Advertisement

المحب والمحبوب والمشموم والمشروب



الكتاب: المحب والمحبوب والمشموم والمشروب
المؤلف: السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء (المتوفى: 362هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
كتاب المحبوب
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي الحمد لله على أفضاله، والصلاة على النبي محمد وآله.
الألفاظ للمعاني بمنزلة المعارض للجواري، فأجمعها لأقسام الجودة، وأنظمها لأحكام الإصابة، وأمشاها في طريق البلاغة والبراعة، وآخذها بحسن السياق ولطف الافتنان في الخطابة، ما شفع إلى المخرج السهل محاسن اللفظ الجزل، وقرن بدقة المعنى واقتضاب البديع، غموض المسلك ولطافة المدخل، وكان متناسباً في الرقة والسهولة، متشابهاً في حلاوة النسج والعذوبة، بكسوة رشيقة، ودماثة تامة وخلابة تسحر القلب، ورشاقة تملك الأذن، متصل المبادئ بالخواتم لدن المعاطف، فصل من قائله برونق القريحة، ووشي الغريزة، وديباج الطبيعة، يترقرق على أعطافه ماء السلاسة، وتشرق بأطرافه بهجة الطلاوة، فهتك حجاب السمع؛ وسكن سواد القلب غير مستعان عليه بالفكرة، ولا مستخرج الرؤية، ولا مستنبط باعتساف الخاطر ومجاهدة الطبع، وغوص الهواجس، وغور الأفكار، واقتسار أبيه الممتنع، واقتياد عويصه المتوعر، بعيداً من صنعة التكلف، نزيهاً عن سماجة الاستكراه، سليماً من وحشة التعقيد. أوله دال على آخره، ومختتمه معرب عن مفتتحه، وأوسطه كطرفه؛ لا اللفظ زائد على معناه فيعد فضولاً وهذراً، ولا المراد قاصر عنه فيحسب انغلاقاً وحصراً. بل هما توأمان في وضوح الدلالة، وصواب الإشارة. وردا مورداً واحداً، وخرجا، في حسن النحت وسلامة السبك وكثرة الماء، مخرجاً فذاً كأنهما الشمس والظل في التقارب، والماء والهواء في التناسب، فعمرا الصدر الخراب بالفائدة؛ وألقحا الطبع العقيم بنتاج الأدب وشحذا الأفكار الكليلة؛ وشفيا الأذهان العليلة؛ وعودا اللسان اعتياد البديهة واللسن! وقدحا في القلب بزناد الفطانة واللقن. وتهجا له التأني لوجوه المنطق. وسهلا له جوانب الكلام والتأنق في اختراع لطيفه وابتداع دقيقه، والتقلب في أفانينه، واستمالة القلوب الشاردة، واستصراف الآذان العازبة بموقعه، واستنجاح المطلب البعيد، واستسهال المغزى الشريد بمسموعه.
وبعد، فأعلق الحديث بالألباب والقرائح، وأليقه بالفطن والطبائع، حتى تفتح الأذن لسماعه باباً، ويرفع القلب لدخوله حجاباً، ما كان عبارة عن العشق والنسيب، وترجمة عن الهوى والتشبيب، لميل النفوس بأعناقها إليه، وإلقاء القلوب في أزمتها عليه، على تباين النعم والبلدان، وتفاوت الأمزجة والإنسان؛ من ذي جد متورع، وذي خلاعة متبطل، وعامي متبذل، وخاصي متصون، وثكلان بلده كمود الغم، وغضبان أحرقه لهيب الغيط، وأسوان دلهه فوت المطلوب، وبعد المحبوب.
(1/1)

كما افتتحنا به الكتاب، وصدرنا بذكر مقطعات الغزل وأبيات الشعر الشوارد التي تكون في المحافل أجول، وعلى المسامع أدخل، في أوصاف المناظر الحسنة، والوجوه النيرة، والمحاسن الرائعة المعجبة، والصور المليحة الأنيقة، وحسن الخلق، ووسامة التصوير، وصباحة سنة الغرة، واعتدال التركيب، واستقامة التدوير، وسبوطة الشعر، وجثالة الفروع، وجعودة الغدائر واسترسالها على المتون كالأشطان، ووحوفتها وانفتالها في الأصداغ كالصولجان، ونجل العيون، وحور الأحداق وبرج المقل، وكثافة نسج الأهداب، وخلوصها من المره وانغماسها في الكحل، وأسالة الخدود، وبهجة الصفحات كأن الماء يقطر منها، وامتزاج أحمرها بأبيضها، وتورد الوجنات بصبغة الخجل، وتصوب مائها بصفرة الوجل، وتقويس الحواجب، وحلوكة نبات الشعر، وسبوغها إلى مؤخرة الآماق، ودقة تخطيطها كأنها قوادم الخطاف، وانعطاف طرفي القسي الموترة والحنايا المأطورة؛ وتردد الأجفان بين الدلال والتفتير، والغنج والتكسير، كأنها حور الظباء بابليات النظر، أو ربائب الوحش من سرب البقر، وسواد نقط الخيلان على وضح بشرة الوجه، كأنها النكتة السوداء في صفحة البدر، أو بدد تفاريق الغسق على بلج الفجر، أو نقطة الزاج في صفيحة العاج؛ وحمرة العوارض ملونة بخضرة التعذير، كأنها طرار البنفسج على ورقات الورد الجني، أو يورد زهر الربيع الباكر على الغصن الروي، أو آثار المسك على خد الكاعب الرود، أو برد الدجى لاح في الخطوط السود؛ ولعس الشفاه، وصغر تقطيع الأفواه، وأشر الثنايا، وشنب اللثات، وبرد الريق، وعذوبة المذاق، وسلامة النكهة من الخلوف، ورخامة الصوت، ودلال الحديث، وإشراف الأرانب، وقنا القصبات، ولين الأعطاف، وتمايل القدود والقامات، كأنما مالت بها سورة الشراب، وسقاها ربعي الشباب، أو انخنثت من السكر، أو عبثت بها نشوة الخمر؛ واندماج الخصور، ورقة الأوساط، حتى تكاد تنقد هيفاً، وتنبت قضفاً، وعبالة الأكفال، وامتلاء المآزر، وخدالة السوق، وشطانة الأبدان، وري العظام، واكتناز القصب، ودماثة الأكعب، وغموض المرافق وغوص حجمها في ري المعاصم، والمأكمة الرابية، والعجيزة الوثيرة، وثقل تكيفها كالكثيب الرجراج، أو كمتلطم الأمواج، مختومة هذه النعوت بالمختار من فوارد الشعر ومنتخبه الذي يعب فيه الذهن ويلتهمه السمع وتعتزيه النفس في أسباب الهوى، وأحوال الحب، ودواعي العشق، وتباريح الوجد، ولاعج الشجو، والوداد الدائم والمحافظة اللازمة، وعلائق الخلة ونوازع المقة التي تلتحم بها الأحشاء، وتلتبس الأعضاء، وتجري مجرى الدم، وتسري مسرى السم، لا تحول مدى الأيام، ولا تزول طوال الليالي، مخبرة عن صحة العهد، ودوام الوفاء، وصدق المودة، وشدة المحبة، وعزوب الصبر، وتمادي الوله، ولجاج القلب، ومطال الشوق، واستسلام الجوانح لسلطانه، وانقياد الشديد الشكيمة، الأباء للهضيمة، ومبتدأ القلق الذي أوله نظرة، وأوسطه خطرة، وآخره فكرة، وتنوع جنس الحب: من لجاج مكب، وعرض متفق، كما تجلب الشيء البعيد جوالبه، ومستفاد بالنشد والإلف، وكيف يجنيه الطرف، ويتشبث به القلب، ويمتزج بعلائقه الكبد؛ إلى ما يتفرع عليه من وصل وصدود، وإقبال وإدبار، وفرقة وألفة، وقلق وسكون، وتواصل الأحباء، ومراصدة الرقباء، متفننة في جميع جهاتها، ومتفرقة في كل طرقاتها، مستصلحة للحفظ والمذاكرة؛ مرتضاة للملاقاة والمحاضرة، ملتقطة من لفظ الأفواه. فالناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، وينشدون أحسن ما يحفظون. فهي عريقة في الاختيار مرات، عائدة من جهات بإيناس المستوحش، وعمارة المجلس، وتلهية القلب، ونفي الوحدة، وتعلة النفس، وتسلية العزب الوحيد، والمستهام العميد.
(1/2)

وعقيبها الفصل الثالث في أوصاف الربيع، وإيماض برقه، ونشر سحائبه، وجلجلة رعده، وسقوط قطره، وفترة نسيمه، وسجسج هوائه، وانعطاف قوسه وسط الغمام أخضر بجنب أحمر إلى أصفر، كما تظاهرت العروس بين جلابيبها وبعض الذيل أصر من بعض، أو كما عقدت الكاعب الرود أسورتها على معصمها من مصوغ ذهب إلى منظوم زبرجد بينهما معقود ياقوت؛ وهبوب الرياح على وجوه الغدران ومسحها أقذاءها كأنها ماوية مصقولة، أو مرآة مجلوة، وعصفة الشمال بالسواقي ممتدة على استواء كأنها حية تسعى أو صفيحة الحسام المسلول؛ وتدريجها متونها حزوزاً كمتون المبارد، أو حلقاً كمراقد الأساود؛ وأنواع الأزاهير وصنوف الرياحين، وكيف يتضمخ الجو من عرفها، وتتضوع المسارب بأرجها؛ وانفتاق الأنوار من أكمامها، وخروجها من أغطيتها إلى مسرى هيجها على ظواهر الأرض، وأوان جفوفها بضواحي الجلد، وحين يبسها بأشراف الجبال ومتون الأقبال؛ وذبول نضارتها، وتصوح بهجتها، وعودها هشيماً تذروه الرياح، وتنسفه الأرجل مختوماً بمشموم الطيب من المسوك والعنابر والكوافير والأعواد والغوالي، وذكر حقائق اشتقاقها وشواهدها من العربية، وحصر أسمائها وإيراد ما صرفته الشعراء من معانيها.
وبعده الفصل الرابع في نعت الخمور وعد أساميها وتحقيق اشتقاقها وموضوعاتها وأبنيتها ولغاتها، والأمثال المضروبة بها، وصفات أحوالها من مبتكر الأمثال، وتوريق كرومها وتعريشها على الدعائم وشدها بالقوائم، ثم اخضرار أوراقها، وتهدل أفنانها، وتفنن شعبها، وانعقاد حباتها، وإيناع ثمراتها، وتدلي أعنابها، وتساقط قضبانها، موقرة دوالح بأحمالها مكتنزة عناقيدها، هوادل بأثقالها كما احتبى الزنج في الأزر الخضر، أو تعرض الثريا في أزرق الفجر؛ إلى أن تنبذ في الخوابي، وتسلم إلى الظروف، وتودع الأوعية، نصب عين الشمس، فيطبخها حمي الهواجر، ويصفيها لفح السمائم بالظهائر، فتستوعب قوتها، وتستوفي حولها وشدتها، حتى يجتليها السقاة في معارض الأقداح، وتحثها ركباً على مطايا الراح، قهوة حمراء في زجاجة بيضاء عذراء من حلب الأعناب بمزاج حلب السحاب، فينتظم بها شمل السرور ويتجنب حماها طوارق المحذور.
الباب الأول
أوصاف الشعر
قال بكر بن النطاح:
بيضاء تسحب من قيامٍ فَرعَها ... وتضِلُّ فيه وهو وحفٌ أسحمُ
فكأنَّها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
المعوج الشامي:
وفي أرجورانيِّ الغلالة شادنٌ ... لباسُ الدجى من عُذْره وغدائرهْ
له لحظاتٌ فاتراتٌ يكُرُّها ... بفترة أحوى فاتن الطرفِ فاترهْ
فلا غمد إلاّ من سوادِ جوانحي ... ولا سيف إلاّ من بياض محاجرِهْ
دعبل بن عليِّ الخزاعيِّ:
أما في صروف الدهر أن ترجع النوى ... بهم ويُدالَ القرب يوماً من البعدِ
بلى في صروف الدهر كلُّ الذي أرى ... ولكنَّما أغْفَلْنَ حظّي على عمدِ
فواللهِ ما أدري بأيِّ سهامها ... رَمتْني، وكلٌ عندنا ليس بالمُكْدي
أبا لْجيدِ أمْ مجرى الوشاح؟ وإنني ... لأِتْهم عينيها مع الفاحمِ الجعدِ
عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
سَبَتْهُ بوَحفٍ في العِقاصِ كأنَّه ... عناقيدُ دلاَّها من الكَرْمِ قاطِفُ
أسيلاتُ أبدانٍ دقاقٌ خُصورها ... وَثيراتُ ما الْتفَّتْ عليه الملاحِفُ
ابن الرومي، وأحسن في بسطه ووصفه:
وفاحمٍ واردٍ يقبِّلُ مَمْ ... شاهُ إذا اخْتالَ مُرسلاً غُدُرَهْ
أقبل كالليل من مَفارِقِهِ ... مُنحدراً لا يذُمُّ مُنحدرهْ
حتى تناهى إلى مواطِئِهِ ... يَلثِمُ من كلِّ موْطئٍ عَفَرَهْ
كأنَّه عاشقٌ دَنا كَلَفاً ... حتى قضى من حبيبه وَطَرهْ
وعبد الله بن المعتز وارده في هذا المعنى حيث قال:
فلّما أنْ قضتْ وَطراً وهمَّتْ ... على عَجَلٍ لأخذٍ للرِّداءِ
رَأتْ شخص الرقيب على تدانٍ ... فأسبَلتِ الظَّلامَ على الضياءِ
فغاب الصبحُ منها تحت ليلٍ ... وظلَّ الماءُ يَقطُرُ فوقَ ماءِ
والمتنبي منه أخذ قوله:
دعتْ خلاخيلُها ذَوائبَها ... فجِئنَ من قَرْنِها إلى القدمِ
وقوله:
وَمَن كلَّما جَرَّدْتُها من ثيابها ... كساها ثياباً غَيْرَها الشَّعَرُ الوَحْفُ
(1/3)

وابن الرومي وابن المعتز أخذاه من قول أبي نواس:
بانوا وفيهمْ شُموسُ دَجْنٍ ... تَنْعَلُ أقدامها القرونُ
تعومُ أعجازُهُنَّ عوْماً ... وتَنثني فوقها المتونُ
وأبو نواس أخذه من ذي الرمة حيث قال:
إذا انْجرَدَتْ إلاَّ من الدِّرع فارْتدتْ ... غدائرَ مَيَّال القُرونِ سُخامِ
وأخذه ذو الرمة من الأعشى حيث قال:
إذا جُرِّدَتْ يوماً حَسِبْتَ خَميصَةً ... عليها وجِرْيالَ النضيِر الدُلامِصا
حمزة البكري:
قامَتْ تُريكَ ابنةُ البكريِّ ذا غُدُر ... يُستمطرُ البانُ منها واليَلَنْجوجُ
وَحْفٌ مَنابِتُه رَسْلٌ مَساقِطُه ... مُحلَوْلَكُ اللونِ غِربيبٌ ودَيْجُوجُ
اليعقوبي:
جُعودةُ شعرِها تَحكي غديراً ... تُصَفِّقُهُ الجنوبُ على الشمالِ
ابن لنكك:
هَلْ طالبٌ ثأرَ من قد أهدرَتْ دمَهُ ... بيضٌ عليهِنَّ نَذْرٌ قَتْلُ من عشِقا
من العقائلِ ما يَخْطِرنَ عن عُرُضٍ ... إلاَّ أرَيْنَكَ في قدٍّ قَناً ونَقا
رَواعفٌ بخدودٍ زانَها سَبَجٌ ... قد زَرْفَنَ الحُسنُ في أصداغِها حَلَقا
نواشرٌ في الضُحى من فَرِْعها غَسقاً ... وفي ظلامِ الدُجى من وجهها فَلَقا
أَعَرْنَ غيدَ ظِباءٍ رُوِّعِتْ غَيَداً ... والورْدَ تَوْريدَ لونٍ، والَمها حَدَقا
المتنبي:
كَشفتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرِها ... في ليلةٍ فأَرَتْ لياليَ أرْبَعا
واستقْبلتْ قمرَ السماءِ بوجهِها ... فأَرَتْنِيَ القَمَريْنِ في وقتٍ معا
ابن دريد:
غَرَّاءُ لوَجَلتِ الخدودُ شُعاعها ... للشمس عند طُلوعها لم تُشْرِقِ
غُصنٌ على دِعْصٍ تبدَّى فوقَه ... قمرٌ تألَّق تحت ليلٍ مُطْبِقِ
لو قيل للحُسْن: احْتكم لم يَعْدها ... أو قيل: خاطِبْ غيرها لم يَنْطِقِ
فكأنَّنا من فَرْعِها في مَغرِب ... وكأننا من وجهها في مَشْرِقِ
تبدو فيهتفُ بالعيون ضياؤُها ... الويلُ حلَّ بمقلةٍ لم تُطبقِ
الخليع:
وَمُبْتَسِمٍ إليَّ من الأقاحي ... وقد لبسَ الدُجى فوقَ الصباحِ
ثَنى زُنَّارَهُ في دِعْصِ رملٍ ... على خُوطٍ من الرَيْحان ضاحِ
له وجهٌ يَتِيهُ به وعيٌن ... يُمَرِّضُها فيَسْكِرُ كلَّ صاح
المتنبي:
كلُّ خُمصانةٍ أرَقَّ من الَخْم ... ر بقلبٍ أقسى من الَجْلُمودِ
ذاتُ فَرْعٍ كأنما ضُرِبَ العَنْ ... برُ فيهِ بماءِ وَرْدٍ وعودِ
حالِكٍ كالغُدافِ جَثْلٍ دَجو ... جِيٍ أثِيثٍ جَعْدٍ لا تجْعيدِ
تحمِلُ المِسكَ عن غَدائِرها الري ... حُ وتفْتَرُّ عن شَتيتٍ بَروُدِ
أبو دلف:
حَسُنَتْ واللهِ في عيْ ... ني وفي كلِّ العيونِ
قَيْنَةٌ بيضاءُ كالفَّض ... ةِ سوداءُ القُرونِ
أقْبَلَتْ مُختالة بي ... نَ مَهاً حُورٍ وعينِ
لم يُصبْها مرضٌ يَنْ ... هَكُ إلاَّ في الُجفونِ
المتنبي:
لَبسنَ الوَشيَ لا مُتَجَمَّلاتٍ ... ولكنْ كي يَصُنَّ به الجَمالا
وضَفَّرنْ َالغدائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكنْ خفْنَ في الشَّعْرِ الضَلالا
ذو الرمة:
هِجانٍ تَفُتُّ المسكَ في مُتَناغمٍ ... سُخامِ القرونِ غيرِ صُهْبٍ ولا زُعْرِ
وتُشعرُهُ أعطافَها وتَشُمُّه ... وتمسحُ منه بالتَرائب والنحْرِ
لها سُنَّةٌ كالشمسِ في يومِ طَلْقَةٍ ... بَدت من سحابٍ وهي جانِحةُ العَصْرِ
وقال الشماخ، وأنشدوه في أبيات المعاني:
دارُ الفتاةِ التي كُنَّا نقولُ لها ... يا ظبيةً عُطُلاً حُسَّانةَ الجيدِ
تُدْني الحمامةُ منها وهي لاهيةٌ ... من يانِعِ الكَرْم قِنْوانَ العَناقيدِ
الباب الثاني
الأصداغ
قال ابن المعتز:
ريمٌ يتيهُ بِحُسنِ صُورتهِ ... عَبَثَ الفُتورُ بِلحظِ مُقلتهِ
وكأنَّ عَقْربَ صُدغه وقفتْ ... لمّا دَنَتْ من نارِ وجْنَتهِ
ولقد أحسن فيه. إلا أنه ألم بقول العرب، أنشده ابن السكيت:
وكأني شَبْوةٌ عندَ الصُدودِ
أي كأني، في صدودي عن النار، العقرب، لأنها لا تقربها.
وكذلك قوله في صفة الهلال:
(1/4)

ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يَفْضَحُهُ ... مِثلَ القُلامةِ قد قُصَّتْ من الظُفُرِ
أخذه من قول جميل، أنشده الأصمعي:
كأنَّ ابْنَ مُزْنَتِها جانِحاً ... فَسيطٌ لدى الأُفقِ من خِنْصِرِ
أبو مسلم الرستمي:
وبنَفْسي من إذا جَمَّشتُهُ ... نَثَرَ الوردُ عليه وَرَقهْ
وإذا مسَّت يدي طُرَّتهُ ... أُفْلتَتْ منها فعادتْ حَلَقَهْ
لم أزَلْ أحرِسُ قلبي جاهداً ... من لُصوصِ الحُبِّ حتى سَرَقهْ
المعوج الشامي:
صَوالِجُهُ سودٌ مُعطَّفةُ العُرى ... تَمايلُ في مَيدان خَدٍّ مُضَرَّجِ
ترى خدَّه المصقولَ والصُّدُغُ فوقَه ... كَوردٍ عليه طاقةٌ من بَنَفْسَجِ
الرقي:
أبداً نحنُ في خلافٍ فَمنِّي ... فرطُ حُبٍ، ومنكَ لي فرطُ بُغضِ
فَتْلُ صُدغيْكَ فوقَ خطِّ عِذارٍ ... ظُلماتٌ، وبعضُها فوقَ بعضِ
آخر:
ومُستبيحٍ لقتلي ... ما إنْ يُمرُّ ويُحْلي
سِنوهُ خمسٌ وعشرٌ ... كالبدرِ عندَ التَجَليِّ
مُصَحِّحِي حينَ يدنو ... وفي التنائي مُعلىِّ
ما شَوَّشَ الصُدغَ إلاَّ ... لِكيْ يُشوِّشَ عقليِ
السروري:
وَذي دلالٍ كأنَّ طُرَّتَهُ ... بُستانُ حُسنٍ بالزهرِ مَنْقوشُ
ورَوْضةُ الياسميِن عارِضُهُ ... وهو بلحْظِ المحبِّ مخدوشُ
والدُرُّ في ثغرهِ منابِتُهُ ... والمسكُ في عارضيْهِ مَفروشُ
وقد زَها في قضيبِ قامَتِهِ ... عُنقودُ صُدغٍ عليهِ مَعروشُ
آخر:
لامسَّ جِسمكَ، بل وُقِّيتَ بي أبداً ... ما مسَّ جسميَ من تفتير عيْنيْكا
قلبي وصُدغُكَ لم يحرقْهُما لَهبٌ ... كِلاهما احْتَرقا من نارِ خدَّيْكا
العلوي:
وعهدي بالعَقاربِ حيَن تَشْتُو ... تُخَفِّفُ لَدْغَها وتَقلُّ ضُرّا
فما بالُ الشتاءِ أتى وهذي ... عقاربُ صُدغهِ تزدادُ شرّا
ابن المعذل:
ومُتَّخذٍ على خَدَّي ... هِ من أصداغهِ حَلَقا
يكادُ يذوبُ حين نُدي ... رُ في وجَنَاتهِ الحَدَقا
إذا جَمَّشْتَه باللَّحْ ... ظِ بُلَّ جبينهُ عَرَقا
كشمسِ الأفقِ آخذَةٌ ... على أبْصارنا الطُرُقا
آخر:
غِشاءُ خَدَّيهِ جُلَّنارُ ... وَوجههُ الشمسُ والنّهارُ
أطوفُ حيرانَ في هواهُ ... يُديرُني لَحْظُهُ المُدارُ
كشاجم:
حُورٌ شَغَلنَ قلوبَنا بفراغِ ... ورسائلٌ قصَرتْ عن الإبْلاغِ
ومَنعْنَ وردَ خُدودهِنّ فلم نُطِقْ ... قَطْفاً لها لعقاربِ الأصداغِ
أبو فراس:
ومُرْتَدٍ بِطُرَّةٍ ... مُرسَلَةِ الرَفارِفِ
مُسَبلةٍ كأنَّها ... من زَرَدٍ مضاعفِ
خالد، ووجدتها في ديوان ابن المعتز:
دَعْني فما طاعَةُ العُزّالِ من ديني ... ما سالمُ القلب في الدُنيا كَمَفْتونِ
أيْقنتُ أنِّيَ مجنونٌ بِحُبِّكُمُ ... وليس لي عندكم عُذرُ المجانينِ
ذو طُرَّةٍ نَظمتْ في عاج جَبهته ... من شَعْرِهِ حَلَقاً سودَ الزَرافيِن
كأنَّ خطَّ عذارٍ فوقَ عارِضهِ ... ميدانُ آسٍ على وردٍ ونِسرينِ
ابن المعتز:
بَخيلٌ قد شَقيتُ بهِ ... يُكدُّ الوعدَ بالحُججِ
على بُستان خدَّيْهِ ... زَرافينٌ من السَّبَجِ
آخر:
أمِنْ سَبَجٍ في عارضيْه صَوالجٌ ... مُعَطَّفةٌ تُفاحَ خدَّيهِ تَضربُ
وما ضرَّهُ نارٌ بخدَّيهِ أُلْهبتْ ... ولكنْ بها قلبُ المحبِّ يُعذَّبُ
عناقيدُ صُدغيْهِ بخدِّيهِ تَلتوي ... وأمواجُ رِدْفيهِ بخصريْهِ تلعبُ
شَربتُ الهوى صِرفاً زُلالاً وإنما ... لواحِظُه تَسْقي وقلبِيَ يشربُ
ابن المعتز:
حُشِيَت عَقاربُ صُدغهِ ... بالمسكِ في خدَّيه حَشْوا
أبو تمام:
لمَّا اسْتَتَمَّ ليالي البدرِ من حِججٍ ... فوَّقَ السَّهمَ من عينيهِ في المُهجِ
وهزَّ أعلاهُ من حِقْويهِ أسفلُهُ ... واخضَرَّ شاربُهُ واجتحَّ بالحُججِ
بَدا يُعرضُ بالتجميشِ فامتزجتْ ... منه الملاحَةُ بالتكريرِ والغنجِ
(1/5)

كأنّ طُرَّتَهُ في عاجِ جبهتهِ، ... إذا تأمَّلْتَهُ، عِقْدٌ من السَبَجِ
ابن المعتز:
في خدِّه عقاربٌ ... مَحشُوَّةٌ بالغالِيهْ
شائِلةٌ أذنابها ... حُماتُهُنَّ قاضيَهْ
تَلسَعُني إذا بَدا ... وجسمُه في عافيهْ
الخباز البلدي:
ذو ظُرَّةِ كمثل ما ركُبِّ َفي ... صفيحةِ الفضَّة شبّاكُ سَبَجْ
وعارضٍ كالماء في رقَّتهِ ... تُزهر فيه وجنةٌ ذاتُ بهجْ
كأنما نسَّاج ديباجتهِ ... من وَرق النِسرينِ والوردِ نسجْ
ابن المعتز:
عيَّروا عارضه بال ... مسكِ في خدٍّ أسيلِ
تحتَ صُدغين يُشيرا ... نِ إلى وجهٍ جميلِ
الصنوبري:
للدَلَّ فيهِ عجائبُهْ ... للشَّكلِ فيهِ غرائبُهْ
للحُسنِ فيهِ شمسهُ ... وهلالهُ وكواكبُهْ
ولصُدغهِ في خدَّهِ ... حَرْفٌ تَنَوَّقَ كاتبُهْ
ظبيٌ يصيحُ عِذارُه ... يا غافليَن وشاربُهْ
وله أيضاً:
مُتَبسِّمٌ كافورُ عارضِهِ ... عن صُدغِ مسكٍ إنْ دنا نَفَحا
مُنْضَمُّ وردِ الخدِّ أوْلَ ما ... يَبدو، فإنْ جَمَّشْتَهُ انْفَتَحا
الباب الثالث
مدح العذار وذمه
التمار الواسطي:
أَرضى صبابَتَه ولَّما تُرضِهِ ... فَقَضى بها ومُرادَهُ لم يَقْضِهِ
أَهدى إليهِ الُحبُّ فترةَ جَفْنِهِ ... عَمداً، كما استهداه صِحَّةَ غُمْضِهِ
غُصنٌ تَفَتَّحَ نَوْرُهُ في فرعِهِ ... أَوفى بمُسْوَدٍّ على مُبْيَضِّهِ
فكأنَّ نَبْتَ عِذارِهِ في خدِّهِ ... وردٌ تعلَّقَ بعضُهُ في بعضِهِ
مثل البيت قول البرقعي:
ولاحَظَني بأجفانٍ مِراضٍ ... وإِيماضٍ يُخالَسُ باغْتِماض
ومِنْ فَتْلِ العبيرِ بعارضيه ... سوادٌ قد تَزَرْفَنَ في بَياض
أناف عليَّ مُكْتَحِلاً غماضاً ... قأرَّقَ ناظِريَّ عن اغْتِماض
أتعجبُ من فرائسِ أُسْدِ غابٍ ... ونحن فَرائِسُ المُقَلِ المِراض
ابن كيغلغ:
وكاسبِ آثامٍ يُجيلُ بَنانَه ... على زَعفَراناتٍ يُلَقَّبْنَ بالشَّعرِ
فما دُرَّةُ الغواصِ في نَحرِ كاعِبٍ ... ولا الغُصُنُ الميَّالُ في الورقِ الخضرِ
بِأحسنَ منه إذا بدا مُتَلَثِّماً ... بِفضلِ عِذارٍ خُطَّ في صَفْحَتَيْ بَدرِ
ماني الموسوس:
وما غاضَتْ محَاسِنُهُ ولكنْ ... بماءِ الحُسْنِ أورَقَ عارِضاهُ
سَمِعْتَ بهِ فَهِمْتَ إليهِ شوقاً ... فكيفَ لكَ التَصبُّرُ لو تراهُ
أبو فراس:
يا مَن يلومُ على هواهُ سَفاهةً ... انظُرْ إلى تِلكَ السوالِفِ تَعْذُرِ
حَسُنَتْ وطابَ نسيمُها فكأنّها ... مِسكٌ تساقَطَ فوقَ وردٍ أحمرِ
آخر:
يقولونَ قد أَخفى محَاسنَه الشَّعرٌ ... وهيهاتَ أنِ يَخْفى مع الظُلْمةِ البَدرُ
وأَحسَنُ ما يَبْدو لكَ الغُصنُ ناضِراً ... إذا لاحَ في أَطرافِهِ الوَرَقُ الخُضْرُ
ابن المعذل:
سالَتْ مَسايلُ عارضَيْ ... هِ بَنَفْسجاً في وَرْدِهِ
فكأنَّه مِن حُسنِهِ ... عَبَثَ الرَبيعُ بخدِّهِ
ابن المعتز:
لا تَحْسُنُ الأرضُ إلاَّ عند زَهْرَتِها ... ولا السَماواتُ إلا بالمَصابِيحِ
كذاكَ خَدُّكَ، لمّا اخضَرَّ عارِضُهُ، ... تَصَرَّحَ الحسنُ فيه أَيَّ تَصْريحِ
الصنوبري:
صاحَ عِذاراهُ بي وشارِبُهُ ... قُمْ فَتَأمَّلْ فأَنتَ صاحِبُهُ
إنْ كان بَدرُ الدُجى يُشاكِلُهُ ... فما لِبَدْرِ الدُجى مناقِبُهُ
لا وَجنتاهُ لهُ، ولا فَمُهُ، ... ولا له عيْنُهُ وحاجِبُهُ
ذاكَ الذي طالَبَتْ محَاسِنُهُ ... بِوصْلِهِ من غَدا يطالِبُهُ
ابن لنكك:
قالوا الْتحى فَمحا مَحا ... سِنَ وَجههِ لِبْسُ الشَعَرْ
ألآنَ طابَ وإِنّما ... ذاكَ البهارُ على الشَجَرْ
لَولا سوادٌ في القَمرْ ... واللهِ ما حَسُنَ القَمرْ
الخليع وأحسن فيه:
اخضرَّ عارِضُه ولاحَ عِذارُهُ ... والبدرُ ليسَ يَشينُه آثارُهُ
لولا اخْضِرارُ الروضِ لم يكُ نُزهةً ... لمَّا تَضاحَكَ وَردُه وبَهارُهُ
(1/6)

والسيفُ لولا خُضرةٌ في مَتْنه ... ما كانَ يُعْرَفُ عِتقُهُ ونِجارُهُ
وَيزينُ تُفَّاحَ الخُدودِ عِذارُه ... والثوبُ يَعرِفُ أَرْشَهُ سِمسارُهُ
البسامي:
مالَهُم أَنْكروا سَواداً بخدَّيْ ... هِ ولا يُنكرونَ ورْدَ الغُصونِ
إن يَكُنْ عَيبُ وجهِهِ بَدَدَ الشَّع ... رِ فعيبُ العيونِ سودُ الجُفونِ
الخبزرزي:
وحُسنٍ يُنَمْنِمُ ذاكَ العِذارَ ... كآثارِ مِسكٍ عليهِ غَزَلْ
كتابٌ من الحُسنِ توقِيعُهُ ... من اللهِ في خَدِّهِ قد نَزَلْ
ابن المعتز:
وَتكادُ الشمسُ تُشبِهُهُ ... ويكادُ البدرُ يَحْكِيهِ
كيفَ لا يَخْضَرُّ عارِضُهُ ... ومِياهُ الحُسنِ تَسْقِيهِ
محمد بن وهيب:
صُدودُكَ والهوى هَتكا سِتاري ... وساعَدها البُكاءُ على اشْتِهاري
وكم أَبْصَرتُ من حسنٍ ولكنْ ... عليكَ، لِشِقْوتي، وَقَعَ اخْتياري
ولم أَخْلَعْ عِذاري فيكَ إلاَّ ... لِما عايَنْتُ من خَلْعِ العِذارِ
الخبزرزي:
انظرْ إلى الغُنْجِ يَجري في لَواحِظِهِ ... وانظُرْ إلى دَعَجٍ في طَرْفِه الساجي
وانظُرْ إلى شَعَراتٍ فوقَ عارِضِهِ ... كَأَنَّهُنَّ نِمالٌ دَبَّ في عاجِ
الوأواء:
ولمّا حَوى نِصفَ الدُجى نِصفُ خدِّهِ ... تَحَّيرَ فيهِ ما دَرى أينَ يذهبُ
ابن المعتز:
له مُقلةٌ تَسبي العُقولَ ووجنةٌ ... تَفَتَّحَ فيها الوردُ من كلِّ جانِبِ
وسالَ على خدَّيْه خَطُّ عِذارِهِ ... كما أَثَّرَ التَسطيرُ في رَقِّ كاتِبِ
الخبزرزي:
وَجهٌ تكامَلِ حُسنُهُ ... لماَّ تَطَرَّفَهُ عِذارُهْ
والسيفُ أحسنُ ما يُرى ... ما كانَ مُخْضَرّاً غِرارُهْ
غُصْنٌ شَقِيتُ بِزَرْعِهِ ... فالآنَ حين بَدَتْ ثِمارُهْ
عَطَفَ الوُشَاةُ فروعهُ ... عنّي وفي قَلبي قَرارُهْ
ابن كيغلغ:
مُهَفْهَفٌ كالقَضيب قامَتُهَ ... أقامَ سوقَ القُدودِ إِذْ قاما
يُفْطِرُ طَرْفي إِذا رَأَيْتُ لهُ ... شَخصاً، فإِنْ غابَ شَخْصُهُ صاما
قد قَبَّلَ الوردُ فوقَ عارِضهِ ... فَخطَّ فيهِ سَوادُهُ لاما
الصنوبري:
كم تَحرَّى قَتْلي ولمْ يَتَحرَّجْ ... مَنْ ضَمِيري بِنارِ حُبِّيهِ مُنْضَجْ
رَشَأٌ يَقْتَضي الغرامَ فؤاداً ... مُلْجِماً للغرامِ والشوقُ مُسْرَجْ
رَوضٌ حسَنٍ تَنَزَّهُ العينُ فيهِ ... في مُوشىَّ مُستَحْسَنٍ ومُدَبَّجْ
يا مُذِيبِي بِخالِهِ اللاَّزوَرْ ... دِيِّ على خَدِّهِ الصَقِيل المُضَرَّجْ
هذه زهرةُ البَنَفْسج في خدِّ ... كَ أَمْ زهرةٌ تَفوقُ البَنَفسجْ
كانَ نُعمانُ من نَعِيمِيَ لو لمْ ... يَكُ رأَسِي بِتاجِ شَيْبِي مُتَوَّج
كشاجم:
مُهَفْهفُ الأَعطافِ مُرْتَجُّ الكَفَلْ ... مُكَحَّلُ الأَجفانِ من كُحْلِ الكَحَلْ
طُوِّقَ في الخدِّ كتَطويقِ الحَجَلْ ... بعارضٍ مُنقَطِعٍ لم يَتَّصِلْ
يُنْبِتُهُ الحُسنُ وتَرعاهُ المُقَلْ
وفي هذا المعنى قول ديك الجن حسن:
يَلوحُ في خدِّه وردٌ على زَهَرٍ ... يعودُ من وَقتِهِ غَضّاً إذا قُطِفا
الصنوبري:
إِنَّ الذي اسْتَحْسَنْتُ فيه خَلاعتي ... وخَلَعْتُ فيه تَنَسُّكِي وتَحرُّجي
زَيْنُ الشُنوف وَزِينَةُ ال ... خَلخالِ إنْ حلَّيتَه والدُمْلُجِ
شَبَّهتُ حُمرةَ خدِّهِ وعِذارَهُ ... بِنِقابِ وَردٍ مُعْلَمٍ بِبَنَفْسَجِ
الواثق بالله؛ الصحيح أنها لأبي تمام:
لما اسْتَقَلَّ بأَردافٍ تُجاذِبُهُ ... واخْضَّر فوقَ جُمان الدُرِّ شارِبُهُ
وتَمَّ في الحُسن فالْتامَتْ مَحاسِنُهُ ... واهتزَّ أَعلاهُ وارتجَّتْ حقائبُهُ
كلَّمتُه بُجفونٍ غيرِ ناطِقةٍ ... فكان مِن رَدِّه ما قالَ حاجِبُهُ
والمحدثون قد أكثروا في هذا الفن. وإنما نقصد المختار في الكتاب كله - ولكل شيء صناعة؛ وصناعة العقل حسن الاختيار. والناس متفاوتو الأغراض فيه - ولكل غرض مذهب أبو حنيفة الغساني مؤدب أبي نواس أنشده ابن المنجم في البارع:
(1/7)

بأَبي وَجْهُكَ من مُحْتَلَقٍ ... حارَ ماءُ الحُسْنِ فيه فَوَقَفْ
إِنْ يَكُنْ أثَّرَ في عارِضِهِ ... بَدَدُ الشَّعرِ فَفي البدْرِ كَلَفْ
في ذم العذار
سعيد بن وهب، أنشده أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان:
هلاّ وأنتَ بماء وجهكَ تَشتهي ... رؤدَ الشباب قليلَ شعرِ العارضِ
فالآنَ، حين بدتْ بخدِّكَ لِحيةٌ ... ذهبتُ بِمِلْحِكَ ملءَ كفِّ القابضِ
مثلَ السُلافةِ عاد خمرُ عصيرِها ... بعدَ الَّلذاذةِ خلَّ خَمْرٍ حامِضِ
آخر:
غابوا وآبوا وفي وُجُوهِهِمُ ... كما يكونُ الكسوفُ في القمرِ
مَاتوا فلم يُقْبَروا فَيُحْتَسَبُوا ... فَفِيهمُ عِبرَةٌ لمُعْتَبِر
كأنَّهمْ بَعدَ بَهْجَةٍ دَرَسَتْ ... رَكْبٌ عليهمْ عمائِمُ السَفَرِ
أبو هفان:
غَيَّرَهُ الكونُ والفسادُ ... ولاحَ في وجْهِهِ السَوادُ
كأنْه دِمْنَةٌ امَّحَتْ ... فكُلُّ آثارِها رَمادُ
ابن المعتز:
أَلْبسكَ الشَّعُر على رَغمي ... غلالةً تُغسلُ بالخَطْمي
قد كنتُ أدعوكَ: بيا سيِّدي ... فصِرتُ أدعوكَ: بيا عَمِّيَ
وله أيضاً:
يا ربِّ إِن لمْ يكنْ في وَصلِه طمعٌ ... ولم يكنْ فرجٌ من طولِ هِجرتهِ
فاشْفِ السَّقامَ في لحظِ مُقلَتِهِ ... واسْتُرْ مَلاحةَ خدَّيْه بلحيتهِ
ابن المعذل:
سَقياً لدهر مضى ما كان أَطيَبَهُ ... إِذ أنتَ مُتَّبعٌ والشرطُ دينارُ
أيّامَ وجهُكَ مُبيَضٌّ عوارِضُهُ ... وللربيعِ على خَدْيْكَ أَنوارُ
حانَتْ مَنيَّتُهُ واسْوَدَّ عارِضُهُ ... كما تُسَوَّدُ بعدَ الميِّتِ الدارُ
الصنوبري:
أُخمِدَ الحُسنُ فيكَ بعد اتِّقادِ ... واكْتسى عارِضاكَ ثَوبَيْ حِدادِ
ما بَدتْ شَعْرةٌ بِخدِّكَ إِلاَّ ... قُلتُ في ناظرِي بَدتْ أو فُؤادي
أَنتَ بدرٌ جَنى الكُسوفُ عليهِ ... ظُلمةً ما أَرى لها مِن نَفَادِ
واسْوِدادُ العِذارِ بعد ابْيِضاضٍ ... كابْيِضاضِ العِذار بعد اسْوِدادِ
ديك الجن:
لو نَبتَ الشَّعْرُ في وِصالٍ ... لَعادَ ذاكَ الوِصالُ صدَّا
الخبزرزي:
بَدا الشعرُ في وجْههِ فاْنتَقَمْ ... لِعُشاقِهِ مِنهُ لمّا ظَلَمْ
وما سلَّطَ اللهُ نَبْتَ اللِّحى ... على المُرْد أَلا زوالَ النّعمْ
تَوحَّشَتِ العينُ في وجههِ ... وحَقَّ لها وحَشةٌ في الظُلَمْ
ولم يَعلُ في وجههِ كالدُّخا ... نِ إِلاَّ وأسفَلُه كالحَمَمْ
إذا اسودَّ فاضِلُ قِرطاسهِ ... فما ظَنُّهُ بمجاري القَلَمْ
الباب الرابع
نعت الخيلان
محمد بن عبد الرحمن الكوفي:
خالٌ كنُقطةِ زاجِ ... على صَفِيحة عاجِ
العباس بن الأحنف وقد قرأتها في ديوان ديك الجن. والعباس أولى بها:
ومَحجوبةٍ في الخِدرِ عن كُل ناظرٍ ... ولو بَرَزَتْ ما ضلَّ بالليل مَن يَسري
يُقَطِّعُ قلبي حُسنُ خالٍ بخدِّها ... إِذا سَفَرَتْ عنهُ تَنَغَّمَ بالسِحْر
لخالٌ بذاتِ الخال أَحسنُ مَنظراً ... من النُقْطةِ السوداءِ في وَضَحِ البدْرِ
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
كأن نقطةٌ بِمِسكٍ ... لائحةٌ في بياضِ عاجِ
مسلم بن الوليد:
خَرَجْنَ خروجَ الأنجُم الزُهرِ فالتقى ... عليهنَّ منهنَّ الملاحةُ والشَكْلُ
وخالٌ كخالِ البدرِ في وجه مِثلهِ ... لَقيتُ المُنى فيه فحاجزَنا البَذلُ
ديك الجن:
في خَدِّه خالٌ كأنَّ ... أنامِلاً صَبَغتهُ عَمْدا
خَنِثٌ كأَنَّ الله أَلْ ... بسَهُ قُشورَ الدُرِّ جِلْدا
وتَرى على وَجَناتِهِ ... في أيِّ حينٍ جِئتَ وَرْدا
أبو هفان:
مَلِيحُ الدَلِّ والحَدَقَهْ ... بَديعٌ والَّذي خَلَقَهْ
له صُدغانِ من سَبَجٍ ... على خَدَّيْهِ كالحَلَقَهْ
وخالٌ فوقَ وجنتِهِ ... يُقَطِّعُ قلبَ من عَشِقَهْ
أُلاحِظُهُ فأُدْمِيهِ ... فأَتركُ لَحظَهُ شَفَقَهْ
وقال الصنوبري:
بالحَلَقِ المُستديرِ من سَبَج ... على الجَبينِ المَصُوغِ مِن دُرِّ
(1/8)

وحاجبٍ خَطَّ سطرَه قلمُ ال ... حُسن بِحبْرِ الإِلهِ لا الحِبرِ
والخالِ في الخدِّ إِذ أُشَبِّهُهُ ... زَهرةَ مِسكٍ على ثَرى تِبْرِ
وأُقحوانٍ بِفيكِ مُنتظمٍ ... على شَبيهِ الغَديرِ من خَمْرِ
آخر:
في الساعِدِ الأَيمن خالٌ لهُ ... مِثلُ السُويْداءِ على القَلبِ
كأنهُ من سَبَج فاحِمٍ ... مُرَكَّبٍ في لُؤْلُؤٍ رَطْبِ
كشاحم:
فَديْتُ زائرةً في العيد واصِلةً ... لِمُسْتهامٍ بها لِلوصْلِ مُنْتَظِرِ
فلم يزلْ خَدُّها رُكناً أَطوفُ بِهِ ... والخالُ، في صَحْنِهِ، يُغْني عن الحَجَرِ
أحمد بن أبي طاهر:
أَغَنُّ رَبيبُ الرَبْربِ الغِيدِ والمَها ... بِمُقْلةِ وَحشيِّ المحاجرِ أَدْعَجِ
له وَجَناتٌ نُكتَةُ الخالِ وسْطَها ... كنُقطةِ زاجٍ في صَفيحةِ زِبْرِجِ
ابن أبي فنن، في الخال الأبيض:
يا حُسنَ خالٍ بِخدّ قد كَلِفْتُ بهِ ... كأنهُ كَوْكبٌ قد لُزَّ بالقمرِ
الباب الخامس
الخدود
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
قد صَنَّفَ الحُسنُ في خدَّيكِ جوهَرَهُ ... وفيهما أودعَ التفاحُ أَحمرَهُ
فكلُّ سِحْرٍ فمِن عَيْنَيكِ أَوَّلُهُ ... مُذ خَطَّ هاروتُ في عَيْنيْكِ عَسكَرَهُ
قد كانَ لي بَدنٌ ما مَسَّهُ سَقَمٌ ... فَمُذْ أُتيحَ له الهِجرانُ غيَّرَهُ
قلبي رَهينٌ بكفَّيْ شادِنٍ خَنِثٍ ... يُمِيُتُه فإِذا ما شاءَ أَنْشَرَهُ
الوجيهي:
لا والذي جَعلَ الموا ... لِيَ في الهوى خَوَلَ العَبيدِ
وأَصارَ في أَسْرِ الظِّبا ... ءِ قِيادَ أَعناقِ الأُسودِ
وأَقامَ أَلْوِيَةَ المَنيَّةِ بين أَفْنِيَةِ الصُدودِ
ما الوردُ أحسنُ مَنْظَراً ... في الروضِ من وردِ الخُدودِ
ابن الرومي:
تَورُّدُ خدَّيْه يُذكِّرُني الوَرْدا ... ولمْ أَرَ أَحلى منه شَكْلاً ولا قَدّا
كأنّ الثُريَا عُلِّقَتْ في جَبينِه ... وبَدر الدُجى في النَحْرِ صِيغَ له عِقْدا
وأَهدتْ له شمسُ النهارِ ضِياءَها ... فمرَّ بثوب الحُسْنِ مُرتدياً فَردا
فلم أرَ مثلي في شقائي بمثلهِ ... رَضِيتُ به مَولىً ولم يرضَ بي عَبْدا
ابن المعتز:
يا مَن يجودُ بموْعِدٍ من لَحْظهِ ... ويصُدُّ حين أقولُ أينَ الموعِدُ
وَيَظلُّ صَبّاغُ الحَياء بِخَدِّه ... تَعِباً يُعصْفِرُ تارةً ويُسوِّدُ
الراضي:
يَصْفَرُّ وَجْهي إذا تَأمَّلني ... خَوفاً، ويَحْمَرُّ وَجهُهُ خَجَلاً
حتى كأنَّ الذي بِوَجْنَتهِ ... مِن ماءِ وجهي إِليهِ قد نُقِلا
الواثق بالله:
أَيُّها الخادِمُ من مَوْ ... لاكَ؟ مولاكَ وَصِيفُ
أَنا مَمْلوكٌ لِمَمْلو ... كٍ ولِلدَّهرِ صُرُوفُ
يا غَزالاً لَحْظُ عَيْنيْهِ سِهامٌ وَحُتوفُ
ما الذي ورَّدَ خدَّيْكَ؟ ربيعٌ أَمْ خَريفُ
آخر:
بَيضاءُ رُؤْدُ الشباب قد غُمِستْ ... في خَجلٍ دائمٍ يُعصِفرُها
مَجدولةٌ هزَّها الصَّبا فَشَجا ... قلبَك مسموعُها ومَنظَرُها
الناشيء:
قَبَّلتُه خُلسةً من عين راقبهِ ... ومَسَّ ما مَسَّ من ثَغري مُشَنَّفُهُ
فاحْمرَّ من خَجلٍ واصفرَّ من وَجَلٍ ... وحَيْرةُ الحُسن بين الحُسن أَطْرَفُه
العلوي:
أَبْرزَهُ الحمَّامُ كالفِضَّةَ ... أَبانَ عنه عُكَناً بَضَّهْ
كأنَّما الماءُ على خَدِّهِ ... طَلٌّ على سُوسَنَةٍ غَضَّهْ
فَليْتَ لي من فَمِه قُبلةً ... وليتَ لي من خدِّهِ عَضَّهْ
النوفلي:
بِأبي من نَباتُ خد ... ديْهِ وردٌ ونَرجِسُ
وعلى مِثلِه تَذو ... بُ قلوبٌ وأنفُسُ
آخر:
مُوَرَّدُ ما بيَن العِذارِ إلى الخدِّ ... بوردٍ بَديعٍ ليس من جَوْهرِ الورْدِ
أبو نواس:
وذاتِ خدٍّ مُورَّدْ ... قُوهِيةِ المُتَجَرَّدْ
تأمَّلُ العينُ منها ... مَحاسِناً ليس تَنْفَدْ
والحُسنُ في كلِّ جِزْءٍ ... مِنها مُعادٌ مُردَّدْ
فَبَعْضُه يَتَناهى ... وَبعضُهُ يَتَوَلَّدْ
(1/9)

وكلَّما عُدْتُ فيهِ ... يكونُ في العوْدِ أَحْمَدْ
أخذه من قول محمد بن بشير، وهذا محدث. وأما محمد بن بشير فهو من شعراء العرب:
أَأَطلُبُ الحُسنَ في أُخرى وأَترُكُها ... بلْ ذاكَ حينَ تركْتُ الحُسنَ والحَسَبَا
ما إِنْ تَأمَّلْتُها يوماً فَتُعْجِبُني ... إِلاَّ غدا أَكثر اليوميْنِ لي عَجَبَا
ابن المعتز:
تُفَاحتا خدَّيْكَ قد عُضَّتا ... بأَعيُن العالَمِ فاحمَرَّتا
غَطِّهِما لا تُؤْكَلا عَنْوَةً ... أَو تَفْنَيا شَمَّاً فقد رَقَّتا
الحسين بن الضحاك، وقد أحسن:
صِلْ بخدِّي خدَّيْكَ تَلْقَ عجيباً ... من مَعَانٍ يَحارُ فيها الضميرُ
فبخدَّيْكَ لِلربيعِ رياضٌ ... وبخدَّيَّ للدُموعِ غَدِيرُ
وله:
أَظهرَ الكبرياءَ من فَرطِ زهوٍ ... فتلقَّيْتُهُ بِذُلِّ الخُضوعِ
وَحَباني رَبيعُ خدَّيْهِ بالورْ ... دِ فأَمْطَرْتُهُ سَحابَ الدُموعِ
أبو هفان:
خَدّي لِدمعٍ فيهِ مُرْفَضِّ ... وخدُّه للشَمِّ والعَضِّ
بَعضي على بعضِيَ يَبكي دَماً ... وبَعضهُ يُزهى على بعضِ
ما كَمَلَتْ حتى بَدا حُسْنُهُ ... ولا اسْتَتمتْ زينةُ الأرضِ
قد كِدْتُ أَن أَقضِيَ من هَجرِهِ ... وحُقَّ لِلْمَهْجورِ أَن يَقضي
ابن المعتز:
ورْدُ الخدودِ وَنْرجِسُ اللحَّظاتِ ... وتصافُحُ الشَفَتْينِ في الخَلَواتِ
شيءٌ أُسَرُّ بهِ وأعلمُ أَنهُ ... وَحَياةِ من أَهوى من اللذَّاتِ
ابن الرومي:
وشُفوفِ البدن النا ... عمِ في الثوب الرقيقِ
ورحيقٍ كحريقٍ ... في أَباريقِ عَقيقِ
إِنَّ مَن ورَّدَ خدَّيْكِ لَصَبّاغٌ رقيقُ
وقال الصنوبري:
بَدرٌ بَدا بالضِياءِ مُعْتَجرا ... غُصْنٌ أتى بالبَهاءِ مُتَّشِحا
رَقَّ فلو كلَّفَتْهُ أعْيُنُنا ... أَن يَرشَحَ الخمرَ خَدُّهَ رَشحا
آخر:
مُتَرَقرِقُ الخدَّيْنِ مِن ... ماءِ الصِّبا والطيبِ يَنْدى
وتَرى على وَجَناتِهِ ... في غيرِ حينِ الوَرْدِ وَرْدا
وقال المهلبي:
نفسي فداءُ مُدلَّلٍ ... رَبَع الربيعُ بعارضَيْهِ
أَسكرتُه من خمرةٍ ... وسكرتُ من نظري إِليهِ
المفجع:
ظَبيٌ إِذا عَقْرب أَصداغَه ... رأيتَ ما لا تُحْسِنُ العقربُ
تُفاحُ خدَّيْه له نَضْرَةٌ ... كأنه من دَمْعَتي يَشرَبُ
ابن ميادة وأحسن وأبدع في معناه:
جزى اللهُ يومَ البَيْن خَيراً فإنهُ ... أَرانا، على عِلاَّتِه، أُمَّ ثابِتِ
أَرانا رَقيقاتِ الخُدودِ ولم نكُنْ ... نراهُنَّ إِلاَّ بانْتِعاتِ النَواعِتِ
وهذا من بدائعه. وعليه عول الشعراء في العشق بالصفة دون الرؤية، كبشار حيث قال:
يا قومُ أُذني لبعضِ الحيِّ عاشِقَةٌ ... والأُذْنُ تعشَقُ قبلَ العينِ أَحيانا
وكابن قنبر مهاجي مسلم بن الوليد:
ولستَ بواصفٍ أبداً خَليلاً ... أُعَرِّضُهُ لأهْواءِ الرِجالِ
وما بالي أَشوِّقُ عَيْنَ غيري ... إِليهِ ودونه سَترُ الِحجالِ
وكماني الموسوس:
سمِعْتَ به فَهِمْتَ إليه شوْقاً ... فكيف لكَ التَصَبُّرُ لوتراهُ
الباب السادس
نعت الوجنات
الحسن بن وهب:
لا النومُ أَدْري به ولا الأَرَقُ ... يَدْري بِهذيْنِ من بهِ رَمَقُ
أَرَدْتُ تَقبيلَ نارِ وَجْنتِهِ ... خَشِيتُهُ، إِن دنوْتُ أَحترِقُ
ابن المعتز:
وَجْنتاهُ أَرقُّ من قَطْرِ ماءٍ ... ودُموعي يَجرِينَ جرْياً عليهِ
وَتَرى قلبَه الحَديدَ ولكِنْ ... لي فُؤادٌ أرقُّ مِن وَجْنَتَيْهِ
ابن الرومي:
وغزالٍ تَرى على وَجْنَتَيْهِ ... قَطْرَ سَهمَيْهِ من دِماءٍ القُلوب
لَهفَ نفسي لِتِلْكَ من وَجناتٍ ... وَردُها وَردُ شارِقٍ مَهْضوبِ
أبو نواس:
لِلْحُسْنِ في وَجَناتِهِ بِدَعٌ ... ما إِنْ يَمَلُّ الدرسَ قارِيها
لو تَستَطيعُ الأرضُ لانْقَبَضَتْ ... حتى يكونَ جميعُهُ فيها
ابن المعذل:
قلتُ لهُ إِذ مرَّ بي فَرْدا ... مولايَ هل تَقْبَلُني عَبْدا
(1/10)

فأَطبَقَ الورْدَ على نَرْجِسٍ ... فامْتلأَتْ وجنتُهُ وَرْدا
آخر:
فاحْمَرَّ حتى كِدتُ أَن لا أَرى ... وَجْنَتَهُ من كَثْرةِ الوَرْدِ
ابن الرومي:
يا طُرَّتَيْهِ الَّلتينِ مِن سَبَجٍ ... في وَجْنتيهِ اللتينِ من وَهَجِ
ما حُمْرَةٌ فيهما؟ أَمِنْ خَجَلٍ ... أم فِطْرَةُ اللهِ؟ أَمْ دَمُ المُهَجِ
خالد الكاتب:
عَليلُ اللَّحْظِ والطَّرْفِ ... مَليحُ الشَّكْلِ والظَّرفِ
لقد جاوَزَ في البَهْجَةِ والحُسْنِ مَدى الوَصْفِ
له وَرْدٌ على الوجْنَةِ مَمْنوعٌ مِن القَطْفِ
يَبُثُّ السُقْمَ من عَينيْهِ لكِنْ لحظُهُ يَشْفي
الصنوبري:
وَجنَتُكَ النارُ ثغرُكُ البَرَدُ ... يا مَنْ هو الظَبْيُ بل هو الأَسَدُ
هذا طِرارٌ عليكَ أَم سَبَجٌ ... ذانِكَ صُدغانِ أَم هُما زَرَدُ
مالي بِخَدَّيْكَ يا غُلامُ يدٌ ... ولا لخدَّيْكَ بالعيونٍ يدُ
فكيفَ أَبكي بأَدمُعي جَسَدي ... لم يَبْقَ لي أَدمُعٌ ولا جسدُ
أبو نواس:
وَابِأَبي وجهُكَ المُفَدَّى ... والوَجَناتُ المُورَّداتُ
والعارِضانِ اللَّذانِ طابا ... حينَ بدا فيهما النَباتُ
في فَمِكَ العَنبرُ الفُتَاتُ ... في رِيقِكَ البارِدُ الفُراتُ
وأَينَما كُنتَ من بِلادٍ ... فلي إِلى وجْهِكَ التِفاتُ
آخر:
ومُبيحِ أَسرارِ القلو ... بِ بوجْنَتيْهِ وحاجِبَيْهِ
جَمَعَ الإلهُ لهُ المحَا ... سِنَ ثم أَفْرغَها عليهِ
وكأَنَّ مِرْآتَيْنِ عُلِّ ... قَتا بِصَفْحَةِ عارِضِيْهِ
وكأَنَّ وَردَ الجُلَّنا ... رِ مُضَعَّفٌ في وَجنتيْهِ
وقال ديك الجن:
بأبي الثلاثُ الآنسا ... تُ الرائقاتُ الفاتِناتُ
أَقبلْنَ والأَصداغُ من ... وَجناتِهِنَّ مُعَقْرباتُ
ألفاظهُنَّ مؤنَّثا ... تٌ والجفونُ مُذكْراتُ
حتى إذا عايَنْتُهُنَّ وللأمور مُسبِّباتُ
جَمَّشْتُهُنَّ وقلتُ طيبُ عناقكُنَّ هو الحياةُ
فَخَجلنَ حتى خِلْتُ أنَّ خدودهنَّ مُعَصْفَراتُ
ابن الرومي:
تَشرَعُ الألحاظُ في وَجْنَتِها ... فَتُلاقي الرِيَّ من مَشْرَبها
فهي حَسْبَ العينِ من نُزْهَتِها ... وهي حَسْبُ الأُذْن من مَطْرِبها
آخر:
إني هَويتُ من السَّعادةِ مَسْعداً ... لِبَني الهوى فغدا مَشُوقاً شائِقا
فإذا دنا جعلَ الزيارةَ شأنهُ ... وإذا نَأى بَعَثَ الخيالَ الطارِقا
عاتَبْتُهُ يوماً وفي وجناتهِ ... وردٌ، فصارَ من الحياءِ شقائِقا
ابن المعتز:
قَد صادَ قلبي قَمَرُ ... يَسَحُر منه النظرُ
وقد فُتِنْتُ بعدكُمْ ... وضاعَ ذاكَ الحذرُ
بِوجْنةٍ كأنَّما ... يقدَحُ منها الشَرَرُ
وشاربٍ قد هَمَّ أوْ ... نَمَّ عليه الشَعَرُ
ضَعيفةٌ أجفانهُ ... والقلب منه حجر
كأنّما أجْفانُه ... من فِعْلِها تَعتذِرُ
لم أرَ وَجْهاً غيرَ ذا ... يَحيى عليهِ بَشَرُ
ابن المعذل:
بمَجاري فلكِ الحُسنِ الذي في وَجَناتِكْ
وبِنُونَيْنِ على خَد ... ديْكَ من غَيْرِ دَوَاتِكْ
وبما يصنعُ في النَّا ... سِ تَشاجِي حَرَكاتِكْ
وبما أغَفْلَهُ الوا ... صفُ من حُسنِ صفاتِكْ
لا تَدعنِي والهوى ... يَجْرحُ قلبي بِحياتِكْ
آخر:
غَدَا وغَدا تَورُّدُ وجْنَتَيهِ ... بِعَينِ مُحبِّهِ يَصِفُ الرِياضا
على خدَّيه ماءٌ عَسْجَدِيٌّ ... إذا نظرَ الرقيبُ إليهِ غاضا
يُؤمِّلٌ جنة الفِردَوْسِ قومٌ ... وآمُلُ منهُ شَمًّا أو عَضاضا
غزالٌ كلَّما ازْدَدْتُ اقتراباً ... إليهِ زادَ بُعداً وانْقباضا
كَتَمْتُ هواهُ حتى فاضَ دَمعِي ... فَصَيَّرَهُ حَديثاً مُسْتَفاضا
الباب السابع
نعت الحواجب
الزاهي:
وأغْيَدَ مَجدولِ القوامِ جَبينُهُ ... سَنا القمرِ البَدرِيَّ في الغُصُنِ الرطْبِ
تَنَكَّبَ قوسَ الحاجِبينِ فَسْهمُهُ ... لواحِظُهُ المَرْضى وقِرْطاسُه قلبيِ
(1/11)

عبد الله بن أبي الشيص:
حذِرْتُ الهوى حتى رُميتُ مَن الهوى ... بأصْرَدِ سهمٍ في قِسيِّ الحواجبِ
رَمَينَ فأصْمَيْنَ القَلوبَ مكانَها ... وتُخطي يَدُ الرامي له في المغايِبِ
محمد بن عبد الرحمن الكوفي:
وَمُستلِبٍ عينَ الغزالِ وقد تُرى ... بِجبهتِهِ عينُ الغزالةِ ماثِلا
تَنادَلَ قوسَ الحاجِبينِ مُفَوَّقاً ... بأسْهُمِ ألحاظٍ تَشُكُّ المَقَاتِلا
خالد الكاتب:
له مِن مهاةِ الرملِ عيْنٌ مَريضةٌ ... ومِن ناضِرِ الريْحانِ خُضْرَةُ شارِبِ
ومن يانعِ التُفَّاحِ خدٌّ مورَّدٌ ... ومن خَطِّ حُلوِ الخطِ تقويسُ حاجبِ
ومن ناعِمِ الأغصانِ قَدُّ وقامةٌ ... ومن حالِكِ الحِبْر اسودادُ الذَوائبِ
ومن كُلِّ ما تهوى النفوسُ وتَشْتَهي ... نَصيبٌ، وما فيهِ نَصيبٌ لِعائِبِ
آخر:
غَزاني الهوى في جَيشِهِ وجُنودِه ... وعبَّا عليَّ الخيلَ من كُلِّ جانِبِ
بِمَيْسَرةٍ أعلامُها أعينُ المها ... ومَيْمَنَةٍ تَقضي بِزُجِّ الحواجبِ
وأثْبَتَ شخصَ البدرِ في حَوْمَةِ الوغى ... بِرايتِهِ الكُبرى لِفَلَّ الكتائِبِ
الموصلي:
فوقَ العيونِ حواجبٌ زُجُّ ... تحتَ الحواجبِ أعيُنٌ دُعْجُ
ينظرنَ من خَلَلِ النقابِ وإنَّما ... تحتَ النِقابِ ضواحكٌ فُلْجُ
وإذا نظرنَ رَمَقْنَ عن مُقلٍ ... تَسبي العقولَ وحَشوُها غُنْجُ
وإذا ضَحِكنَ ضَحِكْنَ عن بَرَدٍ ... عَذْبٍ الرُضاب كأنّه ثَلْجُ
وإذا نَزعن ثيابَهُنَّ تَرَسَّلَتْ ... فوق المتون ذوائِبٌ سُبجُ
وافيْنَ مكَّةَ للحَجيجِ فلمْ ... يَسلمْ بهنَّ لُمحرِمٍ حَجُّ
الباب الثامن
العيون والزرقة والشهلة والحول والرمد
قال الأصمعي: ما وصف أحد العيون بمثل ما وصف به عدي بن الرقاع:
وكأنها بين النِساءِ أعارها ... عَينيهِ أحورُ من جآذرِ جاسِمِ
وسْنانُ أقصَدَُ النُعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينِهِ سنةٌ وليس بِنائمِ
الناجم:
كادَ الغزالُ يكونُها ... لكنَّما هُو دونُها
والنرجسُ الغضُّ الجنيُّ أغضُّ منهُ جُفونُها
مَنْ كانَ يعرفُ فَضلَها ... فعنِ القياسِ يصونُها
جرير:
لولا مُراقبةُ العيونِ أرْيننا ... حدقَ المها وسوالِفَ الآرامِ
ونظرنَ، حين سمِعْنَ جَرْسَ تحيَّتي ... نظرَ الجيادِ سمِعْن صوتَ لجامِ
ابن المعتز، والناس يستبدعونه:
عَليمٌ بما تحتَ الصدورِ من الهوى ... سريعٌ بكرِّ اللحظِ والقلبُ جازعُ
ويجرحُ أحشائي بعينٍ مريضةٍ ... كما لانَ مَسُّ السيفِ والسيفُ قاطِعُ
البحتري:
ويحسُنُ دلُّها والموتُ فيهِ ... وقد يُستحسَنُ السيفُ الصقيلُ
وقد قال سلم الخاسر في الرشيد:
طلعَ الخليفةُ مطلعَ الشمسِ ... فَعَلا رقابَ الجِنِّ والإنسِ
وعليهِ مصقولٌ عوارضُهُ ... خَشِنُ الكريهةِ ليِّنُ المسِّ
وتقول العرب: الحية لين لمسها، قاتل نهشها.
وقول ابن المعتز في معناه حسن:
إن زَنَتْ عينُهُ بغيركَ فاضرِبْها بطول السُهادِ والدمعِ حَدّا
وقد كرر فقال:
أتَتْني تؤنِّبُني في البُكاء ... فأهلاً بها وبتَأنيبِها
تقولُ، وفي قولِها حشمةٌ ... أتَبْكي بعينٍ تَراني بها
فقلتُ: إذا استحسَنَتْ غيركُمْ ... أمرتُ الُدموعَ بتأديبِها
وهذا من مختار شعر ابن المعتز. إلا أنه عكس قول الأخطل:
فلا تلمُمْ بدارِ بني كُليبٍ ... ولا تقرَبْ لهمُ أبداً رِحالا
فإنَّ لهم نساءً مُبرقاتٍ ... يكدْنَ ينِكْنَ بالحدَقِ الرِجالا
قال أبو المثنى: أنشدني خالد لنفسه بديهة:
عَينهُ سفَّاكةُ المهجِ ... مِن دَمي في أعظمِ الحَرَجِ
أسْهرتْني وهي لاهيةٌ ... باحْوِرارِ العيْنِ والدَعَجِ
قُلْ لظبيٍ كلُّهُ حَسنٌ ... عَجَبي من فِعلكَ السَمِجِ
لا أتاحَ اللهُ لي فَرَجاً ... يومَ أدْعو منكَ بالفرجِ
قال: فأنشدتها وهباً الهمداني فأنشدني لنفسه بديهة:
تعملُ الأجفانُ بالدَّعجِ ... عملَ الصَّهباء بالمُهَجِ
(1/12)

قُلْ لظبيٍ تُسترقُّ لهُ ... مُهجُ الأحرار بالدَّعجِ
أنتَ والأجفانُ مالحظَتَ ... من فُتورِ العيْن في حرجِ
كيفَ أدعو اللهَ أسألُهُ ... فَرجاً ممَّن به فَرجي
وهذا أول من قاله أبو نواس:
لا فرَّجَ اللهُ عني إنْ مددتُ يدي ... إليه أسألُه من حبِّه الفَرجا
أبو دلف:
نَقْتَنِصُ الآسادَ من غِيلها ... وأعيُنُ العينِ لنا صائدهْ
يَنْبو الحُسامُ العَضبُ عنّا وقد ... تكَلُمُ فينا النظرةُ القاصِدَهْ
تَهابُنا الأسْدُ ونخشى المَها ... آبِدةٌ ما مثلُها آبدهْ
ابن المعتز:
وبيضٍ بألحاظِ العيونِ كأنَّما ... هَزَزْنَ سُيوفاً واستَلَلْنَ خَناجِرا
تَصدَّيْن لي يوماً بِمنعرَجِ اللِوى ... فغادرْنَ قلبي بالتصبُّر غادِرا
سفَرْن بُدوراً، وانْتقبْنَ أهلَّةً ... ومِسْنَ غُصوناً والتفتْنَ جآذِرا
وأطلعْنَ في الأجيادِ للوردِ أنجْماً ... جُعِلْن لحبَّاتِ القلوبِ ضَرائرا
البرقعي:
إني أخافُ مِن العُيو ... نِ النُجْلِ والحَدقِ المِراضِ
وأزورُ ليثَ الغابِ بالهندِيِّ في وسطِ الغياضِ
وإذا رأيتُ مُوَرَّدَ الوَجَناتِ جُمِّشَ بالعَضاضِ
أيقنتُ أنَّ مَنِيَّتي ... بينَ التورُّدِ والبَياضِ
خالد:
ومريضِ طَرْفٍ ليس يصرفُ طرفَهُ ... نحو امرِئٍ إلاَّ رماهُ بحَتْفِهِ
قد قلتُ إذْ أبْصرتُهُ مُتمايِلاً ... والرِدفُ يجذِبُ خصرَهُ من خَلْفِهِ
يا مَن يُسلِّمُ خصرهُ من رِدفِهِ ... سلِّمْ فؤادَ مُحبِّهِ مِن طرفِهِ
الجنزرزي:
لمّا نظرتَ إليَّ من حَدَقِ المَها ... وضَحكتَ عن مُتَفَتَّحِ الأنْوارِ
وعقدتَ بينَ قضيبِ بانٍ ناعِمٍ ... وكَثيبِ رملٍ عُقدةَ الزُنْارِ
عفَّرتُ خدَّي في الثَرى لكَ خاضِعاً ... وعَزمتُ منكَ على دخولِ النارِ
جحظة:
صادَتْ جميعَ الناسِ أجفانُكْ ... وعزَّ في العالمِ سُلطانُكْ
مَن مُنصفي منكَ وكُلُّ الوَرى ... مِن خوفِ سلطانِكَ أعوانُكْ
أبو هفان:
أخو دَنَفٍ رمتْهُ فأقْصدتْهُ ... سهامٌ من جُفونكِ لا تطيشُ
قواتلُ، لا نِصالَ سوى احْوِرارٍ ... بِهنَّ، ولا سِوى الأهدابِ ريشُ
أصبْنَ سوادَ مُهجتهِ فأضْحى ... سقيماً لا يموتُ ولا يعيشُ
كثيباً إنْ ترحَّلَ عنهُ جيشٌ ... من البَلوى أناخَ به جُيوشَ
آخر:
بحُرمةِ ما في العَينِ من نَرجِسٍ غَضِّ ... ووردٍ جنيٍ لاحَ في موضِعِ العَضِّ
أَبِنْ ليَ هلْ هَجْري عليكَ فريضةٌ ... فأنتَ، بحمد الله، تأخذُ بالفرضِ
بَراكَ إلهُ الخلقِ من لُؤلُؤ رطبِ ... فبعضُكَ من حُسنٍ يَغارُ على بعضِ
ما قيل في الزرقة والشهلة
شاعر:
قالوا بهِ زُرقةٌ فقلتُ لهُمْ ... بذاكَ تمَّتْ خِصالُهُ البَهِجَهْ
ما عابَهُ ما تروْنَ من زَرَقٍ ... كم بينَ فَيْروزَجٍ إِلى سَبَجَهْ
آخر:
زُرقةٌ في شُهُولةٍ فهو سيفٌ ... في دَمٍ غيرً أَنهُ ليس يَصدا
كلما عاوَدَتْهُ باللحظ عَيْني ... عادَ للحِينِ حُسْنُه مُستَجِدَّا
الخليع:
ومُكتَحِلٍ في العينِ من فوقِ شُهلةٍ ... يَدِبُّ على أرجاء مُقلتهِ السحرُ
له وجنةٌ ما تحمِلُ العينَ رِقةً ... جوانِبُها بيضٌ وأوساطُها حُمْرُ
وفي الحول
أبو الأسود الدؤلي:
يَعِيبونَها عِندي ولا عَيبَ عِندَها ... سِوى أَنَّ في العَيْنينِ بعضَ التأخُّرِ
وإِنْ يَكُ في العَيْنينِ سُوءٌ فإِنها ... مُهَفْهَفةُ الأَعلى رَداحُ المُؤزَّرِ
أبو حفص الشطرنجي:
حَمِدْتُ إلهي إذ بُليتُ بحُبها ... على حَوَلٍ يُغني عن النَظرِ الشَزْرِ
نَظرتُ إليها والرَقيبُ يَخالُني ... نَظرتُ إليه فاستَرَحْتُ من العُذْرِ
سعيد بن حميد في وصف الحول نفسه وأجاد:
وَنَجْمينِ في بُرجيْن هادٍ وحائِرٌ ... إذا طَلعا حَلَّ الكُسوفُ بواحدِ
إذا غُيِّبَ الهادي وَواراهُ بُرُجُهُ ... تَراءى لهُ المَقْصودُ في زِيِّ قاصدِ
(1/13)

لهذا، على التشبيهِ، قوةُ زُهرةٍ ... وفي ذا، على التمثيلِ، طَرفُ عُطاردِ
مِنَ الأَنجُمِ اللاَّئي جَرَتْ في بُروجِها ... ولم تَدْرِ ما معنى بُروجِ الفرَاقِدِ
العلوي البصري:
ونَظرةِ عَيْنٍ تعلَّلْتُها ... خِلاساً كما نَظرَ الأَحوَلُ
تَقسَّمتُها بين وجهِ الحبيبِ وطرفِ الرقيبِ متى يغفلُ
آخر:
سَأجْتنِبُ الدارَ الني أَنتمُ بها ... ولكنَّ طَرفي نحوَها سوفَ يعملُ
أرى مُستقيمَ الطرفِ ما الطرفُ أَمَّكُمْ ... فإِن زالَ طرفي عنكُمُ فهو أَحْوَلُ
آخر:
ومُنقَلِبٍ طَرفُهُ فاترٌ ... يُقلِّبُ باللحظ مِنّا القلوبا
فعينٌ تُوهِّمُني مَوْعِداً ... وعينٌ تُشاغِلُ عني الرَقيبا
يُصانِعُ خَصْمينِ في لحظِهِ ... فَلَنْ أَستريبَ ولن يَستَريبا
وابن الرومي قد أبدع في نظر الحبيب، وتأثيره في القلوب ما لم يذكره أحد.
وكرره في مواضع من شعره فقال:
نظرتْ فأَقصدَتِ الفؤادَ بطرفِها ... ثم انْثَنَتْ عَني فكِدْتُ أَهيمُ
وَيْلايَ إِنْ نظرتْ وإن هيَ أَعرضتْ ... وقْعُ السِهام ونزْعُهنَّ أَليمُ
قال وزاد فيه معنى آخر:
لَطَرفُها، وهو مَصْروفٌ، كموقِعِه ... في القلبِ حينَ يَروعُ القلبَ موقِعُهُ
تَصُدُّ بالطرفِ، لا كالسَّهم تَصرِفُه ... عني، ولكنّه كالسَّهمِ تَنْزِعُه
وقال أيضاً:
تَشَكَّى إذا ما أَقْصَدَتْكَ سِهامُها ... وتَشْجى إذا نكَّبْنَ عنكَ وتكمَدُ
إذا نَكَبَتْ عنّا وجدْنا عُدولَها ... كموقِعها في القلب، بل ذاكَ أَجهَدُ
كذلكَ تلكَ النَبْلُ من وقعتْ به ... ومن صُرِفَت عنه من القومُ مقْصَدُ
وقد التزم ابن الرومي في هذه القصيدة فتحة ما قبل حرف الروي تبرعاً، إلا في بيت واحد وهو:
ومَرجوعُ وهّاج المَصابيحِ رِمْدَدُ
وأخبرني أبو عبيد الله المرزباني أن أبا عثمان الناجم أخبره أن ابن الرومي دفع إليه هذه القصيدة وقال: اذهب بها إلى ثعلبكم وأنشده إياها، فما رد من لغتها فلا تلتفت إليه، وما رد من إعرابها فعلم عليه لأرجع فيه. وأنشده رمدد بفتح الدال التي ردفت حرف الروي؛ فلم يرده عليه.
وعند علماء اللغة هو رمدد بكسر الدال الأولى. ولم يأت في العربية ما تكرر فيه حرفان على فعلل إلا رمدد ودردح للناقة المسنة، وقرقس للبعوض. وقال البن السكيت: لم يرد في اللغة فعلل بكسر الفاء وفتح اللام إلا حرفان: درهم وهجرع للطويل. وقد جاء ثالث وهو هبلع للأكول.
قال الشاعر:
فَشَحا جحافِله جِرافٌ هِبْلَعُ
وأبو الحسن الأخفش يقول فيه شيئاً ليس هذا موضعه، وفي هركولة.
وابن الرومي لاقتداره وغزارته يلتزم في القوافي مالا يلزمه. وهو بالفكر والروية سهل. والصعب ما تعمله العرب بديهة وارتجالاً؛ كما أنشده سيبويه.
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازِلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطيبينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
وهذا المعنى في النظر قد غلب عليه ابن الرومي، كما غلب الطرماح على قوله:
والشمسُ مُعرِضَةٌ تمورُ كأنّها ... تُرسٌ يُقَلِّبُه كَمِيٌّ رامِحُ
وألم به أبو النجم:
فهي على الأُفْق كَعينِ الأَحوَلِ ... صَغْواءَ قد كادتْ ولمَّا تَفعَلِ
وكما غلب بشار على قوله:
وقالوا: قدْ بكيتَ فقلتُ كلاّ ... وهل يَبكي من الطَّرب الجَليدُ
ولكِنْ قد أصابَ سوادَ عيْني ... عُوَيْدُ قَذىً له طَرَفٌ حَديدُ
فقالوا: ما لِدْمعِهما سَواءٌ ... أَكلتا مُقلتيْكَ أصابَ عودُ
وألم به أبو العتاهية فقال:
كمْ مِن صَديقٍ لي أُسا ... رِقُهُ البُكاءَ من الحَياءِ
فإذا تأمَّلَ لامَني ... فأقولُ: ما بي مِن بُكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأَرتَدي ... فطَرَفتُ عيني بالرِداءِ
وكما غلب العتبي على قوله:
رأَيْنَ الغواني الشيبَ لاحَ بعارِضي ... فأَعْرضْنَ عني بالخُدودِ النَواضِرِ
وكُنَّ إذا أَبْصَرْنَني أو سَمِعْنَ بي ... سَعَيْنَ فَرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجِرِ
وكما غلب أبو نواس على قوله:
(1/14)

فَلِلْخمر ما زُرَّتْ عليهِ جُيوبُها ... وللماءِ ما دارتْ عليه القَلانِسُ
ومنه أخذ ابن المعتز قوله:
وبيضاءُ الخِمار إذا اجْتَلتْها ... عيونُ الشَّرْب صفراءُ الإِزارِ
وكما غلب أبو العتاهية على قوله في البنفسج:
كأنها فوقَ طاقاتٍ ضَعُفْنَ بِها ... أَوائلُ النارِ في أَطرافِ كِبْريتِ
وكما غلب أبو حية النميري على قوله في حيرة الدمع في العين:
نَظرتُ كأنّي من وراء زُجاجةٍ ... إلى الدارِ من فَرْطِ الكآبةِ أَنظُرُ
وقد عارضه فيه خلق كثير من الشعراء، فلم يصنعوا شيئاً. منهم أبو الشيص، قال:
حَجبتْ عينيَ الدموعُ فإِنسا ... ني غريقٌ يَبدو مِراراً ويَخْفى
فكأني نَظرْتُ مِن خَلفِ سِتْرٍ ... هزَّتِ الريحُ متْنَهُ فتَكفّا
وفي هذا التشبيه نظر.
ومنهم قيس حيث قال:
وممَّا شَجاني أَنها يومَ أَعرضتْ ... تولَّتْ وماءُ العين في الجَفْنِ حائِرُ
وقال ذو الرمة:
وإنسانُ عيني يَحسُرُ الماءَ تارةً ... فيبدو، وأَحياناً يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
وقال البحتري:
وَقَفْنا والعيونُ مُشعَّلاتٌ ... يغالِبُ دمعَها نظرٌ كليلُ
نَهَتْه رِقْبةُ الواشينَ حتى ... تعلَّقَ لا يَغِيضُ ولا يَسِيلُ
وقال أبو السمط مروان:
أُلِمُّ بالبابِ كي أَشكو فيمنعُني ... فَيْضُ الدموعِ على خدِّي، من النظرِ
أقبلتُ أَطلبُها، والقلبُ مَنْزِلُها، ... أَعْجِبْ بمُقتَرِبٍ مني على سَفَرِ
وقال المتنبي:
عَشيَّةَ يَعْدونا عنِ النَّظرِ البُكا ... وعن لَذَّةِ التوديعِ خوفُ التَفرُّقِ
نودِّعُهم والبَيْنُ فينا كأنَّهُ ... قَنا ابنِ أَبي الهَيْجاءِ في قلبِ فَيْلقِ
وقال أبو نواس:
بِنفسِيَ من رَدَّ التحيةَ ضاحكاً ... فجدَّد بعد اليأس في الوصلِ مَطْمعي
إذا ما بدا أَبدى الغرامُ سرائري ... كأنَّ دموعَ العين تعشَقُه معي
باح الكاتب:
يا غزالاً سَوادُ أَفْئدةِ الأُسْدِ يَعْتلِف
إِنَّ مُذْ خَمْسةٍ لَنا ... رُسُلَ الوعْد تخْتلِفْ
لم تَزُرْني ولم تَسَلْ ... بي على الغَيْبِ يا صَلِفْ
أنا أَفْديكَ كيفَ كُنتَ ألف لام فا أَلفْ
الحسين بن الضحاك:
يا مُعيرَ المُقلةِ الجوْ ... ذُرَ والجيدِ الغَزالا
أَترى بالله ما تَصْنَعُ عيناكَ حَلالا
من جُفون تنفُثُ السحرَ يميناً وشمالا
كنتَ مِن شتّى فأُلِّفْتَ وجُمِّعتَ مثالا
من قَضيبٍ كَتَمنِّي النفسِ لينا واعْتِدالا
وكثيبٍ يُودِعُ المئزَرَ أَردافاً ثِقالا
وهِلالٍ لاحَ في الأُفْق هِلالاً فتلالا
بأبي أنتَ قضيباً وكَثيباً وهِلالا
حارَ ماءُ الحسن في رقَّةِ خدَّيْكَ فجالا
حَبَّذا حُبُّكَ رُشْدا ... كانَ أو كانَ ضَلالا
قوله: حارماء الحسن..أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة:
وهي مَكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أَديمِ الخَدَّيْنِ ماءُ الشبابِ
آخر:
خُطَّتْ على الحُسن فهي تَمْلِكُهُ ... فصارَ ما حَولَهُ لهُ خَدَما
لو أَنَّها قابَلتْ بِمُقْلتِها ... بَكرَ بنَ عبدِ العزيزِ لانْهزما
جرير:
ولقد رَمَيْنَك يومَ رُحْنَ بأعْيُنٍ ... ينظُرْنَ من خَلَلِ الخُدورِ سَواجِ
وبمنطقٍ شَعَفَ الفؤادَ كأنّهُ ... عسلٌ يَجُدْن به بغيرِ مِزاجِ
إِنَّ الغُرابَ بما كَرِهْت لَمولعٌ ... بِنوى الأحِبَّةِ دائمُ التَشْحاجِ
ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ بالنوى ... كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
ولقد عَلمِتِ بانّ سِرَّكِ مُنْسَأ ... بينَ الضلوعِ موثَّقُ الأشْراجِ
هذا هوىً شَغَفَ الفؤادَ مُبَرِّحٌ ... ونوىً تقاذَفُ غيرُ ذات خِلاجِ
وفي حدة النظر قال بعض العرب:
يتقارضونَ إذا الْتقوْا في مَنزلٍ ... نَظراً يُزيلُ مواقعَ الأقدامِ
يريد: تلاحظ الأعداء وهو من قول الله عز وجل: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ".
وأما قول أبي تمام:
ومحدودِ الصَنيعةِ ساءَه ما ... تُرَشِّحُ لي منَ السَبَبِ الحَظِيِّ
(1/15)

يَدِبُّ إليَّ من شخصٍ ضئيلٍ ... ويَنظُرُ من شفا طَرَفٍ خَفِيِّ
فإنه يريد: نظراً بذل. وهو قول الله عز وجل: " ينظرون من طرف خفي ".
أنشد:
غَضِيضُ الطَرفِ ساكِنُهُ ... مَنيَّةُ من يُعاينُهُ
كساهُ إلُههُ نُوراً ... تُضيءُ بهِ أماكنُهُ
نقيُّ الجيْبِ من عَيْبٍ ... فما في الناسِ شائِنُهُ
تغيبُ محاسِنُ الدُنيا ... إذا طَلعتْ محاسِنُهُ
العلوي:
يا من تَشاغلَ بالسُرو ... رِ عن الفُؤادِ المُبْتَلى
نَظَري إليكَ إذا رأيتكَ مُدْبراً أو مُقبِلا
نَظرَ ابنِ فاطمةِ الرِضى ... ماءَ الفُراتِ بِكَرْبلا
الخبزرزي:
قد قُلتُ لما أنْ نَظر ... تُ إلى الحبيبِ مع العُداةِ
وبَقيتُ أنظرُ شاخصاً ... نظرَ المُنازعِ للمَمَاتِ
نَظري إليكَ بِغُصَّةٍ ... نَظَرَ الحُسينِ إلى الفُراتِ
وعلى ذكر العيون وأحوالها، ففي الرمد قول ابن المعتز نادر:
قالوا اشتكتْ عينُه فقلتُ لهم ... مِن كَثرةِ القتل نالها الوَصَبُ
حُمرَتُها من دماءِ من قَتَلتْ ... والدَمُ في النَصْلِ شاهدٌ عَجَبُ
وقد ألم به بعض الشعراء الشاميين فقال في ناصر الدولة يصف رمداً أصابه ولطف به:
قُضُبُ الهِند والقَنا أخدانُكْ ... والمقاديرُ في الوَرى أعوانُكْ
أيُّهذا الأميرُ ما رَمِدتْ عينُكَ، حاشا لها ولا أجفانُكْ
بل حَكَتْ فِعلَكَ الكريمَ ليُضحي ... شأنُها في العُلى سواءً وشانُكْ
فهي تحمرُّ مثلَ سيفكَ في الروْ ... عِ، وتصفو كما صَفا إحسانُكْ
الباب التاسع
الأنوف
عبد الله بن رواحة:
سَبَتْكَ بِعَيْنيْ جَؤْذَرٍ بخميلةٍ ... وجيدٍ كجيدِ الرِّئمِ زيَّنَهُ النَظمُ
فأنف كحدِّ السيفِ يَشربُ قبلَها ... وأشنبَ رفَّافِ الثنايا بهِ ظَلْمُ
أبو النجم:
للشُّمِّ عندي بَهجةٌ وحلاوةٌ ... وأحبُ بعضَ محاسِنِ الذِّلْفاءِ
وأرى البَياضَ على النِساءِ جَهارةً ... والعِتْقُ أعرِفُه على الأدْماءِ
ذو الرمة:
تَثْني الخمارَ على عِرنين أرنَبةٍ شَمّاءَ مارِنُها بالمسكِ مرْثومُ
تِلك التي تيَّمت قلبي فصارَ لها ... من حُبها ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ
الأقرع بن معاذ:
يقولُ ليَ المُفتي وهُنَّ عَشيَّةً ... بمكَّةَ يَرْمَحْنَ المُهدَّبةَ السُحْلا
تَقِ اللهَ لا تنظرْ إليهنَّ يا فتى ... وما خِلتُني في الحجِّ مُلتمِساً وَصْلا
قِطافُ الخُطا مُلْتَفَّةٌ رَبَلاتُها ... وما اللُّفُّ أفخاذاً بتارِكةٍ عَقلا
فواللهِ ما أنسى، وإن شطَّتِ النوى ... عَرانينَهنَّ الشُمَّ والحَدَقَ النُجْلا
ولا المِسكَ من أردانهنَّ ولا البُرى ... جواعِلَ في ماذِيِّها قَصباً خَدْلا
ذو الرمة:
إذا أخو لَذَّةِ الدنيا تَبَطَّنَها ... والبيتُ فوقَهما بالليل مُحْتَجِبُ
سافَتْ بِطَيِّبَةِ العِرْنينِ مارنُها ... بالمسكِ والعنبرِ الهِنديِّ مُختَضَبُ
زَيْنُ الشبابِ وإنْ أثْوابُها استُلبَتْ ... على الحشيَّةِ يوماً زانها السَّلَبُ
آخر:
وعَنْدَميَّيْن مُحمرَّيْن قد نصَعا ... في عارِضَيْ جُلَّنارٍ منه وَرْدِيِّ
تَخالُ بينهما أقنى به شَممٌَ ... كحدِّ مُنْصقِلِ الحدَّيْن هِنْدِيِّ
ألحاظُهُ فِتنٌ ألفاظهُ مِحنٌ ... كأنه قمرٌ في جِرْمِ إنسِيِّ
كأن طُرَّتَه في عاجِ جَبْهَتِه ... سوادُ زِنْجِيَّةٍ في لونِ رُومِيِّ
الباب العاشر
الأسنان
ابن الرومي:
ألا رُبما سُؤتُ الغيورَ وساءني ... وباتَ كلانا مِن أخيه على وَغْرِ
وَقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنّها ... يَنابيعُ خَمرٍ حُصِّبَتْ لؤلؤَ البَحْرِ
ابن كيغلغ:
لَسُكرُ الهوى أرْوى لِعَظمي ومفصَلى ... إذا سَكرَ النُدمانُ من دائر الخَمرِ
وأحسنُ من رَجْع المَثاني وقَرعِها ... مَراجيعُ صوتِ الثغرِ يُقرعُ بالثغرِ
كشاجم، وأحسن في نعت الأسنان والشفاه:
عَرَضنَ فَعَرَّضْن القلوبَ من الجوى ... لأسرعَ في كيِّ القلوبِ من الجمرِ
(1/16)

كأنَّ الشِفاهَ اللُّعْسَ فيها خواتِمٌ ... من المسكِ مختومٌ بهنَّ على دُرِّ
ابن الرومي:
تَعُلُّكُ ريقاً يَطرُدُ النومَ بَردُهُ ... ويَشفي القلوبَ الحائماتِ الصواديا
وهل ثَغَبٌ حَصْباؤُه مثل دُرِّهِ ... يُصادفُ إلاِّ طيِّبَ الطعْم صافِيا
كشاجم:
كالغُصنِ في رَوضةٍ تَميسُ ... تصبو إلى حُسنها النُفوسُ
ما شَهِدتْ والنساءَ عرساً ... فَشُكَّ في أنها عَروسُ
تَبْسِمُ عن باردٍ بَرُودٍ ... تَعْبَقُ من طِيبه الكُؤوسُ
يُجمعُ فيه لِمُجتَنيهِ ... مِسكٌ ووردٌ وخنْدَرِيسُ
أخذ قوله: ما شهدت والنساء. من قول أبي نواس:
شَهدتْ جَلوةَ العروس جنانٌ ... فاسْتمالتْ بُحسنِها النَظَّارَهْ
حَسِبوها العروسَ حينَ رأوْها ... فإليها، دونَ العروسِ، الإشارهْ
أعرابي:
بِأشنبَ صافٍ تعرفُ النفسُ أنهُ ... وإنْ لم تَذُقْ، حُوُّ اللِثاتِ عِذابُ
وكف كقنوانِ النَّقا لا يضُرُّها ... إذا برزَتْ أن لا يكونَ خِضابُ
ومْتنانِ يَزدادانِ ليناً ورِقَّةً ... كما اهتزَّ من ماء السُيولِ حَبابُ
أبو دلف:
أحبَبْتُها حُبَّ الحَرا ... م ولم أنلْ منها حَراما
فإذا خَلوْتَ بها فَجا ... ريةٌ وتحسبَهُا غُلاما
وإذا لثَمْتَ على الكرَى ... فالأقحوانةَ والمُداما
تِلك التي خلَبتْ فؤا ... دَ المُستهامِ المُستَهاما
ابن الطثرية:
ومَجدولةٍ جَدلَ العِنان كأنّما ... سَنا البرقِ في داجي الظلامِ ابتسامُها
إذا سُمتُها التقبيلَ صدَّتْ وأعرضتْ ... صُدودَ شَموسِ الخيلِ صَلَّ لِجامُها
فما برحتْ حتى كشفتُ لثامَها ... وقبَّلْتُها ألفاً فَزالَ احتشامُها
آخر:
تَبَسَّمُ عن عَذبٍ كأن بروده ... أقاحٍ تَردّاها من الرملِ أجْرَعُ
جرى الأسحِلُ الأحوى بطَفْل مُطرَّف ... على الزُهرِ من أنيابِها فهي رُصَّعُ
كأن السُلافَ المحْضَ منهن طَعمُه ... إذا جَعَلتْ أيدي الكواكبِ تَضْجَعُ
على خَصِراتِ المُسْتقى بعد هَجعةٍ ... بأمثالِها تَرْوى الصَوادي فتنقَعُ
جميل بن معمر:
وَشَّف عنها خِمارُ القَزِّ عن بَرَد ... كالبرقِ لا كَسَسٌ فيها ولا ثَعَلُ
كأنه أقحوانٌ باتَ يَضربُه ... من آخر الليلِ منْقاضُ الندى هَطِلُ
كأنّ صِرْفاً كُمَيتَ اللونِ صافيةً ... صَهباءَ عانِيَّةً في طَعمِها عسلُ
فوها، إذا ما قَضَتْ من هَجعةٍ وَطراً ... أو اعْتراها سُباتُ النومِ والكسلُ
ذو الرمة:
أناةٌ كأنّ المسكَ أو نَوْرَ حَنوةٍ ... بِمَيْثاءَ مرجوعٌ عليها التِثامُها
كأنّ على فيها تَلألُؤَ مُزنةٍ ... وميضاً إذا زانَ الحديثَ ابتسامُها
مضرس بن ربعي:
تَعاورنَ مِسكاً بالأكُفِّ يدُفْنَهُ ... وأخضرَ من نَعْمانَ حُوّاً مكاسِرُهْ
يَمِحْنَ به عَذْبَ الرُضابَ كأنّهُ ... جَنى النحلِ لَّما أنْ تَحَلَّبَ قاطِرُهْ
ابن الرومي:
كأنَّيَ لم أبِتْ أُسقى رُضاباً ... يموتُ به ويَحيا المُستهامُ
تُعَلِّلُنيهِ واضحةُ الثَنايا ... كأنَّ لِقاءَها حَوْلاً لِمامُ
تَنَفَّسُ كالشَّمولِ ضُحىً شَمالٌ ... إذا ما فُضَّ عن فيها الخِتامُ
والبة بن الحباب:
ومُصطبِحٍ بِتَقْبيلِ الحبيبِ ... خَلا من كلِّ واشٍ أو رقيبِ
وأكرعَ فاهُ في بَرَدٍ وخمرٍ ... فقُلْ ما شئِتَ في شُربٍ وطيبِ
عمر بن أبي ربيعة:
يَمُجُّ زكيَّ المسكِ منها مُفلَّجٌ ... نقيُّ الثَنايا ذو غُروب مُؤشَّرُ
يَرِفُّ إذا تَفْتَرُّ عنه كأنهُ ... حَصى بَردٍ أو أقحوانٌ مُنَوَّرُ
أبو تمام:
وثَنايا كأنها إغريضُ ... ولآل تُومٌ وبرقٌ وَميضُ
وأقاحٍ مُنَوَّرٌ في بِطاحٍ ... هزَّهُ في الصباحِ رَوضٌ أريضُ
وأخبرني أبو سعيد السيرافي عن ابن ابي الأزهر عن ابن لرة عن ابن السكيت. أن أبا عمرو الشيباني فسر قول تأبط شراً:
وَشِعْبٍ كَشَكِّ الثوبِ شَكْسٍ طريقُهُ ... مَجامِعُ ضَوْجَيْهِ نِطافٌ مخاصِرُ
(1/17)

تَعَسَّفْتُهُ بالقومِ، لم يهدِني لهُ ... دليلٌ، ولم يُثْبتْ ليَ النعْتَ خابِرُ
أنه يعني به فم المرأة وريقها واسنانها.
أبو تمام أيضاً يقول:
ونظامُ ثَغرٍ ما تَهلَّلَ وَشيُهُ ... إلاّ بكى خَجَلاً نظامُ الجوهرِ
يُهدي إليه نسيمَه فكأنّهُ ... شِيَبتْ جوانبُهُ بِمسكٍ أذْفَرِ
ذو الرمة:
أرَيْنَ الذي اسْتَوْدَعْنَ سَوداءَ قلبهِ ... هوىً مثلَ شكٍّ بالرماحِ النَّواجمِ
عيونَ المها والمسكَ يَندى عَصيمُهُ ... على كلِّ خدٍ مُشرقٍ غيرِ واجمِ
ودرّاً تُجَلِّي عن عِذابٍ كأنها ... إذا نَغمةٌ جاوَبْنَها بالجماجِمِ
ذُرى أقحوانِ الرملِ هزَّتْ فروعَه ... صباً طَلَّةٌ بين الحُقوفِ اليَتائمِ
طرفة:
وتَبسِمُ عن ألمى كأن مُنَوِّراً ... تخلَّلَ حُرَّ الرملِ دِعصٌ له نَدي
سَقتهُ إياةُ الشمسِ إلالِثاتِهِ ... أُسِفَّ ولم تَكْدُمْ عليه بإِثمِدِ
وكانت العرب إذا سقطت لأحدهم سن أخذها ورمى بها في عين الشمس وقال: أبدليني خيراً منها؛ وقد بين ذلك قوله:
بَدَّلتْه الشمسُ من مَنبِتِهِ ... برَداً أبيضَ مَصقولَ الأُشُرْ
وهذا من أوابدهم، كالطارف والمطروف، وقلي السنام والكبد، وتصفيق اليدين وقلب الثياب، واتخاذ الزورين في الحرب، ورقية الفروك بأفول القمر، ورمي الحصاة وقذف النواة، وتسمية أم الفصيل، وهؤلاء من رموز العرب كأوهام الهند.
الباب الحادي عشر
طيب الريق والنكهة
ابن ميادة:
كأنّ على أنيابها المسكَ شابَهُ ... بُعْيدَ الكَرَى مِن آخر الليلِ غابقُ
وما ذُقتُه إلاَ بعيْني تفرُّساً ... كما شِيم في أعلى السحابةِ بارِقُ
يضمُّ إليَّ الليلُ أذيالَ حُبِّها ... كما ضَمَّ أردانَ القميصِ البنائقُ
ذو الرمة:
كأنّما خالطتْ فاها إذا وَسِنَتْ ... بعد الرُقاد بما ضمَّ الخياشيمُ
مخزونةٌ من خُزامى الحُزْن هِيَّجَها ... من لَفِّ ساريةٍ لوثاءَ تَهمِيمُ
أو نفحةٌ من أعالي حَنْوةٍ مَعجَتْ ... فيها الصَّبا مَوْهِناً والروضُ مَرهومُ
ابن الرومي:
أهْيفُ الغُصنِ أهْيلُ الدِعصِ لمَّا ... يَقتسِمْ قَدَّهُ وِشاحٌ ومِرْطُ
طَيِّبٌ طعمُهُ إذا ذُقتَ فاهَ ... والثُريّا في جانِبِ الغَربِ قُرطُ
الهذلي:
وما صهباءُ صافيةٌ شَمولُ ... كعينِ الديكِ مُنْجابٌ قَذَاها
تُشَجُّ بماء ساريةٍ غَريضٍ ... على صَمّانَةٍ رَصفٍ صَفاها
بأطيبَ نَكهَةً من طعمِ فيها ... إذا ما طارَ عن سِنَةٍ كَراها
وضاح اليمن في صفة الريق نفسه:
يا روضَةَ الوَضَّاحِ قَد ... عنَّيْتِ وضَّاح اليمنْ
اسْقي خليلَكِ من شَرا ... بٍ لونُه لونُ اللَّبنْ
الطعمُ طعمُ سَفَرْجَلٍ ... والريحُ ريحُ سُلافِ دَنْ
ابن هرمة:
خوْدٌ تُعاطيكَ بعد رَقْدَتها ... إذا يُلاقي العُيونَ مَهْدَؤُها
كأساً بِفيها صَهْبا مُعتَّقَةً ... يَغلو بأيدي التِّجارِ مَسْبَؤُها
جرير:
خَليليَّ: هلْ في نظرةٍ إن نظرتُها ... أُداوي بها قلباً عَليَّ فُجورُ
إلى رُجُحِ الأكفالِ غيدٍ من الصِّبا ... عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهورُ
ذو الرمة:
أسيلةُ مَجْرى الدَمْعِ هَيفاءُ طَفْلَةٌ ... عَروُبٌ كإيماضِ الغَمامِ ابْتِسامُها
كأنَّ على فِيها، وما ذُقتُ طعمَهُ، ... مُجاجةَ خمرٍ طابَ فيها مُدامُها
عمر بن أبي ربيعة:
كأن المدامَ وصَوْبَ الغمامِ ... وريحَ الخُزامى وذَوْبَ العَسلْ
يُعلُّ به بَرْدُ أنيابِها ... إذا ما صَغا الكوكبُ المُعْتَدِلْ
هذا وفاق بينه وبين امرئ القيس:
كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام ... وريحَ الخُزامى ونَشْرَ القُطُرْ
يُعَلَّ به بردُ أنيابها ... إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ
النابغة الذبياني:
كأنّ مُشَعْشعاً من خمر بُصرى ... نَمتْه البُخْتُ مشدودَ الخِتامِ
إذا فُضَّتْ خواتِمُها عَلاها ... يبيسُ القُمَّحَانِ من المُدام
على أنيابها بِغريضِ مُزنٍ ... تَقَبَّله الجُناةُ من الغَمامِ
(1/18)

زهير بن ابي سلمى:
كأن ريقَتَها بعد الكرَى اغْتُبِقَتْ ... مِن طيَّب الراحِ لمَّا يَعْدُ أنْ عَتَقا
شَجَّ السُقاةُ على ناجودِها شَبِماً ... مِن ماءِ لِينَةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا
الأعشى:
تُعاطي الضَجيعَ إذا أقْبلتْ ... بُعَيْدَ الرُقادِ وبعد الوَسَنْ
صَرِيفيَّةً طيِّباً طَعمُها ... لها زَبَدٌ بين كُوبٍ ودَنْ
يَصُبُّ لها الساقيان المِزا ... جَ مُنْتَصَفَ الليلِ من ماءِ شَنْ
الباب الثاني عشر
حسن الحديث والنغمة
أنشد:
يا أطيبَ الناسِ إنْ مازَحْتَها عِللاَ ... وأحسنَ الناسِ إن جادَلْتَها جَدَلا
كأنَّما عَسَلٌ رُجعانُ مَنطِقِها ... إنْ كان رَجْعُ كلامٍ يُشْبِهُ العَسلا
ذو الرمة:
وإنّا لنُجْري بَيْننا حينَ نَلْتقي ... حديثاً له وَشْيٌ كوشْيِ المَطَارفِ
حَديثاً كوَقعِ القَطْرِ في المَحْلِ يُشْتَفى ... بهِ من جوىً في داخِلِ القلبِ لاَطِفِ
وله:
ولمَّا تلاقَيْنا جَرَتْ من عيُونِنا ... دُموعٌ كَفَفْنا غَرْبَها بالأصابعِ
ونِلنا سُقاطاً من حديثٍ كأنهُ ... جَنى النحلِ مَمزوجاً بماءِ الوَقائعِ
بشار بن برد:
وكأنَّ رَجْعَ حَديِثِها ... قِطَعُ الرياضِ كُسِينَ زَهْرا
وكأنَّ تحتَ لِسانِها ... هاروتَ يَنْفُثَ فيهِ سِحْرا
وتَخالُ ما اشْتَملتْ عليهِ ثِيابُها ذَهَباً وعِطْرا
الأحوص:
وأعْجَلنا وَشْكُ الحديثِ وبيننا ... حديثٌ كَتَنْشِيجِ المريضَيْنِ مُزْعِجُ
حديثٌ لو أنَّ اللحمَ يَصْلى بِبَعْضهِ ... غَريضاً أتى أصحابَهُ وهو مُنْضَجُ
ابن ميادة:
شُمُسٌ لدى خَطَلِ الحديث أوانِسٌ ... يَرْقُبْنَ كلَّ مُلَعَّنٍ تِنْبَالِ
أُنُفٌ كأن حديثَهُنَّ تَنادُمٌ ... بالكأسِ كل عقيلةٍ مِكْسالِ
أبو ذؤيب:
وإن حديثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُ ... جَنى النحلِ في ألبانِ عُوذٍ مَطافِلِ
مَطافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها ... يُشابُ بماءٍ مِثْلِ ماءِ المفاصِلِ
ابن الرومي:
شادنٌ من نَشرهِ المسكُ ومن فيهِ المدامُ
فاتِنُ الطُرَّةِ والغُرَّةِ ما فيهِ مَلامُ
وله نَثرٌ من الدُرِّ مليحٌ ونِظامُ
فالنِظامُ المَضْحكُ الوا ... ضِحُ والنَثْرُ الكلامُ
وهذا قد سبقه إليه البحتري بأحسن تفصيل وأعذب كسوة فقال:
فلمَّا الْتقْينا والنَّقى مَوعدٌ لنا ... تعجَّبَ رائي الدُرِّ حُسناً ولاقِطُهْ
فمِن لُؤلُؤٍ تجلوهُ عند ابتسامِها ... ومِن لُؤلُؤٍ عند الحديثِ تُساقِطُهْ
آخر:
ظَلِلْنا نَشاوى عند أمِّ محمدٍ ... بِيومٍ ولم نَشربْ شَراباً ولا خَمرا
إذا صَمتتْ عنّا ضَجِرنا بصَمتِها ... وإنْ نطقتَ هاجَتْ لألبابنا سُكرا
سلم الخاسر:
يُمسي ويُصبحُ مُعْرِضاً فكأنهُ ... مَلِكٌ عزيزٌ قاهرٌ سُلطانُهُ
ليست إساءَتُهُ بِناقصةٍ لهُ ... عِندي، وليس يَزيدُه إحسانُهُ
رَخْصُ البَنَانِ كأن رَجْعَ كلامِهِ ... دُرٌّ يُساقطُه إليَّ لسانُهُ
ومن البيت الثاني أخذ المتنبي قوله في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لو كَفَرَ العالَمونَ نعمته ... لما عَدَتْ نَفْسُهُ سَجاياها
كالشمسِ لا تَبتغي بما صَنعتْ ... مَنفعةً عندهمْ ولا جاها
وأكثر من نرى يقدر أن المتنبي أبدع في قوله:
وقد صُغْتَ الأسِنَّةَ من هُمومٍ ... فما يخطُرْنَ إلاَّ في فُؤادِ
وربما ينظر إلى قول أبي تمام حيث يقول:
مِن كلِّ أزرقَ نَظَّارٍ بلا نظرٍ ... إلى المَقَاتِلِ ما في مِتْنِه أوَدُ
كأنهُ كانَ تِرْبَ الحُبِّ من زَمنٍ ... فليس يُعْجِزُهُ قلبٌ ولا كَبدُ
وكذلك قوله في سيف الدولة:
فأنتَ حُسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌ ... وأنتَ لواءُ الدينِ واللهُ عاقِدُ
وكرر كثيراً إعجاباً به فقال:
على عاتِقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُ ... وفي يَدِ جبَّارِ السماواتِ قائِمُهُ
وقال:
وَلِمْ لا يَقِي الرَحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقى ... وتَفليقُهُ هامَ العِدا بِكَ دائِمُ
(1/19)

وعول في جميعه على أبي تمام حيث يقول في الخليفة:
لقد حانَ من يُهدي سُوَيْداء قلبِهِ ... لحَدٍّ سِنانٍ في يَدِ اللهِ عامِلُهُ
وقال أبو تمام أيضاً في المعتصم.
رَمى بك اللهُ بُرجَيْها فهدَّمَها ... ولو رَمى بكَ غيرُ اللهِ لم يُصِبِ
قال الله عز وجل: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " مثل هذه السرقات الخافية العين والأثر لا يقف عليها، ولا يفطن لها إلا الرواية النحرير الذي دوخ ساحة الشعر بحفظه، وصارت الدواوين مجاجة ذهنه.
أعرابي:
ونازَعَنا وحياً خَفيّاً كأنهُ ... على المُجْتَني، الريحانُ أمرعَ خاضِلُه
حديثٌ لو أنَّ العُصْم تسمعُ رَجْعَه ... تَضَعْضَعَ من أعلى أبانٍ عواقِلُهْ
ابن الرومي:
وحَديثُها السحرُ الحلالُ لو أنّهُ ... لم يَجْنِ قتلَ العاشقِ المُتَحرِّزِ
إن طالَ لم يُمْلَلْ، وإنْ هي أوْجزتْ ... ودَّ المحدَّثُ أنها لم تُوجِزِ
شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلُها ... للمُطْمئِنِّ وعُقْلَةُ المُستَوْفِزِ
والمحدث لا بد له من كسور وزوايا تعتريه في شعره. فالطبع المبسوط، والكلام المسبوك للعرب.
ذو الرمة:
أولئكَ آجالُ الفتى إن أرَدْنَهُ ... بقتلٍ وأسبابِ السَقامِ المُلازِمِ
يُقارِبْنَ حتى يطمعَ التابعُ الهوى ... وتَهتَزُّ أحناءُ القلوبِ الحوائِمِ
حديثٌ كَطعْمِ الشَّهدِ حُلوٌ صدورُهُ ... وأعجازُهُ الخُطْبانُ دونَ المحارمِ
والبيت الثاني أخذ منه الحسين بن مطير الأسدي قوله:
يُمَنِّيَننا حتى تَرِفَّ قلوبُنا ... رَفيفَ الخُزامى باتَ طلِّ يَجودها
أعرابي:
وحَديثُها كالقَطْرِ يسمَعُهُ ... راعي سِنينَ تتابَعَتْ جَدْبَا
فأصاخَ يرجو أنْ يكونَ حياً ... ويقولُ مِنْ فرحٍ أيا رَبّا
أبو العميثل:
لقيتُ ابنةَ السَّهْميِّ زينبَ عن عَفْرِ ... ونحن حَرامٌ مُسْيَ عاشرةِ العَشْرِ
فَكَّلمْتُها ثِنْتَيْنِ كالثّلجِ مِنهما ... وأخرى على قلبي أحرُّ من الجَمرِ
وإني وإيّاها لَحتْمٌ مَبيتُنا ... جميعاً وَسْيرانا مُغِدٌّ وذو فَتْرِ
آخر:
لَها مُزاحٌ ولها كلامُ ... كجوهرٍ ألَّفهُ نظامُ
يُسكرُنا كأنّه مُدامُ ... له بقلَبِ المُصطَلي ضِرامُ
فهو حلالٌ غِبُّه حرامُ ... يَشفي سَقاماً وهُوَ السَّقامُ
وهذه الأبيات من صادق العشق، وفاخر الشعر، وحر الكلام، وبارع الوصف.
قال هدبة العذري:
وكلُّ حديثِ الناسِ، إلاَّ حَديثَها ... رَجيعٌ، وفيما حدَّثَتْكَ الطرائِفُ
خَرَجْنَ بأعناقِ الظِباءِ وأعيُنِ ال ... جآذِرِ؛ وارتجَّتْ بهنَّ الروادِفُ
رَجحنَ بأردافٍ ثِقال وأسْوُقٍ ... خِدالٍ، وأعضادٍ عليها المطارِفُ
كَشفْنَ شُفوفاً عن شُنُوفٍ وأعرضتْ ... خدودٌ، ومالتْ بالفُروع السوالِفُ
عليهِنَّ من صَوْغِ المدينةِ حِلْيَةٌ ... جُمَانٌ كأجوازِ الدَّبى ورَفارفُ
آخر:
منَ الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُها ... إذا ما قضَتْ أُحدوثةً لو تُعيدُها
بشار:
وَلِلفْظِها دَلٌّ إذا نَطقتْ ... تركتْ بناتِ فُؤادِهِ صُعْراَ
كَتَساقُطِ الرَّطْب الجَنِيِّ من الأم فْنانِ لا نثْراً ولا نَزْراَ
أبو حية النميري، وهو من مختار المقطعات ومتخير الألفاظ وقديمه:
وقد زعمَ الواشونَ أنْ لا أُحِبُكُمْ ... بلى وسُتورِ اللهِ ذاتِ المحارِمِ
أصُدُّ وما الصَدُّ الذي تَعْلَمينَهُ ... عَزاءً بنا إلا اجْتِراعُ العَلاقِمِ
حَياءً وتُقْيا أنْ تَشيعَ نَميمةٌ ... بنا وبكم. أُفاً لأهل النْمائِمِ
وإنَّ دَماً، لو تَعلَمينَ، جَنتْيهِ ... على الحيِّ، جاني مِثْلِه غيرُ سالِمِ
أَما إنَّه لو كانَ غَيركِ أرْقَلتْ ... صُدورُ القَنا بالراعِفاتِ اللَّهازِمَ
ولكنَّهُ، واللهِ، ما طَلَّ مُسلماً ... كَبيضِ الثَّنايا واضِحاتِ المباسمِ
إذا هُنَّ ساقَطْنَ الأحاديثَ للفتى ... سُقوطَ حصى المرجانِ من سِلْكِ ناظِمِ
رَمَيْنَ فأقْصدْنَ القلوبَ، ولا تَرى ... دَماً مائِراً إلا دَماً في الحَيازِمِ
(1/20)

