه فإن فعلت لزمها عتق ما تملك، فما كان إلا أن مات، فأقبل عبد الله كما قال، فرأى فاطمة تضرب وجهها فأرسل إليها أن أبقى عليك، فإن لنا فيك رأياً.
فلما خطبها ضمن لها التكفير بضعف ما عليها، وقيل أن أمها التي أجبرتها أن تتزوجه، بأن وقفت في الشمس وحلفت لا تدخل حتى تجيب.
ومنهم
غسان بن جهضم
وكان مفتوناً بابنة عمه أم عقبة لأنها كانت من أجمل النساء وأحياهن وأفضلهن خصالاً. حضرته الوفاة فجعل ينظر إليها ويبكي، ثم قال لها إني منشدك أبياتاً أسألك فيهن عمن تصنعين بعدي، وأعزم عليك أن تصدقيني. فقالت قل فوالله لا أكذبك فأنشد:
أخبري بالذي تريدين بعدي ... ما الذي تضمرين يا أم عقبه
تحفظيني من بعد موتي لما قد ... كان مني من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال ... وأنا في التراب في سجن غربه
فأجابته:
قد سمعنا الذي تقول وما قد ... خفته يا خليل من أم عقبه
أنا من أحفظ النساء وارعاً ... هن ما قد أوليت من حسن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجو ... ومراث أقولها وبندبه
فقال:
أنا والله واثق بك لكن ... ربما خفت من غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عو ... شر فارعي حقي بحسن وفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العهد ... فكوني إن مت عند رجائي
فلما مات خطبت من كل جانب فقالت:
سأحفظ غساناً على بعد داره ... وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفمي شغل عن الناس كلهم ... فكفوا فما مثلي من الناس يغدر
(1/128)

سأبكي عليه ما حييت بعبرة ... تجول على الخدين مني فتكثر
فلما طالت الأيام قالت من مات فقد فات، وأجابت الخاطب، فلما كانت الليلة التي زفت فيها جاءها في النوم فأنشد:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة ... ولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظاً لصاحب ... حلفت له يوماً ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه ... كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها، فقالت النساء لها ما فقالت دهاك ما ترك غسان في الحياة ارباً ولا في السرور رغبة. أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات ثم جعلت ترددها وتبكي فشاغلنها بالحديث، فما غفلن أخذت شفرة فذبحت نفسها فتعجبن منها وقد نقل هذا في مجلس هشام حتى تذاكروا غدر النساء فقضى منه عجباً.
ومثل هذا ما حكاه عن موسى الهادي
أنه كان مفتوناً بجارية من جواريه اسمها غادر فرؤي يوماً يبكي، فقيل علام تبكي يا أمير المؤمنين؟ فقال كأني بي وقد مت وأخذ أخي هرون الخلافة، فتزوج بغادر. فقيل له حاشاك من هذا الخاطر. فزاد في البكاء وبلغ هرون فحضر وحلف له بالطلاق أنه لا يتزوج بها. وحلفت هي أيضاً فلم يمض شهر حتى مات وأفضت الخلافة إلى الرشيد فكفر عنه وعنها، وتزوجها فلما كان ذات ليلة انتبهت من منامها مرعوبة وذكرت أنه أتاها فعاتبها وأنشدها:
أخلفت عهدي بعدما ... جاورت سكان المقابر
ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الالف الجديد ... ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصباح ... وصرت حيث غدوت صائر
فقال لها الرشيد لا بأس عليك، إنما هو أضغاث أحلام، وجعل يغمزها وهي تضطرب في يده حتى ماتت.
تم طبع الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الثالث في كر عشاق الغلمان الخ
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثالث
في ذكر عشاق الغلمان
وأحوال من عدل إلى الذكور عن النسوان وتفصيل ما جرى عليهم من تصاريف الزمان
أعلم أن أصل هذا قد نشأ في قوم لوط زينه لهم الشيطان فأخرجهم به إلى العدوان.
وحكى بعضهم أن أصل ذلك من ياجوج ومأجوج ونقله بعض المفسرين في قوله عز وجل أن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فيجب على كل ذي نفس شريفة وهمة منيفة الزجر والردع عن هذه الفعلة الخبيثة التي شجت الملائكة إلى الله منها وحسم المادة الموصلة إلى ذلك كالنظر، فلذلك حرمه النووي رحمه الله تعالى مطلقاً وقد ورد أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد وفيهم أمره فأجلسه وراء ظهره ونهى أن يحد الرجل النظر إلى وجه الأمرد وعن ابن المسيب إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى وجه الأمرد فاتهموه، وأخرج الخطيب عن أنس موقوفاً لا تجالسوا أولاد الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق. وحرض النخعي والثوري على عدم مجالستهم.
وعن الخدري قال رأيت إبليس في النوم، فقلت له تعال. فقال لا حاجة لي بمن رمى الدنيا وإن لي فيكم لطيفة فقلت وما هي؟ قال مجالسة الأحداث فأخذت العصا لأضربه قال أنا لا تخوفني العصا وإنما يخوفني نور القلب.
وعن الموصلي قال نهاني ثلاثون من الابدال عن صحبة الأحداث وعن بعضهم قال نظرت إلى شاب جميل، فقلت أيعذب الله هذه الصورة فقال لي أستاذي أورأيته سوف ترى غبها، فأنسيت القرآن بعد عشرين سنة والآثار في هذا المعنى كثيرة ولله در من قال في المتصفين بهذا الشأن من هذا الزمان:
فإن لم تكونوا قوم لوط حقيقة ... فما قوم لوط منكم ببعيد
وإنهم في الخسف ينتظرونكم ... على مورد من جهلكم وصديد
يقولون لا أهلاً ولا مرحباً بكم ... ألم يتقدّم ربكم بوعيد
فقالوا بلى لكنكم قد سننتم ... صراطاً لنا في الفسق غير حميد
أتينا به الذكران من عشقنا بهم ... فأوردنا ذا العشق شر ورود
فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... يتابعكم في ذاك غير رشيد
فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق ووعيد
(1/129)

فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون غير مزيد
كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ويجمعنا في النار غير بعيد
وقد انتظم شمل هذا الباب بما يتبعه من الأحكام منقسماً في ثلاثة أقسام.
القسم الأول
فيمن استلب الهوى والعشق نفسه حتى أسلمه رمسه
وهو نوعان الأول فيمن عرف اسمه، واشتهر في العشاق رسمه.
أخبار محمد بن داود وصاحبه محمد الصيدلاني
هو أبو بكر محمد بن داود بن علي المعروف بالفقيه الأصفهاني، كان لبيباً حاذقاً وفقيهاً شاعراً، وله في فقه الظاهرية والأحاديث والتواريخ اليد الطولى.
قال الخطيب أنه كان ملازماً للهو ومتعلقاته منذ دخل المكتب، وأنه شرع في كتاب جمع فيه ظرائف العشاق ولطائفهم وسماه كتاب الزهره وساير به عمره وصاحبه.
هذا هو محمد بن جامع الصيدلاني كان يبيع العطر ببغداد، وكان من أجمل أهل زمنه فعلقه محمد بن داود فكان له ألوفاً وعليه عطوفاً وبه رؤوفاً، واشتهر أمرهما فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه. وقيل أنه لم يعمل الكتاب المذكور إلا بسبب عشق هذا، وأن إليه الاشارة في أول الكتاب المذكور بقوله وننكر من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه ومن جفاء الاخوان وأنت المقدم فيه، ومن عجب ما يأتي الزمان ظالم يتظلم، وغابن يتندم ومطاع يستظهر وغالب يستنصر، ومن أدلة عطفه عليه أنه خرج من الحمام يوماً فنظر في المرآة فأعجبه وجهه فبرقعه، وأتى ابن داود فلما رآه غشي عليه، فقال له لا بأس عليك إنني لم أبرقع وجهي لسوء أصابه، ولكن رأيته غب حمام فأعجبني فأحببت أن لا أمتع به أحداً قبلك فغداه وسر بذلك، قالوا ولم يعلم فيما سلف معشوق ينف على عاشق سوى ابن جامع، ومن لطف ابن داود ورقته أنه كان يدخل الجامع من باب الوراقين فهجره أياماً فسئل في ذلك، فقال دخلت يوماً فرأيت متحابين يتحادثان فتفرقا مذ رأياني فآليت أن لا أدخل مكاناً فرقت فيه بين محبين.
وكان يجتمع مع ابن شريح الشافعي في مجلس الوزير بن عيسى فسبقه ابن داود يوماً فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب لكفارة في الظهار فقال هو إعادة القول ثانياً فطالبه بالدليل ودخل ابن شريح، فحين وقف على القصة قال لأبي بكر قول من هذا من المسلمين غيركم. فقال له وقد استشاط غضبه غاية أمرنا أن نعد قول من خالفنا خلافاً، فغضب ابن شريح وقال له أنت أعزك الله بكتاب الزهره أمس من غيره فقال أبكتاب الزهرة تعيرني والله لا تصلح للنظر فيه ألم أقل فيه:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال المحرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... على جامد الصلد الأصم تهدّما
ويظهر سري عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... وما أن أرى حباً صحيحاً مسلما
فقال له ابن شريح بم تفتخر علي ولو شئت لقلت:
ومسامر بالشهد من نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
صبابه وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود ليحفظ مولانا الوزير قوله حتى يقيم بينة بالبراءة، فقال يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك أنزه في روض المحاسن فقال الوزير لقد حويتما ظرفاً وعلماً. وقيل كانت المناظرة في مسئلة في الايلاء وأن ابن شريح قال أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أحذق ومن لطف ابن داود أنه سئل يوماً:
يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في فواتك الأحداق
هل عليها القصاص في القتل يوماً ... أم مباح لها دم العشاق
فأجاب:
عندي جواب مسائل العشاق ... فاسمعه من قلق الحشى مشتاق
لما سألت عن الهوى أهل الهوى ... أجريت دمعاً لم يكن بالراقي
أخطأت في نفس السؤال وإن تصب ... بك في الهوى شفقاً من الاشفاق
لو أن معشوقاً يعذب عاشقاً ... كان المعذب أنعم العشاق
(1/130)

وقيل له وهو في مرض موته ماذا تشكو فقال حب من تعلم صيرني إلى ما ترى فقيل ما منعك وقد كنت قادراً على ذلك فقال التمتع أما نظر مباح وقد أخذت منه بحظ، وأما تلذذ بالمحرم فمنعني منه قوله عليه الصلاة والسلام من عشق الحديث السابق في المقدمة وأنشد:
ما لهم أنكروا سواداً بخديه ... ولا ينكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خده بذر الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون
فقيل له أنكرت القياس في الفقه وأثبته في الشعر فقال غلب الحب وتوفي نهار الاثنين تاسع رمضان أو لأيام بقين منه أو سابع شوال سنة سبع وتسعين ومائتين، ومن لطيف أشعاره في محبوبه.
يا يوسف الحسن تمثيلاً وتشبيهاً ... يا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شك في الحور فلينظر إليك فما ... صيغت معانيك إلا من معانيها
ما للبدور للتحريف يا أملي ... نور البدور عن التحريف يغنيها
إن الزنانير لا تجلى وإن عتقت ... ولا تزاد على النقش الذي فيها
ومنها:
أشكو عليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى ألف يعلله
سقمي تزيد مع الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرّم قتلي في الهوى سفهاً ... وأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
ومنها:
حملت جبال الحب فيك وإنني ... لا عجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماحة ... ولكنه شيء به النفس تكلف
ومنها:
سقى الله أياماً لنا ولياليا ... لهن بأكناف الشباب ملاعب
إذا العيش عض والزمان بغزة ... وشاهد آفات المحبير عاثب
ومنها:
انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر في دعج في طرفه الساحي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نميل دب في عاج
أخبار القاضي شمس الدين بن خلكان وصاحبه المظفري
هو قاضي القضاة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن خلكان، وصاحبه أحمد بن مسعود بن الملك المظفر وصاحب حماة وله معه حكايات غريبة وهو ما اشتهر به أن أباه دعاه ليلة فجلسا يتحادثان، وخرج الغلام وعليه ثوب أسود وقد د وسطه بمنديل مطرز بالذهب، وفي يده شمعة ومعه دينار فجلس ليتناول من أبيه سكرجة كانت معه فسقط الدينار فأقام الشمعة لينظره، فانطفأت الشمعة فنظر إلى وجهه فرأى الدينار تجاهه في الأرض فالتهبت نار عشقه في قلبه، وخرج فكتم ذلك أياماً فمرض واشتد به الحال، فبينا هو كذلك إذ أرسل المظفر ولده يعوده، فحين رآه وثب قائماً كأن لم يكن به مرض، وكان الغلام حاذقاً فعرف ذلك منه فأخبر أباه بذلك فحجبه، فقال من رأى القاضي بعد ذلك أنه كان يبيت الليالي إلى الصباح لا يعرف النوم وهو يقول:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
وقيل مات وهو ينشدهما، وحكى أنه كان بعد حجبه لا يركب إلا يوم الموكب، وأن القاضي كان يقصده مستخفياً فينظر إليه فبلغ أباه فمنعه الموكب فكتب إليه ابن خلكان:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجردوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من ... أخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها الع ... هد القديم صيانة للمنصب
لهتكت سري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن يقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة قد قاربت ... كشف القناع بحق دياك النبي
لا تفضحن بحبك الصب الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب
(1/131)

أخبار أحمد بن كليب وصاحبه أسلم
هو أحمد بن قزمان الشهير بابن كليب الكاتب كان أندلسياً شاعراً نحوياً متفقهاً قرأ على محمد بن خطاب النحوي واجتمع بالمزني وبأبي عبد الله محمد بن الحسن وغيرهما.
وأسلم هذا هو ابن سعيد بن خلف، كان جده وزير السلطان المظفر المعروف بالناصر. ولي أسلم القضاء بالأندلس بعدما كان حاجباً وله يد في الأدب وديوان شعر معروف ترجمه في الاحاطة بتاريخ غرناطة معروف بالرياسة والفضل والعرافة، فعشقه من مجلس ابن خطاب واشتد به كلفه فنظم فيه الأشعار الكثيرة وهو يكتم ذلك.
فلما غلب عليه حبه فشا أمره واشتهر فيه على ألسنة شعره، وقيل إن أول ما اشتهر من ذلك وسمع زامر السلطان يغني به قوله:
أيسلمني في هوا ... ء أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد ... سيسئل عما وشا
ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي وارتشى
فحين بلغ أسلم هذا الأمر انقطع في داره عن جميع الأشياء فصار يجلس على بابه أحياناً فجعل أحمد لا يمر إلا على بابه فانقطع وصار يجلس ليلاً عند العشاء فمضى أحمد وأخذ دجاجاً وبيضاً وتزيا بزي بعض فلاحي أسلم وأقبل فقبل يده وتسلم الهدية وجعل يسأله على الضياع فاستلغاه فحين عرفه، قال أما يكفيك قطعي عن الطلب والخروج حتى تبعتني إلى هنا، ثم حلف لا يخرج من بيته.
ومضى أحمد حزيناً فكان يماجن، فيقال له ذهب دجاجك وبيضك، فيقول أود لو قبلت يده قبلة وأذهبت كل ليلة مثل هذا. ولما طال عليه الأمر انقطع. قال ابن خطاب فعدته فوجدته مشرفاً على التلف، فقال لو سعيت في أن تجمع بيني وبينه لاثابك الله على ذلك ثواباً عظيماً. فمضيت إليه فقلت له تعلم حرمتي عليك وحرمة ما ضمك مع ابن كليب من الطلب، فقال نعم ولكن قد رأيت ما فشا من أمرنا قلت ما عليك أن تزوره فتنقذه من التلف.
فامتنع فلم أزل به حتى أجاب أن يمضي من الغد، فلما جاء الميعاد ذهبنا حتى صرنا بأزاء بيته فتغير وقال: في هذه الساعة أموت، ورجع بعدما جاذبته الرداء وقطع منه في يدي قطعة، ودخلت على أحمد وقد بشره غلامه بقدومه، فلما لم يجده معي تغير واختلط عقله فقمت عنه فآبت نفسي إليه، فقال لي اسمع وأنشد:
أسلم يا راحة العليل ... رفقاً على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل
فقلت له استعذ من ذلك، فقال قد كان فلم أخرج عنه إلا وقد قام الصراخ عليه، ومن شعره فيه وقد أهدى له فصيح ثعلب:
هذا كتاب الفصيح ... بكل لفظ مليح
وهبته لك طوعاً ... كما وهبتك روحي
ومنه وقد كتب إلى ابن خطاب شعراً في أسلم يعرضه عليه، فقال إنه ملحون فراجعه ابن خطاب فكتب:
ألحق لي التنوين في مطمع ... فإنني أنسيت الحاقه
لا سيما إذا كان في وصل من ... كدّرني في الحب أخلاقه
أخبار مدرك وصاحبه عمرو
هو مدرك بن علي الشيباني نسبة إلى بني شيبان عرب ببادية البصرة، دخل بغداد صغير ونشأ بها، فتفقه وأحسن العربية والأدب والخط.
وعمرو هذا هو ابن يوحنا النصراني البغدادي، كان بدير الروم من الجانب الشرقي، وكان لمدرك مجلس علم لا يحضره فيه إلا الأحداث وكان إذا دخله شيخ يخرجه وكان عمر يحضره، فعشقه وزاد فيه وجده فألقى إليه يوماً رقعة فيها:
بمجالس العلم التي ... بك تم حسن جموعها
ألا رثيت لمقلة ... غرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمة ... الله في تضييعها
فاطلع الحاضرون عليها فاستحيا عمرو من ذلك وانقطع المجلس فكان مدرك يلزم دار الروم ويتبع عمراً، وزاد به الوسواس حتى اختلط عقله ولزم الفراش، ودخل الناس عليه يعودونه، فقال أما بينكم وبيني حرمة وعشرة، أما فيكم من يرحمني بالنظر إلى عمرو. فمضوا إليه، فلما أعلموه بحاله وما صار إليه من أجله مضى معهم، فحين سلم عليه أغمي عليه، ثم أفاق وأخذ بيده وأنشد:
أنا في عافية إلا من الشوق إليك
أيها العائد ما بي منك لا يخفى عليك
لا تعد جسماً وعد قلباً رهيناً في يديك
كيف لا يهلك مرشوق بسهمي مقلتيك
(1/132)

ثم شهق شهقة فمات، ومن أشعاره المشهورة قصيدته المعروفة بالمزدوجة وللطفها بتخميس الحلى لها أوردناه معها غير أن المصنف أبدل أبياتاً يسيرة من التخميس وزاد آخر زعم أن الحلى لم يقف عليها، وهذه القصيدة بالشرط المذكور غير أني أقول في أبيات المصنف له وهي هذه:
من عاشق ناء هواه دان ... ناطق دمع صامت اللسان
موثق قلب مطلق الجثمان ... معذب بالصد والهجران
طليق دمع قلبه في أسر
من غير ذنب كسبت يداه ... غير هوى نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤيه من أشقاه ... كأنما عافاه من أضناه
إذ كان أصل نفعه والضر
يا ويحه من عاشق ما يلقى ... من أدمع منهلة ما ترقا
له
ناطقة وما أجادت نطقاً ... تخبر عن حب له استرقا
أخبار من يعلم أخفى السر
لم يبق منه غير طرف يبكي ... بأدمع مثل نظام السلك
تطفيه نيران الهوى وتذكى ... كأنما قطر السماء يحكى
هيهات هل قيس دم بقطر
له
إلى غزال من بني النصارى ... عذار خديه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحب به أساري
تنشد قول مدرك في عمرو
له
ريم بدار الروم رام قتلي ... بمقلة كحلاء لا عن كحل
وطرّة بها استتار عقلي ... وحسن وجه وقبيح فعل
وعظم ردف ونحيل خصر
ريم به أي هزبر لم يصد ... يقتل باللحظ ولم يخشى القود
متى يقل ها قالت الألحاظ قد ... كأنه ناسوته حين اتحد
أفديه من ريم ومن هزبر
ما أبصر الناس جميعاً بدراً ... ولا رأوا شمساً وغصناً نضرا
أحسن من عمرو فديت عمراً ... ظبي بعينيه سقاني خمرا
فما أفقت ساعه من سكرى
ها أنا ذا بقده مقدود ... والدمع في خدي له أخدود
ما ضر من فقري به موجود ... لو لم يقبح فعله الصدود
فديته لقد أطال هجري
إن كان ذنبي عنده الإسلام ... فقد سعت في نقصه الآثام
واختلت الصلاة والصيام ... وجاز في الدين له الحرام
يا خيبتي إن لم أفز بغفر
يا ليتني كنت له صليباً ... أكون معه أبداً قريبا
أبصر حسناً وأشم طيباً ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا
ولا أخاف أبداً من غدر
يا ليتني كنت له قرباناً ... الثم منه الثغر والبنانا
أو جاثليقاً كنت أو مطراناً ... كيما يرى الطاعة لي إيمانا
فلا يزال الدهر طوع أمري
يا ليتني كنت لعمر ومصفحاً ... يقرأ مني كل يوم أحرفا
أو قلما يكتب بي ما ألفا ... من أدب مستحسن قد صنفا
ويجعل الريق بديل الحبر
يا ليتني كنت لعمرو عوده ... أو حلة يلبسها مقدودة
أو بركة باسمه محدودة ... أو بيعة في داره مشهودة
يدلج في أرجائها ويسري
يا ليتني كنت له زناراً ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذ ازارا
أضمه إلى طلوع الفجر
قد والذي يبقيه لي أفناني ... وابتز عقلي والضنى كساني
ظبي على البعاد والتداني ... حل محل الروح من جثماني
فليس لي عن قربه من صبر
واكبدي من خده المضرج ... واكبدي من ثغره المفلج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعج ... اذهب للنسك وللتحرج
الا جمال ثغرة بالدر
إليك أشكو يا غزال الأنس ... ما بي من الوحشة بعد الأنس
يا من هلالي وجهه وشمسه ... لا تقتل النفس بغير النفس
وجد بوصل لسقام يبري
جد لي كما جدت بحسن الود ... وارع كما أرعى قديم العهد
واصدد كصدي عن طويل العهد ... فليس وجد بك مثل وجدي
وليس ذكر لك مثل ذكري
ها أنا في بحر الهوى غريق ... سكران من حبك لا أفيق
(1/133)

محترق ما مسني حريق ... يرثي لي العدوّ والصديق
من حر صدري وعظيم ضري
فليت شعري فيك هل ترثي لي ... من سقم لي وضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيل ... لعاشق ذي جسد نحيل
انحلة حبك طول الدهر
في كل عضو منه سقم وألم ... ومقلة تبكي بدمع وبدم
شوقاً إلى بدور شمس وصنم ... منه إليه المشتكى إذا ظلم
أفديه من شمس ضحى وبدر
أقول إذ قام بقلبي وقعد ... يا عمرو يا عامر قلبي بالكمد
أقسم بالله يمين المجتهد ... إن أمر أو أصلته لقد سعد
وكان من أشفيته في حر
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... ألا سمعت القول من فصيح
يخبر عن قلب له جريح ... باح بما يلقي من التبريح
كسير قلب ما له من جبر
يا عمرو بالحق من اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنحوت ... عوّض بالنطق من السكوت
وأنشر الميت ببطن القبر
بحق ناسوت ببطن مريم ... حل محل الريق منها في الفم
ثم استحال في قنوم الأقدم ... فكلم الناس ولما يفطم
مصرحاً عن أمه بالعذر
بحق من بعد الممات قمصا ... ثوباً على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياً مخلصاً ... يشفي ويبري أكمها وأبرصا
بما لديه من خفي السر
بحق محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور ... يعلم ما في البر والبحور
وما به صرف القضاء يجري
بحق من في شامخ الصوامع ... من ساجد لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كل هاجع ... خوفاً من الله بدمع هامع
ويهجر اللذات طول العمر
بحق قوم حلقوا الرؤوسا ... وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مشمعلين يعبدون عيسى
قد أخلصوا في سرهم والجهر
بحق ماري مريم وبولس ... بحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
وكل أواب رحيب الصدر
ونينوى إذ قام يدعو ربه ... مطهراً من كل سوء قلبه
ومستقيلاً فأقيل ذنبه ... ونال عند الله ما أحبه
إذ رام من مولاه شد الازر
بحق ما في قلة الميرون ... من نافع الأدواء للمجنون
بحق ما يؤثر عن شمعون ... من بركات الخوص والزيتون
خصب البلاد في السنين الغبر
بحق أعياد الصليب الزهر ... وعيد أشموني وعيد الفطر
وبالشعانين العظيم القدر ... وعيد مر ماري الرفيع الذكر
مواسم تمنع حمل الاصر
وعيد شعياء وبالهياكل ... والدخن اللاتي بكف الحامل
يشفي بها من خبل كل خابل ... ومن دخيل السقم في المفاصل
لكونها من كل داء تبرى
بحق سبعين من العباد ... قاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى اهتدى من لم يكن بهادي
وحقق الحق بكشف الستر
بحق إثنتي عشرة من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صبح الدجى جلا الظلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
ثم استداموها بفرط الشكر
بحق ما في محكم الانجيل ... من محكم التحريم والتحليل
وخبر ذي نبا جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
يسند زيد علمه عن عمرو
بحق مر عيد الشفيق الناصح ... بحق لوقا ذي الفعال الصالح
بحق تمليخا الحكيم الراجح ... والشهداء بالفلا الصحاصح
الراغبين في عظيم الأجر
بحق معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابسي الامساح ... وعابد باك ومن نواح
ينثر عقداً من دموع حمر
(1/134)

بحق تقريبك في الأجساد ... وشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السواد ... وطول تقطيعك للأكباد
وسلبك العشاق حسن الصبر
بحق ما قدس شعيا فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحق نسطور وما يرويه ... عن كل ناموس له فقيه
متبع في نهيه والأمر
شيخان كانا من شيوخ العلم ... وبعض أركان التقى والحلم
لم ينطقا قط بغير فهم ... موتهما كان حياة الخصم
وعنهم أخبر كل حبر
بحرمة الأسقف والمطران ... والجاثليق العالم الرباني
والقس والشماس والديراني ... والبترك الأكبر والرهبان
والمغرباني ذي الخصال الزهر
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ... ومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول ... وبالسليح المرتضى بما فعل
وما أتاه من فعال البر
بحرمة الأسقوفيا والبيرم ... وما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... وحق كل بركة ومحرم
من شرف سام عظيم الفخر
بحق يوم الذبح ذي الاشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
والمذهب المذهب للنفاق ... والفصح يا مهذب الأخلاق
وكل ميقات جليل القدر
بكل قداس على قداس ... قدسه القس مع الشماس
وقربوا يوم الخميس الناسي ... وقدموا الكاس لكل حاسي
توقد في راحته كالجمر
ألا رغبت في رضا أديب ... باعده الحب عن الحبيب
فذاب من شوق إلى المذيب ... أعلى مناه أيسر التقريب
من بسط أخلاق وحسن بشر
فانظر إلى أميري في صلاح أمري ... محتسباً فيّ عظيم الأجر
مكتسباً فيّ جميل الشكر ... في نثر ألفاظ ونظم شعر
ففيك نظمي أبداً ونثري
قلت قد أودعت هذه القصيدة غالب مصطلحات دين النصرانية، لكن باعتبار مطلق الملة النصرانية لم يسلك فيها مصطلح الفرقة التي عمرو منها وظاهر أنه كان رومياً، ولكن مدرك لم يكن خبيراً بتفاصيل فرقهم وأقل منه معرفة بذلك من خمس حيث تسلقوا على مناسبة الشعر دون زيادة الأحكام، ولولا وجود هذا الباب في الأصل والتزامي ذكر ما فيه لحذفته أصلاً لعدم الرغبة إليه، لكن سأذكر لك البعض المناسب في فصل المناسبة قول عن حب له استرقا بتشديد القاف أي جعل الناس رقاً والفاعل الحب.
قوله في ربقة بكسر الراء والموحدة النحتية في الأصل حبل يجعل فيه حلق صغار يدخل فيه رقاب صغار الضأن فاستعاره تخييلاً كأن رتبة العشق جعلت المحبين في سنن الاستقامة كالمنتظمين في هذه الرقة.
وقوله ريم يعني غزلاً، والروم الفرقة الأصلية من النصارى التي تلقت عن المسيح عليه السلام ورئيسهم شمعون عليه السلام. وفي البيت من البديع التجنيس في ريم ورام والروم ويسمى الاشتقاق والهزبر الأسد يقول إن أشجع الوحوش الأسد، فلو كان العاشق أسداً لصاده هذا الغزال مع أنه خلاف القياس والناسوت واللاهوت ألفاظ وقعت في الانجيل فتأولها لوقا وهو البترك الأكبر الناقل عن بولس عن يوحنا عن شمعون عن المسيح عليه السلام وهو أول من قسم الفرق وتأول الرسائل والانجيل وذكر الآب والابن وروح القدس وقسم المثلثات. فقال أن عيسى ترع الناسوت يعني الحصة البشرية وأخذ اللاهوت يعني الحصة الالهية في ناسوته كالمصباح في الزجاجة وهذا جيد لولا أنه قال فيستحيل تارة إلى اللاهوت لأن حصة العذراء يعني مريم تغنى، وفي هذا كلام طويل ذكرناه في الفرق.
والصليب شيء ذو خطوط أربع تخرج على استقامة يجمع أصلها المحور وأصل تبرك النصارى به أنهم لعنهم الله فاعتقدوا أن الذي أخذته اليهود بصقلية وصلبته هو المسيح وكان صلبه على شيء هذه صفته وأنهم سقوه الخمر في حنك الخنزير.
(1/135)

فلما قام بعد ثلاث حلل الخمرة ولحم الخنزير وحرض على حمل الصليب وقد كذبوا في ذلك كله خصوصاً ومدلول هذا أن الخمر حرام في الانجيل وقد ذكر نسطوريون في كتاب سماه تقسيم الصفائح وهو مرجع المتفقهة في الملة النصرانية وقد طالعته أن الخمر حلال في الأصل والقربان رغيف مستدير عليه صلبان كثيرة يخبز في كل بيت كل يوم أحد من الصوم الكبير ويحمل إلى الكنيسة فإذا فرغت الصلاة أخذ القسيس بعضه وفرق بعضه فتنصرف به النصارى فيفطرون عليه كل يوم إلى الجمعة.
وهكذا والجاثليق الرئيس بالنسبة إلى السلطنة الظاهرة وأما المطران فهو الفقيه الورع المستصحب للبس الصوف الأسود، وأصل هذا الترتيب عندهم أن القارىء للانجيل من أول وهلة شماس فإن تأوله وأتقن حفظه صار قسيساً ويدوم كذلك ما دام عنده زوجة، وإن بلغ في العلم ما بلغ فإن ماتت زوجته وتزوج خرج عن مراتب العلم ويسمى سالخ القسوسية وإلا صار مطراناً فإن تنزه عن الذفر وما يخرج من الأرواح صار يتركا في مذهب الأرمن.
وأما الروم واليعاقبة والنسطورية فيرون أنه لا يجوز أن يكون بتركاً إلا من تنزه عن النساء وأكل الأرواح وما يخرج منها من أول عمره إلا العسل والسمك، لأن خليفة المسيح وطاعة هؤلاء فرض على النصارى. وأما الاسقف والميرون والراهب فأسماء للمتعبدين خاصة فالماكث في القلة ميرون وكثير السياحة أسقف وتارك النساء فقط راهب وشرط الروم ملازمته لبس المسوح وخدمة الدير وأن لا يصلي خارج كنيسة ولو خمس قوله كيما يرى الطاعة لي إيماناً بقوله يكشف الرأس إذاً ويجري لكان أليق لما فيه من ذكر الحكم الديني الواجب فعله مع المذكورين.
والمصحف المراد به المعنى اللغوي والبيعة معبد صغير عير مرتفع والدير المعبد الكبير الكثير المرافق والمحاريب والكنيسة ما اشتملت على عواميد الأناجيل ولم يرتفع بناؤها طبقات، والصومعة مكان رفيع رقيق الأسفل والقلة مثلها إلا أنها لا تسع أكثر من واحد والزنار منطقة تشد في الخصر وقت الصلاة مشتملة على صليب إذا شدت كانت على السرة.
ومن هنا إلى آخر ما شرح مؤخر والمغرباني الخادم الملازم للبترك وباقي البيت تقدم استطراداً. والمحبوس في رأس الجبل هو الراهب نقولا وكان بأنطاكية في بيعه البرتز فأرسله لوقا نذير الأهل السد فحبسه شعياء اليهودي في جبل الغمام وضربه على أن يرجع عن النصرانية، فأبى ومات جوعاً عند الأرمن.
واليعاقبة تقول أن المسيح أخذه واصطفاه وتوقفت فيه الروم، ومرقولا أول بترك بعد لوقا وهو الذي قسم الكنائس بين الأرمن والروم والسليه بالمهملة رجل أقامه مرقولا في خدمة الكنيسة الرومية ولو أحسن المخمس لقال ووضعه البخور فوق الجمر لأنها وظيفته، والاسقوفيا هو الاسقف وقد تجوز فيها مدرك كما زاد الالف في مرقولا والبيرم الفراش في الدير وأشار بمغفرة رأس مريم إلى بولس الذي نحر عن مريم يوم صورت في القمامة ألف رأس وفرض خمسة عشر يوماً صوماً مبدوءها خامس عشر أيلول وهو تاسع عشر توت، والصوم الكبير هو الصوم الذي تستفتح به السنة اليونانية وأوله من أول آذار يعني برمهات وقد يتقدم أو يتأخر بخمسة عشر يوماً، وأصله في الانجيل ثلاثون يوماً ثم زاده لوقا عشرة أيام لأجل خلاص النصارى من ولاية اليهود بافرنجة، ثم زاده الوزير بولس عشرة لسلامة ابنته، وكانت زمنة فأصبحت صحيحة وزعمت أن المسيح مسح عليها وكان ذلك ليلة العيد فأمر بزيادة عشرة ففرضها على النصارى فكمل خمسين إلى الآن.
والبركة محل ماء الغطاس والمحرم تكميل ولو أحسن المخمس لقال وبلسان عندها وعطر لأن بركة الغطاس لا بد أن يحضر عندها القسيس ومعه شيء من دهن البلسان وأنواع الطيب لأنهم يقولون أن مريم كانت تصنع ذلك في تغسيل عيسى.
ويوم الذبح يريدون به يوم فراغ بختنصر اليهود وذبحهم على دم يحيى بن زكريا وهو يفور حتى سكن.
وليلة الميلاد هي ليلة ميلاد المسيح وهي سابع كانون الأصم أعني ثالث عشر طوبة.
(1/136)

