Advertisement

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي 001



الكتاب: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
المؤلف: عبد القادر بن عمر البغدادي (المتوفى: 1093هـ)
تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة
الطبعة: الرابعة، 1418 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء: 13 (11 جزء ومجلدان فهارس)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
نحمدك يَا من شَوَاهِد آيَاته غنية عَن الشَّرْح وَالْبَيَان وَدَلَائِل توحيده متلوة بِكُل لِسَان صل وَسلم على رَسُولك مُحَمَّد الْمُؤَيد بقواطع الْحجَج والبرهان وعَلى آله وَصَحبه الباذلين مهجهم فِي نصر دينه على سَائِر الْأَدْيَان صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر الْأَزْمَان أما بعد فَيَقُول المفتقر إِلَى مَعُونَة ربه الْهَادِي عبد الْقَادِر بن عمر الْبَغْدَادِيّ هَذَا شرح شَوَاهِد الكافية لنجم الْأَئِمَّة وفاضل هَذِه الْأمة الْمُحَقق مُحَمَّد بن الْحسن الشهير بالرضي الأستراباذي عَفا الله عَنهُ ورحمه وَهُوَ كتاب عكف عَلَيْهِ نحارير الْعلمَاء ودقق النّظر فِيهِ أماثل الْفُضَلَاء وَكَفاهُ من الشّرف وَالْمجد مَا اعْترف بِهِ السَّيِّد والسعد لما فِيهِ من أبحاث أنيقة وأنظار دقيقة وتقريرات رائقة وتوجيهات فائقة حَتَّى صَارَت بعده كتب النَّحْو كالشريعة المنسوخة أَو كالأمة الممسوخة إِلَّا أَن أبياته الَّتِي اسْتشْهد بهَا وَهِي زهاء ألف بَيت كَانَت محلولة العقال ظَاهِرَة الْإِشْكَال لغموض مَعْنَاهَا وخفاء مغزاها وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا التحريف وَبِأَن عَلَيْهَا أثر التَّصْحِيف وَكنت مِمَّن مرن فِي علم الْأَدَب حَتَّى صَار يلبيه من كثب وأفرغ فِي تَحْصِيله جهده وبذل فِيهِ وكده وكده وَجمع دواوينه وَعرف قوانينه وَاجْتمعَ عِنْده بِفضل
(1/3)

الله من الْأَسْفَار مَا لم يجْتَمع عِنْد أحد
فِي هَذِه الْأَعْصَار فشمرت عَن ساعد الْجد وَالِاجْتِهَاد وشرعت فِي شرحها على وفْق المنى وَالْمرَاد فجَاء بِحَمْد الله حائز المفاخر والمحامد فائقا على جَمِيع شُرُوح الشواهد فَهُوَ جدير بِأَن يُسمى
(خزانَة الْأَدَب ولب لباب لِسَان الْعَرَب)
وَقد عرضت فِيهِ بضاعتي للامتحان وَعِنْده يكرم الْمَرْء أَو يهان (الطَّوِيل)
(على أنني رَاض بِأَن أحمل الْهوى ... وأخلص مِنْهُ لَا عَليّ وَلَا ليا)
وَقد جعلته هَدِيَّة لسدة هِيَ مقبل شفَاه الْأَقْيَال ومخيم سرادق الْمجد والإقبال حَضْرَة سيد مُلُوك بني آدم وواسطة عقد سلاطين الْعَالم ملك ألبس الدُّنْيَا خلع الْجمال والكمال وَأَحْيَا داثر الْأَمَانِي والآمال حامي بَيْضَة الْإِسْلَام بالصارم الصمصام وناشر أَعْلَام الشَّرِيفَة الغراء وَالْملَّة الحنيفية الْبَيْضَاء ومرغم أنوف الفراعين ومعفر تيجان الخواقين خَليفَة رب السَّمَوَات وَالْأَرضين ظلّ الله على الْعَالمين وقطب الْخلَافَة فِي الدُّنْيَا وَالدّين خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشريفين وسلطان المشرقين الْغَازِي فِي سَبِيل الله والمجاهد لإعلاء كلمة الله إِلَّا وَهُوَ السُّلْطَان ابْن السُّلْطَان السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد خَان ابْن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم خَان نخبة آل عُثْمَان
(1/4)

خلد الله ظلال خِلَافَته السابغة الوارفة وأفاض على الْعَالمين سِجَال رأفته المترادفة وَيسر لَهُ النَّصْر المتين وَسَهل لَهُ الْفَتْح الْمُبين بجاه حَبِيبه وَرَسُوله مُحَمَّد الْأمين آمين
وَهَاهُنَا مُقَدّمَة تشْتَمل على أُمُور ثَلَاثَة يَنْبَغِي ذكرهَا أَمَام الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود فَنَقُول بعون الله المعبود
(الْأَمر الأول)
(فِي الْكَلَام الَّذِي يَصح الاستشهاد بِهِ فِي اللُّغَة والنحو وَالصرْف)
قَالَ الأندلسي فِي شرح بديعية رَفِيقه ابْن جَابر عُلُوم الْأَدَب سِتَّة اللُّغَة وَالصرْف والنحو والمعاني وَالْبَيَان والبديع وَالثَّلَاثَة الأول لَا يستشهد عَلَيْهَا إِلَّا بِكَلَام الْعَرَب دون الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة فَإِنَّهُ يستشهد فِيهَا بِكَلَام غَيرهم من المولدين لِأَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الْمعَانِي وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْعَرَب وَغَيرهم إِذْ هُوَ أَمر رَاجع إِلَى الْعقل وَلذَلِك قبل من أهل هَذَا الْفَنّ الاستشهاد بِكَلَام البحتري وَأبي تَمام وَأبي الطّيب وهلم جرا هـ
وَأَقُول الْكَلَام الَّذِي يستشهد بِهِ نَوْعَانِ شعر وَغَيره فَقَائِل الأول قد قسمه الْعلمَاء على طَبَقَات أَربع الطَّبَقَة الأولى الشُّعَرَاء الجاهليون وهم قبل الْإِسْلَام كامرئ الْقَيْس والأعشى
(1/5)

الثَّانِيَة المخضرمون وهم الَّذين أدركوا الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام كلبيد وَحسان
الثَّالِثَة المتقدمون وَيُقَال لَهُم الإسلاميون وهم الَّذين كَانُوا فِي صدر الْإِسْلَام كجرير والفرزدق الرَّابِعَة المولدون وَيُقَال لَهُم المحدثون وهم من بعدهمْ إِلَى زَمَاننَا كبشار ابْن برد وَأبي نواس
فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إِجْمَاعًا وَأما الثَّالِثَة فَالصَّحِيح صِحَة الاستشهاد بكلامها وَقد كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَعبد الله بن أبي إِسْحَاق وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعبد الله بن شبْرمَة يلحنون الفرزدق والكميت وَذَا الرمة وأضرابهم كَمَا سَيَأْتِي النَّقْل عَنْهُم فِي هَذَا الشَّرْح إِن شَاءَ الله فِي عدَّة أَبْيَات أخذت عَلَيْهِم ظَاهرا وَكَانُوا يعدونهم من المولدين لأَنهم كَانُوا فِي عصرهم والمعاصرة حجاب قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة كل قديم من الشُّعَرَاء فَهُوَ مُحدث فِي زَمَانه بِالْإِضَافَة إِلَى من كَانَ قبله وَكَانَ أَبُو عَمْرو يَقُول لقد أحسن هَذَا المولد حَتَّى لقد هَمَمْت أَن آمُر صبياننا بِرِوَايَة شعره يَعْنِي بذلك شعر جرير والفرزدق فَجعله مولدا بِالْإِضَافَة إِلَى شعر الْجَاهِلِيَّة والمخضرمين وَكَانَ لَا يعد الشّعْر إِلَّا مَا كَانَ للْمُتَقَدِّمين قَالَ الْأَصْمَعِي جَلَست إِلَيْهِ عشر حجج فَمَا سمعته يحْتَج بِبَيْت إسلامي وَأما الرَّابِعَة فَالصَّحِيح أَنه لَا يستشهد بكلامها مُطلقًا وَقيل يستشهد بِكَلَام من يوثق بِهِ مِنْهُم وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَتَبعهُ الشَّارِح الْمُحَقق
(1/6)

فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِشعر أبي تَمام فِي عدَّة مَوَاضِع من هَذَا الشَّرْح وَاسْتشْهدَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا فِي تَفْسِير أَوَائِل الْبَقَرَة من الْكَشَّاف بِبَيْت من شعره وَقَالَ وَهُوَ وَإِن كَانَ مُحدثا لَا يستشهد بِشعرِهِ فِي اللُّغَة فَهُوَ من عُلَمَاء الْعَرَبيَّة فأجعل مَا يَقُوله بمنزل مَا يرويهِ إِلَّا ترى إِلَى قَول الْعلمَاء الدَّلِيل عَلَيْهِ بَيت الحماسة فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن قبُول الرِّوَايَة مَبْنِيّ على الضَّبْط والوثوق وَاعْتِبَار القَوْل مَبْنِيّ على معرفَة أوضاع اللُّغَة الْعَرَبيَّة والإحاطة بقوانينها وَمن الْبَين أَن إتقان الرِّوَايَة لَا
يسْتَلْزم إتقان الدِّرَايَة وَفِي الْكَشْف أَن القَوْل رِوَايَة خَاصَّة فَهِيَ كنقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي القَوْل بِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى لَيْسَ بسديد بل هُوَ بِعَمَل الرَّاوِي أشبه وَهُوَ لَا يُوجب السماع إِلَّا مِمَّن كَانَ من عُلَمَاء الْعَرَبيَّة الموثوق بهم فَالظَّاهِر أَنه لَا يُخَالف مقتضاها فَإِن استؤنس بِهِ وَلم يَجْعَل دَلِيلا لم يرد عَلَيْهِ مَا ذكر وَلَا مَا قيل من أَنه لَو فتح هَذَا الْبَاب لزم الِاسْتِدْلَال بِكُل مَا وَقع فِي كَلَام عُلَمَاء الْمُحدثين كالحريري وَأَضْرَابه وَالْحجّة فِيمَا رَوَوْهُ لَا فِيمَا رَأَوْهُ وَقد خطأوا المتنبي وَأَبا تَمام والبحتري فِي أَشْيَاء كَثِيرَة كَمَا هُوَ مسطور فِي شُرُوح تِلْكَ الدَّوَاوِين
(1/7)

وَفِي الاقتراح للجلال السُّيُوطِيّ أَجمعُوا على أَنه لَا يحْتَج بِكَلَام المولدين والمحدثين فِي اللُّغَة والعربية وَفِي الْكَشَّاف مَا يَقْتَضِي تَخْصِيص ذَلِك بِغَيْر أَئِمَّة اللُّغَة ورواتها فَإِنَّهُ اسْتشْهد على مَسْأَلَة بقول أبي تَمام الطَّائِي وَأول الشُّعَرَاء الْمُحدثين بشار بن برد وَقد احْتج سِيبَوَيْهٍ بِبَعْض شعره تقربا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ هجاه لتَركه الِاحْتِجَاج بِشعرِهِ ذكره المرزباني وَغَيره وَنقل ثَعْلَب عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ ختم الشّعْر بإبراهيم بن هرمة وَهُوَ آخر الْحجَج
وَكَذَا عد ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة طَبَقَات الشُّعَرَاء أَرْبعا قَالَ هم جاهلي قديم ومخضرم وَإِسْلَامِيٌّ ومحدث قَالَ ثمَّ صَار المحدثون طَبَقَات أولى وثانية على التدريج هَكَذَا فِي الهبوط إِلَى وقتنا هَذَا
وَجعل الطَّبَقَات بَعضهم سِتا وَقَالَ الرَّابِعَة المولدون وهم من بعد الْمُتَقَدِّمين كمن ذكر وَالْخَامِسَة المحدثون وهم من بعدهمْ كَأبي تَمام والبحتري وَالسَّادِسَة الْمُتَأَخّرُونَ وهم من بعدهمْ كَأبي الطّيب المتنبي والجيد هُوَ الأول إِذْ مَا بعد الْمُتَقَدِّمين لَا يجوز الِاسْتِدْلَال بكلامهم فهم طبقَة وَاحِدَة وَلَا فَائِدَة فِي تقسيمهم
(1/8)

وَأما قَائِل الثَّانِي فَهُوَ إِمَّا رَبنَا تبَارك وَتَعَالَى فَكَلَامه عز اسْمه افصح كَلَام وأبلغه وَيجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذه كَمَا بَينه ابْن جني فِي أول كِتَابه الْمُحْتَسب وأجاد القَوْل فِيهِ وَإِمَّا بعض إِحْدَى الطَّبَقَات الثَّلَاث الأول من طَبَقَات الشُّعَرَاء الَّتِي قدمناها وَأما الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث النَّبِي
فقد جوزه ابْن مَالك وَتَبعهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي ذَلِك وَزَاد عَلَيْهِ بالاحتجاج بِكَلَام أهل الْبَيْت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وَقد مَنعه ابْن الضائع وَأَبُو حَيَّان وَسَنَدهمَا أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الْأَحَادِيث لم تنقل كَمَا سَمِعت من النَّبِي
وَإِنَّمَا رويت بِالْمَعْنَى وَثَانِيهمَا أَن أَئِمَّة النَّحْو الْمُتَقَدِّمين من المصرين لم يحتجوا بِشَيْء مِنْهُ ورد الأول على تَقْدِير تَسْلِيمه بِأَن النَّقْل بِالْمَعْنَى إِنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْر الأول قبل بدوينه فِي الْكتب وَقبل فَسَاد اللُّغَة وغايته تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ فَلَا فرق على أَن الْيَقِين غير شَرط بل الظَّن كَاف
ورد الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم استدلالهم بِالْحَدِيثِ عدم صِحَة الِاسْتِدْلَال بِهِ وَالصَّوَاب جَوَاز الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ للنحوي فِي ضبط أَلْفَاظه وَيلْحق بِهِ
(1/9)

مَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَأهل الْبَيْت كَمَا صنع الشَّارِح الْمُحَقق وَإِن شِئْت تَفْصِيل مَا قيل فِي الْمَنْع وَالْجَوَاز فاستمع لما ألقيه بإطناب دون إيجاز قَالَ أَبُو الْحسن بن الضائع فِي شرح الْجمل تَجْوِيز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى هُوَ السَّبَب عِنْدِي فِي ترك الْأَئِمَّة كسيبويه وَغَيره الاستشهاد على إِثْبَات اللُّغَة بِالْحَدِيثِ واعتمدوا فِي ذَلِك على الْقُرْآن وصريح النَّقْل عَن الْعَرَب وَلَوْلَا تَصْرِيح الْعلمَاء بِجَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى فِي الحَدِيث لَكَانَ الأولى فِي إِثْبَات فصيح اللُّغَة كَلَام النَّبِي
لِأَنَّهُ أفْصح الْعَرَب قَالَ وَابْن خروف يستشهد بِالْحَدِيثِ كثيرا فَإِن كَانَ على وَجه الِاسْتِظْهَار والتبرك بالمروي فَحسن وَإِن كَانَ يرى أَن من قبْلَة أغفل شَيْئا وَجب عَلَيْهِ استدراكه فَلَيْسَ كَمَا رأى
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل قد أَكثر هَذَا المُصَنّف من الِاسْتِدْلَال بِمَا وَقع فِي الْأَحَادِيث على إِثْبَات الْقَوَاعِد الْكُلية فِي لِسَان الْعَرَب وَمَا رَأَيْت أحدا من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين سلك هَذِه الطَّرِيقَة غَيره على أَن الواضعين الْأَوَّلين لعلم النَّحْو المستقرئين للْأَحْكَام من لِسَان الْعَرَب كَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَعِيسَى بن عمر والخليل وسيبوية من أَئِمَّة الْبَصرِيين وَالْكسَائِيّ وَالْفراء وَعلي بن الْمُبَارك الْأَحْمَر وَهِشَام الضَّرِير من أَئِمَّة الكوفين لم يَفْعَلُوا ذَلِك وتبعهم على ذَلِك المسلك الْمُتَأَخّرُونَ من الْفَرِيقَيْنِ وَغَيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بَغْدَاد وَأهل الأندلس وَقد جرى الْكَلَام فِي ذَلِك مَعَ بعض الْمُتَأَخِّرين الأذكياء فَقَالَ إِنَّمَا ترك الْعلمَاء ذَلِك لعدم وثوقهم أَن ذَلِك لفظ الرَّسُول
(1/10)

إِذْ لَو وثقوا بذلك لجرى مجْرى الْقُرْآن الْكَرِيم فِي إِثْبَات الْقَوَاعِد الْكُلية وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لأمرين أَحدهمَا أَن الروَاة جوزوا النَّقْل بِالْمَعْنَى فتجد قصَّة وَاحِدَة قد جرت فِي زَمَانه
لم تقل بِتِلْكَ الْأَلْفَاظ جَمِيعهَا نَحْو مَا رُوِيَ من قَوْله زوجتكها بِمَا
مَعَك من الْقُرْآن ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن خُذْهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآن وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فنعلم يَقِينا أَنه
لم يلفظ بِجَمِيعِ هَذِه الْأَلْفَاظ بل لَا نجزم بِأَنَّهُ قَالَ بَعْضهَا إِذْ يحْتَمل أَنه قَالَ لفظا مرادفا لهَذِهِ الْأَلْفَاظ غَيرهَا فَأَتَت الروَاة بالمرادف وَلم تأت بِلَفْظِهِ إِذْ الْمَعْنى هُوَ الْمَطْلُوب وَلَا سِيمَا مَعَ تقادم السماع وَعدم ضَبطهَا بِالْكِتَابَةِ والاتكال على الْحِفْظ وَالضَّابِط مِنْهُم من ضبط الْمَعْنى وَأما من ضبط اللَّفْظ فبعيد جدا لَا سِيمَا فِي الْأَحَادِيث الطوَال وَقد قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ إِن قلت لكم إِنِّي أحدثكُم كَمَا سَمِعت فَلَا تصدقوني إِنَّمَا هُوَ الْمَعْنى وَمن نظر فِي الحَدِيث أدنى نظر علم الْعلم الْيَقِين أَنهم إِنَّمَا يروون بِالْمَعْنَى الْأَمر الثَّانِي أَنه وَقع اللّحن كثيرا فِيمَا رُوِيَ من الحَدِيث لِأَن كثيرا من الروَاة كَانُوا غير عرب بالطبع وَلَا يعلمُونَ لِسَان الْعَرَب بصناعة النَّحْو فَوَقع اللّحن فِي كَلَامهم وهم لَا يعلمُونَ وَدخل فِي كَلَامهم وروايتهم غير الفصيح من لِسَان الْعَرَب ونعلم قطعا من غير شكّ أَن رَسُول الله
كَانَ أفْصح الْعَرَب فَلم يكن يتَكَلَّم إِلَّا بأفصح اللُّغَات وَأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها وَإِذا تكلم
(1/11)

بلغَة غير لغته فَإِنَّمَا يتَكَلَّم بذلك مَعَ أهل تِلْكَ اللُّغَة على طَرِيق الإعجاز وَتَعْلِيم الله ذَلِك لَهُ من غير معلم وَالْمُصَنّف قد أَكثر من الِاسْتِدْلَال بِمَا ورد
فِي الْأَثر متعقبا بِزَعْمِهِ على النَّحْوِيين وَمَا أمعن النّظر فِي ذَلِك وَلَا صحب من لَهُ التَّمْيِيز وَقد قَالَ لنا قَاضِي الْقُضَاة بدر الدَّين بن جمَاعَة وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَن ابْن مَالك قلت لَهُ يَا سَيِّدي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة الْأَعَاجِم وَوَقع فِيهِ من روايتهم مَا نعلم أَنه لَيْسَ من لفظ الرَّسُول فَلم يجب بِشَيْء قَالَ أَبُو حَيَّان وَإِنَّمَا أمعنت الْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لِئَلَّا يَقُول مبتدئ مَا بَال النَّحْوِيين يستدلون بقول الْعَرَب وَفِيهِمْ الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَا يستدلون بِمَا روى فِي الحَدِيث بِنَقْل الْعُدُول كالبخاري وَمُسلم وإضرابهما فَمن طالع مَا ذَكرْنَاهُ أدْرك السَّبَب الَّذِي لأَجله لم يسْتَدلّ النُّحَاة بِالْحَدِيثِ ا. هـ.
وتوسط الشاطبي فجوز الِاحْتِجَاج بالأحاديث الَّتِي اعتني بِنَقْل ألفاظها قَالَ فِي شرح الألفية لم نجد أحدا من النَّحْوِيين اسْتشْهد بِحَدِيث رَسُول الله
وهم يستشهدون بِكَلَام أجلاف الْعَرَب وسفهائهم الَّذين يَبُولُونَ على أَعْقَابهم وأشعارهم الَّتِي فِيهَا الْفُحْش والخنى ويتركون الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لِأَنَّهَا تنقل بِالْمَعْنَى وتختلف رِوَايَاتهَا وألفاظها بِخِلَاف كَلَام الْعَرَب وشعرهم فَإِن رُوَاته اعتنوا بألفاظها لما يَنْبَنِي عَلَيْهِ من النَّحْو وَلَو وقفت على اجتهادهم قضيت مِنْهُ الْعجب وَكَذَا الْقُرْآن ووجوه الْقرَاءَات وَأما الحَدِيث فعلى قسمَيْنِ قسم يعتني ناقله بِمَعْنَاهُ دون لَفظه فَهَذَا لم يَقع بِهِ استشهاد أهل اللِّسَان وَقسم
(1/12)

عرف اعتناء ناقله بِلَفْظِهِ لمقصود خَاص كالأحاديث الَّتِي قصد بهَا بَيَان فصاحة
ككتابه لهمدان وَكتابه لِوَائِل بن حجر والأمثال النَّبَوِيَّة فَهَذَا يَصح الاستشهاد بِهِ فِي الْعَرَبيَّة وَابْن مَالك لم يفصل هَذَا التَّفْصِيل الضَّرُورِيّ الَّذِي لَا بُد مِنْهُ وَبنى الْكَلَام على الحَدِيث مُطلقًا وَلَا أعرف لَهُ سلفا إِلَّا ابْن خروف فَإِنَّهُ أَتَى بِأَحَادِيث فِي بعض الْمسَائِل حَتَّى قَالَ ابْن الضائع لَا أعرف هَل يَأْتِي بهَا مستدلا بهَا أم هِيَ لمُجَرّد التَّمْثِيل وَالْحق أَن ابْن مَالك غير مُصِيب فِي هَذَا فَكَأَنَّهُ بناه على امْتنَاع نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَهُوَ قَول ضَعِيف ا. هـ.

وَقد تبعه السُّيُوطِيّ فِي الاقتراح قَالَ فِيهِ وَأما كَلَامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيستدل مِنْهُ بِمَا أثبت أَنه قَالَه على اللَّفْظ الْمَرْوِيّ وَذَلِكَ نَادِر جدا إِنَّمَا يُوجد فِي الْأَحَادِيث الْقصار على قلَّة أَيْضا فَإِن غَالب الْأَحَادِيث مَرْوِيّ بِالْمَعْنَى وَقد تداولتها الْأَعَاجِم والمولدون قبل تدوينها فرووها بِمَا أدَّت إِلَيْهِ عباراتهم فزادوا ونقصوا وَقدمُوا وأخروا وأبدلوا ألفاظا بِأَلْفَاظ وَلِهَذَا ترى الحَدِيث الْوَاحِد فِي الْقِصَّة الْوَاحِدَة مرويا على أوجه شَتَّى بعبارات مُخْتَلفَة وَمن ثمَّ أنكر على ابْن مَالك إثْبَاته الْقَوَاعِد النحوية بالألفاظ الْوَارِدَة فِي الحَدِيث ثمَّ نقل كَلَام ابْن الضائع وَأبي حَيَّان وَقَالَ مِمَّا يدل على صِحَة مَا ذَهَبا إِلَيْهِ أَن ابْن مَالك اسْتشْهد على لُغَة أكلوني البراغيث بِحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ وَأكْثر من ذَلِك حَتَّى صَار يسميها لُغَة يتعاقبون وَقد اسْتشْهد بِهِ السُّهيْلي ثمَّ قَالَ لكني أَنا أَقُول إِن الْوَاو
(1/13)

فِيهِ عَلامَة إِضْمَار لِأَنَّهُ حَدِيث مُخْتَصر رَوَاهُ الْبَزَّار مطولا فَقَالَ فِيهِ إِن لله تَعَالَى مَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف فِي منع أَن فِي خبر كَاد وَأما حَدِيث كَاد الْفقر أَن يكون كفرا فَإِنَّهُ من تَغْيِير الروَاة لِأَنَّهُ
أفْصح من نطق بالضاد ا. هـ.
وَقد رد هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ الْبَدْر الدماميني فِي شرح التسهيل وَللَّه دره فَإِنَّهُ قد أَجَاد فِي الرَّد قَالَ وَقد أَكثر المُصَنّف من الِاسْتِدْلَال بالأحاديث النَّبَوِيَّة وشنع أَبُو حَيَّان عَلَيْهِ وَقَالَ إِن مَا اسْتندَ إِلَيْهِ من ذَلِك لَا يتم لَهُ لتطرق احْتِمَال الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَلَا يوثق بِأَن ذَلِك المحتج بِهِ لَفظه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حَتَّى تقوم بِهِ الْحجَّة وَقد أجريت ذَلِك لبَعض مَشَايِخنَا فصوب رَأْي ابْن مَالك فِيمَا فعله بِنَاء على أَن الْيَقِين لَيْسَ بمطلوب فِي
هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا الْمَطْلُوب غَلَبَة الظَّن الَّذِي هُوَ منَاط الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَكَذَا مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من نقل مُفْرَدَات الْأَلْفَاظ وقوانين الْإِعْرَاب فالظن فِي ذَلِك كُله كَاف وَلَا يخفى أَنه يغلب على الظَّن أَن ذَلِك الْمَنْقُول المحتج بِهِ لم يُبدل لِأَن الأَصْل عدم التبديل لَا سِيمَا وَالتَّشْدِيد فِي الضَّبْط والتحري فِي نقل الْأَحَادِيث شَائِع بَين النقلَة والمحدثين وَمن يَقُول مِنْهُم بِجَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى فَإِنَّمَا هُوَ عِنْده بِمَعْنى التجويز الْعقلِيّ الَّذِي لَا يُنَافِي وُقُوع نقيضه فَلذَلِك تراهم يتحرون فِي الضَّبْط ويتشددون مَعَ قَوْلهم بِجَوَاز النَّقْل
(1/14)

بِالْمَعْنَى فيغلب على الظَّن من هَذَا كُله أَنَّهَا لم تبدل وَيكون احْتِمَال التبديل فِيهَا مرجوحا فيلغى وَلَا يقْدَح فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال بهَا ثمَّ إِن الْخلاف فِي جَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لم يدون وَلَا كتب وَأما مَا دون وَحصل فِي بطُون الْكتب فَلَا يجوز تَبْدِيل أَلْفَاظه من غير خلاف بَينهم قَالَ ابْن الصّلاح بعد أَن ذكر اخْتلَافهمْ فِي نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى إِن هَذَا الْخلاف لَا نرَاهُ جَارِيا وَلَا أجراه النَّاس فِيمَا نعلم فِيمَا تضمنته بطُون الْكتب فَلَيْسَ لأحد أَن يُغير لفظ شَيْء من كتاب مُصَنف وَيثبت فِيهِ لفظا آخر ا. هـ.
وَتَدْوِين الْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار بل وَكثير من المرويات وَقع فِي الصَّدْر الأول قبل فَسَاد اللُّغَة الْعَرَبيَّة حِين كَانَ كَلَام أُولَئِكَ المبدلين على تَقْدِير تبديلهم يسوغ الِاحْتِجَاج بِهِ وغايته يَوْمئِذٍ تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ يَصح الِاحْتِجَاج بِهِ فَلَا فرق بَين الْجَمِيع فِي صِحَة الِاسْتِدْلَال ثمَّ دون ذَلِك الْمُبدل على تَقْدِير التبديل وَمنع من تَغْيِيره وَنَقله بِالْمَعْنَى كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح فَبَقيَ حجَّة فِي بَابه وَلَا يضر توهم ذَلِك السَّابِق فِي شَيْء من استدلالهم الْمُتَأَخر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ 1. كَلَام الدماميني وَعلم مِمَّا ذكرنَا من تَبْيِين الطَّبَقَات الَّتِي يَصح الِاحْتِجَاج بكلامها أَنه لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِشعر أَو نثر لَا يعرف قَائِله صرح بذلك ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف وَعلة ذَلِك مَخَافَة أَن يكون ذَلِك الْكَلَام مصنوعا أَو لمولد أَو لمن لَا يوثق بِكَلَامِهِ وَلِهَذَا اجتهدنا فِي تَخْرِيج أَبْيَات الشَّرْح وفحصنا عَن قائليها حَتَّى عزونا كل بَيت إِلَى قائلة إِن أمكننا ذَلِك ونسبناه إِلَى قبيلته أَو فصيلته وميزنا
(1/15)

الإسلامي عَن الجاهلي والصحابي عَن التَّابِعِيّ وهلم جرا وضممنا إِلَى الْبَيْت مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ
مَعْنَاهُ وَإِن كَانَ من قِطْعَة نادرة أَو قصيدة عزيزة أوردناها كَامِلَة وشرحنا غريبها ومشكلها وأوردنا سَببهَا ومنشأها كل ذَلِك بالضبط وَالتَّقْيِيد ليعم النَّفْع ويؤمن التحريف والتصحيف وليوثق بِالشَّاهِدِ لمعْرِفَة قَائِله وَيدْفَع احْتِمَال ضعفه قَالَ ابْن النّحاس فِي التعليقة أجَاز الْكُوفِيُّونَ إِظْهَار أَن بعد كي واستشهدوا بقول الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(أردْت لكيما أَن تطير بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بلقع)
قَالَ وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْبَيْت لَا يعرف قَائِله وَلَو عرف لجَاز أَن يكون من ضَرُورَة (الشّعْر) وَقَالَ أَيْضا ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز دُخُول اللَّام فِي خبر لَكِن وَاحْتَجُّوا بقوله (الطَّوِيل)
(ولكنني من حبها لعميد)
وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْبَيْت لَا يعرف قَائِله وَلَا أَوله وَلم يذكر مِنْهُ إِلَّا هَذَا وَلم ينشده أحد مِمَّن وثق فِي اللُّغَة وَلَا عزي إِلَى مَشْهُور بالضبط والإتقان ا. هـ.
وَيُؤْخَذ من هَذَا أَن الشَّاهِد الْمَجْهُول قائلة وتتمته إِن صدر من ثِقَة يعْتَمد عَلَيْهِ قبل وَإِلَّا فَلَا وَلِهَذَا كَانَت أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أصح الشواهد اعْتمد عَلَيْهَا خلف بعد
سلف مَعَ أَن فِيهَا أبياتا عديدة جهل قائلوها وَمَا عيب بهَا ناقلوها وَقد خرج كِتَابه إِلَى النَّاس وَالْعُلَمَاء كثير والعناية بِالْعلمِ وتهذيبه وكيدة
(1/16)

وَنظر فِيهِ وفتش فَمَا طعن أحد من الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ وَلَا أدعى أَنه أَتَى بِشعر مُنكر وَقد روى فِي كِتَابه قِطْعَة من اللُّغَة غَرِيبَة لم يدْرك أهل اللُّغَة معرفَة جَمِيع مَا فِيهَا وَلَا ردوا حرفا مِنْهَا قَالَ الْجرْمِي نظرت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فَإِذا فِيهِ ألف وَخَمْسُونَ بَيْتا فإمَّا الْألف فقد عرفت أَسمَاء قائليها فأثبتها وَأما الْخَمْسُونَ فَلم أعرف أَسمَاء قائليها فأعترف بعجزه وَلم يطعن عَلَيْهِ بِشَيْء وَقد رُوِيَ هَذَا الْكَلَام لأبي عُثْمَان الْمَازِني أَيْضا وَلكَون أبياته أصح الشواهد التزمنا فِي هَذَا الشَّرْح أَن ننص على مَا وجد فِيهِ مِنْهَا بَيْتا بَيْتا ونميزها عَن غَيرهَا ليرتفع شَأْنهَا وَيظْهر رُجْحَانهَا وَرُبمَا رُوِيَ الْبَيْت الْوَاحِد من أبياته أَو غَيرهَا على أوجه مُخْتَلفَة رُبمَا لَا يكون مَوضِع الشَّاهِد فِي بَعْضهَا أَو جَمِيعهَا وَلَا ضير فِي ذَلِك لِأَن الْعَرَب كَانَ بَعضهم ينشد شعره للْآخر فيرويه على مُقْتَضى لغته الَّتِي فطره الله عَلَيْهَا وبسببه تكْثر الرِّوَايَات فِي بعض الأبيات فَلَا يُوجب ذَلِك قدحا فِيهِ وَلَا غضا مِنْهُ فَإِذا وَقع فِي هَذَا الشَّرْح من ذَلِك شَيْء نبهنا عَلَيْهِ
(1/17)

والتزمنا فِي شرح هَذِه الشواهد عدهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد ليسهل مَوضِع الْحِوَالَة فِيهِ وَيَزُول التَّعَب عَن متعاطيه
(الْأَمر الثَّانِي ضروب وأجناس)
فَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى علم النَّحْو وَهُوَ كتاب س وَالْأُصُول لِأَبْنِ السراج ومعاني الْقُرْآن للفراء ومعاني الْقُرْآن للزجاج وتأليف أبي عَليّ الْفَارِسِي ك التَّذْكِرَة القصرية والمسائل البغدادية والمسائل العسكرية والمسائل البصرية والمسائل المنثورة وَنقض الهاذور على ابْن خالويه وَكتاب الشّعْر وتأليف تِلْمِيذه ابْن جني ك الخصائص والمحتسب وَشرح تصريف الْمَازِني وسر الصِّنَاعَة وإعراب الحماسة والمبهج فِي شرح أَسمَاء شعرائها وَشرح ديوَان المتنبي والإنصاف فِي مسَائِل الْخلاف لِابْنِ الْأَنْبَارِي وتذكره أبي حَيَّان وارتشاف الضَّرْب لَهُ أَيْضا والضرائر الشعرية لِابْنِ عُصْفُور والأمالي لِابْنِ الْحَاجِب والأمالي لِأَبْنِ الشجري وشروح الكافية وشروح التسهيل ومغنى اللبيب وشروحه وَغير ذَلِك من المتداول وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى شُرُوح الشواهد وَهُوَ شرح أَبْيَات الْكتاب
(1/18)

لأبي جَعْفَر النّحاس وللأعلم الشنتمري وَلابْن خلف وَلأبي مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْمُسَمّى فرحة الأديب وَشرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي وَلابْن هِشَام اللَّخْمِيّ ولغيرهما وَشرح أَبْيَات الْمفصل لِابْنِ المستوفي الإربلي ولبعض عُلَمَاء الْعَجم الْمُسَمّى بالتخمير وَشرح أَبْيَات شُرُوح ألفية ابْن مَالك للعيني وَشرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم لِابْنِ هِشَام الْأنْصَارِيّ وَلم يكمل وَشرح أَبْيَات الْكَشَّاف
للحموي وَشرح أَبْيَات التفسيرين لخضر الْموصِلِي وَشرح أَبْيَات الْإِيضَاح والمفتاح فِي علم الْمعَانِي وَشرح أَبْيَات التَّلْخِيص للعباسي وَشرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق ليوسف بن السيرافي وَشرح أَبْيَات الْغَرِيب المُصَنّف لَهُ أَيْضا وَشرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب للجواليقي وَلابْن السَّيِّد البطليوسي وللبلي وَشرح أَبْيَات الْآدَاب الْمُسَمّى ب الْعباب وَغير ذَلِك
(1/19)

وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى تَفْسِير أَبْيَات الْمعَانِي المشكلة وَهُوَ أَبْيَات الْمعَانِي للأخفش الْمُجَاشِعِي وأبيات الْمعَانِي للأشنانداني بِخَط ابْن جني وَعَلَيْهَا أجازة أبي عَليّ لَهُ وأبيات الْمعَانِي لِابْنِ السّكيت وأبيات الْمعَانِي لِابْنِ قُتَيْبَة فِي مجلدين ضخمين وأبيات الْمعَانِي لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي وَغير ذَلِك وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى دفاتر اشعار الْعَرَب وَهُوَ قِسْمَانِ دواوين ومجاميع فَالْأول ديوَان امْرِئ الْقَيْس الْكِنْدِيّ وديوان الْأَعْشَى مَيْمُون وديوان عَلْقَمَة الْفَحْل وديوان ابْن حلزة وديوان أبي دواد الْإِيَادِي وديوان طرفه بن العَبْد وديوان عَمْرو بن قميئة وديوان طفيل الغنوي وديوان عَامر بن الطُّفَيْل وديوان بشر بن أبي خازم وديوان أَوْس بن حجر وديوان أعشى باهلة وديوان عَوْف بن عَطِيَّة بن الخرع وديوان مطير بن الأشيم وديوان الحادرة وديوان المثقب الْعَبْدي وديوان لَقِيط بن يعمر الْإِيَادِي وديوان نَابِغَة بني شَيبَان وديوان النَّابِغَة الذبياني وديوان زُهَيْر بن أبي سلمى وديوان أبي طَالب عَم النَّبِي
وَمن شعر الصَّحَابَة ديوَان حسان بن ثَابت وديوان لبيد بن ربيعَة العامري
وديوان كَعْب بن زُهَيْر وديوان حميد بن ثَوْر وديوان أبي محجن الثَّقَفِيّ وديوان النمر بن تولب وديوان عَمْرو بن معدي كرب وديوان خفاف بن ندبة وديوان الخنساء أُخْت صَخْر وَغير ذَلِك وَمن شعر الإسلاميين ديوَان رَافع بن هريم الْيَرْبُوعي وديوان الْقطَامِي وديوان جران الْعود وديوان مُحَمَّد بن
(1/20)

بشير الْخَارِجِي وديوان ابْن همام السَّلُولي وديوان الشماخ وديوان عدي بن الرّقاع وديوان عُرْوَة بن حزَام العذري وديوان عبيد الله الْهُذلِيّ وديوان أبي دهبل الجُمَحِي وديوان الحطيئة وديوان عَمْرو بن الْأَهْتَم الْمنْقري وديوان ابْن قيس الرقيات وديوان الفرزدق وديوان جرير وديوان الأخطل النَّصْرَانِي وديوان ذِي الرمة وديوان جميل العذري وديوان الْمُغيرَة بن حبناء وديوان رجز رؤبة بن العجاج وديوان رجز الزفيان السَّعْدِيّ وديوان رجز أبي الأخزر الْحمانِي وَغير ذَلِك وَمن دواوين المولدين والمحدثين ديوَان مُسلم بن الْوَلِيد وديوان ابْن الوكيع وديوان الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف وديوان عَليّ بن جبلة الطوسي وديوان أبي نواس وديوان ابْن المعتز وديوان ابْن الرُّومِي وديوان أبي تَمام الطَّائِي وديوان البحتري وديوان الشريف المرتضى وديوان المتنبي وديوان أبي فراس الحمداني وَغير ذَلِك والمجاميع مِنْهَا أشعار بني محَارب للشيباني والمفضليات للمفضل الضَّبِّيّ وأشعار الهذليين للسكري وَشَرحهَا لَهُ وَللْإِمَام المرزوقي وأشعار لصوص الْعَرَب للسكري أَيْضا والنقائض لِابْنِ حبيب ومختار شعر الشُّعَرَاء السِّتَّة امْرِئ الْقَيْس والنابغة وعلقمة وَزُهَيْر وطرفة وعنترة وَشَرحهَا
(1/21)

للأعلم الشنتمري وأشعار تغلب لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ومختار شعراء الْقَبَائِل
لأبي تَمام والحماسة أَيْضا وَشَرحهَا للنمري وَأبي مُحَمَّد الْأَعرَابِي وَللْإِمَام المرزوقي وللخطيب التبريزي وَلأبي الْفضل الطبرسي والحماسة البصرية وحماسة الشريف الحسني وحماسة الأعلم الشنتمري وأشعار النِّسَاء للمرزباني وشروح المعلقات لِابْنِ النّحاس وللزوزني وللخطيب التبريزي وجمهرة أشعار الْعَرَب ومنتهى الطّلب من أشعار الْعَرَب فِيهِ أَكثر من ألف قصيدة واليتيمة للثعالبي وَكتاب المغربين وَكتاب النِّسَاء الفوارك وَكتاب النِّسَاء النواشز وَالثَّلَاثَة للمدائني والمجتنى لِابْنِ دُرَيْد وشروح لأمية الْعَرَب للخطيب التبريزي وللزمخشري ولغيرهما وَشرح بَانَتْ سعاد لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَلأبي الْعَبَّاس الْأَحول وَلابْن خالويه وَلابْن هِشَام الْأنْصَارِيّ وَلابْن كتيلة الْبَغْدَادِيّ وَشرح الْبردَة لِابْنِ مَرْزُوق
(1/22)

وَغير ذَلِك وَمن المجاميع النَّوَادِر والأمالي أما النَّوَادِر فَهِيَ نَوَادِر أبي زيد الْأنْصَارِيّ وَشَرحهَا لأبي الْحسن الْأَخْفَش وَلغيره ونوادر ابْن الْأَعرَابِي وَشَرحهَا لأبي مُحَمَّد الْأَعرَابِي ونوادر أبي عَليّ القالي وَشَرحهَا لأبي عبيد الْبكْرِيّ وَأما الأمالي فَهِيَ أمالي ثَعْلَب وأمالي
الزجاجي الصُّغْرَى والكبرى وأمالي أبي عَليّ القالي وَشَرحهَا لأبي عبيد الْبكْرِيّ وذيل أمالي القالي للقالي أَيْضا وصلَة ذيل الأمالي لَهُ أَيْضا وأمالي الصولي وأمالي السَّيِّد المرتضى الْمُسَمَّاة بالغرر والدرر فِي مجلين ضخمين وأمالي شَيخنَا الشهَاب الخفاجي وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى فن الْأَدَب وَهِي الْبَيَان للجاحظ والمحاسن والأضداد لَهُ أَيْضا وَكتاب الشّعْر وَالشعرَاء لَهُ أَيْضا والكامل للمبرد وَشَرحه لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي وَلأبي الْوَلِيد الوقشي ولغيرهما وَالْعقد الفريد لِابْنِ عبد ربه وزهر الْآدَاب للحصري وجواهر النكت وَالْملح لَهُ أَيْضا وديوان الْمعَانِي لأبي هِلَال العسكري والأغاني للأصفهاني فِي عشْرين مجلدا والعمدة لِابْنِ رَشِيق فِي مجلدين والمثل السائر لِابْنِ الْأَثِير وتحرير التحبير لِابْنِ أبي الإصبع ومساوي الْخمر لِابْنِ الْحباب السَّعْدِيّ والأوائل لِابْنِ هبة الله الْموصِلِي فِي مجلدين ومدرج البلاغة لِابْنِ فضَالة الْمُجَاشِعِي وَنقد الشّعْر
(1/23)

لقدامه الْكَاتِب وَشَرحه لعبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ وسفر السَّعَادَة للسخاوي وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى كتب السّير وَكتب الصَّحَابَة وأنساب الْعَرَب وَهُوَ سيرة ابْن هِشَام وَشَرحه الرَّوْض الآنف لِلسُّهَيْلِي وسيرة الكلَاعِي وسيرة ابْن سيد النَّاس وسيرة الشَّامي والاستيعاب لِابْنِ عبد الْبر والإصابة لِابْنِ حجر وجمهرة الْأَنْسَاب لِابْنِ الْكَلْبِيّ ومختصرها لياقوت الْحَمَوِيّ وأنساب قُرَيْش للزبير بن بكار ومقدمة الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر والمعارف لِابْنِ قُتَيْبَة وتنكيس الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ
وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى طَبَقَات الشُّعَرَاء وَغَيرهم وَهُوَ كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة والمؤتلف والمختلف للآدمي والموشح لأبي عبيد الله المرزباني وَكتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي وَكتاب المقتولين غيلَة لِابْنِ حبيب وَكتاب من نسب إِلَى أمه من الشُّعَرَاء لَهُ أَيْضا وَكتاب المنسوبين إِلَى أمهاتهم للحلواني بِخَطِّهِ وطبقات النَّحْوِيين للتاريخي وطبقاتهم أَيْضا لأبي عبد الله اليمني ومعجم الأدباء لياقوت الْحَمَوِيّ فِي عدَّة مجلدات
(1/24)

وَمِنْهَا مَا يرجع إِلَى كتب اللُّغَة وَهُوَ الجمهرة لِابْنِ دُرَيْد والصحاح للجوهري
والعباب للصاغاني والقاموس لمجد الدَّين واليواقيت لأبي عمر المطرزي وَكتاب لَيْسَ لِابْنِ خالويه وَالنِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير والزاهر لِابْنِ الْأَنْبَارِي والمصباح لخطيب الدهشة والتقريب فِي علم الْغَرِيب لوَلَده وَكتاب النَّبَات فِي مجلدات كبار سِتَّة لأبي حنيفَة الدينَوَرِي وَإِصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكيت وَشَرحه للبلي ومختصره للخطيب التبريزي وَكتاب الْأَلْفَاظ لِابْنِ السّكيت وأدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة وَشَرحه للجواليقي وَلابْن السَّيِّد البطليوسي وللزجاجي وللبلي وَلابْن بري والفصيح
لثعلب وشروحه لِابْنِ درسْتوَيْه وللهروي وللمرزوقي وللبلي وَلابْن هِشَام اللَّخْمِيّ ولغيرهم وذيل الفصيح لعبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ وَكتاب الأضداد لِابْنِ السّكيت ولعَبْد الْوَاحِد اللّغَوِيّ وَلغيره وَكتاب الفروق لأبي هِلَال العسكري وَكتاب الْبَيْضَة والدرع لأبي عُبَيْدَة وَخلق
(1/25)

الْإِنْسَان للزجاج والمعربات للجواليقي والمثلثات لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي وَكتاب التفسح فِي اللُّغَة لأبي الْحُسَيْن النَّحْوِيّ والمرصع لِابْنِ الْأَثِير والمزهر للجلال السُّيُوطِيّ وَكتاب الْقلب والإبدال لِابْنِ السّكيت وَكتاب الْمُذكر والمؤنث لَهُ أَيْضا وَلغيره وَكتاب الْأَيَّام والليالي للفراء وَكتاب الْيَوْم وَاللَّيْلَة والشهر وَالسّنة والدهر لأبي عمر المطرزي كتاب الأنواء وَأَسْمَاء الشُّهُور للزجاج والأنواء لأبي الْعَلَاء المعري وَغَيره والمقصور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي وللقالي وَلابْن ولاد ولغيرهم وَغير ذَلِك وَمِنْهَا مَا يتَعَلَّق بأغلاط اللغويين وَهُوَ التَّنْبِيهَات على أغاليط الروَاة لعَلي ابْن حَمْزَة الْبَصْرِيّ وَفِيه أغلاط نَوَادِر أبي زِيَاد الْكلابِي وأغلاط نَوَادِر أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وأغلاط النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي وأغلاط الْغَرِيب المُصَنّف لأبي عبيد وأغلاط إصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكيت وأغلاط الجمهرة لِابْنِ دُرَيْد وأغلاط الْمجَاز لأبي عُبَيْدَة وأغلاط الفصيح لثعلب
(1/26)

وأغلاط الْكَامِل للمبرد وَغير ذَلِك وَكتاب التَّصْحِيف لِلْحسنِ العسكري وَكتاب التَّنْبِيه على حُدُوث التَّصْحِيف لِحَمْزَة الْأَصْفَهَانِي ولحن الْعَامَّة للجواليقي وَلأبي بكر الزبيدِيّ وحاشية ابْن بري على صِحَاح الْجَوْهَرِي
وإغلاط الْجَوْهَرِي للصلاح الصَّفَدِي ودرة الغواص للحريري وَشَرحهَا لِأَبْنِ بري وَلابْن ظفر وَلابْن الْحَنْبَلِيّ ولشيخنا الشهَاب الخفاجي
وَمِنْهَا كتب الْأَمْثَال وَهِي أَمْثَال أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَشَرحهَا لتلميذه وأمثال أبي فيد مؤرج السدُوسِي والفاخر للمفضل بن سَلمَة والأمثال الَّتِي على أفعل لِحَمْزَة الْأَصْفَهَانِي وَمجمع الْأَمْثَال للميداني ومستقصى الْأَمْثَال للزمخشري وَغير ذَلِك وَمِنْهَا كتب الْأَمَاكِن والبلاد وَهِي المعجم فِيمَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ فِي ثَلَاث مجلدات كبار ومعجم الْبلدَانِ لياقوت الْحَمَوِيّ فِي عشر مجلدات كبار وَغير ذَلِك مِمَّا لَو سردته لطال وأورث السأم والملال
(1/27)

(الْأَمر الثَّالِث يتَعَلَّق بترجمة الشَّارِح الْمُحَقق والحبر المدقق رَحِمَهُ اللَّهُ وَتجَاوز عَنهُ)
وَلم أطلع على تَرْجَمَة لَهُ وافية بالمراد وَقد رَأَيْت فِي آخر نُسْخَة قديمَة من هَذَا الشَّرْح مَا نَصه هُوَ الْمولى الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة ملك الْعلمَاء صدر الْفُضَلَاء مفتي الطوائف الْفَقِيه الْمُعظم نجم الْملَّة وَالدّين مُحَمَّد بن الْحسن الأستراباذي وَقد أمْلى هَذَا الشَّرْح بالحضرة الشَّرِيفَة الغروية فِي ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة هَذَا صُورَة مَا رَأَيْته وَهَذَا التَّارِيخ غير مُوَافق لما أرخه هُوَ فِي آخر شَرحه قبل أَحْكَام هَاء السكت قَالَ فِيهِ هَذَا آخر شرح الْمُقدمَة وَالْحَمْد لله على إنعامه
وإفضاله بِتَوْفِيق إكماله وصلواته على مُحَمَّد وكرام آله وَقد تمّ تَمَامه وَختم اختتامه فِي الحضرة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل تَحِيَّة رب الْعِزَّة وَسَلَامه فِي شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقد أوردهُ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي مُعْجم النَّحْوِيين وَلم يعرف اسْمه قَالَ الرضي الإِمَام الْمَشْهُور صَاحب شرح الكافية لِابْنِ الْحَاجِب الَّذِي لم يؤلف عَلَيْهَا بل وَلَا فِي غَالب كتب النَّحْو مثله جمعا وتحقيقا وَحسن تَعْلِيل وَقد أكب النَّاس عَلَيْهِ وتداولوه وَاعْتَمدهُ شُيُوخ الْعَصْر فَمن قبلهم فِي مصنفاتهم ودروسهم وَله فِيهِ أبحاث واختيارات جمة ومذاهب ينْفَرد بهَا ولقبه نجم الْأَئِمَّة وَلم أَقف على اسْمه وَلَا على شَيْء من تَرْجَمته إِلَّا أَنه فرغ من تأليفه هَذَا الشَّرْح سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَأَخْبرنِي صاحبنا شمس الدَّين بن عوم
(1/28)

بِمَكَّة أَن وَفَاته سنة أَربع وَثَمَانِينَ أَو سِتّ وسِتمِائَة الشَّك مني وَله شرح على الشافية هَذَا مَا ذكره السُّيُوطِيّ والتاريخان غير موافقين لما ذَكرْنَاهُ وَقد ذكر البقاعي فِي مناسبات الْقُرْآن تَارِيخ هَذَا الشَّرْح كَمَا نقلنا قَالَ هُوَ مُحَمَّد بن الْحسن الأستراباذي الْعَلامَة نجم الدَّين وتمم شرح الكافية فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَلم ينْقل الشَّرْح من الْعَجم إِلَى الديار المصرية إِلَّا بعد أبي حَيَّان وَابْن هِشَام ا. هـ.
وعَلى هَذَا لَا يُمكن أَن يكون تَارِيخ وَفَاته مَا ذكره السُّيُوطِيّ فَإِنَّهُ عَاشَ مُدَّة يحرر شَرحه وَلِهَذَا تخْتَلف نسخه اخْتِلَافا كثيرا كَمَا نَقله السَّيِّد الْجِرْجَانِيّ فِي إِجَازَته الآتيه وَشَرحه للشافية مُتَأَخّر عَن شَرحه للكافية فَلَا يَصح ذَلِك التَّارِيخ وعصره قريب من عصر ابْن الْحَاجِب فَإِن وَفَاة ابْن الْحَاجِب كَانَت فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَقد رَأَيْت أَن أكتب هُنَا صُورَة إجَازَة الشريف الْجِرْجَانِيّ لمن قَرَأَ عَلَيْهِ هَذَا الشَّرْح فَإِنَّهُ بَالغ فِي تقريظه وأطرى ومدح الشَّارِح بِمَا هُوَ اللَّائِق والأحرى وَهِي هَذِه أَحْمَده على جزيل نواله وأصلي على نبيه مُحَمَّد وَصَحبه وَآله وَبعد فَإِن صناعَة الْإِعْرَاب لَا يخفي شَأْنهَا فِي رَفعه مَكَانهَا تجْرِي من عُلُوم الْأَدَب مجْرى الأساس وتتنزل مِنْهَا منزلَة الْبُرْهَان من الْقيَاس وَبهَا يتم ارتشاف الضَّرْب من تراكيب كَلَام الْعَرَب بل هِيَ مرقاة مَنْصُوبَة إِلَى علم الْبَيَان المطلع على نكت نظم
الْقُرْآن وَإِن شرح الكافية للْعَالم الْكَامِل نجم الْأَئِمَّة وفاضل الْأمة مُحَمَّد بن الْحسن الرضي الأستراباذي تغمده الله بغفرانه وَأَسْكَنَهُ بحبوحة جنانه كتاب جليل الْخطر مَحْمُود الْأَثر يحتوى من أصُول هَذَا الْفَنّ
(1/29)

على أمهاتها وَمن فروعه على نكاتها قد جمع بَين الدَّلَائِل والمباني وتقريرها وَبَين تَكْثِير الْمسَائِل والمعاني وتحريرها وَبَالغ فِي توضيح المناسبات وتوجيه المباحثات حَتَّى فاق ببيانه على أقرانه وَجَاء كِتَابه هَذَا كعقد نظم فِي جَوَاهِر الحكم بزواهر الْكَلم لَكِن وَقع فِيهِ تغييرات وَشَيْء كثير من المحور والإنبات وَبدل بذلك صور نُسْخَة تبديلا بِحَيْثُ لَا نجد إِلَى سيرتها سَبِيلا وَإِنِّي مَعَ مَا منيت بِهِ من الأشغال واختلال الْحَال وانتكاس سوق الْفضل والكمال وانقراض عصر الرِّجَال الَّذين كَانُوا محط الرّحال ومنبع الأفضال ومعدن الإقبال وَمجمع الآمال وتلاطم أمواج الوسواس من غَلَبَة أَفْوَاج الشَّوْكَة وَظُهُور الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس قد بذلت وسعي فِي تَصْحِيحه بِقدر مَا وَفِي بِهِ حسي مَعَ تِلْكَ الْعَوَائِق ووسعه مقدرتي مَعَ مَوَانِع الْعَوَائِق فتصحح إِلَّا مَا ندر أَو طَغى بِهِ الْقَلَم أَو زاغ الْبَصَر وَقد قَرَأَهُ على من أَوله إِلَى آخِره الْمولى الإِمَام والفاضل الْهمام زبدة أقرانه فِي زَمَانه وأسوة الأفاضل فِي أَوَانه مُحَمَّد حاجي ابْن الشَّيْخ المرحوم السعيد عمر بن مُحَمَّد زيدت فضائله كَمَا طابت شمائله قِرَاءَة بحث وإتقان وكشف وإيقان وَقد نقر فِيهَا عَن معضلاته وكشف عَن وُجُوه مخدراته هَذَا وَقد أجزته أَن يرويهِ عني مَعَ سَائِر مَا سَمعه عَليّ من الْأَحَادِيث وفنون الْأَدَب والأصولين راجيا مِنْهُ أَن لَا ينساني فِي خلواته وَفِي دعواته عقيب صلواته لَعَلَّ الله يجمعنا فِي جناته ويتغمدنا بمرضاته إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالإجابة جدير وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير كتبه الْفَقِير الحقير الْجَانِي عَليّ بن مُحَمَّد الْحُسَيْنِي الْجِرْجَانِيّ وَذَلِكَ بمحروسة سَمَرْقَنْد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانمِائَة
(1/30)

وَهَذَا آخر الْإِجَازَة وَقد حَان أَن نشرع فِيمَا انتوينا ونتوجه إِلَى مَا انتحينا راجين من الله إخلاص الْعَمَل والعصمة عَن الزيغ والخطل وَمن هُنَا نقُول وعَلى الله الْقبُول أنْشد فِي
خَواص الأسم (الطَّوِيل)
(يَقُول الخنى وَأبْغض الْعَجم ناطقا ... إِلَى رَبنَا صَوت الْحمار اليجدع)
أوردهُ الشَّارِح وَابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب على أَن أل فِي اليجدع اسْم مَوْصُول دخل على صَرِيح الْفِعْل لمشابهته لاسم الْمَفْعُول وَهُوَ مَعَ ذَلِك شَاذ قَبِيح لَا يَجِيء إِلَى فِي ضَرُورَة وَقَالَ الْأَخْفَش أَرَادَ الَّذِي يجدع كَمَا تَقول هُوَ ال يَضْرِبك تُرِيدُ الَّذِي يَضْرِبك وَقَالَ ابْن السراج فِي كتاب الْأُصُول لما احْتَاجَ إِلَى رفع القافية قلب الِاسْم فعلا وَهُوَ من أقبح ضرورات الشّعْر قيل لَا ضَرُورَة فِيهِ فَإِنَّهُ يُمكن أَن يَقُول يجدع بِدُونِ أل لِاسْتِقَامَةِ الْوَزْن وَأَن يَقُول المتقصع أَقُول هَذَا مبْنى على أَن معنى الضَّرُورَة عِنْد هَذَا الْقَائِل مَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ مندوحة وَهُوَ فَاسد كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَالصَّحِيح تَفْسِيرهَا بِمَا وَقع فِي الشّعْر دون النثر سَوَاء كَانَ عَنهُ مندوحة أَو لَا قَالَ شَارِح شَوَاهِد الألفية ذَاك مُسلم فِي يجدع دون المتقصع فَإِنَّهُ يلْزمه الإقواء وَهُوَ عيب أَقُول لَا يلْزمه الإقواء فَإِن اليربوع مَرْفُوع والمتقصع وَصفه كَمَا يَأْتِي بَيَانه وَقيل أل فِيهِ زَائِدَة وَالْجُمْلَة صفة الْحمار أَو حَال مِنْهُ لِأَن أل فِي الْحمار جنسية وَهَذَا لَا يتمشى فِي أخواته
(1/31)

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق لمشابهته لاسم الْمَفْعُول يُرِيد أَنَّهَا إِذا دخلت على مضارع مبْنى للْمَفْعُول إِنَّمَا تدخل عَلَيْهِ لمشابهته لاسم الْمَفْعُول نَحْو اليجدع واليتقصع وَقَول الفرزدق (الْبَسِيط)
(مَا أَنْت بالحكم الترضى حكومته ... وَلَا الْأَصِيل وَلَا ذِي الراي والجدل)
وَإِذا دخلت على مضارع مَبْنِيّ للْفَاعِل إِنَّمَا تدخل عَلَيْهِ لمشابهته لاسم الْفَاعِل كَقَوْلِه (الطَّوِيل)
(وَلَيْسَ اليرى للخل مثل الَّذِي يرى ... لَهُ الْخلّ أَهلا أَن يعد خَلِيلًا)
وَقَوله (الْبَسِيط)
(مَا كاليروح وَيَغْدُو لاهيا فَرحا ... مشمر يستديم الحزم ذُو رشد)
وَقَوله (السَّرِيع)
(لَا تبعثن الْحَرْب إِنِّي لَك الينذر ... من نيرانها فَاتق)
وَقَوله (الطَّوِيل)
(فذو المَال يُؤْتِي مَاله دون عرضه ... لما نابه والطارق اليتعمل)
وَقَوله (الطَّوِيل)
(أحين اصطباني أَن سكت وإنني ... لفي شغل عَن دخلي اليتتبع)
وَقَول أبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل العسكرية إِن دُخُول أل على الْفِعْل الْمُضَارع لم يُوجد إِلَّا فِي اليجدع واليتقصع وأظن حرفا أَو حرفين آخَرين لَيْسَ كَذَلِك كَمَا ذكرنَا وَسكت عَن دُخُولهَا على الظّرْف نَحْو (الرجز)
(من لَا يزَال شاكرا على المعه ... فَهُوَ حر بعيشة ذَات سعه)
وَقَوله (الطَّوِيل)
(وغيرني مَا غال قيسا ومالكا ... وعمرا وحجرا بالمشقر ألمعا)
(1/32)

يُرِيد اللَّذين مَعًا وَقَالَ الْكسَائي أَرَادَ مَعًا وأل زَائِدَة وَعَن دُخُولهَا على الْجُمْلَة الأسمية نَحْو (الوافر)
(بل الْقَوْم الرَّسُول الله فيهم ... هم أهل الْحُكُومَة من قصي)
لِأَنَّهُ لَا يرد النَّقْض بهَا وَإِن كَانَت مَوْصُولَة أُسَمِّيهِ شَاذَّة كشذوذها مَعَ الْفِعْل وَالْكل خَاص بالشعر قَالَ الشاطبي فِي شرح ألفية ابْن مَالك وَأما آل فمختصه بالأسماء على جَمِيع وجوهها من كَونهَا لتعريف الْعَهْد أَو الْجِنْس أَو زَائِدَة أَو مَوْصُولَة أَو غير ذَلِك من أقسامها وَأعلم أَن صَرِيح مَذْهَب الشَّارِح الْمُحَقق فِي الضَّرُورَة هُوَ الْمَذْهَب الثَّانِي وَهُوَ مَا وَقع فِي الشّعْر وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب ابْن مَالك إِلَى أَنَّهَا مَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ مندوحة فوصل أل بالمضارع وَغَيره عِنْده جَائِز اخْتِيَارا لكنه قَلِيل وَقد صرح بِهِ فِي شرح التسهيل فَقَالَ وَعِنْدِي أَن مثل هَذَا غير مَخْصُوص بِالضَّرُورَةِ لِإِمْكَان أَن يَقُول الشَّاعِر صَوت الْحمار يجدع وَمَا من يرى للخل والمتقصع وَإِذا لم يَفْعَلُوا ذَلِك مَعَ الِاسْتِطَاعَة فَفِي ذَلِك إِشْعَار بِالِاخْتِيَارِ وَعدم الِاضْطِرَار وَمَا ذهب إِلَيْهِ بَاطِل من وُجُوه أَحدهَا إِجْمَاع النُّحَاة على عدم اعْتِبَار هَذَا المنزع وعَلى إهماله فِي النّظر القياسي جملَة وَلَو كَانَ مُعْتَبرا لنبهوا عَلَيْهِ الثَّانِي أَن الضَّرُورَة عِنْد النُّحَاة لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنه لَا يُمكن فِي الْموضع غير مَا ذكر إِذْ مَا من ضَرُورَة إِلَّا وَيُمكن أَن يعوض من لَفظهَا غَيره وَلَا يُنكر هَذَا إِلَّا جَاحد لضَرُورَة الْعقل هَذِه الرَّاء فِي كَلَام الْعَرَب من الشياع فِي الِاسْتِعْمَال بمَكَان لَا يجهل وَلَا تكَاد تنطق بجملتين تعريان عَنْهَا وَقد هجرها وَاصل بن عَطاء لمَكَان لثغته فِيهَا حَتَّى كَانَ
(1/33)

يناظر الْخُصُوم ويخطب على الْمِنْبَر فَلَا يسمع فِي نطقه رَاء فَكَانَ إِحْدَى الْأَعَاجِيب حَتَّى صَار مثلا وَلَا مرية فِي أَن اجْتِنَاب الضَّرُورَة الشعرية أسهل من هَذَا بِكَثِير وَإِذا وصل الْأَمر إِلَى هَذَا الْحَد أدّى أَن لَا ضَرُورَة فِي شعر عَرَبِيّ وَذَلِكَ خلاف الْإِجْمَاع وَإِنَّمَا معنى الضَّرُورَة أَن الشَّاعِر قد لَا يخْطر بِبَالِهِ إِلَّا لَفظه مَا تضمنته ضَرُورَة النُّطْق بِهِ فِي ذَلِك الْموضع إِلَى زِيَادَة أَو نقص أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ قد ينتبه غَيره إِلَى أَن يحتال فِي شَيْء يزِيل تِلْكَ الضَّرُورَة الثَّالِث أَنه قد يكون للمعنى عبارتان أَو أَكثر وَاحِدَة يلْزم فِيهَا ضَرُورَة إِلَّا أَنَّهَا مُطَابقَة لمقْتَضى الْحَال وَلَا شكّ أَنهم فِي هَذِه الْحَال يرجعُونَ إِلَى الضَّرُورَة لِأَن اعتناءهم بالمعاني أَشد من اعتنائهم بالألفاظ وَإِذا ظهر لنا فِي مَوضِع أَن مَا لَا ضَرُورَة
فِيهِ يصلح هُنَالك فَمن أَيْن يعلم أَنه مُطَابق لمقْتَضى الْحَال الرَّابِع أَن الْعَرَب قد تأبى الْكَلَام القياسي لعَارض زحاف فتستطيب المزاحف دون غَيره أَو بِالْعَكْسِ فتركب الضَّرُورَة لذَلِك وَقد بسط الرَّد عَلَيْهِ الشاطبي فِي شرح الألفية وَهَذَا أنموذج مِنْهُ ثمَّ قَالَ وَقد بيّنت هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا هُوَ أوسع من هَذَا فِي بَاب الضرائر من أصُول الْعَرَبيَّة وَهَذَا الْبَيْت ثَانِي أَبْيَات سَبْعَة أوردهَا أَبُو زيد فِي نوادره لذِي الْخرق الطهوي وَهِي
(الطَّوِيل)
(أَتَانِي كَلَام الثَّعْلَبِيّ ابْن ديسق ... فَفِي أَي هَذَا ويله يتترع)
(يَقُول الخنى وَأبْغض الْعَجم ناطقا ... إِلَى رَبنَا صَوت الْحمار اليجدع)
(فَهَلا تمناها إِذْ الْحَرْب لاقح ... وَذُو النبوان قَبره يتصدع)
(يأتك حَيا دارم وهما مَعًا ... ويأتك ألف من طهية أَقرع)
...
(1/34)

(فيستخرج اليربوع من نافقائه ... وَمن جُحْره بالشيحة اليتقصع)
(وَنحن أَخذنَا الْفَارِس الْخَيْر مِنْكُم ... فظل وأعييا ذُو الفقار يكرع)
(وَنحن أَخذنَا قد علمْتُم أسيركم ... يسارا فنحدي من يسَار وننقع)
قَوْله أَتَانِي كَلَام الثَّعْلَبِيّ هُوَ بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة كَمَا فِي نَوَادِر أبي زيد فِي نُسْخَة قديمَة صَحِيحَة نِسْبَة إِلَى ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع أبي قَبيلَة لَا بمثناة فوقية فغين مُعْجمَة نِسْبَة إِلَى تغلب بن وَائِل أبي قَبيلَة كَمَا ضَبطه بَعضهم فَإِن ابْن ديسق هُوَ أَبُو مذعور طَارق بن ديسق بن عَوْف بن عَاصِم بن عبيد بن ثَعْلَبَة ابْن يَرْبُوع كَذَا سرد نسبه الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الغندجاني فِي شَرحه نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي وَأورد لَهُ شعرًا جيدا وديسق علم مَنْقُول قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب قَالَ اللَّيْث الديسق خوان من فضَّة وَالطَّرِيق الْمُسْتَعْمل والحوض
الملآن وَالشَّيْخ والنور وكل حلي من فضَّة بَيْضَاء صَافِيَة ووعاء من أوعيتهم مَأْخُوذ من الدسق بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ امتلاء الْحَوْض يُقَال مَلَأت الْحَوْض حَتَّى دسق أَي ساح مَاؤُهُ وَقيل هُوَ بَيَاض الْحَوْض وبريقة وَقَوله يتترع التترع بفتحتي التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَالرَّاء فِي الْعباب ترع الرجل كفرح إِذا اقتحم الْأُمُور مرحا ونشاطا وَقيل ترع سارع إِلَى الشَّرّ وَالْغَضَب وتترع إِلَيْهِ بِالشَّرِّ أَي تسرع وَكَأَنَّهُ توعده بِالْقَتْلِ والسبي والنهب وَمَا أشبه ذَلِك يَقُول إِلَى أَي هَذِه الْأُمُور يسابق بشره وبلائه وَقَوله يَقُول الخنى الْبَيْت قَالَ الْجَوْهَرِي وَتَبعهُ الصَّاغَانِي هَذَا من أَبْيَات الْكتاب وَهَذَا لَا اصل لَهُ وَقد تصفحت شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
(1/35)

فِي عدَّة نسخ وَلم أَجِدهُ فِيهَا قَالَ الصَّاغَانِي لم أجد هَذَا الْبَيْت فِي شعر ذِي الْخرق وَقد قَرَأت شعره فِي أشعار بني طهية وسَاق لَهُ أبياتا سَبْعَة لم يكن هَذَا الْبَيْت فِيهَا وَذكر لَهُ بَيْتا بدل مَا قبل الْبَيْت الْأَخير وَهُوَ (الطَّوِيل)
(وَنحن حبسنا الدهم وسط بُيُوتكُمْ ... فَلم تقربوها والرماح تزعزع)
والخنى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْفُحْش من الْكَلَام وألفه منقلبة عَن يَاء وَلِهَذَا كتبت بِالْيَاءِ يُقَال كَلَام خن وَكلمَة خنية وَقد خني عَلَيْهِ بِالْكَسْرِ وأخنى عَلَيْهِ فِي منْطقَة إِذا أفحش وَهُوَ مَنْصُوب بالْقَوْل لتَضَمّنه معنى الْجُمْلَة كقلت قصيدة فَلَا حَاجَة لتأويل يَقُول بيفوه وَيتَكَلَّم وَجُمْلَة يَقُول الخنى تَفْسِير لقَوْله أَتَانِي كَلَام الثَّعْلَبِيّ وَأبْغض اسْم تَفْضِيل على غير قِيَاس لِأَنَّهُ بِمَعْنى اسْم الْمَفْعُول من أبغضته إبغاضا فَهُوَ مبغض أَي مقته وكرهته وَلِأَنَّهُ من غير الثلاثي أَو هُوَ من بغض الشَّيْء بِالضَّمِّ بغاضة بِمَعْنى صَار بغيضا فَلَا شذوذ قَالَ السخاوي فِي شرح الْمفصل قَالُوا هُوَ أبْغض لي من زيد وأمقت لي مِنْهُ أَي يبغضني أَكثر مِمَّا يبغضني زيد وَقَالُوا إِنَّه مَرْدُود إِلَى بغض ومقت يُقَال بغض بغاضة إِذا صَار بغيضا قَالَ ابْن بري إِنَّمَا جعل شاذا لِأَنَّهُ جعل من أبْغض والتعجب لَا يكون من أفعل إِلَّا بأشد وَلَيْسَ كَمَا ظن الْجَوْهَرِي بل هُوَ من بغض فلَان إِلَيّ وَحكى اللغويون والنحويون مَا أبغضني لَهُ إِذا كنت أَنْت الْمُبْغض لَهُ وَمَا أبغضني إِلَيْهِ إِذا كَانَ هُوَ الْمُبْغض لَك انْتهى وَإِلَى فِي التَّفْضِيل غير مَا ذكر فِي التَّعَجُّب فَإِن إِلَى هُنَا بِمَعْنى عِنْد ومجرورها فَاعل معنى والعجم جمع أعجم وعجماء
وَهُوَ الْحَيَوَان الَّذِي لَا ينْطق والأعجم أَيْضا الْإِنْسَان الَّذِي فِي لِسَانه عجمة وَإِن كَانَ بدويا لشُبْهَة
(1/36)

بِالْحَيَوَانِ وناطقا فَاعل من النُّطْق قَالَ الرَّاغِب النُّطْق فِي التعارف الْأَصْوَات الْمُقطعَة الَّتِي يظهرها اللِّسَان وَتَعيهَا الآذان وَلَا يُقَال للحيوانات نَاطِق إِلَّا مُقَيّدا أَو على طَرِيق التَّشْبِيه كَقَوْل الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(عجبت لَهَا أَنى يكون غنَاؤُهَا ... فصيحا وَلم تفغر بمنطقها فَمَا)
انْتهى وَهُوَ هُنَا مجَاز عَن الصَّوْت من إِطْلَاق الْخَاص وَإِرَادَة الْعَام وَهُوَ مَنْصُوب على التَّمْيِيز للنسبة وَأَصله وَأبْغض نطق الْعَجم أَي تصويتها فَلَمَّا حذف صَارَت نِسْبَة البغض إِلَى الْعَجم مُبْهمَة ففسرت بالتمييز ولابد من هَذَا الْمَحْذُوف ليَصِح الْإِخْبَار أَرَادَ الشَّاعِر تَشْبِيه صَوته إِذْ يَقُول الخنى فِي بشاعته بِصَوْت الْحمار إِذْ تقطع أذنَاهُ وَصَوت الْحمار شنيع فِي غير تِلْكَ الْحَال فَمَا الظَّن بِهِ فِيهَا وَزعم جمَاعَة أَن ناطقا حَال ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم هُوَ حَال من الْعَجم وَيرد عَلَيْهِ أَنه مفرج وَصَاحب الْحَال جمع وَمن صَححهُ بإنابة الْمُفْرد مناب الْجمع أَو أَن ناطقا بِمَعْنى ذَات نطق فقد تكلّف وَقَالَ بَعضهم هُوَ حَال من أبْغض وَيرد عَلَيْهِ أَن الْأَصَح أَن الْمُبْتَدَأ لَا يتَقَيَّد بِالْحَال وَجوز هَذَا الْقَائِل أَن يكون حَالا من ضمير يَقُول مَعَ أعترافه بِأَنَّهُ يلْزم الْفَصْل بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بالأجنبي وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه حَال من ضمير أبْغض وَهَذَا سَهْو إِذْ لَيْسَ فِيهِ ضمير وَلَو كَانَ خَبرا لتحمله وَقَوله إِلَى رَبنَا مُتَعَلق بأبغض وروى ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة إِلَى ربه فَالضَّمِير يرجع إِلَى ابْن ديسق وَقَوله اليجدع قَالَ الصَّاغَانِي الجدع بِالدَّال الْمُهْملَة قطع الْأنف وَقطع الْأذن وَقطع الْيَد وَقطع الشّفة وجدعته أَي سجنته وحبسته ثمَّ قَالَ وحمار مجدع مَقْطُوع الْأُذُنَيْنِ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت عَن نَوَادِر أبي زيد وَزعم شَارِح
(1/37)

مُغنِي اللبيب وَهُوَ الْحق أَنه من جدعت الْحمار سجنته قَالَ لِأَن الْحمار إِذا حبس كثر تصويته وَإِذا جعل من الجدع الَّذِي هُوَ قطع الْأذن لم يظْهر لَهُ معنى قَالَ السُّيُوطِيّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَن صَوت الْحمار حَالَة تقطيع أُذُنه أَكثر وأقبح وَكَأَنَّهُ ظن أَن المُرَاد صَوته بعد التجديع وَلَيْسَ كَذَلِك بل المُرَاد وَقت التجديع هَذَا كَلَامه وَفِيه
نظر فَإِنَّهُ قيل لَا يصوت عِنْد قطع أُذُنه أصلا وَقيل إِن الْحمار إِذا كَانَ مَقْطُوع الْأذن يكون صَوته أرفع وَإِنَّمَا كَانَ صَوت الْحمار مستكرها لِأَن أَوله زفير وَآخره شهيق وَهَذِه الْحَالة تنفر مِنْهَا الطباع وَقد ورد تَمْثِيل الصَّوْت الْمُرْتَفع بِصَوْت الْحمار فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى فِي وَصِيَّة لُقْمَان لِابْنِهِ واغضض من صَوْتك إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير أَي أوحش الْأَصْوَات وأقبحها قَالَ القَاضِي وَفِي تَمْثِيل الصَّوْت الْمُرْتَفع بِهِ ثمَّ إِخْرَاجه مخرج الِاسْتِعَارَة مُبَالغَة شَدِيدَة وَقَالَ معِين الدَّين الصفوي شبه الرافعين صوتهم بالحمير من غير أَدَاة التَّشْبِيه مُبَالغَة فِي التنفير وَلما كَانَ صَوته لَا يكَاد يخْتَلف وأصوات سَائِر الْحَيَوَانَات مُخْتَلفَة جدا أفرد وجمعت وَالْحمير بِمَنْزِلَة أَسمَاء الْأَجْنَاس على الْأَصَح وَالظَّاهِر أَن أنكر الْأَصْوَات إِلَخ كَلَام لُقْمَان وَقيل هَذَا من كَلَام الله انْتهى وَهَذَا القَوْل الْأَخير يُنَاسِبه قَول الشَّاعِر إِلَى رَبنَا فَإِن إِلَى بِمَعْنى عِنْد وَقَالَ النَّسَفِيّ وَلَو كَانَ فِي ارْتِفَاع الصَّوْت فَضِيلَة لم يستشنع صَوت الْحمار الَّذِي هُوَ أرفع الْأَصْوَات وَقَوله فَهَلا تمناها الضَّمِير رَاجع إِلَى مَعْهُود فِي الذِّهْن أَي فَهَلا تمنى الْحَرْب حِين كَانَت حُبْلَى بمنايا الرِّجَال
(1/38)

ومقارعة الْأَبْطَال ولاقح من لقحت النَّاقة لقحا من بَاب تَعب فَهِيَ لاقح مُطَاوع ألقح الْفَحْل النَّاقة إلقاحا أحبلها كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله وَذُو النبوان فِي شرح نَوَادِر أبي زيد وَذُو النبوان لم يعرفهُ أَبُو زيد والنبوان بِفَتْح النُّون وَالْبَاء الْمُوَحدَة اسْم مَاء بِنَجْد لبني أَسد وَقيل لبني السَّيِّد من ضبة كَذَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت الْحَمَوِيّ وَيُقَال لَهُ نبوان أَيْضا بِلَا
لَام قَالَ أَبُو صَخْر الْهُذلِيّ (الْكَامِل)
(وَلها بِذِي نبوان منزله ... قفر سوى الْأَرْوَاح والرهم)
أَي لَهَا بأراضي نبوان منزلَة وَالْمرَاد ب ذِي النبوان هُنَا رجل وَهُوَ إِمَّا صَاحب هَذَا المَاء أَو لِأَنَّهُ دفن فِي ارضها والتصدع التشقق يُقَال صدعته صدعا من بَاب نفع شققته وصدعت الْقَوْم صدعا فتصدعوا فرقتهم فَتَفَرَّقُوا وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْحفر والنبش أَي هلا تمنيت الْحَرْب إِذْ قتلنَا مِنْكُم ذَا النبوان فحفرت لَهُ قبرا وواريته فِيهِ وَأَنت شَدِيد الْحزن عَلَيْهِ وَلم تقدر على الْأَخْذ بثأره وَقَوله يأتك حَيا دارم فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب جزم يَأْتِ فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر أَي إِن تمنيت حربنا يأتك الْحَيَّانِ من دارم دَفعه ودارم أَبُو قبيلتين من تَمِيم وطهية حَيّ من تَمِيم سموا باسم أمّهم وَهِي طهية بنت عبد شمس ابْن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَهِي أم أبي سود وعَوْف بن مَالك بن حَنْظَلَة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا طهوي بِسُكُون الْهَاء وَبَعْضهمْ يفتحها على الْقيَاس وأقرع بِالْقَافِ تَامّ يُقَال ألف أَقرع وَدِرْهَم أَقرع وَمِائَة قرعاء وَقَوله فيستخرج اليربوع ألخ الْفَاء للسَّبَبِيَّة ويستخرج مَنْصُوب بِأَن مضمرة وجوبا وَهُوَ مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَيجوز بِالْبِنَاءِ
(1/39)

للْفَاعِل نِسْبَة إِلَى الْألف واليربوع دويبة تحفر الأَرْض وَالْيَاء زَائِدَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب فعلول سوى صعفوق على مَا فِيهِ وَله جحران أَحدهمَا القاصعاء وَهُوَ الَّذِي يدْخل فِيهِ وَأما قَول الفرزدق يهجو جَرِيرًا (الْكَامِل)
(وَإِذا أخذت بقاصعائك لم تَجِد ... أحدا يعينك غير من يتقصع)
فَمَعْنَاه إِنَّمَا أَنْت فِي ضعفك إِذا قصدت لَك كاولاد اليرابيع لَا يعينك إِلَّا ضَعِيف مثلك وَالْآخر النافقاء وَهُوَ الْجُحر الَّذِي يَكْتُمهُ وَيظْهر غَيره وَهُوَ مَوضِع يرققه فَإِذا أُتِي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق أَي خرج وجمعهما قواصع ونوافق ونافق اليربوع أَخذ فِي نافقائه وَمِنْه الْمُنَافِق شبه باليربوع
لِأَنَّهُ يخرج من الْإِيمَان من غير الْوَجْه الَّذِي دخل فِيهِ وَقيل لِأَنَّهُ يستر كفره فَشبه بِالَّذِي يدْخل النفق وَهُوَ السرب يسْتَتر فِيهِ والجحر يكون للضب واليربوع والحية وَالْجمع جحرة كعنبة وانجحر الضَّب على انفعل أَوَى إِلَى جحرة وَقَوله بالشيحة رُوَاة أَبُو عمر الزَّاهِد وَغَيره تبعا لِابْنِ الْأَعرَابِي ذِي الشيحة وَقَالَ لكل يَرْبُوع شيحة عِنْد جحرة ورد الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الغندجاني على ابْن الْأَعرَابِي وَقَالَ مَا أَكثر مَا يصحف فِي أَبْيَات الْمُتَقَدِّمين وَذَلِكَ أَنه توهم أَن ذَا الشيحة مَوضِع ينْبت الشيح وَإِنَّمَا الصَّحِيح وَمن جحرة بالشيخه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ هِيَ رَملَة بَيْضَاء فِي بِلَاد بني أَسد وحَنْظَلَة وَكَذَا رَوَاهُ الْجرْمِي أَيْضا والشين فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَكْسُورَة وَقَوله اليتقصع رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ عَن الرياشي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال تَقْصَعُ اليربوع دخل فِي قاصعائه فَتكون صفة
(1/40)

للجحر وصلته محذوفة أَي من جحرة الَّذِي يتقصع فِيهِ كَمَا قدره ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل فَيكون صفة اليربوع وَلَا حذف وَرَوَاهُ أَبُو زيد المتقصع بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَقَالَ والمتقصع متفعل من القاصعاء فَيكون صفة اليربوع أَيْضا لَكِن فِيهِ حذف الصِّلَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد رَوَاهُ لنا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب اليتقصع واليجدع قَالَ هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو زيد قَالَ وَالرِّوَايَة الجيدة عِنْده المتقصع والمجدع وَقَالَ لَا يجوز إِدْخَال أل على الْأَفْعَال فَإِن أُرِيد بهَا الَّذِي كَانَ افسد فِي الْعَرَبيَّة وَكَانَ لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي تشذ عَن الْإِجْمَاع والمقاييس وَمعنى الْبَيْت إِنَّكُم إِن حاربتمونا جئناكم بِجَيْش لهام يحيطون بكم فيوسعونكم قتلا وأسرا وَلَا نجاه لكم وَلَو احتلتم بِكُل حِيلَة كاليربوع الَّذِي يَجْعَل النافقاء حِيلَة لخلاصة من الحارش فَإِذا كثر عَلَيْهِ الحارش أخذُوا عَلَيْهِ من نافقائه وقاصعائه فَلَا يبْقى لَهُ مهرب الْبَتَّةَ وروى بعض شرَّاح الشواهد هَذَا الْبَيْت بعد الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين وَلم يزدْ على الثَّلَاثَة وَظن أَن قَوْله يسْتَخْرج اليربوع بِالْبِنَاءِ للمعلوم مَعْطُوف على قَوْله يَقُول الخنى فَقَالَ ووصفة أخيرا بالخديعة وَالْمَكْر ثمَّ أَخذ الشَّاعِر فِي الْفَخر عَلَيْهِ بِمَا فعل قومه فيهم من الْقَتْل والأسر فِي الحروب
السَّابِقَة فَقَالَ وَنحن أَخذنَا ألخ الْخَيْر هُنَا إِمَّا أفعل تَفْضِيل أَي أفضلكم وَإِمَّا مخفف خير بِالتَّشْدِيدِ أَي الْجيد الْفَاضِل ومنكم على التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلق بأخذنا وَقَوله فظل أَي اسْتمرّ فِي أسرنا وَقَوله وأعيا ذُو الفقار هُوَ بِفَتْح الْفَاء قَالَ الصَّاغَانِي هُوَ معشر بن عَمْرو الْهَمدَانِي وَهُوَ فَاعل أعيا من أعيا فِي مَشْيه أَي كل بِمَعْنى لم يقدر على شَيْء وَجُمْلَة يكرع بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول حَال من الْفَاعِل وَمَعْنَاهُ تقطع أكارعه جمع كرَاع بِالضَّمِّ
(1/41)

وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن فَارس من الْإِنْسَان مَا دون الرّكْبَة وَمن الدَّوَابّ مَا دون الكعب وروى الصَّاغَانِي وأضحى ذُو الفقار يكرع فجملة يكرع إِمَّا خبر أضحى أَو حَال أَيْضا إِن كَانَت تَامَّة وَقَوله وَنحن أَخذنَا قد علمْتُم الخ يَقُول نَحن قد فككنا يسارا الَّذِي أسرتموه من أسركم بِأَمْوَالِنَا فَنحْن نعطي ونضيف من ثروة وَأَنْتُم صعاليك لَا تقدرون على شَيْء من ذَلِك ويسار الأول اسْم رجل وَالثَّانِي بِمَعْنى الْغنى والثروة ونحذي بِضَم النُّون وَسُكُون الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة بِمَعْنى نعطي من الإحذاء وَهُوَ الْإِعْطَاء وننقع بالنُّون وَالْقَاف يُقَال نقع الْجَزُور ينقع بِفتْحَتَيْنِ نقوعا إِذا نحرها للضيافة قَالَ الصَّاغَانِي وَفِي كَلَام الْعَرَب إِذا لقى الرجل مِنْهُم قوما يَقُول ميلوا ينقع لكم أَي يجزر لكم كَأَنَّهُ يَدعُوهُم إِلَى دَعوته والنقيعة الْجَزُور الَّتِي تجزر للضيافة وَفسّر بعض من كتب على نَوَادِر أبي زيد ننقع بقوله نروى وَهَذَا غير مُنَاسِب وَقَالَ الرياشي حفظي ونمنع ومصدره الْمَنْع إِمَّا مُقَابل الْإِعْطَاء وَإِمَّا بِمَعْنى الحياطة والنصرة يُقَال فلَان فِي عز ومنعة بِالتَّحْرِيكِ وَقد تسكن النُّون وَكِلَاهُمَا مُنَاسِب لنحذي قَالَ الصَّاغَانِي وَالْمَانِع من صِفَات الله تَعَالَى لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا مُقَابل الْإِعْطَاء وَالثَّانِي أَنه يمْنَع أهل دينه أَي يحوطهم وَيَنْصُرهُمْ
(تَتِمَّة)
نسب أَبُو زيد فِي نوادره هَذَا الشّعْر لذِي الْخرق الطهوي قَالَ وَهُوَ جاهلي وَمن لقب من الشُّعَرَاء من بني طهية ذَا الْخرق ثَلَاثَة أحدهم خَليفَة
ابْن حمل بن عَامر بن حميري بن وقدان بن سبيع بن عَوْف بن مَالك بن حَنْظَلَة بن طهية ولقب ذَا الْخرق بقوله
(1/42)

(الْبَسِيط)
(مَا بَال أم حُبَيْش لَا تكلمنا ... لما افتقرنا وَقد نثري فننتففق)
(تقطع الطررف دوني وَهِي عابسة ... كَمَا تشاوس فِيك الثائر الحنق)
(لما رَأَتْ إبلي جَاءَت حمولتها ... غرثى عِجَافًا عَلَيْهَا الريش والخرق)
(قَالَت إِلَّا تبتغي مَالا تعيش بِهِ ... عَمَّا تلاقي وَشر العيشة الرمق)
(فيئي إِلَيْك فَإنَّا معشر صَبر ... فِي الجدب لَا خفَّة فِينَا وَلَا ملق)
(إِنَّا إِذا حطمة حتت لنا وَرقا ... نمارس الْعَيْش حَتَّى ينْبت الْوَرق)
الثَّانِي قرط وَيُقَال لَهُ ذُو الْخرق بن قرط أَخُو بني سعيدة بن عَوْف ابْن مَالك بن حَنْظَلَة بن طهية وَهُوَ فَارس أَيْضا الثَّالِث شمير بن عبد الله بن هِلَال بن قرط بن سعيدة كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَلم يذكر هَذَا صَاحب الْعباب وَلم أر من قيد أحد هَذِه الثَّلَاثَة بِكَوْنِهِ جاهليا فَلَا يظْهر أَن هَذَا الشّعْر لمن هُوَ من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَقَالَ الْعَيْنِيّ إِن ذَا الْخرق الطهوي صَاحب الشّعْر اسْمه دِينَار بن هِلَال وَلَا أَدْرِي من أَيْن نَقله وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي أَن اسْمه قرط شَاعِر جاهلي سمي بذلك لقَوْله
(جَاءَت عِجَافًا عَلَيْهَا الريش والخرق)
وَفِيه ثَلَاثَة أُمُور الأول أَن الْآمِدِيّ لم يذكر هَذَا الشّعْر فَكيف ينْسبهُ إِلَى قرط الثَّانِي أَنه لم يُقيد قرطا بِكَوْنِهِ جاهليا الثَّالِث أَن هَذَا الشّعْر
(1/43)

لَيْسَ لقرط وَإِنَّمَا هُوَ لخليفة بن حمل كَمَا تقدم آنِفا وَفِيه أَيْضا أَن الرِّوَايَة غرثى عِجَافًا لَا جَاءَت عِجَافًا بَقِي من يلقب بِذِي الْخرق من الشُّعَرَاء من غير طهيه وهم اثْنَان أَحدهمَا ذُو الْخرق الْيَرْبُوعي أحد بني صبير بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَالثَّانِي ذُو الْخرق بن شُرَيْح بن سيف بن أبان بن دارم وَهَذَا وَالَّذِي قبله من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَمن غير الشُّعَرَاء ذُو الْخرق النُّعْمَان بن رَاشد بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن وهب ابْن مرّة كَانَ يعلم نَفسه فِي الْحَرْب بخرق حمر وصفر وَذُو الْخرق أَيْضا فرس عباد بن الْحَارِث بن عدي بن الْأسود كَانَ يُقَاتل عَلَيْهِ يَوْم الْيَمَامَة والخرق جمع خرقَة وَهِي الْقطعَة من الثَّوْب وَالْأسود الغندجاني تَرْجمهُ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الأدباء الْمُسَمّى إرشاد الأريب إِلَى معرفَة الأديب قَالَ هُوَ الْحسن بن أَحْمد أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْمَعْرُوف بالأسود الغندجاني اللّغَوِيّ النسابة وغندجان بلد قَلِيل المَاء لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا أديب أَو حَامِل سلَاح فِي الْقَامُوس غندجان بِالْفَتْح بلد بِفَارِس بمفازة معطشة وَكَانَ الْأسود صَاحب دنيا وثروة وَكَانَ عَارِفًا بأيام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا قيمًا بِمَعْرِِفَة أحوالها وَكَانَ مُسْتَنده فِيمَا يرويهِ عَن مُحَمَّد بن أَحْمد أبي الندى وَكَانَ قد رزق فِي
أَيَّامه سَعَادَة وَذَاكَ أَنه كَانَ فِي كنف الْوَزير الْعَادِل أبي مَنْصُور بهْرَام بن مافنه وَزِير الْملك أبي كالنجار ابْن بهاء الدولة
(1/44)

ابْن بويه صَاحب شيراز وَقد خطب لَهُ بِبَغْدَاد بالسلطنة وَكَانَ الْأسود إِذا صنف لَهُ كتابا جعله باسمه وَكَانَ يفضل عَلَيْهِ إفضالا جما فأثرى من جِهَته وَمَات أَبُو مَنْصُور الْوَزير فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ ياقوت وقرأت فِي بعض تصانيفه أَنه صنفه فِي شهور سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَقُرِئَ عَلَيْهِ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَله من التصانيف فرحة الأديب فِي الرَّد على يُوسُف بن أبي سعيد السيرافي فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَكتاب قيد الأوابد فِي الرَّد على ابْن السيرافي أَيْضا فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق وَكتاب ضَالَّة الأديب فِي الرَّد على ابْن الْأَعرَابِي فِي النَّوَادِر الَّتِي رَوَاهَا ثَعْلَب عَنهُ وَكتاب الرَّد على أبي عَليّ النمري فِي شرح مُشكل أَبْيَات الحماسة وَكتاب نزهة الأديب فِي الرَّد على أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة وَكتاب السل وَالسَّرِقَة وَكتاب الْخَيل مُرَتّب على حُرُوف المعجم وَكتاب فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن وأكثرها عِنْدِي وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (المتقارب)
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
أَوله
(فَلَا مزنة ودقت ودقها)
أوردهُ نظيرا لعرفات فِي كَونهَا مُؤَنّثَة لَا يجوز فِيهَا التَّذْكِير إِلَّا بِتَأْوِيل بعيد وَهُوَ أَن يُرَاد بهما الْمَكَان وَأوردهُ أَيْضا فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث
(1/45)

على أَنه لَا يحذف عَلامَة التَّأْنِيث من الْمسند إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي إِلَّا لضَرُورَة الشّعْر وَهُوَ من شَوَاهِد الْكتاب وَمُغْنِي اللبيب قَالَ ابْن خلف الشَّاهِد فِيهِ أَنه ذكر أبقل وَهُوَ صفة للْأَرْض ضَرُورَة حملا على معنى الْمَكَان فَأَعَادَ الضَّمِير على الْمَعْنى وَهُوَ قَبِيح وَالصَّحِيح أَنه ترك فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث للضَّرُورَة وَاسْتغْنى عَنهُ مِمَّا علم من تَأْنِيث الأَرْض وَإِلَى هَذَا الْوَجْه أَشَارَ أَبُو عَليّ وَقَالَ غَيره وَإِنَّمَا قبح ذَلِك لاتصال الْفَاعِل الْمُضمر بِفِعْلِهِ فَكَأَنَّهُ كالجزء مِنْهُ حَتَّى لَا يُمكن الْفَصْل بَينهمَا بِمَا يسد مسد عَلامَة التَّأْنِيث وَلَا يخفي مَا فِيهِ وَعند ابْن كيسَان والجوهري أَن الْفِعْل إِذا كَانَ مُسْندًا لضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي لَا يجب إِلْحَاق عَلامَة التَّأْنِيث وَقَول بَعضهم وَهَذَا لَيْسَ بضرورة لِأَنَّهُ كَانَ يُمكنهُ أَن يَقُول وَلَا أَرض أبقلت إبقالها بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى مَا قبلهَا وإسقاطها لَيْسَ بجيد لِأَن الصَّحِيح أَن الضَّرُورَة مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ للشاعر عَنهُ فسحة أم لَا وَأجَاب السيرافي بِأَنَّهُ يجوز أَن يكون هَذَا الشَّاعِر لَيْسَ من لغته تَخْفيف الْهمزَة وَحِينَئِذٍ لَا يُمكنهُ مَا ذكره وَذكر ابْن يسعون أَن بَعضهم رَوَاهُ بِالتَّاءِ بِالنَّقْلِ الْمَذْكُور وَقَالَ ابْن هِشَام فَإِن صحت الرِّوَايَة وَصَحَّ أَن الْقَائِل ذَلِك هُوَ الَّذِي قَالَ وَلَا أَرض أبقل بالتذكير صَحَّ لِابْنِ كيسَان مدعاه وَإِلَّا فقد كَانَت الْعَرَب ينشد بَعضهم بَعْضًا وكل يتَكَلَّم على مُقْتَضى لغته الَّتِي فطر عَلَيْهَا وَمن هُنَا كثرت الرِّوَايَات فِي بعض الأبيات وَزعم جمَاعَة أَنه لَا شَاهد فِيهِ فَقَالَ ابْن القواس فِي شرح ألفية ابْن معطي أَنه روى إبقالها بِالرَّفْع مُسْندًا إِلَى الْمصدر وَيَردهُ أَن إبقالها مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي وَلَا أَرض أبقلت كإبقال هَذِه الأَرْض وَلَو كَانَ كَمَا زعم كَانَ مَعْنَاهُ نفي الإبقال وَهُوَ نقيض مُرَاد الشَّاعِر وَزعم بَعضهم أَن ضمير
(1/46)

أبقل عَائِد على مُذَكّر مَحْذُوف أَي وَلَا مَكَان أَرض فَقَالَ أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف وَقَالَ إبقالها بِاعْتِبَار الْمَذْكُور وَهَذَا فَاسد أَيْضا لِأَن ضمير إبقالها لَيْسَ عَائِدًا على الأَرْض الْمَذْكُورَة هُنَا فتذكير أبقل بِاعْتِبَار الْمَحْذُوف لَا دَلِيل عَلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن الأَرْض مِمَّا يذكر وَيُؤَنث كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات عِنْدَمَا أنْشد هَذَا الْبَيْت إِن الأَرْض تذكر وتؤنث وَكَذَلِكَ السَّمَاء وَلِهَذَا قَالَ أبقل إبقالها
لَكَانَ وَجها قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ الضَّمِير فِي ودقها وإبقالها رَاجع إِلَى غير المزنة وَالْأَرْض المذكورتين وَلَا يَسْتَقِيم أَن يعود إِلَيْهِمَا لِئَلَّا يصير مخبرا أَنه لَيْسَ مزنة تدق مثل ودق نَفسهَا وَهُوَ فَاسد وَإِن لم تقدر محذوفا كَانَ أفسد إِذْ يصير الْمَعْنى أَنه لَيْسَ مزنة تدق ودق نَفسهَا وَالْأَمر على خِلَافه إِذْ لَا تدق مزنة إِلَّا ودق نَفسهَا فَوَجَبَ أَن يكون التَّقْدِير فَلَا مزنة ودقت ودقا مثل هَذِه المزنة المحذوفة وَزعم الصَّاغَانِي فِي الْعباب أَن الرِّوَايَة وَلَا روض أبقل إباقلها وَهَذَا لَا يصادم نقل سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ ثِقَة والاعتماد عَلَيْهِ أَكثر فَقَوله فَلَا مزنة الخ لَا الأولى نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل الظُّهُور عاملة عمل لَيْسَ أَو ملغاة وَالثَّانيَِة نَافِيَة للْجِنْس على سَبِيل التَّنْصِيص ومزنة اسْم لَا إِن كَانَت عاملة عمل لَيْسَ أَو مُبْتَدأ إِن كَانَت غير عاملة وَصَحَّ الِابْتِدَاء بالنكرة إِمَّا للْعُمُوم وَإِمَّا للوصف وَجُمْلَة ودقت محلهَا نصب خبر لَا أَو رفع خبر الْمُبْتَدَأ أَو نعت ل مزنة وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي مَوْجُودَة أَو معهودة وَجُمْلَة أبقل خبر لَا فَقَط وَلَا يجوز كَونهَا صفة لاسم لَا كَمَا جوزه شرَّاح الشواهد لِأَنَّهُ يجب حِينَئِذٍ تَنْوِين اسْم لَا لكَونه مضارعا للمضاف والمزنة وَاحِدَة المزن السحابة الْبَيْضَاء وَيُقَال المطرة وَالْمعْنَى
(1/47)

هُنَا على الأول انْتهى وَكِلَاهُمَا غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن السحابة الْبَيْضَاء لَا ودق لَهَا وَأما الثَّانِي فَيردهُ قَوْله تَعَالَى {أأنتم أنزلتموه من المزن} والودق الْمَطَر قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل يُقَال ودقت السَّمَاء يَا فَتى تدق ودقا قَالَ تَعَالَى {فترى الودق يخرج من خلاله} وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وأبقل قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات يُقَال بقل الْمَكَان يبقل بقولا إِذا نبت بقله وأبقل يبقل إبقالا وَهَذَا أَكثر اللغتين وأعرفهما وَأكْثر الْعلمَاء يرد بقل الْمَكَان وَقَالَ بعض الروَاة أبقلت الأَرْض وأبقلها الله وبقل وَجه الْغُلَام إِذا خرج وَجهه وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْعَرَبيَّة أبقل الْمَكَان ثمَّ يَقُولُونَ مَكَان بَاقِل
قَالَ وَلَا نعلمهُمْ يَقُولُونَ بقل الْمَكَان وَمثله قَوْلهم أدرست الأَرْض وَنبت دارس وَلَا يَقُولُونَ غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا أعشب الْبَلَد ثمَّ قَالَ بلد عاشب وَكَذَا قَالَ ابو عُبَيْدَة والأصمعي وتبعهما ابْن السّكيت وَغَيره قَالُوا يُقَال بلد عاشب وَلَا يُقَال إِلَّا أعشب وباقل الرمث وَهُوَ نبت وَقد أبقل ودارس الرمث وَقد أدرس فَيَقُولُونَ فِي النَّعْت على فَاعل وَفِي الْفِعْل على أفعل كَذَا تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَالَ الدينَوَرِي وَتَبعهُ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة وَقد جَاءَ عَن الْعَرَب مَا يرد عَلَيْهِم قَالَ رؤبة (الرجز)
(يملحن من كل غميس مبقل)
وَقَالَ ابْن هرمة
(1/48)

(الطَّوِيل)
(لرعت بصفراء السحالة حرَّة ... لَهَا مرتع بَين النبيطين مبقل)
وَقَالَ آخر
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
فجَاء بِهِ على أبقل يبقل فَهُوَ مبقل وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي (المتقارب)
(على جَانِبي حائر مفرط ... ببرث تبوأنه معشب)
وَقَالَ الدينَوَرِي فِي مَوضِع آخر النَّبَات كُله ثَلَاثَة أَصْنَاف شَيْء بَاقٍ على الشتَاء أَصله وفرعه وَشَيْء آخر يبيد الشتَاء فَرعه وَيبقى أَصله فَيكون نَبَاته فِي أرومته الْبَاقِيَة وَشَيْء ثَالِث يبيد الشتَاء أَصله وفرعه فَيكون نَبَاته من بزره وكل
ذَلِك يتفرق ثَلَاثَة أَصْنَاف آخر فصنف يسمو صعدا على سَاقه مستغنيا بِنَفسِهِ عَن غَيره وصنف يسمو أَيْضا صعدا لَا يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَيحْتَاج إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ ويرتقي فِيهِ وصنف ثَالِث لَا يسمو وَلَكِن يتسطح على الأَرْض فينبت مفترشا فَيُقَال لكل مَا سما بِنَفسِهِ شجر دق أَو جلّ قاوم أَو عجز عَنهُ وَقيل لَهُ شجر لِأَنَّهُ شجر فسما فَكل مَا سمكته ورفعته فقد شجرته وَمَا كَانَ مِنْهُ ينْبت فِي بزره وَلَا ينْبت فِي أرومته فاسمه البقل وكل نابته بقلة فِي أول مَا تنْبت وَلذَلِك قيل لوجه الْغُلَام أول مَا يخرج بقل. وَمَا نبت فِي أرومة وَكَانَ مِمَّا يهْلك فَرعه فاسمه الجنبة لِأَنَّهُ فَارق الَّذِي يبْقى فَرعه وَأَصله وَفَارق البقل الَّذِي يبيد أَصله وفرعه فَكَانَ جنبة بَينهمَا وَمَا تعلق بِالشَّجَرِ فرقى فِيهِ وَعصب بِهِ فَهُوَ فِي طَريقَة الْعصبَة وَمَا افترش وَلم يسم فَهُوَ فِي طَريقَة السطاح وَقد زعم أَبُو عُبَيْدَة أَنه النَّجْم على ان كل مَا طلع من الأَرْض فقد نجم فَهُوَ نجم إِلَى أَن تتبين وجوهه
(1/49)

اهـ وَقَالَ الجواليقي فِي لحن الْعَامَّة يذهب الْعَامَّة إِلَى أَن البقل مَا يَأْكُلهُ النَّاس خَاصَّة دون الْبَهَائِم من النَّبَات الناجم الَّذِي لَا يحْتَاج فِي أكله إِلَى طبخ وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا البقل العشب وَمَا ينْبت الرّبيع مِمَّا تألكه الْبَهَائِم قَالَ الشَّاعِر
(وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
وَقَالَ آخر الْكَامِل
(قوم إِذا نبت الرّبيع لَهُم ... نَبتَت عداتهم مَعَ البقل)
وَقَالَ زُهَيْر الطَّوِيل)
(رَأَيْت ذَوي الْحَاجَات حول بُيُوتهم ... قطينا لَهُم حَتَّى إِذا أنبت البقل)
يُقَال مِنْهُ بقلت الأَرْض وأبقلت لُغَتَانِ فصيحتان إِذا أنبتت البقل قَالَ أَبُو النَّجْم يصف الْإِبِل (الرجز)
(تبقلت فِي أول التبقل)
وَالْفرق بَين البقل ودق الشّجر أَن البقل إِذا رعي لم يبْق لَهُ سَاق وَالشَّجر يبْقى لَهُ
(تَتِمَّة)
قَالَ شرَّاح شَوَاهِد الْكتاب هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي وَهُوَ أحد الخلعاء الفتاك قد تَبرأ قومه من جرائره وَله حِكَايَة مَعَ امْرِئ الْقَيْس وَسَتَأْتِي فِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله وصف بِهِ أَرضًا مخصبة بِكَثْرَة مَا نزل بهَا من الْغَيْث وَلم يذكرُوا مِمَّا قبله وَلَا مِمَّا بعده شَيْئا وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَوله
(1/50)

(المتقارب)
(وَجَارِيَة من بَنَات الْمُلُوك ... قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا ككرفئة الْغَيْث ذَات الصَّبِي ر ترمي السَّحَاب وَيَرْمِي لَهَا تواعدتها بعد مر النجو م كلفاء تكْثر تهطالها فَلَا مزنة ودقت ودقها الْبَيْت انْتهى وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين فِي شعر الخنساء من قصيدة ترثي بهَا أخاها صخرا أَولهَا المتقارب أَلا مَا لعَيْنِي أَلا مَالهَا لقد أخضل الدمع سربالها
ثمَّ وصفت جَيْشًا فَقَالَت:
(ورجراجة فَوْقهَا بيضها ... عَلَيْهَا المضاعف زفنا لَهَا)
(ككرفئة الْغَيْث ذَات الصبير..... . (الْبَيْت الْمَذْكُور))
وَقَالَ الشارد ديوانها الْأَخْفَش: " الرجراجة ": الكتيبة، كَأَنَّهَا تتحرك وتتمخض من كثرتها. و" المضاعف " من الدروع: الَّتِي تنسج حلقتين حلقتين. و" زفنا لَهَا ": مشينا لَهَا باختيال، وَهِي بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، زاف يزيف زيفاً وزيفاناً: تبختر فِي مشيته. وَشبه الرجراجة فِي كثرتها وحركتها وتمخضها بالكرفئة، وَهِي السحابة الْعَظِيمَة الَّتِي يركب بَعْضهَا على بعض حملا للْمَاء. وَالْحمل - بِالْفَتْح -: مَا كَانَ فِي الْجوف مستكناً. وَالْحمل - بِالْكَسْرِ -: ظَاهر مثل الوقر على الظّهْر. شبه الكرفئة بالناقة يكثر لَحمهَا وشحمها، يُقَال: إِن عَلَيْهَا
(1/51)

لكرافئ من اللَّحْم والشحم. و" يَرْمِي لَهَا " بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول، أَي: يضم إِلَيْهَا حَتَّى يَسْتَوِي ويخلولق. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هَذَا الْبَيْت لعامر بن جُوَيْن الطَّائِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْكُوفَة وَجمعه كرافئ: قطع من السَّحَاب بَعْضهَا فَوق بعض. والصبير: السَّحَاب الْأَبْيَض. ثمَّ قَالَت تخاطب أخاها:
(وبيض منعت غَدَاة الصَّباح ... وَقد كفت الروع أذيالها)
(وهاجرة حرهَا وَاقد ... جعلت رداءك أظلالها)
(وجامعة الْجمع قد سقتها ... وأعلمت بِالرُّمْحِ أغفالها)
(ورعبوبة من بَنَات الْمُلُوك ... قعقعت بِالرُّمْحِ خلْخَالهَا)
" بيض "، تَعْنِي جواري سبين. " كفت ": كشفت. و" الروع ": الْفَزع. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " تكشف للروع أذيالها ". " وَاقد ": شَدِيد الْحر. قد سقتها إِمَّا لتزويج وَإِمَّا لسباء تفكه. وروى ابْن الْأَعرَابِي: " ومعلمة سقتها قَاعِدا ". معلمة: إبل. قَاعِدا: أَي: قَاعِدا على فرسك. و" الأغفال ": الَّتِي لَا
سمات عَلَيْهَا وَلَا عَلَامَات تَقول أعلمت مِنْهَا مَا كَانَ أغفالا وألرعبوبة الناعمة الرُّخْصَة اللينة قعقعت خلْخَالهَا أَي تزوجت بهَا أَو سبيتها فَهُوَ سلبها
وَلَا يخفى أَن هَذِه الأبيات غير مرتبطة بِبَيْت الشَّاهِد وَلَا مُنَاسبَة لَهَا بِهِ وَالله أعلم
(1/52)

وَقد نسب أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب الأبيات الَّتِي نقلت عَن الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى عَامر الْمَذْكُور
وَقَالَ المظهري فِي شرح الْمفصل كلَاما يشبه كَلَام المبرسمين وهذيان المحمومين وَهُوَ قَوْله قصَّة هَذَا الْبَيْت أَن جَارِيَة هربت من غَارة وَفِي رجلهَا خلخال يَقُول الشَّاعِر إِن هَذِه الْجَارِيَة تعدو ويصوت خلْخَالهَا كصوت الرَّعْد فَلَيْسَ مزنة تمطر مَطَرا مثل السَّحَاب الَّذِي يشبه هَذِه الْجَارِيَة وَلَيْسَ أَرض تخرج النَّبَات مثل أَرض أَصَابَهَا ذَلِك السَّحَاب هَذَا كَلَامه وعامر بن جُوَيْن صَاحب الشَّاهِد هُوَ كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي أَسمَاء المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام هُوَ عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران الطَّائِي أحد بني جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ كَانَ سيدا شَاعِرًا فَارِسًا شريفا وَهُوَ الَّذِي نزل بِهِ أمرؤ الْقَيْس بن حجر وَكَانَ سَبَب قَتله أَن كَلْبا غزت بني جرم فَأسر بشر بن حَارِثَة وهبيرة بن صَخْر الْكَلْبِيّ عَامر بن جُوَيْن وَهُوَ شيخ فَجعلُوا يتدافعونه لكبره فَقَالَ عَامر بن جُوَيْن لَا يكن لعامر بن جُوَيْن الهوان فَقَالُوا لَهُ وَإنَّك لَهو قَالَ نعم فذبحوه ومضوا فَأقبل الْأسود بن عَامر فَلَمَّا رأى أَبَاهُ قَتِيلا تتبعهم فَأخذ مِنْهُم ثَمَانِيَة نفر وَكَانُوا قتلوا عَامِرًا وَقد هبت الصِّبَا فكعمهم وَوضع أَيْديهم فِي جفان فِيهَا مَاء وَجعل كلما هبت الصِّبَا ذبح وَاحِدًا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِم قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ عَامر بن جُوَيْن مِائَتي سنة
(1/53)

ورضاء بِضَم الرَّاء وَالْمدّ قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي كتاب الْأَصْنَام وَقد كَانَت الْعَرَب تسمى بأسماء يعبدونها لَا أدرى أعبدوها للأصنام أم لَا مِنْهَا عبد رِضَاء كَانَ بَيْتا لأبي ربيعَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهدمه المستوغر فِي الْإِسْلَام وَقَالَ (الْكَامِل)
(وَلَقَد شددت على رِضَاء شدَّة ... فتركتها تَلا تنَازع أسحما)
وقمران بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْمِيم وَبعدهَا رَاء مُهْملَة وجرم اسْم ثَعْلَبَة حضنته أمة يُقَال لَهَا جرم فَسُمي بهَا وَابْنه الْأسود كَانَ شريفا شَاعِرًا وَقبيصَة بن الْأسود وَفد إِلَى النَّبِي
وَهَذِه نِسْبَة عَامر بن جُوَيْن من الجمهرة عَامر بن جُوَيْن بن عبد رِضَاء بن قمران بن ثَعْلَبَة بن جيان وَهُوَ جرم بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيء وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي هُوَ أَحْمد بن دَاوُد بن ونند أَخذ عَن الْبَصرِيين والكوفيين وَأكْثر أَخذه عَن ابْن السّكيت وَكَانَ نحويا لغويا مهندسا منجما حاسبا راوية ثِقَة فِيمَا يرويهِ ويحكيه مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَيَّان التوحيدي أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي من نَوَادِر الرِّجَال جمع بَين حِكْمَة الفلاسفة وَبَيَان الْعَرَب لَهُ فِي كل فن سَاق وَقدم وَهَذَا كَلَامه فِي الأنواء يدل على حَظّ وافر من علم النُّجُوم وأسرار الْفلك وَأما كِتَابَة فِي النَّبَات فَكَلَامه فِيهِ فِي عرُوض كَلَام أبدى بدوي وعَلى طباع أفْصح عَرَبِيّ وَلَقَد قيل لي إِن لَهُ فِي الْقُرْآن كتابا يبلغ ثَلَاثَة عشر مجلدا وَمَا رَأَيْته وَإنَّهُ مَا سبق إِلَى ذَلِك النمط مَعَ ورعه وزهده وجلاله قدره وَله من الْكتب كتاب الْبَاءَة كتاب مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة كتاب الشّعْر
(1/54)

