Advertisement

المحاسن والمساوئ



الكتاب: المحاسن والمساوئ
المؤلف: إبراهيم بن محمد البيهقي (المتوفى: نحو 320هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الأمان من الخذلان. الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد النبي الأميّ الهاشميّ الأبطحيّ المكيّ المدنيّ الهادي المهديّ السّراج المضيء والقمر المنير التقيّ النقيّ وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار السادة الأطهار المقسطين الأبرار الذين خلقوا من طينة واحدة وجبلوا على فطرته ودرجوا على حوزته ومُيّزوا بحكمته وعلى منهاجه وملته وفازوا بطاعته وسلم تسليماً كثيراً دائماً.
محاسن الكتب
قال الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي: قال مصعب بن الزبير: إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون، فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا تسمع منهم إلا مختاراً.
وقال لقمان لابنه: يا بني تنافس في طلب الأدب فإنه ميراث غير مسلوب وقرين غير مغلوب ونفيس حظ في الناس مطلوب.
وقال الزهري: الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم.
وقيل: إذا سمعت أدباً فاكتبه ولو في حائط، قال: وقال المنصور بن المهدي للمأمون: أيحسن بمثلي طلب الأدب؟ قال: لأن تموت طالباً للأدب خير من أن تعيش قانعاً بالجهل. قال: فإلى متى يحسن بي ذلك؟ قال: ما حسنت بك الحياة.
وقال الزهري: ما سمعت كلاماً أوجز من كلام عبد الملك بن مروان لولده حيث يقول: اطلبوا معيشة لا يقدر عليها سلطان جائر. قيل ما هي؟ قال: الأدب.
وقال بزرجمهر: يا ليت شعري أي شيء أدرك من فاته الأدب أم أي شيء فات من أدرك الأدب ومادته من الكتب! وقد أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب له: هديتي هذه، أعزك الله، تزكو عن الإنفاق وتربو على الكد، لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب، وهي أُنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة، تؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة، مسامر مساعد ومحدث مطواع ونديم صديق.
وقال بعضهم: الكتب بساتين العلماء.
وقال آخر: الكتاب جليس لا مؤنة له.
وقال الفضل بن سهل للمأمون وهو بدمشق بدير مران مشرف على غوطتها: يا أمير المؤمنين هل رأيت في حسنها شبيهاً في شيء من ملك العرب؟ يعني الغوطة. قال: بلى والله، كتاب فيه أدب يجلو الأفهام ويذكي القلوب ويؤنس الأنفس أحسن منها.
(1/1)

وقال الجاحظ: الكتاب نعم الذخر والعقدة ونعم الجليس والقعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل، الكتاب وعاء مليء علماً وظرفٌ حشي ظرفاً، إن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت بكيت من مواعظه، ومن لك بواعظٍ ملهٍ وبناسك فاتك وناطق أخرس، ومن لك بطبيب أعرابيّ وروميّ وهنديّ وفارسيّ ويونانيّ ونديم مولَّد ووصيف ممتّع، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافي والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه والجنس وضده، وبعد فما رأيت بستاناً يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء غيره، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من في الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة، ولا أعلم جاراً أبر ولا خليطاً أنصف ولا رفيقاً أطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحباً أظهر كفاية ولا عناية ولا أقل إملالاً وإبراماً ولا أبعد عن مراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب، ولا أعم بياناً ولا أحسن مؤاتاة ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمراً ولا أطيب ثمراً ولا أقرب مجتنىً ولا أسرع إدراكاً ولا أوجد في كل إبان من كتاب، ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحِكم الرفيعة والمذاهب القديمة والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخيةو السائرة والأمم البائدة ما يجمع من كتاب ولولا الحكم المخطوطة والكتب المدونة لبَطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسلن سلطان الذكر ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، ومن لك لا يبتدئك في حال شغلك ولا في أوقات عدم نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل والتذمم، ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غِبّاً وورده خِمساً وإن شئت لزمك لزوم ظلك.
(1/2)

والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يقليك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي لا يؤذيك والجار الذي لا يستبطئك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وعمّر صدرك وحباك تعظيم الأقوام ومنحك صداقة الملوك، يطيعك في الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقّرك وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة وإن عزلت لم يدع طاعتك وإن هبت عليك ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقاً به ومتصلاً منه بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به الفُرّاغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعة ليلهم نظرة في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبداً في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام، ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأحوالهم الردية وطرائقهم المذمومة وأفعالهم الخبيثة القبيحة لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا السلامة ثم الغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما أشبهه، لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة، وهو الذي يزيد في العقل ويشحذه ويداويه ويهذبه وينفي الخبث عنه ويفيد العلم ويصادق بينك وبين الحجة ويقودك للأخذ بالثقة ويُعمر الحال ويكسب المال، وهو منبهة للمورث وكنز عند الوارث غير أنه كنز لا زكاة فيه ولا حق للسلطان يخرج منه، هو كالضيعة التي لا تحتاج إلى سقي ولا إسجال بإيغاز ولا إلى شرط ولا أكار، وليس عليها عشر للسلطان ولا خراج، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلدت من عجيب حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدناها بها من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق علينا فجمعنا في قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم لقد كان بُخِس حظنا منه، وأكثر من كتبهم نفعاً وأشرف منها حظاً وأحسن موقعاً كتب الله عز وجل التي فيها الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة، وما زالت كتب الله جل وعلا في الألواح والصحف والمصاحف، فقال جل ذكره: " أم لم يُنَبّأ بما في صُحف موسى وإبراهيم الذي وفّى "، فذكر صحف موسى الموجودة وصحف إبراهيم البائدة، وقال: " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه "، وقال عز وجل: " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، وقال: " كراماً كاتبين "، وقال: " وأما من أُوتي كتابه وراء ظهره "، وقال: " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً "، ولو لم تكن تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان ولكنه تعالى جده علم أن نسخه أوكد وأبلغ وأهيب في الصدور فقال جل ذكره: " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون "، ولو شاء الله أن يجعل البشارات بالمرسلين على الألسنة ولم يودعها الكتب لفعل، ولكنه تبارك وتعالى علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع. وفي قول سليمان، عليه السلام: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم "، وقد كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها من عفريت وإنسي وغيرهما، فرأى الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم وأنبل من الرسالة، ولو شاء النبي، صلى الله عليه وسلم، أن لا يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس وإلى بني الجُلندي وإلى العباهلة من حمير وإلى هوذة والملوك العظماء والسادة النجباء لفعل ولوجد المبلغ المعصوم من الخطإ والزلل والتبدّل، ولكنه، عليه السلام، علم أن الكتاب أشبه بتلك الحالة وأليق بتلك المراتب وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب، وحمله إن كثُر ورقه فليس مما يمل لأنه وإن كان كتاباً واحداً فإنه كتب كثيرة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول حتى يهجم على الثاني ولا الثالث حتى يهجم على الرابع، فهو أبداً مستفيد ومستطرف، وبعضه يكون حاثاً لبعض، ولا يزال نشاطه زائداً متى خرج من أثر صار في خبر حتى يخرج من خبر إلى شعر ومن الشعر إلى النوادر ومن النوادر إلى نتف وإلى مواعظ حتى يفضي به إلى
(1/3)

مزح وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقراً في الصخور ونقشاً في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم أو عهداً لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سبباً لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله عز وجل: " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبداً جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا. وفكاهة وملح ومضاحك وخرافة. وكانوا يجعلون الكتاب نقراً في الصخور ونقشاً في الحجارة وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الناتيء وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ذلك تاريخاً لأمر جسيم أو عهداً لأمر عظيم أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبّة غُمدان وعلى باب القيروان وعلى باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المشقَّر وعلى الأبلق الفرد من تيماء وعلى باب الرهاء، يعمدون إلى المواضع الرفيعة المشهورة والأماكن المذكورة ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس وأجدر أن يراها من مرّ ولا ينسى على مرور الدهور، وعمدوا إلى الرسوم ونقوش الخواتيم فجعلوها سبباً لحفظ الأموال والخزائن ولولاها لدخل على الناس الضرر الكبير، ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب أكثره ولبطلت معرفة التضاعيف، ونفع الحساب معلوم والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله عز وجل: " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "، ولولا الكتب المدونة والأخبار المجلدة والحكم المخطوطة التي تجمع الحساب وغير الحساب لبطل أكثر العلم، ولولا الكتاب لم يكن يعلم أهل الرقة والموصل وبغداد وواسط ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في بياض يوم حتى تكون الحادثة بالكوفة غدوة فيعلمها أهل البصرة قبل المساء، وذلك مشهور في الحمام إذا أُرسلت، وكانت العرب تعمّد في مآثرها على الشعر الموزون والكلام المقفى وكان ذلك ديوانها على أن الشعر بقية فضيلة البيان على الشاعر الراغب وفضيلة الأثر على السيد المرغوب إليه، وكانت العجم تقيّد مآثرها بالبنيان فبنت مثل بناء أردشير وبناء إصطخر وبيضاء المدائن وشيرين والمدن والحصون والقناطر والجسور، ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان وتفردت بالشعر، فلها من البنيان غُمدان وكعبة نجران وقصر مأرب وقصر شَعوب والأبلق الفرد وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييداً للمآثر على مر الأيام والدهور من البنيان لأن البنيان لا محالة يدرس وتعفو رسومه والكتاب باقٍ يقع من قرن إلى قرن فهو أبداً جديد والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النِّحل وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب المراء والخصومات وكتب أصحاب العصبية وحميّة الجاهلية فمنهم من يفرط في التعلم في أيام جهله وخمول ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم ونازعت إلى حب الأدب وأنفت من حال الجهل وأن تكون في غمار الحشوة ويدخل عليهم الضرر والحقارة وسوء الحال بما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر بن الخطاب: تفقهوا قبل أن تسودوا.
(1/4)

وقال بعض الحكماء: ذهبت المكارم إلا من الكتب. وقال الله عز وجل: " اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم "، فوصف نفسه تعالى جده بأنه علم بالقلم كما وصف نفسه بالكرم واعتد بذلك في نعمه العظام وأياديه الجسام ووضع القلم في المكان الرفيع ونوه بذكره وأقسم به كما أقسم بما يخط به فقال: " ن والقلم وما يسطرون، والقلم أرجح من اللسان لأن كتابته تقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان، ومناقلة اللسان وهديته لا تجاوزان مجلس صاحبه ومبلغ صوته، والكتاب يخاطبك من بعيد، وقد قالوا: القلم أحد اللسانين، وقالوا: كل من عرف النعمة في بيان اللسان كان أعرف لفضل النعمة في بيان القلم. وقد يعتري القلم ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على عشرة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع الحرارة فيه وزاد في غضبه فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتديء الكتاب وهو يريد مقدار سطرين فيكتب عشرة. وقد قيل: القلم الشاهد والغائب يقرأ بكل لسان وفي كل زمان. وقالوا: ظاهر عقول الرجال في اختيارها ومدوّن في أطراف أقلامها، ومصباح الكلام حسن الاختيار. وقالوا: القلم مجهِّز جيوش الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفاً وينطق سائراً على الأرض، بياضه مظلم وسواده مضيء، وقال الشاعر:
قومٌ إذا خافوا عداوة معشرٍ ... سفكوا الدمِّا بأسنة الأقلام
ولَمَشقة من كاتب بمداده ... أمضى وأقطع من صنيع حسام
وقال آخر أيضاً:
ما السيف والسيف سيفُ الكميّ ... بأخوف من قلم الكاتب
له غايةٌ إن تأمّلتها ... ظهرت على سَوءة الغائب
أداة المنية في جانبيه ... فمِن مثلِه رهبة الراهب
سنان المنيّة في جانبٍ ... وسيف المنيّة في جانب
ألم تر في صدره كالسّنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب
فيجري به الكف في حالةٍ ... على هيئة الطاعن الضّارب
وقال آخر أيضاً ملغزاً:
وأعجف رجلاه في رأسه ... يطير حثيثاً على الأملس
مطاياه من تحته الإصبعان ... ولولا مطاياه لم يلمس
وقال آخر، سامحه الله:
وأعجف مُنْشَقِّ الشِّباة مقلَّمِ ... موشّى القرا طاوي الحشا أسود الفم
إذا هو أضحى في الدواة فأعجمٌ ... ويضحي فصيحاً في يدي غير أعجم
يناجي مناجاةً أغرَّ مُرزّأً ... متى ما استمعْ معروفه يتبسمِ
وقال آخر، رحمه الله:
لك القلم الذي لم يجر لؤماً ... بغاية منطق فكبا بعِيِّ
ومبتسمٌ عن القرطاس يأسو ... ويجرح وهو ذو بال رخيِّ
فما المقداد أعضب مِن شَباهُ ... ولا الصمصام سيف المذحجيّ
وقال وأجاد:
أحسن من غفلة الرقيب ... ولحظة الوعد من حبيب
والنغم والنقر من كعابٍ ... مصيبة العود والقضيب
ومن بنات الكروم راحاً ... في راحتي شادنٍ ربيب
كَتبُ أديبٍ إلى أديب ... طالت به مدة المغيب
فنَمّقت كفه سطوراً ... تنمّقُ الصبر في القلوب
تترك من سُطّرت إليه ... أطرب من عاشق طروب
وقال آخر:
إذا استمدّت صرفت الطرف عن يدها ... خوفاً عليها لما أخشى من التهم
كأنما قابل القرطاس إذ مشقت ... منها ثلاثة أقلامٍ على قلم
وقال أشجع في جعفر البرمكي:
إذا أخذت أنامله ... تُبَيّن فضله القلما
تطأطأ كلٌ مرتفعٍ ... لفضل الكَتْبِ مذ نجما
يقدم ويؤخر، أراد: إذا أخذت أنامله القلم تبين فضله. وفي الخط قال: نظر المأمون إلى مؤامرة بخط حسن فقال: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة! وقال يحيى بن خالد البرمكي: الخط صورةٌ روحها البيان ويدها السرعة وقدماها التسوية وجوارحها معرفة الفصول، وقال في مثله، رحمه الله تعالى:
(1/5)

تقول وقد كتبت دقيق خطي: ... فديتك ممّ تجتنب الجليلا؟
فقلت لها:
نَحَلْتُ فصار خطي ... دقيقاً مثل صاحبه نحيلا
وقال علي بن الجهم في صفة الكتب: إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتاباً فأجد اهتزازي فيه من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني من سرور الاستنباه وعز التبيين أشد إيقاظاً من نهيق الحمار وهدة الهدم، وإني إذا استحسنت كتاباً واستجدته رجوت فيه فائدةً، فلو تراني ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله، وإن كان الكتاب عظيم الحجم وكان الورق كبير القدر.
وذكر له العتبي كتاباً لبعض القدماء وقال: لولا طوله لنسخته، فقال: ما رغبي إلا فيما زهدت عنه، وما قرأت كتاباً كبيراً فأخلاني من فائدةٍ ولا أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما دخلت فيها.
قال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لا يجالس الناس ونزل مقبرة من المقابر وكان لا يكاد يُرى إلا وفي يده كتاب يقرأ فيه، فسئل عن ذلك وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة.
وقيل لابن داحة وقد أخرج إليه كتاب أبي الشمقمق وهو في جلود كوفية وورقتين طابقتين لا بخط عجيب فقال: لقد ضيع درهمه صاحب هذا الكتاب، وقال: والله إن القلم ليعطيكم مثل ما تعطونه ولو استطعت أن أتودعه سويداء قلبي وأجعله مخطوطاً على ناظريّ لفعلت.
وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء وكنت أكتب عنه بعضاً وأدع بعضاً فقال لي: اكتب كل ما تسمع فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض، وقيل:
أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع
ولكن نفسي إلى كل نوعٍ ... من العلم تسمعه تجزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
ومن لثّ في علمه هكذا ... ترى دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع
وقال بعضهم: الحفظ مع الإقلال أمكن ومع الإكثار أبعد وهو للطبائع مع رطوبة القضيب أقبل، ومنها قول الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خالياً فتمكّنا
وقيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فسمع ذلك الأحنف فقال: الكبير أكثر عقلاً ولكنه أكثر شغلاً، وكما قال:
وإنّ مَن أدّبته في الصّبى ... كالعود يُسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراً ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والصبيّ على الصّبَى أفهم وله آلف وإليه أنزع، وكذلك العالم على العلم والجاهل على الجهل، وقال الله تبارك وتعالى: " ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً "، لأن الإنسان على الإنسان أفهم وطباعه بطباعه آنس، ومن التقط كتاباً جامعاً كان له غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعة وعلى صاحبه كّده، ومتى ظفر بمثله صاحب علم فهو وادعٌ جامٌ ومؤلّفه متعوب مكدود وقد كفي مؤنة جمعه وتتبّعه وأغناه عن طول التفكير واستنفاد العمر، كان عليه أن يجعل ذلك من التوفيق والتسديد إذا بالغ صاحبه في تصنيفه وأجاد في اختياره، قال أبو هفّان:
إذا آنس الناس ما يجمعون ... أنِست بما يجمع الدفتر
له وطري وله لذّتي ... على الكأس والكأس لا تحضر
تدور على الشرب محمودةً ... لها المورد الخِرْقُ والمصدر
يغنّيهم ساحر المقلتين ... كشمس الضحى طرفه أحور
وريحانهم طيب أخلاقهم ... وعندهم الورد والعبهر
على أن همّتنا في الحروب ... فتلك الصناعة والمتجر
قال: لمّا قلتها عرضتها على ابن دهقان فقال: إذا سمع بها الخليفة استغنى بها عن الندماء. وأنشدنا غيره:
نِعم المحدِّث والرفيق كتابٌ ... تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشياً سراً إذا استودعته ... وتنال منه حكمةٌ وصواب
وقال آخر:
نِعم الجليس بعقب قعدة ضجرةٍ ... للملك والأدباء والكتّاب
(1/6)

ورقٌ تضمّن من خطوط أناملٍ ... مرعىً من الأخبار والأداب
يخلو به من ملّ من أصحابه ... فيقال خلوٌ وهو في الأصحاب
قال: وأنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن يحيى النديم، رحمه الله:
إذا ما خلوت من المؤنسين ... جعلت المحدِّث لي دفتري
فلم أخل من شاعرٍ محسنٍ ... ومن مضحكٍ طيّبٍ مندر
ومن حكمٍ بين أثنائها ... فوائد للناظر المفكر
وإن ضاق صدري بأسراره ... وأودعته السرّ لم يظهر
وإن صرّح الشعر باسم الحبيب ... لما اختشيت ولم أحصَرِ
وإن عذت من ضجرةٍ بالهجاء ... ولو في الخليفة لم أحذر
فناديت منه كريم المغيب ... لندمانه طيّب المحضر
فلست أرى مؤثراً ما حييت ... عليه نديماً إلى المحشر
وقال في الذهن:
إذا ما غدت طلاّبة العلم ما لها ... من العلم إلا ما يخلَّد في الكتب
غدوت بتشميرٍ وجدٍّ عليهم ... ومحبرتي سمعي ودفترها قلبي
وقال آخر:
يا أيها الطالب الآداب مبتدراً ... لا تسهُ عن حملك الألواح للأدب
فحملها أدبٌ تحوي به أدباً ... وسوف تنقل ما فيها إلى الكتب
وليس في كلّ وقت ممكناً قلمٌ ... ودفترٌ يا عديم المثل في الحسب
وكل ما تقدم ذكره من مناقب الكتب ووصف محاسنها فهو دون ما يستحقه كتابنا هذا فقد اشتمل على محاسن الأخبار وظرائف الآثار وترجمناه بكتاب المحاسن والمساوئ لأن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير بالشر والضارّ بالنافع والمكروه بالمحبوب، ولو كان الشر صرفاً محضاً لهلك الخلق، ولو كان الخير محضاً لسقطت المحنة وتقطعت أسباب الفكرة، ومتى بطل التخيير وذهب التمييز لم يكن صبر على مكروه ولا شكرٌ على محبوب ولا تعامل ولا تنافس في درجة، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل.
محاسن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
(1/7)

وافتتحنا كتابنا هذا بذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأبرار الأخيار، لما رجونا فيه من الفضل والبركة واليمن والتوفيق، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وإخوته من النبيين وآله الطيبين أجمعين، اختار الله من خير أرومات العرب عنصراً ومن أعلى ذوائب قريش فرعاً من أكرم عيدان قصي مجداً تم لم يزل بلطفه لنبيه، صلى الله عليه وسلم وآله، واختياره إياه بالآباء الأخائر والأمهات الطواهر حتى أخرجه في خير زمان وأفضل أوان، تفرّع من شجرة باسقة الندى، شامخة العلى، عربية الأصل، قرشية الأهل، منافية الأعطان، هاشمية الأغصان، ثمرتها القرآن، تندى بماء ينابيع العلم في رياض الحلم، لا يذوي عودها ولا تجفّ ثمرتها ولا يضلّ أهلها، أصلها ثابت وفرعها نابت، فيا لها من شجرة ناضرةٍ خضراء ناعمة غرست في جبل قفر وبلد وعر محل ضرعٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم وبلدك المكرّم فهو، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، كما قال بعض الحكماء: لئن كان سليمان، عليه السلام، أعطي الريح غدوها شهر ورواحها شهر لقد أعطي نبينا، صلى الله عليه وسلم، البُراق الذي هو أسرع من الريح، ولئن كان موسى، عليه السلام، أعطي حجراً تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً لقد وضع أصابعه، عليه وعلى آله السلام، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى أصحابه، رضي الله عنهم، وما لهم من الخيل، ولقد كان رديف عمه أبي طالب بذي المجاز فقال: يا ابن أخي قد عطشت، فقال: عطشت يا عم؟ قال: نعم، فثنى وركه فنزل وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: اشرب، فشرب حتى روي، ولئن كان عيسى، عليه السلام، أحيا النفس بإذن الله لقد رفع، صلى الله عليه وسلم، ذراعاً إلى فيه فأخبرته أنها مسمومة، وكان، صلى الله عليه وسلم، يخبر بما في الضمائر وما يأكلون فما يدخرون، ثم دعاؤه المستجاب الذي لا تأخير فيه، وذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما لقي من قريش والعرب من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه واستعانتهم عليه بالأموال دعا أن تجدب بلادهم وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف! اللهم اشدد وطأتك على مضر! فأمسك الله عز وجل عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت المواشي حتى اشتووا القد وأكلوا العِلهز، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو إليه الجهد والأزْل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه وأرهنه قوسه، فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان نداهم به فسأل ربه عز وجل الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فأمطر الله ما حولهم ودعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على المستهزئين بكتاب الله عز وجل، وكانوا اثني عشر رجلاً، فكفاه الله جل اسمه أمرهم، فقال: " إنا كفيناك المستهزئين "، وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه، وناطقه، صلى الله عليه وسلم، ذئب، وأظلته غمامة، وحن إليه عود المنبر، وأطعم عسكراً من ثريدة في جسم قطاة، وسقى عامّاً ووضأهم من ميضأة جسم صاع، ورسوخ قوائم فرس سراقة بن جشعم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه، ومَريه ضرع شاة حائل فعادت كالحامل، والتزاق الصخرة بيد أربد، وما أراه الله عز وجل أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ساجد فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه، فقالوا له: ما بالك؟ فقال: رأيت فحلاً لم أر مثله يريد هامتي.
(1/8)

وأما ما أراه الله أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى، منها ما رواه وهب بن منبه عن الليث بن سعد قال: أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما للآخر: أنا أشغله بالكلام حتى تقتله، فوقف أحدهما على النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما طال عليه انصرف فقال لصاحبه: ما صنعت شيئاً؟ قال: رأيت عنده شيئاً ورجله في الأرض ورأسه في السماء لو دنوت منه أهلكني، وأما أربد فأصابته صاعقة، وأنزل الله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وأما عامر فإنه قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: لنا أهل الوبر ولكم أهل المدر، فقال، صلى الله عليه وسلم: لكم الأعنة، فقال: لأملأنها خيلاً عليكم ورجلاً. فلما ولّى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم اكفنيه، فأخذته غدة فقتلته.
وعن محمد بن عبد الله قال: بينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من قريش: لأذهبن فأقتلن محمداً، فدنا منه قال: ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائم يصلي ويقرأ: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق "، حتى بلغ آخرها، فانصرف أبو جهل وهو يقول: هذا وأبيكم وعيد شديد، فلقي أصحابه فقالوا له: ما بالك لم تقتله؟ قال: والله إن بيني وبينه رجلاً له كتيت ككتيت الفحل يعدني يقول: ادْنُ ادن.
وعن عبد الله أن أعرابياً جاء بعكّة من سمن فاشتراها أبو جهل فأمسك العكة وأمسك الثمن، فشكاه الأعرابي إلى قريش فكلموه فأبى عليهم، فقال بعض المستهزئين: يا أعرابي أتحب أن تأخذ عكتك وثمنها؟ قال: بلى، قال: أترى هذا الرجل المار؟ القه فكلمه، يعني النبي، صلى الله عليه وسلم، فأتاه الأعرابي وشكا إليه أمر العكة، فخرج عليه، صلى الله عليه وسلم، حتى وقف بباب أبي جهل فناداه باسمه، فخرج إليه ترعد فرائصه، فقال له: أد هذا عكته وثمنها، فدخل أبو جهل فدفع إلى الرجل العكة، فخرج الأعرابي إلى قريش وأخبرهم بذلك، ثم خرج أبو جهل، فقالت له قريش: كلمناك أن تؤدي الأعرابي حقه فأبيت ثم جاءك ابن عبد المطلب فدفعت إليه ذلك؟ فقال: إن معه لجملاً فاتحاً فاه ينظر ما أقول فيلتقم رأسي فما وجدت بداً من إعطائه حقه.
وأما أنس الوحش به فمما حدثنا إسماعيل بن يحيى بن محمد عن سعيد بن سيف بن عمر عن أبي عمير عن الأسود قال: سأل رجل هند بن أبي هالة...... فقال: حدثينا بأعجب ما رأيت أو بلغك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: كل أمره كان عجباً، وأعجب ما رأيت أنه كان لي ربائب وحش كنت آنس بهن وآلفهن فإذا كان يومه الذي يكون فيه عندي لم يزلن قياماً صواف ينظرن إليه ولا يلهيهن عن النظر إليه شيء ولا ينظرن إلى غيره، فإذا شخص قائماً سمون إليه بأبصارهن، فإذا انطلق مولياً لاحظنه النظر، فإذا غاب شخصه عنهن ضربن بأذنابهن وآذانهن، وكان ذلك يعجبني.
وعن عبد الملك بن عمير أن النبي، صلى الله عليه وسلم، مر بظبية عند قانص فقالت: يا رسول الله إن ضرعي قد امتلأ وتركت خشفين جائعين فخلني حتى أذهب وأرويهما ثم أعود إليك فتربطني، فقال: صيد قوم وربيطتهم! قالت: يا رسول الله فإني أعطيك عهد الله لأرجعن، فأخذ عليها عهد الله ثم أطلقها وأرسلها فما لبثت إلا يسيراً حتى جاءت وقد فرغت ما في ضرعها، فقال: صلى الله عليه وسلم: لمن هذه الظبية؟ قالوا: لفلان، فاستوهبها منه ثم خلى سبيلها وقال: لو أن البهائم تعلم ما تعلمون من الموت ما أكلتم سمناً.
وأما محاسن شهادات السباع له بالنبوة فمن ذلك ما روي أن أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية خرجا من مكة فإذا هما بذئب يكد ظبية حتى إن نَفسه كاد أن يبلغ ظهر الظبية أو شبيهاً بذلك إذ دخل الظبي الحرم فرجع الذئب، فقال أبو سفيان: ما أرض سكنها قوم أفضل من أرض أسكنها الله إيانا، أما رأيت ما صنع الذئب أعجب منه حين رجع! فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار. فقال أبو سفيان: واللات والعزى لئن ذكرت ذلك بمكة لنتركها خلواً.
(1/9)

وذكروا أن رافع بن عميرة بن جابر كان يرعى غنماً إذ غار الذئب عليها فاحتمل أعظم شاة منها فشد عليه رافع ليأخذها منه وقال: عجباً للذئب يحتمل ما حمل! قال: فأقعى الذئب غير بعيد وقال: أعجب منه أنت أخذت مني رزقاً رزقنيه الله تعالى. فقال رافع: يا عجباً للذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من ذلك الخارج من تهامة يدعوكم إلى الجنة وتأبون إلا دخول النار. فأقبل الرجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد جاءه جبريل، عليه السلام، فأنبأه بما كان، فقص النبي، صلى الله عليه وسلم، ما كان فآمن وصدق وقال:
رعيت الضأن أحميها بنفسي ... من اللص الخفي وكل ذيب
فلما أن رأيت الذئب يعوي ... وبشرني بأحمد من قريب
يبشرني بدين الحق حتى ... تبينت الشريعة للمنيب
رجعت له وقد شمرت ثوبي ... عن الكعبين معتمداً ركوبي
فألفيت النبي يقول قولاً ... صواباً ليس بالهزل الكذوب
ألا بلغ بني عمرو بن عوفٍ ... وأختهم جديلة أن أجيبي
دعاء المصطفى لا شك فيه ... فإنك إن تجيبي لا تخيبي
ومن محاسن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبركته ما رواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن مينا عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الخندق وكانت عندي شويهة غير سمينة فقلت: والله لو صنعت هذه الشاة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: فأمرت امرأتي فطحنت شيئاً من شعير فصنعت له منه خبزاً وذبحت الشاة فشويتها، فلما أمسينا وأراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الانصراف قلت: يا رسول الله إني صنعت لك شويهة وشيئاً من خبز الشعير وأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحده. فلما قلت له ذلك قال: نعم، ثم أمر بصارخ فصرخ: انصرفوا إلى بيت جابر. فقلت: أنا لله وإنا إليه راجعون. وأقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والناس معه، فأخرجتها إليه فسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء قوم حتى صدر أهل الخندق عنها.
وروي عن محمد بن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد قالت: دعتني أمي ابنة رواحة فأعطتني حفنة تمر في ثوبي وقالت: يا بنية اذهبي إلى أبيك بهذا. قالت: فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنا ألتمس أبي فقال، عليه الصلاة والسلام: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟ قلت: تمر بعثت به أمي إلى أبي بشير بن سعد. فقال: هاتي به. فصببته في كفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: ناد في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل هو يزداد حتى صدر أهل الخندق عليه وهو يسقط من أطراف الثوب.
ومن آياته، صلى الله عليه وسلم، ما لا يعرفها إلا الخاصة وهي محاسن أخلاقه وأفعاله التي لم تجتمع لبشر من قبله ولا تجتمع لأحد من بعده، وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط صبره وحلمه ووفاءه وزهده وجوده ونجدته وصدق لهجته وكرم عشيرته وتواضعه وعلمه وحفظه وصمته إذا صمت ونطقه إذا نطق ولا كعفوه وقلة امتنانه، ولم نجد شجاعاً قط إلا وقد فر مثل عامر فر عن أخيه الحكم يوم الرَّقم وعيينة فر عن أبيه يوم نسار وبسطام عن قومه يوم العظالى.
وكان له، صلى الله عليه وسلم، وقائع مثل أحد وحنين وغيرهما فلا يستطيع منافق أن يقول هاب حرباً أو خاف.
وأما زهده، صلى الله عليه وسلم، فإنه ملك من أقصى اليمن إلى شِحر عمان إلى أقصى الحجاز إلى عذار العراق ثم توفي، صلى الله عليه وسلم، وعليه دين ودرعه مرهون في ثمن طعام أهله، لم يبن داراً ولا شيد قصراً ولا غرس نخلاً ولا شق نهراً ولا استنبط عيناً واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه.
(1/10)

وكان، صلى الله عليه وسلم، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس الفقراء ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكياً ويقتص من نفسه، وكان، صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إلي كراع لقبلت. ولم يأكل قط وحده ولا ضرب عبده، ولم ير، عليه الصلاة والسلام، أدار رجله بين يدي أحد ولا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها.
وأما كرمه، صلى الله عليه وسلم، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله وأولياءه وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى بالاحتمال، وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح، والعجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك وحثوا في وجهه التراب، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال والأعمام والأقرب فالأقرب، فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد، فلما دخل، عليه السلام، مكة قام فيهم خطيباً فحمد الله، عز وجل، وأثنى عليه ثم قال: أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد وما زيد، يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل الله ووعد أصحابه بيضاء إصطخر وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم: لا يمنعك ما ترى، يعني ضعف أصحابه وجهدهم، فكأنهم ببيضاء المدائن قد فتحت عليهم، وكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير، فأبصر ذلك كله عدي وقال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، فكان كما قال حتى قال معاوية: إنما قتله من أخرجه.
وضلت ناقته، صلى الله عليه وسلم، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون: هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رجلاً يقول في بيته إن محمداً يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي عز وجل وقد أخبرني أنها في وادي كذا وكذا تعلق زمامها بشجرة. فبادر الناس إليها وفيهم زيد بن أرقم وزيد بن اللصيت فإذا هي كذلك.
ولما استأمن أبو سفيان بن حرب إليه، عليه الصلاة والسلام، أمر عمه العباس أن يأخذه إلى خيمته حتى يصبح، فلما صار في قبة العباس ندم على ما كان منه وقال في نفسه: ما صنعت؟ دفعت بيدي هكذا، ألا كنت أجمع جمعاً من الأحابيش وكنانة وألقاه بهم فلعلي كنت أهزمه! فناداه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من خيمته: إذاً كان الله يخزيك يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان: يا عباس أدخلني على ابن أخيك. فقال له العباس: ويلك يا أبا سفيان ما آن لك ذلك. فأدخله على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قد كان في النفس شيء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً.
وقوله، صلى الله عليه وسلم، لما يكون من بعده مما حدّث به محمد بن عبد الرحمن بن أذينة عن سلمان بن قيس عن سلمان بن عامر عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني رأيت على منبري هذا اثني عشر رجلاً من قريش يخطب كلهم رجلان من ولد حرب بن أمية وعشرة من ولد أبي العاص بن أمية. ثم التفت إلى العباس وقال: هلاكهم على يدي ولدك.
وأما جماله وبهاؤه ومحاسن ولادته، صلى الله عليه وسلم، فما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي، صلى الله عليه وسلم، لما ضربها المخاض، قالت: جعلت أنظر إلى النجوم تتدلى حتى قلت لتقعنّ عليّ، فلما وضعته خرج منها نور أضاء له البيت والدار حتى صرت لا أرى إلا نوراً. قال: وسمعت آمنة تقول: لقد رأيت وهو في بطني أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم ولد، صلى الله عليه وسلم، فخرج معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء كأنه يخطب أو يخاطب.
وروي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أشجع الناس وأحسن الناس وأجود الناس، ما مسست بيدي ديباجاً ولا حريراً ولا خزّاً ألين من كف رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
(1/11)

وعن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في ليلة البدر وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عينيّ من القمر.
وعن جابر بن زيد عن أبيه قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، في مسجد الخيف فناولني يده فإذا هي أطيب من المسك وأبرد من الثلج.
ومن فضله الذي أبرّ على جميع الخلائق ومحاسنه ما روي عن وهب بن منبّه أنه قال: لما خلق الله عز وجل الأرض ارتجت واضطربت فكتب في أطرافها محمد رسول الله فسكنت.
وأما عقله، عليه الصلاة والسلام، فقد روي أن عقول جميع الخلائق من الأولين والآخرين في جنب عقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كرملة من بين جميع رمال الدنيا.
ومن محاسنه، صلى الله عليه وسلم، الإسراء ما روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري، رحمه الله، يرفعه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني لنائم في الحجر إذ جاء جبريل، عليه السلام، فغمزني برجله فجلست فلم أر شيئاً ثم عدت لمضجعي، فجاءني الثانية فغمزني فجلست وأخذ بعضدي فخرج بي إلى باب الصفا وإذا أنا بدابة أبيض بين الحمار والبغل له جناحان في فخذيه يضع حافره منتهى طرفه، فقال لي جبريل: اركب يا محمد، فدنوت إليه لأركب فتنحى عني. فقال له جبريل، عليه السلام: يا براق ما لك فوالله ما ركبك خير منه قط! فركبت وخرجت ومعي صاحبي لا أفوته ولا يفوتني حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فوجدت فيه نفراً من الأنبياء قد جمعوا لي فأممتهم، ثم أُتيت بإناءين من خمر ولبن فتناولت اللبن وشربت منه وتركت الخمر. فقال جبريل، عليه السلام: هديت وهديت أمتك وحرمت عليهم الخمر، ثم أصبحت بمكة. قال: فلما ذكر رسول الله ذلك ارتد كثير ممن كان آمن به وقالوا: سبحان الله! أذهب محمد إلى الشام في ساعة من الليل ثم رجع والعير تطرد شهراً مدبرة وشهراً مقبلة! فبلغ ذلك أبا بكر، رضي الله عنه، فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما يقول هؤلاء؟ يزعمون أنك حدثتهم بأنك قد أتيت الشام هذه الليلة ورجعت من ليلتك! قال: قد كان ذاك. قال: يا رسول الله فصف لي المسجد. فجعلت أصفه لأبي بكر، رحمه الله، وأنا أنظر إليه فكلما حدثته عن شيء قال: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى فرغت من صفته، فقال رسول الله يومئذ: فأنت الصدّيق يا أبا بكر.
محاسن المعراج
عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: أخبرنا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بينا أنا بين اليقظان والنائم عند البيت إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فانطلق بي فشرح صدري واستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم فغسل به ثم أعيد مكانه وحشي إيماناً وحكمة، ثم أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، قالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. وانطلقنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح جبريل، عليه السلام، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا وقالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يحيى وعيسى فقلت: يا جبريل من هذان؟ قال: عيسى ويحيى. قال: فسلمت عليهما فقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة فكان مثل قولهم الأول، فأتيت على يوسف فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فأتيت على إدريس، عليه السلام، فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم أتينا السماء الخامسة فأتيت على هارون فسلمت عليه فقال مثل ذلك. ثم أتينا السماء السادسة فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال مثل ذلك. ثم أتينا السماء السابعة فأتيت على إبراهيم، عليه وعلى آله السلام، فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
(1/12)

ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لا يعودون فيه. ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار يخرجن من أسفلها فقلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. ثم أتيت بإناءين من خمر ولبن فاخترت اللبن. فقيل لي: أصبت أصاب الله بك أمتك على الفطرة. وفرضت علي خمسون صلاة فأقبلت بها حتى أتيت على موسى، عليه السلام، فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك جل وعز فاسأله التخفيف. قال: فرجعت إلى ربي فحط عني خمساً، فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال: بم أمرت؟ فأنبأته بما حط عني فقال مثل مقالته الأولى، فما زلت بين يدي ربي جل وعز أستحط حتى رجعت إلى خمس صلوات، فأتيت على موسى، عليه السلام، فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات كل يوم. فقال: أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك جل ذكره واسأله التخفيف. فقلت: لقد رجعت إلى ربي تبارك وتعالى حتى استحييت، لا ولكني أرضى وأسلم. فلما جاوزت نوديت أني قد خففت عن عبادي وأمضيت فريضتي وجعلت بكل حسنة عشراً أمثالها.
وانظر إلى رونق ألفاظه، عليه السلام، وصحة معانيه وموضع ذلك من القلوب مع قلة تعميقه وبعده من التكلف كقوله، صلى الله عليه وسلم: زويت لي الأرض حياءً فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، قوله زويت جمعت. ومثله: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار، ولا يكون الانزواء إلا بانحراف مع تقبّض.
وقال: إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وهي الروضة تكون في المكان المرتفع.
وقال: إن قريشاً قالت إني صنبور، وهي النخلة تبقى منفردة ويدق أصلها، تقول إنه فرد ليس له ولد فإذا مات انقطع ذكره.
وقال في أبي بكر، رضي الله عنه: ما أحد من الناس عرضت عليهم الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم، أي لم ينتظر ولم يمكث، والكبوة مثل الوقعة.
وقال في عمر، رحمه الله: لم أر عبقرياً يفري فريه، والعبقري السيد، يقال: هذا عبقري قومه أي سيدهم، ويفري فريه أي يعمل عمله.
وقال في علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: إن لك بيتاً في الجنة وإنك ذو قرنيها، يريد أنه ذو طرفيها.
وقال في الحسين بن علي، رحمهما الله، حين بال عليه وهو طفل فأُخذ من حجره: لا تزرموا ابني، الازرام القطع، يقال للرجل يقطع بوله ازرم.
وقال في الأنصار: إنهم كرشي وعيبتي ولولا الهجرة لكنت امرأً منهم، أي من الأنصار، الكِرش الجماعة، والعيبة أي هم موضع سري ومنه أُخذت العيبة.
وقال، صلى الله عليه وسلم: لعن الله النامصة والمتنمصة والواشرة والموتشرة والواصلة والموتصلة والواشمة والموتشمة، فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه، ومنه قيل للمنقاش المنماص، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك، والواشرة التي تشر أسنانها وذلك أنها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر، والأشر تحدّد ورقّة في أطراف الأسنان، والواصلة والموتصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها، والواشمة المرأة تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة حتى تؤثر فيه وتحشوه بالكحل.
وذكر أيام التشريق فقال: هي أيام أكل وشرب وبعال، يعني النكاح. وقال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهماً، وهو البهيم الذي لا يخلط لونه لون سواه من سوادٍ كان أو غيره، يقول: ليس فيهم شيء من الأمراض والعاهات التي تكون في الدنيا.
وقال في صلح الحديبية: لا إغلال ولا إسلال، الإسلال السرقة، والإغلال الخيانة.
وقال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور، الحوب إذا كان بالباء والكون إذا كان بالنون تقول يكون في حالة جميلة فيرجع عنها، وإذا كانا جميعاً بالراء فهو النقصان بعد الزيادة.
وقال، عليه السلام: خمّروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإن للشيطان انتشاراً وخطفة، يعني بالليل، التخمير التغطية، والإيكاء الشد، واسم الخيط الذي يشد به السقاء الوكاء، واكفتوا يعني ضمّوهم إليكم.
(1/13)

وقال في دعائه: لا ينفع ذا الجد منك الجد، بفتح الجيم الغنى والحظ في الرزق، ومنه قيل: لفلان في هذا الأمر جد إذا كان مرزوقاً.
وقال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لا تموت حتى تستوفي أو تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، قوله نفث في روعي بضم الراء، النفث شبيه بالنفخ، وروعي يقول في خَلَدي.
وقال، عليه السلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب وظلمة أو هبوة فأكملوا العدة، هبوة يعني غبرة.
وقال، عليه السلام: إن العرش على منكب إسرافيل وإنه ليتواضع لله جل وعز حتى يصير مثل الوصع، الوصع ولد العصافير.
فقال، عليه السلام، حين سئل أين كان ربنا جل جلاله قبل أن يخلق السماوات والأرضين فقال: كان في عماء تحته هواء، العماء السحاب.
وقال، عليه السلام: عم الرجل صنو أبيه، يعني أن أصلهما واحد، وأصل الصنو إنما هو في النخل، قال الله عز وجل: " صنوانٌ وغير صنوان "، الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق.
وقال: من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله عز وجل وهو أجذم، أي مقطوع اليد.
وقال لرجل أتاه وقال: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته بمهرها؟ قال لا إلا أن يكون مُلفَجاً. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! إنما نشأت فيما بيننا ونحن قد سافرنا وأنت مقيم فنراك تكلم بكلام لا نعرفه ولا نفهمه! فقال، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله عز وجل أدبني وأحسن أدبي، وهذا الرجل كلمني بكلامه فأجبته على حسبه، قال: أيدالك الرجل امرأته بمهرها؟ أي يماطلها، فقلت: لا إلا أن يكون ملفجاً، أي معدما.
فكلامه، صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه ومذاهبه تدل على أنه موافق لقول الله جل وعز: " الله أعلم حيث يجعل رسالته "، وكقوله: " ولقد اخترناهم على علم على العالمين ". وقال جل ذكره: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين "، فلما علم أنه قد قبل أدبه قال: " وإنك لعلى خلق عظيم "، فلما استحكم له ما أحب قال: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ".
مساوئ من تنبى
روي أن مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك في آخر سنة عشر: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني قد شوركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون.
فقدم عليه رسولان من قبل مسيلمة بهذا الكتاب. فقال: أما والله لولا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكما. ثم كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين. قيل وأتاه الأحنف بن قيس مع عمه فلما خرجا من عنده قال الأحنف لعمه: كيف رأيته؟ قال: ليس بمتنبٍّ صادق ولا بكذاب حاذق.
ومنهم طليحة تنبّى على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان يقول إن ذا النون يأتيه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: لقد ذكر ملكاً عظيماً.
(1/14)

فلما كان أيام الردة بعث أبو بكر، رحمة الله عليه، خالد بن الوليد إليه، فلما انتهى إلى عسكره وجده قد ضربت له قبة من أُدم وأصحابه حوله، فقال: ليخرج إلي طليحة! فقالوا: لا تصغر نبياً هو طلحة، فخرج إليه فقال خالد: إن من عهد خليفتنا أن يدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فقال: يا خالد اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلما سمع خالد ذلك انصرف عنه وعسكره بالقرب منه على ميل، فقال عيينة بن حصن لطليحة: لا أبا لك! هل أنت مرينا بعض نبوتك؟ قال: نعم. وكان قد بعث عيوناً له حين سار خالد من المدينة مقبلاً إليهم فعرّفوه خبر خالد، فقال: لئن بعثتم فارسين على فرسين أغرّين محجّلين من بني نصر بن قُعين أتوكم من القوم بعين. فهيأوا فارسين فبعثوهما فخرجا يركضان فلقيا عيناً لخالد مقبلاً إليهم فقالا: ما خبر خالد؟ أو قالا: ما وراءك؟ قال: هذا خالد بن الوليد في المسلمين قد أقبل فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟ فلما كان في السحر نهض خالد إلى طليحة فيمن معه من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما التقى الصفان تزمل طليحة في كساء له ينتظر زعم الوحي، فلما طال ذاك على أصحابه وألح عليهم المسلمون بالسيف، قال عيينة بن حصن: هل أتاك بعد؟ قال طليحة من تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد! فقال عيينة: تباً لك آخر الدهر! ثم جذبه جذبة جاش منها وقال: قبح الله هذه من نبوة! فجلس طليحة، فقال له عيينة: ما قيل لك؟ قال: قيل لي إن لك رحاً كرحاه، وأمراً لا تنساه! فقال عيينة: قد علم الله عز وجل أن سيكون لك أمر لا تنساه هذا كذاب ما بورك لنا ولا له فيما يطالب. ثم هرب عيينة وأخوه فأدركوه وأسروه وأفلت أخوه وخرج طليحة منهزماً وأسلمه شيطانه حتى قدم الشام فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله عز وجل أجنادين وتوفي أبو بكر وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً وقال:
وإني من بعد الضلالة شاهد ... شهادة حقٍ لست فيها بملحد
ومنهم من تنبّى بعد في أيام الرشيد رجل زعم أنه نوح، فقيل له: آنت نوح الذي كان أم نوح آخر؟ قال: أنا نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وقد بعثت إليكم لأفي الخمسين عاماً تمام الألف سنة، فأمر الرشيد بضربه وصلبه، فمر به بعض المخنثين وهو مصلوب فقال: صلى الله عليك يا أبانا، ما حصل في يدك من سفينتك إلا دقلها! وهو الذي يكون في وسط السفينة كجذع طويل.
ومنهم رجل تنبّى في أيام المأمون فقال للحاجب: أبلغ أمير المؤمنين أن نبي الله بالباب. فأذن له، فقال ثمامة: ما دليل نبوتك؟ قال: تحضر لي أمك فأواقعها فتحمل من ساعتها وتأتي بغلام مثلك. فقال ثمامة: صلى الله عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أهون علي من إحضارك أمي ومواقعتها!
محاسن أبي بكر
رضوان الله ورحمته عليه
روي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسجد وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال: هكذا نبعث يوم القيامة.
وقال، صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى أيدني من أهل السماء بجبريل وميكائيل ومن أهل الأرض بأبي بكر وعمر، ورآهما مقبلين فقال: هذان السمع والبصر.
وروي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.
وروي عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالصدقة ووافق ذلك مالاً عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئته بنصف مالي، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: النصف، وجاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله حقاً ورسوله، فقلت: والله لا أسبقك إلى شيء أبداً.
وعن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر، رضي الله عنه.
وعن عطاء عن أبي الدرداء أنه مشى بين يدي أبي بكر، رضي الله عنه، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: المشي بين يدي من هو خير منك، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من أبي بكر.
وعن علي بن أبي طالب، رضوان الله ورحمته عليه، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: يا علي هل تحب الشيخين؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: لا يجتمع حبك وحبهما إلا في قلب مؤمن.
(1/15)

وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وعتق بلالاً من ماله.
وعن أنس عن أبي بكر، رضي الله عنه، قال: قلت للنبي، صلى الله عليه وسلم، ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر في قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله جل وعز ثالثهما! وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه حتى صعد المنبر فقال: إني قائم الساعة على الحوض وإن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة، فلم يفطن لها أحد إلا أبو بكر، رضي الله عنه فقال: بأبي أنت وأمي بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا! وبكى، فقال: لا تبك يا أبي بكر، إن من آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من الناس لاتخذت أبا بكر. ولكن أخي في الإسلام لا يبقى في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر. فبكى أبو بكر وقال: أنا ومالي لك يا رسول الله.
وعن ابن المنكدر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: دعوا لي صاحبي إني بعثت وقال الناس كلهم كذبت وقال لي صدقت، يعني أبا بكر، رضي الله عنه.
وعن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فجاء وقد ظهر، فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: لست أسألك عن النساء، قال: أبوها إذا تؤنس.
وعن الحسن قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يجيء يوم القيامة رجل إلى باب الجنة ليس منها باب إلا وعليه ملك يهتف به هلمّ هلمّ ادخل، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: إن هذا لسعيد، قال: هو ابن أبي قحافة.
وعن سليمان بن يسار أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: في المؤمن ثلاثمائة وستون خصلة من الخير إذا جاء بواحدة دخل الجنة، قال أبو بكر، رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي أفيّ منها شيء؟ قال: هي كلها فيك يا أبا بكر.
وعن ابن عمر، رضي الله عنه، قال: بينا النبي، صلى الله عليه وسلم، جالس وعنده أبو بكر، رضي الله عنه، وعليه عباءة قد خلّها في صدره بخلال إذ نزل عليه جبريل، عليه السلام، فقال: يا رسول الله ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها في صدره؟ قال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح، قال: فأقرئه من الله عز وجل السلام وقل له يقول لك ربك تبارك وتعالى: أراضٍ أنت عني في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أعلى ربي أغضب! أنا عن ربي راضٍ.
وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: كنت جالساً عند النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ طلع أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، فقال، عليه الصلاة والسلام: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ممن مضى وممن بقي إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي.
وعن جابر قال: كنت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع أبو بكر، رضي الله عنه، ثم قال يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع عمر، رضي الله عنه، ثم قال: يطلع علينا من هذا الفج رجل من أهل الجنة، اللهم اجعله علياً! فطلع علي، رضي الله عنه.
وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أحسن هذه الآية! قال: أيتها؟ قال قوله تبارك وتعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "، فقال: يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك.
وقيل: إنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر، رضي الله عنه، بإسلامه حتى دخل على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أبشرك يا أبا بكر بما يسرك؟ قال: مثلك يا رسول الله من يبشر بالخير، فما هي؟ قال: أسلم أبو قحافة! قال: يا رسول الله لو بشرتني بإسلام أبي طالب كان أقر لعيني فإنه أقر لعينك، فبكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى علا بكاؤه جزعاً لما فاته من إسلام أبي طالب وقال: رحمك الله يا أبا بكر، ثلاثاً.
محاسن عمر بن الخطاب
رضوان الله ورحمته عليه
(1/16)

عن أبي هريرة، رحمه الله، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم إذ رأيتني على قليب وعليها دلو، فنزعت ما شاء الله ثم أخذها مني أبو بكر، أو قال ابن أبي قحافة: فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله جل وعز يغفر له، ثم أخذها عمر فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريّه حتى ضرب الناس بعطن.
وروي أن امرأة في الجاهلية تسمى عاصية أسلمت فكرهت اسمها فأتت عمر، رحمه الله، فقالت: إني كرهت اسمي فسمّني. فقال: أنت جميلة. فغضبت وقالت: سميتني باسم الإماء! ثم أتت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: بأبي أنت وأمي إني كرهت اسمي فسمني! فقال: أنت جميلة، فقالت: يا رسول الله إني أتيت عمر سماني جميلة فغضبت. فقال: أوما علمت أن الله جل وعز عند لسان عمر ويده؟ وعن سعيد بن جبير في قوله عز وجل: " وصالح المؤمنين "، قال: نزلت في عمر خاصة.
وعن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله عمر لقول الحق وإن كان مراً، تركه الحق ما له من صديق.
وعن سعيد بن جبير قال: إن جبريل قال للنبي، صلى الله عليه وسلم: اقرأ على عمر السلام وأعلمه أن غضبه عز ورضاه حكم.
وعن عثمان بن مظعون قال: مر بنا عمر، رضي الله عنه، ونحن جلوس عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا غلّق باب الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب ما عاش هذا بين أظهركم أو ظهرانيكم، فقال بيمينه وشبّك بين أصابعه.
وعن ابن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: جاءني جبريل، عليه السلام، حين أسلم عمر، رحمه الله، فقال لي: تباشرت الملائكة بإسلام عمر وعمر سراج أهل الجنة.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: بينا أنا في الجنة إذ رأيت داراً فأردت أن أدخلها فسألت لمن هي فقيل هي لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فرجعت، فقال عمر: يا رسول الله لستَ ممن يغار عليه.
وعن علي، رضي الله عنه: ما كنا نبعد أن السكينة كانت تنطق على لسان عمر.
وعن عطاء عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين "، الآية، " ثم أنشأناه خلقاً آخر "، فقال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لقد ختمها الله عز وجل بما قلت يا عمر.
وعن سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، قال: استأذن عمر على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعنده نسوة من قريش قد علت أصواتهن فأذن له، فلما دخل بادرن الحجاب، فضحك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أضحك الله سنك، بأبي أنت وأمي ممّ ضحكت؟ فقال: أعجب من اللواتي كن عندي لما سمعن صوتك بادرن الحجاب! فقال: أنت كنت أحق أن يهبن يا رسول الله. ثم أقبل عليهن وأغلظ لهن وقال: أتهبنني ولا تهبن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم إنك أفظ وأغلظ. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك.
محاسن عثمان بن عفان
رضي الله عنه ورحمه
عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حائط من حيطان المدينة فجاء أبو بكر، رحمه الله، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر، رحمه الله، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء علي، رضوان الله عليه، فقال: افتح له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، رضي الله عنه، فقال: افتح له وبشره بالجنة، فلما جاء عثمان، رحمه الله ورحمهم أجمعين، وقد بدت من فخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناحية فقال: افتح له وبشره بالجنة، فلما جاء عثمان، رحمه الله، غطاها، فقالوا: يا رسول الله ما لك لم تغطه حين جئنا؟ فقال: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ وعن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله جل وعز أمرني أن أزوج كريمتي عثمان بن عفان، رحمه الله.
محاسن علي بن أبي طالب
رضوان الله عليه
عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: رحم الله علياً، اللهم أدر الحق معه حيث دار.
(1/17)

وعن علي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش والله ليبعثن الله عليكم رجلاً منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وأنا أخصف نعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وعن جابر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لعليٌ هذا وليّكم بعدي إذا كانت فتنة.
وعن مصعب عن أبيه قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: ما لكم ولعلي، من آذى علياً فقد آذاني.
وعن علي، رضي الله عنه، قال: هلك فيّ رجلان: عدو مبغض ومحب مفرط، قال: وقال ليحبّني أقوام حتى يدخلهم حبي النار ويبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي النار، هم الرافضة والناصبة.
وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يحب علياً منافق ولا يبغض علياً مؤمن.
وعن عمرو بن الأصم قال: قلت للحسن بن علي، رضوان الله عليهما: هؤلاء الشيعة يزعمون أن علياً مبعوث الآن. قال: كذبوا والله ما أولئك بشيعة ولو كان كما يقولون ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه.
وعن فاطمة، رضي الله عنها، قالت: دخل عليَّ عليٌّ، رضي الله عنه، وأنا عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ابشر يا أبا الحسن! أما إنك في الجنة وإن قوماً يزعمون أنهم يحبونك يرفضون الإسلام يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبزٌ يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون.
قال: وحدثنا رجل حضر مجلس القاسم بن المجمّع وهو والي الأهواز قال: حضر مجلسه رجل من بني هاشم فقال: أصلح الله الأمير! ألا أحدثك بفضيلة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: نعم إن شئت. قال: حدثني أبي قال: حضرت مجلس محمد بن عائشة بالبصرة إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة فقال: يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح. فقال له: فأين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: يا هذا تستفتي عن أصحابه أم عن نفسه؟ قال: بل عن أصحابه. قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم "، فكيف يكون أصحابه مثل نفسه؟ وعن عطاء قال: كان لعلي، رحمه الله، موقف من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الجمعة إذا خرج أخذ بيده فلا يخطو خطوة إلا قال: اللهم هذا علي اتبع مرضاتك فارض عنه، حتى يصعد المنبر.
وحدثنا إبراهيم بن أحمد الغضائري بإسناد يرفعه إلى أبي مالك الأشجعي رواه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: هبط علي جبريل، عليه السلام، يوم حنين فقال: يا محمد إن ربك تبارك وتعالى يقرئك السلام، وقال: ادفع هذه الأترجة إلى ابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. فدفعتها إليه فوضعتها في كفه فانفلقت بنصفين فخرج منها رقّ أبيض مكتوب فيه بالنور: من الطالب الغالب إلى علي بن أبي طالب.
(1/18)

أبو عثمان قاضي الري عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عباس بمكة يحدث على شفير زمزم ونحن عنده، فلما قضى حديثه قام إليه رجل فقال: يا ابن عباس إني امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنهم يتبرأون من علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، ويلعنونه. فقال: بل لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً، ألِبُعد قرابته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن أول ذكران العالمين إيماناً بالله ورسوله وأول من صلى وركع وعمل بأعمال البر؟ قال الشامي: إنهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته غير أنهم يزعمون أنه قتل الناس. فقال ابن عباس: ثكلتهم أمهاتهم! إن علياً أعرف بالله عز وجل وبرسوله وبحكمهما منهم، فلم يقتل إلا من استحق القتل. قال: يا ابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة وأنا رسولهم إليك وأمينهم ولا يسعك أن تردني بغير حاجتي، فإن القوم هالكون في أمره ففرّج عنهم فرّج الله عنك. فقال ابن عباس: يا أخا أهل الشام إنما مثل علي في هذه الأمة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى ساحل البحر فقال له: هل أتّبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟ قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً. قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها، وكان قد خرقها لله جل وعز رضىً ولأهلها صلاحاً، وكان عند موسى، عليه السلام، سخطاً وفساداً فلم يصبر موسى وترك ما ضمن له فقال: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً! قال له العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال موسى: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً. فكف عنه العالم، فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله، وكان قتله لله جل وعز رضىً ولأبويه صلاحاً، وكان عند موسى، عليه السلام، ذنباً عظيماً، قال موسى ولم يصبر: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكراً! قال العالم: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه، وكان إقامته لله عز وجل رضىً وللعالمين صلاحاً، فقال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك. وكان العالم أعلم بما يأتي موسى، عليه السلام، وكبر على موسى الحق وعظم إذ لم يكن يعرفه هذا وهو نبي مرسل من أولي العزم ممن قد أخذ الله جل وعز ميثاقه على النبوة، فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك؟ إن علياً، رضي الله عنه، لم يقتل إلا من كان يستحل قتله، وإني أخبرك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان عند أم سلمة بنت أبي أمية إذ أقبل علي، عليه السلام، يريد الدخول على النبي، صلى الله عليه وسلم، فنقر نقراً خفياً فعرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نقره فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي الباب. فقالت: يا رسول الله من هذا الذي يبلغ خطره أن استقبله بمحاسني ومعاصمي؟ فقال: يا أم سلمة إن طاعتي طاعة الله جل وعز، قال: " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " قومي يا أم سلمة فإن بالباب رجلاً ليس بالخرق ولا النزق ولا بالعجل في أمره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يا أم سلمة إنه إن تفتحي الباب له فلن يدخل حتى يخفى عليه الوطء، فلم يدخل حتى غابت عنه وخفي عليه الوطء، فلما لم يحس لها حركة دفع الباب ودخل فسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، فردّ عليه السلام وقال: يا أم سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم هذا علي بن أبي طالب. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي يا أم سلمة، هذا علي سيد مبجَّل مؤمَّل المسلمين وأمير المؤمنين وموضع سرّي وعلمي وبابي الذي أُوِيَ إليه، وهو الوصيّ على أهل بيتي وعلى الأخيار من أمتي، وهو أخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السّناء الأعلى، اشهدي يا أم سلمة أن علياً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. قال ابن عباس: وقتلهم لله رضىً وللأمة صلاحٌ ولأهل الضلالة سخط. قال الشاميّ: يا ابن
(1/19)

عباس من الناكثون؟ قال: الذين بايعوا علياً بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم. فقال الشاميّ: يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن علياً، رضي الله عنه، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. اس من الناكثون؟ قال: الذين بايعوا علياً بالمدينة ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون أهل النهروان ومن معهم. فقال الشاميّ: يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك، أشهد أن علياً، رضي الله عنه، مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
ويروى أن ابن عباس، رحمه الله، قال: عقم النساء أن يجئن بمثل عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، ما رأيت مِحرباً يُزنّ به لرأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عينيه سراجاً سليط وهو يقف على شرذمة بعد شرذمة من الناس يعظهم ويحضهم ويحرضهم حتى انتهى إليّ وأنا في كثف من الناس فقال: معاشر المسلمين استشعروا الخشية وأكملوا اللأمة وتجلببوا بالسكينة وغضوا الأصوات والحظوا الشزر وأطعنوا الوجر وصلوا السيوف بالخطى والرماح بالنبل، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تقاتلون عدو الله عليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنّب، فاضربوا ثبجه فإن الشيطان راكس في كسره مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يداً وأخّر للنّكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
وعن ابن عباس أنه قال: لقد سبق لعلي، رضي الله عنه، سوابق لو أن سابقة منها قسمت على الناس لوسعتهم خيراً.
وعنه قال: كان لعلي، رضي الله عنه، خصال ضوارس قواطع سِطةٌ في العشيرة وصهر بالرسول وعلمٌ بالتنزيل وفقه في التأويل وصبر عند النزال ومقاومة الأبطال، وكان ألدّ إذا أعضل، ذا رأي إذا أشكل.
قيل: ودخل ابن عباس على معاوية فقال: يا ابن عباس صف لي علياً، قال: كأنك لم تره؟ قال: بلى ولكني أحب أن أسمع منك فيه مقالاً، قال: كان أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، غزير الدمعة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب، يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا دعوناه، وكان مع تقربته إيانا وقربه منا لا نبدأه بالكلام حتى يتبسم فإذا هو تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، أما والله يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يبكي ويتململ تململ السليم وهو يقول: يا دنيا إيّاي تغرّين؟ أمثلي تشوقين؟ لا حان حينك بل زال زوالك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك حقير وعمرك قصير وخطرك يسير، آه آه من بُعد السفر ووحشة الطريق وقلة الزاد! قال: فأجهش معاوية ومن معه بالبكاء.
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين يصف محاسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن حضره، كرم الله وجهه، في قصيدة له:
رأوا نعمةً لله ليست عليهم ... عليك وفضلاً بارعاً لا تنازعه
فعضوا من الغيظ الطويل أكفهم ... عليك ومن لم يرض فالله خادعه
من الدين والدنيا جميعاً لك المنى ... وفوق المنى أخلاقه وطبائعه
(1/20)

وروي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا عدي أين الطَّرَفات؟ يعني بنيه طريفاً وطارفاً وطرفة. قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بينك وأخّر بنيه! قال: بل ما أنصفت أنا علياً إذ قُتل وبقيت! قال: صف لي علياً. فقال: إن رأيت أن تعفيني. قال: لا أعفيك. قال: كان والله بعيد المدى وشديد القوى، يقول عدلاً ويحكم فضلاً، تتفجّر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير الدمعة طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، يتحبب إلى المساكين، لا يخاف القويّ ظلمه ولا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه ودموعه تتحادر على لحيته وهو يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا أإليّ تعرضت أم إليّ أقبلت؟ غرّي غيري، لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير وخطرك يسير، آه من قلة الزاد وبعد السفر وقلة الأنيس! قال: فوكفت عينا معاوية ينشّفهما بكمّه ثم قال: يرحم الله أبا الحسن! كان كذا فكيف صبرك عنه؟ قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها ولا تسكن عبرتها. قال: فكيف ذكرك له؟ قال: وهل يتركني الدهر أن أنساه! وهذا الخبر أتم من خبر ابن عباس، رحمه الله.
محاسن من أمسك عن الوقوع في أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم
قال: قدم عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان فقال له يحيى بن الحكم عم عبد الملك بن مروان، قال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول ما قال من هو خير مني فيمن هو شر منهما: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
عصام بن يزيد قال: كنت عند حمزة حتى أتاه رجل فسأله عن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
وروي أنه كتب إسماعيل بن علي إلى الأعمش أن اكتب إلينا بمناقب علي ووجوه الطعن على عثمان، رضي الله عنهما، فكتب: لو أن علياً لقي الله جل وعز بحسنات أهل الدنيا لم يزد ذلك في حسناتك، ولو لقيه عثمان، رضي الله عنه، بسيئات أهل الأرض لم ينقص ذلك من سيئاتك.
وعن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: كان إياس بن معاوية لي صديقاً فدخلنا على عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصدّيق، رضي الله عنهما، وعنده جماعة من قريش يتذاكرون السلف، ففضّل قوم أبا بكر وقوم عمر وآخرون علياً، رضي الله عنهم أجمعين، فقال إياس: إن علياً، رحمه الله، كان يرى أنه أحقّ الناس بالأمر، فلما بايع الناس أبا بكر ورأى أنهم قد اجتمعوا عليه وأن ذلك قد أصلح العامة اشترى صلاح العامة بنقض رأي الخاصة، يعني بني هاشم، ثم ولي عمر، رحمه الله، ففعل مثل ذلك به وبعثمان، رضي الله عنه، فلما قتل عثمان، رحمه الله، واختلف الناس وفسدت الخاصة والعامة وجد أعواناً فقام بالحقّ ودعا إليه.
وقيل إنه حضر مجلس عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، جماعةٌ من أهل العلم فذكروا علياً، رضي الله عنه، وعثمان وطلحة والزبير، رضي الله عنهم أجمعين، وما كان بينهم فأكثروا وعمر ساكت، قال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أقول شيئاً، تلك دماءٌ طهر الله منها كفّي فلا أغمس فيها لساني.
مساوئ تلك الحروب
ومن تنقص علي بن أبي طالب رضوان الله ورحمته وبركاته عليه
(1/21)

أبو نعيم قال: حدثنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عمار الدُّهني عن سالم بن أبي الجعد قال: ذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة، رضي الله عنها، فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت هي، ثم التفت إلى علي، رضوان الله عليه، فقال: انظر يا أبا الحسن إن وليت من أمرها شيئاً فارفق بها. وقال الزهري: لما سارت عائشة ومعها طلحة والزبير، رضي الله عنهم، في سبع مائة من قريش كانت تنزل كلّ منزل فتسأل عنه حتى نبحتها كلاب الحوأب فقالت: ردوني، لا حاجة لي في مسيري هذا، فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نهاني فقال: كيف أنت يا حميراء لو قد نبحت عليك كلاب الحوأب أو أهل الحوأب في مسيرك تطلبين أمراً أنت عنه بمعزل؟ فقال عبد الله بن الزبير: ليس هذا بذلك المكان الذي ذكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودار على تلك المياه حتى جمع خمسين شيخاً قسامةً فشهدوا أنه ليس بالماء الذي تزعمه أنه نهيت عنه، فلما شهدوا قبلت وسارت حتى وافت البصرة، فلما كان حرب الجمل أقبلت في هودج من حديد وهي تنظر من منظر قد صُيّر لها في هودجها، فقالت لرجل من ضبّة وهو آخذ بخطام جملها أو بعيرها: أين ترى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال: ها هوذا واقف رافع يده إلى السماء، فنظرت فقالت: ما أشبهه بأخيه! قال الضبي: ومن أخوه؟ قالت: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فلا أراني أقاتل رجلاً هو أخو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنبذ خطام راحلتها من يده ومال إليه.
وعن الحسن البصري، رحمه الله، أن الأحنف بن قيس قال لعائشة، رحمها الله، يوم الجمل: يا أم المؤمنين هل عهد عليك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذا المسير؟ قالت: اللهم لا. قال: فهل وجدته في شيء من كتاب الله جل ذكره؟ قالت: ما نقرأ إلا ما تقرأون. قال: فهل رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، استعان بشيء من نسائه إذا كان في قلة والمشركون في كثرة؟ قالت: اللهم لا. قال الأحنف: فإذاً ما هو ذنبنا؟ قال: وقال الحسن البصري: تقلدت سيفي وذهبت لأنصر أم المؤمنين فلقيني الأحنف فقال: إلى أين تريد؟ فقلت: أنصر أم المؤمنين. فقال: والله ما قاتلت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المشركين فكيف تقاتل معها المؤمنين؟ قال: فرجعت إلى منزلي ووضعت سيفي.
مساوئ من عادى علي بن أبي طالب
رضي الله عنه
(1/22)

قال: ولما فرغ أمير المؤمنين، عليه السلام، من قتال أهل الجمل دخل عليه عبد الله بن الكواء وقيس بن عبادة السكري فقالا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت يضرب الناس بعضهم رقاب بعض أرأياً رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة، فإن كان رأياً رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهداً عهده إليك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنت الموثوق به المأمون فيما حدثت عنه. فقال: والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه، أمّا أن يكون عندي عهد من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه فلا والله لو كان عندي ما تركت أخا تيم وعدي على منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن نبينا، عليه السلام، لم يُقتل قتلاً ولم يمت فُجاءةً ولكنه مرض ليالي وأياماً فأتاه بلال ليؤذنه بالصلاة فيقول: ائت أبا بكر وهو يرى مكاني، فلما قبض، صلى الله عليه وسلم، نظرنا في الأمر فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لديننا فولّينا أمورنا أبا بكر فأقام بين أظهرنا الكلمة واحدة والدين جامع، أو قال: الأمر جامع لا يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد منا أحد على أحد بالشرك، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسيفي وسوطي على كراهة منه لها، وودّ أبو بكر لو أن واحداً منا يكفيه، فلما حضرت أبا بكر، رحمه الله، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسابقتي وفضلي، فظن أبو بكر أن عمر أقوى مني عليها، ولو كانت اثرةً لآثر بها ولده، فولّى عمر على كراهة كثير من أصحابه، فكنت فيمن رضي لا فيمن كره، فوالله ما خرج عمر، رحمه الله، من الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام عمر، رحمه الله، بين أظهرنا الكلمة واحدة والأمر واحد لا يختلف عليه منا اثنان، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب الحدود بين يديه بسوطي وسيفي، أتّبع أثره اتّباع الفصيل أمه لا يعدل عن سبيل صاحبيه ولا يحيد عن سنتهما، فلما حضرت عمر، رضي الله عنه، الوفاة ظننت أنه لا يعدل عني لقرابتي وسابقتي وفضلي، فظن عمر أنه إن استخلف خليفة يعمل بخطيئة لحقته في قبره فأخرج منها ولده وأهل بيته وجعلها شورى في ستة رهط، منهم: عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لكم أن أدع لكم نصيبي على أن أختار لله ولرسوله؟ قلنا: نعم. فأخذ ميثاقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه، وأخذنا ميثاقه على من يختار لله ولرسوله، فوقع اختياره على عثمان، رضي الله عنه، فنظرت فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فاتّبعت عثمان وأدّيت إليه حقّه على أثرة منه وتقصير عن سنّة صاحبيه، فلما قتل عثمان، رضي الله عنه، نظرت فكنت أحق بها من جميع الناس. فقالا: صدقت وبررت، فأخبرنا عن طلحة والزبير بما استحللت قتالهما وقد شركاك في الهجرة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفي الشورى من عمر، رحمهم الله. فقال: قد شركاني في الهجرة وفي الشورى ولكنهما بايعاني بالحجاز وخلعاني بالعراق ولو فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما. فقالا: صدقت وبررت وأنت أمير المؤمنين.
قال: ولما كان حرب صفين كتب أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إلى معاوية بن أبي سفيان: ما لك يُقتل الناس بيننا؟ ابرز لي فإن قتلتني استرحت مني وإن قتلتك استرحت منك. فقال له عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فابرز إليه. قال: كلا يا عمرو، أردت أن أبرز له فيقتلني وتثب على الخلافة بعدي! قد علمت قريش أن ابن أبي طالب سيدها وأسدها. ثم أنشأ يقول:
يا عمرو قد أسررت تهمة غادرٍ ... برضاك لي تحت العَجاج بِرَازي
ما للملوك ولِلْبراز وإنها ... حتفُ المبارز خطفةً من بازي
إن التي منّتك نفسك خالياً ... قتلي جزاك بما نويت الجازي
فلقد كشفت قناعها مذمومةً ... ولقد لبست لها ثياب الخازي
فأجابه عمرو بن العاص:
معاويَ إنني لم أجن ذنباً ... وما أنا بالذي يُدعى بخازي
فما ذنبي بأن نادى عليٌ ... وكبش القوم يدعى للبِراز
فلو بارزته للقيت قِرناً ... حديد الناب شهماً ذا اعتزاز
أجبناً في العشيرة يا ابن هندٍ ... وعند الباه كالتيس الحجازي
(1/23)

ثم كتب معاوية إلى علي، رحمه الله: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا ما نرُمّ به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس وإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا خاف من الفناء إلا ما أخاف، وقد والله رقّت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لأحد منا على أحد فضل نستذلّ به عبداً أو نسترقّ به حراً.
فأجابه علي: من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد جاءني كتابك وتذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وأنا وإياك نلتمس غايةً لم نبلغها بعد، فأما طلبك الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك عنه أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلستَ بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن وليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المحق كالمبطل، في أيدينا فضل النبوة التي قبلنا بها العز ونفينا بها الخزي.
عن الشعبي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلاً استضحك فقال: يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك، ما كل ما أرى يوجب الضحك! فقال معاوية: خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك كيف حضرك ذهنك في تلك الحال، أما والله لقد واقفته هاشميّاً منافيّاً ولو شاء أن يقتلك لقتلك! فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذالك وأيتم عيالك وأنهب مالك وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولّت عيناك وأزبد شدقاك وتنشّر منخراك وعرق جبينك وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.
قال: وذكر أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: زعم ابن النابغة أني تلعابةٌ تمزاحةٌ ذو دعابة، أعافس وأمارس، لا رأي لي في الحروب، هيهات يمنع من العفاس والمراس ذكر الموت والبعث، فمن كان له قلب ففي هذا عن هذا واعظ، أما وشر القول الكذب إنه ليحدّث فيكذب ويعِد فيخلف، فإذا كان البأس فأعظم مكيدته أن يمنح القوم استه.
قال: وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه؟ قال عبد الله: فنظرت فرأيته فقلت: يا أبت ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال: فاسترجع، وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا يوم أجنادين، وددت أن بيني وبين موقفي بُعد المشرقين. فنزل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو قالا: والله لئن كان صواباً إنه لعظيم مشكور، ولئن كان خطأً إنه لصغير مغفور. فقلت له: يا أبت فمن يمنعك من الذي فعلا؟ فوالله ما يحول بينك وبين ذلك أحد! فقال: إن يرجع الشيخ ولم يُعذّر إذ نزل القوم بضنك فانظر، ثم تأمل بعد هذا أو ذر.
وقال بعض الشعراء في معاوية ومحاربته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
قد سرت سير كليبٍ في عشيرته ... لو كان فيهم غلامٌ مثل جسّاس
الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرّة البُرْدِ أعيا فتقها الآسي
عبد الله بن السائب قال: جمع زياد أهل الكوفة يحرضهم على البراءة من علي، كرم الله وجهه، فملأ منهم المسجد والرحبة، قال: فغفوت غفوة فإذا أنا بشيء له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرقبة بُعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعاً، فما كان بأسرع إذ خرج علينا خارج من القصر فقال: انصرفوا فإن الأمير في شغل عنكم اليوم، فإذا هو قد فلج، فقال عبد الله في ذلك:
ما كان منتهياً عما أراد بنا ... حتى تأتّى له النّقّادُ ذو الرقبه
فأسقط الشقَّ منه ضربةٌ ثبتت ... لمّا تناول ظلماً صاحب الرّحبه
أراد أنه قتل في رحبة المسجد.
(1/24)

الأصمعي قال: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من عليّ، رضي الله عنه، فقال: يا بني إياك وذكر عليّ، رضي الله عنه، فإن بني أمية تنقصته ستين عاماً فما زاده الله بذلك إلا رفعة.
قال: وقال عبد الملك بن مروان للحجاج بن يوسف: جنّبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت بني حرب لما قتلوا الحسين، عليه السلام، نزع الله ملكهم.
محاسن الحسن والحسين
ابني علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم
روي عن أنس بن مالك أنه قال: لم يكن في أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحد أشبه به من الحسن، عليه السلام، وكان قال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابني هذا سيّد لعلّ الله جل وعز أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. وكان بينه وبين أخيه الحسين، عليه السلام، طهْزٌ واحد، وكان أسخى أهل زمانه.
وذكروا أنه أتاه رجل في حاجة فقال: اذهب فاكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا نقضها لك. قال: فرفع إليه حاجته، فأضعفها له، فقال بعض جلسائه: ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله. فقال: بركتها علينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلاً، أما علمت أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة؟ فأما من أعطيته بعد مسألة فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه، وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء لا يعلم لما يتوجه من حاجته أبكآبة الرد أم بسرور النجح فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق، فإن قضيت له حاجته فيما بذل لك من وجهه فإن ذلك أعظم مما نال من معروفك.
قيل: وكان لرجل على ابن أبي عتيق مال فتقاضاه فقال له: ائتني العشية في مجلس الولاية فسلني عن بيت قريش. فوافاه الغريم في ذلك المجلس، فقال له: إنا تلاحينا في بيت قريش ورضينا بك حكماً، فقال: آل حرب، قال: ثم من؟ قال: آل أبي العاص، والحسن بن علي، رضي الله عنه، حاضر، فشق ذلك عليه، فقال الرجل: فأين بنو عبد المطلب؟ قال: لم أكن أظن أن تسألني عن غير بيت الآدميين فأما إذا صرت تسألني عن بيت الملائكة وعن رسول الله رب العالمين وسيد كل شهيد والطيار مع الملائكة فمن يساوي هؤلاء فخراً إلا وهو منقطع دونهم. قال: فانجلى عن الحسن، عليه السلام، ثم قال: إني لأحسب أن لك حاجة. قال: نعم يا ابن رسول الله، لهذا علي كذا وكذا، فاحتملها عنه ووصله بمثلها، قال: وأتاه رجل آخر فقال: يا ابن رسول الله إني عصيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال: بئس ما صنعت، فماذا عصيته؟ قال: قال، عليه السلام: شاوروهن وخالفوهن، وإني أطعت صاحبتي فاشتريت غلاماً فأبق. قال له: اختر واحدة من ثلاث، إن شئت ثمن الغلام. قال: بأبي أنت وأمي قف على هذه ولا تجاوزها! قال: اعرض عليك الثلاث! فقال: حسبي هذه، فأمر له بثمن الغلام.
وذكروا أن رجلين أحدهما من بني هاشم والآخر من بني أمية قال هذا: قومي أسمح، وقال هذا: قومي أسمح، قال: فسل أنت عشرة من قومك وأنا أسأل عشرة من قومي. فانطلق بني أمية فسأل عشرة فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي، رضي الله عنه، فأمر له بمائة وخمسين ألف درهم، ثم أتى الحسين، عليه السلام، فقال: هل بدأت بأحد قبلي؟ قال: بدأت بالحسن، قال: ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئاً، فأعطاه مائة وخمسين ألفاً من الدراهم، فجاء صاحب بني أمية فحمل مائة ألف درهم من عشرة أنفس، وجاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسين، فغضب صاحب بني أمية فردها عليهم فقبلوها، وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما فأبيا أن يقبلاها وقالا: ما كنا نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق، وكان الحسن بن علي، رضوان الله عليهما، أشبه برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من صدره إلى قدمه، وكان أيضاً أحد الأجواد، دخل على أسامة بن زيد وهو يجود بنفسه ويقول: واكرباه واحزناه! فقال: وما الذي أحزنك يا عم؟ قال: يا ابن رسول الله ستون ألف درهم دين عليّ لا أجد لها قضاء. قال: هي عليّ. قال: فك الله رهائنك يا ابن النبي، صلى الله عليه وسلم، الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
مساوئ قتلة الحسين بن علي
رضوان الله عليهما
(1/25)

حدثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم عن يحيى بن معين عن الحجاج عن أبي معشر قال: لما مات معاوية بن أبي سفيان وذلك في النصف من رجب سنة ستين ورد خبره على أهل المدينة في أول شعبان وكان على المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان غلاماً حدثاً يتحرج، فلما جاءه ما جاءه ضاق به صدره فأرسل إلى مروان بن الحكم، وهو الذي صرف به مروان عن المدينة، وكان في مروان حدة، فقال له الوليد: يا أبا عبد الملك إنه قد جاءنا اليوم شيء لم نكن نستغني معه عن استشارتك. قال: وما هو؟ قال: موت أمير المؤمنين. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات، رحمه الله! قال: نعم. قال: أتطيع أمري؟ قال: نعم. قال: أرسل إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير فإن بايعا فخل سبيلهما وإن أبيا فاضرب أعناقهما، فأرسل إلى الحسين، رضوان الله عليه، وإلى عبد الله بن الزبير، رحمه الله، وبدأ بالحسين، عليه السلام، فمر الحسين في المسجد فأشار إليه ابن الزبير وهو قائم يصلي، فأتاه فقال للحرسيّ: تأخر أيها العبد. فتأخر الحرسي. فقال له: يا أبا عبد الله أتدري لأي شيء دعيت؟ قال: لا. قال: مات طاغيتهم فدعوك للبيعة فلا تبايع وقل له بالغداة على رؤوس الملإ. قال: فدخل الحسين، عليه السلام، فقال له الوليد: يا أبا عبد الله دعوناك لخير. قال: أي شيء هو؟ قال: مات أمير المؤمنين وقد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة. قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! بالغداة أبايعك على رؤوس الناس. قال: لا بل الساعة. قال: ما أنا بفاعل. وخرج من عنده. فأرسل إلى ابن الزبير فقال: يا أبا بكر دعوناك لخير. قال: وما هو؟ قال: مات أمير المؤمنين. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليه! قال: فيجعل يردد الترحم عليه وقد نظر ابن الزبير قبل ذلك إلى مروان وهو يناجي الوليد فتلا هذه الآية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين "، فقال: يا أبا بكر قد عرفتم ولي عهدكم ومفزعكم وقد بايع أهل الشام والناس فادخل فيما دخل فيه الناس. قال: نعم بالغداة إن شاء الله. قال: لا بل الساعة قال: ومثلي يبايع في جوف البيت! أبايعك على رؤوس الملإ. قال: لا بل الساعة قال: ما أنا بفاعل. فقال مروان للوليد: ما تصنع؟ أطعني واضرب أعناقهما، لئن خرجا من البيت لا تراهما أبداً إلا في شر. وكان الوليد متحرجاً، فقال: ما كنت لأقتلهما. فقال ابن الزبير لمروان: يا ابن الزرقاء أوتقدر على قتلنا؟ فقال مروان: إنه والله لو أطاعني ما خرجت ولا صاحبك من البيت حتى تضرب أعناقكما.
قال: فدعا الحسين، عليه السلام، برواحله فركب يتوجه نحو مكة على المنهج الأكبر وركب ابن الزبير، رحمه الله، دواب له وأخذ طريق الفُرع فأتى الحسين، عليه السلام، عبد الله بن مطيع وهو على بئره فنزل إليه وقال: يا أبا عبد الله أين تريد؟ قال: العراق، مات معاوية وجاءني أكثر من حمل صُحُف. قال: لا تفعل فوالله ما حفظوا أباك وكان خيراً منك، والله لئن قتلوك لا تبقى حرمةٌ بعدك إلا استحلت.
(1/26)

فمر الحسين، عليه السلام، حتى نزل مكة فأقام بها هو وابن الزبير، رحمه الله، وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميراً على المدينة وعلى الموسم وعزل الوليد بن عتبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي: ما جاءنا والله بالدم. قال: فتلقاه رجل بعمامته فقال: ما عمّ الناس والله. ثم قام وخطب، فناولوه عصا لها شعبتان فقال: تشعب الناس والله. ثم خرج إلى مكة فقدمها قبل التروية بيوم، وخرج الحسين، عليه السلام، فقيل له: خرج الحسين. فقال: اركبوا كل بعير وفرس بين السماء والأرض في طلبه فاطلبوه. قال: فكان الناس يتعجبون من قوله هذا، فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عوناً ومحمداً ليردّا الحسين، فأبى الحسين أن يرجع وخرج بابني عبد الله معه، ورجع عمرو بن سعيد إلى المدينة وبعث بجيش يقاتلون ابن الزبير، وقدّم الحسين، عليه السلام، مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليأخذ عليهم البيعة، وكان على الكوفة حين مات معاوية النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري، فلما بلغه خبر الحسين، عليه السلام، قال: لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحب إلينا من ابن بنت بحدل. فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله فقال لأهل الشام: أشيروا علي من استعمل على الكوفة؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية؟ قال: نعم. قالوا: فإن العهد بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتب في الديوان، فاستعمله على الكوفة. فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، عليه السلام، وقد بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفاً من الرجال من أهل الكوفة، فخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما انتهوا إلى زقاق انسلّ ناس منهم حتى بقي في شرذمة قليلة وجعل الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانيء بن عروة المراديّ وكان له فيهم رأي، فقال له هانيء: إن لي من ابن زياد مكاناً وسوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني فاضرب عنقه. فقيل لابن زياد: هانيء بن عروة شاكٍ يقيء الدم، وكان شرب المغرة فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، وقال: هانيء لمسلم: إذا قلت اسقوني ولو كانت فيه نفسي فاضرب عنقه. فقال: اسقوني، فأبطأوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ولو كانت فيه نفسي! قال: فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئاً، وكان أشجع الناس ولكن أخذته كبوة. فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلاً متسلحاً، فأرسل ابن زياد إلى هانيء فدعاه، فقال: إني شاكٍ. فقال: ائتوني به وإن كان شاكياً. قال: فأسرجت له دبة فركب وكانت معه عصاً وكان أعرج فجعل يسير قليلاً قليلاً ثم يقف ويقول: ما لي ولابن زياد! فما زال حتى دخل عليه. فقال: يا هانيء ما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى. قال: فيدي؟ قال: بلى. فتناول العصا التي كانت في يد هانيء فضرب بها وجهه حتى كسر جبهته ثم قدّمه فضرب عنقه ثم أرسل إلى مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه فما زال يناوشهم ويقاتلهم حتى جرح وأسر فعطش وقال: اسقوني ماء، ومعه رجل من آل أبي معيط ورجل من بني سُليم. فقال: شمر بن ذي جوشن: والله لا نسقيك إلا من البئر. وقال المعيطيّ: والله لا نسقيه إلا من الفرات. فأتاه غلام له بإبريق من ماء وقدح قوارير ومنديل فسقاه، فتمضمض فخرج الدم فما زال يمج الدم ولا يسيغ شيئاً حتى قال: أخّره عني، فلما أصبح دعاه عبيد الله ليضرب عنقه، فقال له: دعني أوصي. فقال: أوص. فنظر في وجوه الناس فقال لعمر بن سعد: ما أرى هاهنا أحداً من قريش غيرك فادن مني حتى أكلمك. قال: فدنا منه. فقال له: هل لك في أن تكون سيد قريش؟ قال نعم. قال: إنّ حسيناً ومن معه وهم تسعون إنساناً بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم واكتب إليه بما أصابني. ثم أمر عبيد الله فضرب عنقه.
(1/27)

فقال عمر: أتدري ما قال؟ قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك، قال: اكتم على ابن عمك! قال: هو أعظم من ذاك. قال: أي شيء هو؟ قال: أخبرني أن حسيناً قد أقبل ومعه تسعون إنساناً بين رجل وامرأة. فقال: أما والله لو إلي أسرّ لرددتهم! لا والله لا يقاتلهم أحد غيرك. فبعث معه جيشاً، وجاء الحسين، عليه السلام، الخبر وهو بشراف فهمّ أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فقال بنو عقيل:أترجع وقد قتل أخونا؟ فقال الحسين، عليه السلام: ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. فأصاب أصحابه العطش فقالوا: يا ابن رسول الله اسقنا! فأخرج لكل فرس صحفة من ماء فسقاهم بقدر ما يمسك رمق أحدهم، ثم قالوا: سر بنا، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا كربلاء، فقال: هذا كربٌ وبلاء. فنزلوا وبينهم وبين الماء يسير، قال: فأراد الحسين، عليه السلام، وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شمر بن ذي جوشن: لا تشربون أبداً حتى تشربون من الحميم. فقال العباس بن علي للحسين، عليه السلام: يا أبا عبد الله ألسنا على الحق؟ قال: نعم. فحمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وأسقوا، ثم بعث عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن قاتلهم. فقال الحسين، عليه السلام: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث: تتركني أرجع كما جئت، وإن أبيت هذه فسيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، وإن أبيت هذه فابعث بي إلى يزيد لأضع يدي في يده، وأرسل إلى ابن زياد بذلك.
فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي جوشن: قد أمكنك الله منه، أو قال: من عدوّك، وتسيّره إلى الأمان إلا أن ينزل على حكمك! فأرسل إليه بذلك، فقال: لا حباً ولا كرامة انزل على حكم ابن سميّة. وكان مع عمر ابن سعد قريب من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة فقالوا: يعرض عليكم ابن ابنة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، ثلاث خصال لا تقبلون منها شيئاً! فتحولوا مع الحسين، عليه السلام، فقاتلوا حتى قتلوا وقتل الحسين، رضي الله عنه، وجميع من معه، رحمهم الله، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضع بين يديه على ترس فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة وضرب عليه خيمة ووكّل به خمسين رجلاً.
فقال واحد منهم: نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين، عليه السلام، فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين وسمعت صهيل الخيل ومنادياً ينادي: يا أحمد اهبط، فهبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة فدخل الخيمة وأخذ الرأس فجعل يقبله ويبكي ويضمّه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه فقال: انظروا إلى ما كان من أمّتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي ولم يعرفوا حقي؟ لا أنالهم الله شفاعتي! قال: وإذا بعدّة من الملائكة يقولون: يا محمد الله تبارك وتعالى يقرئك السلام وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع فمرنا أن نقلب البلاد عليهم. فقال، صلى الله عليه وسلم: خلوا عن أمتي فإن لهم بلغةً وأمداً. قالوا: يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر! فقال: دونكم وما أمرتم به. قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري فإني صحت: يا محمد! فقال: وأنت مستيقظ؟ قلت: نعم. قال: خلوا عنه يعيش فقيراً ويموت مذموماً، فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسر مهموم فحدثته بما رأيت فقال: امض على وجهك وتب إلى ربك.
أبو عبد الله غلام الخليل، رحمه الله، قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين، عليه السلام، فقال رجل من القوم: ما أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، فقال شيخ كبير من القوم: أنا ممن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي هذه، وخبا السراج فقام يصلحه فأخذته النار وخرج مبادراً إلى الفرات وألقى نفسه فيه فاشتعل وصار فحمة.
قيل: ودخل سنان بن أنس على الحجاج بن يوسف فقال: أنت قتلت الحسين بن علي؟ قال: نعم. فقال: أما إنكما لن تجتمعا في الجنة، فذكروا أنهم رأوه موسوساً يلعب ببوله كما يلعب الصبيان.
قال: وقال محمد بن سيرين: ما رؤيت هذه الحمرة في السماء إلا بعدما قتل الحسين، عليه السلام، ولم تطمث امرأة بالروم أربعة أشهر إلا أصابها وضحٌ. فكتب ملك الروم إلى ملك العرب: قتلتم نبياً أو ابن نبي.
(1/28)