القطامي:
وفي الخُدورِ غَماماتٌ بَرَقْنَ لنا ... حتى تَصَيَّدْنَنا من كلِّ مُصْطادِ
يَقْتُلْنَنا بِحديثٍ ليس يَعْرِفُه ... من يَتَّهِمْنَ ولا مَكْتومُهُ بادِ
فَهُنْ يَنْبِذْنَ من قولٍ يُصِبْنَ به ... مَواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَادي
الباب الثالث عشر
رقة البشرة
ابن أبي البغل:
أقْبلَ يَعدو داميَ الخَدِّ ... مُنْعَفِراً يَعْثُرُ في الشَدِّ
يقولُ أدْمانيَ هذا الفَتى ... بِطاقةٍ من وَرقِ الوَرْدِ
وإنَّ من تَجْرَحُهُ وردةٌ ... لغايةٌ في رِقَّةِ الجِلْدِ
النظام:
فيكَ لي فِتْنتانِ لفظٌ ولحظٌ ... وعظاتٌ لو كان يَنفعُ وعْظُ
لكَ جسمٌ أرقُّ من قَطرةِ الماءِ ... وقلبٌ كأنهُ الصَخرُ فَظُّ
أنتَ حظي فما يَضُرُّكَ لو كا ... نَ لِمنْ أنتَ حظُّه منكَ حظُّ
الحسين بن الضحاك:
بديعُ الحُسنِ ليس له كِفاءُ ... عليلُ اللحظِ لم يُرْملْهُ داءُ
جَنتْ عينايَ من خدَّيْه ورداً ... أنيقَ الصَبْغِ أنبتَهُ الحَياءُ
يُورِّدُ خَدَّهُ إضمارُ وَهْمٍ ... فَإنْ لاحَظْتَهُ جَرَتِ الدماءُ
عبد الرحمن بن حسان:
لو يَدبُّ الحوليُّ من وَلَد الذَ ... رِّ عليها لأنْدَبَتْها الكُلومُ
لم تَفُقْها شمسُ النهارِ بشيءٍ ... غيرَ أنَّ الشبابَ ليس يدومُ
النظام:
عجباً أًعْوَزَكَ الما ... ءُ واطرافُكَ ماءُ
كيفَ لا يَخْطَفُكَ الظِلُّ ويحويكَ الهواءُ
وخَفِيُّ اللَّحْظِ يُدميك وإنْ شطَّ اللقاءُ
يا بديعاً كُلُّهُ غَنْجٌ وشكلٌ وبَهاءُ
آخر:
تَغَيَّرَ عن مَوَدتهِ وحالا ... وكانَ مُواصلاً فَطوى الوِصالا
وعَلَّمَهُ التَدلُّلُ كيفَ هَجرْي ... فليتَ الوصلَ كان له دَلالا
تَرى من فوقِ حِقْوَيْهِ قضيباً ... إذا ما حَرَّكَتْهُ خُطاهُ مالا
فإنْ كلَّمتَه أثَّرتَ فيهِ ... وإنْ حَرَّكَتْهُ كالخمرِ سالا
وسمع أبو الهذيل قول النظام:
رَقَّ فلو بُزَّتَ سَرابيلهُ ... عُلِّقهُ الجوُّ من اللُّطفِ
يَجرحُه اللحظُ بَتكرارِهِ ... ويَشتكي الإيماءَ بالكَفِّ
فقال: هذا يناك بأير من خاطر. وهذا خارج من عرف الشعراء وإلف المعاني - وخير المعاني ما وجد كائنا وقوعه ومعهودا حدوثه. ألا ترى كيف يفضل قول ابن ابي عيينة على قول كل المحدثين في الذم:
هل أنتَ إلاّ كلجمِ مَيْتِ ... دعا إلى أكلهِ اضْطِرارُ
ابن المعتز:
نَضَتْ عنها القميصَ لصبِّ ماءٍ ... فورَّدَ خدَّها فَرطُ الحياءِ
وقابَلتِ الهواءَ وقد تعرَّتْ ... بِمعْتدلِ أرقَّ من الهواءِ
ومدَّتْ راحةً كالماءِ منها ... إلى ماءٍ عَتيدٍ في إناءِ
فلما أن قَضَتْ وَطراً وهمَّتْ ... على عجلٍ لأخْذٍ للرِّداءِ
رأتْ شخصَ الرقيبِ على تَدانٍ ... فأسْبلتِ الظلامَ على الضياءِ
فغابَ الصُبحُ منها تحت ليلٍ ... وظَلَّ الماءُ يَقطُرُ فوق ماءِ
النمري:
قُلْ للمليحةِ مَوضعِ العِقْدِ ... ولَطيفةِ الأحشاءِ والقدِّ
هلاَّ وقفتِ على مَدامعِهِ ... فنظرتِ ما يَصْنَعْنَ بالخدِّ
لولا التَّنَطُّقُ والسِوارُ معاً ... والحِجْلُ والدُمْلُوجُ في العَضْدِ
لتزايَلَتْ في كلِّ ناحِيةٍ ... لكنْ جُعِلْنَ لها على عَمْدِ
إبراهيم بن العباس:
دُرَّةٌ كيفما أُديرتْ أضاءتْ ... ومَشَمٌّ من حَيثما شُمَّ فاحا
ومزاجٌ قال الإلهُ لها كو ... ني فكانتْ رُوحاً ورَوْحاً وراحا
ابن الرومي:
بيضُ الوجوهِ عقائِلٌ ... لم يُصْبِهِنَّ سِوايَ زيرُ
أبشارُهُنَّ وما ادَّرَعْ ... نَ من الحريرِ معاً حريرُ
الخيزرزي:
دُرِّيَّةُ اللونِ فيه مُشربةٌ ... حُمْرَةَ خمرٍ تُمازِجُ اللَّبَنا
كاللُؤلؤِ الرْطبِ لونُ ظاهِرِه ... وفيه ماءُ العَقيقِ قد بَطَنا
بشار:
وما ظَفِرتْ عَيْني غَداةَ لقيتُها ... بِشيءٍ سِوى أطرافِها والمَحَاجِرِ
(1/21)

بحْوراءَ من حُورِ الجِنانِ غريرةٍ ... يرى وَجْهَهُ في وَجهها كلُّ ناظِرِ
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
نَظَرُت إلى وَجههِ نَظرةً ... فأبْصرتُ وجهيَ في وجههِ
آخر:
بَهجةٌ فوقَ نِعمةٍ فهو بالنُو ... رِ مُحلًّى وبالنعيم مُرَدَّى
لو تَبَدَّى في ظُلمةٍ لاستَنارَتْ ... أو تمشَّى على الصَّفا لتَنَدَّى
النوفلي:
خَرَجْنَ إلينا على رِقْبَةٍ ... خُروجَ النصارى لإفْطارها
ثِقالَ الرَوادفِ قُبَّ البُطو ... نِ خُطاها على قَدْرِ أفْتارِها
يكادُ إذا دامَ لحظُ البَصيرِ يَكلمُ رِقَّةَ أَبشارِها
أبو دهبل الجمحي:
وَلِتِلْكَ اغتربْتُ بالشامِ حتى ... ظَنَّ أهلي مُرَجَّماتِ الظُنونِ
هي زَهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغوَّ ... اصِ ميزتْ من جَوْهَرٍ مًكنونِ
وإذا ما نَسبْتَها لم تجِدْها ... في سَناءٍ من المَكارِمِ دونِ
تجعلُ المسكَ واليلنجوجَ والندَّ ... صِلاءً لها على الكانونِ
ثم خاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخَض ... راءِ تمشي في مَرْمَرٍ مَسونِ
ذو الرمة:
لها بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطقٌ ... رَخيمُ الحَواشي لا هُرَاءٌ ولا نَزْرُ
تَبَسَّمُ لَمْحَ البَرقِ عن مُتَوَضِّحِ ... كلونِ الأقاحي شافَ ألوانَها القَطْرُ
أعرابي:
لها قِسمةٌ من خُوطِ بانٍ ومن نَقاً ... ومن رَشَأ الأقوازِ جيدٌ ومَذْرِفُ
يكادُ كليلُ اللحظِ يكْلُمُ خدَّها ... إذا ما بدتْ من خِدْرِها حين تطرفِ
الباب الرابع عشر
الوجه والسواد والصفرة
الوجيهي:
مُستَقْبَلٌ بالذي يَهوى وإن كثُرتْ ... منه الإساءَةُ مَعذورٌ بما صَنَعا
في وجهِه شافِعٌ يَمحو إساءَتَه ... من القلوبِ وجِيهٌ حيثما شَفَعا
آخر:
أُقسمٌ بالله وآياتِه ... ما نَظرتْ عيني إلى مِثْلِهِ
ولا بَدا لي وجهُهُ طالِعاً ... إلاّ سَألتُ اللهَ مِن فَضْلِهِ
الحماني:
وَهيفاءُ تلحظُ عن شادنٍ ... وتُسفرُ عن قَمرٍ إِضْحِيانْ
وتَبْسِمُ عن نَفَس الياسَمينِ ... وتضحكُ عن زَهَر الأُقحوانْ
ترى الشمسَ والبدرَ مَعناهما ... بها واحداً وهما مَعْنيانْ
إذا أَطْلعتْ وجهَها أَشرقا ... بطَلعتها وهما آفِلانْ
إسحاق بن الصباح:
يا مَن بَدائعُ حسنِ صورتهِ ... تَثْني إليهِ أعِنَّة الحدَقِ
لي مِنكَ ما للناسِ كُلِّهِمُ ... نَظرٌ وتسليمٌ على الطُرُقِ
لكنّهم سَعِدوا بأمْنهِمُ ... وشَقِيت حين أراك بالفرقِ
عبد الله بن أبي الشيص:
تَعْتَلُّ مِن غيرِ عِلَّهْ ... بالحُسْنِ أضحتْ مُدِلَّهْ
كأنها حينَ تَبْدو ... شمسٌ عليها مظلهْ
وإنْ أضاءَتْ بليْلٍ ... تفوقُ نورَ الأهِلَّهْ
الأقرع بن معاذ:
فما الشمسُ وافتْ يومَ دَجنٍ فأشرقَتْ ... ولا البدرُ مَسْعوداً بدا ليلةَ البَدْرِ
بِأحْسنَ منها أو تَزيدُ مَلاحةً ... على ذاكَ، أو رأيُ المُحِبِّ، فلا أدريِ
وحذا حذوه على طريق التورية الحكم فقال:
تَساهَمَ ثوْباها ففي الدِّرع رَأْدَةٌ ... وفي المِرْطِ لَفَّاوانِ رِدْفُهما عَبْلُ
فواللهِ ما أدري أزيدَتْ مَلاحَةً ... وحُسناً على النِسْوانِ أمْ ليسَ لي عَقْلُ
وقال المسيب بن علس:
تامَتْ فؤادَك إذ عرَضْتَ لها ... حَسَنٌ بِرَأيِ الحُبِّ ما تَمِقُ
آخر:
فواللهِ ما أدرِي أزيدَتْ مَلاحةً ... أمِ الحبُّ أعمى مِثلَما قِيل في الحُبِّ
ابن كيغلغ:
أنِيري مكانَ البدرِ إن أفِلَ البدرُ ... وقُومي مقامَ الشمسِ مااستأْخَرَ الفجرُ
ففيكِ من الشمسِ المُنيرةِ لونُها ... وليسَ لها مِنكِ التَبَسُّمُ والثغرُ
ابن الرومي:
مَرادُ عَيْنيْكِ منهُ بين شَمسِ ضُحىً ... وناعمِ من غصونِ البانِ رَيَّانِ
خَفَّتْ أعاليهِ وارتَجَّتْ أسافِلُهُ ... كأنما صاغَ نِصْفَيهِ لنا بَانِ
عمر بن أبي ربيعة:
وَفتاةٍ إنْ تَغِبْ شمسُ الضُحى ... فَلنا من وَجْهِها عنها خَلَفْ
(1/22)

أجمعَ الناسُ على تفضِيلها ... وهواهُمْ في سِواها مُخْتَلفْ
وأخذ أبو تمام هذا المعنى وطرده إلى المدح فقال:
لو أنَّ إجماعَنا في فَضلِ سُؤْدُدِهِ ... في الدِّينِ لم يَخْتِلفْ في الأُمَّة اثنانِ
آخر:
يا مُفرداً بالحُسن والشَكلِ ... مَن دَلَّ عينَيْكَ على قتلي
البَدرُ من شمسِ الضُحى نُورُهُ ... والشمسُ من نورك تَسْتَمْليِ
يوسف الجوهري:
وإذا الغزالةُ في السماءِ تَعَرَّضَتْ ... وبَدا النهارُ لِوقْتِه يَتَرَجَّلُ
أبدتْ لِعين الشمسِ عيناً مِثلها ... تَلْقى السماءَ بمثل ما تَسْتَقْبِلُ
ليس يُبالي مَن أنت حاضِرُهُ ... ما غابَ من شَمْسهِ ومن قَمَرهْ
أنت عليهِ، وإن عَنُفْتَ بهِ، ... أعَزُّ من سَمْعِهِ ومن بصرِهْ
بشار وأحسن في تشبيهه:
قامتْ تبَدَّى إذ رأتْني وَحدي ... كالشمس بين الزِّبرِج المُنْقدِّ
ضَنَّت بِخدٍّ وَجلتْ عن خدِّ ... ثم انْثنتْ كالنَفَسِ المرتَدِّ
أخذه من قول بن الخطيم:
تَبَدَّتْ لنا كالشمس تحتَ غَمامةٍ ... بدا حاجِبٌ منها وضَنَّتْ بِحاجبِ
الصولي، وليس في شعره سوى هذه القطعة وأخرى دالية:
يا شَيبةَ البدرِ لولا ... كلَفُ البدْرِ ونَقصُهْ
وقريباً حاضرَ الذكرِ ولو غُيِّبَ شخصُهْ
بَدَنٌ يُعقدُ ليناً ... ناعِمُ المَلْمِس رَخْصُهْ
خَصَّني بالهجْر مِنهُ ... إذ رَأى وَصْفي يخُصُّهْ
كم أسمّي غيرَه في الشِعر والوصفُ يُخصُّهْ
وقال ديك الجن:
وإنَّ الذي أزْرى بشمسِ سَمائِهِ ... فأبداهُ نُوراً والخلائقُ طينُ
تأنَّقَ فيه كيفَ شاءَ وإنما ... مقالتُهُ للشيءِ كُنْ فيكُونُ
آخر:
وفي أرْبَعٍ مني حَلَتْ منكِ أربعٌ ... فما أنا أدْري أيّها هاجَ لي كَرْبِي
أوَجْهُك في عَيْنيِ، أمِ الريقُ في فَمي، ... أمِ النُطقُ في سمعي، أمِ الحُبُّ في قلبي
وسمعه يعقوب بن إسحاق الكندي فقال: هذا تقسيم فلسفي؛ وجعله العلوي خمسة فقال:
وفي خمسةٍ مني حَلَتْ منكِ خمسةٌ ... فريقُكِ منها في فمي طَيِّبُ الرشْفِ
ووجْهُكِ في عَينِي ولَمْسُك في يَدي ... ونُطْقُكِ في سمعي وعَرْفُكِ في أذني
وأما قول أبي تمام:
يَقولُ فيُسْمِعُ ويَمشي فيُسْرِعُ ... ويَضربُ في ذاتِ الإلهِ فيوجِعُ
فقد صرع في غير موضعه، ونظم اللفظ من قول من قال: كان عمر، رضي الله عنه، إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع.
وأكثر ما جاء من شعر العرب، في التقسيم ثلاثة. كقول طرفة:
فلولا ثلاثٌ هُنَّ من لَذَّة الفتى ... وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوَّدي
وسمعه عمر رضي الله عنه فقال: لكني، والله، لولا الضرب بالسيف في سبيل الله، والتهجد بالليل لوجه الله، ومجالسة أقوام أنتقي حديثهم كما تنتقى أطايب التمر، ما باليت أي وقت حانت منيتي.
وقال ابن الطثرية:
فلولا ثلاثٌ هنَّ من لَذَّةِ الفتى ... وَجَدِّكَ لم أحْفَلْ متَى قامَ رامِسي
وقال الأسدي:
ثلاثَةُ أحبابٍ: فحبٌّ عَلاقَةٌ ... وحُبٌّ تِمِلاَّقٌ وحُبٌّ هو القَتْلُ
وقال جرير:
صارت حَنِيفةُ أَثلاثاً: فَثُلْثُهُمُ ... من العبيدِ، وثُلْثٌ من مواليها
ومما يجري مجرى الملح ما أنشده الخليل في كتاب العين:
إنَّ في دارِنا ثَلاثَ حُبالى ... قد وَدِدْنا أنْ لو وَضَعْنَ جَميعا
جارَتي، ثم هِرَّتي، ثم شاتي ... فإذا ما وَلَدْنَ كُنَّ رَبيعا
جارَتي للرَضاعِ، والهرُّ للفأرِ، وشاتي ... إذا اشْتهيتُ مَجِيعا
وكذلك المرصع الوارد عنهم، كقول امرئ القيس، وهو أبدعه:
فالعينُ قادحةٌ واليدُّ سابحَةٌ ... والرجلُ ضارِحةٌ والمتنُ مَلْحوبُ
والماءُ مُنحَدرٌ والشَّدُّ مُنْهَمِرٌ ... والقصبُ مُضْطَمِرٌ واللونُ غِرْبيبُ
أنشد منهمر.
وتبعته الخنساء فقالت ترثي صخراً.
حامي الحقيقةِ مِعتاقُ الوَسيقةِ نَسّالُ الوَديقَةِ جَلْدٌ غيرُ ثِنْيانِ
آبي الهضيمةِ وهّابُ الكريمةِ حمّالُ العَظيمةِ سَرحانٌ لِفتيانِ
قال الشيخ: البيتان لأبي المثلم الهذلي.
(1/23)

ثم توزعه الشعراء إلى أن قال البحتري:
وفي الأكِلَّةِ من تحت الأجلَّةِ أمثالُ الأهِلَّةِ بين السِّجْفِ والكِلَلِ
بِيضٌ أوانِسُ كالأُدْمِ الكوانِسِ أو ... دُمى الكَنائسِ غيدٌ لسنَ بالعُطُلِ
وقال ابن الرومي:
في خِصْبِ أوْديةٍ أو رحبِ أنديةٍ ... أوْ طِيبِ أرْديةٍ أولينِ أكنافِ
المخزومي:
رَأيتكِ في الشمس المنيرةِ غُدوَةً ... فكنتِ على عيْنَيَّ أبهى مِن الشمسِ
لأنَّكِ تزدادِينَ بالليل بَهْجَةً ... وشمسُ الضُحى ليستْ تُضيءُ إذا تُمسي
سلم الخاسر:
ولقد رأيتُ الشمسَ طالعةً ... تَختالُ بين كواعبٍ خَمسِ
أقبلْنَ في رأدِ الضُحاءِ بها ... فَسترْنَ عينَ الشمسِ بالشمسِ
معقل بن عيسى:
أبرَزوها مثلَ المهاةِ تهادى ... بين عَشرٍ كواعبٍ أترابِ
ثم قالوا: تُحبُّها قلتُ: بهراً ... عَددَ الرملِ والحصى والتُرابِ
ابن حبيبات:
لقد فتنتْ سُعدى وَسَلاّمةُ القَسّا ... فلم تَتْركا للقَسِّ عقلاً ولا نَفْسا
فتاتانِ: أمّا منهما فَشَبيهةٌ ... هلالاً، وأمَّا أُختُها تُشبِه الشمسا
فتاتان بالسَّعدِ السُعود وُلدْتِما ... فلم تَريا يوماً هواناً ولا نحسا
تُكِنّان أبشاراً رِقاقاً وأوجهاً ... حِساناً وأطرافاً مُخضَّبةً مُلْسا
آخر:
نُزهةٌ للعينِ مَنظرُهُ ... وسُرورُ القَلبِ مَخْبَرُهُ
هو يُحْيني ويَقْتُلُنيِ ... فكَما أرجوهُ أحذرُهُ
فسلوهُ عند غَيْبَتِهِ ... في فؤادي من يُصَوِّرُهُ
ابن حازم:
بَانَ عن الأشكالِ في حُسنِهِ ... فلَمْ تقعْ عينٌ على شِبْهِهِ
يُغْنيكَ عن بَدرِ الدُّجى نورُهُ ... والبدرُ لايُغنيكَ عن وجههِ
كَمْ قد تَلَّهى بهوى غَيرهِ ... قلبي، فأغراه فلم يُلْهِهِ
آخر:
رَأيتُ الهلالَ على وجههِ ... فلم أدْرِ أيُّهما أنْوَرُ
سِوى أنَّ ذاكَ قريبُ المزارِ ... وهذا بعيدٌ لِمَنْ يَنظُرُ
وذاكَ يغيبُ وذا حاضِرٌ ... فما مَنْ يغيبُ كمن يَحضُرُ
ونفعُ الهلالِ كثيرٌ لنا ... ونفعُ الحبيبِ لنا أكثَرُ
ابن لنكك:
البدْرُ والشمسُ المُني ... رةُ والدُّمى والكَوْكبُ
أَضحتْ ضَرائِرَ وَجههِ ... مِنْ حيثُ يَطلعُ تَغْرُبُ
وكأنَّ جَمرَ جوانِحي ... في خَدِّه يَتلهَّبُ
وكأَنَّ غُصنَ قَوامِهِ ... من ماءِ دَمعِي يَشرَبُ
وصَوالجٌ مِن شَعرِهِ ... بِسوادِ قَلبي تَلْعَبُ
خالد:
يا بَديعاً لا تَحتويهِ النعوتُ ... لكَ وجهٌ تُحيي بهِ وتُميتُ
لو رآكَ القَضيبُ تخطُرُ يوماً ... ظَلَّ من حُسنِ ما يرى مَبْهوت
أو سَكْنَت الجِنانَ ترتَعُ فيها ... لأَضامِن جمالِك الملكوتُ
أَنتَ قُوتي فَما يَضُرُّكَ لو كا ... نَ لِمَن أَنت قوتُهُ منكَ قُوتُ
أحمد بن أبي فنن:
ومَجدولةٍ جَدْلَ العِنان كأَنها ... إِذا أَقبلتْ بدرٌ يَميسُ على الأَرضِ
كَليلةُ أَرجاءِ العيونِ ولحظُها ... يقومُ بإِبرامِ المنيَّةِ والنَقْضِ
تُرى فَتُرى منها مَحاسِنُ كُلُّها ... سَواءٌ، فلا بعضٌ يزيدُ على بعضِ
وَتْسَتوقِفُ الركبَ العِجالَ إِذا بدتْ ... فلا أحدٌ يمضي من القوم أَوْ تَمضي
أخذ البيت الثالث من ابن هرمة:
أَإِني غَرِضْتُ إلى تناصُفِ وجهِها ... غَرَضْ َالمُحِبِّ إلى الحبيبِ الغائبِ
ابن المعذل:
نظرتُ إلى من زَيَّنَ اللهُ وجهَهُ ... فيا نظرةً كادت على عاشق تَقْضي
فَكَبَّرتُ عَشْراً ثم قلتُ لصاحبي ... متى نَزَلَ البدرُ المنيرُ إلى الأَرضِ
تُبَيِّنُ عينِي أَنّ قلبي يُحبُّه ... وفي العينِ تِبْيانٌ من الحٌبِ والبُغْضِ
وما هو إلا خَلقُ رَبّي مُصورٌ ... ولكنَّ بَعْضَ الناسِ أَملحُ من بعضِ
ديك الجن:
يا مَن حَلا ثم طابَ رِيحاً ... ففيهِ شُهدٌ وفيهِ وَردُ
لو لم تكنْ للسماءِ شمسٌ ... لَكُنْتَ تَبْدو من حيثُ تَبْدو
ما إِنْ أَظنُّ الهِلالَ إِلاَّ ... من نورِ خدَّيكَ يَستَمِدُّ
(1/24)

ناجيتُ فيكَ الصفاتِ حتى ... ناجيْتَني ما لذاكَ نِدُّ
المفجع:
وَيلي على رَشَأٍ كالبدرِ قَتَّلَني ... بحاجِبَيْهِ وأَضناني بِمُقلتِهِ
إذا نظرتُ إِليهِ ذابَ من خجل ... وكادَ يجري دماً من فَرطِ رِقَّتِهِ
كأنما الصبحُ من لألاء غُرَّتِهِ ... وصِبغةُ الليلِ من حُلْكوُكِ طُرَّتِهِ
كأنما الفضَّةُ البيضاءُ قد نُصِبتْ ... ورُكِّبَتْ فوقَ لِيَتْيهِ ولَبَّتِهِ
كأنما حُسنُ أَهلِ الأرضِ قاطبةً ... إِليهِ قد سلَّمَ الباري بِقُدرتهِ
العلوي الحماني:
واهاً لأيَّامي وأَيامِ النَقِيَّاتِ السوالفْ
اللاَّبِساتِ البدرَ ما ... بينَ الحواجبِ والمَرَاشِفْ
والغارِساتِ البانَ قُضباناً على كُثُبِ الروادِفْ
وقفَ النعيمُ على الصَّبا ... وزَلَلْتُ عن تلكَ المواقِفْ
آخر:
ليسَ فيها ما يُقالُ لها ... كَمَلَتْ لو أَنَّ ذا كَمَلا
كلُّ جزءٍ من مَحاسِنِها ... صائِرٌ من حُسنها مَثَلا
آخر:
كلُّ جُزءٍ من مَحاسِنهِ ... فيهِ أَجزاءٌ من الفِتَنِ
وقال ذو الرمة:
مِن البيض مِبْهاجٌ عليها مَلاحةٌ ... نُضارٌ، ورَوْعاتُ الحسانِ الروائِعِ
هي الشمسُ إشراقاً إِذا ما تَزَيَّنَتْ ... وشِبهُ المَها مُغتّرةً في المَوادعِ
أحمد بن هشام:
أَلا مُعدٍ على سَكَنِ ... أَحلَّ الروحَ في بَدني
أَما ودَلالِكَ الحَسَنِ ... وطَرفِكَ جالِبِ الفتَنِ
لقد أَسْكنْتَ في قَلبي ... هوىً يَبْقى على الزمَنِ
بِنَفسي أنتَ مِن قمرٍ ... ومِن دِعصٍ ومِن غُصُنِ
دُنُوُّكَ مُنتهى فَرحي ... وبُعدُكَ مُنتهى شَجَني
وأنتَ مَلَكْتَني وهوا ... كَ أبكاني وأَضحكَني
العلوي البصري:
يا صَنَما أُفْرِغَ من فِضَّهْ ... وخَدُّه تُفاحةٌ غَضَّهْ
يَهتزُّ أَعلاه إِذا ما مَشى ... وكُلُّه مِن لينِه قَبْضَهْ
ارْحَمْ فتى لمّا تَملَّكْتَهُ ... آمَنَ بالذُلِّ ولم تَرْضَهْ
قال الأصمعي: ما قيل في نعت أحسن من قول المخبل:
وتُريكَ وجهاً كالوَذِيلةِ لا ... ظَمْآنُ مُخْتَلِجٌ ولا جَهْمُ
وتُضِلُّ مِدارها المواشِطُ في ... جَعْدٍ أَغَمَّ كأنهُ كَرْمُ
وقال أبو هفان:
فَدَيْتُكَ من مُقبِلٍ مُعرِضٍ ... بِليلٍ بَهيمٍ وصَبحٍ مُضِي
بوجهٍ لهُ الحسنُ مُستحسِنٌ ... يُرِيكَ المُورَّدَ في الأبيضِ
ولي فيكَ يا سيَّدي حَسرةٌ ... سَتفْنى الحياةُ ولا تَنْقضي
سُروري رِضاكَ فجُدْ لي بهِ ... ولا تُرضِ بالهجر من قد رَضي
طفيل الغنوي:
عَروُبٌ كأن الشمسَ تحت نِقابِها ... إِذا ابتسمتْ أَو سافراً لم تَبَسَّمِ
وهذا أخذه من قول طرفة:
وَوَجهٍ كأنّ الشمسَ حَلَّتْ رِداءَها ... عليهِ نَقيِّ اللّونِ لم يَتَخَدَّدِ
وقال الأعشى:
فتىً لو يُناغي الشمسَ أَلقتْ قِناعَها ... أَوِ القمرَ السارِي لأَلْقى المَقالِدا
وأما أبو بكر بن النطاح:
بيضاءُ آنسةُ الحديثِ كأَنّها ... قمرٌ توسَّطَ جُنْحَ ليلٍ مُبردِ
فأخذه من قول أبي زبيد الطائي:
مُستَنيرٌ تَسمو العيونُ إليهِ ... أَصْلَتِيٌّ كالبدرِ عامَ العُهودِ
خالد:
يا مُشرِفاً ملأَ العيو ... نَ فلحظُها ما يَسْتَقِلُّ
أَوْفى على شمس الضُحى ... حتى كأنَّ الشَمْسَ ظِلُّ
آخر:
لَمْ يُسْلِني النيَّرانِ الشمسُ والقمرُ ... مُذ فاتَني المُسْلِيانِ الأُنسُ والنَظرُ
والقلبُ مُسْتَوقَدٌ أضلاعُه حَطبٌ ... أَشواقُه لَهبٌ أنفاسُه شَررُ
آخر:
لَعمرُكِ ما عيشةٌ غَضّةٌ ... لَديَّ إذا غِبتِ بالراضِيَهْ
وإِني إلى وجهكِ المُسْتنير في ظُلمةِ الليلةِ الداجِيَهْ
لأَشْوَقُ من مُدنَفٍ خائفٍ ... لِقاءَ الحِمام إلى العافِيَهْ
وقد أحسن أبو تمام ما شاء في قوله:
هي الشمسُ يُغنيها تودُّدُ وجهِها ... إلى كلِّ من لاقتْ وإن لم تَوَدَّدِ
وكذلك قوله:
بَيَّنَ البينُ فَقدَها قَلَّما تَعرِفُ فَقداً للشمسِ حتى تَغيبا
(1/25)

وأما صفة الوجه بالطلاقة والبهجة للسؤال، فالمتقدمون ما تركوا فيه لقائل مقالاً، ولا لخاطر مجالاً. وأحسنه قول أبي الطمحان:
أضاءَت لهم أَحسابُهم ووجوهُهُم ... دُجى الليلِ حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثاقِبُهْ
وقد فَصَّل هذا المعنى تفصيلاً حسناً وبسطه وضاح اليمن فقال:
وقائلةٍ والليلُ قد صَبَغَ الرُبا ... بصبغ يُغشّي كلَّ حَزْنٍ وفَدْفَدِ
أَرى بارقاً يبدو من الجَوْسَقِ الذي ... به حلَّ مِيراثُ النبيِّ محمدِ
أضاءَتْ له الآفاقُ حتى كأنما ... رأينا بِنِصْفِ الليلِ نورَ ضُحى الغَدِ
وظلَّ عَذارى الحيِّ يَنْظمْنَ حولَه ... ظَفارِيَّةَ الجَزْعِ الذي لم يُسَرَّدِ
فقلتُ هو البدرُ الذي تعرفِينَه ... وإِلاَّ يكنْ فالنورُ من وجه أحمدِ
وقال بشر:
يكادُ الغمامُ الغُرُّ يَرْعدُ أَن رَأَى ... وُجوهَ بني لأْمٍ وَينْهَلُّ بارِقُهْ
الأسدي:
وُجوهٌ لو أنَّ المُعْتَشِين اعتَشَوْا بها ... صَدَعْن الدُجى حتى يُرى الليلُ ينجلي
آخر:
كأنَّ تَلأْلُؤَ المَعْروفِ فيهِ ... شُعاعُ الشمسِ في السيفِ الصَقِيلِ
آخر:
عصْيتُ به أَمري فكنتُ كَمُعْتشٍ ... أَرادَ دَليلَ النورِ والبدرُ زاهرُ
النظام:
أَنتَ والبدرُ شَقيقا ... نِ ولكنَّكَ أَعظمْ
وعنِ الشمسِ تَجالَلْت بفضلِ اللَّحْم والدمْ
وإذا قُدِّرْتَ في النعْتِ لكيما تُتَفهمْ
قِيلَ نورٌ يَتَلالا ... فيهِ روحٌ يَتكلمْ
آخر:
رأيتُ الهِلالَ ووجهَ الحبيبِ ... فكانا هِلالَيْنِ عندَ النظرْ
فلم أَدْرِ من حَيْرتي فيهما ... هِلالَ الدُجى من هِلالِ البشرْ
فلولا التورُّدُ في الوجْنتينِ ... وما راعَني من سَوادِ الشَعَرْ
لكنتُ أظنُّ الهِلالَ الحبيبَ ... وكنتُ أَظنُّ الحبيبَ القَمرْ
أبو الشيص:
تَخشَعُ شمسُ النهارِ طالعةً ... حينَ تراهُ ويَخْشعُ القمرُ
تَعْرِفُهُ أَنهُ يفوقُهُما ... بالحُسْنِ في عينِ من لهُ بَصرُ
آخر:
جاءَ بوجهٍ كالبدرِ يَحْمِلُه ... قضيبُ بانٍ مَنَعَّمٌ خَضِدُ
رَقَّ فماءُ النَعيمِ مُطرَّدٌ ... فيهِ ونارُ الجَمالِ تَتَّقِدُ
ابن المعتز:
يا هِلالاً يَدورُ في فلك النَّا ... وَرْدِ، رِفقاً بأعيُن النَظَّارَهْ
قِفْ لنا في الطَريقِ إِن لم تزُرْنا ... وقفةٌ في الطريقِ نِصْفُ الزِيارَهْ
الأشجع:
نَفَر الشبابُ بِربَّةِ البُرْدِ ... ومَضتْ مُخالِفةً عن القصدِ
سلَّمْتُ فالتفتَ الصُدودُ بها ... ما كانَ يَنْقُصُها مِن الرَدِّ
فإذا وَصَلْتُ لها مُواصَلتي ... فَزِعَتْ حداثَتُها إلى الصَدِّ
وَلئِنْ مَحاسِنُ وجهِها نَطَقَتْ ... أَثْنى لها خدٌ على خدِّ
محمد بن وهيب:
نَمْ فقد وَكَّلْتَ بي الأَرقا، ... لاهياً، بُعْداً لمن عَشِقا
إِنما أَبقيتَ من جَسدي ... شَبَحاً غيرَ الذي خُلِقا
ما لِمَنْ تمَّتْ مَحاسِنُهُ ... أَنْ يُعادي طَرْفَ من رَمَقا
لكَ أَن تُبْدي لنا حَسَناً ... ولنا أَنْ نُعْمِلَ الحَدَقا
سمع الفضل بن يحيى هذا البيت فقال: هذا أعدل بيت قيل في معناه وألم به ابن المعذل فقال:
لِعُتْبَةَ صَفحتا قَمرٍ ... يفوقُ سناهُما القَمرا
يَزِيدُكَ وَجهُها حُسناً ... إذا ما زِدْتَهُ نَظرا
علي بن الجهم:
يا بَدْرُ كيفَ صَنَعْتَ بالبَدْرِ ... وفَضَحْتَهُ من حَيثُ لا يَدْري
الدهرَ أَنتَ بأَسْرِهِ قمرٌ ... ولِذاكَ ليلَتُهُ من الشَهِر
الخليع:
وصفَ البدرُ حُسنَ وجهِكَ حتى ... خِلْتُ أَني، وما أراكَ، أَراكا
وإِذا ما تَنَفَّسَ النَرجِسُ الغَضُّ توهَّمتُه نَسيمَ نَشاكا
خُدعٌ لِلمنى تُعلِّلُني فيكَ بإِشراقِ ذا وبَهجةِ ذاكا
لأُقِيمَنَّ، ما حَييتُ، على الشُكرِ لهذا وذاكَ إِذْ حَكَياكا
العطوي:
ياقمراً وافَقَ التَماما ... اقْرأْ على شِبهِكَ السَلاما
نأيتَ عني وبانَ مني ... كِلاكُما عزَّ أن يُراما
أعرابي:
(1/26)

وإِذا الدرُّ زانَ حُسنَ وجوهٍ ... كان للدُرِّ حُسنُ وجهِكِ زَيْنا
وتَزِيدينَ أَطيبَ الطيبِ طيباً ... إِن تَمَسّيهِ، أَينَ مِثلُكِ أَينا
الباهلي:
إِنْسِيّةٌ في مِثال الجِنِّ تحسَبُها ... شمساً بدتْ بين تَشْرِيقٍ وتَغْييِمِ
شقَّتْ لها الشمسُ ثوباً من مَحاسنها ... فالوجهُ للشمسِ والعينانِ للريمِ
آخر:
يا شمسُ يا بدرُ يا نهارُ ... يا وردُ يا آسُ يا بَهارُ
تَجَنُّبُ الإِثمِ فيكِ إِثمٌ ... وخَشْيةُ العارِ فيكَ عارُ
ابن الرومي:
هَلِ المَلالَةُ إلاّ مُنْقَضى وَطَرٍ ... من لَذَّةٍ يُطبّى من غيرِها وَطَرُ
لا شيءَ إلا وفيها منهُ أحسَنُهُ ... فأينَ يُصرفُ عنها السمْعُ والبَصَرُ
يا مَنْ له صَفَواتُ الحُسْنِ أجْمعُها ... ومَن تَصاغَرُ عنهُ الشمسُ والقمرُ
أَحُسْنُ وجهِكَ ينمي لا انتهاءَ له ... أم قد تَعاقَبُهُ في ساعةٍ صُوَرُ
أعرابي:
تَعَلَّقتْهُا بِكراً وعُلِّقْتُ حُبَّها ... فقلبيَ عن كلِّ الهوى فارغٌ بِكرُ
إذا احتجَبتْ لم يَكْفِكَ البدرُ وجهَها ... وتَكفِيكَ فقدَ البدرِ إنْ فُقِدَ البدرُ
وحسْبُكَ من خمرٍ مُدامةُ ريقِها ... وواللهِ ما مِن ريقِها حَسْبُكَ الخمرُ
وعُذركَ أن تَضْنى بها إن رأيتَها ... ومالكَ إِنْ لم تَضْنَ من حُبِها عُذرُ
ما قيل في السواد
أبو حفص الشطرنجي مولى المهدي، وهو أول من أبدعه:
أَشْبَهكِ المِسكُ وأَشبَهْتِهِ ... قائمةً في لونِها قاعِدهْ
لا شكَّ إِذ لونُكُما واحدٌ ... أنكما من طينَةٍ واحدهْ
ابن الرومي، والبيت الأول من بديعه:
أَكسبَها الحُبَّ أَنها صُبِغَتْ ... صِبْغَةَ حَبِّ القُلوبِ والحَدَقِ
فأقبلتْ نحوَها الضَمائِرُ والأَ ... بصار يَعْنَقْنَ أيَّما عَنَقِ
لها هَنٌ تستعيرُ وَقْدَتَه ... من قلبِ صَبٍّ وصدرِ ذي حَنَقِ
يزدادُ ضيقاً على المِراسِ كما ... تزدادُ ضيقاً انشوطَةُ الوَهَقِ
كأنما حَرُّه لخابِرِهِ ... ما التَهَبَتْ في حَشاهُ من حُرَقِ
الصنوبري:
حُبّيكِ من قلبي مكانَ الذي ... أَشْبَهتِهِ من حبَّةِ القلبِ
يا غُصُناً مِن سَبَجٍ رَطبِ ... أَصبحَ منكِ الدُرُّ في كَرْبِ
آخر:
سَوادُ المَوْكِبِ السُلطا ... نُ والعِزّةُ والمُلْكُ
ولولا الحَجرُ الأَسودُ ما تمَّ لنا نُسْكُ
ومَنْ يَعرِضُ لِلكافو ... رِ إِن أَمْكنَهُ المِسْكُ
آخر:
فَجِئْني بمثلِ المِسْكِ أَطيبَ نَكْهَةً ... وجِئْني بِمثلِ اللَّيْلِ أَطيبَ مَرْقَدا
آخر:
أَهوى الشّبابَ لأَنّ رأسي أَشيَبٌ ... يُدْني الفَنا وأُحِبُّ لونَ شَبابي
لولا سَوادُ البدرِ لم يَكُ مُحْسِناً ... ودَعوا لِمن يُطريهِ بالكَذّابِ
وبهِ تُكَحَّلُ عينُ كلِّ خَريدةٍ ... وبهِ تَتِمُّ فَضيلةُ الكُتَّابِ
وكذلكَ الكافورُ بردٌ طيّبٌ ... والمِسكُ أَزكى طَيِّبِ الأَطيابِ
وما قيل في الصفرة
النابغة الذبياني:
صَفراءُ كالسِّيَراءِ أُكْمِلَ خَلْقُها ... كالغُصنِ من قِنْوانِهِ المُتَأَوِّدِ
قامت تَراءَى بينَ سِجْفيْ قُبّةٍ ... كالشمسِ يومَ طُلوعِها بالأَسْعدِ
ذو الرمة:
لَمياءُ في شَفتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللِّثاتِ وفي أَنيابِها شَنَبُ
كحْلاءُ في بَرَجٍ صَفراءُ في دَعَجٍ ... كأنها فِضةٌ قدْ مَسَّها ذَهبُ
بشار:
أَصفراءُ لا أَنسى هواكِ ولا وُدِّي ... ولا ما مَضى بيني وبينَكِ من عهدِ
لقد كان ما بيْني، زماناً، وبينها ... كما كان بين المِسْكِ والعَنْبَرِ الوَرْدِ
الأعشى:
ومهاً تَرفُّ غُرُوبُها ... يَشفي المَتَيَّمَ ذا الحرارهْ
بيضاءُ ضَحْوَتَها وصفراءُ العشيَّةَ كالعَرارَهْ
وقال بشار بن برد:
أصفراءُ رِقيِّ على عاشِقٍ ... به لَمَمٌ منكِ أَوْ كاللَّمَمْ
صَبَبْتِ هواكِ على قلبِهِ ... فضاقَ وأَعلَنَ ما قد كَتَمْ
(1/27)

أصفراءُ ليس الفتى صخرةً ... ولكنّهُ نُصْبُ حُزْنٍ وهَمْ
أنشد الجاحظ لسلم الخاسر:
تبدَّتْ فقلتُ: الشمسُ عند طلوعِها ... بوجهٍ غَنيِّ اللّونِ عن أَثَر الوَرْسِ
فقلتُ لأَصحابي، وبي مثلُ ما بهم: ... على مِرْيةٍ، ما هاهنا مطلعُ الشمسِ
آخر:
أصفْراءُ كانَ الهَجرُ منكِ مُزاحا ... ليالِيَ كانَ الوُدُّ منكِ مُباحا
وكُنَّ نِساء الحيِّ ما دُمْتِ فيهِمُ ... قِباحاً، فلما غِبْتِ صِرْنَ مِلاحا
وليس يريدون صفرة العلة. وقد بين ذلك أبو تمام:
صفراءُ صُفرةَ صِحَّة قد رَكَّبَت ... جُثمانَها في ثوبِ سُقْمٍ أصفرِ
وقال، وهو من أبيات معانيه:
أَبْقَتْ بني الأَصفرِ المِمْراضِ كأسِهم ... صُفْرَ الوجُوهِ وجَلَّتْ أَوجُهُ العربِ
ولأصحاب المعاني كلام في المقدم ذكره من ذكر الصفرة.
قال أبو عمرو الشيباني في قول الأعشى:
تلكَ خَيْلي منهُ وتِلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلادُها كالزَبيبِ
إن الصفر جمع أصفر وهو الأسود. وأما صفرة العلة فالشعر المتضمنها يدل عليها كقول أبي عبادة:
بَدتْ صُفرةٌ في وجهِهِ إِنَّ حَمدَهم ... مِن الدُرِّ ما اصفرَّتْ نواحيهِ في العِقْدِ
وكقول ابن المعذل:
عِلَّةٌ زَعفرتْ مُعَصْفَرَ خدٍّ ... كانَ من رَيِّهِ يكادُ يَفيضُ
وكقول الآخر:
لم تَشِنْ وجهَهُ المليحَ ولكنْ ... جَعلتْ وَردَ وجنَتَيْه بَهارا
الباب الخامس عشر
التجدير
محمد بن عبد الرحمن الكوفي:
ومجْدُورٍ سأُسرِفُ في ... هَواهُ أَيَّما سَرَفِ
حَكى الجُدَرِيُّ في خَدَّيْهِ نَقْطَ الحِبْرِ في الصُحُفِ
كأنَّ تَعطُّفَ الزُنّا ... رِ من لينٍ ومن ترَفِ
على حِقْوَيْه فوقَ الخَصرِ مَعقودٌ على أَلِفِ
ابن المعتز:
ما عابَهُ تَجْديرُهُ ... ولا سَلَتْهُ سالِيَهْ
بَلْ نَقَّطَ الحُسنُ سطو ... رَ وجههِ بالغالِيَهْ
الناجم:
يا قمراً جُدِّرَ لمّا اسْتوى ... واكتسبَ المِلحَ بتلكَ الكُلومْ
أظُنُه غنَّى لشمسِ الضُحى ... فنقَّطَتْهُ طَرَباً بالنُجومْ
وهذا المعنى ذكره ابن الرومي في صفة قينة فأبدع فيه:
بِدْعَةُ عِندي كاسْمِها بِدْعهْ ... لا شكَّ في ذاكَ ولا خُدعهْ
كأنّما غَنَّتْ لشمسِ الضُحى ... فأَلْبَسَتْها حُسنَها خِلْعَهْ
آخر:
أَيُّها العائِبونَ وَجْهاً مليحاً ... نثرَ الحُسنُ فيهِ نَبْذَ خُموشِ
أَيُّ أُفْقٍ بَها بِغيرِ نُجومٍ ... أَيُّ ثَوبٍ زَها بغيرِ نُقُوشِ
آخر:
أُعيذُكَ من مُقاساةِ الهُمومِ ... ومن شَكْوايَ في الليلِ البَهيمِ
بِنفسي لحظُ عينكَ حينَ تَرْنو ... بسُقْمٍ فيهِ إِبْرِاءُ السقيمِ
وقالوا: شانَهُ الجُدَريُّ فانظرْ ... إلى وجهٍ بهِ أَثرُ الكُلومِ
فقلتُ: مَلاحَةٌ نُثَرِتَ ْعليه ... وما حُسنُ السماءِ بِلا نُجومِ
الخبزرزي:
جُدَرِيٌّ أَضَرَّ بالوجناتِ ... زادَ حُسَ الوجوهِ حُسنَ الصِفاتِ
نَمْنَمَ الوَشْيُ فوقَ يباجِ وجهٍ ... بِنُقوشٍ في شَكْلهِ شَكِلاتِ
آخر:
وَوَجهٍ فيهِ للجُدَرِيِّ نَثْرٌ ... كما نُثِرَ الحريرُ بِزَعْفرانِ
أُنَزِّهُ مُقلتي في عارِضْيهِ ... فأغْنى بالجِنانِ عن الجَنانِ
التنوخي:
عَبَثَتْ بهِ الحُمىَّ فورَّدَ جسمَهُ ... وَعَكُ الحِمى وتَلَهُّبُ المَحرورِ
وبَدا بِهِ الجُدَرِيُّ فهو كَلُؤلؤٍ ... فوقَ العَقيقِ مُنَضَّدٍ مَسطورِ
وأتاهُ يَنْثُرُهُ فَحاكى عُصْفُراً ... قدْ رُشَّ رَشاً في بياضِ حريرِ
ألآن حاكى البدرَ إذ حاكى لنا ... نَمَشَ البُدورِ مَواقِعُ التجديرِ
فكأنَّهُ ورقُ المَصاحِفِ زانَهُ ... نَقْطٌ وشَكْلٌ في خِلالِ عُشُورِ
الباب السادس عشر
البنان المخضب
ابن الرومي:
وَقفتْ وَفْقَةً ببابِ الطَّاقِ ... ظَبيةٌ من مُخدَّرات العِراقِ
بِنْتُ عَشْرٍ وأربعٍ وثَلاثٍ ... هيَ حتفُ المُتَيَّمِ المُشتاقِ
(1/28)

قلتُ: من أنتِ يا خَلُوبُ؟ فقالتْ: ... أنا من لُطْفِ صَنْعةِ الخلاَّقِ
لا تُرِدْ وصُلَنا فهذا بَنانٌ ... قد خَضَبْناهُ مِن دَمِ العُشَّاقِ
علي بن جبلة:
رَفَعَتْ لِلْوَداعِ كَفاً خَضِيباً ... فَتَلقَّيْتُها بقلبٍ خَضِيب
ثم أَوْمَتْ تَبَسُّماً بجفونٍ ... نَعْتُها مثلُ فِعْلِها في القلوبِ
آخر:
أفدي البَنانَ وحُسنَ الخَطِّ من قُثَم ... إذا تَطَرَّفْنَ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ
كأَنّما قابلَ القِرطاسَ إذ كَتَبَتْ ... منها ثلاثَةُ أقلامٍ على قلمِ
أبو نواس:
يا قمراً أَبْرَزَهُ مأتَمٌ ... يَندُبُ شَجواً بينَ أترابِ
يَبكي فيُذْري الدُرَّ من نَرْجِسٍ ... ويَلْطِمُ الوَردَ بِعُنَّابِ
الراضي بالله، وكان سفيان بن عيينة يستحسنه جداً:
قالوا الرحيلَ وأَنْشَبَتْ أظفارَها ... في خَدِّها، وقد اعْتَلَقْنَ خِضابا
فظَنَنْتُ أَنّ بَنانَها من فِضَّةٍ ... قَطفَتْ بأَرضِ بَنَفْسَجٍ عُنَّابا
ابن كيغلغ:
لمَّا اعتَنَقْنا للودَاعِ وأعربَتْ ... عَبَراتُنا عنَّا بدَمع ناطِقِ
فَرَّقْنَ بينَ مَحاجِرٍ ومَعاجرٍ ... وجمعْنَ بين بَنفْسَجِ وشَقائِقِ
عكاشة:
مِن كفِّ جاريةٍ كأنّ بَنانَها ... من فِضَّةٍ قد قُمِّعَتْ عُنَّابا
وكأنَّ يُمناها، وقد ضرَبَتْ بها، ... أَلْقَتْ على يَدِها الشَمالِ حِسابا
النابغة:
سقَطَ النَصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ ... فتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا باليَدِ
بِمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأن بَنانَهُ ... عَنَمٌ على أغصانهِ لم يُعْقَدِ
الراعي:
ومُرْسِلٍ ورَسولٍ غير مُتَّهَمٍ ... وحاجةٍ غيرِ مُزْجاةٍ من الحاجِ
طاوَعْتُهُ بعدَما طالَ النَجيُّ بنا ... فظَنَّ أني عليهِ غيرُ مُنْعاجِ
ما زالَ يفتحُ أبواباً ويُغْلِقُها ... دوني وأفتحُ باباً بعد إرتاجِ
حتى أضاءَ سِراجٌ دونَهُ بَقَدٌ ... حُمْرُ الأنامِلِ عِينٌ طرفُها ساجِ
يا نُعْمَها ليلةً حتى تَخَوَّنَها ... داعٍ دعا في فُروعِ الصُبحِ شَحَّاجِ
لما دعا الدعوةَ الأُولى فأسْمَعني ... أَخذْتُ بُرْدَيَّ واستمررتُ أدراجي
الباب السابع عشر
نعت الجيد
ذو الرمة:
من الوَاضِحاتِ الجِيدِ تَجري عُقُودُها ... على ظَبيةٍ بالرملِ فَارِدَةٍ بِكرِ
تَبَسَّمُ إِيماضَ الغَمامَةِ جَنَّها ... رِواقٌ من الظَلماءِ في مَنطِقٍ نَزْرِ
يُقَطِّعُ موضوعَ الحديثِ ابتِسامُها ... تَقَطُّعَ ماءِ المُزْنِ من نُزَفِ الخَمْرِ
وابن الرومي قد جمع في هذين البيتين جميع محاسن الظبي التي تستعار للإنسان فقال:
ظَبيٌ وما الظبيُ بالشبيه لهُ ... في الحُسنِ إلاَّ اسْتراقَهُ حَوَرَهْ
وحسنَ أَجيادِهِ وغَنَّتَهُ ... ورُقْيةً فيهِ من رُقى السَحَرهْ
ذو الرمة:
بَعيداتُ مَهوى كُلِّ قُرطٍ عَقَدْنَهُ ... لِطافُ حُضورٍ مُشرفاتُ الروادِفِ
وما الشمسُ يومَ الغيْمِ والسعدُ جارُها ... بَدَتْ بين أَعناقِ الغَمامِ الصوائِفِ
ولا مُخْرِفٌ فَرْدٌ بأعلى صَريمةٍ ... تَصَدَّى لأِحوى مَدْمَعِ العينِ عاطِفِ
بِأَبْهَجَ من خَرْقاءَ لمّا تعرَّضتْ ... لنا يومَ عيدٍ للخرائِدِ شائِفِ
أبو عبادة:
وفي الأَكلَّةِ من تحت الأَجِلَّةِ أمثالُ الأَهِلَّة بين السجْفِ والكِللِ
بيضٌ أوانسُ كالأُدْمِ الأوانِسِ أو ... دُمى الكَنائسِ غيدٌ لَسْنَ بالعُطُلِ
أَشْبَهنَ مِنهنَّ أَعطافاً وأَجْيِدةً ... والربربَ العينَ في الأَحداقِ والكَحَلِ
ذو الرمة:
ألمْ تعلمي يا ميُّ أنّا،، وبَيْنَنا ... فيافٍ لطرفِ العين فيهنَّ مَطْرَحُ
ذكرتُكِ أَنْ مَّرتْ بنا أمُّ شادنٍ ... أمامَ المطايا تشرَئِبُّ وتَسنَحُ
من المُؤْلِفاتِ الرملَ أَدماءُ حُرَّةٌ ... شُعاع الضُحى في لونها يَتوضَّحُ
هي الشِّبْهُ أَعطافاً وجيداً ومُقلةً ... وَمَيَّةُ منها بعدُ أَبهى وأمْلَحُ
(1/29)

كأنَّ البُرى والعاجَ عِيجت مُتُونُهُ ... على عُشر ثَرَّى به السيلَ أَبْطَحُ
أبو تمام، وهذا من بديعه:
كالخُوطِ في القدِّ، والغزالةِ في البَهْجَةِ، وابنِ الغزالِ في غَيَدِهْ
وما حكاهُ، ولا نَعِيمَ لهُ ... في جِيدهِ، بل حكاهُ في جَيَدِهْ
وهو مما اختاره أبو عثمان في كتاب البيان.
النابغة الذبياني:
عَلِقْتَ بِذِكرِ المالِكيَّةِ بعدَما ... عَلاكَ مَشيبٌ في قَذالٍ ومَفْرِقِ
إذا ارتَعَثَتْ خافَ الجَنانُ ارتعاثَها ... ومن يَتعلقْ حيثُ عُلِّقَ يَغْرَقِ
وإنْ ضحِكتْ للعُصْم ظلَّتْ روانياً ... إِليها، وإن تَبْسِمْ إلى المُزْنِ تَبْرُقِ
على أنَّ حِجْلَيْها، وإِنْ قُلتُ أَوْسعا ... صَموُتانِ من مِلءٍ وقلَّةِ منطِقِ
ذو الرمة:
لها جيدُ أُمِّ الخِشْفِ ريعتْ فأَقبلتْ ... ووجهٌ كقَرنِ الشمسِ رَيَّانُ مُشْرِقُ
وعينٌ كعينِ الظبيِ فيها مَلاحةٌ ... هِيَ السِحرُ أَو أَدْهى التِباساً وأَعْلَقُ
أبو نواس:
كأنّ مَعاقِدَ الأَوْضاحِ منها ... بِجيدِ أَغنَّ نُوِّمَ في الكِناسِ
وَتبْسِمُ عن أَغرَّ كأنَّ فيهِ ... مُجاجَ سُلافَةٍ من بيتِ راسِ
ذو الرمة:
أَوانِسُ وُضَّحُ الأَجيادِ عِينٌ ... تَرى منهنَّ في المُقَلِ احْوِرارا
تَبَسَّمُ عن ثَنايا واضِحاتٍ ... وَمِيضَ البرْقِ أنْجَدَ فاستَنارا
ومعهد كلِّ آنسةٍ أَناةٍ ... يَزِينُ بياضُ مَحْجَرِها الخِمارا
زهير:
قامتْ تَبَدَّى بذي ضَالٍ لِتُحزِنَني ... ولا محالةَ أَنْ يشتاقَ من عَشِقا
بِجِيدِ مُغْزِلةٍ أَدماءَ خاذِلةٍ ... من الظِباءِ تُراعي شادِناً خَرِقا
أبو تمام:
ومِن جِيدِ غَيْداءِ التَثَنِّي كأنّما ... أتَتْكَ بِلِيتَيْها من الرَشأِ الفَرْدِ
كأنَّ عليها كُلَّ عِقْدِ مَلاحةٍ ... وحسنٍ وإِنْ أَضحتْ وأَمستْ بلا عِقْدِ
النابغة الذبياني:
كأنَّ الشَذْرَ والياقوتَ مِنها ... على جَيْداءَ فاتِرَةَ البُغَامِ
خَلَتْ بِغَزالها وَدَنا عليها ... أَراكُ الجِزْعِ أَسفَلَ من بَشامِ
الباب الثامن عشر
النحور والحلي
دعبل:
أتاحَ لكَ الهوى بيضٌ حِسانٌ ... سَلَبْنَكَ بالعيونِ وبالنُحورِ
نَظَرتَ إلى النُحورِ فكِدْتَ تَقضي ... فأَوْلى لو نظرتَ إلى الخُصورِ
ذو الرمة:
تُريكَ بَياضَ لَبَّتِها ووجْهاً ... كَقَرْنِ الشمسِ أَفْتَقَ ثمَّ زالا
النابغة:
فَبدتْ ترائِبُ شادِنٍ مُتَرَبِّبٍ ... أحوى أحمِّ المُقلتينِ مُقَلَّدِ
أخذَ العَذارَى عِقْدَهُ فَنَظَمْنَهُ ... من لؤلؤٍ مُتتابِعٍ مُتَسَرِّدِ
أبو عبادة:
فكمْ ليلةٍ قد بِتُّها ثَمَّ ناعِماً ... بِعيْنيْ عَليلِ الطرْفِ بيضٍ تَرائبُهْ
ولمْ أَنْسَهُ إذ قامَ ثانِيَ جيدِهِ ... إِليَّ، وإذْ مالت عليَّ ذوائبُهْ
عمر بن ابي ربيعة:
سَدَدنَ خَصاصَ البيتِ حين دَخَلْنَهُ ... بِكلِّ لَبانٍ واضحٍ وجَبينِ
ذو الرمة:
بَرَّاقَةُ الجيدِ والْلبّاتُ واضحةٌ ... كأنها ظبيةٌ أَفضى بها لَبَبُ
عجزاءُ ممكورةٌ خُمْصانةٌ قَلقٌ ... عنها الوِشاحُ وتَمَّ الجسمُ والقَصَبُ
النابغة:
صَفَحْتُ بنظرةٍ فرأيتُ منها ... تُحَيْتَ الخِدْرَ واضعةَ القِرامِ
تَرائبُ تستضيئُ الحَلْيُ فيها ... كجمرِ النارِ بُذّرَ في الظَلامِ
الباب التاسع عشر
الثدي
ذو الرمة:
كأنَّ الفِرنْدَ الخُسْروانيَّ لُثْنَهُ ... بأَعطاف أَنقاءِ الكثيبِ العَوانِكِ
بعيداتُ مَهوى كلِّ قُرط عَقدْنَهُ ... لِطافُ الحشا تَحت الثُدِيِّ الفَوالكِ
إذا غابَ عنهنَّ الغيورُ تهلَّلتْ ... لنا الأرضُ باليوم القصير المُباركِ
علي بن الجهم:
كنتُ أشتاقُ فما يحجزُني ... عنكِ إلاّ حاجزٌ يُعجبني
ناهدٌ في الصدر غضبانٌ على ... قَبَبِ البطن وطيِّ العُكَنِ
شاخصاً ينظرُ إعجاباً إلى ... غَبَبِ الجِيد وحُسنِ الذقَنِ
(1/30)

يملأُ الكفَّ ولا يفضلُها ... فإذا ثنَّيْتَهُ لا يَنثني
بكر بن النطاح:
صادَتْكَ من بقرِ القُصور ... بيضٌ نواعِمُ في الحريرِ
حورٌ تَحورُ إلى رِضا ... كَ بأعْيُنٍ منهنَّ حُورِ
وكأنما بِرُضابِهن ... ن جَنى الخمورِ على الثُغورِ
يَصبغنَ تُفّاحَ الخدو ... دِ بماءِ رُمَّانِ الصُدورِ
العباس بن الأحنف:
واللهِ لو أَنَّ القلوبَ كَقَلْبِها ... ما رَقَّ للوَلدِ الضَعيفِ الوالدُ
جالَ الوِشاحُ على قضيبٍ زانَهُ ... رُمَّانُ صدرٍ ليس يُقْطَفُ ناهِدُ
ابن المعتز:
يا غُصُناً إِن هزَّه مشيُهُ ... خَشيتُ أن يسقُطَ رُمَّانُه
ارْحمْ مَلِيكاً صارَ مُسْتَعْبَداً ... قد ذَلَّ في حُبِّكَ سُلطانُه
علي بن الصباح:
ومَحجوبةٍ عند الوَداعِ رأيتُها ... تُنَشِّفُ دمعاً بالرِداء المُمَسَّكِ
وتبكي حِذارَ البيْنِ منها بعبرةٍ ... تسيلُ على الخدَّيْنِ في حُسن مَسلَكِ
فتحسَبُ مَجرى الدمعِ في وَجَناتها ... بَقيَّةَ طَلٍّ فوقَ وردٍ مُمَعَّكِ
وقد سَفَرتْ عن غُرّة بابِليَّةٍ ... وصدرٍ به نَهدٌ كحُقٍ مُفَلَّكِ
ديك الجن:
ذاتُ سَراويلَ تحتَ أَقمِصَةٍ ... من فِضَّةٍ حُفَّتا بفَصَّيْنِ
شاطِرةٌ كالغُلام فاتِكَةٌ ... تَصلُحُ من طَبِّها لأَمريْنِ
قدُّ غُلامٍ وخَلْقُ جاريةٍ ... قامتْ من الطّيبِ بينَ خَلْطيْنِ
عمرو بن كلثوم:
تُريكَ إذا دخلتَ على خَلاءٍ ... وقد أَمِنَتْ عيونَ الكاشِحينا
ذِراعيْ عَيْطَل أَدماءَ بِكْرٍ ... هِجانِ اللون لم تَقرأْ جَنينا
وثَدياً مثلَ حُقِّ العاجِ رَخْصاً ... حَصاناً من أكُفِّ اللاّمِسينا
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
وَلو شِئْتُ قد رَادَتْ يدِي تحتَ قَرْقَلٍ ... من المَسِّ، إِلا مِن يَدَيَّ، حَصانِ
السروي:
وحَقِّ الخُدورِ وحَقِّ الكِلَلْ ... وعذبِ مواقِعِ رشْفِ القُبَلْ
ونرجِستيْنِ لَدى ورْدَتَيْنِ ... ورُمَّانتيْنِ على غُصنِ دَلْ
أُعاتِبُهنَّ فيُظْهِرْنَ لي ... حَبَابَ الدُموعِ وجمْرَ الخَجَلْ
مسلم بن الوليد:
فأَقسمتُ أَنسى الداعياتِ إلى الصِّبا ... وقد فاجَأَتْها العينُ والسِّترُ واقعُ
فَغَطَّتْ بأَيديها ثِمارَ نُحورها ... كأَيدي الأَسارى أَثْقَلَتْها الجَوامِعُ
ابن الرومي:
صُدورٌ زانَهنَّ حِقاقُ عاجٍ ... وحَلْيٌ زانَهُ حُسنُ اتِّساقِ
يقولُ الناظِرونَ، إِذا رأَوْهُ، ... أَهذا الحَلْيُ مِن هذي الحِقاقِ
وما تلكَ الحِقاقُ سوى ثُدِيٍّ ... قُدِرْنَ من الحِقاقِ على وِفاقِ
نواهِدُ لا يُعَدُّ لَهنَّ عَيْبٌ ... سوى منعِ المُحِبِّ من العِناقِ
وهذا من نادر معاني ابن الرومي. إلا أنه ألم بقول الأعرابي؛ ولعمري إنه أبدع واستوفى المعنى:
أَبَتِ الروادِفُ والثُدِيُّ لِقُمْصِها ... مَسَّ البطونِ، وأَن تَمَسَّ ظُهورا
وإِذا الرِياحُ مع العَشِيِّ تناوَحتْ ... نَبَّهْنَ حاسِدةً وهِجْنَ غَيورا
غُصنٌ من الأبنوس رُكِّبَ في ... مُؤْتَزِرٍ مُعجِبٍ ومُنتطقِ
يَهتزُّ من ناهِدَيْهِ في ثَمَرٍ ... ومن دواجي ذُراه في وَرَقِ
هيفاءُ زِينَتْ بحُسن مُحتَضَنٍ ... أَوْفى عليه نُهودُ مُعْتَنَقِ
محمد بن مناذر:
ولها ثَدْيانِ ما عَدَوا ... من حِقاقِ العاجِ أن كَعَبا
قُسِمتْ نِصفيْن: دِعْصَ نَقاً ... وقَضيباً لانَ فاضْطرَبا
وله:
والبطنُ ذو عُكْنةٍ لطيفُ ... صفْرٌ وشاحاهُ جائلانِ
أَشرفَ من فوقِه عليه ... ثدْيانِ مِثْلانِ ناهِدانِ
وابن مناذر هذا هو الذي قال له أبو العتاهية: كم تقول في اليوم من الشعر؟ فقال ابن مناذر: الخمسة والثلاثة. فقال أبو العتاهية: لكني أقول المئة والمئتين. فقال ابن مناذر: أجل، لأنك تقول:
يا عُتْبَ مالي ولَكِ ... يا لَيْتَني لم أرَكِ
وأنا أقول:
سَتُظْلمُ بغدادٌ ويَجلو لنا الدُجى ... بمكَّةَ، ما عِشنا، ثلاثةُ أَقْمُرِ
(1/31)

إذا نَزَلوا بَطحاءَ مكّةَ أشرقتْ ... بِيَحيى وبالفَضل بن يَحيى وجعفرِ
وَما خُلِقَتْ إلا لِجودٍ أكفُّهم ... وأقدامُهم إلاّ لأَعوادِ مِنْبَرِ
ولو أردت مثله لطال عليك الدهر.
الباب العشرون
نعت الأرداف
عبد الله بن الصمة:
لها فَخِذٌ بُخْتِيَّةٌ بَخْتريِّةٌ ... وساقٌ إذا قامت عليها اتْمَهَّلت
وخصرانِ دَقَّا في اعْتدالٍ ومَتنةٌ ... كمتنةِ مَصقولٍ من الهِندِ سُلَّمتِ
وعينا أحَمِّ المُقلتينِ ومَضحكٌ ... إذا ما جرتْ فيه المساويكُ زَلَّتِ
ذو الرمة:
كأنَّ أَعجازها والرِيطُ يعصِبُها ... بين البُرين وأَعناقِ العَواهيجِ
أَنقاءُ ساريةٍ حلَّت عَزالِيَها ... من آخر الليلِ ريحٌ غَيرُ حُرجوجِ
ابن حازم:
يَروعُكَ حُسنُ منظَرِهِ ... وتَخْشَعُ مِن تَجِبُّرِهِ
وما كِسرى بِأَتْيَهَ مِنْهُ يومَ غدا لِمَفْخَرِهِ
هَضيمُ الكَشح يُزهاهُ ... قضيبٌ تحت مِئْزَرِهِ
ومطويٌّ على عُكَنٍ ... تَظاهَرُ عند مَحْسَرِهِ
ولحظٌ يبعثُ الحركا ... ت منك على تَذكُّرِهِ
فما أَدْري بأوَّلِهِ ... سَباني أم بِأخِرِهِ
خالد:
ومريضِ طرفٍ ليس يَصْرِفُ طرفَه ... نحو امرئٍ إلا رَماه بحَتْفِهِ
قد قُلتُ إِذ أبصرْته مُتمايلاً ... والرِدْفُ يَجذِبُ خصرَهُ من خَلفِهِ
يا مَن يُسَلِّمُ خصرَه من رِدفِه ... سَلِّمْ فؤادَ مُحبِّهِ من طَرْفِهِ
وقال ذو الرمة:
ضَناكٌ بَخَنْداةٌ كأنّ حِقابَها ... إذا انْجردَتْ مِن كلِّ دِرعٍ ومِفْضَلِ
على عانِكٍ من رملِ بيَرين بَلَّهُ ... أَهاضيبُ تلبيدٍ فلم يَتَهيَّلِ
وقال الزاهي:
أَردافُ عِينٍ وأوساطُ الزنابيرِ ... فوق المعاقِدِ تُطوى كالطَّواميرِ
أنقاءُ أكثبةٍ من فوقِها قَصَبٌ ... ذُبلُ الخصورِ بِشدّاتِ الزَنانيرِ
يومَ السَعانينِ لاحَتْ في مَطارِفِها ... تِلكَ الوجوهُ كأَمثالِ الدَنانيرِ
سودُ العَمائمِ صُفرٌ قد جَلَوْنَ لنا ... ألوانَ من عَلَّلوهُ بالمعاذيرِ
سبحانَ خالِقِها ماذا أَرادَ بها ... تلكَ المحاسن في تلكَ التصاويرِ
ذو الرمة:
أَلا لا أُبالي الموتَ إن كانَ قَبْلَه ... لِقاءٌ لِمىٍّ وارتجاعٌ من الوَصلِ
أَناةٌ كأنّ المِرْطَ حين تَلوثُه ... على دِعْصَة حمراءَ من عُجَمِ الرملِ
أَسيلةُ مُسْتَنِّ الوِشاحيْنِ قانِيء ... بأطرافها الحِنَّاءُ في سَبِطٍ طَفْلِ
مِنَ الواضِحاتِ البيضِ في غَيْرِ مُرهَةٍ ... ذواتِ الشفاه اللُعْس والحَدَقِ النُجْلِ
وهذا استثناء في صفة النساء بخلوص البياض وإيفاء الوصف حقه بتقييده في عجز البيت باللعس والكحل ما أطلقه في صدره من الوضح والبياض.
أبو عبادة:
إذا نَضَوْنَ شُفوفَ الرَّيْط آوِنَةً ... قَشَرْنَ عن لُؤلُؤِ البحريْن أَصدافا
نواصِعٌ كسيوف الهِندِ مُشعَلةٌ ... ضوْءاً ومُرهَفةٌ في الجدْلِ إِرهافا
كأنَّهنَّ وقد قابَلنْ في طَرفي ... ضِدَّيْن في الحسنِ تَبْتيلاً وإِخطافا
رَدَدْنَ ما خفَّفت عنه الخصورُ إلى ... ما في المآزِرِ فاستَثْقَلْنَ أَردافا
وفي ذكر السيوف تشبيه أبي تمام أعجب حيث يقول:
فما صُقِلَ السيفُ اليَماني لمَشهدٍ ... كما صُقلتْ بالأمسِ تلكَ العوارضُ
الباب الحادي والعشرون
السوق وامتلائها والقصب وخدالتها
وهذا مسلم للمتقدمين وهم يضعون فيه الهناء مواضع النقب، ويطبقون المفصل.
قال كثير عزة:
أولات سَوالِفٍ غُرٍّ وقُبٍّ ... مُخَصَّرةٍ وأَعجازٍ ثِقالِ
ويَجْعلنَ الخَلاخِلَ حين تلوى ... بِأَسوُقِهنَّ في قَصَبٍ خِدالِ
عروة:
فقُمنَ بَطيئاً مَشيُهُنَّ تَأوُّداً ... على قَصَبٍ قد ضاق عنه خَلاخِلُهْ
كما هزَّتِ المرَّانَ ريحٌ فحرَّكتْ ... أَعالِيَ منهُ وارْجَحنَّتْ أَسافِلُهْ
ذو الرمة:
رَخِيماتُ الكلامِ مُبطَّناتٌ ... جَواعِلُ في البُرى قَصَباً خِدالا
كأَنَّ جلودَهُنَّ مُمَوَّهاتٌ ... على أَبشارِها ذَهَباً زُلالا
(1/32)

جَمعْن فَخامةً وخُلوصَ عِتْقٍ ... وحُسناً بعدَ ذلكَ واعتِدالا
وليس لأحد من الشعراء العرب، في نعت محاسن النساء، ما لذي الرمة من الأوصاف البارعة، بجودة سبك، وكثرة ماء، ورقة لفظ، حتى كأنه حضري من نازلة المدر لا سكان الوبر، وهو بجفوة البدو وعنجهية الصراحة فهو أعرابي مهاجر، ووحشي حاضر.
وقال الأشجع:
نَفْسي الفداءُ لِشادنٍ ... يَهْوَى ويمنَعُهُ نِفارُهْ
ظبيٌ يجولُ وِشاحُهُ ... ويَغُصُّ في يَدِهِ سِوارُهْ
ابن الطثرية:
هَضيماتُ ما بين التَرائِبِ والكُلَى ... لِطافُ الخُصورِ صامِتاتُ الخلاخِلِ
عفيفاتُ أَسرارٍ، بَعيداتُ رِيَبةٍ ... كثيراتُ إِخلافٍ، قليلاتُ نائلِ
مِراضُ الجُفونِ في احْوِرارِ مَحاجِرٍ ... طِوالُ المُتونِ راجِحِاتُ الأَسافِلِ
القطامي:
خَوْدُ مُنَعَّمَةٌ نَضخ العَبير بها ... إِذا تَميلُ على خَلخالِها انْفَصما
ليستْ ترى عَجَباً إِلاّ بدا بَردٌ ... غُرُّ المَضاحِك ذو نَوْرٍ إذا ابْتَسما
ذو الرمة:
ضَرجْنَ البُرودَ عن ترائب حُرَّة ... وعن أَعيُن قتَّلْننا كلَّ مَقتَلِ
إِذا ما اْلتَقَيْنَ من ثلاثٍ وأربعٍ ... تَبَسَّمْنَ إيماضَ الغَمام المُكَلَّلِ
يُهادينَ جَمَّاءَ المرافِق وَعْثَةً ... لطيفةَ حَجْم الكعب رَيّا المُخَلْخَلِ
الأشجع:
جارِيةٌ تهتزُّ أَطرافُها ... مُشبعةُ الخَلخالِ والقُلْب
أَشكو الذي لاقيْتُ من حُبِّها ... وبُغضِ مَولاها إِلى رَبّي
مِن بُغض مولاها ومِن حُبِّها ... نَزَلْتُ بين البُغض والحبِ
فاعْتَلجا في الصَّدر حتى اعْتلى ... أَمرُهما فاقْتَسما قَلبي
ابن هرمة:
بِنفْسِيَ صَبْحاءُ سَيفانَةٌ ... تَكْظُّ البُرى وتُجيعُ الوِشاحا
كأنَّ قلائِدَها عُلِّقَتْ ... على ظَبيةٍ تَتقرّى البِطاحا
حراديةٌ أَبصرتْ رامياً ... يُقَلِّبُ في راحَتيْه قِداحا
فأوْفَتْ على شَرَفٍ تَستَخيرُ طَلاً تتنسَّمُ منه رِياحا
ذو الرمة:
وَبيضاً تهادى بالعَشيِّ كأنّها ... غَمامُ الثُريّا الرائحُ المُتَهلِّلُ
خِدالاً قَذفْن السورَ منهنَّ والبُرى ... على ناعمِ البَرْدِيِّ بل هنّ أَخدَلُ
نَواعمُ رَخْصاتٌ كأنّ حديثَها ... جَنى الشَّهدِ في ماءِ الصَّفا مُتَشَمَّلُ
رقاقُ الحواشي مُنْفِذاتٌ صدورَها ... وأَعجازُها عمَّا بها اللهوُ خُذَّلُ
أولئكَ لا يوفين شيئاً وَعدْنَه ... وعنهنَّ لا يصحو الغَويُّ المُضلَّلُ
عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص:
هيفاءُ فيها إذا اسْتقبَلْتَها عَجَفٌ ... عَجزاءُ غامضةُ الكعبيْنِ مِعطارُ
من الأوانسِ مِثلُ الشمسِ لم يَرَها ... بساحةِ الدارِ لا بعلٌ ولا جارُ
ذو الرمة:
لها قَصَبٌ فَعْمٌ خِدالٌ كأنهُ ... مُسَوِّقُ بَرْدِيٍّ على حائرٍ غَمْرِ
سَقِيَّةُأعدادٍ يبيت ضجيعُها ... ويُصبحُ مَحبوراً وخيراً من الحَبْرِ
تُعاطيه برَّاقَ الثَنايا كأنهُ ... أَقاحِيُّ وَسْمِيٍّ بِسائِفَةٍ قَفْرِ
كأن النَدى الشَتويَّ يَرْفَضُّ ماؤهُ ... على أَشنَبِ الأَنيابِ مُتَّسِقِ الثَغرِ
وقال:
وفي المِرط مِن ميٍّ تَوالي صَريمةٍ ... وفي الطَوْق ظبيٌ واضحُ الجيدِ أَحورُ
وبين مَلاثِ المِرْط والطوِق نَفْنَفٌ ... هضيمُ الحشا رَأْدُ الوِشاحينِ أَصفَرُ
تَنوءُ بأُخراها فَلأياً قِيامُها ... وتَمشي الهُوَيْنى من قريبٍ فَتُبْهَرُ
وفي العاج منها والدَماليجِ والبُرى ... قناً مالِيء للعينِ ريَّانُ عَبْهَرُ
خَراعِيبُ أُمْلودٌ كأن بَنانَها ... بَناتُ النَقا تَخْفى مِراراً وتَظهرُ
ترى خَلْفَها نِصفٌ قناةٌ قويمةٌ ... ونِصفٌ نَقاً يَرتَجُّ أو يَتَمَرْمَرُ
عمر بن أبي ربيعة:
سَتروا الوجوهَ بأذرُعٍ ومَعاصِمِ ... ورَنَوْا بِنُجْل للقلوبِ كَوالمِ
حَسروا الأَكِمَّةَ عن سواعدِ فضّةٍ ... فكأنما ابيضت مُتونُ صوارمِ
ذو الرمة:
(1/33)

مِنْ كُلِّ عَجزاءَ في أَحشائها هَضَمٌ ... كأن حَلْيَ شَواها أُلْبسَ العُشَرا
لَمياءُ في شَفتيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... كالشمسِ لما بَدَتْ أو تُشبهُ القمرا
الشماخ:
هَضيمُ الحشا لا يَملأُ الكفَّ خَصرُها ... ويُملأُ منها كلُ حِجل ودُمْلُجِ
تَميحُ بمسواكِ الأَراكِ بَنانُها ... رُضابَ الندى عن أَقحوانٍ مُفَلَّجِ
ذو الرمة:
وعَيْناءَ مِبْهاجٍ كأنَّ ثِيابَها ... على واضحِ الأَقرابِ من رمل عاجِفِ
تَبَسَّمُ عن أَحوى اللِّثاتِ كأنهُ ... ذُرا أُقحوانٍ من أَقاحي السَّوائِفِ
ابن الطثرية:
من كلِّ بيضاءَ مِخماصٍ لها بَشَرٌ ... كأنه بِذَكيِّ المِسك مَعْلوُلُ
تخطو على قَصَبٍ خَدْلٍ تُقلُّ بهِ ... روادفاً كالنَّقا فيهن تَبْتيلُ
والجيدُ أَتلعُ والأُطرافُ ناعمةٌ ... والكَشْحُ مُنهَضِمٌ والمَتْنُ مَخْذُولُ
ذو الرمة:
أَناةٌ تلوثُ المِرْطَ عنها بدِعْصَةٍ ... رُكامٍ وتَجْتابُ الوِشاحَ فَيَقْلَقُ
وتَبْسِم عن نَوْرِ الأَقاحيِّ أقْفَرَتْ ... بِوعْساءِ معروفٍ تُغامُ وتُطْلَقُ
المفجع:
أَيخفى حُبُّ علوةَ كيف يَخْفى ... ونيرانُ الصَبابَةِ ليس تُطْفا
ومن مزجت له كأسُ التصابي ... فإني قد شَرِبْتُ الحُبَّ صِرْفا
تَراها كالقضيبِ اللَّدْنِ ليناً ... تَمِيسُ وكالنقا تَرْتَجُّ رِدْفا
ولولا أَنها بَشَرٌ لقُلْنا ... براها اللهُ مِن ذَهبٍ مُصَفَّى
فأَكْمل خَلْقَها وأَتَمَّ مِنها ... مَعانِي حُسْنِها حرفاً فَحَرْفا
لَئِنْ راقَتْكَ مِلْءَ العينِ حُسناً ... لقد ساءَتْك مِلْءَ النفسِ حَتْفاه
سعد الجعدي:
أَيا ظبيةَ الوَعْساءِ أنتِ شَبيهةٌ ... بذَلْفاءَ إِلاَّ أَنها لا تُعَطَّلُ
مُنعمةٌ خَودٌ يجولُ وِشاحُها ... عليها ويَأْبى أن يجولَ المُخَلْخَلُ
الراجز:
غَرْثى الوِشاح كَزَّةُ الدَمالجِ
مَلاثُ مِرْطيْها كرملٍ عالجِ
الباب الثاني والعشرون
نعت القدود
ابن مقبل:
يَهْزُزْنَ للمَشْيِ أَعطافاً مُنَعَّمَةً ... هَزَّ الشَمالِ ضُحىً عيدان يَبْرينا
أو كاهتزاز رُدَيْنِيٍّ تَرادفهُ ... أَيدي التِّجار فزادتْ متنَه لينا
بِيضٌ يُجرِّدْنَ من أَلْحاظِهنَّ لنا ... بيضاً ويَردينَ ما جرَّدْنَه فينا
ذو الرمة:
بَيضاءُ يجري وِشاحاها إِذا انصرفتْ ... منها على أَهْضَمِ الكَشْحين مُنْخَضِدِ
يَجلو تَبسُّمُها عن واضحٍ خَصرٍ ... تَلأْلُؤَ البرقِ عن ذي لَّجةٍ بَرِدِ
ابن أبي البغل:
كأَنّه في اعتِدالِهِ غُصُنٌ ... وفي السراويلِ منه أَمواجُ
إذا مشى كالقضِيب جاذَبَهُ ... رِدْفٌ له كالكَثيب رَجْراجُ
ويعلمُ اللهُ أَنني رجلٌ ... إِليهِ مُذْ قد كَبِرتُ مُحتاجُ
آخر:
أَهْيَفُ القَدِّ بَديعٌ في الصورْ ... رِدفُه دِعصٌ، وأعلاهُ قَمَرْ
ما رَآهُ الطرفُ إِلاّ قال لي ... احبِسِ اللَّحظَ عليه وانْتَظِرْ
فَبقلبي أَثرٌ من لَحظِهِ ... وبخَدَّيْهِ من اللحظِ أَثَرْ
كُلما زِدْتُ إِليهِ نظراً ... زادَ حُسناً عند تَكْرارِ النظَرْ
كشاجم:
بُلِيتُ بأَحسنِ الثَقليْن إقبالاً ومُنْصَرَفا
كحدِّ السيف أَلْحاظاً ... وغُصنِ البانِ مُنْعَطَفا
يُسَوِّفُني بِنائِله ... وقد أَهدى ليَ الأَسَفا
فآخُذُ وصلَه عِدةً ... ويأخُذُ مُهجتي سَلَفا
العلوي البصري:
كغُصنِ البانِ يَجذِبُه كثيبٌ ... فَيَطْلُعُ مثلَما طَلَع الرَهِيصُ
وأَتعَبَ رِدفُه حِقويْه حتى ... شكا من ثِقْلهِ الكَشحُ الخَميصُ
أَغار من القميصِ إِذا عَلاهُ ... مَخافةَ أَنْ يُلامسَه القميصُ
ومالِفَتى رماه بِسَهْم حَتفٍ ... عن الأسقامِ والبَلْوى مَحيصُ
آخر:
مُعتدِلٌ في كلِّ أَعطافهِ ... مُستَحْسَنُ القامةِ والمُلْتَفَتْ
لو قِيست الدنيا ولذّاتُها ... بِساعةٍ مِن وَصْلهِ ما وَفَتْ
(1/34)

سُلِّطَتِ الأَلحاظُ منه على ... قلبي، فلو أَوْدتْ به ما اشْتَفَتْ
واسْتعذَبَتْ روحي هواه فما ... تَصحو، ولا تسلو ولو أُتْلِفَتْ
آخر:
وَيلي على قمرٍ أَوفى على غُصُنٍ ... يَهتزُّ في أَهْيَفٍ قد رانهُ الترفُ
يكادُ من قَضَفٍ ليناً ومن ترفٍ ... لولا أُعَوِّذُه بالله يَنْقَصِفُ
أبو فراس:
غلامٌ فوقَ ما أَصِفُ ... كأنَّ قوامَه أَلِفُ
إِذا ما مالَ يَرْعِبُني ... أَخافُ عليه يَنْقَصِفُ
وأُشفِقُ من تَأَوُّدِهِ ... أَخافُ يُذِيبه التَرَفُ
سُروري عندهُ لُمَعٌ ... ودَهري كُلُّه أَسفُ
وأَمْري كلُّهُ أَمَمٌ ... وحُبي وحدَه سَرَفُ
الحسين بن الضحاك:
مُحبُّكَ يبكي لطول السَّقَم ... تَداوَلُه فيكَ أَيدي الأَلمْ
تَجَنَّبْتَهُ فهو بادي الشحو ... بِ وأَدمعُهُ للضَنى تَنْسجِمْ
أيا عصْنَ بانٍ غداةَ النعيم ويا قمراً لاحَ جُنْحَ الظُلَمْ
خَفِ اللهَ في عاشِقٍ مُدْنَفٍ ... بِحُبكَ مما بهِ يَعْتَصِمْ
الواسطي:
أَبلى فُؤادي بِطول تَعذيبهْ ... وقَدِّهِ واعْتِدالِ تَركِيبهْ
ولاحَ من جَيْبِهِ الهِلالُ لنا ... والغُصُنُ النَّضْرُ من جَلابِيبِهْ
كَلْفَ لي كاذِباً لِيقَتُلَني ... وَيْلايَ مِنهِ ومِن أَكاذيبِهْ
لو أَبصَرَ القَسُّ حُسنَ صورَتِه ... صَوَّرهُ القَسُّ في مَحاربيِهْ
الخبزرزي:
أَهيفُ يَحكي بقدِّه الأَلِفا ... يَخسَرُ من لم يكُنْ بهِ كَلِفا
أحسنُ مِنَ بهجةِ الخِلافة والأمْنِ لِمنْ قد يُحاذِرُ التَلَفا
لو أَبصرَ الوجهَ منه مُنَهزِمٌ ... يَطلبُه ألفُ فارِسٍ وَقفا
وقد خطأ أبو القاسم الآمدي، في كتاب الموازنة بين الطائيين، أبا تمام في قوله:
مِن الهِيفِ لو أَنَّ الخلاخيلَ صُيِّرتْ ... لها وُشُحاً جالتْ عليها الخَلاخِلُ
وكذلك رد عليه قوله:
دعا قلْبُهُ: يا ناصِرَ الشوقِ دعوةَ ... فلبَّاهُ طَلُّ الدمعِ يَجري ووابِلُه
والصواب في البيتين في يد أبي تمام. وأبو تمام قلما يؤتى من المعاني، وإنما يتعمق فيحيل. والقلب إذا أكره عمي. والخاطر إذا اعتسف تبلد. وأحسن الكلام ما أخذ عفوه، وقبل ميسوره. واللفظ صورة والمعنى روح لها، وبها يكتحل البصر أولاً، فإذا راقت وحسنت اغتفر ما دونها من خلل.
وقد أخذ على أبي تمام أبو الضياء مؤلف سرقات الآخر من الأول قوله في الحسن بن وهب:
نَبَتُّ على مواهِبَ منكَ بيضٍ ... كما نَبتَ الحَلِيُّ على الوَلِيِّ
وفسر أبو القاسم الآمدي قول ذي الرمة وغلط فيه:
وليلٍ كَجِلبابِ العروس ادَّرَعْتُهُ ... بأَربعةٍ، والشخصُ في العَيْنِ واحدُ
وله في تفسير شعر الطائي، في كتاب الموازنة، هفوات كثيرة.
الباب الثالث والعشرون
وصف مشي النساء
قال الأعشى، وهو من نادر تشبيهات العرب:
غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولٌ عوارِضُها ... تَمشي الهُوَيْنا كما يمشي الوَجي الوَحِلُ
كأنَّ مِشْيَتها من بيتِ جارَتِها ... مَرُّ السحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
وقد شبهوا مرور السحاب بمشي النساء أيضاً؛ ويكون هذا من قبيل التشبيهات التي تجيء طرداً وعكساً.
قال الشاعر في الليل:
كأنَّ قرونَ الخُرَّدِ العينِ أُسْبِلَتْ ... على وَجْههِ أَوْ ظُلمةَ الهَجْرِ والصَدِّ
وعكسه مسلم بن الوليد فقال:
أَجِدَّكِ ما يُدْرِيكِ أنْ رُبَّ لَيْلةٍ ... كأنَّ دُجاها من قُرونِكِ تُنشَرُ
وقال ابن الرومي:
أَرقُ من الماءِ الذي في حُسامهِ ... وأَنفذُ من حدَّيْهِ حين يُجرَّدُ
وقال المتنبي:
كَفِرَنْدي فِرَنْدُ سَيْفي الجُرَازِ ... لذَّةُ العينِ عُدَّةٌ للبِرازِ
امرؤ القيس:
وإذْ هي تمشي كمشْيِ النَّزِيفِ يصرَعُهُ بالكَثِيبِ البُهُرْ
فَتُورُ القِيامِ قَطيعُ الكَلا ... مِ تفْتَرُّ عن ذي غُرُوبٍ خَصِرْ
قيس:
مريضاتُ أَوْبات التهادي كأَنما ... تخافُ على أَحشائها أن تَقَطَّعا
تَسِيبُ انْسيابَ الأَيْمِ أَخصَرَهُ النَّدى ... فَرَفَّعَ من أَعطافِه ما تَرَفَّعا
(1/35)

المؤمل:
شَوْقاً إلى قُطُفِ الخُطا ... حورِ العيونِ كَواعبِ
تَيَّمْننَي بأَنامِلٍ ... ومضاحكٍ وحواجبِ
ربيعة الرقي:
مَشيْنَ تأوداً خلفي رُوْيداً ... كَمِثْل هَجائنٍ أَقْبَلْنَ حُلاّ
وجَرَّدْن البُرودَ مُرفَّلاتٍ ... على إِثْر الفتى حتى اضْمَحلاّ
ذو الرمة:
إِذا مَشَيْنَ مِشْيةٌ تأَوُّدا
هزَّ القنا لانَ وما تَأوَّدا
يَركُضْن رَيْطَ اليمنِ الْمُعَضَّدا
آخر:
يَمشينَ مشيَ قطا البِطاحِ تَأَوُّداً ... قُبَّ البُطونِ رواجِحَ الأَكفالِ
فَكأَنَّهنَّ إِذا أردْنَ زِيارَتي ... يَقْلَعنَ أرجلَهُنَّ من أَوْحالِ
آخر:
قِصارُ الخُطا يمشينَ هوْناً كأَنَّما ... دَبيبُ القَطا بل هنَّ منهن أَوْجَلُ
إِذا نَهضت أَعجازُها خَرجت بها ... بِمُنْبَهِراتٍ غيرَ أَنْ لا تَخَزَّلُ
فلا عيبَ فيها غَيرَ أَنَّ سريعَها ... قَطوفٌ، وأَلا شيءَ منهنَّ أَكسلُ
وأما قول كثير:
عَنَيْبُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أَرِدْ ... قِصارَ الخُطا شَرُّ النِساء البَحاتِرُ
فليس من هذا القبيل.
وبعد فلا شيء إلا وله مدح وذم. ألا ترى أن الأعشى يقول:
وإِذا تَجيءُ كتيبةٌ مَلْمومةٌ ... شَهْباءُ يَخْشى الذائدون نِهالَها
كُنْتَ المُقَدَّمَ غيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلِماً أَبطالَها
ثم قال الغساني:
يَغْشى السيوفَ بوجهه وبنحره ... ويُقيم هامَته مُقامَ المِغْفَرِ
ما إِن يُريدُ اذا الرماحُ شَجَرْنَهَ ... دِرعاً سوى سِربالِ طيبِ العُنْصُرِ
فتمدح بخوض الحرب متجرداً من الجبن بسالة.
وأخبرني أبو الفرج الأصفهاني، وكان عنده رواية ديوان كثير، أن كثيراً أنشد عبد الملك بن مروان:
عَلى ابنِ أَبي العاص دِلاصٌ حَصينَةٌ ... أَجادَ المُسدّي سَرْدَها وأَذَالَها
يَؤُودُ ضعيفَ القوم حملُ قَتِيرِها ... ويَسْتَضِلْعُ القرمُ الأَشمُّ احتمالَها
فقال عبد الملك: هلا قلت كما قال الأعشى!؟ فقال كثير: وصفتك بالحزم، ووصف صاحبه بالخرق.
وقرأت في الشذور من أخبار أبي تمام، أنه أنشد عبد الله بن طاهر قوله:
وقَلْقَلَ نأْيٌ من خُراسان جَأْشَها ... فقلتُ: اطمئني. أَنضَرُ الروْضِ عازِبُهْ
فقال عبد الله بن طاهر: جعلتني مجهولاً غير معلم. ولم يبلغني ما قال أبو تمام في الجواب.
ابن عائشة:
هيفُ الخُصور قواصِدُ النَبْلِ ... قَتَّلْننا بِلواحِظٍ نُجْلِ
فَكأَنَّهُنَّ إِذا أَردْنَ خُطاً ... يَقلعْن أَرْجُلَهنَّ من وَحْلِ
ذو الرمة:
إِذا الخَزُّ تحت الحَضْرَميَّاتِ لُثْنَهُ ... بِمُرتَجَّة الأَردافِ مِثلِ القَصائمِ
لحفن الحَصى أنيارَه ثم خُضْنَهُ ... نُهوضَ الهِجانِ الموُعِثاتِ الجَواشِمِ
رُويداً كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعالِيَها مَرُّ الرِياح النَّواسِمِ
ابن ميادة:
مُنَعَّمةُ الأَطراف هِيفٌ خُصورُها ... كواعبُ تمشي مِشْيةَ الخيلِ في الوَحْلِ
وأَعناقُها أَعْناقُ غِزلانِ عالِجٍ ... وأَعيُنُها من أَعين البَقَرِ النُجْلِ
وأَثلاثُها السُفلى بُرادِيُّ ساحلٍ ... وأَثلاثُها الوُسطى نقاً من نقا الرملِ
وأَثلاثُها العُليا غُصونٌ فُروعُها ... عَناقِيدُ تُغْذى بالدِّهانِ وبالغِسْلِ
الأشجع:
وجاريةٍ لم تسرِقِ الشمسُ نظرةً ... إِليها ولم يَعْبَثْ بأَيامها الدهرُ
وماجَتْ كموْج الماء بينِ ثِيابِها ... يَجُورُ بها شَطرٌ ويعدِلُها شطرُ
الباب الرابع والعشرون
الملابس وألوانها
أحمد بن أبي فنن:
رَأيتُكِ في السوادِ فقلتُ: بدرٌ ... بَدا في ظُلمةِ الليلِ البهيمِ
وأَلقْيتِ السوادَ فقلتُ: شمسٌ ... مَحتْ بشُعاعها ضوءَ النجومِ
كشاجم في الأزرق:
أقبلتْ في غِلالةٍ زرقاءِ ... زُرقةً لُقِّبتْ بجريِ الماءِ
فَتوهَّمتُ في الغِلالةِ منها ... جسدَ النور في أديمِ الهواءِ
تلك بدرٌ، وإنَّ أحسنَ لونٍ ... طَلَع البدرُ فيه، لونُ السماءِ
المهلبي:
(1/36)

تَبدَّى في قميصِ اللاَّذِ يمشي ... عدوٌ لي يُلقَّبُ بالحبيبِ
فقلت له: بمَ استَحسنتَ هذا؛ ... لقد أقبَلْتَ في زِيٍّ عجيبِ
فقال: الشمسُ أهدتْ لي قميصاً ... بديعَ اللونِ من شَفَقِ الغروبِ
فثوبي والمُدامُ ولونُ خَدِّي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ
وديك الجن هو الذي أبدع هذا الفن ونهجه للشعراء فقال:
أيا قمراً تَبَّسمَ عن أقاحِ ... ويا غُصناً يميسُ مع الرِياحِ
جَبِينُكَ والمقلَّدُ والثَّنايا ... صباحٌ في صباحٍ في صباحِ
وقال أيضاً:
ومُزْرٍ بالقضيبِ اذا تَثَنَّى ... ومَزْهاةٍ على القمرِ التمامِ
سقاني ثم قبَّلني وأوْما ... بطرفٍ سُقمُه يَشفي سَقَامي
فَبِتُّ لهُ، خلا الندمانِ، أُسقى ... مُداماً في مُدامٍ في مُدامِ
وقال الصنوبري في الأخضر وأحسن فيه:
وشاطرةٍ أدَّبتْها الشطارهْ ... حِلى الروضِ من حُسنها مُستعارَهْ
أميرةُ حُسنٍ إذا ما بَدتْ ... أقَرَّ الأميرُ لها بالأمارَهْ
بَدتْ في لِباسٍ لها أخضرٍ ... كما تَلْبَسُ الورقَ الجُلَّنارَهْ
فقلنا لها: مااسمُ هذا اللِّباسِ ... فردَّتْ جواباً ظريفَ العبارَهْ
شَقَقْنا مرائِرَ قومٍ به ... فنحنُ نُسمِّيه شقَّ المرارَهْ
وقال بشار في الأحمر:
وخُذي ملابسَ زينةٍ ... ومُعصفَراتٍ هُنَّ أَنْورْ
وإذا دخلْنا فادْخُلي ... في الحُسنِ إن الحسنَ أحمرْ
قال بعض الحكماء: الحسن أحمر، أي من أراد صبر على مضرته وشدائده.
من قولهم: موت أحمر، أي يراق فيه الدم.
قال أبو زبيد:
إذا عَلِقَتْ قِرناً خطاطيفُ كفِّهِ ... رأى الموتَ بالعينين أسَود أحمرا
آخر:
طَلَعتْ في مُصَّبغٍ جُلَّناري ... طَلعةَ البدرِ في انْقضاءِ النَهارِ
طافَ من حولها الجواري فقلْنا ال ... بدرُ حُفَّت بهِ النجومُ الدَراري
خَيزرانِيَّةُ المَعاطفِ قصري ... ية قصر الطِّرازِ والأكوارِ
كتبَ الحُسنُ فوق عارِضها قا ... فاً من الليلِ في أديمِ النهارِ
علي بن الجهم:
طلَعتْ وهي في ثيابِ حِدادِ ... طَلْعَةَ البدرِ من خِلالِ السحابِ
بِتُّ في اللهوِ واللَّذاذةِ لَيْلي ... أرشِف الخمرَ من ثَنايا عِذابِ
نَتَجنَّى وساعةً نتَراضى ... عَبَثاً، والقلوبُ غيرُ غِضابِ
وشرِبنا من العِتابِ كُؤوساً ... وجَعلنا التقبيلَ نَقْلَ الشرابِ
وقال الحسين بن الضحاك، وقد أقبل شفيع الخادم بشراب أحمر وعليه قباء أحمر:
وكالوردةِ الحمراءِ جاء بِحُمْرةٍ ... من الوردِ يسعى في القراطق كالوردِ
له عَبَثاتٌ عندَ كلِّ تحيةٍ ... بِكَفَّيْهِ تَستدعي الخليَّ إلى الوَجْدَ
تمنَّيتُ أَن أُسقى بكفَّيه شَرْبةً ... تُذكرني ما قد نَسيِتُ من العَهْدِ
سقى اللهُ عصراً لم أَبِتْ فيه ليلةً ... من الدهرِ إلاَّ مِن حبيبٍ على وعدِ
وله فيه:
وأبيضَ في حُمرِ الثيابِ كأَنهُ ... إذا ما بدا نِسرينُهُ في شقائِقِ
سقاني بكفَّيْهِ رَحيقاً وسامَني ... فُسوقاً بِعَيْنيْهِ ولستُ بِفاسِقِ
ولو كنتُ شَكْلاً للهوى لاتبعْتُهُ ... ولكنَّ شَيْبي بالصِّبا غيرُ لائقِ
وقال العلوي في الغلالة البالية، ولم يسبق إلى معناه:
يا قمراً ثوبُه ورامِقُهُ ... منه حِذارَ البِلى على خَطَرِ
يا مَن حكى الماءُ فرطَ رقَّتِه ... وقلبُهُ في قَساوَةِ الحَجَرِ
ياليتَ حظي كحظِّ ثوبكَ مِن ... جِسمكَ ياواحِدي مِن البَشَرِ
لا تعجَبا من بِلى غِلالَتِهِ ... إذ زُرَّ كِتّانُهُ على القَمَرِ
وقال ابن المعتز في اللباس الخلق، وأحسن فيه:
ما بين بابِ الوزيرِ والمسجدِ الجامِعِ ظبيٌ كالظَّبي في غَيَدهْ
أثوابُه رثَّةٌ فقد ضاعَ، لا ... ضاعَ، وضاعَ التَمييزُ في بَلدِهْ
ليس له ناقدٌ فيعرِفُه ... وآفةُ التَّبرِ ضَعْفُ مُنْتَقِدِهْ
وقال المهلبي في الأحمر:
وَيْحَ نفْسي من لوَعةِ الإشْتياقِ ... ورَسيسِ الهوى وَوَشْكِ الفِراقِ
(1/37)

جَلَّ مابي حتى لَقد عَلِمَ النا ... سُ بأني أطقْتُ غيرَ المُطاقِ
مَنْ عَذيري مِمَّنْ به ظَلَّ عِشْقي ... مَثَلاً بين سائرِ العُشَّاقِ
حاز رِقِّي بِوردِ خدَّيْهِ لمَّا ... أنْ بدا في مُوَرَّداتٍ رِقاقِ
الباب الخامس والعشرون
العناق وطيبه
قال الحسين بن الضحاك:
ومُوشَّحٍ نازعتُ فَضلَ وِشاحِهِ ... وكَسوتُه من ساعِدَيَّ وِشاحا
باتَ الغيورُ يشُقُّ جِلدةَ خدّهِ ... وأمال أعطافاً عليَّ مِلاحا
ابن المعتز:
ما أقصرَ الليلَ على الراقِدِ ... وأهونَ السُقْمَ على العائدِ
يَفْديكَ ما أبقيتَ مِن مُهجتي ... لستُ لِما أوليتَ بالجاحِدِ
كأنَّني عانقتُ رَيْحانةً ... تنفَّست في ليلِها الباردِ
فلو تَرانا في قميص الدُّجى ... حَسِبْتَنا من جسدٍ واحدِ
ذو الرمة:
هَضيمُ الحشا يَثْني الذِّراعَ ضَجِيعُها ... على جيدِ أدماء المُقَلَّدِ مُغْزِلِ
تُعاطيه تاراتٍ إذا جِيد جَوْدَةً ... رُضاباً كطعمِ الزَّنجبيلِ المُعَسَّلِ
رَشيفَ الهِجانيْن الصَّفا رَقْرقَتْ بهِ ... على ظَهْر صَمْدٍ بَغْشةٌ لم تَزَيَّلِ
الصمد: المكان الصلب. والبغش: المطر الضعيف.
عَقِيلةُ أترابٍ كأنَّ بعينِها ... إذا استيْقَظَت كُحْلاً، وإن لَمْ تَكَحَّلِ
الصولي:
طالَ عُمْرُ الليلِ عندي ... إذ تَوَلَّعْتَ بِصدِّي
يا ظَلوُماً نقضَ العهدَ ولم يُوفِ بِوعْدِ
أنَسِيتَ الوصلَ إذ بِتنا على مَرْقَدِ وَردِ
واعتَنَقْنا كوِشاحٍ ... وانتَظَمْنا نَظْمَ عِقْدِ
وتعطفنا كغُصْنيْنِ فقدّانا كَقَدِّ
جادَ خدَّاكَ بوردٍ ... لِيَ والنشْر بِنَدِّ
وَثَناياكَ بِرَاحٍ ... وبمسكٍ وبِشَهْدِ
وَجناحُ اللَّيْلِ وَحْفٌ ... مِثلَ شَعْرٍ منكَ جَعْدِ
ونُجومُ الليلِ تَحْكي ... ذَهَباً في لازَوَرْدِ
ابن المعتز:
فَقُلْ في مكرعٍ عَذْبٍ ... وقد وَافاه عَطْشانُ
وَضَمٍ لم يكن يحسنهُ للريح أغصانُ
كما ضَمَّ غريقٌ سا ... بحاً والماءُ طُوفانُ
ابن المعذل:
أقولُ وجنُحُ الدُجى مُلْبِدٌ ... ولليلِ في كُلِّ فَجٍّ يَدُ
ونحنُ ضَجيعانِ في مِجْسَدٍ ... فَلِلَّهِ ما ضَمِنَ المِجْسَدُ
أيا غَدُ إنْ كنتَ لي مُحْسِناً ... فلا تَدْنُ من ليلتي يا غدُ
وياليلةَ الوصلِ لا تَنْفَدِي ... كما ليلةُ الهجرِ لا تَنْفَدُ
المعوج:
ثلاثةٌ منَعتْها من زيارَتِنا، ... وَقد طوى الليلُ جَفْنَ الكاشِح الحَنِقِ
ضَوْءُ الجبينِ، وَوَسْواسُ الحُلِيِّ وما ... يفوحُ من عرقٍ كالعَنْبرِ لععبق
هَبِ الجبينَ بفَضْلِ الكُمِّ تستُرُهُ ... والحَلْيَ تَنزِعُه ماحِيلةُ العَرقِ
أبو عبادة:
وزارتْ على عجلٍ فاكْتسى ... لِزَوْرتِها أبْرَقُ الحَزْنِ طِيبا
فكانَ العبيرُ بها واشياً ... وجَرْسُ الحُلِيِّ عليها رَقيبا
ولم أنسَ لُقْيتَنا للعِنا ... قِ ولفَّ الصَّبا بقضيبٍ قَضِيبا
ابن المعتز:
وَكَمْ عِناقٍ لنا وكم قُبَلٍ ... مُخْتَلَساتٍ حِذارَ مُرْتقِبِ
نَقْرَ العصافيرِ، وهي خائفةٌ ... مِن النواطيرِ، يانِعَ الرُطَبِ
ديك الجن:
ومجدولةٍ أمَّا مَلاثُ إِزارها ... فَدِعصٌ، وأمَّا قَدُّها فَقَضِيبُ
لها القَمرُ الساري شَقِيقُ، وإنَها ... لَتَطلُعُ، أحياناً، له فَيَغِيبُ
أقولُ لها، والليلُ مُلْقٍ سُدُولَه ... وغُصنُ الهوى غَضُّ الشبابِ رَطِيبُ
ونحن، معاً فردانِ في ثِنْيِ مِئْزرٍ: ... بِكِ العيشُ، يازينَ النساءِ، يطيبُ
لأنْتِ المُنى يازْينَ من وَطِئَ الحصا ... وأنتِ الهوى أُدعى له فأُجيبُ
وأنشد:
لَمْ أُلْفِها بيدِي إذ بِتُّ أَلثُمها ... إلاَّ تطاوَلَ غُصنُ الجِيد للجيدِ
كما تَطَاعَمَ في خَضْراءَ ناعمةٍ ... مُطَوَّقانِ أصاخا بعدَ تغريدِ
ومنه أخذ أبو تمام قوله:
وإذا خلا بِعتابِ صاحِبَةٍ ... عجْماءَ في الساحات والرَّحَبِ
(1/38)

رَقَّتْ له فسقَتْهُ بردَ ندىً ... مِن رِيقةٍ مَعْسولةِ الحَلَبِ
ذو الرمة:
تَراءى لنا من بين سِجْفَيْن لَمْحةً ... غزالٌ أَحمُّ العيْن بيضٌ تَرائبُهْ
إذا نازَعَتْكَ القولَ مَيَّةُ أو بَدا ... لكَ الوجهُ منها أو نَضا الدِرعَ سالِبُهْ
فيالَكَ من خدٍّ أسيلٍ ومَنطِقٍ ... رَخيمٍ، ومن خَلْقٍ تعلَّل جادِبُهُ
الحسن بن وهب:
وليلٍ رقيقِ الطُرَّتيْن تظلَّمت ... كواكِبُه مِن بدْرِهِ المتألِّقِ
لَهْونا كغِزلان الصَّريمةِ تحتَه ... نُميتُ الهوى ما بيْن ثغْرٍ وَمفْرِقِ
كشاجم:
وَزائِرٍ والعيونُ هاجِعَةٌ ... وقلبُه مِن رَقيبِهِ وَجِلُ
مُنغَّصٌ وَصْلُهُ بِحِشْمَتِهِ ... يميلُ من لينه ويعتَدلُ
كانَ شِفائِي من رِيقِهِ جُرَعٌ ... تُرْوِي، ومِن وردِ خدِّه قُبَلُ
أبو الشيص:
زارَتْك في غَلَسِ الظلامِ ... حَوْراءُ في قدِّ الغُلامِ
خَوْدٌ كأنَّ جبينَها ... بدْرٌ تجلَّى من غَمامِ
رَيْحانُنا وردُ الخدودِ ... ونقلنا قُبَلُ اللِّثامِ
القطامي:
تضع المجاسِدَ عن صفائح فضةٍ ... بيضٍ ترى صَفَحاتِهنَّ حِسانا
وترى لها بَشَراً يعودُ خَلوقُهُ ... بعدَ الحَميمِ خَدَلَّجاً رَيَّانا
قال الشيخ: بعد الحميم الحميم: العرق والماء الحار.
وترى النعيمَ على مفارقِ فاحمٍ ... رَجْلٍ تَعُلُّ أصولَه الأدْهانا
وكأنما اشتملَ الضجيعُ بِرَيْطَةٍ ... لا بلْ تزيدُ وَثارةً ولَيانا
علي بن الجهم:
سقى اللهُ ليلاً ضمَّنا بعد فُرْقَةٍ ... وأدْنى فُؤاداً من فُؤادٍ مُعَذَّبِ
فبِتْنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الخمرِ فيما بيننا لم تَسَرَّبِ
عبد الله بن طاهر:
البرقُ في مُبْتَسَمِهْ ... والخمرُ في مُلْتَثَمِهْ
ووجهُهُ في شَعْرِهِ ... كقَمَرٍ في ظُلَمِهْ
نامَ رَقيبي سَكراً ... يَحرُسني في حُلُمِهْ
وباتَ من أهوى معي ... يَزُقُّني رِيقَ فَمِهْ
وقال الحسين بن الضحاك:
ولَيلةٍ بِتُّها مُحسَّدَةً ... مَحْفوفَةً بالظُنون والتُّهَمِ
وبتُّ عن موعدٍ سُبِقْتُ بهِ ... ألْثَمُ دُرّاً مُفَلَّجاً بفمِ
يابأبي مَن بِلا يُرَوِّعُني ... وعادَ مِن بعدِها إلى نَعَمِ
أبَاحَ لي صَوْنَهُ ووسَّدَني ... إحدى يَدَيْهِ وباتَ مُلْتَزِمي
سعيد بن حميد:
ياليلةً جَرَتِ النُحوسُ بعيدةً ... مِنها، على رَغْمِ الرَقيبِ الراصِدِ
تَدَعُ العواذِلَ لايَقُمْنَ بِحُجَّةٍ ... وتَقومُ بَهجتُها بِعُذرِ الحاسِدِ
وقد أحسن في قوله في غير هذا المعنى:
سَخَّى بِنَفْسي عن الدنيا وزينَتِها ... أني أراها بكم ضَنَّتْ فلم تَجُدِ
ضَنَّتْ عليَّ بمن أهوى فجُدْتُ لها ... بِمَنْ سواهُ، فلم أجزعْ على أحدِ
الخبزرزي:
ياليلُ دُمْ لي لا أريدُ صَباحا ... حَسْبي بوجهِ مُعانِقي مِصْباحا
حسبي به بَدْراً، وحسبي رِيُقُه ... خَمراً، وحسبي خَدُّه تُفَّاحا
حسبي بِمَضْحَكِهِ إذا استضحكْتُهُ ... مُستَغْنِياً عن كل نَجْمٍ لاحا
طَوَّقتُهُ طَوْقَ العِناقِ بِساعِدِي ... وَجَعلتُ كفِّي للِّثامِ وِشاحا
هذا هو الفوزُ العظيمُ فَخَلِّنا ... متعانِقَيْنِ فما نُريدُ بَراحا
ديك الجن:
قالت: حَراماً تَبْتَغي وَصلَنا ... قلت: فما بِالوصلِ مِن باسِ
قالتْ: فمن حَلَّلَ هذا لكمْ؟ ... قلتُ: أراهُ رأيَ قَيَّاسِ
نحن جميعاً من بني آدَمٍ ... من حرَّمَ الناسَ على الناسِ
فأقبلتْ تمشي ولو أنها ... تَقدِرُ جاءَتْني على الرَّاسِ
هذا آخر صفات محاسن الخلق المنسوب فصله من الكتاب إلى المحبوب ويتلوه مقطعات الشعر المنسوب فصله من الكتاب إلى المحب. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتاب المحبوب
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو ثقتي
(1/39)