وَالشعرَاء كتاب الفصاحة كتاب الأنواء كتاب فِي حِسَاب الدّور كتاب الْبَحْث فِي حِسَاب الْهِنْد كتاب الْجَبْر والمقابلة
كتاب الْبلدَانِ كَبِير كتاب النَّبَات لم يصنف مثله فِي مَعْنَاهُ كتاب الْجمع والتفريق كتاب الْأَخْبَار الطوَال كتاب الْوَصَايَا كتاب نَوَادِر الْجَبْر كتاب إصْلَاح الْمنطق كتاب الْقبْلَة والزوال كتاب الْكُسُوف وَله غير ذَلِك رُوِيَ أَن أَبَا الْعَبَّاس الْمبرد ورد الدينور زَائِرًا لعيسى بن ماهان فَأول مَا دخل عَلَيْهِ وَقضى سَلامَة قَالَ لَهُ عِيسَى أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهى النَّبِي
عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الشَّاة القليلة اللَّبن مثل اللجبة فَقَالَ هَل من شَاهد قَالَ نعم قَول الراجز الرجز)
(لم يبْق من آل الحميد نسمه ... إِلَّا عنيز لجبة مجثمه)
فَإِذا الْحَاجِب يسْتَأْذن لأبي حنيفَة الدينَوَرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا الشَّيْخ مَا الشَّاة الْمُجثمَة الَّتِي نهينَا عَن أكل لَحمهَا فَقَالَ هِيَ الَّتِي جثمت على ركبهَا وذبحت من خلف قفاها فَقَالَ كَيفَ تَقول وَهَذَا شيخ أهل الْعرَاق يَقُول هِيَ مثل اللجبة وأنشده الشّعْر فَقَالَ أَبُو حنيفَة أَيْمَان الْبيعَة تلْزم أَبَا حنيفَة إِن كَانَ هَذَا التَّفْسِير سَمعه هَذَا الشَّيْخ أَو قَرَأَهُ وَإِن كَانَ الشّعْر إِلَّا لساعته هَذِه فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس صدق الشَّيْخ فإنني أنفت أَن أرد عَلَيْك من الْعرَاق وذكري مَا قد شاع فَأول مَا تَسْأَلنِي عَنهُ لَا أعرفهُ فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْإِقْرَار
وَأنْشد بعده لامرئ الْقَيْس وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَهُوَ من شَوَاهِد
(1/55)

س (الطَّوِيل)
(تنورتها من أَذْرُعَات وَأَهْلهَا ... بِيَثْرِب أدنى دارها نظر عَال)
وَقَالَ الشَّارِح يرْوى بِكَسْر التَّاء بِلَا تَنْوِين وَبَعْضهمْ يفتح التَّاء فِي مثله مَعَ
حذف التَّنْوِين ويروى من أَذْرُعَات كَسَائِر مَا لَا ينْصَرف فعلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ التَّنْوِين للصرف بِلَا خلاف وَالْأَشْهر بَقَاء التَّنْوِين فِي مثله مَعَ العلمية أَقُول أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام تَقْرِير مَا ذهب إِلَيْهِ تبعا للربعي والزمخشري وَإِن خالفهما فِي الدَّلِيل من أَن تَنْوِين جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم تَنْوِين صرف لَا تَنْوِين مُقَابلَة فَإِن حذف التَّنْوِين فِي بعض اللُّغَات مِمَّا سمى بِهَذَا الْجمع دَلِيل على أَن تنوينه قبل التَّسْمِيَة تَنْوِين صرف فاستند أَولا إِلَى تَجْوِيز الْمبرد والزجاج حذف التَّنْوِين مِنْهُ مَعَ العلمية وَثَانِيا إِلَى رِوَايَة منع الصّرْف فِيهِ مَعَ العلمية بِوَجْهَيْنِ سَمَاعي وقياسي فَالْأول نَقله ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة عَن بعض الْعَرَب فَقَالَ وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يشبه التَّاء فِي مسلمات معرفَة بتاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَيُشبه الْألف الَّتِي قبلهَا بالفتحة الَّتِي قبل هَاء التَّأْنِيث فيمنعها حِينَئِذٍ الصّرْف فَيَقُول هَذِه مسلمات مقبلة وعَلى هَذَا بَيت امْرِئ الْقَيْس تنورتها من أَذْرُعَات وَقد أنشدوه من أَذْرُعَات بِالتَّنْوِينِ وَقَالَ الْأَعْشَى (الوافر تخيرها أَخُو عانات شهرا ورجى خَيرهَا عَاما فعاما) وعَلى هَذَا مَا حَكَاهُ س من قَوْلهم هَذِه قرشيات غير منصرفة انْتهى وَالثَّانِي أَن بَعضهم أَي بعض النُّحَاة يفتح التَّاء فِي مثله أَي فِي
(1/56)

مثل أَذْرُعَات مِمَّا سمي بِجمع مؤنث سَالم مَعَ حذف التَّنْوِين أَي يفتح التَّاء ويحذف التَّنْوِين مِنْهُ ويروي ذَلِك الْبَعْض من أَذْرُعَات بِفَتْح التَّاء قِيَاسا على سَائِر مَالا ينْصَرف فعلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَي حذف التَّنْوِين مَعَ كسر التَّاء وَحذف التَّنْوِين مَعَ فتح التَّاء التَّنْوِين للصرف أَي التَّنْوِين الَّذِي كَانَ قبل التَّسْمِيَة فَإِن النُّحَاة اتَّفقُوا على أَن التَّنْوِين الَّذِي يحذف فِيمَا لَا ينْصَرف إِنَّمَا هُوَ تَنْوِين الصّرْف وَأَذْرعَات قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ وَهِي بلد فِي أَطْرَاف الشَّام يجاور البلقاء وعمان وينسب إِلَيْهِ الْخمر وَقد ذكرتها الْعَرَب فِي أشعارها لِأَنَّهَا لم
تزل من بلادها وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أذرعي ويثرب زَاد الصَّاغَانِي واثرب اسْم مَدِينَة رَسُول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ ياقوت نقلا عَن الزجاجي سميت مَدِينَة الرَّسُول
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
بذلك لِأَن أول من سكنها عِنْد التَّفَرُّق يثرب بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح
فَلَمَّا نزلها رَسُول الله
سَمَّاهَا طيبَة وطابة كَرَاهِيَة للتثريب وَسميت مَدِينَة الرَّسُول
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لنزوله بهَا ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل إِن يثرب اسْم للناحية الَّتِي مِنْهَا مَدِينَة
وَقَالَ آخَرُونَ بل يثرب نَاحيَة من مَدِينَة الرَّسُول
وَقيل هِيَ مَدِينَة الرَّسُول
قَالَ ابْن عَبَّاس من قَالَ للمدينة يثرب فليستغفر الله ثَلَاثًا إِنَّمَا هِيَ طيبَة وَقَالَ فِي الْمِصْبَاح ثرب عَلَيْهِ من بَاب ضرب عتب وَلَام وبالمضارع بياء الْغَائِب سمي رجل من العمالقة وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَدِينَة سميت باسمه قَالَه السُّهيْلي وَأما يترب بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة بدل الْمُثَلَّثَة فَقَالَ ياقوت هِيَ بِفَتْح الرَّاء قيل
(1/57)

قَرْيَة بِالْيَمَامَةِ عِنْد جبل وشم وَقيل اسْم مَوضِع فِي بِلَاد بني سعد وَقَالَ الْحسن بن أَحْمد الْهَمدَانِي اليمني هِيَ مَدِينَة بحضرموت نزلها كِنْدَة وَإِيَّاهَا عَنى الْأَعْشَى بقوله (الطَّوِيل)
(بسهام يترب أَو سِهَام الْوَادي)
وَيُقَال إِن عرقوبا صَاحب المواعيد كَانَ بهَا ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح أَنه من قدماء يثرب وَأما قَول ابْن عبيد الْأَشْجَعِيّ (الطَّوِيل)
(وعدت وَكَانَ الْخلف مِنْك سجية ... مواعيد عرقوب أَخَاهُ بيترب)
فَهَكَذَا أَجمعُوا على رِوَايَته بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَكَانَ من حَدِيثه أَنه كَانَ رجلا من العماليق يُقَال لَهُ عرقوب فَأَتَاهُ أَخ لَهُ يسْأَله شَيْئا فَقَالَ لَهُ عرقوب إِذا أطلعت النَّخْلَة فلك طلعها فَلَمَّا أَتَاهُ للعدة قَالَ دعها تصير بلحا فَلَمَّا أبلحت قَالَ دعها تصير زهوا ثمَّ حَتَّى تصير بسرا ثمَّ حَتَّى تصير رطبا ثمَّ تَمرا فَلَمَّا أتمرت عمد إِلَيْهَا عرقوب من اللَّيْل فجدها وَلم يُعْطه شَيْئا فَصَارَ مثلا فِي الْخلف والتنور قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل المتنور الَّذِي يلْتَمس مَا يلوح لَهُ من النَّار ورد عَلَيْهِ أَبُو الْوَلِيد الوقشي فِي شَرحه عَلَيْهِ بِأَن المتنور إِنَّمَا هُوَ النَّاظر إِلَى النَّار من بعد أَرَادَ قَصدهَا أَو لم يرد كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس تنورتها من أَذْرُعَات وَلم يرد أَن يَأْتِيهَا كَمَا لم يرد الْقَائِل (الطَّوِيل)
(وأشرف بالقور اليفاع لعلني ... أرى نَار ليلى أَو يراني بصيرها)
(1/58)

وَالنَّظَر إِلَى نارها إِنَّمَا هُوَ بِنَظَر قلبه تشوقا إِلَيْهَا كَمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي هَذَا تحزن وتظنن مِنْهُ لَيْسَ أَنه رأى بِعَيْنِه شَيْئا إِنَّمَا أَرَادَ رُؤْيَة الْقلب
وَمثله قَول الآخر (الطَّوِيل)
(أَلَيْسَ بَصيرًا من رأى وَهُوَ قَاعد ... بِمَكَّة أهل الشَّام يختبزونا)
وَقَالَ الْأَعْشَى (الوافر) أريت الْقَوْم نارك لم أغمض ... بواقصة ومشربنا زرود)
(فَلم أر موقدا مِنْهَا وَلَكِن ... لأية نظرة زهر الْوقُود)
وَجوز أَرْبَاب البديع فِي الإغراق من الْمُبَالغَة أَن يكون نظرا بِالْعينِ حَقِيقَة قَالُوا لَا يمْتَنع عقلا أَن يرى من أَذْرُعَات من الشَّام نَار أحبته وَكَانَت بِيَثْرِب مَدِينَة النَّبِي
على بعد هَذِه الْمسَافَة على تَقْدِير اسْتِوَاء الأَرْض وَأَن لَا يكون ثمَّ حَائِل من جبل أَو غَيره مَعَ عظم جرم النَّار وَإِن كَانَ ذَلِك مُمْتَنعا عَادَة وَجُمْلَة تنورتها استئنافية وَأدنى دارها مُبْتَدأ وَنظر عالي خبْرَة بِتَقْدِير مُضَاف قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَلَا يجوز أَن يكون نظر خبر أدنى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهِ لِأَن أدنى أفعل تَفْضِيل وأفعل لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعض لَهُ فَوَجَبَ أَن يكون بعض الدَّار وَبَعض الدَّار لَا يكون النّظر فإمَّا أَن يحذف الْمُضَاف من النّظر أَي أدنى دارها ذُو نظر وَإِمَّا أَن يحذف من الأول أَي نظر أدنى دارها نظر عالي ليَكُون الثَّانِي الأول فِي الْمِصْبَاح علا علوا من بَاب قعد ارْتَفع فَهُوَ عَال يُرِيد أَن أقرب مَكَان من دارها
(1/59)

بعيد فَكيف بهَا ودونها نظر عَال والجملتان الاسميتان حَال من ضمير الْمُؤَنَّث فِي تنورتها وَجَاءَت الثَّانِيَة بِلَا وَاو كَقَوْلِه (السَّرِيع)
(وَالله يبقيك لنا سالما ... برداك تَعْظِيم وتبجيل)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لامرئ الْقَيْس عدتهَا سِتَّة وَخَمْسُونَ بَيْتا وَهِي من عُيُون شعره وأكثرها وَقعت شَوَاهِد فِي كتب المؤلفين هُنَا وَفِي مُغنِي اللبيب وَفِي كتب النَّحْو والمعاني فَيَنْبَغِي شرحها تتميما للفائدة وَإِن شرحت هُنَا بأجمعها طَال الْكَلَام فلنوزعها مَعَ الأبيات الَّتِي ذكرت مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب مُتَفَرِّقَة فَنَذْكُر هُنَا من أول القصيدة إِلَى الْبَيْت الَّذِي شرحناه
(الا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي ... وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)
(وَهل يعمن إِلَّا سعيد مخلد ... قَلِيل الهموم مَا يبيت بأوجال)
قَوْله عَم صباحا هَذِه الْكَلِمَة تَحِيَّة عِنْد الْعَرَب يُقَال عَم صباحا وَعم مسَاء وَعم ظلاما والصباح من نصف اللَّيْل الثَّانِي إِلَى الزَّوَال والمساء من الزَّوَال إِلَى نصف اللَّيْل الأول قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب يُقَال وَعم يعم كوعد يعد وومق يمق وَذهب قوم إِلَى أَن يعم مَحْذُوف من ينعم وأجازوا عَم صباحا بِفَتْح الْعين وَكسرهَا كَمَا يُقَال أنعم صباحا وأنعم زَعَمُوا أَن
بعض الْعَرَب أنْشد
(إِلَّا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
بِفَتْح الْعين وَحكى يُونُس أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سُئِلَ عَن قَول عنترة (الْكَامِل)
(وَعمي صباحا دَار عبلة واسلمي)
فَقَالَ هُوَ من نعم الْمَطَر إِذا كثر وَنعم الْبَحْر إِذا كثر زبده كَأَنَّهُ
(1/60)

يَدْعُو لَهَا بالسقيا وَكَثْرَة الْخَيْر وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَالْفراء إِنَّمَا هُوَ دُعَاء بالنعيم والأهل وَهُوَ الْمَعْرُوف وَمَا حَكَاهُ يُونُس نَادِر غَرِيب وَلم يذكر صَاحب الصِّحَاح مَادَّة وَعم قَالَ وَقَوْلهمْ عَم صباحا كَأَنَّهُ مَحْذُوف من نعم ينعم بِالْكَسْرِ وَزعم ابْن مَالك فِي التسهيل أَن عَم فعل أَمر غير متصرف قَالَ أَبُو حَيَّان لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعم بل هُوَ فعل متصرف وَقد حكى يُونُس وعمت الدَّار أَعم أَي قلت لَهَا انعمي قَالَ الْأَصْمَعِي عَم فِي كَلَام الْعَرَب أَكثر من انْعمْ وَقد روى أَلا انْعمْ صباحا الخ وَنعم الشَّيْء نعومة صَار نَاعِمًا لينًا من بَاب كرم وحذر وَحسب وَيُقَال انْعمْ صباحك أَيْضا من النعومة وصباحا ظرف أَو تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل والطلل مَا شخص من آثَار الدَّار والرسم مُطلق الْأَثر والبالي من بلي الثَّوْب من بَاب تَعب بلَى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وبلاء بِالْفَتْح وَالْمدّ خلق أَو من بلي الْمَيِّت أفنته الأَرْض وَقَوله وَهل يعمن هُوَ اسْتِفْهَام إنكاري اسْتشْهد بِهِ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن من يسْتَعْمل فِي غير الْعُقَلَاء وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ لَا فِي لَفظه فَقَالَ الْأَصْمَعِي اللَّفْظ على مَذْهَب أَنْت يَا طلل قد تفرق أهلك وذهبوا فَكيف تنعم بعدهمْ أَو الْمَعْنى كَيفَ أنعم أَنا فَكَأَنَّهُ يَعْنِي أهل الطلل وَالْعصر بِضَمَّتَيْنِ لُغَة فِي الْعَصْر وَهُوَ الدَّهْر والخالي الْمَاضِي قَالَ تَعَالَى {وَإِن من أمة إِلَّا خلا فِيهَا نَذِير} وَقَوله وَهل يعمن إِلَّا سعيد إِلَخ قَالَ العسكري المخلد الطَّوِيل الْعُمر الرخي البال ومخلد إِذا لم يشب وَقيل المخلد المقرط والقرط الخلدة وَرَوَاهُ بَعضهم
(وَهل ينعمن إِلَّا خلي مخلد)
وَقَالَ يَعْنِي غُلَاما حَدثا خليا من الْعِشْق والأوجال جمع وَجل وَهُوَ الْخَوْف وَفعله من بَاب تَعب
(1/61)

(وَهل يعمن من كَانَ أحدث عَهده ... ثَلَاثِينَ شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال)
قَالَ العسكري نقلا عَن الْأَصْمَعِي وَابْن السّكيت يَقُول كَيفَ ينعم من كَانَ أقرب عَهده بالرفاهية ثَلَاثِينَ شهرا من ثَلَاثَة أَحْوَال على أَن فِي بِمَعْنى من ثمَّ قَالَا وَقد تكون بِمَعْنى مَعَ قَالَ ابْن السَّيِّد وَكَونهَا بِمَعْنى مَعَ أشبه من كَونهَا بِمَعْنى من وَرَوَاهُ الطوسي أَو ثَلَاثَة أَحْوَال وكل من فسره ذهب إِلَى أَن الْأَحْوَال هُنَا السنون جمع حول وَالْقَوْل فِيهِ عِنْدِي أَن الْأَحْوَال هُنَا جمع حَال لَا جمع حول وَإِنَّمَا أَرَادَ كَيفَ ينعم من كَانَ أقرب عَهده بالنعيم ثَلَاثِينَ شهرا وَقد تعاقبت عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَحْوَال وَهِي اخْتِلَاف الرِّيَاح عَلَيْهِ وملازمة الأمطار لَهُ والقدم المغير لرسومه فَتكون فِي هُنَا هِيَ الَّتِي تقع بِمَعْنى وَاو الْحَال فِي نَحْو قَوْلك مرت عَلَيْهِ ثَلَاثَة أشهر فِي نعيم أَي وَهَذِه حَاله
(ديار لسلمى عافيات بِذِي الْخَال ... الح عَلَيْهَا كل أسحم هطال)
عافيات من عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفوا وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ درس وَذُو الْخَال قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع جبل مِمَّا يَلِي نجدا وَقيل مَوضِع وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَلم يذكرهُ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ والأسحم الْأسود أَرَادَ بِهِ السَّحَاب لِكَثْرَة مَائه وَهَذَا الْبَيْت مصرع وديار مُبْتَدأ ولسلمى وَصفه وعافيات خَبره وبذي الْخَال حَال من ضمير عافيات وَجُمْلَة ألح خبر بعد خبر ... وتحسب سلمى لَا تزَال كعهدنا ... بوادي الخزامى أَو على رَأس أَو عَال)
(1/62)

والعهد الْحَال وَالْعلم يُقَال هُوَ قريب الْعَهْد بِكَذَا أَي قريب الْعلم وَالْحَال والخزامى بِالضَّمِّ وَالْقصر خيري الْبر ووادي الخزامى وَرَأس
أوعال موضعان ويروى ذَات أوعال قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع هِيَ هضبة فِيهَا بِئْر وَقيل هِيَ جبل بَين علمين فِي نجد والأوعال جمع وعل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
أَي إِن سلمى تظن أَنَّهَا تبقى على الْحَالة الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا فِي ذَيْنك المكانين
(وتحسب سلمى لَا تزَال ترى طلا ... من الْوَحْش أَو بيضًا بميثاء محلال)
سلمى فَاعل تحسب وَالْمَفْعُول الأول من ترى مَحْذُوف أَي نَفسهَا جملَة ترى خبر لَا تزَال وَهَذَا الْإِعْرَاب جَار فِي السَّابِق على هَذَا التَّرْتِيب والرؤية علمية وطلا مفعولها الثَّانِي والطلا بِالْفَتْح ولد الظبية وَمن الْوَحْش صفة طلا وبيضا مَعْطُوف على طلا أَرَادَ بيض النعام فِي الْبيَاض والملاسة والنعومة والميثاء قَالَ فِي الْعباب هُوَ بِالْفَتْح الأَرْض السهلة وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف هُوَ بِفَتْح الْمِيم طَرِيق للْمَاء عَظِيم مُرْتَفع من الْوَادي فَإِذا كَانَ صَغِيرا فَهِيَ شُعْبَة وَهُوَ نَحْو من ثلث الْوَادي أَو أقل فَإِذا كَانَ أَكثر من ذَلِك فَهُوَ تلعة فَإِذا كَانَ مثل نصف الْوَادي أَو ثُلثَيْهِ فَهُوَ ميثاء والميث مَا لِأَن وَسَهل من الأَرْض وَرُوِيَ الميثاء بِالْكَسْرِ وَهِي الأَرْض اللينة وَرُوِيَ الميتاء بِالْكَسْرِ وبالتاء الْمُثَنَّاة فَوق وَهُوَ الطَّرِيق المأتي أَي المسلوك والمحلال بِالْكَسْرِ من حللت إِذا نزلت بِهِ قَالَ الصَّاغَانِي وَأَرْض محلال إِذا أَكثر الْقَوْم النُّزُول فِيهَا وَكَذَلِكَ رَوْضَة محلال وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ الْعَيْنِيّ أَي تحسبها ظَبْيَة لَا تزَال تنظر إِلَى وَلَدهَا وتحسبها بيض نعام وَقَالَ بعض شرَّاح
(1/63)

القصيدة أَي بالبادية حَيْثُ يكون بيض النعام أَو ولد الْوَحْش ا. هـ.
وَهَذَا لَا يخفى مَا فِيهِ
(ليَالِي سلمى إِذْ تريك منصبا ... وجيدا كجيد الريم لَيْسَ بمعطال)
ليَالِي مَنْصُوب بِتَقْدِير اذكر وَنَحْوه وَإِذ بدل من ليَالِي ومنصبا قَالَ العسكري من رَوَاهُ بالنُّون أَرَادَ ثغرها والمنصب المستوى من الأَرْض المتسق وَمن روى مقصبا بِالْقَافِ أَرَادَ شعرهَا قصبته جعلته ذوائب وَشعر مقصب أَي قصابة قصابه وَقَالَ الْأَصْمَعِي قصبه قَصَبَة وَقَالَ غَيره
قصيبة وقصائب انْتهى وَفِي الصِّحَاح الذوائب المقصبة تلوى ليا حَتَّى تترجل وَلَا تضفر واحدتها قصيبة وقصابة بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد والمعطال الْمَرْأَة الَّتِي خلا جيدها من القلائد وَالْفِعْل من بَاب قتل وعطلا بِالتَّحْرِيكِ وعطولا بِالضَّمِّ
(أَلا زعمت بسباسة الْيَوْم أنني ... كَبرت وَأَن لَا يشْهد اللَّهْو أمثالي)
بسباسة امْرَأَة من بني أَسد وَكبر شاخ يُقَال كبر الصَّبِي وَغَيره من بَاب تَعب مكبرا كمسجد وكبرا كعنب وشهده بِالْكَسْرِ يشهده بِالْفَتْح شُهُودًا حَضَره وَاللَّهْو مصدر لهوت بالشَّيْء إِذا لعبت بِهِ قَالَ فِي الصِّحَاح وَقد يكنى باللهو عَن الْجِمَاع وَقَوله تَعَالَى (لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا قَالُوا) أمْرَأَة وَيُقَال ولدا
(بلَى رب يَوْم قد لهوت وَلَيْلَة ... بآنسة كَأَنَّهَا خطّ تِمْثَال)
بلَى حرف إِيجَاب يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إثْبَاته وَأثبت بِهِ هُنَا الشُّهُود الْمَنْفِيّ فِي الْبَيْت السَّابِق وَرَوَاهُ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب فيارب يَوْم إِلَخ
(1/64)

وَأوردهُ شَاهدا على وُرُود رب للتكثير وَجُمْلَة قد لهوت صفة يَوْم والعائد مَحْذُوف أَي فِيهِ وَصفَة لَيْلَة مَعَ الْعَائِد مَحْذُوف أَي لهوت فِيهَا وَلَا يجوز أَن يكون الْوَصْف لَهما والآنسة الْمَرْأَة الَّتِي تأنس بحديثك والخط الْكِتَابَة قَالَ فِي الْعباب يُقَال خطة فلَان كَمَا يُقَال كتبه وَأنْشد هَذَا الْبَيْت واقل فِي مَادَّة مثل والتمثال الصُّورَة وَالْجمع التماثيل وَقَوله تَعَالَى {مَا هَذِه التماثيل} أَي الْأَصْنَام وَقَوله تَعَالَى {يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل} وَهِي صور الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَكَانَ التَّصْوِير مُبَاحا فِي ذَلِك الْوَقْت
(يضيء الْفراش وَجههَا لضجيعها ... كمصباح زَيْت فِي قناديل ذبال)
الْفراش مفعول مقدم ووجهها الْفَاعِل والمصباح السراج والذبال بِضَم الذَّال وَتَشْديد الْمُوَحدَة جمع ذبالة وَهِي الفتيلة لُغَة فِي الذبال
بتَخْفِيف الْبَاء ويروى فِي قناديل آبال جمع أبيل كشريف وأشراف وَهُوَ الراهب قَالَ عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ (الرمل)
(إِنَّنِي وَالله فاقبل حلفتي ... بأبيل كلما صلى جأر)
وفِي بِمَعْنى مَعَ
(كَأَن على لباتها جمر مصطل ... أصَاب غضى جزلا وكف بأجذال)
(وهبت لَهُ ريح بمختلف الصوى ... صبا وَشمَالًا فِي منَازِل قفال)
اللبة المنحر وَمَوْضِع القلادة من الصَّدْر وَالْمرَاد هُنَا هُوَ الثَّانِي والمصطلى اسْم فَاعل من اصطلى بالنَّار وَصلى بهَا وصليها من بَاب تَعب وجد حرهَا وَجُمْلَة أصَاب غضى صفة لمصطل والغضى شجر خَشَبَة من أَصْلَب الْخشب وَلِهَذَا يكون فِي فحمه صلابة وَأصَاب وجد والجزل الغليظ وجزل الْحَطب بِالضَّمِّ إِذا عظم وَغلظ فَهُوَ جزل وكف بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من كَفَفْت الثَّوْب أَي خطت حَاشِيَته وَهِي الْخياطَة الثَّانِيَة أَرَادَ جعل
(1/65)

حول الْجَمْر أجزال وَهِي أصُول الْحَطب الْعِظَام جمع جذل بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة والمختلف بِفَتْح اللَّام مَوضِع الِاخْتِلَاف أَي التَّرَدُّد وَهُوَ أَن تذْهب ريح وتجيء ريح والصوى جمع صوة كقوى جمع قُوَّة والصوة قَالَ فِي الصِّحَاح هِيَ مُخْتَلف الرّيح وَأنْشد هَذَا الْبَيْت والصوة أَيْضا حجر يكون عَلامَة فِي الطَّرِيق وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا خلافًا لبَعْضهِم والقفال جمع قافل كعباد وعابد والقافل الرَّاجِع من سَفَره وَفعله من بَاب قعد وَيكون القفول فِي الْمُبْتَدِئ للسَّفر تفاؤلا بِالرُّجُوعِ بَالغ فِي سخونة هَذِه الْمَرْأَة فِي الشتَاء حَيْثُ وصف الْحلِيّ الَّذِي على لباتها بِمَا ذكر فِي الْبَيْتَيْنِ وَهَذَا مدح فِي النِّسَاء كَمَا إِذا بردت فِي الصَّيف قَالَ الْأَعْشَى (المتقارب)
(وتسخن لَيْلَة لَا يَسْتَطِيع ... نباحا بهَا الْكَلْب إِلَّا هريرا) ( ...
(وتبرد برد رِدَاء الْعَرُوس ... بالصيف رقرقت فِيهِ العبيرا)
(كذبت لقد أصبي على الْمَرْء عرسه ... وامنع عرسي أَن يزن بهَا الْخَالِي)
صرح بتكذيب بسباسة حَيْثُ زعمت أَنه لَا يلهو بِالنسَاء فَقَالَ إِنِّي أشوق النِّسَاء إِلَيّ مَعَ وجود أَزوَاجهنَّ وَلَا أدع أحدا يتهم بامرأتي لِأَنَّهَا لَا تميل إِلَى أحد مَعَ وجودي لِأَنِّي محبب عِنْد النِّسَاء وأصبي مضارع أصبيت الْمَرْأَة بِمَعْنى شوقتها وجعلتها ذَات صبوة وَهِي الشوق والعرس بِالْكَسْرِ الزَّوْجَة ويزن يتهم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال أزننته بِشَيْء اتهمته بِهِ وَهُوَ يزن بِكَذَا وأزنة بِالْأَمر إِذا اتهمه بِهِ والخالي قَالَ فِي الصِّحَاح قَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ من الرِّجَال الَّذِي لَا زَوْجَة لَهُ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
(وَمثلك بَيْضَاء الْعَوَارِض طفلة ... لعوب تنسيني إِذا قُمْت سربالي)
(1/66)

الْوَاو وَاو رب وَهُوَ خطاب لبسباسة فِي الْقَامُوس الْعَارِض والعارضة صفحة الخد وصفحتا الْعُنُق وجانبا الْوَجْه والعارضة أَيْضا مَا يستقبلك من الشَّيْء وَمن الْوَجْه مَا يَبْدُو عِنْد الضحك والطفلة بِفَتْح الطَّاء الناعمة الْبدن والطفل الناعم واللعوب الْحَسَنَة الدل وَالنِّسْيَان خلاف الذّكر وأنسانية الله ونسانيه تنسية بِمَعْنى وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي عَن أبي عُبَيْدَة لعوب تناساني إِذا قُمْت سربالي قَالَ وَمَعْنَاهُ تنسيني والسربال الْقَمِيص
(لَطِيفَة طي الكشح غير مفاضة ... إِذا انفتلت مرتجة غير متفال) لطف لطفا ولطافة ككرم صغر ودق وَهُوَ لطيف والكشح بِالْفَتْح مَا بَين الخاصرة إِلَى الضلع الْخلف وطي الكشح هُنَا جدلها وفتلها يُرِيد أَنَّهَا مجدولة الكشح جدلا لطيفا فَإِن هيف الكشح والخصر ممدوح والمفاضة من النِّسَاء الضخمة الْبَطن وَهَذَا ذمّ فِيهِنَّ وَمن الدروع الواسعة وهما من الْفَيْض وانفتلت انصرفت ومرتجة من الارتجاج وَهُوَ التحرك وَالِاضْطِرَاب أَرَادَ عظم كفلها وَهِي خبر تكون محذوفة والمتفال بِالْكَسْرِ من تفل بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة
وَالْفَاء قَالَ فِي الْعباب التفل بِالتَّحْرِيكِ مصدر قَوْلك تفل الرجل بِالْكَسْرِ إِذا ترك الطّيب فَهُوَ تفل وأمرأة تفلة وَفِي الحَدِيث لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله وليخرجن إِذا خرجن تفلات أَي تاركات للطيب وَامْرَأَة متفال إِذا كَانَت كَذَلِك وأتفله غَيره وَمِنْه حَدِيث عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لرجل رَآهُ نَائِما فِي الشَّمْس قُم عَنْهَا فَإِنَّهَا تَتْفُل الرّيح وتبلي الثَّوْب وَتظهر الدَّاء الدفين وصفهَا بِثَلَاثَة أُمُور بهضم الخصر وضخامة الكفل وَالطّيب
(إِذا مَا الضجيع ابتزها من ثِيَابهَا ... تميل عَلَيْهِ هونة غير معطال)
(1/67)

ابتزها نزع بزها أَي ثِيَابهَا وَأَرَادَ مُطلق النزع وَالسَّلب والهونة بِالْفَتْح وَالضَّم المتئدة والهون السكينَة وَالْوَقار والمعطال تقدم تَفْسِيره ويروي مجبال قَالَ الْأَصْمَعِي مَعْنَاهُ هِيَ الغليظة
(كدعص النقا يمشي الوليدان فَوْقه ... بِمَا احتسبا من لين مس وتسهال)
الدعص بِالْكَسْرِ قِطْعَة من الرمل مستديرة والنقا الْكَثِيب من الرمل أَرَادَ تَشْبِيه عجزها بالدعص لعظمه حَتَّى أَن وَلدين يمكنهما أَن يلعبا فَوْقه من غير ضَرَر عَلَيْهِمَا للينه وسهولته والوليدان الصّبيان وأحتسب أكتفى والتسهال السهولة
(إِذا مَا أستحمت كَانَ فيض حميمها ... على متنتيها كالجمان لَدَى الْحَال)
استحمت اغْتَسَلت بالحميم وَهُوَ المَاء الْحَار ومتنتا الظّهْر مكتنفا الصلب عَن يَمِين وشمال من عصب وَلحم والمفرد متن ومتنة والجمان بِالضَّمِّ اللُّؤْلُؤ وَالْحَال وسط الظّهْر وَمن الْفرس مَوضِع اللبد أَرَادَ أَن المَاء الَّذِي ينْفَصل من ظهرهَا عِنْد الِاغْتِسَال يشبه اللُّؤْلُؤ المتناثر
تنورتها من أَذْرُعَات (الْبَيْت) الضَّمِير رَاجع إِلَى بسباسة وَقد شرح الْبَيْت
(نظرت إِلَيْهَا والنجوم كَأَنَّهَا ... مصابيح رُهْبَان تشب لقفال)
ضمير إِلَيْهَا رَاجع إِلَى النَّار الْمَفْهُوم من تنورتها وَجُمْلَة والنجوم إِلَخ حَال من الْفَاعِل وَجُمْلَة تشب حَال من ضمير النَّار قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة
(1/68)

وَمن أَبْيَات الْمُبَالغَة قَول امْرِئ الْقَيْس يصف نَارا وَإِن كَانَ فِيهِ إغراق نظرت إِلَيْهَا والنجوم الْبَيْت يَقُول نظرت إِلَى نَار هَذِه الْمَرْأَة تشب لقفال والنجوم كَأَنَّهَا مصابيح رُهْبَان وَقد قَالَ تنورتها من أَذْرُعَات الْبَيْت وَبَين المكانين بعد أَيَّام وَإِنَّمَا يرجع الْقفال من الْغَزْو والغارات وَجه الصَّباح فَإِذا رَآهَا من مسيرَة أَيَّام وَجه الصَّباح وَقد خمد سناها وكل موقدها فَكيف كَانَت أول اللَّيْل وَشبه النُّجُوم بمصابيح الرهبان لِأَنَّهَا فِي السحر يضعف نورها كَمَا يضعف نور المصابيح الموقدة لَيْلهَا أجمع لَا سِيمَا مصابيح الرهبان لأَنهم يكلون من سهر اللَّيْل فَرُبمَا نعسوا فِي ذَلِك الْوَقْت
وَقَالَ بَعضهم وَمن التَّشْبِيه الصَّادِق هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ شبه النُّجُوم بمصابيح رُهْبَان لفرط ضيائها وتعهد الرهبان لمصابيحهم وقيامهم عَلَيْهَا لتزهر إِلَى الصُّبْح فَكَذَلِك النُّجُوم زاهرة طول اللَّيْل وتتضاءل إِلَى الصُّبْح كتضاؤل المصابيح لَهُ وَقَالَ تشب لقفال لِأَن أَحيَاء الْعَرَب بالبادية إِذا قفلت إِلَى موَاضعهَا الَّتِي تأوي إِلَيْهَا من مصيف إِلَى مشتى إِلَى مربع أوقدت لَهَا نيران على قدر كَثْرَة منازلها وقلتها ليهتدوا بهَا فَشبه النُّجُوم ومواقعها من السَّمَاء بتفرق تِلْكَ النيرَان واجتماعها من مَكَان بعد مَكَان على حسب منَازِل الْقفال بالنيران الموقدة لَهُم وَقد طَال الْكَلَام هُنَا وَلم يمكننا أَن نترجم امرا الْقَيْس ونترجمه إِن شَاءَ الله فِي الشَّاهِد الثَّانِي من شَوَاهِد شعره
(أَقسَام التَّنْوِين)
وَأنْشد بعده وَفِي آخر الشَّرْح فِي التَّنْوِين وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع (الوافر)
(أقلي اللوم عاذل والعتابن ... وَقَوْلِي إِن أصبت لقد اصابن)
(1/69)

على أَن تَنْوِين الترنم يلْحق الْفِعْل والمعرف بِاللَّامِ وَقد اجْتمعَا فِي هَذَا الْبَيْت وَالْفِعْل سَوَاء كَانَ مَاضِيا كَمَا ذكر أَو مضارعا كَقَوْلِه (الرجز)
(داينت أروى والديون تقضين)
وَقد لحقت الْمُضمر أَيْضا كَقَوْلِه
(يَا أبتا علك أَو عساكن)
قَالَ الشَّارِح وَلم يسمع دُخُولهَا على الْحَرْف وَلَا يمْتَنع ذَلِك فِي الْقيَاس أَقُول قد سمع فِي الْحَرْف أَيْضا كَمَا مثل لَهُ شرَّاح الألفية بقول النَّابِغَة (الْكَامِل)
(أفد الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما تزل برحالنا وَكَأن قدن)
ولحاق هَذَا التَّنْوِين لما ذكر إِنَّمَا هُوَ عِنْد بني تَمِيم كَمَا قَالَ الشَّارِح وَعند قيس أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وأقلي فعل أَمر مُسْند إِلَى ضمير العاذلة يُقَال أقللته وقللته بِمَعْنى جعلته قَلِيلا بتعدية قل بِالْهَمْزَةِ والتضعيف وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بِمُرَاد بل الْمَقْصُود اتركي اللوم فَإِن الْقلَّة يعبر بهَا عَن الْعَدَم كَمَا هُوَ مستفيض واللوم مفعول أقلي وَهُوَ مصدر لَام يلوم وَمَعْنَاهُ العذل والتوبيخ وعاذل منادى مَحْذُوف مِنْهُ حرف
النداء ومرخم عاذلة من عذل يعذل من بَابي ضرب وَقتل بِمَعْنى لَام والعتاب مَعْطُوف على اللوم مصدر عَاتب معاتبة وعتابا قَالَ الْخَلِيل العتاب مُخَاطبَة الإدلال ومذاكرة الموجدة أَي الْغَضَب وَهَذَا لَيْسَ بمقصود إِذْ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنى لَا يكون إِلَّا بَين متحابين وَإِنَّمَا المُرَاد مصدر
(1/70)

عتب عَلَيْهِ عتبا من بَابي ضرب وَقتل بِمَعْنى لامه فِي تسخط وَقَوله قولي فعل أَمر أَيْضا مَعْطُوف على أقلي وَقَوله لقد أصابن مقول القَوْل وَجُمْلَة إِن أصبت مُعْتَرضَة بَينهمَا وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف وجوبا يفسره جملَة القَوْل وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة طَوِيلَة عدد أبياتها مائَة وَتِسْعَة لجرير يهجو عبيد الرَّاعِي النميري والفرزدق وَسبب هجوه إيَّاهُمَا على مَا حكى فِي شرح المناقضات أَن عَرَادَة النميري كَانَ نديما للفرزدق فَقدم الرَّاعِي الْبَصْرَة فَقدم عَرَادَة طَعَاما وَشَرَابًا فَدَعَا الرَّاعِي فَلَمَّا أخذت الكاس مِنْهُمَا قَالَ عراده لِلرَّاعِي يَا أَبَا جندل قل شعرًا تفضل الفرزدق على جرير فَلم يزل يزين لَهُ ذَلِك حَتَّى قَالَ (الْكَامِل)
(يَا صَاحِبي دنا الْأَصِيل فسيرا ... غلب الفرزدق فِي الهجاء جَرِيرًا)
فغدا بِهِ عَرَادَة على الفرزدق فأنشده إِيَّاه وَكَانَ عبيد الرَّاعِي شَاعِر مُضر وَذَا سنّهَا فَحسب جرير أَنه مغلب الفرزدق عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ يَا أَبَا جندل إِنِّي أَتَيْتُك بِخَبَر أَتَانِي إِنِّي وَابْن عمي هَذَا يَعْنِي الفرزدق نستب صباحا وَمَسَاء وَمَا عَلَيْك غَلَبَة المغلوب وَلَا عَلَيْك غَلَبَة الْغَالِب فإمَّا أَن تدعني وصاحبي وَإِمَّا أَن تغلبني عَلَيْهِ لانقطاعي إِلَى قيس وحطي فِي حبلهم فَقَالَ لَهُ الرَّاعِي صدقت لَا أبعدك من خير ميعادك المربد فصحبه جرير فَبَيْنَمَا هما يسْتَخْرج كل مِنْهُمَا مقَالَة صَاحبه رآهما جندل بن عبيد فَأقبل يرْكض على فرس لَهُ فَضرب بغلة أَبِيه الرَّاعِي وَقَالَ مَالك يراك النَّاس وَاقِفًا على كلب بني كُلَيْب فَصَرفهُ عَنهُ فَقَالَ جرير أما وَالله
(1/71)

لأثقلن رواحلك ثمَّ أقبل إِلَى منزلَة فَقَالَ للحسين رِوَايَته زد فِي دهن سراجك اللَّيْلَة وأعدد لوحا ودواة ثمَّ أقبل على هجاء بني نمير فَلم يزل يملي
حَتَّى ورد عَلَيْهِ قَوْله (الوافر)
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير ... فَلَا كَعْبًا بلغت وَلَا كلابا)
فَقَالَ حَسبك أطفئ سراجك ونم فرغت مِنْهُ ثمَّ إِن جَرِيرًا أتم هَذِه بعد وَكَانَ يسميها الدامغة أَو الدماغة وَكَانَ يُسمى هَذِه القافية المنصورة لِأَنَّهُ قَالَ قصائد فِيهَا كُلهنَّ أَجَاد فِيهَا وَبعد أَن أتمهَا أَدخل طرف ثَوْبه بَين رجلَيْهِ ثمَّ هدر فَقَالَ أخزيت ابْن يَرْبُوع حَتَّى إِذا أصبح غَدا وَرَأى الرَّاعِي فِي سوق الْإِبِل فَأَتَاهُ وأنشده إِيَّاهَا حَتَّى وصل إِلَى قَوْله
(أجندل مَا تَقول بَنو نمير ... إِذا مَا الأير فِي أست أَبِيك غابا)
فَقَالَ الرَّاعِي شرا وَالله تَقول
(عَلَوْت عَلَيْك ذرْوَة خندفي ... ترى من دونهَا رتبا صعابا)
(لنا حَوْض النَّبِي وساقياه ... وَمن ورث النُّبُوَّة والكتابا)
(إِذا غضِبت عَلَيْك بَنو تَمِيم ... حسبت النَّاس كلهم غضابا)
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) فَقَالَ الرَّاعِي وَهُوَ يُرِيد نقضهَا
(أَتَانِي أَن جحش بني كُلَيْب ... تعرض حول دجلة ثمَّ هابا)
(فَأولى أَن يظل الْبَحْر يطفو ... بِحَيْثُ يُنَازع المَاء السحابا)
(أَتَاك الْبَحْر يضْرب جانبيه ... أغر ترى لجريته حبابا)
(1/72)

ثمَّ كف ورأي أَن لَا يجِيبه فَأجَاب عَنهُ الفرزدق على رُوِيَ قَوْله (الوافر)
(أَنا ابْن العاصمين بني تَمِيم ... إِذا مَا أعظم الْحدثَان نابا)
ثمَّ إِن الرَّاعِي قَالَ لِابْنِهِ يَا غُلَام بئْسَمَا كسبنا قَومنَا ثمَّ قَامَ من سَاعَته وَقَالَ لأَصْحَابه ركابكم فَلَيْسَ لكم هَا هُنَا مقَام فضحكم جرير فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم ذَلِك بشؤمك وشؤم ابْنك وَسَار إِلَى أَهله فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم سمع عِنْد الْقدوم
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَأقسم بِاللَّه مَا بلغَهَا إنسي وَإِن لجرير لأشياعا من الْجِنّ فتشاءمت بِهِ بَنو نمير وسبوه وسبوه ابْنه وهم يتشاءمون بِهِ إِلَى الْآن
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة وَمِمَّنْ وَضعه مَا قيل فِيهِ من الشّعْر حَتَّى أنكر نسبه وَسقط عَن رتبته وعيب بفضيلته بَنو نمير كَانُوا جَمْرَة من جمرات الْعَرَب إِذا سُئِلَ أحدهم مِمَّن الرجل فخم لَفظه وَمد صَوته وَقَالَ من بني نمير إِلَى أَن صنع جرير قصيدته الَّتِي هجا بهَا عبيد بن حُصَيْن الرَّاعِي فسهر لَهَا فطالت ليلته إِلَى أَن قَالَ فغض الطّرف إِنَّك من نمير الْبَيْت فأطفأ سراجه ونام وَقَالَ وَالله قد أخزيتهم آخر الدَّهْر فَلم يرفعوا رَأْسا بعْدهَا إِلَّا نكس بِهَذَا الْبَيْت حَتَّى أَن مولى لباهلة كَانَ يرد سوق الْبَصْرَة ممتارا فَيَصِيح بِهِ بَنو نمير ياجوذاب بالهة فَقص الْخَبَر على موَالِيه وَقد ضجر من ذَلِك فَقَالُوا لَهُ إِذا نبزوك فَقل لَهُم
(فغض الطّرف أَنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَمر بهم بعد ذَلِك فنبزوه وَأَرَادَ الْبَيْت فنسيه فَقَالَ غمض وَإِلَّا جَاءَك
(1/73)

مَا تكره فكفوا عَنهُ وَلم يعرضُوا لَهُ بعْدهَا وَمَرَّتْ امْرَأَة بِبَعْض مجَالِس بني نمير فأداموا النّظر إِلَيْهَا فَقَالَت قبحكم الله يَا بني نمير مَا قبلتم قَول الله عَزَّ وَجَلَّ {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم} وَلَا قَول الشَّاعِر
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت)
وَهَذِه القصيدة تسميها الْعَرَب الفاضحة وَقيل سَمَّاهَا جرير الدماغة تركت بني نمير بِالْبَصْرَةِ ينتسبون إِلَى عَامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميرا إِلَى أَبِيه هربا من ذكر نمير وفرارا مِمَّا وسم بِهِ من الفضيحة والوصمة وَأعلم أَن جمرات الْعَرَب ثَلَاث وهم بَنو نمير بن عَامر بن صعصعة وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو ضبة بن أد فطفئت جمرتان وهما بَنو ضبة لِأَنَّهَا حالفت الربَاب وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب لِأَنَّهَا حالفت مذحجا وَبقيت نمير لم تحالف فَهِيَ على كثرتها ومنعتها وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا قيل لَهُ من أَنْت قَالَ نميري إدلالا بنسبه وافتخارا بمنصبه حَتَّى قَالَ جرير
(فغض الطّرف إِنَّك من نمير)
(الْبَيْت) وَكَعب وكلاب ابْنا ربيعَة بن عَامر بن صعصعة والتجمير فِي كَلَام الْعَرَب التجميع وَإِنَّمَا سموا بذلك لأَنهم متوافرون فِي أنفسهم لم يدخلُوا مَعَهم غَيرهم وَفِي الْقَامُوس الْجَمْرَة النَّار المتقدة وَألف فَارس والقبيلة لَا تنضم إِلَى أحد أَو الَّتِي فِيهَا ثَلَاثمِائَة فَارس وجمرات الْعَرَب بَنو ضبة بن أد وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو نمير بن عَامر أَو عبس والْحَارث وضبة لِأَن أمّهم رَأَتْ فِي الْمَنَام أَنه خرج من فرجهَا ثَلَاث جمرات فَتَزَوجهَا كَعْب بن عبد المدان
(1/74)

فَولدت لَهُ الْحَارِث وهم أَشْرَاف الْيمن ثمَّ تزَوجهَا بغيض بن ريث فَولدت لَهُ عبسا وهم فرسَان الْعَرَب ثمَّ تزَوجهَا أد فَولدت لَهُ ضبة فجمرتان فِي مُضر وجمرة فِي الْيمن وَجَرِير ابْن عَطِيَّة بن الخطفى بن بدر بن سَلمَة بن عَوْف بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَجَرِير من الْأَسْمَاء المنقولة لِأَن الْجَرِير حَبل يكون فِي عنق الدَّابَّة أَو النَّاقة من أَدَم كَذَا فِي أدب الْكَاتِب وَسمي جَرِيرًا لِأَن أمه كَانَت رَأَتْ فِي نومها وَهِي حاملة بِهِ أَنَّهَا تَلد جَرِيرًا فَكَانَ يلتوي على عنق رجل فيخنقه ثمَّ فِي عنق آخر ثمَّ فِي عنق آخر حَتَّى كَاد يقتل عدَّة من النَّاس فَفَزِعت من رؤياها وقصتها على معبر فَقَالَ لَهَا إِن صدقت رُؤْيَاك ولدت
ولدا يكون بلَاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا وَكَانَ تَأْوِيل رؤياها أَنه هجا ثَمَانِينَ شَاعِرًا فَغَلَبَهُمْ كلهم إِلَّا الفرزدق وَكَانَت أمه ترقصه وَهُوَ صَغِير وَتقول (الرجز)
(قصصت رُؤْيَايَ على ذَاك الرجل ... فَقَالَ لي قولا وليت لم يقل)
(لتلدن عضلة من العضل ... ذَا منقق جزل إِذا قَالَ فضل)
(مثل الحسام العضب مَا مس فصل ... يعدل ذَا الْميل وَلما يعتدل)
(ينهل سما من يعادي ويعل)
والخطفى لقب جده واسْمه حُذَيْفَة مصغر حذفة وَهِي الرَّمية بالعصا ولقب بالخطفى لقَوْله (الرجز)
(يرفعن بِاللَّيْلِ إِذا مَا أسدفا ... أَعْنَاق جنان وهاما رجفا)
(وعنقا بَاقِي الرسيم خطفا)
(1/75)

ويروى خطيفا وَهُوَ السَّرِيع ويكنى جرير أَبَا حزرة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة بِابْن كَانَ لَهُ والحزرة فعلة من حزرت الشَّيْء إِذا خرصته وخمنته والحزرة أَيْضا خِيَار المَال وحموضة اللَّبن قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء وَكَانَ لَهُ عشرَة من الْوَلَد فيهم ثَمَانِيَة ذُكُور مِنْهُم بِلَال وَكَانَ أفضلهم وأشعرهم وَله عقب مِنْهُم عمَارَة ابْن عقيل بن بِلَال وَمن ولد جرير نوح وَعِكْرِمَة وَكَانَا شاعرين أَيْضا وَكَانَ
جرير من فحول شعراء الْإِسْلَام وَكَانَ يشبه بالأعشى مَيْمُون وَكَانَ من أحسن النَّاس تشبيبا قَالَ الْأَصْمَعِي سَمِعت الْحَيّ يتحدثون عَن جرير أَنه قَالَ لَوْلَا مَا شغلني من هَذِه الْكلاب لشببت تشبيبا تحن مِنْهُ الْعَجُوز إِلَى شبابها حنين النَّاقة إِلَى سقبها وَكَانَ من أَشد النَّاس هجاء وَقد أجمع عُلَمَاء الشّعْر على أَن جَرِيرًا والفرزدق والأخطل مقدمون على سَائِر شعراء الْإِسْلَام وَاخْتلفُوا فِي أَيهمْ أفضل وَقد حكم مَرْوَان بن أبي حَفْصَة بَين الثَّلَاثَة بقوله (الْكَامِل)
(ذهب الفرزدق بالفخار وَإِنَّمَا ... حُلْو الْكَلَام ومره لجرير)
(وَلَقَد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهى بمديحه الْمَشْهُور)
فَحكم للفرزدق بالفخار وللأخطل بالمدح والهجو ولجرير بِجَمِيعِ فنون الشّعْر قَالَ الْمَدَائِنِي كَانَ جرير أعق النَّاس لِأَبِيهِ وَكَانَ أبنه بِلَال أعق النَّاس بِهِ فراجع جرير بِلَالًا فِي الْكَلَام فَقَالَ بِلَال الْكَاذِب من ناك أمه
(1/76)

فَأَقْبَلت عَلَيْهِ وَقَالَت لَهُ يَا عَدو الله أَتَقول هَذَا لأَبِيك قَالَ جرير فوَاللَّه لكَأَنِّي أسمعها وَأَنا أقولها لأبي وَلما بلغ موت الفرزدق جَرِيرًا قَالَ (الْكَامِل)
(هلك الفرزدق بعد مَا جدعته ... لَيْت الفرزدق كَانَ عَاشَ قَلِيلا)
ثمَّ أطرق طَويلا وَبكى فَقيل لَهُ مَا أبكاك قَالَ بَكَيْت على نَفسِي وَالله إِنِّي لأعْلم أَنِّي عَن قَلِيل لاحقه فَلَقَد كَانَ نجمنا وَاحِدًا وكل وَاحِد منا مَشْغُول بِصَاحِبِهِ وقلما مَاتَ ضد أَو صديق إِلَّا تبعه الآخر ثمَّ أنشأ يرثيه (الطَّوِيل)
(فجعنا بحمال الدِّيات ابْن غَالب ... وحامي تَمِيم عرضهَا والبراجم)
(بكيناك حدثان الْفِرَاق وَإِنَّمَا ... بكناك إِذْ نابت أُمُور العظائم)
(فَلَا حملت بعد ابْن ليلى مهيرة ... وَلَا شدّ أنساع الْمطِي الرواسم)
ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ بعد قَلِيل بِالْيَمَامَةِ وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه جرير من الشُّعَرَاء سَبْعَة أحدهم هَذَا وَتُوفِّي فِي سنة عشر وَقيل إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وعمره قد قَارب التسعين وَالثَّانِي جرير الْعجلِيّ وَهُوَ عصري الأول وَقد رد على الفرزدق الثَّالِث جرير بن عبد الله أحد بني عَامر بن عقيل فَارس شَاعِر وَالرَّابِع جرير بن عبد الْمَسِيح الضبعِي وَهُوَ المتلمس صَاحب طرفَة بن العَبْد وَالْخَامِس جرير بن كُلَيْب ابْن نَوْفَل وَهُوَ إسلامي السَّادِس جرير بن الْغَوْث
(1/77)

أَخُو بني كنَانَة بن الْقَيْن السَّابِع جرير وَهَذَا مصغر وَهُوَ أَبُو مَالك المدلجي
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أنْشدهُ فِي بَاب وُجُوه القوافي وَاسْتشْهدَ بِهِ لما يلْزم من إِثْبَات الْوَاو وَالْيَاء إِذا كَانَتَا قافيتين كَمَا يلْزم إِثْبَات الْقَاف فِي المخترق لِأَنَّهَا حرف الروي (الرجز)
(وقاتم الأعماق خاوي المخترقن)
على أَن تَنْوِين الترنم قد يلْحق الروي الْمُقَيد فَيخْتَص باسم الغالي تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي جعل تَنْوِين الغالي نوعا من تَنْوِين الترنم لِابْنِ جني فَإِنَّهُ قَالَ فِي سر الصِّنَاعَة الرَّابِع من وُجُوه التَّنْوِين وَهُوَ أَن يلْحق أَوَاخِر القوافي معاقبا لما فِيهِ من الغنة لحرف الْمِيم وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يلْحق متمما للْبِنَاء وَالْآخر أَن يلْحق زِيَادَة بعد اسْتِيفَاء الْبَيْت جَمِيع أَجْزَائِهِ نيفا من آخِره بِمَنْزِلَة الزِّيَادَة الْمُسَمَّاة خزما فِي أَوله ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا زادوا هَذَا التَّنْوِين فِي هَذَا الْموضع وَنَحْوه بعد تَمام الْوَزْن لِأَن من عَادَتهم أَن يلحقوه فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْوَزْن نَحْو
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلن)
وَقَوله
(الْحَمد لله الوهوب المجزلن)
فَلَمَّا اعتادوه فِيمَا يكمل وَزنه ألحقوه أَيْضا بِمَا هُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ وَهَذَا معنى
(1/78)

قَول الشَّارِح وَإِنَّمَا الْحق بالروي الْمُقَيد تَشْبِيها لَهُ بالمطلق وَزعم ابْن يعِيش أَن فَائِدَة هَذَا التَّنْوِين التطريب والتغني وَجعله ضربا من تَنْوِين الترنم وَزعم أَن تَنْوِين الترنم يُرَاد بِهِ ذَلِك وَهُوَ غلط كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وَقَالَ عبد القاهر فَائِدَته الإيذان بِأَن الْمُتَكَلّم وَاقِف لِأَنَّهُ إِذا أنْشد عجلا والقوافي سَاكِنة صَحِيحَة لم يعلم أَو اصل هُوَ أم وَاقِف وَأنكر هَذَا التَّنْوِين الزّجاج والسيرافي وزعما أَن رؤبة كَانَ يزِيد فِي أَوَاخِر الأبيات إِن فَلَمَّا ضعف صَوته بِالْهَمْزَةِ لسرعة الْإِيرَاد ظن السَّامع أَنه نون وَفِي هَذَا توهيم الروَاة الثِّقَات بِمُجَرَّد الأحتمال وَقَول الشَّارِح فَيفتح مَا قبل النُّون تَشْبِيها لَهَا بالخفيفة أَو يكسر للساكنين كَمَا فِي حِينَئِذٍ قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والأخفش يُسَمِّي هَذَا التَّنْوِين غاليا وَالْحَرَكَة الَّتِي قبل التَّنْوِين غلوا وَهِي الكسرة لِأَنَّهَا الأَصْل فِي التقاء الساكنين كَقَوْلِهِم يَوْمئِذٍ ومه وَزعم ابْن الْحَاجِب أَن الأولى أَن تكون الْحَرَكَة قبل فَتْحة كَمَا فِي نَحْو اضربن وَأَن هَذَا أولى من أَن يُقَاس على يَوْمئِذٍ لِأَن ذَاك لَهُ أصل فِي الْمَعْنى وَهُوَ عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلنَا أَن قِيَاس التَّنْوِين على التَّنْوِين أولى
لِاتِّحَاد جنسهما وَلِأَنَّهُمَا يكونَانِ فِي الِاسْم وَالنُّون لَا تكون إِلَّا فِي الْفِعْل ثمَّ إِن فَتحه اضربن للتركيب كَمَا فِي خَمْسَة عشر لَا لالتقاء الساكنين والروي هُوَ الْحَرْف الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ القصيدة مَأْخُوذ من الرواء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ وَهُوَ الْحَبل والمقيد السَّاكِن الَّذِي لَيْسَ حرف عِلّة وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة مرجزة مَشْهُورَة لرؤبة بن العجاج وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أول كتاب الشّعْر وَالشعرَاء حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ
(1/79)

كَانَ ثَلَاثَة إخْوَة من بني سعد لم يَأْتُوا الْأَمْصَار ذهب رجزهم يُقَال لَهُم نَذِير ومنيذر وَمُنْذِر يُقَال إِن قصيدة رؤبة الَّتِي أَولهَا وقاتم الأعماق لنذير وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة لَا فَائِدَة فِي إِيرَاد جَمِيعهَا لَكِن فِيهَا بَيت من شَوَاهِد التَّفْسِير وَمُغْنِي اللبيب لَا يَتَّضِح مَعْنَاهُ إِلَّا بشرح الأبيات الَّتِي قبْلَة فَلهَذَا شرحت فَقَوله وقاتم الْوَاو وَاو رب وَهِي عاطفة لَا جَارة وقاتم مجرور بِرَبّ لَا بِالْوَاو على الصَّحِيح وَقد أنْشد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي رب من حُرُوف الْجَرّ أَيْضا على أَن رب محذوفة بعد الْوَاو وَذكر أَنه يجوز حذفهَا فِي الشّعْر بعد الْوَاو وَالْفَاء وبل وَلم أر من قيد حذفهَا فِي الشّعْر وَغَيره وَهَذَا هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَزعم الْكُوفِيُّونَ والمبرد أَن الْجَرّ ب الْوَاو لَا ب رب وَاسْتَدَلُّوا فِي افْتِتَاح القصائد بهَا كَهَذا الْبَيْت وَأجِيب بِجَوَاز الْعَطف على كَلَام تقدم ملفوظ بِهِ لم ينْقل أَو مُقَدّر حكم لَهُ منويا فِي النَّفس بِحكم الْمَنْطُوق بِهِ ورد مَذْهَبهم بِوُجُوه أَيْضا أَحدهَا أَنَّهَا مَعَ ذكر رب عاطفة بِاتِّفَاق فَكَذَلِك مَعَ حذفهَا وَلَا تنقل عَن ذَلِك إِلَّا بِدَلِيل وَالْأَصْل عَدمه قَالَ ابْن خالويه الْوَاو إِذا كَانَت فِي أَوَائِل القصائد نَحْو وقاتم الأعماق فَإِنَّهَا تدل على رب فَقَط وَلَا تكون للْعَطْف لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم مَا يعْطف عَلَيْهِ بِالْوَاو قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي نقض الهاذور هَذَا شَيْء لم نعلم أحدا مِمَّن حكينا قَوْله فِي ذَلِك ذهب إِلَيْهِ وَلَا قَالَ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي تظناه من الْفَصْل بَين الْأَوَائِل وَغَيرهَا بِشَيْء وَذَلِكَ أَن أَوَائِل القصائد يدْخل عَلَيْهَا
حُرُوف الْعَطف على جِهَة الخزم نَحْو مارووا من قَوْله (الرجز)
(بل مَا هاج أحزانا وشجوا قد شجا)
(1/80)

وَكَأَنَّهُ جعله عطفا على كَلَام قد كَانُوا يَقُولُونَهُ وقصة خَاضُوا فِيهَا فعطف الشّعْر بِحرف الْعَطف على ذَلِك الْكَلَام الَّذِي كَانُوا فِيهِ الثَّانِي لَو كَانَت الْوَاو عوضا من رب لما جَازَ ظُهُورهَا مَعهَا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يجمع بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ الثَّالِث أَنَّهَا لَو كنت نائبة عَن رب لجامعها وَاو الْعَطف كَمَا تجامعها وَاو الْقسم كَقَوْلِه (الطَّوِيل)
(وَوَاللَّه لَوْلَا تمره مَا حببته)
الرَّابِع أَن رب تضمر بعد الْفَاء وبل وَلم يقل أحد إنَّهُمَا حرفا جر فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الحكم مَعَ الْوَاو وَقَالَ الشاطبي وَفِي هَذِه الْأَدِلَّة كلهَا نظر وأقربها الرَّابِع إِن ثَبت الِاتِّفَاق من الْفَرِيقَيْنِ على أَن الْفَاء وبل ليستا جارتين عِنْد حذف رب فَإِن الْفرق بَينهمَا وَبَين الْوَاو فِيهِ بعد وَبعد فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة لَا ثَمَرَة لَهَا فِي النَّحْو وَإِنَّمَا الْبَحْث فِيهَا مظهر للمرتكب الأولى فِي ضبط القوانين خَاصَّة وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَا قَالَه أهل الْبَصْرَة لَهُ وَجه صَحِيح وَمَا قَالَه الْآخرُونَ كَذَلِك وَالله أعلم وقاتم قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شرح ديوَان رؤبة القتمة الغبرة إِلَى الْحمرَة مصدر الأقتم وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب الْقلب والإبدال وَيُقَال أسود قاتم وقاتن بِالْمِيم وَالنُّون وَفعله من بَابي ضرب وَعلم وَهُوَ صفة لموصوف مَحْذُوف أَي رب بلد قاتم والأعماق جمع عمق بِفَتْح الْعين وَضمّهَا
(1/81)

وَهُوَ مَا بعد من أَطْرَاف
المفاوز مستعار من عمق الْبِئْر يُقَال عمقت الْبِئْر عمقا من بَاب قرب وعماقة بِالْفَتْح أَيْضا بعد قعرها وتعديته بِالْهَمْزَةِ والتضعيف والخاوي من خوى الْمنزل إِذا خلا والمخترق بِفَتْح الرَّاء مَكَان الاختراق من الْخرق بِالْفَتْح وَأَصله من خرقت الْقَمِيص من بَاب ضرب إِذا قطعته وَقد اسْتعْمل فِي قطع الْمَفَازَة فَقيل خرقت الأَرْض إِذا جبتها ومخترق الرِّيَاح ممرها
(مشتبه الْأَعْلَام لماع الخفق)
الْأَعْلَام جمع علم وَهِي الْجبَال الَّتِي يَهْتَدِي بهَا يُرِيد أَن أَعْلَام هَذَا الْبَلَد يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فتشتبه عَلَيْك الْهِدَايَة والخفق بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْفَاء مصدر خَفق السراب وخفقت الرَّايَة من بَابي نصر وَضرب خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت وتحريك الْفَاء ضَرُورَة يُرِيد أَنه يلمع فِيهِ السراب ومشتبه ولماع صفتان لقاتم
(يكل وَفد الرّيح من حَيْثُ انخرق)
يكل مضارع كل من بَاب ضرب كَلَالَة تَعب وأعيا وَيَتَعَدَّى بِالْألف وَرُوِيَ بِضَم الْيَاء مضارع أكله ف الْوَفْد مَفْعُوله وضميره الْمُسْتَتر رَاجع لقاتم وَالْجُمْلَة على الْوَجْهَيْنِ صفة لقاتم إِلَّا أَن الرابط فِي الْوَجْه الأول مَحْذُوف أَي يكل فِيهِ الْوَفْد جمع وَافد من وَفد على الْقَوْم من بَاب وعد وَفْدًا ووفودا بِمَعْنى قدم ووفد الرّيح أَولهَا وَهَذَا مثل وَقَوله حَيْثُ أنخرق أَي حَيْثُ صَار خرقا والخرق الْوَاسِع يُرِيد أتسع فَإِذا اتَّسع الْموضع فترت الرّيح وَإِذا ضَاقَ اشْتَدَّ مرورها فِيهِ ...
(1/82)

(شأز بِمن عوة جَدب المنطلق)
قَالَ أَبُو زيد شئز مَكَاننَا شأزا غلظ وَاشْتَدَّ وَيُقَال قلق وأشأزه أقلقه وَمثله شأس تَصرفا وَمعنى وَهُوَ هُنَا وصف كصعب بِمَعْنى الغليظ والشديد وعوه بِالْعينِ الْمُهْملَة مصدره التعويه بِمَعْنى التَّعْرِيس وَهُوَ النُّزُول فِي آخر اللَّيْل وكل من احْتبسَ فِي مَكَان فقد عوه والجدب بِالْفَتْح نقيض الخصب وَهُوَ هُنَا وصف كَالْأولِ فَإِنَّهُ يُقَال مَكَان جَدب وَأَرْض جدبة وَيُقَال أَيْضا مَكَان
جديب وَأَرْض جدوب أَي بَين الجدوبة فيهمَا وشأز وجدب وصفان لقاتم والمنطلق بِفَتْح اللَّام مَحل الانطلاق يَعْنِي أَن هَذَا الْبَلَد شَدِيد على من تلبث فِيهِ غير خصيب على الْمَار والسالك
(ناء من التصبيح نأي المغتبق)
يَقُول هُوَ بعيد من أَن يصبحه الرَّاكِب فيصطبح فِيهِ أَو يَأْتِيهِ لَيْلًا فيغتبق وَهُوَ وصف لقاتم أَيْضا
(تبدو لنا أَعْلَامه بعد الْغَرق)
يَعْنِي تظهر جبال بعد أَن تغرق فِي الْآل وَضمير أَعْلَامه لقاتم وَمثله (الطَّوِيل)
(ترى قورها يغرقن فِي الْآل مرّة ... وآونة يخْرجن من غامر ضحل)
(فِي قطع الْآل وهبوات الدقق)
مُتَعَلق بِالْغَرَقِ قبله قَالَ الْأَصْمَعِي قطع الْآل غُدْرَان من الْآل جمع قِطْعَة والآل قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب الْفرق بَين الْآل والسراب أَن الْآل يكون أول النَّهَار وَآخره وَسمي آلا لِأَن الشَّخْص هُوَ الْآل فَلَمَّا رفع الشَّخْص قيل هَذَا آل قد بدا وَتبين أما السراب
(1/83)

فَهُوَ الَّذِي ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء ورد عَلَيْهِ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه فَقَالَ إِنْكَار أَن يكون الْآل هُوَ السراب من أعجب شَيْء يسمع بِهِ وَذكر أبياتا تدل على أَن الْآل هُوَ السراب والهبوة الغبرة والدقق بِضَم الدَّال وَفتح الْقَاف الأولى جمع دقة وَهُوَ التُّرَاب الَّذِي كسحته الرّيح من الأَرْض
(خَارِجَة أعناقها من معتنق)
خَارجه حَال سَبَبِيَّة من الْأَعْلَام وأعناقها فَاعل خَارجه وَالضَّمِير للأعلام والمعتنق مخرج أَعْنَاق الْجبَال من السراب
(تنشطته كل مغلاة الوهق)
هَذَا جَوَاب رب وَقد غفل عَنهُ الْعَيْنِيّ مَعَ أَنه شرح القصيدة جَمِيعهَا فَقَالَ وَجَوَاب وقاتم الأعماق مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وَرب قاتم الأعماق إِلَخ قد قطعته أَو جبته أَو نَحْو ذَلِك انْتهى وتنشطته تجاوزته بنشاط قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ أَن تمد يَدهَا ثمَّ تسرع ردهَا وَالضَّمِير للقاتم وكل فَاعل والمغلاة من النوق الَّتِي تبعد الخطو وتغلو فِيهِ أَي تفرط والوهق المباراة فِي السّير وَقَالَ اللَّيْث المواهقة الْمُوَاظبَة فِي السّير وَمد الْأَعْنَاق وتواهقت الركاب تسايرت
(مضبورة قرواء هرجاب فنق)
المضبورة الْمَجْمُوعَة الْخلق المكتنزة والقرواء الطَّوِيلَة القرا بِالْفَتْح وَالْقصر وَهُوَ الظّهْر وَفِي الصِّحَاح وناقة قرواء طَوِيلَة السنام وَيُقَال الشَّدِيدَة الظّهْر بَينه القرا والهرجاب بِالْكَسْرِ وَالْجِيم الطَّوِيلَة الضخمة
(1/84)

من النوق والفنق بِضَم الْفَاء وَالنُّون النَّاقة الْفتية النَّاقة الْفتية وَلَا يُقَال لشَيْء من الذُّكُور فنق وَقيل المنعمة فِي عيشها وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَهِي الْفتية الضخمة وَهَذِه الْكَلِمَات الْأَرْبَع صِفَات للمغلاة
(مائرة العضدين مصلات الْعُنُق)
مار الشَّيْء يمور مورا تحرّك وَجَاء وَذهب أَي يمور ضبعاها لسعة إبطيها وَلَيْسَت بكنزة فرجعهما سريع والعضدان بِسُكُون الضَّاد مخفف من ضمهَا ويروي الضبعين بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وَهُوَ كالعضدين وزنا وَمعنى والمصلات بِالْكَسْرِ وَمثله الصلته بِالْفَتْح وَهِي الَّتِي انحسر الشّعْر عَن عُنُقهَا والهجينة تكون شعراء الْعُنُق وَقيل هِيَ الَّتِي تنصلت فِي السّير أَي تتقدم
(مسودة الأعطاف من وسم الْعرق)
مسودة مجرور كالمائرة والمصلات صِفَات للمغلاة يَقُول قد جهدت حَتَّى عرقت وتراكب عَلَيْهَا الْعرق واسود حَتَّى صَار وسما يُقَال وسمه وسما
وسمه إِذا أثر فِيهِ بسمة وكي وروى من وشم بِالْمُعْجَمَةِ يُقَال وشم يَده وشما إِذا غرزها بإبرة ثمَّ ذَر عَلَيْهَا النئور وَهُوَ النّيل وَالِاسْم الوشم أَيْضا
(إِذا الدَّلِيل استاف أَخْلَاق الطّرق)
إِذا هُنَا ظرف وَلَيْسَت شَرْطِيَّة وَالْعَامِل فِيهَا مَا فِي كَأَن من معنى التَّشْبِيه واستاف شم يُقَال ساف يسوف سوفا إِذا شم وَذَلِكَ بِاللَّيْلِ
(1/85)

يشم الدَّلِيل التُّرَاب وأخلاق الطّرق الدارس مِنْهَا الَّتِي قد أخلقت وَاحِدهَا خلق بِفتْحَتَيْنِ شبهها بِالثَّوْبِ الْخلق لِأَن الِاسْتِدْلَال بشم التُّرَاب إِنَّمَا يكون فِي الطّرق الْقَدِيمَة الَّتِي كثر الْمَشْي فِيهَا فيوجد رَائِحَة الأرواث والأبوال
(كَأَنَّهَا حقباء بلقاء الزلق)
ضمير كَأَنَّهَا للناقة المغلاة والحقباء مؤنث الأحقب وَهُوَ حمَار الْوَحْش سمي بذلك لبياض فِي حقْوَيْهِ شبه النَّاقة بالأتان الوحشية وَهِي فِي الجلادة والسرعة مثلهَا والبلقاء مؤنث الأبلق والزلق عجز الدَّابَّة أَي الْمَكَان الَّذِي تزلق الْيَد عَن كفلها أَبيض وأسود
(أَو جادر الليتين مطوي الحنق)
فِي الْعباب وجدر ليته إِذا بَقِي فِيهَا جدر بِالتَّحْرِيكِ أَي أثر الكدم والعض وجادر بِمَعْنى ذُو جدر والليت بِالْكَسْرِ صفحة الْعُنُق وهما ليتان يَقُول عضته الفحول فَصَارَ فِي عنقة أثر ومطوي الحنق قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شَرحه يَقُول طوي بالحنق أَي بالضمر يُقَال أحنق إِذا ضمر وإبل محانيق أَي ضوامر وَفِي الصِّحَاح حمَار محنق ضمر من كَثْرَة الضراب شبه النَّاقة الَّتِي سلكت بِهِ هَذَا الْبَلَد الهائل مَمَره فِي الْوَقْت الَّذِي يحار الدَّلِيل فِي الطّرق الْقَدِيمَة الَّتِي لَا علم بهَا وَذَلِكَ آيَة الْهَلَاك بالأتان الوحشية أَو الْحمار الوحشي الموصوفين بِهَذِهِ الْأَوْصَاف وَإِنَّمَا خصهما بالتشبيه لِكَوْنِهِمَا أجلد الوحوش وأسرع وجادر مَعْطُوف على حقباء
(محملح أدرج الطلق)
هَذَا وصف للحمار الوحشي والمحملج اسْم مفعول من حملج الْحَبل فتله فَتلا شَدِيدا وأوله مُهْملَة وَآخره مُعْجمَة وأدرج بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَيْضا
(1/86)

بِمَعْنى فتل وطوي وإدراج بِكَسْر الْهمزَة مصدر تشبيهي أَي كإدراج الطلق والطلق بِفتْحَتَيْنِ قيد من جُلُود وصف هَذَا الْحمار بالضمر واكتناز الْخلق وَذَلِكَ أَشد لعَدوه
(لوح مِنْهُ بعد بدن وسنق)
يُقَال لاحه السّفر ولوحه غَيره وأضمره وَضمير مِنْهُ لجادر الليتين وفاعل لوح قَود ثَمَان فِي الْبَيْت الثَّالِث بعد هَذَا وَمن للتَّبْعِيض وبدن بِضَم فَسُكُون وبضمتين السّمن والاكتناز تَقول مِنْهُ بدن الرجل بِالْفَتْح يبدن بدنا بِالضَّمِّ فيهمَا إِذا ضخم وَكَذَلِكَ بدن بدانة فَهُوَ بادن وَامْرَأَة بادن أَيْضا فِي الصِّحَاح والسنق بِفتْحَتَيْنِ البشم يُقَال شرب الفصيل حَتَّى سنق بِالْكَسْرِ يسنق بِالْفَتْح وَهُوَ كالتخمة قَالَ الْأَصْمَعِي والسنق كَرَاهَة الطَّعَام من كثرته على الْإِنْسَان حَتَّى لَا يشتهيه قيل لأعرابية أترين أحدا لَا يَشْتَهِي الخبيص قَالَت وَمن لَا يشتهيه إِلَّا من سنق مِنْهُ
(من طول تعداء الرّبيع فِي الأنق)
هَذَا عِلّة للسنق والأنق بِفتْحَتَيْنِ الْإِعْجَاب بالشَّيْء تَقول أنقت بِهِ من بَاب فَرح فَأَنا بِهِ أنق أَي معجب وَقَالَ الْأَصْمَعِي الأنق المنظر المعجب وَمِنْه أنيق يَعْنِي أَنه سنق من طول مَا عدا فِي الرّبيع فِي مَكَان أنيق
(تلويحك الضامر يطوى للسبق)
تلويحك مصدر تشبيهي مَنْصُوب بلوح الْمَذْكُور قبل وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْفَاعِل والضامر مفعول بِهِ يَقُول كَمَا تلوح أَنْت الْفرس الضامر تُرِيدُ أَن تسابق عَلَيْهِ ويطوى يجوع ويضمر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والسبق بِفتْحَتَيْنِ والسبقة بِالضَّمِّ مثله الْخطر وَالرَّهْن الَّذِي يوضع بَين أهل السباق وَالْجمع أسباق ...
(1/87)

(قَود ثَمَان مثل أمراس الأبق)
قَود فَاعل لوح الْمُتَقَدّم وَهُوَ جمع قوداء بِمَعْنى الطَّوِيلَة الْعُنُق وَالظّهْر والأمراس جمع مرس وَهُوَ جمع مرسة بِمَعْنى الْحَبل والأبق بِفَتْح الْهمزَة وَالْمُوَحَّدَة القنب وَقيل قشر القنب وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ الْكَتَّان يفتل يَقُول هَذِه الأتن كَأَنَّهَا حبال من شدَّة طيها وَهَذِه الْأَوْصَاف مِمَّا تزيد فِي نشاط الْحمار وجريه فَإِذا كَانَت النَّاقة تشبهه فَلَا شَيْء أسْرع مِنْهَا
(فِيهَا خطوط من سَواد وبلق)
(كَأَنَّهُ فِي الْجلد توليع البهق)
البلق بِفتْحَتَيْنِ والبلقة بِالضَّمِّ مثله وَهُوَ سَواد وَبَيَاض والتوليع استطالة البلق قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا كَانَ فِي الدَّابَّة ضروب من الألوان من غير بلق فَذَلِك التوليع يُقَال برذون مولع والملمع الَّذِي يكون فِي جسده بقع تخَالف سَائِر لَونه فَإِذا كَانَ فِيهِ استطالة فَهُوَ مولع والبهق كَمَا فِي الْمِصْبَاح بَيَاض مُخَالف للون الْجَسَد وَلَيْسَ ببرص وَقَالَ ابْن فَارس سَواد يعتري الْجلد أَو لون يُخَالف لَونه وَفعله من بَاب تَعب وَهُوَ أبهق وَهِي بهقاء وَجُمْلَة فِيهَا خطوط إِمَّا صفة ثَالِثَة لقود وَإِمَّا حَال مِنْهَا والرابط الضَّمِير وَبِه علم سُقُوط مَا نَقله شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضر الْموصِلِي من أَن الضَّمِير رَاجع إِمَّا إِلَى بقرة يصفها كَمَا فِي بعض الْحَوَاشِي أَو إِلَى أَفْرَاس كَمَا قَالَ جمَاعَة أَو إِلَى أتان كَمَا قَالَه ابْن دُرَيْد مَعَ أَنه لم يتَقَدَّم ذكر شَيْء من بقر وأفراس وَالْعجب مِنْهُ أَنه سطر الأرجوزة برمتها وَلم يتَأَمَّل مرجع الضَّمِير وَقَوله من سَواد وبلق بَيَان لِلْخُطُوطِ يُرِيد أَن بعض الخطوط من سَواد بحت وَبَعضهَا من سَواد يخالطه بَيَاض فالتقابل بَين سوادين وَجُمْلَة كَأَنَّهُ فِي الْجلد إِلَخ صفة لِلْخُطُوطِ
(1/88)

أَو للسواد والبلق والرابط الضَّمِير بتأويله باسم الْإِشَارَة وَاسم الْإِشَارَة مؤول بالمذكور وَنَحْوه وَإِنَّمَا لم يؤول بالمذكور ابْتِدَاء لِأَن التَّأْوِيل قد كثر فِي اسْم الْإِشَارَة كَمَا نقلوا عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ لرؤبة إِن كنت أردْت الخطوط فَقل كَأَنَّهَا وَإِن أردْت السوَاد والبلق فَقل كَأَنَّهُمَا فَقَالَ رؤبة أردْت كَأَن ذَلِك وَيلك وَتَأْويل اسْم الْإِشَارَة بالمذكور إِذا خَالف الْمشَار إِلَيْهِ جعله عُلَمَاء التَّفْسِير والعربية قانونا يرجع إِلَيْهِ عِنْد الِاحْتِيَاج وَخَرجُوا عَلَيْهِ آيَات مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {ذَلِك بِمَا عصوا} بإفراد اسْم الْإِشَارَة مَعَ أَن الْمشَار إِلَيْهِ شَيْئَانِ الْكفْر
وَالْقَتْل وَأورد هَذَا الْبَيْت نظيرا لَهُ وَزعم ابْن جني فِي الْمُحْتَسب أَنه لَو قَالَ قَائِل إِن الْهَاء فِي كَأَنَّهُ عَائِدَة على البلق وَحده لَكَانَ مصيبا لِأَن فِي البلق مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من تشبيهه بالبهق فَلَا ضَرُورَة إِلَى إِدْخَال السوَاد مَعَه انْتهى وَفِيه أَن الْمُحدث عَنهُ هُوَ الخطوط وَهِي المشبهة بالبهق فإمَّا أَن يرجع الضَّمِير إِلَى الْمُبين الَّذِي هُوَ الْمُحدث عَنهُ أَو إِلَى الْبَيَان بِتَمَامِهِ وَأما إرجاعه إِلَى بعض الْبَيَان فَيلْزم تَشْبِيه بعضه دون بعض وَهَذَا لَيْسَ بمقصود بل المُرَاد تَشْبِيه الخطوط الَّتِي بَعْضهَا من سَواد بحت وَبَعضهَا من سَواد فِيهِ بَيَاض أَيْضا فَتَأمل وروى الْأَصْمَعِي كَأَنَّهَا أَيْضا بضمير الْمُؤَنَّث وَعَلَيْهَا فَلَا إِشْكَال وَفِي هَذِه الأرجوزة بَيت وَهُوَ
(لواحق الأقراب فِيهَا كالمقق)
أوردهُ الشَّارِح فِي حرف الْكَاف من حُرُوف الْجَرّ على أَن الْكَاف فِيهِ زَائِدَة ونشرحه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ورؤبة هُوَ أَبُو الجحاف بن العجاج عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صَخْر من بني مَالك بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم هُوَ وَأَبوهُ شاعران كل مِنْهُمَا لَهُ
(1/89)

ديوَان رجز وهما مجيدان فِيهِ عارفان باللغة وحشيها وغريبها وَهُوَ أَكثر شعرًا من أَبِيه وأفصح مِنْهُ رُوِيَ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ أَنا أشعر مِنْك لِأَنِّي شَاعِر وَابْن شَاعِر وَأَنت شَاعِر فَقَط وَقيل ليونس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس قَالَ العجاج ورؤبة فَقيل لَهُ لم نعن الرجاز قَالَ هما أشعر أهل القصيد وَإِنَّمَا الشّعْر كَلَام فأجوده أشعره قَالَ ابْن عون مَا شبهت لهجة الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَّا بلهجة رؤبة
وَحكي عَن يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ أَنه قَالَ كنت عِنْد أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فَجَاءَهُ شبيل بن عزْرَة الضبعِي فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرو وَألقى إِلَيْهِ لبدة بغلته فَجَلَسَ إِلَيْهَا ثمَّ أقبل عَلَيْهِ يحدثه فَقَالَ شبيل يَا أَبَا عَمْرو سَأَلت رؤبتكم عَن اشتقاق اسْمه فَمَا عرفه قَالَ يُونُس فَلم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقلت لَعَلَّك تظن أَن معد بن عدنان أفْصح مِنْهُ وَمن أَبِيه أفتعرف أَنْت مَا الرؤبة وكررها خمْسا فَلم يحر جَوَابا وَقَامَ مغضبا فَقَالَ لي أَبُو عَمْرو هَذَا رجل شرِيف يزور مَجْلِسنَا وَيَقْضِي حقوقنا وَقد أَسَأْت بِمَا فعلت مِمَّا واجهته بِهِ فَقلت لم أملك نَفسِي عِنْد ذكر رؤبة فَقَالَ أوقد سلكت على تَقْوِيم النَّاس وَحكى الْمَدَائِنِي قَالَ قدم الْبَصْرَة راجز من رجاز الْعَرَب فَجَلَسَ إِلَى حَلقَة فِيهَا الشُّعَرَاء وَجعل يَقُول أَنا أرجز الْعَرَب أَنا الَّذِي أَقُول
(1/90)

(الرجز)
(مَرْوَان يُعْطي وَسَعِيد يمْنَع ... مَرْوَان نبع وَسَعِيد خروع)
وَالله أَنا أرجز من العجاج فليت الْبَصْرَة جمعت بيني وَبَينه ورؤبة والعجاج حَاضرا الْمجْلس فَقَالَ رؤبة لِأَبِيهِ قد أنصفك الرجل فَقُمْ إِلَيْهِ فَأقبل عَلَيْهِ وَقَالَ هأنا العجاج وزحف إِلَيْهِ قَالَ أَي العجاجين أَنْت قَالَ مَا خلتك تَعْنِي غَيْرِي أَنا عبد الله الطَّوِيل وَكَانَ يعرف بذلك فَقَالَ مَا عنيتك وَمَا قصدتك قَالَ كَيفَ وَقد هَتَفت باسمي وتمنيت أَن تَلقانِي قَالَ أَو مَا فِي الدُّنْيَا عجاج سواك قَالَ فَهَذَا ابْني رؤبة قَالَ اللَّهُمَّ غفرا إِنَّمَا مرادي غيركما فَضَحِك النَّاس وكفا عَنهُ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابه الشّعْر وَالشعرَاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة دخلت على رؤبة وَهُوَ يجيل جرذانا فِي النَّار فَقلت أتأكلها قَالَ نعم إِنَّهَا خير من دجاجكم
الَّتِي تَأْكُل الْعذرَة إِنَّهَا تَأْكُل الْبر وَالتَّمْر وَكَانَ رؤبة مُقيما بِالْبَصْرَةِ وَلحق الدولة العباسية كَبِيرا ومدح الْمَنْصُور وَأَبا مُسلم وَلما ظهر بهَا إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَخرج على الْمَنْصُور خَافَ على نَفسه من الْفِتْنَة فَخرج إِلَى الْبَادِيَة فَمَاتَ بهَا فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة كَذَا قيل وَهَذَا يُخَالف مَا رُوِيَ عَن يَعْقُوب قَالَ لقِيت الْخَلِيل بن أَحْمد يَوْمًا بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ لي يَا أَبَا عبد الله دفنا الشّعْر واللغة والفصاحة الْيَوْم فَقلت لَهُ وَكَيف ذَاك فَقَالَ هَذَا حِين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج
(1/91)

وَله أر لَهُ فِي ديوانه من غير الرجز إِلَّا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (الْخَفِيف)
(أَيهَا الشامت الْمُعير بالشيب ... أقلن بالشباب افتخارا)
(قد لبست الشَّبَاب غضا طريا ... فَوجدت الشَّبَاب ثوبا معارا)
وبيتين آخَرين وهما (الوافر)
(إِذا مَا الْمَوْت أقبل قبل قوم ... أكب الْحَظ وانتقص العديد)
(أرانا لَا يفِيق الْمَوْت عَنَّا ... كَأَن الْمَوْت إيانا يكيد)
وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه رؤبة ثَلَاثَة أحدهم هَذَا وَالثَّانِي رؤبة بن العجاج بن شدقم الْبَاهِلِيّ وَهُوَ وَأَبوهُ شاعران وكنية هَذَا أَبُو بيهس وَمن شعره (الرجز)
(قَالَت لنا وَقَوْلها أحزان ... ذرْوَة وَالْقَوْل لَهُ بَيَان)
(يَا أبتا أرقني القذان ... فالنوم لَا تطعمه العينان)
(من وخز برغوث لَهُ أَسْنَان ... وللبعوض فَوْقه دندان الدندنة الْكَلَام الَّذِي لَا يفهم والقذان جمع قذذ وَهُوَ البرغوث وَالثَّالِث رؤبة بن عَمْرو بن ظهير الثَّعْلَبِيّ أحد بني ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض
(تَتِمَّة)
رؤبة اسْم مَنْقُول إِمَّا من رؤبة بِالْهَمْز وَهِي قِطْعَة ترأب بهَا الشَّيْء أَي تشده بهَا قَالَ صَاحب أدب الْكَاتِب فِي بَاب مَا يُغير من أَسمَاء النَّاس
(1/92)

إِن رؤبة بن العجاج بِالْهَمْز لَا غير وَهَذَا الْحصْر بَاطِل لِأَن المهموز فِي مثله يجوز تَخْفيف همزَة بِلَا خلاف وَقد نقض قَوْله هَذَا بِمَا ذكره فِي أَوَائِل الْكتاب فِي بَاب المسمين بِالصِّفَاتِ وَغَيرهَا فَيجوز أَن يكون مهموزا وَغير مَهْمُوز فَإِنَّهُ قَالَ روبة اللَّبن خميرة تلقي فِيهِ من الحامض ليروب وروبة اللَّيْل سَاعَة مِنْهُ وَيُقَال فلَان لَا يقوم بروبة أَهله أَي بِمَا أسندوا إِلَيْهِ من حوائجهم غير مَهْمُوز ورؤبة بِالْهَمْز قِطْعَة ترأب بهَا الشَّيْء وَإِنَّمَا سمي رؤبة بِوَاحِدَة من هَذِه فَذكر لغير المهموز ثَلَاثَة معَان وَبَقِي لَهُ معَان آخر رَابِعهَا روبة الْفرس وَهِي طرقه فِي جمامة خَامِسهَا يُقَال أَرض روبة أَي كَرِيمَة سادسها شجر الزعرور سابعها روبة الرجل عقله ثامنها الفترة والكسل من كَثْرَة شرب اللَّبن تاسعها اللَّبن الَّذِي فِيهِ زبدة وَالَّذِي نزع زبده فَهُوَ من الأضداد وَله معَان آخر قَالَ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قيل سمي روبة لِأَنَّهُ ولد نصف اللَّيْل وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس (الْبَسِيط)
(ياما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر)
أوردهُ على أَن التصغير فِي فعل التَّعَجُّب رَاجع إِلَى الْمَفْعُول المتعجب مِنْهُ أَي هن مليحات والتصغير للشفقة وأنشده فِي بَاب التَّعَجُّب أَيْضا على
(1/93)

أَن الْكُوفِيّين غير الْكسَائي زَعَمُوا اسميته وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهَا بتصغيره فِي نَحْو الْبَيْت وَهَذَا جَوَاب س قَالَ الشاطبي وَعلل ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهُم أَرَادوا تَصْغِير الْمَوْصُوف بالملاحة كَأَنَّك قلت مليح لكِنهمْ عدلوا عَن ذَلِك وهم يعنون الأول وَمن عَادَتهم أَن يلفظوا بالشَّيْء وهم يُرِيدُونَ شَيْئا آخر وَقد ذكر ابْن الْأَنْبَارِي فِي كِتَابه الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف جَمِيع أَدِلَّة الْكُوفِيّين مَعَ أجوبة الْبَصرِيين عَنْهَا فَقَالَ وَمن جملَة أدلتهم أَنهم استدلوا على أسميته بِالتَّصْغِيرِ وَأجَاب عَنهُ بِثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن التصغير فِي هَذَا الْفِعْل لَيْسَ على حد التصغير فِي الْأَسْمَاء فَإِنَّهُ على اخْتِلَاف ضروبه من التحقير والتقليل والتقريب والتحزن والتعطف كَقَوْلِه
أصيحابي أصيحابي والتعظيم كَقَوْلِه (الطَّوِيل)
(دويهية تصفر مِنْهَا الأنامل)
والتمدح كَقَوْلِه (أَنا جذيلها المحكك) فَإِنَّهُ يتَنَاوَل الِاسْم لفظا وَمعنى والتصغير اللَّاحِق فعل التَّعَجُّب إِنَّمَا يتَنَاوَلهُ لفظا لَا معنى من حَيْثُ كَانَ مُتَوَجها إِلَى الْمصدر وَإِنَّمَا رفضوا ذكر الْمصدر هَاهُنَا لِأَن الْفِعْل إِذا أزيل عَن التَّصَرُّف لَا يُؤَكد بِذكر الْمصدر لِأَنَّهُ خرج عَن مَذْهَب الْأَفْعَال فَلَمَّا رفضوا الْمصدر وأثروا تصغيره صغروا الْفِعْل لفظا ووجهوا التصغير إِلَى الْمصدر وَجَاز تَصْغِير الْمصدر بتصغير فعله لِأَن الْفِعْل يقوم فِي الذّكر مقَام مصدره لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ وَلِهَذَا يعود الضَّمِير إِلَى الْمصدر بِذكر فعله وَإِن لم يجر
(1/94)

لَهُ ذكر فَكَمَا يجوز عود الضَّمِير إِلَى الْمصدر وَإِن لم يجر لَهُ ذكر اسْتغْنَاء بِذكر فعله فَكَذَلِك يجوز أَن يتَوَجَّه التصغير اللَّاحِق لفظ الْفِعْل إِلَى مصدره وَإِن لم يجر لَهُ ذكر وَنَظِيره إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْفِعْل نَحْو هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الْمَقْصُود بِالْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل مصدره من حَيْثُ كَانَ ذكر الْفِعْل يقوم مقَام ذكر مصدره فَكَمَا أَن هَذِه الْإِضَافَة لفظية لَا اعْتِدَاد بهَا فَكَذَلِك التصغير لَفْظِي لَا اعْتِدَاد بِهِ الْوَجْه الثَّانِي إِنَّمَا دخله التصغير حملا على بَاب أفعل التَّفْضِيل لاشتراك اللَّفْظَيْنِ فِي التَّفْضِيل وَالْمُبَالغَة إِلَّا ترى أَنَّك تَقول مَا أحسن زيدا لمن بلغ الْغَايَة فِي الْحسن كَمَا تَقول زيد أحسن الْقَوْم فتجمع بَينه وَبينهمْ فِي أصل الْحسن وتفضله عَلَيْهِم وَالثَّالِث إِنَّمَا دخله التصغير لِأَنَّهُ ألزم طَريقَة وَاحِدَة فَأشبه بذلك الْأَسْمَاء فدخله بعض أَحْكَامهَا وَحمل الشَّيْء على الشَّيْء فِي بعض أَحْكَامه لَا يُخرجهُ عَن أَصله أَلا ترى أَن اسْم الْفَاعِل مَحْمُول على الْفِعْل فِي الْعَمَل وَلم يخرج بذلك عَن كَونه اسْما وَكَذَلِكَ الْمُضَارع مَحْمُول على الِاسْم فِي الْإِعْرَاب وَلم يخرج بذلك عَن كَونه فعلا ا. هـ.
ويَا حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف أَي يَا صَاحِبي وَنَحْوه والملاحة الْبَهْجَة وَحسن المنظر وَفعله ملح الشَّيْء بِالضَّمِّ ملاحة وملح الرجل وَغَيره ملحا من بَاب تَعب اشتدت زرقته وَهُوَ الَّذِي يضْرب إِلَى الْبيَاض فَهُوَ أَمْلَح وَهِي ملحاء وَالِاسْم الملحة كغرفة والغزلان جمع غزال وَهُوَ ولد الظبية قَالَ أَبُو حَاتِم الظبي أول مَا يُولد هُوَ طلا ثمَّ هُوَ غزال وَالْأُنْثَى غزالة فَإِذا قوي وتحرك فَهُوَ شادن فَإِذا بلغ شهرا فَهُوَ شصر بِمُعْجَمَة ومهملة مفتوحتين فَإِذا بلغ سِتَّة أشهر أَو سَبْعَة فَهُوَ جداية بِفَتْح الْجِيم للذّكر وَالْأُنْثَى وَهُوَ خشف أَيْضا والرشأ الفتي من الظباء فَإِذا أثنى فَهُوَ ظَبْي
(1/95)

وَلَا يزَال ثنيا حَتَّى يَمُوت وَالْأُنْثَى ثنية وظبية والثني الَّذِي يلقِي ثنيته أَي سنة من ذَوَات الظلْف والحافر فِي السّنة الثَّالِثَة يُقَال أثنى فَهُوَ ثني فعيل بِمَعْنى فَاعل وشدن ماضي شدن الغزال بِالْفَتْح يشدن بِالضَّمِّ شدونا قوي وطلع قرناه وَاسْتغْنى عَن أمه وَرُبمَا قَالُوا شدن الْمهْر وأشدنت الظبية فَهِيَ مشدن إِذا شدن وَلَدهَا النُّون الثَّانِيَة ضمير الغزلان وَجُمْلَة شدن صفة غزلان وَلنَا وَمن متعلقان بشدن وَقَوله (من هؤليائكن) هُوَ مصغر هَؤُلَاءِ شذوذا وَأَصله أَولا بِالْمدِّ وَالْقصر وَهَا للتّنْبِيه وَهُوَ اسْم إِشَارَة يشار بِهِ إِلَى جمع سَوَاء كَانَ مذكرا أَو مؤنثا عَاقِلا أم غير عَاقل وَالْكَاف حرف خطاب وَالنُّون حرف أَيْضا لجمع الْإِنَاث وَقد اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة على دُخُول هَا التَّنْبِيه وعَلى تصغيره شذوذا وَقد رَوَاهُ الْجَوْهَرِي
(من هؤلياء بَين الضال والسمر)
وَقَالَ وَلم يصغروا من الْفِعْل غير هَذَا وَغير قَوْلهم مَا احيسنه والضال صفة اسْم الْإِشَارَة أَو عطف بَيَان والضال السدر الْبري جمع ضَالَّة وَلِهَذَا صَحَّ إتباعه لاسم الْإِشَارَة إِلَى الْجمع وألفه منقلبة من الْيَاء والسدر شجر النبق الْوَاحِدَة سِدْرَة وَمَا نبت مِنْهُ على شطوط الْأَنْهَار فَهُوَ العبري نِسْبَة إِلَى العبر بِالضَّمِّ وَهُوَ شط النَّهر وجانبه والسمر بِفَتْح السِّين وَضم الْمِيم جمع سَمُرَة وَهُوَ شجر الطلح والطلح نوع من العضاه وَهُوَ شجر عِظَام والعضاه بِكَسْر
الْعين جمع عضاهة وَهُوَ كل شجر عَظِيم وَله شوك
(1/96)

وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات ذكرهَا هِشَام فِي شرح شواهده وَهِي (الْبَسِيط)
(حوراء لَو نظرت يَوْمًا إِلَى حجر ... لأثرت سقما فِي ذَلِك الْحجر)
(يزْدَاد توريد خديها إِذا لحظت ... كَمَا يزِيد نَبَات الأَرْض بالمطر)
(فالورد وجنتها وَالْخمر ريقتها ... وضوء بهجتها أضوا من الْقَمَر)
(يامنء رأى الْخمر فِي غير الكروم وَمن ... هَذَا رأى نبت ورد فِي سوى الشّجر)
(كَادَت ترف عَلَيْهَا الطير من طرب ... لما تغنت بتغريد على وتر)
(بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا ... ليلاي مِنْكُن أم ليلى من الْبشر)
(ياما أميلح غزلانا شدن لنا الْبَيْت)
وروى العباسي فِي معاهد التَّنْصِيص عَن بَعضهم أَنه من أَبْيَات لبَعض الْأَعْرَاب وَذكرهَا فِي الدمية للباخرزي أَنه أول أَبْيَات ثَلَاثَة لبدوي اسْمه كَامِل الثَّقَفِيّ ثَانِيهَا بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا الْبَيْت وَثَالِثهَا
(إنسانة الْحَيّ أم أدمانة السمر ... بِالنَّهْي رقصها لحن من الْوتر)
وَقَالَ الْعَيْنِيّ إِنَّه من قصيدة للعرجي وَمِنْهَا بِاللَّه يَا ظبيات القاع الْبَيْت وَهَذَا الْبَيْت قد رُوِيَ للمجنون وَلِذِي الرمة وللحسين بن عبد الله وَالله أعلم
(1/97)

ثمَّ رَأَيْت الصَّاغَانِي قَالَ فِي الْعباب يَقُولُونَ مَا أميلح زيدا وَلم يصغروا من الْفِعْل غَيره وَغير قَوْلهم مَا أحيسنه قَالَ الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن العريني
(بِاللَّه يَا ظبيات القاع قُلْنَ لنا الْبَيْت)
(بَانَتْ لنا بعيون من براقعها ... مَمْلُوءَة مقل الغزلان وَالْبَقر)
ياما أميلح غزلان ضدن لنا ا. هـ.
والأدمانة قَالَ الْجَوْهَرِي والأدم من الظباء بيض تعلوهن جدد فِيهِنَّ غبرة تسكن الْجبَال يُقَال ظَبْيَة أدماء وَقد جَاءَ فِي شعر ذِي الرمة أدمانة قَالَ (الْبَسِيط)
(أَقُول للركب لما عارضت أصلا ... أدمانة لم تربيها الأجاليد وَأنْكرهُ الْأَصْمَعِي وَالنَّهْي بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْهَاء الغدير فِي لُغَة نجد)
وَغَيرهم يَقُول بِالْفَتْح كَذَا فِي الصِّحَاح وَقَالَ السخاوي فِي شرح الْمفصل والنحاة ينشدون ياما أميلح غزلانا الْبَيْت ظنا مِنْهُم أَنه شعر قديم وَإِنَّمَا هُوَ لعَلي بن مُحَمَّد العريني وَهُوَ مُتَأَخّر وَكَانَ يروم التَّشَبُّه بطريقة الْعَرَب فِي الشّعْر وَله مدح فِي عَليّ بن عِيسَى وَزِير المقتدر وَقتل المقتدر فِي شَوَّال سنة عشْرين وثلاثمائة وَنسبه قوم من النُّحَاة إِلَى مَجْنُون بني عَامر وأنشدوا مَعَه بِاللَّه يَا ظبيات القاع الْبَيْت وَالصَّحِيح مَا قَدمته ا. هـ.
والعرجي اسْمه عبد الله وَهُوَ أموي وَإِنَّمَا لقب العرجي لِأَنَّهُ كَانَ يسكن العرج قَالَ فِي الصِّحَاح وَالْعَرج منزل بطرِيق مَكَّة وَإِلَيْهِ
(1/98)

ينْسب العرجي الشَّاعِر وَلم يكن لَهُ نباهة فِي أَهله مَاتَ فِي حبس مُحَمَّد بن هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي وَهُوَ خَال هِشَام بن عبد الْملك وَكَانَ واليا بِمَكَّة بعد ضرب كثير وتشهير فِي الْأَسْوَاق لِأَنَّهُ شَبَّبَ بِأُمِّهِ ليفضحه لَا لمحبة كَانَت بَينه وَبَينهَا
وَقَالَت فِي حَبسه قصيدته الَّتِي مِنْهَا (الوافر)
(كَأَنِّي لم أكن فيهم وَسِيطًا ... وَلم تَكُ نسبتي من آل عَمْرو)
(أضاعوني وَأي فتي أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر)
وَكَانَ من الفرسان الْمَعْدُودين مَعَ مسلمة بن عبد الْملك بِأَرْض الرّوم وترجمته مَعَ أَحْوَاله مفصلة فِي الأغاني والمعاهد
(المعرب والمبني)
وَأنْشد فِي بَاب المعرب وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ الْبَيْت السَّابِع
(تكتبان فِي الطَّرِيق لَام ألف)
على أَن مَقْصُود الشَّاعِر اللَّام والهمزة لَا صُورَة لَا فَيكون مَعْنَاهُ أَنه تَارَة يمشي مُسْتَقِيمًا فتخط رِجْلَاهُ خطا شَبِيها ب الْألف وَتارَة يمشي معوجا فتخط رِجْلَاهُ خطا شَبِيها ب اللَّام وَعَلِيهِ فَالظَّاهِر أَن يَقُول لاما والفا وَوَجهه أَنه حذف التَّنْوِين من الأول من بَاب الْوَصْل بنيه الْوَقْف وَحذف العاطف ووقف على الثَّانِي على لُغَة ربيعَة وَلَيْسَ فِي وَاحِد من هَذِه الثَّلَاثَة ضَرُورَة وَوجه هَذَا الْبَيْت ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة بِوَجْهَيْنِ آخَرين فَقَالَ إِنَّمَا أَرَادَ كَأَنَّهُمَا تخطان حُرُوف المعجم لَا يُرِيد بَعْضهَا دون بعض وَقد يُمكن أَنه أَرَادَ بقوله لَام ألف شكل لَا فَإِنَّهُ تَلقاهُ من أَفْوَاه الْعَامَّة لِأَن الْخط لَيْسَ لَهُ تعلق بالعرب وَلَا عَنْهُم يُؤْخَذ وَقَول من لَا خبْرَة لَهُ بحروف
(1/99)

المعجم كالمعلمين لَام ألف خطأ وصواب النُّطْق بِهِ لَا فَإِنَّهُ اسْم الْألف اللينة الَّتِي تكون قبل الْيَاء فِي آخر حُرُوف المعجم وَفِيمَا قَالَه نظر من وَجْهَيْن الأول قَالَ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي نِسْبَة الْعَرَبِيّ الفصيح إِلَى أَنه اعْتمد فِي النُّطْق على الْعَامَّة أَمر بعيد لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَقَوله لِأَن الْخط لَا تعلق لَهُ بالفصاحة سَاقِط لِأَن مَا صدر عَنهُ لفظ لَا خطّ.
الثَّانِي أَن قَوْله لَام ألف خطأ مَمْنُوع فَإِنَّهُ قد ورد فِي الشّعْر أنْشد أَبُو زيد فِي نوادره لراجز يصف جنديا وَقيل غرابا (الرجز)
(يخط لَام الف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل)
وَسَيَأْتِي شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد هَذَا وَأما مَا أوردهُ أَبُو بكر الشنواني فِي جَوَاب أسئلة السُّيُوطِيّ السَّبع بقوله قَالَ روى أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ سَالَتْ رَسُول الله
فَقلت يَا رَسُول الله كل نَبِي يُرْسل بِمَ يُرْسل قَالَ بِكِتَاب منزل قلت يَا رَسُول الله أَي كتاب أنزلهُ الله على آدم قَالَ كتاب المعجم ألف با تا ثا إِلَى آخرهَا قلت يَا رَسُول الله كم حرفا قَالَ تِسْعَة وَعِشْرُونَ قلت يَا رَسُول الله عددت ثَمَانِيَة وَعشْرين فَغَضب رَسُول الله
حَتَّى احْمَرَّتْ عَيناهُ ثمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَر وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا مَا أنزل الله على آدم إِلَّا تِسْعَة وَعشْرين حرفا قلت أَلَيْسَ فِيهَا ألف وَلَام فَقَالَ
لَام ألف حرف وَاحِد قَالَ أنزلهُ الله تَعَالَى على آدم فِي صحيفَة وَاحِدَة وَمَعَهُ سَبْعُونَ ألف ملك من خَالف لَام ألف فقد كفر بِمَا أنزل عَليّ من لم يعد لَام ألف فَهُوَ بَرِيء مني وَأَنا بَرِيء مِنْهُ وَمن لم يُؤمن
(1/100)

بالحروف وَهِي تِسْعَة وَعِشْرُونَ لَا يخرج من النَّار أبدا ا. هـ.
فَهُوَ مَوْضُوع قَالَ ابْن عراق سُئِلَ عَنهُ ابْن تَيْمِية فَقَالَ لَا أصل لَهُ ولوائح الْوَضع عَلَيْهِ ظَاهِرَة وَلَا سِيمَا فِي آخِره فَهُوَ كذب قطعا ا. هـ.
؟ وعَلى هَذَا فَالْفرق بَين لَا وَبَين لَام ألف أَن لَا اسْم الْألف اللينة وَلَام ألف اسْم لَا لِأَنَّهَا على صُورَة اللَّام والهمزة إِذا كتبَتَا مَعًا وَعلم مِمَّا تقدم أَن بَيت الشَّاهِد إِنَّمَا هُوَ بِإِضَافَة لَام إِلَى ألف بِكَوْن أصل لَام ألف مركبا مزجيا فأعرب بِإِضَافَة أحد الجزءين إِلَى الآخر على أحد الْوُجُوه لَا كَمَا زَعمه الشَّارِح وَتَبعهُ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي ثمَّ قَالَ ابْن جني وَإِنَّمَا لم يجز أَن تفرد الْألف اللينة من اللَّام وتقام بِنَفسِهَا كَمَا أقيم سَائِر حُرُوف المعجم سواهَا بأنفسها من قبل أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا سَاكِنة
تَابِعَة للفتحة والساكن لَا يُمكن ابتداؤه فدعمت بِاللَّامِ ليَقَع الِابْتِدَاء بهَا وَيُؤَيّد هَذَا أَن وَاضع حُرُوف المعجم إِنَّمَا رسمها منثورة غير منظومة فَلَو كَانَ غَرَضه فِي لَا إِن يرينا كَيْفيَّة تركب اللَّام مَعَ الْألف للزمه أَيْضا أَن يرينا كَيفَ تركب الْجِيم مَعَ الطَّاء وَالْقَاف مَعَ التَّاء وَغير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده وَإِنَّمَا غَرَضه التَّوَصُّل إِلَى النُّطْق بِالْألف فدعم بِاللَّامِ ليمكن الِابْتِدَاء بِهِ فَإِن قيل مَا بالهم دعموه بِاللَّامِ دون سَائِر الْحُرُوف أُجِيب بِأَنَّهُم خصوا اللَّام من قبل إِنَّهُم لما احتاجوا لسكون لَام التَّعْرِيف إِلَى حرف يَقع الِابْتِدَاء بِهِ قبلهَا أَتَوا بِالْهَمْزَةِ فَقَالُوا الْغُلَام فَكَمَا أدخلُوا الْألف قبل اللَّام كَذَلِك أدخلُوا اللَّام قبل الْألف ليَكُون ذَلِك ضربا من التقارض ا. هـ.
وَاعْترض عَلَيْهِ الدماميني بِأَن الَّذِي توصل بِهِ إِلَى النُّطْق بلام التَّعْرِيف
(1/101)

هُوَ الْهمزَة لَا الْألف وَالَّذِي توصل بِاللَّامِ إِلَى النُّطْق بِهِ هُوَ الْألف الهوائي لَا الْهمزَة فَلَا تقارض ا. هـ.
وَفِيه أَنَّهُمَا أَخَوان يُبدل كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر فتبدل الْهمزَة ألفا فِي نَحْو رَأس وتبدل الْألف همزَة فِي نَحْو دأبة وشأبة وحبلأ فِي الْوَقْف وَفِي هَذَا الْقدر من الِاشْتِرَاك يتَحَقَّق التقارض وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ على أَنه ألْقى حَرَكَة ألف على مِيم لَام وَكَذَلِكَ أوردهُ الشَّارِح فِي شرح الشافية أَيْضا فِي بَاب التقاء الساكنين على أَنه نقل حَرَكَة همزَة ألف إِلَى مِيم لَام كَمَا نقلت حَرَكَة همزَة أَرْبَعَة إِلَى الْهَاء فِي قَوْلك ثَلَاثَة أَرْبَعَة إِذا صلت ثَلَاثَة بِمَا بعْدهَا وَهَذَا الْبَيْت ثَالِث أَبْيَات ثَلَاثَة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وَهِي (الرجز)
(خرجت من عِنْد زِيَاد كالخرف ... تخط رجلاي بِخَط مُخْتَلف)
(تكتبان فِي الطَّرِيق لَام ألف)
قَالَ المرزباني فِي الموشح وَهُوَ طَبَقَات الشُّعَرَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام أَخْبرنِي الصولي قَالَ حَدثنَا الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بن سَلام لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وَكَانَ لَهُ صديق يسْقِيه الشَّرَاب فَيَنْصَرِف من عِنْده ثملا
(أخرج من عِنْد زِيَاد كالخرف الأبيات)
قَالَ الصولي وَقد عيب أَبُو النَّجْم بِهَذَا فَقيل لَوْلَا أَنه كَانَ يكْتب مَا عرف صُورَة لَام ألف وعناقها لَهَا ا. هـ.
وَقد عرفت مَا فِيهِ وَرُوِيَ أَيْضا ...
(1/102)

أَقبلت من عِنْد زِيَاد إِلَخ)
والخرف صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من بَاب تَعب فسد عقله لكبره وَخط على الأَرْض خطا أعلم عَلامَة وَخط بِيَدِهِ خطا كتب وَكتب يُقَال بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل والتثقيل هُنَا لتكثير الْفِعْل وَأَبُو النَّجْم هُوَ الْفضل بن قدامَة بن عبيد الله بن عبد الله بن الْحَارِث ابْن عَبدة بن الْحَارِث بن الياس بن العوف بن ربيعَة بن مَالك بن عجل بن لجيم بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل وَهُوَ أحد رجاز الْإِسْلَام الْمُتَقَدِّمين فِي الطَّبَقَة الأولى قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء هُوَ أبلغ من العجاج فِي النَّعْت قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء كَانَ أَبُو النَّجْم ينزل سوق الْكُوفَة وراجز العجاج فَخرج إِلَيْهِ العجاج على نَاقَة لَهُ كوماء وَعَلِيهِ ثِيَاب حسان وَخرج أَبُو النَّجْم على جمل مهنوء وَعَلِيهِ عباءة فَأَنْشد العجاج (الرجز)
(قد جبر الدَّين الْإِلَه فجبر)
وَأنْشد أَبُو النَّجْم
(تذكر الْقلب وجهلا مَا ذكر)
حَتَّى بلغ قَوْله
(إِنِّي وكل شَاعِر من الْبشر ... شَيْطَانه أنثي وشيطاني ذكر)
(فَمَا رَآنِي شَاعِر إِلَّا استتر ... فعل نُجُوم اللَّيْل عاين الْقَمَر)
فَبينا هُوَ ينشد إِذْ وثب جمله على نَاقَة العجاج فَضَحِك النَّاس وَانْصَرفُوا يَقُولُونَ
(شَيْطَانه أُنْثَى وشيطاني ذكر)
(1/103)