وروي أنه لما قتل، رضي الله عنه، احمرّت آفاق السماء واقتسموا ورساً كان معه فصار رماداً، وكانت معه إبل فجزروها فصارت جمرة في منازلهم.
مساوئ الحرة
قال: ولما كان من أمر الحسين، عليه السلام، ما كان قدم عمرو بن حفص بن المغيرة وكان تزوج يزيد بن معاوية ابنته وأعطاه مالاً كثيراً، فلما قدم المدينة جاءه محمد بن عمرو بن حزم وعبيد الله بن حنظلة وعبد الله بن مطيع ابن الأسود وناس من وجوه أهل المدينة قالوا: ننشدك الله رب هذا البيت ورب صاحب هذا القبر ألا أخبرتنا عن يزيد؟ فقال: إنه ليشرب الخمر وينادم القردة ويفعل كذا ويصنع كذا. فقالوا: والله ما لنا بأهل الشام من طاقة ولكن ما يحل لنا أن نبايع رجلاً على هذه الحال. فقال محمد بن عمرو لأهله: هاتوا درعي. ثم خرج فخرج أهل المدينة وخلعوا يزيد وأخرجوا عثمان بن محمد بن أبي سفيان وبني أمية من المدينة، وكان عثمان والي المدينة، ثم قال محمد بن أبي جهم لأهل المدينة: أطيعوا أمري اليوم واعصوني الدهر، اقتلوا سبعة عشر رجلاً من بني أمية لا تروا شراً أبداً. فأبى أهل المدينة أن يقتلوهم وأخذوا عليهم المواثيق أن لا يرجعوا إلى المدينة مع جيش أبداً، فبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان قميصه مشقوقاً إلى يزيد وكتب إليه: واغوثاه! إن أهل المدينة أخرجوا قومي من المدينة وشقوا ثوبي وارتكبوا مني.
(1/29)

قال أبو معشر: حدثنا رجل قال: خرج علينا يزيد بعد العتمة ومعه شمعتان، شمعة عن يمينه وشمعة عن يساره، وعليه معصفرتان كأنهما قطرتا دم وإزار ورداء وقد نفش جمّته كأنها برسٌ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الشام فإنه كتب إلي عثمان بن محمد بن أبي سفيان أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا. قال: وكان معاوية أوصى يزيد: إن رابك من قومك ريب أو انتقض عليك منهم أحد فعليك بأعور بني مرة فاستشره، يعني مسلم بن عقبة. فلما كان تلك الليلة قال: أين مسلم بن عقبة؟ فقام فقال: ها أنا ذا، قال: كن معي. فجعل يزيد يعبّي الجيوش، وكان ابن سنان نازلاً على مسلم، فقال له: إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى المدينة ومكة. قال: استعفه. قال: فاركب فيلاً أو فيلة وتكنّ أبا يكسوم. فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فدخل عليه يزيد بن معاوية فقال: قد كنت وجهتك لهذا البعث وأراك مُدنفاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن تحرمني أجراً ساقه الله إلي، إنما هو أمر خفيف وليس علي من بأس! قال: فلم يطق من الوجع أن يركب بعيراً ولا دابة، قال: فوضع على سرير وحمله الرجال على أعناقهم حتى جاؤوا به مكاناً يقال له البتراء، فأراد النزول به، فقال: ما اسم هذا المكان؟ قيل: البتراء. قال لا تنزلوا به. فنزلوا بقهر ثم ارتحلوا حتى نزلوا الحرّة، فأرسل إلى أهل المدينة أن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول: أنتم الأصل والعشيرة فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا فإن لكم في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة: عطاء في الشتاء وعطاء في الصيف، ولكم عندي في عهد الله أن أجعل سعر الحنطة عندكم سعر الخَبَط، والخبط يومئذ سبعة أصوع بدرهم. فقالوا: نخلعه كما نخلع عمائمنا ونعالنا. فقاتلهم فهزمهم وقتل عبد الله بن حنظلة وابن حزم وبضعة عشر رجلاً من الوجوه وتسعون رجلاً من قريش وبضعة وسبعون رجلاً من الأنصار، وقتل من سائر الناس نحو أربعة آلاف رجل، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة من ولد زيد بن ثابت، وقال مسلم لعبد الله بن جعفر: اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك. وأنهب المدينة ثلاثاً، فقتل الناس وضجّت النساء وذهبت الأموال، فلما فرغ مسلم من القتال انتقل إلى قصر ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه، وكان ناس منهم قد تحصنوا في عرصة سعيد، منهم: محمد بن أبي جهم ونفر معه، فدعاهم للبيعة، فقال: تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خَوَله مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرقّ؟ فبايعه ناس منهم على ذلك، وجاء عمرو بن عثمان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو بن عثمان قال لأم سلمة: أرسلي معي ابن ابنتك ولك مني عهد الله وميثاقه أن أردّه إليك كما أخذته منك، فجاء به إلى مسلم فجلس عمرو بن عثمان على طرف سريره، فلما تقدم يزيد بن عبد الله قال: تبايع ليزيد أمير المؤمنين على أنك من خوَلِه مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين إن شاء وهب وإن شاء أعتق وإن شاء استرق؟ فقال: لا. أنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. فقال: والله لا أستقيلها منك أبداً! فقال عمرو بن عثمان: أنشدك الله! فإني أخذته من أم سلمة بعهد الله وميثاقه أن أردّه إليها، قال: فركله ورمى به من فوق السرير فقال: لو قلتها ما أقلتك. فقتل يزيد بن عبد الله، ثم أتي بمحمد بن أبي جهم فقال له: أنت القائل اقتلوا سبعة عشر من بني أمية لا تروا شراً أبداً؟ قال: قد قلتها ولكن لا يطاع لقصير أمر، أرسل يدي من غلّي وقد برئت مني الذمة. قال: لا حتى أقدّمك إلى النار. فضرب عنقه، ثم جاؤوه بمعقل بن سنان وكان جالساً في بيته فأتاه مائة رجل من قومه فقالوا: اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه. فقال: إني قد قلت له كلمة وإني أتخوفه. قالوا: لا والله لا يصل إليك أبداً. فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلاً وغلّقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم قال: إني أرى الشيخ قد لغب، اسقوه من الثلج الذي زودنيه أمير المؤمنين. قال: فخاضوا له ثلجاً بعسل فشربه. وقال: أشربت؟ قال: نعم. قال: والله لا تبوله من مثانتك أبداً. أنت القائل اركب فيلاً أو فيلة وتكنّ أبا يكسوم؟ قال: أما والله لقد تخوفت ذلك منك ولكن
(1/30)

غلبتني عشيرتي. قال: فجعل يفزّر جبّة عليه من برود ويقول: أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعاً من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت عنقه. عشيرتي. قال: فجعل يفزّر جبّة عليه من برود ويقول: أما والله يا أعداء الله ما شققتها جزعاً من الموت ولكني أخشى أن تسلبوا منها. فضربت عنقه.
ثم سار إلى مكة حتى إذا بلغ قفا المشلَّل دَنِف فدعا بحصين بن نمير الكندي فقال: يا بردعة الحمار والله ما خلق الله أحداً هو أبغض إلي منك، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع؟ قال: نعم. قال: لا يكون إلا الوِقاف ثم الثقاف ثم الانصراف، لا تمكن أذنيك من قريش.
ثم مات مسلم، لا رحمه الله، فدفن بقفا المشلَّل، وكانت أم يزيد بن عبد الله بن زمعة بأسناده فخرجت إليه فنبشته وأحرقته بالنار وأخذت أكفانه فشقّقتها وعلقتها بالشجرة.
قال أبو معشر: أقبلت من مكة حتى إذا كنت بقفا المشلَّل عند قبر مسلم إذا رجل من أهل الشام ممّن حضر وقعة الحرّة يسايرني، فقلت له: هذا قبر مسلم بن عقبة. فقال: أحدثك بالعجب؟ كان مع مسلم رجل من أهل الشام يقال له أبو الغرّاء فإذا نصف شعره أسود ونصفه أبيض، فقلت له: ما شأنك؟ قال: لما كانت ليلة الحرّة جئت قُبَاء فدخلت بيتاً فإذا فيه امرأة جالسة معها صبي لها وليس عليها شيء إلا درع وقد ذُهب بكل شيء لها، فقلت لها: هل من مال؟ قالت: لا والله لقد بايعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أني لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي. قال: فأخذت برجل الصبي فضربت به الحائط. فنثر دماغه، فخرجت فإذا نصف رأسي أبيض ونصفه أسود كما ترى.
محاسن ما قيل فيهم من الأشعار
قال كعب بن زهير في الحسين بن علي، رحمة الله عليهما:
مسح النبيُّ جبينه ... فله بياضٌ في الخدود
وبوجهه ديباجةٌ ... كرم النبوة والجدود
قال: وأنشد الحميريّ في الحسن والحسين:
أتى حسناً والحسينَ الرسولُ ... وقد برزا حجرةً يلعبان
فضمّهما وتفدّاهما ... وكانا لديه بذاك المكان
ومر وتحتهما عاتقاه ... فنعم المطيّة والراكبان
قال: وقال المأمون: أنصف شاعر الشيعة حيث يقول:
أنا وإياكم نموت فلا ... أفلح بعد الممات من ندما
وقال المأمون:
ومن غاوٍ يغصُّ عليّ غيظاً ... إذا أدنيت أولاد الوصيّ
يحاول أن نور الله يطفى ... ونور الله في حصن أبيّ
فقلت أليس قد أوتيت علماً ... وبان لك الرشيد من الغوي
وعُرّفتُ احتجاجي بالمثاني ... وبالمعقول والأثر القويّ
بأية خلّةٍ وبأي معنىً ... تفضِّل ملحدين على عليّ
عليّ أعظم الثقلين حقاً ... وأفضلهم سوى حق النبيّ
قال غيره وأجاد:
إن اليهود بحبها لنبيها ... أمنت معرّة دهرها الخوّان
وذوو الصليب بحب عيسى أصبحوا ... يمشون زهواً في قرى نجران
والمؤمنون بحب آل محمد ... يرمون في الآفاق بالنيران
وقال آخر، سامحه الله:
يا لك من متجرة كاسده ... بين شياطين عتت مارده
إذا تذكّرت بني أحمدٍ ... تنافروا كالإبل الشارده
فقل لمن يلحاك في حبهم ... خانتك في مولدك الوالده
وقال دعبل، رحمه الله تعالى:
قل لابن خائنة البعول ... وابن الجوادة والبخيل
إن المذمة للوصيّ ... هي المذمة للرسول
أتذمّ أولاد النبي ... وأنت من ولد النُّغُول
الموصلي النصراني:
عَدِي ونعيمٌ لا أحاول ذكرهم ... بسوءٍ ولكني محبٌ لهاشم
وهل تأخُذَنّي في عليٍّ وحبه ... إذا لم أعِث يوماً ملامة لائم
يقولون ما بال النصارى تحبه ... وأهل التقى من معربٍ وأعاجم
فقلت لهم إني لأحسب حُبّهُ ... طواه إلهي في قلوب البهائم
وفي بني أمية قيل: دخل خالد بن خليفة الأقطع على أبي العباس وعنده علي بن هشام بن عبد الملك فأشار إلى أبي العباس وهو يقول شعراً:
(1/31)

إن تعاقبهم على رقة الدّي ... ن فقد كان دينُهمْ سامريّا
كان فحلاً زمانهم يرمح النا ... س فأضحى الزمانُ منهم خصيّا
محاسن السبق إلى الإسلام
روي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: خرج أبو بكر، رضي الله عنه، يريد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الإسلام وكان له صديقاً في الجاهلية فلقيه فقال: يا أبا القاسم قعدت في مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأديانها. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله أدعوك إلى الله. فما كان إلا أن سمع أبو بكر كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فشرح الله صدره فأسلم، فانصرف عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما بين الأخشبين أحد أكثر سروراً بإسلام أبي بكر، رضي الله عنه، منه.
ومضى أبو بكر حتى أتى طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم عثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم مع أبي بكر فأسلموا.
(1/32)

وأما إسلام عمر، رضي الله عنه، فإن قريشاً بعثت بعمر، رضي الله عنه، ليقتل النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج عمر متقلداً سيفه في أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ في دار في أصل الصفا، فلقيه نعيم بن عبد الله بن أسيد وقد أسلم فقال: يا عمر أين أراك تريد؟ قال: أريد محمداً هذا الذي سفّه عقولنا وشتم آلهتنا وخالف جماعتنا لأقتلنه! قال نعيم: لبئس المشي والله مشيت يا عمر! ولقد أفرطت وأردت هلكة عدي بن كعب بمعاداتك بني هاشم، أوَترى أنك آمن من أعمامه وبني زهرة وقد قتلت محمداً افتخاراً؟ حتى ارتفعت أصواتهما. فقال له عمر: والله لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك منك لبدأت بك. فلما رأى نعيم أنه غير منته قال: أما إن أهلك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه. فلما سمع ذلك نغر وقال: أيهم؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك. فانطلق إلى أخته وقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجتمع عليه طائفة من ذوي الفاقة من أصحابه فقال لأولي السعة: يا فلان فليكن عندك فلان، فوافق ابن عم عمر وختنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد دفع إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خبّاب بن الأرتّ مولى أم انمار حليف بني زهرة، وقد أنزلت سورة طه، فأقبل عمر حتى انتهى إلى باب دار أخته ليتعرف ما بلغه، فإذا خبّاب عند أخته يدرس عليها سورة طه، وإذا الشمس كوّرت، فلما دخل عمر أحذرته أخته وعرفت الشر في وجهه وخبأت الصحيفة، وراغ خبّاب فدخل البيت، فقال عمر لأخته: ما هذه الهينمة؟ قالت: حديث نتحدث به بيننا، فحلف أن لا يبرح حتى يتبين شأنها. فقال له زوجها: إنك لا تستطيع أن تجمع الناس على هواك يا عمي إن كان الحق سواه. فبطش به عمر ووطئه وطأً شديداً. فقامت أخت عمر تحجز بينهما فنفحها بيده فشجها. فلما رأت الدم قالت: هل تسمع يا عمر؟ أرأيت كل شيء بلغك عني مما يذكر من تركي آلهتك وكفري باللات والعزى فهو حق وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاتمم أمرك واقض ما أنت قاض. فلما رأى عمر ذلك سقط في يده فقال لأخته: أرأيت ما كنت تدرسين آنفاً؟ أعطيك موثقاً لا أمحوه حتى أرده إليك ولا أخونك فيه. فلما رأت أخته حرصه على الكتاب رجت أن يكون ذلك لدعوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت له: إنك نجسٌ ولا يمسه إلا المطهرون. فقام واغتسل من الجنابة وأعطاها موثقاً، فاطمأنت به ودفعت إليه الصحيفة، فقرأ طه حتى بلغ: " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى فلا يصدّنّك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى "، وقرأ: " إذا الشمس كُوّرت "، حتى انتهى إلى قوله: " علمت نفسٌ ما أحضرت "، فأسلم عند ذلك وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وخلع الأنداد وكفر باللات والعزى، فخرج خبّاب وكان داخلاً في البيت مكبّراً وقال: ابشر بكرامة الله يا عمر فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا أن يُعزّ الله بك الإسلام. فقال عمر: دلّوني على المنزل الذي فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال له خبّاب: هو في الدار التي في أصل الصفا. فأقبل عمر وقد بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن عمر يطلبه ليقتله ولم يبلغه إسلامه، فلما انتهى عمر إلى الباب ليستفتح رآه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متقلداً سيفه فأشفقوا منه، فلما رآه حمزة وحده قال: افتحوا فإن كان الله يريد بعمر خيراً اتبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصدّقه، وإن كان غير ذلك قتلناه بسيفه ويكون قتله علينا هيّناً. فابتدره رجال من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوحى إليه، فسمع صوت عمر فخرج ليس عليه رداء حتى أخذ بمجمع رداء عمر وقميصه وقال له: أما والله ما أراك تنتهي يا عمر حتى ينزل الله جل وعز بك من الزجر ما أنزله بالوليد بن المغيرة. ثم قال: اللهم اهد عمر. فضحك عمر وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك محمد عبده ورسوله فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من وراء الدار والمسلمون يومئذ بضعة وأربعون رجلاً وإحدى عشرة امرأة، ثم قال عمر: يا رسول الله نحن بالإسلام أحق أن نبادى منا بالكفر فليظهرن دين الله عز وجل بمكة. فخرج عمر وجلس في المسجد وصلى علانية وأظهر الإسلام، فلم يزل الدين عزيزاً منذ أسلم عمر، رضي الله عنه.
(1/33)

وأما إسلام عثمان فإنه روي أن عثمان بن عفان، رحمه الله، قال: دخلت على جدتي بنت عبد المطلب أعودها فإني لعندها إذ جاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعودها فجعلت أنظر إليه وقد نشر من شأنه حينئذ شيئاً، فأقبل علي فقال: ما شأنك يا عثمان؟ فجعل لي إلى الكلام سبيلاً، فقلت: أعجب منك ومن مكانك فينا وفي قومك وما يقال عليك، فقال: لا إله إلا الله، فالله يعلم أني اقشعررت. ثم قال: " وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون "، فقام فقمت في أثره، عليه السلام، فأسلمت.
مساوئ من ارتد عن الإسلام
منهم جبلة بن الأيهم الغساني، لما افتتحت الشام ونظر جبلة إلى هدي المسلمين ووقارهم أحب الدخول في الإسلام فسار نحو المدينة إلى عمر بن الخطاب، رحمه الله، فلما بلغ عمر قدومه قال للمهاجرين: استقبلوه وأظهروا تعظيمه وتبجيله فإنه قريب العهد بالملك. فاستقبله الناس وأظهروا بره، وأقبل جبلة حتى دخل على عمر، رضي الله عنه، فقرب مجلسه وأدناه ووعده من نفسه خيراً، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم حج عمر، رحمه الله، وخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت محرماً وعليه إزاران قد تردى بواحد واتّزر بالآخر إذ وطيء رجل طرف إزاره فانحلّ عنه حتى بدت عورته، فغضب ووثب على الرجل فلطمه، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر، رضي الله عنه، وشهدوا عليه. فقال عمر: أقِدِ الرجل أو استوهبه منه. فقال جبلة: وكذلك هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ولا ملك على سوقة؟ قال عمر: قال الله تعالى، وقوله الحق: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء. فانصرف جبلة، فلما جنّ عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتداً عن الإسلام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب وإلا ضرب عنقه، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض الشام حتى دخل أرض الروم وأتى الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية، فسرّ الملك بقدومه واستخلفه على ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه، فأقام عنده، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان بعث رجلاً من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض أموره، قال تميم: فلما دخلت على قيصر أبلغته الرسالة وجلست عنده فحدثني مليّاً ثم قال: هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل بيت الملك؟ فقلت: ومن هو؟ قال: جبلة بن الأيهم. قلت: إن لي في ذلك أملاً وإني لرجل من قومه، فبعث معي رجلاً حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه وكثرة تصاويره، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة، يتلألأ تلألؤاً وحوله نفر من بطارقة الروم، فسألني من أنا، فانتسبت له، فقال: حياك الله فإننا بنو عم. ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب وأماكنها، فخبرته بجميع ما سألني عنه، فبكى حتى اخضلت لحيتَه الدموعُ ثم أنشأ يقول:
تنصرت بعد الدين من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضررْ
تكنّفني منها لجاجٌ ونخوةٌ ... فبعت بها العين الصحيحة بالعوَرْ
ويا ليت أمي لم تلدني وليتني ... ثويتُ أسيراً في ربيعة أو مضر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ ... ولم أنكر القول الذي قاله عمر
ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشةٍ ... أجالس قومي في العشيات والبكر
أدين لما دانوا به من شريعةٍ ... وقد يجلس العير الضجور على الدبُر
قال: ثم دعا بغدائه فتغدينا، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربطٌ وفي يد الأخرى مزمار فجلستا، ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام فيه مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام مملوء ماء ورد، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرُجين فسقطا في الجام واحتملا المسك بجناحيهما فرشاه علينا، وقال جبلة للمغنيتين: غنيانا، فغنتاه:
لمن الدار أقفرت بمُعان ... بين أعلى اليرموك فالمسربان
ذاك مغنىً لآل جفنة في الده ... ر وحق ٌ تصرف الأزمان
قد أراني هناك حقاً مكيناً ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني
قال: ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته، ثم قال: غنياني، فغنتاه:
(1/34)

لله درُّ عصابةٍ نادمتهم ... يوماً بجلِّقَ في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المِفْضَل
يسقون من هبط البريص عليهم ... بردى يُصفِّقُ بالرحيقِ السلسل
يُغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شُمَّ الأنوفِ من الطراز الأول
ثم قال لي: ما فعل ابن الفريعة؟ يعني حسان بن ثابت. قلت: حيّ إلا أنه كُفّ بصره. فوجد من ذلك وجداً شديداً وبكى وقال لخادم له: انطلق فأتني بأربعمائة دينار، فأتاه بها، فناولنيها وقال: أوصلها إلى حسان. ثم ودّعته وخرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير، فقال:
إن ابن جفنة من بقية معشرٍ ... لم يغذُهم آباؤهم باللُّوم
لم ينسني بالشأم إذ هو ربها ... يوماً ولا متنصراً بالروم
يعطي الجزيل فما يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم
ما جئته إلا وقرّب مجلسي ... ودعا بأفضل زاده المطعوم
محاسن المفاخرة
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر.
وقال يوسف، عليه السلام: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليمٌ.
قيل: وسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجلاً ينشد:
إني امرؤٌ حِميريّ حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال: ذلك ألأم لك وأبعد من الله ورسوله، وقال: صلى الله عليه وسلم: إذا اختلف الناس فالحق مع مضر، وقال:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازمٌ وابن خازم
عطست بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثّريّا قاعداً غير قائم
شعيب بن إبراهيم قال: حدثني سيف بن عمر عن علي بن يزيد عن عبد الله بن الحارث عن المطلب بن ربيعة قال: مر العباس بنفر من قريش وهم يقولون: إنما مثل محمد، صلى الله عليه وسلم، في أهله كمثل نخلة نبتت في كِباً، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوجد منه وخرج حتى قام فيهم خطيباً فقال: أيها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله.
قال: فأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله عز وجل خلق خلقه فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذين أنا منهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين ثم جعلهم شعوباً فجعلني من خيرهم شعباً ثم جعلهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم والداً، وإني مباه، قم يا عباس، فقام عن يمينه، ثم قال: قم يا سعد، فقام عن يساره، ثم قال: يقرّب امرؤ من الناس عمّاً مثل هذا أو خالاً مثل هذا.
حدثنا سنان بن الحسن التستري قال: حدثنا إسماعيل بن مهران اليشكري قال: حدثنا أحمد بن محمد عن أبان بن عثمان عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: لما أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه ومعه أبو بكر، وكان أبو بكر عالماً بأنساب العرب، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار والسكينة، فتقدم أبو بكر وسلّم عليهم فردّوا عليه السلام، فقال: ممّن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. فقال: أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هاماتها؟ قالوا: ذُهْل. قال: أذُهل الأكبر أم ذهل الأصغر؟ قالوا: بل ذهل الأكبر. قال: أمنكم عوف الذي كان يقول لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم جسّاس بن مرّة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهل الأكبر إذاً أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام أعرابي حسن بَقَل وجهه فأخذ بزمام ناقته ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ناقته يسمع مخاطبته، فقال:
لنا على من سالنا أن نسأله ... والعِبءُ لن نعرفه أو تحمله
(1/35)

يا هذا إنك سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئاً فأخبرنا ممّن أنت؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: من قريش. قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة، فأخبرني من أي قريش أنت؟ قال: من تميم بن مرّة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمّع القبائل من فهر فكان يقال له مجمّع؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه قمراً يضيء ليلة الظلمة الداجية مطعم طير السماء؟ قال: لا. قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أما والله لو شئت لأخبرتك أنك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام ناقته منه كهيئة المغضب، فقال الأعرابي:
صادف دَرَّ السيل درٌ يدفعه ... في هضبةٍ ترفعه وتضعه
فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال علي: فقلت: يا أبا بكر إنك لقد وقعت من هذا الأعرابي على باقعة! فقال: أجل يا أبا الحسن ما من طامّة إلا فوقها طامّة وإن البلاء موكّل بالمنطق.
محاسن كلام الحسن بن علي
رضي الله عنه
قيل: وأتى الحسن بن علي، رضي الله عنهما، معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل، فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان ابن الحكم وزياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم وحديثهم ومجدهم، فقال معاوية: أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن العباس لقصّرا من أعنّتكما ما طال. فقال زياد: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين، ما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ولا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غدٍ حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما تقول؟ قال هذا: فابعث إليهما في غدٍ، فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد، فأتياه ودخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أُجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فإنك ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة. فتشكّرا له، فلما استويا في مجلسهما وعلم عمرو أن الحدّة ستقع به قال: والله لا بدّ أن أقول فإن قَهرتُ فسبيل ذلك وإن قُهرتُ أكون قد ابتدأت. فقال: يا حسن إنا تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء وأمضى في الوغى وأوفى عهداً وأكرم خيماً وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب. ثم تكلم مروان فقال: وكيف لا تكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم، وحاربناكم فملكناكم، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في مظانّه، نحن أهل الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديماً وحديثاً. فتكلم الحسن، رضي الله عنه، فقال: ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصوّر الباطل بصورة الحق. يا عمرو أفتخاراً بالكذب وجراءة على الإفك! ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرة وأمسك عنها أخرى فتأبى إلا انهماكاً في الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن النبوة ومهبط العلم وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث واعتركت المنيّة وقامت رحاؤها على قطبها وفرّت عن نابها وطار شرار الحرب فقتلنا رجالكم ومنّ النبيّ، صلى الله عليه وسلم، على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب! ثم قال: وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار في قريش وأنت طليق وأبوك طريد يتقلّب من خزاية إلى سوءة ولقد جيء بك إلى أمير المؤمنين، فلما رأيت الضّرغام قد دميت براثنه واشتبكت أنيابه كنت كما قال:
ليثٌ إذا سمع الليوث زئيرهُ ... بصبصنَ ثم قذفن بالأبعار
ويروى رمين بالأبعار.
(1/36)

فلما منّ عليك بالعفو وأرخى خناقك بعدما ضاق عليك وغصِصت برِيقكَ لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا ونحن ممّن لا يدركنا عار ولا يلحقنا خزاية! ثم التفت إلى زياد فقال: وما أنت يا زياد وقريشاً لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً ولا قديماً ثابتاً ولا منبتاً كريماً بل كانت أمّك بغيّاً تداولها رجال قريش وفجّار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والداً فادّعاك هذا، يعني معاوية، بعد ممات أبيه، ما لك افتخار تكفيك سُميّة ويكفينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه وعمي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة! ثم التفت إلى ابن عباس فقال: يا ابن العم إنما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل. فأراد ابن عباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن يكف فكفّ ثم خرجا، فقال معاوية: أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته دحضت وتكلم مروان لولا أنه نكص. ثم التفت إلى زياد وقال: ما دعاك إلى محاورته؟ ما كنت إلا كالحجل في كف البازي، فقال عمرو: ألاّ رميت من ورائنا؟ قال معاوية: إذاً كنت شريككم في الجهل، أفاخر رجلاً رسول الله جده وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين؟ ثم قال لعمرو: والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السَّوآء. فقال عمرو: لقد أبقى عليك ولكنه طحن مروان طحن الرحى بثفالها ووطئها وطء البازل القُراد بمنسِمه. فقال زياد: قد والله فعل ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما. فخلا ابن عباس بالحسن فقبّل بين عينيه وقال: أفديك يا ابن عم، والله ما زال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا. ثم إن الحسن، رضي الله عنه، غاب أياماً ثم رجع حتى دخل على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعباً نصباً فأتِ المنزل فأرح نفسك فيه. فقام الحسن، فلما خرج قال معاوية لعبد الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواري رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر. فقال ابن الزبير: أنا له! فرجع وهو يطلب ليلته الحجج، فلما أصبح دخل على معاوية، وجاء الحسن فحيّاه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض. فلما استوى في مجلسه قال ابن الزبير: لولا أنك خوّار في الحرب غير مقدام ما سلّمتَ لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب وقطع المفاوز تطلب معروفه وتقوم ببابه، وكنت حريّاً أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، فما أدري ما الذي حملك على ذلك، أضعف رأيٍ أم وهن نحيزة، فما أظن لك مخرجاً من هاتين الخلتين، أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير وأني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون كذلك وجدّتي صفية بنت عبد المطلب وأبي الزبير حواريّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس بأساً وأكرمهم حسباً في الجاهلية وأطوعهم لرسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فالتفت إليه الحسن وقال: أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاوناً، واكن سأبين ذلك لك لتعلم أني لست بالعيّ ولا الكليل اللسان، إياي تعيّر وعليّ تفتخر ولم يكن لجدك بيت في الجاهلية ولا مكرمة فزوّجتْه جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها وشرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها ومن الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زنداً، لنا الشرف الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلّمت الأمر لمعاوية، فكيف يكون ذلك ويحك كذلك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتْني فاطمة سيدة نساء العالمين وخير الإماء؟ لم أفعل ذلك ويحك جُنباً ولا ضُعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني بِبرّة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر، وكيف لا يكون كما أقول وقد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع حشية من حشايا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليضلّ بها الناس، فلما دلف نحو الأعنّة ورأى بريق الأسنّة قُتل مَضيعةً لا نَاصر له وأُتي بك أسيراً قد وطئتك الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك وأقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث؟ فنحن
(1/37)

ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، رضي الله عنه، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها. ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا تفخر الأمة وإلينا تُلقى مقاليد الأزمّة، أنصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر على بني الأنبياء؟ لم تزل الأقاويل منّا مقبولةً وعليك وعلى أبيك مردودةً، دخل الناس في دين جدّي طائعين وكارهين ثم بايعوا أمير المؤمنين، رضي الله عنه، فسار إلى أبيك وطلحة حين نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقتل أبوك وطلحة وأُتي بك أسيراً، فبصبصت بذنبك وناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وسيد أبيك، فذق وبال أمرك! فقال ابن الزبير: اعذر يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا وأحب الإغراء بيننا فهلاّ إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيّتكم الحلم والعفو! فقال الحسن: يا معاوية انظر هل أكيع عن محاورة أحد، ويحك أتدري من أي شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انتَه قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق والبلدان، فقال ابن الزبير: هو لذلك أهل. فقال معاوية: أما إنه قد شفى بلابل صدري منك ورمى مقتلك فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها.
وذكروا أن الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلاً:
فيم الكلام وقد سبقت مبرِّزاً ... سبق الجواد من المدى والمقيس
فقال معاوية: إياي تعني؟ أما والله لأنبئنّك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك، أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جوداً وأكرمها جدوداً وأوفاها عهوداً، أنا ابن من ساد قريشاً ناشئاً وكهلاً. فقال الحسن، رضي الله عنه: أجل إياك أعني، أفعليّ تفتخر يا معاوية؟ أنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا بالحسب الثابت والشرف الفائق والقديم السابق، أنا ابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه سخط الرحمن، فهل لك أبٌ كأبي وقديم كقديمي؟ فإن قلت لا تُغلب وإن قلت نعم تكذب. فقال معاوية: أقول لا تصديقاً لقولك. فقال الحسن:
الحقّ أبلج ما تخون سبيله ... والصدق يعرفه ذوو الألباب
تخون أي ما تخون من سلكها، قال: وقال معاوية ذات يوم وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم: أخبروني بخير الناس أباً وأماً وعماً وعمة وخالاً وخالة وجداً وجدة. فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال: ها هوذا أبوه علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم، وأمه فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمه جعفر الطيار في الجنان، وعمته أم هانيء بنت أبي طالب، صلى الله عليه وسلم، وخاله القاسم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخالته بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب، وجده رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجدته خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها. فسكت القوم ونهض الحسن، فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال: أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل؟ فقال ابن العجلان: ما قلت إلا حقاً وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلا لم يعط أمنيته في دنياه وختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم عوداً وأوراهم زنداً، كذلك يا معاوية. قال: اللهم نعم.
(1/38)

قيل: واستأذن الحسن بن علي، رضي الله عنه، على معاوية وعنده عبد الله ابن جعفر وعمرو بن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: قد جاءكم الأفَهّ العييّ الذي كان بين لحييه عبلة. فقال عبد الله بن جعفر: مه فوالله لقد رمت صخرة ململمة تنحطّ عنها السيول وتقصر دونها الوعول ولا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعاً في لحم رجل من قريش ولقد رميت فما برح سهمك وقدحت فما أورى زندك. فسمع الحسن الكلام، فلما أخذ الناس مجالسهم قال: يا معاوية لا يزال عندك عبدٌ راتعاً في لحوم الناس، أما والله لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور وتحرّج منه الصدور، ثم أنشأ يقول:
أتأمر يا معاويَ عبد سهمٍ ... بشتمي والملا منا شهود
إذا أخذت مجالسها قريشٌ ... فقد علمت قريشٌ ما تريد
قصدت إليّ تشتمني سفاهاً ... لضغنٍ ما يزول وما يبيد
فما لك من أبٍ كأبي تسامي ... به من قد تسامي أو تكيد
ولا جدٌّ كجدي يا ابن هندٍ ... رسول الله إن ذكر الجدود
ولا أمٌ كأمي من قريشٍ ... إذا ما يحصل الحسب التليد
فما مثلي تُهُكِّم يا ابن هندٍ ... ولا مثلي تجاريه العبيد
فمهلاً لا تهج منا أموراً ... يشيب لها معاوية الوليد
وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم: ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر فلعله يحصر فيكون ذلك مما نعيّره به، فبعث إليه معاوية فأصعد المنبر وقد جمع له الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس من عرفني فأنا الذي يُعرف ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب بن عم النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أنا ابن البشير النذير السراج المنير، أنا ابن من بعث رحمةً للعالمين وسخطاً على الكافرين، أنا ابن من بعث إلى الجن والإنس، أنا ابن المستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر. فافتنّ في هذا الكلام ولم يزل حتى أظلمت الدنيا على معاوية، فقال: يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بسيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعمل بطاعة الله، وليس الخليفة من دان بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أباً وأماً، ولكن ذاك ملك أصاب مُلكاً يُمتَّع به قليلاً وكان قد انقطع عنه واستعجل لذّته وبقيت عليه تبعته فكان كما قال الله جل وعز: وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين، ثم انصرف، فقال معاوية لعمرو: والله ما أردت إلا هتكي! ما كان أهل الشام يرون أن أحداً مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا.
(1/39)

قيل: وقدم الحسن بن علي، رضوان الله عليه، على معاوية، فلما دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية أقعده على سريره وأقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه، فلما نظر مروان إلى ذلك حسده وكان معاوية قال لهم: لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلدّاكم العار وفضحاكم عند أهل الشام، يعني الحسن بن علي، رضي الله عنهما، وعبد الله بن العباس، رضي الله عنهما، فقال مروان: يا حسن لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعلاء ما أقعدك هذا المقعد ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير، فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة واحتجرت بالبيعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى، فنظر إليه الحسن فقال: ويحك يا مروان لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن، هَبِلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ ولنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة وتدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين، تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صُبّر في الحروب أُسد عند اللقاء، ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة والحماة الذادة والكرام القادة بنو عبد المطلب، أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضاربة الباسلة الحنقة، فعندها ولّيت هارباً وأُخذت أسيراً فقلّدت قومك العار لأنك في الحروب خوّار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيدٍ أو ناضلت عنه بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل ومنعتك منه ثم تحثّ معاوية على قتلي، ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان، أنت معه أقصر يداً وأضيق باعاً وأجبن قلباً من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أني ابتُليت بحلم معاوية، أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما ولّيناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضينّ جفنه على القذى معك، فوالله لأثخننّ أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام، فنحن ممّن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر وفروعنا السادة الأخيار، انطق إن كنت صادقاً. فقال عمرو: ينطق بالخنى وتنطق بالصدق. ثم أنشأ يقول:
قد يضرط العير والمكواة تأخذه ... لا يضرط العير والمكواة في النار
ذق وبال أمرك يا مروان. وأقبل عليه معاوية فقال: قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك، اربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ولا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد وهو ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكريم، ولكن رُبّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته. فقال مروان: ارم من دون بيضتك وقم بحجة عشيرتك. ثم قال لعمرو: طعنك أبوه فوفيت نفسك بخصييك فلذلك تحذّره. وقام مغضباً. فقال معاوية: لا تُجار البحور فتغمرك ولا الجبال فتبهرك واسترح من الاعتذار.
(1/40)

قيل: ولقي عمرو بن العاص الحسن بن علي، رحمه الله، في الطواف فقال: يا حسن أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك؟ فقد رأيت الله جل وعز أقامه بمعاوية فجعله راسياً بعد ميله وبيّناً بعد خفائه. أفرضي الله قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغِرْقىء البيض وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألمّ للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك. فقال الحسن، عليه السلام: إن لأهل النار علامات يُعرفون بها وهي الإلحاد لأولياء الله والموالاة لأعداء الله. والله إنك لتعلم أن علياً، رضي الله عنه، لم يتريّب في الأمر ولم يشكّ في الله طرفة عينٍ. وايم الله لتنتهينّ يا ابن أم عمرو أو لأقرعنّ جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت! فإياك والإبراز عليّ فإني من قد عرفت لست بضعيف الغمزة ولا بهشّ المشاشة ولا بمريء المأكلة، وإني من قريش كأوسط القلادة، يُعرف حسبي ولا أدّعي لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك ألأمهم نسباً وأظهرهم لعنة، فإياك عني فإنك رجس، وإنما نحن بيت الطهارة، أذهب الله عنّا الرجس وطهرنا تطهيراً.
قيل: واجتمع الحسن بن علي وعمرو بن العاص فقال الحسن: قد علمت قريش بأسرها أني منها في عزّ أرومتها لم أُطبع على ضعف ولم أُعكس على خسف، أُعرف بشبهي وأدّعي لأبي. فقال عمرو: قد علمت قريش أنك من أقلها عقلاً وأكثرها جهلاً، وأنّ فيك خصالاً لو لم يكن فيك إلا واحدة منهنّ لشملك خزيها كما اشتمل البياض الحالك، لعمر الله لتنتهينّ عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط أرميك من خللها بأحرّ من وقع الأثافي أعرك منها أديمك عرك السلعة، فإنك طالما ركبت صعب المنحدر ونزلت في عراض الوعر التماساً للفرقة وإرصاداً للفتنة ولن يزيدك الله فيها إلا فظاعة. فقال الحسن، عليه السلام: أما والله لو كنت تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكت فجّ قصدٍ ولا حللت رابية مجدٍ. وايم الله لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدو الكاشح، فإنه طالما طويت على هذا كشحك وأخفيته في صدرك وطمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يورق بها غصنك ولا يخضرّ لها مرعاك. أما والله ليوشكنّ يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش قويّ متمنّع فروسٍ ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحب لا ينجيك منه الرّوَغان إذا التقت حلقتا البطان.
محاسن كلام عبد الله بن العباس
رضي الله عنه
أبو المنذر عن أبيه عن الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي، رضي الله عنه، إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده بين عضدي ابن الزبير وقال: أصبحت والله كما قال الأول:
يا لك من حمَّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري ... قد رُفع الفخُّ فماذا تحذري
خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير وقال: والله إنك لترى أنك أحق بهذا الأمر من غيرك. فقال ابن عباس: إنما يرى من كان في حال شكّ وأنا من ذاك على يقين. فقال: وبأي شيء تحقّق عندك أنك أحقّ بهذا الأمر مني؟ قال ابن عباس: لأنا أحقّ ممّن يدلّ بحقّه، وبأي شيء تحقق عندك أنك أحق بها من سائر العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: تحقق عندي أني أحقّ بها منكم لشرفي عليكم قديماً وحديثاً. فقال: أنت أشرف أم من قد شرفت به؟ فقال: إن من شرفت به زادني شرفاً إلى شرف قد كان لي قديماً وحديثاً. قال: أفمنّي الزيادة أم منك؟ قال: بل منك. فتبسم ابن عباس، فقال: يا ابن عباس دعني من لسانك هذا الذي تقلّبه كيف شئت، والله لا تحبّوننا يا بني هاشم أبداً. قال ابن عباس: صدقت، نحن أهل بيت مع الله عز وجل لا نحب من أبغضه الله تعالى. فقال: يا ابن عباس ما ينبغي لك أن تصفح عن كلمة واحدة؟ قال: إنما أصفح عمّن أقرّ وأما عمّن هرّ فلا، والفضل لأهل الفضل. قال ابن الزبير: فأين الفضل؟ قال: عندنا أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم ولا تضعه في غير أهله فتندم. قال ابن الزبير: أفلست من أهله؟ قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدد. وانقضى حديثهما، وقام القوم فتفرقوا.
(1/41)

وروي عن ابن عباس أنه قال: قدمت على معاوية وقد قعد على سريره وجمع أصحابه ووفود العرب عنده، فدخلت فسلّمت وقعدت، فقال: من الناس يا ابن عباس؟ فقلت: نحن. قال: فإذا غبتم؟ قلت: فلا أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ قلت: نعم، فبمن قعدت؟ قال: بمن كان مثل حرب بن أمية. قلت: من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه. قال فغضب وقال: وارِ شخصك مني شهراً فقد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك. فلما خرج ابن عباس قال لخاصته: ألا تسألوني ما الذي أغضب معاوية؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق مع قوم إلا لم يتقدمه أحد حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي، فقال حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة. فبقي التميمي دهراً ثم أراد دخول مكة فقال: من يجيرني من حرب بن أمية؟ فقالوا: عبد المطلب. قال: عبد المطلب أجلّ قدراً من أن يجير على حرب، فأتى ليلاً دار الزبير بن عبد المطلب فدقّ عليه، فقال الزبير للغيداق: قد جاءنا رجل إمّا طالب حاجة وإما طالب قرىً وإما مستجير وقد أعطيناه ما أراد قال: فخرج إليه الزبير، فقال التميمي:
لاقيت حرباً في الثنيّة مقبلاً ... والصبح أبلج ضوءه للساري
فدعاً بصوتٍ واكتنى ليروعني ... ودعا بدعوته يريد فخاري
فتركته كالكلب ينبح وحده ... وأتيت أهل معالمٍ وفخار
ليثاً هزبراً يُستجار بقربه ... رحب المباءة مكرماً للجار
ولقد حلفت بزمزمٍ وبمكةٍ ... والبيت ذي الأحجار والأستار
إن الزبير لمانعي من خوفه ... ما كبّر الحجاج في الأمصار
فقال: تقدّم فإنا لا نتقدّم من نُجيره. فتقدم التميمي فدخل المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فعدا حتى دخل دار عبد المطلب فقال: أجرني من الزبير، فأكفأ عليه جفنةً كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي هناك ساعة ثم قال له: اخرج. فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان خضراوان، فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه.
قال: وحضر مجلس معاوية عبد الله بن عباس وابن العاص، فأقبل عبد الله بن جعفر فلما نظر إليه ابن العاص قال: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني والطربات بالتغني، محبّ للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدوفٌ عن السنان، ظاهر الطيش، لين العيش، أخّاذ بالسلف، منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، ماجد لهميمٌ، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هيّاب، ولا فحاش عيّاب، حلّ من قريش في كريم النصاب، كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس يدّعي لدعيّ، ولا يدني لدنيّ، كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزّارها، فأصبح ألأمها حسباً وأدناها منصباً، ينوء منها بالذليل ويأوي منها إلى القليل، يتذبذب بين الحيين كالساقط بين الفراشين، لا المضطر إليهم عرفوه ولا الظاعن عنهم فقدوه، وليت شعري بأي قدم تتعرض للرجال وبأي حسب تبارز عند النضال، أبنفسك فأنت الوغد الزنيم أم بمن تنتمي إليه، فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الإسلام ذكروا، غير أنك تتكلم بغير لسانك، وتنطق بغير أزكانك، والله لكان أبين للفضل وأطهر للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضرّ بها رعيك ولم يورق بها غصنك. قال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ولي فاوضت.
قال ابن عباس: دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خالياً إذ لا يجد مرامياً، وقد أُتيح له ضيغم شرس، وللأقران مفترس، وللأرواح مختلس. فقال عمرو بن العاص: دعني يا أمير المؤمنين انتصف منه فوالله ما ترك شيئاً. قال ابن عباس: دعه فلا يُبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، فإني كما قال نابغة بني ذبيان:
وقبلك ما قُذعتُ وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني
(1/42)

يصدّ الشاعر العرّاف عني ... صدود البكر عن قرمٍ هجان
محاسن كلام غانمة بنت غانم
في شرف بني هاشم وفخرهم
قيل: ولما بلغ غانمة بنت غانم سبّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم قالت لأهل مكة: أيها الناس إن قريشاً لم تلد من رَقم ولا رُقم، سادت وجادت، وملّكت فملكت، وفُضّلت ففضلت، واصطُفيَت فاصطفت، ليس فيها كدر عيب ولا أفن ريب، ولا حشروا طاغين ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين، إن بني هاشم أطول الناس باعاً وأمجد الناس أصلاً وأحلم الناس حلماً وأكثر الناس عطاء، منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر:
كانت قريشٌ بيضةً فتفلّقت ... فالمخ خالصها لعبد مناف
وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر:
هشم الثريد لقومه وأجارهم ... ورجال مكة مسنتون عجاف
ثم منا عبد المطلب الذي سُقينا به الغيث، وفيه يقال الشاعر:
ونحن سنيَّ المحْل قام شفيعنا ... بمكة يدعو والمياه تغور
وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر:
آتيته ملكاً فقام بحاجتي ... وترى العليّج خائباً مذموما
ومنا العباس بن عبد المطلب أردفه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر:
رديف رسول الله لم أر مثله ... ولا مثله حتى القيامة يوجد
ومنا حمزة سيد الشهداء، وفيه يقول الشاعر:
أبا يعلى لك الأركان هدّت ... وأنت الماجد البرُّ الوصول
ومنا جعفر ذو الجناحين أحسن الناس حسناً وأكملهم كمالاً، ليس بغدّارٍ ولا ختار، بدّله الله جل وعز له بكل يد له جناحاً يطير به في الجنة، وفيه يقول الشاعر:
هاتوا كجعفرنا الطيار أو كعليّنا ... أليسا أعزَّ الناس عند الخلائق
ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن فضائله ما قصُر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:
وهذا عليٌّ سيد الناس فاتقوا ... علياً بإسلام تقدم من قبل
ومنا الحسن بن علي، رضي الله عنه، سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر:
ومن يك جده حقاً نبياً ... فإن له الفضيلة في الأنام
ومنا الحسين بن علي، رضوان الله عليه، حمله جبريل، عليه السلام، على عاتقه وكفى بذلك فخراً، وفيه يقول الشاعر:
نفى عنه عيب الآدمييّن ربه ... ومن مجده مجد الحسين المطهَّر
(1/43)

ثم قالت: يا معشر قريش والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانيء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظّفت وألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد، فتمعّر لون يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسنّ قريش وأعظمهم. فلما قال يزيد: كم تعدّ لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعدّ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعمائة عام وهي من بقية الكرام. فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم وأنت أهل السب وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو، إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيباً عيبا. ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً، وأما أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشد ومفسداً غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير ولا ربيت في خير فما لك ولبني هاشم، أنساء بني أمية كنسائهم أم أعطى أمية ما أعطى هاشم في الجاهلية والإسلام؟ وكفى فخراً برسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال معاوية: أيتها الكبيرة أنا كافٌّ عن بني هاشم. قالت: فإني أكتب عليك عهداً، كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات فأجعل تلك الدعوات كلها فيك. فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبّ بني هاشم أبداً. فهذا آخر ما كان بين معاوية وبني هاشم من المفاخرة، والله أعلم.
محاسن مجالس أبي العباس السفاح في المفاخرة
(1/44)

قيل: كان أبو العباس يطيل السهر ويعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال، فسهر ذات ليلة وعنده أناس من مضر وفهر وفيهم خالد بن صفوان بن الأهتم التميميّ وناس من اليمن فيهم إبراهيم بن مخرمة الكندي، فقال أبو العباس: هاتوا واقطعوا ليلتنا بمحادثتكم. فبدأ إبراهيم بن مخرمة وقال: يا أمير المؤمنين إن إخوالكم هم الناس وهم العرب الأول الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم اليد العليا، ما زالوا ملوكاً وأرباباً، توارثوا الرئاسة كابراً عن كابر وآخراً عن أول، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، يعرفون بيت المجد ومآثر الحمد، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم مكلّم الذئب، ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً ويحوي في كل نائبة نهباً، ومنهم أصحاب التيجان وكماة الفرسان، ليس من شيء وإن عظم خطره وعرف أثره من فرس رائع وسيف قاطع أو مجنٍّ واق أو درع حصين أو درّة مكنونة إلا وهم أربابها وأصحابها، إن حلّ ضيف أقروه، وإن سألهم سائل أعطوه، لا يبلغهم مكاثر ولا يطاولهم مطاول ولا مفاخر، فمن مثلهم يا أمير المؤمنين؟ البيت يمانٍ والحجر يمان والركن يمان والسيف يمان. فقال أبو العباس: ما أرى مضر تقول بقولك هذا وما أظن خالداً يرضى بذلك. فقال خالد: إن أذن أمير المؤمنين وأمنت المواخذة تكلمت. فقال أبو العباس: تكلم ولا ترهب أحداً. فقال خالد: يا أمير المؤمنين خاب المتكلم وأخطأ المتقحّم إذ قال بغير علم ونطق بغير صواب، أوَيفخر على مضر ومنها النبي، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من أهل بيته؟ وهل أهل اليمن يا أمير المؤمنين إلا دابغ جلداً وقائد قرداً وحائك برداً؟ دل عليهم الهدهد وغرّقهم الجرذ وملكتهم أم ولد من قوم، والله يا أمير المؤمنين ما لهم ألسنة فصيحة ولا لغة صحيحة ولا حجة تدل على كتاب ولا يعرف بها صواب، وإنهم منّا لإحدى الخلتين إن حازوا ما قصدوا أُكلوا وإن حادوا عن حكمنا قُتلوا. ثم التفت إلى الكندي فقال: أتفخر بأكرم الأنام وخيرها محمد، صلى الله عليه وسلم، وبه افتخر من ذكرت، فالمنّ من الله عز وجل عليكم إن كنتم أتباعه وأشياعه فمنا نبي الله المصطفى وخليفة الله المرتضى ولنا السودد والعلى وفينا الحلم والحِجَا ولنا الشرف المقدم والركن المكرم والبيت المعظم والجناب الأخضر والعدد الأكثر والعز الأكبر، ولنا البيت المعمور والمشعر المشهور والسقف المرفوع وزمزم وبطحاؤها وجبالها وصحراؤها وحياضها وغياضها وأحجارها وأعلامها ومنابرها وسقايتها وحجابتها وسدانة بيتها، فهل يعدلنا عادل ويبلغ فخرنا قائل، ومنا أعلم الناس ابن عباس أعلم البشر الطيبة أخباره الحسنة آثاره، ومنا الوصي وذو النور، ومنا الصدّيق والفاروق، ومنا أسد الله وسيف الله، ومنا سيد الشهداء وذو الجناحين، ومنا الكماة والفرسان، ومنا الفقهاء والعلماء، بنا عُرف الدين ومن عندنا أتاكم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه ومن فاخرنا فاخرناه ومن بدّل سنّتنا قتلناه. ثم التفت إلى الكندي وقال: كيف علمك بلغات قومك؟ قال: أنا بها عالم. قال: ما الجحمة في لغتكم؟ قال: العين. قال: فما الميزم؟ قال: السّنّ. قال: فالشناتر؟ قال: الإصبع. قال: فالصنانير؟ قال: الآذان. قال: فما القلوب؟ قال: الذئب. قال: فما الزُّبّ؟ قال: اللحية. قال: أفتقرأ كتاب الله عز وجل؟ قال: نعم. قال: فإن الله عز وجل يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً "، وقال: بلسان عربي مبين، وقال جل ذكره: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "، وقال عز وجل: " العين بالعين "، ولم يقل الجحمة بالجحمة، وقال: " جعلوا أصابعهم في آذانهم "، ولم يقل شناترهم في صنانيرهم، وقال: السن بالسن، ولم يقل الميزم بالميزم، وقال: فأكله الذئب، ولم يقل القلوب، وقال: لا تأخذ بلحيتي، ولم يقل بزبي، وأنا سائلك يا ابن مخرمة عن ثلاث خصال فإن أنت أقررت بها قُهرت وإن جحدتها كفرت وإن أنكرت قتلت. قال: وما هي؟ قال: أتعلم أن فينا نبي الله المصطفى، صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم نعم. قال: أتعلم أن فينا كتاب الله تعالى؟ قال: اللهم نعم. قال: أفتعلم أن فينا خليفة الله المرتضى؟ قال: اللهم نعم. قال: فأي شيء يعدل هذه الخصال؟ قال أبو العباس: اكفف عنه فوالله ما رأيت غلبة أنكر منها، والله ما فرغت من كلامك يا أخا مضر حتى إنه سيُعرج
(1/45)

بسريري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم. ري إلى السماء. ثم أمر لخالد بمائة ألف درهم.
وعن أبي بكر الهذلي قال: اجتمعنا عند أبي العباس أهل البصرة وأهل الكوفة ولم يكن من أهل البصرة غيري وكان من أهل الكوفة الحجاج بن أرطاة والحسن بن زيد وابن أبي ليلى فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة فقال ابن أبي ليلى: نحن والله يا أمير المؤمنين....... وكيف يكون لنا ذلك ولنا السند والهند وكرمان ومكران والفُرَض والعَرض والديار وسعة الأنهار؟ فقال ابن أبي ليلى: نحن أعلم منهم علماً وأكثر منهم فهماً، يقرّ بذلك أهل البصرة لأهل الكوفة. قلت: هم أكثر أنبياء وأقل أتقياء وأعظم كبرياء، منهم المغيرة الخبيث السريرة وبيان وأبو بيان، وتنسب فيهم الأنبياء والله ما أتانا إلا نبي واحد.
قال الحسن بن زيد: أنتم أصحاب عليّ يوم سرنا إليه لنقتله فكف الله أيدينا عنه وسار إلى الكوفة فقتلوه فأينا أعظم ذنباً؟ فقال الحجاج: والله يا أمير المؤمنين لقد بلغني أن أهل البصرة كانوا يومئذ عشرين ألفاً وكان أهل الكوفة خمسة آلاف، فلما التقت حلقتا البطان وأخذت الرجال أقرانها شدّت خيلهم في صعيد واحد. فقلت: وكيف يكون ذلك وخرجت ربيعة سامعة مطيعة تعين علياً وخرج الأحنف بن قيس في سعد والرِّباب وهم السنام الأعظم والجمهور الأكبر يعين علياً؟ ولكن سل هؤلاء يا أمير المؤمنين كم كانت عدتهم يا أمير المؤمنين يوم استغاثوا بنا، فلما التقينا كانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. فقال ابن أبي ليلى: والله يا أمير المؤمنين إنا لأشرف منهم أشرافاً وأكثر منهم أسلافاً. قلت: معاذ الله يا أمير المؤمنين! هل كان في تميم الكوفة مثل الأحنف ابن قيس في تميم البصرة الذي فيه يقول الشاعر:
إذا الأبصار أبصرت ابن قيسٍ ... ظللن مهابةً منه خشوعا
وهل كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
كل عامٍ يحوي قتيبة نهباً ... ويزيد الأموال مالاً جديدا
دوّخ الصغد بالقبائل حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا
باهليٌ تعصّب التاج حتى ... شبن منه مفارقٌ كنّ سودا
وهل كان في أزد الكوفة مثل مهلب بن أبي صفرة في أزد البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقرّ له فؤادي
ولم أخش الدنية من أناسٍ ... ولو صالوا بقوة قوم عاد
وهل كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
إذا ما خشينا من أميرٍ ظلامةً ... أمرنا أبا غسان يوماً فعسكروا
وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر بن الجارود في عبد قيس البصرة الذي يقول فيه الشاعر:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد بن الجواد المحمود
فضحك أبو العباس حتى ضرب برجله وقال: والله ما رأيت مثل هذه الغلبة قط!
محاسن الافتخار بالنبي
صلى الله عليه وسلم
قيل: كان علي بن عبد الله بن العباس، رضي الله عنه، عند عبد الملك بن مروان إذ فاخره عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية، فبينا هو كذلك إذ نادى المنادي للأذان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال علي لعبد الملك:
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
فقال عبد الملك: الحق في هذا أبين من أن يكابر.
علي بن محمد النديم قال: دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال: يا علي من أشعر الناس في زماننا؟ قلت: البحتريّ. قال: وبعده؟ قلت: ولد مروان بن أبي حفصة خدمك وعبيدك. فالتفت إلى الرضي وقال: يا ابن عم من أشعر زماننا؟ قال: علي بن محمد العلويّ. قال: وما تحفظ من شعره؟ قال قوله:
لقد فاخرتنا من قريشٍ عصابةٌ ... بمطّ خدودٍ وامتداد الأصابع
فلما تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع
يعني المساجد. قال المتوكل: وما معنى نداء الصوامع؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال: وأبيك إنه لأشعر الناس.
محاسن ما قيل في ذلك من الشعر
قال علي بن محمد العلويّ:
(1/46)

عصيت الهوى وهجرت النساء ... وكنت دواءً فأصبحت داء
وما أنْس لا أنْس حتى الممات ... نزيب الظباء تجيب الظباء
دعيني وصبري على نائباتٍ ... فبالصبر نلت الثرى والثواء
وإن يك دهري لوى رأسه ... فقد لقي الدهر مني التواء
ليالي أروي صدور القنا ... وأروي بهن الصدور الظماء
ونحن إذا كان شرب المدام ... شربنا على الصافنات الدماء
بلغنا السماء بأنسابنا ... ولولا السماء لجزنا السماء
فحسبك من سوددٍ أننا ... بحسن البلاء كشفنا البلاء
يطيب الثناء لآبائنا ... وذكر عليٍ يزين الثناء
إذا ذكر الناس كنا ملوكاً ... وكانوا عبيداً وكانوا إماء
هجاني قومٌ ولم أهجهم ... أبى الله لي أن أقول الهجاء
وقال غيره:
وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه
نجوم السماء كلما انقض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
فلا توعدني يا شريح فإنني ... كليث عرينٍ فرّ عنه ثعالبه
يمشي بأوصال الرجال إذا ستا ... قد احمرّ من نضخ الدماء مخالبه
وقال آخر:
حلماء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مقاولٌ لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وأحسن من ذلك كله قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أتاه أعرابي فقال: بأبي أنت وأمي أكرم الناس حسباً! فقال: أحسنهم خلقاً وأفضلهم تقوى، فانصرف الأعرابي. فقال: ردوه، ثم قال: يا أعرابي لعلك أردت نسباً؟ قال: نعم. قال: يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا! ما كان فيها مثلهم أبداً. وقال الشاعر:
ولم أر كالأسباط أبناء والدٍ ... ولا كأبيهم والداً حين ينسب
ودخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتسب ثم قال: أنا ابن الأشياخ الأكارم، فقال، صلى الله عليه وسلم: أنت إذاً يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وقال، صلى الله عليه وسلم: خير البشر آدم، عليه السلام، وخير العرب محمد، صلى الله عليه وسلم، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، رحمهم الله أجمعين.
مساوئ الافتخار
روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تفخروا بآبائكم في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يُدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية.
قيل: وكان الحسن البصري يقول: ابن آدم لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين نطفة مشجت بأقذار؟ وقال بعضهم لرجل يتبختر: يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء عذرة فما هذه المشية؟ قال: وقيل لعامر بن قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والعتاق والجمال والهيئة والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين، فأتقاهم أحسنهم يقيناً وأزكاهم عملاً وأرفعهم درجة أعقلهم، وقيل في ذلك:
يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت آباؤه ومناسبه
وقال بعض الحكماء: لا يكون الشرف بالحسب والنسب، ألا ترى أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر؟ ولو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضلٌ لأن نسبهما واحد ولكن ذلك من قبل الأفعال لأن الشرف إنما هو فيه لا في النسب، وقال الشاعر في ذلك:
أبوك أبي والجدّ لا شك واحدٌ ... ولكننا عودان آسٌ وخروع
(1/47)

وبلغنا عن المدائني أنه قال: ليس السودد بالشرف وإنما ساد الأحنف بن قيس بحلمه وحضين بن المنذر برأيه ومالك بن مسمع بمحبته في العامة وسويد بن منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال.
قيل: وسمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو خليفة صوتاً ولفظاً بالباب فقال لبعض من عنده: اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله. فخرج الرسول فأدخل بلالاً وصهيباً وسلمان، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في عصابة من قريش جلوساً بالباب فقال أبو سفيان: يا معشر قريش أنتم صناديد العرب وأشرافها وفرسانها بالباب ويدخل حبشيّ وفارسيّ وروميّ؟ فقال سهيل: يا أبا سفيان أنفسكم فلوموا ولا تلوموا أمير المؤمنين، دعا القوم فأجابوا ودعيتم فأبيتم وهم يوم القيامة أعظم درجات وأكثر تفضيلاً. فقال أبو سفيان: لا خير في مكان يكون فيه بلال شريفاً.
مساوئ أصحاب الصناعات
قال المأمون وذكر أصحاب الصناعات: السوقة سفل والصناع أنذال والتجار بخلاء والكتاب ملوك على الناس. وقال المأمون: الناس أربعة: ذو سيادة أو صناعة، أو تجارة أو زراعة، فمن لم يكن منهم كان عيالاً عليهم، وذكروا أن أبا طالب كان يعالج العطر والبزّ، وكان أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، بزّازاً، وكان عمر بن الخطاب بزازاً، وكان عبد الرحمن بن عوف بزازاً، وكان سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، يأبر النخل، وكان أخوه عتبة، رحمه الله، نجاراً، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزاراً، وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكان عقبة بن أبي معيط خمّاراً، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطاً، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البُرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاساً، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك بن قيس ومعمر بن عثمان وسيرين أبو محمد بن سيرين كلهم حدادين، وكان المسيب أبو سعيد زياتاً، وكان ميمون بن مهران بزّازا، وكان مالك بن دينار ورّاقاً، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزّازاً، وكان مجمع الزاهد حائكاً.
قيل: واتخذ يزيد بن المهلب بستاناً في داره بخراسان، فلما ولي الأمر قتيبة بن مسلم جعله لإبله، فقال له مرزبان مرو: هذا كان بستاناً وقد اتخذته لإبلك! فقال قتيبة: كان أبي أشتربان وكان أبو يزيد بستانبان فمنهما صار ذلك كذلك.
محاسن النتاج
ذكروا أن جرهم من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم وأن الملأك من الملائكة كان إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل في طبيعته ما في طبيعة بني آدم كما صنع بهاروت وماروت في خبرهما مع الزهرة حتى كان من شأنهما ما كان، فعصى بعض الملائكة ربنا جل ذكره فأهبطه إلى الأرض في صورة رجل فتزوج أم جرهم فولدت منه جرهم، فقال شاعرهم:
لاهمّ إنّ جرهماً عبادكا ... الناس طرفٌ وهم تلادكا
وكان ذو القرنين أمه قيرى آدمية وكان أبوه عيرى من الملائكة. وسمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رجلاً ينادي: يا ذا القرنين! فقال: فرغتم من أسماء الأنبياء فارتقيتم إلى أسماء الملائكة! وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله جل وعز: " وشاركهم في الأموال والأولاد ". ولأن الجنّيات إنما يعرضن لصرعى رجال الإنس على جهة العشق وطلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم، ومن زعم أن الصرع من المرّة فقد رد قول الله عز وجل: إن الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، وقال جل ذكره: " وشاركهم في الأموال والأولاد "، وقال عز وتعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "، وكان عبد الله بن هلال سبط إبليس من قبل أمهاته. وروى أبو زيد النحوي أن سعلاةً أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ورأت ذات يوم برقاً من شق بلاد السعالي فحنّت إلى وطنها وطارت إليهم.
وقد قيل إن الواقواق من نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان.
وقد قيل إن الثعلب يسفد الهرة الوحشية فيخرج من بينهما ولد فيه مشابهة منهما، قال حسان بن ثابت:
أبوك أبوك وأنت ابنه ... وبئس البنيُّ وبئس الأب
وأمك سوداء نوبيةٌ ... كأن أناملها العنظب
(1/48)

يبيت أبوك بها مغدفاً ... كما ساور الهرة الثعلب
وقد يولد من بين الكلاب والثعالب هذه الكلاب السلوقية الماهرة بالصيد.
وقيل: إنه يخرج من بين الذئب والكلبة ولد يسمّى الديسم، قال بشار:
أديسم يا ابن الذئب من نجل زارعٍ ... أتروي هجائي سادراً غير مقصر
وزارع اسم كلب يعرف بزارع.
وزعموا أنه يخرج من بين الذئب والضبع ولد يسمى السمع كالحية لا يعرف العلل ولا يموت إلا بعرض يعرض له وأنه أشدّ عدواً وأسرع من الريح، قال الشاعر:
مسبلٌ في الحيّ أحوى رفلُّ ... فإذا يغزو فسمعٌ أزلُّ
ومن عجائب التركيب فوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت لم يخرج الحوار إلا قصير العنق لا ينال كلأً ولا ماء، وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز والبخت الكريمة، ومتى ضربت فحول العراب في إناث البخت جاءت هذه الإبل القبيحة المنظر.
وقد قيل في الإبل: إن فيها عرقاً من سفاد الجن وإن فيها إبلاً وحشية هي من بقايا إبل وبار، لما أهلكهم الله جل وعز بقيت إبلهم، وإن الجمل منها ربما صار إلى أعطان الإبل فضرب في ناقة فتجيء منه هذه المهرية والغسجدية التي تسمى الذهبية.
وزعموا أن ببلاد الحبشة ذكر الضباع يعرض للناقة من الوحش فيسفدها فتلقح بولد على خلقة الناقة والضبع، فإن كان أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة ويسمى بالفارسية اشتر كاوبلنك، أي خرج من بين الجمل والثور والضبع، وقد جحد الناس أن يكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة الذكر.
وأما النعامة فإنها لا تقع إلا من ذكر النعام وإناثها.
ومن نتاج الطير ما رواه بعضهم أنه رأى طائراً له صوت حسن زعموا أنه من نتاج ما بين القمري والفاختة، وقُنّاص الطير يزعمون أن أجناساً من الطير تلتقي على المياه فتسافد وأنهم لا يزالون يرون أشكالاً لم يروها قط فيقدرون أنها من تلاقيح تلك المختلفة.
مساوئ النتاج
فأما من يخرج من بين بني آدم فإنه إذا تزوج خراساني بهندية خرج من بينهما الذهب الإبريز غير أنه يحتاج أن يحرس ولدهما إذا كان أنثى من زناء الهند وإذا كان ذكراً من لواط رجال خراسان.
ومن خبث النتاج ابن المذكّرة من النساء والمؤنث من الرجال يكون أخبث نتاجاً من البغل وأفسد أعراقاً من السمع وأكثر عيوباً من كل خلق وأن يأخذ بأسوإ خصال أبيه وأردى خصال أمه فتجتمع فيه خصال الدواهي وأعيان المساوئ، وأنه إذا خرج كذلك لم ينجع فيه أدب ولم يطمع في علاجه طبيب، وقد رأينا في دور ثقيف فتى اجتمعت فيه هذه الخصال فما كان في الأرض يوم إلا وهم يتحدثون عنه بشيء يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه، والخلاسي من الناس الذي يخرج من بين الحبشي والبيضاء، والبيسريّ من الناس الذي يخرج من بين البيض والهند ويكون من أحسن الناس وأجملهم.
محاسن الوفاء
قيل في المثل: هو أوفى من فكيهة، وهي امرأة من قيس بن ثعلبة كان من وفائها أن السُّلَيك بن السُّلَكة غزا بكر بن وائل فخرج جماعة من بكر فوجدوا أثر قدمٍ على الماء فقالوا: والله إنّ هذا لأثر قدم ترد الماء، فقعدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار بها، فأدخلته تحت درعها، فانتزعوا خمارها، ونادت إخوتها فجاؤوا عشرة فمنعوهم منها. قال: فكان السليك يقول: كأني أجد خشونة استها على ظهري حين أدخلتني درعها، وقال:
لعمر أبيك والأنباء تنمي ... لنعم الجار أخت بني عوارا
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
فما ظلمت فكيهة حين قامت ... لنصل السيف وانتزعوا الخمارا
وقيل أيضاً: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط أبي هريرة من دوس، وكان من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل أبا أُزيهر رجلاً من الأزد فبلغ ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب ليقتلوه فعدا حتى دخل بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ونادت قومها فمنعوه لها، فلما قام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بالأمر ظنّت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت عرف القصة وقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غازٍ وقد عرفنا منّتك عليه، فأعطاها على أنها بنت سبيل.
(1/49)

ويقال: هو أوفى من السَّموأل بن عادياء، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر الكندي لما أراد الخروج إلى قيصر ملك الروم استودع السموأل دروعاً له، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابناً له ذكروا أنه كان متصيداً، فصاح به: يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه فإن دفعت إليّ الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجّلني، فأجّله. فجمع أهل بيته وشاورهم، فكلّ أشار عليه أن يدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف فقال: ليس إلى دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع! فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه، وكان يهودياً، فانصرف الملك، ووافى السموأل بالدروع الموسم فدفعها إلى ورثة امرىء القيس وقال في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديّ، إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنزٌ رغيبٌ ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناً ... وبئراً كلما شئت استقيت
وقال الأعشى في ذلك:
كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في جحفلٍ كسواد الليل جرار
خيّرَه خطتي خسفٍ، فقال له ... إذبح أسيرك إني مانعٌ جاري
وقيل: هو أوفى من الحارث بن عُباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم يعرفه، فقال: دلني على عدي. فقال: إن أنا دللتك على عدي أتؤمنني؟ قال: نعم، قال: فأنا عدي. فخلاه وقال في ذلك:
لهف نفسي على عديٍّ وقد أس ... قب للموت واحتوته اليدان
ويقال: هو أوفى من عوف بن محلّم، وكان من وفائه أن مروان القرظ غزا بكر بن وائل ففضّوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه، فأتى به أمه فقالت: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ! فقال لها مروان: وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترتجين من فدائه؟ قالت: مائة بعير. قال مروان: ذلك لك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم. قالت: ومن لي بمائة من الإبل! فأخذ عوداً من الأرض فقال: هذا لك بها. فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته، فبعث عمرو بن هند أن يأتيه به، فقال: قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل. فقال عمرو: قد آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. فقال عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع عوف يده بين أيديهما فعفا عنه.
ويقال: إن قُباذ أمر بقتل رجل من الطاعنين على المملكة، فقُتل، فوقف على رأسه رجل من جيرانه وصنائعه فقال: رحمك الله، إن كنت لتكرم الجار وتصبر على أذاه وتؤاسي أهل الخلّة وتقوم بالنائبة والعجب كيف وجد الشيطان فيك مساغاً حتى حملك على عصيان ملكك فخرجت من طاعته المفروضة إلى معصيته وقديماً ما تمكّن ممن هو أشد منك قوة وأثبت عزماً! فأخذ صاحب الشرطة الرجل فحبسه وأنهى كلامه إلى قباذ، فوقّع: يُحسَن إلى هذا الذي شكر إحساناً يُفضل به وتُرفع مَرتبته ويُزاد في عطائه.
(1/50)

قيل: ولما قتل كسرى النعمان بن المنذر كتب إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يبعث إليه بولد النعمان بن المنذر وتركته من المال والإبل والخيل والسلاح، وكان النعمان أودع ذلك هانيء بن مسعود، فبعث إليه إياس يعلمه بما كتب به كسرى، فأبى أن يسلم شيئاً من تركة النعمان، فكتب إياس إلى كسرى يعلمه ذلك، فآلى على نفسه ليستأصلن بكر بن وائل، فكتب إلى إياس يأمره بالمسير إليهم لمحاربتهم فيمن معه من طيء وإياد وغيرهم، وكتب إلى قيس بن مسعود الشيباني المعروف بذي الجدّين، وكان عاملاً على سفَوان، يمنع العرب من دخول أطراف السواد ويأمره أن يسير بمن معه من قومه فيعين إياساً على محاربة بكر بن وائل، ثم عقد كسرى لقائد من قواده يسمى الهامرز في اثني عشر ألف رجل من أبطال أساورته ووجهه إلى إياس لمعاونته، ثم عقد أيضاً لهرمز جرابزين، وكان أعظم مرازبته في مثل ذلك، وأمره أن يقفو أثر الهامرز حتى يوافي إياس بن قبيصة، فسارت الجيوش إلى بكر بن وائل، وكانوا بمكان يسمى ذا قار منه إلى مدينة الرسول خمس مراحل مما يلي طريق البصرة، فأقبلت الجيوش حتى أناخت على بكر فأحدقت بهم، ثم إن عظماء بكر بن وائل اجتمعوا إلى هانيء بن مسعود المزدلف وقالوا: إن هذه الجيوش قد أحدقت بنا من كل ناحية فما ترى؟ قال: أرى أن تجعلوا حصونكم سيوفكم ورماحكم وتوطِّنوا أنفسكم على الموت. فقالوا: نعم والله لنفعلن! ثم إن قيس بن مسعود أقبل في سواد الليل من عسكر إياس حتى أتى هانيء بن مسعود فقال: يا ابن عم إنه قد حلّ بكم من الأمر ما قد ترون ففرّق خيل النعمان وسلاحه في أشدّاء قومك ليقووا بذلك على القتال فهي مأخوذة لا محالة إن قتلوا وإن سلموا أمرتهم فردّوها عليك، وعليك بالجدّ والصبر، وإياك ثم إياك أن تخفر ذمتك في تركة النعمان حتى تُقتل ويقتل معك جميع قومك! قال له هانيء: أوصيت يا ابن عم محافظاً فوصلتك رحم وأرجو أن لا ترى منا تقصيراً ولا فتوراً، فانصرف قيس ذو الجدين من عند هانيء كئيباً حزيناً باكياً خائفاً من هلاك قومه حتى أتى عسكر إياس وكان يريه أنه مجامع له على حرب قومه خوفاً أن يجد عليه كسرى فيقتله، فلما أصبح هانيء بن مسعود دعا بخيل النعمان وسلاحه ففرقه في أبطال قومه وأشدّائهم، فركبوا تلك الخيول، وكانت ستمائة فرس وستمائة درع، واستلأموا تلك الدروع، وكان ذلك في العام الذي هاجر فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، واتفقت بكر بن وائل أن تجعل شعارها باسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، محمدُ يا منصور، وذلك قبل أن يُسلموا، وبذلك الاسم نُصروا وقَهروا عدوهم، وعمد رجل من أشراف بني عجل يقال له حنظلة بن سيّار إلى حزم رحالات النساء فقطعها كلها، أراد بذلك أن يمنع قومه من الهرب إن وقعت الهزيمة، فسمّي بذلك مقطّع الوضين. وإن إياس بن قبيصة أرسل إلى بكر بن وائل يخيّرهم خصلة من ثلاث: إما أن يسلموا تركة النعمان، وإما أن يسيروا ليلاً في البراري فيعتلّ على كسرى أنهم هربوا، فإن أبوا هاتين الخلّتين خرجوا إلى الحرب. فتوامروا بينهم فقالوا: إما أن نسلم خفارتنا فلا يكون ذلك وإن نحن لحقنا بالفلاة أفضينا إلى بلاد تميم فيقطعون علينا ويأخذون ما معنا ويأسروننا وليست لنا حيلة إلا القتال، فاختاروا القتال ووجّهوا خمسمائة فارس من أبطالهم عليهم يزيد بن حارثة اليشكريّ وأمروهم أن يكمنوا للعجم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض وتقدّم الهامرز فوقف بين الصفين ونادى بالفارسية: مردى آمردى. فقال يزيد بن حارثة: ما يقول؟ قال: يدعو إلى البراز رجلاً لرجل. فقال: وأبيكم لقد أنصف! ثم خرج إليه فاختلف بينهما ضربتان فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه فقدّ درعه حتى أفضى السيف إلى منكبه فأبانه فخرّ ميتاً الهامرز أول قتيل بين الصفين، وألقى الله عز وجل الرعب في قلوب العجم فولّوا منهزمين، ولحق حنظلة بن سيّار العجلي بهرمز جرابزين قائد العجم فطعنه طعنة خرّ منها ميتاً، ودفع هانيء بن مسعود فرسه في طلب إياس بن قبيصة حتى لحقه ومعه قيس بن مسعود ذو الجدّين، فأراد هانيء قتل إياس فمنعه قيس وحال بينه وبين قتله، واتّبع العجم خمس مائة فارس من بني شيبان لا يلوون على شيء يقتلون يومهم ذلك من أدركوا منهم حتى جنهم الليل، وبلغت هزيمة الأعاجم كسرى بالمدائن، قال دغفل: فذكر هذا الحديث لرسول الله، صلى الله
(1/51)

عليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، صلى الله عليه وسلم، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظاً شديداً ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء. ليه وسلم، فقال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نُصروا، يعني باسمه، صلى الله عليه وسلم، قال: وسقط في يد كسرى واغتاظ من ذلك غيظاً شديداً ووقعت الولولة والعويل بالمدائن، فندب كسرى الجنود وفرّق فيهم السلاح والمال لمعاودة حرب بكر بن وائل، تم إن بطارقة الروم خرجوا على ملكهم قيصر فقتلوه فاشتغل به عن معاودة حرب بكر بن وائل فكان هانيء بن مسعود المزدلف أحد الأوفياء.
ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من حديثه أن النعمان بن المنذر ركب في يوم بؤسه، وكان له يومان يوم بؤس ويوم سعد، لم يلقه في يوم بؤسه أحدٌ إلا قتله وفي يوم سعده أحدٌ إلا حباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابيّ من طيء فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغاراً لم أوصِ بهم أحداً فإن يأذن لي الملك في إتيانهم وأعطيه عهد الله إني أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده. فرقّ له النعمان فقال: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وشريك بن عمرو بن شرحبيل نديم النعمان معه، فقال الطائي:
يا شريك يا ابن عمرٍو ... هل من الموت محاله
يا أخا كلّ مضامٍ ... يا أخا من لا أخا له
يا أخا النعمان فكّ ال ... يوم عن شيخٍ غلاله
إن شيبان قبيلٌ ... أحسن الناس فعاله
فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك! فمرّ الطائي والنعمان يقول لشريك: إن صدر هذا اليوم قد ولّى ولا يرجع! وشريك يقول: ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال: ليس لك عليّ سبيل حتى يدنو الشخص، فبينا هم كذلك إذ أقبل الطائي فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم! لا أكون والله ألأم الثلاثة، ألا إني قد رفعت يوم بؤسي! وخلّى سبيل الطائي، فأنشأ يقول:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهّر الأقوال
إني امرؤٌ مني الوفاء خليقةٌ ... وفعال كلّ مهذَّبٍ بذّال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك! قال: النصرانية. قال: اعرضها عليّ! فعرضها عليه فتنصر النعمان.
(1/52)

ومنهم وزير ملك الصين، وكان حديثه أن شمر بن افريقيس بن أبرهة خرج في خمس مائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه فاستشارهم، فقال رئيسهم: أيها الملك أثّر فيّ أثراً وخلّني ورائي. فأمر به فجدع أنفه، فقام هارباً مستقبلاً لشمر، فوافاه على أربعة منازل بعد خروجه من مفاوز الصين فدخل عليه وقال: إني أتيتك مستجيراً! قال شمر: ممن؟ قال: من ملك الصين لأني كنت رجلاً من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه فاستشارنا فأشار القوم جميعاً عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال: قد مالأت ملك العرب، وكان منه إليّ ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هارباً إليك، ففرح به شمر وأنزله معه في رحله وأوعده من نفسه خيراً، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل: كيف علمك بالطريق؟ قال: أنا من أعلم الناس به. قال: فكم بيننا وبين الماء؟ قال: مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك يوم الرابع على الماء، فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا تحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان يوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر فقال: لا ماء وإنما كان ذلك مكرٌ مني لأدفعك بنفسي عن ملكي! فأمر به فضربت عنقه، فعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده أنه يموت بين جبلي حديد، فوضع درعه تحت قدميه من شدة الرمضاء ووضع ترساً من حديد على رأسه من حرّ الرمضاء، فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم: تفرقوا حيث أحببتم فقد أورطتكم، فهلك وجميع من كان معه.
وحكي أنه لما حمل رأس مروان بن محمد الجعدي إلى أبي العباس وهو بالكوفة قعد له مجلساً عاماً وجاؤوا بالرأس فوضع بين يديه فقال لمن حضره: أمنكم أحد يعرف هذا الرأس؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكبّ عليه وتأمله طويلاً ثم قال: هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس، رحمه الله، وعاد إلى مجلسه، فوثب أبو العباس حتى خرج من المجلس وانصرف ابن جعدة وتحدث الناس بكلامه، فلامه بنوه وأهله وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار! فقال: اسكتوا قبحكم الله! ألستم أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلف عن مروان ففعلت ذلك غير فعل ذي الوفاء والشكر وما كان ليغسل عار تلك الفعلة إلا هذه، وإنما أنا شيخٌ هامةٌ فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غداً! قال: وجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل، فأصبحوا ولم يأته أحد وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد فلما أبصره قال: يا ابن جعدة ألا أبشرك بحسن رأي أمير المؤمنين فيك؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك. فقال: أما ما أخرج هذا الكلام من الشيخ إلا الوفاء ولهو أقرب بنا قرابة وأمسّ بنا رحماً منه بمروان إن أحسنّا إليه. قال: أجل.
وذكر أن المنصور أرسل إلى شيخ من أهل الشام وكان من بطانة هشام بن عبد الملك بن مروان فسأله عن تدبير هشام في حروبه مع الخوارج فوصف الشيخ له ما دبّر، فقال: فعل، رحمه الله، كذا وصنع، رحمه الله، كذا. فقال المنصور: قم عليك لعنة الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي؟ فقام الرجل فقال وهو مولٍّ: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي! فقال له المنصور: ارجع يا شيخ، فرجع. فقال: أشهد أنك نهيض حرّةٍ وغراس شريف، ارجع إلى حديثك. فعاد الشيخ في حديثه حتى إذا فرغ دعا له بمال فأخذه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما لي إليه حاجة ولقد مات عني من كنت في ذكره فما أحوجني إلى وقوف على بابه أحد بعده ولولا جلالة أمير المؤمنين وإيثاري طاعته ما لبست نعمة أحدٍ بعده! فقال المنصور: إذا شئت لله أنت فلو لم يكن لقومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجداً مخلداً وعزاً باقياً.
(1/53)

وعن أبي دفافة العبسي قال: حدّثت المنصور بحديث العجلان بن سهل وكان دخل على عبد العزيز بن القعقاع، فبينا هو جالس إذ دخل رجل متلطخ الثوب بالطين، فقال عبد العزيز: ما لك؟ قال: ركب هذا الأحول، يعني هشام بن عبد الملك، فنفرت ناقتي فسقطت، فانتزع العجلان سيفه فنفحه به ووثب الرجل فأخطأه السيف ووقع في وسادة فقطّعها وقال: يا لكع أعياك أن تسمّيه بأمير المؤمنين وباسمه الذي سماه به أبوه أو بكنيته ونظرت إلى الذي يعاب به فسميته به، أما والله لوددت أن السيف أخذ منك مآخذه! قال: فكان المنصور يستعيدني هذا الخبر كثيراً ويقول: كيف صنع العجلان بن سهل؟ مع مثله يطيب الملك.
قال: وأخبرنا عطّاف قال: بينا عبد الله بن طاهر مقبل من منزل عبيد الله بن السّريّ بمصر حتى إذا دنا من بابه إذا بشيخ قد قام إليه فناوله رقعةً كانت معه وقال: أصلح الله الأمير! نصيحة واجبة فافهمها، فأخذ الرقعة ودخل، فما هو إلا أن دخل وخرج الحاجب فقال: أين صاحب الرقعة؟ فقام إليه الشيخ فأخذ بيده فأدخله إلى عبد الله فقال: قد فهمت رقعتك هذه وما تنصحت به إلينا فانصفني في مناظرتك. فقال الرجل: ليقل الأمير ما أحب. قال: أخبرني هل يجب شكر الناس بعضهم لبعض؟ قال: نعم. قال: وبم يجب؟ قال: بإحسان المحسن وبفضل المنعم. قال: صدقت، جئت إليّ وأنا على هذه الحال التي ترى خاتمي بفرغانة وآخر ببرقة وحكمي ونهيي وأمري جائز فيما بين هذين الطرفين وقد جمع لي من العمل ما لم يجمع لأحد قطّ من ولاءة المشرق والمغرب والشرطة وما خرج من هذه الطبقة ولست ألتفت إلا إلى نعمة هؤلاء القوم ومنّتهم، لا أستفيء إلا بظلها ولا أعرف غيرهم سادة ولا كبراء ولا أئمة ولا خلفاء، فأردت أن أكفر هذه النعمة وأجحد هذا المعروف وأبايع رجلاً ما امتحن للتقوى ولا أفاد علماً للهدى ولا جرت له على مِلّي ولا ذِمّيّ يد سالفة ولا نعمة سائرة، افترى على الله جل ذكره، ولو فعلت هذا الذي دعوتني إليه كنت ترضى به في مكارم الأخلاق وشكر المنعمين قال: فسكت الرجل ولم يحر جواباً، وكان دعاه إلى بيعة ابن طباطبا. وقال بعضهم: إنه كان دسيس المأمون.
برون الكبير قال: وجّه إليّ المأمون وقد مضى من الليل الثلث فقال لي: يا برون قد أكثر علينا أصحاب الأخبار في أن شيخاً يرد خرابات البرامكة فيبكيهم ويندبهم وينشد أبياتاً من الشعر فاركب أنت وعليّ بن محمد ودينار بن عبد الله حتى تردوا هذه الخرابات فتصيروا من وراء جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد ورد وبكى وأنشد فأتوني به. قال برون: فركبت مع القوم حتى وردنا الخرابات، وإذا الخادم قد أتى ومعه زِلّيّة رومية وكرسيّ جديد، وإذا شيخ وسيم جميل له صلعة وهامة فجلس يبكي ويقول:
ولما رأيت السيف قد قدّ جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنه ... قصارى الفتى يوماً مفارقة الدنيا
أجعفر إن تهلك فرُبّ عظيمةٍ ... كشفت ونعمى قد وصلت بها نعمى
فقل للذي أبدى ليحيى وجعفرٍ ... شماتته أبشر لتأتيهم العقبى
لئن زال غصن الملك عن آل برمكٍ ... فما زال حتى أثمر الغصن واستعلى
وما الدهر إلا دولة بعد دولةٍ ... تبدل ذا ملكٍ وتعقب ذا بلوى
على أنها ليست تدوم لأهلها ... ولو أنها دامت لكنتم بها أولى
بني برمك كنتم نجوماً مضيئةً ... بها يهتدي في ظلمة الليل من أسرى
لأيكم أبكي أللفضل ذي الندى ... أم الشيخ يحيى أم لمحبوسه موسى
أم الملك المصلوب من بعد عزةٍ ... أم ابكي بكاء المعولات أم الثكلى
لكلكم أبكي بعينٍ غزيرةٍ ... وقلبٍ قريحٍ لا يموت ولا يحيا
(1/54)