والفصح بالمهملة وبعدها معجمة العيد الأكبر وهو ختام الصوم الكبير المعروف في مصر بالخماسين. والقداس هو المولود يأخذه القسيس حين يولد فيقدسه في المعمودية يعني يحطه في الماء، ومن هنا إلى عند ما تقدم مقدم. والاقنوم لفظة رومية ويراد بها المعنى وعندهم الأقانيم ثلاثة الله والمسيح ومريم ويعنون بها الآلهة وهو اصطلاح كازردشت عند المجوس وخاخان عند اليهود وأزدان عن الثنوية وآل شلع عند الصابئة إلى غير ذلك مما استقصيناه في الفرق والذي قمص بعد الموت المسيح كما سبق، والذين حلقوا الرؤوس وتشمعلوا يعني اتبعوا شمعون وهم لوقا ويوحنا وامليخا وجرجس وروبيل وبنيائيل وبولس ولهم قصة طويلة ذكرناها في الفرق وحاصلها أنهم تعاهدوا على مدارسة الانجيل والانفراد في رؤوس الجبال بالعبادة، ولقد رأيت بعض بيعهم بالدير الكبير في الجبل البحري بالقرب من أنطاكية وللنصارى فيهم أقوال عجيبة لا يساعها هذا المحل، وما بعد ذلك أسماء أنبياء من بني إسرائيل.
والدواء الذي في قلة الميرون هو دهن البلسان وغسالة أرجل البتاركة في القمامة ليلة الغطاس يجمعها البترك ويجعلها في الزجاجات عند أهل القلل فيبرىء به المصروع والمبرسم وصاحب الماليخوليا فإن صح ذلك، فلما فيها من دهن البلسان وكذلك عدم تغيره مدة الدهر ولقد قلت للبترك يوماً أنا أغسل رجلي بالماء وأرفعه فلا يتغير أبداً فتبطل مزيتكم، ثم ذكرت له العلة فاعترف والمأثور عن شمعون من الخوص والزيتون. هو أن شمعون دخل الكنيسة يوم أحد خامس من يوم الصوم الأكبر ومعه غصن من شجرة الزيتون وشيء من خوص النخل. فلما فرغ من الصلاة وعنده جماعة منكرون في الباطن رفع إليهم من ذلك شيئاً وأمرهم بادخاره فبقي رطباً إلى القابل فدانوا للملة العيسوية فاتخذ ذلك سنة فيهم يأتون به الآن في اليوم المذكور، ويطرح في الكنائس، فإذا فرغت الصلاة توزعوه فيكون عندهم إلى القابل ولو عرف المخمس لقال وخالص الكندر والمقر يعني الميعة بلسانهم فإنهم يأخذون من الكندر والميعة وورق الزيتون ويعجنون الكل بخور للكنائس وغيرها، ويداوون به أمراضاً كثيرة كالحميات، نعم يأخذون ورق الزيتون ليلة عيد الصليب فيدفنونه في الأرض أسبوعاً ثم يخرجونه فإن وجد أخضر حكموا أن السنة مخصبة وإن كان غير هذا فالبعكس وله أحكام طويلة ذكرناها في كتاب الفلاحة.
وعيد الصليب معروف، وعيد اشمونا عاشر نيسان، وعيد الشعانين هو الذي يأتي في الصوم الكبير ويعقبه عيد الفطر السعيد وعيد مارماري هو الذي يأتي بعد صوم بولس وقد سبق، وعيد شعياء يكون في صوم الميلادة بشباط يعني أمشير والأرمن تسمى عيد الشعانين عيد شعياء.
واليعاقبه تسمى يوم الزيتون أيضاً كذلك، والعمدة على كلام الروم، والهياكل والأماكن التي فيها قبور مثل البتاركة والمطارنه والدخن المراد بها حصى اللبان الذكر، والسبعين من العباد هم المختارون من القوم الذين أكلوا المائدة والاثنا عشر من الامم المراد بهم السبعه السابقة، وشمعون وسمعان وبطرس ودانيال ويحيى وهؤلاء حواريون واتباع افترقوا للدعوة لما اختصوا به وعملوه ولسبب خروجهم أحكام ليس هذا محلها وبسطناها في الفرق.
ومر عيبد عابده كان بدير سمعان وشعياء ونسطورون شيخا التفسير أول من حل الانجيل، ولهما كتاب ذكرا فيه الصحف المنزلة على الأنبياء وعددها مائة وثمانية عشر وجمعا بين أحكامها وأحكام الانجيل والزبور والتوراة، ومواعظ وجعلاه قسمين وهو كتاب عزيز الوجود وقفت عليه وطالعته إلى هنا انتهى الغرض منه.
النوع الثاني في
ذكر من جهل حاله
وكان إلى الموت في الحب مآله وقد رأينا أن نبدأ منهم بعشاق النصارى تبعاً للقصة المشهورة
فمنهم
سعد الوراق
وكان بالرها يبيع الورق، يجلس إليه الشعراء وأهل الأدب فيتحدثون عنده في الشعر كالصنوبري والمعري وغيرهما فلازمهم غلام نصراني اسمه عيسى يكتب ما عندهم من الأدب فعلقه سعيد وزاد به وجده فأنشد يوماً:
اجعل فؤادي دواة والمداد دمي ... وهاك فابري عظامي موضع القلم
وصير اللوح وجهي وامحه بيدي ... فإن ذلك لي برء من السقم
ترى المعلم لا يدري بمن كلفي ... وأنت أشهر في الصبيان من علم
(1/137)

ثم اشتهر أمرهما، فلما شب الغلام طلب الترهب فأجابه أهله بعد جهد إلى دير زنكي وأقام به، وكان سعيد يأتيه ويجلس معه فكره الرهبان ذلك وتوعدوا الغلام بالخروج من الدير فمنعة، أي صارت الرهبان تغلب باب الدير في وجه سعيد إذا أتى.
فلما أيس مضى فأحرق داره وثيابه وخرج عارياً ينشد الأشعار ويطوف بالدير ويبيت في ظله وأن الصنوبري أتاه يوماً وقد طال شعره وتشوهت خلقته فعنفه. فقال يا أبا بكر ألا ترى إلى هذا الطائر الذي على شرفة الدير قلت نعم. قال لي اسأله حمل رسالتي إلى عيسى فأبى ثم قال هل عندك لوح قلت نعم، فدفعته إليه فكتب:
بدينك يا حمامة دير زنكي ... وبالانجيل عندك والصليب
قفي وتحملي مني سلاماً ... إلى قمر على غصن رطيب
حماه جماعة الرهبان عني ... فقلي ما يقرّ من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعد ... ولا والله ما أنا بالمريب
وقولي سعدك المسكين يشكو ... لهيب جوى أحر من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيد ... إذا ما كنت تمنع من قريب
وإن أك مت فاكتب حول قبري ... محب مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيش ... فكيف بمن له الفا رقيب
ولم يزل كذلك حتى وجد عند الدير ميتاً فأراد العامل يومئذ وهو العباس بن وكيع البطش بالرهبان وحرق الغلام فافتدوه بمائة ألف درهم وصار الغلام إذا دخل المدينة لزيارة أهله تضربه الصبيان بالأحجار ويقولون له يا قاتل سعيد فانتقل إلى دير سمعان.
ومنهم شرف العلاء علق غلاماً نصرانياً فلبس المسوح لأجله وتبعه إلى الكنائس والبيع، وهام به فبلغ ذلك الظاهر بن أيوب فاستحضره، فلما دخل عليه تلقاه بقدح من خمر فشربه وأنشد:
جمعت بالكأس شملي ... الله يجمع شملك
بحق رأسك دعني ... حتى أقبل نعلك
وصار على ذلك هائماً حتى مات.
ومنهم ما أخرجه ابن الجوزي عن سعيد قال كنت بخان التجار بالبصرة إذا بغلام يصيح وفي يده مدية فاجتمع الناس إليه فأنشد:
يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل
قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل
ثم بقر بطن بمديته فسألته عنه، فقيل عشق غلاماً لبعض الملوك فحجب عنه يوماً واحداً ففعل هذا.
ومنهم ما حكاه الثوري في روضة القلوب قال كان بحمص مؤدب يقال له ابن الجوزي عشق غلاماً وكلف به، فلما علم أبوه بذلك نقله إلى مؤدب آخر عدو له فضعف واشتد غمه، فكتب إلى أبي الغلام يستعطفه فأجابه بأنه إن لم يرجع رفع أمره إلى الحاكم فتغير من وقته وتقايى الدم، وحمل إلى بيته وجاءه الطبيب فأخبر أن كبده تفطرت فمات في الرابع.
ومنهم ما حكاه في ديوان الصبابة وهو نظير العشق المسلسل السابق في الباب الثاني قال عشق شاب بدمشق غلاماً، فلما اشتد به وجده قتله فحمل إلى الحاكم فأنكر فهدد بالضرب، فجاء شاب كان يعشقه فقال إن هذا لم يقتل الغلام وإنما أنا قتلته فكتبوا عليه ذلك وخرجوا ليقتلوه فحدث الحاكم بباطن القصة وكان متأدباً فأمسك عن قتله وحبسه لينظر فعزل بعد أيام وكان أول ما حكم الحاكم الجديد أن شنق الشاب المذكور وقال شهاب الدين الحاجبي، كان شاباً لطيفاً جيد القريحه ذا نثر ونظم من العجائب الدالة على أن له اليد الطولى في الأدب، وكان من أولاد الجند عشق شاباً من أولاد الحسينية وأفرط في حبه حتى كان لا يصبر عنه ساعة، فمرض الشاب وانقطع فمرض الحاجبي لمرضه فدخل أصحابه عليه ليعودوه، فقال أريد من يوصل هذه الدراهم إلى فلان يعني صاحبه فقيل له قد مات فتغير من وقته واختلط عقله وجعل يقول قد مات، ثم قال احملوني من هنا وألح عليهم فأخذوه من حارة بهاء الدين إلى قناطر السباع فمات بها من يومه والتقت جنازته وجنازة محبوبه فصلى عليهما معاً، ومن شعره:
ملأت فؤادي من محبة شادن ... أميل إليه وهو كالظبي رائع
وقلت لقلبي قم لنعشق شادناً ... سواه فقال القلب ما أنا صانع
ومنها:
إن السيوف كلها ... قاطعة إذا انجلت
إلا سيوف لحظه ... إذا تصدّت قتلت
ومنها:
(1/138)

وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجح
قالوا وصف جبينه ... فقلت ذاك واضح
ومنها:
له عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت
وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقله غزلت وحاكت
ومنها:
عودا لصب بكى عليكم ... يا جيرة ودّعوا وساروا
فدمع عينيه صار بحراً ... وقلبه ما له قرار
ومنها:
لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوّعت ... نشراً فيا الله ما أذكاها
ومنها:
لم أنس ليلة بتنا ... والحب قد غاب عنا
وقد روى عنه لفظ ... حتى حسبناه معنا
وقال:
لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح
ذاك زمان مرّ حلو الجنى ... ظفرت منه بحبيب وراح
ومنها وهي من قصيدة طويلة ذكر ابن حجة في شرح بديعيته أنه مدح بها صاحب حماة:
ثاني المعاطف كنت أول عاشق ... في حبه ولكل ثان أول
يدنو فيحلو للمتيم لحظه ... إذ ذاك لحظ بالنعاس معسل
وتميس منه شمائل لم أدر من ... مشمولة أو حرّكتها شمأل
متلوّن الأوصاف سيف لحاظه ... ماض ولكن هجره مستقبل
القسم الثاني
فيمن اشتهر في العشق حاله ولم يدر مآله
فمنهم ما حكاه من له اعتناء بظرائف الأخبار، قال نزلت داراً فوجدت مكتوباً على حائط:
دعوا مقلتي تبكي لفقد حبيبها ... ليطفىء برد الدمع حرّ كروبها
ففي حبل خيط الدمع للقلب راحة ... فطوبى لنفس متعت بحبيبها
بمن لو رأته القاطعات أكفها ... لما رضيت إلا بقطع قلوبها
فسألت فقيل كان بها تاجر يهوى غلاماً وأنه أنفق عليه ثلاثين ألف دينار حتى نفد ما معه فلم يدر ما تم من أمرهما.
ومنهم ما حكاه بعضهم، قال دخلت درب الزعفراني ببغداد فرأيت غلاماً قد طرح شيخاً على التراب وهو يعضه ويضربه، فقلت لا تفعل ذلك بأبيك وأنا أظن أنه أبوه، فقال حتى أفرغ أكلمك. فلما فرغ أقبل علي وقال هذا الشيخ يزعم أنه يهواني وله ثلاث ما رآني.
ومنهم ما حكاه الأصمعي عن أبي نواس، قال رأى غلاماً بمكة فعلقه وقال لأقبلنه عند الحجر، قلت اتق الله في ذلك قال لا بد منه فدنا وقبله حين أراد أن يلثم الحجر وأنا أنظره، فلما عنفته قال إن الله رحيم وأنشد:
وعاشقان التف خداهما ... عند استلام الحجر الأسود
فاشتفيا من غير أن يأثما ... كأنما كانا على موعد
ومنهم رجل بأفريقية كان يهوى غلاماً وازدادت محبته له حتى استغرقه الحال وأنه انفرد ليلة يشرب فذكر تجني الغلام عليه وهجره له، فأخذ قبساً فأحرق بابه ورآه بعض جيرانه فحين أصبحوا رفعوه إلى القاضي وكان لطيفاً، فقال لأي شيء فعلت هذا، فأنشد:
لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بداً ... ولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد
فطار من بعض نار قلبي ... أكبر في الوصف من زناد
فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادي
فاستظرفه القاضي وحمل عنه ما أفسده.
القسم الثالث
في ذكر من ساعده الزمان في المراد حتى بلغه ما أراد
فمنهم ما حكى أنه كان ببغداد رجل صوفي معروف بالزهد والعبادة فهوى غلاماً جندياً حتى امتزج حبه بلحمه ودمه واشتهر أمره عند غالب غلمان الغلام لأن الصوفي كان يتقصده في الطرق والمواكب لينظره، فبينما الصوفي ليلة يصلي على سطحه إذ سمع صوت الغلام ماراً فسقط من على السطح فرآه الغلمان فضحكوا. فقال مولاهم ما لكم؟ فقالوا لا شيء فأقسم عليهم فتقدم إليه بعضهم وأسر الخبر إليه وأعلمه أنه يهواه فقال منذ كم قالوا من زمان طويل فقال بئس المرء الذي لا يعرف من أحبه ثم نزل فأقعده ونفض عنه التراب فنقطت الشمعة على وجه الشيخ ففتح عينيه فرأى صاحبه فأنشد:
يا محرقاً بالنار وجه محبه ... رفقاً فإن مدامعي تطفيه
(1/139)

حرق بها جسدي وكل جوارحي ... وأشفق على قلبي فإنك فيه
فحمله إلى بيته ولم يفارقه بعدها وساق الحجازي في روض الآداب الحكاية عن الخياط الدمشقي.
ومنهم البحتري المشهور كان يهوى غلاماً اسمه نسيم فاشتراه حين اشتد به بلاؤه. فلما اشتهر حاله مازحه أبو الفضل يوماً وقال هل تبيعه قال لا قال خذ فيه ألف دينار فأبى وكان لا يساوي أكثر من مائة فقال خذ الفين فقال أحضرهما فأحضرهما واشتراه ومضى به فلم يلبث البحتري أكثر من يوم حتى ذهب عقله وأكثر التردد إلى أبي الفضل فلم يجبه وزاد به الوجد فكتب إليه.
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة ... غني لك عن ظبي بساحتنا فرد
أتأخذه مني وقد أخذ الهوى ... فؤادي له فيما أسرّ وما أبدى
وتغدو عليه صبوتي وصبابتي ... ولم يعده وجدي ولم يأله جهدي
وقلت اسل عنه فالمنية دونه ... وكيف بسلوان الظمآن عن الورد
فقال أبيعك إيهاه بجميع ما تملك في سائر البلاد فقال افعل فباعه بذلك فلما أصبح أقاله وقال إياك وهجر الأحرار فإن لهم مكائد.
ومنهم ما حكى عن الصاحب بدر الدين وزيز اليمن أنه كان له أخ جميل فاختار له معلماً ذا هيبة ووقار وأدب فكان يعلمه في بيته فامتحن الشيخ بحب الغلام وزاد به الحال فشكا يوماً إلى الغلام أمره فقال ما أصنع وأخي لا يفارقني ليلاً ولا نهاراً فقال الشيخ إن داري ملاصقة لحائطكم فإذا كان الليل أتناولك فتجلس معي لحظة لطيفة ثم تعود فأجاب فلما كان الليل أظهر الشاب أن نائم فنام أخوه ففتح باب النافذ إلى الحائط فوجد الشيخ واقفاً فأخذه ومضى فرآه قد هيأ مجلساً لطيفاً ما بين فرش وسماط ومشروب ومشموم فجلسا يتعاطيان الكأس وكانت ليلة البدر وأفاق الوزير فلم ير أخاه ورأى الباب مفتوحاً فاطلع فرآهما على تلك الحالة والكأس في يد الشيخ وهو ينشد:
سقاني شربة من خمر فيه ... وحيا بالعذار وما يليه
وبات معانقي خد الخد ... مليح في الأنام بلا شبيه
وبات البدر مطلعاً علينا ... سلوه لا ينم على أخيه
فكان من لطفه أن قال ولله لا أنم عليكما وانصرف. وذكر الحجازي بذكر هذا الاتفاق مناسبة لطيفة وذلك أن شخصاً كان يهوى غلاماً فمات فجلس يبكيه فطلع البدر فنظر إليه فلم يقدر أن يملأ عينه منه فأنشد:
شقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت وكان الخسوف ... لباس الحداد على فقده
فخسف من وقته.
ومنهم الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي وكان أديباً ظريفاً عارفاً بالشعر والأدب وكان شيعياً وكان السيد المرتضى الموسوي نقيب الأشراف بالعراق والشام وغالب الممالك وكان بينه وبين مهذب الدين مودة قال ابن سعد في الطبقات لأن السيد كان رئيس أهل هذا المذهب وغيرهم وكان مهذب الدين من أجلاء طرابلس فبعث إلى الشريف بتحف مع عبد أسود فأرسل الشريف يعاتبه في ذلك وكان معروفاً بالشهامة فمما قال له أما رأيت شراً من السواد حتى ترسله إلينا وحكى قاضي القضاة ابن البراج أن مهذب الدين لم يرسل إلى الشريف إلا العبد فقط فكتب إليه أما بعد فلو علمت عدداً أقل من الواحد أو لوناً أشر من السواد لبعثت به إلينا والسلام وكان مهذب الدين يهوى مملوكاً له اسمه تتر وكان لا يفارقه في نوم ولا يقظة وكان إذا اشتد غمه أو رمى بمحنة نظر إليه فزال ما به فحلف لا يرسل إلى الشريف الهدايا إلا مع أعز الناس عنده فجهزها مع مملوكه وأخذ يقاسي مشاق فرقته.
فلما المملوك إلى الشريف توهم أنه من جملة الهدايا تعويضاً من ذنب العبد فأمسكه وطال الأمر فلم ير ما ينكي به الشريف ويبعثه على ارسال المملوك إلا إظهار التورع عن التشيع والدخول في مذهب أهل السنة وأن دليل ذلك أمر عظيم أخرجه عن العقل حتى فارق مذهبه فأرسل إليه بهذه القصيدة يذكر فيها وجده بالمملوك وخروجه من المذهب وتلبسه بالتستر وهي
عذبت طرفي بالسهر ... وأذبت قلبي بالفكر
ومزجت صفو مودتي ... من بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضني ... وكحلت جفني بالسهر
وجفوت صباً ما له عن ... حسن وجهك مصطبر
(1/140)

يا قلب ويحك كم تخا ... دع بالغرور وكم تغر
والام تكلف بالأغن ... من الظباء وبالأغر
ريم يفوّق إن رما ... ك بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركها ... من بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عن ... قسيء لا يناط بها وتر
جرحتك جرحاً لا ... يخيط بالخيوط ولا الابر
تلهو وتلعب بالعقو ... ل عيون أبناء الخفر
وكأنهنّ صوالح ... وكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتسرّه ... وخفي سرك قد ظهر
أفهل لوجدك من مدى ... يفضي إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادر ... أنا من هواه على خطر
عذل العذول وما رآ ... هـ فحين عاينه عذر
قمر يزين ضوء الصب ... ح جبينه ليل الشعر
ترمي اللواحظ خده ... فيرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر
ويلاه ما أحلاه في ... قلبي الشقي وما أمر
نومي المحرّم بعده ... وربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر
وبمن سعى فيه وطا ... ف به ولبى واعتمر
لئن الشريف الموسوي ... ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم ... يردّ إلى مملوكي تتر
واليت آل أمية الط ... هر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدر ... وعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحا ... بة بين قوم واشتهر
قلت المقدّم شيخ تيم ... ثم صاحبه عمر
ما سل قط ظبى على ... آل النبي ولا شهر
كلا ولا صدّ البتو ... ل عن التراث ولا زجر
وأثابها الحسنى ولا ... شق الكتاب ولا بقر
وبكيت عثمان الشهيد ... بكاء نسوان الحضر
وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مص ... حفه براءة والزمر
ورثيت طلحة والزبير ... بكل شعر مبتكر
وأزور قبرهما وأز ... جر من لحاني أو عذر
وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل لتص ... بح من بنيها في زمر
وأتت لتصلح بين جي ... ش المسلمين على غرر
فأتى أبو حسن وسل ... حسامه وسطا وكرّ
وأذاق اخوته الردى ... وبعير أمهم عقر
ما ضره لو كان كف ... وعف عنهم إذ قدر
وأقول إن أمامكم ... ولى بصفين وفر
وأقول إن أخطأ معا ... وية فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقا ... تل لا بصارمة الذكر
وجنيت من رطب النوا ... صب ما تتمّروا ختمر
وأقول ذنب الخارج ... ين على عليّ مغتفر
لا ثائر بقتالهم ... في النهر وان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤو ... ل إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراً ... فأنا البريء من الخطر
فعلا وقال خلعت صا ... حبكم وأوجز واختصر
وأقول أن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر
ولجيشه بالكف عن ... أبناء فاطمة أمر
والشمر ما قتل الحسين ... ولا ابن سعد ما غدر
وحلقت في عشر المحرّم ... ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أخر
(1/141)

ولبست فيه أجل ثو ... ب للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصا ... فح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطر ... يق أقص شارب من عبر
وأكلت جرجير البقو ... ل بلحم جونيّ الجفر
وجعلتها خير المآ ... كل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كله ... ومسحت خفي في السفر
وأمين أجهر في الصلا ... ة كمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسنيم القبو ... ر لكل قبر محتفر
وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر
ولبست فيه من الملا ... بس ما اضمحل وما اندثر
وسكنت جلق واقتديت ... بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهم ... بالفاشريا قد فشر
مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر
بقر ترى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهم ... خبثت وقدت من حجر
ما يدرك التشبيب تغر ... يد البلابل في السحر
وأقول في يوم تحا ... ر له البصيرة والبصر
والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أضلني ... بعد الهداية والنظر
ما لي مضل في الورى ... إلا الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشر ... يف فمستقرّ كما سقر
لواحة تسطو فما ... تبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيء ... إذا تنصل واعتذر
فاخش الاله بسوء فعلك ... واحتذر كل الحذر
وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر
شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر
حبرتها فغدت كزهر ... الروض باكره المطر
وبديعة كبديعة ... عذراء ترفل في الحبر
وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها وانبهر
ردّ الغلام وما استمر ... على الجحود ولا أصر
وأثابني وجزيته ... شكراً وقال لقد صبر
فلما وصلت القصيدة إلى الشريف ضحك وقال قد أبطأنا عليه فهو معذور وجهز الملوك مع هدايا حسنة فمدحه مهذب الدين فقال:
إلى المرتضى حثّ المطيّ فإنه ... إمام على كل البرية قد سما
ترى الناس أرضاً في الفضائل عنده ... ونجل الزكيّ الهاشمي هو السما
وذكر ابن حجة أن مهذب الدين حين هادى الشريف كان ببغداد قوله وأقول مثل مقالهم يفسره ما بعده من الكلمات المهملة التي تستعملها أهل دمشق في الخلاعة المصطيحة خشبة في الأصل تجعل تحت دود القز، وأهل دمشق يسمون الصولجان المنقوش مصطيحة ويكون معهم في المواسم وقد تظرف في المبالغة والمجون والخلاعة حيث اللفظ فنسب القصر إلى الفطيرة والكسر إلى المصطيحة والمستعمل العكس فإنهم يضعون الصوالج قائمة في لعبة، فمن جاء صولجانه قصيراً أخرج من اللعبة فيقول مصطيحتي قصيرة وكذا في لعب الفطير يرد من فطيرته مكسورة وقوله وإلى الشريف بعثتها إلى آخر القصيدة قد يتوهم أنه ملحق بعد رد المملوك وليس كذلك وإنما قاله تفاؤلاً وحسن ظن بالشريف واعتماداً على شهامته وهذا من مكر مهذب الدين لعلمه بسجايا الشريف.
القسم الرابع
في ذكر من منعه الزهد والعبادة أن يقضي من محبوبه مراده
قد رأينا أن نجعل هذا القسم كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب لاشتماله على ذكر أقوام عصمهم الله من الوقوع في الخطأ وأسبل عليهم الغطا، وهو نوعان:
(1/142)

الأول فيمن سلم من القضاء الجاري فعصم عن الجواري في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض أنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وراعيها وأنه أتاني يطلب أجره فقلت أعمد إلي تلك البقر فسقها. فقال لي عندك فرق من أرز. فقلت له أعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها.
فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا.
وحكى أن رجلاً افتتن براهبة فتسور إليها وراودها فلم تمكنه إلا بعد جهد، فلما قدر عليها جعلت يدها في مجمرة فاحترقت. فقال لأي شيء فعلت هذا؟ قالت خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية فحلف لا يعصي الله بعدها وتاب.
وحكى أن رجلاً عشق جارية فزاد حبه لها ولم يتمكن منها وأن أهلها أرسلوها لحاجة فتبعها وراودها. فقالت إني أحب لك منك لي، ولكني أخاف الله. فقال أتخافينه ولا أخافه، ورجع فناله عطش كاد أن يأتي عليه، فلقيه رسول لبعض الأنبياء فشكا ذلك إليه فقال له هلم ندعو الله أن تظلنا سحابة حتى نصل القرية. قال ليس لي عمر فقال الرسول أنا أدعو وأنت آمن وفعلا فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فدعاه الرسول إلى بيته فتبعتهما السحابة. فقال له تقول ما لي عمل وقد تبعتك أخبرني ما فعلت فأخبره فقال إن التائب عند الله أحسن من العابد.
وحكى أن عمر بن عبد العزيز عشق جارية لزوجته فاطمة بنت عبد الملك وزاد فيها غرامه فطلبها منها فأبت عليه، فلما أفضت إليه الخلافة زينتها بأنواع الزينة، ثم قالت يا أمير المؤمنين قد كنت أمسكت هذه عنك والآن فقد وهبتا لك فسر بها سروراً بالغاً. ثم قال اخلعي ثيابك فحين همت أجلسها، ثم قال لها من أين جيء بك في الأصل قالت اغتصب الحجاج مال عامل فاصطفاني منه وأرسلني لعبد الملك فوهبني لأبنته فقال أحي هو؟ قالت لا. قال هل له ورثة؟ قالت ولد، فأحضره وأمره أن يذكر ما أغرم الحجاج أباه وأعطاه عمر رضي الله عنه ذلك الجارية وقال له احذر أن يكون أبوك نالها. فقال هي لك يا أمير المؤمنين فأبى فقال أتبيعها؟ فأبى، فقالت الجارية أين وجدك بي؟ قال قد زاد ولكني أنهي النفس عن الهوى وحكى أن امرأة كانت في بني إسرائيل قد حازت ثلث الحسن، وكانت لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، فأعجبت شخصاً فمضى فجمع مائة دينار وجاء إليها فقالت ادفعها إلى الجهبذ يعني الناقد ففعل، فلما نقدها تهيأت وجلست على سرير من ذهب فحين تمكنها منها أخذته الرعدة فقالت خل عنك ولك المائة فقال أجبتك.
فجمعت المال وجاءت به وقالت لئن صدقت فليس لي زوج غيرك فخرج فباعت متاعها وجاءته فحين رآها شهق شهقة فمات. فقالت أما هذا فقد مات فهل له أحد قالوا أخ فتزوجت به إكراماً له. قال ابن عباس فجاء منها سبعة أنبياء.
(1/143)

وأما قصة بشر وهند فقد آلت بها الشهر إلى أن أفردت بالتأليف وحاصلها أن بشراً رجل من أسد ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الأول من الاصابة، وهند جهنية قيل ذكرت في حديث ساقط وكانت بالمدينة في ممر بشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلقته وتعرضت إليه بمراسلات بأشعار أظنها موضوعة لاهمالها فلذلك حذفتها، فلما رأى بشر الحاحها هجر الممر وصار يأتي من غيره فلزمت الوساد وهم زوجها أن يدعو لها الأطباء فنهته وقالت أنا أعرف علتي، فلما علمت الطريق التي يمر منها بشر أخبرت زوجها أنها رأت في نومها أنها متى سكنت في موضع كذا شفيت فنقلها من وقتها فكانت تنظر إليه فبرئت وأطلعت عجوزاً على أمرها فوعدتها أن تجمعها به، ثم وقفت له فسألته أن يقرأ لها كتاباً أو يكتبه ففعل وهند تسمع، ثم قالت له العجوز أراك مسحوراً وما قلت لك إلا عن يقين ثم وعدته أن يأتيها يوماً لتنظر له فيما يصلح له وقالت لهند قد سمعت فنهيء.
فلما خرج زوجها إلى بعض القرى وقد وعدت العجز بشراً فجاء حين جلس أدخلت هنداً عليه وأغلقت الباب فجاء زوجها فحين رآه، طلقها ثم مضى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله سل هذا لم دخل بيتي فقال بشر والذي بعثك بالحق ما كفرت منذ أسلمت، ولا زنيت مذ عرفتك، ولكن القصة كذا وكذا فأدب العجوز وقال أنت أصل البلية وانصرفوا فلم يمكث بشر حتى ابتلى بحب هند وراسلها فامتنعت فلم يزل حتى مات، فجاءت فحين رأته سقطت ميتة ودفنا معاًن فجاءت العجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتذرة فأخلصت توبتها.
وفي امتزاج النفوس عن رجل من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً كنت أعرف فيه راهباً معروفاً بالأخبار فوجدته مسلماً وجميع من في الدير، فسألته عن السبب فقال عشقت جارية منا غلاماً عابداً وافتتنت به ودعته إليها فأبى، فلما زاد بها الوجد أعطت مصوراً مالاً فنقش لها صورته فكانت تقبلها وتبكي كل يوم إلى الغروب وتنصرف فبلغها موت الغلام فعملت مأتمه ثم التزمت لثم الصور، فلما أصبحنا وجدنا ميتة إلى جانبها وعلى يدها مكتوب:
يا موت دونك روحي بعد سيدها ... خذها إليك فقد أودت بما فيها
أسلمت وجهي للرحمن مسلمة ... ومت موت حبيب كان يعصيها
لعلها في جنان الخلد يجمعها ... يوم الحساب ويوم البعث باريها
مات الحبيب وماتت بعده كمداً ... محبة لم تزل تشفي محبيها
قال فشاع ذلك حتى بلغ المسلمين فأخذوها ودفنوها إلى جانبه فرأيتها في النوم فقلت ما فعل الله بك فأنشدت:
أصبحت في راحة مما جنته يدي ... وبت جارة فد واحد صمد
محا الإله ذنوبي كلها وغدا ... قلبي خلياً من الأحزان والكمد
لما قدمت على الرحمن مسلمة ... وقلت أنك لم تولد ولم تلد
أثابني رحمة منه وأسكنني ... مع من هويت جناناً آخر الأبد
فعلمت أن الإسلام حق فأسلمت وأسلم أهل الدير بسببها.
وحكى الشيزري في روضة العشاق عن راهب أسلم، وكان اسمه عبد المسيح، قال سئل عن سبب إسلامه؛ فحكى أنه كان عندهم جارية نصرانية تبيع الخبز أحبها شاب مسلم واشتد حاله في حبها فسلطت عليه الصغار فضربوه، فلما علمت صدقه عرضت عليه نفسها في الحرام فأبى، فعرضت عليه التنصر فأبى فأمرت الصغار بضربه حتى مات وهو يقول: اللهم اجمع بيننا في الجنة فرأته في النوم وقد انطلق بها إلى الجنة فمنعت لأجل الاسلام فأسلمت، ودخل بها فأراها قصر من اللؤلؤ، وقال هذا لي ولك وستأتي بعد خمس ليال، فاستيقظت فأسلمت ولزمت قبره حتى ماتت بعد خمس ليال فأسلمت لذلك.
وحكى ابن عاصم قال: قال لي بعض أصحابي بالكوفة هل لك أن تنظر إلى عاشق فقلت نعم. فإني أسمع الناس يذكرون العشق فمضى بي إلى دار فرأيت شاباً مطرقاً ساكتاً يكلمه الناس ولا ينطق وعلى يده وردة حمراء فقال صاحبي كأن فلانة أرسلتها إليك فحين سمع ذكرها رفع رأسه وأنشد:
جعلت من وردتها ... تميمة في عضدي
أشمها من حبها ... إذا علاني كمدي
فمن رأى مثلي فتى ... بالحزن أضحى مرتدي
أسقمه الحب وقد ... صار حليف الأود
وصار سهواً دهره ... مقارناً للكمد
(1/144)

