Advertisement

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي 004


عبس فَقتله. وإنّما مدح حيًّ ذبيان لتحملهم الدِّيات إصلاحاً لذات الْبَين.
وَضمير كَانَ وطوى لحصين بن ضَمْضَم. والكشح الخاصرة يُقَال: طوى كشحه عَن فعلةٍ إِذا أضمرها فِي نَفسه. والمستكنّة: المستترة أَي: أضمر على غدرة مستترة لأنّه كَانَ قد أضمر قتل ورد بن حَابِس فإنّه كَانَ قتل أَخَاهُ هرم بن ضَمْضَم.
وَقَوله: فَلَا هُوَ أبداها. . الخ الْمَعْنى: فَلم يظهرها وَلم يتقدّم فِيهَا قبل مَكَانهَا.
ويروى: وَلم يتجمجم
(4/3)

بجيمين أَي: لم يتنهنه عمّا أَرَادَ مّما كتم. وَتَكون لَا مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَة لم مَعَ الْمُضَارع فِي الْمَعْنى كَقَوْلِه تَعَالَى: فَلَا اقتحم الْعقبَة أَي: لم يقتحمها. وَقَالَ أميّة بن أبي الصّلت: الرجز
(إِن تغْفر اللهمّ تغْفر جمّا ... وأيّ عبدٍ لَك لَا ألمّا)
أَي: لم يلمّ بالذنب. وَقَوله: وَكَانَ طوى هُوَ عِنْد المبّرد بإضمار قد أَي: قد طوى.
قَالَ: لأنّ كَانَ فعل مَاض فَلَا يخبر عَنهُ إلاّ باسم أَو بِمَا ضارعه. قَالَ: وَلَا يجوز كَانَ زيد قَامَ)
لأنّ زيد قَامَ يُغْنِيك عَن كَانَ. وَخَالفهُ أَصْحَابه فَقَالُوا: الْمَاضِي قد ضارع الِاسْم أَيْضا فَهُوَ يَقع خباً لَكَانَ كَمَا يَقع الِاسْم وَالْفِعْل الْمُسْتَقْبل
وأمّا قَوْلك كَانَ زيد قَامَ فإنّما جِيءَ بكان لتؤكّد أَن الْفِعْل لما مضى.
وَقد تقدّم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَة أول بَاب الِاشْتِغَال شرح هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مَعَ أبياتٍ كَثِيرَة من هَذِه الْمُعَلقَة وَذكرنَا سَبَب نظمها بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَيقدم أَيْضا تَرْجَمَة زُهَيْر بن أبي سلمى فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
(4/4)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(أضحت خلاءً وأضحى أَهلهَا احتملوا ... أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد)
على أنّ خبر أضحى يجوز أَن يكون فعلا مَاضِيا بِدُونِ قد فأهلها اسْم أضحى وَجُمْلَة احتملوا فِي مَحل نصب على أَنَّهَا خبر أضحى وَلَا تقدّر قد كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَالك خلافًا للمبرّد كَمَا تقدّم بَيَانه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةً للنّابغة الذُّبيانيّ مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا بلغه عَنهُ وَهِي من الاعتذاريّات وَقد ألحقوها لجودتها بالمعلقات السَّبع. وَهَذَا أوّلها:
(يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الْأَبَد
)
(وقفت فِيهَا اصيلاً كي أسائلها ... عيّت جَوَابا وَمَا بالرّبع من أحد)
(إلاّ أواريّ لأياً مَا أبيّنها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
(ردّت عَلَيْهِ أقاصيه ولبّده ... ضرب الوليدة بالمسحاة فِي الثّأد)
أضحت خلاءً أَهلهَا احتملوا ... ... ... ... الْبَيْت قَوْله: يَا دَار ميّة الخ قَالَ الأصبهانيّ فِي الأغاني: قَالَ الأصمعيّ: يُرِيد يَا أهل دَار ميّة. وَقَالَ الْقُرَّاء: نَادَى الديار لَا أَهلهَا أسفا عَلَيْهَا
(4/5)

وتشوّقاً إِلَيْهَا. وَقَالَ: أقوت وَلم يقل أقويت لأنّ من شَأْن الْعَرَب أَن يخاطبوا الشَّيْء ثمَّ يَتْرُكُوهُ ويكنون عَنهُ. هـ. العلياء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض. قَالَ ابْن السكّيت: قَالَ بالعلياء فجَاء بِالْيَاءِ لأنّه بناها على عليت بِالْكَسْرِ. والسّند: سَنَد الْوَادي فِي الْجَبَل وَهُوَ ارتفاعه حَيْثُ يسند)
فِيهِ أَي: يصعد. وأقوت: خلت من أَهلهَا.
والسالف: الْمَاضِي. والْأَبَد: الدّهر. وَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِأَكْثَرَ من هَذَا فِي الْفَاء من حُرُوف الْعَطف.
قَوْله: وقفت فِيهَا الخ الْأَصِيل مَا بعد الظّهر إِلَى الْغُرُوب وَرُوِيَ أصيلاناً مصغر أصلان وَهُوَ جمع الْكَثْرَة إِذا صغر ردّ إِلَى مفرده. وَرُوِيَ: وقفت فِيهَا طَويلا أَي: وقوفاً طَويلا.
وَقَوله: عيّت يُقَال: عييت بِالْأَمر إِذا لم تعرف وَجهه. وجواباً قيل مَنْصُوب على الْمصدر أَي: عيّت أَن تجيب وَمَا بهَا أحدٌ. والرّبع: الْمنزل فِي الرّبيع ثمَّ كثر حتّى قيل كل منزل ربع.
وَقَوله: إلاّ أواريّ بِالنّصب لأنّه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. والنّؤي مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَرُوِيَ: إلاّ أواريّ بِالرَّفْع على أنّه بدل من مَوضِع قَوْله: من أحد الْوَاقِع فَاعِلا للظرف والأواريّ هِيَ الأواخيّ جمع آريّ وآخيّة بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد فيهمَا. والآريّ: محبس الدّابة والآخية قِطْعَة من حَبل يدْفن طرفاه فِي الأَرْض وَفِيه عصيّة أَو حجر فتظهر مِنْهُ مثل عُرْوَة تشدّ إِلَيْهِ الدّابّة وَقد
(4/6)

تسمى الآخية آرياً وفعلهما آريت الدابّة وأخيّتها بتَشْديد الثَّانِي. واللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة: البطء يُقَال: فعل كَذَا بعد لأي أَي: بعد شدّة لأياً والتأى أَي: أَبْطَأَ إبطاءً. وَالْمعْنَى: بعد بطء تعرّفتها.
والنّؤي بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة: حفيرة حول الخباء وَالْبَيْت يَجْعَل ترابها حاجزاً حولهما لئلاّ يصل إِلَيْهِمَا مَاء الْمَطَر. والمظلومة: الأَرْض الَّتِي قد حفر فِيهَا فِي غير مَوضِع الْحفر. والْجلد بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام: الأَرْض الغليظة الصّلبة من غير حِجَارَة وإنّما قصد إِلَى الْجلد لأنّ الْحفر فِيهَا يصعب فَيكون ذَلِك أشبه شيءٍ بالنؤي.
قَالَ ابْن السّكّيت: إنّما قَالَ بالمظلومة لأَنهم مرّوا فِي تربةٍ فَحَفَرُوا فِيهَا حوضاً وَلَيْسَت بِموضع حَوْض فَجعل الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه.
وَهَذَا الْبَيْت يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضا إِن شَاءَ الله فِي خبر مَا وَلَا.
وَقَوله: ردّت عَلَيْهِ أقاصيه الخ أقاصيه نَائِب فَاعل ردّت وَالضَّمِير للنّؤي. والأقاصي: الْأَطْرَاف وَمَا بعد مِنْهُ أَي: والأقصى على الْأَدْنَى ليرتبع. ولبّدة: سكّنه أَي: سكنّه حفر وَقَوله: خلّت سَبِيل أتيّ الخ الأتيّ: السّيل الَّذِي يَأْتِي وَيُقَال للنهر الصَّغِير. يَقُول: لما انسدّ سَبِيل السّيل سهّلت لَهُ طَرِيقا حتّى جرى أَي: تركت الْأمة سَبِيل المَاء فِي الأتيّ ورفعته أَي: قدّمت الْحفر إِلَى مَوضِع السّجفين أوصلته إِلَيْهِمَا. وَلَيْسَ الترفيع هُنَا من ارْتِفَاع العلوّ بل هُوَ من)
قَوْلهم: ارْتَفع الْقَوْم إِلَى السُّلْطَان. والسّجفان: ستران رقيقان يكونَانِ فِي مقدّم الْبَيْت. والنّضد بِفَتْح النُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: مَا نضد من مَتَاع الْبَيْت.
(4/7)

وَقَوله: أضحت خلاء الخ أَي: أضحت الدَّار. والْخَلَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ. واحتملوا: حمّلوا جمَالهمْ وَارْتَحَلُوا. قَالَ فِي الصِّحَاح: وأخنى عَلَيْهِ الدّهر: أَتَى عَلَيْهِ وأهلكه. وَمِنْه قَول النّابغة: أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد ولبد: آخر نسور لُقْمَان بن عَاد وَهُوَ منصرف لأنّه لَيْسَ بمعدول وَفِي الْمثل: أعمر من لبد.
قَالَ الزّمخشريّ: وَهُوَ نسر لُقْمَان العاديّ سمّاه لبداً مُعْتَقدًا فِيهِ أَنه أبدٌ فَلَا يَمُوت وَلَا يذهب ويزعمون أَنه حِين كبر قَالَ لَهُ: انهض لبد فَأَنت نسر الْأَبَد.
قَالَ فِي الصِّحَاح: وتزعم الْعَرَب أنّ لُقْمَان هُوَ الَّذِي بعثته عادٌ فِي وفدها إِلَى الْحرم يَسْتَسْقِي لَهَا فَلَمَّا أهلكوا خيّر لُقْمَان بَين بَقَاء سَبْعَة أنسرٍ كلما هلك نسر خلف بعده نسر فَاخْتَارَ أضحت خلاءً وأضحى أَهلهَا احتملوا ... الْبَيْت ولقمان هُوَ مِمَّن آمن بهودٍ عَلَيْهِ السَّلَام وَهلك قومه لكفرهم بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فأهلكهم الله تَعَالَى بالرّيح سبع لَيَال وَثَمَانِية أيّام حسوما فَلم تدع مِنْهُم أحدا وَسلم هودٌ وَمن آمن مَعَه. وَأرْسلت عَلَيْهِم يَوْم الْأَرْبَعَاء فَلم تدر الْأَرْبَعَاء وعَلى الأَرْض مِنْهُم حيّ.
وَأما لُقْمَان الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فَهُوَ غَيره قَالَ صَاحب الكشّاف: هُوَ
(4/8)

لُقْمَان بن باعوراء ابْن أُخْت أيّوب أَو ابْن خَالَته وَقيل: كَانَ يُفْتِي قبل مبعث دَاوُد فلمّا بعث قطع الْفَتْوَى فَقيل لَهُ فَقَالَ: أَلا أكتفي إِذا كفيت وَقيل: كَانَ قَاضِيا فِي بني إِسْرَائِيل. وَأكْثر الْأَقَاوِيل أَنه كَانَ حكيماً وَلم يكن نَبيا.
-
وَعَن ابْن عبّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لُقْمَان لم يكن نَبيا وَلَا ملكا وَلَكِن كَانَ رَاعيا أسود فرزقه الله الْعتْق وَرَضي قَوْله ووصيّته فقصّ أمره فِي الْقُرْآن ليتمسّكوا بوصيته.
وَقَالَ عِكْرِمَة والشّعبي: كَانَ نبيّا. وَقيل: خيّر بَين النّبوّة وَالْحكمَة. وَعَن ابْن المسّيب: كَانَ أسود من سودان مصر خياطاً. وَعَن مُجَاهِد: كَانَ عبدا أسود غليظ الشّفتين متشقق الْقَدَمَيْنِ. وَقيل: كَانَ نجاراً وَقيل كَانَ رَاعيا وَقيل: كَانَ يختطب لموالاة كل يَوْم حزمة. هـ.
وَهُوَ مُتَأَخّر عَن لُقْمَان العاديّ لِأَن هوداً متقدمٌ على أَيُّوب وَدَاوُد يُقَال للعاديّ: لُقْمَان)
وانشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(4/9)

الْبَسِيط
(قد قيل ذَلِك إِن حقّا وَإِن كذبا ... فَمَا اعتذارك من شَيْء إِذا قيلا)
على أنّ كَانَ تحذف مَعَ اسْمهَا بعد إِن الشرطيّة أَي: إِن كَانَ ذَلِك حَقًا وَإِن كَانَ كذبا جعله صَاحب اللّبَاب من قبيل: النّاس مجزيّون بأعمالهم: إِن خيرا فَخير وَإِن شرّاً فشرّ فِي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة.
-
قَالَ شَارِحه الفالي: يجوز فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: رفعهما ونصبهما وَرفع الأوّل وَنصب الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ. وَتَقْدِير الرّفْع فيهمَا: إِن وَقع حقٌ وَإِن وَقع كذبٌ أَو إِن كَانَ فِيهِ أَي: فِي الْمَقُول حقّ وَإِن كَانَ فِيهِ كذب. ونصبهما على أنّهما خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: إِن كَانَ الْمَقُول حَقًا وَإِن كَانَ الْمَقُول كذبا وَأما رفع أَحدهمَا وَنصب الآخر فَيظْهر من بَيَان نصبهما ورفعهما. وإنّما قَالَ: مِنْهُ لِأَن الْوُجُوه الْأَرْبَعَة كَانَت فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء وَهُوَ إِن خيرا فَخير وَفِي الْبَيْت الْوُجُوه فِي الشَّرْطَيْنِ وهما إِن حَقًا وَإِن كذبا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للنّعمان بن الْمُنْذر أوّلها:
(شرّد برحلك عنّي حَيْثُ شِئْت وَلَا ... تكْثر عليّ ودع عَنْك الأقاويلا)
(فقد رميت بداءٍ لست غاسله ... مَا جاور السّيل أهل الشّام والنّيلا)
(فَمَا انتفاؤك مِنْهُ مَا قطعت ... هوج المطيّ بِهِ أكناف شمليلا)
(قد قيل ذَلِك إِن حَقًا وَإِن كذبا ... فَمَا اعتذارك من شيءٍ إِذا قيلا)
(فَالْحق بِحَيْثُ رَأَيْت الأَرْض وَاسِعَة ... وانشر بهَا الطّرف إِن عرضا وَإِن طولا)
(4/10)

قَوْله: شرّد برحلك أَي: أبعده وارتحل عني. وَقَوله: فقد رميت رُوِيَ بدله: فقد ذكرت بِهِ والرّكب حامله وَضمير بِهِ وحامله للبرص الْمَذْكُور. وَقَوله: شمليلا قَالَ البكريّ فِي مُعْجم
مَا استعجم: هُوَ بِكَسْر أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده لَام مَكْسُورَة على وزن فعليل بلد وانشد هَذَا الْبَيْت. وَمن الْعَجَائِب تَفْسِير العينيّ إيّاه بالناقة الْخَفِيفَة وكأنّه يكْتب من غير أَن يتصورّ الْمَعْنى.
وَالسَّبَب فِي هَذِه الأبيات هُوَ مَا رَوَاهُ الْحسن الطوسيّ فِي شرح ديوَان لبيد والمفضّل بن سَلمَة)
فِي الفاخر وَابْن خلف فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَقد تدَاخل كَلَام كل مِنْهُم فِي الآخر أنّ وَفد بني عَامر مِنْهُم طفيل بن مَالك وعامر بن مَالك أَتَوا النُّعْمَان بن الْمُنْذر أول مَا ملك فِي أُسَارَى من بني عَامر يشترونهم مِنْهُ وَمَعَهُمْ نَاس من بني جَعْفَر وَمَعَهُمْ لبيدٌ وَهُوَ غلامٌ صَغِير فخلّفوه فِي رحالهم ودخلوا على النّعمان فوجدوا عِنْده الرّبيع بن زِيَاد العبسيّ وَكَانَ نديم النّعمان قد غلب على حَدِيثه ومجلسه فَجعل الرّبيع يهزأ يهم ويسخر مِنْهُم لعداوة غطفان وهوازن فغاظهم ذَلِك فَرَجَعُوا بِحَال سيّئة فَقَالَ لَهُم لبيد: إنّكم تنطلقون بِحَال حَسَنَة ثمَّ ترجعون وَقد ذهب ذَاك وَتغَير. قَالُوا: خَالك وَكَانَت أمّ لبيد عبسيّة كلّما أقبل علينا بِوَجْهِهِ صدّه عنّا بِلِسَان بليغ مُطَاع.
فَقَالَ لَهُم لبيد: فَمَا يمنعكم من معارضته قَالُوا: لحسن مَنْزِلَته عِنْد النُّعْمَان. قَالَ: فَانْطَلقُوا بِي مَعكُمْ. فأزمعوا أَن يذهبوا بِهِ وحلقوا رَأسه وألبسوه حلّةً وَغدا مَعَهم فَانْتَهوا إِلَى النُّعْمَان وربيع مَعَه وهما يأكلان طَعَاما وَقيل تَمرا وزبداً فَقَالَ لبيد: أَبيت اللَّعْن وَإِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فِي الْكَلَام. فَأذن لَهُ فَأَنْشد:
(4/11)

الرجز
(مهلا أَبيت اللّعن لَا تَأْكُل مَعَه ... إنّ استه من برص ملمّعه)
(وإنّه يدْخل فِيهَا إصبعه ... يدخلهَا حتّى يواري أشجعه)
كَأَنَّمَا يطْلب شَيْئا ضيّعه وَسَيَأْتِي شرح هَذِه الأبيات إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ربّ من حُرُوف الجرّ.
فَرفع النّعمان يَده وأفّف وَقَالَ: كفّ وَيلك يَا ربيع إِنِّي أحسبك كَمَا ذكر. فَقَالَ الرّبيع: إنّ الْغُلَام لَكَاذِب. فَترك النّعمان مؤاكلته وَقَالَ: عد إِلَى قَوْمك. فَمضى الرّبيع لوقته وتجرّد وأحضر من شَاهد بدنه وَأَنه لَيْسَ فِيهِ سوء وَلحق بأَهْله وَأرْسل إِلَى النُّعْمَان بِأَبْيَات مِنْهَا: الْبَسِيط
(لَئِن رحلت ركابي لَا إِلَى سعةٍ ... مَا مثلهَا سعةٌ عرضا وَلَا طولا)
(وَلَو جمعت بني لخمٍ بأسرتها ... لم يعدلُوا ريشةً من ريش قتميلا)
وروى: شمويلا فَأَجَابَهُ النّعمان:
(شرّد برحلك عنّي حَيْثُ شِئْت وَلَا ... تكْثر عليّ ودع عَنْك الأقاويلا)
الأبيات: والنّعمان بن الْمُنْذر هُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين بعد)
الْمِائَة.
وأمّا الرّبيع فَهُوَ الرّبيع بن زِيَاد العبسيّ قَالَ الزّمخشريّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: أَنْجَب من بنت الخرشب هِيَ فَاطِمَة الأنماريّة ولدت لزياد
(4/12)

العبسيّ الكملة: ربيعاً الْكَامِل وَعمارَة الوهّاب وَقيس الْحفاظ وَأنس الفوارس.
وَقيل لَهَا: أيّ بنيك أفضل فَقَالَت: ربيع بل عمَارَة بل قيس بل أنس ثكلتهم إِن كنت وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(أَبَا خراشة أمّا أَنْت ذَا نفر ... فإنّ قومِي لم تأكلهم الضّبع)
على أَن أصل أما أَنْت: لِأَن كنت. كَمَا شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وبيّن مختاره وَسَيَأْتِي فِي الشَّاهِد الَّذِي يَلِيهِ ذكر من وَافقه.
وَهَذَا الْبَيْت وَنَحْوه اخْتلف فِي تَخْرِيجه أهل البلدين قَالَ أَبُو عليّ فِي البغداديات: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَأَلته يَعْنِي الْخَلِيل عَن قَوْله: أما أَنْت مُنْطَلقًا أَنطلق مَعَك فَرفع وَهُوَ قَول أبي عَمْرو حدّثنا بِهِ يُونُس يُرِيد أنّه رفع أَنطلق وَلم يجزمه على أنّه جَزَاء. وَحكى أَبُو عمر الجرميّ عَن الأصمعيّ
(4/13)

فِيمَا أظنّ المجازاة بأمّا الْمَفْتُوحَة الْهمزَة وَزعم أنّه لم يحكه غَيره. وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عمر يقويّه الَّذِي ذكرنَا وَهُوَ: أَبَا خراشة أمّا أَنْت ذَا نفرٍ
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْت مَا يحمل عَلَيْهِ أَن فَيتَعَلَّق بِهِ كَمَا أَنَّهَا فِي قَوْلهم أما أَنْت مُنْطَلقًا أَنطلق مَعَك فَإِن قلت: يكون مُتَعَلقا بِفعل مُضْمر يفسّره مَا بعده فَالْجَوَاب مَا يكون تَفْسِيرا لَا يعْطف بِهِ على المفسّر أَلا ترى أنّك تَقول: إِن زيدا ضَربته وَلَا يجوز إِن زيدا فضربته فَإِذا لم يجز كَانَت الْفَاء فِي فإنّ قومِي جَوَاب شَرط وَأَنت مُرْتَفع بِفعل مُضْمر.
فَإِن قلت: قد تزاد الْفَاء كَمَا حكى أَبُو الْحسن: أَخُوك فَوجدَ فاحملها فِي الْبَيْت على هَذَا ليصحّ إِضْمَار الْفِعْل المفسّر وَفِي حمل الْبَيْت عَلَيْهِ تقويةٌ لما ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أَن أمّا فِي الْبَيْت إنّما هِيَ أَن الناصبة ضمّت إِلَيْهَا مَا إلاّ أَن القَوْل بزيادتها لَيْسَ من مذهبي هـ.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي اماليه: دُخُول الْفَاء هُنَا فِي الْمَعْنى كدخولها فِي جَوَاب الشَّرْط لأنّ قَوْلك)
لِأَن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت بِمَعْنى قَوْلك: إِن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت لِأَن الأول سببٌ للثَّانِي فِي الْمَعْنى فلمّا كَانَ كَذَلِك دخلت دلَالَة على السّبييّة كَمَا تدخل فِي جَوَاب الشَّرْط فَلهَذَا الْمَعْنى جَاءَت الْفَاء بعد الشَّرْط المحقّق وَالتَّعْلِيل وَهِي لَهما جَمِيعًا فِي الْمَعْنى. هـ.
وَقَالَ ابْن خلف: قَالَ عليّ بن عبد الرّحمن: عِنْدِي فِيهِ وجهٌ آخر وَهُوَ أَن تجْعَل الْفَاء جَوَابا لما دلّ عَلَيْهِ حرف النّداء المقدّر من التَّنْبِيه
(4/14)

والإيقاظ كأنّه قَالَ: تنبّه وتيقظ. فإنّ قومِي لم تأكلهم الضبّع. وَفِيه نظر.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: الْفَاء لتعليل لم أذلّ المقدّر وَالْمعْنَى: وَيجوز أَن أَن تكون الْفَاء جَزَاء الشَّرْط فِي قَوْله: أمّا أَنْت بِنَاء على مَذْهَب الكوفييّن: من أنّ أصل أَن فِي هَذَا إِن الْمَكْسُورَة الَّتِي للجزاء وأنّها إنّما تفتح إِذا دخلت عَلَيْهَا مَا لَيْلهَا الِاسْم.
ويجيزون أمّا زيد قَائِما أقِم مَعَه بِفَتْح الْهمزَة هـ.
وَقَالَ عليّ بن عبد الرّحمن: وَفِي الْبَيْت عِنْدِي حذف يقوم من بقّيته الدّلالة
عَلَيْهِ وَهُوَ بطرت أَو بغيت أَو فخرت وَبِه يتَعَلَّق الجارّ ثمّ اسْتَأْنف فَقَالَ: إِن قومِي الخ.
وَقَوله: أَبَا خراشة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة منادى بِحَذْف حرف النّداء المقدّر.
وَأَبُو خراشة كنيةٌ واسْمه خفاف بن ندبة بضمّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء. وندبة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الدَّال بعْدهَا موحّدة وَهِي اسْم أمّه اشْتهر بهَا. وخفاف صحابيّ شهد فتح مكّة مَعَ النّبي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ لِوَاء بني سليم وَشهد حنيناً والطائف أَيْضا وَهُوَ مِمَّن ثَبت على إِسْلَامه فِي الرّدّة وَهُوَ أحد فرسَان قيس وشعرائها.
وَكَانَ أسود حالكاً وَهُوَ أحد أغربة
(4/15)

الْعَرَب الثَّلَاثَة وَهُوَ ابْن عمّ الخنساء الصّحابيّة الشّاعرة وَتَأْتِي لَهُ تَرْجَمَة أبسط ممّا هُنَا فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وأَنْت اسْم لَكَانَ المحذوفة وذَا نفر خَبَرهَا. وَعند ابْن جنّي هما معمولان لما الْوَاقِعَة عوضا من الْفِعْل ومصلحة للّفظ لتزول مُبَاشرَة أَن الِاسْم وَهَذِه عِبَارَته فِي الخصائص: فَإِن قلت: بِمَ ارْتَفع وانتصب: أَنْت مُنْطَلقًا قيل بِمَا لِأَنَّهَا عَاقَبت الْفِعْل الرافع النّاصب فَعمِلت عمله من الرّفْع والنّصب وَهَذِه طَريقَة أبي عليّ وجلّة أَصْحَابنَا من قبل أنّ الشَّيْء إِذا عاقب الشَّيْء ولي من الْأَمر
مَا كَانَ الْمَحْذُوف يَلِيهِ من ذَلِك الظّرْف إِذا تعلّق بالمحذوف فإنّه يتضمّن الضَّمِير الَّذِي كَانَ فِيهِ وَيعْمل مَا كَانَ يعمله: من نَصبه الْحَال والظرف وعَلى ذَلِك صَار قَوْله: فَاه إِلَى فيّ من)
قَوْله: كَلمته فَاه إِلَى فيّ ضَامِنا للضمير الَّذِي كَانَ فِي جاعلاً لّما عاقبه. هـ.
قَالَ ابْن خلف: وعَلى هَذَا يلغز فَيُقَال: هَل تعرف مَا فِي كَلَام الْعَرَب رَافِعَة للاسم وناصبه للْخَبَر وَلَيْسَت بالنافية الَّتِي يعملها أهل الْحجاز بل هِيَ موجبةٌ لَا نَافِيَة.
(4/16)

وروى أَبُو خَليفَة الدّينوريّ فِي كتاب النَّبَات وَتَبعهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: أَبَا خراشة أما كنت ذَا نفرٍ وَعَلَيْهَا فَلَا شَاهد فِي الْبَيْت وَمَا زَائِدَة. وَهَذِه الرِّوَايَة تؤيّد قَول الكوفييّن الْقَائِلين إِن الْمَفْتُوحَة شرطيّة يجازى بهَا.
وَمن الغرائب مَا نَقله صَاحب نفحات الأرج فِي شرح أَبْيَات الْحجَج عَن الأصمعيّ أنّ الْعَرَب تجازي بأنت فَتَقول: مَا أَنْت منطلق أَنطلق مَعَك. وَهَذَا نَادِر وَلَا يعْتَبر فَإِن المجازاة لَا تقع إلاّ على الْفِعْل وأمّا الْأَسْمَاء فإنّها لَا يصحّ عَلَيْهَا المجازاة. كَذَا فِي شرح أَبْيَات الموشح. والنَّفر قَالَ الفرّاء: نفر الرجل: رهطه وَيُقَال لعدّة من الرّجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور. والضّبع قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله الَّتِي على وزن أفعل عِنْد قَوْله: أفسد من الضّبع: إِنَّهَا إِذا وَقعت فِي الْغنم عاثت وَلم تكتف بِمَا يَكْتَفِي بِهِ الذِّئْب. وَمن إفسادها وإسرافها فِيهِ استعارت الْعَرَب اسْمهَا للسّنة المجدبة فَقَالُوا: أكلتنا الضبع.
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: لَيْسَ يُرِيدُونَ بالضّبع السّنة وإنّما هُوَ أنّ النَّاس إِذا أجدبوا ضعفوا عَن الِانْتِصَار وَسَقَطت قواهم فعاثت فيهم الضباع والذّئاب فأكلتهم وَمِنْه قَوْله: أَبَا خراشة أما أَنْت ذَا نفر ... ... ... ... الْبَيْت
(4/17)

أَي: إنّ قومِي لَيْسُوا بضعافٍ تعيث فيهم الضباع والذئاب. وَإِذا اجْتمع الذّئب والضبع فِي الْغنم سلمت الْغنم وَمِنْه قَوْلهم اللهمّ ذئباً وضبعاً أَي: اجمعهما فِي الْغنم لأنّ كلاًّ مِنْهُمَا يمْنَع صَاحبه هـ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للعبّاس بن مرداس السّلميّ لَا للهذليّ كَمَا زعم بعض شرّاح أَبْيَات الْمفصل.
وَبعده:
(السّلم تَأْخُذ مِنْهَا مَا رضيت بِهِ ... وَالْحَرب يَكْفِيك من أنفاسها جرع)
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الْبَيْضَاوِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة على أنّ السّلم)
تؤنث كالحرب. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: السّلم الصُّلْح تفتح وتكسر وتذكّر وتؤنث.
وَكَذَلِكَ اسْتشْهد بن ابْن السّكّيت فِي إصْلَاح الْمنطق قَالَ التّبريزيّ فِي أيضاح الْإِصْلَاح: الجرع: جمع جرعة: وَهِي ملْء الْفَم. يُخبرهُ أنّ السّلم هُوَ
فِيهَا وداع ينَال من مطالبه مَا يُرِيد فَإِذا جَاءَت الْحَرْب قطعته عَن لذاته وشغلته بِنَفسِهِ هـ.
(4/18)

وَهَذَا تحريضٌ على الصُّلْح وتثبيط على الْحَرْب. وَأَرَادَ بأنفاسها أوائلها ومن فِي الْمَوْضِعَيْنِ ابتدائية.
وَالْعَبَّاس بن مرداس صحابيّ أسلم قبل فتح مَكَّة بِيَسِير وَهُوَ مِمَّن حرّم الْخمر على نَفسه فِي الْجَاهِلِيَّة وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(إمّا أَقمت وأمّا أَنْت مرتحلاً ... فَالله يكلأ مَا تَأتي وَمَا تدر)
على أَنه يدل لصِحَّة قَول الْكُوفِيّين: كَون أَن الْمَفْتُوحَة الْهمزَة أَدَاة شَرط مَجِيء الْفَاء فِي جوابها مَعَ عطف أما أَنْت على إِمَّا أَقمت بِكَسْر الْهمزَة.
قد صوّب ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي رَأْي الْكُوفِيّين كَمَا صوّب الشَّارِح المحقّق واستدلّ لَهُم بِعَين مَا اسْتدلَّ بِهِ الشَّارِح وَهَذَا من توَافق الخاطر كَمَا يُقَال
قد يَقع الْحَافِر مَوضِع الْحَافِر.
وَهَذِه عِبَارَته:
(4/19)

ويرجح مَذْهَب الكوفييّن عِنْدِي أُمُور: أَحدهَا توارد إِن الْمَفْتُوحَة والمكسورة على المحلّ الْوَاحِد وَالْأَصْل التوافق وَقُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: أَن تضلّ إِحْدَاهمَا ولَا يجر مِنْكُم شنآن قوم أَن صدوكم أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحاً أَن كُنْتُم قوما مسرفين. وَرُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْله: الطَّوِيل الثَّانِي مَجِيء الْفَاء بعْدهَا كثيرا كَقَوْلِه: أَبَا خراشة أما أَنْت ذَا نفر ... ... ... ... . . الْبَيْت الثَّالِث عطفها على أَن الْمَكْسُورَة فِي قَوْله: إِمَّا أَقمت وَأما أَنْت مرتجلا ... ... ... ... . الْبَيْت)
الرِّوَايَة بِكَسْر إِن الأولى وَفتح الثَّانِيَة. فَلَو كَانَت الْمَفْتُوحَة مصدريّة لزم عطف الْمُفْرد على الْجُمْلَة. وتعسّف ابْن الْحَاجِب فِي تَوْجِيه ذَلِك فَقَالَ: لما معنى
قَوْلك إِن جئتني أكرمتك وقولك أكرمك لإتيانك إيّاي وَاحِدًا صحّ عطف التَّعْلِيل على الشَّرْط فِي الْبَيْت. وَكَذَلِكَ تَقول: إِن جئتني وأحسنت
(4/20)

إليّ أكرمتك ثمَّ تَقول: إِن جئتني ولإحسانك إليّ أكرمتك وَتجْعَل الْجَواب لَهما هـ.
وَمَا أظنّ أنّ الْعَرَب فاهت بذلك يَوْمًا. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام.
وَكَلَام ابْن الْحَاجِب الَّذِي نَقله هُوَ فِي الْإِيضَاح شرح الْمفصل وَقد اختصر كَلَامه وَهَذِه عِبَارَته: وَقد رُوِيَ قَوْله: إمّا أَقمت وَأما أَنْت مرتحلا ... ... ... ... الْبَيْت بِكَسْر الأول وَفتح الثَّانِي: أمّا كسر الأوّل فلأنّه شَرط فَوَجَبَ كَسره وَدخُول مَا عَلَيْهِ كدخولها فِي قَوْلك: أمّا أَنْت مُنْطَلقًا. وَقد تقدّم ذكره.
وَقَوله: فَالله يكلأ مَا تَأتي الخ فجواب الشَّرْط معلّل بقوله: أمّا أَنْت مرتحلا. وصحّ أَن يكون لَهما جَمِيعًا من حَيْثُ كَانَ الشَّرْط والعلّة فِي معنى وَاحِد أَلا ترى أَن قَوْلك إِن أتيتني أكرمتك.
بِمَعْنى قَوْلك: أكرمتك لأجل إتيانك فَإِذا ثَبت أنّ الشَّرْط والتّعليل بِمَعْنى واحدٍ صحّ أَن تعطف أَحدهمَا على الآخر وَتجْعَل الْجَواب لَهما جَمِيعًا فِي الْمَعْنى فَصَارَ مثل قَوْلك: إِن أكرمتني وأحسنت إليّ أكرمتك وإلاّ أنّه وضع مَوضِع أَحْسَنت إليّ لفظ التَّعْلِيل فَصَارَ كَأَنَّك قلت: إِن أكرمتني فلأجل إتيانك فَأَنا أكرمك. وَذَلِكَ سَائِغ. هَذَا كَلَامه.
وَقد ناقش الدّمامينيّ كَلَام ابْن هِشَام فِي الأدلّة الثَّلَاثَة بالتعسّف كَمَا لَا يخفى على من تامله. والكلاءة بِالْفَتْح والمدّ: الْحِفْظ ومَا مَوْصُولَة والعائد مَحْذُوف أَي: مَا تَأتيه وَمَا تذره. وتذر بِمَعْنى تتْرك وَقد أماتوا ماضيه ومصدره وَاسم فَاعله وَاسم مَفْعُوله كيدع.
وَهَذَا الْبَيْت مَعَ استفاضته فِي كتب النَّحْو لم أظفر بقائله وَلَا بتتمته وَالله أعلم بِهِ.
(4/21)

وانشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(وَمن عضةٍ مَا ينبتن شكيرها)
على أَن زِيَادَة مَا للتَّأْكِيد بِمَنْزِلَة اللَّام ولأجلها جَازَ تَأْكِيد الْفِعْل بالنُّون. وَسَيَأْتِي نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي آخر الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد التسْعمائَة فِي نون التوكيد.
قَالَ الصاغانيّ تبعا لصَاحب وَغَيره: الشكير: مَا ينْبت حول الشَّجَرَة من أَصْلهَا قَالَ:
(إِذا مَاتَ مِنْهُم ميتٌ سرق ابْنه ... وَمن عضةٍ مَا ينبتنّ شكيرها)
يُرِيد أنّ الابْن يشبه أَبَاهُ فَمن رأى هَذَا ظَنّه فَكَأَن الابْن مَسْرُوق.
وَفِي فعله يُقَال: شكرت الشَّجَرَة تشكراً من بَاب فَرح أَي: خرج مِنْهَا الشّكير. وَهَذَا التَّفْسِير مَنْقُول من تَهْذِيب الْأَزْهَرِي.
وَأورد الزمخشريّ المصراع الثَّانِي فِي أَمْثَاله وَقَالَ: والعضة بِالْهَاءِ وَالتَّاء جَمِيعًا. والشكير: الْوَرق.
وَكَذَلِكَ اقْتصر ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي التسهيل عَلَيْهِ لكنّه قَالَ: هَذَا
(4/22)

مثلٌ
لمن أظهر خلاف مَا أبطن. والعضة: شَجَرَة وشكيرها: شَوْكهَا وَقيل صغَار وَرقهَا. يَعْنِي أنّ كبار الْوَرق إنّما تنْبت من صغارها أَي: مَا ظهر من الصغار يدلُّ على الْكِبَار هـ.
وَهَذَا التَّفْسِير مَبْنِيّ على قطع النّظر عَن المصراع الأوّل.
وَقَوله: سرق ابْنه اخْتلف فِي ضَبطه فالجمهور على أنّه بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِتَقْدِير سرق مِنْهُ وَضَبطه الْخَطِيب التّبريزيّ بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل على تَقْدِير سرق ابْنه صورته وشمائله.
وَضَبطه بَعضهم: شرف ابْنه بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاء وَالْبناء للمعلوم من الشّرف وَهُوَ الْمجد وَلَا يخفى ركاكته. والعضة: وَاحِدَة العضاه عضاهة وعضهة بِكَسْر فَسُكُون وعضة بِحَذْف الْهَاء الْأَصْلِيَّة كَمَا حذف من الشّفة هـ. وعَلى هَذَا فالعضة فِي الْمثل بِالتَّاءِ لَا بِالْهَاءِ.
وروى الْأسود أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ هَذَا الْبَيْت فِي كتاب السّلة والسّرقة على مَا تقدّم وَقَالَ: وَمثل آخر:
(وَمن عضةٍ مَا ينبتنّ شكيرها ... قَدِيما ويقتطّ الزّناد من الزّند)
وَلم يُورد شرّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ هَذَا المصراع فِي شواهده.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(4/23)

الرجز
من لد شولاً فَإلَى إتلائها على أنّ كَانَ قد تحذف بعد لد كَمَا هُنَا وَالتَّقْدِير: من لد كَانَت شولاً.
قد ذكر الشَّارِح فِي الظروف أنّ لدن بِجَمِيعِ لغاتها مَعْنَاهَا أوّل غَايَة زمَان أَو مَكَان وقلّما يفارقها من فَإِذا أضيفت إِلَى الْجُمْلَة تمحّضت للزمان لأنّ ظروف الْمَكَان لَا يُضَاف مِنْهَا إِلَى الْجُمْلَة إلاّ حَيْثُ.
وَيجوز تصدير الْجُمْلَة بحرفٍ مصدريّ لما لم يتمحّض لدن فِي الأَصْل للزمان فنصب هُنَا شولاً لأنّه أَرَادَ الزّمان ولد إنّما يُضَاف إِلَى مَا بعده من زمَان يتَّصل بِهِ أَو مَكَان إِذا اقترنت بِهِ إِلَى والشّول لَا يكون زَمَانا وَلَا مَكَانا فَلَمَّا لم يجز أَن يُضَاف لد إِلَيْهَا نصبها على أنّها خير لَكَانَ المقدّرة. والشّول بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو: اسْم جمع شَائِلَة بالناء وَهِي النَّاقة الَّتِي ارْتَفع لَبنهَا وجفّ ضرْعهَا وأتى عَلَيْهَا من نتاجها سَبْعَة أشهر وَثَمَانِية. وَاسم كَانَ المقدّرة ضمير النوق فِي كلامٍ تقدّم قبله وأضمرت كَانَ هُنَا لوقوعها فِي مثله كثيرا وحذفت نون لدن لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال.
وَقيل شولاً هُنَا مصدر شالت النَّاقة بذنبها أَي: رفعته للضّراب فَهِيَ شائل بِغَيْر تَاء وَالْجمع شوّل كراكع وَركع فَيكون التَّقْدِير: من لدن شالت شولاً فَلَيْسَ فِيهِ حذف كَانَ مَعَ اسْمهَا بل هُوَ من بَاب حذف عَامل الْمصدر المؤكّد. والمصادر تسْتَعْمل فِي معنى الْأَزْمِنَة كجئتك صَلَاة الْعَصْر.
قَالَ أَبُو عليّ: الْأَشْبَه أَن يكون الْمصدر فِي نَحْو هَذَا على فعلان فَلذَلِك لم يقوّه سِيبَوَيْهٍ قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وَقد يرجّح كَونه من بَاب حذف
(4/24)

عَامل الْمصدر الْمُؤَكّد وردّ بِأَنَّهُ من لد شولٍ بالخفض وَلَا يُقَال من لد النّوق فَإلَى إتلائها.
وَيُجَاب بِأَن التَّقْدِير من لدن شولان شول أَو زمَان شول أَو كَون شول فَحذف الْمُضَاف.
وَالتَّقْدِير الْأَخير أولى ليتّحد الْمَعْنى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَكِن يحْتَاج على هَذَا التَّقْدِير إِلَى الْخَبَر أَي:)
مَوْجُودَة. فَإِن قدّر الْكَوْن مصدر كَانَ التامّة لم يحْتَج إِلَى ذَلِك وَلَكِن لَا يَقع التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّقْدِير. وَقد يرجّح الثَّانِي بِرِوَايَة الْجرْمِي من لد شولا بِغَيْر تَنْوِين على أنّ أَصله شولاء بِالْمدِّ وَمن الْغَرِيب أنّ بَعضهم زعم أَن انتصاب شولاً بعد لد على التَّمْيِيز أَو التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ كانتصاب غدْوَة بعْدهَا فِي قَوْلهم لدن غدوةٌ وَأَنه لَا تَقْدِير فِي هَذَا الْبَيْت. وَهَذَا مَرْدُود باتفاقهم على اخْتِصَاص هَذَا الحكم بغدوة وَأَنه لم يسمع غدْوَة مَعَ حذف النُّون من لدن هـ.
وَتَقْدِير الشَّارِح المحقّق كَانَ بِدُونِ أنّ المصدرية هُوَ الصّواب خلافًا لسيبويه فإنّه قَالَ: التَّقْدِير من لد أَن كَانَت شولاً.
قَالَ ابْن الدهّان: الْحَامِل لَهُ على هَذَا التَّقْدِير أنّ لدن لَا تُضَاف عِنْده إِلَى الْجمل وردّ هَذَا الْحَامِل بِلُزُوم أَن يقدّر سِيبَوَيْهٍ أَن فِي قَوْله: الطَّوِيل لدن شبّ حتّى شَاب سود الذّوائب وَنَحْوه وَهُوَ كثير وَذَلِكَ بعيد.
وَاخْتلف فب تَقْدِير سِيبَوَيْهٍ: قَالَ الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة فَقيل هُوَ
(4/25)