قال: فتراءينا له ثم قبضنا عليه، فجزع وفزع وقال: من القوم؟ فقال برون: أنا حاجب أمير المؤمنين وهذا فلان وفلان. قال: وما الذي تريدون؟ قال برون: فأعلمته ما أمر به أمير المؤمنين من أخذه إلى مجلسه. قال: ذرني أوص فإني لا آمنه، ثم تقدم إلى بعض العلافين في فرضة الفيل فأخذ بياضاً وأوصى فيه وصية خفيفة ودفعها إلى الغلام وسرنا به، فلما مثل بين يدي المأمون زبره وقال: من أنت وبماذا استوجب البرامكة ما تفعله في دورهم؟ قال: يا أمير المؤمنين للبرامكة عندي أيادٍ خضرة أفتأذن لي أن أحدّثك؟ فقال: سديداً. قال: أنا يا أمير المؤمنين المنذر بن المغيرة من أهل دمشق كنت بها من أولاد الملوك فزالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبتني الديون واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس آبائي أشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية وليس معنا ما يباع ولا ما يرهن حتى دخلت بغداد ونزلنا بباب الشام في بعض المساجد ودعوت بثويبات لي قد كنت أعددتها لأستميح بها الناس وتركتهم جياعاً وركبت شوارع بغداد فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ قد طبّقوا طيالستهم بأحسن زي وزينة وبزة، وإذا خادمان على باب المسجد، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدّم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، فأنا لكذلك إذا أنا بخادم قد أقبل وقال للخادمين: ازعجا القوم، فازعج القوم وأنا معهم فأدخلونا دار يحيى بن خالد ودخلت معهم، فإذا بيحيى جالساً على دكة له وسط بستان، فسلّمنا وهو يعدنا مائة رجل وواحداً، وبين يدي يحيى عشرة من ولده، وإذا غلام أمرد حين عذّر خداه قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم متنطقون في وسط كل خادم منطقة من ألف مثقال مع كل خادم مجمرة من ذهب ورجل من ذهب في كل مجمرة قطعة من العود كهيأة الفهر قد ضم إليه مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام وجلس الغلام إلى جنب يحيى ثم قال يحيى للزبرقيّ القاضي: تكلم فقد زوّجت ابنتي عائشة من ابن عمي هذا من بيت نار النوُّبهار.
(1/55)

فخطب القاضي وشهد القاضي والنفر وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت والله يا أمير المؤمنين ملء كمّي ونظرت وإذا يحيى في الدكّة ما بين المشايخ ويحيى وولده والغلام ونحن مائة رجل واثنا عشر رجلاً، فخرج إلينا مائة خادم واثنا عشر خادماً مع كل خادم صينية فضة عليها ألف دينار شامية، فوضع بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبّون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على الصينية، فغمز لي الخادم، فجسرت عليها وجعلتها في كمّي وأخذت الصينية وقمت وأنا أمر طول الصحن والتفتّ ورائي هل يتبعني أحد، فإني لكذلك أطاول الالتفات ويحيى يلحظني فقال للخادم: ائتني بالرجل، فرُددت إليه، فأمر، فسُلبتُ الدنانير والصينية، ثم أمرني بالجلوس فجلست، فقال: ممن الرجل؟ فقصصت عليه قصتي. فقال: علي بموسى، فأُتي به، فقال: يا بني هذا رجل غريب فخذه إليك اخلطه بنفسك ونعمتك. فقبض عليّ موسى وأخذني إلى بعض دوره فقصف عليّ يومي وليلتي، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: إن الوزير أمرني بالقصف على هذا الفتى وقد علمت تشاغلي في دار أمير المؤمنين فاقبض عليه وقاصفه، فلما كان من غد تسلمني أحمد، ثم لم أزل وأيدي القوم تتداولني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني في الأموات هم أم في الأحياء، فلما كان في اليوم العاشر دُفعت في يدي الفضل فقصف عليّ، فلما كان في الحادي عشر جاءني خادم مع عشرة من الخدم فقالوا: قم عافاك الله فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: وا ويلاه سلبت الدنانير والصينية وقد تمزقت ثيابي واتسخت وأخرج على هذه الحالة! إنا لله وإنا إليه راجعون! فرُفع لي الستر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، فقبل أن رُفع السابع قال لي الخادم: تمنّ ما شئت، ورفع لي ستر عن حجرة كالشمس استقبلني منها رائحة العود والندّ ونفحات المسك، وإذا أنا بصبياني يتقلبون في الحرير والديباج وأنا قد حمل إليّ ألف ألف درهم مبدّرة وعشرة آلاف دينار وقبالتين بضيعتين وتلك الصينية مع الدنانير والبنادق، فبقيت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم من بيت نار النوبهار أو رجل غريب اصطنعوني، فلما جاء القوم البلية ونزلت بهم من الرشيد النازلة قصدني عمرو بن مسعدة وألزمني من الخراج في هاتين الضيعتين ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل عليّ الدهر كنت أنظر إلى خرابات القوم فأندبهم. فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة، فلما أُتي به قال له: يا عمرو أتعرف الرجل؟ قال: نعم هو من بعض صنائع البرامكة. قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا. قال: ردّ عليه كل ما استأديته إياه في سنيه وأوغر ضيعتيه تكونان له ولعقبه من بعده، فعلا نحيب الرجل بالبكاء يرثي البرامكة، فلما طال بكاؤه قال له المأمون: فممّ بكاؤك وقد أحسنا إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا أيضاً من صنائع البرامكة، أرأيتك يا أمير المؤمنين لو لم آت خرابات القوم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى ما وصلت إليه؟ قال إبراهيم بن ميمون: فلقد رأيت المأمون وقد دمعت عينه واشتد حزنه على القوم وقال: صدقت لعمري هذه أيضاً من صنائعهم، فعليهم فابك وإياهم فاشكر!
مساوئ قلة الوفاء والسعاية
يقال: إن رجلاً رفع رقعة إلى عمر بن الخطاب، رحمه الله، يسعى فيها ببعض أصحابه، فوقّع فيها: تقربت إلينا بما باعدك من الرحمن ولا ثواب لمن آثر عليه.
قيل: ورفع منتصح رقعة إلى عبد الملك بن مروان، فوقّع فيها: إن كنت كاذباً عاقبناك، وإن كنت صادقاً مقتناك، وإن استقلتنا أقلناك. فاستقاله الرجل.
قيل: وكتب صاحب بريد همذان إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوقّع المأمون: إنا نرى قبول السعاية شراً كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عنك فلو كان في سعايته صادقاً لقد كان في صدقه لئيماً إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر على أخيه.
(1/56)

قال: وقال المأمون لولده: يا بني نزّهوا أقداركم وطهروا أحسابكم عن دنس الوشاة وتمويه سعايتهم فكل جانٍ يده في فيه وليس يشي إليكم إلا أحد الرجلين ثقة وظنين، أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يشين بالوشاية قدره، وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه ويكذّب ظنه ويردّ باطله، وما سعى رجل برجل إليّ قط إلا انحط من قدره عندي ما لا يتلافاه أبداً، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن يشون بهم، فقد قال بعض الملوك لرجل سعى بآخر: لو كنت أنت أنا ما كنت صانعاً به؟ قال: كنت أقتله. فقال: أما إذ لم تكن أنت أنا فإني غير قاتله ومع ذلك فلا تدعوا الفحص عما يلقى إليكم مما تحذرون رجوع ضرره عليكم.
عوانة قال: قام رجل إلى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين عندي نصحية. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: كان فلان عاملاً ليزيد والوليد وعبد الملك فخانهم فيما تولاه واقتطع أموالاً جليلة فمر باستخرجها منه. فقال: أنت شر منه وأخون حيث اطّلعت على أمره وأظهرته ولولا أني أنفّر أصحاب النصائح لعاقبتكم ولكن اختر مني خصلة من ثلاث. قال: اعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتّشت عما ذكرت فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال: بل تقيلني يا أمير المؤمنين. قال: قد فعلت فلا تعودن بعدها إلى أن تظهر من ذي مروءة ما كتمه الله وستره.
محاسن الشكر
قال بعض الحكماء: صن شكرك عمّن لا يستحقه واستر ماء وجهك بالقناعة.
وقال الفضل بن سهل: من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالّته ومكره. ومن ذلك قول رجل لرجل شكره في معروف:
لقد ثبتت في القلب منك محبةٌ ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع
قال: واصطنع رجل رجلاً فسأله يوماً: أتحبني يا فلان؟ قال: نعم أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك.
وقال كسرى أنوشروان: المنعم أفضل من الشاكر لأنه جعل له السبيل إلى الشكر.
واختصر حبيب بن أوس من هذا شيئاً في مصراع واحد فقال:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
وقال بشار:
أثني عليك ولي حالٌ تكذبني ... فيما أقول وأستحيي من الناس
قد قلت إن أبا حفصٍ لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
ولأبي الهول في مثله:
فإني إذ مدحتك يا ابن معنٍ ... رآني الناس في رمضان أزني
فإن أك أُبتُ عنك بغير شيءٍ ... فلا تفرح كذلك كان ظني
ولآخر في مثله:
لحى الله قوماً أعجبتهم مدائحي ... فقالوا خفاتاً في ملامٍ وفي عتب:
أبا حازمٍ تمدح، فقلت معذّراً: ... هبوني امرأً جربت سيفي على كلب
ولبعض المحدثين:
عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمنٍ ... لكنه يشتهي حمداً بمجّان
والناس أكيس من أن يحمدوا أحداً ... حتى يروا قبله آثار إحسان
وقال آخر:
فلو كان يستغني عن الشكر سيدٌ ... لعزّة ملكٍ أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان
الباهلي عن أبي فروة قال: أخبرني الحلبي قال: مكتوب في التوراة: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت والشكر زيادة في النعم وأمان من الغِيَر.
قيل وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: خمس يعاجل صاحبهن بالعقوبة: البغي والغدر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم ومعروف لا يشكر.
وفي حديث مرفوع: دعاء المنعم على المنعَم عليه مستجاب.
وقيل: أنشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الحطيئة هذا البيت وعنده كعب الأحبار:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
فقال كعب: يا أمير المؤمنين هذا البيت الذي قال مكتوب في التوراة! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: في التوراة مكتوب: من يصنع المعروف لا يضيع عندي، لا يذهب العرف بيني وبين عبدي.
قيل: ودخل أبو مسلم صاحب الدولة على أبي العباس وأبو جعفر المنصور عنده، فقال أبو العباس لأبي مسلم: يا عبد الرحمن هذا أبو جعفر عبد الله بن محمد مولاك! قال: قد رأيت مجلسه يا أمير المؤمنين ولكنّ هذا مجلس لا يقضى فيه حق غيرك.
(1/57)

فصل لكاتبه في مثله: ولست أقابل أياديك ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله جل وعز للنعم حارساً وللحق مؤدياً وللمزيد سبباً.
وقيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: أليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً! وفي الحديث أن رجلاً قال في الصلاة خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم ربنا لك الحمد حمداً زاكياً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أيكم صاحب الكلمة؟ قال أحدهم: أنا يا رسول الله. فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرون أيهم يكتبها أولاً، وقيل: نسيان النعمة أول درجات الكفر، ولابن المقفع:
مننت على قومي فأبدوا عداوةً ... فقلت لهم كفؤ العداوة والشكر
وقال آخر:
ألا في سبيل الله وُدٌ بذلته ... لمن لم يكن عندي لمعشاره أهلا
ولكن إذا فكّرت فيه وجدتني ... بحسني إليه قد أفدت به عقلا
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: لا تدع المعروف لكفر من كفره فإنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين، وقد قيل في ذلك:
يد المعروف غنمٌ حيث كانت ... تحمّلَها شكورٌ أم كفور
فعند الشاكرين لها جزاءٌ ... وعند الله ما كفر الكفور
قال بعضهم: ما أنعم الله على عبد نعمةً فشكر ذلك إلا لم يحاسبه على تلك النعمة، وقال بعض الحكماء: عند التراخي عن شكر المنعم تحلّ عظائم النقم.
قيل: وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيراً ما يقول لعائشة، رضي الله عنها: ما فعل بيتك أو بيت اليهودي؟ فتقول:
يجزيك أو يُثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فيقول، عليه وعلى آله السلام: قد صدق يا عائشة، إن الله جل وعز إذا أجرى لرجل على يدي رجل خيراً فلم يشكره فليس لله بشاكر.
قيل وقيل لذي الرمة: لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك؟ فقال: لأنه وطّأ مضجعي وأكرم مجلسي فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري.
ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قاله بزرجمهر: من انتظر بمعروفه شكراً فقد استدعى عاجل المكافأة.
وقال بعض الحكماء: كما أن الكفر يقطع مادة الإنعام فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق الأجر.
وقال علي بن عبيدة: من المكارم الظاهرة وسنن النفس الشريفة ترك طلب الشكر على الإحسان ورفع الهمة عن طلب المكافأة واستكثار القليل من الشكر واستقلال الكثير مما يبذل من نفسه.
مساوئ الشكر
قال بعض الحكماء: المعروف إلى الكرام يعقب خيراً والمعروف إلى اللئام يعقب شراً، ومثل ذلك مثل المطر يشرب منه الصداف فيعقب لؤلؤاً وتشرب منه الأفاعي فتعقب سماً.
وقال سفيان: وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام.
قيل: وأثار جماعة من الأعراب ضبعاً فدخلت خباء شيخ منهم.
فقالوا: اخرجها. فقال: ما كنت لأفعل وقد استجارت بي. فانصرفوا، وكانت هزيلة فأحضر لها لقاحاً فجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم فوثبت عليه فقتلته، فقال شاعرهم في ذلك:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير ام عامر
أعد لها لما استجارت بقربه ... غداءً من البان اللقاح الغزائر
وأسمنها حتى إذا ما تملأت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروفٍ إلى غير شاكر
قيل: وأصاب أعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرّب له شاةً فلم يزل يمتص من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها، فقال الأعرابي:
غذتك شويهتي ونشأت عندي ... فما أدراك أن أباك ذيب
فجعت نُسيةً وصغار قومٍ ... بشاتهم وأنت لهم ربيب
إذا غلبت طباع الشر فيه ... فليس لغيرها فيه نصيب
ويروى: نشأت مع السخال وأنت جرو.
ويضرب المثل بسنّمار، وكان بنى للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه فكره أن يبني لغيره مثله فأمر به فرمي من أعلاه حتى مات، فقيل فيه:
جزتنا بنو سعدٍ بحسن بلائنا ... جزاء سنمّارٍ ولم يك ذا ذنب
ويروى: وما كان ذا ذنب، وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وقال بعضهم:
(1/58)

وإني وقيساً كالمسمن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره
محاسن الدهاء والحيل
ذكروا أنه لم يكن في ملوك العجم أدهى من كسرى أنوشروان، وأن الخزر كانت تغير في سلطان فارس حتى تبلغ همذان والموصل، فلما ملك أنوشروان كتب إلى ملكهم فخطب ابنته على أن يزوجه أيضاً ابنته ويتوادعا ويتفرغا إلى سائر أعدائهما، فأجابه إلى ذلك، وعمد أنوشروان إلى جارية من جواريه نفيسة فزفّها إلى صاحب الخزر وأهدى معها ما يشبه أن يهدى مع بنات الملوك وزفّ صاحب الخزر إلى أنوشروان ابنته، فلما وصلت إليه قال لوزرائه: اكتبوا إلى صاحب الخزر لو التقينا وأكدنا المودة بيننا، فأجابه إلى ذلك ووعده موضع الدرب، فالتقيا فكانا يخلوان في لذاتهما، ثم إن أنوشروان أمر قائداً من قواده أن يختار ثلاثمائة رجل من أشد أصحابه فإذا هدأت العيون أغار في ناحية من عسكر الخزر، ففعل ذلك، فلما أصبح بعث إليه صاحب الخزر: ما هذا ينهب عسكري البارحة؟ فأنكر ذلك وقال: لم تؤت من قبلي. فأمهله أياماً ثم عاد إلى مثلها، ففعل ذلك ثلاث مرات في كل ذلك يعتذر إليه أنوشروان ويسأله البحث فيبحث فلا يقف على شيء، فلما طال ذلك دعا صاحب الخزر بقائد من قواده وأمره بمثل ذلك، فلما أصبح بعث إليه أنوشروان: ما هذا أتستبيح عسكري البارحة؟ فأرسل إليه: ما أسرع ما ضجرت، قد فعل هذا بعسكري ثلاث مرات وإنما فُعل بك مرة واحدة! فبعث إليه أنوشروان: إن هذا عمل قوم يريدون أن يفسدوا بيننا وعندي رأي إن قبلته. فقال: وما هو؟ قال: تدعني أبني حائطاً بيني وبينك وأجعل عليه باباً فلا يدخل عليك إلا من تحب ولا يدخل عليّ إلا من أحب. فأجابه إلى ذلك وتحمّل ومضى، وأقام أنوشروان فأمر، فبني بالصخر والرصاص حائط عرضه ثلاثمائة ذراع حتى ألحقه برؤوس الجبال وجعل عليه أبواب حديد فكان يحرسه مائة رجل بعد أن كان يحتاج إلى خمسة آلاف رجل، فلما فرغ من السد وقُيّد الفند في البحر وأحكم الأمر سرّ سروراً شديداً فأمر أن ينصب على الفند سريره ويفرش له عليه، ثم قام فرقى إليه وأغفى عليه، فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وأهوى نحو الفند، فثار الأساورة إلى قسيهم، فانتبه الملك فقال: ما شأنكم؟ أمسكوا، لم يكن الله جل وعز ليلهمني الشخوص عن وطني اثنتي عشرة سنة فأسد ثغراً يكون عزاً لرعيتنا وردءاً ومرتقى لعباده ثم يسلط عليّ دابة من دواب البحر. فتنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو الفند، فذكر الموبذ أن الله جل وعز أنطق ذلك الحيوان فقال: أيها الملك أنا ساكن من سكان هذا البحر وقد رأيت هذا الفند مشدوداً سبع مرات وخراباً سبع مرات، وأوحى الله جل وعز إلينا معشر سكان هذا البحر أن ملكاً عصره عصرك وصورته صورتك يبعثه الله جل وعز يسد هذا الثغر إلى الأبد، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله على البر معونتك.
ثم غاب عن بصره كأنما غاب في البحر أو طار في الجو، وسأل أنوشروان عند فراغه من ذلك السد من ذلك البحر، فقيل: هو ثلاثمائة فرسخ في مثلها وبينه وبين بيضاء الخزر مسيرة أربعة أشهر على هذا الساحل ومن بيضاء الخزر إلى الفند الذي بناه أسفندياذ مسيرة شهرين. فقال أنوشروان: لا بد من الوقوف عليه والنظر إليه. قالوا: أيها الملك إنه طريق لا يطمع في سلوكه لموضع فيه يقال له دهان شير، يريد فم الأسد، وفيه دردور لا يكاد تسلم فيه سفينة. قال أنوشروان: لا بد من ركوب هذا البحر والنظر إلى هذا السد.
(1/59)

فقالوا: أيها الملك اتق الله في نفسك وفيمن معك! فقال: أتوكل على الله الذي خلق هذا البحر وهو جل وعز ينجينا من دردوره ولا أحسب أني أمسح ايران شهر شرقه وغربه وأعرف عدد جباله وأوديته إلا بعد ركوب هذا البحر وسلوكه إلى البر. فهيئت له السفن وركب معه عدة من النساك حتى لجّجوا في البحر ووافوا ذلك الذي يعرف بدهان شير فدفعوا إلى دردورٍ هائل فبقوا فيه متحيرين لا يرون مناراً يجعلونه علماً لهم ولا جبلاً يقيمونه أمارةً لمنصرفهم، فرجعوا على الملك باللوم والعيب. فقال: أخلصوا نياتكم لله جل وعز وتضرعوا إليه، ففعلوا، ونذر أنوشروان إن نجاه الله جل ذكره ليصّدّقن بخراج سبع سنين. قال: فرفعت له جزيرة تعلوها الأمواج وفوق الجزيرة أسد في عظم جبل يتشرب الماء مؤخره وينحطّ من فيه إلى ذلك الدردور، فبينا هم كذلك إذ بعث الله جل جلاله سمكة عظيمة فطفرت حتى صارت في في الأسد، فسكن الدردور ونفذت السفينة حتى وصل إلى ما أراد ثم انصرف إلى دار مملكته.
حمّاد قال: حدثني أبي قال: قال الأعشى في مدحه إياس بن قبيصة وذكره مسيره إلى الروم حيث لقيه كسرى أبرويز بساتيدما، وهو جبل يزعم أهل العلم أنه دون الجبال وأنه لا بد من أن يراق عليه دم كل يوم. قال الواقدي: بل هو محيط بالدنيا، وزعموا أنه ليس في الأرض يوم إلا ويسفك عليه دم، وإنما سمي ساتيدما معناه سيأتي دماً، فكان من خبر إياس بن قبيصة أن كسرى أبرويز كان رجلاً سيء الظن وأنه بعث شهربراز إلى الروم في جيش عظيم فأعطي من الظفر ما لم يعط أحد كان قبله، وهو الذي أصاب خزائن الملك التي كانت تسمى كنج بادآورد، أي الكنز الذي جاءت منه به الريح، وكانوا حملوها ليحرزوها، فضربتها الريح في الجزر من خليج البحر فأخذها وبعث بها إلى كسرى، فحسده كسرى وحذره وبعث إليه برجل تقدم إليه في قتله، وكان الذي أتاه رجل من أهل أذربيجان، فلما رأى جماله وهيئته قال: لا يصلح قتل هذا في غير جرم ولا حق، فأخبره بما أمره به، فأرسل شهربراز إلى قيصر: إني أريد أن ألقاك. فالتقيا، فقال له: إن هذا الخبيث قد أراد قتلي وإني والله لأريدن منه مثل الذي أراد مني، فاجعل لي ما أطمئن إليه وأعطيك مثل ذلك، ولئن قتلته لتجلعن لي ما أغلب عليه من الكور وأجعل لك أن لا أغزوك أبداً ولا أتناول شيئاً من أرضك وأن أعطيك من بيوت أموال كسرى مثل ما تنفق في مسيرك هذا، فأعطاه قيصر ما سأل، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل وخلّف شهربراز في أرض الروم وقد أخذ منه العهود والمواثيق، ولم يعلم كسرى بذلك حتى دنا منه قيصر، فلما بلغه ذلك علم أن شهربراز علم بما كان دبره من قتله، وكانت جنوده قد تفرقت في السواد وغيرها، وكان كسرى قد أبغضه أهل مملكته وملّوه وعرف حاله عند الناس، فاحتال بحيل الرجال واستعمل المكر والدهاء فبعث إلى قسّ عظيم من النصارى يثق ملك الروم بقوله فقال: إني أكتب معك كتاباً لطيفاً في حرير وأجعله في قناة إلى شهربراز وجائزتك عليّ ألف دينار، وقد عرف كسرى أن القسّ يذهب بالكتاب إلى ملك الروم، فكتب إلى شهربراز: إني كتبت إليك وقد دنا قيصر مني وقد أحسن الله جل وعز إليّ بصنيعك ونفوذ تدبيرك وقد فرقت لهم الجيوش وأنا تاركه حتى يدنو مني وأثب عليه وثبة أستأصل شأفته بها، وإذا كان ذلك اليوم وهو يوم كذا وكذا فأغر أنت عليّ من قبلك منهم فإنك تبيدهم وتهلكهم، وأرجو أن تكون لملك قيصر مصطلماً. فخرج القسّ بالكتاب حتى لقي قيصر، وقد كانت صوّرت لقيصر أرض العرب والعراق وصوّرت له النهروان بغير حين المدّ، فلما انتهى إليه في المد وليس عليه جسر وقرأ الكتاب من يد القسّ وقال: هذا هو الحق، ورجع منهزماً مفلولاً واتبعه كسرى بإياس بن قبيصة الطائي فأدركهم بساتيدما مرعوبين مفلولين من غير لقاء ولا قتال، فقتلوا قتل الكلاب ونجا قيصر في خواص من أصحابه، فمدح الأعشى إياس بن قبيصة وكان قد أصابه مرض فقال:
ما تعيف اليوم في الطير الرَّوَح ... من غراب البين أو تيس برح
جالساً في نفرٍ قد أيسوا ... في مقيل القدّ من صحب قزح
(1/60)

قال ابن الأعرابي وسأله حماد عن قوله: ما تعيف القوم في الطير الروح؟ فقال: تطيّر الأعشى من مرض إياس إلى الزجر والفأل فقال لنفسه ما تعيف منه، أي ما تكره منه، وهو آخر أمره إلى السلامة، فرجع قيصر وقد اتهم شهربراز فلم يزل به حتى أمكنته الفرصة منه فقتله وعامة رجاله وأفناهم.
قيل: ولما تشاغل عبد الملك بن مروان بمقاتلة مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم فالرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم، فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعا بكلبين فأرّش بينهما فاقتتلا قتالاً شديداً ثم دعا بثعلب فخلاّه بينهما، فلما رأى الكلبان الثعلب تركا ما كانا فيه وأقبلا على الثعلب حتى قتلاه، فقال ملك الروم: هكذا العرب تقتتل بينها فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا، فعرفوا صدقه ورجعوا عما كانوا عليه.
وعن بكّار بن ماهويه قال: قال كسرى أبرويز لمنجمه: كيف يكون أجلي؟ فقيل له: تقتل. فقال: والله لأقتلن قاتلي! فأمر بسم فخلط في أدوية وكتب عليه: هذا دواء الجماع من أخذ منه وزن كذا جامع كذا مرة، وصيّره في خزانة الطب، فلما قتله ابنه شيرويه فتّش خزانة أبيه فمرّ بذلك السم فقال في نفسه: بهذا كان يقوى أبي على الجماع وعلى شيرين وغيرها، فأخذ منه فمات من ساعته.
وعن الهيثم عن ابن عياش قال: كان الحجاج حسوداً لا تتم له صنيعة حتى يفسدها، فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فظفر به وصنع به ما صنع ورجع إلى الحجاج بالفتح فلم ير منه ما أحب وكره منافرته، وكان عاقلاً رفيقاً، فجعل يترفق به ويداريه ويقول: أنت أيها الأمير أشرف العرب فمن شرفته شرف ومن وضعته اتضع وما ينكر لك ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك، وما كان هذا كله إلا بصنع الله عز وجل وتدبيرك، وليس أحد أشكر لصنيعك مني، ومَن ابن الأشعث وما خطره! حتى عزم الحجاج على المضي إلى عبد الملك فأخرج عمارة معه، فوفد عليه وعمارة يومئذٍ على أهل فلسطين أمير، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظمه حتى قدموا على عبد الملك، فلما قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج، قام عمارة فقال: يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي. فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين صنع وصنع، ومن بأسه ونجدته وعفافه ومكيدته كذا وكذا، هو أيمن الناس نقيبةً وأعلمهم بتدبير وسياسة، ولم يبق غاية في الثناء عليه. فقال عمارة: أرضيت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فرضي الله عنك، حتى قالها ثلاثاً في كلها يقول: قد رضيت، فقال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه! فهو والله السيء التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق وألّب عليك الناس، وما أُتيت إلا من قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره بالسياسة، ولك والله أمثالها إن لم تعزله! فقال الحجاج: مه يا عمارة! فقال: لا مه ولا كرامة يا أمير المؤمنين، كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج أبداً! فقال عبد الملك: ما عندنا أوسع لك، فلما انصرف عمارة إلى منزله بعث إليه الحجاج وقال: أنا أعلم أنه ما خرج هذا عنك إلا معتبة ولك عندي الغنى ولك ولك. فأرسل إليه: ما كنت أظن أن عقلك على هذا. أرجع إليك بعد الذي كان من طعني وقولي عند أمير المؤمنين! لا ولا كرامة لك.
(1/61)

وعن الهيثم بن الحسن بن عمارة قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار فنزل على عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فلما رأى ما تصنع شيعة المختار به من الإعظام له جعل يقول: يا عباد الله أبالمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته تبيع الإماء بالحجاز! فبلغ ذلك المختار فدعا به فقال: ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك! قال: ولم؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد فتحت مدينة الدمشق حجراً حجراً وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر! والله إني لأعرف الشجرة الساعة وأعرف شاطيء ذلك النهر! قال: فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أما إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة ومزاح عند القتال! فقال: أنشدك الله أن أُقتل ضياعاً! قال: وما تطلب ها هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني. قال: ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج.
وعنه قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل المدينة فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار وقال: أسرت هذا، فقال: كذبت والله ما أسرني هذا إنما أسرني رجل عليه ثياب بيض على فرس أبلق! فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين، يعني الملائكة، خلّوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:
ألا أبلغ أبا إسحاق عني ... رأيت الدُّهم بلقاً مصمتات
أري عينيّ ما لم تبصراه ... كلانا مولعٌ بالترهات
كفرت بدينكم وجعلت نذراً ... عليّ قتالكم حتى الممات
وعنه قال: خرج الأخوص بن جعفر المخزومي يتغدى في دير اللجّ وذلك في يوم شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي، فلما كانا على ظهر الكوفة وعليه الوبر والخز وعليهما أطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا هذا في هذا البرد ونحن في أطمارنا؟ قال سراقة: أن أكفكيه. فبينا هو يسير إذ لقيهم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وافقه ساعةً ولحق بالأخوص، فقال: ما خبّرك به الراكب؟ قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة، قال: بعيد. قال: إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخاً وأكثر، وكان الأخوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته وقال: ردوا طعامنا نتغدى في المنزل، فلما حاذى منزله قال لأصحابه: ادخلوا، ومضى إلى خالد بن عبد الله القسري فقال: قد خرجت خارجة بالقطقطانة، فنادى خالد في العسكر فجمعهم ووجّه خيلاً تركض نحو دير اللج لتعرف الخبر، فانصرفوا وأعلموه أنه لا أصل للخبر، فقال للأخوص: من أعلمك هذا؟ قال: سراقة، قال: وأين هو؟ قال: في منزلي، فأرسل إليه من أتاه به فقال: أنت أخبرته عن الخارجة؟ قال: ما فعلت أصلح الله الأمير، فقال له الأخوص: أوتكذبني بين يدي الأمير؟ قال خالد: ويحك اصدقني! قال: نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن أرده، فقال له خالد: ويحك وهذا مما يتلاعب به؟! وكان سراقة ظريفاً شاعراً وهو الذي يقول:
قالوا سراقة عنّينٌ فقلت لهم: ... ألله يعلم أني غير عنّين
فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا ... فقربوني من بنت ابن يامين
وذكروا أن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات فقال له: يا غلام اخرج إليّ أسائلك، فعرفه الغلام، فقال: إني أخاف، أفآمن أنا إن خرجت حتى ألبس ثيابي؟ قال: نعم، فخرج وقال: والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال: خدعني ورب الكعبة! ووكل به رجلاً من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
قال: وكان رجل من الخوارج قال في قصيدة له:
ومنا يزيد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله، فأُتي به، فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل: ومنا أميرُ المؤمنين شبيب؟ قال: لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت ومنا أميرَ المؤمنين شبيب، فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله، فتخلص بحيلته وفطنته لإزالة الإعراب عن الرفع إلى النصب.
(1/62)

وزعموا أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي هجم في بعض غاراته على شابّة جميلة منفردة فأخذها، فلما أمعن بها بكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لفراق بنات عمي، كن مثلي في الجمال وأفضل مني، خرجت معهن فانقطعنا عن الحي، قال: وأين هن؟ قالت: خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أخذتهن، فأخذ إلى الموضع الذي وصفته فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاكٍّ في السلاح فعرض عليه المصارعة فصرعه الفارس ثم عرض عليه ضروباً من المناوشة فغلبه الفارس في كلها، فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكدم، فاستنقذ الجارية منه.
وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة لقيا رجلاً ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا مثلها شباباً وجمالاً فصاحا بها ليخلي عنها، ومعه قوس فرمى وهابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطع وتره وسلّم الجارية وأسند في جبل كان قريباً منه، فابتدرا الجارية وفي أذنها قرط فيه درة فانتزعه بعضهما من أذنها، فقالت: وما قدر هذا؟ لو رأيتما درّتين معه في قلنسوته، وفي القلنسوة وتر قد أعده فنسيه من الدهش! فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخرجه وعقده في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا النجاء وخليا عن الجارية.
قيل: واستودع رجل رجلاً مالاً ثم طالبه به فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية القاضي وقال: دفعت إليه مالاً في مكان كذا وكذا، قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى تلك الشجرة فلعل الله أن يوضح لك هناك ما تبين به حقك أو لعلك دفنت مالك عند الشجرة فنسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال إياس للمطلوب منه: اجلس حتى يرجع صاحبك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه بين كل ساعة ثم قال: ترى صاحبك بلغ موضع الشجرة؟ قال: لا، فقال: يا عدو الله أنت الخائن! قال: أقلني أقالك الله! فأمر بحفظه حتى جاء خصمه فقال له: خذه بحقك فقد أقرّ.
قال: واستودع رجل رجلاً كيساً فيه دنانير فغاب وطالت غيبته فشقّ المستودع الكيس من أسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وخيطه والخاتم على حاله، فجاء الرجل بعد ست عشرة سنة فقال: مالي. وطالب به، فأعطاه الكيس بخاتمه، فنظر إليه وإذا ماله دراهم، فأحضره مجلس إياس، فقال إياس للطالب: ماذا تقول؟ قال: أعطيته كيساً فيه دنانير، فقال: منذ كم؟ قال: فإذا ست عشرة سنة، قال: فضّا الخاتم، ففضاه، فقال: انثرا ما فيه، فنثراه، فإذا هي دراهم بعضها من ضرب عشر سنين وأكثر وأقل، فأقر بالدنانير وألزمه إياها حتى خرج منها.
قال: وأودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وحج، فلما رجع طالبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال: أتعلم أنك أخبرت غيري بذلك؟ قال: لا، قال: فهل علم أنك أعلمتني؟ قال: لا، قال: أفنازعته بحضرة أحد؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إلي، ودعا إياس أمينه ذلك فقال: قد حضر مال كثير وقد رأيت أن أودعك إياه وأصيره عندك فارتد له موضعاً وأتني بمن يحمله معك. فمضى الأمين، وعاد الرجل إلى إياس فقال له: انطلق إلى صاحبك فطالبه بمالك فإن أعطاك وإلا فقل إنك تعلمني، فأتاه فقال له: اعطني مالي وإلا أتيت القاضي فأعلمته، فدفع إليه ماله، وصار إلى إياس فقال: قد رد مالي عليّ، وجاء الأمين إلى إياس في موعده فانتهره وقال: اخرج عني يا خائن.
قال: وأراد معاوية أن يوجه ابنه يزيد إلى غزو الصائفة وكره يزيد ذلك وأنشأ يقول:
تجنّى لا تزال تعدّ ذنباً ... لتقطع وصل حبلك عن حبالي
فيوشك أن يريحك من أذاتي ... نزولي في المهالك وارتحالي
(1/63)

وخرج وخرج الناس معه، وفيمن خرج أبو أيوب الأنصاري، فلما قرب من قسطنطينية اشتكى أبو أيوب فأتاه يزيد عائداً، فقال له: ما حاجتك؟ قال: أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ولكن سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: يدفن بجنب قسطنطينية رجل صالح وقد رجوت أن أكونه فقدمني ما قدرت عليه، فمات فلما فرغ من جهازه ووضع على سريره قدّم الكتائب بين يديه، فنظر قيصر ورأى أمراً عجيباً وشيئاً يحمل والناس بالسلاح تحته، فأرسل إليه: ما هذا الذي نرى؟ قال يزيد: هذا صاحب نبينا، صلى الله عليه وسلم، أوصى أن ندفنه إلى جنب مدينتكم ونحن ننفذ وصيته أو نموت دونه، فأرسل إليه: العجب من الناس! وما يذكرونه من دهاء أبيك وهو يبعثك في هذا البعث تدفن صاحب نبيك بجنب مدينتي فإذا ولّيت عنه نبشته فطرحته للكلاب، فأرسل إليه يزيد: إني ما أردت أن أُجنّه حتى أودع مسامعك كلامي، وكفرت بالذي أكرمتُ له هذا الميت، لئن تعرضت له لا تركت في أرض العرب نصرانياً إلا سفكت دمه واستصفيت ماله وسبيت حرمه، فأرسل إليه قيصر: كان أبوك أعرف لك مني وإني أحلف بحق المسيح، عليه السلام، لا يحرسه سنة أحد غيري.
(1/64)

وعن بعض مشايخ المدينة قال: كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، رضوان الله عليهما، جارية مغنية يقال لها عُمارة، فلما وفد عبد الله على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده، فأخرجها إليه فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه وجعل يمنعه من أن يبوح به مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتمه إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد، فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال: إن أمر عبد الله لا يرام، وأنت لا تستجيز إكراهه ولا يبيعها بشيء أبداً وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال: اطلب لي رجلاً عاقلاً من أهل العراق ظريفاً أديباً له معرفة ودراية، فطلبوه فأتوه به، فلما دخل عليه استنطقه فرأى بياناً وحلاوة وفقهاً، فقال له: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويدٌ أكافيك عليها، ثم أخبره بأمره، فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر ما يرام ما قبله إلا بالخديعة وإن يقدر على ما سألت رجلٌ فأرجو أن أكونه والقوة بالله، فأعني يا أمير المؤمنين بالمال، قال: خذ ما أحببت، فأخذ واشترى من طُرف الشام وثياب مصر ومتاعها للتجارة ومن الرقيق والدواب وغير ذلك حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر واكترى منزلاً إلى جانبه ثم توسل إليه وقال: أنا رجل من أهل العراق وقدمت بتجارة فأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهارمته وقال: أكرموا جارنا وأوسعوا عليه المنزل، فلما اطمأن العراقي وسلم عليه أياماً وعرّفه نفسه هيّأ له بغلة فارهة وثياباً من ثياب العراق وألطافاً وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها: يا سيدي أنا رجل تاجر ونعمة الله عليّ سابغة وعندي احتمال وقد بعثت إليك بشيء من اللطف وهو كذا ومن الثياب والعطر وبعثت إليك ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر فاتخذها لرحلك وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها فإني أدين الله عز وجل بحبك وحب أهل بيتك، وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، وأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مرّ بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يده وسلم عليه واستكثر منه، فرأى أدباً وظرفاً وحلاوة وفصاحة فأعجب به وسرّ بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطف إلى عبد الله وبطرف، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً فقد ملأنا شكراً وأعيانا عن مجازاته، فإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة وجواريه، فلما تعشيا وطاب لهما وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه إذ رأى ذلك يسرّ عبد الله إلى أن قال له: رأيت مثل عمارة؟ قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه حسن وجه وحذق عملٍ! قال: كم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لما ترى من رأيي فيها ولتجلب سروري! قال: والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجدّ، وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلباً للربح ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد الله: بعشرة آلاف دينار؟ قال: نعم، ولم يكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار، فقال عبد الله كالمازح: أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار! قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي. فلما أصبح لم يشعر عبد الله إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله: بعث العراقي بالمال؟ قالوا: نعم بعشرة آلاف دينار وقال هذه ثمن عمارة، فردها إليه وقال: إنما كنت أمزح معك وما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال: جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء! قال له عبد الله: ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت أمازحك وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموقعها من قلبي، قال له العراقي: فإن كنت مازحاً فإني كنت جاداً، وما اطلعت على ما نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت بالثمن وليست تحلّ لك وما من أخذها بدّ، فمنعه إياها، فخرج العراقي وهو يقول: أستحلفك في مجلس أمير المؤمنين، فلما رأى عبد الله الجد منه قال: بئس الضيف! ما طرقنا طارق ولا نزل بنا ضيف أعظم بلية علينا منك، تحلفني فيقول الناس اضطهده
(1/65)

وقهره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياماً ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهاً إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشياً عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال. هره وألجاه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمنّ أني سأبلي في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم وجميل العزاء! ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب والمركب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال: أوصل الجارية إليه مع ما معها وقل هذا لك ولك عندنا عوضٌ مما ألطفتنا به، فقبض العراقي الجارية وخرج، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة إني والله ما ملكتك قطّ ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين يزيد وأنت له وفي طلبك بعثني فاستتري مني فإن دخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية، فأقام الرجل أياماً ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة، فقال: هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهدك أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال: هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل! فقال: مه أنزلوا الرجل واكرموا مثواه، فأرسل إلى عبد الله: إن أذنت، جعلت فداك، لي في الدخول عليك دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج. فأذن له، فلما دخل عليه خبّره بالقصة وحلف له بالمحرجات من الأيمان أنه ما رأى لها وجهاً إلا عنده وها هي ذه، فأدخلها الدار، فلما رآها أهل الدار والحشم تصايحوا ونادوا: عمارة عمارة! فلما رأت عبد الله خرّت مغشياً عليها، وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمّه ويقول: يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي: بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله: قد علم الله كيف كان الأمر، فالحمد لله على كل حال، ثم أمر ببيع عير له بثلاثة عشر ألف دينار وأمر بها للعراقي، فانصرف إلى العراق وافر العرض والمال.
(1/66)

أبو محارب قال: قال معاوية بن أبي سفيان: إن عمرو بن العاص قد احتجن عنا خراج مصر، فعزله واستعمل أبا الأعور السلمي، فبلغ عمراً الخبر فدعا وردان مولاه وقال له: ويحك عزلني أمير المؤمنين! قال: فمن استعمل؟ قال: أبا الأعور، قال: دعني وإياه أصنع له طعاماً ولا ينظر في كتابه حتى يأكل، قال: نعم، فلما قدم عليه أخرج الكتاب بتسليم العمل إليه، فقال عمرو: ما تصنع بالكتاب؟ لو جئتنا برسالة لقبلنا ذلك منك، فقال وردان: ضع الكتاب وكل، فقال أبو الأعور لعمرو: انظر في الكتاب، قال: ما أنا بناظر فيه حتى تأكل، فوضعه إلى جانبه وجعل يأكل، فاستدار وردان فاتخذه، فلما فرغ أبو الأعور من غدائه طلب الكتاب فلم يجده فقال: أين كتابي؟ فقال له عمرو: أوليس جئتنا زائراً لنحسن إليك؟ قال: بل استعملني أمير المؤمنين وعزلك! قال: مهلاً لا يظهرن هذا منك فإنه قبيح ونحن نصلك ونحسن إليك، فرضي بالصلة، وبلغ معاوية الخبر فاستضحك وتعجب من فعله وأقرّ عمراً على عمله.
وعن الشعبي قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية، وكان خاف العزل: قد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وسفهني سفهاء قريش وأمير المؤمنين أولى بعمله. فكتب إليه معاوية: أما ما ذكرت من كبر سنك فأنت أكلت عمرك، وأما اقتراب أجلك فلو أستطيع دفع الموت عن أحد دفعته عن نفسي وعن آل أبي سفيان، وما ذكرت من سفهاء قريش فحلماؤها أنزلتك هذه المنزلة، وأما العمل فاصبر رويداً يدرك الهيجاء حمل. فاستأذنه في القدوم عليه فأذن له، فوافاه، فقال له معاوية: يا مغيرة كبرت سنك واقترب أجلك ولم يبق منك شيء وسأستبدل بك، فانصرف فرأى أصحابه الكآبة في وجهه فقالوا: ما لك؟ قال: قال لي كيت وكيت، قالوا له: فما تريد أن تصنع؟ قال: ستعلمون، قال: فأتى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين إن الإنسان يغدو ويروح، ولستَ في زمن أبي بكر ولا عمر، فلو أنك نصبت لنا إنساناً نصير إليه بعدك، كان الرأي على أني قد كنت دعوت أهل العراق إلى يزيد، قال: يا أبا محمد انصرف إلى عملك واحكم هذا الأمر لابن أخيك. قال: فأقبل على البريد يركض وقال: قد والله وضعت رجله في ركاب طويل الركض، قال: فذاك هو الذي بعث معاوية على أخذ البيعة ليزيد.
مساوئ العيّ وضعف العقل
(1/67)

قال ثمامة صاحب الكلام: كان المأمون قد همّ بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتاباً في الطعن عليه، قال: ففثأه عن ذلك يحيى بن أكثم وقال: يا أمير المؤمنين العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرةٌ ونبوةٌ لا تستقال ولا يُدرى ما تكون عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة وآمن في العاقبة وأجرى في التدبير، فركن إلى قوله، فلما دخلت عليه قال: يا ثمامة قد علمت ما كنا دبّرناه في أمر معاوية وقد عارضنا رأيٌ هو أصلح في تدبير المملكة وأبقى ذكراً في العامة، ثم أخبرني أن يحيى بن أكثم حذّره وأخبره بنفور العامة عن مثل هذا الرأي، فقلت: يا أمير المؤمنين والعامة عندك في هذا الموضع الذي وضعها فيه يحيى، والله لو بعثت إليها إنساناً على عاتقه سوادٌ ومعه عصاً لساق إليك منها عشرة آلاف! والله يا أمير المؤمنين ما رضي الله جل وعز أن سوّاها بالأنعام حتى جعلها أضل سبيلاً، فقال تبارك وتعالى: " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً "، والله لقد مررت يا أمير المؤمنين منذ أيام في شارع الخلد وأنا أريد الدار فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو قائم ينادي: هذا الدواء للبياض في العين والغشاوة والظلمة وضعف البصر، وإن إحدى عينيه لمطموسة والأخرى مؤلَمة، وقد تألبوا عليه واحتفلوا إليه، فنزلت عن دابتي ودخلت بين تلك الجماعة فقلت: يا هذا أرى عينيك أحوج الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء! فما بالك يا هذا لا تستعمله؟ قال: أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة ما رأيت شيخاً قط أجهل منك ولا أحمق! قلت: وكيف ذاك؟ قال: يا جاهل أتدري أين اشتكت عيني؟ قلت: لا، قال: بمصر، فأقبل عليّ الجماعة فقالت: صدق والله أنت جاهل، وهمّوا بي، فقلت: والله ما علمت أن عينه اشتكت بمصر! فتخلصت منهم بهذه الحجة. قال: فضحك المأمون وقال: ما لقيت من الله جل ذكره من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر، قلت: أجل.
وقيل: إنه كان رجل من المعتزلة وكان له جار يرى رأي الخوارج، وكان كثير الصلاة والصيام حسن العبادة، فقال المعتزلي لرجلين من أصحابه: مرّا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه لعل الله جل وعز ينقذه من الهلكة بنا ويهديه من الضلالة، فأتوه وكلّموه فأصغى إلى كلامهم، فلما سكتوا انتعل وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد فرفع صوته بالقراءة واجتمع إليه الناس، وقعد الرجل وصاحباه، فقرأ ساعةً حتى أبكى الناس ثم وعظ فأحسن ثم ذكر الحجاج فقال: أحرق المصاحف وهدم الكعبة وفعل وفعل فالعنوه لعنه الله! فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم، ثم قال: يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن أن يغفر الله عز وجل له ولنا معه فإنا كلنا مذنبون، لقد كان الحجاج غيوراً على حرم المسلمين تاركاً للغدر ضابطاً للسبيل عفيفاً عن المال لم يتخذ ضيعةً ولم يكن له مال فما علينا إن نترحم عليه فإن الله عز وجل رحيم يحب الراحمين، ثم رفع يده ودعا بالمغفرة للحجاج ورفع القوم أيديهم وارتفعت الأصوات بالاستغفار ملياً، قال الرجل المعتزلي وهو يلاحظني، فلما فرغ وانصرف ضرب بيده إلى منكبي وقال: هل رأيت مثل هؤلاء القوم لعنوه واستغفروا له في ساعة واحدة، أتنهى عن دماء أمثال هؤلاء؟ والله لأجاهدنهم مع كل من أعانني عليهم.
محاسن التيقظ
قيل: كان أردشير من أشد خلق الله فحصاً وبحثاً عن سرائر خاصته وعامته وإذكاءً للعيون عليهم وعلى الرعية، وكان يقول: إنما سمي الملك راعياً ليفحص عن دفائن رعيته، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا اسمه ومن الملك إلا ذكره، ويقال: إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار مملكته خير أم شر ويمسي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه، فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، ثم يحدّثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح، وكان بعضهم يقول: يأتيه ملك من السماء فيخبره، وما كان ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته.
(1/68)

ويقال: إن الأمم كلها، أولها وآخرها، قديمها وحديثها، لم تخف ملوكها خوفها أردشير من ملوك العجم وعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من ملوك العرب والإسلام، فإن عمر، رضي الله عنه، كان علمه بمن نأى من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه على مهاد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي أمير ولا عامل إلا وله عليه عين لا يفارقه، فكان أخبار النواحي كلها عنده كل صباح ومساء، حتى إن العامل كان يتوهم على أقرب الخلق إليه وأخصهم به، فساس الرعية سياسة أردشير في الفحص عنها وعن أسرارها، ثم اقتفى معاوية فعله وطلب أثره، فانتظم له أمره وطالت في الملك مدّته.
وكذا كان زياد بن أبي سفيان يحتذي فعل معاوية كاحتذاء معاوية فعل عمر، رحمه الله، في تعرف أمور رعيته وممالكه، وفي ما يُحكى عنه أن رجلاً كلمه في حاجة له فتعرف إليه وهو يظن أنه لا يعرفه فقال: أصلح الله الأمير، أنا فلان بن فلان، فتبسم زياد وقال: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأمك وجدك وجدتك وأعرف هذا البُرد الذي عليك وهو لفلان! فبهت الرجل وأُرعد حتى كاد يغشى عليه.
وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان والحجاج ولم يكن بعد هؤلاء الثلاثة أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور فكان أكبر الأمور عنده معرفة الرجال حتى عرف العدو من الولي والموادع والمسالم من المشاغب فساس الرعية على ذلك، ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد فكان أشد الملوك بحثاً عن أسرار رعيته وأكثرهم بها عناية وأحزمهم فيها أمراً.
وعلى هذا كان المأمون في أيامه، والدليل على أمر المأمون رسالته إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث وهو بالشام خبّر فيها عن عيب واحد واحدٍ وعن نحلته وعن أموره التي خفيت أو أكثرها على القريب والبعيد، ولم يكن أحد من ذوي السلطان الأعظم أشد فحصاً وبحثاً عن أمور الناس حتى بلغ هذا المبلغ في الاستقصاء وجعله أكبر شُغله وأكثره في ليله ونهاره من إسحاق بن إبراهيم.
حدثني موسى بن صالح بن شيخ قال: كلمته في امرأة من بعض أهلنا وسألته النظر لها فقال: يا أبا محمد من قصة هذا المرأة ومن فعلها، قال: فوالله ما زال يحدثني ويخبرني عن قصتها ويصف أحوالها حتى بُهتّ.
وحدّث أبو البرق الشاعر قال: كان يجري عليّ أرزاقاً فدخلت عليه فقال بعد أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا، فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله.
وحدث بعض من كان في ناحتيه قال: رفعت إليه قصة أسأله فيها أجراً وأرزاقاً، فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد، فقال: كذبت، فبهتّ وقلت: يا نفس من أين علم أني كذبت! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة، فقال: كم عيالك؟ فقلت: كذا، قال: صدقت، ووقع في القصة: يجرى على عياله كذا وكذا.
(1/69)

ويقال: إن كسرى أبرويز كان نصب رجلاً يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته وطعن في المملكة، فكان الرجل يُظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا والرغبة في الآخرة وترك أبواب الملوك، وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب كلامه في خلال ذلك بذم الملك وتركه شرائع ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان عليه، وكان هذا الرجل يمتثل ما حدّه له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته، وكان من يسعى يخبر أبرويز بذلك، فيضحك ويقول: فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن كان بتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها، ويظهر الاستهانة بأمره والثقة به والطمأنينة إليه، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن يجيبه ويقول: لا ينبغي لمن خاف الله أن يخاف أحداً سواه، فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس به، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن وطابقه على ذلك وشايعه، فيقول الناسك: إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي، فحصّ منه دمك، فيزداد الآخر إليه استنامة وبه ثقة، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته: إني قاعد غداً مجلساً للناس أقص عليهم فاحضروه، ويقول لمن هو أشد به ثقة: احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيراً وسارعوا إلى استجابتي، فيقول الرجل: إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت، وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيوناً يحضرون متى جلس، فكان الناسك يقصّ على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة والخائن حاضر، فيأخذ الناسك في ذكر الملك، فينهض الخائن، وتجيء عيون أبرويز فتخبره بما كان، فإذا زال الشك عنه في أمره وجّهه إلى بعض البلدان وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس به والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنت به الدار فاقتله قتلةً تحيي بها بيت النار وتصل بها حرمة النوبهار، فإن من فسدت نيته بغير علة في الخاصة والعامة لم يصلح بعلة، ومن فسدت نيته بعلة صلحت بخلافها.
(1/70)

قال: وحدثنا الوضّاح بن محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا بديل بن حبيب يقول: كنا إذا خرجنا من عند أبي جعفر المنصور صرنا إلى المهدي وهو يومئذٍ ولي عهد، ففعلنا ذلك يوماً فأبرز لي المنصور يده فانكببت عليها فقبلتها، فضرب يدي بيده، فعلمت أنه لم يفعل ذلك إلا لشيء في يده، فوضع في يدي كتاباً صغيراً تستره الكف، فلما خرجت قرأت الكتاب فإذا فيه: إذا قرأت كتابي هذا فاستأذن إلى ضياعك بالري، فرجعت فاستأذنت فقلت: يا أمير المؤمنين ضياعي بالري قد اختلت ولي حاجة إلى مطالعتها. فقال: لا ولا كرامة، فخرجت ثم عدت إليه اليوم الثاني فكلمته، فردّ عليّ مثل الجواب الأول، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت صلاحها لأقوى بها على خدمتك، فقال: إذا شئت، فقلت: يا أمير المؤمنين فلي حاجة أذكرها. قال: قلت: أحتاج إلى خلوة، فنهض القوم وبقي الربيع، فقلت أحلني، قال: ومن الربيع؟ قلت نعم، فتنحى الربيع فقال: إن جدت لي بدمك ومالك، فقلت: يا أمير المؤمنين وهل أنا ومالي إلا من نعمتك؟ حقنت دمي ورددت علي مالي وآثرتني بصحبتك، فقال: إنه يهجس في نفسي أن المرار بن جهور على خلعي وليس لي غيرك لما أعرف بينكما فاظهر إذا صرت إليه الوقيعة فيّ والتنقّص لي حتى تعرف ما عنده فإذا رأيته يهمّ بخلعي فاكتب إليّ ولا تكتبن على بريد ولا مع رسول ولا يفوتني خبرك في كل يوم فقد نصبت لك فلاناً القطان في دار القطن فهو يوصل كتبك، قال: فمضيت حتى أتيت الري فدخلت على مرّار فقال: أفلتّ؟ قلت: نعم والحمد لله، ثم أقبلت أؤنسه بالوقيعة في المنصور حتى أظهر ما كان المنصور ظن به، فكتبت إليه بذلك، فلما وصلت منه إلى ما أردت أتيت ضياعي ثم رجعت إليه بعد أيام، فقال: نجّاك الله من الفاجر؟ قلت: نعم، وأرجو أن تقع عينه عليّ أبداً، فكنت أعرّض به فيزيدني مما عنده، ثم قال لي: هل لك أن تخرج إلى متنزه طيب؟ قلت: نعم، فخرجت أنا وهو نتساير حتى صرنا إلى موضع مشرف قد بنيت له عليه قبة، فأحدّ النظر إلى ما هناك ثم قال: يا أبا بديل أترى الفاجر يظن أني أعطيه طاعة أبداً ما عشت؟ اشهد أني قد خلعته كما خلعت خفّي هذا من رجلي! قال: فرجعت إلى منزلي وأنا في كل يوم أكتب بخبره، قال: وقد كنت أعددت تسعة فرسان من بني يربوع ورجلاً من بني أسد فواطأتهم أن نبطش به وكتبت إلى المصمغان أن يأتيه في جنده إلى الموضع الذي اتفقنا عليه، قال: وأخذ المرّار الدواء في ذلك اليوم، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال: احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت، قال: فدخلت عليه فإذا هو على كرسي، فعرفت الشر في وجهه والمنكر في نظره، فقال: هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني؟ قال فتضاحكت وقلت: بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي، لقد علمت فيك حيلته! ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء وقال: لا ترم، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعاً، فقال الحاجب: أسرعت. قلت: نعم في حاجة للأمير، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي، فعلمت أنه صاحبي، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضييّ، فوجّه خيلاً في طلبي، فمال اليربوعيون فدفعهم، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتاباً مكشوفاً، فكتب: إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه.
(1/71)

عليّ بن بريهة الهاشمي قال: قال صاحب عذاب أبي جعفر: دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك اصدقيني فوالله ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البرّ إليه، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد الله وهي تقول: ما أعرف مكانه، ودعا بالدَّهق وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال: امسكوا عنها، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب: ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها؟ قالوا: الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب: ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها؟ قالوا: قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود، فقال لها: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسود وجهها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم، قال: صدقت، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم، ثم قال: أوتعرفين فلاناً البقال؟ قالت: نعم هو في بني فلان، قال: هو والله مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمةً لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء وورقاً، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد.
قيل: وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد الله بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى حضرته، فلما أُخرجوا كثر عليهم البكاء، فقال عبد الله: أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء، فإني أشهد الله على ما أردت من إحياء الحق وإماتة الباطل، فجرى القدر بما جرى، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف، فالحمد لله الذي جعل منايانا جهاداً ولم يجعلها مهاداً.
وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال: قال لي المأمون: نُبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة. قلت: ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ ومحاسن ساداتي، قال: فهات ما عندك، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط، فكان منها أن قال: ما اسم أم قحطبة بن شبيب؟ قلت: لا أعلم، قال: لبابة بنت سنان. ثم قال: ما اسم أبي عون؟ قلت: لا أدري، قال: فلان. فوالله ما زال يسائلني عن خفيّ أمر الدولة ولا يجد عندي جواباً ولا يزيدني على أن تبسم، فكلما فعل ذلك زاد في عينيّ وضعفت عند نفسي، قال فكان آخر ما قال: أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متمّ كأنه أتاها آتٍ في منامها فقال لها: يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة، فمات الهادي في تلك الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا.
(1/72)

وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال: لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرهم مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوماً في الجمعة يحضرون مجلسه، فقال لي المأمون: يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم، فكنت أحضر، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء، قال: فحضرت يوماً فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم، وكان ذلك إذنه بانصرافهم، فوثبت معهم، فقال بيده: مكانك يا إبراهيم، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلفي، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي: هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء، فقلت ما عندي، وقال إبراهيم ما عنده، فقال: ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى والله لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولاً لما زاد على معرفته، وقال: إنه كان مما حفظت عنه في ثلب أصحابه أنه قال: تسبيح حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمَع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجّا وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل الله وصلاة أبي رجاء الضحى، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار: هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيراً من هذا؟ قلت: اللهم لا! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر، فقال: وما تصنع بهذا وقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلاً رجلاً حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم؟ قال: وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال: سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لنا المأمون يوماً من الأيام: من أنبل من تعلمون نبلاً وأعفهم عفة؟ قال: فقلنا وأكثرنا، فبعضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعدّدنا ما نعرف من مكارم الأخلاق، فقال: ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنّا لم نردها ولا أردنا خلفاءها، قال علي بن صالح: اعرف القصة في عمر بن الخطاب، رحمه الله، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاماً ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره، ثم قال: ذاك والله أبو العباس عبد الله بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها خراجها وبها أموالها جمّة ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج عنها بعشرة آلاف ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إليّ أنه عرضت عليه أموال لو عرضت عليّ أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام؟ فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخرّيج نعمتي.
(1/73)

وقال بشر بن الوليد: كان والله المأمون الملك حقاً، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب، قال فقال لي يوماً: صف لي أبا يوسف القاضي فإني لم أره، فوصفته له، فاستحسن صفته وقال: وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به، ثم أقبل عليّ وقال: ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبّره وأبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك، يعني القضاة، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه! قال: لكني أدريه وأُدريك ولا والله ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع، ثم قال: ولينا رجلاً أشرتَ به قضاء الأبلّة وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه...... وولينا رجلاً آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة، فأقام بها أربعة عشر شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار، وولينا رجلاً أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهراً، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدماً وخصياناً بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه، فهات ما عندك من الجواب! فقلت: ما عندي يا أمير المؤمنين جواب، قال: ألم أعلمك؟ ثم قال: وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال: قد أصبت واحداً والله يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب، قلت: فاغدُ به عليّ، قال: أفعل، ثم غدا، فقلت: أين الرجل؟ فقال: لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين، قال: فأنكرت عليه وأظهرت الغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر، فانصرفت بالأمس على أن أحضره، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبّل رأسي، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعدّ الذي دعي إليه إحدى المصائب، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله، فقلت: جزاك الله خيراً عن إمامك أحسن ما جزى امرأً عن إمامه وهم دينك ونفسك، قال بشر: فبهتّ وانقطعت ولم أُحر كلمةً..... فقال: لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها والله ما غير ولا بدّل، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق الله عن الصفراء والبيضاء، ميل إلينا من أموال الحشوية أربع مائة ألف دينار، فأي نفس تسخو بهذا؟ قال بشر: فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عمّاله وعن دفين أسرار حكّامه فحصاً شافياً، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امريء وما ينفق، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره، فقال المأمون: إن أهمّ الأمور كلها أمور القضاة والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أجوع يوماً وأشبع يوماً.
(1/74)

حمدون بن إسماعيل النديم قال: حضر العيد فعبّى المعتصم بالله خيله تعبيةً لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيهٌ بها، وأمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القوّاد وأعطى كلّ واحد منهم مصافّه، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القوّاد وأصحابهم في أجمل زيّ وأحسن هيأة فلزموا مصافّهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسيّ بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف، فلما أصبح المعتصم أمر القواد الذين لم يرتبوا في المصاف بالمصير إلى المصلى على التعبية التي حدّها، ولبس ثيابه وجلس على كرسيّ ينتظر مضيّ القواد، فلما انقضى أمرهم تقدّم إلى الرجّالة في المسير بين يديه فتقدّم منهم سبعة آلاف ناشب من الموالي كل ثلاثمائة منهم في زيّ مخالف لزيّ الباقين وأربعة آلاف من المغاربة وأمر الشيعة فكانوا وراءه بالأعمدة وعدّتهم أربعة آلاف، وركبت لا أدري منزلتي أين هي ولا أعرف مرتبتي ولم أعلم أين أسير من الموكب، فلما وضع رجله في الركاب واستوى على سرجه التفت إليّ وقال: يا حمدون كن أنت خلفي، فلزمت مؤخر دابته، فلما خرج من باب القصر تلقّاه القواد وأصحاب المصافّ يخرج الرجل من مصافه فإذا قرب نزل وسلم عليه بالخلافة فيأمره بالركوب ويمضي حتى وصل إلى إبراهيم بن المهدي فنزل وسلم عليه بالخلافة فردّ عليه السلام فقال: كيف أنت يا إبراهيم وكيف حالك وكيف كنت في أيامك؟ اركب، فركب، فلما جاوزه التفت إليّ فقال: يا حمدون! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: تذكر، قلت: أي والله يا سيدي، وأمسك، فنظرت في ما قال فلم أجدني أذكر شيئاً في ذلك الموضع مما يشبه ما كنا فيه، فنغص عليّ يومي وما رأيت من حسنه وسروري بالمرتبة التي أهلني بها، وقلت: الخلفاء لا يعاملون بالكذب ولا يجوز أن يسألني عند انصرافي عن هذا الأمر فلا يكون له عندي جواب ولا حقيقة، وتخوفت أن ينالني منه مكروه، فلم أزل واجماً في طريقي إلى وقت انصرافه ثم أجمعت على مغالطته إن أمكنني وأعمل الحيلة في التخلص إن يسألني، فلما استقر في مجلسه وبسط السماط وجلس القوّاد على مراتبهم للطعام أقبلت أخدم وأختلف ليست لي همة غير ما كان قاله لي لا أغفل عن ذلك حتى انقضى أمر السماط ورفع الستر ونهض أمير المؤمنين ودخل الحجرة ومضى إلى المرقد، فلم ألبث أن جاء الخادم وقال لي: أجب أمير المؤمنين، فمضيت فلما دخلت ضحك إليّ وقال: يا حمدون رأيت؟ قلت: نعم يا سيدي قد رأيت، فالحمد لله الذي بلغ بي هذا اليوم وأرانيه فما رأيت ولاسمعت لأحد من الخلفاء والملوك بأجلّ منه ولا أبهى ولا أحسن، قال: ويحك رأيت إبراهيم بن المهدي؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: رأيت سلامه عليّ وردّي عليه ونزوله إليّ؟ قلت: نعم، فقال: إنه لما كان من أمره ما كان، يعني الخلافة، قسم الطريق في يوم عيد من منزله إلى المصلّى كقسمتي إياه في هذا اليوم بين قواده، فوقع موضعي منه الموضع الذي كان به هذا اليوم، فلما حاذاني نزلت فسلّمت عليه فردّ عليّ مثل ما رددته حرفاً حرفاً على ما قال لي، قال: فدعوت له وانفرج عني ما كنت فيه وتخلّى عني الغمّ والكرب، ثم قال: يا حمدون إني لم آكل شيئاً وأنا أنتظر أن تأكل معي فامض إلى حجرة الندماء فإنك تجد إبراهيم هنالك فاجلس إليه وعابثه وضاحكه وأجر له هذا الحديث وقل له إنك رأيته في ذلك اليوم فعل بي فعلي به في هذا اليوم وانظر إلى وجهه وكلامه وما يكون منه فعرفنيه على حقيقته واصدقني عنه وعجّل ولا تحتبس، قلت: نعم يا سيدي، فمضيت وقد دُفعتُ إلى أغلظ مما كنت فيه لعلمي بأن إبراهيم لو كان من حجرٍ لأثر فيه هذا القول وتغيّر وظهر منه ما يكره، وخفت أن يكون يأتي بما يسفك به دمه فمضيت حتى دخلت الحجرة فجلست إلى إبراهيم وفعلت ما أمرني به وأنا مبادر خوفاً من خادم يلحقني أو رسول فلا يمكنني معه تحسين الأمر وما يظهر لي منه، فقلت لإبراهيم: كيف رأيت يا سيدي هذا اليوم، أما أعجبك حسنه وما كان من تعبية أمير المؤمنين؟ قال: بلى والله إنه أعجبني فالحمد لله الذي بلّغنيه وأرانيه، وأطنب في الدعاء للمعتصم، فلما أمسك قلت: يا سيدي أذكرك في أيامك وقد ركبت فعبّيت شبيهاً بهذه التعبية وقسمت الطريق مثل هذه القسمة فوقع لأمير المؤمنين الموضع الذي
(1/75)

وقع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف ملياً، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سروراً ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه. قع لك واجتزت به فنزل إليك وسلّم فرددت عليه كرده عليك في هذا اليوم، قال: فوالله إن كان إلا أن قلت حتى اربدّ لونه وجفّ ريقه واعتقل لسانه وبقي لا يتكلم بحرف ملياً، ثم قال بلسان ثقيل: لكأني في ذلك الموضع في ذلك اليوم، فالحمد لله للذي رأيته لأمير المؤمنين، فعل الله به وفعل، قال: فتغنّمت ذلك وقمت وأنا ألتفت ونهضت حتى أتيت المعتصم، فقال لي: هيه يا حمدون! فقلت: يا أمير المؤمنين أتيت إبراهيم وقلت له ما أمرتني به فأظهر سروراً ودعاء وقال كيت وكيت، فقال: والله قال بحياتي؟ قلت: وحياتك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف رأيت وجهه؟ فلم أدر ما أقول فقلت: يا أمير المؤمنين بالله لمّا تركتني من وجه عمّك الذي لا يتبين فيه فرح ولا حزن، فاستضحك ثم أمسك وتخلّص إبراهيم، ودعا بالطعام فأكلنا ثم رقد، فلما انتبه وجلس دعا بإبراهيم وسائر الندماء فشرب وبرّ إبراهيم وألطفه.
مساوئ التيقظ وتركه
قيل لبعض بني أمية: ما كان سبب زوال ملكهم؟ فقال: قلة التيقظ وشغلنا بلذّاتنا عن التفرغ لمهمّاتنا ووثقنا بكفاتنا فآثروا مُوافقهم علينا وظلم عمّالنا رعيتنا ففسدت نيّاتهم لنا وحُمل على أهل خراجنا فقلّ دخلنا وبطل عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا واستدعاهم أعداؤنا فأعانوهم علينا وقصدنا بّغاتنا فعجزنا عن دفعهم لقلة نصّارنا، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا فزال ملكنا عنّا بنا.
محاسن الرسل
يقال إن ملوك العجم كانت إذا احتاجت إلى أن تختار من رعيتها من تجعله رسولاً تمتحنه أولاً بأن توجهه إلى بعض خاصتها ثم تقدم عيناً على الرسول يحضر ما يؤدّيه من الرسالة ويكتب كلامه، فإذا رجع الرسول بالرسالة جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته فقابل بها الملك ألفاظ ذلك الرسول فإن اتفقت معانيها عرف بها الملك صحة عقله وصدق لهجته ثم جعله رسولاً إلى عدوه وجعل عليه عيناً يحفظ ألفاظه ويكتبها ثم يرفعها إلى الملك فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم يزد عليه جعله رسولاً إلى ملوك الأمم ووثق به ثم بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة ويصدّق قوله.
وكان أردشير يقول: كم من دمٍ سفكه الرسول من غير حله ولا حقه وكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت ومال قد انتهب وعهد قد نقض بجناية الرسول وأكاذيبه، وكان يقول: على الملك إذا وجه رسولاً إلى ملك آخر أن يردفه بآخر وإن وجه رسولين أتبعهما بآخرين، وإن أمكنه أن لا يجمع بينهما في طريق ولا ملاقاة وألا يتعارفا فيتفقا ويتواطآ في شيء فعل، ثم عليه إن أتاه رسول بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر أن لا يحدث حدثاً في ذلك حتى يكتب إليه مع رسول آخر ويحكي به كتابه الأول حرفاً حرفاً، فإن الرسول ربما خرم ما أُملي عليه وافتعل الكتب وحرّض المرسل على المرسَل إليه وأغراه به وكذب عليه، ومنها قال أبو الأسود وقد سمع رجلاً ينشد:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصه
فقال: قد أساء القول، أيعلم الغيب؟ إذا لو يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ ألا قال:
إذا أرسلت في أمر رسولاً ... فأفهمه وأرسله أديبا
ولا تترك وصيته لشيءٍ ... وإن هو كان ذا عقل أريبا
وإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علِم الغيوبا
(1/76)

وقال يحيى بن خالد البرمكي: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الهدية والرسول والكتاب.
مساوئ الرسول
وحكي عن الإسكندر أنه وجّه رسولاً إلى بعض ملوك المشرق فجاءه رسوله برسالة فشكّ في حرف منها فقال له الإسكندر: ويحك إن الملوك لا تخلو من مقوّم ومسدّد إذا مالت بطانتها وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ بيّنة العبارة غير أن فيها حرفاً ينقضها، أفعلى يقينٍ أنت من هذا الحرف أو أنت شاكّ فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين، قال: فأمر الإسكندر أن تكتب ألفاظه حرفاً حرفاً وتعاد إلى الملك مع رسول آخر فيقرأ عليه ويترجم له، فلما قرأ الكتاب على الملك فمرّ بذلك الحرف أنكره فقال للمترجم: ضع يدي على هذا الحرف، فوضعها، فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكين، فقطع من الكتاب، وكتب إلى الإسكندر: رأس المملكة صحة فطنة الملك وأسّ الملك صدق لهجة رسوله إذ كان عن لسانه ينطق وإلى أذنه يؤدّي، وقد قطعت بسكيني ما لم يكن من كلامي إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلاً، فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر دعا الرسول الأول فقال: ما حملك على كلمةٍ أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذاك كان لتقصير رآه من الموجّه إليه، قال الإسكندر: فأراك سعيت لنفسك لا لنا فلما فاتك بعض ما أملت جعلت ذلك ناراً في الأنفس الخطيرة الرفيعة! ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه.
محاسن الحجاب
يقال إن ملوك العجم كانت تأخذ أبناءها بأن يعاملوها بما تعامل به عبيدها، وأن لا يدخل أحد من الولد عليها إلا عن إذنها، وأن يكون الحجاب عليهم أغلظ منهم على من دونهم من بطانتها وخدمها لئلا تحملهم الدّالة على تعدّي ميزان الحق، فإنه يقال إن يزدجرد رأى بهرام بموضع لم يكن له فقال له: مررت بالحاجب؟ قال: نعم، قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم، قال: فاخرج إليه فاضربه ثلاثين سوطاً ونحّه عن الستر ووكّل بالحجاب أزاذمرد، ففعل بهرام ذلك وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، ولم يعلم الحاجب فيم غضب عليه الملك، فلما جاء بهرام بعد ذلك ليدخل دفع أزاذمرد في صدره دفعة أوقذه منها وقال له: إن رأيتك بهذا الموضع ضربتك ستين سوطاً لجنايتك على الحاجب الأول وثلاثين لئلا تطمع في الجناية عليّ، فبلغ ذلك يزدجرد فدعا بازاذمرد فخلع عليه ووصله.
ويقال: إن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب، فكان إذا أراد الدخول عليه قال لبعض جواريه: انظري هل تحرك أمير المؤمنين، فجاءت الجارية حتى فتحت الباب ومعاوية قاعد في حجره مصحف وبين يديه جارية تصفّح عليه، فأخبرت يزيد بذلك، فجاء يزيد حتى دخل على معاوية، فقال: يا بني إنما جعلت بيني وبينك باباً كما بيني وبين العامة لتدخل عليّ وقت إذنك فهل ترى أحداً يدخل عليّ من ذلك الباب؟ قال: لا، قال: فكذلك إذنك.
وذكروا أن موسى الهادي دخل على المهدي وهو خليفة فزبره الحاجب وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا بإذن أمير المؤمنين لخاصته.
وذكروا أن المأمون لما اشتد به الوجع سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله ما لي إلى ذلك سبيل ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك فاطّلع عليه من ثقب في ذلك الباب، فجاء حتى اطّلع عليه وتأمله وانصرف.
وحكي عن إيتاخ أنه بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفاً في موضع لم يكن له أن يقرب منه ولا أن يقف به فزبره وقال: تنحّ فوالله لولا أني لم أتقدم إليك لضربتك مائة سوط.
وكانت الأعاجم تقول: ما شيء بأضيع للملكة ولا أضيع للرعية من صعوبة الحجاب، ولا شيء أهيب للرعية من سهولة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت من الوالي بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت منه بصعوبة الحجاب هجمت على الظلم وركب القويّ منهم الضعيف، فخير خلال السلطان سهولة الحجاب.
قال: وقال خالد بن عبد الله القسريّ: لا يحجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيّ فهو يكره أن يعرف الناس منه ذلك، وإما رجل مشتمل على سوءة فهو يكره أن يطّلع الناس على ذلك فيه، وإما رجل يكره مسألة الناس إياه.
قيل: واستأذن أبو سفيان بن حرب على عثمان بن عفان، رحمه الله، فحجبه، فقيل له: حجبك أمير المؤمنين، فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.
(1/77)

قال: وقال الرشيد لبشر بن ميمون لما ولاه الحجبة: يا بشر صن طلاقة اسمك بحسن فعلك واحجب عني من إذا قعد أطال وإذا طلب أجال فِكره، ولا تستخفنّ بذوي المروءة والحرمة فإنهم إن مدحوا تلبّوا وإن ذُمّوا أزالوا.
وذكروا عن الربيع الحاجب أن المنصور دعا محمد بن عيسى بن علي إلى الغذاء فقال: يا أمير المؤمنين قد أكلت، فلما خرج أخذه الربيع وحمله على ظهر رجل وضربه كما يضرب الصبيان، فظن أهل بيته أن المنصور أمره بذلك، فخرج يبكي إلى أبيه، فجاء أبوه عيسى بن علي فخلع سيفه بين يدي المنصور وصاح، فقال: ما أمرت بذلك ولم يفعل الربيع ذلك إلا لأمر، فلما سئل الربيع عن ذلك قال: أمرته أن يتغدّى معك فقال قد أكلت، وإنما دعوته لتشرّفه وترفع منه ولم تدعه لتشبعه، فأدّبته إذ لم يؤدّبه أبوه، فقال المنصور: أحسنت! قد علمت أنك لا تخطيء.
قال: وقال المهدي للفضل بن الربيع حين ولاه الحجبة: إني موليك ستر وجهي وكشفه فلا تجعل الستر بيني وبين الناس سبب إراقة دمائهم بعبوس وجهك في وجوههم فإن لهم دالة الحرمة وحرمة الاتصال وقدّم أبناء الدعوة وثنّ بالأولياء واجعل للعامة وقتاً إذا وصلوا أعجلهم ضيقه عن التلبث والتمكّث، وكان أول من حجبه الحسن بن عثمان ثم الفضل بن الربيع، وكان الهادي ولّى حجبته الفضل بن الربيع بعد الربيع وقال له: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني التزكية، ولا تلق إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً فإن ذلك يوهن الملك ويضرّ بالرعية.
قيل: وقال الواثق لابن أبي دؤاد: من أولى الناس بالحجبة؟ فقال: مولّى شفيق يصون بطلاقة وجهه من ولاه ويستعبد الناس لمولاه، فنظر إلى إيتاخ وكان واقفاً على رأسه فقال: قد ولاّك أبو عبد الله الحجبة، فكان إيتاخ يعرف ذلك له ويتقدّم بين يديه إلى أن يبلغ مرتبته.
قال: وقال رجل لزياد: إن حاجبك إنما يبدأ بالإذن لمعارفه، فقال: قد أحسن، المعرفة تنفع عند الكلب العقور والأسد الهصور وبين لحيي البعير الصؤول، كن من معارفه، فقد قيل: التعارف نسب وقبّح الله معرفة لا تنفع.
وكان ليحيى بن خالد حاجبٌ قبل الوزارة، فلما صار إلى الوزارة رأى كأنه تثاقل عن حجابته فقيل له: لو اتخذت حاجباً غيره، قال: كلا، هذا يعرف إخواني القدماء، وقال الشاعر في مثله:
هشٌ إذا نزل الوفود ببابه ... سهلُ الحجاب مؤدِّب الخدّام
وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال خيط القنديل في محمد بن عبد الله بن طاهر:
يا أيها الملك المحجوب آمله ... وراء بابك همٌ غير مشترك
وكم أقول فلا يجدي فينجدني ... ولا أرى مدنياً من قبة الملك
وقد تحصّن مني في محصَّنةٍ ... خلقاء خلف وشيج السمر والحسك
أصبحت كالشمس لا تخفى على أحدٍ ... لكنّ مطلعها في سرّة الفلك
يا ليت ريح سليمانٍ مسخرةً ... إليه تحملني أو منكبي ملك
فلست دون أناسٍ كان سهمهم ... سهم النّجيح فنالوا غاية الدّرك
فإن ظُلمتُ ولم أُنصف فقد ظلمت ... بنت النبي كما قد قيل في فدك
مساوئ الحجبة
(1/78)

قال ثمامة: جلس المأمون يوماً وقد حضر الناس فأمر عليّ بن صالح بإدخال إسماعيل بن موسى فغلط وأدخل إسماعيل بن جعفر، وكان المأمون من أشدّ الناس له بغضاً فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم ابدلني بعليّ بن صالح مطيعاً ناصحاً فإنه بصداقته لهذا آثر هواه على هواي، فلما دنا قبّل يده، فقال: هات حوائجك، فقال: ضيعتي بالفتنة قُهرتها وغُصبت عليها، فأمر بردها عليه ثم قال: اذكر حاجتك، فقال: دينٌ كثير قد لحقني في جفوة أمير المؤمنين إياي، فأمر بقضاء دينه، وقال: حاجتك؟ قال: يأذن لي أمير المؤمنين في الحج؟ قال: قد أذنّا لك، وحاجتك أيضاً؟ قال: وقف أبي كان في يدي فأُخرج عني، قال: يردّ عليك إن رضي ورثة أبيك، ثم قال: الذي أمكننا في أمرك قد جدنا به ووقف أبيك إلى ورثته، ثم قال لعلي بن صالح: يا عبد الله ما لي ولك! متى رأيتني أنشط لإسماعيل بن جعفر وهو صاحبي بالأمس بالبصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب عني إسماعيل بن موسى، قال: ذهب عنك ما كان يجب عليك حفظه وحفظت ما كان يجب أن لا تحفظه، فأما إذ أخطأت فلا تُعلم إسماعيل بن جعفر القصة، فظن أنه عنى إسماعيل بن موسى فأخبر إسماعيل بن جعفر حرفاً حرفاً فأذاعها إسماعيل وبلغ المأمون فقال: الحمد لله الذي وهب لي هذه الأخلاق التي أحتمل عليها علي بن صالح وأبا عمران الطوسيّ وحميد بن عبد الحميد ومنصور بن النعمان.
وحدثنا مسعود بن بشر عن ابن داحة قال: خرج إلينا يعقوب بن داود من عند المهدي ونحن على بابه فقال: ما صدر هذا البيت:
ومحترسٍ من مثله وهو حارس
فإن أمير المؤمنين سأل عنه فلم يكن عند أحد منهم جواب. فقلت: أنا أخبرك، قال البردخت الشاعر، والبردخت الفارغ بالفارسية:
أقلي عليك يا اللوم يا أم مالك ... وذمي زماناً ساد فيه الفلافس
كساعٍ إلى السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس
الفلافس من بني نهشل بن دارم كوفيّ وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وقال الأشهب بن رميلة النهشلي:
يا حار يا ابن أبي ربيعة إنه ... يزني إذا اختلط الظلام ويشرب
جعل الفلافس حاجبين لبابه ... سبحان من جعل الفلافس يحجب
فدعا به الحارث وقال: قد علمت أنه كذّب عليك ولكن لا حاجة لي فيك فاخرج عني، وقال الشاعر في مثله:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى تلين قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاً ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
وقال آخر:
سأترك باباً أنت تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك
فلولا كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعاً نحو مالك
وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف:
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى ينجح الغادي لديك بحاجةٍ ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
وكتب رجل إلى عبد الله بن طاهر:
إذا كان الجواد له حجابٌ ... فما فضل الجواد على البخيل
فأجابه:
إذا كان الجواد قليل مالٍ ... ولم يقدر تعلّل بالحجاب
وكتب عبد الله بن محمد بن أبي عيينة إلى صديق له:
أتيتك زائراً لقضاء حقٍّ ... فحال الستر دونك والحجاب
ولست بساقطٍ في قدر قومٍ ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
وقال آخر:
وأحضر باب إبراهيم جهلاً ... بما فيه وأرشو الحاجبين
فأخرج إن خرجت بغير شيءٍ ... وأدخل إن دخلت بدرهمين
وقال آخر:
يدلّ على أنه كاتب ... سوادٌ بأظفاره راتب
فإن كان هذا دليلاً له ... فإسكافنا كاتبٌ حاسب
حجابٌ شديدٌ لأبوابه وليس لباب استه حاجب
وقال آخر:
لقلع ضرسٍ وضنك حبسٍ ... ونزع نفسٍ وردُّ أمس
وأكل كفٍّ وضيق خفٍّ ... وفقد إلفٍ وإلف فلس
وقود قردٍ ونسج بردٍ ... ودبغ جلدٍ بغير شمس
وشرب سمٍ وقتل عمٍ ... وكلُّ غمٍ ويوم نحس
ونفخ نارٍ وحمل عارٍ ... وبيع جارٍ بربع فلس
(1/79)

أيسر من وقفةٍ ببابٍ ... يلقاك بوّابه بعبس
وقال:
لما رأيتك ذاهباً ... ورأيتني أُجفى ببابك
عدّيت رأس مطيتي ... وحجبت نفسي عن حجابك
وقال آخر:
لئن كان التشرف في الحجاب ... لقد أصبحت في الشرف اللباب
لقد عاتبت نفسي في وقوفي ... فقلت لها: وقفت بأيّ باب
ببابٍ تُسلب الموتى عليه ... ويُستلب العراق من الكلاب؟
منصور بن باذان:
أما وزمر ابن شيبه ... وقبح لحية عقبه
كأنما شعر قردٍ ... ملصَّقٌ حول ذنبه
ووجهه حين يبدو ... كقبح أول شربه
لئن أطلت حجابي ... ما أنت إلا ابن قحبه
وكيف تبني المعالي ... يا نجل كلبٍ لكلبه
وهل يكون كريماً ... يا قوم حمّال قربه!
وله:
يا ذا الذي قصّر في مجده ... وزاد في عدّة حجّابه
أقسمت لا أقرب باب امريءٍ ... يحجبني البوّاب عن بابه
فأدخل الله رؤيس امريءٍ ... يحجب مثلي في است بوّابه
ولأبي عبد الله مريقة في علي بن أحمد المعروف بابن الحواري شاعر وكان حجبه فتعرض له وقد ركب فقال:
أسَلُ الذي صرف الأعنّ ... ة بالمواكب نحو بابك
وأراك نفسك دائماً ... ما لم يكن لك في حسابك
وأذل موقفي العزي ... ز عليّ في أقصى رجائك
ألا يطيل تجرّعي ... غصص المنية من حجابك
محاسن الولايات
قال إبراهيم بن السندي: بعث إليّ المأمون فأتيته فقال: يا إبراهيم إني أريدك لأمر جليل والله ما شاورت فيه أحداً ولا أشارك بك أحد، فاتق الله ولا تفضحني، فقلت: يا سيدي لو كنت شر خلق الله ما تركت موضع قادح فكيف ونيّتي في طاعة أمير المؤمنين نية العبد الذليل لمولاه؟ قال: قد رأيت أن أوليك خبر ما وراء باب داري فانظر أن تعمل بما يجب عليك لله جل وعز ولي ولا تراقب أحداً، فقلت: يا سيدي فإني أستعين بالله عز وجل على مرضاته ومرضاتك، فبعثت أصحاب الأخبار في الأرباع ببغداد فرفع إليّ بعضهم أن صاحب ربع الحوض أخذ امرأة مسلمة مع رجل نصراني من تجار الكَرخ فافتدى نفسه بألف دينار، فرفعت إليه ذلك فدعا عبد الله بن طاهر فقال له: انظر في هذا الذي رفعه إلي صاحب الخبر، فقرأه وقال: رفع يا أمير المؤمنين الباطل والزور وأغراه بي فعمل قوله فيّ وملأ قلبه، فبعث إلي وقال: يا إبراهيم ترفع إلي الكذب وتحملني على عمّالي؟ فكتبت رُقعَة دفعتها إلى فتحٍ الخادم ليوصلها إليه قلت فيها: إنّما يحضر الأخبار في الأرباع المرأة والطفل وابن السبيل وغير ذلك، ولو كانت الأخبار لاترفع إلا بشهود عدول ما صحّ خبرولا كتب به، ولكن مَجرَى الأخبار أن يحضرها قوم على غير توطّؤ، فإن أمرني أمير المؤمنين أن لا أكتب إليه بخبر إلاّ بعدول وبرهان فعلت ذلك، وعلى هذا فلا يرتفع في السنة خبر واحد. فلّما قرأ الرقعة فكّر فيها ليلته وجاءني رسولُه مع طلوع الشمس، فأتيتُه من باب الحمّام فلمّا رآني قال: اطمأنن. وقام فصلى ركعتين أطال فيهما ثم سلّم والتفت إليّ وليس في المجلس غيري فقال: يا إبراهيم إنما قمت للصلاة ليسكن بهرك ويقوى متنك ويُفرخ روعك فتمكن في قعودك، وكنت قاعداً على ركبتي، فقلت: لا أضع قدر الخلافة يا سيدي ولا أجلس إلا جلوس العبد بين يدي مولاه. ثم قام فصلى ركعتين دون الأوليين ثم قال: هذه رقعتك تحت رأسي قد قرأتها أربع مرات وقد صدقت في ما كتبت به ولكني امرؤٌ أداري عمّالي مداراة الخائف وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجّة البيضاء سبيلاً، فاعمل على حسب ذلك ولِن لهم تسلم منهم وفي حفظ الله إذا شئت. فانصرفت فدعوت أصحاب الأخبار فتقدمت إليهم في مداراة القوم والرفق بهم واللين لهم.
(1/80)

وعن إسحاق بن أيوب بن جعفر بن سليمان قال: دخل محمد بن واضح دار المأمون وخلفه أكثر من خمسمائة راكب كلهم راغبٌ إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلي أعمالاً من أعمال السواد، فدعا به المأمون فقال: يا أمير المؤمنين اعفني من عمل كذا وكذا فإنه لا قوة لي عليه، فقال: قد أعفيتك، واستعفى من عمل آخر وهو يظن أنه لا يعفيه فأعفاه حتى خرج من كل عمل في يده في أقل من ساعة وهو قائم على رجله، فخرج وما في يده شيء من عمله، فقال المأمون لسلم الحوائجي: إذا خرج فانظر إلى موكبه واحص من معه، وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل، فخرج سالم وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله فنظر فإذا لا يتّبعه إلا غلام له بغاشية، فرجع إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم لو تجمّلوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه! ثم تمثل فيهم:
ومن يجعل المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير ام عامر
ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلاً حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين.
وذكروا أنه كان سبب عزل الحجاج عن الحجاز أنه وفد وفد منهم فيهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان فأثنوا على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام وجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان، قال: أفجهلتنا أو تغيرت بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال: ولّيت علينا الحجاج يسير فينا بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير الحق، والله لئن أعدته علينا لنعصينك، فإن قاتلتنا وغلبتنا وأسأت إلينا قطعت أرحامنا، ولئن قوينا عليك لنعصينك ملكك! قال: فانصرف والزم بيتك ولا تذكرنّ من هذا شيئاً، قال: فقدم إلى منزله وأصبح الحجاج غادياً على الوفد في منازلهم يجزيهم الخير، ثم أتى عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيراً فقد أبدلني بكم خيراً لي منكم وأبدلكم بي غيري وولاني العراق.
وعن الوضّاحيّ عن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عندما استعفى أهل العراق من الحجاج بن يوسف قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم يعني أخاه محمد بن مروان أو ابنه عبد الله مكان الحجاج، فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين إن أهل العراق استعفوا من سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فأعفاهم منه فساروا إليه من قابل فقتلوه، فقال عبد الملك: صدق ورب الكعبة، وكتب إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له.
مساوئ الولايات
قال: كتب عبد الصمد بن المعذّل إلى صديق له وليَ النفّاطات فأظهر تيهاً:
لعمري لقد أظهرت تيهاً كأنما ... توليت للفضل بن مروان منبرا
وما كنت أخشى لو وليت مكانه ... علي أبا العباس أن تتغيرا
بحفظ عيون النفط أحدثت نخوة ... فكيف به لو كان مسكاً وعنبرا
دع الكبر واستبق التواضع إنه ... قبيح بوالي النفط أن يتكبرا
قال: وسئل عمّار بن ياسر عن الولايات فقال: هي حلوة الرضاع مرة الفطام، ولابن المعتز في مثله:
كم تائهٍ بولاية ... وبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيبٌ ... وخمارها صفع شديد
ولغيره:
لا تجزعن فكلُّ وال يُعزل ... وكما عزلت فعن قريبٍ يعزل
إن الولاية لا تدوم لواحدٍ ... إن كنت تنكره فأين الأول
وكذا الزمان بما يسرك تارةً ... وبما يسوءك مرةً يتنقل
محاسن بُعد الهمة
قال: حدثّنا أحمد بن إسحاق التُستري قال: دخل أحمد بن أبي دؤاد على الواثق فقال له الواثق: بالله يا أبا عبد الله إني حنثت في يمين فما كفارتها؟ فقال: مائة ألف دينار، فقال ابن الزيات: والله ما سمعنا بهذا في الكفارات إنما قال الله جل وعز، وتلا الآية في كفارة الأيمان، فقال: تلك كفارة مثله في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه، إنما تكون كفارة اليمين على قدر جلال الله من قلب الحالف بها ولا نعلم أحداً الله جل وعز في قلبه أجل من أمير المؤمنين فقال الواثق: تحمل إلى أبي عبد الله يتصدق بها.
(1/81)