فنهضنا فما بلغنا الباب حتى مات فرجعنا لنشهده فحين دفناه أقبلت جارية مسفرة ما رأيت أحسن منها، فما تركت تراباً على القبر حتى جعلته على رأسها فجاء قوم فجروها فقلت ارفقوا بها فقالت دعهم يبلغوا همتهم، فوالله لا ينتفعون بي، فما انقضى اليوم حتى ماتت فسألت عن القصة فقالوا أنه كان يعشقها فبذل في شرائها ملكه فأبوا عليه حسداً أن يكون عنده مثلها فأرسلت إليه تقول مرني بما شئت، فأرسل إليها أن الزمي طاعة ربك ومولاك وأقبل على الزهد وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكرها حتى بلغ إلى ما رأيت.
النوع الثاني في ذكر من بغله زهده الأمان فعصمه عن الغلمان
وهؤلاء قوم جرت عليهم خصال البشر حتى افتتنوا باستحسان بعض الصور ثم عند إرادة النزوع ومقاربة الوقوع كشفت لهم حقائق الأحوال عن قبيح عواقب الأفعال فرجعوا إلى أنفسهم فذكروها خشية الله فزجر كل نفسه حتى غلب على هواه.
قال بعضهم مررت بمدائن قوم لوط فأخذت منها حجر الحاجة فحين نزلت في دار جعلته في طبقة، فجاء رجل ومعه غلام ولم يشعر بي فقضى منه وطراً فسقط الحجر عليه فمات فتعجبت من ذلك.
فمن المذكورين صوفي يسمى المهرجان كان مجوسياً ثم حسن إسلامه قال من شهده رأيته ببيت المقدس ومعه غلام جميل ينام إلى جانبه ثم يقوم فزعاً فيصلي ما شاء وينام وكان يفعل ذلك مراراً كل ليلة فإذا طلع الفجر قال اللهم أنت تعلم أن الليل قد مضى علي سليماً لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت الحفظة علي فه معصية وإن الذي أضمره في قلبي لو حملته الجبال لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عز وجل عن طلب الحرام والتعرض للآثام ثم يقول سيدي أنت جمعت بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع الأحباب، فقلت له قد سمعتك تقول كذا وكذا فما الذي يدعوك إلى عشرة من تخاف على نفسك منه فبكى وذكر أن مقصوده بذلك امتحان نفسه.
وعالج بعضهم نفسة في صحبة الأحداث بالهجر، قال أبو حمزة رأيت صوفياً يصحب غلاماً دهراً طويلاً ثم هجره، فسألته عن ذلك فقال وجدت نفسي عند الخلوة به تحدثني بما يسقطني من عين الله ففارقته ليثيبني الله ثواب الصابرين عن محارمه ويجمع بيننا في دار الكرامة.
قال ورأيت أيضاً رجلاً ومعه غلام يصحبه فمات الرجل فلم يبرح الفتى محزوناً فقلت له ما أراك تسلو عن صاحبك، فقال كيف أسلو عن شخص أحسن تأديبي وعصمتي من الفسق.
وحكى أبو حمزة الصوفي قال نظر رجل صوفي إلى غلام جميل فافتتن به فأقعد فكنا نأتيه ونسأله عن حاله فلا يخبر به، وبلغ الغلام حاله فعاده فهش له وضحك فأكثر من زيارته، فقام وذهب مرضه فعزمه الفتى يوماً فأبى أن يذهب معه فقلت له لأي شيء امتنعت، فقال لست معصوماً، وأخاف أن تحدثني نفسي عند الخلوة بما يحجبني عن الله.
وحكى أيضاً، قال صحب محمد بن قطن الصوفي غلاماً زمناً طويلاً، فلما مات الغلام نحل حتى بدا عظمه، فرأيته يوماً وقد وقف على قبره يبكي والسماء تمطر فما برح حتى جئت في الغد فوجدته ميتاً فدفنته إلى جانبه.
وصحب أبو الحسن غلاماً كأنما خلق الحسن على صورته أو خلق من نفس من ينظر إليه فكان يأتي به إلى بيته فتحدث الناس فيهما فمنع الغلام أهله من صحبة أبي الحسن فنحل حتى شارف الموت فأنشد:
يا من بدائع حسن صورته ... تثنى إليه أعنة الحدق
لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق
لكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق
ولم يزل حتى مات وغالب هذا الباب من رواية أبي حمزة عنهم والكل متقارب مكرر. انتهى ما أردنا تحريره من أحوال العشاق على اختلاف أنواعهم.
خاتمة في ذكر ما عولج به العشق من الدوا
وقصد به السلو عن الهوى
وهو الباب الرابع من الكتاب، قد سبق في صدر الكتاب أنه لا علاج للعشق على الأصح إلا دوام الوصال ما لم يتمكن أو يوقع الحبال، فمن العلاج ما ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه عالج بالتغريب وتشويه الخلقة وذلك أنه مر ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ما جد الاعراق مقتبل ... سهل المحيا كريم غير ملجاج
نمته اعراق صدق حين تنسبه ... أخي حفاظ عن المكروب فراج
(1/145)

فقالت لها امرأة معها من نصر، قالت رجل أود لو كان معي طول ليلة ليس معنا أحد فدعا بها عمر فخفقها بالدرة ودعا بنصر فحلق شعره فعاد أحسن ما كان فقال له لا تساكني في بلدة يتمناك النساء بها، وأخرجه إلى البصرة وخافت المرأة فكتبت إلى عمر تستعطفه:
قل للإمام الذي تخشى بوادره ... ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج
إني غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف غيره ساجي
إن الهوى ذمه التقوى فقيده ... حتى أقرّ بالجام واسراج
أمنية لم أطر فيها بطائرة ... والناس من هالك فيها ومن ناجي
لا تجعل الظن حقاً أو تبينه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي
وكان عمر قد سأل عنها فوصفت له بالعفاف، فأرسل إليها قد بلغني عنك خير فقري، ومضى على نصر مدة بالبصرة فأزار عاملها ارسال بريد إلى المدينة فدس نصر بن حجاج كتاباً يستعطف فيه عمر ويسأله العود وفيه يقول:
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني ... وما نلت من شتمي عليك حرام
أئن غنت الذلفاء يوماً بمنية ... وبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء فما لي في النديّ كلام
فأصبحت منفياً على غير ريبة ... وقد كان لي في المكتين مقام
ويمنعني مما تظن تكرمي ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتها ... وحال لها في قومها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر أما ولي سلطان فلا، وبعث إليه فاقطعه بالبصرة ما يعيش به، وقيل نزل نصر على مجاشع بن مسعود السلمي من بني عمه فأكرمه ورفع محله وسمى نصر بها المتمنى، وكان تحت مجاشع شميلة بنت أبي حياء بن أبي بهر، وكانت من أجمل النساء فتولعت بنصر وتولع بها وزاد حبهما فأخفياه، وكان مجاشع آمناً فكتب لها نصر يوماً في الأرض أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك أو تحتك لأقلك. فكتبت هي وأنا، وقيل قالت ذلك بلفظ حفي، فقال مجاشع ما قال قالت يقول ما أحسن داركم، فقلت وأنا قال ما هذا لهذا، وجعل على الكتابة صحفة فحين أصبح دعا غلاماً فقرأها، فقال هي طالق ألفاً يا ابن أخي.
فقال نصر وهي طالق إن تزوجت بها. وقيل ضعف نصر من حبها فأرسلها مجاشع إليه بطعام فمضت به فضمت نصراً إلى صدرها وأطعمته بيدها فشفي من وقته فقال بعض الحاضرين قاتل الله الأعشى حيث يقول:
لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
وقيل لما عادت عنه مات وعاشت شميلة طويلاً وقتل مجاشع يوم الجمل، وقيل اسمها خضراء وأنها من بجيلة وأنها أول من لبست الشفوف وقيل أن مجاشعاً حين طلقها أخبر أبو موسى بالقصة وكان عاملاً على البصرة، فقال لنصر ما أخرجك أمير المؤمنين من خير أخرج عنا فأتى فارس فعلقت دهقانة فبلغ عثمان بن أبي العاص، فقيل أخرجه إلى الشام وقيل أنه حين عزم على إخراجه قال إن أخرجتموني لحقت بالشرك فكاتبوا عمر فأمر بجز شعره وتشمير ثيابه والزامه المسجد والمتمنية هي فريعة بنت همام كانت إذ ذاك تحت المغيرة بن شعبة ثم تزوج بها يوسف الثقفي فأولدها الحجاج وبها كان يضرب المثل فتقول العرب أصبأ من المتمنية وأدنف منها.
ومن السلو عن الهوى استعمال الحساب والخوض في المشاجرات ونحو ذلك مما سبق ومنه رقوات وكتابات
قيل وجد على قبر الملوك حميراً صحفة ذهب مكتوب عليها:
ما أحسنت سلمى إليك صنيعها ... تركت فؤادك بالفراق مروعا
قيل استخبرت كاهنة عن البيت قالت كانوا يكتبونه مقلوباً ويسقونه العاشق فيسلو، ومن الشائع بين العرب أن تراب قبر العاشق إذا شرب منة في خشب الطزفاء يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس أحدث السلو.
(1/146)

وأخبرني من أثق به بدمشق سنة خمس وستين وتسعمائة بالجامع الأموي، قال عشق صديق لنا امرأة وازداد ولوعه بها حتى أنفد ما معه، وهي تكثر التجني عليه، ومرض من حبها حتى أيس من حياته وعزم على أن يشرب السم ليموت، فشكا ذلك إلى صاحب له في كفه يوم الثلاثاء عشر صادات وأربع عينات وثلاث ياآت وخمس هاآت وعشرين كافاً وأمره أن يلحس ذلك وكرر الفعل ثلاثاً فكان الله لم يخلق حبها عنده.
ورأيت في كتاب للبوني سماه خزائن الأسرار في علم الحروف والأصفار أنه من كتب سورة يس في نحاس ومحاها بماء المطر وشرب البعض واغتسل بالبعض سلا.
وقيل إن عين البوم اليسار، وأظفار الخفاش إذا جعلت في جلد حمار وحش وحملت على العضد الأيسر أحدثت السلو، ويقال إن حجر الجزع إذا علق فعل ذك ولكن قد جرب أن حمله يورث الهم.
الباب الرابع
في ذكر ما سوى البشر وما القوا من العبر
وهو نوعان:
الأول في الجنة
أسند المصنف عن الحافظ ابن حجر العسقلاني يرفعه إلى البيهقي، أنه قال تزوج سعد بن أبي وقاص امرأة فرأى عندها على الفراش ثعباناً فهم بقتله، فقالت هذا كان يتبعني وأنا في بني عذرة عند أهلي. فقال له سعد هذه امرأتي تزوجتها على كتاب الله وسنة نبيه فماذا تريد منها، فانساب حتى دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وصعد في السقف فلم ير بعدها.
ويحكى عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء من طرق مختلفة كثيرة حكاية حاصلها أن جنياً أتاها في هيئة ثعبان أسود فعالجها فأتى بكتاب أو قال رق أو نحاس فيه بسم الله الرحمن الرحيم من رب الكير إلى الكبر أو قال من رب كعب إلى كعب ليس لك على بنات الصالحين أو قال على أمتي بنت عبدي الصالح السبيل فقرصها قرصة بقيت إلى الموت، أو قالت جعل يده في حلقي فاسود وأخبرت بذلك عائشة.
وحكى عن رجل أنه سافر فجاء جني إلى زوجته في زيه، فلما جاء قال له لك ليلة ولي ليلة وإلا قتلتك فإني أحبها، فاتفقا على ذلك فجاء الجني ليلة فقال أنا نسترق السمع بالثوية وهذه ليلتي فهل لك أن تكون معي قال نعم، قال فحملني حتى لصق بالسماء فسمع قائلاً يقول ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فوقع وراءك، فصرت أقولها إذا جاء، فيذهب إلى أن مضى ولم أره، وعندي في هذه بعد لأنه كان راكبه فكيف جاء إلى أهله حين سقط الجني في الخراب.
وأما حكاية الديك فقد أورد المصنف بعضها، وأصل ذلك أن رجلاً خرج لحاجة له فرأى شخصاً يمشي فتحادثا إلى أن قربا من القرية، فقال الشخص للرجل أنا جني وقد صار بيننا صحبة، ولي إليك حاجة فهل تقضيها لي؟ قال نعم، فقال امض إلى بيت فلان فإن عندهم ديكاً أبيض معشراً، فاشتره بما عساه أن يكون واذبحه، فقال له كرامة ولكن أيضاً لي إليك حاجة فقال وما هي؟ قال تخبرني إذا لبستم الانس ما الذي يخرجكم. فقال الجني إني مقيدك ذلك بشرط أن تكتمه.
فلما وافقه قال له خذ عني من أخذ من بين عيني حمار وحش قطعة كالسير فجعلها في عضده الشمال ولبس من حافره خاتماً لم يقربه جني، فمضى الانسي فاشترى الديك وكان عنده جارية لم ير أحسن منها، فحين ذبح الديك صرعت فجاؤا إليه وتعلقوا به، فقال علي برؤها فمضى وصنع لها الخاتم والسير، فحين دنا بهما منها صاح الجني وقال له أو على نفسي علمتك والله إن فارقتها مت فلم يلتفت إليه وألبسها ذلك فذهب عنها.
النوع الثاني
في ذكر من كلف وهو غير مكلف
وأوهن العشق قواه حتى تلف أو كاد أن يتلف
(1/147)

قد أسلفت لك في صدر الكتاب كيفية ارتباط العالمين في التكاليف وتداخل اللطيف في الكثير واختلاف القوابل والفواعل، وقد رؤي استعداد كل لصاعد أو نازل، وأن العشق سر يودعه الله في الأرواح عند صفائها وسهولة انقيادها، ثم يختلف باختلاف البواعث والدواعي وميل النفوس بحسب مرادها فعلى هذا لا يخص نوعاً دون نوع من أحد الأجناس كما ترشد إليه أدلة التجربة والقياس، غير أنه مختلف الرتب كما لا يخفى على ذوي الأدب، وقد صح كما سبق أن الإنسان أفضل الموجودات لعلمه بأحكام الأحوال المختلفات فلذلك كان واسطة نظام هذا الشأن ثم ما يليه الأقرب فالأقرب من أنواع الحيوان حتى ينتهي القول إلى الأجرام العنصرية وما بينهما وبين الطبقات السماوية وحيث أنهينا الكلام في هذا المقام على ما يتعلق بالانسان فلنبين كيفية دخول العشق في باقي أنواع الأعيان فنظم هذا النوع في خمسة أصناف.
الصنف الأول في الطيور هي ألطف الحيوان مزاجاً لانحلال كثيفها بخرق الهوا وذهاب فضلاتها في نحو الريش، فلذلك داخلها التألم بالنوى. حكى الحافظ عن بعض الثقات أنه تفرد في معبد منقطع فوجد فيه حمامتين يبيتان فإذا برق الفجر ذهبتا فلا يأتيان إلى الليل، قال وكنت أشهد إحداهما تتخلف فتأتيها الأخرى بقوتها وداما على ذلك مدة.
فلما كان يوم من الأيام خرجتا فإذا بباشق انقض فأخذ الواحدة، فرأيت الأخرى تتبعه حتى غاب وأيست فعادت إلى المبيت وفي ريش فلقد رأيتها تتميز ريش المخطوفة حتى جمعته وجعلت تضرب بجناحها الأرض وتتمرغ على الريش وتضرب نفسها حتى نتفت ما أمكنها من ريش نفسها فقدمت لها أكلاً وماء، فلم تلتفت لشيء. فلما طلع الصبح رأيتها ميتة والريش في فمها.
ورأيت في كتاب لا أعلم مؤلفه سماه لطائف الأسرار وكيفية جريان الأقدار، طالعته في سنة تسع وخمسين ولم يكن لي إذ ذاك اعتناء بهذه الأشياء، أن غراباً كان يأوي إلى حائط فيقيم به فجاء يوماً فوجد حية قد استولت على محله فذهب فجاء بحجر صغير فرماه عليها فماتت، فقال من رآه أنه رمى به، وأخذ الحجر فتبعته فمضى حتى ألقاه في عش خطاف ثم صار يأخذ الماء والأكل فيمضي بهما إلى أفراخ الخطاف مدة طويلة ولم أشعر يوماً إلا وقد أقبل ومعه اثنان من الخطاطيف فباتا معه ودام على ذلك أياماً فبينا أنا يوماً إذا بالواحد منهما سقط فنزل الغراب فحمله فسقط فحمله عشر مرات فلم يستقر ساعة حتى رأيت الغراب يمزق نفسه حتى مات فقمت إلى العش فرأيت الخطاف ميتاً والآخر إلى جانبه يضطرب فمات وأنا أنظره قلت ولم أزل أفكر في هذا الحجر حتى وقفت على خواص الأحجار فرأيت أن داخل الصين أغواراً يسيل الماء فيها فينعقد حجراً إذا ترك مد وغزل وخيوطاً كالحرير تنسج منه أهل تلك البقعة ثياباً إذا اتسخت القيت في النار فيذهب ما فيها وأنه قبل أن ينغزل إذا أخذ نفع من اليرقان والحصى وسائر السموم وأنه يقتل الحيات بمجرد الرؤية وحذاق الحكماء تعمد إلى أعشاش الخطاطيف فتدهن فراخها بالزعفران فتظن أمهاتها أن اليرقان اعتراها فتمضي إلى أماكن هذه الأحجار فتأتي بها فتأخذه الحكماء فسبحان من ألهم كل شيء رشده.
وفي الكتاب المذكور أن رجلاً اشترى زوج بط، فلما ذبح الواحد جعل الآخر يضطرب تحت المكبة حتى رفعت عنه فجاء إلى الدم فلم يزل يتمرغ فيه حتى مات.
وقالوا أن أوفى الطيور في المحبة القمري والشفني أعني الفاخت وأنه إذا مات أحد الزوجين تعذب الآخر فلم يأنس حتى يموت، وكثيراً ما سمعنا عن البلبل والشحرور الحنين إلى الغناء والملاهي والأصوات الحسنة وأن بعض الطيور نزل على يد بعض الوعاظ حتى مات.
وحكى عن سفيان أن بلبلاً كان لولده وأنه أقام يرعى ويأتي البيت حتى قيل أنه مضى مع الناس يوم موته إلى القبر ورجع فاضطرب حتى مات.
وأما قصه الزاغ فمشهورة جداً وهي أن السعدي قال وجه إلي يحيى بن أكثم بالمثلثة، فدخلت وإذا عن يمنه قمطر جلد يعني قفصاً، فقال اكشفه فكشفته، فخرج شخص نصفه الأعلى انسان والأسفل زاغ، فقال لي كلمه فأستسميته فأنشد:
أنا الزاغ أبو عجوه ... أنا ابن الليث واللبوه
أحب الراح والريحا ... ن والنشوة والقهوه
فلا عدوان لي يخشى ... ولا يحذر لي سطوه
ولي أشياء تستظر - ف يوم العرس والدعوه
(1/148)

فمنها سلعة في الظ ... هر لا تسترها الفروه
وأما السلعة الأخرى فل ... وكانت لها عروه
لما شكت جميع النا ... س فيها أنها ركوه
ثم قال يا كهيل انشدني غزلاً، فقال يحيى قد استنشدك فأنشده فأنشدته:
أغرك إن أذنبت ثم تتابعت ... ذنوب فلم أهجرك ثم ذنوب
وأكثرت حتى قلت ليس بصارمي ... وقد يصرم الانسان وهو حبيب
فجعل يقول زاغ زاغ ونزل القمطر فقلت ليحيى أصلحك الله أو عاشق أيضاً ثم سألته عنه فقال لا أعرف منه إلا ما رأيت وقد وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين ولم يره بعد ومعه كتاب لم أفضه أظن فيه أمره، ورويت هذه القصة عن سوى السعدي وأنه كان عند أحمد بن أبي داود وإن الأبيات التي أنشدها للزاغ هي:
وليل في جوانبه فضول ... من الاظلام أطلس غيهبان
كأن نجومه دمع حبيس ... ترقرق بين أجفان الغواني
الصنف الثاني في ذكر بعض ما وقع للحيوان من أمور العشق في اختلاف الأزمان
حكى الشيخ قدس الله سره أن أعظم الحيوان إدراكاً من ذوات الأربع الخيل وأنها أقرب من غيرها إلى مزاج الانسان وقد بسطنا أحوال الحيوانات وما بينها من الاختلاف والاتفاق والقرب والبعد في كتب الزردقة.
والخيل أحسن الحيوانات مزاجاً وإدراكاً حتى أنها لا تنزو على محرم أبداً، قال الشيخ جيء لحصان بأخته مبرقعة فلما نزل عنها انكشف الثوب فعرفها فجعل يجري حتى ألقى نفسه من جبل شاهق فتقطع.
وفي لطالف الأسرار أن رجلاً من أصفهان ولدت عنده فرس حصاناً وأخرى أنثى فأتلفا فكان إذا فرق بين واحدة وأخرى لا تمشي كل منهما ولا تأكل ولا تشرب وتصيح حتى تجتمعا، قال وربما كان يطرح الأكل للواحدة قبل الأخرى فلم تذقه حتى يطرح للأخرى، قال وشاهدت إحداهما تدفع بيدها حشيشاً إلى الأخرى، وأن إحداهما مغلت فقصدها البيطار، فلما رأت الأخرى الدم قطعت الرباط فجاءت فمرغت نفسها فيه حتى سقطت ميتة، فلما رأتها المقصودة طرحت نفسها عليها فإذا هي ميتة.
وحكى فيه أيضاً أن ملك الهند بعث إلى صاحب بخاري بفيل فأحسن خدمته، فلما كان يوم حرب بينه وبين قندهار وهم يركبون الأفيال يقاتلون على ظهورها. خرج به فحين اصطفوا نظر الفيل إلى فيل آخر في ذلك العسكر فغلم حتى طرح ما عليه واخترق الصفوف حتى جاءه فانطرحا إلى الأرض وجعل كل منهما فنطيسته على الآخر وجاء الناس ليفرقوا بينهما فإذا هما ميتان.
وفي اللطائف أيضاً أن غزالاً كان يأوي إلى محل في جبل وأن شخصاً رآه يتردد إلى ذلك المحل فتبعه فرأى وعلاً في غار وبيده ألم لا يمكنه المشي ورأى مع الغزال قطفاً من عنب وهو يلقيه في فم الوعل فانصرف عنهما.
وحكى فيه أيضاً عن شخص بغدادي خرج في بعض أسفاره فبينما هو جالس في القيلولة وقد بسط سفرة ليأكل وإذا بكلب أقبل فأخذ رغيفاً فقام وتبعه حتى انتهى إلى غار فإذا فيه كلبة قد عطلت عن الحركة فجعل يكسر الرغيف ويضع في فمها ويترضاها فتعجب التاجر وانصرف.
وحكى الجاحظ أن ملكاً من أقيال اليمن اعتنى بكلب فكان يلبسه الحرير ويطوقه الذهب ويجعله معه حيث كان فألفه الكلب حتى كان إذا غاب لا يستقر فاعتراه يوماً ضعف فخرج الملك إلى الصيد وتركه في المطبخ وكان قد أوصى أن يطبخ له أرز بلبن، فجعل الطباخ اللبن في القدر وخرج ليأتي بالأرز فخرجت حية من السقف فسقطت في اللبن والكلب ينظر وجاء الطباخ فرمى الأرز ولم يشعر حتى تهرت وخشي الطباخ سطوة الملك وقد فاجأه بطلب الأرز ونذل وطلب أن يأكل في المطبخ فحين شرعوا في وضع الطعام جعل الكلب يصرخ ويضطرب، فقال الملك ما له؟ فقالوا لا نعلم فقدم له طعام فامتنع وجيء بالأرز إلى الملك فصاح الكلب واشتد وجده حتى قطع السلسلة، وعاجل الملك قبل أن يأكل فوضع فمه في الطعام وأكل فتفزر جلده لوقته ومات، فضرب الملك الطباخين واستنهرهم فأقروا فعلم أن الكلب فداه بنفسه فكفنه في حرير وبنى عليه قبة.
قال الجاحظ وهي الآن باليمن تسمى قبة الكلب.
(1/149)

وحكى عن أبي العيرانه، كان عنده حمار فمات فرآه في النوم ينشده شعراً يقول فيه أنه مات عاشقاً فسأله المتوكل ما الذي كان من شأنه، قل يا أمير المؤمنين كان أعقل من القضاة ليس له هفوة ولا زلة فاعتل على حين غفلة فمات فرأيته في النوم فقلت له ألم أنق لك الشعير وأبرد لك الماء فما سبب موتك فقال أتذكر إذ وقفت بي على الصيدلاني يعني العطار قلت نعم قال مرت إذ ذاك أتان فافتتنت بها ومت، فقلت وهل قلت في ذلك شيئاً قال نعم وأنشد:
هام قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني
تيمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبخد ذي دلال ... مثل خد الشيقران
فيها مت ولو عشت ... إذا طال هواني
فقلت له يا أبا معاذ وما الشيقران فقال أنا مشغول بما أنا فيه وهذا كلام تعرفه الحمير فإذا رأيتم حماراً ومن كان أولاً فسألوه فضحك المتوكل حتى سقط وأمر له بعشرة آلاف درهم وتنسب القصة فيما حكاه صاحب نديم المسامرة إلى بشار فهذا ما أردنا تلخيصه من أمور الحيوانات.
الصنف الثالث في ذكر ما جرى من القوة العاشقية والمعشوقية بين الأنفس النباتية
نقل في لطائف الأسرار وبه جزمت الحكماء إن أصح النبات وأعدله وأكمله خلقاً جمع أمور تسعة الورق والعود والثمر والنوى والصمغ والدهن والليف والقشر والأصول، وقد كمل في النخل ذلك، فهذا أعدل النبات وفي الأخبار أنه من طينة آدم وورد أكرموا عماتكم النخل، وفي الصحيحين أتعرفون شجرة هي كالرجل المسلم الحديث، وفي الفلاحة النبطية أن النخلة تخاف وتفرح وتعشق نخلة أخرى، فقد صح أن النخلة إذا لم تحمل ضرب في أصلها بفاس، ويقول شخص آخر لأي شيء هذا فيقول الضارب دعني أقطعها فإنها لم تحمل فيقول دعها في ضماني العام فإن لم تحمل فاقطعها، فإنها تحمل وقد جرب ذلك.
وحكى في النفائس، قال زرع شخص أربع نخلات متقابلات فحسن ثمرهن سنين ثم أصيبت واحدة فيبست فلم تحمل التي في مقابلتها.
وحكى أيضاً أن شخصاً كان له نخل وكانت واحدة منهن تزهر وتسقط قبل الانعقاد وربما تثمر ويسقط قبل البلوغ فشكا ذلك إلى حاذق فجاء حتى نظرها فقال إنها عاشقة، ثم دعا برصاص فصنع شريطاً وربطه منها إلى نخلة أخرى هناك فحسن ثمرها تلك السنة، ودامت كذلك وإن صاحب البستان قطع الشريط لينظر فأسقطت الزهر فأعاده فصلحت.
وحكى بعض ذلك في الخريدة وأما ما بين الفلفل والكافور والتين والنفط والزنجبيل والازدارخت فأشهر من أن يحكى وغايه الأمر أن يدعى الخواص، فيقال إن شدة الائتلاف بين العاشق والمعشوق، من قبيل الخواص.
الصنف الرابع فيما بث من الأسرار بين أصناف الأحجار
اعتلاق المغناطيس والحديد مما لا يشك في وجوده، وهذا لكثرة وجود المغناطيس وإلا فسائر المتطرقات أحجار من الجمادات تجذبها المشاكلة بينهما في الزئبقية والكبريتية وهذا ظاهر التعليل.
وأغرب منه ما حكي في اختصار الكائنات للمعلم أن بالبحر دابة كالأرنب يتولد في رأسها حجر إذا أخذ وأشير به إلى اللحم أو الحيوان انجذب حتى يلصق بالحجر وفيه أيضاً أن شخصاً نزل بأرض اللؤلؤ مما يلي جزيرة رامهرام فوجد الشمس إذا أشرقت على أرضها ترتفع منها أشعة، ثم تتراقص أحجارها وتضطرب حتى تجتمع فإذا غربت الشمس افترقت الأحجار.
الصنف الخامس فيما بث من الأسرار الملكية بين الأجسام والأجرام الفلكية وهذا منتهى الكائنات وسر الموجودات ومن حيث بدىء الشيء عاد عند مفارقة الفساد
(1/150)

أعلم أن الأيام والأجرام والبروج والكواكب والأجسام والدوائر متطابقة التأليف متوافقة التكييف قد تربعت جهة وريحاً وأقطاباً وطبعاً، وتشعبت قوى وجوانب ونقصاً وزيادة إلى غير ذلك فمثالها في الانسان اثنا عشر مخرجاً عينان وأذنان وقم ومنخران وسرة وثديان وسبيلان قد قيست بالبروج ونفس بالشمس إذ لا تزيد ولا تنقص وعقل بالقمر في قبول الحالتين والخمس الحواس بالخمس البواقي وهكذا إلى درج في العروق ومفاصل بالجو زهرات والكلم خدمة بلسان الشرع ملائكة ولسان الحكمة نفوس وعقول مجردة، وفرع أهل الرياضة والروحانيات والارصاد على ذلك الاستخدام واستنزال الكواكب وتكليمها والطيران إليها وتحريك الجمادات إلى غير ذلك مما بسطناه في كتبنا الحكمية وجارينا فيه أهل كل فن على مقتضى قواعدهم مما لا يليق بهذا المحل وهل ذلك إلا قوة عاشقية فليعتبر أولوا الأبصار وليتذكر أولو الألباب فسبحان من أوجد ذلك واستغنى عنه واتر فيه ومنه لا تغيره الأزمان ولا تفنيه الأوقات ولا يعجزه اختلاف الأكوان.
الباب الخامس
في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب
ويحسن موقعها عند أولي الألباب
فذلك هو المشروع الجامع لما ذكر في المصارع وينحصر في فصول مختلفة وإن كانت في الجنس مؤتلفه.
فصل
في تحقيق معنى الحسن والجمال
وما استلطاف في ذلك من الأقوال
الأصل في المحاسن والمطلوب عند العقلاء في كل المواطن إنما هو إصلاح السرائر وتهذيب البواطن لا الظواهر وإنا ضم إصلاح الظاهر إلى ما ذكر طلباً لتحصيل الكمال ودلالة في الأغلب على الاعتدال ويتم الأول بتحسين المقاصد وإصلاح العقائد وقصر القلب على عتبات الحق في ذلك المواقف مستمداً بالمراصد مستعداً للأوامر الالهية وتلقى ما في تلك الصحائف وذلك كما قال محقق المقول ومهذب الفروع والأصول وجامع المراتب الباطنة والظاهرة، وقطب دائرة الكائنات في الدنيا والآخرة.
إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وصلاحه استعداده لقبول ما يجب فعله وترك ما يجب تركه وذلك متعذر إلا بعد الأخذ بالحظ الأوفر من أمهات الأخلاق، وهي الحكمة والشجاعة والمروءة والعدالة، فإنها لهذا المورد كالاخلاط للمزاج افراطاً واعتدالاً، وخير الأمور سلوك الاعتدال للسلامة من الافراط والتفريط اللاحقين لكل من هذه كالتهور والجبن ولازم مما ذكرنا التخلق بالعفاف والزهد والصدق والورع والتسليم إلى غير ذلك وعد قوم العفة أصلاً بدل المروءة لأنها تندرج في العدالة وبعض المتصوفة جعلى التسليم أصلاً أيضاً، وبالجملة فهذه الخصال الداعية إلى حفظ ما به النظام من النفس والعقل والعرض والمال، فإن المتخلق بها محال أن يقنع منه قتل أو أخذ ما يزيل عقله أو زناً أو تناول غير ما هو له فهذه أصول السياسة ونظام المدنية وموضع بسطها الحكمة بل ملازمة الشريعة المطهرة فقد أغنت عنها فهذه الأخلاق التي لا أجدر من وصف المتخلق بها بالحسن والجمال.
وأما المحاسن الظاهرة اللائق ذكرها بهذا المحل وإليها إشارة المترسمين، وفيها غالب النثر والنظم. فالعبارات عنها كثيرة، والألفاظ فيها غزيرة، قال بعضه الحسن الصريح ما استنطق بالتسبيح أو هو تناسب الخاتمة واعتدال البشرة وصفاء المادة أو مركب من الوضاءة والتناسب والصباحة.
وقيل الحسن بياض اللون وسواد الشعر وكل منهما شطره، والصباحة كالملاحة، والبياض والجمال ما أخذ بالبصر أو هو السمن اشتقاقاً من اسم الشحم.
والصحيح أنه معنى لا يدرك ويختلف باختلاف الأشخاص ودقة الأنظار وصحة التأدي إلى الأفكار وهذا معنى قوله الحسن ما زين الزينة واستحسن دونها وإلى ذلك كله أشرت بقولي:
جميلة الأوصاف لطيفة منظر ... مليحة عطف طاب منها المغارس
يدق عن الألباب إدراك حسنها ... وجلت فزلت عن علاها المقايس
منعمة لم تلبس الوشي زينة ... ولكن أحبت أن تزان الملابس
غرست بلحظي الورد في وجناتها ... ومن دمي المسفوك تسقي الغرائس
وجئت لأجني ما غرست فصدني ... من الجفن أسياف هناك وحارس
(1/151)