وَقَالَ لَهُ هِشَام بن عبد الْملك يَوْمًا يَا أَبَا النَّجْم حَدثنِي قَالَ عني أَو عَن غَيْرِي قَالَ بل عَنْك قَالَ إِنِّي لما كَبرت عرض لي الْبَوْل فَوضعت عِنْد رجْلي شَيْئا أبول فِيهِ فَقُمْت من اللَّيْل أبول فَخرج مني صَوت فتشددت ثمَّ عدت فَخرج مني صَوت آخر فأويت إِلَى فِرَاشِي فَقلت يَا أم الْخِيَار هَل سَمِعت شَيْئا قَالَت لَا وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا فَضَحِك هِشَام وَأحسن إِلَيْهِ بصلَة وَله مَعَه نَوَادِر ومضحكات مَذْكُورَة فِي الأغاني وَغَيرهَا وسنورد لَهُ إِن شَاءَ الله مِنْهَا إِذا ورد شَاهد من شعره وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن (الطَّوِيل)
(تداعين باسم الشيب فِي متثلم)
على أَن اسْم الصَّوْت إِنَّمَا أعرب فِي هَذَا للتركيب وَإِن كَانَ بِنَاؤُه أَصْلِيًّا يُرِيد أَن أَسمَاء الْأَصْوَات إِذا ركبت جَازَ إعرابها اعْتِبَارا بالتركيب الْعَارِض بِشَرْط إِرَادَة اللَّفْظ لَا الْمَعْنى كَمَا يجوز إِعْرَاب الْحُرُوف إِذا قصد ألفاظها وَالْإِعْرَاب مَعَ اللَّام أَكثر من الْبناء لكَونه عَلامَة الِاسْم الَّذِي أَصله الْإِعْرَاب لَكِنَّهَا لَا توجبه بِدَلِيل الْآن وَالَّذِي والخمسة عشر كَذَا فَصله الشَّارِح فِي بَاب الصَّوْت
وَعجز هَذَا المصراع
(جوانبه من بصرة وَسَلام)
وَهُوَ من قصيدة لذِي الرمة يمدح بهَا إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَقبل بَيت الشَّاهِد
(1/104)

(الطَّوِيل)
(وَكم عسفت من منهل متخطأ ... أفل وَأقوى فالجمام طوامي)
(إِذا مَا وردنا لم نصادف بجوفه ... سوى واردات من قطا وحمام)
(إِذا ساقيانا أفرغا فِي إزائه ... على قلص بالمقفرات حيام)
(تداعين باسم الشيب الْبَيْت)
يصف قطعه القفار على إبِله والعسف الْأَخْذ على غير هدى وَالضَّمِير الْمُسْتَتر رَاجع إِلَى الْإِبِل العيس والمنهل المورد وَهُوَ عين مَاء ترده الْإِبِل والمنهل المتخطأ الَّذِي تخطأه النَّاس فَلم ينزلوه وأفل بِالْفَاءِ فعل مَاض بِمَعْنى لم يصبهُ مطر وَهُوَ مَعَ ضميرَة صفة لمنهل وَهَذَا سَبَب كَون النَّاس لم ينزلُوا فِيهِ يُقَال أَرض فل بِالْكَسْرِ لَا نَبَات فِيهَا لعدم الْمَطَر وَأقوى بِمَعْنى خلا يُقَال أقوت الدَّار وقويت أَيْضا أَي خلت والجمام بِكَسْر الْجِيم جمع جمة بضَمهَا وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي اجْتمع فِيهِ مَاؤُهُ وطوامي مَمْلُوءَة جمع طام اسْم فَاعل من طما المَاء يطمو طموا كسمو إِذا ارْتَفع وملأ النَّهر وساقيانا تَثْنِيَة سَاق وَهُوَ من يَسْتَقِي المَاء من الْبِئْر والإزاء بِكَسْر الْهمزَة وَالزَّاي مُعْجمَة مصب المَاء فِي الْحَوْض قَالَ أَبُو زيد هُوَ صَخْرَة وَمَا جعلت وقاية على مصب المَاء حِين يفرغ المَاء وَيُقَال أزيت الْحَوْض تأزية وآزيته بِالْمدِّ إزاء وعَلى قلص مُتَعَلق بأفرغا والقلص بِضَمَّتَيْنِ جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة والحيام بِكَسْر الْمُهْملَة جمع حوم والحوم بِالْفَتْح القطيع الضخم من الْإِبِل وب المقفرات صفة لقلص من أقفرت الدَّار إِذا خلت وتداعين دَعَا بعض القلص بَعْضًا وروى تنادين من النداء وَالْجُمْلَة جَوَاب إِذا والشيب بِالْكَسْرِ حِكَايَة أصوات مشافر الْإِبِل عِنْد الشّرْب وَالصَّوْت شيب شيب جعل هَذَا الصَّوْت مِمَّا يدعوهن
(1/105)

إِلَى الشّرْب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْإِضَافَة الْكَلَام على إِضَافَة اسْم إِلَى الشيب والمتثلم المتكسر والمتهدم أَرَادَ فِي حَوْض متثلم فَحذف الْمَوْصُوف لدلَالَة مصب الْحَوْض عَلَيْهِ يُقَال ثلمته من بَاب ضرب كَسرته فانثلم وتثلم وَالْبَصْرَة بِفَتْح الْبَاء حِجَارَة رخوة فِيهَا بَيَاض وَبِه سميت الْبَصْرَة
وَالسَّلَام بِكَسْر الْمُهْملَة جمع سَلمَة بِفَتْحِهَا وَكسر اللَّام وَهِي الْحِجَارَة وَذُو الرمة هُوَ غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ ابْن عقبَة من بني صَعب بن مَالك بن عدي بن عبد مَنَاة ويكنى أَبَا الْحَارِث وَسمي ذَا الرمة بقوله
(لم يبْق فِيهَا أَبَد الأبيد ... غير ثَلَاث ماثلات سود)
(وَغير مرضوخ الْقَفَا موتود ... أَشْعَث بَاقِي رمة التَّقْلِيد)
والرمة بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم قِطْعَة من الْحَبل الْخلق وَيجوز كسرهَا وَقَالَ ثَعْلَب إِن مية لقبته بذلك وَذَلِكَ أَنه مر بخبائها قبل أَن يشبب بهَا فرآها فَأَعْجَبتهُ فَأحب الْكَلَام مَعهَا فخرق دلوه وَأَقْبل إِلَيْهَا وَقَالَ يَا فتاة أخرزي لي هَذَا الدَّلْو فَقَالَت إِنَّنِي خرقاء والخرقاء الَّتِي لَا تحسن عملا فَخَجِلَ غيلَان وَوضع دلوه على عُنُقه وَهِي مشدودة بِقِطْعَة حَبل بَال وَولى رَاجعا فَعلمت مية مَا أَرَادَ فَقَالَت يَا ذَا الرمة انْصَرف فَانْصَرف فَقَالَت لَهُ إِن كنت أَنا خرقاء فَإِن أمتِي صناع فاجلس حَتَّى تخرز دلوك ثمَّ دعت أمتها قَالَت أخرزي لَهُ هَذَا الدَّلْو وَكَانَ ذُو الرمة يُسَمِّي مية خرقاء لقولها إِنَّنِي خرقاء وَغلب عَلَيْهِ ذُو الرمة لقولها يَا ذَا الرمة ا. هـ.
(1/106)

وَهَذَا خلاف مَا نَقله ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء أَن مية بنت فلَان ابْن طلبة ابْن قيس وَهِي غير الخرقاء فَإِن الخرقاء من بني الْبكاء بن عَامر وَكَانَ سَبَب تشبيبه بهَا أَنه مر فِي بعض أسفارة بِبَعْض الْبَوَادِي وَإِذا خرقاء خَارجه من خباء لَهَا فَنظر إِلَيْهَا فَوَقَعت فِي قلبه فخرق إداوته ودنا مِنْهَا وَقَالَ إِنِّي رجل على ظهر سفر
وَقد تخرقت إدواتي فأصلحيها يستطعم بذلك كَلَامهَا فَقَالَت وَالله إِنِّي مَا أحسن الْعَمَل وَإِنِّي لخرقاء والخرقاء الَّتِي لَا تعْمل بِيَدِهَا شَيْئا لكرامتها على أَهلهَا فشبب بهَا وسماها خرقاء وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَحول سمي ذَا الرمة لِأَنَّهُ خشِي عَلَيْهِ الْعين وَهُوَ غُلَام فَأتي بِهِ إِلَى شيخ من الْحَيّ وصنع لَهُ معَاذَة وشدت فِي عضده بِحَبل وَالْمَشْهُور القَوْل الأول قَالَ حَمَّاد الراوية امْرُؤ الْقَيْس أحسن الْجَاهِلِيَّة تَشْبِيها وَذُو الرمة أحسن الْإِسْلَام تَشْبِيها وَمَا أخر الْقَوْم ذكره إِلَّا لحداثة سنه وَأَنَّهُمْ حسدوه وَكَانَ الفرزدق وَجَرِير يحسدانه على شعره ولقيه جرير فَقَالَ هَل لَك فِي المهاجاة قَالَ لَا قَالَ كَأَنَّك هبتني قَالَ لَا وَالله وَلَكِن حَرمك قد هتكهن السّفل وَمَا أرى فِي نسوتك مترقعا قَالَ أَبُو الْمطرف لم يكن أحد من الْقَوْم فِي زَمَانه أبلغ مِنْهُ وَلَا أحسن جَوَابا وَلَقَد عَارضه رجل بسوق الْإِبِل فِي الْبَصْرَة يهزأ بِهِ فَقَالَ يَا أَعْرَابِي أَتَشهد بِمَا لَا ترى قَالَ نعم أشهد بِأَن أَبَاك ناك أمك
(1/107)

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء مرّة ختم الشّعْر بِذِي الرمة وَالرجز برؤبة وَقَالَ أُخْرَى كَمَا فِي الموشح للمرزباني شعر ذِي الرمة نقط عروس تضمحل عَن قَلِيل وأبعار ظباء لَهَا مشم فِي أول شمها ثمَّ تعود إِلَى أَرْوَاح البعر وَإِنَّمَا وضع مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحسن الهجاء والمدح قَالَ الْمبرد معنى قَوْله نقط عروس أَنَّهَا تبقى أول يَوْم ثمَّ تذْهب وبعر الظباء إِذا شممته من سَاعَته وجدت فِيهِ كرائحة الْمسك فَإِذا غب ذهب ذَلِك مِنْهُ وَقد أسْند هَذَا التَّعْبِير فِي حَقه إِلَى جمَاعَة مِنْهُم الفرزدق وَجَرِير قَالَ الْأَصْمَعِي إِن شعر ذِي الرمة حُلْو أول مَا تسمعه فَإِذا كثر إنشاده ضعف وَلم يكن لَهُ حسن لِأَن أبعار الظباء أول مَا تشم تُوجد لَهَا رائحه مَا أكلت من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطّيب الرّيح فَإِذا أدمت شمه ذهبت تِلْكَ الرَّائِحَة
ونقط الْعَرُوس إِذا غسلتها ذهبت وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وقف ذُو الرمة فِي سوق الْإِبِل ينشد شعره الَّذِي يذكر فِيهِ نَاقَته صيدح فَوقف عَلَيْهِ الفرزدق فَقَالَ كَيفَ ترى مَا تسمع يَا أَبَا فراس قَالَ مَا أحسن مَا تَقول قَالَ فَمَالِي لَا أذكر مَعَ الفحول قَالَ قصر بك عَن غاياتهم بكاؤك فِي الدمن ونعتك الأبعار والعطن وَمَات بالبادية وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ أَنا ابْن نصف الْهَرم أَي ابْن الْأَرْبَعين وَقَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ كنت أنزل على بعض الْأَعْرَاب إِذا حججْت فَقَالَ لي يَوْمًا هَل لَك فِي خرقاء صَاحِبَة ذِي الرمة قلت بلَى فتوجهنا نريدها
(1/108)

فَعدل بِي عَن الطَّرِيق بِقدر ميل فَإِذا أَبْيَات فقرع بَابا مِنْهَا فَخرجت إِلَيْنَا امْرَأَة حسانة بهَا قُوَّة فتحدثا طَويلا فَقَالَت أحججت قبل هَذِه قلت بلَى قَالَت فَمَا مَنعك من زيارتي أما علمت أَنِّي منسك من مَنَاسِك الْحَج قلت وَكَيف ذَلِك قَالَت أما سَمِعت قَول ذِي الرمة (الوافر)
(تَمام الْحَج لَا تقف المطايا ... على خرقاء وَاضِعَة اللثام)
وَفِي الأغاني عَن ابْن قُتَيْبَة أَن مية جعلت لله عَلَيْهَا أَن تنحر بَدَنَة يَوْم ترَاهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ رجلا دميما أسود وَكَانَت من أجمل النَّاس فَقَالَت وأسوءتاه واضيعة بدنتاه فَقَالَ ذُو الرمة (الطَّوِيل)
(على وَجه مي مسحة من ملاحة ... وَتَحْت الثِّيَاب الشين لَو كَانَ باديا)
قَالَ فَكشفت ثوبها عَن بدنهَا وَقَالَت أشينا ترى لَا أم لَك فَقَالَ
(الم تَرَ أَن المَاء يخْبث طعمه ... وَإِن كَانَ لون المَاء أَبيض صافيا)
فَقَالَت أما مَا تَحت الثِّيَاب فقد رَأَيْته وَعلمت أَن لَا شين فِيهِ وَلم يبْق إِلَّا أَن
أَقُول لَك هَلُمَّ حَتَّى تذوق مَا وَرَاءه وَالله لَا ذقت ذَلِك أبدا فَقَالَ
(فيا ضَيْعَة الشّعْر الَّذِي لج وانقضى ... بمي وَلم أملك ضلال فؤاديا)
قَالَ ثمَّ صلح الْأَمر بَينهمَا بعد ذَلِك فَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من حبها ثمَّ قَالَ صَاحب الأغاني أَن مية كَانَت لَهَا بنت عَم قَالَت على لِسَان ذِي الرمة ...
(1/109)

(على وَجه مي مسحة من ملاحة)
الأبيات فَكَانَ ذُو الرمة إِذا ذكر ذَلِك لَهُ يتمعض مِنْهُ وَيحلف أَنه مَا قَالَه قطّ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع (الوافر)
(إِذا اجْتَمعُوا على ألف وواو ... وياء هاج بَينهم جِدَال)
على أَن أَسمَاء حُرُوف المعجم تعرب إِذا ركبت وَإِن كَانَ بناؤها أَصْلِيًّا قيل حَيْثُ كَانَت معربة لأجل التَّرْكِيب علم أَنَّهَا قبل التَّرْكِيب غير معربة وَهَذَا حكم جَمِيع الْأَسْمَاء سَوَاء قُلْنَا إِنَّهَا قبل التَّرْكِيب مَوْقُوفَة أم مَبْنِيَّة فَمَا الْفرق بَينهَا وَبَين سَائِر الْأَسْمَاء أَقُول الْفرق أَن أَسمَاء حُرُوف الهجاء إِنَّمَا وضعت لسردها مُفْردَة للتعليم لَا لِأَن تكون مركبة مَعَ عَامل فالتركيب فِيهَا عَارض بِخِلَاف سَائِر الْأَسْمَاء فَإِنَّهَا إِنَّمَا وضعت للتركيب وسردها منثورة أَمر عَارض ثمَّ رَأَيْت الشَّارِح الْمُحَقق قد ذكر مَا قلته فِي مَوَاضِع أخر من شَرحه فَقَالَ إِن أَسمَاء حُرُوف المعجم لم تُوضَع إِلَّا لتستعمل مُفْرَدَات لتعليم الصّبيان وَمن يجْرِي مجراهم مَوْقُوفا عَلَيْهِم فَإِذا اسْتعْملت مركبة
مَعَ عاملها فقد خرجت عَن حَالهَا الْمَوْضُوعَة لَهَا وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة حَيْثُ قَالَ أعلم أَن هَذِه الْحُرُوف مَا دَامَت حُرُوف هجاء فَإِنَّهَا سواكن الْأَوَاخِر فِي الدرج وَالْوَقْف لِأَنَّهَا أصوات بِمَنْزِلَة صه ومه فَإِن وَقعت موقع الْأَسْمَاء أعربت
(1/110)

وَأَرَادَ الشَّارِح بإعرابها عِنْد التَّرْكِيب وجوب إعرابها كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي مَوضِع آخر فَقَالَ إِذا أردْت إِعْرَاب أَسمَاء حُرُوف المعجم الكائنة على حرفين ضعفت الْألف وقلبتها همزَة وَلَا تجوز الْحِكَايَة فِي أَسمَاء حُرُوف المعجم مَعَ التَّرْكِيب مَعَ عاملها وَأغْرب السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع وَشَرحه فَقَالَ وَأَسْمَاء الْحُرُوف ألف با تا ثا إِلَى آخرهَا وقف إِلَّا مَعَ عَامل فالأجود حِينَئِذٍ فِيهَا الْإِعْرَاب وَمد الْمَقْصُور مِنْهَا وَيجوز فِيهَا الْحِكَايَة كهيئتها بِلَا عَامل وَيجوز ترك الْمَدّ بِأَن يعرب مَقْصُورا منونا كَمَا إِذا تعاطفت فَإِن الأجود فِيهَا الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَإِن لم يكن عَامل انْتهى فجوز مَعَ الْعَامِل الْحِكَايَة وَالْقصر كَمَا إِذا لم تكن مَعَ عَامل وَجوز أَيْضا إعرابها مَعَ الْقصر وَجوز فِي التعاطف مَعَ عدم الْعَامِل الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَأما الأول فَصرحَ بِمَنْعه ابْن جني وَالشَّارِح وَأما الثَّانِي فَمَنعه ابْن جني أَيْضا فَقَالَ فَأَما مَا كَانَ من نَحْو با تا فَإنَّك مَتى أعربته لزمك أَن تمده وَذَلِكَ أَنه على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا حرف؟ لين والتنوين يدْرك الْكَلِمَة فتحذف الْألف لالتقاء الساكنين فيلزمك أَن تَقول بن وتن يَا فَتى فَيبقى الِاسْم على حرف وَاحِد فَإِن ابتدأته وَجب أَن يكون متحركا وَإِن وقفت عَلَيْهِ وَجب أَن يكون سَاكِنا وَهَذَا ظَاهر الاستحالة فَأَما مَا روى شربت مَا يُرِيد مَاء فحكاية شَاذَّة لَا نَظِير لَهَا وَلَا يسوغ قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك زِدْت على ألف با تا ألفا أُخْرَى كَمَا رَأَيْت الْعَرَب فعلت حِين أعربت لوا فَقَالُوا (الْخَفِيف)
(إِن لوا وَإِن ليتا عناء)
(1/111)

وَأما قَول الشَّاعِر
(بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل)
إِنَّمَا أَرَادَ وَالرَّاء ممدودة فَلم يُمكنهُ ذَلِك لِئَلَّا يكسر الْوَزْن فَحذف الْهمزَة من الرَّاء وَجَاء بذلك على قِرَاءَة أبي عَمْرو وتحقيقه الأولى من الهمزتين إِذا التقتا من كَلِمَتَيْنِ وكانتا جَمِيعًا متفقتي الحركتين نَحْو فقد جَاءَ أشراطها وَشاء أنشره وَكَذَلِكَ كَانَ أصل هَذَا وَالزَّاي وَالرَّاء أَيّمَا تهليل فَلَمَّا اتّفقت الحركتان حذف الأولى من الهمزتين وَأما الثَّالِث فَلَا وَجه للإعراب وَالْمدّ جَمِيعًا مَعَ عدم الْعَامِل وأظن أَن السُّيُوطِيّ لخص كَلَامه من الارتشاف لأبي حَيَّان وَأَصله من الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَتَبعهُ أَبُو عَليّ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهُ أَيْضا حرفا بِحرف فَقَالَا وَمَا كَانَ من حُرُوف الهجاء على حرفين فالعرب تمده وتقصره فَيَقُولُونَ بَاء وتاء وَمِنْهُم من يقصر فَيَقُول با وتا وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول با وتا قَالَ يزِيد بن الحكم يذكر النَّحْوِيين
(إِذا أجتمعوا على ألف وواو ... وياء الْبَيْت)
وَالزَّاي فِيهَا خَمْسَة أوجه من الْعَرَب من يمدها فَيَقُول زاء فَاعْلَم وَمِنْهُم من يَقُول زَاي وَمِنْهُم من يَقُول هَذِه زا فيقصرها وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول زا وَمِنْهُم من يَقُول زِيّ فيشدد وَأنْشد الْفراء
(بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل)
انْتهى فَأَنت تراهما كَيفَ أطلقا وَلم يفصلا وَهُوَ مُخَالف لكَلَام النَّاس وَمُرَاد الشَّارِح بالتركيب أَن تقع مَعَ عَامل نَحْو أول الْجِيم جِيم وأوسط السِّين يَاء وكتبت يَاء حَسَنَة وَكَذَلِكَ الْعَطف فَيُقَال مَا هجاء بكر فَنَقُول
(1/112)

بَاء وكاف وَرَاء وكبيت الشَّاهِد فَإِن لم تعطف تبن فَتَقول بَاء كَاف رَاء بِإِسْكَان الْأَوَاخِر وَبَيت الشَّاهِد ليزِيد بن الحكم كَمَا نسبه إِلَيْهِ الزّجاج فِي أول تَفْسِيره وَابْن
الْأَنْبَارِي وَأَبُو عَليّ القالي وروى الحريري فِي درة الغواص عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَنْشدني عِيسَى بن عمر بَيْتا هجا بِهِ النَّحْوِيين يَعْنِي أَنهم إِذا اجْتَمعُوا للبحث عَن إعلال حُرُوف الْعلَّة ثار بَينهم جِدَال والجدال مصدر جادل إِذا خَاصم بِمَا يشغل عَن ظُهُور الْحق ووضوح الصَّوَاب وَهَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِي لِسَان حَملَة الشَّرْع فِي مُقَابلَة الْأَدِلَّة لظُهُور أرجحها وَهُوَ مَحْمُود إِن كَانَ للوقوف على الْحق وَإِلَّا فمموم يُقَال إِن أول من دون الجدل أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ ويروى بدله قتال أما يزِيد بن الحكم فَهُوَ يزِيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور وَمن قَالَ يزِيد بن الحكم بن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فقد وهم فَإِن عُثْمَان جده أَو عَم أَبِيه أحد من أسلم من ثَقِيف يَوْم الطَّائِف حدث عَن عَمه عُثْمَان الْمَذْكُور وروى عَنهُ مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق حكى أَن الفرزدق مر على يزِيد هَذَا وَهُوَ ينشد فِي الْمَسْجِد فَقَالَ من هَذَا الَّذِي ينشد شعرًا كَأَنَّهُ شعرنَا قَالُوا يزِيد بن الحكم فَقَالَ أشهد بِاللَّه أَن عَمَّتي وَلدته وَأم يزِيد بكرَة بنت الزبْرِقَان بن بدر وَأمّهَا هنيدة بنت صعصعة بن نَاجِية وَكَانَت بكرَة أول عَرَبِيَّة ركبت الْبَحْر وروى الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى قَالَ ورد يزِيد بن الحكم الثَّقَفِيّ من
(1/113)

الطَّائِف على الْحجَّاج بن يُوسُف بالعراق وَكَانَ شريفا شَاعِرًا فولاه الْحجَّاج فَارس فَلَمَّا جَاءَ لأخذ عَهده قَالَ لَهُ يَا يزِيد أنشدنا من شعرك يُرِيد أَن ينشده مديحا لَهُ فأنشده (الوافر)
(من يَك سَائِلًا عني فَإِنِّي] ... أَنا ابْن الصَّيْد من سلفي ثَقِيف)
(وَفِي وسط البطاح مَحل بَيْتِي ... مَحل اللَّيْث من وسط الغريف)
(وَفِي كَعْب وَمن كالحي كَعْب ... حللت ذؤابة الْجَبَل المنيف)
(حويت فخارها غوا ونجدا ... وَذَلِكَ مُنْتَهى شرف الشريف)
(نماني كل أصيد لَا ضَعِيف ... بِحمْل المعضلات وَلَا عنيف)
فَوَجَمَ الْحجَّاج وأطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ الْحَمد لله أَحْمَده وأشكره إِذْ لم يَأْتِ علينا زمَان إِلَّا وَفينَا أشعر الْعَرَب ثمَّ قَالَ أنشدنا يَا يزِيد فَأَنْشَأَ يَقُول (الْكَامِل) ... وَأبي الَّذِي فتح الْبِلَاد بِسَيْفِهِ ... فأذلها لبني الزَّمَان الغابر)
(وَأبي الَّذِي سلب ابْن كسْرَى راية ... فِي الْملك تخفق كالعقاب الكاسر)
(وَإِذا فخرت فخرت غير مكذب ... فخرا أدق بِهِ فخار الفاخر)
فَقَامَ الْحجَّاج مغضبا وَدخل الْقصر وَانْصَرف يزِيد والعهد فِي يَده فَقَالَ الْحجَّاج لِخَادِمِهِ اتبعهُ وَقل لَهُ ارْدُدْ علينا عهدنا فَإِذا أَخَذته فَقل لَهُ هَل ورثك أَبوك مثل هَذَا الْعَهْد فَفعل الْخَادِم وأبلغه الرسَالَة فَرد عَلَيْهِ الْعَهْد فَقَالَ قل للحجاج أورثني أبي مجدة وفعاله وأورثك أَبوك أَعْنُزًا ترعاها ثمَّ سَار تَحت اللَّيْل فلحق بِسُلَيْمَان وَهُوَ ولي عهد الْوَلِيد فضمه إِلَيْهِ وَجعله فِي خاصته ومدحه بقصائد فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان كم كَانَ أجري لَك فِي عمالة فَارس قَالَ عشْرين ألفا قَالَ هِيَ لَك عَليّ مَا دمت حَيا
(1/114)

وَمِمَّا مدحه بِهِ هَذِه القصيدة ومطلعها (الْبَسِيط)
(أَمْسَى بأسماء هَذَا الْقلب معمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا)
(كَأَن أحور من غزلان ذِي بقر ... أهْدى لنا شبه الْعَينَيْنِ والجيدا)
(أجري على موعد مِنْهَا فتخلفني ... فَلَا أمل وَلَا توفّي المواعيدا)
(كأنني يَوْم أمسي لَا تكلمني ... ذُو بغية يَشْتَهِي مَا لَيْسَ مَوْجُودا)
وَمِنْهَا
(سميت باسم امرىء أشبهت شيمته ... فصلا وعدلا سُلَيْمَان بن داودا)
(أَحْمد بِهِ فِي الورى الماضين من ملك ... وَأَنت أَصبَحت فِي البَاقِينَ مَحْمُودًا)
(لَا يبرأ النَّاس من أَن يحْمَدُوا ملكا ... أولاهم فِي الْأُمُور الْحلم والجودا)
وَمن النَّاس من ينْسب هَذِه الأبيات لعمر بن أبي ربيعَة وَذَلِكَ خطأ وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَائِشَة قَالَ دخل يزِيد بن الحكم على يزِيد ابْن الْمُهلب فِي سجن الْحجَّاج وَهُوَ يعذب وَقد حل عَلَيْهِ نجم كَانَ قد نجم عَلَيْهِ وَكَانَت نجومه فِي كل أُسْبُوع سِتَّة عشر ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ (المنسرح)
(أصبح فِي قيدك السماحة والجود وَفضل الصّلاح والحسب)
(لَا بطر إِن تَتَابَعَت نعم ... وصابر فِي الْبلَاء محتسب)
(برزت سبق الْجِيَاد فِي مهل ... وَقصرت دون سعيك الْعَرَب)
قَالَ فَالْتَفت يزِيد إِلَى مولى لَهُ وَقَالَ أعْطه نجم هَذَا الْأُسْبُوع وَنَصْبِر على الْعَذَاب إِلَى السبت الآخر
(1/115)

وليزيد بن الحكم عدَّة قصائد يُعَاتب فِيهَا أَخَاهُ عبد ربه بن الحكم وَابْن عَمه عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَمِمَّا قَالَ فِي ابْن عَمه (الطَّوِيل)
(وَمولى كذئب السوء لَو يستطيعني ... أصَاب دمي يَوْمًا بِغَيْر قَتِيل)
(وَأعْرض عَمَّا سَاءَهُ وكأنما ... يُقَاد إِلَى مَا سَاءَنِي بِدَلِيل)
(مجاملة مني وإكرام غَيره ... بِلَا حسن مِنْهُ وَلَا بجميل)
(وَلَو شِئْت لَوْلَا الْحلم جععت أَنفه ... بإيعاب جدع بادىء وعليل)
(حفاظا على أَحْلَام قوم رزئتهم ... رزان يزينون الندي كهول)
وَقَالَ فِي أَخِيه عبد ربه (الْبَسِيط)
(أخي يسر لي الشحناء يضمرها ... حَتَّى ورى جَوْفه من غمره الدَّاء)
(حران ذُو غُصَّة جرعت غصته ... وَقد تعرض دون الغصة المَاء)
(حَتَّى إِذا مَا أساغ الرِّيق أنزلني ... مِنْهُ كَمَا ينزل الْأَعْدَاء أَعدَاء)
(أسعى فيكفر سعي مَا سعيت لَهُ ... إِنِّي كَذَاك من الإخوان لِقَاء)
(وَكم يَد وَيَد لي عِنْده وَيَد ... يعدهن ترات وَهِي آلَاء)
والغريف بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ الأجمة والغابة وَأما عِيسَى بن عمر فَهُوَ عِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ مولى خَالِد بن الْوَلِيد أَخذ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَعبد الله بن إِسْحَاق وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ والعجاج ورؤبة وَجَمَاعَة وَعنهُ أَخذ الْأَصْمَعِي وَغَيره وَكَانَ يتقعر فِي كَلَامه حكى عَنهُ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح أَنه سقط عَن حمَار فَاجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ مَالِي أَرَاكُم تكأكأتم عَليّ تكأكؤكم على ذِي جنَّة افرنقعوا عني واتهمه عمر
ابْن هُبَيْرَة بوديعة فَضَربهُ نَحْو ألف سَوط فَجعل يَقُول
(1/116)

وَالله إِن كَانَت إِلَّا أثيابا فِي أسيفاط قبضهَا عشاروك مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَقيل سنة خمسين وَمِائَة كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي وَالْبَيْت الَّذِي مثل بِهِ ابْن جني ووعدنا بشرحه هُوَ من أَبْيَات رَوَاهَا أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ إِنَّهَا لراجز يصف بهَا جندبا وَهِي
(يحجل فِيهَا مقلز الحجول ... بغيا على شقيه كالمشكول)
(يخط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل)
(خطّ يَد المستطرق المسؤول)
الجندب بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا ضرب من الْجَرَاد وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب إِنَّه عَنى غرابا يحجل قَالَ فِي الْعباب الحجلان مَشْيه الْمُقَيد يُقَال حجل الطَّائِر يحجل بِضَم الْجِيم وَكسرهَا إِذا نزا فِي مَشْيه والحجول بِفَتْح الْمُهْملَة وَضم الْجِيم صفة الجندب أَو الْغُرَاب وَضمير فِيهَا للْأَرْض والمقلز بِكَسْر الْمِيم وَفتح اللَّام أَرَادَ بِهِ رجل الجندب أَو الْغُرَاب لِأَنَّهُ اسْم آلَة من قلز الْغُرَاب والعصفور فِي مشيهما وكل من لَا يمشي مشيا فَهُوَ يقلز بِضَم اللَّام وَكسرهَا قلزا بِسُكُون اللَّام وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام فَيكون مصدرا ميميا وَزعم الْأَخْفَش فِي شرح النَّوَادِر أَنه مقلوب مقزل من القزل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ أسوا العرج وَقد قزل بِالْكَسْرِ فَهُوَ أقزل والقزلان العرجان وَقد قزل بِالْفَتْح قزلانا إِذا مَشى مشْيَة العرجان وَلَا حَاجَة إِلَى ادِّعَاء الْقلب لِأَن مَادَّة قلز ثَابِتَة مَذْكُورَة
(1/117)

فِي الْعباب والقاموس وَلم يقل أحد إِنَّهَا مَقْلُوبَة من قزل ثمَّ قَالَ الْأَخْفَش روى لي ثَعْلَب مقلز الحجول بِكَسْر الْمِيم وَلَا وَجه لَهُ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة لِأَن المقلز هُوَ الحجول وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفسه وَالرَّفْع فِي الحجول أَجود وَإِن كَانَ الشّعْر يصير مقوى وَقد رُوِيَ بِالرَّفْع وَفِيه مَعَ هَذَا عيب وَهُوَ أَنه
حذف التَّنْوِين من مقلز لسكونها وَسُكُون اللَّام وَحذف التَّنْوِين هُوَ الَّذِي شجع من رَوَاهُ مخفوضا وَلم يتَأَمَّل الْمَعْنى والإقواء أصلح من الإحالة انْتهى أَقُول هَذَا تَطْوِيل بِلَا طائل يعلم فَسَاده مِمَّا قدمْنَاهُ على ان المقلز لم يقل أحد إِنَّه بِمَعْنى الحجول وَالْبَغي هُنَا الاختيال والمرح والمشكول الَّذِي فِي رجلَيْهِ شكال يُقَال شكلته شكلا من بَاب قتل قيدته بالشكال وشكلت الْكتاب شكلا أعلمته بعلامات الْإِعْرَاب وَقَوله بِخَط الْبَاء مُتَعَلقَة بيحجل وَيجوز أَن يكون بمثناة تحتية مضارع خطّ فَيكون ضَمِيره الْمُسْتَتر للمقلز وَلَام ألف مَفْعُوله وموصول وصف اللَّام والصلة محذوفة أَي مَوْصُول بهَا أَي بِالْألف وَالزَّاي والرا منصوبان بالْعَطْف على مَحل لَام ألف وَقَوله (أَيّمَا تهليل) مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف وَمَا زَائِدَة أَي هلل تهليلا أَي تهليل وَهُوَ مصدر هلل بِمَعْنى نكص وَجبن وفر وَخط مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي بِخَط لَام ألف كخط يَد الكاهن المسؤول مِنْهُ التكهن والمستطرق الكاهن الَّذِي يطْرق الْحَصَى بعضه بِبَعْض والطرق ضرب الكاهن الْحَصَى وَقد استطرقته أَنا رُوِيَ بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَقد أورد هَذِه الأبيات ابْن الْأَعرَابِي أَيْضا فِي نوادره قَالَ أنشدنيها الْمفضل وَذكر دَارا خلت من أَهلهَا فَصَارَ فِيهَا الْغرْبَان والظباء والوحش ثمَّ قَالَ المستطرق الَّذِي يتكهن فَإِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء خطّ فِي التُّرَاب وَنظر وَحكى عَن أَعْرَابِي قَالَ عَالَجت جَارِيَة شابه فَإِذا قلزة كَأَنَّهَا أتان وَحش
(1/118)

قَالَ القلزة الشَّدِيدَة والقلز النّحاس الَّذِي لَا يعْمل فِيهِ الْحَدِيد وَقَالَ أَبُو الْمنْهَال هُوَ القلز وَلم يعرف القلز ا. هـ.
وَرُوِيَ الحجول بِضَمَّتَيْنِ على أَنه مصدر وَرُوِيَ نعبا بدل بغيا بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة وَهُوَ صَوت الْغُرَاب وَرُوِيَ تَفْصِيل بدل تهليل وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعَاشِر وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
(أحضر الوغى)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الطَّوِيل)
(إِلَّا ايهذا اللائمي أحضر الوغى ... وَأَن أشهد اللَّذَّات هَل أَنْت مخلدي)
على ان نصب أَن الْمقدرَة فِي مثل هَذَا ضَعِيف وَقَالَ فِي بَاب نواصب الْفِعْل نصبها فِي مثله شَاذ والكوفيون يجوزون النصب فِي مثله قِيَاسا أَقُول ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهَا تعْمل محذوفة فِي غير الْمَوَاضِع المعدودة وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت فَقَالُوا الدَّلِيل على صِحَة هَذَا التَّقْدِير أَنه عطف عَلَيْهِ قَوْله (وَأَن أشهد) فَدلَّ على أَنَّهَا تنصب مَعَ الْحَذف وَمنع البصريون ذَلِك بِأَن عوامل الْأَفْعَال ضَعِيفَة لَا تعْمل مَعَ الْحَذف وَإِذا حذفت ارْتَفع الْفِعْل وَمِنْه عِنْد سِيبَوَيْهٍ قَوْله تَعَالَى {قل أفغير الله تأمروني أعبد} وَقَالُوا رِوَايَة الْبَيْت عندنَا إِنَّمَا هِيَ بِالرَّفْع فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ أَصله أَن أحضر فَلَمَّا حذفت
(1/119)

أَن أرتفع وَأَن أحضر مجرور بفي مقدرَة وَأَن أشهد مَعْطُوف عَلَيْهِ وَقَالَ الْمبرد جملَة أحضر حَال من الْيَاء وَأَن أشهد مَعْطُوف على الْمَعْنى لِأَنَّهُ لما قَالَ أحضر دلّ على الْحُضُور كَمَا تَقول من كذب كَانَ شرا لَهُ أَي كَانَ الْكَذِب كَذَا نقلوا عَنهُ وَلَئِن صحت رِوَايَة النصب فَهُوَ مَحْمُول على أَنه توهم أَنه أَتَى بِأَن فنصب كَقَوْلِه (الطَّوِيل)
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا)
بجر سَابق على توهم أَنه قَالَ لست بمدرك مَا مضى وَهَذَا لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَرُوِيَ أَلا أيهذا الزاجري وَرُوِيَ أَيْضا أَلا أَيهَا اللاحي بتَشْديد الْيَاء والوغي الْحَرْب وَأَصله الْأَصْوَات الَّتِي تكون فِيهَا وَقَالَ ابْن جني الوغي بِالْمُهْمَلَةِ الصَّوْت وبالمعجمة الْحَرْب نَفسهَا وَالشُّهُود الْحُضُور يُقَال شهِدت الْمجْلس بِمَعْنى حَضرته وأخلده أبقاه وَمعنى الْبَيْت يَا من يلومني فِي حُضُور الْحَرْب لِئَلَّا أقتل وَفِي ان أنْفق مَالِي لِئَلَّا أفتقر مَا أَنْت مخلدي إِن قبلت مِنْك فَدَعْنِي أنْفق مَالِي فِي الفتوة وَلَا أخلفه لغيري وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لطرفة بن العَبْد وَهِي إِحْدَى المعلقات السَّبع وَنَذْكُر تَرْجَمته وأخباره فِي مَوضِع آخر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبعد هَذَا الْبَيْت
(فَإِن كنت لَا تسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي)
(1/120)

يَقُول إِن كنت لَا تقدر أَن تدفع موتِي فذرني أسبق الْمَوْت بالتمتع بإنفاق مَالِي يُرِيد أَن الْمَوْت لابد مِنْهُ فَلَا معنى للبخل وَترك اللَّذَّات وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي عشر
(أدنو فأنظور)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت ثَان أنشدهما الْفراء وهما (الْبَسِيط)
(الله يعلم أَنا فِي تلفتنا ... يَوْم الْفِرَاق إِلَى أحبابنا صور)
(وأنني حوثما يثني الْهوى بَصرِي ... من حوثما سلكوا أدنو فأنظور)
على أَن الْوَاو حَاصِلَة من إشباع الضمة وَأَصله أنظر ويروى إِلَى إِخْوَاننَا بدل أحبابنا والصور بصاد مُهْملَة جمع أصور وَهُوَ المائل من الشوق من صور يصور صورا بِالتَّحْرِيكِ مَال وأصاره فانصار أماله فَمَال وَيجوز أَن يكون جمع صُورَة أَي إِذا تلفتنا إِلَى الأحباب عِنْد رحيلهم فكأننا أشكال وأشباح لَيْسَ فِيهَا أَرْوَاح وأنني بِفَتْح الْهمزَة ووحوث ظرف مَكَان لُغَة فِي حَيْثُ بِتَثْلِيث الثَّاء فيهمَا وَهُوَ خبر أَن وَمَا زَائِدَة وثناه أماله والهوى الْعِشْق وَهُوَ فَاعل وبصري مَفْعُوله أَي أَنا فِي الْجِهَة الَّتِي يمِيل الْهوى بَصرِي إِلَيْهَا وَقَوله (من حوثما) روى فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُمَا مُتَعَلق بأدنو وبأنظر أَي أدنو فَأنْظر إِلَيْهِم من الْجِهَة الَّتِي سلكوا فِيهَا وروى ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة
(1/121)

وَفِي الخصائص وَفِي الْمُبْهِج يسري بدل يثني وَزَاد فِي الْمُحْتَسب فَقَالَ هَكَذَا روى أَبُو عَليّ يسري من سريت وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي يشري بالشين مُعْجمَة اي يعلق ويحرك الْهوى بَصرِي وَمَا أحسن هَذِه الرِّوَايَة وأظرفها انْتهى أما الأول فَهُوَ مضارع سريت الثَّوْب عني سريا لُغَة فِي سروته عني سروا بِمَعْنى أَلقيته وَأما الثَّانِي فَهُوَ مضارع أشريته متعدي شري الْبَرْق شرى من بَاب فَرح إِذا كثر لمعانه وشري زِمَام النَّاقة إِذا كثر اضطرابه وشرى الرجل واستشرى إِذا لج فِي الْأَمر وَقَوله (أدنو فأنظور) روى ابْن جني مَوْضِعه أثني فأنظور أَي أثني عنقِي فَأنْظر نحوهم من ثناه بِمَعْنى لواه قَالَ أَبُو عَليّ وَتَبعهُ ابْن جني لَو سميت
رجلا بأنظر لمنعته الصّرْف للتعريف وَوزن الْفِعْل وَلَو سميته بأنظور من قَول الشَّاعِر أدنو فأنظور لصرفته لزوَال لفظ الْفِعْل وَإِن كُنَّا نعلم أَن الْوَاو إِنَّمَا تولدت من إشباع ضمة الظَّاء وَأَن المُرَاد عِنْد الْجَمِيع أنظر
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي عشر (الْكَامِل)
(ينباع من ذفرى غضوب جسرة)
تَمَامه
(زيافة مثل الفنيق المكدم)
على أَن الْألف تولدت من إشباع الفتحة وَالْأَصْل يَنْبع كَذَا قَالَ جمَاعَة وَقَالَ أبن الْأَعرَابِي ينباع ينفعل من بَاعَ يبوع إِذا مر مرا لينًا فِيهِ تلو وَأنكر أَن يكون الأَصْل فِيهِ يَنْبع وَقَالَ يَنْبع يخرج كَمَا يَنْبع المَاء من الأَرْض وَلم يرد هَذَا إِنَّمَا أَرَادَ السيلان وتلويه على رقبَتهَا وَفِي الْعباب
(1/122)

وانباع الْعرق سَالَ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ ويروى يَنْبع وَقيل يَنْبع فتولدت الْألف من إشباع الفتحة ويروى ينهم أَي يذوب يُقَال همه الْمَرَض إِذا أذابه وَأَنَّهُمْ الشَّحْم وَالْبرد ذابا وإنكار ابْن الْأَعرَابِي رِوَايَة يَنْبع مَرْدُود بِرِوَايَة الثِّقَات وَقَوله لَيْسَ المُرَاد يَنْبع إِلَخ مَرْدُود أَيْضا فَإِن الذفري هُوَ الْموضع الَّذِي يعرق من الْإِبِل خلف الْأذن وفاعل ينباع ضمير عَائِد على الرب أَو الكحيل فِي الْبَيْت السَّابِق وَجُمْلَة ينباع خبر كَأَن وَهُوَ (الْكَامِل)
(وَكَأن رَبًّا أَو كحيلا معقدا ... حش الْوقُود بِهِ جَوَانِب قمقم)
الرب بِضَم الْمُهْملَة مَعْرُوف وَهُوَ شَبيه الدبس والكحيل بِضَم الْكَاف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة القطران شبه عرق النَّاقة بهما وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي وَقيل الكحيل هناء تهنأ بِهِ الْإِبِل من الجرب شَبيه بالنفط يُقَال لَهُ الخضخاض وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ هُوَ رَدِيء القطران يضْرب إِلَى الْحمرَة ثمَّ يسود إِذا عقد
وَفِي الْعباب الكحيل مصغر الَّذِي يطلي بِهِ الْإِبِل للجرب وَهُوَ النفط قَالَه الْأَصْمَعِي قَالَ والقطران إِنَّمَا يطلى بِهِ للدبر والقراد وَشبه ذَلِك وانشد هَذَا الْبَيْت ومعقد اسْم مفعول من أعقد وَهُوَ الَّذِي أوقد تَحْتَهُ النَّار حَتَّى انْعَقَد وَغلظ قَالَ فِي الصِّحَاح وَعقد الرب وَغَيره اي غلظ فَهُوَ عقيد أعقدته تعقيدا قَالَ الْكسَائي يُقَال للقطران والرب وَنَحْوه أعقدته حَتَّى تعقد وَهُوَ وصف الثَّانِي لَا الأول فَإِن الرب يكون معقدا وَحش بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال حششت النَّار إِذا أوقدتها والوقود بِفَتْح الْوَاو الْحَطب والوقود بِالضَّمِّ الْمصدر وَهُوَ فَاعل حش وجوانب مَفْعُوله وَيجوز أَن يكون حش بِمَعْنى احتش أَي اتقد كَمَا يُقَال هَذَا لَا يخلطه شَيْء بِمَعْنى لَا يخْتَلط بِهِ فَيكون جَوَانِب مَنْصُوبًا على الظّرْف كَذَا فِي شرح أبي جَعْفَر النَّحْوِيّ والقمقم كهدهد الجرة
(1/123)

وآنية مَعْرُوفَة قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن الزوزني فِي شَرحه شبه الْعرق السَّائِل من رَأسهَا وعنقها بِرَبّ أَو قطران جعل فِي قمقم أوقدت عَلَيْهِ النَّار فَهُوَ يترشح بِهِ عِنْد الغليان وعرق الْإِبِل شبهه بهما وَشبه رَأسهَا بالقمقم فِي الصلابة وَتَقْدِير الْبَيْت وَكَأن رَبًّا أَو كحيلا حش الْوقُود بإغلائه فِي جَوَانِب قمقم عرقها الَّذِي ينرشح مِنْهَا ا. هـ.
والذفرى بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء من الْقَفَا الْموضع الَّذِي يعرق من الْإِبِل خلف الْأذن يُقَال هَذِه ذفرى أسيلة لَا تنون لِأَن ألفها للتأنيث وَبَعْضهمْ ينون وَيجْعَل ألفها للإلحاق وَهِي ماخوذة من ذفر الْعرق لِأَنَّهَا أول مَا يعرق من الْإِبِل الذفريان وَأول مَا يَبْدُو فِيهِ السّمن لِسَانه وكرشه وَآخر مَا يبْقى فِيهِ السّمن عينه وسلاماه وَعِظَام أخفافه والغضوب بالغين وَالضَّاد المعجمتين قَالُوا هِيَ النَّاقة
العبوس وَالْمرَاد النَّاقة الصعبة الشَّدِيدَة المراس قَالَ الْخَطِيب فِي شَرحه تبعا لأبي جَعْفَر الغضوب والغضبى وَاحِد وغضوب للتكثير كَمَا يُقَال ظلوم وغشوم وروى شَارِح شَوَاهِد التفسيرين من ذفرى أسيل قَالَ والأسيل من كل شَيْء المسترسل الطَّوِيل السهل وَهَذِه الرِّوَايَة غير صَحِيحَة لِأَنَّهُ إِن كَانَ بِإِضَافَة ذفرى إِلَيْهِ فَكَانَ يجب ان يَقُول أسيلة لِأَن كَلَامه فِي النَّاقة بِدَلِيل مَا بعده وَإِن كَانَ الأسيل وَصفا للذفرى وَإِن صَحَّ بِتَقْدِير ألفها للإلحاق لَكِن تبقى الذفرى غير مُقَيّدَة والجسرة بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح الجسر الْعَظِيم من الْإِبِل وَالْأُنْثَى جسرة وَفِي الشُّرُوح الجسرة الْمَاضِيَة فِي سَيرهَا وَمِنْه جسر فلَان على كَذَا وَقيل هِيَ الضخمية
(1/124)

القوية وروى بدله حرَّة وَالْحر الْجيد الأَصْل والخالص من كل شَيْء والزيافة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَالْفَاء مُبَالغَة زائف وَهُوَ من زاف يزيف زيفا وزيفانا إِذا تبختر فِي مشيته كَذَا فِي الْعباب وَقَالَ الْخَطِيب هِيَ المسرعة والفنيق بِفَتْح الْفَاء وَكسر النُّون الْفَحْل المكدم الَّذِي لَا يُؤْذِي وَلَا يركب لكرامته على أَهله والمكدم بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْكَاف اسْم مفعول قِيَاسه أَن يكون من أكدمه لكِنهمْ لم ينقولا إِلَّا كدمه ثلاثيا من الْبَاب الأول وَالثَّانِي قَالُوا الكدم العض بِأَدْنَى الْفَم كَمَا يكدم الْحمار والمكدم بِالتَّشْدِيدِ المعضض وروى مَوْضِعه المقرم على وَزنه وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَإِنَّمَا هُوَ للفحلى بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ الزوزني يَقُول يَنْبع هَذَا الْعرق من خلف أذن نَاقَة غضوب مؤثقة الْخلق شَدِيدَة التَّبَخْتُر فِي سَيرهَا مثل فَحل من الْإِبِل قد كدمته الفحول شبهها بالفحل فِي تبخترها ووثاقة خلقهَا وضخمها وَهَذَانِ البيتان من معلقَة عنترة وَهِي من أَجود شعره وَكَانَت الْعَرَب تسميها المذهبة بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول من الإذهاب أَو التذهيب وهما بِمَعْنى التمويه والتطلية بِالذَّهَب
وَمعنى الْمُعَلقَة أَن الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُول الرجل مِنْهُم الشّعْر
(1/125)

فِي أقْصَى الأَرْض فَلَا يعبأ بِهِ وَلَا ينشده أحد حَتَّى يأتى مَكَّة فِي موسم الْحَج فيعرضه على أندية قُرَيْش فَإِن استحسنوه رُوِيَ وَكَانَ فخرا لقائله وعلق على ركن من أَرْكَان الْكَعْبَة حَتَّى ينظر إِلَيْهِ وَإِن لم يستحسنوه طرح وَلم يعبأ بِهِ وَأول من علق شعره فِي الْكَعْبَة أمرؤ الْقَيْس وَبعده علقت الشُّعَرَاء وَعدد من علق شعره سَبْعَة ثانيهم طرفَة بن العَبْد ثالثهم زُهَيْر بن أبي سلمى رابعهم لبيد بن ربيعَة خامسهم عنترة سادسهم الْحَارِث بن حلزة سابعهم عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي الْخطاب فِي كِتَابه الموسوم بجمهرة أشعار الْعَرَب إِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ أَصْحَاب السَّبع الَّتِي تسمى السموط امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة والأعشى ولبيد وَعَمْرو وطرفه قَالَ وَقَالَ الْمفضل من زعم أَن فِي السَّبع الَّتِي تسمى السموط لأحد غير هَؤُلَاءِ فقد أبطل فاسقطا من أَصْحَاب المعلقات عنترة والْحَارث بن حلزة وأثبتا الْأَعْشَى والنابغة وَكَانَت المعلقات تسمى المذهبات وَذَلِكَ أَنَّهَا اختيرت من سَائِر الشّعْر فَكتبت فِي الْقبَاطِي بِمَاء الذَّهَب وعلقت على الْكَعْبَة فَلذَلِك يُقَال مذهبَة فلَان إِذا كَانَت أَجود شعره ذكر ذَلِك غير وَاحِد من الْعلمَاء وَقيل بل كَانَ الْملك إِذا استجيدت قصيدة يَقُول عَلقُوا لنا هَذِه لتَكون
(1/126)

فِي خزانته وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله خبر كل وَاحِد من أَصْحَاب القصائد وأنسابهم وَالسَّبَب الَّذِي دعاهم إِلَى قَول تِلْكَ القصائد عِنْدَمَا يَأْتِي شعر كل مِنْهُم وَقد طرح عبد الْملك بن مَرْوَان شعر أَرْبَعَة مِنْهُم وَأثبت مكانهم أَرْبَعَة وَرُوِيَ أَن بعض أُمَرَاء بني أُميَّة أَمر من أخْتَار لَهُ سَبْعَة أشعار فسماها المعلقات
وَالسَّبَب الَّذِي حمل عنترة على نظم هَذِه القصيدة أَنه كَانَ لَا يَقُول من الشّعْر إِلَّا الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى سابه رجل من قومه فعابه بسواده وَسَوَاد أمه وَأَنه لَا يَقُول الشّعْر فَأَجَابَهُ عنترة أبلغ جَوَاب نَقله ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَقَالَ أما الشّعْر فستعلم فَقَالَ هَذِه القصيدة ويستحسن مِنْهَا قَوْله فِي وصف روضه (الْكَامِل)
(وخلا الذُّبَاب بهَا فَلَيْسَ ببارح ... غردا كَفعل الشَّارِب المترنم)
(هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزِّنَاد الأجذم)
البراح الزَّوَال والغرد وصف من غرد من بَاب فَرح إِذا تغنى يَقُول خلا الذُّبَاب بِهَذِهِ الرَّوْضَة فَلَا زَالَ يرجع صَوته بِالْغنَاءِ كشارب الْخمر والهزج تراكب الصَّوْت وَمعنى يحك ذراعه بذراعه يمر إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى والأجذم بالمعجمتين صفة المكب وَهُوَ الْمَقْطُوع الْيَد شبه الذُّبَاب إِذا سنّ إِحْدَى ذِرَاعَيْهِ بِالْأُخْرَى بأجذم يقْدَح نَارا بذراعيه وَهَذَا من عَجِيب التَّشْبِيه يُقَال إِنَّه لم يقل أحد فِي مَعْنَاهُ مثله وَقد عده
(1/127)

أَرْبَاب الْأَدَب من التشبيهات العقم وَهِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا وَلَا يقدر أحد عَلَيْهَا مُشْتَقّ من الرّيح الْعَقِيم وَهِي الَّتِي لَا تلقح شَجَرَة وَلَا تنْتج ثَمَرَة وَقد شبه بَعضهم من يفرك يَدَيْهِ ندامة بِفعل الذُّبَاب وزاده اللَّطْم فَقَالَ (الْكَامِل)
(فعل الأديب إِذا خلا بهمومه ... فعل الذُّبَاب يرن عِنْد فَرَاغه)
(فتراه يفرك راحتيه ندامة ... مِنْهُ ويتبعها بلطم دماغه)
\ وعنترة هُوَ عنترة الْعَبْسِي بن شَدَّاد بن عَمْرو بن قراد قَالَ الْكَلْبِيّ شَدَّاد جده غلب على اسْم أَبِيه وَإِنَّمَا هُوَ عنترة بن عَمْرو بن شَدَّاد وَقَالَ غَيره شَدَّاد
عَمه تكفله بعد موت أَبِيه فنسب إِلَيْهِ وَيُقَال إِن أَبَاهُ ادَّعَاهُ بعد الْكبر وَذَلِكَ أَنه كَانَ لأمة سَوْدَاء يُقَال لَهَا زبيبة وَكَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا كَانَ لأَحَدهم ولد من أمة استعبده وَكَانَ لعنترة إخْوَة من أمه عبيد وَكَانَ سَبَب ادِّعَاء أبي عنترة إِيَّاه أَن بعض أَحيَاء الْعَرَب أَغَارُوا على قوم من بني عبس فَأَصَابُوا مِنْهُم فَتَبِعهُمْ العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم وَفِيهِمْ عنترة فَقَالَ لَهُ أَبوهُ كرّ يَا عنترة فَقَالَ العَبْد لَا يحسن الْكر إِنَّمَا يحسن الحلاب والصر قَالَ كرّ وانت حر فَقَاتلهُمْ واستنقذ مَا فِي أَيدي الْقَوْم من الْغَنِيمَة فَادَّعَاهُ أَبوهُ بعد ذَلِك وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب وهم ثَلَاثَة وَالثَّانِي خفاف كغراب وَاسم أمه ندبة كتمرة وَالثَّالِث السليك بِالتَّصْغِيرِ وأسم أمه السلكة بِضَم فَفتح وَأُمَّهَات الثَّلَاثَة سود وَكَانَ عنترة أَشْجَع أهل زَمَانه وأجودهم بِمَا ملكت يَده وَكَانَ شهد حَرْب داحس والغبراء وحمدت مشاهده فِيهَا وَقتل فِيهَا ضمضما المري
(1/128)

أَبَا الْحصين بن ضَمْضَم وَأَبا أَخِيه هرم وَلذَلِك قَالَ فِي هَذِه القصيدة
(وَلَقَد خشيت بِأَن أَمُوت وَلم تدر ... للحرب دَائِرَة على ابْني ضَمْضَم)
(الشاتمي عرضي وَلم أشتمهما ... والناذرين إِذا لم القهما دمي)
(إِن يفعلا فَلَقَد تركت أباهما ... جزر السبَاع وكل نسر قشعم)
وَهَذَا آخر الْمُعَلقَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن عنترة بعد مَا أوت عبس إِلَى غطفان بعد يَوْم جبلة وَحمل الدِّمَاء احْتَاجَ وَكَانَ صَاحب غارات فَكبر وَعجز عَنْهَا وَكَانَ لَهُ يَد على رجل من غطفان فَخرج يتجازاه فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَنقل عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا أَن طيئا تَدعِي قتل عنترة ويزعمون أَن الَّذِي قَتله الْأسد الرهيص وَهُوَ الْقَائِل (الوافر)
(أَنا الْأسد الرهيص قتلت عمرا ... وعنترة الفوارس قد قتلت)
وَالله أعلم والعنتر فِي اللُّغَة الذُّبَاب الْأَزْرَق الْوَاحِد عنترة قَالَ سِيبَوَيْهٍ نونه لَيست بزائدة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث عشر (الرجز)
(فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى زائده ... كلتاهما قد قرنت بواحده)
على أَن كلت أَصْلهَا كلتا حذفت الفها ضَرُورَة وفتحة التَّاء دَلِيل عَلَيْهَا رَأَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح أَن هَذَا الْبَيْت من رجز يصف بِهِ نعَامَة
(1/129)

فضمير رِجْلَيْهَا عَائِد على النعامة والسلامى على وزن حبارى عظم فِي فرسن الْبَعِير وَعِظَام صغَار طول إِصْبَع أَو أقل فِي الْيَد وَالرجل وَالْجمع سلاميات والفرسن بِكَسْر أَوله وثالثه هُوَ للبعير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للْفرس وَالضَّمِير فِي كلتاهما للرجلين وَقَوله فِي كلت خبر مقدم والكسرة مقدرَة على الْألف المحذوفة وسلامى مُبْتَدأ مُؤخر وزائدة وَصفه وكلتاهما مُبْتَدأ وَمَا بعده الْخَبَر وَهَذَا المصراع تَأْكِيد للْأولِ وَفِيه قلب يَجْعَل الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع فِي الأول مَرْفُوعا ومجرورا فِي الثَّانِي أَي قرنت بِوَاحِدَة من السلاميات وَأوردهُ الشَّارِح مرّة ثَانِيَة هُنَا على أَن الْكُوفِيّين زَعَمُوا أَن كلت مُفْرد كلتا لَكِن هَذَا الْمُفْرد لم يسْتَعْمل وَيجوز اسْتِعْمَاله للضَّرُورَة كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت أَقُول الْكُوفِيُّونَ ذَهَبُوا إِلَى أَن كلا وكلتا فيهمَا تَثْنِيَة لفظية ومعنوية وأصلهما كل فَكسرت الْكَاف وخففت اللَّام وزيدت الْألف للتثنية وَالتَّاء للتأنيث وَقد بَين الشَّارِح مَذْهَبهم وَاسْتَدَلُّوا على أَنَّهُمَا مثنيان لفظا وَمعنى وَأَن ألفهما للتثنية
بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما السماع فنحو هَذَا الْبَيْت فأفرد كلت وَهِي بِمَعْنى إِحْدَى فَدلَّ عَن أَن كلتا تَثْنِيَة وَأما الْقيَاس فَقَالُوا الدَّلِيل على أَن ألفهما للتثنية أَنَّهَا تنْقَلب إِلَى الْيَاء فِي النصب والجر إِذا أضيفا إِلَى الْمُضمر وَلَو كَانَت ألف قصر لم تنْقَلب وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهُمَا ليستا بمأخوذتين من كل لِأَن كلا للإحاطة وهما لِمَعْنى مَخْصُوص لَيْسَ أحد القبيلين مأخوذا من الآخر بل مادتهما الْكَاف وَاللَّام وَالْوَاو وهما مفردان لفظا مثنيان معنى وَالْألف فِي كلا كألف عَصا وَفِي كلتا للتأنيث وَيدل لما قَالُوا عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا تَارَة مُفردا حملا على اللَّفْظ وَتارَة مثنى حملا على الْمَعْنى وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله
(1/130)

(الْبَسِيط)
(كِلَاهُمَا حِين جد الجري بَينهمَا ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي وَلَو كَانَا مثنيين حَقِيقَة للزمهم أَمْرَانِ)
الأول كَانَ يجب عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا مثنى مَعَ أَن الْحمل على اللَّفْظ فيهمَا أَكثر من الْحمل على الْمَعْنى ونظيرهما كل فَإِنَّهُ يجوز عود الضَّمِير إِلَيْهَا مُفردا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَفظهَا نَحْو كل الْقَوْم ضَربته وَعوده جمعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْنَاهَا نَحْو كل الْقَوْم ضربتهم لَكِن الْحمل على الْمَعْنى فِيهِ أَكثر من الْحمل على اللَّفْظ عكس كلا وكلتا الثَّانِي كَانَ يمْتَنع نَحْو كلا أخويك لِأَنَّهُ يلْزم إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه وَيدل على أَن ألفهما ألف مَقْصُورَة إمالتها كَمَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف بإمالة قَوْله تَعَالَى {إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا} وَقَوله تَعَالَى {كلتا الجنتين آتت أكلهَا} فَلَو كَانَت للتثنية لما جَازَ إمالتها
وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الأول بِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي الْبَيْت فَإِن أَصله كلتا، حذفت الْألف ضَرُورَة وَاكْتفى عَنْهَا بفتحة التَّاء، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (الرجز)
(وصاني العجاج فِيمَا وصني)
أَرَادَ وصاني. وَقَالَ الآخر: (الوافر)
(فلست بمدرك مَا فَاتَ مني ... بلهف وَلَا بليت وَلَا لَو أَنِّي)
أَرَادَ بلهفى، فحذفت الْألف مِنْهُمَا ضَرُورَة، مثله كثير. أَقُول: استدلالهم بِهَذَا الْبَيْت على الْإِفْرَاد يردهُ مَعْنَاهُ، فَإِن الْمَعْنى على التَّثْنِيَة، بِدَلِيل تأكيده بالمصراع الثَّانِي، فَتَأمل.
(1/131)

وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي بِأَنَّهَا إِنَّمَا قلبت فِي حَال الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر لوَجْهَيْنِ: " أَحدهمَا ": أَنه لما كَانَ فيهمَا إِفْرَاد لَفْظِي وتثنية معنوية، وَكَانَا تَارَة يضافان إِلَى الْمظهر وَتارَة إِلَى الْمُضمر، جعلُوا لَهما حظاً من حَالَة الْإِفْرَاد وحظاً من حَالَة التَّثْنِيَة. وَإِنَّمَا جعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمظهر بِمَنْزِلَة الْمُفْرد لِأَن الْمُفْرد هُوَ الأَصْل؛ وجعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر بِمَنْزِلَة التَّثْنِيَة لِأَن الْمُضمر فرع والتثنية فرع، فَكَانَ الْفَرْع أولى بالفرع. و" الثَّانِي ": أَنه لم تقلب ألفهما مَعَ الْمظهر لِأَنَّهُمَا لزمتا الْإِضَافَة وجر الِاسْم بعدهمَا، فأشبهتا لَدَى، وَإِلَى، وعَلى. وكما أَن هَذِه الثَّلَاثَة لَا تقلب ألفها مَعَ الْمظهر وتقلب مَعَ الْمُضمر، وَكَانَ " كلا " و" كلتا " كَذَلِك. وَيدل على صِحَة ذَلِك أَن الْقلب فيهمَا يخْتَص بِحَالَة النصب والجر دون الرّفْع، لِأَن لديك إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي حَالَة النصب والجر، دون الرّفْع، فَلهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْقلب مُخْتَصًّا بهما دون حَالَة الرّفْع.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف وَهَذَا الْوَجْه أوجه الْوَجْهَيْنِ وَبِه علل أَكثر الْمُتَقَدِّمين قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْألف فيهمَا لَيست للتثنية أَنَّهَا لَو كَانَت للتثنية لانقلبت فِي حَالَة النصب والجر إِذا أضيفتا إِلَى الْمظهر لِأَن الأَصْل هُوَ الْمظهر والمضمر فَرعه فَلَمَّا لم تنْقَلب دلّ على أَنَّهَا ألف مَقْصُورَة لَا أَنَّهَا للتثنية وَالله أعلم هَذَا وَقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته هَذَا الْبَيْت من اضطرار الشُّعَرَاء وكلت لَيْسَ بِوَاحِد كلتا بل هُوَ جَاءَ بِمَعْنى كلا غير أَنه أسقط الْألف اعْتِمَادًا
(1/132)

على الفتحة الَّتِي قبلهَا وَعَملا على أَنَّهَا تَكْفِي من الْألف الممالة إِلَى الْيَاء وَمَا من الْكُوفِيّين أحد يَقُول كلت وَاحِدَة كلتا وَلَا يَدعِي أَن لِكِلَا وكلتا وَاحِدًا مُنْفَردا فِي النُّطْق مُسْتَعْملا فَإِن ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مُدع فَهُوَ تشنيع وتفحيش من الْخُصُوم على قَول خصومهم انْتهى وَيُؤَيِّدهُ مَا رَأَيْته فِي مَعَاني الْقُرْآن للفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {كلتا الجنتين آتت أكلهَا} وَهَذِه عِبَارَته وَقد تفرد الْعَرَب إِحْدَى كلتي بالإمالة وهم يذهبون بإفرادها إِلَى تثنيتها وأنشدني بَعضهم
(فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى واحده ... كلتاهما قد قرنت بزائده)
يَعْنِي الظليم يُرِيد بكلت كلتي وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع عشر (الرمل)
(كلت كفيه توالي دَائِما ... بجيوش من عِقَاب وَنعم)
على أَن كلت مُفْرد كلتا عِنْد الْكُوفِيّين وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ على الْبَيْت الَّذِي قبله ووالى بَين الْأَمريْنِ مُوالَاة وَوَلَاء تَابع والجيش الْجند وَقيل الْجند السائر لِحَرْب أَو غَيرهَا وَالْعِقَاب النكال وَالنعَم جمع نعْمَة وَهُوَ المَال هُنَا وَالظَّاهِر أَن مُرَاد الشَّاعِر أَن إِحْدَى يَدَيْهِ تفِيد النعم لأوليائه وَالْأُخْرَى توقع النقم بأعدائه كَمَا قَالَ آخر (المتقارب)
(يداك يَد خَيرهَا يرتجى ... وَأُخْرَى لأعدائها غائظه)
(1/133)

وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى قَول الْكُوفِيّين إِن كلت هُنَا بِمَعْنى إِحْدَى فَوَجَبَ أَن يكون أَصله كلتا حذفت الْألف ضَرُورَة كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْبَيْت السَّابِق وَفِيه أَيْضا مَا نَقَلْنَاهُ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس عشر (الطَّوِيل)
(كِلَانَا إِذا مَا نَالَ شَيْئا أفاته)
تَمَامه
(وَمن يحترث حرثي وحرثك يهزل)
على أَن كلا وكلتا لَو كَانَتَا مثنيين حَقِيقَة لم يجز عود ضمير الْمُفْرد إِلَيْهِمَا كَمَا عَاد ضمير نَالَ الْمُفْرد إِلَى كلا فِي هَذَا الْبَيْت فَلَمَّا عَاد إِلَيْهَا ضمير الْمُفْرد علم أَنَّهَا مُفْردَة لفظا مثناة معنى فَعَاد إِلَيْهَا بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَهُوَ الْكثير وَيجوز أَن يثنى الضَّمِير الْعَائِد إِلَيْهَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات أَرْبَعَة رَوَاهَا الروَاة لتأبط شرا مِنْهُم الْأَصْمَعِي وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَخَالفهُم أَبُو سعيد السكرِي وَزعم أَنَّهَا لامرئ الْقَيْس وَرَوَاهَا فِي معلقته الْمَشْهُورَة بعد قَوْله
كَأَن الثريا علقت فِي مصامها ... بأمراس كتَّان إِلَى صم جندل)
والأبيات هَذِه (الطَّوِيل)
(وقربة أَقوام جعلت عصامها ... على كَاهِل مني ذَلُول مرحل)
...
(1/134)

(وواد كجوف العير قفر قطعته ... بِهِ الذِّئْب يعوي كالخليع المعيل)
(فَقلت لَهُ لما عوى إِن شَأْننَا ... قَلِيل الْغنى إِن كنت لما تمول)
(كِلَانَا إِذا مَا نَالَ شَيْئا أفاته ... وَمن يحترث حرثي وحرثك يهزل)
وَهَذَا الشّعْر أشبه بِكَلَام اللص والصعلوك لَا بِكَلَام الْمُلُوك الْوَاو وَاو رب والعصام الْحَبل الَّذِي تحمل بِهِ الْقرْبَة ويضعه الرجل على عَاتِقه وعَلى صَدره والكاهل موصل الْعُنُق وَالظّهْر والذلول فعول من ذلت الدَّابَّة ذلا بِالْكَسْرِ سهلت وانقادت فَهِيَ ذَلُول والمرحل اسْم مفعول من رحلته ترحيلا إِذا أظعنته من مَكَانَهُ وأرسلته يصف نَفسه بِأَنَّهُ يخْدم أَصْحَابه قَوْله وواد كجوف العير إِلَخ الْوَاو حرف عطف عطفت على مجرور وَاو رب وجوف العير فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه مثل مَا لَا ينْتَفع مِنْهُ بِشَيْء قَالَ أَبُو نصر وَالْعير عِنْد الْأَصْمَعِي الْحمار يذهب بِهِ إِلَى أَنه لَيْسَ فِي جَوف الْحمار شَيْء يُؤْكَل وَينْتَفع بِهِ إِذا صيد فجوف الْحمار عِنْدهم بِمَنْزِلَة الْوَادي القفر وَفِي كتاب العشرات للتميمي فِي الْمثل تَركه جَوف حمَار أَي لَيْسَ فِيهِ مَا ينْتَفع بِهِ
الثَّانِي أَن العير رجل من العمالقة وَقيل من عَاد كَانَ لَهُ بنُون وواد خصيب وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة فَخرج بنوه يتصيدون فَأَصَابَتْهُمْ صَاعِقَة فَأَحْرَقَتْهُمْ فَكفر بِاللَّه وَقَالَ لَا أعبد رَبًّا أحرق بني وَأخذ فِي عبَادَة الْأَصْنَام ودعا قومه إِلَيْهَا فَمن أَبى قَتله فَسلط الله على واديه نَارا فَأَهْلَكَهُ وأخرب واديه والوادي بلغَة الْيمن الْجوف
(1/135)

قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله قَالَ أَبُو نصر قَالَ الْأَصْمَعِي حَدثنِي ابْن الْكَلْبِيّ عَن فَرْوَة بن سعيد عَن عفيف الْكِنْدِيّ أَن هَذَا الَّذِي ذكرته الْعَرَب كَانَ رجلا من بقايا عَاد يُقَال لَهُ حمَار بن مويلع فعدلت الْعَرَب عَن ذكر الْحمار إِلَى ذكر العير لِأَنَّهُ فِي الشّعْر أخف وأسهل مخرجا ا. هـ.
وَقد ضربت الْعَرَب الْمثل بِهِ فِي الخراب والخلاء فَقَالُوا أخرب من جَوف حمَار وأخلى من جَوف حمَار قَالَ الشَّاعِر (الرمل)
(وبشؤم الْبَغي والغشم قَدِيما ... مَا خلا جَوف وَلم يبْق حمَار)
وَقَالُوا أَيْضا أكفر من حمَار وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ بجوف العير وسط السَّيْف وَالْعير وسط السَّيْف والخليع قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي هُوَ الَّذِي قد خلعه أَهله لجناياته والمعيل الَّذِي ترك يذهب وَيَجِيء حَيْثُ شَاءَ وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي الخليع المقامر وَيُقَال هُوَ الَّذِي خلع عذاره فَلَا يُبَالِي مَا ارْتكب والمعيل الْكثير الْعِيَال وَأَرَادَ يعوي عواء مثل عواء الخليع وَقَوله إِن كنت لما تمول لما نَافِيَة وتمول مضارع مَحْذُوف مِنْهُ التَّاء الْمَاضِي تمول إِذا صَار ذَا مَال وَمثله مَال الرجل يمول ويمال مولا ومؤولا يَقُول إِن كنت لم تصب من الْغنى مَا يَكْفِيك فَإِن
شَأْننَا قَلِيل الْغنى أَي أَنا لَا أغْنى عَنْك وَأَنت لَا تغني عني شَيْئا أَي أَنا أطلب وَأَنت تطلب فكلانا لَا غنى لَهُ وَمن رَوَاهُ طَوِيل الْغنى أَرَادَ همتي تطول فِي طلب الْغنى وروى ابْن قُتَيْبَة وَقلت لَهُ لما عوى إِن ثَابتا قَلِيل الخ
(1/136)

وَقَوله كِلَانَا إِذا مَا نَالَ إِلَخ نَالَ ينَال نيلا أَصَابَهُ وأفاته فَوته وَلم يدخره وَرَوَاهُ ابْن قُتَيْبَة
(كِلَانَا مضيع لَا خزانَة عِنْده)
والمضيع من أضاع المَال بِمَعْنى أهلكه وروى الدينَوَرِي
(كِلَانَا مقل لَا خزانَة عِنْده)
وَقَالَ يُقَال للْعَمَل فِي الْحَرْث لزرع كَانَ أَو لغرس الحراثة والفلاحة والإكارة ثمَّ قيل للْعَمَل فِي كل شَيْء حرث فَقيل فلَان يحرث لآخرته يَقُول من يكْسب كسبي وكسبك لَا يَسْتَغْنِي لِأَنَّهُ يعِيش من الخلس وَلَا يقتني وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي أَي من طلب مني ومنك شَيْئا لم يدْرك مُرَاده وَقَالَ قوم مَعْنَاهُ من كَانَت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبتك فِي هَذَا الْموضع مَاتَ هزالًا لِأَنَّهُمَا كَانَا بواد لَا نَبَات فِيهِ وَلَا صيد وتأبط شرا اسْمه ثَابت وكنيته أَبُو زُهَيْر بن جَابر بن سُفْيَان بن عميثل ابْن عدي بن كَعْب بن حَرْب بن تيم بن سعد بن فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان وَأمه أُمَيْمَة من قين بطن من فهم وَفِي تلقيبه بتأبط شرا أَرْبَعَة أَقْوَال
أَحدهَا وَهُوَ الْمَشْهُور أَنه تأبط سَيْفا وَخرج فَقيل لأمه أَيْن هُوَ فَقَالَت لَا أَدْرِي تأبط شرا وَخرج
(1/137)

الثَّانِي أَن أمه قَالَت لَهُ فِي زمن الكمأة أَلا ترى غلْمَان الْحَيّ يجتنون لأهلهم الكمأة فيروحون بهَا فَقَالَ لَهَا أعطيني جرابك حَتَّى أجتني لَك فِيهِ فَأَعْطَتْهُ فملأه لَهَا أفاعي من أكبر مَا قدر عَلَيْهِ وأتى بِهِ متأبطا لَهُ فَأَلْقَاهُ بَين يَديهَا ففتحته فسعين بَين يَديهَا فِي بَيتهَا فَوَثَبت وَخرجت مِنْهُ فَقَالَ لَهَا نسَاء الْحَيّ مَاذَا كَانَ الَّذِي تأبطه الْيَوْم قَالَت تأبط شرا الثَّالِث أَنه رأى كَبْشًا فِي الصَّحرَاء فاحتمله تَحت إبطه فَجعل يَبُول طول الطَّرِيق عَلَيْهِ فَلَمَّا قرب من الْحَيّ ثقل عَلَيْهِ حَتَّى لم يقلهُ فَرمى بِهِ فَإِذا هُوَ الغول فَقَالَ لَهُ قومه بِمَ تأبطت يَا ثَابت فَأخْبرهُم فَقَالُوا لقد تأبط شرا الرَّابِع أَنه أَتَى بالغول فَأَلْقَاهُ بَين يَديهَا فَسُئِلت أمه عَمَّا كَانَ متأبطا فَقَالَت ذَلِك فَلَزِمَهُ وَكَانَ أحد لصوص الْعَرَب يَغْزُو على رجلَيْهِ وَحده وَكَانَ إِذا جَاع نظر إِلَى الظباء فيتنقى على نظره أسمنها ثمَّ يجْرِي خَلفه فَلَا يفوتهُ حَتَّى يَأْخُذهُ وترجمته مَذْكُورَة فِي الأغاني بحكايات كَثِيرَة يتعجب مِنْهَا الْعقل لغرابتها وَقيس عيلان تركيب إضافي لِأَن عيلان اسْم فرس قيس لَا أَبِيه كَمَا ظَنّه بعض النَّاس كَذَا فِي الْقَامُوس وَغَيره وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَلَيْسَ عيلان فِي لُغَة الْعَرَب غَيره وَمَا عداهُ غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَقيس أَبُو قَبيلَة من مُضر واسْمه النَّاس ابْن مُضر بن نزار وَقيس لقبه يُقَال تقيس فلَان إِذا تشبه بهم أَو تمسك مِنْهُم بِسَبَب إِمَّا بِحلف أَو جوَار أَو وَلَاء قَالَ رؤبة (الرجز)
(وَقيس عيلان وَمن تقيسا)
ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أدب الْكَاتِب للجواليقي قَالَ عِنْد بَيت رؤبة هَذَا قيس عيلان بن مُضر وَيُقَال قيس بن عيلان واسْمه النَّاس بالنُّون وَأَخُوهُ
(1/138)

إلْيَاس بِالْيَاءِ وَفِيه الْعدَد وَكَانَ النَّاس متلافا وَكَانَ إِذا نفذ مَا عِنْده أَتَى أَخَاهُ إلْيَاس فيناصفه مَاله أَحْيَانًا ويواسيه أَحْيَانًا فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ وَأَتَاهُ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ قَالَ لَهُ إلْيَاس غلبت عَلَيْك الْعيلَة فَأَنت عيلان فَسُمي لذَلِك عيلان وَجَهل النَّاس وَمن قَالَ قيس ابْن عيلان فَإِن عيلان كَانَ عبدا لمضر حضن ابْنه النَّاس فغلب على نِسْبَة ا. هـ.
وَمثله فِي الْأَنْسَاب للكلبي قَالَ كَانَ عيلان عبدا لمضر فحضن ابْنه النَّاس وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَهُوَ من شَوَاهِد س (الوافر)
(فَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
على أَن الذوين دَاخل فِي حد الْجمع الْمَذْكُور على أَي وَجه كَانَ لِأَن واحده ذُو وأنشده أَيْضا فِي آخر بَاب الْإِضَافَة على أَن قطع ذُو وَإِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ شَاذ وَذَلِكَ لإجرائه مجْرى صَاحب وأنشده أَيْضا فِي بَاب الْجمع الْمُذكر السَّالِم على أَنه لَو اعْتبر اللَّام أَي لَام الْفِعْل لقَالَ الذوين كالأعلين فَإِن ذُو مَفْتُوح الْعين عِنْد س قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري كسر الْعين من الذوين
(1/139)

وَكَانَ حَقّهَا أَن تفتح لِأَن ذوين جمع ذوى وَقد ثَبت ب ذواتا أفنان أَن الْعين مَفْتُوحَة ا. هـ.
قَالَ فِي الصِّحَاح وَلَو سميت رجلا ذُو لَقلت هَذَا ذوى قد أقبل فَترد
مَا ذهب مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يكون اسْم على حرفين أَحدهمَا حرف لين لِأَن التَّنْوِين يذهبه فَيبقى على حرف وَاحِد وأنشده س أَيْضا فِي بَاب تَغْيِير الْأَسْمَاء المبهمة إِذا صَارَت أعلاما خَاصَّة فَإِنَّهُ جمع ذُو جمعا سالما وأفرده من الْإِضَافَة وَأدْخل عَلَيْهِ اللَّام وَجعله أسما على حياله قَالَ فِي الصِّحَاح وَلَو جمعت ذُو مَال لَقلت هَؤُلَاءِ ذوون لِأَن الْإِضَافَة قد زَالَت وَأنْشد بَيت الْكُمَيْت وَقَالَ أَرَادَ أذواء الْيمن وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح النَّحْوِيّ للفارسي إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِأَنَّهُ أَرَادَ مُلُوك الْيمن فقد أخرجه إِلَى بَاب الْمُفْرد وَلذَلِك قَالُوا الأذواء فِي هَؤُلَاءِ لَكِن قَالَ أَبُو بكر الزبيدِيّ فِي كتاب لحن الْعَامَّة لَا يجوز أَن تدخل اللَّام على ذُو وَلَا على ذَات فِي حَال إِفْرَاد وَلَا تَثْنِيَة وَلَا جمع وَلَا تُضَاف إِلَى الْمُضْمرَات وَإِنَّمَا تقع مُضَافَة إِلَى الظَّاهِر وَقد غلط فِي ذَلِك اهل الْكَلَام وَأكْثر النَّحْوِيين من الشُّعَرَاء وَالْكتاب وَالْفُقَهَاء فَأَما قَوْلهم فِي ذِي رعين وَذي أصبح وَذي كلاع الأذواء وَقَوله ...
(1/140)

(وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
فَلَيْسَ من كَلَامهم الْمَعْرُوف أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول هَؤُلَاءِ أذواء الدَّار وَلَا مَرَرْت بأذواء المَال وَإِنَّمَا أحدث ذَلِك بعض أهل النّظر كَأَنَّهُ ذهب إِلَى جمعه على الأَصْل لِأَن أصل ذُو ذوى فَجَمعه على أذواء مثل قفا وأقفاء وَكَذَلِكَ الذوون كَأَنَّهُ جمعه مُفردا وَأخرجه مخرج الأذواء فِي الِانْفِرَاد وَذَلِكَ غير مقول لِأَن ذُو لَا تكون إِلَّا مُضَافَة وكما لَا يجوز أَن تَقول هَذَا الذو والذوان فتفرد فَكَذَلِك لَا تَقول الأذواء وَلَا الذوون لِأَن ذُو لَا تكون إِلَّا مُضَافَة وَكَذَلِكَ جمعهَا ا. هـ.
وَالصَّحِيح عِنْد س وَمن تبعه جَوَاز جمع ذُو فِي نَحْو ذِي رعين مِمَّا هُوَ جُزْء علم على الأذواء والذوين كَمَا فِي شعر الْكُمَيْت وَهُوَ عَرَبِيّ فصيح وَمُرَاد الزبيدِيّ
بتغليط من ذكر أَنهم يَقُولُونَ الذَّات وذاته فَيدْخلُونَ اللَّام عَلَيْهِ ويضيفونه إِلَى الضَّمِير وَهُوَ مؤنث ذُو وَهَذَا جَائِز أَيْضا وَإِن توقف فِيهِ أَكثر النَّاس فَإِن الذَّات قد أجري مجْرى الْأَسْمَاء الجامدة فَإِن المُرَاد بِهِ حَقِيقَة الشَّيْء وَنَفسه من غير مُلَاحظَة مَوْصُوف يجْرِي عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي تَذكرته سُئِلَ الزَّمَخْشَرِيّ عَن إِطْلَاق الذَّات على الله عَزَّ وَجَلَّ فَأجَاب بِأَنَّهَا تَأْنِيث ذُو بِمَعْنى صَاحب وَهِي مَوْضُوعَة ليوصف بهَا مَا تلبس بِمَا يلْزمهَا الْإِضَافَة إِلَيْهِ من الْأَجْنَاس فِي نَحْو قَوْلهم رجل ذُو مَال وَامْرَأَة ذَات جمال ثمَّ قطعت عَن مقتضاها وأجريت مجْرى الْأَسْمَاء الجوامد فَلَا تلْزم الْإِضَافَة وَلَا الإجراء على مَوْصُوف وعني بهَا نفس الْبَارِي وَحَقِيقَته وَأَصلهَا فِي التَّقْدِير نفس ذَات علم وَغَيره من الصِّفَات ثمَّ اسْتغنى بِالصّفةِ عَن الْمَوْصُوف وَمثله كثير وَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لإِرَادَة التَّعْمِيم كَمَا تحذف المفاعيل فَإِن قلت كَيفَ جَازَ إِطْلَاقه على الله مَعَ مَا فِيهِ من التَّأْنِيث
(1/141)

وهم يمْنَعُونَ إِطْلَاق الْعَلامَة عَلَيْهِ مَعَ أَن تاءه للْمُبَالَغَة لما فِيهِ من الْإِيهَام قلت سَاغَ من حَيْثُ سَاغَ النَّفس والحقيقة وَوَجهه أَن امْتنَاع عَلامَة لِأَنَّهُ صفة حذي بهَا حَذْو الْفِعْل فِي التفصلة بَين الْمُذكر والمؤنث بِخِلَاف الْأَسْمَاء الَّتِي لَا تجْرِي على مجْرى الْأَفْعَال فِي الْفرق فَلَمَّا انسلكت الذَّات فِي مَسْلَك الْأَسْمَاء جرت مجْرى النَّفس والحقيقة فَإِن صَحَّ مَا حُكيَ عَن الْعَرَب من قَوْلهم جعل الله مَا بَيْننَا فِي ذَاته وَعَلِيهِ بنى حبيب قَوْله (الطَّوِيل)
(وَيضْرب فِي ذَات الْإِلَه فيوجع)
فالكلمة إِذن عَرَبِيَّة وعَلى ذَلِك اسْتِعْمَال الْمُتَكَلِّمين ا. هـ.

وَأعلم أَن استشهادهم بِشعر حبيب وَبِمَا وَقع فِي الحَدِيث من قَوْله ثَلَاث كذبات فِي ذَات الله لتصحيح هَذِه اللفظه فِيهِ أَن بعض الْمُحَقِّقين قَالَ لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذَكرُوهُ وَإِنَّمَا معنى ذَات فِيهِ أُمُور تستند إِلَى الله مِمَّا أَرَادَهُ وأوجبه على عبَادَة من طَاعَته وعبادته وَالْإِيمَان بِهِ وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ بشهاده السِّيَاق والتأمل الصَّادِق وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة الْكُمَيْت بن زيد هجا بهَا أهل الْيمن تعصبا لمضر وَسَيَأْتِي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين سَبَب عصبيته لمضر ونظمه لهَذِهِ القصيدة يَقُول لَا أعنى بهجوي إيَّاكُمْ أراذلكم وَإِنَّمَا أعنى عليتكم وملوككم وروى
(1/142)

(الوافر)
(لم أقصد بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي عنيت بِهِ الذوينا)
يُقَال عنيته عنيا من بَاب رمى قصدته فمفعوله أسفليكم وَهُوَ جمع مُذَكّر سَالم واعتنيت بأَمْري اهتممت واحتفلت وعنيت بِهِ أَعنِي من بَاب رمى أَيْضا عناية كَذَلِك وَأما الْمَبْنِيّ لمفعول نَحْو عنيت بِأَمْر فلَان عناية وعنيا فَهُوَ بِمَعْنى شغلت بِهِ ولتعن بحاجتي أَي لتكن حَاجَتي شاغلة لسرك وَرُبمَا قيل عنيت بأَمْره بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل كَذَا فِي الْمِصْبَاح والأسفلون جمع أَسْفَل وَهُوَ خلاف الْأَعْلَى يُقَال سفل سفولا من بَاب قعد وسفل من بَاب قرب لُغَة صَار أَسْفَل من غَيره وسفل فِي خلقه وَعَمله سفلا من بَاب قتل وسفالا وَالِاسْم السّفل بِالضَّمِّ وَمِنْه قيل للأراذل سفلَة بِفَتْح السِّين وَكسر الْفَاء وَيجوز التَّخْفِيف بِنَقْل الكسرة إِلَى مَا قبلهَا وَأَرَادَ بالذوين الأذواء وهم مُلُوك الْيمن المسمون بِذِي يزن وَذي جدن وَذي نواس وهم التبابعة وَقَالَ ابْن الشجري فِي أمالية وأذواء الْيمن مِنْهُم مُلُوك وَمِنْهُم أقيال والقيل دون الْملك ثمَّ سرد من سمي بِذِي كَذَا من مُلُوك الْيمن وَبَالغ فِي جمعهَا وَشَرحهَا
فَمن أرادها فَلْينْظر ثمَّة وَمن يُقَال لَهُ الْكُمَيْت من الشُّعَرَاء كَمَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي ثَلَاثَة من بني أَسد بن خُزَيْمَة أَوَّلهمْ الْكُمَيْت الْأَكْبَر بن ثَعْلَبَة بن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة ابْن فقعس وَالثَّانِي الْكُمَيْت بن مَعْرُوف بن الْكُمَيْت الْأَكْبَر
(1/143)

وَالثَّالِث هُوَ صَاحب الشَّاهِد وَهُوَ الْكُمَيْت بن زيد بن الْأَخْنَس بن مجَالد بن ربيعَة بن قيس بن الْحَارِث بن عَامر بن دويبة بن عَمْرو بن مَالك بن سعد بن ثَعْلَبَة ابْن دودان بن أَسد وَهُوَ كُوفِي شَاعِر مقدم عَالم بلغات الْعَرَب خَبِير بأيامها وَمن شعراء مُضر وألسنتها المتعصبين على القحطانية المقارعين الْعَالمين بالمثالب يُقَال مَا جمع أحد من علم الْعَرَب ومناقبها وَمَعْرِفَة أنسابها مَا جمع الْكُمَيْت فَم صحّح الْكُمَيْت نسبه صَحَّ وَمن طعن فِيهِ وَهن وَسُئِلَ معَاذ الهراء عَن أشعر النَّاس فَقَالَ من الجاهليين امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر وَعبيد ابْن الأبرص وَمن الإسلاميين الفرزدق وَجَرِير والأخطل فَقيل لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا رَأَيْنَاك ذكرت الْكُمَيْت قَالَ ذَاك أشعر الْأَوَّلين والآخرين وَقَالَ أَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ لَوْلَا شعر الْكُمَيْت لم يكن للغة ترجمان وَلَا للْبَيَان لِسَان يُقَال إِن شعره بلغ أَكثر من خَمْسَة آلَاف بَيت وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لَو لم يكن لبني أَسد منقبة غير الْكُمَيْت لكفاهم حببهم إِلَى النَّاس وَأبقى لَهُم ذكرا وَقَالَ بَعضهم فِي الْكُمَيْت خِصَال لم تكن فِي شَاعِر كَانَ خطيب بني أَسد
وفقيه الشِّيعَة وحافظ الْقُرْآن وَكَانَ ثَبت الْجنان وَكَانَ كَاتبا حسن الْخط وَكَانَ نسابة وَكَانَ جدليا وَهُوَ أول من نَاظر فِي التَّشَيُّع مجاهرا بذلك وَله فِي أهل الْبَيْت القصائد الْمَشْهُورَة وَهِي أَجود شعره وَكَانَ فِي صغره ذكيا لوذعيا يُقَال إِنَّه وقف وَهُوَ صبي على الفرزدق
(1/144)

وَهُوَ ينشد فأعجبه سَمَاعه فَلَمَّا فرغ قَالَ يَا غُلَام كَيفَ ترى مَا تسمع قَالَ حسن يَا عَم قَالَ أَيَسُرُّك أَنِّي أَبوك قَالَ أما أبي فَلَا أبغي بِهِ بَدَلا وَلَكِن يسرني أَنَّك أُمِّي فحصر الفرزدق وَقَالَ مَا مر بِنَا مثلهَا وَحكى صاعد مولى الْكُمَيْت قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على عَليّ بن الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ إِنِّي قد مدحتك بِمَا أَرْجُو أَن يكون لي وَسِيلَة عِنْد رَسُول الله
ثمَّ أنْشدهُ قصيدته الَّتِي أَولهَا (الْخَفِيف)
(من لقلب متيم مستهام ... غير مَا صبوة وَلَا أَحْلَام)
فَلَمَّا أَتَى على آخرهَا قَالَ لَهُ ثوابك نعجز عَنهُ وَلَكِن مَا عجزنا عَنهُ فَإِن الله لَا يعجز عَن مكافأتك اللَّهُمَّ أَغفر للكميت اللَّهُمَّ أَغفر للكميت ثمَّ قسط لَهُ على نَفسه وعَلى أَهله أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ لَهُ خُذ يَا أَبَا المستهل فَقَالَ لَهُ لَو وصلتني بدانق لَكَانَ شرفا لي وَلَكِن إِن أَحْبَبْت أَن تحسن إِلَيّ فادفع إِلَيّ بعض ثِيَابك الَّتِي تلِي جسدك أتبرك بهَا فَقَامَ فَنزع ثِيَابه وَدفعهَا إِلَيْهِ كلهَا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن الْكُمَيْت جاد فِي آل رَسُولك وذرية نبيك بِنَفسِهِ حِين ضن النَّاس وَأظْهر مَا كتمه غَيره من الْحق فأحيه سعيدا وَأمته شَهِيدا وأره الْجَزَاء عَاجلا وأجزل لَهُ جزيل المثوبة آجلا فَإنَّا قد عجزنا عَن مكافاته قَالَ الْكُمَيْت مَا زلت أعرف بركَة دُعَائِهِ وَحدث مُحَمَّد بن سهل قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على جَعْفَر الصَّادِق فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ جعلت فداءك أَلا أنْشدك قَالَ إِنَّهَا أَيَّام عِظَام قَالَ إِنَّهَا
فِيكُم قَالَ هَات فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(أَلا هَل عَم فِي رَأْيه متأمل ... وَهل مُدبر بعد الْإِسَاءَة مقبل)
...
(1/145)

(وَهل أمة مستيقظون لدينهم ... فَيكْشف عَنهُ النعسة المتزمل)
(فقد طَال هَذَا النّوم واستخرج الْكرَى ... مساويهم لَو أَن ذَا الْميل يعدل)
(وعطلت الْأَحْكَام حَتَّى كأننا ... على مِلَّة غير الَّتِي نتنحل)
(كَلَام النَّبِيين الهداة كلامنا ... وأفعال أهل الْجَاهِلِيَّة نَفْعل)
(رَضِينَا بدنيا لَا نُرِيد فراقها ... على أننا فِيهَا نموت ونقتل)
(وَنحن بهَا مستمسكون كَأَنَّهَا ... لنا جنَّة مِمَّا نَخَاف وَمَعْقِل)
فَكثر الْبكاء وَارْتَفَعت الْأَصْوَات فَلَمَّا مر على قَوْله فِي الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
(كَأَن حُسَيْنًا والبهاليل حوله ... لأسيافهم مَا يختلي المتبقل)
(وَغَابَ نَبِي الله عَنْهُم وفقده ... على النَّاس رزء مَا هُنَاكَ مجلل)
(فَلم أر مخذولا أجل مُصِيبَة ... وَأوجب مِنْهُ نصْرَة حِين يخذل)
فَرفع جَعْفَر الصَّادِق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للكميت مَا قدم وَمَا آخر وَمَا أسر وَمَا أعلن وأعطه حَتَّى يرضى ثمَّ أعطَاهُ ألف دِينَار وكسوه فَقَالَ لَهُ الْكُمَيْت وَالله مَا أحببتكم للدنيا وَلَو أردتها لأتيت من هِيَ فِي يَدَيْهِ ولكنني أحببتكم للآخرة فَأَما الثِّيَاب الَّتِي أَصَابَت أجسادكم فَإِنِّي أقبلها لبركتها وَأما المَال فَلَا أقبله وَكَانَت ولادَة الْكُمَيْت سنة سِتِّينَ وَهِي أَيَّام مقتل الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد
وَكَانَ السَّبَب فِي مَوته أَنه مدح يُوسُف بن عمر بعد عزل خَالِد الْقَسرِي
(1/146)

عَن الْعرَاق فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أنْشدهُ مديحة معرضًا بِخَالِد وَكَانَ الْجند على رَأس يُوسُف متعصبين لخَالِد فوضعوا سيوفهم فِي بَطْنه وَقَالُوا أتنشد الْأَمِير وَلم تستأمره فَلم يزل ينزف الدَّم مِنْهُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والكميت مُشْتَقّ من الكمتة يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مُصَغرًا وَهُوَ تَصْغِير أكمت على غير قِيَاس والأسم الكمته وَهُوَ من الْخَيل بَين الْأسود والأحمر قَالَ أَبُو عبيد وَيفرق بَين الْكُمَيْت والأشقر بِالْعرْفِ والذنب فَإِن كَانَا أحمرين فَهُوَ أشقر وَإِن كَانَا أسودين فَهُوَ الْكُمَيْت وَوجه تصغيره س بِمَا يستحسن فَقَالَ لِأَنَّهُ لم يخلص لَهُ لون بِعَيْنِه فينفرد بِهِ مكبرا وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع عشر (المتقارب)
(وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْبَصرِيين جوزوا للضَّرُورَة ترك صرف المنصرف بِشَرْط العلمية وأنشده أَيْضا هُنَا فِي آخر الْكَلَام على مُنْتَهى الجموع على أَن الْكُوفِيّين يمْنَعُونَ الصّرْف بالعلمية وَحدهَا لِأَنَّهَا سَبَب قوي فِي بَاب منع الصّرْف أَرَادَ بِبَعْض الْبَصرِيين أَبَا الْحسن الْأَخْفَش وَأَبا عَليّ الْفَارِسِي وَابْن برهَان وَاشْتِرَاط العلمية لمنع الصّرْف إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب السُّهيْلي لَا غير وَأما الْكُوفِيُّونَ فهم يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة مُطلقًا فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم
قَول الشَّاعِر
(1/147)

(الطَّوِيل)
(فأوفض مِنْهَا وَهِي ترغو حشاشة ... بِذِي نَفسهَا وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر)
قَالُوا ترك صرف عُرْيَان وَهُوَ منصرف لِأَن مؤنثه عُرْيَانَهُ لَا عريا وَسَيَأْتِي مثله للشَّارِح فِي هَذَا الْبَاب وَقَول الفرزدق وَقيل هُوَ لِابْنِ أَحْمَر (الطَّوِيل)
(إِذا قَالَ عاو من تنوخ قصيدة ... بهَا جرب عدت عَليّ بزوبرا)
قَالُوا ترك صرف زوبر وَهُوَ منصرف وَمَعْنَاهُ نسبت إِلَيّ بكمالها من قَوْلهم أَخذ الشَّيْء بزوبره إِذا أَخذه كُله وَقيل بزوبرا أَي كذبا وزورا وَإِن كَانَ زوبر عِنْد الْبَصرِيين معرفَة قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج وَهُوَ تَفْسِير أسامي شعراء الحماسة سَأَلت أَبَا عَليّ عَن ترك صرف زوبر فَقَالَ جعلهَا علما لما تضمنته القصيدة من الْمَعْنى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل هُوَ علم للكلية كسبحان علم للتسبيح وَكَذَا ذكره الشَّارِح فِي بَاب الْعلم نعم أَكثر شواهدهم جَاءَت فِي الْأَعْلَام وَكَأَنَّهُم راعوا بِحَسب الْأَغْلَب العلمية فِي منع الصرغ وَحدهَا للضَّرُورَة كَمَا أهملوها أَيْضا للضَّرُورَة فَالْمَسْأَلَة ثلاثية الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالْمَنْع مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَالْجَوَاز مَعَ العلمية وَهُوَ مَذْهَب السُّهيْلي وَقد حكى هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة الشاطبي فِي شرح الألفية وَقَالَ الْمبرد الرِّوَايَة
(يَفُوقَانِ شَيْخي فِي مجمع)
قَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل وللمبرد إقدام فِي رد مَا لم يرو مَعَ أَن الْبَيْت بِذكر مرادس ثَابت بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَذكر
(1/148)

شَيْخي لَا يعرف لَهُ سَنَد صَحِيح وَلَا سَبَب يُدْنِيه من التَّسْوِيَة فَكيف من التَّرْجِيح وَقَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة بعد أَن عَارض الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة بِرِوَايَة الْمبرد على أَن الْمبرد قد حكى عَنْهُم سَلام عَلَيْكُم غير منون وَالْقَوْل فِيهِ أَن اللَّفْظَة كثرت فِي كَلَامهم فَحذف تنوينها تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا لم يَك وَلَا تبل وَلَا أدر انْتهى يُرِيد إِن سلمنَا رِوَايَة الْكُوفِيّين فَهُوَ من بَاب حذف التَّنْوِين لَا من بَاب منع الصّرْف وَهَذَا ظَاهر فِي الْمَنْصُوب وليت شعري مَا يَقُول فِي الْمَجْرُور إِذا جر بالفتحة كَقَوْل الشَّاعِر (الْكَامِل)
(قَالَت أُمَيْمَة مَا لِثَابِت شاخصا ... عاري الأشاجع ناحلا بالمفصل)
ف ثَابت علم جر بالفتحة وَقَول الآخر (الْكَامِل)
(وَإِلَى ابْن أم أنَاس تعمد نَاقَتي ... عَمْرو لتنجح نَاقَتي أَو تتْلف)
فجر أنَاس بالفتحة وَأم أنَاس بنت ذهل بن شَيبَان وَعَمْرو هُوَ عَمْرو بن حجر الْكِنْدِيّ وَقَوله (الطَّوِيل)
(وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَا ... صَحا قلبه عَن آل ليلى وَعَن هِنْد)
وَنَحْو هَذَا من أَبْيَات أخر وَاسْتدلَّ الْكُوفِيُّونَ على جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما
السماع فكثرة الشواهد وَهِي تزيد على عشْرين بَيْتا ذكرهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف واثبتها البصريون بروايات لَيْسَ فِيهَا ترك الصّرْف فَقَالُوا فِي قَوْله ...
(1/149)

(وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَا)
الرِّوَايَة
(وقائلة مَا للقريعي بَعدنَا)
وَقَالُوا فِي قَوْله (مجزوء الوافر)
(وَمصْعَب حِين جد الْأَمر ... أَكْثَرهَا وأطيبها)
الرِّوَايَة وَأَنْتُم حِين جد الْأَمر وَهَكَذَا رووا فِي سَائِر الأبيات فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة مَا روينَاهُ وَلَو سلمنَا صِحَة روايتكم فَمَا جوابكم عَمَّا روينَاهُ مَعَ صِحَّته وشهرته وَأما الْقيَاس فَإِنَّهُ لما جَازَ صرف مَالا ينْصَرف اتِّفَاقًا وَهُوَ خلاف الْقيَاس جَازَ الْعَكْس أَيْضا إِذْ لَا فرق بَينهمَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا جَازَ حذف الْوَاو المتحركة ضَرُورَة من قَوْله (الطَّوِيل)
(فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب)
وَأَصله فَبينا هُوَ فجواز حذف التَّنْوِين ضَرُورَة من بَاب أولى لِأَن الْوَاو من هُوَ متحركة والتنوين سَاكن وَلَا خلاف أَن حذف الْحَرْف السَّاكِن أسهل من حذف المتحرك وَأما البصريون فَقَالُوا لَا يجوز ترك الصّرْف لِأَن الأَصْل فِي الْأَسْمَاء الصّرْف فَلَو أَنا جَوَّزنَا ذَلِك أدّى إِلَى رده عَن الأَصْل إِلَى الْفَرْع وَلَا لتبس مَا ينْصَرف بِمَا لَا ينْصَرف وعَلى هَذَا يخرج حذف الْوَاو من هُوَ نَحْو قَوْله فبيناه يشري رَحْله
فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى لبس وَإِنَّمَا جَازَ فِي الضَّرُورَة صرف مَالا ينْصَرف لِأَنَّهُ من أصل الِاسْم فَإِذا اضطروا ردُّوهُ إِلَى أَصله وَإِن لم ينطقوا إِلَيْهِ فِي السعَة كَمَا لم ينطقوا بِنَحْوِ ضننوا فِي السعَة بِخِلَاف منع الصّرْف لِأَنَّهُ لَيْسَ من أصل المنصرف أَلا ينْصَرف
(1/150)

وَقد ذهب ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف مَذْهَب الْكُوفِيّين لِكَثْرَة النَّقْل الَّذِي خرج عَن هَذَا الشذوذ والقلة فَقَالَ وَلما صحت الرِّوَايَة عِنْد الْأَخْفَش والفارسي وَابْن برهَان من الْبَصرِيين صَارُوا إِلَى جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة تبعا للكوفيين وهم من أكَابِر أَئِمَّة الْبَصرِيين والمشار إِلَيْهِم من الْمُحَقِّقين وَأجَاب عَن كَلِمَات الْبَصرِيين فَقَالَ أما قَوْلهم يُؤَدِّي ترك الصّرْف إِلَى الْفَرْع قُلْنَا هَذَا يبطل بِحَذْف الْوَاو من هُوَ فِي قَوْله فبيناه يشري خُصُوصا على أصل الْبَصرِيين فَإِن الْوَاو عِنْدهم أَصْلِيَّة وَقَوْلهمْ لَا التباس بحذفها غير مُسلم فَإنَّك إِذا قلت غزا هُوَ بتأكيد الضَّمِير الْمُتَّصِل بالمنفصل فَإِذا حذفت الْوَاو حصل اللّبْس وَكَذَلِكَ يحصل اللّبْس بِصَرْف مَا لَا ينْصَرف فَإِنَّهُ يُوقع لبسا بَين المنصرف وَغَيره وَمَعَ هَذَا وَقع الْإِجْمَاع على جَوَازه فَإِن قَالُوا الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل القانون بِهِ دون الشّعْر وَصرف مَا لَا ينْصَرف لَا يُوقع لبسا بَين مَا ينْصَرف وَبَين مَا لَا ينْصَرف لِأَنَّهُ لَا يلتبس ذَلِك فِي أختيار الْكَلَام قُلْنَا وَهَذَا هُوَ جَوَابنَا عَمَّا ذكرتموه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل بِهِ القانون فَترك صرف مَا لَا ينْصَرف فِي الضَّرُورَة لَا يُوجب لبسا بَينهمَا إِذْ لَا يلتبس مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف فِي اخْتِيَار الْكَلَام وَأطَال الْكَلَام فِي الرَّد على الْبَصرِيين وَقد أورد الْفَارِسِي فِي تَذكرته على أصل الْبَصرِيين سؤالا لم يجب عَنهُ فَقَالَ أفيجوز فِي الضَّرُورَة أَن لَا يعرب الْفِعْل الْمُضَارع لِأَن الأَصْل كَانَ فِيهِ
(1/151)

أَن لَا يعرب كَمَا كَانَ الأَصْل فِي الِاسْم أَن لَا يصرف فَإِذا لم تعربه رَددته إِلَى الأَصْل فِي
الضَّرُورَة كَمَا رددت الِاسْم إِلَى الصّرْف فِي الضَّرُورَة وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقوله فاليوم أشْرب وَنَحْو ذَلِك قيل أما الأبيات فَلَيْسَتْ بِدَلِيل قَاطع لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون أجريت فِي الْوَصْل مجْرى الْوَقْف وَبَقِي النّظر فِي هَل يجوز أَن لَا يعرب
هَذَا مَا قَالَه وَلم يجب عَنهُ قَالَ الشاطبي وَكَأَنَّهُ إِشْكَال على مَذْهَب الْبَصرِيين لَكِن الْجَواب يظْهر عَنهُ بِأَدْنَى نظر انْتهى وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سَبْعَة للْعَبَّاس بن مرداس الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ابْن أبي عَامر بن حَارِثَة بن عبد بن عبس بن رِفَاعَة بن الْحَرْث بن بهثة بن سليم أسلم قبل فتح مَكَّة بِيَسِير وَأمه الخنساء الصحابية الشاعرة كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي ترجمتها وَكَانَ عَبَّاس هَذَا من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَلما فرغ رَسُول الله
من رد سَبَايَا حنين إِلَى أَهلهَا أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَكَانُوا أَشْرَاف يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ فَأعْطى أَبَا سُفْيَان وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام والْحَارث بن الْحَارِث بن كلدة والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى وَصَفوَان بن أُميَّة وكل هَؤُلَاءِ من أَشْرَاف قُرَيْش والأقرع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان الْمُجَاشِعِي التَّمِيمِي وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ وَمَالك ابْن عَوْف النصري أعْطى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ مائَة بعير
(1/152)

وَأعْطى دون الْمِائَة رجَالًا من قُرَيْش وَأعْطى عَبَّاس بن مرداس أباعر فسخطها وَقَالَ يُعَاتب النَّبِي
(المتقارب)
(أَتجْعَلُ نَهْبي وَنهب العبيد ... بَين عُيَيْنَة والأقرع)
(وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
(وَمَا كنت دون امْرِئ مِنْهُمَا ... وَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع)
(وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإ ... فَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع)
(إِلَّا أفائل من حَرْبَة ... عديد قوائمه الْأَرْبَع)
(وَكَانَت نهابا تلافيتها ... ... بكري على الْمهْر فِي الأجرع)
(وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدوا ... إِذا هجع النَّاس لم أهجع)
النهب الْغَنِيمَة وَالْعَبِيد بِالتَّصْغِيرِ اسْم فرس الْعَبَّاس وَكَانَ يدعى فَارس العبيد وتدرأ تفعل بِضَم التَّاء وَفتح الْعين مَهْمُوز من الدرء وَهُوَ الدّفع قَالَ فِي الصِّحَاح وَقَوْلهمْ السُّلْطَان ذُو تدرإ أَي 1 ذُو عدَّة وَقُوَّة على دفع أعدائه عَن نَفسه وَهَذَا اسْم مَوْضُوع للدَّفْع وَقَوله فَلم أعْط شَيْئا إِلَخ أَي لم أعْط شَيْئا طائلا أَو لم أعْط شَيْئا اسْتَحَقَّه وَهُوَ الْمِائَة وَلم أمنع من الْإِعْطَاء لِأَنِّي أَعْطَيْت بَعْضًا قيل كَانَ أعطي خمسين وَاسْتشْهدَ بِهِ النُّحَاة على حذف الصّفة لِئَلَّا يلْزم التَّنَاقُض والأفائل جمع أفيل بِالْفَاءِ كالفصيل وزنا وَمعنى وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ ابْن سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة وَيجمع على إفال أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة وَهَذِه رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة وروى ابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق إِلَّا افائل أعطيتهَا كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر فَلَمَّا أنْشد هَذِه الأبيات بَين يَدي النَّبِي
قَالَ اقْطَعُوا عني لسانة فَأعْطِي حَتَّى رَضِي وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة
(1/153)

أتمهَا لَهُ مائَة وَقَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير قَالَ لعَلي يَا عَليّ اقْطَعْ لِسَانه عني فَقبض على يَده وَخرج بِهِ فَقَالَ أقاطع أَنْت لساني يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ إِنِّي لممض
فِيك مَا أمرت ثمَّ مضى بِهِ إِلَى إبل الصَّدَقَة فَقَالَ خُذ مَا أَحْبَبْت قَالَ وَقَول عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أحسن مواربة سَمعتهَا فِي كَلَام الْعَرَب وَفِيه رِوَايَات آخر حَكَاهَا السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي والمرداس الْحَصَاة الَّتِي يَرْمِي بهَا فِي الْبِئْر لينْظر هَل فِيهَا مَاء أم لَا وَأَخْطَأ شَارِح اللب حَيْثُ قَالَ إِن مرداسا هَذَا هُوَ رَأس الْخَوَارِج وكنيته أَبُو بِلَال وَحكى رِوَايَة الأبيات للصحابي بقيل وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن عشر (الرجز)
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم ... يَا لَك برقا لَا يشقه لَا يلم)
قَالَ الشَّارِح وَكَذَا تهام بِفَتْح التَّاء فِي الْمَنْسُوب إِلَى التهم بِمَعْنى تهَامَة يُرِيد أَن الْألف فِي تهام بِالْفَتْح عوض من إِحْدَى ياءي النّسَب كَمَا فِي يمَان إِذْ هُوَ مَنْسُوب إِلَى يمن وَإِنَّمَا قيد بِفَتْح التَّاء لِأَنَّك إِذا كسرتها قلت تهامي بتَشْديد الْيَاء لِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى تهَامَة بِالْكَسْرِ فالألف من لَفظهَا وَلَيْسَت بَدَلا قَالَ المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب رجل تهام أَي من أهل تهَامَة وَالْأَصْل تهمي لِأَن تهما قد وضع مَوضِع تهَامَة لكِنهمْ حذفوا إِحْدَى ياءي النِّسْبَة وأبدلوا مِنْهَا ألفا وَأنْشد هَذَا الْبَيْت عَن أبي عَليّ الْفَارِسِي
(1/154)

وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص فَإِن قلت فَإِن فِي تهَامَة ألفا فَلم ذهبت إِلَى أَن هَذِه الْألف فِي تهام عوض من إِحْدَى الياءين للإضافة قيل قَالَ الْخَلِيل فِي هَذَا كَأَنَّهُمْ نسبوه إِلَى فعل أَو فعل وَكَأَنَّهُم كفوا صِيغَة تهَامَة وأصاروها إِلَى تهم أَو تهم ثمَّ أضافوا إِلَيْهِ فَقَالُوا تهام وَإِنَّمَا مثل الْخَلِيل بَين فعل وَفعل وَلم يقطع بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ قد جَاءَ هَذَا الْعَمَل فِي هذَيْن المثالين جَمِيعًا وَهُوَ الشأم واليمن وَهَذَا التَّرْخِيم الَّذِي أشرف عَلَيْهِ الْخَلِيل ظنا قد جَاءَ بِهِ السماع نصا أنشدنا أَبُو عَليّ قَالَ أنْشد أَحْمد بن يحيى
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم الْبَيْت)
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم التهم بِفَتْح أَوله وثانية قَالَه ابْن الْأَعرَابِي وَأنْشد
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم الْبَيْت)
ثمَّ قَالَ تهَامَة بِكَسْر أَوله أَرض طرفها من قبل الْحجاز مدارج العرج وأولها من قبل نجد مدارج ذَات عرق وَسميت تهَامَة لتغير هوائها من قَوْلهم تهم الدّهن وتمه إِذا تَغَيَّرت رَائِحَته ا. هـ.
وَقَالَ ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ وتهامة اسْم لكل مَا نزل من بِلَاد الْحجاز سميت بذلك من التهم بِفَتْح الْمُثَنَّاة وَالْهَاء وَهُوَ شدَّة الْحر وركود الرّيح وَقيل تغير الْهَوَاء لَكِن صَاحب الصِّحَاح والقاموس قَالَا إِن التهم مصدر من تهَامَة وَبَينه صَاحب الْقَامُوس فَقَالَ وتهامة بِالْكَسْرِ مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَأَرْض لَا بلد وَوهم الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ والتهمة بِالْفَتْح الْبَلدة ولغة فِي تهَامَة وبالتحريك الأَرْض المتصوبه إِلَى الْبَحْر كالتهم كَأَنَّهُمَا مصدران من تهَامَة لِأَن التهائم متصوبة إِلَى الْبَحْر
(1/155)