وبعد، فهذا الفصل ما شرطنا في صدر الكتاب من مقطّعات الشّعر المنتخبة في أحوال المحبين، وما يتشعب منها من جميع الفنون، متداخلاً بعضها في بعض. ولم نبوّبها لأن المقصد في مضمون الكتاب إلى المختار؛ وعقد الأبواب في فنّ فنّ يضطرُّ صاحبه إلى إيراد الجيد والرَّديء) والغث والسَّمين (، محبةً لتكثير حجمه. والمبتدئ الأمر ساكن النفس معتدل الأخلاط. فإذا توسَّط هاجت طبيعته، فتجاوز الحقوق إلى الفضول، والقصد إلى السَّرف والعدل إلى الشّطط. فسرنا في إجمالنا هذه المسيرة وهي قضية عادلةٌ، وطريقةٌ واسطةٌ ومقالةٌ رضيّةٌ.
وبعدُ، فالطالب لنعت حال من أحوال الهوى، إذا احتاج إلى عدّ صفحاته، وحصر أوراقه وتأمُّل سطوره، وتكرير النظر والفكر في منظومه، ثم هجم على بغيته وظفر بمطلوبة، تضاعفت الحاجة في صدره، وتزايد موقعها في قلبه ككاسب المال ووارثه. وعذرنا فيما وقع في أوَّل الكتاب إلى آخره، إن كان وقع، من مقطوعة خارجة عن شرط الاختيار، قول الشاعر:
وحُسنُ دَراريِّ الكواكبِ أن تُرى ... طوالعَ في داجٍ من الليلِ غيهبِ
والصوابُ في التأليفِ أنَّ الهوى أوَّلٌ وهو أعمُّ لوقوعِه على كلِّ ما يهواهُ الإنسان. وثانيه الحبُّ، وهو أخصُّ. وأقصاه العشق. ولهذا ما قال أبو عبادة:
فاليومَ جازبيَ الهوى مقدارهُ ... في أهلِه وعلمتُ أني عاشقُ
والاشتقاق يؤيِّد ما قلناه، لأنَّ الهوى من زوال الشئ عن موضعه. والحب ملازمه المكان ثم الانبعاث، كما قيل:
محبٌّ كإحبابِ البعيرِ وإنَّما ... به أسفٌ أنْ لا يرى من يصاولُهْ
والعشق إنما هو من العشقة وهي اللَّبلابة؛ كأنَّ العاشق سمي بذلك لذبوله.
وقالوا في قول رؤبة:
ولم يُضِعْها بينَ فرْكٍ وعشقْ
وفي محفوظ ما اشتملت عليه الأوراق كفاية وبلاغٌ في إيراد الشاهد، وعمارة المجلس، وإيناس الهائم الوحيد، وتسلية العاشق الفريد، ومن أيَّد بصفاء قريحة ٍ وطينةٍ قابلةٍ ورقة حدٍ، استغنى به في قيل الشِّعر، إن سمت همته إليه، أو حامت نهمته عليه، ولم يفتقر إلى أحدٍ واستزادة مددٍ بعون الله ومنِّه. وقد قدمنا أمامها القول في الفرق بين الحب والهوى والعشق. والشعراء مختلفون في هذا الترتيب. فمنهم من جعل الهوى أشدَّ. أما سمعت كثيراً يقول:
هوىً لا تطيقُ الراسياتُ احتمالهُ ... فسلْ عن ضعيفِ القلب كيف احتمالهُ
ومنهم من يجعل الحب أشد كقول الآخر:
تأثل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يَسيرُ
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ
إنه لم يضعها بين اطراحٍ وملازمةٍ. ويقال: عشق بالشئِ إذا لزمه. ولكل جيلٍ من الناسِ قولٌ في الحبِّ حسبَ اعتقاده. فالمنجِّمون ردّوهُ إلى تأثيرِ الكواكبِ. والأطبّاء ومن جرى مجراهم ردّوه إلى الطَّبع وأصحُّه بحكم العيانِ وقضيةِ المشاهدةِ ما قالت ابنةُ الخسِّ: قربُ الوسادِ وطولُ السِّواد. وهو دوامُ النظرِ الفكرْ. وما أحسنَ ما قالته الأعراب أحسنَ ما قالته الأعرابيَّة في صفةِ الحبِّ: خفيَ عن أنْ يرى وجلَّ عن أنْ يخفي. فهو كامنً ككمونِ النار في الحجر إن قدحته أورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبةً من الجنون فهو عصارةٌ من السحر.
العتّابي:
امطِليني وسَوَّفي ... وعديِني ولا تَفي
اتْرُكِيني مُعلَّقاً ... إنَ تَجودي وتُسعِفي
فَعسى يَعثرُ الزما ... نُ بِجَدِّي فأَشتَفي
أَنا راضٍ بما صنعتِ ... وإنْ كان مُتلفي
بشّار:
تَشتهي قُربكَ الربابُ وتَخشى ... قولَ واشٍ وتتَّقِي إسماعَهْ
لكَ مِن قلبِها محلُّ شَرابٍ ... تَشْتَهي وِردهُ وتَخشى صُداعهْ
وأخذ هذا المعنى، على طريق التورية، بعضُهم وطرَّده إلى العتاب فقال:
يحبُّ المَديح أبو صالحٍ ... ويهربُ من صِلَةِ المادحِ
كَبِكْرٍ تُحبُّ لذيذَ النِكاحِ ... وتهربُ من صَوْلةِ الناكحِ
عليُّ بنُ الجهْمِ:
ولما بَدتْ بينَ الوُشاةِ كأنها ... عِناقُ الوَداع يُشتَهى وهو يَقتُلُ
يَئسْتُ من الدُنيا وقلتُ لِصاحبي ... لَئِنْ عَجِلتْ للمَوتُ أوْحى وأعجَلُ
إبراهيم بن العبَّاس:
(1/40)

وإذا عَصاني الدَّمع ُ في ... إحدى مُلماتِ الخُطوبِ
أَجريتُهُ بِتذكُّري ... ما كانَ من هجرِ الحبيبِ
أعرابي:
يَقرُّ بِعينْي أنْ أرى مَنْ بِلادُها ... ذُرا هضباتٍِ الأجرعِ المتقاوِدِ
وأَنْ أَردَ الماءَ وردَتْ به ... سُلَيْمى وقد مَلَّ السُرى كلُ واجِدِ
وأُلصِقَ أَحشائي بِبرْد تُرابها ... وإن كانَ مَخلوطاً بِسُم الأساوِدِ
الحسنُ بنُ وهبٍ:
وَذي نَفَسٍ صاعدِ ... يَئِنُّ بلا عائِدِ
تَبَرَّأَ عُوادُهُ ... من السَّقَمِ الزائدِ
فيَامنْ لِذي شِقوَةٍ ... بذي سَاْوةٍ راقِدِ
يَكَرُّ على عَسكَرٍ ... ويعجِزُ عن واحدِ
وقال دعبلْ:
إني أُحبُّكِ حُباً لو تَضَمَّنَهُ ... سَلْمى سَميُّكِ دُكَّ الشاهقُ الراسي
حُباً تلبَّسَ بالأحشاءِ فامتزجَتْ ... تلبُّسَ الماء بالصَّهباء في الكاسِ
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
ويُخطئُ عُذري وجهَ ذنبيَ عندَها ... فأجني إليها الذنبَ من حيثُ لا أدري
إذا أَذنبتُ أَعددْتُ عذراً لذنْبها ... وإنْ سخطَتْ كان اعْتِذاري من العُذرِ
الرَّقاشي:
ومراقبَيْن يكاتمانِ هواهما ... جعلا الصُّدورَ لما تكُنُّ قُبورا
مُتلاحظينِ تلاحُظاً فكأَنَّما ... يتناسخانِ من الفُؤادِ سُطورا
ابن أبي أُميَّةَ:
مامون يملُّ الحبيبُ طولَ التجنيَّ ... لِشقائِي به ولا الصدَّ عنّي
ربّما جئتُهُ فأسلفتُهُ العُذ ... رَ لبعضِ الذنوبِ خوفَ التجنيّ
الفرزدقُ:
أَلمْ ترَ أَني يومَ جوِّ سُويقةٍ ... بكيتُ فنادتْني هُنيدةُ ماليا
فقلتُ لها: إنَّ البكاءَ لراحةً ... به يشتَفي من ظَنَّ أَلاَّ تلاقيا
ذو الرمَّة:
لعلَّ انحدارَ الدمعِ يُعقبُ راحةُ ... من الوَجد أو يَشفي نَجيَّ البَلابلِ
وفي قول البحتري نظرُ، وهو بالضد من الأوَّل:
نصرت ُ لها الشوقَ اللجوجَ بأدمعٍ ... تلاحقْنَ في أعقابِ وصلٍ تصرَّما
أعرابي:
وما فارقتُ سُعدى عن قِلاها ... ولكنْ شقوةٌ بلَغَتْ مَداها
بكيتُ نعم بكيتُ وكلّ ُ إلفٍ ... إذا بانتْ قرينتُهُ بَكاها
لَبِستُ جَديدها وتركتُ فيها ... رداءً صالحاً لمن ارتداها
ذو الرمَّة:
كأنَّ سناناً فارسياً أصابني ... على كَبِدي أو لوعةُ الحبِّ أَوجعُ
عشيّةَ مالي حيلةٌ غيرَ أنني ... بِلَقط الحَصى والخطِّ في الدار مُولعُ
أَخطُّ وأمحو الخطَّ ثم أعيدُه ... بكفيَّ والغِربانُ في الدارِ وُقعُ
أخذ البيت الثاني من امرئ القيس:
أظَلُّ ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعُدُّ الحَصى ما تنقَضي عَبَراتي
ابنُ أبي عيينة:
لعمركَ إني يومَ أدخلُ بيتَها ... بعلَّةِ بعضِ الوارِدين لوارِدُ
وقامَتْ إلى سِتْر من الباب خلفهُ ... مُجافٍ وقد قامتْ عليها الولائدُ
لتسمعَ شِعري وهو يقرَعُ قلبَها ... بوحيٍ تُؤدِّيهِ إليها القصائدُ
إذا سمِعَتْ مني بديعاً تنفَّستْ ... له نفَساً تنقدُّ منه القَلائِدُ
أحمد بن أبي فنن:
صبٌّ بحُبِّ مُتيَّمٍ صَبِّ ... حُبِّيهِ فوقَ نِهايةِ الحُبِّ
أشكو إِليه صُنْعَ جَفوتِه ... فيقولُ: مُتْ. ذا أيسرُ الخطْبِ
وإذا نظرتُ إلى محاسِنِه ... أَخرجتُهُ عُطلاً من الذَنبِ
أَدميتُ باللحظاتِ وجنتهُ ... فاقتصَّ ناظرُه من القلبِ
الضَحَّاكُ العُقيلي:
وإني لممنوعُ البُكا كُلما أرى ... خليلاً كسا الأجمال رَقماً وهودَجا
وقلتُ لعينيَّ اللَّجوجينِ أَقْصِرا ... من الشوقِ إلا تُقصر الطرفِ تُحرجا
النُميريّ:
أَهاجتكَ الظعائنُ يومَ وَلَّوْا ... بذي الزيِّ الجميلِ من الأثاثِ
كأنَّ على القلائصِ يومَ بانوا ... نعاجاً ترْتعي بَقْل َ البراثِ
يُهيِّجُني الحمامُ إذا تغنّى ... كما سَجَعَ النوائحُ بالمراثيِ
أحمد بن أبي فننٍ:
فَلِمَ لا تُسبَلُ العبراتُ مني ... ولستُ على اليقينِ من التلاقي
فلا وأبِيكَ ما أبصرْتُ شيئاً ... أَضرَّ على النُفوسِ من الفراقِ
(1/41)

محمدُ بن أبي أُميَّة:
أًتظعنُ والذي تَهوى مقيمٌ ... لعمرُكَ إنَّ ذا خطرٌ عظيمُ
إذا ما كنت للحَدثانِ عوناً ... عليكَ وللفراقِ فمن تلومُ
أَنشدَ البحتريُّ قال: أَنشدني إبراهيمُ بنُ المهديّ لنفسه:
أَضنُّ على لَيْلى وليلى سَخيَّةٌ ... وتبخَلُ عني بالهوى وأجودُ
وأَنهى فلا أَلوى على لومِ لائمٍ ... وأعلمُ أَني مُخطئٍ فأعودُ
وقال أبو حفصٍّ الشَّطرنجي مولى المهدي:
مَنْ يكُنْ يكرهُ الفِراقَ فإني ... أَشتهيهِ لعلَّةِ التسليمِ
إنَّ فيه اعْتناقةً لِوداعٍ ... وانتظارَ اعتَناقةٍ لقُدومِ
الفتحُ بن خاقان:
إذا أمرتْني العاذلاتُ بهَجرِها ... هَفَتْ كبِدٌ مما يقلْنَ صَديعُ
وكيفَ أُطيعُ العاذلاتِ، وحبُّها ... يُؤرِّقُني، والعاذلاتُ هجوعُ
الأشجع:
وكُلُّ مُحبٍّ إلى إلْفهِ ... يَحِنُّ، وتُسعِدُه أَربَعُ
بُكاءُ الغَمام ونَوْحُ الحمامِ ... ورعدٌ وبرقٌ إذا يلمعُ
ابن المعتز:
لمَّا رأيتُ الدمعَ يفضَحُني ... وقَضَتْ عليَّ شَواهدُ الصَبِّ
أَلقيْتُ غيرَك في ظُنونهِمُ ... وسترتُ وجه الحُبِّ بالحُبِّ
آخر:
رِعايةُ الحُب تَبقى بعد صُحبتهِ ... كالنار يَبقى عليها خالِصُ الذهبِ
أبو نواس:
ما هوىً إلاَّ له سببُ ... يَبْتَدي منه ويَنْشَعِبُ
صار جِداًّ ما مزحتُ به ... رُبَّ جدٍّ جرَّه لَعبُ
فَتَنتْ قلبي مُحجَّبةٌ ... وجهُها بالحُسنِ مُنْتقِبُ
خُلِّيَتْ والحُسنَ تأخذُهّ ... تَنتَقِي منه وتَنتخِبُ
فاكْتَستْ منه طَرائِفَهُ ... واستزادَتْ فَضلَ ما تَهَبُ
إبراهيمُ بن العبّاس:
رَدَّ قوْلي وصدَّقَ الأقوالا ... وأَطاعَ الوُشاةَ والعُذَّالا
أَتراهُ يكونُ شَهرَ صُدودٍ ... وعلى وَجهِه رأيتُ الهِلالا
محمدُ بنُ أبي أميَّة:
لي حبيبٌ لي إليهِ ... شافِعٌ من مُقلتيْهِ
والذي أَجلَلْتُ خَدَّيْ ... هـ فقبَّلْتُ يديْهِ
بأَبي وجهُكَ ما أك ... ثرَ حُسّادي عليهِ
أنا ضَيْفٌ وَجزاءُ الضي ... فِ إحسانٌ إليهِ
العباسُ بنُ الأحنف:
اقبَلوا وُدِّي فقد أهديتُهً ... ثُمّ كافوني بِودٍّ مثلِ ودْ
هذه نَفسي لكُمْ مَوهوبَةٌ ... خيرُ ما يوهَبُ مالا يُسترَدْ
وله:
نُهدي إليك نفوسَنا وقُلوبَنا ... فعزيزةٌ تُهدي لخير عزيزِ
أبو نُوَاس:
ولم يُبقِ الهوى إلاَّ ... أَقلِّى وهو مُحتَسبُ
سِوى أني إلى الحَيَوا ... نِ بالحَرَكاتِ أنتسِبُ
ابن هرمة:
فأصبحتَ منها على نأْيها ... وعِرفانِ نَفسِكَ أَلاَّ سَماحا
كَذِي الكَلمِ لَمَّا عَفا كَلْمُه ... بَغى تحتَه كَلْمُه فاسْتَقاحا
آخر:
بِنفسِيَ مَن أجودُ له بِنفسي ... ويبخَلُ بالتحيَّةِ والسلامِ
ويَلقاني بِعزَّةِ مُستطيلٍ ... وأَلقاه بذِلَّةِ مُستَهامِ
وحْتفي كامِنٌ في مُقلَتيْهِ ... كمُنَ الموتِ في حَدِّ الحُسامِ
ابن أبي عيينة:
ضيَّعْتِ عهدَ فتىً لعهدِكِ حافظٌ ... في حفظِه عجبٌ وفي تَضييعِكِ
وَذهبتِ عنه فما لهُ من حيلةٍ ... إلا الوقوف إلى أَوانِ رُجوعِكِ
مُتخشِّعاً يُذري عليكِ دُموعَهُ ... جَزَعاً، ويَعجبُ من جفوفِ دموعِكِ
إن تَفتنيهِ وتذهبي بفُؤادِهِ ... فَبِحُسْنِ وَجهكِ لا بحُسْنِ صَنيعِكِ
قال أبو حفص الشَّطرنجي:
وما مرَّ يومٌ أَرتَجي فيه راحةً ... فأخْبُرَهُ إلاَ بكيتُ على أمْسِ
إِذا سَرَّها أمرٌ وفيه مَساءَتي ... نَظرتُ لها فيما تحبُّ إلى نفسي
إبراهيم بن العبّاس:
حَلالٌ لِلَيْلي أن تَروُعَ فؤادَهُ ... بِبَيْنٍ ومغفورٌ لليلي ذُنوبُها
وزالت زوالَ الشمسِ عن مستَقِّرها ... فَمَن مُخبري في أيِّ أرضٍ غُروبُها
تَطَلَّعُ من نفسي إليكِ نوازعٌ ... عوارفُ أَنَّ اليأسَ منكِ نصيبُها
عُمرُ بن أبي ربيعة:
حَيِّ طيفاً من الأحِبَّةِ زارا ... بَعدَما صَرَّعَ الكَرى السُمَّار
(1/42)

طارِقاً في الظَلام تحتَ دُجى الليلِ ... ضنِيناً بأنْ يزورَ نَهارا
قُلتُ: ما باُلنا جُفِينا وكُنَّا ... قبلَ ذاكَ الأسماعَ والأبصارا
قالَ: إِنْا كما عَهِدتَ ولكنْ ... شَغَلَ الحَلْيُ أهلهُ أَن يُعارا
أبو زرعة الدمشقي:
وجاءُوا إليهِ بالتَعاويذِ والرُقى ... وصبّوا عليه الماءَ مِن أَلَم النُكسِ
وقالوا: به من أعيُن الجِنِّ نظرةٌ ... ولو عَلِموا قالوا: بِهِ أعينُ الإنسِ
ابن الدمينة:
يقولون قصر في هواها فقد وعت ... ضغائن شبان عليك وشِيبُ
وما إن نبالي سخط من لا نحبه ... إذا نصحت ممن نحب جيُوبُ
ديك الجن:
لا وحبيك مامللت سقاماً ... لك فيه من مقلتيْكِ نصيبُ
كلُّ شيءٍ وإن أضرَّ بِجِسْمي ... لكِ فيه الرِضى إليَّ حبيبُ
وعلى حَذْوِهِ قال الشامي:
ودَّعتُهم من حيثُ لم يَعْلوا ... ورُحتُ والقلبُ بِهمْ مُغرَمُ
واسْتَحْسنوا ظلمي فمِنْ أجْلِهم ... أَحَبَّ قلبي كلَّ من يَظْلمُ
إبراهيمُ بن العبَّاس:
تَمرُّ الصَّبا صَفحاَ بِساكِنِ ذي الغَضا ... ويصدَعُ قلبي أن يَهُبَّ هُبوبُها
قَريبةُ عَهدٍ بالحبيبِ وإنَّما ... هوى كُلِّ نَفْسٍ حيثُ حلَّ حَبيبُها
بشّار:
أقولُ وقد غصَّت عيونٌ بِمائها ... علينا، ومن دَمعي كَمينٌ ومُرْسَلُ
وَجدتُ دموعَ العينِ تَجري غُروبُها ... أَخفَّ على المَحْزونِ، والصَّبرُ أَجملُ
الأشجعُ:
ومُغتَربٍ يَنْقضى ليلُه ... شُجوناً ومُقلتُه تَدمعُ
يُؤرِّقُهُ نأَيُهُ في البلادِ ... فما يستَقِرُّ بهِ مَضجَعُ
إذا الليلُ أَلْبَسَني ثوبَه ... تقلَّبَ فيه فتىً مُوجَعُ
أعرابي:
فما بُحتُ يوماً بالذي كان بَيننا ... كما يُستباحُ الهِذْريانُ المُبيَّحُ
سوى أنني قد قُلتُ والعيسُ تَرْتَمي ... بنا عَرَصاتٍ والأزِمَّةُ تَمْرحُ
هنيئاً لِقُضبانٍ بذي الضِّرْوِ أَنها ... بِبرْد ثَنايا أُمِّ عمروٍ تُصَبَّحُ
والطوقِ مجراه وللقُرطِ أَنَّهُ ... على قائمٍ مِن جِيدِها يَتوضَّخُ
النوفلي:
إذا اختلجَتْ عَيْني رأَتْ من تُحبُّه ... فدامَ لِعيْني ما حَيِيتُ اخْتلاجُها
وما ذُقتُ كأساً مُذ تعلَّقَني الهوى ... فأشرَبَها إِلاَّ ودِمْعي مِزاجُها
ديكُ الجِنِّ:
دَعُوا مُقلتي تبكي لِفَقدِ حبيبها ... لِيُطفئَ بردُ الدمعِ حرَّ لَهيبِها
بِمَن لو رَأَتْهُ القاطِعاتُ أَكفَّها ... لَماَ رَضِيتْ إِلاَّ بِقَطعِ قُلوبِها
الأحوص:
من الخَفراتِ البيضِ خُلْصٌ لو أنها ... تُلاحي عَدواً لم يَجدُ ما يَعيبُها
فما مُزنةٌ بين السِماكيْن أومضتْ ... منَ البرْقِ حتى استَعْرَضتْها جَنوبُها
بِأحسنَ منها يومَ قالتْ، وعِندنا ... مِن الناسِ أوشابٌ كثيرٌ شِغوبُها
وَدِدْتُ، وما تُغْنى الوَدادةُ، أَنها ... نَصِيبي من الدُنيا وأَني نَصيبُها
الحارثي:
ما قُلتِ إِلاَّ الحقَّ أَعرِفُهُ ... أَجدُ الدليلَ عَليهِ في قَلبي
إِنَّا لنا قلبانِ مذ خُلِقا ... يَتجاوَدانِ بِصادِقِ الحُبِّ
يَتهادَيان هوىً سَيجْعلُنا ... أُحدوثَةً في الشرقِ والغَرْبِ
ابنُ الدمينة:
بَنَفْسي وأهلي مَن إذا عَرَّضوا لهُ ... بِبعْضِ الأَذى لم يَدْرِ كيفَ يُجيبُ
ولم يعتذِرْ عُذُرَ البَرئِ ولم يَزلْ ... به سَكْتَةٌ حتى يُقالَ: مُريبُ
لَقدْ ظَلموا ذاتَ الوِشاحِ ولم يَكُنْ ... لنا مِن هوى ذاتِ الوِشاحِ نَصيبُ
آخر:
سُقيتُ دَمَ الحيَّاتِ إِن لُمتُ بعدها ... مُحبّاً ولا عَنَّفْتهُ بِحبيبِ
آخر:
ياذا الذي زارَ وَما زارا ... كأَنَّه مُقتبِسٌ نارا
قامَ بِبابِ الدارِ من تِيهِهِ ... ما ضَرَّهُ لو دخلَ الدَارا
آخرُ:
ولقد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدَّثي ... وأَبَحتُ مِني ظاهِري لِجليسي
فالجِسمُ مني لِلْجَليس مُؤانسٌ ... وحَبيبُ قَلبي في الفُؤادِ أَنيسي
ذو الرمَّة:
(1/43)

مَتى تَظْعني ياميُّ عن دارِ جيرتي ... أَمُتْ والهوى بَرْحٌ على من يُطالبُهْ
أَكُنْ مثلَ ذي الألاَّفِ شُدَّ وَظيفه ... إلى يَدهِ الأُخرى وَوَلَّتْ صواحِبُهْ
تَهادَيْنَ أَطلاقاً وقاربَ خَطْوَهُ ... على الذَّوْد تقييدٌ وهُنَّ حَبائبُهْ
إذا حَنَّ لم يسمعْنَ رَجْعَ حَنينِهِ ... فلا الحبْلُ مُنحَلٌّ ولا هو قاضِبُهْ
آخر:
أَتَتْني تُؤَنِّبُني بالبكاءِ ... فَأَهلاً بها وَبتأْنيبِها
تقولُ وفي قَوْلِها حِشْمهِ ... أَتبكي بِعيْنٍ تَرانَي بها
فقلتُ: إذا استحسَنَتْ غَيْرَكم ... أَمرْتُ الدموعَ بِتأديبها
ديكُ الجنِّ:
لَهُنَّ الوَجى لِمْ كُنَّ عوناً على السُرى ... ولا زالَ مَنْها ظالِعٌ وحَسيرُ
ديكُ الجنِّ:
ولي كَبِدٌ حَرَّى ونفسٌ كأَنّها ... بكفَّيْ عدوِّ ما يريدُ سَراحَها
كأَنَّ على قلبي قَطاةٌ تذكَّرَتْ ... على ظَمَأٍ وِرداً فهزَّت جَناحَها
وقال إسماعيل القَراطيسي:
أَلا رُبَّ طالِبَةٍ وَصلَنا ... أَبيْنا عليْها الذي تَطلُبُ
أَردْنا رِضاكِ بإسخاطِها ... ومَنْعُكِ من بَذْلِها أَطيبُ
ابنُ حازِم:
وَجدْتُ مِن الهوى ناراً تَلَظَّى ... على كَبِدي وتلتَهِبُ التهابا
وداءُ الحُبِّ أَهونُه شَديدٌ ... وسَهْمُ الحُبِّ يَقتُلُ من أَصابا
والبةُ بنُ الحُبابِ:
وَلَها ولا ذَنْبَ لها ... وُدٌّ كأطْرافِ الرِماحِ
تَلْقى الفُؤادَ بِحَدِّهِ ... فالْقَلبُ مجروحُ النَواحي
قيل لأبي نواس: مالذي رغبك في خدمة والبة بن الحباب؟ فقال: قوله في صفة السيف:
سل الخليفة صارماً ... هو للفساد وللصَّلاحِ
يلقى بجانب خصره ... أمضى من القدر المُتاحِ
وكأنما ذر الهبا ... ءُ عليهِ أَنفاسَ الرِياحِ
وأَلَمَّ به ابنُ المعتزِ فقالَ وأَحسنَ
تَرى أَثْرَهُ في صَفْحتيْهِ كأنّما ... تَنَفسَ فيه القَيْنُ وهو صَقيلُ
والأصل في هذا قولُ ذي الرَمَّة
وزُرقٍ كَستْهُنَّ الأسِنَّةُ هَبْوةً ... أرقَ من الماءِ الزُلالِ كَليلُها
العَتّابي:
ما غَناءُ الحِذارِ والإشْفاقِ ... وشآبِيب دَمعِكِ المُهَراقِ
غدَراتُ الفِراقِ مُنتزِعاتٌٌ ... عُنُقَيْنا من أُنسِ هذا العِناقِ
قُلتُ لِلفرقَدَيْنِ والليلُ مُلْقٍ ... سِتْرَ إظلامه على الآفاقِ
ابقِيا ما بَقتُما سوفَ يُرمى ... بينَ شخصيْكُما بسَهْم الفِراقِ
عمارة:
ألا أَيُّها الغادي تَحَمَّل رسالةً ... إليها فبلِّغْها سَلامي مع الرَكْبِ
فكْم في حِمى القَلبِ الذي نَزَلتْ ... به لها مِن مَرادٍ لا وَخِيمٍ ولا جَدْبِ
قَيْس:
وما أُمُّ خِشْفٍ هالِكٍ بتَنُوفَه ... إذا ذكرتْهُ آخِرَ الليل حَنَّتِ
بأكثَرَ مني لَوْعةً غيرَ أنَّني ... أُطامنُ أَحشائي على ما أَجَنَّتِ
وقال أبو حفص الشطرنجيُّ، ولم يسبق إلى معناهُ في ظرفهِ
عَرِّضَنْ للذي تُحبُّ بحُبٍ ... ثمَّ دَعْهُ يروضُه إبليسُ
وسمع سفيان بن عيينة قول أبي نواس:
عَجِبْتُ من إبليسَ في تيهِهِ ... وفَرْطِ ما أَظهرَ من نَخْوَتِهِ
تاهَ على آدمَ في سجدةٍ ... فصارَ قَوَّاداً لذُرِّيَتِهِ
فقال: فأَبيكَ لقد ذهبَ مَذْهباً قيس:
أَصابَ ذُبابُ السيفِ أنيابيَ العُلى ... وأنيابُ ليلى واضحاتٌ مَلائحُ
فإنْ يَكُ ثَغري صَكَّهُ الحربُ صَكةً ... لقد بَقيتْ مني نواحٍ صَحائحٌ
أبو دهبل:
أَلا ياحَمى وادي المياهِ قَتَلْتَني ... أَتاحكَ لي قبلَ المَماتِ مُتيحُ
رأيتُكَ وسْمِيَّ الثَّرى ظاهِرَ الرُبا ... يَحوطُكَ شَحّاح عليكَ شَحيحُ
بعضُ الجواري:
ما سَلِمَ الظبِيُ على حُسنهِ ... كلا ولا البدرُ الذي يوصَفُ
الظبيُ فيه خَنَسٌ بَيِّنٌ ... والبدرُ فيه نُكتَةٌ تُعرَفُ
ابنُ أَبي عيينة:
ويومَ الجِنازةِ إِذا أرسلَتْ ... على رقْبَةٍ أَنْ جُزِ الخنْدقا
فَجِئنا كغُصْنيْنِ مِن بانةٍ ... قَرِينَينِ حِدْثانَ ما أورقا
(1/44)

فقالتْ لاُختٍ لها: اسْتَنْشدي ... هـ مِن شِعْرِهِ المُحْكَمِ المُنْتَقى
فقلتُ: أُمِرْتُ بكتِمانِهِ ... وخِفْتُ إذا ذاع أن يُسْرَقا
فقالتْ: بِعيْشِكِ قولي لَهُ ... تَمَنَّعْ: لعَلكَ أن تنفقا
أبو على البصير:
ما بالُ قلبِكَ لا يقرُ خُفوقا ... وأَراكَ تَرعى النَجْمَ والعَيُّوقا
وجفونُ عَيْنِك قد نَثْرنَ مَن البُكا ... فوقَ المدامعِ لُؤلُؤاً وعقيقا
لوْ لم يكُنْ إنسانُ عينكَ سابحاً ... في بحرِ مُقلَتِه لماتَ غَريقا
أَعرابيٌّ وقع بالريّ:
أيالَيْلتي بالريِّ هلْ لكِ من يومِ ... وإنْ لم يكُن يومٌ فهل لَكِ من نومِ
ويا غيمٌ أقشعْ عن فؤادِ مُتيَّمٍ ... فإني رَأيتُ الغَيمَ نوعاً من الغَمِّ
ابن أبي عيينة:
ما لِقلبي أَرقَّ مِن كُلّ قَلبٍ ... ولِحُبيِّ أَشدَّ من كلَّ حُبِ
وَلِدُنيا، على جُنوني بِدُنيا، ... أَشْتهي قُرْبَها وتكرهُ قُربي
قُلْ لِدُنيا: أَلمْ تَجِئكِ مِراراً ... رَطْبَةً مِن دُموعِ عينيَ كُتْبِي
أَبو الشِّيص:
أَقولُ، والعينُ لها حُرقةٌ ... مِن دَمعةٍ هاجَتْ ولم تَسْكبِ
إنْ تَذهَبِ الدَّارُ بِسُكَّانِها ... فإنَّ ما في النَّفْسِ لم يَذْهَبِ
إنْ كانَ ذَنبي طولَ حُبي لكمْ ... فاعفُ فإنّي لستُ بالمُذْنِبِ
أعرابيّ:
وَأُوصيكُما يا صاحبَيَّ هُديتُما ... بِشَنْباءَ والذَّلْفاءِ أن تُكْرِماهُما
وأَنْ تَحَظا غَيْبي إذا غِبْتُ عَنهما ... فإنِّيَ راضٍ عنكُما بِرضاهُما
فلو كانتا بُرْديْنِ لم أكسُ عارِياً ... ولم يُلْقَ من طولِ البِلى خَلقاهُما
ابن أبي عيينة:
أَبكي إليكِ إذا الحمامةُ طَرَّبَتْ ... يا حُسنَ ذَاكَ إليَّ مِن تَطْرِيبِ
وأَنا الغريبُ فلا ألامُ على البُكا ... إنَّ البُكا حَسَنٌ بكلِّ غَريبِ
وقال معقل بن عيسى في مخارق:
لَعمْري لَئِنْ قَرَّتْ بقُربكَ أعينٌ ... لقد سَخِنَتْ بالبينِ مِنكَ عُيونُ
فَسِرْ وأقِمْ، وقفٌ عليكَ مودَّتي ... مكانُكَ في قلبي عليكَ مَصونُ
عبد الله بن الطاهر:
أَقامَ بِبلدةٍ ورَحلْتُ عنها ... كلانا بَعدَ صاحِبهِ غريبُ
أقَلُّ الناس في الدنيا سُروراً ... مُحِبٌ قد نِأى عنه الحبيبُ
العباسُ بنُ الأحنف:
صَرَمْتِ حِبالكِ من واصلٍ ... وأظهرتِ زُهدَكِ في راغبِ
وإني لأَرضى بدون الرِّضى ... وأَقنَعُ بالموعِدِ الكاذِبِ
إلى كم أروح على حَسرةٍ ... وأَغدو على سَقمٍ واصِبِ
وأرجو غداً فإذا جاءَني ... بَكَيْتُ على أَمْسِي الذاهبِ
أبو الشِّيص:
قَضيْتُ على نفسي مَخافةَ سُخْطِها ... ولي حُجَجٌ في الحُبِّ أَضوا من الشَمس
ماني المُوَسْوِسُ
الله يعلُم أنَّني كَمِدُ ... لا أستطيع أَبثُّ ما أََجدُ
نَفسانِ لي: نَفْسٌ تضَّمنَها ... بلدٌ وأخرى حازَها بَلَدُ
وأرى المقيمةَ ليس ينفَعُها ... صَبْرٌ وليسَ يُقيمُها جَلَدُ
وأَظَنُّ غائِبَتي كشاهِدتي ... بمكانها تَجِدُ الذي أَجِدُ
أَبو دُلَف:
أَرى عَهدَكُم كالوَرْدِ ليس بدائمٍ ... ولاخيرَ في مَنْ لا يَدومُ له عَهدُ
وعَهدي لكُمْ كالآسِ حُسناً وبهجةً ... له رَوْعَةٌ تبقى إذا فَنِيَ الوَردُ
الأَشْجعُ:
يا مَنزلاً ضَنَّ با لسلامِ ... سُقّيتَ صَوْباً مِنَ الغَمامِ
لم يَترُكِ الدهرُ مِنْكَ إلاَّ ... ما تركَ الشّوْقُ مِن عِظامي
ابن الدُّمينة:
نَهاري نَهار النّاسِ حتى إذا بَدا ... لِيَ اللّيلُ هزَّتني إِليكِ المَضاجِعُ
أُقضيّ نهاري بالحديثِ وبالمُنى ... ويَجمعُني والليلَ بالهمِّ جامِعُ
أبي اللهُ أَن يَلقى الرَشادَ مُتَيَّمٌ ... كَذا كلُّ شئٍ حُمَّ لابُدَّ واقِعُ
ديك الجنّ:
حَبيبي مُقيمٌ على نائهِ ... وقلبي مُقيمٌ على رائِهِ
حَنانَيْكِ با أَمَلي دَعوةً ... لِمَنْ صارَ رَحمة أَعدائهِ
سأَصْبِرُ عنكِ وأُعصى الهَوى ... إِذا صَبَرَ الْحُوتُ عَن مائهِ
(1/45)

الحسنُ بن وهب:
ما أوْلَعَ الأَيّامَ بالأَعْحَبِ ... والحادثِ الأَغرَبِ فالأغْرَبِ
وأَشجعَ الحبَ على قلبِ مَن ... يَملأُ قَابَ الأسدِ الأَغلَبِ
الأَحوصُ:
وما أَنسَ مِ الأَشياءٍ لا أَنسَ قولَها ... تقدَّمْ فشيَّعْني إلى ضَحوةِ الغَدِ
فأَصبحتُ مِمّا كانَ بَيْني وبَيْنَها ... سوى ذكرِها كالقابضِ الماءِ باليدِ
الحكم:
لَعَمْرُكَ ما خُوصُ العُيونِ شَوارفٌ ... روائِمُ أَظْارٍ عَطَفْنَ على سَقْبِ
بأَوجَدَ مِنّي يومَ وَلَّت حُمولُهم ... وقد طَلَعتْ أُولى الرِّكابِ من النَّقْبِ
قيس بن الخطيم وأحسن في نعت الخيال، والبحتري عيال عليه:
أَنّىّ اهْتَديْتِ وكنتِ غيرَ سَروبِ ... وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قَريبِ
ما تَمنعي يَقْظى فقد تُعطِينَهُ ... في النَّومِ غيرَ مُصرَّدٍ مَحسوبِ
كانَ المُنى بِلِقائها فلَقِيتُها ... ولهوْتُ من لهوٍ امرئ مَكْذوبِ
قيس:
إذا قَرُبَتْ ليلى لَجَجْتَ بهجرِها ... وإنَ بَعُدتْ يوماَ يَرُعْكَ اغترابُها
فَفي أَيِّ هذا راحةٌ لكَ عندها ... سَواءٌ لَعَمْري، هَجرُها واقْتِرابُها
الأشجع:
ما اخْترتُ تركَ وَداعكم يومَ النوى ... واللهِ لا مَللاً ولا لِتَجنُّبِ
لكنْ خَشيتُ بأن أموتَ صَبابةً ... فيقالُ أنتَ قتلتَه فتقاد بي
ركَّاض الزبيري:
نُرامي فَنَرْمي نحن منهنَّ في الشَّوى ... ويَرْمينَ لا يَعدلْنَ عن كَبِدٍ سَهْما
إذا ما لَبِسْنَ الحَلْيَ والوْشيَ أشرقتْ ... وجوهٌ ولَبَّاتٌ يُسلِّبنَنا الحِلْما
ولُثْنَ السُّبوبَ خمرةٍ قُرشيَّةً ... زُبيريَّة يعلمْن في لَوْثِها عَلْما
ذو الُّرمة:
خَليليَّ عُدَّا حاجَتي مِن هواكُما ... ومَن ذا يُواسي النفسَ إِلاّ خليلُها
إلى دارِميٍّ قبلَ أن تَطْرَحَ النَّوى ... بِنا مَطْرحاً، أو قبلَ بَينٍ يُزيلُها
وإنْ لم يكنْ إلاَّ تعلُّلُ ساعةٍ ... قليلاً، فإني نافِعٌ لي قليلُها
الخليع:
وما لأَني أَنساكِ أكثرُ ذِكرا ... كِ، ولكنْ بذاكِ يجري لِساني
أَنتِ في القلبِ والجوانحِ والنَّف ... سِ، وأنتِ الهوىَ، وأنتِ الأَماني
كُلُّ جُزءٍ مني يَراكِ من الوجدِ ... بِعيْنٍ غَنيَّةٍ عن عِيانٍ
وإذا غبتِ عن عيانيَ أَبصرْ ... تًكِ مِني بعين كُلِّ مكانِ
ابن ميادة الكرجي:
وما أَنسَ مِ اْلأَشياءِ لا أَنسَ قولَها ... وأَدمُعُها يَحدُرنَ حَشوَ المكاحِلِ
تَمتَّعْ بِذا اليومِ القصيرِ فإنّه ... رَهينٌ بأيامِ الشُهورِ الأَطاوِلِ
آخر:
ورأيتُه في الطِّرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يُواصلُ مَحوَهُ بِرُضابهِ
فَودِدْتُ أني في يَدَيْهِ صَحيفةٌ ... وَوَدِدْتُه لا يَهتدي لِصوابِهِ
أبو دهبل:
ولي كَبِدٌ مقروحةٌ من يبيعُني ... بها كَبِداً ليست بذات قُروحِ
أَباها عليَّ الناسُ لا يشترونَها ... ومن يشتري ذا عِرَّهٍ بصحيحِ
أَئِنُّ من الشوقِ الذي في جوانحي ... أَنِينَ غصيصٍ بالسلاح جريحِ
قيس بن مسعود:
وقد قُلتُ لما أَعْرضَ السجنُ دونَنا ... وأرضٌ عليها غَبرةٌ وقَتَامُ
على البَدويَّات المِلاحِ وإن نأَتْ ... بِهنَّ النَّوى أَو لم يَزُرْنَ سَلامُ
تعرَّضَتِ الأَشغالُ حتى كأنَّما ... وُقوفُ المطايا عِندهُنَّ حَرامُ
آخر:
ذكرتُكِ ذِكرى تلحقُ النفس دونَها ... عقيلٌ وأعناقُ المَطِيِّ سَوامِ
سقى اللهُ مَبدىً ياعقيل بدوته ... بوادي سليم وببرق سَنامِ
فإن تقبلي منا المعاذير نعتذر ... وإن تظلمينا فهو دهر ظلامِ
الأحوص:
ألا تسألن الله أن يسقي الحمى ... بلى فسقى الله الحمى والمطاليا
وإني لأستسقي لِبَيْتيْن في الحمى ... ولو يَملكانِ البحرَ ما سقياليا
أُسائلُ من لاقيتُ هل سُقِيَ الحمى ... فهل يَسأَلنْ أَهلُ الحمى كيفَ حالِيا
آخر:
شاقَني الأَهلُ لم تَشُقْني الديارُ ... والهوى صارَ بي إلى حيثُ صاروا
(1/46)

فأُناسٌ رَعَوْا لنا، ثُمّ غَابوا ... وأُناسٌ جَفَوْا، وهمْ حُضَّارُ
عَرَضُوا ثم أَعْرَضوا واستمالوا ... ثُمَّ مالوا، وجاوَرُوا، ثم جارُوا
لا تَلُمْهُمْ على التَجنِّي، فلو لمْ ... يَتَجنوا، لم يَحْسُنِ الإعتِذارُ
ابن المعتزِّ:
وَمَنْ مِن الحُبّ منقذٌ رجُلاً ... باعَ لذيذَ الرُقاد بالسُّهُدِ
ذاكَ بعيدُ الخلاصِ قد نَشِبَتْ ... في الرُوحِ مِنهُ مَخالِبُ الأَسدِ
ابن ميَّادة:
يِراها قَريباً من يراها ونَيْلُها ... مَكان الثُّريَّا مِنكَ أَو هو أَبعدُ
كَفِعْلِ شَمُوسِ الخَيلِ، لا هِيَ تَرْعَوي ... لِزَجْرٍ، ولا تَدْنو لِمَن يَتَوَدَّدُ
ابن هرمة:
عَهدتُ بها هِنداً، وهندٌ غريرةٌ ... عن الفُحْش بَلْهاءُ العِشاء نَؤُومُ
رَدَاحُ الضحى مَيَّالةٌ بَخْتَرِيَّةٌ ... لها مَنْطِقٌ يَسبي الحَليمَ رَخيمُ
ولقد رَعيتُ رياضَهُنَّ يُوْيفعاً ... وعصر............... يحومُ
فعلى الصِّبا أَيّامَ أَجنى نَوْرَهُ ... وأَسوفُ في أَوْراقه وأَسيمُ
كَبِدي مِنَ الزَفَراتِ صَدَّعَها الأَسى ... وحَشايَ مِنْ أَلَمِ الفِراقِ سَقيمُ
عبدُ الأعلى:
عَصاكَ الصِّبا لمّا أَطلعتَ النَّواهيا ... وماتَ الصِّبا لمّا سَئِمْتَ التَصابِيا
وَناجاكَ إِعْجامٌ من الدَّمْعِ مُعربٌ ... فَصِيحٌ بِبَيْنِ الحيَّ أَلاَّ تَلاقِيا
ابن المعتز:
كَمْ ليلةٍ فيك لا صَباحَ لَها ... أَفنيْتُها قابضاً على كبِدي
وأَنتَ خِلْوٌ تنامُ في دَعَةٍ ... شَتَّانَ بين الرُّقادِ والسُهُدِ
قد فاضِتِ العَينُ بالدمُوعِ وقد ... وَضعْتُ خدِّي على بَنانِ يَدي
كأَنَّ قَلبْي إذا ذَكرْتُكُمُ ... فَريسةٌ بَيْنَ ساعِدَيْ أَسَدِ
أبو دهبل ووجدتها في ديوان عمرو بن أبي ربيعة:
يَلومونَني في غيرِ ذَنبٍ جَنَيْتُهُ ... وغَيْريَ في الذَّنبِ الذي كانَ أَلْوَمُ
أَمِنَّا أُناساً كنتِ قِدماً أَمنتُهم ... فَزادوا علينا في الحديثِ وأَوهَموا
وَقالوا لَنا مالمْ نَقُلْ ثم أَكثروا ... عَلينا، وباحُوا بالذي كنتُ أَكْتُمُ
وقد مُنِحَتْ عَيني القَذى لِفراقِكُمْ ... وعادَ لها تَهْتانُها فهي تَسجُمُ
وأَنكرتُ طيبَ النفس منها وكدَّرت ... عليَّ حَياتي والهوى مُتَقَسَّمُ
وصافيتُ نِسواناً فلم أرَ فيهمُ ... هَوايَ، ولا الوُدَّ الذي أَنا أَعلمُ
فلا تَصْرِميني أَن تَرْيني أُحِبُكمْ ... أَبوءُ بِذَنْبي ظالِمي وهو أَظلَمُ
أَليس كثيراً أَن نَكونَ بِبلْدةٍ ... كِلانا بها باكٍ ولا نَتكلَّمُ
مُنَعَّمةٌ لو دَبَّ ذَرٌّ بِجِلدها ... لَكانَ دبيبُ الذَرِّ في الجِلد يَكْلُم
أعرابي:
يُكذِّبُ أَقوالَ الوُشاةُ صُدودُها ... ويَزدادُ شَكّاً في هوانا قَعيدُها
أنازِعُ من لاأَستَلِذُّ حَديثَه ... ويجتازُها طَرْفي كأَنْ لاأُريدُها
وتحت مَجاري الطَرْفِ منا مَوَدَّةٌ ... ولحظاتٌ سِرٍّ لا يُنَادى وليدُها
رَفعتُ عن الدُنيا المُنى غيرَ وُدِّها ... فلا أسألُ الدُنيا ولا أَسْتزيدُها
آخر:
ما لَذَّةٌ أَكْمَلُ في طيبها ... مِن قُبلةٍ في إثرِها عَضَّهْ
كأنَّما تَأثيرُها لُمْعَةٌ ... من ذَهبٍ أُجرِيَ في فِضَّهْ
آخر:
أُعيذُكِ من مَبيتٍ باتَ فيهِ ... مُحِبُّكِ خالياً حتى الصباحِ
كأَنَّ بِقلْبهِ خفقانَ طيرٍ ... علَقنَ به العَلائِقَ في الجَناحِ
آخر:
وإِنَّ الذي يَنْهاكُمْ عن طِلابها ... يُناغي نساءَ الحيِّ في طُرَّةِ البُرْدِ
يُعَلَّلُ والأَيامُ تَنْقُصُ عُمْرَهُ ... كما تَنْقُصُ النيرانُ من طَرَفِ الزَنْدِ
آخر:
هَجرتُكِ لاقلىً مني ولكنْ ... رأَيت بقاءَ وُدِّكِ في صُدودي
كَهَجْرِ الحائِماتِ الوِرْدَ لمَّا ... رأَتْ أَنَّ المنيَّةَ في الورودِ
تفيضُ نُفوسُها أَسَفاً وتَخشى ... حِماماً فهي تَنظُرُ من بَعيد
كما نَظرُ الأّسيرُ إلى طليقٍ ... يُلمُّ بِلاده لشُهوده عيد
(1/47)

عبدُ اللهِ بنُ طاهرِ:
نُزولُ الهوى سقمٌ على المْرءِ فادِحُ ... وفي بَدني للحُبِّ داعٍ وصائحٌ
يَرى أَن لي ذنباً إذا قُلت مُنْبِئاً ... لِمُنْ عادَني في الحُب: إِني صالحِ
إِذا المْرءُ لم تَقرحْ بطون جفونِه ... فما قَرحَتْ في الجِسْمِ مِنهُ الجَوانِحُ
وما الشاحجاتُ البارِحاتُ نوائحٌ ... ولكنَّ أَعضاءَ المُحبِّ نوائِح
المجنون:
أمُخْتَرِمي ريْبُ المَنونِ فذاهبٌ ... بنَفسِي وأشجانُ الفؤاد كما هِيا
بِلى في صروفِ الدهرِ أَن تُسعِفَ المُنى ... وتُعطي المُحبِّينَ الرِضى والأمانِيا
نُصَيْب:
أَلا فَرعى الله الرَواحلَ إنِّما ... مَطايا قلوبِ العاشِقينَ الرواحلُ
أَلا إنّهنَّ الواصِلاتُ عُرى النَوى ... إِذا ما نَأى بألآلِفِين التواصُلُ
ابنُ المُعتز:
وأَبقيتَ مِنيّ فَتىً مُدنَفاً ... لِدَمعِتهِ أبداً سافِحُ
نَعانِي الطبيبُ إِلى نَفسِه ... وقالَ لِمَن عادَني: صالِحُ
أَعرابي:
يافرْحتا إذ صَرفْنا أَوجُه الإبلِ ... نحو الأحبَّةِ بالإزعاجِ والعجَلِ
نَحثُّهنَّ وما يُونِينَ من دَأًَب ... لكنَّ للشَوْقِ حثاً ليس للإبلِ
أعرابيَّ:
أَلمِ تعلمَا أَنَّ المُصلّى مكانُه ... وأن العقيقَ ذا الظِلال وذا البَرْدِ
وأَن به لو تعلمانِ أَصائلاً ... وليلاً رقيقاً مثل حاشِيةِ البُردِ
أعرابي:
متى تَدْنُ ليلى من بِلادِك لا تَنَلْ ... نَوالاً، وإن تبعدْ بك الدارُ تكمدِ
كثيِّر عزَّة:
لَعمرُكَ إِنَّ الجزعَ أَمسى تُرابُه ... من الطيبِ كافوراً وعيدانُه رَنْدا
وما ذاكَ إلاَّ أن مَشتْ في عِراصه ... عُزَيْزةُ في سِربٍ وجرَّت به بُردا
محمد بن وهب:
بَنانُ يد يشيرُ إلى بَنانٍ ... تَجاوَبَتا وما تتَكلَّمانِ
جرى الإيماءُ بينهما رسولاً ... فأعربَ وحيَه المُتناجِيانِ
فلو أَبصرْتَنا أبصرتَ طَرفاً ... على مُتكلَّميْن بِلا لسانِِ
ابن المعتز:
هَبْ لِعيْني رُقادَها ... وَانْفِ عتها سُهادَها
وارْحمِ المُقلةَ التي ... كُنتِ فيها سَوادَها
كُنْ صَلاحاً لها كما ... كُنتَ دهراً فسادَها
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أَلا إنَّما التوديعُ ضَربٌ من الرّدى ... إذا ما تَدانى الشملُ صار تَنائِيا
فلو أَنَّ ما في الأَرضِ دمعٌ أصبُّهُ ... بحقِّ النّوى ما كانَ بالحقِّ كافيا
أبو الشيِّص:
كأنَّ بلادَ اللهِ حَلقةُ خاتَمٍ ... عليَّ، فما تزدادُ طولاً ولا عَرْضاً
كأنَّ فؤادي في مَخالِيبِ طائرٍ ... إذا ذكرتْكِ النفسُ شدَّت به قَبضا
كثيِّر:
وإني وتَهيامي بِعَزَّةَ بعدما ... تَسلَّيْتُ مِن وَجْدٍ بها وتَسلَّتِ
لَكالْمُرْتجي ظِلَّ الغَمامةِ كلَّما ... تَبَوَّأَ منها للمَقِيل اضْمَحَلَّتِ
ابن الزيَّات:
سَماعاً يا عِبادَ اللهِ مِني ... وَكُفّوا عن مُلاحَظةِ المِلاحِ
فإنَّ الحُبَّ آخِرُه المنايا ... وأَوَّلُه يُهيَّجُ بالمزاحِ
وقالوا: دَعْ مُراَقبةَ الثُريّا ... وَنمْ فالليلُ مُسوَدُّ الجَناحِ
فقلتُ: وهل أَفاقَ القلبُ حتى ... أُفَرِّقُ بينَ لَيْلي والصباحِ
الحارثي:
تَعَطَّلْنَ إِلاَّ مِن مَحاسنِ أَوْجُهٍ ... فَهُنَّ حَوالٍ في الصِّفاتِ عَواطِلُ
كَواسٍ عَوارٍ صامِتاتٌ نَواطِقٌ ... بِعَفٍّ الحديثِ باخِلاتٌ بَواذِلُ
بَرَزْنَ عَفافاً، واحتَجَبْنَ تَستُّراً ... وشِيبَ بقول الحقِّ مِنهنَّ باطِلُ
فذو الحِلْم مُرتابٌ، وذو الجَهلِ طامِعٌ ... وَهنَّ عنِ الفَحْشاءِ حِيدٌ نَواكِلُ
أعرابي:
أُديمُ الطَرْفَ ما غَفَلَتْ إِليها ... وإِنْ نَظرَتْ نَظرتُ إلى سِواها
أَغارُ من النساء يَرَيْن منها ... محاسنَ لا يُرَيْنَ ولا أَراها
وإن غَضِبتْ عليَّ غَضِبتُ معها ... على نَفسي، ويُرضيني رَضاها
وما غَضَبِي على نَفسي بِجُرْمٍ ... ولكِني أَمِيلُ إِلى هَواها
ابن المعتز:
(1/48)

وآثارُ وَصْلٍ في هَواكِ حَفِظْتُها ... تحياتٌ رَيْحانٍ، وعضَّاتُ تُفَّاحِ
وكُتْبٌ لِطافٌ حَشْوُها المسكُ أُدْرِجَتْ ... على رَصْفِ أَحزانٍ وتعذيبِ أَرواحِ
يُخَلْنَ تَعاويذاً بِجَنْبِي كأَنما ... أُمسُّ بَخَبْلٍ في مَسائي وإصباحي
دريد:
أَتجزَعُ إِن شطَّتْ، وتَبخَلُ إِن دَنَتْ ... فكلٌّ لنا مِنها عذابٌ مُوكَّلُ
فإنْ حَضرَتْ لم تنتفعُ بِحضُورِها ... وتشتاقُ إن غابَتْ إِليها وتَذْهَلُ
آخر:
وَلي فُؤادٌ إذا طالَ العذابُ بهِ ... طارَ اشتياقاً إلى لُقيا مُعذِّبِهِ
يَفديكَ بالنفسِ صَبٌّ لو يكونُ له ... أَعزَّ من نَفسِهِ شئٌ فداكَ بهِ
البعيث، وهو من نادر وصف الليل بالطُّول:
لقد تَركَتْني أُمُّ عمروٍ ومُقلتَي ... هَمُولٌ، وقَلبي لا تُفِيقُ بلابِلُهْ
تَطاولَ هذا الليل حتى كأنَّما ... إذا ما مَضى تُثنى عليه أَوائِلُهْ
عمر بن أبي ربيعة:
نَظرتُ إليْها بالمُحصَّبِ من مِنى ... وَلي نظرٌ لوْلا التحرُّجُ عارِمُ
وقلتُ أشمسٌ أم مصابيحُ بِيعةٍ ... بَدتْ لك تحت السِجْفِ، أم أنتَ حالِمُ
بعيدةُ مَهْوى القُرطِ إِما لنوفلٍ ... أبوها، وإما عبد شمسٍ وهاشِمُ
فلم أستطعها غير أن قد بدت لنا ... عشية راحت، وجهها والمعاصمُ
معاصمُ لم تضرب على البهم بالضحى ... عصاها، ووجه لم تلحه السمائمُ
أنشد ثعلب:
ولما تَبيَّنْتُ المنازلَ من منى ... ولم تُقضَ لي تَسليمَةُ المُتَزَوِّدِ
زَفرتُ إِليها زفرةً لو حَشوْتُها ... سَرابيلَ أَبدانِ الحديدِ المُسرَّدِ
لَفُضَّتْ حَواشِيها، وظلَّتْ بِحرِّها ... تَلينُ كما لانتْ لِداودَ في اليدِ
جميلٌ:
وَيقُلْنَ إِنكَ قد رضيتَ بباطلٍ ... منها، فهل لكَ في اعتزالِ الباطلِ
ولَباطِلٌ ممن أَلَذُّ حديثَه ... أَشهى إِليَّ من البَغيضِ الباذِلِ
وَلَرُبَّ عارضةٍ علينا وَصلَها ... بالجِدِّ تخلطُه بقولِ الهازِلِ
فأَجبتُها في القولِ بعد تَسَتُّرٍ ... حُبي بثينةَ عن وِصالِك شاغِلي
لو كان في قلبي كَقدر قُلامةٍ ... فضلٌ لزرتكِ أو أَتتكِ رسائلي
يَمشيِنَ حولَ عَقيلةٍ منسوبةٍ ... كالبدرِ بينَ دمالِجٍ وخَلاخِلِ
نضحُ الحميم يجولُ في أقرابها ... حولَ الحباب إلى الحباب الجائل
يَعضَضْنَ من غيظٍ عليَّ أناملاً ... وَوَدِدْتُ لو يَعْضَضْنَ صُمَّ جَناِلِ
يزعُمنِ أَنكِ بابثينَ بخيلةٌ ... نَفْسي فَداؤُكِ من ضنينٍ باخِلِ
وَلَئنْ أَلِفْتُكِ أو وَصلتُ حبالَكُمْ ... لَعلى المودَّةِ مِن ضَميرِ الواصِلِ
فَصِلي بِحبْلِكِ يابُثينَ حَبائلي ... وعِدي مَواعدَ مُنجِزٍ أو ماطِلِ
ابن محلم:
أَلا يا حَمامَ الأَيكِ إلفُكَ حاضِرٌ ... وغُصنُكَ ميَّادٌ فَفيمَ تَنوحُ
أَفي كلِّ عامٍ غُربةٌ ونُزوحُ ... أمَا لِلنَّوى مِن وَنيةٍ فتُريحُ
لَقد طَلَّحَ البينُ المُشِتُّ رَكائبي ... فهلْ أَرَيَنَّ البَيْنَ وهو طَليحُ
وهيَّجني بالرَيِّ نَوحُ حمامةٍ ... فنُحتُ، وذو الشَجْوِ الحزينُ ينوحُ
على أنها ناحتْ ولم تُذْرِ عَبرةً ... ونُحتُ وأَسرابُ الدمُوعِ سفوحُ
وناحتْ، وفَرخاها بِحيثُ تراهُما ... ومِنْ دونِ أَفراخي مَهامِهُ فِيحُ
عروة:
حَلَفْتُ لَها بالمشْعَرَيْنِ وَزَمْزَمٍ ... وذو العَرشِ فوقَ المُقسِمين رقيبُ
لَئِن كانَ بردُ الماءِ حرَّانَ صادياً ... إليَّ حبيباً، إنها لَحبيبُ
ذو الرمَّة:
إذا خَطَرتْ من ذِكِر مَيَّةَ خطرة ... على القلبِ كادتْ في فؤادِكَ تَجرَحُ
وإنْ غيََّرَ النأيُ المُحبينَ لم أجِدْ ... رَسيسَ الهوى مِن حُبِّ ميةَ يبرَحُ
أرى الحُبَّ بالهِجرانِ يُمحى فَيَمْتَحي ... وحُبُّكِ مِنَّا يَسْتَجِدُّ ويصرَحُ
فلا القربُ يُدني مِنْ هواها مَلالَةً ... ولا حُبُّها إِنْ تَنزحِ الدار يَنَزحُ
لَئِنْ دامَتِ الدُنيا عليَّ كما أَرى ... تباريحَ من ذكراكِ فالموت أروَحُ
(1/49)

ابن الدُميْنةَ:
ولا أَنسَ مِ الأشياء لا أنسَ قولَها ... أَتَتْرُكُني في الدارِ وَحدي وتذهبُ
فقلتُ لُها: واللهِ لو كانَ مُمْكِنا ... مقامي لَكانَ المَكْثُ عنديَ يُعجبُ
فردَّتْ على فِيها اللِثامَ وأَدْبرتْ ... وراجَعَني مِنها بَنانٌ مُخَضَّبُ
وأَنشدَ:
سَلْني عَن الحُبِّ يا مَن ليس يعرفُه ... ما أطيبَ الحُبَّ لولا أَنه نَكَدُ
طَعْمانِ:حُلوٌ ومُرٌ ليسَ يَعدِلُهُ ... في حَلْقِ ذائقهِ سُمٌّ ولا شَهدُ
المَوصليّ:
لَما رَأَيْناهُمْ يَزُمُّونا ... قُلنا لهم: أَينَ تُريدونا
قالوا: فما كَثْرَةُ تَسآلِكُمْ ... قُلنا لهم: نحن المُحِبّونا
فأَبْرَزَتْ من هَوْدَجٍ جِيدَها ... بيضاءَ تُذري الدمعَ مَكْنونا
قالت:تركتَ الوصلَ في حينه ... وجِئتَ عند البَيْن تُؤْذِينا
أحمد بن أبي فَنَن:
ألا رُبَّ يُمنَعُ النومُ دونَه ... أقامَ كَقَبْضِ الراحَتيْن على الجَمْرِ
بَسطْتُ له وجهي لأكْبِتَ حاسِدا ... وأبديتُ عن نابٍ ضَحوكٍ وعن ثَغرِ
وشوقٍ كأطراف الأسِنَّةِ في الحشا ... مَلكتُ عليه طاعةَ الدَّمعِ أن يَجري
وقال محمد بن صالح الطوسي:
رَقيقةُ مجرى الدمعِ أَمَّا شبابُها ... فَغَضٌّ وأمّا الرأيُ مِنها فَكامِلُ
رُدَيْنيَّةُ الأعْلى هِجانٌ عَقيلةٌ ... بِأَعْطافِها الجاديُّ والمِسكُ شامِلُ
أُبو نُواس
تَركتني الوُشاةُ نصبَ المُشِيري ... ن وأُحدوثةً بكلِّ مكانِ
ما أرى خالِيَيْنِ في السرِّ إلاَّ ... قلتُ ما يَخْلُوانِ إلاَّ لِشاني
أخذه من قول بشّار:
يُرَوِّعُه السِرارُ بكل فَجٍّ ... مَخافةَ أَنْ يكونَ به السِرارُ
ذو الرُمَّة:
فما ظَبيةٌ تَرعى مَساقِطَ رَملةٍ ... سقى الواكفُ الغادي لها وَرَقاً نَضْرا
رأتْ أَنَساً بَعدَ الخَلاء فأقبلتْ ... ولم تبدِ إلاَّ في تَصرُّفها ذُعْرا
بِأحسنَ من ميٍّ عَشيّةَ طالعتْ ... لِتَجْعَلَ صَدْعاً في فؤادِكَ أو وَقرا
بِوجهٍ كَقَرْن الشمسِ حُرٍّ كأنما ... تَهيضُ بهذا القلب لَمْحتُهُ كَسْرا
وعينٍ كأنَّ البابِليَّيْنِ لَبَّسا ... بِقلْبِكَ مِنها يومَ مَعْقُلةٍ سِحرا
الأقرع بن معاذ:
وما أَنس مِ الأَشياءِ لا أنسَ قولَها ... بِنفسيَ بيِّنْ لي مَتى أنتَ راجِعُ
فقلتُ لها: واللهِ ما من مُسافِرٍ ... يُحيطُ له عِلمٌ بِما اللهُ صانِعُ
فقالتْ: ودمعُ العينِ يحدرُ كُحلَها ... تركتَ فؤادي وهو بالبيْنِ رائِعُ
وأَلقتْ على فيها اللِثامَ وأَدْبَرَتْ ... وأَقبلَ بالكُحل السحيقِ المَدامِعُ
أبو نواس:
ومُظهِرَةٍ لِخَلْقِ اللهِ بُغضاً ... وتُلقى بالتَحيةِ والسَّلامِ
أتيتُ فؤادَها أَشكو إِليهِ ... فلم أَخْلصْ إِليهِ من الزِحامِ
فيا مَنْ ليس يَكفيهِ خليلٌ ... ولا أَلْفا خليلٍ كلَّ عامِ
أراكِ بقيةً من قومٍ مُوسى ... فهم لا يَصبرون على طَعامِ
أعرابي:
شَكوتُ فقالتْ: كُلُّ هذا تَبرُّماً ... بِحُبي، أَراحَ اللهُ قلبَكَ مِن حُبّي
فلمّا كَتمتُ الحًبَّ قالت: لَشَد َّما ... صَبرْتَ، وما هذا بِفعلِ شَجِي القلبِ
وأَدنو فَتُقْضيني، فأَبعُدٌ طالِباً ... رِضاها، فَتَعْتَدُّ التَباعُدَ مِن ذَنْبي
فَشكْوايَ تُؤذيها، وصَبْري يَسوؤها ... وتَجزعُ مِن بُعدي، وتَنْفِرُ مِن قُربي
فيا قومُ هلْ مِن حِيلةٍ تَعْرِفونها ... أَعينوا بِها، واسْتوْجِبوا الشُكرَ مِن رَبيّ
وقال الأحوص: ووجدتها في ديوان نصيب:
وما هَجَرَتْكِ النفسُ يا مَيَّ أنّها ... قَلَتْكِ، ولا أَنْ قَلَّ منكِ نَصيبُها
ولكنَّهم، يا أَمْلحَ الناسِ، أولِعوا ... بِقوْلٍ، إذ ما جِئْتُ، هذا حبيبها
أعرابي:
لعمرُ أَبي المُحصينَ أيَّامَ نَلْتقي ... لِما لا نُلاقيها مِنَ الدَّهرِ أَكثرُ
يَعُدُّون يوماً واحداً إن أَتيتُها ... ويَنسوْنَ ما كانتْ من الدهرِ تَهجُرُ
ابن الدمينة:
(1/50)

بِنفسيَ من لا بُدَّ أَنيَ هاجِرُه ... وأَني على المَعسورِ واليُسر ذاكِرُهُ
ومَن قدْ رَماهُ الناسُ حتى اتقاهُمُ ... بِبُغْضيَ إِلاَّ ما تُجنُّ ضمائرُهُ
جميلُ:
أَتهجُرُ هذا الربعَ أم أَنت زائِرُهُ ... وكيف يُزارُ الربعُ قد بان عامِرُهْ
رأَيتُك تأتي البيتَ تُبغِضُ أهلَه ... وقلبُكَ في البيتِ الذي أنتَ هاجِرُهْ
مضرِّس بن ربعي:
ألا قُلْ لِدارٍ بين أكثِبَةِ الحِمى ... وذاتِ الغضا جادت عليكِ الهواضبُ
أجِدَّكِ لا أغشاكِ إلاّ تقلَّبتْ ... مِن العين أو كادتْ دموعٌ سواكبُ
ذو الرُّمة:
إذا اسْتوْدعتْه صفصفاً أو صريمةً ... تنحَّتْ ونصَّتْ جيدَها بالمَناظِرِ
حذاراً على وسنانَ يصرَعُه الكَرى ... بكُلِّ مَقيلٍ عن ضِعافٍ فواتِر
وَتَهجُرهُ إِلاَّ اختلاساً بطرفها ... وكم من مُحِبٍّ خِيفَةَ العين هاجِرِ
الحارِثيّ:
إذا أنتَ لم تُؤمنْ بما تصنعُ النوى ... بأَهل الهوى فافْقِدْ حبيباً وجَرِّبِ
تَجدْ حُرُقاتٍ يلذعُ القلبَ حرُّها ... بأَنضجَ من كَيِّ الغضا المتلَهِّبِ
قيس:
تصَبُّ إلى سُعدى على نَأيِ دارها ... ولم يَكُ يُجدي، والمزارُ قَريبُ
ولاحظَّ من سُعدى لنا غيرَ أننّا ... تَقطَّعُ أنفاسٌ لنا وقُلوبُ
وقال ابن المعتز:
أيا مَنْ فؤادي بِه مُدنَفُ ... حُجِبْتَ فلي دَمعةٌ تَذْرِفُ
إذا حَجَبوا مُقْلتي أَنْ تَرا ... كَ فقَلبي يَراكَ ولا يَطرِفُ
العطويّ:
فما ازْدحمتْ عيرٌ على وردِ منهَلٍ ... دَنا وردُها تَرعى النَجيلَ من الحَمْضِ
تزاحُمَ دمْعي في الجُفونِ وقد غَدَتْ ... حُداتُهم بين القَرينينِ فالعِرْضِ
وَقد تَركوني في الديارِ كأنَّني ... سَليمٌ حَوَتْه الأُفعوانةُ بالعَضِّ
ولا أُمُّ أملاطٍ أَقامتْ فِراخَها ... على فنَنٍ في الضَّالِ ذي المُنحنى الغضِّ
رأي سَوذَنِيقُ الجوِّ منهنَّ غُرَّةً ... فَكَفْكفَ يبغيهنَّ كالنجْمِ في القضِّ
ولا أُمُّ خِشْفٍ أقبلت بعدِ فيقةٍ ... لِتمنَحَه من ضِرْعِها صَفْوةَ المَحْضِ
فأبصرتِ المَعْبوطَ رَدْعَ إهابهِ ... وقد خَبَّ آلُ الصَحصَحانِ على الأرضِ
بِأوجدَ مني يومَ قالتْ حُداتُهم ... أمُستَوْطِنٌ بعدَ الظَعائنِ أَمْ تَمضي
وقال أبو زرعة الدِّمشقي:
فراقُكِ في غدٍ وغدٌ قريبٌ ... فَوا أَسفا على البين القريبِ
فيا صدرَ النهارِ إِليكِ عني ... ويا شمسَ الأَصائِل لا تَغيبي
القُطامي:
وأرَّقني أن لا يزالَ يروعني ... غزالُ أُناسٌ قاصرُ الطرف فاتِرُهْ
له مستظلٌّ باردٌ في مخدَّرٍ ... كنينٍ إِذا شعبانُ حمَّتْ هواحِرُهْ
بعينيكَ تنظارٌ إِلى كل هودجٍ ... وكلِّ بشيرِ الوجهِ حرٍّ مسافِرُهْ
تراهُ وما تسطيعهُ غيرَ أنهُ ... يكونُ على ذي الحلم داءً يُخامِرهْ
إذا تاقَ قلبي أو تطرَّبه الهوى ... فليستْ له بقيا ولا الحلمُ زاجِرُهْ
عصى كلَّ ناهٍ واستبدَّ بأمره ... فما هو إلاَّ كالعشير تُؤامِرهْ
ذو الرُمَّة:
فوالله ما أدري أجولان عبرة ... تجود بها العينان أجدى أم الصبرُ
وفي هملان العين من غصة الهوى ... رواحٌ وفي الصبر الجلادة والأجْرُ
علي بن الجهم:
أما ينفك من لومٍ دراك ... محبٌّ لا يحن إلى سواكِ
لئن ألهيتهِ عن كلِّ شيءٍ ... لما ألهاهُ شيءٌ عن هواكِ
آخر:
ولقد مررتُ على العقيق وأهلُهُ ... يشكونَ من مَطرٍ الربيعِ نُزورا
ما ضرَّكُمْ إذ كان أحمد جاركم ... ألا يكون ربيعكم ممطورا
تبكي عليَّ فدمعُها ... على حالِهِ في جفنهِا مُتََحَيِّرُ
الأشجع:
ومحرونةٍ عند الفراق رأيتُها ... وفي القلبِ منها جمرةٌ تتسعَّرُ
تطيَّرُ أن تبكي عليَّ فدمعها ... على حالهِ في جفنها متحيِّرُ
فقلتُ: قضاءُ الله فرَّق بيننا ... فقالت: قضاءُ الله ما كنتُ أحذرُ
فقلتُ: وأيامٌ أغيبُ يَسيرةٌ ... فقالتْ: لِيَ الأيامُ بَعدَكَ أشهُرَ
(1/51)

فقلتُ:اصْبِري مافي بكائكِ راحةٌ ... ولا كلٌّ محزونٍ له الصبرُ يقدَرُ
فقالتْ: أتوصيني بما لست فاعلاً ... ألا في سبيلِ الحبِّ ضاعَ التصبُّرُ
ابن المعتز:
بقلبي لِنار الهوى جَمْرَهْ ... وللشَّوق في كبدي عَبْرَهْ
وأسخنَ عيني حبيبٌ نَأى ... وكانتْ لعيني به قُرَّهْ
يقولون لي خيرةٌ قي الفِرا ... ق فقلتُ لهم خيرةٌ مرَّهْ
الحارثي:
أقولُ وقد صاحَ ابنُ دَأيةَ غدوةً ... ببينٍ ألا لا أخطأتكَ الشوابكُ
أفي كلِّ يومٍ رائِعي أنتَ روعةً ... ببينونةِ الأَحبابِ عِرسُكَ فارِكُ
فلا بِضتَ في خضراءَ ما عشتَ بيضةً ... وضاقتْ برحْباها عليكَ المسالِكُ
الأحوصُ:
ألا لا تلمه اليومَ أن يتبلَّدا ... فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا
بكيتُ الصبا جهدي فمن شاءَ لامني ... ومن شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا
وما العيش إلا ما تلذُّ وتشتهي ... وإِن لامَ فيه ذو الشَّنانِ وفنَّدا
إذا أنتَ لم تعشَقْ ولم تدرِ ما الهوى ... فكُن حجراً من يابِس الصخر جلمَدا
المعلوط:
فما وجدُ مِلواحٍ من الهيم حُلِّئتْ ... عن الماءِ حتى جوفُها يَتصَلْصَلُ
تحومُ وتَغشاها العِصيُّ وحولها ... أَقاطيعُ أَنعامٍ تُعلُّ وتُنهلُ
بِأعظمَ مني غُلَّةً وتعطُّفاً ... إلى الوِرْد إلاّ أَنني أَتجمَّلُ
آخر:
فيا حبَّذا نجدٌ وطيبُ ترابِه ... إذا هضبته بالعشيِّ هواضِبُهُ
وريحُ صَبا نجدٍ إذا ما تنسَّمتْ ... ضُحىً وسرَتْ غِبَّ الظَلامِ جَنائِبُهُ
بأجرعَ ممراعِ كأَنَّ رِياحَه ... سَحابٌ من الكافورِ والمِسْكُ شائِبُهْ
ابن أبي عيينة:
مَرَّتِ اليومَ سافِرهْ ... لصَّةُ العينِ ساحِرهْ
إنَّ دُنيا هيَ التي ... تَسحرُ القلبَ ناظرَهْ
سَرقوا نصفَ إسمِها ... وهْي دُنيا وآخِرَهْ
ابن المعتز:
ينسي التجلُّدَ قلبي حين أذكُرهُ ... وتهجُرُ النومَ عَيْني حين أهجُرُهُ
وإنْ كتمتُ الهوى أَبدى الهوى نَظري ... والقلبُ يَطوي الهوى والعينُ تنشُرُهُ
وما تذكَّرتُه إِلاّ وجدتُ له ... في داخل القلبِ صَوَّاراً يُصوّرُهُ
وما قَصرْتُ على تَذكار رُؤيته ... إلاّ استطابَ على قلبي تذكُّرهُ
ولا غضِبتُ عليهِ ثمّ أَلحظُهُ ... إلاّ رَضيتُ وقامَ الحبُّ يَعذرُهُ
وقال أبو زرعة الدمشقي:
خبَّروني أَنْ قد غَضِبْتِ لأَنْ قبَّ ... لْتُ عينَ الرَسولِ لمَّا أَتاكِ
ثُم أودعتِ وجْهَهُ ريقَكِ العذ ... بَ، ووجْهي أَحقُّ منه بِذاكِ
أكرِميني بما أهَنتِ بهِ الخا ... دمَ لمّا غضبتِ نَفسي فِداكِ
قيسٌ:
فيا لَهفَ نفسي كلَّما التحتُ لوحةً ... إلى شرْبةٍ من ماءِ أحواض ناصِبِ
بَقايا نِطافِ المصدرينَ عشيَّةً ... بمحدورةِ الأَرجاءِ حصرِ النَصائبِ
ترقرقَ ماءَ المُزنِ فيهنَّ والتقتْ ... عليهنَّ أنفاسُ الرياحُ الغَرائبِ
كثيّر:
فقلتُ لها عُزيزَ مطلتِ دَيْني ... وشرُّ الغانياتِ ذَوو المِطالِ
فقالت: وَيحَ غيرِكَ كيف أَقضي ... غريماً ما ذهبتُ له بمالِ
الواسطي:
يامن يُسائلُ أينَ حلَّ حبيبُهُ ... جهلاً، ويترُكُهُ لبعدِ مزارِهِ
لو كان قلبُك صادقاً في حبِّهِ ... رَحَلتْ بكَ الأشواقُ في آثارهِ
إن سارَ سِرتَ وإن يُقمْ لم تتخذْ ... وطناً سوى وطنِ الحبيبِ ودارِهِ
لا كنتُ حين أقولُ أينَ قرارهُ ... أينَ الخليطُ جَهالةً بِقرارهِ
وقال الأقرع بن معاذ:
أقولُ لِمفتٍ ذاتَ يومٍ لقيتُهُ ... بمكَّةَ والأنضاءُ مُلقىً رِحالُها
فَديتُكَ خبِّرني عن الظبيةِ التي ... أَضرَّ بجسمي مُنذُ حينٍ خيالُها
فقال: بلى واللهِ أن سيصيبُها ... مِن اللهِ بَلوى في الحياةِ تَنالُها
فقلتُ ولم أملكْ سوابِقَ عَبرةٍ ... سَريعٍ على جيْبِ القميصِ انهمالُها
عفا اللهُ عَنها كلَّ ذنبٍ ولُقِّيتْ ... مُناها، وإن كانت قليلاً نوالها
آخر:
(1/52)

ودَّعينَي لسفرهْ ... بِلحظةٍ مِن نظرِهْ
لم يستطعْ لي غيرَ ذا ... لِخَوفِهِ وحذَرِهْ
يا ربِّ ما أقبَحَني ... مُسائلاً عن خبرِهْ
ابن وهيب:
للقلبُ يَحسُدُ عيني لذَّةَ النظرِ ... والعينُ تحسُدُ قلبي لذَّةَ الفِكَرِ
تَشاغلا فأضرَّاني وما نفَعا ... وعَلَّقا بِلِساني عُقلَةَ الحَصرِ
كثيِّر:
أقيمي فإنّ العمرَ يا عزَّ بعدكم ... إليَّ إذا ما بِنتِ غيرُ جميلِ
أُريدُ لأَنسى ذكرَها فكأنَّما ... تَمثَّلُ لي ليلى بكلِّ سَبيلِ
مسلم بن الوليد:
سقى اللهُ أياماً لنا لسْنَ رُجَّعا ... وسَقياً لِعصرِ العامِريَّةِ من عصرِ
ليالي أَجرَرتُ البَطالةَ مِقودي ... تمُرُّ الليالي والشُهورُ ولا أدري
جميل:
أَلا ليتَ قلبي عن بُثينةَ يذهلُ ... ويبدو لهُ الهجرانُ أوْ يتبدَّلُ
فتؤذِنَنا بالصّرمِ أو ينثني الهوى ... على دَنِفٍ قد كادَ بالصّرمِ يَخزلُ
بعثتُ إليها صاحبِِي برسالةٍ ... وذو الحاجِ مبعوثٌ إليه ومُرسلُ
فقالتْ بأخفى ما يكونُ: أَلا ترى ... مُكوكبَهم حوْلي أشاوسُ جُهَّلُ
فقلتُ: أَرى قوماً تَغشاهُمُ الكَرَى ... فهمْ منهُ صَرعى لا يهُبُّونَ كسَّلُ
فإن أرَ مِنهمْ كالهُبوبِ أفُتهُمُ ... وأسبقْهُمُ إنْ كانَ لي مُتمَهَّلُ
فإن يأخُذوني عندَ بيتِك يَعلَموا ... بأنِّي مَشبوحُ الذِراعيْن جُلْجُلُ
ابن ميادة:
مَوانعُ لا يعطينَ حَبَّةَ خَردلٍ ... وهُنَّ دوانٍ في الحديثِ أوانسُ
ويكرهنَ أنْ يَسمعنَ في الحبِّ ريبةً ... كما كَرهتْ صوتَ اللِّجامِ الشَّوامسُ
العلويّ:
بِأبي الذي أنا في لَذاذةِ حُبِّهِ ... مُستقصرٌ أعمارَ سَبعةِ أنْسُرِ
مَدَّ الهوى بيْني وبينكِ غايةً ... أَقصى مَداها خَلفَ يومِ المَحشَرِ
فروة ابن حميضة:
آهٍ من البارقِ الذي لمَعَا ... ماذا بِقلبي ومُقلَتي صَنَعا
أَهيمُ في الطُرقِ شِبهَ والهةٍ ... لعلَّ عيني عَليكِ أَنْ تَقَعا
الموصليُّ:
راحوا ورحنا على آثارهم أُصُلاً ... مُحمَّلينَ مِن الأحزانِ أوقارا
كأنَّ أنفُسَنا لم ترتحِلْ أَبداً ... أو سِرْنَ في أوَّلِ الحيِّ الذي سارا
ابن طاهر:
قد تحذَّرتُ والحذَرْ ... ليسَ يُنْجي مِنَ القَدَرْ
ليسَ من يكتُمُ الهوى ... مِثْلَ من باحَ واشْتَهرْ
إنَّما يَعرِفُ الهوى ... منْ على مُرِّهِ صَبَرْ
نَفسُ يا نفسُ فاصبْري ... إنَّهُ من صَبَرْ ظَفرْ
وقال:
قامتْ تُودِّعُنا والعينُ ساكِبَةٌ ... كأنّ إِنسانَها في لُجَّةٍ غَرقُ
ثم استدارَ على أرجاء مُقلتِها ... مُبادِراً سَلساً كالدُرِّ يَستَبِقُ
كأَنه حين فار المأْقِيانِ به ... دُرٌّ تَحدَّرَ من أسلاكِهِ نَسَقُ
الحسن بن وهب:
لا وحُبّيك لا أُصا ... فِحُ بالدَّمعِ مَدمَعا
من بكى شَجوَهُ تَعزّى ... وإنْ كان مُوجَعا
ابنُ الروميّ:
ولمَّا أَزمَعوا بيناً وشدّوا ... هَوادِجَهم بأثناءِ النُسوعِ
تلاقَيْنا لقاءً لافْتِراقٍ ... كِلانَا منه ذو قلبٍ مَروعِ
فما افْترَّتْ شَفاهٌ عن ثغور ... بل افْترَّتْ جفونٌ عن دموعِ
عبد الله بن أبي الشّيص:
جَعلتْ تُواصِلُ بالدُموعِ دُموعا ... جَزَعاً ولم تَكُ قبلَ ذاكَ جَزوعا
وجرى لها دمعٌ يُعصْفُرهُ دمٌ ... في صَحن وجنتِها فعاد نجيعا
فكأنَّه خَرزُ العَقيقِ مُفَصَّلاً ... بالدُّر يُحسَبُ سِلكُهُ مقطَوعا
ابن مناذر:
كانوا بعيداً فكنتُ آملُهم ... حتى إذا ما تقاربوا هجروا
فالبعدُ مِنهمْ على جفائِهمُ ... أَنفعُ من هَجرِهم إذا حَضروا
إبراهيمُ بنُ العبّاس:
ألا لا يضرُّ النفسَ هجرانُ ذي الهوى ... إذا غالَهُ صرفُ النّوى ومقادرُهْ
ولكنَّ مثلَ الموتِ هجرانُ ذي الهوى ... حِذارَ الأَعادي والحبيبُ مُجاورُهْ
الأحوص:
يا بيتَ عاتكةَ الذي أتغزَّلُ ... حَذرَ العِدى وبهِ الفؤادُ موكَّلُ
(1/53)

هل عيشُنا بكَ في زمانِكَ راجعٌ ... فلقد تفاحشَ بعدَكَ المتَعلِّلُ
أصبحتُ أمنحُكَ الصدودَ وإنني ... قَسماً إليكِ مع الصدودِ لأميلُ
ولقد نزلتِ من الفؤادِ بمنزلٍ ... ما كانَ غيرُكِ من حبيبٍ يَنزلُ
ولقد شكوتُ إليكِ بعضَ صَبابتي ... وَلمَا كَننتُ من الصَبابةِ أفضلُ
إنَّ الشبابُ وعيشَنَا اللذَّ الذي ... كُنّا به زمناً نُسَرُّ ونَجْذلُ
ذهبتْ بشاشتُه وأصبح ذِكرُه ... شَجَناً يُعلُّ بِهِ الفُؤادُ ويُنْهَلُ
أَودى الشبابُ وأخلقتْ لذَّاتُه ... وأَنا الحزينُ على الشَبابِ المُعولُ
أبكي لِما قَلب الزمانُ جديدَهُ ... خَلقاً وليس على الزَمانِ مُعوَّلُ
إبراهيم بن العبَّاس:
دَنتْ بأُناسٍ عن تَناءٍ زيارةٌ ... وشَطَّ بِلَيْلى عن دُنوٍّ مَزارُها
وإنَّ مُقيماتٍ بمنقطع اللِّوى ... لأَقرَبُ من ليْلى وهاتِيكَ دارُها
كثيِّرٌ:
وإني لأَرْضى منكِ ياعَزَّ بالذي ... لو أيقَنهُ الواشي لقرَّت بَلا بِلُهْ
بِلا، وبأنْ لا أستطيعُ وبالمُنى ... وبالوعدِ حتى يسأمَ الوعدَ آملُهْ
وبالنَظرةِ العَجْلى وبالحَوْلِ تَنْقضي ... أَواخِرُهُ لا نلتَقي وأَوائلُهْ
أَنشد:
ذكرُ الحَبيبِ بِخاطِري ... هو مُؤنسي ومُسامِري
غَرَسَ الهوى شجرَ المُنى ... فحماهُ سِرُّ ضَمائِري
وشَمَمْتُ رَيْحانَ الرِضى ... مِن عالمٍ بِسرائري
يا مَن شَكرتُ صَنيعَهُ ... زِدْني مَزَيَدَ الشاكِرِ
عبد الله بن أبي الشيِّص:
ومُعرِضةٍ تظنُ الهجرَ فَرضا ... تَخالُ لِحاظَها للضَّعْفِ مَرضى
كأني قد قتلتُ لها قتيلاً ... فما مِني بغيرِ الهَجرِ تَرضى
الأشجع:
إذا الليلُ أَلْبَسني ثَوبَهُ ... تَقَّلبَ فيهِ فتىً مُوجَعُ
وها أنتَ تَبكي وهمْ جِيرةٌ ... فكيفَ تكونُ إذا وَدَّعوا
أَتطمعُ في القُرب بعدَ البِعا ... دِ، فَبِئْسَ لَعمرُكَ ما تصنعُ
بشَّار:
يُعيِّرني في حُبِّ عَبدةَ نِسوةٌ ... قلوبُهم فيها مُخالِفَةٌ قلبي
فقلتُ: دَعوا قلبي وما اختارَ وارتضى ... فَبالقلب لا بالعَينِ يُبصرُ ذو اللُبِّ
وما تبصرُ العينانِ في موضِعِ الهوى ... ولا تسمعُ الأُذْنان إلاَّ مِن القلبِ
وما الحُسنُ إلاَّ ما دَعاكَ إلى الصِّبا ... وألَّفَ بينَ الوُدُّ والعاشِق الصَبِّ
ذو الرمَّة:
فياميُّ هلْ تجزينَ ودّي بمثلِهِ ... مِراراً وأَنفاسي إليكِ الزوافِرُ
وإذْ لا يَنالُ الرَكبُ تَهويمَ ساعةٍ ... مِن الليلِ إِلاّ اعْتادَني مِنكِ زائرُ
وأني متى أُشرفْ إلى الجانبِ الذي ... بهِ أَنتِ من بَينِ الخواطرِناظِرُ
العبَّاس:
تَعبٌ يدومُ لذي الرَّجاءِ مع الهوى ... خيرٌ له مِنْ راحةٍ في اليأسِ
لولا محبَّتُكم لمَا عاتَبتُكُمْ ... ولَكُنتُمُ عِندي كِبِعضِ الناسِ
وضدُّه ما أنشده الأصمعيُّ:
ومَوْلىً كأَنَّ الشمسَ بَيني وبَينَهُ ... إذا ما التقَينا لَستُ ممَّنْ أُعاتبُهْ
ولفظه أحسن من لفظ غيره:
إذا أبصَرْتَني أَعرَضتَ عنّي ... كأنَّ الشمسَ مِن قبلي تَدورُ
وفي بيت المتنبي سوء عبارةٍ:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشمسِ فيهِ ... فَفي أَبصارِنا عنه انكِسارُ
النَّمري:
مَنعوا زيارتَه فمُثِّلَ شخصُهُ ... لِلقلبِ، فهو مُحجَّبُ لا يُحْجَبُ
لو كان يقدرُ أن يَبثَّكَ ما بهِ ... لَرأيْتَ أَملحَ عاتِبٍ يتَعتَّبُ
الحمّاني:
تعزَّ بصبرٍ لا وَجدِّكَ لا تَرى ... عِراصَ الحِمى أُخرى الليالي الغوابِرِ
كأنَّ فؤادي مِن تَذكُّرِه الحِمى ... وأَهلِ الحِمى يَهفو به ريشُ طائرِ
العباسُ بنُ الأحنف:
ظلَّتِ الأحزانُ تكحلُني ... مَضَضاً طارتْ له سِنَتي
مِن هَوى ظبيٍ كأنَّ له ... أَرباً بالصَدِّ في ترَتي
قد حَمى طَرْفي مَحاسنَه ... وحَمى تَقْبيله شفَتي
شَرِكَتْ عَيناهُ ظالِمَةً ... في دَمي يا عِظْمَ ما جنَتِ
أعرابي:
أقولُ والدَّهْماءُ تَمشي والفصلْ
(1/54)

قَطعَّتِ الأَحداجُ أَعناقَ الإِبلْ
آخر:
إنَّ لها لَسائقاً خَدَلَّجا
غَضيضَ طَرْفِ المُقْلتينِ أَدعَجا
لم يدَّلِجْ في الليلِ في من أَدْلجا
وقال ابن المُعذَّل:
أنّ السرورَ تَصرَّمتْ أيامُهُ ... مِنّي وفارقَني الحبيبُ المُؤْنِسُ
حالانِ لا أنفَكُّ من إحداهما ... مُستَعبراً أَو باكياً أَتنفَّسُ
ولَمثلهِ بكتِ العيونِ صَبابةً ... ولَمثلهِ حِزِنتْ عليه الأنْفُسُ
نصيب:
بزينبَ ألمْمْ قبلَ أنْ يَظعنَ الرَكْبُ ... وقُلْ إن تملِّينا فما مَلَّكِ القلبُ
وقُلْ إن تُنلْ بالحبِّ منكِ مودةٌ ... فلا مثلَ ما لاقيتُ في حبكْم حُبُ
فمَنْ شاءَ رامَ الصُرْمَ أو قال ظالِماً ... لذي وُدِّه ذنبٌ وليسَ لهُ ذنبُ
خليليَّ مِن كَعبٍ أَلِمّا هُديتُما ... بزينبَ لا تفقِدْ كُما أبداً كعبُ
مِنَ اليومِ زوارها فإنَ ركابَها ... غَداةَ غدٍٍ عنها وعن أهلها نُكْبُ
وَقُولا لَها يا أُمُّ عُثمانَ خُلَّتي ... أَسِلْمٌ لنا في حُبِّنا أنتِ أمْ حربُ
أبو زرعة الدمشقي:
إنَّ حظّي مِمَّن أُحبُّ كَفافُ ... لا صُدودٌ مُقصٍ ولا إسعافُ
كلَّما قلتُ قد أَنابتْ إلى الوَصلِ ... ثَناها عمّا أُريدُ العَفافُ
فَكأنّي بينَ الوصالِ وبين الهَجرِ ... مِمّن مُقامُهُ الأَعرافُ
في محلٍّ بين الجِنانِ وبين النّا ... رِ طوراً أَرجوا وطوراً أَخافُ
العلويُّ البصريُّ:
أَيا طائِرِ الصَمّانِ مالَكَ مُفرَداً ... تأسَّيتَ بي أم عاقَ إلفَكَ عائقُ
أراكَ تَقاضاني لَدى كُلِّ ليلةٍ ... إذا طَفَّلَ الإمساءُ أوَذرَّ شارقُ
أحاوَلْتَ إتياني هَوىً قد ضَمِنتُهُ ... لِفقدانِ إلفٍ ذكرُهُ لكَ شائقُ
فَبي مثلُ ما تشكو فَدُمْ نَصْطَحبْ معاً ... فإنَّك ذَو عِشقٍ وإنيَ عاشقُ
وغنِّ لنا بيتاً من الصوتِ إننّي ... لكَ اليومَ يا بِدْعاً من الطيْرِ وامِقُ
ابن دريد:
أقولُ لورقاويْنِ في فَرْعِ أَيْكَةٍ ... وقد طَفَّلَ الإمْساءُ أو جَنَح العَصرُ
وقد بَسَطَتْ هاتِي لتلكَ جَناحَها ... ومالَ على هاتيكَ من هذه النَحرُ
لِيهْنِكُما أنْ لم تُراعا بِفُرقةٍ ... ولم يَسْعَ في تَشْتيتِ شَملِكُما الدهرُ
فلمْ أَرَ مِثلي قَطَّعَ الشوقُ قلبَهُ ... على أنَّه يَحْكي قَساوتَه الصخْرُ
أبو السَّمْط مَروان:
وَلو لمْ يَهجْني الظاعِنونَ لَهاجَني ... حَمائِمُ وُرْقٌ في الدِيارِ وُقُوعُ
تَباكَيْنَ فاسْتبكينَ مَن كانَ ذا هوىٍ ... نَوائحُ لم تَقطُرْ لَهُنَّ دُموعُ
وإنّي لأُخْفي حُبَّ سَمْراءَ جاهداً ... ويَعلَمُ قَلبي أَنَّهُ سَيشِيعُ
أظلُّ كأنّي واحِدٌ بمُصيبَةٍ ... ألَمَّتْ وأهلي سالِمونَ جميعُ
سعيدُ بن حميد:
فما كانَ حُبّيها لأَوَّلِ نَظرةٍ ... ولا غَمْرةٍ من بَعْدِها فتجلَّتِ
وما كنتُ بالباكي على إثرِ مَن مضى ... وإنْ لم تكُنْ من قُربِهِ النفسُ ملَّتِ
ولكنّها الدُنيا تولَّتْ فما الذي ... يُسَلّي عنِ الدُنيا إذا ما تَوَلَّتِ
وقال ثعلبة بن أوس الكلابي:
وما ذو شُقَّةٍ نقضٌ يمانٍ ... بِنجدٍ ظِلَّ مُغتَرِباً نزِيعا
يُمارِسُ راعياً لا لينَ فيهِ ... وقيداً قد أضرَّ بهِ وَجيعا
إذا ما البرقُ لاحَ له سَناهُ ... حِجازياً سَمِعتَ له سَجِيعاً
بِأكثرَ لوعةً مني ووجْداً ... لو أنّ الشملَ كانَ بِنا جَميعا
عبد الملك بن حبيب:
ألا ليتَ شِعري هلْ أبيتنَّ ليلةً ... بِسلْعٍ، ولم تُغلقْ علي دُروبُ
وإني لأَرعىَ النَّجمَ حتى كأنّني ... على كُلِّ نَجمٍ في السَماءِ رَقيبُ
وأشتاقُ للبرق اليَماني إذا بَدا ... وَيزدادُ شوقي أن تهبَّ جَنوبُ
فما صَدَعٌ أَحمى الرُماةُ مَثابَهُ ... مِنَ الماءِ حتى فرَّ وهو شَذِيبُ
يرى الموتَ دونَ الماءِ لا يَستطيعُهُ ... يحومُ على أرجائهِ ويَلوبُ
بأوجدَ بالماء الزُلالَ تَلُفُّهُ ... إضاءُ فلاةٍ بينهنَّ لُهوبُ
(1/55)

مِن الهائمِ المُشتاقِ قد شَفَّ جِسمَهُ ... دواعي الهَوى تَغدو لهُ وتَؤؤبُ
وقال أبو الشِّيص:
وصِرْتُ مُطَّرَحاً في شرِّ مَنزِلةٍ ... بينَ الظُنونِ وبين الشكِّ والياس
ابن الدمينة:
أحبُّ بِلادِ اللهِ ما بينَ مَنْعجٍ ... وحرَّةِ سَلمى أنْ يَصوبَ سَحابُها
بلادٌ بها حلَّتْ عليَّ تَمائمي ... وأوَّلُ أرضٍ مَسَّ جِلدي تُرابُها
ابن الرومي:
وَلي وطنٌ آليتُ أَلاَّ أَبيعَهُ ... بشئٍ ولا أَلقى لهُ الدهرَ مالِكا
عَهِدتُ به شرخَ الشبابِ ونِعمةً ... كَنعمةِ قوْمٍ أصبحوا في ظِلالِكا
وقَد ألِفتْهُ النفسُ حتى كأنهُ ... لها جسدٌ إن غابَ غودِرْتُ هالكا
وحبَّبَ أوطانَ الرِجالِ إليهمُ ... مَآربُ قضَّاها الشبابُ هنالِكا
إذا ذَكروا أَوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ ... عُهودَ الصِبا فيها فحنّوا لِذَلِكَا
الأخطل:
ولو أبْصرتني دَعدُ في وَسْطِ زَورقٍ ... وقد هاجَتِ الأرواحُ من كلّ جانِبِ
ونفسي على مِثل السِنانِ مُقيمةٌ ... لِما أحدَثَتْ في الماءِ أيدي الجَنائبِ
إذاً لَرَأَتْ مني كئيباً مُتَيَّماً ... يَحنُّ إليها عندَ تلكَ النَوائبِ
ويذكُرُ منها وَصلَها وحديثَها ... على حالةٍ تُنسي وِصالَ الحَبائبِ
العبّاس:
الله يعلمُ ما تركي زيارَتَكُمْ ... إِلاَّ مَخافَةَ أَعْدائي وحُرّاسي
وَلو قَدرْتُ على الإتْيانِ زُرْتُكُمُ ... سَحْباً على الوَجهِ أو مشياً على الراسِ
أبو العتاهية:
قولا لِعُتْبَةَ يا ابْنَةَ الشَّمسِ ... عَذَّبتني بالمَطْلِ والحَبْسِ
إِني لَفي كِتمانِ حُبَّكُمُ ... كَمُطَيِّنٍ يا عُتْبَ للشَّمْسِ
العبّاس:
أُحرَمُ منكُمْ بما أقولُ وقدْ ... نالَ بِهِ العاشِقونَ من عَشِقوا
صِرْتُ كأَني ذُبالَةٌ نُصِبَتْ ... تُضئُ للنّاسِ وَهْي تَحْتَرِقُ
أنشد ثعلب، ويروي لمحارم:
طَرَقَتْكَ زينبُ والرِكابُ مُناخةٌ ... بِجَنوبِ يَثْرِبَ والنّدى يتصبَّبُ
بثنيَّةِ العلَمين وَهناً بَعدما ... خَفَقَ السِماكُ وعارضتْهُ العَقْرَبُ
أَنَّى اهْتديتِ ومن هداكِ وَدوننا ... حَملٌ فَقُلَّةُ عالجٍ فالمَرْقَبُ
فتحيةٌ وكرامةٌ لِخيالِها ... ومَعَ التحيةِ والكرامةِ مَرْحبُ
وزعمتِ أهلَكِ يمنعونكِ رَغبةً ... عنَّي فأهلي بي أضنُّ وأرغبُ
أوَ ليس لي قُرْبى إذا أقصيتني ... حَدَبوا عليَّ وعِندي المُتعَتَّبُ
فَلَئنْ دنوتِ لأدْنُونَّ بعِفَّةٍ ... ولَئِنْ نأيْتِ لَمَا وَرائي أرْحَبُ
يَأبى وجدِّكِ أن أكونَ مقصِّراً ... عقلٌ أعيشُ به وقلبٌ قُلَّبُ
آخر:
إنَّ التي هامَ بها النفسُ ... عاوَدها من سُقمها النُكْسُ
كانتْ إذا ما جاءَها المُبْتَلى ... أبْرأهُ من كفِّها اللَّمسُ
وابأبي الوجهَ المليحَ الذي ... قد حَسَدتْه الجِنُّ والإنْسُ
إن تكُنِ الحُمّى أضرَّتْ بهِ ... فرُبَّما تنكَسِفُ الشَمسُ
المصعبي:
بموضِع أظعانِ اللِّوى ومحلِّهم ... وآثارِ آياتِ الطُلول الدَوارسِ
وبالعهدِ إلاَّ للمحبَّةِ والهوى ... تَنفَّسْتُ وجداً إثرَ تلكَ المَجالِسِ
بشار:
حَوراءُ ألبسَها النعيمُ ثيابَهُ ... كَمُلتْ فكانتْ فوقَ وصفِ المُفرِطِ
ولقد لهوْتُ بها فلم أُظهرْ لها ... سُوءاً ولم أهبِطُ جميعَ المَهبطِ
ديك الجنَّ:
أما والذي أصفاكِ مني مَوَدَّةً ... وحُباً لكُمْ في حبَّةِ القلبِ يُغرَسُ
لَئنْ ظلَّ لي من فقدِ وجهكِ مُوحِشٌ ... لقد ظلَّ لي من طولِ ذِكْرِكِ مُؤنسُ
أُناجيكِ بالأوهامِ حتى كأنَّما ... أراكِ بَعْينيْ فِكْرتي حينَ أَجْلِسُ
ابن الدمينة:
وفي الدمنةِ البيضاءِ إنُ رُمتَ أهلَها ... مَهاً مُهملاتٌ ما عليهنَّ سائسُ
خَرجن لحبِ اللهِ في غيرِ ريبةٍ ... عَفائِفَ باغي اللهو منهُنَّ بائِسُ
يَردْن إذا ما الشمس لم يُخشَ حرُّها ... خِلالَ بساتينِ خَلاهنَّ يابِسُ
(1/56)

إذا الحرُّ آذاهُنَّ لُذْنَ بِغينَةٍ ... كَما لاذَ بالظِلِّ الظباءُ الكوانِسُ
ابنُ مُناذِر:
يَقولونَ لا تَنظُرْ، فتلكَ بَليَّةٌ ... ألا كُلُّ ذي عَيْنينِ لا بُدَّ ناظرُ
وَهل في اكتِحالِ العينِ بالعينِ ريبةٌ ... إذا عفَّ فيما بينهُنَّ السرائرُ
أبو الشيّص:
أما يُحْسِنُ من يُحْسِنُ ... أنْ يغْضَبَ أنْ يرضى
أما يَرضى بِأنْ صِرْتُ ... على الأرضِ لهُ أَرضا
حميد بن ثور:
لم أَلْقَ عمرةَ بعدَ إذ هيَ ناشئٌ ... خَرَجَتْ مُعطَّفةٌ عليها مِئْزرُ
برزَتْ عقيلةَ أَربعٍ هاديْنَها ... بيضِ الوُجوهِ كأنَّهُنَّ العبقَرُ
ذهبتْ بعقلِكَ رَيطَةً مَطويَّةً ... وهيَ التي تُهْدى بها لو تنشرُ
فَهمَمْتُ أنْ أغشى إليْها محجراً ... ولمثلُها يُغشى إليها المَحْجِرُ
آخر:
أرْعشُ إنْ أبصرْتُهُ مُقبِلاً ... كأنَّما تَرجُفُ بي الأرضُ
عَلامةُ العاشِقِ في وَجهِهِ ... رَعْدتُهُ والنظرُ الخَفْضُ
آخر:
أَلا يا عِبادَ اللهِ هذا أخوكُمُ ... قتيلاً فهلْ مِنكُمْ له اليومَ ثائرُ
خُذوا بِدَمي إن مِتُّ كُلُّ خريدةٍ ... مريضةِ جَفْنِ العينِ والطَّرْفُ ساحرُ
آخر:
وَلوْلا الدمعُ حينَ يهيجُ شَوقٌ ... لأَوْدى العاشِقونَ من الزَفيرِ
ولكنْ في الدموعِ لهم شِفاءٌ ... إذا ما الحُبُّ ألهبَ في الصدورِ
ابن المعذَّل:
مثلُكِ في الأرضِ وَبي غفْلًةٌ ... حتى كأني لستُ في الأرضِ
حُبُّكِ فَرضٌ وأرى قُوَّتي ... تعجِزُ عنْ تَأدِيَةِ الفرضِ
الصنوبريُّ:
كَمْ تَفي ثم تُعرِضُ ... وتداوي وتُمرِضُ
ناهياً عن هواكَ مِنْ ... حيثُ تَنْهى تُحَرِّضُ
أترى كلَّ من يَحبُّ ... من الخَلْق يُبْغَضُ
لِيَ دَمعانِ:مُذْهَبٌ ... ذا وَهذا مُفَضَّضُ
إبراهيمُ بنُ العبّاس وأحْسنَ ما شاءَ:
كَمْ قد تجرَّعْتُ من غّمٍ ومن حَزَنٍ ... إذا تجدَّدَ غمٌّ هوَّنَ الماضي
وكمْ غَضِبْتُ فما بالَيْتُمُ غَضبي ... حتى انصَرَفْتُ بقلبٍ ساخطٍ راضِ
آخَرُ:
لو لي لسانٌ عليكَ منبسِطُ ... كنتُ أُجازيكَ حينَ تَختلطُ
لكن لساني إذا استعنتُ بهِ ... يعتادهُ من مهابةٍ غلطُ
تيهٌ وصدٌ وسطوةٌ وقلىً ... أكلُ هذا عليَّ مشترطُ
ما أنصفَ الدهرُ في تصرُّفهِ ... هذا كئيبٌ وذاك مغتبطُ
إسحاق الموصلي:
كأنَّي لم أرحْ للهو يوماً ... ولم أسبِّ المخبَّأةَ الكعابا
كما نسمتْ يمانيةٌ جنوبٌ ... فهاجَ نسيمها إبلاً طرابا
عمر بن أبي ربيعة:
أبرزوها مثلَ المهاةِ تهادى ... بين عشرٍ كواعبٍ أترابِ
ثم قالوا: تحبُّها؟ قلتُ: بهراً ... عدد الرَّملِ والحصى والترابِ
الأحوص:
إذا رمتْ عنها سلوةً قال شافعٌ ... من الحبِّ ميعادُ السلوِّ المقابرُ
ستبقى لها في حبَّةِ القلبِ والحشا ... سريرة حبٍّ يومَ تبلى السرائرُ
النوفلي:
ما كنتُ أيَّام كنتِ راضيةً ... عنَّي بذاكَ الرضى بمغتبطِ
علماً بأنَّ الرضى سيتبعهُ ... منكِ صدودٌ لكثرةِ السخطِ
فكلُّ ما ساءني فعنْ عمدٍ ... وكلُّ ما سرَّني فعنْ غلطِ
عروة:
أمنصدعٌ قلبي من البينِ كلَّما ... ترنَّمَ هدَّالُ الحمامِ الهواتفِ
سجعنَ بلحنِ يصدعُ القلبَ شجوهُ ... على غيرِ علمٍ بافتراقِ الألايفِ
ولو نلتُ منها ما يوازنُ بالقذى ... شفى كلَّ داءٍ في فؤادي حالفِ
ابن المعذل:
ما إنْ ذكرتكَ في قومٍ أجالسهمْ ... إلاَّ تجدَّد من ذكراكَ بلوائي
ولا هممتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ ... إلاَّ وجدتُ خيالاً منكَ في الماءِ
ولا حضرتُ مكاناً لستَ شاهدهُ ... إلاَّ وجدتُ فتوراً بينَ أعضائي
حسبي ودادكَ من خفضي ومن دَعتي ... ومِن سروري ومن ديني ودنيائي
عمر بن أبي ربيعة:
قلتُ وجدي بها كوجدي بالما ... ءِ إذا ما منعتُ بردَ الشرابِ
وهي مكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أديمِ الخدَّينِ ماءُ الشبابِ
ابن المعذل:
(1/57)

عذركَ لي عندي مبسوطُ ... والعتبُ عن مثلكِ محطوطُ
ليس بمسخوطٍ فعالُ امرئٍ ... كلُّ الذي يفعلُ مسخوطُ
الحسين بن الضحاك:
بعضي بنارِ الوجدِ ماتَ حريقا ... والبعضُ منيَّ بالدموعِ غَريقا
لم يشكُ عشقاً عاشقٌ فسمعتهُ ... إلاَّ ظننتكَ ذلكَ المَعْشوقا
الخزيمي:
يا ويحَ من منعَ الحذارُ قراره ... فغدا وراحَ بروعةِ الإشفاقِ
نفسي الفداءُ لخائفٍ مترقِّبٍ ... جعلَ الوداع إشارةً لعناقِ
إذ لا جوابَ لمفحمٍ متحيِّرٍ ... إلاَّ الدموعُ تصانُ بالإطراقِ
العرجي:
باتا بأنعمِ ليلةٍ حتى إذا ... صبحٌ تلوَّحَ كالأغرِّ الأشقرِ
فتلازما ثوبيهُما عندَ النوى ... أخذَ الغريمُ ببعضِ ثوبِ المعسرِ
المجنون:
يا سرحةَ الدوِّ أينَ الدوُّ واكبِدا ... نفسي تذوبُ، وبيتِ الله، من حسرِ
لا زال ظلُّكِ معموراً تفئ بهِ ... تحت الهواجرِ غيدٌ، ناعم الخصرِ
فينانَ ينشرُ في خيطانهِ قضباً ... سكرى تفيّأ بالنوَّارِ والزهرِ
ها أنتِ عجماءُ عن نطقٍ لسائلكمْ ... ما للمنازلِ لم تنطقْ ولم تحرِ
يا قاتلُ اللهُ غزلاناً قرعنَ لنا ... حبَّ القلوبِ بما استودعنَ من حورِ
عنَّت لنا وعيونٌ في براقعها ... مكسوةٌ مقل الغزلانِ والبقرِ
إذا رنت ظبيةٌ منها تخيَّلها ... ليلى إذا ما رنتْ والوجهُ كالقمرِ
باللهِ يا ظبياتِ القاعِ قلنَ لنا ... ليلاي منكنَّ أم ليلى من البشرِ
يا ما أميلحَ غزالاناً شدنَّ لنا ... من هؤليَّاء بين الضالِ والسمرِ
الموصلي:
إقرأ السلامَ على الذُّلفاءِ إذ شحطتْ ... وقل لها: وقد أذقت القلبَ ما خافا
فما وجدتُ على إلفٍ فجعتُ بهِ ... وجدي عليكِ وقد فارقتُ ألاَّفا
أبو حية النميري:
إذا أخذت بعد امتتاع من الكرى ... أنابيب َمن عودِ الأراكِ المخلَّقِ
سقت شعثَ المسواكِ ماءُ غمامةٍ ... فضيضاً بخرطومِ الرحيقِ المعتَّقِ
وإن ذقتَ فاها بعدما يسقطُ النّدى ... بعطفيْ بخنداةٍ رداح المنطَّقِ
شممتَ عرارَ الطلِّ بعد هيميمةٍ ... وريحَ الخزامي في الندى المتفرِّقِ
شرقتَ بريّا عارضيها كأنّما ... شرقتَ بجاديِّ الشرابِ المروَّقِ
وقال عبد الله بن طاهر:
خليليَّ للبغضاءِ حالٌ مبينةٌ ... وللحبِّ آياتٌُ ترى ومعارفُ
فما تنكرُ العينانِ فالقلبُ منكرٌ ... وما تعرفُ العينانِ فالقلبُ عارفُ
سلم الخاسر:
إني لأستحيي من الله أنْ أرى ... رديفاً لوصلٍ أو عليَّ رديفُ
وإني للماءِ المُخالطهِ القذى ... إذا كثرتْ ورَّادهُ لعيوفُ
أبو الشيّص:
ولي مقلةٌ إنسانها يلبسُ الدجى ... وآخرُ في بحرِ الدموعِ غريقُ
على أنها تأوي طروقاً مع الكرى ... خيالاً له بينَ الجفونِ طريقُ
ابن الرُّومي:
وأجيلُ فكري في هوا ... كِ بلا لسانِ ناطقِ
أدعوا عليكِ بحسرةٍ ... من غيرِ قلبٍ صادقِ
أبو قيس بن الأسلت:
ويكرمنها جاراتها فيزرنها ... وتعتلُّ عن إتيانهنَّ فتعذرُ
وليسَ بها أن تستهينَ بجارةٍ ... ولكنَّها من ذاك تعيا وتحصرُ
الأشجع:
من يكُ يهواكَ على شبهةٍ ... فإنَّني في ذاكَ مستبصرُ
الأشجع:
سأمنعُ عيني أن تلذَّ بنظرةٍ ... وأشغلها بالدَّمعِ عن كلِّ منظرِ
معن بن زائدة:
يحنُّ إلى الألاّفِ قلبي وإنَّهُ ... إذا شاءَ عن ألاَّفِه لصبورُ
أبيتُ أناجي الهمَّ حتى كأنَّني ... بأيدي عداةٍ ثائرين أسيرُ
وأرعى نجومَ الليلِ حتى كأنَّما ... يشيرُ إليها بالبنانِ مشيرُ
لعلَّ الذي لا يجمعُ الشملَ غيرهُ ... يديرُ رحى شعبِ الهوى فتدورُ
فتسكن أشجانٌ ويلقى أحبَّةٌ ... ويورقَ غصنٌ للسرورِ نضيرُ
الشَّلغماني:
يا نصيرَ الهوى أعرني دموعاً ... إنَّ دمعي أفناه يوم الفراقِ
تركتني النوى أذلَّ من الأر ... ض، وأبلى من يابس الأوراقِ
أشربُ الكأسَ وهي تشربُ روحي ... بمزاجٍ من دمعي المهراقِ
(1/58)