فلو لم يكن الحسن في نفس الأمر كذلك، ولكل ذي نظر دقيق مالك ما اختلفت فيه العبارات ولا كثرت فيه الاستعارات، ولا بالغ كل في تحصيله بجده واعتقد التقصير عن حده، والخلاف إنما هو بالألفاظ والمعنى المطلوب واحد كما هو رأي أهل التحقيق من سائر الموارد، ومن ثم قال بعضهم:
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
ولله در أستاذ عطر الوجود فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده حيث حقق هذا المعنى وسبكه في أحسن مبنى بقوله:
فكم بين حذاق الجدال تنازع ... وما بين عشاق الجمال تنازع
هذا هو الحسن العام وقد خصوا كل عضو بصفة، فقالوا الحلاوة في العين والملاحة في الفم والجمال في الأنف، والظرف في اللسان. وقالوا إذا حسنت العين فتمامها الدعج والفم فتمامه الفلج يعني في الثغر وطلاوة الجبين البلج، وبريق الوجنة الضرج.
وأحسن ما تكون المرأة إذا طال منها الأطراف والعنق والشعر والقامة وقصر منها العين واللسان واليد والرجل، والمراد بالقصر القصر المعنوي كعدم الطموح بالعين وأخذ شيء فوق الحاجة والخروج من بيتها وأبيض منها اللون والفرق والثغر وبياض العين، والمراد بالثغر الاسنان، أما اللثة فقد مدحت العرب سوادها، وإلى ذلك أشار طرفة بقوله:
سقته أيات الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه باثمد
واسود منها الهدب والعين والحاجب والشعر، واحمر منها اللسان والشفة مع اللعس يعني يسير السواد والخد وتشريب البياض بيسيرها، ودق منها الحاجب والأنف والسنان والخصر، وغلظ منها المعصم والعجيزة والفرج والساق، واتسع منها الجبين والجبهة والعين والصدر وضاق منها المنخر والاذن والفم والفرج، فهذه أوصاف بها جماع الحسن إذ كل ما خرج عن ذلك كجعودة الشعر واستدارة الوجه ونعومة البدن راجع إليها، وإنما العبارات الكثيرة تفنن في الأوصاف وأهل الفراسة تجعل الجمال الظاهر دليلاً على اعتدال المزاج.
وقال بعض الحكماء من نعم الله على العبد تحسين خلقه، وخلقه واسمه. قيل وصوته. حكى بعض المفسرين في قوله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء يعني حسن الصوت.
وقال سقراط إذا حسن الله وجهك فلا تصف إليه قبيح المعاصي أو قبحه فلا تجمع بين قبيحين.
وقال عليه الصلاة والسلام إن الله جميل يحب الجمال وكان يختار لحاجته صبيح الوجه حسن الاسم طلباً لاجتلاب القلوب ومن ثم كانت الأنبياء عليهم السلام أكمل الناس لأن غاية بعثتهم الاتباع وعدم النفور فيجب انتقاء موجبهما فيهم. وأوتي يوسف شطر الحسن، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم محاسن الأخلاق والشيم وهذا هو المطلب الذي تكل عنه البصائر ويقصر عنه كل ذي حد جائر وإذا لم يتفق للعبد حسن السيرة والخلقة فالأولى الأول فإنه من مطالب الحكمة التي غايتها السعادة وهي من الاعراض اللازمة، والثاني من مطالب الشهوة وقد توقع في المحنة ولا بد وأن تفارق.
تنبيه قد وقع لهم تشبيه بعض الأعضاء بالحروف كالحاجب بالنون والعين بالعين والصدغ بالواو والفم بالصاد والميم والثنايا بالسين والطرة بالشين والقامة بالألف وربما شبهوا العين بالصاد أيضاً وبالفواكه كالخدود بالتفاح والشفة بالعناب والثدي بالرمان وبالمشومات كالوجنة بالورد والعين بالنرجس والعذار بالآس وبالمعادن كالشفة بالعقيق والاسنان باللؤلؤ، وقد وقع تشبيه الشفة بالمرجان أيضاً وبأشياء مختلفة كالوجه بالبدر والفرق بالصبح والشعر بالليل ومرسله بالحيه والصدع بالعقرب والوجنة بالماء والنار والرق بالخمر والثدي والسرة بحق العاج إلى غير ذلك.
وللشعراء في ذلك على اختلاف مراداتهم وتخيلهم المقدمات الشعرية كلام كثير فمن أبدع ما رأيت في التشبيه بالحروف وبعض الأشياء كلام الأديب الحاذق علاء الدين الشاهيني من قصيدة طويلة كلها محاسن أولها:
فمّ العذار بعارضيه وسللا ... وتضمنت تلك المراشف سلسلا
ومنها وقد حذف أداة التشبيه قصد المبالغة وهو من أساليبهم المشهورة قوله:
صبحا مع الجوزاء لاح لناظري ... متبلجاً فأزاح ليلاً اليلا
من لي بغصن نقا تبدي فوقه ... قمر تغشى جنح ليل فانجلى
ومنها:
كتب الجمال على صحيفة خده ... بيراع معناه البهيج ومثلا
(1/152)

فبدا بنوني حاجبيه معرفاً ... من فوق صادي مقلتيه واقفلا
ثم استمد فمد أسفل صدعه ... ألفاً ألفت به العذاب الاطولا
فأعجب له إذ هم ينقط نقطة ... من فوق حاجبه فجاءت أسفلا
فتحققت في حاء حمرة خده ... خالا فعم هواه قلبي المبتلى
قسماً بفاء فتور جيم جفونه ... لأخالفن على هواه العذلا
وللشعراء من الأسلوب المذكور وقد جمع الحيوان والحروف بقوله:
أرسل فرعاً ولوى هاجري ... صدغاً فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا من خلفه حية ... تسعى وهذا عقرباً واقفه
ذى ألف ليست بوصل وذى ... واو ولكن ليست العاطفة
وقال آخر:
لا تقولي لا فمكتوب على ... وجهك المشرق بالنور نعم
بحروف خلقت من قدرة ... ما جرى قط عليها من قلم
نوتها الحاجب والعين بها ... طرفك الفتان ثم الميم فم
نكتة.
اعلم أن الأساليب في هذا الباب دائرة التشبيه المجرد وبين جعل الحرف ونحوها من المشبه في العادة مشبهاً ومقابله في المحبوب مشبهاً به وفي كل ذلك أما أن تبقى الاداة أو تحذف وفي كل أما أن يرشح المعنى بأوصاف تزيده حسناً أولاً وأرفع الكل جعل الممدوح مسبهاً به محذوف الاداة مرشحاً بلطائف الأوصاف وقل سالكه وعكسه معلوم ولي من الفن الثاني.
بروحي أقي من خلتها حين أقبلت ... على أثر حزن تنثر الدمع في الخد
قضينا من الكافور يمطر لؤلؤاً ... من النرجس الوضاح في فرش الورد
ومنه وقد زدته على ما يلزمه التحسين الرد على أهل الأسلوب الأول.
شمس الضحى كجبينك الوضاح ... أف لمن جعلوه كالمصباح
يا قدها ما الغصن لولا الميل مع ... داعي الهوى كالغصن بالأرياح
أنا فيك سكران الفؤاد معذب ... أبداً وإن أظهرت فعل الصاحي
فدع الملام وعذل من لم يستمع ... قول النصيح وخلني يا صاح
ومما لم يعرج فيه على ذكر تشبيه بل أشعر فيه باجتباح المشبه به في العادة إلى المشبه ما قلت:
يهناك يا قلب من زارتك في السحر ... ولم تحف ثم من واش ولا ضرر
حسناء لو لم تعاين نور طلعتها ... شمس الضحى ما بدت يوماً على بشر
ووجهها لو رآه البدر واحتجبت ... عنه ذكا لم تخف نقصاً على القمر
فصل
في خفقان القلب والتلوين عند اجتماع المحبين
أعلم أن مدار تلون البدن أما على الخلط أو شدة الحرارة أو ما تركب منهما والأول يلزم حالة واحدة أما البياض في البلغم أو الحمرة في الدم أو الصفرة في الصفراء أو السواد في السواد وما تركب بحسبه مع مراعاة الطواريء كقرب الشمس أو جبل أو سد جهة وهذا المبحث هو المعروف عند الأطباء بالألوان وعند العامة بالسحنة وموضع تحقيقه الطب والثاني يلزم السمرة وإن أغلب البلغم وأما الثالث فهو الذي تناط به أمثال هذه الأحكام وحاصل القول فيه أن الجلد شفاف يحكى ما تحته وأن الباعث إليه الاخلاط هو الحرارة فهي كالنار إن اشتدت صعدت ما لاقته وموضعها القلب ومحركاتها مختلفة ما بين غضب وحياء وقهر وغيرها أما إلى داخل دفعة أو تدريجياً أو إلى خارج كذلك أو إليهما وموضع بسطه الحكمة والذي يخصنا من ذلك هنا أن نقول أن استيلاء سلطان المحبة والعشق من المعشوق على العاشق أعظم استيلاء من سلطان القهر والعظمة والناموس السلطاني حتى قال بعض الحكماء لكل مرتبة من مراتب المحبة حد إلا محبة العشق فلا حد لها وقال بعضهم إن تعلق روح العاشق ببدنه كتعلق النار بالشمعة إلا أنه لا يطفئها كل هواء إذا تقرر هذا وجمع إلى ما قررناه من مراتب تحريك الحرارة ظهر علة اصفرار لون العاشق وارتعاد مفاصله وخفقان قلبه لأن الاستبشار بالاجتماع الموجب للفرح المنتج لحركة الحرارة إلى خارج لتؤثر الحمرة وصفاء اللون يعارضه لشدة الشفقة الخوف من نحو واش وسرعة تفريق واليأس الموجب لاخماد الحرارة أو جذبها إلى داخل المنتج لصفرة اللون أو الموت فجأة ومن ثم إذا أمن من ذلك لم يقع تغير كما قيل.
(1/153)

فلا تحسبن كل اجتماع مغيراً ... فإن اجتماعي بالأمان أماني
وأما حمرة المعشوق فهي إما حياء وإما خجل وكل منهما باعث للحرارة إلى خارج ونتيجته احمرار الألوان وصفاؤها فأفضل الألوان الأحمر الصافي المشرق مطلقاً حتى في الثياب كالحلل والمشروب والمشموم كالورد والشقيق والحيوان كالخيل والمعادن كالذهب والياقوت إلى غير ذلك ومنه أهلك الرجال الأحمر أن يعني الخمر واللحم والنساء والاحامر الذهب والزعفران والخمر واللحم ولبعض الشعراء.
إن الأحامرة الثلاثة ضيعت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعا
الخمر واللحم السمين كذا الطلا ... بالزعفران فلا أزال مروّعا
وقال المتنبي:
من للجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
وأحب ما يكون إليهم منه ما كان في الوجنات والشفاه قال أبو نواس.
يا قمر أبصرت في مأتم ... تندب شجواً بين أتراب
تبكي فتذري الدر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب
وأما وصفهم الموت بالاحمرار والدمع الناشيء عن شدة الحرقة بالحمرة فليس طعناً فيهما بل مدح لأنهم أرادوا أنهما من المطالب التي لا تنال إلا بالمشاق والصعوبة ومن ألطف ما وصف به الدمع قول عماد الدين.
أرى العقد في ثغره محكماً ... يرينا الصحاح من الجوهر
وتكملة الحسن إيضاحها ... رويناه عن وجهك الأزهر
ومنثور دمعي غدا أحمرا ... على آس عارضك الأخضر
وبعت رشادي بغيّ الهوى ... لأجلك يا طلعة المشتري
ومن ألطف ما يعجبني في وصف المعشوق بالاحمرار والعاشق بالاصفرار قول ابن أبي الحديد من قصيدته التي أولها.
الصبر إلا عن فراقك يجمل ... والصعب إلا من ملالك يسهل
يصفر وجهي حين أنظر حسنه ... خوفاً ويدركه الحياء فيخجل
فكان ما بخدوده من خمرة ... ظلت إليها من دمي تنتقل
وقال بعض المتأذبين لم يقع في هذا المعنى ألطف من البيتين المنسوبين إلى أبليس وهما:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكمت وجنة المعشوق صرفاً فسلطو ... اعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
وقيل أنشدهما لابن دريد في النوم فاعترضه بأنهما من اللف والنشر المشوش فقال له وما هذه المشاحنة في هذا الوقت يا بغيض تنبيه قد توسع الناس في هذا المبحث فخرجوا منه إلى التفضيل بين السمر والبيض وخاضوا بسبب ذلك في كلام عريض فمن قائل بتفضيل السمر مطلقاً وقوم البيض وآخرون فصلوا فقالوا إن كلاً يميل عكس لونه وهذا تحكم وحكم على الطبائع والأمزجة بلا دليل والصحيح إن الميل أما بداعية الشهوة أو النفع ولا ضبط للأول لاختلافه باختلاف الأشخاص وأما الثاني فألقوا فيه أما بحسب معتدل المزاج فالروميات حينئذ في نحو الحجاز أنفع كما أن الحبشيات في نحو الروم أجود لأن حرارة الأبدان تختبيء في الأغوار زمن البرد بالعكس وأما بالعكس وأما بحسب المرضى فالسود للمبرودين أجود والبيض للمحرورين كذلك وعندي أن عكس هذا أجود لما سمعت من التعليل والصحيح أن الحبشة ألطف مما عداهم مزاجاً وأرق بشرة وأعدل حرارة فلذلك هن أوفق مطلقاً ولكنهن في معرض التغيير وموضع تحقيق ذلك في الطبيعيات وأما الحكم على المصريين بأنهم إلى السمر أميل فمن قبيل ما قررناه من التحكم ومن ألطف الأشعار المقولة في التفضيل قول علي بن الجهم.
وعائب للسمر من جهله ... مفضل للبيض ذى محك
قولوا له عني أما تستحي ... من جعلك الكافور كالمسك
وقال أبو جعفر الشطرنجي:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينه واحده
وقلت في ذلك:
أرى السمر أشهى منظراً عند عارف ... وأشرف مطلوباً سما في المطالب
فقل للذي قد فضل البيض جاهلاً ... رويدك لا ترغب لغير مناسب
فكم بين قيراط من المسك قيمة ... وقنطار ثلج بارد من مراتب
وقلت في عكس ذلك:
(1/154)

بيضاء تجلو الهم عن ناظري ... بعين حق لا بعين انتقاص
فقل لمن يغرب في أسمر ... ما الفضة البيضاء مثل الرصاص
وإذا أحكمت ما قررناه من علة اصفرار الألوان علمت أن خفقان القلب عند الاجتماع أو الرؤية من لازم ذلك الشأن وقد لهج الشعراء بالاعتذار عن ذلك وأكثروا فيه من التشعب والمسالك فمن ألطف ما قيل فيه قول الوراق.
يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جا ... بخفقة تعتريه
فقلت وصلك عرس ... فالقلب يرقص فيه
وألطف منه قول البها زهير
لا تنكروا خفقان قلبي ... والحبيب لدي حاضر
ما القلب إلا داره ... دقت له البشائر
وتظرف ابن عنين بزياد ظرافة على الاعتذار عن الخفقان حيث قال:
إن كان لا بدّ من رقادي ... فأضلعي هاك كالوساد
فنم على خفقها هدوّا ... كنومة الطفل في المهاد
وكثيراً ما تتبعت كلامهم فلم أر من جمع بين الاعتذار عن تغير اللون والخفقان فقلت في ذلك:
قالت أراك إذا عاينتني وجلا ... عديم لون بهيج كنت تملكه
والقلب منك خفوق لا يسكنه ... شيء فيا ليت شعري ما يحرّكه
فقلت ما تدر إن الشمس إن جمعت ... بالبدر بعد تمام النور تنهكه
والطير إن ألف الغصن الرطيب وقد ... مادت به الريح هل يخفى تحرّكه
وفي الأبيات مع ما ذكر وصفها بالشمس فتكون هي المفيدة للمحاسن والآخذة لها كما بين الشمس والبدر ثم جعلها أغصاناً يميل مع الهواء والقلب طائراً عليه وكل ذلك زيادة على المطلوب وأما وصف خفقان القلب من غير نظر إلى الاعتذار عن فكثير قال ابن سنا الملك.
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقي برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
وقال معين الدين:
لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً عليّ من الخيال الطارق
فأجبت في قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق
وقد نسب ابن تقي إلى الجفوة في قوله:
ومهفهف مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
فقل أنه لو قال باعدت عنه أضلعاً لكان أولى بالمقام.
فصل
في مراتب الغيرة وما توقعه بالمحب من الحيرة
وهي باعثة نفسية مادتها المروأة والمحبة ثم تزيد وتختلف بحسب الدواعي والأشخاص والمحمود منها ما كان واقعاً عند مشاهدة نقص في ناموس الهي وحكم ديني ونمط شرعي فتبعث المتانة في الدين والمروأة على اصلاح ما نقص باليدان ما أمكن ثم اللسان ثم القلب وهذا هو الذي ترجمه الشاعر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم توسع الناس فيها فأضافوا إليها سوء الظن فوقعوا بذلك في مفاسد كثيرة كنهي بعض جهلة المتصوفة عن ذكر الله غيرة عليه والحج والصلاة وغير ذلك مدعياً أنه ليس بأهل لها وقتل بعض العشاق من يتوهم منه ميلاً إلى محبوبه بل نفسه بل معشوقه ولهم فيها كلام كثير في قوالب شتى فبعضهم يغار من السواك والشربة والثوب وأمثال ذلك غير أني لم أر من غاص على لطائف هذا المعنى وتظرف في هذا المبنى ألطف من بهاء الدين زهير حيث غار من التلفظ بالحروف التي في اسم محبوبه فالله دره من غائص على نفائس الجواهر الفكرية ومستخرج لها من بحور الأذهان إلى بحور الألفاظ الرسمية.
وذلك قوله:
وأنزه اسمك أن تمر حروفه ... من غيرتي بمسامع الجلاس
فأقول بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة وأنت كل الناس
إلا أن فيه بحسب ما يظهر مناقشة فإن ظهر كلامه أنه يجوز التلفظ بأسمها من فم نفسه بمسامع الجلاس وذلك غير جيد وأدق منه وأسلم وإن كان هذا أسجم قول يزيد بن معاوية.
ألا فأمل لي كاسات خمر وغنّ لي ... بزكر سليمى والرباب وتنعم
وإياك ذكر العامرية إنني ... أغار عليها من فم المتكلمي
أغار على أعطافها من ثيابها ... إذا لبستها فوق جسم منعم
(1/155)

واحسد كاسات تقبل ثغرها ... إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
ومن ليطف كلام ابن أبي الحديد في هذا المعنى.
فيا رب بغضها إلى كل صاحب ... سواي وقبحها إلى كل ناظر
وبغض إليها الناس غيري كما أرى ... قبيحاً سواها كل باد وحاضر
فيا جنة فيها العذاب ولم أخف ... حلول عذاب في الجنان النواضر
ومما ينسب إلى قيس
أرى الازار على اليلى فأحسده ... إن الازار على ما ضم محسود
وقال أبو تمام
بنفسي من أغار عليها منى ... وتحسد مقلتي نظري إليه
ولو أني قدرت طمست عنه ... عيون الناس من حذري عليه
حبيب بث في قلبي هواء ... وامسك مهجي رهناً لديه
فروحي عنده الحسم خال ... بلا روح وقلبي في يديه
ومما سنج لي في ذلك قولي
نظرت إليها والسواك قد ارتوى ... بريق عليه الطرف مني باكي
تردده من فوق در منضده ... سناه لأنوار البروق يحاكي
فقلت وقلبي قد تفطر غيره ... أيا ليتني قد كنت عود أراك
فقالت أما ترضى السواك أجبتها ... وحقك مالي حاجة بسواك
فصل
في أحكام أسرار المحبة
وما فيها من اختلاف آراء الأحبة
قد اختلفت آراء الحذاق وتشعب مرادات العشاق فمن ذاهب إلى أن الأفضل خزن الأسرار وإن ذلك من فعل الأحرار ومن قائل أن إفشاءها يسر القلب ويسري الكرب ومن قائل بالتفصيل وإن الاذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب وكتم العلة عنه تعذيب وأما الاباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين وهذا الطريق قد ادعى في ديوان الصبابة أنه الكاشف عن وجهه نقابة ولا والله ماله فيه ذرة ولم يكن ارتضع من هذا اللقح دره وأنا أنبه على من استنتج هذه الآراء المحررة ودون هذه المذاهب المحبرة فأقول أعلم أن الطرق الثلاث موجودة في كلام صاحب النفحات القدسية والألطاف الربانية المعطر بنفثات فيه الأقطار القائم بأعباء المحبة والأسرار قطب دائرة الوجود على رغم كل معاض سيدي عمر بن القارض أفاض الله علينا من امداداته وشملنا بألطاف عناياته فمن كلامه في المذهب الأول وهو الحقيق بالنصرة وعليه المعول.
وللحب أقوام كرام نفوسهم ... منزهة عما سوى الحب يا خلي
إذا أودعوا سراً رأيت صدورهم ... قبور الأسرار تنزه عن نقل
ومن قوله في المذهب الثاني وهو صريح في استيفاء الشروط المذكورة.
وابثثتها ما بي ولم يك حاضري ... رقيب بغى سري بخلوة جلوتي
ومن قوله في المذهب الثالث بل هو أعم من هذا المشرب وقابل لكل مطلب.
ويحسن إظهار التجلد للعدا ... ويقبح غير العجز عند الأحبة
ثم لهج الناس بهذه الطرق فمن قول بعضهم في المذهب الأول.
باح مجنون عامر بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي ... من قتيل الهوى تقدمت وحدي
وأما كلام السهروردي فكأنه وقف عن كلا الطرائق وتردد وحيرة للعاشق وهو:
وارحمة للعاشقين تحملوا ... سر المحبة والهوى فضاح
بالمر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح
وللوثائق في المذهب الثاني
ظهر الهوى وتهتكت أستاره ... والحب خير سبيله إظهاره
فاعص العواذل في هواك مجاهراً ... فألذ عيش المستهام جهاره
ولبعضهم فيه
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
ولبعضهم في المذهب الثالث
يا موقد النار إلهاباً على كبدي ... إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد
إليك أشكو الذي بي من هواك فقد ... طلبت غيرك للشكوى فلم أجد
ومن ظريف قول بعضهم
وقائلة ما بال جسمك لا يرى ... سقيماً وأجسام المحبين تسقم
فقلت لها قلبي بحبك لم يبح ... لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم
(1/156)

وللمعري في نصرة الأول
فظنّ بسائر الاخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا
وألطف منه قول أبي جعفر الشطرنجي
فلا تخبر بسرك بل أمته ... وصير من حشاك له حجابا
فما أودعت مثل النفس سراً ... ولا أغلقت مثل الصدر بابا
ولقد أحسن بعضهم وتلطف وأبدى ما هو أدق وألطف حيث قال:
ومستودعي سراً تقصيت سره ... فأودعته من مستفرّ الحشا قبرا
وما السر في قلبي كميت بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني كنت أخفيه حتى كأنه ... من الدهر يوماً ما أحطت به خبرا
ولبعضهم
يا ذا الذي أودعتني سره ... لا ترج أن تسمعه مني
لم أجره بعدك في خاطري ... كأنه ما مرّ في ذهني
فهذا وأمثاله من أكبر الدوال على أن المذهب الأول هو الصحيح المعتبر وما اتهم به بعض الشراح عارف الزمان ولسان الحضرة الالهية وموضع الأسرار الربانية سيدي عمر ابن الفارض من أنه نصر المذهب الثاني بقوله.
وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي ... فأبدوا قلي واستحسنوا فيك جفوتي
وأهلي في دين الهوى أهله وقد ... رضوا فيك عاري واستباحوا فضيحتي
فممنوع لأن التهتك الذي أراده هو الاشتهار بالعشق لا إذاعة الأسرار بدليل قوله رضوا فيك عاري يعني أن أهل الهوى عندهم هم الراضون بعشقه العادون وعاره في ذلك خصلة حميدة فأين هذا مما نحن فه وقد أسلفت في المقدمة أن دقائق هذا الاستاذ ليس في طوق البشر من حيث هو بشر الاحاطة بها فإذا استدلينا بشيء منه فهو استئناس لأهل الترسم في مشربهم وفيما ذكرت من قصة المنام كفاية للمتأمل وبالجملة فإفشاء السر بلاء عظيم ومذلة لا يرتضيها عاقل وأغرب بعضهم ففسر قول بعضهم وكل حديث جاوز اثنين شائع بأن المراد بالاثنين الشفتان وقلت من الأول.
لقد أودعتني سرها فكتمته ... ولا والهوى ما غير البعد خاطري
ولكن جوي الكتمان صعد مهجتي ... وقطرها دمعاً جرى من محاجري
فشف لطول السقم جسمي من الذي ... كتمت فأبدته هناك سرائري
فنم به الواشون بيني وبينها ... فصدّت وقالت لا وفاء لغادري
فقلت وقد ضاقت هناك مذاهبي ... ومن كان قد ماعا ذلي صار عاذري
فمن شافعي يوماً إليها ومالكي ... هواها وعن سرّي يحدث ظاهري
ومن الثالث
يا معشر العشاق أوصيكم ... بكتم أسرار الهوى والغرام
إلا مع المحبوب في خلوة ... فثم كتم السر عندي حرام
ومنه أيضاً
بوصلك والودّ الذي كان بيننا ... حلفت ولا والله ما أنا غادر
لأنت أعز الناس عندي وسرك ... بقلبي باق يوم تبلى السرائر
فإن لم يجد لي الدهر منك بخلوة ... ففي الحشر تشكوه إليك الضمائر
فصل
في ذكر المغالطة والاستعطاف
واستدراك ما صدر عن المحبوب من الانحراف
وهو عبارة عن احتيال بلطافة على المحبوب يبلغ من الحكمة غاية المطلوب وموضوعه عود الالفة بعد النفور ومادته قيسة شعرية غالبها الزور وغايته الوصول إلى المطلوب واستمالة قلب المحبوب وألطف ما قيل فيه لابن الأحنف.
كان لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولاً بحبلكم حبلى
وإني لاستحي لكم من محدثي ... يحدّث عنكم بالملالة والمطل
وقال آخر:
أتنسب لي ذنباً ولم أك مذنباً ... وحملتني في الحب مالي أطيقه
وما طلبي للوصل حرص على البقاء ... ولكنه أجر إليك أسوقه
وقال ابن أبي حجلة:
لم أطلب الوصل من أجلي فديتك يا ... من زاد قثبي سواداً منه شامات
لكن خشيت بأن تبلى بحب رشا ... يقتص لي منك والدنيا مكافأة
وقال جميل:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا أنني لك عاشق
نعم صدق الواشون أنت حبيبة ... إليّ وإن لم تصف منك الخلائق
وقال ابن سنا الملك:
(1/157)

وغانية لم تعد عشرين حجة ... أقول لها قولاً لديه صواب
عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... لأنك في العشرين وهي نصاب
وقال بعضهم:
قم بنا يا نور عيني ... نجعل الشك يقينا
فإلى كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا
وقلت:
تملكت أوصاف المحاسن والبها ... وزينت أرباب اللطافة والعقل
فمذ أعجز الحساد شيء تقوله ... رموك بأوصاف القطيعة والبخل
فلا تثبتي بالهجر زور كلامهم ... ولكن صليني وابطلي الزور بالنقل
ولا تمطلي بالوعد قلباً معذباً ... وإن صح أن الشيء يعذب بالمطل
فصل
في ذكر الرسل والرسائل
وتلطف الأحباب بالوسائل
وهو باب قد لهج به لسان كل عاشق وترجمه كل رائق وموضوعه الاستعطاف بالانصاف ومادته زخرفة القول وغايته طلب الائتلاف ومن ألطف ما وقع فيه كلام الواوي الدمشقي.
بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وحدّثاه وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولاً في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
وقال آخر:
ألا يا نسيم الريح بلغ رسالتي ... سليمى وعرض بي كأنك مازح
فإن أعرضت عني فموّه مغالطاً ... بغيري وقل ناحت بذاك النوائح
وقال القاضي مجد الدين:
شكراً لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية
كم قد أطالت بل أطابت ... في رسائلها الذكية
لا غرو أن حفظت أحاديث ... الهوى فهي الذكية
وهو مأخوذ من كلام الصلاح الصفدي
يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا ريح ذكي
ويجب اختيار الرسول وأن يكون ذا عفة وصيانة ومروأة وديانة لئلا ينقلب عند مشاهدة المحبوب عاشقاً ويخلص من سلطان المحبة والمطلوب أن يكون بالحجة ناطقاً وللعشاق في هذا المساق كلام لا تحصره الأوراق قال ابن سنا الملك.
راح رسولاً فجاءني عاشقاً ... وعاقه عن رسالتي عائق
وعادلاً بالجواب بل بجوى ... أخرسه والهوى به ناطق
وقال أيضاً:
راح الرسول إليه وهو مفند ... رجع الرسول إليّ وهو متيم
وما ألطف قول الأرجاني في هذا المعنى.
قسماً لقد رجع النسيم عليلاً ... لما سرى مني إليك رسولا
ودرى بحبك أنه قد خانني ... فغداً يجر من الحياء ذيولا
ومن ألطف ما وقع في الرسائل من النكت العجيبة والطرف الغريبة الناشئة عن فرط الذكاء الذي يغلب نوره على ابن ذكاء إن ابن السلطان صلاح الدين افتتن بقينة حتى تملك حبها قلبه فعلم أبوه أمره فمنعه عنها فازداد غمه فأرسلت إليه كرة عنبر فلما كسرها وجد فيها زراً من ذهب فلم يدر ما أرادت بذلك فأطلع على سره القاضي الفاضل فقال:
أهدت لك العنبر في وسطه ... زر من التبر قليل اللحام
فالزر والعنبر معناهما ... زر هكذا مختفياً في الظلام
ومثله أن رجلاً دعا محبوبته إلى النزهة فأرسل إليها بمروحة وباقة نرجس وسكر نبات وشرابة وعود فأرسلت إليه بخيط أحمر وصبارة وثلاث كمونات سود وغاسول وزر وفي ذلك من لطيف الاشارة ما يدق عن الافهام فأنه أراد بالمروحة نروح وبالنرجس إلى الزهر وبالسكر النبات نبيت ليله وبالشراب نشرب وبالعود الغناء وأرادت بالخيط الأحمر أنها حائض وبالصبارة أن تصبر وبالثلاث كمونات ثلاث ليال وبالغاسول الاغتسال وبالزر الزيارة بعد ذلك وقلت ولم أسبق إلى هذا المعنى فيما أظن.
رسولي تلطف واجر ذكري لها فإن ... رأيت الرصافي وجهها فأبسط الشكوى
وإن أعرضت فاطو الذي قد نشرته ... ودعني بنيران الهوى في الهوى أكوى
فقد صرت أرضى كل ما ترضى به ... واستعذب التعذيب في السر والنجوى
(1/158)