وأرقني أسهرني من الأرق بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ السهر بِاللَّيْلِ وَفعله من بَاب فَرح ونعديته بالتضعيف وَيَا لَك برقا تعجب من الْبَرْق واستعظام لَهُ وَقد شرح الشَّارِح فِي بَاب الاستغاثة نَحْو هَذَا التَّرْكِيب وبرقا تَمْيِيز وَفِيه الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والشوق إِلَى الشَّيْء نزاع النَّفس إِلَيْهِ يُقَال شاقني الشَّيْء أَي جعلني مشتاق وَإِنَّمَا جعله الْبَرْق مشتاقا لِأَن حبيبته فِي تِلْكَ الأَرْض تذكر بالبرق وميض ثناياها فَلم تَأْخُذهُ سنة كَمَا قَالَ الشَّاعِر (الرجز)
(جَارِيَة فِي رَمَضَان الْمَاضِي ... تقطع الحَدِيث بالإيماض)
وَقَالَ المتنبي (الطَّوِيل)
(إِذا الْغُصْن أم ذَا الدعص أم أَنْت فتْنَة ... وذيا الَّذِي قبلته الْبَرْق أم ثغر)
وأستحسن قَول ابْن نَبَاته الْمصْرِيّ (الطَّوِيل)
(تذكرت لما أَن رَأَيْت جبينها ... هِلَال الدجى وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر)
وفاعل يشقه ضمير الْبَرْق وَالْهَاء مفعول وَهُوَ ضمير من الشّرطِيَّة وَلَا يلم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مناللوم وَهُوَ العذل جَوَاب من وَوُجُود لَا النافية لَا يمْنَع الْجَزْم فَإِن الْمُضَارع الْمَنْفِيّ بِلَا إِذا وَقع جَزَاء يجوز جزمه كَقَوْلِه تَعَالَى {إِن تدعوهم لَا يسمعوا دعاءكم} وَيجوز رَفعه لَكِن يجب أقترانة حِينَئِذٍ بِالْفَاءِ نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا} وَأورد ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره بعد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ثَلَاثَة أَبْيَات آخر وَلم يعز الشّعْر لأحد وَهِي
(1/156)

(الرجز)
(مَا زَالَ يسري منجدا حَتَّى عتم ... كَأَن فِي رِيقه إِذا ابتسم)
(بلقاء تَنْفِي الْخَيل عَن طِفْل متم)
ومنجد من أنجد إِذا ذهب إِلَى النجد والنجد كل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد وعتم دخل فِي الْعَتَمَة وَالْمَشْهُور أعتم بِالْألف وَالْعَتَمَة بِالتَّحْرِيكِ الثُّلُث الأول من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَّفق والريق بِالتَّشْدِيدِ وريق كل شَيْء أَوله والبلقاء الْفرس الَّتِي فِيهَا البلق وَهُوَ بَيَاض وَسَوَاد وتنفي تطرد وَالْخَيْل مَفْعُوله وَعَن مُتَعَلق بتنفي والمتم بِفَتْح التَّاء الْوَلَد الَّذِي يُولد لتَمام مدَّته وَهَذَا الْبَيْت مثل بَيت أَوْس بن حجر فِي رصف الْبَرْق وَهُوَ (الْبَسِيط)
(كَانَ رِيقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق يَنْفِي الْخَيل رماح)
قَالَ شارحة ابْن السّكيت رِيقه مسترقه لَيْسَ بمعظمه والأقراب جمع الْقرب وَهُوَ الكشح يَقُول ينْكَشف الْبَرْق كَمَا يرمح الأبلق فيبدو بياضه ا. هـ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(يَحْدُو ثَمَانِي مُولَعا بلقاحها)
على أَن ثَمَانِي لم يصرف فِي الشّعْر شذوذا لما توهم الشَّاعِر أَن فِيهِ معنى الْجمع وَلَفظه يشبه لفظ الْجمع وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول ثمانيا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي ثَمَانِي لُغَتَانِ الصّرْف لِأَنَّهُ اسْم عدد وَلَيْسَ بِجمع وَمنع الصّرْف لِأَنَّهُ جمع من جِهَة مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ عدد يَقع للْجمع بِخِلَاف يمَان وشآم
(1/157)

لِأَنَّهُ غير جمع وَفِيه جمع فَإِن س وَغَيره قَالُوا إِنَّه شَاذ توهم الشَّاعِر فِيهِ معنى الْجمع فَلم يصرفهُ وَلم يقل أحد إِنَّه لُغَة وَفِي شرح شَوَاهِد الْكتاب للنحاس قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد جعل بعض الشُّعَرَاء ثَمَانِي بِمَنْزِلَة حذَارِي حَدثنِي أَبُو الْخطاب أَنه سمع الْعَرَب ينشدون هَذَا الْبَيْت غير منون وَسمعت أَبَا الْحسن يَقُول إِن هَذَا الْأَعرَابِي غلط وتوهم أَن ثَمَانِي جمع على الْوَاحِد وتوهم أَنه من الثّمن ا. هـ.
أَي توهم أَنه الْجُزْء الَّذِي صير السَّبْعَة ثَمَانِيَة فَهُوَ ثمنهَا وَقَالَ الأعلم الشنتمري كَأَنَّهُ توهم أَن واحده ثمنية كحذرية ثمَّ جمع فَقَالَ ثَمَانِي كَمَا يُقَال حذَارِي فِي جمع حذرية وَالْمَعْرُوف صرفهَا على أَنَّهَا اسْم وَاحِد أَي بِلَفْظ الْمَنْسُوب نَحْو يمَان والحذرية بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قِطْعَة غَلِيظَة من الأَرْض وَهَذَا المصراع صدر وعجزه
(حَتَّى هممن بزيغة الإرتاج)
وَقبل هَذَا الْبَيْت
(وَكَأن أصل رِحَالهَا وحبالها ... علقن فَوق قويرح شحاج)
وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لِابْنِ ميادة كَمَا قَالَ السيرافي شبه نَاقَته بسرعتها بِحِمَار وَحش قارح يَحْدُو ثَمَانِي أتن أَي يَسُوقهَا مُولَعا بلقاحها حَتَّى تحمل وَهِي لَا تمكنه فتهرب مِنْهُ لِأَن الْأُنْثَى من الْحَيَوَان غير الْإِنْسَان لَا تمكن الْفَحْل إِذا حملت والرحال جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن وَضمير رِحَالهَا للناقة وعلقن بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير الرّحال والحبال واكتسب الْمُضَاف
(1/158)

الجمعية من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصح سُقُوطه والقويرح مصغر قارح وَهُوَ من ذِي الْحَافِر الَّذِي انْتَهَت أَسْنَانه وَإِنَّمَا يَنْتَهِي أَسْنَانه فِي خمس سِنِين والتصغير للتعظيم والشحاج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ الْحمار الوحشي وَهُوَ بدل من قويرح أَو عطف بَيَان ويحدو بِمَعْنى يَسُوق وفاعله ضمير الشحاج وَالْجُمْلَة صفة لَهُ وَأَرَادَ بالثماني أتنه وَلِهَذَا حذف التَّاء مِنْهُ أَو لِأَن الْمَعْدُود مَحْذُوف والمولع من أولع بالشَّيْء بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مولع بِهِ بِفَتْح اللَّام أَي أغرى بِهِ وعلق بِهِ واللقاح كسحاب مَاء الْفَحْل فِي رحم النَّاقة وَفِي الْمِصْبَاح اللقَاح بِفَتْح اللَّام وبكسرها اسْم من ألقح الذّكر وَالْأُنْثَى أَي أحبلها وَحَتَّى غَايَة لقَوْله يَحْدُو وهم بالشَّيْء من بَاب قتل إِذا أَرَادَهُ وَلم يَفْعَله والزيغة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وبالغين الْمُعْجَمَة مصدر زاغ يزِيغ أَي مَال والإرتاج بِالْكَسْرِ مصدر أرتجت النَّاقة إِذا أغلقت رخمها على مَاء الْفَحْل يُرِيد أَن هَذَا الْحمار عدا خلف أتنه ليلقحها ويركبها حَتَّى تحبل فهربت مِنْهُ فَكَأَنَّهُ سَاقهَا سوقا عنيفا حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا أرتجت عَلَيْهِ أرحامها من الأجنة وإزلاقه وَكَأن زِمَام هَذِه النَّاقة مُرْتَبِط بِهَذَا الْحمار الشَّديد الْحِرْص على اللقَاح بأتنه فَهِيَ تعدو بعدوه وَهَذَا غَايَة فِي سرعَة النَّاقة وروى بربقة الإرتاج والربقة بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وبالقاف أَرَادَ بِهِ العقد لِأَنَّهَا إِذا أغلقت فَم الرَّحِم على مَاء الْفَحْل فَكَأَنَّهَا عقدته وَمِنْه الحَدِيث فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه أَي عقد الْإِسْلَام وأصل الربقة وَاحِد الربق بِالْكَسْرِ وَهُوَ حَبل فِيهِ عدَّة عرى تشد بِهِ البهم الْوَاحِدَة من العرى ربقة ولابد من تَقْدِير مُضَاف على هَذِه الرِّوَايَة أَي حَتَّى هممن بِحل ربقة
الإنتاج يَعْنِي أرتجت هَذِه الأتن وانحلت من شدَّة الجري حَتَّى لم تقدر أَن تضبط مَا فِي أرحامها
(1/159)

وَلم يقف الأعلم الشتنتمري على الْبَيْت الأول فَظن أَنه فِي وصف رَاع فَقَالَ وصف إبِلا أولع راعيها بلقاحها حَتَّى لقحت ثمَّ حداها أَشد الحداء حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا فِي بطونها من الأجنة وابْن ميادة هُوَ أَبُو شرَاحِيل وَقيل أَبُو شُرَحْبِيل واسْمه الرماح كشداد بن يزِيد وَهُوَ من بني مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان رَهْط الْحَارِث بن ظَالِم كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وميادة أمة وَهِي أم ولد بربرية وَقيل صقلبية وَكَانَ هُوَ يزْعم أَنَّهَا فارسية وَفِي ذَلِك يَقُول (الطَّوِيل)
(أَنا ابْن أبي سلمى وجدي ظَالِم ... وَأمي حصان حصنتها الْأَعَاجِم)
(أَلَيْسَ غُلَام بَين كسْرَى وظالم ... بأكرم من نيطت عَلَيْهِ التمائم)
وَسبب تَسْمِيَتهَا أَنه لما أَقبلُوا بهَا من الشَّام نظر إِلَيْهَا رجل وَهِي ناعسة تتمايل على بَعِيرهَا فَقَالَ أَنَّهَا لميادة فسميت بِهِ وَغلب عَلَيْهَا وَابْن ميادة شَاعِر مقدم فصيح لكنه كَانَ متعرضا للشر طَالبا لمهاجاه النَّاس ومسابة الشُّعَرَاء وَله مَعَ الحكم الخضري مهاجاة ومناقضات كَثِيرَة وأراجيز طَوِيلَة وَقد أدْرك الدولتين كَانَ فِي أَيَّام هِشَام بن عبد الْملك وَبَقِي إِلَى زمن الْمَنْصُور ومدح من بني أُميَّة الْوَلِيد بن يزِيد وَعبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان وَمن بني هَاشم أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وجعفر بن سُلَيْمَان وَلما قَالَ من قصيدة (الطَّوِيل)
(فضلنَا قُريْشًا غير رَهْط مُحَمَّد ... وَغير بني مَرْوَان أهل الْقَبَائِل)
(1/160)

قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن هِشَام أَأَنْت فضلت قُريْشًا وجرده وضربه اسواطا وَلما سمع الْبَيْت الْوَلِيد بن يزِيد قَالَ لَهُ قدمت آل مُحَمَّد علينا قَالَ مَا كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَظُنهُ يكون غير ذَلِك فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس قدم على الْمَنْصُور فمدحه فَقَالَ لَهُ لما دخل عَلَيْهِ كَيفَ قَالَ لَك الْوَلِيد فَأخْبرهُ فَجعل يتعجب وَلم يعد إِلَى الْمَنْصُور بعْدهَا لما رأى قلَّة رغبته فِي مدائح الشُّعَرَاء ونزارة ثَوَابه لَهُم وَتُوفِّي فِي صدر خِلَافَته فِي حُدُود السِّت وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة وَبَنُو ذبيان تزْعم أَن ابْن ميادة آخر الشُّعَرَاء الَّذين يستشهد بأشعارهم روى أَبُو دَاوُود الْفَزارِيّ أَن ابْن ميادة وقف يَوْمًا فِي الْمَوْسِم ينشد (الطَّوِيل)
(لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعة ... وَجئْت بجدي ظَالِم وَابْن ظَالِم)
(لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم)
والفرزدق وَاقِف عَلَيْهِ متلثم فَقَالَ لَهُ يَا ابْن يزِيد أَنْت صَاحب هَذِه الصّفة كذبت وَالله وَكذب سامع ذَلِك مِنْك فَلم يكذبك قَالَ فَمن يَا أَبَا فراس قَالَ أَنا أولى بِهِ مِنْك وَقَالَ
(لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعة ... وَجئْت بجدي دارم وَابْن دارم)
(لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم)
فَأَطْرَقَ ابْن ميادة وَلم يجبهُ وَمضى الفرزدق وانتحلها وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعشْرُونَ (الرجز)
(بلغتهَا وَاجْتمعت أشدي)
على أَن أَشد جمع شدَّة على غير قِيَاس أَو جمع لَا وَاحِد لَهُ بِدَلِيل تانيث الْفِعْل لَهُ
(1/161)

وَفِي الصِّحَاح كَانَ س يَقُول وَاحِدَة شدَّة وَهُوَ حسن فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يُقَال بلغ الْغُلَام شدته وَلَكِن لَا يجمع فعلة على أفعل وَأما أنعم فَإِنَّمَا هُوَ جمع نعم بِالضَّمِّ ضد الْبُؤْس وَقيل هُوَ جمع شدّ بِالْفَتْح نَحْو كلب وأكلب وَقيل جمع شدّ بِالْكَسْرِ مثل ذِئْب وأذوب وكلا هذَيْن الْقَوْلَيْنِ قِيَاس وليسا بمسموعين وَقيل هُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه مثل محَاسِن ومشابه وَقيل هُوَ لَيْسَ بِجمع وَإِنَّمَا هُوَ مُفْرد جَاءَ على صِيغَة الْجمع مثل أَنَّك وَهُوَ الأسرب وَلَا نَظِير لَهما وَهَذَا قَول أبي زيد وَحكى فِي همزته الضمة لُغَة فِي فتحهَا وَمعنى الأشد الْقُوَّة وَهُوَ مَا بَين ثَمَانِي عشرَة سنة إِلَى ثَلَاثِينَ وَقيل إِلَى أَرْبَعِينَ أَو إِلَى خمسين قَالَ سحيم بن وثيل (الوافر)
(أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجذني مداورة الشوون)
وَفِي عُمْدَة الْحفاظ للسمين هُوَ جمع شدَّة بِمَعْنى الْقُوَّة والجلادة فِي الْبدن وَالْعقل وَقد شدّ يشد شدَّة إِذا كَانَ قَوِيا وأصل الشدَّة العقد الْقوي وشددت الشَّيْء قويت عقده وَأَشد يسْتَعْمل فِي الْعقل وَفِي الْبدن وَفِي قوى النَّفس هَذَا واستدلال الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لِابْنِ الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل بتأنيث الْفِعْل لكَون أَشد جمعا مَحل بحث فَإِن أهل التَّفْسِير واللغة أَجمعُوا على تَفْسِيره بِالْقُوَّةِ فَيحْتَمل أَن يكون تَأْنِيث الْفِعْل لَهُ بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ لَا لكَونه جمعا وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بمادة الْفِعْل وصيغته فَإِن الْجمع مَعْنَاهُ تأليف
(1/162)

المتفرق والاجتماع مطاوعه وَهُوَ تألف المتفرق فَلَا يتَصَوَّر مَعْنَاهُ إِلَّا بَين مُتَعَدد وَلَا يكون الِاجْتِمَاع من شَيْء وَاحِد على أَن الرِّوَايَة
(بلغتهَا مُجْتَمع الأشد)
بِالْخِطَابِ لَا بالتكلم
وَهُوَ من أرجوزة لأبي نخيلة مدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك مِنْهَا (الرجز)
(وَقلت للعيس اعتلي وجدي ... فَهِيَ تخدى أحسن التخدي)
(قد ادرعن فِي مسير سمد ... لَيْلًا كلون الطيلسان الجرد)
(إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المجدي ... رب معد وَسوى معد)
(ممضن دَعَا من أصيد وَعبد ... ذِي الْمجد والتشريف بعد الْمجد)
(فِي وَجهه بدر بدا بالسعد ... أَنْت الْهمام القرم عِنْد الْجد)
(بلغتهَا مُجْتَمع الأشد ... فانهل لما قُمْت صوب الرَّعْد)
والعيس الْإِبِل الْبيض يخالط بياضها شقرة مفرده الْمُذكر أعيس والمؤنث عيساء واعتلي ارتفعي وَالْجد بِالْكَسْرِ الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور تَقول جد فِي الْأَمر يجد بِالضَّمِّ وتخدى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة أَصله تتخدى أَي تسرع حذفت مِنْهُ التَّاء من خدى الْبَعِير يخدي خديا أسْرع وزج بقوائمه والسمد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم فِي الصِّحَاح وسمدت الْإِبِل فِي سَيرهَا جدت وَفِي الْقَامُوس هُوَ السرمد أَي الطَّوِيل الدَّائِم يُقَال هُوَ لَك سمدا أَي سرمدا والادراع افتعال لبس الدرْع وَهُوَ قَمِيص الْمَرْأَة والطيلسان من لِبَاس الْعَجم لَونه أسود للمهابة والجرد الْخلق يُقَال ثوب جرد والمجدي اسْم فَاعل من أجدي عَلَيْهِ بِمَعْنى أعطَاهُ عطاءا كثيرا من الجداء والجدوى بِفَتْح الْجِيم فيهمَا وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي لَا يعرف
(1/163)

أقصاه وَقيل الْمَطَر الْعَام وَرب كل شَيْء مَالِكه ومستحقه ومعد أَبُو الْعَرَب وَهُوَ معد بن عدنان وَقَوله مِمَّن دَعَا بَيَان لقَوْله سوى معد وَقَوله من أصيد إِلَخ بَيَان لمن دَعَا أَي هُوَ سيد من دَعَا لنَفسِهِ من ملك وسوقة والأصيد الْملك وَقَوله أَنْت الْهمام الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة وَالسَّيِّد الشجاع وَالْقَرْمُ بِالْفَتْح السَّيِّد وَأَصله الْفَحْل المكرم لَا يركب وَلَا يرحل وَالْجد بِالْكَسْرِ ضد الْهزْل تَقول جد يجد بِالْكَسْرِ وَقَوله بلغتهَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وروى بلغتهَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد أَيْضا وروى أَيْضا طوقتها بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد أَيْضا والطوق حلي
الْعُنُق وكل مَا اسْتَدَارَ بِشَيْء وتطوقه لبسه وَضمير بلغتهَا للخلافة الْمَعْهُودَة ذهنا ومجتمع اسْم فَاعل حَال من ضمير الْمُخَاطب وَلَا تضر بِالْإِضَافَة لِأَنَّهَا لفظية وَظهر بِهَذَا أَن بَيت الشَّاهِد على غير وَجهه وَيحْتَمل أَن يكون من أرجوزة أُخْرَى وَالله أعلم وأنهل بِمَعْنى سَالَ إِن كَانَ الصوب بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَبِمَعْنى ارْتَفع إِن كَانَ الصَّوْت بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة يُرِيد إِنَّك لما قُمْت بِأَمْر الْخلَافَة انْفَتح أَبْوَاب الْخَيْر وَفِي الأغاني أَن أَبَا نخيلة قَالَ قرأتها حَتَّى أتيت إِلَى آخرهَا وهممت أَن أسأله فِيهَا ثمَّ تذكرت أَن النَّاس نصحوني على أَن لَا أسأله شَيْئا فَإِنَّهُ يحرم من يسْأَله فَلَمَّا فرغت أقبل على جُلَسَائِهِ فَقَالَ الْغُلَام السَّعْدِيّ أشعر من الشَّيْخ أبي النَّجْم الْعجلِيّ وَخرجت فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام أَتَتْنِي جائزته وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى السفاح نقل هَذِه الأرجوزة الدالية إِلَيْهِ فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ديوانه منسوبة إِلَى السفاح
(1/164)

وأَبُو نخيلة بِضَم النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة اسْم الشَّاعِر لَا كنيته كَذَا فِي الأغاني وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْمه يعمر وكني أَبَا نخيلة لِأَن أمه وَلدته إِلَى جنب نَخْلَة ويكنى أَبَا الْجُنَيْد وَأَبا العرماس وَهُوَ من بني حمان بن كَعْب بن سعد بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وَكَانَ عاقا لِأَبِيهِ فنفاه أَبوهُ عَن نَفسه فَخرج إِلَى الشأم فَأَقَامَ هُنَاكَ إِلَى أَن مَاتَ أَبوهُ ثمَّ عَاد وَبَقِي مشكوكا فِي نسبه مطعونا عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَغْلَب على شعره الرجز وَله قصيد لَيْسَ بالكثير وَمن شعره (الطَّوِيل)
(وَإِن بِقوم سودوك لحَاجَة ... إِلَى سيد لَو يظفرون بِسَيِّد)
وَلما خرج إِلَى الشأم اتَّصل بِمسلمَة بن عبد الْملك فاصطنعه وَأحسن إِلَيْهِ وأوصله إِلَى الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد واستماحهم لَهُ فأغنوه وَكَانَ بعد ذَلِك قَلِيل الْوَفَاء
انْقَطع إِلَى بني الْعَبَّاس ولقب نَفسه بشاعر بني هَاشم فمدح الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس وهجا بني أُميَّة وَكَانَ طامعا فَحَمله طمعه على أَن قَالَ فِي الْمَنْصُور أرجوزة يغريه فِيهَا بخلع عِيسَى بن مُوسَى وبعقد الْعَهْد لِابْنِهِ مُحَمَّد الْمهْدي فوصله أَبُو جَعْفَر بألفي دِرْهَم وَأمره أَن ينشدها بحضره عِيسَى فَفعل فَطَلَبه عِيسَى فهرب مِنْهُ وَبعث فِي طلبه مولى لَهُ فأدركه فِي طَرِيق خُرَاسَان فذبحة وسلخ وَجهه
(1/165)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ (الرجز جذب الصواريين بالكرور) على أَن الصراري جمع صراء وَهُوَ جمع صَار بِمَعْنى الملاح وَهُوَ السفان الَّذِي يجْرِي السَّفِينَة والصاري بالصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن القَاضِي معتل اللَّام بِالْيَاءِ وَجمعه على صوار قِيَاس مطرد لِأَنَّهُ جمع فَاعل اسْما لَا وَصفا بِخِلَاف جمعه على صراء إِذْ جمع فَاعل المعتل اللَّام على فعال نَادِر نَحْو جَان وجناء وغاز وغزاء وقار وقراء وَلما شابه صراء وزن الْمُفْرد نَحْو زنار وكلاب جَازَ جمعه على فعاعيل نَحْو صراري كَمَا تَقول زنانير وكلاليب ثمَّ جمع الصراري جمع تَصْحِيح فَقيل الصراريون هَذَا تَقْرِير كَلَام الشَّارِح وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري الْأَشْبَه أَن يكون صراء مُفردا جمعه صراري أَلا ترى أَن فعالا جمعا كشهاد وَلم نعلمهُ جَاءَ مكسرا كَمَا جَاءَ تكسير فعال نَحْو جمال وجمائل وعَلى هَذَا يكون الصراء كالصارى وكلا هذَيْن الْقَوْلَيْنِ خلاف الْمَنْقُول والمسموع أما الأول فقد نقل الثِّقَات كَابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق والجواليقي وَابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَصَاحب الصِّحَاح والعباب والقاموس أَن الصراري مُفْرد مثل الصاري وَأَن جمعه الصراريون وأنشدوا لَهُ هَذَا الْبَيْت وَأَن جمع الصاري الصراء كَقَوْلِه
(إشراف مردي على صرائه)
فَيكون الصراري من مَادَّة الثلاثي المضعف والصاري من مَادَّة الثلاثي المعتل إِلَّا أَن صَاحب الْقَامُوس أَسَاءَ حَيْثُ أورد الصراري فِي المعتل
(1/166)

أَيْضا جمعا للصاري مَعَ أَن فَاعِلا لَا يجمع على فعاعيل وَإِنَّمَا الَّذِي يجمع عَلَيْهِ فعال بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد كَمَا مر أَو فعال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد نَحْو جَبَّار وجبابير وَزنه فعالي غير مَوْجُودَة فِي أوزان الْمُفْردَات من أبنية سِيبَوَيْهٍ وَغَيرهَا فَيكون فِي الأَصْل مَنْسُوبا إِلَى صرارة وَهُوَ اسْم نهر وَالَّذِي لم يحجّ وَالَّذِي لم يتَزَوَّج أَو إِلَى صرار بِدُونِ هَاء وَهُوَ كسحاب وَكتاب اسْم وَاد بالحجاز وَأما الثَّانِي فقد قَالَ الفرزدق البسبيط)
(ترى الصراري والأمواج تضربه ... لَو يَسْتَطِيع إِلَى بَريَّة عبرا)
وَقَالَ خَليفَة بن حمل الطهوي أَيْضا (الْبَسِيط)
(ترى الصراري فِي غبراء مظْلمَة ... تعلوه طورا ويعلو فَوْقهَا تيرا)
فقد رَجَعَ الضَّمِير إِلَيْهِ فِي الْبَيْت الأول مُفردا ثَلَاث مَرَّات وَفِي الْبَيْت الثَّانِي رَجَعَ إِلَيْهِ مُفردا مرَّتَيْنِ وَقَالَ الْقطَامِي فِي وصف غواص درة شبه حبيبته بهَا من قصيدة (الْبَسِيط)
(حَتَّى إِذا السفن كَانَت فَوق معتلج ... ألْقى المعاوز عَنهُ ثمت انكتما
(1/167)

)
(فِي ذِي جلول يقْضِي الْمَوْت صَاحبه ... إِذا الصراري من أهواله ارتسما)
فَلَو كَانَ جمعا كَمَا زعما لقَالَ ارتسموا قَالَ شَارِح ديوانه أَبُو سعيد السكرِي والصراري الملاح والصراء الملاحون وَالْوَاحد صَار
وَأورد الحريري فِي درة الغواص الْبَيْت الثَّانِي وَزعم أَنه يصف فلكا والمعتلج اسْم فَاعل من اعتلجت الأمواج التطمت واضطربت والمعاوز بِالْفَتْح جمع معوز بِالْكَسْرِ وَهُوَ الثَّوْب الْخلق الَّذِي لَا يتبدل لِأَنَّهُ لِبَاس المعوزين والمعاوز مفعول ألْقى وفاعله ضمير الغواص فِي بَيت قبله وأنكتم مَعْطُوف على ألْقى وضميره كضميره وَقَوله فِي ذِي جلول مُتَعَلق بانكتم أَي توارى فِي مَاء كثير عَظِيم والجلول جمع جلّ وَهُوَ مُعظم الشَّيْء وَقيل الجلول جمع جلّ بِفَتْح الْجِيم بِمَعْنى الشراع يَعْنِي مَاء فِيهِ سفن لَهَا شرع والارتسام بِالسِّين الْمُهْملَة التَّكْبِير والتعوذ وَالدُّعَاء يَقُول إِن الملاح دَعَا وعوذ حِين شَاهد عظم الْأَهْوَال بتلاطم الأمواج وَبَيت الشَّاهِد من أرجوزه للعجاج يصف فِيهَا سفينة وَقَبله (الرجز)
(لأيا ينائيها من الجئور ... جذب الصرارين بالكرور)
(إِذْ نفحت فِي جلها الْمَسْجُور ... حدواء جَاءَت من حِيَال الطّور)
اللاي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة البطء والشدة وَهُوَ مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي بلاي وينائيها يباعدها من النأي وروى يثانيها بِالْمُثَلثَةِ وَالنُّون من ثناه إِذا عطفه والجئور مصر جَار إِذا عدل عَن
(1/168)

الْقَصْد وَهُوَ مصدر سَمَاعي جَاءَ على فعول بِالضَّمِّ لَكِن همز عينه على مُقْتَضى الْقَاعِدَة وَلم أر من نبه على هَذَا الْمصدر غير ابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق وَابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وكلاهم نبها عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت وَكَذَلِكَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب أَيْضا والكرور الحبال وَاحِدهَا كرّ بِالْفَتْح قَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات
قَالَ أَبُو خيرة الْكر الغليظ من الحبال وَقَالَ الطوسي هُوَ حَبل يكون من جُلُود وَغَيرهَا وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وجذب فَاعل ينائيها يَقُول إِذا عدلت هَذِه السَّفِينَة وجارت عَن الْقَصْد لم يصرفهَا الملاحون عَن ذَلِك إِلَّا بعد بطء ومشقة ونفحت بِالْحَاء الْمُهْملَة هبت والجل بِفَتْح الْجِيم الشراع كَمَا تقدم والمسجور بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم الَّذِي شدّ بالحبال قَالَ فِي الْعباب اللُّؤْلُؤ الْمَسْجُور المنظوم المسترسل قَالَه أَبُو عبيد وَأنْشد للمخبل السَّعْدِيّ (الْكَامِل)
(وَإِذا ألم خيالها طرفت ... عَيْني فماء شؤونها سجم)
(كاللولؤ الْمَسْجُور أغفل فِي ... سلك النظام فخانه النّظم)
والحدواء فَاعل نفحت بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِي الرّيح الَّتِي تحدو السَّحَاب أَي تسوقها وَهِي ريح الشمَال وَالطور جبل وَالرِّيح الَّتِي تَجِيء من قبله هِيَ الشمَال وحيال الطّور ناحيته وإزاوه وَهِي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالمثناة التَّحْتِيَّة يُقَال قعد حياله وبحياله أَي بإزائه وروى من بِلَاد الطّور
(1/169)

والعجاج اسْمه عبد الله وكنيته أَبُو الشعْثَاء وَتقدم نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده روبة فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَكَانَ يُقَال لَهُ عبد الله الطَّوِيل ولقب بالعجاج لقَوْله (الرجز) (حَتَّى يعج عِنْدهَا من عجعجا)
\ وَهُوَ أول من رفع الرجز وَجعل لَهُ أَوَائِل وَشبهه بالقصيد وَأنْشد بعده للكميت وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ (المتقارب)
(وَلم يستريثوك حَتَّى رمي ت ... فَوق الرِّجَال خِصَالًا عشارا)
على أَن عشار المعدول عَن عشرَة قد جَاءَ فِي قَول الْكُمَيْت وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح قَالَ الحريري فِي درة الغواص روى خلف الْأَحْمَر أَنهم صاغوا هَذَا الْبناء متسقا إِلَى عشار وَأنْشد عَلَيْهِ مَا عزي إِلَى أَنه مَصْنُوع وَمِنْه (مجزوء الرمل)
(قل لعَمْرو يَا ابْن هِنْد ... لَو رَأَيْت الْيَوْم شنا)
(لرأت عَيْنَاك مِنْهُم ... كل مَا كنت تمنى)
(إِذْ أتتنا فيلق شهباء من هُنَا وَهنا)
(وَأَتَتْ دوسر والملحاء ... سيرا مطمئنا)
(وَمَشى الْقَوْم إِلَى الْقَوْم ... أحاد وَأثْنى)
(وَثَلَاثًا ورباعا ... وخماسا فاطعنا)
(1/170)

.
(وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا)
(وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا)
(لَا ترى إِلَّا كميا ... قَاتلا مِنْهُم وَمنا)
وَدَلَائِل الْوَضع فِي هَذِه الأبيات ظَاهِرَة وَكَانَ خلف الْأَحْمَر مُتَّهمًا بِالْوَضْعِ وَشن قَبيلَة وَالْفَيْلَق الْجَيْش وأنثه بِاعْتِبَار الكتيبة وَهنا بِالْفَتْح اسْم
إِشَارَة للقريب ودوسر كَتِيبَة للنعمان بن الْمُنْذر والملحاء كَتِيبَة أَيْضا لآل الْمُنْذر وترجمة الْكُمَيْت قد مَضَت فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَمعنى يستريثوك يجدونك رائثا أَي بطيئا من الريث وَهُوَ البطء ورميت زِدْت يُقَال رمى على الْخمسين وأرمى أَي زَاد يَقُول لما نشأت نشء الرِّجَال أسرعت فِي بُلُوغ الْغَايَة الَّتِي يطْلبهَا طلاب الْمَعَالِي وَلم يقنعك ذَلِك حَتَّى زِدْت عَلَيْهِم بِعشر خِصَال فقت السَّابِقين وأيأست الَّذين راموا أَن يَكُونُوا لَك لاحقين انْتهى وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جني فِي الخصائص عَلَوْت مَوضِع رميت وروى أَبُو جَعْفَر النّحاس
(حَتَّى أتيت فَوق الرِّجَال خلالا عشارا)
وروى الحريري فِي الدرة نصالا بدل خِصَالًا وَالْأول هُوَ الصَّحِيح وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للكميت يمدح بهَا أبان بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَبله
(1/171)

(المتقارب) ... رجوك وَلم يبلغ الْعُمر مِنْك ... عشرا وَلَا نبت فِيك اتغارا)
(لأدنى خسا أَو زكا من سنيك ... إِلَى أَربع فبقوك انتظارا)
وَبعده بَيت الشَّاهِد يَقُول تبينوا فِيك السؤدد لسنة أَو سنتَيْن من مولدك فَرجوا أَن تكون سعيدا أَمِيرا مُطَاعًا رفيع الذّكر وَلم تبلغ عشْرين سنة وَقَوله وَلَا نبت فِيك أتغارا أَي أثغرت وَلم تنْبت أسنانك بعد فِي الصِّحَاح وَإِذا سَقَطت رواضع الصَّبِي قيل ثغر فَهُوَ مثغور فَإِذا نَبتَت قيل اتغر وَأَصله اثتغر فقلبت الثَّاء تَاء ثمَّ أدغمت وَإِن شِئْت قلت اثغر يَجْعَل الْحَرْف الأصلى هُوَ الظَّاهِر وَقَوله لأدنى خسا أَو زكا الخسا بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة الْفَرد والزكا
بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة الزَّوْج وخسا وزكا ينون وَلَا ينون وَالْمعْنَى أَنهم رجوك أَن تكون كَذَلِك لأَقل مَا يعبر عَنهُ بخسا وزكا وَهُوَ سنة أَو سنتَانِ إِلَى أَن سَار لَك أَربع سِنِين فَظهر للنَّاس مَا دلهم على مَا رجوه مِنْك وتفرسوك عِنْد كَمَال سنك وَقَوله فبقوك أَي انتظروك يُقَال بقوت الشَّيْء إِذا انتظرته وَمِنْه يُقَال للمؤذنين بقاة لأَنهم ينتظرون أَوْقَات الصَّلَاة وانتظارا مَنْصُوب بقوله بقوك لِأَنَّهُ فِي معنى انتظروك انتظارا وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ مجزوء الْكَامِل
(إِلَّا علالة أَو بدا ... هة سابح نهد الجزاره)
على أَن الْمُضَاف يحذف مَعَ دلَالَة مَا أضيف إِلَيْهِ تَابع ذَلِك الْمُضَاف عَلَيْهِ
(1/172)

ذكر الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْإِضَافَة أَن هَذَا مَذْهَب الْمبرد وأيده بِمَا ذكره هُنَاكَ على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ أَن علالة مُضَاف إِلَيْهِ الْمَجْرُور الظَّاهِر وبداهة فِي الأَصْل مُضَاف إِلَى ضميرَة وَالتَّقْدِير إِلَّا علالة سابح أَو بداهته ثمَّ حذف الضَّمِير وَجعل بداهة بَين المتضايقين إِلَى آخر مَا ذكره وَسَيَأْتِي عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للاعشى يُخَاطب هبا شَيبَان بن شهَاب مِنْهَا
(وَهُنَاكَ يكذب ظنكم ... أَن لَا اجْتِمَاع وَلَا زياره)
(وَلَا بَرَاءَة للبريء ... وَلَا عَطاء وَلَا خفاره)
(إِلَّا علالة أَو بدا ... هة سابح نهد الجزارة)
إِلَى أَن قَالَ
(وَلَا نُقَاتِل بِالْعِصِيِّ ... وَلَا نرامي بالحجاره)
يَقُول إِذا غزوناكم علمْتُم أَن ظنكم بأننا لَا نغزوكم كذب وَهُوَ زعمكم أننا لَا نَجْتَمِع وَلَا نزوركم بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح غازين لكم وَمن كَانَ بَرِيئًا مِنْكُم لم تَنْفَعهُ بَرَاءَته لِأَن الْحَرْب إِذا عظمت لحق شَرها البريء كَمَا يلْحق الْمُسِيء يُرِيد أننا ننال مِنْكُم من الْمُسِيء والبريء بِمَا تَكْرَهُونَ وَلَا نقبل مِنْكُم عَطاء وَلَا نعطيكم خفارة تفتدون بهما منا والخفارة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر الذِّمَّة قَالَ فِي الْمِصْبَاح خفر بالعهد من بَاب ضرب وَفِي لُغَة من بَاب قتل إِذا وفى بِهِ وخفرت الرجل حميته وأجرته من طَالبه وَالِاسْم الخفارة بِضَم الْخَاء وَكسرهَا وَقَوله أَلا علالة اسْتثِْنَاء مُنْقَطع من قَوْله لَا اجْتِمَاع أَي لَكِن نزوركم بِالْخَيْلِ والعلالة بِضَم الْعين
(1/173)

الْمُهْملَة بَقِيَّة جري الْفرس وَبَقِيَّة كل شَيْء أَيْضا وَهُوَ من التعلل بِمَعْنى التلهي والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة أول جرى الْفرس وأو للإضراب وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة والخصائص تَقْدِيم بداهة فَهُوَ على هَذَا لأحد الشَّيْئَيْنِ والسابح الْفرس الَّذِي يدحو الأَرْض بيدَيْهِ فِي الْعَدو ويروى بدله القارح وَهُوَ من الْخَيل الَّذِي بلغ أقْصَى أَسْنَانه يُقَال قرح ذُو الْحَافِر يقرح بفتحهما قروحا انْتَهَت أسنانة وَذَلِكَ عِنْد أكمال خمس سِنِين والنهد بِفَتْح النُّون الْمُرْتَفع والجزارة بِضَم الْجِيم الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَهَذَا فِي الأَصْل فِيمَا يذبح وَسميت بذلك لِأَن الجزار يَأْخُذهَا فِي مُقَابلَة ذَبحهَا كَمَا يُقَال أَخذ الْعَامِل عمالته بِالضَّمِّ فَبَقيَ هَذَا الِاسْم عَلَيْهَا يُرِيد أَن فِي عُنُقه وقوائمه طولا وارتفاعا فَإِنَّهُ يسْتَحبّ فِي عنق الْخَيل الطول واللين وَقد فرق سُلَيْمَان بن ربيعَة بَين الْعتاق والهجن بالأعناق فَدَعَا بطست من مَاء فَوضعت بِالْأَرْضِ ثمَّ قدمت الْخَيل إِلَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا فَمَا ثنى سنبكة وَهُوَ مقدم الْحَافِر ثمَّ شرب هجنة وَمَا شرب وَلم يثن سنبكه جعله عتيقا وَذَلِكَ لِأَن فِي أَعْنَاق الهجن قصرا فَهِيَ لَا تنَال المَاء على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى تثنى سنابكها وَيسْتَحب أَيْضا أَن يكون مَا فَوق السَّاقَيْن من الفخذين طَويلا فيوصف حِينَئِذٍ بطول القوائم
قَالَ الشَّاعِر (الْخَفِيف)
(شرحب سلهب كَأَن رماحا ... حَملته وَفِي السراة دموج)
والشرحب والسلهب كِلَاهُمَا على وزن جَعْفَر بِمَعْنى الطَّوِيل والسراة بِفَتْح الْمُهْملَة أَعلَى الظّهْر والدموج دُخُول بعض الشَّيْء فِي بعضه من شدته واكتنازه وَأما الساقان فَيُسْتَحَب قصرهما وَقَالَ الشَّاعِر (المتقارب)
(لَهُ متن عير وساقا ظليم)
(1/174)

العير الْحمار الوحشي والظليم ذكر النعام كَذَا فِي أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة وَبِه يعلم سُقُوط قَول الشنتمري النهد الغليظ والجزارة الرَّأْس والقوائم وَيسْتَحب غلظهما مَعَ قلَّة لحمهما وأوهى مِنْهُ قَول الْجَوْهَرِي وَتَبعهُ صَاحب الْعباب وَنَقله الْعَيْنِيّ إِذا قَالُوا فرس نهد أَو عبل الجزارة فَإِنَّمَا يُرَاد غلظ الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَكَثْرَة عصبهما وَلَا يدْخل الرَّأْس فِي هَذَا لِأَن عظم الرَّأْس هجنة فِي الْخَيل وخبط المطرزي فِي شرح الْمفصل خبط عشواء فَقَالَ يَعْنِي كُنَّا فِي سفر أَو حَرْب انْقَطع فِيهَا جَمِيع الأفراس عَن السّير وَلم يبْق لَهَا جري إِلَّا علالة أَو بداهة فرس سابح هَذَا كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم يقف على مَا قبله من الأبيات وَقَوله وَلَا نُقَاتِل بِالْعِصِيِّ إِلَخ يصف قومه بِأَنَّهُم أَصْحَاب حروب يُقَاتلُون على الْخَيل لَا أَصْحَاب أبل يرعونها فَيُقَاتل بَعضهم بَعْضًا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَة والأعشى كنيته أَبُو بَصِير واسْمه مَيْمُون بن قيس بن جندل بن شرَاحِيل بن عَوْف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل وَكَانَ أَبوهُ قيس يدعى قَتِيل الْجُوع وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي جبل فَدخل غارا فَوَقَعت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ فَم الْغَار فَمَاتَ فِيهِ جوعا وَكَانَ الْأَعْشَى من فحول شعراء الْجَاهِلِيَّة وَمِمَّنْ قدم على سَائِرهمْ سلك فِي شعره كل مَسْلَك وَقَالَ فِي أَكثر أعاريض الْعَرَب وَلَيْسَ مِمَّن تقدم من الفحول
أَكثر شعرًا مِنْهُ وَسُئِلَ ابْن أبي حَفْصَة من أشعر الْعَرَب قَالَ شَيخا وَائِل الْأَعْشَى فِي الْجَاهِلِيَّة والأخطل فِي الْإِسْلَام وَسُئِلَ يُونُس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس قَالَ لَا أومئ إِلَى رجل بِعَيْنِه وَلَكِنِّي أَقُول امْرُؤ الْقَيْس إِذا ركب والنابغة إِذا رهب وَزُهَيْر إِذا رغب والأعشى إِذا طرب
(1/175)

وَهُوَ أول من سَأَلَ بِشعرِهِ وَكَانُوا يسمونه صناجة الْعَرَب لجودة شعره وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يفخم مِنْهُ ويعظم مَحَله وَيَقُول شَاعِر مجيد كثير الأعاريض والافتنان وَإِذا سُئِلَ عَنهُ وَعَن لبيد قَالَ لبيد رجل صَالح والأعشى رجل شَاعِر وروى الْمفضل بِسَنَدِهِ عَن الشّعبِيّ قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لمؤدب أَوْلَاده أدبهم بِرِوَايَة شعر الْأَعْشَى فَإِنَّهُ قَاتله الله مَا كَانَ أعذب بحره وأصلب صخره قَالَ الْمفضل من زعم أَن أحدا أشعر من الْأَعْشَى فَلَيْسَ يعرف الشّعْر وَكَانَ الْأَعْشَى يفد على الْمُلُوك لَا سِيمَا مُلُوك فَارس وَلذَلِك كثرت الْأَلْفَاظ الفارسية فِي شعره قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَكَانَ الْأَعْشَى جاهليا قَدِيما وَأدْركَ الْإِسْلَام فِي آخر عمره ورحل إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي صلح الحديبة فَسَأَلَهُ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب عَن وَجهه الَّذِي يُرِيد فَقَالَ أردْت مُحَمَّدًا قَالَ إِنَّه يحرم عَلَيْك الْخمر والزني والقمار قَالَ أما الزِّنَى فقد تركني وَلم أتركه وَأما الْخمر فقد قضيت مِنْهَا وطرأ وَأما الْقمَار فلعلي أُصِيب مِنْهُ عوضا قَالَ فَهَل لَك إِلَى خير من هَذَا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ بَيْننَا وَبَينه هدنة فترجع عامك هَذَا وَتَأْخُذ مائَة نَاقَة حَمْرَاء فَإِن ظفر بعد ذَلِك أَتَيْته وَإِن ظفرنا كنت قد أصبت من رحلتك عوضا فَقَالَ لَا أُبَالِي فَأَخذه أَبُو سُفْيَان إِلَى منزله وَجمع عَلَيْهِ أَصْحَابه وَقَالَ يَا معشر قُرَيْش هَذَا أعشى قيس وَلَئِن وصل إِلَى مُحَمَّد ليضربن عَلَيْكُم الْعَرَب قاطبة فَجمعُوا لَهُ مائَة نَاقَة حَمْرَاء فَانْصَرف فَلَمَّا صَار بِنَاحِيَة الْيَمَامَة أَلْقَاهُ بعيرة فَقتله انْتهى
(1/176)

وَقَالَ شَارِح ديوانه مُحَمَّد بن حبيب وَكَانَ الْأَعْشَى فِيمَا رُوِيَ رَحل عِنْد ظُهُور النَّبِي
حَتَّى أَتَى مَكَّة وَكَانَ قد سمع قِرَاءَة الْكتب فَنزل عِنْد عتبَة بن ربيعَة فَسمع بِهِ أَو جهل فَأَتَاهُ فِي فتية من قُرَيْش وَأهْدى لَهُ هَدِيَّة ثمَّ سَأَلَهُ مَا جَاءَ بك قَالَ جِئْت إِلَى مُحَمَّد إِنِّي كنت سَمِعت مبعثه فِي الْكتب لأنظر مَاذَا يَقُول وماذا يَدْعُو إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو جهل إِنَّه يحرم الزِّنَى فَقَالَ لقد كَبرت وَمَالِي فِي الزِّنَى حَاجَة قَالَ فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْك الْخمر قَالَ فَمَا أحل فَجعلُوا يحدثونه بِأَسْوَأ مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَقَالُوا أنشدنا مَا قلت فِيهِ فَأَنْشد (الطَّوِيل)
(ألم تغتمض عَيْنَاك لَيْلَة أرمدا ... وعادك مَا عَاد السَّلِيم المسهدا)
وَهِي قصيدة جَيِّدَة عدتهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا فَلَمَّا أنشدهم قَالُوا هَذَا رجل لَا يمدح أحد إِلَّا رَفعه وَلَا يهجو أحدا إِلَّا وَضعه فَمن لنا يصرفهُ عَن هَذَا الْوَجْه فَقَالَ أَبُو جهل للأعشى أما أَنْت فَلَو أنشدته هَذِه لم يقبلهَا فَلم يزَالُوا بِهِ لشقاوته حَتَّى صدوه وَخرج من فورته حَتَّى وصل الْيَمَامَة فَمَكثَ بهَا قَلِيلا ثمَّ مَاتَ وروى ابْن دأب وَغَيره أَن الْأَعْشَى خرج يُرِيد النَّبِي
وَقَالَ شعرًا حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق نفرت بِهِ رَاحِلَته فَقتلته فَلَمَّا أنْشد شعره الَّذِي يَقُول فِيهِ (الطَّوِيل)
(وآليت لَا أرثي لَهَا من كلاله ... وَلَا من حفى حَتَّى تلاقي مُحَمَّدًا)
(مَتى مَا تناخي عِنْد بَاب ابْن هَاشم ... تراحي وتلقي من فواضلة ندى)
(1/177)

فَقَالَ النَّبِي
كَاد ينجو وَلما وَترد هَذِه القصيدة إِن شَاءَ الله مشروحة فِي شَوَاهِد مُغنِي اللبيب فَإِنَّهُ اسْتشْهد بغالب أبياتها وَلم يَقع مِنْهَا شَيْء فِي هَذِه الشواهد.
وللأعشى أَخْبَار أخر تَأتي مُتَفَرِّقَة فِي شرح شَوَاهِد من شعره والْأَعْشَى فِي اللُّغَة الَّذِي لَا يبصر بِاللَّيْلِ ويبصر بِالنَّهَارِ وَالْمَرْأَة عشواء وعشي الرجل بِالْكَسْرِ عشا بِالْقصرِ إِذا ضعف بَصَره وَكَانَ هَذَا الْأَعْشَى عمي فِي أَوَاخِر عمره وعدة من هُوَ أعشى من الشُّعَرَاء سَبْعَة عشر شَاعِرًا ذكرهم الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ (الوافر)
(حلائل أسودين وأحمرينا)
وأوله
(فَمَا وجدت بَنَات بني نزار)
على أَن جمع أسود وأحمر جمع تَصْحِيح شَاذ كَمَا يَجِيء فِي بَاب الْجمع وَقَالَ فِي بَاب الْجمع فَكل صفة لَا تلحقها التَّاء فَكَأَنَّهَا من قبيل الْأَسْمَاء فَلِذَا لم يجمع هَذَا الْجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى وَأَجَازَ ابْن كيسَان أحمرون وسكرانون وَاسْتدلَّ بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ عِنْد غَيره شَاذ ا. هـ.
وبَنَات فَاعل وجدت وحلائل مَفْعُوله نزار بِكَسْر النُّون هُوَ وَالِد مُضر بن نزار بن معد بن عدنان والحلائل جمع حليل بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ
(1/178)

الزَّوْج والحليلة الزَّوْجَة سميا بذلك لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل للأخر وَلَا يحرم أَو لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل من صَاحبه محلا لَا يحله غَيره وأسودين صفة حلائل وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحكيم الْأَعْوَر ابْن عَيَّاش الْكَلْبِيّ من شعراء الشَّام هجا بهَا مُضر وَرمى فِيهَا أمْرَأَة الْكُمَيْت بن زيد بِأَهْل الْحَبْس لما فر مِنْهُ بِثِيَاب امْرَأَته
وَسبب حبس الْكُمَيْت على وَجه الِاخْتِصَار أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ ولعا بِهِجَاء مُضر فَكَانَت شعراء مُضر تهجوه وتجيبه وَكَانَ الْكُمَيْت يَقُول هُوَ وَالله أشعر مِنْكُم قَالُوا فأجب الرجل قَالَ إِن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي محسن إِلَيّ فَلَا أقدر أَن أرد عَلَيْهِ قَالُوا فاسمع بأذنك مَا يَقُول فِي بَنَات عمك وَبَنَات خَالك من الهجاء فأنشدوه ذَلِك فحمي الْكُمَيْت لعشيرته فَقَالَ المذهبة الَّتِي أَولهَا
(أَلا حييت عَنَّا يَا مدينا)
وَأحسن فِيهَا وَهِي زهاء ثَلَاثمِائَة بَيت لم يتْرك فِيهَا حَيا من أَحيَاء الْيمن إِلَّا هجاهم وَمِنْهَا (الوافر)
(وَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
وَتقدم شَرحه وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَعرض الْكُمَيْت فِيهَا بِأخذ الْفرس والحبشة وَغَيرهمَا نسَاء الْيمن بقوله
(لنا قمر السَّمَاء وكل نجم ... تُشِير إِلَيْهِ أَيدي المهتدينا)
...
(1/179)

(وَمَا ضربت بَنَات بني نزار ... هوائج من فحول الأعجمينا)
(وَمَا حملُوا الْحمير على عتاق ... مطهمة فيلفوا منغلينا)
والهوائج جمع هائج وَهُوَ الْفَحْل الَّذِي يشتهى الضراب وَبلغ خَالِدا الْقَسرِي خبر هَذِه القصيدة فَقَالَ وَالله لأقتلنه ثمَّ اشْترى ثَلَاثِينَ جَارِيَة فِي نِهَايَة الْحسن فرواهن القصائد الهاشميات للكميت ودسهن مَعَ نخاس إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فاشتراهن فأنشدنه يَوْمًا القصائد الْمَذْكُورَة فَكتب إِلَى خَالِد وَكَانَ يَوْمئِذٍ عَامله بالعراق أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْس الْكُمَيْت فَأَخذه خَالِد وحبسه فَوجه الْكُمَيْت إِلَى امْرَأَته وَلبس ثِيَابهَا وَتركهَا فِي مَوْضِعه وهرب من الْحَبْس فَلَمَّا علم خَالِد أَرَادَ أَن ينكل بِالْمَرْأَةِ فاجتمعت بَنو أَسد إِلَيْهِ وَقَالُوا مَا سَبِيلك على امْرَأَة لنا خدعت فخافهم وخلى سَبِيلهَا ثمَّ إِن الْكُمَيْت أتصل بِمسلمَة بن هِشَام فشفع فِيهِ عِنْد وَالِده فشفعه
وَقيل إِن سَبَب هجاء الْكُمَيْت أهل الْيمن أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ يهجو عَليّ بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَبني هَاشم جَمِيعًا وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني أُميَّة فَانْتدبَ لَهُ الْكُمَيْت رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فهجاه وسبه وأجابه ولج الهجاء بَينهمَا وَكَانَ الْكُمَيْت يخَاف أَن يفصح بِشعرِهِ عَن عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما وَقع بَينه وَبَين هِشَام وَكَانَ يظْهر أَن هجاءه إِيَّاه للعصبية الَّتِي بَين عدنان جد مُضر وَبَين قحطان أبي الْيمن وَقَالَ المستهل بن الْكُمَيْت يَوْمًا لوالده لما افتخر فِي قصيدة بائية مُوَحدَة ببني أَيَّة هاجيا بهَا قحطان كَيفَ فخرت ببني أُميَّة وَأَنت تشهد عَلَيْهَا بالْكفْر فَهَلا فخرت بعلي وَبني هَاشم الَّذين تتولاهم فَقَالَ يَا بني أَنْت تعلم انْقِطَاع الْكَلْبِيّ إِلَى بني أُميَّة وهم أَعدَاء عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَلَو ذكرت
(1/180)

عليا لترك ذكري وَأَقْبل على هجائه فَأَكُون قد عرضت عليا لَهُ وَلَا أجد لَهُ ناصرا من بني أُميَّة ففخرت عَلَيْهِ ببني أُميَّة وَقلت إِن نقضهَا عَليّ قَتَلُوهُ وَإِن أمسك عَن ذكرهم ثنيته عَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ أمسك الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ عَن جَوَابه فغلب عَلَيْهِ وأفحم الْكَلْبِيّ وَقَالَ الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ يَوْمًا (الْبَسِيط)
(مَا سرني أَن أُمِّي من بني أَسد ... وَأَن رَبِّي نجاني من النَّار)
(وَأَنَّهُمْ زوجوني من بناتهم ... وَأَن لي كل يَوْم ألف دِينَار)
فَأَجَابَهُ الْكُمَيْت (الْبَسِيط)
(يَا كلب مَالك أم من بني أَسد ... مَعْرُوفَة فَاحْتَرَقَ يَا كلب بالنَّار)
فَأَجَابَهُ الْكَلْبِيّ
(لن يبرح اللؤم هَذَا الْحَيّ من أَسد ... حَتَّى يفرق بَين السبت والأحد)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ (الرجز)
(قدذ صرت البكرة يَوْمًا أجمعا)
على أَن الْكُوفِيّين جوزوا تَأْكِيد النكرَة المحدودة وَقد أوردهُ الشَّارِح فِي بَاب التوكيد أَيْضا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الْبَيْت مَجْهُول لَا يعرف قَائِله حَتَّى قَالَ جمَاعَة من الْبَصرِيين إِنَّه مَصْنُوع
والبكرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف إِن كَانَت البكرة الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا المَاء من الْبِئْر ف صرت بِمَعْنى صوتت من صر الْبَاب يصر صَرِيرًا
(1/181)

أَي صَوت فَيكون الْمَعْنى مَا انْقَطع استقاء المَاء من الْبِئْر يَوْمًا كَامِلا وَإِن كَانَت الْفتية من الْإِبِل مؤنث الْبكر وَهُوَ الفتي مِنْهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْبكر من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْفَتى من الْإِنْسَان والبكرة بِمَنْزِلَة الفتاة والقلوص بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة وَالْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان والجمل بِمَنْزِلَة الرجل والناقة بِمَنْزِلَة الْمَرْأَة ف صرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال صررت النَّاقة شددت عَلَيْهَا الصرار وَهُوَ خيط يشد فَوق الْخلف والتوديه لِئَلَّا يرضعها وَلَدهَا والفتي بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْمُثَنَّاة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ من الدَّوَابّ خلاف المسن وَهُوَ كالشاب من النَّاس وَالْأُنْثَى فتية والفتى بِالْقصرِ الشَّاب وَالْأُنْثَى فتاة وَالْخلف بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام هُوَ لذوات الْخُف كالثدي للْإنْسَان والتودية بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الدَّال وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة هِيَ خَشَبَة تشد على خلف النَّاقة إِذا صرت وَجَمعهَا تواد كمساجد قَالَ الْعَيْنِيّ بعد أَن شَرحه على الْوَجْه الأول صَدره
(إِنَّا إِذا خطافنا تقعقعا)
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن الأول أَن بَيت الشَّاهِد بَيت من الرجز وَلَيْسَ مصراعا من بَيت حَتَّى يكون مَا ذكره صَدره وَالثَّانِي أَنه غير مُرْتَبِط بِبَيْت الشَّاهِد فَإِن بَيت الشَّاهِد لَا يَصح أَن يكون خَبرا لقَوْله إِنَّا وَلَا جَوَابا ل إِذا اللَّهُمَّ إِلَّا إِن قدر الرابط أَي صرت البكرة فِيهِ وَتَكون حِينَئِذٍ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبرا لإنا فَافْهَم والخطاف بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد حَدِيدَة معوجة تكون فِي جَانِبي البكرة فِيهَا المحور وكل حَدِيدَة معطوفة خطَّاف والقعقعة تَحْرِيك الشَّيْء الْيَابِس الصلب مَعَ صَوت والتقعقع مطاوعه
(1/182)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل (الطَّوِيل)
(أَتَانِي وَعِيد الحوص من آل جَعْفَر ... فيا عبد عَمْرو لَو نهيت الأحاوصا)
على أَن الْأَحْوَص بِالنّظرِ إِلَى الوصفية جمع على الحوص وبالنظر إِلَى نَقله إِلَى الإسمية بالغلبة جمع على الأحاوص وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل على أَن الْأَحْوَص يجمع على هذَيْن الجمعين أَحدهمَا فعل وَلَا يجمع على هَذَا إِلَّا أفعل صفة وَشَرطه أَن يكون مؤنثه على فعلاء كَمَا هُوَ مُبين فِي جمع التكسير وَالثَّانِي أفَاعِل وَلَا يجمع على هَذَا إِلَّا أفعل اسْما أَو أفعل التَّفْضِيل وَالْبَيْت من قصيدة لأعشى قيس نفر فِيهَا عَامر بن الطُّفَيْل قَاتله الله تَعَالَى ابْن مَالك بن جَعْفَر على ابْن عَمه عَلْقَمَة الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ابْن علاثة بن عَوْف بن الْأَحْوَص بن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة الْكلابِي العامري قَالَ فِي الِاسْتِيعَاب وَكَانَ سيدا فِي قومه حَلِيمًا عَاقِلا وَلم يكن فِيهِ ذَاك الْكَرم والْوَعيد التهديد والتخويف وَأَرَادَ ب الحوص والأحاوص أَوْلَاد الْأَحْوَص بن جَعْفَر وهم عَوْف بن الْأَحْوَص وَعَمْرو بن الْأَحْوَص وَشُرَيْح ابْن الْأَحْوَص والأحوص اسْمه ربيعَة سمي أحوص لضيق كَانَ فِي عينه قَالَ فِي الصِّحَاح والحوص اي بمهملتين ضيق فِي مُؤخر الْعين وَالرجل أحوص وَيُقَال بل هُوَ الضّيق فِي إِحْدَى الْعَينَيْنِ وَالْمَرْأَة حوصاء وَعبد عَمْرو
(1/183)

قَالَ ابْن السيرافي فِي شَرحه لشواهد إصْلَاح الْمنطق هُوَ عبد بن عَمْرو بن الْأَحْوَص وَقَالَ فِي الصِّحَاح عبد عَمْرو وَهُوَ ابْن شُرَيْح بن الْأَحْوَص وَجَوَاب لَو مَحْذُوف أَي لَو نهيتهم لَكَانَ خيرا لَهُم وَيجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي على سَبِيل التهكم
وَإِنَّمَا وَجه الْخطاب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ رئيسهم حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا قَالَ الْأَعْشَى هَذَا الْكَلَام لِأَن عَلْقَمَة بن علاثة كَانَ أوعده بِالْقَتْلِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله بعد هَذَا بِأَبْيَات (الطَّوِيل)
(فَإِن تتعدني أتعدك بِمِثْلِهَا ... وسوف أَزِيد الْبَاقِيَات القوارصا)
والقوارص الْكَلِمَات المؤذية يُرِيد إِنِّي أزيدك على الإيعاد بقصائد الهجو وَلَوْلَا أَنَّهَا فِي صَحَابِيّ لأوردت مِنْهَا أبياتا وَكَانَ سَبَب تهديد عَلْقَمَة بِالْقَتْلِ للأعشى هُوَ أَن عَلْقَمَة بن علاثة كَانَ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل وَكَانَ عَلْقَمَة كَرِيمًا رَئِيسا وَكَانَ عَامر عاهرا سَفِيها وساقا إبِلا جمة لينحر لَهما المنفر فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء وَأتوا هرم بن قُطْبَة بن سِنَان فَقَالَ أَنْتُمَا كركبتي الْبَعِير تقعان مَعًا وتنهضان مَعًا قَالَا فأينا الْيُمْنَى قَالَ كلاكما يَمِين وَأَقَامَا سنة لَا يَجْسُر أحد أَن يحكم بَينهمَا بِشَيْء إِلَى أَن جَاءَ الْأَعْشَى عَلْقَمَة مستجيرا بِهِ فَقَالَ أجيرك من الْأسود والأحمر قَالَ وَمن الْمَوْت قَالَ لَا فَأتى عَامِرًا فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ وَمن الْمَوْت قَالَ نعم قَالَ وَكَيف قَالَ إِن مت فِي جواري وديتك فَقَالَ عَلْقَمَة لَو علمت أَن ذَلِك مُرَاده لهان عَليّ ثمَّ إِن الْأَعْشَى ركب نَاقَته ووقف فِي نَادَى الْقَوْم وانشدهم قصيدة نفر فِيهَا عَامِرًا على عَلْقَمَة مِنْهَا
(1/184)

(السَّرِيع)
(أَقُول لما جَاءَنِي فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر)
وَمِنْهَا
(وَلست بِالْأَكْثَرِ مِنْهُم حَصى ... وَإِنَّمَا الْعِزَّة للكاثر)
وهما شَاهِدَانِ من شَوَاهِد هَذَا الْكتاب وَسَيَأْتِي شرحهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَحلهمَا وَبعد أَن أنْشد القصيدة نَادَى النَّاس نفر عَامر على عَلْقَمَة وَرووا الشّعْر وأمضوا حكم الْأَعْشَى ودعواه أَنَّهُمَا حكماه بَاطِلَة كَمَا يُعلمهُ النَّاس وَكَانَ رَأْي هرم خلاف ذَلِك فَلَمَّا سمع عَلْقَمَة بِهَذَا هدده بِالْقَتْلِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة الصادية وَمعنى المنافرة كَمَا فِي الصِّحَاح المحاكمة فِي الْحسب يُقَال نافرة فنفره ينفره بِالضَّمِّ لَا غير أَي غَلبه والمنفور المغلوب والنافر الْغَالِب ونفره عَلَيْهِ تنفيرا أَي قضى عَلَيْهِ بالغلبة وَكَذَلِكَ أنفره والحسب هُوَ من الحسبان وَهُوَ مَا يعده الْإِنْسَان من مفاخر آبَائِهِ وَيُقَال حَسبه دينه وَيُقَال مَاله وَقَالَ ابْن السّكيت الْحسب وَالْكَرم يكونَانِ فِي الرجل وَإِن لم يكن لَهُ آبَاء لَهُم شرف وَالْمجد لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ وترجمة الْأَعْشَى مرت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ (الْبَسِيط)
(يابى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
وأوله
(أَخُو رغائب يُعْطِيهَا ويسألها)
على أَن الزفر بِمَعْنى السَّيِّد قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي فعل بِضَم الْفَاء إِذا كَانَ علما يشْتَرط لمنع صرفه جمع شرطين ثُبُوت فَاعل وَعدم فعل
(1/185)

قبل العلمية أما عمر وَزفر علمين فَكَانَ الْوَاجِب صرفهما لِأَنَّهُ لما جَاءَ لَهما فَاعل قبل العلمية جَاءَ فعل أَيْضا نَحْو عمر جمع عمْرَة والزفر السَّيِّد قَالَ الْأَعْشَى وَأنْشد الشّعْر
ثمَّ قَالَ لكنهما لما سمعا غير منصرفين حكمنَا بِأَنَّهُمَا علمَان غير منقولين عَن فعل الجنسي بل هما معدولان عَن فَاعل انْتهى يفهم مِنْهُ أَنه لم يسمع صرف زفر فِي العلمية لَكِن يجوز صرفه بِاعْتِبَار كَونه معدولا من الزافر كَمَا صرح بِهِ ابْن جني نَاقِلا عَن أبي عَليّ فِي كِتَابه الْمُبْهِج وَهُوَ شرح أَسمَاء شعراء الحماسة وَعبارَته زفر معدول عَن زَافِر وَلذَلِك لم يصرف لِاجْتِمَاع التَّعْرِيف وَالْعدْل فِيهِ وَيدل على أَنه معدول أَنَّك لَا تَجدهُ فِي الْأَجْنَاس كَمَا تَجِد صرد ونغر وَأما قَوْله
(يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
فَقَالَ أَبُو عَليّ إِنَّك لَو سميت بِهَذَا صرفته كَمَا تصرفه إِذا سميته صردا وجرذا وحطما ولبدا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب الزفر الناهض بِحمْلِهِ وَلَيْسَ زفر هَذَا الِاسْم مَنْقُولًا من هَذَا الْوَصْف وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ صرفه إِلَّا تعلم أَن فعلا المعدول عَن فَاعل لَا يجوز دُخُول اللَّام عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو زحل وَقثم وَقد قَالَ
(يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
فدخول اللَّام عَلَيْهِ يعرفك أَن زفر الَّذِي لَيْسَ مصروفا لَيْسَ بِهَذَا لداخلية اللَّام وَلَو سميت رجلا بزفر هَذَا بعد خلعك اللَّام عَنهُ لوَجَبَ صرفه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كصرد ونغر وَهَذَا وَاضح وَهُوَ رَأْي أبي عَليّ وَتَفْسِيره انْتهى
(1/186)

وَالْأَخ هُنَا بِمَعْنى الملابس والملازم للشَّيْء فَإِن الْعَرَب اسْتعْملت الْأَخ على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا هَذَا كَقَوْلِهِم أَخُو الْحَرْب وَالثَّانِي الْمجَالِس والمشابة كَقَوْلِهِم هَذَا الثَّوْب آخو هَذَا وَالثَّالِث الصّديق وَالرَّابِع أَخُو النّسَب وَهُوَ قِسْمَانِ نسب قرَابَة وَهُوَ الْمَشْهُور وَنسب قَبيلَة وَقوم كَقَوْلِهِم يَا أَخا تَمِيم يَا أَخا فَزَارَة لمن هُوَ مِنْهُم وَبِه فسر قَوْله تَعَالَى (يَا أُخْت هرون) والرغائب جمع
رغيبة وَهِي العطايا الْكَثِيرَة كَذَا فِي الصِّحَاح وَفِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف لِابْنِ السيرافي والرغائب الْأَشْيَاء الَّتِي يرغب فِيهَا يُرِيد يُعْطي مَا يرغب الرِّجَال فِي إدخاره ويحرصون على التَّمَسُّك بِهِ لنفاسته وأخو خبر مبتدا مَحْذُوف أَي هُوَ أَخُو رغائب وَجُمْلَة يُعْطِيهَا ويسألها مفسرة لوجه الملابسة فِي قَوْله أَخُو رغائب ويسألها بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول من السُّؤَال ويروي مَوْضِعه ويسلبها بِالْبِنَاءِ للمعلوم من السَّلب والظلامة بِالضَّمِّ وَمثله الظليمة والمظلمة بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا وَهُوَ مَا تطلبه عِنْد الظَّالِم وَهُوَ اسْم مَا أَخذ مِنْك والنوفل الْبَحْر وَالْكثير الْعَطاء وَقَالَ ثَعْلَب النوفل الْعَزِيز الَّذِي ينفل عَنهُ الضيم أَي يَدْفَعهُ والزفر الْكثير النَّاصِر والأهل وَالْعدة وَقَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ السَّيِّد لِأَنَّهُ يزدفر اي يتَحَمَّل بالأموال فِي الحمالات من دين ودية مطيقا لَهَا وأنشاد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يريديه بِعَيْنِه كَقَوْلِك لَئِن لقِيت فلَانا ليلقينك مِنْهُ الْأسد
ومحصل كَلَامهم أَن من تجريدية والتجريد كَمَا فِي الْكَشْف هُوَ تَجْرِيد الْمَعْنى المُرَاد عَمَّا قَامَ بِهِ تصويرا لَهُ بِصُورَة المستقل مَعَ إِثْبَات مُلَابسَة بَينه وَبَين الْقَائِم بِهِ بأداة أَو سِيَاق وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة عدَّة أبياتها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لأعشى باهله رثى صَاحب الشَّاهِد
(1/187)

بهَا الْمُنْتَشِر بن وهب الْبَاهِلِيّ قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف اعشى باهلة يكنى أَبَا قحطان جاهلي واسْمه عَامر بن الْحَارِث أحد بني عَامر بن عَوْف بن وَائِل ابْن معن ومعن أَبُو باهلة وباهلة امْرَأَة من هَمدَان وَهُوَ الشَّاعِر الْمَشْهُور صَاحب القصيدة المرثية فِي أخية لأمة الْمُنْتَشِر انْتهى والمنتشر هُوَ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة ابْن وهب بن سَلمَة بن كراثة بن هِلَال ابْن عَمْرو بن سَلامَة بن ثَعْلَبَة بن وَائِل بن معن بن مَالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان وَكَانَ الْمُنْتَشِر رَئِيسا فَارِسًا وَكَانَ رَئِيس الْأَبْنَاء يَوْم أرمام وَهُوَ أحد
يومي مُضر فِي الْيمن كَانَ يَوْمًا عَظِيما قتل فِيهِ مرّة بن عاهان وصلاءة بن العنبر والجموح ومعارك وَقَالَ الْأَصْمَعِي الْمُنْتَشِر هُوَ ابْن هُبَيْرَة بن وهب بن عَوْف بن حَارِث بن ورقة ابْن مَالك قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ الْمُسَمَّاة غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد وَهَذِه القصيدة من المراثي المفضلة الْمَشْهُورَة بالبراعة والبلاغة قَالَ وَقد رويت أَنَّهَا للدعجاء أُخْت الْمُنْتَشِر وَقيل لليلى أُخْته قَالَ وَمن هُنَا اشْتبهَ الْأَمر على عبد الْملك بن مَرْوَان فَظن أَنَّهَا لليلى الأخيلية وَيَنْبَغِي أَن نورد هَذِه القصيدة مشروحة لأمور مِنْهَا أَنَّهَا نادرة قَلما تُوجد وَمِنْهَا أَنَّهَا جَيِّدَة فِي بَابهَا وَمِنْهَا أَن كثيرا من أبياتها شَوَاهِد فِي كتب الْعلمَاء
(1/188)

ونورد أَولا خبر الْمُنْتَشِر حَتَّى يظْهر بِنَاء القصيدة عَلَيْهِ وَكَانَ من حَدِيثه على مَا رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب فِي رِوَايَته ديوَان الْأَعْشَى قَالَ خرج الْمُنْتَشِر ابْن وهب الْبَاهِلِيّ يُرِيد حج ذِي الخلصة وَمَعَهُ غلمه من قومه والأقيصر بن جَابر أَخُو بني فراص وَكَانَ بَنو نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب أَعدَاء لَهُ فَلَمَّا رَأَوْا مخرجه وعورته وَمَا يَطْلُبهُ بِهِ بَنو الْحَارِث بن كَعْب وَطَرِيقَة عَلَيْهِم وَكَانَ من حج ذَا الخلصة أهْدى لَهُ هَديا يتحرم بِهِ مِمَّن لقِيه فَلم يكن مَعَ الْمُنْتَشِر هدي فَسَار حَتَّى إِذا كَانَ بهضب النباع انْكَسَرَ لَهُ بعض غلمته الَّذين كَانُوا مَعَه فَصَعِدُوا فِي شعب من النباع فَقَالُوا فِي غَار فِيهِ وَكَانَ الأقيصر يتكهن وأنذر بَنو نفَيْل بالمنتشر بني الْحَارِث بن كَعْب فَقَالَ الأقيصر النَّجَاء يَا منتشر فقد أتيت فَقَالَ لَا أَبْرَح حَتَّى أبرد فَمضى الأقيصر وَأقَام الْمُنْتَشِر وَأَتَاهُ غلمته بسلاحه واراد قِتَالهمْ فأمنوه وَكَانَ قد أسر رجلا من بني الْحَارِث بن كَعْب يُقَال لَهُ هِنْد بن أَسمَاء بن زنباع فَسَأَلَهُ أَن يفْدي نَفسه فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقطع أُنْمُلَة ثمَّ أَبْطَأَ فَقطع مِنْهُ أُخْرَى وَقد أَمنه الْقَوْم
وَوضع سلاحه فَقَالَ أتؤمنون مقطعا وإلهي لَا أؤمنه ثمَّ قَتله وَقتل غلمته انْتهى وَذُو الخلصة بِفَتَحَات الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالصَّاد الْمُهْملَة الْكَعْبَة اليمانية الَّتِي كَانَت بِالْيمن أنفذ إِلَيْهَا رَسُول الله
جرير بن عبد الله فخربها وَقيل هُوَ بَيت كَانَ فِيهِ صنم لدوس وخثعم وبجيلة وَغَيرهم كَذَا فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير وَفِي الصِّحَاح هُوَ بَيت لخثعم كَانَ يَدعِي الْكَعْبَة اليمانية وَكَانَ فِيهِ صنم يدعى الخلصة فهدم وَفِي شرح البُخَارِيّ لِابْنِ حجر ذُو الخلصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام بعْدهَا مُهْملَة وَحكى ابْن دُرَيْد فتح
(1/189)

أَوله وَإِسْكَان ثَانِيَة وَحكى ابْن هِشَام ضمهما وَقيل بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيَة وَالْأول أشهر والخلصة نَبَات لَهُ حب أَحْمَر كخرز العقيق وَذُو الخلصة اسْم الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَم وَقيل اسْم الْبَيْت الخلصة وَاسم الصَّنَم ذُو الخلصة وَحكى الْمبرد أَن مَوضِع ذِي الخلصة صَار مَسْجِدا جَامعا لبلدة يُقَال لَهَا العبلات من أَرض خثعم وَوهم من قَالَ إِنَّه كَانَ فِي بِلَاد فَارس انْتهى وَرَأَيْت فِي كتاب الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ أَن ذَا الخلصة كَانَ مروة بَيْضَاء منقوشة عَلَيْهَا كَهَيئَةِ التَّاج وَكَانَت بتبالة بَين مَكَّة واليمن مسيرَة سبع لَيَال من مَكَّة وَكَانَ سدنتها بَنو أُمَامَة من باهلة بن أعصر وَكَانَت تعظمها وتهدي لَهَا خثعم وبجيلة وأزد السراة وَمن قاربهم من بطُون الْعَرَب من هوَازن وفيهَا يَقُول خِدَاش بن زُهَيْر العامري لعثعث بن وَحشِي فِي عهد كَانَ بَينهم فغدر بهم (الطَّوِيل)
(وذكرته بِاللَّه بيني وَبَينه ... وَمَا بَيْننَا من هَذِه لَو تذكرا)
(وبالمروة الْبَيْضَاء يَوْم تباله ... ومحبسة النُّعْمَان حَيْثُ تنصرا)
فَلَمَّا فتح رَسُول الله
مَكَّة وَأسْلمت الْعَرَب ووفدت عَلَيْهِ وفودها قدم عَلَيْهِ جرير بن عبد الله مُسلما فَقَالَ لَهُ يَا جرير أَلا تكفيني ذَا الخلصة فَقَالَ بلَى فوجهه إِلَيْهِ فَخرج حَتَّى أَتَى أحمس من بجيلة فَسَار بهم إِلَيْهِ فقاتلته خثعم وباهلة دونه فَقتل من سدنته من باهلة
(1/190)

يؤمئذ مائَة رجل وَأكْثر الْقَتْل فِي خثعم وَقتل مِائَتَيْنِ من بني قُحَافَة بن عَامر بن خثعم فظفر بهم وَهَزَمَهُمْ وَهدم بُنيان ذِي الخلصة واضرم فِيهِ النَّار فَاحْتَرَقَ وَذُو الخلصة الْيَوْم عتبَة بَاب مَسْجِد تبَالَة وبلغنا أَن رَسُول الله
قَالَ لَا تذْهب الدُّنْيَا حَتَّى تصطك أليات نسَاء دوس على ذِي الخلصة يعبدونه كَمَا كَانُوا يعبدونه انْتهى وَالْقَصِيدَة هَذِه
(إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا أسر بهَا ... من علو لَا عجب مِنْهَا وَلَا سخر)
هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي الظروف على أَن علو رُوِيَ بِضَم الْوَاو وَكسرهَا وَفتحهَا وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف على أَن اللِّسَان فِي قَوْله تَعَالَى {وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا} أطلق على مَا يُوجد بهَا من الْعَطِيَّة وَاللِّسَان هُنَا بِمَعْنى الرسَالَة وَأَرَادَ بهَا نعي الْمُنْتَشِر وَلِهَذَا أنث لَهُ الْفِعْل فَإِنَّهُ إِذا أُرِيد بِهِ الْكَلِمَة أَو الرسَالَة يؤنث وَيجمع على ألسن وَإِذا كَانَ بِمَعْنى جارحة الْكَلَام فَهُوَ مُذَكّر وَيجمع على أَلْسِنَة روى ثَعْلَب
(إِنِّي أتيت بِشَيْء لَا أسر بِهِ ... من علو لَا عجب فِيهِ وَلَا سخر)
وروى أَبُو زيد فِي نوادره
(إِنِّي أَتَانِي شَيْء لَا أسر بِهِ ... من عل لَا عجب فِيهِ وَلَا سخر)
قَالَ: ويروى " من علو " و" سخر " - بِضَمَّتَيْنِ -. قَالَ فِي " الصِّحَاح ": " وعلو مثلث الْوَاو، أَي: أَتَانِي خبر من أَعلَى نجد ". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ الْعَالِيَة. وَقَالَ ثَعْلَب:
(1/191)

أَي: من أعالي الْبِلَاد. وَيُقَال من علو بِتَثْلِيث الْوَاو وَمن عل بِكَسْر اللَّام وضمهما، وَمن علا، وَمن أَعلَى، وَمن معال. وَقَوله " لَا عجب " إِلَخ، أَي: لَا أعجب مِنْهَا، وَإِن كَانَت عَظِيمَة، لِأَن مصائب الدُّنْيَا كَثِيرَة؛ " وَلَا سخر ": بِالْمَوْتِ، وَقيل مَعْنَاهُ لَا أَقُول ذَلِك سخرية، وَهُوَ بِفتْحَتَيْنِ وبضمتين: مصدر سخر مِنْهُ كفرح وسخرا بِضَمَّتَيْنِ ومسخرا: اسْتَهْزَأَ بِهِ.
(فظلت مكتئباً حران أندبه ... وَكنت أحذره لَو ينفع الحذر)
وروى: وَكنت ذَا حذر:
(فَجَاشَتْ النَّفس لنا جَاءَ جمعهم ... وراكب جَاءَ من تثليت مُعْتَمر)
فِي " الصِّحَاح ": " جَاشَتْ نَفسه أَي: غثت، وَيُقَال دارت للغثيان. فَإِن أردْت أَنَّهَا ارْتَفَعت من حزن أَو فزع. قلت: جشأت، بِالْهَمْز ". وروى بدل " جمعهم " أَي: الَّذين شهدُوا مَقْتَله: " فَلهم " بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام؛ يُقَال جَاءَ فل الْقَوْم أَي: منهزموهم، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع، وَرُبمَا قَالُوا: فلول وفلال. وتثليت بِالْمُثَلثَةِ. اسْم مَوضِع. و" مُعْتَمر " صفة رَاكب بِمَعْنى زائر، وَيُقَال من عمْرَة الْحَج.
(يَأْتِي على النَّاس لَا يلوي على أحد ... حَتَّى الْتَقَيْنَا وَكَانَت دُوننَا مُضر)
فَاعل " يَأْتِي " ضمير الرَّاكِب. و" يلوي ": مضارع لوى بِمَعْنى توقف وعرج، أَي: يمر هَذَا الرَّاكِب على النَّاس وَلم يعرج على أحد حَتَّى أَتَانِي؛ لِأَنِّي كنت صديقه. و" دون " بِمَعْنى قُدَّام.
(إِن الَّذِي جِئْت من تثليث تندبه ... مِنْهُ السماح وَمِنْه النَّهْي والغير)
أَي: فقت لهَذَا الرَّاكِب: إِن الَّذِي جِئْت إِلَخ، يُقَال ندب الْمَيِّت من بَاب
(1/192)

نصر: بَكَى عَلَيْهِ وَعدد محاسنه. وَجُمْلَة " مِنْهُ السماح " إِلَخ خبر إِن. و" النَّهْي ": خلاف الْأَمر. و" الْغَيْر "، بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: اسْم من غيرت الشَّيْء فَتغير، أَقَامَهُ مقَام الْأَمر.
(ينعى امرا لَا تغب الْحَيّ جفنته ... إِذا الْكَوَاكِب أخطا نوءها الْمَطَر)
النعي خبر الْمَوْت يُقَال نعاه ينعاه قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ ميت لَهُ قدر ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر وَلَا يغب هُوَ من قَوْلهم فلَان لَا يغبنا عطاؤه أَي لَا يأتينا يَوْمًا دون يَوْم بل يأتينا كل يَوْم والجفنة الْقَصعَة وأخطاه كتخطاه تجاوزه والنوء سُقُوط نجم من الْمنَازل فِي الْمغرب مَعَ الْفجْر وطلوع رقيبه من الْمشرق يُقَابله من سَاعَته فِي كل لَيْلَة إِلَى ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَهَكَذَا كل نجم إِلَى انْقِضَاء السّنة
وَكَانَت الْعَرَب تضيف الأمطار والرياح وَالْحر وَالْبرد إِلَى السَّاقِط مِنْهَا يُرِيد أَن جفانه لَا تَنْقَطِع فِي الْقَحْط والشدة ... وراحت الشول مغبرا مناكبها ... شعثا تغير مِنْهَا الني والوبر)
مَعْطُوف على مَدْخُول إِذا فِي الْقَامُوس الشائلة من الْإِبِل مَا أَتَى عَلَيْهَا من حملهَا أَو وَضعهَا سَبْعَة أشهر فجف لَبنهَا وَالْجمع شول على غير قِيَاس وَفِي النِّهَايَة الشول مصدر شال لبن النَّاقة أَي ارْتَفع وَتسَمى النَّاقة الشول أَي ذَات شول لِأَنَّهُ لم يبْق فِي ضرْعهَا إِلَّا شول من لبن اي بَقِيَّة وَيكون ذَلِك بعد سَبْعَة أشهر من حملهَا وروى مباءتها أَي مراجها بدل مناكبها ومغبرا يَعْنِي من الرِّيَاح والعجاج والني بِفَتْح النُّون الشَّحْم
(1/193)

ومصدر نَوَت النَّاقة تنوي نواية ونيا إِذا سمنت يُرِيد أَن الجدب وَقلة المرعى خشن لَحمهَا وَغَيره
(وَأَلْجَأَ الْكَلْب مبيض الصقيع بِهِ ... وَأَلْجَأَ الْحَيّ من تناحه الْحجر)
مَعْطُوف أَيْضا على مَدْخُول إِذا وَأَلْجَأَ اضْطر ويروي أجحر يُقَال أجحرته أَي ألجأته إِلَى أَن دخل جحرة والصقيع الجليد وتنفاحه ضربه وَهُوَ مصدر نفحت الرّيح إِذا هبت بَارِدَة وَالضَّمِير للصقيع وَالْبَاء فِي بِهِ بِمَعْنى على وَالضَّمِير للكلب وَالْحجر بِضَم الْحَاء وَفتح الْجِيم جمع حجرَة بِالضَّمِّ الغرفة وحظيرة الْإِبِل من شجر يَقُول هُوَ فِي مثل هَذِه الْأَيَّام الشَّدِيدَة يطعم النَّاس الطَّعَام
(عَلَيْهِ أول زَاد الْقَوْم قد علمُوا ... ثمَّ الْمطِي إِذا مَا أرملوا جزر)
يَعْنِي أَنه يرتب على نَفسه زَاد أصحابة أَولا وَإِذا فني الزَّاد نحر لَهُم وأرمل الرجل نفد زَاده والمطي جمع مَطِيَّة وَهِي النَّاقة والجزر بِضَمَّتَيْنِ جمع جزور وَهِي النَّاقة الَّتِي تنحر وَرُوِيَ بِفتْحَتَيْنِ جمع جزرة وَهِي النَّاقة وَالشَّاة تذبح
(قد تكظم البزل مِنْهُ حِين تبصره ... حَتَّى تقطع فِي أعناقها الجرر)
ويروى
(وتفزع الشول مِنْهُ حِين يفجؤها)
يُقَال كظم الْبَعِير بِالْفَتْح يَكْظِم بِالْكَسْرِ كظوما إِذا أمسك عَن الجرة وَقيل الكظم أَن لَا تجتر لشدَّة الْفَزع إِذا رَأَتْ السَّيْف والبزل جمع بازل وَهُوَ الدَّاخِل فِي السّنة التَّاسِعَة والجرر جمع جرة بِكَسْر الْجِيم فيهمَا وَهِي مَا يُخرجهُ الْبَعِير للاجترار يَقُول تعودت الْإِبِل أَنه يعقر مِنْهَا فَإِذا
(1/194)

رَأَتْهُ كظمت على جرتها فَزعًا مِنْهُ وتقطع فعل مضارع مَنْصُوب بِأَن
(أَخُو رغائب يُعْطِيهَا ويسألها ... يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
(لم تَرَ أَرضًا وَلم] تسمع بساكنها ... إِلَّا بهَا من نوادي وقعه أثر)
نوادي كل شَيْء بالنُّون أَوَائِله وَمَا ندر مِنْهُ وَاحِدَة نَادِيَةَ وَمِنْه قَوْلهم لَا ينداك مني سوء أبدا أَي لَا ينْدر إِلَيْك والوقع النُّزُول
(وَلَيْسَ فِيهِ إِذا استنظرته عجل ... وَلَيْسَ فِيهِ إِذا ياسرته عسر)
(وَإِن يصبك عَدو فِي مناوأة ... يَوْمًا فقد كنت تستعلي وتنتصر)
ويروي فقد كَانَ يستعلي وينتصر المناوأة المعاداة يُقَال ناوأت الرجل مناوأة وَقيل هِيَ الْمُحَاربَة ناوأته أَي حاربته قَالَ الشَّاعِر (الطَّوِيل) ... إِذا أَنْت ناوأت الْقُرُون فَلم تنؤ ... بقرنين عزتك الْقُرُون الكوامل)
(من لَيْسَ فِي خَيره من يكدره ... على الصّديق وَلَا فِي صَفوه كدر)
(أَخُو شروب ومكساب إِذا عدموا ... وَفِي المخافة مِنْهُ الْجد والحذر)
الشروب جمع شرب وَهُوَ جمع شَارِب كصحب جمع صَاحب ويروى أَخُو حروب والمكاسب مُبَالغَة كاسب والعدم الْفقر وَفعله من بَاب فَرح
(مردى حروب وَنور يستضاء بِهِ ... كَمَا أَضَاء سَواد الظلمَة الْقَمَر)
المردى بِكَسْر الْمِيم قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ حجر يَرْمِي بِهِ وَمِنْه قيل للشجاع إِنَّه لمردى حروب وَمَعْنَاهُ أَنه يقذف فِي الحروب ويرجم فِيهَا وروى ...
(1/195)

(كَمَا أَضَاء سَواد الطخية الْقَمَر)
الطخية بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة الظلمَة والطخياء بِالْمدِّ اللَّيْلَة الْمظْلمَة يُرِيد أَنه كَامِل شجاعة وعقلا فشجاعته كَونه يرْمى فِي الحروب وعقله كَون رَأْيه نورا يستضاء بِهِ وهما وصفان متضادان غَالِبا
(مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عَنهُ الْقَمِيص لسير اللَّيْل محتقر)
المهفهف الخميص الْبَطن الدَّقِيق الخصر والأهضم المنضم الجنبين والكشح مَا بَين الخاصرة إِلَى الضلع الْخلف وَهَذَا مدح عِنْد الْعَرَب فَإِنَّهَا تمدح الهزال والضمر وتذم السّمن وَفِي الْعباب وَرجل منخرق السربال إِذا طَال سَفَره فشققت ثِيَابه ولسير اللَّيْل مُتَعَلق بِمَا بعده وَهَذَا يدل على الجلادة وَتحمل الشدائد
(طاوي الْمصير على العزاء منجرد ... بالقوم لَيْلَة لَا مَاء وَلَا شجر)
الطوى الْجُوع وَفعله من بَاب فَرح وطوى بِالْفَتْح يطوي بِالْكَسْرِ طيا إِذا تعمد الْجُوع والمصير المعى الرَّقِيق وَجمعه مصران كرغيف ورغفان وَجمع هَذَا مصارين أَرَادَ طاوي الْبَطن والعزاء بِفَتْح الْعين المهمله وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة الشدَّة والجهد وَقَالَ فِي الصِّحَاح هِيَ السّنة الشَّدِيدَة والمنجرد المتشمر وَقَوله لَيْلَة لَا مَاء وَلَا شجر أَي يرْعَى
(لَا يصعب الْأَمر إِلَّا ريث يركبه ... وكل أَمر سوى الْفَحْشَاء يأتمر)
أصعب الْأَمر وجده صعبا وكل مفعول مقدم ليأتمر أَي يفعل كل خير وَلَا يدنو من الْفَاحِشَة ...
(1/196)

(لَا يهتك السّتْر عَن أُنْثَى يطالعها ... وَلَا يشد إِلَى جاراته النّظر)
(لَا يتأرى لما فِي الْقدر يرقبه ... وَلَا يعَض على شرسوفه الصفر)
لَا يتأرى لَا يتجبس ويتلبث يُقَال تأرى بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ فِيهِ أَي لَا يلبث لإدراك طَعَام الْقدر وَجُمْلَة يرقبه حَال من الْمُسْتَتر فِي يتأرى يمدحه بِأَن همته لَيْسَ فِي الْمطعم وَالْمشْرَب وَإِنَّمَا همته فِي طلب الْمَعَالِي فَلَيْسَ يرقب نضج مَا فِي الْقدر إِذا هم بِأَمْر لَهُ شرف بل يَتْرُكهَا ويمضى والشرسوف طرف الضلع والصفر دويبة مثل الْحَيَّة تكون فِي الْبَطن تعتري من بِهِ شدَّة الْجُوع قَالَ فِي النِّهَايَة فِي حَدِيث لَا عدوى وَلَا هَامة وَلَا صفر إِن الْعَرَب كَانَت تزْعم أَن فِي الْبَطن حَيَّة يُقَال لَهَا الصفر تصيب الْإِنْسَان إِذا جَاع وتؤذيه وَأَنَّهَا تعدِي فَأبْطل الْإِسْلَام ذَلِك وَقيل أَرَادَ بِهِ النَّبِي
النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ تَأْخِير الْمحرم إِلَى صفر ويجعلون صفر هُوَ الشَّهْر الْحَرَام فأبطله انْتهى وَلم يرد الشَّاعِر أَن فِي جَوْفه صفرا لَا يعَض على شراسيفه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه لَا صفر فِي جوفة فيعض يصفه بِشدَّة الْخلق وَصِحَّة البنية
(لَا يغمز السَّاق من أَيْن وَلَا وصب ... وَلَا يزَال أَمَام الْقَوْم يقتفر)
لَا يغمز السَّاق لَا يجسها يصف جلده وتحمله للمشاق والأين الإعياء والوصب الوجع والاقتفار بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء اتِّبَاع الْآثَار فِي الصِّحَاح وقفرت أَثَره أقفره بِالضَّمِّ أَي قفوته وأقتفرت مثله وَأنْشد هَذَا
(1/197)

الْبَيْت وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس فِي شرح نَوَادِر أبي زيد يقتفر بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول وَمَعْنَاهُ أَنه يفوت النَّاس فَيتبع وَلَا يلْحق
(لَا يَأْمَن النَّاس ممساه ومصبحه ... فِي كل فج وَإِن لم يغز ينْتَظر)
اي لَا يأمنه النَّاس على كل حَال سَوَاء كَانَ غازيا أم لَا فَإِن كَانَ غازيا يخَافُونَ أَن يُغير عَلَيْهِم وَإِن لم يكن غازيا فَإِنَّهُم قي قلق أَيْضا لأَنهم يترقبون غَزْوَة وينتظرونه ... تكفيه حزة فلذان ألم بهَا ... من الشواء ويروي شربه الْغمر)
الحزة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة قِطْعَة من اللَّحْم قطعت طولا والفلذان جمع فلذ بِكَسْر الْفَاء فيهمَا الْقطعَة من الكبد وَاللَّحم وألم بهَا أَصَابَهَا يَعْنِي أكلهَا والغمر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم قدح صَغِير لَا يروي
(لَا تأمن البازل الكوماء عدوته ... وَلَا الأمون إِذا مَا أخروط السّفر)
البازل الْبَعِير الَّذِي فطر نأبه بِدُخُولِهِ فِي السّنة التَّاسِعَة وَيُقَال للناقة بازل أَيْضا يستوى فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى والكوماء بِالْفَتْح النَّاقة الْعَظِيمَة السنام والعدوة التَّعَدِّي فَإِنَّهُ يَنْحَرهَا لمن مَعَه سَوَاء كَانَت المطية مُسِنَّة كالبازل أَو شَابة كالأمون وَهِي النَّاقة الموثقة الْخلق يُؤمن عثارها وضعفها واخروط امْتَدَّ وَطَالَ
(كَأَنَّهُ بعد صدق الْقَوْم أنفسهم ... باليأس تلمع من قدامه الْبشر)
لمع أَضَاء والبشر بِضَمَّتَيْنِ جمع بشير يَقُول إِذا فزع الْقَوْم وأيقنوا بِالْهَلَاكِ عِنْد الحروب أَو الشدائد فَكَأَنَّهُ من ثقته بِنَفسِهِ قدامه بشير يبشره
(1/198)

بالظفر والنجاح فَهُوَ منطلق الْوَجْه نشيط غير كسلان قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أمالية قَالَ الْمبرد لَا نعلم بَيْتا فِي يمن النقيبة وبركه الطلعة أبرع من هَذَا الْبَيْت
(لَا يعجل الْقَوْم أَن تغلي مراجلهم ... ويدلج اللَّيْل حَتَّى يفسح الْبَصَر)
يُرِيد أَنه رابط الجأش عِنْد الْفَزع لَا يستخفه الْفَزع فيعجل أَصْحَابه عَن الأطباخ وَقَوله حَتَّى يفسح الْبَصَر أَي يجد متسعا من الصُّبْح وَقيل مَعْنَاهُ لَيْسَ
هُوَ شَرها يتعجل بِمَا يُؤْكَل والمراجل الْقُدُور جمع مرجل
(عِشْنَا بِهِ حقبة حَيا ففارقنا ... كَذَلِك الرمْح ذُو النصلين ينكسر)
وروى
(عِشْنَا بذلك دهرا ثمَّ وَدعنَا)
والنصلان هما السنان وَهِي الحديدة الْعليا من الرمْح والزج وَهِي الحديدة السُّفْلى وَيُقَال لَهما الزجان أَيْضا وَهَذَا مثل أَي كل شَيْء يهْلك وَيذْهب
(فَإِن جزعنا فقد هدت مصابتنا ... وَإِن صَبرنَا فَإنَّا معشر صَبر)
المصابة بِضَم الْمِيم بِمَعْنى الْمُصِيبَة يُقَال جبر الله مصابته وَهُوَ فَاعل وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي قوانا وَالصَّبْر بِضَمَّتَيْنِ جمع صبور مُبَالغَة صابر
(أصبت فِي حرم منا أَخا ثِقَة ... هِنْد بن أَسمَاء لَا يهني لَك الظفر)
خَاطب قَاتل الْمُنْتَشِر هِنْد بن أَسمَاء وَأَرَادَ بِالْحرم ذَا الخلصة ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ والتهنئة خلاف التَّعْزِيَة
(لَو لم تخنه نفَيْل وَهِي خَائِنَة ... لصبح الْقَوْم وردا مَا لَهُ صدر)
(1/199)

صبحه سقَاهُ الصبوح وَهُوَ الشّرْب بِالْغَدَاةِ أَرَادَ أَنه كَانَ يقتلهُمْ
(وَأَقْبل الْخَيل من تثليث مصغية ... وَضم أعينها رغوان أَو حضر)
أقبل الْخَيل جعلهَا مقبلة ومصغية مائلة نحوكم ورغوان وَحضر موضعان أَي كَانَت تَأتي خيله عَلَيْكُم فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَمَا كَانَت تنام فِي منزل إِلَّا فيهمَا
(إِذا سلكت سَبِيلا أَنْت سالكه ... فَاذْهَبْ فَلَا يبعدنك الله منتشر)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
(شمس بن مَالك)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الطَّوِيل)
(إِنِّي لمهد من ثنائي وقاصد ... بِهِ لِابْنِ عَم الصدْق شمس بن مَالك)
على أَنه مَصْرُوف مَعَ أَنه معدول عَن شمس بِالْفَتْح وَعَلِيهِ اقْتصر فِي بَاب الْعلم وَإِنَّمَا صرف لكَونه لم يلْزم الضَّم فَإِنَّهُ سمع فِيهِ الْفَتْح أَيْضا فَلَمَّا لم يلْزم الضَّم لم يعْتَبر عدله وَلَو لزم الضَّم لصرف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مَنْقُولًا من جمع شموس لَا معدولا من شمس بِالْفَتْح وَقد تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي رِوَايَة الضَّم وَالْفَتْح شرَّاح الحماسة مِنْهُم ابْن جني فِي إعرابها فَإِنَّهُ قَالَ أما من روى شمس فتح الشين فَأمره وَاضح كَمَا يُسمى ببدر وَنَحْوه وَمن رَوَاهُ شمس بِضَم الشين فَيحْتَمل أَن يكون جمع شموس سمي بِهِ من قَول الأخطل
(1/200)

(الْبَسِيط)
(شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلاما إِذا قدرُوا)
وَيجوز أَن يكون ضم الشين على وَجه تَغْيِير الْأَعْلَام نَحْو معد يكرب وثهلل وموهب وموظب ومكوزة وَغير ذَلِك مِمَّا غير فِي حَال نَظَائِره لأجل العلمية الْحَادِثَة فِيهِ وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب شمس إِلَّا هَذَا الْموضع ا. هـ.
وَفِيه نظر فَإِن شمسا فِي هَذَا الْبَيْت مضموم الشين لَا غير وَإِن المضموم غير المفتوح كَمَا فَصله الْحسن العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا أورد هَذَا الْبَيْت شمس مضموم الشين بطن من الأزد من مَالك بن فهم وكل مَا جَاءَ فِي أَنْسَاب الْيمن فَهُوَ شمس بِالضَّمِّ وكل مَا جَاءَ فِي قُرَيْش فَهُوَ شمس بِالْفَتْح انْتهى
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات عشرَة لتأبط شرا أثبتها أَبُو تَمام فِي أول الحماسة قَالَ ابْن جني ضمير بِهِ عِنْدِي رَاجع إِلَى مَوْصُوف مَحْذُوف أَي ثَنَاء من ثنائي وراجع عِنْد الْأَخْفَش إِلَى نفس ثنائي وَمن عِنْده زَائِدَة وسيبويه لَا يرى زيادتها فِي الْوَاجِب انْتهى فعلى الأول يكون مَا أهْدى محذوفا وعَلى الثَّانِي مَذْكُورا وَاللَّام فِي قَوْله لِابْنِ عَم مُتَعَلقَة بقاصد عِنْد الْبَصرِيين يُقَال قصدته بِكَذَا وقصدت لَهُ بِهِ قَالَ فِي الْعباب كل مَا نسب إِلَى الصّلاح وَالْخَيْر أضيف إِلَى الصدْق فَقيل رجل صدق وصديق صدق وتأبط شرا تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر
(1/201)

وَأما مُصَنف كتاب التَّصْحِيف فَهُوَ أَبُو أَحْمد الْحسن بن عبد الله بن سعيد بن إِسْمَاعِيل العسكري ولد يَوْم الْخَمِيس لست عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَمَات يَوْم الْجُمُعَة لسبع خلون من ذِي الْحجَّة من سنة أثنتين وَثَمَانِينَ وثلاثمائة قَالَ أَبُو طَاهِر السلَفِي إِن أَبَا أَحْمد هَذَا كَانَ من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين بِالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم والتبحر فِي فنون الفهوم وَمن الْمَشْهُورين بجودة التَّأْلِيف وَحسن التصنيف وَمن جملَته كتاب صناعَة الشّعْر كتاب الحكم والأمثال كتاب التَّصْحِيف كتاب رَاحَة الْأَرْوَاح كتاب الزواجر والمواعظ كتاب تَصْحِيح الْوُجُوه والنظائر وَكَانَ قد سمع بِبَغْدَاد وَالْبَصْرَة واصبهان وَغَيرهَا من شُيُوخ مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ وَابْن أبي دَاوُد السجسْتانِي وَأكْثر عَنْهُم وَبَالغ فِي الْكِتَابَة وَبَقِي حَتَّى علا بِهِ السن واشتهر فِي الْآفَاق بالرواية والإتقان وانتهت إِلَيْهِ رياسة التحديث والإملاء والتدريس بقطر خوزستان ورحل الأجلاء إِلَيْهِ للاخذ عَنهُ وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ نقلته مُخْتَصرا من مُعْجم الأدباء
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ (الْكَامِل)
(وهم قُرَيْش الأكرمون إِذا انتموا ... طابوا فروعا فِي الْعلَا وعروقا)
على أَن الْأَب رُبمَا جعل مؤولا بالقبيلة فَمنع الصّرْف كَمَا منع قُرَيْش الصّرْف لتأويله بالقبيلة والأكرمون صفة قُرَيْش
(1/202)

\ وَمثله لعدي بن زيد بن الرّقاع العاملي يمدح الْوَلِيد بن عبد الْملك (الْكَامِل)
(غلب المساميح الْوَلِيد سماحة ... وَكفى قُرَيْش المعضلات وسادها)
والمساميح جمع سمح على خلاف الْقيَاس وَقَوله إِذا انتموا يُقَال انْتَمَى إِلَى أَبِيه انتسب ونميته إِلَى أَبِيه نميا نسبته فِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد كثر الْكَلَام فِي قُرَيْش فَقَالَ قوم سميت قُرَيْش بِقُرَيْش بن مخلد بن غَالب بن فهر وَكَانَ صَاحب عيرهم فَكَانُوا يَقُولُونَ قدمت عير قُرَيْش وَخرجت عير قُرَيْش وَقَالَ قوم سميت قُريْشًا لِأَن قصيا قرشها أَي جمعهَا فَلذَلِك سمي قصي مجمعا قَالَ الْفضل)
(أَبونَا قصي كَانَ يدعى مجمعا ... بِهِ جمع الله الْقَبَائِل من فهر)
وَقَالَ اللَّيْث قُرَيْش قَبيلَة أبوهم النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس ابْن مُضر فَكل من كَانَ من ولد النَّضر فَهُوَ قريشي دون ولد كنَانَة وَمن فَوْقه وَقَالَ صَاحب الْعباب وينقض هذَيْن الْقَوْلَيْنِ قَول ابْن الْكَلْبِيّ لِأَنَّهُ المرجوع إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن وَهُوَ أَن قُريْشًا اسْمه فهر بن مَالك بن النَّضر وَفِي تَسْمِيَته قُريْشًا سَبْعَة أَقْوَال
أَحدهَا سموا قُريْشًا لتجمعهم إِلَى الْحرم ثَانِيهَا أَنهم كَانُوا يتقرشون الْبياعَات فيشترونها ثَالِثهَا أَنه جَاءَ النَّضر بن كنَانَة فِي ثوب لَهُ يَعْنِي اجْتمع فِي ثَوْبه فَقَالُوا قد تقرش فِي ثَوْبه رَابِعهَا قَالُوا جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جمل قُرَيْش أَي شَدِيد خَامِسهَا قَول ابْن عَبَّاس لما سَأَلَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ بِمَ سميت قُرَيْش
(1/203)

قَالَ بِدَابَّة فِي الْبَحْر تسمى قُريْشًا لَا تدع دَابَّة إِلَّا أكلتها فدواب الْبَحْر كلهَا تخافها قَالَ المشمرج بن عَمْرو الْحِمْيَرِي (الْخَفِيف)
(وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... بهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا)
سادسها قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان سَمِعت أَن قصيا كَانَ يُقَال لَهُ الْقرشِي لم يسم قرشي قبله سابعها أَنهم كَانُوا يفتشون الْحَاج عَن خلتهم فيسدونها وَيعلم من هَذِه الْأَقْوَال أَن كَون قُرَيْش أَبَا إِنَّمَا هُوَ على القَوْل الثَّالِث وَالرَّابِع وَالسَّادِس وأنشده بعده
(جذب الصراريين بالكرور)
على أَن جمع التكسير لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة فَإِن الصراري جمع صراء وَهُوَ جمع تكسير وَقد جمع على الصراريين جمع سَلامَة وَتقدم مَا فِيهِ مشروحا فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين فَرَاجعه وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ ... خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
(1/204)

على أَن جمع التكسير نَحْو نواكس لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة كنواكسين كَمَا ذكره أَبُو عَليّ فِي الْحجَّة أَقُول ذكره أَبُو عَليّ فِي إِعْرَاب الشّعْر أَيْضا وَأعلم أَن الْكَلَام على هَذِه الْكَلِمَة من ثَلَاثَة وُجُوه أَحدهَا أَن نواكس جمع ناكس وَهُوَ المطأطئ رَأسه وفاعل إِذا كَانَ اسْما نَحْو كَاهِل أَو صفة مؤنث سَوَاء كَانَ مِمَّن يعقل نَحْو حَائِض أَو مِمَّن لَا يعقل نَحْو نَاقَة حاسر إِذا أعيت أَو صفة مُذَكّر غير عَاقل نَحْو صاهل يجمع قِيَاسا على فواعل تَقول كواهل وحوائض وحواسر وصواهل أما إِذا كَانَ صفة لمذكر عَاقل لَا يجمع على فواعل وَقد شذت أَلْفَاظ خَمْسَة وَهِي ناكس ونواكس وَفَارِس وفوارس نَحْو (الْبَسِيط)
(لَوْلَا فوارس من نعم وأسرتهم) وهالك وهوالك قَالُوا هَالك فِي الهوالك وغائب وغوائب وَشَاهد وشواهد قَالَ عتبَة بن الْحَارِث لجزء بن سعد (الوافر)
(أحامي عَن ديار بني أبيكم ... ومثلي فِي غوائبكم قَلِيل)
فَقَالَ لَهُ جُزْء نعم وَفِي شواهدنا فَجمع عتبَة غَائِبا على غوائب وَجمع جُزْء شَاهدا على شَوَاهِد وَقد وجهت بتوجيهات أما الأول فقد حمله سِيبَوَيْهٍ على اعْتِبَار التَّأْنِيث فِي الرِّجَال قَالَ لِأَنَّك تَقول هِيَ الرِّجَال كَمَا تَقول هِيَ الْجمال فشبهه بالجمال وَمِنْه أَخذ أَبُو الْوَلِيد فَقَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد هَذَا مخرج على غير الضَّرُورَة وَهُوَ أَن تُرِيدُ بِالرِّجَالِ جماعات الرِّجَال فَكَأَنَّهُ جماعات نواكس وَوَاحِدَة جمَاعَة ناكسة فَيكون مقيسا جَارِيا على بَابه كقائله وقوائل
وَوَجهه ابْن الصَّائِغ على أَنه صفة للأبصار
(1/205)

من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الأَصْل قبل النَّقْل نواكس أَبْصَارهم وَالْجمع فِي هَذَا قبل النَّقْل سَائِغ لِأَنَّهُ غير عَاقل فَلَمَّا نقل تركُوا الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى لم ينْتَقل وَأما الثَّانِي فَقَالُوا إِنَّه من الصِّفَات الَّتِي اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فَقرب بذلك مِنْهَا وَلِأَنَّهُ لَا لبس فِيهِ لما ذكر سِيبَوَيْهٍ من أَن الْفَارِس فِي كَلَامهم لَا يَقع إِلَّا للرِّجَال وَأما الثَّالِث فوجهه أَنه جرى عِنْدهم مجْرى الْمثل وَمن شَأْن الْأَمْثَال أَن لَا تغير عَن أَصْلهَا وَأما الرَّابِع وَالْخَامِس فوجههما يعلم مِمَّا وَجه بِهِ الشلوبين هوالك ونواكس فَإِنَّهُ يجْرِي فِي جَمِيع مَا جَاءَ من هَذَا وَهُوَ قَوْله قد عرف بقَوْلهمْ أَولا هَالك أَنه إِنَّمَا يُرِيد الْمُذكر وَكَذَلِكَ بقوله وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد قَالَ فَصَارَ ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره من قَوْلهم فَارس فِي الفوارس وَإِن لم يكن مثله فِي الْجُمْلَة لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يتضمنه نواكس يصلح للمذكر والمؤنث وَالْمعْنَى الَّذِي يتضمنه الفوارس لَا يصلح إِلَّا للمذكر هَذَا قَوْله وَهُوَ جَار فِي الْأَخيرينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيد فِيمَن غَابَ من رجالكم وَلم يرد أَن مثله فِي نِسَائِهِم قَلِيل فعين أَنه يُرِيد الْمُذكر من جِهَة قَصده فَصَارَ كالفوارس قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية وَطَرِيقَة الْمبرد فِي جَمِيع مَا جَاءَ شاذا من هَذَا النَّوْع أَن فواعل هُوَ الأَصْل فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا منع مِنْهُ خوف اللّبْس فَإِذا اضطروا راجعوا الأَصْل كَمَا يراجعونه فِي سَائِر الضرورات وَكَذَلِكَ حَيْثُ أمنُوا الإلباس ا. هـ.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل بعد مَا أورد بَيت الشَّاهِد
(1/206)

وَفِي هَذَا الْبَيْت شَيْء يسطرفه النحويون وَهُوَ أَنهم لَا يجمعُونَ مَا كَانَ من فَاعل نعتا على فواعل لِئَلَّا يلتبس بالمؤنث لَا يَقُولُونَ ضَارب وضوارب لأَنهم قَالُوا ضاربة وضوارب وَلم يَأْتِ هَذَا إِلَّا فِي حرفين أَحدهمَا فَارس لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يسْتَعْمل فِي النِّسَاء فامنوا الالتباس وَيَقُولُونَ فِي الْمثل هُوَ هَالك فِي الهوالك فأجروه على أَصله لِكَثْرَة
الِاسْتِعْمَال لِأَنَّهُ مثل فَلَمَّا احْتَاجَ الفرزدق لضَرُورَة الشّعْر أجراه على أَصله فَقَالَ نواكسي الْأَبْصَار وَلَا يكون مثل هَذَا أبدا إِلَّا ضَرُورَة ا. هـ.
وَفِيه أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقيد النَّعْت بِمن يعقل وَلكنه أطلق لشهرته وَفِيه أَيْضا أَن المسموع خَمْسَة لَا ثَلَاثَة كَمَا تقدم ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أدب الْكَاتِب للجواليقي زِيَادَة على هَذِه الْخَمْسَة وَهِي حارس وحوارس وحاجب وحواجب من الحجابة نقلهما عَن ابْن الْأَعرَابِي ثمَّ قَالَ وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الْمثل مَعَ الخواطئ سهم صائب وَقَوْلهمْ أما وحواج بَيت الله ودواجه جمع حَاج وداج والداج الأعوان والمكارون وَحكى الْمفضل رافد وروافد وَأنْشد (الطَّوِيل)
(إِذا قل فِي الْحَيّ الْجَمِيع الروافد)
فالجميع إِحْدَى عشرَة كلمة الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمَشْهُور فِي رِوَايَة هَذِه الْكَلِمَة نواكس بِدُونِ جمعهَا جمع سَلامَة وَبِه اسْتشْهد س وَصَاحب الْجمل وَقَالا كَانَ الْقيَاس أَن يجمع ناكس على أنكاس أَو نكس وَكَأَنَّهُ حمله على تَأْنِيث الْجمع وَقد رَوَاهَا جمَاعَة جمعهَا بِجمع السَّلامَة قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح كَامِل الْمبرد وَهَذَا أطرف
(1/207)