تقديرٌ معنوي لَا إعرابيّ لأنّ شولاً يصير على ذَلِك التَّقْدِير من صلَة أَن والموصول لَا يحذف وَيبقى بعض الصِّلَة نصّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي قَوْله: إلاّ
الفرقدان وإنّما التَّقْدِير: من لد كَانَت أَي: من لد كَونهَا شولاً لِأَن الْجُمْلَة تقدّر بِالْمَصْدَرِ إِذا أضيف إِلَيْهَا الظّرْف. هَذَا مَأْخَذ ابْن خروف وَابْن الضّائع وَابْن عُصْفُور وَهُوَ رَأْي النَّاظِم.
وَظَاهر السّيرافيّ وَجَمَاعَة أنّه تقديرٌ إعرابيٌّ لأنّه قدّرها بِأَن كَمَا قدّرها سِيبَوَيْهٍ: من لد أَن كَانَت شولاً. قَالَ: والمصادر تسْتَعْمل فِي معنى الْأَزْمِنَة نَحْو مقدم الْحَاج وَخِلَافَة المقتدر وَصَلَاة الْعَصْر. وَهَذَا رَأْي الشّلوبين وَابْن أبي غَالب قَالَ ابْن مَالك: وَعِنْدِي أَن تَقْدِير أَن مُسْتَغْنى عَنْهَا كَمَا يسْتَغْنى عَنْهَا بعد مذ هـ.
وَفِي القَوْل الثَّانِي نظر فإنّ الْإِشْكَال باقٍ بِحَالهِ وَلم يجيبوا عَنهُ. فتأمّل.
وَقَوله: فَإلَى إتلائها بِكَسْر الْهمزَة هُوَ مصدر أتلت النَّاقة إِذا تَلَاهَا وَلَدهَا أَي: تبعها فَهِيَ متلية وَالْولد تلو بِكَسْر فَسُكُون وَالْأُنْثَى تلوة وَالْجمع أتلاء بِالْفَتْح.
وَهَذَا الْبَيْت من الرجز المشطّر وَهُوَ من الشواهد الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا وَلَا تتمتها. وَالله أعلم.)
(4/26)

(الْمَنْصُوب بِلَا الَّتِي لنفي الْجِنْس)
أنْشد فِيهِ وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
: الْبَسِيط
(أودى الشّباب الَّذِي مجدٌ عواقبه فِيهِ نلذُّ وَلَا لذّات للشّيب)
على أَن جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم يبْنى على الْفَتْح مَعَ لَا بِدُونِ تَنْوِين كلذّات فِي الْبَيْت فإنّه مبنيّ مَعَ لَا على الْفَتْح وَرَوَاهُ شرّاح الألفيّة بِالْفَتْح وَالْكَسْر كَمَا يجوز مثله فِي الْجمع الْمُؤَنَّث السَّالِم المبنيّ مَعَ لَا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لِسَلَامَةِ بن جندل السّعديّ عدّتها اثْنَان وَثَلَاثُونَ بَيْتا وَهِي مسطورة فِي المفضّليّات أوّلها:
(أودى الشّباب حميدا ذُو التّعاجيب ... أودى وَذَلِكَ شأؤٌ غير مَطْلُوب)
(ولى حثيثاً وَهَذَا الشّيب يَطْلُبهُ ... لَو كَانَ يُدْرِكهُ ركض اليعاقيب)
أودى الشّباب الَّذِي مجدٌ عواقبه ... ... ... ... . الْبَيْت
قَوْله: أودى أَي: ذهب واضمحلّ وحميدا حالٌ من الشَّبَاب أَي: مَحْمُودًا. وكرّر أودى للتَّأْكِيد وَالْمرَاد بِهِ التحسّر والتفجع لَا الْإِخْبَار المجرّد. قَالَ ابْن الانباريّ: التعاجب الْعجب يُقَال: إنّه جمع لَا وَاحِد لَهُ.
وروى: ذُو الْأَعَاجِيب جمع أعجوبة وَالْمعْنَى: كَانَ الشَّبَاب كثير الْعجب يعجب الناظرين إِلَيْهِ ويروقهم. وَاسم الْإِشَارَة لمصدر أودى. والشّأو مَهْمُوز الْوسط:
(4/27)

الطّلق. يُقَال: جرى الْفرس شأواً أَو شأوين أَي: طلقاً أَو طلقين وَيَأْتِي بِمَعْنى السّبق أَيْضا يُقَال شأوته أَي: سبقته. يَقُول: وَذَلِكَ الإبداء شأوه سَابق قد مضى لَا يدْرك وَلَا يطْلب. وروى بدل أودى ولّى.
وَقَوله: ولّى حثيثاً الخ أَي: ذهب الشَّبَاب وَأدبر حثيثاً سَرِيعا. وَجَوَاب لَو مَحْذُوف أَي: لطلبته وَلكنه لَا يدْرك. واليعاقيب جمع يَعْقُوب وَهُوَ ذكر الحجل وخصّ اليعقوب لسرعته.
قَالَ ابْن الأنباريّ: وَقَالَ عمَارَة: اليعاقيب يعْنى بِهِ ذَوَات الْعقب من الْخَيل. والْعقب أَن يَجِيء جريٌ بعد جري.
وروى أَبُو عَمْرو: ركض اليعاقيب بِالنّصب. يَقُول: لَو أدْرك طَالب الشَّبَاب شبابه بركضٍ)
كركض اليعاقيب لطلبه وَلَكِن الشَّبَاب إِذا ولّى لم يدْرك. وَيُقَال: إِن مَعْنَاهُ ولّى الشَّبَاب حثيثاً ركض اليعاقيب وَهَذَا الشّيب يتبعهُ. ويروى: جري اليعاقيب.
وَقَوله: أودى الشَّبَاب. . الخ قَالَ ابْن الأنباريّ: يَقُول: ذهب الشَّبَاب الَّذِي إِذا تعقبت أُمُوره وجد فِي عواقبه الْخَيْر إمّا بغزو أَو رحْلَة أَو وفادة إِلَى ملك. وعواقبه: أواخره.
وَقَالَ أَحْمد: قَوْله مجدٌ عواقبه أَي: آخر الشَّبَاب مَحْمُود ممجّد إِذا حلّ الشيب وَذكر الشَّبَاب فَحَمدَ الشَّبَاب لذمّه وَالْمجد: كرم الْفِعْل وَكَثْرَة الْعَطاء. يُقَال فِي مثل: فِي كلّ شجر نارٌ واستمجد المرخ والعفار أَي: كثرت ناراهما. وإنّما يمجد الرّجل بِفِعْلِهِ وإنّما يُمكنهُ الفعال وَهُوَ شابُّ قويٌّ نشيط.
-
وَقَوله: فِيهِ نلدّ بِفَتْح اللَّام أَي: إنّما تكون اللّذاذة والطّيب فِي الشَّبَاب وَالْجُمْلَة اسْتِئْنَاف بيانيّ. والشّيب بِالْكَسْرِ: جمع أشيب وَهُوَ الَّذِي ابيضّت لحيته يُرِيد لَيْسَ فِي الشّيب مَا ينْتَفع بِهِ إنّما فِيهِ الْهَرم والعلل. وإنّما جمع اللّذّة
(4/28)

لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْوَاع اللّذائذ.
وَرُوِيَ أَيْضا: ذَاك الشَّبَاب الَّذِي مجدٌ عواقبه. وَلم يرو أحدٌ إنّ الشّباب بدل أودى فِيمَا رَأينَا. وَزعم ابْن هِشَام فِي شرح شواهده أَن الرِّوَايَة بإنّ وَأَن ابْن النَّاظِم حرّفه فَرَوَاهُ أودى الشّباب قَالَ: وَلَوْلَا أنّ لبقي قَوْله فِيهِ نلذ غير مُرْتَبِط بِشَيْء. وَهَذَا كَمَا ترى عسفٌ فِي الرِّوَايَة وتخطئة للمصيب.
وَقَوله: يَوْمَانِ يَوْم الخ قَالَ ابْن الأنباريّ عَن الرستميّ: فسّر العواقب بقوله: يَوْمَانِ وَبِمَا بعده فِي الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ: يومٌ فِي الْمجَالِس خَطِيبًا وَيَوْم سير إِلَى الأعذاء وَالْكَبِير يعجز عَن هَذَا. والمقامة بِالْفَتْح: الْمجْلس وروى أَبُو عَمْرو بِالضَّمِّ بِمَعْنى الأغقامة. والأندية: الأفنية. والنديّ والنّادي: الْمجْلس.
قَالَ أَحْمد: أَرَادَ بِهِ اللهو والتنعّم وتأويب: صفة سير وَهُوَ السّرعة فِي السّير والإمعان فِيهِ يُقَال: أوّب الرجل فِي سَفَره تأويباً إِذا أمعن. وَقَالَ أَحْمد: أوّب: وصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ مَعَ الإمعان.
وَفِي هَذِه القصيدة أَبْيَات من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَغَيره. وسَلامَة هَذَا قَالَ يَعْقُوب بن السّكّيت: هُوَ سَلامَة بن جندل بن عبد عَمْرو بن عبيد بن الْحَارِث بن مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم قَالَ: وَكَانَ من فرسَان الْعَرَب الْمَعْدُودين وأشدّائهم الْمَذْكُورين هـ.)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: سَلامَة بن جندل جاهليّ قديم وَهُوَ من فرسَان تَمِيم الْمَعْدُودين وَأَخُوهُ أَحْمَر بن جندل من الشُّعَرَاء والفرسان
(4/29)

وَكَانَ عَمْرو بن كُلْثُوم أغار على حيٍّ من بني سعد بن زيد مَنَاة فَأصَاب فيهم وَكَانَ
فِيمَن أصَاب الْأَحْمَر بن جندل. وَكَانَ سَلامَة أحد نعّات الْخَيل وأجود شعره قصيدته الَّتِي أوّلها:
(أودى الشّباب حميدا ذُو التّعاجيب ... أودى وَذَلِكَ شأوٌ غير مَطْلُوب)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(لَو لم تكن غطفانٌ لَا ذنُوب لَهَا ... إِذن للام ذَوُو أحسابها عمرا)
على أنّ لَا هُنَا زَائِدَة مَعَ أنّ النكرَة بعْدهَا مبينَة مَعهَا على الْفَتْح. قَالَ ابْن عُصْفُور فِي المقرّب: أنْشد أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: لَو لم تكن غطفان ... ... ... ... ... ... الْبَيْت وَالْمعْنَى لَهَا ذنُوب إليّ. وَعمل لَا الزَّائِدَة شاذّ.
وَقد تكلّم أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة على هَذَا الْبَيْت بِكَلَام فِيهِ قلاقة وَهُوَ قَوْله: يعْتَرض فِي هَذَا الْبَيْت معترضٌ فَيَقُول: الْكَلَام إِيجَاب وَمَعْنَاهَا أنّ لغطفان ذنوباً فَكَانَ الْكَلَام إِيجَابا ولَا لَا تدخل على الْإِيجَاب. فَوجه مَا قَالَه أَنه لم يرد هَذَا وإنّما أَرَادَ بقوله لَا ذنُوب لَهَا أنّ
(4/30)

الْكَلَام الأوّل قد تمّ وتقضّى فَأتى بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَة وَهِي الْجحْد فَجَعلهَا خَبرا للنكرة حَيْثُ كَانَت جملَة.
وَمثل ذَلِك فِي الْجحْد قد قَالَت الْعَرَب: كَانَ زيد يقوم أَبوهُ فقد جعل يقوم أَبوهُ جملَة فِي مَوضِع الْخَبَر وَإِن كَانَ جحداً فَكَذَلِك جَازَ لَهُ أَن يَجْعَل النَّفْي فِي مَوضِع خبر الْإِيجَاب وَإِن كَانَ إِيجَابا.
وَلَا يلْزم تَأْوِيل من تأوّل هَذَا فَقَالَ: إِن الْمَعْنى ذَلِك لأنّه
وَجه من الْقيَاس وَهُوَ مَا ذكرنَا فَلَا يلْزمه التَّأْوِيل لِأَن أَيْضا ينساع على ذَلِك فَيجْعَل إِيجَابا لأنّ الْإِيجَاب وَالنَّفْي جَمِيعًا إخبارٌ فلك أَن تجْعَل كل وَاحِد خَبرا عَن الآخر من حَيْثُ كَانَ ذَلِك فِي الْجحْد. هَذَا كَلَامه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا عمر بن هُبَيْرَة الفرازيّ أوّلها:
(يَا أَيهَا النابح العاوي لشقوته ... إِلَيْك أخْبرك عمّا تجْهَل الخبرا))
لَو لم تكن غطفان ... ... ... ... ... . . الْبَيْت إِلَى أَن قَالَ:
(جهز فَإنَّك ممتازٌ ومنتجعٌ ... إِلَى فَزَارَة عيرًا تحمل الكمرا)
(إنّ الفزاريّ مَا يشفيه من قرمٍ ... أطايب العير حتّى ينهش الذّكرا)
(إنّ الفزاريّ لَو يعمى فيطعمه ... أير الْحمار طَبِيب أَبْرَأ البصرا)
النابح والعاوي من نبح الْكَلْب وعوى بِمَعْنى صوّت. وإِلَيْك اسْم فعل وأصل مَعْنَاهُ: ضمّ رحلك وثقلك إِلَيْك واذهب عني. وأخْبرك جزم فِي جَوَابه وَالْخَبَر مفعول أخْبرك وعمّا
(4/31)

وَقَوله: لَو لم تكن غطفان الخ لَا من حَيْثُ الْمَعْنى زَائِدَة وَاصل الْكَلَام لَو لم تكن ذنوبٌ لغطفان وَجُمْلَة لَا ذنُوب لَهَا خبر الْكَوْن. وغطفان أَبُو قَبيلَة مَمْنُوع من الصّرْف للعلميّة وَالزِّيَادَة وَصَرفه هُنَا للضَّرُورَة. وَهُوَ غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان وَهُوَ الجدّ الْأَعْلَى لفزارة لأنّ فَزَارَة هُوَ فَزَارَة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وفزارة اسْمه عَمْرو ضربه أخٌ لَهُ ففزره فسمّي فَزَارَة.
وَأَرَادَ بالذّنب الْإِسَاءَة أَي: لَو كَانَت غطفان غير مسيئة إليّ للام أَشْرَافهَا عمر ابْن هُبَيْرَة فِي تعرّضه إليّ ومنعوه عنّي. وَعمر عَامل من عمّال سُلَيْمَان بن عبد الْملك من بني أميّة. وَقَوله: إِذن للام الخ جَوَاب لَو الشرطيّة وَكَثِيرًا مَا يصدّر جوابها بِإِذن وَاللَّام للتَّأْكِيد واللّوم التعنيف.
وروى أَيْضا:
إليّ لَام ذَوُو أحسابها عمرا وذَوُو فَاعل لَام جمع ذُو بِمَعْنى صَاحب. والأحساب: جمع حسب وَهُوَ مَا يعد من المآثر وَهُوَ مصدر حسب على وزن كرم.
قَالَ ابْن السّكّيت: الْحسب وَالْكَرم يكونَانِ فِي الْإِنْسَان وَإِن لم يكن لِآبَائِهِ شرف. وَرجل حسيب: كريم بِنَفسِهِ. قَالَ: وأمّا الْمجد والشرف فَلَا يُوصف بهما الشَّخْص إلاّ إِذا كَانَ فِيهِ وَفِي آبَائِهِ. وَقَالَ الأزهريّ: الْحسب الشّرف الثَّابِت لَهُ ولآبائه. وعمر مفعول لَام وَالْألف للإطلاق.
وَقَوله: جهّز فَإنَّك الخ الممتار: اسْم فَاعل من امتار الْميرَة لنَفسِهِ بِالْكَسْرِ وَهِي الطَّعَام.
ومارهم ميراً من بَاب بَاعَ إِذا أَتَاهُم بالميرة. ومنتجع بِمَعْنى منتفع وَأَصله من انتجع الْقَوْم إِذا)
ذَهَبُوا لطلب الْكلأ فِي مَوْضِعه
(4/32)

وَإِلَى مُتَعَلقَة بجهّز وعيرًا مفعول جهّز وَهُوَ بِكَسْر الْمُهْملَة: الْقَافِلَة قَالُوا: وَاصل العير الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة ثمَّ غلب على كل قافلة: والكمر بِفَتْح الْكَاف وَالْمِيم: جمع كمرة.
قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح الكمرة الْحَشَفَة وزنا ومعنّى وربّما أطلقت الكمرة على جملَة الذّكر مجَازًا.
وَالْقَرْمُ بِفتْحَتَيْنِ مصدر قرم اللّحم من بَاب فَرح إِذا اشتدّت شَهْوَته لَهُ. ومن للتَّعْلِيل وأطايب: فَاعل يشفيه جمع أطيب. والعير بِفَتْح الْمُهْملَة: الْحمار الوحشي. وحتّى بِمَعْنى إلاّ. والنّهس مصدر نهست اللّحم من بَابي ضرب ونفع إِذا أَخَذته بمقدّم الْأَسْنَان وَالْمَعْرُوف بِالسِّين الْمُهْملَة وَرُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْضا.
وَبَنُو فَزَارَة يرْمونَ بِأَكْل أير الْحمار وبسرقة الْجَار وبنيك الْإِبِل كَمَا قَالَ سَالم بن دارة: الرجز وسرق الْجَار ونيك البعران
والجردان بِضَم الْجِيم: وعَاء قضيب الْحمار. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح هَذَا مفصلا فِي بَاب الْمثنى.
وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
(4/33)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(بَكت جزعاً واسترجعت ثمّ آذَنت ... ركائبها أَن لَا إِلَيْنَا رُجُوعهَا)
على أَن لَا يجوز عدم تكريرها مَعَ المفصول عِنْد المبّرد وَابْن كيسَان كَمَا فِي الْبَيْت وَعند غَيرهمَا شاذّ.
وَقد أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه على عدم تَكْرِير لَا مَعَ الْمعرفَة وَهُوَ الْوَجْه.
قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: إِذا كَانَ بعد لَا معرفَة ارْتَفَعت الْمعرفَة بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ قَوْلك: لَا أَبوك فيرتفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خَبره مضمراً وَتَكون لَا جَوَابا كأنّه قَالَ: هَل أبي فَقَالَ: لَا أَبوك. فنفى أَن يكون أَبَاهُ.
وَأما قَول الشَّاعِر: بَكت جزعاً واسترجعت. الْبَيْت فَرفع رُجُوعهَا بِالِابْتِدَاءِ وأضمر الْخَبَر كأنّه قَالَ: مَوْجُود أَو وَاقع وَجعل إِلَيْنَا تبييناً مثل قَوْله سُبْحَانَهُ إنّي لَكمَا لمن النّاصحين هـ.
وَزعم صدر الأفاضل فِي التحبير كَمَا نَقله عَنهُ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل وبعضٌ آخر فِي شرح أَبْيَات الموشح أنّ لَا هُنَا لَيست بالنافية للْجِنْس إنّما هِيَ الَّتِي تدخل على الْفِعْل الْمُضَارع. ورُجُوعهَا
مَرْفُوع على أَنه فَاعل فعل مُضْمر تَقْدِيره ألاّ ترى أنّه لَو لم
(4/34)

تضمر فِيهِ الْوُقُوع للَزِمَ التناقص وَهَذَا لأنّ الإيذان يَقْتَضِي ألاّ يكون الرُّجُوع فِي الْحَال متحققاً كَمَا يُقَال: هَذِه الْعَارِضَة تؤذن بالاستسقاء إِذا لم يكن وَاقعا وَلَو لم يضمر الْفِعْل فِيهِ لاقتضت لَا أَن يكون انتقاء الرُّجُوع فِي الْحَال متحقّقاً هـ.
وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف فِيهَا الْفِعْل وَيبقى الْفَاعِل. ويندفع مَا عدّه تناقصاً بِجعْل خبر رُجُوعهَا اسْم فَاعل من الْوُقُوع. فتأمّل.
وَقَوله: بَكت جزعاً هُوَ مفعول مُطلق نوعيُّ أَي بكاء جزع وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لأَجله.
وروى: قَضَت وطراً واسترجعت وَفِي الاسترجاع هُنَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أنّه من الاسترجاع عِنْد الْمُصِيبَة وَهُوَ قَول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.
وَثَانِيهمَا: أَنه طلب الرّجوع من الرّحيل لكَرَاهَة فِرَاق الأحبّة.
وَقَوله: ثمَّ آذَنت الخ ركائبها فَاعل آذَنت جمع ركوبة وَهِي الرَّاحِلَة الَّتِي تركب. وآذَنت بِمَعْنى أشعرت وأعلمت. جعل تهيؤ الْإِبِل للرّكوب عَلَيْهَا كأنّه إعلامٌ مِنْهَا بالفراق. وَفِي إِسْنَاد)
الإيذان للرّكائب دون الحبيبة أمرٌ لطيف لَا يخفى حسنه. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف أَي: وَقَوله: أَن لَا إِلَيْنَا الخ أَن هُنَا مفسّرة للإيذان وَهِي الْوَاقِعَة بعد جملَة فِيهَا معنى القَوْل دون حُرُوفه. وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل إنّما هِيَ المخفّفة من الثَّقِيلَة قَالُوا: وَالْأَصْل بِأَنَّهُ وَالضَّمِير للشأن.
(4/35)

وَالْبَيْت ظَاهره إخبارٌ وَمَعْنَاهُ: تأسف وتحسّر. وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(وَأَنت امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لَا نفعٌ وموتك فاجعُ)
على أنّ لَا يجوز عدم تكريرها مَعَ المنكّر غير المفصول مَعَ إلغائها عِنْد المبرّد وَابْن كيسَان وَعند غَيرهمَا شاذّ.
قَالَ الأعلم: وسوّغ الْإِفْرَاد هُنَا أنّ مَا بعده يقوم مقَام التكرير فِي الْمَعْنى لأنّ قَوْله وموتك فاجع دلّ على أنّ حَيَاته لَا تضرّ. يَقُول: هُوَ منّا فِي النّسَب إلاّ أَن نَفعه لغيرنا فحياته لَا تنفعنا لعدم مشاركته لنا وَمَوته يفجعنا لأنّه أَحَدنَا هـ.
وَقَوله: لَا نفعٌ هُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: فِيهَا وَالْجُمْلَة خبر قَوْله حياتك. وَأكْثر الرِّوَايَة على إِسْقَاط الْوَاو أوّله على أَنه مخروم وَهُوَ الصَّوَاب لأنّه لم يتقدمه شَيْء حَتَّى تكون الْوَاو عاطفة.
(4/36)

وَهَذَا الْبَيْت نسبه شرّاح أَبْيَات الْكتاب لرجل من بني سلول وَنسبه العسكريّ فِي كتاب
وَزَاد الحصريّ بعده بَيْتَيْنِ وهما: الطَّوِيل
(وَأَنت على مَا كَانَ مِنْك ابْن حرّةٍ ... أبيٌّ لما يرضى بِهِ الْخصم مَانع)
(وفيك خصالٌ صالحاتٌ يشينها ... لديك جفاءٌ عِنْده الودُّ ضائع)
قَوْله: وَأَنت على مَا كَانَ الخ أَي: أَنْت مَعَ مَا كَانَ مِنْك إِلَيْنَا من سوء الْمُعَامَلَة ابْن حرّة أبيّ ذُو حميّة مَانع لما يرضى بِهِ الْخصم.
قَالَ بعض فضلاء العجمى فِي شرح أَبْيَات المفصّل: الْمَقُول فِيهِ هَذَا الشّعْر هُوَ الحضنين بن)
الْمُنْذر وقائله الضحّاك بن هنام هـ.
وَضبط العسكريّ ابْن هنّام بِفَتْح الْهَاء وَالنُّون المشدّدة وَقد وَقع فِي بعض كتب الْأَدَب مُصحفا بهمّام بِالْمِيم بدل النُّون.
وشذّ ياقوت الحمويّ فنسبه فِي محتضر جمهرة الْأَنْسَاب إِلَى جنف بن مَالك ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى قضاعة إِحْدَى قبائل الْيمن.
(4/37)

وَضبط العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف الْمُتَعَلّق بِعلم الحَدِيث الحضين بن الْمُنْذر بقوله: حضين الْحَاء مَضْمُومَة غير مُعْجمَة وَالضَّاد مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَنون هُوَ حضين ابْن الْمُنْذر أَبُو ساسان الرّقاشيّ من سَادَات ربيعَة وَكَانَ صَاحب راية أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ يَوْم صفيّن وَفِيه
(لمن رايةٌ سَوْدَاء يخْفق ظلّها ... إِذا قيل قدّمها حضين تقدّما)
ثمَّ ولاّه إصطخر وَكَانَ يبخل وَفِيه يَقُول زِيَاد الْأَعْجَم: الطَّوِيل
(يسدّ حضينٌ بَابه خشيَة الْقرى ... بإصطخر والشّاة السّمين بدرهم)
وَفِيه يَقُول الضحّاك بن هنّام: الطَّوِيل
(وَأَنت امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لَا نفعٌ وموتك فاجع)
وروى الحَدِيث عَن عُثْمَان وعليّ وَعَن مجاشع بن مَسْعُود وَالْمُهَاجِر بن قنفذ.
وروى عَنهُ الْحسن وَعبد الله بن الداناج وَعبد الْعَزِيز بن معمر وعليّ بن سُوَيْد بن منجوف.
وَلَا أعرف من يسمّى حضيناً بالضاد الْمُعْجَمَة غَيره وَغير من ينْسب إِلَيْهِ من وَلَده. وَمن أَوْلَاده: يحيى بن حضين وساسان بن حضين وعياض بن حضين. وَفِي يحيى يَقُول الفرزدق: مجزوء الرمل
(واصرف الكأس عَن الْفَا ... تَرَ يحيى بن حضين)
انْتهى مَا أوردهُ العسكريّ.
(4/38)

وَأنْشد بعده:
(من صدّ عَن نيرانها ... فَأَنا ابْن قيس لَا براح)
على أَن لَا هُنَا بمهنى لَيْسَ وَلِهَذَا لم تكرّر. قَالَ الشَّارِح المحقّق: قد تقدّم أَنه لم يثبت عمل لَا عمل لَيْسَ.
وَهَذَا مُخَالف لقَوْل أبي عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة إنّ لَا فِي هَذَا الْبَيْت أُرِيد بهَا لَيْسَ وَالْخَبَر)
مَحْذُوف أَي: لنا وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْجَحِيم حِين لَا مستصرخ أَرَادَ لنا اه.
وَهَذَا الْبَيْت قد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين فِي اسْم مَا وَلَا المشبهتين بليس.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط
(تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِ ... وَحين جنّ زمَان النّاس أَو كَلْبا)
على أنّ عدم تكرّر لَا فِي مثل هَذَا شَاذ.
وأنشده س على إِضَافَة حِين إِلَى المَال وإلغاء لَا وزيادتها فِي اللَّفْظ. وَهَذِه عبارَة س: اعْلَم أنّ لَا قد تكون فِي بعض الْمَوَاضِع هِيَ والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَذَلِكَ قَوْلهم: أَخَذته بِلَا ذَنْب وغضبت من لَا شَيْء وَذَهَبت بِلَا عتاد وَالْمعْنَى ذهبت بِغَيْر عتاد. وَتقول إِذا قللّت الشَّيْء: مَا كَانَ
(4/39)

إلاّ كلاشيء وإنّك وَلَا شَيْئا سواءٌ. وَمن هَذَا النَّحْو قَول الشَّاعِر: تَرَكتنِي حِين لَا مَال أعيش بِهِ ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى وجوّز أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة الحركات الثَّلَاث فِي مَال قَالَ: الجرّ على الْإِضَافَة وَالرَّفْع على أَن تضيف حِين إِلَى الْجمل ولَا عاملة عمل لَيْسَ وَالنّصب تَجْعَلهُ كَمَا كَانَ مَبْنِيا وو جنّ بِضَم الْجِيم من الْجُنُون يُقَال: أجنّه الله بِالْألف فجنّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مَجْنُون. وكَلْبا الْكَلْب: مصدر كلب كَلْبا فَهُوَ كلبٌ من بَاب تَعب وَهُوَ داءٌ يشبه الْجُنُون يَأْخُذهُ فيعقر النَّاس.
وَيُقَال لمن يعقره كلب أَيْضا. وكلب الزَّمَان: شدّته: وَضرب الْجُنُون وَالْكَلب مثلا لشدّة الزّمان.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لأبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة الصحابيّ رثى بهَا ابْنه طفيلاً.
وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا:
(خلّى طفيلٌ عليّ الهمّ فانشعبا ... وهدّ ذَلِك ركني هدّةً عجبا)
(وَابْني سميّة لَا أنساهما أبدا ... فِيمَن نسيت وكلّ كَانَ لي وصبا)
(فاملك عزاءك إِن رزءّ نكبت بِهِ ... فَلَنْ يردّ بكاء الْمَرْء مَا ذَهَبا)
(وَلَيْسَ يشفي حَزينًا من تذكره ... إلاّ الْبكاء إِذا مَا ناح وانتحبا)
(فَإِن سلكت سَبِيلا كنت سالكها ... وَلَا محَالة أَن يَأْتِي الَّذِي كتبا))
(فَمَا لفظتك من ريّ وَلَا شبعٍ ... وَلَا ظللت بباقي الْعَيْش مرتقبا)
(4/40)

فارقتني حِين لَا مَال أعيش بِهِ ... ... ... . . الْبَيْت روى الأصبهانيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني أنّ أَبَا الطّفيل دعيّ إِلَى مأدبة فغنّت فِيهَا قينة بِهَذَا الشّعْر فَبكى أَبُو الطُّفَيْل حتّى كَاد يَمُوت. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: فَجعل ينشج وَيَقُول: هاه هاه طفيل وَأَرَادَ بِابْني سميّة عبّاداً وَعبيد الله ابْني زِيَاد بن سميّة. والوصب: الْمَرَض. والعزاء بالمدّ: الصَّبْر.
وَقَوله: فَمَا لفظتك من ريّ الخ مَا رميتك فِي الْقَبْر لأجل أكلك وشربك بخلا. وأَبُو الطُّفَيْل هُوَ عَامر بن وائلة بن عبد الله بن عُمَيْر بن جَابر بن حميس ابْن جديّ بن سعد بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار. وغلبت عَلَيْهِ كنيته. ومولده عَام أحد وَأدْركَ من حَيَاة النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثَمَانِي سِنِين وَمَات سنة مائَة وَهُوَ آخر من مَاتَ مّمن رأى النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَقد رُوِيَ عَنهُ نَحْو أَرْبَعَة أَحَادِيث وَكَانَ محبّاً فِي عَليّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَكَانَ من أَصْحَابه فِي مُشَاهدَة وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل الشَّيْخَيْنِ إلاّ أنّه كَانَ يقدّم عليّاً. توفّي سنة مائَة من الْهِجْرَة. وَلما قتل عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه انْصَرف إِلَى مكّة فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ وَقيل أَقَامَ بِالْكُوفَةِ وَمَات بهَا والأوّل أصحّ.
وَقد ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي شعراء الصّحابة. وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا حَاضر
(4/41)

الْجَواب فصيحاً.
وَكَانَ يتشيّع فِي عليّ ويفضله وَهُوَ شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل: الطَّوِيل
(أيدعونني شَيخا وَقد عِشْت حقبةً ... وهنّ من الْأزْوَاج نحوي نوازع)
(وَمَا شَاب رَأْسِي من سِنِين تَتَابَعَت ... عليّ وَلَكِن شيبتني الوقائع)
وَقَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ أَبُو الطُّفَيْل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وروى عَنهُ.
وَكَانَ من وُجُوه شيعته وَله مِنْهُ محلٌّ خَاص يسْتَغْنى بشهرته عَن ذكره.
ثمَّ خرج طَالبا بِدَم الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَعَ الْمُخْتَار بن أبي عبيد وَكَانَ مَعَه حتّى قتل الْمُخْتَار. ولّما استقام لمعاوية أمره لم يكن شَيْء أحبّ إِلَيْهِ من لِقَاء أبي الطُّفَيْل فَلم يزل يكاتبه ويلطف لَهُ حتّى أَتَاهُ فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ جعل يكلّمه وَدخل عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ وَمَعَهُ نفر فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: أما تعرفُون هَذَا هَذَا فَارس صفيّن وشاعرها خَلِيل أبي الْحسن. ثمَّ أنْشد من شعره.)
قَالُوا: نعم هُوَ أفحش شَاعِر وألأم جَلِيسا فَقَالَ مُعَاوِيَة: يَا أَبَا الطُّفَيْل أتعرفهم قَالَ: مَا أعرفهم بِخَير وَلَا أبعدهم من شرّ ثمَّ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا بلغ من حبّك لعليّ قَالَ: حبّ أمّ مُوسَى لمُوسَى قَالَ: فَمَا بلغ من بكائك عَلَيْهِ قَالَ: بكاء الْعَجُوز الثّكلى والشّيخ الرّقوب وَإِلَى الله أَشْكُو التَّقْصِير قَالَ مُعَاوِيَة: لكنّ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ لَو كَانُوا سئلوا عنّي مَا قَالُوا فيّ مَا قلت فِي صَاحبك. قَالُوا: إِذا وَالله مَا نقُول الْبَاطِل فَقَالَ لَهُم مُعَاوِيَة: لَا وَالله وَلَا الحقّ تَقولُونَ.
ولّما رَجَعَ محمّد بن الْحَنَفِيَّة من الشَّام حَبسه ابْن الزّبير فِي سجن عَارِم
(4/42)

فَخرج إِلَيْهِ جَيش من الْكُوفَة عَلَيْهِم أَبُو الطُّفَيْل حتّى أَتَوا السجْن فكسروه وأخرجوه وَكتب ابْن الزبير إِلَى أَخِيه مُصعب أَن يسيّر نسَاء كلّ من خرج لذَلِك فَأخْرج مُصعب مَعَ النِّسَاء أمّ الطُّفَيْل امْرَأَة أبي الطُّفَيْل وابناً لَهُ صَغِيرا يُقَال لَهُ يحيى فَقَالَ فِي ذَلِك: المتقارب
(إِن يَك سيّرها مُصعب ... فإنّي إِلَى مُصعب مذنب)
(أَقُود الكتيبة مستلئما ... كأنّي أَخُو عرّة أجرب)
(عليّ دلاصٌ تخيّرتها ... وَفِي الكفّ ذُو رونق مقضب)
(فَلَو أنّ يحيى بِهِ قوةٌ ... فيغزو مَعَ الْقَوْم أَو يركب)
(ولكنّ يحيى كفرخ العقا ... ب فِي الوكر مستضعفٌ أزغب)
وَلما دخل عبد الله بن صَفْوَان على عبد الله بن الزّبير بِمَكَّة. قَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن تصبك من الأيّام جائحةٌ ... لَا أبك مِنْك على دنيا وَلَا دين)
قَالَ: وَمَا ذَاك يَا أعرج قَالَ: هَذَا عبد الله بن عَبَّاس يفقه النَّاس وَعبيد الله أَخُوهُ يطعم النَّاس فَمَا بقيّا لَك. فأحفظه ذَلِك فَأرْسل صَاحب شرطته عبد الله بن مُطِيع فَقَالَ انْطلق إِلَى ابْني عبّاس فَقل لَهما: أعمدتما إِلَى راية ترابيّة قد وَضعهَا الله فنصبتماها بدّدا عنّي جموعكما وَمن ضوى إلَيْكُمَا من ضلاّل أهل الْعرَاق
وإلاّ فعلت وَفعلت فَقَالَ لَهُ ابْن عبّاس: قل لِابْنِ الزّبير:
(4/43)

يَقُول لَك ابْن عبّاس: ثكلتك أمّك وَالله مَا يأتينا من النّاس إلاّ رجلَانِ: طَالب فقه أَو طَالب
(لَا درّ درُّ اللّيالي كَيفَ تضحكنا ... مِنْهَا خطوبٌ أَعَاجِيب وتبكينا)
(وَمثل مَا تحدث الأيّام من غيرٍ ... يَا بن الزّبير عَن الدّنيا تسلّينا)
(كنّا نجيء ابْن عبّاس فيقبسنا ... علما ويكسبنا أجرا ويهدينا)
(وَلَا يزَال عبيد الله مترعةً ... جفانه مطعماً ضيفاً ومسكينا))
(فالبرّ والدّين والدّنيا بدارهما ... ننال مِنْهَا الَّذِي نبغي إِذا شينا)
(إنّ النّبي هُوَ النّور الَّذِي كشفت ... بِهِ عمايات باقينا وماضينا)
(ورهطه عصمةٌ فِي ديننَا وَلَهُم ... فضلٌ علينا وحقّ وَاجِب فِينَا)
(ولستفاعلمهأولادنا بهم رحما ... يَا ابْن الزّبير وَلَا أولى بِهِ دينا)
(فقيم تمنعهم منّا وتمنعنا ... مِنْهُم وتؤذيهم فِينَا وتؤذينا)
(لن يُؤْتِي الله من أخزى ببعضهم ... فِي الدّين عزّاً وَلَا فِي الأَرْض تمكينا)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/44)

الرجز
(حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن)
على أنّ الشَّاعِر أضَاف حِين الأول إِلَى الْجُمْلَة كَمَا تَقول: حِين لَا رجل فِي الدَّار أَي: حِين لَا حِين حنينٌ حَاصِل.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب حِين بِلَا التبرئة وَإِضَافَة حِين إِلَى الْجُمْلَة
وَخبر لَا مَحْذُوف وَالتَّقْدِير حِين لَا حِين محنٍّ لَهَا أَي: حنّت فِي غير وَقت الحنين. وَلَو جررت الْحِين على إِلْغَاء لَا جَازَ. والقلوص: النّاقة الشّابة بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة من الأناسيّ. وحنينها: صَوتهَا شوقاً إِلَى أَصْحَابهَا. وَالْمعْنَى أنّها حنّت إِلَيْهَا على بعدٍ مِنْهَا وَلَا سَبِيل لَهَا إِلَيْهَا. انْتهى.
وقدّر ابْن الشجريّ الْخَبَر لنا بالنُّون وَالصَّوَاب مَا قبله.
وجوّز أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل المنثورة الحركات الثَّلَاث فِي حِين الثَّانِي: النصب على إِعْمَال لَا عمل إنّ وَالرَّفْع على إعمالها عمل لَيْسَ والجرّ على إلغائها وَإِضَافَة حِين الأوّل إِلَى الثَّانِي.
وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية لَا يقدّر للا هَذِه فِي رِوَايَة النصب خبر فَإِنَّهُ قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَوْلهم: أَلا مَاء بَارِد: قَالَ المازنيّ: يرفع بَارِد على أَنه خبر وَيجوز على قِيَاس قَوْله أَن يرْتَفع لأنّه صفة مَاء ويضمر الْخَبَر.
وَيجوز نَصبه على قَوْله أَيْضا على أَنه صفة وَالْخَبَر مُضْمر وَيجوز على قِيَاس سِيبَوَيْهٍ وَمن عدا الْمَازِني أَلا مَاء بَارِد بِلَا تَنْوِين إلاّ أنّك لَا تضمر لَهَا خَبرا
(4/45)

لِأَنَّهَا مَعَ معمولها الْآن بِمَنْزِلَة اللَّفْظَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِهِم: جِئْت بِلَا مَال وغضبت من لَا شَيْء أَي: بفتحهما فَلَا يلزمك إِضْمَار الْخَبَر)
فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
وَمثله قَوْله: حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن أضَاف حِين إِلَيْهِمَا كَمَا تضيفه إِلَى الْمُفْرد. وَقد يحْتَمل هَذَا عِنْدِي أَن يكون إِضَافَة إِلَى جملَة وَالْخَبَر مَحْذُوف كَمَا يُضَاف أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْجمل وَذَلِكَ لأنّ حنت مَاض فحين بِمَعْنى إِذْ وَهِي مِمَّا يُضَاف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. فَأَما قَوْله حِين لَا حِين فَالثَّانِي غير الأوّل لأنّ الْحِين يَقع على الْكَبِير واليسير من الزَّمَان قَالَ: الطَّوِيل
تطلقه حينا وحيناً تراجع وَلَا زَائِدَة وَلَا تكون غير زَائِدَة لما فِي ذَلِك من النَّقْض. وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كلّ حِين: ستّة أشهر فَيكون على هَذَا حِين حِين من إِضَافَة الْبَعْض إِلَى الكلّ نَحْو: حَلقَة فضّة وَعِيد السّنة وسبت الْأُسْبُوع فَلَا يكون إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. وَمثله قَول الفرزدق: الوافر
(وَلَوْلَا يَوْم يومٍ مَا أردنَا ... جزاءك والقروض لَهَا جَزَاء)
فيومٌ الأوّل وضح النّهار وَالثَّانِي البرهة كَالَّتِي فِي قَوْله: وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله.
وَأنْشد أَبُو عَمْرو:
(4/46)

مجزوء الْكَامِل
(حبّذا العرصات يَوْمًا ... فِي ليالٍ مقمرات)
فَقَالَ يَوْمًا فِي لَيَال أَرَادَ المرّة دون العاقب لِليْل. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا وَلَا تَتِمَّة لَهَا. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط
(مَا بَال جهلك بعد الْحلم والدّين ... وَقد علاك مشيبٌ حِين لَا حِين)
على أنّ الأولى أَن تكون لَا فِيهِ زَائِدَة لفظا وَمعنى.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إنّما أَرَادَ حِين حِين وَلَا بِمَنْزِلَة مَا إِذا ألغيت.
قَالَ الأعلم: وإنّما أضَاف الْحِين إِلَى الْحِين لأنّه قدر أَحدهمَا بِمَعْنى التَّوْقِيت فَكَأَنَّهُ قَالَ: حِين وَقت حُدُوثه ووجوبه هَذَا تَفْسِير سِيبَوَيْهٍ. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: مَا بَال جهلك بعد الْحلم وَالدّين حِين لَا حِين جهلٍ وصبا فَتكون لَا لَغوا فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى انْتهى.
وَلم يتنبّه ابْن الشّجريّ فِي أَمَالِيهِ لمراد سِيبَوَيْهٍ بعد نقل عِبَارَته ففهم
(4/47)

أنّ لَا زَائِدَة لفظا فَقَط فَقَالَ: حِين الأوّل مُضَاف إِلَى الثَّانِي وفصلت لَا بَين الْخَافِض والمخفوض كفصلهما فِي جِئْت بِلَا شَيْء كَأَنَّهُ قَالَ: حِين لَا حِين لَهو فِيهِ وَلعب أَو نَحْو ذَلِك من الْإِضْمَار لأنّ المشيب يمْنَع من اللَّهْو واللعب. هَذَا كَلَامه وَقد أوردهُ فِي معرض الشَّرْح لكَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَقد طبّق المفصّل أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْحجَّة فِي الْكَلَام على آخر سُورَة الْفَاتِحَة قَالَ: لَا فِيهِ زَائِدَة وَالتَّقْدِير: وَقد علاك مشيبٌ حِين حِين وإنّما كَانَت زَائِدَة لأنّك إِن قلت: علاك مشيبٌ حينا فقد أثبتّ حينا علاهُ فِيهِ المشيب. فَلَو جعلت لَا غير زَائِدَة لوَجَبَ أَن تكون نَافِيَة على حدّها فِي قَوْلهم: جِئْت بِلَا مَال فنفيت مَا أثبت من حَيْثُ كَانَ النَّفْي بِلَا عَاما منتظماً لجَمِيع الْجِنْس فلمّا لم يستقم حمله على النَّفْي للتدافع الْعَارِض فِي ذَلِك حكمت بزيادتها فَصَارَ التَّقْدِير: حِين حِين.
وَهَذِه الْإِضَافَة من بَاب حَلقَة فضَّة: لأنّ الْحِين يَقع على الزَّمَان الْقَلِيل كالساعة وَنَحْوهَا يدلّ على ذَلِك قَوْله: تطلقه حينا وحيناً تراجع وَيَقَع على الزَّمَان الطَّوِيل كَقَوْلِه تَعَالَى: هَل أُتِي على الْإِنْسَان حِين من الدّهر وعَلى مَا هُوَ أقصر من ذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كل حينٍ فَصَارَ حِين حِين كَقَوْل الآخر:
(وَلَوْلَا يَوْم يومٍ مَا أردنَا ... جزاءك والقروض لَهَا جَزَاء)
(4/48)

وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِه:)
حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لأنّه فِي قَوْله لَا حِين محن نافٍ حينا مَخْصُوصًا لَا يَنْتَفِي بنفيه جَمِيع الأحيان كَمَا كَانَ يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ العامّ جَمِيعهَا فَلم يلْزم أَن تكون لَا زَائِدَة فِي هَذَا الْبَيْت كَمَا لزم لزيادتها فِي حِين لَا حِين.
فَهَذَا الْحَرْف يدْخل فِي النّكرة على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون زَائِدا كَمَا مرّ فِي بَيت جرير وَالْآخر أَن يكون غير زَائِد. فَإِذا لم يكن زَائِدا كَانَ على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن تكون لَا مَعَ الِاسْم بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد نَحْو خَمْسَة عشر ونَحْو غضِبت من لَا شَيْء فَلَا مَعَ الِاسْم المنكور فِي مَوضِع جرّ بِمَنْزِلَة خَمْسَة عشر وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون من هَذَا الْبَاب قَوْله: حنّت قلوصي حِين لَا حِين محن لِأَن حِين هُنَا مَنْصُوب نصبا صَحِيحا لِإِضَافَتِهِ وَلَا يجوز بِنَاء الْمُضَاف مَعَ لَا كَمَا جَازَ بِنَاء الْمُفْرد مَعهَا وإنّما حِين فِي الْبَيْت مُضَافَة إِلَى جملَة كَمَا أَنَّهَا فِي قَوْله تَعَالَى: حِين لَا يكفون عَن وُجُوههم النّار إلاّ أنّ الْخَبَر مَحْذُوف وَخبر لَا
يحذف كثيرا. وَنَظِير هَذَا فِي حذف الْخَبَر من الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا ظرف الزَّمَان قَوْلهم: كَانَ هَذَا إِذْ ذَاك. والآخر أَن لَا تعْمل فِي اللَّفْظ وَيُرَاد بهَا معنى النَّفْي فَتكون صورتهَا صُورَة الزِّيَادَة وَمعنى النَّفْي فِيهِ مَعَ هَذَا صَحِيح كَقَوْل النَّابِغَة:
(4/49)

الْبَسِيط وَقَالَ الشمّاخ: الوافر
(إِذا مَا أدلجت وصفت يداها ... لَهَا إدلاج لَيْلَة لَا هجوع)
وَقَالَ رؤبة: الرجز وَقد عرفت حِين لَا اعْتِرَاف وَبَيت الْكتاب.
تَرَكتنِي حِين لَا مالٍ أعيش بِهِ الْبَيْت وَهَذَا الْوَجْه عكس مَا جَاءَ فِيمَا أنْشدهُ أَبُو الْحسن من قَول الشَّاعِر:
(لَو لم تكن غطفان لَا ذنُوب لَهَا ... إليّ لامت ذَوُو أحسابها عمرا)
أَلا ترى أنّ لَا فِي الْمَعْنى زَائِدَة وَقد عملت وَفِي قَوْله: لَيْلَة لَا هجوع وبابه معنى النَّفْي فِيهِ صحيحٌ وَلم تعْمل انْتهى كَلَام أبي عليّ.)
(4/50)

وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لجرير بن الخطفى هجا بهَا الفرزدق وَبعده: الْبَسِيط
(للغانيات وصالٌ لست قاطعه ... على مواعيد من خلفٍ وتلوين)
(إنّي لأرهب تَصْدِيق الوشاة بِنَا ... وَأَن يَقُول غويّ للنّوى بيني)
(مَاذَا يهيجك من دارٍ تباكرها ... أَرْوَاح مخترق هوج الأفانين)
وَجَرِير قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب وَالْخطاب لنَفسِهِ. وَقد الْتزم الْإِتْيَان بِالْحَال بعد مَا بَال فجملة وَقد علاك مشيبٌ حَال والظرف الأول مُتَعَلق بجهلك وَالثَّانِي مُتَعَلق بقوله علاك.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الستّون بعد الْمِائَتَيْنِ)
الرجز
(فِي بِئْر لَا حور سرى وَمَا شعر)
على أنّ لَا فِيهِ زَائِدَة لفظا وَمعنى أوّل من قَالَ بزيادتها فِي هَذَا الْبَيْت أَبُو عُبَيْدَة وَتَبعهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة قَالَ فِيهَا: وَمن أمثالهم: حورٌ فِي محارة يضْرب للرجل الَّذِي لَا يعرف وَجه أمره وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: لَا هُنَا لَغْو. وَمِنْهُم أَبُو مَنْصُور الأزهريّ فِي التَّهْذِيب إلاّ أنّه قَالَ: حور أَصله حؤور مَهْمُوز فخفّفه الشَّاعِر بِحَذْف الْهمزَة.
(4/51)

وَمِنْهُم صَاحب الصِّحَاح قَالَ فِيهِ: حَار يحور حوراً وحؤوراً: رَجَعَ. يُقَال حَار بَعْدَمَا كار ونعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور أَي: من النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة.
وَكَذَلِكَ الْحور بِالضَّمِّ.
وَفِي الْمثل حورٌ فِي محارةٍ: أَي: نُقْصَان يضْرب للرجل إِذا كَانَ أمره يدبر. والْحور أَيْضا: الِاسْم من قَوْلك طحنت الطّاحنة فَمَا أحارت شَيْئا أَي: مَا ردّت شَيْئا من الدّقيق. والحور أَيْضا: الهلكة.
فِي بِئْر لَا جورٍ سرى وَمَا شعر وَلَا زَائِدَة.
وَمِنْهُم صَاحب الْعباب وَنقل كَلَام الصِّحَاح برمتّه وَزَاد فِي الْمثل قَوْلهم: حور فِي محارة هَذَا خلاف مَا روى ابْن الأعرابيّ أنّه بِفَتْح الْحَاء قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال: فلانٌ حور فِي محارة هَكَذَا سمعته بِفَتْح الْحَاء يضْرب مثلا للشَّيْء الَّذِي لَا يصلح أَو كَانَ صَالحا ففسد.)
وَمِنْهُم الزّمخشريّ فِي تَفْسِيره وَفِي مفصله قَالَ: لَا فِي سُورَة الْقِيَامَة فِي قَوْله تَعَالَى: لَا أقسم زَائِدَة كَمَا زيدت فِي هَذَا الْبَيْت. وَمِنْهُم ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ قَالَ: وَمِمَّا زيدت فِيهِ قَول العجّاج: فِي بِئْر لَا حور سرى وَمَا شعر مَعْنَاهُ فِي بِئْر حورٍ أَي: فِي بِئْر هَلَاك.
وَذهب جمَاعَة إِلَى أنّ لَا هُنَا نَافِيَة لَا زَائِدَة أوّلهم الفرّاء قَالَ فِي آخر سُورَة الْفَاتِحَة من تَفْسِيره: إِذا كَانَت غير فِي معنى سوى لم يجز أَن تكرّ عَلَيْهَا لَا أَلا ترى أنّه لَا يجوز عِنْدِي سوى عبد الله وَلَا زيد.
وَقد قَالَ
(4/52)

بعض من لَا يعرف العربيّة إنّ معنى غير فِي الْحَمد معنى سوى وإنّ لَا صلّة فِي الْكَلَام فِي بِئْر لَا حورٍ سرى وَمَا شعر
وَهَذَا غير جَائِز لِأَن الْمَعْنى وَقع على مَا لَا يتبيّن فِيهِ عمله فَهُوَ جحدٌ مَحْض وإنّما يجوز أَن تجْعَل لَا صلَة إِذا اتّصلت بجحد قبلهَا وَأَرَادَ فِي بِئْر لَا حور فَلَا هِيَ الصَّحِيحَة فِي الْجحْد لأنّه أَرَادَ فِي بِئْر مَاء لَا يحير عَلَيْهِ شَيْئا كَأَنَّك قلت إِلَى غير رشد توجّه وَمَا درى وَالْعرب تَقول: طّحنت الطّاحنة فَمَا أحارت شَيْئا أَي: لم يتبيّن لَهَا أثر عمل. انْتهى.
وَتَبعهُ ابْن الأعرابيّ فِي نوادره.
وَمِنْهُم ابْن جنّي قَالَ فِي الخصائص قَالَ ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله: فِي بئرٍ لَا حورٍ سرى وَمَا شعر أَرَادَ حؤور أَي: فِي بِئْر لَا حؤور وَلَا رُجُوع قَالَ: فأسكنت الْوَاو الأولى وحذقت لسكونها وَسُكُون الثَّانِيَة بعْدهَا.
وَرَأَيْت فِي شرح شَوَاهِد الموشّح والمفصّل قَالَ صدر الأفاضل: الْحور هُنَا: جمع حائر من حَار إِذا هلك. وَنَظِيره على مَا حَكَاهُ الغوريّ قُتل: جمع قَاتل وبُزل جمع بازل وقُرح جمع قارح. وَيحْتَمل أَن يكون اسْم جمع حائر أَي هُلّك وَقيل هِيَ بِئْر سكنها الجنّ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة للعجّاج وَهِي نَحْو مِائَتي بَيت مدح بهَا
(4/53)

عمر بن عبيد الله بن معمر وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان قد وجّهه لقِتَال أبي فديك الحروريّ فأوقع بِهِ وبأصحابه ومطلعها: الرجز)
(قد جبر الدّين الْإِلَه فجبر ... وعوّر الرّحمن من ولّى العور)
(فَالْحَمْد لله الَّذِي أعْطى الشّبر ... موَالِي الحقّ أَن الْمولى شكر)
إِلَى أَن قَالَ:
(وَاخْتَارَ فِي الدّين الحروريّ البطر ... فِي بِئْر لَا حورٍ سرى وَمَا شعر)
بإفكه حتّى رأى الصبّح جشر الْجَبْر: أَن تغني الرجل من فقره أَو تصلح عظمه من كسر يُقَال: جبر الْعظم جبرا وجبر الْعظم بِنَفسِهِ جبوراً أَي: انجبر وَقد جَمعهمَا العجّاج. وعوّر بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو أَي: أفسد الله من ولاّه الْفساد. والشّبر: بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة والموحّدة الْخَيْر ويروى الحبر: بِفَتْح الْمُهْملَة والموحّدة وَهُوَ السرُور. وموالي الْخَيْر بِفَتْح الْمِيم يُرِيد العبيد وَهُوَ مفعول ثَان لأعطى وَرُوِيَ موَالِي بِضَم الْمِيم فَيكون من صفة الله ونصبه على الْمَدْح. والْمولى بِالْفَتْح: العَبْد. والحروريّ أَرَادَ بِهِ أَبَا فديك بِالتَّصْغِيرِ الخارجيّ.
قَالَ فِي الصِّحَاح: وحروراء: اسْم قَرْيَة يمد وَيقصر نسبت إِلَيْهَا الحرورية من الْخَوَارِج كَانَ أوّل وَقَوله: بإفكه الخ الْبَاء سَبَبِيَّة مُتَعَلقَة بقوله سرى والْإِفْك الْكَذِب مَأْخُوذ من أفكته إِذا صرفته. وكلّ أمرٍ صرف عَن وَجهه فقد أفك. وجشر الصبّح بِالْجِيم والشين الْمُعْجَمَة يجشر جشوراً إِذا انْفَلق وأضاء.
وروى:
(4/54)

حتّى إِذا الصبّح جشر وملخّص هَذِه القصّة كَمَا فِي نِهَايَة الأرب فِي فنون الْأَدَب للنّويريّ أنّ أَبَا فديك وَهُوَ من الْخَوَارِج واسْمه عبد الله بن ثَوْر بن قيس بن ثَعْلَبَة بن تغلب غلب على الْبَحْرين فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْهِجْرَة فَبعث خَالِد بن عبد الله القسريّ أَمِير الْبَصْرَة أَخَاهُ أُميَّة بن عبد الله فِي جندٍ كثيف فَهَزَمَهُ أَبُو فديك وَأخذ جاريةٍ لَهُ فاتّخذها لنَفسِهِ فَكتب خَالِد إِلَى عبد الْملك بذلك فَأمر عبد الْملك عمر بن عبيد الله بن معمر أَن ينْدب النّاس مَعَ أهل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ويسير إِلَى قِتَاله فَانْتدبَ عشرَة آلَاف وَسَار بهم.
وَجعل أهل الْكُوفَة على الميمنة وَعَلَيْهِم محمّد بن مُوسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله وَأهل الْبَصْرَة على الميسرة وَعَلَيْهِم عمر بن مُوسَى بن عبيد الله بن معمر وَهُوَ ابْن أخي عمر وَجعل خيله فِي)
الْقلب وَسَارُوا حتّى انْتَهوا إِلَى الْبَحْرين فاصطفّوا
لِلْقِتَالِ. فَحمل أَبُو فديك وَأَصْحَابه حَملَة رجل واحدٍ فكشفوا ميسرَة عمر حتّى أبعدوا إلاّ الْمُغيرَة بن المهلّب وفرسان النَّاس فإنّهم مالوا إِلَى صفّ أهل الْكُوفَة بالميمنة ثمَّ رَجَعَ أهل الميسرة وقاتلوا واشتدّ قِتَالهمْ حتّى دخلُوا عَسْكَر الْخَوَارِج وَحمل أهل الميمنة حتّى استباحوا عَسْكَر الْخَوَارِج وَقتلُوا أَبَا فديك وحصروا أَصْحَابه حتّى نزلُوا على الحكم فَقتل مِنْهُم نَحْو ستّة آلَاف وَأسر ثَمَانمِائَة. ووجدوا جَارِيَة أميّة بن عبد الله حُبْلَى من أبي فديك وعادوا إِلَى الْبَصْرَة وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة اه.
وَبِمَا ذكرنَا يطبّق الْمفصل ويصاب المحزّ.
ولّما لم يقف شرّاح الشواهد على مَا مرّ قَالُوا بالتخمين وَرَجَمُوا بالظنون مِنْهُم بعض فضلاء الْعَجم قَالَ فِي شرح أَبْيَات الْمفصل وَتَبعهُ فِي شرح شَوَاهِد
(4/55)

الموشّح: قيل يصف فَاسِقًا أَو كَافِرًا.
وَالْمعْنَى على الأوّل أنّ الْفَاسِق سرى بأفكه وأباطيله فِي بِئْر الْمهْلكَة من الْمعاصِي وَمَا علم لفرط غفلته إِذا صَار فِيهَا حتّى إِذا انْفَلق الصّبح وأضاء الحقّ وانكشف ظلمات الشّبه واطلع علم مُعَاينَة لَكِن لم يَنْفَعهُ ذَلِك الْعلم.
وعَلى الثَّانِي: أَن الْكَافِر سرى بإفكه وبطلانه فِي ورطة الْهَلَاك من كفره وَمَا شعر بذلك لإعراضه عَن الْآخِرَة حتّى إِذا قَامَت الْقِيَامَة علم أَنه كَانَ خابطاً فِي ظلمات الْكفْر وَلكنه لَا خوّاض فِي المهالك سالك فِي مسالك الجنّ. وَهَذَا مّما تتمدّح بِهِ الْعَرَب وأشعارهم ناطقة بذلك. وَمعنى قَوْله: بإفكه أَنه يكذب نَفسه إِذا حدّثها بِشَيْء وَلَا يصدقها فِيهِ وَيَقُول لَهَا: إِن الشَّيْء الَّذِي تطلبينه بعيد لتزداد جدّاً فِي طلبه وَلَا تتوانى فِيهِ ولذاك قَالَ لبيد: الرمل
(اكذب النّفس إِذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل)
وَالْمعْنَى: سَار لَيْلًا هَذَا الرجل لجرأته وجلادته فِي مهاوي الْهَلَاك أَو فِي الْمَوَاضِع الخالية الَّتِي يسكنهَا الجنّ حتّى أَضَاء الصبّح وَمَا شعر بِهِ ذَلِك الَّذِي ألْقى بِيَدِهِ فِي المهالك وَهُوَ غافل عَن ذَلِك لعدم مبالاته. وَهَذَا الْمَعْنى أشبه بِمذهب الْعَرَب. هَذَا كَلَامه.
وترجمة العجّاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
(4/56)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز
(لَا هثيم اللّيلة للمطيّ)
على أَن لَا النافية للْجِنْس لَا تدخل على الْعلم وَهَذَا مؤوّل إمّا بِتَقْدِير مُضَاف وَهُوَ مثل وإمّا بِتَأْوِيل الْعلم باسم الْجِنْس. وَقد بيّنهما الشَّارِح المحقّق.
وَقد أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَلَنْ يقبل من أحدهم ملْء الأَرْض ذَهَبا على أنّه على تَقْدِير مثل ملْء الأَرْض فَحذف مثل كَمَا حذفت من لَا هَيْثَم اللّيلة.
قَالَ الْفَاضِل اليمنيّ: وَقد اعْترض هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: الْتزم الْعَرَب تجرّد الِاسْم الْمُسْتَعْمل عَن الْألف وَاللَّام وَلم يجوّزوا قَضِيَّة وَلَا أَبَا الْحسن كَمَا جوّزوا وَلَا أَبَا حسن وَلَو كَانَت إِضَافَة مثل منوّية لم يحْتَج إِلَى ذَلِك.
وَالثَّانِي: إِخْبَار الْعَرَب عَن الْمُسْتَعْمل ذَلِك الِاسْتِعْمَال بِمثل كَقَوْل الشَّاعِر: الطَّوِيل
(تبْكي على زيدٍ وَلَا زيد مثله ... بريءٌ من الحمّى سليم الجوانح)
أَقُول: لَا يضر هَذَا الِالْتِزَام فإنّه واردٌ على أحد الجائزين فإنّ أل
(4/57)

للمح الأَصْل وَالْغَالِب عدم ذكرهَا مَعَ أنّها عَلامَة لفظيّة للتعريف. وتعريف العلميّة وَإِن كَانَ أقوى مِنْهَا إلاّ أنّه معنوي فَلَو وجدت مَعَ لَا لَكَانَ الْقبْح ظَاهرا.
ثمَّ رَأَيْت فِي تذكرة أبي حيّان مَا نصّه: قَالَ الفرّاء من قَالَ قضيّة وَلَا أَبَا حسن لَهَا لَا يَقُول وَلَا أَبَا الْحسن لَهَا بِالْألف وَاللَّام لأنّها تمحّض التَّعْرِيف فِي ذَا الْمَعْنى وَتبطل مَذْهَب التنكير. وَقَالَ: إنّما أجزنا لَا عبد الله لَك بِالنّصب لأنّه حرف مُسْتَعْمل يُقَال لكلّ أحد عبد الله وَلَا نجيز لَا عبد الرَّحْمَن وَلَا عبد الرَّحِيم لِأَن اسْتِعْمَال لم يلْزم هذَيْن كلزومه الأول. وَكَانَ الْكسَائي يقيس عبد الرَّحْمَن وَعبد الْعَزِيز على عبد الله وَمَا لذَلِك صحّة اه.
وَأما جعله بِتَأْوِيل اسْم الْجِنْس فقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا قَضِيَّة وَلَا أَبَا حسن لَهَا قَالَ الْخَلِيل: نجعله نكرَة. فَقلت: كَيفَ يكون هَذَا وإنّما أَرَادوا عليّاً عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: لأنّه لَا يجوز لَك أَن تعْمل لَا إلاّ فِي نكرَة فَإِذا جعلت أَبَا حسن نكرَة حسن لَك أَن تعْمل لَا وَعلم الْمُخَاطب أنّه قد دخل فِي هَؤُلَاءِ المنكورين. وهَيْثَم اسْم رجل كَانَ حسن الحداء لِلْإِبِلِ وَقيل كَانَ جيّد الرّعية والسياق يدلّ للأوّل كَمَا)
يظْهر. وَكَذَلِكَ قَالَ بعض شرّاح أَبْيَات المفصّل: المُرَاد هَيْثَم بن الأشتر وَكَانَ مَشْهُورا بَين الْعَرَب بِحسن الصَّوْت فِي حدائه الْإِبِل وَكَانَ أعرف أهل زَمَانه بِالْبَيْدَاءِ والفلوات وسوق الْإِبِل. وللمطيّ خبر لَا وَهُوَ ظرف مُسْتَقر عَامل فِي اللّيلة وَبعده: وَلَا فَتى مثل ابْن خبيري
(4/58)

ّ قَالَ الصّاغانيّ فِي الْعباب: ذكر مثل هُنَا يعيّن أَن يكون مَا قبله بِتَقْدِير لَا مثل هَيْثَم وَابْن خبيريّ: قَالَ ابْن الكلبيّ فِي جمهرة نسب عذرة: فَمن بني ضبيس جميل بن عبد الله بن معمر بن الْحَارِث بن خبيريّ بن ظبْيَان اه.
وَجَمِيل هَذَا هُوَ صَاحب بثينة الْمَشْهُور وَهُوَ المُرَاد بِابْن خبيريّ: فَيكون نسب إِلَى أحد أجداده. ومدحه بالفتوّة لأنّه كَانَ شجيعاً يحمي أدبار المطيّ من الْأَعْدَاء.
وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بِابْن خبيريّ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَالْإِضَافَة للملابسة. وَهَذَا لَا أصل لَهُ.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ مرْحَبًا وَهُوَ الَّذِي بارزه عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَوْم خَيْبَر فَقتله.
وَهَذَا الشَّاهِد من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يعيّن قَائِلهَا. وَقد أورد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المصنّف مَعَ أَبْيَات قبلهمَا وَهِي: الرجز
(قد حشّها اللّيل بعصلبيّ ... مهَاجر لَيْسَ بأعرابيّ)
(أروع خرّاج من الدّوّيّ ... عمرّسٍ كالمرس الملويّ)
قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب: العصلبيّ بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّديد الْبَاقِي على الْمَشْي وَالْعَمَل. وَأنْشد الأبيات على الفرّاء فِي نوادره لبَعض بني دبير بِضَم الدَّال وَفتح الْمُوَحدَة مُصَغرًا وَهِي قَبيلَة من بني أَسد.
وَقَالَ شَارِح شَوَاهِد الْغَرِيب ابْن السّيرافيّ: يُقَال حشّ النّار يحشّها حشّاً إِذا بَالغ فِي إيقادها وإحمائها. وَإِنَّمَا يُرِيد أنّ الْإِبِل قد رميت بِرَجُل
(4/59)

عصلبيّ يسْرع سوقها وَلَا يَدعهَا تفتر كَمَا تحشّ النّار. وحشّ بحاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة.
ويروى:
قد لفّها اللّيل أَي: اللَّيْل جعل هَذَا الرّجل ملتفاً بهَا. وإنّما نسب الْفِعْل إِلَى اللّيل لأنّ اللَّيْل حمله على الجدّ فِي السّير. وَجعله مُهَاجرا وَالْمُهَاجِر الَّذِي هَاجر إِلَى الْأَمْصَار من الْبَادِيَة فَأَقَامَ بهَا وَصَارَ من أَهلهَا)
ليَكُون سيره أشدّ. وخصّ المُهَاجر لأنّه من أهل الْمصر الَّذِي يَقْصِدهُ فَلهُ بِالْمِصْرِ مَا يَدعُوهُ إِلَى إسراع السّير وَيجوز أَن يكون خصّ المُهَاجر لأنّه أعلم بالأمور من الأعرابيّ وَأبْصر بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ. والأروع: الْحَدِيد الْفُؤَاد. والدّوّيّ: جمع دوّيّة يُرِيد أنّه ذُو هِدَايَة وبصر بِقطع الفلوات وَالْخُرُوج مِنْهَا. والعمرّس: الشَّديد بِفَتْح الْعين وَالْمِيم وَتَشْديد الرَّاء وبالسين المهملات. والدّوّيّ بتَشْديد الْوَاو وَالْيَاء قَالَ فِي الصِّحَاح: الدوّ والدوّيّ: الْمَفَازَة وَكَذَلِكَ الدوّيّة لأنّها مفازة مثلهَا فنسبت إِلَيْهَا كَقَوْلِهِم دهرٌ دوّار ودوّاريّ. وَعرف بِهَذَا السّياق أنّه مدحٌ لهيثم فِي جودة حدائه المنشط لِلْإِبِلِ فِي سَيرهَا وأنّه لَا يقوم أحدٌ مقلمه وَلَا يسدّ مسدّه فِي حدائها.
وَظهر مِنْهُ أَيْضا أَن المُرَاد لَا مثل هَيْثَم لَا تَأْوِيله باسم الْجِنْس لشهرته فِي صفة الحداء فتأمّل.
وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أنّ هَذَا الْكَلَام تأسّف وتحسرّ عَلَيْهِمَا.
وكأنّه فهم أَنَّهُمَا مَاتَا وَالشعر مرثية فيهمَا. أَو هما غائبان عَن المطيّ فِي تِلْكَ اللّيلة.
(4/60)

تَتِمَّة قَالَ أَبُو حيّان فِي تَذكرته: قَالَ الكسائيّ فِي قَول الْعَرَب لَا أَبَا حَمْزَة لَك: أَبَا حَمْزَة نكرَة وَلم ينصب حَمْزَة لِأَنَّهُ معرفَة. لكنّهم قدّروا أنّه آخر الِاسْم الْمَنْصُوب بِلَا فنصب الآخر كَمَا تفتح اللَّام فِي لَا رجل. وَقَالَ: سَمِعت الْعَرَب تَقول: لَا أَبَا زيد لَك وَلَا أَبَا مُحَمَّد عنْدك فعلّة نصبهم مُحَمَّدًا وزيداً أنّهم جعلُوا أَبَا مُحَمَّد وَأَبا زيد اسْما وَاحِدًا وألزموا آخِره نصب النّكرة. انْتهى.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي والستّون بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيب ... نكدن وَلَا أميّة فِي الْبِلَاد)
على أَن التَّقْدِير إمّا: وَلَا أَمْثَال أميّة فِي الْبِلَاد وإمّا: وَلَا أجواد فِي الْبِلَاد لأنّ بني أميّة قد اشتهروا بالجود. فأوّل الْعلم باسم الْجِنْس لشهرته بِصفة الْجُود.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعبد الله بن الزّبير الأسديّ قَالَهَا فِي عبد الله بن الزّبير بن العوّام وَكَانَ شَدِيد الْبُخْل قَالَ الحصريّ فِي زهر الْآدَاب
(4/61)

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَفد عبد الله بن الزّبير الأسديّ على عبد الله بن الزّبير بن العوّام فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ بيني وَبَيْنك رحما من قبل فُلَانَة الكاهليّة وَهِي عمّتنا وَقد ولدتكم فَقَالَ ابْن الزّبير: هَذَا كَمَا وصفت وَإِن فَكرت فِي هَذَا وجدت النّاس كلّهم يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد وَإِلَى أمّ وَاحِدَة.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ نفقتي قد ذهبت. قَالَ: مَا كنت ضمنت لأهْلك أنّها تكفيك إِلَى أَن ترجع إِلَيْهِم. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّ نَاقَتي قد نقبت ودبرت. قَالَ لَهُ: أنجد بهَا يبرد خفّها وارقعها بسبتٍ واخصفها بهلبٍ وسر عَلَيْهَا البردين تصحّ. قَالَ: إنّما جئْتُك مستحملاً وَلم آتِك مستوصفاً فلعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك قَالَ ابْن الزّبير: إنّ وراكبها. فَخرج وَهُوَ يَقُول:
(أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيبٍ ... نكدن وَلَا أميّة فِي الْبِلَاد)
(من الأعياص أَو من آل حربٍ ... أغر كغرّة الْفرس الْجواد)
(وَمَالِي حِين أقطع ذَات عرقٍ ... إِلَى ابْن الكاهليّة من معاد)
(وَقلت لصحبتي: أدنوا ركابي ... أُفَارِق بطن مَكَّة فِي سَواد)
فَبلغ شعره هَذَا عبد الله بن الزّبير فَقَالَ: لَو أعلم أنّ لي أمّاً أخسّ
(4/62)

من عمّته الكاهليّة لنسبتي إِلَيْهَا. وَكَانَ ابْن الزّبير يكنى أَبَا بكر وَأَبا خبيب.
قَالَ الصّوليّ: أَخذ المعتصم من مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات فرسا أَشهب كَانَ عِنْده مكيناً وكَانَ بِهِ ضنيناً فَقَالَ يرثيه: الْكَامِل
(قَالُوا جزعت فَقلت إنّ مُصِيبَة ... جلت رزيّتها وضاق الْمَذْهَب)
قَالَ أَبُو بكر الصّوليّ: هَكَذَا أنشدنيه ابْن المعتز على أنّ إنّ بِمَعْنى نعم وَأنْشد النّحويون: الْكَامِل)
(قَالُوا كَبرت فَقلت إنّ وربّما ... ذكر الْكَبِير شبابه فتطرّبا)
وَكَذَا نقل السّيوطيّ فِي تَارِيخ الْخُلَفَاء. وَهَذِه الْحِكَايَة عَن تَارِيخ ابْن عَسَاكِر من طَرِيق أبي عُبَيْدَة.
وَقَوله: إنّ نَاقَتي قد نقبت فِي الصِّحَاح: ونقب الْبَعِير بِالْكَسْرِ: إِذا رقت أخفافه. ودبر الْبَعِير بِالْكَسْرِ وأدبره القتب إِذا جرحه وَهِي الدّبرة بِفَتَحَات. وأنجد إِذا أَخذ فِي بِلَاد نجد.
وَهُوَ من بِلَاد الْعَرَب وَهُوَ خلاف الْغَوْر وتهامة وكلّ مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد. ونجد مَوْصُوف بالبرد. والسّبت
بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمُوَحدَة: جُلُود الْبَقر المدبوغة بالقرظ تحذى مِنْهُ النِّعَال السّبتيّة. والهلب بِضَم الْهَاء: شعر الْخِنْزِير الَّذِي يخرز بِهِ الْوَاحِد هلبة وَكَذَلِكَ مَا غلظ من شعر الذَّنب وَغَيره. والبردان
(4/63)

: العصران وَكَذَلِكَ الأبردان وهما الْغَدَاة والعشيّ وَيُقَال ظلاّهما. ومستحملاً أَي: طَالبا أَن تحملنِي على دَابَّة. وَأَبُو خبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة الأولى كنية عبد الله بن الزّبير كني بأكبر أَوْلَاده قَالَ الثعالبيّ فِي لطائف المعارف: كَانَ لَهُ ثَلَاث كنى: أَبُو خبيب وَأَبُو بكر وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَكَانَ إِذا هجي كني بِأبي خبيب.
ونكدن من نكد نكداً من بَاب تَعب فَهُوَ نكد إِذا تعسّر. ونكد الْعَيْش نكداً إِذا اشتدّ. وأميّة: أَبُو قَبيلَة من قُرَيْش وهما أميّتان: الْأَكْبَر والأصغر ابْنا عبد شمس بن عبد منَاف أَوْلَاد علّة فَمن أميّة الْكُبْرَى أَبُو سُفْيَان بن حَرْب والعنابس والأعياص. وأميّة الصُّغْرَى هم ثَلَاثَة إخْوَة لأمٍّ اسْمهَا عبلة يُقَال لَهُم العبلات بِالتَّحْرِيكِ. والأعياص بإهمال الأوّل وَالْآخر هم من قُرَيْش أَوْلَاد أميّة ابْن عبد شمس الْأَكْبَر وهم أَرْبَعَة: الْعَاصِ وَأَبُو الْعَاصِ والعيص وَأَبُو الْعيص. وذَات عرق بِالْكَسْرِ: مِيقَات أهل الْعرَاق وَهُوَ من مكّة نَحْو مرحلَتَيْنِ وَيُقَال هُوَ من نجد الْحجاز. والصّحبة أَرَادَ بِهِ الْأَصْحَاب وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر. وادنوا بِفَتْح الْهمزَة: أَمر مُسْند لجَماعَة الذُّكُور من الإدناء وركابي: إبلي. وأفارق مجزوم فِي جَوَاب الْأَمر. وَعبد الله بن الزّبير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
(4/64)

وروى الاصبهاني فِي الأغاني هَذِه الأبيات لعبد الله بن فضَالة بن شريك ابْن سُلَيْمَان بن خويلد وأنهى نسبه إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر.)
قَالَ: وَعبد الله بن فضَالة هُوَ الْوَافِد على ابْن الزّبير وَالْقَائِل لَهُ: إنّ نَاقَتي قد نقبت وَذكر الْقِصَّة بِعَينهَا إِلَى قَوْله فَقَالَ لَهُ ابْن الزّبير: إنّ وراكبها. فَانْصَرف وَهُوَ يَقُول:
(أَقُول لغلمتي شدّوا ركابي ... أجاوز بطن مرّ فِي سَواد)
(فَمَالِي حِين أقطع ذَات عرق ... إِلَى ابْن الكاهليّة من معاد)
(وكل معّبد قد أعلمته ... مناسمهنّ طلاّع النّجاد)
أرى الْحَاجَات عِنْد ابي خبيب ... ... ... الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ الأصبهانيّ: وَذكر ابْن حبيب أنّ هَذَا الشّعْر لِأَبِيهِ فضَالة مَعَ ابْن الزّبير وَزَاد فِيهَا:
(شَكَوْت إِلَيْهِ أَن نقبت قلوصي ... فردّ جَوَاب مشدّود الصّفاد)
(يضنّ بِنَاقَة ويروم ملكا ... محالٌ ذاكم غير السّداد)
(وليت إِمَارَة وبخلت لمّا ... وليتهم بملكٍ مُسْتَفَاد)
(فَإِن وليت أميّة أبدلوكم ... بكلّ سميدعٍ واري الزّناد)
(من الأعياص أَو من آل حربٍ ... أغرّ كغرّة الْفرس الْجواد)
(إِذا لم ألقهم بمنّى فإنّي ... بجوّ لَا يهشّ لَهُ فُؤَادِي)
...
(4/65)

(سيدنيني لَهُم نصّ المطايا ... وَتَعْلِيق الأداوى والمزاد)
(وَظهر معبّد قد أعلمته ... مناسمهنّ طلاّع النّجاد)
مَعَ أَبْيَات ثَلَاثَة آخر. قَالَ ابْن حبيب: فلمّا ولي عبد الْملك بعث إِلَى فضَالة يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ قد مَاتَ فَأمر لوَرثَته بِمِائَة نَاقَة تحمّل أوقارها برّاً وَتَمْرًا.
قَالَ: والكاهليّة الَّتِي ذكرهَا هِيَ بنت جبيرَة من بني كَاهِل بن اسد وَهِي أم
خويلد بن اسد بن وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أنّ الكاهليّة هِيَ أم عبد الله بن الزّبير وَهَذَا لَا أصل لَهُ. وَزعم أَيْضا أَن ابْن الزّبير صَاحب هَذِه الأبيات اسْمه عبد الله بن فضَالة وَنَقله عَن صدر الأفاضل.
وَقَوله: أَقُول لغلمتي هُوَ بِكَسْر الْمُعْجَمَة: جمع غُلَام. وبطن مرّ بِفَتْح الْمِيم: مَوضِع بِقرب مكّة شرّفها الله. وَقَوله: فِي سَواد أَي: فِي ظلام اللّيل. ونصّ المطايا: مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله من نصصت الدّابّة: استحثثها واستخرجت مَا عِنْدهَا من السّير. والأداوى بِفَتْح الْوَاو: جمع إداوة بِالْكَسْرِ وَهِي المطهرة. والمزاد بِالْفَتْح: جمع مزادة وَهِي شطر الرّواية)
وَالْقِيَاس كسر الْمِيم لأنّها آلَة يستقى فِيهَا وَهِي مفعلة من الزّاد لأنّه يتزوّد فِيهَا المَاء. وَالطَّرِيق المعبّد من التعبيد وَهُوَ التذليل. والمناسم: جمع منسم كمجلس: طرف خفّ الْإِبِل. وطلاّع حَال من ضمير المطايا جمع طالعة. والنّجاد بِكَسْر النُّون بعْدهَا جِيم: جمع نجد ككلب وكلاب وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض. والصّفاد بِكَسْر الصَّاد: مَا يوثق بِهِ الْأَسير من قدٍّ وَقيد وغلّ أَي: أجابني بِجَوَاب عَاجز مقيّد لَا يقدر على شَيْء. والسّميدع بِفَتْح السِّين: السّيد الَّذِي يسهل الْوُصُول إِلَيْهِ. وجوّ بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو: اسْم مَوضِع.
(4/66)

وفضَالة بن شريك الْأَسدي بِفَتْح الْفَاء أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة من المخضرمين الَّذين أدركوا النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَلم يعلم اجْتِمَاعهم بِهِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(فَلَا أَب وابنا مثل مَرْوَان وَابْنه)
هَذَا صدرٌ وعجزه: إِذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزّرا على أنّه عطف الابْن بِالنّصب على لفظ اسْم لَا الْمَبْنِيّ وَيجوز رفع الْمَعْطُوف بِاعْتِبَار محلٌ لَا وَاسْمهَا فإنّهما فِي محلّ رفع على الِابْتِدَاء. وإنّما جَازَ الرّفْع لأنّ لَا إِذا لم تتكرّر فِي الْمَعْطُوف وَجب فتح الأول وَجَاز فِي الثَّانِي النصب وَالرَّفْع.
قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل البصرية: مثل يحْتَمل أَن يكون صفة وَأَن يكون خَبرا. فَإِن جعلته صفة احْتمل أَمريْن: يجوز أَن تنصبه على اللَّفْظ لأنّ اللَّفْظ مَنْصُوب فتحمله عَلَيْهِ وَإِن حَملته على الْموضع هُنَا كَانَ أقبح مِنْهُ فِي غير هَذَا الْموضع وَذَاكَ أنّك لما عطفت بِالنّصب فقد أنبأت أنّه مَنْصُوب فَإِذا رفعته بعد ذَلِك كَانَ قبيحاً لأنّك كأنّك حكمت بِرَفْعِهِ بعد مَا حكمت وَهَذَا عِنْدِي أقبح من أَن تحمل الْأَسْمَاء المبهمة على الْمَعْنى ثمَّ ترجع إِلَى اللَّفْظ لأنّ الِاسْم كَمَا يعلم مِنْهُ الْإِفْرَاد فقد يعلم مِنْهُ الْجمع فَتكون دلَالَته على ذَا كدلالته على ذَا وَلَا يعلم من الرّفْع النصب وَلَا من النّصب الرّفْع
(4/67)

فَلهَذَا يستحسن حمل الصّفة هُنَا على اللَّفْظ. فَإِن قلت: فصفة)
أيّ الاسمين هُوَ فإنّا لَا نقُول صفة أَحدهمَا وَلَكِن صفتهما جَمِيعًا أَلا ترى أنّه قد أضيف إِلَى مَرْوَان وَعطف ابْن عَلَيْهِ فكأنّه قَالَ مثلهمَا أَلا ترى أنّ الْعَطف بِالْوَاو نَظِير التَّثْنِيَة فَكَمَا أنّ مثلهم فِي قَوْله تَعَالَى: إنّكم إِذا مثلهم خبر عَن جَمِيع الْأَسْمَاء حَيْثُ كَانَ مُضَافا إِلَى ضمير الْجمع كَذَلِك يكون مثل وَصفا للاسمين جَمِيعًا وتضمر الْخَبَر إِذا جعلته صفة.
فَإِن جعلت مثلا الْخَبَر رفعت لَا غير وَلم تضمر شَيْئا وَمثل ذَلِك: الْبَسِيط
وَلَا كريم من الْولدَان مصبوح وَقد يَسْتَقِيم أَن تَجْعَلهُ هُنَا وَصفا على الْموضع وتضمر وَلَا يقبح من حَيْثُ قبح فِي قَوْله: فَلَا أَب وابنا. فَأَما: إِذا هُوَ بالمجد ارتدى فالعامل فِي إِذا أضمرت. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وروى ابْن الأنباريّ: إِذا مَا ارتدى بالمجد ثمَّ تأزّرا وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ أولى لِأَن الائتزار قبل الارتداء. وَالْوَاو لَا تَرْتِيب فِيهَا بِخِلَاف ثمّ والْمجد: العزّ والشرّف وَرجل ماجد: كريم شرِيف. وارتدى: لبس الرِّدَاء. وتأزّر: لبس الْإِزَار: الثّوب الَّذِي يستر النّصْف
(4/68)

الْأَسْفَل والرِّدَاء: مَا يستر النّصْف الْأَعْلَى.
قَالَ الأعلم: مدح مَرْوَان بن الحكم وَابْنه عبد الْملك بن مَرْوَان وجعلهما لشهرة مجدهما كاللابسين لَهُ المرتديين بِهِ وَجعل الْخَبَر على أَحدهمَا وَهُوَ يعنيهما اختصاراً لعلم السَّامع اه.
وَلَقَد كذب الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَدْح فإنّ النبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي حقّ مَرْوَان: الوزغ بن الوزغ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف لَهَا قَائِل.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شواهده: إنّه لرجل من عبد مَنَاة بن كنَانَة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط
(أَلا طعان إِلَّا فرسَان عاديةٍ ... إلاّ تجشّؤكم حول التنانير)
على أَن لَا إِذا تقدمها همزَة الِاسْتِفْهَام تعْمل كعملها مُجَرّدَة مِنْهَا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أنّ لَا فِي الِاسْتِفْهَام تعْمل فِيهَا بعْدهَا كَمَا تعْمل فِيهِ إِذا كَانَت فِي الْخَبَر فَمن ذَلِك قَوْله: أَلا طعان. . الْبَيْت.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي المعني أَلا تَأتي للتوبيخ وَالْإِنْكَار كَقَوْلِه: أَلا طعان أَلا فرسَان ... الْبَيْت
(4/69)

وللتمني كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(أَلا عمر ولّى مستطاعٌ رُجُوعه ... فيرأب مَا أثأت يَد الغفلات)
وَلِهَذَا نصب يرأب لأنّه جَوَاب تمنّ مقرون بِالْفَاءِ. وللاستفهام عَن النَّفْي كَقَوْلِه: الْبَسِيط
أَلا اصطبار لسلمى أم لَهَا جلدٌ وَفِي هَذَا الْبَيْت ردٌّ على من أنكر وجود هَذَا الْقسم وَهُوَ الشّلوبين. وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة مختصّة بِالدُّخُولِ على الْجُمْلَة الاسميّة وتعمل عمل لَا التبرئة وَلَكِن تختصّ الَّتِي للتمنّي بِأَنَّهَا لَا خبر لَهَا لفظا وَلَا تَقْديرا بِأَنَّهَا لَا يجوز مُرَاعَاة محلّها مَعَ اسْمهَا وبأنّها لَا يجوز إلغاؤها وَلَو تَكَرَّرت.
أمّا الأوّل فلأنّها بِمَعْنى أتمنّى وأتمنّى لَا خبر لَهُ وأمّا الأخيران فلأنّهما بِمَنْزِلَة لَيْت. وَهَذَا كلّه قَول سِيبَوَيْهٍ وَمن وَافقه اه. بِاخْتِصَار.
وَزعم الزجاجيّ فِي الْجمل أنّ أَلا فِي هَذَا الْبَيْت للتمنّي. وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْبَيْت من الهجو وَلَو كَانَ تمنّياً لما كَانَ ذمّاً.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه هجا بهَا بني الْحَارِث بن كَعْب المذحجيّ جعلهم أهل أكل وَشرب لَا أهل غَارة وَحرب يَقُول: لَا خيل تَعدونَ بهَا على الأقران وَلَا طعان لكم فِي نحور الشّجعان إلاّ الْأكل والجشاء عِنْد التنانير فَلَيْسَ لكم رغبةٌ فِي طلب الْمَعَالِي وإنّما فعلكم فعل الْبَهَائِم.
كَمَا قَالَ الآخر:
(4/70)