فعاد رسولي بعد عقل وحكمة ... بأضعاف ما عندي من العشق والبلوى
ولم أرض ارسال النسيم لأنه ... يرى البث في التدبير من سائر الادوا
فخفت عليه عشقها أن يعله ... فأحمل وزر ألست في حمله أقوى
ويمكن تنزيل كلام عارف الوقت في هذا المنوال وسبكه في قالب هذا المثال حيث يقول:
وتلطف واجر ذكرى عندهم ... علهم أن ينظروا عطفاً إليّ
فإن في قوله تلطف غاية الخضوع المستجلب لرضا المحبوب بعد نفور القلوب وما أحسن قوله وأجرى ذكرى فإنه ألطف من واذكرني لهم لأنه طلب مطلق اجراء الذكر وهو يحتمل معاني كثيرة وكذا قوله عندهم أي ولو على سبيل الهذيان أو محادثة غيرهم فإني لست أهلاً لمقابلتهم بذكر ولهذا لم يقل واجر ذكرى لهم إلى غير ذلك مما لو أخذنا في بيان دقائقه لم تسعه دفاتر ولم تقم بحمله خواطر وما من مشرب للعشاق باطن أو ظاهر إلا ويوجد في مطاوي كلامه ولكن بلسان أهله.
فصل
في ذكر الاحتيال على طيف الخيال
وهو أمر مهم عند أهل الغرام يتوصل إليه بالمنام وإنما تدعو الحاجه إليه عند طول الهجر وشدة الدجر ومقاساة نار الملل والسهر ولم أر فيه ألطف من كلام أستاذ الوجود وقطب مراتب أهل الشهود سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله بمدده بل أظنه السابق إلى هذا المنوال والفاتح فيه باب الاحتيال حيث قال:
نصبت على عيني لتحصيل غمضها ... لزورة زور الطيف حيلة محتال
فما أسعفت بالغمض لكن تعسفت ... عليّ بدمع دائم الصب هطال
ففي البيتين مع ما طلبه من التحسين البديعي ما لا يخفي.
وقال ابن النقيب في المعنى
نصبت جفوني للخيال حبائلاً ... لعل خيالاً في الكرى منه يسنح
وكيف إذا أغمضتهن أصيده ... ومن عادة الاشراك للصيد تفتح
وتلطف ابن نباتة في أخذه فقال
واقسم لو جاد الخيال بزورة ... لصادف باب الجفن بالفتح مقفلا
وتلطف ابن السروجي بقوله
انعم بوصلك فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقته
أنفقت عمري في هواك وليتني ... أعطي وصالاً بالذي أنفقته
يا من شغلت بحبه عن غيره ... وسلوت كل الناس حين عشقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه ... لكن كنز تصبري فرقته
قال العواذل يدّعي بك نسبة ... فسررت لما قلت قد صدقته
بالله إن سألوك عني قل لهم ... عبدي ومملوكي وما أعتقته
أو قيل مشتاق إليك فقل لهم ... أدري بذا وأنا الذي شوّقته
يا حسن طيف من خيالك زارني ... من فرحتي بلقاك ما حققته
فمضى وفي قلبي عليه حسرة ... لو كان يمكنني الرقاد لحقته
وابن السروجي هذا ذكره مما في منازل الأحباب في عشاق الغلمان وفي ثمرات الأوراق سماه تقي الدين ونقل عنه بعض هذا الشعر ولم يسم معشوقه والشاهد من شعره هنا البيتان الأخيران وإنما ذكرناه كله لحسنه ومن المكثرين من ذكر الخيال حتى ضربت به الأمثال البحتري ومن قوله فيه:
ولم أنس اسعاف الكري بدنوّها ... وزورتها بعد الهدوّ ولم تدري
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ... ثنتنا تباشير الصباح من الفجر
وقوله
وليلة هوّ منا على العيش أقبلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بنت وهنا أعازله
فكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم هوائله
وقال عبد الصمد
واصل النوم بيننا بعد هجر ... فاجتمعنا ونحن مفترقان
عير أن الأرواح خافت رقيباً ... فطوت سرها عن الأبدان
منظر كان لذة القلب إلا ... أنه منظر بغير عيان
وقال ابن القظان
زار الخيال نحيلاً مثل مرسله ... فما شفاني منه الضم والقبل
ما زارني قط إلا كي يواقفني ... على الرقاد فينفيه ويرتحل
وقد أنشدهما يوماً عند الوزير الزيني وادعى أنه لا يمكن تثليثهما فأنشد الحيص بيض بديهة.
(1/159)

وما درى أن نومي حيلة نصبت ... لطرفه حين أعيا اليقظة الحيل
وقال ابن العفيف
يا حبذا طيفك من قادم ... يا أحسن العالم في العالم
طيف تجلى نوره ساطعاً ... حتى رأته مقلة النائم
يا غائباً يحكم في مهجتي ... عليّ طابت غيبة الحاكم
عار على حسنك أن يشتكي ... خطي منه أنه ظالمي
وأحسن كشاجم حيث قال
لقد بخلت حتى بطيف خيالها ... عليّ وقالت رحمة لنحيبي
أخاف على طيفي إذا جاء طارقاً ... وسادك أن يلقاه طيف رقيب
وقال آخر
وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحاً ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تجنبني ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا
وقال ابن المعتز
أبصرته في المنام معتذراً ... إليّ مما جناه يقظانا
ولان حتى إذا هممت به ... أنبهت عند الصباح لا كانا
وقلت
مليكة الحسن ما شيء يقال له ... نوم فإن جفوني ليس تعرفه
هل تسمحين بشيء منه يطرقني ... فيه خيالك أن القلب يألفه
يحيا به ميت عشق لا حراك به ... لطول هجرك كاد الشوق يتلفه
ثم تشعبت آراءهم في التفنن في الخيال فمنهم من رده مللاً وضجراً ويشبه هذا ما سبق من حمله الضجر على ترك من هجر فمنهم طرفة ويقال أنه أول من ذكر الخيال وفي ديوان الصبابة أن أول من ذكره عمر بن قمئة وإن طرفه أول من طرده فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل
وتلاه جرير فقال
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
وسيأتي لهذا البيت حكاية في الخاتمة تذكر هناك من رد عليه ومنهم من اعتذر عن عدم بعث الخيال بقوله:
سامحت كتبك في القطيعة عالماً ... أن الصحيفة أعوذت من حامل
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه ... يسرى فيصبح دوننا بمراحل
ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال كأنه يقول أن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الانسان حتى في النوم ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه أو شيء من مطلوبه ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق وزيادة الحرق وأن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح ولما كان خيال المحبوب من التلذذات لم يأت النوم به جرياً على عوائد الزمان في الاتيان بغير الملائم للانسان وما أحسن قول المتنبي في هذا المعنى:
وأحسب أني إذ هويت فراقكم ... أفارقكم والدهر أخبث صاحب
فيا ليت بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
ومن ذم المنام والرؤية فيه قول بعضهم:
أرى في منامي كل شيء يسوءني ... ورؤياي بعد الصبح أدهى وأقبح
فإن كان خيراً فهو أضغاث حالم ... وإن كان شراً جاءني قبل أن أصبح
وقال المعري
إلى الله أشكو أنني كل ليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام
فإن كان شراً فهو لا شك واقع ... وإن كان خيراً فهو أضغاث أحلام
وقال الأحنف العكبري
وأحلم في المنام بكل خير ... فأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شراً في منامي ... لوافى الشر من قبل الأذان
وقلت
لك الحمد إني لم أبت ليلة ... من الدهر خلواً من أليم الغوائب
وفي النوم أن أحلم بشيء يسوءني ... من الصبح يأتيني بسوء العواقب
وإن كان خيراً لا أرى منه ذرّة ... لسوء مزاج أو قران كوكب
ومنهم من تطرف فوصف النوم وإبليس بالقيادة قال ابن المعتز:
ألم الخيال بلا حمده ... وأبدلني الوصل من صدّه
وكم نومة لي قوّادة ... أتت بالحبيب على بعده
وقال آخر
تركت هجا إبليس ثم مدحته ... وذاك لأمر عز عندي سلوكه
يقرّب من أهواه حيناً فإن أبى ... حكاه خيالاً في الكرى فأنيكه
(1/160)

ومما يصلح إيراده هنا للمناسبة أن بعض المغفلين أحب امرأة وأجهد نفسه حتى اجتمع بها فنام فقالت له: لم لم تفعل ذلك قال: من شوقي إليك لعلي أراك في النوم فقالت: أنا عندك بنفسي فقم فانظرني.
فصل في أحكام الليل والنهار وذم قصرهما عند الوصل وطولهما عند الهجر والنفار وتمني طول زمن الوصل والرضا
وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا وما تشعب في ذلك بين العشاق وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق فمما قال متحمسهم بعد الجهد والغلبة ومرارة الصبر بعد فراق الأحبة:
يا ليل طل أو لا تطلّ ... لا بد لي أن أسهرك
لو بات عندي قمري ... ما بتّ أرعى قمرك
وما ألطف قول بعضهم في طول الليل وهجر المحب:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
وقال آخر
مات الظلام بليل ... أحييته حين عسعس
لو كان لليل صبح ... يعيش كان تنفس
وقال ابن منقذ
لما رأيت النجم ساه طرفه ... والقطب قد ألقى عليه ثباتا
وبنات نعش في الحداد سوافره ... أيقنت أن صباحهم قد ماتا
وقال بعضهم
وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجره النار يصلينا بها النارا
فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا
حكي أن محدثاً سئل عن معنى هذين البيتين فقال هذا راجع النجوم وقام مستحياً وآلى على نفسه أن لا يجس في حلقة حتى ينظر في النجوم وقال بعضهم في قصر ليل الوصال:
يا ليلة كاد من تقأصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر
وقال بعضهم وقد جمع وصف الزمانين:
عهدي بنا ورداء الليل مشتمل ... والليل أطوله كاللمح بالبصر
والآن ليلى مذ بانوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقال الشريف ابن الهبارية:
لقد ساهرتني عيون الدجى ... وقد نام عني عيون الملاح
إذا اشتكى الليل هجر الصباح ... شكوت إلى الله هجر الصباح
وقال الفاضل في زمن الوصل
بتنا على حال يسرّ الهوى ... وريما لا يمكن الشرح
بوّابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
وقال الأرجاني معتذراً عن طول ليل الهجر:
لا أدعي جور الزمان ولا أرى ... ليلي يزيد على الليالي طولا
لكن مرآة الصباح تنفسي ... للهم اصدأ وجهها المصقولا
وقال امرؤ القيس
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلى
وقال المتنبي
كم زورة لك في الأعراب خافية ... أزهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
في هذا البيت من الأنواع حسن المقابلة وفيه مقابل خمسة بخمسة ولكن نقد عليه في مقابلة الصبح بالليل لأن الجزء لا يقابل بالكل فلو قال النهار كان أولى وللمتنبي دقائق لطيفة أرى ترى إلى قوله:
وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
فإن المانوية فرقة تقول أن الآلهة اثنان إله الظلمة وإله النور والأول لا يفعل إلا الشر والثاني لا يفعل إلا الخير فنقول أن زيارة المحب أعظم خير فعلته الظلمة وقد كذبوا في قولهم.
وقال ابن رشيق:
أيها الليل طل بغير جناح ... ليس للعين راحة في الطباح
كيف لا أبغض الصباح وفيه ... بان عني نور الوجوه الملاح
وإنما أكثر وامن ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس وهدو الانفاس وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها فتستجلب الأفكار الخفيات فيما مضى وما هو آت وأما النهار فالأفكار فيه منتشرة والشواغل مستكثرة فهو محل الاستغراق وقلة الاعتلاق ومحل التسلية عن الأشواق اللهم إلا شخصاً قد ملك الحب قياده فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده وقلت جامعاً لغالب هذه المعاني.
يذكرك يا من هواها ضنى حالي ... شغلت فما منه أرى أبداً خالي
فنيت عن الأغيار فيك صبابة ... فغيرك لم يخطر مدى الدهر في بالي
(1/161)

ولو زارني طيف الخيال لقال لي ... ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي
سوى قصر أعوام الوصال وصداها ... دقيقة هجران تقطع أوصالي
فيا من لها بالحسن يوسف قد حبا ... ووالده بالحزن في الدهر أوصى لي
متى تنعمي والشمس بالقوس ليلة ... وفي ضدّه يوماً على رغم عذالي
وقلت أيضاً مخترعاً فيما أظن
ألوم جميع العاشقين لذمهم ... ضيا الصبح في تفريق شمل الحبائب
وما الصبح بل ما الشمس لولا جبينها ... يفيض الضيا في شرقها والمغارب
وهلا سألتم شعرها ستر وجهها ... إذا شئتم طول احتباك الغياهب
فصل
فيما ذكر واشتهر على ألسنتهم من لوم العذول وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول وكيف أدخل نفسه بين الأحباب حتى انتقمت منه أهل الآداب فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام فامتحن طعناً بكل نتي ونظام فقد قيل ليس من العدل كثرة العذل ومن تكلم بما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه ومن لم يمسك عما استغني عنه من الكلام فهو أحق بالملام وليس هذا الباب ألطف من كلام سيدي عمر بن الفارص نفعنا الله ببركاته حيث قال:
دع عنك تعنيفي وذوق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
وقال بعضهم
يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو
يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
يا من إذا باعت الأبصارا أسودها ... بجبت فوق خديه فقد ربحت
يزيد في العذل تبريحاً أسر به ... فليت عذال حبي فيك ما برحت
وقال ابن العفيف التلمساني:
أسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في عذلك يا ذا العذول
قد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنما المولى كثير الفضول
وقال والده
ولي على عاذلي حقوق هوى ... شكري عليها من بعض ما يجب
لام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السبب
وقال بعضهم
قد اقتصر الملاحي وجاء يلومني ... وزخرف لي زور الكلام بمينه
وقال أسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له هذا الفضول بعينه
وأنشد ابن وكيع وقد عشق غلاماً نصرانياً ولامه عليه صاحبه فمر بهما المعشوق ولم يدر العاذل أنه هو فقال له لو عشقت هذا ما لمثلك عليه فأنشد.
أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قلبها رآه
فقال لي لو عشقت هذا ... ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه
فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاه
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
زعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلا هواكم
قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سلاكم
قال لي عدلي متى تبصر ... الرشد وتسلو فقلت يوم عماكم
وقال بعضهم
إن قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا
وقال آخر
من منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخون
إن قلت ما نصحك إلا أذى ... قال وما عشقك إلا جنون
وقال محمد بن شرف الدين القيرواني:
يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان
ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرّة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وقال ابن عبد الظاهر
كم على عاذلي وكم لحبيبي ... ذاك تكبيرة وذا تهليلة
يا ثقاتي وأين مني ثقاتي ... أين من يبتغي إليّ الوسيلة
أنا إن مت قبلوني إليه ... فحياتي وحقه تقبيله
وقال قابوس
من عاذري في عاذل ... يلوم في حب رشا
(1/162)

إذا طلبت وصله ... قال كفى بالدمع شاهدا
وقال الوداعي
يا لأثمي في هواه ... أفرطت في اللوم جهلا
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا
وقال البها زهير
وظبي حكى ريم الفلا في نفاره ... فما باله لم يحكه في التلفت
يدافعني عن وصله بتهجم ... فيا ليته لو كان يدفع بالتي
وقال شيخ الشيوخ بحماة
أبغض العشاق منه أنني ... لم أبع في حبه رشدي بغيّ
قلت قد أضنيت جسمي قال قد ... قلت كي تذهب روحي قال كي
وقال أيضاً
إليكم هجرتي وقصدي ... وفيكم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقلتي ولاتو حشوا
وقال ابن مطروح
والله ما خطر السلو بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
وقال آخر
لو رأى وجه جبيني عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
وقال آخر
قل للعذول أطلت اللوم في قمر ... يزيد في كل يوم حسنه نورا
إن كنت تزعم ما في حسنه عجب ... قم فانظر الورد في خديه منشورا
وقال محيي الدين البغدادي
إن لامني من لا رآه فقد ... جار على الغائب بالحكم
وإن نهاني من رآه فقد ... أضله الله على علم
وقال البها زهير
أنت الحبيب الأوّل ... ولك الهنا المستقبل
عندي لك الودّ الذي ... هو ما عهدت وأكمل
القلب فيك مقيد ... والدمع فيك مسلسل
يا من يهدد بالصّدود ... نعم تقول وتفعل
قد صح عذرك في الهوى ... لكنني أتعلل
قل للعذول لقد أطلت ... لمن تقول وتعذل
عاتبت من لا يرعوى ... وعذلت من لا يقبل
غضب العذول أخف من ... غضب الحبيب وأسهل
وقال ابن أبي حجلة
وعاذل بالغ في عذله ... وقال لما هاج بلبالي
بعارض المحبوب ما تنتهي ... قلت ولا بالشبب والوالي
وقال آخر
وشادن مبتسم عن شنب ... مورّد الخدّ مليح الشنب
يلومني العاذل في حبي له ... وما درى شعبان أني رجب
المراد بشعبان العاذل ورجب الأصم وهي أسماء كانت مشهورة في الجاهلية.
وقال السراج الوراق
قلت إذ جرد لحظا ... حده يدنى الأجل
يا عذولي كف عني ... سبق السيف العذل
هذا مثل سائر أصله أن سعداً وسعيداً ابني ضبة خرجا لحاجة فرجع سعدون أخيه فكانت العرب إذا عاد الرجل منهم من سفر يقولون له سعد أم سعيد فيقول سعد أن رجع بفرصة وإن عاد بدون فرصة يقول سعيد وإن أباهما خرج مع رجل حتى بلغا موضعاً فقال له الرجل قد قتلت هنا رجلاً وأخذت منه هذا السيف وناوله ضبة فعرفه فجرده وضرب الرجل فعذل فقال ضبة سبق السيف العذل.
وقال شيخ الشيوخ بحماة
أعاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس منك مأموناً على عذل
ما دمت خلواً فما تنفك متهماً ... أعشق فقولك مقبول عليّ ولي
وقلت
لقد ضلت العشاق عن سننن الهوى ... للومهم العذال وهو عجيب
أما عذر المجنون مع ذى جهالة ... لدى الشرع حتى يرعوى ويتوب
وما عاقل ذاق الهوى فيذمه ... ويعذل صبا أن جفاء حبيب
فصل
في أحكام الزيارة
وما جاء في فضلها من البراعة والعبارة وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب وايثار أنفاسه على نفائس الطيب
قيل كان الشافعي رضي الله عنه يكثر من زيارة أحمد وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له فقيل للشافعي أنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك فأنشد:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالين له
وقد أبدع لسان الحقيقة وواسطة عقد الطريقة سيدي عمر بن الفارض أفاض الله علينا من مدده في هذا الباب حيث يقول:
ولما توافينا عشاء وضمنا ... سواء سبيلي دارها وخيامي
(1/163)

فرشت لها خدي وطاء على الثرى ... فقالت لك البشرى بلثم لثامي
جعل الزيارة تفضلاً منها ثم أشار إلى أخذه في إسباب السعي إليها بل شروعه في ذلك رفعاً لجانبها عن التكليف الكلي كأنه يقول أنه ليس أهلاً لها ثم فرش خده في مقابلة السعي ولم يقل لها فقط بل أطلق في جعله على الثرى المحتمل أنها وطئته وأنها لم تطأه وفي ذلك غاية رفع شأنها لمن يتأمل فلذلك عقبه أيضاً بغاية رفع شأنه منها بأكثر مما كان يؤمله ولذلك لم تسمح نفسه بما سمحت له به غيرة كما صرح به هضماً لجانبه عن هذا المقام كما أشار إليه ولما أعطى المقام حقه ونقلته العنايات إلى محل الكرامات والحظوة بنيل المرادات أشار إلى ذلك بقوله بعد البيت الذي تضمن ما ذكرنا.
عتبت ولم تعتب كأن لم يكن قلى ... وما كان إلا أن أشرت وأومت
فانظر إلى هذا الانتقال وصريح هذا المقال بعد ما قال:
ومنت وما ضنت عليّ بوقفة ... تعادل عندي بالمعرّف وقفتي
حيث عد زيارتها منة عليه لئلا يتوهم مما يأتي هضم جانبها ثم نفى عنها البخل ثم عتب بعد ذلك فأين هذا مما سبق فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته وقام بحقوق محبته ومن ألطف ما قيل في الزيارة والعجلة قول العكوك.
بأبي من زارني مكتتما ... خائفاً من كل شيء فزعا
زائر نمّ عليه عرفه ... كيف يخفى الليل بدراً طلعا
رصد الغفلة حتى أمكنت ... ورعى الساهر حتى هجعا
ركب الأخطار في زورته ... ثم ما سلم حتى ودّعا
وقال ابن المعتز
زارني والدجى أحم الحواشي ... والثريا في الغرب كالعنقود
وكان الهلال طوق عروس ... بات يجلى عن غلائل سود
ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طوّل الله فيك غيظ الحسود
وقال آخر
زارت على غفلة الرقيب ... كظبية روّعت بطيب
وكان وقت الوصال منها ... أقصر من جلسة الخطيب
وقال عبد العزيز ويقال أنه أصدق ما قالت الأواخر.
يقولون لي بالله ما أنت فاعل ... إذا زارك المحبوب قلت أنيكه
وقال ابن النبيه
قلت لليل إذ حباني حبيبي ... بعتاب يسبي النهي وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الص ... بح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال أن العفيف
ومليح كالبدر زار بليل ... فجلى حسنه الدجى إذ تجلى
ما درى منزلي ولكن قلبي ... بلهيب الجرى هواء ودلا
وعجيب منه فقيه ذكي ... بمحل النزاع كيف استدلا
وقال بشار
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... ألا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدهر واحدة ... عودي ولا تجعليها بيضة الديك
إنما قال ذلك لأنه قد اشتهر أن الديك يبيض في عمره مرة ولم يذكر الطبيعيون ذلك وأقول أن القياس لا يأباه لما تقرر في الطبيعة من أن البيض الربحي فضلات غليضة هيأتها الحرارة والذكور يتوفر فيها ذلك على نحو المني الفاضل ولولا الحرارة الحلالة لكثر ذلك فيهم والممنوع بيض يولد النوع لعدم الزرع النامي ومن له يد في الفلسفة سهل عليه علم هذا وقال ابن أبي حجلة.
زار الحبيب ووجه الورد خجلان ... فأصفرّ حين تثنى قدّه البان
قد كان ما كان من هجرانه زمناً ... وقد وفى الآن فالعذال لا كانوا
ما ضرني ضيق عيشي حين واصلني ... سم الخياط مع الأحباب ميدان
وقال ابن سكرة
أهلاً وسهلاً بمن زارت بلا عدة ... تحت الظلام ولم تحذر من الحرس
تسترت بالدجى عمداً فما استترت ... وناب إشراقها ليلاً عن القبس
ولو طواها الدجى عنا لأظهرها ... برق الثنايا وضوء البرق في الغلس
ومما تدرجوا إليه من ذكر زيارة الحبيب وصف ممره بالطيب قال ابن النبيه.
إن جاء من يبغي لهم منزلاً ... فقل له يمشي ويستنشق
وقال الطغرائي
فسربنا في ظلام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
وقال آخر
(1/164)

لو كان يوجد ريح مسك فائحاً ... لوجدته منهم على أميال
وقال المتنبي
ويفوح من طيب الثناء روائح ... لهم بكل مكانة تستنشق
ومما ينخرط في سلك الزيارة وينتظم في عقد الاشارة ذكر العيادة وما ينجز إلى المحب فيها من الافادة وهي في الحقيقة زيارة بحيلة تستعطف بها النفوس البخيلة قال الطغرائي:
خبروها أني مرضت فقالت ... أضنى طارقاً شكا أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية وهي تشكو ... ألم الشوق والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك ... إن أمالت عليّ عطفاً وجيدا
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمي المنهاض
قالت تعيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالأعراض
وقال آخر
لا تهجروا من لا تعوّد هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي
ورفعتموا مقداره بالابتداء ... حاشاكم أن تقطعوا صله الذي
وعلى ذكر الذي والصلة قيل كتب ابن عنين وقد مرض إلى الملك المعظم:
أنظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي
فحضر إليه وصحبته ثلثمائة دينار فقال أنت الذي وهذه الصلة وأنا العائد وما ألطف قول البهاء زهير في المعنى
يقولون لي أنت الذي شاع ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد
فقلت له هبني الذي ذكرته ... فأين صلاتي منكم وعوائدي
وقال ابن عباد
مرضت فأشفقت الزيارة عامداً ... وما عن قلى أمسكتها لا ولا هجر
ولكنني أشفقت من أن أزوركم ... فأبصر آثار الكسوف على البدر
الشهاب محمود
رأتني وقال نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا
وقال الأرجاني
غالطتني إذا كسا جسمي الضنى ... كسوة أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
ابن أبي حجلة
شكوت إلى الحبيبة سوء حظي ... وما قاسيت من ألم البعاد
فقالت أنت حظك مثل عيني ... فقلت نعم ولكن في السواد
ابن النقيب
وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرّتي
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... فقلت نعم عين الحبيب ونظرتي
والكل مأخوذ من قوله
وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقي ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالوا به من أعين الجنّ نظرة ... ولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس
شمس الدين بن العفيف
اسم حبيبي وما يعاني ... قد حير خاطري ولبي
قالوا عليّ فقلت قدراً ... قالوا كوافي فقلت قلبي
ابن الوكيل
وبي من قسا قلباً ولان معاطفاً ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقرّ برق إذ أقول أنا له ... وكم قالها أيضاً ولكن لتهديدي
ومما أورده صاحب الدمية له
عذيري من شاطر أغضبوه ... فجرّد لي مرهفاً فاتكاً
وقال أنا لك يا ابن الوكيل ... وهل لي رجاء سوى ذلكا
وتشبيهاته في نوع الزيارة كثيرة ذكرنا منها ما سمعت إلا لا يمكن استيعاب ذلك.
وقلت في أصل الزيارة
زارت وقد أخفى نهار جبينها ... ليل الشعور مخافة الرقباء
فوثبت إجلالاً أقبل نعلها ... بل تر به للبرء من أدوائي
قالت لك البشرى فطب نفساً بما ... أوليت من نعم وحسن وفاء
بتنا وكل جوارحي تشكو لها ... شوقي وما صنع الهوى بحشائي
فسكرت من ألفاظها ورضابها ... مع لينها ومحاسن الحسناء
ونسيم أنفاس لقلبي أرسلت ... سحراً فأحيا ميت الأحياء
لله من وطر قضيت مؤازراً ... معها بثوبي عفة وحياء
(1/165)

يا ليلة غلط الزمان بها ولو ... عوّضتها بالعمر كان منائي
وقلت أيضاً
أفدي التي زارت بلا موعد ... في غفلة الواشين والجاني
والوجه منها روضة أينعت ... ما لمستها راحة الجاني
قمت لأجني الورد من خدها ... وهي بسيف اللحظ ترعاني
فقلت ما هذا وقد راعني ... قالت حديد يمنع الجاني
وأما كلام سيدي عمر بن الفارض في وصف طيب الحبيب فغاية لا يدركها اللبيب وذلك قوله:
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مزكوم لعادله الشم
فإنه مع ذكر البعد فيما بين الجهتين مرصع بلطائف لا يهتدى إليها إلا من خص بالعناية ألا ترى إلى وصفه الشام بالزكام المانع من الشم عادة وجعله في الغرب الذي يكثر الهواء منه لا إليه كما في القرينة الثانية وجعل المحبوبة في القطر الحار الذي تفنى فيه الرائحة إذا عبقت لشدة تحليل الشمس لما يحمله الهواء من تصعيد البخار ومع ذلك يشم ومنه أخذت فقلت:
لو اشتاقها في الغرب فاقد شمه ... وكانت بأقصى الشرق شم نسيمها
وقلت في العيادة
أقول لها هل تسعفي بعيادة ... مريضاً كواه البين بالهجر والسقم
فقالت إذا ما فارق الروح زرته ... لأن محال جمع روحين في جسم
ومما يتخرج على الزيارة تخريج الفروع على الأصول ويهتدي إلى الحاقه بها أهل العقول ما جرى على ألسنة الأحباب من أحوال العتاب وانقسام الناس فيه إلى مادح له لتأكيده المحبة وذام له بين الأحبة والصحيح إنما كذب الناقل وميز الحق من الباطل وأكد الصحبة بعد النفور وبين للحبيب الزور فهو أحق بأن ينصر ومنه يستكثر قال في إحياء علوم الدين ما معناه إن العتاب شأن أولي الألباب وقاطع لقطيعة الإخلاء والأصحاب وكان الرجل إذا وقع في نفسه من أخيه شيء لم يهجره حتى يوضح له ذلك فإن انتهى وإلا هجره وأما عتاب يفضي إلى المقاطعة ويحدث الهجر والممانعة فتقريع يجب اجتنابه عقلاً ونقلاً وتركه فصلاً ووصلاً وفيه قيل من سوء الآداب كثرة العتاب ومن أمثالهم في الأول العتاب مفتاح الوصال قاطع للهجر والملال وإلى سلوك الطريقة الحسنة فيه أشار من أمر بقتله وهو سعيد الكاتب بقوله:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام تكثر عتبنا وتطيل
وقال آخر
وبعض العتاب إذا ما رفقت ... يباعد هجر أو يدني وصالا
فعاتب أخاك ولا تجفه ... فإن لكل مقام مقالا
وإلى مكثر التقاطع أشار بالترك من قال
لا تقر عن سماع من ... تهوى بتعداد الذنوب
ما ناقش الأحباب إلا ... من يعيش بلا حبيب
وإلى تأييد الأول أشار من قال
فلا عيش كوصل بعد هجر ... ولا شيء ألذ من العتاب
فلا هذا يمل حديث هذا ... ولا هذا يمل من الجواب
وقال آخر
وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
ابن سنا الملك
وأملي عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنوبي كي يطول عتابه
ومن غرتي ذكر العذيب وبارق ... وما هو إلا ثغره ورضا به
أبو نواس
أساء فزادته الإساءة خطوة ... حبيب على ما كان منه حبيب
تعد عليّ الواشيات ذنوبه ... ومن أين الموجه المليح ذنوب
الحكم بن قنبر
كأنما الشمس في أعطافه طبعت ... حسناً أو البدر من أزراره طلعا
مستقبل بالذي يهوي وإن عظمت ... منه الإساءة معذور بما صنعا
في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا
أبو فراس
قل لإحبابنا الجناة علينا ... درجونا على احتمال الملال
أحسنوا في عتابكم أو أسيئوا ... لاعدمناكم على كل حال
وقال آخر
إذا مرضنا أتيانكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وقال آخر
حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
(1/166)

لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنني مظلوم
وقال آخر
ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى ... فؤادي ولكن للعتاب مواضع
ابن المعتز
أقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
وقد قيل إن أفضل العتاب ما غرس العفو وأثمر المحبة وعتب يوجب العفو والصفاء أفضل من ترك يعقب الجفاء. وجاء في تفسير قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل عن علي يعني أعف وأصفح بلا عتاب. وورد عنه صلى الله عليه وسلم من لم يقبل من متنصل عذراً صادقاً أو كاذباً لم يرد على الحوض.
وما أحسن قول القائل
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فجد بحقك أولاً ... واصفح بفضلك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
وقال آخر
ما أحسن العفو من قادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر
يا غاية القصد وأقصى المنى ... وخير مرعى مقلة الناظر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر
أعوذ بالودّ الذي بيننا ... أن يفسد الأول بالآخر
وقال آخر
وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم ظلمتك فاغفر لي زلتي ... هذا مقام المستجير العائذ
ابن زيدون
يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق في حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جثته ... صدقت فاصفح أيها المذنب
فإن من أغرب ما مرّ بي ... أن عذابي فيك مستعذب
وقلت
رأيت أساليب للعتاب كثيرة ... وألطفها ما أكد الحب في القلب
إذا ما خلونا لم أجد ما أقوله ... يلذ سوى الشكوى إليها مع العتب
ومن ذكر المحبوب شيأ منفراً ... عقوبته الهجران في مذهب الحب
ومن ير ذنباً من حبيب فمدع ... وما الحب إلا أن تنعم بالذنب
وهذا مستمد من قطب هذا الوجود وانسان عين أهل هذا الشهود سيدي عمر بن الفارض حيث قال وكل الذي ترضاه البيت السابق. وقد قال بعضهم عتاب المحبين الذلة في الأعتاب وخدمة الأبواب وقال بعضهم كن إذا قابلت الحبيب مرآة ينتقش فيك ذنبه فتراه منك وتطلب صفحه عنك ولم يوضح هذا الطريق أحد أجل من لسان العارفين وترجمان المحبين سيدي عمر بن الفارض حيث يقول:
ولو عزّ فيها الذل ما لذ لي الهوى ... ولم تك لولاك الذل في الحب عزّتي
فصل
مما يلحق بالعتاب
ويصلح أن يكون معه في باب
الصبر على تعنت المعشوق وتجني على الصب المشوق والصفح عن التجني حين يذوق جناه ونسخ سخطه وظلمه بظلمه ورضاه وهو أهل عند العشاق يبنى عليه ويرجع في قواعد مذهب المحبين إليه كما قيل:
شرط المحبة عند أرباب الهوى ... إن المليح على التجني يعشق
لا يصدهم صد ولا يقفون من سيوف اللحظ عند حد ولا تأخذهم فيه لومة لائم ولا يعدون جور ما يرد من الظلم من المظالم.
ابن النبيه
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمة ... حلواً فقد جهل المحبة وادّعى
ولقد تلطفت عليه بنت المهدي في هذا المعنى حيث تقول:
جبل الحب على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه أسمج
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
وقال بعض الأعراب:
شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت تعنتا ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي يؤذيها وصبري يسوءها ... وتنفر من بعدي وتجزع من قربي
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها تستوجبوا الأجر من ربي
(1/167)