ما أشدَّ الفراقَ يومَ الفراقِ ... عند ليِّ الأعناقِ بالأعناقِ
مصعب بن عبد الله الزبيري:
ألا أيّها القلبُ الذي كلَّ ليلةٍ ... به من هوى ما لا ينالُ غليلُ
هل أنتَ مفيقٌ؟ إنَّ في اليأسِ راحةً ... وإنَّ غناءَ الوجدِ عنكَ قليلُ
اللاَّحقي:
لم أنسَ يومَ الرحيلِ موقفها ... وطرفُها في دموعها غرقُ
وقولها والركابُ سائرةٌ ... تتركنا هكذا وتنطلقُ
البسّامي:
يا مانعَ العين طيبَ رقدتها ... ومانحَ النفسِ كثرةَ العللِ
علّمني حبك الوقوف على الضَّيم ... وقطعَ الأيامِ بالأملِ
ابن عرفة:
ربَّ ليلٍ سهرتُ في ظلمائهْ ... كاد يقضي عليَّ قبلَ انقضائهْ
يا عنيفاً بعبدهِ لو تراهُ ... واضعاً كفَّهُ على أحشائهْ
وهو يدعوك مبدئاً ومعيداً ... هب لقلبي الشِّفاءَ من بلوائهْ
لتيَّقنتَ أنه بك صبٌ ... وكشفتَ البلاءَ عن حوبائهْ
ابن كيغلغ:
قلبي إليكِ مشوقُ ... من حبِّه ما يفيقُ
أَلقيتِ فيه حريقاً ... فليس يُطفا الحريقُ
وكنت أصبرُ حتى ... حملتُ مالا أُطيقُ
والصَّبر عونٌ ولكنْ ... مالي إليه طريقُ
وقال العلويُّ الكوفيُّ:
إنّي سألتكِ باختلا ... سِ الطَّرفِ من خلل السجوفِ
وبما جنتْ تلكَ العيو ... نُ على القلوب من الحتوفِ
وبماءِ لؤلؤةٍ جرى ... في ماءِ ياقوتٍ مدوفِ
وبحيرةِ الأجفانِ عن ... دَ تضايقِ الدَّمعِ الذروفِ
أن تبعدي ضنَّ البخي ... لِ وغلظةَ المولى العسوفِ
وقال آخر:
فتمنَّيتُ أنْ أرا ... كَ فلّما رأيتُكا
غلبتْ دهشةُ السرو ... ر فلم أملكِ البُكا
وقال عمارة:
ولمّا بدتْ عيرهمْ للنّوى ... وظلَّتْ بأحداجهمْ ترتكُ
ضحكتُ من البينِ مستعبراً ... وشرُّ الشدائدِ ما يضحِكُ
ابن المعذَّل:
أبدى له إلفهُ تذلُّلَه ... وشفَّهُ شوقهُ فأنَّ لهُ
وانقادَ للسُّقم بعد صِحَّتهِ ... حتى برى جسمهُ فأنحلهُ
وخطَّ إذا غابَ عنهُ مؤنسهُ ... في كفِّه شبههُ فمثَّلهُ
فكلَّما غالهُ تشوُّقه ُ ... مال إلى كفِّهِ فقبَّلهُ
سلمٌ الخاسر:
مالي على الخطراتِ لا أنساها ... وأرى محاسنها ولستُ أراها
ويظلُّ يلحاني العذولُ سفاهةً ... وكأنّما يعني العذولُ سواها
البسَّامي:
أبي الدمعُ أن يرقا وجسمي أنْ يبقى ... فما ضرَّ من ملَّكتهُ الرقَّ لو رقّا
جعلتكَ لي مولىً أقرُّ بملكه ... فجدْ لي بإنصافٍ إذا لم ترَ العتقا
أعيذكَ أن تلقى من الحبِّ ما ألقى ... وإن حلتَ عن وصلي وأشتمتَّ بي الخلقا
أفي العدلِ إن ملّكتَ حسناً وبهجةً ... وأنتَ به تحظى وقلبي به يشقى
الأقرع بن معاذ:
أحببتها فوقَ ما ظنَّ الرجال ُ بنا ... حبَّ العلاقةِ لا حبّاً عن الخبرِ
حتى إذا قلتُ: هذا الموتُ أدركني ... ثبت الجنانِ ربيطَ الجأشِ للقدرِ
يهتزُّ في مرطها متنٌ إذا طَّردتْ ... حكى تأوَّد غصنِ البانةِ النضرِ
ياحبَّذا المستقى من فيكِ يبعثهُ ... ماءُ الأراكِ حلا عن باردٍ خصرِ
وقال هدبة بن الخشرم:
ولما دخلتُ السجنَ يا أمَّ مالكٍ ... ذكرتُكِ والأطرافُ في حلقٍ سمرِ
وعند سعيدٍ غيرَ أني أبحْ ... بذكراك إنَّ الأمرَ يذكرُ بالأمرِ
آخر:
أشرفتْ فوقَ قصرها ثم قالتْ ... جعل اللهُ والديَّ فداكا
كلُّ أنثى غيري عليكَ حرامٌ ... وعليَّ من الرجال كذاكا
حرُّ وجهي من الثرى لك نعلٌ ... قدَّ للنعلِ من فؤادي شراكا
جرير:
أتعرفُ رسمَ الدار غيَّره البلى ... ومرُّ رياحٍ قد تهبُّ أعاصرهْ
بها قد أرى سلمى، وسلمى بخيلةٌ ... تراعي مهاً عيناً حساناً محاجرُهْ
أوانسُ لا يصطدنَ إلاّ خلابةً ... وللوحشُ مصطادٌ تصادُ غرائرهْ
قيس بن ذريح:
فإنْ تكنِ الدنيا بلبنى تقلَّبت ... فللدهر والدنيا بطونٌ وأظهرُ
لقد كان فيها للأمانةِ موضعٌ ... وللكفِّ مرتادٌ وللعين منظرُ
(1/59)

وللحائم العطشانِ ريٌّ بكفِّها ... وللمرح الذيَّال خمرٌ ومسكرُ
كأنَّي في أرجوحةٍ فوق أجبلٍ ... إذا ذكرةٌ منها على القلبِ تخطرُ
ابن الزيّات:
نفسٌ تدمى مسالكهُ ... وأنينٌ لستُ أملكهُ
لهوىً لي بتُّ أكتمهُ ... وعواصي الدمعِ تهتكهُ
ابن المعتز:
ألا فاسألوا مقلتي مالها ... فقد غيَّرتْ عبرتي حالها
تلامُ على أن بكتْ شجوها ... وهل يصلحُ الدمعُ إلاّ لها
المخزومي:
أيُّ محبٍ فيك لم أحكهِ ... وأيُّ ليلٍ فيك لم أبكهِ
إن كان لا يرضيك إلاّ دمي ... فقد أذنّا لكَ في سفكهِ
ما شئتَ فاصنعْ غيرَ سترِ الهوى ... بالله، لا تحرصْ على هتكهِ
وقال محمد بن عبد الرحمن الكوفي:
أمزمعةٌ للبينِ ليلى ولم تمتْ ... كأنَّك عمّا قد أظلَّكَ غافلُ
ستعلمُ إن شطَّت بهمْ غربةُ النوى ... وساروا بليلى أنَّ صبركَ زائلُ
أعرابي:
أفي كلِّ يومٍ أنت من لاعج الهوى ... إلى الشمِّ من أعلامِ ميلاءَ ناظرُ
بعمشاءَ من طولِ البكاءِ كأنّما ... بها رمدٌ أو طرفها متحازرُ
تمنّى المنى حتى إذا ملَّت المنى ... جرى واكفٌ من دمعها متبادرُ
كما أرفضَّ سمطٌ بعد ضمٍ يضمُّهُ ... بخيطِ الفتيل اللؤلؤُ المتناثرُ
جرير:
أمّا الحبيب فلا أملُّ حديثه ... وحديثُ من أبغضته مملولُ
ويرى المحبُّ على الحبيبِ ملاحةً ... والطرفُ من دون البغيضِ كليلُ
أبو العميثل:
ألا هل إلى نصَّ النواعج بالضحى ... وشمَّ الخزامى بالعشىِّ سبيلُ
بلادٌ بها أمسى الهوى غير أنَّني ... أميلُ مع المقدارِ حيثُ يميلُ
الأشجعي:
فلّما أن دنا منّا ارتحالٌ ... وقرِّبَ ناجياتُ السيرِ كومُ
تحاسر واضحاتٌ اللونِ غرٌ ... على ديباجِ أوحهها النعيمُ
فجئن مودِّعاتٍ والمطايا ... لَدى أكوارها خوصٌ هجومُ
فقائلةٌ ومثنيةٌ علينا ... تروعُ ومالها فينا حميمُ
مشيعة الفؤاد ترى هواها ... وقرَّة عينها فيمن يقيمُ
تعدُّ لنا الشهور وتحتصيها ... متى هو حائنٌ منا قدومُ
وأخرى لبُّها معنا ولكن ... تجلَّدُ وهي واجمةٌ كظومُ
متى تر غفلة الواشين عنها ... تجد بدموعها العين السَّجومُ
فكم في تلعةٍ بين المصلّى ... إلى أحدٍ إلى ما حاز ريمُ
إلى الجمَّاء من وجهٍ أسيلٍ ... تقيِّ اللونِ ليس به كلومُ
الحسينُ بن الضحَّاك:
يا صاحبيَّ دعا الملامةَ إنَّما ... شرُّ الملامة أن يلامَ الموجعُ
أألامُ في طلبِ الأحبةِ بعدما ... حنَّتْ من الطربِ الحمامُ النزَّعُ
ابن داود:
يا ويحَ من ختل الأحبَّةُ قلبهُ ... حتى إذا ظفروا به قتلوهُ
عزّوا ومالَ به الهوى فأذلَّهُ ... إنَّ العزيزَ على الذليلِ يتيهُ
أنظرُ إلى جسدٍ أضرَّ به الهوى ... لَولا تقلُّبُ طرفهِ دَفنوهُ
من كان خلواً من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفهُ وأخوهُ
أعرابي:
وواضحة المقلَّد أمُّ طفلٍ ... تذكِّرني سليمى مقلتاها
إذا نظرتْ عرفتُ النحرَ منها ... وعينيها ولم نعرفْ سواها
صدرتُ بصحبتي أن يذعروها ... بمحنيةٍ ترودُ إلى طلاها
كرهنا أن نفزِّعها فقلنا ... أشلَّ الله كفَّي من رمادها
خالد:
جسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكمُ ... فالجسمُ في غربةٍ والروح في وطنِ
فليعجبِ الناسُ مني أنَّ لي بدناً ... لا روحَ فيه، ولي روحٌ بلا بدنِ
ذو الرمَّة:
خليليَّ لمّا خفتُ أن تستفزَّني ... أحاديثُ نفسي بالهوى واهتمامها
تداويتُ من ميٍّ بتكليمةٍ لها ... فما زادَ إلاّ ضعف دائي كلامها
مسلم:
يا نظرةً نلتها على حذرٍ ... أوَّلها كانَ آخرَ النظرِ
إن يحجبوها عن العيونِ فقد ... حجبتُ عيني لها عن البشرِ
آخر:
إذا طلعتْ شمسُ النهارِ فسلِّمي ... فآيةُ تسليمي عليكِ طلوعها
بعشر تحيّاتٍ إذا هي أشرقتْ ... وعشرٍ إذا اصفرَّتْ وحانَ وقوعها
كشاجم:
(1/60)

نفوسُ الخلقِ أسرى في يديهِ ... وثوبُ الحسنِ مخلوعٌ عليهِ
سررتُ بأنْ ذبلتُ وذبتُ شوقاً ... لعلَّ الريحَ تسفي بي إليهِ
الصنوبري:
شكوتُ إليك من قلبٍ قريحِ ... بدمعٍ في شكايتهِ فصيحِ
عذرتُكَ لو حملتُ هواكَ مني ... على كبدٍ وجثمانٍ صحيحِ
ألستَ ترى الهوى لم يبق مني ... سوى شبحٍ مطيعٍ كلَّ ريحِ
أخذه من قول المجنون:
ألا إنّما غادرت يا أمَّ مالكٍ ... صدىً أينما تذهبْ به الريحُ يذهبِ
المتنبي:
روحٌ تردَّدُ في مثلِ الخيال إذا ... أطارتِ الريحُ عنه الثوبَ لم يبنِ
كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إياكَ لم ترني
آخر:
إن بحتُ باسمك لم آمن عليك وإن ... كتمتُ حبُّك لم آمن على بدني
فقد وقفتُ على حالين من عطبٍ ... فانظُر لعبدكَ يا ذا المنظرِ الحسنِ
وقال أحمد بن أبي طاهر:
يقول العاذلاتُ تسلَّ عنها ... وَداو غليلَ قلبك بالسلوِّ
فكيف ونظرةٌ منها اختلاساً ... ألذُّ من الشماتة بالعدوِّ
ابن المعذَّل:
القلبُ بعدك لم يسكن إلى سكنِ ... والعينُ بعدكِ لم تنظرْ إلى حسنِ
كأنَّما الروحُ لما غبتمُ بعدتْ ... حتى إذا عدتمُ عادتْ إلى بدني
ذو الرمَّة:
فلا برء من ميّ وقد حيل دونها ... فما أنت فيما بين هاتين صانعُ
أمستوجبٌ أجر الصّبور فكاظمٌ ... على الوجدِ أم مبدي الضمير فجازعُ
خالد:
لم ينسنيك سرورٌ لا ولا حزنٌ ... وكيف ذا كيف ينسى وجهكِ الحسنُ
ولا خلا منكِ قلبي لا ولا بدني ... كلَّي بكلِّكِ مشغولٌ ومرتهنُ
أبو العتاهية:
وما طلعتْ إلا رميتُ بزفرةٍ ... على الأرضِ مني ساعةً ثم أسبتُ
وإلاّ استقلَّتني على الأرض رعدةٌ ... يكادُ فؤادي عندها يتفتَّتُ
وما رحمتني يوم ولَّت وأسرعتْ ... وقد تركتني قائماً أتلَّفتُ
وقال إسماعيل القرطيسي:
قالتْ جننتَ على رأسي فقلتُ لها ... الحُبُّ أعظمُ ممَّا بالمجانينِ
الحبُّ ليس يفيقُ الدهر صاحبهُ ... وإنّما يصرعُ المجنونُ في الحينِ
أعرابي:
ألا طرقت ليلى الرفاقَ بسحرةٍ ... ومن دونِ ليلى يذبلٌ فالقعاقعُ
على حين ضمَّ اليلُ من كلِّ جانبٍ ... جناحيه، وانصبَّ النجومُ الضواجعُ
طمعتُ بليلى أن تريع وإنَّما ... تقطِّعُ أعناقَ الرجالِ المطامعُ
وبايعتُ ليلى في الخلاءِ ولم يكنْ ... شهودي على ليلى عدولٌ مقانعُ
وما كلُّ ما منَّتكَ نفسكَ خالياً ... تُلاقي، ولا كلُّ الهوى أنتَ تابعُ
ابن الدمينة:
أفي كلِّ يومٍ أنت رامٍ بلادها ... بعينين إنسانا هما غرقانِ
ألا فاحمِلاني باركَ اللهُ فيكما ... إلى حاضرِ الروحاءِ ثم دَعاني
أعرابي:
باتتْ تشوقُني بِرَجْعِ حنينهِا ... وأزيدها شوقاً برجعِ حنيني
نِضْوينِ مغتربينِ بينَ مهامهٍ ... طَوَيَا الضُلوع على جوىً مكنونِ
ابن المعذَّل:
ويلي على أغيد ممكور ... وساحرٍ ليس بمسحورِ
يؤثرهُ الحور علينا كما ... نؤثره نحن على الحورِ
الخثعمي:
يوم الفراقِ لقد تركتَ حرارةً ... تبقى على الأيّامِ والأزمانِ
لمّا رأيتُ جمالهم مزمومةً ... ودَّعتهمْ فأجابَت العَينانِ
فتبَادَرتْ في الوجنتينِ دُموعها ... كالرِّشح فوقَ شقائقِ النُعمانِ
أبو سعيد المخزومي:
هوىً لا يستريحُ ولا يُريحُ ... وقلبٌ من تذكُّره جريحُ
فإنْ يكُ سرُّ قلبكِ أعجميّاً ... فإنَّ الدمعَ نمَّامٌ فصيحُ
آخر:
نمَّ دَمعي فليسَ يكتمُ شيئاً ... ووجدتُ الضميرَ ذا كتمانِ
كضمير الكتابِ أخفاه طيٌّ ... فاستدلّوا عليه بالعيونِ
أعرابي:
فما الشَّهدُ والمسكُ الفتيقُ على الظَّما ... بأطيبِ من ماء الحسا والوقائعِ
أتتك بِريّاهُ الصَّبا وبحنوةٍ ... من الليل أنفاسُ الرياحِ الزعازعِ
الرَّقاشي:
وقد شاقني نوحُ قمريَّةٍ ... هتوفِ العِشاءِ طَروبِ الضُحى
من الورقِ نوَّاحةٍ باكرًتْ ... عسيبَ أشاءً بذاتِ الغضا
(1/61)

لأبي صفوان الأسدس:
يميلُ عليها بلحنٍ لها ... يذكِّرُ للصبِّ ما قد مَضى
مُطوَّقةٍ كسيَتْ زينةً ... بدعوةِ نوحٍ لها إذْ دعا
فَلم أرَ باكيةً قبلَها ... تبكيِّ ودمعتُها لا ترى
ربيعة الرَّقِّيّ:
لقد تركتْ فؤادكَ مُستجنّا ... مُطوَّقةٌ على فننٍ تغني
تميلُ بِه وتركبُهُ بلحنٍ ... إذا ما عنَّ للمُشتاقِ أنّا
فلا يَحزُنكَ أيامٌ تولىّ ... تذكُّرُها ولا طيرٌ أرنّا
أبو محمد المخزومي:
صادتكَ بالحسْنِ وبالإحسانِ ... إنسانَةٌ ساحرةٌ الإنسانِ
إنَّ عناناً مَلكتْ عناني ... واستمْطرَتْ عيني من الهجرانِ
والحبُّ أعمى مالَهُ عينانِ
وقال أعرابي:
فو اللهِ ما أدري أزيدتْ ملاحةً ... أمِ الحبُّ مثلما قيل في الحبِّ
أعرابي:
وقد أرسلَتْ في السرِّ أنْ قد فضحتَني ... وأعربْتَ عَني في النَسيبِ ولم تُكنِ
وأشمتَّ بي أهلي وجلَّ عشيرتي ... فإنْ كانَ يهينكَ ذا فهو الذي يهنيِ
جعيفران:
أبدَتْ على البينِ أطرافاً مُخضَّبةً ... لما تولَّتَ وخافَتْ حُرقةَ البيْنِ
وَوَدَّعَتْني وما هَمَّتْ وما نَطَقَتْ ... وإنَّما نطقتْ وَحْياً بِعَينَينِ
بلى فلو أوْمَأَتْ نحوي بإصبعِها ... إِيماءةً ختلتْ عنها الرقيبينِ
بشَّار:
إني لمنتظِرٌ أقصى الزمانِ بها ... إنْ كانَ أدناهُ لا يصفو لجيرانِ
لَعَلَّ يوماً إلى يومٍ يقلِّبُها ... والدهرُ يلبسُ ألْواناً بألوانِ
هلْ تعلمِينَ وراءَ الحبِّ منزِلَةً ... تُدني إليكِ فإنَّ الحبَّ أقصاني
أعرابي:
أقول لعيسٍ قد برى السَّيرُ نيَّها ... فلم يبقَ منها غيرُ عظمٍ مجَلَّدِ
خُذي بي ابتلاكِ اللهُ بالشّوقِ والهوى ... وهاجَكِ أصواتُ الحمامِ المغرِّدِ
فطارتْ مِراحاً خوفَ دعوةِ عاشقٍ ... تجوبُ بي الظلماء في كل فَدْفَدِ
فلمّا ونتْ في السَّيرِ ثنَّيتُ دعوتي ... فكانتْ لها سَوطاً إلى ضحوةِ الغدِ
وقال أبو العتاهية:
أصبحتُ بالبصرةِ ذا غُربَهْ ... أُدفعُ من هَمّ إلى كُربهْ
أطلبُ عُتبى من حبيبٍ نَأى ... وليس لي عتبي ولا عتبهْ
محمد بن ثابت:
لا تَعجلوا لملامتي ... فامتْ عليَّ قِيامَتي
وهويت أحسنَ من مشى ... فلقد عدمتُ سلامَتي
عُلِّقْتُها فابتعتُ طو ... لَ تَذَ لُّلي بِكَرامتي
مَنْ كانَ يُعرَفُ بالعلا ... مةِ فالهمومُ عَلامَتي
وقال ذو الرُمَّة:
وودَّعن مشتاقاً أصبنَ فؤادهُ ... هواهنَّ إن لم يصرِهِ اللهُ قاتِلُهْ
أطاعَ الهوى لما رمَته بحبلهِ ... على ظهرِه بعد العتاب عواذلُهْ
إذا القلبُ لامُستحدثٌ غير وَصِلها ... ولا شُغُلٌ عن ذكرِميَّةَ شاغِلُهْ
وقال أبو العتاهيةِ:
وأنتِ لو أحسنتِ أحيَيتِني ... يا عتبَ يا ضُرّي ويا نَفعي
بقبلةٍ موقعها في الحشا ... كموقعِ الماءِ من الزرعِ
الصنوبريّ:
أيها الساخطُ المقيمُ على الهجْ ... ر أعِذْ منه عائذاً برِضاكا
كيفَ أهوى خلقاً سواكَ وماتُبْ ... صِرُ عيني في الخلقِ خلقاً سِواكا
لي أذنٌ صمّاءُ حتى أناجِي ... كَ وعينٌ عَمياءُ حتى أراكا
المبرِّدُ قال: أنشدني أحمدُ بنَ عبدِ الله بي طاهر:
يا جبلَ السمَّاق سقياً لَكا ... ما فعلَ الظبي الذي حلّكا
فارقتُ أطلالكَ لا أنَّهُ ... قلاكَ قلبي لا ولا ملَّكا
فأيّ لذَّاتِك أبكي دَماً ... ماءكَ أم طينكَ أم ظلَّكا
أم نفحاتٍ منكَ تأتي إذا ... دَمعُ النَّدى تحتَ الدُجى بَلَّكا
أعرابيّ:
مَضى الظاعنونَ فلمْ يَربَعوا ... وَكانوا على رقبةٍ أجمعُوا
ألا كاتبوكَ ألا راسَلو ... كَ ألا آذنوكَ ألا ودَّعُوا
فإن كنتُ تجزعُ من بينهِم ... فمثلكَ من بينهمْ يجزعُ
همُ صنعوا بك مالا يحِ ... لُّ ولو راقبوا اللهَ لم يَصنَعُوا
ابن الحداديَّة:
فمالكَ منْ حادٍ حَبَوتَ مقيَّداً ... وأخنى على عِرنين أنفك َ جادِعُ
(1/62)

فإن تلقينْ أسماءَ قبلي فَحَيِّها ... وسلْ كيفَ تُرعى في المغيبِ الودائِعُ
وَظنِّي بها حِفظٌ لغَيبي ورعيةٌ ... لما استودعتْ والظنُّ بالغيبِ واسِعُ
بَكتْ من حديثٍ بثَّهُ وأشاعَهُ ... ولفَّقَهُ واشٍ من القومِ واضِعُ
بَكتْ عينُ من أبكاكِ لا يشجُكِ البُكا ... ولا تتخالَجكِ الأمورُ النوازِعُ
ولا يسمعنْ سِرِّي وسِرِّك ثالِثٌ ... ألا كُلُّ سِرٍ جاوزَ اثنينِ شائِعُ
فكيفَ يشيعُ السِرُّ مني ودونَهُ ... حجابٌ ومنْ دونِ الحجابِ الأضالِعُ
ابن الرومي:
مابالُها قد حُسِّنتْ ورَقيبُها ... أبداً قبيحٌ قُبِّحَ الرقباءُ
ما ذاكَ إلاَّ أنَّها شمس الضُحى ... أبداً يكونُ رقيبها الحرباءُ
وعلى ذِكرِ الرقيبِ قول ديك الجنِّ طريفٌ:
عينَ الرقيبِ غرقتِ في بحرِ العمى ... لا أنت لا بلْ عينُ كلِّ رقيبِ
من عاشَ في الدنيا بغير حبيبِ ... فحياتُهُ فيها حياةُ غريبِ
أعرابي:
لِسهمِ الحبِّ كَلْمٌ في فؤادي ... ولا كالكلمِ منْ عينِ الرقيبِ
تمكَّنَ ناظراهُ به فأضحى ... مكانَ الكاتبين منَ الذُنوبِ
ولو سقطَ الرقيبُ من الثُريَّا ... لَصُبَّ على مُحِبٍّ أو حبيبِ
آخر
والناسُ يشكونُ الرقيبَ وإنَّما ... شكوايَ للمرقوبِ طولَ زَماني
ابن أبي فنن:
ومنْ حذرِ الرقيبِ إذا التقينا ... نُسَلِّمُ كالغريبِ على الغريبِ
ولولاهُ تشاكَينا جميعاً ... كما يشكو المُحِبُّ إلى الحبيبِ
ابن المعتز:
موقفٌ للرقيبِ لا أنساهُ ... لستُ أختارُهُ ولا آباهُ
مرحباً بالرقيبِ منْ غيرِ وعدٍ ... باتَ يجلو عليَّ من أهواهُ
لا أحبُّ الرقيبَ إلاَّ لأنّي ... لا أرى من أحبُّ حتى أراهُ
إسحاقُ بن المهلّبي:
هبيني يا معذِّبتي أسأتُ ... وبالهجرانِ قبلكمُ بدأتُ
فأينَ الفضلُ منكِ فدتكِ نَفْسي ... عليَّ إذا أسأتِ كما أسأتُ
عبيدُ اللهِ بن عبد اللهِ بن طاهر:
أتهجرونَ لكي نُغرى بكُم تيها ... لَحَقُّ دعوةِ صبٍّ أن تجيبوها
أهدى إليكمْ على نأيٍ تحيَّتَهُ ... حيُّوا بأحسنَ منها أو فَرُدُّوها
زَمُّوا المطايا غداةَ البينِ واحتَملُوا ... وخلَّفوني على الأطلالِ أبكيها
شيَّعتُهم فاسترابوني فقلتُ لهمْ ... إني بعِثتُ مع الأجمالِ أحدوها
قالوا: فما نَفَسٌ يعلوا كَذا صعدا ... وما لعينكَ لا تَرقا مَآقيها
قلت: التنفُّسُ من إدمانِ سيركمُ ... ودمعُ عينيَ جارٍ من قَذىً فيها
حتى إذا أنجدوا والليلُ مُعتكرٌ ... خفَّضتُ في جُنحهِ صوتي أناديِها
يا منْ بهِ أنا هيمانٌ ومختبَلٌ ... هل لي إلى الوصلِ من عقبى أرجِّيها
جرير:
أما تتَّقينَ اللهَ إذ رُعت ِ محرماً ... سرى ثم ألقى رحله وهو هاجِعُ
أخالدُ ما من حاجةٍ تنبري لنا ... بذكراكَ إلا ارفضَّ منها المدامعُ
سَلِمتَ وجادتكَ الغيوثُ الروائعُ ... فإنكَ وادٍ للأحبَّةِ جامعُ
الحارث بن كلدة:
وما عسلٌ بباردِ ماءِ مُزنٍ ... على ظمأ لشاربه يشابُ
بأشهى من لقائهم إلينا ... وكيفَ لنا بهم ومتى الإيابُ
يحنُّ إليهمُ قلبي فأمسى ... كأني من تذكرهمْ مصابُ
وأزجرُ للتخوُّفِ كلَّ طيرٍ ... وبعضُ الطير أحياناً صوابُ
فيعجبني السوانحُ سالماتٍ ... ويحزنني إذا نعبَ الغرابُ
ذو الرمة:
دعاني وما داعي الهوى من بلادِها ... إذا ما نأتْ خرقاءُ عني بغافلِ
لها الشَّوقُ بعد الشَّحطِ حتى كأنّما ... علاني بحمَّى من ذواتِ الأفاكلِ
وما يومُ خرقاءَ الذي نلتقي به ... بنحسٍ على عيني ولا متطاولِ
إذا قلتُ قطَّعْ وصلَ خرقاءَ واجتنبْ ... زيارتها تخلقْ حبالَ الوسائلِ
أبتْ ذكرٌ عوَّدنَ أحشاءَ قلبهِ ... خفوقاً ورقصاتُ الهوى في المفاصلِ
أما الدَّهرُ من خرقاءَ إلا كما أرى ... أنينٌ وتذرافُ الدموعِ الهَواملِ
ابن أبي عيينة:
سَألتكِ بالمودَّةِ والجوارِ ... دُعاءَ مصرِّحٍ بادي السِّرارِ
(1/63)

وإني عنكِ مُسشتغلٌ بِنفْسي ... ومحترقٌ عليكِ بغيرِ نارِ
وأنتِ توقَّرينَ وليس عندي ... على نارِ الصَّبابةِ منْ وقارِ
ومُرسلةٍ غداةَ وصلتُ دُنيا ... تعيِّرني وليسَ عليَّ عاري
تقولُ: تركتني واخترتَ دُنيا ... نَعمْ فجمدتُ عاقبةَ اخْتياري
الحمَّاني:
مُؤرَّقٌ من سهدِهْ ... مُعذَّبٌ مِنْ كمدِهْ
خَلا بهِ السُّقمُ فما ... أسرعهُ في جسدهْ
يرحَمُهُ ممَّا بهِ ... مِن ضُرِّهِ ذو حسدِهْ
كأنَّ أطرافَ المُدى ... تجرحُ أعلى كَبِدِهْ
ابن بشير:
أفؤادٌ مُستهامُ ... وجفونٌ لا تَنامُ
ودُموعٌ أبدَ الده ... رِ على خَدّي سِجامُ
وحبيبٌ كلّما خا ... طبتُهُ قال: سلامُ
فإذا ما قلتُ زُرني ... قالَ لي ذاكَ حرامُ
وقال عبد الله بن طاهر:
صبٌّ كئيبٌ يشتكيكَ الهوى ... كَما اشتَكى خصرُكَ منْ ردفِكا
لِسانُه عنْ وصفِ أسقامِهِ ... أكلُّ منهُ عن مدى وصفِكا
أخر:
لمْ يبقَ إلاَّ نفسٌ خافِتُ ... ومقلةٌ إنسانها باهتُ
ومُغرمٌ توقدُ أحشاؤهُ ... بالنّارِ إلاَّ أنَّهُ ساكتُ
لم يبقَ من أعضائهِ مفصلٌ ... إلاَّ وفيهِ سقمٌ ثابتُ
وقال نعيم بن عتاب الوالبي:
يا عينُ لا تستعجلي بمائكِ
واطْوي الحَشا طيًّا على حيائكِ
واعتصمي بالشَّيبِ من بكائكِ
فإنَّ في الحيِّ شِفاءَ دائِكِ
جنِّيةٌ منْ مالكِ بن مالكِ
عزَّتْ على الحيِّ فلم تُشارِكِ
كأنّها بين سُجوفِ الحائكِ
على الحَشايا وعلى الأرائِكِ
في الخزِّ والمعلمةِ الدَرانِكِ
بين حجالِ السُندسِ الحوالكِ
دعصانِ من عُجمةِ رَملِ عاتِكِ
في الشَّرقِ بينَ الديمِ الرَكائكِ
ويحكِ يا جنيَّ هل بَدا لكِ
أنْ ترجعي عقلي قبل ذلِكِ
والله ما مدْحيكِ من نوالِكِ
ولا عطاءٍ من جَزيلِ مالِكِ
مِنْ يَدكِ اليُمنى ولا شمالِكِ
إلاَّ امتلاءُ العينِ من جمَالِكِ
وحسبٌ تمَّ إلى كمالِكِ
ويْلي عليكِ وعلى أمثالِكِ
أبو العتاهية:
يقولُ أناسٌ لو نعتَّ لنا الهوى ... ووالله ما أدري لَهمْ كيفَ أنعِتُ
سقامٌ على جِسمي كثيرٌ موسَّعٌ ... ونومٌ على عيني قليلٌ مُفوَّتُ
إذا اشتدَّ ما بي كان أفضلُ حيلتي ... له وضعَ كفّي فوقَ خدّي وأسكتُ
ذو الرمة:
وقد زوَّدتْ ميٌ على النأي قلبهُ ... علاقاتِ حاجاتٍ طويلٍ سقامها
فأصبحتُ كالهيْماء لا الماءُ مبرئٌ ... صَداها ولا يقضي عليها هيامها
كأنّي غداةَ البينِ يا ميُّ مدنفٌ ... أُعالجُ نفساً قد أتاها حمامُها
حذارَ احتِذامِ البينِ أقرانَ طيَّةٍ ... مُصيبٍ لوَقرانِ الفُؤادِ انجذامُها
جريرٌ:
أنمضي بالرسومِ ولا تُحيّا ... كلامكمُ عليَّ إذنْ حرامُ
أقيموا إنَّما يومٌ كيومٍ ... ولكنَّ الصديقَ له زمامُ
بنفسي من تحيَّته عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارتُه لمامُ
ومن أمسي وأصبحُ لا أراهُ ... ويطرقني إذا هجعَ النيامُ
أليسَ لما طلبتُ فدتكِ نفسي ... قضاءٌ أو لحاجتيَ انصرامُ
فدىً نفسي لنفسكِ من ضجيعٍ ... إذا ما التجَّ بالسِّنةِ المنامُ
أتنسى إذ تودِّعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقيَ البشامُ
تركتِ محلَّئينِ رأوا شفاء ... فحاموا ثم لم يردوا وحاموا
فلو وجدَ الحمامُ كما وجدنا ... بسلمانينَ لا كتأبَ الحمامُ
فما وجدتْ كوجدكَ يومَ قُلنا ... على ربعٍ بناظرةَ السَّلامُ
الحسن بن داود الجعفري:
حرامٌ علي عينٍ أصابتْ مقاتلي ... بأسهمها من مهجتي ما استحلَّتِ
دعتْ قلبيَ المنقادَ للحبِّ فانثنى ... إليها فلّما أن أجابَ تولَّتِ
العرجي:
قالتْ كلابةُ منْ هذا؟ فقلتُ لها: ... هذا الذي أنتِ من أعدائهِ زعموا
أنا الذي لجَّ بي حبُّ فأحرضني ... حتى ضنيتُ وأبلى جسمي السقمُ
المؤمّل:
حلمتُ بكم في نومتي فغضبتمُ ... ولا ذنب لي إن كنتُ في النوم أحلمُ
(1/64)

سأطردُ عني النومَ إن جاء خالياً ... على حين حانَ النومُ والناسُ نوَّمُ
وقد خبَّروني أنَّها نذرتْ دمي ... ومالي بحمدِ الله لحمٌ ولا دمُ
ذو الرمة:
إذا قلتُ: أسلو عنكِ يا ميُّ لم يزلْ ... محلٌ لدائي من دياركِ ناكسُ
نظرتُ بجرعاءِ السبيَّةِ نظرةً ... ضحىً وسوادُ العينِ في الماءِ قالسُ
إلى ظعنٍ يقرضنَ أجوازَ مشرفٍ ... شمالاً وعن أيمانهنَّ الفوارسُ
تبسَّمن عن درٍ كأنَّ رضابها ... ندى الرملِ مجَّته العهادُ القوالسُ
على أقحوانٍ في حناديجِ حرَّةٍ ... يناصي حشاها عانكٌ متكادسُ
وألمحنَ لمحاً عن خدودٍ أسيلةٍ ... رواءٍ خلا ما أنْ تشفَّ المعاطسُ
كما أتلعت من تحت أرطى صريمةٍ ... إلى نبأةِ الصوتِ الظباءُ الكوانسُ
سلم الخاسر
تمنَّيتها حتى إذا ما رأيتها ... رأيت ُ المنايا شرَّعاً قد أظلَّتِ
وصدَّتْ بوجهٍ يبهرُ الشمسَ حسنهُ ... إذا ما رأته أعينُ الناس كلَّتِ
فللعينٍ تهمالٌ إذا ما رأيتها ... وللقلبِ وسواسٌ إذا العينُ ملَّتِ
جرير:
فليتَ الظاعنينَ همُ أقاموا ... وفارقَ بعضُ ذا الأنسِ المقيمِ
فما العهدُ الذي عهدتْ إلينا ... بمنسيِّ البلاءِ ولا ذميمِ
أعاذلَ طالَ ليلكِ لم تنامي ... ونامَ العاذلاتُ ولم تنيمي
إذا مالمتني وعذرتُ نفسي ... فلومي ما بدالكِ أنْ تلومي
الأقرع بن معاذ:
وما حائماتٌ حمنَ يوماً وليلةً ... على الماء يغشينَ العصيَّ حوانِ
يرينَ حبابَ الماء والموتُ دونهُ ... وهنَّ بأبصارٍ إليهِ روانِ
لوائبُ لا يصدرونَ عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دوانِ
بأكثرَ مني فرطَ شوقٍ وغلَّةٍ ... إليكم ولكنَّ العدوَّ عداني
الضحاك العقيلي:
كفى حزناً أني تطاللتُ كي أرى ... ذرى علمي دمخٍ قما تريانِ
كأنَّهما والآلُ يجري عليهما ... من البعدِ عينا برقعٍ خلقانِ
ألا حبَّذا واللهِ لو تعلمانهِ ... ظلالكما يا أيَّها الطللانِ
وماؤكما العذبُ الذي لو شربتهُ ... وبي صالبُ الحمّى إذاً لشفاني
ذو الرمة:
ألا لا أرى مثلَ الهوى داء مسلمٍ ... كريمٍ ولا مثلَ الهوى ليمَ صاحبهْ
فإنْ يعصهِ تبرحْ معاناتهُ بهِ ... وإن يتَّبعْ أسبابه فهو عائبهْ
نظرتُ إلى أظعانِ ميٍّ كأنّها ... موليةً ميسٌ تميلُ ذوائبهْ
فأبديتُ من عينيَّ والصدرُ كاتمٌ ... بمغرورقٍ نمَّتْ عليَّ سواكبهْ
هوى آلفٍ جاءَ الفراقَ ولم تجلْ ... جوائلها أسرارهُ ومعاتبهْ
ربيعة بن الأشهب:
كأنَّ بجيدها والنَّحرِ منها ... إذا ما أمكنتْ للناظرينا
مخطاً كان من قلمٍ دقيقٍ ... فخطَّ بجيدها والنحر نونا
مرداس بن مسعود:
إذا اكتحلتْ عيني بهندٍ كحلتها ... من المسكِ والكافورِ يختلطانِ
وإن تختلج واللهِ عيني بغيرها ... وذي العرشِ أكحلها من القطران
قيس بن ذريح:
أيا حزنا وعاودني رداعي ... وكان فراقُ لبنى كالخداعِ
تكنَّفني الوشاةُ فأزعجوني ... فياللهِ للواشي المطاعِ
فأصبحتُ الغداةَ ألومُ نفسي ... على شيءٍ وليس بمستطاعِ
كمغبونٍ يعضُّ على يديه ... تبيَّنَ غبنهُ بعدَ ابتياعِ
دريد:
لولا العزيمةُ أنها من شيمتي ... للحقتُ يومَ وداعك الأظعانا
فلقد طبعت على هواكِ بخاتمٍ ... وجعلتُ ذكري للهوى عنوانا
ذو الرمة:
فلما عرفتُ الدارَ غشَّيتُ عمَّتي ... شآبيبَ دمعٍ لبسةَ المتلثِّمِ
مخافةَ عيني أن تنمَّ دموعها ... عليَّ بأسرارِ الحديثِ المكتَّمِ
أحبُّ المكانَ القفرَ من أجل أنني ... به أتغنىَّ بآسمها غير معجمِ
فلم يبق إلا أن مرجوعَ ذكرها ... نهوضٌ بأحشاءِ الفؤادِ المتيِّمِ
إذا ما رآها عينه هيضَ قلبهُ ... بها كآنهياضِ المتعب المتهشمِ
ومن يكُ ذا وصلٍ فيسمعْ بوصله ... أحاديثَ سواقِ الأحاديثِ يصرمِ
تغيَّرتِ بعدي أو وشى الناسُ بيننا ... بما لم أقلهُ من مسدًّى وملحمِ
(1/65)

بشار:
يا قَّرةَ العينِ إني لا أسمِّيكِ ... أكني بأخرى أسمِّيها وأعنيكِ
أخشى عليكِ من الجارات حاسدةً ... أو سهمَ غيرانَ يرميني ويرميكِ
لولا الرقيباتُ إذ ودَّعت رائحةً ... قبَّلتُ فاكِ وقلتُ: النفسُ تفديكِ
يا أطيبَ الناسِ ريقاً غيرَ مختبرٍ ... إلا شهادةَ أطرافِ المساويكِ
قد زرتنا زورةً في الدهر واحدةً ... باللهِ لا تجعليها بيضةَ الديكِ
يا رحمةَ اللهِ حلّي في منازلنا ... حسبي برائحةِ الفردوسِ من فيكِ
ابن الطثرية:
تكنَّفني الواشونَ من كلِّ جانبٍ ... ولو كانَ واشٍ واحدٌ لكفاني
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذُّهُ ... تواشوا بنا حتى أملُّ مكاني
نويفع بن لقيط:
حننتُ ولم تحننْ أوانَ حنينِ ... وقلَّبت خلفَ الركبِ طرفَ حزينِ
يشوق الحمى أهلُ الحمى ويشوقني ... حمىً بينَ أفخاذٍ وبينَ بطونِ
عبيد الله بن قيس:
ظعائنٌ من قشيرٍ عشنَ في سعةٍ ... من المعيشةِ أترابٌ مبادينُ
أعارهنَّ فتورَ الطرفِ في زججٍ ... أدمُ الظباءِ المرابيعُ المشادينُ
عروة:
لا تزالُ الديارُ في برقةِ النج ... دِ لسعدى بقرقرى تبكيني
تيَّمَ القلبَ ظبيةٌ ذاتُ خشفٍ ... من ظباءٍ ليستْ بذاتِ قرونِ
فتحيلتُ أن أرى وجهَ سعدى ... فإذا كلُّ حيلةٍ تعييني
فتنكرتُ ثمَّ جئتُ إلى البا ... بِ على غرةٍ فلمْ يعرفوني
قلتُ لمّا ولجتُ في سدَّةِ البا ... بِ لسعدى مقالةَ المسكينِ
افعلي بي يا ربَّةَ الخدرِ خيراً ... ومنَ الماء جرعةً فاسقيني
إنما شهوتي رضابكِ إن شئ ... تِ بما شئتِ جرعة تغنيني
فاشمأزَّتَ عنِ المقالِ وقالتْ ... كلَّ يومٍ بعلةٍ تأتيني
العباس:
لو كنت عاتبةً لسكَّنَ عبرتي ... أملي رضاكِ وزرتُ غيرَ مراقبِ
لكنْ صددتِ فلم تكنْ لي حيلةٌ ... صدُّ الملولِ خلاف صدِّ العاتبِ
ذو الرمة:
لقد ْ كنتُ أخفي حبَّ ميٍّ وذكرها ... رسيسُ الهوى حتى كأنْ لا أريدها
فما زالَ يعلو حبُّ ميّةَ عندنا ... ويزدادُ حتى لمْ نجدْ ما نزيدها
أعرابي:
أمسَّ العينَ ما مسَّتْ يداها ... لعلَّ العينَ أن يبرا قذاها
يقولُ الناسُ: ذو رمدٍ معنّى ... وما بالعينِ من رمدٍ سواها
الأحوص:
يا موقدَ النارِ بالعلياءِ من إضم ... أوقد فقد هجتَ قلباً دائمَ السقمِ
يا موقدَ النارِ أوقدها فإنَّ لها ... سناً يهيجُ فؤادَ الهائمِ السدمِ
بشامة:
سقى العلمَ الفردَ الذي في ظلا لهِ ... غزالانِ مكحولانِ قد سبياني
أردتهما ختلاً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني
ذو الرمة:
خليليَّ أدّى الله خيراً إليكما ... إذا قسمتْ بينَ العباد أجورُها
بميٍّ إذا أدلجتما فاطردا الكرى ... وإن كان آلى أهلها لا نطورُها
يقرَّ بعيني أنْ أراني وصحبتي ... نعنّي المطايا نحوها ونجيرُها
ابن الطثرية:
إذا ما الريحُ نحو الأثلِ هبَّت ... وجدتُ الريحَ طيبةً جنوبا
وماذا يمنعُ الأرواحَ تسري ... بريّا أمِّ عمروٍ أن تطيبا
نصيب:
أيا صاحبَ الخيماتِ من بطنِ أرثدٍ ... إلى النخلِ من ودَّانَ ما فعلتْ نعمُ
أسائلُ عنها كلَّ ركبٍ لقيتهم ... ومالي بها من بعد مكثفهمُ علمُ
أنشد ثعلب:
هجرتك لمَّا أن هجرتكِ أصبحتَ ... بنا شمَّتاً تلكَ العيونُ اللوامحُ
فلا يفرحِ الأعداءُ بالهجرِ ربمَّا ... أطالَ المحبُّ الهجرَ والقلبُ بارحُ
وتغدو النَّوى بينَ المحبَّينَ والهوى ... مع القلبِ مطويٌّ عليه الجوانحُ
أبو دهبل:
ومغتربٍ بالمرجِ يبكي لشجوه ... وقد غابَ عنه المسعدونَ على الحبِّ
إذا ما أتاهُ الرِّكبُ من نحو أرضها ... تنشَّقَ يستشفي برائحةِ الرِّكبِ
عبيد الله بن عبد الله عتبة بن مسعود:
ألا منْ لنفسٍ لا تموتُ فينقضي ال ... عناءُ ولا تحيا حياةً لها طعمُ
تجنَّبتُ إتيانَ الحبيبِ تأثُّماً ... ألا إنَّ هجرانَ الحبيبِ هو الإثمُ
(1/66)

فذقْ هجرها قد كنتَ تزعمَ أنَّهُ ... رشاد ألا يا ربما كذبَ الزعمُ
ذو الرمة:
وقد كنتُ من ميٍّ إذ الحيُّ جيرةٌ ... على بخلِ ميٍّ ميِّتَ الشوقِ ساهيا
أقولُ لها في السرِّ بيني وبينها ... إذا كنتُ ممن عينه العينُ خاليا
تطيلينَ ليًّا وأنتِ مليَّةٌ ... وأحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التقاضيا
وله:
ألا ربَّما سؤتُ الغيورَ وبرَّحتْ ... بي الأعينُ النجلُ المراضُ الصحائحُ
وساعفتُ حاجاتِ الغواني وراقني ... على بخلِ رقراقا تهنَّ الملائحُ
جرير:
ولقد تسقَّطني الوشاةُ فصادفوا ... مذلاً بسرِّكِ يا أميمَ ضنينا
فارعيْ كما نرعىْ بغيبٍ وصلكمُ ... وإذا ضننتِ بنائلٍ فعدينا
آخر:
ألمْ تعلمي يا أملحَ الناسِ أننَّي ... أحبُّكِ حبّاً مستكناًّ وباديا
أحبُّكِ ما لو كانَ بينَ قبائلٍ ... من الناسِ أعداءٌ لجرَّ التصافيا
كثيِّر عزَّة:
فو اللهِ ما أدري أطائفُ جنةٍ ... تأوَّبني أمْ لم يجدْ أحدٌ وجدي
عشيَّةَ ما أعدي بدائي صاحبي ... ولم أرَ داءً مثلَ دائي لا يعدي
وكانَ الهوى خدنَ الشبابِ فأصبحا ... وقد غادراني في مغانيهما وحدي
ذو الرِّمة:
سلوا الواجدينَ المخبرينَ عن الهوى ... وذو البثِّ أحياناً يبوحُ فيصرحُ
أتقرحُ أكبادُ المحبينَ كالذي ... أرى كبدي من حبِّ ميَّةَ تقرحُ
أنينٌ وشكوى بالنهارِ شديدةٌ ... عليَّ وما يأتي به الليلُ أبرحُ
المجنون:
ألا حبَّذا يومٌ تهبُّ به الصَّبا ... لنا وعشيَّاتٌ تدلَّتْ غيومها
بنعمانَ إذ أهلي بنعمانَ جيرة ... لياليَ إذ يرضى بدارٍ مقيمها
أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خليَّا ... سبيلَ الصَّبا يخلصْ إليَّ نسيمها
فإنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنفستْ ... على نفسِ محزونٍ تجلَّتْ غمومها
أجدْ بردها أوتشفِ منى حرارةً ... على كبدٍ لم يبقَ إلاَّ صميمها
تذكَّرتُ وجدَ الناعجيَّاتِ بالضحى ... ولذَّةَ دنيا قد تقضّى نعيمها
ألا إنَّ أدوائي بليلى قديمةٌ ... وأقتلُ أدواءِ المحبِّ قديمها
أبو رجاء العطاردي:
إلى اللهِ أشكو ثمَّ أشكو إليكُما ... وهلْ تنفعُ الشَّكوى إلى منْ يزيدُها
حرارتِ شوقٍ في الفؤادِ وعبرةً ... أظلُّ بأطرافِ البنانِ أذُودها
ويحنُّ فؤادي من مخافةِ بينكمْ ... حننَ المزجَّى وجهةً لا يريدُها
آخر:
فإنْ كنتمُ ترجونَ أنْ يذهبَ الهوى ... يقيناً ويروى بالسَّرابِ فينقعا
فردُّوا هبوبَ الريحِ أو غيِّروا الهوى ... إذا حلَّ الواذَ الحشا فتمنَّعا
الأحوص:
أصاحِ ألمْ تحزنكَ ريحٌ مريضةٌ ... وبرقٌ تلا لا بالعقيقينِ لامعُ
فإنَّ غريبَ الدارِ مما يشوقهُ ... نسيمُ الرياحِ والبروقُ اللوامعُ
وقد ثبتَتْ في القلبِ منها مودَّةٌ ... كما ثبتتْ في الرَّاحتينِ الأصابعُ
باب
صفة طول الليل وقصره
وصفة السماء والأهلَّة والنجوم
ختمنا به الكتاب جحظة:
وليلٍ في كواكبهِ حرانٌ ... فليسَ لطولِ مدَّتهِ انتهاءُ
عدمتُ محاسنَ الإصباحِ فيهِ ... كأنَّ الصُبح جودٌ أو وفاءُ
البسامي:
كأنَّ الصبحَ يطليني بدَجْلِ ... فما يجلو الظلامَ عن الضياءِ
فليتَ الشمسَ تمكثُ لي قليلاً ... ففيها كلّما فنيتْ فَنائي
نظر إلى قول ابن الدمينة - لقيس بن ذريخ:
نهاري نهارُ الناسِ حتَى إذا دنا ... لِيَ الليلُ هزَّتني إليكِ المَضاجعُ
أُقضَّي نهاري بالحديثِ وبالمُنى ... ويَجمعُني والهمَّ بالليلِ جامِعُ
ابن المعتزَّ:
عهدي بها ورداءُ الوصلِ يَجمعُنا ... واللَّيلُ أطولهُ كاللَّمحِ بالبَصرِ
فالآنَ ليلي مُذ بانوا ... فديتُهمُ ليلُ الضريرِ فصُبحي غيرُ منتظرِ
كشاجم:
ينامُ اللَّيلَ أسهرهُ ... وأشكُوهُ ويشكرُهُ
وليلُ الصبَّ أطولُهُ ... على المعشوقِ أقصرهُ
كثيرُ الذنبِ إلاَّ أنَّ ... ) م (فَرْطِ الحُبِّ يغفرُهُ
(1/67)

أكاتمُ حبَّهُ الواشِي ... نَ والعبراتُ تُظهرهُ
وأذكُرُ خالياً حُجَجي ... وأَنْسى حينَ أُبصرُهُ
وقال آخر:
يا ليلُ مالكَ من صَباحْ ... أمْ ما لنجمِكَ من براحْ
ضَلَّ الصباحُ طريقَهُ ... واللّلُ ضلَّ عن الصباحْ
صبراً على مضَضِ الهوى ... فالصبرُ مفتاحُ النجاحْ
ابن المعتز:
مالي أَرى الليلَ مسبلاً شعراً ... عن غرَّةِ الصبْحِ غيرَ مفروقِ
كشاجم:
ألا ربَّ ليلٍ بتُّ أرعى نجومهُ ... فلم أغتمِضْ فيهِ ولا الليلُ غمَّضا
كأنّ الثريّا راحةٌ تشبرُ الدجى ... لتعلمَ طالَ الليلُ لي أم تعرَّضا
فأعجِبْ بليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يقاسُ بشبرٍ كيفَ يرجى لهُ انْقِضا
ابن المعتز:
ما بالُ ليلي لا يُرى فجرُهُ ... وما لدَمعي مُسبلاً قطرُهُ
أستودعُ اللهَ حبيباً نأى ... ميعادُ دَمعي أبداً ذكرهُ
بشّار:
أقولُ وليلتي تزدادُ طولً ... أما للَّيلِ بعدهمُ نهارُ
جفَتْ عَيني عنِ التغميضِ حتى ... كأنَّ جُفونها عنها قصارُ
كأنَّ جفونها خُزمتْ بشوكٍ ... فليسَ لوسنةٍ فيها قرارُ
ومنه أخذ المتنبي قوله:
بعيدة ما بينَ الجفونِ كأنَّما ... عقدتمْ أعالي كلِّ هدبٍ بحاجبِ
أحمد بن المعذَّل:
ألا ما لوجهِ الصبحِ داجٍ قناعهُ ... وما بالُ أرواقَ الدُجى لا تقدَّدُ
هل الغورُ مسدودٌ؟ أم النجمُ غائرٌ؟ ... أمِ الصبحُ مكبولٌ؟ أم الليلُ سرمدُ
أطالَ عليَّ الليلَ حتى كأنَّهُ ... حسيرٌ بهيرٌ أو أسيرٌ مقيَّدُ
خالد:
ربَّ ليلٍ أمدَّ من نفسِ العشَّ ... اقِ طولاً قطعتهُ بانتحابِ
ونعيمٍ ألذَ من نظرةِ المعش ... وقِ بدَّلتهُ بطولِ العِتابِ
بشار:
خليليَّ ما بالُ الدجى ليسَ يبرحُ ... وما بالُ ضوءِ الصبحِ لا يتوضَّحُ
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقهُ ... أمِ الدَّهرُ ليلٌ كلُّهُ ليس يبرحُ
في قصر الليل إبراهيم بن العباس:
وليلةٍ إحدى اللَّيالي الزُهرِ ... قابلتُ منها بدرَها ببدرِ
لمْ تكُ غيرَ شفقٍ وفجرِ ... حتَّى تولَّتْ وهي بكرُ الدهرِ
آخر:
يا ليلةً جمعتنا بعدَ فرقتنا ... وبتُّ من صبحِها لمَّا بدا فرِقا
لمّا خلوتُ بآمالِي بها قصَرتْ ... وكادَ يسبِقُ منها فجرُهَا الشفَقَا
المهلبيِ:
قد قصُرَ الصبحُ عندَ ساهِرهْ ... كأنَّ حادِي الصَّباحِ صاحَ بهْ
كأنَّما الليلُ راكبٌ فرساً ... منهزماً والصَّباحُ في طلبهْ
آخر:
وليلةٍ منَ القصِرْ
عشاؤُهَا مع السَحَرْ
تُقضّى ولم يَقضَ الوطَرْ
والشعراءُ يصفون أيامَ السرور والمتعة وليالي الوصل والألفة بالقصر، وساعات الغمِّ وأوقات الوحشة بالطول.وحقيقة ذلك لطول الليل: مراعاته؛ وكل ليل لا يراعى قصير.
في صفة الأهلةِ والسماءِ والنجومِ أنشدَ أبو عمرو بن العلاء للعرب:
دأبنَ بنا وابنُ اللَّيالي كأنَّهُ ... حسامُ جَلتْ عنهُ العيونُ صقيلُ
فما زالتِ الأيَّامُ تفصلُ دونهُ ... إلى أنْ أتتكَ العيسُ وهو ضئيْلُ
أعرابي، وعليه عوَّل أكثر المحدثين في تشبيه الهلال:
لقدْ سرَّني أنَّ الهِلالَ عشيَّةً ... بدا وهو محقورُ الحِبارِ دقيقُ
أضرَّتْ بهِ الأيَّامَ حتى كأنَّهُ ... سِوارٌ لواهُ باليدينِ رفيقُ
ابن المعتز:
في ليلٍ ليلةَ أكلَ المُحاقُ هلالها ... حتى تبدَّى مِثلَ وقفِ العاجِ
والصبحُ يتلو المشتري فكأنَّهُ ... عريانُ يمشي في الدُجى بسِراجِ
العلوي:
ما للهِلالِ ناحلاً في المغربِ
كالنُّونِ قد خُطَّتْ بماءِ الذهبِ
أفارقتهُ الشَمسُ منْ تعتُّبِ
فراحَ نضواً كالمريضِ الوصبِ
كأنَّما حلَّ بِهِ ما حلَّ بي
منْ الضَنى عندَ فُراقِ زَينَبِ
ابن المعتز في محقهِ وأبدع فيه:
ما ذقتُ طعمَ النومِ لو تَدرِي ... كأنَّ أحشائي على جَمرِ
في قمرٍ مُسَترِقٍ نِصفَهُ ... كأنَّهُ مجرَفَةُ العِطرِ
وقال في الهلالِ إذا بدت دارته:
(1/68)

وقدْ بدتْ فوقَ الهِلالِ كرَتَهْ ... كهامةِ الأسودِ شابتْ لحيتُهْ
العلوي في الهلال والزهرة وأحسن فيها:
لاحَ الهِلالُ فويقَ مغرِبهِ ... والزُهرةُ الزَّهراءُ لمْ تغِبِ
فهوى دوِنَ مغيبَها فهوتْ ... تَبكي بِدمعٍ غيرِ مُنسكبِ
فكأنَّها أسماءُ باكيةً ... عندَ انفِصامِ سوارِهَا الذهبي
كُشاجم:
انظٌرْ إلى نورِ الهِلا ... لِ بدى لِعين المُبصِرِ
أو ما تراهُ يلوحُ في ... جوِّ السماءِ الأخضرِ
كشعيرةٍ من فضَّةٍ ... قدْ رُكِّبتْ في خنجَرِ
وكان ابن أبي البغل جالساً، وعنده ابن بحرٍ فكتب على درج:
المرءُ مثل هِلالِ الأُفقِ تبصِرُهُ ... يبدو ضَئيلاً ضَعيفاً تمَ يتَّسقً
فكتب ابن بحر تحته:
يزدادُ حتى إذا ما تمَّ أعقبَهُ ... صرفُ اللَّيالي بِنقصٍ ثم ينمَحِقُ
العلوي:
تأمَّلْ نحولي والهِلالَ إذا بدا ... لليلَتهِ في أُفقِهِ أيُّنا أضنى
على أنَّهُ يزدادُ في كُلِّ ليلةٍ ... نموَّاً وقلبي بالضنى أبداً يفنى
ابن المعتز:
وكأنَّ البدرَ لمّا ... لاحَ مِنْ تحتِ الثُريَّا
ملكٌ أقبلَ في التّ ... اجِ يُفدَّى ويُحيَّا
العلوي:
أبا المعمَّرِ قدْ قطَّعتَ أحشائي ... وزدتَني في الهَوى داءً على دائي
بقيَّةَ الحُسنِ ما أبقيتَ منْ جسدي ... بقيَّةً لم تبشِّرُها بإِفناءِ
ما أنْسَ لا أنْسهُ في العينِ حينَ بدا ... يحكيهِ في الدِّرعِ عينُ الشمسِ بالماءِ
حكى الحَمائِلَ فوقَ الدِّرعِ منطقةُ ال ... جوزاءِ تَحكيهِ في حُسنٍ ولألاءِ
والشمسُ والبدرُ مشغُولانِ قدْ شغِلا ... بِوصفهِ عندَ إصباحي وإمسائي
قَدْ انقضتْ دولةُ الصيامِ وقدْ ... بشَّرَ سُقمُ الهِلالِ بالعيدِ
يتلو الثُريا كفاغِرٍ شرِّهٍ ... يفتحُ فاهُ لأكلِ العنقُودِ
ذو الرَّمة:
ورَدتُ اعتسافاً والثُريَّا كأنَّها ... على قِمَّةِ الرَأسِ ابنُ ماءٍ محلِّقُ
ابن الطثرية:
إذا ما الثُريَّا في السَّماءِ كأنَّها ... جمانٌ وهى مِنْ سلكِهِ فَتبدَّدا
أبو قيس ابن الأسلت
وقد لاحَ في الصُبحِ التُريَّا لمن رأى ... كعنقودِ ملاَّحيَّةٍ حينَ نوَّرا
عمر بن أبي ربيعة، ونعوت التشبيهات أربعة قريبٌ بعيدٌ ومصيبٌ ومخطئٌ وقد دخلت فيها:
أحسنُ النَّجمِ في السماءِ الثُريَّا ... والثُريَّا في الأرضِ خيرَ النِّساءِ
آخر:
خليليَّ إني للثُريَّا لحاسِدُ ... وإني على ريبِ الزمانِ لواجدُ
أيجمعُ منها شملُها وهي سبعةُ ... ويبعدُ منْ أحبَبتُهُ وهو واحِدُ
والعرب تسميها النجم وقال بعضهم:
على إثِرْ حيٍّ لا يرى النجمَ طالِعاً ... مِنِ اللَّيلِ إلا وهو قفرٌ منازلُهٌ
وقال أبو عثمان المازني: ما شبه الليل أحد تشبيه كعبٍ:
وليلةِ مُشتاقٍ كأنَ نُجومَها ... تفرَّقنا منها في طَيالسةٍ خُضرِ
ابن المعتز:
ومصباحُنا قمرٌ مُشرِقٌ ... كترسِ اللُّجينِ يشقُّ الدُجى
العلوي:
والليلُ منْ لألاءِ قَمْرائه ... ينشرُ منه علمٌ مذهبُ
ابن المعتز:
والصبحُ ملتبسُ كعينِ الأشهلِ
التنوخي:
كأنَّ الدجى لما استنارتْ نُجومُهُ ... رِداءٌ موشّ، أو كِتابٌ منمَّقُ
ابن المعتز:
واللَّيلُ مُشمطُّ الذرا ... والصُبحُ حينَ حبا وشبّا
العلوي:
رُبَّ نهارٍ أمسَتْ أصائلُهُ ... تُرشفُ مَن شمسِهِ صُباباتِ
قضيتُ فيهِ والشمسُ ناعِسةٌ ... من جزعي نومةَ العشيّاتِ
التنوخي:
وأصفرُ الجوِّ قدْ لاحَتْ كواكِبهُ ... فيهِ كدرٍّ على الياقُوتِ منثورِ
ابن المعتز:
وأرى الثُريَّا في السماءِ كأنَّها ... قمرٌ تبدَّتْ في ثيابِ حِدادِ
العلوي:
رُبَّ ليلٍ وهتْ لآلي دموعِ ... فيهِ حتى وهَتْ لآلي الثُريَّا
ورِداءُ الدجى لبيسٌ داريسٌ ... في يدِ الفجرِ وهو يطويهِ طيَّا
وهبوبُ الضياءِ منْ أُفقِ المشر ... قِ يذرو الظلامَ شيئاً فشيَّا
الصولي:
ونجومُ اللَّيلِ تحكي ... ذهباً في لا زوردِ
(1/69)

ابن المعتز:
ولاحةِ الشِّعرى وجوزاؤُها ... كمثلِ زجٍّ جرَّهُ رامِحُ
ولهُ:
كأنَّ سماءنا لمّا تجلَّتْ ... خلالَ نِجومها غبَّ الصباحِ
رياضُ بنفسجٍ خضلٍ ندَاهُ ... تفتَحَ بينهِ نورِ الأقاحِ
التنوخي:
رُبَّ ليلٍ كتجَنِّي ... كِ مقيم ليسَ يذهبْ
ونجومِ اللَّيلِ وقفٌ ... كلآلٍ لم تثقَّبْ
وله:
واللَّيلُ كالحلَّةِ السوداءِ لاحَ بها ... منَ الصباحِ طرازٌ غيرُ مرقومِ
ولهُ:
والجوُّ مشتملٌ منْ فوقِ سندسِهِ ... بأرجوانٍ على الآفاقِ منشورِ
كأنَّهُ روضةٌ خضراءُ لابسةٌ ... منَ الشقيقِ قميصاً غيرَ مزرورِ
العلوي:
ها إنِّها الجوزاءُ في أُفقها ... واهيةٌ ناعِسةٌ تسحبُ
نِطاقُها واهٍ لَدى أُفقها ... ينسلُّ منها كوكبٌ كوكبُ
آخر:
كأنَّما الجوزاءُ لمّا طلَعتْ ... حوتٌ على لُجَّةِ بحرٍ قد طفا
آخر:
وشالتِ الجوزاء منها باليدِ ... فَعلَ البغيِّ لوَّحتْ بالمَعضدِ
العلوي:
واللّيلُ راسٍ كالحليمِ المُحتبي
غضبانُ إنْ ناجيتَهُ لمْ يجبِ
ونجمُهُ قدْ لاحَ فوقَ مرقبِ
ذا حيرةٍ كالدَّيدبانِ المُرتبي
يشكُو إلى الأفقِ انسِدادَ المذهبِ
والجوُّ منْ شعاعِهِ ذو طُنبِ
حتى بدا الفجرُ كمثلِ اللَّهبِ
يمحو الدُجى محو الرِضى للغضبِ
شيئاً فشيئاً كاعتذارِ المذنبِ
ابن المعتز:
والصبحُ حيٌّ في مشارِقهِ ... واللَّيلُ يلفظُ آخرَ النَّفسِ
آخر:
كأنَّهُنَّ دُررٌ منظُومةٌ ... بَدَّدها في الجوِّ رامٍ إذ رمى
أرقُبها حتى كأنّي عاشِقٌ ... يرقبُ أنْ تغفي عيونَ الرُقبا
آخر، في الأفقِ والنجومِ:
كأنَّهُ ياقوتةٌ أو مقلةٌ ... زرقاءُ أو قحفُ قواريرٍ أكبّ
وأقبلتْ أنجُمهُ كأنَّها ... نورُ أقاحٍ أو ثغورٌ أو حبَبْ
آخر:
يا ليلةً قدْ بِتُّها ساهِراً ... كأنَّني من قلقٍ أرصدُ
في كلِّ وجهَ أمَّه فَجرُهُ ... بابُ دجىً من دونِهِ موصَدُ
والنجمُ والجوزاءُ قد أقبلا ... كفارسٍ في كفَّهِ مطردُ
لبعضهم:
ولاحَ لنا الهلالُ كشطرِ طوقٍ ... على لبَّاتِ زرقاءِ اللِّباسِ
آخر:
وكأنَّ الهِلالَ نونُ لُجينٍ ... غرِقتْ في صحيفةٍ زرقاءِ
تمَّ كتابُ المحبِّ بحمدِ اللهِ تعالى ومنهِ، ويتلوهُ، إن شاء الله تعالى كتابِ المشموم.
والحمد للهِ وحده، وصلاتهُ وسلامهُ على سيدنا محمدٍ وآلهِ وأصحابهِ. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كتاب المشموم
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
(1/70)

الربيع كاسمه، ربيع القلوب، ونزهة العيون، وفرحة النفوس، وجلاء الصدور، وفسحة الآمال، وحركة الأجرام المصمتة، ونمو الجماد، كأنك شاهدت به العالم وسر الخلق، وعاينت الهيولى وتركيب البنية فيها والطينة وحدوث الصورة لها؛ ورأيت البسيط وتأليفه، والمفرد وازدواجه، وأبصرت نفخ الأرواح في الأشباح، وكيف تخرَّقت منافسها، وتحلَّلت محارقها؛ فأحسست الجوهر وحلول العرض فيه، والأشخاص وتنوعها، وكيف فتقت الأرض بالصدع حتَّى تأخذ زينتها، وتلبس البسيطة زخرفها من كل زوج بهيج ونشر أريج. فهي خصيبة الجناب، دمثة التراب، مهاد وثير للهاجع، وشعار كبير لليقظان الرائح. والشَّمس عوض من الصِّلاء، والهواء خلف من الغذاء، وصفحة السماء ريَّا تكاد رقة تقطر، وغضارة تمطر، وأوضاح الكواكب نيرة تزهر، كأنهن عيون زرق في البراقع، وأنوار الأقاحي على رياض بنفسج، أوْ نثر جمان في عرضة فيروزج، كأنما دراريهما شرر متقاذف والجو رمادها، أوْ خرائد سوافر والهواء حدادها، أوْ شذور ذهب أحمر على بساط زبرجد أخضر. والجو يبهى رقة وصفاء، وطلعة القمر لألاؤها كأنها ماويَّة عسجد سراة العشاء، وكأنه موجة مكفوفة والبر بحر من فيض قمرائه، والظلمة فجر من أشعة أضوائه، والشَّمس غرة مطلعها مرآة مصقولة في كف الأشل. أوْ كما تهتز الصحيفة الجلواء، أوْ كترس يقلبه كميٌّ رامح. فإذا كربت للمغيب، وعادت مذهبة الفرقد، ونفضت على أطراف الجدران ورس الأصيل كالملاء المعصفر، مدَّت على الأفق الغربي سطر ذهبي من شفق الغروب وجاديّ المغيب؛ فخلت السماء فرشاً كحليّاً مفروشاً أحد الطرفين بالذهب المنسوج والعبير الممزوج، وموصولاً أحد الطرفين بالإبريز المسبوك والوشي المحبول. يميع زبرجها في خضرة الأرض الأريضة والفضاء العريضة، منصدعة سهولها ووعورها، متَّسقة بطنانها وظهورها بجواهر الأزاهير خارجة من أكنة الصدف، وأنوار النوار ضاحكة خلال السدف، والتربة حلة وحرير، والنبات روضة وغدير، والقطر لؤلؤ نثير، وما بين ماحله وأفنان مكمّمه قد جرى في عودها الماء. وأشجار ذات جمم لم تمشطها النساء، وقرارة تطّرد كأنها فيضة مكروب، أوْ بثة مكظوم، أوْ نفثة مصدور، أوْ كما يتنفس الحزين الواجم، والمغتاظ الكاظم. وخدود عشب يضمّخها ثراها.
وأمواهٌ يصلُّ بها حصاها ... صليلَ الحليِ في أيدي الغواني
(1/71)

والصارم الهندواني. وظواهر الأطواد، وأقبال الأجلاد بعد العري والعطول فضفاضة الأردية، سابغة الذيول، في مقطعات الحلل، ومصنوعات الحلي، وقلل الجبال متوجة تميل في أطراف الأعشاب أجيادها، وتروق بكسوة الخضرة أجسادها. وعلى كل قنّة شاهقة، وشعفة شامخة غمام مكلل بالمرجان والدرر؛ وبكل سفح برد مهلل بقُراضة الفضة والتبر؛ مفصلات ألواذها وضواحيها، وهضباتها وأعاليها؛ بسيح نطفة زرقاء وفيض ثغرة سجراء، ورصف مترع ملآن، ومستنقع مفعم ريان. ففي كل قلتٍ ندوة كوكب، وعلى كل ثعبٍ هالة قمر، وبكل غدير طفاوة شمسٍ. فإذا نزلت في المذانب والقريان من الشعاف والمصدان انسرحت خلال رملٍ محقوقفٍ ونقاً مستدير، وأفضيت من عواقل الريود وفدر العصم وصحم الأراوي إلى أصورة المها، وأقاطيع الوحوش رواجع إلى السهول والأوعار، بعد أن كانت قواطع إلى المهامه لقفار، مختلطات الأسراب بالآجال هملاً بلا راع، وبدداً دون والٍ عليها ساع. بها العين والآرام يمشين خلفةً، والجآذر والغزلان ينادين صرمةً مؤتلفات جيرةً، وكن أبعاداً، وجميعاً، وكن أفراداً، فمن ثَمَّ جؤذر أحم السوارين، ومن هنا شادن أدعج الناظرين، حواضنها مولَّعة خنساء ومُغزل أدماء، بين صوارٍ للبقر حور العيون بابليَّات النظر، متولّجة مطافيلها بكل وِهاديّ المراتع يحرجُ كأنه مناط وشاح أوْ معلّق دملُج؛ كأنما هتكن سجوف الرقم والكلل عن ذوات الأهداب والوُطف وحور المقل؛ عينٌ كوانس كالعين الأوانس، لا يسكنّ إلاَّ بمنجاةٍ من الريب. وفرق الظباء ملاطمهنَّ شيمٌ كأن بلادهن سماءٌ تكشفت عن كواكبها غيومٌ من أُدمان الظباء الخواذل؛ لاوياتٌ السوالف كأنهن صفح المناصل، سواكن كل قذف فلاةٍ وبلدةٍ وسمية الثرى غداةٍ، معتادات كل مرتاد الندى خضل مستحلسٍ بعميم النبت مكتهلٍ؛ يراعي كل أحقب ذي سفعةٍ، أوْ أخطب ذي خطةٍ، ومسحَّجٍ عاري الصبيين ومرنِّ الضحى بين جدَّتين وكل أم ساجي الطرف وسنان ينوء من ضعاف فواتر، تستودعه الحمى وتنص إليه جيدها بالمناظر، أوْ مخرفٍ فردٍ بأعلى صريمةٍ عاطفٍ تتصدى لأحوى مدمع العين في فينان من الظل وارف. فواحم المدارى مؤلّلات حدادها كأنهن أقلام بلحظها يردن نطاف المصانع، مطّردة كالسيوف القواطع، عواقد أمهاتها من سحمِ القرون عقائص، كأنها ملوية الأسورة، أوْ مثنية الأهلة، كما سمعت الأول:
وقفتُ على العفر في ربعهمْ ... فخلتُ على رأسِ كلِّ هلالا
إذا قلت هل يرجعُ الظاعنو ... نَ تمثَّلَ لي كلُّ ترنٍ ألالا
وورق الحمائم عواطل في قلائد وعقود، وعوار في معمدات وبرود. وكل طروب الضحى هتوف العشا، تترنم خلال أوراق الغصون كما تقطع الكرائن، تحت الستائر، أصوات الأغاني واللحون، فيلتقي شتات المتيم بين اللحون.
يصلنَ بنوْحي نوحهنَّ وإنَّما ... بكيتُ لشجوي لا لنوحِ الحمائمِ
والنهار معتدل المزاج حره وبرده، ومستقيم ميزان ليله ونهاره. ولا قر يجمد، ولا حر يلفح. والماء فضة بلا ذهب، والشَّمس نور بلا لهب، وقد انحطَّت عن لفحة الهجير ووقدة الشِّعرى العبور، وارتفعت عن خصر الشتاء؛ وكوكب الجرباء تطلع في قميص شعاعٍ مذهب الزبرج، ويتساقط ضياؤها خلل الأوراق كاللؤلؤ المدحرج. والأعشاب غبَّ قطارها كالعروس تحت نثارها:
ذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ ... حيثُ درنا وفضةٌ في الفضاء
والجو مغيم وهو من تلألؤ الزهر مشمس. والليل مظلم وهو من تضاحك الأنوار مقمر. والريح سجواء الهبوب، تغازل الأرواح رقَّة، وتقرص الأبشار خفَّة، كأنها ذيل الغلالة المبلول، أوْ نفس المستهام العليل، فإذا اشتدت عصفتها، ومعجت هبَّتها حسبتها خرقاء ذات نيقة، وهوجاء جدّ رقيقة، نسجت على ظهور الكثبان ومتون الغدران مالا تنمِّقه الصوانع في صفحة القضيم، ولا تقدِّره الخوالق على فراء الأديم ببديع النَّسج في الكثيب، وتمحوه بإقبالها إلى الأدبار.
والفصل متحبَّب شمائله، متلوِّن خلائقه. بينا البرق ضاحكاً استحال باكياً، ووجه السماء مستبشراً راح ترفضُّ دموعه مستعبراً يختال الغصن الرويّ بقدِّه، والورد الجنيُّ بخده.
وترى الرياضَ كأنهنَّ عرائسُ ... يُنقلنَ من حمراءَ في صفراءِ
إذا لحظتَ زاهرَ الشجْراءِ ... وجدته مُصفرَ السماءِ
وإن شممت أرجَ الفضاءِ ... ألفيتهُ مُعنبرَ الهواءِ
(1/72)

يجري سلسال الماء على رضراض الحصباء مطَّرداً كأنه سبيل لجين ممدَّد، أوْ صفيح مجرَّد، أو متن يمان مهنَّد. حتَّى إذا ضربت الريح متنه تحلَّق وجهه، وتحزَّز جريه، فانجابت أقذاؤه وصفت كأنه حلق الجواشن مصقولاً حواشيها، أو متون المبارد مجلوّاً نواحيها:
ما إن يزالُ عليه طيرٌ كارعٌ ... كتطلُّعِ الحسناءِ في المرآةِ
والشَّمس يحسر مرة لثامها، وتارة يسيل غمامها؛ فهي تسفر وتنتقب، وتبرز وتحتجب طلاع فتاة تشرق اغتراراً، وتخاف اشتهاراً:
شمسٌ تُطالعنا فتمنحُنا ... نوراً يلاحظُنا بلا لهبِ
والخلاف يعقد على القضبان سموط درِّه، ويفتح ختام الربيع بمفترِّ ثغره. معندم القشر، معنبر النَّشر، مرصَّع قشره بنور كأنه لؤلؤ ولاف. والشقائق مصفوفة على الضواحي مطارده، منظومة في سفوح الجبال قلائده، ينشر جمَّته سوداء، وحلَّته حمراء، متمايلاً على قاماته الرشاق، متهادياً خلال الرياح بقضبانه الدقاق، كأنه سبج قرنت به عقيقاً، أو فحم أشعلت به حريقاً أو أقداح ياقوت قرارتها سحيق مسك أذفر، أو زنجيَّة قامت في معصفرة على ساق أخضر، تتهاداه الرياح فينثني ثمَّ يستوي كأنه سكران طافح، أو كما جرَّ رمحه رامح. وسقيط الطلّ عليها كأنه مواقع الدموع في خدود الخرائد، أو سقوط الفرائد من مناط القلائد في ترائب الولائد:
شقائقُ يحملنَ النَّدى فكأنَّها ... دموعُ التصابي في خدودِ الخرائد
والورد يقدم من خلل الربيع الباكر، وخصاص الريحان الزاهر، يحكي في معرض شجرة نسيم سحره؛ يحمرُّ خجلاً ويصفرُّ وجلاً، أوْ يبيضُّ جذلاً؟ ما بين أحمر كالحياء شيبت به الخدود، أوْ أصفر كالمحبّ أضرَّ به الصدود، أوْ أبيض كالنجوم مطالعها السعود:
وذي لونينِ نشرُ المسكِ فيه ... يروقُ بحُمرةٍ فوقَ اصفرارِ
كَمعْشوقيْنِ ضمَّهما عناقٌ ... على حدثانِ عهدٍ بالمزارِ
والنَّارنجُ تطلعُ بينَ الأغصانِ متَّقدةَ القشرِ بخالصِ العِقيان، أرجوانيَّة اللَّون، كما غمست بالدم قبيعة حسام مهنَّد، أو كأنها شموس عقيق في قباب زبرجد، أو الرّاح صرفاً، أو كخدٍّ مورَّد، أو كمرآةٍ مخروطة من الياقوت على صوالجة زمرُّد، أو حقاق مرجان مترعات من الدرّ في ملاحفها الخضر، أو كبَّة جمر محذوفة من جاحم النار، أو أنهار مضرَّجة ممسَّكة الحافات والأقطار:
أتتْ كلَّ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ ... فهاجتْ له الأشواقَ من حيثُ لا يدري
والأترجُّ متهدِّلٌ من الأشجار أشباه نواهد الأبكار كالشمس معرضةً في ورس الأصائل، أو قناديل ذهبية نيطت بخضر السلاسل:
تخالُ بها في اخضرار الغُصو ... ن نواهدَ بين مُلاءِ القصبْ
والأقحوان ضاحك عن مباسم الثغور من كلَّة الخدور؛ تبدو أوراقه كافوريَّة الظَّهر والبطن، ولؤلؤيَّة البهجة والحسن:
تُذكرنا ريَّا الأحبَّةِ كلّما ... تنفَّسُ في جُنحٍ من اللَّيلِ باردِ
والبنفسج يأرج بذكاء الورد، ويعرض بصبغة اللاَّزوَرْد، أو قرص التجميش في صحن الخدّ:
كأنَّها فوقَ طاقاتٍ ضعُفنَ بها ... أوائلُ النَّارِ في أطرافِ كبريتِ
والنّرجسُ الغضُّ يزهو في مقاطعهِ ... كأنَّهنَّ عيونٌ مالها هدُبُ
أو أجفان فضَّة أحداقها من ذهب، أو أقداح ياقوت مخروطة من لؤلؤ رطب، أو فصوص درٍّ أبيض حول مصوغ تبر أصفر على قضيب زبرجد أخضر، أو رواصد عيون الرقباء لزيارة الأحبَّاء، أو كواكب تألَّقت في صفاء هواء على صحن سماء:
طَلعن نُجوماً خلالَ الريا ... ض ما بينَ زُهرةَ والفرقدِ
سهرنَ قياماً على ساقها ... ونمنَ وقد قطفتها يدي
والسّوسن مسبوكة ورقاته، متراكبة طبقاته، كأنه شقق صينيّ الحرير الممهّد على قدود رابية من خضر الزبرجد. ليِّن المسِّ، عبق المشمّ، خضل الورق، كأنه من رقَّته وشاح ولنفحته نضاح، كهدب الوشي المبلول أو نسيم السّحر المطلول.
كأنَّ أوراقه في كل شارقةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ
والآذريون يشدّ الليل أزراره، ويفتح الصبح أبصاره كأنه كأس عقيق بقرارة مسك سحيق، أو نقطة مسك في خدّ متيَّم، أو إيماض بارقة في غيم أسحم، أو دارة سبج في صحيفة زبرجٍ:
أزرارُ ديباجٍ إذا الليلُ دجا ... وهنَّ في الصبح عيونٌ ساميهْ
(1/73)

والجلَّنار مشبع الصبغة قانئ الحمرة مضرَّج بالدَّم كمنحر البدن، أو قوارير خمر عاقرت ساحة الدنِّ:
يدعو إلى وردةٍ مورَّدةٍ ... حمراءَ مصبوغةِ القواريرِ
إذا وَنَتْ في الأكفِّ حَثْحَثَها ... للسيرِ نطَّاقةُ المزاميرِ
فثارَ لِلَّهو والهوى رهجٌ ... تحسبه وقعةَ المغاويرِ
فكم قتيلٍ على الكؤوسِ بها ... وكم جريحٍ بجنبِ مأسورِ
حتَّى إذا خلف الاعتدال الربيعيّ الاعتدال الخريفيّ، فانثنت القضبان متساقطة والثمار متهدّلة والفواكه يانعة متلوِّنة الأصباغ منفوضة الأزهار، وعادت بعد بشاعتها شهية، وغبَّ مماتها فخمة متصلة أنابيبها بالأفنان أعطافها وحواشيها، كأنها أشربة واقعة دون أوانيها؛ قد أماعها الحر بلفحاته، وعقدها القرُّ بنسماته، وأنضجتها الشَّمس، وصبغها القمر، فهي ظروف هواء على صبابات نور، أوْ أوعية ملاء من الضرب المنثور، طالعك الزعفران غريب الوجه والبنان أنيق الوقت والأوان في أغشية المصمت الأزرق، كأنها نصول السهام أوْ تخطيطات الألفات على الأكمام. فإذا وهت حروفها واتسع بأعاليها فتوقها، زافت كألسنة الحيات مذعورة، أوْ أعراف الخيل منشورة، أوْ شوك الإبر مضمّخات بصفرة فاقعة، أوْ حمرة قانية، كأنهنَّ حياء تحمرُّ أوْ مخافة تصفرُّ:
حُمْراً وصفراً في تراكيبها ... كأنها تخجلُ أو تُذعرُ
قد ذكرنا بعض نعوت الربيع في صدور المقالة قولاً منثوراً، ونحن متبعوها بجميع صفات فصله وسحائبه وبروقه ورعوده وأنهاره وغدرانه ومصانعه وملاءته وأزاهير فضائه وسجسج هوائه شيئاً فشيئاً مبوّباً مرتَّباً؛ وبالله الحول والقوة والتوفيق.
الباب الأول
الربيع
أنشد علي الأسواري هذه المقطوعة:
أوائلُ رسلٍ للرَّبيعِ تقدَّمتْ ... على حسن وجهِ الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ الممات حدائقٌ ... كواسٍ وكانتْ مثل ظهر أديمِ
كأنَّ اخضرارَ الرَّوضِ والنَّورُ طالعٌ ... عليه سماءٌ زُيِّنت بنجومِ
إذا افتضَّها لحظُ البصير بلحظةٍ ... توهَّمها مفروشةً برقومِ
تردَّتْ بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتْ ... بضحكِ بروقٍ في بكاءِ غيومِ
فأوردها فحلُ السَّحاب عرائساً ... ضعافَ القِوى من مرضعٍ وفطيمِ
كمثلِ نشاوى الرَّاح يلثمُ دائباً ... إذا الرّيحُ جادتْ بنتها بنسيمِ
الخليع:
ضحكت ضواحي الأرض لمَّا رقرقتْ ... ظهرانهنَّ مدامعُ الأنواءِ
فترى الرّياضَ كأنَّهنَّ عرائسٌ ... يُنقلنَ من صفراءَ في حمراءِ
البسَّامي:
أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتَها ... بخضرةٍ واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في جوانبها ... وللرَّبيعِ ابتسامٌ في نواحيها
الزاهي وأحسن فيه:
هذا الربيعُ وهذه أنوارُه ... طابتْ لياليه وطابَ نهارهُ
درِّيَّةٌ أنوارهُ فضيَّةٌ ... أنهارهُ ذهبيَّةٌ أشجارُهُ
متأرِّجٌ نشواتهُ متبلّجٌ ... ضحواتهُ ومتبرِّجٌ أسحارُهُ
والماءُ فضيُّ القميصِ مفروزٌ ... ببنفسجٍ واللازوردُ شعارُهُ
والسَّروُ ممدودُ القوام كأنَّه ... قدُّ القناةِ يصفهُ أنهارُهُ
وترنَّمتْ عجمُ الطّيورِ كأنَّها ... سربُ القيان ترنَّمتْ أوتارُهُ
فاشربْ على ورد الخدودِ بجنبهِ ... وردُ الربيع تحُفُّهُ أنوارُهُ
من كلِّ أحورَ كالقضيب منعَّمٍ ... قد شدَّ خوطَ قوامه زنَّارُهُ
يسقيكَها من كفِّه وبطرفه ... أضعافَ ما قدْ أسكرتْه عُقارُهُ
متدلِّلٌ من عقدهِ بدرُ الدجى ... متهلِّلٌ وظلامُه أزرارُهُ
الصنوبري:
إنْ كانَ في الصيفِ ريحانٌ وفاكهةٌ ... فالأرضُ مستوقد والجوّ تنُّورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مختَرفاً ... فالأرض محصورةٌ والجوُّ مأسورُ
وإن يكنْ في الشتاء الغيمُ متَّصلاً ... فالأرض عريانةٌ والجوُّ مقرورُ
ما الدَّهرُ إلاَّ الربيعُ المستنيرُ إذا ... جاء الربيعُ أتاكَ النَّورُ والنُّورُ
فالأرض ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ ... والنَّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلُّورُ
لا تعدمُ الأرض كأساً من سحائبه ... فالنبتُ ضربانِ سكرانٌ ومخمورُ
(1/74)

فيه جنى الورد منضودٌ مورَّدةٌ ... به المجالسُ والمنثور منثورُ
هذا البنفسجُ هذا الياسمينُ وذا ال ... نِّسرينُ ذا سوسنٌ بالحسنِ مشهورُ
حيثُ التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌ ... وبلبلٌ ووراشينٌ وزرزورُ
يطيبُ حولَ صحاريهِ المقامُ كما ... تطيبُ في غيرهِ الحاناتُ والدُّورُ
في كلِّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكرةٌ ... وكلِّ بطنٍ هبطنا فيه ماخورُ
تباركَ اللهُ ما أحلى الربيع فلا ... يغررْ مقايسهُ بالحسن تغريرُ
مَن شمَّ ريحَ نحياتِ الربيع يقلْ ... لا المسك مسك ولا الكافورُ كافورُ
آخر:
هذا الربيعُ من الجنانِ هديَّةٌ ... ونديمُ كأسكَ من نتاجِ الحورِ
لك نزهتانِ محاسنٌ ومناقبٌ ... إنْ لم تلذَّ فلستَ بالمعذورِ
فالوردُ في خُضر القُموعِ كأنَّه ... وردُ الخدودِ بخُضرةِ التَّعذيرِ
آخر:
قهقهَ نورُ الربيع فاستبشرْ ... واكتستِ الأرضُ مطرفاً أخضرْ
ترى ربيعاً نوَّارهُ ذهبٌ ... ماءُ لجينٍ حصباؤه جوهرْ
عطَّل صبّاغُه الخدودَ بما ... ورَّدَ من صبغها وما عصفرْ
لابسُ قميصٍ من العقيق على ... غلائلٍ من زبرجدٍ أخضرْ
الخبزأرزي:
هذا الربيعُ من الجنَّات مسترقٌ ... ففيه من صفة الجنَّات تمثيلُ
فالوردُ من وجنة المعشوق صِبغتُه ... والطيبُ من نكهةِ المعشوق معلولُ
وردُ الخُدود مصونٌ ليس يقطفهُ ... إلاَّ العيونُ ووردُ الرَّوض مبذولُ
طيبوا فما طيبُ هذا الفصل مُدَّغمٌ ... يخفى ولا فضلُ هذا اليومِ مجهولُ
أمَّا النَّهارُ فر حرٌ ولا خصرٌ ... والليلُ لا قصرٌ فيه ولا طولُ
فلا البنانُ عن التجميش منقبضٌ ... ولا العناق لكرب الحرِّ مملولُ
طاب الهواءُ لتعديل الهواءِ به ... فللَّذاذاتِ في الأرواحِ تعديلُ
فشيِّعوا يومَكم واستقبلوا غدهُ ... فقسمةُ العيش تعجيلٌ وتأميلُ
وما انتظاركمُ والعيشُ مقتبلٌ ... والوردُ مُبتسمٌ والروضُ مطلولُ
غيره:
اخضرَّتِ الأرضُ واصفرَّت وقد لبستْ ... ثوبَ النضارةِ أشجارُ البساتينِ
والروضُ مبتهجٌ والماءُ مطّردٌ ... والنَّورُ مفترشٌ وسطَ الميادينِ
والوردُ أطيبُ شمَّاماً ورائحةً ... من مسك تُبَّتْ أوْ من عنبر الصينِ
أما ترى الطيرَ غنَّتْ وقد طربتْ ... تحكي بنغمتها وزنَ الدَّساتينِ
الصنوبري:
أما ترى جواهرَ الأنواءِ ... ألَّفها مؤلِّفُ الأنداءِ
ما شئتَ من ياقوتةٍ حمراء ... فيها ومن ياقوتةٍ صفراءِ
قدْ فُصِّلتْ بدرَّةٍ بيضاء ... زهراءَ مثلِ الزَّهرةِ الزَّهراءِ
فإن لحظتَ زاهرَ الشَّجراءِ ... ألفيتهُ معصفرَ السماءِ
وإنْ شممتَ أرجَ الفضاءِ ... وجدتَهُ معنبرَ الهواءِ
في ذهبِ التُربُ لجينُ الماءِ ... يجري على زمرُّد الحصباءِ
الباب الثاني
البرق
أنشد لبعض العرب، وهو نادرٌ ما قيل:
ألا يا سنا برقٍ علا قُللَ الحِمى ... ليهنكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعت اقْتذاءَ الطيرِ والقومُ هجَّع ... فهيجتَ أوجاعاً وأنتَ سليمُ
آخر، وهو من البديع:
نارٌ تُجدِّدُ للعيدانِ نضرتَها ... والنَّارُ تلفح عيداناً فتحترقُ
أعرابي:
وكمْ دونَ ليلى منْ بريقٍ كأنَّه ... سُيَيْفٌ ولكن لم يسلَّ من الغمدِ
يضيءُ ويخفى تارةً فكأنَّه ... تقطُّعُ لمعِ النَّارِ في طرفِ الزندِ
أنشد الجاحظ لحميد بن ثور:
أرِقتُ لبرق آخر اللَّيل يلمعُ ... سرى موهناً دوني يهبُّ ويهجعُ
خفا كاقتذاء الطير والليلُ ضاربٌ ... بأرواقهِ والصبحُ قد كادَ يسطعُ
وأنشد أيضاً:
أشاقكَ برقٌ أخرَ الليل لامعٌ ... وكلُّ حجازيٍّ لهُ البرقُ شائقُ
سرى كاحتساء الطير والليلُ دونه ... وأعلامُ سلمى كلُّها والأسالقُ
جحظة:
ألا أيُّها البرقُ الذي صابَ ودقُه ... وسارتْ به في الجانبينِ الجنائبُ
إذا أنتَ روَّيتَ المطيرة مثلما ... روينا به خمراً فحقُّكَ واجبُ
آخر:
(1/75)

ربَّ ليلٍ أرِقتُ فيه لبرق ... ضاحكٍ في ظلام ليلٍ عبوسِ
لاحَ في أفقهِ فخلتُ سناه ... لهباً ساطعاً بأعلى وَطيسِ
آخر:
أرقتُ لبرق سَرى موهِناً ... خفياً كغمزِكَ بالحاجبِ
كأنَّ تألقَه في السما ... يدا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ
وأما قول امرئ القيس:
أصاحِ ترى برقا أريك وَميضَهُ ... كلمعِ اليدين في حَبِيٍّ مكلَّلِ
فتفسيره قول الكميت:
كما انتظر المُسنِتونَ الربي ... عَ أومضَ برقاهُ ثمَّ اسْتطارا
وإذا أومض البرق مثنى مثنًى فهم لا يشكون في الغيث، ويشدون الرحال للنجعة وتتبع مساقط القطر ومواقع الكلأ. وعلى ذكر البرق فقد هفا أبو الفتح عثمان بن جني في تفسير قول المتنبي:
تبلُّ خديَّ كلَّما ابتسمت ... من مطر برقهُ ثناياها
وبيانه قول ابن الرومي:
وواضحٍ باردٍ به شنبٌ ... يعرقُ من شامَ برقَه مطرهْ
ينبت لألاؤه عذوبَتَه ... وليس يُخفي نسيمه خصرهْ
وذكر أبو الفتح أيضاً، في آخر كتاب المعرّب في القوافي، في قول بعض الخوارج يذكر الحجاج بن يوسف:
ولا الحجاج عَينيْ بنتِ ماء ... تُقلِّبُ طرفَها حذرَ الصُّقور
أنه ذليل. وحمله على معنى قول الله عز وجل:) ينظرون من طرف خفي (. أي نظراً بذلٍّ واستكانة؛ واستشهد به عليه.
وهذا البيت قد أنشده الرواة في كتب المعاني، وفسروه مصححاً: أن طيور الماء منسلقة الأجفان بلا أهداب. وكان الحجاج منسلق الأجفان بلا أهداب.
آخر:
وبدا لهُ من بعد ما انْدملَ الهوى ... برقٌ تتابعَ موهِناً لمعانهُ
يبدُو كحاشية الرِّداء ودونه ... صعبُ الذرا متمنِّعٌ أركانهُ
فالنَّارُ ما اشتملتْ عليه ضُلوعهُ ... والماءُ ما سحَّت بهِ أجفانهُ
عروة:
ألا لا أريدُ السَّيرَ إلاَّ مُصاعداً ... ولا البرقَ إلاَّ أن يكونَ يَمانيا
على مثلِ ليلى يقتلُ المرءُ نفسه ... وإنْ كنت من ليلى على اليأسِ ثاويا
ابن المعتز:
إذا تفرَّى البرقُ فيها خلتَه ... بطن شجاع في كثيب يضطَربْ
وتارةً تبصِره كأنَّه ... أبلقُ مالَ جلُّه حين وثبْ
وتارةً تخالهُ إذا بدا ... سلاسلاً مصقولةً من الذهبْ
وأخذ البيت الأول من قول عروة:
ألمْ تأرقْ لبرق باتَ يسري ... بأكنافِ الأراكةِ مستطيرِ
تكشفَ عائذٍ بلقاءَ تنفي ... ذكورَ الخيلِ عن ولدٍ صغيرِ
وأنشد أبو الفرج الأصفهاني لبعض إماء العرب:
أتربَيَّ من عُليا تميم بن عامرٍ ... أجدَّا البكا إنَّ التفرُّقَ باكرُ
أتربَيَّ عاقتني نوًى عن نواكما ... وشعبُ هوًى قد بانَ لي متشاجرُ
ألا تريانِ البرقَ باتَ كأنَّه ... روامحُ شقرٌ تتقيهِ الحوافرُ
فما مكثُنا دامَ الجميلُ عليكُما ... بنعمانَ إلاَّ أن تُردَّ الأباعرُ
الحسن بن وهب:
أما ترى البارقَ اليماني ... حقّاً يقيناً لقدْ شَجاني
ذكَّرني عارِضيْ سعادٍ ... تلكَ التي فاقتِ الغَواني
ففاضَ دمعي وأسلمتْهُ ... للوجدِ عينانِ تذرِفانِ
حبيبةٌ لي مُنعتُ منها ... فلا أراها ولا تَراني
وقد استعار أبو تمام لفظ البرق، وركَّب من البرق معنى اخترعه فقال:
برقٌ إذا برقُ غيثٍ باتَ مختطفاً ... للطَّرف أصبحَ للأعناقِ مختطفا
إلاَّ أن في لفظه كلفة. ولسهولة الألفاظ، وائتلاف مراتبها، والتحام أجزائها، وتناسب أبعاضها مدخلٌ في جودة الشعر، وبراعة النظم. ألا ترى فيما أنشده الرواة كم بين قول امرئ القيس:
كأنِّيَ لم أركبْ جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيليَ كُرِّي كرة بعد إجفالِ
وبين قول عبد يغوث الحارثي:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كري نفسي عن رِجاليا
ولم أسبأِ الزقَّ الرويّ ولم أقلْ ... لأيسار صدقٍ عظِّموا ضوءَ نارِيا
وقال عبد الله بن المعتز في قول أبي تمام:
جعلتَ الجودَ لألاءَ المساعي ... وهل شمسٌ تكونُ بلا شُعاعِ
كاد البيت يكون جيداً لو لم يقلْ لألاء.
وعلى هذا أنشد خالد بن كلثوم بشار بن برد قول المجنون:
(1/76)

ألا إنَّما ليلى عصا خيزرانةٍ ... إذا غَمزوها بالأكفِّ تَلينُ
فقال بشار: لو كان قال: عصاً من زُبْدٍ لكان جافياً من بعد ذكر العصا. هلاّ قال كما قلت:
وحوراءِ المدامعِ من معدٍّ ... كأنَّ حديثها ثمرُ الجنانِ
إذا قامتْ لسُبحتها تثنَّتْ ... كأنَّ عظامَها من خيزُرانِ
ابن الدمينة:
ذكرتكِ والنَّجمُ اليَمانيّ كأنَّه ... وقد عارضَ الشِّعْرى قريعُ هِجانِ
فقلتُ لأصحابي ولاحتْ غمامةٌ ... بنجدٍ ألا للهِ ما تريانِ
فقالوا نرَى برقاً تقطَّعَ دونَهُ ... من الطَّرفِ أبصارٌ إليه رَواني
فكمْ شامَ ذاكَ البرقَ من متردِّدٍ ... حبيبٍ وجفنا عينيهِ هملانِ
الباب الثالث
الغيم والرَّعد والمطر
العلوي الحمَّاني:
باتتْ سَواريها تمخَّ ... ضُ في رواعِدها القواصفْ
فكأنَّ لمعَ بُروقها ... في الجوِّ أسيافُ المثاقفْ
ثمَّ انبرتْ سُحباً كبا ... كيةٍ بأربعةٍ ذوارفْ
التنوخي في الرعد:
ورعدةٍ كقارئٍ مُتعتعٍ ... أوْ خاطبٍ لجلجَ لمَّا أن خطبْ
كأسدٍ يزأرُ أوْ جنادلٍ ... تصطكُّ أوْ أمواجِ بحرٍ تصطخبْ
ابن هرمة، في تشبيهه، وأحسن:
ألمْ تأرقْ لضوءِ البرْ ... قِ في أسحمَ مّاحِ
كأعناقِ نساء الهن ... دِ قد شيبتْ بأوضاحِ
الحسين بن مطير الأسدي:
مُستضحكٌ بلوامعٍ مستعبرٌ ... بمدامع لم تمرِها الأقذاءُ
فله بلا حُزن ولا بمسرَّةٍ ... ضحكٌ يؤلفُ بينهُ وبكاءُ
غرٌّ محجَّلةٌ دوالحُ ضُمِّنتْ ... حملَ اللّقاحِ وكلُّها عذراءُ
سحمٌ فهنَّ إذا كظمنَ فواحمٌ ... وإذا ابتسمنَ فإنَّهنَّ وِضاءُ
آخر:
ومصابُ غادية تسحُّ ... ذوارفَ الدمعِ الهَمولِ
وتقاطرتْ منشورةً ... أشباهَ أعرافِ الخيولِ
ابن المعتز:
نثرتْ أوائلها حَياً فكأنَّه ... نقطٌ على عجلٍ ببطنِ كتابِ
أوس بن حجر:
يا هلْ ترَى البرقَ لمَّا شبَّ أرَّقني ... في عارضٍ مستطيرِ المزنِ لمَّاحِ
تهدي الجنوبُ بأولاه وناءَ بهِ ... أعجازُ مزن بسحّ الماءِ دلاّحِ
كأنَّ ريِّقَه لمَّا علا شطِباً ... أقرابُ أبلقَ ينفي الخيلَ رمَّاحِ
دانٍ مسفٌّ فويق الأرض هيدَبُه ... يكادُ يدفعهُ من قامَ بالرَّاحِ
ينفي الحصى عن جديدِ الأرض مبتركاً ... كأنَّه فاحصٌ أو لاعبٌ داحِ
كأنَّما فيه لمَّا الرعدُ فجَّرهُ ... دهمٌ مطافيلُ قد همَّت بإرشاحِ
فمنْ بنجوتهِ كمنْ بعقوته ... والمستكنُّ كمنْ يمشي بقرْواحِ
والسحاب إذا ألَّفته الصَّبا وألقحته الجنوب، ومرَته الشمال، فالمطر سحٌّ طبق. ولهذا قال الهذلي عبد بني الحسحاس:
مَرَته الصَّبا وزَهَتْه الجنو ... بُ وانْتَجفتهُ الشَّمال انْتِجافا
وهذا على طبع البقاع. ألا ترى أن أبا كبير جعل الشمال قاشعة السحاب فقال:
فتركتهمْ جَزَراً كأنَّْ سحابةً ... صابتْ عليهم وَدْقُها لم يُشملِ
وجعلها النابغة مستدرة مستديمة فقل:
أوْ مثلُ أُسود الطلِّ ألْثَقها ... يومُ رذاذٍ منَ الجوزاءِ مشمولُ
وبه اقتدى البحتري فقال:
قلْ للسَّحابِ إذا ما حدتْهُ الشَّمألُ ... وسرى بليلٍ ركبُهُ المتحمِّلُ
وأغزر السحاب ما نشأ عن يمين القبلة. ويقولون: إنها لا تسودُّ إلاَّ من ريِّها.
أخبرني أبو سعيد عن أبي بكر بن دريد قال: كان معقِّر بنُ حمار البارقي في الصحراء، فسمع راعدةً فقال لابنته: ما ترين؟ فقالت: أراها حمَّاء عقاقةً كأنها حولاء ناقة. ثمَّ سمع أخرى فقال: ما ترين؟ فقالت: أراها كأنها لحمٌ ثنتٌ منه مسيكٌ ومنهرتٌ. فقال: وائلي بي إلى قفلةٍ فإنها لا تنبتُ إلاَّ بمنجاةٍ من السيل.
البحتري:
ذاتُ ارتجازٍ بحنينِ الرعدِ ... مجرورةُ الذيلِ صدوقُ الوعدِ
مسفوحةُ الدمعِ بغير وجد ... لها نسيمٌ كنسيمِ الوردِ
ورنَّةٌ مثلُ زئيرِ الأُسدِ ... ولمعُ برقٍ كسيوفِ الهندِ
جاءتْ بها ريحُ الصَّبا من بعدِ ... فانتثرتْ مثلَ انتثارِ العقدِ
فراحتِ الأرضُ بعيشٍ رغدِ ... مِن وشيِ أنوار الرُّبا في بُردِ
(1/77)

كأنَّما غدرانُها في الوهدِ ... يلعبنَ من حَبابِها بالنَّردِ
آخر:
أقبلَ كالذَّودِ رعت شواردُهْ
حتَّى إذا ما ارتجزتْ رواعدُهْ
وأذهبتْ ببرقِها مطاردُهْ
عادتْ بما سرَّ الثرى عوائدُهْ
وانتثرتْ في روضِها فرائدُهْ
منظومةً من شكره قلائدُهْ
أخر:
غيثٌ أذابَ البرقُ شحمةَ مزنهِ ... والرِّيحُ تنظمُ منه حبَّ الجوهرِ
وُّما طارتْ به ريحُ الصَّبا ... من بعدِ ما انغمستْ به في العنبرِ
ويُضيءُ تحسبُ أنَّ ماءَ غمامهِ ... قمرٌ تقطَّع في إناءٍ أخضرِ
الباب الرابع
في الغدران والجداول
وتدريج الرياح إيّاها وتركيب السماء والنجوم فيها
الصنوبري في وصفه النهر وأجاد:
والعَوَجانُ الذي كلفتُ بهِ ... قد سُوِّيَ الحسنُ فيه مُذ عرَّجْ
ما أخطأ الأيمَ في تعوُّجه ... شيئاً إذا ما استقامَ أو عوَّجْ
تُدرِّجُ الريحُ متنهُ فترى ... جوْشنَ ماءٍ عليه قد درّجْ
إنْ أعنقتْ بالجنوبِ أعنقَ في ... لطف وإن هملجتْ به هملجْ
من أينَ طافتْ شمسُ النهارِ بهِ ... حسبتَ شمساً من جوفه تخرُجْ
ابن المعتز:
على جدولٍ ريَّانَ لا يقبلُ القذى ... كأنَّ سواقيهِ مُتونُ المباردِ
الناجم:
أحاطتْ أزاهيرُ الربيع سَويةً ... سِماطيْنِ مصطفَّينِ تستنبتُ المرْعى
على جدولٍ ريَّانَ كالسهم مرسَلاً ... أو الصارمِ المسلولِ أوْ حيَّةٍ تسعى
آخر:
كَسَيبك اللجينِ يجري على اليا ... قوتِ والدرِّ بين تلكَ النواحي
فوقَ رضراضِ دُرِّهِ يتلوَّى ... جريُ سلسالهِ النقي الضواحي
الصنوبري:
في ذهبِ الترب لُجينُ الماء ... يجري على زمرُّد الحصباءِ
منِ استواءٍ منهُ والتواء ... كما نفضتَ جونةَ الحوَّاءِ
ابن رومي:
وماءٍ جلتْ عن حرِّ صفحته القذى ... من الريح معطارُ الأصائلِ والبكرْ
له عبقٌ مما تسحب فوقه ... نسيم الصبا يجري على النور والزهرْ
ابن المعتز في الغدير وأحسن:
وإذا الرِّياحُ مسحنَ وجهَ غديرهِ ... صفَّيْنه ونفيْنَ كلَّ قذاةِ
ما إنْ يزالُ عليه ظبيٌ كارعٌ ... كتطلُّعِ الحسناءِ في المرآةِ
العلوي الحمَّاني:
بَرّيّةٌ شتواتُها ... بحريَّة منها المصائفْ
دُرّيّةُ الحصباء كا ... فوريّةٌ منها المشارفْ
وكأنَّما غدرانها ... فيها عشورٌ في مصاحفْ
آخر:
بأكنافِ الثويَّةِ من عُذيبٍ ... حسانٌ هنَّ جنَّاتُ النَّعيمِ
وتخفقُ وسطها الغُدرانُ ليلاً ... ومن حصبائها زهرُ النُّجومِ
ابن طباطبا العلوي:
كم ليلةٍ ساهرتُ أنجمَها لدَى ... عَرَصاتِ ماء أرضُها كسمائها
قد سُيِّرت فيها النجومُ كأنها ... فلكُ السماء يدورُ في أرجائها
لججٌ قدحتُ اللحظَ في جَنَباتها ... والبرقُ يقدحُ تارةً في مائها
أحسنْ بها لججاً إذا التبسَ الدجى ... كانت نجومُ اللَّيل من حَصبائها
وترجَّحت فيها السماءُ ولم تزلْ ... خضراؤها ترتجُّ في خضرائها
والبدرُ يخفقُ وسطَها فكأنَّه ... قلبٌ لها قد ريعَ في أحشائها
اللبادي المصري:
وبِتنا على النِّيلِ في ليلةٍ ... هَرَقْراقةٍ طلقةٍ مُشرقهْ
وقد طلعَ البدرُ من جانب ... فصاغَ على وسطهِ منْطقهْ
فساذجةٌ بسكونِ الرياحِ ... فإنْ خفقَت خِلتَها مُحرقهْ
آخر:
والنيلُ يجري فوقَ رَض ... راضٍ من الجزعِ الظَّفاري
مُتلوِّناً لونين ما ... بينَ اللجينِ إلى النُّضارِ
آخر:
والبدرُ في أُفقِ السَّماء كأنَّه ... قدْ سلَّ الماء سيفاً مُذهبا
آخر:
والماءُ بين صَقي ... ل الأعلى وبين المدرَّجِ
يُدني إلى ذهب الرَّ ... اح لازوردَ البنفسجِ
المفجَّع البصري:
على جدولٍ ريَّانَ ينسابُ متنُهُ ... صقيلاً كمتن السَّيفِ وافى مجرَّدا
إذا الريحُ ناغتْهُ تحلَّقَ وجهُهُ ... دُروعاً وِضاءً أو تحزَّز مِبردا
أبو فراس:
والماءُ منحطٌّ من التلاعِ ... كما تُسلُّ البيضُ للقراعِ
(1/78)

ابن المعتز:
إذا كُظَّ الفراتُ بماء مدٍّ ... أغصَّ به حلاقمَ كلِّ نهرِ
وقوله في ماء المد عجيب:
أما ترَى المدَّ قدْ ... أتاكَ بماءٍ مُصندلِ
وهذا من فوارد شعره كقوله:
تميلُ من سَكَرات النوم قامتُه ... كمثلِ ماشٍ على دُفٍ بتخنيثِ
وكقوله:
وكأنَّ السقاةَ بين النَّدامى ... ألِفاتٌ بين السُّطورِ قيامُ
وكقوله:
والبدرُ يأخذُهُ غيمٌ ويتركُهُ ... كأنَّه سافرٌ عن خدِّ مَلطومِ
وكقوله:
في قمرٍ مُسترقٍ نصفُه ... كأنَّه مِجرفةُ العطرِ
آخر:
وجدولٍ كالحسام لاحَ على ... جلدةِ وشْي لمّاعةِ الذَّهبِ
كأنَّه والمُدودُ تتبعُه ... سلْخ حُبابٍ من كثرةِ الحَبَبِ
ابن المعتز:
وروضةٍ كأنَّها ... جلدُ سماء عاريَهْ
كأنَّما أنهارُها ... بماءِ وردٍ جاريَهْ
آخر:
وكأن درعاً مُفزَعاً من فضةٍ ... ماءُ الغدير جرتْ عليهِ شمألُ
وعلى ذكر المياه وقرارتها أحسن الصنوبري في صفة البركة:
يا حسنَها من بركة أُفردتْ ... بالحُسنِ إحساناً من الواهبِ
كأنَّما الأعينُ في قَعرها ... راسبةٌ إثر القَذى الرَّاسبِ
بين بساتينَ مَيادينُها ... من سارقٍ للُّبِّ أوْ غاصبِ
ما بين مصبوغٍ بلا صابِغ ... وبين مخضوب بلا خاضبِ
وجدولٍ ينسلُّ من جدولٍ ... مثلَ انْسلالِ المُرهف القاضبِ
والطيرُ من مستبشرٍ ضاحك ... فيه ومن مكتئبٍ نادبِ
وصادحٍ أُنساً إلى حاضرِ ... وهاتفٍ شوقاً إلى غائبِ
وله أيضاً في البركة والفوَّارة:
وبركةٍ منظرُها يطربُ ... للماءِ فيها ألسنٌ تعربُ
تحسبُها من طولِ تَرجيعها ... دائمةً تُنشدُ أو تخطبُ
كأنَّ فواراتها وسطها ... إذا ترامتْ لعبٌ تلعبُ
من يمنةٍ فيها ومنْ يسرةٍ ... قنطرةٌ واقفةٌ تذهبُ
علي بن الجهم:
صحونٌ تسافرُ فيا العيونُ ... وتَحسرُ من بُعد أقطارِها
إذا أُوقدتْ نارُها بالعرا ... قِ أضاءَ الحجازَ سَنا نارِها
وقُبةُ ملكٍ كأنَّ النجو ... مَ تُصغي إليها بأسرارِها
وفوَّارةٌ ثأرُها في السَّما ... ءِ فليستْ تقصّرُ عن ثارِها
ترُد على المُزن ما أنزلتْ ... على الأرض من صوبِ أقطارِها
لها شُرُفاتٌ كأنَّ الرَّبي ... عَ كساها الرياضَ بأنوارِها
فهن كمُصطبحاتٍ خرجْ ... نَ لفصْح النَّصارى وإفطارِها
فمنْ بين عاقصةٍ شعرَها ... ومصلحةٍ عقْد زنَّارِها
الباب الخامس
جريِ الماء بين الخُضر
أبو فراس وأحسن في تشبيهه:
والماءُ يفصلُ بينَ زه ... ر الرَّوضِ في الشطَّينِ فصْلا
كبساطِ وشيٍ جرَّدتْ ... أيدي القيونِ عليهِ نصْلا
آخر:
كلبْسِكَ خَفتانَ وشيٍ بدا ... بياضُ الغِلالة من شرجهِ
آخر:
وجدولٍ كالمِبْرد المجلي ... على رياضٍ وثرًى ثريّ
الناجم:
انظرْ إلى الرَّوضِ الذك ... يِّ فحسنُهُ للعينِ قرَّهْ
وكأنَّ خضرتَهُ السَّما ... ءُ ونهرهُ فيها المجرَّهْ
النامي:
وكأنَّما الرَّوضُ السَّماءُ وزهرُهُ ... فيها المجرَّةُ والكؤوسُ الأنجمُ
أبو فراس:
وكأنَّما الغُدُرُ الملاءُ تحفُّها ... أنواعُ ذاك الرَّوض والزهرِ
بسطٌ من الدِّيباجِ بيضٌ فُرْوِزتْ ... أطرافُها بفراوزٍ خُضرِ
الباب السادس
تفتُّح الأنوار والأكمَّة
لبعضهم:
أكمَّةُ نُوَّار تبدَّتْ كأنَّها ... صماماتُ وشيٍ حرةُ البطنِ والظهرِ
ودائعُ للنَّيروزِ فيها كنينةٌ ... من الفضَّة البيضاءِ أوْ خالص التبرِ
كما زرَّتِ الحسناءُ فضلَ جيوبِها ... على الدُّرِّ والمرجانِ في واضحِ النحرِ
المعوَّج:
حقاقٌ منَ النوَّار مزرورةُ العُرا ... على قطع الياقوت واللؤلؤِ الغضِّ
فهنَّ على الأغصانِ أجفانُ فضَّةٍ ... وبالأمسِ كانتْ مُطبقاتٍ على الغمضِ
البحتري:
وقدْ نبَّه النَّيروزُ في غَلس الدُّجى ... أوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نُوَّما
(1/79)