الْكَامِل
(إنّي رَأَيْت من المكارم حسبكم ... أَن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا))
(فَإِذا تذوكرت المكارم مرّةً ... فِي مجْلِس أَنْتُم فتقنّعوا)
وَزعم اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل أنّ الِاسْتِفْهَام هُنَا للتقرير قَالَ: قرّرهم على مَا علم من أَمرهم. فَيكون الْمُقَرّر النَّفْي وَمَا بعده. وطعان: مصدر طَاعن بالرّمح. والفرسان: جمع فَارس. وعَادِية بِالْمُهْمَلَةِ وَالنّصب: صفة لفرسان وَقيل حَال مِنْهُ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لكم وَهُوَ من عدا عَلَيْهِ بِمَعْنى اعْتدى والمصدر الْعدوان. وَالْعرب تتمدّح بِهِ بِاعْتِبَار مَا يلْزمه من الشجَاعَة. وَقيل: هُوَ من الْعَدو أَي: الجري وَقيل هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ من الغدوّ وَهُوَ التبكير لأنّ الْعَرَب تبكر للغارة وَالْحَرب. قَالَ النحّاس: وَعند أبي الْحسن الأول هُوَ الْأَحْسَن لأنّ العادية تكون بِالْغَدَاةِ وَغَيرهَا. وَرُوِيَ بِالرَّفْع على الرِّوَايَتَيْنِ على أنّه صفة لفرسان على الْموضع وَقيل خبر.
وَقَوله: إلاّ تجشّؤكم بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع قيل: وَيجوز رَفعه على الْبَدَل من مَوضِع أَلا طعان على لُغَة تَمِيم. قَالَ النحّاس: هَذَا غلط وَالصَّوَاب عِنْد أبي الْحسن النصب. والتجشّؤ: خُرُوج نفسٍ من الْفَم ينشأ من امتلاء الْمعدة يُقَال: تجشّأ تجشّؤاً وتجشئة مَهْمُوز وَالِاسْم الجشاء بِضَم الْجِيم وَفتح الشين. قَالَ الأصمعيّ: وَيُقَال الجشاء على فعال كأنّه من بَاب العطاس والسعال.
قَالَ اللّخميّ: وَرُوِيَ: إلاّ تحشؤكم بِالْحَاء الْمُهْملَة مَأْخُوذ من المحشأ وَهُوَ الكساء الغليظ الَّذِي والمحشأ على
(4/71)

وزن مفعل وَالْجمع المحاشئ بِالْهَمْز على وزن مفاعل. والتّنانير: جمع تنّور وَهُوَ مَا يخبز فِيهِ الْخبز.
والأبيات هَذِه برمتّها: الْبَسِيط
(حَار بن كعبٍ أَلا أَحْلَام تزجركم ... عنّا وَأَنْتُم من الْجوف الجماخير)
(لَا عيب بالقوم من طولٍ وَلَا عظمٍ ... جسم البغال وأحلام العصافير)
(كأنّهم قصبٌ جوفٌ مكاسره ... مثقّب فِيهِ أَرْوَاح الأعاصير)
(دعوا التّخاجؤ وامشوا مشْيَة سجحا ... إنّ الرِّجَال أولو عصبٍ وتذكير)
(لَا ينفع الطّول من نوك الْقُلُوب وَلَا ... يهدي الْإِلَه سَبِيل المعشر البور)
(إنّي سأنصر عرضي من سراتكم ... إنّ الحماس نسيٌّ غير مَذْكُور)
(ألفى أَبَاهُ وألفى جدّه حبسا ... بمعزلٍ عَن معالي الْمجد وَالْخَيْر))
أَلا طعان أَلا فرسَان عاديةٍ ... ... ... ... . الْبَيْت كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل لِابْنِ السَّيِّد وَغَيره من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب لديوان حسّان.
وَقَوله: حَار بن كَعْب هُوَ مرخّم حَارِث وَبِه اسْتشْهد الزّجاجيّ فِي جمله. والأحلام: الْعُقُول جمع حلم بِالْكَسْرِ. والْجوف بِضَم الْجِيم: جمع أجوف وَهُوَ الْخَالِي الْجوف. والجماخير: جمع جمخور بِضَم الْجِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا مِيم سَاكِنة هُوَ الْعَظِيم الْجِسْم الخوّار.
وَقَوله: لَا عيب
(4/72)

بالقوم رُوِيَ أَيْضا: لَا بَأْس بالقوم. يُرِيد أنّ أجسامهم لَا تعاب وَهِي طَوِيلَة عَظِيمَة ولكنّها كأجسام البغال لَا عقول لَهَا. هَكَذَا رَوَاهُ النَّاس وَرَوَاهُ الزمخشريّ: جسم الْجمال وأحلام الخ عِنْد قَوْله تَعَالَى: حَتَّى يلج الْجمل فِي سمّ الْخياط على أنّ الْجمل مثلٌ فِي عظم الجرم وَهَذَا مثل قَول بَعضهم: الوافر
(وَقد عظم الْبَعِير بِغَيْر لبٍّ ... فَلم يسْتَغْن بالعظم الْبَعِير)
وَقَالَ آخر: الطَّوِيل
(فأحلامهم حلم العصافير دقةً ... وأجسامهم جسم الجمائل أَو أجفى)
وَهَذَانِ البيتان أوردهما سِيبَوَيْهٍ على رفع الْجِسْم والأحلام على إِضْمَار مُبْتَدأ لما أَرَادَ من تَفْسِير أَحْوَالهم دون الْقَصْد إِلَى الذَّم.
وَالتَّقْدِير أجسامهم أجسام البغال وأحلامهم أَحْلَام العصافير: عظما وحقارة. وَيجوز أَن يُرِيد لَا أَحْلَام لَهُم كَمَا أنّ العصفور لَا حلم لَهُ وَلَو قصد بِهِ الذمّ فنصبه بإضمار فعل لجَاز.
قَالَ ابْن خلف: ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الشّعْر بعد أَبْيَات أنشدها وَذكر فِيهَا أَسمَاء قد نصبت على وَقَوله: وَلم يرد أَن يَجعله شتماً يُرِيد أنّه لم يَجعله شتماً من طَرِيق اللَّفْظ إنّما هُوَ شتمٌ من طَرِيق الْمَعْنى وَهُوَ أغْلظ من كثير من الشتم. وأفرد الْجِسْم وَهُوَ يُرِيد الْجمع ضَرُورَة كَقَوْلِه: الرجز فِي حلقكم عظمٌ وَقد شجينا
(4/73)

وَقَوله: كَأَنَّهُمْ قصب الخ هُوَ جمع قَصَبَة والْجوف جمع أجوف كَمَا مرّ. ومكاسره مُبْتَدأ جمع مكسر أَي: محلّ الْكسر ومثقب خَبره والْأَرْوَاح: جمع ريح. والتخاجؤ بعد الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة خاء مُعْجمَة وَبعدهَا جِيم بعْدهَا همزَة هُوَ مشي فِيهِ تبختر. والمشية السّجح)
بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم بعْدهَا حاء مُهْملَة: السّهلة الْحَسَنَة. وأولو عصب: أَصْحَاب شدّة خلق يُقَال: رجل معصوب الْخلق أَي: مدمجه. والتذكير: كَونهم على خلقَة الذُّكُور. والنّوك بِضَم النُّون: الحماقة. والبور: جمع بائر وَهُوَ الْهَالِك. والحماس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا مِيم فرقة من بني الْحَارِث بن كَعْب. والنّسيّ: المنسيّ الخامل الذّكر.
وَقَوله: حبسا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْحَبْس. والْمجد: الشّرف. والْخَيْر بِكَسْر الْمُعْجَمَة: الْكَرم.
وَسبب هجو حسّان بني الْحَارِث أنّ النّجاشيّ وَهُوَ من رَهْط الْحَارِث بن كَعْب هجا بني
(لَسْتُم بني النّجّار أكفاء مثلنَا ... فأبعد بكم عنّا هُنَالك أبعد)
(فَإِن شِئْتُم نافرتكم عَن أبيكم ... إِلَى من أردتم من تهامٍ ومنجد)
قَالَ السّكريّ فِي ديوَان حسّان: ذكرُوا أنّ الْأَنْصَار اجْتَمعُوا فِي مجْلِس فتذاكروا هجاء النّجاشيّ إيّاهم فَقَالُوا: من لَهُ فَقَالَ الْحَارِث بن معَاذ بن عفراء: حسّان لَهُ.
فأعظم ذَلِك الْقَوْم فتوجّه نَحوه وَالْقَوْم كلّهم معظمٌ لذَلِك فلمّا دخل عَلَيْهِ كلّمه فَقَالَ: أَيْن أَنْتُم هم ابْني عبد الرَّحْمَن قَالَ: إيّاك أردنَا قد قاوله عبد الرَّحْمَن فَلم يصنع شَيْئا. فَوَثَبَ وَقَالَ: كن وَرَاء
(4/74)

الْبَاب واحفظ مَا ألقِي. فضربته زافرة الْبَاب فشجتّه على حَاجِبه فَقَالَ: بِسم الله ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اخلف فيّ رَسُولك الْيَوْم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ الْحَارِث: فَعرفت حِين قَالَهَا ليغلبنّه. فَدخل وَهُوَ يَقُول: الْكَامِل
(أبني الحماس أَلَيْسَ مِنْكُم ماجدٌ ... إنّ الْمُرُوءَة فِي الحماس قَلِيل)
(يَا ويل أمّكم وويل أبيكم ... ويلاً تردّد فِيكُم وعويل)
إِلَى أَن قَالَ: فاللؤم حلّ على الحماس فَمَا لَهُم كهلٌ يسود وَلَا فَتى بهْلُول ثمَّ مكث طَويلا فِي الْبَاب يَقُول: وَالله مَا بلغت مَا أُرِيد. ثمَّ ألْقى عليّ: حَار بن كعبٍ أَلا أَحْلَام ثمَّ قَالَ لِلْحَارِثِ: اُكْتُبْهَا صكوكا فَأَلْقِهَا إِلَى غلْمَان الكتّاب قَالَ الْحَارِث: فَفعلت فَمَا مرّ بِنَا بضع وَخَمْسُونَ لَيْلَة حتّى طرقت بَنو عبد المدان حسّان بالنّجاشيّ موثقًا فَقَالَ حسّان لبنته: نَادِي بِأَبْيَات أَطَم حسّان ليأتيك قَوْمك فيحضروا. فَلم يبْق أحدٌ إلاّ جَاءَ وَمَعَهُ السّلاح.
فَلَمَّا اجْتمع النّاس وضع لَهُ مِنْبَر وَنزل وَفِي يَده مخصرة فَقَامَ عبد الله بن عبد المدان فَقَالَ: يَا)
ابْن الفريعة جئْنَاك بِابْن أَخِيك فاحكم فِيهِ بِرَأْيِك فَأتى بالنّجاشيّ فأجلس بَين يَدَيْهِ وَاعْتذر الْقَوْم فَقَالَ حسّان لابنته: هَاتِي البقيّة
(4/75)

الَّتِي بقيت من جَائِزَة مُعَاوِيَة. فَأَتَتْهُ بِمِائَة دِينَار إلاّ دينارين فَقَالَ: دُونك هَذِه يَا ابْن أخي. وَحمله على بغلةٍ لعبد الرَّحْمَن فَقَالَ لَهُ ابْن الديّان: كنّا نفتخر على النّاس بالعظم والطّول فأفسدته علينا. قَالَ: كلاّ أَلَيْسَ أَنا الَّذِي أَقُول: الوافر
(وَقد كنّا نقُول إِذا رَأينَا ... لذِي جسمٍ يعدّ وَذي بَيَان)
(كَأَنَّك أيّها الْمُعْطى بَيَانا ... وجسماً من بني عبد المدان)
انْتهى مَا أوردهُ السكّريّ.
وَعبد المدان: هُوَ ابْن الديّان بن قطن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن مَالك بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو بن عِلّة بِضَم الْمُهْملَة وخفّة اللَّام
ابْن جلد بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام ابْن مَالك بن أدد.
وترجمة حسّان بن ثَابت تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ. والنَّجَاشِيّ اسْمه قيس بن عَمْرو من رَهْط الْحَارِث بن كَعْب وَكَانَ فِيمَا رُوِيَ ضَعِيف الدَّين: ذكر أَنه شرب الْخمر فِي رَمَضَان وَثَبت خَبره عِنْد عليّ عَلَيْهِ السَّلَام فجلده مائَة سوطٍ فلمّا رَآهُ قد زَاد على الثَّمَانِينَ صَاح بِهِ: مَا هَذِه العلاوة يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لجراءتك على الله فِي رَمَضَان.
قَالَ ابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: رُوِيَ أنّه لما هاجى
(4/76)

النّجاشيّ عبد الرَّحْمَن بن حسّان أَعَانَهُ أَبوهُ بالشعر الْمَذْكُور.
وَرُوِيَ من طَرِيق أُخْرَى أنّه لما مَضَت مدّة لمهاجاة عبد الرَّحْمَن بن حسان للنّجاشيّ علم بذلك أَبوهُ حسّان فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الرَّحْمَن أَرِنِي مَا جرى بَيْنك وَبَين الْحَارِثِيّ. فأنشده لنَفسِهِ وللحارثيّ فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الرَّحْمَن إنّي أرَاهُ قد أكلك فَهَل تحبّ أَن أعينك قَالَ: نعم يَا أَبَت. فَقَالَ حسّان الأبيات الْمَذْكُورَة.
ثمَّ ذكر بقيّة القصّة من كتاف النّجاشيّ وعفو حسّان عَنهُ. وَالله أعلم أيّ ذَلِك كَانَ. تَتِمَّة كَون الْبَيْت الشَّاهِد لحسّان هُوَ مَا رَوَاهُ السكّريّ وَغَيره من جملَة الأبيات الْمَذْكُورَة إلاّ ابْن السيرفيّ والزّمخشريّ فإنّه رَوَاهُ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ من قصيدة لخداش بن زُهَيْر يُخَاطب بهَا)
بعض بني تَمِيم من أجل مسابقةٍ كَانَت بَينهم وَبَين كرز ابْن ربيعَة وَهُوَ من رَهْط خِدَاش وأوّل القصيدة: الْبَسِيط
(أبلغ أَبَا كنف إمّا عرضت لَهُ ... والأبجرين ووهباً وَابْن مَنْظُور)
(أَلا طعان أَلا فرسَان عاديةٍ ... إلاّ تجشّؤكم حول التنانير)
(ثمَّ احضرونا إِذا مَا احمر أَعيننَا ... فِي كلّ يَوْم يزِيل الْهَام مَذْكُور)
(تلقوا فوارس لَا ميلًا وَلَا عزلا ... وَلَا هلابيج روّاثين فِي الدّور)
(تلقوا أسيداً وعمراً وَابْن عمّهما ... وَرْقَاء فِي النّفر الشّعث المغاوير)
(4/77)

.
(من آل كرز غَدَاة الروّع قد عرفُوا ... عِنْد الْقِتَال إِلَى ركنٍ ومحبور)
(يحدون أقرانهم فِي كلّ معتركٍ ... طَعنا وَضَربا كشقٍّ بالمناشير)
وَهِي قصيدة تزيد على عشْرين بَيْتا أوردهَا أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ فِي فرحة الأديب وَقَالَ: كَانَ من قصّة هَذَا الشّعْر أنّ أوّل مَا هاج بَين قُرَيْش وَبَين بني عَامر ابْن صعصعة أَن كرز بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة رَاهن أسيداً وعمراً وَعبد الله بني العرقة من بني تيم بن غَالب وهم تيمٌ الأدرم على فرسٍ لَهُم يُقَال لَهُ الْبَرْق والسّبق ثَلَاثُونَ نَاقَة.
وَجعلُوا المدى والمضمار إِلَى كرز فَجعل المدى مَا بَين السّجسج إِلَى ذَات الفلج وَحمل كرز على فرسه المجالد بن زُهَيْر بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر فجَاء سَابِقًا وَهلك الْبَرْق فَأخذ السّبق وَنَاشَدُوهُ فِي ردّه فَأبى فلبثوا قَرِيبا من سنتَيْن ثمَّ ركب بَنو العرقة فَلَقوا أسيد بن مَالك وَعَمْرو بن مَالك وَعُثْمَان بن أسيد من بني
عَامر بن ربيعَة بِأَسْفَل العقيق فِي إبل لَهُم فِيهَا بكرَة يُقَال لَهَا الْعِنَب عشراء فطردوا الْإِبِل فَاسْتَقْبلهَا عُثْمَان بن أسيد ينفر بِثَوْبِهِ وَبعث أمة نَحْو أَبِيه وَعَمه مغوثاً فَركب أَبوهُ فرسا كَبِيرَة وَركب
(4/78)

عمّه بنتهَا فرسا صعبة.
فلمّا لحق بالقوم قَالَ عَمْرو بن مَالك: أعلمونا من أَنْتُم قَالُوا: قُرَيْش قَالُوا: وأيّهم قَالُوا: بَنو العرقة. قَالُوا: فَهَل كَانَ منا حدث قَالُوا: لَا إلاّ يَوْم الْبَرْق فَقَالَ لَهُم: احْبِسُوا الْعِنَب احْبِسُوا الْعِنَب احْبِسُوا اللّقحة لقحة من لَا يغدر فَقَالَ لَهُم عَمْرو: لَا وَالله لَا ترْضع مِنْهَا قادماً وَلَا آخرا قَالَ: إنّا لَا نرضع الْإِبِل وَلَكِن نحتلبها.
وَحمل عَلَيْهِ فَقتله وَحمل أسيد بن مَالك على أسيد بن العرقة فَقتله فَقَالَ فِي ذَلِك: الرجز
(إنّي كَذَاك اضْرِب الكميّ ... وَلم يكن يشقى بِي السّميّ))
فَذَلِك يَوْم الْعِنَب.
وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر فِي ذَلِك: المتقارب
(كَذَاك الزّمان وتصريفه ... وَتلك فوارس يَوْم الْعِنَب)
ثمَّ وَقع بَينهم بعد ذَلِك التغاور والقتال فَقَالَ فِي ذَلِك خِدَاش بن زُهَيْر القصيدة الَّتِي مِنْهَا: أَلا طعان أَلا فرسَان عَادِية الْبَيْت
وخداش بن زُهَيْر شَاعِر جاهليّ وَقيل مخضرم كَمَا يَأْتِي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
(4/79)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(أَلا سَبِيل إِلَى خمر فأشربها ... أم لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج)
على أَن أَلا فِيهِ لِلتَّمَنِّي. وَلِهَذَا سمّيت قائلة هَذَا الْبَيْت المتمنّية وَضرب بهَا الْمثل فَقيل: أصبّ من المتمنية وَضرب بِهِ الْمثل أَيْضا فَقيل أدنف من المتمني كَمَا يَجِيء شَرحه.
قَالَ ابْن برّيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح للفارسي: وَقَبله:
(يَا لَيْت شعري عَن نَفسِي أزاهقةٌ ... منّي وَلم أقض مَا فِيهَا من الْحَاج)
وأنشده الفارسيّ على أَن خبر لَيْت مَحْذُوف. قَالَ ابْن برّيّ: وَالْبَيْت لفريعة بنت همّام وتعرف بالذلفاء وَهِي أمّ الحجّاج. انْتهى.
وَقَالَ حَمْزَة الأصبهانيّ فِي الدّرّة الفاخرة: وَأما قَوْلهم أصبّ من المتمنية فإنّ هَذَا الْمثل من أَمْثَال أهل الْمَدِينَة سَار فِي صدر الْإِسْلَام. والمتمنية: امْرَأَة مَدِينَة عشقت فَتى من بني سليم يُقَال لَهُ نصر بن الحجّاج بن علاط وَكَانَ أحسن أهل زَمَانه صُورَة فضنيت من أَجله ودنفت
فَقَالَ أَحْمد بن أعنم فِي الْفتُوح كَانَ السَّبَب فِي ذَلِك: أنّ امْرَأَة من أهل الْمَدِينَة يُقَال لَهَا الذّلفاء هويت نصر بن الحجّاج فَأرْسلت إِلَيْهِ ودعته إِلَى نَفسهَا فزجرها وَلم يُوَافِقهَا فَبينا عمر
(4/80)

ذَات لَيْلَة يعسّ فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة إِذْ سمع نشيد شعرٍ من دَار فَوقف يسمع فَإِذا الذّلفاء تَقول: أَلا سَبِيل إِلَى خمر فأشربها الْبَيْت فَلَمَّا سمع عمر الشّعْر أَمر الذلفاء فأخرجت من منزلهَا فحسبها فَعلمت الذّلفاء أنّه قد سَمعهَا)
وَهِي تنشد الشّعْر فَكَأَنَّهَا أنفت على نَفسهَا أَن يُعَاقِبهَا فَكتبت إِلَيْهِ: قل للْإِمَام الَّذِي تخشى بوادره الأبيات الْآتِيَة فَلَمَّا نظر عمر فِي الأبيات أطلقها من الْحَبْس وَأرْسل إِلَى نصر فحلق جمّته ونفاه إِلَى الْبَصْرَة.
قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ: قَالَ النسّابون: هَذِه المتمنية هِيَ الفريعة بنت همّام أم الحجّاج بن يُوسُف الثّقفيّ وَكَانَت حِين عشقت نصرا تَحت الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث رَوَوْهُ وَهُوَ أنّ الحجّاج حضر مجْلِس عبد الْملك يَوْمًا وَعُرْوَة بن الزّبير يحدّثه وَيَقُول: قَالَ أَبُو بكر كَذَا وَسمعت أَبَا بكر يَقُول كَذَا يَعْنِي أَخَاهُ عبد الله بن الزّبير فَقَالَ لَهُ الحجّاج: عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ تكنّي أَخَاك الْمُنَافِق لَا أمّ لَك فَقَالَ لَهُ عُرْوَة: يَا ابْن المتمنية أَلِي تَقول لَا أمّ لَك وَأَنا ابْن إِحْدَى عَجَائِز الجنّة: صفيّة
(4/81)

كَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ابْن المتمنية هُوَ الحجّاج بن يُوسُف الثّقفيّ من قَول أمّه: أَلا سَبِيل إِلَى خمرٍ فاشربها ... ... ... ... . الْبَيْت
وَقد ذكر خَبَرهَا مَعَ نصر جماعةٌ مِنْهُم الجاحظ فِي كتاب المحاسن والمساوي وَأَبُو الْقَاسِم الزجاجيّ فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَأَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي فِي كتاب المغرّبين وَحَمْزَة الأصبهانيّ فِي أَمْثَاله والسهيليّ فِي الرّوض الْأنف وَإِسْمَاعِيل بن هبة الله الموصليّ فِي كتاب غَايَة السّائل إِلَى معرفَة الْأَوَائِل وَقد جمعت بَين مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَبَين مَا انفردوا بِهِ. وَقَالُوا: أوّل من عسّ باللّيل فِي الْإِسْلَام عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَبينا يعسّ لَيْلَة سمع امْرَأَة تَقول:
(أَلا سَبِيل إِلَى خمرٍ فأشربها ... أم لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج)
(إِلَى فَتى ماجد الْأَخْلَاق ذِي كرمٍ ... سهل المحيّا كريمٍ غير فجفاج)
كَذَا رَوَاهُمَا الجاحظ. وَرُوِيَ الْمَدَائِنِي الْبَيْت الثَّانِي مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين لرجل من ولد الحجّاج بن علاط وهما:
(تنمية أعراق صدق حِين تنسبه ... ذِي نجداتٍ عَن المكروب فرّاج)
...
(4/82)

(سامي النّواظر من بهزٍ لَهُ كرمٌ ... تضيء سنته فِي الحالك الدّاجي)
(إِلَى فَتى ماجد الأعراق مقتبلٍ ... تضيء صورته فِي الحالك الدّاجي)
(نعم الْفَتى فِي سَواد اللّيل نصرته ... ليائس أَو لملهوفٍ ومحتاج))
وَزَاد المدائنيّ:
(يَا منية لم أرب فِيهَا بضائرةٍ ... والنّاس من صَادِق فِيهَا وَمن داجي)
ثمَّ قَالَ: وَقَالَ قومٌ: هَذَا الشّعْر مَصْنُوع إلاّ الْبَيْت الأول.
فَقَالَ عمر: من هَذِه المتمنية فلزمها هَذَا الِاسْم واستلبه نسَاء الْمَدِينَة فضربن بِهِ الْمثل وقلن: أصب من المتمنية.
وَقَالَ الزجاجيّ: د لما أنشدت: أَلا سَبِيل إِلَى خمر فاشربها ... ... ... ... الْبَيْت قَالَت لَهَا امْرَأَة مَعهَا: من نصر بن حجّاج قَالَت: رجلٌ وددت أنّه معي فِي ليلةٍ من ليَالِي الخريف فِي اطول لَيْلَة من ليَالِي الشتَاء وَلَيْسَ مَعنا أحد فَدَعَا بهَا عمر فضربها بالدّرة ضرباتٍ ثمَّ سَأَلَ عَنْهَا فَلم يخبر عَنْهَا إلاّ بِخَير
(4/83)

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أرسل إِلَى نصر بن حجّاج فَأحْضرهُ وَله شَعْرَة فَقَالَ: إنّه ليتمثّل بك ويغني بك وَأمر بشعرته فحلقت ثمَّ رَاح إلأيه بالعشيّ فَرَآهُ فِي الحلاق أحسن مِنْهُ الشّعر فَقَالَ: لَا تساكنّي فِي بَلْدَة فاختر أيّ الْبلدَانِ شِئْت فَكتبت الْمَرْأَة إِلَى عمر: الْبَسِيط
(قل للْإِمَام الَّذِي تخشى بوادره ... مَالِي وللخمّر أَو نصر بن حجّاج)
(إنّي عنيت أَبَا حَفْص بِغَيْرِهِمَا ... شرب الحليب وطرف قَاصِر ساجي)
(لَا تجْعَل الظّنّ حقّاً أَو تيقّنه ... إِنَّا السَّبِيل سَبِيل الْخَائِف الرّاجي)
(إِن الْهوى زمه التَّقْوَى فخّيسه ... حتّى أقرّ بإلجام وإسراج)
فَبعث إِلَيْهَا عمر: لم يبلغنَا عَنْك إلاّ خير
وَقَالَ حَمْزَة: فَلَمَّا أصبح عمر أحضر المتمنى فَلَمَّا رَآهُ بهره جماله فَقَالَ لَهُ: أَنْت تتمنّاك الغانيات فِي خدورهنّ لَا أمّ لَك أما وَالله لأزيلنّ عَنْك الْجمال ثمَّ دَعَا بحجّام فحلق جمّته ثمَّ تأمّله فَقَالَ: أَنْت محلوقاً أحسن فَقَالَ: وأيّ ذَنْب لي فِي ذَلِك فَقَالَ: صدقت الذَّنب لي إِذا تركتك فِي دَار الْهِجْرَة.
ثمَّ أركبه جملا وسيرّه إِلَى الْبَصْرَة وَكتب بِهِ إِلَى مجاشع بن مَسْعُود السّلميّ: بأنّي قد سيّرت المتمنى نصر بن حجّاج السّلميّ إِلَى الْبَصْرَة.)
وكما قَالُوا بِالْمَدِينَةِ: أصبّ من المتمنية قَالُوا بِالْبَصْرَةِ: أدنف من المتمنى
(4/84)

وَذَلِكَ أَن نصر بن حجّاج لما ورد الْبَصْرَة أَخذ النّاس يسْأَلُون عَنهُ وَيَقُولُونَ: أَيْن المتمنى الَّذِي سيّره عمر فغلب هَذَا الِاسْم عَلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ كَمَا غلب ذَلِك الِاسْم على عاشقته بِالْمَدِينَةِ.
وَمن حَدِيث هَذَا الْمثل الثَّانِي: أنّ نصرا لما نزل الْبَصْرَة أنزلهُ مجاشع بن مَسْعُود منزله من أجل قرَابَته وأخدمه امْرَأَته شميلة وَكَانَت أجمل امرأةٍ بِالْبَصْرَةِ فعلقته وعلقها وخفي على كلّ وَاحِد مِنْهُمَا خبر الآخر لملازمة مجاشع لضيفه وَكَانَ مجاشعٌ أميّاً ونصرٌ وشميلة كاتبين فعيل صَبر نصر فَكتب على الأَرْض بِحَضْرَة مجاشع: إنّي أحببتك حبّاً لَو كَانَ فَوْقك لأظلّك أَو تَحْتك لأقلك. فَوَقَعت تَحْتَهُ غير محتشمة: وَأَنا كَذَلِك. فَقَالَ مجاشع لَهَا: مَا الَّذِي كتب فَقَالَت: كتب كم تحلب ناقتكم. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي كتبت قَالَت: كتبت وَأَنا. فَقَالَ مجاشع: مَا هَذَا لهَذَا بطبق فَقَالَت: أصدقك إنّه كتب كم تغلّ أَرْضكُم. فَقَالَ مجاشع مَا بَين كَلَامه وجوابك هَذَا أَيْضا قرَابَة ثمَّ كفأ على الْكِتَابَة جَفْنَة ودعا بِغُلَام من الكتّاب فقرأه عَلَيْهِ فَالْتَفت إِلَى نصر فَقَالَ: يَا ابْن عمّ مَا سيّرك عمر إِلَى خير قُم فإنّ وَرَاءَك أوسع لَك. فَنَهَضَ مستحيياً وَعدل إِلَى منزل بعض السّلمييّن وَوَقع لجنبه وضني
من حبّ شميلة ودنف حتّى صَار رَحْمَة وانتشر خَبره فَضرب نسَاء الْبَصْرَة بِهِ الْمثل فَقُلْنَ: أدنف من
(4/85)

المتمنّى.
ثمَّ إنّ مجاشعاً وقف على خبر علّة نصر فَدخل عَلَيْهِ عَائِدًا فلحقته رقّة لما رأى بِهِ من الدّنف فَرجع إِلَى بَيته وَقَالَ لشميلة: عزمت عَلَيْك لّما أخذت خبْزًا فلبكته بِسمن ثمّ بادرت بِهِ إِلَى نصر.
فبادرت بِهِ إِلَيْهِ فَلم يكن بِهِ نهوض فضمّته إِلَى صدرها وَجعلت تلقمه بِيَدِهَا فَعَادَت قواه وبرأ كَأَن لم تكن بِهِ قلبه فَقَالَ بعض عوّاده: قَاتل الله الْأَعْشَى حَيْثُ قَالَ: السَّرِيع
(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)
فلمّا فارقته عاوده النّكس وَلم يزل يتردّد فِي علّته حتّى مَاتَ مِنْهَا. كَذَا قَالَ حَمْزَة وَصَاحب الْأَوَائِل.
وَقَالَ المدائنيّ: إِن عمر لما أخرج نصرا من الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة قَالَ نصر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمهم أنّك إنّما أخرجتني لهَذَا الشّعر لَا لغيره.
وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَن نصرا لما أَتَى الْبَصْرَة دخل مجاشع بن مَسْعُود عَائِدًا لَهُ وَعِنْده شميلة بنت جُنَادَة بن أبي أزيهر فَجرى بَينهمَا كلامٌ وَلم يفهم مِنْهُ مجاشع إلاّ كلمة وَاحِدَة من نصر: قَالَ: وَأَنا.)
فَلَمَّا خرج نصرٌ قَالَ لَهَا: مَا قَالَ لَك قَالَت: قَالَ لي: كم لبن ناقتكم هَذِه فَأَخْبَرته قَالَ: مَا هَذَا جَوَاب كَلَامه وَأرْسل إِلَى نصر فَسَأَلَهُ وَأعظم عَلَيْهِ فَقَالَ: قَالَت لي إنّي أحبّك حبّاً شَدِيدا لَو كَانَ فَوْقك لأظلّك وَلَو كَانَ تَحْتك لأقلّك فَقلت: وَأَنا. قَالَ: فَأنْزل لَك عَنْهَا قَالَ: أذكّرك الله أَن يبلغ هَذَا مَعَ مَا فعل
بِي وَأما حَدِيث العامّة فَيَقُولُونَ: كتبت لَهُ فِي الأَرْض هَذَا الْكَلَام فَقَالَ
(4/86)

: وأمّا الزّجّاج فإنّه قَالَ بعد مَا قَرَأَ خطّها: ثمَّ الْتفت إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أخي إِن يكن الطّلاق ثَلَاثًا فَهِيَ طالقٌ ألفا فَقَالَ: وَهِي طالقٌ إِن جمعني وإيّاها بيتٌ أبدا ثمّ ارتحل إِلَى فَارس.
وَقَالَ فِي امْرَأَة مجاشع: كَانَت امْرَأَته يُقَال لَهَا خضراء بني سليم وَكَانَت من أجمل النِّسَاء. وَهِي أوّل من لبس الشّفوف.
وَحكى السّهيليّ فِي الرَّوْض الْأنف هَذِه الْحِكَايَة على خلاف مَا تقدّم قَالَ: الحجّاج بن علاط وَهُوَ وَالِد نصر الَّذِي حلق عمر رَأسه ونفاه من الْمَدِينَة فَأتى الشَّام فَنزل على أبي الْأَعْوَر السّلميّ فهويته امْرَأَته وهويها وفطن أَبُو الْأَعْوَر لذَلِك بسببٍ يطول ذكره فابتنى لَهُ قبّة فِي أقْصَى الحيّ فَكَانَ بهَا فاشتدّ ضناه بِالْمَرْأَةِ حتّى مَاتَ كلفاً بهَا وسميّ المضنى وَضربت بِهِ الْأَمْثَال.
وَذكر الأصبهانيّ فِي كتاب الْأَمْثَال لَهُ خَبره بِطُولِهِ. انْتهى.
قَالَ المدائنيّ وَصَاحب الْأَوَائِل: وَبعد أَن أَقَامَ نصرٌ بِالْبَصْرَةِ حولا كتب إِلَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الطَّوِيل
(لعمري لَئِن سيّرتني أَو حرمتني ... وَمَا نلْت ذَنبا إنّ ذَا لحرام)
(وَمَالِي ذنبٌ غير ظنٍّ ظننته ... وَفِي بعض تَصْدِيق الظّنون أثام)
(ظَنَنْت بِي الظّنّ الَّذِي لَيْسَ بعده ... بقاءٌ وَمَالِي فِي النّديّ كَلَام)
(وأصبحت منفيّاً على غير ريبةٍ ... وَقد كَانَ لي بالمكّتين مقَام)
(ويمنعني ممّا تظنّ تكرّمي ... وآباء صدقٍ سالفون كرام)
...
(4/87)

(ويمنعها ممّا تمنّت صَلَاحهَا ... وَطول قيامٍ لَيْلهَا وَصِيَام)
(فهاتان حالانا فَهَل أَنْت راجعي ... وَقد جبّ منّي كاهلٌ وسنام)
قَالَ الجاحظ: ردّه عمر بعد هَذِه الأبيات لما وصف لَهُ من عفّته.
وَقَالَ صَاحب الْأَوَائِل: فَلَمَّا وصلت الأبيات إِلَى عمر وَنظر فِيهَا كتب إِلَى أبي مُوسَى الأشعريّ)
وَأمره بالوصاة بِهِ إِن أحبّ أَن يُقيم بِالْبَصْرَةِ وَإِن أحبّ الرّجوع إِلَى الْمَدِينَة فَذَاك إِلَيْهِ. قَالَ: فَاخْتَارَ الْفَتى الْمقَام بِالْبَصْرَةِ فَلم يزل مُقيما بهَا إِلَى أَن خرج أَبُو مُوسَى إِلَى محاربة أهل الأهواز فَخرج مَعَه نصر بن حجّاج فِي الْجَيْش وَحضر مَعَه فتح تستر. انْتهى.
وروى الزجّاجيّ فِي أَمَالِيهِ أَن نصرا أرسل هَذِه الأبيات إِلَى عمر حِين نَفَاهُ إِلَى الْبَصْرَة فَبعث إِلَيْهِ عمر: أَن لَا رَجْعَة. فارتحل إِلَى الْبَصْرَة فَنزل على مجاشع إِلَى آخر الْحِكَايَة.
هَذَا مَا طلّعت عَلَيْهِ وَلَا يخفى مَا فِيهِ من جَمِيع الْجِهَات حَتَّى فِي الْبَيْت الشَّاهِد فَالرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة هِيَ رِوَايَة الجاحظ وَحَمْزَة الأصبهانيّ والسّهيليّ.
(هَل من سبيلٍ إِلَى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيلٍ إِلَى نصر بن حجّاج)
وروى صَاحب الْأَوَائِل:
(هَل من سبيلٍ إِلَى خمر فأشربها ... أم هَل سبيلٌ إِلَى نصر بن حجّاج)
(4/88)

وَهَاتَانِ الرّوايتان لَا يناسبان تَسْمِيَة الْمَرْأَة بالمتمنّية وَتَسْمِيَة نصر بالمتمنّى. وروى الزّجاجيّ المصراع هَكَذَا: أم هَل سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج وَرَوَاهُ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي إِيضَاح الشّعْر عَن أبي عُبَيْدَة: أَو لَا سَبِيل إِلَى نصر بن حجّاج
على أنّ أَو بِمَعْنى الْوَاو. قَالَ: تمنّتهما جَمِيعًا وَجعله مثل أَو فِي قَوْله:
(وَكَانَ سيّان ألاّ يسرحوا عنماً ... أَو يسرحوه بهَا واغبرّت السّوح)
وأشربها مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعد الْفَاء فِي جَوَاب التّمنّي.
وَأنْشد بعده: الوافر
(أَلا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلةٍ تبيت)
على أنّ يُونُس قَالَ: أَصله أَلا رجل فنوّن للضَّرُورَة وَألا عِنْده فِيهِ للتّمنّي.
وَعند الْخَلِيل لَيست للتمنّي وإنّما هِيَ للتحضيض ورجلاً مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: ألآ ترونني رجلا بِضَم تَاء ترونني.
وَقد تقدم شرح هَذَا الْبَيْت مفصّلاً فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد
(4/89)

الْمِائَة.
وَفِي هَذَا الْبَيْت تضمين لِأَن خبر تبيت فِي بَيت بعده وَهُوَ:)
(ترجّل لمّتي وتقمّ بَيْتِي ... وأعطيها الإتاوة إِن رضيت)
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(ويلمّها فِي هَوَاء الجوّ طالبةً ... وَلَا كَهَذا الَّذِي فِي الأَرْض مَطْلُوب)
على أنّ قَوْله: مَطْلُوب عطف بَيَان لاسم لَا الْمُضَاف: فَإِن الْكَاف اسمٌ مُضَاف لاسم الْإِشَارَة فِي مَحل نصب بِلَا على أَنه اسْمهَا وَقد تبعه الْبَيَان بِالرَّفْع بِاعْتِبَار أنّ لَا مَعَ اسْمهَا فِي محلّ رفع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: مَوْجُود وَنَحْوه. وَيجوز أَن يكون مَطْلُوب صفة اسْم لَا وَلَا يضرّ إِضَافَة الْكَاف إِلَى اسْم الْإِشَارَة فَإِنَّهَا بِمَعْنى مثل وَهِي لَا تتعرّف بِالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة. هَذَا محصّل مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق.
وَفِيه أنّهم قَالُوا: إنّ الْبَيَان يكون فِي الجوامد وَالصّفة تكون فِي المشتقّات فَكيف لَا يكون فرق بَين الْبَيَان وَالْوَصْف.
وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت من بَاب الْوَصْف لَا غير. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع مَطْلُوب حملا على مَوضِع الْكَاف لأنّها فِي تَأْوِيل مثل
(4/90)

وموضعها مَوضِع رفع وَهُوَ بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجل.
وَنقل ابْن السراج فِي الْأُصُول عَن سِيبَوَيْهٍ أنّ اسْم لَا فِي مثل هَذَا مَحْذُوف وَالْكَاف حرف وَهَذَا كَلَامه: وَتقول لَا كزيد رجلٌ لأنّ الآخر هُوَ الأوّل ولأنّ زيدا رجل وَصَارَ لَا كزيد كأنّك قلت: لَا أحد كزيد ثمَّ قلت رجل كَمَا تَقول
لَا مَال لَهُ قَلِيل وَلَا كثير على الْموضع. وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: ويلمّها فِي هَوَاء الجوّ طالبة ... ... ... . . الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا شَيْء كَهَذا وَرفع على الْموضع وَإِن شِئْت نصبت على التَّفْسِير كَأَنَّهُ قَالَ: لَا اُحْدُ كزيد رجلا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَنَظِير لَا كزيد فِي حذفهم الِاسْم قَوْلهم: لَا عَلَيْك وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ لَا بَأْس عَلَيْك وَلَا شَيْء عَلَيْك وَلكنه حذف لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه. انْتهى.
وَاعْلَم أنّه يجوز أَن يكون مَطْلُوب مُبْتَدأ مُؤَخرا واسمٍ لَا بِمَعْنى لَيْسَ والظرف قبله الْخَبَر. قَالَ النّحاس فِي شرح أَبْيَات الْكتاب نَاقِلا عَن أبي الْحسن الْأَخْفَش: هَذَا هُوَ الْجيد.)
وَقَوله: ويلمّها. الخ هَذَا فِي صُورَة الدُّعَاء على الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ التَّعَجُّب وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث مفسّر بالتمييز أَعنِي طالبةً المُرَاد بهَا الْعقَاب وَهُوَ تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة وَقد أوضحها الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب التَّمْيِيز. وَمعنى الْكَلَام: مَا أشدّ طيران هَذِه الْعقَاب فِي هَوَاء وويل إِذا أضيفت فَالْوَجْه النصب كَقَوْلِك ويل زيد لَكِنَّهَا هُنَا مَضْمُومَة اللَّام أَو مَكْسُورَة وَالْأَصْل ويلٌ لأمّها.
قد تقدم شرح جَمِيع هَذَا مفصّلاً فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر
(4/91)

بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَهَذِه رِوَايَة النُّحَاة وَأما الثَّابِت فِي ديوَان امْرِئ الْقَيْس فهوّ: لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبة الْبَيْت والْهَوَاء: الشَّيْء الْخَالِي والجوّ: مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَهُوَ من قبيلٍ إِضَافَة الصّفة إلأى موصوفها. وَأَرَادَ بالمطلوب الذِّئْب فَإِنَّهُ وصف عقَابا تبِعت ذئباً لتصيده فتعجّب مِنْهَا فِي شدّة طلبَهَا وتعجّب من الذِّئْب أَيْضا فِي سرعته وشدّة هربه مِنْهَا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لامرئ الْقَيْس وَهِي: الْبَسِيط
(الْخَيْر مَا طلعت شمسٌ وَمَا غربت ... مطلبٌ بنواصي الْخَيل معصوب)
(قد أشهد الْغَارة الشّعواء تحملنِي ... جرداء معروقة اللّحيين سرحوب)
(كأنّها حِين فاض المَاء وَاخْتلفت ... صقعاء لَاحَ لَهَا بالسّرحة الذّيب)
(فَأَبْصَرت شخصه من دون مرقبةٍ ... وَدون موقعها مِنْهُ شناخيب)
(فَأَقْبَلت نَحوه فِي الرّيح كاسرةً ... يحثّها من هَوَاء الجوّ تصويب)
(كالدّلو بتّت عراها وَهِي مثقلةً ... إِذْ خانها وذمٌ مِنْهَا وتكريب)
(لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبةً ... وَلَا كَهَذا الَّذِي فِي الأَرْض مَطْلُوب)
...
(4/92)

(كالبرق والرّيح مرٌّ مِنْهُمَا عجبٌ ... مَا فِي اجتهادٍ عَن الإسراح تغبيب)
(فَأَدْرَكته فنالته مخالبها ... فانسلّ من تحتهَا والدّفّ مثقوب)
وَقَوله: الْخَيْر مَا طلعت الخ الْخَيْر مُبْتَدأ ومطّلب خَبره ووزنه مفتعل من الطّلب فأبدل وأدغم: ومَا مَصْدَرِيَّة ظرفية. ومعصوب خبر بعد خبر بِمَعْنى مشدود وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا أَو بِمَا بعْدهَا ويضمر لأَحَدهمَا فَهُوَ من التجاذب كَقَوْلِه تَعَالَى: تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم. وَهَذَا يشبه
الحَدِيث وَهُوَ: الْخَيل معقودٌ بنواصيها الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.)
وَقَوله: قد اشْهَدْ الْغَارة الخ وقد هُنَا للتكثير وأشهد: أحضر. والشّعواء بِالْعينِ الْمُهْملَة: المتفرقة الفاشية. والجرداء: الْفرس القصيرة الشّعْر. ومَعْرُوفَة اللحيين أَي: قَليلَة لحم اللّحيين بِفَتْح اللَّام وهما العظمان اللَّذَان ينْبت عَلَيْهِمَا الْأَسْنَان. والسرحوب بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ: الطَّوِيلَة الظّهْر السريعة. وَهَذَا الوصفان مدحٌ فِي الْخَيل.
وَقَوله: كَأَنَّهَا حِين فاض الضَّمِير للْفرس أَي: كَأَنَّهَا حِين عرقت فأملأ عرقها. وَاخْتلفت أَي: استقت مَاء يُرِيد كأنّها استقت مَاء من شدّة عرقها أَو مَعْنَاهُ تردّدت هُنَا وَهنا فإنّ الِاخْتِلَاف وصقعاء خبر كأنّها وَهِي الْعقَاب بَيْضَاء الرَّأْس قَالَ فِي الصِّحَاح: والأصقع من الْخَيل وَالطير وَغَيرهمَا: الَّذِي فِي وسط رَأسه بَيَاض يُقَال: عقابٌ صقعاء وَالِاسْم الصّقعة انْتهى. ولَاحَ: ظهر. والسّرحة: شَجَرَة. وَقيل مَوضِع يَقُول: كَانَت الْعقَاب واقفه تبصر صيدا فلاح لَهَا الذِّئْب.
وَقَوله: فَأَبْصَرت شخصه الخ المرقبة بِالْفَتْح: الْموضع العالي الَّذِي
(4/93)