ولما كان التجني من المحبوب وتعنته الذي يكاد أن يفوت الغرض المطلوب يشتبه بالهجر والقطيعة ويعسر التفريق بينهما على من لم يخض لجة هذه الشريعة وجب بعد إذ أشرنا إلى حقيقة الأول أن نشير إلى الثاني ونذكر ما له من الأقسام والمباني سالكين في ذلك مسلك ديوان الصبابة إذ لا مزيد في هذا المحل على تقسيماته المستطابة فنقول: وقد قسم الهجر عند أهل المحبة بعد الاستقصاء إلى أربعة أقسام.
القسم الأول
هجر الدلال
وهو الممدوح الصفات المقصود بالذات وسببه علم المحبوب بمكانته عند المحب وأنه يتلذذ بالاساءة كما يتلذذ بالحسنة ولا تغيره الحوادث على اختلاف الأزمنة ولهذا إذا صفت مرآة أهل المحبة اتحدوا في كل رتبة فيقع لأحدهم بعد المبالغة في هذا الصفاء أن يعتقد ارتفاع الخلاف واتصاف كل أحد بما عنده من الأوصاف فانظر إلى قول بهاء الدين زهير في قوله:
عتب الحبيب فلم أجد ... سبباً لذاك العتب حادث
ما كنت أعلم أنه ... ممن تغيره الحوادث
فهو وإن لم يقع منه ما يوجب التغير كما أفهمه البيت الأول لم يعتقد تغير المحبوب بما يقع منه لأنه هو كذلك وفي هذا الأصل كلام للعارفين وكل يأخذ ما يناسبه من الاشارات والبهاء زهير لا يكثر عليه مثل هذا فلقد سمعت مولانا عارف الوقت الشيخ شمس الدين البكري أدام الله سدده يقول أنه كان إماماً عارفاً أو ذا لسان عارف وعلامة هذا القسم الأسعاف بالمطلوب وإن لم يكن كل آن والتلطف بالعاشق ورفع محله في غصون الهوان وهم يرون اليسير خطيراً والقليل كثيراً قال أستاذ الوجود في هذا المعنى:
ففي نظرة منها ولو عمر ساعة ... ترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم
وفوق ذلك قوله رضي الله عنه:
وإن لم أفز يوماً إليها بنظرة ... لعزتها حسبي افتخاراً بتهمتي
ودون اتهامي إن قضيت أسى فما ... أسأت بنفس بالشهادة سرت
فانظر كيف ارتضى بأن يموت محباً وإن لم يعلم به أحد ويكون شهيداً مع ذلك فائزاً بالسعادة في غاية الرضا بذلك بعد إذ سأل الوصل أولاً ثم نظرة ما في يوم ما ثم التهمة بالمحبة الصادقة على العدم ثم هذه الرتبة وما أحسن التكميل بعزة النظرة في هذا المقام وعلاج هذا القسم ينحصر في الصبر المقرون بالرضا ثم التسليم الخالي عن الشوائب المكدرة ومعنى قوله رضي الله عنه ولو عز فيها الذل يحقق ذلك، وأما قوله:
ونفس ترى في الحب أن لا ترى عنا ... متى ما تصدّت للصبابة صدت
فزجر ينفي ويمنع غير النفوس الزكية والهمم العلية عن سلوك هذه المرتبة السنية رجع إلى كلام المترسمين قال بعضهم هجر الدلال أعذب من الوصال.
ويدل هجركم على ... أني خطرت ببالكم
وقال آخر
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرت أني خطرت ببالك
ويستحب لمن وسم بالجمال وأخذ بقلوب النساء والرجال أن يكون كثير الدلال قليل التبذل فإن ذلك ادعى للسلامة وأبعد عن الملامة ابن وكيع.
قالوا عشقت كثير التيه ممتنعاً ... فقلت هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان وقلت الجود عادته ... وإنما عز لما عز مطلبه
العباس بن الأحنف
يا قوم لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد
لكني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
وقلت
عدي واضمري خلفاً يلذ بخاطري ... كوصلك وعدمنك غايته الخلف
فعندي موتي في هواك وعلمك ... بذلك وصف لا يعادله وصف
القسم الثاني
هجر الملال
هو هجر منشؤه الملازمة مع اختلاف الخصال وتكون المحبة فيه عريقة بل منشؤها علة على الحقيقة وسببه ما ذكر من الاختلاف وتحري النفس طلب الاعتساف وعلامته تأثير مباعدة المكان وطول الأزمان وعلاجه التحبب والتخلق بخلق المراد وسلوك كل ما أراد وربما محته الهدية والملاطفة بالأخلاق المرضية والصفح مع حسن الصبر والمجاوزة عن الزلة وإن عظم الأمر وبعض العشاق من المترسمين صرح في علاجه بتباعد المكان والغيبة الممتدة إلى مدة من الزمان وفيه أنشد.
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
(1/168)


هذا لا يحسن على اطلاقه إلا بعد تحقيق وثاقه وهو أن يكون للمحبة أمل وإنما ضعف بالملازمة وإلا فالبعد مع عدم ذلك غاية مطلوبه وصفة محبوبه.
القسم الثالث
الهجر المعروف بهجر الجزاء والمعاقبة
هو هجر سببه وقوع في ذنب ولو خطأ وعلامته قبول الأوبه عند صدق التوبة وعلاجه تصديق الحبيب في دعواه والنزول على حكمه والرضا بما يهواه والاعتراف بالذنب وإن لم يكن صدر والطلب العفو ممن قدر وإلى هذا المشرب وسلوك هذا المأرب أشار سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه بقوله:
عبد رق مارق يوماً لعتق ... لو تخليت عنه ما خلاكا
فقد حقق في هذا الباب أن لا محيص له عن هذا الجناب وأنه يطلبه بكل حال لا ينحيه عنه في سائر الأحوال سوى طلب أو منع أو جلب أو دفع ثم دل على صدق كلامه وانعقاد قلبه على مطاوعته في مرامه فقال:
وبما شئت في هواك أختبرتني ... فاختياري ما كان فيه رضاك
ثم ارتفع عن هذه المرتبة ايضاحاً لمراتب السالكين ودلالة على التنقل الموصل للناسكين حيث قال:
وقد صرت مستدع قضاك وما به ... رضاك ولا أختار تأخير مدتي
فإنه أبلغ من قوله:
وإن هددوا بالهجر مانوا مخافة ... وإن أوعدوا بالقتل حنوا إلى القتل
خلافاً لبعض الشراح لعموم ما في الأول بالنسبة إلى هذا وبيانه يستدعي طولاً وأما قوله:
وما غدرت في الحب إذ هدرت دمي ... بشرع الهوى لكن وفت إذ توفت
فاصرح من جميع ذلك فيما نحن فيه بل ربما تمشى على القسم الأول أو هو له حقيقة.
الهجر الرابع
الهجر الخلقي
وسماه بعض الصوفية الأزلي يقال أن الجنيد رضي الله عنه فسر قوله صلى الله عليه وسلم الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف بأن الله حيث أخرج عالم الذر جعله في كفه ثم أخذ العهد عليه ثم بذره فوقع بعضه متقابلاً وهؤلاء هم المشتركون في نسب أوجبت الصحبة وحققت المحبة وتدابر الآخر فحقت بين أفراده المقاطعة وجبلوا على الممانعة وهذا التقابل والتدابر يجوز حله على حقيقته ويجوز أن يراد به أمر معنوي غايته الاختلاف وأسباب هذا كثيرة أعظمها عند المتمسكين بالشرائع اختلاف الأديان وعند مطلق العالم يستند إلى الارادة الالهية حيث صرح بعجز أكمل مخلوقاته وعين أعيان سر صفاته عن قيام الناموس بدونها فقال عز وجل من قائل " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً الآية " وهذا القسم والذي قبله لا تعلق للعشاق بهما على ما اخترناه وبعضهم يرى أن الثلاثة الأول من متعلقات العشق ويجمع بين الكلامين بتفاوت المراتب فإن من بلغ إلى قول الاستاذ رضي الله عنه وكل الذي ترضاه البيت لم يكن القسم الثاني فضلاً عن الثالث مكن متعلقاته وإذا عرفت ما قررناه ثبت عندك أن هذا القسم لا علاج له أصلاً إلا بالارادة الالهية ثم الهجر من المحب الصادق قد يؤل الأمر فيه بالعاشق إلى أن يخرج كلامه مخرج الدعاء عليه ويكون في الحقيقة ثناء لديه وقد يستخير عند تمادي الهجر وحكم الغرام حلول رمسه فيجعل ذلك الدعاء على نفسه وألطف ما سطر في الأول وعليه عند الظرفاء يعول قول الشاب الظريف المعروف بابن العفيف.
أعز الله أنصار العيون ... وخلد ملك هاتيك الجفون
وضاعف بالفتور لها اقتداراً ... وإن تك أضعفت عقلي وديني
وخلد دولة الأعطاف فينا ... وإن ثنت الفؤاد إلى الشجون
وأسبغ ظل ذاك السعد يوماً ... على قدّ به هيف الغصون
وصان حجاب هاتيك الثنايا ... وإن جارت على الفذ الطعين
وقال أيضاً:
أدام الله أيام الوصال ... وخلد عمر هاتيك الليالي
وأسبغ ظل أغصان التداني ... وزاد قدودها حسن اعتدال
ولا زالت ثمار الأنس تجني ... تزيد لطافة في كل حال
ولا برحت لنا فيها عيون ... تغازل مقلتي خشف الغزال
وقال آخر:
يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس
وإذا قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فليك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... يا رب فلتك من عيون النرجس
وقال شهاب الدين بن العائم:
(1/169)

والله ما أدعو على هاجري ... إلا بأن يمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى ... منه وما قد تم في حقي
وقال آخر:
أيها المعرض صفحاً ... عن خطابي وجوابي
لا أرك الله عمري ... أو يريني بك ما بي
ربّ فاجعله دعاء ... خائباً غير مجاب
رق قلبي أن يرى ... قلبك في مثل عذابي
وقال آخر:
كم جفاني فرمت أدعو عليه ... فتوقفت ثم ناديت ذاهل
لأشفى الله طرفه من سقام ... وأراني عذاره وهو سائل
ابن وكيع:
إن كنت تعلم ما بي ... وأنت بي لا تبالي
فصار قلبك قلبي ... وصرت في مثل حالي
بل عشت في طيب عيش ... تفديك نفسي ومالي
دعوت إذ ضاق صدري ... عليك ثم بدا لي
وقال آخر:
ولما بدا لي أنه غير رائدي ... وأن هواه ليس عني بمنجلي
تمنيت أن يهوى ويحيا لعله ... يذوق مرارات الهوى فيرق لي
قالت:
لي طلعة الحسن واللطف ناضرة ... أرى كل أرباب المحاسن ناظره
لقد بطنت في كل معنى وصورة ... من الكون لما أصبحت فيه ظاهره
تضن على العشاق بالقتل في الهوى ... فما طلبي للوصل إلا مكابرة
ولكنني أرجو تبدل ما بنا ... من الميل واستكشاف حجب المساتره
فتطلبني من بعد ما أنا طالب ... لها وتحييني بحسن المحاضره
فيا رب خذ منها بحقي وانتصر ... لنفس غدت في أبحر الشوق حائره
ولا تستجب مني وسلطان عزها ... أدمه وإن كانت على الناس جائره
ثم قد يتمادى الهجر ولا يسمع الدعاء ويعز الوصل ويصعب الرضا فيأخذ العاشق في مسح الدموع والانحطاط من أوج الارتفاع إلى حضيض الخضوع. ولقطب هذه الدائرة وبدر سماء هذه الكواكب السائرة ذي المرتقة التي لا تلحق وقصب السبق التي لا تدرك والجواد الذي لا يسبق قوله:
ومن درجات العز أمسيت مخلداً ... إلى دركات الذل من بعد نخوتي
فلا باب لي يغشى ولا جاه يرتجى ... ولا جار لي يحمي لفقد حميتي
فقد أشار في هذين البيتين إلى طرح حطوط نفسه التي قد تكون مانعة من الوصول إشارة يدق إدراك كنهها عن العقول فقد أثبت له رتبة رفيعة بين أن تركها بعد علاج عظيم ومن ثم كان تدريجاً لعدم إمكان طرحها دفعة كما أفهمته الدرجات والإضافة إلى العز وعكس الحكم في الطرف الآخر لأنه في غاية المقابلة وأكد ذلك بالاشارة إلى غاية المحو الذي به حقق إثباته كما أشار بعده بقوله والفقد مثبتي وأما إشارته إلى الدموع وفنسكابها فالغاية التي لا يدرك منها الناس إلا القشور فمنها قوله:
فسهدي حي في جفوني مخلد ... ونومي بها ميت ودمعي له غسل
فانظر إلى غرابة هذه الاستعارات ولطف هذا التركيب وصحة هذا السبك الخالص من الزيف مع بلوغ المقصود ثم بالغ في تحقيق هذا المرام وارتقى في مسالك هذا المقام بقوله:
وامع هملت لولا التنفس من ... نار الجوى لم أكد أنجو من اللجج
وأبلغ منه قوله
فطوفان نوح عند نوحي كاد معي ... وإيقاد نيران الخليل كلوعتي
فلولا زفيري أغرقتني مدامعي ... ولولا دموعي أحرقتني زفرتي
لعكس التشبيه كما سبق في صدر هذا الباب وتكافؤ الضدين هنا ومن قال بتساوي المعنيين في القصيدتين لم يعرف معنى الطوفان بالنسبة إلى اللجج في الأول لأنه انقلاب العناصر كلها إلى واحد وهذا في الدقة كقوله رضي الله عنه وإن لم يكن مما نحن فيه.
وتحفت أخفافها فهي تمشي ... من جواها في مثل جمر الرماد
حيث نسب تحفية الاخفاف إلى حراره الجوى التي شأنها الصعود عكس الإخفاف فكأنه يقول لشدة هذه الحرارة استوعب الأحباز كلها وأما قوله:
فلو بكى في قفار خلتها لججا ... وإن تنفس عادت كلها يبسا
وغيره فكثير لا يمكننا إدراك أقله وأني للبشر من حيث أنه بشر إدراك دقائق الفيوضات الإلهية والكرامات التي خلفت المعاجز النبوية كما صرح به رضي الله عنه حيث قال:
(1/170)

فعالمنا منهم نبي ومن دعا ... إلى الحق منا قام بالرسلية
وأصرح منه قوله:
فما كان منه معجز أصار بعده ... كرامة صديق له أو خليفة
رجع إلى كلام المترسمين قال القاضي الفاضل:
قد استخدمت بالأفكار سري ... وما أطلقت لي بالوصل أجره
ولم أرها على الأيام إلا ... عقدت مودة وحللت صره
ولا استمطرت سحب العين إلا ... وصرت بأدمعي في الشمس عصره
ابن عبد الظاهر
لا تسلني عن أول العشق إني ... أنا فيه قديم هجر وهجره
من دموعي ومن جبينك ... أرخت غرامي بمستهل وغره
المتنبي
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في الأماقي
وله أيضاً:
وهبت السلو لمن لا منى ... وبت من الشوق في شاغل
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
وقال آخر
ولم أنس لا أنس ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد
وخدي يضاف إلى خدها ... قياماً إلى الصبح لم نرقد
إبراهيم بن المعمار
وبي غضبان لا يرضيه إلا ... دموع ساكبات مستمره
فما عطفت معاطفة بوصل ... وفي عينيّ بعد الهجر قطره
وقال آخر
وقال ما بال عينيك مذ رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بنظرة طلعة ... فحق لها من فيض أدمعها غسل
السري الرفاء
بروحي من رد التحيه ضاحكاً ... فجدّد بعد اليأس في الوصل مطمعي
وحالت دموع العين بيني وبينها ... كأن دموع العين تعشقة معي
وقال آخر
وقائلة ما بال دمعك أسودا ... ولونك مصفراً وأنت نحيل
فقل لها أن الدموع تجففت ... وهذا سواد المقلتين يسيل
ابن وكيع
وسحاب إذا همي الماء فيه ... ألهب الرعد في حشاء البروقا
مثل ماء العيون لم يجر إلا ... ظل يذكي على القلوب الحريقا
المسعودي شارح المقامات
قالت عهدتك تبكي ... دماً حذار التنائي
فلم تعوّضت عنها ... بعد الدماء بمائي
فقلت ما ذاك مني ... ولم يكن بمنائي
لكن ضلوعي شابت ... من طول عمر التنائي
وقال آخر
كانت دموعي حمراً يوم بينهم ... فمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقي
قطفت باللحظ ورداً من خدودهم ... فاستقطر البين ماء الورد من حدقي
ابن الناشيء الأكبر
بكيت الفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لفقد الديار
كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار
وقلت
ومحجوبة مذ كلمتني كلمت ... فؤادي وألقت بين سمعي وناظري
إلى أن رأتها مقلتي فاض دمعها ... على الأرض أمثال البحور الزواخر
فقالت عقيقاً ما أرى قلت بل د ... مي جرى عندما من هجرك المتواتر
فصل
في نفي كدر الهم والصدود باستجواب الأماني والوعود والتعلل بالأماني والطمع في التهاني وهو أصل انقسمت فيه العشاق إلى قسمين قسم وفي له محبوبه وحصل له بعد الوعد مطلوبه وهو العزيز النادر وغير الوافي الوافر وقسم مات بغصته وحالت المنية بينه وبين أمنيته وانتهاز فرصته وأعجب ما فيه أن الراضون به مع العلم بزوره أكثر العشاق وأغلب من نودي عليه في هذه الأسواق وقد كشف عن غامض هذه الطريقة واستثنى الرضا بزور هذه الحقيقة الأستاذ رضي الله عنه فقال:
عديني بوصل وأمطلي بنجازه ... فعندي إذ أصح الوفا حسن المطل
وما الصد إلا الود ما لم يكن قلي ... وأصعب شيء دون اعراضكم سهل
ثم تجرد من ثياب هذه الطريقة وانغمس في بحار الحقيقة فانطوت نفسه الأبية في مطاوي الحقائق القدسية فقال:
إن لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي
وأما المترسمة فقد أكثروا في هذا الباب الأقوال واختلفوا باختلاف الأحوال قال بعضهم:
أعلل بالمني قلبي لعلي ... أروح بالأماني ألهم عني
(1/171)

وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقل من التمني
وقال آخر
وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كاشعب يرجو وعد عرقوب
ومن كلام أفلاطون الأماني حلم المستيقظ وسلوة المحروم وقال غيره التمني مؤنس إن لم ينفعك فقد ألهاك. قيل لأعرابي ما أمتع لذات الدنيا قال ممازحه الحبيب ومحادثة الصديق وأماني تقطع بها أيامك.
ياقوت الرومي
لله أيام تقضت بكم ... ما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبقى لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها
ابن الوردي
وشادن قلت له ... هل لك في المنادمه
فقال كم من عاشق ... سفكت في المني دمه
الحسين بن الضحاك
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراك
وإذا ما تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم شذاك
خدعات المني تعللني فيك ... باشراق ذوا بهجة ذاك
ابن أبي حجلة
رقي لصب غدا مما يكابده ... من دمعه الصب يجري في مجاريه
لم يبق فيه سوى روح يرددها ... لولا المني مات يا أقصى أمانيه
وقلت
عدى فتى شفت الأسقام مهجته ... بزورة منك يا أقصي تمنيه
فالهجر منك لكاس الموت بسلمه ... والوعد منك ولو بالزور يحييه
وقد ذم قوم الرضا بالوعد والأماني وعدوا ذلك جنوناً ومشى على ذلك جمع كثير.
الخالدي
ولا تكن عبد المني فالمني ... رؤوس أموال المفاليس
ابن المعتز
لا تأسف من الدنيا على أمل ... فليس باقيه إلا مثل ماضيه
قال علي كرم الله وجهه اجتنبوا المنى فإنها تذهب ما خولتم وتصغر المواهب التي رزقتم وقال رجل لابن سيرين أني رأيت كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح فقال أنت رجل تكثر الأماني وسمع الحجاج ليلة لبانا يقول أبيع اللبن بكذا وأشتري بضاعة فأكسب فيها كذا فيكثر مالي فأتزوج ابنة الحجاج وتلد لي ولداً وآمرها يوماً بشيء فلم تطع فارفسها هكذا ورفع رجله فكب اللبن فدخل الحجاج فضربه خمسين سوطاً وقال ألست تفجعني في ابنتي لو فعلت بها هذا.
وقال آخر
لما بدا العارض في خده ... بشرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم
وأما الرضا بالدون من المحبوب والقناعة باليسير من المطلوب وإن طال الوعد وكثر الخضوع وامتد البعد وانسكبت الدموع فصفة العاشق القانع الملقى عن نفسه المطامع المنزه محبوبه عن التكليف. المشفق عليه من نحو التعنيف وقد اتصف به جم غزير عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير وليس في هذا النمط ألطف من جميل في قوله وإني لأرضى من بثينة الأبيات السابقة في قصته.
وقوله
ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليها فهذا للمحبين نافع
عسى يلتقي في الأفق طرفي وطرفها ... فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع
وقال بعض الأعراب
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وابانا فذاك لنا تدانى
نعم وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهار كما علاني
وقال بعضهم
إلى الطائر النسر انظري كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو إليه ما تكن الضمائر
وقال بعض الأعراب
وما نلت منها وصلها غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول
وقال بعضهم
وكن قنوعاً فقد جرى مثل ... إن فاتك اللحم فاشرب المرقه
هذه إشارة إلى مثل يضرب للقناعة باليسير وأصله أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام أنت في ضيافتي بجميع عسكرك في جزيرة كذا فلما حضروا أخذ جراده ورمى بها في البحر وقال يا نبي الله من فاته اللحم فليشرب المرق فكان سليمان عليه السلام يضحك من ذلك إذا ذكره وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه وأوسع آماله وأطماعه فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح فضلاً عن الأرواح والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح حتى يراهما واحداً في العين الأحوال الذي يرى الشيء اثنين.
قال بعضهم
وكدت وهو ضجيعي أن أقول له ... من شدة الحب قد أبعدت فاقترب
(1/172)

ابن الرومي
أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل يعد العناق تداني
وألثم فاه كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيماني
كان فؤادي ليس يشفي غليله ... تشفيه مما ترشف الشفتان
ولم يشف مقدار الذي بي من الجوى ... سوى أن ترى الروحان يمتزجان
خالد الكاتب
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد
نفطويه النحوي
ولما التقينا بعد بعد بمجلس ... نغازل فيه أعين النرجس الغض
جعلت اعتمادي ضمه وعناقه ... فلم نفترق حتى توهمته بعضي
أبو بكر الأربلي
هم الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواه معتنقي
عانقته فاتحدنا والرقيب أتى ... فلما أتانا ما رأى غير واحد
أبو الفضل
سقيا لعيش مضى والدهر يجمعنا ... ونحن نحكي عناقاً شكل تنوين
فصرت إذا علقت كفى حبائلكم ... بسهم هجرك تنوي ثم تنويني
ابن سنا الملك
وليلة بتنا بعد سكري وسكره ... نبذت وسادي ثم وسدته يدي
وبتنا كجسم واحد في عناقنا ... وكالحرف في لفظ الكلام المشدد
قيل اعترض هذا بكون العروضيين تعد الحرف المشدد بحرفين فلو قال في الخط لحسن مطلوبه. واجتمع ابن الجهم وابن عروس في سفينة فتذاكر الشعر فقال ابن الجهم أنا أشعر منك حيث أقول:
الأرب ليل ضمنا بعد هجعة ... وأدني فؤاداً من فؤاد معذب
وبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تشرب
فقال أحسنت ولكني أشعر منك حيث أقول:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بعيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوماً فما انفك لا خد ولا عضد
بشار بن برد
ومرتجة الأعطاف مهضومة الحشا ... تمور بسحري عينها وتدور
إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العاشقين تطير
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
وكلام بشار وإن كان في الحقيقة أصلاً للبيتين إلا أن ابن الجهم تلطف حيث أبدل الماء بالخمر لأنه أشد نفوذاً وأما ابن عروس فلا ألطف منه إذ لا شيء أشد سرياناً من النوم وحاصله أنه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب ومن لا يقف على غاية في المطلوب باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام والخلو من نحو واش ونمام ومجالس الورد والنمام فإن من الحزم انتهاز الفرص ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه فهو زاهد في محبوبه ومن رأى العوائق دون مرامه فالحزم تقييد غرامه وقلت من الأول.
لقد صار يشفيني الهواء لمزجه ... بأنفاسها مع أن دائي من الهوى
ويفرحني ما جد في الصبح والمسا ... لأني وإياها بمدركة سوا
ومن الثاني
رب ليل ضممتها فيه حتى ... لو فرقنا كنا هيولي وصورة
مع أني سألتها القرب مني ... بخضوع وإن تمن بزوره
وهو معنى فوق ما قصد من لطف الخمر والكري إذ لا يتصور افتراق الهيولي والصورة بوجه وقد جعلت ذلك كالحال وقت الفرقة فلا أبلغ منه.
فصل في ذكر مكابدة الأمور الصعاب عند طلب رضا الأحباب وخوض الأهوال واستهلال قضاء الآجال فضلاً عن بذل الأموال ليحصل من محبوبه على مطلوبه ويرضى باليسير كما سلف ولو كان ذلك يفضي إلى التلف
وقد فتح للفريقين هذا المجال ونسج على هذا المنوال من شيد هذه الشريعة كلامه وصار بدر سمائها بل شمس آفاقها نظامه سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله ببركاته وهدانا إلى إدراك دقائق نفحاته فقال:
وافس ببذل النفس فيها أخا الهوى ... فإن قبلتها منك يا حبذا البذل
ومن لم يجد في حب نعم بنفسه ... وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
فانظر كيف أضرب عن ذكر ما سوى النفس وأن عز وأمر ببذلها من بادىء الرأي فكم طوى في ذلك من المراتب وهذا في الحقيقة اجمال بالنسبة إلى قوله:
(1/173)

بكل قبيل كل قتيل بها قضى ... أسى لم يفز يوماً إليها بنظرة
فإنه أشار إلى قطع كل رتبة بحيث ينتهي السالك إلى ذهاب النفس وليس ذلك بشيء إذ قال أنه لم يفز ولا بنظرة مع ذهاب نفسه وشرح ذلك واضحاً قوله:
بحيث ترى أن لا ترى ما عددته ... وإن الذي أعددته غير عدة
فإنه يقول إن هذا المرام لا يعظم عنده شيء ومتى عدا لشخص بذلا لنحو نفس فقد جعل له شيئاً بالنسبة إلى المحبوب وهو خلاف المطلوب ودقائقه في هذا الباب معجوز عن حصرها كما تشهد به أولو الألباب فلنرجع إلى كلام المترسمة: الطغرائي:
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشفة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
ابن خفاجة:
وليل طرقت المالكية تحته ... أجد على حكم الشباب مزارا
فخالطت أطراف الأسنة أنجما ... ودست بهالات البدور ديارا
ابن بسام
لقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت قوماً لأخلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
وقال آخر:
يغوص البحر من طلب اللالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم المجد ثم تنام عنه ... لقد أطعمت نفسك بالمحال
وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء وتلف النفس وشدة الابتلاء وأمام هذا الشأن والمنفرد بالسبق في هذا الميدان الطغرائي قيل أنه علق مملوكاً لمؤيد الدين كان يهواه فحين بلغه نقم على الطغرائي فأراد قتله وأشهر شفقة على المملوك من الألسنة أن الطغرائي ملحد فشده إلى شجرة وأمر أن تفوق إليه السهام وأن لا يرموا حتى يأمرهم المملوك أمام الكل ثم أمر رجلاً يسمع ما يقول الطغرائي وهو لا يشعر فإذا هو يقول:
ولقد أقول لمن يسدد سهمه ... نحوي وأطراف المنية شرع
والموت في لحظات أحور طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتش في فؤادي هل ترى ... فيه لغير هوى الأحبة موضع
أهون به لو لم يكن في طيه ... عهد الحبيب وسره المستودع
فأطلقه ورفع شأنه: أبو عطاء السدفي:
ذكرتك والخطى يحظر بيننا ... وقد نهلت مني المثقفة السمر
فوالله ما أدري وإني لصادق ... بنا فتكت تلك اللواحظ أم سحر
عنترة العبسي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المبتسم
الطغرائي:
إني لاذكركم وقد بلغ الظما ... مني فاشرق بالزلال البارد
وأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد
وقال بعضهم:
ذكرت سليمى وحر الوغى ... بقلبي ساعة فارقتها
فشبهت سمر القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها
ابن رشيق:
ولقد ذكرتك والطبيب معبس ... والجرح منغمس به المسبار
وأديم وجهي قد فراه حديده ... ويمينه حذراً علي يسار
فشغلتني عما يليق وأنه ... ليضيق عن برحائها الأقطار
الشريف البياضي:
ولقد ذكرتك في السفينة والردي ... متوفع بتلاطم الأمواج
والجو يهطل والرياح عواطف ... والليل مسود الذوائب داجي
وعلى السواحل اللاعادي عسكر ... يتوقعون لغارة وهياج
وعلت لأصحاب السفينة ضجة ... وأنا وذكرك في ألذ نتاج
أبو الثناء محمود:
ولقد ذكرتك والسيوف لوامع ... والموت يرقب تحت حصن المرقب
والحصن في شفق الدروع تخاله ... حسناء ترفل في رداء مذهب
سامي السماء فمن تطاول نحوه ... للسمع مسترقاً رماه بكوكب
والموت يلمع بالنفوس خاطري ... يلهو بطيب ذكرك المستعذب
الصفي الحلي:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... مطل الغنى وسوء عيش المعسر
والشوس بين مجدل في جندل ... مناوبين معفر في معفر
(1/174)

فظننت أني في صباح مسفر ... بضياء وجهك أو مساء مقمر
وتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا أرض الجلاد بعنبر
وقلت:
لقد رد روحي عندا رام نزعها ... ملائكة ذكراك حين تلوته
فلو لم يكن موت البرية لازماً ... إذا فرغت آجالهم ما نسيته
تتمة
تشتمل على ذكر مقاطيع فائقة وأبيات رائقة يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة وتترجم عندهم بالغزل والنسيب لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب وتهييجها الأشواق المستقرة حيث يذكر الشعر والطرة وتفصيلها لتلك الجملة من حيث وصف الحاجب والمقلة وإثارة ما قر من البلبال عند ذكر الوجنة والخال واستمالتها نفوس الأحباب عند ذكر الثغر والرضاب وإتيانها بأعذب الموارد بعد ما حال الصدر إذ اذكر النهد والصدر ونشر مطاوي الأشواق إذا سمع مدح الخلخال والساق إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة وبها نختم هذا المورد اللطيف وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف ذكروا أن أعزل بيت للمتأخرين قول بشار:
أنا والله أشتهي سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق
شمس الدين بن العفيف:
يحكي الغزال مقلة ولفتة ... من ذا رآه مقبلاً ولا افتتن
أحسن خلق الله وجهاً وفما ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن
في ثغره وشكله وخده ... الماء والخصرة والوجه الحسن
ولما وصلت هذه الأبيات إلى القاهرة والشاعر المشهور يومئذ بها الحلي اقترح عليه بعض أعيان الدولة محاكاتها فقال:
كم قد سفكنا من دموع ودماً ... على ربوع للديار ودمن
وكم قضينا للبكاء منسكاً ... لما تذكرنا بهن من سكن
وكم أقمنا بالبكاء مأتماً ... إذ بعتهم روحي بغير ما ثمن
فاستحسن الجل أبيات الحلى ودامت الناس مدة طويلة مفترقين في ذلك والغزل كما سمعت كثير الفنون والشعب وقد توسعت فيه أهل الأدب فمن الأول قول ابن نباتة.
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
وله أيضاً
قلت وقد أبدي جبيناً واضحاً ... وفوقه ليل دلال قد سجا
أفدي الذي جبينه وشعره ... طرة صبح تحت أذيال الدجى
ابن مطران
ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك الشيء جاءت وقبلت ... مواطىء من أقدامهن الغدائر
اسمعيل السكندري
لم أر قبل شعره وجهه ... ليلاً على صبح نهار عسعسا
والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح ورداً ويغض نرجساً
حسام الدين الجابري
ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدوا الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطه سوداء
ابن الصائغ
مشى غصناً ومد عليه فرعاً ... كحظي حين أطلب منه وصلا
وبلبله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا
السراج الوراق
ذو طرة يعيذ هارب الدجى ... وطلعة يعيذ هارب القلق
الماء والنار معاً في خده ... أما ترى الماء طغى ثم احترق
شمس الدين بن العفيف
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائت في جنح
فقلت عجيباً كيف لم يظهر الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح
المتنبي
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعاً
وأستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معاً
آخر
برزت فقابل ناظري من وجهها ... مرآة حسن بالجمال صقيل
ابن المعتز
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين للشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيت
البجلي
رقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر
(1/175)