يفتِّقها بردُ النَّدى فكأنَّه ... يبثُّ حديثاً كانَ قبلُ مكتَّما
الباب السابع
باكورة الخلاف
الباخسرواني:
أوَّلُ ثَغر الرَّبيع مُبتسماً ... نَوْرُ خلافٍ درٌّ مضاحكُهْ
قضبانُه الفاتناتُ في لمعٍ ... منْ لؤلؤ وُضَّحٍ مسالكُهْ
بشيرُ صدقٍ جاءَ الربيعُ بهِ ... يُخبر أن زينَت ممالكُهْ
آخر:
عودُ خِلاف أتى وفاقا ... بينَ الملاهي بلا خِلافِ
مرصَّعٌ قشرهُ بنوْرٍ ... أُلِّفَ من لؤلؤ وِلافِ
أبو عبادة:
هذا الربيعُ كأنَّما أنوارُهُ ... أولادُ فارسَ في ثيابِ الرُّومِ
وترى الخِلافَ كشاربٍ من قهوة ... ثملٍ إلى شُرب المُدامة يومي
الباب الثامن
سقط الطلّ على الورق
الصنوبري:
طالَعنا حاجبُ الغَزالة في ... قَميص نَوْر مذهَّب الزبرجْ
وخيلَ سقطُ النَّدى المفرَّقُ في ... جوانبِ البيتِ لؤلؤاً دُحرجْ
غيره:
كأنَّ طلوعَ الورد والطلُّ فوقهُ ... لثاتٌ عليها درُّ ثغر مفلَّجِ
ابن الرومي:
تروقُكَ النَّورةُ منها الناكسهْ ... بعينِ يَقظى وبجيدِ ناعسهْ لؤلؤةُ الطلِّ عليها قارسهْ
أبو عبادة:
وفي أُرجوانيٍّ من النَّوْر أحمرٍ ... يُشاب بإفرندٍ من الأرضِ أخضرِ
إذا ما النَّدى وافاه ليلاً تمايلتْ ... أعاليهِ من درٍّ نثيرٍ وجوهرِ
إذا قابلتها الشَّمسُ ردَّ ضياءها ... عليها صقالُ الأرجوانِ المنوَّرِ
إذا غازلتْها الريحُ خلتُ التفاتةٌ ... لعلوةَ في جاديِّها المتعصفرِ
كأنَّ سقوطَ الطلِّ فيها إذا انْثنى ... إليها سقوط اللؤلؤ المتحدِّرِ
ابن الرومي:
لدى رَوضة فيها من النَّورِ أعينٌ ... تُرقرقُ دمعاً بل ثغورٌ تبسَّمُ
كمستبشرٍ مستعبرٍ بعد فرقةٍ ... لبينِ خليطٍ قوَّضوا ثمَّ خيَّموا
ابن المعتز، وهو من بديعه:
فرسانُ طلٍّ على خيل من الشجرِ ... تحثُّهنَّ سياطُ الريح في السَّحرِ
ما شئت منْ حَركات وهي واقفةٌ ... نخالُها سائراتٍ وهي لم تسرِ
آخر:
وتجلَّتِ الأشجارُ من أنوارها ... جنْسينِ بين مفضَّضٍ ومذهَّبِ
انظرْ إلى الحبِّ المنظَّمِ فوقَها ... والى ندًى من فوقهنَّ محبَّبِ
الأخيطل الأهوازي:
وإذا النميمةُ للرياحِ جرتْ ... ما بينهنَّ وخانها الصبرُ
طلعتْ كمعتنقٍ ومفترقٍ ... يُدني الهوى ويباعدُ الهجرُ
ملأتْ مداهنَها السَّماءُ ندًى ... أعناقُها من يِقْله صعرُ
أبو عبادة:
ولا زالَ مخضرٌّ من الرَّوض يانعٌ ... عليهِ بمحمرّ من النَّور جاسدِ
يذكِّرنا ريَّا الأحبَّةِ كلّما ... تنفَّسَ في جُنح من اللَّيل باردِ
شقائقُ يحملنَ النَّدى فكأنَّها ... دموعُ التَّصابي في خدود الخرائدِ
السروي:
غَدَونا على الرَّوضِ الذي طلَّه النَّدى ... سُحيراً وأوداجُ الأباريقِ تُسفكُ
ولم أرَ شيئاً كانَ أحسنَ منظراً ... من الرَّوضِ يجري دمعهُ وهو يضحكُ
آخر:
رأيتُ الرياضَ الزهرَ يونَقُ نوْرُها ... مدبَّجةَ الأرجاءِ موشيَّةَ الحفلِ
وقد أحدقتْ بيضُ الولائد بينها ... بغُدرانها غبَّ المروي عن الوبلِ
حواضنُ للعيدانِ في رونقِ الضُّحى ... يشُبْن شجى الألحان بالشَّكل والدلِّ
الباب التاسع
اهتزاز الأوراق بالأغصان
العلوي الحماني، وهو من أحسن التشبيه:
وكأنَّما أنوارُها ... تهتزُّ في نكباءَ عاصفْ
طُررُ الوصائفِ يلتقي ... نَ بها إلى طُررِ الوصائفِ
آخر:
وترى الغُصون ترفّ بالأ ... وراق مسبَلةَ الإزارِ
كقدودِ غلمانٍ رشا ... قٍ فوقها طُررُ الجواري
آخر:
وترى الغُصون تروقُ في أوراقِها ... مثلَ الوصائفِ في صنوفِ حريرِ
والوردُ في خُضر القُموع كأنَّه ... وردُ الخدود بخُضرةِ التعذيرِ
الباب العاشر
تثنِّي الأغصان وتعانقها
ابن مكلِّم الذئب:
شموسٌ وأقمارٌ من الزّهر طُلَّعُ ... لذي اللَّهوِ في أكنافها متمتَّعُ
(1/80)

كأنَّ عليها مِن مُجاجةِ طلِّها ... لآلئَ إلاَّ أنها هيَ أنصعُ
نَشاوى تًثنِّيها الرِّياحُ فتنثني ... فيلثمُ بعضٌ بعضَها ثمَّ ترجعُ
أحسن في هذا الوصف، واستوفاه، واستجاده أبو عبادة:
كأنَّ العذارى تمشَّتْ بها ... إذا هبَّتِ الريحُ أفنانَها
تعانَقُ للقُرب شَجْراؤها ... عناقَ الأحبَّةِ أسكانَها
آخر:
ويومٍ حجبَ الغيمُ ... به الشَّمسَ عن الأرضِ
بنوعين من القطرِ ... بمعقود ومُرْفَضِّ
إذا هبَّت الريحُ ... تدانى البعضُ من بعضِ
آخر:
وكأنَّها عند التع ... طُّف مُصغيانٌ للسرارِ
لنسيمِ ريحٍ كالمغا ... زلِ للغونِ وكالمداري
الأُخيطل الأهوازي:
حُفَّت بسرو كالكقيانِ تلبَّست ... خُضر الثياب على قوامٍ مُعتدلْ
فكأنَّها والريحُ تخطر بينها ... تنوي التَّعانقَ ثمَّ يمنعُها الخجلْ
آخر:
والسَّرو تحسبُه العيونُ غوانياً ... قدْ شمَّرتْ عن ساقِها أثوابَها
فكأنَّ إحداهنَّ من نفحِ الصّبا ... خودٌ تلاعبُ مَوْهناً أترابَها
الباب الحادي عشر
طلوع الشَّمس من خَلَل الأوراق
المعوج:
كأنَّ شُعاعَ الشّمس في كلِّ غُدوة ... على ورقِ الأشجار أوَّلَ طالعِ
دنانير في كفِّ الأشلِّ يضمُّها ... لقبضٍ وتَهوي من فُروج الأصابعِ
المتنبي:
فسرتُ وقد حجبْن الشَّمسَ عنِّي ... وجِئنَ من الضياءِ بما كَفاني
وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيراً تفرُّ من البَنانِ
النَّامي:
سماءُ غصونٍ تحجبُ الشمسَ أن تُرى ... على الأرضِ إلاَّ مثل نثرِ الدراهمِ
وخُلّطَ في القضبانِ حتَّى كأنَّها ... أليفُ عناقٍ للخدود النَّواعمِ
الباب الثاني عشر
تناثر النوَّار وغَشَيانه الأنهار
ابن لنكك:
ما كانَ منظوماً على الأغصانِ ... من كُسوة الياقوت والمرْجانِ
أصبحَ منثوراً على القيعانِ ... فالأرضُ من هديَّةِ القُضبانِ
تحتَ أكاليل من العقْيانِ ... تُدعى إلى نُزهتها العينانِ
أبو عبادة:
سَرى البرقُ يلمعُ في مُزنةٍ ... تجرُّ إلى الأرض أشطانَها
تُريكَ اليواقيتَ منثورةً ... وقد جلَّلَ النَّورُ ظهرانَها
العلوي:
وترى الأرضَ تُشبه الجوّ ليلاً ... وترى الجوَّ كالسَّماء نَهارا
وترى النَّورَ كالنثار إذا ما ... طيَّرتْه الصَّبا برفقٍ فطارا
كالدَّنانيرِ والدراهمِ ينفي النَّ ... قدُ منهنَّ روبجاتٍ نُضارا
المفجع:
النَّورُ منتثرٌ في كلِّ شارقة ... يغشى الجداولَ غشياناً فيغطيها
والماءُ من خَلَلِ النوَّار تحسبُه ... زرقَ العيونِ وبيضُ النبتِ يبديها
الناجم:
كأنَّما النَّورُ يغشى الماءَ مُنتثراً ... والريحُ تتركه كالسَّيف ذي الشطبِ
براقعٌ من قُباطيِّ مقطعةٌ ... وتحتَها حدٌ زرقٌ بلا هدبِ
الباب الثالث عشر
تنزُّه العين في الربيع
شاعرٌ:
حظُّ عينٍ وحظُّ سمع ربيعا ... ن وتغريدُ بلبل وهزازِ
في حِلاء من الزَّمان ووجه الأ ... رضِ مُكسى وشائعَ النُّوارِ
بابْيضاض محذَّقٍ باخضرارٍ ... واصفرار مبطَّنٍ باحمرارِ
كلّما أشرقتْ شموسُ الأقاحي ... خلتَ إحدى الشّموس شمسَ نهارِ
ابن المعتز:
قد نسجَ الرَّوضُ حلَّةَ الزهرِ ... فالعينُ محسودةٌ على النَّظرِ
الصنوبري:
فللظَّهرِ من حَلَب منظرٌ ... تُثابُ العيونُ على حجّهِ
وقد نظمَ الزهرُ سِمْطَيْه مِن ... سِنانِ قُويقَ إلى زجهِ
حبيب:
يا صاحبيَّ تقصَّيا نظريكُما ... تَرَيا وجوهَ الأرض كيفَ تصوَّرُ
تَرَيا نهاراً مشمساً قد شابهُ ... زهرُ الرّبا فكأنَّما هو مقمرُ
الناجم:
يومٌ شعاعُ شمسهِ ... مِن مذهبٍ لم ينسجِ
والريحُ سجواءُ جرتْ ... على هواء سجسجِ
فالعينُ من نزهتها ... خِلالَ عرسٍ مُبهجِ
والنَّورُ في غُدرانه ... درٌّ على فيروزجِ
الباب الرابع عشر
رقَّة النسيم
(1/81)

ابن المعتز، وهو من بديعه:
يا رُبَّ ليلٍ سحرٌ كلُّهُ ... مُفتضحِ البدرِ عليلِ النَّسيمْ
تلتقطُ الأنفاسُ بردَ النَّدى ... فيه فتَهديهِ لحرِّ الهمومْ
وأنشد أبو الفرج الأصفهاني لأعرابي:
وجوٍّ زاهرٍ للريحِ فيهِ ... نسيمٌ لا يَروعُ التربَ وانِ
وفسره أبو الفرج في كتاب الأغاني تفسيراً غريباً.
أنشد:
باحَ الظَّلامُ ببدرها وَوَشت ... فيها الصَّبا بمواقع القطرِ
أبو عبادة:
ورقَّ نسيمُ الروضِ حتَّى كأنَّما ... يجيء بأنفاس الأحبَّةِ نُعَّما
فما يحبسُ الرَّاحَ التي أنت خلُّها ... وما يمنعُ الأوتارَ أنْ تترنَّما
آخر:
ونسيمٍ يبشِّرُ الأرضَ بالقَطْ ... ر كذيلِ الغِلالةِ المبلولِ
ووجوهُ البلادِ تنتظرُ الغي ... ثَ انتظارَ الحبيبِ ردَّ الرَّسولِ
آخر:
يُحرِّكُ أغصانَ الرياض نسيمُها ... بمسجورةِ الأنفاس طيبةِ البردِ
أعرابي:
وما ريحُ قاعٍ عازب صَيِّبِ النَّدى ... وروضٍ من الكافور درَّتْ سحائبُهْ
فجاءَتْ سُحَيراً بين يومٍ وليلةٍ ... كما جرَّ من ذيلِ الغِلالةِ ساحبُهْ
ابن الرومي:
وأنفاسٌ كأنفاس الخُزامى ... قبيلَ الصُّبحِ بلَّتها السماءُ
تنفَّسَ نشرُها سحَراً فجاءتْ ... به سَحَريَّةُ المسرى رخاءُ
آخر:
يُهدي التنسُّمُ طيبَها لأُنوفنا ... فنظلُّ في طيبٍ ولم نتطيَّبِ
آخر:
كأنَّ حمامَ الأيكِ نشوانُ كلَّما ... ترنَّم في أغصانه وترجَّحا
ولاذَ نسيمُ الروض من طول سَيْره ... حَسيراً بأطراف الغصون مطلَّحا
إسحاق الموصلي:
يا حبَّذا ريحُ الجنوب إذا جرتْ ... في الصبحِ وهي ضعيفةُ الأنفاسِ
قدْ حُمِّلت بردَ الندى وتحمَّلتْ ... عَبَقاً من الجَثْجاث والبَسْباسِ
ماذا يَهيج من الصَّبابةِ والهوى ... للصَّبِّ بعد ذهولهِ والياسِ
ابن الرومي:
تُذكِّرني الشبابَ صباً بليل ... رسيسُ المسِّ لاغبةُ الركابِ
أتتْ من بعد ما انْسحبتْ مَليّاً ... على زَهر الرُّبا كلَّ انْسحابِ
وقد عبقتْ بها ريحُ الخُزامى ... كريح المسكِ ضُوِّعَ بانْتهابِ
الباب الخامس عشر
الشَّقائق
الأُخيطل الأهوازي:
هذي الشَّقائق قد أبصرتْ حمرَتها ... فوقَ السَّوادِ على أعناقها الذلُلِ
كأنَّها دمعةٌ قد غسَّلتْ كحُلاً ... جادتْ به وقفةٌ من وجنتَيْ خَجِلِ
آخر:
وشقائقٍ خجِلتْ ملاحةُ خدّه ... فلهُ التعصفُر مشفقٌ وشفيقُ
يرنو بأرقطِهِ إلى محمرِّه ... فاللَّحظُ جزعٌ والجفونُ عقيقُ
كشاجم:
أما الظَّلامُ فقد رقَّت غلائلهُ ... والصُّبحُ حين بدا بالنُّورِ يختالُ
فانظرْ بعينك أغصانَ الشَّقائق في ... فُروعها زهرٌ في الحُسن أمثالُ
من كلِّ مشرقةِ الألوانِ ناضرةٍ ... لها على الغُصن إيقادٌ وإشعالُ
حمراءَ من صبغةِ الباري بقُدرته ... مصقولةٍ لم ينلْها قطّ صقَّالُ
كأنَّها وجناتٌ أربعٌ جُمعتْ ... وكلُّ واحدةٍ في صحنِها خالُ
السروي:
جامٌ تكوَّنَ من عقيقٍ أحمر ... مُلئتْ قرارتُه بمِسك أذفرِ
خرطَ الرَّبيعُ مِثاله فأقامهُ ... بين الرياضِ على قضيبٍ أخضرِ
ترنو إليه من الجوانِب كلّها ... حدقٌ خُلقنَ من النهار الأنورِ
والرِّيحُ تتركهُ إذا هبَّتْ بهِ ... متمايلاً كالطَّافح المتكسِّرِ
فتراهُ يركعُ ثمَّ يرفعُ رأسَهُ ... مُتحيِّراً كالعاشق المتحيِّرِ
العلوي:
وعقيقٍ من الشَّقائق فيه ... سَبَجٌ حلَّ وسطَه واسْتدارا
فهو وصفاً كمثلِ زنجيَّةٍ قدْ ... لبستْ من مُعصفراتٍ إزارا
وعلى نحرِها من الوَدْعِ عقدٌ ... صارَ حولَ السوار طوْقاً مُدارا
نِيطَ بين اسوِدادِها واحمرارِ المِرْ ... طِ أعجبْ بصبغهِ كيفَ صارا
آخر:
اشربْ على وجهِ الشَّقائق خمرةً ... هي كالشَّقائق حمرةً في الكاسِ
أو ما ترى أوراقَها محمرَّةً ... في رأسِ مخضرٍّ به ميَّاسِ
(1/82)

جَزعٌ وياقوتٌ وخُوطُ زبرجدٍ ... نعمتْ بنظرتهِ عيونُ النَّاسِ
الباب السادس عشر
البنفسج
ابن المعتز:
ولازورديَّةٍ أوفتْ بزُرقتها ... بينَ الرياض على زُرق اليواقيتِ
كأنَّها فوقَ طاقاتٍ ضَعُفن بها ... أوائلُ النَّار في أطرافِ كبريتِ
وهذا من نادر التشبيه وبديعه.
وليس يعدله قول المهلبي:
بنفسجٌ بذكيِّ المسك مخصوصُ ... ما في زَمانك إذ وافاهُ تَنغيصُ
كأنَّما شُعَلُ الكبريت منظرُهُ ... أوْ خدُّ أغيدَ بالتجْمِيشِ مقروصُ
وقد لطف ابن كَيْغلغ واستوفاه في استعارته لمعناه:
لمَّا اعْتنقنا للوداعِ وأعربتْ ... عبراتُنا عنَّا بدمعٍ ناطقِ
فرَّقنَ بينَ محاجرٍ ومعاجرٍ ... وجمعنَ بينَ بنفسجٍ وشقائقِ
واستعاره أبو تمام في قوله:
لها من لوْعة البينِ الْتِدامٌ ... يُعيدُ بنفسجاً وردَ الخُدود
وقوله الْتِدامٌ أحد ما أُخذ على أبي تمام.
وقد ذكره ابن مقبل:
وللفؤاد وجيبٌ تحتَ أبهرِهِ ... لدْمُ الغلام وراءَ الغيب بالحَجَر
الباب السابع عشر
الورد
محمد بن عبد الله بن طاهر:
أمَا ترى شجراتِ الورد مُظهرةً ... لنَا بدائعَ قد رُكِّبن في قُضُبِ
أوراقها حمرٌ أوساطها حممٌ ... صفرٌ ومن حولها خُضر من الشطبِ
كأنَّهنَّ يواقيتٌ يطيفُ بها ... زمرُّدٌ وسطَه شذْرٌ من الذهبِ
وليس على هذا الوصف مزيدٌ.
البسَّامي:
مَداهنٌ من يواقيتٍ مركَّبةٌ ... على الزمرُّدِ في أوساطِها الذهبُ
كأنَّها حينَ لاحتْ من مَطالعها ... صبٌّ يُقبِّل صبّاً وهو مُرتقبُ
خافَ الملالَ إذا طالتْ إقامتُهُ ... فصارَ يظهرُ أحياناً ويحتجبُ
المهلبي في أحمره وأبيضه:
قَراحُ ورد مونَق نبتُه ... بالحُسنِ والبهجةِ منعوتُ
مُبيضَّه فيهِ ومُحمرُّهُ ... كأنَّه درٌّ وياقوتُ
ابن المعتز:
أتاكَ الوردُ مُبيضاً مَصوناً ... كمعشوقٍ تكنَّفهُ صدودُ
كأنَّ وجوهه لمَّا توافتْ ... نجومٌ في مطالعها سُعودُ
بياضٌ في جوانبهِ احمرارٌ ... كما احمرَّتْ من الخجلِ الخدودُ
آخر في ذي اللونين:
وذي لونين نشرُ المسك فيهِ ... يروقُ بحُمرة فوقَ اصفرارِ
كمعشوقَيْن ضمَّهما عناقٌ ... على حَدَثان عهٍ بالمزارِ
وافتُصد عبد الله بن طاهر، فأنفذ إليه أبو دلف أطباق ورد وكتب:
تبسَّم الوردُ في وجهي فقلتُ لهُ ... ماذا فقال أبو العبَّاس مُفْتَصَدُ
فقلتُ للوردِ قمْ فانهضْ إلى ملكٍ ... عليهِ مثلُك في أيَّامهِ بُرَدُ
وعلى هذا كتب الحسن بن وهب في يوم مطر وأجاد:
هَطَلتنا السماءُ هطْلاً دِراكاً ... جاوز المِرزَمان فيهِ السِّماكا
قلتُ للبرق إذ تألَّقَ فيهِ ... يا زِنادَ السماء من أوْراكا
أحبيبٌ نأيْتَه فبَكاكا ... أمْ هو العارضُ الذي اسْتَبْكاكا
أمْ تشبَّهتَ بالأميرِ أبي العبَّا ... سِ في جُودهِ فلستَ هُناكا
علي بن الجهم:
لم يضحكِ الوردُ إلاَّ حينَ أعجبَهُ ... حسنُ الرياش وصوتُ الطَّائر الغرِدِ
بدا فأبدتْ له الدُّنيا محاسِنها ... وراحتِ الرَّاحُ في أثوابها الجدُدِ
وبالدَتْه يدُ المشتاق تسندُهُ ... إلى الترائبِ والأحشاء والكبِدِ
بين النديميْنِ والخلَّين مضجعُهُ ... وسيرُهُ من يد موصولةٍ بيدِ
ابن أبي البغل:
تمتَّعْ بذا الوردِ القليلِ بقاؤهُ ... فإنَّكَ لم يَفْجأْكَ إلاَّ فناؤه
وودِّعهُ بالتَّقبيلِ والشّمِّ والبُكا ... وداعَ حبيب بعد حَوْل لِقاؤه
حبيبٌ إذا ما زارنا قلَّ لبثُهُ ... وإنْ هو عنَّا غابَ طالَ جفاؤه
إسحاق الموصلي:
زائرٌ يُهدي إلينا ... نفسَهُ في كلِّ عامِ
حسنُ الوجه ذكيُّ النَّش ... رِ حامٍ للمُدامِ
فإذا جاءَ أدرنا الرَّا ... حَ جاماً بعد جامِ
وإذا ولَّى أشرنا ... بتحيَّات السَّلامِ
ابن المعتز:
أهلاً بزائر عامٍ مرَّةً أبداً ... لو كانَ من بَشَرٍ قد كانَ عطَّارا
(1/83)

كأنَّما صَبَغتهُ وجْنتنا خجلٍ ... قد حلَّ عقدَ سراويلٍ وأزرارا
فلو رآهُ حبيسٌ فوقَ صومعةٍ ... لقالَ في مثل هذا أدخلُ النَّارا
الناشئ:
قُضُب الزَّبرجد قد حملنَ شقائقاً ... أثمارُهنَّ قُراضةُ العِقبانِ
وكأنَّ قطرَ الطلِّ في أهدابهِ ... كحلٌ مَرَته فواترُ الأجفانِ
آخر:
الوردُ أحسنُ منظراً ... تتمتَّعُ الألحاظُ منهُ
فإذا تولَّى حينُه ... وردُ الخدود ينوبُ عنهُ
الباب الثامن عشر
الأُقحوان
أبو عبادة:
ومن لؤلؤٍ في الأُقحوانِ مُنظّم ... على نكَتٍ مُصفرةٍ كالفرائدِ
يذكِّرنا ريَّا الأحبَّةِ كلّما ... تنفَّس في جنحٍ من اللَّيلِ باردِ
آخر:
كلّ يوم بأُقحوانٍ جديدٍ ... تضحكُ الأرضُ من بكاء السَّماءِ
وسطَها جُمَّةٌ من الشَّذْر حُفَّت ... بثُغور من فضَّةٍ بيضاءِ
طلّها القطرُ فهي تنضاعُ نشْراً ... عنبريّاً تُثيرهُ في الفضاءِ
الناجم:
وشذورٍ من خالصِ التبرِ ضُمَّتْ ... ضمَّةً حولها ثغورُ الأقاحي
يتضاحكْنَ عن مُؤشر دُرٍّ ... عبقاتٍ معنبراتِ الرِّياحِ
طالعاتٍ فويقَ ساقٍ دقيقٍ ... مُتثَنٍّ من سُكرهِ وهو صاحِ
الواسطي في الأقحوان والورد:
أرى أُقحواناتٍ يُطفنَ بناصعٍ ... من الوردِ مخضرِّ العيون نَضيدِ
تُميِّلُها ريحُ الصَّبا فكأنَّها ... ثغورٌ وهَتْ شوقاً للثْمِ خدودِ
الباب التاسع عشر
النَّرجس
ابن المعتز:
وعُجنا إلى الروض الذي طلَّهُ النَّدى ... وللصبح في ثوبِ الظَّلامِ حريقُ
كأنَّ عيونَ النَّرجس الغضِّ بينه ... مداهِنُ دُرٍّ حَشوهُنَّ عقيقُ
إذا بلَّهنَّ القطرُ خلتَ دموعَها ... بكاءَ جفون كحلُهُنَّ خلوقُ
ابن الرومي، في تفضيله على الورد:
للنَّرجسِ الفضلُ المبينُ لأنَّهُ ... زهرٌ ونَوْرٌ وهو نبتٌ واحدُ
هذي النجومُ هي التي ربَّتْهما ... بِحيا السَّحابِ كما يُربِّي الوالدُ
تَحكي مصابيحَ السَّماءِ وتارةً ... تحكي مصابيحَ الوجوهِ تُراصدُ
فانظرْ إلى الولَديْن من أوفاهما ... شبهاً بوالدهِ فذاكَ الماجدُ
أينَ الخدودُ من العيونِ نَفاسةً ... ورئاسةً لولا القياسُ الفاسدُ
وقال أبو محمد المهلبي يوماً لندمائه: هاتوا أحسن ما رويتم في النَّرجس. فأنشد بعضهم قول المعذَّل:
أما ترى الشَّمسَ قد لانتْ عريكَتُها ... وقد تورَّقتِ الأشجارُ والقُضُبُ
والنَّرجسُ الغضُّ لا حانتْ مقاطعهُ ... كأنَّهنَّ عيون ما لها هُدُبُ
فإنَّها فضةٌ تعلو زُمرُّدةً ... خضراءَ يضحكُ منها ناظرٌ ذهبُ
وأنشد الثاني قول ابن الرومي:
يا نرجسَ الدُّنيا أقمْ أبداً ... لتوفّر الأفراحِ والنخَبِ
درَّ الجفونِ إذا مَثَلت لنا ... ذهبَ العيونِ زبرجدَ القُضُبِ
وأنشد الثالث قول البسَّامي:
تَرنو بأحداقِها إليكَ كما ... تَرنو إذا خافتِ اليعافيرُ
مثلَ اليواقيت قدْ نُظِمنَ على ... زبرجدَ بينهنَّ كافورُ
وأنشد الرابع قول الناشئ:
أخصُّ الصّفات التي ... تناوَلَها عن كثَبْ
عيونٌ بلا أوجه ... لها حدَقٌ من ذهبْ
وأنشد الخامس قول ابن أبي البغل:
كأنَّما نرجسُهُ الغضُّ النَّدي
سُموطُ درٍّ في عُقود عَسجدِ
قد رُكِّبتْ في قُضُب الزَّبرجدِ
وأنشد هو:
كأنَّما النَّرجسُ في روضهِ ... إذا ثنتْهُ الرِّيحُ من قُربِ
أقداحُ ياقوتٍ تُعاطيكَها ... أناملٌ من لؤلؤٍ رطْبِ
واختاره على الجميع.
عبد الله بن طاهر:
ثلاثُ عيون من النَّرجسِ ... على قائمٍ أخضرٍ أملسِ
كياقوتةٍ بين درٍّ علا ... زبرجدةً مُنية الأنفسِ
يذكِّرني ريحُهنَّ الحبي ... بَ فيُنغصُني لذَّةَ المجلسِ
وأحسنُ ما في الوجوهِ العيو ... نُ وأشبهُ شيءٍ من النَّرجسِ
الصنوبري، وأحسن في تشبيهه:
يا مُهديَ النَّرجس أهديتَهُ ... ذا مُقلٍ ما أخطأتْ مُقلتي
أهديتَهُ أشبه شيءٍ بها ... في شدَّةِ الحيرةِ والصفرةِ
(1/84)

وقد ملُح السروي في تشبيهه لمَّا ذمَّه:
انظرْ إلى نرجس تبدَّتْ ... صُبحاً لعينيكَ منه طاقَهْ
واذكرْ أسامي مُشبِّهيهِ ... بالعينِ في دفترِ الحماقَهْ
وأيُّ حسنٍ يُرى لطرفٍ ... من يَرَقانٍ يحلّ ماقَهْ
كرايةٍ رُكِّبتْ عليها ... صفرةُ بيضٍ على رُقاقهْ
ابن المعتز:
عيونٌ إذا عاَنْتَها فكأنَّما ... مدامعُها من فوق أجفانها درُّ
محاجِرُها بيضٌ وأحداقُها صفرُ ... وأجسامُها خضرٌ وأنفاسُها عطرُ
إسحاق بن محارب:
تأمَّلْ من خِلال الشكِّ وانظرْ ... إلى آثارِ ما صنعَ المليكُ
جفونٌ من لُجين ناضراتٌ ... كأنَّ حِداقَها ذهبٌ سبيكُ
على قُضُب الزَّبرجد مُخبراتٌ ... بأنَّ اللهَ ليسَ لهُ شريكُ
العلوي:
ونرجسٍ ذي نظرٍ ما غضَّهْ
حثَّ على اللَّهو الفتى وحضَّهْ
فتَّ الرَّبيعُ مسكَهُ ورضَّهْ
زبرجدٌ وذهبٌ وفضَّهْ
من زهرةٍ بالطلِّ ريَّا غضَّهْ
مخضرَّةٍ مصفرَّةٍ مبيضَّهْ
كأعينٍ دموعُها مُرفَضَّهْ
ليستْ تُرى من حولنا مُنفَضَّهْ
مثلُ نجومٍ لا تُرى مُنقضَّهْ
وعُذرةُ اللَّهو بها مُفتضَّهْ
وقول الشاعر في ذكر النَّرجس سقط:
كأنَّ وَهْيَ الدَّمعِ من محجرها ... درٌّ على وردٍ وَهى من نَرجس
وكذلك قول التنوخي:
أما ترى الرَّوضَ قدْ لاقاكَ مبتسماً ... ومدَّ نحو النَّدامى للسَّلام يَدا
فأخضرٌ ناضرٌ في أبيضٍ يَقَقٍ ... وأصفرٌ فاقعٌ في أحمرٍ نُضِدا
مثلُ الرَّقيبِ بدا للعاشقين ضُحًى ... فاحمرَّ ذا خجلاً واصفرَّ ذا كَمَدا
وقول الآخر أقرب:
فأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسَقَتْ ... ورداً وعضَّتْ على العُنَّابِ بالبَرَدِ
الباب العشرون
الياسمين والخُرَّم
واللَّيْمو واللُّفَّاح وورق العصفُر والباقليّ والنَّبقِ
أنشد في الياسمين:
رقَّةُ الياسمين والبهجةُ النَّض ... رَةُ والمنظرُ الرقيقُ الأنيقُ
كسوةٌ من عوارضٍ عبقاتٍ ... أُنفاتٍ بها النَّعيمُ شريقُ
ابن الرومي في الخُرَّم:
وخُرَّمٍ في صبغةِ الطيالسهْ ... تحكي الطواويسَ غدتْ مُطاوسهْ
كأنَّما تلكَ الفروعُ المائسهْ ... تغمسُها في اللازوردِ غامسهْ
آخر في اللَّيْمو:
حبَّذا اللَّيمونُ حسناً ... وذكاءً ونضارَهْ
رامَ أنْ يُشبههُ النَّا ... رنجُ حسناً واسْتِدارهْ
لونُه والعَرفُ والشَّكْ ... لُ فمنهُ مُستعارَهْ
ابن الرومي، في اللُّفَّاح:
وما أمسَ لا أنسَ لُفَّاحةً ... حبوتُ بها مُستكيناً حزينا
حكَتْ طيبَ نشرِكِ بين المِلا ... حِ وصُفرة وجهيَ في العاشقينا
العلوي في ورق العصفر:
ريحانةٌ في اصفرارِ مُهديها ... شبَّهتُها بعدَ فِكرتي فيها
أحبَّةً لم تُصخْ لعاذلها ... تسدُّ آذانها بأيديها
الصنوبري في الباقليّ:
فُصوصُ زمرُّدٍ في غُلفِ دُرٍّ ... بأقماع حكتْ تقليمَ ظُفرِ
وقد خاطَ الرَّبيعُ لها ثياباً ... بديع اللَّون من خُضر وصُفرِ
آخر:
ونباتُ باقِلاّءَ يُشبه وردُهُ ... بُلقَ الحمام مُقيمةً أذنابَها
كشاجم، واستوفى في وصفه:
وباقِلاءٍ حَسنِ المُجرَّدِ
مسكِ الثرى شهدِ الجنى غضٍّ نَدي
كالعقدِ إلاَّ أنَّه لم يُعقدِ
أوْ الفصوصِ في أكفِّ الخُرَّدِ
أو كبناتِ اللؤلؤِ المنضَّدِ
في طيِّ أصدافٍ من الزبرجدِ
مفروشةٍ بالكُرسفِ المُزبَّدِ
حبَّاتُ درٍّ قُمِّعتْ بإثمِدِ
الباب الحادي والعشرون
الشَّاهِسْفَرَم والنَّمَّام
أنشد:
لم يكنِ النَّمَّامُ نمَّاما ... بل كانَ للأسرارِ كتَّاما
لكنَّه نمَّ على نشرِهِ ... فأوسعَ الأنفَ تَشْماما
آخر:
شمَّ أنفي وحنَّ قلبي غَراما ... نشرَ نمَّامه الطريِّ الجنيِّ
نُزهةُ العين خُضرةً وتراه ... نُزَهَ الأنفِ بالمِشَمِّ الذَّكيِّ
في الشَّاهِسْفَرَم:
وخُوطٍ من الرَّيحان أخضرَ ناعمٍ ... لهُ ورقاتٌ فوقَ ساقٍ له لَدْنِ
(1/85)

له نفحاتٌ يملأُ الأنفَ نشرُها ... مضمَّخةٌ بالمسكِ من صيِّب المُزنِ
وفيه:
ضَمرتُ كالضَّيْمُرانِ ... من حُبِّ حور حسانِ
يذكِّرني نشرُهُ ... طيبَ نسيمِ الجِنانِ
الباب الثاني والعشرون
الخِيِريّ
ابن الرومي:
خِيريُّ وردٍ أتاكَ في طَبقهْ ... قدْ ملأ الخافِقين من عَبقهْ
قدْ خلعَ العاشقون ما صنعَ اله ... جْرُ بألوانهم على وَرَقهْ
ابن المعتز:
من خيَّرَ الخِيريَّ بالوردِ ... فهو من القومِ على بُعدِ
في آخرِ المجلس هذا يُرى ... وذا على العينينِ والخدِّ
الباب الثالث والعشرون
السُّوسَن
الأُخيطل الأهوازي:
سَقياً لأرض إذا ما نِمتُ أرَّقني ... بعدَ الهدوءِ بها قرعُ النَّواقيسِ
كأنَّ سوسَنَها في كلِّ شارقةٍ ... على الميادينِ أذنابُ الطَّواويسِ
وله فيه:
وكأنَّ سوسَنَها سبائكُ فضَّةٍ ... غضّ النبات فأزرقٌ أوْ أقمرُ
حُملتْ سَقيطُ الطلِّ في ورقاتهِ ... فكأنَّهُ متبسِّمٌ مستعبِرُ
الصنوبري:
حلبتُ درَّ السُّرور في حلبِ ... مِن رياض تدعو إلى الطَّربِ
كأنَّما السّوسنُ الأنيقُ بها ... أسنَّةٌ والشَّقيقُ كالعذبِ
ابن المعتز:
والسّوسنُ الآزاذُ منشورُ الحللْ ... كقطنٍ قد مسَّهُ بعضُ البللْ
الباب الرابع والعشرون
النَّارَنْج
أنشد:
سَقياً لأيَّامنا ونحنُ على ... رؤوسنا نعقدُ الأكاليلا
في جنَّة ذُلِّلت لقاطفها ... قطوفُها الدانياتُ تذليلا
كأن نارنجها يلوحُ على ... أغصانها حاملاً ومحمولا
سلاسلٌ من زبرجد حملت ... من ذهبٍ أحمرٍ قناديلا
أنشد:
وأشجارِ نارنجٍ كأن ثِمارها ... حقاقُ عقيق قد مُلئن من الدُرِّ
تُطالعنا بين الغصون كأنها ... خدودُ غوانٍ في ملاحفها الخضرِ
أتت كلَّ مشتاق بريَّا حبيبه ... فهاجت له الأشواقَ من حيثُ لا يدري
ابن لنكك:
وأغصانٍ مُفوَّفةٍ حِسانٍ ... ومنها ما يُرى كالصَوْلجانِ
كأن بها ثُديّاً ناهداتٍ ... غلائلُها صُبغن بزعفرانِ
آخر:
وحسنِ نارَنْجةٍ قد شفَّ منظرها ... كأنها سَفنٌ قد مسَّها الذهبُ
آخر:
وذكيَّةٍ في صُفرة الدينارِ ... مجدولةِ الحافاتِ والأقطارِ
يُغني عن المصباح ضوءُ شُعاعها ... فكأنما هي كُبّةٌ من نارِ
آخر:
كأنما النارنجُ لما بدتْ ... أغصانه في الورق الخُضرِ
زمردٌ أبدى لنا أنجماً ... معجونةَ من خالصِ التبرِ
إذا تحيينا بها خِلتنا ... نستنشقُ المسكَ من النَّشرِ
آخر:
ونارنجٍ رأيتُ على غُصون ... كرمَّان النُهود على القدودِ
له من أحمر الياقوتِ لونٌ ... وإما شئتَ من ذهب الصعيدِ
آخر:
حدائقُ أشجارٍ كإقبال دولةٍ ... عليكَ أو البُشرى أتتْ بفقيدِ
أنارت بنارَنجٍ لِريَّاه في الحشا ... مواقعُ وصلٍ من فؤادِ عميدِ
إذا ما حنى أغصانه فكأنها ... صوالجةُ الأصداغ فوقَ خدودِ
آخر:
رياضٌ من النارَنْج كالأمن والمُنى ... جُمعن ومثلُ النوم بعد التسهُّدِ
يُجلّي العشا عن ناظريْ كلِّ ناظرٍ ... ويجلو الصَّدى عن قلب ذي اللوعة الصَّدي
فمن أخضرٍ غضِّ النبات كأنه ... مشاربُ مينا أوْ حقافُ زُمرُّدِ
ومن أحمرٍ كالأُرجوان إذا بدا ... أو الراح صرفاً أو كخدٍّ مورَّدِ
ومن أصفرٍ كالصبِّ يبدو كأنه ... كُراتٌ أُديرتْ من خلاصة عسجدِ
إذا لاحَ في أشجاره فكأنه ... شموسُ عقيقٍ في قبابِ زبرجدِ
الباب الخامس والعشرون
الأُتْرُجِّ
ابن دريد:
جسمُ لُجينٍ قميصه ذهبٌ ... زُرَّ على لُعبةٍ من الطيبِ
فيه لمن شمَّه وأبصرهُ ... لونُ محبٍّ وريحُ محبوبِ
السروي:
مُتهدِّلاتٌ في الرياض كأنها ... فوقَ الغصون نواهدُ الأبكارِ
وإذا الصَّبا وردتْ بِنشر نسيمها ... وردتْ بمسكةِ جونةِ العطَّارِ
المفجع:
تخالُ بها في اخضرار الغُصو ... نِ نواهدَ بين مُلاء القصبْ
(1/86)

لها ورق كَرِقاق الفرن ... د فوقَ غصونٍ دقاقِ القُضُبْ
الباب السادس والعشرون
الآذَرْيون
ابن رشيد:
أحسنْ بالآذريونِ من رَيْحانةٍ ... على الرياحين جميعاً زاهيهْ
أزرارُ ديباجٍ إذا الليلُ دجى ... وهنَّ في الصبحِ عيون ساميهْ
كأنها مداهنٌ من ذهب ... مُشرّقاتٌ وسطهن غاليهْ
آخر:
تحملُ آذريونَةً ... مكانَ سيف المُجتلي
كأنَّما سوادُها ... في وسط وردٍ شكلِ
خالٌ على وجنتهِ ... حُفَّ بورد الخجلِ
آخر:
وحُمِّلَ آذَرْيونةً فوقَ أُذنه ... ككأس عقيقٍ في قرارتها مسلُ
العلوي:
وأشرقَ آذَرْيونُها فكأنها ... صِماماتُ وشي هُيِّئت للمخازنِ
ابن المعتز:
سَقْياً لروضاتٍ لنا ... بكل نَورٍ حاليهْ
عيونُ آذريونها ... والشَّمسُ فيها كاليهْ
مداهنٌ من ذهب ... فيها بقايا غاليهْ
وفي الباب ضروب تستقبل الشَّمس وتدور معها حيث دارت. ومعرفة العرب بذلك معرفة عيان ومشاهدة.
قال الحطيئة في القصيدة التي أولها:
عفَا مُسحلان من سُليمى فحامرُهْ
ولم يأتِ مفعلان في شيء من العربية إلاَّ هذا، وحرف آخر وليس لهما ثالث.
بمُسْتأسدِ القُريانِ حُوٍّ تلاعهُ ... فنوَّارهُ نيلٌ إلى الشَّمسِ زاهرهْ
وقال الأعشى:
ما روضةٌ منْ رياضِ الحزنِ معشبةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلُ
يُضاحكُ الشَّمسَ منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزَّرٌ بعميمِ النَّبتِ مكتهلُ
يوماً بأطيبَ منها نشرَ رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذ دنَا الأُصلُ
وقال ذو الرمة:
حوَّاءُ قرحاءُ أشراطيَّةٌ دَكَفت ... فيها الذهابُ وحفَّتها البراعيمُ
قالوا في تفسير قرحاء: في وسطها نوَّارة بيضاء تضاحك الشَّمس. وذكر ذلك المحدثون، منهم الصنوبري. وحسبك به وصافاً للأنوار والأزهار والأعشاب، وأيام الدجن والسحاب والشَّمس والجداول؛ وذاكراً من أحوالها، ومثيراً من سرائرها ودقائق محاسنها بأحسن ديباجة، وأرق كسوة، وأغض لفظ، ما لم يذكره أبو نواس في الخمر والطرد، وابن حازم في القناعة، وأبو عبادة في الخيال، والعلوي في السماء والنجوم، بل امرؤ القيس في صفة الخيل والنابغة في الاعتذار، والأعشى في الخمر، وزهير في المدح، والشماخ في وصف الحمر والأعيار وابن مقبل في وصف القداح، وذو الرمة في وصف الفلوات والمناهل والحرات والهواجر والحرابيّ، وعوران قيس في خصائصهم التي بها يكلفون، وفي أساليبهم التي بسلوكها يلهجون.
وقال الصنوبري:
وتدورُ مائلة تجاهَ الشَّمسِ ما ... دارتْ فتحسبُها تدورُ بكوكبِ
قال ابن الرومي:
وضحكتُها كالوردِ جاءتهُ ديمةٌ ... بكتْ فوقهُ حتَّى تضاحكَ عابسُهْ
تصلِّي لقرنِ الشَّمسِ ميلاً رؤوسُها ... إليهِ إذا يتبعِ الريحَ مائسُهْ
التنوخي:
قدْ لاحَ في الروضِ آذريونُ مبتسماً ... كالتّبرِ شيبَ بمسك فيهِ مذرورِ
كأنَّه وشعاع الشَّمسِ يضحكُهُ ... خيلانُ خدّ معنَّى القلبِ مهجورِ
آخر:
شموسٌ لها في حينِ مَطلعِ شمسها ... طلوعٌ وفي حينِ الغُروبِ غُروبُ
تَفتَّحَ إنْ لاحتْ سروراً بضوئها ... كما سُرَّ بالرَّأي المُصيبِ مُصيبُ
وتنضمُّ إنْ جاءَ الظَّلامُ كأنَّه ... رقيبٌ عليها والضياءُ حبيبُ
التنوخي:
آذريونٌ لاحَ في الحدائقِ
مُلتهباً مثلَ التهابِ البارقِ
كأنَّه عند ذُرورِ الشَّارقِ
نُقطةُ مسكٍ فوقَ خدِّ العاشقِ
أو جزعةٌ في ذهبِ المخانقِ
أوْ مُزنةٌ سوداءُ في بوارقِ
تبسمُ الشَّمس ابتسامَ الوامقِ
سرورَ مُشتاقٍ بقُربِ شائقِ
ووجه مهجورٍ بطيفِ طارقِ
ثمَّ سرَى عند الظَّلامِ الغاسقِ
مُنقبضاً كمثل طرفٍ خافقِ
أو كحبيبٍ من رقيبٍ رامقِ
الباب السابع والعشرون
البهار
الفضل بن إسماعيل:
كلُّ الرَّبيعِ مواخيرٌ ومنتزهٌ ... فالنَّورُ مُختلف والرَّوضُ مُشتبهُ
ترى البهارَ صفوفاً في جوانبهِ ... كأنَّه أعينٌ تُغفي وتنتبهُ
آخر:
(1/87)

ما ترى صبغَة البهار أُعيرتْ ... صفرةَ المُستهامِ ريعَ بهجرِ
ورقاتٌ مشرَّقاتٌ تجلَّتْ ... حشوُ نُوارِها وذائلُ تبرِ
ابن المعتز:
وحلَّقَ البهارُ فوقَ الآسِ ... جُمجمةً كهامةِ الشَّماسِ
الباب الثامن والعشرون
الجُلَّنار
أبو فراس، وأجاد في وصفه:
جُلَّنارٌ مشرقٌ ... على أعالي شَجَرهْ
كأنَّ في رؤوسهِ ... أحمرهُ وأصفرهْ
قُراضةً من ذهب ... في خرَقٍ مُعصفرهْ
آخر:
طلعَ الجُلَّنار في وجنة المع ... شوق يحمرُّ خجلةً وحياءَ
كزجاجٍ مُلئنَ من حُمرة الخمْ ... رة صِرفاً إلى السُّقاة مِلاءَ
ابن المعتز:
وجُلَّنارٍ كاحمرار الورد ... ومثلِ أعرافِ ديوكِ الهندِ
وفي وصف الرمان هذا عجيب:
ولاحَ رُمَّانُنا فزيَّننا ... بينَ صَحيح وبينَ مفتونِ
كأنَّه حُقَّةٌ وإن فُتحت ... فصرَّةٌ من فُصوص ياقوتِ
وكلُّ مصفرَّةٍ معصفرةٍ ... تفوقُ في الحسنِ كلّ منعوتِ
الباب التاسع والعشرون
التفَّاح
الرَّقي:
وتفَّاحةٍ غضَّةٍ ... عقيقيَّةِ الجوهرِ
تندَّت بماءِ الرَّبيعِ ... في روضِها الأخضرِ
فجاءتْ كمثل العروسِ ... في لاذِها الأحمرِ
ذكرتُ بها الجُلَّنارَ ... في خدِّكَ الأزهرِ
فملتُ سروراً بها ... إلى القدحِ الأكبرِ
وأنتَ لها حاضرٌ ... وإنْ كنتَ لمْ تحضرِ
آخر:
تفَّاحةٌ تُذكر صَفو الودِّ ... وتبعث النَّفسَ لحفظ العهدِ
كأنَّها مقطوفةٌ من خدّ ... نسيمُها يحكي نسيمَ الوردِ
ابن المعتز:
تفَّاحةٌ معضوضةٌ ... كانتْ رسولَ القُبَلِ
كأنَّ فيها وجنةً ... تنقَّبتْ بالخَجَلِ
تناولتْ كفِّي بها ... ناحيةً من أملي
لستُ أُرجِّي غيرَ ذا ... يا ليت هذا دامَ لي
ابن المعذَّل:
تفَّاحةٌ من عند تفَّاحه ... بالمِسك والعنبر نفَّاحهْ
ما مسَّها طيبٌ ولكنَّها ... باشرَها بالكفِّ والرَّاحهْ
آخر:
فديتُ من حيَّا بتفاحةٍ ... من خِلَعِ التوْريدِ من وَجنتهِ
نسيمُها يُخبرُني أنَّها ... تسترقُ الأنفاسَ من نَكهتهِ
لمَّا حكتْ لونينِ من حُسنهِ ... قبَّلتُها شوقاً إلى وجنتهِ
الصنوبري:
فتناولتُ منه صادقةَ الري ... ح تُسمَّى صديقةَ الأرواحِ
وشَّحتْها يداهُ من خالصِ التب ... ر بسطر يجولُ جَوْلَ الوشاحِ
كُسِيتْ صبغةَ الملاحة لمَّا ... صُبغتْ صبغةَ الخدودِ الملاحِ
آخر:
تخالُ تفَّاحتها ... في لونِها وقدِّها
تناولَتْها كفُّها ... من صدرِها وخدِّها
الباب الثلاثون
السَّفرجل
أنشد:
لكَ في السَّفرجلِ منظرٌ تَحظى بهِ ... وتفوزُ منه بشمِّه ومَذاقهِ
هو كالحبيبِ سَعِرتَ منهُ بحُسنه ... متأمِّلاً وبلثمه وعِناقهِ
يَحكي لك الذهبَ المُصفَّى لونُه ... وتزيدُ بهجتُه على إشراقهِ
فالشّطرُ في أعلاه يحكي شكلُه ... ثديَ الكعابِ إلى مدارِ نِطاقهِ
آخر:
سَفَرجلاتٌ خرطُها ... مثلُ الثديِّ النهَّدِ
زُهرٌ حكتْ بلونِها ... صبغةَ ماء العسجدِ
آخر:
إنَّما هيَّجَ البَلا ... حين عضَّ السَّفرجلا
ولقدْ قامَ لحظُهُ ... لي على القلبِ بالْغَلا
كشاجم:
ململماتٌ ككُراتِ التِّبرِ
مُعتنقاتٌ لدقيقِ الخصرِ
مُشتملاتٌ بثيابٍ صفرِ
بنكهةِ العطرِ وفوقَ العطرِ
يزُرْننا في العصرِ بعدَ العصرِ
آخر:
إنَّ السَّفرجلَ ريحانٌ وفاكهةٌ ... يَحظى المشمُّ به والذوقُ والنظرُ
يحكي وذيلة تبر أوْ لهيبَ لظًى ... شبَّتْ ضُحًى وشعاعُ الشَّمسِ مُنتشرُ
الباب الحادي والثلاثون
الآس
الأُخيطل الأهوازي:
للآسِ فضلُ بقائهِ ووفائهِ ... ودوامُ نضْرتهِ على الأوقاتِ
الجوُّ أغبرُ وهو أخضرُ والثَّرى ... يبسٌ ويبدو ناضرَ الورقاتِ
قامتْ على قُضبانهِ ورقاتُهُ ... كنِصال نبلٍ جدَّ مؤتَلِقاتِ
الناجم:
(1/88)

قُضبانُ آسٍ لُويتْ ... بخُضرةٍ أعطافُها
تبزل عن ديباجة ... مونَقَةٍ أفوافُها
منصوبةٌ أوراقُها ... مُرهفةٌ أطرافُها
كأصبعٍ داعيةٍ ... من شدَّةٍ تخافُها
وكتب الخبزأرزي إلى صديق أهدى إليه آساً وورداً:
أبدعتَ في كلِّ المكارمِ سابقاً ... حتَّى لقد أبدعتَ في إهدائكا
أتحفْتني بالوردِ قبلَ أوانهِ ... في قضبِ آس غضَّةٍ كإخائكا
فالوردُ عن نَفَحات ودِّكَ مخبرٌ ... والآسُ يخبرُ عن دوامِ وفائكا
فاسلمْ ونشرُ الرَّوضِ حسنُ ثنائكا ... واعمرْ وعمرُ الآسِ طولُ بقائكا
الباب الثاني والثلاثون
اللَّيْنَوْفَر
أنشد:
وبركةٍ حُفَّتْ بلَيْنَوْفَرٍ ... ألوانهُ بالحسنِ مَنعوتهْ
نهارُه ينظرُ من مقلةٍ ... ساجيةِ الألحاظِ مَبهوتهْ
وإنْ بدا اللَّيلُ فأجفانهُ ... في لُجَّة البركةِ مسبوتَهْ
كأنَّما كلُّ قضيبٍ لهُ ... يحملُ في أعلاهُ ياقوتهْ
التنوخي:
خُذها إليكَ من الغزال الأحورِ ... يحكي تنسُّمُها نسيمَ العنبرِ
أهدى السُّرورَ غداةَ أهدى شادنٌ ... طرباً إليكَ تحيَّةَ اللَّيْنَوْفَرِ
متوسِّطاً في لونه مُتعصفِراً ... أحسنْ بمنظرهِ وطيبِ المخبرِ
أضحى يغارُ على مَلاحة حُسنه ... فيظلُّ يستُرُها وإنْ لمْ تُسترِ
ينضمُّ ضمَّ العاشقيْنِ تلاقياً ... من بعدِ طول تفرُّقٍ وتحسُّرِ
وإذا تفتَّحَ مُكرَهاً أبدى لنا ... لوناً يمثَّلُ في فُصوص الجوهرِ
وكأنَّما أوراقُه مَصقولةً ... شققُ الحرير التستَريِّ الأخضرِ
ونِحالُه الراؤونَ نجماً ساطعاً ... لبسَ الحدادَ على فراقِ المشتري
ألِفَ المياهَ تشاكُلاً بلقائهِ ... فمتى يُفارقْ شكلَه لم يُبصرِ
فيعومُ طوراً ثمَّ يرفعُ رأسَه ... بتَجَنُّبٍ وتأوُّدٍ وتكسُّرِ
الباب الثالث والثلاثون
الزَّعفران
أنشد:
ألقى القناعَ وماطَ النقبَ من ذهب ... مثلَ القبائل شتَّى قُمنَ في نسقِ
كأنَّه ألسنُ الحيَّات قد شُدِختْ ... رؤوسُها فاكتستْ من حُمرة العَلَقِ
من لابسٍ حُمرةً من وجهِ ذي خجلٍ ... ولابسٍ صفرةً من وجهِ ذي فَرَقِ
الباداني:
ووردُ الزَّعفران أرادَ يَحكي ... صَبايا قد بكرْن على احتشامِ
طوالعَ من خلالِ الأرض حُمّاً ... كما طلعَ النصالُ من السِّهامِ
حَبالى بالثَّلاث وهنَّ أيمٌ ... ولم تُنكحْ بحلٍّ أوْ حرامِ
كتخطيفِ المطرَّزِ في كمامٍ ... بلامٍ ثمَّ لامٍ ثمَّ لامِ
وقال غيره:
وكأنَّ وردَ الزَّعفران مَضاحِكٌ ... قد جمَّعتْ لَعَس المُقبَّلِ واللَّمى
أوْ أنصلٌ فوقَ التُّرابِ شريدةٌ ... قد فارقتْ بعد الرِّمايةِ أسهُما
آخر:
والزَّعفرانُ الغضُّ أبدى لنا ... إبريسماً طاقاتُهُ تُنشرُ
حُمراً وصُفراً في تراكيبها ... كأنَّها تَخجلُ أو تُذعرُ
الرقي:
بدا الزَّعفرانُ لدى روضةٍ ... فظلَّ النَّسيمُ بها ينسِمُ
فأوراقُهُ مُصمَتٌ أزرقٌ ... وطاقاتهُ فيه إبْريسِمُ
الباب الرابع والثلاثون
مشموم الطّيب
وما تستعمله العرب، وتنفرد به العجم؛ والكلام في مفرده ومركبّه، ومخلوقه ومصنوعه، وجامده وذائبه، ومتماسكه ومائعه، وما كانت صمغ شجر ينتفض، أوْ عرق عود ييبس، أوْ قذف حيوان يقلِس، أوْ طفاوة بحر تزفر، أوْ معروف المنبت أوْ مجهول المعدن؛ واشتقاق مشهوره، وإيراد ما صرَّفته الشعراء من معانيه وتشبيهاته. والله الميسِّر للمراد، وبه الحول والقوة.
المسك
فالمسك سمِّي مسكاً لأنه يمسكه الغزال في سرَّته. والميم والسين والكاف تضعها العرب على حبس الشيء وارتباطه والمنع من استرساله وتساقطه. والمساكة البخل وحبس المال. ورجل مسيك. والمَسك: الجلد لإمساكه ما فيه. والمأسوكة: التي أخطأت خافضتها فأصابت من مسكها غير موضع الخفض. والمَسَكة سوار من قرن أو عاج لتماسكه. قال أبو وجزة يصف الحمير في وردها الماء، وهو من نادر تشبيهات العرب:
(1/89)

حتَّى سلكنَ الشَّوى منهنَّ في مَسَكٍ ... من نَسْل جوَّابةِ الآفاقِ مِهْداجِ
أي إذا أدخلنَ قوائمهنَّ في الماء فصار لها بمنزلة المَسْك.
العنبر
العين والباء والراء تضعها العرب لجواز الشيء ومصبِّه وقلة تمكُّنه ولُبثه، وهو متصل ونونه زائدة، كأنه عبر البحر بنفسه. وهو يجيء طفاوة على الماء لا يدري أحد معدنه. وعبرت الرؤيا: أخرجتها من حال النوم إلى حال اليقظة، كعبور البحر من جانب إلى جانب. وناقة عُبْرُ أسفارٍ، أي يقطع بها الطريق ويُعبر.
والعنبر سمكة في البحر، والعنبر التُرس، والعنبر اسم قبيلة. والعنبرة شدَّة الشتاء. وسميت الشِّعرى العَبور لأنها عبرت المجرة، والاعتبار بالشيء إنَّما هو التمثل بين حاليه، والعِبرة على فِعلة نوع منه كالركبة والقعدة والعَبرة الدمعة لعبورها العين وخروجها من الجفن.
وعلى ذكر العنبر وخروجه وعبوره، فإن ثلاثة أشياء لا يعرف أحد معدنها. أحدها العنبر، وهو يجيء طفاوة على وجه الماء، والثاني المومياي بأرض فارس، ومعناه موم آي، أي شمع الماء. ولا يدري أحد من أين يجيء أوْ ينبع. وله بيت مقفل على بابه، وعليه حرس عدول يفتحونه كل سنة بأمر السلطان وحضور المشايخ. وفي مجرى الماء حوض نُصبت عليه مصفاة كالغربال يجري فيها الماء إلى خارج، فيبقى المومياي فيجمد ويؤخذ إلى الخزانة.
والكهربا نوع من الخرز الأصفر يطفو على بحر الغرب وبحر طبرستان، ولا يعرف معدنه والعنبر الأشهب ليس هو من قول الأعشى في شيء:
وبَنو المُنذرِ الأشاهبُ بالحي ... رةِ يمشونَ غُدوةً كالسّيوفِ
وإنّما الشهبة للونه.
الكافور
هو فاعول، من الكَفر وهو التغطية، كالنّاقور من النّقر، والقاموس من القَمس. تقول قَمَسته في الماء أي غططته. وهو ماء جوف شجر مكفور؛ فيفرِزونه بالحديد، فإذا خرج وانتفض إلى ظاهره، وضربه الهواء انعقد كالصموغ الجامدة على الأشجار والنبات. والكافور الطَّلع. والكَفْر القرية، والكَفِرُ العظيم من الجبال. قال الشاعر:
تَطلَّعُ ريَّاهُ من الكَفِراتِ
والكافر البحر. والكافر الليل. والكافر الساتر نعمة الله تعالى عليه. والكافر الزَّارع لتوريته الحبَّ في الأرض. قال:
وكافرٍ ماتَ على كُفرهِ ... وإنَّما الجنَّةُ للكافرِ
والكفَّارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة، والنُّذور الكاذبة كالمغفرة من أخذها من الغفر فإنه ستر الذنب، ومن أخذها من قول العرب: اصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ، أي أحمل له، فإنه حمل الذنب عن المُذنب، وترك مؤاخذته به. يقال: كفَّر الرجل يُكفِّر إذا وضع يده على صدره. قال جرير:
فإذا سمعتَ بحربِ قيسٍ بعدَها ... فَضَعوا السِّلاحَ وكفِّروا تكْفيرا
العود
اسمه اشتقاقه، كقول المُحدَث:
يا حسَناً اسمُهُ له صفةٌ ... فَمَن يُسمِّيه فهو واصِفُهْ
وهو شجر فيه عرق العود كالمَرخ في أصل الصنوبر، والعَفص في شجر البلّوط؛ وهما حرَّاق المِقدحة. فإذا حمله البحر وقد أدرك، وجرفه الماء، أخذوه ودفنوه، فبقي العود كالذهب الإبريز على النار، وتفتَّت ما سواه وبلي.
وعلى ذكر العود أنشد الباهلي في أبيات المعاني:
ولستُ بزُمَّيلَةٍ نأْنَأٍ ... جبانٍ إذا ركبَ العودُ عودا
ولكنَّني أجمعُ المؤنسا ... تِ إذا ما الرِّجالُ اسْتخفّوا الحديدا
إذا ركب القوس السهم. وقد ألغزه بعض العرب، أنشد الباهلي:
وميِّتةٍ بعثتْ ميِّتاً ... فولَّى حَثيثاً هو الجاهِدُ
طَليعةُ حيٍّ إلى حيَّةٍ ... يُرجّي النجاةَ بها الشاهِدُ
يريد القوس والسهم في النزع والإرسال. والحيُّ والحيَّة: القانص والوحشية. والمؤنسات في الحرب: السيف والرمح والجحفة، كالمحلاّت في السِّلم وهي: القِدر والفأس والدلو والزند والشَّفرة. قال المؤمّل المحاربيّ في ذكر العود يصف أخوين:
داودُ محمودٌ وأنتَ مُذمَّمٌ ... عجباً لذاكَ وأنتما من عودِ
ولربَّ عودٍ قد يُشقُّ لمسجدٍ ... نصفاً وسائرهُ لحُشِّ يَهودي
فالحشُّ أنتَ لهُ وذاكَ لمسجدٍ ... شتَّانَ موضعُ مَسلح وسُجودِ
ومنه أخذ أبو دلف العجلي قوله:
قد تخرجُ الدرَّتان من صدفهْ ... والدرُّ يختارُه الذي عرَفهْ
(1/90)

واحدةٌ لم يُحطْ بقيمتها ... وأختها دونَ قيمةِ الصدفهْ
الندُّ
الندُّ مصنوع كالزجاج غير مخلوق. وهو العود المُطرى بالمسك والعنبر والبان. وفيه وجهان: أحدهما أنه فعل ماض من ندد، مثل مرر فجعلوه اسماً كأنه ندَّ عن جملة الطيب. أي شذَّ وتفرَّق. وقالوا: طيرٌ يناديد وأناديد، أي متفرقة. والوجه الثاني مصدر بمعنى المفعول. وإن شئت جعلته فعَلاً متحركة العين: ندَداً بمعنى مندود به أي مُشهر مُسمع بصفته. يقال: ندَّدت الرجل، أي شهرت به، كالكرع وهو ماء السماء، بمعنى مكروع فيه، وكالجلد بمعنى المجلود، والنَّفض والقبض بمعنى المنفوض والمقبوض. وإن شئت جعلته فعْلاً بتسكين العين بمعنى المفعول؛ تقول: هذا درهم ضرب، أي مضروب، وهذا وزن سبعة، أي موزون سبعة.
الغالية
وهي مسك وعنبر يعجنان بالبان. وقيل: إن معاوية بن أبي سفيان شمَّها من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فوصفها له فقال: هذه غالية. ويقال إن مالك بن أسماء بن خارجة شم من أخته هند بنت أسماء بن خارجة رائحة غالية واستطابها، فقال: علِّميني كيف تعملين طيبك؟ فقالت: لا أفعل هذا. تريد أن تعمله جواريك. هو لك عندي متى ما أردته. ثمَّ قالت: ما تعلمته إلاَّ من شعرك حين وصفته فقلت:
أطيبُ الطيبِ طيبُ أُمِّ أبانٍ ... فأرُ مسكٍ بعنبر مسحوقُ
خلَطتهُ بعودها وببانٍ ... فهو أحوى على اليدينِ سريقُ
ويقال: تغللت بالغالية أي جعلتها في أصول الشَّعر من الغلل وهو الماء الجاري يتغلل في أصول الأشجار. وتغلَّيت طليت بها الجلد من الغَيل وهو الماء يجري على وجه الأرض. ويقال: تضمَّخت بالطيب وتنغَّمت به واغتسلتُ به: جعلته كالغسل. قال الفرزدق:
وإنِّي من قومٍ يكونُ غسولُهم ... قِرى فأرةِ الداريِّ يُضربُ بالغسلِ
قال أبو عبيدة: تلغَّمت المرأة بالطيب إذا جعلته على ملاغمها وهي ما حول الفم. قال الفرزدق:
سقتْها خروقٌ في الملاطمِ لم تكنْ ... عِلاطاً ولا مخبوطةً في الملاغمِ
قال الأصمعي: قالت العرب للمخبَّل: ما شِعرك إلاَّ علاط وخباط.
وقد ارتقنت ورقنت، وتردَّعت، واجتسدت. وتقول: تبخَّرت، واكتبيتُ وتعطَّرت ووجدتُ ريَّا الطيب، وحمَرته، وفوغته، وفغمته. وقد تضوَّع وسطع. وهو النَّشر والأرَج والعرف والبنَّة.
قال الراجز:
ترعى الخُزامى هَنَّةً وهَنَّةً ... في روضةٍ مُعشبةٍ مُغنَّهْ
فهيَ إذا راحتْ عَشِيَّهُنَّهْ ... شممتَ من أرواحهنَّ بَنَّهْ
وأنشد سلمة:
أتاني عنْ أبي أنسٍ وعيدٌ ... ومعصوبٌ به خبَّ الركابُ
وعيدٌ تخدجُ الآرامُ منهُ ... ويكرهُ بنَّةَ الغنمِ الذئابُ
وأنشد:
وإذا الدرُّزانَ حُسنَ وجوهٍ ... كانَ للدرِّ حسنُ وجهكِ زَيْنا
وتزيدينَ أطيبَ الطيبِ طيباً ... إنْ تَمَسّيه أين مثلُكِ أينا
وأخبرني أبو الفرج الأصبهاني بإسناده، وكان عنده راوية ديوان كثيّر أن كثيّراً خرج من عند عبد الملك بن مروان، وعليه مِطرف، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست ناراً في رَوثةٍ، فتأفف كثيّر في وجهها، فقالت: من أنت؟ فقال: كثيّر عزة. فقالت: أنت القائل في عزّة:
فما روضةٌ زهراءُ طيبة الثَّرى ... يمجُّ النَّدى جثجاثها وعَرارها
بأطيبَ من أردانِ عزَّةَ موهناً ... وقدْ أُوقدتْ بالمندلِ الرطب نارُها
فقال كثيّر: نعم. فقالت: لو وُضع المجمر اللَّدن على هذه الرَّوثة لطيَّب رائحتها. هلاّ قلت كما قال امرؤ القيس:
ألمْ ترَياني كلَّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لمْ تطيَّبِ
فناولها المطرف، وقال لها: استُري عني هذا.
آخر:
عجبتُ لمن يُطيِّبني بمسكٍ ... وبي يتطيَّبُ المسكُ الفَتيتُ
النامي:
وطيبٍ قد أخلَّ بكل طيبِ ... يُحيّينا برائحةِ الحبيبِ
يظَل الذَّيلُ يستُره ولكنْ ... تنمُّ عليه أزرارُ الجيوبِ
إذا ما شمَّ أنفٌ حنَّ قلبٌ ... كأنَّ الأنفَ جاسوسُ القلوبِ
آخر:
أجِلْ عيْنيك في عيني تراها ... مُشرَّبةً نَدى وردِ الخدودِ
ويقال: صاكَ به الطيبُ، وعبق به، وردع به، وعتك به.
قال:
فبتُّ فيهِ معانِقاً صنَماً ... يرشحُ مِسكاً وعنبراً وعبقا
(1/91)

لو شئتُ أنشأتُ من ذوائبهِ ... ليلاً ومن نُور وجهه فلَقا
باب
ما جاء في الأثر من استعمال الطيب
قال صلى الله عليه وسلّم: حُبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة.
وقال صلى الله عليه وسلّم: مثل الجليس الصالح كمثل المداريِّ إلاَّ يُحْذِكَ من عطره يعلقك من ريحه. ومثل الجليس السوء كمثل القين إلاَّ يحرقكَ بشرره يُؤذك بدخانه.
وقال صلى الله عليه وسلّم: خير طيب الرجال ما ظهر عرفه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه.
وقال صلى الله عليه وسلّم: جنِّبوا مساجدكم الصبيان والمجانين والشراء والبيع والأصوات، وجمِّروا لكل جمعة.
وقال صلى الله عليه وسلّم: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. وليخرجنَ إذا خرجنَ تفِلاتٍ.
وقال صلى الله عليه وسلّم في أهل الجنة: ومجامرهم الألُوَّة.
وقال صلى الله عليه وسلّم: لا يبولون ولا يتغوَّطون. إنّما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك.
باب
أسماء المسك
المسك، والأناب، والصِّوار القطعة منه، والفأرة والنافجة ما فيه، واللَّطيمة، والفِتاق، والشَّذو. ولون المسك يُسمى الدكنة، لأنه يضرب إلى الغُبرة، والأصهب لأنه يضرب إلى الحُمرة. قال الفرزدق:
كأنَّ تريكةً من ماءِ مُزنٍ ... بهِ أرْيُ الأَنابِ مع المُدامِ
وقال أبو الأخزر:
يعبقُ داريُّ الأَنابِ الأدكنِ ... منه بجلدٍ طيِّبٍ لم يدرَنِ
آخر:
فقالَ أَعطَّارٌ ثوى في رِحالنا ... وليس بمَوْماةٍ تباعُ اللَّطائمُ
وقال الأعشى:
إذا تقومُ يَضوعُ المسكُ أصورةً ... والعنبرُ الوردُ من أردانِها شمِلُ
بشَّار:
إذا نفخَ الصِّوارُ ذكرتُ سُعدى ... وأذكرُها إذا لاحَ الصِّوارُ
الأحوص:
كأنَّ فأرةَ مسكٍ في ذوائِبِها ... صهباءَ ذاكيةٌ من مسكِ دارينا
كثيّر عزَّة:
مسائحُ فَوْدَيْ رأسه مسبغلَّةٌ ... جرى مسكُ دارينَ الأحمُّ خلالَها
الراجز:
كأنَّ حشوَ القرطِ والدمالجِ ... نافجةٌ من أطيبِ النوافجِ
ابن الخطيم:
طرقتكَ بينَ مُسبحٍ ومُكبرٍ ... بحطيمِ مكَّةَ حيث سالَ الأبطحُ
فحسبتُ مكَّةَ والمشاعرَ كلّها ... ورحالَنا باتتْ بمسكٍ تنفحُ
آخر:
أجدَّ بعمرَة غُنيانُها ... فتهجرَ أمْ شانُنا شانُها
وعمرةُ من سرواتِ النِّسا ... ءِ تنفحُ بالمسكِ أردانُها
العرجيّ:
سقى ورعى اللهُ الأوانسَ كالدُّمى ... إذا رُحن جنحَ اللَّيل معتجراتِ
تضوَّعَ مسكاً بطنُ نعمانَ أن مشتْ ... به زينبٌ في نسوَة عطراتِ
ابن أبي عُيينة:
بفرسٍ كأبكارِ الجواري وتربةٍ ... كأنَّ ثَراها ماءُ وردٍ على مسكِ
ومما صرَّفه الشعراء من معانيه:
جرى دمعي فباحَ عليه سرِّي ... كحاوي المسكِ دلَّ عليهِ نفحُ
أبو تمام:
باتتْ على التَّصريدِ إلاَّ نائلاً ... إلاَّ يكنْ ماءً قَراحاً يُمذقِ
نزراً كما استكرهتَ عائرَ نفحةٍ ... من فأرةِ المسكِ التي لم تُفتقِ
أبو عبادة:
ظعائنُ أظْعنَّ الكرى عن جفوننا ... وعوَّضْننا منها سُهاداً وأدمُعا
وحاولنَ كِتمانَ التَّرحُّل في الدُّجى ... فباحَ بهن المسكُ لمَّا تضوَّعا
كشاجم:
هي طيبٌ والطيبُ والحبُّ شيبٌ ... مسرعٌ للملوكِ والعشَّاقِ
المتنبي، في معناه وأبدع:
فإن نفُقِ الأنامَ وأنتَ منهمْ ... فإنَّ المسكَ بعضُ دمِ الغزال
وقد صرف هذا المعنى بين الورد والعنب، وأجاد فيه، قال:
فإنْ يكُ سيَّارُ بنُ مكرمٍ انْقضى ... فإنَّكَ ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الوردُ
وقال:
فإنْ تكنْ تغلبُ الغلباءُ عنصُرَها ... فإنَّ في الخمر معنًى ليس في العنبِ
ويقول العرب في الشيء المضنون به: كالمسك إن خبَّأته عبق، وإن عرضْته نفق.
جميل:
كأنَّ خزامى عالجٍ في ثيابِها ... بُعيدَ الكرى أوْ فأر مسك تُذبَّحُ
الراجز:
كأنَّ بين فكِّها والفكِّ ... فأرةَ مسكٍ ذُبحتْ في سكِّ
(1/92)

ذُبحت أي شُقَّت. ومنه اشتقاق الذَّبيح لأنه تذبح أوداجه أي تُشق وفيه وجهان آخران. أحدهما أن يكون من الذُّبحة، وهو وجع في الحلق. والثاني أنه من الذُّبح، وهو نور أحمر، لتضرُّج المذبوح بالدم. قال الراعي:
لها فأرةٌ ذفراءُ كلَّ عشيَّةٍ ... كما فتقَ الكافورَ بالمسكِ فاتقُهْ
آخر:
وكأنَّ الأَرْيَ المشورَ مع الخم ... ر بفيها يشوبُ ذاكَ فتاقُ
ابن قيس الرُّقيّات:
شبَّ بالأثْل من كثيرةَ نارُ ... شرَّفتنا وأينَ منها المزارُ
أوقدَتْها بالمسكِ والعنبر الرَّط ... بِ فتاةٌ يضيقُ عنها السِّوارُ
وكتب الصنوبري إلى بعض ممدوحيه يستهدي مسكاً:
اسلمْ أبا القاسمِ المقسومَ مذهبُهُ ... بينَ المهى والنُّهى أقسامَ ترتيبِ
يا بنَ المآثرِ يا تربَ البصائر يا ... بدرَ المنابرِ يا شمسَ المحاريبِ
الطيبُ يُهدى وتُستهدى طرائفُهُ ... وأشرفُ النَّاسِ يُهدي أشرفَ الطيبِ
والمسكُ أشبهُ شيءٍ بالشَّبابِ فهبْ ... بعضَ الشَّبابِ لبعض المعشر الشيبِ
ما زلتَ ذا أدبٍ في الجودِ مُنتسب ... أكرمْ بذي أدبٍ من غيرِ تأديبِ
وأنشد أبو علي دعبل في كتابه في الشِّعر:
لو كنتُ أحملُ خمراً حينَ زرتكمُ ... لم يُنكر الكلبُ صاحبُ الدَّارِ
لكنْ أتيتُ وريحُ المسك يَفعمُني ... وعنبرُ الهند مَشبوبٌ على النَّارِ
فأنكرَ الكلبُ ريحي حينَ أبصرَني ... وكانَ يعرفُ ريحَ الزفتِ والقارِ
وفي إنكار الكلب قال الآخر:
وإنِّي إذا ما الكلبُ أنكرَ أهلهُ ... مُفدًّى وحينَ الكلبُ جذلانُ نائمُ
وفي معناه قال طفيل:
أُناسٌ إذا ما أنكرَ الكلبُ أهلهُ ... حمَوْا جارَهم من كلِّ شنعاءَ مُظلعِ
باب
أسماء العود
العود والقُطْر والمندليّ والشَّذا والألُوَّة والألَنْوج واليلَنْجوج والكِباء والمِجمَر والبخور والغار والهضمة والوقص.
قال الأحوص:
صاحِ هلْ أبصرتَ بالخَبْ ... تينِ من أسماءَ نارا
موهناً شُبَّت لعينيْ ... كَ ولم توقدْ نَهارا
كتَلالي البارقِ اللَّم ... احِ في المُزنِ استطارا
شبَّها الموقدُ يُذْكي ... ها يَلَنْجوجاً وغارا
امرؤ القيس:
كأنَّ المُدامَ وصوب الغما ... مِ وريح الخُزامى ونشرَ القُطرْ
يُعلُّ به بردُ أنيابها ... إذا طرَّب الطائرُ المُستحرْ
كثيِّر:
ووضعنَ فوقَ مجامرٍ أدخلنَها ... تحتَ المجاسدِ والمطارفِ عودا
العجير:
إذا ما مشتْ نادى في ثيابِها ... ذكيُّ الشَّذا والمندليُّ المطيَّرُ
المطيّر مقلوب. أراد المطرَّى، فقدم الياء.
ومن أبيات الكتاب:
مروانُ مروانُ أخو اليومِ اليمي
أراد اليوم، فأخر الواو فقلبتها كسرة الميم ياء، كميعاد وميزان.
قال القطامي:
ما اعتادَ حبُّ سُليمى حينَ مُعتادِ ... ولا تقضَّى بَواقي دنها الطَّاري
وأخبرني أبو سعيد قال: أخبرني أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في كتاب الزَّاهر في بيت متقدم: أن نُؤاسيه أصله نؤاوسُه من الأوس وهو العطيَّة؛ فأخر الواو إلى موضع اللام، وكسر السين فقُلبت الواو ياء.
المندليُّ: منسوب إلى مندل: قرية من قرى الهند. وإن جعلته عربياً فهو من النَّدْل، وهو التناول. قال:
يمرُّونَ بالدَّهنا خِفافاً عيابُهمْ ... ويخرجنَ من دارينَ بُحرَ الحقائبِ
على حين ألهى النَّاس جُلُّ أمورِهم ... فندْلاً زُريقَ المال نَدْلَ الثعالبِ
أخذ معنى البيت الأول أبو العتاهية فقال في الرشيد:
إنَّ المطايا تشتكيكَ لأنَّها ... قطعتْ إليكَ سباسباً ورِمالا
فإذا وردنَ بنا وردنَ مُخفَّةٍ ... وإذا رجعنَ بنا رجعنَ ثِقالا
وألمَّ ابن الرومي فقال:
تُرحَّل آمالاً إلى بابِ قاسمٍ ... فيرجعنَ آمالاً عراضَ المباركِ
حسان بن ثابت:
هلاّ دفنتمْ رسول اللهِ في سفطٍ ... من الألُوَّةِ والكافورِ منضودِ
وأنشد ابن الأعرابي:
فجاءَتْ بكافورٍ وعودِ ألُوَّةٍ ... شآميَّةٍ تُذكى عليها المجامرُ
آخر:
(1/93)

وتُدني على المَتنين وحْفاً نباتهُ ... تعلِّلهُ باناً ذكياً ومِجمرا
الأعشى:
وإذا ما الدُّخانُ شُبِّه في الآ ... نفِ يوماً بشتوةٍ أهضاما
حميد بن ثور:
لا تصطَلي النَّارَ إلاَّ مِجمراً أرِجاً ... قد كسَّرتْ من يلنجوجٍ له وَقَصا
باب
ما صرَّفته الشعراء من معانيه
ولا ذنبَ للعودِ القَماريِّ أنَّه ... يُحرَّقُ إن دلَّتْ عليه روائحُهْ
أبو تمام:
وإذا أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍ ... طُويتْ أتاحَ لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النَّار فيما جاوزتْ ... ما كانَ يُعرف طيبُ عرفِ العودِ
محمد بن مسلمة:
فجلستُ في قصر كريمٍ زورُهُ ... للمندليِّ به عجاجٌ قسطلُ
فتَّقنَ كلَّ لطيمة هنديَّةٍ ... فنُحورهنَّ بها تعلُّ وتنهلُ
ابن المعتز وأبدع:
إذ جعلنا الوردَ الجنيَّ علينا ... مطراً والغمامَ مسكاً وندّا
ومنه أخذ المتنبي فقصَّر عنه:
قد صدقَ الوردُ في الذي زعما ... أنَّكَ صيَّرتَ نثرهُ دِيَما
ابن الرومي، في لفظه كَزازةٌ:
كأنَّها وعنانُ الندِّ يشملُها ... شمسٌ عليها ضباباتٌ وأدخانُ
باب
أسماء العنبر
العنبر والذكيّ وخضّم والورد.
قال بشار:
لقدْ كانَ ما بيني زماناً وبينَها ... كما كانَ بينَ المسكِ والعنبرِ الوردِ
ومنه أخذ البحتري قوله:
وجدتُ نفسكَ من نفسي بمنزلةٍ ... هي المُصافاةُ بينَ الماءِ والرَّاحِ
العرجيّ:
يشبُّ متونُ الجَمر بالمسك تارةً ... وبالعنبرِ الهنديِّ والنَّدُّ ساطعُ
المرار:
عبقَ العنبرُ والمسكُ بها ... فهي صفراءُ كعرجونِ القمرْ
وعراجين القمر أشد اصفراراً من سائر العراجين.
غيلان بن حُريث الراجز:
بيضٌ تَعاطى من جنيٍّ عنبرةٌ ... والمسكَ صرفاً شَذَباً مُكسَّرهْ
يا رُبَّ خودٍ طفلةٍ معطَّرهْ ... تميسُ في أثوابها المشهَّرهْ
إنْ زُرتها محجوبةً مخدَّرهْ ... وجدتَ من خلفِ الجدارِ الخَمَرهْ
باب
ما وصفه الشعراء من أحواله
الغساني:
أنسيمُ ريقكِ أُختَ آلِ العنبرِ ... هذا أمِ استنشاقةٌ من عنبرِ
ونظامُ درٍّ ما أرى أمْ لمحةٌ ... من بارقٍ أمْ لمعةٌ من جوهرِ
كشاجم:
مزاجكِ للمَثْنى من الزِّيرِ والصَّبا ... من الرِّيح والصَّافي الرحيقِ من الخمرِ
فلو كنتِ لحناً كنتِ تأليفَ مَعبَدٍ ... ولو كنتِ وقتاً كنتِ تعريسةَ الفجرِ
ولو كنتِ ورداً كنتِ ورداً مُضاعفاً ... ولو كنتِ طيباً كنتِ من عنبرِ الشِّحرِ
الصنوبري:
يا صاحبَ المجمر ما حاجَتي ... إلى بخورٍ جاءَ من مجمرِ
خدُّكَ فوقَ النَّارِ في صبغهِ ... وفوكَ فوقَ المسك والعنبرِ
آخر:
وإذا مجلسٌ تضمَّن شَرباً ... واستَحثّوا من المُدامِ كُؤوسا
ذكَروا منكَ أنَّهن عَدموا العن ... برَ رطباً لديهمُ ويَبيسا
كرمُ النَّفسِ والخلائق والعِر ... ضِ فحيَّا بكَ الجليسُ جَليا
وأما الندُّ فإنه من صنعة العطارين، وليس له اسم، كأنه ندَّ عن سائر الطيب. قال ابن الرومي:
سمِّيَ ندّاً لأنَّه أبداً ... تندُّ في الخافقَيْنِ أخبارُهْ
تندُّ أرواحُه فتظهرُ من ... أقصى قصيِّ البلادِ آثارُهْ
كأنَّه ذكرُك الذي حلفَ ال ... معروفُ أنْ لا ينامَ سُمَّارُهْ
ذاكَ الذي أشبهتْ روائحهُ ... روائحَ الروضِ فاحَ نُوَّارُهْ
الأحوص:
إذا خبتْ أُوقدتْ بالندِّ فاشتعلتْ ... ولم يكنْ عِطرها قسطٌ وأظفارُ
باب
ما يكون فيه الطيب
الجؤنة والقسيمة. وما يسحق عليه: الصَّلايَة والمداك. واللَّطيم الذي سُحقت عليه اللَّطيمة. والفِهر: الحجر الذي يسحق به الطيب. وسحقتُ الطيب وسهكتُه. وسديَ المسك: ابتلَّ. وجُنِي الطيب: أُخذ ما كان منه.
قال الأعشى:
إذا هنَّ نازلنَ أقراهنَّ ... وكانَ المِصاعُ بما في الجُؤَنْ
عنترة العبسي:
وكأنَّ فأرةَ تاجرٍ بقسيمةٍ ... سبقتْ عوارضُها إليكَ من الفمِ
الأغلب العجلي:
ذوَهجٍ كوهجِ اليَحْموم
(1/94)

مثلُ مَدَاكِ العُرسِ اللَّطيم
الأعشى في معناه:
كأنَّ رُضاباً من الزنجَبي ... لِ والمسكِ فيها إذا ما يبِس
قال المفضل: اللطيم جمع لطيمة، وهي العِير التي تحمل المسك. وهذا البيت قد فسره غيره على غير هذا الوجه.
باب الذي تستعمله البادية
طيب الأعراب
القَرَنفل الزنجبيل الزَّرنب المَلاب السَّخاب القُسط اللُّبْنى وهي المَيْعة والرَّامك والشَّاهريَّة. قال الأعشى:
كأنَّ القَرَنفلَ والزنجبيلَ ... باتا بفِيها وأرْياً مَشورا
آخر:
يا بأَبي كنتِ وفوكِ الأشنبُ ... كأنَّما ذُرَّ عليه زَرْنَبُ أوْ زنجبيلٌ عاتقٌ مُطيَّبُ
آخر:
ربَّ مهاةٍ طفلةٍ كَعابِ ... بدتْ كقرنِ الشَّمس من سخابِ
للعيد في كواعبٍ أترابِ ... مضمَّخاتِ الصدرِ والأقرابِ بخالصِ الجاديِّ والمَلابِ
السِّخاب قلادة ينظمونها. يقال للصبي يمرثُ سِخابه.
قال أبو نواس:
عبِقَت أكفُّهم بهم فكأنَّما ... يَتنازعون بها سِخابَ قرنفلِ
النَّمر بن تولب:
تربَّبها الترعيبُ والمحضُ خلْفةً ... ومسكٌ وكافورٌ ولُبنى تَأكَّلُ
خلف بن خليفة:
إنَّ لك الفضلَ على صُحبتي ... والمسكُ قد يَصطحبُ الرامِكا
حتَّى يظلَّ الشَّذوُ من لونه ... أسودَ مصبوغاً به حالِكا
أنشد الأصمعي:
فإنْ كنتَ قيناً فاعترفْ بنَسيئةٍ ... وإنْ كنتَ عطَّاراً فأنتَ المخيَّبُ
أفينا تَسومُ السَّاهريَّةَ بعدما ... بدا لكَ من شهر المُلَيساءِ كوكبُ
ويقولون: أنَمُّ من الطِّيب. كما يقولون: أخفى من الليل.
قال البحتري:
فكانَ العبيرُ بها واشياً ... وجرسُ الحُليِّ عليها رَقيبا
وقال المتنبي:
أزورُهمْ وسوادُ اللَّيل يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصُّبحِ يُغري بي
وقال ابن المعتز:
لا تلقَ إلاَّ بليلٍ من تواصلُه ... فالشَّمسُ نمَّامةٌ واللَّيلُ قوَّادُ
وأخذه ابن المعتز من قول العرب: هو أنمُّ من صبح، وأقود من ليل. ويقولون: الليل أخفى للوَيْل.
الراجز:
اللَّيلُ أخفى والنَّهارُ أوضحُ
وقال آخر:
اللَّيلُ للويلِ أخفى ... والدَّمعُ للوجدِ أشفى
ما يعرفُ الليلَ إلاَّ ... إلفٌ يعانقُ إلفا
باب
أسماء الزَّعفران
الزَّعفران، والجاديّ، والجِساد، والجسد، والرَّيهُقان، والمردقوش، والرّدان، والكُركم، والعبير، والأيدع، وورق الزَّعفران الفَيْد والرِّقان، والخَشيف، والرَّقوب، والشوران: العُصفر بلغة حِميَر. ويقال للحصّ الورَس، وللبقَّم العندم. والبقَّم أحد أسماء الأربعة على فعَّل. وليس في العربية لها خامس. ونقط العصفر والزَّعفران والمتخذ منهما الخَلوق والخِلاق.
وأنشد اللحياني في كتاب النوادر:
ومُنسدلاً كقرونِ العرو ... سِ تُوسعُه زنبقاً أوْ خِلاقا
ويُروى: تحلَّى به زنبقٌ أوْ خِلاقُ. أي تحلَّى هو بالزنبق.
غيره:
أنحنَ القرونَ فعقَّلْنَها ... كعقلِ العسيفِ غرابيبَ مِيلا
ومثله أنشد الأصمعي في الأبيات:
أسلموه في دمشقَ كما ... أسلمتْ وحشيَّةٌ وَهَقا
وأنشد ابن السكيت للحطيئة:
فلما خشيتُ الهونَ والعيرُ مُمسكٌ ... على رغْمه ما أمسكَ الحبلَ حافرُهْ
ومن أبيات الكتاب:
ترى الثورَ فيها مُدخلَ الظلّ رأسَه ... وسائرُه بادٍ إلى الشَّمس أجمعُ
وأنشدني يحيى في الأبيات:
وصارَ الجمرُ مثلَ تُرابها
آخر:
حوراً ولهواً لاهياً متيَّمُهْ ... تزْدَجُّ بالجاديِّ أو تَلَغَّمهْ
آخر:
ومُسمعةٍ إذا ما شئتُ غنَّت ... مضمَّخةِ الترائبِ بالرِّقانِ
حميد بن ثور:
فأخلسَ منهُ البقلُ لوناً كأنَّه ... عليلٌ بماءِ الرَّيْهُقان ذهيبُ
الحطيئة:
إذا النومُ ألهاها عن الزادِ خِلتَها ... بُعيدَ الكرى باتتْ على طيِّ مُجسَدِ
أنشد أبو عمرو:
يُشوِّفها النِّساءُ مشمِّراتٍ ... يفوحُ بها مع العرَقِ الخَشيفُ
وقال الأعشى:
فبتُّ كأنِّي شاربٌ بعد هجعةٍ ... سُخاميَّةً حمراءَ تُحسبُ عَنْدَما
الراجز:
(1/95)

وارْتَقنتْ بالزَّعفرانِ تَنْقُطهْ ... يشرقُ منها جيدُها ومعلَطُهْ
وقال الأعشى:
مُبتلَّةُ الخلقِ مثلُ المها ... ةِ لم ترَ شمساً ولا زمهريرا
وتبردُ بردَ رِداء العرو ... سِ بالصَّيفِ رقرقتَ فيه العبيرا
الراجز:
قد كنتُ حذَّرتكِ نَقطَ العصفر ... في اللَّيل حتَّى تُصبحي وتُبصري
إنِّي زعيمٌ لكِ أن تزَحَّري ... بحائلِ اللونِ قبيحِ المنظرِ
أنشد ثعلب في الأبيات:
قد بكَرَ المركوَّ ساقٍ يُفعمُهْ ... مختلطٌ عشرِقُه وكُرْكُمهْ وريحُه تدعو على مَن يظلِمهْ
وأنشد الأصمعي:
يظلُّ يومَ وردِها مزعفرا ... وهي خَناطيلُ تجوسُ الخُضَرا
وأنشد:
قد علِمتْ إنْ لم أجدْ مُعينا ... لأخلطنَّ بالخَلوقِ الطِّينا
وعلى ذكر الخَلوق قول البحتري عجيب فيه:
أرجْنَ عليَّ اللَّيلَ وهو مُمسَّكٌ ... وصبَّحنا بالصُّبحِ وهو مُخلَّقُ
والقابية التي تجني الزعفران. وقد قبت تقبو قبواً.
أنشد ثعلب:
دَوامِكُ حين لا يخشينَ ريحاً ... معاً كبنانِ أيدي القابِياتِ
وأنشد ابن السكيت:
وكلُّ طِمِرَّةٍ تهوي جميعاً ... سنابلُها كأيدي القابِياتِ
والقبْو الضمُّ، لأن الجاني يضم أنامله، وأهل المدينة يسمون الضمَّة في الإعراب القبْوة. ومنه القَباء لانضمام أطرافه.
وفي ذكر الزَّعفران قال الصنوبري:
تاهَ بالخدِّ والعِذارِ الجديدِ ... من همَمْنا لوصلهِ بالسجودِ
قلتُ يا سيّدي أرى شعَراتٍ ... كنمالٍ دببنَ في العاجِ سودِ
فتثنَّى وقالَ مهلاً فهذا ... زعفرانُ الهوى بوردِ الخدودِ
وفي اللفظ قد أحسن القائل:
رأيتُ أقماراً كمثلِ الدُّمى ... يكدْنَ بالأردافِ يسقطنَ
يلقطنَ ورداً هنَّ والمُصطفى ... أحسنُ ممَّا كنَّ يلقطنَ
والشعراء يصفون الشَّمس عند مغيبها باصفرار اللون، وأنها كالمُلاء المعصفر على أطراف الجدران؛ وكأنما نفضت ورْساً على الأصائل.
قال ابن المعتز:
مثلُ شمس الأصيل تسحبُ ثوباً ... صبغتْهُ بزعفرانِ الأصيلِ
أخذه من أبي تمام حيث يقول:
حُطَّتْ إلى تربةِ الإسلام أرحلُها ... والشَّمسُ قد نفضتْ ورْساً على الأُصلِ
وأخذه أبو تمام من مسلم:
فلمَّا انْتضى اللَّيلُ الصَّباحَ وصلتهُ ... بحاشيةٍ من لونهِ المتورِّدِ
وأخذه مسلم من العتابي:
أجدَّ ولما يجمعِ اللّيلُ شملَه ... فما حلَّ إلاَّ وهو وردُ المغاربِ
وأخذه العتابي من ذي الرمة:
حتَّى إذا اصفرَّ قرنُ الشَّمس أو كرَبتْ ... أمسى وقد جدَّ في حَوْبائه القَرَبُ
أخذه من أبي ذؤيب:
بأرْيِ التي تأرِي إلى كلِّ مغربٍ ... إذا اصفرَّ لِيطُ الشَّمسِ حانَ انقلابُها
وأخذه أبو ذؤيب من الراجز:
لا تخبُزا خبزاً وبُسّا بَسّا ... ملساً بذودِ الحَدَسيِّ مَلْسا
نوَّمتُ عنهنَّ غُلاما جِبْسا ... لمَّا تغطَّى فروةً وحِلْسا
من غدوةٍ حتَّى كأنَّ الشَّمسا ... في الأُفق الغربيِّ تُكسى وَرْسا
وهذه أبيات في قوارير ماء الورد:
ومُخطَفاتٍ كالعَذارى الحورِ ... مشمِّراتِ القُمْص كالمنثورِ
كلُّ فتاةٍ نشأتْ بحورِ ... تختالُ في دُوَّاجِها القصيرِ
حاسرةً عن أرِجٍ حسيرِ ... مثل نسيمِ الأرَجِ الممطورِ
وفيه أيضاً:
بعثتَ بها عذراءَ حاليةَ النحرِ ... مشمِّرةَ الجلباب جوريَّةَ النجْرِ
مضمَّنةً ماءً صفا مثلَ ودِّها ... فجاءتْ كذوبِ الدّرِّ في جامدِ الدُّرِّ
تم كتاب المشموم. ويتلوه إن شاء الله كتاب المشروب.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم.
كتاب المشروب
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
سقى الله سِرب المها وغزلانها، وأحداج سلمى وأظعانها، حيث يُسمع نداء الحاديين، وتُقَوِّضُ خيامُ الوادِيَيْن، فالنواعج تنص هواديها للسُّرى، والهوادج تسبل سجوفها للنوى.
ملء العيون جمالاً والقلوب هوىً ... والسفر أُنساً وملءُ الشمسِ تبديدا
(1/96)

بل سقى الله شرخ الشباب، ومألف الأحباب سقاءً يتولى مقاليد أمرها الصبا، فشقّت البروق لها جيوباً، ولطمت الرعود عليها خدوداً أزمان وجه الصبا طلق، وعيشة الشبيبة رغدٌ، والأحبة جيرةٌ، والشمل جميعٌ، والحياة غضةٌ، والزمان ربيعٌ، أحُلُّ جنات الشباب ألفافاً، وأركض في ميدان البطالة سادراً وأضرب في عمرة اللهو لاهياً تمرُّ الليالي والسنون ولا أدري، وتُجاريني الأيام في سَننِ الغيّ، فأجري من سُكرٍ إلى سكر، وأغدو من خُمارٍ إلى خمر، أجتليها حوليّة الميلاد، حمراء صافيةً، بمزاج غادية، من كفِّ غانية، حوراء هيفاء، غيداء لفّاء، ذات فرعِ واردٍ، وفمٍ بارد، وثدي ناهدٍ، وقدٍّ مائدٍ، لاثت حمرتها على قنوان النخيل، أو هدل العناقيد، وجلت عجرتها عن محاجر أغَنَّ، ولدته الظباء رِبْعيّةً وأرضعته الآرام وحشيّةً. فالقمر البدر يطلع من أسرَّتها، وقرن الشمس يشرق في سُنة وجهها، لها وجنتان تنافس فيها تفاحتان، وجيدٌ كأنه إبريق فضة، أو عنُق ظبية أُفلتت من شبكة القانص، وكأن أنفها قصبة دُرّ، أو حسام مهند، وقامتها جدل عنانٍ، أو خوط خيزران، قد ضُمّت إلى مِرطها لفّاوين يُقْعدانها إذا قامتْ ويجذبانها من ورائها إن تقدمت. سهلٌ خدّاها، بردٌ ثناياها، ناهدٌ ثدياها، فَعْمٌ ساعداها، منى النفس وهواها. أتناولها من كفها مخضّبة الأطراف كأنها أقلام لُجينٍ قُمِّعت ذهباً، تسحب أذيال شعاعها، وتجر رداء تلألئها فشاربها يكرع في ضياء الشمس أو يغِبُّ في نور القمر، حتى إذا سارت في البدن حُمَيّاها، وفغمت الخياشيمَ ريّاها كستِ الوجه نضرة النعيم، وألبست الخد حمرة التوريد، ومنحته صدق الحس، وذكاء الحدس، ورقّة البشَرة، وبِلّة الجلد القاحل، والجوف القفر الماحل، واحمرت الوجنتان، وماجت من الرطوبة الحدقتان، وقدحت زند الهوى في القلب الصلد، صبت لصوت الحمام، ولمعان البرق، وبكاء الغمام، ومعاهد الأحبة، وغادرت الجسم الخصيب الجناب رخيّ البال، ناعم الخواطر، حسن الظن، والعروق فاتحةٌ أفواهها لرضاع كاساتها كما تفتح الفراخ مناقيرها لزقِّ أمهاتها، وهي تسير في تجاويفها مسير القَطر في البلد القفر، وتتغوّر في أغوارها وأورادها تغوُّر الماء في خَلَلِ الكثيب، لا سيّما إذا استحثها السقاة بصوت الناي والعود، حيث السماء جلواء، والأرض خضراء، والماء صقيل الجِلباب، دمث التراب، والهواء فضفاض القميص، سلسال الندى، رَضراض الحصى، قد تضرجت خدود ورده، وتأوّدت قدود سروِه، وانتبهت جفون نُوّاره، وتبسمت ثغور أقاحيه، ومالت قامات الشقائق منثورة مطاردها، منظومة قلائدها، فكأنا في جنة الخلد، نُسقى خمرها من أكف حورٍ عينٍ، وإن شئت تعاطيتها معتّقة نضت جِدّة الدهر، وأَبلت شِرّة العمر، ومشى عليها الدهر وهو مقيد، فأذابت حوباءها، وأفنت أجزاءها، فلم تبق منها إلا أرواح بلا أشباح، حتى إذا بزلوها وثبتْ تِبريّة اللون، عطرية النشر وثوب الحية من الرمضاء، أو توقُّد المريخ في الظلماء، يناولنيها أحور أجيد، أغنٌّ أغيد، مُسبل العِذاريْن، مورّد الخدّين، أرقُّ من الهواء، وأصفى من زلال الماء، وأبهى من بدر السماء، مُتخنّثُ الأعطافِ دلالاً، مُنثني القدِّ اختيالاً، ذو حاجبٍ مُزجّجٍ، وطَرْفٍ أدعج، وثغر مفلّجٍ، وكفلٍ يترجرجُ
يغدو عليَّ بريقِه وبكأسهِ ... فيعلُّني بالكاسِ بعدَ الكاسِ
(1/97)

فحين دبت في باطن الأعضاء، والتبست بمحاني الأحشاء سخّنت النار الطبيعية، وألهبت الحرارة الغريزية، وتحدّرت في أعماق الجسد تحدُّر العذب البارد على الكبد الحرّى، وسرت في أقطاره، وتمشت في مفاصله، فغلّت عادية البرد، وكسرت غائلة الرطوبة، وطردت الرياح، وشدت العصب، وأمّنت من وهْيِ توتيره، واسترخاء تركيبه، وأحمت بواطن الجوانح، وكوامن الأوردة، وبَذْرَقَتْ بالطعام إلى غور البدن، وقسمته بالسوية من بيت الغذاء، وهي غسول الجسم من عفونات الأخلاط، ونضوح المعدة من غوامض الأدواء، ثم أسلمت إلى وثارة المهاد، ولذة الرقاد الذي هو قوت النفس، وجِمام الأعضاء، وغذاء الروح، وراحة الجوانح، وبه تتم أفعال الطبيعة، ويجود الهضم، وتجوَّد أسباب الشهوة، لا سيما حين الجو دكْنٌ، ووجه الأرض أسمط، والقطر مرجَحِنٌّ سحائبه، معنقٌ لألواذ الجبال وسفوح الأطواد هيادبه؛ ترفَضُّ دموعه كأنها أعراف الخيل منشورةً، أو سلوك الجمان منثورةً، والجو في ممسّك طرازه قوس قزح يبكي بلا حزن، كما يضحك من غير فرح، فلهفي على شرخ الشباب، وريعان الحداثة، لقد سلبتنيه الأيام سلباً، وأخذته من يدي غصباً أغضّ ما كان عوداً، وأنضر ما كان غصناً، حين الأيام ليّنة الأجياد مواتية، والحظوظ من الملاهي متوافية، فيا بؤس الدهر الخؤون، والزمن الظلوم، كيف يمزج صفوه بالكدر، ونعيمه بالغِيَر حتى لا تقع مسرته إلا بالمساءة ممتزجةً، ولا تحدث طماعيته إلا إلى الكراهية مزدوجةً، بينا أجول في أفياء الشبيبة، وأميسُ في أردية الغرارة، بمرتع من العيش رغيد، وسعي على صدر الزمان حميد، إذ نزع إلى لئيم عادته، ودنيء سجيّته، فأبدلني من السكون قلقاً، ومن الرخاء ضيقةً، ومن السعة غمةً، ومن الأنس وحشةً
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كناظر ... مع الصبح في أعقابِ نجمٍ مغرِّبِ
لا جرم أن حال الأنس مستحيلة، وسطوة الحوادث مستطيلة، ومشاهد السرور عافية، ومعاهد البهجة بالية، ومشارع الدنيا متكدرة، ومحاسنها متنكِّرة. والطرف مخفوض بعد انبساطه، ومحزونٌ عقيب اغتباطه، قد جفت ألبان العاني والأقداح، وجفَتْ عن أحبتها الكؤوس والراح، والقلب يتقلب على أحر مساً من الجمر، وأشد لذعاً من الخمر، ترى العيش حماماً، والشمس ظلاماً، والحياة غراماً.
ما كنتُ أوفي شبابي كنهَ غرّتِهِ ... حتى مضى فإذا الدُّنيا له تَبَعُ
وعلى تذكار أيام الشبيبة، وزمان الشرب والبطالة قصَرنا هذا الجزء على نعت الخمر، واختلاف أنواعها وأحوالها، وعدد أساميها، وتحقيق اشتقاقاتها من اللغة، وسرقات الشعراء في معانيها، والله الموفق، وبيديْه المعونة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأول ذلك أن الخمر مؤنثة، وجميع أسمائها، إما علامةً أو سماعاً، وربما ذكّروا الخمر في الشعر. قال الأعشى وذكَّرها، ثم رجع إلى التأنيث:
وكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإسفَن ... طِ ممزوجةٌ بماء زُلال
وقد يكون أن تلقى الهاء تشبيهاً بكحيل لأنها معتّقة، فهي مفعول بها في الأصل، كما يقال معقَّد وعَقيدٌ، والتأنيث في كلام العرب على ضربين: تأنيث حقيقي، وهو ما تحته فَرْجٌ، وتأنيث مجازي، وهو ضربين: منه ما له علم من الأعلام الثلاثة: الهمزة والتاء والألف المقصورة. ومنه ما لا علم في ظاهره، وإنما يؤخذ سماعاً كالنعل والعصا والشمس والأرض، إذا صغّرته زدت في مصغره الهاء كشميسة، ونُعيلة، وأريضة، إلا ثمانية أسماء كالحرب والدِّرع والقوس، تقول: حُريبٌ، ودُريعٌ، وقُويسٌ، ومن أمثالهم: تركته خبرَ قُويسٍ سهماً. وإنما صغروها بغير هاء لاشتهارها عندهم بالتأنيث. واحتيج إلى إفراد المؤنث لأنه فرع على المذكر، تقول: هو قائمٌ وقائمةٌ، كما أن الصفة فرع على الموصوف، والفعل فرع على الاسم، والعجمة فرع على العربية، والتعريف فرع على التنكير؛ وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ المذكر على المؤنث لأنه أخف، كما قالوا: القمرين للشمس والقمر، والأبويْن للأب والأم.
والعرب تجترئ على تذكير مؤنث لا علم للتأنيث في لفظه، قال الأعشى:
أرى رجلاً منكم أَسيفاً كأنَّما ... يضمُّ إلى كشحيْهِ كفّاً مُخضّبا
وقال طفيل الغنوي:
فيهنَّ أحوى من الرِّبعيّ حاذلةٌ ... والعينُ بالإثمدِ الحاريِّ مكحولُ
وقال امرؤ القيس:
(1/98)

بَرهْرهةٌ رَخصةٌ رُؤدةٌ ... كخُرعوبةٍ البانةِ المنفطرْ
وهم يوردون الاسم المذكر مخبراً عنه بالتأنيث. قال:
وأنتَ لمّا ظهرتَ أشرقَتِ ال ... أرضُ، وضاءتْ لنورِك الأفقُ
أنّث الأفق لأنه يريد به الناحية. كما يذكرون المؤنث مخبراً عنه بالتذكير، قال الله تعالى: " السماء منفطرٌ به " قالوا: المعنى السقف، والله أعلم. قال امرؤ القيس:
........... ... كخرعوبة البانةِ المنفطرْ
أي الغصن، أما قول الشاعر:
أكثرُ ما أسمعُ منها بالسّحرْ ... تذكيرُها الأنثى وتأنيثُ الذكرْ
والسَّوءةُ السواءُ في ذِكرِ القمرْ
فليس من هذا القبيل، وإنما يصف امرأةً لثغاء تُدخل بعض الكلام في بعض.
وقال أبو نواس:
أهيفُ، إن قلتُ: يا فديتُك، قُلْ ... موسى، يَقلْ من رُطونة: موثى
محتلقٌ فاترُ الشمائلِ قد ... خالط منه المجونُ تخنيثا
وأنشد الباهلي في الأبيات:
وما ذكرٌ فإن يكبرْ فأنثى ... شديدُ الأزمِ ليس له ضُروسُ
يريد القراد، وهو ذكر، ثم يسمى إذا كبر حَلَمةً وحَمْنانةً.
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني بالموصل أنهم لم يقولوا في صفات الله عز وجل علامةً لأن الهاء مشهورة عندهم بعلم التأنيث، وهي إخبار عن قلة الدوام والثبات. قال النمر:
وكلُّ خليلٍ عليهِ الرّعاث ... والحُبُلات كذوبٌ مَلِق
وقال آخر
وإن حلفتُ لا النأيُ ينقضُ عهدَها ... فليس لمخضوب البنانِ يمينُ
وقال المتنبي:
أبداً تستردُّ ما تَهب الدنيا ... فيا ليتَ جودَها كان بُخلا
فكفتْ فرحة تورثُ الغمَّ ... وخلٌّ يغادرُ الوجدَ خلاّ
شِيمُ الغانيات فيها فلا أد ... ري لذا أنَّثَ اسمها الناسُ أمْ لا
أبو العباس يقول: إنهم أرادوا به الداهية، وقد تكون الهاء داخلة للمبالغة والتوكيد كنسّابة ومِطْرابة ولُجَجة.
الخمر:
(1/99)

اسم ثلاثي، وهو أعدل الكلام، حرف يبتدأ به، وحرف تُحشى به الكلمة، وحرف يوقف عليه؛ وفتحوا أوله، لأن أول الحروف يحرّك حركةً ضروريةً، والفتح أخف الحركات، فهي حظه إلى أن يحدث مانع؛ وسكّنوا الحرف الأوسط تخفيفاً لكثرة استعمالها، لأن الحركات أبعاض الحروف، بل تُجريها العرب مجرى الحروف في مواضع. ألا ترى أنهم أجازوا صرف هند اسم امرأة معرفة، فإذا تحرك الأوسط منه مُنع الصرف البتة، كقولك فدْمٌ، إذا جعلتها اسماً فصارت الحركة في منع الصرف بمنزلة الياء من زينب، والألف من عناق، كما يجرون الحروف مجاري الحركات، قالوا لم يسعَ ولم يرمِ ولم يغزُ، فحذفوا أواخر هذه الحروف للجزم كما تحذف الحركات من لم يخرجْ ولم يجلسْ؛ وأما لم يكُ ولم يُبَلْ ولا يَدْرِ فحذفوا أواخرها تخفيفاً، لأن الشيء إذا كثر استعماله يتأول بالحذف أكثر. وقال الفرّاء في المُشكل: الأصل في ايْش أيُّ شيءٍ فحذفوا ياء وهمزة شيء وبنوهما كلمة واحدة. لما كان الشيء عبارة عن كل معنى، لأن أعم الأسماء شيء، ثم الجوهر أخص منه، إذ كان كل جوهر شيئاً، وليس كل شيء جوهراً، ثم الجسم أخص منه، إذ كان كل جسم جوهراً، وليس كل جوهر جسماً، ثم الحيوان أخص منه، إذ كل حيوان جسم، وليس كل جسم حيواناً، ثم على ذلك: الناس أخص من الحيوان، إذ كل ناس حيوان، وليس كل حيوان ناساً، ثم الرجل أخص منه، إذ كل رجل إنسان، وليس كل إنسان رجلاً، ثم زيدٌ أخص من رجل، ولذلك صار علماً، والأسماء على ثمانية أضرب: أسماء الأجسام كالحجر والمدَر، وأسماء الصفات وهو ما كان حلياً أو نسباً أو إشارةً كالأحمر والطويل والقرشيّ، والصناعات تجري مجراها نحو البقال والهبْرقيّ، وأسماء الإشارة نحو هذا وأولئك، وأسماء الأحداث كالقيام والقعود، ومن هذا القسم اشتُقت أسماء الأفعال، فما تصرّف منها وصدر عنها الأفعال، فهي المصادر، والأسماء الأعلام كزيد وعمرو، وأسماء الأمكنة وأصلها الجهات الست خلف وقدّام، وفوق وتحت، ويسرة ويمنة، وما ضارعها، وأسماء الأزمنة كالشهور والدهر، وأسماء الفاعلين كقائم وقاعد، وأسماء المفعولين كمضروب ومقتول. ودخول الألف واللام على الخمر لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك الناسَ الدينارُ والدرهمُ، أي هذا الجنس هو الذي أهلكهم، ودخلت اللام وحدها للتعريف، والهمزة دخلت لسكون اللام، يدلك على ذلك إيصالهم حرف الجر إلى ما بعد حرف التعريف، نحو: عجبتُ من الرجل، فتعود الحركة فيه إلى ما بعد حرف التعريف، ولو كان الألف واللام بأجمعهما للتعريف لما كان يجاوز حرف الجر إلى ما بعده، ثم إن التنكير ضدٌّ للتعريف، وهو بحرف واحد كالتنوين في آخر الاسم، وكذلك التعريف بحرف واحد، وجعلوا حرف التعريف واحداً لأنهم أرادوا خلطه بما بعده، ومزجه به كما أُحدث فيه من انتقال المعنى حيث يضعف عن انفصاله عما بعده فيُعلم بذلك أنهم قد اعتزموا على خلطه به، وسكّنوه لأن تسكينه أبلغ وأشد في إضعافهم إياه، وإعلامهم الحاجة إلى ما اتصل به لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد افتقاراً إلى ما يتصل به، واختاروا اللام لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده، لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم، وجعلوها في أول الكلام. والزيادات تقع آخر الكلام لأنهم صانوه وشحّوا عليه حتى جعلوه للحاجة إليه في موضع لا يحذف منه حرف صحيح البتة، واللام حرف صحيح، فاحتاطوا عليه بأن جعلوه في الأول ليبعد عن الحذف والاعتلال.
باب أسماء الخمر
الخمر الشَّمول العتيق العاتِق المعتَّقة الراح القَرْقَف الخَنْدَريس الرحيق القهوة المُدام المُدامة السَّبيئة المُشَعْشَعة الصِّرف المُزَّة العُقار الخَمْطة المُصْطار الإسْفنْط المذا المقدّي المُصَفَّق العَرَق الجِرْيال السُّخاميّة الخُرْطوم الكُمَيْت الصَّهْباء السَّلْسَل السَّلْسال السُّلاف السُّلافة الزَرَجون العانِيَّة الماذِيّة أم زَنبق الحانِيّة الدِرياق المِزر الشَّموس الفَيْهَج الغَرَب الحُمُيّا السُّكْرُكَة الصَّرْخد البِتْع القِنْديد الخَلَّة الكَسِيس والنبيذ كل ما يُنبذ. وأما الباذِق والمُثلَّث وهو السيكي.
(1/100)