يرقب فِيهِ العدوّ. وموقع الْعقَاب الْموضع الَّذِي هِيَ واقفة عَلَيْهِ. والشّناخيب: رُؤُوس الْجبَال أَي: بَين موقعها من الذِّئْب وَبَينه رُؤُوس جبال عالية.
وَقَوله: فَأَقْبَلت نَحوه الخ أَي: نَحْو الذِّئْب. وكسر الطَّائِر: إِذا صفّ جناحيه. والتصويب: الانصباب.
وَقَوله: صبّت عَلَيْهِ الخ الْأُمَم بِفتْحَتَيْنِ: الْقرب يُقَال: أخذت ذَلِك من أُمَم. والأشقين: جمع أَشْقَى. وَهَذَا المصراع من إرْسَال الْمثل.
وَقَوله: كالدلو بتّت عراها الخ شبّه هويّ الْعقَاب بِسُرْعَة هويّ الدّلو الملأى إِذا انْقَطع حبلها. وبتّت قطعت من البتّ. والعرا: جمع عُرْوَة. والوذم بِفَتْح الْوَاو والذال الْمُعْجَمَة: السيور الَّتِي بَين آذان الدَّلْو وأطراف العراقيّ وَهِي العيدان المصلّبة تشدّ من أَسْفَل الدّلو إِلَى قدر ذِرَاع أَو ذراعين من حَبل الدَّلْو مِمَّا
يَلِي الدّلو فَإِن انْقَطع حبلها تعلّقت بالوذم. والتكّريب: شدّ الكرب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشدّ فِي وسط العراقيّ ثمّ يثنّى ثمَّ يثلّث ليَكُون هُوَ الَّذِي يَلِي المَاء فَلَا يعفن الْحَبل الْكَبِير.
وَقَوله: لَا كَالَّتِي فِي هَوَاء الجوّ طالبة الخ قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: هَذَا الْبَيْت عِنْد دعبل أشعر بَيت قالته الْعَرَب وَبِه قدّمه على الشُّعَرَاء.)
وَقَوله: كالبرق وَالرِّيح الخ يَقُول: إنّ الْعقَاب وَالذِّئْب مرّهما وسرعتهما كالبرق وَالرِّيح. والتغبيب: الفتور وَالتَّقْصِير يُقَال: غبّب فلَان فِي الْحَاجة إِذا لم يُبَالغ فِيهَا وَهُوَ من الغبّ بالغين الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة.
وَقَوله: فَأَدْرَكته فنالته الخ وانسلّ أَي: انفلت والدّفّ بِفَتْح الدَّال
(4/94)

وَتَشْديد الْفَاء: الْجنب يَعْنِي أفلت الذِّئْب من الْعقَاب وَنَجَا لَكِن ثقبت جنبه.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس قد تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(لَا كالعشيّة زَائِرًا ومزورا)
على أنّ زَائِرًا قيل مَنْصُوب على تَقْدِير فعل أَي: لَا أرى كعشية الْيَوْم زَائِرًا. وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْكَاف اسْما ل لَا مُضَافا إِلَى العشيّة وَيكون زَائِرًا عطف بَيَان للكاف تبعه على اللَّفْظ أَو صفة على طرز الْبَيْت الَّذِي قبله لأنّ الزّائر غير العشية فَلَمَّا كَانَ الثَّانِي غير الأوّل لعدم صحّة الْحمل جعلت لَا نَافِيَة للْفِعْل المقدّر دون كَونهَا نَافِيَة للْجِنْس.
وَصَاحب هَذَا القيل هُوَ سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نصّه: وَأما قَول جرير: لَا كالعشيّة زَائِرًا ومزورا فَلَا يكون إلاّ نصبا من قبل أنّ العشيّة لَيست بالزائر وَإِنَّمَا أَرَادَ لَا أرى كالعشيّة زَائِرًا كَمَا تَقول مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا فكاليوم مثل قَوْلك فِي الْيَوْم لأنّ الْكَاف لَيست باسم. وَفِيه معنى التعجّب كَمَا قَالَ تالله رجلا
(4/95)

وَسُبْحَان الله رجلا إنّما أَرَادَ تالله مَا رَأَيْت رجلا وَسُبْحَان الله مَا رَأَيْت رجلا لكنه يتْرك إِظْهَار الْفِعْل اسْتغْنَاء لأنّ الْمُخَاطب يعلم أنّ هَذَا الْموضع إنّما يضمر فِيهِ هَذَا الْفِعْل لِكَثْرَة استعمالهم إيّاه انْتهى.
قَالَ الأعلم: اصله لَا أرى زَائِرًا ومزوراً كزائر العشيّة ومزورها فَحذف اختصاراً للْعلم كَمَا قَالُوا: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا أَي: كَرجل أرَاهُ الْيَوْم. وَلَا تجيزن فِي هَذَا رفع الزائر لأنّه غير العشيّة وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة لَا كزيد رجل لأنّ زيدا من الرِّجَال انْتهى.)
وَقد نقل أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ قَاعِدَة لحذف الْفِعْل مَعَ الظّرْف الزمانيّ قَالَ: حكى الكسائيّ نزلنَا الْمنزل الَّذِي البارحة والمنزل الَّذِي آنِفا والمنزل الَّذِي أمس. فَيَقُولُونَ فِي كلّ وَقت شاهدوه من قرب ويحذفون الْفِعْل وَحده كأنّهم يَقُولُونَ: نزلنَا الْمنزل الَّذِي نزلنَا أمس وَالَّذِي نزلناه الْيَوْم اكتفوا بِالْوَقْتِ من الْفِعْل إِذْ كَانَ الْوَقْت يدّل على الْفِعْل وَهُوَ قريب. وَلَا يَقُولُونَ الَّذِي يَوْم الْخَمِيس وَلَا الَّذِي يَوْم الْجُمُعَة.
وَكَذَا يَقُولُونَ: لَا كَالْيَوْمِ رجلا. وَلَا كالعشيّة رجلا وَلَا كالسّاعة رجلا فيحذفون مَعَ الْأَوْقَات الَّتِي هم فِيهَا. وأباه الفرّاء مَعَ الْعلم. وَهُوَ جَائِز وَأنْشد: لَا كالعشية زَائِرًا ومزورا
وكلّ مَا كَانَ فِيهِ الْوَقْت فَجَائِز أَن يكون بِحَذْف الْفِعْل مَعَه لأنّ الْوَقْت الْقَرِيب يدل على فعل لقُرْبه. انْتهى.
(4/96)

وَقد قدّر أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْمسَائِل المنثورة فعلين قَالَ: نصب زَائِرًا لأنّ الْفِعْل مقدّر فَكَأَن تَقْدِيره: لَا أرى زَائِرًا ومزوراً لَهُ كَرجل أرَاهُ العشيّة. فنصبه على الْفِعْل وَحذف ذَلِك لما فِي الْكَلَام من الدّلالة عَلَيْهِ.
وَيجوز الرّفْع هَاهُنَا وَهُوَ قَبِيح لأنّ الزّائر لَيْسَ هُوَ العشية وَيجوز رَفعه كأنّك أردْت كصاحب العشيّة فحذفت صاحباً وَجعلت العشيّة إِذا رفعتهما دلَالَة على مَا حذفت.
هَذَا وَقد اعْترض عَلَيْهِم الشَّارِح المحقّق فِي إخراجهم لَا هَذِه عَن الْبَاب مَعَ قَوْلهم إنّ الأَصْل كزائر العشيّة بِتَقْدِير الْمُضَاف قَالَ: مَعَ تقديرهم هَذَا صَار الآخر هُوَ الأَصْل الأوّل كَمَا فِي قَوْلك: لَا كالعشيّة عشيّةٌ وعشيّةً فَيجوز أَن يكون زَائِرًا تَابعا على اللَّفْظ. وَهَذَا حقّ لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ وأل فِي العشيّة للْعهد الحضوريّ كَقَوْلِه تَعَالَى: الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ والعشيّة قَالَ ابْن الأنباريّ: مؤنّثة وربّما دكّرتها الْعَرَب على معنى العشيّ.
وَقَالَ بَعضهم: العشيّة وَاحِدَة جمعا عشيّ والعشيّ قيل: مَا بَين الزَّوَال إِلَى الْغُرُوب وَمِنْه يُقَال لِلظهْرِ وَالْعصر صلاتا العشيّ وَقيل هُوَ آخر النَّهَار وَقيل من الزّوال إِلَى الصبّاح وَقيل العشيّ
(4/97)

وَهَذَا المصراع عجز وصدره:
يَا صاحبيّ دنا الصبّاح فسيرا وَالْبَيْت من قصيدة لجرير بن الخطفى يهجو بهَا الأخطل النّصرانيّ مطْلعهَا: الْكَامِل)
(صرم الخليط تباينا وبكوراً ... وحسبت بَينهم عَلَيْك يَسِيرا)
وفيهَا بيتان من شَوَاهِد الكشّاف أَحدهمَا: فِي سُورَة مَرْيَم وَهُوَ:
(إنّي إِذا مضرٌ عليّ تحدّبت ... لاقيت مطلع الْجبَال وعورا)
على أنّ اطّلع فِي قَوْله تَعَالَى: اطّلع الْغَيْب بِمَعْنى ارْتقى من قَوْلهم اطّلع الْجَبَل. ومطّلع الْجَبَل مصعده ومرتقاه. ووعور: جمع وعر وَهُوَ الْمَكَان الخشن الصعب ونصبه إِمَّا على أَنه مفعول لاقيت ومطّلع الْجبَال ظرف وَإِمَّا حَال من الْجبَال على أنّ المطّلع مصدر أَو حَال من المطّلع بِتَقْدِير تعدّده إِضَافَته إِلَى متعدّد. وَرُوِيَ وعورا بِفَتْح الْوَاو: بِمَعْنى أَنه من الْفَخر بمَكَان لَا ينَال. والثَّانِي: فِي الْمَلَائِكَة وَهُوَ:
(مشق الهواجر فِي القلاص مَعَ السّرى ... حتّى ذهبن كلاكلاً وصدورا)
أوردهُ عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات. وَالرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة:
(4/98)

وَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي نصب كلاكلاً بقوله ذهبن نصب التَّمْيِيز لَا نصب التَّشْبِيه بالظرف.
وَعبر سِيبَوَيْهٍ عَمَّا أَرَادَ من نصب هَذَا وَنَحْوه على التّمييز بِذكرِهِ الْحَال لما بَين التّمييز وَالْحَال من الْمُنَاسبَة بوقوعهما نكرتين بعد تَمام الْكَلَام وتبيينهما للشَّيْء الْمَقْصُود من النَّوْع تَقول ذهب زيد ظهرا وصدراً وتغيّر وَجها وجسماً تُرِيدُ ذهب ظَهره وصدره وتغيّر وَجهه وجسمه.
فعبّر سِيبَوَيْهٍ عَن التّمييز بِالْحَال. وعَلى هَذَا يجرى سَائِر الأبيات انْتهى. والْمُشْتَقّ: الترقيق والإهزال. والهواجر: جمع هاجرة وَهِي نصف النَّهَار وَقت اشتداد الحرّ. والسّرى: سير اللَّيْل. ومن فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة بِمَعْنى مَعَ. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر وَهُوَ الصّدر وَعطف عَلَيْهِ الصَّدْر للتفسير أَو أَنه أَرَادَ بالكلكل أَعلَى الصَّدْر.
وصف رواحل أنضاها دؤوب السّير فِي الهواجر وَاللَّيْل حتّى ذهب لُحُوم صدرها.
وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع فِي أوّل الْكتاب.
وَأنْشد بعده: يَا تيم تيم عديٍّ وَهُوَ قِطْعَة من بَيت هُوَ:
(4/99)

الْبَسِيط)
وَقد تقدّم شَرحه مفصّلاً فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(وَقد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّدٌ ... وأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد)
على أَن إِضَافَة أَبَا إِلَى الضَّمِير بِدُونِ اللَّام شاذّة لَا يُقَاس عَلَيْهَا. قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: والشاعر قد يضطّرّ فيحذف اللَّام ويضيف قَالَ الشَّاعِر: الوافر
(أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني)
وَقَالَ الآخر:
(وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مزرّدٌ ... وأيّ كريمٍ لَا أَبَاك مخلّد)
وَكَذَا أنشدهما الْمبرد فِي الْكَامِل.
قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة قَالَ أَبُو عُثْمَان: لم يَجِيء فِي بَاب النَّفْي مثل لَا أَبَاك مُضَافا بِغَيْر لَام إلاّ هَذَا وَحده. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ عينيّة لمسكين الدّارميّ وَلَيْسَ فِيهَا الضَّرُورَة.
(4/100)

وأيّ كريم لَا أَبَا لَك يمْنَع وَهِي قصيدة أورد فِيهَا شعراء كلّ مِنْهُم نسب قَبره إِلَى بَلَده ومسقط رَأسه وَذكر حَال الشُّعَرَاء المتقدّمين وأنّهم ذَهَبُوا وَلم يبْق مِنْهُم أحدٌ يصغّر أَمر الدُّنْيَا ويحقّره.
وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل
(وَلست بأحيا من رجالٍ رَأَيْتهمْ ... لكلّ امْرِئ يَوْمًا حمامٌ ومصرع)
(دَعَا ضابئاً دَاعِي المنايا فَجَاءَهُ ... وَلما دعوا باسم ابْن دارة أسمعوا)
(وحصنٌ بصحراء الثّويّة بَيته ... أَلا إنّما الدّنيا متاعٌ يمتّع)
(وَأَوْس بن مغراء القريعيّ قد ثوى ... لَهُ فَوق أبياتالرّياحيّ مَضْجَع)
(ونابغة الجعديّ بالرّمل بَيته ... عَلَيْهِ صفيحٌ من رخامٍ مرصّع)
(وَمَا رجعت من حميريّ عصابةٌ ... إِلَى ابْن وثيلٍ نَفسه حِين تنْزع)
(أرى ابْن جعيلٍ بالجزيرة بَيته ... وَقد ترك الدّنيا وَمَا كَانَ يجمع))
(بِنَجْرَان أوصال النّجاشيّ أَصبَحت ... تلوذ بِهِ طيرٌ عكوفٌ ووقّع)
(وَقد مَاتَ شمّاخٌ وَمَات مرزّدٌ ... وأيّ عَزِيز لَا أَبَا لَك يمْنَع)
(أُولَئِكَ قومٌ قد مضوا لسبيلهم ... كَمَا مَاتَ لُقْمَان بن عادٍ وتبّع)
قَوْله: ونابغة الجعديّ الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَأَرَادَ بالرمل رمل بني جعدة وَهِي رمالٌ وَرَاء الفلج من طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مكّة. وَابْن
(4/101)

وثيل هُوَ سحيم ابْن وثيل بن حميريّ. وَكَعب بن جعيل دفن بِجَزِيرَة ابْن عمر لأنّها بِلَاد بني تغلب
وَدفن النّجاشيّ بِنَجْرَان لأنّه من الْيمن بِلَاد بني الْحَارِث بن كَعْب.
وَقَوله: وَفد مَاتَ شمّاخ وَمَات مزرّد هما أَخَوان لأَب وأمّ وصحابيان وشاعران.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الشمّاخ فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة.
واسْمه معقل بن ضرار والمزرّد اسْمه يزِيد بن ضرار وإنّما سمّي مزرّداً بقوله: الطَّوِيل.
(فَقلت تزرّدها عبيد فإنّني ... لدرد الموَالِي فِي السّنين مزرّدٌ)
وَلَهُمَا أَخ آخر شقيقهما وَهُوَ جُزْء بن ضرار بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي بعْدهَا همزَة. وَمَات الشمّاخ وجزءٌ متهاجرين.
وَسبب ذَلِك على مَا روى الكلبيّ أنّ الشمّاخ كَانَ يهوى امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا كلبة بنت جوّال وَكَانَ يتحدّث إِلَيْهَا وَيَقُول فِيهَا الشّعْر فَخَطَبَهَا فأجابته وهمّت أَن تتزوجه ثمَّ خرج إِلَى سفرٍ لَهُ فتزوّجها أَخُوهُ جُزْء فآلى الشمّاخ أَن لَا يكلمهُ أبدا وهجاه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
(4/102)

الطَّوِيل
(لنا صاحبٌ قد خَان من أجل نظرةٍ ... سقيم فؤاد حبّ كلبة شاغلة)
وَقَوله: لَا أَبَا لَك جملَة اعتراضيّة بَين أيّ عَزِيز وَهُوَ مَوْصُوف وَبَين يمْنَع وَهُوَ صفة لأيّ.
وَكَذَلِكَ يخلّد ومخلّد على تِلْكَ الرِّوَايَة.
قَالَ المبرّد فِي الْكَامِل: لَا أَبَا لَك هِيَ كلمة فِيهَا جفَاء وغلظة وَالْعرب تستعملها عِنْد الْحَث على أَخذ الحقّ والإغراء وربّما استعملتها الجفاة من
الْأَعْرَاب عِنْد الْمَسْأَلَة والطلب فَيَقُول الْقَائِل للأمير والخليفة: انْظُر فِي أَمر رعيّتك لَا أَبَا لَك.
وَسمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك رجلا من الْأَعْرَاب فِي سنة مُجْدِبَة يَقُول: الرجز
(ربّ الْعباد مَا لنا وَمَا لكا ... قد كنت تسقينا فَمَا بدا لكا)
أنزل علينا الْغَيْث لَا أَبَا لكا)
فَأخْرجهُ سُلَيْمَان أحسن مخرج. فَقَالَ: أشهد أنّه لَا أَبَا لَهُ وَلَا ولد وَلَا صَاحِبَة وَأشْهد أَن الْخلق جَمِيعًا عباده وَهُوَ الْأَحَد الصَّمد.
وَقَالَ رجلٌ من بني عَامر بن صعصعة أبعد من هَذِه الْكَلِمَة لبَعض قومه: الْكَامِل
(أبني عقيلٍ لَا أَبَا لأبيكم ... أبيّ وأيّ بني كلابٍ أكْرم)
اه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد عِنْد قَوْله: الْبَسِيط اعْلَم أنّ قَوْلهم: لَا أَبَا لَهُ كلامٌ يسْتَعْمل كِنَايَة عَن الْمَدْح والذمّ وَوجه
(4/103)

الأوّل أَن يُرَاد نفي النّظير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي أَن يُرَاد أنّه مَجْهُول النّسَب. والمعنيان محتملان هُنَا أمّا الثَّانِي فَوَاضِح لأنّهم لما لم يغنوا عَنهُ شَيْئا أَمرهم بتخلية سَبيله ذامّاً لَهُم وأمّا الأوّل فعلى وَجه الِاسْتِهْزَاء انْتهى.
وَزَاد عَلَيْهِ شارحها البغداديّ قَالَ: تَقول الْعَرَب لَا أَبَا لَك وَلَا أَب لَك يسْتَعْمل فِي التفجّع والتعجّب وَيُقَال فِي الْمَدْح والذم وربّما قَالُوا لَا أَبَاك وَهُوَ نَادِر. وأمّا لَا أمّ لَك فَلَا يُقَال إلاّ فِي الذّم وَحده دلّ على ذَلِك استقراء كَلَام الْعَرَب.
وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: إِن قلت إنّ الْألف فِي لَا أَبَا لَك تؤذن بِالْإِضَافَة والتعريف وَاللَّام تؤذن بِالْفَضْلِ والتنكير فقد جمعت على الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَعْنيين ضدّين وهما التَّعْرِيف والتنكير. وَهَذَا كَمَا ترى متدافعان قلت: الْفرق وَاضح فإنّه كَلَام جرى مجْرى الْمثل فإنّك لَا تَنْفِي فِي الْحَقِيقَة أَبَاهُ وَإِنَّمَا تخرجه مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ أَي: أَنْت عِنْدِي مّمن يستحقّ أَن يدعى عَلَيْهِ بفقد أَبِيه. كَذَا فسّره أَبُو عليّ وَكَذَلِكَ هُوَ لمتأمّله أَلا ترى أَنه قد أنْشد توكيداً لما رَآهُ من هَذَا الْمَعْنى فِيهِ قَوْله: الطَّوِيل وتترك أُخْرَى فردةً لَا أَخا لَهَا وَلم يقل لَا أُخْت لَهَا وَلَكِن لّما جرى هَذَا الْكَلَام على أَفْوَاههم لَا أَبَا لَك وَلَا أَخا لَك قيل مَعَ المؤنّث على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ مَعَ المذكّر
(4/104)

فَجرى نَحوا من قَوْلهم لكلّ أحدٍ: من ذكر وَأُنْثَى واثنين واثنتين وَجَمَاعَة: الصّيف ضيّعت اللَّبن على الأنيث لأنّه كَذَا جرى أوّله.
وَأما قَوْله:
(أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني))
فقد قَالَ شَارِح أبي عليّ الفارسيّ: هُوَ لأبي حيّة النّميريّ قَالَه أَبُو عَمْرو قَالَ: جلبه أَبُو عليّ شَاهدا على حذف هَذِه اللَّام ضَرُورَة فثبوت الْألف فِي أَبَا دَلِيل الْإِضَافَة والتعريف وَوُجُود اللَّام دَلِيل الْفَصْل والتنكير. حذف لَام الجرّ وَهُوَ
يريدها وَلَوْلَا أنّها فِي حكم الثّابت فِي اللَّفْظ لما عملت لَا لأنّها لَا تعْمل إلاّ فِي نكرَة. فأمّا دلَالَة الْألف فِيهِ وَحذف النُّون من نَحْو لَا يَدي بهَا لَك على إِرَادَة الْإِضَافَة فلأنّ وجود الْعَمَل مانعٌ فِيهَا من اللَّفْظ فضعف اقْتِضَاء الْمَعْنى مَعَ وجود الْمَانِع اللفظيّ. فإنّ هَذَا مثلٌ لم يقْصد بِهِ نفي الْأَب وإنّما قصد بِهِ الذمّ. وَكَذَلِكَ لَا يَدي لَك إنّما المُرَاد لَا طَاقَة لَك بهَا.
وَهُوَ قِيَاس من النّحويين على قَوْلهم لَا أَبَا لَك. وَفِي الْكتاب: لَا أَبَا فَاعْلَم لَك وَفِيه دَلِيل على أنّه لَيْسَ بمضاف. وَيجوز أَن تكون الْألف لَام الْكَلِمَة كَمَا قَالَ: الرجز فأمّا قَوْله تخوّفيني فإنّه أَرَادَ تخوفينني فَحذف إِحْدَى النونين: فَقيل حذف الأولى كَمَا حذف الْإِعْرَاب فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:
(4/105)

السَّرِيع فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ
وَقَالَ المبّرد حذف الثَّانِيَة وَهُوَ أولى لأنّها إِنَّمَا زيدت مَعَ الْيَاء لتقي الْفِعْل من الكسرة وَالْأولَى عَلامَة الرّفْع انْتهى كَلَامه.
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك علم أنّ قَوْلهم لَا أَبَا لَك إنّما فِيهِ تعادي ظَاهره واجتماع صُورَتي الْفَصْل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لَا معنى ... . وَنحن إنّما عَقدنَا فَسَاد الْأَمر وصلاحه على الْمَعْنى كَأَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد قَلِيلا كثيرا. هَذَا مَا لَا يدّعيه مدّع.
ويؤكد عنْدك خُرُوجه مخرج الْمثل كثرته فِي الشّعْر وأنّه يُقَال لمن لَهُ أَب وَلمن لَيْسَ لَهُ أَب. وَهُوَ دُعَاء فِي الْمَعْنى لَا محَالة وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ خَبرا وَلَو كَانَ دُعَاء مصرّحاً وأمراً مغنيّاً لما جَازَ أَن يُقَال لمن لَا أَب لَهُ لأنّه إِذا كَانَ لَا أَب لَهُ لم يجز أَن يدعى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ لَا محَالة فَيعلم أنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّما هِيَ خَارِجَة مخرج الْمثل قَالَ عنترة: الْكَامِل
(فاقني حياءك لَا أَبَا لَك واعلمي ... أنّي امرؤٌ سأموت إِن لم أقتل)
...
(4/106)

(ألق الصّحيفة لَا أَبَا لَك إنّه ... يخْشَى عَلَيْك من الحباء النّقرس)
وَقَالَ:)
(أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني)
أَرَادَ: لَا أَبَا لَك فَحذف اللَّام.
وَقَالَ جرير: يَا تيم تيم عديّ لَا أَبَا لكم وَهَذَا أقوى دَلِيل على كَونه مثلا لَا حَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون لتيم كلّها أبٌ وَاحِد وَلَكِن مَعْنَاهُ كلّكم أهل للدّعاء عَلَيْهِ والإغلاظ لَهُ.
وَقَالَ الحطيئة: الطَّوِيل
(أقلّوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكم ... من اللوم أَو سدّوا الْمَكَان الَّذِي سدوا)
فَإِن قلت: فقد أثبت الحظيئة فِي هَذَا الْبَيْت مَا نفيته فِي الْبَيْت قبله فَجعل للْجَمَاعَة أَبَا وَاحِدًا وَأَنت قلت إنّه لَا يكون لجَماعَة تيم أبٌ وَاحِد. قيل: الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أنّه مثلٌ لَا يُرِيد حَقِيقَة الْأَب وإنّما غَرَضه الدّعاء مُرْسلا ففحّش بِذكر الْأَب.
وَالْآخر: يجوز أَن يُرِيد بأبيكم الْجمع أَي: لَا أَبَا لآبائكم يُرِيد الدّعاء على آبَائِهِم من حَيْثُ
(4/107)

(فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا)
انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار.
وَأنْشد بعده:
يَا بؤس للْجَهْل ضرّاراً لأقوام هَذَا عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ وَقد تقدّم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(كَأَن أصوات من إيغالهنّ بِنَا ... أَوَاخِر الميس إنقاض الفراريج)
على أنّه قد فصل لضَرُورَة الشّعْر بالظرف بَين المتضايفين. وَالْأَصْل: كَأَن أصوات أَوَاخِر الميس من إيغالهنّ بِنَا إنقاض الفراريج.
(4/108)

فِي الْأُصُول لبن السرّاج: وقبيح أَن تفصل بَين الجارّ وَالْمَجْرُور فَتَقول لَا أَخا هذَيْن الْيَوْمَيْنِ لَك.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا يجوز فِي ضَرُورَة الشّعْر لأنّ الشَّاعِر إِذا اضطّر فصل بَين الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. ومن للتَّعْلِيل والإيغال: الإبعاد يُقَال أوغل فِي الأَرْض إِذا أبعد فِيهَا حَكَاهُ ابْن دُرَيْد قَالَ: وكل داخلٍ فِي شيءٍ دُخُول مستعجل فقد أوغل فِيهِ.
وَقَالَ الأصمعيّ فِي شرح هَذَا الْبَيْت: الإيغال: سرعَة الدُّخُول فِي الشَّيْء يُقَال أوغل فِي الْأَمر: إِذا دخل فِيهِ بِسُرْعَة. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ فِي بَيت قبله. والْأَوَاخِر: جمع آخِره بِوَزْن فَاعله وَهِي قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: هُوَ بضمّ أَوله ثمَّ همزَة سَاكِنة وَأما الْخَاء فَجزم أَبُو عبيد بِكَسْرِهَا وجوّز الْفَتْح وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح وَعكس ذَلِك ابْن مكّيّ فَقَالَ: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلاّ فِي الْعين خَاصَّة وأمّا فِي غَيرهَا فَيُقَال بِالْفَتْح فَقَط. وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: ومؤخر الْعين مثل مُؤمن: الَّذِي يَلِي الصّدغ ومقدمها: الَّذِي يَلِي الْأنف ومؤخرة الرحل أَيْضا لُغَة قَليلَة فِي آخِره الرحل وَهِي الَّتِي يسْتَند الرَّاكِب إِلَيْهَا. قَالَ يَعْقُوب: وَلَا تقل مؤخرّة انْتهى. والميس: بِفَتْح الْمِيم: شجر يتَّخذ مِنْهُ الرّحال
(4/109)

والأقتاب وَإِضَافَة الْأَوَاخِر إِلَيْهِ كإضافة خَاتم فضّة. والإنقاض: مصدر أنقضت الدّجاجة: إِذا صوّتت وَهُوَ بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَرُوِيَ بدله: أصوات الفراريج جمع فرّوجة وَهِي صغَار الدّجاج. يُرِيد أنّ رحالهم جدد وَقد طَال سيرهم فبعض الرحل يحكّ بَعْضًا فتصوّت مثل أصوات الفراريج من شدّة السّير واضطراب الرحل.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرّمّة. وَمن أَبْيَات هَذِه القصيدة قَوْله: الْبَسِيط)
(وراكد الشّمس أجّاج نصبت لَهُ ... حواجب الْقَوْم بالمهريّة العوج)
(تلوي الثّنايا بأحقيها حَوَاشِيه ... ليّ الملاء بِأَبْوَاب التّفاريج)
أَي: ربّ يَوْم راكد الشّمس أَي: لَا تكَاد شمسه تَزُول من طوله. وَأَرَادَ بالأجّاج أنّ ذَلِك الْيَوْم لَهُ توهّج واشتعال كالأجّاج بِالضَّمِّ وَهُوَ اللهب.
وَقَوله: نصبت لَهُ الخ أَي: استقبلته بحواجب الْقَوْم. والمهريّة الْإِبِل المنسوبة إِلَى مهرَة. والعوج الَّتِي ضمرت فاعوجّت.
وَقَوله: إِذا تنَازع الخ إِذا ظرف لقَوْله نصبت أَي: ربّ يَوْم نصبت لَهُ حواجب الْقَوْم إِذا تنَازع الخ. وَأَخْطَأ من جعلهَا شرطيّة وَجعل جوابها الْبَيْت الَّذِي بعْدهَا. والجالان بِالْجِيم: جانبا بلدٍ مجهل. وقذف بِفَتْح الْقَاف والذال: الْبعيد. أَرَادَ أَن الجالين تنَازعا أَطْرَاف طَرِيق مطّرد بالحرّ أَي: كأنّه مَاء يَجِيء وَيذْهب يتبع بعضه بَعْضًا يَعْنِي السّراب فإنّه يطّرد كَالْمَاءِ ونسجه من الحرّ.
(4/110)

وَقَوله: تلوي الثّنايا فعل وفاعل ووحواشيه مفعول. والثّنايا: الطّرق فِي الْجبَال. والأحقى: جمع حقو بِفَتْح فَسُكُون: الْوسط وأصل الحقو الخصر وَمَوْضِع شدّ الْإِزَار وَالْبَاء بِمَعْنى على. والْحَوَاشِي: الْأَطْرَاف والنّواحي. وَالضَّمِير رَاجع إِلَى المطّرد المُرَاد بِهِ السّراب. وليّ الملاء: كطيّها وَهُوَ مصدر تشبيهي لقَوْله تلوي. والملاء بِالضَّمِّ والمدّ: الملحفة إِذا كَانَت والتفاريج كَمَا فِي الْعباب عَن ابْن الأعرابيّ: فتحات الْأَصَابِع وَاحِدهَا تفراج بِالْكَسْرِ وخروق الدّرابزين أَيْضا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: الثنايا الطّرق فِي الْجبَال. يَقُول: الثنايا تلوي حَوَاشِي السّراب أَي: بلغ السّراب أوساط الثّنايا. وحَوَاشِيه: أَطْرَافه قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الثّنايا تلوي أَي: تلفّ حَوَاشِي
السّراب بأوساطها كَمَا يلوى الملاء بالمصاريع وَقيل الدّرابزين: وَمَا سَمِعت أنّ الملاء يلوى بمصاريع الْأَبْوَاب انْتهى.
وَجَوَابه أنّ مُرَاد الشَّاعِر أنّ الستائر تُوضَع وتربط على الدّرابزين وأبوابها للتجمّل كَمَا يَفْعَله الْأَغْنِيَاء.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: يكور اللّيل على النّهار ويكوّر النّهار على اللّيل على تَشْبِيه كلّ مِنْهُمَا باللباس الَّذِي يكوّر ويلفّ على اللابس فإنّ أَحدهمَا لّما كَانَ غاشياً للْآخر أشبه اللبَاس الملفوف على لابسه فِي ستره إيّاه واشتماله عَلَيْهِ وتغطيّه بِهِ)
كَمَا شبّه ذُو الرّمّة طيّ الهضاب حَوَاشِي السّراب بطيّ السّتائر بالأبواب.
(4/111)

وَقد أَخطَأ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين فِي قَوْله: تلوي الثّنايا جَوَاب إِذا فِي الْبَيْت الَّذِي قبله.
فَتَأمل.
وترجمة ذِي الرّمّة قد تقدّمت فِي الشواهد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب.
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِن ... منايانا ودولة آخرينا)
على أنّ مَا الحجازيّة إِذا زيد بعْدهَا إِن لَا تعْمل عمل لَيْسَ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
قَالَ الأعلم: إِن كَافَّة لما عَن الْعَمَل كَمَا كفت مَا إِن عَن الْعَمَل. والطّبّ بِالْكَسْرِ هَاهُنَا بِمَعْنى العلّة والسبّب أَي: لم يكن سَبَب قتلنَا الْجُبْن وإنّما كَانَ مَا جرى بِهِ الْقدر من حُضُور الْمنية وانتقال الْحَال عنّا والدّولة.
وَقَالَ فِي الصِّحَاح: تَقول مَا ذَلِك بطبّي أَي: دهري وعادتي. وانشد هَذَا الْبَيْت للكميت.
وَهَذِه النِّسْبَة غير صَحِيحَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه قَرِيبا. والْجُبْن: ضدّ الشّجاعة وَهُوَ مصدر جبن جبنا كقرب قرباً فَهُوَ جبانٌ أَي: ضَعِيف الْقلب.
والجبن الْمَأْكُول فِيهِ ثَلَاث لُغَات أَجودهَا سُكُون
(4/112)

الْبَاء وَالثَّانيَِة ضمّ الْبَاء لِلِاتِّبَاعِ وَالثَّالِثَة وَهِي أقلّها التَّشْدِيد كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والمنايا: جمع منيّة وَهِي الْمَوْت لأنّها مقدّرة مَأْخُوذَة من المنا بِوَزْن الْعَصَا وَهُوَ
الْقدر يُقَال: مني لَهُ أَي: قدّر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فيهمَا.
روى السيّد علم الْهدى المرتضى فِي أَمَالِيهِ أنّ مُسلما الخزاعيّ ثمّ المصطلقيّ قَالَ: شهِدت رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وَقد أنْشدهُ منشد قَول سُوَيْد بن عَامر المصطلقي: الْبَسِيط
(لَا تأمننّ وَإِن أمسيت فِي حرمٍ ... إنّ المنايا بكفّي كلّ إِنْسَان)
(واسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ ... حتّى يبيّن مَا يمني لَك الماني)
(فكلّ ذِي صاحبٍ يَوْمًا يُفَارِقهُ ... وكلّ زادٍ وَإِن أبقيته فان)
(وَالْخَيْر والشّرّ مقرونان فِي قرنٍ ... بكلّ ذَلِك يَأْتِيك الجديدان)
فَقَالَ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: لَو أَدْرَكته لأسلم انْتهى.)
وَأنْشد فِي الصِّحَاح لهَذَا الْمَعْنى قَوْله: حتّى تلاقي مَا يمني لَك الماني
(4/113)

وف يحواشيه: أوّله:
(وَلَا تقولن لشيءٍ سرف أَفعلهُ ... حتّى تبيّن مَا يمني لَك الخ)
قَالَ: وَالْبَيْت لأبي قلَابَة الهذليّ. وَالله أعلم. والدولة بِالْفَتْح: الْغَلَبَة فِي الْحَرْب وبالضم تكون فِي المَال وَقيل هما بِمَعْنى ودالت الأيّام تدول وروى ابْن هِشَام فِي السِّيرَة بدله: وطعمة آخرينا.
وَفِيه مَعَ ذكر الْجُبْن مَا لَا يخفى.
وَأورد ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة خفاف بن ندبة من كتاب الشُّعَرَاء قَوْله: الوافر
(فَلم يَك طبّهم جبنٌ وَلَكِن ... رميناهم بثالثة الأثاقي)
قَالَ: وَهَذَا مّما يسْأَل عَنهُ.
أَقُول: ثَالِثَة الأثافيّ هِيَ الْجَبَل لأنّه يَجْعَل حجران إِلَى جنبه فَيكون الثَّالِث فَيَقُول: كَانُوا شجعاناً لَيْسَ فيهم جبن ولحكن رميناهم بداهية عَظِيمَة مثل الْجَبَل.
وَقد روى أَبُو عُبَيْدَة الْبَيْت هَكَذَا:
(فلمّا أَن أَبَوا إلاّ علينا ... رميناهم بثالثة الأثافي)
(4/114)

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لفروة بن مسيك المراديّ رَوَاهَا أهل السّير كَابْن هِشَام والكلاعيّ وَغَيرهمَا وَهِي:
(فَإِن نغلب فغلاّبون قدماً ... وَإِن نغلب فَغير مغلّبيبنا)
(وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِن ... منايانا وطعمة آخرينا)
(كَذَاك الدّهر دولته سجالٌ ... تكرّ صروفه حينا فحينا)
(إِذا انقلبت بِهِ كرّات دهر ... فألقيت الألى غبطوا طحينا)
(فَمن يغبط بريب الدّهر مِنْهُم ... يجد ريب الزّمان لَهُ خؤونا)
(فَلَو خلد الْمُلُوك إِذن خلدنا ... وَلَو بَقِي الْكِرَام إِذن بَقينَا)
(فأفنى ذَلِكُم سروات قومِي ... كَمَا أفنى الْقُرُون الأوّلينا))
قَوْله: فَغير مغلبينا المغلّب المغلوب مرَارًا. والسّجال بِالْكَسْرِ: مصدر ساجل بساجل بِمَعْنى ناوب قَالَ الميدانيّ فِي أَمْثَاله: المساجلة أَن تصنع مثل صَنِيع صَاحبك من جري أَو سقِِي وَأَصله من السّجل وَهِي الدّلو فِيهَا مَاء قلّ أَو كثر. وَحَقِيقَة السّجال المغالبة بالسّقي بالسّجل وَمِنْه المباراة والمفاخرة والمعارضة. وتكرّ: ترجع. والصّروف: الْحَوَادِث. والغضارة بِالْفَتْح: الْخَيْر وَالْخصب. وألفيت: وجدت. وغبطوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْغِبْطَة اسْم من غبطته غبطاً من بَاب ضرب إِذا تمنّيت مثل مَا ناله من غير أَن تُرِيدُ زَوَاله عَنهُ لما أعْجبك مِنْهُ وَعظم عنْدك وريب الدّهر: مَا يحدث مِنْهُ. والخؤون بِفَتْح الْمُعْجَمَة: مُبَالغَة الخائن.
وَقَوله: فأفنى ذَلِكُم الْإِشَارَة لكرّات الدّهر وحوادثه. والسّروات جمع شراة بِفَتْح السِّين
(4/115)

وفَرْوَة بن مسيك صحابيّ أسلم عَام الْفَتْح وَذَلِكَ أَنه لما افْتتح رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم مكّة ودانت لَهُ قُرَيْش عرفت الْعَرَب أنّهم لَا طَاقَة لَهُم بحربه فَدَخَلُوا فِي دين الله أَفْوَاجًا فَقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب. وَمِمَّنْ قدم فَرْوَة بن مسيك المراديّ قدم إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ رجلا لَهُ شرف فأنزله سعد بن عبَادَة عَلَيْهِ ثمَّ غَدا على رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وَهُوَ جَالس فِي الْمجْلس فسلّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله أَنا لمن ورائي من قومِي. قَالَ: ايْنَ نزلت يَا فَرْوَة قَالَ: على سعد بن عبَادَة. قَالَ: بَارك الله على سعد بن عبَادَة.
وَكَانَ يحضر مجْلِس رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم ويتعلّم الْقُرْآن وفرائض الْإِسْلَام.
وَكَانَ بَين مُرَاد وهمدان قبيل الْإِسْلَام وقعةٌ أَصَابَت فِيهَا هَمدَان من مُرَاد وَكَانَ يُقَال لذَلِك الْيَوْم يَوْم الرّزم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: يَا فَرْوَة هَل ساءك مَا أصَاب قَوْمك يَوْم الرّزم. قَالَ: يَا رَسُول الله من ذَا يُصِيب قومه مثل مَا أصب قومِي لَا يسوؤه فَقَالَ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: أما إنّ ذَلِك لم يزدْ قَوْمك فِي الْإِسْلَام إلاّ خيرا.
وَفِي ذَلِك الْيَوْم قَالَ فَرْوَة هَذِه الأبيات. وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلّم على مُرَاد وزبيد ومذحج وَبعث مَعَه خَالِد بن سعيد بن العَاصِي على الصَّدَقَة وَكتب فِيهَا كتابا لَا يعدوه إِلَى غَيره وَكَانَ خالدٌ مَعَه فِي بِلَاده حتّى توفّي رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم. كَذَا فِي وَذكر الواقديّ أنّ عمر بن الْخطاب رَضِي اله عَنهُ اسْتَعْملهُ أَيْضا على
(4/116)

صدقَات مذْحج. وَذكر)
غَيره أَنه انْتقل إِلَى الْكُوفَة فسكنها.
وَأخرج ابْن سعد أنّ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم أجَاز فَرْوَة باثنتي عشرَة أوقيّة وَحمله على بعير نجيب وَأَعْطَاهُ حلّة من نسج عمان.
وفروة: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا وَاو ومسيك: بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين وَسُكُون الْيَاء وَمُرَاد: قَبيلَة بِالْيمن.
فَإِن قلت: كَيفَ اعْترف بالانهزام مَعَ مَا فِيهِ من الْعَار قلت: هَذَا مَوْقُوف على سَماع قصتّه فَإِن أَصْحَاب الْمعَانِي لَا يقدرُونَ على فهم مثل هَذَا إِلَّا بقصّته.
وَهِي كَمَا رَوَاهَا أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: أنّه كَانَ صنم مرادٍ
فِي أَعلَى وأنعم وهما بطْنَان من مُرَاد فَقَالَت أشرافٌ من مُرَاد: مَا بَال آلِهَتنَا لَا تكون ف يعرانيننا فأرادوا انتزاع الْآلهَة مِنْهُم فَخَرجُوا مِنْهُم فَأتوا بني الْحَارِث فاستجاروا بهم وأ سلتن مُرَاد إِلَى بني الْحَارِث: أَن أخرجُوا إخوتنا من داركم وابعثوا إِلَيْنَا برجلَيْن مِنْكُم لنقتلهما بصاحبنا وَكَانَت مُرَاد تطلب بني الْحَارِث بِدَم فلمّا رأى الْحصين بن يزِيد بن قنان أنّ مرَادا قد ألحت فِي طلب أَصْحَابهم هابهم وهلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم.
وَكَانَت مُرَاد إِذا قتل مِنْهُم رجلٌ قتلوا بِهِ رجلَيْنِ وَكَانُوا لَا يَأْخُذُونَ الدِّيَة إلاّ مضاعفة فَسَار حُصَيْن بن يزِيد وَهُوَ رَئِيس بني الْحَارِث إِلَى عُمَيْر ذِي
(4/117)