قال: ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوماً وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضُم إليه من كتّابه، وأجابه، فقال: ما حال ابني هذا؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر في كذا وكذا قال: ليس عن هذا سألت، قالوا: قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا قال: ولا عن هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في أعناق الرجال منناً وحبّبتموه إلى الناس؟ قالوا: لا قال: فبئس العشراء أنتم والأصحاب، هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم! ثم أمر بحمل خمس مائة ألف درهم إليه ففرقت على قوم لا يدري من هم.
قال: وقال المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم: اعتبروا في علوّ الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلابأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن دناءة الهمة وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئاً ما لم تعطوه حقه، وأنشده:
نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌ ... من معشرٍ كنا لها أنكالا
ونرى القروم مخافةً لقرومنا ... قبل اللقاء تقطِّر الأبوالا
نرد المنية لا نخاف ورودها ... تحت العجاجة والعيون تلالا
نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءنا ... قبل السؤال ونحمل الأثقالا
وإذا البلاد على الأنام تزلزلبت ... كنا لزلزلة البلاد جبالا
ولبعضهم في أبي دلف:
له هممٌ لامنتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
له راحةٌ لو أن معشار جودها ... على البرّ كان البر أندى من البحر
ولو أن خلق الله في مسك فارسٍ ... فبارزه كان الخليَّ من العمر
أبا دلفٍ بوركت في كل وجهةٍ ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر
ولغيره:
لا تهدمن بنيان قومٍ وجدتهم ... بنوا لك بنياناً وكن أنت بانيا
وإن زهد الأقوام في طلب العلى ... فسام بكفّيك الندى والمعاليا
عبد الله بن طاهر:
فتىً خصه الله بالمكرمات ... فمازج منه الحيا والكرم
إذا همةٌ قصّرت عن يدٍ ... تناول بالمجد أعلى الهمم
ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليثني زوّاره عن نعم
بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلّل عنهم شباة العدم
وذكّره الحزم غِبَّ الأمور ... فبادر قبل انتقال النّعم
(1/82)

قال: وحدّثنا بعض أهل ذي الرئاستين قال: كان ذو الرئاستين يبعث بي وبأحداث من أهل بيته إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلموا منه الحكمة، فكنا نأتيه ونستفيد منه الآداب، فلما كان بعد ذلك قال لنا: أنتم أدباء وقد تعلمتم الحكمة ولكم نعمة فهل فيكم عاشق؟ فاستحيينا من قوله وسكتنا، فقال: اعشقوا فإن العشق يطلق لسان البليد ويسّخي البخيل ويشّجع الجبان ويبعث على التلطف وإظهار المروءة في المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك، وانظروا أن تعشقوا أهل البيوتات والشرف. قال: فخرجنا من عنده وصرنا إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما أفادنا فهبناه أن نخبره، فقال: تكلموا، فقلنا: تكلموا، فقلنا: إنه أمرنا بكذا وكذا، فقال: صدق وبرّ، أتعلمون من أين قال لكم ذلك؟ قلنا: يخبرنا به الوزير، فقال: كان لبهرام جور ابنٌ قد رشحه للملك من بعده واعتمد عليه في حياته، وكان خامل المروءة ساقط الهمة فضم إليه عدة من المؤدبين والحكماء والعلماء ومن يتعلم الفروسية، فبينا بهرام في مجلسه إذ دخل عليه بعض أولئك المؤدبين المضمومين إلى ابنه، فسأله عن خبر ابنه وأين بلغ من الحكمة والأدب، فقال: أيها الملك قد كنت أرجو أن يتوجه أو يعي بعض ما ألّفته وأُلقيه إليه حتى حدث من أمره ما آيسني منه، قال: وما هو؟ قال: بصر بابنة فلان المرزبان فهويها فهو الآن يهذي بها ليله ونهاره، فقال: الآن رجوت فلاحه، اذهب فشجّعه بمراسلة المرأة وخوّفه بي، فذهب المؤدب فانتهى إلى ما أمره به، وبعث بهرام إلى أبي الجارية ودعاه فقال له: إني مزوج ابني ابنتك فأتها ومرها أن تراسل ابني وتطمعه في نفسها فإذا استحكم طمعه فيها ورجا الالتقاء تجنّت عليه وقالت: إني لا أصلح إلا لملك عظيم القدر بعيد الهمة حسن المودة أديب النفس شجاع البطش ولست كذلك ولا هناك، ثم عرّفني الكائن منك في ذلك. فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك، فراسلت الفتى وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفاً شديداً وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأساً في ذلك، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصّته إلى أبيه يشكو تخلف حاله وقصور يده عما يشتهيه، فوقّع له أبوه بإزاحة علّته والتوسعة عليه، ثم بعث إلى المؤدب فدعاه فقال: قل لابني يرفع إليّ قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة المرزبان، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله، فأمر الملك بإحضار المرزبان وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل، وجهّزها الملك بأجلّ ما يكون من الجهاز وقال لابنه: إذا أنت خلوت بها فلا تُحدثن شيئاً حتى آتيك، فلما كان ذلك الوقت دخل الملك على ابنه فقال: يا بني إياك وأن تصغر شأن هذه المرأة عندك فإنها من أعظم الناس منّة عليك، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان عن أمري وبإذني وتدبيري، فاعرف حقّها وحقّ أبيها وأحسن معاشرتها وبرّها، ثم خرج الملك وخلا الفتى بأهله، ثم قال ذو الرئاستين: سلوا الآن الشيخ عن السبب الذي حمله على ما أمركم به، قال: فسألناه فحدّثنا بحديث ذي الرئاستين.
مساوئ سقوط الهمة
(1/83)

قال: وكان القاسم بن الرشيد ساقط الهمة دني النفس، وكان المأمون على أن يعهد إليه ويؤكد له ما كان الرشيد جعله له من ولاية العهد، وكان لا يزال يبلغه عنه ما يكره مرة في نفسه وأخرى في حشمه، قال: فرفع إليه في الخبر يوماً أنه قال لقوّام حمّامه: نوّروا الناس بالمجان، ففعلوا ذلك فلم يبقَ محتاج إلا جاء يتنوّر، فلما علم أنهم كثروا أخرج عليهم الأسد من باب كان يدخل منه إلى الحمّام فخرج الناس عراةً مغمىً عليهم مع ما عليهم من النّورة هاربين من الأسد فصاروا إلى شارع قصره وقد أشرف عليهم وهو يضحك، فحدّثنا الحسن بن قريش قال: دعاني المأمون وقال: يا هذا ما لي ولهذا الفتى، إلى كم أحتمل منه هذا الأذى؟ قال: فقلت قوّمه يا أمير المؤمنين إن رأيت في ذلك صلاحاً، قال: نعم، فقلت: يا سيدي إنه عضوٌ منك وأنت أولى الناس بتقويمه، قال: فجعل ينهاه ويأبى لا ينتهين، فلما كثر هذا من فعله عزم على خلعه فكتب إلى هرثمة بن أعين في ذلك كتاباً نُسخته: أما بعد فإن أمير المؤمنين يستوفق الله جل وعز في جميع أموره ويستخيره فيها خاصّها وعامّها، لطيفها وجليلها، استخارة من يوقن أن البركة وخيرة البدء والعاقبة في قضائه وما يلهمه من إرشاد وتسديد رأي وإثبات صواب، وقد رأى أمير المؤمنين عندما استخار الله تبارك اسمه فيه من أمر القاسم بن الرشيد فيما كان إليه من ولاية العهد خلعه عن ذلك وصرفه عنه، فأظهر ذلك فيمن بحضرتك وأمُرْ بالكتاب إلى العمّال في نواحي عملك وثغورك وولاة الأمصار، فقد أمل أمير المؤمنين أن يكون ذلك توفيقاً من الله تبارك اسمه ورشداً ألهمه إياه إذ كان به توفيقه وعليه معوّله وإليه رجوعه فيما يبرم ويمضي، فامتثل ما حدّه لك أمير المؤمنين وانته إليه واكتب بما يكون منك فيه إن شاء الله.
قال: ونظر المأمون يوماً إلى ابنه العباس وأخيه المعتصم، فابنه العباس يتّخذ المصانع ويبني الضياع والمعتصم يتّخذ الرجال، فقال شعراً:
يبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين قرىً وبين رجال
قلقٌ بكثرة ماله وضياعه ... حتى يفرّقه على الأبطال
وأنشد في مثله:
لما رأيتك لا تجود بنائلٍ ... وتظنّ بالمعروف ظنَّ الساقط
ورأيت همّتك التي تعلو بها ... سوط الثريد وشمَّ ريح الغائط
وإذا تكلّف حاجةً ضيّعتها ... بتغافلٍ عنها كأنك واسطي
لا للمكارم تشرئبّ بنهضةٍ ... ولدى المكاره كالحمار الضارط
أيّست نفسي من رجائك دهرها ... ونقشت شبهك صورة في حائط
وقال آخر، سامحه الله عز وجل:
إذا أنت لا تُرجي لدفع ملمةٍ ... ولا أنت في المعروف عندك مطمه
ولا أنت ذو جاهٍ يعاش بجاهه ... ولا أنت يوم الحشر ممن يشفّع
فموتك في الدنيا وعيشك واحدٌ ... وعود خلالٍ من نوالك أنفع
ولآخر، سامحه الله وعفا عنه:
كلما قلت ويك للكلب إخسأ ... لحظتني عيناك لحظة تهمه
أتراني أظنّ أنك كلبٌ ... أنت عندي من أبعد الناس همّه
محاسن كرم الصحبة
(1/84)

قال ابن طاهر: حدثوني عن عبد الله بن مالك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي وكان يبعث إليّ في ندماء الهادي ومغنّيه أني أضربهم وأحبسهم صيانة له عنهم، فبعث الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه عنهم، فلا ألتفتُ إلى ذلك وأمضي إلى ما يأمر به المهدي، فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف فبعث إليّ يوماً فدخلت عليه متكفّناً متحنّطاً، فإذا هو على كرسي والنطع والسيف بين يديه، فسلّمت فقال: لا سلم الله عليك! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحرّاني لما أمر أمير المؤمنين، رضي الله عنه، بضربه فلم تجبني في فلان وفي فلان، وجعل يعدّ ندماءه، ولم يلتفت إلى قولي؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أيسرك أن ولّيتني ما ولاني أبوك وأمرتني بأمر فبعث إليّ بعض بنيك بأمر يخالف أمرك فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك وكذا لأبيك وأخيك. فاستدناني فقبّلت يده وأمر بخُلع فصبّت عليّ وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه فامض راشداً. فخرجت من عنده وصرت إلى منزلي مفكراً في أمره وأمري وقلت حدثٌ والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتّابه فكأني بهم حين يغلب عليه الشراب وقد أزالوه عن رأيه فيّ وحملوه في أمري ما كنت أتخوّفه، قال: فإني لجالس وبين يديّ بنيّة لي والكانون بين يدي ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأطعمه الصبية حتى توهّمت أن الدنيا قد اقتلعت بي وزلزلت لوقع حوافر الدواب وكثرة الضوضاء فقلت: هاه كان والله ما ظننت! فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلما رأيتهم وثبت عن مجلسي مبادراً وقبّلت يده ورجله وحافر حماره، فقال: يا أبا عبد الله إني فكرت في أمرك فقلت يسبق إلى قلبك أني إذا شربت وجاءني أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك فأقلقك وأوحشك فصرت إلى منزلك لأؤنسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي فهات اطعمني ما كنت تأكل وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرمت بطعامك وأنست بمنزلك فيزول خوفك ووحشتك. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسُّكُرّجة التي فيها الكامخ فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي زللتها لأبي عبد الله من مجلسي، فأدخل إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم، فقال: هذه زلّتك فاستعن بها على أمرك واحفظ هذه البغال عندك فلعلي أحتاج إليها لبعض أسفاري، وانصرف راجعاً. فأخبرني موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره فبنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى القيام عليها مدّة حياة الهادي.
(1/85)

وحدّث من حضر مجلس المأمون وقد أمر بإحضار العباس صاحب الشرطة ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما حضر قال: يا عباس خذ هذا إليك واستوثق منه ولا يفوتنك وبكّر به واحذر كل الحذر. قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يُحَبّ أن يكون معي إلا في بيتي، ثم سألته عن قصته وحاله من أين هو، فقال: من دمشق، فقال: جزى الله دمشق وأهلها خيراً، فمن أنت من أهلها؟ قال: لا تزيد أن تسألني، فقلت له: أتعرف فلاناً؟ فقال: ومن أين عرفت ذلك الرجل؟ فقلت: كانت لي قصة معه، فقال: ما أنا بمعرّفك خبره أو تعرّفني قصتك، فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بها فخرج علينا أهلها حتى أراد الوالي أن يُدلي في زنبيل من قصر الحجاج وهرب هو وجميع أصحابه وهربت فيمن هرب، فإني لفي بعض الطريق إذا جماعة يعدون خلفي، فما زلت أحاضرهم حتى مررت على هذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالس على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله! فقال: لا بأس عليك ادخل الدار، فدخلت، فقالت لي امرأته: ادخل الحجلة، فدخلتها، وأتت الرجال خلفي فما شعرت إلا به وهم معه يقولون: هو والله عندك! فقال: دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق إلا البيت الذي كنت فيه، فقالوا: هاهنا، فصاحت المرأة وانتهرتهم، فانصرفوا وخرج الرجل فجلس على باب داره ساعة وأنا قائم في الحجلة خائفاً، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث أن دخل الرجل وقال: لا تخف فقد صرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى، فقلت له: جزاك الله عني خيراً! ثم ما زال يعاشرني أحسن المعاشرة وأجملها ولا يفتر من القصف والأكل والشرب والفرح أربعة أشهر إلى أن سكنت الفتنة وهدأت، فقلت له: أتأذن لي في الخروج لأتعرف خبر غلماني ومنزلي فلعلي أن أقف لهم على أثر أو خبر، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته الخبر وهو مع هذا لا يعرفني ولا يعرف اسمي ولا مخاطبتي بغير الكنية، ثم قال لي: ما تعزم؟ فقلت: قد عزمت على الشخوص إلى بغداد فإن قافلة تخرج بعد ثلاثة أيام وقد تفضلت عليّ هذه المدة فأسألك أن تعطيني ما أنفقه في طريقي وما ألبسه، فقال: بصنع الله عز وجل، ثم قال لغلام له أسود: انعل الفرس الفلاني، وتقدم إلى من في منزله بإعداد السفر، فقلت في نفسي: ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي، فوقعوا يومهم ذلك في تعبٍ وكدّ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحَر وقال: يا أبا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: ما أعطاني شيئاً مما سألته، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إليّ خفاتين مقطوعة جدداً وراناتٍ وآلة السفر ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ثم قدّم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشان ودفع إليّ نسخةً بما في الصناديق وفيها خمسة آلاف درهم وقدّم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه وقال لي: اركب وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري، وركب معي فشيعني، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان. فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أتاك الله عز وجل بمن تريد مكافأته بلا مؤونة عليك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا والله ذلك الرجل! ثم قال لي: ما أثبتك! فتعرّف إليّ وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته فما تمالكت أن قمت إليه فقبّلت رأسه وقلت له: ما الذي أصارك إلى هذا؟ فقال: هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إليّ وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحُملت إليه وأمري عنده غليظ جداً وهو قاتلي لا محالة، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدّم إليه بما أريد، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي. قال فقال العباس: بصنع الله، ثم قال: علي بحدّادين، فأتوا بهم، فحلّ قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ثم قال: عليّ بمولاه، فأنفذ في طلبه من يحضره. قال الرجل: فلما أن أخذ شعري
(1/86)

أدخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشراً، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئاً قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد. دخلني الحمام فطرح عليّ من ثيابه ما اكتفيت به ثم حضر مولاي وقعد يبكي، فقال العباس: عليّ بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني، حتى عد عشراً، ثم قال: عليّ من الصناديق والكسوة بكذا ومن صناديق الطعام بكذا، ثم أمر لي ببدرةٍ فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسة آلاف دينار وقال لصاحب شرطته: خذه واعبر به إلى جسر الأنبار، فقلت له: إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأُردّ وأُقتل، فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على هذا فليكن في موضع كذا وكذا فإن سلمت في غداة غدٍ فسبيل المحبة وإن قتلت كنت قد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن تذهب من ماله شيئاً قيمته درهم وتخلّصه حتى تخرجه من بغداد.
قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة فصيرني في مكان يثق به وتفرّغ العباس لنفسه واغتسل وتحنّط وتكفن. قال العباس: فلم أفرغ من ذلك حتى وافتني رسل المأمون في السحر وقالوا: أمير المؤمنين يقول هات الرجل، فسكتّ وأتيت الدار وإذا أمير المؤمنين جالس عليه ثيابه أمام فراشه، فقال: الرجل! فسكتّ، فقال: ويحك الرجل! فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني، فقال: أعطي الله عهداً لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك! فقلت: لا والله ما هرب، فاسمع مني حديثي وحديثه ثم أنت أعلم بما تفعله في أمرنا، قال: قل، فقلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كذا وكذا، وقصصت عليه القصة وعرّفته أني كنت أريد مكافأته فشغلت عن ذلك حتى إذا كان البارحة عرفته وعبرت به جسر الأنبار وقلت: أنا من سيدي أمير المؤمنين بين أمرين، إما تصفح عني وإما قتلني وأكون قد كافيته ووقيته بنفسي كما وقاني بنفسه. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك! لا جزاك الله خيراً عن نفسك وعنا وعن هذا الفتى الحرّ، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة وتكافيه بعد المعرفة بهذا! لم لا عرّفتني خبره فكنت أكافيه عنك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه والله هاهنا قد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي فإن احتيج إلى حضوره حضر، قال: وهذه والله منه أعظم من الأولى، فاذهب إليه الآن وطيّب نفسه وسكن روعه وتعبر به إليّ حتى أتولى مكافأته عنك. فصرت إليه وقلت: ليسكن روعك إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت، فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء غيره، ثم تهيأ للصلاة فصلى ركعتين ثم جئنا فلما مثل بين يدي المأمون أدناه حتى أجلسه إلى جانبه وآنسه وحدّثه حتى حضر الغداء، ثم قال: الطعام، فأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفاه، ثم قال المأمون: علي بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة بغال بجميع آلتها وبعشر بدر وبعشر تخوت وعشرة مماليك بذواتهم وجميع آلتهم، فدُفع ذلك إليه، وكتب إلى عامله بالوصاية عليه وأوغر خراجه وكتب إلى صاحب البريد أن تنفذ كتبه وصرفه إلى بلده. قال العباس: فكان إذا ورد له كتاب في خريطة يقول لي المأمون: يا عباس هذا كتاب صديقك.
(1/87)

وحدّث رجل عن جعفر العطار قال: بينما يحيى بن أكثم يماشي المأمون في بستان موسى والشمس عن يمينه والمأمون في الظل وقد وضع يده على عاتق يحيى وهما يتحدثان إذ رأى المأمون أن يرجع في الطريق الذي جاء منه، فلما انتهى إلى الموضع الذي قصده قال يحيى: إنك جئت وعن يسارك الشمس وقد أخذت منك فكن أنت الآن في منصرفك حيث كنت وأكون أنا حيث كنت أنت، فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أقيك بنفسي من هول المطلع لفعلت فكيف لا أصبر على أذى الشمس ساعة؟ فقال: والله لا بدّ من أن آخذ منها كما أخذت منك وتأخذ من الظل كما أخذت منه! فصار المأمون في موضعه وصار يحيى في موضع المأمون وتماشيا وأخذ بيده فوضعها على عاتقه حتى صار إلى المجلس.
وحدّث رجل من آل اسوار بن ميمون عن عمه عبد الله بن اسوار قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي يوماً فقال: اجلس، وكنت أحد كتّابه فقلت: ليست معي دواة، فقال: ويحك! في الأرض صاحب صناعة تفارقه آلته؟ وأغلظ لي في حرف علمت أنه أراد به خطّي وأراني بعض التثاقل في الكتاب ظهر لي به أنه أراد خطي على الأدب لا غير، ثم دعا بدواة فكتبت بين يديه كتاباً منه إلى الفضل ابنه، ورأى مني بعض الضجر في ما كتبت فتوهّم أن ذلك من أجل الكلمة التي كلمني بها، فأراد أن يمحو عن قلبي ما توهّمه عليّ فقال: عليك دين؟ قلت: نعم، قال: من دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فوقع بخطه إلى الفضل في الكتاب:
وكلُّكم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه
ثم قال: إن عبد الله ذكر أن عليه ديناً يخرجه منه ثلاثمائة ألف درهم فإذا نظرت في كتابي هذا وقبل أن تضعه من يدك فأقسمت عليك لمّا حملت ذلك إلى منزله من أخصّ مال قِبلك. قال: فحملها الفضل إليّ وما أعلم لها سبباً إلا تلك الكلمة.
وحدّث إبراهيم بن ميمون قال: حدثني جبريل بن بختيشوع قال: اشتريت ضيعة فنقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه فدخلت على يحيى وعنده ولده وأنا أفكّر فقال لي: ما لي أراك مفكراً؟ فقلت: أنا في خدمتك وقد اشتريت ضيعة بسبع مائة ألف درهم ونقدت بعض الثمن وتعذر عليّ بعضه.
فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل سبع مائة ألف درهم. ثم دفع الكتاب إلى ولده فوقّع فيه كل واحد منهم بثلاثمائة ألف درهم، فقلت: جعلت فداك! قد أدّيت عامة الثمن وإنما بقي عليّ أقلّه، فقال: اصرف ذلك في بعض ما ينوبك. ثم صرت إلى الرشيد فقال: ما أبطأ بك؟ قلت: يا أمير المؤمنين كنت عند أبيك وإخوتك ففعلوا بي كذا وكذا، قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى فقال له: يا أبت خبّرني جبريل بما كان فما حالي من بين ولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين مُر له بما شئت يحمل إليه، فأمر بحمل مال إلى جبريل.
وكان إبراهيم بن جبريل على شرطة الفضل فوجّهه إلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة ثم ولاه سجستان، فلما انصرف منها كان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغويين استزار الفضل بن يحيى ليريه نعمته عليه وأعد الهدايا والطُّرف وآنية الذهب والفضة والوصفاء والوصائف والدواب والقباب والثياب وما تهيأ لمثله ووضع الأربعة الآلاف الألف الدرهم في ناحية من الدار، فلما تغدّى الفضل قدّم إليه تلك الهدايا، فأبى أن يقبل منها شيئاً وقال: لم آتك لأسلبك! فقال: أيها الأمير إنها نعمتك علي! قال: ولك عندنا مزيد. قال: فلم يزل يطلب إليه فأخذ من جميع ذلك سوطاً سِجزياً، فقال: هذا من آلة الفرسان، فقال إبراهيم: أيها الأمير فهذا المال من مال الخراج تأمر بقبضه؟ قال: هو لك، فأعاد عليه القول مراراً، فقال: ما لك بيتٌ يسعه، فوهب له المال بعد أن كان قد صار إليه ألف ألف درهم.
(1/88)

قال: ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه عليه فرأى منهم رجلاً عليه سوادٌ خلقٌ فقال له: يا فلان ما لي أرى سوادك منقطعاً، أما تقبض رزقك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك ديناً فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال: أعد عليّ ما قلت، فأعاده، فقال: ما أحسن ما فعلت! اغد عليّ في غدٍ، فغدا عليه فوجد الربيع جالساً على الكرسي، فقال: قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل، فدخل فوجده قائماً يصلي، فقضى صلاته وقال: ألم آمرك أن تغدو؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي، قال: خذ ما تحت تلك المُضَرّبة، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه، فرفعت المضربة فإذا دنانير، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له هو وخرجت، فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج، فدعا لي فقال لي: انظر ما على السرير، فإذا دينار فأخذته، فقال: ادن مني، فدنوت منه فعرك أذني تعريكاً شديداً فقال: تترك ديناراً وفيه نفقة يومك؟ قال: فأخذت الدينار، ووزنت الدنانير وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون ديناراً في عافية وأخذت واحداً بعرك الأذن.
قيل: وقال علقمة بن لبيد لابنه: يا بني إن نازعتك نفسك يوماً إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإذا نزلت بك نازلة مانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت به شدد صولك. اصحب من إذا مددت يدك لفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلمة سدها. اصحب من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق.
وقال بعض الحكماء: إذا رأيت كلباً ترك صاحبه وتبعك فارجمه بالحجارة فإنه تاركك كما ترك صاحبه.
وقال آخر: اصحب من خوّلك نفسه وملّكك خدمته وتخيّرك لزمانه فقد وجب عليك حقه وذمامه، وكان يقال من قبل: صلتك، فقد باعك مروءته وأذلّ لقدرك عزّه.
وقال بعضهم: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل.
وقال بعضهم: أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء.
قيل: وقال ابن أبي دؤاد لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات: ما خبرك مع صاحبك؟ قال: لا يقصر في الإحسان إليّ، قال: يا هذا إن لسان حالك يكذّب لسان مقالك.
مساوئ الصحبة قال: كان يوسف بن عمر يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، وكان مذموماً في عمله فحدّث المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهماً فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق فضُرب أهلها مائة سوط.
قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم أنهكم أن يدخل مجانينكم المسجد؟ اضربوا عنقه! فضربت عنقه.
قال: وقال لهمّام بن يحيى وكان عامله: يا فاسق أخربت مهرجانقذق! قال: إني لم أكن عليها إنما كنت على ماه دينار وتقول أخربت مهرجانقذق! فلم يزل يوسف يعذّبه حتى قتله.
قال وقال لكاتبه: ما حبسك عني؟ قال: اشتكيت ضرسي، قال: تشتكي ضرسك وتقعد عن الديوان؟ ودعا له بالحجام وأمره بقلع ضرسين من أضراسه.
(1/89)

وعن المدائني قال: حدثني رضيعٌ كان ليوسف بن عمر من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه وعن حرمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ودعا بخصيٍّ أسود يقال له حديج فقرّب إليه واحدةً فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أشخصك معي؟ فقالت: صحبة الأمير أحبّ إليّ ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخفّ عليّ، قال: أحببت التخلف للفجور! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمره أن يأتيه بأخرى قد رأت ما لقيت صاحبتها، فقال لها: إني أريد الشخوص أفأخلّفك أم أخرجك؟ قالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئاً بل يخرجني، قال: أحببت الجماع ما تريدين أن يفوتك! اضرب يا حديج، فضربها حتى أوجعها، ثم أمر بالثالثة أن يأتيه بها وقد رأت ما لقيت المقدمتان، فقال لها: أريد الخروج أفأخلّفك أم أشخصك؟ قالت: الأمير أعرف أي الأمرين أخف عليه، قال: اختاري لنفسك، قالت: ما عندي لهذا اختيار فليختر الأمير، قال: قد فرغت أنا الآن من كل شيء ومن كل عمل ولم يبق عليّ إلا أن أختار لك! أوجع يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال الرجل: وكأنما يضربني من شدة غيظي عليه، فولّت الجارية وتبعها الخادم، فلما بعدت قالت: الخيرة والله في فراقك، ما تقرّ والله عين أحدٍ بصحبتك! فلم يفهم يوسف كلامها، فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا، قال: يا ابن الخبيثة من أمرك أن تخبرني؟ يا غلام خذ السوط من يده وأوجع به رأسه! فما زال يضرب حتى اشتفيت.
محاسن السخاء
روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكرياء، عليه السلام، إبليس فقال له: أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك، قال: أحب الناس إليّ كل مؤمن بخيل وأبغض الناس إلي كل منافق سخي، قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له. وقال، صلى الله عليه وسلم: السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهلٌ سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل.
وعن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ما أشرقت شمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان وإنهما ليعرّفان الخلائق إلا الثقلين الجن والإنس: اللهم عجّل لمنفقٍ خلفاً، اللهم عجل لممسكٍ تلفاً، وملكان يناديان: يا أيها الناس هلمّوا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى.
وعن الشعبي قال: قالت أم البنين بنت عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز: لو كان البخل قميصاً ما لبسته ولو كان طريقاً ما سلكته، وكانت تعتق كل يوم رقبة وتحمل على فرس في سبيل الله، وكانت تقول: البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة.
قيل: وأعتقت هند بنت المهلب في يوم واحد أربعين رقبة.
وروي عن أم ذر قالت: أرسل ابن الزبير إلى عائشة بثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فقسمته بين الناس حتى أمست وما عندها من جميع ذلك درهم واحد، فقالت: يا جارية هلمّي فطّريني، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها: يا عائشة أما استطعت مما قسمت أن تشتري لحماً بدرهم؟ فقالت: لا تغضبي فلو ذكرتني لفعلت، وقيل: إنها تصدّقت بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقّع.
وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان وإتلاف ومذمة.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا علي كن شجاعاً فإن الله جل وعز يحب الشجاع، يا علي كن سخياً فإن الله عز وجل يحب السخاء، يا علي كن غيوراً فإن الله عز وجل يحب الغيور، يا علي وإن سائل سألك حاجة ليس لها بأهل فكن أنت لها أهلاً.
وقال، صلى الله عليه وسلم: السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من أخذ منها بغصن قاده ذلك الغصن إلى الجنة.
قيل: وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل على البخلاء في بخلهم إلا سوء ظنهم بالله عز وجل لكان عظيماً.
وقال، صلى الله عليه وسلم: تجافوا عن ذنب السخي فإن الله جل وعز يأخذ بيده كلما عثر.
وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله عز وجل به من المواهب الجليلة النفيسة والنسيم والريح وما وعدهم في الجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطنعه لنفسه.
(1/90)

قال: وقال الموبذ لأبرويز: أكنتم أنتم وآباؤكم تمنّون بالمعروف وتترصدون عليه المكافأة؟ قال: لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك لأنفسنا؟ وفي كتاب ديننا: إن من أظهر معروفاً خفياً ليتطاول به على المنعَم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب أن لا يعد في الأبرار ولا يُذكر في الأتقياء والصالحين.
قال: وسُئل الإسكندر: ما أكثر ما سررت به من ملكك؟ قال: اقتداري على اصطناع الرجال والإحسان إليهم.
قال: وقال أرسطاطاليس في رسالة له إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الآثار وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس وأودع قلوبهم محبة بمآثره يبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك.
قيل: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: أنت في آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة فتكلم بكلام تُذكر به، فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثاً حسناً فافعل.
قيل: وتنازع رجل من أبناء الأعاجم وأعرابي في الضيافة فقال الأعرابي: نحن أقرى للضيف، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لم يملك إلا بعيراً فإذا حل به ضيف نحر له، قال العجمي: فنحن أحسن مذهباً في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال: نسمي الضيف مِهمان، ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به.
قال بعض الحكماء: قام بالجود من قام بالمجهود.
وقيل: من لم يضنّ بالموجود هو الجواد.
وقال المأمون: الجود بذل الموجود، والبخل سوء الظن بالمعبود.
قيل: وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالساً بين بابين فقال للرجل: اغلق هذا الباب، فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت؟ قال: لا، قال: فافتحه، ففتحه، فجعلت الرياح تخترق في البيت، فقال: هكذا الرزق إنك إذا غلّقت الباب لم تدخل الريح وكذلك إذا أمسكت لم يأتك.
قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه، فبلغ ذلك المأمون فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت المال لا تقوم لهذا! فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود.
وعن أمية بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويجٍ، فقال له قولاً ضعيفاً فيه وعد وقلة طمع، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال: أعطه أربعمائة دينار، فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه رداً ظننا أنك تعطيه شيئاً قليلاً فإذا أنت قد أعطيته أكثر مما أمّل! فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي.
وبحاتم يضرب المثل في السخاء، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال: كان حاتم جواداً شاعراً، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفّراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقدح سبق، وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل واحد أمه، ولما بلغ حاتماً قول التلمّس:
وأعلم علم حقٍ غير ظنٍ ... وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال خيرٌ من بغاه ... وطوفٍ في البلاد بغير زاد
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
قال: ما له، قطع الله لسانه، حرّض الناس على البخل؟ أفلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس رزقاً بعيش مقتّرٍ ... لكل غدٍ رزقٌ يعود جديد
ألم تر أن الرزق غادٍ ورائحٌ ... وأن الذي يعطيك غير بعيد
قيل: ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بالخيبري في نفرٍ من قومه وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره، فقال: والله لأحلفن للعرب أني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل، وجعل يضرب برجله قبره وهو يقول:
أعجل أبا سفانةٍ قراكا ... فسوف أنبي سائلي ثناكا
فقال بعضهم: ما تنادي رمة! وباتوا مكانهم، فقام صاحب القول من نومه فزعاً فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتماً أنشدني:
أبا الخيبريّ وأنت امرؤٌ ... ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرةٍ صخبٍ هامها
تبغي لي الذمّ عند المبيت ... وحولك غوثٌ وأنعامها
(1/91)

فإنا سنشبع أضيافنا ... ونأتي المطيَّ فنعتامها
قيل: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره قرىً فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه ثم قال له: إنك أقرضتني ناقتك فغديتك بها فاحتكم عليّ، قال: راحلتين، قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى، قال: فلك أربعون، ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة، فأتوه بأربعين فدفعها إلى ضيفه.
وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجةً، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار، قال: ويلك والله ما أنا في بلادي وما معي شيء وقد أسأت أن توهمت بي! فذهب إلى العنزيّين فساومهم به واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداه، ففعلوا، فأتاهم بفدائه.
وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن مامة، وكان من إياد، وبلغ من جوده أنه خرج في ركب وفيهم رجل من أهل النمر بن قاسط في شهر ناجرٍ، والنجر العطش، فضلوا وتصافنوا ماءهم فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعباً نصيبه قال: اعط أخاك يصطبح، فيؤثره على نفسه، حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حتى رفعت له أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد، فغلبه العطش فمات ونجا رفيقه.
وقيل في المثل: هو أسمح من لافظة، وهي العنز تُستدعى للحلب فتجيء إليه وهي تلفظ بجرّتها فرحاً بالحلب، وقال الشاعر:
يداك يدٌ خيرها يرتجى ... وأخرى لأعدائها غائظه
فأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظه
وأما التي شرها يتقى ... فنفس العدوّ بها فائظه
قيل: وخرج معاوية بن أبي سفيان ذات يوم فقام إليه رجل فقال: قد أمّلتك لمهمٍ فما عوضي من ذلك؟ قال: إبلاغك أمنيتك فتمنّ، قال: ألف دينار، قال: هي لك ومثلها استظهاراً لبقاء النعمة عليك.
وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: يا بني إن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم، وكان يقول لولده: لا تتكلوا على ما سبق من فعلي وافعلوا ما ينسب إليّ، ثم قال متمثلاً:
إنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود
ويقول: ابتداء الفضل يدٌ موفورة والبذل بعد الطلب يدٌ مقبوضة.
فأما صلات الخلفاء وسخاؤهم فإنه حدثنا هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي قال: حدثني علي بن صالح قال: كنت يوماً على رأس الهادي وأنا غلام وقد جفا المظالم ثلاثة أيام عاقر العقار فيها، فدخل عليه الحرانيّ فقال: يا أمير المؤمنين إن العامة لا تقاد، أو قال: لا تنقاد لما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إليّ فقال: يا علي ائذن للناس عليّ بالجفلى لا بالنقرى، فخرجت من عنده وأنا أطير على وجهي لا أدري ما قال لي، فقلت: أرجع فأسأله عما قال فيقول تحجبني ولا تعلم كلامي؟ ثم أدركني ذهني فبعثت إلى أعرابي كان وفد علينا فسألته عن الجفلى والنقرى، فقال: الجفلى جفالة الرجال والنقرى ترتيبهم، فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوض المجلس قلت: يا أمير المؤمنين كلمتني بكلام لم أعرفه فبعثت إلى أعرابي كان عندي ففسره لي وفهمني فكافه عني يا أمير المؤمنين، فقال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، فقلت: يا أمير المؤمنين أعرابي جلفٌ وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه! فقال: ويحك أجود وتبخل؟
(1/92)

قال: وحدثنا عبد الله بن عمرو البلخي عن ابن دأب أنه كان يأكل مع الهادي وينادمه وكان يدعو له بتكاءٍ وما كان يفعل ذلك في مجلسه بغيره، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع، قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح وجّه قهرمانه إلى باب موسى وقال له: الق الحاجب فقل له يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب فأتاه برسالته فتبسم وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج إليك كتاباً إلى الديوان فتدبره ثم تفعل فيه كذا وكذا، فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولاتعرض لها، قال: فبينا موسى في مستشرف له إذ نظر إلى ابن دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب ما غير من حاله شيئاً وقد بررناه بالأمس لنرى أثر ذلك عليه؟ فقال إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين تعرضت له بشيء من أمره، قال: لا، هو أعلم بأمره، ودخل ابن دأب وأخذنا في حديثه إلى أن عرض له موسى بذكر ذلك فقال: أرى ثوبك غسيلاً وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الثوب الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة وقال: عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأُحضرت وجلعت بين يديه.
وقال الحسن بن يحيى بن عبد الخالق: حدثني محمد بن القاسم بن الربيع قال: أخبرني محمد بن عمرو الرومي قال: حدثني أبي قال: جلس الهادي مجلساً خاصاً فدعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة بن مسلم والحراني فجلسوا عن يساره ومعهم خادم للهادي أسود يقال له أسلم، إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال هارون بن المهدي: ائذن له، فدخل وسلم عليه وقبل يده وجلس عن يمينه بعيداً، فأطرق موسى ثم التفت إليه وقال: يا هارون كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد، تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى إنك إن تجبرت وُضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت خُتلت، وإني أرجو أن يفضي إليّ الأمر فأُنصف من ظلمت وأصل من قطعت وأصيّر أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي، فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني، فدنا وقبل يده ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال: لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي، فأجلسه في صدر المجلس معه ثم قال: يا حرانيّ احمل إلى أخي ألف ألف دينار وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف واعرض عليه ما في الخزانة اخاصة وسائر الخزائن من مالنا وما أخذ من أهل بيت اللعنة فيأخذ منه ما أراد، قال: ففعل ذلك، فلما قام قال لصالح: أدنِ دابته إلى البساط، قال عمرو الرومي: وكان هارون يأنس به، قلت: يا سيدي ما الرؤيا التي قال لك؟ قال المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً وإلى هارون قضيباً أورق من قضيب موسى وأعلى منه، فأما قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره وكان قضيب موسى دون قضيب ذلك، فدعا المهدي الحكم بن موسى العنزي وهو الذي بنى أبوه واسطاً للحجاج فقال له: عبّر هذه الرؤيا، قال: يملكان جميعاً فأما موسى فتقل أيامه وأما هارون فيبلغ مدى آخر ما عاش خليفة وتكون أيامه أحسن أيامٍ وأنضرها ودهره أحسن دهر، قال: فلم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات موسى وتولى الأمر هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى وفاطمة من إسماعيل ووفى بكل ما قال، فكان دهره أحسن الدهور.
حدثنا محمد بن علي بن الحسين العلوي قال: كنت عند عمر بن الفرج الرخجي في اليوم الذي عقد فيه المأمون لأخيه أبي إسحاق على ثغر المغرب ولابنه العباس على الشام والجزيرة ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك وعند عمر جماعة من الهاشميين فتذاكرنا أمر هؤلاء الثلاثة فقال عمر: فرق أمير المؤمنين في هؤلاء الثلاثة ما لم يفرق مثله أحدٌ منذ كانت الدنيا، أمر لأخيه أبي إسحاق بخمس مائة ألف دينار ولابنه العباس بخمس مائة ألف دينار ولعبد الله بن طاهر بخمس مائة ألف دينار، فمن سخت نفسه بمثل هذا؟
(1/93)

وكان للبرامكة في هذا الشأن ما لم يكن لأحد من الناس منها، إنهم كانوا يخرجون بالليل سراً ومعهم الأموال يتصدقون بها، وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف والأكثر من ذلك والأقل، وربما طرحوا ما معهم في عتب الأبواب، فكان الناس لاعتيادهم ذلك يعدون إلى العتب إذا أصبحوا يطلبون ما ألقي فيها.
ومنهم خالد بن برمك فإنه حدثنا يوسف بن سلام الزعفراني قال: حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوماً وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وإخراج دوابه إلى الخضرة ونحن قيام بين يديه: من يخرج مع هذه الدواب؟ قال أبي: أنا، وليس أحد يجتريء أن يتكلم، فقال: اخرج معها، فخرجت وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثري فيها، فقلت: أيها الأمير لي حاجة، فقال: وما حاجتك؟ قلت: ثلاثة آلاف درهم، قال: ثلاثة آلاف درهم؟ قلت: نعم، قال: اعطوها ثلاثة آلاف درهم، وقال لي: اشترها الآن واعتقها، ثم قال: ما تريد؟ قلت: الحج أحج وتحج هي أيضاً، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت: نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لثمن الخادم، قلت: نحتاج إلى ثمن كسوة، قال: اعطوه ثلاثة آلاف درهم لكسوتهم، فلم أزل أقول وأعد شيئاً شيئاً حتى قلت: وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس، وهو يقول اعطوه ثلاثة آلاف درهم، حتى أخذت ثلاثين ألف درهم.
قال: وحدثنا يزيد البرمكي قال: كسا خالد كل ثوب كان له حتى لم يبق عليه من كسوته إلا طيلسان خلق، فاتصل خبره في كسوته بامرأته أم خالد بنت يزيد وكانت بالري فبعثت إليه بكسوة من الري طيلسان مطبق لم أر مثله جودةً وحسناً وسعة، وكان خالد ذا بسطة في الجسم فكان يحتاج إلى أسبغ ثوب وأتمه، فوضع بين يديه فنظر إليه ثم رفع رأسه إلي فقال: يا يزيد كيف ترى هذا الطيلسان؟ قلت: ما رأيت مثله وإن بالأمير إليه لحاجة، قال خالد: اصنع به ماذا شئت، قلت: تلبسه أيها الأمير، قال: أنا والله إلى غير هذا أحوج، قلت: وما هو؟ قال: أن تقوم الساعة على شريف من أشراف الناس أو حرّ من أحرارهم فتتحفه به فيقوم فيلبسه كل يوم عيد أو يخرج إذا خرج نحو أهله فيلبسه عند قدومه عليهم فيقول هذا كسوة خالد، هذا والله أفضل وأشرف من لبسي إياه، قال: فكساه بعض عفاته.
يحيى بن خالد فإنه حدثنا علي بن الحسين الأشقر عن عبد الله بن أسوار قال: كنت أخط بين يدي يحيى وكان خطي يعجبه، فبينا أنا جالس بين يديه إذ ناوله رجل كتاباً فثنى أعلاه وجعل يقرؤه، فدخل الفضل ابنه فسلم وجلس ثم أقبل على رجل يحدثه وطرف يحيى في الكتاب الذي بيده، فقال الفضل لذلك الرجل: إني لأعجب كثيراً من أمر نحن فيه! كان الرجل يصل الرجل بخمسين ألف درهم فتغنيه وعشيرته فيكتفون بها ونرى ذلك في وجوههم ويتبين عليهم أثره ونحن نصل الرجل بالخمس المائة الألف الدرهم والأكثر فلا نرى ذلك في وجوههم! فالتفت إليه يحيى وقطع قراءة الكتاب فقال: يا أبا العباس إذا كان أمل الرجل ألف ألف درهم وأعطيته خمس مائة ألف لم تقع منه موقعاً وإنما يرى في وجه الرجل ما بلغ به الأمل، فعجب أهل المجلس من كرمه وقوله وما زالوا يحكونه عنه.
وحدّث ابن مزروع عن أبيه قال: كنت أسير في موكب يحيى بن خالد فعرض له رجل من العامة ومعه كتاب فقال: أصلح الله الأمير، اختم هذا الكتاب، فبادر إليه الشاكرية يزجرونه من حواشي موكبه، فقال: دعوه قبل أن لا تنتفع به، يعني خاتمه، واستدناه فختمه له، وتعجب مسايروه من اغتنامه المعروف وعمله بأفعال الرجال.
(1/94)

وحدّث صالح بن سليمان قال: وذكر ليحيى وهو مجاور بمكة أن بجدّة قوماً يصيدون السمك ويبيعونه ويشترون طعامهم به فإن لم يجدوا صيداً مكثوا أياماً لا يأكلون يشدّ الرجل على بطنه حجراً ولا يسألون الناس شيئاً وربما مات أحدهم جوعاً، فقال: هؤلاء أعجب قوم سمعت بهم، ينبغي أن نلتمس الثواب فيهم، فبعث فحُمل إليه بعضهم فسأله عن حالهم فأخبره فقال: وكم أنتم؟ فذكر عدة، فقال: وكلكم على هذه الطريقة؟ قال: نعم، قال: فما يغنيكم؟ قال: تحفر لنا بركة يجتمع فيه ماء السماء فإن الماء يعز بالبلاد إلا على من كانت له مصنعة فيشرب منها ويبيع فضلها وينتفع بثمنه، قال: فبكم يكتفي أحدكم في الشهر؟ قال: بأربعة دراهم لكل رجل وللمرأة ستة دراهم، قال: فإني قد أجريت لكل رجل عشرة دراهم ولكل امرأة ثمانية عشر درهماً، فهل تتزوجون؟ قال: نعم، قال: فكم مهور نسائكم؟ قال: أربع مائة درهم، قال: فإني آمر بإعطائكم ما أجريت عليكم لسبع سنين ولمهور نسائكم عشرين ألف درهم، قال: من يدفع هذا المال إلينا؟ فأشار إلى غلام أمرد معه فقال: ادفع إلى هذا المال، فدفع إليه، فقال: أتأذن أن أشتري، أصلحك الله، من هذا المال تابوتاً أجعله فيه؟ قال: نعم، وأمر باتخاذ بركة لهم بلغت النفقة عليها عشرين ألف درهم.
وحدثنا يزيد البرمكي قال: قدم الوافدي من المدينة بأسوإ حال فصار إلى يحيى وهو لا يعرفه فوضع الطويلة على رأسه، فركب يحيى وخرج فرآه جالساً على باب داره في زي القضاة، فقام الواقدي وأثنى عليه ودعا له، ومر يحيى في موكبه إلى دار أمير المؤمنين ثم انصرف وإذا الواقدي في مجلسه ذلك، فقام إليه ودعا له وأثنى عليه، فدخل منزله وجلس الواقدي، فسأل يحيى عنه وقال: من هذا الشيخ الرثّ الهيأة؟ فلم يعرفه أحد. فقال: ويحكم لا أشك إلا أنه شيخ أصيل معه علمٌ وفقه، ودعا بكيس فيه أربعة آلاف دينار وأمر وكيلاً له أن يدفعها إليه، وكان قصارى الواقدي ومناه أن يصله بألف درهم، فخرج الرسول ووضع الكيس في حجره، فلما رأى عظم الكيس أقبل يدعو ليحيى ويثني عليه ثم قام وانصرف إلى منزله وقد أخذته الرعدة والحرص أن يرى ما في الكيس فيعرف منتهاه، فلما صار إلى حجرته استعار من بعض جيرانه ميزاناً وصنجات ثم فتح الكيس وإذا أربعة آلاف دينار فكاد أن يغشى عليه من السرور، فرمّ من حاله واتخذ ثياباً سويةً وعمد على أن ينصرف إلى المدينة.
فلما كان من الغد بكّر على يحيى ليودعه فدخل وأنشد فرآه عالماً فقيهاً مسامراً بليغاً فأعجب به، فقام ليودعه فقال: أقم عندنا ولك في كل حول هذا المقدار، فأقام عنده.
(1/95)

وحدثنا يعقوب بن إسحاق قال: رأى رجل من الموالي ليحيى رؤيا، وكان يحيى على حال الخوف والوجل من الهادي، فقص الرؤيا على أبيه، فقال: يا بني هذه والله رؤيا عجيبة وأخلق به لأن الرشيد في حجره وولاية العهد له، قال: يا أبت أفترى أن أخبره بها؟ قال: يا بني لا تفعل فإن السلطان غليظ عليه وهو يرميه بالزندقة وأنا أشفق عليه من إتيانه لأنه لا يقبل مثل هذا في هذا الوقت، فعصى الرجل أباه وأتاه، قال الرجل: فلما دخلت عليه رأيت المصحف بين يديه يقرأ فيه فعجبت مما قيل فيه، فلما خف من عنده دنوت منه فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ابن أخي ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق بالأحسن الأجمل وأقبح به أن يلتمسه على هذا وربما تذكره مما يشبهه! فخرجت من عنده وقد سقط وجهي، فأتيت أبي فأعلمته، فقال: بُعداً لك وسحقاً! قد نصحت لك فلم تقبل، ثم أقبل يشتمه وتشتمه أمه وأهله ويقولون: نشهد عليك أنك من الزنادقة المعطلين! قال: ثم لم يلبث أن توفي الهادي وأفضى الأمر إلى الرشيد وصار يحيى إلى ما صار إليه، فبينا هو في موكبه يوماً إذ بصر بي فوجه إليّ ودعاني، فدخلت عليه وهو على كرسي قد طرح ثوبه وجعل يمسح وجهه، فلما دنوت منه قال: أين كنت عنا؟ قلت: أعزك الله، والله ما لقيت منك ما يدعو إلى إتيانك! قال: ويحك إنك أتيتنا ونحن في حال كنا نتخوف الجدُر أن يكون فيها من يسعى بنا والإخوان أن يسعوا بنا ويحتالوا علينا، ولم يكن الرأي أن أجيبك إلا بما أجبتك، ووالله ما فارقني الفكر في العناية بك والإيجاب لك والمعرفة بحقك منذ وقعت عليك عيني. ثم أمر سلاماً بإحضار عشرة آلاف درهم فأُحضرت، وأمر بالكتاب إلى سليمان بن راشد بأرمينية فدفع المال إليّ وحملني وخلع عليّ وقال: اذهب فاصلح شأنك وتعال فتسلم كتبك، وأمر لي بعشر من دواب البريد، فانصرفت إلى منزلي وتحتي دابة وعلي خلعة ومعي عشرة آلاف درهم، فقال أبي: ما هذا يا بني؟ فأعلمته الخبر، فما زلت وأهلي وأبي ندعو له ونشهد أنه من الصديقين والشهداء والصالحين، فقلت لبعض جيراننا: ما أصنع بعشر دواب البريد؟ فقال: أكرِها فإنك تصيب في السكك من تقصر به دابته عن حاجته فيكتري منك، قال: فلما كان من الغد عدت إليه فأخذت كتبي وجوازي، فلما صرت إلى السكة وجدت رجلاً كبيراً قد وجّه إلى تلك الناحية ولم يكتف بما حمل عليه من الدواب، فأكريت منه ثماني دواب وخرجت على دابتين، أنا على دابة وغلامي على أخرى، ولم أزل في حشم المكتري حتى صرنا إلى أول العمل فإذا يحيى قد سبقني بالكتاب إلى سليمان أن رجلاً من حاله كيت وكيت وله عندي أيادٍ فاخترتك له فكن عند ظني بك في أمره وافعل به وافعل، قال: فوجه سليمان قائداً في جند عظيم لاستقبالي حتى إذا اتصل به دنوّي استقبلني في وجوه أهل البلد، فلما دنا منا بادر إلى الرجل المكتري مني ولم يشكّ أني هو وسأله، فأعلمه المكتري أنه فلان بن فلان، فقال سليمان: توهمتك فلاناً! قال: لست هو لكنه ذاك، وأشار إليّ، فأقبل سليمان ركضاً إليّ وتضاءلت منه حياء لرثاثة حالي، فسألني وأعلمني أنه وجه إليّ وكيله وحمل معه هدايا، فقلت: ما وصل ذلك إليّ، فلما نزلنا وحططنا في بعض تلك المنازل إذا وكيله قد وافى بهداياه وإذا دواب وبغال موقرة وتخوت وثياب، فدخلت البلد وقد حسنت حالي ووكّد عليّ في كتابه وليس عندي إلا إطلاق العمل لك، وهاهنا نشوى الكبرى ونشوى الصغرى وهما من أجلّ الأعمال بأرمينية ونواحيها وإن شئت أن تخرج إليها فاخرج وإن شئت فهاهنا من يبذل عنهما خمس مائة ألف درهم، قلت: لا والله أبقاك الله إلا الخمس المائة الألف عجّلها لي فأنصرف إلى أب شيخ كبير وعيال قد خلّفتهم ورائي، قال سليمان: ذاك إليك، فلما خرج سليمان سألت عن نشوى ونشوى قال فقيل مقاطعتهما خمس مائة ألف درهم ويصير إلى المقاطع مثلها، ثم لم ألبث من الغد أن أتى رسوله بالمال فخرجت وأهديت إلى يحيى هدايا كثيرة وألطافاً جليلة مما كان برّني به سليمان، فلما دخلت إليه تبسم لي وقال: إنا لم نوجهك لننتفع بك وإنما وجّهناك لتنتفع بنا وسيتصل معروفنا إليك فالزمنا، فكسبت تجاهه مع ما وصل إليّ منه ولم يزل يصلني به عشرين ألف ألف درهم.
(1/96)

وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي قال: جاء يحيى ومعه ابنه جعفر إلى عبد الصمد بن علي فسلم عليه وببابه فتىً من ولد عبد الله بن علي فقام إلى جعفر فقبل يده، فقال له: ائتني وارفع إليّ حوائجك إلى أمير المؤمنين وقد أمرت لك بخمسة آلاف دينار، فقال يحيى: وقد أمرت لك بمثلها وأجريت عليك ثلاثة آلاف درهم في كل شهر فابعث بمن يقبض ذلك. فلما انصرف دعاه عبد الصمد فقال: لم فعلت ما فعلت؟ فقال: أنا ابن أخيك وإنما تصلني في السنة بأربعة آلاف درهم، وقد أغناني هذا وأبوه في ساعة واحدة فكيف تلومني على ذلك؟ وحدّث يحيى بن محمد قال: لما خرج الرشيد إلى القاطول قال ليحيى: يا أبت لا تفجعني بك وكن معي في هذا الوجه لآنس بك، فعمد على الشخوص معه، فقال لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته: كم عند وكلائنا من المال؟ قال: سبع مائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك، فغدا إليه فقبّل يده ومنصور بن زياد عنده، فلما خرج رجاء قال لمنصور: قد ظننت أن رجاء توّهم أنا وهبنا له هذا المال وإنما أمرناه بقبضه ليكون معنا في هذا الوجه، فقال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول: فقل له يقبل يدي كما قبلت يده، فلا تقل له شيئاً، وترك المال له. وكان يحيى يقول: اسرف فإن الشرف في السرَف.
ومنهم الفضل بن يحيى البرمكي، فإنه حدثنا محمد بن علي بن عيسى بن ماهان عن محمد بن زيد أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد خرج من الحمّام بعد العصر وهو يقول: أعوذ بالله من النار! فقلت: جعلت فداك! اشتر هذا الوجه الحسن من النار. فدعا بخمس مائة ألف درهم وقال: اشتر بها وجهي الساعة، فقلت: جعلت فداك! الوقت ضيق ولكن غداً إن شاء الله، فقال: لا والله إلا الساعة، فوجهت إلى القضاة في الجانبين بثلاثمائة ألف درهم وحملت إلى أبي محمد السمرقندي منها صدراً وأمرتهم عنه بتفريقه وفرقت البقية بحضرتي، فلم تغب الشمس حتى فرّق ذلك كله.
وحدّث محمد بن الحسين بن مصعب قال: وقف الفضل بن يحيى بخراسان موقفاً لم يقفه أحد قط، خرج إلى الميدان ليضرب بالصوالج فأمر بدفاتر البقايا التي على الناس فأحضرت وأمر الحاجب بالخروج إلى الناس وإعلامهم أنه قد وهبها لهم ثم أمر بها فضربت بالنار، وكان مبلغ ذلك أكثر من عشرين ألف ألف درهم.
وحدث بعض الهاشميين عن خلف المصري قال: مررت يوماً بباب يحيى بن معاذ فوجدته مغلقاً ولم أر بالباب أحداً، فأنكرت ذلك، فدنوت إلى الباب واستفتحت ففتح لي ودخلت عليه وسألته عن حاله فذكر أنه توراى عن غرمائه، فقلت: وكم لديّانك عليك؟ فقال: ثلاثمائة ألف درهم، ثم مضيت إلى الفضل بن يحيى فأخبرته فسكت، فلما انصرف إلى منزلي كتب إلي: إنك دللتنا على مكرمة فشكرناك على ذلك وأمرنا لك بمائة ألف درهم لدلالتك وبعثنا إليك بثلاثمائة ألف درهم لتوصلها إلى يحيى بن معاذ، فأوصلتها إليه فقضى دينه بها.
قيل: ودفع حمزة بن جعفر بن سليمان إلى أبي النضير الشاعر رقعةً ليوصلها إلى الفضل يسأله فيها الإذن في ابتياع ضيعة بفارس، وكان مبلغ ما يوزن في ثمنها مائة ألف درهم، قال أبو النضير: فأخذتها منه فدفعتها إلى الفضل فنظر فيها ووضعها فاغتممت لما رأيت من قلة نشاطه لها، فلما أصبحت قيل لي: خزّان بيت المال يطلبونك، فظننت أنه نظر لي بشيء في خاصتي، فأتيتهم فقالوا لي: أحضر من يحمل المائة الألف إلى صاحب الرقعة، فحملتها إلى حمزة، قال حمزة: فصرت إليه فقلت: أصلح الله الأمير! وصلت إلي صلتك ولا والله ما أدري كيف أشكرك إلا بقول أبي النضير فيك:
وللناس معروفٌ وفيهم صنائعٌ ... ولن يجبر الأحزان إلا جدا الفضل
إذا ما العطايا لم تكن برمكيةً ... فتلك العطايا ما تمرّ وما تُحلى
قال أبو النضير: فالتفت إليّ الفضل فقال: يا أبا النضير جزاؤك عندي، فوصلني حتى أغناني.
(1/97)

وحدث أحمد بن علي الشيقي وغيره ممن ينزل بنهر المهدي قال: أقبل الفضل بن يحيى يوماً على نهر المهدي يريد منزله بباب الشماسية، فاستقبله فتىً من الأبناء قد أملك ومعه جماعة كثيرة قد ركبوا معه في السواد والسيوف، وهكذا كانوا يفعلون، يركبون مع الرجل عند إملاكه ويستعيرون الدواب ويسيرون خلفه ويطرّقون بين يديه، قال: فترجل الفتى للفضل وقبل يده ورجله، فسأله عن شأنه فأخبره، فقال: كم أصدقت أهلك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فدعا قهرمانه وقال: احمل إليه الساعة أربعة آلاف درهم لصداق أهله وأربعة ألاف درهم لشراء منزل ينزله وأربعة آلاف درهم لنفقة تحويل أهله وأربعة آلاف للنفقة على الوليمة وأربعة آلاف درهم ليتصرف بها في معيشته، قال أحمد بن علي: فأشاروا على الفتى أن يسأله أن يأمر قوّاده وحشمه بإتيانه، فأمرهم بذلك فأتوه وجعلوا يطرحون العشرة الآلاف الدرهم والخمسة الآلاف الدرهم والأقل والأكثر في مجلسه حتى اجتمع له خمسون ألف درهم سوى ما أعطاه الفضل.
وحدث أحمد بن علي قال: حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل بن يحيى مرّ به في يوم صائف منصرفاً من المدينة يريد منزله فقال الرجل: لا والله إن في منزلي قليل ولا كثير، فعطس الفضل، فقلت: يرحمك الله، وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب، فانصرفت بها إلى منزلي، فقالت لي امرأتي: والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلاً ولا كثيراً، فمن أين سرقت هذا؟ قال: فأعلمتها القصة فلم تصدقني قولي واستراب الجيران بحالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وأخذني فحبسني، فقلت له: إنه كان من أمري كيت وكيت، فوقع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أُحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي ووصلني بخمسة آلاف أخرى وبعشرة أثواب وقال: تعهد بما ننفعك، فلم يزل ينفعه حتى حدث من أمرهم ما حدث.
وعن أحمد بن محمد بن عبد الصمد أن رجلاً كان ينزل على نهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت فلم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج، فأضر به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى البقال بقصعة له ليرهنها عنده على خبز، فانتهره البقال وقال: ما أصنع بهذه القصعة؟ وأبى أن يعطيه عليها شيئاً، قال: فعاد إلى منزله مغموماً لا حيلة له، فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبداً من عبادك تحبه يفرج عني ما أمسيت فيه، فما شعرت إلا والباب يدقّ عليّ فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال لي: كم عيالك؟ قلت: كذا وكذا، فأعطاني كيساً قدرت أن فيه خمسة آلاف درهم، فقلت: الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني، فقال لي: وما كان قولك ودعاؤك؟ فخبّرته الخبر بصنيع البقال وما دعوت الله جل وعز به، فاستحلفني أني دعوت بهذا الدعاء، فحلفت له، فأمر لي بمائة ألف درهم، فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر على ما أمر لي به أم لا، فقال: هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، فسكتّ إلى ذلك وانصرفت إلى منزلي، ومضيت إلى قهرمانه لما أصبحت فقبضت منه المال.
وحدث خلف بن عمر المصري قال: كنا عند الفضل ذات ليلة فقال: أتعرفون رجلاً كانت عليه نعمة فزالت عنه حتى أردها عليه؟ فقال الأشعري، وكان قاضياً: أعرف، أصلحك الله، رجلاً شريفاً من آل خالد بن عبد الله القسري بالكوفة قد أضرت به الحاجة، وسماه له، فكتب إلى عامل الكوفة: احمل إليّ فلاناً على البريد فقد بعثت بجوازه، فلم يعلم الخالدي حتى حمله العامل على البريد ووجهه إليه، فلما قدم عليه دعاه وسأله عن حاله وأمر له بمائة ألف درهم وقال: أقم بها مروءتك حتى أنظر في أمرك وأدبر لك ما يصلح حالك، ثم ولاه كرمان، فصار إليها وحسنت حاله، ثم إن كتاب صاحب البريد بها ورد على الفضل بن يحيى بوفاة الكوفي فقال لنا: أتدرون ما قال الفارسي في مثل له؟ فذكر المثل بالفارسية ثم فسره بالعربية فقال: إلى أن يُدرك الحشيش قد مات الحمار، أردت بهذا الرجل الغنى فمات قبل ذلك، واغتم لوفاته ولما فاته من الإحسان إليه بعد الذي قد كان أعطاه وأكبسه من مرافق العمل الذي ولاه، وتقدم بحمل جميع ما خلّفه إلى أهله فحُمل إليهم.
(1/98)

وحدثنا أبو طالب الجعفري قال: حدثني سليمان بن أبي جعفر أن محمد بن إبراهيم الإمام ركب إلى الفضل بن يحيى يوماً وكان قد ركبه دين وحمل حقة فيها جوهر، فلما وصل إليه قال: قد لزمني دين أحوجني إلى احتيال ألف ألف درهم، وعلمت أن التجار لا يسمحون بإخراج مثلها وإن وثقنا الرهن ولك معاملون وتجار مطيعون ومعي رهن فإن رأيت أن تأمر بقبضه وحمل هذا المال إلينا فأنت أولى بذلك، فقال الفضل: نعم لنا تجار يطيعوننا ويسارعون إلى أمرنا، ولكن ما هذا الرهن؟ فوضع الحقة بين يديه، ففتحها حتى نظر إليها فأُعجب بالجوهر الذي فيها، ثم أمر بإعادتها إلى حالها وقال: ضع خاتمك عليها، فختمها، قال فقال الفضل: إن نُجح الحاجة أن تقيم في منزلي الذي أنا فيه، فقال: يشق عليّ المقام، فقال: وما يشق عليك؟ إن رأيت أن تلبس من ثيابنا شيئاً دعوت لك به وإلا فابعث إلى منزلك لتؤتى به، فأقام عنده، ونهض الفضل فدعا وكيله وأمر أن يحمل إلى منزل محمد بن إبراهيم ألف ألف درهم مبدرة ويضعها قبالة مجلسه ليراها إذا دخل، ففعل الوكيل ذلك، وانصرف محمد إلى منزله مع المغرب، فلما دخل وقعت عينه على المال فقال: ما هذا؟ قالوا: وجه به الفضل، قال: أحسن الله جزاءه فإنه وإن كان وجه بذلك على ما رهنّاه فقد ظهر لنا من عنايته ما قدّرناه فيه، قالوا: وما الرهن؟ قال: الحقة، قالوا: قد ردها تحت خاتمك، فقال: أين هي؟ فأُتي بالحقة ففتحها حتى نظر إليها وفرح فرحاً شديداً فعدا إلى الفضل فوجده قد سبقه إلى دار أمير المؤمنين فتبعه فلم يزل واقفاً ينتظره حتى خرج الفضل من باب آخر فصار إلى منزله وشكر له ما كان منه وانصرف عنه، فلما دخل منزله وجد فيه ألف ألف درهم سوى الأولى، فقال: ما هذا؟ قالوا: بعث به الفضل، فأتاه فقال له: جعلت فداك! أما كان فيما وجّهت به أمس كفاية حتى أردفته بمثله؟ فقال: إنه والله طالت عليّ ليلتي فركبت إلى أمير المؤمنين وأعلمته حالك فأمرني بالتقدير لك فقدّرت مائة ألف دينار، فما زال يقول ويماكسني حتى وقفت على ألف ألف فأمر لك بها فلم أنصرف إلى المنزل حتى حُمل المال إليك، فقال محمد: لست أجد لك شكراً أقضي به حقك غير أنه على ابن محمد بن علي وعليه من الأيمان المغلظة إن وقفت بباب أحد سواك أبداً حتى ألقى الله جل وعز ولا أسأل أحداً حاجة ما بقيت سواك، فكان لا يركب إلى أحد سوى الفضل ولا يقف بباب أحد غيره.
(1/99)

ومن كرمه ما حُدّث به المأمون فكبر عنده واستحسنه وعجب من جوده وسعة صدره، فإنه بلغنا عن عمرو بن مسعدة قال: رفعت قصة إلى المأمون منسوبة إلى محمد بن عبد الله يمتّ فيها بحرمه ويزعم أنه من أهل النعمة والقدر وأنه مولى ليحيى بن خالد وأنه كان ذا ضيعة واسعة ونعمة جليلة وأن ضياعه قُبضت فيما قبض للبرامكة وزالت نعمته بحلول النقمة عليهم، فدفعها المأمون إلى ابن أبي خالد وأمره أن يضم الرجل إلى نفسه وأن يجري عليه ويحسن إليه، ففعل ذلك به وصاحت حاله وتراجع أمره وصار نديماً لابن أبي خالد لا يفارقه، فتأخر عنه ذات يوم لمولود ولد له، فبعث إليه فاحتجب عنه، فغضب عليه ابن أبي خالد وأمر بحبسه وتقييده وإلباسه جبة صوف، فمكث لذلك أياماً، فسأله المأمون عنه، فقص عليه قصته وعظم عليه جرمه وشكا ما يراه عليه من التيه والصلف والافتخار بالبرامكة والسمو بآبائهم، فأمره بإحضاره، فأُحضر في صوفه، فأقبل عليه المأمون بالتوبيخ مصغراً لقدره مسفهاً لرأيه وعظّم في عينه إحسان ابن أبي خالد إليه مع طعن على البرامكة ووضع منهم، فأطنب في ذلك، فقال محمد: يا أمير المؤمنين لقد صغّرت من البرامكة غير مصغّر ووضعت منهم غير موضوع وذممت منهم غير مذموم، ولقد كانوا شفاء أسقاهم دهرهم وغياث إجداب عصرهم، كانوا مفزعاً للملهوفين وملجأً للمظلومين، وإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم ليستدل بذلك على صدق قولي فيهم ويقف على جميل أخلاقهم ومحمود مذاهبهم في عصرهم والأفعال الشريفة والأيادي النفيسة! قال: هات، قال: ليس بإنصاف محدّث مقيّد في جبة صوف، فأمر فأُخذ قيده، فقال: يا أمير المؤمنين ألم الجبة يحول بيني وبين الحديث، فأمر فخلع عليه، ثم قال: هات حديثك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان ولائي وانقطاعي إلى الفضل، فقال لي الفضل يوماً بمحضر من أبيه وأخيه جعفر: ويحك يا محمد إني أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه والخليل خليله، فقلت: جلعت فداك! شأني أصغر من ذلك ومالي يعجز عنه وباعي يقصر عن ذلك وداري تضيق عنه ومُنّتي لا تقوم له، قال: دع عنك ذلك فلا بد منه، فأعدت عليه الاستعفاء، فرأيته جاداً في ذلك مقيماً عليه، وسألا ذلك وأعلماه قصور يدي عن بلوغ ما يجب ويشبه مثله، فقال لهما: لست بقانعٍ منه دون أن يدعوني وإياكما لا رابع معنا، فأقبل عليّ يحيى وقال: قد أبى أن يعفيك وإن لم يكن غيرنا فأقعدنا على أثاث بيتك فلا حشمة منا واطعمنا من طبيخ أهلك فنحن به راضون وعليه شاكرون، فقلت: جعلت فداك! إن كنت قد عرضت عليّ ذلك وأبيت إلا هتكي وفضيحتي فالأقل أن تؤجلني حتى أتأهب، فقال: استأجل لنفسك، فقلت: سنة، فقال: ويحك أمعنا أمان من الموت إلى سنة؟ فقال يحيى: أفرطت في الأجل، ولكني أحكم بينكما بما أرجو أن لا يرده أبو العباس واقبله أنت أيضاً، فقلت: احكم وفقك الله للصواب وتفضل عليّ بالاستظهار والفسح في المدة، فقال: قد حكمت بشهرين، فخرجت من عندهم وبدأت برمّ داري وإصلاح آلتي وشراء ما أتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك وهو في ذلك لا يزال يذكرني ويعدّ الأيام عليّ، حتى إذا كانت الجمعة التي يجب فيها الدعوة قال لي: يا محمد قد قرب الوقت ولا أحسبه بقي عليك إلا الطعام، قلت: أجل يا سيدي، فأمرت باتخاذ الطعام على غاية ما انبسطت به يدي ومقدرتي، وجاءني رسوله عشية اليوم الذي في صبيحته الدعوة فقال لي: إلى أين بلغت وهل تأذن بالركوب؟ قلت: نعم بكّر، فبكّر هو ويحيى وجعفر ومعهم أولادهم وفتيانهم، فلما دخلوا أقبل عليّ الفضل وقال: يا محمد إن أول ما أبدأ به النظر إلى نعمتك كلها صغيرها وكبيرها، فقم بنا إليها حتى أدور فيها وأقف عليها، فقمت معه وطاف في المجلس ثم خرج إلى الخزائن وصار إلى بيوت الشراب وخرج في الاصطبلات ونظر إلى صغير نعمتي وكبيرها ثم عدل إلى المطبخ فأمر بكشف القدور كلها وأبصر قدراً منها، فأقبل على أبيه وقال: هذا قِدرك الذي يعجبك ولست أبرح دون أن تأكل منه، ثم كره أن يأكل فيثلم عليّ في أكله ويفسد طعامه، فدعا برغيف فغمسه في القدر وناول أباه ثم فعل ذلك بأخيه ودعا بخلال، وخرج إلى الدار ووقف في صحنها مفنناً طرفه في فنائها وبنائها وسقوفها وأروقتها ثم أقبل عليّ وقال: من جيرانك؟ قلت: جعلت فداك! عن يميني فلان بن فلان التاجر، وعن شمالي فلان بن فلان الكاتب، وفي ظهر
(1/100)

داري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئاً في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقاً لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا باباً، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سبباً، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت داراً حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلساً من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلاً فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفراً قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيراً عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يداً أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه. ري رجل من بني برجا كبير فهو في بنائه لا يفتر ولا يقصر، فقال لي: أوتعرفه؟ قلت: لا، قال: كان ينبغي لك في قدرك ومحلك من هذه الدولة ألاّ يجتريء أحد أن يشتري شيئاً في جوارك إلا بأمرك لا سيما إذا كان ملاصقاً لك ولا ترضى لنفسك إلا بجار تعرفه، فقلت: لم يمنعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الشغل بهذه الدعوة المباركة، فقال لي: فأين الحائط الذي يتصل بداره؟ فأومأت إليه، فقال: عليّ بنجار، فأُتي به، فقال: افتح هاهنا باباً، فأقبل عليه أبوه وقال: نشدتك الله يا بني أن لا تهجم على قوم لا تعرف لهم سبباً، وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فامتنع دون فتح الباب، فلما رأيته قد ردّ أباه وأخاه أمسكت عن مسألته، ففتح الباب ودخل وأدخلني معه، فدخلت داراً حار بصري فيها من حسنها، كلها لؤلؤٌ تعشي العيون، فانتهى إلى رواق فيه مائة مملوك في قدّ واحد وزي واحد عليهم الأقبية الديباج المنسوجة والمناطق المذهبة، فلما نظروا إلى الفضل عدوا ووقفوا بين يديه وإذا شيخ بهيّ قد خرج من بعض تلك المجالس فقبل يده فقال: مرّ بنا ننظر في مرافق هذه الدار، فما دخلت مجلساً من مجالسه إلا وقد فرغ تخشيبه بالفرش الذي لا يحيط به الوصف، وكذلك مرافقها من الستور والبسط وغير ذلك، ثم قال للشيخ: مر بنا إلى عند الدواب، فدخلنا إصطبلاً فيه أربعمائة رأس من الدواب والبغال وغيرها، فوجدت ذلك الاصطبل أحسن بناء من داري، ثم خرج نحو دور النساء والشيخ بين يديه، فلما انتهى إلى الباب وقف الشيخ ودخل الفضل وجذبني إلى نفسه وأنا معه حتى دخلت بعض تلك الدور فإذا فيها مائة وصيفة كأنهن الأقمار قد أقبلن في حليهن وحللهن فوقفن بين يديه، فقال: يا محمد هذه الدار أجلّ أم دارك؟ فقلت: يا سيدي وما أنا وما داري! هذه تصلح للأمير لا غيره على تحرج مني في قولي، فقال: يا محمد هذه الدار بما فيها من الدواب والرقيق والفرش والأواني لك ولك عندي زيادة، فقلت في نفسي: يهب لي ملك غيره! فعلم ما في نفسي، فقال: يا محمد إني لما سألتك هذه الدعوة تقدمت إلى هذا القهرمان بشراء البراح وأن يعجل الفراغ منه ومن بنائه وحولت إليها ما ترى، فبارك الله لك فيها! وانصرف بي إلى عند أبيه وأخيه وحدثهما بما جرى، فرأيت أخاه جعفراً قد أمعض من ذلك وتغير وجهه تغيراً عرفته، ثم أقبل على أبيه يشكو الفضل ويقول: يتفرد بمثل هذه المكرمة من دوني فلو شاركني فيها لكانت يداً أشكرها منه، فقال: يا أخي بقي لك منها قطبها، قال: وما هو؟ قال: إن مولانا هذا لا يتهيأ له ضبط هذه الدار بما فيها إلا بدخل جليل فأعطه ذلك، فقال: فرجت عني يا أخ فرج الله عنك! فدعا من وقته بصكاك لخمس قريات واحتمل عني خراجها، فخرج عني وأنا أيسر أهل زماني، فهل تلومني يا أمير المؤمنين على ذكرهم والقول بفضلهم؟ فقال المأمون: ذهب القوم والله بالمكارم! ثم أمر لمحمد بمائة ألف درهم وتقدم إلى ابن أبي خالد بردّ مرتبته وتصييره في جملة خواصه.
(1/101)

وحدثنا غيره قال: اصطحب رسول للفضل ورجل كوفي في طريق خراسان فأقبل الكوفي يسأل عن أفعال الفضل، فأخبره بإنهابه الأموال الجليلة في العطايا، فقال له الكوفي: خبرني عن هذه الأموال التي يهبها يراها وينظر إليها؟ فقال: لا، قال: فمن هناك تهون عليه. فلما وصلا إلى الموضع دعا الفضل بالرسول وسأله عما رأى في طريقه وعما سمع، فأقبل يخبره حتى انتهى إلى خبر الكوفي فذكر له ما قال وكان متّكياً فاستوى جالساً ثم قال: يا غلام ائت صاحب بيت المال فاسأله عن حاصله، فقال: هو عشرة آلاف درهم، فقال تُحمل الساعة إلى دار العامة وتشقّ عنها البِدَر شقاً وتنثر في وسط الدار، قال: ففعل ذلك بها، ثم قال للرسول: هات صاحبك الكوفي، فأُتي به، وأمر الفضل بتفريق ذلك المال على زواره رجلاً رجلاً واسماً اسماً على مقاديرهم وما وقع لكل رجل منهم، ثم أمر للكوفي بمائة ألف درهم وقال: هذه لك لتنبيهك إيايّ على هذا الفعل، ومما قيل في ذلك:
كريمٌ كريم الأمهات مهذَّبٌ ... تحلّب كفاه الندى وأنامله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجّته المعروف والجود ساحله
جوادٌ إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها، فليتق الله سائله
وللبحتري في ذلك:
لو أن كفك لم تجد لمؤملٍ ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل
أو أنّ مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سوددٍ عن أول
علي بن يحيى النديم قال: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور قال: أنشدني قول عمارة في أهل بغداد، فأنشدته:
من يشتري مني ملوك المخرِّم ... أبع حسناً وابني هشامٍ بدرهم
وأعطي رجاءً بعد ذاك زيادةً ... وأمنح ديناراً بغير تندّم
وإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... أبا دُلفٍ والمستطيل ابن أكثم
فقال المتوكل: ويلي على ابن البوّال على عقبيه يهجو شقيق دولة بني العباس! قلت: يا سيدي من شقيق دولة بني العباس؟ فقال: القاسم بن عيسى فهل عندك من مديحه شيء؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قول الأعرابي الذي يقول:
أبا دلفٍ إن السماحة لم تزل ... مغلَّلةً تشكو إلى الله غلَّها
فبشّرها ربي بميلاد قاسمٍ ... فأرسل جبريلاً إليها فحلّها
ولبكر بن النطاح في أبي دلف:
بطلٌ بصدر حسامه وسنانه ... أجلان من صدرٍ ومن إيراد
ورث المكارم وابتناها قاسمٌ ... بصفائحٍ وأسنةٍ وجياد
يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حياً إذاً كانت بغير عماد
إن العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد
وإذا رميت الثغر منك بعزمةٍ ... فتّحتَ منه مواضع الأسداد
وكأن رمحك منقعٌ في عصفرٍ ... وكأن سيفك سلّ من فرصاد
لو صال من غضبٍ أبو دلفٍ على ... بيض السيوف لذبن في الأغماد
أذكى ونوّر للعداوة والهوى ... نارين نار دمٍ ونار رماد
وقال أبو هفان: أنشدته عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فبرّني ثم قال: هل خلق مثله؟ قلت: لا.
ولغيره في أبي دلف:
ولو يجوز لقال الناس كلهم ... لولا أبو دلفٍ ما أورق الشجر
قرمٌ إذا ما حوى في كفه حجراً ... يفيض في كفه من جوده الحجر
وأنشد أيضاً، رحمه الله:
خِلٌّ إذا جئته يوماً لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
وأنشد:
يداك يدٌ غيثها مرسلٌ ... وأخرى لأعدائها غائظه
فأما التي سيبها يرتجى ... فأجود بالمال من لافظه
وأما التي شرّها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه
آخر:
فتىً عاهد الرحمان في بذل ماله ... فليس تراه الدهر إلا على العهد
فتىً قصرت آماله عن فعاله ... وليس على الحر الكريم سوى الجهد
آخر:
(1/102)

عاد السرور إليك في الأعياد ... وسعدت من دنياك بالأسعاد
رفقاً بشكر جلّ ما أوليته ... رفقاً فقد أثقلته بأيادي
ملأ النفوس مهابةً ومحبةً ... بدرٌ بدا متغمراً بسواد
ما إن أرى لك مشبهاً فيمن أرى ... أمُّ الكرام قليلة الأولاد
ولآخر:
إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر
له في ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
محاسن صلات الشعراء
قيل: دخل جرير على عبد الملك بن مروان وقد أوفده إليه الحجاج بن يوسف، فدخل محمد بن الحجاج فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير مادحك وشاعرك، فقال: بل مادح الحجاج وشاعره، فقال جرير: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده مدحة فيه، قال: هات ابدأ بالحجاج، قال: بل بك يا أمير المؤمنين، فقال: هات ابدأ بالحجاج، فأنشده:
صبرت النفس يا ابن عقيلٍ ... محافظةً فكيف ترى الثوابا
ولو لم ترض ربك لم ينزّل ... مع النصر الملائكة الغضابا
إذا شعر الخليفة نار حربٍ ... رأى الحجاج أثقبها شهابا
فقال: صدقت كذاك هو، ثم قال للأخطل: قم فهات مديحاً، فقام فأنشد وأجاد وأبلغ، فقال: أنت شاعرنا وأنت مادحنا، قم فاركبه، فألقى النصراني ثوبه وقال: خبّ يا ابن المراغة، فساء ذلك من حضر من مضر وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النصراني لا يركب الحنيف المسلم! فاستحيا عبد الملك وقال: دعه، قال جرير: فانصرفت أخزى خلق الله، حتى إذا كان يوم الوداع دخلت لأودعه فأنشدته:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
فقال: بلى نحن كذلك، أعد، فأعدت وأسفر لونه وذهب ما كان في قلبه، فالتفت إلى محمد بن الحجاج فقال: أترى أم حزرة يرويها مائة من الإبل؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين إن كانت من فرائض كلبٍ فلم يروها فلا أرواها الله، فأمر لي بمائة من الإبل.
وحدثنا المدائني عن كيسان عن الهيثم قال: حج عبد الملك بن مروان ومعه الفرزدق، فبينا هو قاعد بمكة في الحجر إذ مر به علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعليه مطرف خزّ، فقال عبد الملك: من هذا يا فرزدق؟ فأنشأ يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلُّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
ينمي إلى ذروة العزّ التي قعدت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
مشتقةٌ من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم
في كفه خيزرانٌ ريحه عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شمم
ينشقّ نور الدجى عن نور غرّته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلَّمُ إلا حين يبتسم
من معشرٍ حبهم دينٌ وبغضهم ... كفرٌ وقربهم منجىً ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويُستربّ به الإحسان والنعم
لا يستطيع جوادٌ بُعد غايتهم ... ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا
إن عُدَّ أهل الندى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
مقدَّمٌ بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل برٍ ومختومٌ به الكلم
قال: فلما فرغ من شعره قال لهم عبد الملك: أورافضيّ أنت يا فرزدق؟ فقال: إن كان حبّ أهل البيت رفضاً فنعم، فحرمه عبد الملك جائزته، فتحمّل عليه بأهل بيته فأبى أن يعطيه، فقال له عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ما كنت تؤمل أن يعطيك؟ قال: ألف دينار في كل سنة، قال: فكم تؤمل أن تعيش؟ قال: أربعين سنة؟ قال: يا غلام علي بالوكيل، فدعاه إليه، وقال: اعط الفرزدق أربعين ألف دينار، فقبضها منه.
(1/103)

قيل: ودخل الفرزدق على سكينة بنت الحسين، فقالت له: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنُّبُهُ عزيزٌ ... عليّ ومن زيارته لِمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام
فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك ما هو أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد فقالت: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
يا بيت عاتكةَ الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميَل
فقال: أما والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فقالت: اخرجوه عني، ثم عاد من الغد وعندها جوارٍ كالتماثيل، فأخذت جارية منهن بقلبه، فقالت سكينة: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت، أشعر منك الذي يقول:
إن العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا
فقال: يا بنت رسول الله إن لي حقاً بإقبالي عليك من مكة ولا أزال تدعيني أُسمعك شعري ولا تزيديني على التكذيب مع أني لأخاف لما بي أني لا أبرح ميتاً ولي حاجة، قالت: فما هي؟ قال: إن أنا مت تأمرين بتكفيني في ثياب هذه، وأشار إلى الجارية، فقالت: هي لك، وضمت إليها جائزة وكسوة.
وعن أبي الزناد قال: اجتمع جرير والفرزدق وكثيّر ونصيب في منزل سكينة بنت الحسين، فخرجت جارية ومعها قرطاس وقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت الذي يقول:
أبيت أمنّي النفس أن سوف نلتقي ... وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها
فإن ألقها أو يجمع الدهر بيننا ... ففيها شفاء النفس منها وداؤها
قال: نعم، قالت: قولك أحسن من منظرك! وأنت القائل:
ودّعنني بإشارة وتحيةٍ ... وتكرنني بين الديار قتيلا
لم أستطع رد الجواب عليهم ... عند الوداع وما شفين عليلا
لو كنت أملكهم إذاً لم يبرحوا ... حتى أودّع قلبي المخبولا
قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل:
هما دلّتاني من ثمانين قامةً ... كما انقضّ بازٌ أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا: ... أحيٌّ فيرجى أم قتيل نحاذره
فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا ... وولّيتُ في أعجاز ليلٍ أُبادره
أحاذر بوّابين قد وكلا بها ... وأحمر من ساجٍ تبصّ مسامره
فأصبحت في القوم القعود وأصبحت ... مغلقةً دوني عليها دساكره
قال: نعم، قالت: سوءة لك! قضيت حاجتك فأفشيت عليها وعلى نفسك، فضرب بيده على جبهته وقال: نعم فسوءة لي! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جرير؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل:
رُزقنا به الصيد الغزير ولم نكن ... كمن نبله محرومةٌ وحبائله
فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات حيٌّ بالعقيق نواصله
قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! وأنت القائل:
كأن عيون المجتلين تعرّضت ... وشمساً تجلّى يوم دجنٍ سحابها
إذا ذُكرت للقلب كاد لذكرها ... يطير إليها واعتراه عذابها
قال: نعم، قالت: أحسنت! وأنت القائل:
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلَّ مرام
طرقتك صائدةُ القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
لو كان عهدك كالذي حدثتني ... لوصلت ذاك فكان غير ذمام
تجري السّواك على أغرّ كأنه ... بردٌ تحدّر من متون غمام
قال: نعم، قالت: سوءة لك! جعلتها صائدة القلوب حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها حجاباً، ألا قلت:
طرقتك صائدة القلوب فمرحباً ... نفسي فداؤكِ فادخلي بسلام
قال: نعم فسوءة لي! ودخلت وخرجت وقالت: أيكم كثيّر؟ فقال: ها أنا ذا، فقالت: أنت القائل:
وأعجبني يا عزّ مكن خلائقٌ ... حسانٌ إذا عُدّ الخلائق أربع
دُنوُّكِ حتى يطمع الصبُّ في الصِّبا ... وقطعك أسباب الصبا حين تقطع
(1/104)

فوالله ما يدري كريمٌ مَطلتهِ ... أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرع
قال: نعم، قالت: أعطاك الله مناك! وأنت القائل:
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
فما أنا بالداعي لعزة في الورى ... ولا شامتٍ إن نعل عزة زلّت
وكنت كذي رجلين، رجلٍ صحيحةٍ ... ورِجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت
قال: نعم، قالت: أحسن الله إليك! ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نُصَيب؟ فقال: ها أنا ذا، قالت: أنت القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيبٌ ... لقلت بنفسي النّشأ الصغارُ
ألا يا ليتني قامرت عنها ... وكان يحلّ للناس القمار
فصارت في يدي وقمرت مالي ... وذاك الربح لو علم التِّجار
على الإعراض منها والتواني ... فإن وعدت فموعدها ضمار
بنفسي كل مهضومٍ حشاها ... إذا قهرت فليس لها انتصار
إذا ما الزُّلُّ ضاعفن الحشايا ... كفاها أن يُلاث بها إزار
ولو رأت الفراشة طار منها ... مع الأرواح روحٌ مستطار
قال: نعم، قالت: والله إن إحداهن لتقوم من نومتها فما تحسن أن تتوضأ! لا حاجة لنا في شعرك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم جميل؟ قلت: أنا، قالت: أنت القائل:
لقد ذرفت عيني وطال سفوحها ... وأصبح من نفسي سقيما صحيحها
ألا ليتنا كنا جميعاً وإن نمت ... يجاور في الموتى ضريحي ضريحها
أظل نهاري مستهاما ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها
فهل لي في كتمان حبي راحةٌ ... وهل تنفعنّي بوحةٌ لو أبوحها
قال: نعم، قالت: بارك الله فيك! وأنت القائل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حبّ قاتله قبلي
أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهلها ... وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل
فيا ربّ إن تهلك بثينة لا أعش ... فواقاً ولا أفرح بمالي ولا أهلي
ويا رب إن وقّيت شيئاً فوقّها ... حتوف المنايا ربّ واجمع بها شملي
قال: نعم، قالت: أحسنت أحسن الله إليك! وأنت القائل:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... بوادي القرى إني إذاً لسعيد
لكل حديثٍ عندهن بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهنّ شهيد
ويا ليت أيام الصبا كنّ رجّعاً ... ودهراً تولّى يا بثين يعود
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابتٌ ويزيد
وإن قلت ردّي بعض عقلي أعش به ... تناءت وقالت ذاك منك بعيد
فما ذكر الخلاّن إلا ذكرتها ... ولا البخل إلا قلت سوف تجود
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً ... ولا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها ويزيد
قال: نعم، قالت: لله أنت! جعلت لحديثها ملاحة وبشاشة وقتيلها شهيداً. وأنت القائل:
ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني ... بثينة لا يخفى عليّ مكانها
قال: نعم، قالت: قد رضيت من الدنيا أن تقودك بثينة وأنت أعمى أصم؟ قال: نعم، ثم دخلت وخرجت ومعها مدهن فيه غالية ومنديل فيه كسوة وصرّة فيها خمس مائة دينار فصبّت الغالية على رأس جميل حتى سالت على لحيته ودفعت إليه الصرة والكسوة وأمرت لأصحابه بمائة مائة.
(1/105)