والداذي أعجمية، والكلام فيها وفي السُّكر والنديم، والإبريق والكرائن، والماخور والناجود، والراقود والراووق، والفِدام والأقداح، وما تنوع منها، والشرب وألوانه، والتغمُّر والطفوح والبرض والريّ والرشف بأطراف الثنايا، وضم الشفتين، والكروع فيه، وفتح اللهوات حتى يسوغ المشروب دفعاً، ويحيزه جرعاً، يقع آخر الباب مستقصىً إن شاء الله.
الخمر
فأما الخمر فاشتقاقها من ثلاثة أشياء، أحدها من خمرت الشيء، أي غطيته، كأنها تغطي عقولَ الناس الشاربين، والخمرة السّجادة لأنها تخمر موضعها من الأرض، والخِمار المِقنَعة لأنها تخمر الرأس، والخمر ما واراك من الشجر، والخَمير الذي للعجين فعيلٌ بمعنى فاعل، أي خامرٍ فطورتَه، وهو مثل قدير وقادر؛ وغدير عند بعضهم بمعنى غادر، كأنه يغدر بالناس، يكون فيه ماء مرةً، ومرةً يخلو، وإليه ذهب الكميت:
ومن غدرِهِ نبزَ الأولو ... ن إذا لقَّبوه الغديرَ الغديرا
وهذا مما يستدل به على معرفتهم بالاشتقاق. قال حسان:
وشقَّ له من اسمه كي يجلَّهُ ... فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمّدٌ
ومن ذهب مذهب الاشتقاق من المُحدَثين قوم، فأحسنهم أبو نواس:
بكرَ العلاءَ ثلاثةٌ ما منهمُ ... إن حصّلوا إلا أغرُّ رفيعُ
سادَ الربيعُ وسادَ فضلٌ بعدَه ... وعلتْ بعباسِ الكريمِ فروعُ
عبّاسُ عبّاسٌ إذا احتدمَ الوغى ... والفضلُ فضلٌ والربيعُ ربيعُ
وفي غدير وجه آخر أغرب من الأول، وهو أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، كأنه ماء أغدره السيل، أي تركه. ويقال أغدرْتُه وغادرتُه بمعنى واحد. قال:
في هجمةٍ يغدُرُ منها القابضُ ... سُدسٌ ورُبْعٌ تحتها فرائضُ
أي يترك. فغديرٌ بمعنى مُغدرٍ، وهو ماء غدير في العربية، كضمير بمعنى مُضْمر، وحديث بمعنى مُحدَث، وعَقيد بمعنى مُعْقَد، وعتيق بمعنى مُعتَق، ونَضيج ومُنضَج، وسليم للديغِ بمعنى مُسلَمٍ للهلاك في أحد القولين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خمِّروا آنيتَكم وأوْكوا أسقيتكم، وضُمّوا مواشيكم " أي غطوها. ومن أمثال العرب في لفظه " اليوم خمرٌ وغداً أمر " و " خامري أمَّ عامرٍ " و " العوان لا تعلّم الخمرة " و " هو يدُبّ الضرّاءَ ويمشي الخمرَ " وتقول العامة " سيكون لهذا السُّكر خُمارٌ " وأنشد الأصمعي:
وداهيةٍ جرَّها جارمٌ ... جعلتَ رداءَكَ فيها خِمارا
أي حللت رؤوس القوم بالضرب وعمّمت لا غير، لأن الضرب يأخذ محلاً من الرأس لا كله، ومثله غشّيته، وهو في:
غشَّيْتُهُ وهو في جَأْواءَ باسلةٍ ... عَضْباً أصابَ سَواءَ الرأسِ فانفلقا
وقال آخر:
سقيتُ سهامَ الموتِ بالبيضِ فحلَها ... وجللتُه بالبأسِ والصارمِ الهِندي
وأراد بالرداء السيف، لأنه بحمائله وقرابه يُرتدى، وهو أيضاً ثقلٌ على العاتق فسموه به، قال الشاعر:
ليستْ عليهمْ إذا يغدونَ أرديةٌ ... إلا جيادَ قسيّ النبعِ والّلجمِ
ومنه قول فقيه العرب: " من أراد البقاء ولا بقاء فليُكْرِ العشاء، وليباكر الغداء وليخفف الرداء " معناه يخفف ظهره من ثقل الديون. والعرب تصف الكاهلَ والعنق والعاتق والمنكب بالوَثاقة والشدة، والنهوض بالأعباء، والاستقلال بالشدائد والاضطلاع بالأثقال. قال عمر بن أبي ربيعة:
إنَّ لي حاجةً إليكِ فقالتْ ... بين أُذني وعاتِقي ما تريدُ
أي أحملها وأقوم بقضائها.
وقال أبو عبادة:
وألقيتُ أمري في مهمِّ أمورِهِ ... ليحملَ رَضوى ما تحمّلَ كاهِلُهْ
وقال الآخر في الرداء:
إذا ما الثّريّا أطلعتْ من عِشائها ... طِلاعَ عروسٍ في ثيابِ جلاءِ
تبلدْتُ من علمي بما البينُ صانعٌ ... وإن ردائي ليس لي برداءِ
فإنه يريد الرداء بعينه، وهو كقول المرّار:
كأنَّ الثريّا أطلعتْ من عِشائِها ... بوجهِ فتاةِ الحيِّ ذاتِ المجاسِدِ
(1/101)

يقال رداء ومِردى مثل عِطاف ومِعطف، وقولهم به خُمار هو فترة الرجل عقيب سُكره وصحوه، لأنه يجري مجرى الأدواء مثل الصُّداع والرُّعاف. وكان الضم أولى به لأن الفتح شغلوه بالأسماء الخفية كالذَّهاب والكلام، والكسر بالعيوب كالحِران والجِماح فلم يبق إلا الضم فجعلوه للأدواء. قال أبو عمرو الشيباني: السَّواف من أدواء الإبل بالفتح، وأنكره الأصمعي فضمه، ولم يقولوا: به نُباذٌ لأن النبيذ ليس من كلام العرب فلم يستعملوه، وقالوا: خَمر فهو مَخمور. قال:
......... ... كصدودِ المخمورِ شمَّ الشَّرابا
وخمَّر فهو مخمر. قال امرؤ القيس:
......... ... كما ذعرتْ كأسُ الصَّبوحِ المُخمَّرا
والوجه الثاني من الاشتقاق أنه لطيب رائحتها، وذكاء نشوتها سميت خمراً. تقول: وجدتُ خَمرَةَ الطيب، أي رائحته. قال الراجز:
يا رُبَّ خَوْدٍ طَفْلَةٍ مُعطَّرهْ ... مُعجبةٍ بحُسنِها مُشمِّرهْ
إن جئتَها محجوبةً مخدّرهْ ... وجدتَ من خلفِ الجدار الخَمرَهْ
والوجه الثالث أنه من خامَرَني الهمُّ أي خالطني، وداءٌ مخامِرٌ، أي مخالط للبدن، كأنها تخامر الأبدان والعقول أي تخالطها. قال:
أتيناهُ زُوّاراً فأعتدَنا قِرَىً ... منَ البَثِّ والداءِ الدخيلِ المُخامرِ
وليس لأحد أن يقول إنه يرجع كل اشتقاقه إلى التغطية، لأنه إن سِير في الاشتقاق هذه السيرة بطلت فوائد أبوابه وأنواعه، وإنما يكون اختلافه بزيادة معنىً على آخر. وعلى هذا أسسه العلماء من القدماء، حتى قالوا في البحر إنه من البحر، أي ملحٌ، وماءٌ بحرٌ أي ملحٌ، ومياه البحار أملاح. قال نصيبٌ:
وقد عادَ ماءُ الأرضِ بَحْراً فزادَني ... إلى ظَمأي أنْ أبحرَ المَشربُ العَذبُ
وقيل إنه سمي بذلك لبعد قعره وانشقاق عمقه، ومنه بحرتُ الناقة، أي شققت أذنها، فهي بَحيرة، ومنه تبحَّر فلان في العلم. وقيل إنه سمي بحراً لغلظ مائه وكدورته وتغيره. ومنه سمي دمٌ باحرٌ، أي ثخين أسود. وفي الحديث: " دمُ الحيضِ أسود بحراني ". قال العجاج:
من ناقعِ الجوفِ وبَحراني
وقالوا في المسيح صلوات الله عليه إنه لم يكن يمسح ذا عاهة إلا أبرأه، فهو على هذا فَعيل بمعنى فاعل، وقال غيره إنه فَعيلٌ بمعنى مفعول كأنه ممسوحُ باطن القدم لا يتخامص، وكذلك كان. وقال غيره سمي المسيح لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة. وقيل إنه سمي المسيح لحسنه. تقول العرب: به مِسحةٌ من جمال، أي براعة. قال: البيت لامرأةِ ذي الرمة من قصيدة تهجو فيها ميّة صاحبة ذي الرمة:
على وجهِ ميَّ مِسْحةٌ من مَلاحةٍ ... وتحتَ الثيابِ الخزيُ لو كان باديا
والمسيحة القطعة من الفضة، قال الأنماري:
كأنَّ مسيحتي ورقٌ عليها ... نمتْ قِرطيهما أذنٌ جذَيمُ
وهذا وإن كان أصله كله يرجع إلى المسح فقد اختلفت أنواعه، وعُقل من كل نوع فائدة جديدة كالدرع والمِدْرعة والدُّرَاعة، وأصل الكلمة درع إلا أنه عُقل من صنعة كل لفظة فائدة قائمة بنفسها.
الشَّمول
قال الأصمعي: سميت شَمولاً لأن لها عصفة كعصفة الشَّمال، وقد بين هذا ابن الرومي في قوله:
تنفّسُ كالشَّمولِ ضُحىً شمالٌ ... إذا ما فُضَّ عن فيها الختامُ
وتكون على هذا فعولاً بمعنى فاعل، مثل قتول بمعنى قاتل. تقول: شملت الريح إذا هبت شمالاً. وقال أبو عمرو الشيباني: سمّيت شَمولاً لأنها تشمل بريحها الناس، أي تعم، من الشِّمال، وهو كيس يُجعل فيه ضرع الشاة. أنشدنا أحمد بن يحيى:
ستعلمُ إنْ دارتْ رحى الحربِ بينَنا ... عِنانُ الشِّمالِ منْ يكونَنَّ أضرعا
يريد بعنان الشمال شبهه به. قيل إنه أراد معانة أمر مشؤوم. وقيل إن دارت الحرب بيننا مدارها انهزمتَ لأن المنهزم يأخذ عن شماله. وقيل سميت شَمولاً لأنها تشتمل على عقل صاحبها. ويقال: فلان حسن الشَّمْلة مثل القمصة، أي حسن الاشتمال بالثوب، وقالوا مشمولةً أيضاً، فتكون الشمول فعولاً بمعنى مفعولٍ كحلوبٍ بمعنى محلوب، لأنها يشملها الناس أي يحُفّونها للشرب. قال الأقيشر:
وأنتِ لو باكرتِ مشمولةً ... صِرفاً كلونِ الفرسِ الأشقرِ
العَتيق والعاتق
(1/102)

اشتقاقها من ثلاثة أشياء. فالأول أن العتيق هي القديمة، كأنها سبقت وتقدمت على وجه الدهر، من قولهم عتقت الفرس أي سبقت. وقال أعرابي في نعت فرس:
هذا أوانُ عِتقةِ الشقراءِ
ويقال: فلان مِعتاق الوسيقة، إذا طرد طريدةً أنجاها، وسبق بها. قالت الخنساء:
حامي الحقيقةِ معتاقُ الوسيقةِ نس ... الُ الوديقةِ، جلدٌ غيرُ ثِنيانِ
والوجه الثاني أنها لرقتها سميت عتيقاً، من العتق وهو حسن الوجه ورقّته. وتقول العرب: عَتُقَ فلانٌ بعد استعلاجٍ، أي رقّ وجهه، وحسنت بشرته، وذهبت كدرته. قال أبو النجم:
وأرى البياضَ على النساءِ جهارةً ... والعِتقُ أعرفهُ على الأدماءِ
وقال لبيدٌ:
....... ... أو عاتقٍ كدمِ الذبيحِ مُدامِ
فهذا يريد بالعتق الحُسن لأنه شبهها في حمرتها بالدم الطري، والعاتق من القِدم، يضرب لونها إلى الصفرة، وتغلب الورسية عليها، وقد أحسن من قال في عتق الخمر:
له خلقٌ على الأيامِ يصفو ... كما رَقّتْ على الدهرِ العُقارُ
ويقال امرأة عاتقٌ أي بِكر، من العِتق بروعتها وجمالها.
وقال كثيّر:
أجني دماً يا أمَّ عمروٍ هرقتِه ... بكفِّكِ يومَ السترِ إذْ أنتِ عاتِقُ
والبيت العتيق فعيل بمعنى مُفعَل، أي أُعتِق من ملك الجبابرة. والثالث أنه فعيل بمعنى فاعل، أي عاتق الميلاد، متقادم الوجود. وقالوا: العتيق والعاتق التي لم يفض ختامها مشبهة بالعاتق من النساء وهي العذراء التي لم تمسّ.
الراح
اشتقاقها من ثلاثة أشياء: أحدها من ارتياح صاحبها، وما يجده في نفسه من هِزّة السرور، وخفة النشاط، وهي الأريحية. قال أبو عبادة:
وما باتَ مطويّاً على أريحيّةٍ ... بعِقبِ النّوى إلاّ امرؤٌ باتَ مُغْرَما
ويقال: فلان يَراح للمعروف إذا أخذته الأريحية، وأراح الرجل إذا رجعت إليه نفسه، وراحَ الشجر يَراح وتروَّح إذا انفطر بالورق. قال:
وأكرِمْ كريماً إنْ أتاكَ لحاجةٍ ... لعافيةٍ إنَّ العضاةَ تَروَّحُ
وقال:
ولستُ برهلٍ مثلَك احتلمتْ بهِ ... عَوانٌ نأتْ عن فحلِها وهي حاملُ
وقال طُفَيل:
وخادعَ المجدَ أقوامٌ لهمْ شرفٌ ... راحَ العضاةه بهم والعرقُ مدخولُ
ومثله قول زفر بن الحارث:
وقد ينبتُ المرعى على دِمنِ الثّرى ... وتبقى حَزازتُ النفوسِ كما هيا
ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم وخضراءَ الدمن ". وفي المثل: " الحنظلة خضرٌ أوراقها، مرّ مذاقها ". وفي الحديث: " لم يُرح رائحةَ الجنة " أي يجد ريحها. قال الكسائي: هو من أرحتُ. وقال غيره: لم يَرَحْ من راحَ يَراحُ إذا وجد الريح. ويقال: أتانا وما في وجهه رائحة دم. وهو من قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
فقامتْ كئيباً ليسَ في وجهِها دمٌ ... من الحزنِ تُذري عبرةً تتَحدرُ
هذا في الحزين، وقد يصفون بذلك القتيل. قال زهير:
التاركُ القرنَ مصفرّاً أناملُه ... يميدُ في الرمحِ ميدَ المائحِ الأسِنِ
وقال خداشُ بن زهير:
قد أتركُ القرنَ مصفرّاً أناملُهُ ... كأنما قد كساهُ اللونَ جاديُّ
وقال ابن خطّار بضده:
همْ يضربونَ الكبشَ يبرقُ وجههُ ... على صدرِه من الدماءِ سبائبُ
والوجه الثاني أنها سميت راحاً من طيب الرائحة. يقال روّحت الشي، ودهنٌ مُرَوَّح أي مطيّب. وفي الحديث أنه أمر بالإثمد المروَّح أي المطيّب. وقال أبو زيدٍ: أرْوَحَني الصيد إرواحاً، وأنشاني إنشاء إذا وجد ريحَك ونشرك. ويوم راحٌ شديد الريح، ويوم طيب الريح. والوجه الثالث: سميت راحاً لشدتها وقوتها وسورة حميّاها، من قولهم أقرحُ راحٌ أي حصانٌ ذكرٌ. والراح تحصُّن الفرس واشتداده، والراحة العشية الشديدة الريح. والراحة بطن الكف. وتشبيه ذي الرمة بهذا جيد حيث قال:
ودوٍّ ككفِّ المُشتري غيرَ أنّهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ
شبهها في انخراقها بكف المشتري لأنه يبسطها للصفقة. وقول جرير:
ألستُم خيرَ منْ ركبَ المطايا ... وأندى العالمينَ بطونَ راحِ
الواهب يعطي ببطن كفه ويرد بظهرها. وألفه ألف تقرير لا استفهام ليصح المدح. وقد أجاد إبراهيم بن العباس الكاتب في نعت بطنها وظهرها:
(1/103)

لفضلِ بنِ سهلٍ يدٌ ... تقاصرَ عنها المثلْ
فباطنُها للنّدى ... وظاهرُها للقُبلْ
ومنه أخذ ابن الرومي:
أقاتلتي حججتِ البيتَ إنّي ... حججتُ فتى المروءةِ والسلامُ
فلي في بطنِ راحتهِ ارتواءٌ ... ولي في ظهرِ راحتِهِ استلامُ
وكرره بأخصر من هذا اللفظ:
........... ... له راحةٌ فيها الحطيمُ وزمزمُ
وأما قول المتنبي في بطن المِجن وظهره:
في مثل ظهرِ المِجَنِّ متّصلٌ ... بمثلِ بطنِ المجنِّ قَردَدُها
فهو في كتاب أبي الفتح عثمان بن جني رحمه الله، وقال في قول المتنبي:
لو مرَّ يركضُ في سطورِ كتابةٍ ... أحصى بحافرِ مُهرِهِ ميماتِها
إنه شبه حافر الفرس بصورة الميم، وهو كما تراه، ولو أراد ذلك المتنبي لما كرر قوله:
أوّلُ حرفٍ من اسمِهِ كُتبت ... سنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
يريد العين، وصورة العين والحافر واحدة.
القَرْقَف
وهو اسم لها موضوع، وليس له أصل يشتق منه، ويُحمل عليه، وأنكر أبو عمرو قول من يقول لأنها تُقرقف بمعنى تُرعد الشاربين. قال الرُّقاشي:
ما اكتحلتْ مقلةٌ برؤيتِها ... فمسَّها الدهرَ بعدَها رمدُ
الأحوص:
نعمَ شعارُ الفتى إذا بردَ الس ... ليلُ سُحَيْراً وقرقفَ الصَّرِدُ
زيّنَها اللهُ في العيونِ كما ... زُيِّنَ في عينِ والدٍ ولدُ
وإنما الوجه أن يكون في خروجها من البِزال وتلونها وتكفّيها سَمْوُها، ثم استمر عليها الاسم في جميع أحوالها كالخطاب الخارج على سبب، ثم تُجُوِّز به في غيره، كتسمية شهر الصوم شهر رمضان لوقوع فرضه في شدة الرمضاء، ثم ثبت هذا الاسم له ولو وقع في صميم الشتاء، وآنفِ كواكبِ الجرباءِ، أو زمانَ شيبانَ وملحانَ، أو أيام العجوز.
من عادتهم وضع الاسم على مقتضى معناه، كالنَّزَوان والغلَيان والطيَران. لما كان المعنى الحركة والانزعاج فتحوا عين الفعل، وإذا كان بخلافه أسكنوها، مثل حوْذان؛ فكأنهم سموها قرقفاً في حال بزلها لقرقفتها في خروجها وسيلانها. قال أبو نواس:
تتلوى عندَ المسيلِ من الدّ ... نِّ تلوِّي حبائلِ الفتّالِ
وقال ابن المعتز:
فأخرجَ بالمِبزالِ منها سبيكةً ... كما فتلَ الصواغُ خَلخالَهُ فَتلا
الخَنْدَريس
هي القديمة. قال الفراء: حِنطةٌ خندريس أي قديمة، ونونه وياؤه زائدتان، والخدرسة القِدم، وهي فنعليل مثل عنتريس من العترسة، وهي الشدة والصلابة، وعنقفير من العقفرة وهي الدهاء والنكارة. وأما زنجبيل وعندليب فهو فَعلليل، وليس في العربية فَنعليل وفَعْلَليل سوى هذه الكلمات. ومن المكرر على اختلاف زمهرير وعرطليل وقفشليل ومنجنيق على مذهب من يقول منجقتُهُ، ومن قال: بيننا حروب عون تفقأ منها العيون، فمرةً نُجنَقُ ومرة نُرشَق، فهذا مفعليل. وقال:
فنعمْنا والعينُ حيٌّ كميتٍ ... بخطابٍ كلذةِ الخندريسِ
الرحيق
هو صفوة الخمر، وعليه علماء اللغة، ولم يذكروا له أصلاً يرجع إليه. وقوله تعالى: " يُسقون من رحيق مختوم ختامه مسك " فمعناه آخر رائحته مسك والله أعلم. وقال الناجم:
رحيقٌ كصفوِ الماءِ هبّتْ به الصِّبا ... ففاضَ على حصبائهِ يَترقرقُ
يودُّ حشا الصديانِ لو كان وسطَهُ ... على ما بهِ من غلّةِ الصدرِ يغرقُ
ابن الرومي:
وشفوفُ البدنِ النا ... عمِ في الثوبِ الرقيقْ
ورحيقٌ كحريقٍ ... في أباريقِ عقيقْ
إنّ من ورّد خدّ ... يك لصبّاغٌ رفيقْ
القهوة
قال الكسائي: سميت قهوةً لأنها شاربها يُقهي، أي تذهب شهوته للطعام. يقال: أقهى الرجل وأقهمَ إذا ذهبت شهوته للطعام، ويقال: استَيْقَه الرجل إذا أطاع. قال الأعشى:
معتقةٌ قهوةٌ مُزّةٌ ... لها زبدٌ بين كوبٍ ودنْ
المُدام والمُدامة
(1/104)

هي مُفعَل ومُفعلة كمُكرم ومُكرمة، من أدمتُها الظرفَ أي أسكنتُها. قال الأصمعي: أُديمت الظروفَ أي أُسكِنَتْها، وأُبقيت فيها، ومنه دوامُ الشيء إنما هو سكونه حتى لا ينزعج ولا يبرح، والماء الدائم الساكن، وفي الحديث: " لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه " فهو الراكد لا يجري. ودوّمَ الطائر إذا سكّن جناحيه في الهواء فلم يحركهما. ويقال: أدمتُ القِدرَ أي سكّنتها ودوّمتها. قال الجعدي:
يفورُ علينا قدرُهم فنديمُها ... ونفثأُها عنا إذا حَميُها غَلا
يعني بالقدر الحرب، كقول الآخر:
قدرينِ لم يُسْتَثَرْ وقودُهما ... بالمرخِ تحتَ العَفارِ تضطرِبُ
لا بالجفائن ينزلان ولا ... بالشيحِ يذكي ضرامَهُ اللهبُ
يعني الحربين. ولها وجه آخر من الاشتقاق يكون من الدوام وهو الدوار الذي يأخذ الإنسان في الرأس عند انتشائه وسُكره. قال الشاعر:
عساكر تغشى النفسَ حتى كأنني ... أخو سكرةٍ دارتْ بهامتيَ الخمرُ
والعرب تسمي الشعاعات الممتدة كالخيوط نُصب عين السكران والصديان السمادير والهاء التي في المدامة للمبالغة والتأكيد، وكما دخلت في كريمٍ وكريمة. وفي الحديث: " إذا أتاكم كريمةُ قومٍ فأكرموه "، وكذلك الهاء في خليفة للمبالغة وهو خليف. وأنشد أبو حاتم السجستاني في كتاب المذكر والمؤنث لأوس بن حجر:
إنْ منَ القومِ موجودٌ خليفتُهُ ... وما خَليفُ أبي وهبٍ بموجودِ
وجمع خليفة خلائف وجمع خليف خُلَفاء، وتكون من دوام السرور بها. قال الناجم:
عُقارٌ عقورٌ للرجالِ مُدامةٌ ... تُديمُ المنى راحٌ تُريح الجوانحا
السبيئة
سميت سبيئة لأنها تُسبأ أي تُشرى. قال:
أغلي السِّباءَ بكلِّ أدكنَ عاتقٍ ... أو جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وسبيئة فعيلة لمعنى مفعولة، فلما جعلها اسماً أدخل الهاء عليها. وفعيل إذا كان بمعنى مفعول حذفت الهاء منه لأن الصفة فرع والعدل فرع والتأنيث فرع فوجب حذف أحدهما لا الأفرع. وقال الأعشى:
وسَبيَّةٍ مما تُعتّقُ بابلٌ ... كدمِ الذبيحِ سلبتُها جرياً لها
وتكون من سبأتُ الجلد إذا سلخته بالنار، وانسبأ الجلد انسلخ، كأن الشمس والنار طبختها فصفّتها من أوشابها وأدرانها، وأُخرجت بالعصر من قشورها. قال أبو الشيص:
طبخَتْها الشِّعرى العبورُ وحثّتْ ... نارَها بالظهائرِ الجوزاءُ
المُشَعْشَعة
يقال شعشعتُ الخمرَ أي مزجتها كأنها ترقّ بالمزج، فشبهت بالشعاع في دقته. والشعاع الطويل. يقال: عنقٌ شعشاعٌ وشعشعان أي طويل.
وأنشد الخليل في كتاب العين:
في شَعشعانٍ عُنُقٍ يَمخورِ
وقال الراجز، أنشده الأصمعي في الأبيات:
لا عيشَ إلا كلُّ صهباء عقلْ ... تناولَ الحوضَ إذا الحوضُ شُغلْ
بشَعشعانيٍّ صُهابي هدلْ ... ومنكباها خلفَ أوراكِ الإبلْ
وقال الراجز:
بكلٍ شعشاعٍ كجذعِ المزدرعْ ... فيلقُها أجردُ كالرمحِ الضَّلِعْ
وقال عمرو بن كلثوم:
مشعشعةٌ كأنَّ الحصَّ فيها ... إذا ما الماءُ خالطَها سَخينا
الصِّرف
اشتقاقها من شيئين، أحدها لشدة حُمرتها شبهت بالصِّرف، وهو صبغ أحمر تُصبغ به الجلود، قال كلحبة:
كُميتٌ غيرُ مُحلفةٍ ولكنْ ... كلونِ الصِّرفِ علَّ بهِ الأديمُ
وقال حبيب:
قدْ صرّفَ الراؤونَ حُمرةَ خدِّهِ ... وأظنُّها بالريقِ منهُ ستُقطبُ
أي حمّروها بالنظر. والوجه الثاني أن الصرف الخالص من شيء. يقال كذب صِرف أي خالص، كأنها خالصة من الماء والمزج. قال الخليع:
سكرَ الشيخُ مُعرِّفْ ... فاسقِهِ الكأسَ وصَرِّفْ
لا يروعنكَ من المج ... دورِ وجهٌ مُتحشِّفْ
إنَّ في مأكمتهْ ... متعةً للمُتعفِفْ
صرّف: أي اسقه صرفاً بلا مزاج يُسرع السكر إليه.
المُزَّة
سميت لطعمها، والمَزازة طعم من الحلو والحامض، وتكون من المِزّ وهو الفضل. تقول: هذا أمزُّ من هذا أي أفضل منه كأنها لفضلها على سائر الأشربة سميت بذلك. وضُم أولها لأنها فُعلة وهو ما يأخذه الشارب من الشراب المُزّ مثل الفُرقة وهو ما يحمله الفارق، والجُرعة وهو ما يجترعه الرجل من الماء.
المُزّاء
(1/105)

هو فُعّال من المِزّ وهو بناء المبالغة مثل حُسّان وكُرّام، والهمزة التي فيه زائدة لإرادة بناء فُعّال كوُضّاء وقُرّاء. والهمزات التي تقع آخر الكلام أربع: همزة أصلية كهمزة قُرّاء وأجزاء، وهمزة منقلبة عن ياء مثل همزة رداء بدلالة أنك تقول هو حسن الرِّدْية، وهمزة منقلبة عن واو مثل همزة كساء بدلالة أنك تقول هو حسن الكسوة وهمزة لإلحاق بناء ببناء مثل حرباء وعَلباء ألحقتا ببناء سِربال. قال الأخطل:
بِئسَ الصُّحاةُ وبئسَ الشَّربُ شَرْبُهمُ ... إذا جرى فيهمُ المُزاءُ والسُّكرُ
العُقار
اشتقاقها من شيئين. قال الأصمعي من عُقْرِ الحوض وهو مقام الشاربة التي تلزمه، كأنها عاقرت الدن أي لازمته، ويقال ناقة عَقِرة إذا كانت لا تشرب إلا من ذلك الموضع قال امرؤ القيس:
فرماها في فرائِصِها ... بإزاءِ الحوضِ أو عُقُرِهْ
ويكون من العَقر وهو القطع. يقال عقرتُ الفرس فهو عَقير، ومنه امرأة عاقر لانقطاعها من الولاد، وعواقر النساء، وهو في الإبل: مصرّمات النوق. كأنها تعقر شاربيها بالسُّكر.
قال أبو الشيص:
عُقارٌ عوقرتْ في كأ ... سِها خوفاً من العقرِ
وقال أبو نواس:
تأخذُنا تارةً ونأخذُها ... فنحنُ فرسانُها وصَرعاها
والعَقاراء على فَعالاء اسم موضع، وليس من العُقار في شيء. وأنشد أبو الحسن الأعرابي لحميد بن ثور:
رَكودُ الحُميّا طَلّةٌ شابَ ماءَها ... بها من عَقاراء الكرومِ رَبيبُ
وبيضة العُقر آخر البيض ثم ينقطع. وقالوا: بيضة العُقر بيضةٌ يبيضها الديك في آخر عمره. قال بشار:
قدْ زُرتِنا زورةً في الدهرِ واحدةً ... باللهِ لا تجعليها بيضةَ الدِّيكِ
وقال أبو نعامة:
فديتُكَ في دبرهِ نَهيكُ ... وكان فيما مضى ينيكُ
فلا تعجبْ لذاكَ منهُ ... فربّما باضتِ الديوكُ
وهو القائل:
ما للبغيضِ سِنانٍ ... وللظباءِ المِلاحِ
أليسَ زانٍ خصيّ ... عاد بغير سلاحِ
وهو القائل:
دنيا دنتْ من جاهلٍ ونأتْ ... عن كلِّ ذي أدبٍ لهُ حجرُ
سلَحتْ على أربابِها حتى إذا ... وصلتْ إليَّ أصابَها الحَصرُ
والمتنبي ينظر إليه في قوله:
أتى الزمانَ بنوهُ في شبيبتهِ ... فسرَّهمْ وأتيناهُ على الهرَمِ
الخَمْطة
هي الحامضة، يقال خمِطَ اللبن إذا أخذ شيئاً من الريح. قال الهذلي:
كُميتٌ كلونِ الصِّرفِ ليستْ بخَمطةٍ ... ولا خَلّةٍ يكوي الشُّروبَ شِهابُها
والخمط ضرب من الأراك يؤكل فيلذعُ اللسان، وخمطتُ اللحم خمطاً وهو خَميط، إذا شويته حتى يبس. والحِمطيط ما تكرر لام الفعل منه. قال المتلمس:
إني كأني أبو قابوسَ مُرفلَةً ... كأنّها سَلخُ أبكارِ المخاريطِ
كأنَّ ألوانَها والشمسُ ماتعةٌ ... عندَ الغزالةِ ألوانُ الحماطيطِ
المصطار
هو مُفْتَعل من صار، وخروج الشيء من حال. تقول: صار الطين خزفاً فكأنها صارت إلى حموضتها عن خمريتها، وانصار الشيء أي مال، قال العجاج:
وكفَلٍ ينصار لانصيارها ... على اليمينِ وعلى يسارِها
وصرتُ الشيءَ وأصرتُه أي عطفْتُه. قال الشاعر:
أُجشّمها مفاوزَهُنَّ حتى ... أصارَ سَديسَها مَسَدٌ مَريجُ
والأصوَر المائل العنق، كذا قال أبو الرمة:
على أنّني في كلِّ سيرٍ أسيرُهُ ... وفي نظري منْ نحوِ أرضِك أَصْوَرُ
وذكر الحسن البصري رحمه الله العلماء فقال: تنعطف عليهم بالعلم قلوب لا تصورُها الأرحام أي لا تميلها. وقال المحدث البندنيجي:
هي الجآذرُ إلاّ أنها حُورُ ... كأنها صُورٌ لكنَّها صُورُ
صُرتُ الشيء وصوّرته أي قطعته بضرب من التقدير، ومثله النبلة الحجر الذي ينتبله الرجل من الأرض للاستنجاء. وفي الحديث: " اتقوا الملاعن وأعدوّ النَّبَل ". وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: " فَصُرْهُنَّ إليك " أي اقطعهن، واحتج بقول الخنساء:
.............. ... لظلّتِ الشُّمُّ منها وهي تَنصارُ
وفي صفات الله عز وجل المُصوِّر، وهو مثل الخالق لأن الخلق تقدير الشيء للمقطع.
قال زهير:
ولأنتَ تفري ما قدرتَ وبع ... ضُ القومِ يخلقُ ثم لا يَفري
وقال ابن هرمة:
(1/106)

ولا يَئِطُّ بأيدي الخالقينَ ولا ... أيدي الخوالقِ إلاّ جيّدُ الأدمِ
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى في الأبيات:
وقد أزرى الخوالقُ بالفواري ... وقدْ وقعَ الغبوقُ على الصَّبوحِ
وأمّا مصطار فإن أصله مُصَتيَّر فقُلبت تاء مفتعل طاء، لأن التاء لينة المخرج، فلم توافق الصاد لشدة مخرجها، وأُبدلت طاءً فاتفقا، وكان أخف على اللسان، وأعذب في اللفظ، وللصاد أخوات يتغير بناء الأفعال عندها، وهن الدال والذال والطاء والزاي. وهن في الصلابة والإشباع كالصاد، ومثله مُصطَبر، وأصله مُصْتَبَر ومُطَّلَب مثله. فإذا خلا الحرف من هذه الحروف بقي على حاله مثل مستار، أصله مُستَيرٌ. قال أبو وجزة:
أشكو إلى الله العزيزِ الجبارْ ... ثمَّ إليكَ اليومَ بُعدَ المُستارْ
وحاجةَ الحيِّ وقطَّ الأسعارْ
واخترت الشيء فهو مُختار وأنا مختار، ويتبين الفاعل من المفعول بقرينة، قال الراجز:
بحسبِ مُجتلِّ الإماءِ الخُرَّمِ
هو مُجْتَلِلل، من اجتلَّ البعر أي لقطه، فأدغم إحدى اللامَين في الأخرى؛ وقال في المُصطار وتحوِّلها إلى الحموضة: عفص
سقَوْني من المُصطارِ كأساً نَسيمُها ... عصارةُ خَرنوبٍ ومشربُها عَفصُ
وتصغير المصطار مُصيِّر لأن الحرف خماسي بزيادتين، وهما الميم والطاء المنقلبة عن التاء، فاحتجتَ أن تحذف حرفاً لتخف فكانت التاء أولى بالحذف لأن الميم يدل على معنى، وما تكافأ الزيادتان فيه فأنت بالخيار في حذف أيهما شئت. يقال في تصغير حَبَنْطى وهو من خُرِط بطنُه، حُبَيْط وحُبَيْنط.
الإسفنط
أخبرني أبو الفتح عثمان بن جني إفْعَنْل من السفَط وهو الرائحة الطيبة، وقال: إن كان عربياً فهو من فوائت الكتاب مثل ما ذكره أبو إسحق الزجاج كدُرداقِس وهَنْدَلِع وشَمَنْصير، وإن كان أعجمياً فلا شيء على سيبويه.
في شعر القدماء قال الأعشى:
وكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإس ... فنطِ ممزوجةٌ بماءٍ زُلالِ
المُصَفَّق
يقال صفقتُ الشراب أي مزجته، وأصل الصفْق وقعُ الشيء على شيء، ومنه الصفقة ضرب اليد على اليد. وفي الحديث: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " ويقال أصفقتَ الغنمَ إذا لم تحلبها في اليوم والليلة إلا مرةً وهي الوجبة.
المَقَدِّي
هو ضرب من الأشربة بتشديد الدال والياء.
قال عمرو بن معد يكرب:
.............. ... وهمْ شَغلوهُ عن شُربِ المقدّي
وأصله من قَدِيَ الطعام يَقدى قَدىً وقَداوةً إذا كان طيب الريح، وقدرٌ قَديَّةٌ إذا كانت طيبة الريح، وأتانا قاديةٌ من الناس، وهم أول من يطرأ عليك. والقِنداوة الجريء الصدر، ويقال: بيني وبينه قِدى رمح وقيد رمح أي قدره.
قال الشاعر:
وإنّي إذا ما الموتُ لمْ يكُ دونَهُ ... قِدى الرمحِ أحمي الأنفَ أنْ أتأخرا
العرَق
هو الممزوج قليلاً مثل العِرق. يقال فيه عِرقٌ من الماء ليس يكثر؛ ومنه العَرَقة الطُّرّة تُنسج على جوانب الفسطاط؛ وجرى الفرس عرَقاً أو عرَقتين أي طلقاً؛ والعرَقة الخشبة تُعرض على الحائط بين اللَّبِن. ولهذا وجه آخر من الاشتقاق وهو العراق، وهو جلد يُجعل أسفل القربة متثنياً ثم يُخرز، كأن المزاج باشر أعلاها قليلاً. وسميت العراق لانخفاضها عن أرض نجد قليلاً؛ وقالوا من كثرة عروق الشجر فيها، قال الهذلي:
نغدو ونتركُ في المزاحفِ منْ ثَوى ... ونُمرُّ في العَرَقاتِ منْ لم يُقتَلِ
أي نأسرهم بالحبال. وقال الطائي:
وندمانٍ يزيدُ الكأسَ طيباً ... سقيتُ وقدْ تغوّرتِ النجومُ
رفعتُ برأسِهِ وكشفتُ عنهُ ... بمُعرَقةٍ مَلامةَ منْ يلومُ
الجِرْيال
قال الأصمعي الحمرة. قال الأعشى:
إذا جُرّدتْ يوماً حسِبتُ خميصةً ... عليها وجريالَ النضيرِ الدُّلامِصا
وهي فِعيال من الجرَل. يقال أرضٌ جَرِلة فيها حجارة غليظة. والجراوِل الحجارة واحدتها جَرْوَلة. قال جرير:
مِن كل مُشْتَرِفٍ وإنْ بَعُدَ المدى ... ضَرِمِ الرقاقِ مُنافِرِ الأجرالِ
ومثاله من العربية الكِرياس وهو الكنيف من أعلى السطح، والشِّرياف ورق الزرع إذا طال وكثر حتى يُخاف فساده. والدِّرياق لغة في التِّرياق وأمّ سِرياح من أسماء النساء.
قال الشاعر:
(1/107)

إذا أمُّ سِرْياحٍ غدَتْ في ظعائنٍ ... جوالسَ نجداً فاضَتِ العينُ تدمَعُ
وقال بعض العلماء في قول الأعشى:
وسبيئةٍ مما تُعتّقُ بابلٌ ... كدمِ الغزالِ سلبتُها جِريالَها
أي شربتُها حمراء وبُلتها صفراء بيضاء. وإنما الشعراء الذي ذكروا منازعة الشرب حُمرة الخمر عبروا عن مواقعها في العين والوجه. قال أبو ذؤيب، وقيل لأبي نواس:
ترى شَربها حُمرَ الحِداقِ كأنّهم ... أُسارى إذا ما سارَ فيهمْ سُوارُها
وقال أبو نواس وقيل لأبي ذؤيب:
ترى وجوهَهم حمراً إذا شرِبوا ... العينُ تلمعُ كالبيضِ المَصاليتِ
وقال مسلم بن الوليد:
خلَطْنا دماً منْ كرمةٍ بدمائِنا ... فأظهرَ في الألوانِ منّا الدمَ الدمُ
وقال ابن الرومي وقيل لعبد الصمد:
يُنازعُها الخدُّ جِريالَها ... فتُهديهِ للعينِ يومَ الخُمارِ
عبد الصمد بن المعذل:
بدا فكأنّهُ قمرٌ ... على أزرارِهِ طَلَعا
وقد خلعتْ عليه الخمرُ من أثوابِها خِلَعا
وقال أبو نواس:
كأسٌ إذا انحدرَتْ في حلْقِ شاربِها ... رأيتَ حُمرتَها في العينِ والخدِّ
وقال الحسن بن وهب:
وردةُ اللونِ في خدودِ النَّدامى ... وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوسِ
وقال ابن الرومي:
هي الورسُ في بيضِ الكؤوسِ وإنْ بدَتْ ... لعينَيْكَ في بيضِ الوجوهِ فَعندَمُ
السُّخامية
قال أبو عمرو: السخامية هي اللينة في الحلْق، السهلة المساغ. يقال: ريش سُخام أي لين. قال جندل:
كأنّهُ بالصحصانِ الأنجلِ ... قُطنٌ سُخامٌ بأيادي غُزَّلِ
ويقال شعر سُخام أي لين، ويقال أسود مأخوذ من السُّخام وهو الفحم يقال: سَخَّم الله وجه أي سوّده. وقول جندل قطن سُخام بأيادي غُزل يريد ها هنا اللين. وأياد جمع يد لم أسمع إلا في هذا البيت، وبيت آخر لعدي بن زيد:
ساءَها ما تأمَّلَتْ في أيادينا ... .......
وقال عوف:
كأنّي اصطحبتُ سُخاميّةً ... تفسّأ بالمرءِ صِرفاً عُقارا
ومثل السخامية في العربية اللُّباخية للمرأة، والخُدارية للعُقاب، والصُّفارية طير، والجُمالية للناقة.
الخُرطوم
قال الأصمعي الخرطوم أول ما يسيل منها كالخرطوم في إسالتِه واسترساله. وقال الخليل في السَبَطانة إنها على فَعَلانة لاسترسالها وسبوطتها من الشَّعر.
وقال ذو الرمة:
كأنه في الضحى ترمي الصعيدَ بهِ ... دبّابةٌ في عظامِ الرأسِ خُرطومُ
وسمعت بعض أهل العلم يقول في قوله عز وجل: " سنَسِمُهُ على الخُرطوم " سنعاقبه على شرب الخمر، وأما في كتب التفسير فإنه يسمه على الأنف، وخصّه بذلك لأنه معظم جمال الوجه، فالنكال به أشنع، وعليه أظهر وأشهر. ومن كلام العرب: نضّر الله وجهه، وهذا ما كسبت يداك. وقول ذي الرمة في الخرطوم من صواب التشبيهات:
كأنَّ أنوفَ الطيرِ في عَرَصاتِها ... خراطيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتَعجُمُ
الكُمَيْت والكُمتَة
قال أبو عمرو الشيباني: سميت كميتاً للونها. والكُمتة بين السواد والشقرة. يقال فرس كميت للذكر والأنثى، والتصغير الذي في كميت تصغير تقريب لأن عرفه وذنَبَه أسودان فقرب بينهما كقول أوس:
دانٍ مُسفُّ فُويقَ الأرضِ هَيدبُهُ ... يكادُ يدفعُهُ مَنْ قامَ بالراحِ
أراد تقريب المسافة. ومثله قول الشاعر:
صفحتُ بنظرةٍ فرأيتُ منها ... تُحيتُ الخِدرِ واضعةَ القِرامِ
وقال الشاعر في ذكر الكميت:
وكمْ منْ مُوعِدٍ لي ليسَ يدري ... ألونُ الوردِ جلدي أمْ كُميتُ
أي يتهددني من بعيد، ولا يتجرأ على الدنو مني فيتأمل حقيقة لوني. قال النابغة:
وما حاولتُما بقيادِ خيلٍ ... يُصانُ الوردُ منها والكُميتُ
وقال أعرابي:
أُرجِّلُ جُمّتي وأجرُّ ثوبي ... وتحملُ شِيّتي أفقٌ كُميتُ
أُمشّي في سراةِ بني عُطيفِ ... إذا ما رابَني أمرٌ أبيتُ
الصهباء
(1/108)

قال الأصمعي تكون من عنب أبيض، فلا تكون قانية الحمرة إنما يشوبها بياض؛ وصهباء صفة في الأصل لا تنصرف في معرفة ولا نكرة لأنها بُنيت على حرف التأنيث، وصارت العلة تقوم مقام علتين فزالت عن حد التمكُّن؛ وحد التمكن الذي يستحق به الاسمُ الصرفَ أن يدل على ما تحته من النوع ثم خروجه عن هذه الشريطة على أنحاء شتى، منه التعريف والعجمة والصفة والعدل والجمع الذي لا مثال له في الواحد، وأن تجعل الاسمين اسماً واحداً، والتأنيث لغير فرق، وزيادة الألف والنون في آخره. فمتى كان في الاسم منها اثنان، أو تكرر واحد فيه مُنع الصرف. والصُّهبة في الشعر حُمرة يخالطها بياض، ورجل أصهب، ورجال صُهْب. فإن جعلت الصهباء اسماً لمسمى جمعتَه على صَهباوات، وفي المذكّر أُصاهب كحدراء وحدراوات، وأحمد وأحامد. وقالت العرب في صفات على هذه البنية ما قلنا. وذهبت بها مذاهب الأسماء لا الصفات. قالوا في أدهم وهو القيد أداهم، وفي أبطح أباطح كأنهم لما دلت على ذات الشيء أجروها مُجرى الأسماء. قال الشاعر:
أوعدَني بالسجنِ والأداهم ... رِجلي ورِجلي شَثنَةُ المَناسِمِ
وقالوا في أبرق أبارق، وهو صفة، وأنشد الأصمعي لابن الطثرية:
قِفا نَثنِ أعناقَ الهوى بمُرنَّةٍ ... جنوبٍ تُداوي غِلَّ شوقٍ مُماطلِ
بمنحدرٍ منْ فرعِ برقاءَ حّطَّهُ ... مخافةُ بينٍ من خليطٍ مُزايلِ
وقال الأعشى:
وصهباءَ طافَ يهوديُّها ... وصلى على دنّها وارتسمْ
صلى دعا، وقد انتقل بالشرع إلى هذه الأفعال المخصوصة، وانتقال الكلام من ثلاثة أوجه مثلما انتقل من وضع إلى وضع كقولهم وَذْرٌ ووَدْعٌ استغنوا عنه بترك.
وأنشد الجاحظ في كتاب الحيوان:
ومُركِضةٍ صريحيٍّ أبوها ... يهانُ بها الغلامةُ والغُلامُ
وحُكي أن يونس بن حبيب قال: هذا من الكلام المتروك، استُغني بالغلامة عن الجارية، ومنه ما انتقل من وضَعٍ إلى شرع كالصلاة والزكاة والحج. ومنه ما انتقل من وضع إلى عُرف كالدابّة تقع على كل ما يدب على ظهر الأرض، ثم انتقل بالعُرف إلى هذه البهيمة المركوبة حتى لا يعقل بمجرد اللفظ غيرها.
السَّلسل
قال الأصمعي هي السهلة في الحلق. يقال ماء سلسل أي سهل الممر في اللهوات. قال أوس بن حجر:
وأَشرَنيهِ الهالكيُّ كأنّهُ ... غديرٌ جرتْ في مَننهِ الريحُ سلسلٌ
والسلسل الماء جرى في صبب، وتسلسل الماء في الحلق. وكان أصل سلسل في التقدير سلَّل فأبدل من إحدى اللامات سيناً فرقاً بين فَعلل وفَعَّل، وإنما أُبدل سيناً دون سائر الحروف لأنه ليس فيه إلا سين ولام مضعّفة فجعلوا السين سينَيْن فاعتدل الحرف بسين مرتين، وهذا الحكم في الأسماء والأفعال واحد. وكذلك تململ أصله تمَلَّل فجعلوا بين اللامَيْن ميماً تعديلاً وتخفيفاً، وفي الأسماء كَبكبٌ وسَبسبٌ وعَرعر وهو كثير، وفَدفد. قال الأصمعي: السُّلاسل الماء السهل في الحلق. قال أبو عبيد: السَّلاسل رمل ينعقد بعضه على بعض، وبه سُميت السِّلسلة وقال أبو عبادة:
سَقاني القهوةَ السَّلسلْ ... شبيهُ الرَّشأ الأكحَلْ
مَزجْتُ الراحَ منْ فيهِ ... بمثلِ الراحِ أوْ أفضَلْ
عذيري مِن تثنّيهِ ... إذا أدبرَ أوْ أقبَلْ
ومِنْ وَردٍ بخدّيْهِ ... إذا جَمّشتُهُ يخجَلْ
السَّلسال
هي في معنى السلسل، ولكنهم أشبعوا فتحة السين فجعلوها ألفاً، وهو فَعْلاء؛ لمثل ذلك قالوا الكلكل ثم أشبعوا فتحة الكاف فجعلوها ألفاً، فقالوا: كَلكال. أنشد سيبويه:
......... ... أقول إذا خرَّتْ على الكَلْكالِ
وكذلك قول عنترة:
ينباعُ منْ ذي غضوبٍ جَسرةٍ ... زيّافةٍ مثلِ الفنيقِ المُكْدَمِ
وأراد ينبع فأشبع فتحة الباء فجعلها ألفاً. وقال بعضهم: هو من انباع كقول الآخر:
يجمعُ حِلماً وأناةً معاً ... ثُمتَ ينباعُ انبياعَ الشجاعِ
سمعت أبا علي الفارسي بحلب يقول في بيت ابن هَرْمة:
وكنتَ من المعائبِ حين تُرمى ... ومن ذمِّ الرجالِ بمُنتزاحِ
أراد بمنتزح فأشبع الفتحة فجعلها ألفاً. ويُشبعون الضمة فيجعلونها واواً وأنشد:
وإنني حيثما يَثني الهوى بَصري ... من حَوْثما سلكوا أدنو فأنظورُ
ويُشبعون الكسرة فيجعلونها ياء، وأنشد:
(1/109)

لمّا نزلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخبيةٍ ... وفارَ للقومِ باللحمِ المراجيلُ
السُّلافة
قال الأصمعي هي فُعالة، والعرب تضعها على ما يفضُل من الشيء ويؤخذ منه، كالمُجاجة لما يُمَجّ، والنُّقاوة لما يُنتقى، والسُّلافة لما يُسلف ويُقدّم من الخمر أولاً سيلاناً، كما أن الفِعالة نضعها لما يشتمل على الشيء كالعِمامة لاشتمالها على الرأس، والغِشاوة لإحاطتها بالعين، والولاية، وهو كثير. والسُّلْفة أول ما يصل إلى الفم من الطعام، والسَّلَف ما تقدّم من ثمن المبتاع، وناقةٌ سَلوف تكون أول الإبل، والسُّلاف مقدمة الجيش، وأنشد الأصمعي:
يُعقِّدُ سِحرَ البابلينَ طرفُها ... مِراراً ويسقينا سُلافاً منَ الخمرِ
كما نشأتْ في الصيفِ مُزنةُ صيِّفٍ ... فضمَّنَتِ الأكوارَ باقيةَ النشْرِ
يعقّد من عُقد السحر. قال حبيب:
.......... ... والنافثاتُ في عُقَدِهْ
النفْث التفل في عقد السحر. قال أبو نواس:
أطوفُ بدارِكْم في كلِّ يومٍ ... كأنَّ بدارِكم خُلقَ الطَّوافُ
ولولا حبُّكمْ للَزِمْتُ بيتي ... ففي بيتي لي الراحُ السُّلافُ
الزَّرَجون
قال أبو عبيد: الزرجون الخمر، وقالوا شجرتها، وقيل هو فارسي معرب وهو زَرْكون أي لون الذهب، ومثاله فَعَلول وبَرَهوت وادٍ فيه أرواح الكفار، وقَرَبوس السرج، والحَلَزون دابة في الرمث، والعَرَبون الزَّرَبون. وأما عَسَطوس الذي ذكره الخليل في شواذ الأبنية كطوبالة فليس من قبيل ما ذكرناه. وقال المأمون:
ذهبٌ في ذهبٍ يس ... عى بها غصنُ لُجينِ
فأتتْ قرّةَ عينٍ ... في يَدْ قرّةِ عينِ
قمرٌ يحملُ شمساً ... مرحباً بالزاهرَيْنِ
مرحباً بالراحِ والر ... يحانِ والرائحتين
العانِيَّة
منسوبة إلى عانات. قال أبو نواس:
........... ... من خمرِ قُطْرَبُّلٍ أو خمرِ عاناتِ
والنسبة إلى كل جمعٍ أن يُرد إلى واحده، ثم ينسب. تقول في الفرائض فَرضيّ، وفي البنات بَنَوي، وفي الصبيان صَبَوي، وإلى عانات عانيِّ، وإلى أذرِعات أذْرَعيّ، وكذلك النسبة إلى كل جمع في آخره ألف وتاء، أو واو ونون بحذف آخره. تقول في النسبة إلى مسلمين مُسلميٍّ، وأنشد أبو العباس:
إنكِ لو صاحبْتِ في المطيِّ ... لكانَ أدنى عيشِكِ الرّخيِّ
أنْ تدلكي الوجهَ بأذرَعيِّ
يخاطب امرأته يقول: لو كنت على المطي لكان أرخى عيش لك أن تنعسي نعاساً، وتستيقظي منه على رحلك الأذرعي فتدلكي به وجهك. وكذلك إلى نسبت إلى المثنى، تقول في مُسلمَيْن مُسلميٌّ، وكذلك إن جعلت الجمع والمثنى اسماً لواحداً؛ لو سميت الرجل بقولك الزيدون فقلت هذا زيديٌّ، وفي رامتين راميّ، وفي فلسطين ويبرين فِلسطيّ ويبريّ. وعلى هذا مذهب من يقول فلسطون ويبرون، فإنما أسقطوا أواخرها لأنها زيادة وقعت بمعنى فاستُغني عنها في النسب. ومع هذا لو أثبتّ لكان في الاسم رفعان ونصبان إذا قلت قلسطونيّ ويبرونيّ، وكذلك في النصب والخفض، وكما حذفوا هاء التأنيث استغناءً عنها في النسب فقالوا كوفيّ وبصريّ، وقالوا في حذف هذه الهاء إنها تجيء للتوحيد، تقول تمرة وتمر، وياء النسب تجيء للتوحيد فحذفت الهاء لئلا يجتمع حرفا معنىً بمعنىً. تقول: العربُ والعَرَك، فإذا وحّدته تقول عربيّ وعَرَكيّ، وشددوا ياء النسب فرقاً بينها وبين ياء الإضافة، وكان التخفيف أولى بها لأن التخفيف على حرف واحد، فلو شددوها لكان خلافاً. والعاني الأسير، فكأن الخمر عُنّيت أي حُبست. قال الهذلي:
............. ... وعَنَّتْها الزقاقُ وقارُها
وقال أبو نواس:
وبينا تراها في الندامى أسيرةً ... إذا قد سرَتْ فيهم فصاروا لها أسرى
وبيت أبي تمام مثله، وهو من ذوات المعاني:
وضعيفةٍ فإذا أصابتْ فرصةً ... قُتلتْ، كذلك قُدرةُ الضعفاءِ
والعَنِيّة أخلاط تُنقع في أبوال الإبل، وتُترك حيناً يُطلى بها الإبل من الجرب. قال أوس:
كأنَّ كُحَيْلاً مُعْقَداً أو عَنِيّةً ... على رَجْعِ ذِكراها من الليتِ واكِفُ
(1/110)

وقال الشعبي: " لأن أتعنّى بعَنِيّةٍ أحب إلي من أن أقول في مسألة برأي " ويقال للرجل إذا كان جيد الرأي: عَنِيَّتُهُ تشفي الجرب، والمُعَنّى الفحل المحبوس في العُنّة.
قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
قطعتَ الدهرَ كالسَّدِم المُعنّى ... تهدَّرُ في دمشقَ فما تَريمُ
ويقال لم تَعْنِ بلادُنا شيئاً، أي لم تنبت، وعنتِ الأرض أنبتت.
الماذِيَة
قال بعضهم هي السهلة في الحلق. ودرع مادية أي ليّنة سهلة، وهذا قول الأصمعي في كتاب السلاح. وهم يصفون الدروع باللين في السرد، وسهولة الحجم لتضأل في طيّها وتخف في حجمها.
قال امرؤ القيس:
تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الأتيِّ على الجَدجدِ
وقال أبو عمرو الشيباني: الدرع الماذيّة البيضاء، ومنها قالوا: عسلٌ ماذِي أبيضُ بكثرة الرونق وشدة البريق واللألاء والصفاء. قال أعرابي:
مُدَّرِعاً لأمةً مُضاعفةً ... كالنهيِ وفّي سِرارَهُ الرَّهَمُ
والنهي إذا امتلأ وتحيّر الماء ضربته الريحُ فجابت أقذاءه وصفّت أرجاءه. قال:
وسابغةٍ من جيادِ الدرو ... عِ تسمعُ للسيفِ فيها صَليلا
كمتنِ الغديرِ زهَتْهُ الدَّبورُ ... يجرُّ المدجّجُ منها فُضولا
وأنشد أبو تمام في القبائل للعرب:
علينا دِلاصٌ من تراثٍ محرّقٍ ... كلونِ السماءِ تحاكي نُجوما
شبّه حمالة الدرع بلون السماء، ومساميرها التي تشد الحلقَ بالنجوم وهي القتير فتكون كقول الهجيمي أنشده الأصمعي:
وعليَّ سابغةٌ كأنَّ قتيرَها ... حَدَقُ الأساودِ لونُها كالمِجولِ
ومنه المذيّ وهو ما يخرج من ماء الصُّلب لسهولة مخرجه أو بياضه. يقال مَذى. ومن أمثالهم: كلّ ذكَرٍ يمذي وكل أنثى تَقْذي. كما أن الوَدْي من وَدى أي سال، ومنه الوادي، وإذا أُخذت الماذية من لون بياض الدرع كالصهباء، وإذا أخذت من السهولة كانت كقول القائل:
فتجري ما تُحِسَّ لها حَسيساً ... إذا مرَّتْ بمُزْدَرِد البُصاقِ
وتشديد الماذيّة والسخاميّة كالخُرْثيّ والبُجْريّ للداهية، والعُبْريّ لما نبت على شط النهر من السّدر؛ والجُلذيّ: الشديد من الإبل.
الشَّموس
قال الشموس فَعال من شِماس الدابة ونَفارها، لأنها تشمس بشاربها، وتحدث فيه الطيش والزهو والخفة والنزق. قال بشار:
هاتِها كالشُّواظِ تجمحُ في الرأ ... سِ جِماحَ الحصانِ حدَّ الشَّموسِ
ويجوز أن تكون سُميت شموساً لشماسها من مزاج الماء. قال أبو نواس:
وكأنَّ فيها من جنادبِها ... فرَساً إذا سكّنتَهُ رَمَحا
وقال أيضاً:
بينَ المُدامِ وبينَ الماءِ شَحناءُ ... تنقدُّ غيظاً إذا ما مسّها الماءُ
ومنه الشمس لأن الأبصار تشمس عنها. وقال الأصمعي:
ومَولىً كأنَّ الشمسَ بيني وبينهُ ... إذا ما التقَيْنا لستُ ممنْ أعاتبُهْ
وهذا من الشعر الذي جاد لفظه ومعناه. وقال عنترة:
إذا أبصرتِني أعرضتِ عنّي ... كأنَّ الشمسَ من قِبلي تَدورُ
ومنه أخذ المتنبي وفيه سوء عبارة:
كأنَّ شُعاعَ عينِ الشمسِ فيهِ ... ففي أبصارِنا عنه انكسارُ
وقال الحِمّانيّ فبالغ وجعلَ العيون رُمْداً لشدة صدودها:
كما صُدّتْ عن الشمسِ ... سراعاً أعينُ الرُّمدِ
وأَشمسْنا دخلنا في الشمس، وشمَسَ يومُنا إذا كان ذا شمس.
وفي صفة الشَّموس قال لقيط:
جرَّتْ لِما بيننا حبلَ الشموسِ فلا ... يأساً مُبيناً ترى منها ولا طَمعا
وقال مزرّد وهو من أبيات المعاني:
ظلِلْنا نُصادي أُمَّنا عن حَمِيتِها ... كأهلِ الشَّموسِ كلُّهم يتودَّدُ
فجاءتْ بها صفراءَ ذاتَ أسرّةٍ ... تكادُ عليها ربّةُ النَّحْيِ تكمدُ
يريد شمسة طلبها.
وقال النابغة:
شُمسٌ موانعُ كل ليلةِ حُرّةٍ ... يُخلفْن ظنَّ الفاحشِ المغيارِ
تقول العرب للمملّك بامرأته ليلة إهدائها إليه: ليلةٌ شيباء أم ليلة حرّة. فليلة شيباء التي يغلب فيها الزوج المرأة فيطؤها، وليلة حرّة التي تمتنع فيها على الزوج.
وأنشد:
بثُّ في دِرعها وباتَ ضَجيعي ... في بصيرٍ وليلةٍ شيباءِ
البصير الطريقة من الدم، يعني أنه افتضها. وقال الآخر:
(1/111)

وكنتُ كليلةِ الشيباءِ همَّتْ ... بمنعِ الشَّكرِ أتأمها القبيلُ
وفي ذكر الشمس قول الراجز من بديع الشعر:
وقدْ تعاللتُ ذميلَ العنسِ ... بالسَّوطِ في دَيمومةٍ كالتُّرسِ
إذْ عرّجَ الليلُ بروجَ الشمسِ
وقال الآخر:
إنْ سر ... عدد ملمّسا ... لو بطحوا الشمسَ لكانتْ أشمُسا
أو حبسوها احتبسَتْ عن المسا
والشمس شيء من حلي العرب. قال ابن ميّادة:
وجيدٍ حُلِيُّ الشَّذرِ منهُنَّ شامِسُ
وقال ابن مناذر:
جاءتْ ترفّل في ثيا ... بِ اسكندرانيةٍ حسانِ
شمسٌ على وجهها شُموسٌ ... تزفُّها أشمسٌ ثمانِ
وليس على قول الصنوبري مزيد على حسنه وإحسانه:
ويومٍ يكللهُ بالشموسِ ... صفاءُ الهوى في صفاءِ الهواءِ
بشمسِ الجنانِ وشمسِ الدنانِ ... وشمسِ القِيانِ وشمسِ السماءِ
الفَيْهَج: قال: الفيهج اسم موضوع غير مشتق، ومثاله حرف واحد يشبهه وهو سَيْهج للريح الشديدة، وهما حرفان، واختلف أولهما؛ بالعكس منهما في اختلاف آخره تَنوّم وتنوّر، وليس لهما ثالث.
قال:
ألا سَقّياني فَيهجاً جَدَريّةً ... بماءِ سحابٍ يسبقُ الحقُّ باطلي
الفيهج الياء والهاء من حروف الزوائد، فإن جعلت الهاءَ أَولى بالزيادة فهو من أفاج الرجل إفاجة إذا أسرع، ومنه الفيج كأنها سُميت بذلك لإسراعها في عقول الشاربين.
قال الشاعر:
الفيجُ علقمةُ الكبريُّ خبّرَنا ... أنَّ الربيعَ أبا مروان قد حضرا
فقلتُ للنفسِ هاتا مُنيةً قدرَتْ ... وقدْ توافقُ بعضُ المنيةِ القدَرا
وتفاجَّت الناقة إذا فجَحت رجليها لتبول. وقيل لأعرابي: تعرف لقاح الناقة؟ قال: أرى العين هاجّاً، والسَّنام راجّاً، وأراها تَفاجَّ كأنها تبول.
الغَرَب
قال: الغرب اشتقاقها من شيئين، من الغَرْب وهو الحدّ، يقال سيفٌ دقيق الغرْب أي الحد، والغُراب أيضاً، وفي وصف بعضهم هو أحدُّ غرْباً، وأغربُ سَكباً، كأنها لحدّتها وسَورتها سميت بذلك. والثاني سميت غرباً لغُربتها وغروبها في الخوابي. وأكثر ما تضع العرب الغين والراء والباء على تواري الشيء وغيبته وبعده واستخفائه، ومنه غربت الشمس أي غابت، الغُراب لغُربته عن الناس والعمران، وهم يسمون الذئب والغراب أصرمين لانصرامهما عن الناس، والغرَب الفضة لغيبتها في المعدن. وعلى هذا يكون اسم الخمر فعَلاً بمعنى مفعول أي مُغَربة في الأوعية والخوابي، كالطَّرَح بمعنى المطروح، والقبَض للمال المقبوض، والنفَض للورق المنفوض، كما أن المفعول يقع بمعنى فعَلٍ كقولهم ماله مجلودٌ أي جَلَدْ.
قال جرير:
.............. ... بلغَ العزاءَ وأدركَ المجلودا
ومما يقوي هذا الاشتقاق أن الطاء واللام والعين ضدّه، تصفه العرب بالظهور والبروز وخروج الشيء من حجابه. تقول طلعت الشمس خرجت من حجابها، والطلع طلع النخل لظهوره، ورجل طُلَعة قُبَعة، ومنه طليعة الجيش أول ما يظهر، وطلْعة الإنسان. وطُويلع اسم ماء لطلوعه وظهوره قليلاً قليلاً. قال لبيد:
............كما ... دَعدعَ ساقي الأعاجمِ الغَرَبا
وقال الأعشى:
إذا انكبَّ أزهرُ بينَ السُّقاةِ ... ترامَوْا بهِ غَرَباً أو نُضارا
وتقول العرب هل من مُغرَّبةِ خبَرٍ؟ أي خبر جاء من مكان بعيد.
الحُمَيّا
قال هم تارةً يجعلون الحميّا الخمر كما قال الهجيمي:
ألا رُبَّ ندمانٍ كرامٍ تركتُهم ... بكأسِ الحُمَيَّا بعدَ إغرابِهم عنّا
وتارةً يجعلونها سَورة الخمر، فيقولون سارت فيهم حميّا الكأس، وسميت بذلك لمنعها جانبَها وشدتها. وأصل الكلمة حمي ثم بنوها مصغرة بناء حُبَيْلى حُميّا فأدغموا إحدى الياءين في الأخرى فصارت حميا على وزن ثُريّا، وتكبيرها ثَرْوى وهي المرأة الكثيرة الولد. وسمي الرجل ثروان، والمال الثريّ: الكثير، والثريان المطر وندى الأرض. وقال جرير:
(1/112)

" إني لأدع الرجَز مخافة أن يستفرعني، وإني لأراه كآثار الخيل في اليوم الثري " والحُميا وردت مصغرة كاللجين والكُعيت وتصغيرها تصغير تعظيم لشدتها، وعقرها للشاربين، وسطوها بعقولهم، واشتقاقها يوجب ذلك لأن الحِمى المكان الممنوع، وحَميتُ المريضَ منعته شهوته، ولهذا قالوا حِمىً ومَحْمِيَة، وهو أحمى أنفاً من النمر، وإذا وصف الشاعر الممدوحَ بالشمم فإنه يريد به سيداً ذا أنفة، أخبرني به أبو سعيد السيرافي قراءةً عليه في كتاب الجمهرة عن أبي بكر بن دريد. قال السهمي:
في كفِّهِ خيزرانٌ ريحُه عَبِقٌ ... منْ كفِّ أروعَ في عِرنينه شَمَمُ
وقال المحدث:
أشمُّ طويلُ الساعدَيْنِ كأنّما ... يناطُ نِجادا سيفِهِ بلواءِ
وتقول العرب فلانٌ حامي الحِمى أي مانع لحوزته، والحامي عندهم هو الفحل الذي حمى ظهره من الركوب، فكانوا إذا بلغت إبل أحدهم عدداً ما فقأ لها عين الفحل يريد طرد العين عنها، والغارات والسُّواف. قال:
فقأتُ لها عينَ الفحلِ تَعيُّفاً ... وفيهنَّ رعلاءُ المسامعِ والحادي
أم زنْبَق: قال: العرب توجه الأمومة والأبوة والبنوة لغير المواليد، فيقولون: أم العيال لرئيس القوم، وأم الطريق لمعظمه.
قال كثير:
.............. ... تَخصُّ بهِ أمُّ الطريقِ عيالَها
وأم القرى مكة، قالوا في تفسير قوله تعالى: " النبيُّ الأمّيّ " إنه من أم القرى مكة، والثاني إنه كما ولدته أمه لا يخط ولا يقرأ، وهذا دلالة على بهور معجزته وظهور آيتها، وسلامتها من نوازع الشُّبَه، وخوالج الشكوك وخوالج الظنون، لأن العلم الذي تحدى به العربَ القرآنُ وهو من جنس كلامهم، ونمط خطابهم، ونحت أوضاعهم، ومؤتلف من حروفهم، وهم فرسان الكلام وأمراء النظام، عليهم تهدلت فروعه، وفي خواطرهم تساقطت قطوفه، يرتجزون بالمتْح على الرَّشاء، ويُقصِّدون بالخد في الأرض، ويرتجلون المزدوج بلقط الحصى، ويقتضبون المسجوع بميل العصا، ويتكاثرون بهدل الشفاه، ورحابة الأشداق، وطول العذبات، وسلق الخصم بالألسنة الحداد، والسواعد الشداد، والمفاخرة بالسلاطة واللدد، والذلاقة في اللَّقَن، والمجاراة فيه إلى أبعد أشواطه، وأقصى أطلاقه، جراء المذكِّيات الغِلاب، وأبى سبحانه عليه، صلى الله عليه وسلم، الكتابةَ والخط بالقلم إبراءً لإعلامه، وتنزيهاً لمعجزاته، واستصرافاً للآذان النافرة، واستمالةً للصدور الواغرة لأن صاحب الخط يقيِّد هواجس فكره، وخواطر خلَده بمجاري قلمه، فيكون أقدر على التأليف والوضْع، وأقوى على التصنيف والجمع، وأقهر للعويص الممتنع، والأبيّ المُعتاص، وأمكن من تسخير الألفاظ للنظم، وتذليل الكلِم للرصْف من الأمّيّ الذي هو أعزل اليد من سلاح الكتابة، وعاطلُ البنان من حليّ الخطّ، وإنما يعرف أصداءَ الحروف دون صورها، ويتبين أجرامها سوى أمثلتها، فينشئ خاطرُه، ويخترع فكره الخطاب.
(1/113)

فإذا استمر نسقاً مطّرداً أو سَنناً منتظماً أوهى سلك ما نظم، وحلّ عقد ما ألّف، وعاد في هدم بنائه، وثلْم تأسيسه وأجزائه، فأرسل مرْعيّهُ هملاً، وحلّ معقوده بدداً، فيكون ساقياً مظمئاً ومورداً مُخْمِساً لكثرة شواغله، وزحمة أعدائه التي تفرّق بالَه، وتوزع ذهنه، وتقسم لبّه، من تثمير مال، أو در فتح معيشة، أو دفع مضرة، أو حيازة منفعة، أو كدح على عيال، أو مباراة حاسد، أو مكاثرة عدو، أو منافسة في مكرمة أو منقبة، أو اغتنام محمدة أو مثوبة، أو فرار من سبّ ومذمّة، أو جارٍ يحميه، أو طارق يضيفه، أو أسير يستنقذه، أو شاعر ينتجعه. فإذا كانت الحال كما وصفنا، سليمةً لا تعاب، وخالصة لا تشاب، صار المعجز باهراً ظاهراً، ومالكاً للقلب قاهراً، وقادحاً في العقل العقيم، والطينة اليابسة، والفهم العاقر والحد الكليل، يزيد في اليقين روح الاستبانة، وبرد السكون والاستنامة، وثلج الصدور، وعزَّ المعرفة، وطمأنينة العلم، واستطالة الفهم، وعاد أوضح برهاناً، وأصدع بياناً من أن يترك للمُتعلل تعلّةً، وللمرتاب عُقلةً، وللشاك استرابةً، وهو صلى الله عليه وسلم يتحداهم به مثنىً ووحداناً، ويقرّعهم فُرادى وأشتاتاً، لا يألو جهداً في تسفيه أحلامهم، وتبكيت أصنامهم، يدعوهم إلى أن يأتوا بسورةٍ من مثله، وهم يسمعونه عذب المسموع، سهل الموضوع، باللفظ الجزل، ومُتشابه الرصف، ومُتلاحم أجزاء الأول والآخر واتفاق قرائن الأوسط الطرفين، ينظم أبهة الفخامة إلى رقة الحلاوة، ويجمع رصانة الجزالة، ومهابة الجلالة إلى بهجة الرشاقة، ومحبة القبول ومبادئ خارجةً عن معهود مبادئ القريض المُقَصّد والمسجوع المُرجَّز، والخُطب في الحمالات، وإصلاح ذات البين، والتشبيب بالحاجّات، ومقاطع مفارقة لمألوف مقاطيع الأقاصيع من الطوال في المجامع العظام، والمشاهد الكرام، يزيده مرور الأيام والليالي جدّةً وطراوة، ويكسبه كرور الشهور والأعوام رونقاً وطلاوةً، لا يمجّه السمع، ولا ينبو عنه القلب، ولا يُبليه كثرة الدرس والقراءة، ولا تُخلقه شدة التلاوة والإعادة على ما في الحديث المعاد، والكلام المكرر من الثقل الفادح على الآذان، والأذى المبرح المجحف بالنفوس؛ يقصّ أخبار الأمم السالفة، ويعبّر عن أنباء المِلل، وعقائد النِّحل، ويترجم عن الجلود المتمزقة، والرمم البالية، والمثُلات النازلة، والعبر المنتقمة بخفة حجمه، ويسير جُرمه، مكررةً مرةً بعد أخرى وكأنها لغرابتها مبتدأةً، مرددةً ثانيةً غِبَّ أولى وكأنها لطلاوتها متنكرة؛ فأقرّ جماهيرهم بالعجز خاضعين، وبخع صناديدهم بالاستسلام مذعنين، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر. فارقوا سعة السلم إلى ضنك الحرب، وخرجوا عن التدافع بالقول إلى التدافع بالراح، بل إلى التمانع بالزجاج، إلى التطاعن بأطراف الأسنة والرماح، وأثاروا كامن العداوة، وهيّجوا ساكن التِّرة، وقدحوا بزند القتال وهو صالد، وأذكوا نار الملحمة وهي خامدة، ودعوا بشعارها الهيجاء، وشنوا الغارة الشعواء، وأخلّوا برعي مسارحهم، ووِرد مناهلهم، وإلف داراتهم وخططهم، وخبط أكلائهم ومناجعهم، والاستدراء بأفياء الخيام، والاختباء بأفنية البيوت، والشرب في مجالس العشيّ، والتشاور في ساحة الأندية، واستئمار الأزلام الملمة على المسلمين، يومض البرق ولا يشام، ويصوب القَطر ولا ينتجع، ويكثف المرعى ولا أكولة، ويدعو الشعب ولا رائد، والحمى عورة، والفضاء بلا حجارة الخرصان، وأبواب القِباء خلاء، لا تسدّها قرون الخيل، وهم في فرٍّ لا يُشق غباره، وفي كرٍّ لا يُنادى وليده. يطلب الأخ عند أخيه الثأر المُنيم، ويَجرُم الابنُ إلى قتل أبيه، وفَرْي أوداجه، والولوغ في دمه. مسَّ الطيب وشرب الخمر، ومعاطاة النديم، ويفردُ لمّته، ويشد المآزر دون إتيان النساء، ويترك جمّته السوداء شعثاء، وغسولها المسك والماورد، وقد غسل أصولها بدهن البان والمصون. فهو لابس مع البُردَيْن ثوب المحارب، وغامس يده في عطر مَنْشِمٍ، ومشمر ذيل الراكب بعد أن كان أجوى في الحي رَفِلاً، ومُبسط المشية في اليوم الخِصر، وقد احتجز خدمة سيفه، وخفر فضول لأمته بنجاده، وتنكّب قوسه، واعتقل رمحه، واستجنّ حجفته، وفرط للحصان عنانه في انتهاك حرمة عشيره، وسبي داريَّ حريمه، وغزوه في عقر داره، ويضيعه بالخِسف والصغار، وانتساف الدار. قد اعتاض خُمسَ الإسلام
(1/114)

من مِرباع الجاهلية، واختار الصفايا لرسول رب العالمين دون السيد المعمم، وفضول المقاسم لبيت المال دون سواد المقاتلة، وسَرعان العدي، وفوض أمر الحكم وأمر النشيطة لواضع الشريعة ولبس وقارَ الإيمان ووضع طرفه الأشوس بعبادة الرحمن بعد أن كان غارزاً رأسه، مُصعِّراً خذَّه، يضع سيفه مكان سوطه، وسوطه مكان قوله. هذا والتربة والهواء واحد، وهم فوضى شركاء في النَّعم والأسنان، والأمزجة والبلدان، ومحاني البرق والزادات، والمطاعم والأغذية يحتبلون على الشرائع وينتصبون في القُتَر، ويضربون النيبَ على العراقيب، ويرومون الضبَّ في وَجاره بمرداته، ويأكلون الكُشى بالأكباد، ويدرجون بحيث ينتعل كل شيءٍ ظلَّه، ويستضيف الطائر الضبَّ في وَجاره، بادين نواشر عارينَ أشاجع، وتضمهم الجزيرة التي لا يشقّها بحر، ولا يجتابها نهر، يتحالفون يداً على من سواهم، ويتجاورون حرباً على من عاداهم، والعدد كأعظم ما عُهد توافراً، والحصا والجماجم كأكثر ما يكون تكاثراً. فلما جاء أمر الله وقع البأس بينهم، وتخاذلوا غِبَّ تناصرهم، وتآكلوا بعد تآزرهم، وظهر الحق وهم كارهون، " ويأبى الله إلاّ أنّ يتمَّ نورَه ولو كره الكافرون " فسبحان الجبار القهار الذي تفرد بالقوة القاهرة، والقدرة الغالبة، ووصل خلقه بوهن المعجزة، وضعف المقدرة، الفعال لما يشاء، لا رادَّ لأمره، الحَكّام لما يريد، ولا مُعقِّب لحكمه، جلّ ثناؤه وعزّ سلطانه.
ثم رجع الكلامُ إلى أمّ زنبق؛ وأم الجيش اللواء، وأبو مالك الجوع، قال:
أبو مالك يعتادُنا في الظهائرِ ... يجيءُ فيُلقي رحلَهُ عندَ جابرِ
وأبو يحيى الموت، وأبو البيضاء الحبشيّ، وأبو الجعد الذئب، وأنشد الخليل في كتاب العين: أخشى أبا الجعدِ وأمّ عمرو. والجعدة من أولاد المعز، وسمي الذئب أباه وهو يأكله على سبيل التهكّم، وأبو البيضاء سمّوا به الأسود ليتطيّروا به، وكذلك أبو يحيى وأبو دِثار الكِلّة.
قال الشاعر:
لَنعمَ البيتُ بيتُ أبي دِثارٍ ... إذا ما خافَ بعضُ القومِ بعضا
أي خاف بعضهم قرصَ البعوض. وأبو السريع العرفج لسرعة اشتعال النار فيها.
قال الراجز:
لا تعدلَنَّ بأبي السريعِ ... إذا غدَتْ نَكباءُ بالصقيعِ
وابنة السّرى الناقة، وابنة الدهر وبناتُه حوادثُه، وبنت المِعى البعر. قال الشاعر:
............... ... ومُصَّمغاتٍ من بناتِ مِعاها
وقال الشاعر:
أبنتُ البناتِ عن الأمهاتِ ... ببعضِ السيوفِ تُروّي الصَّدى
أي نحرت الناقة فشققت جوفها، ونثرت الأبعار عن الأمعاء، وقال ابن المعذَّل:
وبنتُ المنيةِ تنتابُني ... هُدوّاً وتطرقُني سُحرةً
وقال المتنبي:
أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنتٍ ... فكيفَ وصلتِ أنتِ من الزحامِ
(1/115)

وابنة الجبل الحية، ويقال لها صَمّي صمام، أي لا تجيب الراقي.
وقال امرؤ القيس:
بُدِّلتُ من وائلٍ وكِندةَ عَدْ ... وانَ وفهماً صَمّي ابنةَ الجبلِ
ويقال إن ابنة الجبل الصدى. أنتَ ابنةُ الجبل مهما يُقَلْ تَقُلْ، أي أنت كالصدى كل ما تسمعه تعيده.
وقال أبو عبيدة بنت الجبل الحصاة، ويقال صَمّتْ حصاةٌ بدمٍ، وذلك إذا اشتدت الحرب، كأنه كثر الدم حتى إذا وقعت حصاة فيه لم يسمع لها صوت.
قال الكميت:
وإيّاكمُ إياكُمُ ومُلمةٌ ... يقولُ لها الكانونُ صَمّي ابنةَ الجبلْ
وابن جلاءٍ البارز المكشَّف.
قال القُلاخ:
أنا القُلاخُ بنُ جُنابِ بنِ جلا ... أبو خَناثيرَ أقودُ الجملا
وأما العجّاج فإنه جعله ابنَ أجلى، قال:
بهِ ابنُ أجلى وافقَ الإصحارا
وابنُ السبيل المسافر، وابن قُمير الليلة القمراء، وابن الماء طائر.
قال ذو الرمة:
وردتُ اعتسافاً والثُّريا كأنَّها ... على قمةِ الرأسِ ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ
وأبناءُ سمير الليل والنهار، وابن النعامة خطُّ أسفل القدم.
قال عنترة:
فيكونُ مركبُكِ القَعُودَ ورَحلَهُ ... وابنُ النعامةِ يومَ ذلكَ مَركبي
أي أُؤسر وأُجنَب. وابن جمير الليلة المظلمة السوداء. قال:
وكأني في فحمةِ ابنِ جَميرٍ ... في نقابِ الأسامةِ السَّرداحِ
هذا لص، أي كأنّي في جرأتي على الليل واقتحاميه للتلصص والغارة في جلد أسد. وقال آخر:
نهارُهمُ ليلٌ بَهيمٌ وليلُهمْ ... وإنْ كانَ بدراً فحمةُ ابنِ جَميرِ
هم لصوص يكمنون النهار. وفي ذكر اللصوص هذا البيت ظريف:
نهقَ الحمارُ فقلتُ: أيمنُ طائرِ ... إنَّ الحمارَ من النجاحِ قريبُ
ومن أمثالهم في الابن: ابنُك ابنُ بُوحِكَ يشرب من صَبوحك. وفي البُوح قولان أحدهما أنه الفَرج، والثاني جمع باحة وهي ساحة الدار. ومثله ابنُك من دَميِّ عَقِبَيْك يُخاطب به الطير، أي ابنك من ولدتَه لا من تبنّيته.
وأما أم زنبق في أسماء الخمر فإن العرب تضع الأم تسميةً لمعظم الشيء الذي تأوي إليه أطرافه، كأنها لصفائها سُميت بذلك. وقال بعض الشعراء يصف عينَيْ جارح:
يُقلِّبُ عينينِ في رأسِهِ ... كأنَّهما قطرتا زَنبقِ
لصفائها وطرحها القذى. وزنبقُ النون زائدة، ومثاله فَنْعل. يقال زَبقَ شعرَه يزبق زبقاً إذا نتفه، وزبقتُ الرجلَ إذا حبسته، والزابوقة الحبس. وجندل مثله من الجدل، وهو استحصان الشيء واستحكامه في تداخل أجزائه. ومنه الجَدالة الأرض، والجدل في الكلام منه أيضاً، من الجَدالة وهي الأرض، لأن كل واحد من المتجادلين يجهد أن يجدل صاحبَه أي يصرعه.
الحانِيَّة
قال هي منسوبة إلى الحانة حيث تباع الخمر. قال أبو نواس:
يا رُبَّ صاحبِ حانةٍ نبَّهتُه ... فبعثتُهُ منْ نومةِ المُتزمّلِ
عرفتْ ثيابَ الطارقينَ كلابُهُ ... فيبِتْنَ عن سَنَنِ الطريقِ بمَعزِلِ
وقال:
إلى بيتِ حانٍ لا تُهرُّ كلابُهُ ... عليَّ ولا يُنكرْنَ طولَ ثيابي
وقال علقمة:
كأسٌ عتيقٌ منَ الأعنابِ عتّقَها ... لبعضِ أربابِها حانيّةٌ حومُ
وهو من الحين وهو الوقت يتحيّنها الناس لشربها وابتياعها. يقال تحيّنتُ غفلة الناس، أي طلبت وقت غَرْبِهم، وحنيتُ الشاةَ إذا جعلت لها حلبةً واحدةً في اليوم والليلة كالوجبة.
قال المخبّل:
إذا أُفِنَتْ أروى عيالَك أَفنُها ... وإنْ حنِيَتْ أروى على الوطْبِ حينُها
والحَين الأجل لأنه موقّت بوقت.
الدِّرْياق
قال: سميت الخمر درياقاً لأنها شفاء من داء الغم كما يُتداوى بالدرياق من اللدغ، قال ابن المعتز:
ولقدْ علمتُ بأنَّ شربَ ثلاثة ... ترياقُ همٍّ مُسرعٌ بنجاتي
وقال آخر:
فَعِلّلاني بها صهباءَ صافيةً ... إنَّ الشرابَ لهمِّ النفسِ دَفّاعُ
وقال آخر:
إذا دخلَتْ قلباً ترحَّلَ همُّهُ ... وطابَتْ لهُ دنياهُ واتسعَ الضنكُ
وقال أبو نواس:
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها ... لو مسَّها حجرٌ مستْهُ سَرّاءُ
وقال أبو سعدٍ المخزومي:
شفاءُ ما ليسَ لهُ شفاءُ ... عذراءُ تختالُ بها عذراءُ
المِزْر
(1/116)

قال: سميت مِزْراً لأنها تُتَمَزَّر، أي تُشرب قليلاً قليلاً، يقال تمَزَّرت الشراب أي توتحته قليلاً. وقال أبو العتاهية:
........... ... اشربِ الخمرَ ولا تُمزّرِ
وأنشد الأموي في ذكر الخمر:
تكونُ بعدَ الحسوِ والتمزُّرِ ... في فمهِ مثلَ عصيرِ السُّكرِ
السُّكْرُكَة
قال السكركة سينها زائدة، والكَرِك الأحمر، كأنها للونها سميت بذلك، ولست أعرف فيها شاهداً.
الصَّرْخَد
قال والصرخد اسم للخمر موضوع، وحروفها أصلية كلها. قال:
كأنَّ الكرى سقاهُم صَرخديةً ... عُقاراً تمشّتْ في الشوى والقَوائمِ
إذا منزلٌ منهُ تجاوزنَ طاسماً ... ترامينَ بالأيدي لآخرَ طاسمِ
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
رَكْبٌ تساقَوا على الأكوارِ بينهمُ ... كأسَ الكرى فانثنى المَسقيُّ والساقي
كأنَّ أعناقَهم والنومُ واضعُها ... على المناكبِ لمْ تُعدَل بأعناقِ
وقال الشاعر:
ولذٍّ كطعمِِ الصرخديِّ تركتُهُ ... بأرضِ العِدا منْ خشيةِ الحَدثانِ
ومُبدٍ لي الشحناءَ بيني وبينَهُ ... دعوتُ وقدْ طالَ السُّرى فدعاني
يريد في البيت الأول النوم وفي الثاني الكلب.
البِتْع
قال البتع نبيذ العسل، وهو شديد، يصهر شاربه باليسير ويعقُره. واشتقاقها من البَتع وهو شدة العنُق ويوصف بشدته وغلظه وغلبته الأسدُ، وبقوته يصهر ويفترس.
قال لبيد بن ربيعة العامري:
غُلبٌ تَشذّرُ بالذُّحولِ كأنَّها ... جِنُّ البَديِّ رواسياً أقدامُها
وقال جرير:
ومَقامةٍ غُلبِ الرقابِ كأنّهم ... جِنٌّ لدى بابِ الحصيرِ قيامُ
القِنْديد
قال القنديد مثاله فِعليل، وهو في الأصل فَعْل: قَنْد، وهو عُصارة قصب السكّر، ثم ألحقوا فَعلاً ببناء فعليل، وكسرت فاء فِعْلة لتقع في أبنية كلام العرب كالسِّحتيت والغِربيب والصِّنْتيت والصِّنديد، والخِنْذيذ والنِّحْرير والشِّمطيط، والقِرْطيط والصِّهْميم والعِرنين، والحِلْتيت، والعِبْديد لمن وحّد العباديد، وهم فعلاء. لذلك ألا ترى أن الرعدَ هو خفَقة السحاب وتضاغُط أجزائه، وتدافُع أجرامه، فبنوا من فَعلٍ فِعْليلاً للمتخوّف يرعد جبناً ومخافةً، قالوا: رِعْديد. قال لبيد:
ما إنْ أهابُ إذا السرادقُ عمَّه ... قَرعُ القِسِيِّ وأرعشَ الرِّعديدُ
وقال الأعشى:
ببابلَ لم تُعصرْ فصارتْ سُلافةً ... تُخالطُ قِنديداً ومِسكاً مُختَّما
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني أن حَزيران إذا أدخلته في أبنية العرب زدتَ في أوله همزة لأنه ليس في كلام بناء حَزيران فقلت احزيران مثل اشهيباب، ومثل قَنْدٍ وقِنديد عِفر للداهي المنكر. وقالوا في الأوصاف: " وقد تكون العَفارة في أولاد الطهارة ". فألحقوا فِعلاً بفعيل فقالوا عِفريت على بناء كِبريت وسبريت. قال الشاعر:
عَفاريتاً عليَّ وأكلَ مالي ... وجُبناً عنْ أُناس آخرينا
وليس في أبنية العرب فِعليل، وإنْ كان الأصل فَعلاً، كأنهم ذهبوا مذهب قِسيّ وسدرات. وقد رفضوا فَعْلولاً أيضاً إلا حرفاً واحداً وهو صَعْفوق، وروي خَرْنوب وهي لغة رديئة؛ وأما ما أنشده الخليل في كتاب العين:
في شَعشعان عُنُقٍ يَمخورِ
فإنه يَفعول، وياؤه زائدة وهو كمخرتِ السفينةُ إذا جرتْ، واستطالة العنق منه، ومثله يَعفور. ولاختصاص الياء بالزيادة أولاً في العنق في الأكثر قال يَستعور وهو في أبنية الكتاب أنه يَفتعول وفيه خلاف.
الخَلّة
قال الخلّة الحامضة كأنها تَخُلُّ اللسان وتقرضه وتلدغه بحموضتها، ومنه سمي الخلُّ لحموضته. ويقال: خلَّ الرجلُ لسانَ الفصيل إذا شقّه لئلا يرضع أمّه.
قال امرؤ القيس:
............... ... كما خَلَّ ظهرَ اللسانِ المُجِرْ
وخلَلْتُ الكساءَ شددته بخِلال، والخَلُّ الطريق في الرمل لشقته على الأقدام. والخَلّ القليل اللحم، والخَلّ والخمر الخير والشر. ويقال ما فلانٌ بخَلٍّ ولا خمر أي لا خير فيه ولا شر عنده.
قال النمر بن تولب:
هلاّ سألتِ بعادياءَ وبنتهِ ... والخلِّ والخمرِ الذي لم يُمنَعِ
وقال الآخر:
أفي اللهِ أنّي مغرمٌ بكِ هائمٌ ... وأنّكِ لا خَلٌّ لديكِ ولا خمرُ
وقال الهذلي في الخَلّة:
(1/117)

كُميتٍ كلونِ الصّرفِ ليسَ بخَلَّةٍ ... ولا خمطةٍ يكوي الشَّروبَ شِهابُها
الكُسَيْس
قال الكسيس السكّر وهو خمرُ اليمن. قال:
فإنْ يُسقَ من أعنابِ وَجٍّ فإنّنا ... لنا العينُ تجري من كَسيسٍ ومنْ خمرِ
وهو فَعيلٌ من الكَسّ، كالمَسيس من المسّ، وهَزيز الريح من الهز، والرسيس من الرسّ. والكَسَس قِصَر الأسنان. ويقولون في الحرب صار الأكسُّ كالأرْوَق أي يقبض شفته فتبدو أسنانه. قال:
فداءٌ خالتي لبني تَميمٍ ... إذا ما كانَ كَسَّ القومِ رَوقُ
وأما الباذق والنبيذ والمثلث والداذيّ فأعجمية. فالنبيذ فَعولٌ بمعنى مفعول أي مَنبوذ، والنَّبْذ هو الشيء اليسير، وجلست نُبذةً أي ناحيةً، والنِّبذ يكون مصدراً بمعنى المفعول كالسَّكب بمعنى المسكوب، والحَشْر بمعنى المحشور. ونابذتُه أي ناصبتُه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما قال: معي تُميراتٌ نبذتُها في الماء، ثمرةٌ طيبة وماء طهور، إنما أفردهما عيناً وحكماً. والباذِق إنما هو باذَه فعرّبوا آخره. والمثلّث هو السيكيّ ذهب ثلثاه وبقي واحد. والداذيّ والداذ نبتٌ في المواضع المعروفة يُجعل في الشراب تقويةً له.
باب في
آلات الشراب وتوابعه
وأوصافه واشتقاقه:
السُّكر
يقال سَكِرَ الرجلُ سُكراً وهو سَكران وساكر، وهو من سَكَرتُ الماءَ إذا سددتُ جريَه لأنّ السُّكرَ يسدّ منافس الرأس بالبُخارات الفاسدة الصاعدة وسَكَرتِ الريحُ سُكوراً سكنتْ بعد الهبوب.
قال أوس:
فليستْ بطَلقٍ ولا ساكرَهْ
والنَّديم
فَعيل بمعنى مُفاعلٍ مُنادم، والنَّدمان أكثر مُنادمةً وملازمةً من النديم؛ لأن زيادة اللفظ توجب زيادة المعنى ويقال رجلٌ رحيم ولا يقال رحمان لأنه بناء المبالغة. وفي الدعاء يا رحمان الدنيا ورحيمَ الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمّت المؤمن والكافر والفاسق والناسك؛ ورحمته في الآخرة تخصّ المؤمنين والمسلمين دونهم. وتكثير اللفظ مع تقليل المعنى لم يرد في العربية إلا في حرف واحد. قال مَجدْتُ الدابةَ علفتُها ملء بطنها، وأمجدتُها علفتُها نصفَ بطنها.
الإبريق
هو إفْعيلٌ من البرق، والإبريق المرأة الحسناء البرّاقة. قال الشاعر:
دِيارُ إبريقِ العَشيِّ خَوزلُ
والإبريق السيف يقال: سيفٌ إبريقٌ وإصليت.
وأنشد أبو العباس:
لقد أتيتُمْ بأباريقِكمْ ... كأنّنا دونَ بَني الأَسْلَعِ
واللهِ لا ذُقْتمْ بها قطرةً ... على سبيبٍ وهيَ لمْ تُكْرَعِ
أي جئتم بسيوفكم طامعين حتى كأنا دون بني الأسلع، وهم حيّ حاربوهم فلم يقوموا لهم. والله لا ذقتُم بها قطرةً أي لا ذقتم بسيوفكم من دمائناً قطرةً، وهي تعني سيوفهم لم تكرع في دمائكم. وسمي السيف إصليتاً لانصلاته، وإبريقاً للمعانه وبريقه. والسيف بنفسه مشتق من شيئين، أحدهما ما أخبرني به أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن دريد أنه من السَّواف وهو داءٌ يصيب الإبل فتهلك منه، كأن السيف سبب للهلاك. والثاني أنه من السِّيف وهو شاطئ البحر كأنه يطول كهيئة السِّيف. كما شبهوه بالعقيقة وهي البُرقة المستطيلة في الغيم.
قال عنترة:
وسيفي كالعقيقةِ وهي كمعي ... سلاحي لا أفلَّ ولا فُطارا
ففيه تشبيهان الاستطالة والتلألؤ. فأما ما قول الآخر:
كأنّهُ لمّا تَرَهْيَأَ ساطعاً ... هنديّةٌ تهتزُّ حينَ تُنتضى
ففيه ثلاثة معانٍ استطالة البرقِ وتلألؤه وحركته.
الكأس
وهي الإناء بما فيه من الخمر، كالسَّجْل وهو الدلو بما فيه، وكذلك القلم يُسمى مَبريّاً وإلا فهو قصبة. والرمح يُسمى به ما دام عليه سنانه وإلا فهو قناة. والمائدة ما كان طعام وإلا فهي خِوان، والأريكة ما كانت على السرير وإلا فهي حجَلة ويقال كاسَ البعيرُ إذا عقرْتَه فمشى على ثلاث قوائم.
قال الشاعر:
فظلّتْ تكوسُ على أذرُعٍ ... ثلاثٍ وغادرْتُ أخرى خَضيبا
وكأس اسم أَمَةٍ لمشيها. قال الشاعر:
فقلتُ لكأسٍ ألجِميها فإنّما ... نزلنا الكثيبَ من زرودٍ لنفزَعا
أي لنغيث، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم لقومٌ تَقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع ".
الماخور
(1/118)

قال هو بيت الريبة، من مَخرتِ السفينةُ إذا جرت تَمخر، فسمي بذلك لما يجري فيه من الفساد، وبنات مَخْرٍ سحائب يأتين من قبُل الصيف منتصباتٍ لجريِها في الهواء وانسحابها.
قال طرفة:
كبناتِ المَخْرِ يمأدْنَ إذا ... أنبتَ الصيفُ عساليجَ الخَضِرْ
فهو فاعولٌ من المَخر، كالصاقور فأس عظيمة تُكسر بها الحجارة وهو فاعولٌ من الصقر ضربُ الحجارةِ بعضها ببعض؛ والجارود من الجَرْد.
قال الشاعر:
........ ... كما جرّدَ الجارودُ بكرَ بنَ وائلِ
والصاروج دخيلٌ في العربية لاجتماع الصاد مع الجيم في كلمة، وليس في كلامهم صَرج، وأما الصنج والصَّنجة ففارسي معرب.
الناجود
كل إناء يُجعل فيه الشراب من جَفنة أو غيرها، وهو فاعول من النَّجْد، وهو الطريق المرتفع، والنُّجود ما يُنجد به البيتُ لارتفاعه على العاتق. ومنه استنجدَني فلانٌ فأنجدتُه، أي غلّبته على خصمه وجعلته تحته.
قال زهير:
شَجَّ السُّقاةُ على ناجودِها شَبِماً ... من ماءِ لِينةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا
وقد يسمون الشراب ناجوداً حسب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له، أو كان لسبب.
الراقود
حُبٌّ كهيئة الإردَبَّة، وهو فاعولٌ من رقْد، وهو جبل لاستحصافه وصلابته.
قال ذو الرمة:
تَفُضُّ الحصى عن مُجْمَراتٍ وقيعةٍ ... كأَرْحاءِ رَقْدٍ زَلَّمتْها المَناقرُ
وقال القطامي:
استودعوها رواقيداً مُقيَّرةً ... دُكنَ الظواهرِ قدْ بُرنسنَ بالطينِ
ويسمون الإبريق تامورةً.
قال الأعشى:
وإذا لَها تامورةٌ ... مرفوعةٌ لشرابِها
الراووق
المِصفاة وهو فاعول، من راقَني الشيء أعجبني، وشيء رائق ورقراق الشرابِ لأنه يروق العيون. والرقراقة المرأة الرقيقة البشرة، الرائقة الحسن.
قال ذو الرمة:
........... ... وأقبلن رقراقاتُهنَّ الملائحُ
وروْقَ الشبابِ أوله، وغلمان روقَةٌ حِسان النواظر، والرُّواق فُعال منه. ورَيّق الغيثُ أوله، والشباب أيضاً، وهو فَعيلٌ أصله رَيْوِق، فقُلبت الواو ياءً ثم أدغمت إحداهما في الأخرى، ومثله سيدٌ وأصله سَيْوِد، وللفرّاء فيه قول آخر، ورجلٌ رَيّق إذا كان على الريق لم يُطعم شيئاً. وفي ذكر الريق قد أحسن ابن أحمر:
.......... ... وقدْ يدوِّمُ ريقَ الطامعِ الأملُ
أي يبلّه.
الفِدام
كِرباسةٌ تُشدّ على فم الإبريق وهو فِعال من قولهم لم صبغٌ مُفدّم إذا كان خاثراً مُشبعاً، والفَدْم منه مأخوذ. قال الهذلي:
ولا بطلاً إذا الكماةُ تزيّنوا ... لدى غَمراتِ الموتِ بالحالكِ الفَدْمِ
يريد الدم لخثورته يسوَدّ. والغُمَر القدح الصغير من قولهم تغمّر الرجل دون الري أي فيه حاجة. والصحن القدح الكبير يروّي العشرين كأنه شُبه بالصحن. وصحنْتُ بين القوم أصلحت بينهم. والعُسّ أكبر من الغُمر والتِّبْن أكبر الأقداح. أبو عمرو: والكِتْن القدح. قال الأصمعي: المِصحاة إناءٌ لا أدري من أي شيء هو، وقد بيّنه أوس بن حجر:
إذا سُلَّ مِن غمدٍ تأكّلَ أثرُهُ ... على مثلِ مصحاةِ اللجينِ تأكُّلا
والقَعْبُ القدحُ الصغير. ولهذا وصفوا الحافر بالتعقيب.
قال عوف:
لها حافرٌ مثلُ قعبِ الوليدِ ... يتخذُ الفأر فيهِ مَغارا
والرَّفْد القدح الكبير لأنه يرفد شاربه.
قال الأعشى:
رُبَّ رِفْدٍ هرَقْتُهُ ذلك اليو ... مَ وأسرى من معشرٍ أقتالِ
وجُمام القدح ملؤه، وقدحٌ جَمّام، وقد أجمَمتُه. قال أبو الهذلي:
متكئاً يقرعُ أبوابَهُ ... كالقدحِ والجَفنةِ والقَروِ
وقال الكسائي هو القدح.
وقال الأعشى:
أرمي به البيدَ إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بين القروِ والعاصرِ
ويقال مزجت الشراب وشعشعته وصفّقته وأعرقته فهو مُعرَق، وأخفستُه فهو مُخفَس، وقطَبتُه وأنا قاطب، وأقطبته فأنا مُقطِب إذا أكثرت مزاجه. قال:
......... ... يقطّبهُ بالعنبرِ الوردِ مُقطِبُ
وأصل القَطبِ الجمع، والقُطوب في الوجه منه.
قال:
......... ... يَشلُّ بناتِ الأخدريِّ ويُقطِبُ
أي يطرد ويجمع، وجاؤوا قاطبةً أي جميعاً، وقُطب الفلك منه. قال:
........ ... قَطيبانِ شتّى من حليبٍ وحازِرِ
(1/119)

والشعراء يصفون الشراب وأرجَه، ونشرَ الأعطاف والبشرات، وطيبة النكهة، وسلامةَ الريق بجميع أنواع الطيب سوى الكافور. وقول الله تعالى: " مِزاجُها كافوراً، عيناً يشرب بها عبادُ الله " فإن الكافور نهر في الجنة. وتقول كأن القرنفل على أنيابه، والزنجبيل باتَ فيه، والمسكَ شِيبَ بجوانبه، والعنبرَ يُستنشق منه. وتقول في الخمر مِسكيّةٌ وَرديّة إلى غير ذلك.
قال الغساني:
أَنسيمُ ريقِكِ أختَ آلِ العنبرِ ... هذا أمِ استنشاقةٌ من ْ عنبرِ
وقال حبيب:
يُهدي إليكَ نسيمَهُ فكأنّما ... شِيبَتْ جوانبُهُ بمسكٍ أذفرِ
وقال المرار:
أَناةٌ كأنَّ المسكَ دونَ شِعارِها ... يُقطّبُه بالعنبرِ الوردِ مُقطِبُ
وقال الأعشى:
إذا تقومُ يَضوعُ المسكُ أَصوِرَةً ... والعنبرُ الوردُ من أردانِها شَمِلُ
قال الفراء: تغمّرت الشرابَ، وتمقَقتُه وتوّتحته وتمزّرته شربته قليلاً قليلاً. ونَئِفَ من الشراب ارتوى، وأمغد أكثر من الشرب ونقعت نقوعاً، وبضعتُ بضوعاً رَويتُ. ويقال للمعاود للأمر: شرابٌ ناقع. والغُبْجة والنُّغْبة الجرعة، فإن غُصَّ بالشراب قيل شرقتَ وجئزت، وشَجيتَ بالعظم، وغصصت بالطعام، وسَففت الدواء سفّاً، وسَفَتَّه سَفْتاً، وسَفِهتَه سفَهاً إذا أكثرت فلا تروى، والسفاهة في الناس ترجع إلى هذا. قال ذو الرمة:
وأخضرَ مُوشيِّ القميصِ نصبتهُ ... على خصرِ مِقلاتٍ سفيهٍ جَديلُها
أي خفيف هافٌّ مضطرب. والبَغَر والبَحَر في الماء كالبَشَم في الطعام. الإعظار أن يكظَّهُ الشرابُ ويثقل في جوفه، والترشُّف الشربُ بالمصّ، ومن أمثالهم: الشربُ أروى، والرَّشفُ أنفع. ويقولون: ليسَ الريُّ عن التشافِّ أي شرب شفافة الشراب وعيرت امرأة زوجها فقالت: إنّ شربك لاستشفاف، وإنَّ ضَجعتكَ لانجعاف، وإن شملتكَ لالتفاف، وإنك لتشبع ليلةَ تُضاف، وتأمن ليلةَ تخاف. والتبرّض التقلّل منه، والتخبب الامتلاء، والمُجدَّح الشرابُ المخوَّض. وصفحتُه صفَحاً أي سقيته أيّ شرابٍ كان. والعَفْقة الشربة، تعفّقتُه تعفّقاً أي شربت، وافتغمت ما في الإناء شربته كله. والزَّغلة المجَّة من الشراب، والمُجاجة الفَضلة التي تُمجّ، والنَّضْح والنَّشْح دون الريّ. قال ذو الرمة:
........... ... وقدْ نَشحْنَ فلا رِيٌّ ولا هضمُ
وقال زهير:
.......... ... فلا فَوتٌ ولا دركُ
وقال عنترة:
.......... ... لا ممعنٍ هرباً ولا مُستسلمِ
وفي كلامهم: لا قتيلٌ فيودى ولا أسيرٌ فيُفدى. وقالت سلمى في صخر: لا حيٌّ فيُرجى، ولا ميت فيُنسى. وقال حاجب: ما القعقاع برطبٍ فيُعصر ولا يابسٍ فيُكسر. ورجلٌ سِكّير كثير السُّكر، وثَمِلٌ ومُنتشٍ ونشوان. والخِمّيرُ الكثير الشربِ للخمر، وسكران مُلْتَخٌّ ومُلْطَخّ إذا اختُلط عليه أمره. والطافح والدِّهاق والمُفعَم والمُتأَق والرَّيّان الممتلئ، والطافح المرتفع، ومنه سكرانُ طافحٌ أي ملأه الشرابُ حتى ارتفع، والمُغربُ والمسجور والساجر.
قال النمر:
إذا شاءَ طالعَ مسجورةً ... ترى حولَها النبعَ والسماسا
والمُفرَم المملوء بالماء. قال ابن قتيبة في كتاب إصلاح الغلط على أبي عبيد: لا أدري من أي شيءٍ أخذ عبد الملك في خطابه الحجّاج لما شكاه أنس: يابنَ المُستفرِمة بعجم الزبيب، وهو من قول امرئ القيس:
مستفرماتٍ بالحصى جَوافِلا ... ...........
الباب الأول
التعريش والعناقيد
إبراهيم بن المهدي:
منابتُ كرمٍ تظلُّ النبي ... طُ تعملُ منهُ عريشاً عريشا
إذا أنتَ قابلْتَها خِلتَها ... مطارفَ خُضراً كُسينَ النقوشا
الباذاني:
وعناقيدَ تراها ... إذْ تمايلْنَ مَميلا
رُكِّبَتْ فيها لآلٍ ... لم تُثَقَّبْ فَتجولا
كالثُّريا قد أرادتْ ... عندَ إسفارٍ أُفولا
ابن المعتز:
حتى إذا حَرُّ آبٍ فارَ مِرجلُهُ ... بفائرٍ من هجيرِ الشمسِ مُستعِرِ
ظلّتْ عناقيدُها يخرجْنُ من ورقٍ ... كما احتبى الزِّنجُ في خضرٍ منَ الأُزُرِ
الناجم:
مُعرشٌ للكرومِ منتشِرٌ ... أوراقُهُ الخضرُ دونَ مرآها
فكلُّ كَرمٍ هوَ السماءُ دجىً ... وكلُّ عنقودةٍ ثُريّاها
(1/120)

الخباز البلدي:
مُعرشٌ مالَتْ عناقيدُه ... منْ كِللِ الأوراقِ تحتَ الحجبْ
ترُدُّ عينَ الشمسِ مطروفةً ... عنْ حَلَكٍ في متنِها أوْ جرَبْ
منظومةٌ حباتُ أعنابِهِ ... نَظماً بلا سِلكٍ جرى في الثُّقبْ
كأنَّها الماءُ وقدْ لُفَّ في ... طحلبِهِ الأخضرِ تحتَ الحبَبْ
أنشد:
يحملْنَ أوعيةَ المُدامِ كأنّما ... يحملنَها بأكارعِ النَّغرانِ
ابن المعتز:
أقرَّ عروشَها بثرىً وطَيٍّ ... وأنهارِ كحيّاتٍ سَوارِ
وسقّفَها العريشُ فحمّلتْهُ ... عناقيداً كآثارِ الجَواري
ابن لنكك:
انظر إلى الكرمِ العريشِ على دعائمِهِ المُسَنَّدْ
حبّاتُهُ سَبَجٌ نُظمْنَ بخُضرِ أوراقِ الزَّبرجَدْ
بينَ المُبدَّدِ والمُسَرَّدِ في المُرَجَّلِ والمُجَعَّدْ
مُتهَدّلاتٌ كالثُّديِّ كواعبٌ منها ونُهَّدْ
آخر:
تَهفو عنا قيدُها مُهدَّلةً ... من قُضُبٍ ثَرَّةٍ مغارسُها
مثلَ القناديلِ من معالِقِها ... وخُضُر أوراقِها ملابِسُها
الباب الثاني
نبذها وإيداعها الدنان
القطامي:
استودَعوها رواقيداً مُقيَّرةً ... دُكْنَ الظواهرِ قد بُرْنِسْنَ بالطينِ
كأنّهن وقد صُفّفْنَ في نسَقِ ... مُستوسَقاتُ نَبيطٍ في تبابينِ
ابن المعتز:
فأودَعها الدّنانَ مُسنّداتٍ ... وأسلمَها إلى شمسِ النهارِ
وألبسَها قلانسَ مُعلَماتٍ ... وصاحبَها بصيرٍ وانتظارِ
أبو نواس:
ودنانٍ مُسنَداتٍ ... مَعلَماتٍ بمدادِ
أنفذوهُنَّ بطعنٍ ... مثلِ أفواهِ المَزادِ
ابن المعتز:
ودنانٍ كمثلِ صف رجالٍ ... قد أُقيموا ليرقصوا وسَتبَنْدا
وأباريقَ قد صَغونَ إلى المب ... زالِ والعلجُ يقصدُ الدنَّ قَصدا
ابن لنكك:
صُفّيتْ في الدنانِ أو في الخوابي ... فهيَ مصفوفةٌ كسطرِ الكتابِ
في ضُحى الطينِ أو دُجى القارتَنمي ... ذاتُ لونٍ مثل العقيقِ المُذابِ
نُصبَ عينِ الهجيرِ تغلي عليهِ ... غلياناً بشدةٍ والتهابِ
ابن المعتز:
فطافَ قاطفُها فيها وأسلمَها ... إلى خوابيَ قدْ عُمِّمْنَ بالمَدَرِ
الباب الثالث
إدراكها وعتقها
كشاجم:
ألستَ ترى الظلامَ وقد تولّى ... وعنقودَ الثريّا قد تَدلّى
فدونَكَ قهوةً لم يُبقِ منها ... تقادُمُ عهدِها إلا الأقلاّ
بزلْنا دَنَّها والليلُ داجٍ ... فصيَّرتِ الدُّجى شمساً وظِلاّ
الخليع:
حتى إذا الدهرُ أبقى من سُلالتِها ... جزءَ الحياةِ وقدْ ألوى بأجزاءِ
فُضَّتْ خواتيمُها في نعتِ واصفِها ... عن مثلِ رقرقةٍ في عينِ مَرْهاءِ
أبو نواس:
نتيجةُ كرمةٍ منْ بيتِ راسٍ ... تضيءُ الليلَ مضروبَ الرُّواقِ
أتتْ من دونِها الأيامُ حتى ... تَفانى جسمُها والروحُ باقِ
ابن المعتز:
من كُميتٍ كأنّها أرضُ تِبرٍ ... في نواحيهِ لؤلؤٌ مغروسُ
أسكنوها الدنانَ من عهدِ عادٍ ... كظلامٍ فيها نهارٌ حبيسُ
أبو نواس:
تَحيَّرْتُ والنجومُ وقفٌ ... لم يتمكَّنْ بها المدارُ
فلم تزلْ تأكلُ الليالي ... جُثمانَها ما به انتصارُ
حتى إذا ماتَ كلُّ ذامٍ ... وخلصَ السِّرُّ والنِّجارُ
عادَتْ إلى جوهرٍ لطيفٍ ... عِيانُ موجودِهِ ضِمارُ
ابن المعتز:
مُعتّقةٌ صاغَ النهارُ لرأسِها ... أكاليلَ دُرٍّ ما لمنظومِها سِلكُ
جرَتْ حركاتُ الدهرِ فوقَ سكونِها ... فذابَتْ كذَوبِ التِّبْرِ أخلصَهُ السَّبكُ
وأدركَ منها الغابرونَ بقيّةً ... من الروحِ في جسمٍ أضرَّ بهِ النَّهْكُ
فقدْ خفيَتْ من صفوِها فكأنّها ... بقايا يقينٍ كادَ يُذهبُهُ الشكُّ
أبو نواس:
وسُلافٍ كأنّما كلُّ شيءٍ ... يتمنّى مُخيّراً أنْ يكونا
أكلَ الدهرُ ما تجسَّمَ منها ... ثمّ أبقى لُبابَها المكنونا
فإذا ما اجتليتَها فهباءٌ ... تمنعُ الكفَّ ما تبيحُ العيونا
الخليع:
(1/121)