مرّان فَسَأَلَهُ أَن يركب مَعَه إِلَى أرحب فيصلح بَينه وَبينهمْ ويسألهم الْحلف على مُرَاد لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين أرحب دِمَاء. فَركب مَعَه إِلَيْهِم فَأصْلح بَينهم وسألهم أَن ينصروه ويحالفوه على مُرَاد فَقَالَ الْحصين: يَا معشر أرحب إنّي لست بِأَسْعَد بِهَلَاك مرادٍ مِنْكُم وَكَانَت أرحب تغاور مرَادا قبل ذَلِك فحالفته أرحب وغدوا فَسَار حُصَيْن بن يزِيد ببني الْحَارِث وسارت الْبَادِيَة من هَمدَان وَعَلَيْهِم يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي الأصمّ.
وَأَقْبَلت مُرَاد كأنّهم حرّة سَوْدَاء يدفّون دفيفاً وَعَلَيْهِم الْحَارِث بن ظبْيَان المثلّم وَكَانَ يكنى أَبَا قيس الأنعمي.
فَاقْتَتلُوا بِموضع يُقَال لَهُ الرزم إِلَى جنب أياء قتالاً شَدِيدا فتضعضعت بَنو
الْحَارِث وَأَقْبل عَلَيْهِم الْحصين فَقَالَ: يَا بني الْحَارِث وَالله لَئِن لم تضربوا وُجُوه مرادٍ بالسّيوف حتّى يخلوا لكم الْعَرَصَة لأتركنكم تنفلون فِي الْعَرَب)
ثمَّ أقبل على بادية هَمدَان فَقَالَ: يَا معشر هَمدَان الصبّر الصَّبْر لَا تَقول مُرَاد إِنَّا لجأنا إِلَى عدد هَمدَان وعزّها فَلم يغنوا عنّا فاقتتل الْقَوْم قتالاً شَدِيدا فَقتل الْحصين وصبر الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا فتهيأت بَنو الْحَارِث للفرار وتضعضعت أرحب وَقد كَانُوا أحضروا النِّسَاء مَعَهم فجعلوهن خلف ظُهُورهمْ فلمّا رَأَتْ أرحب النِّسَاء قد بَدَت خلاخيلها للفرار عَادوا لِلْقِتَالِ وَقَالُوا: لَا نفرّ حتّى يفرّ يَغُوث وصبروا للْقَوْم وَصَبَرت بَنو الْحَارِث مَعَهم فانهزمت مُرَاد واستذرع الْقَتْل فيهم وَسبوا نسءً من نِسَائِهِم فَأدْرك الْإِسْلَام وَهن فِي دور هَمدَان.
وَقتل يومئذٍ المثلّم رَئِيس مُرَاد وعزيز وَقيس ونمران وسميّ المراديون. وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم الْحصين بن يزِيد الْحَارِثِيّ.
قَالَ فِي ذَلِك يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي:
(4/118)

الطَّوِيل
(لقد علم الحيّ المصبّح أنّني ... بِجنب أياء غير نكس مواكل)
(تركت عَزِيزًا تحجل الطّير حوله ... وغشيّت قيسا حدّ أَبيض قاصل)
(ونمران قد قضيت مِنْهُ حزازةً ... على حنقٍ يَوْم التفاف الْقَبَائِل)
(عكبٌّ شفيت النّفس مِنْهُ وحارثٌ ... بنافذةٍ فِي صَدره ذِي عوامل)
(وَأَرَدْت سميّاً فِي المكرّ رماحنا ... وصادف موتا عَاجلا غير آجل)
وبهذه الْقِصَّة يعرف معنى قَوْله: وَذَلِكَ أَن مرَادا لم تدر عَلَيْهِم دَائِرَة قبل يَوْم الرّزم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(بني غُدَانَة مَا إِن أَنْتُم ذَهَبا ... وَلَا صريفاً وَلَكِن أَنْتُم الخزف)
على أَنه قد جَاءَت إِن بعد مَا غير كافّة. وَقد بيّنه الشَّارِح المحقّق.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: النصب رِوَايَة يَعْقُوب بن السكّيت وَالرَّفْع رِوَايَة الْجُمْهُور على أنّ إِن كافّة لما عَن الْعَمَل. قَالَ: وَزعم الكوفيّون
(4/119)

على رِوَايَة النصب أنّ إِن نَافِيَة مُؤَكدَة لَا كافّة. ويلزمهم أَن لَا يبطل عَملهَا كَمَا لَا يبطل عَملهَا إِذا تكرّرت على الصّحيح بِدَلِيل قَوْله: الرجز
(لَا ينْسك الأسى تأسّياً فَمَا ... مَا من حمامٍ أحدٌ معتصماً)
وَمعنى هَذَا الْبَيْت: لَا ينْسك مَا أَصَابَك من الْحزن على من فقدته أَن تتأسّى بِمن سَبَقَك مّمن فقد أحبابه فَلَيْسَ أحدٌ مَمْنُوعًا من الْمَوْت.
وَمن زعم أنّ مَا إِذا تكرّرت يبطل عَملهَا جعل منفيّ مَا الأولى محذوفاً أَي: فَمَا ينفعك الْحزن وَاسْتشْهدَ شرّاح الألفيّة بِهَذَا الْبَيْت على رِوَايَة رَفعه على أنّ إِن فِيهِ كافّة. وبني غُدَانَة منادى بِتَقْدِير يَا وغُدَانَة بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: حيٌّ من يَرْبُوع من بني تَمِيم. والصّريف بِفَتْح الصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ ابْن السّكّيت: هُوَ الفضّة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. والخزف بِفَتْح المعجمتين قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: هُوَ مَا عمل من طين وشوي بالنّار حتّى يكون فخاراً. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَلم أر من نسب هَذَا الْبَيْت لقائله مَعَ كَثْرَة الاستشهاد بِهِ فِي كتب النَّحْو واللّغة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/120)

الْبَسِيط
(إلاّ أواريّ مَا إِن لَا أبينها)
على أنّ الفرّاء أنْشدهُ بِالْجمعِ بَين ثَلَاثَة أحرف نَافِيَة وَالرِّوَايَة: لأياً مَا أبينها.
هَذِه الرِّوَايَة أنشدها الفرّاء فِي تَفْسِيره المسمّى بمعاني الْقُرْآن فِي أَوَاخِر سُورَة يُونُس عِنْد قَوْله تَعَالَى: فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إلاّ قوم يُونُس. وَهَذَا نَص كَلَامه: فِي قِرَاءَة أبيّ فهلاّ لأنّ مَعْنَاهَا أنّهم لم يُؤمنُوا ثمَّ اسْتثْنى قوم يُونُس بِالنّصب على الِانْقِطَاع مِمَّا قبله أَلا ترى أنّ مَا بعد إلاّ فِي الْجحْد يتبع مَا قبلهَا فَتَقول: مَا قَامَ أحدٌ إلاّ أَبوك لأنّ الْأَب من الْأَحَد: فَإِذا قلت: مَا فِيهَا أحد إلاّ كَلْبا وَحِمَارًا نصبت لأنّها منقطعةٌ مِمَّا قبل إلاّ إِذْ لم يكن من شكله وَلَا جنسه: كَذَلِك كَانَ قوم يُونُس منقطعين من قوم غَيره من الْأَنْبِيَاء.
وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء هَاهُنَا وَقع على طَائِفَة مِنْهُم لَكَانَ رفعا. وَقد يجوز الرّفْع كَمَا أنّ الْمُخْتَلف ف الْجِنْس قد يتبع فِيهِ مَا بعد إلاّ مَا قبل إلاّ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الرجز
والنّصب فِي قَوْله تَعَالَى: مَا لَهُم بِهِ من علم إلاّ اتِّبَاع الظّنّ لَا ينْسب إِلَى الْعلم. وأنشدونا بَيت النَّابِغَة بِالنّصب: ... ... ... ... . .
(4/121)

وَمَا بِالربعِ من أحد إلاّ أواريّ مَا إِن أبيّنها ... ... ... ...
قَالَ الفرّاء: جمع هَذَا الْبَيْت بَين ثَلَاثَة أحرفٍ من حُرُوف الْجحْد: لَا وَإِن وَمَا. وَالنّصب فِي هَذَا النَّوْع الْمُخْتَلف من كَلَام أهل الْحجاز والاتباع من كَلَام تَمِيم. انْتهى كَلَام الفرّاء.
وَأَرَادَ اجتماعها على سَبِيل التوكيد لَا أنّ الثَّانِي نافٍ للنَّفْي فَيثبت وَالثَّالِث نافٍ للثَّانِي فينفى. وَقد أورد الفرّاء فِي تَفْسِيره الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح فِي أَوَاخِر سُورَة النِّسَاء عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إلاّ من أَمر بصدقةٍ قَالَ: من فِي مَوضِع خفضٍ ونصبٍ: الْخَفْض إلاّ فِيمَن أَمر بِصَدقَة.
والنّجوى هَاهُنَا رجال كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذ هم نجوى وَمن جعل النّجوى فعلا كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا يكون من نجوى ثلاثةٍ فَمن حِينَئِذٍ فِي مَوضِع رفع.
وَأما النّصب فَأن تجْعَل النّجوى فعلا فَإِذا استثنيت الشَّيْء من خِلَافه كَانَ الْوَجْه النصب كَمَا)
( ... ... ... ..... وَمَا بالربّع من أحد)
(إلاّ أواريّ لأياً مَا أبنّيها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
(4/122)

وَقد تكون فِي مَوضِع رفع وَإِن ردّت على خلَافهَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس)
انْتهى.
وإنّما سقنا كَلَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ برمّته للتبرّك وليعلم طرز تَفْسِيره فَإِنَّهُ لقدمه قلّما يطلع عَلَيْهِ أحد.
وَقد أوردهُ الزّجّاجيّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضا فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف بمعاني الْقُرْآن فِي سُورَة الْبَقَرَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم ياتّخاذكم الْعجل قَالَ: الظّلم فِي اللّغة: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه الْعَرَب تَقول: من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم مَعْنَاهُ لم يَقع الشّبَه غير موقعه وَيُقَال: ظلم فلَان سقاءه إِذا شرب وَسَقَى مِنْهُ قبل إِدْرَاكه وأراض مظلومة إِذا حفر فِيهَا وَلم يكن حفر فِيهَا قبل وَإِذا جَاءَ الْمَطَر يقربهَا ويتخطّاها.
قَالَ النَّابِغَة:
(إلاّ أورايّ لأياً مَا أبينّها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
وَأوردهُ الزّجّاج أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَو أنّا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ. قَالَ: وَأما رفع إلاّ قليلٌ مِنْهُم فعلى الْبَدَل
من الْوَاو وَالْمعْنَى مَا فعله إلاّ قَلِيل.
وَالنّصب جَائِز فِي غير الْقُرْآن على معنى مَا فَعَلُوهُ أستثني قَلِيلا مِنْهُم. وعَلى مَا فسّرناه فِي نصب
(4/123)

الِاسْتِثْنَاء فَإِن كَانَ فِي النَّفْي نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ فالاختيار النصب وَالْبدل جَائِز تَقول: مَا بِالدَّار أحدٌ إلاّ حمارا.
قَالَ النَّابِغَة الذّبيانيّ: الْبَسِيط
(وقفت فِيهَا أصيلالا أسائلها ... عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ أواريّ لأيّا مَا أبنيها ... ... ... ... . . الخ فَقَالَ: مَا بالربّع من أحد أَي: مَا بِالربعِ أحدٌ إلاّ أواريّ. لأنّ الأواريّ لَيست من النَّاس. وَقد يجوز الرّفْع على الْبَدَل وَإِن كَانَ من غير جنس الأوّل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس))
فَجعل اليعافير والعيس بَدَلا من الأنيس. وَجَائِز أَن يكون جعل أنيس ذَلِك الْبَلَد اليعافير والعيس. انْتهى كَلَامه.
وَقد رويا كِلَاهُمَا إلاّ الأواريّ معرّفاً ومنكراً. قَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح حكى عبد القاهر عَن شَيْخه عبد الْوَارِث ابْن أُخْت أبي عليّ أَنه قَالَ: الجيّد أَن يرْوى إلاّ الأواريّ بِالْألف وَاللَّام ليَكُون الْفَتْح خَالِصا. وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد وَلَكِن لم يكسر لِأَنَّهُ غير منصرف انْتهى.
وَقَوله: وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد هَذَا الْجَوَاز مَمْنُوع عِنْد الْبَصرِيين. وَقد بينّه ابْن السيّد فِي شرح الْجمل قَالَ: ويروى عَن الكسائيّ أنّه أجَاز خفض الأواريّ على الْبَدَل من لفظ أحد. وَهَذَا عِنْد البصرييّن خطأ لأنّه يصير التَّقْدِير: وَمَا بالربّع إلاّ من أورايّ فَتكون من زَائِدَة فِي الْوَاجِب. وَمن لَا تزاد
إلاّ فِي النَّفْي. وَلَو أنّها من الَّتِي تدخل على الْمُوجب والمنفيّ لجَاز ذَلِك كَقَوْلِك: مَا أخذت من أحد إلاّ زيدٍ درهما.
(4/124)

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للنّابغة الذّبيانيّ مدح بهَا النّعمان بن الْمُنْذر وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا بلغه عَنهُ.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
(يَا دَار ميّة بالعلياء فَالسَّنَد ... أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الْأَبَد)
(وقفت فِيهَا أصيلاناً أسائلها ... عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ الأواريّ لأياً ... ... ... ... الْبَيْت وَقد تقدّم شرح أَبْيَات كَثِيرَة مِنْهَا فِي عدّة مَوَاضِع.
وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: إلاّ الأواريّ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لأنّها من غير جنس الأحدين. وَالرَّفْع جَائِز على الْبَدَل من الْموضع.
وَالتَّقْدِير: وَمَا بالربّع أحد إلاّ الأواريّ. على أَن يَجْعَل من جنس الأحدين اتساعاً ومجازاً انْتهى.
قَالَ ابْن السّيد: الرّفْع على الْبَدَل من مَوضِع من أحد. لأنّ من زَائِدَة وَأحد مرفوعٌ فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ مخفوضاً فِي اللَّفْظ وَلَيْسَت بِبَدَل من مَوضِع الجارّ وَحده.
وَلَا من مَوضِع الْمَجْرُور وَحده ولكنّها بدل من موضعهما مَعًا.
وَالْبَيْت الأوّل يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي الْفَاء من حُرُوف الْعَطف.
وَقَوله: وقفت فِيهَا الْبَيْتَيْنِ وصف أَن دَار ميّة خلت من أَهلهَا فَسَأَلَهَا
توجّعاً تذكراً لمن حلّ)
بهَا فَلم تجبه إِذْ لَا مُجيب بهَا وَلَا أحد فِيهَا إلاّ الأواريّ وَهِي محابس الْخَيل وَاحِدهَا آريّ وَهُوَ من تأرّيت
(4/125)

بِالْمَكَانِ: إِذا تحسّبت بِهِ. واللأي: البطء. وَالْمعْنَى: تبيّنتها بعد بطء لتغيّرها. والنّؤي: حاجز حول الخباء يدْفع عَنهُ المَاء ويبعده وَهُوَ من نأيت إِذا بعددت. وشبّهه فِي استدارته بالحوض. والمظلومة أَرض حفر فِيهَا الْحَوْض لغير إِقَامَة لأنّها فِي فلاة فظلمت بذلك وغنّما أَرَادَ أنّ حفر الْحَوْض لم يعمق فَذَلِك أشبه للنّؤي وَلذَلِك جعلهَا جلدا وَهِي الصّلبة.
هَذَا مَا قَالَه الأعلم إِجْمَالا وَأما تَفْصِيلًا فَقَوله: أصيلاناً مَنْصُوب على الظّرْف وَفِيه ثَلَاثَة الثَّانِي: أنّه تَصْغِير أصلان وَهُوَ جمع أصيل كرغفان جمع رغيف. وردّه أَن جمع الْكَثْرَة لَا يصغّر إلاّ بردّه إِلَى الْمُفْرد.
الثَّالِث: أنّه مصغّر اصلان أَيْضا لَكِن أصلاناً اسمٌ مُفْرد بِمَعْنى الْأَصِيل مثل التّكلان والغفران.
حكى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ شَارِح الدّيوان واللّخميّ.
وروى أَيْضا: أصيلالا بإبدال النُّون لاماً. والأصيل: الْوَقْت بعد الْعَصْر إلأى الْمغرب. وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا أصيلا كي أسائلها وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا طَويلا كي أسائلها وَهُوَ إمّا بِتَقْدِير وقوفاً طَويلا وإمّا بِتَقْدِير وقتا طَويلا. وَقَوله: أسائلها الْجُمْلَة حَال: إمّا من تَاء وقفت فَهِيَ جَارِيَة على من هِيَ لَهُ وإمّا من ضمير فِيهَا فَتكون لغير من هِيَ لَهُ.
وإنّما جَازَ الْوَجْهَانِ لأنّ فِي أسائلها ضميراً رَاجعا إِلَى السَّائِل وضميراً رَاجعا للمسؤول واستتر الضَّمِير مَعَ جَرَيَان الْحَال على غير من هِيَ لَهُ لأنّ الْفِعْل يسْتَتر فِيهِ ضمير الأجنبيّ وَغَيره لقوّته فِي الْإِضْمَار. فعلى
(4/126)

الأوّل تَقْدِيره مسائلها وعَلى الثَّانِي
مسائلها أَنا بِإِظْهَار الضَّمِير. وَلَا يجوز أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الضميرين على حدّ لَقيته راكبين لاخْتِلَاف العاملين وَلما فِي ذَلِك من التناقص. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد.
وَقَوله: عيّت اسْتِئْنَاف بيانيٌّ وَقيل حَال بِتَقْدِير قد من ضمير الدَّار فِي أسائلها. يُقَال: عييت بِالْأَمر بِالْكَسْرِ: إِذا لم تعرف وَجهه وروى أَيْضا: أعيت بِالْألف أَي: عجزت. وجَوَابا: إمّا تَمْيِيز محوّل عَن الْفَاعِل أَي: عيّ جوابها ثمَّ اسند الْفِعْل إِلَى ضمير الدَّار.)
وَهَذَا كَقَوْلِه: وقفت برسميها فعيّ جوابها وإمّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: عيّت أَن تجيب جَوَابا. وَفِيه نظر ظَاهر.
وَقَوله: وَمَا بالربّع الخ قَالَ ابْن السيّد جَعلتهَا لَا محلّ لَهَا من الْإِعْرَاب وَإِن شِئْت كَانَت حَالا من ضمير عيّت الْمُسْتَتر أَو من ضمير أسائلها وَيلْزم على هَذَا تَقْدِير ضمير صَاحب الْحَال أَي: وَمَا بالربّع مِنْهَا. وَعند الكوفيّين أل فِي الرّبع معاقبة للضمير أَي: وَمَا بربعها انْتهى. والربّع بِالْفَتْح: محلّة الْقَوْم ومنزلهم أَيْنَمَا كَانَ. والمربع كجعفر: منزلهم فِي الرّبيع خَاصَّة. وَلم يصب اللّخمي فِي قَوْله: الرّبع الْمنزل فِي الرّبيع
(4/127)

خاصّة ثمَّ كثر فِي كَلَامهم حتّى قيل لكل منزل ربع وَقَوله: من أحد من زَائِدَة وَأحد فَاعل الظّرْف.
إلاّ الأورايّ لأياً مَا أبيّنها
الأواريّ يُقَال لَهَا الأواخيّ أَيْضا وهما آريّةً وآخيّة بمدّ الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء فيهمَا وَهِي الَّتِي تحبس بهَا الْخَيل من وتد وحبل. واللأي قَالَ ابْن السيّد: هُوَ مصدر لم يسْتَعْمل مِنْهُ فعل إلاّ بِالزِّيَادَةِ يُقَال: التأى وَلَا يُقَال: لأى.
والمظلومة فِيهَا أَقْوَال: قيل: هِيَ الأَرْض حفر فِيهَا وَلم يكن بهَا حفرٌ قبل ذَلِك وَقيل: هِيَ الَّتِي أَتَاهَا سيلٌ من أَرض أُخْرَى وَقيل: هِيَ أَرض مطرَت فِي غير وَقتهَا وَشعر النَّابِغَة يَقْتَضِي الأوّل.
وَقَالَ ابْن السّكّيت: إنّما قيل بالمظلومة لإنّهم مرّوا فِي برّيّة فَحَفَرُوا فِيهَا حوضاً وَلَيْسَ بِموضع حفر فَجعلُوا الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه. والْجلد بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام: الأَرْض الصّلبة من غير حِجَارَة قَالَ ابْن السيّد: وخصّها بذلك لأنّها إِذا كَانَت صلبة تعذر الْحفر فِيهَا فَلم يعمق الْحفر فِيهَا فَهُوَ أولى لتشبيه النؤي بِهِ.
وَفِي رِوَايَة: الأواريّ والنّؤي بِالرَّفْع على لُغَة تَمِيم بالإبدال من مَوضِع من أحد وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أوجه: الأوّل: أنّه أَرَادَ مَا بالربّع إلاّ الأواريّ فَذكر من أحدٍ تَأْكِيدًا وكأنّه فِي التَّقْدِير: مَا بالربّع شَيْء أحدٌ وَلَا غَيره إلاّ الأواريّ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أنّه جعل الأواريّ من جنس أحد على الْمجَاز كَمَا تَقول
(4/128)

تحيّته السّيف وَمَا أَنْت إلاّ أكلٌ وَشرب فَجعل التّحية السَّيْف وَجعله الْأكل وَالشرب مجَازًا.)
وَالْوَجْه الثَّالِث: أنّه خلط من يعقل بِمَا لَا يعقل ثمَّ غلّب من يعقل فَقَالَ: وَمَا بالربّع من أحد وَهُوَ يُرِيد من يعقل وَمَا لَا يعقل ثمَّ أبدل الأواريّ من لفظٍ اشْتَمَل عَلَيْهِ وعَلى غَيره.
وَالْقَوْلَان الأوّلان لسيبويه وَالثَّالِث للمازنيّ.
وَقَوله: كالحوض قَالَ ابْن السيّد: يحْتَمل وَجْهَيْن: إنّ جعلت النّؤي مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ فالظرف خَبره وَإِن جعلته مَرْفُوعا بالْعَطْف على الأواريّ فالظرف حَال من النّؤي كم نصب
النّؤي بالْعَطْف على الأواريّ وعامل الْحَال إِذا نصب النؤي معنى الِاسْتِثْنَاء وَإِذا رفع فَمَعْنَى الِاسْتِقْرَار فِي قَوْله بالربّع.
وَقَوله: بالمظلومة حَال من الْحَوْض وَالْعَامِل مَا فِي الْكَاف من معنى التَّشْبِيه. فَإِن قلت: أيّ مَا هِيَ فِي قَوْله لأيا مَا أبينها قلت: هِيَ كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: إنّ الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضةٌ قَالَ صَاحب الكشّاف: وَمَا هَذِه إبهاميّة وَهِي الَّتِي إِذا اقترنت باسم نكرَة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً كَقَوْلِك: أَعْطِنِي كتابا مَا تُرِيدُ أيّ كتاب كَانَ أَو صلَة للتَّأْكِيد كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: فبمَا نقضهم ميثاقهم انْتهى.
فَالْمَعْنى أنّ هَذَا الرّبع لخلوه من الْأَهْل
(4/129)

قد سفت الرّيح عَلَيْهِ التُّرَاب حتّى خفيت الأواريّ فِيهِ فَلَا تظهر للنَّاظِر بادئ بَدْء وإنّما يستبينها ببطء بعد التأمّل.
فَإِن قلت: رِوَايَة الْفراء تناقص رِوَايَة الْجُمْهُور فإنّ رِوَايَته ذ ريحة فِي نفي استبانة الأواريّ وَحِينَئِذٍ لَا معنى لستثناء الأواريّذ. قلت: هِيَ بِتَقْدِير مَا أبينها بسرعةٍ بل ببطء فتطابق رِوَايَة الْجُمْهُور ويصحّ الِاسْتِثْنَاء.
فَإِن قلت: هَل يصحّ مَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور نَافِيَة قلت: لَا لأنّ الْمَعْنى خينئذ أنّ الأواريّ لم أتبينّها ببطء بل بِسُرْعَة. وَهَذَا خلاف مُرَاد الشَّاعِر فتأمّل. وَفِي ذكر الأواريّ دلَالَة على أنّ أهل الرّبع ذَوُو عزّ وشجاعة لَا قتنائهم الْخَيل. وَالله أعلم.
وترجمة النّابغة الذّبيانيّ قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(وَمَا الدّهر إِلَّا منجوناً بأَهْله ... وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ معذبا)
على أَن يُونُس استدلّ بِهِ على إِعْمَال مَا مَعَ انْتِقَاض نَفيهَا ب إلاّ.
وَأجِيب بِأَن الْمُضَاف مَحْذُوف من الأوّل أَي: يَدُور دوران منجنون ويَدُور خبر الْمُبْتَدَأ فَحذف هُوَ والمصدر وأقيم منجنون مقَام الْمصدر.
(4/130)

وأنّ الثَّانِي أَصله وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ يعذّب معذّباً أَي: تعذيباً ف يعذّب خبر الْمُبْتَدَأ فَحذف وَبَقِي مصدره. فَلَا عمل لما فِي الوضعين.
وخرّجه صَاحب اللب على أنّه بِتَقْدِير: وَمَا الدّهر إلاّ يشبه منجنونا وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ يشبه معذباً فهما منصوبان بِالْفِعْلِ الْوَاقِع خَبرا ومعذّب على هَذَا اسْم مفعول وَهَذَا أقلّ كلفة.
وَقَالَ شَارِح اللبّ السيّد عبد الله: وَيجوز أَن يكون أَي منجنونا مَنْصُوبًا على الْحَال وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: وَمَا الدّهر مَوْجُودا إلاّ مثل المنجنون لَا يستقرّ فِي حَاله. وعَلى هَذَا تكون عاملة قبل انتفاض نَفيهَا. وَكَذَا يكون التَّقْدِير فِي الثَّانِي أَي: وَمَا صَاحب الْحَاجَات مَوْجُودا إلاّ معذّباً.
وَلَا تقدّر هُنَا مثل لأنّ الثَّانِي هُوَ الأوّل.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وجوّز ابْن بابشاذ أَن يكون الأَصْل: إلاّ كمنجنون ثمَّ حذف الجارّ فانتصب الْمَجْرُور. وَمن زعم أَن كَاف التَّشْبِيه لَا يتَعَلَّق
بِشَيْء فَهَذَا التَّخْرِيج عِنْده بَاطِل إِذْ كَانَ حَقه أَن يرفع الْمَجْرُور بعد حذفهَا لأنّه كَانَ فِي محلّ رفع على الخبريّة لَا فِي مَوضِع رفع باستقرارٍ مقدّر فَإِذا ذهب الجارّ ظهر مَا كَانَ للمحلّ. انْتهى.
وَعِنْدِي أَن يكون من قبيل تاويل من قَرَأَ: وَنحن عصبَة بِالنّصب أَي: نرى عصبَة. وَالظَّاهِر أَن هَذَا اسهل.
وَرِوَايَة الْبَيْت كَذَا هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَرَوَاهُ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: إِن كلّ إلاّ ليوفينهم من سُورَة هود: ...
(4/131)

(أرى الدّهر إلاّ منجنوناً بأَهْله ... وَمَا طَالب الْحَاجَات إلاّ معلّلا)
قَالَ: معنى هَذِه الْقِرَاءَة مَا كلّ إلاّ وَالله ليوفينهم كَقَوْلِك: مَا زيد إلاّ لأضربنه أَي: مَا زيد إلاّ مستحقٌ لن يُقَال فِيهِ هَذَا. وَيجوز فِيهِ وَجه ثَان: وَهُوَ أَن تكون إِن مخفّفة من الثَّقِيلَة وَتجْعَل إلاّ)
زَائِدَة. وَقد جَاءَ عَنْهُم ذَلِك قَالَ: أَي: الدّهر منجنوناً بأَهْله يتقلّب بهم فَتَارَة يرفعهم وَتارَة يخفضهم. انْتهى.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إنّما الْمَحْفُوظ: وَمَا الدّهر. ثمَّ إنّ ثبتَتْ رِوَايَته فيتخرج على أنّ أرى جوابٌ لقسم مقدّر وحذفت لَا كحذفها فِي: تالله تفتؤ تذكر ودلّ على ذَلِك الِاسْتِثْنَاء المفرغ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه ابْن جنيّ فِي كتاب ذَا الْقد لبَعض الْعَرَب. والمنجنون: الدولاب الَّذِي يستقى وَهُوَ مؤنث.
قَالَ ابْن جنيّ فِي شرح تصريف المازنيّ المسمّى بالمنصف: لَيْسَ منجنون من دوات الْخَمْسَة هَذَا محَال لأجل تَكْرِير النُّون وَإِنَّمَا هُوَ مثل حندقوق مُلْحق بعضر فوط. وَلَا يجوز أَن تكون الْمِيم زَائِدَة: لأنّا لَا نعلم فِي الْكَلَام مفعلولا وَلَا يجوز أَن تكون الْمِيم وَالنُّون جَمِيعًا زائدتين عِلّة أَن تكون الْكَلِمَة ثلاثية من
(4/132)

لفظ الجنّ من جِهَتَيْنِ.
إِحْدَاهمَا: أَنَّك كنت تجمع فِي أول الْكَلِمَة زيادتين وَلَيْسَ الْكَلِمَة جَارِيَة على عفل مثل منطلق ومستخرج.
وَالْأُخْرَى: أنّا لَا نعلم فِي الْكَلَام منفعولا فَيحمل هَذَا عَلَيْهِ. وَلَا يجوز أَيْضا أَن تكون النُّون وَحدهَا زَائِدَة: لِأَنَّهَا قد ثبتَتْ فِي الْجمع فِي قَوْلهم: مناجين وَلَو كَانَت زَائِدَة لقيل مجاجين فَإِذا لم يجز أَن تكون الْمِيم وَحدهَا زَائِدَة وَلَا النُّون وَحدهَا زَائِدَة وَلَا أَن يَكُونَا كلتاهما زائدتين لم يجز إلاّ أَن يَكُونَا أصلين وَتجْعَل النُّون لاماً مكرّرة وَتَكون الْكَلِمَة مثل حندقوق بعضر فوط.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(فَأَصْبحُوا قد أعَاد الله دولتهم ... إِذْ هم قريشٌ وَإِذ مَا مثلهم بشر)
بِأَن سِيبَوَيْهٍ حكى أَن بعض النَّاس ينصب مثلهم خَبرا ل مَا وبشر اسْمهَا. وَهَذَا لَا يكَاد يعرف. وَقيل: إِن خبر مَا مَحْذُوف أَي: إِذْ مَا فِي الدُّنْيَا بشر وَمثلهمْ حَال من بشر وانتصابه عِنْد الكوفيّين على الظّرْف أَي: فِي مثل حَالهم وَفِي مثل مكانهم من الرّفْعَة.
قَول سِيبَوَيْهٍ مَبْنِيّ على إِعْمَال مَا وَالْقَوْلَان بعده مبنيّان على إهمالها قَالَ
(4/133)

سِيبَوَيْهٍ: وَهَذَا لَا يكَاد يعرف كَمَا أنّ لات حِين مناص ك ذَلِك. وربّ شَيْء هَكَذَا.
قَالَ السّيرافيّ: يَعْنِي أنّ نصب مثلهم بشر على تَقْدِيم الْخَبَر قَلِيل كَمَا أنّ لات حِين مناص بِالرَّفْع قَلِيل لَا يكَاد يعرف انْتهى.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النحّاس: يذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أنّه نصب مثلهم على أنّه خبر وَإِن كَانَ مقدما فَكَأَنَّهُ يُجِيز مَا قَائِما زيد. أَقُول: كَيفَ ينصبونه مقدما قَالَ النحّاس: سَأَلت أَبَا إِسْحَاق عمّا قَالَه المبرّد فَقَالَ: إنّه لعمري من بني تَمِيم. وَلكنه مُسلم قد قَرَأَ الْقُرْآن وَقَرَأَ فِيهِ: مَا هنّ أمّهاتهم فَرجع إِلَى لُغَة من ينصب فَلَا معنى للتشنيع بِأَنَّهُ من بني تَمِيم. انْتهى.
أَقُول: من نصب لَا ينصب مَعَ تقدّم الْخَبَر فَلَا يصحّ هَذَا جَوَابا. وَقيل: أَرَادَ الفرزدق أَن يتكلّم بلغَة الْحجاز فغلط وَهَذَا بَاطِل فَإِن العربيّ لَا يُمكن أَن يغلط لِسَانه وَإِنَّمَا الْجَائِز غلطه فِي الْمعَانِي.
وَقَالَ الأعلم: وَالَّذِي حمله عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أصحّ عِنْدِي وَإِن كَانَ الفرزدق تميمياً: لأنّه أَرَادَ أَن يخلّص الْمَعْنى من الِاشْتِرَاك: وَذَلِكَ أَنه لَو قَالَ فِيهِ إِذْ مَا مثلهم بشر بِالرَّفْع لجَاز أَن يتوهّم أَنه من بَاب مَا مثلك أحدا إِذا نفيت عَنهُ الإنسانية والمروءة فَإِذا
قَالَ: مَا مثلهم بشر بِالنّصب لم يتَوَهَّم ذَلِك وخلص الْمَعْنى للمدح دون توهّم الذمّ فتأمّله تَجدهُ صَحِيحا.
وَالشعر مَوضِع ضَرُورَة
(4/134)

وَيحْتَمل فِيهِ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه دون إِحْرَاز فَائِدَة فَكيف مَعَ وجود ذَلِك. وسيبويه مِمَّن يَأْخُذ بتصحيح الْمعَانِي وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ فَكَذَلِك وجّهه على هَذَا وَإِن كَانَ غَيره أقرب إِلَى الْقيَاس. انْتهى.)
يُرِيد بتخليص الْمَدْح أَنَّك إِذا قلت مَا مثلك أحدا فنفيت الأحديّة احْتمل الْمَدْح والذمّ فَإِن قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وَفِيه نظر فإنّ السِّيَاق يعيّن الْكَلَام للمدح.
وَقَالَ فِي الردّ على الْمبرد أَحْمد بن مُحَمَّد بن ولاّد: إنّ الرّواة عَن الفرزدق وَغَيره من الشُّعَرَاء قد تغير الْبَيْت على لغتها. وترويه على مذاهبها مِمَّا يُوَافق لُغَة الشَّاعِر ويخالفها وَلذَلِك كثرت الرِّوَايَات فِي الْبَيْت الْوَاحِد.
أَلا ترى أنّ سِيبَوَيْهٍ قد يستشهد ببيتٍ وَاحِد لوجوهٍ شتّى وإنّما ذَلِك على حيب مَا غيّرته الرّواة بلغاتها لِأَن لُغَة الرَّاوِي من الْعَرَب شاهدٌ كَمَا أنّ قَول الشَّاعِر شَاهد إِذا كَانَا فصيحين.
فَمن ذَلِك مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(بدا لي أنّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سابقٍ شيئاٍ إِذا كَانَ جائيا)
(4/135)

وَرَوَاهُ أَيْضا: وَلَا سَابِقًا فِي مَوضِع آخر. وَكَذَلِكَ قَول الْأَعْوَر الشّنّيّ: المتقارب
(فَلَيْسَ يآتيك منهيها ... وَلَا قاصرٌ عَنْك مأمورها)
بِالرَّفْع والجر. وَهَذَا كثير جدا. انْتهى.
وَفِيه أنّ بَيت الفرزدق لَيْسَ على لُغَة الْحجاز وَلَا على لُغَة تَمِيم وَغَيرهَا فَكيف يكون من قبيل لُغَة الرَّاوِي فتأمّل.
وَالْقَوْل الأوّل من الْقَوْلَيْنِ هُوَ المازنيّ وَتَبعهُ المبرّد وَقَالَ: كأنّمثلهم صفةٌ لبشر فلمّا قدّم عَلَيْهِ صَار قَالَ السَّيِّد عبد الله فِي شرح اللب: وَفِيه نظر لأنّ الْحَال فضلَة يتمّ الْكَلَام بِدُونِهَا وَهَاهُنَا لَا يتمّ الْكَلَام بِدُونِ مثلهم فَلَا يكون حَالا.
وردّه ابْن هِشَام أَيْضا فِي شرح شواهده بأنّ مَعَاني الْأَفْعَال لَا تعْمل مضمرة. والكوفّيون الْقَائِلُونَ بِنصب مثل على الظّرْف يَقُولُونَ: اصله مَا بشر فِي مكانٍ مثل مكانهم ثمَّ أنيبت الصّفة عَن الْمَوْصُوف والمضاف إِلَيْهِ عَن الْمُضَاف.
قَالَ ابْن هِشَام: وردّ بأنّ الصّفة إنّما تخلف الْمَوْصُوف إِذا اختصّت بِجِنْسِهِ وَلِهَذَا جَازَ رَأَيْت كَاتبا وَامْتنع رَأَيْت طَويلا.
وَبَقِي تَخْرِيج آخر لم يذكرهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَهُوَ أنّ مثلهم خبر مَا التميميّة لَكِن بني مثل على الْفَتْح إِضَافَته إِلَى مبنّي فإنّ الْمُضَاف إِذا كَانَ مُبْهما كَغَيْر وَمثل وَدون واضيف إلأى مبنيّ بني كَقَوْلِه تَعَالَى: إنّه لحقٌّ
(4/136)

مثل مَا أَنكُمْ تنطقون فِيمَن فتح مثل أَو كَقِرَاءَة بَعضهم: أَن يُصِيبكُم مثل)
مَا أصَاب بِالْفَتْح. وَهَذَا
أقرب الْأَقْوَال.
وَزعم ابْن مَالك أنّ ذَلِك لَا يكون فِي مثل لمخالفتها للمبهمات بِأَن تثنّى وَتجمع.
وَقَوله: إِذْ هم قُرَيْش الخ إِذْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتَّعْلِيل. وَبِه اسْتشْهد ابْن هِشَام فِي هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز الْأمَوِي. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الْبَسِيط
(تَقول لمّا رأتني وَهِي طيّبةٌ ... على الْفراش وَمِنْهَا الدّلّ والخفر)
(أصدر همومك لَا يقتلك واردها ... فكلّ واردةٍ يَوْمًا لَهَا صدر)
إِلَى أَن قَالَ:
(فعجنتها قبل الأخيار منزلَة ... والطّيّبي كلّ مَا التأثت بهَا الأزر)
(إِذا رجا الركب تعريساً ذكرت لَهُم ... عَيْشًا يكون على الْأَيْدِي لَهُ دُرَر)
(وَكَيف ترجون تغميضاً وأهلكهم ... بِحَيْثُ تلحس عَن أَوْلَادهَا الْبَقر)
...
(4/137)

(سِيرُوا فإنّ ابْن ليلى عَن أمامكم ... وبادروه فَإِن الْعرف يبتدر)
إِلَى أَن قَالَ:
(وَمَا أُعِيد لَهُم حتّى أتيتهم ... أزمان مَرْوَان إِذْ فِي وحشها غرر)
(فَأَصْبحُوا قد أعَاد الله دولتهم ... إِذْ هم قريشٌ وَإِذ مَا مثلهم بشر)
(وَلنْ يزَال إمامٌ مِنْهُم ملكٌ ... إِلَيْهِ يشخص فَوق الْمِنْبَر الْبَصَر)
(إِن عاقبوا فالمنايا من عقوبتهم ... وَإِن عفوا فذوو الأحلام إِن قدرُوا)
قَوْله: وَمِنْهَا الدلّ والخفر الدلّ بِفَتْح الدَّال: مصدر دلّت الْمَرْأَة من بَابي ضرب وتعب.
وتدللّت تدلّلاً وَالِاسْم الدّلال وَهُوَ جرأتها فِي تكسر وتغنج كَأَنَّهَا مُخَالفَة وَلَيْسَ بهَا خلاف.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والخفر بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَهُوَ شدّة الْحيَاء.
وَقَوله: أصدر همومك أَي: اصرفها عَنْك يُقَال: صدر الْقَوْم وأصدرناهم إِذا صرفتهم.
وَقَوله: فَكل وَارِدَة تَعْلِيل لقَوْله أصدر.
وَقَوله: فعجتها قبل الأخيار الخ يُقَال: عجت النّاقة أعوجها: إِذا عطفت رَأسهَا بالزمام وَالضَّمِير للناقة.)
(4/138)

وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن قَاسم فِي شرح الألفيّة على أنّ الطّيبي صفة مشبّهة مُضَافَة إِلَى مُضَاف وَقَوله: إِذا رجا الرّكب الخ التَّعْرِيس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل للاستراحة وَالنَّوْم.
وَقَوله: بِحَيْثُ تلحس أَي: فِي مَوضِع لَا نَبَات بِهِ وَلَا مَاء.
وَابْن ليلى هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أميّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف. وليلى هِيَ أمّه وَهِي بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب رضيّ الله عَنهُ.
والْعرف بِالضَّمِّ: الْمَعْرُوف.
وَقَوله: إِذْ فِي وحشها غرر الْغرَر بِالْكَسْرِ: جمع غرّة وَهِي الْغَفْلَة. يُرِيد أَن وحشها لَا يدعرها أحد فَهِيَ فِي غرّة من عيشها يُقَال: هُوَ فِي غرّة من الْعَيْش إِذا كَانَ فِي عَيْش لَيْسَ فِيهِ كدر وَلَا خوف. وأزمان: نَائِب فَاعل أُعِيد. وأتيتهم خطاب لعمر بن عبد الْعَزِيز. وَضمير وحشها للمدينة المنوّرة.
قَالَ ابْن خلف: مدح الفرزدق بِهَذَا الشّعْر بن عبد الْعَزِيز. وَكَانَ قد ولي الْمَدِينَة. يَقُول: وَمَا أُعِيد لأهل الْمَدِينَة وَلمن بهَا من قُرَيْش أزمانٌ مثل أزمان مَرْوَان فِي الخصب والسّعة حَتَّى وليت أَأَنْت عَلَيْهِم فَعَاد لَهُم مثل مَا كَانُوا فِيهِ من الْخَيْر حِين كَانَ مَرْوَان والياً عَلَيْهِم فَأَصْبحُوا بولايتك عَلَيْهِم قد أعَاد الله نعمتهم عَلَيْهِم.
وَقَالَ الأعلم: مدح بالشعر بني أميّة فَقَالَ: كَانَ ملك الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة
(4/139)

لغير قُرَيْش وَسَائِر مُضر وَكَانُوا أحقّ بِهِ لفضلهم على الْبُسْر فقد أَصْبحُوا وَالْإِسْلَام فيهم فَعَاد إِلَيْهِم مَا رَجَعَ عَن غَيرهم بِمَا كَانَ وَاجِبا لَهُم بفضلهم انْتهى.
وَالْمعْنَى هُوَ الأوّل ويدلّ لَهُ قَوْله: قد أعَاد الله نعمتهم فإنّ نعمتهم كَانَت مُنْقَطِعَة بعزل مَرْوَان)
وأعيدت أليهم بتولية عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَيْهِم فإنّ الْعود رُجُوع الشَّيْء إِلَى الشَّيْء بعد انْفِصَاله عَنهُ.
وأمّا قَوْله: فَعَاد إِلَيْهِم بعد مَا خرج عَن غَيرهم فَهَذَا انْتِقَال لَا عود.
وَقَوله: قد أعَاد الله نعمتهم هَذِه الْجُمْلَة خبر صَار.
وَالْعجب من العيبيّ فِي قَوْله صَار من الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَجعله هَذِه الْجُمْلَة حَالا مَعَ أَنه لم يعيّن الْخَبَر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
على أَن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز تَقْدِيم الْخَبَر الْمَنْصُوب إِذْ الْبَاء لَا تدخل إلاّ على الْخَبَر الْمَنْصُوب.
وعَلى هَذَا بني أَبُو عليّ والزمخشريّ امْتنَاع دُخُولهَا على مَا التميمية
(4/140)

وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش.
قَالَ أَبُو عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أمّا مَا انشده بعض البغداديين:
(أما وَالله عَالم كل غيبٍ ... وربّ الْحجر وَالْبَيْت الْعَتِيق)
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
فإنّه يكون شَاهدا على مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو فِي نصب خبر مَا مقدّما. وَمن دفع ذَلِك أمكن أَن يَقُول إِن الْبَاء دخلت على الْمُبْتَدَأ وَحمل مَا على أَنَّهَا مَا التميمية. ويقوى أَن مَا حجازيّة أنّ أَنْت أخصّ من الحرّ فَهُوَ أولى بِأَن يكون الِاسْم وَيكون الحرّ الْخَبَر. انْتهى.
أَقُول: من يدْفع ذَلِك يَقُول: إنّ الْبَاء زيدت فِي خبر مَا التميمية وَلَا يذهب أَن مذخولها مُبْتَدأ. وَالصَّحِيح أنّها تزاد فِي خبر مَا على اللّغتين وَهُوَ ظاره كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي مَسْأَلَة مَا زيد بِشَيْء إلاّ شَيْء لَا يعبأ بِهِ.
قَالَ الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة: والأصحّ مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أوجه: أَحدهَا: أنّ بني تَمِيم يدْخلُونَهَا فغي الْخَبَر فَيَقُولُونَ: مَا زيد بقائم فَإِذا لم يدخلوها رفعوا.
قَالَ ابْن خروف: إنّ بني تَمِيم يرفعون مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر ويدخلون الْبَاء فِي الْخَبَر لتأكيد النَّفْي. ثمَّ حكى عَن الفرّاء أنّه قَالَ: أنشدتني امرأةٌ.)
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
(4/141)

قَالَ: فأدخلت الْبَاء فِيمَا يَلِي مَا. فَإِن ألغيتها رفعت. انْتهى.
وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق وَهُوَ تميمي: الطَّوِيل
(لعمرك مَا معن بتارك حقّه ... وَلَا منسئٌ معنٌ وَلَا متيسّر)
وَهُوَ كثير فِي أشعارهم لمن بحث عَنهُ.
وَالثَّانِي: أَن الْبَاء إِنَّمَا دخلت على الْخَبَر بعد مَا لكَونه منفيّاً لَا لكَونه خَبرا مَنْصُوبًا وَلذَلِك دخلت فِي خبر لم يكن وَلم يدْخل فِي خبر كنت. وَإِذا ثَبت أَن المسوّغ لدخولها إنّما هُوَ النَّفْي فَلَا فرق بَين منفي مَنْصُوب الْمحل ومنفيّ مَرْفُوع الْمحل.
وَالثَّالِث: أنّه قد ثَبت دُخُول الْبَاء مَعَ إبِْطَال الْعَمَل وَمَعَ أداةٍ لَا عمل لَهَا الْبَتَّةَ نَحْو قَوْله: المتقارب.
(لعمرك مَا إِن أَبُو مالكٍ ... بواهٍ وَلَا بضعيف قواه)
وَأنْشد الفارسيّ فِي التّذكرة للفرزدق: الطَّوِيل
(يَقُول إِذا اقلولى عَلَيْهَا وأقردت ... أَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم)
وإنّما دخلت بعد هَل لشبهها بِحرف النَّفْي فَدَخَلُوهَا بعد النَّفْي الْمَحْض وَهُوَ مَا التميميّة أحقّ.
قَالَ ابْن مَالك: لِأَن شبه مَا بهَا أكمل من شبه هَل بهَا. ثمَّ ذكر مَا حكى الفرّاء عَن كثيرٍ من أهل نجد. أَنهم يجرّون الْخَبَر بَعْدَمَا بِالْبَاء وَإِذا أسقطوا الْبَاء رفعوا.
قَالَ ابْن مَالك: وَهَذَا دَلِيل واضحٌ على أَن دُخُول
(4/142)

الْبَاء جارّة للْخَبَر بعد مَا لَا يلْزم مِنْهُ كَون الْخَبَر مَنْصُوب الْمحل بل جَازَ أَن يُقَال هُوَ مَنْصُوب المحلّ وَأَن يُقَال هُوَ مَرْفُوع المحلّ وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ حجازياً فإنّ الحجازيّ قد يتَكَلَّم بِغَيْر لغته وَغَيره يتكلّم بلغته. إلاّ أنّ الظَّاهِر أنّ محلّ الْمَجْرُور نصبٌ إِن كَانَ الْمُتَكَلّم حجازياً ورفعٌ إِن كَانَ تميمياً أَو نجدياً.
قَالَ: فَمن دُخُول اللُّغَة التميمية فِي الحجازية كسر هَاء الْغَائِب بعد كسرة أَو يَاء سَاكِنة وإدغام نَحْو: وَلَا يضارّ كاتبٌ وَلَا شهيدٌ وَرفع الله من قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إلاّ الله لأنّ اللُّغَة الحجازيّة بِهِ وَفِيه بِالضَّمِّ وَلَا يضارر بالفكّ وإلاّ الله بِالنّصب لأنّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع.
قَالَ: وَإِذا جَازَ للحجازيّ أَن يتَكَلَّم باللغة التميميّة جَازَ للتميميّ أَن يتَكَلَّم باللغة الحجازيّة بل)
التميميّ بذلك أولى لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أنّ الحجازية أفْصح وانقياد غير الْأَفْصَح لموافقة الْأَفْصَح أَكثر وقوعاً من الْعَكْس.
وَالثَّانِي: أنّ مُعظم الْقُرْآن حجازيّ والتميميّون متعبّدون بتلاوته كَمَا أنزل وَلذَلِك لَا يقْرَأ أحد مِنْهُم مَا هَذَا بشر إلاّ من جهل كَونه منزلا. هَذَا مَا قَالَه وَفِيه نظر لَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع. انْتهى مَا أوردهُ الشّاطبي.
وروى الفرّاء هَذَا الْبَيْت فِي تَفْسِيره كَذَا:
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
أنْشدهُ فِي سُورَة الجنّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِن استقاموا على الطّريقة.
(4/143)

قَالَ: قد اجْتمع الفرّاء على كسر إنّا فِي قَوْله تَعَالَى: فَقَالُوا إنّا سمعنَا قُرْآنًا عجيباً وَاخْتلفُوا فِيمَا بعد ذَلِك فقرؤوا: وَأَنا وإنّا إِلَى آخر السُّورَة فكسروا بَعْضًا وفتحوا بَعْضًا. فأمّا الَّذين فتحُوا كلّها فإنّهم ردّوا أنّ على قَوْله: فَآمَنا بِهِ وآمنا بكلّ ذَلِك ففتحت أنّ لوُقُوع الْإِيمَان ويقويّ النصب قَوْله تَعَالَى: وَأَن لَو استقاموا فَيَنْبَغِي لمن كسر أَن يحذف أَن من لَو لأنّ إنّ إِذا خفّفت لم تكن فِي حِكَايَة أَلا ترى أنّك تَقول: أَقُول لَو فعلت لفَعَلت وَلَا تدخل أَن.
وَأما الَّذين كسروا كلّها فهم فِي ذَلِك يَقُولُونَ: وَأَن لَو استقاموا فكأنهم أضمروا يَمِينا مَعَ لَو وقطعوها عَن النسق فَقَالُوا: وَالله أَو لَو استقاموا. وَالْعرب تدخل أَن فِي هَذَا الْموضع مَعَ الْيَمين وتحذفها قَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل فأقسم لَو شَيْء أَتَانَا رَسُوله
وأنشدني آخر: أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... ... ... . . الْبَيْت وَمن كسر كلّها وَنصب وأنّ الْمَسَاجِد لله خصّه بِالْوَحْي وَجعل وَأَن لَو مضمرة فِيهَا الْيَمين على مَا وصفت لَك. انْتهى.
وَكَذَا أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث أَن وَجعلهَا زَائِدَة قَالَ: وَمن مَوَاضِع زيادتها أَن تقع بَين لَو وَفعل الْقسم مَذْكُورا كَقَوْلِه:
(4/144)

فأقسم أَن لَو الْتَقَيْنَا وَأَنْتُم ... ... ... ... .
أَو متروكاً كَقَوْلِه:)
وَهَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَغَيره. وَفِي مقرب ابْن عُصْفُور: أنّها فِي ذَلِك حرف جِيءَ بِهِ لربط الْجَواب بالقسم. ويبعده أنّ الْأَكْثَر تَركهَا والحروف الرابطة لَيست كَذَلِك انْتهى.
ونقضه الدّمامينيّ بِاللَّامِ الدَّاخِلَة على الْجَواب المنفيّ كَقَوْلِك: الوافر
وَلَو نعطى الْخِيَار لما افترقنا فإنّها حرف رابط وَالْأَكْثَر تَركهَا نَحْو: وَلَو شَاءَ ربّك مَا فَعَلُوهُ انْتهى.
وأنشده المراديّ أَيْضا كَذَا فِي شرح الألفيّة شَاهدا على أنّ أَن رابط لجواب الْقسم.
وَقَوله: أما وَالله عَالم كلّ غيب ... الخ
(4/145)

أما بِالتَّخْفِيفِ حرف تبينه يستفتح بِهِ الْكَلَام وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف أَي: لقاومتك أَو فِي بيتٍ آخر.
وَقَوله: لَو أنّك يقْرَأ بِنَقْل فَتحه الْألف من أنّك إِلَى وَاو لَو. والحرّ من الرِّجَال: الْكَرِيم الأَصْل الَّذِي خلص من الرّق مُطلقًا وساء كَانَ رّق الْعُبُودِيَّة أَو رّق النَّفس بِأَن تستخدمه فِي الرذّائل. والخليق: الجدير واللائق أَي: وَلَا أَنْت جدير بِأَن تكون حرّاً. والْعَتِيق على رِوَايَة الفرّاء وَغَيره هُوَ الْكَرِيم والأصيل. وَالَّذِي خلص من الرقّ عَتيق أَيْضا. ولذكره بِجنب الحرّ حسن وَهَذَانِ البتان لم أعرف قائلهما. وَقَالَ العينيّ فِي الْبَيْت الشَّاهِد: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَلم يعزه إِلَى أحد. أَقُول: لم ينشده سِيبَوَيْهٍ وَلَا وَقع فِي كِتَابه. وَصَوَابه أنْشدهُ الفرّاء فإنّه أوّل من اسْتشْهد بِهِ.
وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
المتقارب
(لعمرك مَا إِن أَبُو مَالك ... بوانٍ وَلَا بضعيف قواه)
على أنّ الْبَاء تزاد بعد مَا النافية المكفوفة بإن اتِّفَاقًا. وَهَذَا يدلّ على أنّه لَا اخْتِصَاص لزِيَادَة الْبَاء فِي خبر مَا الحجازيّة.
وَهَذَا الْبَيْت أول أبياتٍ للمتنخّل الهذليّ يرثي بهَا أَبَاهُ وَبعده: ...
(4/146)

(وَلَا بألدّ لَهُ نازعٌ ... يغاري أَخَاهُ إِذا مَا نَهَاهُ)
(ولكنّه هيّنٌ ليّنٌ ... كعالية الرّمح عردٌ نساه)
(إِذا سدته سدت مطواعةً ... وَمهما وكلت إِلَيْهِ كَفاهُ)
(أَلا من يُنَادي أَبَا مالكٍ ... أَفِي أمرنَا هُوَ أم فِي سواهُ)
(أَبُو مالكٍ قاصرٌ قفره ... على نَفسه ومشيعٌ غناهُ)
وَقَوله: لعمرك مَا إِن الخ اللَّام لَام الِابْتِدَاء وفائدتها توكيد مَضْمُون الْجُمْلَة. وعمرك بِالْفَتْح بِمَعْنى حياتك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة مَا إِن أَبُو مَالك الخ جَوَاب الْقسم وأَبُو مَالك هُوَ أَبُو الشَّاعِر. واسْمه عُوَيْمِر لأنّ المتنخّل اسْمه مَالك بن عُوَيْمِر كَمَا يَأْتِي قَرِيبا.
وَلم يصب ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء فِي زَعمه أَنه يرثي أَخَاهُ أَبَا مَالك عويمراً. وان: اسْم فَاعل من ونى فِي الْأَمر ونى وونياً من بَابي تَعب ووعد بِمَعْنى ضعف وفتر.
وَرُوِيَ بدله واهٍ وَهُوَ أَيْضا اسْم فَاعل من وهى من بَاب وعد بِمَعْنى ضعف وَسقط. والقوى: جمع قوّة خلاف الضعْف قَالَ فِي الصِّحَاح: وَرجل
شَدِيد القوى أَي: شَدِيد أسر الْخلق. يُرِيد أَن أَبَاهُ كَانَ جلدا شهماً لَا يكل أمره إِلَى أحد وَلَا يُؤَخِّرهُ لعَجزه إِلَى وَقت آخر.
وَقَوله: وَلَا بألدّ الخ الألدّ: الشَّديد الْخُصُومَة من اللّدد بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ شدّة الْخُصُومَة.
قَالَ السكّريّ فِي شرح أشعار هُذَيْل هُنَا وَتَبعهُ السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَمعنى لَهُ نازعٌ أَي: خلق سوء يَنْزعهُ من نَفسه يُرِيد أَنه من نزعت الشَّيْء من مَكَانَهُ من بَاب ضرب بِمَعْنى قلعته وَيجوز أَن يكون من قَوْلهم لعلّ لَهُ عرقاً نزع أَي: مَال بالشبه. وَيَقُولُونَ أَيْضا: الْعرق نزّاع.
(4/147)

وَنزع إِلَى أَبِيه وَنَحْوه فِي الشّبَه أَي: ذهب. وَهَذَا عِنْدِي أولى.
وَقَوله: يغاري أَخَاهُ قَالَ السكّريّ وَتَبعهُ السيّد المرتضى: أَي: يلاحي ويشارّ من غاريت)
بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا واليت بَينهمَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَهُوَ من غري بالشَّيْء يغرى بِهِ. أَقُول: كَونه من غري فلَان إِذا تَمَادى فِي غَضَبه أولى. وَرُوِيَ بدله: يعادي من العدواة ضدّ الصّداقة. وَهَذَا وَمَا قبله كِلَاهُمَا داخلان تَحت النَّفْي.
وَقَوله: كعالية الرّمح الخ عالية الرمْح: مَا دخل فِي السنان إِلَى ثلثه وَمعنى: كَونه لينّا كعالية الرّمح أنّه إِذا دعِي أجَاب بسرعةٍ كعالية الرّمح فَإِنَّهُ إِذا هزّ الرّمح اضْطربَ وانهزّ للينه بِخِلَاف غَيره من الأخشاب فَإِنَّهُ لَا يَتَحَرَّك طرفها إِذا هزّت لصلابتها ويبسها.
وَقَوله: عرد نساه العرد بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الشَّديد. وَالضَّمِير لأبي مَالك. والنّسا قَالَ الأصمعيّ: بِالْفَتْح مَقْصُور: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثمَّ يمرّ بالعرقوب حتّى يبلغ الْحَافِر فَإِذا سمنت الدابّة انفلقت فخذاها بلحمتين عظمتين وَجرى النّسا بَينهمَا واستبان. وَإِذا هزلت الدابّة اصطربت الفخذان وَمَاجَتْ الرّبلتان وخفي النّسا.
وَإِذا قَالُوا: إنّه لشديد النّسا فإنّما يُرِيدُونَ بِهِ النّسا نَفسه كَذَا فِي الصِّحَاح. قَالَ السكّريّ: أَرَادَ غليظ مَوضِع النسا.
وَقَوله: إِذا سدته سدت الخ قَالَ السيّد المرتضى: وَمعنى سدته من المساودة الَّتِي هِيَ المساررة والسّواد هُوَ السّرار كَأَنَّهُ قَالَ: إِذا ساررته طاوعك وساعدك. وَقَالَ قوم: هُوَ من وَقوم ينشدونه: إِذا سسته سست مطواعةً
(4/148)

وَلم أجد ذَلِك فِي رِوَايَة. انْتهى.
وَهَذِه الرِّوَايَة أثبتها أَبُو تَمام صَاحب الحماسة فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل. وسته من سست الرعيّة سياسة. والمطواع: الْكثير الطوع أَي: الانقياد وَالتَّاء لتأكيد الْمُبَالغَة.
وَاقْتصر السكّريّ على الْمَعْنى الثَّانِي فَقَالَ: يَقُول إِذا كَانَ لَك السؤدد عَلَيْهِ أطاعك وَلم يحسدك.
وَمهما وكلت إِلَيْهِ أَي: مهما تركته وإيّاه كَفاهُ. انْتهى.
والسّواد بِالْكَسْرِ كالسّرار وزنا وَمعنى.
وَهَذَا الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي الجوازم. وَقَوله: أَفِي أمرنَا هُوَ الخ يَعْنِي غيبته عَنَّا ألنفعنا كَمَا كَانَ تعوّد أم لشَيْء آخر كالموت. وَهَذَا كَلَام المتولّه الَّذِي حصل لَهُ ذُهُول لعظم مَا)
أَصَابَهُ.
وَقَالَ السكّريّ: هَذَا مِنْهُ توجّع أَرَادَ من يُنَادي أَبَا مَالك فيسأله أمضى أم قد ذهب وَأمره يصير إِلَيْنَا أم يذهب وَقَالَ الباهليّ: أمرنَا أمره.
وَقَوله: قَاصِر فقره على نَفسه هُوَ من الْقصر وَهُوَ الْحَبْس. والمشيع: من الإشاعة وَهِي الإذاعة. يُرِيد أنّه إِذا افْتقر أخْفى فقره وَإِذا أثرى أذاع غناهُ ليقصد من كلّ جِهَة وَهَذَا من شرف النَّفس.
وَهَذِه الأبيات على هَذَا التَّرْتِيب للمتنخّل الهذليّ رَوَاهَا ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء والسكّريّ فِي أشعار هُذَيْل والسيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ والأصبهانيّ
فِي أغانيه. وروى أَبُو تّمام فِي مُخْتَار أشعار البائل الْبَيْت الشَّاهِد مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين لذِي الإصبع العدوانيّ هَكَذَا: ...
(4/149)

(وَمَا إِن أسيدٌ أَبُو مالكٌ ... بوانٍ وَلَا بضعيفٍ قواه)
(ولكنّه هيّنٌ ليّنٌ ... كعالية الرّمح عردٌ نساه)
(فَإِن سسته سست مطواعةً ... وَمهما وكلت إِلَيْهِ كَفاهُ)
وَأسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة. والمتنخّل بِكَسْر الْخَاء الْمُشَدّدَة اسْم فَاعل من تنخّل يُقَال تنخّلته أيّ: تخيّرته كأنّك صفتيه من نخالته. والمتنخل لقبٌ واسْمه مَالك وَهُوَ جاهليّ.
ونسبته: مَالك بن عُوَيْمِر بن عُثْمَان بن خُنَيْس بن عَادِية بن صعصعة بن كَعْب بن طابخة أَخُو بني لحيان بن هُذَيْل بن مدركه. شاعرٌ محسّن من شعراء هُذَيْل.
قَالَ الآمديّ: والمتنخّل السّعديّ شَاعِر أَيْضا وَلم يَقع إليّ من شعره شيءٌ. وَاسْتشْهدَ
(يَا زبرقان أَخا بني خلفٍ ... مَا أَنْت ويب أَبِيك وَالْفَخْر)
وَمن شعر المتنخّل الهذليّ أنْشدهُ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح نَوَادِر القالي وَلَيْسَ مَوْجُودا فِي رِوَايَة السكّريّ: الْبَسِيط
(لَا ينسئ الله منّا معشراً شهدُوا ... يَوْم الأميلح لَا عاشوا وَلَا مرحوا)
...
(4/150)


(عقّوا بسهمٍ فَلم يشْعر لَهُ أحدٌ ... ثمّ استفاؤوا وَقَالُوا حبذا الوضح)
قَالَ البكريّ: هَذَا من شعر يهجو بِهِ نَاسا من قومه كَانُوا مَعَ أَبِيه حجّاجاً يَوْم قتل. وَقَوله: لَا ينسئ الله أَي: لَا يُؤَخر الله مَوْتهمْ من الْإِنْشَاء وَهُوَ التَّأْخِير.)
قَالَ أَبُو العبّاس ثَعْلَب: التّعقية: سهم الِاعْتِذَار. قَالَ ابْن الأعرابيّ: أصل هَذَا أَن يقتل الرجل رجلا من قبيلته فيطلب الْقَاتِل بدمه فتجتمع جمَاعَة من الرؤساء إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول بديةٍ مكملة ويسألونهم الْعَفو وَقبُول الدِّيَة فَإِن كَانَ أولياؤه ذَوي قوّة أَبَوا ذَلِك وإلاّ قَالُوا لَهُم: بَيْننَا وَبَين خالقنا علامةٌ لِلْأَمْرِ والنّهي فَيَقُول الْآخرُونَ: مَا علامتكم فَيَقُولُونَ: أَن نَأْخُذ سَهْما فنرمي بِهِ نَحْو السَّمَاء فَإِن رَجَعَ إِلَيْنَا مضرّجاً بِالدَّمِ فقد نهينَا عَن أَخذ الدِّيَة وَإِن رَجَعَ كَمَا صعد فقد أمرنَا بأخذها. وَحِينَئِذٍ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدِّيَة. وَكَانَ مسح اللّحية عَلامَة للصّلح قَالَ الأسعر الْجعْفِيّ: قَالَ ابْن الأعرابيّ: مَا رَجَعَ ذَلِك السّهم قطّ إلاّ نقيّاً وَلَكنهُمْ يَعْتَذِرُونَ بِهِ عِنْد الجهّال انْتهى. وعقّوا بِضَم الْقَاف وَفتحهَا لأنّه جَاءَ من بَابَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَال: عقّ بِالسَّهْمِ إِذا رمي بِهِ نَحْو السَّمَاء وَذَلِكَ السهْم يسمّى عقيقة بقافين وَيُقَال لَهُ أَيْضا: سهم
(4/151)

الِاعْتِذَار. فعقّوا بِضَم الْقَاف. وَيُقَال: عقّى بسهمه تعقية: إِذا رَمَاه فِي الْهَوَاء. فعقّوا بِفَتْح الْقَاف.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(نَدِمت على لِسَان كَانَ منّي ... فليت بأنّه فِي جَوف عكم)
على أنّ الْبَاء قد تزاد بعد لَيْت كَمَا هُنَا.
قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: الْبَاء زَائِدَة وَالْوَجْه فليت أنّه.
قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: وَجه زِيَادَة الْبَاء فِي اسْم لَيْت شبه لَيْت لنصبها ورفعها بِالْفِعْلِ وَالْفِعْل يصل تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِالْبَاء قَالَ تَعَالَى: ألم يعلم بأنّ الله يرى ويعلمون أنّ الله هُوَ الحقّ الْمُبين.
وَمثله فِي أَنه لما أشبه الْفِعْل عديّ تعديته تَارَة بِنَفسِهِ وَأُخْرَى بِحرف الْجَرّ يَا زيد وبالزيد.
فَإِن قلت: فَهَل يكون على إِضْمَار اسْم لَيْت كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(أَلا لَيْت أنّي يَوْم تَدْنُو منيّتي ... شممت الَّذِي مَا بَين عَيْنَيْك والفم)
فغن ذَلِك لَا يَسْتَقِيم لِئَلَّا يبتدأ بأنّ مَفْتُوحَة.
وسدّ الظّرْف فِي خبر أنّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا سدّ فِي قَوْلك علمت أَن زيدا فِي الدَّار مسدّ)
الْمَفْعُول الثَّانِي. وَجَوَاز حذف الْخَبَر فِي لَيْت وأنّ وبابه بِوُقُوع الْجمل أَخْبَارًا لَهَا. انْتهى.
(4/152)

وَقَالَ فِي الْحجَّة عِنْد قَوْله تَعَالَى: ولكنّ الشّياطين كفرُوا من سُورَة الْبَقَرَة: فَأَما مَا أنْشدهُ أَبُو زيد:
نَدِمت على لِسَان فَاتَ منّي الْبَيْت فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تكون الْبَاء زَائِدَة وَتَكون أنّ مَعَ الجارّ فِي مَوضِع نصب وَيكون مَا جرى فِي صلَة أنّ قد سدّ مسدّ خبر لَيْت كَمَا أنّها فِي ظَنَنْت أنّ زيدا منطلق كَذَلِك.
وَيحْتَمل أَن الْهَاء مُرَادة وَدخلت الْبَاء على الْمُبْتَدَأ كَمَا دخلت فِي بحسبك أَن تفعل ذَلِك.
وَلَا يمْتَنع هَذَا من حَيْثُ امْتنع الِابْتِدَاء بأنّ لمَكَان الْبَاء أَلا ترى أنّ أنّ قد وَقعت بعد لَوْلَا فِي نَحْو قَوْلك: لَوْلَا أنّك منطلق وَلم يجر ذَلِك الِامْتِنَاع مجْرى أنّك منطلق بَلغنِي لأنّ الْمَعْنى الَّذِي لَهُ لم يبتدأ بالمفتوحة مَعَ لَوْلَا مَعْدُوم. انْتهى كَلَامه.
وروى شَارِح ديوَان الحطيئة: فليت بَيَانه فَلَا شَاهد فِيهِ.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للحطيئة قَالَهَا لأبي سهم عود بن مَالك بن غَالب. وَهِي أَرْبَعَة أَبْيَات فِي ديوانه.
(فيا ندمي على سهم بن عوذٍ ... ندامة مَا سفهت وضلّ حلمي)
(نَدِمت ندامة الكسعيّ لمّا ... شريت رضَا بني سهمٍ برغميّ)
(4/153)

.
(نَدِمت على لسانٍ فَاتَ منّي ... فليت بأنّه فِي جَوف عكم)
(هنالكم تهدّمت الرّكايا ... وضمّنت الرّجا فهوت بذميّ)
قَوْله: فيا ندمي قَالَ أَبُو عمر الْجرْمِي: أَرَادَ فيا ندامتاه فَحذف الْهَاء
لما وصل الْكَلَام.
ويروى: يَا ندمي بِإِسْقَاط الْفَاء. وندامة بِالنّصب وَمَا مصدريّة أَي: ندامة سفهى وَيشْهد لَهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي ندامة أَن سفهت وَقد رَوَاهَا شَارِح ديوانه. والسّفه: طيشٌ وخفّة عقل. والْحلم بِالْكَسْرِ: الْعقل. والكسعيّ: رجلٌ جاهليّ كَانَت لَهُ قَوس رمى عَلَيْهَا باللّيل حميراً من الْوَحْش فظنّ أَنه أَخطَأ وَكَانَ قد أصَاب فَغَضب فَكَسرهَا فلمّا أصبح رأى الْحمير مجدلّةٌ فندم على كسر قوسه.
فَضرب بِهِ الْمثل فَقيل: أندم من الكسعيّ و: نَدِمت ندامة الكسعيّ.
وَشرح هَذَا الْمثل مفصّل فِي أَمْثَال حَمْزَة والميدانيّ والزمخشريّ.)
وشريت هُنَا بِمَعْنى بِعْت. يَقُول: بِعْت رضاهم برغمٍ منّي.
وَقَوله: نَدِمت على لِسَان الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: اللِّسَان هَاهُنَا الْكَلَام فَيكون مجَازًا أطلق وَقَالَ ابْن الأنباريّ فِي شرح المفضّليات: اللِّسَان هَاهُنَا الرسَالَة أوردهُ نظيراً لمطلع قصيدة مرقش الْأَكْبَر: المتقارب
(أَتَتْنِي لِسَان بني عامرٍ ... فَجلت أحاديثها عَن بصر)
(4/154)

وَقد تكلّم أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ على اللِّسَان بِكَلَام مَبْسُوط على قَول يزِيد بن الحكم: الطَّوِيل لسَانك لي أريٌ وعينك علقم وشرّك مبسوطٌ وخيرك ملتوي وَقد تقدم هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته مشروحةً فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة فَأَحْبَبْت أَن أوردهُ هُنَا لحسنه قَالَ: لَيْسَ يَخْلُو اللِّسَان من أحد الْمَعْنيين إمّا أَن يكون الْجَارِحَة أَو الَّتِي بِمَعْنى الْكَلَام كَقَوْلِه عزّ وجلّ: وَمَا أرسلنَا من رسولٍ إلاّ بِلِسَان
قومه كأنّ الْمَعْنى: بلغتهم. وَمِمَّا يقويّ ذَلِك إِفْرَاد اللِّسَان حَيْثُ أُرِيد بِهِ الحارجة قَالَ عزّ وجلّ: وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم.
وَأنْشد أَبُو زيد: نَدِمت على لسانٍ كَانَ منّي ... ... ... . . الْبَيْت فَبِهَذَا يعلم أَنه لَا يُرِيد بِهِ الحارجة لأنّ النّدم لَا يَقع على الْأَعْيَان إنّما يَقع على معانٍ فِيهَا. فَإِن قلت: فقد قَالَ: فليت بأنّه فِي جَوف عكم إنّما يكون الْعين. قيل: هَذَا اتّساع وإنّما أَرَادَ فليته كَانَ مطويّاً لم ينتشر كَمَا قَالَ أَوْس: الْبَسِيط
(لَيْسَ الحَدِيث بنهى بينهنّ وَلَا ... سرّ يحدّثنه فِي الحيّ منشور)
فَلَيْسَ المنشور هُنَا كَقَوْلِك نشرت الثَّوْب الَّذِي هُوَ خلاف طويته وغنّما يُرِيد إِنَّه لَا يذاع وَلَا يشاع فاتسع.
وَكَذَلِكَ قَوْله:
(4/155)

الْبَسِيط إنّي أَتَانِي لسانٌ لَا أسرّ بِهِ انْتهى المُرَاد مِنْهُ.
وتقدّم بقيّة هَذَا على بَيت ابْن الحكم هُنَاكَ. وَمُرَاد أبي عليّ بالاتساع الِاسْتِخْدَام فإنّ اللِّسَان)
أُرِيد بِظَاهِرِهِ معنى وبضميره معنى آخر كَقَوْلِه: الوافر
(إِذا نزل السّماء بِأَرْض قومٍ ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
وَكَانَ هُنَا تَامَّة بِمَعْنى حدث وَجرى ويروى بدله فَاتَ منّي. والعكم بِكَسْر الْمُهْملَة: الْعدْل وَقَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ مثل الجوالق.
وَقَوله: هُنَا لكم الخ أَي: عِنْد ذَلِك القَوْل الَّذِي صدر منّي فِي حَقهم. والرّكايا: الْآبَار جمع قَالَ فِي الصِّحَاح: وكلّ شَيْء جعلته فِي فِي وعَاء فقد ضمنته إِيَّاه. والرّجا بِالْجِيم قَالَ شَارِح الدِّيوَان: هُوَ جَانب الْبِئْر من دَاخل وجولها بِالضَّمِّ: جوانبها من خَارج. والرّجا: النّاحية من كلّ شَيْء قَالَ أَبُو زيد: الرّجا هُنَا بِمَعْنى الأرجاء.
يُرِيد أَنه مُفْرد معرّف بللام وَقع موقع الْجمع لأنّ الْبِئْر لَهَا نواح. يَقُول: عِنْدَمَا صدر منّي قولٌ فِي حَقهم كأنّ الْآبَار تهدّمت وَسَقَطت عليّ بِجَمِيعِ نَوَاحِيهَا بِسَبَب ذميّ. وروى بذمّ بالتنكير.
قَالَ شَارِح ديوانه: أَي: بذمّ الرّكايا.
وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة: يَقُول كَالَّذي حفر بِئْرا وَهُوَ حِين حفرهَا لم يقدّر أَنَّهَا تقع على فَسَاد فلمّا أَن حفرهَا وَقع على فَسَاد فبناها
(4/156)

على ذَلِك وتهدّم مَا بنى وَكَانَ قبل ذَلِك يأمل التَّمام لما يُرِيد. فَمثل هَذَا لّما أَن مدح على رَجَاء تَمام للمدح فأخلف فهوى بذّم. انْتهى.
ثمَّ رَأَيْت ديوَان الحطيئة جمع أبي سعيد السكّريّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن حبيب وَقبل هَذِه الأبيات قصيدةٌ فِي ذمّ بني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب بن قطيعة بن عبس وهم بَنو عمّه مِنْهَا: الطَّوِيل
(وَلَو وجدت سهمٌ على الغيّ ناصراً ... لقد حلبت فِيهِ زَمَانا وصرّت)
(وَلَكِن سَهْما أفسدت دَار غالبٍ ... كَمَا أعدت الجرب الصّحاح فعّرت)
قَالَ السكّريّ: كَانَ من حَدِيث هَذِه القصيدة أنّ بني مَالك بن غَالب وهم رَهْط الحطيئة وَبني سهم بن عوذ بن مَالك بن غَالب أَغَارُوا وَفِيهِمْ سمير المخزوميّ وَرَئِيسهمْ قدامَة بن عَلْقَمَة وَمَعَهُمْ المسّيب على هوَازن فَأَصَابُوا سبياً وإبلاً فَتَنَازَعَ المسيّب وسمير فِي الْإِبِل فَأَمَرته بِربع مِنْهَا فَأَخذه فَوَجَدَهُ بعد أَنْجَب بعير فِي النَّاس وَهُوَ الرّواح.
ثمَّ إِن سميراً خرج بِنَفر من قومه حتّى أَتَوا الْإِبِل فأطردوها وَقَالَ الوليدة: أخيري مَوْلَاك أَنه قد ذهب بِالْإِبِلِ فَلَمَّا أَتَى المسيّب الْخَبَر ركب بِأَصْحَابِهِ فَالْتَقوا فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَقتل مِنْهُم)
أَرْبَعَة نفر وَذهب بهَا سمير.
وَكَانَ قَالَ هَذِه الأبيات قبل أَن يذهب بهَا سميرً فَلَمَّا ذهب بهَا سمير نَدم الحطيئة مِمَّا قَالَ فَقَالَ: فيا ندمي على سهم بن عوذٍ الأبيات الْأَرْبَعَة
(4/157)

قَالَ السكّريّ: أَرَادَ بِاللِّسَانِ الشّعْر يُرِيد: وددت أنّ الشّعْر الَّذِي قلت فيهم كَانَ مخبوءاً فِي جوالق. والرّجا: مَا بَين رَأس الْبِئْر إِلَى أَسْفَلهَا فَجعله هَاهُنَا أَسْفَلهَا.
وَقَوله: وضمنت الرّجا يُرِيد أنّها تهدّمت فَصَارَ أَعْلَاهَا فِي أَسْفَلهَا. فَلذَلِك جعل جعل أَسْفَلهَا تضمّن أَعْلَاهَا. وَهَذَا مثل. وهوت بذمّ: سَقَطت مذمومة انْتهى كَلَامه.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرة ... وَلَا ناعب إلاّ يبين غرابها)
على أنّ ناعبٍ عطف بالجرّ على مصلحين الْمَنْصُوب على كَونه خبر لَيْسَ لتوهّم الْبَاء فإنّها تجوز زيادها فِي خبر لَيْسَ ويسمّى هَذَا فِي غير الْقُرْآن الْعَطف على التوهمّ وَفِي الْقُرْآن الْعَطف على الْمَعْنى.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ ف يموضعين بروايتين الأول أنْشدهُ وَلَا ناعباً بِالنّصب للْعَطْف على مصلحين اسْتشْهد بِهِ على نصب عشيرة بمصلحين لأنّ
(4/158)

النُّون فِيهِ بِمَنْزِلَة التَّنْوِين فِي واحده وَكِلَاهُمَا يمْنَع من الْإِضَافَة وَيُوجب نصب مَا بعده وَالثَّانِي بجرّ ناعب على توهّم الْبَاء فِي خبر لَيْسَ.
وَلم يجز المبّرد إلاّ نصب ناعب قَالَ: لأنّ حرف الْجَرّ لَا يضمر.
وَقد بيّن سِيبَوَيْهٍ ضعفه وَبعده مَعَ أَخذه لذَلِك عَن الْعَرَب سَمَاعا فَلَا معنى للردّ عَلَيْهِ.
وَأوردهُ صَاحب الكشّاف نظيراً لقَوْله تَعَالَى: كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا
بعد إِيمَانهم وشهدوا أنّ الرّسول حقّ قَالَ: شهدُوا مَعْطُوف على مَا فِي إِيمَانهم من معنى الْفِعْل فَهُوَ من قبيل عطف الْفِعْل على الْمصدر بِتَقْدِير أَن إِذْ الْمَعْنى بعد أَن آمنُوا وشهدوا كَمَا جرّ الشَّاعِر ناعباً بتوهّمك الْبَاء فِي خبر لَيْسَ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ عدّتها ستّة وَعِشْرُونَ بَيْتا للأخوص اليربوعيّ وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا)
أنشدها الجاحظ فِي كتاب الْبَيَان:
(وَلَيْسَ بيربوع إِلَى الْعقل حاجةٌ ... سوى دنس يسودّ مِنْهُ ثِيَابهَا)
(فَكيف بنوكى مالكٍ إِن غفرتم ... لَهُم هَذِه أم كَيفَ بعد خطابها)
(4/159)

مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرة ... ... ... ... الْبَيْت
(فَإِن أَنْتُم لم تقتلُوا بأخيكم ... فكونوا غايا بالأكف عيابها)
(سيخبر مَا أحدّثتم فِي أخيكم ... رفاقٌ من الْآفَاق شتّى إيابها)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: هَذَا الشّعْر لقِتَال كَانَ بَين بني يَرْبُوع وَبَين بني دارم. فَأَرَادَ بقوله مشائيم بني دارم بن مَالك لَا بني يَرْبُوع.
وَكَانَ من قصَّة هَذَا الشّعْر أنّ نَاسا من بني يَرْبُوع وَبني دارم اجْتَمعُوا على القرعاء فَقتل بَينهم رجلٌ من بني غُدَانَة يكنى أَبَا بدر فَقَالَت بَنو يَرْبُوع: وَالله لَا نَبْرَح حتّى ندرك ثَأْرنَا فَقَالَت بَنو فَقَالَت بَنو غُدَانَة: نَحن نَفْعل. فأخرجوا خمسين فَحَلَفُوا كلّهم إلاّ رجلا: أنّ الَّذِي قتل أَبَا بدرٍ عبيد بن زرْعَة فَقَالَ الْبَاقِي من الْخمسين: أَلَيْسَ تدفعون إِلَيْنَا
عبيدا إِذا أَنا أكملت الْخمسين قَالُوا: لَا ولكنّا نديه لأنّا لَا نَدْرِي من قَتله. فَقَالَ الْبَاقِي عِنْد ذَلِك وَهُوَ أَبُو بيض الغدانيّ: وَالله لَا أكملهم أبدا وَلَا يفارقنا عبيد حتّى نَقْتُلهُ فَقَامَ ضرار بن الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة وشيبان بن حَنْظَلَة بن بشر بن عَمْرو فكفلا بعبيد فَدَفَعته بَنو غُدَانَة إِلَيْهِمَا فَلَمَّا جنّهم اللّيل قَالَ ضرار وشيبان لِعبيد: انْطلق حَيْثُ شِئْت.
وغدت بَنو غُدَانَة على بني دارم فَقَالُوا لَهُم: إنّ صَاحبكُم قد هرب وَلَكِن هَذِه وَلَكِن هَذِه الدّية فاقبلوها من إخوتكم وَلَا تَطْلُبُوا غير ذَلِك فتكونوا كجادع أَنفه وَلَو علمنَا مَكَان صَاحبكُم
(4/160)

قصدنا إِلَيْهِ. فلمّا سمعهم الأخوص يذكرُونَ الدِّيَة قَالَ: دَعونِي أتكلّم يَا أَبَا خَوْلَة.
فَقَالَ هَذِه الأبيات من قصيدة.
قَوْله: وَلَيْسَ بيربوع إِلَى الْعقل الخ يَقُول: إنّ الْعقل لَا يَنْفَعهُمْ بل يضرّهم ويكسبهم عاراً. ونوكى: بِالْفَتْح جمع أنوك كأحمق وحمقى وزنا وَمعنى أَي: كَيفَ الْعشْرَة مَعَهم. ويروى بدل خطابها سبابها بِالْكَسْرِ: مصدر سابّه أَي: شاتمه. ومشائيم: جمع مشؤوم كمقصور قَالَ فِي الصِّحَاح وَقد شأم فلَان قومه يشأمهم فَهُوَ شائم: إِذا جرّ عَلَيْهِم الشؤم وَقد شئم عَلَيْهِم فَهُوَ مشؤوم: إِذا صَار شؤماً عَلَيْهِم وَقوم مشائيم.)
وَقَالَ السَّيِّد المرتضى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنّ الْعَرَب لَا تعرف هَذَا وإنّما هُوَ من كَلَام أهل الْأَمْصَار. وإنّما تسميّ الْعَرَب من لحقه الشّؤم مشؤوماً كَمَا فِي قَول عَلْقَمَة بن عَبدة: الْبَسِيط
(وَمن تعرّض للغربان يزجرها ... على سَلَامَته لَا بدّ مشؤوم)
وعشيرة الرجل: بَنو أَبِيه الأدنون. قَالَ الأعلم: نسبهم إِلَى الشؤم وقلّة الصّلاح وَالْخَيْر فَيَقُول: لَا يصلحون أَمر الْعَشِيرَة إِذا فسد مَا بَينهم وَلَا يأتمرون بِخَير فغرابهم لَا ينعب إلاّ بالتشتيت والفراق.
وَهَذَا مثل للتعصّم مِنْهُم والتشؤّم. والنّعيب بِالْعينِ الْمُهْملَة: صَوت الْغُرَاب ومدّه عُنُقه عِنْد ذَلِك وَمِنْه يُقَال نَاقَة نعوب: إِذا مدّت عُنُقهَا فِي السّير.
وَقَالَ ابْن
(4/161)

السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يُقَال نعب الْغُرَاب: إِذا صَاح. وهم يتشاءمون بِصَوْت الْغُرَاب.
وإنّما ذكر هَذَا على طَرِيق الْمثل وَإِن لم يكن غراب كَمَا يُقَال فلَان مشؤوم الطَّائِر وَيُقَال طَائِر الله لَا طائرك. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: وَقَوْلهمْ: أشأم من غراب الْبَين فإنّما لزمَه هَذَا الِاسْم لأنّ الْغُرَاب إِذا بَان أهل الدَّار لنجعةٍ وَقع فِي مَوَاضِع بُيُوتهم يتلمس مَا يَأْكُلهُ فتشاءموا بِهِ وتطيّروا مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يعتري مَنَازِلهمْ إلاّ إِذا بانوا فسمّوه غراب الْبَين.
ثمَّ كَرهُوا إِطْلَاق ذَلِك الِاسْم مَخَافَة الزّجر والطيرة فَعَلمُوا أنّه نَافِذ الْبَصَر صافي الْعين حَتَّى قَالُوا: أصفي من عين الْغُرَاب كَمَا قَالُوا: أصفى من عين الديك فسمّوه الْأَعْوَر كِنَايَة كَمَا كنّوا عَن الْأَعْمَى فسمّوه أَبَا بَصِير وكما سمّوا الملدوغ سليما والفيافي مفاوز. وَهَذَا كثير.
وَمن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقوا من اسْمه الغربة والاغتراب والغريب. وَلَيْسَ فِي الأَرْض شَيْء مّما يتشاءمون بِهِ إلاّ الْغُرَاب عِنْدهم أنكد مِنْهُ.
وَذكر بعض أَصْحَاب الْمعَانِي أَن نعيب الْغُرَاب يتطيّر مِنْهُ ونغيقه يتفاؤل بِهِ وَأنْشد قَول جرير الْكَامِل
(إنّ الْغُرَاب بِمَا كرهت مولعٌ ... بنوى الأحبّة دَائِم التّشحاج)
(لَيْت الْغُرَاب غَدَاة ينعب دائباً ... كَانَ الْغُرَاب مقطّع الْأَوْدَاج))
ثمَّ أنْشد فِي النّغيق: الوافر
(تركت الطّير عاكفةً عَلَيْهِ ... وللغربان من شبعٍ نغيق)
قَالَ: وَيُقَال نغق الْغُرَاب إِذا قَالَ: غيق غيق. فَيُقَال نغق بِخَير. ونعب نعيباً. إِذا قَالَ غاق غاق.
فَيُقَال عِنْدهَا نعب ببين. قَالَ: وَمِنْهُم من يَقُول نغق ببين وَأنْشد فِي ذَلِك:
(4/162)