وَأغْرب من جمع ناكس على نواكس فَإِنَّهُ غَرِيب جدا لِأَن الْخَلِيل يرى أَن هَذَا الْبناء نِهَايَة الْجمع وَقَالَ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَلما كَانَ الْجمع الَّذِي ثالثه ألف وَبعده حرفان أَو ثَلَاثَة لَا يتهيا تكسيرة لِأَنَّهُ نِهَايَة التكسير وَأُرِيد جمعه لم يكن ذَلِك إِلَّا بِأَن يجمع جمع سَلامَة لِأَنَّهُ لَا يُغير الِاسْم عَن لَفظه قَالَ الجاربردي فِي شرح الشافية بعد مَا قَالَ ابْن الْحَاجِب وَقد بِجمع الْجمع أَي جمع تكسير وَجمع تَصْحِيح بِالْألف وَالتَّاء وَأفَاد بقد أَنه لَا يطرد قِيَاسا لكنه كثير فِي جمع الْقلَّة قَلِيل فِي جمع الْكَثْرَة إِلَّا بِالْألف وَالتَّاء الْوَجْه الثَّالِث أَنه يتَرَاءَى فِي ظَاهر الْأَمر تدافع بَين هَذَا الْوَزْن من جمع التكسير
وَبَين جمع التَّصْحِيح فَإِن الأول مَوْضُوع للكثرة وَالثَّانِي للقلة وَقد سَأَلَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عَن هَذَا فَقَالَ فَإِن قلت فقد قَالُوا
(فهن يعلكن حدائدداتها)
وَقَالُوا
(قد جرت الطير أيامنينا)
وَقَالُوا صواحبات يُوسُف ومواليات الْعَرَب وَقَالَ الفرزدق
(خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
فِيمَن رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين وَهُوَ دلَالَة الْمِثَال على الْكَثْرَة مَعَ جُمُعَة بِالْوَاو وَالنُّون وَالْألف وَالتَّاء وكل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا قدمت مَوْضُوع للقلة وَأجَاب عَنهُ بقوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ الا ترى أَن نفس نواكس وَصَوَاحِب يُفِيد بِنَفسِهِ مُفْرد الْكَثْرَة أفتراه إِذا جمع جمع الْقلَّة يصيره ذَلِك أَن يكون أقل
(1/208)

من أَن لَا يجمع أصلا قد كَفاهُ مَوْضُوعه للكثرة من احْتِيَاجه إِلَى تَثْنِيَة فضلا عَن جمع قلَّة أَو تجَاوز بِهِ إِلَى مِثَال كَثْرَة كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور وَإِن ضعف عَن عطف الْمظهر عَلَيْهِ بِغَيْر إِعَادَة حرف جر مَعَه فَإِنَّهُ لَا يضعف عَن توكيده كمررت بِهِ نَفسه وَذَلِكَ أَنه لَا يبلغ بِهِ الضعْف أَن يكون أقل من لَا شَيْء وَأَنت لَو قلت مَرَرْت بِنَفسِهِ لَكَانَ قولا جَائِزا فاعرف هَذَا النَّحْو انْتهى كَلَامه وَهَذِه عبارَة قلقة يتعسر فهم المُرَاد مِنْهَا فَيَنْبَغِي شرحها فَقَوله فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين إِلَخ أَقُول لَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا لَيْسَ على ظَاهره بل إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة اعْتِرَاض بالترديد بَين المحذورين ذكر أَحدهمَا لظُهُوره وَترك الآخر اعْتِمَادًا على فهم من لَهُ حَظّ من قانون المناظرة وَإِلَّا فَلَا يتم التَّقْرِيب أصلا كَمَا لَا يخفى وَتَقْرِيره أَن هَذَا الْجمع لَو جمع جمع الْقلَّة يلْزم أحد المحذورين إِمَّا إجتماع الضدين على تَقْدِير أَن يكون الْقلَّة وَالْكَثْرَة موجودتين
مَعًا أَو كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة وَلم يتَعَرَّض لكَون مُفِيد الْكَثْرَة كَانَ لَا يُوجد لِأَنَّهُ لَا خَفَاء فِي امْتِنَاعه ضَرُورَة بَقَاء الْكَثْرَة على حَالهَا بعد أَن جمع جمع الْقلَّة وَقَوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ إِلَخ ظَاهره جَوَاب بِاخْتِيَار الشق الثَّانِي لَكِن يحصل مِنْهُ الْجَواب بِاخْتِيَار الشق الأول أَيْضا وَتَقْرِيره إِنَّا لَا نسلم لُزُوم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك أَن لَو كَانَت الْقلَّة منتفية بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا وَذَلِكَ مَمْنُوع لِأَن وضع لفظ التكسير للكثرة يَقْتَضِي انْتِفَاء الْقلَّة المباينة لَهَا لَا الْقلَّة المجامعة مَعهَا وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الأول انْتِفَاء الثَّانِي حَتَّى يكون مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد وَلَا نسلم أَيْضا لُزُوم اجْتِمَاع الضدين على تَقْدِير وجودهما مَعًا بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك
(1/209)

أَن لَو كَانَت الْقلَّة الْبَاقِيَة بعد أَن جمع جمع الْقلَّة هِيَ الْقلَّة المباينة للكثرة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ أَيْضا مَمْنُوع بل مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاع الْكَثْرَة مَعَ الْقلَّة المجامعة مَعهَا ضَرُورَة أَن لفظ الْقلَّة يُفِيد تقليل أَفْرَاد مدخولها لَا غير وهما ليسَا بضدين حَتَّى يلْزم من وجودهما مَعًا اجْتِمَاع الضدين وَقَوله أَلا ترى إِلَخ مَعَ قَوْله أفتراه إِلَخ تنوير لعدم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد وَتَقْرِيره أَنَّك تعرف قطعا أَن نفس صَوَاحِب وأمثالها يُفِيد الْكَثْرَة بِنَفسِهِ مُفردا وتعرف أَيْضا أَن جمعه جمع الْقلَّة لَا يصيره إِلَى أقل من أَن لَا يجمع ذَلِك الْجمع أَي لَا يُغَيِّرهُ إِلَى حكم الْمُفْرد حَتَّى يكون جمع الْقلَّة مُفِيدا للقلة فِي الْمُفْردَات المباينة لتِلْك الْكَثْرَة كَيفَ لَا وَلَو كَانَ كَذَلِك يلْزم انْتِفَاء الْكَثْرَة مَعَ أَن وَضعه كَاف فِي ذَلِك من غير احْتِيَاج إِلَى تَثْنِيَة أَو جمع قلَّة أَو جمع كَثْرَة فَظهر لَك أَن ذَلِك الْجمع لإِفَادَة أَمر آخر زَائِد عَلَيْهِ وَهُوَ تَعْلِيل تِلْكَ الْكَثْرَة فَقَط فَلَمَّا كنت الْقلَّة المجامعة مَعَ تِلْكَ الْكَثْرَة بَاقِيَة على حَالهَا لم يكن مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ وَقَوله كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور إِلَخ تنظير لعدم تَغْيِير جمع الْقلَّة مَعَ الْكَثْرَة وَتَقْرِيره أَن امْتنَاع اجْتِمَاع الضدين نَظِير ضعف عطف الْمظهر على الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار وَجمع الْقلَّة فِيمَا نَحن فِيهِ نَظِير تَأْكِيد الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار فَكَمَا أَن ضعف الْعَطف الْمَذْكُور لكَونه كالعطف على بعض حُرُوف الْكَلِمَة لَا يُنَافِي جَوَاز التَّأْكِيد بِغَيْر إِعَادَة الْجَار لِأَنَّهُ كنفسه بِنَاء على تغاير الْمَادَّتَيْنِ كَذَلِك امْتنَاع اجْتِمَاع
الضدين لَا يُنَافِي جَوَاز جمع التكسير جمع الْقلَّة لتغاير الْمَادَّتَيْنِ وكما أَن التَّأْكِيد لَا يَجْعَل الْمُضمر أقل من أَن لَا يُؤَكد بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ التَّأْكِيد كَذَلِك الْجمع فِيمَا نَحن فِيهِ لَا يَجْعَل
(1/210)

لفظ التكسير أقل من ان لَا يجمع بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ تقليل الْكَثْرَة الْحَاصِلَة من المجامعة مَعَه وَالْحَاصِل أَن مَا هُوَ لَازم لَيْسَ بمحذور وَمَا هُوَ مَحْذُور لَيْسَ بِلَازِم هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم هَذَا الْمقَام وَقَوله خضع الرّقاب حَال من مفعول رَأَيْتهمْ والرؤية بصرية فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا تضر الْإِضَافَة فَإِنَّهَا لفظية وَكَذَلِكَ نواكسي الْأَبْصَار لِأَن الْمَعْنى خضعا رقابهم نواكس أَبْصَارهم وخضع بِضَمَّتَيْنِ جمع خضوع مُبَالغَة خاضع من الخضوع وَهُوَ التطامن والتواضع يُقَال خضع لغريمة يخضع بفتحهما خضوعا ذل واستكان وَهُوَ قريب من الْخُشُوع إِلَّا أَن الْخُشُوع أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الصَّوْت والخضوع فِي الْأَعْنَاق وَلِهَذَا أَضَافَهُ إِلَى الرّقاب وَيحْتَمل أَن يكون خضع بضمه فَسُكُون جمع أخضع وَهُوَ الَّذِي فِي عُنُقه تطامن من خلقَة وَهَذَا أبلغ من الأول أَي ترى أَعْنَاقهم إِذا رَأَوْهُ كَأَنَّهَا خلقت متطامنة من شدَّة تذللهم وَفعل قِيَاس فِي جمع أفعل وفعلاء صفة غير تَفْضِيل نَحْو أَحْمَر وحمراء وجمعهما حمر وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا آل الْمُهلب وَخص من بَينهم ابْنه يزِيد أَولهَا (الْكَامِل)
(فلأمدحن بني الْمُهلب مِدْحَة ... غراء ظَاهِرَة على الْأَشْعَار)
(مثل النُّجُوم أمامها قمر لَهَا ... يجلو الدجى ويضيء ليل الساري)
(ورثوا الطعان عَن الْمُهلب والقرى ... وخلائقا كتدفق الْأَنْهَار)
(أما البنون فَإِنَّهُم لم يورثوا ... كتراثه لِبَنِيهِ يَوْم فخار)
(1/211)

إِلَى أَن قَالَ
(أما يزِيد فَإِنَّهُ تأبى لَهُ ... نفس موطنة على الْمِقْدَار)
(ورادة شعب الْمنية بالقنا ... فتدر كل معاند نعار)
(وَإِذا النُّفُوس جشأن طامن جأشها ... ثِقَة بِهِ لحماية الأدبار)
(ملك عَلَيْهِ مهابة الْملك التقى ... قمر التَّمام بِهِ وشمس نَهَار)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ الْبَيْت)
إِلَى أَن قَالَ
(مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إزَاره ... وسما فَأدْرك خَمْسَة الأشبار)
(يدني خوافق من خوافق للتقى ... فِي كل معتبط الْغُبَار مثار)
قَوْله تأبى لَهُ نفس مفعول تأبى مَحْذُوف أَي الْقعُود عَن الحروب وَنَحْوه وَقَوله موطنة على الْمِقْدَار أَي تَقول نَفسه عِنْد اقتحام المهالك لَا يُصِيبنِي إِلَّا مَا قدر الله والمقدار بِمَعْنى الْقدر وورادة مُبَالغَة وَارِدَة صفة نفس وَشعب مفعول ورادة بِمَعْنى فروع الْمنية وأنواعها مستعار من الشّعب الَّتِي هِيَ أَغْصَان الشَّجَرَة جمع شُعْبَة والقنا جمع قناة وَهِي الرمْح وتدر فَاعله ضمير القنا من أدرت الرّيح السَّحَاب واستدرته أَي استحلبته وكل مَفْعُوله والمعاند الْعرق الَّذِي يسيل وَلَا يرقا وَيُقَال لَهُ عاند أَيْضا وَفعله من بَاب نصر والنعار بِالْعينِ الْمُهْملَة من نعر الْعرق ينعر بِالْفَتْح فيهمَا أَي فار مِنْهُ الدَّم فَهُوَ عرق نعار ونعور وجشأن يُقَال جشأت نَفسه إِذا ارْتَفَعت من حزن أَو فزع والجأش بِالْهَمْز جأش الْقلب وَهُوَ رواعه إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع يُقَال فلَان رابط الجأش أَي يرْبط نَفسه عَن الْفِرَار
(1/212)

لشجاعته وطأمن مقلوب طمأن بِالْهَمْز فيهمَا بِمَعْنى سكن وثقة فَاعله والتقى فعل مَاض وقمر التَّمام فَاعله يُقَال قمر تَمام بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا إِذا تمّ لَيْلَة الْبَدْر وَأما ليل التَّمام فمكسور لَا غير وَهُوَ أطول لَيْلَة فِي السّنة
وَقَوله مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إِلَى آخِره هَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة فِي عدَّة مَوَاضِع مِنْهُم ابْن هِشَام أوردهُ فِي الْمُغنِي شَاهدا لإيلاء الْجُمْلَة الفعلية ل مذ كَمَا يَليهَا الْجُمْلَة الأسمية وَأوردهُ أَيْضا فِي شرح الألفية لقَوْله خَمْسَة الأشبار حَيْثُ جرد الْمُضَاف من أَدَاة التَّعْرِيف وَهُوَ حجَّة على الْكُوفِيّين فِي جوازهم الْجمع بَين تَعْرِيف الْمُضَاف بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة مستدلين بقول عرب غير فصحاء الثَّلَاثَة الْأَبْوَاب والمسموع تَجْرِيد الأول من أَدَاة التَّعْرِيف كَمَا قَالَ ذُو الرمة أَيْضا (الطَّوِيل)
(وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ... ثَلَاث الأثافي والديار البلاقع)
وسما ارْتَفع وشب من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَأدْركَ بِمَعْنى بلغ وَوصل وفاعلهما ضمير يزِيد وَقَوله خَمْسَة الأشبار أَرَادَ طول خَمْسَة أشبار بشبرالرجال وَهِي ثلثا قامة الرجل وينسب إِلَيْهَا فَيُقَال غُلَام خماسي قَالَ ابْن دُرَيْد غُلَام خماسي قد ايفع فِي الصِّحَاح والعباب وَغُلَام رباعي وخماسي أَي طوله أَرْبَعَة أشبار وَخَمْسَة أشبار وَلَا يُقَال سداسي وَلَا سباعي لِأَنَّهُ إِذا بلغ سِتَّة أشبار أَو سَبْعَة أشبار صَار رجلا والغلام إِذا بلغ خَمْسَة أشبار عِنْدهم تخيلوا فِيهِ الْخَيْر وَالشَّر وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعَرَب أَيّمَا غُلَام بلغ خَمْسَة أشبار فاتهمته قتلته هَذَا مَا عِنْدِي وَأما النَّاس فقد اخْتلفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال أَحدهَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَمعنى فَأدْرك خَمْسَة الأشبار ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا لِأَن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْمَوْلُود إِذا ولد
(1/213)

لتَمام مُدَّة الْحمل وَلم تغيره آفَة فِي الرَّحِم فَإِنَّهُ يكون فِي قدة ثَمَانِيَة أشبار من شبر نَفسه وَتَكون سرته بِمَنْزِلَة المركز لَهُ فَيكون مِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقَّه الْأَعْلَى أَرْبَعَة أشبار بشبره وَمِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقة الْأَسْفَل أَرْبَعَة أشبار وَمِنْهَا إِلَى أَطْرَاف أَصَابِعه من يَده مَعًا أَرْبَعَة أشبار حَتَّى أَنه لَو رقد على صلبة وَفتح ذراعية وَوضع ضَابِط فِي سرته وأدير لَكَانَ
شبه الدائرة قَالُوا فَمَا زَاد على هَذَا أَو نقص فلآفة عرضت لَهُ فِي الرَّحِم فَإنَّك تَجِد من نصفه الْأَعْلَى أطول من نصفه الْأَسْفَل وَمن نصفه الْأَسْفَل أطول من نصفه الْأَعْلَى وَمن يَدَاهُ قصيرتان وَمن يَده الْوَاحِدَة أقصر من الثَّانِيَة فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال ا. هـ.
وَقَوله أَولا ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا شرح بِهِ الْمَعْنى المُرَاد وَلَا حَاجَة بعده إِلَى نقل كَلَام الفلاسفة لِأَنَّهُ خَارج عَن الْمقَام بل مُفسد لِأَنَّهُ رتب بعده قَوْله فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَهَذَا غير مُتَصَوّر لِأَن الطِّفْل الَّذِي تجَاوز أَرْبَعَة أشبار بشبر نَفسه لَا يحسن عقد إزَاره فضلا عَن الْأَخْذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَإِنَّمَا الْمَعْنى تجَاوز خَمْسَة أشبار بشبر الرِّجَال وَهِي ثلثا قامة الرجل كَمَا ذكرهَا ثَانِيهَا أَنه أَرَادَ ب خَمْسَة الأشبار السَّيْف قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مُنْتَهى طول السَّيْف فِي الْأَكْثَر كَمَا أَن مُنْتَهى طول الْقوس ثَلَاث أَذْرع وإصبع قَالَ الراجز (الرجز)
(أرمى عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع)
وَإِنَّمَا زَاد إصبعا لاخْتِلَاف أَذْرع النَّاس فِي الطول وَالْقصر وَرُبمَا زادوا شبْرًا كَمَا قَالَ آخر ...
(1/214)

(وَهِي ثَلَاث أَذْرع وشبر)
وكما أَن مُنْتَهى طول الْقَنَاة أحد عشر ذِرَاعا قَالَ عتبَة بن مرداس (الطَّوِيل)
(وأسمر خطيا كَأَن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذِرَاعا على الْعشْر)
وَقَالَ البحتري أَيْضا (الْبَسِيط)
(كالرمح أذرعه عشر وَوَاحِدَة ... فَلَيْسَ يزري بِهِ طول وَلَا قصر)
ثَالِثهَا أَنه أَرَادَ عَصا الْخطْبَة وَهَذَا غير مُنَاسِب لما قبله وَلما بعده وَرَابِعهَا أَنه أَرَادَ الخيزرانة الَّتِي كَانَ الْخُلَفَاء يحبسونها بِأَيْدِيهِم وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب كَالَّذي قبله على أَن يزِيد لَيْسَ خَليفَة وَلَا من نسل الْخُلَفَاء وَأَرَادَ هَذَا الْقَائِل الْخُلَفَاء الأمويين خَامِسهَا أَنه أَرَادَ خلال الْمجد الْخَمْسَة الْعقل والعفة وَالْعدْل والشجاعة وَالْوَفَاء وَكَانَت عِنْدهم مَعْرُوفَة بِهَذَا الْعدَد كَذَا نقلوه وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ المُرَاد هَذَا لبقي ذكر الأشبار لَغوا سادسها أَنه أَرَادَ بِخَمْسَة الأشبار الْقَبْر لِأَن الْبَيْت من مريثة وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ من قصيدة فِي مدح يزِيد بن الْمُهلب وَكَانَ حَيا وَاسم زَالَ ضمير يزِيد وخبرها الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ يدني خوافق إِلَخ وَأَرَادَ بالخوافق الرَّايَات وَهُوَ جمع خافقة يُقَال خَفَقت الرَّايَة بِالْفَتْح تخفق
بِالْكَسْرِ وَالضَّم خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت ومعتبط الْغُبَار بِالْعينِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْموضع الَّذِي لم يُقَاتل عَلَيْهِ وَلم يثر فِيهِ غُبَار قبل
(1/215)

مَا أثاره هَذَا الممدوح يُقَال أعبطت الأَرْض إِذا حفرت مِنْهَا موضعا لم يحْفر فِيهَا قبل ذَلِك والمثار المهيج المحرك وروى بدله
(يدني كتائب من كتائب تلتقي ... فِي ظلّ معترك العجاج مثار)
والْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهُوَ الْجَيْش والمعترك مَوضِع الاعتراك وَهُوَ الْمُحَاربَة وَأَرَادَ ب ظله الْغُبَار الثائر فِي المعركة فَإِنَّهُ إِذا اشْتَدَّ لَا يرى مَعَه ضوء فَيصير كالظل الكثيف ومذ اسْم فَقيل إِنَّهَا ظرف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل إِلَى زمن مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل مُبْتَدأ فَيجب تَقْدِير زمَان للجملة يكون هُوَ الْخَبَر والإزار مَعْرُوف وَقيل كنى بِعقد الْإِزَار عَن شده لما يحتوى عَلَيْهِ من كساءي الْمجد وَهَذَا يُنَاسب تَفْسِيره خَمْسَة الأشبار بخلال الْمجد الْخَمْسَة وَخَمْسَة الأشبار مفعول أدْرك بِتَقْدِير مُضَاف كَمَا تقدم
وَقَالَ الأعلم على مَا نَقله اللَّخْمِيّ فَاعل سما مُضْمر لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وسما جِسْمه أَو طوله وفاعل أدْرك مُضْمر أَيْضا عَائِد على الْجِسْم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى وَمعنى أدْرك انْتهى وَالْأَفْعَال يحمل بَعْضهَا على بعض إِذا اشتركت فِي الْمَعْنى وَالتَّقْدِير انْتهى طوله أَو جِسْمه خَمْسَة أشبار وَيكون انتصاب خَمْسَة أشبار على أَنه مفعول على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي انْتهى إِلَى خَمْسَة أشبار ا. هـ.
أَقُول هَذَا كُله تعسف لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ وَمثل هَذَا قَول ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح وَيجوز نَصبه نصب الظروف بقوله سما أَي فعلا مِقْدَار خَمْسَة الأشبار ا. هـ.
فَإِنَّهُ تعسف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون الْمدْرك غير مَعْلُوم مَا هُوَ وَبَقِي قَوْله أدْرك غير مُفِيد شَيْئا وَمن فسر الْخَمْسَة بِالسَّيْفِ والعصا والخيزرانة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي فَأدْرك أَخذ خَمْسَة الأشبار لِلْقِتَالِ بِهِ أَو للجس بِالْيَدِ أَو للخطبة وَقَالَ ابْن يسعون بعد جعل الْخَمْسَة مَفْعُولا
(1/216)

لأدرك على تَقْدِير مَعْنَاهَا السَّيْف أَو خلال الْمجد الْخَمْسَة مَا نَصه وَيجوز نصب خَمْسَة نعتا لإزاره أَو بَدَلا مِنْهُ أَو عطف بَيَان هـ فَتَأمل
وَأما يزِيد فَهُوَ ابْن الْمُهلب بن أبي صفرَة أحد شجعان الْعَرَب وكرمائهم وشهرته فِي الشجَاعَة وَالْكَرم غنية عَن الْوَصْف كَانَ فِي دولة الأمويين واليا على خُرَاسَان وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان وَبعد الْحجَّاج صَار أَمِير العراقين وَأجْمع عُلَمَاء التَّارِيخ على أَنه لم يكن فِي دولة بني أُميَّة أكْرم من بني الْمُهلب كَمَا لم يكن فِي دولة بني الْعَبَّاس أكْرم من البرامكة وَولد يزِيد سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة وَتُوفِّي مقتولا يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَقد تَرْجمهُ ابْن خلكان وَترْجم وَالِده بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وستاتي تَرْجَمَة وَالِده فِي رب من حُرُوف الْجَرّ فِي شرح قَوْله (الْكَامِل)
(فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح)
والفرزدق هُوَ أَبُو فراس واسْمه همام بن غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهَمَّام بِصِيغَة الْمُبَالغَة من الهمة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء بعد أَن قَالَ اسْمه همام وَكَانَ للفرزدق إخْوَة مِنْهُم هميم بن غَالب وَبِه سمي الفرزدق والأخطل وَكَانَ أسن مِنْهُ وَأُخْت يُقَال لَهَا جعثن كَانَت امْرَأَة صدق وَكَانَ جرير فِي مهاجاته للفرزدق يذكرهَا بِسوء قَالَ الْيَرْبُوعي وَكذب عَلَيْهَا جرير وَكَانَ يَقُول أسْتَغْفر الله فِيمَا قلت لجعثن قَالَ وَكَانَت إِحْدَى الصَّالِحَات.
(1/217)

والفرزدق قَالَ صَاحب الْعباب قَالَ اللَّيْث الفرزدق الرَّغِيف الَّذِي يسْقط فِي التَّنور وَيَقُولُونَ أَيْضا الفرزدقة قَالَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ فتات الْخبز وَقَالَ غَيره الفرزدق الْقطعَة من الْعَجِين وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ براذده وَقَالَ ابْن فَارس هَذِه كلمة منحوته من كَلِمَتَيْنِ من فرز وَمن دق لِأَنَّهُ دَقِيق عجن ثمَّ أفرزت مِنْهُ قِطْعَة فَهِيَ من الْإِفْرَاز والدقيق ا. هـ.
فلقب بِأحد هَذِه الْمعَانِي وَيشْهد للْأولِ مَا رُوِيَ أَنه كَانَ أَصَابَهُ جدري وَبَقِي أَثَره فِي وَجهه ويروى أَن رجلا قَالَ لَهُ يَا أَبَا فراس كَأَن وَجهك أحراح مَجْمُوعَة فَقَالَ تَأمل هَل ترى فِيهَا حر أمك والأحراح جمع حر بِالْكَسْرِ وَحذف لَام الْفِعْل هُوَ فرج الْمَرْأَة وَأخذ الفرزدق هَذَا الْجَواب من كَلَام أبي الْأسود الديلِي فَإِنَّهُ كَمَا فِي الأغاني قَالَ كَانَ طَرِيق أبي الْأسود إِلَى الْمَسْجِد والسوق فِي بني تيم الله بن ثَعْلَبَة وَكَانَ فيهم رجل متفحش يكثر الِاسْتِهْزَاء بِمن يمر بِهِ فَمر بِهِ أَبُو الْأسود يَوْمًا فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لِقَوْمِهِ كَأَن وَجه أبي الْأسود وَجه عَجُوز راحت إِلَى أَهلهَا بِطَلَاق فَضَحِك الْقَوْم وَأعْرض عَنهُ أَبُو الْأسود ثمَّ مر بهم فَقَالَ لَهُم كَأَن غُضُون قفا أبي الْأسود غُضُون الفقاح فَأقبل عَلَيْهِ أَبُو الْأسود فَقَالَ هَل تعرف فقحة أَبِيك فِيهِنَّ فأفحمه وَضحك الْقَوْم مِنْهُ وَقَامُوا إِلَى أبي الْأسود فاعتذروا إِلَيْهِ وَلم يعاوده الرجل بعد ذَلِك وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّالِث وَبِه صرح ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب فَقَالَ والفرزدق قطع الْعَجِين وَاحِدهَا فرزدقة وَمِنْه سمي الرجل وَهُوَ لقب لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ جهم الْوَجْه وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِأَن شبه غُضُون وَجهه بفتات الْخبز وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَتَبعهُ فِيهَا ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَابْن خلف وَغَيرهمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء
(1/218)

إِنَّمَا سمي الفرزدق لغلظة وقصره شبه بالفتيتة الَّتِي تشربها النِّسَاء وَهُوَ الفرزدقة ا. هـ.
أَقُول لم أر الفرزدقة بِهَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَلَا الفتيتة بِمَعْنى مَا ذكره على أَن ابْن قُتَيْبَة لم يذكر فِي الطَّبَقَات شَيْئا فِي تلقيبه بالفرزدق ثمَّ رَأَيْت فِي الأغاني فِي تَرْجَمته أَن الفرزدق الرَّغِيف الضخم الَّذِي يجففه النِّسَاء للفتوت وروى أَن الجهم ابْن سُوَيْد بن الْمُنْذر الْجرْمِي قَالَ لَهُ مَا وجدت أمك أسما لَك إِلَّا الفرزدق الَّذِي
تكسره النِّسَاء فِي سويقها قَالَ وَالْعرب تسمي خبز الفتوت الفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق أَحَق النَّاس بِأَن لَا يتَكَلَّم فِي هَذَا أَنْت لِأَن أسمك اسْم مَتَاع الْمَرْأَة وَاسم أَبِيك اسْم الْحمار وَاسم جدك اسْم الْكَلْب وروى بِسَنَدِهِ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ أخْبرت عَن هِشَام الْعَنزي أَنه قَالَ جمعني والفرزدق مجْلِس فتجاهلت عَلَيْهِ فَقلت من أَنْت قَالَ أما تعرفنِي قلت لَا قَالَ فَأَنا أَبُو فراس قلت وَمن أَبُو فراس قَالَ أَنا الفرزدق قلت وَمن الفرزدق قَالَ أَو مَا تعرف الفرزدق قلت أعرف الفرزدق أَنه شَيْء تتخذه النِّسَاء عندنَا بِالْمَدِينَةِ تتسمن بِهِ وَهُوَ الفتوت فَضَحِك وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جعلني فِي بطُون نِسَائِكُم وَقَالَ السَّيِّد المرتضي فِي أمالية والفرزدق لقب وَإِنَّمَا لقب بِهِ لجهامة وَجهه وغلظة لِأَن الفرزدقة هِيَ الْقطعَة الضخمة من الْعَجِين وَقيل إِنَّهَا الخبزة الغليظة الَّتِي يتَّخذ مِنْهَا النِّسَاء الفتوت وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر قَالَ جَلَست بِالْبَصْرَةِ إِلَى جنب عطار فَإِذا أعرابية سَوْدَاء قد جَاءَت فاشترت من الْعَطَّار خلوقا
(1/219)

فَقلت لَهُ تجدها اشترته لابنتها وَمَا ابْنَتهَا أَلا خنفساء فالتفتت إِلَيّ متضاحكة وَقَالَت لَا وَالله إِلَّا مهاة جيداء وَإِن قَامَت فقناة وَإِن قعدت فحصاة وَإِن مشت فقطاة أَسْفَلهَا كثيب وأعلاها قضيب لَا كفتياتكم اللواتب تسمنونهن بالفتوت ثمَّ انصرفت وَهِي تَقول (الرجز)
(إِن الفتوت للفتاة مضرطه ... يكربها فِي الْبَطن حَتَّى تثلطه)
فَلَا أعلمني ذكرتها إِلَّا أضحكني ذكرهَا وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ وَجَرِير والأخطل النَّصْرَانِي فِي الطَّبَقَة الأولى من الشُّعَرَاء الإسلاميين وَاخْتلف الْعلمَاء بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة وَكَانَ يُونُس يفضل الفرزدق وَيَقُول لَوْلَا الفرزدق لذهب شعر الْعَرَب وَقَالَ ابْن شبْرمَة الفرزدق أشعر النَّاس وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء لم أر بدويا أَقَامَ فِي الْحَضَر إِلَّا فسد لِسَانه غير رؤبة والفرزدق
وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق كتب الْحجَّاج بن يُوسُف إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم يسْأَله عَن أشعر الشُّعَرَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وأشعر شعراء وقته فَقَالَ أشعر الْجَاهِلِيَّة امْرُؤ الْقَيْس وأضربهم مثلا طرفَة وَأما شعراء الْوَقْت فالفرزدق أفخرهم وَجَرِير أهجاهم والأخطل أوصفهم وَقد طبق الْمفصل الْأَصْبَهَانِيّ فِي قَوْله حِين سُئِلَ عَنْهُمَا من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فليقدم الفرزدق وَمن كَانَ يمِيل
(1/220)

إِلَى أشعار المطبوعين وَالْكَلَام السَّمْح الجزل فليقدم جَرِيرًا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَكَانَ الفرزدق يشبه من شعراء الْجَاهِلِيَّة بزهير وَكَانَ صعصعة جد الفرزدق كَمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي الطَّبَقَات عَظِيم الْقدر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ اشْترى ثَلَاثِينَ موؤدة ثمَّ أسلم وَصَارَ صحابيا وَأم صعصعة قفيرة بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وبالتصغير بنت مِسْكين الدَّارمِيّ وَكَانَت أمهَا أمة وَهبهَا كسْرَى لزرارة فَوَهَبَهَا زُرَارَة لهِنْد بنت يثربي فَوَثَبَ أَخُو زَوجهَا وَهُوَ مِسْكين ابْن حَارِثَة بن زيد بن عبد الله بن دارم على الْأمة فأحبلها فَولدت لَهُ قفيرة فَكَانَ جرير يعير الفرزدق بهَا وَكَانَ لصعصعة قيون والقين الْحداد مِنْهُم جُبَير ووقبان وديسم فَلذَلِك جعل جرير مجاشعا قيونا وَكَانَ جرير ينْسب غَالب بن صعصعة إِلَى جُبَير فَقَالَ (المتقارب)
(وجدنَا جبيرا أَبَا غَالب ... بعيد الْقَرَابَة من معبد)
يَعْنِي معبد بن زُرَارَة وَكَانَ يعيبهم بالخزيرة وَذَلِكَ أَن ركبا من مجاشع مروا بشهاب التغلبي فسالهم أَن ينزلُوا فَحمل إِلَيْهِم خزيرة فَجعلُوا يَأْكُلُون وَهِي تسيل على لحاهم وهم على رواحلهم والخزيرة بِفَتْح الْخَاء وَكسر الزَّاي المعجمتين وبالراء الْمُهْملَة قطع لحم صغَار تُوضَع فِي الْقدر بِمَاء كثير فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق فَإِن لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة وَيُقَال خزير أَيْضا بِدُونِ تَاء تَأْنِيث.
وَأما غَالب أَبُو الفرزدق فَإِنَّهُ كَانَ يكنى أَبَا الأخطل واستجير بقبره بكاظمه فاحتملها عَنهُ الفرزدق وَفِي نهج البلاغة وَقَالَ عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق
(1/221)

فِي كَلَام دَار بَينهمَا مَا فعلت إبلك الْكَثِيرَة قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا قَوْله ذعذعتها بذالين معجمتين وعينين مهملتين بِمَعْنى فرقتها يُقَال ذعذعته فتذعذع وذعذعة السِّرّ إذاعته قَالَ شَارِح نهج البلاغة ابْن أبي الْحَدِيد دخل غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال الْمُجَاشِعِي على أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَيَّام خِلَافَته وغالب شيخ كَبِير وَمَعَهُ أبنه همام الفرزدق وَهُوَ غُلَام يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه من الشَّيْخ قَالَ أَنا غَالب بن صعصعة قَالَ ذُو الْإِبِل الْكَثِيرَة قَالَ نعم قَالَ مَا فعلت إبلك قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق وأذهبتها الحمالات والنوائب قَالَ ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا من هَذَا الْغُلَام مَعَك قَالَ هَذَا ابْني قَالَ مَا اسْمه قَالَ همام وَقد رويته الشّعْر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَلَام الْعَرَب ويوشك أَن يكون شَاعِرًا مجيدا فَقَالَ أقرئه الْقُرْآن فَهُوَ خير لَهُ فَكَانَ الفرزدق بعد يروي هَذَا الحَدِيث وَيَقُول مَا زَالَت كَلمته فِي نَفسِي حَتَّى قيد نَفسه بِقَيْد وآلى أَلا يفكه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَمَا فكة حَتَّى حفظه 1. وَقد روى عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَحَادِيث وَعَن غَيره من الصَّحَابَة وعاش حَتَّى قَارب الْمِائَة وَمَات بعلة الدُّبَيْلَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ النويري فِي تَارِيخه مَاتَ الفرزدق فِي سنة عشر وَمِائَة وَله إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة وَمَات فِيهَا جرير أَيْضا وَقَالَ السَّيِّد المرتضي قدس الله سره فِي أَمَالِيهِ الفرزدق مَعَ
(1/222)

تقدمه فِي الشّعْر وبلوغه فِيهِ إِلَى الذرْوَة الْعليا والغاية القصوى شرِيف الْآبَاء كريم الْبَيْت
لَهُ ولآبائه مآثر لَا تدفع ومفاخر لَا تجحد وَكَانَ مائلا إِلَى بني هَاشم وَنزع فِي آخر عمره عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الْقَذْف وَالْفِسْق وراجع طَريقَة الدَّين على أَنه لم يكن فِي خلال فسقه منسلخا من الدَّين جملَة وَلَا مهملا لأَمره أصلا رُوِيَ أَنه تعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَعَاهد الله على ترك الهجاء وَالْقَذْف وَقَالَ (الطَّوِيل)
(ألم ترني عَاهَدت رَبِّي وإنني ... لبين رتاج قَائِم ومقام)
(على حلفة لَا أشتم الدَّهْر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فِي زور كَلَام)
(أطعتك يَا إِبْلِيس تسعين حجَّة ... فَلَمَّا انْقَضى عمري وَتمّ تمامي)
(فزعت إِلَى رَبِّي وأيقنت أنني ... ملاق لأيام الحتوف حمامي)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ (الطَّوِيل)
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد)
على أَنه يُمكن لمح الْوَصْف مَعَ العلمية اي يُمكن أَن يُلَاحظ بعد العلمية الْوَصْف الَّذِي كَانَ قبلهَا وبملاحظته بِوَضْع علما فَإِن مُحَمَّدًا وضع علما لنبينا
بملاحظة مَعْنَاهُ فَإِن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة كَمَا قَالَ صَاحب
(1/223)

الْعباب وَغَيره الَّذِي كثرت خصالة المحمودة كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مدح النُّعْمَان ابْن الْمُنْذر (الطَّوِيل)
(إِلَيْك أَبيت اللَّعْن كَانَ كلالها ... إِلَى الْمَاجِد الْفَرْع الْجواد المحمد)
وَبعد أَن صَار علما يجوز أَن يلحظ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ كَمَا لحظه حسان فِي هَذَا الْبَيْت
وَهُوَ أول أَبْيَات ثَمَانِيَة مدح بهَا نَبينَا مُحَمَّدًا
وَالصَّوَاب فِي رِوَايَته شقّ لَهُ من اسْمه بِدُونِ وَاو فَإِنَّهَا للْعَطْف وَلم يتَقَدَّم شَيْء يعْطف عَلَيْهِ لَكِن يبْقى الشّعْر مخروما والخرم جَائِز عِنْدهم وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة عبارَة عَن حذف أول الوتد الْمَجْمُوع فِي أول الْبَيْت وَذَلِكَ نَحْو فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن كَمَا أَن ضمير لَهُ رَاجع إِلَى النَّبِي
ومفعوله مَحْذُوف أَي شقّ لَهُ اسْما من اسْمه وَاسم الله تَعَالَى المشقوق مِنْهُ مَحْمُود بِمَعْنى أَن الْحَمد لَا يكون إِلَّا لَهُ وَلَا يَقع إِلَّا عَلَيْهِ فَأَرَادَ تبَارك وَتَعَالَى أَن يُشْرك نبيه فِي اسْم من هَذَا الْوَصْف تَعْظِيم لَهُ
فَسَماهُ مُحَمَّدًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَقَوله من اسْمه بِهَمْزَة الْوَصْل وَسمعت بَعضهم يقرؤة بِهَمْزَة الْقطع وَهُوَ لحن وَقَوله ليجله روى بدله كي يجله وَبَقِيَّة الأبيات هَذِه (الطَّوِيل)
(نَبِي أَتَانَا بعد يأس وفترة ... من الرُّسُل والأوثان فِي الأَرْض تعبد)
(فأمسى سِرَاجًا مستنيرا وهاديا ... يلوح كَمَا لَاحَ الصَّقِيل المهند)
(وأنذرنا نَارا وَبشر جنَّة ... وَعلمنَا الْإِسْلَام فَالله نحمد)
(وَأَنت إِلَه الْعَرْش رَبِّي وخالقي ... بذلك مَا عمرت فِي النَّاس أشهد)
(تعاليت رب النَّاس عَن قَول من دَعَا ... سواك إِلَهًا أَنْت أَعلَى وأمجد)
...
(1/224)

(لَك الْخلق والنعماء وَالْأَمر كُله ... فإياك نستهدي وَإِيَّاك نعْبد)
(لِأَن ثَوَاب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فِيهَا يخلد)
كَذَا فِي ديوانه من رِوَايَة أبي سعيد السكرِي وَرَأَيْت فِي الْمَوَاهِب اللدنية قَالَ مؤلفة ثمَّ إِن فِي اسْمه مُحَمَّد خَصَائِص مِنْهَا أَنه تَعَالَى شقَّه من اسْمه الْمَحْمُود كَمَا قَالَ حسان بن ثَابت (الطَّوِيل)
(أغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتم ... من الله من نور يلوح وَيشْهد)
(وَضم الْإِلَه اسْم النَّبِي إِلَى اسْمه ... إِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن اشْهَدْ)
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد)
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فالواو للْعَطْف وفاعل شقّ ضمير الْإِلَه وَالضَّمِير فِي لَهُ رَاجع للنَّبِي ثمَّ قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الصَّغِير من طَرِيق عَليّ بن زيد قَالَ كَانَ أَبُو طَالب يَقُول
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله الْبَيْت)
وَقد سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهَذَا الِاسْم قبل الْخلق بألفي ألف عَام كَمَا ورد من حَدِيث أنس بن مَالك من طَرِيق أبي نعيم فِي مُنَاجَاة مُوسَى وروى ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ إِن الله أنزل على آدم عصيا بِعَدَد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ ثمَّ أقبل على ابْنه شِيث فَقَالَ أَي بني أَنْت خليفتي من بعدِي فَخذهَا بعمارة التَّقْوَى والعروة الوثقى وَكلما ذكرت الله فاذكر إِلَى جنبه اسْم مُحَمَّد فإنى رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طفت السَّمَوَات فَلم أر فِي السَّمَوَات موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَإِن
(1/225)

رَبِّي أسكنني الْجنَّة فَلم أر فِي الْجنَّة قصرا وَلَا غرفَة إِلَّا اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهَا وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا على نحور الْحور الْعين وعَلى ورق قصب آجام الْجنَّة وعَلى ورق شَجَرَة طُوبَى وعَلى ورق سدره الْمُنْتَهى وعَلى أَطْرَاف الْحجب وَبَين أعين الْمَلَائِكَة فَأكْثر ذكره فَإِن الْمَلَائِكَة تذكره فِي كل ساعاتها وَلما سَمَّاهُ جده عبد الْمطلب بِمُحَمد قيل لَهُ كَيفَ سميته باسم لَيْسَ لأحد من آبَائِك وقومك فَقَالَ لِأَنِّي أَرْجُو أَن يحمده أهل الأَرْض كلهم وَذَلِكَ لرؤيا كَانَ رَآهَا عبد الْمطلب كَمَا ذكر حَدِيثهَا عَليّ القيرواني العابر فِي كتاب الْبُسْتَان قَالَ كَانَ عبد الْمطلب قد رأى فِي الْمَنَام كَأَن سلسلة من فضَّة خرجت من ظَهره لَهَا طرف فِي السَّمَاء وطرف فِي الْمشرق وطرف فِي الْمغرب ثمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَة على كل ورقة مِنْهَا نور وَإِذا أهل الْمشرق وَالْمغْرب كَأَنَّهُمْ يتعلقون بهَا فَقَصَّهَا فعبرت لَهُ بمولود يكون من صلبه يتبعهُ أهل الْمشرق وَأهل الْمغرب وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَالْأَرْض فَلذَلِك سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حدثته بِهِ أمه آمنهُ حِين قيل لَهَا إِنَّك قد حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة فَإِذا وَضعته فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا قَالَ السُّهيْلي مُحَمَّد مَنْقُول من صفة فِي معنى مَحْمُود وَلَكِن فِيهِ معنى الْمُبَالغَة
والتكرار لِأَن المحمد الَّذِي حمد مرّة بعد مرّة كَمَا ان المكرم من أكْرم مرّة بعد مرّة وَكَذَلِكَ الْمَدْح وَنَحْو ذَلِك فاسم مُحَمَّد مُطَابق لمعناه وَالله سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ بِهِ قبل أَن يُسمى بِهِ علم من أَعْلَام نبوته عَلَيْهِ السَّلَام إِذْ كَانَ اسْمه صَادِقا عَلَيْهِ فَهُوَ
مَحْمُود فِي الدُّنْيَا بِمَا هدى إِلَيْهِ ونفع بِهِ من الْعلم وَالْحكمَة وَهُوَ مَحْمُود فِي الْآخِرَة بالشفاعة فقد تكَرر معنى الْحَمد ومحمود أَيْضا من أَسْمَائِهِ
قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب أعلم أَن من أَسمَاء الله تَعَالَى الحميد وَمَعْنَاهُ الْمَحْمُود لِأَنَّهُ تَعَالَى حمد نَفسه وحمده عبَادَة
(1/226)

وَقد سمى الرَّسُول
بمحمود وَكَذَا وَقع اسْمه فِي زبور دَاوُد وَقَالَ الشَّامي فِي سيرته وَمن أَسْمَائِهِ
الْمَحْمُود وَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يحمد لِكَثْرَة خصالة الحميدة قَالَ حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (الطَّوِيل)
(فَأصْبح مَحْمُودًا إِلَى الله رَاجعا ... يبكيه حق المرسلات ويحمد)
وَهُوَ من أسمائة تَعَالَى قَالَ حسان أَيْضا
(وشق لَهُ من اسْمه ليجله)
ا. هـ.
وَعَلِيهِ فَهُوَ اسْم مُشْتَرك بَين الله وَبَين نبيه وَلم أر من صرح بِهِ غير الشَّامي وَأما أَحْمد فَهُوَ اسْمه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ الَّذِي سمي بِهِ على لِسَان عِيسَى ومُوسَى قَالَ السُّهيْلي هُوَ مَنْقُول من الصّفة الَّتِي مَعْنَاهَا التَّفْضِيل فَمَعْنَى أَحْمد أَحْمد الحامدين لرَبه وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يفتح عَلَيْهِ فِي الْمقَام الْمَحْمُود محامد لم تفتح على أحد قبله فيحمد بهَا ربه وَلذَلِك يعْقد لَهُ لِوَاء الْحَمد وَقَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة أَحْمد هُوَ مَأْخُوذ من الْحَمد كَمَا أَخذ من الْحمرَة أَحْمَر وَمن الصُّفْرَة أصفر وَأحمد أبلغ من مُحَمَّد كَمَا أَن أَحْمَر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر لِأَنَّهُ فِي أَحْمَر وأصفر ألزم وَلَيْسَ أَحْمد بمنقول من الْفِعْل الْمُضَارع وَلَا هُوَ أفعل فَتَقول كأكرم وَمن هَذَا الله أكبر
وَحسان هُوَ أَبُو الْوَلِيد بن ثَابت بن الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ من بني النجار وَأمه الفريعة بنت خنس من بني الْخَزْرَج والفريعة بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة مصغر قرعَة بِالتَّحْرِيكِ وَهِي القملة الْكَبِيرَة
(1/227)

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَهُوَ جاهلي إسلامي مُتَقَدم الْإِسْلَام إِلَّا أَنه لم يشْهد مَعَ رَسُول الله
مشهدا لِأَنَّهُ كَانَ يرْمى بالجبن لعِلَّة أَصَابَته وَكَانَت لَهُ نَاصِيَة يسدلها بَين عَيْنَيْهِ وَكَانَ يضْرب بِلِسَانِهِ روثه أَنفه من طوله وَيَقُول وَالله لَو وَضعته على شعر لحلقه أَو على صَخْر لفلقة وعاش فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة فَهُوَ من المخضرمين وَمَات فِي زمن مُعَاوِيَة وكف بَصَره فِي آخر عمْرَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ (الطَّوِيل)
(فَتى فَارسي فِي سَرَاوِيل رامح)
وصدره
(أَتَى دونهَا ذب الرياد كَأَنَّهُ)
على أَن سَرَاوِيل غير منصرف عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا هُنَا وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لتميم بن أبي بن مقبل يصف الثور الوحشي وَضمير دونهَا لأنثاه وَدون بِمَعْنى قُدَّام وروى يمشي بهَا ذب الرياد وروى أَيْضا
يرود بهَا والذب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ الثور الوحشي وَيُقَال لَهُ ذب الرياد لِأَنَّهُ يرود أَي يذهب وَيَجِيء وَلَا يثبت فِي مَوضِع قَالَ النَّابِغَة الذبياني يصف نَاقَته (الْبَسِيط)
(كَأَنَّمَا الرحل مِنْهَا فَوق ذِي جدد ... ذب الرياد إِلَى الأشباح نظار)
(1/228)

وَزَاد فِي الْعباب فَقَالَ وَرجل ذب الرياد إِذا كَانَ زوارا للنِّسَاء قَالَ عبد من عبيد بجيله (الْبَسِيط)
(قد كنت فتاح أَبْوَاب مغلقة ... ذب الرياد إِذا مَا خولس النّظر)
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ يُقَال فلَان ذب إِذا كَانَ لَا يسْتَقرّ فِي مَوضِع وَمِنْه قيل للثور الوحشي ذب الرياد وَأنْشد بَيت الشَّاهِد وَقد خَالف أَبُو هِلَال العسكري فِي ديوَان الْمعَانِي فَزعم أَن ذب الرياد اسْم للوعل وَنسب الْبَيْت إِلَى الرَّاعِي فَقَالَ وَقد أحسن الرَّاعِي فِي وصف الوعل ثمَّ قَالَ وذب الرياد علم على الوعل وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ فيهمَا شبه الشَّاعِر مَا على قَوَائِم الثور الوحشي من الشّعْر بالسراويل وَهُوَ من لِبَاس الْفرس وَلِهَذَا شبهه بفتى فَارسي وَشبه قرنه بِالرُّمْحِ وَلِهَذَا قَالَ رامح أَي ذُو رمح فَقَوله فَتى خبر كَأَن وفارسي صفة فَتى وَفِي سَرَاوِيل حَال من ضمير فَارسي إِذْ هُوَ بِمَعْنى مَنْسُوب إِلَى الْفرس أَو صفة لفارسي ورامح صفة ثَانِيَة لفتى والسراويل يذكر وَيُؤَنث كَمَا فِي الْعباب وجر بالفتحة لِأَنَّهُ غير منصرف قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَاخْتلف فِي تَعْلِيله فَعِنْدَ س وَتَبعهُ أَبُو عَليّ أَنه اسْم أعجمي مُفْرد أعرب كَمَا أعرب الْآجر وَلكنه أشبه من كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف قطعا نَحْو قناديل فَحمل على مَا شابهه فَمنع الصّرْف
أَقُول الَّذِي رَأَيْته فِي تذكره أبي على مُخَالفَة س فَإِنَّهُ بعد أَن نقل كَلَام س قَالَ سَرَاوِيل وَإِن كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ على مِثَال الْجمع الَّذِي لَا يكون وَاحِد على مِثَاله فَأَنت مَا لم تسم بِهِ فَهُوَ منصرف كآجر الَّذِي لَيْسَ
(1/229)

فِي الْوَاحِد وَلَا غَيره على مِثَاله فَإِذا سميت بِهِ صَار مثل شراحبل ا. هـ.
وَكَأن أَبَا عَليّ فهم من قَول س أَنه أعجمي كَمَا أعرب الْآجر أَنه يُرِيد يصرف كَمَا يصرف الْآجر وَلَيْسَ كَذَلِك بل مُرَاده أَنه مُعرب لَا مَبْنِيّ كَمَا أَن الْآجر مُعرب بِدَلِيل قَول س بعده إِلَّا أَن سَرَاوِيل أشبه من كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي نكرَة وَلَا معرفَة وأَبُو هِلَال العسكري هُوَ الْحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى ابْن مهْرَان اللّغَوِيّ العسكري وَكَانَ تلميذ أبي أَحْمد الْحسن بن عبد الله العسكري وَافق اسْمه اسْم شَيْخه وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه وَهُوَ عسكري أَيْضا فَرُبمَا اشْتبهَ ذكره بِذكرِهِ إِذا قيل الْحسن بن عبد الله العسكري وَقد ترجمنا أَبَا أَحْمد العسكري فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعِشْرين قَالَ أَبُو طَاهِر السلَفِي سَأَلت الرئيس أَبَا المظفر الأبيوردي بهمذان عَنهُ فَأثْنى عَلَيْهِ وَوَصفه بِالْعلمِ والعفة مَعًا قَالَ كَانَ يبزز احْتِرَازًا من الطمع والدناءة والتبذل وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْأَدَب وَالشعر وَله كتاب فِي اللُّغَة سَمَّاهُ التَّلْخِيص وَهُوَ كتاب مُفِيد وَكتاب صناعتي النّظم والنثر وَهُوَ أَيْضا كتاب مُفِيد جدا قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء وَذكر غَيره أَن أَبَا هِلَال كَانَ ابْن أُخْت أبي أَحْمد وَله من الْكتب بعد مَا ذكره السلَفِي كتاب جمهرة الْأَمْثَال كتاب مَعَاني الْأَدَب كتاب أَعْلَام الْمعَانِي فِي مَعَاني الشّعْر كتاب شرح الحماسة كتاب الْأَوَائِل كتاب الْفرق بَين الْمعَانِي كتاب نَوَادِر
(1/230)

الْوَاحِد وَالْجمع كتاب من احتكم من الْخُلَفَاء إِلَى الْقُضَاة كتاب التَّبْصِرَة وَهُوَ كتاب مُفِيد كتاب الدِّرْهَم وَالدِّينَار كتاب الْعُمْدَة كتاب فضل الْغنى
على الْعسر كتاب مَا تلحن فِيهِ الْخَاصَّة كتاب المحاسن فِي تَفْسِير الْقُرْآن خمس مجلدات وَكتاب ديوَان شعره قَالَ ياقوت وَأما وَفَاته فَلم يبلغنِي فِيهَا شَيْء غير أَنِّي وجدت فِي آخر كتاب الْأَوَائِل من تصنيفه وفرغنا من إملاء هَذَا الْكتاب يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر خلت من شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة هَذَا مَا ذكره ياقوت وَله عِنْدِي كتاب الفروق فِي اللُّغَة وَكتاب ديوَان الْمعَانِي وهما دالان على غزارة علمه وَمن شعره (الطَّوِيل)
(إِذا كَانَ مَالِي مَال من يلقط الْعَجم ... وحالي فِيكُم حَال من حاك أَو حجم)
(فَأَيْنَ انتفاعي بالاصالة والحجا ... وَمَا ربحت كفي على الْعلم وَالْحكم)
(وَمن ذَا الَّذِي فِي النَّاس يبصر حالتي ... وَلَا يلعن القرطاس والحبر والقلم)
وَله أَيْضا (الطَّوِيل)
(جلوسي فِي سوق أبيع وأشتري ... دَلِيل على أَن الْأَنَام قرود)
(وَلَا خير فِي قوم يذل كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود)
(ويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاء قبيحا مَا عَلَيْهِ مزِيد)
وَأما تَمِيم صَاحب الشَّاهِد فَهُوَ ابْن أبي بن مقبل وَأبي بِالتَّصْغِيرِ وَتَشْديد الْيَاء ابْن عَوْف بن حنيف بن قُتَيْبَة بن العجلان بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة شَاعِر مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ يبكي أهل الْجَاهِلِيَّة وَبلغ مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَ يهاجي النَّجَاشِيّ الشَّاعِر
(1/231)

فهجاه النَّجَاشِيّ فاستعدى عَلَيْهِ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هجاني فَقَالَ عمر يَا نجاشي مَا قلت قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت مَا لَا أرى فِيهِ عَلَيْهِ بَأْسا وأنشده (الطَّوِيل)
(إِذا الله جازى أهل لؤم بذلة ... فجازى بني العجلان رَهْط ابْن مقبل)
فَقَالَ عمر إِن كَانَ مَظْلُوما اسْتُجِيبَ لَهُ وَإِن لم يكن مَظْلُوما لم يستجب لَهُ. قَالُوا وَقد قَالَ أَيْضا (الطَّوِيل)
(قبيلته لَا يغدرون بِذِمَّة ... وَلَا يظْلمُونَ النَّاس حَبَّة خَرْدَل)
فَقَالَ عمر لَيْت آل الْخطاب كَذَلِك قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ
(وَلَا يردون المَاء إِلَّا عَشِيَّة ... إِذا صدر الوراد عَن كل منهل)
فَقَالَ عمر ذَلِك أقل للزحام قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ
(تعاف الْكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كَعْب بن عَوْف ونهشل)
فَقَالَ عمر يَكْفِي ضيَاعًا من تَأْكُل الْكلاب لَحْمه قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ
(وَمَا سمي العجلان إِلَّا لقَولهم ... خُذ الْقَعْب وأحلب أَيهَا العَبْد واعجل)
(1/232)

فَقَالَ عمر كلتا عبد وَخير الْقَوْم خادمهم قَالَ تَمِيم فسله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن قَوْله
(أُولَئِكَ إخْوَان اللعين وأسرة الهجين ... ورهط الواهن المتذلل)
فَقَالَ عمر أما هَذَا فَلَا أعذرك عَلَيْهِ فحبسه وَقيل جلده قَالَ صَاحب زهر الْآدَاب كَانَ بَنو العجلان يفخرون بِهَذَا الِاسْم إِذْ كَانَ عبد الله بن كَعْب جدهم إِنَّمَا سمي العجلان لتعجيله الْقرى للضيفان وَذَلِكَ أَن حَيا من طَيئ نزلُوا بِهِ فَبعث إِلَيْهِم بقراهم عبدأ لَهُ وَقَالَ لَهُ أعجل عَلَيْهِم فَفعل العَبْد فَأعْتقهُ لعجلته فَقَالَ الْقَوْم مَا يَنْبَغِي أَن يُسمى إِلَّا العجلان فَسُمي بذلك فَكَانَ شرفا لَهُم حَتَّى قَالَ النَّجَاشِيّ هَذَا الشّعْر فَصَارَ الرجل إِذا سُئِلَ عَن نسبه قَالَ كعبي ويرغب عَن العجلان
قَالَ وَزَعَمت الروَاة أَن بني العجلان اسْتَعدوا على النَّجَاشِيّ وَذكر هَذِه الْحِكَايَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ (المتقارب)
(عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... فَلَيْسَ يرق لمستعطف)
على أَن السَّرَاوِيل عِنْد الْمبرد عَرَبِيّ وَهُوَ جمع سروالة والسروالة قِطْعَة خرقَة أَقُول هَذَا الْبَيْت قيل مَصْنُوع وَقيل قائلة مَجْهُول وَالَّذِي أثْبته قَالَ إِن سروالة وَاحِدَة السَّرَاوِيل وَكَيف تكون سروالة بِمَعْنى قِطْعَة خرقَة
(1/233)

مَعَ الحكم بِأَنَّهَا وَاحِدَة السَّرَاوِيل هَذَا لَا يكون وَقَالَ السيرافي سروالة لُغَة فِي السَّرَاوِيل إِذْ لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر عَلَيْهِ من اللؤم قِطْعَة من جُزْء السَّرَاوِيل وسروالة فِي الْبَيْت مُبْتَدأ مُؤخر وَعَلِيهِ خبر مقدم وَقَوله من اللؤم كَانَ فِي الأَصْل صفة لسروالة فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ هَذَا هُوَ الْمُقَرّر وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَمن اللؤم صفة لسروالة فَيكون محلهَا الرّفْع وَهَذَا خطأ واللؤم بِالْهَمْز شح النَّفس ودناءة الْآبَاء وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ (الرجز)
(جَاءَ الشتَاء وقميصي أَخْلَاق ... شراذم يعجب مِنْهُ التواق)
على أَن شراذم لَفْظَة جمع بالِاتِّفَاقِ \ أَقُول نسب أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات هَذَا الْبَيْت إِلَى بعض الْأَعْرَاب وَقَالَ الْأَخْلَاق والأرمام والأرماث لَا تكون إِلَّا فِي الخلقان وَقَالَ إِنَّمَا نعت الْوَاحِد بِالْجمعِ لكثرته فِيهِ كَمَا قَالُوا برمة أعشار إِذا انْكَسَرت اريد أَن كسرهَا كثير وَفِي الْعباب وَقد خلق الثَّوْب بِالضَّمِّ خلوقة أَي بلي وثوب أَخْلَاق إِذا كَانَت الخلوقة فِيهِ كُله كَمَا قَالُوا برمة أعشار وَأَرْض سباسب وَفِي الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَقَالَ الْفراء من الْعَرَب من يَقُول قَمِيص أَخْلَاق وجبة أَخْلَاق فيصف الْوَاحِد بِالْجمعِ لِأَن الخلوقة فِي الثَّوْب تتسع فيسمى كل مَوضِع مِنْهَا خلقا ثمَّ يجمع على هَذَا الْمَعْنى وَمن قَالَ جُبَّة خلق قَالُوا
(1/234)

فِي التَّثْنِيَة جبتان خلقان وَفِي الْجمع جباب أَخْلَاق والشراذم بالشين والذال المعجمتين جمع شرذمة بِكَسْر الأول وَالثَّالِث قَالَ فِي الصِّحَاح الشرذمة الطَّائِفَة من النَّاس والقطعة من الشَّيْء وثوب شراذم أَي قطع والتواق بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَتَشْديد الْوَاو اسْم ابْن الشَّاعِر قَالَه الْفراء وَغَيره وَأَصله مُبَالغَة تائق من تاقت نَفسه إِلَى الشَّيْء بِمَعْنى اشتاقت قَالَ الشَّاعِر (الرجز)
(الْمَرْء تواق إِلَى مَا لم ينل)
وَقَالَ صَاحب الْعباب وروى النواق بالنُّون وَقَالَ فِي نُوق والنواق من الرِّجَال الَّذِي يرود الْأُمُور ويصلحها وعَلى هَذَا فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَيْضا الرفاء وَنَحْوه وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل)
(وَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته ... وَلَكِن عبد الله مولى مواليا)
على أَن بعض الْعَرَب يجر نَحْو جوَار بالفتحة فَيَقُول مَرَرْت بِجوَارِي كَمَا قَالَ الفرزدق مولى موَالِي بِإِضَافَة موَالِي إِلَى مولى وَالْألف للإطلاق وَجُمْهُور الْعَرَب يَقُول مَرَرْت بجوار وَمولى موَالٍ بِحَذْف الْيَاء والتنوين فِي الْجَرّ وَالرَّفْع وَأما فِي النصب عِنْدهمَا فَلَا تحذف الْيَاء بل تظهر الفتحة
(1/235)

عَلَيْهَا نَحْو رَأَيْت جواري وَالْمرَاد بجوار مَا كَانَ جمعا على هَذَا الْوَزْن معتل اللَّام وَهَذَا خلاف مَا قَالَه س قَالَ الأعلم فِي شرح أبياته الشَّاهِد فِي إجرائة موَالِي على الأَصْل ضَرُورَة وَكَانَ الْوَجْه موَالٍ كجوار وَنَحْوه من الْجمع المنقوص فاضطر إِلَى الْإِتْمَام والإجراء على الأَصْل كَرَاهَة للزحاف ا. هـ.
وَكَذَا قَالَ صَاحب الصِّحَاح قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ مواليا لِأَنَّهُ رده إِلَى أَصله للضَّرُورَة وَإِنَّمَا لم ينون لِأَنَّهُ جعله بِمَنْزِلَة غير المعتل الَّذِي لَا ينْصَرف وَصَاحب اللّبَاب وَغَيره جعله قولا للنحويين لَا لُغَة لبَعض الْعَرَب وَقَالَ وَنَحْو جوَار حكمه حكم قَاض رفعا وجرا على الأعرف وَحكم ضوارب نصبا وَقيل نصبا وجرا وَبِهَذَا سقط اعْتِرَاض ابْن ابي إِسْحَاق على الفرزدق فِي قَوْله
(وَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت)
وَالْمولى الحليف هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ مولى الْمُوَالَاة والحليف الْمعَاهد يُقَال مِنْهُ تحَالفا إِذا تعاهدا وتعاقدا على أَن يكون أَمرهمَا وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية وَبَينهمَا حلف وحلفة بِالْكَسْرِ فيهمَا اي عهد وَالرجل إِذا كَانَ ذليلا يوالي قَبيلَة وينضم إِلَيْهَا ليعتز بهم وَإِذا والى مولى كَانَ أذلّ ذليل وَكَذَلِكَ الْقَبِيلَة توالي وَأَرَادَ بِالْمَوَالِي الحضرميين وَكَانُوا موَالِي بني عبد شمس ابْن عبد منَاف يَقُول لَو كَانَ عبد الله ذليلا لهجوته وَلكنه أذلّ من الذَّلِيل لِأَنَّهُ حَلِيف الحضرميين وهم حلفاء بني عبد شمس وَهَذَا مُبَالغَة فِي الهجو والحضرمي مَنْسُوب إِلَى حَضرمَوْت وحضرموت بلد وقبيلة وَالصَّوَاب فِي رِوَايَة الْبَيْت ...
(1/236)

(لَو كَانَ عبد الله مولى هجوته)
بِحَذْف الْوَاو وَجعل الْبَيْت مخروما فَإِنَّهُ بَيت وَاحِد وَلم يتقدمه شَيْء حَتَّى تكون الْوَاو عاطفة وَعبد الله هُوَ عبد الله بن أبي إِسْحَاق الزيَادي الْحَضْرَمِيّ قَالَ الواحدي فِي كتاب الأغراب فِي علم الْإِعْرَاب كَانَ عبد الله من تلامذة عَنْبَسَة بن معدان وَهُوَ من تلامذة أبي الْأسود الدؤَلِي وَاضع النَّحْو وَلَيْسَ فِي أَصْحَاب عَنْبَسَة مثل عبد الله واسْمه مَيْمُون الأقرن وَهُوَ الَّذِي كَانَ يرد على الفرزدق قَوْله (الطَّوِيل)
(وعض زمَان يَا ابْن مَرْوَان لم يجع ... من المَال إِلَّا مسحتا أَو مجلف)
فهجاه الفرزدق بقوله
(فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت)
وَكَانَ يُقَال عبد الله أعلم أهل الْبَصْرَة وأعقلهم وَفرع النَّحْو وقاسه وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء قد أَخذ عَنهُ النَّحْو وَمن أَصْحَاب عبد الله الَّذين أخذُوا عَنهُ النَّحْو عِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ وَيُونُس بن حبيب وَأَبُو الْخطاب الْأَخْفَش ا. هـ.
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْملك بن السراج الْمَعْرُوف بالتاريخي فِي تَارِيخ النُّحَاة وَتُوفِّي عبد الله هَذَا سنة سبع عشرَة وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ بِلَال بن أبي بردة
(1/237)

وَاعْلَم أَنهم قد ذكرُوا فِي سَبَب هجو الفرزدق لعبد الله أَن عبد الله لحنه فِي قَوْله إِلَّا مسحتا أَو مجلف فَإِنَّهُ عطف الْمَرْفُوع على الْمَنْصُوب كَمَا نَقله الواحدي
وَغَيره وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح هَذَا الْبَيْت مُسْتَوفى فِي بَاب الْعَطف فَلَمَّا بلغ الفرزدق تلحين عبد الله إِيَّاه هجاه بِهَذَا الْبَيْت فَلَمَّا بلغ هجو الفرزدق لعبد الله قَالَ قُولُوا للفرزدق لحنت فِي هَذَا الْبَيْت أَيْضا حَيْثُ حركت موَالِي فِي الْخَفْض هَكَذَا رووا هَذِه الْحِكَايَة وَالَّذِي رَأَيْته فِي تَارِيخ النُّحَاة للتاريخي الْمَذْكُور آنِفا قَالَ حَدثنِي ابْن الْفَهم عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا يُونُس أَن ابْن أبي إِسْحَاق قَالَ للفرزدق فِي مديحة يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان
(مستقلين شمال الشَّام تضربنا ... على زواحف تزجى مخها رير)
فَقَالَ لَهُ ابْن أبي إِسْحَاق أَسَأْت موضعهَا رفع وَإِن رفعت أقويت وألح النَّاس على الفرزدق فِي ذَلِك فقلبها فَقَالَ
(على زواحف نزجيها محاسير)
ثمَّ ترك الروَاة هَذَا وَرَجَعُوا إِلَى القَوْل الأول قَالَ يُونُس وَهَذَا جيد فَلَمَّا أَكثر ابْن أبي إِسْحَاق على الفرزدق هجاه فَقَالَ
(لَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت)
وَقد حكى مثل حِكَايَة التاريخي أَبُو الْقَاسِم على بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة قَالَ وَقد حكى أَبُو أَحْمد عبد الْعَزِيز بن يحيى الجلودي فِي إِسْنَاد ذكره فِي أَخْبَار الفرزدق أَن عبد الله بن أبي إِسْحَاق النَّحْوِيّ قَالَ إِن الفرزدق لحن فِي قَوْله ...
(1/238)

(على زواحف تزجى مخها رير)
وَإِن ذَلِك بلغ الفرزدق فَقَالَ أما وجد هَذَا المنتفخ الخصيين لبيتي مخرجا فِي الْعَرَبيَّة أما إِنِّي لَو أَشَاء لَقلت
(على زواحف نزجيها محاسير)
ولكنني وَالله لَا أقوله ثمَّ قَالَ
(فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت)
فَبلغ ذَلِك عبد الله فَقَالَ عذره شَرّ من ذَنبه والخفض فِي رير جيد وَتَقْدِيره على زواحف رير مخها تزجى ا. هـ.
كَلَامه وَهَذَا الْبَيْت مركب من بَيْتَيْنِ وهما (الْبَسِيط)
(مُسْتَقْبلين شمال الشَّام تضربنا ... بحاصب كنديف الْقطن منثور)
(على عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف نزجيها محاسير)
والشمَال هِيَ الرّيح الْمَعْرُوفَة وَهِي مفعولة وَجُمْلَة تضربنا حَال مِنْهَا والحاصب بمهملتين الرّيح الَّتِي تثير الْحَصْبَاء والزواحف جمع زاحفة بالزاي الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة وَهِي الْإِبِل الَّتِي أعيت فجرت فراسنها يُقَال زحف الْبَعِير إِذا أعيا فجر فرسنة أَي خفَّة ونزجيها نسوقها والإزجاء السُّوق ومحاسير جمع محسور من حسرت الْبَعِير حسرا إِذا أتعبته فَهُوَ حسير أَيْضا وَيُقَال أحسرته بِالْألف أَيْضا وَيكون لَازِما أَيْضا يُقَال حسر الْبَعِير يحسر حسورا إِذا أعيا والرير على مَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى هُوَ بإهمال الراءين قَالَ الْفراء مخ رير بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا ورار أَيْضا أَي فَاسد ذائب من الهزال
(1/239)

وَمن الْأَمْثَال أسمح من مخة الرير قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله الرير والرار المخ الَّذِي قد ذاب فِي الْعظم حَتَّى كَأَنَّهُ مَاء وسماحه ذوبه وجريانه وترجمة الفرزدق ذكرت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ
(تَتِمَّة)
قد تكلم ابْن جني فِي شرح تصريف أبي عُثْمَان الْمَازِني الْمُسَمّى بالتصريف الملوكي بتفصيل جيد فِي الْكَلَام على تَنْوِين جوَار أَحْبَبْت أَن أذكرهُ هُنَا قَالَ فَأَما جوَار وغواش وَنَحْوهمَا فللسائل أَن يَقُول لم صرف هَذَا الْوَزْن وَبعد
أَلفه حرفان وَقد قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي هَذَا مَا أذكرهُ لَك وَهُوَ انه ذهب إِلَى أَن التَّنْوِين إِنَّمَا دخل فِي هَذَا الْوَزْن لِأَنَّهُ عوض من ذهَاب حَرَكَة الْيَاء فَلَمَّا جَاءَ التَّنْوِين وَهُوَ سَاكن وَالْيَاء قبله ساكنه التقى ساكنان فحذفت الْيَاء فَقيل هَؤُلَاءِ جوَار قيل هَذَا قَاض ومررت بقاض يُرِيد أَن أَصله هَؤُلَاءِ جواري ثمَّ أسكنت الْيَاء استثقالا للضمة عَلَيْهَا فَبَقيت جواري ثمَّ عوض من الْحَرَكَة التَّنْوِين فَالتقى ساكنان فَوَجَبَ حذف الْيَاء إِلَّا ترى أَن الْحَرَكَة لما ثبتَتْ فِي مَوضِع النصب فِي قَوْلك رايت جواري لم يُؤْت بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَجِيء عوضا من الْحَرَكَة فَإِذا كَانَت الْحَرَكَة ثَابِتَة لم يلْزم أَن يعوض مِنْهَا شَيْء وَأنكر أَبُو عَليّ هَذَا القَوْل على أبي إِسْحَاق وَقَالَ لَيْسَ
(1/240)

التَّنْوِين عوضا من حَرَكَة الْيَاء وَقَالَ لِأَنَّهُ لوكان كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعوض التَّنْوِين من حَرَكَة الْيَاء فِي يَرْمِي أَلا ترى أَن أَصله يَرْمِي بِوَزْن يضْرب فَكَمَا لم نرهم عوضوا من حَرَكَة هَذِه الْيَاء كَذَلِك لَا يجوز أَن يكون التَّنْوِين فِي جوَار عوضا من ذهَاب حَرَكَة الْيَاء فَإِن انتصر منتصر لأبي إِسْحَاق فَقَالَ إِلْزَام أبي عَليّ إِيَّاه لَا يلْزمه لِأَن لَهُ أَن يَقُول إِن جوَار وَنَحْوه اسْم والتنوين بَابه الْأَسْمَاء ويرمى فعل والتنوين لَا مدْخل لَهُ فِيهِ فَلذَلِك لم يلْزم أَن يعوض من حركته قيل لَهُ وَمِثَال مفاعل أَيْضا لَا يدْخلهُ التَّنْوِين فَإِن قَالَ مفاعل اسْم والأسم مِمَّا يَصح فِيهِ التَّنْوِين قيل لَهُ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لوَجَبَ ان يعوض من حَرَكَة الْألف فِي حُبْلَى وَنَحْوهَا تنوينا فَإِن قَالَ لَو عوض لدخل التَّنْوِين مَا لَا ينْصَرف على وَجه من الْوُجُوه قيل وَكَذَلِكَ مِثَال مفاعل لَا ينْصَرف معرفَة وَلَا نكرَة فَإِن قَالَ مفاعل قد ينْصَرف فِي بعض الْمَوَاضِع فِي ضَرُورَة الشّعْر وحبلى وبابها لم يصرف قطّ لضَرُورَة قيل إِنَّمَا لم يصرفوا حُبْلَى للضَّرُورَة لِأَن التَّنْوِين كَانَ يذهب الْألف من اللَّفْظ فَيحصل على سَاكن هُوَ التَّنْوِين وَقد كَانَت الْألف قبله سَاكِنة فَلَا يزدادون أَكثر مِمَّا كَانَ قبل الصّرْف فتركوا الصّرْف فِي نَحْو حُبْلَى لذَلِك أَلا ترى أَنهم يصرفون نَحْو حَمْرَاء فَيَقُولُونَ مَرَرْت بِحَمْرَاء للضَّرُورَة لأَنهم قد أزدادوا حرفا يقوم بِهِ وزن الْبَيْت وهمزة حَمْرَاء كألف سكرى وحبلى
وَالْقَوْل فِي هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه من أَن الْيَاء حذفت حذفا لَا لالتقاء الساكنين فَلَمَّا حذفت إلياء صَار فِي التَّقْدِير جوَار بِوَزْن جنَاح فَلَمَّا نقص عَن وزن فواعل دخله التَّنْوِين كَمَا يدْخل جنَاحا فَدلَّ على أَن التَّنْوِين إِنَّمَا دخله لما نقص عَن وزن ضوارب وَلذَا إِذا تمّ الْوَزْن فِي النصب وَظَهَرت الْيَاء امْتنع التَّنْوِين أَن يدْخل
(1/241)

لِأَنَّهُ قد تمّ فِي وزن ضوارب فالتنوين على هَذَا معاقب للياء لَا للحركة إِذْ لَو كَانَ معاقبا للحركة لوَجَبَ ان يدْخل فِي يَرْمِي لِأَن الْحَرَكَة قد حذفت من الْيَاء فِي مَوضِع الرّفْع وَشَيْء آخر يدل عِنْدِي على أَن التَّنْوِين لَيْسَ بَدَلا من الْحَرَكَة وَذَلِكَ أَن الْيَاء فِي جوَار قد عَاقَبت الْحَرَكَة فِي الرّفْع والجر فِي الْغَالِب وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد صَارَت الْيَاء لمعاقبتها الْحَرَكَة تجْرِي مجْراهَا فَكَمَا لَا يجوز أَن يعوض من الْحَرَكَة وَهِي ثَابِتَة كَذَلِك لَا يجوز أَن يعوض مِنْهَا وَفِي الْكَلِمَة مَا هُوَ معاقب لَهَا وجار مجْراهَا وَقد دللت فِي هَذَا الْكتاب على أَن الْحَرَكَة قد تعاقب الْحَرْف وَتقوم مقَامه فِي كثير من كَلَام الْعَرَب فَإِن قَالَ قَائِل فَلم ذهب الْخَلِيل وسيبويه إِلَى أَن الْيَاء قد حذفت حذفا حَتَّى أَنه لما نقص وزن الْكَلِمَة عَن بِنَاء فواعل دَخلهَا التَّنْوِين قيل لِأَن الْيَاء قد حذفت فِي مَوَاضِع لَا تبلغ أَن تكون فِي الثّقل مثل هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى {الْكَبِير المتعال} وَيَوْم يدع الداع) وَيَوْم التناد) وَقَالَ الشَّاعِر (الْكَامِل)
(وأخو الغوان مَتى يشب يصرمنه)
وَقَالَ آخر (الوافر)
(دوامي الأيد يخبطن السريحا)
(1/242)

فَاكْتفى فِي جَمِيع هَذَا بالكسرة من الْيَاء وَهُوَ كثير جدا فَلَمَّا كَانَ الِاكْتِفَاء بالكسرة جَائِزا مستحسنا فِي هَذِه الْأَسْمَاء الْآحَاد والآحاد أخف من الجموع كَانَ بَاب جوَار جَدِيرًا بِأَن يلْزم الْحَذف لثقله أَلا ترى أَنه جمع وَهُوَ مَعَ ذَلِك الْجمع الْأَكْبَر الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ الجموع فَلَمَّا اجْتمع فِيهِ ذَلِك وَكَانُوا قد حذفوا الْيَاء مِمَّا هُوَ أخف مِنْهُ ألزموه الْحَذف الْبَتَّةَ حَتَّى لم يجز غَيره وَقد حذفت الْيَاء من الْفِعْل أَيْضا فِي مَوضِع الرّفْع حذفا كالمطرد كَقَوْلِه تَعَالَى {مَا كُنَّا نبغ} {وَاللَّيْل إِذا يسر} وَهُوَ كثير فَهَذَا يدلك على اطراد حذف الْيَاء فَإِن قَالَ قَائِل الْفِعْل أثقل من الِاسْم فَكيف ألزم بَاب جوَار الْحَذف وَلم يلزموه الْفِعْل قيل لَهُ لم يلْزم فِي الْفِعْل لِأَن الْيَاء قد تحذف للجزم حذفا مطردا فَلَو ألزموها الْحَذف فِي مَوضِع الرّفْع أَيْضا لالتبس الرّفْع بِالْجَزْمِ وأجازوا الْحَذف فِي بعض الْمَوَاضِع اسْتِخْفَافًا فَإِن قيل هلا فصلت بَين الرّفْع والجر أَيْضا فِي جوَار كَمَا فصلت بَين الرّفْع والجزم قيل لَهُ الضمة والكسرة وَإِن اختلفتا فِي الصُّورَة فقد أتفقتا فِي أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حَرَكَة وأنهما كلتيهما مستثقلتان فِي الْيَاء فَكَذَلِك لم يفصلوا بَينهمَا فِي بَاب جوَار واعتمدوا على مَا يصحب الْكَلَام من أَوله إِلَى آخِره وَلَيْسَ
كَذَلِك فِي الرّفْع والجزم لِأَنَّهُمَا لم يتَّفقَا فِي حَال كَمَا اتّفقت الضمة وَالْكَسْر فَافْهَم
(1/243)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل)
(سَمَاء الْإِلَه فَوق سبع سمائيا)
وصدره
(لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير وفوقه)
أنْشدهُ لما تقدم فِي الْبَيْت قبله قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شرح شَوَاهِد س نقلا عَن الْأَخْفَش وَمثله ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ قد خرج هَذَا الشَّاعِر عَمَّا عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه جمع سَمَاء على فعائل فشبهها بشمال وشمائل وَالْجمع الْمَعْرُوف فِيهَا إِنَّمَا هُوَ سمي على فعول وَنَظِيره عنَاق وعنوق أَلا ترى أَن سَمَاء مُؤَنّثَة كَمَا أَن عنَاقًا كَذَلِك وَالثَّانِي أَنه أقرّ الْهمزَة الْعَارِضَة فِي الْجمع مَعَ أَن اللَّام معتلة وَهَذَا غير مَعْرُوف أَلا ترى أَن مَا تعرض الْهمزَة فِي جمعه ولامه وَاو أَو يَاء أَو همزَة فالهمزة الْعَارِضَة فِيهِ مُغيرَة مبدلة نَحْو خَطِيئَة وخطايا ومطية ومطايا وَلم يَقُولُوا خطائي وَلَا مطائي
وَالثَّالِث أَنه أجْرى الْيَاء فِي سمائي مجْرى الْبَاء فِي ضوارب فَفَتحهَا فِي مَوضِع الْجَرّ وَالْمَعْرُوف عِنْدهم أَن تَقول هَؤُلَاءِ جوَار ومررت بجوار فتحذف الْيَاء وَتدْخل التَّنْوِين وللنحويين فِي ذَلِك احتجاج لما يذهبون إِلَيْهِ من أَن أصل مطايا مطائي أَلا ترى أَن الشَّاعِر لما اضْطر جَاءَ بِهِ على أَصله فَقَالَ سمائيا كَمَا أَنه لما اضْطر إِلَى إِظْهَار أصل ضن
قَالَ
(1/244)

(الْبَسِيط)
(أَنِّي أَجود لأقوام وَإِن ضنوا)
وكما قَالَ الآخر (الطَّوِيل)
(صددت فأطولت الصدود) يُرِيد أطلت فَهَذِهِ الْأَشْيَاء الشاذة فِيهَا حجج فِي أَن يَقُولُوا إِن أصل هَذَا كَذَا
وَكَذَلِكَ مَا حكى عَنْهُم من أَنهم يَقُولُونَ غفر الله لَهُ خطائئه بِوَزْن خطاععة فِيهِ دلَالَة على ان أصل رزايا رزائي بِوَزْن رزاعع أَلا ترى أَن رزيئة كخطيئة فلابد لَهُم فِي جَمِيع مَا يَدعُونَهُ
وَهَذَا كُله من الْأُصُول لِابْنِ السيرافي إِلَّا أَن ابْن جني بسط مَا أجملة لِابْنِ السراج وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لأمية بن أبي الصَّلْت مطْلعهَا (الطَّوِيل)
(أَلا كل شَيْء هَالك غير رَبنَا ... وَللَّه مِيرَاث الَّذِي كَانَ فانيا)
(ولي لَهُ من دون كل ولَايَة ... إِذا شَاءَ لم يمسوا جَمِيعًا مواليا)
(وَإِن يَك شَيْء خَالِدا ومعمرا ... تَأمل تَجِد من فَوْقه الله بَاقِيا)
(لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير وفوقه ... سَمَاء الْإِلَه فَوق سبع سمائيا)
(1/245)

وَهَذِه قصيدة عَظِيمَة تشْتَمل على تَوْحِيد الله وقصص بعض الْأَنْبِيَاء كنوح ويوسف ومُوسَى وَدَاوُد وَسليمَان عَلَيْهِم السَّلَام ويعجبني مِنْهَا قَوْله
(أَلا لن يفوت الْمَرْء رَحمَه ربه ... وَلَو كَانَ تَحت الأَرْض سبعين وَاديا)
(يعالى وتدركه من الله رَحْمَة ... ويضحي ثناه فِي الْبَريَّة زاكيا)
وَقَوله فِي آخرهَا
(وَأَنت الَّذِي من فضل سيب ونعمة ... بعثت إِلَى مُوسَى رَسُولا مناديا)
(فَقَالَ أَعنِي يَابْنَ أُمِّي فإنني ... كثير بِهِ يَا رب صل لي جناحيا)
(وَقلت لهارون اذْهَبَا فتظاهرا ... على الْمَرْء فِرْعَوْن الَّذِي كَانَ طاغيا)
(وقولا لَهُ أَأَنْت سويت هَذِه ... بِلَا وتد حَتَّى اطمأنت كَمَا هيا)
(وقولا لَهُ أَأَنْت رفعت هَذِه ... بِلَا عمد أرْفق إِذا بك بانيا)
(وقولا لَهُ أَأَنْت سويت وَسطهَا ... منيرا إِذا مَا جنه اللَّيْل ساريا)
(وقولا لَهُ من أخرج الشَّمْس بكرَة ... فاصبح مَا مست من الأَرْض ضاحيا)
(وقولا لَهُ من أنبت الْحبّ فِي الثرى ... فَأصْبح مِنْهُ البقل يَهْتَز رابيا)
(فاصبح مِنْهُ حبه فِي رؤوسه ... فَفِي ذَاك آيَات لمن كَانَ واعيا)
وَقَوله ولي لَهُ من دون كل ولَايَة ألخ هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي رَبنَا ولي وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل من وليه إِذا قَامَ بِهِ وكل من ولي أَمر أحد فَهُوَ وليه
وَالضَّمِير فِي لَهُ رَاجع لقَوْله الَّذِي كَانَ فانيا وَالْولَايَة قَالَ أَبُو عَمْرو هِيَ بِالْكَسْرِ فِي الْعَمَل وبالفتح فِي الدَّين وَقَوله إِذا شَاءَ إِلَخ يَقُول إِذا شَاءَ أماتهم وفرقهم والموالي الْوَرَثَة جمع مولى قَالَ تَعَالَى!
(1/246)

2 - وَلكُل جعلنَا موَالِي} أَي وَرَثَة وَقَوله لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير إِلَخ لَهُ خبر مقدم وضميره لربنا وَمَا مَوْصُولَة مُبْتَدأ مُؤخر وَتَقْدِيم الْخَبَر للحصر أَي الَّذِي رَأَتْهُ الْأَعْين ملك لربنا لَيْسَ لأحد شَيْء مِنْهُ وَضمير فَوْقه عَائِد ل مَا الموصولة وسماء الْإِلَه أَرَادَ بِهِ الْعَرْش مبتدا وَخَبره الظّرْف قبله وَقَوله فَوق سبع سمائيا حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي فَوْقه وَمن رفع سَمَّاهُ الْإِلَه بالظرف قبله كَانَ فَوق سبع سمائيا حَالا من سَمَاء الْإِلَه كَذَا فِي إِيضَاح الشّعْر لأبي عَليّ قَالَ ابْن جني فِي الخصائص وَكَانَ أَبُو عَليّ ينشدنا فَوق سِتّ سمائيا وَكَذَا رَأَيْته أَنا قد أثْبته فِي الْإِيضَاح وَكَذَلِكَ رَأَيْته أَنا أَيْضا فِي ديوَان أُميَّة فَيكون المُرَاد بسماء الْإِلَه السَّمَاء السَّابِعَة وَأُميَّة هُوَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت واسْمه عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف الثَّقَفِيّ قَالَ الْأَصْمَعِي ذهب أُميَّة فِي شعره بعامه ذكر الْآخِرَة وعنترة بعامة ذكر الْحَرْب وَقد صدقه النَّبِي
فِي بعض شعره وَفِي صَحِيح مُسلم عَن الرشيد بن سُوَيْد قَالَ ردفت رَسُول الله
فَقَالَ هَل مَعَك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شَيْء قلت نعم قَالَ هيه فَأَنْشَدته بَيْتا فَقَالَ هيه ثمَّ أنشدته بَيْتا فَقَالَ هيه حَتَّى أنشدته مائَة بَيت فَقَالَ كَاد ليسلم وَفِي رِوَايَة ليسلم فِي شعره وَفِي رِوَايَة آمن شعره وَكفر قلبه
وَفِي الْإِصَابَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي
أنْشد قَول أُميَّة
(1/247)

(الْكَامِل)
(رجل وثور تَحت رجل يَمِينه والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد)
فَقَالَ صدق وَهَذِه صفة حَملَة الْعَرْش وَفِي شرح ديوانه لمُحَمد بن حبيب يُقَال أَن حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة رجل وثور ونسر وَأسد هَذِه أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة أُخْرَى فَأَما الْيَوْم فهم أَرْبَعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أيدوا بأَرْبعَة أُخْرَى فَذَلِك قَوْله تَعَالَى {وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة} كَذَلِك بَلغنِي وَالله أعلم وَيُقَال إِن الَّذِي فِي صُورَة رجل هُوَ الَّذِي يشفع لبني آدم فِي أَرْزَاقهم وَأما الَّذِي فِي صُورَة نسر فَهُوَ الَّذِي يشفع للطير فِي أَرْزَاقهم وَبَلغنِي أَيْضا أَن لكل ملك مِنْهُم أَرْبَعَة وجوة وَجه رجل وَوجه ثَوْر وَوجه أَسد وَوجه نسر ا. هـ.
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ لما أنْشد النَّبِي
قَول أُميَّة (الْبَسِيط)
(الْحَمد لله ممسانا ومصبحنا ... بِالْخَيرِ صبحنا رَبِّي ومسانا)
(رب الحنيفة لم تنفد خزائنها ... مَمْلُوءَة طبق الافاق أشطانا)
(أَلا نَبِي لنا منا فيخبرنا ... مَا بعد غايتنا من رَأس مجرانا)
(بَينا يرببنا آبَاؤُنَا هَلَكُوا ... وبينما نقتني الْأَوْلَاد أبلانا)
(وَقد علمنَا لَو أَن الْعلم ينفعنا ... أَن سَوف تلْحق أخرانا بأولانا)
...
(1/248)

(وَقد عجبت وَمَا بِالْمَوْتِ من عجب ... مَا بَال أحيائنا يَبْكُونَ مَوتَانا)
إِلَى أَن قَالَ:
(يَا رب لَا تجعلني كَافِرًا أبدا ... وَاجعَل سريرة قلبِي الدَّهْر إِيمَانًا)
(واخلط بِهِ بنيتي واخلط بِهِ بشري ... وَاللَّحم وَالدَّم مَا عمرت إنْسَانا)
(إِنِّي أعوذ بِمن حج الحجيج لَهُ ... والرافعون لدين الله أركاناً)
(مُسلمين إِلَيْهِ عِنْد حجهم ... لم يَبْتَغُوا بِثَوَاب الله أثماناً)
فَقَالَ
: " آمن شعره وَكفر قلبه ". وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي " طَبَقَات الشُّعَرَاء ": " وَكَانَ أُميَّة يخبر أَن نَبيا يخرج، قد أظل زَمَانه، وَكَانَ يؤمل أَن يكون ذَلِك النَّبِي؛ فَلَمَّا بلغه خُرُوج النَّبِي
كفر بِهِ حسداً ". وَلما أنْشد النَّبِي
شعره قَالَ: " آمن لِسَانه وَكفر قلبه ". وأتى بِأَلْفَاظ كَثِيرَة لَا تعرفها الْعَرَب، وَكَانَ يَأْخُذهَا من الْكتب. مِنْهَا قَوْله: (الوافر)
(بِآيَة قَامَ ينْطق كل شَيْء ... وخان أَمَانَة الديك الْغُرَاب)
وَزعم أَن الديك كَانَ نديماً للغراب، فرهنه على الْخمر وغدر بِهِ وَتَركه عِنْد الْخمار، فَجعله الْخمار حارساً. وَمِنْهَا قَوْله:
(قمر وساهور يسل ويغمد)
وَزعم أهل الْكتاب أَن " الساهور " غلاف الْقَمَر يدْخل فِيهِ إِذا انكسف.
(1/249)

وَقَوله فِي الشَّمْس (الْكَامِل)
(لَيْت بطالعة لَهُم فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد)
وَكَانَ يُسمى السَّمَاوَات صاقورة وحاقورة وبرقع وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة على الْكتاب وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ (الْخَفِيف)
(كل عَيْش وَإِن تطاول يَوْمًا ... صائر مرّة إِلَى أَن يزولا)
(لَيْتَني كنت قبل مَا قد بدا لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا)
قَالَ شَارِح ديوانه فِي شرح بَيت الشَّمْس قَالَ أَبُو عَمْرو قَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ قلت لعكرمة مولى ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَرَأَيْت مَا بلغنَا عَن النَّبِي
أَنه قَالَ لأمية بن أبي الصَّلْت آمن شعره وَكفر قلبه فَقَالَ هُوَ حق وَمَا أنكرتم من ذَلِك قَالَ قُلْنَا أَنْكَرْنَا قَوْله
(وَالشَّمْس تصبح كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد)
(لَيست بطالعة لَهُم فِي رسلها الْبَيْت)
فَمَا شَأْن الشَّمْس تجلد قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا طلعت الشَّمْس قطّ حَتَّى ينخسها سَبْعُونَ ألف ملك يُقَال لَهَا أطلعي فَتَقول لَا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله فيأتيها ملكان حَتَّى تستقل لضياء الْعباد فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن الطُّلُوع فَتَطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتهَا وَمَا غربت قطّ إِلَّا خرت لله سَاجِدَة فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن سجودها فتغرب على قرنية فيحرقه الله تحتهَا فَذَلِك قَول النَّبِي
تطلع بَين قَرْني شَيْطَان وتغرب بَين قَرْني شَيْطَان
(1/250)

وَفِي الأغاني عَن الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ كَانَ أُميَّة فِي الْجَاهِلِيَّة نظر الْكتب وَقرأَهَا وَلبس المسوح تعبدا وَكَانَ مِمَّن ذكر إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل والحنيفية وَحرم الْخمر وتجنب الْأَوْثَان وَصَامَ وَالْتمس الدَّين طَمَعا فِي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ كَانَ قد قَرَأَ فِي الْكتب أَن نَبيا يبْعَث فِي الْحجاز من الْعَرَب وَكَانَ يَرْجُو أَن يكون هُوَ فَلَمَّا بعث النَّبِي
حسده وَكَانَ يحرض قُريْشًا بعد وقْعَة بدر ويرثي من قتل فِيهَا فَمن ذَلِك قصيدته الحائية الَّتِي نهى النَّبِي عَن رِوَايَتهَا الَّتِي يَقُول فِيهَا (مجزوء الْكَامِل)
(مَاذَا ببدر والعقنقل من مرازبة جحاجح)
لِأَن رُؤُوس من قتل بهَا عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة بن عبد شمس وهما ابْنا خَاله لِأَن أمة رقية بنت عبد شمس وَفِي الْإِصَابَة ذكر صَاحب الْمَرْأَة فِي تَرْجَمته عَن ابْن هِشَام قَالَ كَانَ أُميَّة آمن بِالنَّبِيِّ
فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجر فَلَمَّا نزل بَدْرًا قيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان فَقَالَ أُرِيد أَن أتبع مُحَمَّدًا فَقيل لَهُ هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب قَالَ لَا قَالَ فِيهِ شيبَة وَرَبِيعَة وَفُلَان وَفُلَان فجدع أنف نَاقَته وشق ثَوْبه وَبكى وَذهب إِلَى الطَّائِف فَمَاتَ بهَا ذكر ذَلِك فِي حوادث السّنة الثَّامِنَة وَالْمَعْرُوف أَنه مَاتَ
(1/251)

فِي التَّاسِعَة وَلم يخْتَلف أَصْحَاب الْأَخْبَار أَنه مَاتَ كَافِرًا وَصَحَّ أَنه عَاشَ حَتَّى رثى أهل بدر وَقيل إِنَّه الَّذِي نزل فِيهِ قَوْله تَعَالَى {الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا} وَقيل إِنَّه مَاتَ سنة تسع من الْهِجْرَة فِي الطَّائِف كَافِرًا قبل أَن يسلم الثقفيون
وَرَأَيْت فِي ديوانه قصيدة مدح بهَا النَّبِي
أَولهَا (المتقارب)
(لَك الْحَمد والمن رب الْعباد ... أَنْت المليك وَأَنت الحكم)
إِلَى أَن قَالَ
(وَدَن دين رَبك حَتَّى التقى ... واجتنبن الْهوى والضجم)
(مُحَمَّد أرْسلهُ بِالْهدى ... فَعَاشَ غَنِيا وَلم يهتضم)
(عَطاء من الله أَعْطيته ... وَخص بِهِ الله أهل الْحرم)
(وَقد علمُوا أَنه خَيرهمْ ... وَفِي بَيتهمْ ذِي الندى وَالْكَرم)
(يعيبون مَا قَالَ لما دَعَا ... وَقد فرج الله إِحْدَى البهم)
(بِهِ وَهُوَ يَدْعُو بِصدق الحديدث ... غلى الله من قبل زيغ الْقدَم)
(أطِيعُوا الرَّسُول عباد الْإِلَه ... تنجون من شَرّ يَوْم ألم تنجون من ظلمات الْعَذَاب وَمن حر نَار على من ظلم)
(دَعَانَا النَّبِي بِهِ خَاتم ... فَمن لم يجبهُ أسر النَّدَم)
(نَبِي هدى صَادِق طيب ... رَحِيم رؤوف يُوصل الرَّحِم)
(بِهِ ختم الله من قبله ... وَمن بعده من نَبِي ختم)
(يَمُوت كَمَا مَاتَ من قد مضى ... يرد إِلَى الله باري النسم)
(مَعَ الأنبيا فِي جنان الخلود ... هم أَهلهَا غير حل الْقسم)
...
(1/252)

(وَقدس فِينَا بحب الصَّلَاة ... جَمِيعًا وَعلم خطّ الْقَلَم)
(كتابا من الله نقرا بِهِ ... فَمن يعتديه فقد مَا أَثم)
مَا زَائِدَة وأثم فعل مَاض
(تَتِمَّة)
تتبعت من اسْمه أُميَّة فوجدتهم خَمْسَة أحدهم هَذَا وَالثَّانِي أُميَّة بن كَعْب الْمحَاربي وَالثَّالِث أُميَّة بن خلف الْخُزَاعِيّ وَالرَّابِع أُميَّة بن أبي عَائِذ الْهُذلِيّ وَالْخَامِس أُميَّة بن الأسكر الْكِنَانِي وَلم يذكر وَاحِدًا مِنْهُم الْآمِدِيّ فِي كِتَابه المؤتلف والمختلف مَعَ أَن هَذَا من شَرط كِتَابه
ونترجم إِن شَاءَ الله من هَؤُلَاءِ من يَأْتِي لَهُ شعر فِي هَذِه الشواهد بعون الله تَعَالَى وَحسن توفيقه وَأنْشد بعده
(يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ (الْبَسِيط)
(كم دون مية من خرق وَمن علم ... كَأَنَّهُ لامع عُرْيَان مسلوب)
(1/253)

. على أَن عُرْيَان جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر مَمْنُوع الصّرْف تَشْبِيها بِبَاب سَكرَان قد تقدم فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر أَن الْكُوفِيّين يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم (الطَّوِيل)
(وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر)
وَتقدم وَكم هُنَا للتكثير وَدون بِمَعْنى قُدَّام ومية اسْم محبوبة ذِي الرمة ولقبها الخرقاء كَمَا تقدم بَيَانه فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَفِي أَكثر نسخ هَذَا الشَّرْح بيشة بدل مية وَهُوَ مَوضِع بِالْيمن وَهُوَ مأسدة وَفِي كتاب النَّبَات للدينوري بيشة وَاد عَظِيم من أَوديَة نجد وَهُوَ تَحْرِيف من الْكتاب والخرق بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة وبالقاف هُوَ الأَرْض الواسعة الَّتِي تتخرق فِيهَا الرِّيَاح وَالْعلم الْجَبَل والمنار الَّذِي يهتدى بِهِ فِي الطّرق وَجُمْلَة كَأَنَّهُ صفة للْعلم والرابط ضمير كَأَنَّهُ شبهه بِرَجُل عُرْيَان سلب ثَوْبه فَهُوَ يُشِير
إِلَى الْقَوْم واللامع من لمع الرجل بِيَدِهِ إِذا أَشَارَ والموصوف مَحْذُوف أَي رجل لامع وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات عشرَة لذِي الرمة وَقبل هَذَا الْبَيْت (الْبَسِيط)
(هَيْهَات خرقاء إِلَّا أَن يقربهَا ... ذُو الْعَرْش والشعشعانات الهراجيب)
يستبعد الْوُصُول إِلَيْهَا لبعد مَا بَينهمَا إِلَّا أَن يقربهَا الله إِلَيْهِ وَالْجمال والشعشعانة النَّاقة الْخَفِيفَة الطَّوِيلَة والهراجيب جمع هرجاب وَهِي النَّاقة الطَّوِيلَة الضخمة ثمَّ بعد أَن وصف النَّاقة فِي أَبْيَات ثَلَاثَة قَالَ ...
(1/254)

(كم دون مية من خرق وَمن علم)
الْبَيْت
(وَمن مُلَمَّعَة غبراء مظْلمَة ... ترابها بالشعاف الغبر معصوب)
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله من خرق وَمن علم والملمعة اسْم فَاعل وَهِي الفلاة الَّتِي يلمع فِيهَا السراب وَيُقَال لَهَا اللماعة أَيْضا قَالَ ابْن أَحْمَر (السَّرِيع)
(كم دون ليلى من تنوفية ... لماعة ينذر فِيهَا النّذر)
والسراب يُقَال لَهُ يلمع وَيُشبه بِهِ الكذوب والشعاف رُؤُوس الْجبَال والمعصوب الملفوف عَلَيْهِ كالعصابة وَبعده وَهُوَ آخر الأبيات
(كَأَن حرباءها فِي كل هاجرة ... ذُو شيبَة من رجال الْهِنْد مصلوب)
الهاجرة نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر والحرباء دويبة تسْتَقْبل الشَّمْس على أَغْصَان الشّجر وتدور مَعهَا كَيفَ دارت ويتلون ألوانا بَحر الشَّمْس يخضر كَأَنَّهُ شيخ هندي مصلوب على عود وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الوافر)
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني)
على أَن جلا غير منصرف عِنْد عِيسَى بن عمر لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل وَلم يشْتَرط غَلَبَة الْوَزْن بِالْفِعْلِ وَأجَاب عَنهُ الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لغيره بِوَجْهَيْنِ
(1/255)

الأول وَهُوَ جَوَاب س أَن الْعلم إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل مَعَ ضميرَة الْمُسْتَتر فَهُوَ جملَة محكية وَلَيْسَ الْعلم هُوَ الْفِعْل بِدُونِ ضَمِيره وَيرد عَلَيْهِ أَن جلا لَيْسَ اسْما لأبي الشَّاعِر وَلَا لقبا لَهُ كَمَا يعلم من تَرْجَمته الْآتِيَة وَإِنَّمَا ابْن جلا فِي اللُّغَة المنكشف الْأَمر كَمَا قَالَه الْمبرد فِي الْكَامِل وَقَالَ القالي فِي أمالية يُقَال هُوَ ابْن جلا أَي المنكشف الْمَشْهُور الْأَمر وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا إِلَخ)
قَالَ وَابْن أجلى مثله وَأنْشد للعجاج
(لاقوا بِهِ الْحجَّاج والإصحارا ... بِهِ ابْن أجلى وَافق الإسفارا)
قَالَ وَلم أسمع بِابْن أَََجَلًا إِلَّا فِي بَيت العجاج وَقَوله لاقوا بِهِ أَي بذلك الْمَكَان وَقَوله والإصحارا أَي وجدوا بِهِ ابْن أجلى كَمَا تَقول لقِيت بِهِ الْأسد أَي كَأَنِّي لقِيت بلقائي وَقَوله وَافق الإسفارا أَي وَاضحا مثل الصُّبْح وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع ابْن جلا وَابْن أجلى هُوَ الرجل الْمَعْرُوف الْمَشْهُور وَالْأَمر الْوَاضِح المكشوف وَزعم بَعضهم أَن ابْن جلا اسْم رجل كَانَ فاتكا صَاحب غارات مَشْهُورا بذلك وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَوله بعد هَذَا وَهُوَ فِي الأَصْل فعل مَاض سمي بِهِ وَإِنَّمَا لم يصرف لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحِكَايَة فَاسد لِأَنَّهُ ركب من الْقَوْلَيْنِ قولا وَقَالَ البلوي فِي كتاب ألف بَاء ابْن جلا وَابْن أجلى هما بِمَعْنى التجلي وَالْأَمر المنكشف وَهُوَ أول النَّهَار وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس وَابْن جلا الْوَاضِح الْأَمر كَابْن أجلى
(1/256)

وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي والقالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهما وَقَوْلهمْ أَنا ابْن جلا أَنا ابْن البارز الْأَمر أَنا ابْن من لَا يُنكر فَهَذَا كُله يدل على عدم اختصاصة بِأحد بل يجوز لكل أحد أَن يَقُول للتمدح أَنا ابْن جلا كَمَا قَالَ اللعين الْمنْقري يهجو رؤبة بن العجاج (الْبَسِيط)
(إِنِّي أَنا ابْن جلا إِن كنت تعرفنِي ... يَا رؤب والحية الصماء والجبل)
(أبالأراجيز يَا ابْن اللوم توعدني ... وَفِي الأراجيز خلت اللوم والفشل)
وَهَذَا الْبَيْت ينشده النحويون
(وَفِي الأراجيز خلت اللؤم والخور)
وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ فَإِن القصيدة لأمية إِلَّا أَن يكون من قصيدة أُخْرَى رائية وَقَالَ الآخر
(أَنا القلاخ بن جناب بن جلا)
قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف جناب جد القلاح أنتسب إِلَيْهِ وَابْن جلا لَيْسَ بجد إِنَّمَا أَرَادَ أَنا أبن الْأَمر المكشوف مثل قَول سحيم
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا انْتهى)
الثَّانِي وَهُوَ جَوَاب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل أَن جلا لَيْسَ بِعلم وَإِنَّمَا هُوَ فعل مَاض مَعَ ضَمِيره صفة لموصوف مَحْذُوف وَبِهَذَا الْوَجْه أوردهُ الشَّارِح فِي بَاب النَّعْت وَفِي بَاب أَفعَال الْمَدْح والذم أَيْضا وَضَعفه فِي الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة بِأَن الْجُمْلَة إِذا كَانَت صفة لمَحْذُوف فَشرط موصوفها أَن يكون بَعْضًا من مُتَقَدم مجرور بِمن أَو فِي كَمَا بَين
(1/257)

وَيبقى وَجه ثَالِث ذكره ابْن الْحَاجِب فِي أمالية وَهُوَ أَن يكون جلا اسْما لَا فعلا وَأَن يكون بِتَقْدِير ذِي أَي أَنا ابْن ذِي جلا والجلا هُوَ انحسار الشّعْر عَن مقدم الرَّأْس أَقُول فِي الْقَامُوس وَغَيره الجلا بِالْقصرِ انحسار مقدم الرَّأْس من الشّعْر أَو نصف الرَّأْس أَو هُوَ دون الصلع جلي كرضي جلا أنْتَهى وَفِي الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي والقالي الجلا انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس من جَانِبي الْجَبْهَة مَقْصُور يكْتب بِالْألف لِأَنَّهُ يُقَال رجل أجلى وَامْرَأَة جلواء وعَلى هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير ذِي فَإِنَّهُ يُقَال فلَان ابْن كَذَا بِمَعْنى أَنه ملازم لَهُ كَمَا يُقَال أَخُو حروب والصلع وَنَحْوه أحد محايل الشجَاعَة وأماراتها وَقيل من دَلَائِل الْكَرم لِأَن الْعَرَب تَقول الَّذِي ولد أصلع يكون كَرِيمًا بِحَسب الْغَالِب وَالْمرَاد من وضع الْعِمَامَة إِزَالَتهَا عَن الرَّأْس إِمَّا لِأَن الَّذِي يعرفهُ إِنَّمَا رَآهُ مَكْشُوف الرَّأْس فِي الحروب لِكَثْرَة مُبَاشَرَته إِيَّاهَا فَإِذا رأى الْعِمَامَة جهلة وَإِمَّا لِأَن
الَّذِي يعرفهُ إِنَّمَا رَآهُ لابسا آلَات الْحَرْب وعَلى رَأسه الْبَيْضَة لِكَثْرَة حروبه فينحي عمَامَته ويلبس الْبَيْضَة وَهَذَا مُحَصل كَلَام ابْن الْحَاجِب فِي أمالية وَعبارَته قَوْله مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني إِلَخ إِمَّا أَن يُرِيد كَثْرَة مُبَاشَرَته الحروب فَلَا يرَاهُ الْأَكْثَر إِلَّا بِغَيْر عِمَامَة فَقَالَ مَتى أَضَع الْعِمَامَة يعرفنِي الَّذِي مَا رَآنِي إِلَّا غير متعمم أَو يُرِيد أنني بِكَثْرَة مباشرتي الحروب ولباسي بَيْضَة الْحَرْب فَمَتَى أَضَع الْعِمَامَة وألبس آلَة الْحَرْب يعرفوني يَعْنِي إِذا حَارَبت عرفت بإقدامي وشجاعتي انْتهى وَالْوَجْه هُوَ الأول وَقد لَحْظَة ضِيَاء الدَّين مُوسَى بن ملهم الْكَاتِب فَأَخذه وَضَمنَهُ بِبَعْض تَغْيِير فِي الرشيد عمر الغوي وَكَانَ بِهِ دَاء الثَّعْلَب وَهُوَ من نَوَادِر مَا قيل فِي أَقرع وَقَالَ
(1/258)

(الوافر)
(عجبت لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشَّيْخ الرشيد وأنكروه)
(هُوَ ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى يضع الْعِمَامَة يعرفوه)
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد اللمخي الْمَالِكِي وَتُوفِّي فِي سنة 603 ثَلَاث وسِتمِائَة
(يسر بالعيد أَقوام لَهُم سَعَة ... من الثراء وَأما المقترون فَلَا)
(هَل سرني وثيابي فِيهِ قوم سبا ... أَو راقني وعَلى رَأْسِي بِهِ ابْن جلا)
يَعْنِي بِقوم سبا قَوْله تَعَالَى {مزقناهم كل ممزق} وَابْن جلا مَا لَهُ عِمَامَة وَقَالَ ثَعْلَب فِي أمالية فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت والعمامة تلبس فِي الحروب وتوضع فِي السّلم وَهَذَا خلاف الْوَاقِع وضد معنى الْبَيْت وَقَالَ الْكرْمَانِي شَارِح شَوَاهِد الموشح شرح الكافية الحاجبية للخبيصي قَوْله مَتى أَضَع الْعِمَامَة يحْتَمل مَعْنيين بِحَسب اخْتِلَاف التَّقْدِيرَيْنِ الأول أَن يقدر على فَيكون التَّقْدِير مَتى أَضَع الْعِمَامَة على رَأْسِي تعرفوني أَنِّي أهل للسيادة والإمارة
وَالثَّانِي أَن يقدر عَن أَي مَتى أَضَع الْعِمَامَة على رَأْسِي تعرفوا شجاعتي بِوَاسِطَة صلع رَأْسِي لِأَنَّهُ أحد مخايل الشجَاعَة هَذَا كَلَامه وَلم يتَعَرَّض لِمَعْنى وضع الْعِمَامَة الْعَيْنِيّ وَلَا السُّيُوطِيّ وَلَا صَاحب الْمعَاهد فِي شُرُوح شواهدهم وطلاع مُبَالغَة طالع يُقَال طلعت الْجَبَل طلوعا أَي علوته يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وطلعت فِيهِ رقيته قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ من رفع طلاع الثنايا جعله مدحا لِابْنِ وَمن خفضه
(1/259)

جعله مدحا لجلا يَعْنِي أَنه رُوِيَ فِيهِ الْخَفْض وَالرَّفْع والجيد عِنْدِي الرّفْع والثنايا جمع ثنية قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل هِيَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالطَّرِيق فِي الرمل يُقَال لَهُ الْخلّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنه جلد بطلع الثنايا فِي ارتفاعها وصعوبتها قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة يَعْنِي عبد الله أَخَاهُ (الطَّوِيل)
(كميش الْإِزَار خَارج نصف سَاقه ... بعيد من السوءات طلاع أنجد)
والنجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَوْله طلاع الثنايا أَي يطلع على الثنايا وَهِي مَا علا من الأَرْض وَغلظ وَمثله قَوْلهم طلاع أنجد وَقَالَ الْعَيْنِيّ والثنايا جمع ثنية وَهِي السن الْمَشْهُورَة وَهَذَا غير لَائِق بِهِ
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الريَاحي وَلَيْسَ هُوَ للعرجي كَمَا توهمه التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول. وَبعده
(وَإِن مَكَاننَا من حميري ... مَكَان اللَّيْث من وسط العرين)
(وَإِنِّي لن يعود إِلَيّ قَرْني ... غَدَاة الغب إِلَّا فِي قرين)
(بِذِي لبد يصد الركب عَنهُ ... وَلَا تُؤْتى قرينته لحين)
(غذرتث البزل إِذْ هِيَ خاطرتني ... فَمَا بالي وبال ابْني لبون)
(وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني ... وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين)
...
(1/260)

(أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجدني مداورة الشؤون)
(فَإِن علالتي وجراء حَولي ... لذُو شقّ على الضَّرع الظنون)
(كريم الْخَال من سلفي ريَاح ... كنصل السَّيْف وضاح الجبين)
(مَتى أحلل إِلَى قطن وَزيد ... وسلمى تكْثر الْأَصْوَات دوني)
(وَهَمَّام مَتى احلل إِلَيْهِ ... مَحل اللَّيْث فِي عيص أَمِين)
(ألف الْجَانِبَيْنِ بِهِ أسود ... منْطقَة بأصلاب الجفون)
(وَإِن قناتنا مشظ شظاها ... شَدِيد مدها عنق القرين)
روى صَاحب الْمعَاهد وَغَيره أَن السَّبَب فِي هَذِه الأبيات أَن رجلا أَتَى الأبيرد الريَاحي وَابْن عَمه الأخوص وهما من ردف الْمُلُوك من بني ريَاح يطْلب مِنْهُمَا هناء لإبله أَي قطرانا فَقَالَا لَهُ إِذا أَنْت أبلغت سحيم بن وثيل الريَاحي هَذَا الشّعْر أعطيناك فَقَالَ قولا فَقَالَا أذهب وَقل لَهُ
(فَإِن بداهتي وجراء حَولي ... لذُو شقّ على الحطم الحرون)
فَلَمَّا أَتَاهُ وأنشده الشّعْر أَخذ عَصَاهُ وَانْحَدَرَ فِي الْوَادي يقبل فِيهِ وَيُدبر ويهمهم بالشعر ثمَّ قَالَ اذْهَبْ وَقل لَهما وَأنْشد هَذِه الأبيات قَالَ فَأتيَاهُ واعتذرا لَهُ
فَقَالَ إِن أَحَدكُمَا ليرى أَنه صنع شَيْئا حَتَّى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بِنَا استطافة الْبَعِير الأرب انْتهى وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق أَن الْأَحْوَص والأبيرد ابْني المعذر وهما شاعران مفلقان وَقَالَ عبد الْكَرِيم الأبيرد ابْن أخي الْأَحْوَص انْتهى
(1/261)