وقد ألِفتُ حِجرَ الدنانِ وليدةٌ ... كما ألِفَ الولدانُ حِجرَ الحواضِنِ
فقد أخذْتُ من ريحِها وصفائِها ... وقوّتِها والطعمِ كلَّ المحاسنِ
أبو نواس:
قهوةٌ عُمِيَ عنها ... ناظِرا رَيبِ المَنونِ
عُتّقتْ في الدنِّ حتى ... هيَ في رِقّةِ ديني
ثمَّ شُجّتْ فأدارَتْ ... فوقَها مثلَ العيونِ
حَدَقاً ترنو إلينا ... لم تُحَجَّرْ بجفونِ
إسحق بن الصباح:
حبسوها في الدنِّ عاماً فعاما ... فهْيَ نورٌ قد قنّعوها ظلاما
طبختْها الشِّعرى العَبورُ وأذكَتْ ... نارَها في قرارِها الأعواما
فهيَ في دنِّها شعاعٌ نَضيدٌ ... تَحسرُ العينَ أو نسيماً رُكاما
فإذا ما اجتليتَها فهيَ شمسٌ ... أشعروها من الزجاجِ غَماما
ابن مناذر:
ما من لذاذةِ نفسٍ أو مَطالبها ... إلا وثُلمتُها تنسدُّ بالراحِ
حمراءُ محبوسةٌ في الدُّنِّ مُذْ زمنٍ ... رهينةً بينَ وِعرانٍ وأقداحِ
نورٌ مُصاصٌ بلا شَوبٍ ولا كدَرِ ... ولا هباءٍ على حافاتِ أقداحِ
تَسورُ في الراحِ منها سَورةٌ عجبٌ ... تسطو عليهِ إلى أنْ يسكرَ الصاحي
الباب الرابع
خروجها بالبزال
أبو نواس:
فَضَضْتُ خِتامَها والليلُ داجٍ ... فدرَّتْ دَرَّةَ الودَجِ الطَّعينِ
بكفِّ أغنَّ مُخْتَضِبٍ بَناناً ... مُذالِ الصُّدغِ مضفورِ القرونِ
لنا منهُ بعينيهِ عِداتٌ ... يخاطبُنا بها كسرُ الجفونِ
كأنَّ الشمسَ مقبلةٌ بشمسٍ ... إلينا في قلائدِ ياسمينِ
أخذ البيت الثالث من قول ذي الرمة:
ولم يستطعْ إلفٌ لإلفٍ تحيّةً ... منَ القومِ إلاّ أنْ يُسلِّمَ حاجبُهْ
وأخذ من أبو نواس الرقاشي حيث يقول:
وفي غمزِ الحواجبِ مُستراحٌ ... لحاجاتِ المحبِّ إلى الحبيبِ
ابن المعتز:
بُزلَتْ كمثلِ سَبيكةٍ فدْ أفرغَتْ ... أو حيّةٍ وثبَتْ منَ الرَّمضاءِ
وتوقَّدتْ في ليلةٍ من قارِها ... كتوقّدِ المَرّيخِ في الظَّلماءِ
أبو نواس:
ثم توجّأْتُ خصرَها بشَبا الأشفى فجاءَتْ كأنّها اللهبُ
فاسْتَوْسَقَ الشُّربَ للنَّدامِ وأجراها علينا اللُّجينُ والغَرَبُ
الصنوبري:
ما زالَ يقبضُ روحَ الدنِّ مِبزلُهُ ... كما تغلغلَ سِلكُ الدرِّ في الثَّقبِ
وأمطرُ الكأسُ ماءٌ من أبارقِهِ ... فأنبتَ الدرُّ في أرضٍ من الذهبِ
وسبّحَ القومُ لمّا أنْ رأوا عجباً ... نوراً من الماءِ في نارٍ منَ العِنبِ
ابن المعتز:
مُسنَّدةٌ قامتْ ثلاثينَ حجّةً ... كواضعةٍ رِجلاً وقدْ رفعَتْ رِجْلا
فأخرجَ بالمبزالِ منها سَبيكةً ... كما فتلَ الصَّواغُ خَلخالَهُ فَتلا
آخر:
ومُدامةٍ فُتلتْ فأش ... بَهَ فَتلُها فتلَ السواري
لي من زُجاجتِها ومن ... ها لَمحتا نورٍ ونارِ
الباب الخامس
خروجها من الإبريق وصفات الإبريق
آخر:
سعى إلى الدنِّ بالمبزالِ ينقُرُهُ ... ساقٍ توشّحَ بالمنديلِ حينَ وثَبْ
لمّا وَجاها بدَت صفراءَ صافيةً ... كأنّما قدَّ سَيراً منْ أديمِ ذهَبْ
أبو نواس:
فقام كالغصنِ قد شُدّتْ مناطقُهُ ... ظبيٌّ يكادُ من التهييفِ ينعقِدُ
فاستلَّها من فمِ الإبريقِ صافيةً ... مثلَ السِّنانِ جرى واستمسكَ الجسدُ
الخليع:
يا طيبَها قهوةً حمراءَ صافيةً ... كدمعِ مفجوعةٍ بالإلفِ مغيارِ
كأنَّ إبريقنا والخمرُ في فمهِ ... طيرٌ تناولَ ياقوتاً بمنقارِ
أحمد بن أبي كامل:
اشربْ فقد شرَّدَ ضَوْ ... ءُ الصُّبحِ عنا الظُّلَما
وانبسطَ النورُ على ... وجهِ الثرى مُبتسما
كأنّما أطلعَ ما ... ءُ المزنِ فيه أنجُما
وصوّبَ الإبريقُ في ال ... كأسِ مداماً عندما
كأنّهُ إذْ مجَّهُ ... مُقهقِهٌ يبكي دما
والبة بن الحباب في الإبريق:
إبريقُنا مُصَلٍّ ... يضحكُ في صلاتِهْ
يكِبُّ ثمّ يُقعي ... كالظبيِ في فَلاتِهْ
يمجُّ كلَّ شيءٍ ... يمرُّ في لَهاتِهْ
ومنه أخذ أبو نواس قوله:
(1/122)

من ماثلٍ فُدِّمتْ مكاحلُهُ ... يقلسُ في الكأسِ بيننا الذهَبا
الناجم فيه:
وليلةٍ للراحِ في دَيجورِها ... صُبحٌ وللإبريقِ ضِحكٌ مُختلفْ
شبّهتُها مُثاقفاً مدَّ إلى ... مُثاقفٍ شمالَهُ وقد وقَفْ
البسّامي:
إبريقُهم بينهُمُ ضاحكٌ ... باكٍ كإنسانٍ حزينٍ فَرِحْ
مُنتصبٌ كالخِشفِ منْ رَبوةٍ ... مُلثّمٌ بالقَزِّ أو مُتّشِحْ
أبو عطاء:
منْ أباريقِ ملاءٍ رُذَّمٍ ... والذي في الكفِّ ملثومٌ أغَرْ
مثلُ خِشفِ القفرِ أقعى خائفاً ... رَميةَ القانصِ لمّا أنْ حَذَرْ
وكفرخِ الماءِ في عُبطتِهِ ... حاذَرَ الصقرَ فأهوى فنقَرْ
عمارة:
أباريقٌ مُفدّمةٌ بقَزٍّ ... أوِ الكتّانِ أو خِرَقِ الحريرِ
جرتْ عذباتُهنَّ لنا اهتزازاً ... كألويةٍ خفَقْنَ على أميرِ
ابن المعتز:
كأنّها حينَ مجّتْ ... في الكأسِ ريقةَ خمرَه
أمٌّ تعاهدُ فرخاً ... بغرّةٍ بعد غُرَّهْ
أخذه من أبو نواس:
ترى إبريقَنا والطيرُ سامِ ... لهُ فرخانِ منْ دُرٍّ وسامِ
إذا ما زَقَّ فرخاً من سُلافٍ ... تعاهدَ آخراً بعدَ الفِطامِ
البسامي:
ترى أبا ريقَهمْ مُفدّمةً ... يَعلُّها الفتيةُ المغاويرُ
كالطيرِ حامَتْ على شرائِعِها ... فابتلَّ من وِرْدِها المناقيرُ
الحسن بن وهب:
إبريقُنا كالغزالِ يخشعُ ما ... قامَ فإنْ خرَّ ساجداً ضحِكا
الموصلي:
أباريقُهمْ زُهُرٌ مِلاءٌ كأنّها ... ظِباءٌ بأعلى الرقمتَيْنِ قِيامُ
وقد شربوا حتى كأنَ جلودهُمْ ... من اللَّينِ لم يُخلقْ لهنَّ عِظامُ
الباب السادس
حمرتها
ابن ميادة وأجاد لفظاً ومعنىً:
ومُعتّقٌ حُرِمَ الوقودَ سُلافَةً ... كدمِ الذبيحِ تمجُّهُ أوداجُهُ
ضمِنَ الكرومُ له أوائلَ حملِهِ ... وعلى الدنانِ تَمامُهُ ونِتاجُهُ
الأقيشر:
فأنتِ إذْ باكرْتِ مشمولةً ... صِرفاً كلونِ الفرسِ الأشقرِ
رُحتِ وفي رِجليكِ ما فيهما ... وقدْ بدا هَنْكِ من المئزرِ
ابن المعتز:
وخَمّارةٍ من بناتِ المجوسِ ... ترى الزقَّ في بيتِها شائِلا
وزَنّا لها ذهَباً جامداً ... فكالَتْ لنا ذهباً سائلا
أحمد بن أبي طاهر:
ورقيقةِ الحجراتِ با ... ديةِ القدى ذوب العقيقِ
في بردِ كافور الريا ... حِ، وحرّ نائرة الحريقِ
سَلسالة شرباتُها ... يفتحن أفواهَ العُروقِ
زقَّ الطيورُ فراخَها ... لصَبوحها أو للغَبوقِ
بكر بن خارجة:
بِتْنا بمارَتِ مريمٍ ... سُقياً لمارَتِ مريمِ
ولقسِّها محيي المُتَي ... مِ بعدَ نومِ النوَّمِ
وليُوشَعٍ ولخمرة ... حمراءَ مثل العَندمِ
ولفتيةٍ حَفوا بها ... يعصونَ لومَ اللُوَّمِ
يسقيهمُ ظبيٌ أغنٌّ لطيفُ خلْقِ المِعصمِ
يرمي بعينيهِ القلو ... بَ كمثلِ رميِ الأسهُمِ
الخباز البلدي:
شربتُ دماً أريقَ من الفصيدِ ... بلا شَقِّ الحديدةِ والحديدِ
فقمتُ أجرُّ رِجلَيْ مُستكينٍ ... تضرّعَ من قيامٍ للقعودِ
الأخطل:
سُخاميةٌ كوِداجِ الحمارِ ... يغرقُ في عُرفهِ المِبضَعُ
يغبُّ دماً قانِياً صِبغُهُ ... بهِ للمُتيّمِ مُستمتَعُ
قال عبد الملك بن مروان للأقيبل القيني صِف لي الخمر فأنشأ يقول:
كُمَيتُ إذا شُجَّتْ وفي الكأسِ وردةٌ ... لها في عِظامِ الشاربينَ دَبيبُ
تُريكَ القذى من دونِهِ وهيَ دونَهُ ... لوجهِ أخيها في الإناءِ قُطوبُ
فقال عبد الملك: لقد رابني وصفك لها، فقال الأقيبل: لئن رابك وصفي لها فقد رابني معرفتك بها. ووصف النظّام الخمر والقدح فقال: هواءٌ بلا هباء، مُحلولِكٌ يضمّه موج من الماء مكفوف.
أنشد الأسواري:
وإنّي وإيّاها لكالخمرِ والفتى ... متى يستطيعُ منها الزيادةَ يزدَدِ
وقال عبد الملك بن مروان للأخطل: صِف لي الخمر! فقال: أولها صداع، وآخرها خمار. فقال: ما يعجبك منها؟ قال: إن بينهما طربةٌ لا يعدلها مُلكُك، وأنشأ يقول:
(1/123)

إذا ما نَديمي علَّني ثمَّ علَّني ... ثلاثُ زُجاجاتٍ لهنَّ هَديرُ
خرجتُ أجرُّ الذيلَ منّي كأنّني ... عليكَ أميرَ المؤمنينَ أميرُ
اليعقوبي:
تناولتُها والليلُ وَحْفٌ جناحُهُ ... بسجفٍ من الظلماءِ في الأرضِ مُسبَلُ
موردةً لا الوردُ يعطيكَ لونَها ... ولا الدمُ من أوداجِ أدماءَ مُغزِلِ
ومنطقةَ الجوزاءِ شدّتْ بخصرِها ... نجوماً كحبّاتِ الجُمانِ المُفصَّلِ
وفي الأفقِ الغربيِّ مسائلةُ الطُّلى ... نجومُ ثُريّاها كقُرطٍ مُسلسَلِ
أُشاربُهنَّ الكأسَ مَلأى رَويّةً ... لِهمِّ الخليّ الخالعِ المُتغزِّلِ
تَسورُ حُميّاها إلى الرأسِ عَنوةً ... وتَسري دبيبَ السمِّ في كلِّ مَفْصِلِ
الباب السابع
صفرتها
أنشد:
وصفراءَ منْ ماءِ الكرومِ شربتُها ... على وجهِ صفراءِ الترائبِ غَضَّةِ
تَبدتْ وفضلُ الكأسِ يلمعُ فوقَها ... كأُتْرجَّةٍ زينَتْ بإكليلِ فِضَّةِ
ابن المعتز:
وزعفرانيّةٍ في اللونِ تحسَبُها ... إذا تأمّلتَها في ثوبِ كافورِ
كأنَّ حَبَّ سَقيطِ الطَّلِّ بينهما ... دمعٌ تحدَّرَ منْ أجفانِ مهجورِ
الأخيطل الأهوازي:
وعاتقٍ شابَ مَفرِقاها ... لمْ تَدرِ ما الليلُ والنهارُ
أذابَ أجزاءَها الليالي ... فطارَ من نارِها الشرارُ
ثمَّ اجتلاها السقاةُ صَفواً ... تَحوزهُ الأعينُ النضارُ
تَخالُ في وجهِها اصفراراً ... وهوَ على الأوجهِ احمرارُ
أخذ البيت الثالث من قول أبي تمام:
وغدوتُ تخطوني العيونُ ضُؤولةً ... منْ بعدِ أبّهةٍ لديكِ وخالِ
العلوي:
ومُدامةٍ يسعى بها ... رَشاً أغنُّ المُنتطَقْ
تحكي غُلالةَ خدِّهِ ... بلْ خدُّهُ منها أرقْ
ذهبيةٍ في كأسِها ... كالشمسِ تهوي في الأفقْ
ابن المعذّل:
مُعتّقةً شمسُ الظهائرِ لاذُها ... تغادرُها في لونِ شمسِ الأصائلِ
كأنَّ عليها من أكاليلِ مزجِها ... بقايا نجومٍ طالعٍ وأوافِلِ
تجرُّ ذيولاً من تلالي شعاعِها ... كأنَّ عليها صافياتِ الغلائلِ
أبو السمط مروان:
ألا عاطِني صفراءَ أو ذهبيّةً ... تجورُ على الندمانِ جَوراً بلا قصْدِ
تردُّ خَلِيَّ القلبِ يذكرُ ما مضى ... وتقدحُ زندَ الحُبِّ في الحجرِ الصلدِ
ويهتزُّ عودُ العيشِ أخضرَ ناضراً ... ويبتلُّ جلدُ الأشيبِ القاحلِ الجَلْدِ
ووَرسيّةٌ في كأسِها ذهبيّةٌ ... ولكنّها ورديةُ اللونِ في الخدِّ
الباب الثامن
رائحتها
أبو نواس:
ومُقعَدٍ قومٍ قد مضى من شرابِنا ... وأعمى سقَيْناهُ ثلاثاً فأبصرا
وأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثينَ حجّةً ... أدَرْنا عليهِ الكأسَ يوماً فهَمَّرا
شراباً كأنَّ العنبرَ الوردَ نُشْرُهُ ... ومسحوقَ هِنديٍّ من المِسكِ أذفَرا
من القِرَباتِ القُرِّ من أرضِ بابلٍ ... إذا شمَّها الحانيُّ في الدارِ كبَّرا
ابن الرومي:
تَلقاكَ في رِقّةِ الشرابِ وفي ... نشرِ الخُزامى وحُمرةِ الشَّفَقِ
لهُ صَريحٌ كأنّهُ ذهبٌ ... ورغوةٌ كاللآلئِ النَّسَقِ
الحسن بن وهب:
وقهوةٍ صافيةٍ ... كالمِسكِ لمّا نَفحا
شربْتُ من دِنانِها ... من كلِّ دَنٍّ قَدحا
فَعُدتُ لا تحملُني ... أعوادُ سَرجي مرَحا
من شدّةِ الكِبْرِ الذي ... على فؤادي طفَحا
أبو نواس:
وشمطاءَ حلَّ الدهرُ منها بنَجوةٍ ... دلفْتُ إليها فانتزعتُ حَنينَها
كأنَّا حُلولٌ بينَ أكنافِ روضةٍ ... إذا ما سلبْناها منَ الليلِ طينَها
السروي:
وورديةٍ مِسكيّةٍ في نسيمِها ... أُبيحَتْ لنا والنجمُ في الأفقِ راكِضُ
عطفْتُ عليها والصباحُ مُسرَّبٌ ... سَراياهُ في الظلماءِ والليلُ ناهضُ
ومُكِّنتِ الكاساتُ منها كمثلِ ما ... تمكّنُ مِن وردِ الخدودِ العَوارضُ
أبو نواس:
جاءَتْ بجامتِها من بيتِ خَمّارِ ... رُوحٌ من الخمرِ في جسمٍ من القارِ
(1/124)

فالريحُ رِيحُ الذكيّ الأذفرِ الداري ... والبردُ بردُ الثَّرى واللونُ للنارِ
المتنبي:
سُهادٌ لأجفانٍ وشمسٌ لناظرٍ ... وسُقمٌ لأبدانٍ ومِسكٌ لناشِقِ
أبو نواس:
نحنُ نُخفيها فيأبى ... طيبُ ريحٍ فيفوحُ
فكأنَّ القومَ نُهبى ... بينهمْ مِسكٌ يفوحُ
البحتري:
ولها نسيمٌ كالرياضِ تنفَّسَتْ ... في أوجهِ الأرواحِ والأنداءِ
وفواقعٌ مثلُ الدموعِ تردّدتْ ... في صحنِ خدِّ الكاعبِ العذراءِ
الخليع:
سلَبْنا غطاءَ الطينِ عنها بسُحرةٍ ... فضاعَتْ بمسكٍ في الخياشمِ ساطعِ
وسلَّسها الحانيُّ في الكأسِ فانجلَتْ ... بلونٍ كلونِ التِّبرِ أصفرَ فاقعِ
الباب التاسع
مزجها والحباب
ابن المعتز:
فلمّا صبَّها في الكأسِ سارَتْ ... كما سارَ الشجاعُ إلى الجبانِ
وقدْ لبسَتْ خِماراً من حُبابٍ ... كَسِلْخِ الأَيْمِ أو دُرِّ الجُمانِ
فخِلتُ الكأسَ مركزَ أُقحوانٍ ... وتُربتُهُ سحيقَ الزعفرانِ
الثرواني:
خَليليَّ مِن تَيْمٍ وعِجلٍ هُدِيْتُما ... أضيفا بحثِّ الكأسِ يومي إلى أمْسي
وإن أنتما حَييّتُماني تحيةً ... فلا تعدوا ريحانَ قَلاّيةِ القَسِّ
وبالسوسنِ الآزاذِ فالوردِ فارِميا ... بنِسرَينكُمْ في الشرق أو مغربِ الشمسِ
وإن قُلتما لا بدَّ من شُربِ دائرٍ ... ولم تَعداني في مِطالٍ ولا حبْسِ
فمِنْ قهوةٍ حيريّةٍ جابريّةٍ ... عتيقةِ خَمسٍ أو تزيدُ على خمسِ
ذخيرةِ فيروزٍ ليومِ صَبوحِهِ ... ونَيروزِهِ في خيرِ أشربةِ الفُرسِ
تجرُّ على قَرعِ المزاجِ إزارَها ... وتختالُ منه في مُصبّغةِ الورسِ
أنشد:
ماشِلةٌ في قميصِ تِبرٍ ... للدرِّ من فوقِها خِمارُ
ياقوتةٌ حفَّها شعاعٌ ... وجذوةٌ شابَها شرارُ
أحمد بن أبي فنن:
أستلُّ منْ تحتِ الزبَدْ ... مُدامةً مثل الوقَدْ
أطيبَ في الكأسِ إذا ... جاءتك منْ ريحِ الولَدْ
عدي بن زيد:
باكَرَتْهُنَّ قَرقَفٌ كدمِ الجوْ ... فِ تُريكَ القَذى، كُميتٌ رحيقُ
ثم نادتْ ألا اصبحوني فقامت ... قَينةٌ في يمينها إبريقُ
قدمتْهُ على عُقارٍ كَعينِ الدّ ... يكِ صَفّى سُلافَها الراووق
مُزّةٌ قبل مزجِها فإذا ما ... مُزجتْ لذَّ طعمَها من يذوقُ
فطفا فوقَها فقاقيعُ كاليا ... قوتِ حمرٌ يزينُها التصفيقُ
ثم كان المِزاجُ ماءَ سحابٍ ... لا جَوٍ آجنٌ ولا مَطروقُ
والشعراءُ يمدحون ماء المطر للمزاج، ويصفونه بالصفاء والرقة، والخصر والشيم، وأنه عذب نمير، قد فصّلته الشمال، فأعلاه سلسال، وظاهره رقراق، وقراره حصباء ورضراض، وأن موقعه على صَمّانة رصَف، ومصابه في قَلْتٍ على سفح جبل، أو نُقرة في طود شاهق، وبين ألواذ الهضاب في عجمة الرمل، ومحاني المذانب، وأهضام الأوداء وبطون الشعاب، وأجواف الغُدران، وأنه غريضٌ استدرّته الريح، ومرَتْه الصبا عن متون الغوادي الغر، وفَضيض من صوب السواري السود، وقد نسجتها الزعازع، وصفّقتها العواصف، فسلسلت أجزاءه، وجابت غثاءه وأقذاءه، وأن مستنقعه ثنيّة قذفٌ، وأرض مَجْهَل، ومرْتٌ مُضلّة، حيث لا يرى القائف عيناً ولا أثراً، ومَصاد رعْن، لا تحوم عليه الفُتخُ، ولا تخوضه الأكرع، ولا تُصدّيه الأنفاس بسر غير مطروق، ونطفة زرقاء، وجمّة سجراء.
كما سمعت زهيراً يقول:
شجَّ السقاةُ على ناجودِها شبماً ... من ماءِ لينةَ لا طَرْقاً ولا رَنَقا
وقال مسلم:
وماءٍ كعينِ الديكِ لا يقبلُ القذى ... إذا درجتْ فيه الصبا خِلتَهُ يعلو
قصرْنا به باعَ الشَّمولِ وقد طفتْ ... فألبسَها حِلماً وفي حلمِها جهلُ
ويشبهون به ريق الأحبة، وأنّ مشربه خَصِر، ومسقاه شَبِم، وملثَمه عذب، وأنه بارد المقبَّل، لذيذ المكرع، طيب المراشف، كقول البولاني:
فما نطفةٌ من حَبِّ مُزنٍ تقاذفَتْ ... به حَسَنَ الجوديِّ والليلُ دامسُ
فلما أقرّتْهُ اللصابُ تنفّستْ ... شمالٌ لأعلى مَتنِهِ فهو قارسُ
(1/125)

بأطيبَ من فيها وما ذقتُ طعمَهُ ... ولكنني فيما ترى العينُ فارسُ
أبو تمام في المزاج:
ولعابُ بنتِ غمامتينِ مزجتُهُ ... بلُعابِ قلبِ قطافِ غرسٍ مُونقِ
حمراءَ من حلَبِ العصيرِ كسوتُها ... بيضاءَ من حلَبِ الغَمامِ الرقْرَقِ
أخذ لفظه من قول مسلم:
صفراءُ من حلَبِ الكرومِ كسوتُها ... بيضاءَ من حلَبِ الغَمامِ البُجَّسِ
ابن المعتز:
قهوةٌ زوّجَتْ بماءِ سحابِ ... فكسا وجهَها نِقابُ حَبابِ
مثلَ نَسجِ الدروعِ أو مثلَ مِي ... ماتٍ تدانَتْ بها سطورُ الكتابِ
وتراها في كأسِها مثلَ شمسٍ ... طلعَتْ في مُلاءةٍ من سَرابِ
فإذا صادفَتْ فؤاداً حَلِيّاً ... لم تدَعْهُ فرداً بلا أحبابِ
إسحاق بن الصباح:
كلُّ عَروسٍ حسنٍ وجهُها ... زهَتْ فبالخمرِ أَزاهيها
الحليُ منها، مُستعارٌ لها ... والخمرُ عمّى حَليَها فيها
ابن المعتز:
سرَيْتُ فيها بخيولٍ شُقرِ ... سِياطُها ماءُ السحابِ الغُرِّ
آخر:
عن عُقارٍ شهباءُ تحسبُها ... شِيبَتْ بمسكٍ في الدنِّ مفتوتِ
للماءِ فيها كتابةٌ عَجَبٌ ... كمثلِ نقشٍ في فَصِّ ياقوتِ
آخر:
واكتسَتْ من فضّةٍ زرَداً ... خِلتُها من تحتها ذهَبا
كمنَتْ في الدنِّ قلَّدها ... فارسٌ من لؤلؤٍ حَبَبا
ابن المعتز:
أحداقُها فضّةٌ مُجوّفةٌ ... نواظرٌ ما لهُنَّ أشفارُ
يلمعُ فيها من كلِّ ناحيةٍ ... كوكبُ نورٍ إليكَ نَظّارُ
الرقاشي:
ترى كأسَها عند المزاجِ كأنّما ... نثَرْتَ عليهِ حَلْيَ رأسِ عَروسِ
فتَهتكُ أستارَ الضميرِ عنِ الحشا ... وتُبدي من الأسرارِ كلَّ حَبيسِ
السروي:
مثلُ ذَوْبِ العَقيقِ حتى تبدَّتْ ... واكتسَتْ منْ حَبابِها إكليلا
تلزَمُ الماءَ حينَ يُرسل فيها ... مثلما يلزَمُ الخليلُ الخليلا
آخر:
ونارٍ قد حَناها سَراعاً بسُحرةٍ ... متى ما تُرِقْ ماءً عليها تَوَقَّدِ
يجولُ حَبابُ الماءِ في جنَباتِها ... كما جالَ دمعٌ فوقَ خدٍّ مُورَّدِ
آخر هو ابن المعتز:
حمراءُ لو قيلَ ما احمرَّتْ موردةٌ ... طافَتْ عليها فسرَّتْ كلَّ مهمومِ
كأنَّ في كأسِها، والماءُ يقرعُها ... أكارعَ النملِ أو نقشَ الخواتيمِ
آخر:
إذا ما الماءُ أمكنني ... وصفوُ سُلافةِ العِنبِ
سبكتُ الفضةَ البيضا ... ءَ فوقَ قُراضَةِ الذهبِ
آخر:
ينصبُ حرَّ جِسمِها بردُ ثلجٍ ... فهي نارٌ إنْ لم تكن ذاتَ مزجِ
اُغْزُ واحجُجْ إلى المُدامِ فهذا ... يومُ غزوٍ إلى المُدامِ وحَجِّ
المتلمس:
كأني شاربٌ يومَ استقلّوا ... وحَثَّ بهمْ وراءَ البيدِ حادِ
عُقاراً عُتِّقتْ في الدنِّ حتى ... كأنَّ حبَابَها حدَقُ الجَرادِ
أبو نواس:
كلُّ ليالي السودِ مُذْ قابلْتُهُ ... عندي كبيضِ ثلاثةِ التشريقِ
ابن المعتز:
وبيضاءُ الخمارِ إذا اجتلَتْها ... عيونُ الشربِ صفراءُ الإزارِ
جَموحٌ في عَنانِ الماءِ تَنزو ... إذا ما راضَها برقُ النهارِ
أخذ معنى البيت الأول من أبي نواس حيث يقول:
فللخمرِ ما زَرَّتْ عليهِ جُيوبُها ... وللماءِ ما دارتْ عليهِ القلانِسُ
باب في
فضلات الكؤوس
أنشد:
كأنَّ الكؤوسَ بفَضلاتِها ... مُتوَّجةٌ بأكاليلِ نورِ
جيوبٌ من الوشيِ مَزورةٌ ... يلوحُ عليها بياضُ النحورِ
آخر:
وكأنما الأقداحُ مُترعةَ الحشى ... بينَ الشَّروبِ كواكبُ الجَوزاءِ
وكأنّها ياقوتةٌ فَضَلاتُها ... مَخروطةٌ من فضةٍ بيضاءِ
المُعوَّج:
تُعاطيكَ كأساً غيرَ ملأى كأنّها ... إذا مُزجَتْ أحداقُ دِرعٍ مُزرَّدِ
كأنَّ أعاليها بَياضُ سَوالفٍ ... يلوحُ على تَوريدِ خدٍّ مُورَّدِ
الناجم:
إنَّ الكؤوسَ على الخطوطِ مِلاءُ ... حُمْرُ الحشا أطواقُهُنَّ وِضاءُ
وكأنَّها وجهُ العروسِ المُجتلى ... وعلى الجبينِ عِصابةٌ بيضاءُ
رجعٌ إلى نعتِ المزاج:
(1/126)

لا عيشَ إلا منْ كفِّ ساقيةٍ ... ذاتِ دلالٍ في طرفِها مرَضُ
كأنّما الكأسُ حينَ تمزجُها ... نجومُ ليلٍ تعلو وتنخفضُ
آخر:
وساقيةٍ كأنَّ بمَفرِقَيْها ... أكاليلاً على طبقاتِ ورْدِ
لها طيبُ المُنى وصفاءُ لونٍ ... وحُمرةُ وَجنةٍ ومذاقُ شَهَدِ
أحمد بن أبي فنن:
ماذا انتظارُكَ باللذات والطربِ ... قُلْ للسُّقاة ألحّوا الكأسَ بالنُّجبِ
وأفرِغوا الماءَ في راحٍ مُعتّقةٍ ... ما أحسنَ الفضّةَ البيضاءَ في الذهَبِ
الباب العاشر في
صفائها وصفاء الكأس عليها
ابن المعتز وأحسن:
خَليليَّ قدْ طابَ الشرابُ المُبرَّدُ ... وقدْ عُدتُ بعدَ النُّسكِ والعَودُ أحمدُ
فهاتِ عُقاراً في قميصِ زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في دُرّةٍ تتوقَّدُ
يصوغُ عليها الماءُ شُباكَ فضةٍ ... لها حلَقٌ بِيضٌ تُحَلُّ وتُعقَدُ
علي بن جبَلَة:
رقَّتْ لطول بَياتِها ... فالعينُ عنها خافِيهْ
وتُريكَ رِقَّتُها كأنَّ الكأسَ منها خاليهْ
حتى إذا ولدَ الظلا ... مُ الصُّبحَ سقطاً ناحيَهْ
ناديتُ نَدماني بِهِمْ ... من خبلِ سُكرٍ ما بِيَهْ
من مُقعسٍ في مَشيِهِ ... والكأسُ فيهِ ماشيَهْ
ومُلجلجٍ بلسانِهِ ... يحكي لِساناً ثانيَهْ
وقد أحسن القائل في قوله:
له خُلْقٌ على الأيامِ يصفو ... كما تصفو على الزمنِ العُقارُ
وقد نظر إلى قول بشار:
فدعِ التبخُّتَ عن أخيكَ فإنهُ ... كسَبيكةِ الذهبِ الذي لا يُكلَفُ
ابن لنكك:
كأنّما الكأسُ على كفِّهِ ... موصولةٌ بالأنملِ الخمسِ
ياقوتةٌ حمراءُ قد صُيِّرَتْ ... واسطةٌ للبدرِ والشمسِ
قد زهقَتْ نفسي من حُبِّهِ ... وآفةُ النفسِ من النفسِ
أبو نواس:
فأُرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةٌ ... كأنّما أخْذُها بالعقلِ إغفاءُ
رقَّتْ على الماءِ حتى ما يُمازِجُها ... لَطافةً، وجفا عن شكلِها الماءُ
أبو عبادة:
أهدى إليَّ خليلٌ ... سُلَيْلَ مِسكٍ ونَدِّ
أرقُّ من لفظِ صَبٍّ ... يشكو حرارةَ وَجْدِ
كأنّهُ إنْ تجئْنا ... بلا انتظارٍ لوعْدِ
فاخلعْ عليَّ سروراً ... بكونِكَ اليومَ عندي
الموصلي:
ألا سَقَّنيها قهوةً بابليةً ... كمثلِ شعاعِ الشمسِ بل هي أفضلُ
فقد نطقَ الدُّرّاجُ بعدَ سُكوتِهِ ... ووافى كتابُ الوردِ أنّي مُقبلُ
كُشاجِم:
هتفَ الصبحُ بالدُّجى فاسْقِنيها ... قهوةً تتركُ الحليمَ سَفيها
لستُ أدري لرقةٍ وصَفاءٍ ... هيَ في كأسِها أمِ الكأسُ فيها
الصنوبري:
في إناءٍ كالثلجِ أُودعَ ناراً ... كلما أُطفئَتْ بثلجٍ تأجَّجْ
أحمرٌ فوقَهُ من الحَبَبِ الأبيضِ دُرٌّ على عتيقٍ مُدحرَجِ
ألمّ في البيت الأول بقول ابن الرومي في المروحة:
أراني إذا رَوحُ المَراوحِ مسَّني ... أُحِسُّ بنارٍ في فؤادي تأجَّجُ
ولا عجبٌ من حرِّ هذي وبردِ ذا ... كذا كلُّ نارٍ رُوِّحَتْ تتوهجُ
الناجم: أروح من ظاهر وأحرق من باطن.
بكر بن النطاح:
كأسٌ صفَتْ وصفَتْ منها زجاجتُها ... كأنّها لاشتباهِ اللونِ جَوفاءُ
لبعض الشاميين:
تُخفي الزجاجةُ لونَها فكأنّهم ... يجدون رَيّاً من إناءٍ فارغِ
ابن المعتز:
فأخرجَ بالمبزالِ منها سَبيكةً ... كما فتلَ الصّواغُ خَلخالَهُ فَتلا
وجاءَ بها كالشمسِ يأكلُ نورُها ... زُجاجتَها من كفِّ شاربِها أكْلا
وله:
وعروسٍ زُفَّتْ على بطنِ كفٍّ ... في قميصٍ مُنقَّشٍ من زُجاجِ
فهيَ بعدَ المِزاجِ توريدُ خَدٍّ ... وهيَ مثلُ الياقوتِ قبلَ المِزاجِ
أبو نواس:
أقولُ لمّا تقاربا شبَهاً ... أيُّهما للتشابُهِ الذهبُ
هما سَواءٌ وفَرْقُ بينِهما ... بأنَّ ذا جامدٌ ومُنسكبُ
ابن المعتز:
منْ لي على رغمِ الحسودِ بقهوةٍ ... بِكْرٍ رَبيبةٍ حانةٍ عذراءِ
مُخٌّ من الذهبِ المُذابِ تضمُّهُ ... كأسٌ كقشرِ الدرّةِ البيضاءِ
الصنوبري:
(1/127)

وحاملٌ جسماً من النورِ قدْ ... صُيِّرتِ النارُ لهُ روحا
إذا سقانا منحَ الكأسَ منْ ... صِفاتِهِ ما ليسَ ممنوحا
من خدِّهِ لوناً ومن ريقِهِ ... طعماً ومن نكهتِهِ ريحاً
ابن المعتز:
وندمانٍ سقيتُ الكأسَ صِرفاً ... وأُفقُ الليلِ منسدلُ السُّجوفِ
صفَتْ وصفَتْ زجاجتُها عليها ... كمعنىً دقَّ في جسمٍ لطيفِ
الصنوبري:
عُقارٌ إذا رُدّيَتْ بالزجاجِ ... تردّى الزجاجُ لها بالبَهاءِ
فيأتي الإناءُ لها حاملاً ... وتُحسَبُ حاملةً للإناءِ
تَثنّى بِحَرٍّ كحرِّ الفِراقِ ... وتبدو ببردٍ كبردِ اللقاءِ
لها حببٌ ما طفا في الإناءِ ... حسبتَ النجومَ طفَتْ في الإناءِ
فتلكَ التي ما عراها النديمُ ... فعُرِي عن لُبسِ ثوبِ البقاءِ
أبو عبادة:
طرقَتْنا تلكَ الهديةُ والصهباءُ من خيرِ ما تبرّعْتَ تُهدي
واقتصَرْنا على التي فاجأَتْنا ... وردةٌ عندما استُشِفَّتْ لِوردِ
لبسَتْ زُرقةَ الزجاجِ فجاءَتْ ... ذهباً يستنيرُ في لازَورْدِ
الموصلي:
وصافيةٍ تغشى العيونَ رقيقةٍ ... رهينةِ عامٍ في الدنانِ وعامِ
أدرْنا بها الكأسَ الرويَّة بيننا ... منَ الليلِ حتى انجابَ كلُّ ظلامِ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى كأنَّنا ... من العيِّ نحكي أحمدَ بن هشامِ
الناجم:
وقهوةٍ كشعاعِ الشمسِ صافيةٍ ... مثلِ السرابِ تُرى من رِقّةٍ شَبَحا
إذا تعاطيتَها لم تُدرِ من فرحٍ ... راحاً بلا قدَحٍ أعطيتَ أمْ قَدَحا
ابن أبي البغل:
وكأسٍ لُجينٍ صوَّرَ القينُ بينَها ... ثلاثَ قِيانٍ قد لبسْنَ المَجاسِدا
عرفتُ لها وزناً فلمّا ملأتُها ... منَ الراحِ كانَ الوزنُ بالراحِ واحدا
كذاكَ الهَيولى أنتَ واجدُ حِسِّهِ ... ولستَ لهُ باللمسِ بالكفِّ واجِدا
السروي:
عُنِيَتْ بالمُدامةِ الشعراءُ ... وصفوها وذاكَ عندي عَناءُ
كيفَ تحصيلُ علمِها وهيَ موتٌ ... وحياةٌ وعلّةٌ وشفاءُ
فهي في باطنِ الجوانحِ نارٌ ... وهيَ في ظاهرِ المَحاجرِ ماءُ
حلوةٌ مزّةٌ فما أحدٌ يد ... ري أداءٌ خصوصُها أمْ دواءُ
أبو تمام:
وكأنَّ بهجتَها وبهجةَ كأسِها ... نارٌ ونورٌ قُيِّدا بوِعاءِ
أو دُرّةٌ بيضاءُ بِكْرٌ أُطبقَتْ ... حبَلاً على ياقوتةٍ حمراءِ
التنوخي:
وراحٍ من الشمسِ مخلوقةٍ ... بدَتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنّهُ ساكنٌ ... وماءٌ ولكنهُ غيرُ جارِ
إذا ما تأمّلتْها وهيَ فيهِ ... تأملتَ ماءً مُحيطاً بنارِ
فهذي النهاية في الإبيضاضِ ... وهذي النهايةُ في الإحمرار
وما كانَ لي في الحُكمِ أن يُوجَدا ... لفرطِ تَنافيهِما والنِّفارِ
ولكنْ تجاورَ سَطحاهما البسيطانِ فائتَلَفا بالجِوارِ
كأنَّ المديرَ لها باليمينِ ... إذا مالَ بالسَّقيِ أو باليسارِ
تدرَّعَ ثوباً من الياسمينِ ... لهُ فرْدٌ كُمٌّ من الجُلّنارِ
الباب الحادي عشر في
شعاعها وتلألئها
أبو نواس:
أدنى سراجاً وساقي الخمرِ يمزجُها ... فصارَ في البيتِ كالمصباحِ مِصباحُ
كِدنا على علمِنا ... للشكِّ نسألُهُ أراحُنا نارُنا أم نارُنا راحُ
يُديرُها مُستعيرٌ خُلْقَ جاريةٍ ... على تَرائبِهِ والنَّحرِ أوضاحُ
يكادُ يجرحُ قلبي طرْفُ مُقلتِهِ ... بلْ كلُّ أطرافِهِ للقلبِ جَرّاحُ
فالدرُّ مَضحكُه والقوسُ حاجبُهُ ... والسهمُ عيناهُ والأشفارُ أرماحُ
الناشئ:
يا رُبّما كأسٍ تناولتُها ... تسحبُ ذيلاً من تَلاليها
كأنّها نارٌ ولكنّها ... مُنَعِّمٌ، واللهِ، صالِيها
الحسن بن رجاء:
وقهوةٍ في كأسِها ... منْ غيرِ نارٍ سُرجُ
تمزجُها قُبلةُ منْ ... يَحسُنُ منهُ الغَنَجُ
نازَعنِيها في غنِجٌ ... في مُقلتيهِ دَعَجُ
كأنَّ روحي طرَباً ... بروحِهِ تمتزجُ
بِتْنا على مُلهِيَةٍ ... كلٌّ بكلٍّ لَهِجُ
(1/128)

يهذي فواتاً ساعةً ... وساعةً يعتلجُ
ليسَ على العاشقِ في ... حِلّةِ هذا حرَجُ
أبو نواس:
وكأسٍ كمصباحِ السماءِ شربتُها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ
أتَتْ دونَها الأيامُ حتى كأنها ... تَساقُطُ نَوْرٍ من فُتوقِ سَماءِ
أخذه من قول جرير:
تُجري السِّواكَ على أغرَّ كأنّهُ ... برَدٌ تَحدَّرَ من مُتونِ غَمامِ
آخر:
وكأسٍ سبَتها التَّجرُ من أرضِ بابلٍ ... كرِقّةِ ماءِ الدمعِ في الأعينِ النُّجلِ
كأنَّ بقايا ما عفا من حَبابِها ... عيونُ الدُّبا من تحتِ أجنحةِ النملِ
وشُجّت فقالت بالمزاج فأُبرزَتْ ... كألسنةِ الحيّاتِ خافَتْ من القَتْلِ
ابن الرومي:
أبصرتُهُ والكأسُ بينَ فمٍ ... منهُ وبينَ أناملٍ خمسِ
فكأنّهُ والكأسُ في فمِهِ ... قمرٌ يُقبِّلُ عارضَ الشمسِ
الصنوبري:
إلاّ تَقُمْ تُشعِلِ السراجَ فقُمْ ... بشُعلةٍ في إنائِها تُسْرَجْ
ما زوَّجَ الماءُ بنتَ عاشرةٍ ... أرقَّ منها في العينِ أو أبهجْ
آخر:
تغشى بياضَ عينِ شاربِها ... فتخالها بيمينِ مُختضِبِ
دارَتْ وعينُ الشمسِ غائبةٌ ... فحسبْتُ عينَ الشمسِ لم تغِبِ
التنوخي:
باتَ يسقيني وأحسو ... ذهباً للهَمِّ مُذهِبْ
وردةً ضاحكةً عنْ ... أقحوان حين يٌقطَبْ
لو أدرْناها على مَيْتٍ لكادَ الميتُ يطرَبْ
صُبِّبَتْ في الكأسِ منها ... كالشُّعاعِ المُتصوِّبْ
أبو نواس:
وكأسٍ كفَتقِ الصُّبحِ باتَتْ تَرُوقُني ... على وجهِ معبودِ الجمالِ رخيمِ
إذا قُلتُ علِّلْني بريقِكَ أقبلَتْ ... مراشفُهُ حتى يُصبْن صَميمي
المتنبي:
سقَتْني بها القُطْرُبُّليَّ مَليحةٌ ... على كاذبٍ من وعدِها ضوءُ صادقِ
سُهادٌ لأجفانٍ لناظرٍ ... وسُقمٌ لأبدانٍ ومِسكٌ لناشقِ
وأغيدُ يهوى نفسَهُ كلُّ عاقلٍ ... أديبٍ ويهوى جسمَهُ كلُّ فاسِقِ
يُحدِّثُ عمّا بينَ عادٍ وبينَهُ ... وصُدغاهُ في خَدَّيْ غلامٍ مُراهقِ
أديبٌ إذا ما جَسَّ أوتارَ مِزهَرٍ ... بلا كلِّ سَمعٍ عن سواه بعائقِ
أبو عبادة:
ألا ربّما كأسٍ سقاني سُلافَها ... رَهيفُ التَثَنّي أوضحُ الثغرِ أشنَبُ
إذا أخذَتْ أطرافُهُ ضوءَ نارها ... رأيتَ اللجينَ بالمُدامةِ يُذهَبُ
كأنَّ بعينيهِ الذي جاءَ حاملاً ... بكفّيهِ منْ ناجودِها حينَ تُقطَبُ
لأسرعَ في عقلي الذي بِتُّ مَوْهناً ... أرى من قريبٍ لا الذي كنتُ أشربُ
أبو الشيص:
يطوفُ علينا بها أحْوَرُ ... يداهُ من الكأسِ مخضوبتانِ
غزالٌ تَميس بأعطافِهِ ... قَناةٌ تعطَّفُ كالخَيزرانِ
آخر:
وصفراءَ قبلَ المزجِ بيضاءَ بعدَهُ ... كأنّ شعاعَ الشمسِ يلقاك دونَها
ترى العينَ تستعفيكَ من لمعانِها ... وتَحسُرُ حتى ما تُقِلُّ جفونَها
البسامي:
ذُدْ بماءِ العينِ والعنبِ ... خَطراتِ الهمِّ والنُّوَبِ
قهوةً لو أنّها نَطقَتْ ... ذكرَتْ ساماً أبا العرَبْ
وهيَ تكسو كفَّ شاربِها ... دِستباناتٍ من الذهَبِ
أبو نواس:
إذا عَبَّ فيها شاربُ القومِ خِلتَهُ ... يُقبّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
يرى حيثُما كانتْ من البيتِ مشرِقاً ... وما لم يكن فيهِ من البيتِ مغرِبا
أخذه من قول الخليع:
كأنّما نُصْبَ كأسِهم قمرٌ ... يكرعُ في بعضِ أنجمِ الفلَكِ
آخر هو أبو نواس:
وكأنَّ شاربَها لفرطِ شعاعِها ... بالليلِ يكرعُ في سنا مقباسِ
وألذُّ من إنعامِ قُبلةِ عاشقٍ ... وافَتْهُ بعدَ تمنُّعٍ وشِماسِ
أبو نواس:
قال ابغني المصباحَ قلتُ لهُ اتَّئِدْ ... حسبي وحسبُكَ ضوءُها مِصباحا
فسكبْتُ منها في الزجاجةِ شَربةً ... كانتْ لهُ حتى الصباحِ صَباحا
وخَمريّاتُ أبو نواسٍ ونُعوتُها في جملة الشعر كالقرحة في جبهة الأدهم، والرُّقمة في ذراع الحمار، والشامة في الجلد.
الباب الثاني عشر في
الشرب واستطابته
وتغنم السرور واستدفاع الغم به
(1/129)

أنشد:
اشرَبْ هنيئاً على وَردٍ وتَوريدِ ... ولا تدَعْ طِيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحنُ الشهودُ وخَفقُ العودِ خاطِبُنا ... فزوّجِ ابنَ غَمامٍ بنتَ عنقودِ
كأساً إذا أبصرَتْ في القومِ مُحتشِماً ... قالَ السرورُ له: قُمْ غيرَ مطرودِ
أما ترى الحُسنَ والإحسانُ قد جُمِعا ... فاشرَبْ فإنّكَ في عرسٍ وفي عيدِ
الحسين بن الضحاك:
عاقِرْ عُقارَكَ واصطَبحْ ... وامزُجْ سرورَكَ بالقدَحْ
وافرَحْ بيومِكَ إنّما ... عُمرُ الفتى يومُ الفرَحْ
ابن المعتز:
شرِبْنا بالصغيرِ وبالكبيرِ ... ولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ
فقدْ ركضَتْ بنا خيلُ الملاهي ... وقد طِرْنا بأجنحةِ السرورِ
أنشد الجاحظ لغيره:
أرى للكأسِ حقاً لا أراه ... لغيرِ الكأسِ إلاّ للنديمِ
هو القُطبُ الذي دارتْ عليهِ ... رحى اللذاتِ في الزمنِ القديمِ
أبو نواس ويُروى لغيره:
ما العيشُ إلاّ في جنونِ الصِّبا ... فإنْ تولّى فجنونُ المُدامِ
كأساً إذا ما الشيخُ والى بها ... خمساً تردّى برداءِ الغلامِ
أخذه من حسان:
إنْ شرخَ الشباب والشعَرَ الأسودَ ما لم يُعاصَ كانَ جنونا
وفي الحديث: الشباب شعبةٌ من الجنون.
العتبيّ:
قالتْ: عهدْتُكَ مجنوناً فقلتُ لها: ... إنَّ الشبابَ جنونٌ بُرؤُهُ الكِبَرُ
العطوي:
لمّا رأيتُ الدهرَ دهرَ الجاهلِ ... ولم أرَ المحزونَ غيرَ العاقلِ
شربْتُ صِرفاً من كرومِ بابلِ ... فصرتُ من عِقلي على مراحِلِ
بشار:
ذَريني أشُبْ همي براحٍ فإنّني ... أرى الدهرَ فيهِ غُمّةٌ ومَضيقُ
وما أنا إلاّ كالزمانِ إذا صحا ... صحوْتُ، وإنْ ماقَ الزمانُ أموقُ
القُطامي:
ألا عَلِّلاني، كلُّ حيٍّ مُعلَّلُ ... ولا تعداني الشرَّ والخيرُ مُقبِلُ
فإنّكما لا تدريانِ أما مضى ... منَ الدهرِ، أمْ ما قدْ تأخرَ، أطولُ
ابن همّام:
قُومي اصبَحيني فما صِيغَ الفتى حَجراً ... لكنْ رهينةُ أجداثٍ وأرماسِ
رَوِّي عظامي فإنَّ الدهرَ مُنتكِسٌ ... أفنى لُقَيْماً وأفنى مُلكَ هُرْماسِ
اليومَ خمرٌ ويأتي في غدٍ خبَرٌ ... والدهرُ ما بينَ إنعامٍ وإبآسِ
فاشرَبْ على حدَثانِ الدهرِ مُرتفِقاً ... لا يصحبُ الغمُّ قَرْعَ السِّنِّ بالكاسِ
وأخبرني أبو عبد الله المزرباني عن الناجم أن ابن الرومي كان يستعقل قول ابن مقبل:
ما أطيبَ العيشَ لو كانَ الفتى حجَراً ... تنبو الحوادثُ عنهُ وهوَ مَلمومُ
وقيلَ للأعشى: ما تشتهي؟ فقال: صهباء صافيةً تمزجها غانيةٌ من صوبٍ غادية؛ فاتصل هذا الخبر بالعَطَويّ، فقال: أشتهي غلاماً أحور، وطبخاً أغبر، وشراباً أحمر. واتصل بالخليع فقال: أشتهي أعين الرقباء، وألسن الوشاة، وأكباد الحسّاد. وقيل لامرئ القيس: ما تشتهي؟ فقال: بياضَ رُعبوبة. بالشحم مكروبة، وبالطيب مشبوبة. وقيل لطرفة: ما تشتهي؟ فقال: مشرباً هنيئاً، ومطعماً شهياً، ومركباً وَطِيّاً.
ديك الجن:
ظلَّتْ مطايا الملاهي وهيَ واجِفةٌ ... وظلَّلتْنا مطايا الوردِ والآسِ
باكرْتُها قبلَ إسفارِ الضحى بيدي ... فما تبلَّجَ حتى نكَّستْ راسي
منظور بن زَبّان:
ألا لا أبالي اليومَ ما صنعَ الدهرُ ... إذا ما نأتْ عني مُلَيْكةُ والخمرُ
وما منهما إلاّ شديدٌ فِراقُهُ ... فِراقُ النَّدامى والمُخدّرةُ البِكْرُ
أبو عبادة:
ولا أريحيّةَ حتى يُرى ... طَروبُ العشيّةِ نَشوانَها
وليستْ مُداماً إذا أنتَ لمْ ... تُواصِلْ معَ الشربِ إدمانَها
شبيبةَ لهوٍ تَلافيتُها ... فسايرتْ بالراحِ رَيعانَها
يزيد بن معاوية:
أقولُ لصحبٍ ضمّتِ الكأسُ شملَهُمْ ... وداعي صباباتِ الهوى يترنّمُ
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذّةٍ ... فكلٌّ وإنْ طالَ المدى يتصرَّمُ
ألا إنَّ أهناَ العيشِ ما سمحتْ بهِ ... صُروفُ الليالي والحوادثُ نُوَّمُ
قال:
ناديتُ في الدَّيرِ بني علقَما ... أسقيهُم مشمولةً عندَما
(1/130)

كأنَّ ريحَ المسكِ في كأسِها ... إذا مزجْناها بماءِ السَّما
علقمُ، ما بالُكَ لم تأتِنا ... أما اشتهَيْتَ اليومَ أن نَنعَما
مَن سرَّهُ العيشُ ولذّاتُهُ ... فلْيجعَلِ الراحَ لهُ سُلّما
آخر، هو أبو نواس:
فاسقِني كأساً على عذَلٍ ... كرهَتْ مسموعَهُ أُذُني
من كُميتِ اللونِ صافيةٍ ... خيرِ ما سلْسلتَ في بدَني
ما استقرتْ في فؤادِ فتىً ... فدرى ما لوعةُ الحزنِ
أعرابي:
ألم ترَ أنَّ حارثةَ بنَ بدرٍ ... أقامَ بديرِ أبلقَ من كُوارا
مُقيماً يشربُ الصَّهباءَ صِرفاً ... إذا ما قلتَ تصرَعهُ استدارا
العطوي:
لم أحاكِمْ صُروفَ دهريِ إلى ال ... أقداحِ حتى فقدَتُ أهلَ السَّماحِ
أحمدُ اللهَ صارَتِ الكأسُ تأسو ... دونَ إخوانيَ الثقاتِ جِراحي
ابن المعتز:
خليليَّ اترُكا قولَ النصيحِ ... وقوما وامزُجا راحاً بروحِ
فقدْ نشرَ الصباحُ رداءَ نورٍ ... وهبّتْ بالندى أنفاسُ ريحِ
وحانَ ركوعُ إبريقٍ لكأسٍ ... ونادى الديكُ حيَّ على الصَّبوحِ
وحنَّ النايُ من طربٍ وطِيبِ ... إلى ناي يُكلّمهُ فَصيحِ
هلِ الدنيا سوى هذا وهذا ... وساقٍ لا يفارِقنا مليحِ
أبو نواس:
ألم ترَني أبحتُ اللهوَ عِرضي ... وعضَّ مراشفِ الظبْيِ المَليحِ
وإنّي عالمٌ أنْ سوفَ ينأى ... مسافةُ بينَ جُثماني وروحي
ابن المعتز:
إذا سكنَتْ قلباً ترحّلَ همُّهُ ... وطابَتْ لهُ دنياهُ واتَّسعَ الضَّنكُ
وما المُلكُ في الدنيا همومُ وحسرةٌ ... ولكنّما مُلكُ السرورِ هوَ المُلكُ
الحكمي وهو أبو نواس:
ومُدامةٍ سجدَ الملوكُ لها ... بكرْتُها والديكُ قد صدَحا
صِرفاً إذا استنْبطْتَ سَورتَها ... أدَّتْ إلى مَعقولِكَ الفرَحا
الخليع:
الراحُ تُفّاحٌ جرى ذائباً ... وهكذا التفاحُ راحٌ جمَدْ
فاشرَبْ على جامدِها ذَوْبَها ... ولا تدَعْ لذّةَ يومٍ لغَدْ
آخر:
امدَحِ الكأسَ ومنْ يعملُها ... واهْجُ قوماً قتلونا بالعطَشْ
إنّما الكأسُ ربيعٌ حاضرٌ ... وإذا ما غابَ عنّا لم نعِشْ
الحسين بن الضحاك:
مضى من تزَمُّتِنا ما مضى ... ولا بُدَّ منْ دولةٍ للَّعِبْ
سأونِسُ بالراحِ رُوحَيْكُما ... وللروحِ بالراحِ أُنسٌ عجَبْ
سكنْتُ إلى الراحِ وَجداً بها ... سُكونَ المحبِّ إلى منْ أحَبْ
أراها تُولِّدُ لي راحةً ... تَولَّدُ منْ حيثُ لا أحتسِبْ
أحمد بن أبي كامل:
يا رُبًّ كأسٍ قدْ سبقْتُ بها ... عَذْلَ العذولِ وغُرّةَ الشمسِ
فكأنّما الليلُ الطويلُ بها ... قِصَراً وطِيباً، قُبلةُ الخَلْسِ
ديك الجن:
وباكرْتُ الصَّبوحَ على صباحٍ ... يلوحُ من السوالفِ والسُّلافِ
وعذراوَيْنِ من حلَبِ الأماني ... أدرْتُهما ومن حلَبِ القِطافِ
أدرْنا منهما قمراً وشمساً ... وشمسُ اللهِ مُسرَجَةُ الغلافِ
خذي حلَبَ الحياةِ ولا تبيعي ... رجاءَكِ بالمخافةِ لنْ تخافي
ابن الطثرية:
ولولا ثلاثٌ هنَّ منْ عيشةِ الفتى ... وجدِّكَ لمْ أحفِلْ متى قامَ رامِسُ
فمنهُنَّ سَبقي العاذلاتِ بشَربةٍ ... كأنَّ أخاها مَطلعَ الشمسِ ناعِسُ
ابن الرومي:
وصافيةٍ ما بها من قَذىً ... لها نفحاتٌ تذودُ الشذى
تُميتُ الهمومَ وتُحيي السرورَ ... وتشفي السقيمَ وتَنفي الأذى
كأنَّ الأماني مثَّلْنَها ... فقالَ لها اللهُ كوني كذا
تغادرُ عينكَ مطروفةً ... وأذنَكَ حمراءَ فيها حَذى
ابن المعتز:
مَن لامَني في المُدامِ فهْوَ كمَنْ ... يكتبُ بالماءِ في القراطيسِ
وطالع قول بعض العرب مطالعةً خفيّةً وألطف:
فأصبحتُ من ليلى الغداةَ وذِكرِها ... كقابضِ ماءٍ لم تسقْهُ أنامِلُهْ
غيره:
خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْ ... واشْكُ الهمومَ إلى المُدامةِ والقدَحْ
واحفظْ فؤادَكَ إنْ شربْتَ ثلاثةً ... واحذَرْ عليهِ أن يطيرَ من الفرحْ
ابن المعتز:
(1/131)

عُقاراً تنفَّسُ عن مِسكَةٍ ... ترى فوقَها لؤلؤاً جائلا
يصيبُ الفتى كلَّ حاجاتِهِ ... ويذهبُ تَفنيدُهُ باطلا
العطوي:
في الراحِ لي راحةٌ من بعضِ ما أجدُ ... فسَقِّنيها سَقاكَ البارِقُ الرَّعِدُ
كأنّني إذْ لثمتُ الكأسَ مُلتَثِمٌ ... خدّاً به خجَلُ التَّجميشِ مُتَّقِدُ
الحسن بن وهب:
باكِرْ صَبوحَكَ بالتي ... تنفي الهمومَ منَ الفِكَرْ
خُذْ من زمانِكَ ما صفا ... ودَعِ الذي فيهِ الكَدَرْ
فالدهرُ أقصرُ منْ مُعا ... تبةِ الزمانِ على الغِيَرْ
آخر:
العُمرُ أقصرُ مدّةً ... منْ أنْ يُمحَّقَ بالعِتابِ
أو أنْ يُكدَّرَ ما صفا ... منهُ بهَجرٍ واجْتِنابِ
ابن المعتز:
فتنتْهُ السُّلافةُ العذراءُ ... فلها وُدُّ نفسِهِ والصفاءُ
رُوحُ دَنٍّ لها من الكأسِ جسمٌ ... فهيَ فيهِ كالنارِ وهيَ هواءُ
فإذا مَجَّتِ الأباريقُ ماءَ ال ... مُزنِ فيها شابَتْ وشابَ الماءُ
وكأنَّ الحَبابَ إذْ مزجوها ... وردة فوق وردة بيضاء
وكأن النديم يلثم منها ... كوكباً كَفُّهُ عليهِ سَماءُ
آخر:
لم يُسْعِدِ الدهرُ بآمالِهِ ... فاسْتَعِدِ الكأسَ على الياسِ
وكلّما عادَ لهُ بأسُهُ ... بروعةٍ مالَ إلى الكاسِ
أبو نواس:
باكِرِ الشربَ غداةَ عرفَهْ ... منْ شَمولٍ جاوزَتْ حَدَّ الصَّفَهْ
بنتُ أحوالٍ إذا ما صُفِّقَتْ ... خِلتَ فيها سُرُجاً مُختلفَهْ
إنّما النُّسكُ لمنْ حَلَّ مِنىً ... ولمنْ أصبحَ بالمُزدلفَهْ
فاشربِ الراحَ ودعْ أقوالَهُمْ ... لا تكونَنَّ قليلَ المعرفَهْ
ابن المعتز:
ولقدْ علمتُ بأنَّ شُربَ ثلاثةٍ ... تِرياقُ هَمّ مُسرعٌ بنجاتي
فاشربْ على مُوقِ الزمانِ ولا تمُتْ ... أسفاً عليهِ دائم الحسَراتِ
الباب الثالث عشر في
طعمها
أنشد:
صفراءُ زانَ رُواءَها مَخبورُها ... فلها المهذّبُ من ثناءِ الحاسي
وألذُّ من إنعامِ قُبلةِ عاشقٍ ... وافَتْهُ بعدَ تعتّبٍ وشِماسِ
حبيب:
إذا ذاقَها وهيَ الحياةُ رأيتَهُ ... يُعبِّسُ تَعبيسَ المُقدَّمِ للقتلِ
أبو نواس:
وكأنَّ عُقبى طعمِها صَبِرُ ... وعلى البديهةِ مُزَّةُ الطعمِ
ترمي فتقصدُ منْ لهُ قصدَتْ ... جَمَّ المِراحِ دَريرةَ السهمِ
أبو علي البصير:
مُورّدةً طافَتْ فأحْيَتْ جَوانحاً ... قِفاراً جَفاها الخِصبُ والعيشةُ الرغدُ
مذاقَتُها شَهدٌ ونكهتُها نَدُّ ... وعيشتُها رغْدٌ وصِبغتُها وَرْدُ
وما الخُلدُ في الدنيا بعُمرٍ تُطيلُهُ ... ولكنّما عُمْرُ السرورِ هوَ الخُلْدُ
أبو نواس:
مِن شرابٍ ألذَّ من نظَرِ المعشوقِ في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظٌ تنبو الطبيعةُ عنهُ ... نبوةَ السمعِ عن شَنيعِ الكلامِ
الحسين بن الضحاك:
إذا جُزتُما حِمصاً إلى سُوقِ خالدٍ ... فلا تسألا باللهِ ما صنعَتْ حمصُ
سقَوْني من المُسطارِ كأساً نسيمُها ... عُصارةُ خرنوبٍ ومطعَمُها عَفْصُ
كأنَّ نداماها صُقورةُ قانصٍ ... تَسوَّغُ فضلَ الطُّعْمِ أو رَخَمٌ عَصُّ
أبو هفّان:
قدْ لاحَ بالدَّيرِ نارُ العابدينَ وقدْ ... نَضا الدُّجى لُبسَهُ عنْ بَسطَةِ النظَرِ
فقُمْ بنا نَتصلاّها مُعتّقةً ... يُغني تَنسُّمُها عن مَطعَمٍ خَصِرِ
ألذَّ من نظرةِ المعشوقِ وَرَّدَها ... صِبغُ الحياءِ وفَرطُ الدلِّ والخفرِ
العطوي:
وطيّبةِ المَذاقةِ بنتِ خِدْرٍ ... كبنتِ الخِدرِ في طِيبِ المذاقِ
قصرْتُ بشُربِها عمرَ الملاهي ... وأطلقت الفؤاد من الوثاق
أُغاديها على شَدْوِ الأغاني ... معَ الوُصفاءِ في البِيضِ الرُّقاقِ
نُوَشِّحُهُنَّ بالأيدي وِصالاً ... ونَنظِمُهُنَّ في طَوْقِ العِناقِ
الباب الرابع عشر في
تحميرها العين والخد
أبو نواس:
لا تبكِ ليلى ولا تطْرَبْ إلى هندِ ... واشرَبْ على الوردِ منْ حمراءَ كالورْدِ
(1/132)

كأساً إذا انحدرَتْ في حلْقِ شاربِها ... وجدْتَ حُمرتَها في العينِ والخدِّ
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ ... من كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقةِ القدِّ
تسقيكَ من عينِها خمراً ومن يدِها ... خمراً فما لكَ من سُكرَيْنِ من بُدِّ
لي نَشوتانِ، وللندمانِ واحدةٌ ... شيءٌ خُصِصْتُ بهِ من بينهمْ وحدي
قال علي الأسواري: أنشدتُ المأمون هذه المقطوعة، فقال: هذا نعت الخمر، لا قول من قال:
ألا هُبِّي بسَلْحِكِ فالْطخينا
الحسن بن وهب:
وردةُ اللونِ في خُدودِ النَّدامى ... وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوسِ
لطُفَتْ فاغْتدَتْ تَحُلُّ منَ ال ... أجسادِ من لُطفِها محلَّ النفوسِ
سهلةٌ في الحلوقِ لا غَوْلَ فيها ... وهيَ خَشناءُ صعبةٌ في الرؤوسِ
مسلم:
إذا شئتُما أن تسقِياني مُدامةً ... فلا تقتُلاها كلُّ ميْتٍ مُحرَّمُ
خلطْنا دماً من كرْمةٍ بدمائنا ... فأشرقَ في الألوانِ منّا الدمَ الدمُ
أخذه من قول حسان:
إنَّ التي ناولتني فرشبتُها ... قُتلتْ، قُتلَتْ، فهاتِها لمْ تُقتَلِ
كِلتاهُما حلَبُ العصيرِ فهاتِها ... بزجاجةٍ أرخاهُما للمَفْصِلِ
بزجاجةٍ رقصتْ بما في قعرِها ... رقْصَ القَلوصِ براكبٍ مستعجِلِ
وقال الأعرابي خلافَهما:
فقلتُ اقتلوها عنكمُ بمزاجِها ... وحُبَّ بها مقتولةً حين تُقتَلُ
ابن الرومي:
وصفراءَ بِكرٍ لا قذاها مُغيّبٌ ... ولا سرَّ منْ حلَّتْ حَشاهُ مُكَتَّمُ
يَنِمُّ على الأمْرينِ فرْطُ صفائِها ... وسَورتُها حتى يبوحَ المُجَمْجَمُ
هيَ الوَرسُ في بِيضِ الكؤوسِ فإنْ بدَتْ ... لعينيكَ في بيضِ الوجوهِ فعندَمُ
ابن المعتز:
ومقتولِ سُكرٍ عاشَ لمّا دعوْتُهُ ... فبادرَ مسروراً يرى غيَّهُ رُشْدا
وقامَ يُثنّيهِ بقايا خُمارِهِ ... وقدْ قطفَتْ عيناهُ من خدِّهِ وَرْدا
ابن الرومي:
أدريا سلامةُ كأسَ العُقارِ ... وضاهِ بشَدْوِكَ نَوْحَ القَماري
وخذْها مُعتّقةً مُزّةً ... تَصُبُّ على الليلِ ثوبَ النهارِ
ينازعُها الخدُّ جِريالَها ... فتُهديهِ للعينِ يومَ الخُمارِ
آخر:
مُتدلِّلٌ من وجهِهِ بدرُ الدُّجى ... مُتهلَّلٌ وغمامُهُ أزرارُهُ
سلَبَ احمرارَ الراحِ حمرةُ خدِّهِ ... فأعادَهُ للمُقلتَيْنِ خُمارُهُ
الباب الخامس عشر في
شرب يوم الدجن
ابن المعتز:
اشربْ فقد طابتِ الكؤوسُ ... وغابَ عن يومِكَ النُّحوسُ
غمامةٌ في السماءِ تبكي ... والأرضُ من تحتها عروسُ
في كلِّ يومٍ جديدُ نَوْرٍ ... عليهِ دمعُ الندى حَبيسُ
العلوي:
كيفَ يُرجى لمُقلتيَّ هُدوٌّ ... وحبيبي لجفنِ عيني عدوُّ
بأبي من نَعمتُ منهُ بيومٍ ... لم يزلْ للسرورِ فيه نُموُّ
يومُ دجنٍ قد التقى طرفاهُ ... فكأنَّ العَشيَّ فيهِ غُدوُّ
إذْ لشخصِ الرقيبِ عنّي تناءٍ ... ولبدرِ السماءِ مني دُنوُّ
الصنوبري:
اليومُ يا هاشميُّ يومٌ ... لِباسُهُ الطلُّ والسحابُ
ما لوّنَ الزعفرانُ ما قدْ ... لوّنَ من مائهِ الترابُ
تذهبُ أمواجهُ كخيلٍ ... شُقرٍ، لها وسطَها عِرابُ
فباكر الشربَ قبلَ فَوتٍ ... قد برد الشربُ والشرابُ
وهاتِ نستنطقِ الملاهي ... من قبلِ أن ينطقَ الغُرابُ
ما للهُدى بينَنا مكانٌ ... ما امكنَ الكُوبُ والكتابُ
مَجلِسُنا في السماءِ مُوفٍ ... بنا كما أوفَتِ العُقابُ
وراحُنا هذهِ عجوزٌ ... لكنَّ ريحانَنا شبابُ
يديرها شادِنٌ مَصوغٌ ... من رحمةٍ وسطَها عذابُ
لي إلفُ بابٍ إلى هواهُ ... وليسَ للصبرِ عنهُ بابُ
كان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يشرب في متنزّه وعنده ماني المُوَسْوَس فقال عبيد الله:
أرى غيماً تُؤلِّفُهُ جَنوبٌ ... بلا شكٍّ سيأتينا بهَطْلِ
فحزْمُ الرأيِ أن تدعو برِطْلٍ ... فتشربُهُ وتأمرُ لي برطلِ
فقال ماني: ما هكذا قال الشاعر، إنما هو:
(1/133)

أرى غيماً تُؤلِّفُهُ جَنوبٌ ... أراهُ على مَساءَتِنا حَريصا
فحزْمُ الرأيِ أن تدعو برِطْلٍ ... فتشربُهُ وتكْسوني قَميصا
وطريد هذا الخبر ما كتب جحظه إلى قوم استدعوه إلى شراب فقال:
وجماعةٍ نشطتْ لشُربِ مُدامةٍ ... بعثوا رسولَهُمُ إليَّ خصوصا
قالوا اقترحْ لوناً يُجادُ طبيخُهُ ... قلتُ اطبخوا لي جُبّةً وقَميصا
أنشد:
وغيثٍ دَرورِ المُقلتينِ كأنّما ... مَدامعُهُ فوقَ الثَّرى لؤلؤ أَثْرى
شربْتُ عليهِ قهوةً بابليّةً ... هيَ الخمرُ أو عُودٌ تُناولُهُ جَمْراً
آخر وقد أبدع في قوس قزح:
وصاحبٍ يقدحُ لي ... نارَ السرورِ بالقدَحْ
في روضةٍ قد لُبستْ ... منْ لؤلؤِ الطلِّ سُبَحْ
يألفني حَمامُها ... مُغتبَقاً ومُصطَبَحْ
والجوُّ في مُمَّسكٍ ... طِرازُهُ قوسُ قُزَحْ
يبكي بلا حزنٍ كما ... يضحكُ من غيرِ فرَحْ
ابن المعتز:
أيا جارةَ العُودِ غنّي لي ... ويا ساقيَ القومِ لا تنْسَنا
فقدْ لبِسَ الجوُّ بينَ السما ... ءِ والأرضِ مِطْرَفَهُ الأدْكَنا
آخر:
في يومِ غيمٍ ترى سحائبَهُ ... برْقَ ابتسامٍ ورعدَ تَصفيقِ
علي بن داود:
سَقياً ليومِ صَبوحِنا ... إذْ غُيِّبَتْ عنهُ الشَّوامِتْ
يومٌ كأنَّ سماءَهُ ... حُجِبَتْ بأجنحةِ الفواخِتْ
وكأنَّ نثرَ قِطارِهِ ... دُرٌّ على الأوراقِ نابِتْ
وكأنَّ وشيىَ رِياضِهِ ... وشيٌ يُنشَّر للنواعِتْ
وكأنّما الأوتارُ في ... هِ جَلاجلٌ نُطْقٌ صَوامِتْ
فارْبَعْ بهِ وبمثلِهِ ... لا تأسفَنَّ لفَوتِ فائِتْ
الفضل بن الربيع:
أما ترى اليومَ ما أحلى شمائلَهُ ... صَحوٌ وغيمٌ وإبراقٌ وإرْعادُ
كأنّهُ أنتَ يا منْ لستُ أذكرُهُ ... وصْلٌ وهجْرٌ وتقريبٌ وإبعادُ
آخر:
يومٌ يحفُّ بجانبَيْهِ سرورَهُ ... والأرضُ وشْيٌ والسماءُ بُروقُ
نَوحٌ من الوُرْقِ الحمامِ لمِبرحٍ ... وعَلْيهِ جَيبُ سَحائبٍ مَشقوقُ
ابن الرومي:
واليومُ مَدجونٌ فحُرّته ... فيهِ بمُطّلعٍ ومُحتجَبِ
شمسٌ تُسايرُنا وقدْ بعثَتْ ... نوراً يُطالعُنا بلا لهَبِ
والعُودُ يضحكُ كيْ تُجاوِبَهُ ... معشوقةٌ موموقةُ الصخبِ
مسلم:
ويومٍ كأنَّ الشمسَ فيهِ مريضةٌ ... منَ الدجنِ مطلولِ الضحى والظهائرِ
جمعْتُ لهُ الأشتاتَ منْ كلِّ لذّةٍ ... وأمسكْتُ منْ أنفاسِها بالمزاهرِ
الصنوبري:
يومٌ ذُيولُ سُحبِهِ ... على الثرى مُنسحبَهْ
سماؤُهُ من فضّةٍ ... وأرضُهُ منْ ذهَبَهْ
وكأسُها مَخضوبةٌ ... أوتارُها مُصطخبَهْ
آخر:
ويومٍ يُؤثِرُ اللذا ... تِ فيهِ منْ لهُ أدَبُ
وشمسٍ منْ وراءِ الدج ... نِ تُسفِرُ ثُمَّ تَنتقِبُ
ومجلسُنا على شرَفٍ ... بحُجْبِ الغيمِ مُحتجِبُ
فمِنْ شرقيِّهِ لهبٌ ... ومنْ غربيِّهِ صخَبُ
آخر:
ومُنتبهٍ يسعى إليَّ بكأسِهِ ... وقدْ كادَ ضوءُ الصُّبحِ بالليلِ يفتِكُ
وقدْ حجبَ الغيمُ السماءَ كأنّما ... يُمَدُّ عليها منهُ ثوبٌ ممسَّكُ
ظلَلْنا نَبُثُّ الوجدَ والكأسُ دائرٌ ... ونَهتِكُ أستارَ الهوى فتَهتَّكُ
ومجلسُنا في الماءِ يهوي ويرتقي ... وإبريقُنا في الكأسِ يبكي ويضحكُ
الصنوبري:
أنيسُ ظِباءٍ كوحشِ الظباءِ ... وصِبغُ حياً مثلُ صِبغِ الحَياءِ
ويومٌ يُكلّلهُ بالشُّموسِ ... صفاءُ الهوى في صفاءِ الهواءِ
بشمسِ الدنانِ وشمسِ الجِنانِ ... وشمسِ القِيانِ وشمسِ السماءِ
وأسحَمُ ينثرُ منْ طَلِّهِ ... على دُرِّ نَوّارِهِ دَرَّ ماءِ
ويصبح ركْضُ صَباهُ يثي ... رُ عَجاجةَ كافورِهِ في الفضاءِ
تظلُّ بهِ الطيرُ مشغولةً ... تَطارَحُ فيهِ صُنوفَ الغناءِ
تَروقُكَ بالضربِ من غيرِ عودٍ ... وتصبيك بالزَّمرِ من غير نائِي
فقُمْ نشتمِلْ برداءِ الزمانِ ... فإنَّ الزمانَ أنيقُ الرداءِ
العلوي:
(1/134)

ويومِ دجنٍ ذي ضميرٍ مُتَّهمْ ... مثلِ سرورٍ شابَهُ عارضُ هَمْ
أو كمُعَنّى الرأيِ يقفوهُ الندَمْ ... يبرزُ في زِيِّ ذوي حمْدٍ وذَمْ
عبوسُ ذي اللؤمِ وبِشر ذي الكرَمْ ... كقُبحِ لا، خالَطَهُ حُسنُ نعَمْ
صحوٌ وغيمٌ وضياءٌ وظُلَمْ
الصنوبري:
يومٌ خلعتُ بهِ عذاري ... وعَرِيتُ من حُلَلِ الوَقارِ
وضحكْتُ فيهِ إلى الصَّبا ... والشيبُ يضحكُ في عِذاري
مُتلوّنٌ يبدي لنا ... طُرَفاً بأطرافِ النهارِ
فهواؤُهُ سَكْبُ الرَّدا ... ءِ وغيمُهُ جافي الإزارِ
وسماؤُهُ تحبو الثرى ... بشَبيهِ مَكنونِ البحارِ
تبكي فيجمدُ دمعُها ... والبرقُ يكحَلُها بنارِ
مسرور الهندي:
أرى اليومَ يوماً قدْ تكاثفَ غيمُهُ ... ويوشكُ أنَّ الغيمَ رَيّانُ ماطِرُ
وقدْ سترَتْ شمسَ النهارِ غيومُهُ ... كما سترَتْ وَردَ الخدودِ المحاجِرُ
الباب السادس عشر في
الشرب على الثلج
أنشد الصنوبري:
ذَهِّبْ كؤوسَكَ يا غُلا ... مُ فيومُنا يومٌ مُفَضَّضْ
والجوُّ يَحلى في البيا ... ضِ وفي نقيِّ الدرِّ يُعرَضْ
أظنَنْتَ ثلجاً ذا؟ فذا ... وردٌ منَ الأغصانِ يُنفَضْ
وردُ الربيعِ مُلوّنٌ ... والوردُ في كانونَ أبيضْ
أبو فراس:
كأنّما تَساقُطُ الث ... لجِ بعَيْنَيْ منْ يرى
أوراقُ وردٍ أبيضٍ ... والناسُ في شاذّكُلى
الرقيّ:
اشربْ على حُسنِ الدَّساكِرْ ... فبَهاؤُهُ للعينِ باهِرْ
أرضٌ تُزيّنُها السما ... ءُ برَونقٍ للثلجِ زاهِرْ
مُتطايراً في جوِّهِ ... فكأنّهُ بَعرُ الأباعِرْ
التنوخي:
والأرضُ تحتَ بياضِ الثلجِ تحسَبُها ... قدْ أُلبِستْ حبَكاً أو غُشّيَتْ ورقا
أبو فراس:
والجوُّ ينثرُ دُرّاً غيراً منتظمِ ... والأرضُ بارزةٌ في ثوبِ كافورِ
والنرجسُ الغضُّ يحكي حُسنُ منظرِهِ ... صفراءَ صافيةً في كأسِ بلّورِ
المعوَّج:
أقبلَ الثلجُ في غلائلِ نورِ ... يتهادى كاللؤلؤِ المنثور
فكأنَّ السماءَ زُفَّتْ إلى ال ... أرضِ وصارَ النِّثارُ منْ كافورِ
كُشاجم:
اشرَبْ فهذي صبيحةٌ قَرَّهْ ... واليومُ يومٌ سماؤُهُ ثَرَّهْ
ثلجٌ وشمسٌ وصَوبٌ غاديَةٍ ... والأرضُ من كلِّ جانبٍ زهرَهْ
باتَتْ وقِيعانُها زَبرجَدَةٌ ... وأصبحَتْ قدْ تحوّلتْ دُرّهْ
كأنّها والثلوجُ تُضحِكُها ... تُعارُ ممّنْ أحبّه ثَغرَهْ
كأنَّ في الجوِّ أيدياً نثرَتْ ... ورْداً علينا فأسرعَتْ نثرَهْ
شابَتْ فسُرّتْ بذاكَ وابتهجتْ ... وكان عهدي بالشيبِ يُستكرَهْ
فاشرب عللا البلح من مُسعسعة ... كأنها في إنائها جمره
قد جُلِيَتْ في البياضِ بلدتُنا ... فاجلُ علينا الكؤوسَ في الحُمرَهْ
آخر:
الثلجُ يطرقُنا في كلِّ شارقةٍ ... كالقطنِ مُنتثراً من قوسِ حلاّجِ
أو كالدقيقِ منَ الحوّارِ تنخلُهُ ... أيدي مناخلَ ما نِيطَتْ بأشْراجِ
كأنّما الأرضُ منْ وقْعِ الجليدِ بها ... زجاجةٌ قدْ دحاها كفُّ زَجّاجِ
كُشاجم:
الثلجُ يسقطُ أمْ لُجينٌ يُسبَكُ ... أمْ ذا حصى الكافورِ ظلَّ يُفرَّكُ
راحتْ بهِ الأرضُ الفضاءُ كأنّها ... منْ كلِّ ناحيةٍ بثغرِكَ تضحكُ
شابتْ مَفارِقُها فبيَّنَ ضِحكُها ... طرَباً وعهدي بالمَشيبِ تَنسُّكُ
أوْفى على خُضْرِ الغصونِ فأصبحَتْ ... كالدرِّ في قُضْبِ الزمرُّدِ يُسلَكُ
وتَزيَّتِ الأشجارُ منهُ مُلاءَةً ... عمّا قليلٍ بالرياحِ تَهتَّكُ
فالأرضُ من أرَجِ الهواءِ كأنّها ... ثَوبٌ يُعَنْبَرُ تارةً ويُمسَّكُ
كانتْ لعودِ الهندِ طُرِّيَ فانكفا ... بعدَ النَّضارةِ وهوَ أسودُ أحلَكُ
فاستنطِق كعودِ الصَّموتَ فإنّما ... تتحرّكُ الأطرابُ حينَ يُحرَّكُ
الرقي:
رأيْتُ سَحاباً في الصباحِ فحَثَّني ... على زَهَراتٍ للصَّبوحِ تُؤلَّفُ
(1/135)

وأقبلَ يذري منْ لآلي دموعِهِ ... نِثاراً بهِ الأرضُ الفضاءُ تُزخرَفُ
ويَندفُ كافوراً يطيرُ سَبيخُهُ ... ولمْ أرَ كافوراً سوى ذاكَ يُندَفُ
فمنْ غُصنٍ بالثلجِ فيها مُتوَّجٍ ... وآخرُ فيها بالجليدِ مُشَنَّفُ
الصنوبري:
الجوُّ بينَ مُضَمَّخٍ ومُضرَّج ... والروضُ بينَ مُزخرَفٍ ومُدبَّجِ
والثلجُ يهطلُ كالنثارِ فقُمْ بِنا ... نلهو بربّةِ كرْمةٍ لمْ تُمزَجِ
ضحكَ البَهارُ وبانَ حُسنُ شقائقٍ ... وزهتْ غصونُ الوردِ بينَ بنفسجِ
فكأنَّ يومكَ منْ غلائلِ فضةٍ ... والنَّورُ منْ ذهبٍ على فَيروزَجِ
الباب السابع عشر في
الشرب على النيران والكوانين والشموع
المعوّج:
اشرَبْ على النارِ في الكَوانينِ ... قد انقضَتْ مدة الرياحينِ
كأنّما النارُ والرمادُ بها ... أرضُ عقيقٍ بجَنْبِ نِسرينِ
ابن لنكك:
أعدَّ الورى للبردِ جُنداً من الصَّلى ... ولاقيتُهُ منْ بينِهمْ بجنودِ
ثلاثةُ نيرانٍ، فنارُ مُدامةٍ ... ونارُ صَباباتٍ ونارُ وَقودِ
الصنوبري:
نارُ راحٍ ونارُ خدٍّ ونارُ ... بحَشا الصبِّ بينهنّ استِعارُ
ما أبالي ما كان ذا الصيفُ عندي ... كيفَ كانَ الشتاءُ والأمطارُ
آخر:
خفقَتْ رايةُ الصباحِ وللنا ... رِ لهيبٌ كالرايةِ الحمراءِ
فاستقرّتْ تحتَ الرياحِ فخِيلَتْ ... ذهَباً تحتَ فضةٍ بيضاءِ
فأدِرْها دُرّيّةَ الكأسِ مَلأى ... من مُذابِ العقيقةِ الحمراءِ
آخر:
كأنّما النارُ والرمادُ وقدْ ... كادَ يُواري من جسمِهِ النُّورا
وردٌ جَنِيُّ القِطافِ أحمرُ قدْ ... ذَرّتْ عليهِ الأكفُّ كافورا
في الكانون:
إذا ارتمَتْ بالشَّرارِ واطَّردَتْ ... على ذُراها مَطارِدُ اللهَبِ
رأيتَ ياقوتةً مُشبّكةً ... تطيرُ عنها قُراضةُ الذهَبِ
طافَتْ بها الكأسُ وهيَ مُترعةٌ ... مُبْيَضّةُ العارِضَيْنِ بالحَبَبِ
آخر فيه:
وأزهرَ وضّاحٍ يروقُ عيونَنا ... إذا ما رميْناهُ بلَحظِ النواظرِ
لهُ أربعٌ تأبى السُّرى غيرَ أنّها ... تصافحُ وجهَ الأرضِ مثلَ المحافرِ
تُواصلُنا أيامَ للقَرّ وَصلةٌ ... وتهجرُنا أيامَ لَفحُ الهواجرِ
تُقِلُّ جُسوماً بعضُها في مُورّدٍ ... وسائرُها في مثلِ سُودِ الدَّياجِرِ
نَظمْنا كؤوسَ الراحِ في جنَباتِهِ ... نجوماً على قُطبٍ من اللهوِ دائرِ
طوالعَ فوقَ الراحِ مَثنىً وموحِداً ... غوارِبَ ما بينَ اللُّهى والحناجرِ
وفيه:
هلُمّا بكانونِنا جامحاً ... وقُولا لموقدِنا أجِّجِ
إلى أنْ نرى لهباً كالرِّيا ... ضِ ناهيكَ من منظرٍ مُبهِجِ
ومنْ عذرٍ في اخضرارِ الحري ... رِ في شُعَبِ التِّبرِ لم تُنسجِ
إذا اضطرمتَ قلتَ ريحانةٌ ... تَرنَّحُ من ريحِها السَّجْسَجِ
وتحسبُها مُسْحِياً للنُّضارِ ... حوالَيْهِ قضبان فَيروزَجِ
آخر:
سَقياً لنا وظلامُ الليلِ يكنفُنا ... ونحنُ ما بينَ نيرانٍ وأنوارِ
وللأباريقِ في الكاساتِ قهقهةٌ ... وللشموعِ أكليلٌ من النارِ
وقد عقدْنا وشاحَ اللهوِ من طربٍ ... يدورُ في فلكٍ للرقصِ دَوّارُ
كُشاجم في الفحم:
فحمٌ أنارَتْ نارُهُ ... فتضرّمتْ فيهِ حريقا
وكأنّهُ وكأنّها ... سَبَجٌ قرنْتَ بهِ عقيقا
التنوخي فيه:
فحمٌ كيومِ الفراقِ تُشعلُهُ ... نارٌ كنارِ الفراقِ في الكبِدِ
أسودُ قد صارَ تحتَ حُمرتِهِ ... مثلَ العيونِ اكتحلْنَ بالرمَدِ
آخر فيه:
وفحمٍ كأيامِ الوِصالِ فَعالُهُ ... ومنظرُهُ في العينِ يومُ صُدودِ
كأنَّ لهيبَ النارِ بينَ خلالِهِ ... بَوارقُ لاحَتْ في غمائمَ سُودِ
ابن الرومي في الشمعة:
وهَيفاءَ من نُدَماءِ الملو ... كِ صفراءَ كالعاشقِ المُدنَفِ
تَكيدُ الظلامَ كما كادَها ... فتفْنى وتُفنيهِ في مَوقفِ
الصنوبري فيها:
مجدولةٌ قامتُها ... تحكي لنا قدَّ الأَسَلْ
(1/136)

كأنّها عُمرُ الفتى ... والنارُ فيها كالأجلْ
كشاجم:
سجاياكَ في طِيبِ أعراقِها ... تُباري النجومَ بإشراقِها
وما للعُفاةِ غِياثٌ سواكَ ... كأنّكَ ضامنُ أرزاقِها
وليلةَ ميلادِ عيسى المسي ... حِ قدْ طالبتْني بميثاقِها
فتلكَ قدوري على نارِها ... وفاكهَتي فوقَ أطباقِها
وبنتُ الدنانِ فقدْ أُبرزَتْ ... من الخِدْرِ تُجلى لعُشّاقِها
وقدْ قامَتِ السُّوقُ بالمُسمِعاتِ ... وبالمُسمعينَ على ساقِها
فكُنْ مُهدياً لي فدتْك النفوسُ ... فجودك مُسْكَةُ أرماقِها
نظائرَ صُفْراً غدَتْ فِتنةً ... بلَطْفِ أناملِ خَلاّقِها
فللسندِ صُفرةُ ألوانِها ... وللرومِ زُرقةُ أحداقِها
ومثلَ الأفاعي إذا أُلهبَتْ ... حريقاً مخافةَ دِرياقِها
الخبزرُزّي في السراج:
وحيّةٍ في رأسِها دُرّةٌ ... تسبحُ في بحرٍ قصيرِ المدى
إنْ بَعُدَتْ كان العمى حاضراً ... وإنْ دنَتْ بانَ سبيلُ الهُدى
آخر:
صُفرُ الجُسومِ كأنّها ... خُلقَتْ من الذهَبِ المُذابِ
وكأنَّ ماءَ الحُسنِ إذْ ... شَرِقَتْ بهِ ماءُ الشبابِ
وإنْ اعترَتْها مَرْضَةٌ ... فشفاؤُها ضرْبُ الرِّقابِ
آخر:
شموعٌ كقاماتِ الغواني موائلٌ ... تَمايَلُ أمثالَ الغصونِ النواضِرِ
رماحٌ من التبرِ المُذابِ وفوقَها ... أكاليلُ نارٍ كالنجومِ الزواهرِ
ابن الرومي:
مائلاتٌ كأنّهنَّ رماحٌ ... مُشرّعاتٌ إلى الدُّجى بشَرارِ
فمكانُ القناةِ قامةُ تِبرٍ ... ومكانُ السِّنانِ شعلةُ نارِ
الباب الثامن عشر في
الشرب بالنهار على الرياحين
ابن المعتز:
اشرَبِ الراحِ في شبابِ النهارِ ... وانْفِ همّي بالخَندريسِ العُقارِ
قدْ تولّتْ زُهرُ النجومِ وقدْ بشّر بالصبحِ طائرُ الأسحارِ
ما ترى نعمةَ السماءِ على الأر ... ضِ وشُكرَ الرياضِ للأمطارِ
وغناءَ الطيورِ كلَّ صباحٍ ... وانفتاقَ الأشجارِ بالأنوارِ
فكأنَّ الربيعَ يجلو عروساً ... وكأنّا من قَطرِهِ في نِثارِ
أبو عبادة:
ألا رُبَّ يومٍ لي من الراحِ رَدَّ لي ... شبابيَ موفوراً وغَيّي مُتَمَّما
لدُنْ غُدوةٍ حتى أتى الليلُ ناشراً ... على أفقِهِ عُرفاً منَ الليلِ أسْحما
ابن المعتز:
إنّما أشتهي الصبوحَ على وج ... هِ سماءٍ صَقيلةِ الجِلبابِ
في غداةٍ قدْ متعتْكَ ببردِ ال ... ماءِ في يومِها وصفوِ الشرابِ
ونسيمٍ من الهواءِ تمشّى ... فوقَ روضٍ نَدٍ جديدِ الشبابِ
من عُقارٍ في كأسِها مثلِ شمسٍ ... طلعَتْ في غلالة منْ سَرابِ
وكأنَّ الشمسَ المنيرةَ دينا ... رٌ جَلَتهُ حَدائدُ الضَّرّابِ
صريع الغواني:
ويومٍ من اللذاتِ خالَسْتُ عيشَهُ ... رقيباً على اللذاتِ غيرَ مُغفّلِ
فكنتُ نديمَ الكأسِ حتى إذا طغَتْ ... تعوَّضْتُ عنها ريقَ حَوراءَ عَيطَلِ
نَهانيَ عنها حُبُّها أنْ أريبَها ... بسوءٍ فلم أفتِكْ ولم أَتبتَّلِ
أخذتُ لطرفِ العينِ منها نصيبَهُ ... وأخلَيتُ من كفّي مكانَ المُخلخَلِ
سقَتْني بعينَيْها الهوى وسقيتُها ... فدَبَّ دبيبَ الراحِ في كلِّ مفصلِ
العطوي:
أدرتُها والبساطُ مُنتزَهٌ ... حمراءَ في لؤلؤٍ من الحبَبِ
فوقَ قصورٍ على مُشْرَفَةٍ ... تضيءُ والليلُ أسودُ الحُجُبِ
بيضٌ إذا الشمسُ حانَ مغربُها ... حسبْتَ أطرافَهُنَّ منْ ذهَبِ
وله:
قبّحَ اللهُ أوّلَ الناسِ سنَّ الشربَ ليلاً ماذا أتى من عارِ
إنّ َشربَ النبيذِ سيْرٌ إلى الله ... وِ وخيرُ المسيرِ صدرُ النهارِ
ما رأيْنا لكوكبِ الصبحِ شِبهاً ... كنديم مُساعدٍ وعُقارِ
وغناءٍ يفتُّ في عضُدِ الحِل ... مِ ويُزري على النُّهى والوقارِ
وأحاديثَ في خلالِ الأغاني ... كابتسامِ الرياضِ غِبَّ القِطارِ
آخر:
أدرتُها والبساطُ مُنتزَهٌ ... للعينِ فيهِ ما تلذُّ وتشتهي
(1/137)

من خُضرةٍ فُطرتْ وماءٍ سائحٍ ... ومُدامةٍ عُصرَتْ ونَضرةِ أوجُهِ
يا فَرحتا لو كنتَ بينَ القومِ يا ... منْ لا يلذُّ العيشُ لي إلاّ بهِ
فهلُمَّ نجمعُ شملَنا ونِظامَنا ... بأديبِنا وإمامِ كلِّ مُفوَّهِ
فمتى تُجِبْ فكأنّنا في جنّةٍ ... ومتى تغِبْ فكأنّنا في مَهْمَهِ
الخليع:
حُكمُ الربيعِ وصولِ الكاسِ بالكاسِ ... والشُّغلُ بالكاسِ دونَ الشغلِ بالناسِ
والنومُ فوقَ فراشِ الوردِ ... ... ورد الخدودِ على لهوٍ وإيناسِ
أما ترى قُضُبَ الأشجارِ قد كُسيتْ ... أنوارَها بعد عُريٍ كِسوةَ الكاسي
منظومةً كسُموطِ الدرِّ لابسةً ... حُسناً يُتيحُ دمَ العنقودِ للحاسي
تنوء بالحملِ من نَورٍ فقدْ سجدَتْ ... نحوَ النَّدامى على العينَيْنِ والراسِ
فاشرَبْ على حُبُكِ الأكوابِ راعفةً ... بقهوةٍ كدمِ الغزلانِ في الكاسِ
صريع الغواني:
وجداولٍ منصوبةٍ بجداولٍ ... من صَوبِ ساريةٍ ولَمعِ بُروقِ
باكرْتُها قبلَ الصباحِ بسُحْرةٍ ... قبلَ انكدارِ مَجرّةِ العَيُّوقِ
حمراءَ صافيةَ القميصِ لذيذةً ... في بردِ كافورٍ ولونِ خَلُوقِ
من كفِّ أحورَ ذي دلالٍ شادنٍ ... يسبي القلوبَ بقدِّهِ المعشوقِ
والبة بن الحباب:
لا تخشعَنَّ لطارقِ الحدَثانِ ... وادفعْ همومَكَ بالرحيقِ القاني
أوَما ترى أيدي السحائبِ رَقّشَتْ ... حُلَلَ الثَّرى ببدائعِ الرَّيحانِ
منْ سُوسَنٍ غَضِّ القِطافِ ونرجسٍ ... وبنفسجٍ وشقائقِ النعمانِ
وجَنيّ وردٍ يستَبيكَ بحُسنِهِ ... مثلَ الشموسِ طلعْنَ في الأغصانِ
حمرٍ وبِيضٍ يُجتنَيْنَ وأصفرٍ ... ومُلوّنٍ ببدائعِ الألوانِ
كعقودِ ياقوتٍ نُظمْنَ ولؤلؤٍ ... أوساطُهُنَّ فرائدُ المَرجانِ
وإذا الهمومُ تعاورَتْكَ فسلِّها ... بالراحِ والريحانِ والنُّدمانِ
الصنوبري:
وروضةٍ ما يزالُ يبتسمُ النُّوارُ فيها ابتسامَ مسرورِ
شَقَّ عليها الشقيقُ أرديةً ... ينثرُ فيها ألوانَ منثورِ
كأنّما أوجُهُ البَهارِ بها ... وقدْ بدَتْ أوجهُ الدنانيرِ
تصطخبُ الطيرُ في جوانبِها ... عندَ اصطخابِ الناياتِ والزيرِ
ثمّ اجتلَيْنا عذراءَ تحسُرُ عنْ ... جسمِ عقيقٍ في نورِ بلّورِ
مصونةٌ في الدنانِ زيّنَها ... لونُ خَلوقٍ وبردُ كافورِ
آخر:
بديرِ العذارى وأكنافِهِ ... خلعْتُ عِذاري ولم أعتذِرْ
شربْتُ على نَورِ تلكَ الرياضِ ... وزهرَتِها واطِّرادِ الغُدُرْ
وهيفِ القُدودِ وخمرِ الخدودِ ... إذا ما بدتْ من خلالِ الخُمُرْ
وبيضِ الثغورِ وسودِ الشعورِ ... وسِحرِ اللِّحاظِ وحُسنِ الحَوَرْ
نهاري وليليَ حتى بدا ... نسيمُ الصباحِ وبردُ السحَرْ
فذلكَ عيشٌ مضى صَفوُهُ ... وبُدّلتُ من بعدِهِ بالكدَرْ
ابن الرومي في الشرب على النرجس:
أدرِكْ ثقاتَكَ إنهم وقعوا ... في نرجسٍ معهُ ابنةُ العنَبِ
ريحانُهمْ ذهبٌ على دُرَرٍ ... وشرابُهمْ دُرًّ على ذهَبِ
كأسٌ إذا ما الماءُ واقعَها ... صاغَ الحليَّ لها بلا تعبِ
يا نرجسَ الدنيا أقِمْ أبداً ... للإقتراحِ ودائرِ النُّخُبِ
ذهبُ العيونِ إذا مُثِلْنَ لنا ... دُرُّ الجفونِ زبرجدُ القصبِ
لا زلتَ شفْعَ الكأسِ إنّكما ... سكَنُ القلوبِ ومُنتهى الطلبِ
الرقيّ في الشرب على الورد:
قد ورَّدَ الوردُ بالأعاجيبِ ... بنَشرِ مسكٍ في لونِ محبوبِ
يخطرُ في حُلّةٍ مُعصفرةٍ ... زَهراءَ مرموقةٍ بتذهيبِ
وحُمرُ أوراقِهِ ملوّنةٌ ... في خُضرِ أقماعِهِ بتركيبِ
مثلُ اليواقيتِ قدْ فُصصْنَ على ... زبرجدٍ تحتَهُنَّ مصبوبِ
فاشربْ على الوردِ من مُورّدةٍ ... تلهبُ في الوجهِ أيَّ تلهيبِ
وردٌ من الخمرِ نجتليهِ على ... وردٍ لوردِ الخدودِ منسوبِ
البسامي في الشرب على الرياحين:
بكِّرْ فقدْ صاحتِ العصافيرُ ... ولاحَ من صُبحِكَ التباشيرُ
(1/138)

دَعني من العذرِ في الصَّبوحِ فما ... تُقبَلْ منْ مثلِكَ المَعاذيرُ
وباكِرِ الشربَ من مُعتّقةٍ ... مرّتْ على دَنِّها الأعاصيرُ
قدْ عانَتِ الدهرُ والورى حُقَباً ... فعندها منهما الأساطيرُ
منْ كفِّ ريمٍ أغنَّ مُختضِبٍ ... تختالُ في حَقْوِهِ الزنانيرُ
تقصُرُ عن وصفِهِ الصفاتُ كما ... تعجزُ عن وجهِهِ التصاويرُ
واشربْ على النرجسِ الجَنيِّ فقدْ ... طابَتْ به الراحُ والمَواخيرُ
ترنو بأبصارِها إليكَ كما ... ترنو إذا خافتِ اليعافيرُ
مثلَ اليواقيتِ قد نُظمْنَ على ... زُمرّدٍ بينهُنَّ كافورُ
كأنّها والعيونُ تأخذُها ... دراهمٌ فوقَها دنانيرُ
تأتيكَ بالمسكِ من روائحِها ... كواكبٌ تحتها قواريرُ
مع فتيةٍ ريحُها خلائقُهمْ ... فالمسكُ ما بينَهمْ أضابيرُ
أحدثِتِ الكأسُ بينهمُ نسَباً ... فأخلصَتْ عندها الضماييرُ
ترى أباريقَهمْ مفدّمة ... يعلمُها الفتيةُ المغاويرُ
كالطيرِ حامَتْ على شرائعِها ... فابتلَّ من وِردِها المناقيرُ
آخر في الشرب على الورد:
هاتِ التي هي يومَ البعثِ أوْزارُ ... كالنارِ في الحُسنِ عُقبى شُربِها النارُ
أما ترى الوردَ قدْ باحَ الربيعُ بهِ ... منْ بعدِ ما مرَّ حولٌ وهوَ إضمارُ
وكان في خلعٍ خُضرٍ فقدْ خُلعَتْ ... وعادَ عُطلاً وحُطّتْ منهُ أوزارُ
المفجع على النارنج:
وربّتَ ليلةٍ قد بِتُّ فيها ... على اللذاتِ مُجتمعَ الشتاتِ
على نارٍ ونارَنجٍ ونَورٍ ... أُقمْنَ خلائِعاً للنَّيّراتِ
نِتاجٌ من دمِ العنقودِ يُكسى ... مزاجَ الصفوِ منْ ماءِ الفراتِ
ونارَنجٌ كما خرطَتْ صَناعٌ ... من الياقوتِ دائرةَ الكُراتِ
مُعصفرةُ النواحي مُلبَساتٌ ... على أبدانِهِنَّ الواضحاتِ
ترى الودعَ الخلوقيَّ المُعَلّى ... على وضَحِ الثُّدِيِّ الناهداتِ
بكتّان الخلوقِ مُزرّراتٌ ... على بيضاتِ كافورٍ فُتاتِ
نَعمْتُ بطيبِ رَيّاها ورَيّا ... فتاةِ الحيِّ يا لَكِ من فتاةِ
وزَهراوَيْنِ زهراءِ القَناني ... وزهراءِ الغواني الفاتناتِ
ابن لنكك في الأُترُجّ:
هلُمَّ للشربِ قدْ طابَ الزمانُ بهِ ... وقدْ تبدّتْ شموسُ الزهرِ في الكُلَلِ
فإنَّ بطحاءَها ماءٌ وتُربَتُها ... مسكٌ وأوراقُها يُنسجْنَ من حُلَلِ
وقد نَضَدْنَ على الأطباقِ فاكهةً ... مصبوغةً بغيابِ الشمسِ في الأصلِ
كأنَّ أجسادَها صاك العبيرُ بها ... أو خُضْنَ في الوَرْسِ أو في صُفرةِ الوجَلِ
تخالُهُنَّ ثُدِيَّ الغِيدِ ناهدةً ... بلونِ هَيمانَ دامي القلبِ مُختبَلِ
أو القناديلَ من صَوغِ اللُّجينِ وقدْ ... جُلِّلْنَ بالتِّبرِ عن علٍّ وعنْ نهَلِ
يسقيكَها غَنِجٌ حلوٌ شمائلُهُ ... كالخُوطِ في لِينِ إقبالٍ ومُعتدَلِ
تردُّ للعيشِ ما فاتَ الزمانُ بهِ ... من شاردِ الأنسِ أو منْ فائتِ الجذَلِ
الباب التاسع عشر في
الشرب بالليل
ابن المعتز:
شربْتُها والديكُ لمْ ينتبِهْ ... سكرانُ من نَومتِهِ طافِحُ
ولاحَتِ الشِّعرى وجَوزاؤُها ... كمثلِ زُجٍّ جرّهُ رامِحُ
ابن دريد:
وليلةٍ ساهرَتْ عيني كواكبَها ... ناديتُ فيها الصبا والنومُ مطرودُ
تستنبطُ الراحُ ما تخفي النفوسُ وقدْ ... جادَتْ بما منعتْهُ الكاعبُ الرُّودُ
والراحُ تفترُّ عن دُرٍّ وعن ذهَبٍ ... فالتِّبرُ مُنسبكٌ والدرُّ معقودُ
يا ليلُ لا تُنْجِ للإصباح حَوزَتَنا ... ولْتَحْمِ جانبَهُ أعطافُكَ السودُ
أبو عبادة:
وليلةِ القصرِ والصهباءُ قاصرةٌ ... للهوِ بينَ أباريقٍ وأقداحِ
أرسلتُ شُغلينِ من لفظٍ محاسنُهُ ... تُدوي الصحيحَ ولحظٍ يُسكرُ الصاحي
ابن المعتز:
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشَعرِها ... شبيهةَ خدّيْها بغيرِ رقيبِ
فما زلتُ في ليلينِ للشَّعرِ والدُّجى ... وصُبحينِ من كأسٍ ووجهِ حبيبِ
الخليع:
(1/139)

أدِرِ الكأسَ علينا ... أيُّها الساقي لنطرَبْ
ما ترى الليلَ تولّى ... وضياءَ الصُّبحِ يَقرُبْ
والثُّريّا شِبهُ كأسٍ ... حينَ تبدو ثم تغرُبْ
وكأنَّ الشرقَ يسقي ... وكأنَّ الغربَ يشربْ
أعرابي:
مُشعشةٌ كانتْ قُريشٌ تكنُّها ... فلمّا استحلُّوا القتلَ في الدارِ حَلَّتِ
شربْتُ معَ الجوزاءِ كأساً رويّةً ... وأخرى إذا الشِّعرى العَبورُ استقلَّتْ
ابن المعتز:
لبسْنا إلى الخَمّارِ والنجمُ غائرٌ ... غَليلة ليلٍ طُرّزَتْ بصباحِ
وظلّتْ تُديرُ الكأسَ أيدي جآذرٍ ... عتاقٍ دَنانيرِ الوجوهِ مِلاحِ
آخر:
وليلةُ قصفٍ ليلةُ العرسِ دونَها ... أنرْتُ بها الظلماءَ والليلُ آفِلُ
وسكرانةٌ سُكْرَيْ دلالٍ وقهوةٍ ... إذا هيَ قامتْ لم تُطعْها المفاصِلُ
تَثنَّتْ كغصنٍ ذابلٍ عندَ سُكرِها ... وذا عجبٌ، غصنٌ من الريِّ ذابلُ؟
أبو عبادة:
يا ليلتي بالسفحِ من بِطياسِ ... ومُعرِّسي بالقصرِ بلْ إعراسي
باتَتْ تُبرِّدُ من جَوايَ وغُلّتي ... أنفاسُ ظبي طيّبِ الأنفاسِ
هَيْفُ الجوانحِ منهُ هاضَ جوانحي ... ونعاسُ مُقلتِهِ أطارِ نعاسي
يدنو إليَّ بخمرِهِ وبريقِهِ ... فيعُلُّني بالكاسِ بعدَ الكاسِ
الفضل بن الربيع:
انصَبْ نهاراً في طِلابِ العُلا ... واصبِرْ على هِجرانِ وجهِ الحبيبْ
حتى إذا الليلُ دنا مُقبلاً ... وانحسرَتْ عنكَ عيونُ الرقيبْ
فاخلُ من الليلِ بما تشتهي ... فإنّما الليلُ نهارُ الأريبْ
كم فاسقٍ تحسبُهُ ناسكاً ... يستقبلُ الليلَ بأمرٍ عجيبْ
غطّى عليهِ الليلُ أثوابَهُ ... فباتَ في أُنسٍ وعيشٍ خَصيبْ
ولذّةُ الجاهلِ مكشوفةٌ ... يسعى بها كلُّ عدوٍّ مُريبْ
ابن المعتز:
ألا سقِّنيبها والنهارُ مُقوَّضُ ... ونجمُ الدُّجى في حلبةِ الليلِ يركضُ
كأنَّ الثريّا في أواخرِ ليلِها ... تفتَّحُ نَورٍ أو لجامٌ مُفضَّضُ
أيضاً:
يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذاتَ حُميّا
إنْ تكنْ رُشداً فرُشداً ... أوْ تكنْ غَيّاً فغيّا
قد تولى الليلُ عنا ... وطواهُ الشرقُ طَيّا
وكأنَّ الصبحَ لمّا ... لاحَ منْ تحتِ الثُّريّا
مَلِكٌ أقبلَ في التا ... جِ يُفَدّى ويُحيّا
آخر:
وليلٍ قد شربتُ وقامَ حولي ... نَدامى صُرِّعوا حولي رُقودا
أنادمُ فيهِ قرقرةَ القناني ... ومِزماراً يحدّثُني وعُودا
وكانَ الليلُ يرجمني بنجمٍ ... وقالَ: أراهُ شيطاناً مَريدا
الباب العشرون في
ذكر الساقي
الصنوبري:
ومورَّدِ الخدَّينِ يقتلُ حينَ يخطِرُ في مُورِّدْ
يسقيكَ من جفنِ اللُّجينِ إذا سقاكَ دموعَ عسجدْ
حتى تظنَّ النجمَ ينزلُ أو تظنَّ الأرضَ تصعدْ
وإذا سقاكَ بعينِهِ ... وبفيهِ ثمَّ سقاكَ باليَدْ
حيّاكَ بالياقوتِ ثمّ الدرِّ من فوقِ الزبرجَدْ
ابن المعتز:
تدورُ علينا الراحُ من كفِّ شادنٍ ... لهُ لحظُ عين يشتكي السُّقمَ مُدنَفُ
كأنَّ سُلافَ الخمرِ منْ ماءِ خدِّهِ ... وعنقودُهُ من شَعرِهِ الجعدِ يُقطَفُ
وأخذه الطائي فقال:
وقهوةٍ كوكبُها يُزهرُ ... يسطعُ منها المسكُ والعنبرُ
ورديّةٌ يحتثها شادنٌ ... كأنّها من خدِّهِ تُعصَرُ
ديك الجن:
ظلَلْنا بأيدينا نُتعتعُ روحَها ... وتأخذُ من أقدامِنا الراحُ ثارَها
مورّدةٌ من كفِّ ريمٍ كأنّما ... تناولَها من خدِّهِ فأدارَها
السروي:
لهُ شفَةٌ فيها حياتي فكلّما ... تناولتُ أقداحاً مسحْتُ بها فمي
وخدّاهُ تُفّاحي وعيناهُ نرجسي ... وريقَتُهُ خمرٌ مزجْتُ بها دمي
لطيفُ المعاني يجرحُ الوهمُ خدَّهُ ... ففي خدِّهِ خدْشُ المنى والتوَهُّمِ
كُشاجم:
ما زلتُ أُسقاها على ... وجهِ غزالٍ مُونِقِ
بقمرٍ مُنتقِبٍ ... بخاتمٍ مُنتطِقِ
والبدرُ فوقَ دجلةٍ ... والصبحُ لمّا يُشرِقِ
كحُلّةٍ من ذهبٍ ... على بساطٍ أزرقِ
(1/140)

ابن المعتز وهو من بديع تشبيهاته:
وكأنَّ السقاةَ بينَ الندامى ... ألِفاتٌ بينَ السطورِ قيامُ
ابن لنكك:
قُمْ يا غلامُ أدِرْ مُدامَكْ ... واحثُثْ على النَّدمانِ جامَكْ
تُدعى غلامي ظاهراً ... وأكونُ في سرٍّ غلامَكْ
اللهُ يعلمُ أنّني ... أهوى عِناقَكَ والتزامَكْ
ابن المعتز:
وساقٍ إذا ما الخوفُ أطلقَ وجهَهُ ... فلا بدّ أن يسبي بمُقلتِهِ قلبا
يطوفُ بإبريقٍ علينا مُفدّمٍ ... ليسبِكَ في أقداحِنا ذهباً رطْبا
آخر:
جسمُ هواءٍ بجلدِ نورِ ... تمسكُهُ قدرةُ القديرِ
يكادُ من رقّةٍ ولينٍ ... يجرحُهُ الوهمُ بالضميرِ
بديعُ حُسنٍ غريبُ وصفٍ ... بلا مثالٍ ولا نظيرِ
فمِنْ منيرٍ على رَطيبٍ ... ومنْ هَضيمٍ على وَثيرِ
يضحكُ عن لؤلؤٍ نظيمٍ ... ينطقُ عن لؤلؤٍ نَثيرِ
يُديرُ كأساً حكى وحاكى ... شِهابَ نارٍ وشخصَ نورِ
فأسكرَ القومَ دَورُ كأسٍ ... وكانَ سُكري من المُديرِ
آخر:
بدرٌ بدا والكأسُ في كفِّهِ ... وأنجمُ الليلِ عليهِ رِعاثْ
فهوَ من الليلِ ومن طرْفِهِ ... وصُدغِهِ في ظلماتٍ ثلاثْ
أحمد بن أبي فنن:
بكفٍ مُقَرْطَقٍ خَنِثٍ ... تَطيبُ بطِيبِهِ الرِّيَبُ
تراها وهيَ في كفّييهِ في خدّيهِ تلتهِبُ
يوسف الجوهري:
غزالٌ يطوفُ بكاساتِهِ ... على فتيةٍ حضروا موعدَهْ
أتاكَ بخرطٍ من الجزْعِ إذْ ... تَكنَّفَ أبيضُهُ أسودَهْ
كأنَّ الصِّحافَ بأيديهمُ ... جداولُ مُترعةٌ مُزبِدَهْ
تجودُ عليها أباريقُها ... بصهباءِ تلعبُ بالأفئدَهْ
الصنوبري:
وساقٍ إذا هَمَّ ندمانُنا ... بأنْ يُزجيَ الكأسَ لم يُزجِهِ
لطيفِ المُمنطقِ مُهتزِّهِ ... ثقيلِ المُؤزِّرِ مُرتَجِّهِ
سقاني بعينْيهِ أضعافَ ما ... سقاني بكفّيهِ من غنْجِهِ
كُشاجم:
حبيبٌ تمكنْتُ من قُربِهِ ... ونازعْتُهُ الكأسَ حتى غلَبْ
سقاني شَمولينِ من رِيقِهِ ... رُضاباً وفضْلةَ ما قدْ شرِبْ
فلمْ أدرِ أيّهما مِسكةٌ ... ولم أدرِ أيّهما من عِنَبْ
وعانقْتُهُ والدُّجى مُسبَلٌ ... عِناقَ محبٍّ لحبٍّ طَرِبْ
فباللهِ يا ليلُ طُلْ ساعةً ... وباللهِ يا صبحُ لا تقتربْ
آخر:
يا ساقيَ القومِ إنْ دارتْ إليَّ فلا ... تمزجْ فإنّي بدمعي مازِجُ كاسي
ويا فتى الحيِّ إنْ غنّيتَ من طربٍ ... فغنٍّ واحرَبا من قلبِكَ القاسي
الصخرُ أليَنُ لي من قلبِكَ القاسي ... يا منْ طواني وحيّا كلَّ جُلاّسي
ما لي واللناسِ كمْ يَلحونَني سفَهاً ... ديني لنفسي ودينُ الناسِ للناسِ
إنْ كانَ عهدُكمُ كالوردِ مُنصرفاً ... فإنَّ عهدي لكمُ أطرى من الآسِ
الصنوبري:
وساقٍ لي إذا استُسْقِ ... يَ منْ نسلِ الدهاقينِ
لهُ عِزُّ السلاطينِ ... ولي ذلُّ المساكينِ
يُحيّيني فيُحْييني ... يُغنّيني فيُغْنيني
وأدعو فيلبّيني ... وأبدو فيُفَدّيني
فيا سَحّارُ كمْ تسحرُني طَوراً وتَرقيني
ويا قَتّالُ كمْ تقتلُني ظُلماً وتُحييني
ديك الجن:
أفديكُما منْ حاملَيْ قدحينِ ... قَمرين في غصنينِ في دِعصَينِ
رُودٌ مُنعّمةٌ ومهضومُ الحشا ... للناظرينَ مُنىً وقُرّةُ عينِ
قامَتْ مُؤنّثةً وقامَ مُذكّرٌ ... فتناهبا الألحاظَ بالنَّظرينِ
صُبّا عليَّ الراحَ إنَّ هلالَنا ... قدْ صبَّ نِعمتَهُ على الثَّقلَيْنِ
فإليَّ كأسَكُما على ما خُيِّلَتْ ... كالتبرِ معجوناً بماءِ لُجينِ
ابن المعتز:
وعاقدِ زُنّارٍ على غصنِ الآسِ ... دقيقِ المعاني مُخطَفِ الخصْرِ مَيّاسِ
سقاني عُقاراً صَبَّ فيها مزاجَها ... فأضحكَ عن ثغرِ الحَبابِ فمَ الكاسِ
ابن الصباح:
ورَيمٍ فاترِ الطَّرْفِ ... مَليحِ الدلِّ مَغنوجِ
سقاني من كُميتِ اللوْ ... نِ صِرفاً غيرَ ممزوجِ
فلمّا دارَتِ الكأسُ ... على النايِ بتَصنيجِ
(1/141)