وقال سوار بن عبد الله: قال رؤبة بن العجاج: أرسل إليّ سليمان بن علي وهو بالبصرة فقال: هذا رسول الأمير أبي مسلم قدّم في إشخاصك، قلت: سمعاً وطاعة، أرجع إلى أهلي فأصلح من شأني، قال: ليس إلى ذلك سبيل، ثم التفت إلى الحرسي فقال: هذا صاحبك فشأنك، فلم أُنهنه أن حملت على البريد فوافيت الأنبار مع الجمعة الأخرى فأُدخلت سرادقاً فيه عشرة آلاف رجل في السواد واضعي أذقانهم على قوابع سيوفهم لا ينظر بعضهم إلى بعض إلا شزراً ولا يكلمه إلا همساً، ثم اختُرق بي سرادق آخر مثل الأول على مثل حالهم، فقلت في نفسي: أحسبه تذكّر عليّ بعض قولي في بني أمية فأراد قتلي، فأيست عند ذلك من الحياة، ثم خرجت إلى سرادق ثالث فإذا قبة مضروبة في وسطه فدفعت إليه فسلمت بالإمارة عليه، فقال لي: أنت رؤبة ابن العجاج؟ قلت: نعم، جعلني الله فداك أيها الأمير! فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، فحقق فيّ نفسي ما كنت قدّرت وظننت، ثم قلت: بل أنشدك، جعلت فداك:
لبيك إذ دعوتني لبّيكا ... تطلب حقاً واجباً عليكا
فسكت حتى فرغت منها ثم أقبل عليّ فقال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، قلت بل أنشدك قولي:
ما زال يبني خندقاً ويهدمه ... وعسكراً يشرعه ويهزمه
ومغنماً يجمعه ويقسمه ... مروان لما غرّه منجّمه
فأمسك حتى فرغت ثم قال: أنشدني قولك يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ، فقلت بل أنشدك:
ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره
حتى أقرّ الملك في قراره ... مشمّراً لا يُصطلى بناره
فقال: أنشدني ويحك يرمي الجلاميد! فأنشدته:
وقاتم الأعماق خاوي المحترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق
فأنصت حتى انتهيت إلى قولي:
يرمي الجلاميد بجلمودٍ مدقّ
فوقفت، فقال: إن أمير المؤمنين وجّهني إلى خراسان وبها جبال الحديد من الرجال فدمّثتها حتى جعلتها دهساً فلم أجد لي مثلاً إلا قولك يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ، أنا والله ذلك الجلمود، اذكر حاجتك، قلت: جعلت فداك، حاجتي أن تردني إلى أهلي فقد خرجت من عندهم وهم على وجل، فقال: يا غلام عليّ ببدرةٍ، فكأنها لم تزل بين يديه، فقال: يا أبا الجحّاف إنك أتيتنا والأموال مشفوهة وقد أمرنا لك بشيء وهو زمر ولو أتيتنا ونحن على طمأنينة لأوطأت العرب عقيبك، والدهر بيننا وبينك أطرق مستتبّ، ولك عودة وعلينا معوَّل. قال رؤبة: فوالله ما دريت بما أجيبه، ثم قال يردّ على السير الذي جاء عليه: فما شعر بي سليمان في الجمعة الثانية إلا وأنا عنده فأخبرته الخبر فقال: يا أبا الجحّاف هذه ديتك وربحت نفسك.
قال: وحدثني عبد الله بن عمرو بن عبيد الله قال: حدثني عبيد الله قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي وأنشده شعره الذي يقول فيه:
أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثةُ الأعمام
أجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان:
بسبعين ألفاً راشني من حبائه ... وما نالها في الناس من شاعرٍ قبلي
فحدثنا إدريس بن سليمان بن يحيى بن يزيد بن أبي حفصة قال: كان سبب اتصال مروان بخلفاء بني العباس أن جارية يمانية أهديت إلى أبي جعفر المنصور فأنشدته شعراً لمروان يمدح به السّريّ بن عبد الله يذكر فيه وراثة العباس، فسألها لمن الشعر فأخبرته، فأمر بإحضار مروان، فوافاه بالربذة حاجاً فلقي الربيع، والمنصور عليل العلة التي مات فيها، فقال: كن قريباً حتى ندعو بك. فلم تزل العلة تشتد به حتى مات قبل أن يصل إليه مروان.
فقال له الربيع: الحق بالمهدي ولا تتخلف عنه. وانصرف مروان إلى اليمامة فجعلها طريقاً وعليها بشر بن المنذر والياً، فأوفده بشر فيمن أوفده وأعطى كل رجل ألف درهم. فقدم مروان على المهدي وقد مدحه بأربع قصائد قوله:
صحا بعد جهدٍ فاستراحت عواذله ... وأقصر عنه حين أقصر باطله
وقوله:
طاف الخيال وحيّه بسلام ... أنى أُلم وليس حين لمام
وقوله:
اعص الهوى وتعزّ عن سعداكا ... فلمثل حلمك عن هواك نهاكا
وقوله:
مرى العين شوقٌ حال دون التجلد ... ففاضت بأسرابٍ من الدمع حشَّدي
(1/106)

حشّدي من الحشاد، يريد أنه يخلطها به. قال إدريس: فأعطي مروان المهدي ثلاثين ألف درهم فانصرف إلى اليمامة ثم عاد في سنة أربع وستين ومائة فطلب الوصول بيعقوب بن داود، فأقام نحواً من سنة، وغضب المهدي على يعقوب بن داود. قال إدريس: فحدثني مروان قال: بينا أنا واقف على باب المهدي إذ خرج خالد بن يزيد بن منصور فقال: يا ابن أبي حفصة ذكرك أمير المؤمنين آنفاً وهو يراك أشعر الناس غير أنه يقول لا حاجة لنا فيما قبلك فانصرف عن بابنا. قال: فانصرفت مغموماً ثم تذكرت رجلاً أتحدث عنده وأتفرج به وآنس لديه، فأتيت يزيد بن مزيد فشكوت إليه ما قال لي خالد بن يزيد، فقال: أدلك على رجل صدوق له رقةٌ لعله ينفعك. قلت: ومن هو؟ قال: الحسن الحاجب. فغدوت إلى الحسن فشكوت إليه ما حكاه خالد من رأي أمير المؤمنين. فقال: قل في يعقوب بن داود. فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت ترجو أن يكون ذلك مفتاحاً لما أنا فيه؟ قال: ذاك كما أقول لك. فانصرفت وقلت:
أتاني من المهديّ قولٌ كأنما ... به احتز أنفي مدمن الضّعن جادع
وقلت، وقد خفت التي لا شوىً لها ... بلا حدثٍ: إني إلى الله راجع
وما لي إلى المهدي لو كنت مذنباً ... سوى حلمه الصافي من الناس شافع
ولا هو عند السخط منه ولا الرضى ... بغير الذي يرضى به الله صانع
عليه من التقوى رداءٌ يكنّه ... وللحق نورٌ بين عينيه ساطع
يُغضّ له طرف العيون وطرفه ... على غيره من خشية الله خاشع
هل الباب مفضٍ بي إليك ابن هاشمٍ ... فعذري إن أفضى بي الباب ناصع
أتيت امرأً أطلقته من وثاقه ... وقد أُنشبت في أخدعيه الجوامع
وجلّى ضباب العدم عنه وراشه ... وأنهضه معروفك المتتابع
فقلت وزيرٌ ناصحٌ قد تتابعت ... عليه بإنعام الإمام الصنائع
وما كان لي إلا إليك ذريعةٌ ... وما ملكٌ إلا إليه الذرائع
وإن كان مطوياً على الغدر كشحه ... فلم أدر منه ما تجنّ الأضالع
وقل مثل ما قال ابن يعقوب يوسفٌ ... لإخوته قولاً له القلب نائع
تنفّس فلا تثريب إنك آمنٌ ... وإني لك المعروف والقدر جامع
فما الناس إلا ناظرٌ متشوّفٌ ... إلى كلّ ما تسدي إليّ وسامع
قال وقد قلت في قصيدة أخرى:
سيحشر يعقوب بن داود خائباً ... يلوح كتابٌ بين عينيه كافر
خيانته المهدي أودت بذكره ... فأمسى كمن قد غيبته المقابر
بدا منك للمهدي كالصبح ساطعاً ... من الغش ما كانت تجنّ الضمائر
وهل لبياض الصبح إن لاح ضوءه ... فجاب الدجى من ظلمة الليل ساتر
أمنزلةٌ فوق التي كنت نلتها ... تعاطيت، لا أفلحت مما تحاذر
قال: ثم أتيت بها الحسن بعد يومين فقال: ما صنعت؟ فأنشدتهما إياه. قال: اكتبهما لي. فقلت: قد فعلت. فقال: هاتهما. فتناولهما وقال: لست واضعهما من يدي حتى أضعهما في يد المهدي. ثم مضى وأتيته من الغد فقال: ما وضعتهما من يدي حتى وضعتهما في يد المهدي فقرأهما فرقّ لك وأمر بإدخالك عليه فاحضر يوم الاثنين. فحضرت فخرج عليّ فقال: قد علم أمير المؤمنين بمكانك وقد أحبّ أن يجعل لك يوماً يشرّفك فيه ويبلغ بك. قلت: فمتى بأبي أنت وأمي؟ قال: يوم الخميس. فعدت إليه يوم الخميس فإذا وجوه بني العباس يدخلون على المهدي، فلما تتام المجلس دعاني فدخلت، فسلمت فرد علي السلام، فقال: إنما حبسك عن الدخول انقطاعك إلى الفاسق يعقوب بن داود. فافتتحت النشيد بما قلت في يعقوب فأنشدته ثم أشدته قولي فيه: طرقتك زائرة فحيّ خيالها. فأُعجب بذلك وقال: جزاك الله خيراً. فقلت: اشهدوا هذا والله الشرف، أمير المؤمنين يجزيني خيراً، ثم أنشدته: أعادك من ذكر الأحبة عائد، فلما صرت إلى قولي:
أيادي بني العباس بيضٌ سوابغٌ ... على كل قوم بادئاتٌ عوائد
فهم يعدلون السمكَ من قبة الهدى ... كما يعدل البيت الحرام القواعد
(1/107)

سواعد عزّ المسلمين وإنما ... ينوء بصولات الأكف السواعد
يزين بني ساقي الحجيج خليفةٌ ... على وجهه نورٌ من الحق شاهد
يكون غراراً نومه من حذاره ... على قبةِ الإسلام والخلق راقد
كأن أمير المؤمنين محمداً ... لرأفته بالناس للناس والد
على أنه من خالف الحق منهم ... سقته به الموت الحتوف الرواصد
أشار إليّ فأمسكت. فقال: يا بني العباس هذا شاعركم المنقطع إليكم المعادي فيكم فآتوا إليه ما يسره. فقلت: ينبغي إذ سمعوا كلام أمير المؤمنين وعرفوا رأيه أن يصلوني من أموالهم. فقال: أنا فارض عليهم لك مالاً، ففرض على موسى ابنه خمسة آلاف درهم وعلى هارون خمسة آلآف ثم فرض على القوم على قدر حالاتهم حتى فرض عليهم سبعة وثلاثين ألف درهم والربيع يكتب كل ما فرض على كل رجل منهم. فقال أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين إنما نحن من أهلك فأدخلنا فيما أدخلتهم فيه، فجعل عليه ألفاً وعلى الربيع ألفين، فتمت أربعين ألفاً. فقلت: يا أمير المؤمنين من لي بهذا المال؟ قال: هذا، وأشار إلى الربيع، ثم قال: إن أمير المؤمنين يعطيك من صلب ماله، فأمر لي بثلاثين ألف درهم في ثلاث بدر، فجيء بهن فطرحن قريباً، فدعوت وشكرت فقال: يا ابن أبي حفصة ستجيئك صِلاتي وبرّي ويأتيك مني ما يؤديك إلى الغنى.
قلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت من قبولك وبشرك وسرورك بما سمعت مني ما سأزداد به شعراً وستسمع ويبلغك، وقلت: يا أمير المؤمنين لا يبلغ ما أعطيتني لشاعر بعدي. قال: أجل. قلت: وآذنّي في زيارتك. قال: نعم. قلت: يا أمير المؤمنين لي عدو فيك وفي أهل بيتك فإن رأى أمير المؤمنين أن يُجعل لأحد عليّ سلطان دونه. قال: لا سلطان عليك دون أمير المؤمنين. فقلت: اكتب إليّ بذلك كتاباً. فأمر بالكتاب بذلك، فانصرفت، فلما صرت خلف الستر خرج إليّ خادم بمنديل فيه أربعة أثواب: ثوب وشيٍ وثوب خزّ وجبة بياض محشوة وقميص، فقال: ألبسوه وأعيدوه إلي، فلبست الخز والوشي على الثياب التي كانت عليّ وألقيت القميص على أحد منكبي والجبة على المنكب الآخر. فقال لي: يا ابن أبي حفصة أتدخل على أمير المؤمنين هكذا وقد مثلت بنفسك؟ فقلت: والله لو كانت كرامة أمير المؤمنين أُحد لما خلعت منها شيئاً أطيق حمله، ثم دخلت. فلما رآني تبسم ثم قال: مطرف، فأبطأوا به، فقال: المطرف! وأنا قائم، ثم قال الثالثة المطرف، فلما أبطأوا انصرفت وقعدت خلف الستر، فلم ألبث أن رفع الستر وخرج أمير المؤمنين على دابة، فقمت إليه، فلما رآني قال: المطرف! فما برح حتى أُتي به فنشر عليّ بين يديه، وأمر لي بعشرة من خدم الروم وقطيعة بناحية السواد، فبعت القطيعة من عيسى بن موسى بعشرين ألف درهم وبرذون بسرجه ولجامه. قال: فلم يزل مروان على باب المهدي حتى هلك.
وعن عبد الله بن هارون قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله عن المغيرة قال: دخل المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وأبو السائب والعثماني ابن لؤلؤ الرطب وابن أخت الأحوص على المهدي وهو بالمدينة فقال: أنشدوني. فأنشد المغيرة:
وللناس بدرٌ في السماء يرونه ... وأنت لنا بدرٌ على الأرض مقمر
فبالله يا بدر السماء وضوءه ... تزال تكافي عُشر ما لك أضمر
وما البدر إلا دون وجهك في الدجى ... يغيب فتبدو حين غاب فتقمر
وما نظرت عيني إلى البدر ماشياً ... وأنت فتمسي في الثياب فتسحر
وأنشد ابن أخت الأحوص:
قالت كلابة: من هذا؟ فقلت لها: ... هذا الذي من أعدائه زعموا
إني امرؤٌ لجّ بي حبٌّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم
وأنشده العثماني المخزومي:
رمى القلب من قلبي السواد فأوجعا ... وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا
وغرّد حادي البين وانشقت العصا ... فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجّعا
كفى حزناً من حادث الدهر أنني ... أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا
وقد كنت قبل اليوم بالبين جاهلاً ... فيا لك بيناً ما أمرّ وأوجعا
وأنشده أبو السائب:
(1/108)

أصيخا لداعي حبّ ليلى فيمِّما ... صدور المطايا نحوها فتسمعا
خليلي إن ليلى أقامت فإنني ... مقيمٌ وإن بانت فبِينا بنا معا
وإن انثنت ليلى بربعٍ يحوزها ... قعيدكما بالله أن تتزعزعا
فقال: والله لأغنينكم الليلة! ثم قال للمغيرة: هل لك من حاجة؟ فإنه بلغني أنك بعت جاريتك في دين كان عليك. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد فعلت ذلك. قال: فلأردنها عليك، فأجاز ثلاثة منهم بعشرة آلاف دينار إلا ابن لؤلؤ الرطب فإنه سار معه، فمرّ بدار فقال: لمن هذه الدار؟ فقال: للأحوص الذي يقول:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
وأراك تفعل ما هويت وبعضهم ... مدق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال: عزّ عليّ لم تأخذ شيئاً، ثم قال للربيع: اعتق ما تملك إن لم تعطه أنت عشرة آلاف دينار وأنا عشرة آلاف دينار، فقبضها وخرج.
قال: ودخل ابن الخياط على المهدي فمدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها بين الناس وأنشأ يقول:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فأعطاه لكل درهم ديناراً.
قال: ودخل سلم بن عمرو الخاسر على المهدي فقال:
أليس أحق الناس أن يدرك الغنى ... مرجّي أمير المؤمنين وسائله
لقد بسط المهدي عدلاً ونائلاً ... كأنهما عدل النبي ونائله
فقال: أما ما ذكرت يا سلم من الجود فوالله ما تعدل الدنيا عندي خاتمي هذا، وأما العدل فإنه لا يقاس برسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحد وإني لأتحراه جهدي، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، ثم وفد عليه في السنة الثانية فأنشده:
إن الخلافة لم تكن بخلافة ... حتى استقرت في بني العباس
شدّت مناكب ملكهم بخليفةٍ ... كالدهر يخلط لينه بشماس
فأمر له بعشرين ألف درهم وعشرين ثوباً، فلما كان في العام الثالث وفد عليه فأنشده:
أفنى سؤال السائلين بجوده ... ملِكٌ مواهبه تروح وتغتدي
هذا الخليفة جوده ونواله ... نفد السؤال وجوده لم ينفد
فأمر له بثلاثين ألف درهم وثلاثين ثوباً.
وعن أحمد بن بكر الباهلي قال: حدثني حاجب المهدي قال: قال لي المهدي يوماً نصف النهار: اخرج وانظر من بالباب. فخرجت فإذا بشيخ واقف، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً غير أمير المؤمنين، فتركته ودخلت على المهدي، فقال لي: اخرج فانظر من بالباب، فخرجت فإذا الشيخ، فقلت: إن كان لك حاجة فاذكرها. قال: لا أذكرها إلا لأمير المؤمنين. ففعل هذا مرات، فقال المهدي: انظر من بالباب. فقلت: شيخ قد سألني غير دفعة عن حاجة فقال: ما يمكن أن أخبر بحاجتي أحداً دون أمير المؤمنين، فقلت: أيدخل؟ قال: نعم ومره بتخفيف، فخرجت وقلت له: ادخل وخفف. فدخل وسلم بالخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين إنا قد أُمرنا بالتخفيف:
فإن شئت خففنا فكنا كريشةٍ ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب
وإن شئت ثقّلنا فكنا كصخرةٍ ... متى تلقها في حومة البحر ترسب
وإن شئت سلمنا فكنا كراكبٍ ... متى يقض حقاً من سلامك يعزب
فضحك المهدي وقال: بل تكرم وتقضى حاجتك. فقضى حاجته ووصله بعشرة آلاف درهم.
(1/109)

قال المبرد: حدثني محمد بن عامر الحنفي قال: ذكروا أن فتياناً كانوا مجتمعين قد ائتلفوا في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه، فذكر ذاكرٌ منهم وقال: كنا قد اكترينا داراً شارعتها على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس فكنا لا نستكثر أن تقع مؤونتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم أصحابه بأمره الدهر الأطول، فكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام أطيبه ولبسنا من اللباس ألينه ودعونا الملهين والملهيات وكنا في أسفل الدار، وإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع فيها بالنظر إلى الناس، وكنا لا نُخلّ بالنبيذ في عسرٍ ولا يسر ولو نبيع الثوب من الأثواب، فإنا لكذلك يوماً إذا بفتىً يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد وادخل، فإذا رجل حلو الوجه سريّ الهيئة تنبّيء رؤيته أنه من أهل النعم. فأقبل علينا فقال: إني سمعت بمجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم حتى كأنكم أُدرجتم جميعاً في قلب واحد فأحببت أن أكون واحداً منكم وأن لا تحتشموني. قال: وصادف ذلك منا إقتاراً من القوت وإكثاراً من النبيذ. فقال لغلام معه: هات ما عندك. فغبر عنا غير بعيد ثم أتى بسلة خيزران فيها طعام من جداء ودجاج وفراخ ورقاق وأُشنان وأخلّة ومحلب فأصبنا من ذلك الطعام ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعاً إذا حُدث وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، ثم أفضينا معه إلى أكرم مخالعة وأجمل معاشرة، فكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيظهر لنا أنه لا يحب غيره ويُرى ذلك في أسارير وجهه، فكنا نغنى به عن حسن الغنى ونتمثل بكلامه ونتدارس أخباره، فشغلنا بظرفه وبما عاشرنا به عن وصفه والسؤال عن تعرف اسمه ونسبه، فلم يكن عندنا من أمره إلا معرفة الكنبة، فإنا سألناه عنها فأنبأنا أنه يكنى أبا الفضل، فقال لنا يوماً بعد اتصال الأنس: ألا أخبركم كيف عرفتكم؟ قلنا له: إنا لنحب ذاك. فقال: أحببت جاريةً في جواركم وكانت مولاتها ذات حبائب فكانت تختلف بالرسائل بينها وبين حبائبها وكنت أجلس لها في الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبّرت عن ائتلافكم ومساعدة بعضكم بعضاً فكان الدخول عندي فيما أنتم فيه آثر عندي من الظفر بالجارية. فسألناه فخبرنا بمكانها. فقلنا له: فإنا نخدعها لك حتى يظفرك الله بها. قال: يا إخوتي إني والله على ما ترون من شدة الشوق إليها والكلف بها وما قدّرت فيها حراماً قط وما تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمنّ الله جل وعز بثروةٍ فأشتريها. فأقام معنا شهرين ونحن به على غاية الاغتباط وبقربه على غاية السرور، ثم احتبس عنا فتألمنا لفراقه كل ممضّ ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلاً نلتمسه فيه فيكون فقده أخف علينا، فكدر عيشنا الذي كان صافياً قد طاب لبابه، وقبح ما كان قد حسن لنا بقربه وانصرام الغمّ بمحادثته، فكنا فيه كما قال القائل:
يذكرنيهم كلّ خيرٍ رأيته ... وشرٍ فما أنفك منهم على ذكر
(1/110)

فغاب عنا عشرين يوماً لا نلتذهنّ، ثم نحن يوماً مجتازون في الرصافة فإذا به وقد طلع في موكب نبيل وزي جليل فحيث بصر بنا انحطّ عن دابته وانحط غلمانه ثم قال: يا إخوتي ما هنأني عيش بعدكم ولست أماطلكم بحديثي وخبري حتى نبلغ المسقر، ثم مال بنا إلى مسجد فقال: أعرفكم أولاً نفسي، أنا العباس بن الأحنف وكان من خبري أني انصرفت من عندكم إلى منزلي والمسودة قد أحاطت بي فمُضي بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال: ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتّيك! وإن الذي ندبتك له من شأنك، وقد عرفت خطرات الخلفاء، وإني أخبرك أن ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين وقد جرى بينهما عتب وهي بعزة دلالة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعزة الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك، وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تستفزه الصبابة، فقل شعراً تسهل به هذا السبيل، فقضى كلامه، ثم دعاه أمير المؤمنين فصار إليه، وأُعطيت قرطاساً ودواة فاعتراني الزمع ونفر عني كل شيء من العروض ثم انفتح لي شيء من الأشياء والرسل ما تغبّني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني، فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير قد قلت أربعة أبيات فإن كان فيها مقنع. وفي قدر ذهاب الرسول ومجيه حضرني بيتان من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأربعة الأبيات في صدر الرقعة وعقّبت بالبيتين فكتبت:
العاشقون كلاهما متغضّب ... وكلاهما متوجِّدٌ متجنّب
صدت مغاضبةً وصد مغاضباً ... وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيَّم قلّ ما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلوُّ له فعزّ المطلب
ثم كتبت تحت ذلك:
لا بد للعاشق من وقفةٍ ... تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهم تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
(1/111)

قال: ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد، فقال: والله ما رأيت شعراً أشبه بما نحن فيه من هذا، والله لكأني قصدت به. فقال يحيى: فأنت والله المقصود به يا أمير المؤمنين، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة. فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي: راجع من يهوى على رغم، استفرغ ضاحكاً ثم قال: إني والله أراجعها على الرغم، وقال: يا غلام نعليّ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء. فدعاني يحيى وقال: إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء. قلت: لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية الموافقة. قال: إذاً أوقّعه. ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه. فقال: يا عباس أمسيت أنبل الناس، أتدري ما سارني به هذا الرسول؟ قلت: لا. قال: ذكر أن ماردة تقلت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت: كيف كان هذا يا أمير المؤمنين؟ فأعطاها الشعر وقال: هذا الذي جاء بي! قالت: فمن يقوله؟ قال: العباس بن الأحنف. قالت: فبكم كوفيء؟ قال: ما فعلت شيئاً. قالت: إذاً والله لا أجلسنّ حتى يكافأ! فأمير المؤمنين قائم لقيامها وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك، فهذا كله لك. قلت: ما لي من هذا إلا الصلة! فضحك وقال: هذا أحسن من شعرك. فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر. ثم قال لي الوزير: تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤثّل لك بهذا المال، فاشتريت لي ضياع تُغلّ عشرين ألف درهم ودفع إلى بقية المال. فهذا هو خبري الذي عاقني عنكم، فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق بينكم المال. فقلنا: هنأك الله مالك، كلنا يرجع إلى نعمة من أبيه وأهله. فأقسم وأقسمنا فقال: أنتم إسوتي فيه. قلنا: أما هذا فنعم، فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها. قال: فمضينا إلى صاحبتها، وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئاً أكثر مما بها من الظرف، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار، فاستامت بها صاحبتها خمس مائة دينار فأجبناها بالتعجب فحطت مائة. فقال لنا العباس: يا فتيان إني أحتشم والله أن أقول بعد ما قلتم ولكن هي جارية في نفسي بها يتم سروري، إن هذه الجارية أريد إيثار نفسي بها وأكره أن تنظر إليّ بعين من قد ماكس في ثمنها فدعوني أعطيها خمس مائة دينار. قلنا: قد حطت مائة! قال: وإن فعلت. فصادفت مولاتها رجلاً حراً وأخذت من الثمن ثلاثمائة وجهزتها بالباقي فما زال لنا عشيراً حتى فرق بيننا وبينه الموت.
(1/112)

وعن المبرد قال: حدثني من اعتمد عليه أن مسلم بن الوليد كان يمدح من دون الخليفة وكان يقول: إن نفسي تذوب حسرات من أنه يحوي خزائن الخلفاء من لا يقاربني في أدب ولا يوازيني في نسب ولا يصلح أن يكون شعره خادماً لشعري. وكان إذا كسب جمع أصحابه فلم يخرج من منزله حتى يأتي على جميع ما معه، فلا يزال في أكل وشرب وقصف حتى يفنى ما معه، فعرف بذلك، وكانت البرامكة ويزيد بن مزيد الشيباني ومحمد بن منصور بن زياد يبرونه ويعطفون عليه ويتفقدون من حاله. فخرج ذات يوم فلقي يزيد بن منصور الحميري بباب الرشيد فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وسأله عن شأنه فخبره وسأله أن يقربه من الخليفة وأن يحتال حتى يعد في ممازحته ومن يجري عليه أرزاقه. فقال له الحميري: سأتأتّى لوصولك إلى أمير المؤمنين. فدخل الحميري فأصاب أمير المؤمنين لقس النفس قد اشتمل عليه الفكر في سرعة تقضي أمور الدنيا وأنه لا يتشبث منها بشيء إلا كان كالظل الزائل والسراب الخادع. فقال له جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين أفتظن أن هذا الفكر يحبس عليك الأيام ويمنعك مما لا تستمتع به؟ إنما هذا الذي أنت فيه عارض عرض لك، وقد كان ملك من الملوك يقال له بهمان وكان من أجلّ ملوك العجم وكان حكيماً يقول: الهم مفسدة للنفس ومضلة للفهم ومشدهة للقلب، ومن أعظم الخطإ التشاغل بما لا يمكن دفعه، وقد قالت الحكماء: بالسرور يطيب العيش ومع الهم يتمنى الموت. وقال له سليمان بن أبي جعفر: يا أمير المؤمنين يروى عن لقمان الحكيم أنه قال: من يملك يستأثر، ومن لا يستشر يندم، والهم نصف الهرم، والفقر الموت الأكبر. قال: فكأن الرشيد نشط واندفع عنه ما كان اعتراه من ذلك الفكر. فتقدم إليه الحميري وقال: يا أمير المؤمنين خلّفت بالباب آنفاً رجلاً من أخوالك الأنصار متقدماً في شعره وأدبه وظرفه، أنشدني قصيدة يذكر فيها أنسه ولهوه ولعبه ومحادثته إخوانه ويذكر مجالس اتصلت له بأبلغ قول وأحسن وصف وأقرب رصف، يبعث والله على الصبابة والفرح ويباعد عن الهم والترح، وكأنه قد وفق بيمن أمير المؤمنين وسعادة جده لأن يكون مبرئاً من هذه الشكوى زائداً في سرور أمير المؤمنين مستدعياً له صلة رحمه والتشرف بخدمته. قال: فاستفزه السرور والقلق إلى دخوله عليه واستماع قصيدته وجعل يتابع الرسل بعضهم في إثر بعض حتى دخل. وكان حلو الشمائل، فوصل إليه في وقت قد كان خرج فيه من رسم الشباب وشرته ولم يكن في عداد من قد اضطرب سناً، وكان ناهيك من رجل معه فهم وتجربة وتمييز ومعرف، فأمهل حتى سكن ثم أذن له في الجلوس والانبساط واستدعى منه أن يزيد في الأنس، فانبرى مسلم ينشد قصيدته، فجعل الرشيد يتطاول لها ويستحسن ما حكاه من وصف شراب ولهو ودماثة وغزل وسهولة ألفاظ، فأمر له بمال وأمر أن يتخذ له مجلس يتحول إليه، وجعل الرشيد وأصحابه يتناشدون قصيدته، فسماه يومئذ بآخر بيت من قصيدته صريع الغواني، والرشيد الذي سماه بهذا الاسم، والقصيدة هي هذه:
أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فما جزعي أني أموت صبابةً ... ولكن على من لا يحل لها قتلي
أُحب التي صدّت وقالت لتربها: ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي
بلى ربما وكلت عيني بنظرةٍ ... إليها تزيد القلب خبلاً على خبل
كتمت تباريح الصبابة عاذلي ... فلم يدر ما بي واسترحت من العذل
ومانحةٍ شّرابها الملك قهوةٍ ... يهودية الأصهار مسلمة البعل
ربيبة شمس لم تُهجن عروقها ... بنارٍ ولم يجمع لها سعف النخل
بعثنا لها منا خطيباً لبضعها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل
قد استودعت دناً لها فهو قائمٌ ... بها شفقاً بين الكروم على رجل
فوافى بها عذراء خلٌ أخو ندىً ... جزيل العطايا غير نكسٍ ولا وغل
معتقةٍ لا تشتكي دم عاصرٍ ... حروريةً في جوفها دمها يغلي
أغارت على كف المدير بكونها ... فصارت له منها أنامل كالذبل
(1/113)

أماتت نفوساً من حياةٍ قريبةً ... وماتت فلم تُطلب بوترٍ ولا تبل
شققنا لها في الدنّ عيناً فأسبلت ... كما أخضلت عين الخريدة بالكحل
كأن فنيقاً بازلاً شقّ نحره ... إذا أسفرت منها الشعاع على البزل
ودارت علينا الكأس من كف ظبية ... مبتلةٍ حوراء كالرشإ الطفل
كأن ظباءً عكفاً في رياضها ... أباريقها أوجسن قعقعة النبل
وحن لنا عودٌ فباح بسره ... فكان عليه ساق جاريةٍ عطل
تضاحكه طوراً وتبكيه تارةً ... خدلَّجةٌ هيفاء ذات شوىً عبل
إذا ما علت منا ذؤابة واحد ... تمشت به مشي المقيد في الوحل
فلا نحن متنا موتة الدهر بغتةً ... ولا هي عادت بعد علٍ ولا نهل
سأنقاد للّذات متبع الهوى ... لأمضي همّاً أو أصيب فتىً مثلي
هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
قيل: وأدخل الفضل بن يحيى أبا نواس إلى عند الرشيد فقال له الرشيد: أنت القائل:
عُتقت في الدنّ حتى ... هي في رقة ديني
أحسبك زنديقاً! قال: يا أمير المؤمنين قد قلت ما يشهد لي بخلاف ذلك. قال: وما هو؟ قال قلت:
أية نارٍ قدح القادح ... وأي حدٍ بلغ المازح
لله درّ الشيب من واعظ ... وناصحٍ لو قبل الناصح
فاغد فما في الحق أغلوطةٌ ورح لما أنت له رائح
من يتق الله فذاك الذي ... سيق إليه المتجر الرابح
لا يجتلي الحوراء من خدرها ... إلا امرؤٌ ميزانه راجح
فاسم بعينيك إلى نسوةٍ ... مهورهن العمل الصالح
فقال الفضل: يا سيدي إنه ليؤمن بالبعث ويحمله المجون على ذكر ما لا يعتقده، ثم أنشد:
لقد دار في رسم الديار بكائي ... وقد طال تردادي بها وعنائي
كأني مريعٌ في الديار طريدةً ... أراها أمامي مرةً وورائي
فلما بدا لي حانٍ لا تهرّ كلابه ... عليّ ولا ينكرن طول ثوائي
فما رمته حتى أتى دون ما حوت ... يميني وحتى ريطتي وحذائي
وكأس كمصباح السماء شربتها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاء
أتت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقط نورٍ من فتوق سماء
ترى ضوءها من ظاهر البيت ساطعاً ... عليك ولو غطيته بغطاء
تبارك من ساس الأمور بقدرةٍ ... وفضّل هاروناً على الخلفاء
نراك بخيرٍ ما انطوينا على التقى ... وما ساس دنيانا أبو الأمناء
إمام يخاف الله حتى كأنما ... يؤمِّل رؤياه صباح مساء
أشمَّ طوال الساعدين كأنما ... يناط نِجادا سيفه بلواء
(1/114)

فخلع عليه الرشيد ووصله بعشرة آلاف درهم والفضل بمثلها، فنظر إلى جارية تختلف كأنها لؤلؤة فقال: يا أمير المؤمنين أنا ميت في ليلتي هذه فإذا متّ فمُر أن أدفن في بطن هذه الجارية. فقال له الرشيد: خذها لا بارك الله لك فيها! قال أبو نواس: فأخذتها وانصرفت بمثل الشمس حسناً وفي منزلي غلامٌ مثل القمر، فلقيني محمد بن يسير الشاعر فقال: أتيتك مهنئاً بما حباك به أمير المؤمنين. فقلت: نعمةٌ تتبعها نقمة. قال: ولم ذاك؟ فقلت: عندي غلام مثل القمر وهذه مثل الشمس وإن جمعتهما أتخوف ما تعلم وإن أفردت الجارية لم آمن عليها وغلامي لا بد منه. قلت: اجعلها عند بعض إخوانك إلى وقت حاجتك إليها. قلت: فلعل الحارس هو المتحرس منه. قال: فصيرها عند عجوز تثق بها، قلت: لعلي أسترعي الذئب! قال: ثم افترقنا، فالتقى معه أبو نواس بعد ثلاثة أيام فقال له: يا محمد بن يسير ما على الأرض شر منك، شاورتك في أمر فلم تفتح عليّ فيه شيئاً فلما فارقتك ازدحم علي الرأي المصيب. قال محمد فماذا صنعت؟ قال: زوّجت الشمس من القمر فحصّلتهما لأقضي بهما وطري! قال: كان الشيء عليك حلال فجعلته حراماً. قال: يا أحمق شاورتك في الحلال والحرام! إنما قلت كيف الرأي في تحصيلهما! ثم أنشأ:
زوّجت هذاك بهذه لكي ... أنكح ثنتين فثنتين
أنكح هذه مرةً ثم ذا ... أُدير رمحاً بين صفين
متعت نفسي بهما لذةً ... يا من رأى مطلع شمسين
وحدثنا محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وهو أمير البصرة قال: كان بالبصرة رجل من بني تميم وكان شاعراً ظريفاً وكنت آنس به فأردت أن أخدعه فقلت: يا أبا نزار أنت شاعر وظريف والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما أتحمل به. قلت: أنا أعطيك نجيباً فارهاً ونفقة سابغة تخرج إليه وقد امتدحته فإنك إن حظيت بلقائه صرت إلى أمنيتك. قال: والله أيها الأمير إني لا أظنك صادقاً. قلت: أجل، فدعوت بنجيبة فارهة. فقال: هذه إحدى الحسنيين فما بال الأخرى؟ فدعوت له بثلاثمائة درهم. قال: وهذه الثانية، قال: أحسبك أيها الأمير قصّرت في النفقة. قال: هي لك كافية إن قبضت يدك عن السرف. قال: ومتى رأيت السرف في أكابر بني سعد فكيف في أصاغرها؟ فأخذ النجيبة والنفقة ثم عمل أرجوزة ليست بطويلة فأنشدنيها وحذف منها ذكري. فقلت له: ما صنعت شيئاً. قال: وكيف ذلك؟ قلت: تأتي الخليفة وأنت وافد فلا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خدّاعاً. أما والله ما لكرامتي حملتَني وجُدت لي بمالك الذي ما رامه أحد إلا جعل الله خدّه الأسفل ولكن لأذكرك! قلت: فأنشدني ما قلت. فأنشدني، فقلت: أُعنت وأجدت. فتركني وخرج حتى أتى الشأم والمأمون بسلغوس، فأخبرني قال: بينا أنا غزاة قرة قد ركبت نجيبتي ولبست أطماري وأنا أريد العسكر فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقرّ قراره ولا يدرك خطاه، فتلقاني مكافحة ومواجهة وقال: السلام عليكم، بكلام جهوري ولسان بسيط. فقلت: وعليكم السلام. فقال: قف إن شئت. فوقفت، فتضوعت منه رائحة المسك الأذفر. فقال: ممن؟ قلت: رجل من مضر. قال: ونحن من مضر، ثم ماذا؟ قلت: من بني تميم. قال: وما بعدهم؟ قلت: من بني سعد. قال: هيه، فما أقدمك؟ قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى راحة ولا أوسع باحة ولا أطول باعاً ولا أمدّ يفاعاً منه. قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذّ على أفواه الرواة ويحلو في أذن المستمعين. قال: فأنشدنيه. فمضيت وقلت: يا ركيك أخبرك أني قصدت الخليفة بشعر قلته ومديح حبّرته فتقول أنشدنيه؟ فقال: وما الذي تأمل فيه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي فألف دينار. قال: أنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيداً والكلام عذباً وأضع عنك العناء وطول الترداد، متى تصل أنت إلى الخليفة؟ بينك وبينه عشرة آلاف رامح ونابل. قلت: فلي عليك الله أن تفعل؟ قال: لك الله عليّ أن أفعل. قلت: ومعك مال؟ قال: بغلي هذا خير من ألف دينار أنزل لك عن ظهره. قال: فغضبت وعارضتني مِرة بني سعد وخفة أحلامها وقلت: ما يساوي هذا البغل، هذا النجيب! قال: فدع عنك هذا ولك الله أن أعطيك ألف دينار، فأنشدته الأرجوزة وقلت:
مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه
(1/115)

وقائد الكتيبة الكثيفه ... هل لك في أرجوزةٍ ظريفه
أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه
ما ظُلمت في أرضنا عفيفه ... أميرنا شكّته خفيفه
وما اجتبى شيئاً سوى الوظيفة ... فالذئب والنعجة في سقيفه
واللص والتاجر في قطيفه
فوالله ما أتممت إنشادها حتى جاءني زهاء عشرة آلاف فارس قد سدّوا الأفق وهم يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأخذني القلق، ونظر إليّ بتلك الحال وشملي قد تبدد فقال: لا بأس عليك! قلت: يا أمير المؤمنين أمعذري أنت؟ قال: نعم. ثم التفت إلى خادم في جانبه وقال له: أعطه ما معك، فأخرج له كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار وقال: هاك سلام عليك، فكان آخر العهد به.
حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم بالله فخرج علينا كالحاً فجاء إيتاخ وقال: الملهون على الباب مخارق وعلويه وفلان وفلان. فقال: اغرب، عليك وعليهم لعنة الله! قال: فتبسمت إلى محمد وتبسم إليّ. فقال المعتصم: مم تبسمت يا حسين؟ قلت: من شيء خطر لي، قال: هاته، فأنشدته:
انف عن قلبك الحزن ... بدنوٍ من السكن
وتمتع بِكَرّ طر ... فك في وجهه الحسن
فدعا بألفي دينار، ألف لي وألف لمحمد بن عمرو. فقلت: يا أمير المؤمنين الشعر لي فما معنى ألف لمحمد؟ قال: لأنه جاء معك. وأمر الملهين بالدخول فأدخلوا، فما زال ينشد الشعر، ولقد قام يريد البول فسمعته يردده.
قال أبو العيناء: أنشدني المعتصم بعقب مدحٍ جرى لبغداد:
سقاني بعينيه كأس الهوى ... فظلت وبي منه مثل اللمم
بعيني مهاةٍ شقيقته ... وشنبٍ عذابٍ وفرعٍ أحم
قال أبو العيناء: فتوهمت أنه يعني سر من رأى ويكني عنها بذلك الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين قال مروان في جدك قريش: الأبلج ذو البهاء غيث العفاة غد الأنواء وهم زمام الدولة الزهراء. فقال: قل يا أبا عبد الله في مدح بني هاشم لك ولغيرك فلقد أصبت مقالاً، فأنشدته لمروان بن أبي حفصة:
إلى ملكٍ مثل بدر الدجى ... عظيم الفناء رفيع الدعم
قريع نزارٍ غداة الفخار ... ولو شئتُ قلتُ جميع الأمم
له كفُّ جودٍ تفيد الغنى ... وكفُّ تبيد بسيف النِّقم
فقال: زدني، فأنشدته:
انتجعي يا ناق ملك غالب ... قريش بطحاء أولي الأهاضب
والرأس ممدودٌ على المناكب ... مدَّ القباطيّ على المشاجب
فقال: زدني، فأنشدته:
يا قطب رجراجة الملحاء ... ومنزل البدر من السماء
والمجتدي في السنة العجفاء
فقال: حسبك يا أبا عبد الله. ثم التفت إلى جارية بين يديه فقال: عشر بدر ووصيفة وفرساً ومملوكاً وخمسين ثوباً الساعة، فجيء بذلك كله، فأعطاه إياه وانصرف. فقال له الناس: يا أبا العيناء ما هذا؟ قال: مال الله على يد عبد الله، الحمد لله والشكر لأمير المؤمنين ما دامت السماء وما حملت مقلتاي الماء.
قال أحمد بن أبي طاهر: أخبرني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استُخلف المتوكل بعثت إليه بقصيدة مدحت فيها ابن أبي دؤاد وفي آخرها بيتان ذكرت فيهما ابن الزيات بين يدي ابن أبي دؤاد وهما:
وقيل ليَ الزيات لاقى حمامه ... فقلت أتاني الله بالفتح والنصر
لقد حفر الزيات بالغدر حفرةً ... فألقي فيها بالخيانة والغدر
فلما صارت القصيدة في يدي ابن أبي دؤاد ذكر لك للمتوكل وأنشده البيتين، فقال: احضرنيه. قال: هو باليمامة. قال: يُحمل. قلت: عليه دين. قال: كم؟ قلت: ستة آلاف دينار. قال: يعطاها. فأُعطيت ذلك وحملت وصرت إلى سر من رأى وامتدحت المتوكل بقصيدة أقول فيها:
رحل الشباب وليته لم يرحل ... والشيب حل وليته لم يحلل
فلما صرت من القصيدة إلى هذا البيت:
كانت خلافة جعفر كنبوةٍ ... جاءت بلا طلب ولا بتبخل
وهب الإله له الخلافة مثلما ... وهب النبوة للنبي المرسل
فأمر لي بخمسين ألف درهم.
(1/116)

قال: وكان علي بن الجهم يقع في مروان ويثلبه حسداً لمنزلته من أمير المؤمنين. فقال له المتوكل: يا علي أيكما أشعر؟ قال: أنا أشعر منه. قال: ما تقول يا مروان؟ قال: إذا حققت شعرك في أمير المؤمنين لم أبال بمن زيّف شعري. ثم التفت مروان إلى علي فقال: يا علي أنت أشعر مني؟ قال: نعم، تشكّ في ذا؟ قال أمير المؤمنين: بيني وبينك. قال: هو يحابيك. فقال المتوكل: هذا من عيّك. ثم التفت إلى حمدون النديم فقال: ذا حكم بينكما.
فقال: يا أمير المؤمنين تركتني بين لحيي الأسد! قال: لا بد أن تصدقني قال: يا أمير المؤمنين أعرقهما في الشعر أشعرهما، فقال المتوكل: يا مروان اهجه. قال: لا أبدأه ولكن يقول. فقال علي: قد كظّني النبيذ ولست أقدر أن أقول. قال مروان: لكني أقول:
إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني
وإذا التقينا فاق شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني
إن ابن جهمٍ ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما عاداني
فقال المتوكل: يا مروان بحياتي لا تقصر! فقال:
يا عليُّ يا ابن بدرٍ ... قلت أمي قرشيه
قلت ما ليس بحقٍ ... فاسكتي يا نبطيه
اسكتي يا بنت جهمٍ ... اسكتي يا حلقيه
قال: فجعل المتوكل يضرب برجله ويضحك وأمر لي بألف دينار، قال مروان: صرت إلى المتوكل فقلت:
سقى الله نجداً والسلام على نجد ... ويا حبذا نجدٌ على القرب والبعد
نظرت إلى نجدٍ وبغداد دونها ... لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد
ونجدٌ بها قومٌ هواهم زيارتي ... ولا شيء أحلى من زيارتهم عندي
قال: فلما تممت إنشادها أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوباً وثلاثة من الظهر فرساً وبغلة وحماراً، فما برحت حتى قلت في شكره:
تخيّر رب الناس للناس جعفرا ... فملّكه أمر العباد تخيّرا
فلما صرت إلى هذا البيت:
فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبّرا
قال: لا والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي ولا تبرح أو تسأل حاجة.
قلت: يا أمير المؤمنين الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها من اليمامة ذكر ابن المدبر أنها وقف من المعتصم. قال: فإني أقبّلكها بخراج درهم. قلت: لا يحسن أن يؤدي درهم. فقال ابن المدبر: فألف درهم. قلت: نعم. فأمضاها لي ثم قال: ليست هذه حاجة. قلت: فضياعي التي كانت لي وحال ابن الزيات بيني وبينها. فأمر بردّها عليّ.
قال: وقال أبو يعقوب الخطابي: كنت جالساً عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال: يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، فبينا نحن نتحدث إذ أبصر أعرابياً يحط به الآل من خوخةٍ مشرفة له على الصحراء، فقال لحاجبه: إن كان هذا يريدنا فأدخله! فدخل الأعرابي وسلّم وأنشأ يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فلا أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهرٌ رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فاضطرب، وقال: أرسلوك وانتظروا! يا غلام ما فعل بغلتنا الفلانية؟ قال: حاضرة. قال: كم هي؟ قال: ألف دينار. قال: اطرحها إليه. ثم قال: اذهب إليهم بما معك ثم إذا احتجت فارجع.
وعن أبي يعقوب الخطابي قال: دخل أعرابي معه صبي صغير في نطع إلى معن بن زائدة وقال:
سميتُ معناً بمعنٍ ثم قلت له ... هذا سميّ امريءٍ في الناس محمود
أنت الجواد ومنك الجود أوله ... لا بل يمينك منها صورة الجود
فأعطاه ألف دينار.
قال: ودخل يزيد بن مزيد الشيباني أحد الأجواد مسجداً باليمن فوجد في قبلته مكتوباً:
مضى معنٌ وخلاني ببثّي ... على معن بن زائدة السلام
فسأل عن قائله، فإذا هو معهم، فقال: يا غلام أمعك شيء؟ قال: نعم ألف دينار. قال: فادفعها إليه. فخرج الرجل وهو يقول: رحم الله أبا الوليد وصلني حياً وميتاً.
وحدثنا جعفر بن منصور بن المهدي قال: حدثني أبي قال: حج المهدي فنزل زبالة فدخل حسين بن مطير الأسدي عليه فقال:
أضحت يمينك من جودٍ مصوّرةً ... لا بل يمينك منها صورة الجود
(1/117)

من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجري الماء في العود
فقال له المهدي: كذبت. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: لقولك في معن بن زائدة:
ألِمّا على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
فيا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
فلما مضى معنٌ مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فكنت لدار الجود يا معن عامراً ... فقد أصبحت قفراً من الجود بلقعا
أبى ذكر معنٍ أن يميت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماماً ومصرعا
فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
فقال: يا أمير المؤمنين إنما معنٌ حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر هل بألف دينار ثم قال: سل حاجتك. فقال:
بيضاء تسحب من قيامٍ فرعها ... وتغيب فيه وهو جعدٌ أسحم
فكأنها فيه نهارٌ مشرقٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلم
قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير.
قال: ودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى يسأله إيصاله إلى الرشيد وأنه قد مدحه بقصيدة ينشدها إياه وقد كان جعفر وصله بثلاثين ألف درهم كتب له بها إلى صالح الصيرفي وكانت فيها دراهم طبرية، فقال:
ثلاثون ألفاً كلها طبريةٌ ... دعا لي بها لما رأى الصك صالح
دعا بالزيوف الناقصات وإنما ... عطاء أبي الفضل الجياد الرواجح
فقلت له لما دعا بزيوفه ... أألجدُّ هذا منك أم أنت مازح
فلما أنشده ذلك جعفراً ضحك وقال: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:
كأن الشمس يوم أصيب معنٌ ... من الظلماء ملبسةٌ جدولا
وكان الناس كلهم لمعنٍ، ... إلى أن زار حفرته، عيالا
فقال جعفر: هل أثابك على هذه المرثية أحد من ولده وأهله؟ قال: لا. قال: فلو كان حياً ثم سمعها منك بكم كان يثيبك؟ قال: بأربع مائة دينار. قال: أظن أنه كان لا يرضاها لك، قد أمرنا لك عن معن بأربعمائة كما ظننت وزدناك مثلها لما ظنناه به فيك فاغد على الخازن لقبضها منه.
قال: ودخل أعرابي على داود بن يزيد بالسند فقال: أيها الأمير تأهب لمديحي. فتأهب ثم قال: لئن أحسنت لأحسنن إليك ولئن أسأت لأردن شعرك عليك، فقال:
أمنت بداودٍ وجود يمينه ... من الحدث المخشيّ والبؤس والفقر
وأصبحت لا أخشى بداود نبوةً ... ولا حدثاناً إذ شددت به أزري
فما طلحة الطلحات ساواه في الندى ... ولا حاتم الطائي ولا خالد القسري
له حكم لقمانٍ وصورة يوسفٍ ... وملك سليمانٍ وصدق أبي بكر
فتىً تهرب الأموال من طلّ كفه ... كما يهرب الشيطان من ليلة القدر
فقال: يا أعرابي أحسنت فاحتكم وإن شئت فاردد الحكم إليّ. فقال: ما عند الأمير ما يسعه حكمه. فقال: أنت في هذا أشعر. وأمر هل بعشرة آلاف درهم.
قال: ودخل محمد بن الجهم على المأمون فقال: أنشدني أحسن ما سمعته في المديح. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قوله:
يجود بالنفس إذ ضنّ البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
فقال: أنشدني أخبث ما سمعته في الهجو، فقال قوله:
قُبحت مناظره فحين خبِرتَه ... حَسُنت مناظره لقبح المَخبر
قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في المراثي، فقال قوله:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر
ومثله:
على قبره بني القبور مهابةٌ ... كما قبله كانت على ساكن القبر
قال: فأنشدني أحسن ما سمعته في الغزل، قال قوله:
حبٌ مُجدٌّ وحبيبٌ يلعب ... وأنت ملقىُ بينهم معذَّب
فاستحسن الأبيات ثم أمر بتقليدي الصيمرة والسيروان ومهرجانقذق والدينور ونهاوند، فانصرفت من عنده بولاية الجبل.
مساوئ منع الشعراء والبخل
قيل: كان أبو عطاء السندي بباب أمير المؤمنين أبي العباس وبنو هاشم يدخلون ويخرجون، فقال:
(1/118)

إن الخيار من البرية هاشمٌ ... وبنو أمية أرذل الأشرار
وبنو أمية عودهم من خِزوعٍ ... ولهاشم في المجد عود نضار
أما الدعاة إلى الجنان فهاشمٌ ... وبنو أمية من دعاة النار
وبهاشمٍ زكت البلاد وأعشبت ... وبنو أمية كالسراب الجاري
فلم يؤذن له في الدخول على أبي العباس ولم يصله أحد من بني هاشم، فولّى وهو يقول:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا ... وأن عدل بني العباس في النار
قال: وقال المؤمل المحاربي: شخصت إلى المهدي وهو بالري فامتدحته فأمر لي بعشرين ألف درهم، فرُفع الخبر إلى المنصور فبعث قائداً إلى جسر النهروان يستبري القوافل، فلما وردت عليه قال: من أنت؟ قلت: أنا المؤمل أقبلت من عند الأمير من الري. فقال: إياك أردت! ثم أخذ بيدي فأدخلني على المنصور وهو بباب الذهب، فقال: أتيتَ غلاماً غراً فخدعته! فقلت: بل أتيتُ غلاماً غراً كريماً فخدعته فانخدع. فقال: أنشدني ما قلته فيه، فأنشدته:
هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليلٍ ... وهذا بالنهار سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أميرٌ ... وماذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا وهذا ... منيرٌ عند نقصان الشهور
فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور
لقد سبق الملوك أبوك حتى ... تراهم بين كابٍ أو أسير
وجئت وراءه تجري حثيثاً ... وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلا ... كما بين الخليق إلى الجدير
فإن بلغ الصغير مدى كبيرٍ ... فقد خُلق الصغير من الكبير
فقال: ما أحسن ما قلت ولكن لا يساوي ما أخذت، يا ربيع خذ منه ستة عشر ألفاً وخله وما سواها. قال: فحط والله الربيع ثقلي حتى أخذ مني ستة عشر ألفاً فما بقيت معي إلا نفيقة، فآليت على نفسي أن لا أدخل العراق وللمنصور بها ولاية، فلما بلغني موت المنصور واستخلاف المهدي قدمت بغداد وقد جعل المهدي على المظالم رجلاً يقال له ابن ثوبان، فرفعت إليه قصة أذكر فيها خبري فعرضها على المهدي، فضحك حتى استلقى وقال: هذه مظلمة أنا بها عارف، ردوا عليه ماله وزيدوا له عشرين ألفاً، فأخذتها وانصرفت.
قيل: ودخل عون على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير بالباب يريد الدخول عليك. فقال عمر: ما أدري أن أحداً من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، يحجب عني. قال: إنه يريد إذناً خاصاً قال: أدخله. فخرج عون وأخذ بيده فأدخله، فشكا إليه طول المقام وشدة الحال وإلحاح الزمان وجهد العيال وسأله أن يأذن له في إنشاده شعراً. فقال: إن أمير المؤمنين لفي شغل عن الشعر. فقال: إنها رسالة من أهل الحجاز، قال: هاتها، فقال:
قد طال قولي إذا ما كنت مجتهداً ... يا رب عاف قوام الدين والبشر
خليفة الله ثم الله يحفظه ... عند المقام وإما كان في السفر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
بذَّ الخليفة أن كانت له قدَراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
ما زلت بعدك في دارٍ تؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني الذي نُبئت من خبري
كم بالمواسم من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيمٍ ضعيف الصوت والنظر
أمسى حزيناً يبكي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
إن تسه عنه فمن يرجو لفاقته ... أو تنح عنه فقد أنحيت من ضرر
أنت المبارك والمهدي سيرته ... تعصي الهوى وتقوم الليل بالسور
ما ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا بادٍ على حضر
(1/119)

هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فبكى عمر ثم رفع رأسه وقال: ما حاجتك يا جرير؟ قال: حاجتي ما عوّدتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذاك؟ قال: أربعمائة من الإبل برعاتها وتوابعها من الحملان والكسى. قال له عمر: أمن المهاجرين أنت؟ قال: لا. قال: فمن الأنصار؟ قال: لا. قال: فممن أنت؟ قال: من التابعين بإحسان. قال: إذاً نجري عليك كما نجري على مثلك. قال: فإني لا أريد ذاك. قال: فما أرى لك في بيت المال غيره. قال: إنما جئت أسألك من مالك! قال: فإن لي كسوة ونفقة وأنا أقاسمكهما. قال: بل أؤثرك وأحمدك يا أمير المؤمنين. فانصرف من عنده وهو يقول:
وجدت رُقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
ولبعض الشعراء في مثله:
إن حراماً قبول مدحته ... ومنع ما يرتجى من الصفد
كما الدنانير والدراهم في ال ... صرف حرام إلا يداً بيد
وقال: أبو نجدة في مثله:
فلما أن بلوناك ... ولم نلقك بالناشط
أطعنا فيك ميموناً ... فصورناك في الحائط
إذا لم تك نفّاعاً ... فأنت النازح الشاحط
سواء أنت في عيني ... بِجَي كنت أو واسط
وروي في الحديث قال: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً.
ويقولون: الشحيح أعذر من الظالم، وأقسم الله جل وعز بعزته لا يساكنه في جنته بخيل.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يُغلق عليه، وقال الشاعر في ذلك:
ليس في كل ساعةٍ وأوان ... يتهيّا صنائع الإحسان
فإذا أمكنت تقدّمت فيها ... حذراً من تعذر الإمكان
وسئل بعض الحكماء: من أكيس الناس في زماننا؟ فقال: ابن أبي دواد حيث يقول فيه الشاعر:
بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلل عنهم شباه العدم
وحذّره الحزم صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النعم
فليس وإن بخل الباخلو ... ن يقرع سناً له من ندم
ولا ينكت الأرض عند السؤال ... ليمنع سُوّاله عن نعم
ولكن ترى مشرقاً وجهه ... ليرتع في ماله مَن عدم
وفصلٌ لبعضهم في هذا المعنى: إن لأيام القدرة على الخير غنائم فاصطنعها ما دامت راهنة لديك وأنت منها متمكن قبل أن تنقضي عنك.
وفي المثل السائر في البخل: هو أبخل من قاذر. وهو رجل من بني هلال ابن عامر بلغ من بخله أنه سقى إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه وقذر الحوض فسمي قاذراً، وذكروا أن بني فزارة وبني هلال تنافروا إلى أنس بن مدرك وتراضوا به، فقالت بنو هلال: يا بني فزارة أكلتم جلد الحمار! فقالت بنو فزارة: لم نعرفه. وكان سبب ذلك أن ثلاثة أنفار اصطحبوا، فزاري وثعلبي وكلابي، فصادوا حمار وحش، فمضى الفزاري في بعض حوائجه فطبخاه وأكلاه وخبيا للفزاري جلد الحمار، فلما رجع قالا له: قد خبأنا لك فكل، فأقبل يأكل ولا يسيغه، فجعلا يضحكان، ففطن وأخذ السيف وقام إليهما فقال لهما: إن أكلتماه وإلا قتلتكما، فامتنعا، فضرب أحدهما فأبان رأسه، وتناوله الآخر فأكل منه، فقال فيهم الشاعر:
نشدتك يا فزار وأنت شيخٌ ... إذا خيرت تخطيء في الخيار
أصيحانية أدمت بسمنٍ ... أحب إليك أم جلد الحمار
فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض وقذره بخلاً. فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين وأخذ الفزاريون منهم مائة بعير. وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر:
لقد جلّلتْ خزياً هلال بن عامر ... بني عامرٍ طراً بسلحة قاذر
فأفّ لكم لا تدركوا الفخر بعدها ... بني عامرٍ أنتم شرار المعاشر
وفي المثل: هو أبخل من نار الحباحب، وهو رجل كان في الجاهلية من بخله أنه كان يسرج السراج فإذا أراد أحد أن يأخذ منه أطفأه فضرب به المثل.
(1/120)

ومنهم صاحب نجيح بن سليف اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحاً خرج يوماً إلى الصيد فعرض له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في أطمار بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه نجيح فتناول منها بعضها، فلم يستطع أن يحرك يده حتى ألقاها، فقال: يا هذا ما الذي بين يديك وكيف تستطيع حمله، ألك هو أم لغيرك؟ فإني أعجب مما أرى! أجوادٌ أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟ فقال الأعمى: كيف تطلب مال رجل قد غاب منذ سنتين وهو سعد بن خشرم بن شماس؟ فأتني بسعد يعطك ما تشاء. فانطلق نجيح مسرعاً قد استطير فؤاده حتى وصل إلى محلته ودخل خباءه فوضع رأسه ونام لما به من الغم لا يدري من سعد، فأتاه آت في منامه فقال له: يا نجيح إن سعد بن خشرم في حي محلم من ولد ذهل بن شيبان، فخرج وسأل عن بني محلّم ثم سأل عن خشرم فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه، فحياه نجيح فردّ عليه. فقال له نجيح: من أنت؟ قال: خشرم بن شماس. قال: وأين ابنك؟ قال: خرج في طلب نجيح بن سليف اليربوعي وذلك أن آتياً أتاه في منامه فحدثه أن مالاً له في نواحي بني يربوع لا يعلم له إلا نجيح، فضرب نجيح بطن فرسه وهو يقول:
أيطلبني من قد عناني طلابه ... فيا ليتني ألقاك سعد بن خشرم
أتيت بني يربوع تطلبني به ... وقد جئت كي ألقاك حي المحلّم
فلما دنا من محلته استقبل سعداً فقال له: أيها الراكب هل لقيت سعداً في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدلّ على نجيح؟ قال: أنا نجيح، وحدثه بالحديث ثم قال: الدال على الخير كفاعله، وهو أول من قاله. فانطلقا حتى أتيا ذلك المكان، فتوارى الرجل حين أبصرهما وترك المال فأخذه سعد كله. فقال له نجيح: يا سعد قاسمني! فقال له: اطو عن مالي كشحاً، وأبى أن يعطيه. فانتضى نجيح سيفه فجعل يضربه حتى برد، فلما وقع قتيلاً تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى مكانه، فلما رأى نجيح ذلك ولّى هارباً إلى قومه.
قال: وكان أبو عميس بخيلاً فكان إذا وقع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول له: كم من مدينة قد دخلتها ويدٍ قد وقعت فيها والآن استقر بك القرار واطمأنت بك الدار! ثم يرمي به في صندوقه فيكون ذلك آخر العهد به.
وقيل: ونظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال: في شقٍّ لا إله إلا الله، وفي شقٍّ محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما ينبغي أن يكون هذا إلا معاذة، وقذفه في صندوقه.
وذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر فامتدحه فسعل سعلة فضرط، فأنشأ الشاعر يقول:
أتيت المسيب في حاجةٍ ... فما زال يسعل حتى ضرط
فقال غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط
فولع به الصبيان، فكان كلما مر قالوا: من الضرط جاء الغلط. فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل.
وكان أبو الأسود الدّئليّ بخيلاً وهو القائل لبنيه: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم حتى لا يكون فقير لفعل. وسمع رجلاً يقول: من يعشي الجائع. فعشاه، ثم ذهب ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي غيريمن المسلمين كما آذيتني! ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح.
قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع فيلحّ عليه ويسأله الغداء عنده فيقول: لعلك تظن أني أتكلف لك شيئاً! والله لا أقدم إليك إلا ما عندي. فلما أتاه إذ ليس في بيته إلا كسر يابسة وملح جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال: وسع الله عليك، فلم يذهب، فقال: والله لئن خرجت إليك لأدقنّ ساقك. فقال ابن المقفع للسائل: لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تردد كلمة ولم تقم طرفةً ببابه.
المدائني عن خالد كيلويه قال: كنت نجاراً حاذقاً فذُهب بي إلى المنصور فقال: افتح لي باباً أنظر منه إلى المسجد وعجّل الفراغ منه. قال: ففتحت الباب وعلّقت عليه باباً وجصصته وفرغت منه قبل الصلاة، فلما نودي بالصلاة جاء فنظر إليه فأعجبه عملي وقال لي: أحسنت بارك الله عليك! وأمر لي بدرهمين.
قال: وقال المنصور للمسيب بن زهير: أحضرني بنّاء حاذقاً الساعة.
(1/121)

فأحضره، فأدخله إلى بعض مجالسه وقال: ابن لي بإزائه طاقاً يكون شبيهاً بالبيت. فلم يزل يُؤتى بالجص والآجر حتى بناه وجوّده، ونظر إليه واستحسنه فقال للمسيب: اعطه أجره. فأعطاه خمسة دراهم فاستكثرها وقال: لا أرضى بذلك، فلم يزل حتى نقصه درهماً، ففرح بذلك وابتهج كأنه أصاب مالاً.
وحكي عن المنصور أنه لُدغ فدعا مولىً يقال له أسلم رقاءً فأمره أن يرقيه فرقّاه فبريء، فأمر له برغيف، فأخذ الرغيف فثقبه وصيره في عنقه وجعل يقول: رقّيت مولاي فبريء فأمر لي برغيف! فبلغ المنصور ذلك فقال: لم آمرك أن تشنّع عليّ! قال: لم أشنّع إنما أخبرت بما أمرت. فأمر أن يصفع ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث صفعات.
وعن الأصمعي قال: دخل أبو بكر الهجريّ ذات يوم على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين أتنقض عليّ فمي وأنتم أهل بيت بركة؟ فلو أذنت يل لقبّلت رأسك لعل الله يشد فمي. فقال المنصور: اختر ذلك أو الجائزة. فقال: يا أمير المؤمنين أهون عليّ من ذهاب درهم الجائزة أن لا يبقى في فمي حاكّة.
ومنه مكاتبات: كتب أرسطاطاليس إلى رجل في رجل يصله بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت فلم ترد فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر.
قيل: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل صديق له كثير المال يستسلفه، فكتب إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب. فكتب إليه: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً، وإن كنت صادقاً فجعلك الله معذوراً.
قال: وكتب بعضهم يصف رجلاً: أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان فكأنك هممت أو حدثت نفسك بالقدوم عليه فلا تفعل، امتع الله بك، فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان الله، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله، وإن الرجاء لما يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله، إنه يرى الإقتار الذي نهى الله عنه هو التبذير الذي يعاقب الله عليه، والاقتصاد الذي أمر الله عز وجل به هو الإسراف الذي يعذب الله عز وجل عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمن والبصل بالسلوى إلا لفضل أحلامهم وقديم علم تدارسوه من آبائهم، وإن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة والهمة مكروهة والصدقة منحوسة والتوسع ضلالة والجود فسوق والسخاء من همزات الشياطين، وإن مؤاساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه من إحدى الكبائر، وإن الله عز وجل لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة على نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالاً بعيداً وخسر خسراناً مبيناً، كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الذين قطع الله أدبارهم ونهى جل اسمه عن اتباع آثارهم، وإن الرجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، وإن الريح العقيم أهلكت عاداً وثموداً لتوسعٍ كان فيهم، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهور وأن يصيبه ما أصاب القرون الأولى، فأقم، رحمك الله، بمكانك واصبر على عسرك لعل الله أن يبدلنا خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً.
ومنه فن آخر، وصف أعرابي رجلاً فقال له: بشر مُطمع ومطل موئس، فأنت منه أبداً بني اليأس والطمع، لا منع مريح ولا بذل سريح.
وقال أعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط العصم وخلف يذكر العدم، ولست بالحريص الذي إذا وعده الكذوب أعلق نفسه لديه وأتعب راحلته إليه.
وذكر أعرابي رجلاً فقال: له مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس.
ويقال: سرعة اليأس أحد النجحين.
وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق الخلّب، وأماني الكمّون، ونار الحباحب، وصلفٌ تحته راعدة.
ولبعض الكتاب فصل في هذا المعنى: أما بعد فإن كثرة المواعيد من غير نجح عار على المطلوب، وقلتها عند الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا هذه مع كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأن قد رضينا بالتعلل بها دون النجاح، كقول الأول:
لا تجعلنا ككمّون بمزرعةٍ ... إن فاته الماء أروته المواعيد
(1/122)

ولآخر منهم: ما رأيت مثل طيب قولك أمرّه سوء فعلك، ولا مثل بسط وجهك خالفه ضيق تنكيدك، ولا مثل قرب مواعيدك باعدها فرط مطلك، ولا مثل أنس بديهتك أوحش منه قبيح عواقبك، حتى كأن الدهر أودعك لطيف الحيلة بالمكر بأهل الخلة، وكأنه زيّنك فيهم بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل.
وقال بعضهم: وعدتنا مواعيد عرقوب، ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور السراب، ومنيتنا أماني الكمّون.
ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني متعلقاً بوعدك فالعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن كنت تريد الإنعام فأنجح وإن تعذرت الحاجة فأوضح وأعلمني ذاك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك.
وذكروا أن فتىً من مراد كان يختلف إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: ألك امرأة؟ قال: لا. قال: أفتتزوج وعلي المهر؟ فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت:
إذا حدّثتك النفس أنك قادرٌ ... على ما حوت أيدي الرجال فكذّب
فتزوج ثم أتى عمرو بن العاص، فاعتلّ عليه ولم ينجز له وعده، فشكا ذلك إلى أمه، فقالت:
لا تغضبن على امريءٍ في ماله ... وعلى كرائم مال نفسك فاغضب
ولبعض الشعراء في هذا المعنى:
أروح وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأُصبح منها غدوةً كالذي أمسي
وقد كنت أرضى للصديق شفاعتي ... فقد صرت أرضى أن أُشفّع في نفسي
ولأبي نواس:
وعدتني وعدك حتى إذا ... أطمعتني في كنز قارون
جئت من الليل بغسالةٍ ... تغسل ما قلت بصابون
وأنشد لأبي تمام:
يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاثٍ بغير تكذيب
فكنز قارون أن يكون له ... وعمر نوحٍ وصبر أيوب
ولآخر:
إني لأعجب من قولٍ غررت به ... حلو يلذّ إليه السمع والبصر
لو تسمع العصم في صم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر
كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعمٌ ولا حبر
وكالسراب شبيهاً بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا أثر
ولا ينبت العشب عن برق وراعدةٍ ... غرّاء ليس بها سيل ولا مطر
ومما قيل من الشعر في البخل بالطعام لبعضهم:
رأيت أبا عثمان يبذل عرضه ... وخبز أبي عثمان في أكرم الحرز
يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحنّ إلى الخبز
ولآخر:
ما كنت أحسب أن الخبز فاكهةٌ ... حتى نزلت على عوف بن خنزير
الحابس الروث في أعفاج بغلته ... بخلاً على الحبّ من لقط العصافير
ولغيره:
نوالك دونه خرط القتاد ... وخيرك كالثريا في البعاد
ترى الإصلاح صومك لا لنسكٍ ... وكسراً للرغيف من الفساد
أرى عمر الرغيف يطول جداً ... لديك كأنه من قوم عاد
ولآخر:
اللؤم منك على الطعام طباع ... فعيال بيتك ما حييت جياع
وإذا يمرّ بباب دارك سائلٌ ... هرّت عليه نوابحٌ وسباع
وعلى رغيفك حيةٌ مسمومةٌ ... وعلى خوانك عقرب وشجاع
ولآخر:
يا تارك البيت على الضيف ... وهارباً منه من الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع فكن ضيفاً على الضيف
إذ ااشتهى الضيف طبيخ الشتا ... أتاه بالشهوة في الصيف
وإن دنا المسكين من بابه ... شدّ على المسكين بالسيف
ولآخر:
يكتب بالحبر على خبزه ... والله لا يأكله الجار
ويسأل الخادم من بخله ... أي رغيف فيه آثار
ويختم القدر على أهله ... ويشعب العظم بمسمار
والماء في منزله طرفةٌ ... يشربه الناس بمقدار
ولآخر:
أرى ضيفك في الدار ... وكرب الموت يغشاه
على خبزك مكتوب ... سيكفيكهم الله
ولآخر:
لأبي نوحٍ رغيفٌ ... أبداً في حجر دايه
أبداً يمسحه الده ... ر بكمّ ووقايه
(1/123)

وله كاتب سرٍّ ... خطّ فيه بعناية
فسيكفيكهم الل ... هـ إلى آخر آيه
ولآخر:
الخبز يبطي حين يدعو به ... كأنه يقدم من قاف
ويمدح الملح لأصحابه ... يقول هذا ملح سيراف
سيّان أكل الخبز في داره ... وقلع عينيه بخطّاف
ولآخر:
فتىً لا يغار على عرسه ... ولكن يغار على خبزه
فمنه يد الجود مقبوضةٌ ... وكفُّ السماحة في عجزه
ولآخر:
يصونون أثوابهم في التخوت ... وأزواجهم يخترقن السكك
ينحّون من رام رغفانهم ... ويدنون من رام حلّ النكك
ولآخر:
ولو أن الذباب تراء يوماً ... عدت غرثى لصحفته تروم
لنادى في العشيرة أدركوني ... ألا أين القماقم والقروم
فيا ويل الذباب إن ادركوه ... وفي الهيجا عدوهم سليم
ولآخر:
أما الرغيف لدى الخوا ... ن فمن كريمات الحرم
ما إن يُجسّ ولا يم ... سّ ولا يذاق ولا يشم
فتراه أخضر يابساً ... بالي النقوش من الهرم
ولآخر:
أتينا أبا طاهرٍ مفطرين ... غلى رحله فرجعنا صياما
وجاء بخبزٍ له حامضٍ ... وقلت دعوه وموتوا كراما
وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: لا أعرف لمولَّد أهجى من قول أبي نواس:
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
شرابك كالسراب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب
ولآخر:
خان عهدي عمروٌ وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده
ليس لي ما حييت ذنبٌ إليه ... غير أني يوماً تغديت عنده
الخليل بن أحمد:
كفّاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه
فكفٌّ عن الخير مقبوضةٌ ... كما انقبضت مائةٌ تسعه
ولآخر:
أتيت أبا عمرو أٌرجّي نواله ... فزاد أبو عمروٍ على حزني حزنا
فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فآب بلا أذنٍ ولم يستفد قرنا
مساوئ من استدعى الهجاء ومن هجا نفسه
قال أبو العتاهية: خرجت مع المهدي إلى الصيد فتفرق أصحابه وبقيت معه وقد أقبل علينا المطر، فانتهينا إلى ملاح معه زورق فقال لنا: ادخلا من هذا المطر. فدخلنا ووقعت الرعدة على المهدي من شدة البرد فقال له الملاح: هل لك أن ألقي عليك جبتي؟ فقال: نعم. فألقاها عليه. فما زال يتقرقف حتى نام، ثم أقبل الخدم والغلمان وألقوا عليه الخز والوشي، فلما انتبه أمر بدفع ذلك إلى الملاح وقال: يا أبا العتاهية ألا هجوتني! فقلت: يا أمير المؤمنين وكيف تطيب نفسي بهجائك؟ قال: فإني أسألك بالله، فقلت:
يا لابس الوشي على شيبه ... ما أقبح الأشيب في الداح
فنقر نقرة ثم قال: زدني، فقلت:
لو شئت أيضاً جُلت في خامةٍ ... وفي وشاحين وأوضاح
فقال: ويلك زدني، فقلت:
كم من عظيم الشأن في نفسه ... قد بات في جبة ملاح
قيل: وشرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل فلما ثمل قال: يا أخطل اهجني ولا تفحش، فأنشأ يقول:
ألا اسلم سلمت أبا خالدٍ ... وحياك ربك بالعنقز
وروّى عظامك بالخندري ... س قبل الممات ولم تعجز
أكلت الدجاج فأفنيتها ... فهل في الحنانيص من مغمز
ودينك حقاً كدين الحما ... ر بل أنت أكفر من هرمز
فرفع يده ولطمه وقال: يا ابن اللخناء ما بكل هذا أمرتك! قال: ودخل أبو دلامة على المنصور وعنده المهدي وعيسى بن موسى، فقال له المنصور: اهج بعض من في المجلس. فقال في نفسه: من أهجو، الخليفة أم ابن أخيه؟ ما أحد أحق بالهجاء مني، فقال:
ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه
جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ... غذاك اللؤم تتبعه الدمامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌ ... وخنزيرٌ إذا وضع العمامه
فضحك المنصور وأمر له بجائزة.
(1/124)

قيل: وأتى أعرابي عبد الله بن طاهر فقال: أيها الأمير اسمع مديحتي. فقال: لست أنحاش له. قال: فاسمع شعري في نفسي. قال: هات، فقال:
ليس من بخلك أني ... لم أجد عندك رزقا
ذا لجدّي ولشؤمي ... ولحرفي المُبَقّى
فجزاك الله خيراً ... ثم بعداً لي وسحقا
فضحك ثم قال: تلطفت في الطلب، وأمر له بألف دينار.
محاسن الرجال
مدح أعرابي رجلاً فقال: فتىً آتاه الله الخير ناشئاً فأحسن لبسه وزين نفسه.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان والله للأخلاء وصولاً وللمال بذولاً، وكان الوفاء بهما عليه كفيلاً، فمن فاضله كان مفضولاً.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: هو أكسبهم للمعدوم وآكلهم للمأدوم وأعطاهم للمحروم.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ما زلت لأحسن ما يرجى من الإخوان منك راجياً وما زلت لأكثر ما أرجو منك مصدقاً.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان والله تعباً في طلب المكارم وغير ضالّ في مصالح طرقها ولا متشاغل عنها بغيرها.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: لسانه أحلى من الشهد وقلبه سجن للحقد.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك صحيح النسب مستحكم الأدب، من أي أقطاره أتيته قابلك بكرم فعال وحسن مقال.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: إذا أنبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أني لك شاكر ولساني بثنائك ذاكر، وما يظهر الود السليم إلا من القلب المستقيم.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان إذا نزلت به النوائب قام إليها ثم قام بها ولم تقعده علات النفوس عنها.
ومدح أعرابي رجلاً وفرساً فقال: كان والله طويل العذار أمين العثار، إذا رأيت صاحبه عليه حسبته بازياً على مرقب معه رمح يقبض به الآجال.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، وإذا أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه المسيء.
قال: وقال أعرابي لرجل: أما والله لقد كنت لجاماً لأعدائك ما تفلّ شكيمتاه إذا كبح به الجموح أقعى على رجليه.
قال: ولقي أعرابي أعرابياً فقال: كيف وجدت فلاناً؟ قال: وجدته والله رزين الحلم واسع العلم خصيب الجفنة، إن فاخرته لم يكذب وإن مازحته لم يحفظ.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: كان يفتح من الرأي أبواباً منسدة ويغسل من العار وجوهاً مسودة.
ومدح أعرابي قوماً فقال: أولئك غيوث جدبٍ وليوث حرب، إن قاتلوا أبلوا وإن أعطوا أغنوا.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك من شجر لا يجف ثمره وماء لا يخاف كدره.
مساوئ الرجال
ذم أعرابي رجلاً فقال: يا نطفة الحمار ونزيع الظؤورة وشبيه الأخوال.
وذم قوماً فقال: إن آل فلان قوم غدر شرّابون للخمر، ثم هذا في نفسه نطفة خمّار في رحم صناجة.
وذم أعرابي رجلاً فقال: يقطع نهاره بالمُنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى.
وذم أعرابي رجلاً فقال: ما قنع كمياً سيفاً ولا قرى يوماً ضيفاً ولا حمدنا له شتاء ولا صيفاً.
وقال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك وأشمت عاديك.
وذم أعرابي رجلاً فقال: عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بفسقه، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال.
وذم أعرابي رجلاً فقال: تسهر زوجته جوعاً إذا نام شبعاً، ولا يخاف عاجل عارٍ ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت ونكحت ما وجدت.
وذم أعرابي رجلاً فقال: ذاك أعيا ما يكون عند الناس أبلغ ما يكون عند نفسه.
ولام أعرابي رجلاً فقال: تقطع أخاك لأبيك وأمك! فقال: إني لأقطع الفاسد من جسدي وهو أقرب إلي من أخي وأعز فقداً منه.
وذم أعرابي قوماً فقال: يا قوم لا تسكنوا إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنة بني فلان، وأنتم ترون الدماء تسيل من أفعالهم، قد جعلوا المعاذير ستوراً والعلل حجباً.
وذم أعرابي رجلاً فقال: إذا سأل ألحف وإذا سُئل سوّف، يحسد أن يفضَّل ويزهد أن يفضِّل.
وذم أعرابي رجلاً فقال: يكاد أن يعدي بلؤمه من تسمى باسمه.
وذم أعرابي رجلاً فقال: تعدو إليه مواكب الضلالة وترجع من عنده بهلاك الأنام، معِدمٌ مما يحب مثرٍ مما يكره.
وقال أعرابي لرجل: والله ما جفانكم بعظام ولا أجسامكم بوسام ولا بدت لكم نار ولا طلبتم بثار.
(1/125)

ورأى أعرابي رجلاً ظلوماً يدعو فقال: يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو مؤمنٍ ولست أحداً منهما، أراك تخفّ عليك الذنوب وتحسن عندك مقابح العيوب.
وذم أعرابي رجلاً فقال: فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أنه أحب الخبر، ولا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو قذف لؤمه على الليل طمس نجومه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه.
وسأل أعرابي رجلاً فقال: لقد نزلت بوادٍ غير ممطور وبرجل بك غير مسرور، فارتحل بندم أو أقم بعدم.
وذم آخر رجلاً فقال: ما كان عنده فائدة ولا عائدة ولا رأي جميل ولا إكرام الدخيل.
وقيل لأعرابي: ما بلغ من سوء خلقك؟ قال: تبدو لي الحاجة إلى الجار أو الصاحب في بعض الليل فأصبح غضبان عليه أقول كيف لم يعلمها؟ وذكر أنه تنافر رجلان من بني أسد إلى هرم بن سنان المرّيّ في الشرّ وعنده الحطيئة فقال أحدهما: إني بقيت زماناً وأنا أرى أني شر الناس وألأمهم حتى أتاني هذا فزعم أنه شر مني، فقال هرم: أخبراني عنكما. فقال أحدهما: لم يمر بي أحد قط إلا اغتبته ولا ائتمنني إلا خنته ولا سألني إلا منعته.
وقال الآخر: أما أنا فأبطر الناس في الرخاء وأجبنهم في اللقاء وأقلهم حياء وأمنعهم خباء. فقال هرم: وأبيكما لقد ترددتما في الشر ولكن أخبركما بمن هو شر منكما! قالا: ما ولدت ذاك النساء! قال: بلى، هذا الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه ومن أعطاه ومن أحسن إليه، فقال لأبيه:
لحاك الله ثم لحاك حقاً ... أباً ولحاك من عمّ وخال
فبئس الشيخ أنت على النوادي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربي ... وأبواب المخازي والضلال
وقال لأمه:
تنحّي فاقعدي مني بعيداً ... أراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحدثينا
ألم أوضح لك البغضاء مني ... ولكن لا إخالك تعلمينا
وقال لنفسه:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشرٍّ فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه ... فقُبّح من وجهٍ وقبح حامله
وقال لمن أعطاه:
سألتُ فلم تبخل ولم تُعطِ نائلاً ... فسيّان لا ذمٌ عليك ولا حمد
قيل: ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص. فقال:
الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه ... والشعر لا يسطيعه من يظلمه
يريد أن يعربه فيعجمه
فقيل له: أوص للمساكين بشيء. فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور. قيل: أوص فقد حضرك أمرك. فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث. قيل له: إن الله عز وجل لم يأمر بهذا! قال: لكني آمر به. فقيل له: اعتق غلامك يساراً الأسود. قال: هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسيّ. قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: هذا المِحجن ما أطمع في خير، وأومأ إلى لسانه ثم جعل يبكي. فقيل له: ما يبكيك، أجزعاً من الموت يا أبا مليكة؟ قال: لا ولكن ويل للشعر من رواية السوء! ثم قال: أبلغوا الشمّاخ أنه أشعر غطفان على وجه الأرض، وإن متّ فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط. وفي غير هذه الرواية أنه قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو، ثم أنشأ يقول:
لكل جديدٍ لذةٌ غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ
له نكهةٌ ليست بطعم سفرجلٍ ... ولا طعم تفّاحٍ ولا بنبيذ
ثم خرجت روحه، فلما مات قال فيه الشاعر:
لا شاعرٌ ألأم من حطيه ... هجا بنيه وهجا المريه
من لؤمه مات على فريّه
(1/126)

قال: وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: من رأيت شر الناس؟ فقال: علقمة ابن وائل الحضرمي، قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، فانطلقت معه وهو على ناقته وأنا أمشي في ساعة حارة وليس عليّ حذاء، فقلت: احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس عليّ حذاء. فقال: لستَ من أرداف الملوك. قلت: أنا ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك. قال فقلت: الق إليّ نعليك. قال: لا تقلّهما قدماك، ولكن امش في ظلّ ناقتي وكفى لك بذلك شرفاً، وإن الظل لك لكثير. فما مرّ بي مثل ذلك اليوم. ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سريري هذا وقضيت حوائجه.
ومنهم دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمّرين قال: يا بني أوصيكم بالناس شراً، لا تتبعوا لهم خيراً، كلموهم نزراً والحظوهم شزراً ولا تقبلوا لهم عذراً ولا تقيلوهم عثرة، ثم أنشأ يقول:
يا رُبّ نهبٍ صالحٍ حويته ... وربّ غيلٍ حسنٍ لويته
لو كان للدهر بلىً أبليته ... أو كان قرناً واحداً كفيته
اليوم يبنى لدريدٍ بيته
محاسن ذكر التنعم
يضرب المثل بخريم الناعم، وهو خريم بن عمرو من بني مرة بن عوف، قيل له الناعم لأنه كان يلبس الخلق في الصيف والجديد في الشتاء. وسأله الحجاج: ما النعمة؟ قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا ينتفع بنفسه ولا بعيشه. قال: زدني. قال: الغنى فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الصحة فإني رأيت السقيم لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: الشباب فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش. قال: زدني. قال: لا أجد مزيداً.
قال: وقال زياد لجلسائه: من أنعم الناس عيشاً؟ قالوا: أمير المؤمنين. قال: هيهات فأين ما يلقى من الرعية؟ قالوا: فأنت أيها الأمير. قال: فأين ما يرد عليّ من الثغور والخراج؟ بل أنعم الناس عيشاً شاب له سدادٌ من عيشٍ وحظّ من دين وامرأة حسناء رضيها ورضيته لا يعرفنا ولا نعرفه.
قال وقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ما بقي من شبابك وتلذذك؟ قال: والله ما بقي شيء يصيبه الناس من الدنيا إلا وقد أصبته، أما النساء فلا إرب لي فيهن ولا لهن فيّ، وأما الطيب فقد شممته حتى ما أبالي به، وأما الثياب فقد لبست من ليّنها وجيّدها حتى ما أبالي ما ألبس، فما شيء ألذّ عندي من شربة باردة في يوم صائف ونظري إلى بنيّ وبني بنيّ يدرجون حولي، فأنت يا عمرو ما بقي من لذتك؟ قال: أرض أغرسها فآكل من ثمرها وأنتفع بغلّتها. ثم التفت معاوية إلى وردان فقال: يا وريد ما بقي من لذتك؟ قال: صنائع كريمة أعتقدها في أعناق الرجال لا يكافئوني عليها تكون لأعقابي من بعدي. فقال معاوية: تباً لهذا المجلس يغلبنا عليه هذا العبد! قال: وقال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواء منشور وجلوس على السرير والسلام عليك أيها الأمير. وقال لحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء في دارٍ قوراء وفرس بالفناء.
وقيل لرجل من بني قشير: ما السرور؟ قال: الأمن والعافية. قال: صدقت. وقد قيل: العيش في سعة الرزق وصحة الجسم وإقبال الزمان وعز السلطان ومعاشرة الإخوان.
وقيل: نعيم المتوسطين لون مشبع وكأس مترع وصديق ممتع وغنىً مقنع. وقيل: راحة البدن النوم، وراحة الدار أن تسكن. وقال بعضهم: ليس سرور النفس بالجدة إنما سرورها بالأمل. وقيل لبعضهم: أي الأمور أمتع؟ قال: الأماني، وأنشد في ذلك:
إذا تمنيت بتُّ الليل مغتبطاً ... إن المنى رأس أموال المفاليس
لولا المنى متُّ من همٍ ومن جزعٍ ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس
وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء وحط الأعداء.
وقال بعضهم: السرور توقيعٌ نافذ وأمر جائز. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: السرور إدراك الأماني. وقال آخر: السرور معانقة الأحبة والرجوع إلى الكفاية. وقال بعضهم: العيش محادثة الإخوان والانتقال إلى كفاية.
(1/127)

وقيل لطرفة: ما السرور؟ قال: مطعم شهي ومركب وطِيّ وملبس دفيّ. وقيل للأعشى: ما السرور؟ فقال: صهباء صافية تمزجها غانية بصوب غادية. وقيل لملك: ما السرور؟ فقال: حمىً ترعاه وعدوّ تنعاه. وقيل لراهب: ما السرور؟ قال: الأمان من الوجل إذا انقضت مدة الأجل. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: زوجة وسيمة ونعمة جسيمة. وقيل لمغنّ: ما السرور؟ قال: مجلس يقلّ هذره وعودٌ يصفو وتره وعقول تفهم ما أقول. وقيل لمظلوم: ما السرور؟ قال: كفاية ووطن وسلامة وسكن. وقيل لورّاق: ما السرور؟ قال: جلود وأوراق وحبر برّاق وقلم مشّاق. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: بنون أغيظ بهم أعدائي ولا تقرع معهم صفائي.
وقيل: لفتاة: ما السرور؟ فقالت؟ زوج يملأ قلبي جلالاً وعيني جمالاً وفنائي جِمالاً. وقيل لطفيلي: ما السرور؟ فقال: ندامى تسكن صدورهم وتغلي قدورهم ولا تُغلق دورهم. وقيل لقانص: ما السرور؟ فقال: قوس مأطورة وشرعة مشزورة ونبال مطرورة. وقيل لمحبوس: ما السرور؟ فقال: فكاك يفجأ وإطلاق لا يرزأ. وقيل للوطي: ما السرور؟ فقال: شخص ناضر ودرهم حاضر. وقيل لعاشق: ما السرور؟ فقال: لقية تشفي من الفرقة واعتناق يداوي من الحرقة.
وكان يقال إنه حكي عن الحكماء أن لذة الثوب يوماً ولذة المركب جمعة ولذة المرأة شهراً ولذة الضيعة سنة ولذة الدار الأبد.
الشعر في هذا الفن
أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واحتفالٌ على متون الجياد
وأيادٍ تحبو بهنّ كريماً ... إن عند الكريم تزكو الأيادي
ورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي على ميعاد
وللخليع:
أطيب الطيبات أمرٌ ونهيٌ ... لا يُردّان في الأمور الجسام
وامتطاء الخيول في كنف الأم ... ن بغير الإقدام والإحجام
وسماع الصهيل في لجب المو ... كب تحت اللواء والأعلام
الموصلي:
أطيب الطيبات طيب الزمان ... وندام المنعمات الغواني
واحتساء العقار في غرة الصب ... ح على شدو ماهرات القيان
وأمانٌ من الهموم ومالٌ ... ليس تفنيه نائبات الزمان
محاسن الفقر
روي في الحديث أن الفقير الصبور يدخل الجنة قبل الغني الشكور بأربعين عاماً.
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: لأن أموت وعليّ أربعة آلاف درهم أنوي قضاءها أحبّ إلي من أن أترك مثلها حلالاً.
وقال سلمان الفارسي: قد خشيت أن أكون قد تركت عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنه قال من أراد أن يدخل الجنة فلا يكون زاده من الدنيا إلا كزاد الراكب، وأنا قد جمعت ما ترون. فقوّموا ما عنده فبلغ ثمانية عشر درهماً.
وكان يقال: من أصبح آمناً في سربه معافىً في بدنه عنده قوت يومه فعلى الدنيا العفاء.
وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان من دعائه: اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة الفقراء، اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً. فسأل بعضهم: ما الكفاف؟ فقال: جوع يوم وشبع يوم.
وروي أن عيسى بن مريم، عليه السلام، كان لا يأوي سقف بيت، فألجأه المطر ذات ليلة إلى غار، فدخله فإذا سبعٌ قد سبقه إليه، فكأن صدره ضاق فأوحى الله عز وجل إليه: يا عيسى ضاق صدرك فوعزتي لأزوجنّك أربعة آلاف حوراء ولأولمنّ عليك ألف عام.
قال: وكان الفضيل بن عياض يقول في دعائه: اللهم أجعتني وأجعت عيالي وتركتنا في ظلم الليل بلا مصباح وإنما تفعل هذا بأوليائك فبأي منزلةٍ نلت هذا منك يا رب؟
مساوئ الفقر
قيل: أمر الله عز وجل موسى، عليه السلام، فقال: ائت كورة كذا وكذا، فقال: يا رب إني قتلت منهم نفساً وأنا خائف، فقال الله جل وعز: إني قد أمتّ أقرباءه. فصار إليها فأول ما استقبله قرابة للمقتول. فقال: يا رب هذا أخوه! قال: يا موسى إني جعلته فقيراً والفقير ميت من العقل وعند الناس ميت وعند الحلال والحرام ميت والفقر الموت الأكبر.
وقيل: إنه إذا أيسر الفقير ابتُلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه وامرأته يتزوج عليها وداره يهدمها ويبنيها.
(1/128)