والردف بِضَمَّتَيْنِ جمع ردف بِكَسْر فَسُكُون والردف هُوَ الَّذِي يجلس على يَمِين الْملك فَإِذا شرب الْملك شرب الردف قبل النَّاس وَإِذا غزا الْملك قعد الردف فِي مَوْضِعه وَكَانَ خَلِيفَته على النَّاس حَتَّى ينْصَرف وَإِذا عَادَتْ كَتِيبَة الْملك أَخذ الردف ربع الْغَنِيمَة والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة أول جري الْفرس والجراء بِكَسْر الْجِيم مصدر جاراه مجاراة وجراء أَي جرى مَعَه والحول الْعَام والشق بِالْكَسْرِ الْمَشَقَّة والحطم بِفَتْح الْحَاء وَكسر الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الْفرس الْهَرم قَالَ فِي الصِّحَاح الحطم المتكسر فِي نَفسه وَيُقَال للْفرس إِذا تهدم لطول عمره حطم وَيُقَال حطمت الدَّابَّة بِالْكَسْرِ إِذا أَسِنَت وحطمته السن بِالْفَتْح حطما والحرون الْفرس الَّذِي لَا يُقَاد وَإِذا اشْتَدَّ بِهِ الجري وقف وَهَذَا الْبَيْت تَعْرِيض لسحيم بِأَنَّهُ لَا يبلغ غايتهما لكبره وعجزه والأزب بالزاي الْمُعْجَمَة والزبب هُوَ طول الشّعْر وَيُقَال بعير أزب وَلَا يكَاد يكون الأزب إِلَّا نفورا لِأَنَّهُ ينْبت على حاجبيه شَعرَات فَإِذا ضَربته الرّيح نفر وَقَول سحيم وَإِن مَكَاننَا من حميري يَأْتِي فِي نسبه أَن حميريا أحد أجداده وَاللَّيْث الْأسد والعرين بِفَتْح الْمُهْملَة الأجمة والغابة وفيهَا يكون
ماوى الْأسد يُرِيد أَنه فِي بحبوحة النّسَب إِلَى حميري لَا فِي أَطْرَافه والقرن بِكَسْر الْقَاف الْكُفْء فِي الشجَاعَة وَقيل عَام وَالْغِب بِالْكَسْرِ وُرُود الْإِبِل المَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي وغداة الغب الْيَوْم الَّذِي يسوقون إبلهم فِيهِ والقرين الْمُقَارن والمصاحب وَفِي بِمَعْنى مَعَ وَقَوله
(1/262)

بِذِي لبد بدل من قَوْله فِي قرين وفاعل يصد ضمير ذِي لبد وَضمير عَنهُ وقرينته للقرن وَذُو اللبد هُوَ الْأسد بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء جمع لبده كقرب جمع قربَة واللبدة هِيَ الشّعْر المتلبد بَين كَتِفي الْأسد والقرينة النَّفس يَقُول إِن قَرْني لَا يقدر أَن يقابلني من خَوفه إِلَّا مَعَ رَفِيق كالأسد يقدر أَن يدْفع ركبا عَنهُ حَتَّى تسلم نَفسه منى لحين من الأحيان وَقَوله عذرت البزل هُوَ جمع بازل وَهُوَ الْبَعِير المسن وخاطرتني راهنتني من الْخطر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يتراهن عَلَيْهِ وَقد أخطر المَال جعله خطرا بَين المتراهنين وخاطره على كَذَا راهنه وَابْن اللَّبُون ولد النَّاقة إِذا اسْتكْمل السّنة الثَّانِيَة وَدخل فِي الثَّالِثَة يَقُول إِذا راهنني الشُّيُوخ على شَيْء عذرتهم لأَنهم أقراني وَأما الشبَّان فَلَا مُنَاسبَة بيني وَبينهمْ وَأَرَادَ بِابْني لبون الأبيرد وَابْن عَمه فَإِنَّهُمَا طلبا مجاراته فِي الشّعْر وَقَوله وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني إِلَخ رَوَاهُ الْجَوْهَرِي وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء قَالَ ادراه افتعله بِمَعْنى ختله من درى الصَّيْد إِذا أختله وَاسْتشْهدَ النُّحَاة بِهَذَا الْبَيْت على كسر نون الْجمع وَقَوله أَخُو خمسين آي أَنا أَخُو خمسين سنة واجتماع الأشد عبارَة عَن كَمَال القوى فِي الْبدن وَالْعقل وَقَالَ صَاحب الْعباب وَالرجل الْمُجْتَمع الَّذِي بلغ أشده واستوت لحيته وَلَا يُقَال ذَلِك للنِّسَاء وَأنْشد هَذَا الْبَيْت لسحيم وَفِيه نظر وَقَوله ونجذني بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي هذبني قَالَ فِي الصِّحَاح وَرجل منجذ أَي مجربي أحكمته الْأُمُور وَهُوَ من الناجذ وَهُوَ آخر الأضراس
وَيُسمى ضرس الْحلم بِكَسْر الْحَاء لِأَنَّهُ ينْبت بعد الْبلُوغ
(1/263)

وَكَمَال الْعقل والمداورة مفاعله من دَار يَدُور بِمَعْنى المعالجة والمزاولة والشؤون الْأُمُور وَالْأَحْوَال جمع شَأْن وَقَوله فَإِن علالتي إِلَخ العلالة بِضَم الْعين الْمُهْملَة بَقِيَّة جرى الْفرس والضرع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة الضَّعِيف وَفِي الْقَامُوس وضرع ككرم ضعف فَهُوَ ضرع محركة من قوم ضرع محركة أَيْضا وَمهر ضرع محركة لم يقو على الْعَدو والظنون بِالْمُعْجَمَةِ كصبور الرجل الضَّعِيف والقليل الْحِيلَة وَهَذَا تَعْرِيض بِأَن فيهمَا ضعفا لَا يقدران على مجاراته وَإِن كَانَ شَيخا وَقَوله كريم الْخَال أَي أَنا كريم الْخَال ورياح بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة وبالمثناة التَّحْتِيَّة هُوَ ابْن يَرْبُوع وَأَبُو قَبيلَة سحيم وأحلل أنزل وقطن وَزيد هما خالاه وسلمى خَالَته وَكَثْرَة أَصْوَاتهم للترحيب والتهنئة وَهَمَّام هُوَ عَمه والعيص بِكَسْر الْعين وبالصاد الْمُهْمَلَتَيْنِ الشّجر الْكثير المتف. وَبَين بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ سلفيه من ريَاح وَالْألف الْموضع الملتف الْكثير الْأَهْل والمنطقة المحزمة بالمنطقة وَهِي الحزام يُقَال انتطق الرجل وتنطق شدّ وَسطه بالمنطقة كمكنسة وَهِي مَا ينتطق بِهِ والجفون جمع جفن بِالْفَتْح وَهُوَ قرَاب السَّيْف وَأَرَادَ بالجفون السيوف وبالأصلاب سيورها وَقَوله وَإِن قناتنا مشظ إِلَخ مشظ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وإعجام الظَّاء هُوَ الَّذِي يدْخل فِي الْيَد من الشوك إِذا مس. يُقَال مشظ من بَاب فَرح مس الشوك أَو الْجذع فَدخل فِي يَده مِنْهُ شَيْء والشظى بِفَتْح الشين والظاء المعجمتين بِمَعْنى الشظية وَهِي الفلقة والقطعة من الشَّيْء والشديد من الشدَّة ومدها فَاعل شَدِيد وعنق القرين مَنْصُوب بمدها والقرين الْقرن المقاوم وَالْبَيْت على طَرِيق التَّشْبِيه يَقُول من تعرض لنا بِسوء ناله
(1/264)

مَكْرُوه يتَأَذَّى بِهِ كَالَّذي يمس جلده قناة مشظة فَيدْخل فِي جلده من شظاها وَهِي مَعَ ذَلِك صلبة من قرن بهَا مدت عُنُقه إِلَيْهَا وَلم تنثن إِلَيْهِ كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح لِابْنِ السيرافي
وسحيم مصغر أسحم تَصْغِير ترخيم من السحمة بِالضَّمِّ وَهِي السوَاد ابْن وثيل بِفَتْح الْوَاو وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ فِي اللُّغَة كَمَا فِي الْقَامُوس الليف والرشاء الضَّعِيف وَالْحَبل من القنب والضعيف وَفِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد المغنى أَنه بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ غير مَنْقُول ابْن أعيفر مصغر أعفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَهُوَ الرمل الْأَحْمَر والأبيض وَلَيْسَ بالشديد الْبيَاض وأعيفر ابْن أبي عَمْرو بن إهَاب بِكَسْر الْهمزَة ابْن حميري بِلَفْظ النِّسْبَة إِلَى حمير وَهُوَ أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَهُوَ حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي جمهرة الْأَنْسَاب حميري بن ريَاح يُقَال فِيهِ حمري أَيْضا أَي بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة أَن الْيَاء فِي حميري زَائِدَة أَو للنسبة بِتَقْدِير من نسب حميري وَهَذَا من عدم اطِّلَاعه على نسب الشَّاعِر وَتقدم فِي شرح أول بَيت من الشواهد أَن حميريا أحد آبَاء ذِي الْخرق الطهوي أَيْضا وحميري بن ريَاح وَتقدم ضَبطه ورياح بن يَرْبُوع ويربوع اثْنَان أَحدهمَا يَرْبُوع أَبُو حَيّ من تَمِيم وَهُوَ يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر ابْن نزار بن معد بن عدنان وَالثَّانِي أَبُو بطن من مرّة
(1/265)

وَهُوَ يَرْبُوع بن غيظ بن مرّة ابْن عَوْف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابْن مُضر بن نزار وسحيم بن وثيل يتَّصل نسبه بيربوع بن حَنْظَلَة كَمَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الجمهرة فَمن بني حميري بن ريَاح بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة سحيم بن وثيل بن عَمْرو بن جُوَيْن بن أهيب بن حميري الشَّاعِر الْقَائِل
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا الْبَيْت)
وَهُوَ الَّذِي نافر غَالِبا أَبَا الفرزدق فِي الْإِسْلَام انْتهى
وَلَيْسَ فِي آبَاء سحيم من اسْمه جلا وسحيم شَاعِر مَعْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام عده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من شعراء الْإِسْلَام وَقَالَ سحيم بن وثيل شَاعِر خنذيذ شرِيف مَشْهُور الذّكر فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام جيد الْموضع فِي قومه وَقَالَ ابْن دُرَيْد عَاشَ سحيم فِي الْجَاهِلِيَّة أَرْبَعِينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة فَهُوَ من الشُّعَرَاء المخضرمين وَله أَخْبَار مَعَ زِيَاد ابْن أَبِيه وَهُوَ الَّذِي افتخر مَعَ غَالب بن صعصعة وَالِد الفرزدق فِي نحر الْإِبِل فَبلغ عليا رَضِي الله فَأفْتى بِحرْمَة مَا نَحره سحيم وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَذِه الْقِصَّة مشروحة فِي بَاب الِاشْتِغَال فِي قَول جرير (الطَّوِيل)
(تَعدونَ عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لَوْلَا الكمي المقنعا)
وَله سميان من الشُّعَرَاء أَحدهمَا سحيم بن الأعرف وَهُوَ من بني الهجيم وَكَانَ فِي الدولة الأموية وَلم يذكر أبن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء غير هَذَا
(1/266)

وَأورد طرفا من شعره وَالثَّانِي سحيم عبد بني الحسحاس وَكَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَهُوَ صَاحب القصيدة الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا ... كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا)
وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب وَسَنذكر إِن شَاءَ الله تَرْجَمته بِتَوْفِيق الله تَعَالَى فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالتسْعين وَلم يذكر الْآمِدِيّ فِي كِتَابه المؤتلف والمختلف وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَعَ أَنه من شَرط كِتَابه وَقد حصل اللّبْس للعيني فِي بَاب المعرب والمبنى من اتِّفَاق أَسمَاء هَؤُلَاءِ فَزعم أَن الأول هُوَ الثَّالِث فَقَالَ سحيم بن وثيل الريَاحي كَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَكَانَ عبد بني الحسحاس هَذَا فِيمَا قَالَه الْجَوْهَرِي انْتهى مَعَ أَن الْجَوْهَرِي لم يذكر لفظ سحيم فِي صحاحه وَأغْرب من هَذَا كُله أَنه أورد أبياتا قبل بَيت أَنا ابْن جلا وأكثرها من قصيدة المثقب الْعَبْدي الَّتِي أَولهَا (الوافر)
(أفاطم قبل بَيْنك متعيني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني)
وفيهَا بَيت لعَلي بن بدال من بني سليم وَهُوَ (الوافر)
(فَلَو أَنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين)
وَهَذَا ثَالِث أَبْيَات ثَلَاثَة يَأْتِي شرحها إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْمثنى وفيهَا ثَلَاثَة أَبْيَات لسحيم بن وثيل من الأبيات الَّتِي شرحناها وَهِي قَوْله أَنا ابْن جلا الْبَيْت وَالثَّانِي وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني الْبَيْت وَالثَّالِث أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي الْبَيْت فَمَا أوردهُ مَجْمُوع من شعر شعراء ثَلَاثَة وَقَالَ فِي بَاب
(1/267)

مَا لَا ينْصَرف عِنْد شرح بَيت أَنا ابْن جلا قَائِله سحيم بن وثيل الريَاحي وَقيل المثقب الْعَبْدي وَقيل أَبُو زبيد وَقيل إِنَّه من قصيدة سحيم الَّتِي أَولهَا
(أفاطم قبل بَيْنك متعيني)
(تَتِمَّة)
المخضرم بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَنقل السُّيُوطِيّ فِي شرح تقريب النَّوَوِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة كسر الرَّاء أَيْضا قَالَ صَاحب الْقَامُوس هُوَ الْمَاضِي نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام وَقيل من أدركهما وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يعمان الشَّاعِر وَغَيره وَقيل الشَّاعِر الَّذِي أدركهما وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب الصِّحَاح ثمَّ توسع حَتَّى أطلق على من أدْرك دولتين كرؤبة بن العجاج وَحَمَّاد عجرد فَإِنَّهُمَا أدْركَا دولة بني أُميَّة ودولة بني الْعَبَّاس وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح التَّقْرِيب المخضرم فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث هُوَ الَّذِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وزمن النَّبِي
وَلم يره وَفِي اصْطِلَاح أهل اللُّغَة هُوَ الَّذِي عَاشَ نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام سَوَاء أدْرك الصُّحْبَة أم لَا فَبين الاصطلاحين عُمُوم وخصوص من وَجه فحكيم بن حزَام مخضرم باصطلاح اللُّغَة لَا الحَدِيث وَبشر بن عَمْرو مخضرم باصطلاح الحَدِيث لَا اللُّغَة انْتهى وَفِي تَعْرِيفه اصْطِلَاح اللُّغَة نظر وَتَأمل
ثمَّ قَالَ وَالْمرَاد بِإِدْرَاك الْجَاهِلِيَّة مَا قبل الْبعْثَة كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ الْعِرَاقِيّ وَفِيه نظر وَالظَّاهِر إِدْرَاك قومه أَو غَيرهم على الْكفْر
(1/268)

قبل فتح مَكَّة فَإِن الْعَرَب بعده بَادرُوا إِلَى الْإِسْلَام وَزَالَ أَمر الْجَاهِلِيَّة وخطب
فِي الْفَتْح بِإِبْطَال أمرهَا وَقد ذكر مُسلم فِي المخضرمين بشير بن عَمْرو وَإِنَّمَا ولد بعد الْهِجْرَة قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش مَاء خضرم كزبرج إِذا تناهى فِي الْكَثْرَة وَالسعَة فَمِنْهُ سمي الرجل الَّذِي شهد الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مخضرما كَأَنَّهُ استوفى الْأَمريْنِ قَالَ وَيُقَال أذن مخضرمة إِذا كَانَت مَقْطُوعَة فَكَأَنَّهُ انْقَطع عَن الْجَاهِلِيَّة إِلَى الْإِسْلَام وَحكى ابْن قُتَيْبَة عَن عبد الرَّحْمَن عَن عَمه قَالَ أسلم قوم فِي الْجَاهِلِيَّة على إبل قطعُوا آذانها فَسُمي كل من أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مخضرما وَزعم أَنه لَا يكون مخضرما حَتَّى يكون إِسْلَامه بعد وَفَاة النَّبِي
وَهَذَا عِنْدِي خطأ لِأَن النَّابِغَة الْجَعْدِي ولبيدا قد وَقع عَلَيْهِمَا هَذَا الِاسْم وَحكى عَليّ بن الْحسن كرَاع يُقَال شَاعِر محضرم بحاء غير مُعْجمَة مَأْخُوذ من الحضرمة وَهِي الْخَلْط لِأَنَّهُ خلط الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَحكى ابْن خلكان مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة كسر الرَّاء أَيْضا وَأعلم أَن الشُّعَرَاء أَربع طَبَقَات الأولى جاهلي قديم الثَّانِيَة المخضرم الثَّالِثَة إسلامي الرَّابِعَة مُحدث وهم أَرْبَعَة أَقسَام شَاعِر خنذيذ بِالْخَاءِ وَالنُّون والذالين المعجمات على وزن إبريق وَهُوَ الَّذِي يجمع إِلَى جيد شعره رِوَايَة الْجيد من شعر غَيره وشاعر مفلق وَهُوَ الَّذِي لَا رِوَايَة لَهُ إِلَّا أَنه مجود
(1/269)

كالخنذيذ فِي شعره والمفلق مَعْنَاهُ الَّذِي يَأْتِي فِي شعره بالفلق بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعجب وَقيل هُوَ اسْم الداهية وشاعر فَقَط وَهُوَ الَّذِي فَوق الرَّدِيء بِدَرَجَة وشعرور وَهُوَ لَا شَيْء وَقيل بل هم
شَاعِر مفلق وشاعر مُطلق وشويعر وشعرور \ وسمى الشَّاعِر شَاعِرًا لِأَنَّهُ يشْعر لما لَا يشْعر لَهُ غَيره فَإِذا لم يكن عِنْد الشَّاعِر توليد معنى واختراعه واستطراف لفظ وابتداعه أَو زِيَادَة فِيمَا أجحف بِهِ غَيره من الْمعَانِي أَو نقص مِمَّا أطاله سواهُ من الْأَلْفَاظ وَصرف معنى إِلَى وَجه من وَجه آخر كَانَ اسْم الشَّاعِر عَلَيْهِ مجَازًا لَا حَقِيقَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ (الرجز)
(نبئت أخوالي بني يزِيد ... ظلما علينا لَهُم فديد)
على أَن يزِيد علم محكي لكَونه سمي بِالْفِعْلِ مَعَ ضَمِيره الْمُسْتَتر من قَوْلك المَال يزِيد وَلَو كَانَ من قَوْلك يزِيد المَال لوَجَبَ مَنعه من الصّرْف وَكَانَ هُنَا مجرورا بالفتحة ونبئت مَجْهُول نبأ بِالتَّشْدِيدِ من النبأ وَهُوَ الْخَبَر وَقَالَ الرَّاغِب النبأ خبر ذُو فَائِدَة عَظِيمَة يحصل بِهِ علم أَو غَلَبَة ظن وَلَا يُقَال للْخَبَر فِي الأَصْل نبأ حَتَّى يتَضَمَّن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَحقه أَن يتعرى عَن الْكَذِب كاتلواتر وَخبر الله وَخبر الرَّسُول ولتضمن النبأ معنى الْخَبَر يُقَال أنبأته بِكَذَا أخْبرته بِهِ ولتضمنه معنى الْعلم قيل أنبأته كَذَا كَقَوْلِك عَلمته كَذَا
(1/270)

قَالَ السمين أنبأ ونبأ وَأخْبر وَخبر مَتى تَضَمَّنت معنى أعلم تعدت لثَلَاثَة مفاعيل وَهُوَ نِهَايَة التَّعَدِّي وَأما أعلمته بِكَذَا فلتضمنه معنى الْإِحَاطَة قيل ونبأته أبلغ من أنبأته وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى {من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير} وَلم يقل أنبأني لِأَنَّهُ من قبل الله تَعَالَى
وَالْمَفْعُول الأول هُنَا ضمير الْمُتَكَلّم فِي نبئت وَالثَّانِي أخوالي وَالثَّالِث جملَة لَهُم فديد وأصل المفعولين الْأَخيرينِ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر والفديد الصَّوْت وَهُوَ مصدر فد يفد بِالْكَسْرِ أَي أَن أَصْوَاتهم تعلو علينا وَلَا يوقروننا فِي الْخطاب وَرجل فداد بِالتَّشْدِيدِ شَدِيد الصَّوْت وَفِي الحَدِيث إِن الْجفَاء وَالْقَسْوَة فِي الْفَدادِين وهم الَّذين تعلو أَصْوَاتهم فِي حروثهم ومواشيهم وَبني يزِيد هم تجار كَانُوا بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى وإليهم تنْسب البرود اليزيدية كَمَا يَأْتِي آنِفا نعت لأخوالي أَو بَيَان لَهُ أَو بدل مِنْهُ وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح لَا يحسن أَن يكون بَدَلا لِأَن الْبَدَل هُوَ الْمَقْصُود بِالذكر وَلَو جعلته بَدَلا لاحتاج إِلَى مَوْصُوف مُقَدّر وهم الأخوال أَو مَا يقوم مقامهم وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فَيتَعَيَّن أَن يكون صفة وَقد يجوز الْبَدَل على قبحة انْتهى وَفِيه نظر فَإِنَّهُ على تَقْدِير كَونه بَدَلا لَا يحْتَاج إِلَى مَوْصُوف مُقَدّر فَإِنَّهُ مَذْكُور وَهُوَ أخوالي وَلَيْسَ معنى الْإِبْدَال أَن يكون الْمُبدل مِنْهُ لَغوا سَاقِطا عَن الِاعْتِبَار كَيفَ وَقد يعود الضَّمِير عَلَيْهِ فِي نَحْو قطع زيد إصبعه فَلَو كَانَ فِي حكم السَّاقِط بِالْكُلِّيَّةِ لجهل مرجع الضَّمِير وَلم يقل أحد إِنَّه رَاجع إِلَى زيد مُقَدّر مَعَ وجوده وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِالذكر فِي بدل الْكل الْمُبدل مِنْهُ وَالْبدل جَمِيعًا كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَيُؤَيِّدهُ أَنهم جعلُوا الْجِنّ بَدَلا
(1/271)

من شُرَكَاء فِي قَوْله تَعَالَى {وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ} فلولا اعتبارهما مَا كَانَ معنى لقولنا وَجعلُوا لله الْجِنّ وَقد تبع ابْن الْحَاجِب الزَّمَخْشَرِيّ فِي هَذَا فَإِنَّهُ منع فِي كشافة أَن يكون أَن اعبدوا الله بَدَلا من ضمير بِهِ من قَوْله تَعَالَى {مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله} ظنا مِنْهُ أَن الْمُبدل مِنْهُ فِي قُوَّة السَّاقِط فَتبقى الصِّلَة بِلَا عَائِد ووهمه صَاحب الْمُغنِي بِأَن الْعَائِد مَوْجُود حسا فَلَا مَانع وَقد نقض ابْن الْحَاجِب مَا عده قبيحا هُنَا بقوله فِي أمالية وَالْأَحْسَن أَن يكون بني يزِيد بَدَلا من أخوالي لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يكون بالأسماء الْمَوْضُوعَة للذوات بِخِلَاف ابْن فَإِنَّهُ مَوْضُوع لذات بِاعْتِبَار معنى هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْبُنُوَّة
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق الْأَغْلَب فِي الْبَدَل أَن يكون جَامِدا بِحَيْثُ لَو حذف الأول لاستقل الثَّانِي وَلم يحْتَج إِلَى متبوع قبله فِي الْمَعْنى انْتهى وَلَا يجوز أَن يكون بني يزِيد الْمَفْعُول الثَّالِث لِأَنَّهُ لم يرد الْإِخْبَار عَن أَخْوَاله بِأَنَّهُم بَنو يزِيد وَلِأَن قَوْله لَهُم فديد يبْقى غير مُرْتَبِط بِمَا قبله وَقَوله ظلما عِنْدِي أَنه تَمْيِيز محول عَن الْمَفْعُول أَب نبئت ظلم أخوالي وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وَاخْتَارَهُ ابْن هِشَام فِي شواهده وَقد أُجِيز أَن يكون ظلما مَفْعُولا ثَالِثا يَعْنِي ظالمين أَو ذَوي ظلم وَيكون مَا بعده كالتفسير لَهُ وَلَا يخفي مَا فِي هَذَا وَقَالَ فِي أمالية لَا يجوز أَن يكون حَالا أَي بالتأويل الْمَذْكُور من أخوالي لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يتَقَيَّد وَلَا من ضمير لَهُم لِأَنَّهَا لَا تتقدم على عاملها الْمَعْنَوِيّ وَفِيه أَنه حَال من الْمَفْعُول لَا من الْمُبْتَدَأ لِأَنَّهُ انْفَسَخ حكمه وَقَوله لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يتَقَيَّد فِيهِ مُسَامَحَة لِأَن الْحَال إِنَّمَا هِيَ قيد فِي عاملها لَا فِي صَاحبهَا وَلما كَانَ الْعَامِل فِي المبتدا الِابْتِدَاء وَهُوَ لَيْسَ معنى فعليا ليَصِح تَقْيِيده امْتنع مَجِيء الْحَال مِنْهُ لذَلِك وَمن جوزه
(1/272)

كسيبويه لم يلْتَزم اتِّحَاد الْعَامِل فيهمَا فجوز أَن يكون الْعَامِل فِي الْمُبْتَدَأ الأبتداء وَفِي الْحَال مِنْهُ الانتساب وَاعْترض بِأَن الانتساب عَامل ضَعِيف لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتقدم الطَّرفَيْنِ عَلَيْهِ وَأجِيب بِأَن قوه طلب الْمُبْتَدَأ لخبره جعلته فِي حكم الْمُتَقَدّم وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون مَفْعُولا لأَجله كَمَا اخْتَارَهُ الْعَيْنِيّ سَوَاء كَانَ عِلّة لنبئت لِأَنَّهُ لم ينبأ لأجل ظلمهم أَو للاستقرار لِأَنَّهُ تقدم على عَامله الْمَعْنَوِيّ أَو للفديد لِأَنَّهُ يلْزم تقدم مَعْمُول الْمصدر عَلَيْهِ وَقيل تَمْيِيز من لَهُم فديد أَي يصيحون ظلما لَا عدلا وَفِيه أَن التَّمْيِيز لَا يتَقَدَّم على عَامله وَقيل هُوَ مفعول مُطلق عَامله من لَفظه محذوفا وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَيجوز أَن يكون حَالا بِتَقْدِير جملَة أَي فِي حَال كَونهم يظْلمُونَ علينا ظلما فحذفت الْجُمْلَة الَّتِي وَقعت حَالا وأقيم الْمصدر مقَامهَا وَلَا يخفى أَن هَذِه الْوُجُوه كلهَا ظَاهر فِيهَا التعسف وَقَوله علينا أما مُتَعَلق بظلما أَو بقوله لَهُم وَلَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى تضمين الفديد معنى الْجور خلافًا للعيني لِأَنَّهُ يتَعَدَّى
بعلى وَقَوله لَهُم خبر مقدم لقَوْله فديد وَهُوَ بإشباع ضمة الْمِيم وإسكانها خطأ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جعل كل مصراع من بَحر وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا بَينه الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَأعلم أَن الرِّوَايَة يزِيد بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَرَوَاهُ ابْن يعِيش بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وَمن رَوَاهُ بالفوقية فقد تنطع وتبجح بِأَنَّهُ قد علم أَن فِي الْعَرَب تزيد بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّة وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيديه وَهُوَ مَرْدُود من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرِّوَايَة هُنَا بالتحتية وَالثَّانِي أَن تزيد بالفوقية فِي كَلَامهم مُفْرد لَا جملَة قَالَ
(1/273)

(الْكَامِل) ... يعثرن فِي حد الظبات كَأَنَّمَا ... كُسِيت برود بني تزيد الأذرع)
فاستعماله كالجملة خطأ انْتهى وَفِيمَا قَالَه أَمْرَانِ الأول قَوْله وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيدية وإيراده الْبَيْت أَعنِي كُسِيت برود بني تزيد الأذرع مَأْخُوذ من الصِّحَاح فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وتزيد أَي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَهُوَ تزيد بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيديه قَالَ عَلْقَمَة (البيسط)
(رد القيان جمال الْحَيّ فاحتملوا ... فَكلهَا بالتزيديات معكوم)
وَهِي برود فِيهَا خطوط حمر يشبه بهَا طرائق الدَّم قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(يعثرن فِي حد الظبات كَأَنَّمَا ... كُسِيت برود بني تزيد الأذرع)
انْتهى وَفِيه أُمُور الأول أَنه قصر فِي تعديد من اسْمه تزيد وهم على مَا ذكره العسكري فِي التَّصْحِيف ثَلَاثَة أحدهم تزيد قضاعة وَهُوَ مَا ذكره وَالثَّانِي تزيد الْأَنْصَار وَهُوَ تزيد بن جشم بن الخزرح بن حَارِثَة مِنْهُم صَاحب رَسُول الله
معَاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَالثَّالِث تزيد تنوخ كَانَت التّرْك أغارت عَلَيْهِم فأفنتهم فَقَالَ عَمْرو بن مَالك التزيدي (الوافر)
(وليلتنا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميا فارقينا)
الثَّانِي قَوْله تزيد بن حلوان بِالضَّمِّ وَتَبعهُ صَاحب الْعباب والقاموس وَغَيرهمَا صَوَابه تزيد بن حيدان نبه عَلَيْهِ العسكري فِي التَّصْحِيف فِيمَا تلحن فِيهِ الْخَاصَّة
(1/274)

الثَّالِث قَوْله وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيدية صَوَابه الهوادج التزيدية كَمَا قَالَ العسكري قَالَ والبرود اليزيدية إِنَّمَا هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة منسوبة إِلَى بني يزِيد بالتحتية وَبَنُو يزِيد تجار كَانُوا بِمَكَّة حرسها الله وَهِي برود حمر وَأما قَول أبي ذُؤَيْب كُسِيت برود بني يزِيد الأذرع فَلَيْسَ إِلَّا يزِيد بِالْيَاءِ تحتهَا نقطتان وَمن قَالَ فِي هَذَا الْبَيْت بني تزيد بِالتَّاءِ فقد أَخطَأ وَقد أدعى الجهمي النسابة على الْأَصْمَعِي أَنه صحف تزيد بِالتَّاءِ منقوطة فَوْقهَا وَلَا أَدْرِي أصدق الجهمي أم كذب لِأَن الْأَصْمَعِي يُنكر فِي تَفْسِير أشعار هُذَيْل من يَقُول تزيد بتاء منقوطة فَوْقهَا انْتهى كَلَام العسكري وَرَأَيْت فِي شرح أشعار هُذَيْل للسكري فِي نُسْخَة بِخَط أبي بكر القناوي وَقد قَرَأَهَا ابْن فَارس على ابْن العميد وَعَلَيْهَا خطهما قَالَ فِي تَفْسِير هَذَا هَذ الْبَيْت الْعَامَّة تَقول بني تزيد أَي بنقطتين من فَوق وَلم أسمعها هَكَذَا وَرَأَيْت فِي شرحها أَيْضا للْإِمَام المرزوقي فِي هَذَا الْبَيْت روى الْأَصْمَعِي بني يزِيد أَي بالتحتية وَقَالَ هم
تجار كَانُوا بِمَكَّة وروى أَبُو عمر بني تزيد أَي بالفوقية وَقَالَ هُوَ تزيد بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَاحْتج بِبَيْت عَلْقَمَة
(فَكلهَا بالتزيديات معكوم)
والظبة حد السهْم وَالسيف وَمعنى الْبَيْت أَن الْحمر تعثر والسهام فِيهَا وأذرعها مِمَّا سَالَتْ من الدِّمَاء عَلَيْهَا كَأَنَّهَا كُسِيت برودا حمرا شبه طرائق الدَّم بطرائق البرود انْتهى
(1/275)

وَفِي الْعباب للصاغاني قَالَ ابْن حبيب تزيد بِالْمُثَنَّاةِ فَوق هُوَ تزيد بن حلوان إِلَى آخر مَا ذكره صَاحب الصِّحَاح وَقَالَ غير ابْن حبيب يزِيد بِالْمُثَنَّاةِ من تَحت وهم تجار كَانُوا بِمَكَّة وروى أَبُو عُبَيْدَة برود أبي يزِيد وَقَالَ كَانَ يَبِيع العصب بِمَكَّة وَهُوَ ضرب من البرود وَصَاحب الْقَامُوس قد أخل باختصاره حَيْثُ لم يُقيد بالفوقية أَو بالتحتية فَإِنَّهُ قَالَ تزيد بن حلوان أَبُو قَبيلَة وَمِنْه البرود التزيدية وَبهَا خطوط حمر فَلَا يعلم هُوَ بِالتَّاءِ أم بِالْيَاءِ رَأَيْت فِي مُعْجم مَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ فِي الْكَلَام على جَزِيرَة الْعَرَب عِنْدَمَا ذكر تفرق كلمة الْعَرَب وَوُقُوع الحروب بَينهم وتشتتهم أَن تزيد تنوخ هِيَ تزيد قضاعة قَالَ وَخرجت فرقة من بني حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَرَئِيسهمْ عَمْرو بن مَالك التزيدي فنزلوا عبقر من أَرض الجزيرة فنسج نِسَاؤُهُم الصُّوف وَعمِلُوا مِنْهُ الزرابي فَهِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا العبقرية وَعمِلُوا البرود وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا التزيدية وأغارت عَلَيْهِم التّرْك فَأَصَابَتْهُمْ وسبت مِنْهُ فَذَلِك قَول عَمْرو بن مَالك بن زُهَيْر (الوافر)
(أَلا لله ليل لم ننمه ... على ذَات الحصاب مجنبينا)
(وليلتنا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميا فارقينا)
وَأَقْبل الْحَارِث بن قراد البهراني وَمَضَت بهراء حَتَّى لحقت بِالتّرْكِ فهزموهم واستنقذوا مَا بِأَيْدِيهِم من بني تزيد انْتهى
الْأَمر الثَّانِي فِي كَلَام ابْن الْحَاجِب أَن قَوْله تزيد بالفوقية فِي كَلَامهم مُفْرد
(1/276)

لَا جملَة إِلَخ أَقُول لَا مَانع من اسْتِعْمَاله مُفردا وَجُمْلَة بِاعْتِبَار نَقله مَعَ الضَّمِير وبدونه كَمَا اسْتعْمل يزِيد بِالْوَجْهَيْنِ مَعَ الاعتبارين فِي قَوْله
(ليبك يزِيد ضارع لخصومة)
فَإِنَّهُم قَالُوا رُوِيَ ليبك بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَيزِيد مَفْعُوله وَهُوَ مَنْصُوب بالفتحة وضارع فَاعله وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأي فرق بَينهمَا تَأمل
(تَتِمَّة)
هَذَا الْبَيْت فِي غَالب كتب النَّحْو وَلم أظفر بقائله وَلم يعزه أحد لقائله غير الْعَيْنِيّ فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ لرؤبة بن العجاج وَقد تصفحت ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ وَالله أعلم
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل)
(جزى ربه عني عدي بن حَاتِم ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
على أَن الْأَخْفَش وَابْن جني قد أجازا اتِّصَال ضمير الْمَفْعُول بِهِ بالفاعل مَعَ تقدم الْفَاعِل لشدَّة اقْتِضَاء الْفِعْل للْمَفْعُول بِهِ كاقتضائه للْفَاعِل أَقُول وَمِمَّنْ ذهب مَذْهَبهمَا أَبُو عبد الله الطوَال من الْكُوفِيّين وَابْن مَالك فِي التسهيل وَشَرحه وَأطَال فِي الرَّد عَلَيْهِ الشاطبي فِي شرح الألفية وَنصر الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ مَذْهَب الْأَخْفَش فِي الْمسَائِل المشكلة
(1/277)

قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول وَذهب بَعضهم إِلَى عدم إخلال الْإِضْمَار قبل الذّكر بالفصاحة مُسْتَندا بِأَن عبد القاهر قدوة فِي فن البلاغة وَهُوَ الْمرجع فِيهَا وَكَلَامه حجَّة مُطلقًا وَقد بَين ابْن جني مذهبَة فِي الخصائص فَقَالَ وَأَجْمعُوا على أَن لَيْسَ بجائز ضرب غُلَامه زيدا لتقدم الْمُضمر على مظهره لفظا وَمعنى وَقَالُوا فِي قَول النَّابِغَة
(جزى ربه عني عدي بن حَاتِم)
إِن الْهَاء عَائِدَة على عدي خلافًا على الْجَمَاعَة فَإِن قيل الْفَاعِل رتبته التَّقَدُّم وَالْمَفْعُول رتبته التَّأَخُّر فقد وَقع كل مِنْهُمَا الْموقع الَّذِي هُوَ أولى بِهِ فَلَيْسَ لَك أَن تعتقد فِي الْفَاعِل إِذا وَقع مُؤَخرا أَن مَوْضِعه التَّقْدِيم فَإِذا وَقع مقدما فقد أَخذ
مأخذه وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد وَقع الْمُضمر قبل مظهره لفظا وَمعنى وَهَذَا مَا لَا يجوزه الْقيَاس قيل الْأَمر وَإِن كَانَ ظَاهِرَة مَا تَقوله فَإِن هُنَا طَرِيقا آخر يسوغك غَيره وَذَلِكَ أَن الْمَفْعُول قد شاع وَأطْرد كَثْرَة تقدمه على الْفَاعِل حَتَّى دَعَا ذَاك أَبَا عَليّ إِلَى أَن قَالَ إِن تَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفَاعِل فسم قَائِم بِرَأْسِهِ كَمَا أَن تَقْدِيم الْفَاعِل قسم أَيْضا قَائِم بِرَأْسِهِ وَإِن كَانَ تَقْدِيم الْفَاعِل أَكثر وَقد جَاءَ بِهِ الِاسْتِعْمَال مجيئا وَاسِعًا فَلَمَّا كثر وشاع تَقْدِيم الْمَفْعُول صَار كَأَن الْموضع لَهُ حَتَّى إِنَّه إِذا أخر فموضعه التَّقْدِيم فعلى ذَلِك كَأَنَّهُ قَالَ جزى عدي بن حَاتِم ربه ثمَّ قدم الْفَاعِل على أَنه قد قدره مقدما عَلَيْهِ مَفْعُوله فَجَاز لذَلِك وَلَا تستنكر هَذَا الَّذِي صورته لَك فَإِنَّهُ مِمَّا تقبله هَذِه اللُّغَة أَلا ترى أَن سيبوية أجَاز فِي جر الْوَجْه من قَوْلك هَذَا الْحسن الْوَجْه أَن يكون من موضِعين أَحدهمَا بِإِضَافَة الْحسن إِلَيْهِ وَالْآخر
(1/278)

تشبيهه لَهُ بالضارب الرجل مَعَ أَنا نعلم أَن الْجَرّ فِي الرجل إِنَّمَا جَاءَهُ من تشبيههم إِيَّاه بالْحسنِ الْوَجْه لَكِن لما أطْرد الْجَرّ فِي الضَّارِب الرجل صَار كَأَنَّهُ أصل فِي بَابه حَتَّى دَعَا ذَاك سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن عَاد فَشبه الْحسن الْوَجْه بِهِ وَهَذَا يدلك على تمكن الْفُرُوع عِنْدهم حَتَّى أَن الْأُصُول الَّتِي أَعْطَتْ فروعها حكما قد حارت فاستعارت من فروعها ذَلِك الحكم فَكَذَلِك تصيير تَقْدِيم الْمَفْعُول لما اسْتمرّ وَكثر كَأَنَّهُ هُوَ الأَصْل وَتَأْخِير الْفَاعِل كَأَنَّهُ أَيْضا هُوَ الأَصْل ويؤكد أَن الْهَاء فِي ربه لعدي بن حَاتِم من جِهَة الْمَعْنى عَادَة الْعَرَب فِي الدُّعَاء لَا تكَاد تَقول جزى رب زيد عمرا وَإِنَّمَا يُقَال جَزَاك رَبك خيرا أَو شرا وَذَلِكَ أوفق لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مجازيه ربه كَانَ أقدر على جَزَائِهِ وإيلامه وَلذَلِك جرى الْعرف بذلك فاعرفه انْتهى وَمُلَخَّص كَلَامه أَن الْمَفْعُول فِي هَذِه الصُّورَة مُتَقَدم فِي الرُّتْبَة لَكِن تَأَخّر لضَرُورَة الشّعْر فَالضَّمِير الْمُتَّصِل بالفاعل عَائِد على مُتَقَدم حكما وَهَذَا غير قَول الشَّارِح الْمُحَقق لشدَّة اقْتِضَاء الْفِعْل للْمَفْعُول بِهِ على أَن حفيد السعد قَالَ فِي حَاشِيَة المطول فِيهِ أَن ذَلِك لَا يدْفع الْإِضْمَار
قبل الذّكر نعم لَو كَانَ اقْتِضَاء الْمَفْعُول أَشد تمّ الْكَلَام انْتهى وَتبع التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول الشَّارِح فِيمَا ذَكرْنَاهُ وَأورد بَيت الشَّاهِد وَقَوله
(لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع)
ثمَّ قَالَ ورد بِأَن الضَّمِير للمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ أَي رب الْجَزَاء وَأَصْحَاب الْعِصْيَان كَقَوْلِه تَعَالَى {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} أَي الْعدْل وَأما قَوْله
(1/279)

(الْبَسِيط)
(جزى بنوه أَبَا الغيلان عَن كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار)
وَقَوله (الطَّوِيل)
(أَلا لَيْت شعري] هَل يَلُومن قومه ... زهيرا على مَا جر من كل جَانب)
فشاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ انْتهى قَالَ الفناري وَيُمكن أَن يُقَال الضَّمِير فِي ربه رَاجع إِلَى الْمُتَكَلّم على طَريقَة الِالْتِفَات عِنْد السكاكي على قَول امْرِئ الْقَيْس
(تطاول ليلك بالإثمد)
انْتهى وَلَا يخفي بُطْلَانه لسماجته فَإِن الِالْتِفَات إِنَّمَا وَقع من الْمُتَكَلّم إِلَى خطاب النَّفس لَا إِلَى الْغَيْبَة فَتَأمل وَالْجَزَاء الْمُكَافَأَة وَعَن هُنَا للبدل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} وَقَوله جَزَاء الْكلاب مصدر تشبيهي أَي
جَزَاء كجزاء الْكلاب العاويات وَهُوَ الضَّرْب والإهانة قيل هَذَا لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا المُرَاد الْكلاب الَّتِي تتداعى للسفاد يُقَال عاوت الكلبة الْكلاب فَهِيَ مُعَاوِيَة أَي دعتهم للسفاد وَلَا يكَاد يسْتَعْمل العواء للكلاب إِلَّا عِنْد السفاد والمستعمل فِي غير ذَلِك النباح وَإِنَّمَا العواء للسباع وَقيل أَنه يَعْنِي بالعاويات المسعورة وَمن شَأْنهَا إِذا أُرِيد برؤها أَن يُؤْخَذ سفود فَيدْخل فِي أدبارها والسعر بضمه وبضمتين والسعار بِضَم أَوله الْجُنُون والسعر ككتف الْمَجْنُون وَرُوِيَ الْكلاب العاديات جمع العادي من الْعَدو دَعَا عَلَيْهِ بِأحد هَذِه الْمعَانِي ثمَّ حققها عَلَيْهِ فَقَالَ وَقد فعل أَي اسْتَجَابَ الله مَا دَعَوْت عَلَيْهِ وحققه وَمثله للمتنبي (الطَّوِيل)
(وَهَذَا دُعَاء لَو سكت كفيته ... لِأَنِّي سَأَلت الله فِيك وَقد فعل)
(1/280)

وَجُمْلَة وَقد فعل حَال من ربه وَهَذَا الْبَيْت لأبي الْأسود الديلِي يهجو بِهِ عدي بن حَاتِم الطَّائِي وَزعم ابْن جني وَغَيره أَنه للنابغة الذبياني وَهُوَ وَإِن عاصر عديا لَكِن الَّذِي رُوِيَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ (الطَّوِيل)
(جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
وَلَيْسَ فِيهِ مَا نَحن فِيهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَقَالَ الْعَيْنِيّ قيل إِن قَائِله لم يعلم حَتَّى قَالَ ابْن كيسَان أَحْسبهُ مولدا مصنوعا قَالَ وَالضَّمِير لغير عدي فَكَأَنَّهُ وصف رجلا أحسن إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ جزاه ربه خيرا وجزى عني عدي بن حَاتِم شرا فَحِينَئِذٍ لَا شذوذ فِي الْبَيْت وَلَا يخفى ركاكته أما أَبُو الْأسود الديلِي فاسمه ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان بن جندل بن يعمر ابْن حليس بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركه بن الياس بن مُضر بن نزار وهم إخْوَة قُرَيْش لِأَن قُريْشًا تخْتَلف فِي الْموضع الَّذِي أفترقت فِيهِ مَعَ بني أَبِيهَا والنسابون يَقُولُونَ إِن من لم يلده فهر بن مَالك بن النَّضر فَلَيْسَ قرشيا
وَهُوَ وَاضع علم النَّحْو بتعليم عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَكَانَ من وُجُوه شيعته وَاسْتَعْملهُ على الْبَصْرَة بعد ابْن عَبَّاس وَقبل هَذَا كَانَ اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَتُوفِّي فِيمَا ذكره الْمَدَائِنِي فِي الطَّاعُون الجارف فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَله خمس وَثَمَانُونَ سنة وَقيل مَاتَ قبل ذَلِك قَالَ الجاحظ أَبُو الْأسود الديلِي مَعْدُود فِي طَبَقَات من النَّاس وَهُوَ
(1/281)

فِيهَا كلهَا مقدم ومأثور عَنهُ الْفضل فِي جَمِيعهَا كَانَ معدودا فِي التَّابِعين وَالْفُقَهَاء والمحدثين وَالشعرَاء والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحويين والحاضرين الْجَواب والشيعة والبخلاء والصلع الْأَشْرَاف والبخلاء الْأَشْرَاف وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى كَانَ أَبُو الْأسود كَاتبا لِابْنِ عَبَّاس على الْبَصْرَة وَهُوَ الَّذِي يَقُول (الْكَامِل)
(وَإِذا طلبت من الْخَلَائق حَاجَة ... فَادع الْإِلَه وَأحسن الأعمالا)
(فليعطينك مَا أَرَادَ بقدرة ... وَهُوَ اللَّطِيف إِذا أَرَادَ فعالا)
(إِن الْعباد وشأنهم وأمورهم ... بيد الْإِلَه يقلب الأحوالا)
(فدع الْعباد وَلَا تكن بطلابهم ... لهجا تضعضع للعباد سؤالا)
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَيَّاش قَالَ خطب أَبُو الْأسود امْرَأَة من عبد الْقَيْس يُقَال لَهَا أَسمَاء بنت زِيَاد فَأسر أمرهَا إِلَى صديق لَهُ من الأزد يُقَال لَهُ الْهَيْثَم بن زِيَاد فَحدث بِهِ ابْن عَم لَهُ كَانَ يخطبها وَكَانَ لَهَا مَال عِنْد أَهلهَا فَمشى ابْن عَمها الْخَاطِب لَهَا إِلَى أَهلهَا الَّذين مَالهَا فِي أَيْديهم فَأخْبرهُم خبر أبي الْأسود وسألهم أَن يمنعوها من نِكَاحه وَمن مَالهَا الَّذِي فِي أَيْديهم فَفَعَلُوا ذَلِك وضاروها حَتَّى تزوجت ابْن عَمها فَقَالَ أَبُو الْأسود فِي ذَلِك (الطَّوِيل)
(لعمري لقد أفشيت يَوْمًا فخانني ... إِلَى بعض من لم يخْش سرا ممنعا)
(فمزقه مزق الْعَمى وَهُوَ غافل ... ونادى بِمَا أخفيت مِنْهُ فأسمعا)
(فَقلت وَلم أفحش لعا لَك عاثرا ... وَقد يعثر السَّاعِي إِذا كَانَ مسرعا)
(وَلست بجازيك الْمَلَامَة إِنَّنِي ... أرى الْعَفو أدنى للرشاد وأوسعا)
...
(1/282)

(وَلَكِن تعلم أَنه عهد بَيْننَا فبن غير مَذْمُوم وَلَكِن مودعا)
(حَدِيث أضعناه كِلَانَا فَلَنْ أرى ... وَأَنت نجيا آخر الدَّهْر أجمعا)
(وَكنت إِذا ضيعت سرك لم تَجِد ... سواك لَهُ إِلَّا أشت وأضيعا)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (الطَّوِيل)
(أمنت امْرأ فِي السِّرّ لم يَك حازما ... وَلكنه فِي النصح غير مريب)
(أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياء نَار أوقدت بثقوب)
(وَكنت مَتى لم ترع سرك تَنْتَشِر ... قوارعه من مخطىء ومصيب)
(فَمَا كل ذِي لب بمؤتيك نصحه ... وَمَا كل مؤت نصحه بلبيب وَلَكِن إِذا مَا استجمعا عِنْد وَاحِد فَحق لَهُ من طَاعَة بِنَصِيب)
وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عوَانَة قَالَ كَانَ أَبُو الْأسود يجلس إِلَى فنَاء امْرَأَة بِالْبَصْرَةِ فيتحدث إِلَيْهَا وَكَانَت بَرزَة جميلَة فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا الْأسود هَل لَك أَن أتزوجك فَإِنِّي صناع الْكَفّ حَسَنَة التَّدْبِير قانعة بالميسور قَالَ نعم فَجمعت أَهلهَا وتزوجته فَوجدَ عِنْدهَا خلاف مَا قدره وأسرعت فِي مَاله ومدت يَدهَا إِلَى خيانته وأفشت سره فغدا على من كَانَ حضر تَزْوِيجه إِيَّاهَا فَسَأَلَهُمْ أَن يجتمعوا عِنْده فَفَعَلُوا فَقَالَ لَهُم (المتقارب)
(أريت امْرأ كنت لم أبله ... فَقَالَ اتَّخَذَنِي صديقا خَلِيلًا)
(فخاللته ثمَّ أكرمته ... فَلم أستفد من لَدنه فتيلا)
(وألفيته حِين جربته ... كذوب الحَدِيث سروقا بَخِيلًا)
...
(1/283)

(فَذَكرته ثمَّ عاتبته ... عتابا رَفِيقًا وقولا جميلا)
(فَأَلْفَيْته غير مستعتب ... وَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا)
(أَلَسْت حَقِيقا بتوديعه ... وإتباع ذَلِك صرما طَويلا)
فَقَالُوا لَهُ بلَى وَالله يَا أَبَا الْأسود فَقَالَ تِلْكَ صاحبتكم وَقد طَلقتهَا لكم وَأَنا أحب أَن أستر مَا أنكرته من أمرهَا فَانْصَرَفت مَعَهم وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَيَّاش قَالَ كَانَ الْمُنْذر بن الْجَارُود الْعَبْدي صديقا لأبي الْأسود يُعجبهُ مُجَالَسَته وَحَدِيثه وَكَانَ كل مِنْهُمَا يغشى صَاحبه وَكَانَت لأبي الْأسود مقطعَة من برود يكثر لبسهَا فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر لقد أدمنت لبس هَذِه الْمُقطعَة فَقَالَ أَبُو الْأسود رب مملول يُسْتَطَاع فِرَاقه فَعلم الْمُنْذر أَنه قد احْتَاجَ إِلَى كسْوَة فأهدى لَهُ ثيابًا فَقَالَ أَبُو الْأسود يمدحه (الطَّوِيل)
(كساك وَلم تستكسه فحمدته ... أَخ لَك يعطيك الجزيل وياصر)
(وَإِن أَحَق النَّاس إِن كنت حامدا ... بحَمْدك من أَعْطَاك وَالْعرض وافر)
وروى الحريري فِي درة الغواص عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر قَالَ
اجْتمع عندنَا أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم وَابْن الْأَعرَابِي فتجاريا الحَدِيث إِلَى أَن حكى أَبُو نصر أَن أَبَا الْأسود دخل على عبيد الله بن زِيَاد وَعَلِيهِ ثِيَاب
(1/284)

رثَّة فَكَسَاهُ ثيابًا جددا من غير أَن عرض لَهُ بسؤال فَخرج وَهُوَ يَقُول وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ وَأنْشد أَبُو نصر وياصر يُرِيد بِهِ ويعطف فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَعرَابِي بل هُوَ وناصر بالنُّون فَقَالَ لَهُ أَبُو نصر دعنى يَا هَذَا وياصري وَعَلَيْك بناصرك \ وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ أَبُو حَرْب بن أبي الْأسود قد لزم منزل أَبِيه بِالْبَصْرَةِ وَلَا ينتجع أَرضًا وَلَا يطْلب الرزق فِي تِجَارَة وَلَا غَيرهَا فَعَاتَبَهُ أَبوهُ على ذَلِك فَقَالَ أَبُو حَرْب إِن كَانَ لي رزق فسيأتيني فَقَالَ لَهُ أَبوهُ (الوافر)
(وَمَا طلب الْمَعيشَة بالتمني ... وَلَكِن ألق دلوك فِي الدلاء)
(تَجِيء بملئها يَوْمًا وَيَوْما ... تَجِيء بحمأة وَقَلِيل مَاء)
وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يكرم أَبَا الْأسود لما كَانَ عَاملا بِالْبَصْرَةِ لعَلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَيَقْضِي حوائجة فَلَمَّا ولي ابْن عَامر جفاه وأبعده وَمنعه حَوَائِجه لما كَانَ يُعلمهُ من هَوَاهُ فِي عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ فِيهِ أَبُو الْأسود (الطَّوِيل)
(ذكرت ابْن عَبَّاس بِبَاب ابْن عَامر ... وَمَا مر من عيشي ذكرت وَمَا فضل)
(أميرن كَانَا صَاحِبي كِلَاهُمَا ... فكلا جزاه الله عني بِمَا فعل)
(فَإِن كَانَ شرا كَانَ شرا جَزَاؤُهُ ... وَإِن كَانَ خيرا كَانَ خيرا إِذا عدل)
وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى الْعُتْبِي قَالَ كَانَ لأبي الْأسود جَار فِي ظهر دَاره لَهُ بَاب إِلَى قَبيلَة أُخْرَى وَكَانَ بَين دَاره وَدَار أبي الْأسود بَاب مَفْتُوح يخرج
(1/285)

مِنْهُ كل وَاحِد إِلَى قَبيلَة صَاحبه إِذا أرادها وَكَانَ الرجل ابْن عَم أبي الْأسود دنيا وَكَانَ شرسا سيء الْخلق فَأَرَادَ سد ذَلِك الْبَاب فَقَالَ لَهُ قومه لَا تفعل فتضر بِأبي الْأسود وَهُوَ شيخ وَلَيْسَ عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب ضَرَر وَلَا مُؤنَة فَأبى إِلَّا سَده ثمَّ نَدم على ذَلِك لِأَنَّهُ أضرّ بِهِ فَكَانَ إِذا أَرَادَ سلوك الطَّرِيق الَّتِي يسلكها مِنْهُ بعد عَلَيْهِ فعزم على فَتحه وَبلغ ذَلِك أَبَا الْأسود فَمَنعه مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ (الوافر)
(بليت بِصَاحِب إِن أدن شبْرًا ... يزدني فِي مباعدة ذِرَاعا)
(وَإِن أمدد لَهُ فِي الْوَصْل ذرعي ... يزدني فَوق قيس الذرع بارعا)
(أَبَت نَفسِي لَهُ إِلَّا اتبَاعا ... وتأبى نَفسه إِلَّا امتناعا)
(كِلَانَا جَاهد أدنو وينأى ... فَذَلِك مَا اسْتَطَعْت وَمَا استطاعا)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (مجزوء الْكَامِل)
(أعصيت أَمر ذَوي النهى ... وأطعت أَمر ذَوي الجهاله)
(أَخْطَأت حِين صرمتني ... والمرء يعجز لَا محاله)
(وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... وَالْحر تكفيه المقاله)
وَقد أطلتا فِي إِيرَاد شعره لَكنا أطبنا فَإِن حِكْمَة شِفَاء الصُّدُور ودرر قلائد النحور وَأما عدي بن حَاتِم فنسبته عدي بن حَاتِم الطَّائِي بن عبد الله بن سعد ابْن حشرج بن امْرِئ الْقَيْس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم واسْمه هزومة بن ربيعَة ابْن جَرْوَل بن ثعل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ بن أدد
(1/286)

بن زيد بن كهلان إِلَّا أَنهم يَخْتَلِفُونَ فِي بعض الْأَسْمَاء إِلَى طَيء وكنية عدي أَبُو طريف قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي
فِي كتاب المعمرين عَاشَ عدي مائَة وَثَمَانِينَ سنة ا. هـ.
قدم على النَّبِي
فِي شعْبَان من سنة سبع وَقَالَ الْوَاقِدِيّ من سنة عشر وَخَبره فِي قدومه خبر عَجِيب وَحَدِيث صَحِيح ثمَّ قدم على أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بصدقات قومه فِي حِين الرِّدَّة وَمنع قومه وَطَائِفَة مَعَهم من الرِّدَّة بِثُبُوتِهِ على الْإِسْلَام وَحسن رَأْيه وَكَانَ سريا شريفا فِي قومه خَطِيبًا حَاضر الْجَواب فَاضلا كَرِيمًا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخل وَقت صَلَاة قطّ إِلَّا وَأَنا أشتاق إِلَيْهَا وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخلت على النَّبِي
قطّ إِلَّا وسع لي أَو تحرّك وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فِي بَيته وَقد امْتَلَأَ من أَصْحَابه فَوسعَ لي حَتَّى جَلَست إِلَى جنبه وَفِي حَدِيث الشّعبِيّ أَن عدي بن حَاتِم قَالَ لعمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِذْ قدم عَلَيْهِ مَا أَظُنك تعرفنِي فَقَالَ وَكَيف لَا أعرفك وَأول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله
صَدَقَة طَيئ أعرفك آمَنت إِذْ كفرُوا وَأَقْبَلت إِذْ أدبروا ووفيت إِذْ غدروا ثمَّ نزل عدي الْكُوفَة وسكنها وَشهد مَعَ عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الْجمل وفقئت عينه يَوْمئِذٍ ثمَّ شهد مَعَ عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه صفّين والنهروان وَمَات بِالْكُوفَةِ وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين فِي سنة سبع وَسِتِّينَ كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر وَأما شعر النَّابِغَة الذبياني فَهُوَ (الطَّوِيل)
(جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
...
(1/287)

(بِمَا انتهكوا من رب عدنان جهرة ... وعَوْف يُنَاجِيهِمْ وذلكم جلل)
(فاصبحتم وَالله يفعل ذاكم ... يعزكم مولى مواليكم شكل)
وروى
(يبوك النِّسَاء المرضعات بَنو شكل)
(إِذا شَاءَ مِنْهُم نَاشِئ دربخت لَهُ ... لَطِيفَة طي الكشح رابية الكفل)
قَالَ الْمفضل بن سَلمَة فِي الفاخر روى هَذَا الشّعْر للنابغة الذبياني وَقيل إِنَّه لعبد الله بن همارق بِضَم الْهَاء وَآخره قَاف وَهُوَ أحد بني عبد الله بن غطفان
وَلَيْسَ فِي هَذَا الشّعْر شَاهد لما نَحن فِيهِ وَالسَّبَب فِيهِ أَن بني عبس لحقت ببني ضبة بعد يَوْم الفروق ثمَّ وَقع بَينهمَا دم ففارقتهم عبس فمرت تُرِيدُ الشَّام وَبلغ بني عَامر ارتفاعهم فخافوا انقطاعهم من قيس بن زُهَيْر رَئِيس بني عبس فَخرجت وُفُود بني عَامر إِلَيْهِم فدعتهم إِلَى أَن يرجِعوا ويحالفوهم فَقَالَ قيس بن زُهَيْر حالفوا قوما فِي صيابة بني عَامر لَيْسَ لَهُم عدد فيبغوا عَلَيْكُم بعددهم وَإِن احتجتم أَن يقومُوا بنصرتكم قَامَت بَنو عَامر فَحَالَفُوا مُعَاوِيَة بن شكل بن كَعْب بن عَامر بن صعصعة فَمَكَثُوا فيهم إِلَى أَن قَالَ الشَّاعِر هَذِه الأبيات يعير بني عبس فَلَمَّا بلغت قيسا قَالَ مَاله قَاتله الله أفسد علينا حلفنا فَخَرجُوا عَنْهُم ويبوك مضارع باك الْمَرْأَة بِمَعْنى جَامعهَا بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَآخره كَاف ودربخت بِالدَّال وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالباء الْمُوَحدَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة يُقَال دربخت الْحَمَامَة لذكرها طاوعته للسفاد والصيابة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة الْخَالِص والصميم وَالْأَصْل وَالْخيَار من كل شَيْء وَالسَّيِّد وصيابة الْقَوْم لبابهم
(1/288)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ (السَّرِيع)
(لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع)
لما تقدم فِي الْبَيْت الَّذِي قبله قَالَ حفيد السعد فِي حَاشِيَة المطول أفرد ضمير إِلَيْهِ مَعَ أَنه رَاجع إِلَى الْأَصْحَاب قصدا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم وَقَالَ الفناري قيل الضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى شخص مَذْكُور فِيمَا سبق وَفِي إِلَيْهِ رَاجع إِلَى مُصعب. وَقيل الضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى مُصعب وَفِي إِلَيْهِ رَاجع إِلَى أَصْحَابه قصدا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم أَو نقُول لمشابهة لفظ أَفعَال للمفرد وَلِهَذَا يَجِيء فِي كثير من الْمَوَاضِع وصف الْمُفْرد بِهِ نَحْو ثوب أسمال ونطفه
أمشاج وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى {وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه} فَإِن الضَّمِير فِي بطونه رَاجع للأنعام ا. هـ.
وَهَذَا الْكَلَام برمتِهِ من شرح اللب فِي بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق وَقَوله أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل إِلَخ قَالَ الميداني فِي مجمع الْأَمْثَال جزاه كيل الصَّاع بالصاع أَي كافا إحسانه بِمثلِهِ وإساءته بِمِثْلِهَا وَقَوله صَاعا قَالَ الْحَفِيد هُوَ فِي مَوضِع الْحَال مثل بايعته يدا بيد وَهُوَ فِي الأَصْل جملَة أَي صَاع مِنْهُ بِصَاع كَذَا كتب قدس سره بِخَطِّهِ فِي الْحَاشِيَة ا. هـ.
وَقَالَ الفناري وَقَوله صَاعا بِصَاع حَال من ضمير أدّى وَالْأَصْل مُقَابلا صَاعا بِصَاع ثمَّ طرح مُقَابلا وأقيم صَاعا مقَامه ثمَّ الْحَال لَيست هِيَ صَاعا وَحده بل هُوَ مَعَ قَوْله بِصَاع لِأَن معنى المنوب عَنهُ يحصل بالمجموع كَذَا ذكره صَاحب الإقليد فِي كَلمته فَاه إِلَى فِي ا. هـ.
(1/289)

ومرجع الضميرين على مَا تقدم نَاشِئ عَن عدم الِاطِّلَاع عَلَيْهِ وَالْبَيْت من قصيدة للسفاح بن بكير بن معدان الْيَرْبُوعي رثى بهَا يحيى بن شَدَّاد ابْن ثَعْلَبَة بن بشر أحد بني ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هِيَ لرجل من بني قريع رثى بهَا يحيى بن ميسرَة صَاحب مُصعب بن الزبير وَكَانَ وَفِي لَهُ حَتَّى قتل مَعَه وَهَذِه أَبْيَات من مطْلعهَا (السَّرِيع)
(صلى على يحيى وأشياعه ... رب رَحِيم وشفيع مُطَاع)
(لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع)
(يَا سيدا مَا أَنْت من سيد ... موطأ الْبَيْت رحيب الذِّرَاع)
نقلته من المفضليات وَشَرحهَا لِابْنِ الْأَنْبَارِي فَالضَّمِير فِي أدّى رَاجع إِلَى يحيى وَضمير إِلَيْهِ رَاجع إِلَى مُصعب وروى الْبَيْت أَيْضا كَذَا
(لما جلا الخلان عَن مُصعب ... أدّى إِلَيْهِ الْقَرْض صَاعا بِصَاع)
فَلَا شَاهد فِي الْبَيْت على هَذِه الرِّوَايَة وَهِي رِوَايَة الْمفضل الضَّبِّيّ فِي المفضليات وجلا بِالْجِيم بِمَعْنى تفرق من الْجلاء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهُوَ الْخُرُوج من الوطن يُقَال قد جلوا عَن أوطانهم وجلوتهم أَنا لَازم ومتعد وَيُقَال أَيْضا أجلو عَن الْبَلَد وأجليتهم أَنا كِلَاهُمَا بِالْألف والخلان جمع خَلِيل
(1/290)

وَقَوله يَا سيدا مَا أَنْت من سيد إِلَخ يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل) لما تقدم فِي الْبَيْت الَّذِي قبله
قَالَ الفناري إِنَّمَا لم يجز هَاهُنَا رُجُوع الضَّمِير إِلَى الْمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ وَهُوَ اللوم أَو إِلَى الشَّاعِر على سنَن الِالْتِفَات لِأَن مَقْصُود الشَّاعِر قوم زُهَيْر فَإِن الذَّوْق السَّلِيم يفهم من هَذَا الْبَيْت تحريض أقربائه على لومه ولومهم على ترك لومه وَلَعَلَّ قوم زُهَيْر غير قوم الشَّاعِر وَالله أعلم ا. هـ.
وَقَوله على مَا جر فِي الْقَامُوس الجريرة الذَّنب وَالْجِنَايَة جر على نَفسه وَغَيره جريرة يجر بِالضَّمِّ وَالْفَتْح جرا وَقَالَ حفيد السعد قَوْله على مَا جر أَي على الْعَار الَّذِي جَرّه ومده من كل جَانب وناحية بِسَبَب الظُّلم والعداوة لكنه قدس سره قد كتب فِي الْحَاشِيَة يُقَال جر عَلَيْهِم جريرة أَي جنى جِنَايَة وَقَالَ الفناري وَقد يرْوى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة من الحز وَهُوَ الْقطع ا. هـ.
وَهَذَا لَا وَجه لَهُ هُنَا وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ الأولى كَمَا يَأْتِي وَبعده
(بكفي زُهَيْر عصبَة العرج مِنْهُم ... وَمن بيع فِي الركبين لخم وغالب)
والبيتان من شعر أبي جُنْدُب بن مرّة القردي قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل زُهَيْر من بني لحيان وجر جنى أَي جر على نَفسه جرائر
(1/291)

من كل جَانب وروى قومه زُهَيْر ا. هـ.
يَعْنِي بِنصب قومه وَرفع زُهَيْر وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ وَقَوله بكفي زُهَيْر إِلَخ عصبَة مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَمن يَبِيع مَعْطُوف على الْمُبْتَدَأ والعصبة الْجَمَاعَة وَالْعَرج بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا جِيم قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بهَا قتل قوم زُهَيْر وَسبي نِسَاؤُهُم وذراريهم وَضمير مِنْهُم لقوم زُهَيْر والظرف حَال من عصبَة بِتَقْدِير مُضَاف لَهُ وللمعطوف أَي قتل الْعصبَة فِي العرج وَسبي من بيع فِي الركبين حَال كَونهم من قوم زُهَيْر بِسَبَب جِنَايَة كفي زُهَيْر ولخم وغالب بدل من الركبين ولخم حَيّ من الْيمن وغالب قَبيلَة من قُرَيْش وَيقدر مِنْهُم أَيْضا بعد قَوْله وَمن بيع وَسبب هَذَا الشّعْر مَا رَوَاهُ السكرِي قَالَ مرض أَبُو جُنْدُب وَكَانَ لَهُ جَار من خُزَاعَة اسْمه خاطم فَقتله زُهَيْر اللحياني وَقتلُوا امْرَأَته فَلَمَّا برأَ أَبُو جُنْدُب من مَرضه خرج من أَهله حَتَّى قدم مَكَّة فاستلم الرُّكْن وكشف عَن استه وَطَاف
فَعرف النَّاس أَنه يُرِيد شرا فَقَالَ (الرجز)
(إِنِّي امْرُؤ أبْكِي على جاريه ... أبكى على الكعبي والكعبيه)
(وَلَو هَلَكت بكيا عَلَيْهِ ... كَانَا مَكَان الثَّوْب من حقْوَيْهِ)
يُقَال عذت بحقويك يُرِيد كَانَا فِي مَوضِع المعاذ أَي كَانَا مني بمَكَان من أجرت فَلَمَّا فرغ من طَوَافه وَقضى من مَكَّة حَاجته خرج فِي الخلعاء من بكر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان فَخَرجُوا مَعَه حَتَّى صبح بهم بني لحيان فِي العرج فَقتل فيهم وسبى من نِسَائِهِم وذراريهم وباعهم فاشترتهم هَاتَانِ القبيلتان فَقَالَ أَبُو جُنْدُب فِي ذَلِك ...
(1/292)

(أَلا لَيْت شعري هَل يَلُومن قومه)
والقردي نِسْبَة إِلَى قرد بِكَسْر الْقَاف على لفظ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَهُوَ بطن من هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر ولحيان بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة تحتية بطن من هُذَيْل أَيْضا وَأَبُو جُنْدُب شَاعِر جاهلي
(تَتِمَّة)
الْبَيْت الَّذِي فِي المطول وَهُوَ قَوْله جزى بنوه إِلَخ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمَة عدي بن زيد كَذَا (الْبَسِيط)
(جزى بنوه أَبُو الغيلان من كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار)
وَذكر فِيهِ جَزَاء سنمار قَالَ وَأما صَاحب الخورنق فَهُوَ النُّعْمَان بن الشَّقِيقَة وَهُوَ الَّذِي ساح على وَجهه فَلم يعرف لَهُ خبر والشقيقة أمة بنت أبي ربيعَة بن ذهل بن شبيان وَهُوَ النُّعْمَان بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن عدي بن نصر ابْن ربيعَة اللَّخْمِيّ فَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ سَبَب بنائِهِ الخورنق أَن يزدجرد بن سَابُور كَانَ
لَا يبْقى لَهُ ولد فَسَأَلَ عَن منزل مريء صَحِيح من الأدواء والأسقام فَدلَّ على ظهر الْحيرَة فَدفع ابْنه بهْرَام جور بن يزدجرد إِلَى النُّعْمَان بن الشَّقِيقَة وَكَانَ عاملة على أَرض الْعَرَب وَأمره بِأَن يَبْنِي الخورنق مسكنا لَهُ ولابنه وينزله إِيَّاه مَعَه بِإِخْرَاجِهِ إِلَى بوادي الْعَرَب وَكَانَ الَّذِي بنى الخورنق رجلا يُقَال لَهُ سنمار فَلَمَّا فرغ من بنائِهِ عجبوا من حسنه وإتقان عمله فَقَالَ لَو علمت أَنكُمْ توفوني أجرتي
(1/293)

وتصنعون بِي مَا أستحقه لبنيته بِنَاء يَدُور مَعَ الشَّمْس حَيْثُمَا دارت فَقَالُوا وَإنَّك لتبني مَا هُوَ أفضل مِنْهُ وَلم تبنه ثمَّ أَمر بِهِ فَطرح من رَأس الْجَوْسَقِ وَفِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَالَ إِنِّي لأعرف فِي هَذَا الْقصر مَوضِع عيب إِذا هدم تداعى الْقصر فَقَالَ أما وَالله لَا تدل عَلَيْهِ أحدأ أبدا ثمَّ رمى بِهِ من أَعلَى الْقصر فَقَالَت الشُّعَرَاء فِي ذَلِك أشعارا كَثِيرَة مِنْهَا قَول أبي الطمحان القيني (الطَّوِيل)
(جَزَاء سنمار جزوها وربها ... وباللات والعزى جَزَاء الْمُكَفّر)
وَمِنْهَا قَول سليط بن سعد (الْبَسِيط)
(جزى بنوه أَبَا الغيلان من كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار قَالَ عبد الْعُزَّى بن امرىء الْقَيْس الْكَلْبِيّ وَكَانَ أهْدى إِلَى الْحَارِث بن مَارِيَة الغساني أفراسا ووفد إِلَيْهِ فأعجب بِهِ واختصه وَكَانَ للْملك ابْن مسترضع فِي بني عبد ود من كلب فنهشته حَيَّة فَظن الْملك أَنهم اغتالوه فَقَالَ لعبد الْعُزَّى جئني بهؤلاء الْقَوْم فَقَالَ هم قوم أَحْرَار لَيْسَ لي عَلَيْهِم فضل فِي نسب وَلَا فعل فَقَالَ لتَأْتِيني بهم أَو لَأَفْعَلَنَّ وأفعلن فَقَالَ لَهُ رجونا من جنابك أمرا حَال دونه عقابك ودعا ابنيه شرَاحِيل وَعبد الْحَارِث فَكتب مَعَهُمَا إِلَى قومه (الطَّوِيل)
(جزاني جزاه الله شَرّ جَزَائِهِ ... جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب)
...
(1/294)

(سوى رصه الْبُنيان عشْرين حجَّة ... يعل عَلَيْهِ بألقراميد والسكب)
وَهِي أَبْيَات قَالَ فَقتله النُّعْمَان ا. هـ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل)
(كَأَن لم يمت حَيّ سواك وَلم تقم ... على أحد إِلَّا عَلَيْك النوائح)
على أَنه إِذا وَقع مَرْفُوع بعد الْمُسْتَثْنى فِي الشّعْر أضمروا لَهُ عَاملا من جنس الأول أَي قَامَت النوائح وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي الحماسة لأشجع السّلمِيّ وَهِي
(مضى ابْن سعيد حِين لم يبْق مشرق ... وَلَا مغرب إِلَّا لَهُ فِيهِ مادح)
(وَمَا كنت أَدْرِي مَا فواضل كَفه ... على النَّاس حَتَّى غيبته الصفائح)
(فَأصْبح فِي لحد من الأَرْض مَيتا ... وَكَانَت بِهِ حَيا تضيق الصحاصح)
(سأبكيك مَا فاضت دموعي فَإِن تغض ... فحسبك مني مَا تجن الجوانح)
(وَمَا أَنا من رزء وَإِن جلّ جازع ... وَلَا لسرور بعد موتك فارح)
(لَئِن حسنت فِيك المراثي وَذكرهَا ... لقد حسنت من قبل فِيك المدائح)
كَأَن لم يمت حَيّ سواك الْبَيْت والصفائح أَحْجَار عراض يسقف بهَا الْقَبْر والصحاصح جمع صحصح وَهِي الأَرْض المستوية الواسعة وتغيض تنقص يُقَال غاض المَاء وغضته
(1/295)

وَقَوله كَأَن لم يمت كَأَن مخففه وَاسْمهَا ضمير شَأْن يَقُول أفرط الْحزن عَلَيْك حَتَّى كَانَ الْمَوْت لم يعْهَد قبل موتك وَكَأن النِّيَاحَة لم تقم على من سواك وَأَشْجَع هُوَ ابْن عَمْرو السّلمِيّ ويكنى أَبَا الْوَلِيد من ولد الشريد بن مطرود السّلمِيّ وَتزَوج أَبوهُ امْرَأَة من أهل الْيَمَامَة فشخص مَعهَا إِلَى بَلَدهَا فَولدت لَهُ هُنَاكَ أَشْجَع وَنَشَأ بِالْيَمَامَةِ ثمَّ مَاتَ أَبوهُ فَقدمت بِهِ أمه الْبَصْرَة فطلبت مِيرَاث أَبِيه وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ مَال فَمَاتَتْ بهَا وربي أَشْجَع وَنَشَأ بِالْبَصْرَةِ فَكَانَ من لَا يعرفهُ يدْفع نسبته ثمَّ كبر وَقَالَ الشّعْر فأجاد وعد فِي الفحول وَكَانَ الشّعْر يؤمئذ فِي ربيعَة واليمن وَلم يكن لقيس عيلان شَاعِر فَلَمَّا نجم أَشْجَع افتخرت بِهِ قيس واثبتت نسبه ثمَّ خرج أَشْجَع إِلَى الرقة والرشيد بهَا فَنزل على بني سليم ومدح البرامكة وَانْقطع إِلَى جَعْفَر خَاصَّة فوصله الرشيد فأثرى وَحسنت حَاله وَلما ولى الرشيد جَعْفَر بن يحيى خُرَاسَان جلس لتهنئة النَّاس وأنشده الشُّعَرَاء وَدخل فِي آخِرهم أَشْجَع فَقَالَ لتأذن فِي إنشاد شعر قضيت بِهِ حق سوددك وكمالك وخففت بِهِ ثقل أياديك عِنْدِي فَقَالَ هَات يَا أَبَا الْوَلِيد فأنشده (المتقارب)
(أتصبر يَا قلب أم تجزع ... فَإِن الديار غَدا بلقع)
(غَدا يتفرق أهل الْهوى ... وَيكثر باك ومسترجع)
إِلَى أَن بلغ قَوْله
(ودوية بَين أقطارها ... مقاطع أَرضين لَا تقطع)
(تجاوزتها فَوق عيرانة ... من الرّيح فِي سَيرهَا أسْرع)
(إِلَى جَعْفَر نزعت رَغْبَة ... وَأي فَتى نَحوه تنْزع)
...
(1/296)

(فَمَا دونه لامرئ مطمع ... وَلَا لامرئ غَيره مقنع)
(وَلَا يرفع النَّاس مَا حطه ... وَلَا يضعون الَّذِي يرفع)
(يُرِيد الْمُلُوك مدى جَعْفَر ... وَلَا يصنعون كَمَا يصنع)
(وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى ... وَلَكِن معروفه أوسع)
(يلوذ الْمُلُوك بآرائه ... إِذا نالها الْحَدث الأفظع)
(بديهته مثل تَدْبيره ... مَتى رمته فَهُوَ مستجمع)
(وَكم قَائِل إِذْ راى ثروتي ... وَمَا فِي فضول الْغنى أصنع)
(غَدا فِي ظلال ندى جَعْفَر ... يجر ثِيَاب الْغنى أَشْجَع)
(فَقل لخراسان تحيا فقد ... أَتَاهَا ابْن يحيى الْفَتى الأروع)
فَأقبل عَلَيْهِ جَعْفَر يخاطبه مُخَاطبَة الْأَخ أَخَاهُ ثمَّ أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار قَالَ الصولي فِي الورقات قَالَ لي يَوْمًا عبد الله بن المعتز من أَيْن أَخذ أَشْجَع قَوْله
(وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى الْبَيْت)
فَقلت من قَول مُوسَى شهوات لعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
(وَلم يَك أوسع الفتيان مَالا ... وَلَكِن كَانَ ارحبهم ذِرَاعا)
فَقَالَ أصبت هَكَذَا هُوَ ا. هـ.
وَرَأَيْت فِي الحماسة فِي بَاب الأضياف وَقَالَ أَبُو زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي (الوافر)
(لَهُ نَار تشب على يفاع ... إِذا النيرَان ألبست القناعا)
(وَلم يَك أَكثر الفتيان مَالا الْبَيْت)
وَإِنَّمَا لقب مُوسَى بشهوات لِأَن عبد الله بن جَعْفَر كَانَ يشتهى عَلَيْهِ
(1/297)

الشَّهَوَات فيشتريها لَهُ مُوسَى ويتربح عَلَيْهِ وَهُوَ مولى لبني سهم وَأَصله من أذربيجان كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي مُوسَى شهوات هُوَ مُوسَى ابْن يسَار مولى قُرَيْش وَيُقَال مولى بنى سهم وَيُقَال مولى بني تيم كَانَ يجلب إِلَى الْمَدِينَة القند وَالسكر من أذربيجان فَقَالَت امْرَأَة مَا يزَال مُوسَى يجلب إِلَيْنَا الشَّهَوَات فغلب عَلَيْهِ وَقَالَ أبن شبة كَانَ مُوسَى سؤولا ملحفا فَإِذا رأى مَعَ أحد شَيْئا يُعجبهُ من ثوب أَو مَتَاع أَو دَابَّة تباكى فَإِذا قيل لَهُ مَالك قَالَ أشتهي هَذَا فَسمى مُوسَى شهوات وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ سمي بذلك لقَوْله فِي يزِيد بن مُعَاوِيَة (الْخَفِيف)
(لست منا وَلَيْسَ خَالك منا ... يَا مضيع الصَّلَاة بالشهوات)
يُقَال مُوسَى شهوات على الصّفة وعَلى الْإِضَافَة وَهُوَ أصح ويكنى أَبَا مُحَمَّد وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل بن يسَار ا. هـ.
وَبَيت مُوسَى شهوات نسبه السعد فِي المطول وَصَاحب الْمعَاهد فِي شَوَاهِد التَّلْخِيص إِلَى أبي زِيَاد الْأَعرَابِي الْكلابِي كَمَا فِي الحماسة قَالَ الصولي بعد أَن تصرف جَعْفَر بِالْأَمر وَالنَّهْي وَالتَّوْلِيَة والعزل بدا للرشيد عَزله فَعَزله عَن خُرَاسَان فَاغْتَمَّ لذَلِك جَعْفَر فَدخل عَلَيْهِ أَشْجَع فَقَالَ (السَّرِيع)
(أمست خُرَاسَان تعزى بِمَا ... أخطأها من جَعْفَر المرتجى)
(كَانَ الرشيد المعتلى أمره ... ولى على مشرقها الأبلجا)
(ثمَّ أرَاهُ رَأْيه أَنه ... أَمْسَى إِلَيْهِ مِنْهُم أحوجا)
...
(1/298)

(كم فرق الدَّهْر بأسبابه ... من مُحصن أَهلا وَكم زوجا)
(وَكم بِهِ الرَّحْمَن من كربَة ... فِي مُدَّة تقصر قد فرجا)
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر قُمْت وَالله بالعذر لأمير الْمُؤمنِينَ وأصبت الْحق وخففت عَليّ الْعَزْل فَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار أُخْرَى
وَلما دخل أَشْجَع على الرشيد بالرقة كَانَ قد فرغ من قصره الْأَبْيَض فأنشده (الْكَامِل)
(قصر عَلَيْهِ تحيه وَسَلام ... فِيهِ لأعلام الْهدى أَعْلَام)
(نشرت عَلَيْهِ الأَرْض كسوتها الَّتِي ... نسج الرّبيع وزخرف الأوهام)
إِلَى أَن قَالَ
(وعَلى عَدوك يَا ابْن عَم مُحَمَّد ... رصدان ضوء الصُّبْح والإظلام)
(فَإِذا تنبه رعته وَإِذا غفا ... سلت عَلَيْهِ سيوفك الأحلام)
قَالَ الصولي فِي الورقات بِسَنَدِهِ إِلَى أَشْجَع إِن الرشيد قَالَ لي من أَيْن أخذت قَوْلك وعَلى عَدوك الْبَيْتَيْنِ فَقلت لَا أكذب وَالله من قَول النَّابِغَة (الطَّوِيل)
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ... وَإِن خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)
فَقَالَ صه هُوَ عِنْدِي من كَلَام الأخطل لعبد الْملك بن مَرْوَان وَقد قَالَ لَهُ أَنا مجيرك من الجحاف فَقَالَ من يجيرني مِنْهُ إِذا نمت وترجمة أَشْجَع مُطَوَّلَة فِي الورقات للصولي وَفِي الأغاني للأصبهاني وَأَشْجَع لَيْسَ مِمَّن يستشهد بِكَلَامِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيره عَن الْبَيْت الَّذِي بعده
(1/299)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (الْكَامِل)
44 -
(لَا أشتهي يَا قوم إِلَّا كَارِهًا ... بَاب الْأَمِير وَلَا دفاع الْحَاجِب)
على أَن " بَاب الْأَمِير " مَنْصُوب ب " لَا أشتهي " مُقَدرا. وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح أَيْضا. قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي، فِي شرح الحماسة: هُنَا " كَارِهًا " حَال، يَقُول: لَا أعلق شهوتي بورود بَاب الْأَمِير ومدافعة الْحَاجِب إِلَّا على كره؛ يصف ميله إِلَى البدو وَأَهله وإلفه إيَّاهُم. وَقَالَ السَّيِّد فِي حَاشِيَته على المطول: قصر فِيهِ الشَّاعِر نَفسه فِي زمَان اشتهائه بَاب الْأَمِير على صفة الْكَرَاهَة لَهُ؛ فَهُوَ من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. وَيُمكن أَن يُقَال: قصر فِيهِ اشتهاءه بَاب الْأَمِير عَلَيْهِ مَوْصُوفا بالكراهية لَهُ لَا يتعداه إِلَيْهِ مَوْصُوفا بِصفة الْإِرَادَة لَهُ، فَهُوَ من قصر الصّفة على الْمَوْصُوف. وَلَك أَن تَقول قصر اشتهاءه الْبَاب على أَنه مُجْتَمع مَعَ كراهيته لَهُ دون إِرَادَته إِيَّاه؛ فَيكون أَيْضا من قصر الْمَوْصُوف على الصّفة. ثمَّ اشتهاء الشَّيْء إِن لم يكن مستلزماً لإرادته لم يناف كَرَاهَته، فَجَاز أَن يكون الشَّيْء مشتهى مَكْرُوها كاللذات الْمُحرمَة عِنْد الزهاد، كَمَا جَازَ أَن يكون الشَّيْء مرَادا منفوراً عَنهُ، كشرب الْأَدْوِيَة الْمرة عِنْد المرضى. فَإِن قيل: الاشتهاء يسْتَلْزم الْإِرَادَة، فالجمع بَينه وَبَين الْكَرَاهِيَة باخْتلَاف الْجِهَة، فيشتهي الدُّخُول على الْأَمِير لما فِيهِ من التَّقَرُّب، يكرههُ لما فِيهِ من المذلة ودفاع الْحَاجِب، فبالحقيقة المشتهى هُوَ التَّقَرُّب، وَالْمَكْرُوه تِلْكَ المذلة. ا. هـ. وَبِهَذَا يعرف سُقُوط قَول بعض شرَّاح الحماسة هُنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ قَوْله " كَارِهًا " حَالا من أشتهي، لِأَنَّهُ لَا يكون كَارِهًا للشَّيْء مشتهياً لَهُ فِي حَال،
(1/300)

من أجل أَن الشَّهْوَة مُنَافِيَة للكراهية، وَلكنه حَال من فعل مُقَدّر، وَالْمعْنَى: لَا أشتهي بَاب الْأَمِير وَلَا آتيه إِلَّا كَارِهًا، أَو وَلَكِن آتيه كَارِهًا ا. هـ. وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة مَذْكُورَة فِي الحماسة، لمُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ والبيتان بعده:
(وَمن الرِّجَال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب)
الْجُزْء 9
(مِنْهُم أسود لَا ترام وَبَعْضهمْ ... مِمَّا قمشت وَضم حَبل الحاطب)
يشبه الرجل فِي مضائه وصرامته وَفِي دقته إِذا هزل بِالسَّيْفِ والسنان ومذروبة محددة وَكَذَلِكَ مذربة وكل شَيْء حددته فقد ذربته يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسنة المطرورة مضاء ونفاذا فِي الْأُمُور والمزند وَكَذَلِكَ الزند الضّيق وَقَوْلهمْ فلَان زند متين أَي زند شَدِيد الضّيق متين شَدِيد بخيل أَي إِن نالهم خطب ضاقوا عَنهُ وَلم يتجهوا فِيهِ لرشد وَكَانَ من حَقه أَن يَقُول وَمِنْهُم مزندون لكنه أكتفى بِالْأولِ كَقَوْلِه تَعَالَى (مِنْهَا قَائِم وحصيد) قَالَ المرزوقي سَمِعت أَبَا عَليّ الْفَارِسِي يَقُول كل صفتين تتنافيان فَلَا يَصح اجْتِمَاعهمَا لموصوف وَاحِد فلابد من إِضْمَار من مَعَهُمَا إِذا فصل جملَة بهما مَتى لم يجىء ظَاهرا فَإِن أمكن أجتماع صفتين لموصوف وَاحِد اسْتغنى عَن إِضْمَار من كَقَوْلِك صاحباك مِنْهُمَا ظريف وكريم وَقَوله شهودهم إِلَى آخِره يرْوى بدله حضورهم يُرِيد أَنه لَا غناء عِنْدهم فحضورهم كغيبتهم كَقَوْل الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(شهِدت جسيمات العلى وَهُوَ غَائِب ... وَلَو كَانَ أَيْضا شَاهدا كَانَ غَائِبا)
قَالَ الطبرسي يجوز أَن يُرِيد بالشهود جمع شَاهد وَهُوَ الْحَاضِر وَأَرَادَ
(1/301)

بالغائب الْكَثْرَة فَتكون جِنْسا وَإِن كَانَ الشُّهُود مصدرا فالغائب يجوز أَن يكون جِنْسا كَالْأولِ أَي شهودهم كغيبة الْغَائِب بِحَذْف الْمُضَاف وَيجوز أَن يكون مصدرا كالباطل وَقَوله مِنْهُم لُيُوث إِلَخ يَقُول من الرِّجَال رجال كالأسود فِي الْعِزَّة والمنعة لَا يطْلب اهتضامهم وَلَا يطْمع فيهم وَمِنْهُم متفاوتون كقماش الْبَيْت وَهُوَ رَدِيء مَتَاعه جمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَقَوله وَضم حَبل الحاطب هُوَ كَقَوْل الآخر
(وَكلهمْ يجمعهُمْ بَيت الْأدم)
قَالَ الْأَصْمَعِي بَيت الْأدم يجمع الْجيد والرديء فَفِيهِ من كل جلد رقعه وَكَذَلِكَ الحاطب يجمع فِي حبله الرطب واليابس والجزل والشخت وَرُبمَا احتطب لَيْلًا فضم فِي حبلة أَفْعَى وَهُوَ لَا يدْرِي وَنَحْوه قَول الْعَامَّة فِي الشَّيْء المتفاوت وَالْقَوْم الْمُخْتَلطين هم خرق الْبُرْنُس استانف بِهَذَا الْبَيْت تِلْكَ الْقِسْمَة على وَجه آخر فَهُوَ من بَاب الْبَيَان وَهُوَ أَن يحمل الشَّاعِر معنى ويفسره بِمَا يَلِيهِ وَصَاحب هَذِه الأبيات مُوسَى بن جَابر الْحَنَفِيّ أحد شعراء بني حنيفَة المكثرين يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَهِي أمة كَمَا أَن حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يُقَال لَهُ ابْن الفريعة وَتقدم فِي تَرْجَمته وَيُقَال كَانَ نَصْرَانِيّا وَهُوَ الْقَائِل (الطَّوِيل)
(وجدنَا أَبَانَا كَانَ حل ببلدة ... سوى بَين قيس عيلان والفزر)
(برابية أما الْعَدو فحولنا ... مطيف بِنَا فِي مثل دَائِرَة الْمهْر)
(فَلَمَّا نأت عَنَّا الْعَشِيرَة كلهَا ... أَقَمْنَا وحالفنا السيوف على الدَّهْر)
(1/302)

كَذَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَسوى صفة بَلْدَة بِمَعْنى متوسطة والفزر لقب لسعد بن زيد مَنَاة وَالْمعْنَى وجدنَا أَبَانَا حل ببلدة متوسطه لديار قيس بن عيلان وَسعد بن زيد مَنَاة يُرِيد حل بَين مُضر وناى عَن ربيعَة لِأَن قيسا والفزر من مُضر وَقَوله فَلَمَّا نأت إِلَخ يَقُول لما خذلتنا عشيرتنا وهم ربيعَة اكتفينا بِأَنْفُسِنَا فَأَقَمْنَا بدار الْحفاظ وَالصَّبْر واتخذنا سُيُوفنَا حلفاء على الدَّهْر وَهَذَا مثل ضربه لاستقلالهم فِيمَا نهضوا فِيهِ بعددهم وعدتهم وبلائهم وصبرهم واستغنائهم عَن القاعدين
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل)
(ليبك يزِيد ضارع لخصومة ... ومختبط مِمَّا تطيح الطوائح)
على أَن الْفِعْل الْمسند إِلَى ضارع حذف جَوَازًا أَي يبكة ضارع وَهَذَا على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأما على رِوَايَته بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل ففاعله ضارع وَيزِيد مَفْعُوله وَلَا حذف وَلَا شَاهد وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الثَّابِتَة عِنْد العسكري وعد الرِّوَايَة الأولى غَلطا فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب التَّصْحِيف فِيمَا غلط فِيهِ النحويون وَمِمَّا قلبوه وَخَالفهُم الروَاة قَول الشَّاعِر
(ليبك يزِيد ضارع الْبَيْت)
وَقد رَوَاهُ خَالِد والأصمعي وَغَيرهمَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل من الْبكاء وَنصب يزِيد وَمثله فِي كتاب فعلت وأفعلت لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ أنْشد
(1/303)

الْأَصْمَعِي ليبك يزِيد ضارع أَي بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَلم يعرف ليبك يزِيد أَي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقَالَ هَذَا من عمل النَّحْوِيين وَزعم بَعضهم أَنه لَا حذف فِي الْبَيْت على الرِّوَايَة الأولى أَيْضا لجَوَاز أَن يكون يزِيد منادى وضارع نَائِب الْفَاعِل قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد والتوجيه
الأول أولى لِأَنَّهُ قد روى ليبك يزِيد بِفَتْح يَاء يبك وَكسر كَافَّة وَنصب يزِيد فَلَمَّا ظهر ضارع فَاعِلا فِي هَذِه الرِّوَايَة اسْتحق أَن يقدر فَاعِلا فِي الْأُخْرَى ليستويا وتوهم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَتَبعهُ الفناري فِي حَاشِيَة المطول أَن الْقَائِل بِنِدَاء يزِيد يزْعم أَنه منادى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ لم يثبت رفع يزِيد فِي رِوَايَة الْبناء للْفَاعِل وَلَيْسَ كَمَا توهم فَإِن الَّذِي خرجه على النداء إِنَّمَا هُوَ على رِوَايَة ليبك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول كَمَا نقل ابْن هِشَام وَالرِّوَايَة الأولى أبلغ بتكرار الْإِسْنَاد إِجْمَالا ثمَّ تَفْصِيلًا كَمَا بَينه السعد فِي المطول وَقَالَ ابْن خلف لما قَالَ ليبك يزِيد عَم المأمورين بالتفجع على هَذَا الْمَيِّت والبكاء عَلَيْهِ من كَثْرَة الْغناء ثمَّ خص هذَيْن الصِّنْفَيْنِ من جملَة الباكين عَلَيْهِ لشدَّة احتياجهما إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ نقلا عَن بَعضهم إِن الْإِبْهَام على الْمُخَاطب فِي مثل هَذَا النَّحْو الَّذِي يقْصد بِهِ الْعُمُوم تَعْظِيم للمقصود ومدح عميم وَيزِيد على رِوَايَة الْبناء لفاعل غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل دون ضَمِيره الْمُسْتَتر وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحْتَمل أَن يكون كَالْأولِ وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَن يكون مَنْقُولًا من الْفِعْل مَعَ فَاعله الْمُسْتَتر وَيكون حِينَئِذٍ جملَة محكية وَأعلم أَن هَذَا الْبَيْت لوُقُوعه فِي الْمَتْن شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَنحن نذْكر
(1/304)

مَا يتَعَلَّق بِهِ فَقَوله الضارع الذَّلِيل من قَوْلهم ضرع ضراعة فعله من الْبَاب الثَّالِث وَورد فِي لُغَة أَيْضا من بَاب تَعب وَيُقَال أَيْضا ضرع ضرعا كشرف شرفا بِمَعْنى ضعف فَهُوَ ضرع أَيْضا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ كَذَا فِي الْمِصْبَاح وَقَوله لخصومة مُتَعَلق بضارع وَإِن لم يعْتَمد على شَيْء إِلَخ أَقُول ظَاهره أَنه لم يعْتَمد على شَيْء مِمَّا ذكر من شُرُوط عمل اسْم الْفَاعِل النصب وَفِيه أَنه مُعْتَمد على مَوْصُوف مُقَدّر قَالَ ابْن مَالك فِي الْخُلَاصَة (الرجز)
(وَقد يكون نعت مَحْذُوف عرف ... فَيسْتَحق الْعَمَل الَّذِي وصف)
وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه مُتَعَلق بضارع وَإِن فرض أَنه لم يعْتَمد على شَيْء لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ رَائِحَة الْفِعْل وَكَيف لَا يتَعَلَّق بِهِ مَعَ اعْتِمَاده على مَوْصُوف مُقَدّر لكنه بعيد عَن السِّيَاق قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول فَإِن قلت بل قد اعْتمد على الْمَوْصُوف
الْمُقدر أَي شخص ضارع فعلى تَقْدِير اشْتِرَاط الِاعْتِمَاد فِي تعلق الْجَار بِهِ لَا مَحْذُور أَيْضا قلت إِن كفى فِي عمله الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر لَا يتَصَوَّر الإلغاء لعدم الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ لتصريح الشَّارِح يَعْنِي السعد فِي شرح الْكَشَّاف بِأَن ذكر الْمَوْصُوف مَعَ اسْم الْفَاعِل مُلْتَزم لفظا أَو تَقْديرا تعيينا للذات الَّتِي قَامَ بهَا الْمَعْنى وَهُوَ مُخَالف لتصريحهم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الِاعْتِمَاد على مَوْصُوف مُقَدّر إِنَّمَا يَكْفِي لعمله إِذا قوي الْمُقْتَضى لتقديره كَمَا فِي يَا طالعا جبلا وَيَا رَاكِبًا فرسا لانضمام اقْتِضَاء حرف النداء إِلَى اقْتِضَاء نفس اسْم الْفَاعِل لَكِن تَأتي اعْتِبَار مثل هَذَا الْمُقْتَضى فِي كل مَوضِع مَحل نظر ا. هـ.
وَهَذَا كَلَام جيد وَقَوله لأجل الْخُصُومَة أَشَارَ إِلَى أَن اللَّام فِي الْخُصُومَة لَام التَّعْلِيل وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَيْضا وَقَوله فَإِن يزِيد كَانَ ملْجأ للأذلاء
(1/305)

والضعفاء الأولى ملْجأ للأذلاء والفقراء فَإِن المختبط بِمَعْنى السَّائِل كَمَا فسره الشَّارِح بِهِ وَقَوله وتعليقه بيبك لَيْسَ بِقَوي فِي الْمَعْنى قَالَ الفناري لِأَن مُطلق الْخُصُومَة لَيْسَ سَببا للبكاء بل هِيَ بِوَصْف المغلوبية وَقَوله والمختبط الَّذِي يَأْتِيك للمعروف من غير وَسِيلَة وَقع فِي بعض النّسخ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ للمعروف وَالظَّاهِر أَن قيد اللَّيْل تَحْرِيف من النساخ وَكَون الاختباط الْإِتْيَان للمعروف من غير وَسِيلَة هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ المختبط الرجل يَسْأَلك من غير معرفَة كَانَت بَيْنكُمَا وَلَا يَد سلفت مِنْهُ إِلَيْك وَعَلِيهِ فَيكون الاختباط مُتَعَدِّيا لمفعول وَاحِد كَمَا مثل الشَّارِح الْمُحَقق بقوله يُقَال اختبطني فلَان وَقَالَ ابْن خلف الاختباط بِمَعْنى السُّؤَال والطلب فَهُوَ بِمَنْزِلَة الِاقْتِضَاء تَقول اختبطني معروفي فخبطته أَي أَنْعَمت عَلَيْهِ وَمثله اقتضيته مَالا أَي سَأَلته إِيَّاه وَحكى بَعضهم اختبط فلَان فلَانا وَرقا إِذا أصَاب مِنْهُ خيرا فعلى تَفْسِير أبي عُبَيْدَة فِي الْبَيْت حذف مفعول وَاحِد أَي ومختبط وَرقا أَو رزقا أَو نَحْو ذَلِك وَيجوز أَن يكون هَذَا الْمَفْعُول ضمير يزِيد أَي ومختبط إِيَّاه وعَلى التَّفْسِير الثَّانِي فِيهِ حذف مفعولين أَي ومختبط النَّاس أَمْوَالهم وَمثله إِذا سَأَلت فاسأل الله أَي إِذا سَأَلت أحدا مَعْرُوفَة فاسأل الله مَعْرُوفَة
وروى ومستنمح بدل ومختبط أَي من أستمنحه أَي طلب منحته وَهِي الْعَطِيَّة والرفد وَالْأَصْل فِي المنحة هِيَ الشَّاة أَو النَّاقة يُعْطِيهَا صَاحبهَا رجلا يشرب لَبنهَا ثمَّ يردهَا إِذا انْقَطع اللَّبن ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله حَتَّى أطلق على كل عَطاء ومنحته من بَاب نفع وَضرب إِذا أَعْطيته
(1/306)

وصف الشَّاعِر يزِيد بالنصر وَالْكَرم للذليل وطالب الْمَعْرُوف فيقصده الضارع للخصومة ويلتجىء إِلَيْهِ المختبط إِذا أَصَابَته شدَّة السنين وَقَوله وَأَصله من خبطت الشَّجَرَة إِلَخ الْخبط بِسُكُون الْبَاء إِسْقَاط الْوَرق من الشّجر بالعصا لعلف الْإِبِل والخبط بِفتْحَتَيْنِ هُوَ الْوَرق السَّاقِط والمخبط بِكَسْر الْمِيم هِيَ الْعَصَا الَّتِي يخبط بهَا وَالْفِعْل من بَاب ضرب وَقَالَ ابْن مَالك الأَصْل فِيهِ أَن الساري والسائر لابد من أَن يختبط الأَرْض ثمَّ اختصر الْكَلَام فَقيل للآتي طَالبا للجدوى مختبط وخبطت الرجل إِذا أَنْعَمت عَلَيْهِ من غير معرفَة وخبطته إِذا سَأَلته أَيْضا فَهُوَ ضد وَقَوله وَهُوَ إِمَّا على حذف الزَّوَائِد إِلَخ أَشَارَ إِلَى أَن الطوائح جمع على غير قِيَاس لِأَن فعله رباعي يُقَال أطاحته الطوائح وطوحته فَقِيَاس الْجمع أَن يكون المطيحات والمطارح فَإِن تكسير مفعل مفاعل بِحَذْف إِحْدَى الْعَينَيْنِ وإبقاء الْمِيم وَتَخْرِيج الْجمع على حذف الزَّوَائِد هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وتخريجه على النّسَب هُوَ لأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَإِن تَقْدِيره عِنْده مِمَّا تطيحه الحادثات ذَوَات الطوائح وَنقل ابْن خلف عَن الْأَصْمَعِي أَن الْعَرَب تَقول طاح الشَّيْء بِنَفسِهِ وطاحه غَيره بِمَعْنى طوحه وأبعده فعلى هَذَا تكون الطوائح جمع طائحة من الْمُتَعَدِّي قِيَاسا وَلَا شذوذ وَلم أر هَذَا النَّقْل فِي الْكتب المدونه فِي اللُّغَة وَلَا فِي غَيرهَا وَقَوله يُقَال طاح يطوح إِلَخ طاح بِمَعْنى هلك وكل شَيْء ذهب وفني
(1/307)

فقد طاح وَقَوله وطاح يطيح وَهُوَ واوي إِلَخ فَيكون أَصلهمَا طوح يطوح بِكَسْر الْوَاو فيهمَا فأعلا
وَجعله صَاحب الْعباب مِمَّا عينه جَاءَ مُعْتَلًّا بِالْوَاو تَارَة وبالياء تَارَة أُخْرَى وَلم يعْتَبر أَن الْوَاو صَارَت يَاء بالإعلال وَسَبقه ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَإِنَّهُ قَالَ وَمن قَالَ طاح يطيح فَكَانَ عِنْده كباع يَبِيع فقياسة أَن يَقُول المطايح فيصحح الْيَاء لِأَنَّهَا عين مفعل وَقَوله مِمَّا تطيح مُتَعَلق بمختبط إِلَخ هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن خلف وَقَوله مِمَّا تطيح مَوْضِعه رفع على النَّعْت لمختبط أَوله ولضارع جَمِيعًا أَي كَائِن أَو كائنان فَتكون مَا للْجِنْس وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل رِوَايَة من روى مِمَّن تطيح أَي من الَّذِي تطيحه الطوائح فَحذف الْعَائِد وروى أَبُو عَليّ قد طوحته الطوائح وَهَذَا يُؤَيّد كَون هَذِه الْجُمْلَة نعتا لمختبط لرجوع الضَّمِير إِلَيْهِ مُفردا وَقَوله أَي يسْأَل من أجل أَشَارَ إِلَى أَن من تعليلية وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي إيضاحه وأماليه وَمن للابتداء أَو بِمَعْنى السَّبَبِيَّة فَالْأول على أَن ابْتِدَاء الاختباط من الإطاحة أَو سَبَب الاختباط الإطاحة فَإِن قلت مَا الْفرق بَينهمَا قلت فِيهِ خلاف قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَن التَّعْلِيل وَالسَّبَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد قَالَ السُّيُوطِيّ هَذَا هُوَ الْحق وَفِي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي مَا يُصَرح بِهِ لِأَنَّهُ قَالَ الْمعبر عَنهُ هُنَا بِالسَّبَبِ هُوَ الْمعبر عَنهُ فِي الْقيَاس بِالْعِلَّةِ وَخَالفهُم ابْن السُّبْكِيّ فِي الْأَشْبَاه والنظائر فَقَالَ إِن الْفرق بَينهمَا ثَابت لُغَة ونحوا وَشرعا قَالَ اللغويون
(1/308)

السَّبَب كل شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيره وَمن ثمَّ سموا الْحَبل سَببا وَذكروا أَن الْعلَّة الْمَرَض وكلمات يَدُور مَعْنَاهَا على أَن الْعلَّة أَمر يكون عَنهُ أَمر آخر وَذكر النُّحَاة أَن اللَّام للتَّعْلِيل وَلم يَقُولُوا للسَّبَبِيَّة وَقَالَ أَكْثَرهم الْبَاء للسَّبَبِيَّة وَلم يَقُولُوا للتَّعْلِيل وَذكر ابْن مَالك السَّبَبِيَّة وَالتَّعْلِيل وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُمَا غيران وَقَالَ أهل الشَّرْع السَّبَب مَا يحصل الشَّيْء عِنْده لَا بِهِ وَالْعلَّة مَا يحصل بِهِ وَأنْشد ابْن السَّمْعَانِيّ على ذَلِك (الطَّوِيل)
(ألم تَرَ أَن الشَّيْء للشَّيْء عله ... تكون بِهِ كالنار تقدح بالزند)
والمعلول يتأثر عَن علته بِلَا وَاسِطَة بَينهمَا وَلَا شَرط يتَوَقَّف الحكم على وجوده وَالسَّبَب إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الحكم بِوَاسِطَة أَو وسائط وَلذَلِك يتراخى الحكم
عَنهُ حَتَّى تُوجد الشَّرَائِط وتنتفي الْمَوَانِع وَأما الْعلَّة فَلَا يتراخى الحكم عَنْهَا إِذْ لَا شَرط لَهَا بل مَتى وجدت أوجبت معلولها بالِاتِّفَاقِ إِلَى آخر مَا فَصله وَقَوله إذهاب الوقائع مَاله أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح مَحْذُوف وَهُوَ مَاله وَقَوله أَي يبك لأجل إهلاك المنايا يزِيد أَشَارَ إِلَى أَن مفعول تطيح على هَذَا التَّقْدِير هُوَ يزِيد وَأَرَادَ بالمنايا أَسبَاب الْمَوْت إطلاقا لاسم الْمُسَبّب على السَّبَب وَإِلَّا فالشخص الْوَاحِد لَا تهلكه إِلَّا منية وَاحِدَة وَقَوله وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الَّتِي زَاد بَعضهم وَيجوز أَن تكون نكرَة مَوْصُوفَة وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لنهشل بن حري على مَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف فِي مرثية يزِيد وَهِي
(1/309)

(الطَّوِيل)
(لعمري لَئِن أَمْسَى يزِيد بن نهشل ... حَشا حدث تسفي عَلَيْهِ الروائح)
(لقد كَانَ مِمَّن يبسط الْكَفّ بالندى ... إِذا ضن بِالْخَيرِ الأكف الشحائح)
(فبعدك أبدى ذُو الضغينة ضغنه ... وسد لي الطّرف الْعُيُون الكواشح)
(ذكرت الَّذِي مَاتَ الندى عِنْد مَوته ... بعاقبه إِذْ صَالح الْعَيْش طالح)
(إِذا أرق أفنى من اللَّيْل مَا مضى ... تمطى بِهِ ثني من اللَّيْل رَاجِح)
(ليبك يزِيد ضارع)
... الْبَيْت سقى جدثا أَمْسَى بدومة ثاويا ... من الدَّلْو والجوزاء غاد ورائح)
الحشا مَا فِي الْبَطن والجدث بِالْجِيم والثاء الْمُثَلَّثَة الْقَبْر وتسفي مضارع سفت الرّيح التُّرَاب ذرته وَيُقَال أسفته أَيْضا فالمفعول مَحْذُوف والروائح أَي الْأَيَّام الروائح من رَاح الْيَوْم يروح روحا من بَاب قَالَ وَفِي لُغَة من بَاب خَافَ إِذا اشتدت رِيحه فَهُوَ رائح وَأما كَونه جمع ريح لم أَقف على من نبه عَلَيْهِ مَعَ أَن ريحًا لم تجمع على هَذَا الْوَزْن وضن يُقَال ضن بالشَّيْء يضن من بَاب تَعب ضنا وضنة بِالْكَسْرِ وضنانة بِالْفَتْح بخل فَهُوَ
ضنين وَمن بَاب ضرب لُغَة والشحائح جمع شحيح من الشُّح وَهُوَ الْبُخْل وَفعله من بَاب قتل وَفِي لُغَة من بَابي ضرب وتعب أَرَادَ أَنه إِن فقد بِالْعدمِ فَهُوَ حَيّ بِذكرِهِ بِالْكَرمِ وَمَا أحسن قَول أبي نصر الميكالي (الْكَامِل)
(باني العلى وَالْمجد وَالْإِحْسَان ... وَالْفضل وَالْمَعْرُوف أكْرم باني)
(الْجُود رَأْي مُسَدّد وموفق ... والبذل فعل مؤيد وَمَعَان)
...
(1/310)

(وَالْبر أكْرم مَا وعته حقيبة ... وَالشُّكْر افضل مَا حوته يدان)
(وَإِذا الْكَرِيم مضى وَولى عمره ... كفل الثَّنَاء لَهُ بعمر ثَان)
وَلأَجل هَذَا الْبَيْت الْأَخير أنشدت هَذِه الأبيات وعاه يعيه حفظه وَجمعه والحقيبة أَصله الْعَجز ثمَّ سمي مَا يحمل من القماش على الْفرس خلف حقيبته مجَازًا لِأَنَّهُ مَحْمُول على الْعَجز وَقَوله فبعدك أبدى إِلَخ فِيهِ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والضغينة والضغن بِالْكَسْرِ اسْم من ضغن صَدره ضغنا من بَاب تَعب بِمَعْنى حقد وسد أغلق والطرف مصدر طرف الْبَصَر طرفا من بَاب ضرب تحرّك وَنظر وَهُوَ مفعول مقدم والعيون فَاعل مُؤخر والكواشح جمع كاشحة مؤنث الْكَاشِح وَهُوَ مُضْمر الْعَدَاوَة وكشح لَهُ بالعداوة عَادَاهُ ككاشحه وَإِنَّمَا نسبه إِلَى الْعُيُون لِأَن الْعَدَاوَة أول مَا تظهر من الْعين أَي صرت بعْدك ذليلا لَا أقدر أَن أرفع بَصرِي إِلَى أحد وَفِي نُسْخَة وسدد لي من التسديد وَهُوَ التَّقْوِيم أَي صوبت نحوي عُيُون الْأَعْدَاء نظرها وَهَذِه أحسن وَقَوله ذكرت الَّذِي إِلَخ ضمير مَوته رَاجع للَّذي وَهُوَ الْعَائِد وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمات وَالْعَاقِب الَّذِي يخلف من كَانَ قبله فِي الْخَيْر وَضمير عاقبه رَاجع للندى يَقُول مَاتَ الندى مَعَ من يخلفه عِنْد موت يزِيد وَيصِح أَن يعود الضَّمِير ليزِيد وَإِذ مُتَعَلقَة بذكرت والصالح من الصّلاح والطالح من الطلاح وَهُوَ ضد الصّلاح والأرق السهر وتمطى امْتَدَّ وَطَالَ
(1/311)

وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى مَا مضى والثني بِكَسْر الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون يُقَال ثني من اللَّيْل أَي
سَاعَة وَقيل وَقت وراجح أَي زَائِد ثقيل من رجح الْمِيزَان رجوحا مَال وَإِذا عاملها تمطى يشكو بِهَذَا الْبَيْت طول اللَّيْل وَقَوله أَمْسَى بدومة ثاويا دومة بِفَتْح الدَّال وَالْمِيم اسْم مَوضِع بَين الشَّام والموصل وَهُوَ من منَازِل جذيمة الأبرش كَانَ وَقع فِيهِ الطَّاعُون ذكره الأخطل فِي شعره كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ وغاد فَاعل سقى واحده غادية وَهِي السحابة تنشأ غدْوَة والرائح مطر الْعشي وَهُوَ آخر النَّهَار وَقَوله من الدَّلْو كَانَ فِي الأَصْل صفة لما بعده فَلَمَّا قدم صَار حَالا وَإِنَّمَا خص السَّحَاب كَونه من الدَّلْو والجوزاء لِكَثْرَة مَاله فَإِن الدَّلْو وسط فصل الشتَاء فَإِن الشَّمْس تحل فِيهِ بالجدي والدلو والحوت والجوزاء آخر فصل الرّبيع وَالشَّمْس تحل فِيهِ بِالْحملِ والثور والجوزاء ونهشل بن حري بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بِلَفْظ الْمَنْسُوب إِلَى الْحر أَو إِلَى الْحرَّة وَهُوَ ابْن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة ابْن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَكَانَ اسْم ضَمرَة جد نهشل شقة بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَدخل على النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا شقة بن ضَمرَة قَالَ النُّعْمَان تسمع بالمعيدي لَا أَن ترَاهُ فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا الْمَرْء باصغريه بِقَلْبِه وَلسَانه إِن نطق نطق بِبَيَان وَإِن قَاتل قَاتل بجنان قَالَ أَنْت ضَمرَة بن ضَمرَة يُرِيد أَنَّك كأبيك كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَكَانَ نهشل شَاعِرًا حسن الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل
(1/312)