وغنّى في عَنينِ الزِّي ... رِ والمَثنى بتَهزيجِ
جعلْنا القُمصَ في اللَّبّا ... تِ أمثالَ الدُّواويجِ
عبد الله بن طاهر:
اسقِني سبعاً تِباعاً ... وأدِرْهُنَّ سِراعا
قهوةٌ يحسبُها النا ... ظرُ إنْ صُبّتْ شُعاعا
يا خليليَّ احسُواها ... واكشفا عنها القِناعا
بَكَّرَ اللائمُ يلحا ... ني فأغرى ما استطاعا
الوليد بن عبد الملك:
أُشهِدُ اللهَ والملائكةَ الأبرارَ ... والصالحينَ أهلَ الفلاحِ
أنّني أشتهي المُزاحَ وأهوى الر ... احَ والعضَّ في الخدودِ المِلاحِ
والنديمَ الظريفَ والخادمَ الفا ... رهَ يسعى إليَّ بالأقداحِ
ابن المعتز:
قامَ كالغصنِ في النَّقا ... يمزجُ الشمسَ بالقمَرْ
وسقاني المُدامَ وال ... ليلُ بالصبحِ مُؤْتَزِرْ
والثريّا كنَورِ غُص ... نٍ على الغربِ قدْ نُشِرْ
الحسن بن وهب:
غزالٌ حسنُ الطلْعهْ ... أبِيُّ النفسِ ذو منعَهْ
غَنِينا بتلالِيهِ ... عن المِصباحِ والشمعَهْ
سقاني الراحَ ممزوجاً ... بماءٍ يشبهُ الدمعَهْ
على وردٍ ونسرينٍ ... وزهرٍ حسنٍ بِدعَهْ
آخر:
ومعشوقِ الشمائلِ عسكريٍّ ... لهُ قتلى وليسَ سِلاحُ
كأنَّ الكأسَ في يدِهِ عروسٌ ... لها من لؤلؤٍ رطبٍ وِشاحُ
وقائلةٍ متى يفنى هواهُ ... فقلتُ لها إذا فنيَ المِلاحُ
أبو فراس:
تبسّمَ إذْ تبسّمَ عنْ أقاحِ ... وأسفرَ حينَ أسفرَ عن صباحِ
وأتحفَني براحٍ منْ رُضابٍ ... وراحٍ من جنى خدٍّ وراحِ
فمِنْ لألاءِ غُرّتِهِ صباحي ... ومنْ صهباءِ رِيقَتِهِ اصْطباحي
آخر:
غدوْتُ إلى كأسٍ وقدْ رحتُ من كاسِ ... ولمْ أرَ فيما تشتهي النفسُ من باسِ
سقانيَ خمراً منْ يديهِ وريقِهِ ... وأسكرَني سُكرينِ منْ دونِ جُلاّسي
إذا جادَ لي عندَ الخُلاسِ بقُبلةٍ ... وجدتُ بها برداً على حرِّ أنفاسي
ابن المعتز:
طرِبتُ إلى القصفِ والدَّسكَرهْ ... وشُربيَ بالكأسِ والكُبَّرَهْ
وعُمرّة مثلِ ذَوبِ العقيقِ ... لم تشْقَ بالنارِ والمعصرَهْ
وساقٍ مَليحٍ لهُ صَولةٌ ... على النُّدماءِ شديدِ الجِرَهْ
وفي عطفةِ الصدغِ خالٌ لهُ ... كما استلبَ الصولجانُ الكُرَهْ
أبو نواس:
يطوفُ بها ساقٍ أغَنٌّ ترى لهُ ... على مُستدارِ الخطِّ صُدغاً مُعقْرَبا
سقاني ومَنّاني بعينيهِ مُنيةً ... فكانتْ إلى نفسي ألذَّ وأعذبا
أبو عبادة:
باتَ نديماً ليَ حتى الصباحْ ... أغيدُ مجدولُ مكانِ الوِشاحْ
كأنّما يضحكُ عن لؤلؤٍ ... مُنضّدٍ أو برَدٍ أو أقاحْ
يُساقطُ الوردَ علينا ... وقدْ تَبلَّجَ الصبحُ نسيمُ الرياحْ
أمزجُ كأسي بجَنى ريقِهِ ... وإنّما أمزجُ راحاً براحْ
عبد الله بن طاهر:
عَطْفَةُ أصداغِ وَجنتَيْهِ ... عقاربٌ سَمُّها مُسوكُ
بصحنِ خدٍّ زها بخالٍ ... يذوبُ من عشقِها الملوكُ
يُديرُ كأساً فكانَ فيها ... يصبُّ أقداحَها الديوكُ
ديك الجن:
وروضةٍ باتَ طَلُّ الغيثِ ينسجُها ... حتى إذا أنجمتْ أضحى يُدبِّجُها
تبكي عليهِ بكاءَ الصبِّ فارقَهُ ... إلفٌ فيُضحكُها طَوراً ويُبهجُها
إذا تضاحكَ فيها الوردُ نرجسَها ... ناغى ذكيٌّ خُزاماها بنفسجُها
أمرتُ فيها لساقِينا وفي يدِهِ ... كأسٌ كشعلةِ نارٍ إذْ يُوهِّجُها
لا تمزُجَنْها بغيرِ الريقِ منكَ فإنْ ... تبخلْ بذاكَ فدمعي سوفَ يمزجُها
أقلُّ ما بي من حُبِّيكَ أنَّ يدي ... إذا سمَتْ نحو كبدي كادُ يُنضِجُها
الحسين بن الضحاك:
أراكَ بعينِ قلبٍ لا تراها ... عيونُ الناسِ من حَذري عليْكا
فأنتَ الحُسنُ لا صفةٌ لحُسنٍ ... وأنتَ الخمرُ لا ما في يدَيْكا
الباب الحادي والعشرون في
مشاربة الكرام
محمد بن وهب:
أنا ابنُ الكاسِ ما لي منْ جَناها ... إلى وقتِ المنيةِ من فِطامِ
(1/142)

أُجلُّ عن اللئيمِ الكأسَ حتى ... كأنَّ الخمرَ تعصر منْ عظامي
وأسقيها من الفتيانِ مِثلي ... فنختارُ الكريمةَ للكرامِ
أبو نواس:
وخَرْقٍ يُجِلُّ الكأسَ عن منطقِ الخَنا ... ويُنزلُها منهُ بكلِّ مكانِ
تراهُ لما شاءَ النُّدامى ابنَ علّةٍ ... وللشيءِ لذّوهُ رضيعَ لِبانِ
ابن المعذّل:
انعَمْ صَبوحَكَ واصطبحْ ... صهباءَ كالكافورِ رَيّا
تحكي شموساً في الكؤو ... سِ وتارةً ورداً جنيّا
لا تشربَنَّ معَ اللئي ... مِ فلستَ تشربُها هنيّا
لا تنكحَنَّ كريمةٌ ... إلاّ الكريمَ الأريحيّا
أبو نواس:
شُققْتُ من الصبا واشتُقَّ منّي ... كما اشتُقَّتْ من الكَرْمِ الكُرومُ
فلستُ أُسوِّفُ اللذاتِ منّي ... مُناومةً كما دفعَ الغيرمُ
أخذه من قول العرب:
هذا ورُبَّ مسوِّفين صبَحتُهم ... من خمرِ بابلَ لذةٍ للشاربِ
المخزومي:
ولا تسقِ المُدامَ فتىً لئيماً ... فإنّي لا أحلّكَ للئيمِ
لأنَّ الكرْمَ من كرَمٍ وجودٍ ... وماءَ الكرْمِ للرجلِ الكريمِ
حسان بن ثابت:
للهِ درُّ عصابةٍ نادمتُها ... يوماً بجلّقَ في الزمانِ الأولِ
بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُها ... شُمُّ الأنوفِ منَ الطِّرازِ الأوّلِ
أبو هفّان:
آخِ الكريمِ على المُدامِ يزيدُها ... طِيباً على الطّيبِ الذي هو فيها
راحٌ كأنَّ مزاجَها منْ مائِها ... بتلهُّبٍ في كأسِها يُغريها
هزَّتْ بسَورتِها الرؤوسَ وإنّها ... لتغادرُ الرجلَ الحليمَ سَفيها
علي بن الجهم:
تراضَعوا درّةَ الصهباءِ بينهم ... فأوْجبوا لرضيعِ الكأسِ ما يجبُ
لا يحفظونَ على السَّكرانِ زلَّتَهُ ... ولا يُريبُكَ منْ أخلاقِهمْ رِيَبُ
سعيد بن حميد:
وإننا قدْ رضعْنا الكأسَ دَرَّتَها ... والكأسُ درَّتُها حظٌّ من النَّسبِ
أبو نواس:
والراحُ طيبةٌ وليسَ تمامُها ... إلاّ بطيبِ خلائقِ الجُلاّسِ
المُفجَّع:
رُبَّ ليلٍ نعمْتُ فيهِ كأنّي ... في جَنى جنّتيْنِ: عدنٍ وخُلدِ
أجتَليها حمراءَ صافيةَ اللوْ ... نِ ولكنْ لها مذاقةُ شَهدِ
لكرامٍ لم يعرفوا هُجْرَ قولٍ ... لا ولا استشعروا دفينةَ حِقدِ
ومُصافينَ للقريبِ مُراعي ... نَ لغِيبِ البعيدِ عن حُسنِ عهدِ
بينَ نايٍ ومِزهرٍ وقِيانٍ ... مُرهِجاتٍ في حومةِ الدَّستبْندِ
نتعاطى الكؤوسَ طلقاً حلالاً ... قسمة اللهوِ بينَ زوجٍ وفردِ
ونجومُ السماءِ منظومُ دُرٍّ ... فوقَ صحنٍ من صِبغةِ اللازوردِ
وقُميرُ السما بدا بناحيةِ الشَّر ... قِ كحدِّ الحسامِ من جوفِ غِمْدِ
مسرور الهندي:
وإذا مجلسٌ تضمَّنَ شُرباً ... واستحثُّوا منَ المُدامِ كؤوسا
ذكروا منكَ أنّهم عدموا ال ... عنبرَ غضاً لديهم ويبيسا
كرمُ الخُلقِ والخلائقِ والنَّف ... سِ فحيّا بذا الجليسُ جَليسا
الباب الثاني والعشرون في
الندمان
أنشد هذه الأبيات لمسلم بن مهزم بن خالد العنبري:
نفسي فداءُ نَديمٍ بات يُسعدُني ... ليلاً على قبضِ أرواحِ الأباريقِ
ما زلتُ أشربُها صِرفاً ويشربُها ... حتى بدا الصبحُ مُبيضَّ الحَماليقِ
ابن المعتز:
نبّهْتُ نَدماني فَهَبّا ... طَرِباً إلى كأسي وكَبّا
نشوانَ يحكي ميلُهُ ... غصناً بأيدي الريحِ رَطْبا
ما زالَ يصرعُهُ الكرى ... وأذُبُّ عنهُ النومَ ذَبّا
وسقيتُهُ كأساً على ... مرضِ الخُمارِ فما تأبّى
والليلُ مُشمَطُ الذُّرا ... والصبحُ حينَ حَبا وشَبّا
آخر هو المغيرة بن شعبة:
لأنَّ أميرَ المؤمنينَ يسوءُهُ ... تنادمُنا في الجَوسَقِ المُتهدِّمِ
فإنْ كنتَ نَدماني فبالأكبرِ اسقِني ... ولا تسقني بالأصغرِ المُتلثِّمِ
أبو نواس:
نبِّهْ نديمَكَ قد نعِسْ ... يسقيكَ كأساً في الغلَسْ
صِرفاً كأنَّ شعاعَها ... في كفِّ شاربِها قبَسْ
مما تَخيَّرَ كرمَها ... كِسرى بعانةَ واغترَسْ
(1/143)

تدعى فيرفعُ رأسَهُ ... فإذا استقلَّ بهِ نكَسْ
وفي ائتلاف الندامى، وتضايُق مجلسهم قول الأوّل أعجب:
يا رَبَّ بيتٍ زرتُهُ فكأنّما ... قد ضمّني من ضِيقِهِ سِجنُ
ما يحسنُ الرمانُ يجمعُ حَبَّهُ ... في قشرِهِ إلاّ كما نحنُ
آخر:
رُبَّ نديمٍ حلوٍ شمائلُهُ ... غادرتُهُ بالعُقارِ مَعقورا
صهباءُ ليلاً فُضَّتْ خواتِمُها ... فامتلأتْ ظُلمةُ الدُّجى نورا
ثم استجاشَتْ على مُنازلةِ ال ... ماءِ حَباباً كالدرِّ منثورا
باكرْتُها والنديمُ أخرسُ قدْ ... أضحى بكفِّ الغرامِ مأسورا
والصبحُ يجلو على مقدّمةِ الش ... مسِ لواءٌ للمُلكِ منشورا
آخر:
نبّهتُ ندماني فهبُّوا ... بعدَ المَنامِ لِما استحبّوا
هذا أجابَ وذا أنا ... بَ وذا يسيرُ وذاكَ يحبو
أنشدتُهمْ بيتاً يُعلّ ... مُ ذا الصبابةِ كيف يصبو
ما العيشُ إلاّ أنْ تُحِبْ ... بَ وأنْ يُحبّك من منْ تحبُّ
فتطرَّبوا فالأريحيَّ ... يةُ شأنُها طربٌ وشُربُ
آخر:
قُمْ يا نديمي من منامِكَ واقعُدِ ... حانَ الصبوحُ ومُقلتي لم ترقُدِ
أمّا الظلامُ فحينَ رقَّ قميصُهُ ... وارى بياضَ الصبحِ كالسيفِ الصَّدِي
وصف المأمون ثُمامة بحسن المنادمة والمساعدة، فقال: إنه ليتصرف مع القلوب تصرُّف السحاب من الجنوب.
المُفجّع:
طِيبُ النديمِ يفوقُ طِيبَ الراحِ ... ويحثُّ شاربَها على الأقداحِ
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حَلَّتا ... بمحلّةِ الأرواحِ في الأشباحِ
أبو عبادة:
ونديمٍ نبّهتُهُ ودُجى الليْ ... لِ وضوءُ المصباحِ يعتلِجانِ
قُمْ نبادرْ بها الصيامَ فقدْ أقْ ... مرَ ذاكَ الهلالُ من شعبانِ
الباب الثالث والعشرون في
الغناء
ابن الرومي:
كأنّما رقّةُ مسموعِها ... رقّةُ شكوى سبقَتْ دمعَهْ
كأنّما غنَّتْ لشمسِ الضحى ... فألبسَتْها حُسنَها خِلعَهْ
ابن المعتز:
بينَ أقداحِهم حديثٌ قصيرُ ... هو سحرٌ وما سواهُ كلامُ
وغناءٌ يستعجلُ الراحَ بالرا ... حِ كما ناحَ في الغصونِ الحمامُ
أبو عبادة:
وأشارَتْ إلى الغناءِ بألحا ... ظٍ مِراضٍ منَ التَّصابي صِحاحِ
فطربْنا لهُنَّ قبل المَثاني ... وسكِرْنا منهُنَّ قبلَ الراحِ
محمد بن بشير:
وصوتٍ لبني الأحرا ... رِ أهلِ السِّيَرةِ الحُسنى
شجٍ يستغرقُ الأوتا ... رَ حتى كلُّها تفنى
فما أدري اليدُ اليسرى ... بها سقى أم اليمنى
وقُلنا لمُغنّيهِ ... وقدْ غنّى على المَثْنى
ألا يا ليتَ هذا الصَّو ... تَ حتى الصبحِ لا يفنى
فقدْ أيقظت اللذا ... تِ عيناً لم تزلْ وَسْنى
وما أفهمُ ما يعني ... مُغنّيه إذا غنّى
ولكنّيَ منْ حُبّي ... لهُ أستحسنُ المَغْنى
ومثله لأبي تمام:
ومُسمعةٍ تفوتُ السمعَ حُسناً ... شجَتْ كَبِدي ولمْ أفهمْ صَداها
فبِتُّ كأنّني أعمى مُعَنّى ... بحُبِّ الغانياتِ ولا يَراها
آحذ: تفوت السمع من قول الأعرابي:
فقامَ يُصارعُ البُردينِ لدناً ... تفوتُ العينَ من نومٍ شهيِّ
آخر:
ومُسمعٍ يُقيمُ فيما بيننا ... سُوقَ سرورٍ بثقيلٍ وهزَجْ
قضيْتُ فيهَ وطرَ اللهوِ على ... أنينِ أوتارٍ ونايٍ ووَنَجْ
والصبحُ قد أقبلَ في سلطانِهِ ... على دُجى الليلِ فلاحَ وبلَجْ
يفضُّ منهُ عُروةً فعروةً ... ويرتقيهِ درَجاً بعدَ درَجْ
آخر:
وليلتُنا والراحُ عجلٌ يحثُّها ... فنونُ غناءٍ للزجاجةِ حادِ
تدارك عني نشوة في لقائِها ... ذَممْتُ لها حتى الصباحِ رشادي
الموصلي:
سأشربُ ما دامتْ تغنّي مُلاحظُ ... وإنْ كانَ لي في الشربِ عنْ ذاكَ واعظُ
مُلاحظُ غنّينا بعيشِك وليكنْ ... عليكِ بما استحسنْته منكِ حافظُ
فأقسمُ ما غنّى غناءكِ حاذقٌ مُجيدٌ ولم يلفِظْ كلفظِكِ لافظُ
آخر:
دعيني منْ بكائِكِ في عراصٍ ... وفي أطلالِ منزلةٍ ودُورِ
(1/144)

ومنْ شُربٍ بلا عَصفٍ وزَمرٍ ... فإنَّ الخيلَ تشربُ بالصَّفيرِ
أنشد:
قيلَ لي: جدِّدِ اقتراحاً عليها ... فإذا كلُّ ما تغنّي اقتراحُ
ابن الرومي:
جاءَتْكَ بالنرجسِ أيامُهُ ... والراحِ فاشربْ غيرَ تَصريدِ
على سماعِ مُطربٍ نعجِبٍ ... ألذَّ من نُجحِ المواعيدِ
لا مِن خدودٍ سوَّدتْها اللِّحى ... بلْ من خدودٍ ذاتِ توريدِ
أبو نواس:
لا أرحلُ الكأسَ إلاّ أن يكونَ لها ... حادٍ بمُنتحل الأشعارِ غِرّيدُ
فاستنطِقِ العُودَ قدْ طالَ الصُّموتُ به ... لا ينطقُ اللهوُ حتى ينطقَ العُودُ
إسحاق الموصلي في مخارق أمّ ولده:
رأيتُ قِيانَ الناسِ في كلِّ بلدةٍ ... فلمْ ترَ عيني قَينةً كمخارقِ
إذا هيَ قامتْ أبهَتَ القومَ حِذقُها ... وأطرقَ إجلالاً لها كلُّ حاذِقِ
آخر:
للهِ أيامٌ خطَبْنا لِينَها ... في ظلِه بالخندريسِ السَّلسلِ
بمُدامةٍ نغمُ السماعِ خفيرها ... لا خيرَ في المَعلولِ غيرَ مُعلَّلِ
الحسن بن وهب:
وروضةٍ خِلتُ السِّماكينِ ... لها صديقينِ مُحبَّينِ
خضراءَ قد بكَّرَ نَوّارُها ... قبلَ البساتينِ بشَهرينِ
فكلّما احتاجَتْ إلى سُقيةٍ ... جادَ السِّماكانِ بنَوَّيْنِ
فأصبحتْ تضحكُ عن زاهرٍ ... يحارُ فيهِ ناظرُ العينِ
سقاهُما اللهُ لقد أصبحا ... بالروضِ تِرْبَيْنِ حَفيَّيْنِ
فغنّياني يا نديميَّ هوىً ... فأنتما خيرُ نَديمينِ
واهاً لإلفَيْنِ مُحبَّينِ ... في لُجَجِ الحُبِّ غريقَيْنِ
قد أمِنا الهجرَ وقدْ أمَّلا ... أنْ لا يُراعا الدهرَ بالبَينِ
فإنّهُ صوتٌ يُجيدانِهِ ... وأنتما خيرُ مُجيديْنِ
الباب الرابع والعشرون في
المزاهر والنايات والعيدان
وما قيل في أصواتها
أبو زرعة الدمشقي:
إذا أذّنَ المِضرابُ صلّتْ لكأسِنا ... أباريقُ قدْ يضحكْنَ في الخلَواتِ
ورنَّتْ على النايات أوتارُ قينةٍ ... تُشوِّقُ فتياناً إلى فتَياتِ
هل العيشُ إلا أنْ تكونَ مُدامةٌ ... يُقارفُها في الكأسِ ماءُ فُراتِ
أبو عثمان الناجم في المزمار:
وأسودَ في كفِّ مجدولةٍ ... بديعٍ لهُ خِلقةٌ مُنكَرهْ
إذا استودعَتْ سِرّها عندَهُ ... فأحسنُ ما فيهِ أنْ يُظهرِهْ
ابن المعتز:
وذاتِ نايٍ مشرقٍ وجهُها ... معشوقةِ الألحاظِ والغَنْجِ
كأنّها تلثُم طفلاً لها ... زنَتْ بهِ من ولدِ الزِّنجِ
ابن المعذّل:
وإنَّ خيرَ هدايا ال ... أسماعِ للأرواحِ
عود وناي وحلْقٌ ... وغايةُ الإصلاحِ
حجظة في العُود:
وعُودٍ يَهيجُ الشَّجوَ طِيبُ رَنينِهِ ... فصيحٍ بما استنطقْتَهُ وهْوَ أخرسُ
إذا أوحَتِ اليمنى إليهِ ووسوسَتْ ... أبانَتْ لهُ اليسرى بماذا يُوسوسُ
عكاشة فيه:
من كفِّ جاريةٍ كأنَّ بِنانَها ... من فضّةٍ قد قُمّعتْ عُنّابا
وكأنَّ يُمناها وقدْ ضربَتْ بها ... ألقتْ على يدِها الشمالِ حِسابا
البسامي:
وكأنّهُ في حِجرها ولدٌ لها ... ضمّتْهُ بينَ ترائبٍ ولَبانِ
طوراً تُدغدغُ بطنَهُ فإذا هفا ... عركَتْ أذُناً منَ الآذانِ
أنشد في العود:
ومُفوَّهٍ ذَربٍ بغيرِ لسانِ ... في نُطقِهِ فرَجٌ من الأحزانِ
ملِكُ الملاهي غيرَ أنَّ طِباعَهُ ... من أربع كطبائعِ الإنسانِ
فالزِّيرُ أوّلُها كأنَّ حنينَهُ ... شكوى المحبِّ ونشوةُ السَّكرانِ
والمَثنيانِ فضاحكٌ مُتلاعبٌ ... بملامةٍ عبثتْ بهِ الكفّانِ
والمِثلثُ المحزونُ قد ألِفَ البُكا ... مُتذابلاً كتذابُلِ الحَيرانِ
واليمُّ يخفضُ صوتَهُ فكأنّهُ ... نِضوٌ تأوَّهَ من أذى الهِجرانِ
فانظُرْ إلى الأضدادِ كيفَ تألَّفَتْ ... بالطبعِ مثلَ طبائعِ الإنسانِ
أبو مالك الأعرج:
ومعملةٍ نواطقَ من كِرانٍ ... لمعشوقٍ من البِيضِ الرقاقِ
إذا غنّتْ قديماً أو حديثاً ... فما للجيبِ منْ كفّيكَ واقِ
آخر:
(1/145)

وأجوفَ معشوقِ الأنين مُحفَّفٍ ... تحرّكُ من أطرابِنا حركاتُهُ
لهُ ألسنٌ رُكِّبْنَ من غيرِ جِنسِهِ ... تعادى إذا أوْدتْ بهِ نقراتُهُ
تعانقُهُ بينَ النَّدامى غريرةٌ ... كَعابٌ إليها موتُهُ وحياتُهُ
إذا أنبضَتْهُ أيقظتْ منه راقداً ... وإنْ هي لم تُنبِضْهُ طالَ سُباتُهُ
أساءت إلى الآذانِ منهُ فأحسنت ... بذاكَ إلى آذانِنا نغماتُهُ
آخر:
مُخطَفُ الجيدِ أجوفُ ... جِيدُهُ شطر سائرِهْ
لفظُهُ لفظُ عاشقٍ ... يشتكي هجرَ هاجرِهْ
أنطقَتْهُ يدُ امرئٍ ... فاتنِ الطَّرفِ فاترِهْ
فحكى منْ ضميرِهِ ... ما جرى في خواطرِهْ
آخر في الرقص وهو حسنٌ جداً:
إذا اختلسَ الخُطى واهتزَّ لِيناً ... رأيتَ لرقصِهِ سحراً مُبينا
يمسُّ الأرضَ من قدميهِ وهمٌ ... كرَجْعِ الطرفِ يخفى أن يَبينا
ترى الحركاتِ منهُ بلا سكونٍ ... فتحسبُها لخِفّتِها سُكونا
كسَيْرِ النجمِ ليسَ بمُستقرٍّ ... وليسَ بمُمكنٍ أنْ يستَبينا
مسلم في إتحاف الأقداح:
برَكبٍ خِفافٍ من زجاجٍ كأنّها ... ثُدِيُّ عَذارى لم تخفْ من يدٍ كَسْرا
ابن الرومي في الأقداح:
كفَم الحِبِّ في الحلاوةِ بلْ أح ... لى وإن كانَ لا يُناغى بحرفِ
صِيغَ من جوهرٍ مُصفّى طِباعاً ... لا علاجاً بكيمياءِ كُصفّى
تنفُذُ العينُ فيهِ حتى تراها ... أخطأَتْهُ من رِقّةِ المُستَشَفِّ
بهواءٍ بلا هَباءٍ وشُربٍ ... بضياءٍ أرقِقْ بذاكَ وأصْفِ
آخر في قدح مكسور:
كأسُكَ قد فُرقتْ مفاصلُها ... بينَ الندامى فليسَ تجتمعُ
كأنّها الشمسُ بينهم سقطتْ ... فجسمُها في أكفِّهم قِطَعُ
الباب الخامس والعشرون في
دبيبها في البدن ولطف مسراها
ابن المعذل:
يومٌ رقيقُ الجانبينِ شهدْتُهُ ... وقدْ استُحلَّتْ حُرمةُ الصهباءِ
فيها تنافسَتِ النفوسُ لأنّها ... تجري مجاريهِنَّ في الأعضاءِ
سحرٌ فشا في المُقلةِ الحوراءِ ... وردٌ نشا في الوجنةِ الحمراءِ
فتّانة الحركاتِ يمشي حُبُّها ... في الجسمِ مشيَ سلامةٍ في داءِ
أو حوضُ راحٍ سُلْسلَتْ سَكَباتُها ... في صفوِ عذبٍ من زُلالِ الماءِ
أبو نواس:
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنّهُ ... قبْضُ النعاسِ وأخذُهُ بالمَفصِلِ
عبقَتْ أكفُّهم بها فكأنّهمْ ... يتنازعونَ بها سِخابَ قرنفُلِ
تسقيكَها كفٌّ إليكَ حبيبةٌ ... لا بدَّ إنْ بخلت وإن لم تبخَلِ
ديك الجن:
وكأسِ صهباءَ صِرفٍ ما سرَتْ بيَدٍ ... إلى فمٍ فدرى ما طعمُ ضَرّاءِ
كأنَّ مشيتَها في جسم شاربِها ... تمشِّيَ الصبحِ في أحشاءِ ظلْماءِ
أبو نواس:
قامتْ بإبريقِها والليلُ مُعتكِرٌ ... فصارَ من نورِها في البيتِ لألاءُ
فأُرسلَتْ من فمِ الإبريقِ صافيةً ... كأنّما أخْذُها بالقلبِ إغفاءُ
الخليع:
وجاريةٍ في الجسمِ لُطفاً ورِقّةً ... مَجاريَ يأباها على روحِها الجسمُ
رهينةِ أحوالٍ طِوالٍ حبسْتُها ... على الدنِّ حتى ليسَ يدركُها الوهْمُ
إذا صبَّها الساقي على الكأسِ خِلتَها ... شعاعاً ركاماً أو كما ضوّأَ النجمُ
أبو علي البصير:
ألا ربّما كأسٍ شربتُ سُلافَها ... على صوتِ أوتارٍ فِصاحِ الترنُّمِ
لها منظرٌ يخفى على العينِ رِقّةً ... ويلطُفُ إنْ يحظى بهِ المتوسِّمُ
سرَتْ بأقاصي الجسمِ حتى كأنّما ... يشاركُها في بُعدِ مسلكِها الدمُ
ابن المعذل:
ذاتُ دبيبٍ في جسمِ شاربِها ... تخضُبُ في الكأسِ كفَّ شائبِها
كأنّما المسكُ بعضُ نشوتِها ... ولذةُ العيشِ في صواحبِها
عروسُ خِدرٍ يعيد شيبَتها ... ما بيَّض المزجُ من ذوائبِها
الباب السادس والعشرون في
السُّكر
أنشد:
ما زالَ يشربُها وتشربُ عقلَهُ ... خبَلاً وتؤذِنُ روحَهُ برواحِ
حتى انثنى مُتوسِّداً ليمينِهِ ... ثمِلاً وأسلمَ روحَهُ للراحِ
الأديب المنطري:
(1/146)

ما زلتُ أسقيهِ وأشربُ بعدَهُ ... على الراحِ والأوتارُ ذاتُ حنينِ
إلى أنْ رأيتُ السُّكْرَ ميَّلَ رأسَهُ ... على الكأسِ حتى ذاقَها بجَبينِ
أبو أتاني السنْدي:
سقيتُ أبا المعمر إذا تأبّى ... وذو الرَّعثاتِ منتصبٌ يصيحُ
شراباً يهربُ الذُّبّانُ عنهُ ... ويلثغُ حينَ يشربُهُ الفصيحُ
النظّام:
ما زلتُ آخذُ روحَ الدنِّ في لُطفٍ ... وأستبيحُ دماً من غيرِ مجروحِ
حتى انثنيتُ ولي روحانِ في بدَنٍ ... والدنُّ مطرَّحٌ جسماً بلا روحِ
ابن أبي البغل:
صافحتُ إبريقَهُ فتمتم لي ... حتى توهّمتُهُ كتأتاءِ
حتى إذا عادَ في فصاحَتِهِ ... عادَ لساني لسان فأفاءِ
ابن ميادة:
وكأسٍ ترى بينَ الإناءِ وبينَها ... قذى العينِ قد نازعْتُ أمَّ أَبانِ
ترى شارِبيها حينَ يعتورِانِها ... يميلانِ أحياناً ويعتدلانِ
فما ظنُّ ذا الواشيء بأبيضَ ماجدٍ ... وبيضاءَ خَوْدٍ حينَ يلتقيانِ
وقال آخر:
ومُقرطقٍ يسعى إلى النُّدماءِ ... بعقيقةٍ في دُرّةٍ بيضاءِ
والبدرُ في أُفقِ السماءِ كدرهمٍ ... مُلقىً على ديباجةٍ زرقاءِ
كمْ ليلةٍ قد سرَّني بمَبيتِهِ ... عندي بلا خوفٍ من الرقباءِ
نبّهتُهُ بيدَي وقلتُ لهُ انتبِه ... يا فرحةَ الندماءِ والجلساءِ
فأجابَني والسُّكر يخفضُ صوتَهُ ... بتلَجْلُجٍ كتلجْلُجِ الفأْفاءِ
إني لأعلمُ ما تقولُ وإنّما ... غلبَتْ عليَّ سُلافةُ الصهباءِ
آخر:
إنَّ تلكَ التي تجنَّبها النا ... سكُ منْ ماءِ صافياتِ العُقارِ
هيَ شأني والعذْلُ شأنُكَ إنّي ... والِهٌ عن أحبّتي ودِياري
أيُّ شيءٍ يكونُ أحسنَ منّي ... نائماً بينَ سُوسنٍ وبَهارِ
وجَوارٍ يقلْنَ هذا المُسَجّى ... رجلٌ ماجدٌ منَ الأحرارِ
صرعَتْهُ السُّقاةُ بالطاسِ والكا ... سِ جهاراً قيامَ نصفِ النهارِ
ابن لنكك:
وفتيةٍ لاصطباحِ الكأسِ قد نهضوا ... مثلَ الشياطينِ في دَيرِ الشياطينِ
مشَوْا إلى الراحِ مشْيَ الرُّخِّ وانصرفوا ... والراحُ تمشي بهم مشيَ الفَرازينِ
آخر:
ناديتُهُ ورداءُ الليلِ مُنسدِلٌ ... بينَ الرياضِ دَفيناً في الرياحينِ
فقلتُ: قُمْ، قال: رِجلي لا تُطاوعُني ... فقلتُ: خُذْ، قال: كفّي لا تُواتيني
إنّي غفلتُ عنِ الساقي فصيَّرني ... كما تراني سليبَ العقلِ والدينِ
آخر:
وفتى بينَ مُسكِر ... من غرامٍ ومُنكَرِ
بينَ خدٍّ مُورَّدٍ ... وشرابٍ مُعصْفَرِ
وحديثٍ مُمسَّكٍ ... وغناءٍ مُعنْبَرِ
آخر:
إذا فتحَ القومُ أفواهَهمْ ... لغيرِ كلامٍ ولا مَطعَمِ
فلا خيرَ فيهمْ لشربِ النبيذِ ... ودعْهمْ يناموا معَ النُّوَّمِ
ابن المعتز:
مولاي أجْوَرُ مَنْ حكمْ ... صبراً عليهِ وإنْ ظلَمْ
لعبَ الهوى بعهودِهِ ... فكأنّها كانتْ حُلُمْ
ومُصَّرعينَ منَ الخُما ... رِ على السواعدِ واللِّمَمْ
فتلتهمُ خَمّارةٌ ... عمداً ولمْ تؤخَذْ بدَمْ
الصنوبري:
فلمّا أنْ مشى السُّكرُ ... بنا مشيَ الفَرازينِ
تدافَعْنا إلى البِرك ... ةِ من فوقِ الدكاكينِ
وعُمْنا وتخبَّطْنا ... كتَخبيطِ المجانينِ
كأنّنا نوطِئُ الأقدا ... مَ أطرافَ السكاكينِ
كأنّنا إذْ تخلَّفْنا ... نساءٌ بزَرافينِ
خالد:
عشيّةَ حيّاني بوردٍ كأنّهُ ... خدودٌ أُضيفَتْ بعضُهنَّ إلى بعضِ
ونازعَني كأساً كانَ رُضابُها ... دموعيَ لما صارَ في مُقلتي غُمضي
وولّى وفِعلُ الراحِ في حركاتِهِ ... منَ السُّكرِ فِعلَ الريحِ في الغصنِ الغضِّ
آخر:
رُبَّ ليلٍ قدْ نعمْتُ به ... ونهارٍ ما علمتُ بهْ
ظلْتُ منهُ ميّتاً سَكراً ... ذاكَ سُكرٌ كنتُ في طَلبِهْ
وقد عاب بعض الرواة قول طرفة:
أُسْدُ غِيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمونٍ وطِمِرْ
(1/147)

وقالوا: السكران مغلوب على عقله، لا يُحمد على بذله، ولا يُذم على منعه، كالبهيمة لا تُمدح بحسنة تأتيها، ولا تُذم بسيئة تجنيها.
وفضلوا عليه قول عنترة:
فإذا شربْتُ فإنّني مُستهلِكٌ ... مالي وعِرضي وافرٌ لم يُكْلَمِ
وإذا صحوتُ فما أقصّر عن ندى ... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وتبعه في صوابه أبو عبد الله فقال:
وما زلتُ خِلاًّ للندامى إذا انتشَوا ... وراحوا بُدوراً يستحثّونَ أنجُما
تكرّمتُ من قبلِ الكؤوسِ عليهمُ ... فما اسطَعْنَ أنْ يُحدِثْنَ فيكَ تكرُّما
وتلاه المتنبي فقال:
تُصاحبُ الراحَ أريحيّتُهُ ... فتسقطُ دونَ أدناها
لا تجدُ الخمرُ في مكارمِهِ ... إذا انتشى خِلّةً تَلافاها
أبو أسود الشيباني:
ألا قامَ يلحاني بليلٍ عواذلي ... ويزعُمنْ أنْ أودى بحقي باطلي
فمنْ ذا يرى يوماً من السُّكرِ مائلاً ... يرى اللهوَ مجموعاً له في شمائلي
بشار:
اسقِني في اللُّجينِ من حلَبِ الكرْ ... مِ وفي العَسْجديِّ كأسَ المجوسِ
قدْ صَغا النجمُ للهبوطِ وقدْ ... حانتْ صلاةُ الرهبانِ والقِسّيسِ
هاتِها كالشُّواظِ تجمحُ في الرأ ... سِ جِماحَ الحصانِ غيرِ الشَّموسِ
الباب السابع والعشرون في
التداوي بالخمر من الخمار
الأعشى:
وكأسٍ شربْتُ على لذّةٍ ... وأخرى تداويْتُ منها بها
لكيْ يعلمَ الناسُ أنّي امرؤٌ ... أتيتُ المعيشةَ من بابِها
هذا الشعر من الكلام الذي لفظه طبقٌ على معناه، لا قاصر عنه، ولا زائد عليه.
محمد بن أبي أمية:
حدّثَتْ عن تغيُّري الأترابا ... ومشيبي فقُلنَ: باللهِ شابا
نظرَتْ نظرةً إليَّ وصدّتْ ... كصدودِ المخمورِ شَمَّ الشرابا
المجنون:
تداويتُ من ليلى بليلى منَ الهوى ... كما يتداوى شاربُ الخمرِ بالخمرِ
هيَ البدرُ حُسناً، والنساءُ كواكبٌ ... فشَتّانَ ما بينَ الكواكبِ والبدرِ
وأخذه أبو عبادة فأساء العبارة وأساء المعنى فقال:
تداويتُ من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الرُّبا مَن ظلَّ بالماءِ يشرَقُ
إلا أنه عفى عليه بإحسانه في قوله يريد هذا المعنى:
هوىً أُعفّي على آثارِهِ بهوىً ... كمُطفئٍ من لهيبِ النارِ بالنارِ
وهذا قد سبقه إليه دِعبلٌ في قوله:
ولمّا أبى إلاّ جِماحاً فؤادُهُ ... ولم يَسْلُ عنْ ليلى بمالٍ ولا أهْلِ
تسلّى بأخرى غيرِها فإذا التي ... تسلّى بها تُغري بليلى ولا تُسلي
وتقدمه أبو العتاهية فقال:
كم عائبٍ لكِ لم أسمعْ مقالتَهُ ... ولمْ يزدْكِ لدينا غيرَ تحسينِ
كأنَّ عائبَكُمْ يُبدي محاسنَكمْ ... عندي ويمدحُكمْ جهراً فيُغريني
ما فوقَ حُبّيكِ حُبٌّ حيثُ أعلمُهُ ... فما يضرُّكِ ألاّ تستزيديني
وقال أبو نواس:
ما حطَّكَ الواشونَ عن رُنةٍ ... عندي ولا ضرَّكَ مُغتابُ
كأنّهم أثنَوا ولمْ يعلموا ... عليكَ عندي بالذي عابُوا
وقال عروة:
كأنّما عائبُها عامداً ... زيَّنها عندي بتزيين
قال ابن ميادة:
وإذا الواشي بها يوماً وشى ... نفعَ الواشي بما كان يَضُرْ
وأخذه إبراهيم بن العباس فطرَّده إلى غير معنى الحب فقال:
وإنّي وإعدادي لدهري محمداً ... كمُلتمسٍ إطفاءَ نارٍ بنافخِ
وقال محمد بن حازم الباهلي:
وكمْ تلهَّى بهوى غيرِهِ ... قلبي فأغراهُ ولمْ يُلهِهِ
والمعنى الواحد إذا تعاورته الألسنة، وتداولته القرائح، واستعملته الطباع صفا جوهره، وخلص رونقه، وجاد سبكه، وحسن نحته.
أبو نواس:
دعْ عنكَ لَومي فإنَّ اللَّومَ إغراءُ ... ودواني بالتي كانتْ هيَ الداءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها ... لوْ مسَّها حجرٌ مستْهُ سَرّاءُ
ابن المعذّل:
وصفراءَ من لذّةِ الشاربينَ ... يُطيّبُ عيشي بها خفضُها
سماءُ مزاجٍ همتْ فضةً ... ومن ذهَبٍ خالصٍ أرضُها
أزحْتُ خُماري بها إنّها ... هي السمُّ تِرياقُها بعضُها
العطوي:
وندمانِ صدقٍ أدرْتُ الكؤوسَ ... على رأسِهِ جهرةً فاستدارا
(1/148)

إلى أنْ تَوسَّدَ يُمنى اليدينِ ... وردَّ على عارضيهِ اليسارا
تأنَّيتُ من سُكرِهِ كي يفيقَ ... فلمْ يصحَ منهُ ونامَ النهارا
فنبّهتُهُ ثم عاطيتُهُ ... سُلافَ الأباريقِ تشفي الخُمارا
فثابَتْ لهُ نفسُهُ واستقلَّ ... وشمّرَ للهوِ منهُ الإزارا
أبو نواس:
داوِ يحيى منْ خُمارِهِ ... بابنةِ الدنِّ وقارِهْ
بشرابٍ خُسروانٍ ... ما تعنَّوْا باعتصارِهْ
طبختْهُ الشمسُ لما ... بخلُ العِلجُ بنارِهْ
فتجلَّتْ عن شرابٍ ... يترامى بشرارِهْ
كُشاجم:
داوِ خُماري بكأسِ خمرِ ... وانفِ سُكرَ الهوى بسُكْرِ
ورقِّقِ الماءَ ذَوبَ دُرٍّ ... وشعشِعِ الخمرَ ذَوبَ تِبرِ
مُدامةٌ عُتِّقتْ فجاءتْ ... كلمعِ برقٍ وضوءِ فجرِ
اليعقوبي:
وفتيةٍ حثحثوا مَطيَّهمُ ... حاملةَ الراحِ ليلةَ العرسِ
وقد تصلّيتُ نارَ شُربِهمُ ... كما تَصلّى المقرورُ من قَرْسِ
تضْرَجُ عنها القذاةَ طافيةً ... في الكأسِ ضرْجَ الجوامحِ الشمسُ
غنمتُ أُنسي بهمْ وأُنسَهم ... وقد يُصابُ السرور في الخَلْسِ
أقمت صرعاهمُ وقد ثمِلوا ... بطيّباتِ المذاقِ والنفسِ
فاستقبلوا ليلَهمْ بلذّتِهِ ... وشيّعوهُ باللهوِ والأُنسِ
أبو نواس:
دعْ لباكيها الديارا ... وانفِ بالخمرِ الخُمارا
واسقنيها منْ كُميتٍ ... تُذرُ الليلَ نهارا
لم تزلْ في قعرِ دنٍّ ... مشعراً زفتاً وقارا
ثمّ شُجّتْ فأدارتْ ... فوقَها طوْقاً فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالدُّ ... رِّ صغاراً وكبارا
الحسين بن الضحاك:
وصهباءَصِرفٍ صريفيّةٍ ... شربتُ على الريقِ سَلسالَها
كأنَّ مطارحَ أنوارِها ... تجرُّ على الأرضِ أذيالَها
أُداوي بهِ فتراتِ الخُمارِ ... مُداواةَ نفسِكَ أعلالَها
أعودُ إليها وموتي بها ... كما تجرحُ الحربُ أبطالَها
وقال:
قدْ حنَّ مخمورٌ إلى خمرِ ... وجادَكَ الغيثُ على قَدْرِ
هاتِ التي يُعرفُ وجدي بها ... واكنِ بما شئتَ عنِ الخمرِ
حسبي بتمويهِكَ لي شُبهةً ... لعلَّها تطمعُ في العُذرِ
وقد أخذه من قول الرمّاح وهو ابن ميادة:
ألا رُبَّ خَمّارٍ طرقْتُ بسُحرةٍ ... من الليلِ مُرتاداً لنَدمانيَ الخمرا
وأنهلتهُ خمراً وأحلفُ أنّها ... طلاءٌ حلالٌ كيْ يُحمّلَني الوِزْرا
وتبع ابن ميادة عبيدَ بن الأبرص في قوله:
هي الخمرُ يكْنونَها بالطِّلا ... كما الذئبُ يُكنى أبا جعْدَهْ
ويمكن أن نستدل بها على أن الخمر قد حرموها في الجاهلية، وقد حرمها علقمةُ بن نضلة فقال:
لعمركَ إنَّ الخمرَ ما دمتُ شارياً ... لمُذهبةٌ مالي ومُنسيةٌ حِلمي
وجاعلتي بينَ الضِّعافِ قُواهُمُ ... ومورثتي حربَ الصديقِ بلا جُرمِ
وشرب قيس بن عاصم فلما سكر مد يده يلتمس القمر، فلما أصبح أُخبر بذلك من فعله، فاستسفه فعله، وحرّمها، وقال: لا أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.
وقال:
تركتُ القداحَ وعزفَ القِيانِ ... والخمرَ تصليةً وانتهالا
فيا ربِّ لا أغبنن ببيعتي ... فقدْ بعتُ أهلي ومالي بَدالا
ولا خلاف أن السكر محرّم بين أهل الديانات والملل، وأما في الشريعة فإن التنزيل حرم الخمر بعينها، وبالسنة حرم كل مسكر.
وما أحسن ما قال المأمون:
سأشربُها وأزعمُها حراماً ... وأرجو عفوَ ربٍّ ذي امتنانِ
ويشربُها ويزعمُها حلالاً ... وتلكَ على الشقيِّ خطيئتانِ
وقال ابن الرومي، وهو من أخبث ما قيل في معناه:
أحلَّ العراقيُّ النبيذَ وشُربَهُ ... وقال: الحرامانِ المُدامةُ والسكرُ
وقال الحجازيُّ: الشرابانِ واحدٌ ... فحلٌ لنا من بينِ قولَيْهما الخمرُ
سآخذُ من قوليهِما طرفَيْهما ... وأشربُها لا فارقَ الوازرَ الوزرُ
وسمع بعض العلماء قولَ الشاعر:
هذهِ المنهيُّ منها ... وأنا المحتجُّ عنها
ما لها تحرُمُ في الدُّنْ ... يا وفي الجنةِ منها
فقال: لصداع الرأس، ونزف العقل.
(1/149)

الباب الثامن والعشرون
ما تولده من الخيلاء
وقلة المبالاة وإظهار الشر، والاعتذار بالسكر من أفعالها
الأخطل:
إذا ما نيديمي علَّني ثمَّ علَّني ... ثلاثُ زجاجاتٍ لهنَّ هديرُ
خرجتُ أجُرُّ الذيلَ مني كأنّني ... عليكَ أميرَ المؤمنينَ أميرُ
حسان بن ثابت:
كأنَّ سبيئةً من بيتِ راسٍ ... يكونُ مزاجَها عسلٌ وماءُ
إذا ما الأشرِباتُ ذُكِرْنَ يوماً ... فهُنَّ لطيّبِ الراحِ الدواءُ
نُوليّها الملامةَ إنْ أُلِمْنا ... إذا ما كانَ مَغثٌ أو لِحاءُ
ونشربُها فتتركُنا ملوكاً ... وأُسداً ما يُنهنهها اللقاءُ
ابن عائشة:
وصافيةٍ كعينِ الديكِ صِرفٍ ... تُنسّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شربَ الفتى منها ثلاثاً ... بُعيدَ الريِّ هَمَّ بأنْ يطولا
مشى قُرشيّةً لا عيبَ فيها ... وأرخى من ذوائبِها الفضولا
آخر:
إذا ما شربْنا الجاشِرية لم نُبَلْ ... أميراً وإن كانَ الأميرُ من الأزْدِ
الموصلي:
اسقِني بالكبيرِ يا سعدُ حتى ... أحسَبَ الناسَ كلَّهمْ لي عبيدا
وأراني إذا مشيتُ كأنّي ... أعدلُ الأرضَ خشيةً أن تَميدا
لو يرى الناسُ في المدامةِ رأيي ... لم يبيعوا بدرهمٍ عنقودا
أنشد:
ولقدْ شربتُ الخمرَ حتى خِلتُني ... لمّا خرجتُ أجرُّ فضلَ المِئزَرِ
قابوسَ أو عمروَ بن هندٍ جالساً ... يُجبى له ما بينَ دارةِ قيصرِ
عامر بن الطفيل:
ويومٍ كظلِّ الرمحِ قصَّرَ طولَهُ ... دمُ الزقِّ عنا واصطكاكُ المزاهرِ
لدُنْ غدوةٍ حتى أروحَ وصُحبَتي ... عُصاةٌ على الناهينَ شُمُّ المناخِرِ
كأنَّ أباريقَ الشَّمولِ عشيّةً ... إوَزٌّ بأعلى الطفِّ عوجُ الحناجِرِ
علي بن الخليل:
نزَّهُ صَبوحَكَ عن مكانِ العُذَّلِ ... ما العيشُ إلا في الرحيقِ السلسلِ
تُهدي لقلبِ المستكينِ تخيُّلاً ... وتُلينُ قلبَ الباذخِ المُتخيِّلِ
الخليع:
ومُهفهفٍ تركَ الرُّقادَ حَثاثاً ... وأعادَ حبلَ وِصالِهِ أنْكاثا
قسمَ الزمانَ على المحبِّ بهجرِهِ ... وبُبعدِهِ وجفائِهِ أثْلاثا
ما زلتُ أشربُ منْ يديهِ أكْؤُساً ... خمساً وستّاً بعدَها وثلاثا
حتى ظننْتُ ليَ العراقَ قطيعةً ... وحسِبتُ أرضَ الشامِ لي ميراثا
القُطامي:
وكأسٍ تمشّى في العظامِ سبيئةٍ ... منَ الراحِ تعلو الماءَ حينَ تُكاثِرُهْ
كُميتٍ إذا ما شجّها صرَّحتْ بهِ ... ذخيرةُ حانوتٍ عليها تبادرُهْ
فجاءَ بها بعدَ الإباءِ وبعدَما ... بذَلْنا لهُ في السّومِ ما شاءَ تاجرُهْ
شربتُ وفتيانٌ كجِنّةِ عبقرٍ ... كرامٌ إذا ما الأمرُ أعيَتْ مصادرُهْ
فقلتُ اشربوا حيّاكمُ اللهُ واسبِقوا ... عواذِلَنا منها بريٍّ نُباكرُهْ
فلمّا تنشّينا ودارَتْ بهامِنا ... وقلنا اكتفَيْنا بعدَ عَفْقٍ نُظاهرُهْ
فرُحْنا أُصيلالاً نجرُّ ذيولَنا ... بأنعَمِ ليلٍ قدْ تطاولَ آخرُهْ
وفي إفشاء السر قال مسلم:
بعثَتْ إلى سرِّ الضميرِ فجاءَها ... سَلِساً على هَذْرِ اللسانِ مَقولا
الرقاشي:
أُراني سأُبدي عندَ أولِ شُربةٍ ... هوايَ لملكٍ في خفاءٍ وفي سَتْرِ
فإنْ رضيَتْ كان الرِّضى سببَ الهوى ... وإنْ غضبَتْ منهُ أُحِلْتُ إلى السُّكْرِ
وقد احسن العطوي في قوله:
فمَنْ حكْمت كأسَكَ فيهِ فاحكُمْ ... لهُ بإقالةٍ عندَ العِثارِ
وكان أبو شبل عاصم بن وهب يعشق جاريةً اسمها صِرف، فشرب، فلما سكر قال:
قلْ لمنْ يملكُ الملو ... كَ وإنْ كان قدْ مُلِكْ
قد شربْناكِ فاشربي ... وبعثْنا إليكِ بِكْ
وفي معناه، الخليع في جارية اسمها نرجس وأحسن:
ظَلْتُ أبغيكِ في البسا ... تينِ حبّاً لرؤيتكْ
فإذا نرجسٌ ينا ... دي بلفظٍ كلفظتِكْ
أنا شِبهٌ لمنْ هوِي ... تَ فخُذني براحتِكْ
اجتنيناهُ ناضراً ... وبعثْنا إليكِ بكْ
وقال أحمد بن أبي كامل في جارية اسمها ظبي:
(1/150)

وقائلٍ: من تحبُّ؟ قلتُ لهُ: ... ولي فؤادٌ يُطوى على وَلَههْ
انظرْ إلى الظبيِ فهيَ جاريةٌ ... تُشركهُ في اسمِهِ وفي شِبهِهْ
وله فيه وأحسن:
سُمّيتَ ظبياً حينَ أشبهتَهُ ... زِيدَ الذي سمّاكَ تَثبيتا
البدرُ أولى أنْ تُسمّى بهِ ... إنْ كنتَ بالأشباهِ سُمِّيتا
الباب التاسع والعشرون في
استهداء الشراب
الأخيطل الأهوازي:
أما ترى كيفَ طيبُ ذا اليومِ ... وكيفَ تجري مدامعُ الغَيمِ
وكيفَ سُرَّ الثرى بغُرّتِهِ ... وهَبَّ نَوّارُهُ من النومِ
لو أنّهُ سيمَ لاشتراهُ بنو اللهوِ ولو كانَ غاليَ السَّومِ
ونحنُ صاحونَ في صبيحتِنا ... فابعثْ إلينا بقوتِ ذا اليومِ
ابن لنكك:
إذا فُقدتْ لذاذاتُ التَّصابي ... فكا طِيبُ الحياةِ بمُستطابِ
وما تهتزُّ أغصانُ الملاهي ... إذا لمْ تُرتَشفْ مُهجُ الخوابي
لغيثكَ أنتَ للذّاتِ سُقيا ... وغيثُ المزنِ سُقيا للترابِ
وأنتَ إليهِ أحوجُ غيرَ أنّي ... كمُستهدي الخَلوقِ من القِحابِ
وأعذَرُ فالضرورةُ كلَّفتْني ... مزاحمةَ العطاشِ على الشرابِ
فما هيَ أمُّ حاجاتي، وحمْدي ... كمثلِ الحمدِ في أمِّ الكتابِ
كُشاجم:
لنا أملٌ نعتَدُّ نَيلَكَ مأمولا ... ونحسبُ من باراكَ في الفضلِ مَفضولا
لكَ الخُلقُ المعسولُ والكنَفُ الذي ... بمصطنعِ الخيراتِ أصبحَ مأهولا
وأعوزَنا اليومَ الصبوحُ فجُدْ بهِ ... يعودُ فراغي باصطناعِكَ مشغولا
وحدَّثَنا الساقي ببردِ غدائهِ ... وقدْ قيلَ في الساقي المحدِّثِ ما قيلا
آخر:
يا من أناملُهُ كالعارضِ الساري ... وفعلُهُ أبداً عارٍ من العارِ
أما ترى الثلجَ قدْ خاطَتْ يداهُ لنا ... ثوباً يَزرُّ على الدنيا بأزرارِ
نارٌ ولكنها ليستْ بمُبديةٍ ... نوراً، وماءٌ ولكنْ ليسَ بالجاري
والراحُ قدْ أعوزَتْنا في صبيحتِنا ... بيعاً ولو وزنَ دينارٍ بدينارِ
فامنُنْ بما شئتَ منْ راحٍ تكونُ لنا ... راحاً فإنّا بلا راحٍ ولا نارِ
ابن الرومي:
أبا الفضلِ ما أنتَ بالمُنصفِ ... ومثلُكَ إنْ قالَ قولاً يَفي
فإمّا بعثْتَ لنا بالمُدامِ ... وإلاّ أُخذتَ وأُدخلتَ في
حبيب:
جُعلتُ فداكَ عبدَ اللهِ عندي ... بعَقْبِ الهجرِ منهُ والبِعادِ
لهُ لُمةٌ من الكُتّابِ بِيضٌ ... قضَوْا حقَّ الزيارةِ والوِدادِ
وأحسِبُ يومَهم إنْ لم تجدْهمْ ... مُصادفَ دعوةٍ منهمْ جَمادِ
فكمْ نَوءٍ من الصهباءِ سارٍ ... وآخرَ منكَ بالمعروفِ غادِ
فهذا يستهلُّ على غليلي ... وهذا يستهلُّ على تِلادي
ويشفي ذا مَذانِبَ كلَّ عِرقٍ ... ويُترِعُ ذا قرارةَ كلَّ وادِ
دعوْتُهم عليكَ وكنتَ ممّنْ ... نُعيِّنُهُ على العُقَدِ الجِيادِ
الصنوبري:
يا سيّداً رتّبهُ هاشمٌ ... في مُستقرِّ السؤددِ الراتِبِ
ما أربي في ذهَبٍ جامدٍ ... بل أرَبي في ذهبٍ ذائبِ
آخر:
أرَقْتُ دمي فأعوزَني ... سليلُ الكرْمِ والكرَمِ
فشيء منْ دمِ العُنقو ... دِ أجعلُهُ مكانَ دمي
الباب الثلاثون في
الخمارين في الجاهلية والإسلام
والحانات ومن كان يشرب فيها من الظرفاء والأشراف ويعتادها من الشعراء
فمن الخمارين في الجاهلية ابن بُجرة. قال الأصمعي هو من الطائف، وكانت قريش وسائر العرب تقصده، فتشرب في حانته، وتمتار منه ما تحمله إلى أوطانها.
ومن قول أبي ذؤيب الهذلي:
فلو أنَّ ما عندَ ابنِ بُجرةَ عندَها ... من الخمرِ لم تبلُلْ فؤادي بناطِلِ
فتلكَ التي لا يذهبُ الدهرَ حُبُّها ... ولا ذكرُها ما أرزَمتْ أمُّ حائلِ
وكان من بني قريظة خمّار له حانة. وكان في جوار سلام بن مِشكم، وكان عزيزاً منيعاً. ولما انصرف أبو سفيان بن حرب من غزوة السويق نزل على سلام بن مشكم فأكرمه واحتبسه عنده ثلاثة أيام، وبعث إلى خمّار كان في جواره، فابتاع منه كل ما كان في حانته، وراح به عليه، وعلى من كان معه من قريش، فقال أبو سفيان:
(1/151)

سقاني فروّاني كُميتاً مُدامةً ... على ظمإٍ منّي سلامُ بنُ مِشْكَمِ
تخيّرتُهُ أهلَ المدينةِ واحداً ... سواهمْ فلمْ أغبنْ ولم أتندَّمِ
فلمّا تولى الليلُ قلتُ ولمْ أكنْ ... لأفرحه أبشِرْ بعُرفٍ ومَغنمِ
وإنْ أبا عثمانُ بحرٌ، ودارُهُ ... بيثربَ مأوى كلِّ أبيضَ خِضْرِمِ
حانة رَيْمان:
كانت حانة ريمان بهَجَر، وليس يُدرى أهي منسوبة إلى رجل أم إلى موضع، وقد ذكرها الراعي النميري حيث يقول:
وصهباءَ من حانوتِ ريمانَ قد غدا ... عليَّ ولم ينظرْ بها الشرقَ صابحُ
يُقصّرُ عنها النومَ كأسٌ رويّةٌ ... ورخصُ الشواءِ والقِيانُ الصوادحُ
يُغَنّينا حتى نروحَ عشيةً ... نجيّاً وأيدينا لأيدٍ تُصافحُ
وبيتنا على الأنماطِ والبيضِ كالدمى ... تضيءُ لنا لَبّاتِهنَّ المَصابحُ
إذا نحنُ أنزلْنا الخوابيَ علَّنا ... معَ الليلِ مكتومٌ من القارِ طافحُ
حُنين الخمّار:
كان حُنين بالحيرة، وكان الأُقيشر يلزم حانته، ويعامله، وحنين يُنسئه إذا ضاقت يده، فلقيت امرأة محتالة الأقيشر بالكوفة فعرفته ولم يعرفها، فقالت: أنا أم حنين الخمّار بعثني لأشتري له حاجة، وقال: إن احتجتِ إلى زيادة فخذي من أبي معرّض، وكان الأقيشر يكنى أبا معرّض، وقد عجزتْ دراهمه درهمين، فأعطني درهمين حتى يعطيك بها شراباً، فقال: نعم ورَحباً وكرامةً؛ فأعطاها الدرهمين، ثم جاء إلى حنين فشرب ما عنده، فلما أنفد ما معه حَسَبَ الدرهمين، فقال: أي الدرهمين؟ فقال: اللذين أخذتهما مني أمك بالكوفة، فقال: لا والله ما أخذت منك أمي شيئاً، قال فاسمع ما أقول، قال: هاته، فأنشده:
لا تغرَّنَّ ذاتُ خُفٍّ سوانا ... بعدَ أختِ العبادِ أمَّ حُنينِ
وعدَتْنا بدرهمينِ طِلاءً ... وصِلاءً مُعجّلاً غيرَ دَينِ
ثمَّ ألْوَتْ بالدرهمين جميعاً ... يا لقومٍ لضيعةِ الدرهمينِ
عاهدَتْ زوجَها وقدْ قالَ إنّي ... سوفَ أغدو لحاجةٍ وَلِدَينِ
فدعَتْ بالحصانِ أحمرَ جَلْداً ... وافرَ الأيرِ مُرسلَ الخُصيتينِ
قال: ما أجرُ ذا؟ هُديتِ فقالت: ... سوفَ أعطيكَ أجرهُ مرتينِ
فأبدأ الآنَ بالسفاحِ فلما ... سافَحتْهُ أرضتْهُ بالأُجرتينِ
تَلَّها للجبينِ ثمّ امتطاها ... عائرَ الأيرِ أفحجَ الحالبينِ
بينما ذاكَ منهُما وهيَ تحوي ... ظهرَهُ باليدينِ والمِعصمَينِ
جاءَها زوجُها وقدْ شِيمَ فيها ... ذو انتصابٍ مُوثَّقُ الأخدعينِ
فتأسّى، وقال: ويلٌ طويلٌ ... لحُنينٍ من عارِ أمِّ حُنينِ
فقال الخمّار ما تريد إلى هجاء أمي؟ فقال: أخذت مني دراهم ولست تعطيني شراباً. فقال: والله ما تعرفك أمي، ولا أخذت منك شيئاً، فانظر إلى أمي، فإن كانت هي صاحبتك غرّمتها، فقال: لا والله! ما أهجو غيرَ أم حنين وابنها، فإن كانت هي أمك فالهجاء لها، وإلا فهو لمن أخذ درهمَيَّ، قال: إذاً لا يفرّق الناس بينهما. قال: فما عليّ؟ أترى درهميّ يضيعان؟ قال: فكفَّ إذاً حتى أغترمهما وأتخلص أنا وأمي منك، لا بارك الله فيك، وأعطاه شراباً بدرهمين.
خِيق الخمّار:
قال: ضرب عليُّ بن هندي البعثَ إلى سجستان، فنزل في موضع بها يقال له كوه زِيان وتفسيره جبل الخُسران، وكان هناك خمّار يقال له خِيق، يبيع الخمر، ويقودُ على امرأته، وعلى عواهر عنده، وكان أبو الهندي ملازماً له، فبينا هو يشرب إذ نفر الناسُ إلى الغزو، وخرجوا على راياتهم وهو جالس على جناح في دار الخمار، يشرف على الناس، وهو سكران طافح، فأنشأ يقول:
نفرَ الناسُ على راياتِهم ... وأبو الهنديِّ في كوهِ زِيانِ
قدْ غدا يشربُها مشمولةً ... من سُلافٍ بزلوها في الدنانِ
بينَ ندمانٍ وعُودٍ غَرِدٍ ... ونساءٍ غانياتٍ وزَوانِ
آخذاً بالحظِّ من هذا وذا ... سادِراً في بيتِ خِيقِ الكُلتبانِ
سُميَّق الخمّار الحِيريّ:
(1/152)

كان الأقيشر لا يسأل أحداً أكثر من خمسة دراهم، يدفع منها درهمين إلى مَكّار له يقال له أبو المضاء يركب بغله من الحيرة، ويرجع عليه، ويصرف درهماً فيما يأكله، ويدفع إلى الخمار درهمين يشرب بهما عنده، وكان يأتي دار سميّق ويلقى لديه تبناً ويربطه عنده، ثم ينصرف عليه وهو سكران لا يعقل فيمضي به رَسْلاً إلى بيته ويأخذه أبو المضاء، وكان جاراً للأقيشر، فيقال إن صاحبه استوفى ثمنه مراراً في الكِراء والبغل له، وفيه يقول الأقيشر:
يا بغلَ بغلَ أبي المضاءِ تعلَّمنْ ... أنّي حلفتُ ولليمينِ نذورُ
لتعسِّفَنَّ وإنْ كرهتَ مهامِهاً ... فيما أحبُّ، وكلُّ ذاكَ يسيرُ
بالرغمِ يا ولدَ الحمارِ تَجوبُها ... عمداً وأنتَ مُذلَّلٌ مَصبورُ
حتى تزورَ سُميّقاً في دارِهِ ... وترى المدامةَ والكؤوسَ تدورُ
وشرب الأقيشر عند سميق حتى أنفد ما معه، ثم شرب بثيابه حتى عري، وجاء المطر فقال: أنسئني اليوم فأنسأه وشرب، فلما كان الليل اندس في تبن حمار كان للخمار، فسمع في الليل رجلاً ينشد ضالته، فقال: اللهم اردد عليه، واحفظ علينا، فسمع الخمّار فقال: سخنَتْ عينك، أي شيء يحفظ عليك وأنت عريان! فقال: هذا التبن حتى لا يجوع حمارك، فتعلفه هذا التبن فأموت أنا من البرد، فضحك وردّ عليه ثيابه، وحلف ألا يسقيه على رهن ولا بنسئه أبداً.
أناهيد:
خمّارة من أهل سجستان، كان أبو الهندي إذا ضُرب عليه البعث إلى سجستان يلزمها، ويشرب عندها، فشرب يوماً مع نديمه حتى سكر وناما. فلما هب هواء السحَر تنبه أبو الهندي، والزق مطروح قد بقي فيه شطر الشراب، فأقامه وصب منه في كأس، وجاء إلى نديمه يحركه، وقال:
تصبَّحْ بوجهِ الراحِ والطائرِ السعدِ ... كُميتاً وبعدَ المزجِ في صيغةِ الوردِ
تضمَّنَها زِقٌّ أزَبٌّ كأنّهُ ... صريعٌ من السودانِ ذو شعرٍ جعْدِ
لهُ أكرعٌ سالتْ رُواءٌ كأنّها ... أكارعُ قتلى من جُهينةَ أو نَهْدِ
فلما هدَتْ بعضَ الهدوءِ ترقرقتْ ... كما رقرقرتْ عينٌ دموعاً على الخدِّ
فألقَتْ قناعَ الدرِّ فوقَ جبينِها ... كما قُنِّعتْ بِكرٌ من الخُرَّدِ الجُردِ
ولما حللْنا رأسَهُ من رباطِهِ ... أفاضَ دماً كالمسكِ والعنبرِ الوردِ
وجدْناهُ في بعضِ الزوايا كأنّهُ ... أخو قِرّةٍ يهتزُّ من شدةِ البردِ
أخو قرّةٍ يُبدي لنا صَفحَ وجههِ ... وكانَ رقيقَ الجلدِ من ولدِ السِّندِ
يحيى الخمّار:
من أهل السواد. وندب الحارث بن عبد الله بن ربيعة عامل الزبير الناسَ لحرب أهل الشام، وأعطاهم عطاءً نزراً، وكان فيمن ندب الأقيشر، ولم يكن عنده شيء يركبه سوى حمار ضعيف، ورمح وترس، فأخذ العطاء وخرج. فلما عبر جسر سُورا عدل إلى قريةٍ يقال لها فَنين، فنزل على خمّار نبطيّ يبذل زوجته لمن نزل عليه، يقال له يحيى، فتوارى عنده، وباع حماره ورمحه وترسه، وجعل يشرب بعطائه، وثمن ما باعه، ويفجر بامرأة الخمار إلى أن قفل الجيش، فدخل معهم وقال:
خرجتُ من المصرِ الحواريّ أهلُهُ ... بلا نيّةٍ فيها احتسابٌ ولا جُعلِ
إلى جيشِ أهلِ الشامِ أُغريتُ كارهاً ... سَفاهاً بلا سيفٍ حديدٍ ولا نَبلِ
ولكنْ بترسٍ ليسَ فيهِ حِمالةٌ ... ورمحٍ ضعيفِ الزُّجِّ منصدعِ النَّصلِ
حباني به ظلمُ القباعِ فلم أجدْ ... سوى أمرِهِ والسيرِ شيئاً من الفعلِ
فأجمعتُ أمري ثم أصبحتُ غازياً ... وسلّمتُ تسليمَ الغزاةِ على الأهلِ
وقلتُ لعل أن أرى ثَمَّ راكباً ... على فرسٍ أو ذا متاعٍ على بغلِ
جوادي حمارٌ كانَ دهراً لظهرهِ ... أكافٌ وإشناقُ المزادةِ والرحلِ
وقدْ خانَ عينيه بياضٌ وخانَهُ ... قوائمُ سُوءٍ حينَ يُزجرُ في الوحلِ
إذا ما نتحى في لُجّةِ الماءِ لم ترِمْ ... قوائمُهُ حتى يؤخَّرَ بالحِملِ
فإنْ بلغَ الضحضاحَ فحجَّ بائلاً ... صبوراً على ضربِ الهراوةِ والركلِ
أنادي الرفاقَ: باركَ اللهُ فيكمُ ... رويدَكمُ حتى أجوزَ إلى السهلِ
فسِرنا إلى فنينَ يوماً وليلةً ... كأنّا بغايا ما يَسرْنَ إلى بعلِ
(1/153)

إذا ما نزلْنا لم نجدْ ظِلَّ ساعةٍ ... سوى يابسِ الأنهارِ أو سعفِ النخلِ
مررْنا على سوراءَ نسمعُ جرسَهُ ... يئطّ نقيضاً عن سفائنهِ العصلِ
فلما بدا جسرُ الصراةِ وأعرضَتْ ... لنا سوقُ فرّاغِ الحديثِ بلا شغلِ
نزلْنا على يحيى فيا طيبَ دارِهِ ... وطاعةَ من فيها على أيسرِ البذلِ
يشارطُهُ من شاءَ كانتْ بدرهمٍ ... عروساً لما بين السبيئةِ والبَسْلِ
فأتبعْتُ رمحي ترسَهُ ثم نصلَهُ ... وبعتُ حماري واسترحتُ من الثقلِ
مهرتُهما حُردنقةً فتركتُها ... طموحاً بطرفِ العينِ شائلةَ الرِّجلِ
عون الحِيري:
أبو عبيدة: كان بالحيرة خمّار يقال له عون، ظريف طيّب الشراب، نظيف البيت. وكان فتيان أهل الكوفة يشربون في حانته، ولا يختارون عليه أحداً. وكان أبو الهندي التميمي الشاعر يشرب عنده، فشرب في ليلة من ليالي شهر رمضان حتى طلع الفجر وصاحت الديوك، فقال أبو الهندي:
شربتُ الخمرَ في رمضانَ حتى ... رأيتُ البدرَ للشِّعرى شريكا
فقال أخي: الديوكُ منادياتٌ ... فقلتُ لهُ: وما يُدري الدُّيوكا
دُوَمةُ الخمّارة:
قال أبو عبيدة: مر الأقيشر بخمّارة بالحيرة يقال لها دُومة، فنزل عندها واشترى منها شراباً، وقال: جوِّدي الشرابَ حتى أجود لكِ المديح، ففعلت، فقال:
ألا يا دُومُ دامَ لكِ النعيمُ ... وأسمرُ ملءَ كفِّكِ مستقيمُ
شديدُ الأسرِ ينبضُ حالباهُ ... يُحَمُّ كأنّهُ رجلٌ سقيمُ
يُروِّيهِ الشرابُ ويزدهيهِ ... وينفخُ فيهِ شيطانٌ رجيمُ
فقالت: ما قال فيَّ أحدٌ أحسن من هذا، ولا أسرّ إليّ.
أناهيد:
خمّارة من أهل بُست كانت تبيع الخمر، وتمكّن من نفسها، ويجتمع إليها ذوات الفساد من النساء، فدخل إليها أبو الهندي، فأعطاها ديناراً لها، وديناراً لمغنية صنّاجة معها غلام يزمّر، وامرأة ترقص، وجلس معهم يشرب. فلما سكر راود المرأتين عن أنفسهما، فقالت له: أعطنا شيئاً، فإنَّ الذي أخذنا للغناء لا للزنا، فقال: يجيءُ غلامي غداً، فآخذ منه دراهم، وأعطيكنّ ما تردن، ولم يزل يحلف لهنّ أنه لا يخلفهنّ، فطاوعتاه، فبات ليلته إلى الصباح معهن فيما يريد، فلما أصبح خرج وتركهن نياماً وقال:
آلى يميناً أبو الهنديِّ كاذبةً ... لَيُعطيَنَّ زواني بُستَ ماشِينا
وغرَّهُنَّ فلمّا أنْ قضى وطراً ... قالَ انصرفْنَ فأخزى اللهُ ذادِينا
وقال أيضاً:
يا لقَومي فتنتْني جارَتي ... بعدَما شبْتُ وأودى بي الكِبَرْ
شيَّبتْ جدّي ورِبعيَّ أنا ... وأنا القَرْمُ إذا عُدَّتْ مُضَرْ
عندنا صنّاجةٌ رقّاصةٌ ... وغلامٌ كلما شئنا زمَرْ
حسنُ العينينِ ذو قَصّابةٍ ... زانَهُ شذرٌ وياقوتٌ ودُرْ
وتحدث رجل من بني تميم قال: كان أبو الهندي يشرب معنا بمرو، وكان إذا سكر تقلّب تقلُّباً قبيحاً، وكنا على سطح، فشددنا رِجلَه بحبل، ولم نقصِّر، فغلب السكرُ عليه فتدحرج حتى سقط، وبقي معلقاً برجله، فاختنق بشرابه، ومات فأصبحنا فوجدناه ميتاً.
هشيمة الخمّارة:
كانت هشيمة من ساكني الشام تخدم الوليد بن يزيد في شرابه، وتتولى اتخاذه وتختاره له، ويقال إنه لم يُرَ أعرف منها بأمره، ولا ألطف آلةً وصنعةً، ولا ألبقَ في الخدمة، وقد ذكرها الوليد بن يزيد في بعض شعره يصفها فقال:
قد شربْنا وحنَّتِ الزمّارَهْ ... فاسقِني يا بذيحُ بالقَرْقارَهْ
من شرابٍ كأنّهُ دمُ خَشفٍ ... عتقتْهُ هشيمةُ الخمّارَهْ
اسقِني اسقِني فإنَّ ذنوبي ... قدْ أحاطَتْ فما لها كَفّارَهْ
وعُمّرت حتى أدركت الرشيد. وحدث إسحاق الموصلي قال: كانت هشيمة الخمارة جارتي، وكانت تخصّني بطيب الشراب وجيّده، فلما ماتت رثيتُها فقلت فيها:
أضحَتْ هشيمةُ في القبورِ مقيمةً ... وخلَتْ منازلُها من الفتيانِ
كانتْ إذا هجرَ المحبُّ حبيبَهُ ... دبَّتْ لهُ في السرِّ والإعلانِ
حتى يلينَ لما تريدُ قيادُهُ ... ويعودُ سيئُهُ إلى إحسانِ
قال: وأجود ما رُثي به إسحاق الموصلي لما مات:
أصبحَ اللهوُ تحتَ عفرِ الترابِ ... ثاوياً في محلّةِ الأحبابِ
(1/154)

إذْ مضى الموصليُّ وانقرضَ الأُن ... سُ ومَحَّتْ مشاهدُ الأطرابِ
بكَتِ المُلهياتُ حزناً عليهِ ... وبَكاهُ الهوى وصفوُ الشرابِ
وبكتْ آلةُ المجالسِ حتى ... أصبحَ العودُ آلةَ المِضرابِ
وحدث عمر بن شبّة قال: لما مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعباس بن الأحنف، وهشيمة الخمارة فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمونَ أن يصلي عليهم، فخرج، فصُفوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي، فقال: أخّروه، وقدموا العباس، فقُدّم فصلّي عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال: يا سيدي! كيف آثرت العباسَ بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فقال: لقوله:
وسعى بها ناسٌ فقالوا: إنّها ... لهيَ التي تشقى بها وتُكابدُ
فجحدتُهم ليكونَ غيرُكَ ظنَّهم ... إنّي ليعجبني المحبُّ الجاحدُ
ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم! وأنشدته فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقاً بالتقدمة؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.
وفي هشيمة يقول بعض الشعراء، وكان يشرب عندها:
وردَ الشتاءُ فمرحباً بورودِهِ ... ومضى المصيفُ مُولّياً لسبيلِهِ
فاقرِ السلامَ على بساتين القرى ... وعلى الشرابِ كثيرِه وقليلِهِ
وعلى هشيمةَ والحلولِ بدارِها ... وعلى وِصالِ مُواصلٍ لخليلهِ
حتى يعودَ لكَ الربيعُ وحُسنُهُ ... فيعودُ ممنوعٌ إلى مبذولهِ
بِشرَة الخمّارة:
من أهل الرقة، بالهني والمريّ، قال حماد بن إسحاق، قال أبي: كان بالرقة خمّارة وكنت آلفها، ولها بنت من أحسن النساء وجهاً، وكنت أتحلاّها، ثم رحل الرشيدُ عن الرقة، فقال أبي فيها:
أيا بنتَ بِشرةَ ما عاقَني ... عنِ العهدِ بعدَكِ من عائقِ
نفى النومَ عني سَنا بارقٍ ... سرى مَوهِناً في ذُرا شاهقِ
وقال فيها:
وزعمتِ أنّي ظالمٌ فهجرْتِني ... ورميتِ في قلبي بسهمٍ نافِذِ
ونَعمْ، ظلمتُكِ فاصفَحي وتجاوَزي ... هذا مقامُ المُستجيرِ العائذِ
خمّارة تل عزاز:
قال إسحاق الموصلي: خرجت مع الرشيد إلى الرقة، فدخل الرشيد يشرب مع النساء، ومضيت إلى تل عزاز، فنزلت عند خمّارة هناك، لها زوجٌ قَسٌّ، لها منه بنت لم أر قط مثلها جمالاً. ولا مثل ابنتها، وأخرجت إليّ شراباً لم أر مثله حُسناً، وطيب رائحة وطعم، وأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غضّ، وأخرجت ابنتها تخدمني كأنها خوطُ بان، أو جدل عِنان، لم أر أحسن منها قداً، ولا أسهل خداً، ولا أعبق وجهاً، ولا أبرع ظرفاً، ولا أحسن كلاماً، ولا أتم تماماً، فأقمت عندها ثلاثاً، والرشيد يطلبني فلا يقدر علي، ثم انصرفت فذهبت بي رسله إليه، فدخلت عليه وهو غضبان، فلما رأيته خطرتُ في مِشيتي، ورقصت، وكانت في رأسي فضلةٌ قوية من السُّكر وغنيت شعراً قلته في بنت الخمارة، وصنعت لحناً فيه:
إنَّ قلبي بالتلِّ تلُّ عَزازِ ... عندَ ظبيٍ من الظباءِ الجَوازي
شادنٌ يسكنُ العراقَ وفيهِ ... مع شكلِ العراقِ ظرفُ الحجازِ
يا لقومٍ لبنتِ قسٍّ أصابتْ ... منكَ صفوَ الهوى وليستْ تُجازي
حلفَتْ بالمسيحِ أن تُنجزَ الوعْ ... دَ وليستْ تهمُّ بالإنجازِ
جابر الحِيريّ:
كان جابر هذا نظيف الخلقة، نظيف الثياب، والآلات، يُعتّق الشراب سنين.
قال محمد بن الصلصال: فقدم علي أبو نواس، فدخل إلي وسلّم عليّ، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة، فقال: لا يجتمع هذا والهم في صدرٍ واحد أبداً. فكان إذا جاءني جمعت له ضُرّاب الطنابير بالكوفة، وهي معدنهم، وكان يسكر سكراتٍ في الليلة الواحدة، فأحضرته شيئاً من الشراب العتيق، فقال: ألم تعلم ما حدث عليّ؟ قلت: ما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب، وتوعّدني، وأغلظ لي، ثم أنشأ يقول:
أيُّها الرائحانِ باللومِ لُوما ... لا أذوقُ الشرابَ إلا شَميما
فكأنّي فما أحسنُ منها ... قَعديَّ يُزيّنُ التحكيما
كلَ عن حملهِ السلاحَ إلى الحر ... بِ فأوصى المُطيقَ ألا يُقيما
(1/155)

فقلت له: فأقم معنا كما حكيت من فعل القعدية، قال: أفعل، وصرنا إلى حانة جابر، فقال شِعراً ذكر فيه ما قاله لي، وهو:
عتبَتْ عليكَ محاسنُ الدهرِ ... أمْ غيَّرتْكَ نوائبُ العصرِ
فصرفتَ وجهَكَ عن مُعتّقةٍ ... تفترُّ عن دُرَرٍ وعنْ شَذْرِ
يسعى بها ذو غُنّةٍ غنجٌ ... مُتكحّلُ اللحظاتِ بالسِّحْرِ
ونسيتَ قولكَ حين تمزجُها ... فتُريكَ مثلَ كواكبِ الفجرِ
لا تحسبَنَّ عُقارَ غانيةٍ ... والهمَّ يجتمعانِ في صدْرِ
فقال: هاتها في كذا وكذا من أم الأمين، ثم مد يده، وأخذ القدح، ثم سار إلى محمد الأمين، فمد يده وحدثه بذلك، وقال: شربت، قال: أحسنت وأجملت، اشخص حتى تُحمل إلى صديقك هذا، فقدم وحملني إلى محمد، فلم أزل معه حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه.
سرْجِس الخمّار:
من أهل طِيزناباذ. قال سليم بن أبي سهل بن نوبخت: حججتُ واستصحبت أبا نواس بعد امتناع منه ونِفار، وشرط علي أن أتقدم معه إلى القادسية فنقيم نشرب إلى أن تُوافي الحجاج بطيزناباذ، فشرطت له ذلك، فنزل على خمّار كان يألفه يقال له: سرجس النصراني، فشرب يومه وليلته ثم انتبه فأنشدني:
وخمّارٍ أنختُ إليهِ ليلاً ... قلائصَ قدْ وَنينَ منَ السفارِ
فجمجمَ والكرى في مقلتيهِ ... كمخمورٍ شكا ألمَ الخُمارِ
أبِنْ لي كيفَ صِرتَ إلى حريمي ... وثوبُ الليلِ ملتبسٌ بقارِ
فكانَ جوابُهُ أنْ قالَ صبحٌ ... ولا صبحٌ سوى ضوءِ العُقارِ
فقامَ إلى المُدامِ فسدَّ فاها ... فعادَ الليلُ مسودَّ الإزارِ
ولم يزل يشرب حتى ورد أوائل الحجاج فرحلنا معهم.
ابن أُذين:
من خمّاري قُطْرَبُّل، أبو الشبل البرجمي قال: اجتمعت مع أبي نواس، فقال: أتساعد حتى نمضي إلى موضع طيب؟ فقلت: ضاقت الدنيا حتى نسافر؟ قال: إن هناك خماراً ظريفاً ألفاً مساعداً، عنده شراب عتيق، وغلمان صِباح. فلما أتيناه قال: أتعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا ابن أُذينٍ الذي أقول فيه:
اسقِني يا بنَ أُذينٍ ... من سُلافِ الزَّرَجونِ
اسقِني حتى ترى بي ... جِنّةً غير جَنونِ
عُتّقتْ في الدنِّ حتى ... هي في رقّةِ ديني
ولنا ساقٍ عليهِ ... حُلّةٌ من ياسَمينِ
وعلى الأُذنينِ منهُ ... وردَتْا آذَرَيونِ
حانة الشط للواثق:
كان الواثق يحب المواخير، فاتخذ حانتين، إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشط، وأمر بأن يُختار له خمار نظيف جميل المنظر، نصراني من قطربّل، فأتى رجل له ابنان وابنتان، فجعل النساء في دار الحرم، وضم إليهن وصائف روقةً وعدّةً من الجواري الشرابيات. وفُرشتا بفُرش الخلافة، وعُلّقت الستور والستائر، ونُقل إليهما من آلة الشراب محاسن ما في الخزانة، واستعمل الخمّار دِناناً مُذهّبةً، وكراسي مدهونةً مذهبةً، وروّق الشراب. فجلس يوماً، وخرج هو وأولاده في أوساطهم الزنانير المحلاة ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكُبَّرات والصواني، وبُزلت، وجُعل يؤتى بالأنموذجات ويكتال منها بمكيال، ووُضع على كل رأسٍ حصير من أكاليل الآس. قال الحسين بن الضحاك: قال لي الواثق: قل شعراً فيما ترى، فخجلت حتى ضقت ذرعاً، فقال: مالكَ؟ أما ترى نور صباح ونَورَ أقاحٍ، فانفتح لي القول فقلت:
ألستَ ترى الصبحَ قد أسفرا ... ومُبتكرَ الغيثِ قدْ أمطرا
وأصحرتِ الأرضُ في حُلّةِ ... تُضاحكُ بالأحمرِ الأصفرا
ووافاكَ نَيسانُ في سُنبلٍ ... وحثَّكَ بالشربِ كي تسكرا
وتعملَ كأسينِ في فتيةٍ ... تطاردُ بالأصغرِ الأكبرا
يحثُّ كؤوسَهمُ مُخطَفٌ ... تُجاذبُ أردافُهُ المئزرا
ترجّلَ بالبانِ حتى إذا ... أدارَ غدائرَهُ وفَّرا
وقصّرَ في الجُلّنارِ البهارَ ... والآبنوسةَ والعنبرا
فلما تمازجَ ما شذّرت ... مقارضُ أطرافِهِ شَهّرا
فكلٌّ ينافسُ في بِرِّهِ ... ليركبَ في أمرِهِ المُنكرا
(1/156)

فضحك الواثق وقال: سنعمل يا حسين كل ما قلت إلا الفسوق الذي ذكرت فلا، ولا كرامة، ثم قال: هل لك في حانة الشط، فقلت: إي والله، فشرب وطرب، ووصلهم كلهم. فلما كان من الغد غدوتُ إليه، فقال: أنشدني يا حسين ما قلته في يومنا الماضي فأنشدته:
يا حانةَ الشطِّ قد أكرمْتِ مثوانا ... عودي بيومِ سرورٍ كالذي كانا
لا تُفقدينا دعاباتِ الإمامِ ولا ... طيبَ البطالةِ إسراراً وإعلانا
ولا تخالُعَنا في غيرِ فاحشةٍ ... إذا تطرَّبَنا الطنبورُ أحيانا
وهاجَ زَمرٌ زُناميٌّ يعدُّ لنا ... شجواً فأهدى لنا رَوحاً ورَيحانا
وسلسلَ الرطلَ عمروٌ ثمَّ بهِ ال ... سُقيا فألحقَ أُولانا بأُخرانا
سُقيا لشكلِكِ من شكلٍ خُصِصْتِ بهِ ... دونَ الدساكرِ من لذّاتِ دنيانا
حَفّتْ رياضَكِ جناتٌ مُجاورةٌ ... في كلِّ مُخترَقٍ نهراً وبستانا
لا زلتِ آهلةَ الأوطانِ عامرةً ... بأكرمِ الناسِ أعراقاً وأغصانا
قبيصة الخمّار:
من أهل الحيرة. مر أبو السحاب من أهل الكوفة أخو أبي محمد التيمي لأمه بالحيرة وقد كبر، ومعه قائد يقوده وهو يرعش فقال: أي والله، لولا ذلك لكثرتُ عنك، ثم أنشأ يقول:
هلْ إلى سكرةٍ بناحيةِ الحي ... رةِ في الدنِّ يا قبيصُ سبيلُ
وعرانٍ كأنّهُ بيدقُ الشطْ ... رنجِ يفتنّ منه قالٌ وقيلُ
ينحوم اليهودي الخمّار بالحيرة:
كان بكر بن خارجة يألفه ويشرب في حانته مع من يعاشره، وفيه يقول:
كلُّ قَصفٍ ولذّةٍ ... فهو من بيتِ يَنْحُمِ
بفِنا الحيرةِ التي ... خُلقَتْ للتنعُّمِ
فاشربا في ديارِهِ ... من سُلافٍ كعندمِ
وانعما في الحياةِ قبْ ... لَ أوانِ التندُّمِ
تُوما الخمّار:
برصافة هشام، خرج الرشيد إلى الرقة ومعه الموصلي وكان مشغوفاً به، ففقده أياماً ثم جاءه فقال: أين كنت؟ قال: يا أمير المؤمنين، نزلنا بالأمس في موضع حسن، وسمعت فتياناً من أهل العسكر، يقول بعضهم لبعض: امض بنا حتى نشرب بحانة توما بالرُّصافة، فمضوا وتبعتُهم متخفياً، فوافيت أطيب منزل، فلما أردت اللحاق بأمير المؤمنين أقسم عليّ أن أقبل شراباً، فدفعت إليه ما في خريطتي من الدنانير، وودّعني وقال في وداعه لي: ازلْ بِشين، فعلّقتُ قلبي به وقلت:
سَقياً لمنزلِ خمّارٍ نزلتُ بهِ ... بينَ الرُّصافةِ يوماً بينَ يومينِ
ما زلتُ أعطيهِ أثواباً وأشربُها ... صفراءَ قد عُتّقتْ في الدنِّ حَولينِ
حتى إذا نفدَتْ مني بأجمعِها ... عاملتُهُ بالرِّبا دنّاً بدنَّيْنِ
وقالَ لي إزَلْ بشِينٍ حينَ ودّعني ... وقدْ لَعمريَ منهُ زلتُ بالشينِ
فبعث إلى الخمار بعشرة آلاف درهم، ولم يزل يخدم الرشيد حتى مات.
حانة بَزيع بالجُويث:
هذه حانة تنسب إلى بَزيع خادم المتوكل في ملك بزيع، وكانت عزيزةً، لا يعرض لها أحد من أصحاب المعادن، حسنة البناء، مؤزرة بالساج، مسقفة، ولها خمّار يهودي متضمّن بها، ولا يدخلها أحد من العامة والأوضاع، وكانت لنُزه الخاص والسراة والظراف، وفيها يقول عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيات، ودعاه بزيع الخادم فخرجا متنزهين ومعها جَنّيّ الخادم المغني، فقال عبد الله:
سَقاني بَزيعٌ والسِّماكُ مشرِّقُ ... ونجمُ الثريّا في السماءِ مُحلَّقُ
كُميتاً كأنَّ المسكَ حولَ كؤوسِها ... بها الشملُ مجموعٌ فما يتفرّقُ
سُلافةَ كرمٍ أخلصَ الدهرُ لونَها ... يضيءُ لها الليلُ البهيمُ ويشرقُ
فقلتُ له: حُثَّ الكؤوسَ مُصرِّفاً ... بسَقْيِكَ فالنكسُ اللئيمُ يُرنّقُ
وقلتُ لجَنّي تعلّمْ فغنِّني ... أَرِقْتُ وما هذا السهادُ المؤرِّقُ
فغنّى غناءً حوَّلَ القلبَ حسنُهُ ... ولمّا يحرّكْهُ الشرابُ المصفَّقُ
الباب الحادي والثلاثون في
صفات الزق
العطوي:
يومُ حجٍّ إلى المُدامِ وقُربا ... نٍ بزقٍّ مُوثَّقٍ كالهَدِيِّ
فاقتحمْ في مشاعرِ اللهوِ وانظُرْ ... كمْ بها من حليفِ بالٍ رخيِّ
ابن المعتز:
والزقُّ في روضةٍ تسيلُ دماً ... أوداجُهُ جاثياً على الرُّكَبِ
(1/157)

يصبُّ الكأسَ منْ أبارقِهِ ... ماءَيْنِ من فضةٍ ومن ذهَبِ
ابن الرومي:
والزقُّ بينَ الرياضِ مُنبرِكٌ ... تشخبُ أوداجُهُ بلا خِنجرْ
كأنّهُ راعفٌ بخيعَ دمٍ ... أو حبشيٌّ مُوثَقٌ يُنحَرْ
آخر:
والزقُّ كالهديِ المُوثَّقِ ساقطٌ ... بين المشاعرِ قد دنا قُربانُهُ
ولنا هنالكَ مجلسٌ قد أُنطقتْ ... ناياتُهُ وترنّمتْ عِيدانُهُ
وهلمَّ نسكرُ فيهِ سُكراً بالغاً ... لا يُستطاعُ بحيلةٍ كِتمانُهُ
الباب الثاني والثلاثون في
إنفاق المال عليها وتعجيل اللذات
أعرابي:
أعاذلُ لو شربْتَ الخمرَ حتى ... يكونَ لكلِّ أُنملةٍ دبيبُ
إذا لعذرتَني وعلمتَ أنّي ... بما أنفقتُ من مالي مُصيبُ
الخليع:
أفنى على العطلةِ أموالَهُ ... وباتَ يشكو جفوةَ الناسِ
وجُلُّ ما أنفقَ من مالِهِ ... على يدِ الإبريقِ والطاسِ
الحارثي:
أفنى تلادي وما جمّعتُ من نَشَبٍ ... قرعُ القواريرِ أفواهَ الأباريقِ
قسمتُ أيامَ عمري في السرورِ بها ... وشُربِها بينَ تَصبيحٍ وتغبيقِ
الأضبط:
وخذْ من الدهرِ ما أتاكَ بهِ ... منْ قرَّ عيناً بعيشِهِ نفعَهْ
أبو محجن الثقفي:
إذا مُتُّ فادْفِنّي إلى أصلِ كرمةٍ ... تُروّي عظامي فيمماتي عُروقُها
ولا تدفنَنّي بالفلاةِ فإنّني ... أخافُ إذا ما مُتُّ ألا أذوقَها
الحارثي:
سأشربُها بكَسبِ يدي وإرثي ... وأشربُ بالتليدِ وبالطريفِ
وأشربُ بالكريمةِ من عُقاري ... وأشربُها بغَلاّتِ السقوفِ
إلى أنْ أجتليها كلَّ يومٍ ... منَ الإبريقِ دائمةَ الوَكيفِ
إذا سلسلتُها في الحلقِ حَلَّتْ ... محلَّ الغوثِ من بدنِ اللَّهيفِ
العطوي:
سرورُ الفتى يوم لذّاتِهِ ... ولذّاتُهُ في اصطباحِ الكؤوسِ
هيَ السعدُ يومَ يغيبُ السعودُ ... هي الشمسُ حينَ مَغيبِ الشموسِ
ولم يُخلَقِ المالُ إلاّ لها ... وما خُلقتْ غيرَ أُنسِ النفوسِ
وأنشد الجاحظ لبعض الأعراب:
غضبَتْ عليَّ لأنْ شربْتُ بصوفِ ... ولئنْ غضبتِ لأشربَنْ بخروفِ
ولأشربَنْ من بعدِ ذلكَ بناقةٍ ... ولأشربَنَّ بتالدي وطَريفي
أبو عطاء:
إنَّ الكرامَ مُناهبو ... كَ المجدَ كلَّهم فناهِبْ
أَخلِفْ وأتلِفْ كلُّ شي ... ءٍ زعزعتْهُ الريحُ ذاهِبْ
آخر:
بساحةِ الحيرةِ ديرُ حنظلَهْ ... عليهِ أذيالُ السرورِ مُسبلَهْ
أحييتُ فيهِ ليلةً مُقتبلَهْ ... وكأسُنا بينَ الندامى مُعملَهْ
فالراحُ فيها مثلُ نارٍ مُشعلَهْ ... وكلُّنا مُستنفِذٌ ما خُوّلَهْ
فما يلذُّ عاصياً مَنْ عذَلَهْ ... مُبادراً قبلَ يُلاقي أجلَهْ
أبو الطمَحان:
ألا علِّلاني قبلَ أغبرَ مظلمِ ... بعيدٍ من الإخوانِ قَفرٍ منازلُهْ
فإنَّ الفتى يُودي ويؤكلُ مالُهُ ... وتُنكحُ منْ بعدِ المماتِ حَلائلُهْ
فدعنيَ أنعمْ في حياتي بعيشَتي ... وآكل مالي قبلَ منْ هوَ آكلُهْ
آخر:
لمَ لا أصرُّ على البطالةِ والصبا ... وعليَّ بُردُ شبيبتي وإزارُها
وإذا تراءَتْ للقِيانِ مَحاسني ... طمحَتْ إليَّ بلحظِها أبصارُها
ولو أنَّ عيداناً بغيرِ ضواربٍ ... قابلنَني لتحرّكَتْ أوتارُها
ووصف بعضهم عوّاداً فقال: لو أبصرتِ العيدانُ فلاناً لتحركت أوتارُها، ولو نظرتْ إليه مومسةٌ لسقط خِمارُها.
أبو الهندي:
ألا علِّلاني والمُعلَّلُ أروَحُ ... ولا تعداني الشرَّ والخيرُ أفسحُ
بإجّانةٍ لو أنهُ جُرَّ بازلٌ ... عليها لأضحى وهو للخِبِّ يسبحُ
جُعيفران:
المالُ ما سَرَّكَ إنفاقُهُ ... لا ما الذي سرَّكَ إمساكُهُ
فليغتنِمْ لذّاتِهِ حازمٌ ... فالدهرُ والأوقاتُ أشراكُهُ
أبو العتاهية:
بادرْ إلى اللذاتِ يوماً أمكنَتْ ... بحلولِهنَّ بوادرُ الآفاتِ
تأتي الحوادثُ حينَ تأتي جَمّةً ... وأرى السرورَ يجيءُ في الفَلَتاتِ
الباب الثالث والثلاثون في
استحلال المحارم وارتكاب الكبائر
(1/158)

ديك الجن:
بها غيرَ معذولٍ فداوِ خُمارَها ... وصِلْ بعُلالاتِ الغَبوقِ ابتكارَها
وباكِرْ من الأوزارِ كلَّ كبيرةٍ ... إذا ذُكرَتْ خافَ الحفيظانِ نارَها
ابن هرمة:
قد يُدركُ الشرفَ الفتى ورداؤُهُ ... خلَقٌ وجيبُ قميصِهِ مرقوعُ
إمّا تَريْني شاحباً مُتبذّلاً ... فالسيفُ يَخلُقُ غِمدُهُ ويضيعُ
ولَرُبَّ ليلةِ لذةٍ قد بِتُّها ... وحرامُها بحلالِها مجموعُ
أبو نواس:
دعْ عنكَ ما جدّوا بهِ وتبطّلِ ... وإذا لقيتَ أخا الحقيقةِ فاهزلِ
لا تركبَنَّ من الأمورِ خَسيسَها ... واعمدْ إذا قارفْتَها للأنبلِ
وخطيئةٍ تغلو على مُستامِها ... يلقاكَ آخرُها بطعمِ الأولِ
حلّلتُ، لا حرجاً عليَّ، حرامَها ... ولربّما وسّعتُ غيرَ مُحلَّلِ
المُفجّع البصريّ:
لعمري لئنْ حلَّ المشيبُ بلمَّتي ... لقدْ كانَ ما أحللتُ بالشيبِ أعظما
سلِ الشيبَ هلْ وقّرتُهُ في خطيئةٍ ... وهلْ جُزتُ حُوباً أو تجاوزتُ مَحرَما
ومن الشعراء المشهورين بالشراب السيد الحميري، وكان يصيبه على كل حال، لا يتحاماه مبيتاً ومقيلاً، ولا يتحاشاه رنقاً وممتلئاً حتى ولّد الحمى في كبده، والصفارَ في لونه، واليرقان في عينيه مداومته له ومعاقرته إياه صرفاً بلا مزاج، وبحتاً بلا شَوب، وصار مُصفارّاً ممراض الجسم، مُسقامّ البدن، مستهلَك القوى، محلول العصب، وهو أحد الشعراء الأربعة المطبوعين الذين اختارهم أبو عثمان الجاحظ؛ وما رويت له شيئاً في نعت الخمر. وروى عبد الله بن المعتز أن أربعةً من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم: فأبو العتاهية سار شعرع بالزهد وكان على الإلحاد، وأبو نواس سار اسمه باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنة وكان أهبّ من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب.
وقد رويت لابن حازم خبراً يُخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره؛ والأشعار إذا وردت مورداً صحيحاً مع سلامة الحال دون البواطن أو قهر قاهر جرت مجرى أخبار التواتر في إيجاب العلم، ولا سيما مع اختلاف البلدان، وبذلك لا يُستدل عليه إلا بما ورد في الخبر: إن انقضاض الكواكب أحد الأدلة على معرفة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يستدل عليه إلا بما ورد في الأشعار، وليس يتضمن شعر جاهلي ذكر الانقضاض، وأما في شعراء الإسلام المخصوصين فكثير.
وأما حديث محمد بن حازم فإنه لما شاع هجاؤه في ابن حميد، وكان في محلّته نازلاً ساءت حاله فتحول عن جواره، فبلغ ابن حميد ذلك، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وتُخوت ثيابٍ وفرسٍ بآلاته ومملوكٍ وجارية، وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ذو الأدب يحمله ظَرفُهُ على نعت الشيء بغير هيئته، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف حليته، ولم يكن ما شاع من هجائك جارياً إلا هذا المجرى. وقد بلغني من سوء حالك، وشدة خَلّتِك ما لا غضاضة به عليك من كبَر همتك، وعظم نفسك، ونحن شركاء فيما ملكنا، ومتساوون فيما تحت أيدينا وقد بعثتُ إليك بما جعلته، وإن قلّ، استفتاحاً لما بعده وإن جلّ إن شاء الله والسلام. فردّ ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئاً، وكتب إليه:
وفعلتَ بي فعلَ المهلَّبِ إذْ ... كعمَ الفرزدقَ بالندى الغَمرِ
فبعثتَ بالأموالِ تُرغِبني ... كلاّ وربِّ الشفعِ والوَترِ
لا ألبسُ النعماءَ من رجلٍ ... ألبستُهُ عاراً على الدهرِ
الباب الرابع والثلاثون في
العزوف عن الملاهي
والتورع عن الشرب، والاتعاظ بنذر الشيب وذكر أحسن ما ورد فيه
أبو عثمان الجاحظ:
أقصِرْ فقدْ أقصرتُ نفسي عن الكاسِ ... واعتضْتُ من حرِّ حِرصي سَلوةَ الياسِ
فللبطالةِ عندي مَشرعٌ ... كدِرٌ والمذاذةِ مني جانبٌ جاسِ
بعض العرب:
فلولا النُّهى ثمّ التُّقى خشيةَ الردى ... لعاصيْتُ في حُبِّ الهوى كلَّ فاجرِ
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... لهُ صبوةً أخرى الليالي الغوابِرِ
قال بعضهم: كنت أمرُّ في بعض أزقة الكوفة ليلاً، فأنشدتُ:
بطِزناباذَ كرْمٌ ما مررتُ بهِ ... إلاّ تعجبتُ ممنْ يشربُ الماءَ
فأجابني هاتف لا أراه:
(1/159)

وفي جهنّمَ مُهلٌ ما تجرَّعَهُ ... خَلقٌ فأبقى له في الجوفِ أمعاءَ
قال مسلم بن الوليد: لُمت أبا نواس بن هانئ على تماديه في الشرب وانهماكه في الغيّ فأنشدني بديهةً:
فأوّلُ شُربِكَ طرحُ الإزارِ ... وثانيهِ من بعدِ طرحِ الإزارِ
وما هنّأتْكَ الملاهي بمثلِ ... إماتةِ مجدٍ وإحياءِ عارِ
وما جادَ دهرٌ بلذّاتِهِ ... على من يضنُّ بخلعِ العِذارِ
فولّيت عنه وقلت: جواب حاضر من شيخ فاجر.
أبو نواس:
وإذا نزعْتَ عن الغوايةِ فليكنْ ... للهِ ذاكَ النزعُ لا للناسِ
وله:
فبتْنا يرانا اللهُ شرَّ عصابةٍ ... نُجرّرُ أذيالَ الفسوقِ ولا فخرُ
دريد بن الصمة:
صبا ما صبا علا الشيبُ رأسَهُ ... فلمّا علاهُ قال للباطبِ: ابعدِ
أبو دُلَف:
صبرْتُ عنِ اللذاتِ حتى تولّتِ ... وألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرَّتِ
وما النفسُ إلاّ حيثُ يجعلُها الفتى ... فإنْ أُطمعَتْ تاقَتْ وإلاّ تسلّتِ
وهذا من قول أبو نواس:
والحبُّ ظهرَ أنتَ راكِبَهُ ... فإذا صرفتَ عِنانهُ انصرفا
وأخذه أبو نواس من أبي ذؤيب:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها ... وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ
وفي بديع ما قالت العرب في النَّسيب:
ولي صاحبٌ ما كنتُ أهوى اقترابَهُ ... فلما التقيْنا كانَ أكرمَ صاحبِ
عزيزٌ عليَّ أنْ نفارقَ بعدما ... تمنّيتُ دهراً أن يكونَ مُجانبي
وأخذه من بشار بن برد فأوضحه وكشف مغزاه فقال:
الشيبُ كُرهٌ وكُرهٌ أن يُفارقَني ... أعجِبْ بشيءٍ على البغضاءِ مودودِ
يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلَفٌ ... والشيبُ يذهبُ مفقوداً لمفقودِ
ومنه أخذ الحمّاني:
لعمرُكَ ما المشيبُ عليَّ مما ... فقدْتُ منَ الشبابِ أشدُّ فَوتاً
تملَّيْتُ الشبابَ فصارَ شَيباً ... وأبليتُ المشيبَ فصارَ موتا
محمود الوراق:
لِدوا للموتِ وابنوا للخرابِ ... فكلُّهم يصيرُ إلى ذهابِ
ألا يا موتُ لم أرَ منكَ أقسى ... أبيتَ فما تحيفُ وما تُحابي
كأنّكَ قد هجمتَ على مَشيبي ... كما هجمَ المشيبُ على شبابي
أنشد دعبل، في كتاب الشعر، لأبي دُلف:
في كلِّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طلعَتْ ... كأنّها نبتَتْ في باطنِ البصرِ
لئنْ قصصتُكِ بالمقراضِ عن بصري ... فما قصصتُكِ عن وهمي ولا فِكَري
لهفي على الحالكاتِ السودِ قد طلعَتْ ... بيضاً فدلّتْ بَواديها على الكِبَرِ
إذا تزيَّدَ منهنّ البياضُ معاً ... أدنى تزيّدُها نقصاً من العمرِ
آخر:
أعيانيَ الشيبُ فخلّيتُهُ ... وكلَّ مِقراضي فأعفَيتُهُ
إذا أنا استقصَيْتُ قَصّي لهُ ... وقلتُ في نفسي أخفيتُهُ
طالعَني من طُرّتي طالعٌ ... كأنّني بالأمسِ ربَّيتُهُ
ابن المعتز:
كأنَّ المقاريضَ التي تعتورْنَهُ ... مناقيرُ طيرٍ تنتقي سَبَلَ الزرعِ
وأنشد ثعلب في كتاب الأبيات:
ولما رأيتُ الشيبَ حلَّ بمفرقي ... تفتّيتُ وابتعتُ الشبابَ بدرهمِ
أبو دلف:
تأوَّبَني همٌّ لبيضاءَ نابتَهْ ... لها بغضةٌ في مُضمرِ القلبِ ثابتَهْ
ومنْ عجبٍ أنّي إذا رُمتُ قَصَّها ... قصصتُ سِواها فهي تضحكُ شامتَهْ
عدي بن زيد:
وابيضاضُ الشيبِ من نُذرِ الموْ ... تِ فهلْ بعدَهُ لحيٍّ نذيرُ
ابن المعذل:
نهانيَ الشيبُ عن هِناتٍ ... قد كان كأسي لها مُجيبا
أبو السمط:
بادرْ شبابَكَ أنْ يغتالَهُ الزمنُ ... وقَضِّ ما أنتِ قاضٍ والصِّبا حسَنُ
أنشد:
وبيضٍ سعَيْنَ إلى البيضِ كي ... يُكاتمْنَها خبري بالكَتْمْ
سأُوقعُ عني ثيابَ المَشي ... بِ بداجيةٍ منْ لباسِ الظُّلَمْ
إذا لم أُغِبْ لِمّتي في المُلِمِّ فلا تُعتَدَدْ هِمّتي في الهِمَمْ
ابن المعتز:
وظللْتُ أطلبُ وصلَها بتذللٍ ... والشيبُ يغمزُها بألا تفعلي
النميري:
أرى شيبَ الرجالِ من الغواني ... بموقعِ شَيبِهنَّ من الرجالِ
وما أحسن ما قال ابن الرومي:
(1/160)


واهاً على خمسينَ عاماً مضتْ ... كانتْ أمامي ثمَّ خلَفْتُها
لو أنَّ عُمري مائةٌ هدَّني ... تذكُّري أنّي تنصَّفتُها
وأنشد علي بن الصباح قال: أنشدني أبو مُحلم:
أُميمَ أُميمَ قد أودى شبابي ... وخلّفَني البطالةَ والتصابي
وقد بادَ اللّذونَ وُلدتُ فيهم ... وقدْ خرجَتْ لطيِّهمْ رِكابي
آخر:
وما ظلمتْكَ الغانياتُ بصدِّها ... وإنْ كانَ في أحكامِها ما يُجَوّرُ
أعِرْ طرفَكَ المرآةَ وانظرْ فإن نبا ... بعينيكَ عنكَ الشيبُ فالشيبُ أجورُ
إذا شَيَّنَتْ عينُ الفتى عيبَ نفسِه ... فعينُ سواهُ بالمساءةِ أجدرُ
مروان:
هزئَتْ عُميرةُ أنْ رأتْ ظهري انحنى ... ومَفارقي عُلَّتْ بماءِ خِضابِ
لا تهزئي مني عُميرةُ إنّني ... أنفقتُ فيكم شِرَّتي وشبابي
محمد بن عبد الملك:
وعائبٍ عابَني بشيبٍ ... لم يعدُ لمّا ألَمَّ وقتَهْ
فقُلْ لمن عابَني بشيبي ... يا عائبَ الشيبِ لا بلغتَهْ
آخر:
ما كنتُ أنظرُ في المراةِ مرّةً ... إلا انظويْتُ على حَزازةِ ثاكلِ
أسفاً على فَقْدِ الشبابِ وظِلِّهِ ... أو روعةً من طالعٍ أو آفلِ
أنشد الربيع:
أصبحتُ لا يحملُ بعضي بعضا ... كأنّما كانَ شبابي قَرضا
آخر:
أتاني المشيبُ بمكروهِهِ ... ودبَّ على عارضي واشتعَلْ
وسوَّدَ وجهي فسوَّدتُهُ ... فعلتُ بهِ مثلَ ما بي فعَلْ
أبو العتاهية:
عَريتُ من الشبابِ وكان غضّاً ... كما يعرى منَ الورقِ القضيبُ
ونُحتُ على الشبابِ بدمعِ عيني ... فما أغنى البكاءُ ولا النحيبُ
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً ... فأخبرُهُ بما صنعَ المشيبُ
ابن المعتز:
ضحكَتْ شَرُّ إذْ رأتْني وقدْ شِب ... تُ وقالتْ: قد فُضِّضَ الأبَنوسُ
قلتُ إنَّ الشبابَ فيَّ لباقٍ ... فأجابَتْ: هذا شبابٌ لَبيسُ
أبو علي البصير:
ربّما رُبما شَممتُ ثيابي ... فحسبتُ النسيمَ منّي عبيرا
ربّما حرّكَ الشبابُ قوامي ... فتوهّمتُ في العظامِ فتورا
العَكَوَّك:
جلالُ مشيبٍ نزَلْ ... بعقبِ شبابٍ رحَلْ
جلالٌ ولكنّهُ ... تَحاماهُ حُورُ المُقَلْ
شبابٌ كأنْ لمْ يكنْ ... وشيبٌ كأنْ لم يزَلْ
طوى صاحبٌ صاحباً ... كذاكَ اختلافُ الدوَلْ
أبو هفّان:
تعجبتْ أنْ رأتْ شَيبي فقلتُ لها ... لا تعجبي فطلوعُ الصبحِ في السُّدَفِ
وزادَها عجباً أنْ رحتُ في سَمَلٍ ... وما درتْ دَرُّ أن الدرَّ في الصدَفِ
محمد بن بشير:
قامتْ تُخاصِرُني بقُنّتِها ... خَودٌ تأطَّرُ، غادةٌ بِكرُ
كلٌّ يرى أنَّ الشبابَ لهُ ... في كلِّ مَبلغِ لذةٍ عُذرُ
جميل بن معمر:
تقولُ بثينةُ لمّا رأتْ ... قُنوءاً من الشعرِ الأحمرِ
جميلُ كبرتَ وأودى الشبابُ ... فقلتُ: بُثينُ ألا فاقصِري
تناسيتِ أيامَنا باللِّوى ... وأيامَنا بذوي الأجفَرِ
وإذْ لُمّتي كجناحِ الغدافِ ... تضمّخُ بالمسكِ والعنبرِ
وأنتِ كلؤلؤةِ المرزبانِ ... بماءِ شبابِك لم تُعصَري
وقد كانَ مضمارُنا واحداً ... فكيفَ كبرتُ ولمْ تكبَري
ابن الرومي:
وعزّاكَ عن ليلِ الشبابِ معاشرٌ ... فقالوا نهارُ الشيبِ أهدى وأرشَدُ
وكانَ نهارُ المرءِ أهدى لسَعيِهِ ... ولكنَّ ظِلَّ الليلِ أندى وأبردُ
آخر:
فأمّا المشيبُ فصبحٌ بدا ... وأمّا الشبابُ فليلٌ أفَلْ
سقى اللهُ هذا وذا مُنعماً ... فنِعمَ المُوَلّي ونِعمَ البدَلْ
ابن الرومي وأحسن فيه:
من شابَ قد ماتَ وهو حيٌّ ... يمشي على الأرضِ مشيَ هالِكْ
لو كان عمرُ الفتى حِساباً ... لكانَ في شيبِهِ فذلكْ
آخر:
ابيضَّ منّي الرأسُ بعدَ سَوادِ ... ودعا المشيبُ خليلتي لبِعادِ
واستُحصدَ القومُ الذي أنا فيهمُ ... وكفى بذاكَ علامةً لحصادِ
آخر:
أصبحَ الشيبُ في المفارقِ شاعا ... واكتسى الرأسُ من مَشيبٍ قِناعا
(1/161)

ثمَّ ولّى الشبابُ إلاّ قليلاً ... ثمّ يأبى القليلُ إلاّ امتناعا
تمت الكتب الأربعة وهي المحب والمحبوب، والمشموم والمشروب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمد وآله وأصحابه أجمعين وسلّم. وذلك في سلخ ذي الحجة من سنة ست وأربعين وستمائة للهجرة المباركة.
(1/162)