تندى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر
الخيزراني
رأيت الهلال ووجهه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي منهما ... هلال الدجى من هلال البشر
فلولا التورد في الوجنتين ... وما راعني من سود الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر
التهامي
وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أجمل الصور
الطرس كالخدّ والنونات دائرة ... مثل الحواجب والسينات كالطرر
آخر
أرى سهم لحظ تحت عقرب سالف ... وكيف نجاتي بين سهم وعقرب
والحظ ما طلته باللحظ من دمي ... على وجنتيها والبنان المخضب
وقلت
لله بالناس لطف في معايشهم ... لولاه لم تر موجوداً من البشر
إذ كف شعرك عنهم يوم حاجتهم ... للشمس في نحو نضج الحب والثمر
وعند حاجة ليل يسكنون به ... من المتاعب أبدي مسبل الشعر
ومن الثاني قول ابن نباتة
واغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجل نظراً في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
الواوا الدمشقي
يا من هو الماء في تكوين خلقته ... ومن هو الخمر في أفعال مقلته
ومن بن رقة سيف اللحظ طل دمي ... والسيف ما فخره إلا بذرقته
علمت انسان عيني أن يعود فقد ... جارت سباحته في بحر دمعته
علاء الدين الوداعي
رمتني سود عينيه ... فاصمتني ولم تبطى
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تحظى
الصلاح الصفدي
بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه
إن مت مالي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه
ابن نباتة
نسبوه حسناً للهلال وحسنه ... للبدر ينسب لا بليت ببينه
فإذا بدا فإلى هلال أصله ... وإذا رنا فهو الغزال بعينه
الشيخ برهان الدين القيراطي:
بأبي سلطان حسن حسنه ... لقتال القلب في الحب نوى
صال في العشاق منه ناظر ... هو والسيف على حد سوا
ابن نباتة:
ويح قلبي من كاسر الطرف أضحى ... فيه قلبي كما ترى مكسورا
قد حمى ثعره بعينيه عني ... وكذاك السيوف تحمي الثغورا
الصلاح الصفدي:
سيوف ألحاظه المرضى سفكن دمي ... ولم يطق دفعها حولي ولا حيلي
لولا السقام الذي فيها لما فتكت ... وربما صحت الأجسام بالعلل
الفرزدق:
ومقلة شادان أودت بنفسي ... كأنّ السقم لي ولها لباس
يسل اللحظ منها مشرفياً ... لقتلي ثم يغمده النعاس
بدر الدين بن حبيب:
عيناه قد شهدت بأني مخطىء ... وأتت بخط عذاره تذكارا
يا حاكم الحب اتئد في قتلتي ... فالخط زور والشهود سكارى
جلال الدين بن خطيب داريا:
شهدت جفون معذبي بملاله ... مني وإن ودادة تكليف
لكنني لم أنأ عنه لأنه ... خبر رواه الجفن وهو ضعيف
أمين الدين كاتم سر الشام:
إن كان قيد هواك أطلق أدمعي ... فوكيل شوقي عاجز عن حبسه
أو كان منك الطرف أسهر ناظري ... فلكل شيء آفة من جنسه
الصلاح الصفدي:
غزال من الأتراك ما ضاق لحظه ... لحظي إلا كي تضيق مذاهبي
كان الحشا طير وكاسر لحظه ... تصيدها من جفنه بالمخالب
ابن أسد الدين:
إلى الله أشكو حب أهيف فاتن ... وقعت فما لي من يديه خلاص
جرحت بلحظي خده وهو جارح ... بلحظيه قلبي والجروح قصاص
وقلت:
يقولون إن الشمس تحرق كل ما ... تجاسده من كانسات الكواكب
فها خذها المريخ مع شمس وجهها ... قد اقترنا في سمت قوس الحواجب
نعم قضيا لي بالشقاوة منهما ... بسهم لحاظ عاقني عن مطالبي
(1/176)

ومن الثالث قول ابن قلاقس:
فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار
ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار
الصنوبري:
ذات خد يكاد يدميه وهم ... من مشير بالجد أو بالمزاح
في بياض وحمرة فكان قد ... صيغ حسناً من ماء مزن وراح
محمد بن ياقوت:
ما لي بجور الحبيب من قبل ... هل حاكم عادل فيحكم لي
حمرة خديه من دمي صبغت ... ويدعى أنها من الخجل
علاء الدين المدني:
يا حسن ورد طفا في ماء وجنته ... فزاد أهل الهوى في حبه شغفا
وراح يجني ثمار الوصل عاشقه ... لما تمكن من خديه واقتطفا
وقال آخر:
وأغيد تدمي وجنتاه من اللمح ... تخلق إلا من صدودي بالشح
غدا قاتلي إن ظلت أجرح خده ... متى صار بالقتل القصاص من الجرح
كمال الدين بن النبيه:
صنعة الكيمياء صحت لعيني ... حين يزداد أدير إني احمرار
فإذا ما ألقيت أكسير لحظي ... في لجين الخدود عاد نضارا
مظفر الأعمى:
قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق
وحال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق
وقال بعضهم:
فتنت بتركي حماني عناقه ... عقارب صدغيه على خده صرعى
ألم تراني كما رمت لثمه ... تخيل لي من سحرها أنها تسعى
عز الدين الموصلي:
كالزرد المنظوم أصداغه ... وخده كالورد لما ورد
بالغت في اللثم وقبلته ... في الخد تقبيلاً يفك الزرد
ابن الوردي:
قال من أهواه صف صدغي بما ... فيه توجيه وحببه إلي
قلت إن الصدغ لام قد كوى ... نصبها قلبي فهذى لام كي
برهان الدين القيرطي:
عنقود صدغ الذي أهواه يتمنى ... وقال لي ريقه لما رأى وصبى
إن كان في الصدغ عنقود فتنت به ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
وقال آخر:
وبين الخد والشفتين خال ... كزنجي أتى روضاً صباحا
يحير في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا
الصلاح الصفدي:
بروضة خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبه
كأن الحسن يعشقه قديماً ... فنقطه بدينار وحبه
وهذا مأخوذ كما ذكره ابن حجة من قول ابن نباتة:
بروحي فاتر الألحاظ ألمى ... ملّى الحسن حالي الوجنتين
له خال على دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين
العفيف التلمساني:
أدنته لي سنة الكرى فلثمته ... حتى تبدل بالشقيق السوسن
ما راعني إلا بلال الخال من ... خديه في صبح الجبين يؤذن
شهاب الدين الخيمي:
وعذولي لج في عذلي إذ ... لم ير الخال على الخد الأسيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل
شمس الدين الصائغ:
بروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا ذو مال فأفديه بالمال
تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك
جمال الدين بن نباتة:
لله خال على خد الحبيب له ... بالعاشقين كما شاء الهوى عبث
أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث
الصلاح الصفدي:
أفدي حبيباً له في كل جارحة ... مني جراح بسيف اللحظ والمقل
تقول وجنته من تحت شامته ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
ابن الوردي:
لحبيبي شامة في خده ... لا علاشان حسود شانها
رب عين دهشت منه فقد ... نسيت في خده إنسانها
وقال آخر:
يا سالباً قمر السماء جماله ... ألبستني في الحزن ثوب سمائه
أشعلت قلبي فارتمى بشرارة ... علقت بخدك فانطفت في مائه
ابن تميم:
رأيت حبة قلبي حين لاح لها ... محبوبها نفرت من حر أفكاري
(1/177)

ثم استجارت بخد منه فهي به ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال بعضهم:
له على حاجبه شامة ... تنزهت في الحسن عن عائب
مثل طواشي زاد في حمقه ... يعلو على الناظر والحاجب
تقي الدين بن حجة:
قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد
فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد
وقال آخر:
غدا خاله ربل الجمال لأنه ... على عرش كرسي الخدود قد استوى
وأرسل في الأصداغ رسلاً أعزة ... على فترة تدعو القلوب إلى الهوى
وقال آخر:
يريك بوجنتيه الورد غضا ... ونور الأقحوان من الثنايا
تأمل منه تحت الصدغ خالاً ... لتعلم كم خبايا في الزوايا
وقال آخر:
أبو طالب في كفه وبخده ... أبو لهب والقلب منه أبو جهل
وبنتا شعيب مقلتاه وخاله ... إلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل
وقال آخر:
لهيب الخد حين رآه طرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالاً ... وها أثر الدخان على الحواشي
القيراطي:
أنظر إلى سطر عذار بدت ... من فوقه الشامات مثل النقط
صحت به نسخة حسن وكم ... قد راحت الأرواح فيها غلط
وقال آخر:
ومهفهف يحمي ورود رضابه ... بصور أم سلت من الأجفان
كتب العذار بليقة مسكية ... في خده سطراً من الريحان
أبو غالب:
سأصنع في ذم العذار بدائعاً ... فمن شاء فليقض الدليل كما أقضي
إلا أنه كاللام واللام شأنها ... إذا الصقت بالاسم صار إلى الخفض
البدر الدماميني:
تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار
فقال جبينه لما تبدى ... حديث الليل يمحوه النهار
سيدي أبو الفضل بن وفاء:
على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما
حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العذار حمى حما
ابن النبية:
جنت بمنظره البديع عيوننا ... فتسلت بمدامع الأجفان
واخضر فوق الخد آس عذاره ... فعجبت للجنات في النيران
تاج الدين اليماني:
بخلت لواحظ من رآني مقبلاً ... برموزها ورموزهن سلام
فعذرت نرجس مقلتيه لأنه ... يخشى العذار لأنه نمام
الصلاح الصفدي:
عذارك والطرف يا قاتلي ... يحاكيهما الآس والنرجس
وقد صار بينهما نسبة ... فهذا يدب وذا ينعس
الطنبغا الجاولي:
عذارك والطرف قد أظهرا ... جميع الذي فيهما يرمز
وأنى يُصان الهوى عنهما ... وهذا ينم وذا يغمز
وله أيضاً:
من قال عما قد بدا في خد من ... أحببته شعراً به ما أنصفا
هذاك نمل رام شهده ريقه ... فرأى تلهب خده فتوقفا
محمد بن الرعاد:
أعد نظراً فما في الخد نبت ... جماه الله من ريب المنون
ولكن رقّ ماء الخد حتى ... أراك خيال أهداب الجفون
عز الدين الموصلي:
لقد كنت لي وحدي ووجهك جنتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب
فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ريقك شارب
ابن نباتة:
وأحر يا من هوى رشيق ... معتدل كالقضيب مائل
عذراه لا يجيب دمعي ... وسائل لا يجيب سائل
الشهاب الحجازي
سال العذار بخده فإذا ... المبيض في خديه سود
ولسان حال الخد ينشدها ... هل بالطلول لسائل رد
الزين المصري
إن ماس فالغصن بالأوراق مستتر ... أو لاح فالبدر بالأنواء محتجب
عذراه بسواد القلب منتقش ... وخده بدم العشاق مختضب
وقلت
يا وجنة من تحت أصداغها ... لأنفس العشاق كم تجذبي
وهاجة كاد سنا برقها ... يذهب الأبصار لم يحجب
(1/178)

أهل المجسطي لو رأوها قضوا ... بشرف المريخ في العقرب
وقالت
يا عجباً للخال في خدها ... كيوا بالمريخ يستمسك
نحسان دلا في اقتران على ... أن دم الصب هنا يسفك
يا مطلب طلسمه مانع ... هل مطلب الإله مهلك
وقلت
سألتها عن بياض ... في وجنتيها وحمره
إذا طريق اجتماع ... قالت وراية نصره
وقلت في العذار
جرى الخلف في نبت العذار فذاهب ... إلى أنه مسك على الورد منثور
ومن قائل آس فقلت كلاهما ... غدا مصلحاً للورد إذ فيه كافور
ولبعضهم
ولا تحسبن الخال في الشفة التي ... يتيه بها المحبوب نقصاً ولا خلل
ولكنه ختم على ما بثغره ... من الدر والياقوت والخمر والعسل
ومن الرابع قول بعضهم
سألته في ثغره قبلة ... فقال ثغري لم يجز لثمه
فهاكها في الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه
وقال آخر
وموعدي بقبلة ... أرشفها من مبسمه
سوّف بي ولم يزل ... يوعد لكن بفمه
وقال آخر
ذكرت ريق حبيبي ... يشرب راح معطر
وليس ذا بعجيب ... فالشيء بالشيء يذكر
جمال الدين بن نباتة
وأغيد في فيه المدام ولحظه ... وفيّ وفي أعطافه نشوة السكر
تداويت من ألحاظه برضا به ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
وقال آخر
نقل ألا رآك بأن ريقة ثغره ... من قهوة مزجت بماء الكوثر
قد صح ما نقل إلا رآك لأنه ... يرويه حقاً عن صحاح الجوهري
الصلاح الصفدي
يا ثغره ليس الثنايا التي ... تضيء غير الأنجم الغر
فليقل المسواك ما عنده ... فهو عن الضحاك والزهري
ابن قلاقس
جمعت نكهته في ثغره ... عبقاً في نسق يسبي الحدق
وبدت خجلته في خده ... شفقاً في فلق تحت غسق
وقال آخر
خد وثغر فجل رب ... بمبدع الحسن قد تفرد
فذا عن الواقدي يروي ... وذاك يروي عن المبرد
شمس الدين بن الصائغ
بروحي من ولى فولى بمهجتي ... وولى منامي فهو كالوصل شارد
حمى ثغره عني بسيف لحاظه ... وحتام يحمي ريقه وهو بارد
الصلاح الصفدي
رشفت ريقك حلواً ... فلم يكن لي صبر
وسوف أحظى بوصل ... وأول الغيث قطر
إبرهيم بن المعمار
عزمت على رقيا محاسن وجهه ... بأوار آيات الضحى حين أقبلا
فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أولا
الصلاح الصفدي
أحببته كالغصن كم شاعر ... له عليه نوح ورقاء
وثغره الصادي من حسنه ... يحار في تشبيهه الطائي
يوسف بن مسعود
رأى ثغر من أهوى عذولي فلامني ... ولم يدر أن اللوم في حبه يغري
شغلت بهذا وارتبطت بحسنه ... وأحسن ما كان الرباط على الثغر
النواجي
لله ثغر للحبيب تجمعت ... في ضمنه للعاشقين نفائس
فيه الرحيق وخاله المسك الختام ... وفيه فليتنافس المتنافس
الصلاح الصفدي
قد شبه الخال على ثغره ... تشبيه من لا عنده شك
بسبحة من جوهر أودعت ... حق عقيق ختمه مسك
ابن ريان
لاحت على مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التئام
لا تعجبوا إن كثرت حوله ... فالمنهل العذب كثير الزحام
ابن الوليد
أريقاً من رضا بك أم رحيقاً ... رشفت فلست من سكرى مفيقاً
وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأن في الأسماء ريقا
شيخ الشيوخ بحماة
سألته من ريقه شربة ... أشفى بها من كبدي حره
فقال أخشى يا شديد الظمأ ... أن تتبع الشربة بالجرّه
الحريري
نفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب
(1/179)

يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
ابن عنين
يا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه وأحسب الرشد غيا
ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم ... يفترّ عن نجوم الثريا
ابن ثنا الملك
له فم يمنعه ضيقه ... أن يخرج اللفظ بتقويم
ولفظه سكران من ريقه ... فهو لهذا غير مفهوم
ما فمه ميم ولكنه ... علامة الجزم على الميم
وقال آخر
كان على أنيابها الخرمجه ... بماء الندى في آخر الليل عابق
وما ذقته إلا بعيني تفرساً ... كما شيم من أعلى السحابة بارق
ابن الرئيس
لئن كان من لؤلؤ ثغرها ... فإن له صدفاً من عقيق
وإن كان من اقحوان النبات ... فإن مشاربه من رحيق
أبو العشائر
ثغر كلمع البرق حسن بريقه ... يشفي فؤاد المستهام بريقه
قد بت ألثمه وأرتشف المني ... من دره ورحيقه وعقيقه
وقار آخر
بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي الله خالصة ... قبل العيان بأنه رب
والعين لا تعبأ بنظرتها ... حتى يكون دليلها القلب
أبو عبادة ويعزى إلى يزيد بن معاوية وهو الصحيح
واستمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد
وهو من قصيد كلها ملح وعيون سأذكرها في الغزل المطلق وأما بيت أبي عبادة الذي بنى عليه الحريري المقامة الحلوانية فهو.
كأنما تبسم عن لؤلؤ ... منصداً وبرد أو أقاح
الحريري
سألتها حين زارت نضو برقعها الق ... اني وإيداع سمعي أطيب الخبر
فزحزحت شفقاً غشى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤاً من خاتم عطر
وأقبلت يوم جدّ البين في حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر
وقلت
أقول لمن بالطب أصبح جاهلاً ... مقالاً صحيحاً قيما غير ذى عوج
يرى ثغرها خصراً على ذى حرارة ... لأن به شهداً مع الخمرة امتزج
أغرق أن الخمر أنى مذجتها ... بشهد أتت بالحرفي رابع الدرج
أما اعتدلت إذ جاورت برداً به ... تنضد والجريال في ذلك الفلج
وهبك جهلت الطبع ماذا تقدل في ... عقيق وبلور فيه قد نتج
وبينهما خلف طويل مفصل ... بكتب أرسطو والذي قبله درج
وقلت
أرى ريقها عند الشفاء لكل ما ... تعذر من داء عن البرء أو فسد
عليك به فهو النجاة لشارب ... وإن جاوز القانون فيه أو اقتصد
فهذي إشارات كفت كل عاقل ... وإن قيل شيء غيرها ليس يعقد
وقلت
عجبت من المسواك يرشف ريقها ... مدى الدهر لا يحميه من ذاك مانع
ويبقى جماداً كيف لم يحى بالحيا ... وتفنى الليالي وهو أخضر يانع
رضاب يقوم الميت إن شم عرفه ... ولو قطعت أوصاله والاضالع
فقال خشيت الهجر منها فعاقني ... فحسبك عذر في جوابي قاطع
بنفسي ثغر قلت إذ لاح نوره ... أبرق بدا من جانب الغور لامع
وبرد رضاب قلت عند وداعه ... زمان اللقا بالخيف هل أنت راجع
وقد أكثروا من هذا النمط أعني التشبيب بالوجه وأعضائه البسيطة والمركبة لكونه أشرف وأبهج وأعلى وألطف وأما ما عداه فنادر أن تيسر لشاعر بيت أو بيتان أو أكثر في عضو يعينه أما في ضمن غيره فكثير سنورد منه ما تيسر حسبما شرطنا وأما مطلق القامة بما فيها فأكثر من أن يحصى ما فيه وما قيل من أن أول من وصف الندى عمرو بن كلثوم.
وثدي مثل حق العاج رخص ... مصان عن أكف اللامسينا
فأمر يحتاج إلى مزيد استقصاء وإحاطة لأن العرب تغزلت كثيراً غاية الأمر أن المتأخرين ألطف فمن وصفهم الجيد في ضمن غيره قول بعضهم:
لها جيد أمّ الخشف ريعت فأقبلت ... ووجه كفر الشمس ريان مشرق
(1/180)

وعين كعين الظبي فيها ملاحة ... هي السحر أواد هي التباساً وأعلق
دعبل
أتاح لك الهوى بيض حسان ... سلبنك بالعيون وبالنحور
نظرت إلى النحور فكدت تقضي ... فأولى لو نظرت إلى الخصور
ابن الرومي
صدور فوقهن حقاق عاج ... وحلى زاي حسن اتساق
يقول الناظرون إذا رأوها ... أهذا الحلى من هذا الحقاق
وما تلك الحقاق سوى ثديّ ... قدرن من الحقاق على وفاق
نواهد ليس يعدوهنّ عيب ... سوى منع المحب عن العناق
المهلبي
أقاتلني بفتور الجفون ... ورمانتين على معصر
كحقين من لب كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
الرقاء
ومن وراء سجوف الحي شمس ضحى ... تجول في جنح ليل مظلم داجي
مقدودة حفظت أيدي الشباب لها ... حقين دون مجال العقد من عاج
الثعالبي
قد حجبت وجهها عن النظر ... بمعصم حل عقد مصطبري
كأنه والعيون ترمقه ... عمود صبح في دارة القمر
وقال بعضهم
كأن الثدايا إذا ما بدت ... وزين منها النهود الصدورا
حقاق من الدر مخروطة ... يسعن من المسك شيأ يسيرا
الحسن بن هاني
بأبي غادة تميس بقد ... تتثنى فتخجل الأغصانا
لمست صدرها فباهت وقالت ... غصن قدي قد أثمر الرمانا
وقلت
أذاب لهيب الخد منها بناره ... لجيناً فمنه صيغ منبسط الصدر
وذاك برأي العين أما بملمس ... فلين حرير والنهود من الدر
ومن أوصافهم في الأرداف والخصور بالضميمة كما سبق قول عبد الوهاب السندوبي:
قام فكادت لين أعطافه ... تقصها الأرداف من نهضه
فكيف يرجو الغير انصافه ... وبعضه جار على بعضه
ابن قزل
وأهيف القدّ بت أشكو ... له تلافى وما تلافى
فمال عطفاً ورق خصراً ... وإنما ردفه تجافى
آخر
يا خصره كم جفاه ... تبدي وأنت نحيل
يا ردفه ملت عني ... ما أنت إلا ثقيل
ابن مكانس
كسلت أرداف حبي ... فدموعي تتوالى
أيها المحبوب فارحم ... رب دمع فيك سالا
الصلاح الصفدي
أقول له قد رق عيشي والصبا ... وعقلي وكاساتي وصوت الذي غنى
وقال الذي أهوه خصري نسيته ... فقلت له والله قد جئت في المعنى
سيف الدين المشد
مهفهف القدّ نحيل الحشا ... يسبي الورى عمداً بطرف مريض
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع قلبي في الطويل العريض
ابن سنا الملك:
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع قلبي في العريض الطويل
يا ردفه جرت على خصره ... رفقاً به ما أنت إلا ثقيل
ابن الوردي:
إذا قيل ما ردفي وشعري أجبته ... كثيف مهيل فوق حية تسعى
وإن قيل هل ترعى عذاري مورياً ... أقول له أي والذي أخرج المرعى
الصلاح الصفدي:
لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما
لكن تنازل في الشفاعة عنده ... وغدا على أقدامه يترامى
البها زهير وهو مما شاع ولم نره في ديوانه:
حبذا نفحة ريح ... فرجت عني غمه
ضربت ثوب فتاة ... أظهرت تيهاً وحشمه
فرأيت البط والسرّ ... ة والخصر وثمه
الباخرزي فيما يكتب على التكه:
لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور
وإذا نسجت فإنني ... بين الترائب والنحور
ولقد نشأت صغيرة ... يا كف ربات الخدور
بشار:
نظرت في القصر عيني ... نظراً وافق حيني
سترت لما أن رأتني ... دونه بالراحتين
فضلت منه فضول ... تحت طي العكنتين
ليتني كنت عليه ... ساعة أو ساعتين
(1/181)

ولها حكاية حاصلها أن المهدي دخل على بعض جواريه وهي مجردة فلما استترت منه بيديها فاض عنهما فأنشد: نظرت في القصر عيني وارتج عليه فاستدعى بشاراً فقال له أجز وأنشد الأبيات: العباس بن الأحنف:
ومثلك لم أر في العالمين ... نصفاً قضيباً ونصفاً كثيبا
وأنت إذا ما وطئت الترا ... ب كأن ترابك للناس طيبا
أبو الحسين الجزار:
وكم ليلة أستغفر الله بتها ... بخدّ وثغر بين ورد وجريال
سرت راحتي غوراً ونجداً إلى الضحى ... وما ذاك إلا في خصور وأكفال
الصفي الحلي:
إذا تثنت بأعطاف يجاذبها ... مدار غصن من الكشان ممطور
رأيت أمواج أرداف إذا التطمت ... في لج بحر بماء الحسن مسجور
وقال آخر:
وإذا السوالف بالبنفسج ... جاورت ورد الخدود
وتموجت كتب الرواد ... ف تحت أغصان القدود
شاهدت في أيدي الظبا ... ء قياد أعناق الأسود
ابن نباتة:
سألت التقا والبان أن يحكيا لنا ... روادف أو أعطاف من زاد صدها
فقال كثيب الرمل ما أنا حملها ... وقال قضيب البان ما أنا قدها
الصلاح الصفدي:
أقول وقد نامت على حر وجهها ... وما لي عليها في الظلام دبيب
وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى ... إليّ وإن لم آته الحبيب
ابن أبي حجلة:
مالت كغصن مع الأرواح مياس ... مصرية الحلى تبدو لي بمقياس
ما جنّ ليلي وأمسى حليها قلقاً ... إلا وثار بها جني ووسواسي
ولا بد أردفها الراسي إذا قعدت ... إلا وباتت يدي منه على راسي
شمس الدين بن جابر النحوي وهو الشهير بالأعمى والبصير في شرح الألفية يعني باعتبار البصر في الأول والبصيرة في الثاني وبالعميان في البديعية يعني أنه مفرد ناب عن جمع فلا يغتر بقول ابن حجة والعميان لم ينظموا ولم يقولوا وأمثال ذلك مما يدل على الجمع وطالما كلفت بمعرفة هذا وسألت عنه فلم أظفر بمن يشفي العلة حتى رأيته في كلام العلامة السيوطي رحمه الله تعالى:
مقدمة الأرداف ركب فوقها ... مقدمة الخصر الذي هو ذابل
فتم قياس الحسن لما تركبا ... وجاء على النظم الذي هو كامل
فأنتج حسناً لم يلم فيه عاشق ... بوجه ولم يوجد من الناس عادل
وله أيضاً:
سبب خفيف خصرها ووراءه ... من ردفها سبب ثقيل ظاهر
لم يجمع النوعان في تركيبها ... إلا لأن الحسن فيها وافر
وله أيضاً:
تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقد وقته اجعان
خدّ عليه رياض الحسن قد خلعت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان
محقق نسخ صبري في هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خط على ... ذاك الجبين فلا يسلوه انسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مرّ بالبال يوماً عنك سلوان
ولا غبار على حبي فعندك لي ... حساب شوق له في القلب ديوان
وله أيضاً:
وقفت يوم الوداع ملتفتاً ... أطمع في نظرة أرددها
فأعرضت والظباء تغبطها ... في حسن أعراضها وتحسدها
وكلفت لدن خصرها كفلاً ... يكاد عند القيام يقعدها
وله أيضاً:
رقم الخال خدّها في إناء ... قمر الأفق فيه نقطة ليل
قلت ابن الكثيب والغصن قالت ... كلما قد ذكرته تحت ذيلي
وله أيضاً:
إن شئت ظبياً أوهلا لا أودجي ... أو زهر بان في الكثيب الأميد
فللحظها ولوجها ولشعرها ... ولخدها والقدّ والردف أقصد
وله أيضاً:
أقبلت في لازوردي علي ... ناعم أبيض لدن معجب
والحلي والوجه والثغر وما ... لبست والعطف والردف حبي
أنجما حفت بيدر في دجى ... في سماء فوق بان الكثب
ابن نباتة:
(1/182)

أفدي التي تشتكي في مشيها ولها ... بالردف والخصر تثقيل وتخفيف
تدعو على الكتب والأغصان لاعنة ... فالكتب مهتوكة والغصن مقصوف
الشهاب الحجازي:
قصدت رؤية خصر مد سمعت به ... فقال لي بلسان الحال ينشدني
أنظر إلى الردف تستغني به وأنا ... مثل المعيدي فأسمع بي ولا ترني
وقلت:
ما أخطأ الفيلسوف فيما ... قرر من رفعة اللطافة
ها خصرها قد علا لما قد ... حواه في الظروف والترافة
ودونه الردف حط وصفا ... مذ كان في غابة الكثافة
وقلت:
قد غرت عشاقها ... وتركهم للغزل
في خصرها وشببوا ... بردفها والكفل
قلت إلى كم تلهجوا ... بسافل لا بعلى
وأما الأغزال المطلقة التنصيص العامة من غير تخصيص فكثيرة لا تحصى وغزيرة لا تستقصى فلنورد منها ما حس وقعه في الأسماع وجلب القلوب السليمة الأذواق عند السماع شمس الدين بن العفيف:
قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا ... فراح في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فرام الوصل فامتنعوا ... فسام صبراً فأعيا نيله فقضى
وقال آخر:
لو كان سالك عالماً بذوي الهوى ... ومحله من أضلع العشاق
ما عذب العشاق إلا بالهوى ... وإن استغاثوا غائهم بفراق
المظفر الآمدي:
قل للذين جفوني إذا لهجت بهم ... دون الأنام وخير القول أصدقه
أحبكم وهلا كي في محبتكم ... كعابد النار بهواها وتحرقه
ابن الوردي:
دهرنا أضحى ضنينا ... باللقاء حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي ... وأجمعينا أجمعينا
ابن نباتة:
أهلاً بسائرة الصبا من نحوكم ... وبما عهدنا من تعاهد طولها
أملت على الذهر المقطب ذكركم ... حتى تبسم ضاحكاً من قولها
الصفي الحلي:
لا غرو أن يصلي الفؤاد بحبكم ... نار تؤججها يد التذكار
قلبي إذا غبتم يصوّر شخصكم ... فيه وكل مصور في النار
وقال آخر:
صلوا مدنفاً قد واصل السقم جسمه ... ومن بعدكم طيب الرقاد فقد فقد
بأحشائه نار يهب ضرامها ... ومن لي بإطفاء الغرام وقد وقد
الأرجاني:
تمتعتما يا مقلتيّ بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد
أعيناي كفا عن فؤادي فإنه ... من ابلغي سعى اثنين في قتل واحد
الملك الصالح داود:
عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند تحريك الجفون سكون
إذا أبصرت قلباً خلياً من الهوى ... تقول له كن مغرماً فيكون
ابن إسرائيل:
وقلت شهودي في هواك كثيرة ... وأصدقها قلبي ودمعي مسفوح
فقال شهود ليس يقبل قولها ... فدمعك مقذوف وقلبك مجروح
القيراطي:
لما حدا بالركب حاديهم ... وأسمع الداني والقاصي
أطاعني دمع جرى نهره ... فدمعي الطالع كالعاصي
لؤلؤ:
وأرقني خيال من حبيب ... تناءت داره لما أتاني
فمن سهري يلم فلا أراه ... ومن سقمي يطوف فلا يراني
وقال آخر:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... فرق جسمي فتمنطقت به
وزاد بي السقم فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
شمس الدين بن العفيف:
فكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالى ريقه وهو بارد
وكم يدّعي صوناً وهذي جفونه ... تفسر للعشاق منها مواعد
وله أيضاً:
إذا ما رمت حل البند قالت ... معاطفه حمانا لا يحل
وإن جليت بوجنتيه مدام ... يرى لعذاره دور ونزل
وقال آخر:
قال لي أهيف المعاطف صف لي ... هيفي قلت يا رشيق القوام
لك قدّ لولا جوارح لحظيك ... لغنت عليه ورق الحمام
ابن خفاجة:
مهفهف طاوى الحشا ... كالغصن يخطران خطر
(1/183)

فإذا رنا وإذا شدا ... وإذا سقى وإذا سفر
فضح الغزالة والحمامة ... والغمامة والقمر
ابن أبي الحديد:
بالله ضع قدميك فوق محاجري ... فلقد قنعت من الوصال بذاكا
وأطل محادثتي فإن مسامعي ... تهوي حديثك مثل ما تهواكا
ابن المتوفي:
رأت قمر السماء فأذكرتني ... ليالي وصلنا بالرقمتين
كلانا ناظر قمراً ولكن ... رأيت بعينها ورأت بعيني
ابن نباتة:
علقتها هيفاء حالية الطلى ... تجنى على طرف المحب وقلبه
بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوّقة بما بخلت به
الدمياطي:
وفتاته الألحاظ معسولة اللمى ... أهيم بها شوقاً إذ هي أعرضت
تصاممت لما أن سمعت كلامها ... لتشفي قلباً بالإعادة أمرضت
الوادعي:
قلت للعاذل المفند فيها ... يوم زارت وسلمت مختالة
قم بنا ندّعي النبوة في العش ... شق فقد سلمت علينا الغزالة
ياقوت:
وعدت أن نزور ليلاً فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدّقت أن ترى الشمس ليلا
وقال آخر:
تجلى محياها فخافت رقيبها ... فأرخت عليه من ذوابئها سجفا
محيا رآه الصب للحسن جامعاً ... فأجرى عليه من مدامعه وقفا
ابن الرومي:
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أقبلت ... وقع السهام ونزعهن أليم
شمس الدين:
حتى إذا طاش عنها المرط من دهش ... وانحل بالضم عقد السلك في الظلم
تبسمت فأضاء الجو فألتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم
ابن الساعاتي:
قبلتها ورشفت خمرة ريقها ... فوجدت نار صبابة في كوثر
ودخلت جنة وجهها فأبا حتى ... رضوانها المرجو شرب المسكر
الأرجاني
وفتانة صاغت سلاسل صدغها ... قيوداً على أعداد عشاقها الأسرى
تبسم عن درّ تنظم مثله ... فلم أر أحلى منه نظماً ولا نثرا
وقال آخر:
نظرت إليها نظرة فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاتها
وأوحى إليها الوهم أني أحبها ... فأثر ذاك الوهم في وجناتها
ابن مكناس:
علقتها معشوقة خالها ... أن عمها بالحسن قد خصصا
يا وصلها الغالي ويا جسمها ... لله ما أغلى وما أرخصا
أمين الدين السليماني:
أضيف الدجى معنى إلى لون شع ... رها فطال ولولا ذاك ما خص بالأجر
وحاجبها لون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر
ابن الوردي:
ردفها والخصر منها ... جل من ربى ودقق
نهدها يطفي لهيبي ... فهو رمان محقق
أبو الحسن الجزار:
تكلف بدر السما إذ حكى ... محياك لو لم يشنه الكلف
وقام بعذري فيك العذار ... فأجرى دموعي لما وقف
وله أيضاً:
حمت خدها والثغر عن هائم شج ... له أمل في مورد ومورّد
وكم هام قلبي لارتشاف رضابها ... فأعرض عن تفصيل نحو المبرد
ابن النقيب:
يا مالكي ولديك ذلي شافعي ... ما لي سألت فما أجبت سؤالي
فوخدك النعمان أن بليتي ... وشكايتي من جفنك الغزالي
شيخ الشيوخ بحماة:
لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تارة
تعاملني بما يحيى سلوى ... ولكن ليس في جوفي مرارة
وله أيضاً:
حروف غرامي كلها حرف إغراء ... على أن سقمي بعض أفعال أسماء
وله أيضاً:
وبدر دجى لم ينتقل كسميه ... ولكنه ما زال في القلب والطرف
يلوح لعيني ماشقاً نون صدغه ... فأعبد خلاقي على ذلك الحرف
وله أيضاً:
قلت وقد عقرب صدغاً له ... عن مشقة الحاجب لم يحجب
(1/184)