(الطَّوِيل)
(وَيَوْم كَأَن المصطلين بحره ... وَإِن لم تكن نَار وقُوف على جمر)
(صَبرنَا لَهُ حَتَّى يبوخ وَإِنَّمَا ... تفرج أَيَّام الكريهة بِالصبرِ)
قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف وَابْنه حري بن نهشل بن حري شَاعِر أَيْضا وَله يَقُول الفرزدق
(أحري قد فاتتك أُخْت مجاشع ... فصيلة فانكح بعْدهَا أَو تأيم)
ونهشل بن حري من المخضرمين نقل ابْن حجر فِي الْإِصَابَة عَن المرزباني أَنه شرِيف مَشْهُور مخضرم بَقِي غلى أَيَّام مُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَ عَليّ فِي حروبه وَقتل أَخُوهُ مَالك بصفين وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَئِيس بن حَنْظَلَة وَكَانَت رايتهم مَعَه ورثاه نهشل بمراث كَثِيرَة قَالَ وَأَبوهُ شَاعِر شرِيف مَشْهُور مَذْكُور وجده ضمره سيد ضخم الشّرف وَكَانَ من خير بيُوت بني دارم
(تَتِمَّة)
نسب النّحاس هَذِه الأبيات فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَتَبعهُ ابْن هِشَام للبيد الصَّحَابِيّ وَحكى الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّهَا لمزرد أخي الشماخ وَقَالَ ابْن السيرافي هِيَ لِلْحَارِثِ بن ضرار النَّهْشَلِي يرثي يزِيد بن نهشل وَقَالَ اللبلي إِنَّهَا لِضِرَار النَّهْشَلِي وَذكر البعلي أَنَّهَا لِلْحَارِثِ بن نهيك النَّهْشَلِي وَقيل هِيَ للمهلهل وَالصَّوَاب أَنَّهَا لنهشل بن حري كَمَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لِابْنِ خلف وَكَذَا فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح وَالله أعلم
(1/313)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
(لَا تجزعي إِن منفس أهلكته)
وَتَمَامه
(وَإِذا هَلَكت فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي)
على أَن الْكُوفِيّين أضمروا فعلا رَافعا لمنفس أَي إِن هلك منفس أَو أهلك منفس وَأوردهُ فِي بَاب الِاشْتِغَال أَيْضا كَذَا وَأما البصريون فقد رَوَوْهُ
(لَا تجزعي إِن منفسا أهلكته)
وَكَذَا أوردهُ سِيبَوَيْهٍ بِنصب منفس على أَنه مَنْصُوب بِفعل مُضْمر تَقْدِيره إِن أهلكت منفسا أهلكته فأهلكته الْمَذْكُور مُفَسّر للمحذوف وَهَذِه الْجُمْلَة من بَاب الِاشْتِغَال لَا تدخل فِي الْجُمْلَة التفسيرية الَّتِي لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَإِن حصل بهَا تَفْسِير قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات الْفِعْل الْمَحْذُوف وَالْفِعْل الْمَذْكُور فِي نَحْو قَوْله لَا تجزعي إِن منفسا أهلكته مجزومان فِي التَّقْدِير وَإِن انجزام الثَّانِي لَيْسَ على الْبَدَلِيَّة إِذْ لم يثبت حذف الْمُبدل مِنْهُ بل على تَكْرِير إِن أَي إِن أهلكت منفسا إِن أهلكته وساغ إِضْمَار إِن وَإِن لم يجز إِضْمَار لَام الْأَمر إِلَّا ضَرُورَة لاتساعهم فِيهَا بِدَلِيل إيلائهم إِيَّاهَا الِاسْم وَلِأَن تقدمها مقو للدلالة عَلَيْهَا وَقَوله وَإِذا هَلَكت الْوَاو عطفت هَذِه الْجُمْلَة الشّرطِيَّة على الشّرطِيَّة الَّتِي قبلهَا وَلم أر فِي جَمِيع الطّرق من روى بِالْفَاءِ بدل الْوَاو إِلَّا الْعَيْنِيّ
(1/314)

فَإِنَّهُ قَالَ الْفَاء عاطفة وَالْمعْنَى لَا يَقْتَضِي الْفَاء فَإِنَّهَا تدل على التَّرْتِيب والتعقيب والسببية وَالثَّلَاثَة منتفية سَوَاء كَانَ التَّرْتِيب معنويا كَمَا فِي قَامَ زيد فعمرو أَو زَكَرِيَّا وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو ونادى نوح ربه فَقَالَ رب)
وَقَوله فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي أوردهُ الشَّارِح فِي الْفَاء العاطفة على أَن إِحْدَى الفاءين زَائِدَة وَلم يعين أَيَّتهمَا زَائِدَة
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل القصرية الْفَاء الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة فَاء الْجَزَاء ثمَّ قَالَ أجعَل الزَّائِدَة أَيهمَا شِئْت وَعين القَاضِي فِي تَفْسِيره الْفَاء الأولى فَإِنَّهُ أورد الْبَيْت نظيرا لقَوْله تَعَالَى {فبذلك فليفرحوا} فَقَالَ الْفَاء فِي بذلك زَائِدَة مثلهَا الْفَاء الدَّاخِلَة على عِنْد فِي الْبَيْت وَتَقْدِيم عِنْد للتَّخْفِيف كتقديم ذَلِك وسيبويه لَا يثبت زِيَادَة الْفَاء وَحكم بزيادتها هُنَا للضَّرُورَة وَمن تبعه وَجه مَا أوهم الزِّيَادَة فوجهها صَاحب اللّبَاب بِأَنَّهَا إِنَّمَا كررت هُنَا لبعد الْعَهْد بِالْفَاءِ الأولى كَمَا كرر الْعَامِل فِي قَوْله (الطَّوِيل)
(لقد علم الْحَيّ اليمانون أنني ... إِذا قلت أما بعد أَنِّي خطيبها)
أُعِيد أَنِّي لبعد الْعَهْد بأنني وَأَجَازَ الْأَخْفَش زيادتها فِي الْخَبَر مُطلقًا وَحكى زيد فَوجدَ وَقَيده بَعضهم بِكَوْن الْخَبَر أمرا أَو نهيا نَحْو
(وقائلة خولان فانكح فناتهم)
وَقَوله (الْخَفِيف)
(أَنْت فَانْظُر لأي ذَاك تصير)
وأوله المانعون بِأَن التَّقْدِير هَذَا زيد فَوجدَ وَهَذِه خولان وَبِأَن الأَصْل انْظُر فَانْظُر ثمَّ حذف انْظُر فبرز ضَمِيره والجزع قيل هُوَ الْحزن وَقيل أخص مِنْهُ فَإِنَّهُ حزن يمْنَع الْإِنْسَان ويصرفه عَمَّا هُوَ بصدده ويقطعه عَنهُ
(1/315)

وَأَصله الْقطع يُقَال جزعت الْحَبل قطعته لنصفه وَيُقَال أَيْضا جزعنا الْوَادي أَي قطعناه عرضا
وَقيل هُوَ قِطْعَة مُطلقًا فالجزع بِالْفَتْح الْمصدر والجزع بِالْكَسْرِ مُنْقَطع الْوَادي وَقيل هُوَ الْفَزع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أجزعنا أم صَبرنَا} والفزع أخص من الْخَوْف وَهُوَ انقباض يعتري الْإِنْسَان ونفار من كل شَيْء مخيف وَهُوَ من جنس الْجزع والمنفس قَالَ فِي الْقَامُوس وَشَيْء نَفِيس ومنفوس ومنفس بِالضَّمِّ يتنافس فِيهِ ويرغب وَنَفس ككرم نفاسه ونفاسا بِالْكَسْرِ ونفسا بِالتَّحْرِيكِ والنفيس المَال الْكثير وَنَفس بِهِ كفرح ضن وَعَلِيهِ بِخَير حسد وَعَلِيهِ الشَّيْء نفاسه لم يره لَهُ أَهلا انْتهى وَفِي عُمْدَة الْحفاظ وأصل المنافسة مجاهدة النَّفس للتشبيه بالأفاضل فِي غير إِدْخَال ضَرَر على غَيره وَشَيْء نَفِيس منفوس بِهِ أَي مضنون والإهلاك لشَيْء إِيقَاع الْهَلَاك بِهِ والهلاك على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا وَهُوَ المُرَاد هُنَا افتقاد الشَّيْء عَنْك وَهُوَ مَوْجُود عِنْد غَيْرك وَمِنْه هلك عني سلطانيه. وَالثَّانِي هَلَاك الشَّيْء باستحالة وَفَسَاد كَقَوْلِه تَعَالَى {وَيهْلك الْحَرْث والنسل} وَالثَّالِث الْمَوْت نَحْو إِن امْرُؤ هلك وَالرَّابِع الشَّيْء من الْعَالم وَعَدَمه رَأْسا وَذَلِكَ هُوَ الْمُسَمّى فنَاء كَقَوْلِه تَعَالَى (كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه) وَقد يُطلق الْهَلَاك على الْعَذَاب وَالْخَوْف والفقر وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا أَسبَابه يَقُول لَا تجزعي من إنفاقي النفائس مَا دمت حَيا فَإِنِّي أحصل أَمْثَالهَا وأخلفها عَلَيْك وَلَكِن أجزعي إِذا مت فَإنَّك لَا تجدين خلفا منى وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة للنمر بن تولب يصف نَفسه فِيهَا بِالْكَرمِ
(1/316)

ويعاتب زَوجته على لومها فِيهِ وَكَانَ أَضَافَهُ قوم فِي الْجَاهِلِيَّة فعقر لَهُم أَربع قَلَائِص وَاشْترى لَهُم زق خمر فَلَامَتْهُ على ذَلِك فَقَالَ هَذِه القصيدة وَهِي (الْكَامِل)
(قَالَت لتعذلني من اللَّيْل اسْمَع ... سفه تبيتك الْمَلَامَة فاهجعي)
قَوْله اسْمَع مقول قَوْلهَا وَقَوله سفه إِلَخ هُوَ خبر مقدم وتبيتك مُبْتَدأ مُؤخر والملامة مفعول تبيتك وَهُوَ مُضَاف لفَاعِله وروى سفها بِالنّصب فَتكون كَانَ مقدرَة وعَلى الْوَجْهَيْنِ الْجُمْلَة مقولة لقَوْل مَحْذُوف اي فَقلت لَهَا يَقُول لامت من اللَّيْل عجلة عَن الصُّبْح وَكَانَ ذَلِك مِنْهَا سفها مثله قَول الشَّاعِر (الْبَسِيط)
(هبت تلوم وبئست سَاعَة اللاحي ... هلا انتظرت بِهَذَا اللوم إصباحي)
والسَّفه خفَّة الْعقل وَالْأَصْل فِيهِ خفَّة النسج فِي الثَّوْب يُقَال ثوب سَفِيه أَي خَفِيف النسج والسفه أَيْضا خفه الْبدن وَمِنْه زِمَام سفية أَي كثير الِاضْطِرَاب وَاسْتعْمل فِي خفَّة النَّفس كنقصان الْعقل فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة والأخروية قَالَ تَعَالَى (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَي ضَعِيف الْعقل بِاعْتِبَار خفته وَلذَلِك قوبل برزانة فَقيل رزين الْعقل والتبيت أَرَادَ بِهِ التبييت لِأَنَّهُ مصدر بَيت الْأَمر أَي دبره لَيْلًا والهجوع النّوم بِاللَّيْلِ
(لَا تجزعي لغد وَأمر غَد لَهُ ... أتعجلين الشَّرّ مَا لم تمنعي)
يَقُول إننا الْآن بِخَير فَلم تعجلين الشَّرّ مَا لم تمنعي من الْخَيْر وَقَوله وَأمر غَد لَهُ أَي أَن أَمر غَد أَو رزق غَد موكول إِلَى غَد فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التحزن مُنْذُ الْيَوْم وَقَوله أتعجلين اسْتِفْهَام توبيخي وتعجلين بِفَتْح التَّاء وَأَصله بتاءين وَأَرَادَ ب الشَّرّ الْفقر أَو الْجزع وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفيه ...
(1/317)

(قَامَت تبْكي أَن سبأت لفتية ... زقا وخابية بِعُود مقطع)
تبْكي بِضَم التَّاء وَكسر الْكَاف الْمُشَدّدَة يُقَال بكاه عَلَيْهِ تبكية اي هيجه للبكاء فمفعوله مَحْذُوف وروى تباكى أَي تتباكى وسبأ الْخمر مَهْمُوز الآخر كجعل سبأ وسباء واستبأها أَيْضا بِمَعْنى اشْتَرَاهَا للشُّرْب لَا للتِّجَارَة والزق بِالْكَسْرِ جلد يخرز وَلَا ينتف صوفه يكون للشراب وَغَيره والزق بِالضَّمِّ الْخمر نَفسهَا والخابية الجرة الْعَظِيمَة وَيُقَال الْحبّ والزير وَأَصلهَا الْهَمْز لَكِن تَرَكُوهُ وَالْعود بِفَتْح الْمُهْملَة المسن من الْإِبِل والمقطع بزنة اسْم الْمَفْعُول
الْبَعِير الَّذِي أقطع عَن الضراب وَالْبَعِير قَامَ من الهزال يخبر أَنَّهَا لامته فِيمَا لَا خطر لَهُ
(وقريت فِي مقرى قَلَائِص أَرْبعا ... وقريت بعد قرى قَلَائِص أَربع)
قريت الضَّيْف قرى بِالْكَسْرِ وَالْقصر وقراء بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي أضفته والمقرى بِالْفَتْح مَوضِع الْقرى وبالكسر وَكَذَلِكَ المقرأة الْقَصعَة الَّتِي يقرى فِيهَا وقلائص مفعول قريت وَهِي جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة وَلِهَذَا حذف التَّاء من الْعدَد وَقَوله بعد قرى قَلَائِص أَربع كل لفظ مُضَاف لما بعده إِلَى الآخر يَقُول قريت فِي مَوضِع قَلَائِص أَرْبعا وَلم يمنعنى ذَلِك أَن قريت بعدهن
(أتبكيا من كل شَيْء هَين ... سفة بكاء الْعين مَا لم تَدْمَع)
يَقُول سفة بكاؤك من كل شَيْء لَا يحزنك وَلَا تَدْمَع عَيْنك مِنْهُ فَلَو كنت حزينة كَانَ أعذر لَك عِنْدِي
(فَإِذا أَتَانِي إخوتي فدعيهم ... يتعللوا فِي الْعَيْش أَو يلهوا معي] 9 ... تعلل بِالْأَمر تشاغل بِهِ والعيش الْحَيَاة المختصة بِالْحَيَوَانِ وَهُوَ أخص
(1/318)

من الْحَيَاة لِأَن الْحَيَاة تقال فِي الْحَيَوَان وَفِي الْملك وَفِي الْبَارِي تَعَالَى (وَاللَّهْو) الشّغل عَن مهمات الْأُمُور بِمَا تميل إِلَيْهِ النَّفس وَالْوَاو فِي يلهوا ضمير الْجَمَاعَة وَلَام الْفِعْل محذوفة مثل الرِّجَال يعفون
(لَا تطرديهم عَن فِرَاشِي إِنَّه ... لابد يَوْمًا أَن سيخلو مضجعي)
الْفراش الْبَيْت كَذَا قَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي شَرحه وَهِي هُنَا لَفْظَة قبيحة وَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة
(هلا سَأَلت بعادياء وبيته ... والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع)
قَالَ شَارِح الدِّيوَان مُحَمَّد بن حبيب بعادياء يُرِيد عَن عادياء يَقُول لم يبْق عادياء وَكَذَلِكَ أَنا أقل بَقَاء وَهُوَ عادياء أَبُو السموءل الْأَزْدِيّ الغساني وَقَالَ آخَرُونَ يُرِيد عادا وكل شَيْء قديم عِنْد الْعَرَب عادي وَقَوله والخل وَالْخمر الَّتِي لم تمنع يَعْنِي الْخَيْر وَالشَّر كَمَا يُقَال مَا فلَان بخل وَلَا بِخَمْر أَي لَيْسَ عِنْده خير وَلَا شَرّ واذهب فَمَا أَنْت بخل وَلَا خمر قَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْثَال أَرَادَ أَنه كَانَ لَا يبخل بِشَيْء مِمَّا كَانَ عِنْده
(وفتاتهم عنز عَشِيَّة أَبْصرت ... من بعد مرأى فِي الفضاء ومسمع)
(قَالَت أرى رجلا يقلب نَعله ... أصلا وجو آمن لم يفزع)
قَوْله وفتاتهم مجرور وعنز عطف بَيَان عَلَيْهِ وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَآخره زَاي مُعْجمَة اسْم زرقاء الْيَمَامَة وَكَانَت من جديس بنت ملكهم وَكَانَت تغذى بالمخ وَفِي الْقَامُوس وعنز امْرَأَة من طسم سبيت فحملوها فِي هودج وألطفوها بالْقَوْل وَالْفِعْل فَقَالَت هَذَا شَرّ يومي حِين صرت أكْرم للسباء وَنصب شَرّ على معنى ركبت فِي شَرّ يوميها
(1/319)

ثمَّ قَالَ وزرقاء الْيَمَامَة امْرَأَة من جديس كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام انْتهى فَتَأمل قَالَ الشَّاعِر (الرمل)
(شَرّ يوميها وأغواه لَهَا ... ركبت عنز بحدج جملا)
وَكَانَت رَأَتْ رجلا من طلائع جمع تبع قُدَّام الْجَيْش يقلب نعلا من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يفزع لَهُم أحد وَلم يعلم بمجيئهم وَالْأَصْل جمع أصيل وَهُوَ مَا بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب وَقَوله وجو يُرِيد أهل جو وجو اسْم بلد وَهِي الْيَمَامَة الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا زرقاء الْيَمَامَة وَقَوله وفتاتهم قَالَ ابْن حبيب نسب عَنْزًا إِلَى بَيت عادياء وَلَيْسَت مِنْهُم وَإِنَّمَا كَانَ شَيْئا فِي أول الدَّهْر فنسبه إِلَى بَعضهم كَمَا قَالَ زُهَيْر كأحمر عَاد وَإِنَّمَا كَانَ فِي ثَمُود وكما قَالَ آخر
(مثل النَّصَارَى قتلوا المسيحا)
(فَكَأَن صَالح أهل جو غدْوَة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع)
يُرِيد الْجَمِيع لِأَنَّهُ إِذا هلك الْوُجُوه والصالحون مِنْهُم فَالَّذِينَ دونهم أَحْرَى أَن يهْلكُوا وَقد صبحوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الصبوح وَهُوَ شرب الْغَدَاة تَقول
صبحته صبحا من بَاب ضَربته والذيفان بِفَتْح الذَّال وَكسرهَا وبالمثناة التَّحْتِيَّة وتهمز فيهمَا السم الْقَاتِل والسمام بِالْكَسْرِ جمع سم والمنقع كل مَا ينقع مالماء وَنَحْوه
(كَانُوا كأنعم من رَأَيْت فَأَصْبحُوا ... يلوون زَاد الرَّاكِب الْمُتَمَتّع)
أَي كَانُوا بِنِعْمَة وخصب ثمَّ أَصْبحُوا يعسر عَلَيْهِم أَن يزودوا رَاكِبًا لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك والمتعة الزَّاد يَقُول مَا لَهُ مُتْعَة وَلَا بتات يَقُول
(1/320)

الْمُسَافِر متعني وبتتني وزودني كل ذَلِك بِمَعْنى وَاحِد
(كَانَت مُقَدّمَة الْخَمِيس وَخَلفهَا ... رقص الركاب إِلَى الصَّباح بتبع)
الرقص بِفتْحَتَيْنِ الخبب وَهُوَ نوع من السّير وأرقص الرجل بعيره أَي حمله على الخبب ويروى ركض الركاب والركاب الْإِبِل واحده رَاحِلَة وَضمير كَانَت رَاجع إِلَى نظرة عنز الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة المفهومة من السِّيَاق وَخلف تِلْكَ النظرة إبل تبع تسير إِلَى الصَّباح حَتَّى لحقهم وَتبع أَبُو حسان بن تبع الَّذِي غزا جديس فَقَتلهُمْ واستباح الْيَمَامَة
(لَا تجزعي إِن منفس أهلكته الْبَيْت)
وَهَذَا آخر القصيدة والنمر بن تولب صَحَابِيّ يعد من المخضرمين وَنسبه مَذْكُور فِي الِاسْتِيعَاب وَغَيره وَهُوَ عكلي مَنْسُوب إِلَى عكل بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف وَهِي أمة كَانَ تزَوجهَا عَوْف بن قيس بن وَائِل بن عَوْف بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة فَولدت لَهُ ثَلَاث بَنِينَ ثمَّ مَاتَ فحضنتهم عكل فنسبوا إِلَيْهَا والنمر شَاعِر جواد وَاسع الْعَطاء كثير الْقرى وهاب لمَاله وَكَانَ أَبُو عَمْرو ابْن الْعَلَاء يسمية الْكيس لجودة شعره وَكَثْرَة أَمْثَاله وَيُشبه شعره بِشعر حَاتِم
الطَّائِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ النمر شَاعِر الربَاب فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يمدح أحدا وَلَا هجا ووفد على النَّبِي
مُسلما وَهُوَ كَبِير
(1/321)

قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين عَاشَ النمر بن تولب مِائَتي سنة وخرف وَأُلْقِي على لِسَانه انحروا للضيف أعْطوا السَّائِل اصبحوا الرَّاكِب أَي اسقوه الصبوح قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمته من كتاب الشُّعَرَاء وَألقى بعض البطالين على لِسَانه نيكوا الرَّاكِب فَكَانَ يَقُولهَا وَمن شعره (الْكَامِل)
(لَا تغضبن على امْرِئ فِي مَاله ... وعَلى كرائم صلب مَالك فاغضب)
(وَإِذا تصبك خصَاصَة فارج الْغنى ... وَإِلَى الَّذِي يُعْطي الرغائب فارغب)
(بَاب التَّنَازُع)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ (السَّرِيع)
(فَكنت كالساعي إِلَى مثعب ... موائلا من سبل الراعد)
على أَن الْكسَائي وَقع فِي أشنع مِمَّا فر مِنْهُ من حذف الْفَاعِل مضمرا لِئَلَّا يلْزم الْإِضْمَار قبل الذّكر فِي نَحْو ضرباني وَضربت الزيدين مَعَ أَن الْإِضْمَار قبل الذّكر قد ورد وَحذف الْفَاعِل فِي غير الْمسَائِل المحصورة لم يرد والساعي من سعى الرجل فِي مَشْيه وسعى إِلَى الصَّلَاة ذهب إِلَيْهَا على أَي وَجه كَانَ وأصل السَّعْي التَّصَرُّف فِي كل عمل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى} والمثعب بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ وَاحِد مثاعب الْحِيَاض وانثعب المَاء جرى فِي المثعب وثعبت المَاء فِي الْحَوْض بِالتَّخْفِيفِ فجرته والثعب
(1/322)

بِالتَّحْرِيكِ مسيل المَاء فِي الْوَادي والموائل اسْم فَاعل من واءل مِنْهُ على وزن فَاعل أَي طلب النجَاة وهرب والموثل الملجأ وَقد وأل يئل وَألا ووؤلا على فعول أَي لَجأ والسبل بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة المفتوحتين هُوَ الْمَطَر والراعد سَحَاب ذُو رعد وَيُقَال رعدَتْ السَّمَاء رعدا من بَاب قتل ورعودا لَاحَ مِنْهَا الرَّعْد كَذَا فِي الْمِصْبَاح يَقُول أَنا فِي التجائي إِلَيْهِ كالهارب من السَّحَاب ملتجئا إِلَى الْمِيزَاب وَمثله قَول الشَّاعِر (الْبَسِيط)
(المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
وَالْبَيْت لسَعِيد بن حسان وَقَبله
(فَرَرْت من معن وإفلاسه ... إِلَى اليزيدي أبي وَاقد)
ومعن هُوَ معن بن زَائِدَة الْأَمِير الْجواد الْمَضْرُوب مثلا فِي الْجُود وَالْكَرم وَإِنَّمَا قَالَ وإفلاسه لِأَن الإفلاس لَازم للكرام فِي أَكثر الْأَيَّام واليزيدي هُوَ أحد أَوْلَاد يزِيد بن عبد الْملك وَقد أورد الْعُتْبِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي تَارِيخ يَمِين الدولة مَحْمُود بن سبكتكين تمثيلا ونسبهما إِلَى سعيد بن حسان ونقلتهما مِنْهُ لِأَنِّي لم أرهما إِلَّا فِيهِ ونقلت شرح بَيته الأول من شرح التَّارِيخ الْمَذْكُور لأبي عبد الله مَحْمُود بن عمر النَّيْسَابُورِي الشهير بالنجاتي
(1/323)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ (الْخَفِيف)
(لَا تخلنا على غراتك إِنَّا ... طالما قد وشى بِنَا الْأَعْدَاء)
على أَن بَعضهم جوز فِي السعَة حذف أحد مفعولي بَاب علمت للقرينة مستدلا بِهَذَا الْبَيْت أَي لَا تخلنا أذلاء الأولى هالكين أَو جازعين والقرينة الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ
(فبقينا على الشناءة تنمينا ... جدود وَعزة قعساء)
أَي فبقينا على بغض الْأَعْدَاء لنا وَلم يضرنا بغضهم والشناءة بِالْفَتْح
وَالْمدّ البغض وتنمينا ترفعنا يُقَال نماه كَذَا أَي رَفعه والقعساء الثَّابِتَة والجدود جمع جد بِالْفَتْح وَهُوَ الْحَظ وَالْبخْت وخال يخال بِمَعْنى ظن وَحسب وعَلى بِمَعْنى مَعَ والغراة بِالْفَتْح وَالْقصر اسْم بِمَعْنى الإغراء وَيُقَال أغريته بِهِ إغراء فأغري بِهِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَقد روى على غرائك أَيْضا بِالْمدِّ وَهُوَ مُضَاف لفَاعِله وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي الْملك وَقَالَ أَبُو زيد فِي نوادره يُقَال أغريت فلَانا بِصَاحِبِهِ إغراء وآسدت بَينهمَا إيسادا إِذا حملت كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه حَتَّى غري بِهِ أَي لزق بِهِ غرى شَدِيدا مَقْصُور وغريت أَنا بفلان فَأَنا أغرى بِهِ غرى إِذا أولعت بِهِ من غير تحميل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَإِنَّا بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ اسْتِئْنَاف بياني وطالما أَي كثيرا مَا وَهُوَ فعل مكفوف عَن الْفَاعِل لاتصاله بِمَا الكافة وروى أَيْضا قبل مَا قد وشى بِضَم اللَّام أَي قبلك وَمَا زَائِدَة ووشى بِهِ عِنْد السُّلْطَان وشيا سعى بِهِ وَقبل هَذَا الْبَيْت ...
(1/324)

(أَيهَا النَّاطِق المرقش عَنَّا ... عِنْد عَمْرو وَهل لذاك بَقَاء)
والمرقش المزين أَرَادَ الَّذِي يزين القَوْل بِالْبَاطِلِ يَقُول يَا أَيهَا النَّاطِق عِنْد الْملك الَّذِي يبلغهُ عَنَّا مَا يرِيبهُ فِي محبتنا إِيَّاه ودخولنا تَحت طَاعَته هَل لهَذَا التَّبْلِيغ بَقَاء وَهُوَ اسْتِفْهَام إنكاري لِأَن الْملك يبْحَث عَنهُ فَيعلم ذَلِك من الأكاذيب وعَمْرو هُوَ عَمْرو هُوَ عَمْرو بن الْمُنْذر الْأَكْبَر بن مَاء السَّمَاء وَيُقَال لَهُ أَيْضا عَمْرو بن هِنْد ويلقب بالمحرق لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم فِي النَّار وَقيل بل حرق نخل الْيَمَامَة وَهُوَ من مُلُوك الْحيرَة وَهَذِه الأبيات من الْمُعَلقَة الْمَشْهُورَة لِابْنِ حلزة وَهُوَ الْحَارِث بن حلزة من بني يشْكر بن بكر بن وَائِل وَهُوَ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة وَهُوَ فِي
اللُّغَة كَمَا قَالَ الصَّاغَانِي اسْم دويبة وَاسم البومة وَالذكر بِدُونِ هَاء وَيُقَال امْرَأَة حلزة للقصيرة والبخيلة والحلز السيء الْخلق انْتهى وَقَالَ قطرب حُكيَ لنا أَن الحلزة ضرب من النَّبَات وَلم نسْمع فِيهِ غير ذَلِك قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَجود الشُّعَرَاء قصيدة وَاحِدَة جَيِّدَة طَوِيلَة ثَلَاثَة نفر عَمْرو بن كُلْثُوم والْحَارث بن حلزة وطرفة بن العَبْد وَزعم الْأَصْمَعِي أَن الْحَارِث قَالَ قصيدته هَذِه وَهُوَ ابْن مائَة وَخمْس وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ من حَدِيثه أَن عَمْرو بن هِنْد لما ملك الْحيرَة وَكَانَ جبارا جمع بكرا وتغلب فَأصْلح بَينهم وَأخذ من الْحَيَّيْنِ رهنا من كل حَيّ مائَة غُلَام ليكف بَعضهم عَن بعض وَكَانَ أُولَئِكَ الرَّهْن يَسِيرُونَ ويغزون مَعَ الْملك فَأَصَابَتْهُمْ سموم فِي بعض مَسِيرهمْ فَهَلَك عَامَّة التغلبيين وَسلم البكريون فَقَالَت تغلب لبكر بن وَائِل أعطونا ديات أَبْنَائِنَا فَإِن ذَلِك لَازم لكم فَأَبت بكر فاجتمعت
(1/325)

تغلب إِلَى عَمْرو بن كُلْثُوم فَقَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم لتغلب بِمن ترَوْنَ بكرا تعصب أمرهَا الْيَوْم قَالُوا بِمن عَسى إِلَّا بِرَجُل من بني ثَعْلَبَة قَالَ عَمْرو أرى الْأَمر وَالله سينجلي عَن أَحْمَر أصلع أَصمّ من بني يشْكر فَجَاءَت بكر بالنعمان بن هرم أحد بني ثَعْلَبَة بن غنم بن يشْكر وَجَاءَت تغلب بِعَمْرو بن كُلْثُوم فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد الْملك قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم للنعمان بن هرم يَا أَصمّ جَاءَت بك أَوْلَاد ثَعْلَبَة تناضل عَنْهُم وَقد يفخرون عَلَيْك فَقَالَ النُّعْمَان وعَلى من أظلت السَّمَاء يفخرون قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم وَالله إِنِّي لَو لطمتك لطمة مَا أخذُوا بهَا قَالَ وَالله أَن لَو فعلت مَا أفلت بهَا قيس أير أَبِيك فَغَضب عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ يُؤثر بني تغلب على بكر وَجرى بَينهمَا كَلَام فَغَضب عَمْرو بن هِنْد غَضبا شَدِيدا حَتَّى هم بالنعمان فَقَامَ الْحَارِث بن حلزة وارتجل هَذِه القصيدة وتوكأ على قوسه فزعموا أَنه انتظم بهَا كَفه وَهُوَ لَا يشْعر من الْغَضَب وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب كَانَ مُتكئا على عنزة فارتزت فِي جسده وَهُوَ لَا يشْعر والعنزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون رمح صَغِير فِيهِ
زج أَي حَدِيدَة وَكَانَ عَمْرو بن هِنْد شريرا لَا ينظر إِلَى أحد بِهِ سوء وَكَانَ ابْن حلزة إِنَّمَا ينشده من وَرَاء حجاب لبرص كَانَ بِهِ فَلَمَّا أنْشدهُ هَذِه القصيدة أدناه حَتَّى جلس إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَكَانَ ينشده من وَرَاء سَبْعَة ستور فَأمر بِرَفْع الستور عَنهُ اسْتِحْسَانًا لَهَا
(1/326)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (الطَّوِيل)
(وَلَو أَن مَا أسعى لأدنى معيشة ... كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وَقد يدْرك الْمجد الموثل أمثالي)
على أَنه لَيْسَ من التَّنَازُع وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وَأَصله من إِيضَاح ابْن الْحَاجِب وَقد تكلم عَلَيْهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي مغنى اللبيب فِي لَو وَفِي الْأَشْيَاء الَّتِي تحْتَاج إِلَى رابط من الْبَاب الرَّابِع بتحقيق لَا مزِيد عَلَيْهِ
بقى أَن ابْن خلف نقل فِي شرح أَبْيَات الْكتاب عَن أبي عبد الله الْحسن بن مُوسَى الدينَوَرِي أَنه قَالَ وَالَّذِي يقوى فِي نَفسِي وَمَا سبقني إِلَيْهِ أحد أَن قَوْله وَلم أطلب مَعْنَاهُ وَلم أسع وَهُوَ غير مُتَعَدٍّ فَلذَلِك لم يحفل بِهِ وَلَا أعمل الأول وَلَا أَدْرِي كَيفَ خَفِي على الأفاضل من أَصْحَابنَا ذَلِك حَتَّى جعلُوا الْبَيْت شَاهدا لجَوَاز إِعْمَال الأول انْتهى وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء فَإِن الطّلب مَعْنَاهُ الفحص عَن وجود الشَّيْء عينا كَانَ ذَلِك الشَّيْء أَو معنى وَالسَّعْي السّير السَّرِيع دون الْعَدو وَيسْتَعْمل للْجدّ فِي الْأَمر وَهَذَا غير معنى الطّلب وَقد يكون لَازِما لَهُ واستعماله فِي اللَّازِم لَا قرينَة لَهُ مَعَ أَن الأول مُتَعَدٍّ وَالثَّانِي لَازم وَلم أطلب مُسْند إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم فَكيف يرفع وَمَا فِي أَن مَا مَصْدَرِيَّة لَا مَوْصُولَة لاحتياجها إِلَى الْعَائِد الْمُقدر أَي أسعى لَهُ
(1/327)

قَالَ ابْن خلف الْمجد الشّرف وَأَصله الْكَثْرَة فَكَأَن مَعْنَاهُ كَثْرَة الْأَفْعَال الجميلة الَّتِي توجب لصَاحِبهَا الشّرف وَهُوَ الِارْتفَاع انْتهى وَمثله فِي عُمْدَة الْحفاظ قَالَ وأصل الْمجد من مجدت الْإِبِل حصلت فِي مرعى كثير وَاسع وَقد أمجدها الرَّاعِي جعلهَا فِي ذَلِك وَتقول الْعَرَب فِي كل شجر نَار واستمجد المرخ والعفار ويروى بِصِيغَة الْمَاضِي والمرخ فَاعله بِمَعْنى استكثر النَّار وَفِي الْقَامُوس الْمجد نيل الشّرف وَالْكَرم أَو لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ وكرم الْآبَاء خَاصَّة والموثل قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات هُوَ الْمَجْمُوع وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس وَقَالَ ابْن السّكيت الموثل المستمر الْمُثبت يُقَال قد تأثل فلَان بِأَرْض كَذَا وَكَذَا أَي ثَبت فِيهَا وَقَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة يُقَال مجد موثل قديم لَهُ أصل والتأثل اتِّخَاذ أصل مَال والأثلة بِسُكُون الْمُثَلَّثَة الأَصْل قَالَ الْأَعْشَى
(أَلَسْت منتهيا عَن نحت أأثلتنا)
وَهَذَا البيتان من قصيدة لامرىء الْقَيْس مطْلعهَا
(أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
وَقد شرحنا فِي الشَّاهِد الثَّالِث من أَولهَا إِلَى قَوْله
(نظرت إِلَيْهَا والنجوم كَأَنَّهَا ... مصابيح رُهْبَان تشب لقفال)
عشْرين بَيْتا وَقد أَخذ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَبسط مَعْنَاهُمَا خفاف بن غضين البرجمي كَمَا رَأَيْته فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لأبي تَمام وَفِي المؤتلف والمختلف للآمدي
(1/328)

(الطَّوِيل)
(وَلَو أَن مَا أسعى لنَفْسي وَحدهَا ... لزاد يسير أَو ثِيَاب على جلدي)
(لأَنْت على نَفسِي وَبلغ حَاجَتي ... من المَال مَال دون بعض الَّذِي عِنْدِي)
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وَكَانَ أبي نَالَ المكارم عَن جدي)
وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى وغضين بِضَم الْغَيْن وَفتح الضَّاد المعجمتين وَأَنت بِضَم الْهمزَة فَهِيَ مَاض من الأون وَهُوَ الدعة والرفق وَالْمَشْي الهين وَبعد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَهُوَ آخر القصيدة
(وَمَا الْمَرْء مَا دَامَت حشاشة نَفسه ... بمدرك أَطْرَاف الخطوب وَلَا آلي)
أَي وَلَا بمقصر من أَلا يألو بِمَعْنى قصر وقبلهما بيتان وحكايتهما بَين سيف الدولة والمتنبي مَشْهُورَة وهما
(كَأَنِّي لم اركب جوادا للذة ... وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلجال)
(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال)
أخذهما عبد يَغُوث الجاهلي وأودعهما فِي قصيدة قَالَهَا بعد أَن أسر فِي يَوْم الْكلاب الثَّانِي وَلم يرد عَلَيْهِ مَا ورد على امْرِئ الْقَيْس وهما
(كَأَنِّي لم أركب جوادا وَلم أقل ... لخيلي كري نَفسِي عَن رجاليا)
(وَلم اسبأ الزق الروي وَلم أقل ... لأيسار صدق عظموا ضوء ناريا)
والأيسار جمع يَاسر وَهُوَ الجازر وَالَّذِي يَلِي قسْمَة جزور الميسر وَنسب امْرِئ الْقَيْس على مَا فِي المؤتلف والمختلف امْرُؤ الْقَيْس
(1/329)

بن حجر بن الْحَارِث بن عَمْرو بن حجر آكل المرار بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع ابْن مُعَاوِيَة بن ثَوْر الْأَكْبَر وَهُوَ كِنْدَة بن عفير بن عدي بن الْحَارِث بن مرّة ابْن أدد الشَّاعِر الْمُقدم وَنسبه لِابْنِ الْأَنْبَارِي فِي شرح المعلقات امْرُؤ الْقَيْس بن حجر بن الْحَارِث ابْن عَمْرو بن حجر بن عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن كِنْدَة بن ثَوْر بن مرتع بن عفير بن الْحَارِث بن مرّة بن عدي بن أدد بن عَمْرو بن هميسع بن عريب بن عَمْرو بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عَابِر بن شالخ ابْن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام ومرتع بِسُكُون الرَّاء وَكسر التَّاء ذكره ابْن مَاكُولَا وَابْن الْكَلْبِيّ وَقَالَ سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال لَهُ أرتعنا فَيَقُول أرتعتكم أَرض كَذَا وَالتَّشْدِيد ذكره أَيْضا لُغَة انْتهى وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي التكملة إِن مرتعا اسْمه عَمْرو وَذكر بَقِيَّة نسبه وَهُوَ أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
قَالَ ابْن خلف ويكنى امْرُؤ الْقَيْس أَبَا زيد وَأَبا وهب وَأَبا الْحَارِث وَذكر بعض اللغويين أَن اسْمه حندج وامرؤ الْقَيْس لقب لَهُ لقب بِهِ لجماله وَذَلِكَ أَن النَّاس قيسوا إِلَيْهِ فِي زَمَانه فَكَانَ أفضلهم والحندج بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالدَّال وَسُكُون النُّون وَآخره جِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة الرملة الطّيبَة
(1/330)

وَقيل كثيب من الرمل أَصْغَر من النقا وَيُقَال لامرئ الْقَيْس ذُو القروح أَيْضا لقَوْله (الطَّوِيل)
(وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة)
وَيُقَال لَهُ الْملك الضليل وَحجر فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم والمرار بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الراءين الْمُهْمَلَتَيْنِ شجر من أفضل العشب وأضخمة إِذا أَكلته الْإِبِل قلصت مشافرها فبدت أسنانها وَلذَلِك قيل لجد امْرِئ الْقَيْس آكل المرار لكشر كَانَ بِهِ وَهَذِه أَحْوَاله على وَجه الْإِجْمَال قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمته وَلما ملك حجر على بني أَسد كَانَ يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا مَعْلُوما فامتنعوا مِنْهُ فَسَار إِلَيْهِم فَأخذ سراوتهم فَقَتلهُمْ بِالْعِصِيِّ فسموا عبيد الْعَصَا وَأسر مِنْهُم طَائِفَة فيهم عبيد بن الأبرص فَقَامَ بَين يَدي الْملك وأنشده أبياتا يرققه بهَا مِنْهَا (مجزوء الْكَامِل)
(أَنْت المليك عَلَيْهِم ... وهم العبيد إِلَى القيامه)
فَرَحِمهمْ الْملك وَعَفا عَنْهُم وردهم إِلَى بِلَادهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا على مسيرَة يَوْم من تهَامَة تكهن كاهنهم عَوْف بن ربيعَة الْأَسدي فَقَالَ يَا عبَادي قَالُوا لبيْك رَبنَا فسجع لَهُم على قتل حجر وحرضهم عَلَيْهِ فركبت بَنو أَسد كل صَعب
وَذَلُول فَمَا أشرق لَهُم الضُّحَى حَتَّى انْتَهوا إِلَى حجر فوجدوه نَائِما فذبحوه وشدوا على هجائنه فاستاقوها وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس طرده أَبوهُ لما صنع فِي الشّعْر بفاطمة مَا صنع وَكَانَ لَهَا عَاشِقًا فطلبها زَمَانا فَلم يصل إِلَيْهَا وَكَانَ يطْلب مِنْهَا موعدا حَتَّى كَانَ مِنْهَا يَوْم الغدير بدارة جلجل مَا كَانَ فَقَالَ
(1/331)

(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
فَلَمَّا بلغ ذَلِك حجرا دَعَا مولى لَهُ يُقَال لَهُ ربيعَة فَقَالَ لَهُ اقْتُل امْرأ الْقَيْس وائتني بِعَيْنيهِ فذبح جؤذرا فَأَتَاهُ بِعَيْنيهِ فندم حجر على ذَلِك فَقَالَ أَبيت اللَّعْن إِنِّي لم أَقتلهُ قَالَ فائتني بِهِ فَانْطَلق فَإِذا هُوَ قد قَالَ شعرًا فِي رَأس جبل وَهُوَ قَوْله (الطَّوِيل)
(فَلَا تسلميني يَا ربيع لهَذِهِ ... وَكنت أَرَانِي قبلهَا بك واثقا)
فَرده إِلَى أَبِيه فَنَهَاهُ عَن قَول الشّعْر ثمَّ إِنَّه قَالَ (الطَّوِيل)
(إِلَّا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
فَبلغ ذَلِك أَبَاهُ فطرده كَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَفِيه أَن امْرأ الْقَيْس قَالَ هَذِه القصيدة فِي طَرِيق الشَّام عِنْد مسيره إِلَى قَيْصر بعد قتل أَبِيه وَلَعَلَّه شعر آخر ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فَبَلغهُ مقتل أَبِيه وَهُوَ بدمون فَقَالَ (الرجز)
(تطاول اللَّيْل علينا دمون ... دمون إِنَّا معشر يمانون)
(وإننا لأهلنا محبون)
ثمَّ قَالَ ضيعني صَغِيرا وحملني دَمه كَبِيرا لَا صحو الْيَوْم وَلَا سكر غَدا الْيَوْم خمر وَغدا أَمر ثمَّ آلى لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يشرب خمرًا حَتَّى يثأر بِأَبِيهِ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لَاحَ لَهُ برق فَقَالَ (المتقارب)
(أرقت لبرق بلَيْل أهل ... يضيء سناه بِأَعْلَى جبل)
(بقتل بني أَسد رَبهم ... أَلا كل شَيْء سواهُ جلل)
(1/332)

ثمَّ استجاش بكر بن وأئل فَسَار إِلَيْهِم وَقد لجئوا إِلَى كنَانَة فأوقع بهم ونجت بَنو كَاهِل من بني أَسد فَقَالَ (الرجز)
(يَا لهف نَفسِي إِذْ خطئن كاهلا ... القاتلين الْملك الحاحلا)
(تالله لَا يذهب شَيْخي بَاطِلا)
وَقد ذكر امْرُؤ الْقَيْس فِي شعره أَنه ظفر بهم فيأبى عَلَيْهِ ذَلِك الشُّعَرَاء قَالَ عبيد (مجزوء الْكَامِل)
(يَا ذَا المخوفنا بقتل أَبِيه إذلالا وحينا)
(أزعمت أَنَّك قد قتلت سراتنا كذبا ومينا)
وَلم يزل يسير فِي الْعَرَب يطْلب النَّصْر حَتَّى خرج إِلَى قَيْصر يستمده وَنظرت إِلَيْهِ ابْنه قَيْصر فعشقته فَكَانَ يَأْتِيهَا وتأتيه وفطن الطماح بن قيس الْأَسدي لَهما وَكَانَ حجر قتل أَبَاهُ فوشى بِهِ إِلَى الْملك فَخرج امْرُؤ الْقَيْس متسرعا
فَبعث قَيْصر فِي طلبه رَسُولا فأدركه دون أنقرة بِيَوْم وَمَعَهُ حلَّة مَسْمُومَة فلبسها فِي يَوْم صَائِف فَتَنَاثَرَ لَحْمه وتفطر جسده وَمَات هُنَاكَ وَكَانَ يحملهُ جَابر بن حني التغلبي فَذَلِك قَوْله (الطَّوِيل)
(فإمَّا تريني فِي رحالة جَابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني)
(فيا رب مكروب كررت وَرَاءه ... وعان فَككت الغل مِنْهُ فقداني)
(إِذا الْمَرْء لم يخزن عَلَيْهِ لِسَانه ... فَلَيْسَ على شَيْء سواهُ بخزان)
وَقَالَ حِين حَضرته الْوَفَاة (منهوك الْكَامِل)
(وطعنة مسحنفره ... وجفنه مثعنجره)
(تبقى غَدا بأنقره)
(1/333)

قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ هَذَا آخر شَيْء تكلم بِهِ ثمَّ مَاتَ وَجَابِر بن حني بِضَم الْمُهْملَة وَفتح النُّون وَالْيَاء الْمُشَدّدَة والرحالة بِالْكَسْرِ قيل السرج وَقيل السرج من جُلُود لَا خشب فِيهِ يتَّخذ للركض الشَّديد والحرج الضّيق والقر بِفَتْح الْقَاف مركب للرِّجَال كالهودج والمسحنفر الْوَاسِع والمثعنجر السَّائِل المنسكب ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة قَالَ أَبُو عبد الله الجُمَحِي كَانَ امْرُؤ الْقَيْس مِمَّن يتعهر فِي شعره وَذَلِكَ قَوْله (الطَّوِيل)
(فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع)
وَقَالَ (الطَّوِيل)
(سموت إِلَيْهَا بعد مَا نَام أَهلهَا)
وَقد سبق امْرُؤ الْقَيْس الْعَرَب إِلَى أَشْيَاء ابتدعها واستحسنها الْعَرَب واتبعته فِيهَا الشُّعَرَاء من استيقاف صَحبه والتبكاء فِي الديار ودقة التَّشْبِيه وَقرب المأخذ ويستجاد من تشبيهه قَوْله
(الطَّوِيل)
(كَأَن عُيُون الْوَحْش حول خبائنا ... وأرحلنا الْجزع الَّذِي لم يثقب)
وَمِمَّا عيب عَلَيْهِ قَوْله (الطَّوِيل)
(إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل) قَالُوا الثريا لَا تعرض لَهَا وَإِنَّمَا أرَاهُ أَرَادَ الجوزاء فَذكر الثريا
(1/334)

على الْغَلَط كَمَا
قَالَ الآخر كأحمر عَاد وَإِنَّمَا هُوَ كأحمر ثَمُود وَهُوَ عَاقِر النَّاقة وَأَقْبل قوم من الْيمن يُرِيدُونَ النَّبِي
فضلوا الطَّرِيق ومكثوا ثَلَاثًا لَا يقدرُونَ على المَاء إِذْ أقبل رَاكب على بعير وَأنْشد بعض الْقَوْم (الطَّوِيل)
(وَلما رَأَتْ أَن الشَّرِيعَة همها ... وَأَن الْبيَاض من فرائصها دامي)
(تيممت الْعين الَّتِي عِنْد ضارج ... يفِيء عَلَيْهَا الظل عرمضها طامي)
فَقَالَ الرَّاكِب من يَقُول هَذَا قَالُوا امْرُؤ الْقَيْس فَقَالَ وَالله مَا كذب هَذَا ضارج عنْدكُمْ وَأَشَارَ إِلَيْهِ فَمَشَوْا على الركب فَإِذا مَاء غدق وَإِذا عَلَيْهِ العرمض والظل يفِيء عَلَيْهِ فَشَرِبُوا وحملوا وَلَوْلَا ذَلِك لهلكوا انْتهى كَلَام ابْن قُتَيْبَة
(تتمه)
ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف عشرَة من الشُّعَرَاء مِمَّن اسمهم امْرُؤ الْقَيْس وَاحِد مِنْهُم صَحَابِيّ وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس بن عَابس الْكِنْدِيّ وَزَاد صَاحب الْقَامُوس على مَا قَالَ الْآمِدِيّ اثْنَيْنِ وهما صحابيان أَحدهمَا امْرُؤ الْقَيْس بن الْأَصْبَغ الْكَلْبِيّ وامرؤ الْقَيْس بن الفاخر بن الطماح
(1/335)

(مفعول مَا لم يسم فَاعله أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْخَمْسُونَ (الْكَامِل)
(نبئت عمرا غير شَاكر نعمتي)
على أَن أعلم وَأَخَوَاتهَا مِمَّا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل إِذا بنيت للْمَفْعُول لَا يَنُوب عَن الْفَاعِل إِلَّا الْمَفْعُول الأول كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت فَإِن ضمير الْمُتَكَلّم كَانَ فِي الأَصْل مَفْعُولا أَولا وَالتَّقْدِير نَبَّأَنِي فلَان فَلَمَّا بنى فعله للْمَفْعُول نَاب عَن الْفَاعِل وَقد بَينه الشَّارِح الْمُحَقق وعمرأ هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَغير الْمَفْعُول الثَّالِث وأصلهما الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَهَذَا المصراع صدر وعجزه
(وَالْكفْر مخبثة لنَفس الْمُنعم)
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة عنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي وَالْكفْر هُنَا الْجحْد يُقَال كفر النِّعْمَة وبالنعمة إِذا جَحدهَا ومخبثة بِفَتْح الْمِيم من الْخبث يُقَال خبث الشَّيْء خبثا من بَاب قرب خلاف طَابَ وَالِاسْم الخباثة ومفعلة صِيغَة سَبَب الْفِعْل وَالْحَامِل عَلَيْهِ والداعي إِلَيْهِ كَقَوْلِه
الْوَلَد مَجْبَنَة مَبْخَلَة أَي سَبَب يَجْعَل وَالِده جَبَانًا لم يشْهد الحروب ليربيه ويجعله بَخِيلًا يجمع المَال ويتركه لوَلَده من بعده وَمثله كثير فِي الْعَرَبيَّة وَلم يتَكَلَّم عُلَمَاء التصريف على هَذِه الصِّيغَة قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح الْمُعَلقَة يُقَال طَعَام مطيبة للنَّفس ومخبثة لَهَا وشراب مبولة انْتهى يَقُول من أَنْعَمت عَلَيْهِ نعْمَة فَلم ينشرها وَلم يشكرها فَإِن ذَلِك سَبَب لتغير نفس الْمُنعم من الإنعام على كل أحد وَلَيْسَ الْمَعْنى يتَغَيَّر نفس الْمُنعم على ذَلِك الجاحد كَمَا قَالَ شرَّاح الْمُعَلقَة فَإِنَّهُ تَقْصِير
(1/336)

وَهَذَا المصراع من بَاب إرْسَال الْمثل وَلما كَانَ هَذَا الْبَيْت تَاما فِي نَفسه لم نضف إِلَيْهِ شَيْئا من هَذِه القصيدة وترجمة عنترة قد تقدّمت مَعَ أَبْيَات من هَذِه الْمُعَلقَة فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ (الوافر)
(وَلَو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا)
على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْمُتَأَخِّرين أَجَازُوا نِيَابَة الْجَار وَالْمَجْرُور عَن الْفَاعِل مَعَ وجود الْمَفْعُول الصَّرِيح قَالَ ابْن جني فِي الخصائص هَذَا من أقبح الضَّرُورَة وَمثله لَا يعْتد بِهِ أصلا بل لَا يثبت إِلَّا محتقرا شاذا وَبَعض الْمُتَأَخِّرين هُوَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش تلميذ الْمبرد وقفيرة بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وبالراء الْمُهْملَة مُصَغرًا اسْم أم الفرزدق وَرُوِيَ فكيهة أَيْضا على وَزنه وَهُوَ تَحْرِيف والجرو مثلث الْجِيم ولد السبَاع وَمِنْهَا الْكَلْب ذمّ الشَّاعِر قفيرة بِأَنَّهَا لَو ولدت جروا لسبت جَمِيع الْكلاب بِسَبَب
(1/337)

ذَلِك الجرو لسوء خلقه وخلقه وَقَالَ القالي فِي شرح اللّبَاب وَقيل الْكلاب لَيست مَفْعُوله بل مفعول ولدت وجرو نصب على النداء أَو على الذَّم وَقيل الْكلاب نصب على الذَّم وَجمع لِأَن قفيرة وجروا وكلبا ثَلَاثَة انْتهى
وَهَذَا التَّخْرِيج نَقله ابْن الْحَاجِب فِي أمالية عَن أبي جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه الْكَافِي فِي النَّحْو عَن أبي إِسْحَاق الزّجاج وَقَالَ معنى قَوْله لسب لحصل السب بِسَبَب ذَلِك الجرو وَهَذَا مُسْتَقِيم وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا الفرزدق مطْلعهَا (الوافر)
(أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وَقَوْلِي إِن أصبت لقد أصابا)
وَتقدم شَرحه مَعَ تَرْجَمَة جرير فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد
(وَهل أم تكون أَشد رعيا ... وصرا من قفيرة واحتلابا)
وَقد نقض هَذِه القصيدة عَلَيْهِ الفرزدق بقصيدة وكلتاهما مسطورة فِي النقائض
(1/338)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س
(أَمرتك الْخَيْر)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الْبَسِيط)
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب)
على أَن الْجُزُولِيّ منع نِيَابَة الْمَنْصُوب بِسُقُوط الْجَار مَعَ وجود الْمَفْعُول بِهِ الْمَنْصُوب من غير حذف الْجَار وَأَصله أَمرتك بِالْخَيرِ لِأَن أَمر يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الْكَاف هُنَا وبحرف الْجَرّ إِلَى آخر ف الْخَيْر مَنْصُوب بِنَزْع الْبَاء بِدَلِيل مَا أمرت بِهِ قَالَ الأعلم وسوغ الْحَذف وَالنّصب أَن الْخَيْر اسْم فعل يحسن أَن وَمَا عملت فِيهِ فِي مَوْضِعه وَأَن يحذف مَعهَا حرف الْجَرّ كثيرا تَقول أَمرتك أَن تفعل تُرِيدُ بِأَن تفعل فَإِذا وَقع موقع أَن اسْم فعل شبه بهَا فَحسن الْحَذف فَإِن قلت أَمرتك بزيد لم يجز أَن تَقول أَمرتك زيدا انْتهى وَنقل ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ هَذَا الْكَلَام فِي شرح أَبْيَات الْجمل إِلَّا أَنه قَالَ الْخَيْر مصدر وَهَذَا لَيْسَ بجيد قَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح عِنْد قَول الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(وَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمره ... وَمن يغو لَا يعْدم على الغي لائما)
يجوز أَن يكون جعل الْخَيْر كِنَايَة عَن كل مَا يحمد من إِصَابَة الْحق وتعاطي الْعدْل وَاتِّبَاع الرشد وَيكون وَمن يغو على الضِّدّ مِنْهُ وَيجوز أَن يكون الْخَيْر كِنَايَة عَن الْغنى خَاصَّة والغي كِنَايَة عَن الْفقر وَقد علم أَن
(1/339)

الْغنى مَحْمُود والفقر مَذْمُوم وَالْعرب تسمى كل مرتضى عِنْدهم خيرا وَحقا وصوابا
وحسنا وكل مَذْمُوم عِنْدهم شرا وَخطأ وسيئة وجهلا وغيا انْتهى وَقد أورد القَاضِي هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى (فأفعلوا مَا تؤمرون على أَنه بِتَقْدِير تؤمرون بِهِ كَمَا فِي الْبَيْت وَلَا يخفى ركاكة قَول شَارِح شواهده الْموصِلِي إِن الْأَمر لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْبَاء وَقد شاع حذفه فِي هَذَا الْفِعْل وَكثر اسْتِعْمَال أَمرته كَذَا حَتَّى لحقت بالأفعال المتعدية إِلَى مفعولين هَذَا كَلَامه روى أَبُو عَليّ الهجري فِي نوادره أَمرتك الرشد بدل الْخَيْر وَهُوَ الصّلاح وإصابة الصَّوَاب وَفعله من بَابي تَعب وَقتل وَأمرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَضمير بِهِ لما الموصولة أَو الموصوفة وَالْفَاء الأولى جَوَاب شَرط مُقَدّر أَي إِن تمتثل فافعل وَقَالَ اللَّخْمِيّ جَوَاب لما فِي الْجُمْلَة من معنى الْأَمر وَالْفَاء الثَّانِيَة جَوَاب الْأَمر وَقَالَ أَيْضا ذَا حَال من الْكَاف فِي تركتك وَالْعَامِل فِيهِ ترك وَهُوَ بِمَعْنى صَاحب وَهُوَ عِنْد ابْن درسْتوَيْه مفعول ثَان لتركت لِأَنَّهَا تتعدى إِلَى مفعولين وَالثَّانِي هُوَ الأول وَهَذَا وهم لِأَن تركت فِي معنى خليت وخليت لَا يَجِيء مَعهَا إِلَّا الْحَال فَكَذَلِك لَا يَجِيء مَعَ تركت إِلَّا الْحَال انْتهى وَالصَّوَاب أَن ترك يتَضَمَّن معنى جعل فيتعدى تعديته وَهَذَا مستفيض لَا يخفى على مثله وَقَالَ ابْن خلف وتركتك إِن كَانَ بِمَعْنى صيرتك كَانَ ذَا مَال مَفْعُولا
(1/340)

ثَانِيًا كَمَا تَقول تركت زيدا فَقِيه الْبَلَد إِذا كنت أَنْت الَّذِي فقهته وعلمته وَمِنْه قَوْله سُبْحَانَهُ (تركناها آيَة) أَي جعلناها وصيرناها وَإِن كَانَت بِمَعْنى خلفتك كَانَ ذَا مَال حَالا كَمَا تَقول تركت زيدا وَهُوَ فَقِيه الْبَلَد انْتهى وَقد للتحقيق وَقَالَ اللَّخْمِيّ يجوز أَن تكون للتوقع أَيْضا وَالْمَال قَالَ
اللَّخْمِيّ فِي شرح فصيح ثَعْلَب هُوَ عِنْد الْعَرَب الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا يُقَال لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّة مَال وَإِنَّمَا يُقَال لَهما ناض وَأقله مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة وَمَا نقص عَن ذَلِك فَلَيْسَ بِمَال وَحكى أَبُو عمر صَاحب الياقوته المَال الصَّامِت والناطق فالصامت الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم والجواهر والناطق الْبَعِير وَالْبَقَرَة وَالشَّاة قَالَ وَمِنْه قَوْلهم مَاله صَامت وَلَا نَاطِق وَمِنْهُم من أوقع المَال على جَمِيع مَا يملكهُ الْإِنْسَان وَهُوَ الصَّحِيح انْتهى وَيشْهد لِلْقَوْلِ الْأَخير قَوْله تَعَالَى (وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم وَهَذَا لَا يخص شَيْئا دون شَيْء والنشب بالشين الْمُعْجَمَة قيل بِمَعْنى جَمِيع مَا يملك بِمَعْنى المَال وَقيل المَال الْأَصِيل الثَّابِت بِمَعْنى الْعقار كالدور والضياع مَأْخُوذ من نشب الشَّيْء إِذا ثَبت فِي مَوضِع لُزُومه فعلى الأول يكون من عطف المترادفين للتوكيد وعَلى الثَّانِي يكون من عطف الْخَاص على الْعَام وَإِن فسر المَال بِغَيْر القَوْل الْأَخير كَانَ من عطف المتقابلين وَقَالَ الأعلم قد قيل إِن النشب هُنَا جَمِيع المَال فَيكون عطفه على الأول مُبَالغَة وتوكيدا وسوغ ذَلِك أختلاف اللَّفْظَيْنِ وَهَذَا كَلَامه فَتَأَمّله وَهَذِه رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَرَوَاهُ الهجري فِي نوادره ذَا نسب بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ اللَّخْمِيّ وَأَبُو الْوَلِيد
(1/341)

الوقشي فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَا معنى لإعادة ذكر المَال وَإِنَّمَا يَقُول تركتك غَنِيا حسيبا يُخَاطب ابْنه وَقد نسب السُّيُوطِيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي هَذَا الْكَلَام لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي فِيمَا كتبه على الْكَامِل وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يكْتب عَلَيْهِ هُنَا شَيْئا وَإِنَّمَا كتب مَا يُقَارب هَذَا فِي أَبْيَات الْجمل وَقد ورد هَذَا الْبَيْت فِي شعرين أَحدهمَا فِي شعر أعشى طرود وَالثَّانِي فِي شعر اخْتلف فِي قَائِله أما الأول فقد نَقله الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَهُوَ (الْبَسِيط)
(يَا دَار أَسمَاء بَين السفح فالرحب ... أقوت وَعفى عَلَيْهَا ذَاهِب الحقب)
(فَمَا تبين مِنْهَا غير منتضد ... وراسيات ثَلَاث حول منتصب)
(وعرصة الدَّار تستن الرِّيَاح بهَا ... تحن فِيهَا حنين الوله السَّلب)
(دَار لأسماء إِذْ قلبِي بهَا كلف ... وَإِذ أقرب مِنْهَا غير مقترب)
(إِن الحبيب الَّذِي أمسيت أهجره ... من غير مقلية مني وَلَا غضب)
(أصد عَنهُ ارتقابا أَن ألم بِهِ ... وَمن يخف قالة الواشين يرتقب)
(إِنِّي حوبت على الأقوام مكرمَة ... قدما وَحَذَّرَنِي مَا يَتَّقُونَ أبي)
(وَقَالَ لي قَول ذِي علم وتجربة ... بسالفات أُمُور الدَّهْر والحقب)
(أَمرتك الرشد فافعل مَا أمرت بِهِ)
انْتهى وَقَالَ اللَّخْمِيّ من قَالَ إِن الْبَيْت لأعشى طرود قَالَ بعده
(لَا تبخلن بِمَال عَن مذاهبه ... فِي غير زلَّة إِسْرَاف وَلَا تغب)
(فَإِن وراثه لن يحمدوك بِهِ ... إِذا أجنوك بَين اللَّبن والخشب)
(1/342)

وَقد أورد الهجري أَيْضا فِي نوادره هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَأما الثَّانِي فَهُوَ هَذَا (الْبَسِيط)
(فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرة ... مجرب عَاقل نزة عَن الريب)
(قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسه ... أَب كريم وجد غير مؤتشب)
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نشب)
(واترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُم ... واعمد لأخلاق أهل الْفضل وَالْأَدب)
(وَإِن دعيت لغدر أَو أمرت بِهِ ... فاهرب بِنَفْسِك عِنْد آبد الْهَرَب)
وَهَذَا الشّعْر قد نسب إِلَى عَمْرو بن معد يكرب وللعباس بن مرداس ولزرعة ابْن السَّائِب ولخفاف بن ندبة قَالَ اللَّخْمِيّ من نسب الْبَيْت لأحد الثَّلَاثَة الأول قَالَ قبْلَة
(فَقَالَ لي قَول ذِي رَأْي ومقدرة الْبَيْت)
وَنسب قَوْله فاترك خلائق قوم لَا خلاق لَهُم
وَقَوله قد نلْت مجدا فحاذر أَن تدنسه الْبَيْتَيْنِ إِلَى أعشى طرود لَا غير وَقَالَ هما بعد الْبَيْت الشَّاهِد وَقد نسب الْبَيْت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ لعَمْرو بن معد يكرب وَالله أعلم وأعشى طرود قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف لم يذكر اسْمه وَلَا عرف نسبه إِلَى الْقَبِيل وَبَنُو طرود من فهم بن عَمْرو بن قيس بن عيلان وهم حلفاء بني سليم ثمَّ فِي بني خفاف انْتهى وَنقل الصَّاغَانِي فِي الْعباب هَذَا الْكَلَام وَلم يزدْ عَلَيْهِ
(1/343)

وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الوقشي نقلا عَن نَوَادِر الهجري وَاللَّخْمِيّ نقلا عَن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن سراج إِن أعشى طرود اسْمه إِيَاس بن مُوسَى بِكَسْر الْهمزَة بعْدهَا مثناة تحتية وَلم يزيدا على هَذَا قَالَ المرزباني حضر هوذه بن الْحَارِث الْمَعْرُوف بِابْن حَملَة فِي أَيَّام عمر الْعَطاء فَدَعَا قبله إِيَاس بن مُوسَى هَذَا فَقَالَ هَوْذَة (الطَّوِيل)
(لقد دَار هَذَا الْأَمر فِي غير أَهله ... فابصر أَمِين الله كَيفَ تذود)
(ايدعى جشيم والسويد أمامنا ... ويدعى إِيَاس قبلنَا وطرود)
(فَإِن كَانَ هَذَا فِي الْكتاب فهم إِذن ... مُلُوك سوى حَرْب وَنحن عبيد)
انْتهى وَفهم من هَذَا أَن أعشى طرود إسلامي لَكِن لَو يعلم مَا هُوَ صَحَابِيّ أم تَابِعِيّ وَالله أعلم وَقَوله يَا دَار أَسمَاء بَين السفح إِلَخ قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ السفح بِلَفْظ سفح الْجَبَل وَهُوَ أَسْفَله حَيْثُ يسفح فِيهِ المَاء وَهُوَ مَوضِع كَانَت بِهِ وقْعَة بَين بكر بن وَائِل وَتَمِيم وَلم يذكر أَبُو عبيد هَذِه الْكَلِمَة فِي المعجم
والرحب بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ مَوضِع وَلم يذكرهَا أَبُو عبيد وَلَا ياقوت وأقوت خلت من الأنيس كَأَنَّهُ ذهب قوتها وَعفى عَلَيْهَا بِالتَّشْدِيدِ كعفاها أَي طمسها ومحا علاماتها والحقب بِضَمَّتَيْنِ الدَّهْر وبكسر فَفتح جمع حقبة وَهِي السّنة أَي طمسها الدَّهْر الذَّاهِب والسنون الْمَاضِيَة وَتبين ظهر والمنتضد الْحِجَارَة المصفوفة بَعْضهَا فَوق بعض
(1/344)

وَأَرَادَ بقوله راسيات ثَلَاث حِجَارَة الْقدر الثَّلَاثَة وَهُوَ مَعْطُوف على منتضد وَكَذَلِكَ عَرصَة واستنت الرِّيَاح هبت عَلَيْهَا من هُنَا وَمن هُنَا والوله جمع الواله الْمَرْأَة الَّتِي فقدت وَلَدهَا وَالسَّلب بِضَمَّتَيْنِ اللابسة الثِّيَاب السود وتحن من الحنين بِمَعْنى الأنين وَقَوله وَإِذ أقرب مِنْهَا إِلَخ أَي أمني نَفسِي مِنْهَا مَا لَا يكون والمقلية بتَخْفِيف الْيَاء مصدر بِمَعْنى القلى وَهُوَ البغض والكراهية والارتقاب الِانْتِظَار وَأَن ألم أَي لِأَن أنزل وَأحل بِهِ والتغب بمثناة فوقية فغين مُعْجمَة قَالَ اللَّخْمِيّ هُوَ جمع تغبة وَهِي السقطة وَمَا يعاب بِهِ ابْنه والتغب أَيْضا الْهَلَاك وَقَالَ فِي الصِّحَاح تغب بِالْكَسْرِ تغبا هلك ونزه بِفَتْح وَسُكُون الزَّاي الْبعيد سكن الزَّاي وَهِي مَكْسُورَة للضَّرُورَة والمؤتشب الْمُخْتَلط يُقَال أشبت الْقَوْم إِذا خلطت بَعضهم بِبَعْض
(الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ (المديد)
(غير مأسوف على زمن ... يَنْقَضِي بالهم والحزن)
أوردهُ مِثَالا لإجراء غير قَائِم الزيدان مجْرى مَا قَائِم الزيدان لكَونه بِمَعْنَاهُ \ وَتَخْرِيج الْبَيْت على هَذَا أحد أَقْوَال ثَلَاثَة هُوَ أحْسنهَا وَإِلَيْهِ ذهب ملك النُّحَاة الْحسن بن أبي نزار وَابْن الشجري أَيْضا فِي أمالية
(1/345)

ومأسوف اسْم مفعول من الأسف وَهُوَ أَشد الْحزن وَبَاب فعله فَرح وعَلى زمن مُتَعَلق بِهِ على أَنه نَائِب الْفَاعِل وَجُمْلَة يَنْقَضِي صفة لزمن وبالهم حَال من ضَمِيره أَي مشوبا بالهم فَلَمَّا كَانَت غير للمخالفة فِي الْوَصْف وَجَرت لذَلِك مجْرى حرف النَّفْي وأضيفت إِلَى اسْم الْمَفْعُول الْمسند إِلَى الْجَار وَالْمَجْرُور والمتضايفان بِمَنْزِلَة الِاسْم الْوَاحِد سد ذَلِك مسد الْجُمْلَة كَأَنَّهُ قيل مَا يؤسف على زمن هَذِه صفته قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته وَلم أر لهَذَا الْبَيْت نظيرا فِي الْأَعْرَاب إِلَّا بَيْتا فِي قصيدة المتنبي يمدح بهَا بدر بن عمار الطبرستاني يَقُول فِيهَا (الرمل)
(لَيْسَ بالمنكر أَن برزت سبقا ... غير مَدْفُوع عَن السَّبق العراب)
ف العراب مَرْفُوع بمدفوع وَمن جعله مُبْتَدأ فقد أَخطَأ لِأَنَّهُ يصير التَّقْدِير
العراب غير مَدْفُوع عَن السَّبق والعراب جم فَلَا أقل من أَن يَقُول غير مدفوعة لِأَن خبر الْمُبْتَدَأ لَا يتَغَيَّر تذكيره وتأنيثه بتقديمة وتأخيره وَالْقَوْل الثَّانِي لِابْنِ جني وَتَبعهُ ابْن الْحَاجِب وَهُوَ أَن غير خبر مقدم وَالْأَصْل زمن يَنْقَضِي بالهم والحزن غير مأسوف عَلَيْهِ ثمَّ قدمت عَلَيْهِ وَمَا بعْدهَا ثمَّ حذف زمن دون صفته فَعَاد الضَّمِير الْمَجْرُور بعلى على غير مَذْكُور فَأتى بِالِاسْمِ الظَّاهِر مَكَانَهُ وَحذف الْمَوْصُوف بِدُونِ شَرطه الْمَعْرُوف ضَرُورَة وَالثَّالِث وَهُوَ لِابْنِ الخشاب أَن غير خبر لأَنا محذوفا ومأسوف مصدر كالمعسور والميسور أُرِيد بِهِ اسْم الْفَاعِل وَالتَّقْدِير أَنا غير آسَف على زمن هَذِه صفته وَهَذَا الْبَيْت لأبي نواس وَهُوَ لَيْسَ مِمَّن يستشهد بِكَلَامِهِ وَإِنَّمَا أوردهُ
(1/346)

الشَّارِح مِثَالا للمسألة وَلِهَذَا لم يقل كَقَوْلِه وَبعده بَيت ثَان وَهُوَ
(إِنَّمَا يَرْجُو الْحَيَاة فَتى ... عَاشَ فِي أَمن من المحن)
وأَبُو نواس هُوَ أَبُو عَليّ الْحسن بن هَانِئ بن عبد الأول بن الصَّباح الْحكمِي بِفَتْح الْحَاء وَالْكَاف نِسْبَة إِلَى الحكم بن سعد الْعَشِيرَة وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مِنْهَا الْجراح ابْن عبد الله الْحكمِي أَمِير خُرَاسَان وَكَانَ جد أبي نواس من موَالِيه وَإِنَّمَا قيل لَهُ أَبُو نواس لذوابتين كَانَتَا لَهُ تنوسان على عاتقة والذؤابة بِهَمْزَة بعد الذَّال المضمومة الضفيرة من الشّعْر إِذا كَانَت غير ملوية فَإِن كَانَت ملوية فَهِيَ عقيصة والذؤابة أَيْضا طرف الْعِمَامَة وناس ينوس إِذا تدلى وتحرك والعاتق مَا بَين الْمنْكب والعنق وَهُوَ مَوضِع الرِّدَاء وَقيل إِن خلفا الْأَحْمَر كَانَ لَهُ وَلَاء فِي الْيمن وَكَانَ أميل النَّاس إِلَى أبي نواس فَقَالَ لَهُ يَوْمًا أَنْت من الْيمن فتكن باسم ملك من مُلُوكهمْ الأذواء فَاخْتَارَ ذَا نواس فكناه أَبَا نواس بِحَذْف صَدره وغلبت عَلَيْهِ ومولده بِالْبَصْرَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقيل سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَمَات بِبَغْدَاد سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل سنة سِتّ وَقيل سنة ثَمَان وَنَشَأ بِالْبَصْرَةِ ثمَّ خرج إِلَى الْكُوفَة وَقيل بل ولد بالأهواز وَقيل بكورة من كور خوزستان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَنقل مِنْهَا وعمره سنتَانِ إِلَى الْبَصْرَة
وَأمه أهوازية اسْمهَا جلبان وَكَانَ أَبوهُ من أهل دمشق من جند مَرْوَان الْحمار انْتقل إِلَى الأهواز للرباط فَتَزَوجهَا وَقدم أَبُو نواس بَغْدَاد مَعَ والبة بن الْحباب الشَّاعِر وَبِه تخرج وَعرض الْقُرْآن على يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ وَأخذ اللُّغَة عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ وَأبي عُبَيْدَة ومدح الْخُلَفَاء والوزراء وَكَانَ فِي الشّعْر من الطَّبَقَة الأولى من المولدين
(1/347)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَبُو نواس للمحدثين مثل امْرِئ الْقَيْس للْمُتَقَدِّمين وشعره عشرَة أَنْوَاع وَهُوَ مجيد فِي الْكل وَمَا زَالَ الْعلمَاء والأشراف يروون شعره ويتفكهون بِهِ ويفضلونه على أشعار القدماء وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ لَوْلَا أَن أَبَا نواس أفسد بِهَذِهِ الأقذار يَعْنِي الْخُمُور لَا حتججنا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُحكم القَوْل لَا يُخطئ وديوان شعره مُخْتَلف لاخْتِلَاف جامعيه فَإِنَّهُ أعتنى بجمعه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر الصولي وَهُوَ صَغِير وَمِنْهُم عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ وَهُوَ كَبِير جدا وَكِلَاهُمَا عِنْدِي وَللَّه الْحَمد على نعْمَة وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بتوزون وَلم أره إِلَى الْآن وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ (الطَّوِيل)
(على مثلهَا من أَربع وملاعب ... تذال مصونات الدُّمُوع السواكب [)
على أَنه لما أنْشد المصراع الأول عَارضه شخص فَقَالَ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فانخزل مِنْهُ وَترك الإنشاد لِأَن تَقْدِيم الْخَبَر فِي مثله يُوهم الدُّعَاء
باللعنة وسمى ابْن أبي الإصبع هَذَا النَّوْع فِي تَحْرِير التحبير التوليد وَقَالَ التوليد على ضَرْبَيْنِ من الْأَلْفَاظ وَمن الْمعَانِي فَالَّذِي من الْأَلْفَاظ هُوَ أَن يُزَوّج الْمُتَكَلّم كلمة من لَفظه إِلَى كلمة من غَيره فيتولد بَينهمَا كَلَام
(1/348)

يُنَاقض غَرَض صَاحب الْكَلِمَة الْأَجْنَبِيَّة وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظ المفرده دون الْجمل المؤتلفة ومثاله مَا حكى أَن مُصعب بن الزبير وسم خيله بِلَفْظِهِ عدَّة فَلَمَّا قتل وَصَارَت إِلَى الْعرَاق رَآهَا الْحجَّاج فوسم بعد لَفْظَة عدَّة لَفْظَة الْفِرَار فتولد بَين اللفظتين غير مَا أَرَادَهُ مُصعب وَمن توليد الْأَلْفَاظ توليد الْمَعْنى من تَزْوِيج الْجمل المفيدة وَمن لطيف التوليد قَول بعض الْعَجم (الوافر)
(كَأَن عذاره فِي الخد لَام ... ومبسمه الشهي الطّعْم صَاد)
(وطرة شعره ليل بهيم ... فَلَا عجب إِذا سرق الرقاد)
فَإِن هَذَا الشَّاعِر ولد من تَشْبِيه العذار بِاللَّامِ وتشبيه الْفَم بالصَّاد لَفظه لص وَولد من مَعْنَاهَا وَمعنى تَشْبِيه الطرة بِاللَّيْلِ ذكر سَرقَة النّوم فَجعل فِي هَذَا الْبَيْت توليدا وإدماجا وَهَذَا من أغرب مَا سَمِعت ومثاله مَا حُكيَ أَن أَبَا تَمام أنْشد أَبَا دلف
(على مثلهَا من أَربع وملاعب)
فَقَالَ بعض من أَرَادَ نُكْتَة لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ فولد من الْكَلَامَيْنِ كلَاما يُنَافِي غَرَض أبي تَمام من وَجْهَيْن أَحدهمَا خُرُوج الْكَلَام عَن التشبيب إِلَى الهجاء بِسَبَب مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من الدُّعَاء وَالثَّانِي خُرُوج الْكَلَام عَن أَن يكون بَيْتا من شعر إِلَى أَن صَار قِطْعَة من نثر وَمن هَذَا الضَّرْب قَول الشَّاعِر
(1/349)

(الطَّوِيل)
(ألوم زيادا فِي ركاكة عقله ... وَفِي قَوْله أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
(وَهل يحسن التَّهْذِيب مِنْك خلائقا ... أرق من المَاء الزلَال وَأطيب)
(تكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عِنْد نعْمَان كَوْكَب)
(وَلَو أَبْصرت عَيناهُ شخصك مرّة ... لَأبْصر مِنْهُ شمسه وَهِي غيهب)
فَإِن هَذَا الشَّاعِر زوج مدح ممدوحه بتهذيب الْأَخْلَاق إِلَى قَول النَّابِغَة أَي الرِّجَال الْمُهَذّب فتولد بَين الْكَلَامَيْنِ مَا يُنَافِي غَرَض النَّابِغَة حَيْثُ أخرج الشَّاعِر كَلَامه مخرج الْمُنكر على النَّابِغَة ذَلِك الِاسْتِفْهَام وأوضح مناقضته للنابغة ببيته الثَّانِي وَهُوَ قَوْله وَهل يحسن التَّهْذِيب الْبَيْت وَزوج قَوْله فِي عجز الْبَيْت الثَّالِث وكل مليك عِنْد نعْمَان كَوْكَب إِلَى قَول النَّابِغَة بأنك شمس والملوك كواكب بِدَلِيل قَول الشَّاعِر يَعْنِي النَّابِغَة تكلم والنعمان شمس سمائه الْبَيْت فتولد بَين الْكَلَامَيْنِ قَوْله (الطَّوِيل)
(وَلَو أَبْصرت عَيناهُ شخصك مرّة ... لَأبْصر مِنْهُ شمسه وَهِي غيهب)
وَأما الضَّرْب الثَّانِي وَهُوَ مَا تولد من الْمعَانِي كَقَوْل الْقطَامِي (الْبَسِيط)
(قدء يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل)
فَقَالَ من بعده (الْبَسِيط)
(عَلَيْك بِالْقَصْدِ فِيمَا أَنْت فَاعله ... إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
(1/350)

. فَمَعْنَى صدر هَذَا الْبَيْت معنى بَيت الْقطَامِي بِكَمَالِهِ وَمعنى عجز الْبَيْت مولد بَينهمَا وَهُوَ قَوْله
(إِن التخلق يَأْتِي دونه الْخلق)
والقطامي أَخذ مَعْنَاهُ من عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ حَيْثُ قَالَ (السَّرِيع)
(قد يدْرك المبطئ من حَظه ... وَالْخَيْر قد يسْبق جهد الْحَرِيص)
وعدي نظر إِلَى قَول جمانة الْجعْفِيّ (الطَّوِيل)
(ومستعجل والمكث أدنى لرشده ... وَلم يدر فِي استعجاله مَا يُبَادر)
وَمن التوليد توليد بديع من بديع كَقَوْل أبي تَمام (الطَّوِيل)
(لَهَا منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح وَيَغْدُو فِي خفارته الْحبّ)
فَإِنَّهُ ولد قَوْله قيد النواظر من قَول امْرِئ الْقَيْس قيد الأوابد لِأَن هَذِه اللَّفْظَة الَّتِي هِيَ قيد انْتَقَلت بإضافتها من الطَّرْد إِلَى النسيب فَكَأَن النسيب تولد من الطَّرْد وَتَنَاول اللَّفْظ الْمُفْرد لَا يعد سَرقَة وَإِنَّمَا سقنا هَذَا الْفَصْل برمتِهِ لغرابته وقلما يُوجد فِي مَوضِع آخر وَقَول أبي تَمام على مثلهَا من أَربع ضمير مثلهَا مُفَسّر بالتمييز الْمَجْرُور بِمن وَالْأَكْثَر أَن يكون التَّمْيِيز مُفَسرًا لضمير نعم وَبئسَ وَرب قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي والزمخشري يُفَسر الضَّمِير بالتمييز فِي غير بَابي نعم وَرب وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِي فسواهن سبع سموات الضَّمِير فِي فسواهن ضمير مُبْهَم وَسبع سموات تَفْسِيره كَقَوْلِهِم ربه رجلا وَلَوْلَا تشبيهه بربه رجلا لحمل على الْبَدَل والأربع جمع ربع بِالْفَتْح وَهُوَ محلّة الْقَوْم ومنزلهم
(1/351)

والملاعب جمع ملعب وَهُوَ مَوضِع اللّعب وتذال مَبْنِيّ للْمَجْهُول مضارع أذاله بِمَعْنى أهانة وَهُوَ متعدي ذال الشَّيْء ذيلا هان وَالثَّابِت فِي نسخ ديوانه وشروحه أذيلت والمصونات من الصون وَهُوَ خلاف الابتذال والسواكب المنصبة فَإِن سكب يَأْتِي لَازِما يُقَال سكب المَاء سكبا وسكوبا أنصب وَيَأْتِي مُتَعَدِّيا يُقَال سكب زيد المَاء قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن يحيى الصولي فِي شَرحه قد أنكر بَعضهم مصونات الدُّمُوع السواكب وَقَالَ كَيفَ يكون من السواكب مَا هُوَ مصون وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو تَمام أذيلت مصونات الدُّمُوع الَّتِي هِيَ الْآن سواكب
ثمَّ قَوْله أذيلت بِمَعْنى صبَّتْ صبا سَائِلًا حَتَّى يصير لَهَا ذيل لَيْسَ بجيد فَإِن معنى الْبَيْت أهينت الدُّمُوع الغزيرة يسكبها على مثل هَذِه الْمنَازل لخلها من الحبائب وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة مدح بهَا أَبَا دلف الْقَاسِم بن عِيسَى الْعجلِيّ وَبعده (الطَّوِيل)
(أَقُول لقرحان من الْبَين لم يجد ... رسيس الْهوى بَين الحشا والترائب)
(أَعنِي أفرق شَمل دمعي فإنني ... ارى الشمل مِنْهُم لَيْسَ بالمتقارب)
إِلَى أَن قَالَ
(إِذا العيس لاقت بِي أَبَا دلف فقد ... تقطع مَا بيني وَبَين النوائب)
(هُنَالك تلقى الْجُود حَيْثُ تقطعت ... تمائمه وَالْمجد مرخى الذوائب)
(تكَاد عطاياه يجن جنونها ... إِذا لم يعوذها بنغمة طَالب) قَالَ الإِمَام المرزوقي فِي شرح ديوانه القرحان أَصله الَّذِي لم يصبهُ
(1/352)

الجدري واستعارة هُنَا لمن لم يمْتَحن بالنوى وَلم يدْخل فِي إسار الْهوى قَالَ فِي الصِّحَاح رس الْحمى ورسيسها أول مَسهَا وَقَوله أَعنِي أفرق الْبَيْت قَالَ الصولي اي لَا أرى شملهم مجتمعا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا يَقُول قد اجْتمع دمعي لِأَنِّي لم أبك حَتَّى رَأَيْت مَنَازِلهمْ فأعني بوقفة ثمَّ معي حَتَّى أبكيهم فَأَسْتَرِيح وَقَوله إِذا العيس لاقت بِي الْبَيْت يَقُول إِذا أقدمتني الْإِبِل إِلَيْهِ انْقَطَعت الْأَسْبَاب بيني وَبَين النوائب أَي لم يبْق لَهَا سَبِيل عَليّ وَقَوله هُنَالك تلقى الْجُود الْبَيْت قَالَ الصولي يُقَال تقطعت تمائم فلَان فِي بني فلَان إِذا تربى وَنَشَأ فيهم وَأَرَادَ إِن الْمجد كالآمن فيهم أَن يتَحَوَّل إِلَى غَيرهم فَيكون قد أحَاط بِهِ الشّرف من كل جَانب ويروى وافي الذوائب وَقَوله تكَاد عطاياه الْبَيْت قَالَ الإِمَام المرزوقي يَقُول قد تعود هَذَا الرجل تَفْرِيق مَاله بالصلات وتبديده بالعطيات حَتَّى تقرب عطاياه لَو أمسك
يَوْمًا من أَن تجن إِن لم يعلق عَلَيْهَا عوذها من نغم الطلاب وَالزُّوَّارِ وَقَوله يجن جنونها إِنَّمَا يُرِيد يجن صِحَّتهَا أَي يصير بدل صِحَّتهَا جُنُون لكنه سَمَّاهَا بِمَا يؤول إِلَيْهِ كَمَا يُقَال خرجت خوارجه وَكَذَلِكَ عطاياه أَي أَمْوَاله الَّتِي تصير عطاياه فَسَماهُ بِمَا يؤول إِلَيْهِ وَقَالَ الصولي مِمَّا أنكر أَبُو الْعَبَّاس ابْن المعتز من رَدِيء طباقة قَوْله تكَاد عطاياه الْبَيْت وَفِيه اسْتِعَارَة فَقَالَ وَلم يجن جُنُون عطاياه انتظارا للطلب بل يبْدَأ بالعطاء ويستريح وَفِيه قبح لم يعودها بنغمة طَالب
(1/353)

يعطبها ليغر طَالب وَفِي هَذَا الآعتراض نظر فَإِن مُرَاده أَنه أغْنى النَّاس فَلم يبْق طَالب إِلَّا نَادرا فَإِذا أَبْطَأَ طَالب الْمَعْرُوف جنت عطاياه شوقا إِلَيْهِ فَتَأمل وَمِنْهَا وَهُوَ مِمَّا يستجاد
(يرى أقبح الْأَشْيَاء أوبة آمل ... كسته يَد المأمول حلَّة خائب)
(وَأحسن من نور يَفْتَحهُ الندى ... بَيَاض العطايا فِي سَواد المطالب)
(إِذا ألجمت يَوْمًا لجيم وحولها ... بَنو الْحصن نجل الْمُحْصنَات النجائب)
(فَإِن المنايا والصوارم والقنا ... أقاربهم فِي الروع دون الْأَقَارِب)
(جحافل لَا يتركن ذَا جبرية ... سليما وَلَا يحربن من لم يحارب)
(يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب)
ولجيم بِالتَّصْغِيرِ أَبُو عجل جد أبي دلف والحصن هُوَ ثَعْلَبَة بن عكابة وَبَنُو الْحصن أَعْمَامه (الطَّوِيل)
(إِذا افتخرت يَوْمًا تَمِيم بقوسها ... فخارا على مَا وطدت من مَنَاقِب)
(فَأنْتم بِذِي قار أمالت سُيُوفكُمْ ... عروش الَّذين استرهنوا قَوس حَاجِب)
قَالَ الإِمَام المرزوقي يَعْنِي بِالْقَوْسِ قَوس حَاجِب بن زُرَارَة رَهنهَا عِنْد كسْرَى
وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن النَّبِي
كَانَ دَعَا على مُضر وَقَالَ اللَّهُمَّ أشدد وطأتك على مُضر وأبعث عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف فتوالت الجدوبة عَلَيْهِم سبع سِنِين فَلَمَّا رأى حَاجِب الْجهد على قومه جمع بني زُرَارَة وَقَالَ إِنِّي أزمعت على أَنِّي آتِي الْملك يَعْنِي
(1/354)

كسْرَى فأطلب أَن يَأْذَن لقومنا فَيَكُونُوا تَحت هَذَا الْبَحْر حَتَّى يحيوا فَقَالُوا رشدت فافعل غير أَنا نَخَاف عَلَيْك بكر بن وَائِل فَقَالَ مَا مِنْهُم وَجه إِلَّا ولي عِنْده يَد إِلَّا ابْن الطَّوِيلَة التَّيْمِيّ وسأداويه ثمَّ ارتحل فَلم يزل ينْتَقل فِي الإتحاف وَالْبر من النَّاس حَتَّى أنْتَهى إِلَى المَاء الَّذِي عَلَيْهِ ابْن الطَّوِيلَة فنزله لَيْلًا فَلَمَّا أَضَاء الْفجْر دَعَا بنطع ثمَّ أَمر فصب عَلَيْهِ التَّمْر ثمَّ نَادَى حَيّ على الْغَدَاء فَنظر ابْن الطَّوِيلَة فَإِذا هُوَ بحاجب فَقَالَ لأهل الْمجْلس أَجِيبُوهُ وَأهْدى إِلَيْهِ جزرا ثمَّ ارتحل فَلَمَّا بلغ كسْرَى شكا إِلَيْهِ الْجهد فِي أَمْوَالهم وأنفسهم وَطلب أَن بأذن لَهُم فَيَكُونُوا فِي حد بِلَاده فَقَالَ أَنْتُم معشر الْعَرَب أهل غدر فَإِذا أَذِنت لَهُم عاثوا فِي الرّعية وأغاروا قَالَ حَاجِب إِنِّي ضَامِن للْملك أَن لَا يَفْعَلُوا قَالَ فَمن لي بِأَن تفي أَنْت قَالَ أرهنك قوسي فَلَمَّا جَاءَ بهَا ضحك من حوله فَقَالَ الْملك مَا كَانَ ليلمسها اقبضوها مِنْهُ ثمَّ جَاءَت مُضر إِلَى النَّبِي
بعد موت حَاجِب فَدَعَا لَهُم فَخرج أَصْحَابه إِلَى بِلَادهمْ وارتحل عُطَارِد بن حَاجِب إِلَى كسْرَى يطْلب قَوس أَبِيه فَقَالَ مَا أَنْت بِالَّذِي وَضَعتهَا قَالَ أجل إِنَّه هلك وَأَنا ابْنه وَفِي للْملك قَالَ ردوا عَلَيْهِ وكساه حلَّة فَلَمَّا وَفد إِلَى النَّبِي
أهداها إِلَيْهِ فَلم يقبلهَا فَبَاعَهَا من يَهُودِيّ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم فَصَارَ ذَلِك فخرا ومنقبة لحاجب وعشيرته فَيَقُول أَبُو تَمام إِذا افتخرت تَمِيم بذلك فَأنْتم قتلتم الَّذين كسبوهم هَذَا الْمجد مِمَّا ارتهنوه وهدمتم عزهم وَإِنَّمَا يَعْنِي وقْعَة ذِي قار حِين
قتلت بَنو شَيبَان الْعَجم
(1/355)

ونكلوا فيهم وَكَانَ رئيسهم سيار بن حَنْظَلَة الْعجلِيّ وَأَبُو دلف عجلي فَلذَلِك خاطبه بِهَذَا ا. هـ.
وَقد لمح بَعضهم إِلَى قَوس حَاجِب بقوله فِي مليح قلندري قد حلق حَاجِبه فَقَالَ (الطَّوِيل)
(حَبِيبِي بِحَق الله قل لي مَا الَّذِي ... دعَاك إِلَى هَذَا فَقَالَ مجابي)
(وعدت بوصل العاشقين تعطفا ... فَلم يثقوا واسترهنوا قَوس حاجبي)
وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف هَذِه القصيدة استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ لَهُ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ الرائية الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر)
وددت وَالله أَنَّهَا لَك فِي قَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر وأَبُو تَمام الطَّائِي هُوَ حبيب بن أَوْس بن الْحَارِث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان بن مر بن سعد بن كَاهِل بن عَمْرو بن عدي بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ
(1/356)

ولد فِي جاسم بِالْجِيم وَالسِّين الْمُهْملَة وَهِي قَرْيَة من قرى الجيدور بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَهُوَ إقليم من دمشق فِي آخر خلَافَة الرشيد سنة تسعين وَمِائَة وَقيل غير ذَلِك وَنَشَأ بِمصْر واشتغل إِلَى أَن صَار أوحد عصره كَانَ
يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة علمه وَكَمَال فَضله وإتقان مَعْرفَته بِحسن اخْتِيَاره وَهُوَ فِي جمعه للحماسة أشعر مِنْهُ فِي شعره وَله كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهُوَ دون الحماسة وَكِلَاهُمَا عِنْدِي وَمَات سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَقيل غير هَذَا وَكَانَ شعره غير مُرَتّب فرتبه الصولي على الْحُرُوف ثمَّ رتبه عَليّ بن حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي على أَنْوَاع الشّعْر وترجمته طَوِيلَة تركناها لشهرتها وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لَا يعنيني)
على أَن التَّعْرِيف غير مَقْصُود قَصده فَإِن تَعْرِيف أل الجنسية لَفْظِي لَا يُفِيد التَّعْيِين وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ معرفَة وَقد أورد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي الْحَال وَالْإِضَافَة والنعت والموصوف والمعرف بأل أَيْضا وَجُمْلَة يسبني وصف اللَّئِيم فِي الْمَعْنى وَحَال مِنْهُ بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَالْأول أظهر للمقصود وَهُوَ التمدح بالوقار
(1/357)

والتحمل لِأَن الْمَعْنى أَمر
على اللَّئِيم الَّذِي عَادَته سبي وَلَا شكّ أَنه لم يرد كل لئيم وَلَا لئيما معينا وَالْوَاو للقسم وَلَقَد أَمر جَوَابه والمقسم بِهِ مَحْذُوف وَعبر بالمضارع حِكَايَة للْحَال الْمَاضِيَة كَمَا فِي الخصائص لِابْنِ جني أَو للاستمرار التجددي ومضيت مَعْطُوف على أَمر بِمَعْنى أمضي وَعبر بِهِ للدلالة على تحقق إعراضه عَنهُ وَقَوله ثمت هِيَ ثمَّ العاطفة وَإِذا كَانَت مَعَ التَّاء اخْتصّت بعطف الْجمل وَقَوله لَا يعنيني أَي لَا يهمني أَو بِمَعْنى لَا يقصدني وروى بدل هَذَا المصراع وأعف ثمَّ أَقُول مَا يعنيني يُقَال عف عَن الشَّيْء من بَاب ضرب عفة وعفافا امْتنع وَهَذَا الْبَيْت أول بَيْتَيْنِ لرجل من بني سلول ثَانِيهمَا
(غَضْبَان ممتلئا عَليّ إهابه ... إِنِّي وحقك سخطه يرضيني)
وغضبان بِالنّصب حَال من اللَّئِيم أَو بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف ومتلئا حَال سَبَبِيَّة من ضمير غَضْبَان وإهابه فَاعل ممتلئا وَهُوَ فِي الأَصْل الْجلد الَّذِي لم يدبغ وَقد استعير هُنَا لجلد الْإِنْسَان والسخط بِالضَّمِّ اسْم مصدر والمصدر بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى الْغَضَب وَالْفِعْل من بَاب تَعب وروى الْأَصْمَعِي بَيْتَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنى وهما (السَّرِيع)
(لَا يغْضب الْحر على سفلَة ... وَالْحر لَا يغضبه النذل)
(إِذا لئيم سبني جهده ... أَقُول زِدْنِي فلي الْفضل)
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت الشَّاهِد على أَن أَمر قد وضع مَوضِع مَرَرْت وَجَاز أَمر فِي معنى مَرَرْت لِأَنَّهُ لم يرد مَاضِيا مُنْقَطِعًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن هَذَا
(1/358)

أمره ودابه فَجعله كالفعل الدَّائِم وَقيل معنى وَلَقَد أَمر رُبمَا أَمر فالفعل على هَذَا مَوْضِعه وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الرجز)
(قد أَصبَحت أم الْخِيَار تَدعِي ... عَليّ ذَنبا كُله لم أصنع)
على أَن الضَّمِير الْعَائِد على الْمُبْتَدَأ من جملَة الْخَبَر يجوز حذفه قِيَاسا عِنْد الْفراء إِذا كَانَ مَنْصُوبًا مَفْعُولا بِهِ والمبتدأ لفظ كل نقل الصفار أَنه مَذْهَب الْكسَائي أَيْضا وَقد نقل ابْن مَالك فِي التسهيل الْإِجْمَاع على جَوَاز ذَلِك وَزَاد على كل مَا أشبههَا فِي الْعُمُوم والافتقار من مَوْصُول وَغَيره نَحْو أَيهمْ يسألني أعطي وَنَحْو رجل يَدْعُو إِلَى الْخَيْر أُجِيب أَي أعْطِيه وأجيبه وَقَالَ شَارِح كَلَامه لم نر هَذَا الْإِجْمَاع بل مَنعه البصريون وَأما نَقله فِي شبه كل فقد قَالَ أَبُو حَيَّان لَا أعلم لَهُ سلفا فِي ذَلِك أَقُول الصَّحِيح جَوَازه بقلة لوروده فِي الْمُتَوَاتر قَرَأَ ابْن عَامر فِي سُورَة الْحَدِيد فَقَط وكل وعد الله الْحسنى وَأما فِي سُورَة النِّسَاء فقد قَرَأَ مثل الْجَمَاعَة بِالنّصب وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب لحذف هَذَا الضَّمِير وَجه من الْقيَاس وَهُوَ تَشْبِيه عَائِد الْخَبَر بعائد الْحَال أَو الصّفة وَهُوَ إِلَى الْحَال أقرب لِأَنَّهَا ضرب من الْخَبَر وَهُوَ فِي الصّفة أمثل بشبه الصّفة بالصلة وَفِي حذفه من لم أصنع مَا يقوم مقَامه ويخلفه لِأَنَّهُ يُعَاقِبهُ وَلَا يجْتَمع مَعَه وَهُوَ حرف الْإِطْلَاق
(1/359)

أَعنِي الْيَاء فِي أصنعي فَلَمَّا حضر مَا يُعَاقب الْهَاء صَارَت لذَلِك كَأَنَّهَا حَاضِرَة ا. هـ.
وَمَفْهُوم قَول الْفراء أَن الْمُبْتَدَأ إِذا لم يكن كلا يمْتَنع حذف الْعَائِد وَالصَّحِيح فِيهِ أَيْضا الْجَوَاز بقلة فِي الْكَلَام وَالشعر أما الأول فقد قَرَأَ يحيى وَإِبْرَاهِيم والسلمي فِي الشواذ أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَأما الثَّانِي فكثير مِنْهُ قَول الشَّاعِر
(فَخَالِد يحمد سَادَاتنَا)
أَي يحمده سَادَاتنَا وَأعلم أَن الشَّارِح الْمُحَقق أورد هَذَا الشَّاهِد فِي بَاب الإشتغال أَيْضا وَقَالَ يرْوى بِرَفْع كل ونصبه وَكَذَلِكَ رَوَاهُمَا سِيبَوَيْهٍ وَقد أنكر عَلَيْهِ الْمبرد رِوَايَة الرّفْع وَقَالَ الَّذِي رَوَاهُ الْجرْمِي وَغَيره من الروَاة النصب فَقَط وَمنع هَذِه الْمَسْأَلَة نظما ونثرا قَالَ ابْن ولاد س أَيْضا رَوَاهُ بِالنّصب وَقَالَ إِن النصب أَكثر وَأعرف فأغنى هَذَا الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ بقول الْجرْمِي أَلا ترى قَوْله إِن الرّفْع ضَعِيف وَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي غير الشّعْر لِأَن النصب لَا يكسر وَلَا يخل بِهِ ترك إِضْمَار الْهَاء كَأَنَّهُ قَالَ كُله غير مَصْنُوع وَقد روى أهل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة هَذِه الشواهد رفعا كَمَا رَوَاهَا س ا. هـ.
وَظَاهر كَلَام س أَن الضَّرُورَة مَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ فسحة وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أول شَاهد من هَذِه الشواهد وَزعم تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ فِي رِسَالَة كل وَفِي تَفْسِيره أَن رِوَايَة النصب
(1/360)

تَسَاوِي رِوَايَة الرّفْع فِي الْمَعْنى كُله غير مَصْنُوع وَهَذَا يَقْتَضِي أَن النصب أَيْضا يُفِيد الْعُمُوم وَأَنه لم يصنع شَيْئا مِنْهُ لما تقرر من دلَالَة الْعُمُوم وَقد تَأَمَّلت ذَلِك فَوجدت قَول س أصح من قَول البيانيين وَأَن الْمَعْنى حَضَره وَغَابَ عَنْهُم لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي اللَّفْظ بِكُل وَمَعْنَاهَا كل فَرد فَكَانَ عاملها الْمُتَأَخر فِي معنى الْخَبَر لِأَن السَّامع إِذا سمع الْمَفْعُول تشوف إِلَى عَامله كَمَا يتشوف سامع الْمُبْتَدَأ إِلَى الْخَبَر وَبِه يتم الْكَلَام فَكَانَ كُله لم أصنع مَرْفُوعا ومنصوبا سَوَاء فِي الْمَعْنى وَإِن اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاب وَيبعد كل الْبعد أَن يحمل كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن كُله لم أصنع بِالرَّفْع وَالنّصب مَعْنَاهُ عدم صنع الْمَجْمُوع فَيكون قد صنع بعضه لِأَن معنى الحَدِيث على خلَافَة فِي قَوْله كل ذَلِك لم يكن إِلَى آخر مَا ذكره وَنقل الدماميني بعض هَذَا الْكَلَام فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَقَالَ وَكَأن ابْن هِشَام لم يقف على كَلَام س فَنقل تَسَاوِي الْمَعْنى فِي الرّفْع وَالنّصب عَن الشلوبين وَابْن مَالك وَلَو وقف على كَلَام سِيبَوَيْهٍ لم ينْقل عَنْهُمَا
(فَخَالِد يحمد سَادَاتنَا)
أَي: يحمده سَادَاتنَا. وَاعْلَم أَن الشَّارِح الْمُحَقق أورد هَذَا الشَّاهِد فِي بَاب الِاشْتِغَال أَيْضا وَقَالَ: " يرْوى بِرَفْع كل ونصبه ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُمَا سبيويه. وَقد أنكر عَلَيْهِ الْمبرد رِوَايَة الرّفْع وَقَالَ: الَّذِي رَوَاهُ الْجرْمِي وَغَيره من الروَاة النصب فَقَط، وَمنع هَذِه الْمَسْأَلَة نظماً ونثراً. قَالَ ابْن ولاد: س أَيْضا رَوَاهُ بِالنّصب، وَقَالَ: إِن النصب أَكثر وَأعرف، فأغنى هَذَا عَن الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ بقول الْجرْمِي، أَلا ترى قَوْله إِن الرّفْع ضَعِيف وَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي غير الشّعْر لِأَن النصب لَا يكسر، وَلَا يخل بِهِ ترك إِضْمَار الْهَاء، كَأَنَّهُ قَالَ كُله غير مَصْنُوع. وَقد روى أهل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة هَذِه الشواهد رفعا كَمَا رَوَاهَا س ا. هـ. وَظَاهر كَلَام س أَن الضَّرُورَة مَا لَيْسَ للشاعر فسحة. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أول شَاهد من هَذِه الشواهد. وَزعم تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ فِي رِسَالَة " كل " وَفِي تَفْسِيره: أَن رِوَايَة النصب تَسَاوِي رِوَايَة الرّفْع فِي الْمَعْنى؛ وَذَلِكَ أَنه قَالَ: " لَا فرق بَين الرّفْع وَالنّصب فِي قَول س: إِن الْمَعْنى: كُله غير مَصْنُوع. وَهَذَا يَقْتَضِي أَن النصب أَيْضا يُفِيد الْعُمُوم، وَأَنه لم يصنع شَيْئا مِنْهُ، لما تقرر من دلَالَة الْعُمُوم. قد تَأَمَّلت ذَلِك فَوجدت قَول س أصح من قَول البيانيين، وَأَن الْمَعْنى حَضَره وَغَابَ عَنْهُم؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي اللَّفْظ بِكُل وَمَعْنَاهَا كل فَرد، فَكَانَ عاملها الْمُتَأَخر فِي معنى الْخَبَر، لِأَن السَّامع إِذا سمع الْمَفْعُول تشوف إِلَى عَامله كَمَا يتشوف سامع الْمُبْتَدَأ إِلَى الْخَبَر، وَبِه يتم الْكَلَام؛ فَكَانَ كُله لم أصنع مَرْفُوعا ومنصوباً سَوَاء فِي الْمَعْنى، وَإِن اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاب. وَيبعد كل الْبعد أَن يحمل كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن كُله لم أصنع بِالرَّفْع وَالنّصب مَعْنَاهُ عدم صنع الْمَجْمُوع فَيكون قد صنع بعضه؛ لِأَن معنى الحَدِيث على خِلَافه فِي قَوْله: كل ذَلِك لم يكن ". إِلَى آخر مَا ذكره. وَنقل الدماميني بعض هَذَا الْكَلَام فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَقَالَ: وَكَأن ابْن هِشَام لم يقف على كَلَام س فَنقل تَسَاوِي الْمَعْنى فِي الرّفْع وَالنّصب عَن الشلوبين وَابْن مَالك؛ وَلَو وقف على كَلَام سِيبَوَيْهٍ لم ينْقل عهما.
وَقد نقل الشَّيْخ بهاء الدَّين كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي عروس الأفراح وَبَينه تَابعا لوالده السُّبْكِيّ وَرِوَايَة الرّفْع عِنْد عُلَمَاء الْبَيَان هِيَ الجيدة فَإِنَّهَا تفِيد عُمُوم السَّلب وَرِوَايَة النصب سَاقِطَة عَن الِاعْتِبَار بل لَا تصح فَإِنَّهَا تفِيد سلب الْعُمُوم وَهُوَ خلاف الْمَقْصُود وَمَا ذكره السُّبْكِيّ لم يعرجوا عَلَيْهِ وَهُوَ مفصل فِي التَّلْخِيص وشروحه وَرَأَيْت للفاضل اليمني على هَذَا الْبَيْت كلَاما أَحْبَبْت إِيرَاده وَهُوَ قَوْله
(1/361)

معنى هَذَا الْبَيْت أَن هَذِه الْمَرْأَة أَصبَحت تَدعِي عَليّ ذَنبا وَهُوَ الشيب والصلع وَالْعجز وَغير ذَلِك من مُوجبَات الشيخوخة وَلم يقل ذنوبا بل قَالَ ذَنبا لِأَن المُرَاد كبر السن الْمُشْتَمل على كل عيب وَلم أصنع شَيْئا من ذَلِك الذَّنب وَلم ينصب كُله لِأَنَّهُ لَو نَصبه مَعَ تقدمه على ناصبه لأفاد تَخْصِيص النَّفْي بِالْكُلِّ وَيعود دَلِيلا على أَنه فعل بعض ذَلِك الذَّنب وَمرَاده تَنْزِيه نَفسه عَن كل جُزْء مِنْهُ فَلذَلِك رَفعه إِيذَانًا مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يصنع شَيْئا مِنْهُ قطّ بل كُله بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ غير مَصْنُوع ثمَّ قَالَ وَلقَائِل أَن يَقُول لما كَانَ الضَّمِير فِي كُله عَائِدًا إِلَى ذَنبا وَهُوَ نكرَة والنكرة لوَاحِد غير معِين لابد أَن يكون الْمُضمر هُوَ ذَلِك الذَّنب الَّذِي لَيْسَ بِمعين فَقَط لإعادة الضَّمِير بِهِ فَلَا يكون نَفْيه نفيا لجَمِيع الذُّنُوب فَلَا يلْزم مَا ذكره من تَنْزِيه نَفسه من جملَة الذُّنُوب لَا يُقَال إِن الضَّمِير لما كَانَ عبارَة عَن النكرَة الْمَذْكُورَة وَدخُول النَّفْي عَلَيْهَا يَقْتَضِي الْعُمُوم فدخول النَّفْي عَلَيْهِ أَيْضا يَقْتَضِي ذَلِك لأَنا نقُول إِن الْفرق ظَاهر بَين قَوْلنَا لم أصنع ذَنبا وَبَين قَوْلنَا لم أصنع ذَلِك الذَّنب الْمَذْكُور الَّذِي لَيْسَ بِمعين فِي اقْتِضَاء الأول الْعُمُوم دون الثَّانِي ا. هـ.
وَقَوله وَلقَائِل أَن يَقُول إِلَخ فِيهِ إِنَّه قَالَ أَولا إِن قَالَ أَولا إِن ذَنْب الشيخوخة يسْتَلْزم ثُبُوته جَمِيع الذُّنُوب وَحِينَئِذٍ نَفْيه يسْتَلْزم نفي جَمِيع الذُّنُوب وَقَوله والنكرة لوَاحِد غير معِين فِيهِ أَنه حمل الذَّنب \ سَابِقًا على كبر السن الْمُشْتَمل على كل عيب فَالْمُرَاد بِهِ معِين وَأفَاد أَن كلا حِينَئِذٍ لاستغراق أَجزَاء هَذَا الذِّئْب الْمعِين فَإِن رفع كل أَفَادَ استغراق جَمِيع أَجزَاء ذَلِك الذَّنب وَإِن نصب كل أَفَادَ سلب الْعُمُوم لجَمِيع الْأَجْزَاء وَاقْتضى ثُبُوت بعض الْأَجْزَاء فَهَذَا الْبَحْث غير وَارِد فَتَأمل
(1/362)

وَبِهَذَا يسْقط قَوْله بعد هَذَا ثمَّ نقُول فَتكون الْقَضِيَّة حِينَئِذٍ شخصية وَالتَّقْدِير كل ذَلِك الذَّنب غير مَصْنُوع لي وَإِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ هُنَالك ذَنْب
ذُو أَجزَاء يُمكن الاتصاف بِبَعْضِه دون بعض وعَلى هَذَا إِمَّا أَن يكون المُرَاد بِالْكُلِّ الْكل المجموعي وَهُوَ الْغَالِب الظَّاهِر من دُخُوله فِي الشخصيات فَلَا تفَاوت فِي تقدم السَّلب عَلَيْهِ وتقديمه على السَّلب فِي عدم اقْتِضَاء شُمُول النَّفْي جَمِيع الْأَجْزَاء أَو يكون المُرَاد كل وَاحِد من الْأَجْزَاء كَمَا يسْتَعْمل فِي الْكُلِّي بِاعْتِبَار الجزئيات فقد يظْهر الْفرق بَينهمَا فَإنَّك إِن رفعت كلا لزم عُمُوم النَّفْي لجَمِيع الْأَجْزَاء وَإِن نصبتها لَا يلْزم مَعَ أَن الِاسْتِعْمَال على هَذَا الْوَجْه فِي الشخصي قَلِيل فَإِنَّهُ لَا يلْزم صدق مَا ذكره من تبرئة نَفسه من جملَة أَجزَاء ذَلِك الذَّنب الْوَاحِد 1 ,. هـ وَقَالَ ابْن خلف قَوْله كُله لم أصنع يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَنه أَرَادَ أَنه لم يصنع جَمِيعهَا وَلَا شَيْئا مِنْهَا وَالْوَجْه الآخر أَنه صنع بَعْضهَا وَلم يصنع جَمِيعهَا كَمَا تَقول لمن يدعى عَلَيْك أَشْيَاء لم تفعل جَمِيعهَا مَا فعلت جَمِيع مَا ذكرت بل فعلت بَعْضهَا ا. هـ.
أَقُول احْتِمَاله لوَجْهَيْنِ غير صَحِيح فَإِن كلا مِنْهُمَا مَدْلُول رِوَايَة يعلم وَجههَا مِمَّا تقدم وَقَوله أَرَادَ بقوله ذَنبا ذنوبا لكنه اسْتعْمل الْوَاحِد فِي مَوضِع الْجمع لَيْسَ كَذَلِك كَمَا علم من كَلَام الْفَاضِل اليمني وَهَذَا الْبَيْت مطلع أرجوزة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وَبعده (الرجز)
(من أَن رَأَتْ رَأْسِي كرأس الأصلع ... ميز عَنهُ قنزعا عَن قنزع)
(جذب اللَّيَالِي أبطئي أَو أسرعي ... قرنا أشيبيه وقرنا فانزعي)
(أفناه قيل الله للشمس أطعي ... حَتَّى إِذا واراك أفق فارجعي)
...
(1/363)