وكان في الجاهلية رجل حسن الحال وكان بنو عمه وأخواله يختلفون إليه فيعطيهم ويمونهم ويقوم بأمورهم، ثم اختلّ أمره فأتاهم فحرموه، فأتى أهله كئيباً، فقالت له امرأته: ما حالك؟ فقال: دعيني عنك، وأنشأ يقول:
دعي عنك عذلي ما من العذل أعجب ... ولا بد حالٌ بعد حال تقلب
وكان بنو عمي يقولون مرحباً ... فلما رأوني مقتراً مات مرحب
كأن مُقلاً حين يغدو لحاجةٍ ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب
وقال بعضهم: رب مغبوطٍ بميسرةٍ هي داؤه ومرحوم من عدم هو شفاؤه، والدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، ومن عتب على الدهر طالت معتبته. وقال الأضبط:
إرض من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه
قال: وسمع سفيان الثوريّ قوماً يقولون بعضهم لبعض: كيف حالك؟ فقال: لقد بلغني أن من كان قبلكم كان يكره أن يسأل أخاه عن حاله إلا من يكون مجمعاً على تغيير سوء حاله إذا أخبره.
قال: وقال أوس بن حارثة: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.
قيل: ومرّ رجل من الأغنياء برجل من أهل العلم فتحرك له وأكرمه، فقيل له: هل كانت لك إليه حاجة؟ قال: لا ولكن ذو المال مهيبٌ، وقال: فيه الشاعر:
أرى كل ذي مال يُجلّ لماله ... ومن ليس ذا مال يهان ويحقر
ويخذله الإخوان إن قل ماله ... وليس بمحبوب بلى هو يهجر
وأقنع بالمال القليل تكرماً ... لأغنى به عما لديك وأصبر
وذكروا أن زياد بن أبي سفيان أرق ذات ليلة وهو بالبصرة فبعث إلى غيلان بن خرشة الضبيّ وسويد بن منجوف السدوسي والأحنف بن قيس السعدي، فلما توافوا إليه قال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ إنه كان عندي ثلاثة من دهاقين كسرى يحدّثون بما كانت الأكاسرة فيه من ملكها وعظيم شأنها، فتقاصر إليّ ما نحن فيه فبعثت إليكم لتصفوا لي ما كانت العرب فيه من البؤس وشدة الحال لنقنع بما نحن فيه فإن الغنى القناعة. قال غيلان: إن اقتصرت عليّ دون أصحابي حدثتك. قال: هات. قال: أخبرني عم لي صدوق أنه خرج في سنة أصابت العرب فيها شدةٌ حتى أكلوا القدّ من القحط واحمر أديم الأرض وآفاق السماء، قال: فطفت ثلاثاً ما أطعم فيهنّ شيئاً إلا ما يأكل بعيري من حشرات الأرض حتى أصابني الميد فشددت على بطني حجراً من الجوع، فإني لكذلك في جوف الليل إذ دفعت إلى حي عظيم فسلّمت. فقالوا: من هذا؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى. فقالوا: والله ما أبقت لنا هذه السنة قرىً ولا فضلاً. فقالت امرأة كانت إلى جانب القبة: يا عبد الله دونك القبة العظيمة فإن كان عند أحد خير فعندها. فأممتها فلما دفعت إليها سلمت فقال لي: من هذا؟ فقلت: طارق ليل يلتمس قرىً، فقال رجل منهم: يا فلان هل عندك قرى؟ قال: نعم، قد أبقيت في ضرع فلانة رسلاً لطارق ليل. ثم ثار إليها فناداها فانبعثت وتفاجّت عن مثل الظبي القنيص، فضرب زبونتها ثم حلب في علبةٍ معه حتى علتها رغوة اللبن، وكل ذلك بمرأى مني ومسمع، فلقد سمعت الغناء الحذّاء فما سمعت شيئاً كان أحبّ إلى مسامعي من صوت شخبها في تلك العلبة، ثم أقبل بها يريدني فلما أهويت لآخذها عثر فانكفأت العلبة وذهب ما فيها، فوالله لقد فقدت الأهل والمال فما أُصبت بشرّ كان أفزع لقلبي ولا أعظم موقعاً عندي من انكفاء تلك العلبة على مثل الحال التي كنت فيها، فلما رآني صاحب القبة ورأى ما بي من شدة الجهد خرج حتى دخل في إبله وهو يقول: صدق أخو بني قيس في قوله:
هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر
فأخذ ناقة كوماء فكشف عن عرقوبيها ثم قال: دونك السنام، فلما وافى الودك بطني وحفوف الماء ولا عهد لي قبل ذلك بشيء منه خررت مغشياً عليّ، فوالله ما أيقظني إلا برد السحر. فقال زياد: قطني قد اكتفيت بهذا، هذا والله غاية الجهد فالحمد لله الذي منّ علينا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وهدانا إلى الإسلام وجعلنا ملوكاً. ثم قال: لا أب لشانئك فمن الرجل؟ فقال: عامر بن الطفيل. فقال أبو علي: والله كان لها ولأمثالها.
(1/129)

قال وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لقد رأيتني في الجاهلية وأخية لي وإنا لنرعى ناضحاً لأبوينا قد زودتنا أمنا يمنتيها من الهبيد فإذا أسخنت علينا الشمس ألقيت الشملة على أختي وخرجت عرياناً أسعى فنظلّ نرعى ذلك الناضح فنرجع إلى أمنا من الليل وقد صنعت لنا لفيتةً من ذلك الهبيد فنتعشى فواخصباه! قال بعض جلسائه: فوالله لقد حسدته على ذلك.
قال: وسئل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن جهد البلاء فقال: قلة المال وكثرة العيال.
وكان الفضيل يقول: المال يسوّد غير السيّد ويقويّ غير الأيّد.
وفي كتاب كليلة ودمنة: الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظن به حسناً، وإن أذنب غيره ظنوه به، وإن كان لسوء الظن والتهمة موضعاً حملوا على ذلك الذي يفعله غيره، وأنشد في ذلك:
إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه ... وأومت إليه بالعيوب الأصابع
ولآخر:
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وحار ولا يدري وإن كان حازماً ... أقدّامه خيرٌ له أم وراؤه
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... ولا خير في وجهٍ يقلّ حياؤه
وقيل لأعرابي: ما أشد الأشياء؟ قال: كبدٌ جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة.
وقيل لأعرابي: لم يقول أهل الحضر باعك الله في الأعراب؟ قال: لأنا والله نعري جلده ونجيع كبده ونطيل كدّه.
ومما قيل فيه من الشعر:
أعظم من فاقةٍ وجوع ... مقام حرٍّ على خضوع
فلا ترده ولا ترد ما ... أٌنيل بالذل والخشوع
واطلب معاشاً بقدر قوتٍ ... وأنت في منزلٍ رفيع
لعل دهراً غداً بنحسٍ ... يعود بالسعد في الرجوع
ولآخر:
الموت خيرٌ للفتى ... من أن يعيش بغير مال
والموت خيرٌ للكري ... م من الضراعة للرجال
ولآخر:
بخلت وليس البخل مني سجيةً ... ولكن رأيت الفقر شرّ سبيل
لموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى ... وللبخل خيرٌ للفتى من سؤال بخيل
لعمرك ما شيء لوجهك قيمةٌ ... فلا تلق مخلوقاً بوجه ذليل
ولا تسألن من كان يسأل مرةً ... فللموت خيرٌ من سؤال سؤول
ولآخر:
لاتحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أشد من هذا لذلّ السؤال
ولآخر في معناه:
من كان في الدنيا أخا ثروةٍ ... فنحن من نظارة الدنيا
نرمقها من كثبٍ هكذا ... كأننا لفظٌ بلا معنى
ولآخر:
قد أراح الله من غ ... مٍ شديدٍ وعذاب
واسترحنا من عيالٍ ... وعبيدٍ ودواب
وضياعٍ ونخيلٍ ... وحصادٍ وكراب
واسترحنا من وقوفٍ ... لبني الدنيا بباب
وقنعنا وأقمنا ... وحططنا عن ركاب
حبّذا الوحدة إن كا ... ن بصيراً بالحساب
ولآخر:
الحمد لله ليس لي مال ... ولالخلقٍ عليّ إفضال
الخان بيتي ومشجبي بدني ... وخادمي والوكيل بقّال
ولآخر:
بقيت ومركبتي البرذون حتى ... أخفّ الكيس إغلاء الشعير
وصرت إلى البغال فأعجزتني ... وصرت من البغال إلى الحمير
فعزّتني الحمير فصرت أمشي ... أزجّي الرِّجل تزجية الكسير
ولآخر:
أتراني أرى من الدهر يوماً ... لي يوماً مطيةٌ غير رجلي
وإذا كنت في جميعٍ فقالوا ... قرّبوا للرحيل قرّبت نعلي
حيثما كنت لا أخلِّف رحلاً ... من رآني فقد رآني ورحلي
أبو هفان:
يا مولج الليل في النهار ... صبراً على الذّلّ والصّغار
كم من حمارٍ له حمارٌ ... ومن جوادٍ بلا حمار
الحمدوني:
تسامى الرجال على خيلهم ... ورجلي من بينهم حافيه
فإن كنت حاملنا ربنا ... وإلا فأرجل بني الزانية
(1/130)

قال: وكان أعرابي بالبصرة في بيت فكان إذا خرج استوثق على غلق بابه فيظن جيرانه أن له مالاً فقال:
ليس إغلاقي لبابي أن لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا
إنما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمرّ الطرقا
ليس لي فيه سوى باريةٍ ... وبلى أغلَقْتُ لِبداً خَلَقا
منزلٌ داخله الفقر فلو ... دخل السارق فيه شرِقا
ولآخر:
يبيت يراعي النجم من جوع بطنه ... ويصبح يُلقى ضاحكاً متبسما
ولآخر:
وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ ... وأحسن أخلاق الرجال التفضّل
ولا عار أن زالت على المرء نعمةٌ ... ولكن عاراً أن يزول التجمّل
ولآخر:
كم من فقيرٍ بعد جهدٍ وحاجةٍ ... هو اليوم محسودٌ وقد كان يُرحم
ولآخر:
قد يكثر المال يوماً بعد قلته ... ويكتسي الغصن بعد اليبس بالورق
ولآخر:
كم من غنيٍّ رأيت الفقر أدركه ... ومن فقيرٍ غنياً بعد إقلال
ولآخر:
كم من غني كان بالمال مثرياً ... هو اليوم مرحومٌ وقد كان يُحسد
ولآخر:
كم من فتىً كان ذا ثروةٍ ... رمته الحوادث حتى افتقر
ولآخر:
إذا كان جدُّ المرء في الشيء مقبلاً ... تأتت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه عنه توعرت ... عليه وأعيته وجوه المطالب
وإن قلّ مال المرء أقصاه أهله ... وأعرض عنه كلّ إلفٍ وصاحب
وكذّبه الأقوام في كلّ منطقٍ ... وإن كان فيه صادقاً غير كاذب
ولآخر:
متى ما يرى الناس الفقير وجاره ... يقولون هذا عاجزٌ وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسّمت وجدود
وقال عبد الأعلى القاضي: الفقير مرقته سلقة ورداؤه علقة وسمكته شلقة.
ولآخر:
من كان ذا مالٍ كثيرٍ فلم ... يقنع فذاك الموسر المقتر
الفقر في النفس وفيها الغنى ... وفي غنى النفس الغنى الأكبر
وكتب بعضهم يستميح بعض الأغنياء:
هذا كتاب فتىً أزرى الزمان به ... قد كاد تنفطر الأضلاع من هممه
شطّت منازله عنه وضعضعه ... ريب الزمان فأبدى الضعف في كلمه
يذري الدموع بعينٍ غير جامدةٍ ... طوراً بدمعٍ ويبكي تارةً بدمه
أضحى ببابك محزوناً له أملٌ ... يرجو بجودك أن يفتكّ من عدمه
يا ذا المقدّم في الأفعال من كرمٍ ... أنت المداوي صريع الدهر من سقمه
ولآخر:
خُلقٌ واسعٌ ومالٌ قليل ... واعتداءٌ من الزمان طويل
ما احتيال الفتى بدولة دهرٍ ... وعليه النائبات تدول
كلما رام نهضةً أقعدته ... عائلات من الزمان تعول
فيمن أثرى بعد الفقر أٌنشد لرجل من المحدثين:
لئن كنتَ قد أُعطيتَ خزّاً تجرّه ... تبدّلته من فروةٍ وإهاب
فلا تُعجبن أن تملك الناس إنني ... أرى أمّةً قد أدبرت لذهاب
ولآخر:
تاه على إخوانه بالغنى ... فصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله ... فإنه يحسن في فقره
ولآخر دعبل:
عطاياه تغدو على سابحٍ ... وطوراً على بغلةٍ ندبه
فلو خُصّ بالرزق بخل الكرا ... م ما نال خيطاً ولا هدبه
ولكنه الرزق ممن يعي ... ش في رزقه الكلب والكلبه
ولآخر:
كنت إذ كنتَ عديماً ... لي خلاً ونديما
ثم أثريت فأعرض ... ت ولم ترع قديما
صار ما نلت من الما ... ل لنا ذنباً عظيما
هكذا يفعل بالإخ ... وان من كان كريما
ولآخر:
صحبتك إذ أنت لا تُصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكِب
وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ونفسُك نفسَك تستحجب
وإذ أنت تكثر ذمّ الزمان ... ومشيك أضعاف ما تركب
(1/131)

فقلت كريمٌ له همةٌ ... ينال فأُدرك ما أطلب
فنلتَ وأقصيتني جانباً ... كأني ذو عرّةٍ أجرب
محاسن الثقة بالله عز وجل
قيل: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: الحمد لله الذي أنقذني من ناره بخلافته. وقال الوليد بن عبد الملك: لأشفعنّ للحجاج بن يوسف وقرّة بن شريك. وقال الحجاج: يقولون مات الحجاج! فمه ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت! والله ما رضي الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه إبليس إذ قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.
وقال أبو جعفر المنصور: الحمد لله الذي أجارني بخلافته وأنقذني من النار بها.
وحدثنا إبراهيم بن عبد الله رُفع الحديث إلى أنس بن مالك قال: دخلنا على فتىً من الأنصار وهو ثقيل في مرضه فلم نخرج من عنده حتى قضي عليه، وإذا عجوز عند رأسه، فالتفت إليها بعض القوم وقال: استسلمي لأمر الله عز وجل واحتسبي. قالت: أمات ابني؟ قال: نعم. قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم. فمدّت يدها إلى السماء ثم قالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك وهاجرت إلى نبيك محمد، صلى الله عليه وسلم، رجاء أن تعينني عند كل شدة! اللهم فلا تُحملني هذه المصيبة اليوم! فكشف ابنها الثوب الذي سجّيناه به عن وجهه وما برحنا حتى طعم وطعمنا معه.
وقيل: وبينا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يعرض الناس إذا هو برجل معه صبي له. فقال له عمر، رضي الله عنه: ويحك ما رأيت غراباً أشبه بغراب مِن هذا بك! فقال: يا أمير المؤمنين والله ما ولدته أمه إلا وهي ميتة. فاستوى عمر، رحمه الله، جالساً وقال: ويحك حدثني! قال: خرجت في غزاةٍ وأمه حامل به، فقالت: تخرج وتدعني على هذه الحالة حاملاً مثقلاً؟ فقلت: أستودع الله ما في بطنك. فغبت ثم قدمت وإذا بابي مغلق، فقلت: ما هذا وما فعلت فلانة؟ قالوا: ماتت. فذهبت إلى قبرها وكنت عنده، فلما كان من الليل قعدت مع بني عمي أتحدث وليس يسترنا من البقيع شيء، فرفعت لي نارٌ بين القبور، فقلت لبني عمي: ما هذه النار؟ فقال أحدهم: يا أبا فلان نرى على قبر فلانة كل ليلة ناراً! فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كانت صوامة قوّامة عفيفة، والله لأنبشنّ قبرها ولأنظرن ما حالها. فأخذتُ فأساً وأتيت القبر فإذا هو مفتوح والمرأة ميتة وهذا حي يدب حولها، فنادى مناد: أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك، أما إنك لو استودعته أمه لوجدتها! فأخذته وعاد القبر كما كان، وهو والله يا أمير المؤمنين هذا.
مساوئ الثقة
قال: قال عيسى بن مريم، عليه السلام: يا معشر الحواريين إن ابن آدم خُلق في الدنيا في أربعة منازل هو في ثلاثة منها واثق بالله عز وجل وهو في الرابع سيء الظن يخاف خذلان الله عز وجل إياه، فأما المنزلة الأولى فإنه خُلق في بطن أمه خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ينزل الله جل وعز عليه رزقه في جوف ظلمة البطن، فإذا خرج من ظلمة البطن وقع في اللبن لا يخطو إليه بقدم ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراهاً ويوجره إيجاراً حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه، فإذا ارتفع من اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام بين أبويه يكتسبان عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه عن غير شيء عطف عليه الناس هذا يطعمه وهذا يسقيه وهذا يؤويه، فإذا وقع في المنزلة الرابعة واشتد واستوى وكان رجلاً خشي أن لا يرزق يثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعتهم ويكابرهم على أموالهم مخافة خذلان الله عز وجل إياه.
محاسن طلب الرزق
بلغنا عن ابن السماك أنه قال: لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم مشغولاً بما أنت عنه غداً مسؤول، وإياك والفضول فإن حسابها طويل.
وقال عمرو بن عتبة: من لم يقدّمه الحزم أخّره العجز.
وقال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم احدث لي سفراً أحدث لك رزقاً.
وفي بعض الحديث: سافروا تغنموا، وقال الكميت:
ولن يزيح هموم النفس إذ حضرت ... حاجات مثلك إلا الرَّحل والجمل
وقال الطائي:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلقٌ ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
(1/132)

وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فإن الكريم محتال والدنيّ عيّال، وقال:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسارٍ أو تموت فتعذرا
ولا ترض من عيشٍ بدونٍ ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا
وتقول العرب: كلب جوّال خير من أسد رابض. وتقول أيضاً: من غلى دماغه صائفاً غلت قدره شاتياً.
ووقع عبد الله بن طاهر: من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام.
وقال الكسرويّ: أخذ من توقيع أنوشروان بالفارسية هرك روذ خرذ هرك خسيذ خاف وينذ، وأنشد:
كفى حزناً أن النوى قذفت بنا ... بعيداً وأن الرزق أعيت مذاهبه
ولو أننا إذ فرّق الدهر بيننا ... غني واحدٌ منا تموّل صاحبه
ولكننا من دهرنا في مؤونةٍ ... يكالبنا طوراً وطوراً نكالبه
ولآخر:
إذا المرء لم يبغ المعاش لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأذنين كلاًّ وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكَّرا
ولآخر:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذراً أو ينال غنيمةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
ولآخر:
وليس الرزق عن طلب حثيثٍ ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء بمثلها يوماً ويوماً ... تجيء بحمأةٍ وقليل ماء
ولآخر:
وقد علمت وعلم المرء ينفعه ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني
ولآخر:
لعمرك ما كل التبطّل ضائرٌ ... ولا كل شغلٍ فيه للمرء منفعه
إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواءً فاغتنم لذّة الدّعه
وإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا كل ضيق في عواقبه سعه
ولآخر:
سهّل عليك فإن الأمر مقدور ... وكل مستأنفٍ في اللوح مسطور
يأتي القضاء بما فيه لمدته ... وكل ما لم يكن فيه فمحظور
لا تكذبنّ وخير القول أصدقه ... إن الحريص على الدنيا لمغرور
ولآخر:
لا يتعبنّك شيءٌ أنت تطلبه ... وقد تقدمك المقدور والقلم
ولآخر:
لا تعتبن على العباد فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه
ولآخر:
هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبرٌ على حال
يوماً تريش خسيس القوم ترفعه ... دون السماء ويوماً تخفض العالي
ولآخر:
اصبر على زمنٍ جمٍّ تلوّنه ... فليس من شدةٍ إلا لها فرج
تلقاه بالأمس في عمياء مظلمةٍ ... ويصبح اليوم قد لاحت له السُّرُج
ولآخر:
ألا رُبّ راجي حاجةٍ لا ينالها ... وآخر قد تُقضى له وهو آيس
يجول لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي التي تُقضى له وهو جالس
ولآخر:
أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا
وترضى بصرّافٍ وإن كان مشركاً ... ضميناً ولا ترضى بربك ضامنا
كأنك لم تقنع بما في كتابه ... فأصبحت مدخول اليقين مباينا
ولآخر:
إني لأكرم نفسي أن أدنّسها ... بشين عرضي وبذل الوجه للناس
والله ضامن رزقي ما حييت وما ... في ضمن ذي العرش من شكّ ولا باس
إني رأيت سؤال الله مكرمةً ... وفي سؤال سواه أعظم الياس
قيل: ووجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة فيه مكتوب: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى، عليه السلام، خرج يقتبس ناراً فنودي بالنبوة. وأنشد:
ولما أن عييت بما ألاقي ... وأعيتني المسائل والقروض
ذكرت الله لا أرجو سواه ... وربُّ العرش ذو فَرَجٍ عريض
ولآخر:
يا صاحب الغمّ إن الغمّ منقطعٌ ... أبشر بخيرٍ كأن قد فرّج الله
اليأس يقطع أحياناً بصاحبه ... لا تيأسنّ فإن الصانع الله
(1/133)

إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... فكاشف الضرّ والبلوى هو الله
ولآخر:
كم رأينا من صحيحٍ قد هوى ... وأخي سقمٍ من السقم خرج
لا تكن إن راب أمرٌ آيساً ... فلعند اليأس يأتيك الفرج
ولآخر:
وإذا تصبك من الحوادث نكبةٌ ... فاصبر فكلُّ ضبابةٍ تتكشّف
مساوئ طلب الرزق
لديك الجن:
احْلُ وامرُرْ معاً ولِنْ تارةً واخ ... شن ورِشْ أنت وانتدب للمعالي
وأغث واستغث بربك في الأز ... ل إذا جلحت صروف الليالي
لا تقف للزمان في منزل الضي ... م ولا تستكن لرقة حال
وأهن نفسك الكريمة للمو ... ت وقحّم بها على الأهوال
فلعمري لَلموت أزين للح ... رّ من الذلّ ضارعاً للرجال
أي ماءٍ يدور في وجهك الح ... رّ إذا ما امتهنته بالسؤال
ثم لا سيما إذا عصف الده ... ر بأهل الندى وأهل النوال
غاضت المكرمات وانقرض النا ... س وبادت سحائب الإفضال
فقليل من الورى من تراه ... يُرتجى أو يصون عرضاً بمال
وكذاك الهلال أول ما يب ... دو نحيلاً في دقة الخلخال
ثم يزداد ضوءه فتراه ... قمراً في السماء غير هلال
عاد تدميثك المضاجع للجن ... ب فعال الخريدة المكسال
وادّرع يلمق اجتياب دجى اللي ... ل بطرفٍ مضبَّر الأوصال
عامليّ النتاج تطوى له الأر ... ض إذا ما استُعُدّ للأنقال
جُرشعٍ لاحق الأياطل كالأع ... فر ضافي السبيب غير مذال
واتخذ ظهره من الذل حصناً ... نعم حصن الكريم في الزلزال
لا أحب الفتى أراه إذا ما ... عضّه الدهر جاثماً في الضلال
مستكيناً لذي الغنى خاشع الطر ... ف ذليل الإدبار والإقبال
أين جوب البلاد شرقاً وغرباً ... واعتساف السهول والأجبال
واعتراض الرقاق يوضع فيها ... بظباء النجاد والعمال
ذهب الناس فاطلب الرزق بالسي ... ف وإلا فمت شديد الهزال
محاسن استصلاح المال
روي عن عبد الله بن جعفر قال: بعثني علي بن أبي طالب إلى حكيم بن خزام يسأله سلف ثلاثين ألف درهم، فأتيته فانطلق بي إلى منزله فوجد في الطريق صوفاً فأخذه ومرّ بقطعة كساء فأخذه فلما صار إلى منزله أعطاني طرف الصوف فجعلت أفتله ويرسل حتى فتلته، ثم دعا بغرارةٍ مخرقةٍ فرقعها بالكساء وخاطها بالخيط وصيّر فيها ثلاثين ألف درهم وحملت معي.
قال: وأتى قومٌ قيس بن سعد بن عبادة يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيّده عن رديّه ويجعل كل صنف منها على حدته، فهموا أن يرجعوا عنه وقالوا: ما نظن عند هذا خيراً، ثم عزموا على لقائه فأقاموا حتى فرغ من حائطه فكلموه فأعطاهم. فقال رجل من القوم له: لقد رأيناك تصنع شيئاً لا يشبه فعالك! وأخبروه فقال: إن الذي رأيتم من صنيعي قضيت به حاجتكم.
عبد العزيز بن أبان عن هشام الثقفي عن رجل أتى طلحة بن عبيد الله يسأله حمالة فرآه يهنأ بعيراً له فقال: يا غلام أخرج له بدرةً. فقبضها ثم قال: أردت أن أنصرف حين رأيتك تهنأ البعير. فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير.
وكان يقال: من أنفق ولم يحسب عطب ولم يشعر. وقيل: الإفلاس سوء التدبير.
الأصمعي قال: سمعت بعض الهالبيين يقول لبنيه: لا تشتروا الغنم فإنها مال الرقة ولا تشتروا البقر فإنها مال الذلة واشتروا الإبل واقتنوها فإنها رقوء الدم وصدقات الحرائر وسفن البرّ وفيها قضاء الحقوق، ولا تتزوجوا المميتات فإنهن يضربن على رؤوسكم من كان قبلكم وتزوجوا المطلقات فإنهن أضعف نفساً وإنكم تضربون على رؤوسهن من كان قبلكم.
وقال بعضهم في جمع القليل إلى القليل:
رب كبيرٍ هاجه صغير ... وفي البحور تُغرق البحور
وقال آخر:
(1/134)

قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنما القرم من الأفيل
وسحق النخل من الفسيل
محاسن الدَّين
قيل: قدم رجل مع إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة وهو على قضاء البصرة فأقام أكثر من سنة متعطلاً، فكثر عليه الدين لرجلٍ من أهل البصرة، فتوعده أن يقدمه إلى القاضي، فأتى الرجل إسماعيل فأخبره بما تخوّفه من حبس الرجل إياه. فقال: إذا قدّمك فأقرّ له بحقّه ثم قل أبيع داري وأقضيه، فإنه سيقول: لا دار لك، قل فأبيع دابتي وضيعتي، فإنه سينكر أن يكون لك شيء. ففعل فجرى بينهما ما قاله القاضي. فقال القاضي: قد أقررت أنه لا شيء له، فكيف أحبسه؟؟ فخلّ سبيله.
قال: وكان لرجل من التجار صاحب عينةٍ على رجل من الجند مالٌ فخرج عطاء الجندي ولم يقض صاحبه. فأرسل إليه التاجر غلاماً يلزمه وعلى الغلام كساءٌ أحمر فلزمه. فجعل الرجل يتلو: " وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ". والغلام يتلو: " إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها ". فلما طال ذلك على الرجل واشتد إلحاح الغلام عليه أتى صاحبه فقال:
مُنع الرّقاد فما أغمّض ساعةً ... من غمّ تعذيب الكساء الأحمر
يتلو التي فيها الأمانة منهما ... لؤماً وأتلو آية المتيسر
فضحك الرجل ووهب له ما كان عليه من دينه.
مساوئ الدَّين
قال أبو اليقظان: كان الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يسلّف الناس فإذا حلّ ماله ركب حماراً اسمه شارب الريح فيقف على غُرمائه ويقول:
بني عمنا ردّوا الدراهم إنما ... يفرّق بين الناس حبُّ الدراهم
وكان رجل من بني الدئل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال:
فلو كنت الحديد لكسّروني ... ولكني أشدّ من الحديد
فأقرضه الفضل بن العباس، فلما كان قبل المحل جاء فبنى معلفاً على باب داره، وكان يقال له عقرب. فلقي كلّ واحد منهما من صاحبه شدة فهجاه فقال:
قد تجرت في سوقنا عقربٌ ... يا عجبا للعقرب التاجره
قد ضاقت العقرب واستيقنت ... ليس لها دنيا ولا آخره
فإن تعد ترجع بما ساءها ... وكانت النعل لها حاضره
كلُّ عدوٍّ يتّقى مقبلاً ... وتُتّقى شِرّتها دابره
إن عدواً كيده في استه ... لغير ذي كيدٍ ولا بادره
قال: وقدّم أعرابيان غريماً لهما إلى قاض، فحلف ثم قال:
ألم تعلما أني طموحٌ عنانه ... وأني لا يقضي عليّ أمير
طمستُ الذي في الصك مني بحلفةٍ ... سيغفرها الرحمن وهو غفور
ولآخر:
أرى الغرماء قد كثروا وضجّوا ... إلى السلطان غير مُقصِّرينا
فإن سألوا اليمين فقد ربحنا ... وإن سألوا الشهود فقد خزينا
ولآخر:
الدين حقاً كاسمه دويُّ ... قد يخضعُ المرء له القويُّ
كم من شريفٍ غاظه غبيُّ
محاسن إصلاح البدن
قال: جمع الرشيد أربعة من الأطباء: عراقياً ورومياً وهندياً وسوادياً، فقال: ليصف كل واحد منهم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الرومي: الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض. وقال الهندي: الماء الحار. وقال العراقي: الإهليلج الأسود. وكان السوادي أبصرهم فقال له: تكلم. فقال: حب الرشاد يولد الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والإهليلج يرقّ المعدة. قال: فأنت ما تقول؟ قال: الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه.
وقال بعضهم: سألت أسقف فارس فقلت: إنا قوم نغترب ويتغير علينا المياه فصف لنا ما نتعالج به. فقال: دعوا الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل، وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمّام ولبس الكتان.
وعن الهيثم بن عدي قال: قلت لتياذوق وكان متطبب الحجاج: أوصني بشيء أحفظه عنك فإني مسافر. فقال: لا تنامن حتى تعرض نفسك على الخلاء، ولا تذوقن طعاماً وفي معدتك طعام، واتق ما تخرجه النعجة والنحلة، فإن اعتللت فأنا الضمين إلا علة الموت.
وقال سوادة: سألت بختيشوع ما معنى البلغم؟ فقال: تفسيره بلاء وغم.
(1/135)

وقال بعض الفلاسفة: ينبغي للعاقل أن يتقي البرد في أول الشتاء وفي آخره. فقيل له: ففي وسطه؟ قال: ذاك يتقيه العاقل والأحمق.
قيل: وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له: إياك أن تسير شبراً من الأرض وأنت حافٍ، ولا تذوقن نبتة ولا تشمنها حتى تعرفها، وإياك وأن تبول في شق الأرض فتخرج منه عليك داهية، ولا تشرب من فم قربة ولا إداوة حتى يكون الماء معيناً، واحذر مرافقة المعرفة ومن لا تعرف فلا تصاحبه، وإياك والسجود على بارية جديدة حتى تمسحها بكمك فرب شظية حقيرة فقأت عيناً خطيرة، ولا تنظرن في بئر عادية، ولا تشهدن من الحيوان الكبار ما هو في النزع، واقبل وصيتي ترشد ولا تدعها فتندم.
قيل: ودخل أعرابي ذو كدنةٍ على معاوية بن أبي سفيان فأعجبه فقال: يا أعرابي مم هذا السمن؟ قال: لا آكل حتى أجوع وأستوثق من أطرافي في الشتاء وأغفل غاشية الهجر.
وقال بعض الفلاسفة: اخضع للريح خضوعك للملك، وجاهد البلغم مجاهدة عدوك، ودار المرة مداراتك صديقك، وأنزل دمك في السنة مرة أو مرتين، وروّ مشاشتك من ماء لحوم الطير، وعليك بالشراب الأصفر فإنه حليف الروح.
وذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل عن أحمد بن أبي الأضبع وكان كاتباً لأحمد عن يحيى بن ماسويه قال: أكل الفالوذ لصاحب النبيذ عندنا من شر الطب.
وقيل: ما من أحد إلا وفيه أربعة عروق: عرق الجُذام وعرق البرص وعرق العمى وعرق الجنون، فإذا تحرك عرق الجذام قمعه الله بالزكام فأذهبه، وإذا تحرك عرق البرص سلط الله جل وعز عليه الدماميل فأذهبته، وإذا تحرك عرق الجنون سلّط الله عليه البلغم فقطعه، وإذا تحرك عرق العمى سلط الله عليه الرمد فأذهبه.
وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: لا تكرهوا أربعاً لأربع، لا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عرق الجذام، وتكرهوا السعال فإنه يقطع عرق الفالج، ولا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عرق العمى، ولا تكرهوا الدماميل فإنها تقطع عرق البرص.
وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من السوء، ومن أكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه، ومن أكل سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، واللحم ينبت اللحم، والثريد طعام العرب، والسواك وقراءة القرآن يذهبان بالبلغم، والبقر لحومها داء وألبانها دواء وسمنها شفاء، والسمك يذيب الجسد، والشحم يخرج مثله من الداء، ولن يتداوى الناس بمثل السمن، ولن تستشفي النفساء بمثل الرطب، والمرء يسعى بجده والسيف يقطع بحده، ومن أراد البقاء ولابقاء فليباكر الغداء وليخفف الرداء وليقلل من غشيان النساء. وخفة الرداء قلة الدّين.
قيل: من بات والهندباء في جوفه بات آمناً من الدبيلة، ومن بات والفجل في جوفه بات آمناً من البشم، ومن بات والكرفس في جوفه بات آمناً من وجع الأضراس، ومن بات والجرجير في جوفه بات وعروق الجذام تتردد في صدره، ومن بات والكرّاث في جوفه بات آمناً من البواسير.
وقال بعض الفلاسفة: لا ينبغي للعاقل أن يستخف بالقليل من ثلاثة أشياء، بالقليل من النار والقليل من السلطان والقليل من السقم.
وقال أبو هفان: حدثني العباس بن المأمون قال: كنت عند المأمون ذات يوم وعنده الموبذ فسأله: ما أنفع الأشياء؟ فقال: الاقتصاد في الطعم والشرب فإن كثيره يثقل الجسم ويوهن العلم والفهم ويكدّر صفاء البشرة ويفتح الأدواء ويخمد نار المعدة ويمحق شرف صاحبه. فقال المأمون: لو أسلمت يا موبذ ولم أستقضك كنت قد ضيعت حجة الله في أرضه.
الحسن بن علي بن زيد قال: سمعت علي بن الجعد يقول: لما قدم بختيشوع الأكبر على أبي جعفر من السوس أمر له بالطعام، فلما وضع بين يديه الخوان قال: الشرب. قيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين. قال: لا آكل طعاماً ليس معه شراب. فأُخبر أمير المؤمنين بذلك، فقال: دعوه. فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين. فتعشى وشرب ماء دجلة. فلما كان الغد نظر إلى مائه فقال: ما كنت أحسب شيئاً يجري مجرى الشراب فهذا ماء دجلة يجري مجرى الشراب. يريد في المنفعة أنه مثله.
مساوئ ما يفسد البدن
(1/136)

قال وقال رجل لعبد الملك بن أبجر: أشتهي أن أمرض. فقال له: كل سمكاً مالحاً واشرب نبيذاً حلواً واقعد في الشمس واستمرض الله عز وجل فإن لم تمرض فأنت حمار.
محاسن الندامة
روي عن عائشة، رضي الله عنه، أنها دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل وقد كانت أم سلمة حلفت أن لا تكلمها أبداً من أجل مسيرها إلى محاربة عليّ بن أبي طالب، فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين! فقالت: يا حائط ألم أنهك؟ ألم أقل لك؟ قالت عائشة: فإني أستغفر الله وأتوب إليه. كلميني يا أمر المؤمنين، قالت: يا حائط ألم أقل لك؟ ألم أنهك؟ فلم تكلمها حتى ماتت، وقامت عائشة وهي تبكي وتقول: وا أسفاه على ما فرط مني.
قيل: وسئلت عائشة، رضي الله عنه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه وهو أحب الناس إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ لقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد جمع شملته على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة! وكان ذلك قدراً مقدوراً.
وعن جميع بن عمير قال: قلت لعائشة حدثيني عن علي، رضي الله عنه، فقالت: تسألني عن رجل سالت نفس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في يده وولي غسله وتغميضه وإدخاله قبره، قلت: فما حملك على ما كان منك؟ فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمرٌ كان قضي عليّ.
قال: وقال ابن المعافى لأبي مسلم صاحب الدولة: أيها الأمير لقد قمت بأمر لا يقصر بك ثوابه عن الجنة في إقامة دولة بني العباس، فقال: خوفي من النار والله أولى من الطمع في الجنة، إني أطفيت من أمية جمرة وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فوا حزناً من الإلهاب! وحدّث أبو نملة عن أبيه قال: سمعت أبا مسلم بعرفات في الموقف يقول باكياً: اللهم إني تائب إليك مما لا أظن أن تغفره لي، فقلت: أيها الأمير أيعظم على الله عز وجل غفران ذنبٍ؟ فقال: إني نسجت ثوباً من الظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخ وصارخة تلعنني عند تفاقم هذا الأمر، فكيف يغفر الله عز وجل لمن هذا الخلق خصماؤه؟ قيل: ولما سخط عليه المنصور ووكل به شهرام المروزي قال له يوماً: الويل لك من الخليفة المنصور! فقال: الويل لي من ربي، وأين يقع ويل ساعة من عذاب الأبد؟
مساوئ الندامة
قال: وإلى الكُسَعيّ يضرب المثل في الندامة وذلك أنه كان يرعى إبلاً له بوادٍ كثير العشب، فبينا هو كذلك إذ بصر بنبعة في صخرة فأعجبته، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوساً، فجعل يتعهدها حتى إذا أدركت قطعها وجففها واتخذ منها قوساًن فأنشأ يقول:
يا رب وفقني لنحت قوسي ... فإنها من لذّتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... أنحتها صفراء مثل الورس
صلباء ليست كقسيِّ النِّكس
ثم دهنها وخطمها بوتر ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم فجعل يقلبها في كفه ويقول:
هن وربي أسهم حسانُ ... يلذّ للرامي بها البنان
كأنها قوّمها الميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان
إن لم يعقني الشؤم والحرمان
ثم خرج حتى أتى موارد حمر الوحش فكمن فيها فمرّ قطيع منها فرمى عيراً فأمخطه السهم حتى جازه وأصاب الجبل فأورى ناراً فظن أنه أخطأ فقال:
أعوذ بالله العزيز الرحمان ... من نكد الجدّ معاً والحرمان
ما لي رأيت السهم بين الصّوّان ... يوري شراراً مثل لون العقيان
فأخلف اليوم رجاء الصبيان
ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فصنع صنيع الأول فقال:
لا بارك الله الرحمن في رمي القتر ... أعوذ بالرحمن من سوء القدر
أأمخط السهم لإرهاق الضرر ... أم ذاك من سوء احتيال ونظر
ثم مكث على حاله فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأمخطه السهم فقال:
ما بال سهمي يوقد الحباحبا ... قد كنت أرجو أن يكون صائبا
وأمكن العير وأبدى جانبا ... فصار رأيي فيه رأياً خائبا
ومكث مكانه فمر به قطيع آخر فرمى عيراً منها فأصرد السهم فصنع صنيع الأول فقال:
(1/137)

أبعدَ خمسٍ قد حفظتُ عدّها ... أحمل قوسي وأُريد ردها
أخزى الله لينها وشدّها ... والله لا تسلم عندي بعدها
ولا أرجي ما حييت رفدها
ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجراً فكسرها ثم بات، فلما أصبح إذا الحمر مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم، فندم على كسر قوسه وشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذاً لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وقال الفرزدق:
ندمت ندامة الكُسعيّ لما ... غدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لجّ به الضرار
ومنه ما قيل في خفي حنين وكان حنين إسكافاً من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه واختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلما مر الأعرابي رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخفّ حنين ولو كان معه أخوه نزلت فأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ورجع إلى الأول. وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: أتيت بخفّي حنين، فضربته العرب مثلاً. وقال الشاعر في مثله:
لتقرعنّ عليّ السنّ من ندمٍ ... إذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي
محاسن الحنين إلى الوطن
قال الله تبارك وتعالى: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فقرن جل ذكره الجلاء عن الوطن بالقتل، وقال جل وتعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا "، فجعل القتال ثأراً للجلاء. وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الخروج عن الوطن عقوبة.
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء.
وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان.
وقال جالينوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببلل المطر.
وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها.
ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضرة فقال له قائل: ما تشتهي؟ قال: محضاً روياً وضباً مشوياً.
وحدث عن بعض بني هاشم قال: قلت لأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية! قلت: وأين تسكن منها؟ فقال: مساقط الحمى حمى ضرية لعمر الله ما نريد بها بدلاً ولا نبغي عنها حولاً نفحتها العذاوات وحفّتها الفلوات فلا يعلولج ترابها ولا يتمعّر جنابها ولا يملولح ماؤها، ليس بها أذىً ولا قذىً ولا موم، فنحن فيها بأرفه عيش وأنعم معيشة وأرغد نعمة. قلت: فما طعامكم؟ قال: بخ بخ عيشنا عيش تعلل جاذبه وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفثّ والهبيد والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والينمة والعراجين والحسلة والضِّباب واليرابيع والقنافذ والحيات وربتما والله أكلنا القدّ واشتوينا الجلد فما نعلم أحداً أخصب منا عيشاً ولا أرخى بالاً ولا أعمر حالاً، أوما سمعت قول شاعر وكان والله بصيراً برقيق العيش ولذيذه؟ قلت: وما قال؟ قال قوله:
إذا ما أصبنا كل يومٍ مذيقةً ... وخمس تميراتٍ صغارٍ كوانز
فنحن ملوك الناس خصباً ونعمة ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز
وكم متمنٍّ عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حقّ فائز
فالحمد لله على ما بسط من حسن الدعه ورزق من السعة وإياه نسأل تمام النعمة.
وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلاً فيرفضّ عرقاً كأنه الجمان، ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى.
ذكر من اختار الوطن على الثروة - قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك.
وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.
وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة فإن ردفتها علة وإن أعقبتها قلة فتلك نفس مضمحلة.
وقالت العرب: الغربة ذلة والذلة قلة.
(1/138)

وقال آخر: لا تنهض عن وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة.
وشبّهت العرب والحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأم له ولا أب يحدب عليه.
وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة ولكل كلب قنيصة ولكل رامٍ رمية.
وكان يقال: الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاوٍ لا يثمر وذابل لا ينضر، وأنشد:
ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنفس يستشفي برائحة الركب
ولآخر:
إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبةً للهماهم
حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي ... وحلّت بها عني عقود التمائم
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حقَّ التقادم
ولآخر:
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيامٌ بنجدٍ دونها الطرف يقصر
وما نظري من نحو نجدٍ بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر
أفي كل يوم نظرةٌ ثم عبرةٌ ... لعينيك يجري ماؤها يتحدر
متى يستريح القلب؟ إما مجاورٌ ... حزينٌ وإما نازحٌ يتذكر
الطائي:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
مساوئ من كره الوطن
قال بعض الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً غنمتم عقلاً كثيراً.
وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيّق العطن.
وقيل لآخر: ما أصبرك على الغربة! فقال: انست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: خرّجته الغربة ودربته التجربة وضرسته النوائب.
وقال آخر: ما حنّ أحد إلى بلد لا جمع فيه شمله إلا لوصمةٍ في عقله ولا تنزع نفسه إلى بلد قلّ به رفده إلا لاستيلاء الموق عليه.
وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان ومغازلة القيان واستماع الأغاني والنغمات من الزير والمثاني.
وقد قيل: من صبر على الغربة أمن من الكربة، وأفضل العدة الصبر على الشدة. وقالوا: لا توحشنّك الغربة إذا أنست بالكفاية، ولا تجزع لفراق الأهل مع لقاء اليسار.
وقيل الفقير في الأهل مصروم والغني في الغربة موصول.
وقيل: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم انسك واهجر وطنك ما نبَت عنه نفسك.
وقريء على باب خان بطرسوس:
ما من غريبٍ وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا
الطائي:
لا يمنعنّك خفض العيش تطلبه ... نزاع شوقٍ إلى أهلٍ وأوطان
تلقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
ولآخر:
نبّت بك الدار فسر آمناً ... فللفتى حيث انتهى دار
وروي عن كعب بن مالك أنه وصف وحشة المدينة لغيبة النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: تنكرت البلاد فما هي بالبلاد التي نعرف، وتنكر الناس فما هم بالناس الذين نعرف. وفي معناه قال الشاعر:
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعرف
وأنشد:
لا تقنعنّ ومطلبٌ لك ممكنٌ ... فإذا تضايقت المطالب فاقنع
وقال آخر:
كم المقام وكم تعتادك العلل ... ما ضاقت الأرض في الدنيا ولا السبل
إن كنت تعلم أن الأرض واسعةٌ ... فيها لغيرك مرتادٌ ومرتحل
فارحل فإن بلاد الله ما خلقت ... إلا ليسلك منها السهل والجبل
الله قد عوّد الحسنى فما برحت ... عندي له نعمٌ تثري وتتصل
إن صاق بي بلد هيا له عوضاً ... وإن نأى منزلٌ بي كان لي بدل
وإن تغير لي عن وده رجلٌ ... أصفى المودة لي من بعده رجل
لم يقطع الله لي من صاحبٍ أملاً ... إلا تجدد لي من بعده أمل
لا تمتهن أبداً خدّيك من طمعٍ ... فما لوجهك نورٌ حين يبتذل
(1/139)

وابغ المكاسب من أزكى مطالبها ... من حيث تحمل حتى ينفد الأجل
ولآخر:
إذا ما أطال المرء مكثاً ببلدةٍ ... تقعبه من بعد حدّته نكس
ولو أن هذي الشمس دام طلوعها ... أو البدر لم يُحبب ولا حُبّت الشمس
فجل طالباً للرزق في الأرض واغترب ... ففي كل أرضٍ للفتى الأكل واللبس
ولآخر:
وإذا الديار تنكرت عن أهلها ... فدع الديار وأسرع التحويلا
ليس المقام عليك حتماً واجباً ... في بلدةٍ تدع العزيز ذليلا
ولآخر:
إذا خفت من دارٍ هواناً فإنما ... ينجيك من دار الهوان اجتنابها
ولآخر:
اصبر على حدث الزمان فإنما ... فرج الحوادث مثل حلّ عقال
وإذا رأيت من ابن عمك جفوةً ... فاشدد يديك بعاجل الترحال
إن المقام على الهوان مذلةٌ ... والعجز آفة حيلة المحتال
وقد قيل: في حب الوطن: أحق البلدان بنزعك إليه بلد امصّك حلب رضاعه.
وقيل: احفظ بلداً أرشحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه.
وقيل: لا تشكون بلداً فيه قبائلك ولا أرضاً فيها قوابلك.
وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها توّاقة.
قيل: ولما خرج الرشيد إلى خراسان وصار بعقبة همذان أنشأ يقول:
حتى متى أنا في حلٍّ وترحال ... وطول همٍ بإدبارٍ وإقبال
ونازح الدار لا ينفك مغترباً ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي
في مشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتاني الرزق في دعةٍ ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال
وذكروا أن أبا دلفٍ لما ولي الشام طال مقامه فحنّ إلى وطنه فكتب لى يزيد بن مخش:
أيزيد طالت غربةٌ ومقام ... وبكاً فأسعده البكاء حمام
أيزيد هل من مطمعٍ في أوبةٍ ... لمتيّمٍ طالت به الأيام
لعب الفراق بنومه فأفاته ... طيب الكرى فدموعه تسجام
ما نام عنه وإن رقدتم شوقه ... والشوق يسري والعيون نيام
والشوق ألزمه البكاء فنفسه ... حرّى وأذبل جسمه التّهمام
يا طائفاً أهدى السلام إلى فتىً ... تهدي إليّ سلامك الأحلام
أنى وكيف ينام صبٌ هائم ... أفضت إليه بسرّه الأقلام
يا جانب الأهواز جادك وابلٌ ... وسقاك من ديم الربيع رهام
كم فيك من شجنٍ ومأنس وحشةٍ ... ومحبّبٍ تُشفى به الأسقام
فلئن أحلّكما الزمان ببلدةٍ من دونها القفرات والآكام
وشواهقٌ تزع السحاب شوامخٌ ... ليست وإن دأب المطيّ ترام
.. . . أرى الأيام تجمع بيننا ... والدهر فيه مسرةٌ وغرام
أيزيد ساعدك الزمان وخاننا ... والدهر ليس لحالتيه دوام
تمسي ضجيع خريدةٍ ومضاجعي ... عضبٌ حديد الشفرتين حسام
وتجر أذيال النعيم مرفِّلاً ... وأظل يكسوني الشحوب قتام
متسربلاً حلق الحديد يحفّني ... لجبٌ يضيق به الفضاء لهام
من كل أشعث في الحديد مقنّعٍ ... ذرب الحسام كأنه ضرغام
والحرب حرفتنا وليست حرفةً ... إلا لمن هو في الوغى مقدام
نعري السيوف فلا تزال عريةً ... حتى تكون جفونهن الهام
ما للزمان اعتاقنا من بينكم ... فجرت علينا للزمان سهام
يا ليته إذ لم يدم إحسانه ... أن لا يكون لما أساء دوام
فبلغ شعره المأمون فقال: حنّ القاسم بن عيسى إلى وطنه، فأمره بالانصراف.
قال الأصمعي: قدم سعيد بن صمصم على الحسن بن سهل فأنشده القصيدة يصف فيها حنينه إلى سوء حاله بالبادية ويستميحه:
سقياً لحيٍّ باللوى عهدتهم ... منذ زمانٍ ثم هذا ربعهم
عهدتهم والعيش فيه غُرّةٌ ... ولم يناو الحدثان شعبهم
(1/140)

ولم يبينوا لنوىً قذافةٍ ... تقطع حبلي من وصال حبلهم
فليت شعري هل لهم من مطلب ... أو أجدنّ ذات يوم بدلهم
أو يعذرنّ بالبكاء إن بكى ... صبٌّ معنًّى مستحق إثرهم
مكلّفٌ بالشوق لا ينساهم ... يمنحهم ودّاً ويرعى عهدهم
وينذر النذور إن رآهم ... وعاد يوماً عيشه وعيشهم
ولا رب العرش لا يلقاهم ... ولا يعود عيده وعيدهم
وكيف يلقاهم كبيرٌ سنه ... وقد مضى الدهر وطاح نجمهم
هيهات عدِّ النفس عن ذكراهم ... واقصد لنحو آخرين غيرهم
هذا وقد رأيتني فلم ألُم ... رأيي إذا لام الرجال رأيهم
أدعو ابن سهلٍ حسناً ومجده ... حين تعيّا بعيالي أمرهم
أظل أدعو باسمه ودونه ... قومٌ كثيرٌ رغبةً تركتهم
تخيراً إخترته عليهم ... ولا بهم بأس ولا ذممتهم
ناموا فلما أن رأيت نومهم ... عني تحملت فما أيقظتهم
يا ابن كرامٍ كابراً عن كابرٍ ... زانوك زيناً باقياً وزنتهم
كانوا هم الأشراف سادوا كلهم ... ما في جميع العالمين مثلهم
بنوا جميع المجد فيما قد مضى ... وأنت تبنيه كذاك بعدهم
في شرفٍ مؤيّدٍ أركانه ... لم يبنه بانٍ سواهم قبلهم
فيا ابن سهلٍ وابن آباءٍ له ... كانوا مناجيب قديماً فضلهم
والله ما تصبح بين معشرٍ ... إلا وأنت شمسهم وبدرهم
والناس آخاذٌ وماءٌ ناقعٌ ... وغدُرٌ تجري وأنت بحرهم
والناس أجناس كما قد مُثلوا ... وفيهم الخير وأنت خيرهم
حاشا أمير المؤمنين إنه ... خليفة الله وأنت صهرهم
إليك أشكو صِبيةً وأمهم ... لا يشبعون وأبوهم مثلهم
قد أكلوا الوحش فلم يشبعهم ... وشربوا الماء فطال شربهم
وامتذقوا المذاق فيا دنياهم ... والمضغ إن نالوه فهو حسُّهم
لا يعرفون الخير إلا ذكره ... والدهر هيهات فليس عندهم
وما رأوا فاكهةً في عيصها ... ولا رأوها وهي تهوي نحوهم
وما لهم من كاسبٍ علمته ... على جديد الأرض غير جحشهم
وجحشهم قد بات منهوي القرى ... ومثل أعواد الشكاعى كلبهم
كأنني فيهم وإن وليتهم ... كانوا مواليّ وكنت عبدهم
مجتهداً بالنصر لا آلوهم ... أدعو لهم يا رب سلم أمرهم
وتارة أقول مما قد أرى ... يا رب باعدهم وباعد دارهم
يأوون بالليل إذا ما أحرجوا ... وهي إلى ذرى اللهَيْم وهي قدرهم
بها يطوفون إذا ما اجرنثموا ... وهي أبوهم عندهم وأمهم
زغب الرؤوس قُرعت هاماتهم ... من البلاء وأسمأدّ سمعهم
بل لو تراهم لعلمت أنهم ... قومٌ مساغيب قليلٌ نومهم
وكالسعالي في مسوكها. .. ... فلو يعضّون لذكّى سمُّهم
قد جرّسوا الدهر وقد بلاهم ... هذا وهذا دأبه ودأبهم
ولا يعيشون بعيشٍ سابغٍ ... ولا يموتون وذاك قصرهم
وقد رجونا يا ابن سهلٍ نائلاً ... منك يرمّ فقرهم وبؤسهم
فإنما أنت حيا أمثالهم ... فجد لهم بنائلٍ لا تنسهم
وأسْدِ نعماك إليهم واتخذ ... حمداً وشكراً كل ذاك عندهم
هذا وأنت قد حرمت حظهم ... فلا تجودن لخلقٍ بعدهم
(1/141)

فقال له الحسن: سل ما شئت وتمن ما أحببت، فلو خرجت إليك من ملكي كله ما كافأتك. فقال: تشتري لي غنيمات وتردني إلى البادية. فقال: نحن إلى مكان تصفه بهذه الصفة. قال: الوطن الوطن. فاشترى له ألف شاة وأعطاه عشرين ألف درهم ورده إلى وطنه.
ومما قيل فيمن كره الغربة قال ابن أبي السرج: قرأت على حائط خانٍ بالأهواز:
إن الغريب ولو يكون ببلدةٍ ... يُجبى إليه خراجها لغريب
وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... أن يُستذلّ وقوله مكذوب
قال: وقرأت على حائط خان بعسكر مكرم من الأهواز:
إن الغريب إذا ينادي موجعاً ... عند الشدائد كان غير مُجاب
فإذا نظرت إلى الغريب فكن به ... متراحماً لتباعد الأحباب
قال: وقرأت على حائط خان ببغداد في الجانب الغربي:
غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله كيف الطريق
تعلّق بالسؤال بكل شيءٍ ... كما يتعلق الرجل الغريق
فلا تجزع فكل فتىً ستأتي ... على حالاته سعةٌ وضيق
قال: ووجدت على بابٍ مكتوباً:
عليك سلام الله يا خير منزلٍ ... رحلنا وخلفناك غير ذميم
فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فما أحدٌ من ريبها بسليم
وأنشد:
أقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرُّ العيش فرقة من هوينا
ولآخر:
أقمت بأرضكم بالكره مني ... فلما طاب لي فيها المقيل
وأوطنت البلاد وحنّ قلبي ... بغزلانٍ بها أزف الرحيل
ولآخر:
وإن اغتراب المرء من غير فاقةٍ ... ولا حاجةٍ يسمو لها لعجيب
فحسب الفتى بخساً وإن أدرك الغنى ... ونال ثراءً أن يقال غريب
ولآخر:
أيّ سرورٍ لعيش مغتربٍ ... فردٍ وحيدٍ نأى عن الوطن
لا تطمع النفس في هواه ولا ... يكحل عيناً بمنظرٍ حسن
ولآخر:
سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد ردّ مثلك من غريب
وسل الحزن عنك بحسن ظنٍّ ... ولا تيأس من الفرج القريب
ولآخر:
تصبّر ولا تعجل وُقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب
فقلت وفي قلبي جوىً لفراقها ... ألا لا تعزّيني فلست أُجيب
أعاذل حبي للغريب سجيةٌ ... وكلُّ غريبٍ للغريب حبيب
لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيّتهم إني إذاً لكذوب
بلى غُبَّرات الشوق أضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتيّ غروب
ولآخر:
إذا اغترب الكريم رأى أموراً ... محجلةً يشيب لها الوليد
قال أبو الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل: أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
ما كنتُ أحسب أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا
بخل الزمان عليّ أن ... نبقى كما كنّا جميعا
فأحلّني في بلدةٍ ... وأحلّك البلد الشسيعا
قد كنت أنتظر الوصا ... ل فصرت أنتظر الرجوعا
ولآخر:
إلفان كانا لهذا الحب قد خلقا ... داما عليه فتمّ الوصل واتفقا
كنا كغصنين في عودٍ فغالهما ... ريب الزمان وصرف الدهر فافترقا
فاصفرّ عودهما من بعد خضرته ... وأسقط البين من عوديهما الورقا
ولآخر:
أتظعنُ والذي تهوى مقيم ... لعمرك إن ذا خطبٌ عظيم
إذا ما كنت للحدثان عوناً ... عليك وللفراق فمن تلوم
ولآخر:
لقد شفّني أني أدور ببلدةٍ ... أخلايَ منها نازحون بعيد
أُقلّبُ طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلاي الذين أريد
ولآخر:
قف بالمنازل وقفة المشتاق ... واسفح بها من دمعك المهراق
لا تبخلنّ على الديار بأدمعٍ ... يجرين بين محاجرٍ ومآقي
تلك الديار كما عهدت عميرةٌ ... لكنها صفرٌ من الطرّاق
(1/142)

لم يبقها أمدٌ تقادم عهده ... فالدمع ينطق والرسوم بواقي
لهفي على زمنٍ مضت أيامه ... والعيش غضٌّ مورق الأوراق
أيامنا ما كانت إلا خلسةً ... كسف الهلال عراه وجه محاق
أو نظرةً من خائفٍ لم ينجه ... خوفٌ الحذار وشدة الإشفاق
وكذاك أيام السرور قصيرةٌ ... لكن أيام البلاء بواقي
كيف اللقاء وقد تطاوحت النوى ... شتان بين مشائمٍ وعراق
يا ليت شعري كيف عهد أحبتي ... لما أظلهم وشيك فراقي
ظني بهم حسنٌ وكيف بأوبةٍ ... تروي غليل متيمٍ مشتاق
ومنها نجديات:
ألا هل أرى حوراً تبرقعن بالحمى ... وهل أجتني بالعين من خدهم وردا
لعلي أرى نجداً ومن حلّ بالحمى ... فأحسب من نجدٍ على كبدي بردا
خليليّ قد داويت عقلاً سلبته ... بشحط النوى والبعد من قربهم عمدا
فلم أر بعد الدار يشفي من الجوى ... ولا القرب أيضاً من ديارهم أجدى
بلى إن في النأي التقطع والأسى ... وحبُّ سليمى القلب من بينهم أودى
ولآخر:
نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بليل على نجدٍ تذكرني نجدا
أتاني نسيم السِّدر طيباً من الحمى ... فذكّرني نجداً وقطّعني وجدا
ولآخر:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بصحراء من نجران ذات ثرىً مندي
وهل أردنّ الدهر حصن مجاشعٍ ... وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجد
ولآخر:
أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة والضمار
تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجدٍ ... وريّا روضه غبَّ القطار
شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار
وأما ليلهن فخير ليلٍ ... وأنضر ما يكون من النهار
قال: وقال الفتح بن خاقان: ورد عليّ أعرابي من البادية نجديّ فصيحٌ فبات ليلةً عندي على سطح مشرف على بستان، فسمع فيه صوت الدواليب فقال: ما أشبه هذا إلا بحنين الإبل، وأنشدني:
بكرتْ تحنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من شوقٍ إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي
محاسن الدعاء للمسافر
بأيمن طالع وأسرّ طائر، لا كبا بك مركبٌ ولا أشتّ بك مذهبٌ ولا تعذّر عليك مطلب، سهّل الله لك السير ويسر لك القصد وطوى البعد بمسرة الظفر وكرامة المذخر بأيمن طائر وأسعد جدّ على الطائر الميمون والكوكب السعد.
وفي رسالة للبحتري: إلى حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك.
فصل: وخصصت بسهولة المطلب ونجاح المنقلب، كان الله لك في سفرك خفيراً وفي حضرك ظهيراً.
آخر: بسعيٍ نجيح وأوبٍ سريع وسريح.
آخر: قصّر الله محلّه وهدى رحله وسرّ بأوبته أهله ولا زال آمناً مقيماً وظاعناً.
آخر: بأسعد جدٍّ وأنجح مطلب وأسرّ منقلب وأكرم بدأةٍ وأحمد عاقبة.
فصل: فاشخص مصحوباً بالسلامة والكلاءة، آئباً بالنجح والغبطة، محوطاً فيما تطالعه بالعناية والشفقة في ودائع الله وضمانه وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذماره.
وقال رجل للنبي، صلى الله عليه وسلم: إني أريد سفراً. فقال: في حفظ الله وكنفه، زودك الله التقوى ووجهّك إلى الخير حيث كنت.
كتب أبو العيناء: استخلف الله فيك واستخلفه منك.
لابن أبي السرح:
في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره
وأنشد الآخر:
فارحل أبا بشرٍ بأيمن طائرٍ ... وعلى السعادة والسلامة فانزل
مساوئ الدعاء للمسافر
بالبارح الأشأم والسانح الأعضب والصرد الأنكد للسفر الأبعد، لا استمرّت مطيته واستتبت أمنيته، ولا تراخت منيّته بنحسٍ مستمرٍ وعيش مرّ، لا قرى إن استضاف ولا أمن إن خاف.
(1/143)

ويقال: إن علياً لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا أسعد رائده ولا أصاب غيثاً ولا سار إلا ريثاً ولا وافق إلا ليثاً، أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً على أثره، لا حط الله رحله ولا كشف محلّه ولا بشّر به أهله، لا زكا له مطلب ولا رحب له فيه مذهب، لا سقاه الله غماماً ولا يسّر له مراماً، لا فرّج الله همه ولا سرّى غمّه، ولا حلّ عقده ولا أورى زنده، جعله الله سفر الفراق وعصا الشقاق، وأنشد:
بأنكد طائرٍ وبشرّ قال ... لأبعد غايةٍ وأخس حال
بحدّ السند حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال
غريباً تمتطي قدميك دهراً ... على خوف تحنّ إلى العيال
الباهلي:
إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درّت السحاب
وحيث لا يُبتغى فلاحٌ ... وحيث لا يُرتجى إياب
ابن أبي السرح:
فسر بالنحوس إلى بلدةٍ ... تُعمّر فيها ولا ترزق
ولا تمرع الأرض من نهرها ... ولا يثمر الشجر المورق
تغيض البحار بها مرةً ... ويكدي السحاب بها المغدق
الباهلي:
أدنى خطاك الهند والصين ... وكلُّ نحسٍ بك مقرون
بحيث لا يأنس مستأنسٌ ... وحيث لا يفرج محزون
تهوي بك الأرض إلى بلدةٍ ... ليس بها ماءٌ ولا طين
محاسن الرؤيا
حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد قال: كان المأمون يبطّل الرؤيا ويقول: ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء، فلما رأينا إنما يصحّ منها الحرف والحرفان من الكثير علمنا أنها باطل وأن أكثرها لا يصح، وكان بعث بابنه العباس إلى بلاد الروم فأبطأ عليه خبره فصلّى ذات يوم الصبح وخفق وانتبه ودعا بدابته وركب وقال: أحدثكم بأعجوبة، رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساؤه في عنقه ومعه عصاً وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت: من أنت؟ فقال: رسول العباس بالسلامة، وناولني كتابه. فقال المعتصم: أرجو أن يخفق الله رؤيا أمير المؤمنين ويسره بسلامته. قال: ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً إلا وبصر بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال، فقال المأمون: هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته. قال: فدنا منه الرجل فنحّاه خدمه وصاحوا به. فقال: دعوه. فجاء الشيخ، فقال له: من أنت؟ قال: رسول العباس وهذا كتابه. قال: فبهتنا وطال منه تعجبنا. فقلت: يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذه؟ قال: لا.
وحدثنا عليّ بن محمد قال: حدثني أبي عن محمد بن عبد الله قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفعت رأسي ونظرت إلى الكتاب الذي فوق المحراب فإذا فيه ما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فإذا قائل يقول: يمحي هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. فقلت: فأنا محمد، فابن من؟ قال: ابن عليّ. قلت: فأنا ابن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله. قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن عباس. فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر، فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ولا نعرف نحن المهدي فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه فإذا اسم الوليد، وإني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى اليوم، فدعا بكرسيّ فألقي له في صحن المسجد، فقال: ما أنا ببارحٍ حتى يُمحى ويكتب اسمي مكانه.
فأمر بأن يحضر العمّال والسلاليم وما يحتاج إليه لذلك، فلم يبرح حتى غُيّر وكتب اسمه.
قال: ورأى رجل أبا دلف فيما يراه النائم فقال: ما حالك؟ فقال:
فلو أنا إذا متنا تُركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء
قال: ورأى رجل الحجاج بن يوسف فيما يراه النائم فقال له: ما حالك؟ فقال: ما أنت وذاك لا أم لك! فقال: سفيهٌ في الدنيا سفيه في الآخرة!
(1/144)

وعن إسحاق بن إسماعيل بن علي قال: حدثني عمي عيسى بن علي قال: دخلت على المنصور فقال: يا أبا العباس أتذكر رؤياي بالشراة؟ قلت: يا أمير المؤمنين أي الرؤيا؟ قال: مثلك ينساها؟ كان يجب أن تكتبها بقلم من ذهبٍ في رقٍّ وتوصي بها بنيك وبني بنيك! قلت: فأخبرني بها يا أمير المؤمنين! قال: رأيت كأني بمكة إذ فُتح باب الكعبة فخرج رجل فقال: عبد الله بن محمد. فقمت وقام أخي. فقال الرجل: ابن الحارثية. فدخل أخي فأبطأ هنيهةً ثم خرج وفي يده لواء فخطا خطىً خمساً ثم سقط اللواء من يده. ثم خرج الرجل بعينه فقال: عبد الله، فقمت وقام عمي عبد الله بن علي وصعد الدرجة فزحمته ببعض أركاني فسبقت فإذا بأبي وإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال لي الرجل: ابدأ برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه فدعا بلواء فعقده لي ثم قال: هاك فيك وفي ولدك حتى تقتلوا به الرجال. فخطوت خطىً لو شئت أن أخبركم بها لأخبرتكم.
وحدثنا محمد بن يونس قال: أخبرني منصور بن أبي مزاحم عن طيفور مولى أبي جعفر قال: قال المنصور: رأيت في السنة التي وليَ فيها هشام بن عبد الملك كأني راكب حمار أسود وعليه حمل تبن عظيم، وكان بالموصل رجلٌ يعبر الرؤيا، وحججت تلك السنة فرأيته بمنىً وقصصت عليه الرؤيا. فقال: أخبرني لمن هذه الرؤيا. فقلت: لرجل من أفناء الناس. قال: ما قلت الحق، اصدقني وأصدقك! فقلت: لرجلٍ من بني هاشم. قال: الآن جئت بالحق، إن صدقت الرؤيا صار صاحبها خليفةً. قال: فانسلكت كالهارب خوفاً أن يظهر من قولي وقوله شيء. قال: فبينا الربيع ذات يوم قد دخل فقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب معبّر يستأذن. قال: أدخله. فأدخله فلما رآه تبسّم وقال: هذا صاحبي. فدنا منه وقبّل يده. فقال: أتذكر رؤياي؟ قال: نعم، وهي التي حملتني إليك. قال: كيف كنت تأولتها؟ قال: قلت راكب حمار أسود والحمار جدّ الرجل وسواده سودد، قلت وكان على الحمار تبن فقلت الحنطة والشعير يخرجان من التبن وقعد عليه ومن صار مالكه فقد ملك الأقوات فهذا رجل يملك الناس. قال: لله أبوك ما أحسن ما عبّرت وأسرع ما صححت! وأمر له بصلةٍ وقال: أقم عندنا وحوّل عيالك فإنا نأمر لك بأرزاق تسعك وإياهم. ففعل ذلك.
وبلغنا عن مزاحم مولى فاطمة قالت: كنت مع عمر بن عبد العزيز وهو نائم فانتبه وقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها. قلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: حتى أصبح. قال: فجاء المنادي فناداه بالصلاة فقام فصلّى بالناس الفجر ثم رجع إلى مجلسه. فأتيته فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني بالرؤيا. فقال: رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أرضاً أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصور زبرجد ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر، فبينا أنا كذلك إذ نادى مناد من القصر: أين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقام النبي، صلى الله عليه وسلم، فدخل القصر، فقلت: سبحان الله! إنا في ملإ فيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم أسلّم عليه! فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فقام أبو بكر، رحمه الله، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله! إنا في جمع فيهم أبي ولم أسلّم عليه! فما لبث إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عثمان بن عفان؟ فقام عثمان، رحمه الله، فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟ فقام عليّ فدخل، فما لبثت إلا قليلاً حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فرأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، قاعداً ورأيت أبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره وعثمان وعلياً بين يديه، فقلت: أين أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب أبي، قال: فقعدت عند عمر بن الخطاب، فرأيت فيما بين النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر شاباً حسن الوجه، فقلت: يا أبة من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، عليه السلام. قال: فما لبثت إلا قليلاً حتى سمعت منادياً ينادي: يا عمر بن عبد العزيز اثبت على ما أنت عليه. قال: ثم قمت فخرجت فلم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ عثمان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني. ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى خرج عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: الحمد لله الذي غفر لي!
مساوئ الرؤيا
(1/145)

روي عن عمر بن حبيب القاضي أن رجلاً كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول: يا أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بدّ من أن أقوم فأذبحه! فقالت: لا تفعل يا بني. قال: لا بد من أذبحه. فقام فذبحه وسمطه وشواه وأخرجه من التنور فقعد هو وأخوه يأكلان، فكلمه أخوه بشيء، فأخذ السكين فشق بطنه، فانتبهت فزعة وإذا ابنها يقول: يا أمه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة أقوم فأذبحه؟ فقالت: لا تفعل يا بني. فجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فدخلت بيتاً وأغلقت الباب من داخل، فبينا هي مفكرة مغتمة إذ غقت فرأت النبي، صلى الله عليه وسلم، في النوم، فقال: ما شأنك؟ فخبرته الخبر. فنادى: يا رؤيا! فإذا الحائط قد انصدع وخرجت امرأة جميلة بارعة الجمال. فقال لها النبي، صلى الله عليه وسلم: ما أردت إلى هذه المسكينة؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أتيتها في منامها! فنادى: يا أضغاث أحلام! فخرجت امرأة دونها. فقال: ما أردت إلى هذه المسكينة؟ قالت: رأيتهم بخير فحسدتهم فأردت أن أغمهم. فقال، صلى الله عليه وسلم: ليس عليك بأس. فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير.
محاسن الازكان
قال: نظر إياس بن معاوية إلى نسوة قد فزعن من بعير فأشار إليهن فقال: هذه بكر وهذه حامل وهذه مرضع. فقام إليهن رجل فسألهن فكن كما قال. فقيل له: كيف علمته؟ قال: رأيتهن لما فزعن وضعت كل واحدة منهن يدها على أهم المواضع إليها، فوضعت الحامل يدها على بطنها، ووضعت المرضع يدها على ثديها، ووضعت البكر يدها على قبُلها.
قال: ونظر إياس يوماً إلى رجل متأبط شيئاً فقال: معه سكر وقد ولد له غلام. فاتبعه الرجل فسأله فإذا هو كما قال. فقيل له في ذلك، فقال: رأيت الذباب قد أطافت به فقلت معه حلاوة وهو سكر، ورأيته نشيطاً فقلت ولد له غلام.
مساوئ الازكان
قال: واستقبل إياس رجلاً فقال: خذوه فإنه سرق وسيأتي من يطلبه. فأخذوه فلم يتجاوز ساعة حتى جاء قوم يطلبونه فأخذوه فقيل له في ذلك، فقال: رأيته يرعد ويعدو مدلها متغير اللون يكثر الالتفات فزكنت فيه هذا وأنه لص.
قال: ورأى رجلاً على عاتقه جرة عسل فقال: فيها سم أو حية. فنظروا فإذا حية، فسئل عن ذلك فقال: رأيت الذباب تحوم حوله ولا تسقط عليه فعلمت أنه حية أو سم.
محاسن الفأل والزجر
حدثنا الحسن بن وهب قال: حدثني صالح بن علي بن عطية قال: كان المنصور ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ونذر دمه فيها وأجلّه ثلاثة أيام. فقال خالد ليحيى ابنه: إني قد طولبت بما ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي فانصرف إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلاً بعد موتي فافعله، ثم قال: يا بني ولا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا فتعلمهم حالنا. قال يحيى: فأتيت إخوان والدي فمنهم من جبهني بالرد ثم بعث إليّ بمال جليل، ومنهم من لم يأذن لي وبعث بمال في أثري لكيلا يُخبر به المنصور. قال: فدخلت على عمارة بن حمزة وهو مقابل بوجهه إلى الحائط فسلمت فرد رداً ضعيفاً. قال يحيى: فضاقت بي الأرض، ثم كلمته فيما كنت أتيته فيه. فقال: إن أمكننا شيء فسيأتيك.
فانصرفت عنه وصرت إلى أبي فأعلمته ذلك وقلت: أراك تثق من عمارة بما لا يوثق به. فوالله إني لفي ذلك الحديث إذ طلع علينا رسول عمارة بمائة ألف درهم ورسول صاحب المصلى بمائة ألف درهم ورسول مبارك التركي بمائتي ألف درهم. فجمعنا في يومين ألفي ألف درهم وسبع مائة ألف درهم وبقيت ثلاثمائة ألف درهم، فتعذر ذلك. قال يحيى: فوالله إني لمارّ بالجسر مهموماً مغموماً إذ وثب إليّ زاجر فقال: فرّخ الطير قف أخبرك! فطويته ولم ألتفت إليه، فلحقني وتعلّق بي. فقلت: ويحك اذهب عني فإني مشغول عنك! فقال: أنت والله مهموم ووالله ليُفرجنّ همك وتمن باللواء غداً في هذا الموضع بين يديك. فأقبلت أعجب من قوله. فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم! قلت: نعم. ولو قال خمسين ألف درهم لقلت نعم لبعد ذلك عني.
(1/146)

ثم مضيت فوالله ما انصرفت حتى ورد على المنصور الخبر بانتقاض أمر الموصل وانتشار الأكراد بها. فقال المنصور: ويحكم من لها! وكان المسيب بن زهير عند المنصور وكان صديقاً لخالد فقال: عندي والله من يكفيكه وأنا أعلم أنك ستلقاني بما أكره ولكني لا أدع على حال نصحك، فقال المنصور: قل فلست أردّ عليك. قال: يا أمير المؤمنين ما ترميها بمثل خالد. فقال المنصور: ويحك وتراه يصلح لنا بعد ما أتيناه إليه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين وأنا زعيمه بذلك والضامن عليه. فتبسم المنصور وقال: صدقت والله ما لها غيره، فليحضر غداً. فأُحضر فصفح له عن الثلاث المائة الألف الدرهم الباقية عليه وعقد له.
قال يحيى: فنمرّ والله بالزاجر واللواء بين يدي، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غدوة! قال: فتبسمت إليه فقال: امض. فمضى معي ودفعت إليه الخمسة الآلاف الدرهم.
مساوئ الفأل
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت مجلس المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك عن الفضل بن يحيى؟ قال: بلى. فقلت: دخلت دار الرشيد وإذا الفضل بن يحيى وإسماعيل بن صبيح وعبد الملك بن صالح في بعض تلك الأروقة يتحدثون، فلما بصر بي الفضل أومأ إلي وقال: يا إسحاق انتظرناك منذ الغداة لتساعد على ما نحن فيه من المذاكرة! فقلت: يا سيدي أنا السكيت إذا أجريت الجياد وفاز السابق والمصلّي. فقال: هيهات عندها مدحت نفسك ولما تكذّب.
فلما فرغ عبد الملك من حديثه قال الفضل: إن لقسٍّ حديثاً سمعته من الخليل بن أحمد فهل عند واحد منكم له ذكر؟ فسكت القوم. فقلت: يا سيدي ما نعرف له حديثاً إلا حديث خطبته بعكاظ. قال: ذاك شيء قد فهمته العامة واختبرته الخاصة. ثم أطرق ساعة. فقلنا: إن رأيت أن تحدثنا. فقال: حدثني الخليل بن أحمد أن قيصر ملك الروم بعث إلى قس بن ساعدة أسقف نجران وكان حكيماً طبيباً بليغاً في منطقه، فلما دخل عليه ومثل بين يديه حمد الله وأثنى عليه، فأمره بالجلوس فجلس، فرحب به وأدنى مجلسه وقال: ما زلت مشتاقاً إليك معما أحببت من مناظرتك في الطب. فكان أول ما سأله عن الشراب لعجبه به، فقال: أي الأشربة أفضل عاقبة في البدن؟ قال: ما صفا في العين واشتد على اللسان وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم. قال: فما تقول في مطبوخه؟ قال: مرعىً ولا كالسعدان. قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ميت أحيي وفيه بعض المتعة وما يكاد يقوى شيء بعد الموت. قال: فما تقول في نبيذ العسل؟ قال: نِعم شراب الشيخ للابردة والمعدة الفاسدة. قال: فما تقول في أنبذة التمر؟ قال: أوساخ يطيب مذاقها في اللهوات وتسوء عاقبتها في البدن وتولّد الأرواح في البطن لرقتها. قال: فمن أي شيء يكون الثمل الذي يذهب الغم ويطيب النفس؟ قال: زعموا أن العقل تصعده سورة الشراب إلى الدماغ الذي هو أصله بقوة الروح الذي جُعل فيه، فإذا صعدت السورة إلى الدماغ الذي هو أصله فاحتوت عليه حتى تغشاه حجب العقل عن منافعه فاحتجب البصر بغير عمى والسمع بغير صمم واللسان بغير خرس، والدليل على ذلك أن السكران لا يرى في نومه شيئاً ولا تصيبه جنابة فلا يزال العقل كذلك محتجباً حتى تفكه الطبيعة من إسار السكر إما بقوة فيعجل وإما بضعف فيبطيء. قال: فمن أي شيء الخمار من بعد صحو السكران؟ قال: من إعياء الطبيعة عن مجاهدة السورة في افتكاك العقل وتخلّصه حتى يردها النوم إلى هدوء وما أشبهه. قال: الصرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر والجائر مستفسد مذموم والممزوج سلطان عادل والعادل مستصلح محمود. قال: فصف لي الأطعمة. قال: الأطعمة كثيرة مختلفة وجملة ما آمرك به الإمساك عن غاية الإكثار فإن ذلك من أفضل ما بلوناه من الأدوية ورأس ما نأمر به من الحمية.
(1/147)

قال له: عمن حملت الحكمة؟ قال: عن عدة من الفلاسفة. قال: فما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة المرء بقدره. قال: فما تقول في الحلم؟ قال: حلم الإنسان ماء وجهه. قال: فما تقول في المال وفضله؟ قال: أفضل المال ما أعطي منه الحق. قال: فما أفضل العطية؟ قال: أن يعطى قبل السؤال. قال: فأخبرني عما بلوت من الزمان وتصرّفه ورأيت من أخلاق أهله. قال: بلونا الزمان فوجدناه صاحباً ولا يعتب من عاتبه، ووجدنا الإنسان صورة من صور الحيوان يتفاضلون بالعقول، ووجدنا الأحساب ليست بالآباء والأمهات ولكنها هي أخلاق محمودة، وفي ذلك يقول، أو قال أقول:
لقد حلبت الزمان أشطره ... ثم محضت الصريح من حلب
فلم أر الفضل والمعال في ... قول الفتى إنني من العرب
حتى نرى سامياً إلى خلقٍ ... يذود محموده عن النسب
ما ينفع المرء في فكاهته ... من عقل جدٍّ مضى وعقل أب
ما المرء إلا ابن نفسه فبها ... يعرف عند التحصيل للنوب
حتى إذ المرء غال مهجته ... ألفيته تربةً من الترب
ووجدنا أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات، وأحمد البلاغة الصمت، ووجدنا لأهل الحزم حذاراً شديداً وبذلك نجوٌ من المكروه، والكرم حسن الاصطبار، والعز سرعة الانتصار، والتجربة طول الاعتبار، قال: خبرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ما نظرت فيها إلا فيما أردت به الهداية ولم أنظر فيما أردت به الكهانة، وقد قلت في النجوم:
علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيءٍ لا ينال ضلال
ماذا طلابك علم شيءٍ أُغلقت ... من دونه الأفلاك ليس يُنال
هيهات ما أحدٌ بغامض قدره ... يدري كم الأرزاق والآجال
إلا الذي فوق السماء مكانه ... فلوجهه الإكرام والإجلال
قال: فهل نظرت في زجر الطير؟ قال: نحن معاشر العرب مولعون بزجر الطير. قال: فما أعجب ما رأيته منه؟ قال: شخصت أنا وصاحب لي من العرب إلى بعض الملوك فألفيناه يريد غزو قومٍ كانوا على دين النصرانية فخرج حتى إذا كان على فراسخ من مدينته أمر بضرب فساطيطه وأروقته لتتوافى إليه جنوده وضرب به فسطاط على شاطيء نهر وأمر بخباء فضرب لي ولصاحبي، فبينا نحن كذلك إذ أقبل طائران أسود وأبيض وأنا وصاحبي نرمقها حتى إذا كانا رأسه رفرفا وشرشرا ثم غابا ثم رجعا أيضاً حتى إذا كانا قريباً منه طوياه ثم أقبلا نحونا فوقفا ثم رتعا. فقال صاحبي: ما رأيت كاليوم طائرين أعجب منهما فأيهما أنت مختار؟ فقلت: الأسود. قال: الأبيض أعجبهما إليّ، فما تأوّلتهما؟ قلت: الليل والنهار يطويان هذا الرجل في سفره فيموت، وتأولت اختيارك الأبيض أنك تنصرف بيد بيضاء مخفقة من المال. فإذا هو قد غضب. فلما جن الليل بعث إلينا الملك لنسمر عنده فإذا صاحبي قد أخبره بالخبر، فسألني فأخبرته وصدقته. فغضب وقال: هذه حمية منك لأهل دينك. فقلت: أما أنا فقد صدقتك. فأمر بحبسي ومضى لوجهه، فلم يتجاوز إلا قليلاً حتى مات، فأوصى لي بعشرين ناقة وقال: قاتل الله قساً! لقد محضني النصيحة. فانصرفت من سفري ذلك بعدة من الإبل وانصرف صاحبي مخفقاً من المال.
قال الملك: وما رأيت أيضاً من الزجر أعجب؟ قلت: رأيت مرة عند الملك الهمام أبي قابوس وقد خرج عليه خارج من مضر يريد ملكه وقد حشد له فبعث إلى بعض عماله في توجيه أربعمائة فارس ووجهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في جمع الخيل والرجال، وكان الرسول شاعراً، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء أعنزٌ فيها تيس يقدمها، وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا، فنحن نقول إن كان الملك قد خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع كذا وقد أقبلنا ونحن نقود جيشاً عرمرماً، فأنشأ الرسول يقول:
ألا ليت شعري ما تقول السوانح ... أغادٍ أبو قابوس أم هو رائح
قال: فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى توارى فيه، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت.
(1/148)

فقال لي رفيقي: ما لك؟ قلت: إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحف عليه أطباق الثرى. قال: كيف ذلك؟ قلت: وافق فراغك من البيت دخول التيس في مكنسه. فأعرض عني فلما أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم يكن بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته.
قلنا: أيّد الله الوزير! لقد بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كل منقبة. فتبسم وقال: عز الشريف أدبه. وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض نحوه وتصدع المجلس وانصرفنا. فلما مضى من الليل بعضه إذ أنا بطارق قد طرقني وبين يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إلي مائة ألف درهم وقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول: ضجرت باستماع الحديث وأوجبت عليّ بذلك منّةً وهذه صلة وتحةٌ في جنب قدرك عندي فخذها ولا تعتد بها. فقلت: سبحان الله الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذّ به من مضى ومن غبر! وإذا هو قد وجه إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجّه به إليّ، فغدوت إليه وأردت أن أشكره فقال: والله لئن ذهبت تكشف ما ستر الله لأجفونك! فكأنما ألقمني بذلك حجراً، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على عدة أفراس بسروج مذهبةٍ ولجم مذهبة ووجه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر. قال فقال المأمون: ويحك يا إسحاق! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد أمرت لك بمائة ألف درهم. فقبضت ذلك وانصرفت.
قال: وكان محمد بن حازم قال قصيدته التي يقول فيها:
فيا شامتاً مهلاً فكم من شماتة ... تكون لها العقبى لقاصمة الظهر
فاعتل محمد ولم يكن يرثه إلا أخوه وكان بسر من رأى، فوجهت إليه جاريته تعلمه بشدة علته، فقدم أخوه ومحمد لمآبه فأدخل الجارية بيتاً في الدار ووطئها قبل وفاة أخيه. فلما مات حمل المال والأثاث والجارية إلى منزله بسر من رأى وأخذ في الشراب، فانصرف ليلةً ثملاً فأراد المبيت على سطح الدار فمنع من ذلك فامتنع، فلما صار في أعلى الدرجة سقط وانقصف ظهره فجعلنا نتذاكر شعر أخيه.
قيل: ووفدت عزة كثيّر على عبد الملك بن مروان، فلما دخلت سلّمت فردّ عليها السلام ورحّب بها وقال: ما أقدمك يا عزة؟ قالت: شدة الزمان وكثرة الألوان واحتباس القطر وقلة المطر. قال: هل تروين لكثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير
قالت: لا أروي له هذا، ولكني أروي له قوله:
كأني أنادي صخرةً حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلّت
فقال: ما كنت لتصيري إلى حاجة أو تهبي نفسك لي فأزوجك منه.
قالت: الأمر إليك يا أمير المؤمنين، ما كنت لأزهد في هذا الشرف الباقي لي ما دامت الدنيا أن يكون أمير المؤمنين وليي. فعظم بذلك قدرها عنده وأمر لها بمال وكتب إلى كثير وهو بالكوفة: أم اركب البريد وعجّل فإني مزوجك عزة. فأتاه الكتاب وهو مضنىً من الشوق إليها فرحل فأقبل نحوها، فلما كان في بعض الطريق إذا هو بغراب على شجرة بانة وإذا هو ينتف ريشه ويطايره، وكان شديد الطيرة، فلما رآه تطير وهم بالانصراف ثم غلبه شوقه فمضى وهو مكروب لما رأى، حتى أتى ماءً لبني نهد، فإذا هو برجل يسقي إبله فنزل عن راحلته واستظل بشجرة هناك فأبصر النهدي، فأتاه وسأله عن اسمه ونسبه فانتسب، فرحب به، فأخبره عما رأى في طريقه، فقال: أما الغراب فغربة، وأنا البانة فبينٌ، وأما نتف ريشه ففرقة. فاستطير لذلك، ومضى حتى دنا من دمشق فإذا بجنازة فاستعبر وقال: أسأل الله خير ما هو كائن! فسأل عن الميت فإذا هي عزة، فخرّ مغشياً عليه، فعُرف وصب عليه الماء فكان مجهوده أن بلغ القبر، فلما دفنت انكب على القبر وهو يقول:
سراج الدجى ضمر الحشى منتهى المنى ... كشمس الضحى نوامة حين تصبح
إذا ما مشت بين البيوت تخزلت ... ومالت كما مال النزيف المرنح
تعلّقتُ عزاً وهي رؤدٌ شبابها ... علاقة حبٍ كاد بالقلب يرجح
أقول ونضوي واقفٌ عند رمسها ... عليك سلام الله والعين تسفح
فهلا فداك الموت من أنت دونه ... ومن هو أسوأ منك ذلاً وأقبح
على أم بكرٍ رحمة وتحيةٌ ... لها منك والنائي يودّ وينصح
(1/149)