قدّست يا رب الجمال الذي ... ألف بين النون والعقرب
وله أيضاً:
سبحان مورثه من حسن يوسف ما ... لم يبق الحجر لله والصبر من حصص
أقام للشعراء العذر عارضه ... فكم له في دبيب النمل من قصص
وله أيضاً
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأدامتني على وجل
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الانسان من عجل
مجير الدين الدمشقي
لما لبست لبعده ثوب الضنا ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا
أجريت واقف مدمعي من بعده ... وجعلته وقفاً عليه جاريا
ابن لؤلؤ الذهبي
رفقاً بصب مغرم ... أبليته صداً وهجراً
وأفاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهراً
ابن قرناص
ووجنة قد غدت كالورد حمرتها ... وأشبه الآس ذاك العارض النضر
كأن موسى كليم الله اقبسها ... ناراً وجر عليها ذيله الخضر
وله أيضاً
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ساهره
أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهره
شمس الدين بن العفيف
أيصعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خطب بخدك نازل
ولو أن قسا واصف منك وجنة ... لا عجزه نبت بها وهو باقل
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة مضمناً فقال:
تطاولت الأغصان تحكي قوامه ... وعند التناهي يقصر المتطاول
وأعيا فصيح الوقت نبت عذاره ... وعير قسا بالفهاهة باقل
وله أيضاً
وافى بوجه كالهلال مركب ... في قامة غصنيه هيفاء
وبمقلة خفق الفؤاد وقد رنت ... وكذا الجنون يكون عن سوداء
وله أيضاً
أسكرني باللفظ والمقلة ... الكحلاء والوجنة والكأس
ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاسى
وله أيضاً
بأبي شادنا غدا الوجه منه ... يخجل النيرين في الأشراق
سلب القضيب لينها فهي غيظاً ... واقفات تشكوه بالأوراق
وله أيضاً
لو لم تكن ابنة العنقود في فمه ... ما كان في خده القاني أبو لهب
تبت يدا عاذلي فيه فوجنته ... حمالة الورد لا حمال الحطب
سيف الدين بن المشد
مسكية الأنفاس تملي الصبا ... عنها حديثاً قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل
وله أيضاً
وشادن أوردني هجره ... لهيب حر الشوك والفرقه
أصبحت حران إلى ريقه ... فليت لي من قلبه رقه
علاء الدين الوداعي
يفتن بالفاتر من طرفه ... وريقه البارد يا حار
وله أيضاً
ألحاظه وهي السيوف كليلة ... ويكون تعذيب الكليلة أطولا
وله أيضاً:
ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم
وله أيضاً:
فديت من مبسمه ... زهر لغصن قده
فصدغه مطوّق ... في روضة من خده
وله أيضاً:
وذي دلالة أهيف أحور ... أصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساته ... وقال ساقي قلت في وسطي
ابن نباتة:
بروحي مشروط على الخد أسمر ... دنا وفي بعد التجنب والسخط
وقال على اللئيم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفاً على ذلك الشرط
وله أيضاً:
وضعت سلاح الصبر عنه فماله ... يقاتل بالألحاظ من لا يقاتله
وسال عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله
وله أيضاً:
لا تخف عيلة ولا تخش فقراً ... يا كثير المحاسن المختالة
لك عين وقامة في البرايا ... تلك غزالة وذي قتالة
وله أيضاً:
بروحي معسول اللمى متحجب ... إذا لم يزر لم يهن عيش ولا اذا
وإن ذقت منا من حلاوة ريقه ... أتانا رقيب يتبع ألمن بالأذى
وله أيضاً:
بأبي نائم على الطرق راحت ... في هواه وليس يعلم روحي
(1/185)

فاتح في الكرى فما سكريا ... يا له من مسكر مفتوح
وله أيضاً:
ومن الشقا إن الجفا وتشوّقي ... لا ينتهي هذا وذاك إلى الطرف
ما ما غصن قوامه عن فكرتي ... يوماً ولا دينار وجنته انصرف
الصلاح الصفدي:
وظبى معانيه بيان بديعها ... له حار فكري إذ رأى كل معجز
قرأت مقامات الحريري كلها ... على خده مشروحة للمطرزي
وله أيضاً:
قالت وقد مادت كغصن النقا ... أسرفت في العشق بلا فائدة
فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن مدت له المائده
ابن الوردي:
ومليح إذا النحاة رأوه ... فضلوه على بديع الزمان
برضاب عن المبرد يروى ... ونهود تروى عن الرمان
وله أيضاً:
عجبت في رمضان من مسحرة ... بديعة الحسن إلا أنها ابتدعت
جاءت تسحرنا ليلاً فقلت لها ... كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت
وله أيضاً:
أنحلتني حبيبة ... أنحل الله خصرها
كسرتني جفونها ... ضاعف الله كسرها
وله أيضاً:
مليح ردفه والساق منه ... كبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيباً ... فقد عزم الغريب على الخروج
وله أيضاً:
تقويم ثغرك صح يا من ثغره ... در يقصر دونه التقويم
إني لأبكي من جفاك ولي أب ... والثغر يضحك منك وهو يتيم
وله أيضاً:
ووعدت أمس بأن تزور فلم تزر ... فقعدت مسلوب الفؤاد مشتتا
لي مهجة في النازعات وعبرة ... في المرسلات فكرة في أهل أتى
ابن الصائغ.
يا مليحاً روو الناعنة حسناً ... وقبيح إن لم يكن تمّ حسنا
طبت لفظاً مع الرواة ولكن ... ينبغي أن تطيب في الدهر معنى
ابن مكانس.
بأبي عقيقة مرشف ... برّت وكانت قبل عقت
فلثمتها ورشفتها ... وقطعتها من حيث رقت
وقال والده:
يقولون هل من الحبيب بزورة ... ومنا كم المطلوب قلت لهم منى
فقالوا لنا غوصوا على دره وما ... يحاكي إذا ما اهتز قلنا لهم غضا
وله أيضاً.
بحق الله دع ظلم المعنى ... ومتعه كما يهوى بانسك
وكف الصد يا مولاي عمن ... بيومك رحت تهجره بأمسك
وله أيضاً.
يا لائمي إذ فقدت الصبر في قمر ... أصداغه سلبت أهل الهوى وسبت
نبت سيوفي اصطباري عنه حين بدا ... آس العوارض في وجناته ونبت
سيدي أبو الفضل ابن وفاء.
ما خادم واسمه في در مبسمه ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
وريقه مع ثناياه التي انتظمت ... كأنه منهل بالراح معلول
البدر الدماميني.
وبي وجنة حمراء زاد صفاؤها ... فأبدت صافت أبدع الحسن كونها
فدع لائمي ينهى عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها
وله أيضاً.
تناسيت أوصاف من وصله ... ينفي عن القلب جميع الكرب
في الخد تسهيل ومن ثغره ... يطيب للصب ارتشاف الضرب
وله أيضاً.
لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المحب الصب في الحين
فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين
وله أيضاً.
قلت لعطار به صبوتي ... محمودة الصبر لا يستطاب
أسقيتني كاس غرام به ... ذبت وما أحسن هذا الشراب
الحافظ ابن حجر.
سألوا عن عاشق في ... قمر باد سناه
أسقمته مقلتاه ... قلت لا بل شفتاه
وله أيضاً.
رسول أتى ممن أحب فقال لي ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا
فكم عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزاً حين ذاق هوانا
وله أيضاً.
ضنيت جوى فواصلني حبيبي ... وعاد إلى الجفاء فعاد ما بي
فقلت أعد وصالي قال كلا ... فها أنا ذبت من رد الجواب
وله أيضاً.
(1/186)

محبوبتي واصلتني ... والهم عني تشتت
وذاب قلب حسودي ... لما دنت وتفتت
وله أيضاً.
وأهيف حياني بطيب وصاله ... ومن ريقه الخمر الحرام حلالي
أدار لي الكاسين خمراً وريقة ... ونزهني عن جفوة وملالي
وله أيضاً.
تجرد من أحب فقال لي من ... يلوم وأظهر الحسد المكتم
أجاد لك الحبيب بلثم جسم ... له كالخز قلت نعم وأنعم
التلعفري من قصيدة.
رشأ عهده وجفناه والخصر ... وجسمي كلا أراه عليلا
أشبهته البدر ونوراً ولكن ... ما حكمته لوناً وخصراً نحيلا
قمر جاعل من القلب والطر ... ف له في سعوده إكليلا
كلما ضل عن طريق جفاه ... ظل فيه من الدليل ذليلا
بعث الصدغ منه فترة الجفن ... لانذار عاشقيه رسولا
وله أيضاً من قصيدة.
هذا العذول عليكم ما لي وله ... أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله
شرط المحبة أن كل متيم ... صب يطيع هوى ويعصى عذله
يزيد بن معاويه.
أليل دجا أم شعرك الفاحم الجعد ... وبدر بدا أم وجهك المشرق السعد
ونرجسة هاتيك أم هي مقلة ... وتفاحة ذاك المضرج أم خد
نقا برد في فيك هذا منضد ... أبيني لنا أم لؤلؤ ضمه العقد
وحقان من عاج لطيفان ركبا ... بصدرك أم ثديان هذان أم نهد
ودعصان إذ وليت أم كفل يرى ... وكثبان رمل في الغلائل أم قد
وأنك لو عاينت ما بي من الأسى ... لقلت جنون ثابت بك أم وجد
إذا ما أتى من نحو أرضك مخبر ... تضوّع من أرجائه المسك والند
وقفت فأضجرت الرسولا مسائلاً ... وأنشدته بيتاً له المثل الغرد
وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني ... شجونا فزدني من حديثك يا سعد
وله من قصيدة سلف صدرها في الغيرة.
خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني ... رأيت بعيني في أناملها دمي
ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها ... بل خبروها بعد موتي بمأثمي
وقولوا لها يا منية النفسي أنني ... قتيل الهوى والعشق لو كنت تعلمي
لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ونغمة داود وعفة مريم
ولي حزن يعقوب ووحشة يونس ... وآلام أيوب وحسرة آدم
ولما تلاقينا وجدت بناتها ... مخضبة تحكي عصارة عندم
فقلت خضبت الكف بعدي وهكذا ... يكون جزءاً المستهام المتيم
فقالت وأبدت في الحشى حرق الجوى ... مقالة من في القول لم يتبرم
وعيشك ما هذا خضاباً عرفته ... فلا تك بالبهتان والزور متهمي
ولكنني لما رأيتك نائباً ... وقد كنت لي كفي وزندي ومعصمي
بكيت دماً يوم النوى فمسحته ... بكفي وهذا الأثر من ذلك الدم
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فكان الفضل للمتقدم
خفاجية الألحاظ مهضومة الحشي ... هلالية العينين طائية الفم
منعمة العطاف يجري وشاحها ... على كشح مرتج الروادف أهضم
وممشوطة بالمسك قد فاح نشرها ... بثغر كان الدر فيه منظم
وله أيضاً من قصيدة طويلة
نالت على يدها ما لم تنله يدي ... نقش على معصم أوهت به جلدي
كأنه طرق نمل في أناملها ... أو روضة رصعتها السحب بالبرد
مليحة لو رأتها الشمس ما طلعت ... من بعد رؤيتها يوماً على أحد
سألتها الوصل قالت لا تكن عبثاً ... من رام منا وصالاً مات بالكمد
واسترجعت سألت عني فقيل لها ... ما فيه من رق دقت يداً بيد
واستمطرت البيت السابق في الثغر البهاء زهير:
(1/187)

رقت شمائله فقلت شمول ... وحوى الجمال فقلت ثم جميل
ودنا فما للبين فيه مطمع ... ونأى فما للقرب فيه سبيل
أهواه أما خصره فمخفف ... طاو وأما ردفه فثقيل
ريان من ماء الشباب مهفهفاً ... أرأيت غصن البان كيف يميل
حلو التثني والثنايا لم يزل ... لي منهما العسال والمعسول
أحبابنا أن الوشاة كثيرة ... فيكم وأن تصبري لقليل
أيخاف قلبي غدركم مع أنه ... جار أقام لديكم ونزيل
فأصدّ حتى لا يقال متيم ... وأزور حتى لا يقال ملول
وله أيضاً
رعى الله من لم يرع لي حق صحبتي ... وسلم من لم يسخ لي بسلامه
وفي ذمة الرحمن من ذم صحبتي ... ولم أك يوماً ناقصاً لذمامه
وإني على صبري على فرط هجره ... وقرب مغانيه وبعد مرامه
يحاول طرفي لحظه في خياله ... ويشتاق سمعي لطفه في كلامه
ويوم وقفنا للوداع وقد بدا ... بوجه يحاكي البدر عند تمامه
شكوت الذي ألقى فظل مقابلاً ... بكائي وشكوى حالتي بابتسامة
فمارق من شكواي غير خدوده ... ولا لأن من نجواي غير قوامه
وله أيضاً:
كلمني والمدام في فمه ... قد عبقت من حباب مبسمه
وراح كالراح في تمايله ... سكران يشتط في تحكمه
بالله يا برق هل تحدثه ... عن نار وجدي وعن تضرمه
وهل نسيم سرى يبلغه ... رسالة من فمي إلى فمه
عجبت من بخله علي وما ... يذكره الناس من تكرمه
هم علموه فصار يهجرني ... رب خذ الحق من معلمه
وله أيضاً:
يا من لعبت به شمول ... ما ألطف هذه الشمائل
نشوان يهزه دلال ... كالغصن من النسيم مائل
لا يمكنه السلام لكن ... قد حمل طرفه رسائل
ما أطيب وقتنا وأهنى ... والعاذل غائب وغافل
عشق ومسرة وسكر ... العقل ببعض ذاك زائل
كالبدر يلوح في قناع ... والغصن يميل في غلائل
والورد على الخدود غصن ... والنرجس في الجفون ذابل
والعيش كما أحب صاف ... والأنس بمن أحب كامل
مولاي يحق لي بأني ... عن مثلك في الهوى أقاتل
لي فيك وقد علمت عشق ... لا يفهم سره الأوائل
في حبك قد بذلت روحي ... إن كنت لما بذلت قابل
لي عندك حاجة فقل لي ... هل أنت إذا سئلت باذل
في وجهك للرضا دليل ... ما تكذب هذه المخايل
ما أطلب في الهوى شفيعاً ... لي فيك غنى عن الوسائل
ذا العام مضى وليت شعري ... هل يحصل لي رضاء قابل
ها عبدك واقف ذليل ... بالباب يمد كف سائل
من وصلك بالقليل يرضى ... الطل من الحبيب وابل
وقلت وجميعه جناس خطى
هواك مازج روحي قبل تكويني ... وأنت ظلما بنار الهجر تكويبي
صبرت فيك على أشياء أيسرها ... ذهاب نفسي وقوم عنك تلويني
وكلما قلت صحت لي محبتها ... أرى ودادك ممزوجاً بتلوين
قد حل عقد اصطباري طول هجرك لي ... وليس غير وصال منك يبريني
إذا شممت شذا رياك منتشفاً ... فما نسيم أتى من نحو يبرين
وقلت
هيفاء كالغصن الرطيب إذا انثنت ... تختال في نوبى حيا ودلال
تسبي القلوب بأسرها فجميعهم ... في أسرها لكن يقيد جمالي
يا وجهها الحاوي لبهجة روضة ... أنواره أنت العزيز الغالي
إذ فيك كل عجيبه ما بين تفا ... ح وورد يانع ولآلي
والشهد والخمر والحلال وقرقف ... مع برده يسلي ولست بسالي
(1/188)

يا جفنها الغزال كم من عاشق ... بك في المحبة مثل شن بالي
عجباً تميت العاشقين ونحن لم ... نعرف سوى الأحياء للغزالي
وقلت
وسالبة بالحسن عقل ذوي النهي ... لطلعتها أسني الدراريء آفل
إذا ما تجلت دك طور قلوبهم ... وخروا إلى الاذقان والعقل زائل
فيا كعبة العشاق هل ثم مطلب ... سواك إليه تستحث الرواحل
ويا طلعة أصبحت للحسن جامعاً ... له القلب وقف والتبدل باطل
عذولي اتئدوا قصر فكل جوارح ... ي لها عن سماع الزور والعذل شاغل
إذا ما أطلت اللوم لا بد ينتهي ... وعند التناهي يقصر المطاول
لئن لم تزرني أو تمن بنظرة ... وينعم دهري بالذي أنا آمل
فيا موت زرانّ الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وقلت
أفدي فتاة فتنت مهجتي ... وقد أذيب القلب من صدها
مالي وللدنيا إذا لم تزل ... إذ ليس يحلو العيش من بعدها
يقول لي الآسي وقد راعه ... ما بفؤادي من جوى بعدها
خذ ماء ورد ولسان معاً ... تشرب بالماءين من شهدها
قد صدق الآسي ها الدوا ... هو الشفا لو كان من عندها
بان يكون الشهد من ثغرها ... يجني وماء الورد من خدها
وقلت وفيه نكتة حكمية
نار بوجنتك التي حرق الورى ... منها كنار في فؤاد مسعره
لكن يقول الفيلسوف الحرّ إن ... أفني الرطوبه محرق ما أضمره
فلذاك أحرق مهجتي تصعيد ما ... قطرته أجفاني وخدك حمره
إذ فيه ماء حيا لعشاق غدت ... فيه الحرارة باعتدال مزهره
انتهى ما أردنا إيراده من لطائف الغزل الخاصة والعامة في الذاتيات والاعراض اللازمة وقد تغزل العشاق في الاعراض المفارقة نحو الزينة والوظائف ببديع النكت واللطائف فلنورد منها ما لطف.
قال بعضهم في النقش
كأنّ خضرة نقش فوق معصمها ... شباك مسك على كف من البرد
فمن ملا مقلتيه من محاسنها ... كان الأمان لعينيه من الرمد
ابن المعتز في الحناء
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مفوفة أثمارهن عقيق
سلام كاسقاط الندى تحت ليلة ... سرى حيث لم يعلم إليه طريق
ابن نباتة
خضبت بأحمر كالنضار معاصماً ... كالماء فيه رونق وصفاء
وأهالهن معاصماً مخضوبة ... سال النضار بها وقام الماء
الشريف المقدسي
تقمعت بسويدا قلب عاشقها ... أنامل بدم العشاق تختضب
في كل أنملة ليل به شفق ... كأنه اليسر في أطرافه الرطب
الشوّاء
محببة لها خال كمسك ... على خد أشف من الزجاج
بدت والنقش يحكي في يديها ... محزم آبنوس فوق عاج
علي بن العباس الرومي
سقى الله قصراً بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدّلال رصافي
أشار بقضبان من الدر قمعت ... يواقيت حمراً تستبيح عفافي
الصنوبري
بسطت أنامل لؤلؤ أطرافها ... فيها تطاريف من المرجان
وتقنعت لك بالدجى فوق الضحى ... وتنقبت بشقائق النعمان
محمد بن عياض
علقتها فتانة أعطافها ... تزري بغصن البانة المياد
من للغزالة والغزال بحسنها ... في الخد أو في العين أو في الهادي
خضبت أناملها السواد وقلما ... أبصرت أقلاماً بغير مداد
ابن الوردي
مصرية كأنها ... بدر فجل من خلق
تملقت مكراً ولا ... ينكر من مصر الملق
وله أيضاً
يا ليتني حاشية زركشت ... يوماً بكفي هذه الجارية
قد أصبحت في الحسن سلطانة ... تفرّق التبر على الحاشيه
وله أيضاً
عوّادة عوّادة ... بالنغم الملذذ
قالت لنا أوتارها ... أنطقنا الله الذي
(1/189)

الشهاب الحجازي
في ثوبها الخمريّ قد أقبلت ... بوجنة حمراء كالجمر
فملت سكراً حين أبصرتها ... لا تنكروا سكري من الخمر
ابن تميم
جاءت بعود كلما لعبت به ... لعبت بي الأشجان والتبريح
غنت فجاوبها ولم يك قبلها ... شجر الأراك مع الحمام ينوح
الصلاح الصفدي
أتتنا بعود حركته أنامل ... هي الماء لطفاً في اتباع الأناشيد
يكاد وقد جست ملاويه يكتسي ... بأوراقه لما جرى الماء في العود
ومما يلحق بهذا الفصل التلميح
وهو نوع لطيف جليل المقدار في البديع عظيم الفائدة في الايصال إلى المطلوب من نحو نكاية الخصم وبلوغ الأرب من ذوي الفهم ولم تدر الأغبياء وجل علماء المعاني على أن التلميح يرادفه والصحيح أنه أخص فمن طريق ما حكى فيه أن أبا العلاء المعري حضر مجلس الشريف الموسوي فنال من المتنبي وكان أبو العلاء ينتصر له فقال للشريف لو لم يكن من شعره إلا قوله:
لك يا منازل في القلوب منازل
لكفاه فأمر به فسحب من وجهه وعوتب الشريف في ذلك فقال إنما قد قصد قوله في القصيدة:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
وأثنى سيف الدولة يوماً على المتنبي فبالغ وكان الرفاء حاضراً فقال أشتهي أن تنتخب قصيدة من كلامه وتأمرني بمعارضتها لتعلم إنك أركبته في غير سرجه فقال بديهة عارض قوله:
لعينك ما يلقي الفؤاد وما لقي
قال الرفاء فتصفحتها فلم أجدها كبير أمر فعلمت أن هناك نكتة فأعلمت الذهن في إخراجها فإذا أنابه قد أراد قوله:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غبارى ثم قال له الحق
وحكى أن ولادة بنت عبد الرحمن بن الحكم كانت من أظرف نساء زمنها وكان لها بعد أن قعد بها الدهر ولوع بالوزير أبي الوليد فكتبت إليه وقد غضبت منه.
أن ابن زيدون على فضله ... يلهج بي شتماً ولا ذنب لي
يلحظني شزراً إذا جئته ... كأنني جئت لأخصي علي
أشارت بذلك إلى عبد للوزير كان متهماً به ودعت امرأة للرشيد يوماً فقالت أتم الله أمرك وفرحك بما آتاك وزادك رفعة لقد عدلت فأقسطت فقال لجلسائه ما أرادت هذه قالوا خيراً فقال إنها تدعو علي فإن قولها أتم الله أمرك تريد قول الشاعر:
إذا تم أمر بدا نقصه ... ترقب زوالاً إذا قيل تم
وقولها فرحك الله بما آتاك تريد قوله عز وجل حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وقولها وزادك رفعة تريد قول الشاعر:
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
وقولها لقد عدلت فأقسطت تريد قوله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ثم استقرها فأقرت فقال وما ذنبي إليك قالت قتلت رجالي وأخذت أموالي ممن أنت قالت من بني برمك فقال أما الرجال ففاتوا وأما المال فيأتيك ورده إليها وسأل أحد الظرفاء امرأة ملفوفة في كساء فقال من أنت قالت أنا السادس في السابع تريد قول ابن سكرة:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كن وكيس وكانون وكاس طلا ... مع الكباب وكس ناعم وكسا
ومثله ما حكاه ابن الجوزي قال التقي رجل وامرأة على جسر بغداد فقال الرجل رحم الله ابن الجهم فقالت المرأة رحم الله أبا العلاء المعري وافترقا فتبعها رجل فقال لها أقسعت عليك إلا ما أخبرتني ما أراد وأرادت فقالت أراد بابن الجهم قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وأردت بقولي أبا العلاء قوله:
فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
(1/190)

ومن دقيق الاشارات أن المتنبي مدح بعض أعداء ملكه فغضب عليه وهم أن يفتك به فهرب فأمر الملك بعد مدة كاتبه أن يلطف له القول ليأتي فيخدعه وكان الكاتب يحب المتنبي ولم تسعه المخالفة فكتب في آخر الكتاب قد عفونا إن شاء الله وشدد النون فلما وقف عليه رحل وأرسل إلى الكاتب الكتاب وقد زاد ألفاً بعد النون المشددة وهذه من ألطف الاشارات فإن الكاتب أراد بأن قوله تعالى أن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين وأراد المتنبي بزيادة الألف قوله تعالى " أنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ".
ومما ينسج في هذا النمط ما سمته العرب بالملاحن قال العلامة السيوطي عن ابن دريد أنه مشتق من اللحن يعني الفطنة وأن فائدتها التخلص من أنشوطة التعسف مع الأمن من المؤاخذة عند الألجاء قيل أسر شخص من تميم عند بكر بن وائل أو سعد بن ضبيعة وعزموا على غزو قومه فطلب من يرسله إلى أهله لحاجة فقالوا ليكن بحضرتنا لئلا تنفرهم قال لكم ذلك فجاؤه بمولد فاقل أخاف أن يكون أحمق فقال له كم هذه قال لا أدري وأنها كثيرة فقال له النيران أكبر أم الكواكب قال الكواكب وكل كبير فأومأ إلى الشمس فقال ما هذه قال الشمس فقال إنك عاقل بلغ قومي التحية وأن يكرموا الأسير فإن قومه يكرمونني وأن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها ويركبوا جملي الأصهب وقل لهم قد أربي العرفج واشتكت النساء بآية ما أكلت معكم الحيس وأسألوا الحرث عن خبري فلما وقفوا على الكلام وقد قالوا جن الأعور بعن إذ لم نعرف له ناقة ولا جمل وصرفوا الرسول ودعوا الحرث فلما قصوا عليه القول قال أنذركم فقوله أكرموا الأسير يعني استكثروا من الزاد ومن علف الدواب وتهيؤا للرحيل فإنهم عازمون على أن يدهموكم بخيل ورجل والرمل عدد القوم الذين يغزونكم منهم وأن ذلك واضح كالشمس والناقة الحمراء الدهناء والجمل الأصهب الصعمان يقول اعدلوا عن السهل إلى الجبل وأربى العرفج يعني لبس الرجال السلاح واشتكت النساء حملت الشكاء وهي قرب صغار يحمل فيها المسافرون الماء والحيس كناية عن اخلاط الرجال فعملوا بقوله فنجوا ومن ذلك أمثلة ينتفع بها في التوبة عند الحاجة كقولك ما سألت فلاناً حاجة ضرباً من شجر شائك ولا رأيته أي ضربت رئته ولا كلمته أي جرحته ولا أعلمته أي شققت شفته العليا ولا أخذت له شعيرة أي رأس مسمار فضة ولا ثوباً أي قطعة من أقط ولا كسرت له سناً أي قطعة عشب ولا ضرصاً أي قطعة من المطر ولا لبست له جبة شيء يستر به السنان ولا أخذت له حماراً ولا اتاناً صخرتان معروفتان ولا عنزة أكمة سوداء ولا دجاجة كبة من غزل ولا فروجاً مدرعة ولا جحشة صوف كالحلقة ولا ظلمته أي ما سقيته لبناً ولا جلست له على حصير لحمة في جنب الفرس ولا أخذت له جراباً ما حول البئر ولا بيضة يعني الخودة ولا فرخاً هامة الدماغ ولا فروة جلدة الرأس ولا إبرة عظم المرفق ولا فأساً عظم القفا ولا كتبت جمعت ولالى هنا خط سيف البحر ولا وطئت له أرضاً باطن حافر الفرس ولا لعبت سال لعابي ولا رويت الحديث شددته بالرواء وهل الحبل ولا رأيت بطناً ولا فخذاً قبائل ولا ساقا ذكر الحمام ولا رجلاً قطعة الجراد ولا وجهاً أي قصداً ولا أبصرته أي رأيت قشراً على الجلد.
خاتمة
تشتمل على لطائف متفرقة تروق بالمسامع وتزين بها المجامع وحكى ولد الفرزدق قال اجتمع أبي وجميل وجرير وكثير ونصيب بالموسم فقال بعضهم لبعض لا تجتمعون مثل هذه فهلموا نفعل شيأ نذكر به في الزمان فقال جرير هل لكم أن نسلم على سكينة بنت الحسين فلعلها أن تكون سبباً لما أردتم فقالوا نعم الرأي وانطلقوا فطرقوا الباب فخرجت جارية ظريفة فبلغها كل السلام فدخلت ثم عادت فقالت أيكم القائل.
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخوا الهموم يروم كل مرام
درست معالمها الرواسم بعدنا ... وسجال كل مجلجل سجام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
يجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
لو كنت صادقة بما حدثتنا ... لوصلت ذاك وكان غير تمام
(1/191)

قال جرير أنا قلته قالت فما أحسنت ولا أجملت ولا صنعت صنع الحر الكريم لا ستر الله عليك كما هتكت سترك وسترها ما أنت بكلف ولا شريف حين رددتها وقد تجشمت إليك هول الليل هلا قلت:
طرقتك صائدة القلوب فمرحباً ... نفسي فداؤك فادخلي بسلام
خذ هذه الخمسمائة درهم فاستعن بها في سفرك ثم انصرفت إلى مولاتها وقد أفحمتنا وكل من الباقين يتوقع ما يخجله ثم خرجت فقالت أيكم القائل:
ألا حبذا البيت الذي أنا هاجره ... فلا أنا ناسيه ولا أنا ذاكره
فبورك من بيت وطال نعيمه ... ولا زال مغشياً وخلد عامره
هو البيت بيت الطول والفضل دائماً ... وأسعد ربي جد من هو حاذره
به كل موشيّ الذراعين يرتعي ... أصول الخزامى ما ينفر طائره
هما دلياني من ثمانين قامة ... كما أنقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره
فأصبحت في أهلي وأصبح قصرها ... مغلقة أبوابه ودساكره
قال أبي يعني الفرزدق أنا قتله فقالت وما وفقت ولا أصبت أما أيست بتعريضك من عودة صدق محمودة خذ هذه الستمائه درهم فاستعن بها ثم انصرفت إلى مولاتها ثم عادت فقالت أيكم القائل:
فلولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصار
فقال نصيب أنا قلته فقالت أغزلت وأحسنت ولا كرمت لأنك صبوت إلى الصغار وتركت الناهضات بأمالها خذ هذه السبعمائة درهم فاستعن بها ثم انصرفت إلى مولاتها ثم عادت فقالت أيكم القائل:
وأعجبني يا عز منك خلائق ... كرام إذا عد الخلائق أربع
دنوك حتى يذكر الجاهل الصبا ... ومدك أسباب الهوى حين يطمع
وأنك لا تدري غريماً مطلته ... أيشتد إن لاقاك أو يتضرع
وأنك إن واصلت أعلمت بالذي ... لديك فلم يوجد لك الدهر مطمع
قال كثير أنا قلته قالت أغزلت وأحسنت خذ هذه الثمانمائة درهم فاستعن بها ثم انصرفت إلى مولاتها ثم خرجت فقالت أيكم القائل:
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأيّ جهاد غيرهن أريد
وأفضل أيامي وأفضل مشهدي ... إذا هيج بي يوماً وهن قعود
فاقل جميل أنا قلته قالت أغزلت وأحسنت وكرمت وعففت أدخل فلما دخلت سلمت فقالت سكينة أنت الذي جعلت قتيلنا شهيداً وحديثنا بشاشة وأفضل أيامك يوم تذب عنا وتدافع ولم تتعد ذلك إلى قبيح خذ هذه الاف درهم وابسط لنا العذر أنت أشعرهم وهذه الحكاية هي التي سبقت الاشارة إليها في فصل الخيال من الباب الخامس.
واجتمع كثير وجميل وعمر بن أبي ربيعة عند عبد الملك فقال أنشدوني أرق بيت قلتم فأنشد جميل.
حلفت يميناً يا بثينة صادقاً ... فإن كنت فيه كاذباً فعميت
فلو أن جلداً غير جلدكم مسني ... وباشرني دون الشعار شريت
ولو أن راقى الموت يرقي جنازتي ... يمنطقها في الناطقين حييت
وأنشد كثير
بأبي وأمي أنت من مظلومة ... طبن العدوّ لها فغير حالها
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
وسعى إلى بصرم عزة نسوة ... جعل المليك خدودهن نقالها
وأنشد ابن أبي ربيعة
ألا ليت قبري يوم تقضي منيتي ... بتلك التي من بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشائك والدم
ألا ليت أم الفضل كانت قرينتي ... هنا أو هنا في جنة أو جهنم
فقال أعط صاحب جهنم عشرة آلاف درهم وسمع الحسن جارية تنشد وهي طائفة بالبيت.
لا يقبل الله من معشوقة عملاً ... يوماً وعاشقها غضان مهجور
وليس يأجرها في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور
(1/192)

فقال لها أفي هذا المكان يقال هذا قالت ألست ظريفاً قال بلى قالت هل تروي الشعر قال نعم قالت أما سمعت قولهم:
بيض غرائر ما همهن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الاسلام
واستحضر الرشيد الرقاشي ومصعباً وأبا نواس فقال أجيزوا كلام الليل يمحوه النهار البيت الذي قالته الجارية التي لقيها بعد غضبه عليها فسألها الوصل فوعدته إلى وقت فلما جاء أنشدته المصراع المذكور فقال الرقاشي ومصعب أبياتاً لم تناسب المقام وأنشد أبو نواس.
وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الازار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار
فقلت الوعد سيدتي فقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال له كأنك كنت حاضراً معنا وأمر له بعشرة آلاف درهم ولكل من الآخرين بخمسة وأرق الرشيد ليلة فقام يمشي في المقاصير فرأى جارية لطيفة الشكل بديعة المنظر فأيقظها فقالت وقد علمت به يا أمين الله ما هذا الخبر فقال:
هو ضيف طارق حكيم ... يرتجي المأوى إلى وقت السحر
فقالت
بسرور سيدي أخدمه ... إن رضي بي وبسمعي والبصر
فلما أصبح أحضر أبا نواس وقال له أجز يا أمين الله ما هذا الخبر فأنشد:
طال ليلي حين وافاني السهر ... فتفكرت فأحسنت الفكر