(حَتَّى بدا بعد السخام الأفرع ... يمشي كمشي الأهدأ المكنع)
(يَا ابْنة عَمَّا لَا تلومي واهجعي ... لَا يخرق اللوم حجاب مسمعي)
(الم يكن يبيض إِن لم يصلع ... إِن لم يُصِبْنِي قبل ذَاك مصرعي)
(أفناه مَا أفنى إيادا فاربعي ... وَقوم عَاد قبلهم وَتبع)
(لَا تسمعيني مِنْك لوما واسمعي ... أيهات أيهات فَلَا تطلعي)
(هِيَ الْمَقَادِير فلومي أَو دعِي ... لَا تطمعي فِي فرقتي لَا تطمعي)
(وَلَا تروعيني لَا تروعي ... واستشعري الْيَأْس وَلَا تفجعي)
(فَذَاك خير لَك من أَن تجزعي ... فتحبسي وتشتمي وتوجعي)
وأم الْخِيَار هِيَ زَوْجَة أبي النَّجْم وَقَوله من أَن رَأَتْ إِلَخ من تعليلية وَزعم القونوي فِي شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح أَنَّهَا بَيَانِيَّة ثمَّ قَالَ فَإِن قلت كَيفَ يبين الذَّنب بِرُؤْيَة أم الْخِيَار فَإِن الرُّؤْيَة قَائِمَة بهَا والذنب قَائِم بِهِ قلت أَرَادَ المرئي وَأطلق عَلَيْهِ الرُّؤْيَة للملابسة انْتهى والأصلع هُوَ الَّذِي لم يكن شعر على رَأسه وصلع الرَّأْس صلعا من بَاب تَعب والصلع يحدث للمشايخ إِذا طعنوا فِي السن قَالَ ابْن سينا وَلَا يحدث الصلع للنِّسَاء لِكَثْرَة رطوبتهن وَلَا للخصيان لقرب أمزجتهم من أمزجة النِّسَاء والتمييز الْعَزْل وَفصل شَيْء من شَيْء وَالتَّشْدِيد للكثرة فَإِنَّهُ يُقَال مازه ميزا وَيكون فِي المشتبهات وَضمير عَنهُ للرأس والقنزع كقنفذ والقنزعة بِضَم الزَّاي وَفتحهَا وَهِي الشّعْر حوالي الرَّأْس والخصلة من الشّعْر تتْرك على رَأس الصَّبِي أَو هِيَ مَا ارْتَفع من الشّعْر وَطَالَ وَأما نهى النَّبِي
عَن القنازع فَهِيَ أَن يُؤْخَذ الشّعْر وَيتْرك مِنْهُ مَوَاضِع كَذَا فِي الْقَامُوس
(1/364)

وَجعل النُّون أَصْلِيَّة وَعَن بِمَعْنى بعد وجذب اللَّيَالِي فَاعل ميز قَالَ فِي الصِّحَاح جذب الشَّهْر مضى عامته وَقَوله أبطئي أَو أسرعي حَال من اللَّيَالِي على تَقْدِير القَوْل أَو كَون الْأَمر بِمَعْنى الْخَبَر وَصحت من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الْمُضَاف عَامل فيهمَا وَقيل صفة اللَّيَالِي وَيجوز أَن يكون مُنْقَطِعًا أَي أصنعي أيتها اللَّيَالِي فَلَا أُبَالِي بعد هَذَا وَقَالَ القونوي وَقد يجوز أَن يكون استئنافا أمرا لأم الْخِيَار على معنى أَن حَالي مَا قررت لَك فَعِنْدَ ذَلِك أبطئي أَو أسرعي فِي قبُول الْعذر فِيهِ فَلَا محيص لي عَن ذَلِك وَهَذَا بديع انْتهى وَهَذِه غَفلَة عَمَّا بعده وَهُوَ قرنا أشيبيه إِلَخ فَإِنَّهُ خطاب لليالي والقرن بِفَتْح الْقَاف الْخصْلَة من الشّعْر ونصبه من بَاب الِاشْتِغَال والقرن الثَّانِي مفعول لما بعده وأشيبيه فعل أَمر وَالْيَاء ضمير اللَّيَالِي يُقَال أشاب الْحزن رَأسه وبرأسه بِمَعْنى شَيْبه وَقَوله وانزعي من النزع بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ انحسار الشّعْر عَن جَانِبي
الْجَبْهَة من الرَّأْس وَهُوَ أنزع وَذَلِكَ الْموضع النزعة محركة وَقَوله أفناه قيل الضَّمِير لجذب وَقيل لشعر رَأسه وَقيل لأبي النَّجْم وَهُوَ الْمُنَاسب لما بعده وَقيل الله أمره وَهُوَ فَاعل أفناه وَهَذَا يدل على أَن الشَّاعِر لَا يُرِيد أَن الْمُمَيز هُوَ جذب اللَّيَالِي الَّذِي هُوَ ظَاهر كَلَامه بل يُرِيد أَن الْمُمَيز قَول الله وَأمره وَقَوله حَتَّى بدا فَاعله الْمُسْتَتر ضمير أبي النَّجْم والسخام بِضَم السِّين وَالْخَاء الْمُعْجَمَة اللين يُقَال ثوب سخام إِذا كَانَ لين الْمس مثل الْخَزّ وَرِيش سخام أَي لين رَقِيق والأفرع بِالْفَاءِ هُوَ التَّام الشّعْر قَالَ فِي الصِّحَاح وَلَا يُقَال للرجل إِذا كَانَ
(1/365)

عَظِيم اللِّحْيَة أَو الجمة أفرع وَإِنَّمَا يُقَال رجل أفرع بضد الأصلع والأهدأ مَهْمُوز كجعفر الأحدب والتكنع التقبض كنع كفرح يبس وتشنج وَشَيخ كنع ككتف شنج وكنع كمنع كنوعا انقبض وانضم يَقُول يمشى أَبُو النَّجْم بعد الشَّبَاب كَمَا يمشي الأحدب المتقبض الكز من الْكبر وَقَوله يَا ابْنة عَمَّا إِلَخ اسْتشْهد بِهِ شرَّاح الألفية على أَن أَصله يَا أبنه عمي فابدلت الْيَاء ألفا وفاعل يبيض ضمير الرَّأْس وإياد بِالْكَسْرِ حَيّ من معد وَقَوله فاربعي فِي الصِّحَاح ربع الرجل يربع بفتحهما إِذا وقف وتحبس وَمِنْه قَوْلهم أَربع على نَفسك أَي ارْفُقْ بِنَفْسِك وكف وأيهات أيهات لُغَة فِي هَيْهَات وتطلعي بِفَتْح التَّاء وَتَشْديد اللَّام وَأَصله تتطلعي بتاءين من التطلع للشَّيْء وَقَوله واستشعري يُقَال استشعر خوفًا أَي أضمره واليأس ضد الرَّجَاء وترجمة أبي النَّجْم تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الوافر)
(ثَلَاث كُلهنَّ قتلت عمدا ... فأخزى الله رَابِعَة تعود)
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ أَنه حذف عَائِد الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ كُلهنَّ من جملَة الْخَبَر حذفا قياسيا عِنْد الْفراء قَالَ الأعلم اسْتشْهد بِهِ س على رفع كل مَعَ حذف الضَّمِير من الْفِعْل وَجعله مثل زيد ضربت وَلَو نصب وَقَالَ كُله لم أصنع وكلهن قتلت لأجراه على مَا يَنْبَغِي وَلم يحْتَج
(1/366)

إِلَى الرّفْع مَعَ حذف الضَّمِير وَالْقَوْل عِنْدِي أَن الرّفْع هُنَا أقوى من زيد ضربت لِأَن كلا لَا يحسن حملهَا على الْفِعْل لِأَن أَصْلهَا أَن تَأتي تَابِعَة للاسم مُؤَكدَة كَقَوْلِك ضربت الْقَوْم كلهم أَو مُبتَدأَة بعد كَلَام نَحْو الْقَوْم كلهم ذَاهِب فَإِن قلت ضربت كل الْقَوْم وبنيتها على الْفِعْل لَخَرَجت عَن الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن يكون الرّفْع أقوى من النصب وَتَكون الضَّرُورَة حذف الْهَاء لَا رفع كل انْتهى وَتَبعهُ فِي هَذَا ابْن الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل وَنَقله عَنهُ السعد فِي المطول وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف أَن هَذَا الْبَيْت مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ الْكُوفِيُّونَ على جَوَاز تَأْكِيد النكرَة قَالَ وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ مَحْمُول على أَنه بدل لَا تَأْكِيد وَيجوز أَن يكون أَيْضا ثَلَاث مُبْتَدأ وكلهن مُبْتَدأ ثَان وَقتلت خبر كُلهنَّ وهما جَمِيعًا خبر ثَلَاث انْتهى وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَلَا ينشد ثَلَاثًا بنصبه بقتلت لِأَن قَوْله كُلهنَّ قتلت جملَة فِي مَوضِع نعت لثلاث وَمن رفع قدره لي ثَلَاث وَيكون كُلهنَّ قتلت نعتا وَإِنَّمَا لم يجز أَن يرْوى ثَلَاثًا لِئَلَّا يتَقَدَّم النَّعْت على المنعوت انْتهى أَقُول من رفع وَجعل الْجُمْلَة بعده نعتا قدر لي وَنَحْوه خَبرا للمبتدأ وَقَوله وَإِنَّمَا لم يجز أَن يرْوى ثَلَاثًا إِلَخ مُرَاده أَنه إِذا نصب ثَلَاث بقتلت كَانَ ثَلَاثًا منعوتا بجملة كُلهنَّ قتلت فَيكون قتلت من أَجزَاء
(1/367)

النَّعْت لثلاثا لِأَنَّهُ بعض الْجُمْلَة المنعوت بهَا وَمَعَ كَونه من أَجزَاء النَّعْت هُوَ عَامل فِي المنعوت الْمُتَقَدّم فَيكون المنعوت مُتَأَخِّرًا فِي الرُّتْبَة فَيلْزم تَقْدِيم النَّعْت على المنعوت من حَيْثُ الرُّتْبَة وَهَذَا
كَلَام مُخَالف للقواعد لَا يَنْبَغِي تسطيره من مثله وَنقل ابْن خلف عَن أبي عَليّ أَن ثَلَاث مُبْتَدأ وكلهن قتلت خبر كَأَنَّهُ فِي تَقْدِير زيد أَخَاهُ ضَربته وَفِيه نظر فَإِن الشَّاهِد لَيْسَ من بَاب الِاشْتِغَال لعدم الضَّمِير فَتَأمل وَأعلم أَن الضَّمِير الْمَحْذُوف من الشَّاهِد تَقْدِيره قتلتها لِأَن كلا المضافة إِلَى الْمعرفَة يكون عائدها مُفردا قَالَ تَعَالَى {وَكلهمْ آتيه} وَفِي الحَدِيث كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته وَقَالَ الشَّاعِر (الطَّوِيل)
(وَكلهمْ قد نَالَ شبعا لبطنه ... وشبع الْفَتى لؤم إِذا جَاع صَاحبه ... وَقَالَ آخر (الوافر)
(وكل الْقَوْم يسْأَل عَن نفَيْل ... كَأَن عَليّ للحبشان دينا)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يكَاد يُوجد فِي لِسَان الْعَرَب كلهم يقومُونَ وَلَا كُلهنَّ قائمات وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي تَمْثِيل كثير من النُّحَاة قَالَ السُّبْكِيّ فِي رِسَالَة كل وَقد طلبته فَلم أَجِدهُ وَجوز ابْن مَالك وَغَيره أَن يحمل على الْمَعْنى فَيجمع وَجعلُوا مِنْهُ أَنْتُم كلكُمْ بَيْنكُم دِرْهَم قَالُوا يجوز كلكُمْ بَينه دِرْهَم على اللَّفْظ وَبَيْنكُم على الْمَعْنى وَإِن جعل كلكُمْ توكيدا جوز بَعضهم أَيْضا أَن يَقُول بَينه وَالْمَشْهُور بَيْنكُم انْتهى
(1/368)

وَقدر الضَّمِير هُنَا بَعضهم قتلتهن وَكَأَنَّهُ بناه على مَذْهَب ابْن مَالك وَقدره ابْن خلف نقلا عَن بَعضهم قتلته أَو قَتلتهمْ وَلَا أعرف وَجهه وَقَوله فأخزى الله هَذِه جملَة دعائية يُقَال خزي الرجل خزيا من بَاب علم ذل وَهَان وأخزاه الله أذله وأهانه وتعود من الْعود وَهُوَ
الرُّجُوع قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح عَاد إِلَى كَذَا وَعَاد لَهُ أَيْضا عودا وعودة صَار إِلَيْهِ فالصلة هُنَا محذوفة أَي تعود إِلَيّ قَالَ ابْن خلف يجوز أَن يُرِيد بِالثلَاثِ ثَلَاث نسْوَة تزوجهن وَيجوز أَن يُرِيد ثَلَاث نسْوَة هوينه فقتلهن هَوَاهُ أَو يعْنى غير ذَلِك مِمَّا يحْتَملهُ الْمَعْنى وَجعل مَجِيء الرَّابِعَة عودا وَإِن لم تكن جَاءَت قبل لِأَنَّهُ جعل فعل صواحبها الماضيات كَأَنَّهُ فعلهَا انْتهى وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح ويروى تقود من الْقود وَهُوَ الْقصاص وَهَذَا الْبَيْت وَإِن كَانَ من شَوَاهِد س لَا يعرف مَا قبله وَلَا مَا بعده وَلَا قائلة فَإِن سِيبَوَيْهٍ إِذا اسْتشْهد بِبَيْت لم يذكر ناظمه وَأما الأبيات المنسوبة فِي كِتَابه إِلَى قائليها فالنسبة حَادِثَة بعده اعتنى بنسبتها أَبُو عمر الْجرْمِي قَالَ الْجرْمِي نظرت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فَإِذا فِيهِ ألف وَخَمْسُونَ بَيْتا فَأَما ألف فَعرفت أَسمَاء قائليها فأثبتها وَأما خَمْسُونَ فَلم أعرف أَسمَاء قائليها وَإِنَّمَا امْتنع سِيبَوَيْهٍ من تَسْمِيَة الشُّعَرَاء لِأَنَّهُ كره أَن يذكر الشَّاعِر وَبَعض الشّعْر يروي لشاعرين وَبَعضه منحول لَا يعرف قَائِله لِأَنَّهُ قدم الْعَهْد بِهِ وَفِي كِتَابه
(1/369)

شَيْء مِمَّا يرْوى لشاعرين فاعتمد على شُيُوخه وَنسب الإنشاد إِلَيْهِم فَيَقُول أنشدنا يَعْنِي الْخَلِيل وَيَقُول أنشدنا يُونُس وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَا يحكيه عَن أبي الْخطاب وَغَيره مِمَّن أَخذ عَنهُ وَرُبمَا قَالَ أَنْشدني أَعْرَابِي فصيح وَزعم بعض الَّذين ينظرُونَ فِي الشّعْر أَن فِي كِتَابه أبياتا لَا تعرف فَيُقَال لَهُ لسنا ننكر أَن تكون أَنْت لَا تعرفها وَلَا أهل زَمَانك وَقد خرج كتاب سِيبَوَيْهٍ إِلَى النَّاس وَالْعُلَمَاء كثير والعناية بِالْعلمِ وتهذيبه أكيده وَنظر فِيهِ وفتش فَمَا طعن أحد من الْمُتَقَدِّمين عَلَيْهِ وَلَا أدعى أَنه أَتَى بِشعر مُنكر وَقد روى فِي كِتَابه قِطْعَة من اللُّغَة غَرِيبَة لم يدْرك أهل اللُّغَة معرفَة جَمِيع مَا فِيهَا وَلَا ردوا حرفا مِنْهَا
قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِذا تَأَمَّلت الْأَمْثِلَة من كتاب سِيبَوَيْهٍ تبينت أَنه أعلم النَّاس باللغة قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَحدثنَا عَليّ بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد أَن المفتشين من أهل الْعَرَبيَّة وَمن لَهُ الْمعرفَة باللغة تتبعوا على سِيبَوَيْهٍ الْأَمْثِلَة فَلم يجدوه ترك من كَلَام الْعَرَب إِلَّا ثَلَاثَة أَمْثِلَة مِنْهَا الهندلع وَهِي بقلة والدرداقس وَهُوَ عظم فِي الْقَفَا وشنمصير وَهُوَ اسْم أَرض وَقد فسر {الْأَصْمَعِي حروفا من اللُّغَة الَّتِي فِي كِتَابه وَفسّر الْجرْمِي الْأَبْنِيَة وفسرها أَبُو حَاتِم وَأحمد بن يحيى وكل وَاحِد مِنْهُم يَقُول مَا عِنْده فِيمَا يُعلمهُ وَيقف عَمَّا لَا علم لَهُ بِهِ وَلَا يطعن على مَا لَا يعرفهُ ويعترف لسيبويه فِي اللُّغَة بالثقة وَأَنه علم مَا لم يعلمُوا وروى مَا لم يرووا
(1/370)

قَالَ أَبُو جَعْفَر لم يزل أهل الْعَرَبيَّة يفضلون كتاب سِيبَوَيْهٍ حَتَّى لقد قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد لم يعْمل كتاب فِي علم من الْعُلُوم مثل كتاب سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَن الْكتب المصنفة فِي الْعُلُوم مضطرة إِلَى غَيرهَا وَكتاب سِيبَوَيْهٍ لَا يحْتَاج من فهمه إِلَى غَيره وَقَالَ أَبُو جَعْفَر سَمِعت أَبَا بكر بن شقير يَقُول حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ قَالَ سَمِعت الْجرْمِي يَقُول هَذَا وَأَوْمَأَ بيدَيْهِ إِلَى أذنية وَذَلِكَ أَن أَبَا عمر الْجرْمِي كَانَ صَاحب حَدِيث فَلَمَّا علم كتاب سِيبَوَيْهٍ تفقه فِي الحَدِيث إِذْ كَانَ كتاب سِيبَوَيْهٍ يتَعَلَّم مِنْهُ النّظر والتفتيش قَالَ أَبُو جَعْفَر وَقد حكى بعض النَّحْوِيين أَن الْكسَائي قَرَأَ على الْأَخْفَش كتاب سِيبَوَيْهٍ وَدفع إِلَيْهِ مِائَتي دِينَار وَحكى أَحْمد بن جَعْفَر أَن كتاب سِيبَوَيْهٍ وجد بعضه تَحت وسَادَة الْفراء الَّتِي كَانَ يجلس عَلَيْهَا وَكَانَ الْمبرد يَقُول إِذا أَرَادَ مُرِيد أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ هَل ركبت الْبَحْر تَعْظِيمًا لما فِيهِ واستصعابا لألفاظه ومعانيه وَقَالَ الْمَازِني من أَرَادَ أَن يعْمل كتابا كَبِيرا فِي النَّحْو بعد كتاب سِيبَوَيْهٍ فليستحي مِمَّا أقدم عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا مَا أَخْلو فِي كل زمن من أعجوبة فِي كتاب
سِيبَوَيْهٍ وَلِهَذَا سَمَّاهُ النَّاس قُرْآن النَّحْو وَقَالَ ابْن كيسَان نَظرنَا فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فوجدناه فِي الْموضع الَّذِي يسْتَحقّهُ وَوجدنَا أَلْفَاظه تحْتَاج إِلَى عبارَة وإيضاح لِأَنَّهُ كتاب ألف فِي زمَان كَانَ أَهله يألفون مثل هَذِه الْأَلْفَاظ فاختصر على مذاهبهم
(1/371)

قَالَ أَبُو جَعْفَر وَرَأَيْت عَليّ بن سُلَيْمَان يذهب إِلَى غير مَا قَالَ ابْن كيسَان قَالَ عمل سِيبَوَيْهٍ كِتَابه على لُغَة الْعَرَب وخطبها وبلاغتها فَجعل فِيهِ بَينا مشروحا وَجعل فِيهِ مشتبها ليَكُون لمن استنبط وَنظر فضل وعَلى هَذَا خاطبهم الله عَزَّ وَجَلَّ بِالْقُرْآنِ قَالَ أَبُو جَعْفَر وَهَذَا الَّذِي قَالَه عَليّ بن سُلَيْمَان حسن لِأَن بِهَذَا يشرف قدر الْعَالم وتفضل مَنْزِلَته إِذْ كَانَ ينَال الْعلم بالفكرة واستنباط الْمعرفَة وَلَو كَانَ كُله بَينا لاستوى فِي علمه جَمِيع من سَمعه فَيبْطل التَّفَاضُل وَلَكِن يسْتَخْرج مِنْهُ الشَّيْء بالتدبر وَلذَلِك لَا يمل لِأَنَّهُ يزْدَاد فِي تدبره علما وفهما وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد قَالَ يُونُس وَقد ذكر عِنْده سِيبَوَيْهٍ أَظن هَذَا الْغُلَام يكذب على الْخَلِيل فَقيل لَهُ قد روى عَنْك أَشْيَاء فَانْظُر فِيهَا فَنظر وَقَالَ صدق فِي جَمِيع مَا قَالَ هُوَ قولي وَمَات سِيبَوَيْهٍ قبل جمَاعَة قد كَانَ أَخذ عَنْهُم كيونس وَغَيره وَقد كَانَ يُونُس مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَذكر أَبُو زيد النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ كالمفتخر بذلك بعد موت سِيبَوَيْهٍ قَالَ كل مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَأَخْبرنِي الثِّقَة فَأَنا أخْبرته بِهِ وَمَات أَبُو زيد بعد موت سِيبَوَيْهٍ بنيف وَثَلَاثِينَ سنة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ
(1/372)

(المتقارب)
اوله
(فَأَقْبَلت زحفا على الرُّكْبَتَيْنِ)
على أَن حذف الضَّمِير الْمَنْصُوب بِالْفِعْلِ من الْخَبَر سَمَاعي أَي فثوب نَسِيته وثوب أجره قَالَ ابْن عقيل فِي شرح الألفية وَجَاز الِابْتِدَاء بِثَوْب وَهُوَ نكرَة لِأَنَّهُ قصد بِهِ التنويع قَالَ الأعلم وَيجوز عِنْدِي أَن يكون نسيت وَأجر من نعت الثَّوْبَيْنِ فَيمْتَنع أَن يعْمل فِيهِ لِأَن النَّعْت لَا يعْمل فِي المنعوت فَيكون التَّقْدِير فثوباي ثوب منسي وثوب مجرور وَقَالَ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب وَمِمَّا ذكرُوا من المسوغات أَن تكون النكرَة للتفصيل نَحْو فثوب نسيت وثوب أجر وَفِيه نظر لاحْتِمَال نسيت وَأجر للوصفية وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي فَمن أثوابي ثوب نَسِيته وَمِنْهَا ثوب أُجْرَة وَيحْتَمل أَنَّهُمَا خبران وَثمّ صفتان مقدرتان أَي فثوب لي نَسِيته وثوب لي أُجْرَة وَإِنَّمَا نسي ثَوْبه لشغل قلبه كَمَا قَالَ (الطَّوِيل)
(لعوب تنسيني إِذا قُمْت سربالي)
وَإِنَّمَا جر الاخر ليعفي الْأَثر على الْقَافة وَلِهَذَا زحف على الرُّكْبَتَيْنِ انْتهى والقافة جمع قائف وَهُوَ من يعرف الْآثَار يُقَال قفا أَثَره أَي تبعه وروى
(فَلَمَّا دَنَوْت تسديتها ... فثوب نسيت إِلَخ)
(1/373)

. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات يُقَال تسديته إِذا تخطيت إِلَيْهِ وَقيل علوته وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وروى
(فثوبا نسيت وثوبا أجر)
وَعَلِيهِ فَهُوَ مفعول لما بعده وَهُوَ من قصيدة لامرئ الْقَيْس عدتهَا اثْنَان وَأَرْبَعُونَ بَيْتا ومطلعها (المتقارب)
(لَا وَأَبِيك ابْنة العامري لَا يَدعِي الْقَوْم أَنِّي أفر)
وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حُرُوف الزِّيَادَة فِي آخر الْكتاب وَأثبت هَذِه القصيدة لَهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ والمفضل وَغَيرهمَا وَزعم الْأَصْمَعِي فِي رِوَايَته عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنَّهَا لرجل من أَوْلَاد النمر بن قاسط يُقَال لَهُ ربيعَة ابْن جعْشم وأولها عِنْده
(أحار بن عَمْرو كَأَنِّي خمر ... ويعدو على الْمَرْء مَا يأيمر)
وَبِه اسْتشْهد ابْن أم قَاسم فِي شرح الألفية لتنوين الغالي حَيْثُ لحق الروي
الْمُقَيد رَوَاهُ مَا يأتمرون بِضَم الرَّاء والهمزة للنداء وحار مرخم حَارِث قَالَ فِي الصِّحَاح والخمار بَقِيَّة السكر تَقول مِنْهُ رجل خمر بِفَتْح فَكسر أَي فِي عقب خمار وَيُقَال هُوَ الَّذِي خامره الدَّاء أَي خالطه وعد عَلَيْهِ جَار والائتمار الِامْتِثَال أَي مَا تَأمر بِهِ نَفسه فَيرى أَنه رشد فَرُبمَا كَانَ هَلَاكه فِيهِ والوا عطفت جملَة فعلية على جملَة إسمية على قَوْلَيْنِ من
(1/374)

ثَلَاثَة أَقْوَال الْجَوَاز مُطلقًا وَالْمَنْع مُطلقًا وَالْجَوَاز مَعَ الْوَاو فَقَط وَلَيْسَت للاستئناف وَلَا للتَّعْلِيل وَلَا زَائِدَة كَمَا زعمها الْعَيْنِيّ وَبعد بَيت الشَّاهِد (المتقارب)
(وَلم يرنا كالئ كاشح ... وَلم يفش منا لَدَى الْبَيْت سر)
(وَقد رَابَنِي قَوْلهَا يَا هَناه وَيحك ألحقت شرا بشر)
والكالئ بِالْهَمْز الحارس والرقيب والكاشح الْمُبْغض ورابني أوقعني فِي الرِّيبَة وهناه كلمة يكنى بهَا عَن النكرات كَمَا يكنى بفلان عَن الْأَعْلَام فَمَعْنَى يَا هَناه يَا رجل وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النداء عِنْد الْجفَاء والغلظة وَقَوله ألحقت شرا بشر أَي كنت مُتَّهمًا فَلَمَّا صرت إِلَيْنَا ألحقت تُهْمَة بعد تُهْمَة وَهَذِه الضمائر المؤنثة رَاجِعَة إِلَى هر بِكَسْر الْهَاء وَتَشْديد الرَّاء وكنيتها أم الْحُوَيْرِث وَهِي الَّتِي كَانَ يشبب بهَا فِي أشعاره وَكَانَت زوجه وَالِده فَلذَلِك كَانَ طرده وهم بقتْله من أجلهَا وَفِي هَذِه القصيدة بَيت فِي وصف فرسه يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي أَفعَال الْقُلُوب وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل)
(لعمرك مَا معن بتارك حَقه ... وَلَا منسئ معن وَلَا متيسر)
(1/375)

على أَن وضع الظَّاهِر مقَام الضَّمِير إِن لم يكن فِي معرض التفخيم فَعِنْدَ س يجوز فِي الشّعْر بِشَرْط أَن يكون بِلَفْظ الأول كَهَذا الْبَيْت وَهُوَ للفرزدق أول بَيْتَيْنِ ثَانِيهمَا
(أتطلب يَا عوران فضل نبيذهم ... وعندك يَا عوران زق موكر] )
واللَّام لَام الِابْتِدَاء والعمر الْحَيَاة وَالْمعْنَى أَنه أقسم بحياة مخاطبه لعزته عَلَيْهِ والعمر فتحا وضما وَاحِد غير أَنه مَتى اتَّصل بلام الِابْتِدَاء مقسمًا بِهِ وَجب فتح عينه وَإِلَّا جَازَ الْأَمْرَانِ وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره قسمي وسياتي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله فِي الْمَفْعُول الْمُطلق وَجُمْلَة مَا معن إِلَخ جَوَاب الْقسم وَمَا نَافِيَة تميمية زيدت الْبَاء فِي خَبَرهَا ومعن قَالَ أَبُو عَليّ القالي فِي ذيل أمالية قَالَ أَبُو محلم هُوَ رجل كَانَ كلاء بالبادية يَبِيع بالكالئ أَي بِالنَّسِيئَةِ وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي شدَّة التقاضي قَالَ سيار بن هُبَيْرَة يُعَاتب خَالِدا وزيادا أَخَوَيْهِ (الطَّوِيل)
(يؤذنني هَذَا وَيمْنَع فَضله ... وَهَذَا كمعن أَو أَشد تقاضيا)
يؤذنني يحرمني مضارع أُذُنه بتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة قَالَ فِي الْمِصْبَاح وكلأ الدَّين يكلأ مَهْمُوز بِفتْحَتَيْنِ كلوءا تَأَخّر فَهُوَ كالئ بِالْهَمْز وَيجوز تخفيفه فَيصير كَالْقَاضِي وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ مثل القَاضِي وَلَا يجوز همزه وَنهي عَن بيع الكالئ بالكالئ أَي بيع النَّسِيئَة بِالنَّسِيئَةِ قَالَ أَبُو عبيد صورته أَن يسلم الرجل الدَّرَاهِم فِي طَعَام إِلَى أجل فَإِذا حل الْأَجَل يَقُول الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَام لَيْسَ عِنْدِي طَعَام وَلَكِن بِعني إِيَّاه إِلَى أجل فَهَذِهِ نَسِيئَة
(1/376)

انقلبت إِلَى نَسِيئَة فَلَو قبض الطَّعَام ثمَّ بَاعه مِنْهُ أَو من غَيره لم يكن كالئا بكالئ ويعدى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف انْتهى وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات الْكتاب عَنى بِالْبَيْتِ معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ وَهُوَ أحد أجواد الْعَرَب وسمحائهم فوصفه ظلما بِسوء الِاقْتِضَاء وَأخذ الْغَرِيم على عسرة وَأَنه لَا ينسئه بِدِينِهِ انْتهى
وَهَذَا غير صَحِيح فَإِن معن بن زَائِدَة مُتَأَخّر عَن الفرزدق فَإِنَّهُ قد توفّي الفرزدق فِي سنة عشر وَمِائَة وَتُوفِّي معن بن زَائِدَة فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة
وَقَوله وَلَا منسئ هُوَ اسْم فَاعل من أنسات الشَّيْء أَخَّرته وَيُقَال أَيْضا نسأته فعلت وأفعلت بِمَعْنى فالمفعول مَحْذُوف أَي حَقه قَالَ الشَّارِح الرِّوَايَة بجر منسئ وَإِذا رفعته فَهُوَ خبر مقدم على الْمُبْتَدَأ أَقُول الْجَرّ يكون بالْعَطْف على مَدْخُول الْبَاء الزَّائِدَة ومعن فَاعله أقيم مقَام الضَّمِير فَيكون من تَتِمَّة الْجُمْلَة الأولى وَإِذا رفع كَانَ من جملَة أُخْرَى وبالرفع أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ الأعلم اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ على أَن تَكْرِير الِاسْم مظْهرا من جملتين أحسن من تكريره فِي جملَة وَاحِدَة فَلَو حمل الْبَيْت على أَن التكرير من جملَة وَاحِدَة لقَالَ وَلَا منسئ معن عطف على قَوْله بتارك حَقه وَلكنه كَرَّرَه مظْهرا وَلما أمكنه أَن يَجْعَل الْكَلَام جملتين اسْتَأْنف الْكَلَام فَرفع الْخَبَر وَقَالَ أعلم أَن الِاسْم الظَّاهِر مَتى احْتِيجَ إِلَى تَكْرِير ذكره فِي جملَة وَاحِدَة كَانَ الِاخْتِيَار أَن يذكر ضَمِيره لِأَن ذَلِك أخف وأنفى للشُّبْهَة واللبس كَقَوْلِك زيد ضَربته وَلَو أعدت لَفظه بِعَيْنِه فِي مَوضِع
(1/377)

كنايته لجَاز وَلم يكن وَجه الْكَلَام كَقَوْلِك زيد ضربت زيدا على معنى زيد ضَربته وَإِذا أعدت ذكره فِي غير تِلْكَ الْجُمْلَة جَازَ إِعَادَة ظَاهره وَحسن كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد وَزيد رجل صَالح قَالَ تَعَالَى {وَإِذا جَاءَتْهُم آيَة قَالُوا لن نؤمن حَتَّى نؤتى مثل مَا أُوتِيَ رسل الله الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته} فَأَعَادَ الظَّاهِر لِأَن قَوْله الله أعلم ابْتِدَاء وَخبر وَقد مرت الْجُمْلَة الأولى فَإِذا قلت مَا زيد ذَاهِبًا وَلَا محسن زيد جَازَ الرّفْع وَالنّصب فَإِذا نصبت فَقلت وَلَا محسنا زيد جعلت زيدا هَذَا الظَّاهِر بِمَنْزِلَة كنايته فكأنك قلت مَا زيد ذَاهِبًا وَلَا محسنا كَمَا تَقول وَلَا محسنا أَبوهُ فتعطف محسنا على ذَاهِبًا وترفع زيدا بِفِعْلِهِ وَهُوَ محسن فَإِذا رفعت جعلت زيدا كَالْأَجْنَبِيِّ ورفعته بِالِابْتِدَاءِ وَجعلت محسنا خَبرا مقدما
وأختار سِيبَوَيْهٍ الرّفْع لِأَن الْعَرَب لَا تعيد لفظ الظَّاهِر إِلَّا أَن تكون الْجُمْلَة الأولى غير الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَتَكون الثَّانِيَة مستأنفة كَمَا قُلْنَا فِي رسل الله الله أعلم فَإِذا رفعته فَهُوَ مُطَابق لما ذَكرْنَاهُ وَخرج عَن بَاب الْعَيْب لِأَنَّك جعلته جملَة مستانفة وَاسْتشْهدَ سِيبَوَيْهٍ لجَوَاز النصب وَجعل الظَّاهِر بِمَنْزِلَة الْمُضمر بقوله
(لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء)
فَأَعَادَ الْإِظْهَار وَذَلِكَ أَن قَوْله لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء الْمَوْت الأول هُوَ الْمَفْعُول الأول لأرى ويسبق الْمَوْت شَيْء فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي وهما فِي جملَة وَاحِدَة وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول يسْبقهُ شَيْء فيضمره وَاسْتشْهدَ لاختيار الرّفْع فِيمَا اخْتَارَهُ فِيهِ بقول الفرزدق
(لعمرك مَا معن بتارك حَقه الْبَيْت)
ومعن الثَّانِي هُوَ الأول فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله مَا زيد ذَاهِبًا وَلَا محسن زيد وللمعترض أَن يَقُول الفرزدق تميمي وَهُوَ يرفع خبر مَا على كل حَال مكنيا كَانَ أَو ظَاهرا أَلا ترى أَن الفرزدق من لغته أَن يَقُول مَا معن تَارِك حَقه وَلَا منسئ هُوَ فَالظَّاهِر والمكنى على لغته سَوَاء انْتهى وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السِّتُّونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْخَفِيف)
(لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء)
(1/378)

تَمَامه
(نغص الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا)
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله أَي لَا أرى الْمَوْت يسْبقهُ شَيْء أَي لَا يفوتهُ وأنشده ثَانِيًا فِي الْإِخْبَار بِالَّذِي وَجعله من قبيل الحاقة مَا الحاقة مِمَّا إِظْهَاره يُفِيد التفخيم فَخَالف كَلَامه هُنَا وَتبع الشَّارِح هُنَا س وَخَالفهُ الْمبرد فِي هَذَا وَفرق بَينه وَبَين مَا ذكر لِأَن الْمَوْت جنس وَإِنَّمَا كره زيد قَامَ زيد لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الثَّانِي خلاف الأول وَهَذَا لَا يتَوَهَّم
(1/379)

فِي الْأَجْنَاس قَالَ تَعَالَى {إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا} وأخرجت الأَرْض أثقالها وَكَذَا إِذا اقْترن بِالِاسْمِ الثَّانِي حرف الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّعْظِيم والتعجب كَانَ الْبَاب الْإِظْهَار كَقَوْلِه تَعَالَى (القارعة مَا القارعة والحاقة مَا (الحاقة) والإضمار جَائِز كَمَا قَالَ تَعَالَى (فأمة هاوية وَمَا أَدْرَاك مَا هيه) وَكَذَلِكَ لم يرتضه شرَّاح أبياته قَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن خلف وَمثله لأبي جَعْفَر النّحاس اسْتشْهد بِهَذَا الْبَيْت سِيبَوَيْهٍ على إِعَادَة الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر وَفِيه قبح إِذا كَانَ تكريره فِي جملَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي بَعْضهَا عَن بعض فَلَا يكَاد يجوز إِلَّا فِي ضَرُورَة كَقَوْلِك زيد ضربت زيدا فَإِن كَانَ إِعَادَته فِي جملتين حسن كَقَوْلِك زيد شتمته وَزيد أهنته لِأَنَّهُ قد يُمكن أَن تسكت عَن الْجُمْلَة الأولى ثمَّ تسْتَأْنف الْأُخْرَى بعد ذكر رجل غير زيد فَلَو قيل زيد ضَربته وَهُوَ أهنته لجَاز أَن يتَوَهَّم الضَّمِير لغير زيد فَإِذا أُعِيد مظْهرا وَزَالَ التَّوَهُّم وَمَعَ إِعَادَته مضمرا فِي الْجُمْلَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِك زيد ضَربته لَا يتَوَهَّم الضَّمِير لغيره لِأَنَّك لَا تَقول زيد ضربت عمرا والإظهار فِي مثل هَذَا أحسن مِنْهُ فِي هَذَا وَنَحْوه لِأَن الْمَوْت اسْم جنس فَإِذا
أُعِيد مظْهرا لم يتَوَهَّم أَنه اسْم لشَيْء آخر فَلذَلِك كَانَ الْإِظْهَار فِي هَذَا أمثل لِأَنَّهُ أشكل وَقَوله نغص الْمَوْت إِلَخ يُرِيد نغض عَيْش ذِي الْغنى وَالْفَقِير يَعْنِي أَن خوف الْغَنِيّ من الْمَوْت ينغص عَلَيْهِ الالتذاذ بالغنى وَالسُّرُور بِهِ وَخَوف الْفَقِير من الْمَوْت ينغص عَلَيْهِ السَّعْي فِي التمَاس الْغنى لِأَنَّهُ لَا يعلم أَنه
(1/380)

إِذا وصل إِلَيْهِ الْغنى هَل يبْقى حَتَّى ينْتَفع بِهِ أَو يقتطعه الْمَوْت عَن الِانْتِفَاع وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعدي بن زيد وَقيل لِابْنِهِ سوَاده بن عدي وَالصَّحِيح الأول وأولها
(طَال ليلِي أراقب التنويرا ... ارقب اللَّيْل بالصباح بَصيرًا)
(شط وصل الَّذِي تريدين مني ... وصغير الْأُمُور يجني الكبيرا)
(إِن للدهر صولة فاحذرنها ... لَا تبيتن قد أمنت الدهورا)
(قد يبات الْفَتى صَحِيحا فيردى ... وَلَقَد بَات آمنا مَسْرُورا)
(لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء ... نغص الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا)
(للمنايا مَعَ الغدو رواح ... كل يَوْم ترى لَهُنَّ عقيرا)
(كم ترى الْيَوْم من صَحِيح تمنى ... وَغدا حَشْو ريطة مقبورا)
(أَيْن أَيْن الْفِرَار مِمَّا سَيَأْتِي ... لَا أرى طائرا نجا أَن يطيرا)
(فامش قصدا إِذا مشيت وَأبْصر ... إِن للقصد منهجا وجسورا)
(إِن فِي الْقَصْد لِابْنِ آدم خيرا ... وسبيلا على الضَّعِيف يَسِيرا)
وعدي بن زيد بن حَمَّاد بن زيد بن أَيُّوب من بني امْرِئ الْقَيْس بن زيد مَنَاة بن تَمِيم قَالَ صَاحب الأغاني وَكَانَ أَيُّوب هَذَا أول من سمي من الْعَرَب أَيُّوب وَكَانَ عدي شَاعِرًا فصيحا من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَذَلِكَ أَبوهُ وَأمه
وَأَهله وَلَيْسَ مِمَّن يعد فِي الفحول وَهُوَ قروي
(1/381)

قد أخذُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء عيب فِيهَا وَكَانَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عُبَيْدَة يَقُولَانِ عدي بن زيد فِي الشُّعَرَاء بِمَنْزِلَة سُهَيْل فِي النُّجُوم يعارضها وَلَا يجْرِي مَعهَا مجْراهَا وَكَذَلِكَ عِنْدهم أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَمثلهمَا من الإسلاميين الْكُمَيْت والطرماح وَكَانَ سَبَب نزُول آل عدي بن زيد الْحيرَة أَن جدة أَيُّوب بن محروف كَانَ منزله الْيَمَامَة فِي بني امْرِئ الْقَيْس بن زيد مَنَاة بن تَمِيم فَأصَاب دَمًا فِي قومه فهرب إِلَى أَوْس بن قلام أحد بني الْحَارِث بن كَعْب بِالْحيرَةِ وَكَانَ بَينهمَا نسب من قبل النِّسَاء فَأكْرمه وابتاع لَهُ مَوضِع دَار هـ بثلاثمائة أُوقِيَّة من ذهب وَأنْفق عَلَيْهَا مِائَتي أُوقِيَّة ذَهَبا وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْنِ من الْإِبِل برعاتها وفرسا وقينة واتصل بملوك الْحيرَة فعرفوا حَقه وَحقّ ابْنه زيد بن أَيُّوب فَلم يكن مِنْهُم ملك يملك إِلَّا ولولد أَيُّوب مِنْهُ جوائز ثمَّ إِن زيدا بن أَيُّوب نكح امْرَأَة من آل قلام فَولدت لَهُ حمادا فَخرج زيد بن أَيُّوب يَوْمًا يَوْمًا للصَّيْد فَلَقِيَهُ رجل من بني امْرِئ الْقَيْس الَّذين كَانَ لَهُم الثأر فاغتال زيدا وهرب وَمكث حَمَّاد فِي أَخْوَاله حَتَّى أَيفع وعلمته أمه الْكِتَابَة فَكَأَن أول من كتب من بني أَيُّوب فَخرج من أكتب النَّاس وَطلب حَتَّى صَار كَاتب الْملك النُّعْمَان الْأَكْبَر فَلبث كَاتبا لَهُ حَتَّى ولد لَهُ ولد فَسَماهُ زيدا باسم أَبِيه وَكَانَ لحماد صديق من دهاقين الْفرس اسْمه فرخ ماهان فَلَمَّا حضرت الْوَفَاة حمادا أوصى بِابْنِهِ زيد إِلَى الدهْقَان وَكَانَ من المرازبة فَأَخذه إِلَيْهِ وَكَانَ زيد قد حذق الْكِتَابَة والعربية قبل أَن يَأْخُذهُ الدهْقَان وَعلمه الدهْقَان الفارسية وَكَانَ لبيبا فَأَشَارَ الدهْقَان إِلَى كسْرَى أَن يَجعله على الْبَرِيد فِي حَوَائِجه فولاه وَبَقِي زَمَانا ثمَّ إِن النُّعْمَان النصري هلك فَاخْتلف أهل
(1/382)

الْحيرَة فِيمَن يملكونه إِلَى أَن يعْقد كسْرَى الْأَمر لرجل مِنْهُم فَأَشَارَ الْمَرْزُبَان عَلَيْهِم بزيد بن حَمَّاد فَكَانَ على الْحيرَة إِلَى أَن ملك كسْرَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء
ونكح زيد نعْمَة بنت ثَعْلَبَة العدوية فَولدت لَهُ عديا وَولد للمرزبان وَسَماهُ شاهان مرد فَلَمَّا أَيفع عدي أرْسلهُ الْمَرْزُبَان مَعَ ابْنه إِلَى كتاب الفارسية وَتعلم الْكِتَابَة وَالْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ حَتَّى خرج من أفهم النَّاس بهَا وأفصحهم بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ الشّعْر وَتعلم الرَّمْي بالنشاب فَخرج من الأساورة الرُّمَاة وَتعلم لعب الْعَجم على الْخَيل بالصوالجة وَغَيرهَا ثمَّ إِن الْمَرْزُبَان لما اجْتمع بكسرى قَالَ لَهُ إِن عِنْدِي غُلَاما من الْعَرَب هُوَ أفْصح النَّاس وأكتبهم بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَالْملك يحْتَاج إِلَى مثله فأحضر الْمَرْزُبَان عدي بن زيد وَكَانَ جميل الْوَجْه فائق الْحسن وَكَانَت الْفرس تتبرك بالجميل الْوَجْه فَرغب فِيهِ فَكَانَ عدي أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ فِي ديوَان كسْرَى فَرغب أهل الْحيرَة إِلَى عدي ورهبوه وَلم يزل بِالْمَدَائِنِ فِي ديوَان كسْرَى مُعظما وَأَبوهُ زيد كَانَ حَيا إِلَّا أَن صيته قد حمل بِذكر ابْنه عدي ثمَّ لما هلك الْمُنْذر اجْتهد عدي عِنْد كسْرَى حَتَّى ملك النُّعْمَان بن الْمُنْذر الْحيرَة ثمَّ بعد مُدَّة افتروا على عدي وَقَالُوا للنعمان إِن عديا يزْعم أَنَّك عَامله على الْحيرَة فاغتاظ مِنْهُ النُّعْمَان وَأرْسل إِلَى عدي بِأَنَّهُ مشتاق إِلَيْهِ يستزيره فَلَمَّا أَتَى إِلَيْهِ حَبسه وَبَقِي فِي الْحَبْس إِلَى أَن جَاءَ رَسُول كسْرَى ليخرجه فخاف النُّعْمَان من خُلَاصَة فغمة حَتَّى مَاتَ وَنَدم النُّعْمَان على قَتله وَعرف أَنه غلب على رَأْيه ثمَّ إِنَّه خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فلقي ابْنا لعدي يُقَال لَهُ زيد
(1/383)

فَلَمَّا رَآهُ عرف شبهه فَقَالَ لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا زيد بن عدي فَكَلمهُ فَإِذا هُوَ غُلَام ظريف ففرح بِهِ فَرحا شَدِيدا فقربه وَاعْتذر إِلَيْهِ من أَمر أَبِيه ثمَّ كتب إِلَى كسْرَى يربيه ويشفع لَهُ مَكَان أَبِيه فولاه كسْرَى وَكَانَ يَلِي الْكِتَابَة عِنْده إِلَى مُلُوك الْعَرَب وَفِي خَواص أُمُور الْملك وَكَانَت لملوك الْعَجم صفة النِّسَاء مَكْتُوبَة عِنْدهم وَكَانُوا يبعثون فِي تِلْكَ الْأَرْضين تِلْكَ الصّفة فَإِذا وجدت حملت إِلَى الْملك غير أَنهم لم يَكُونُوا يطلبونها فِي أَرض الْعَرَب
فَلَمَّا كتب كسْرَى فِي طلب تِلْكَ الصّفة قَالَ لَهُ زيد بن عدي أَنا عَارِف بآل الْمُنْذر وَعند عَبدك النُّعْمَان بَين بَنَاته وأخواته وَبَنَات عَمه أَكثر من عشْرين امْرَأَة على هَذِه الصّفة فابعثني مَعَ ثِقَة من رجالك يفهم الْعَرَبيَّة حَتَّى أبلغ مَا تحبه فَبعث مَعَه رجلا فطنا وَخرج بِهِ زيد فَجعل يكرم الرجل ويلطفه حَتَّى بلغ الْحيرَة فَلَمَّا دخل على النُّعْمَان قَالَ لَهُ إِن كسْرَى قد احْتَاجَ إِلَى نسَاء لنَفسِهِ ولولده واراد كرامتك بصهره فَبعث إِلَيْك فَقَالَ النُّعْمَان لزيد وَالرَّسُول يسمع أما فِي مها السوَاد وَعين فَارس مَا يبلغ بِهِ كسْرَى حَاجته فَقَالَ الرَّسُول لزيد بِالْفَارِسِيَّةِ مَا المها فَقَالَ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كاوان أَي الْبَقر فَأمْسك الرَّسُول وَقَالَ زيد للنعمان إِنَّمَا أَرَادَ الْملك أَن يكرمك وَلَو علم أَن هَذَا يشق عَلَيْك لم يكْتب إِلَيْك بِهِ فأنزلهما عِنْده يَوْمَيْنِ ثمَّ كتب إِلَى كسْرَى إِن الَّذِي طلب الْملك لَيْسَ عِنْدِي وَقَالَ لزيد اعذرني عِنْده فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى كسْرَى قَالَ زيد للرسول أصدق الْملك عَمَّا سَمِعت فَإِنِّي سأحدثه بِمثل حَدِيثك وَلَا أخالفك فِيهِ فَلَمَّا دخلا على كسْرَى قَالَ زيد هَذَا كِتَابه فقرأه عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ كسْرَى وَأَيْنَ الَّذِي كنت خبرتني بِهِ قَالَ قد كنت خبرتك ببخلهم بنسائهم على غَيرهم وَأَن ذَلِك من شقائهم واختيارهم الْجُوع والعري على الشِّبَع والرياش وإيثارهم السمُوم
(1/384)

على طيب أَرْضك حَتَّى إِنَّهُم ليسمونها السجْن فسل هَذَا الرَّسُول الَّذِي كَانَ معي عَمَّا قَالَ فَإِنِّي أكْرم الْملك عَن مشافهته بِمَا قَالَ فَقَالَ للرسول وَمَا قَالَ النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ الرَّسُول إِنَّه قَالَ أما كَانَ فِي بقر السوَاد وَفَارِس مَا يَكْفِيهِ حَتَّى يطْلب مَا عندنَا فَعرف الْغَضَب فِي وَجهه وَسكت كسْرَى أشهرا وَسمع النُّعْمَان غَضَبه ثمَّ كتب إِلَيْهِ كسْرَى أَن أقبل فَإِن لي حَاجَة بك فخافه النُّعْمَان وَحمل سلاحه وَمَا قدر عَلَيْهِ ولجأ إِلَى قبائل الْعَرَب فَلم يجره أحد وَقَالُوا لَا طَاقَة لنا بكسرى حَتَّى نزل بِذِي قار فِي بني شَيبَان سرأ فلقي هَانِئ بن قبيصَة فأجاره وَقَالَ لزمني ذِمَامك وَإِنِّي مانعك مِمَّا أمنع مِنْهُ نَفسِي وَأَهلي وَإِن ذَلِك مهلكي ومهلكك وَعِنْدِي راي لست أُشير بِهِ لأدفعك عَمَّا تريده من مجاورتي وَلكنه الصَّوَاب فَقَالَ هاته قَالَ إِن كل أَمر يجمل بِالرجلِ أَن يكون عَلَيْهِ إِلَّا أَن يكون بعد الْملك سوقة وَالْمَوْت نَازل بِكُل أحد وَلِأَن تَمُوت كَرِيمًا خير من أَن تتجرع الذل أَو تبقى سوقة بعد الْملك امْضِ إِلَى صَاحبك وأحمل إِلَيْهِ هَدَايَا ومالا والق نَفسك
بَين يَدَيْهِ فإمَّا أَن يصفح عَنْك فعدت ملكا عَزِيزًا وَإِمَّا أَن يصيبك فالموت خير من أَن تتلعب بك صعاليك الْعَرَب ويتخطفك ذئابها قَالَ فَكيف بحرمي وَأَهلي قَالَ هن فِي ذِمَّتِي لَا يخلص إلَيْهِنَّ حَتَّى يخلص إِلَى بَنَاتِي فَقَالَ هَذَا وَأَبِيك الرَّأْي ثمَّ اخْتَار خيلا وحللا من عصب الْيمن وجواهر وطرفا كَانَت عِنْده وَوجه بهَا إِلَى كسْرَى وَكتب إِلَيْهِ يعْتَذر ويعلمه أَنه صائر إِلَيْهِ فقبلها كسْرَى وَأمره بالقدوم فَعَاد إِلَيْهِ الرَّسُول
(1/385)

وَأخْبرهُ بذلك وَأَنه لم ير لَهُ عِنْد كسْرَى سوءا فَمضى إِلَيْهِ حَتَّى إِذا وصل إِلَى ساباط لقِيه زيد بن عدي فَقَالَ لَهُ انج نعيم إِن اسْتَطَعْت النجَاة فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان أفعلتها يَا زيد أما وَالله لَئِن عِشْت لأَقْتُلَنك قَتله لم يَقْتُلهَا عَرَبِيّ قطّ فَقَالَ لَهُ زيد قد وَالله أخيت لَك آخية لَا يقطعهَا الْمهْر الأرن فَلَمَّا بلغ كسْرَى أَنه بِالْبَابِ بعث إِلَيْهِ فقيده وسجنه فَلم يزل فِي السجْن حَتَّى هلك وَقيل أَلْقَاهُ تَحت أرجل الفيلة فوطئته حَتَّى مَاتَ وَذَلِكَ قبيل الْإِسْلَام بِمدَّة وغضبت لَهُ الْعَرَب حِينَئِذٍ فَكَانَ قَتله سَبَب وقْعَة ذِي قار وانشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ (الطَّوِيل)
(إِذا الْمَرْء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أَن تقطعا)
على ان الِاسْم إِن أُعِيد ثَانِيًا وَلم يكن بِلَفْظ الأول لم يجز عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَيجوز عِنْد الْأَخْفَش سَوَاء كَانَ فِي شعر أم فِي غَيره كَهَذا الْبَيْت قَالَ ابْن حني فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول أبي النشناش (الطَّوِيل)
(إِذا الْمَرْء لم يسرح سواما وَلم يرح ... سواما وَلم تعطف عَلَيْهِ أَقَاربه)
(فللموت خير للفتى من حَيَاته ... فَقِيرا وَمن مولى تدب عقاربه)
كَانَ يجب أَن يَقُول فللموت خير لَهُ فَعدل عَن الْمظهر والمضمر جَمِيعًا إِلَى لفظ آخر كَقَوْلِه ...
(1/386)

(إِذا الْمَرْء لم يغش الكريهة الْبَيْت)
وَسبب ذَلِك أَن هَذَا الْمظهر الْمُخَالف للفظ الْمظهر قبله قد أشبه عِنْدهم الْمُضمر من حَيْثُ كَانَ مُخَالفا للفظ الْمظهر قبله خلاف الْمُضمر لَهُ وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة قَوْله بالفتى حَشْو وَكَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول بِهِ لِأَن ذكر الْمَرْء قد تقدم إِلَّا أَن يُرِيد بالفتى معنى الزراية والأطنوزة فَإِنَّهُ مُحْتَمل ا. هـ.
وَهَذَا تخيل دَقِيق والغشيان الْإِتْيَان يُقَال غَشيته من بَاب تَعب أَتَيْته والكريهة الْحَرْب وَقيل شدتها وَقيل النَّازِلَة وَهَذَا هُوَ المُرَاد هُنَا وأوشكت قاربت وَدنت والحبال جمع حَبل بِمَعْنى السَّبَب استعير لكل شَيْء يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَمر من الْأُمُور والهويني الرِّفْق والراحة وعدة ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة فِي الْكَلِمَات الَّتِي وَردت مصغرة لَا غير قَالَ والسكون والخفض قَالَ السمين فِي عُمْدَة الْحفاظ يُقَال فلَان يمشي الهوينى وَهُوَ مصغر الهونى والهونى تَأْنِيث الأهون كالفضلى تَأْنِيث الْأَفْضَل وبالفتى الْبَاء للمصاحبة فَيكون حَالا أَو بِمَعْنى عَن فَيتَعَلَّق بِمَا بعْدهَا وَجَاز لِأَنَّهُ ظرف وَمثله قَوْله تَعَالَى {وتقطعت بهم الْأَسْبَاب} قَالَ السمين فِي الْبَاء أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا للْحَال أَي تقطعت مَوْصُولَة بهم الْأَسْبَاب الثَّانِي للتعدية أَي قطعتهم الْأَسْبَاب كَقَوْلِهِم تَفَرَّقت بهم الطّرق أَي فرقتهم الثَّالِث للسَّبَبِيَّة أَي تقطعت بِسَبَب كفرهم الْأَسْبَاب الَّتِي كَانُوا يرجون بهَا النجَاة وَالرَّابِع بِمَعْنى عَن أَي تقطعت عَنْهُم الْأَسْبَاب الموصلات بَينهم وَهِي مجَاز
(1/387)

وَالسَّبَب فِي الأَصْل الْحَبل ثمَّ أطلق على كل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْء عينا كَانَ أَو
معنى وتقطعا أَصله تتقطع بتاءين وفاعله ضمير حبال وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات للكلحبة العريني وَهِي (الطَّوِيل)
(فَإِن تنج مِنْهَا يَا حزيم بن طَارق ... فقد تركت مَا خلف ظهرك بلقعا)
(ونادى مُنَادِي الْحَيّ أَن قد أتيتم ... وَقد شربت مَاء المزادة أجمعا)
(وَقلت لكأس ألجميها فَإِنَّمَا ... نزلنَا الْكَثِيب من زرود لنفزعا)
(فَأدْرك إبْقَاء العرادة ظلعها ... وَقد جَعَلتني من حزيمة إصبعا)
(أَمرتكُم أَمْرِي بمنعرج اللوى ... وَلَا أَمر للمعصي إِلَّا مضيعا)
(إِذا الْمَرْء لم يغش الكريهة الْبَيْت)
وَسبب هَذِه الأبيات أَن الكلحبة كَانَ نازلا بزرود وَهِي أَرض بني مَالك ابْن حَنْظَلَة وَهُوَ من بني يَرْبُوع فأغارت بَنو تغلب على بني مَالك وَكَانَ رئيسهم حزيمة بن طَارق فاستاق إيلهم فَأتى الصَّرِيخ إِلَى بني يَرْبُوع فَرَكبُوا فِي إثره فهزموه واستقذوا مَا كَانَ أَخذه فَقَوله إِن تنج مِنْهَا الضَّمِير رَاجع إِلَى فرس الكلحبة وحزيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة مرخم حزيمة وَهَذَا الْبَيْت يشْهد بانفلاته وَشعر جرير يشْهد بأسره وَهُوَ (الْكَامِل)
(قدنا حزيمة قد علمْتُم عنْوَة)
وَلَا مَانع مِنْهُ بِأَن أدْركهُ غير الكلحبة وأسره لما ظلعت فرسه قيل وَلما أسر اخْتصم فِيهِ اثْنَان أَحدهمَا أنيف بن جبلة الضَّبِّيّ وَهُوَ أحد بني عبد مَنَاة بن سعد بن ضبة وَكَانَ أنيف يؤمئذ نازلا فِي بني يَرْبُوع وَلَيْسَ مَعَه من قومه أحد وَثَانِيهمَا أسيد بن حناءة السليطي فاختصما
(1/388)

إِلَى الْحَارِث بن قراد فَحكم
أَن جز ناصيته لأنيف وَأَن لأسيد عِنْده مائَة من الْإِبِل فرضيا بذلك والْحَارث بن قراد من بني حميري بن ريَاح بن يَرْبُوع وَأمه من بني عبد مَنَاة بن بكر بن سعد بن ضبة وَقَوله فقد تركت إِلَخ الْعَرَب كثيرا مَا تذكر أَن الْخَيل فعلت كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ أَصْحَابهَا لأَنهم عَلَيْهَا فعلوا وأدركوا يَقُول إِن تنج يَا حزيمة من فرسي لم تفلت إِلَّا بِنَفْسِك وَقد استبيح مَالك وَمَا كنت حويته وغنمته فَلم تدع لَك هَذِه الْفرس شَيْئا وَقَوله ونادى مُنَادِي الْحَيّ إِلَخ كَأَن الكلحبة يعْتَذر من انفلات حزيمة يَقُول أُتِي الصَّرِيخ وَقد شربت فرسي ملْء الْحَوْض مَاء وخيل الْعَرَب إِذا علمت أَنه يغار عَلَيْهَا وَكَانَت عطاشا فَمِنْهَا مَا يشرب بعض الشّرْب وَلَا يرْوى وَبَعضهَا لَا يشرب الْبَتَّةَ لما قد جربت من الشدَّة الَّتِي تلقي إِذا شربت المَاء وحورب عَلَيْهَا وفاعل شربت ضمير الْفرس وَجُمْلَة قد شربت حَال أَي أتيتم فِي هَذِه الْحَال وَقَوله وَقلت لكأس الْبَيْت كأس بنت الكلحبة وَقيل جَارِيَته وَالْعرب لَا تثق فِي خيلها إِلَّا بِأَوْلَادِهَا ونسائها وَقَوله لنفزعا أَي لنغيث يَقُول مَا نزلنَا فِي هَذَا الْموضع إِلَّا لنغيث من اسْتَغَاثَ بِنَا والفزع من الأضداد بِمَعْنى الإغاثة والاستغاثة وَقَوله فَأدْرك إبْقَاء العرادة إِلَخ العرادة بِفَتْح الْعين وَالرَّاء وَالدَّال المهملات اسْم فرس الكلحبة كَانَت أُنْثَى والإبقاء مَا تبقية الْفرس من الْعَدو إِذْ من عتاق الْخَيل مَا لَا تُعْطِي مَا عِنْدهَا من الْعَدو بل تبقي مِنْهُ شَيْئا
(1/389)

إِلَى وَقت الْحَاجة يُقَال فرس مبقية إِذا كَانَت تَأتي بجري عِنْد انْقِطَاع جريها وَقت الْحَاجة يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء فقطعها عَن إبقائها ففأته حزيمة
وروى أنقاء العرادة بِفَتْح الْهمزَة وبالنون جمع نقو بِالْكَسْرِ وَهُوَ كل عظم ذِي مخ يَعْنِي ظلعها وصل إِلَى عظامها وروى أَيْضا إرقال العرادة بِكَسْر الْهمزَة وبالقاف وَهُوَ السّير السَّرِيع وَهُوَ مفعول والظلع فَاعل قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي الظلوع فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة الغمز أَي العرج الْيَسِير يُقَال ظلع يظلع بفتحهما ظلعا وظلوعا وَلَا يكون الظلوع فِي الْحَافِر إِلَّا اسْتِعَارَة يَقُول فَاتَنِي حزيمة وَمَا بيني وَبَينه إِلَّا قدر إِصْبَع وَأورد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْإِضَافَة على أَن فِيهِ حذف ثَلَاثَة مضافات أَي جَعَلتني ذَا مِقْدَار مَسَافَة إِصْبَع وَالْأولَى تَقْدِير مضافين أَي ذَا مَسَافَة إِصْبَع كَمَا قدر ابْن هِشَام فِي مغنى اللبيب فَإِن الْمسَافَة مَعْنَاهَا الْبعد والمقدار لَا حَاجَة إِلَيْهِ والمسافة وَزنهَا مفعلة أَي مَحل السوف وَهُوَ الشم وَكَانَ الدَّلِيل إِذا سلك الطّرق الْقَدِيمَة المهجورة أَخذ ترابها فشمه ليعلم أَعلَى قصد هُوَ أم على جور وَإِنَّمَا يقْصد بشم التُّرَاب رَائِحَة الأبوال والأبعار فَيعلم بذلك أَنه مسلوك وَكَذَلِكَ أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى {فَكَانَ قاب قوسين} قَالَ فِيهِ حذف مضافين كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت لَكِن تَقْدِيره مِقْدَار مَسَافَة إِصْبَع يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل لصِحَّة الْحمل وَقَوله أَمرتكُم أَمْرِي إِلَخ اللوى بِالْقصرِ هُوَ لوى الرمل أَي
(1/390)

منقطعه حَيْثُ يَنْقَطِع ويفضي إِلَى الجدد ومنعرجه حَيْثُ انثنى مِنْهُ وانعطف وَإِنَّمَا قَالَ بمنعرج اللوى ليعلم أَيْن كَانَ أمره إيَّاهُم كَمَا قَالَ الآخر (الْكَامِل)
(وَلَقَد أمرت أَخَاك عمرا أمره ... فَأبى وضيعه بِذَات العجرم)
وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ الشَّارِح أَيْضا فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء على أَن نصب الْمُسْتَثْنى فِي مثله قَلِيل وَقَالَ الْخَلِيل مضيعا حَال وَجَاز تنكير ذِي الْحَال لكَونه عَاما كَأَنَّهُ قَالَ للمعصي أمره مضيعا وَبِهَذَا يسْقط قَول الأعلم حَيْثُ قَالَ
الشَّاهِد فِيهِ نصب مضيع على الْحَال من الْأَمر وَهُوَ حَال من نكرَة وَفِيه ضعف لِأَن أصل الْحَال أَن تكون للمعرفة ا. هـ.
أَقُول إِن جعل حَالا من الضَّمِير المستقر فِي قَوْله للمعصي فَإِنَّهُ خبر لَا النافية فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا ذكر وَقَالَ النّحاس وَيجوز أَن يكون حَالا للمضمر التَّقْدِير إِلَّا أمرا فِي حَال تضييعه فَهُوَ حَال من نكرَة أَقُول هَذَا التَّقْدِير من بَاب الِاسْتِثْنَاء ومضيعا وصف للمضمر لَا حَال مِنْهُ وَقَالَ الأعلم وَيجوز نَصبه على الِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْدِير إِلَّا أمرا مضيعا وَفِيه قبح لوضع الصّفة مَوضِع الْمَوْصُوف أَقُول لَا قبح فَإِن الْمَوْصُوف كثيرا مَا يحذف لقَرِينَة وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع أَقُول التفريغ لَا يكون
(1/391)

فِي الْمُنْقَطع ثمَّ قَالَ وَلَو رفع فِي غير هَذَا الْموضع لجَاز بجعله خَبرا ل لَا أَقُول يجب حِينَئِذٍ أَن يُقَال وَلَا أمرا للمعصي بِالتَّنْوِينِ إِلَّا على مَذْهَب البغدادين وَقد أورد أَبُو زيد فِي نوادره هَذِه الأبيات على غير هَذَا التَّرْتِيب وروى أَولهَا
(أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوى)
والكلحبة لقب الشَّاعِر وَهُوَ بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام وَبعدهَا حاء مُهْملَة فباء مُوَحدَة وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة صَوت النَّار ولهبها كَذَا فِي الْعباب وَزَاد فِي الْقَامُوس وكلحبه بِالسَّيْفِ ضربه والعريني نِسْبَة إِلَى عرين بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْيَاء فِي فعيل تثبت فِي النّسَب وَهُوَ جده الْقَرِيب وَيُقَال لَهُ الْيَرْبُوعي أَيْضا نِسْبَة إِلَى جده الْبعيد وَقَوْلهمْ الكلحبة عرني نِسْبَة
إِلَى عرينه كجهني نِسْبَة إِلَى جُهَيْنَة تَحْرِيف فَإِن عرينة بِالتَّصْغِيرِ بطن من بجيلة وَلَيْسَ من نسبه قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف الكلحبة الْيَرْبُوعي اسْمه هُبَيْرَة بن عبد منَاف بن عرين بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم أحد فرسَان بني تَمِيم وساداتها وشاعر وَهُوَ الْقَائِل
(فَقلت لكأس ألجميها الْبَيْت)
وَكَذَا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره اسْمه هُبَيْرَة بن عبد منَاف عَم وَاقد بن عبد الله ابْن عبد منَاف
(1/392)

وَمثله قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي الكلحبة اسْمه هُبَيْرَة بن عبد منَاف وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب قَالَ أَبُو عبيد كلحبة اسْمه عبد الله بن كلحبة وَيُقَال هُبَيْرَة بن كلحبة فَارس العرادة وَيُقَال اسْمه حَرِير وَأثبت من ذَلِك أَن اسْمه هُبَيْرَة بن عبد الله بن عبد منَاف إِلَى آخر نسبه وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس الكلحبة شَاعِر عرني ولقب هُبَيْرَة بن عبد الله بن عبد منَاف بن عرين العرني فَارس العرادة ذ هـ. فَتَأمل مَا فِيهِ وَالظَّاهِر أَن حَرِيرًا ابْنه وَهُوَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الأولى كَمَا يفهم من قَوْله (الطَّوِيل)
(لَعَلَّ حَرِيرًا أخطأته منية ... ستأتيك بِالْعلمِ العشية أَو غَد)
(تَقول لَهُ إِحْدَى بلي شماتة ... من الْحَنْظَلِي الْفَارِس المتفقد)
فَإِنَّهُ كَانَ أَرَادَ بعض مُلُوك الشَّام فَسَار حَتَّى إِذا صَار فِي مَوضِع يُقَال لَهُ قرن ظَبْي رَجَعَ وَقَالَ (الوافر)
(رددت ظعائني من قرن ظَبْي ... وَهن على شمائلهن زور فجاور فِي بلي بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة فَأَغَارَ عَلَيْهِم بَنو جشم بن
بكر من بني تغلب فقاتل مَعَ بلي هُوَ وَابْنه وَقد أَخذ بَنو جشم أَمْوَالهم حَتَّى ردهَا وجرح ابْنه فَمَاتَ من جراحته وَمن شعر الكلحبة يُخَاطب جَارِيَته كأسا رَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره
(1/393)

(الْبَسِيط)
(يَا كأس وَيلك إِنِّي غالني خلقي ... على السماحة صعلوكا ذَا مَال)
(تخيري بَين رَاع حَافظ برم ... عبد الرشاء عَلَيْك الدَّهْر عُمَّال)
(وَبَين أروع مشمول خلائقه ... مُسْتَغْرق المَال للذات مكسال)
(فَأَي ذَيْنك إِن نابتك نائبة ... وَالْقَوْم لَيْسُوا وَإِن سووا بأمثال)
قَالَ أَبُو حَاتِم فَأَي بِالرَّفْع قَالَ أَبُو عَليّ أضمر اخْتَارِي لِأَن ذكره قد جرى فَهُوَ مَنْصُوب وَقَالَ أَخُوهُ يرد عَلَيْهِ (الطَّوِيل)
(ألم تَكُ قد جربت مَا الْفقر والغنى ... وَمَا يعظ الضليل إِلَّا ألالكا)
(عقوقا وإفسادا لكل معيشة ... فَكيف ترى أمست إِضَاعَة مَالِكًا)
قَالَ أَبُو حَاتِم إِضَاعَة بِالنّصب وَقَالَ أَبُو عَليّ ترى المتعدية لمفعولين ألغاها
(تَتِمَّة)
قد أَخذ الْبَيْت الشَّاهِد شبيب بن البرصاء وَغير قافيته وَقَالَ (الطَّوِيل)
(دَعَاني حُصَيْن للفرار فساءني ... مَوَاطِن أَن يثنى على فأشتما)
(فَقلت لحصن نج نَفسك إِنَّمَا ... يذود الْفَتى عَن حَوْضه أَن يهدما)
(تَأَخَّرت أستبقي الْحَيَاة فَلم أجد لنَفْسي حَيَاة مثل أَن أتقدما)
(سيكفيك أَطْرَاف الأسنة فَارس ... إِذا ريع نَادَى بالجواد وألجما)
(إِذا الْمَرْء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أَن تجذما)
(1/394)

فِي الْقَامُوس وجذمه بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة فانجذم وتجذم قطعه وَمثله كثير من الشُّعَرَاء وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة والبرصاء هِيَ أم شبيب وَأَبوهُ اسْمه يزِيد وتنتهي نسبته إِلَى قيس بن عيلان وَهُوَ ابْن خَالَة عقيل بن علفة وكل مِنْهُمَا كَانَ شريفا سيدا فِي قومه وَكَانَا من شعراء الدولة الأموية وترجمتها طَوِيلَة فِي الأغاني قَالَ صَاحبهَا كَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان يتَمَثَّل بِهَذِهِ الأبيات لشبيب بن البرصاء فِي بذل النَّفس عِنْد اللِّقَاء ويعجب مِنْهُ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ (الطَّوِيل)
(فَإِن فُؤَادِي عنْدك الدَّهْر أجمع)
صَدره
(فَإِن يَك جثماني بِأَرْض سواكم)
على أَن الضَّمِير انْتقل من مُتَعَلق الظّرْف إِلَى الظّرْف وَهُوَ عنْدك وَوجه الدّلَالَة أَنه لَيْسَ قبل أجمع مَا يَصح أَن يحمل عَلَيْهِ إِلَّا أسم إِن وَالضَّمِير الَّذِي فِي الظّرْف والدهر فاسم إِن والدهر منصوبان فَبَقيَ حمله على الْمُضمر فِي عنْدك قَالَ ابْن هِشَام هَذَا هُوَ الْمُخْتَار بدليلين أَحدهمَا امْتنَاع تَقْدِيم الْحَال فِي نَحْو زيد فِي الدَّار جَالِسا وَلَو كَانَ الْعَامِل الْفِعْل لم يمْتَنع وَلقَوْله
(فَإِن فُؤَادِي عنْدك الدَّهْر أجمع)
(1/395)

فأكد الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف وَالضَّمِير لَا يسْتَتر إِلَّا فِي عَامله وَلَا يَصح أَن يكون توكيدا لضمير مَحْذُوف مَعَ الِاسْتِقْرَار لِأَن التوكيد والحذف متنافيان وَلَا
لاسم إِن على مَحَله من الرّفْع بِالِابْتِدَاءِ لِأَن الطَّالِب للمحل قد زَالَ وَقَوله بِأَرْض سواكم قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر أبي عَليّ القالي يرْوى بِأَرْض سواكم على الْإِضَافَة وَهَذَا بَين ويروى بِأَرْض سواكم يُرِيد بِأَرْض سوى أَرْضكُم فَحذف الْمُضَاف واقام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه ا. هـ.
وَقَوله عنْدك بِكَسْر الْكَاف فَإِنَّهُ خطاب لامْرَأَة فَإِن قلت فَكيف قَالَ سواكم قلت قد تخاطب الْمَرْأَة بخطاب جمَاعَة الذُّكُور مُبَالغَة فِي سترهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَقَالَ لأَهله امكثوا} وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجميل بن معمر يتغزل فِيهَا بمحبوبته بثينة وَمَا قبله
(أَلا تتقين الله فِيمَن قتلته ... فأمسى إِلَيْكُم خَاشِعًا يتَضَرَّع)
وَبعده
(إِذا قلت هَذَا حِين أسلو وأجتري ... على هجرها ظلت لَهَا النَّفس تشفع)
(أَلا تتقين الله فِي قتل عاشق ... لَهُ كبد حرى عَلَيْك تقطع)
(غَرِيب مشوق مولع بأدكاركم ... وكل غَرِيب الدَّار بالشوق مولع)
(فَأَصْبَحت مِمَّا أحدث الدَّهْر موجعا ... وَكنت لريب الدَّهْر لَا أتخشع)
(فيا رب حببني إِلَيْهَا وَأَعْطِنِي الْمَوَدَّة ... مِنْهَا أَنْت تُعْطِي وتمنع)
(1/396)

وَرَأَيْت فِي تذكره أبي حَيَّان أَن الْبَيْت لكثير عزة وَقَالَ بعده
(إِذا قلت هَذَا حِين أسلو ذكرتها ... فظلت لَهَا نَفسِي تتوق وتنزع)
وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ وَجَمِيل هُوَ جميل بن عبد الله بن معمر كَذَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَفِي اسْم أَبِيه فَمن فَوْقه خلاف ذكره الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وصاحبته بثينة
وهما من عذرة ويكنى أَبَا عَمْرو وَهُوَ أحد عشاق الْعَرَب الْمَشْهُورين وَكَانَت بثينه تكنى أم عبد الْملك وَلها يَقُول جميل
(يَا أم عبد الْملك اصرميني ... وبيني صرمك أَو صليني)
وَيُقَال أَيْضا إِنَّه جميل بن معمر بن عبد الله وَالْجمال والعشق فِي عذرة كثير وعشق جميل بثينة وَهُوَ غُلَام صَغِير فَلَمَّا كبر خطبهَا فَرد! عَنْهَا فَقَالَ فِيهَا الشّعْر وَكَانَ يَأْتِيهَا وتأتيه ومنزلهما وَأدِّي الْقرى فَجمع لَهُ قَومهَا جمعا ليأخذوه فحذرته بثينة فاستخفى وَقَالَ (الطَّوِيل)
(وَلَو أَن ألفا دون بثنة كلهم ... غيارى وكل مزمعون على قَتْلِي)
(لحاولتها إِمَّا نَهَارا مجاهرا ... وَإِمَّا سرى ليل وَلَو قطعُوا رجْلي)
وهجا قَومهَا فَاسْتَعدوا عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ على الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة فَنَذر ليقطعن لِسَانه فلحق بجذام فَقَالَ (الطَّوِيل)
(أَتَانِي عَن مَرْوَان بِالْغَيْبِ أَنه ... مُقَيّد دمي أَو قَاطع من لسانيا)
(فَفِي العيس منجاة وَفِي الأَرْض مَذْهَب ... إِذا نَحن رفعنَا لَهُنَّ المثانيا)
(1/397)

فَأَقَامَ هُنَاكَ إِلَى أَن عزل مَرْوَان ثمَّ انْصَرف إِلَى بَلَده وَمن شعره فِيهَا
(علقت الْهوى مِنْهَا وليدا فَلم يزل ... إِلَى الْيَوْم ينمي حبها وَيزِيد)
(وأفنيت عمري] بانتظار نوالها ... فباد بِذَاكَ الدَّهْر وَهُوَ جَدِيد)
(فَلَا أَنا مَرْدُود بِمَا جِئْت طَالبا ... وَلَا حبها فِيمَا يبيد يبيد)
ويستجاد لَهُ قَوْله (الطَّوِيل)
(خليلي فِيمَا عشتما هَل رَأَيْتُمَا ... قَتِيلا بَكَى من حب قَاتله قبلي)
وَقَالَت بثينة وَلَا يعرف لَهَا شعر غَيره (الطَّوِيل)
(وَإِن سلوي عَن جميل لساعة ... من الدَّهْر مَا حانت وَلَا حَان حينها)
(سَوَاء علينا يَا جميل بن معمر ... إِذا مت بأساء الْحَيَاة ولينها)
وترجمة جميل فِي الأغاني طَوِيلَة جدا وَمَا ذَكرْنَاهُ ملخص من طَبَقَات الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف ثَلَاثَة مِمَّن اسْمه جميل أحدهم هَذَا وَالثَّانِي جميل بن الْمُعَلَّى الْفَزارِيّ وَهُوَ شَاعِر فَارس وَمن شعره (الوافر)
(فَلَا وَأَبِيك مَا فِي الْعَيْش خير ... وَلَا الدُّنْيَا إِذا ذهب الْحيَاء)
وَالثَّالِث جميل بن سيدان الْأَسدي وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ
(1/398)

(الوافر)
(أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام)
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله بِدَلِيل الْعَطف عَلَيْهِ فَإِن قَوْله وَرَحْمَة الله عطف على الضَّمِير المستكن فِي عَلَيْك الرَّاجِع إِلَى السَّلَام لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِير السَّلَام حصل عَلَيْك فَحذف حصل وَنقل ضَمِيره إِلَى عَلَيْك واستتر فِيهِ وَلَو كَانَ الْفِعْل محذوفا مَعَ الضَّمِير لزم الْعَطف بِدُونِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَبِهَذَا الْبَيْت سقط قَول ابْن خروف بِأَن الظّرْف إِنَّمَا يتَحَمَّل الضَّمِير إِذا تَأَخّر عَن الْمُبْتَدَأ قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَول ابْن خروف مُخَالف لإطلاقهم وَلقَوْل ابْن جني فِي هَذَا الْبَيْت إِن الأولى حمله على الْعَطف على ضمير الظّرْف لَا على تَقْدِيم الْمَعْطُوف على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ قد اعْترض بِأَنَّهُ تخلص من ضَرُورَة بِأُخْرَى وَهُوَ الْعَطف مَعَ عدم الْفَصْل وَلم يعْتَرض بِعَدَمِ الضَّمِير وَجَوَابه أَن عدم الْفَصْل أسهل لوروده فِي النثر كمررت بِرَجُل سَوَاء والعدم حَتَّى قيل إِنَّه قِيَاس 1. وَإِنَّمَا نسب الْأَوْلَوِيَّة إِلَى ابْن جني لِأَنَّهُ ذهب تبعا لغيره فِي حرف الْوَاو من الْمُغنِي إِلَى أَنه من بَاب تقدم الْمَعْطُوف على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَأَنه من خَصَائِص الْوَاو وَمَا زَعمه الدماميني فِي الِاخْتِصَاص بِأَن السعد قَالَ فِي شرح الْمِفْتَاح إِن تَقْدِيم الْمَعْطُوف جَائِز بِشَرْط الضَّرُورَة وَعدم التَّقْدِيم على الْعَامِل وَكَون العاطف أحد حُرُوف خَمْسَة الْوَاو وَالْفَاء وَثمّ وأو وَلَا صرح بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل مَذْهَب الْأَخْفَش أَنه أَرَادَ عَلَيْك السَّلَام ورَحِمَهُ اللَّهُ فَقدم الْمَعْطُوف ضَرُورَة لِأَن السَّلَام عِنْده فَاعل عَلَيْك وَلَا يلْزم هَذَا سِيبَوَيْهٍ لِأَن السَّلَام عِنْده مُبْتَدأ وَعَلَيْك خَبره ورَحِمَهُ اللَّهُ مَعْطُوف على الضَّمِير المستر
(1/399)

وَأنْشد ثَعْلَب فِي أمالية هَذَا الْبَيْت هَكَذَا (الوافر)
(إِلَّا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... برود الظل شاعكم السَّلَام)
شاعكم تبعكم وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ وأنشده صَاحب الْجمل فِي بَاب النداء قَالَ اللَّخْمِيّ ونخلة منادى مُنكر وَهُوَ الشَّاهِد وَحكى الأعلم أَن كل نكرَة تؤنث فَلَا تكون إِلَّا مَنْصُوبَة وَإِن كَانَت مَقْصُودَة مُعينَة ونخلة عِنْده منادى مَقْصُود وَلَكِن لما نونها نصبها قَالَ وَذَات عرق مَوضِع بالحجاز
وَسلم على النَّخْلَة لِأَنَّهُ معهد أحبابه وملعبه مَعَ أترابه لِأَن الْعَرَب تقيم الْمنَازل مقَام سكانها فتسلم عَلَيْهَا وتكثر من الحنين إِلَيْهَا قَالَ الشَّاعِر (الْخَفِيف)
(وكمثل الأحباب لَو يعلم العاذل ... عِنْدِي منَازِل الأحباب)
وَيحْتَمل أَن يكون كنى عَن محبوبته بالنخلة لِئَلَّا يشهرها وخوفا من أَهلهَا وأقاربها وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير فِي بَاب الْكِنَايَة قَالَ وَمن نخوة الْعَرَب وغيرتهم كنايتهم عَن حرائر النِّسَاء بالبيض وَقد جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز بذلك فَقَالَ سُبْحَانَهُ {كأنهن بيض مَكْنُون} وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس (الطَّوِيل)
(وبيضة خدر لَا يرام خباؤها ... تمتعت من لَهو بهَا غير معجل)
وَمن مليح الْكِنَايَة قَول بعض الْعَرَب (الوافر)
(أَلا يَا نَخْلَة من ذَات عرق ... عَلَيْك وَرَحْمَة الله السَّلَام)
(سَأَلت النَّاس عَنْك فخبروني ... هُنَا من ذَاك تكرههُ الْكِرَام)
(وَلَيْسَ بِمَا أحل الله بَأْس ... إِذا هُوَ لم يخالطه الْحَرَام)
(1/400)

فَإِن هَذَا الشَّاعِر كنى عَن الْمَرْأَة بالنخلة وبالهناة عَن الرَّفَث فَأَما الهناة فَمن عَادَة الْعَرَب الْكِنَايَة بهَا عَن مثل ذَلِك وَأما الْكِنَايَة بالنخلة عَن الْمَرْأَة فَمن ظريف الْكِنَايَة وغريبها ا. هـ.
وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات الْجمل وَغَيرهم بَيت الشَّاهِد لَا يعرف قَائِله وَقيل هُوَ للأحوص وَالله أعلم
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل)
(أحقا بني أَبنَاء سلمى بن جندل ... تهددكم إيَّايَ وسط الْمجَالِس)
على أَن تهددكم فَاعل الظّرْف أَعنِي قَوْله حَقًا لاعتماده على الِاسْتِفْهَام وَالتَّقْدِير أَفِي حق تهددكم إيَّايَ كَمَا قَالَ الآخر (الطَّوِيل)
(أَفِي الْحق أَنِّي مغرم بك هائم)
وَجَاز وُقُوعه ظرفا وَهُوَ مصدر فِي الأَصْل لما بَين الْفِعْل وَالزَّمَان من المضارعة وَكَأَنَّهُ على حذف الْوَقْت وَإِقَامَة الْمصدر مقَامه كَمَا قَالُوا أَتَيْتُك خفوق النَّجْم أَي وَقت خفوق النَّجْم فَكَأَن تَقْدِيره أَفِي وَقت حق وَقَالَ ابْن الشجري فِي أمالية قَالُوا حَقًا إِنَّك ذَاهِب وأكبر ظَنِّي أَنَّك مُقيم يُرِيدُونَ فِي حق وَفِي أكبر ظَنِّي
(1/401)

وَلَك فِي أَن مذهبان فمذهب سِيبَوَيْهٍ والأخفش والكوفيين رفع أَن بالظرف وكل اسْم حدث يتقدمه ظرف يرْتَفع عِنْد سِيبَوَيْهٍ بالظرف ارْتِفَاع الْفَاعِل وَقد مثل ذَلِك بقوله غَدا الرحيل وأحقا أَنَّك ذَاهِب قَالَ حملوه على أَفِي حق أَنَّك ذَاهِب وَالْحق أَنَّك ذَاهِب وَالْمذهب الآخر مَذْهَب الْخَلِيل وَذَلِكَ أَنه يرفع اسْم الْحَدث بِالِابْتِدَاءِ ويخبر عَنهُ بالظرف الْمُتَقَدّم حكى ذَلِك عَنهُ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله وَزعم الْخَلِيل أَن التهدد هَا هُنَا بِمَنْزِلَة الرحيل بعد غَد وَأَن أَن بِمَنْزِلَتِهِ ا. هـ.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب أَن وصلتها مُبْتَدأ والظرف خَبره وَقَالَ الْمبرد حَقًا مصدر لحق محذوفا وَأَن وصلتها فَاعل ا. هـ.
وَقد اسْتشْكل النّحاس قَول الْخَلِيل أَن التهدد هُنَا بِمَنْزِلَة الرحيل بعد غَد إِلَخ فَقَالَ وَهَذَا مُشكل وسالت عَنهُ أَبَا الْحسن فَقَالَ لِأَنَّك تَقول أحقا أَن تتهددوا وَكَذَا أحقا أَنَّك منطلق قَالَ فحقا عِنْده ظرف كَأَنَّهُ قَالَ أَفِي حق انطلاقك قَالَ وَحَقِيقَته أزمن حق أَنَّك منطلق مثل وأسأل الْقرْيَة قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد لم يجز الْخَلِيل كسر إِن هُنَا لِأَنَّهُ يكون التَّقْدِير إِنَّك ذَاهِب حَقًا ثمَّ تقدم ومحال أَن يعْمل مَا بعد إِن فِيمَا قبلهَا وَلَو كَانَ الْعَامِل فِيهَا جَازَ فِيهِ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير نَحْو حَقًا ضربت زيدا وَلَا يجوز حَقًا زيد فِي الدَّار فَلذَلِك اضْطر إِلَى تَقْدِير فِي وَإِن قلت أحقا أَنَّك ذَاهِب جَازَ لِأَن الْعَامِل معنى ا. هـ.
قَالَ النّحاس وَسمعت أَبَا الْحسن يَقُول
(1/402)

نظرت فِي أحقا فَلم أجد يَصح فِيهِ إِلَّا قَول سِيبَوَيْهٍ على حذف فِي ا. هـ.
أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على الْجرْمِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه هُوَ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَلَا يكون على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ من أَنه ظرف لِأَن الظّرْف لم يَجِيء مصدرا فِي غير هَذَا وَهَذَا الَّذِي قَالَه قَبِيح من جِهَة أَن مَا ينْتَصب لدلَالَة الْجُمْلَة عَلَيْهِ مُتَقَدم قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة هَذَا لَيْسَ بالْحسنِ على أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ غير ذِي شكّ أَنه خَارج وَقَوْلهمْ غير ذِي شكّ فِيهِ دلَالَة على جَوَاز نصب حَقًا على الظّرْف أَلا ترى أَنه إِنَّمَا أجَاز تَقْدِيمه حَيْثُ كَانَ غير ذِي شكّ بِمَنْزِلَة حَقًا وَفِي مَعْنَاهُ فلولا أَن حَقًا فِي معنى الظّرْف عِنْدهم لم يستعملوا تَقْدِيم مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ إِذْ الْعَامِل إِذا كَانَ معنى لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ معموله فلولا أَن حَقًا بِمَنْزِلَة الظّرْف لما تقدم على الْعَامِل فِيهِ وَهُوَ معنى ويؤكد ذَلِك أَيْضا قَوْلهم أكبر ظَنِّي أَنَّك منطلق فإجراؤهم إِيَّاه مجْرى الظّرْف يدل على أَن حَقًا أَيْضا قد أجْرى مجْرى الظّرْف إِذْ كَانَا متقاربي الْمَعْنى وَقد أجْرى الْجرْمِي هَذِه الأبيات الَّتِي أنشدها سِيبَوَيْهٍ على أَنَّهَا مَحْمُولَة على الْمصدر وَأَن مَا بعد الْمصدر مَحْمُول على الْفِعْل أَو على الْمصدر
فإمَّا أَن يعْمل فِيهِ الْمصدر وَإِمَّا أَن يعْمل فِيهِ الْفِعْل الْعَامِل فِي الْمصدر وَهَذَا الَّذِي أجَازه جَائِز غير مُمْتَنع وَهُوَ ظَاهر وَقد كنت سَأَلت أَبَا بكر عَنهُ فَقلت مَا تنكر أَن يكون مَحْمُولا على الْفِعْل فَأجَاز ذَلِك وَلم يمْتَنع مِنْهُ ا. هـ.
وبني منادى مُضَاف لما بعده وسلمى بِفَتْح السِّين وَرُوِيَ وعيدكم بدل تهددكم وسط بِسُكُون السِّين ظرف بِمَعْنى بَين وَهَذَا الْبَيْت للأسود بن يعفر أول أَبْيَات أَرْبَعَة وَهَذَا مَا بعده (الطَّوِيل)
(فَهَلا جعلتم نَحوه من وعيدكم ... على رَهْط قعقاع ورهط ابْن حَابِس)
...
(1/403)

(هم منعُوا مِنْكُم تراث أبيكم ... فَصَارَ التراث للكرام الأكايس)
(وهم أوردوكم ضفة الْبَحْر طاميا ... وهم تركوكم بَين خاز وناكس)
نَحوه أَي مثله أَي مثل مَا هددتموني بِهِ والأكايس جمع أَكيس من الكياسة وَهِي الظرافة والضفة بِالْفَتْح وَالْكَسْر جَانب الْبَحْر وَالنّهر والبئر وطاميا من طما المَاء يطمو طموا ويطمي طميا فَهُوَ طام إِذا ارْتَفع وملأ النَّهر وَهُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وخاز من خزي بِالْكَسْرِ يخزى خزيا إِذا ذل وَهَان والناكس المطأطئ رَأسه وَالسَّبَب فِي هَذِه الأبيات كَمَا فِي الأغاني أَن أَبَا جعل أَخا بني عَمْرو ابْن حَنْظَلَة من البراجم جمع من شذاذ أَسد وَتَمِيم وَغَيرهم فغزوا بني الْحَارِث بن تيم الله بن ثَعْلَبَة فنذروا بهم وقاتلوهم قتالا شَدِيدا حَتَّى فضوا جمعهم فلحق رجل من بني الْحَارِث بن تيم الله بن ثَعْلَبَة جمَاعَة من بني نهشل فيهم جراح بن الْأسود بن يعفر وحرير بن شمر بن هزان بن زُهَيْر بن جندل وَرَافِع بن صُهَيْب بن حَارِثَة ابْن جندل وَعَمْرو والْحَارث ابْنا حَرِير بن سلمى ابْن جندل فَقَالَ لَهُم الْحَارِثِيّ هَلُمَّ إِلَيّ يَا طلقاء فقد أعجبني قتالكم وَأَنا خير لكم من الْعَطش قَالُوا نعم فَنزل ليجز نواصيهم فَنظر جراح بن الْأسود إِلَى فرسه فَإِذا هُوَ أَجود فرس فِي الأَرْض
يُقَال لَهُ العصماء فَوَثَبَ فركبها وركضها وَنَجَا عَلَيْهَا فَقَالَ الْحَارِثِيّ للَّذين بقوا مَعَه أتعرفون هَذَا قَالُوا نعم نَحن لَك عَلَيْهِ خفراء فَلَمَّا أَتَى جراح أَبَاهُ أمره فهرب بهَا فِي بني سعد فابتطنها
(1/404)

ثَلَاثَة أبطن وَكَانَ يُقَال لَهَا العصماء فَلَمَّا رَجَعَ النَّفر النهشليون إِلَى قَومهمْ قَالُوا إِنَّا خفراء فَارس العصماء فوَاللَّه لنأخذنها فأوعدوه وَقَالَ حَرِير وَرَافِع نَحن الخفيران لَهَا وَكَانَ بَنو جَرْوَل حلفاء بني سلمى ابْن جندل على بني حَارِثَة بن جندل فأعانه على ذَلِك التيجان بن بلج بن جَرْوَل ابْن نهشل فَقَالَ الْأسود بن يعفر يهجوه (الطَّوِيل)
(أَتَانِي وَلم أخش الذ ي ابتعثا بِهِ ... خفيرا بني سلمى حَرِير وَرَافِع)
(هم خيبوني كل يَوْم غنيمَة ... وأهلكتهم لَو أَن ذَلِك نَافِع)
وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى شرح هَذَا مَعَ بَقِيَّة الأبيات فِي آخر الْكتاب فِي حُرُوف الشَّرْط قَالَ فَلَمَّا رأى الْأسود أَنهم لَا يقلعون عَن الْفرس أَو يردهَا أحلفهم عَلَيْهَا فَحَلَفُوا أَنهم خفراء لَهَا فَرد الْفرس عَلَيْهِم وَأمْسك أمهارها فَردُّوا الْفرس إِلَى صَاحبهَا ثمَّ أظهر الأمهار بعد ذَلِك فأوعدوه فِيهَا أَن يأخذوها فَقَالَ الْأسود أحقا بني أَبنَاء سلمى بن جندل الأبيات الْأَرْبَعَة وَالْأسود هُوَ ابْن يعفر بن عبد الْأسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم قَالَ السُّيُوطِيّ وَجعله مُحَمَّد بن سَلام فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة مَعَ خِدَاش بن زُهَيْر والمخبل السَّعْدِيّ والنمر بن تولب وكنيته أَبُو الْجراح وَكَانَ مِمَّن
(1/405)

يهجو قومه
وترجمه الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف فِيمَن لقب بالأعشى فَقَالَ وَمِنْهُم أعشى بني نهشل وَهُوَ الْأسود بن يعفر بن الْأسود بن حَارِثَة بن جندل بن نهشل بن دارم الشَّاعِر الْمَشْهُور ا. هـ.
وَفِي الصِّحَاح الْأسود بن يعفر الشَّاعِر إِذا قلته بِفَتْح الْيَاء لم تصرفه لِأَنَّهُ مثل يقتل وَقَالَ يُونُس سَمِعت رؤبة يَقُول اسود بن يعفر بِضَم الْيَاء أَي وبضم الْفَاء أَيْضا وَهَذَا ينْصَرف لِأَنَّهُ قد زَالَ عَنهُ شبه الْفِعْل ا. هـ.
وَهُوَ شَاعِر مقدم فصيح من شعراء الْجَاهِلِيَّة لَيْسَ بمكثر وَله القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا (الْكَامِل)
(نَام الخلي وَمَا أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وِسَادِي)
وفيهَا أَبْيَات شَوَاهِد فِي الْمُغنِي لِأَبْنِ هِشَام تشرح هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهِي من مُخْتَار أشعار الْعَرَب وَحكمهَا مأثورة وَكَانَ ينادم النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَلما أسن كف بَصَره فَكَانَ يُقَاد إِذا ذهب إِلَى مَوضِع وَابْنه الْجراح وَأَخُوهُ حطائط شاعران وَمن شعر حطائط يَقُول لأمه وَقد عاتبته على جوده (الطَّوِيل)
(أريني جوادا مَاتَ هزلا لعلني ... أرى مَا تَرين أَو بَخِيلًا مخلدا)
(ذرين أكن لِلْمَالِ رَبًّا وَلَا يكن ... لي المَال رَبًّا تحمدي غب غَدا)
ذَرِينِي يكن مَالِي لعرضي وقاية ... يقي المَال عرضي قبل أَن يتبددا)
(1/406)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س
(أكل عَام نعم تحوونه)
على أَنه بِتَقْدِير حواية نعم ليَصِح الْإِخْبَار عَن اسْم الْعين باسم الزَّمَان فَإِن قَوْله أكل عَام مَنْصُوب على الظّرْف فِي مَوضِع خبر لقَوْله نعم فَوَجَبَ تَقْدِير مُضَاف وَقدره الشَّارِح الْمُحَقق حواية بِدَلِيل تحوونه وَهُوَ مصدر حويت الشَّيْء أحويه إِذا ضممته واستوليت عَلَيْهِ وملكته وَقدره ابْن النَّاظِم فِي شرح الْخُلَاصَة إِحْرَاز نعم وَقدره ابْن هِشَام نهب نعم وَقدره ابْن خلف أَخذ نعم أَو تَحْصِيل نعم وَقَالَ النّحاس كَانَ الْمبرد يذهب إِلَى أَن الْمَعْنى أكل عَام حُدُوث نعم فَيكون كل مَنْصُوبًا بالحدوث كَمَا تَقول اللَّيْلَة الْهلَال قَالَ أَبُو الْحسن ردا عَلَيْهِ لَيْسَ النعم شَيْئا
يحدث لم يكن كَيَوْم الْجُمُعَة وَمَا أشبهه وَلَكِن الْعَامِل فِي كل الِاسْتِقْرَار وَالْخَبَر مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ نعم تحوونه لكم ا. هـ.
أَقُول الْمبرد قدر هَذَا الْمُضَاف لصِحَّة الْإِخْبَار لَا لِأَنَّهُ عَامل فِي الظّرْف وَكَيف يكون الْعَامِل فِي كل الِاسْتِقْرَار مَعَ كَون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا بلكم فَتَأمل وَقدر صَاحب اللب الْمَحْذُوف مثل الْمبرد قَالَ شَارِحه يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن الْمُضَاف هُنَا مَحْذُوف أَي أحدوث نعم حصل فِي كل عَام أَو أحصل فِي كل عَام حُدُوث نعم فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه فَيكون الْمُبْتَدَأ أَو الْعَامِل فِي التَّقْدِير حَدثا غير مُسْتَمر وَأَن يكون مُرَاده أَن
(1/407)

للنعم فِي نَفسه تجددا وحدوثا فِي كل عَام كَمَا أَن فِي نفس الْهلَال تجددا وحدوثا فِي كل شهر ا. هـ.
وَفهم من كَلَامه شيئآن
الأول الرَّد على أبي الْحسن فِي قَوْله لَيْسَ النعم شَيْئا يحدث وَالثَّانِي أَن نعما لَا يتَعَيَّن أَن يكون مُبْتَدأ بل يجوز أَيْضا أَن يكون فَاعل الظّرْف وَمثله قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد الْأَحْسَن أَن يكون نعم فَاعِلا بالظرف لاعتماده فَلَا مُبْتَدأ وَلَا خبر وَمَعَ هَذَا فلابد من التَّقْدِير أَيْضا لِأَنَّهُ لأجل الْمَعْنى لَا لأجل الْمُبْتَدَأ إِذْ الَّذِي يحكم لَهُ بالاستقرار هُوَ الْأَفْعَال لَا الذوات ا. هـ.
وَأورد س هَذَا الْبَيْت على أَن جملَة تحوونه صفة لنعم وَاسْتشْهدَ بِهِ أَيْضا صَاحب الْكَشَّاف على تذكير الْأَنْعَام فِي قَوْله تَعَالَى (وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه لِأَنَّهُ مُذَكّر كَمَا ذكر الشَّاعِر الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تحوونه الرَّاجِع إِلَى النعم لِأَنَّهُ النعم اسْم مُفْرد بِمَعْنى الْجمع قَالَ الْفراء هُوَ مُفْرد لَا يؤنث يُقَال هَذَا نعم وَارِد وَقَالَ الْهَرَوِيّ وَالنعَم يذكر وَيُؤَنث وَكَذَلِكَ الْأَنْعَام تذكر وتؤنث وَلِهَذَا قَالَ مِمَّا فِي بطونه وَفِي مَوضِع آخر مِمَّا فِي بطونها قَالَ الرَّاغِب فِي مَوضِع النعم مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ قَالَ وتسميته بذلك لكَون الْإِبِل عِنْدهم أعظم نعْمَة ثمَّ قَالَ لَكِن الْأَنْعَام يُقَال لِلْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا يُقَال لَهَا أنعام حَتَّى يكون فِيهَا إبل وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى (مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام) إِن الْأَنْعَام هَا هُنَا عَام فِي الْإِبِل وَغَيرهَا
(1/408)

وَرُوِيَ أَيْضا فِي كل عَام بالجار بدل الْهمزَة والهمزة للاستفهام الإنكاري وَبعده (الرجز)
(يلقحه قوم وتنتجونه ... أربابه نوكى فَلَا يحمونه)
(وَلَا يلاقون طعانا دونه ... أنعم الْأَبْنَاء تحسبونه)
(أيهات أيهات لما ترجونه)
يَقُول يحملون الفحولة على النوق فَإِذا حملت أَغَرْتُم أَنْتُم عَلَيْهَا فأخذتموها وَهِي حوامل فتلد عنْدكُمْ يُقَال ألقح الْفَحْل النَّاقة إِذا أحبلها واللقاح
كسحاب مَاء الْفَحْل وتنتجونه بتاء الْخطاب يُقَال نتج النَّاقة أَهلهَا أَي استولدوها وأنتجت الْفرس بِالْهَمْزَةِ حَان نتاجها قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح النِّتَاج بِالْكَسْرِ اسْم يَشْمَل وضع الْبَهَائِم من الْغنم وَغَيرهَا وَإِذا ولي الْإِنْسَان نَاقَة أَو شَاة ماخضا حَتَّى تضع قيل نتجها نتجا من بَاب ضرب فالإنسان كالقابلة لِأَنَّهُ يتلَقَّى الْوَلَد وَيصْلح من شَأْنه فَهُوَ ناتج والبهيمة منتوجة وَالْولد نتيجة وَالْأَصْل فِي الْفِعْل أَن يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فَيُقَال نتجها ولدا لِأَنَّهُ بِمَعْنى وَلَدهَا ولدا وَيَبْنِي الْفِعْل للْمَفْعُول فيحذف الْفَاعِل ويقام الْمَفْعُول الأول مقَامه وَيُقَال نتجت النَّاقة ولدا إِذا وَضعته وَيجوز حذف الْمَفْعُول الثَّانِي اقتصارا لفهم الْمَعْنى فَيُقَال نتجت الشَّاة وَيجوز إِقَامَة الْمَفْعُول الثَّانِي مقَام الْفَاعِل وَحذف الْمَفْعُول الأول لفهم الْمَعْنى فَيُقَال نتج الْوَلَد ونتجت السخلة أَي ولدت وَقد يُقَال نتجت النَّاقة ولدا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل على معنى ولدت أَو حملت قَالَ السَّرقسْطِي نتج الرجل الْحَامِل وضعت عِنْده ونتجت هِيَ أَيْضا حملت لُغَة قَليلَة وأنتجت الْفرس وَذُو الْحَافِر بِالْألف استبان حملهَا فَهِيَ نتوج ا. هـ.
(1/409)

وَهَذَا التَّفْصِيل لَا يُوجد فِي غير هَذَا الْكتاب وَلِهَذَا نقل برمتِهِ ونوكى بِفَتْح النُّون جمع أنوك وَهُوَ الأحمق الضَّعِيف التَّدْبِير وَالْعَمَل وَالِاسْم النوك بِالضَّمِّ وَالْفَتْح نوك كفرح نواكة ونوكا محركة واستنوك وَهُوَ أنوك ومستنوك وَالْجمع نوكي كسكري ونوك كهوج وَامْرَأَة نوكاء من نوك أَيْضا وأنوكه صادفة أنوك وَقَوله فَلَا يحمونه أَي لَا يمْنَعُونَ من أَرَادَ الإغارة عَلَيْهِ وَالْأَبْنَاء كل بني سعد بن زيد إِلَّا بني كَعْب بن سعد وتحسبونه بِالْخِطَابِ أَيْضا وأيهات لُغَة فِي هَيْهَات وَقَوله لما ترجونه بِالْخِطَابِ أَيْضا أَي رجوا أَن يَدُوم لَهُم هَذَا الْفِعْل فِي النَّاس فمنعناهم مِنْهُ وحمينا مَا يَنْبَغِي أَن نحميه وَهَذِه الأبيات قيلت فِي يَوْم الْكلاب الثَّانِي فَإِن للْعَرَب فِيهِ يَوْمَيْنِ عظيمين وَهُوَ بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَهُوَ مَاء لبني تَمِيم بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة
وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْيَوْم على مَا فِي شرح المناقضات وَفِي الأغاني أَنه لما أوقع كسْرَى ببني تَمِيم وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا أَغَارُوا على لطيمته فَلَجَئُوا إِلَى الْكلاب وَذَلِكَ فِي القيظ وَقد أمنُوا أَن تقطع عَلَيْهِم تِلْكَ الصحارى فَدلَّ عَلَيْهِم بَنو الْحَارِث ابْن عبد المدان فقتلت الْمُقَاتلَة وَبَقِي الذَّرَارِي وَالْأَمْوَال بلغ ذَلِك مذحجا فَمشى بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا اغتنموا بني تَمِيم ثمَّ بعثوا الرُّسُل فِي قبائل الْيمن وأحلافها من قضاعة فَقَالَت مذْحج للْمَأْمُور
(1/410)

الْحَارِثِيّ الكاهن مَا ترى فَأَشَارَ بالكف عَن غزوهم وَزَعَمُوا أَنه اجْتمع من مذْحج ولفها اثْنَا عشر ألفا فَكَانَ رَئِيس مذْحج عبد يَغُوث بن وَقاص وَرَئِيس هَمدَان رجل يُقَال لَهُ مشرح وَرَئِيس كِنْدَة الْبَراء ابْن قيس بن الْحَارِث الْملك فَأَقْبَلُوا إِلَى بني تَمِيم فَبلغ ذَلِك سَعْدا والرباب فَانْطَلق نَاس من أَشْرَافهم إِلَى أَكْثَم بن صَيْفِي فاستشارة فَقَالَ أقلوا الْخلاف على أمرائكم وَاعْلَمُوا أَن كَثْرَة الصياح من الفشل تثبتوا فَإِن أحزم الْفَرِيقَيْنِ الركين وَرُبمَا عجدلة تهب ريثا وابرزوا للحرب وأدرعوا اللَّيْل فَإِنَّهُ أخْفى للويل فَلَمَّا انصرفوا من عِنْد أَكْثَم تهيؤوا للغزو واستعدوا للحرب وَأَقْبل أهل الْيمن فِي بني الْحَارِث من أَشْرَافهم يزِيد بن عبد المدان وَيزِيد بن المخرم وَيزِيد بن اليكسم ابْن الْمَأْمُور وَيزِيد بن هوبر حَتَّى إِذا كَانُوا بتيمن وَهِي مَا بَين نَجْرَان إِلَى بِلَاد بني تَمِيم نزلُوا قَرِيبا من الْكلاب وَرجل من بني زيد بن ريَاح بن يَرْبُوع يُقَال لَهُ مشمت بن زنباع فِي إبل لَهُ وَهُوَ عِنْد خَال لَهُ من بني سعد] وَمَعَهُ رجل من
بني سعد يُقَال لَهُ زُهَيْر بن بو فَلَمَّا أبصرهم المشمت قَالَ لزهير دُونك الْإِبِل وَتَنَحَّى عَن طريقهم حَتَّى أَتَى الْحَيّ فأنذرهم فأعدوا للْقَوْم وصبحوهم فَأَغَارُوا على النعم فأطردوه وَجعل رجل من أهل الْيمن يَقُول
(1/411)

(الرجز)
(فِي كل عَام نعم ننتابه ... على الْكلاب غيبا أربابه فَأَجَابَهُ غُلَام من بني سعد كَانَ فِي النعم على فرس لَهُ فَقَالَ)
(عَمَّا قَلِيل يلحقن أربابه)
وروى
(عَمَّا قَلِيل سترى أربابه)
(صلب الْقَنَاة حازما شبابه ... على جِيَاد ضمر غيابه)
وَأَقْبل بَنو سعد والرباب وَرَئِيس الربَاب النُّعْمَان بن جساس بِكَسْر الْجِيم وَتَخْفِيف السِّين وَرَئِيس بني سعدج قيس بن عَاصِم وَأجْمع الْعلمَاء على أَن قيس بن عَاصِم كَانَ الرئيس يَوْمئِذٍ فَقَالَ رجل من بني ضبة حِين دنا من الْقَوْم وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ هُوَ قيس بن حُصَيْن بن يزِيد الْحَارِثِيّ
(فِي كل عَام نعم تحوونه الأبيات)
وَتَقَدَّمت سعد والرباب فَالْتَقوا فِي أَوَائِل النَّاس فَلم يلتفتوا إِلَيْهِم واستقبلوا النعم من قبل وجوهه فَجعلُوا يصرفونه بأرماحهم وَاخْتَلَطَ الْقَوْم فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا يومهم حَتَّى إِذا كَانَ آخر النَّهَار قتل النُّعْمَان بن جساس وَظن أهل الْيمن أَن بني تَمِيم لَيْسُوا بِكَثِير حَتَّى قتل النُّعْمَان فَلم يزدهم ذَلِك إِلَّا جَرَاءَة فَاقْتَتلُوا حَتَّى حجز
. بَينهم اللَّيْل فَلَمَّا صبحوا غدوا على الْقِتَال فَنَادَى قيس بن عَاصِم يَا آل مقاعس وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم فَسمع الصَّوْت وَعلة بن عبد الله بن الْجرْمِي
(1/412)

وَكَانَ صَاحب اللِّوَاء يَوْمئِذٍ فطرحه وَكَانَ أول من انهزم مِنْهُم وحملت عَلَيْهِم سعد والرباب فهزموهم وَجعل رجل مِنْهُم يَقُول (الرجز)
(يَا قوم لَا يفلتكم اليزيدان ... يزِيد حزن وَيزِيد الريان)
(مخرم أَعنِي بِهِ وَالديَّان)
مخرم هُوَ ابْن شُرَيْح بن المخرم بن حزن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث وَهُوَ صَاحب المخرم بِبَغْدَاد وَجعل قيس يُنَادي يال تَمِيم لَا تقتلُوا إِلَّا فَارِسًا فَإِن الرجالة لكم وَجعل يَأْخُذ الأسرى فَمَا زَالُوا فِي آثَار الْقَوْم يقتلُون وَيَأْسِرُونَ حَتَّى أَسرُّوا عبد يَغُوث بن وَقاص وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب المنادى عِنْد شرح قَوْله (الطَّوِيل)
(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... نداماي من نَجْرَان أَن لَا تلاقيا)
وَأما وَعلة فَإِنَّهُ لحق رجلا من بني نهد يُقَال لَهُ سليط بن قتب فَقَالَ لَهُ وَعلة أردفني خَلفك فإنني أَتَخَوَّف الْقَتْل فَأبى أَن يردفه فطرحه عَن قربوسه وَركب عَلَيْهَا وَأدْركت بَنو سعد النَّهْدِيّ فَقَتَلُوهُ فَقَالَ وَعلة لما أَتَى أَهله (الطَّوِيل)
(لما سَمِعت الْخَيل تَدْعُو مقاعسا ... تطلع مني ثغرة النَّحْر جَائِر)
يَعْنِي الْقلب
(نجوت نجاء لَيْسَ فِيهِ وتيرة ... كَأَنِّي عِقَاب دون تيمن كاسر)
(وَقد قلت للنهدي هَل أَنْت مردفي ... وَكَيف رداف الفل أمك عَابِر)
من الْعبْرَة يَقُول عبرت أمك كَيفَ تردفني وَإنَّك فل مُنْهَزِم
(أناشده وَالرحم بيني وَبَينه ... وَقد كَانَ فِي نهد وجرم تدابر)
أَي تقاطع وتباغض
(فَمن يَك يَرْجُو فِي تَمِيم هوادة ... فَلَيْسَ لجرم فِي تَمِيم أواصر)
أَي قَرَابَات
(فدى لَكمَا رجْلي أُمِّي وخالتي ... غَدَاة الْكلاب إِذْ تجز الدوابر)
وَذَلِكَ أَن قيس بن عَاصِم لما أَكثر قومه الْقَتْل فِي الْيمن أَمرهم بالكف عَن الْقَتْل وَأَن يجزوا عراقيبهم
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ (الطَّوِيل)
(إِلَّا جبرئيل أمامها)
(1/414)

وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ
(شَهِدنَا فَمَا نلقى لنا من كَتِيبَة ... يَد الدَّهْر إِلَّا جبرئيل أمامها)
على أَن الظّرْف الْوَاقِع خَبرا إِذا كَانَ معرفَة يجوز رَفعه بمرجوحية وَالرَّاجِح نَصبه وَهَذَا لَا يخْتَص بالشعر خلافًا للجرمي والكوفيين وجبرئيل مُبْتَدأ وأمامها بِالرَّفْع خَبره وَالْجُمْلَة صفة للكتيبة وَقد أورد هَذَا الْبَيْت ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد عِنْد قَوْله (الْبَسِيط)
(غلباء وجناء علكوم مذكرة)
وروى نصرنَا بدل شَهِدنَا ثمَّ قَالَ قوافي هَذَا الشّعْر مَرْفُوعَة وَإِنَّمَا استشهدت على جَوَاز رفع الإِمَام لِأَن بعض العصريين وهم فِيهِ فَزعم أَنه لَا يتَصَرَّف ا. هـ.
وَقَوله يَد الدَّهْر بِمَعْنى مدى الدَّهْر ظرف مُتَعَلق بقوله نلقى وَمن زَائِدَة وكتيبة مفعول لنلقي وَلنَا كَانَ فِي الأَصْل صفة لكتيبة فَلَمَّا قدم صَار حَالا مِنْهُ والكتيبة طَائِفَة من الْجَيْش مجتمعة من الْكتب وَهُوَ الْجمع ونلقى بالنُّون وبالقاف الْفَوْقِيَّة من اللقى يُقَال لَقيته أَلْقَاهُ من بَاب تَعب لقيا وَالْأَصْل على فعول وكل شَيْء اسْتقْبل شَيْئا أَو صادفة فقد لقِيه وَشَهِدْنَا من شهِدت الْمجْلس مثلا إِذا حَضرته فالمفعول مَحْذُوف أَي شَهِدنَا عزوات النَّبِي
فَمَا لَقينَا كَتِيبَة وَعبر بالمستقبل لحكاية الْحَال الْمَاضِيَة
(1/415)

وَهَذَا الْبَيْت لم أر من ذكره ابْتِدَاء إِلَّا أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السّري الزّجاج فِي
تَفْسِيره أوردهُ عِنْد قَوْله تَعَالَى {قل من كَانَ عدوا لجبريل} قَالَ جِبْرِيل فِي اسْمه لُغَات قد قرئَ بِبَعْضِهَا وَمِنْهَا مَا لم يقْرَأ بِهِ فأج