منعّمةٌ لو يدرج الذرُّ بينها ... وبين حواشي بردها كاد يجرح
وما نظرت عيني إلى ذي بشاشةٍ ... من الناس إلا أنت في العين أملح
ثم بكى حتى غشي عليه، فأفاق وهو يقول:
ما أعيف النهدي لا در رده ... وأزجره للطير لا طار طائره
رأيت غراباً ساقطاً فوق بانةٍ ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقال غرابٌ اغترابٌ من النوى ... وبانة بينٌ من حبيب تعاشره
ثم لم يزل باكياً حتى أدركه الموت ولم ير ضاحكاً بعدها، وقيل فيه من الشعر:
تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غربٍ وبان
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني
أخذه أبو الشيص فقال:
أشاقك والليل ملقي الجران ... غرابٌ ينوح على غصن بان
أحصُّ الجناح شديد الصياح ... يبكي بعينين ما تدمعان
وفي نعبات الغراب اغترابٌ ... وفي البان بينٌ بعيد التداني
ولآخر:
أقول يوم تلاقِينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان
الآن أعلم أن الغصن لي غصصٌ ... والبان بينٌ قريبٌ عاجلٌ داني
فقمت تخفضني أرضٌ وترفعني ... حتى وثبت وهذا السير إزكاني
ولآخر:
أقول وقد صاح ابن دأية غدوةً ... بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك
أفي كل يومٍ رائعي منك روعةٌ ... ببينونة الأحباب عرسك فارك
فلا بضت في خضراء ما عشت بيضةً ... وضاقت برحبيها عليك المسالك
محاسن الشعر في هذا الفن
لبعضهم:
وقالوا عقابٌ قلت عقبى لهم من النوى ... دنت بعد شحطٍ منهم ونزوح
وقالوا حمامٌ قلت حُمَّ لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح
وقالوا دمٌ دامت مودة بيننا ... وطلحٌ فنيلت والمطيُّ طلوح
وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق أيكةٍ ... فقلت هدىً تغدو بنا وتروح
وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عديّ بن زيد فمرّ بآرامٍ، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبو ... ن على الأرض تمرون
فكما كنتم فكنا ... وكما نحن تكونون
قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيباً وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
رُبّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال
فانصرف وترك صيده.
عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحيّ من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانباً وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رُوّيتها قبل ذلك الزمان:
استقدر الله خيراً وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكُّره ... والدهر أيتما حالٍ دهارير
قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله. قال: والذي يُحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته.
قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حيّ من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذه الأبيات:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريبٌ وما ندري
(1/150)

فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه وإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها، ولذلك قيل:
إن البلاء موكل بالمنطق
وحدثنا الحسين بن الضحاك قال: شهدت الواثق وكان قاعداً في مجلس كان أول مجلس قعده فكان أول ما تغنى من الغناء في ذلك المجلس صوت إبراهيم بن المهدي فغنت به شارية جارية إبراهيم:
ما درى الحاملون يوم استقلوا ... نعشةً للثواء أم للقاء
فلتقل فيك باكياتٌ كما شئ ... ن صباحاً وعند كل مساء
قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، ثم اندفع بعض المغنين فغنى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
قال: فازداد والله في البكاء، ثم قال: أسمعت كاليوم قط تعزية بأب ونعي نفس؟ ثم ارفضّ ذلك المجلس.
وحدثنا ابن المكي عن أبيه قال: قال محمد الأمين في آخر أيامه: يا مكي والله أحب أن أقعد يوماً قبل أن يحال بيننا وبين ما نريد. فقلت: يا أمير المؤمنين افعل ذلك، فقال: اغد عليّ في غد. قال: فانصرفت وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره وعليه جبة وشي مذهبة تأتلق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصّع بالجوهر.
فدعا بكرسي فجلست عليه عن يساره. ثم قال لخادم على رأسه: ادع لي فلانة وفلانة، حتى عدّ أربع جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها. فخرجن وجلسن عن يمينه. ثم قال: يا غلام عليّ برطلٍ، فأتي برطل وقدح بلّور مكلل بالجوهر. فالتفت إلى التي تليه فقال لها: غني، فضربت ضرباً حسناً وتغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما قتلت كسرى بليل مرازبه
بني هاشمٍ ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه
قال: فرمى بالقدح في وسط الدار ثم قال: لعنك الله! ما هذا؟ قالت: لا والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا. ثم التفت إلى الغلام فقال: اسقني. فأتاه بقدح مثل الأول. وقال للأخرى: غني. فغنت ما قيل في كليب وائل:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضُرّج بالدم
فرمى بالقدح في صحن الدار وكسره ثم قال: يا غلام عليّ برطل. وقال للثالثة: غني، فغنت:
أتقتل عمراً لا أبا لك شارداً ... وتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتي ... وكيف تفوت الحين والدم طالب
قال: فرماها بالقدح وقال: يا غلام عليّ برطل. وقال للرابعة: غني. فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العوائر
قال: فالتفت إلي وقال: قد سمعت هذا أمر يريده الله جل وعز. قال: فما مضت أيام حتى رأيت رأسه بين شرفتين من شرف قصره.
محاسن ترك التطير
روي عن عكرمة قال: كنا جلوساً عند ابن العباس وابن عمر فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير! فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، وأنشد في مثله:
ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل
والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غرا ... بٌ في الديار احتملوا
وما غراب البين إ ... لا ناقةٌ أو جمل
ولآخر:
أترحل عمن أنت صبٌّ بمثله ... وتلحى غراب البين إنك ذو ظلم
أقم فغراب البين غير مفرّقٍ ... ولا نازل إلا على أفضل الحكم
ولآخر:
غلط الذين رأيتهم بجهالةٍ ... يلحون كلهم غراباً ينعق
ما الذنب إلا للجمال فإنها ... مما يشتِّت جمعهم ويفرق
إن الغراب بيمنه يدني النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأينق
محاسن المواعظ
(1/151)

قال: وحكي عن الأوزاعي قال: بعث إليّ المنصور فقال: لم تبطيء عنا؟ قلت: وما تريد منا؟ قال: لآخذ عنكم وأقتبس منكم. فقلت له: مهلاً فإن عروة بن رويم أخبرني أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر الله له ذلك، ومن جاءته فلم يقبلها كانت حجة عليه يوم القيامة، مهلاً فإن مثلك لا ينبغي له أن ينام. إنما جُعلت الأنبياء رعاة لعلمهم بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيلة ويردون الضالة فكيف من يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم! أُعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تدعوك إلى الجنة، إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل عليه جبريل، عليه السلام، فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يبعثك جباراً مؤيساً مقنطاً تكسر قرون أمتك، ألق الجريدة عن يدك، فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين؟ إن الله عز وجل أوحى إلى من هو خير منك إلى داود، عليه السلام: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق. وأوحى إليه: يا داود إذا أتاك الخصمان فلا يكونن لأحدهما على صاحبه الفضل فأمحوك من ديوان نبوتي.
اعلم أن ثوباً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه، فكيف بمن تقمّصه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة، فكيف بمن تقلدها؟ قال: ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقفك ويسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا ما ترضاه لنفسك، ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يعدل عليك وإن الله جل وعز لا يرضى منك إلا بأن تعدل على الرعية، يا أمير المؤمنين، إن وراء بابك نيراناً تتأجج من الجور، والله ما يُحكم وراء بابك بكتاب ولا بسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، قال: فبكى المنصور. فقال سليمان بن مجالد وهو واقف على رأس المنصور: يا عمرو قد شققت على أمير المؤمنين! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين من هذا؟ قال: أخوك سليمان بن مجالد. قال عمرو: ويلك يا سليمان! إن أمير المؤمنين يموت وإن كل ما تراه ينفد وإنك جيفة غداً بالفناء لا ينفعك إلا عمل صالح قدّمته، ولقرب هذا الجدار أنفع لأمير المؤمنين من قربك إذ كنت تطوي عنه النصيحة وتنهى من ينصحه، يا أمير المؤمنين إن هؤلاء اتخذوك سلماً إلى شهواتهم. قال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم! قال: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه ومر بهذا الخناق فليرفع عن أعناق الناس واستعمل في اليوم الواحد عمالاً كلما رابك منهم ريب أو أنكرت على رجل عزلته ووليت غيره، فوالله لئن لم تقبل منهم إلا العدل ليتقربن به إليك من لا نية له فيه.
وحدث محمد بن عبد الله قال: قال المنصور لجعفر بن حنظلة البهراني: عظني. قال فقلت: يا أمير المؤمنين أدركت عمر بن عبد العزيز سنتين لم يتخذ مالاً ولم ينشيء عيناً ولم يستخرج أرضاً ولم يضع لبنة على لبنة ولا أُحصي كم من ولده تحمل الحمالات وحمل على الخيل، وولي هشام بن عبد الملك ثماني عشرة سنة ما منها سنة إلا وهو ينشيء فيها عيوناً ويتخذ فيها أموالاً ويقطع لولده القطائع، ولا أعرف اليوم من ولده رجلاً يشبع. فقال: والله لقد وعظت وأحسنت. قال جعفر: ففرحت أن نجعت عظتي في أمير المؤمنين. قال: فأطرق ساعة ثم قال: يا غلام ادع لي سليمان بن مجالد. فدعاه فقال: يا سليمان علق أصحاب قيليا بأرجلهم حتى يؤدوا ما عليهم. وكان قد جعلها لصالح ابنه، فعلمت أن عظتي لم تنفع قليلاً ولا كثيراً.
(1/152)

وحدث محمد بن عبد الله الخراساني قال: حدثني المفضل الضبّي قال: سمعت المسيب بن زهير يقول: بينا المنصور يطوف بالبيت وأنا قدامه إذا رجل مستلم الركن فقلت له: تنحّ فقد جاء أمير المؤمنين، كرتين أو ثلاثاً، فلم يبرح حتى رمقه المنصور وسمعه وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور الجور والبغي والفساد في الأرض وما يحول بين المرء وقلبه من الطمع. فلما سمعه قال لي: يا مسيب عليّ بالرجل. فقلت له: أما إذ قد ابتليت بك فأجب. قال: حتى أتم طوافي. فلما أتم طوافه قلت له: أجب الآن فقد فرغت من طوافك، قال: حتى أصلي ركعتين. قلت: نعم فصلّ. فصلى ركعتين ثم أدخلته على المنصور، فلما رآه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: وعليك السلام، ما هذا الكلام الذي سمعتك تلفّظ به آنفاً عند الركن؟ قال: أوسمعته يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: هو ذاك، ألست بان عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألست الخليفة ما بقيت غاية إلا وقد بلغتها، أتطمع أن تنال ما عند الله جل وعز بما أنت فيه؟ قال: وفيما أنا؟ قال: أخبرك بما لا تقدر أن تدفعه. قال: وما هو؟ قال: عمدت إلى الطين فأوقدت عليه فصيرت منه الآجر قم عمدت إلى الرمل وأوقدت عليه فصيرت منه الجص وصيرت بعضه فوق بعض فبنيت لك منها الحصون المشيدة والقصور العالية ثم غلقت عليها أبواب الحديد فاحتجبت عن الناس أجمعين ثم أقعدت على الأبواب أقواماً عبدوك من دون الله.
فلما قال له ذلك استوى جالساً ثم قال: أنا! قال: نعم أنت، أما سمعت الله جل ذكره يقول: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ما صلّوا لهم ولا صاموا ولكنهم أمروهم فأطاعوهم في كل ما أرادوا ولم يخالفوهم، فكانت تلك ربوبتهم؟ ثم اتخذت بطانة يسيرة وقلت لا يدخل عليّ فلان وفلان، فرفع أولئك إليك من أمور المسلمين ما هان عليهم وخف عليك، فإذا جاء المظلوم إلى الباب لم يصل إليك فصار إلى بعض من يصل إليك فقال ارفع قصتي هذه إلى أمير المؤمنين، قال: نعم، فدفعها إليه فإذا هو يتظلم من بعض من يصل إليك، فأرسل إليه الظالم الذي ظلم صاحب القصة: والله لئن رفعت قصة فلان إلى أمير المؤمنين لأرفعن قصة فلان الذي ظلمته في كذا وكذا، فأمسك القصة ولم يرفعها، فعند ذلك اقتطعت حقوق الناس دونك وأنت محصور في قصرك تظن أنك في شيء أو على شيء والناس وراء بابك يقتلون ويؤكلون.
والله لقد دُفعت إلى جزيرة من جزائر البحر وإذا ملك تلك البلاد مشرك وصنمه في كمه وتسمى البلاد الصين فرأيته ذات يوم وهو يبكي في مجلسه، فقام إليه وجوه مملكته فقالوا: ما يبكيك أدام الله ملكك وأعزك أيها الملك، أليس قد مكن الله لك، أليس قد مهد الله لك؟ قال: أبكي الصمم قد اعتراني أخاف أن لا أسمع صوت مظلوم وصارخ بالباب، ألا وقد آليت عليكم أن لا يركب منكم الفيل ولا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم حتى أعرفه. قال: فلقد والله رأيته يركب بالغداة والعشي يتصفح الوجوه هل يرى مظلوماً فينصفه، فهذا لا يعرف الله جل وعز ولا يريد بذلك رفعة عند الله جل وعز ولا زلفى لديه ولا رجاء ثواب ولا مخافة عقاب ولكن شفقةً على ملكه وخوفاً من أن ينتشر عليه أمره فيخاف أن يذهب ملكه، وهو مشرك يفعل هذا ويتفقده من نفسه ورعيته، وأنت ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكنت أولى بهذا الفعل من ذلك المشرك! قال: صدقت قد عرفت الذي قلت وفهمت ما وصفت والأمر على ما ذكرت، ولكن كيف أصنع وقد بليت بأمر الأمة ودعوت الفقهاء فلاناً وفلاناً على أن أستعين بهم على ما أنا فيه فهربوا مني؟ قال: إنهم لم يهربوا منك ولكن لم يعلموا أنك تريدهم للعمل بالحق وكان العمل معك ومعونتك أوجب عليهم من الصلاة والصيام والحج والنوافل ولكنهم هربوا خوفاً على أبدانهم من عذاب الله وذلك أنهم تخوفوا أن تحملهم على مثل رأيك. قال المنصور: فهذا عمي عيسى بن علي الضامن عليّ أنك إن تأتيني بهم أطلقت أيديهم في إنصاف الناس ولا أخالف أمرهم. فقال الرجل: أكذا يا عيسى أنت الضامن على ما قال الخليفة؟ قال: نعم. قال: الله، حتى قالها ثلاثاً. قال: وأقيمت الصلاة فافترقنا، فلما صلينا طلب الرجل فلم يوجد فكانوا يرون أنه الخضر، عليه السلام، أو ملك أرسل إليه.
(1/153)

وحكي عن الحجاج قال: حججت فنزلت ضرية فإذا أعرابي قد كور عمامته على رأسه وتنكب قوسه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، أما بعد فإنه لم يستقبل أحد يوماً من عمره إلا بفراق آخر من أجله، فاستصلحوا لأنفسكم ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه وراقبوا من ترجعون إليه، فإنه لا قوي أقوى من خالق ولا ضعيف أضعف من مخلوق ولا مهرب من الله إلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
وقال بعض الأعراب: إن الموت ليقحم على الشيب تقحّم الشيب على الشباب، ومن عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يحزن فيها على بلوى، ولا طالب أغشم من الموت، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه.
وقال أعرابي: كيف تفرح بعمرٍ تنقصه الساعات وسلامة بدنٍ معرّض للآفات؟ ولقد عجبت من المؤمن يفر من الموت وهو سبيله إلى الثواب، ولا أرى أحداً إلا سيدركه الموت وهو منه آبق.
وقال عتيق بن عبد الله بن عامر بن الزبير: كنت عند سليمان بن عبد الملك فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين بالباب أعرابي له حزم ودين ولسان. فقال: يؤذن له. فلما دخل قال له سليمان: تكلم. قال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب. قال: يا أعرابي إنا لنحتمل عمّن لا ينصح وأنت الناصح جيباً والمأمون غيباً. فقال: أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني سأطلق من لساني ما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله جل ذكره، وحق إمامتك يا أمير المؤمنين إنه قد تكنّفك قوم قد أساؤوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، حربٌ للآخرة سلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله جل وعز فإنهم لا يألون للأمانة تضييعاً وللأمة خسفاً وعسفاً، وأنت مسؤول محاسب على ما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره! فقال سليمان: يا أعرابي إن لسانك لأقطع من سيفك! قال: أجل يا أمير المؤمنين هو لك لا عليك. فقال له: هل لك حاجة في ذات نفسك؟ قال: لا حاجة لي في شيء خاص دون عام.
(1/154)

وعن أبي بكر الهذلي قال: بعث عمر بن هبيرة إلى الحسن البصري وابن سيرين والشعبي فقدموا عليه وهو بواسط، وكان رجلاً يحب حسن السيرة ويسمع من الفقهاء، فلما دخلوا عليه ألطفهم وأمر لهم بنزل وحسن ضيافة، فأقاموا على بابه شهراً، فغدا عليهم حسن بن هبيرة ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكم، فجاء يتوكأ على عكاز له حتى دخل فسلم ثم قال: إن يزيد بن عبد الملك عبد من عبيد الله أخذ عهودهم وأعطاهم عهده كي يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه كتب أعرف في تنفيذها الهلكة فإن أطعته عصيت الله، فماذا تأمرون؟ فقال الحسن: يا ابن سيرين أجب الأمير. فسكت. فقال للشعبي: أجب الأمير. فتكلم بكلام هيبةٍ، فقال: يا أبا سعيد ما تقول؟ فقال: أما إذ سألتني فإنه يحق عليّ أن أجيبك: إن الله جل وعز مانعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك ملك من السماء فيستنزلك من سريرك وسعة قصورك إلى باحة دارك ثم يخرجك من باحة دارك إلى ضيق قبرك ثم لا يوسع عليك إلا عملك. يا ابن هبيرة إني أنهاك عن الله جل وعز، فإنما جعل الله جل وعز السلطان ناصراً لعباده ودينه فلا تركبوا عباد الله سلطان الله فتذلوهم فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. يا ابن هبيرة لا تأمنن أن ينظر الله جل وعز إليك عند أقبح ما تعمل في طاعته نظرة مقت فيغلق عنك باب الرحمة. يا ابن هبيرة إني قد أدركت أناساً من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، وكانوا لحسناتهم أن لا تقبل أخوف منكم لسيئاتكم أن لا تغفر، وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم، وكانوا على الدنيا وهي عليهم مقبلة أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة. يا عمر إني أخوفك مقاماً خوفك الله جل وعز من نفسه فقال: ذلك أن خاف مقامي وخاف وعيدي. يا عمر إن تكن مع الله على يزيد يكفك الله بائقته، وإن تكن مع يزيد الله على الله يكلك الله إليه. قال: فبكى ابن هبيرة وقام في عبرته وانصرف وأرسل إليهم من الغد بجوائزهم وأعطى الحسن أربعة آلاف درهم وابن سيرين والشعبي ألفين ألفين. فخرج الشعبي إلى المسجد وقال: من قدر منكم أن يؤثر الله جل وعز على خلقه فليفعل، فإن ابن هبيرة أرسل إليّ وإلى الحسن وابن سيرين فسألنا عن أمر. والله ما علم الحسن شيئاً جهلته ولا علمت شيئاً جهله ابن سيرين ولكنا أردنا وجه ابن هبيرة فأقصانا الله جل وعز وقصّر بنا، وأراد الحسن وجه الله فحباه تبارك اسمه وزاده.
وعن المدائني عن علي بن حرب قال: قال الشعبي: جمعنا عمر بن هبيرة بواسط وفينا الحسن البصري فقال: أنا وليّ هذه الرعية وربما كان مني الشيء الذي لا أرضاه وأمور ترد عليّ من أمير المؤمنين أكره إمضاءها وإنفاذها. فقال الشعبي: لا عليك أيها الأمير، إنما الوالي والد يخطيء ويصيب، وما يرد عليك من رأي أمير المؤمنين فإن استطعت أن ترده فاردده وإلا فلا ضير عليك. فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال الحسن: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من استرعاه الله جل وعز رعية فلم يحط من ورائها بالنصيحة حرّم الله عليه الجنة، وأما رأي أمير المؤمنين فإذا ورد عليك فاعرضه على كتاب الله وإن وافقه فأمضه وإن خالفه فاردده، فإن الله جل وعز يمنعك من يزيد ولن يمنعك يزيد من الله. ثم أقبل الحسن على الشعبي فقال: ويلك يا شعبي! يقول الناس إن الشعبي فقيه أهل الكوفة فدخل على جبار من الجبابرة فيزين له المعصية! فقال: والله يا أبا سعيد لقد قلت وأنا أعلم ما فيه! قال: ذلك أوكد للحجة عليك وأبعد لك من العذر.
قيل: ووجد في كتب بزرجمهر صحيفة فيها: إن حاجة الله جل وعز إلى عباده أن يعرفوه، فمن عرفه لم يعصه طرفة عين. كيف البقاء بعد الفناء؟ كيف يأسى المرء على ما فاته والموت يطلبه؟ فقال كسرى: لم يكن من حق عليه أن يُقتل وأنا نادم على ذلك.
قيل: وحضرت الوفاة رجلاً من حكماء فارس فقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون حال من يريد سفراً بعيداً بغير زاد ويقدم على ملك عادل بغير حجة ويسكن قبراً موحشاً بغير أنيس؟!
مساوئ المواعظ
(1/155)

قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه عمر جزعاً شديداً، فقال ذات يوم لمن حضره: هل من منشد شعراً أتعزى به أو واعظ يخفف عني فأتعزى وأتسلى؟ فقال رجل من أهل الشام: يا أمير المؤمنين كلّ خليل مفارق خليله بأن يموت أو بأن يذهب إلى مكان. فتبسم عمر، رحمه الله، ثم قال: ويحك! مصيبتي فيك زادتني مصيبة. قيل: وأصيب الحجاج بمصيبة وعنده رسول عبد الملك بن مروان فقال: ليت أني وجدت إنساناً يخفف عني مصيبتي! فقال رجل ممن حضر: أقول؟ قال: قل. فقال: كل إنسان يفارق صاحبه يموت أو يصلب أو يقع من فوق البيت أو يقع البيت عليه أو يسقط في بئر أو يغشى عليه أو يكون شيء لا يعرفه. فضحك الحجاج وقال: مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حيث وجه بمثلك رسولاً!
محاسن ما قيل في المراثي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى التيمي: أحسن مناطق الشعر المراثي والبكاء على الشيب، وكان بنو مروان لا يقبلون الشاعر إلا أن يكون راوية للمراثي، ويقولون: إن فيها ذكر معالي الأمور.
وقيل لأبي عبيدة: ما أجود الشعر؟ فقال: النمط الأوسط، يعني المراثي.
قال: وسألت أعرابياً: ما أجود الشعر عندكم؟ قال: ما رثينا به آباءنا وأولادنا، وذلك أنا نقولها وأكبادنا تحترق.
قيل: وقال المأمون لبعض جلسائه: ما أحسن ما قيل في المراثي؟ فقال قوله:
فتىً لم تكذّب موته نادباته ... بما قلن فيه لا ولا المادح المطري
فتىً لم يزل مذ شدّ عقد إزاره ... مشيد المعالي أو مقيماً على ثغر
قال الأصمعي: قدم علينا أعرابي فأقام عندنا أياماً ثم رجع إلى البادية فسأل عن إخوانه وأترابه فأُخبر أن الدهر أبادهم وأفناهم فبكى وأنشأ يقول:
ألا يا موت لم منك بداً ... أتيت فما تحيد ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيي ... كما هجم المشيب على شبابي
قال أبو العيناء: ابن أبي طاهر أشعر الناس في بيتيه حيث يقول:
اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... رٌ إلى ترب قبره فاعقراني
وانصحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان
وقال في مثله:
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
وإن امرأً ينجو من النار بعدما ... تزوّد من أعمالها لسعيد
عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني في حمولة كاتب أحمد بن عبد العزيز:
حسنت لفقدك كثرة الأحزان ... بل هان بعدك نائب الحدثان
ما كان حقك أن تصير إلى البلى ... وأعيش لولا قسوة الإنسان
ولآخر:
إذا ما الدهر جرّ على أناسٍ ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
ولعبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم:
عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ ... ورحمته ما شاء أن يترحما
سلام امريءٍ وليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحطٍ بلادك سلّما
فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قوم تهدما
البسّامي يرثي عبيد الله بن سليمان بن وهب:
قد انقضى العيش ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال
وله فيه:
لست مستسقياً لقبرك غيثاً ... كيف يظما وقد تضمن بحرا
أنت أولى بأن تعزى من النا ... س فقد مات بعدك الناس طرّا
ولأبي الحسين بن أبي البغل:
بعدت ديارك غير أني موجعٌ ... والهم مني في الحشا متداني
فاذهب فقد عمرت بشخصك حفرةٌ ... فضلت على متشامخ البنيان
ولئن صبرت فما صبرت تسليا ... لكن ذلك غاية الولهان
مساوئ ما قيل في المراثي
القاسم بن عبيد الله عند موته:
لا تأمننّ الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدواً ولم أترك على ظهرها خلقا
وأفنيت دار الملك من كل بارع ... فشتتُّهم غرباً وشدرتهم شرقا
(1/156)

فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي ميتاً ألقى
ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لدى قابض الأرواح في فعله رفقا
ولبعضهم في القاسم بن عبيد الله:
خرجت من الدنيا ذميماً إلى القبر ... فلا أحدٌ يأسى ولا عبرةٌ تجري
وترت رسول الله في أهل بيته ... فكيف رأيت الله طالب بالوتر
الجاحظ قال: مررت بقبرين مكتوب على أحدهما: أنا ابن سافك الدماء، وعلى الآخر: أنا ابن ساجن الريح، فسألت عنهما فقيل: كان أحدهما حجاماً والآخر حداداً.
قال الكسروي: مررت بناووس في الري فإذا عليه مكتوب:
وما نارٌ بمحرقةٍ جواداً ... وإن كان كان الجواد من المجوس
ورأيت على ناووس ذكر أنه ناووس مهيار بن مهفيروز:
أيا ميتاً قد كان في أهل دينه ... مكان سنان الرمح لما تقدما
لقد كنت أرجو الدهر أن يسعف النوى ... وأرجو المنايا أن توافيك مسلما
فإن بخست آمالنا فيك ضلةٌ ... سعادة جدٍ ما أجلّ وأعظما
محاسن ما قيل في الشيب
قال: دخل منصور النميري على الرشيد فأنشده:
ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع
فبكى الرشيد وقال: يا نميري لا خير في دنيا لا يخطر فيها بحلاوة الشباب ويستمتع بأيامه، وأنشد:
ولو ان الشيب رزءٌ حل بي ... وقت ما استحققت شيباً لم أبل
بل أتاني والصبا يرمقني ... مثل ما يأتي الكبير المكتهل
وأنشد:
حسرت عني القناع ظلوم ... وتولت ودمعها مسجوم
أنكرت ما رأت برأسي فقالت ... أمشيبٌ أم لؤلؤٌ منظوم
قلت شيبٌ وليس عيباً، فأنّت ... أنّةً يستثيرها المهموم
واكتست لون مرطها ثم قالت ... هكذا من توسدته الهموم
إن أمراً جنى عليك مشيب ال ... رأس في جمعه لأمر عظيم
شدّ ما أنكرت تصرف دهرٍ ... لم يداوم وأي شيءٍ يدوم
لابن المعتز:
لما رأت شيباً يلوح بعارضي ... صدت صدود مغاضبٍ متحمّل
نظرت إلي بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي
ما زلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
ولابن المعتز أيضاً في الشيب:
قالت وقد راعها مشيبي ... كنت ابن عمٍ فصرت عما
واستهزأت بي فقلت أيضاً ... قد كنت بنتاً فصرت أما
كفّي ولا تكثري ملامي ... ولا تزيدي العليل سقما
من شاب أبصر الغواني ... بعين من قد عمي وصمّا
لو قيل لي اختر عمىً وشيباً ... أيهما شئت قلت أعمى
ولآخر:
رأت طالعاً للشيب أغفلت أمره ... ولم تتعهده أكفُّ الخواضب
فقالت: أشيباً ماأرى؟ قلت: شامةٌ ... فقالت: لقد شامتك بين الحبائب
ولآخر:
شكوت من الشيب حتى ضجرت ... فدبّ إلى عارضي واشتعل
وسوّد وجهي فسودته ... فعلت به مثل ما قد فعل
ولآخر:
إذا راقهنّ خدين الشباب ... عطفن كما تعطف الوالده
وإن هنّ عاينّ ذا شيبةٍ ... فيا لك من مقلٍ زاهده
فويح الشباب وويح المشيب ... عدوّان دارهما واحده
لابن المعتز:
صرحت بالجفاء أمُّ حباب ... حين باشرتها ببعض الخطاب
قلت: لم ذا وقد رأيتك حيناً ... لا تملّين عشرتي وعتابي؟
قالت الشيب قد أتاك فأقصر ... عن عتابي فلست من أصحابي
فتعلّلت بالخضاب لأحظى ... عندها ساعةً بلون الخضاب
فرأته فأعرضت ثم قالت: ... ستر سوءٍ على خرابٍ يباب
ولابن المعتز أيضاً:
رفعت طرفها إليّ عبوساً ... واستثارت من المآقي الرسيما
(1/157)

ورأتني أسرّج العاج بالعا ... ج فظلّت تستحسن الأبنوسا
ليس شيبي إذا تأملت شيباً ... إنما الشيب ما أشاب النفوسا
وله:
ضحكت إذ رأت مشيبي قد لا ... ح وقالت قد فُضّض الأبنوس
قلت: إن الشباب فيّ لباقٍ ... بعد، قالت: هذا شبابٌ لبيس
قال: استقبل يونس النحوي عدواً له وهو يتهادى في مشيه ويقارب خطوه. فقال: يا يونس بلغت ما أرى! فقال: هذا الذي كنت آمله فقد بلغته فلا بلغته! فاستحسن ابن الزيات قوله فجعله شعراً وقال:
وعائبٍ عابني بشيبٍ ... لم يعد لمّا ألمّ وقته
فقلت إذ عابني بشيبٍ: ... يا عائب الشيب لا بلغته
ولغيره:
إن المسيب رداء الحلم والأدب ... كما الشباب رداء الجهل واللعب
تعجبت إذ رأت شيبي فقلت لها ... لا تعجبي من يطل عمرٌ به يشب
فينا لكُنّ وإن شيبٌ بدا أربٌ ... وليس فيكنّ بعد الشيب من أرب
شيب الرجال لهم عزّ ومكرمةٌ ... وشيبكن لكن الذل فاكتئبي
ولآخر:
الشيب في رأس الفتى حلمٌ به ... والشيب في رأس الفتاة قبيح
والخال في خدّ الفتى عيبٌ به ... والخال في خدّ الفتاة مليح
محاسن الورع
محمد بن الحسين عن أبي همّام وكان يخدم ضيغماً قال: كنت معه في طريق مكة، فلما صرنا في الرمل نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر فبكى.
فقلت له: لو دعوت الله أن يمطر علينا كان أخف على هذه الإبل. قال: فنظر إلى السماء وقال: إن شاء ربي فعل. فوالله ما كان إلا أن تكلم حتى نشأت سحابة وهطلت.
وعن عطاء أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله دقيقاً فعرض له سائل فأعطاه بعضه ثم عرض له آخر فأعطاه الباقي وأتى إلى النجارين فملأ مزوده من نشارة الخشب وأتى به منزله وخرج هارباً من أهله، فأخذت المرأة المزود فإذا دقيق حوّارى فعجنته وخبزت. فلما جاء قال: من أين هذا؟ قالت: الدقيق الذي جئت به.
وعن أبي عبد الله القرشي عن رجل قال: دخلت بئر زمزم فإذا أنا بشخص ينزع الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو فأخذته فشربت فضلته فإذا هو سويق لوزٍ لم أر سويق اللوز أطيب منه، فلما كانت القابلة في ذلك الوقت دخل الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه ونزع الدلو وشرب وأرسل الدلو، فأخذته وشربت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالعسل لم أشرب شيئاً قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فأنظر من هو ففاتني، فلما كان في السنة الثالثة قعدت قبالة زمزم فلما كان في ذلك الوقت جاء الرجل وقد أسبل ثوبه على وجهه فدخل فأخذت طرف ثوبه، فلما شرب من الدلو وأرسلها قلت: يا هذا أسألك برب هذه البنيّة من أنت؟ قال: تكتم عليّ حتى أموت؟ قلت: نعم. قال: أنا سفيان، وهو الثوري، فتناولت فضلته فإذا هو ماء مضروب بالسكر الطبرزد لم أر قط أطيب منه، فكانت تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها من الوقت لا أجد جوعاً ولا عطشاً.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً يكدح جبينه بالأرض يريد أن يجعل سجادة فقلت: ما تصنع؟ قال: إني وجدتها نعم الأثر في وجه الرجل الصالح.
ومما قيل من الشعر من هذا الفن منهم بشار حيث يقول:
كيف يبكي لمحبسٍ في طلول ... من سيقضي ليوم حبسٍ طويل
إن في البعث والحساب لشغلاً ... عن وقوفٍ برسم دارٍ محيلٍ
ولمحمد بن بشير:
ويلٌ لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
يا حسرتا في كل يومٍ أتى ... يذكرني الموت وأنساه
كأنه قد قيل في مجلسٍ ... قد كنت أتيه وأغشاه
صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
ولجرير:
إن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار
يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علماً يقيناً لقد أحصيت أثاري
فاغفر ذنوباً إلهي قد أحطت بها ... رب العباد وزحزحني عن النار
ولذي الرمة بيت:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
ولآخر:
(1/158)

أستغفر الله مما يعلم الله ... إن الشقي لمن لم يرحم الله
هبه تجاوز لي عن كل سيئةٍ ... وا سوءتاه من حيائي يوم ألقاه
ولإسماعيل بن القاسم:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محالٌ في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
ولآخر:
أيا عجباً كيف يعصي الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيءٍ له قدرةٌ ... تدلّ على أنه واحد
ولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبداً شاهد
ولأبي نواس الحسن بن هانيء:
سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيفٍ مهين
يسوقهم من قرارٍ ... إلى قرارٍ مكين
يحور خلقاً فخلقاً ... في الحجب دون العيون
حتى بدت حركاتٌ ... مخلوقة من سكون
ولآخر:
أخي ما بال قلبك ليس ينقى ... كأنك لا تظنّ الموت حقا
ألا يا ابن الذين مضوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما لك غير تقوى الله زادٌ ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ولآخر:
يا قلب مهلاً وكن على حذر ... فقد لعمري أمرت بالحذر
ما لك بالترهات مشتغلاً ... أفي يديك الأمان من سقر
ولآخر:
إن كنت توقن بالقيا ... مة واجترأت إلى الخطيه
فلقد هلكت وإن جحد ... ت فذاك أعظم للبليه
ولآخر:
وأفنية الملوك محجباتٌ ... وباب الله مبذول الفناء
فمن أرجو سواه لكشف ضرٍّ ... وبلوى حين أجهد في الدعاء
وشكوائي إلى ملك عظيمٍ ... جليلٍ لا يصمّ عن الدعاء
مساوئ من لم يتورع
ابن أبي العرجاء قال: أراد موسى بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس الخروج إلى الحج فدعا بأبي دلامة فقال له: تهيأ حتى تخرج معنا، وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: خلّف لعيالك ما يكفيهم. وإنما أراد موسى أن يأنس به في طريقه ويحدثه بنوادره وملحه ويسامره بالليل والنهار وينشده الأشعار. وكان أبو دلامة يفي بذلك كله مع ظرف كان فيه ولطف، وكان من ابراز الملوك. فلما حضر خروج موسى هرب إلى السواد بالكوفة فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهتها، وقد سأل عنه موسى فقيل له: استتر، فطلبه تحت كل حجر فلم يقدر عليه فخاف أن يفوته الحج فلما أيس منه قال: اتركوه إلى نار الله وحرّ سقره، وخرج، فلما شارف القادسية نظر إلى أبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصروا به وأتوه به. فقال: قيدوه وألقوه في المحمل، ففعل به ذلك، وأنشأ يقول:
يا معشر الناس قولوا أجمعين معاً ... صلى الإله على موسى بن داود
أما أبوك فعين الجود تعرفه ... وأنت أشبه خلق الله بالجود
نُبّئت أن طريق الحج معطشةٌ ... من الطلاء وما شربي بتصريد
والله ما بي من خيرٍ فتطلبه ... في المسلمين ولا ديني بمحمود
كأن ديباجتي خدّيه من ذهبٍ ... إذا تكسّر في أثوابه السود
إني أعوذ بداودٍ وتربته ... من أن أحج بكرهٍ يا ابن داود
فقال موسى: ألقوه من المحمل عليه لعنة الله ودعوه يذهب إلى سقر الله! فأُلقي عن المحمل ومضى موسى لوجهه. فما زال أبو دلامة بالسواد يشرب من خمرها ويتمتع في نزهتها حتى أتلف العشرة الآلاف الدرهم مع إخوانه وندمائه، وانصرف موسى فدخل عليه أبو دلامة يهنئه، فلما بصر به قال: يا محارف أتدري ما فاتك؟ فقال: والله يا سيدي ما فاتني ليل ولا نهار، يعني اللهو والقصف، ثم أنشده مديحاً له فيه، فاستحسنه وأمر له بجائزة.
قيل: وكان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد فافتقده المؤذن أياماً فقرع عليه الباب فخرج إليه. فقال له المؤذن: أبو من؟ قال: أبو الجحيم. قال: بس ردّ يا هذا الباب.
قال وقيل للقيني: ما أيسر ذنبك؟ قال: ليلة الدير. قيل: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانية فأكلت عندها طفيشلاً بلحم خنزير وشربت خمرها وسرقت كساءها وخرجت.
ما قيل فيه من الشعر
قال بشار:
(1/159)

وإنني في الصلاة أحضرها ... ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا
أقعد في سجدةٍ إذا ركعوا ... وأرفع الرأس إن هم سجدوا
أسجد والقوم راكعون معاً ... وأسرع الوثب إن هم قعدوا
فلست أدري إذا إمامهم ... سلّم كم كان ذلك العدد
ولآخر:
نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
عدلت مشافره الدنان وأنفه ... مثل القدوم يسنه الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
ولآخر:
إن قرأ العاديات في رجب ... فليس يأتي بها إلى رجب
بل هو لا يستطيع في سنةٍ ... يختم تبّت يدا أبي لهب
محاسن صفة الدنيا
قال علي بن أبي طالب: الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنىً لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها فشوّقت بسرورها إلى السرور ببلائها إلى البلاء تخويفاً وتحذيراً وترغيباً وترهيباً، فأيها الذام للدنيا والمتعلل بتغريرها متى غرتك، أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ كم عللت بكفيك وكم مرّضت بيديك تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء وتلتمس لهم الدواء لم ينفعهم تطلّبك ذلك ولم يشفهم دواؤك! مثلت لك الدنيا مصرعك ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ولا يغني عنك أحباؤك، ثم وقف على أهل القبور فقال: يا أهل الثروة والعز إن الأزواج بعدكم قد نُكحت والأموال قد قُسمت والدور قد سُكنت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما والله لو أذن لهم لقالوا: إن خير الزاد التقوى.
وفي خبرٍ أن علياً وقف على المقابر ثم قال: اعتبروا بأهل الديار التي طُبِّق بالخراب فناؤها وشيد في التراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، لا يتزاورون تزاور الإخوان ولا يتواصلون تواصل الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى. ثم قال: إن الأزواج بعدكم قد نُكحت، إلى آخر الخبر.
مساوئ صفة الدنيا
قال الحسن البصري: بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت: من أنت؟ فقالت: من بنات ملوك غسان. قلت: فمن أين طعامك؟ قالت: إذا كان آخر النهار في كل يوم تجيئني امرأة متزينة فتضع بين يدي كوزاً من ماء ورغيفين. قلت لها: أتعرفين المرأة؟ قالت: اللهم لا. قلت: هذه الدنيا خدمت ربك جل وعز فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها.
وزعموا أن زياد ابن أبيه مرّ بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه: ما هذا؟ قال: دير حرقة بنت النعمان بن المنذر. فقال: ميلوا بنا إليها نسمع كلامها. فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها: كلمي الأمير.
فقالت: أوجز أم أطيل؟ قال: بل أوجزي. قالت: كنا أهل بيتٍ طلعت الشمس وما على الأرض أعزّ منا فما عابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا.
قال: فأمر لها بأوساق من شعير. فقالت: أطعمتك يدٌ شبعى جاعت ولا أطعمتك يدٌ جوعى شبعت. فسّر زياد بكلامها وقال لشاعر: قيد هذا الكلام لا يدرس. فقال:
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتىً ذاق طعم الخير منذ قريب
وفي مثل هذا قول أعرابي وقد دعا لرجل برّه: مسّتك يدٌ أصابت فقراً بعد غنىً ولا مسّتك يدٌ أصابت غنىً بعد فقر.
ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها وهي تبكي. فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما من دار امتلأت سروراً إلا امتلأت ثبوراً، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ نتقسم
وقالت:
فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها ... وأفٍّ لعيشٍ لا يزال يُهضّم
قال: وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقاص: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة وعقد لك المنن في أعناق الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمةً، ولا أزالها بغيرك إلا جعلها السبب لردها عليه.
(1/160)

قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي: أي الزمان أدركت أفضل وأي الملوك؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا ذاماً أو حامداً، وأما الزمان فيضع قوماً ويرفع آخرين وكلهم يذمّ زمانه لأنه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم صغيرهم وكل ما فيه منقطع إلا الأمل. قال: فأخبرني عن فهم. قال: هم كما قال الشاعر:
درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم
وخلت دارهم فأضحت يباباً ... بعد عزٍّ وثروةٍ ونعيم
وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبّون الغنيّ من الرجال
وإن كان الغنيّ أقل خيراً ... بخيلاً بالقليل من النوال
فما أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال
أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يُرجى لحادثة الليالي
قال: أنا وقد كتمتها.
قال: ولما دخل عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرِّقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم ... ماء الفرات يسيل من أطواد
أرضٌ تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دؤاد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكلُّ ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفاد
فقال علي، رضي الله عنه: أبلغ من ذلك قول الله جل وعز: " كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريمٍ ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين ".
وقال عبد الملك ببن المعتز: أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلما نُشر بعضها طوي بعضها. وقال: أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام.
وقال بعضهم: طلاق الدنيا مهر الجنة.
وذكر أعرابي الدنيا فقال: هي جمّة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر بصاحب.
وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله جل وعز أنه لا يُعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
وقيل: إذا أقبلت الدنيا على امريء أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
ما قيل فيه من الشعر
قال الأصمعي: ووجد في قبة لسليمان بن داود، عليه السلام، مكتوب:
ومن يحمد الدنيا لشيء يناله ... فسوف لعمري عن قليلٍ يلومها
إذا أدبرت كانت على الناس حسرةً ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وكان إبراهيم بن أدهم ينشد:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وقال أبو العتاهية:
يا من ترفّع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفّع رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملكٍ في زي مسكين
ولآخر:
هب الدنيا تساق إليك عفواً ... أليس مصير ذاك الزوال
فما ترجو بشيءٍ ليس يبقى ... وشيكاً ما تغيره الليالي
محمود الورّاق:
هي الدنيا فلا يغررك منها ... مخايل تستفزّ ذوي العقول
أقل قليلها يكفيك منها ... ولكن ليس تقنع بالقليل
تشيد وتبتني في كل يومٍ ... وأنت على التجهّز والرحيل
ومن هذا الذي يُبقي عليها ... مضاربه بمدرجة السيول
ولآخر:
أيا دنيا حسرت لنا قناعاً ... وكان جمال وجهك في النقاب
ديارٌ طال ما حجبت وعزّت ... فأصبح إذنها سهل الحجاب
وقد كانت لها الأيام ذلّت ... فقد قُرنت بأيام صعاب
كأن العيش فيها كان ظلاً ... يُقلّبه الزمان إلى ذهاب
ولآخر:
دنيا تداولها العباد ذميمةٌ ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل
وثبات دنيا لا تزال ملمةً ... منها فجائع مثل وقع الجندل
ولآخر بيت:
(1/161)

حتى متى أنت في دنياك مشتغلٌ ... وعامل الله بالرحمان مشغول
أبو نواس:
دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع
ولا تجمع من المال ... فما تدري لمن تجمع
ولا تدري أفي أرض ... ك أم في غيرها تصرع
قال: وقال الأصمعي قال أبو عمرو بن العلاء: بينا أنا أدور في بعض البوادي إذا أنا بصوت:
وإنّ امرأً دنياه أكثر همه ... لممتسك منها بحبل غرور
قال: فنقشته على خاتمي.
قال: وسمع يحيى بن خالد البرمكي بيت العدويّ في صفة الدنيا حيث يقول:
حتوفها رصدٌ وعيشها نكدٌ ... وشربها رنقٌ وملكها دول
فقال: لقد انتظم في هذا البيت صفة الدنيا.
قيل: وسمع المأمون بيت أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق
فقال: لو سئلت الدنيا عن نفسها لما وصفت كما وصفها به أبو نواس.
وقال أبو حازم: الدنيا طالبة ومطلوبة وطالب الدنيا يطلبه الموت حتى يخرجه منها وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه.
قال: وقيل للحسن البصري: ما تقول في الدنيا؟ فقال: ما عسى أن أقول؟ حلالها حساب وحرامها عذاب. فقيل: ما سمعنا كلاماً أوجز من هذا! قال: بلى كلام عمر بن عبد العزيز، كتب إليه عدي بن أرطاة وهو على حمص أن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى إصلاح حيطانها، فكتب إليه: حصنها بالعدل ونقّ طرفها من الظلم.
محاسن معرفة الأوائل
حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا عبد الصمد عن سعيد عن المغيرة قال: سمعت سماك بن سلمة يقول: أول من خط بالقلم إدريس، عليه السلام. وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا من قبله يلبسون الجلود. وأول قرية بنيت في الأرض قرية تسمى ثمانين ابتناها نوح، عليه السلام. وأول من عمل الصابون سليمان بن داود، عليه السلام. وأول من باع فيمن يزيد حلساً وقدحاً رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأول من اتخذ القراطيس يوسف، عليه السلام. وأول من خبز له الرقاق نمرود بن كنعان لعنه الله وأول من حكم في الخنثى عامر بن الظرب العدواني. وأول من خضب بالسواد عبد المطلب بن هاشم. وأول من سنّ الدية من الإبل أبو سيارة العدواني وأقره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام. وأول من خلع نعله لدخول الكعبة الوليد بن المغيرة فخلع الناس نعالهم في الإسلام. وهو أول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام. وهو أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية فأقرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام. وهو أول من قطع في السرقة في الجاهلية فقطع رسول الله في الإسلام. وأول من سلّم عليه بالإمرة المغيرة بن شعبة. وأول من أرّخ الكتب وختم على الطين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وأول من كتب بالعربية مرامر بن مروة من أهل الأنبار فانتشر من الأنبار في الناس. وأول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس. وأول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية بن أبي سفيان وذلك أنه بصر كلباً على منبره. وأول من لبس الخفاف وثياب الكتان زياد بن أبي سفيان، وأول من لبس الطيلسان جبير بن مطعم.
وأول من لبس الخز الطاروني عبد الله بن عامر فقال الناس: لبس الأمير جلد دب. وأول من نقش على الدراهم عبد الملك بن مروان وأول من سمّي عبد الملك. وأول من ابتنى مدينة في الإسلام الحجاج بن يوسف بنى مدينة واسط، وهو أول من قعد على سرير في حرب وأول من اتخذ المحامل، فقال فيه حميد الأرقط:
أخزى الإله عاجلاً وآجلا
أول عبدٍ عمل المحاملا
عبد ثقيفٍ ذاك أزلاً آزلا
وهو أول من عُلق له الخيش ونقل له الثلج. وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال وأجاز بألف ألف درهم ولبس الدراريع السود المختار بن أبي عبيد. وأول من حذا النعال جذيمة الأبرش، وهو أول من وضع المنجنيق ورفعت له الشموع ونادم الفرقدين. وأول من حدا رجلٌ من مضر. وأول رأس حمل من بلد إلى بلدٍ رأس عمرو بن الحمق الخزاعي. وأول من عمل له النعش زينب بنت جحش زوجة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: نعم خباء الظعينة!
(1/162)

وأول من قطع نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان. وأول من ضرب بسيفه باب قسطنطينية وأذّن في بلاد الروم عبد الله بن طليب من بني عامر بن صعصعة وكان مع مسلمة بن عبد الملك فأراد قيصر قتله فقال: والله لئن قتلتني لا تبقى بيعة في بلدان الإسلام إلا هدمت! فكفّ عنه.
وأول من جمّع جمعة مصعب بن عمير جمّعهم بالمدينة وكانوا اثني عشر رجلاً.
وروى أبو هلال عن أبي حمزة قال: أول من رأينا بالبصرة يتوضأ بالماء عبيد الله بن أبي بكرة فقلنا: انظروا إلى هذا الشيخ يلوط استه، أي يستنجي بالماء. وأول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير. وأول من رشا في الإسلام المغيرة بن شعبة. وأول رام رمى في الإسلام سعد بن أبي وقاص. وأول قاضٍ قضى أبو قرّة الكندي. وأول من اتّخذ الجمّازات أم جعفر.
مساوئ الأوائل
أول من اتخذ الود رجلٌ يقال له لَمَك ولد له على كبر سنه ابن فأصيب به واشتد وجده عليه فعمد إلى عود واتخذ كهيأة الصبي شبه صدر العود بالفخذ وإبريقه بالقدم والملاوي بالأصابع والأوتار بالعروق ثم ضرب به، وكانت له ابنة يقال لها ملاهي، وهي أول من اتخذت المعازف والطبول. وأول من عمل الطنابير قوم لوط كانوا يستميلون بها الغلمان المرد. وأما الزمر وشبهه فللرعاء والأكراد. وكان أول من غنّى من العرب جذيمة بن سعد الخزاعي وذلك بعد جرادتي عاد، وكان من أحسن الناس صوتاً فسمي المصطلق فغنى بالركبانية، ويقال إن أول من غنى باليمن رجل من حمير يقال له عنبس: وأول من غنى بالحرمين طويس. وأول امرأة قطعت يدها في الإسلام في السرق بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم قطعها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها. ومن الرجال الخيار بن عدي بن نوفل.
محاسن الدلائل
روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه: إن المؤمن إذا أتت عليه ستون سنة أحبه أهل السماء والأرض، وإذا أتت عليه سبعون سنة كتبت حسناته ومحيت سيئاته، وإذا أتت عليه ثمانون سنة غفر له ما تقدم من ذنبه، وإذا أتت عليه تسعون سنة شفّع في أهل بيته وأهله، وإذا أتت عليه مائة سنة كتب اسمه عند الله عز وجل أسير الله في أرضه.
وقال عمرو بن العاص: يتغير الغلام لسبع، ويحتلم لأربع عشرة سنة، ويتم خلقه لإحدى وعشرين، ويجتمع عقله لثمان وعشرين، وما بعد ذلك فتجارب.
وقال وهشابور: يستحب من الربيع الزهرة، ومن الخريف الخصب، ومن الغريب الانقباض، ومن القاريء البيان، ومن الغلام الكياسة، ومن الجارية الملاحة.
ومنه باب آخر
قيل: إذا جارت الولاة قحطت السماء، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا ظهر الربا ظهر الفقر والمسكنة، وإذا خفرت الذمة أُديل العدو.
وعن ابن عباس قال: إذا رأيتم السيوف قد أعريت والدماء قد أُريقت فاعلموا أن حكم الله جل وعز قد ضيّع وانتقم من بعضهم ببعض، وإذا رأيتم الرثاء قد فشا فاعلموا أن الربا قد فشا، وإذا منعتم القطر فاعلموا أن الناس قد منعوا ما عندهم من الزكاة فمنع الله جل وعز ما عنده.
محاسن المشورة
كان يقال: إذا استحار الرجل ربه واستشار نصيحة وأجهد رأيه فقد قضى ما عليه ويقضي الله جل وعز في أمره ما يحب.
وقال آخر: حسن المشورة من المشير قضاء لحق النعمة.
وقيل: إذا استشرت فانصح وإذا تركت فاصفح.
وقال آخر: من وعظ أخاه سراً زانه ومن وعظه علانية شانه.
وقال آخر: الاعتصام بالمشورة نجاة.
وقال آخر: نصف عقلك مع أخيك فاستشره.
وقال آخر: إذا أراد الله بعبد هلاكاً أهلكه برأيه.
وقال آخر: إن المشورة تقوّم اعوجاج الرأي. وقال: إياك ومشورة النساء فإن رأيهن إلى الإفن وعزمهن إلى الوهن.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: كان بين العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، مباعدة فلقيت علياً، رحمه الله، فقلت له: إن كان لك في النظر إلى عمك حاجة فأته وما أراك تلقاه.
(1/163)

فوجم لها ثم قال: تقدمني. فتقدمته فأذن له فاعتنق كل واحد منهما صاحبه وأقبل عليّ على يده ورجله يقبلهما ويقول: يا عم ارض عني رضي الله عنك! قال: قد رضيت عنك، ثم قال: يا ابن أخي قد كنت أشرت عليك بأشياء فلم تقبل مني فرأيت في عاقبتها ما كرهت وها أنا أشير عليك برأي آخر فإن قبلته وإلا نالك ما نالك. فقال: وما الذي كنت أشرت به يا عم؟ قال: أشرت عليك لما قُبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تسأله فإن كان الأمر فينا أعطاناه وإن كان في غيرنا أوصى بنا. فقلت: إن منعناه لم يعطنا أحد بعده. فمضت تلك، فلما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتانا سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى أن نبايعك فقلت: ابسط يدك حتى نبايعك، فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك منافيّ وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي وإن بايعتك لم يختلف قريش لم يختلف عليك أحد من العرب. فقلت: في جهاز رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شغلٌ وليس عليّ فوت. فلم نلبث أن سمعنا التكبير من سقيفة بني ساعدة فقلت: ما هذا يا عم؟ فقلت: هذا ما دعوناك إليه فأبيته! قلت: سبحان الله ويكون هذا! قلت وهل رد مثل هذا؟ ثم أشرت عليك حين طُعن عمر، رحمه الله، أن لا تدخل نفسك في الشورى فإنك إن اعتزلتهم قدّموك وإن ساويتهم تقدموك. فدخلت معهم فكان ما رأيت. وها أنا أقول لك الآن: أرى هذا الرجل، يعني عثمان بن عفان، رحمه الله، يأخذ في أمور ولكأني بالعرب قد سارت إليه حتى يُنحر كما ينحر الجزور، والله لئن كان ذاك وأنت بالمدينة ليرمينك الناس بدمه ولئن فعلوا لا تنال من هذا الأمر شيئاً إلا بشر لا خير معه.
قال ابن عباس: فلما قتل عثمان، رضي الله عنه، خرج عليّ وهو على بغلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وأنا عن يمينه وابن القاريء عن يساره، وكان من أمر طلحة والزبير ما كان، وقتل طلحة عشية ذلك اليوم وأنا أرى الكراهية في وجه عليّ، رضي الله عنه. فقال: أما والله لقد كنت أكره أن أرى قريشاً صرعى تحت بطون الكواكب، ولكن نظرت إلى ما بين الدفتين فلم أر يسعني إلا قتالهم أو الكفر، ولئن كان قال هؤلاء ما سمعت في طلحة لقد كان كما قال أخو جعفى:
فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
ورحم الله عمي فكأنما يطلع إلى الغيب من ستر رقيق، صدق والله ما نلت من هذا الأمر شيئاً إلا بعد شر لا خير معه.
قال: وقال ابن عباس لعلي، رضي الله عنه: اجعلني السفير بينك وبين معاوية في الحكمين فوالله لأفتلنّ له حبلاً لا ينقطع وسطه ولا ينتشر طرفاه.
قال علي، رحمه الله: لست من كيدك وكيد معاوية في شيء، والله لا أعطيه إلا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس: وهو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلب بباطله حقك. قال علي، رضي الله عنه: وكيف ذاك؟ قال: لأنك تطاع اليوم وتعصى غداً وإنه يُطاع فلا يعصى.
فلما انتشر على عليّ، رضي الله عنه، أصحابه وابن عباس بالبصرة قال: لله ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب من ستر دقيق.
ومثله خبر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين قال لأصحابه: دلوني على رجل أستعمله على أمرٍ قد أهمني. قالوا: فلان. قال. لا حاجة لنا فيه.
قالوا: فمن تريد؟ قال: أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم. فولاه.
ومنه خبر صاحب الأمين، فإنه حكي أنه كان بمدينة السلام شيخ من الكتاب مسنّ قد اعتزل لأمور وكان يوصف بجودة الرأي، فدعاه محمد الأمين وشاوره في أمر أخيه المأمون وما ينبغي أن يعامله حتى يقع في يده. فقال: إن استعجلت لم تنتفع بفعل ولا رأي، وإن تمهلت وقبلت مشورتي تمكنت من أخيك وذاك أنك تدعو بحُجاج خراسان إذا قدموا مدينة السلام وتجلس مجلساً حافلاً وتقول لهم: إن أخي كتب إلي يحمدكم ويذكر سمعكم وطاعتكم وجميل مذاهبكم، وتجزيهم الخير ثم تقول: قد أسقطت عنكم خراج سنة، وأخوك في بلد رجال بلا مال وليس له في نقض قولك حيلة وسيناله من ذلك خلل شديد حتى ينتقض أكثر أمره، ثم تفعل مثل ذلك في السنة المقبلة وترفع عنهم خراج سنتين، فإن لم يأتوك بأخيك في وثاق وكنت حياً فاضرب عنقي.
(1/164)

فلم يقبل الأمين ذلك للأمر المقدور والقضاء السابق وعجّل إلى خلع المأمون في عقد الأمر لابنه حتى كان ما كان. وليس يبلغ شيء في الملك والدولة خاصة مبلغ الرأي لأن الرأي لا يحتاج إلى السلاح والسلاح يحتاج أهله إلى الرأي وإلا كانت عدتهم عليهم ضرراً إذا لم يصيبوا في استعمالها وجه الرأي.
مساوئ من يستشير
قال بعض أهل العلم: لو لم يكن في المشورة إلا الاستحقار من صاحبها لك وظهور فقرك إليه لوجب اطّراح ما تفيده المشورة وإلقاء ما تكسبه الإنسان، وما استشرت أحداً قط إلا كبر عندي وتصاغرت له ودخلته العزة ودخلتني الذلة، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب واختلفت عليك المسالك وأداك الاستبهام إلى الخطإ الفادح، فإن صاحبها أبداً مستذل مستضعف، وعليك بالاستبداد فإن صاحبها أبداً جليل في العيون مهيب في الصدور، ولن تزال كذلك ما استغنت عن العقول، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك وتضعضع شأنك وفسد تدبيرك واستحقرك الصغير واستخف بك الكبير وعُرفت بالحاجة إليهم، وقد قيل: نعم المستشار العلم ونعم الوزير العقل.
وممن اقتصر على رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور، فإنه لما حدث من أمر إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن ما حدث أمسك المنصور عن المشاورة واستبدّ برأيه وأقبل على السهر والخلوة ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله، وكان تحته مصلّى قد تفزّز لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيره، وعليه جبّة خزّ دكناء قد درن جيبها فلم يغيّرها حتى ظفر، وكان يقول في تلك الحال: إياك والمشورة فإن عثرتها لا تستقال وزلتها لا تُستدرك، فكم قد رأيت من نصيح عاد نصحه غشاً! ومنهم الرشيد فإنه حُكي عنه أنه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن يحيى: إني قد سهرت فوجّه إليّ بعض سمّارك. فوجه إليه بسمير له كوفيّ، فسامره ليلته، فلما أن رجع سأله جعفر عن خبره. فقال: سامرته ليلتي كلها فأنشدته فما رأيته استحلى إلا بيتين من شعر أنشدتهما إياه فإنه أولع بهما وما زال يأمرني بتكريرهما عليه حتى حفظهما. فقال جعفر: وما هما؟ قال:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد
فقال له جعفر: أهلكني والله وأهلكت نفسك! قال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كان لا غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرر البيتين إلا وقد عزم على ترك مشاورتي والاستبداد بالرأي. فقتله بعد حول. وقال الشاعر في مثله:
بديهته وفكرته سواءٌ ... إذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأياً ... إذا عمي المشاور والمشير
وصدرٌ فيه للهمم اتساعٌ ... إذا ضاقت بما فيه الصدور
ومنهم الشعبي، فإنه ذكر أنه كان صديقاً لابن أبي مسلم كاتب الحجاج وأنه لما قدم به على الحجاج لعنه، فقال له: أشر عليّ. فقال: ما أدري بما أشير ولكن اعتذر بما قدرت عليه. وأشار عليه بذلك جميع أصحابه. قال الشعبي: فلما دخلت خالفت مشورتهم ورأيت والله غير الذي قالوا، فسلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أصلح الله الأمير! إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، وأيم الله لا أقول في مقامي هذا إلا الحق! قد جهدنا وحرّضنا فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والجحة لك علينا.
فقال الحجاج: أنت والله أحب إلينا قولاً ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ويقول: والله ما فعلت وما شهدت، أنت آمن يا شعبي! فقلت: أيها الأمير اكتحلت والله بعدك بالسهر واستحلست الخوف وقطعت صالح الإخوان ولم أجد من الأمير خلقاً. فقال: صدقت فانصرف. فانصرفت.
محاسن كتمان السر
قال: كان المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابهم إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وكان يقول: سرك من دمك فانظر من تملكه. وكان يقول: سرك لا يطلع عليه غيرك. إن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم.
وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة: بأي شيء أدركت هذا الأمر؟ فقال: ارتديت بالكتمان واتزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت المقادير فأدركت ظني وحزت حدّ بغيتي، وأنشد:
(1/165)

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه الملوك بني مروان إذ حشدوا
مازلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
قال: وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: جنبني خصالاً أربعاً: لا تطرينّي في وجهي، ولا تجرينّ علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. وأنشد المنقري في ذلك:
النجم أقرب من سرٍ إذا اشتملت ... مني على السر أضلاعٌ وأحشاء
وقال غيره:
ونفسك فاحفظها ولا تفش للورى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها
فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها
من القوم إلا ذو عفافٍ يعينه ... على ذاك منه صدق نفسٍ وخيرها
قال وقال معاوية بن أبي سفيان: أعنت على عليّ، رضي الله عنه، في أربع خصال: كان رجلاً ظهرةً علنةً أي لم يكتم سراً، وكنت كتوماً لأمري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافاً، وكنت أحب إلى قريش منه فقلت ما شئت من جامع إلي ومفرق عنه.
وكان يقال لكاتم سره: من كتمانه إحدى خصلتين وفضيلتين الظفر بحاجته والسلامة من شره. من أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر الله جل وعز وله الحجة عليه.
وقال بعضهم: كتمانك سرك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه.
وقال بعضهم: ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده اللصوص فيخفيه ثم يمكن عدوّه من نفسه بإفشاء سره إليه وإظهار ما في قلبه له أو أن يظهره على سر أخيه، ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن من لا يستقيم له.
وكان معاوية يقول: ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فخطمته بين أضلاعي إلا كسّبني ذلك مجداً وذكراً وسناء ورفعة. فقيل له: ولا ابن العاص؟ فقال: ولا ابن العاص. وكان يقول: ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، وضع أمر أخيك على أحسنه ولا تظنن بكلمة خرجت منه سوءاً إذا كنت واجداً لها في الخير مذهباً، وما كافأت من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله جل ذكره فيه، وعليك بإخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء وعصمة عند البلاء. وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور ذات يوم أمر أبي مسلم وصونه لذلك السر حتى فعل ما فعله. فقال:
تقسمني أمران لم أقتحمهما ... بحرصٍ ولم تعركهما لي الكراكر
وما ساور الأحشاء مثل دفينةٍ ... من الهم ردتها إليك المقادر
وقد علمت أفناء عدنان أنني ... لدى ما عرا مقدامةٌ متجاسر
وقال غيره:
صن السر بالكتمان يرضك غبه ... فقد يظهر السر المضيع فيندم
ولا تفشين سراً إلى غير أهله ... فيظهر خرق السر من حيث يكتم
وما زلت في الكتمان حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حيٌّ على الناس يسلم؟
ولآخر:
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر
ولآخر:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع
فلولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
ولآخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع
أبو نواس:
لا تفش أسرارك للناس ... وداو أحزانك بالكاس
فإن إبليس على ما به ... أرأف بالناس من الناس
(1/166)

وقال المبرد: أحسن ما سمعت في حفظ السر ما روي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه:
فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا
فإني رأيت بغاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحا
قال العتبي:
ولي صاحبٌ سري المكتم عنده ... مخاريق نيران بليلٍ تُحرَّق
عطفت على أسراره فكسوتها ... ثياباً من الكتمان ما تتخرق
فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار نفسي بالأحاديث تغرق
فلا تودعن الدهر سرك جاهلاً ... فإنك إن أودعته منه أحمق
وحسبك في سر الأحاديث واعظاً ... من القول ما قال الأديب الموفق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
ولآخر:
ولربما اكتتم الوقور فصرّحت ... حركاته عن كتمانه
ولربما رزق الفتى بسكوته ... ولربما حرم الفتى ببيانه
ولآخر:
لا يكتم السر إلا كل ذي خطرٍ ... والسر عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له علقٌ ... قد ضاع مفتاحه والباب مردوم
قال: ودخل أبو العتاهية على المهدي وقد ذاع شعره في عتبة فقال: ما أحسنت في حبك ولا أجملت في إذاعة سرك. فقال أبو العتاهية:
من كان يزعم أن سيكتم حبه ... أو يستطيع الستر فهو كذوب
إذا بدا سر اللبيب فإنه ... يبد إلا والفتى مغلوب
الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب
إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاً ... لم تتهمه أعينٌ وقلوب
فاستحسن المهدي شعره وقال: قد عذرناك في إذاعة سرك ووصلناك على حسن عذرك على أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته.
وقال المهلب بن أبي صفرة: ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السر.
وقال زياد: لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السر وترك النصيحة، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخريّ يرجو ثواب الله، ورجل دنيوي له شرف في نفسه وعقل يصون به حسه، وهما معدومان في هذا الدهر.
محاسن حفظ اللسان
قال أكثم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه، يعني لسانه. وقال الشاعر:
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثاً مغارا
ومنه قول أكثم: رب قولٍ أشد من صول. وقوله: لكل ساقطة لاقطة. الساقطة من الكلام لها لاقطة من الناس.
وقال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه.
وقال يونس بن عبيد: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان.
وقال قسامة بن زهير: يا معشر الناس إن كلامكم أعثر من صمتكم فاستعينوا على الكلام بالصمت وعلى الصواب بالفكر.
وقال الجاحظ: جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم كلام، فما زال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال شهرام: يا لقيط! فصمت أبو مسلم، وندم شهرام، فما زال مقبلاً عليه معتذراً وخاضعاً متنصلاً. فلما رأى ذلك أبو مسلم قال: لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب شيطان وما جرأك غيري بطول احتمالي فإن كنت متعمداً للذنب فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعذر سبقك، وقد غفرنا لك على كل حال. فقال شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً. قال: أجل. قال: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي أن يسكن. ولجّ في الاعتذار. فقال لأبو مسلم: يا عجبا! كنت تسيء وأنا أحسن فإذا أحسنتَ أُسيء.
وشتم رجل المهلب فلم يجبه. فقيل له: حلمت عنه؟ فقال: لم أعرف مساويه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حُملت إلى المتوكل فأُدخلت عليه فقال: يا عبد الله الزم أبا عبد الله، يعني المعتز، حتى تعلّمه من فقه المدنيين. فأُدخلت إلى حجرة فإذا أنا بالمعتز قد أتى في رجله نعل من ذهب، فعثر حتى دميت رجله، فأتي بإبريق من ذهب وطست من ذهب وجعل يغسل ذلك الدم وهو يقول:
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرِّجل
وعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته في الرجل تبرا على مهل
(1/167)

فقلت في نفسي: ضُممت إلى من أريد أن أتعلم منه.
وكان يقال: ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، وقيل: من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه. وقال الشاعر:
عليك حفظ اللسان مجتهداً ... فإن جل الهلاك في زلله
ولآخر:
وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جَرح اللسان
جراحات الطعان لها التئامٌ ... ولا يلتام ما جرح اللسان
ولآخر:
وجرح اللسان كجرح اليد
ولآخر:
وجرح السيف يأسوه المداوي ... وجرح القول طول الدهر دامي
مساوئ جناية اللسان
أحمد بن إبراهيم الهاشمي قال: لما عفا أبو العباس السفاح عن سليمان بن هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قرّبهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده بالليل، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربما طرحت لهم نمارق ونصبت لهم كراسي، فإنهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال: استأذن لي على أمير المؤمنين. فقلت: ضع عنك ثياب سفرك.
فقال: لا أحط رحلي ولا أسفر عمتي حتى أنظر إلى وجه أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: فهل سألته من هو؟ قال: قد فعلت فذكر أنه سديف مولاك. فقال: سديف سديف! ائذن له فدخل رجل أحم طويل يتثنى عليه ممطر حرٍ ومعه محجن يتوكأ عليه، فلما نظر إلى أبي العباس سفر عن وجهه ثم سلم ودنا وقبل يده ثم انصرف إلى خلفه. فقام مقام مثله وأنشده:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
لا تقيلن عبد شمسٍ عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس
ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدٍ ... وقتيلاً بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربةٍ وتناسي
نعم شبل الهراش مولاك لولا ... آودٌ من حبائل الإفلاس
فقام سليمان بن هشام فقال: يا أمير المؤمنين إن مولاك هذا مثل بين يديك يبعثك على قتلي وقتل ابني ويحدوك على طلب ثأرك منا، وقد بلغني أنك تريد اغتيالي. فقال أبو العباس: والله ما كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا أطالبك بشيء مما طالبت به أهل بيتك، فأما إذ وقع في خلدك إني أغتالك فيا جاهل من يحول بين وبينك وبين قتلك حتى أغتالك؟ ثم أمر بقتله وقتل ابنيه.
فقال سليمان لقاتله أبي الجهم: إنك قد أمرت بأمر لا بد لك من إنفاذه وحاجتي إليك أن تقدم ابني حتى أحتسبهما، ففعل.
وخرج سديف وقد وصله العباس بخمسة آلاف دينار وهو يقول: قد قرّت العينان واشتفت النفس فلله الحمد والشكر! وحكي عن شيرويه بن أبرويز أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً وقد خرج من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل ساسان من جبريته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان يأخذ بالإحنة، ويقتل بالظن، ويخيف البريّ، ويعمل بالهوى.
فقال شيرويه لبعض حجابه: احمله إلي. فحمل. فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: كنت في كفاية العيش. قال: فكم رزقك بما سمعت اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء. قال: فهل وترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ قال: لا. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك مادة رزقك ولا وترك في نفسك، وما للعامة والوقوع في الملوك وهم رعية؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: حق ما يقال: الخرس خير من البيان بما لا يجب. وقال بعض الشعراء في مثله:
يا ليت أني لا أموت بغصتي ... حتى أرى رجلاً يقول فيصدق
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكّل بالمنطق
ولآخر:
لعمرك ما شيءٌ علمت مكانه ... أحق بسجنٍ من لسان مذلل
على فيك مما ليس يعنيك قوله ... بقفلٍ شديدٍ حيث ما كنت فاقفل
ولآخر:
إذا الأمر أعيا اليوم فانظر به غداً ... لعل عسيراً في غدٍ يتيسر
ولا تعد قولاً من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر
(1/168)

ولا تصر من حبل امريءٍ في رضى امريء ... فيتصلا يوماً وحبلك أبتر
محاسن الصدق
قال بعض الحكماء: عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز من الصدق، والصدق عز وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذلّ وإن كان فيه ما تحب، ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق.
وقيل: الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور.
وقال ابن السماك: ما أحسبني أؤجر على ترك الكذب لأني أتركه أنفة.
وقال الشعبي: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك.
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل لأهله ليرضيها، وإصلاح بين الناس، وكذب في حرب.
وقال بعض الحكماء: الصدق عز والكذب خضوع.
وقال آخر: لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءةً لقد كان حقيقاً بذلك فكيف وفيه المأثم والعار! ومن المعروفين بالصدق أبو ذر الغفاري، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق ذي لهجة من أبي ذر.
ومنهم العباس بن عبد المطلب، حدثنا الحكم بن عيسى عن الأعمش عن الشعبي قال: اطلع العباس على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعنده جبريل، عليه السلام، فقال له جبريل، عليه السلام: هذا عمك العباس؟ قال: نعم. قال: إن الله جل وعز يأمرك أن تقرأ عليه السلام، وتعلمه أن اسمه عبد الله الصادق وأن له شفاعة يوم القيامة. فأخبره، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فتبسم العباس. فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: إن شئت أخبرتك مما تبسمت وإن شئت أن تقول فقل. قال: بل تعلمني يا رسول الله. قال: لأنك لم تحلف يميناً في جاهلية ولا إسلام برةً ولا فاجرةً ولم تقل لسائل لا. قال: والذي بعثك بالحق ما تبسمت إلا لذلك.
ومنهم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال يوم النهروان لأصحابه: شدوا عليهم فوالله لا يقتلون عشرة ولا ينجو منهم عشرة.
فشدوا عليهم فوالله ما قتل من أصحابه تمام عشرة ولا نجا منهم تمام عشرة.
ثم قال: اطلبوا ذا الثديّة. فطلبوه فقالوا: لم نجده. فقال: والله ما كذبت قط ولا كُذبت، والله لقد أخبرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه يقتل مع شر جيلٍ يقتلهم خير جيل. ثم دعا ببغلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فركبها فسار حتى وقفت على قليب فيه قتلى فقال: اقلبوا القتلى واطلبوه بينهم. فإذا هو سابع سبعةٍ، فلما أخرجه قال: الله أكبر! لولا أن تنكلوا فتتركوا العمل لأخبرتكم بما جعل الله جل وعز لمن قتلهم على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم.
ومن الأخبار في مثله قيل: دخل هشام بن عروة على المنصور فقال له: يا أبا المنذر أتذكر حيث دخلت عليك أنا وأخي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقاً بقصبة يراعٍ فلما خرجنا من عندك قال أبي: استوصوا بالشيخ خيراً واعرفوا حقه فلا يزال في قومكم بقية ما بقي؟ قال: ما أُثبت ذاك يا أمير المؤمنين. فلامه بعض أهله وقالوا: يذكّرك أمير المؤمنين ما يمتّ به إليك وتقول له لا أذكره؟ فقال: لم أذكره ولم يعودني الله في الصدق إلا خيراً.
قال: قدم زياد على معاوية، فلما طال بهم المجلس حدثه زياد بحديث، فقال له معاوية: كذبت. فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين فوالله ما حللت للكلام حبوة إلا على بيعة الصدق ولم أكذب، وحياة الكذب عندي موت المروءة، فاستحياه معاوية وقال: يغفر الله لك يا أخي، فكأني أرى بك حرب بن أمية في جميل شيمه وكرم أخلاقه.
قال: وكان الفضلبن الربيع يخاطب الرشيد فقال له الرشيد: كذبت. فقال: يا أمير المؤمنين وجه الكذب لا يقابل وجهك ولسانه لا يقابل جوابك.
محاسن الكذب
روي عن المغيرة بن إبراهيم قال: لم يرخص لأحد في الكذب إلا للحجاج بن علاط، فإنه لما فتحت خيبر قال لرسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة فإن أذن لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن أكذب كذبة فلعلي أن أستلّ وديعتي. قال: فرخص له. فقدم مكة فأخبرهم أنه ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسيراً في أيديهم يأتمرون فيه، قائل يقول يقتل وقائل يقول لا بل يبعث إلى قومه فيكون ذلك منّة.
(1/169)

فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم النبي، صلى الله عليه وسلم، منه والعباس يريهم التجلد. وأخذ الرجل وديعته، فاستقبله العباس فقال: ويحك ما الذي أخبرت به؟! فأعمله السبب ثم أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد فتح خيبر واستنكح صفية بنت حيي بن أخطب وقتل أباها وزوجها، وقال له: اكتم عليّ اليوم وغداً حتى أمضي، ففعل ذلك. فلما مضى أخبرهم العباس بالذي أخبره فكبتوا.
وروي أن رجلاً أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إتي أستسرّ بخلال أربع: الزناء والسرق وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركته لك سراً. فقال: دع الكذب. فمضى الرجل فهمّ بالزناء فقال: يسألني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن جحدت نقضت ما جعلته له وإن أقررت حددت، فلم يزن، ثم همّ بالسرقة وبشرب الخمر ففكر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له، عليه السلام: تركتهن أجمع.
ومن مُلح الكذب قيل: إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل على لسان يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك بالوصاة به وأكد بمعاونته كل التأكيد، ولم يعلم ما بينهما من التباعد، فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب، فأوصله الحاجب، فقال له عبد الله: أدخل صاحب هذا الكتاب. فأدخله. فقال له عبد الله: إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد تجشمت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك. فقال الرجل: أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت إنما تقصده بهذه التهمة لتصرفه فالله جل وعز حسبي وعليه أتوكل. فقال عبد الله: أفترى أن تُحبس في دار وتزاح علتك إلى أن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً خيرتك بين الصلات والولايات فأيها اخترت سوغتكه؟ قال: نعم. فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق: إن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد عليّ كتاباً من أبي عليّ يحيى بن خالد البرمكي فتعرّف لي أمر هذا الكتاب واكتب إلي بالحال فيه.
فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى بن خالد فقرأه عليه، فدعا بالدواة وكتب إليه بخطه: فلان من أخص من يليني وأوجبهم حقاً وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل، جعلت فداك، الشك وليكن صرفه إلي معجلاً بما يشبهك.
فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه: ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك وصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً: نرى أن تفضحه وتكشف ستره وتعلن أمره ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة للعالمين. قال: لا والله، وهذا رأيكم؟ قالوا: نعم. فقال: قبح الله هذا من رأي فما أقله وأنذله! ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد شقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمّله في حتى يسيء ظنه بي وقد عرفتم قدر عبد الله وحاله عند أمير المؤمنين وأني لم أكن أحتال لهذه المنزلة إلا بالخطير من المال، أفتريدون أن أردّ الأمر بيني وبينه بعد الألفة الواقعة إلى الحشمة؟ هذا والله النكد طول الأبد وغاية الضعف ونهاية أسباب الانتكاس! ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب.
وورد الكتاب بخطه على عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط في يده لاعتراض سوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال. هذا كتاب أخي قد ورد عليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه. فدعا له بمائتي ألف درهم وبما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان والخلع وسائر الآلة ثم أصدره. فلما حضر باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه، فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته.
(1/170)

قيل: وكان رجال من أهل المدينة من فقيه وراوية وشاعر يأتون بغداد فيرجعون بحظوة وحال حسنة، فاجتمع عدة منهم يوماً فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الآداب: لو أتيت العراق فلعلك كنت تصيب شيئاً. فقال: أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها! قالوا: نحن نحتال لك، فجهزوه وقدم بغداد وطلب الاتصال بعلي بن يقطين بن موسى وشكا إليه الحاجة! فقال: ما عندك من الأدب؟ قال: ليس عندي من الآداب شيء غير أني أكذب الكذبة فأخيّل إلى من سمعها أني صادق. وكان ظريفاً مليحاً، فأُعجب به وعرض عليه مالاً فأبى أن يقبله وقال: لست أريد منك إلا أن تسهّل إذني وتدني مجلسي. قال: ذاك لك. فكان من أقرب الناس إليه مجلساً حتى عرف بذلك.
وكان المهدي غضب على رجل من القواد حتى استصفى ماله فكان يختلف إلى علي بن يقطين رجاء أن يكلم له المهدي، وكان يرى قرب المدني منه ومكانه، فأتى المدني القائد عشاء وقال له: ما البشرى؟ فقال: لك البشرى وحكمك، قال: قد أرسلني إليك علي بن يقطين وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ورضي عنك وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو عليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكراً، فدعا له الرجل بألف دينار وثياب وكسوة وحملان ودفعها إليه، وغدا على عليّ مع جماعة من وجوه العسكر متشكراً. فقال له عليّ: وما ذاك؟ فقال: أخبرني أبو فلان، وهو إلى جنبه، بكلامك لأمير المؤمنين في أمري ورضاه عني! فالتفت إلى المدني فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله! هذا بعض ذلك المتاع نشرناه. فضحك عليّ وقال: عليّ بدابتي، فركب إلى المهدي وحدثه بالحديث فضحك المهدي وقال لعلي: فإنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله فأجر على المدني رزقاً واسعاً واستوص به خيراً. فأجرى عليه ووصله، وكان يٌعرف بكذّاب الخليفة.
قال: وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب عليّ الشقراء بنت شبيب بن عوانة الطائية وهو يومئذ في بادية له ومعه عدة من أصحابه. فأرسل إليه عمر: إن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أخطب عليه الشقراء ابنتك فاحضر فارسل إليه. فقال: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين إلينا حاجة فليأت أو يرسل رسولاً. فقال عمر: سيروا بنا إليه. فسار في جماعة من وجوه البلقاء. قال: فدفعنا إلى أعرابي بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، وتكلم عمر فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين أنت؟ قال: نعم، قال: فإنا قد زوجناه على صداق نسائنا مائة من الإبل وما يتبعها من الثياب والخدم. فقلت: نعم. ثم جاءنا بثلاث جفان من كسور خبز ولبن فأكلنا ثم انصرفنا، فكتبت إلى عبد الملك بن مروان فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف درهم وما يتبع ذلك من الطيب والخدم والأثاث. فجهزها ثم حملها إلى عبد الملك وما معها من ذلك شيء إلا البعير الذي ركبته ومعها نسوة من بنات عمها. فلما وافت عبد الملك أمر فأُدخلت إلى دار فأقامت أياماً ثم إن عبد الملك بنى بها فكان كثيراً ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفاً وخلقاً ومنطقاً.
فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد بن معاوية فأرسلت إلى روح بن زنباع، وكان من أخص الناس بعبد الملك، فقالت: يا أبا زرعة قد علمت رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك ورأي يزيد من بعده وأن أمير المؤمنين قد أعجبه أمر هذه الأعرابية وغلبت على قلبه فشأنك في إفساد ذلك عنده. قال: نعم ونعمة عينٍ. ثم خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ما جمع النساء الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين إنك من الأعرابية كما قال الأول:
وإذا تسرك من تميم خلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثر
فقال له: لا تقل ذلك، قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي عليه.
فكثر ذلك منه. ثم إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء أعلمت أن روحاً قال لي كذا وكذا؟ قالت: ولم ذاك وحال عشيرتي وعشيرته كما تعلم؟ قال: هو علي ما قلت لك وإن أحببت أسمعتك ذلك منه! فقالت: قد أحببت.
(1/171)

فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا زرعة والله لقد وقع كلامك مني موقعاً! قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الأعرابية تنتكث كانتكاث الحبل ثم لا تدري ما أنت عليه منها. فعجّلت ورفعت الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك قد كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق! فوثب روح وقال: يا هذه إن هذا أرسل إليّ فأعلمني أنك خلف الستر وعزم عليّ أن أتكلم بهذا فلم أجد بداً من أبرّ عزيمته، وأما أنت فلا يسوءك الله! قالت: صدق والله ابن عمي وأنت الذي حملته على ما قال. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء ألا تقبلي منه! قالت: هو عندي أصدق منك. وجعل روح يقول وهو مولٍّ: هو والله الحق كما أقول. فخرج ووقع الكلام بينهما.
وقال خالد بن صفوان: دخلت على أبي العباس وهو خالي المجلس فقلت: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به أو قال فيه. فأمر بذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين فكّرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومنّ به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذّاته وأتعب الخلق فيه؟ قال: وكيف ذاك يا خالد؟ قلت: باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيضاء المشتهاة لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها والسمينة المشتهاة لوطائها وذكرت الرشيقة الرخيمة والجعدة السبطة، فقال: يا خالد هذا أمر ما مرّ بسمعي! فاستأذن في الانصراف فأذن له.
وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت: يا أمير المؤمنين أراك مفكراً، أنتقض عليك عدو؟ قال: كلا ولكن كلام ألقاه إلي خالد بن صفوان فيه نصيحتي. وشرح ذلك لها. قالت: فما قلت لابن الزانية؟ قال: ينصحني وتشتمينه! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت: لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالداً فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضّوها. فطلبت ومررت بقوم أحدّثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضّوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض.
فإني جالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله. فقال: يا خالد من أين تُرى؟ قلت: كنت في غلة لي. ثم قال: الكلام الذي كنت ألقيته إليّ في بعض الأيام أعده عليّ. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العرب اشتقت اسم الضر من اسم الضرتين، وإن الضرائر شر الذخائر، والإماء آفة المنازل، ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى بشرارها. قال: ليس هذا هو! قلت: بلى. قال: ففكر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث إذا اجتمعن كن كالأثافي المحرقة، وأن الأربع يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين، وإن أُعطين لم يرضين. قال: لا والله ما هو هذا. قلت: يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب، إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات، وإن آثرها كن له أعدى من الحيات، وأخبرتك أن الجواري رجال لا خصى لهن وخرقٌ لا حياة معهن. قال: لا والله ما هو هذا! قلت: بلى إن بني مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت قريش، وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزوج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك بكائن آخر الزمان المعاين! قال: ويلك أتستعمل الكذب؟ قلت: فمع السيوف لعب! قال: فاذهب فإنك أكذب العرب، قلت: فأيهما أصلح، أكذب أم تقتلني أم سلمة؟ فاستلقى ضاحكاً وقال: اخرج قبحك الله! وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمسة تخوت وقال: الزم ما سمعناه منك.
(1/172)


قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان سبعين ذراعاً من حديد مصمت في غلظ الراقود؟ قال: فقلت ها هنا أعرابي له معرفة فاذهب بنا إليه نحدثه بهذا. فذهبت به إلى الأعرابي فقال له ذلك فقال الأعرابي: قد سمعنا بهذا وقد بلغنا أن رستم هذا واسفنديار أتيا لقمان بن عاد بالبادية فوجداه نائماً ورأسه في حجر أمه فقالت لهما: ما شأنكما؟ فقالا: بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه، فانتبه فزعاً من كلامهما فنفخهما فألقاهما إلى أصفهان فقبورهما اليوم بها. فقال الخليل: قبحك الله ما أكذبك! فقال: يا ابن أخي ما بيننا شيء إلا وهو دون الراقود.
قيل: وقدم بعض العمال من عمل فدعا قوماً إلى طعامه وجعل يحدثهم بالكذب فقال بعضهم: نحن كما قال الله عز وجل: سمّاعون للكذب أكالون للسحت.
وممن ذم الكذب
قيل: إنه وجد في كتب الهند: ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول وفاء ولا لبخيل صديق.
وقال قتيبة بن مسلم لبنيه: لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقرّبها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنه يقدم حاجته قبلها ويجعل حاجتك وقاية لها، ولا من أحمق فإنه يريد نفعك فيضرك.
وقيل: أمران لا ينفكان من كذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار.
وقال: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب.
وقال رجل لأبي حنيفة: ما كذبت قط. فقال: أما هذه فواحدة.
وفي المثل: هو أكذب من أسير السند، وذلك أنه يؤخذ الخسيس منهم فيزعم أنه ابن الملك. ويقال: هو أكذب من الشيخ الغريب، وذلك أنه يتزوج في الغربة وهو ابن سبعين سنة فيظن أنه ابن أربعين سنة. وقيل: هو أكذب من مسيلمة.
ومما قيل في ذلك من الشعر:
حسب الكذوب من البل ... ية بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبةٍ ... من غيره نسبت إليه
ولآخر:
لقد أخلفتني وحلفت حتى ... إخالك قد كذبت وإن صدقتا
ألا لا تحلفن على يمينٍ ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا
ولآخر:
كلام أبي خلفٍ كله ... نداء الفواخت جاء الرطب
وليس وإن كنّ يشبهنه ... يقاربنه أبداً في الكذب
ولآخر:
قد كنت أنجز دهراً ما وعدت إلى ... أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب
فإن أكن صرت في وعدي أخا كذبٍ ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب
محاسن فضل المنطق
سئل بعض الحكماء عن المنطق والصمت فقال: إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح المنطق بالصمت وما عبّر عن شيء فهو أفضل منه.
وسئل آخر عنها فقال: أخزى الله المساكنة فما أفسدها للسان وأجلبها للعيّ والحصر، والله للمماراة في استخراج حق أسرع في هدم العيّ من النار في يابس العرفج. فقيل له: قد عرفت ما في المماراة من الذم. فقال: إن ما فيها أقل ضرراً من السكتة التي تورث عللاً وتولد أدواء أيسرها العيّ.
وقال بعض الحكماء: اللسان عضوٌ فإن مرنته مرن وإن تركته حزن.
محاسن الصمت
الهيثم بن عدي قال بعض الحكماء: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات رميت عن قوس واحدة فقال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل وقد أندم على ما قد قلت. وقال ملك الصين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول.
وقال بعضهم: من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من المنطق إذا وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم في الاستماع والصمت سلامة وزيادة في العلم.
وقال بعض الحكماء: من قدر أن يقول فيحسن قادر أن يصمت فيحسن، وليس كل من صمت فأحسن قادر أن يقول فيحسن.
وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام.
وكان يقال: من سكت فسلم كان كمن قال فغنم.
وقال علي بن عبيدة: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول.
وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الله جل وعز يكره الانبعاق في الكلام، فرحم الله امرأً أوجز في كلامه واقتصر على حاجته.
(1/173)

قيل: وكلم رجل سقراط بكلام أطاله فقال: أنساني أول كلامك طول عهده وفارق آخره فهمي بتفاوته. قيل: ولما قدم ليُقتل بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: تُقتل ظلماً. قال: وكنت تحبين أن أقتل حقاً! قيل: ودخل رجل على معاوية ومعه ابن له يتوكأ عليه فقال: من هذا الغلام معك؟ قال: ابن لي يتيم. قال: حق لمن كنت أباه أن يكون يتيماً.
محاسن الكلام في الحكمة
اصبر محتسباً مأجوراً وإلا صبرت مضطراً مأزوراً.
المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين إن بقيت لم يبق الهمّ.
إذا حضر الأجل افتضح الأمل. الأمل يتخطى الأجل.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة.
لا يُستبطأ الدعاء بالإجابة وقد سدت طريقه بالذنوب.
واجد لا يكتفي وطالب لا يجد.
الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه.
شكرك نعمةً سالفة يقتضي لك نعمة مستأنفة.
من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم.
لولا من يقبل الجور لم يكن من يجور.
من مدحك بما ليس فيك فحقيق بأن يذمك بما ليس فيك.
من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه.
من أحسّ بضعف حيلته عن الاكتساب بخل.
عالم معاند خير من جاهل منصف.
أطع من هو أكبر منك ولو بليلة.
حافظ على الصديق ولو في حريق.
أعظم المصائب انقطاع الرجاء.
إذا كُفيت فاكتفِ.
الليل أخفى للويل.
عين عرفت فذرفت.
لم يفت من لم يمت.
أصدع الفراق بين الرفاق.
محاسن البلاغة
يقال في المثل: هو أبلغ من قُسٍّ، وكان من حكماء العرب، وهو أول من كتب من فلان إلى فلان، وأقر بالبعث من غير نبي، وأول من قال البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وقال فيه الأعشى:
وأبلغ من قسٍّ وأجرا من الذي ... بذي الغيل من خفّان أصبح خادرا
قال: وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة فقال: أن تجعل في المعنى الكثير كلاماً قليلاً وفي القليل كلاماً كثيراً.
ووصف آخر بلاغة رجل فقال: كيف قادهم الله بأزمة أنوفهم إلى مصارع حتوفهم.
وقال اليوناني: البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام.
وقال الرومي: البلاغة حسن الاقتصاد عند البديهة والاقلال عند الإطالة.
وقال الهندي: البلاغة وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة.
وقال الفارسي: البلاغة أن تعرف الفصل من الوصل.
وقال إبراهيم الإمام: يكفي من حظ البلاغة أن يُؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يُؤتى الناطق من سوء إفهام السامع.
وسُئل آخر عن البلاغة فقال: أن تجعل بينك وبين الإكثار مسورة للاختصار.
وقال أحنف: البلاغة الوقوف عند الكفاية وبلوغ الحاجة بالاقتصاد.
وقال معاوية لصحارٍ العبدي: ما البلاغة؟ فقال: أن تجيب فلا تبطيء وتقول فلا تخطيء.
وقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: أن لا تبطيء ولا تخطيء.
وقيل: البليغ من أغناك عن التفسير.
وقال خالد بن صفوان: ليست البلاغة بخفة اللسان ولا كثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى والقصد للحجة.
محاسن الأدب
قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: كفى بالأدب شرفاً أنه يدّعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب نسب إليه، وكفى بالجهل خمولاً أنه يتبرأ منه وينفيه عن نفسه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه. فأخذ بعض المولدين معنى قوله فقال:
ويكفي خمولاً بالجهالة أنني ... أراع متى أُنسب إليها وأغضب
وقال، رحمة الله عليه: قيمة مل امريءٍ ما يحسن. فرواه بعض المحدثين شعراً فقال:
قال علي بن أبي طالب ... وهو اللبيب الفطن المتقن
كلّ امريءٍ قيمته عندنا ... وعند أهل العلم ما يحسن
وأنشد أبو الحسن بن طباطبا العلوي لنفسه:
حسودٌ مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغباً ... وأجمع من عند الرواة فنونه
فأعرف أبكار الكلام وعونها ... وأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أن العلم لا يجلب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أُغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه
وقيل: الأدب حياة القلب ولا مثيبة أعظم من الجهل. وأنشدنا الكسروي:
عِيّ الشريف يزين منصبه ... وترى الوضيع يزينه أدبه
(1/174)

قال: وسمع بعض الحكماء رجلاً يقول: إني غريب. فقال: الغريب من لا أدب له.
وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: العلم خير من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال يبيده الإنفاق، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه.
وقيل لبزرجمهر: الأدب أفضل أم المال؟ قال: بل الأدب. قيل له: فما بال الأدباء بباب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بباب الأدباء؟ فقال: لعلم الأدباء بمقدار فضل المال وجهل الأغنياء بمقدار الأدب.
وقال بعض الحكماء: إن كان الرزق لا بد مطلوباً بسبب فأفضل أسبابه ما افتتح بالأدب، ونظرنا فلم نره اجتمع لشيء من أصناف الصناعات كما اجتمع للكتبة لأنها لا تكمل لأحد حتى يبتدئها برياضة نفسه في الأدب فينفذ في الخط والبلاغة في الكتب والفصاحة في المنطق والبصر بصواب الكلام من خطابه والعلم بالشريعة وأحكامها والمعرفة بالسياسة والتدبير.
المناظرات في الأدب
حدثنا أبو ناظرة البصري عن المازني قال: بينا أنا قاعد في المسجد إذا صاحب بريد قد دخل وهو يسأل عني ويقول: أيكم المازني؟ فأشار الناس إليّ، فقال: أجب، قلت: من ومن أجيب؟ قال: الخليفة، فذعرت منه وكنت رجلاً فاطمياً فظننت أن اسمي رُفع فيهم فقلت: أصلحك الله! تأذن لي أن أدخل منزلي فأودع أهلي وأتأهب لسفري؟ فقال: افعل. فعلمت أنه لو كان شراً لما أذن لي فسكنت إلى قوله ودخلت المنزل فودّعتهم وخرجت إليه، فحملني على دابة من دواب البريد حتى وافى بي باب الواثق، فما كان إلا قليلاً حتى أذن لي فدخلت إلى بهوٍ وإذا رجل قاعد وعلى رأسه سبعون وصيفاً. فذهبت أسلّم عليه بالخلافة. فقيل لي: هذا بغا. ثم تقدمت إلى بهو آخر فإذا رجل قاعد على كرسي وبين يديه سبعون وصيفاً. فذهبت أسلم عليه بالخلافة فقيل: هذا وصيف. حتى دفعت إلى الستر فما زال يقول: اذهب ادن ادن، حتى حاذاني بسريره، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: بكر بن محمد. قال: ممن سمعتها؟ يعني اللغة. قلت: من مزاحم العقيلي، فقال حدثني. فلم أدر بما أحدثه وقلت: لعل حديثي على البديهة يعجبه، قلت: يا أمير المؤمنين قال رؤبة بن العجاج:
لا تعلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا
فكأنه فطن لما أردت فقال: أجل أتدري لم دعوناك؟ قلت: لا. قال: وقع بيني وبين جارية لي شجار في بيت أردت لها إعرابه فامنتعت عليّ وقالت: سل المازني. قلت: فأسمعني يا أمير المؤمنين. قال: نعم. وأومأ إلى خادم بين يديه فضرب ستارة كادت عيني تلتمع من كثرة ذهبها ثم سمعت وراءها نقراً لولا جلالة أمير المؤمنين لرقصت عليه، ثم غنت:
أظليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحيةً ظلم
فقال: كيف ما سمعت؟ قلت: صواب. قال: فقد أخطأنا إذاً، قلت: وكيف؟ قال أمير المؤمنين قلت:
أظليم إن مصابكم رجلٌ ... أهدى السلام تحيةً ظلم
فقلت: وأصاب أمير المؤمنين. قال: فكاد يقوم إليّ فرحاً، ثم أدخل رأسه في الستارة فأومأ إليّ الخادم في الخروج فخرجت فناولني صرةً فيها خمسمائة دينار وحملت على البريد حتى رددت إلى منزلي بالبصرة. والشعر لأبي دهبل الجمحي يقول فيه:
عُقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عُقْم
فلا يلدن شبيهه أجود.
وحدثنا علي بن يزيد عن إسحاق بن المسيب بن زهير قال: حدثني المفضل قال: كنت يوماً عند الصراة ببغداد وكنت في الصحابة فأتاني رسول المهدي فقال لي: أجب. فخفت أن يكون ساعٍ سعى بي، فدخلت منزلي ولبست ثيابي وهممت أن أخبر أهلي ثم قلت: لم أعجل لهم الهمّ؟ إن كان خير سيأتيهم وإن كان غير ذلك فلا أكون عجّلته لهم. فمضيت حتى دخلت عليه وأنا مرعوب فسلمت عليه ورد السلام، وإذا عنده الفضل بن الربيع وعلي بن يقطين وغيرهما، فقال: إن هؤلاء زعموا أنك أعلم الناس بالشعر فأخبرني ما أشعر بيت قالته العرب؟ فوقعت في شيء لم أدر كيف هو فجهدت والله أن أنشده بيتاً من شعر فما قدرت عليه. فقال لي: ما لك لا تتكلم؟ فجرى على لساني ذكر الخنساء فقلت: لقد أحسنت الخنساء في قولها:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتوا لنحّار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
(1/175)

قال: فاستبشر بذلك، وسر سروراً شديداً، ثم قال: أنت والله أعلم الناس وقد قلت هذا لهؤلاء فأبوا عليّ. فقال القوم: كان أمير المؤمنين أولى بالصواب. فقال لي: يا مفضّل أسهرتني البارحة أبيات حسين بن مطير الأسدي. قلت: وأي أبياته؟ قال قوله:
وقد تغدر الدنيا فيضحي غنيها ... فقيراً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها
وكم قد رأينا من تغير عيشةٍ ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها
قلت: مثل هذه فليسهرك يا أمير المؤمنين زادك الله توفيقاً وتسديداً! قال: حدثني يا مفضّل. قلت: أي الأحاديث تحب؟ قال: أحاديث الأعراب.
فما زلت أحدثه حتى بلغت الشمس منه، ثم قال: ما لك، قلت: يا سيدي ما تسأل عن رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم ليست عنده! قال: عليك عشرة آلاف درهم؟ قلت: نعم. فقال: يا ربيع احمل إليه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم يبني بها داره وعشرة آلاف ينفقها على عياله، فرجعت ومعي ثلاثون ألف درهم.
وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون بمرو وهو في بهو له في يوم صائف وعليّ قميص مرقوع فقال: يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في خلقان ثيابك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين حرّ مرو وأنا شيخ كبير لا أحتمل الحر ولا البرد. ثم أنشدته:
لو يُشترى الشباب لاشتريته ... شبابي النضر الذي أبليته
بكل ما لي ثم ما استغليته
ثم أجرينا الحديث فقال: يا نضر أي النساء أحب إليك؟ قلت: البيضاء الفرعاء المديدة، فقال: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان له فيها سداد من عوزٍ. قلت: صدق هشيم. حدثني عوف عن الحسن عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها كان له فيها سداد من عوز. قال: يا نضر والسداد خطأٌ؟ قلت: خطأٌ يا أمير المؤمنين! قال: وما يدريك؟ قلت: السَّداد بالفتح القصد في الدين وفي السبيل، والسِّداد البلغة، وكل شيء سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان، رحمه الله، حيث يقول:
أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسِداد ثغر
فاستوى جالساً وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم أقبل عليّ فقال: أخبرني بأخلب بيت قالته العرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان:
تقول لي والعيون هاجعةٌ ... أقم علينا يوماً فلم أقم
متى يقل صاحب السرادق هـ ... ذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات أُدخل وأعطني سلمي
قال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني بأنصف بيت قالته العرب، قال: قول أبي عروبة:
إني وإن كان ابن عمي واغداً ... لمداهنٌ من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرأً ... متباعداً من أرضه وسمائه
فأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يحين عليّ وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرّبتُ جلّتنا إلى جربائه
وإذا دعا باسمي ليركب مركباً ... صعباً ركبت له على سيسائه
وإذا رأيت عليه برداً ناضراً ... لم يلفني متمنياً لردائه
فقال: لقد أحسن وأجاد، فأخبرني عن أعز بيت قالته العرب. قلت: قول راعي الإبل:
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق لنفسي وأُجمل الطلبا
وأحلب الثرّة الصفيّ ولا ... أطلب في غير خلفها حلبا
إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعه رغبا
والنذل لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقّع السوء لا ... يحسن مشياً إلا إذا ضربا
(1/176)

فقال: والله لقد أحسن وأجاد. ودعا بالدواة فما أدري ما يكتب ثم قال: يا نضر كيف تقول من الإتراب؟ قلت: أقول اترب القرطاسَ والقرطاسُ متروب. قال: فلم كسرت الألف؟ قلت: لأنها ألف وصل تسقط في التصغير. قلت: فكيف تقول من الطين؟ قلت: طِن الكتاب والكتابُ مطينٌ. قال: هذه أحسن من الأولى. ثم دفع ما كتب إلى خادم ووجهه معي إلى ذي الرياستين الحسن بن سهل، فقال لي ذو الرياستين: ما الذي جرى بينك وبين أمير المؤمنين؟ فقد أمر لك بخمسين ألف درهم. فقصصت عليه القصة. فقال ويحك لحّنت أمير المؤمنين. قلت: معاذ الله بل لحّنت هشيماً لأنه كان لحّانة، فوقّع لي أيضاً من عنده بثلاثين ألف درهم فانصرفت بثمانين ألف درهم في حرف واحد سِداد وسَداد.
قال أبو سعيد الضرير: سمعت ابن الأعرابي يقول: بعث إليّ المأمون فصرت إليه وإذا هو مع يحيى بن أكثم يطوفان في حديقة، فلما نظر إليّ ولاني ظهره فجلست فلما أقبل قمت قائماً فأسرّ إلى يحيى بشيء ما فهمت كله إلا ما قال: ما أحسن أدبه! وقد أقبل إلى مجلسه ثم التفت إليّ فقال: يا محمد بن زياد من أشعر العرب في وصف الخمر؟ فقلت: الذي يقول:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
فقال: أحسن الناس قولاً في صفة الخمر الذي يقول:
فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مُزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم
فاهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السفر بالعلم
قلت: فائدة أمير المؤمنين. ثم قال: ما معنى قول هند:
نحن بنات طارق ... نمشي على نمارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
ففكرت في نسبها ونسب أبيها فلم أجد طارقاً فقلت: ما أعرف طارقاً يا أمير المؤمنين. فقال: إنما قالت إنها في العلو والشرف بمنزلة الطارق وهو النجم، من قول الله، عز وجل، والسماء والطارق، قلت: فائدة يا أمير المؤمنين ثانية. ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه. فلم أدر ما قال وقمت لأخرج. فلما نظر إليّ وقد قمت رمى إليّ بعنبرة كانت في يده بعتها بخمسة آلاف درهم، قال: فرجعت إلى كتبي فنظرت فيها لأعرف ما قال فوقعت على هذه الأبيات لبعض الأعراب:
كأنما بنت أبي المحيريه ... قاعدةٌ في إتبها لُؤيليه
قد فاقت البؤبؤ والبؤيبيه
فعملت أنه عنى السيد وابن السيد.
قال أبو عبد الله الأسواري: دخلت على المأمون في حديقة له وفي يده مقراص ذهب وهو يقرص به ما طال من أوراق تلك الروضة ويقوّم ما بدا من أغصانها، فسلمت وقلت: يا أمير المؤمنين، جعلت فداك، إنك لمستهتر بهذه الحديقة حتى إنك لا تأمن عليها أحداً. قال: نعم يا أسواري فهل يحضرك في ذلك شيء؟ قلت: نعم، وأنشدته:
أوائل رسلٍ للربيع تقدمت ... على طيب وجه الأرض خير قدوم
فراقت لها بعد الممات حدائقٌ ... كواسٍ وكانت مثل ظهر أديم
إذا اقتصها طرف البصير بلحظةٍ ... توهّمها مفروشةً برقوم
كأن اخضرار الزهر والروض طالعٌ ... عليه سماءٌ زينت بنجوم
تردت بظلٍّ دائمٍ فتضاحكت ... كضحك بروقٍ في بكاء غيوم
وأوردها فحل السحاب عرائساً ... ضعاف القوى من مرضعٍ وفطيم
إذا برزت منهن بكرٌ حسبتها ... تراك وإن أضحت بعين سقيم
كمثل نشاوى الراح يلثم ذاك ذا ... أو الريح جادت بينها بنسيم
تخال وقوع الطل فيهن أدمعاً ... رنت بعيونٍ غير ذات سجوم
قال: أحسنت يا أسواري، يا غلام اسقنا على هذا. ثم جلس على كرسي مغشّىً بالحرير وإذا غلام قد أقبل يهتز كأنه القضيب المائل حين اخضر شاربه وبدا عذاره وفي يده كأسٌ وإبريق فصبّ في الكأس من الإبريق ثم مزجه وناوله إياه، فأخذه في يده ساعة وجعل ينظر إلى الغلام ما يرد بصره عنه، ثم قال: يا أسواري هل يحضرك في صفة مثل هذا شيء؟ قلت: نعم يا سيدي، وأنشدته:
ثجاج مزنٍ شجّ كأس رحيق ... ريق المهفهف فيه أعذب ريق
(1/177)

أذرى لخوف البين حرّ مدامعٍ ... في در خدٍّ فيه ذوب عقيق
هو في تناهي صدق حسنٍ فائقٌ ... في حسن صورة يوسف الصديق
قامت على رجلٍ به الدنيا لنا ... إن قام بالمنديل والإبريق
فرأى على قلبي لواحظ طرفه ... وتلا كتاب الحب بالتحقيق
إن دام ذا في حسنه أبداً لنا ... سمّي فقيه العصر بالزنديق
قال: فقال المأمون: أحسنت ويحك فمن صاحب هذه الأبيات؟ قلت: فلانٌ يا أمير المؤمنين. فقال: أشعر والله منه في هذا المعنى شيخ الشعراء أبو نواس حيث يقول:
كُفّي فلست لعاذلٍ بمطيق ... بلغ الهوى بي غاية التحقيق
قطع الهوى فرط الشباب بباطلٍ ... أيدي الزمان وألسن التصديق
وجداولٌ موصولةٌ بجداولٍ ... من صوب غاديةٍ ولمع بروق
تكسو مدامعه الرياض عرائساً ... من نرجسٍ متكاثفٍ وشقيق
باكرتها قبل الصباح بسحرةٍ ... قبل ابتكار مجرة العيّوق
من كف أحور ذي عذارٍ أخضرٍ ... يسبي القلوب بقدّه الممشوق
فكأن ما في الكأس من إبريقه ... نارٌ تسلل من فم الإبريق
وكأنها والماء يأخذ جسمها ... درٌّ يُنثر فوق أرض عقيق
وتضوع مسكاً في الزجاجة أذفراً ... ذوب الشباب معصفراً بخلوق
قمرٌ عليه من البدائع حلةٌ ... يسقيك كأس هوىً وكأس رحيق
ما طاب عيش فتىً يطيب بغيرها ... لا سيما إن شجها بالريق
يغنيك عن ورد الرياض وزهرها ... منه تورّد خدّه المعشوق
قال فقلت: يا أمير المؤمنين قد حضرني في هذا المعنى شيء فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده؟ قال: هات. فقلت:
جسمٌ مركَّبه في العين إنسيُّ ... وفي اللطافة والأجناس عدنيُّ
ما يعرف الطرف من أعراض جوهره ... إلا الذي يخبر الفكر القياسي
وكلّ من غاص في إدراك صورته ... فإنما نطقه في ذاك وهميّ
حاز المحاسن والأنوار أجمعها ... فالحسن من حسنه في الخلق جزئي
إذا العيون تراءته تراهقها ... من حسن صورته اللحظ الظلامي
ما دبّ في فطن الأوهام من حسنٍ ... إلا وكان له الحظ الخصوصي
كأن جبهته من تحت طرته ... بدرٌ يتوجه الليل البهيمي
كأن عينيه خرطا جزعتي يمنٍ ... من كل حافاتها سهم صيابيّ
كأن صدغيه قافا كاتبٍ مشقا ... من فوق ياقوتةٍ والخد وردي
كأنما الثغر منه في تبسمه ... درٌ تفلّق عنه البحر لجيّ
كأنما الردف منه إذ يميس به ... موجٌ يكفكفه الريح الجنوبي
لو مس أجبال ماهان لفجّرها ... بالماء يسعده الطلّ الغمامي
أو لامس الماء لانسابت أنامله ... كالثلج حلّ به الودق السخامي
جنسيُّ نورٍ على كنهيّ جوهرةٍ ... من روح قدسٍ أو الأنوار بريّ
يسقي بجوهرةٍ في جوف جوهرةٍ ... من نور جوهرةٍ واللون جنسي
ماءٌ وماءٌ وفي ماءٍ يديرهما ... ماءٌ خلافهما والطيب تيهيّ
قد جلّ عن طيب أهل الأرض عنبره ... ومسكه فهو الطيب السماويّ
إذا رأته عيون الخلق أحسرها ... نوراً ولاحظها الحسن الهوائيّ
كادت محاسنه من لطف رقته ... تصير عيباً وما للعيب كيفيّ
سبحان خالقه ماذا أراد به ... لولاه لم يكن الفعل السريريّ
إذا أدار علينا الكأس جمّشه ... من ودّ أسرارنا ودٌّ حقيقي
مصورٌ طرفت عين الزمان به ... واكتنّه من جناح الخفض علويّ
(1/178)

قال: فتبسم المأمون وقال: أحسنت والله يا أسواري، فلمن هذا ويحك؟ قلت: لعبدك النظّام. فقال: أحسن فيما وصف وأحسنت في تعبيرك عنه. ثم سقاني وأمر لي بخمسين ألف درهم وأمر للنظام بمثلها.
أحمد بن القاسم قال: كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون وهو مستلقٍ على قفاه فقال لعبد الله: يا أبا العباس من أشعر الناس في زماننا؟ فقال: أمير المؤمنين أعرف بهذا مني. قال: على حالٍ. قال الذي يقول:
أيا قبر معنٍ كنت أول حفرةٍ ... من الأرض خطّت للمكارم أجمعا
قال أحمد: فقلت أشعرهم الذي يقول:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
فقال المأمون: أين أنتما عن قول أبي نواس:
يا شقيق النفس من حكمٍ ... نمت عن ليلي ولم أنم
قال: وقال المأمون لعبد الله بن طاهر في الحلبة وقد ارتفعت أصوات العامة: يا أبا العباس سكّن العامة. قال عبد الله: فوثتب أنا ومن معي فارتفع من أصواتنا وضجيجنا أكثر مما كان، فقال لي: أتدلّ بالرياسة ولا بصر لك بالسياسة، هكذا تسكّن العامة؟ هلا ناديت الأقربين لينادي الأقربون الأبعدين! قال: فوالله ما ميزّت بين تأديبه وبين نغرانه.
قال: وقال الحسن بن الفضل بن الربيع: خرج علينا المهديّ متنكراً ومعه الربيع والمسيّب بن زهير يطوف في الأسواق إذ نظر إلى أعرابي ينشد فقال الربيع: أخبرني عن أرق بيت قالته العرب، قال: بيت امريء القيس بن حجر:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتّل
فقال المهدي: بيت قد داسته العامة وفيه غلطٌ. ثم قال للمسيب: هات ما عندك. فقال:
ومما شجاني أنها يوم أعرضت ... تولت وماء العين في الجفن حائر
فلما أعادت من بعيد بنظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسلمتها المحاجر
وسلمتها أيضاً. فقال: وإن هذا قريبٌ من ذاك. وخلفهم شابّ من أهل المدينة له أدب وظرف وقدم متظلماً فطال مقامه على باب المهدي، فلما سمع ذلك منهم حمله ظرف الأدب على أن أدخل نفسه بينهم واتصل بهم وقال: أتأذنون أن أخوض معكم فيما أنتم فيه؟ قالوا: ماذا؟ قال قال الأحوص:
إذا قلت إني مشتفٍ بلقائها ... فحمُّ التلاقي بيننا زادني وجدا
فقال المهدي: أحسنت يا فتى، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل المدينة. قال: وما أقدمك العراق؟ قال: مظلمة لي أنا مقيم عليها بباب الخليفة منذ كذا وكذا وقد أضرّ بي ذلك. فقال للربيع: عليك بالرجل. فأخذه معه وسامره أياماً ثم أمر بردّ مظلمته وقضى حوائجه وأمر له بصلة عشرة آلاف درهم.
قال النضر بن شميل: حدثني الفرّاء عن الكسائي قال: دعاني الرشيد ذات يوم وما عنده إلا حاشيته فقال: يا علي أتحب أن ترى محمداً وعبد الله؟ قلت: ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين وأسرّ إليّ معاينة نعمة الله جل وعز على أمير المؤمنين فيهما وبهما، فأمر بإحضارهما، فأقبلا كأنهما كوكبا أفقٍ يزينهما هديهما ووقارهما، قد غضا أبصارهما وقاربا خطوهما، حتى وقفا بباب المجلس فسلما بالخلافة ثم قالا: تمم الله على أمير المؤمنين نعمه وشفعها بشكره وجعل ما قلّده من هذا الأمر أحمد عاقبة ما يؤول إليه أمر حمداً اختصه به وأخلصه له بالبقاء وكثّره لديه بالنماء ولا كدّر عليه منه ما صفا ولا خالط مسروره الردى، فقد صرت للمسلمين ثقة ومستراحاً إليك يفزعون في أمورهم ويقصدون في حوائجهم، فأمرهما بالدنو وصيّر محمداً عن يمينه وعبد الله عن يساره ثم التفت إلي ّفقال: يا علي ما زلت ساهراً مفكراً في معاني أبيات قد خفيت عليّ. قلت: إن رأي أمير المؤمنين أن ينشدنيها؟ فأنشدني:
قد قلت قولاً للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول
تغدّ ما شئت على غير عجل
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، إن العير إذا فصلت من خيبر وعليها التمر يقع الغراب على آخر العير فيطردها السواق، يقول هذا: تقدم إلى أوائل العير فكل على غير عجل، والقود الطوال الأعناق، والمسانيف المقدمة. ثم أنشدني:
لعمري لئن عشّرت من خشية الردى ... نهاق الحمار إنني لجهول
(1/179)

قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل من العرب إذا دخل خيبر أكبّ على أربع وعشر تعشير الحمار، وهو أن ينهق عشر نهقات متتابعات، يفعل ذلك ليدفع عن نفسه حمّى خيبر. ثم أنشدني في قول الآخر:
أجاعلٌ أنت بيقوراً مضرّمةً ... ذريعةً لك بين الله والمطر
قلت: نعم، كانت العرب إذا أبطأ المطر تشد العشر والسلع، وهما ضربان من النبت، في أذناب البقر وألهبوا فيه النار وشردوا بالبقر تفاؤلاً بالبرق والمطر، ثم أنشدني:
لعمرك ما لام الفتى مثل نفسه ... إذا كانت الأحياء تعدى ثيابها
وآذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها
قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان الرجل إذا ضلّ في المفازة قلب ثيابه وصاح كأنه يوميء إلى إنسان ويشتد شدة ويصفق بيديه فيهتدي الطريق. ثم أنشدني:
قوداء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب
قلت: نعم، يقول: هذه ناقة مثل اليتيم من الاكام، واليتيم الواحد من كل شيء، والأرانب الاكام. ثم أنشدني لآخر أيضاً:
إلى الله أشكو هجمةً هجريةً ... تعاورها مرُّ السنين العوابر
فعادت رذايا تحمل الطبن بعدما ... تكون قرىً للمعتفين المفاقر
قلت: هذا رجل في بستانه نخيل أتى عليها الدهر فجفّت فقطعها وصيرها أجذاعاً وسقّف بها البيوت، فقال: هذه الأجذاع كانت تحمل الرطب، فأُكل وأطعم الأضياف فجفّت فقطعتها وسقّف بها البيوت فهي تحمل الطين، يعني ما فوقها من اللبن والتراب وغير ذلك. ثم أنشدني لرجل آخر:
وسربٌ ملاحٍ قد رأيت وجوههم ... إناثٌ أدانيه ذكورٌ أواخره
يعني الأضراس، ثم أنشدني لآخر:
فإني إذاً كالثور يضرب جنبه ... إذا لم يعف شرباً وعافت صواحبه
قلت: نعم، كانت العرب إذا أودت البقر الماء فشربت الثيران وأبت البقر ضربت الثيران حتى تشرب البقر، وهو كما قال: كالثور يُضرب لما عافت البقر. ثم أنشدني:
ومنحدرٍ من رأس برقاء حطه ... مخافة بينٍ أو حبيبٌ مزايل
قلت: نعم، يعني الدموع، والبرقاء العين لأن فيها سواداً وبياضاً، حطه أسأله، حبيب محبوب، مزايل مفارق. قال فوثب الرشيد فجذبني إلى صدره وقال: لله در أهل الأدب! ثم دعا بجارية فقال لها: احملي إلى منزل الكسائي خمس بدر على أعناق خمسة أعبد يلزمون خدمته، ثم قال: استنشدهما، يعني ابنيه، فأنشدني محمد الأمين:
وإني لعفُّ الفقر مشترك الغنى ... وتارك شكلٍ لا يوافقه شكلي
وشكلي شكلٌ لا يقوم بمثله ... من الناس إلا كلُّ ذي نيقةٍ مثلي
ولي نيقةٌ في المجد والبذل لم يكن ... تأنقها فيما مضى أحدٌ قبلي
وأجعل مالي دون عرضي جُنّةً ... لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
وأنشدني عبد الله المأمون:
بكرت تلومك مطلع الفجر ... ولقد تلوم بغير ما تدري
ما إن ملكت مصيبةً نزلت ... إذ لا يُحكّم طائعاً أمري
ملك الملوك عليّ مقتدرٌ ... يعطي إذا ما شاء من يسر
فلرب مغتبطٍ بمرزئةٍ ... ومفجّعٍ بنوائب الدهر
ومكاشح لي قد مددت له ... نحراً بلا ضرعٍ ولا غمر
حتى يقول لنفسه لهفاً: ... في أي مذهب غايةٍ أجري
وترى قناتي حين يغمزها ... غمز الثقاف بطيئة الكسر
فقال: يا علي فكيف تراهما؟ فقلت:
أرى قمري أفقٍ وفرعي بشامةٍ ... يزينهما عرقٌ كريمٌ ومحتد
يسدان آفاق السماء بشيمةٍ ... يؤيدها حزمٌ وعضبٌ مهند
سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد
(1/180)

ثم قلت: يا أمير المؤمنين زرع زكا أصله وطاب مغرسه وتمكنت عروقه وعذبت مشاربه، غذاهما ملك أعز نافذ الأمر واسع العلم عظيم الحلم والقدر، علاهما فعليا، وحكّمهما فتحاكما، وعلمهما فتعلما، فهما يطولان بطوله ويستضيئان بنوره وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته، فما رأيت أحداً من أبناء الخلفاء أذرب منهما لساناً، ولا أعذب كلاماً، ولا أحسن ألفاظاً، ولا أشد اقتداراً على تأدية ما حفظا ورويا، فاسأل الله أن يزيدهما بالإيمان تأييداً وعزاً، ويمتع أمير المؤمنين بهما ويمتعهما بدوام قدرته وسلطانه ما بقي ليل وأضاء نهار.
فضمهما إلى صدره وجمع يديه عليهما فلم يبسطهما حتى رأيت دموعه تتحادر على صدره رقةً وإشفاقاً، ثم أمرهما بالخروج.
قال: ثم أقبل علينا وقال: كأنكم بهما وقد نجم القضاء ونزلت مقادير السماء وبلغ الكتاب أجله وانتهى الأمر إلى وقته المحدود وحينه المسطور الذي لا يدفعه دافع ولا يمنع منه مانع، وقد تشتت أمرهما وافترقت كلمتهما وظهر تعاديهما وانقطعت الرقة بينهما حتى تسفك الدماء وتكثر القتلى وتهتك ستور النساء وتمنى كثير من الأحياء أنهم بمنزلة الموتى. قلت: يا أمير المؤمنين أوكائن ذلك؟ قال: نعم. قلت: لأمر رأيته أو رؤيا أريته أو لشيء تبين لك في أصل مولدهما أم لأثر وقع لأمير المؤمنين في أمرهما؟ قال: بل أثر واجب صحيح حملته العلماء عن الأوصياء وحملته الأوصياء عن الأنبياء، عليهم السلام.
قال: وحدث الأصمعي أنه دخل ذات يوم على أمير المؤمنين الرشيد وكان لا يحجب عنه وكان في فرد رجليه خفّ وفي الأخرى جورب لعلة كان يجدها، فسامره ساعة ثم نهض ليخرج فقال له الرشيد: يا أصمعي ماذا تشتهي أن يتخذ لك ليتقدم فيه وتتغدى معنا؟ فقال: أشتهي رقاقاً وجوزلاً شخصاً. فلم يعرف الرشيد ما قاله الأصمعي وكره أن يسأله عنه فتقدم إلى الطباخ أن يتبعه ويسأله من تلقاء نفسه ويوهمه أنه تقدم إليه فيه فلم يعرفه، فقال له: الرقاق معروف والجوزل الفرخ السمين. فمضى الطباخ وعرف الرشيد ذلك وأصلح للأصمعي ما طلبه وعاد فتغدى مع الرشيد. فلما أكل أمر بأن يحمل معه عشرون ألف درهم.
وحدث الأصمعي قال: دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي: اكتب يا أصمعي ولو على تِكّتك أو طرف ثوبك:
كن موسراً إن شئت أو معسراً ... لا بد في الدنيا من الهم
وكلما زادك في نعمةٍ ... زاد الذي زادك في الغم
قال: فكتبت البيتين.
قال وقال الأصمعي: بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو يلتهب ويتوقد حراً إذ أبصرت جارية سوادء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة تستقي فيها ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان:
حرُّ وجدٍ وحرُّ هجرٍ وحرُّ ... أي عيشٍ يكون من ذا أمرُّ
قال فقلت لها: يا جارية ما شأنك؟ فقالت: إني من دار أمير المؤمنين المأمون وأنا أحب عبداً له أسود وإنه قد هجرني ولا أحسن أن أخرج سري إلى أحد.
قال: فمضيت واستأذنت على المأمون، وإذا هو نائم فأذن لي، وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان. فدخلت عليه وهو في مرقده فقال: ما جاء بك يا أصمعي في هذا الوقت؟ قلت: يا أمير المؤمنين تهب لي جاريتك السوداء وعبدك الأسود فلاناً؟ فقال: قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت. فخرجت من عنده وأحضرتٌهما وجمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد ثم عدت إلى المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني أريد الآن ما أجهزهما به. فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه.
وحدثنا عبد الله بن سلام قال: لما ولد العباس بن الفضل دخل الناس على الفضل بن يحيى يهنئونه به وفيهم أبو النضير، فوقف بين يديه وهو يقول:
ويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة الندى والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله ... .. . . . . . . .
فأُرتج عليه فوقف لا يمكنه أن يجيزه. فقال له الفضل: يا أبا النضير تمم، قال: أعز الله الأمير. قال: ويحك فقل:
.. . . . . . . . . . ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
قال: هذا والله، أصلح الله الأمير، طلبته فلم أقدر عليه وتعللت بغيره.
(1/181)

قال: وقيل لأبي العيناء: ما بال العمى قد صار في صغاركم وكباركم حتى إنه يلحق الطفل منكم؟ فقال: نعم الطينة الملعونة والدعوة المشؤومة، وذلك أنه سلم بعض الخلفاء رجلاً من آل أبي طالب إلى جدنا الأكبر فقتله ودعا عليه فلحقتنا دعوته فما تراه فهو من تلك الدعوة.
واجتاز أبو العيناء ذات يوم فسمع غناء لم يعجبه فسأل أبو العيناء عن صاحب الغناء فلما قيل له إنه أبو الحمار قال: صدق الله إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. وكان عماً لمحمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل.
قيل: ولما صدر المعتصم بالله عن بلاد الروم وصار بناحية الرقة قال لعمرو بن مسعدة: يا عمرو أشرت عليّ بالرخجي فوليته الأهواز فقد قعد في سلة الدنيا يأكلها خضماً وقضماً. فقلت: يا أمير المؤمنين فأنا أوجه إليه رسولاً يبعث إليك بالأموال ولو على أجنحة الطير. قال: كلا ولكن اشخص إليه بنفسك كما أشرت به. قال: ففكرت في أن أنزل عن الوزارة وأصير مستحثاً على عامل. فقلت: يا أمير المؤمنين أن أقع إليه. قال: فضع يدك على رأسي أنك لا تقيم ببغداد إلا يوماً واحداً حتى تلحق به، فوضعت يدي على رأسه وحلفت له، وانحدرت إلى بغداد فسلمت على أهلي وإخواني وأخذت زلالاً فعلّقت عليه الخيش وبسط لي فيه الطبري وملأته بالثلج وسرنا.
فلما صرنا بين دير العاقول ودير هزقل إذا أنا برجل على الشط يصيح: يا ملاح رجل منقطع أريد دير العاقول فاحملني يأجرك الله! فقلت: احملوه. فقال: يا مولاي هذا رجل من هؤلاء الشحاذين يؤذيك ويقذر عليك زلالك. فقلت: احمله ويلك! فقرب إليه الزلال فحمله في مؤخره. وحضر الغداء فتحوبت أن لا أدعوه فقلت له: هلم. فقام حتى جاء فأكل أكل جائع نهم إلا أنه كان نظيف الأكل، فلما فرغ من الغداء أردت منه ما تفعله العامة بالخاصة أن يقوم فيغسل يده ناحيةً فلم يفعل. فغمزه الغلام وسائر الغلمان فلم يقم. فتناومت عليه فلم يقم. فقلت له: ما صناعتك؟ قال: حائك، جعلت فداك. فقلت: هذا أنا فعلته بنفسي. فقال لي: وأنت فما صناعتك؟ فقلت: كاتب. فقال: الكتاب خمسة، فأيهم أنت؟ فأورد علي شيئاً عجبت منه.
فقلت: عدّهم. قال: كاتب رسائل يجب أن يعرف الوصول والفصول والترغيب والترهيب والجوابات. قلت: نعم. قال: وكاتب خراج يجب أن يعرف المساحة والذراع والأشول والتقسيط، قلت: نعم. قال: وكاتب قاضٍ يجب أن يعرف الحلال والحرام والتأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والمقالات والاختلافات. قلت: نعم. قال: وكاتب جندٍ يجب أن يعرف الحلي والشيات.
قلت: نعم. قال: وكاتب شرطة يجب أن يعرف الشجاج والجرحات. فأيهم أنت؟ قلت: كاتب رسائل.
قال: فصديق لك تكاتبه في المحبوب والمكروه تزوجت أمه كيف تكتب إليه تهنئةً أو تعزيةً؟ قلت: هو والله إلى التعزية أقرب. قال: فكيف تعزيه؟ قلت: لا أجد إلى ذلك سبيلاً. قال: فلست بكاتب رسائل! قلت: أنا كاتب خراج. قال: فولاك أمير المؤمنين بلدة وأمرك بالنفوذ فخرجت إلى عملك فبثثت عمّالك في العمل فجاء إليك قوم يتظلمون من عامل زاد عليهم في المساحة فخرجت معهم فوقفوا على قراح كأنه قاتل فيئاً كيف تمسحه؟ قلت: اضرب وسطه في طرفيه. قال: تتثنى عليك القطوع. قلت: فكيف أمسحه؟ قال: لست بكاتب خراج! قلت: أنا كاتب قاضٍ. قال: فإن رجلاً خلّف حرّة حاملاً وسرية حاملاً فولدتا في ليلة واحدة الحرة جارية والسرية غلاماً، فلما علمت الحرة بذلك حملتها الغيرة على أن وضعت الجارية في مهد السرية وأخذت الابن، فقالت السرية من الغد: الابن لي، فتحاكمتا في ذلك إلى القاضي وأنت حاضر فقال لك: اقض بينهما، بم كنت تقضي؟ قلت: لا علم لي بذلك. قال: لست بكاتب قاض! قلت: أنا كاتب جند. قال: الله أكبر! تقدم إليك رجلان من أهل عملك أو من أهل عسكرك أسماؤهما واحدٌ يقال لهذا أحمد ولهذا أحمد، هذا مشقوق الشفة من فوق وهذا من أسفل، كيف تحلّيهما؟ قلت: أكتب أحمد الأعلم وأحمد الأعلم. قال: إذاً يأخذ هذا عطاء هذا وهذا عطاء هذا. قلت: فكيف أصنع؟ قال: لست بكاتب جند! قلت: أنا كاتب شرطة. قال: تقدم عليك رجلان قد شج الآخر موضحة وشج الآخر مأمومة كم بينهما من الإبل؟ قلت: لا أدري. قال: لست بكاتب شرطة!
(1/182)

فقلت: فسّر ما قلت. قال: أما الرجل الذي تزوجت أمه فتكتب إليه أن الأقدار تجري بخلاف محابّ المخلوقين، وستر في عافية خير من شانئة في أهلها، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبور أكرم الأكفاء.
وأما القراح فتمسح اعوجاجه ثم تنظر مبلغ الطرفين فتضرب بعضه في بعض فإذا استوى في يدك عقده رجعت إلى المستوي فضربته فيه حتى يخرج سواء.
وأما الحرة والسرية فيوزن لبنهما فأيهما كانت أحدّ لبناً فالابن لها.
وأما الجند فتكتب هذا أدحم الأعلم وهذا أحمد الأفلج.
وأما الشجة ففي المأمومة ثلاثة وثلاثون من الإبل وفي الموضحة خمسة من الإبل فتردّ عليه ما بين ذلك.
قلت: ألست تزعم أنك حائك؟ قال: أنا حائك كلام قعد بي الدهر فخرجت أريد بعض القرابة فصادفته قد صرف عن العمل فبقيت على هذه الحالة.
قال: فدعوت المزين فنظفه ودعوت له بثلاث خلع وصرت به إلى الرخجي وكلمته في أمره فوهب له خمسين ألف درهم وحمله على ثلاثة من الظهر ورجعت إلى أمير المؤمنين بالأموال، فقال: يا عمرو ما رأيت في طريقك؟ فأخبرته بقصة الرجل. فأطال التعجب منه وقال: ما فعل؟ قلت: يصير إليّ في كل يوم. قال: لما يصلح من الأعمال؟ قلت: للهندسة. قال: فوله. قال عمرو: فنظرت إليه بعد ذلك وهو يركب في موكب عظيم.
البيهقيّ قال البحتريّ: كنت قاعداً مع المتوكل إذ مرت سحابة فقال قل فيها. فقلت:
اذت ارتجاعٍ بحنين الرعد ... جرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد
ورنّة مثل رنين الأسدولمع برقٍكسيوف الهند
جاءت به ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد
فأضحت الأرض بعيشٍ رغد ... كأنما غدرانها في الوهد
يلعبن من حبابها بالنرد
ثم أنشدته لمروان بن أبي حفصة:
لما سمعت ببيعةٍ لمحمد ... شفت النفوس وأذهبت أحزانها
بايعت مغتبطاً ولو لم تنبسط ... كفّي لبيعته قطعت بنانها
حتى انتهيت إلى قوله:
رجحت زبيدة والنساء شوائلٌ ... والله أرجح بالتقى ميزانها
فصاح بي صيحة فقال: كذبت وألمت يا عربدة! قل: رجحت قبيحة. ثم قال: أنشدني. فأنشدته للطائي:
لست لربعٍ عفا ولا قدمه ... ولست من كاتب ولا قلمه
فإن من يفخر الملوك به ... ويستعير الكريم من كرمه
ألحقني بالملوك معتصمٌ ... بالله والمسلمون في عصمه
خُلقت من طين مباركةٍ ... فالبرُّ من خيمه ومن شيمه
مازال إحسانه ونعمته ... عليّ حتى غرقت في نعمه
فأسأل الله فضل نعمته ... والأمن من بأسه ومن نقمه
فلما سمعها ارتاح وقال: أحسنت والله وما جزاؤك إلا أن أقطعك من موضعك إلى حيث تبلغ أمنيتك، فسل تعط. قال: ففكرت ساعة ثم قلت: تعطيني فتراً في فتر من قلبك. فقال: أحسنت أحسنت! أنت والله في هذا أشعر من الطائي في شعره. ثم قال: أنشدني. فأنشدته للحسين بن الضحاك:
كم لك لما احتمل القطين ... من زفرةٍ يتبعها الأنين
وعبرةٍ تحدرها الشوؤن ... إني ببغداد لمستكين
حظ الغريب الشوق والشجون ... يا لائمي لكل يومٍ هون
إليك عني إنني مفتون ... الشعر مني كاسدٌ ودون
وحان من تحريكه تسكين ... قد ركبت أربابها الديون
بضاعة أكسدها المأمون ... إمام عدلٍ للتقى أمين
قال: أحسنت يا أبا عبادة فماذا فعل به المأمون بعد إذ هجاه؟ قلت: أعيذك بالله من أن يجسر على هجاء المأمون. قال: فمن القائل فيه:
ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشرّدا
قلت: يا أمير المؤمنين دعاه الموق والحين إلى هذا. قال: لا بأس فإنه قد تلا في هذا الكلام قوله:
رأى اللهُ عبد اللهِ خير عباده ... فملّكه والله أعلم بالعبد
قال فقلت: يا أمير المؤمنين أثقلت ظهري بالفوائد، فقال: إنا نأخذ ونعطي ونأتي بما يحيي المهج.
مساوئ من ذم الأدب
(1/183)

قال بعضهم: كثرة الأدب في غير طاعة الله قائدة الذنوب. وقال: ما أحدٌ زيد في عقله إلا انتقص من رزقه. وأنشد في ذلك:
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوي عما رمت من هممي
أما الدواة فأضنى حبها بدني ... وقلّم المال مني حرفة القلم
والعلم يعلم أني حين أندبه ... لدفع نائبةٍ خلوٌ من العصم
ولآخر، وقيل إنه للخليل بن أحمد:
ما ازددت في أدبي حرفاً أسرّ به ... إلا تبينت حرفاً تحته شوم
إن المقدم في حذقٍ بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم
مساوئ اللحن
قال يونس بن حبيب النحوي: أول من أسس العربية وفتح بابها ونهج سبيلها أبو الأسود الدئلي واسمه ظالم بن عمرو. فقال له الحجاج: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: كلا، الأمير أفصح العرب. قال: أقسمت عليك! قال: حرفاً واحداً تلحن فيه. فقال: وما هو؟ قال: في القرآن. قال: ذاك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول لو كان آباؤكم وأبناؤكم، حتى تبلغ: أحب إليكم من الله ورسوله، تقرأها بالرفع. قال فقال له: لا جرم لا تسمع لي لحناً أبداً. فنفاه إلى خراسان وعليها يزيد بن المهلب. فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو وفعلنا وصنعنا واضطررناهم إلى عرعرة الجبل، فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟ فقيل: ظالم بن عمرو هناك. قال: فذاك إذاً.
قال وقال المأمون وقد سمع من بعض ولده كلاماً أسرع فيه اللحن إلى لسانه: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده ويتملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه ويقلّ حجج خصمه بسكنات حكمته، أويسرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده وأمته ولا يزال أسير كلمته؟ قاتل الله القائل حيث يقول:
ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم
وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
وفي الحديث المرفوع: رحم الله عبداً أصلح لسانه.
قيل: وكتب غسان بن رفيع إلى أبي عثمان بكر بن محمد المازني النحوي:
تفكرت في النحو حتى مللت ... وأتعبت نفسي به والبدن
وأتعبت بكراً وأصحابه ... بطول المسائل في كل فن
فكنت بظاهره عالماً ... وكنت بباطنه ذا فطن
خلا أن باباً عليه العفا ... ء للفاء يا ليته لم يكن
وللواو بابٌ إلى جنبه ... من المقت أحسبه قد لعن
إذا قلت هاتوا لماذا يقا ... ل لست بآتيك أو تأتين
أجيبوا لما قيل هذا كذا ... على النصب قالوا لإضمار أن
قال: وكان الوليد بن عبد الملك لحّانة فدخل عليه أعرابي فقال: من ختنَك؟ قال: رجل من الحي لا أعرف اسمه. فقال عمر بن عبد العزيز: إن أمير المؤمنين يقول: من ختنُك؟ فقال: ها هوذا بالباب. فقال الوليد لعمر: ما هذا؟ فقال: النحو الذي كنت أخبرك عنه. فقال: لاجرم لا أصلي بالناس حتى أتعلمه.
وسمع إعرابي رجلاً يقول: أشهد أن محمد رسول الله. فقال: يفعل ماذا؟ قال وقال مولى لزياد: أيها الأمير أخذوا لنا همارَ وهشٍ. فقال له: ما تقول ويحك؟ فقال: أخذوا لنا أيراً " يريد عيراً ". فقال زياد: الأول خير.
قال: وجاء رجل إلى زياد فقال: إن أبينا هلك وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا. فقال زياد: ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضيعت من ميراثك، فلا رحم الله أباك حيث ترك ولداً مثلك.
قال: وعزم رجل من أهل الشام على لقاء المأمون فاستشار رجلاً من أصحابه فقال: على أي جهة أصلح أن ألقى أمير المؤمنين؟ قال: على الفصاحة، قال: ليس عندي منها شيء وإني لألحن في كلامي كثيراً. قال: فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل. فدخل على المأمون فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: يا غلام اصفع، فصُفع. قال: بسمُ اللهُ، فقال: ويلك من صبّك على الرفع؟ قال: وكيف لا أرفع من رفع الله! فضحك وقضى حاجته.
(1/184)

قال: واختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان فقال الحاجب: قُما فقد أوذيتما أميرُ المؤمنين. فقال عمر: أنت والله أشدّ أذاء إليّ منهما.
وعن أبي داود قال: أرسل المعتصم إلى أشناس فطلب منه كلب صيد فوجه به إليه فرده وهو يعرج. فكتب إليه أشناس بشعر قاله:
الكلب أخذت جيدٌ مكسور رجلٍ جبت
ُردَّ جيدٌ كما كلبٌ كنت أخذت
فكتب إليه المعتصم:
الكلب كان يعرجُ يوم الذي به بعثت
لو كان جاء مخبراً خبّر رجلُ كلبٍ أنت
قال: وقال بشر المريسيّ وكان كثير اللحن: قضى لكم الأمراء على أحسن الوجوه وأهنؤها. فقال القاسم التمار: هذا على قوله:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيءٍ ما كان يرزؤها
فكان احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر.
قال: وكان زياد النبطي شديد اللكنة وكان نحوياً فدعا غلامه ثلاثاً فلما أجابه قال: فمن لدن دأوتك فقلت لي إلى أن جيتني ما كنت تصنأ، يريد دعوتك وتصنع.
قال: ومرّ ماسرجويه الطبيب بمعاذ بن سعيد فقال: يا ماسرجويه إني أجد في حلقي بححاً، قال: هو من عمل بلغمٍ، فلما جاوزه قال: تراني لا أحسن أن أقول بلغم، ولكنه قال بالعربية فأجبته بخلافه.
وقال ثمامة: بكر أحمد بن أبي خالد يوماً يعرض القصص على المأمون فمرّ بقصة فلان اليزيدي وكان جائعاً فصحّف وقال: فلان الثريدي، فضحك المأمون وقال: يا غلام ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً. فخجل أحمد وقال: ما أما بجائع يا سيدي ولكن صاحب القصة أحمق وضع على نسبته ثلاث نقطات كأثافي القدر، قال: دع هذا فالجوع اضطرك إلى ذكر الثريد والقدر. فجاؤوه بصحفة عظيمة كثيرة العُراق والودك فاحتشم أحمد. فقال المأمون: بحياتي عليك إلا عدلت نحوها، فوضع القصص ومال إلى الثريد فأكل حتى انتهى، فلما فرغ دعا بطشت فغسل يده ورجع إلى القصص فمرّ بقصة فلان الحمصي فقال: فلان الخبيصيّ. فضحك المأمون وقال: يا غلام هات جاماً فيه خبيص فإن طعام أبي العباس كان مثبوراً. فجعل أحمد وقال: يا أمير المؤمنين صاحب هذه القصة أحمق فتح الميم فصارت كأنها ثنتان. قال: دع عنك هذا فلولا حمقه وحمق صاحبه متّ جوعاً. فجاؤوه بجام فيه خبيص، فأتى عليه وغسل يده وعاد إلى القصص فما أسقط بحرف حتى فرغ.
حدثنا العباس بن جرير قال: كان للمهدي خصيّ كان معجباً فضمّ إليه معلماً نحوياً يعلّمه القرآن وكان الخصي عجمياً لا يُفصح فقال في هل أتى: يوماً عبوساً كمتريراً. وقال في الجن: نكعد منها مكاعد للسمع، فقال النحوي:
ولثقل الجبال أهون مما ... كلفوني من الخصيّ نجاح
نفّر النحو حين مرّ بلحيي ... هـ فألفيته شديد الجماح
قال في هل أتى فأوجع قلبي ... كمتريرا وكدّه بالصياح
وقال رجل من الصالحين: لئن أعربنا في كلامنا حتى ما نلحن لقد لحنّا في أعمالنا حتى ما نعرب. وأنشد في مثله:
أما تراني وأثوابي مقاربةٌ ... ليست بخزٍّ ولا من خزّ كتان
فإن في المجد همّاتي وفي لغتي ... علويةٌ ولسان غير لحّان
محاسن الشعراء
قال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام يجوز لهم شق المنطق وإطلاق المعنى ومدّ المقصور وقصر الممدود.
وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة: افتتح الشعر بامريء القيس وختم بابن هرمة.
وقال أبو عبيدة: الشعراء في الجاهلية من أهل البادية أهل نجد، منهم: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير، ودريد بن الصمة، ومنهم كثيّر في الإسلام، فهؤلاء الشعراء الفحول الذين مدحوا وفخروا وذموا ووصفوا الخيل والمطر والديار وأهلها، وأشعر أهل المدن أهل يثرب وأهل الطائف وعبد القيس، وليس في بني حنيفة شاعر، وأشعر الشعراء ثلاثة: امرؤ القيس، والنابغة، وزهير ثم الأعشى. وأشعر الفرسان ثلاثة: عنترة بن شداد، ودريد بن الصمة، وعمرو بن معدي كرب، وأشعر الشعراء المقلين ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن حمام المريّ، وأشعر العرب واحدة طويلة جمعت جودة مع طول ثلاثة: طرفة بن العبد في قوله:
لخولة أطلالٌ ببرقة ثهمد
والحارث بن حلّزة في قوله:
آذنتنا ببينها أسماء
وعمرو بن كلثوم في قوله:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا
وأشعر أهل زماننا ثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل.
(1/185)

قيل: وسئل الأخطل: أيكم أشعر؟ فقال: أفخرنا الفرزدق، وأمدحنا وأوصفنا للخمر أنا، وأسهبنا وأنسبنا وأسبنا جرير، وأرجز الرجّاز في الإسلام وقبله العجاج، فإنه فتح أبواب الرجز واستوقف ووصف الديار وأهلها ووصف الخيل والمطر ومدح وذم، فذهب في الرجز مذهب امريء القيس في القصد وهو أرجز الرجاز، وقد قيل أرجز الرجاز ثلاثة: العجاج، وابنه رؤبة، وحميد الأرقط، وقال بعضهم: أبو النجم العجلي، وأجود الأراجيز قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
وقول أبي النجم:
الحمد لله الوهوب المجزل
قيل وقال مسلمة بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لنا جريراً والفرزدق والأخطل. فقال: أصلح الله الأمير! أما أعظمهم فخراً وأبعدهم ذكراً وأحسنهم غزلاً وأحلاهم معاني وعللاً، الطامي إذا زخر والحامي إذا زأر والسامي إذا نظر، الذي إن أهدر قال وإن خطر صال وإن طلب نال، الفصيح اللسان السبّاق في الرهان فالفرزدق. وأما أهتكهم ستراً وأغزرهم بحراً وأرقّهم شعراً، والأغر الأبلق الذي إن طلب لم يُسبق وإن طُلب لم يلحق، الواصف للفرسان الناعت للأظعان بحلاوة وبيان فجرير، وأما أحسنهم نعتاً وأقلهم فوتاً وأمدحهم بيتاً، الذي إن هجا وضع وإن مدح رفع وإن حاز أفظع، البعيد المتان الماضي الجنان الممداح للسلطان فالأخطل. وكلهم، أصلح الله الأمير، طويل النجاد رفيع العماد ذكيّ الفؤاد.
قال: فصف لنا الشعراء العشرة، فقال: قصتهم مفسرة، أما أحسنهم نسيباً وتشبيباً وأشدهم تأليباً فامرؤ القيس. وأما أفحلهم مقالاً وأنبلهم رجالاً وأكرمهم فعالاً فزهير. وأما أرجحهم كلاماً وأنبلهم مقاماً وأشرفهم أياماً فأوس بن حجر. وأما أفصحهم لساناً وأثبتهم بنياناً وأشدهم إذعاناً فالنابغة، وأما أطردهم للصيد وأجحشهم في الكيد وأدرجهم في القيد فعديّ بن زيد.
وأما أوصفهم للسلاح وأنعتهم للقداح والحرب ذات الكفاح فابن مقبل. وأما أوصفهم للسيئين وأكسبهم للمئين وأمدحهم أجمعين فالحطيئة. وأما أهجاهم للرجال وأبذّهم في المقال وأضربهم للأمثال فطرفة. وأما أعفهم عن الكاس وأحضهم على الباس وأصدقهم عند الناس فسلامة بن جندل.
قال: وقال العتابي في ذكر أبي نواس: لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فُضّل عليه أحد.
وقال أبو عمرو بن العلاء: أشعر الناس في صفة الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو نواس.
وقال إبراهيم النظام: كأنما كشف لأبي نواس عن معاني الشعر فاختار أحسنها.
وقال أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين كامريء القيس للأوائل هو فتح لهم هذه الفطن ودلّهم على المعاني.
وفي مدح الشعراء
قال: لما قال حسان بن ثابت للحارث بن عوف المري وهو مشرك:
وأمانة المرّيّ حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لم يجبر
قال الحارث للنبي، صلى الله عليه وسلم: يا محمد أجرني من شعر حسان فوالله لو مزج به البحر لمزجه.
قال: وكان كعب بن مالك ينشد رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
قضينا من تهامة كل ريبٍ ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخبّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوساً أو ثقيفا
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لهو أسرع فيهم من السهم في غلس الظلام.
قال: ولما أنشد عبد الله بن رواحة رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
فثبّت اللهُ ما أتاك من حسنٍ ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نُصرا
أقبل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، متبسماً ثم قال: وإياك فثبت الله، وهو الذي يقول يوم مؤتة:
أقسمت يا نفسِ لتنزلنه ... طائعةً أو لتكَرّهنّه
ما لي أراك تكرهين الجنه
قال: وحدا رجلٌ برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من يقولها؟ قال: أبي. قال يرحمه الله.
مساوئ الشعراء
قيل: ليس أحد من الناس آكل للسحت وأنطق بالكذب ولا أوضع ولا أطمع ولا أقل نفساً ولا أدنى همةً من شاعر. ولذلك قال أبو سعد المخزومي:
الكلب والشاعر في حالةٍ ... يا ليت أني لم أكن شاعرا
(1/186)

هل هو إلا باسطٌ كفه ... يستطعم الوارد والصادرا
قال: ولما قال الهذيل الأشجعي في عبد الملك بن مروان:
إذا ذاتُ دلٍّ كلمته بحاجةٍ ... فهمّ بأن تقضى تنحنح أو سعل
قال عبد الملك: أخزاه الله! فلربما جاءتني السعلة والنحنحة وأنا وحدي في المتوضأ فأذكر قوله فأردها.
قال: ولما قال الشاعر في شهر بن حوشب:
لقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ ... فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر
فحلف لا يمس خريطة حتى مات.
وقال كعب بن جعيل: مكثت دهراً أهجو الناس ولا أُهجى حتى انبرى لي غلام من تغلب فقال:
تسميت كعباً بشرّ العظام ... وكان أبوك يسمّى الجعل
وأنت مكانك من وائلٍ ... مكان القراد من است الجمل
فما رفعت رأسي حتى الساعة.
ذكر من كره الشعر
قال إسحاق بن سليمان الهاشمي. دخلت على المنصور يوماً والإيوان قد غصّ بأهله، فقال: بلغني أنك تقول الشعر. قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأنشدني شيئاً منه. فأنشدته قصيدة طويلة فيها مدح له. فلما فرغت قال: يا بني مالك وللمديح إياك وإياه واحذر الهجاء فإنهما لا يشبهانك وعليك من الشعر بالبيتين والثلاثة تقول ذلك تطرباً وتذكر فيه فضلاً وتحبباً.
قال: وقال معاوية بن أبي سفيان لعبد الرحمن بن الحكم: يا ابن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب فتهجن به كريماً والهجاء فتثير به لئيماً، وإياك والمدح فإنه كسب الخسيس، ولكن افخر بمآثر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك، فإن لم تجد بداً من المديح فقل كما قال الأول:
أحللت رحلي في بني ثعل ... إن الكريم للكريم مَحَل
قيل: وسئل رجل عن الشعر فقال: أسرى مروءة الدني وأدنى مروءة السريّ.
في ذم الشعر
قال الأصمعي: أنشد رجلٌ بشاراً العقيلي بيت الطرماح:
فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وهمٌّ لنا منها كهمّ المباين
فقال: إن هذا البيت لو وثبت عليه الشاة لأكلته، يعني إعادته النوى في البيت مرتين، فقلت: صدق بشار، إعادة الأسماء في بيت أكثر من مرة عِيّ.
قال: وكتب محمد بن أبي عون إلى محمد بن عبد الله بن طاهر:
قد بعثنا بزهرة البستان ... بكر ما قد أتى من الريحان
ياسميناً ونرجساً قد بعثنا ... وبعثنا بسوسن البستان
فقرأهما محمد وقال: ثلاث مرات قد. وكتب إليه:
عون دقَّ الإله من فيك أدنا ... هـ وأقصاه يا عيي اللسان
حشو بيتيك فيه قدٌّ وقدٌّ ... قدك الله بالحسام اليماني
ومنه مضاحيك الشعر
قيل: دخل رجل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين إني هجوت الروافض.
قال: هات، فقال:
شمساً ورغماً وزيتوناً ومظلمةً ... من أن ينالوا من الشيخين طغيانا
فقال: فسّر. قال: يا أمير المؤمنين أنت في مائة ألف أنت في مائة ألف لا تفهم هذا أفأفهمه وأنا وحدي! فضحك وأمر له بصلة.
الحمدوني قال: أتاني رجل فقال: قلت شعراً أحبّ أن أعرضه عليك، فقلت: هات. فقال:
إن لي حباً شديداً ... ليس ينحيه الفرار
فقلت: نعم هو شعر. فقال:
إن من أفلت منه ... لابسٌ ثوب المخازي
فقلت: ذاك راء وهذا زاي! قال: لا تنقطه. فقلت: فهبني لم أنقطه ذاك مرفوع وهذا مخفوض! قال: يا أحمق أنا أقول لا تنقطه وأنت تعجمه.
قال: وجاء رجل إلى حاجب إبراهيم بن إسماعيل عامل المدينة فقال: أدخلني عليه فإني قد مدحته ولك نصف ما يصلني منه. فقال: أنشدني ما قلت فيه. فقال: لا أفعل. قال: لا أدخلك. قال: فإني أنشدك. قال: هات. قال قلت:
كاد الأمير على تكرّمه ... أن لا يكون لأمه بظر
فقال الحاجب: يا عاض بظر أمه كان يعطيك ستمائة سوط لي منها ثلاثمائة! امض إلى حرق الله وناره.
محاسن المخاطبات
قال: ذكروا أن ابن القرية دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه، فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد أمير المؤمنين. قال: بارك الله لك فيهم كما بورك لأبيك فيك وبارك لهم فيك كما بورك لك في أبيك. فحشا فاه دراً.
(1/187)

قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس وقد أمر له بجوهر نفيس: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرّك، فوالله لئن أردنا شكرك على إنعامك ليقصرن شكرنا عن نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك.
قال: ودخل شبيب بن شيبة على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن الله جل وعز حيث قسم الدنيا لم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي لك من الدنيا، وأوصيك يا أمير المؤمنين بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم قُبلت وإليكم تُردّ.
قال: وقال إبراهيم الموصلي للهادي وقد غناه صوتاً أعجبه: إن من كان محله من الانبساط وتقارب الندام محلي جرّأه البسط على الطلب وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لي أمير المؤمنين لقربي منه مشارع الرغبة وحثّني مكان حالي عنده على الكروع في النهل من يده. فقال له: سل حاجتك شفاهاً فإني جاعل فعلي إجابتك إليه حاضراً. فسأله قيمة خمس مائة ألف درهم فأعطاه ألف ألف درهم.
قيل: ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: كيف حالك؟ فقال:
سوامي سوام المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل
وآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيءٌ ما إليه سبيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل
فقال الرشيد: هذا والله الشعر الذي صحّت معانيه وقويت أركانه ولذّ على أفواه القائلين وأسماع السامعين، يا غلام احمل إليه خمسين ألف درهم. قال إسحاق: كيف أقبل صلتك يا أمير المؤمنين وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك؟ قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد للدرهم مني.
قال: وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي: شاورت في أمرك فأشاروا عليّ بقتلك. فقال: أما أن يكونوا نصحوك فيما جرت به السياسة وحكمت به الرياسة فقد فعلوا ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فليس لك نظير، وإن جرمي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أنطق فيه بعذر وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا العذر. فاستعبر إبراهيم وبكى، فقال له المأمون: ما لك؟ قال: الندم إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ.
وحدثني سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد المؤانسة وإخراج ما كان في قلبه عليه: يا عم ما الذي حملك على منازعة من جرى قدر الله عز وجل له بتمام أمره وإصلاح شأنه؟ قال: طلب صلاح حالي يا أمير المؤمنين وتوفر ما تتسع به يدي على خاصتي وعامتي. قال: فقدر ما شئت وهو لك مشاهرة. قال: إذاً تجدني بحيث تحب ويجري حكمك عليّ وفي كما يجري في أحد عبيدك. وقد قلت في ذلك:
أرى الحر عبداً للذي سيب كفه ... شراه بما قد غاظه غاية الحمد
على أن ملك الحر أسنى ذريعة ... إلى المجد من مال يصان ومن عبد
وإن خُصّ بيع مِلك حرٍ بنعمة ... إذا قوبلت بالشكر قارنها المجد
فقال: لئن كان ذلك كذلك إني لأهل أن أرفعك بمواد نعمتي عليك عن أن يقال هذا فيك أو تمتهنك عين أحد بذلة.
قال: ودخل المأمون ذات يوم إلى الديوان فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم فقال: من أنت يا غلام؟ قال: يا أمير المؤمنين الناشيء في دولتك والمتقلب في نعمتك والمؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول. يرفع عن مراتب الديوان إلى مراتب الخاصة ويعطى مائة ألف درهم معونة له. ففعل به ذلك.
قال: ودخل يزيد بن جرير على المأمون وكان وجد عليه فقال: أيزيد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين غذيّ نعمتك وخرّيج صنيعتك وغرس يدك الذي لم يشركك فيه مصطنع ولم يسبقك إلى تخريجه أحد، ولم أزل يا أمير المؤمنين بعفوك بعد سخطك راجياً وببصيرة رأيك في الانفراد بردّي إلى ما عودتني واثقاً حتى أقامني الله جل وعز هذا المقام الذي فيه إدراكي أملي ونيلي محبتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يشهرني برضاه كما شهرني بسخطه فعل إن شاء الله! فقال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.
قال: ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل وهو غلام على المجوسية للرشيد وذكر أدبه وحسن مذهبه وجودة معرفته فعمل على ضمه إلى المأمون.
(1/188)

فقال يوماً ليحيى: أدخل إليّ هذا الغلام المجوسي حتى أنظر إليه، ففعل يحيى ذلك، فلما مثل بين يديه وقف وتحير وأراد الكلام فأُرتج عليه وأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظر منكر لما كان تقدم من تفريطه إياه، فانبعث الفضل فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلالة على فراهة المملوك شدة إفراط هيبته لسيده. فقال له الرشيد: أحسنت والله! لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن وإن كان هذا شيء أدركك عند انقطاعك إنه لأحسن وأحسن. ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه مقدماً فيه مبرزاً. فضمه المأمون في ذلك اليوم.
وقال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند ووعد تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك عليه: يا أمير المؤمنين هب لوعدك تذكراً من نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حاثاً على اصطفاء شكر الطالبين لتشهد القلوب بحقائق الكرم والألسن بنهاية الجود. فقال: قد جعلت إليك إجابة سؤّالي عني بما ترى فيهم وأخذتك بالتقصير فيما يلزم لهم من غير استثمار ولا معاودة في إخراج الصكاك من أخضر المال متناولاً. قال: إذاً لأتحدى معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهنأُ بما يديم له حسن الثناء، ومن دعائهم طول البقاء.
قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون: يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لماء وجوه خدمتك عن إراقته في غضاضة السؤال. فقال المأمون: والله لا كان ذلك إلا كذلك.
قال: ودخل العتابي على المأمون فقال: يا أبا كلثوم خُبّرت بوفاتك فغمتني ثم جاءتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين كيف أمدحك أو بماذا أصفك ولا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك! فقال: سلني عما بدا لك. قال: يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة.
قال: وتكلم المأمون يوماً فأحسن فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك! إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في علمه، وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده، أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في إيثاره على نفسه، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه. فاستحسن قوله وتهلل وجهه.
قال: وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون: يا أمير المؤمنين ليس للعافي بعد القدرة عليه ذنب، وليس للمعاقب بعد المِلك عذر. قال: صدقت فما حاجتك؟ قال: فلان. قال: هو لك.
قال: وقال الواثق يوماً لأحمد بن أبي دؤاد وقد تضجّر بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوصلين إليك! فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلا عشق الألسن لخلود المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله والله لا منعتك ما يزيد في عشقك وتقوى به منتك إذ كانا لنا دونك. وأمر فأُخرج له ثلاثون ألف دينار يفرقها في الزوار.
قال: وقدم أبو وجزة السلمي على المهلب بن أبي صفرة فقال: أصلح الله الأمير! إني قطعت إليك الدهناء وضربت إليك أكباد الإبل من يثرب. فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو قرابة أو عشرة؟ قال: لا ولكني رأيتك لحاجتي أهلاً فإن قمت بها فأهل ذلك أنت وإن يحل دونها حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك. فقال المهلب: يعطى ما في بيت المال. فوجد فيه مائة ألف درهم فدفعت إليه، فأنشأ يقول:
يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود
عمّت عطاياك من بالشرق قاطبةً ... وأنت والجود منحوتان من عُود
قال: ودخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب فقال: أصلحك الله! أنت أعظم قدراً من أن يستعان عليك ويستعان بك، لست تفعل من المعروف شيئاً إلا وهو أصغر منك، وليس من العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قال: سل حاجتك. قال: تحملت عن قومي عشر ديات وقد نهكتني. قال: قد أمرنا لك بها وأضعفناها بمثلها. فقال الكوثر: إن ما سألتك هو بوجهي لمقبول منك، وأما ما بدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال: ولم وقد كفيتك ذل السؤال؟ قال: لأني رأيت الذي أخذته مني بمسألتي إياك أكثر مما نالني من معروفك فكرهت الفضل على نفسي. قال يزيد: فأنا أسألك بحقك عليّ فيما أملتني له من إنزالك إليّ إلا قبلتها. فقبلها.
مساوئ المخاطبات
(1/189)

قيل: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب فقال له: إني أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسئت طسأة فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق ولم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراسيف فهل عندك دواء؟ قال: نعم خذ خرفقاً وسلفقاً فرقرقه واغسله بماء روث واشربه. قال: لا أدري ما تقول! قال: ولا أنا أدري ما تقول.
وقال له آخر: إني أجد معمعة في بطني وقرقرة، فقال له: أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهو ضراط لم ينضج.
قيل: وأتى رجل إلى الهيثم بن عريان بغريم له وقد مطله في حق له فقال: أصلح الله الأمير! إن لي على هذا حقاً قد غلبني عليه. فقال له الآخر: أصلحك الله! إن هذا باعني عنجداً وقد استنسأته حولاً وشرطت أن أعطيه مياومة فهو لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني. فقال له الهيثم: أمن بني شيبة أنت؟ قال: لا. قال: فمن بني هاشم؟ قال: لا. قال: فمن أكفائهم من العرب؟ قال: لا. قال: ويلي عليك انزع ثيابه يا حرسي! فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: أصلحك الله! إن إزاري مرعبل. فقال: دعوه فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا الموضع.
قال: ومر أبو علقمة ببعض الطرق فهاجت به مرة فوثب عليه قوم وأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تتكأكؤون علي كما تتكأكؤون على ذي جنة؟ افرنقعوا عني! فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه هندي يتكلم بالهندية.
وقال مرة لحجام يحجمه: اشدد قصب الملازم وارهف ظبة المشارط وخفف الوضع وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً ولا ترددن أتياً. فوضع الحجام محاجمه في جونته ومضى.
محاسم المكاتبات
قال: وقال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنباً إلى الوليد بن عبد الملك وليس يزيل غضبه شيء فاكتب إليه. فكتب: لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب وقد استشفع بي إليك فوثقت له منك بعفو لا يخلطه سخط، فحقق أمله فيّ وصدق ثقتي بك مغتنماً للشكر مبتدئاً بالنعمة. فكتب إليه الوليد: قد شكرت رغبته إليك وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي الذي تحب إن لم تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك.
قال: وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: أما بعد فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب طمعني أوّلك في إخائك وأيسني آخرك من وفائك، فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحاً ولا في غدو انتظار منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي فيك ما أقمنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف.
قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: فإن من حفظ نعم الله رعاية حق ذوي الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب، ومن تمام السودد حفظ الودائع واستتمام الصنائع، وقد كنت أودعت العريان نعمة من نعمك فسلبتها عجلة سخطك، وما أنصفته إذ غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه فأحب أن تجعل له من قلبك نصيباً ولا تخرجه من حسن رأيك فيضيع ما أودعته ويتوى ما أفدته. فعفا عنه.
قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عن أن تعصيه رعيته وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسلمين. فرضي عنه.
قال: وطلب العتابي من رجل حاجة فقضى له بعضها وماطله ببعض. فكتب إليه: أما بعد فقد تركتني منتظراً لرفدك وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا مريحة، والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل، وقد كتبت:
بسطت لساني ثم أوثقت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر باليأس موثق
قال: ولما بنى المهدي بريطة ابنة أبي العباس كتب إليه يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري: أدام الله لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ولا زالت يد الله تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه، وهنئت بهذه النعمة ومليتها أمناً من زوالها بطول البقاء والمدة. فقالت له ريطة: ما لهذا الكلام ثمن!
(1/190)

فقال: وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه فينا وسنزيده من الثواب لثنائه علينا.
قال: وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ويقبضه إليه قبضاً لطيفاً، فكتب إلى أخيه: قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم خلافته عن يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصتك دوني.
أحمد بن يوسف الكاتب قال: أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار من المصابيح في المساجد، فلم أدر كيف أكتب لأنه شيء لم أسبق إليه فأسلك طريقته ومعناه، فأتاني آت في منامي وقال لي: اكتب: فإن فيها أنساً للمجتهدين، واضاء للسائلين، ونفياً لتكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عز وجل عن وحشة الظلم. فكتب بذلك.
قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبة يستشفع إليه في زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضاً: أما بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته والسلام. فكتب إليه المأمون: قد عرفنا توطئتك له وتعريضك لنفسك وأجبناك إليهما ووافقناك عليهما.
وحدثنا عبد الله بن ميمون قال: تأخر الجاري من الرزق لإبراهيم بن إسحاق الموصلي عنه في أيام المأمون فكتب إليه: يا أمير المؤمنين ما فوق جودك في العاجلة مرتقى لآمالنا ولا إلى غير دولتك متطلع لقلوبنا فلم تتأخر الإفادات عنا ويعسر نيل المحبوب علينا. فقال المأمون: ما سمعت في التصريح والإشارة بالطلب أحسن من هذا، وأمر بإخراج فائته وبجائزة ثلاثمائة ألف درهم.
قال: وأولم المأمون على بعض ولده فكتب إليه إبراهيم بن المهدي: لولا البضاعة تقصر عن الهمة لأتعبت السابقين إلى البر وخفت صحيفتها وليس لي فيها ذكر فبعثت بالمبتدإ به ليمنه وبركته والمختوم به لنظافته وطيبه جراب ملح وجراب أشنان.
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له بعث إليه بهدية: لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقك بنا أداء حقك ولكنه على ما يخرج من حد الحشمة ويوجب الأنس، وقد بعثت إليك بكذا.
وحدثنا أبو الودغ قال: أول كتاب ورد على المأمون بالخلافة كتاب الحارث بن سباع الخراساني، فإنه كتب إليه: قد أظلنا أمير المؤمنين بخلافته تحت جناح الطمأنينة وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله له من كرامته ما يتطأمن له أقاصي وأداني رعيته وجعله أعز خليفة وجعلنا أسمع وأطوع رعيته. فقال المأمون للفضل بن سهل: أتعرف ما قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تلقيك به بالسرور. فأعجبه قوله واستحسنه.
قال: وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون من خراسان: بعدت داري عن أمير المؤمنين وعن ظل جناحه وعن خدمته وإن كنت حيث تصرفت لا أتفيأ إلا به وقد اشتد شوقي إلى النظر إلى رؤيته المباركة والتزين بحضور مجلسه وتلقيح عقلي بحسن رأيه، فلا شيء عندي آثر من قربه، وإن كنت في سعة من عيش وهبه الله جل ذكره لي به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المصير إلى دار السلام لأحدث عهداً بالنعم عليّ وأتهنأ بالنعمة التي أقرها لدي فعل. فأجابه المأمون: قربك إلي يا أبا العباس حبيب وأنا إليك مشتاق وإنما بعدت دارك عن أمير المؤمنين بالنظر لك والتخير لحسن العاقبة، فالزم مكانك واتبع قول الشاعر:
رأيت دنو الدار ليس بنافعي ... إذا كان ما بين القلوب بعيدا
(1/191)

وحدثنا خصيف بن الحارث عن أبي رجاء قال: قدم مع المأمون رجل من دهاقين الشاش وعظمائهم على عدة سلفت من المأمون له من توليته بلداً وأن يضم إليه مملكته، فطال على الرجل انتظار خروج المأمون وأمره له بذلك، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله إنفاذ رقعة إلى المأمون من ناحيته. فقال عمرو: اكتب ما شئت فإني أوصله. قال: فتول ذلك عني يكن لك عليّ نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته أو يأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله تعالى. فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمراً فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد فيها. قال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتاب له في هذا في الوقت بما سأل لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه وبجائزة مائة ألف درهم صلة عن دناءة المطل وسماجة الإغفال. ففعل عمرو ذلك.
وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر قال: لما أصاب أهل مكة سنة ثمان ومائتين السيل الذي شارف الحجر ومات تحت هدمه خلق كثير كتب عبد الله بن الحسن العلوي وهو والي الحرمين إلى المأمون: يا أمير المؤمنين إن أهل حرم الله وجيران بيته وألّاف مسجده وعمرة بلاده قد استجاروا بفيء معروفك من سيل تراكمت أحداثه في هدم البنيان وقتل الرجال والنسوان واجتياح الأموال وجرف الأمتعة والأثقال، حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً يرجع إليهما في مطعم وملبس، قد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم ومثيبك عز الشكر لك منهم. قال:: فوجه إلهيم المأمون بالأموال الكثيرة. وكتب إلى عبد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم مكة إلى أمير المؤمنين فتلافاهم الله بفضل رحمته وأنجدهم بسيب نعمته وهو متبع ما أسلفه إليهم بما يخلفه عليهم عاجلاً وآجلاً إن أذن الله جل وعز في تثبيت عزمه على صحة نيته فيهم. قال: فكان كتابه هذا أسرّ إلى أهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم.
قال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون يوماً ومعه كتاب يعجب به كتبه إليه عمرو بن مسعدة، فالتفت إليّ وقال: أحسبك مفكراً فيما رأيت. قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكروه. قال: إنه ليس بمكروه ولكني قرأت كلاماً نظير الخبر خبرني به الرشيد، سمعته يقول: البلاغة التقرب من معنى البغية والتباعد من حشو الكلام ودلالة بالقليل على الكثير، فلم أتوهم أن هذا الكلام يسبك على هذه الصيغة حتى قرأت هذا الكتاب، والله لأقضين حق هذا الكلام، وكان الكتاب استعطافاً على الجند فيه كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والموالاة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند، وقد تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم. قال: فأمر بإعطائهم لثمانية أشهر.
قال: ولما بعث طاهر بن الحسين برأس محمد الأمين كتب إليه: آتى الله أمير المؤمنين من شكره ما يزيد به في نعمته عليه وأياديه لديه، فقد كان من قدر الله جل وعز في إعانة أمير المؤمنين على الظفر بحقه وسلامة الأولياء ووفاة محمد بن الرشيد ما لا دافع له من القضاء في الخلق والاستبداد بالأمر لنفوذ مشيئته فيما أحب من إعزاز وإجلال وموت وحياة، فليهنيء أمير المؤمنين فوائد تطوّل الله عليه وليعزه عن أخيه الرضى بما يؤول إليه أهل الأرض والسماء من الانقراض والفناء. فكان المأمون يقول: والله لسروري بتعزيته أوقع بقلبي من تهنئته.
قال: وكتب إليه الفضل بن سهل: أما بعد فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرّق الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة لقول الله جل وعز فيما اقتص علينا من نبإ نوح حيث يقول: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة فيما كانت القطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين: وقد قتل الله جل وعز المخلوع ورداه رداء نكثه وعجّل لأمير المؤمنين ما كان ينتظر من وعده، فالحمد لله الذي رد إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، وكبت المكايد له في خفر عهده ونقض عقده حتى رد بذلك أعلام الدين إلى سبيلها بعد دروسها والسلام.
(1/192)

قال: وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: أما بعد فإن المأمون أحله الله دار كرامته رآك لأكثر الذي أنت له فيه أهلاً وقد جمع الله لك إلى حسن رأيه كان فيك جميل رأيي لما محضته من حسن الطاعة وكرم الوفاء وشكر الإحسان، وقد اتصلت الأخبار بأنك في كفاية من أولياء أمير المؤمنين وأموال خراسان وفي منعة من خاصتك وعامتك عن أن ينالك عدوك أو أحد ممن يخالفك بسوء، فاكتب بشرح ذلك إلى أمير المؤمنين ليعرفه إن شاء الله. فلما وصل كتابه قال عبد الملك لكاتبه إسماعيل بن حماد: ما تقول في هذا الكتاب؟ قال: كتاب تعريض بأنك خارج من طاعته مالك أمر نفسك دونه. قال: فأجبه عنه. فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين فإن حزب الله وإن قلوا وأنصار المؤمنين وإن ضعفوا فهم الغالبون، وما أنا بشيء في ملاقاة عدو أوثق مني بعز دولة أمير المؤمنين، فأما الأيدي فقليلة والأموال فنزرة وفي الله وفي أمير المؤمنين أعظم الغنى. فقبل عذره وحسن موقع كتابه منه.
قال: وكتب أحمد بن إسرائيل إلى الواثق، وقد عزله عن ديوان الخراج وأمر بتقييده ليصحح حساباته: يا أمير المؤمنين بم يستحق الإذلال من أنت بعد الله ورسوله موئل عزه وإليك مفزع أمله، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك لديه، وعينه طامحة إلى تطولك عليه ورفعك منه والزيادة في الضيعة إليه، فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عما لا يشينك، فما به عنك معدل ولا على غيرك معول. فأمر بإطلاقه.
قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه.
وكتب عليّ بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما أدري كيف أصنع، أغيب فأشتاق وألتقي فلا أشتفي ثم يحدث لي اللقاء نوعاً من الحرقة للوعة الفرقة.
وكتب معقل إلى أبي دلف: فلان جميل الحال عند كرام الرجال وأنت إن لم ترتبطه بفضلك عليه غلبك فضل غيرك عليه.
وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد فقد بان لنا من فضل الله جل وعز ما لا نحصيه لكثرة ما نعصيه وما ندري ما نشكر أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر أم عظيم ما أبلى أم كثير ما عفا، غير أنه يلزمنا في الأمور شكره ويجب علينا حمده، فاستزد الله من حسن بلائه بشكرك إياه على حسن آلائه.
وكتب رجل إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله الذي ابتدأك بإحسانه وأتم عليك نعمه بأفضاله وصبر عليك مع اقتداره ولا يغررك إمهاله فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال فإنه ربما كان استدراجاً، عافانا الله وإياك من الاغترار بالامهال والاستدراج بالإحسان.
قال: وكتب أبو هاشم الحراني إلى بعض الأمراء: عوضي من أمل الأمير متأخر، والصبر على الحرمان متعذر.
وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إن من النعمة على المثني عليك أن يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولاينتهي من المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عوناً على تجاوزها، ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المادحين ومساعدة من النية على ظاهر القول.
وكتب رجل إلى أبي عبد الله بن يحيى: رأيتني فيما أتعاطاه من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر المضيء الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث أنتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن إثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
قال: وكتب المهلب بن أبي صفرة إلى عبد الملك بن مروان لما هزم الشراة: أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت للناس جولة ثم ثاب أهل الدين والمروءة ونصرنا الله جل وعز عليهم ونزل القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا ردية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي النيات منهم وجلا الباقون عن عسكرهم، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها تماماً وكمالاً، والسلام.
وكتب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: الحمد لله الكافي بالإسلام ما وراءه الذي لا تنقطع مواد نعمته حتى ينقطع من خلقه مواد الشكر، وإنا كنا أُعطينا من الله جل وعز على عدونا حالين يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله جل وعز يزيدنا وينقصهم ويعزنا ويخذلهم حتى بلغ الكتاب أجله وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
(1/193)

أخبرنا ابن أبي السرح أن الحجاج أغزى جيشاً فظفروا وأن صاحب جيشه كتب إليه: الحمد لله الذي جعل لأوليائه أمام نصره موعداً قوّى به قلوبهم وقدم إلى أعدائه بين يدي خذلانه إياهم وعيداً أرعب به مفاصلهم وزعزع معه قلوبهم.
فلما بلغ هذا الموضع طوى ما كان نشره من الكتاب ولم يقرأ ما بعده ثم التفت إلى الرسول فقال: غيّرنا هذا الكلام المبتدأ به، إن العدو ولّى من غير حرب! فقال: صدق الأمير صدّق الله ظنه وأصاب أصاب الله رأيه.
قال: وكتب مروان بن محمد إلى عبد الله بن علي يوصيه بحرمة، فكتب إليه عبد الله: يا مائق إن الحق لنا في دمك والحق علينا في حرمك.
وكتب علي، رضوان الله عليه، إلى زياد ابن أبيه: لئن بلغتني عنك خيانة لأشدنّ عليك شدة أدعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر.
قال: وكتب رجل إلى أبي مسلم حين خرج: أحسن الله لك الصحبة وعصمك بالتقوى وألهمك التوفيق، إن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء والعاقبة للمتقين، فسر فيها راغباً إلى الله ورسوله والرضى من هذه الأمة بالكتاب والسنة.
واعلم أن التقوى أسّ ما تبني عليه أمرك، فإن ضعف الأساس تداعى البنيان ودخل الأعداء من كل مكان، فتألف الأعلام من الرجال وسرواتهم وتصفّح عقولهم ومروءاتهم، فكلما ارتضيت رجلاً ففره عن عزائم رأيه واصرف نظرك إلى تصرّف حاله، وإن وجدته على خلاف ما أنت عليه فلا تعجل بإلقاء أمرك إليه فتدخل الوحشة منك والنفور عنك، لكن اقرعه بالحجة في رفق وسقه إلى شرك المحجة في لين حتى يتكشف لك ثوب الظلمة عن النور وتظهر لك وجوه الأمور، فإنه سيكثر أعوانك على الحق ويسهل لك منهاج الطرق. فإذا كثرت العدة من أصحابك وأمكنتك الشدة على أعدائك فحارب الفئة الباغية والأئمة الطاغية الذين أباحوا حمى المسلمين وأجروا عليهم أحكام الفاسقين وقادوهم بجرائر المهن واستذلوهم في البر والبحر.
واعلم أن من عرف الله جل وعز لم ير لأهل البغي جماعة ولا لأئمة الضلالة طاعة. وكلما غلبت على بلدة فامسك عن القتل وأظهر في أهله العدل لتسكن إليك النفوس ويثوب نحوك الناس وينتشر فعلك في الخاصة والعامة فتستدعي أهواءها وتستميل آراءها وتهش إليك من الآفاق نفوس عرانين الكرم ومصابيح الظلَم من ذوي الأحساب الكريمة والبيوت القديمة التي شرفها الإسلام وزينها الإيمان لتزرع بذلك لك المحبة في قلوب العباد ويكونوا لك دواعي في نواحي البلاد. تمم الله لك أمرك وأعلى كعبك.
قال: ولما استقامت المملكة لأبرويز وانقضى ما بينه وبين بهرام جوبين أمر أن تكتب تلك الحروب والوقائع إلى منتهاها ففعلت الكتبة ذلك وعرضته على أبرويز فلم يرض صدره. فقال غلام من أولاد الكتّاب: إن أمر الملك كتبت صدره. فقال: شأنك.
فتناول القلم وكتب: إن الدهر لم يخل في تارات عقبه وتصرفه ووجوه تنقله في حالات من العجائب ولم تنصرم فيه فنونها على طول مداه ولم يزل في تقلب عصريه وصفحات أزمنته وطبقات أحايينه تحدث فيه جلائل الأمور وغرائب الأنباء وتنجم فيه قرون وتعقب فيه أعقاب بعد أسلاف وتعفو آثار، وله في تلونه تصريف أنباء معجبة وأحاديث فيها معتبر وعظة ومختبر، ومن أعاجيب ذلك أمر بهرام بن بهرام ولقبه جوبين، فعرضه على أبرويز فأعجبه ذلك وأمر برفع درجته وتقديمه وتعظيمه.
مساوئ المكاتبات
قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد: جعلت فداك برحمته.
وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسين السمّري: للموت أنا قبله. وقرأت أيضاً على عنوان كتاب: إلى ذاك الذي كتب إليّ.
وكتب بعضهم إلى ابن له عليل: يا بني اكتب إليّ بما تشتهي. فكتب إليه: أشتهي قلنسوة. فكتب إليه: إنما سألتك أن تخبرني بما تشتهي من الغداء.
فكتب إليه: أشتهي دهن خل وزيت. فكتب إليه: أنزل الله عليك الموت فإنك ثقيل! قال: ونقش بشر بن عبد الله على خاتمه: بشر بن عبد الله بالرحمن لا يشرك. فقال أبوه: هذا والله أقبح من الشرك!
محاسن الخطب
قال: خطب خالد بن صفوان خطبة نكاح فقال: الحمد لله جامعاً للحمد كله وصلى الله على محمد وآله. أما بعد فقد قلتم ما سمعنا وبذلتم فقبلنا وخطبتم فأنكحنا فبارك الله لنا ولكم.
(1/194)

قال: وخطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فزوّجه وخطب فقال: الحمد لله ذي العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، وقد زوجتك على ما في كتاب الله جل وعز: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وخطب عبد الله بن جعفر فقال: الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز ولا لذاهب عنه مجاز، السميع المنيع ذي الجلال الرفيع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولا سمي له في برهانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد فإن لكل شيء سبباً مضت به الأقدار وأُحصيت فيه الآثار على وقوع أقضيته وحلول مدته، والصهر نسب شابك يجمع المختلف ويقرّب المؤتلف، وفلان بن فلان قد بذل لكم الموجود ووعدكم الوفاء ا