الْبَسِيط أبقى فراقهم فِي المقلتين قذىً أَمْسَى بِذَاكَ غراب الْبَين قد نغقا قَالَ: وَبَعض الْعَرَب قد يتيمنّ بالغراب فَيُقَال: هم فِي خيرٍ لَا يطار غؤابه أَي: يَقع الْغُرَاب فَلَا ينفّر لِكَثْرَة مَا عِنْدهم فلولا تيمنّهم بِهِ لكانوا ينفّرونه.
وَقَالَ الدافعون لهَذَا القَوْل: الْغُرَاب فِي هَذَا الْمثل السوَاد وَاحْتَجُّوا بقول النَّابِغَة: الْكَامِل
(ولرهط حرّاب وزيدٍ سورةٌ ... فِي الْمجد لَيْسَ غرابها بمطار)
أَي: من عرض لَهُم لم يُمكنهُ أَن ينفّر سوادهم لعزّهم وكثؤتهم.
وَقَوله: فكونوا بَغَايَا الخ البغايا جمع بغيّ يُقَال: بَغت الْمَرْأَة بغاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ أَي: زنت فَهِيَ بغيٌّ. والعياب بِكَسْر الْمُهْملَة: جمع عَيْبَة بِفَتْحِهَا وَهِي مَا يَجْعَل فِيهِ الثِّيَاب.
وَقَوله: سيخبر مَا أحدثتم الخ المآب: الْمرجع أَي: إِذا رجعت الرفاق
تفرّقت فِي كل وَجه وانتشر فيهم قبح صنيعكم وَنَقله من سَمعه إِلَى من لم يسمعهُ.
والأخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة يُقَال: رجل أخوص بيّن الخوص أَي: غائر الْعَينَيْنِ وَقد خوص بِالْكَسْرِ وَأما الْأَحْوَص بِالْحَاء الْمُهْملَة فَلَيْسَ هَذَا وَكَثِيرًا مَا يصحف بِهِ. والحوص: ضيق فِي
(4/163)

قَالَ الآمديّ فِي المؤتلف والمختلف: الأخوص بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة اسْمه زيد ابْن عَمْرو بن قيس بن عتّاب بن هرميّ بن ريَاح بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم شَاعِر فَارس.
وَهُوَ الْقَائِل: الطَّوِيل
(وَكنت إِذا مَا بَاب ملكٍ قرعته ... قرعت بآباءٍ ذَوي شرفٍ ضخم)
(بأبناء عتّابٍ وَكَانَ أبوهم ... إِلَى الشّرف الْأَعْلَى بآبائه ينمي)
(وهم ملكوا الْأَمْلَاك آل محرّقٍ ... وَزَادُوا أَبَا قَابُوس رغماً على زعم)
(وقادوا بكرةٍ من شهَاب وحاجبٍ ... رُؤُوس معدّ فِي الأزمّة والخطم)
(أَنا ابْن الَّذِي سَاد الْمُلُوك حَيَاته ... وساس الْأُمُور بالمروءة والحلم)
(وكنّا إِذا قومٌ رمينَا صفاتهم ... تركنَا صدوعاً بالصّفاة الَّتِي نرمي))
(حمينا حمى الْأسد الَّتِي لشبولها ... تجرّ من الأقران لَحْمًا على لحم)
(وَنرعى حمى الأقوام غير محرّمٍ ... علينا وَلَا يرْعَى حمانا الَّذِي نحمي)
وَله فِي كتاب بني يَرْبُوع أشعارٌ جِيَاد مِمَّا تنخلّته من قبائلهم. انْتهى.
وَكتب أَبُو مُحَمَّد بن عبد الله ابْن برّيّ النّحوي فِي هامشه أنّ صَاحب المؤتلف والمختلف لم يذكر الأخوص الريَاحي وَهُوَ قيس بن زيد بن عَمْرو بن عتاب ابْن ريَاح. قَالَ:
مشائيم لَيْسُوا مصلحين عشيرةً ... ... ... . . الْبَيْت
(4/164)

وَفِيه أَن الأخوص الرّياحيّ نسب تَارَة إِلَى جدّه الْأَدْنَى وَهُوَ ريَاح وَتارَة إِلَى جدّه الْأَعْلَى وَهُوَ يَرْبُوع.
وقدّم ابْن برّيّ بعض الْأَسْمَاء على بَعْضهَا وَالصَّوَاب مَا أثْبته الآمديّ.
وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه ياقوت فِي مُخْتَصر جمهرة الْأَنْسَاب فإنّه لما ذكر أَوْلَاد هرميّ ابْن ريَاح قَالَ: وَمِنْهُم عتّأب بن هرميّ بن ريَاح وَهُوَ ردف النّعمان وَالْمُنْذر أَبِيه.
وَمن وَلَده الأخوص الرّياحيّ إسلامي. وَالله أعلم.
ثمَّ رَأَيْت فِي ضالّة الأديب لأبي مُحَمَّد الأعرابيّ شعرًا لَهُ يتَعَلَّق بِإِبِل الصَّدَقَة فَعلم أنّه إسلاميّ وَهُوَ معاصر لسحيم بن وثيل.
وانشد بعده: الوافر
(معاري إنّنا فَأَسْجِحْ ... فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا)
على أنّ قَوْله الحديدا مَعْطُوف على مَحل قَوْله بالجبال فإنّه ف يمحل نصبٍ لأنّه خبر لَيْسَ وَالْبَاء زَائِدَة.
ومعاوي: منادى مرخّم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان.
(4/165)

وَقد تقدّم شَرحه مفصّلاً فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ: المنسرج
(إِن هُوَ مستولياً على أحد ... إلاّ على أَضْعَف المجانين)
على أَن الْمبرد أجَاز إِعْمَال إِن النافية عمل لَيْسَ وَاسْتشْهدَ بِهَذَا الْبَيْت: فَهُوَ اسْمهَا ومستولياً خَبَرهَا. وَإِن كَمَا النافية الحجازية فِي الحكم لَا تخْتَص فِي الْعَمَل بنكرةٍ دون معرفَة بل تعْمل فيهمَا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: أجَاز الكسائيّ والمبرّد إِعْمَال إِن عمل لَيْسَ وَقَرَأَ سعيد بن جُبَير:)
وَسمع من أهل الْعَالِيَة: إِن أحدٌ خيرا من أحد إلاّ بالعافية. وإنّ ذَلِك نافعك ولَا ضارّك.
انْتهى.
وَقَالَ فِي شرح شواهده: كَذَا خرّج ابْن جنّي قِرَاءَة سعيد بن جُبَير فظنّ أَبُو حيّان أَن تخريجها على ذَلِك يُوقع فِي تناقص الْقِرَاءَتَيْن فإنّ الْجَمَاعَة يقرؤون بتَشْديد النُّون وَفتحهَا وَرفع عباد وأمثالكم وَذَلِكَ إِثْبَات وَقِرَاءَة سعيد على هَذَا
التَّخْرِيج نفيٌ. فخرّجها على أنّها الْمُؤَكّدَة خفّفت ونصبت الجزأين كَقَوْلِه:
(4/166)

الطَّوِيل وَلم يثبت الْأَكْثَرُونَ إعمالها النصب فِي الجزأين وتأوّلوا مَا أوهم ذَلِك. ثمَّ إِن الْقَائِلين بِهِ لم يذكروه إلاّ مَعَ التَّشْدِيد لَا مَعَ التَّخْفِيف. ثمّ إنّ التناقص الَّذِي توهّمه مَدْفُوع لأنّهم أمثالهم فِي أَنهم مخلوقون وَلَيْسوا أمثالهم فِي الْحَيَاة والنطق.
وَقِرَاءَة سعيد على هَذَا التَّخْرِيج أقوى فِي التشنيع عَلَيْهِم من قِرَاءَة الْجَمَاعَة ويؤيدها مَا بعْدهَا من قَوْله تَعَالَى: ألهم أرجل يَمْشُونَ بهَا ... الأبيات. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: إِذا كَانَت إِن نَافِيَة فسيبويه لَا يرى فِيهَا إلاّ رفع الْخَبَر. وإنّما حكم بِالرَّفْع لأنّها حرف جحد يحدث معنى فِي الِاسْم وَالْفِعْل كألف الِاسْتِفْهَام وكما لم تعْمل مَا التميميّة وَهُوَ رفاقٌ للْقِيَاس. وَلما خَالف بعض الْعَرَب الْقيَاس فأعملوا مَا لم يكن لنا أَن نتعدّى الْقيَاس فِي غير مَا وَغير سِيبَوَيْهٍ أعمل إِن على تشبيهها بليس كَمَا اسْتحْسنَ ذلم ف يما واحتجّ بِأَنَّهُ لَا فرق بَين إِن وَمَا فِي الْمَعْنى إِذْ هما لنفي مَا فِي الْحَال وَتَقَع بعدهمَا جملَة الِابْتِدَاء كَمَا تقع بعد لَيْسَ.
وَأنْشد:
(إِن هُوَ مستولياً على أحدٍ ... إلاّ على حزبه الملاعين)
وَهُوَ قَول الكسائيّ والمبرّد. وَوَافَقَ الفرّاء فِي قَوْله سِيبَوَيْهٍ. انْتهى.
إِلَّا على حزبه المناحيس
(4/167)

قَالَ ابْن هِشَام: وَفِي الْبَيْت شَاهد على مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي أَن انتفاض النَّفْي بعد الْخَبَر لَا يقْدَح فِي الْعَمَل.)
وَمثله فِي ذَلِك قَول الآخر: الطَّوِيل
(إِن الْمَرْء مَيتا بِانْقِضَاء حَيَاته ... وَلَكِن بِأَن يَبْغِي فيخذلا)
وَهَذَا الشَّاهِد مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو لم يعلم لَهُ قَائِل. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(ولات سَاعَة مندم)
على أنّ الفرّاء قَالَ: لَا يختصّ عمل لات بِلَفْظ الْحِين بل تكون مَعَ الْأَوْقَات كلّها. وَأنْشد هَذَا الشّعْر.
أَقُول: لعلّ الفرّاء قَالَ مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَنهُ فِي غير تَفْسِيره وَأما فِي تَفْسِيره فإنّه لم يتَعَرَّض لهَذَا وَلَا لغيره أَيْضا.
وَرُوِيَ هَذَا الشّعْر على أنّ لات فِيهِ حرف جرّ وَهَذِه عِبَارَته فِي سُورَة ص عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: فَنَادوا ولات حِين مناص: يَقُول لَيْسَ حِين فرار. والنوص: التّأخر. وَمن الْعَرَب من يضيف لات فيخفض أنشدوني:
ولات سَاعَة مندم وَلَا أحفظ صَدره. وَالْكَلَام أَن ينصب بهَا فِي معنى لَيْسَ لأنشدوني المفضّل:
(4/168)

الوافر فَهَذَا نصب. وَأنْشد بَعضهم: الْخَفِيف
(طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
فخفض أوانٍ. فَهَذَا خفض. انْتهى كَلَام الفرّاء.
فَظهر من كَلَامه أنّه لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيد مَعْمُول لات بِزَمَان وَلَا غَيره.
وَقد نقل عَنهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي تبعا لأبي حيّان فِي الارتشاف خلاف مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق قَالَ: اخْتلف فِي معمولها: فنصّ الفرّاء على أَنَّهَا لَا تعْمل إلاّ فِي لفظ الْحِين وَهُوَ ظَاهر قَول سِيبَوَيْهٍ وَذهب الفارسيّ وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا تعملفي الْحِين وَفِيمَا رادفه. ثمَّ قَالَ بعد هَذَا: زعم الفرّاء أنّ لات تسْتَعْمل حرف جارّاً لأسماء الزَّمَان خَاصَّة.
قَالَ الدمامينيّ: بَين نقل ابْن هِشَام وَنقل الرضيّ عَن الفرّاء تخَالف. فَإِن قلت: هلا حملت نقل)
الرّضي عَن الفرّاء: أَنَّهَا تكون مَعَ الْأَوْقَات على مَا إِذا كَانَت عاملة للجرّ كَمَا نَقله المُصَنّف هُنَا وحملت حِكَايَة كَلَام المُصَنّف أوّلاً أَنَّهَا لَا تعْمل إلاّ فِي لفظ الْحِين على مَا إِذا كَانَت عاملة عمل لَيْسَ فَلَا يكون بَين النقلين تعَارض. قلت: لَا لأنّ الرضيّ لما ذكر عَنهُ أنّها تعْمل فِي الْأَوْقَات أنْشد:
ولات سَاعَة مندم
(4/169)

أَقُول: قد وَقع هَذَا الشّعْر فِي كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق مُجملا لَا يعلم هَا هُوَ مَنْصُوب أَو مجرور وَبَان لَك من نقلنا لكَلَام الفرّاء أنّ الرِّوَايَة عَنهُ عَن الْعَرَب الجرّ فَكيف تكون الرِّوَايَة فِيهِ النصب نعم رُوِيَ النصب عَن غير الفرّاء وَبِه أوردهُ ابْن النَّاظِم وَابْن عقيل فِي شرح الألفية فَتكون سَاعَة خبر لات وَاسْمهَا مَحْذُوف.
وَيجوز الرّفْع بقلّة على أَنَّهَا اسْم لات وَالْخَبَر مَحْذُوف فيقدّر فِي الأوّل: ولات سَاعَة لَك سَاعَة مندم أَو ولات السَّاعَة سَاعَة مندم. وَقدر الشَّارِح المحقّق فِي الى ية أَي: لات الْحِين حِين مناص.
فَإِن قلت: إنّهم قَالُوا لات لَا تعْمل إلاّ فِي اسْم زمَان منكّر فَكَانَ الظَّاهِر فِي الْبَيْت التَّقْدِير الأوّل وَفِي الْآيَة نَحْو مَا قدّره الشاطبيّ وَهُوَ ولات حِين ينادون فِيهِ حِين مناص.
قلت: إنّهم قَالُوا مِنْهُم ابْن هِشَام فِي المغنيّ: إِن لات لاتعمل فِي معرفَة ظَاهِرَة فمفهومة أَنَّهَا أتعْمل فِي معرفَة مقدّرة.
وَنقل نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل عَن شرح الكافية لِابْنِ مَالك: لَا بدّ من تَقْدِير الْمَحْذُوف معرفَة لأنّ المُرَاد نفي كَون الْحِين الْحَاضِر حينا ينوصون فِيهِ أَي: يهربون أَو يتأخّرون وَلَيْسَ المُرَاد نفي جنس حِين المناص وَلذَلِك كَانَ رفع الْحِين الْمَوْجُود شاذّاً لأنّه محوج إِلَى تكلّف مُقَدّر يَسْتَقِيم بِهِ الْمَعْنى مثل أَن يُقَال مَعْنَاهُ لَيْسَ حِين مناص مَوْجُودا لَهُم عِنْد تناديهم ونزول مَا بهم بِهِ الْمَعْنى مثل أَن يُقَال مَعْنَاهُ لَيْسَ حِين مناص مَوْجُودا لَهُم عِنْد تناديهم ونزول مَا بهم إِذْ قد كَانَ لَهُم قبل ذَلِك حِين مناص فَلَا يصحّ نفي جنسه مُطلقًا بل مقيّداً.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق وتعمل عمل لَيْسَ بكسع التَّاء أَي: بلحاقها للات وتبعها إيّاها.
قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب فِي فصل الْكَاف من بَاب الْهمزَة: كسأ الْقَوْم وكسعهم: إِذا تَبِعَهُمْ.
وَهَذِه عبارَة مألوفة للنحاة قَدِيما وحديثاً. قَالَ
(4/170)

ابْن مَالك فِي التسهيل هُنَا: وتكسع بِالتَّاءِ فتختصّ بالحين أَو مرادفه.)
وَقَول الشاطبيّ: كسعت بِالتَّاءِ أَي: ضرب فِي عجزها بهَا فِيهِ تكلّف للمناسبة. وَكَذَلِكَ قَول شَارِح اللّبَاب: يُقَال كسعت فلَانا: إِذا ضربت دبره بِيَدِك أَو بصدر قدمك. أَو من كسعت النَّاقة إِذا ضربت خلفهَا بِالْمَاءِ الْبَارِد ليترادّ اللَّبن فِي ضرْعهَا. انْتهى.
ويقدّر فِي السَّاعَة نَحْو لات سَاعَة مندم سَاعَة لَك. وقدّر الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْآيَة تبعا لأبي عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة أَي: لات حِين مناص حَاصِلا. وَفِيه أَنهم قَالُوا: إنّ عمل لات مختصٌّ بالحين اسْما وخبراً.
قَالَ ابْن مَالك: الرجز فَالظَّاهِر نَحْو مَا قدّره الشاطبيّ أَي: ولات حِين مناص حينا ينادون فِيهِ. وَقد جَاءَ عمل لات فِي غير الْحِين شذوذاً فِي قَول الحماسيّ: الْكَامِل
(لهفي عَلَيْك للهفةٍ من خائفٍ ... يَبْغِي جوارك حِين لات مجير)
وَلَا يَنْبَغِي حمل الْآيَة على هَذَا.
فَإِن قلت: اجْعَل حَاصِلا صفة زمَان مَحْذُوف أَي: حينا حَاصِلا وَنَحْوه قلت: شَرط هَذَا اخْتِصَاص الصّفة بالموصوف وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِك.
ثمَّ قَالَ الشَّارِح المحق: وَلَا يجوز أَن يُقَال بإضمار اسْمهَا لأنّ الْحُرُوف لَا يضمر فِيهَا.
(4/171)

أَقُول: يُرِيد الردّ على المُصَنّف فِي الْإِيضَاح فإنّه عبّر هُنَاكَ بالإضمار دون الْحَذف. وَهَذَا شَيْء قد سبقه سِيبَوَيْهٍ فِيهِ فَإِنَّهُ كثيرا مَا يُطلق لفظ الأغضمار على الْحَذف.
وَكَذَلِكَ فعل صَاحب اللبّ قَالَ: وَاسم لات حِين مَحْذُوف أَو مُضْمر لجريها مجْرى الْفِعْل فِي إِلْحَاق التَّاء عِنْد الْخَلِيل وسيبويه.
وَقَالَ السَّيِّد شَارِحه: فإنّه لما ألحقت التَّاء صَارَت شَبيهَة بليس صُورَة وَمعنى فَحسن إِضْمَار الِاسْم فِيهَا كَمَا فِي لَيْسَ.
وَحمل ابْن خروف كَلَام سِيبَوَيْهٍ على التجوزّ لَا على حَقِيقَة الْإِضْمَار بِنَاء على أنّها عِنْده فَالْأول فِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب: أَحدهَا: أَنَّهَا كلمة وَاحِدَة فعل مَاض وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا أنّها فِي الأاصل بِمَعْنى نقص من قَوْله تَعَالَى: لَا يلتكم من أَعمالكُم شَيْئا فَإِنَّهُ يُقَال لات يليت كَمَا يُقَال ألت يألت وَقد قرئَ بهما ثمَّ اسْتعْملت للنَّفْي كَمَا أنّ قلّ كَذَلِك قَالَه أَبُو ذرّ الخشنيّ فِي شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ نَقله)
عَنهُ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَالْقَوْل الثانيّ: أنّ أَصْلهَا لَيْسَ أبدلت سينها تَاء كَمَا قَالُوا ستّ وَالْأَصْل سدس بِدَلِيل التصغير على سديس والتكسير على أَسْدَاس فَصَارَت لَيْت ثمَّ انقلبت الْيَاء أافتً لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا إِذْ أَصْلهَا عِنْدهم لَيْسَ بِكَسْر الْيَاء فَصَارَت لات فلمّا تَغَيَّرت اخْتصّت بالحين.
(4/172)

وَالْمذهب الثَّانِي أنّها كلمتان: لَا النافية وَالتَّاء لتأنيث اللَّفْظ كَمَا شَرحه الشَّارِح الْمُحَقق وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. والثَّالِث أنّها حرف مستقلّ لَيْسَ أَصْلهَا لَيْسَ وَلَا لَا نَقله الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة. الرَّابِع أنّها كلمة وَبَعض كلمة وَذَلِكَ أنّها لَا النافية وَالتَّاء زَائِدَة فِي أول الْحِين. وَنسب هَذَا إِلَى أبي عبيد وَابْن الطّراوة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي المعني: واستدلّ أَبُو عبيد بأنّه وجدهَا فِي الإِمَام وَهُوَ مصحف عُثْمَان بن عفّان مختلطة بِحِين فِي الخطّ. وَلَا دَلِيل فِيهِ فِي الخطّ من أَشْيَاء خارجةٍ عَن الْقيَاس.
وَيشْهد لِلْجُمْهُورِ أَنه يُوقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَالْهَاء ورسمت مُنْفَصِلَة من الْحِين وَأَن التَّاء قد تكسر على أصل حَرَكَة التقاء الساكنين.
وَهُوَ معنى قَول الزمخشريّ: وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ على الْبناء كجير. انْتهى. وَلَو كَانَ فعلا مَاضِيا لم يكن للكسر وَجه.
وَأما الِاخْتِلَاف فِي عَملهَا فَفِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب أَيْضا: أَحدهَا أنّه لَا تعْمل شَيْئا فَإِن وَليهَا مَرْفُوع فمبتدأ حذف خَبره أَو مَنْصُوب فمفعول بِفعل مَحْذُوف وَهُوَ قَول الْأَخْفَش وَالتَّقْدِير عِنْده فِي الْآيَة: لَا أرى حِين مناص وعَلى قِرَاءَة الرّفْع وَلَا حِين مناص كَائِن لَهُم. الثَّانِي: أَنَّهَا تعْمل لَا التبرئة وَهُوَ عمل إنّ. وَهَذَا قولٌ آخر للأخفش والكوفيّين. الثَّالِث: أنّها حرف جرّ عِنْد الفرّاء على مَا نقل عَنهُ.
(4/173)

الرَّابِع: أنّها تعْمل عمل لَيْسَ وَهُوَ قَول الْجُمْهُور. قَالَ أَبُو حيّان فِي الارتشاف: والعطف على خبر لات عِنْد من أعملها إِعْمَال لَيْسَ كالعطف على خبر مَا الحجازية لات حِين جزع ولات حِين طيش ولات حِين قلق بل حِين
صَبر تنصب فِي الأولى وترفع فِي الثَّانِيَة كَمَا كَانَ فِي مَا)
وَلَا النافية. ثمَّ قَالَ: وَقد جَاءَت لات غير مُضَاف إِلَيْهَا حِين وَلَا مَذْكُور بعْدهَا حِين وَلَا مَا رادفة فِي قَول الأافوة الأوديّ: الرمل
(ترك النّاس لنا أَكْنَافهم ... وتولّوا لات لم يغن الْفِرَار)
قَالَ نَاظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل: وَهَذَا يدلّ على أَن لات لَا تعْمل وإنّما هِيَ فِي هَذَا الْبَيْت حرف نفي مُؤَكد بِحرف النَّفْي الَّذِي هُوَ لم. وَلَو كَانَت عاملةً لم يجز حذف الجزأين بعْدهَا كَمَا لَا يحذفان بعد مَا وَلَا العاملتين عمل لَيْسَ.
وَالْبَيْت الشَّاهِد الَّذِي قَالَ الفرّاء لَا احفظ صَدره رَوَاهُ مَعَ صَدره ابْن السكّيت فِي كتاب الأضداد وَهُوَ:
(ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ولتندمنّ ولات سَاعَة مندم)
قَالَ فِيهِ قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال: أَخْلَاق مشمولة أَي: مشؤومة وأخلاق سوء.
وَأنْشد: ولتعرفنّ خلائقاً مشمولةً ... ... ... ... الْبَيْت وَيُقَال أَيْضا رجل مشمول الْخَلَائق أَي: كريم الْأَخْلَاق. قَالَ: وَأنْشد أَبُو عَمْرو لرجل من بني
(4/174)

(كَأَن لم أعش يَوْمًا بصبهاء لذّةٍ ... وَلم أند مشمولاً خلائقه مثلي)
.. . انْتهى وأند بالنُّون قَالَ أَبُو حنيفَة الدّينوري فِي كتاب النَّبَات: ناديت الرجل
مثل نادمت وَهُوَ المجالسة وَلم أند: لم أجالس. والنادي مِنْهُ هُوَ الْمجْلس. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَزعم الشاطبيّ أنّ هَذَا الْبَيْت برمتّه رَوَاهُ الْفراء عَن المفضّل. وَهَذَا لَا أصل لَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي رَوَاهُ عَن المفضّل الْبَيْت الَّذِي بعده كَمَا هُوَ ظَاهر من نقل عبارَة الفرّاء.
وَرَأَيْت ابْن عقيل وَغَيره ذكر للبيت الشَّاهِد رِوَايَة غير مَا نَقَلْنَاهُ جعله صَدرا وتمّمه بعجز كَذَا: الْكَامِل
(نَدم الْبُغَاة ولات سَاعَة مندمٍ ... وَالْبَغي مرتع مبتغيه وخيم)
وَقَالَ: هُوَ لرجل من طَيئ أَي: ولات السَّاعَة سَاعَة مندم. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور المتداوال فِي كتب النَّحْو.
وَقَالَ العينيّ: قَائِله مُحَمَّد بن عيس بن طَلْحَة بن عبيد الله التيميّ وَيُقَال مهلهل ابْن مَالك)
الكنانيّ. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وانشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْكَامِل
(العاطفون تحين مَا من عاطف ... والمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم)
على أنّ أَبَا عبيد زعم أنّ التَّاء فِي قَوْلهم لات حِين مناص من تَمام حِين
(4/175)

كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
وَمثله لصَاحب اللب وَغَيره قَالَ: وَعَن أبي عبيد: تحين لُغَة فِي حِين وَلَا لنفي الْجِنْس.
أَقُول: إنّ أَبَا عبيد لم يذهب إِلَى هَذَا وَإِنَّمَا هُوَ قَول للأموي نَقله عَنهُ فِي كِتَابه فِي اللُّغَة الْمَشْهُور بالغريب المُصَنّف وَهَذِه عِبَارَته فِيهِ: وَقَالَ الْأَحْمَر: تالآن فِي معنى الْآن وأنشدنا: الْخَفِيف
(نوّلي قبل نأي دَاري جمانا ... وصلينا كَمَا زعمت تالآنا)
وَكَذَلِكَ قَالَ الأمويّ وَأنْشد لأبي وجزة:
(العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... والمفضلون يدا إِذا مَا أنعموا)
قَالَ: وإنّما هُوَ حِين قَالَ: وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ولات حِين مناص مَعْنَاهُ لَا حِين مناص. انْتهى كَلَامه.
فَعلم بِهِ أنّ القَوْل بِكَوْن لات حِين هُوَ لَا تحين وَالتَّاء زَائِدَة إنّما هُوَ قَول
(4/176)

الأمويّ لَا أبي عبيد وَإِن اشْتهر النَّقْل عَنهُ. وَقد ردّه الشَّارِح المحقّق وَلم يبين موقع التَّاء فِي هَذَا الْبَيْت.
وَقد رَأَيْت فِي تَخْرِيجه وَجْهَيْن: أَحدهمَا: ذكره ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة وَسَبقه ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: وَهُوَ أنّها فِي
الأَصْل هَاء السكت لاحقة لقَوْله العاطفون اضطرّ الشَّاعِر إِلَى تحريكها فأبدلها تَاء وَفتحهَا.
قَالَ ابْن جنّي: أَرَادَ أَن يجريه فِي الْوَصْل على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ فِي الْوَقْف وَذَلِكَ أَنه يُقَال فِي الْوَقْف هَؤُلَاءِ مسلمونه وضاربونه فتلحق الْهَاء لبَيَان حَرَكَة النُّون كَمَا أنشدوا: الرجز
(أهكذا يَا طيب تفعلونه ... أعللاً وَنحن منهلونه)
فَصَارَ التَّقْدِير العاطفونه ثمَّ إنّه شبه هَاء الْوَقْف بهاء التَّأْنِيث فَلَمَّا احْتَاجَ إِقَامَة الْوَزْن إلأى حَرَكَة الْهَاء قَلبهَا بتاء كَمَا تَقول فِي الْوَقْف: هَذَا طلحه فَإِذا وصلت صَارَت الْهَاء تَاء فَقلت)
هَذَا طلحتنا. وعَلى هَذَا قَالَ العاطفونه.
وَيُونُس بصحّة هَذَا قَول الرّاجز: الرجز
(من بعد مَا وَبعد مت ... صَارَت نفوس الْقَوْم عِنْد الغلصمت)
أَرَادَ: وَبعد مَا فأبدل الْألف فِي التَّقْدِير هَاء فَصَارَت بِعَدَمِهِ ثمَّ إنّه أبدل الْهَاء تَاء لتوافق بقيّة القوافي الَّتِي يَليهَا وشجّعه شبه الْهَاء الْمقدرَة فِي قَوْله وبعدمه بهاء التَّأْنِيث فِي طَلْحَة وَحَمْزَة وَلما كَانَ يراهم قد يَقُولُونَ فِي الْوَقْف: هَذَا
(4/177)

طلحت وحمزت قَالَ هُوَ أياً وبعدمت فأبدل الْهَاء المبدلة من الْألف تَاء.
وَلَيْسَ شَيْء مِمَّا يضطرون إِلَيْهِ إلاّ وهم يحاولون بِهِ وَجها. فَإِذا جَازَ أَن تشبه هَاء وبعدمه بتاء الائيث حَتَّى يُقَال فِيهَا وبعدمت جَازَ أَيْضا أَن تشبه هَاء العاطفونه بهاء التَّأْنِيث فَيُقَال العاطفونت وَفتحت التَّاء كَمَا فتحت فِي آخر ربّت وثمّت. انْتهى مُخْتَصرا.
قَالَ ابْن السيرافيّ: وَيجوز أَن ينشد العاطفونه بِإِسْكَان الْهَاء فَيكون قد أضمر
وَجعل مستفعلن فِي مَوضِع متفاعلن. وأظنّ أنّ الرّواة غيّروه وحرّكوه طلبا لِأَن يكون الْجُزْء تَاما على الأَصْل. انْتهى.
وَالْوَجْه الثَّانِي ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل وَتَبعهُ شَارِح اللبّ: وَهُوَ أَن التَّاء بقيّة لات فحذفت لَا وَبقيت التَّاء. قَالَ: وَقد يُضَاف إِلَى لات حِين لفظا أَو تَقْديرا وربّما اسْتغنى مَعَ التَّقْدِير عَن لَا بِالتَّاءِ.
ومثّل ابْن عقيل للأوّل بقوله: الوافر أَي: أذيتي ومثّل للثَّانِي بقوله: الوافر
(تذكّر حبّ ليلى لات حنيناً ... وَأمسى الشّيب قد قطع القرينا)
أَي: حِين لات حِين تذكر.
ومثّل للثَّالِث بقوله: العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... ... ... . . الْبَيْت أَي: حِين لات حِين مَا من عاطف فَحذف حِين وَلَا.
هَذَا كَلَامهمَا وَلَا يخفى تعسّفه. وَتَخْرِيج هَذَا الْبَيْت على زِيَادَة التَّاء أسهل وَأَقل كلفة من هذَيْن التخريجين وَإِن كَانَ لَا يطّرد زِيَادَة التَّاء فِي كل مَوضِع فِيهِ لَا. وَهَذِه التَّاء زيادتها غير مطّردة)
وَغير لَازِمَة.
وَقد سمع زيادتها مَعَ لفظ
(4/178)

الْآن أَيْضا قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: سَمِعت من يَقُول حَسبك تالآن يُرِيد الْآن.
وَقَالَ ابْن الْأَحْمَر:
(نولّي قبل نأي دَاري جمانا ... وصلينا كَمَا زعمت تالآنا)
أَي: كَمَا زعمت الْآن. ونوّلي: أَمر من النّوال وَهُوَ الْقبْلَة. وجمانا
: منادى مرخّم جمانة بِضَم وَهَذَا الْبَيْت الشَّاهِد من قصيدةٍ لأبي وجزة السّعديّ مدح بهَا آل الزّبير بن العوّام لكنه مركب من مصراعي بَيْتَيْنِ وَقع فِي صِحَاح الجوهريّ هَكَذَا فَتَبِعَهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَغَيره.
وَالَّذِي فِي ديوانه كَذَا: الْكَامِل
(وَإِلَى ذرا آل الزّبير بفضلهم ... نعم الذّرا فِي النّائبات لنا هم)
(العاطفون تحين مَا من عاطفٍ ... والمسبغون يدا إِذا مَا انعموا)
(واللاحقون دفانهم قمع الذّرا ... والمطعمون زمَان أَيْن الْمطعم)
(والمانعون من الهضيمة جارهم ... والحاملون إِذا الْعَشِيرَة تغرم)
والذّرا بِالْفَتْح: كلّ مَا استترت بِهِ يُقَال: أَنا فِي ظلّ فلَان وَفِي ذراه أَي: فِي كنفه وستره. والنائبات: شَدَائِد الدّهر وحوادثه. وَفِي وَاللَّام متعلقان بالذّرا لأنّه بِمَعْنى الملتجأ. وهم هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. والْعَطف: الشَّفَقَة والتحنّن. وتحين ظرف للعاطفون وَالتَّاء زَائِدَة أَو أنّها مُتَّصِلَة بِمَا قبلهَا على أنّها هَاء السكت كَمَا بيّناه وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ مَا نَافِيَة وَحين مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة فَإِن من زَائِدَة. وعاطف مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: يُوجد وَنَحْوه أَو أَنه بقيّة لات وحِين خَبَرهَا وَاسْمهَا مَحْذُوف كَمَا قَالَ ابْن مَالك. وَفِيه غرابةٌ حَيْثُ يحذف الْعَامِل وَيبقى مِنْهُ حرف وَينظر على هَذَا فِي حِين هَل
(4/179)

هِيَ مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة المنفيّة أَو أنّ مَا لَيست نَافِيَة فَإِن كَانَت نَافِيَة انْتقض النَّفْي الأوّل بهَا. وَهَذَا غير مُرَاد الشَّاعِر. وَإِن كَانَت غير نَافِيَة فَينْظر من أَي أَنْوَاع مَا هِيَ. وَبِالْجُمْلَةِ: كَون التَّاء بقيّة لات يشكل عَلَيْهِ معنى الْبَيْت وَإِعْرَابه وَلَا دَاعِي إِلَى هَذَا كُله.
وَقَالَ نَاظر الْجَيْش: وَتَخْرِيج الْبَيْت على مَا ذكره المصنّف لَا يتعقّل لأنّه يكون الْمَعْنى هم العاطفون وَقت لَيْسَ الْحِين حِين لَيْسَ ثمّ عاطف.)
وروى صَاحب الْغَرِيب المصنّف: المفضلون بدل المسبغون من الإفضال وَهُوَ الإنعام والجيّد هُوَ الأوّل. والْيَد: النِّعْمَة.
يَقُول: هم يعطفون على من سَأَلَهُمْ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِم إِذا اشتدت الْأَحْوَال وأجدب الزَّمَان وَلم يجد المسترفد رافداً وَإِذا أنعموا أوسعوا على الْمُنعم عَلَيْهِ إفضالاً ونائلاً.
وَقَوله: اللاحقون الخ أَي: والمتبعون يُقَال: لحقته وَلَحِقت بِهِ من بَاب تَعب لحَاقًا بِالْفَتْح إِذا تَبعته وأدركته وألحقته بِالْألف مثله ولحقه الثّمن لُحُوقا: لزمَه فاللحوق: اللُّزُوم واللّحاق: الْإِدْرَاك. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والجفان بِالْكَسْرِ: جمع جَفْنَة بِالْفَتْح وَهِي الْقَصعَة الْكَبِيرَة للطعام. والقمع بِفَتْح الْقَاف والذّرا بِالضَّمِّ: جمع ذرْوَة بِضَم الذَّال وَكسرهَا: أَعلَى السنام إنّما خصّة لأنّه أطيب لحم الْإِبِل عِنْدهم. وزمَان ظرف للمطعمون وَهُوَ مُضَاف للجملة بعده لَكِن بِتَقْدِير مُضَاف أَي: زمَان سُؤال أَيْن الْمطعم.
وَرَوَاهُ الأمويّ على مَا نَقله أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المصنّف: والمطعمون زمَان مَا من مطعم
(4/180)

فَيكون فِي الْبَيْت على هَذِه الرِّوَايَة إقواء. مدحهم بأنّهم يطْعمُون الْفُقَرَاء أطيب اللَّحْم فِي أيّام الْقَحْط والجدب وَفِي الزَّمَان الَّذِي يتسلءل النَّاس عَن الكرماء المطعمين للطعام.
وَقَوله: المانعون الخ الهضمية: الْمظْلمَة فَعَلَيهِ بِمَعْنى فاعلة من هضمت الشَّيْء إِذا كَسرته. والحاملون: من حمل الدّية. يَقُول: إِن وزّعت دِيَة قَتِيل على عشيرته حملهَا عَنْهُم وَدفعهَا من مَاله.
وتركيب بَيت من بَيْتَيْنِ وَنَحْوه فِي الاستشهاد شَائِع عِنْد المصنّفين يَفْعَلُونَهُ قصدا إِمَّا لأنّ الْمَعْنى مُتَفَرقًا يكون فِي أَبْيَات وإمّا لأنّ فِي أحد المصراعين قلاقة معنى أَو لُغَة فيحتضرونه بِأخذ مصراعين مِنْهُ كَمَا فعل ابْن الشجريّ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي
قَوْله: الطَّوِيل
(وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكي ... فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طَاعَة)
وَالْأَصْل هَكَذَا: الطَّوِيل
(وناهدة الثّديين قلت لَهَا اتّكي ... على الرّمل من جنباته لم توسّد))
(فَقَالَت على اسْم الله أَمرك طاعةٌ ... وَإِن كنت قد كلّفت مَا لم أعوّد)
فَأخذ مِنْهُمَا مصراعين وَلم يتَنَبَّه لهَذَا أحد من شرّاح الْمُغنِي. وكما فعل الزمخشريّ فِي المفصّل وَغَيره كَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي قَوْله:
(4/181)

الْكَامِل
(حاشا أَبَا ثَوْبَان إنّ لَهُ ... ضنّاً على الملحاة والشّتم)
وَهُوَ من قصيدة مسطورة ف يالمفضليات وَالْأَصْل:
(حاشا أَبُو ثَوْبَان إنّ أَبَا ... ثَوْبَان لَيْسَ ببكمةٍ فدم)
(عَمْرو بن عبد الله إنّ بِهِ ... ضنّاً على الملحاة والشّتم)
وأَبُو وجزة هُوَ بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا زَاي مُعْجمَة يُقَال رجل وجز أَي: سريع الْحَرَكَة وَامْرَأَة وجزة.
وَأَبُو وجزة اسْمه يزِيد بن عبيد وَقيل ابْن أبي عبيد. وَهُوَ شَاعِر ومحدث ومقرئ كَذَا قَالَ الصاغانيّ فِي الْعباب.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني سعد بن بكر بن هوَازن أظآر النّبيّ صلى الله عَلَيْهِ وسلّم وَكَانَ شَاعِرًا مجيداً وَهُوَ الَّذِي روى الْخَبَر فِي استسقاء عمر بن الخطّاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وتوفّي بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ أوّل من شّبب بِعَجُوزٍ.
أَقُول: أَبُو وجزة إنّما هُوَ من بني سليم بِالتَّصْغِيرِ وإنّما نَشأ فِي بني سعد فغلب عَلَيْهِ نسبهم.
وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب والتهذيب: أَبُو وجزة السَّعْدِيّ المدنيّ الشَّاعِر ثِقَة وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَة الرَّابِعَة من التَّابِعين ثمَّ ذكر مشايخه وتلاميذه.
(4/182)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْخَفِيف
(طابوا صلحنا ولات أَوَان ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
على أَن أَصله عِنْد المبرّد والسيرافيّ: ولات أَوَان طلبُوا فحذفت الْجُمْلَة وَبني أَوَان على السّكُون أَو على الْكسر ثمَّ أبدل التَّنْوِين من الْمُضَاف إِلَيْهِ كَمَا فِي يَوْمئِذٍ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قرئَ ولات حِين مناصٍ بخفض الجين فَزعم الفرّاء أَن لات تسْتَعْمل حرفا جارّاً لأسماء الزَّمَان خَاصَّة وَأنْشد: طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ وَأجِيب عَن الْبَيْت بجوابين: أَحدهمَا: على إِضْمَار من الاستغراقيّة. وَنَظِيره فِي بَقَاء عمل الجارّ مَعَ حذفه وزيادته قَوْله: الوافر أَلا رجلٍ جزاه الله خيرا
(4/183)

وَالثَّانِي: أَن الأَصْل: ولات أَوَان صلح ثمَّ بنى الْمُضَاف لقطعه عَن الْإِضَافَة وَكَانَ بِنَاؤُه على الْكسر لشبهه بنزال وزنا ولأنّه قدّر بناءه على السّكُون ثمَّ كسر على أصل التقاء الساكنين كأمس ونوّن للضَّرُورَة وَقَالَ الزمخشريّ: للتعويض كيومئذ. وَلَو كَانَ كَمَا زعم لأعرب لِأَن الْعِوَض ينزّل منزلَة المعوّض مِنْهُ.
وَعَن الْقِرَاءَة بِالْجَوَابِ الأوّل وَهُوَ وَاضح وَبِالثَّانِي وتوجيهه: أنّ الأَصْل حِين مناصهعم ثمَّ نزّل قطع الْمُضَاف إِلَيْهِ من مناص منزلَة قطعه من حِين لاّتحاد الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ قَالَه الزمخشريّ. وَجعل التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ ثمَّ بنى إِضَافَته إِلَى غير مُتَمَكن. انْتهى.
وَالْأولَى أَن يُقَال: إنّ التَّنْزِيل الْمَذْكُور اقْتضى بِمَاء الْحِين ابْتِدَاء وإنّ المناص مُعرب وَإِن كَانَ قد قطع عَن الْإِضَافَة بِالْحَقِيقَةِ لكنه لَيْسَ بِزَمَان فَهُوَ ككل وَبَعض. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام. أَقُول: تَقْدِير الْمُضَاف إِلَيْهِ جملَة هُوَ الْمُنَاسب لتشبيه أَوَان بيومئذ فِي الْبناء وغي كَون التَّنْوِين بَدَلا من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأما تَقْدِيره مُفردا ثمَّ تَعْلِيل بنائِهِ بِقطعِهِ عَن الْإِضَافَة كَمَا صنع ابْن هِشَام تبعا لغيره فَفِيهِ أنّ مَا ذكره مُخْتَصّ بالظروف النّسبيّة وَيكون بناؤها حِينَئِذٍ على الضمّ وَأما أَوَان فإنّه ظرف متصرف كَمَا يَأْتِي قَرِيبا وَلَيْسَ مضموماً كقبل وَبعد.)
وَيجوز أَن يقدّر الْمُضَاف إِلَيْهِ ولات أَوَان نصطلح فإنّ المنفيّ فِي الْحَقِيقَة هُوَ أَوَان الصُّلْح أَو يقدّر جملَة اسمية أَي: ولات أَوَان صلحنا مُمكن فأوان خبر لات وَهُوَ مَنْصُوب لفظا أَو مَبْنِيّ على الفتحة إِضَافَته إِلَى مبنيّ وَاسْمهَا مَحْذُوف أَي: ولات الأوان.
(4/184)

قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: قَالَ أَبُو العبّاس المبّرد: أَوَان هُنَا مَبْنِيَّة لأنّ أَوَان تُضَاف إِلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فكأنك حذفت مِنْهُ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فنونّت ليعلم أنّك قد اقتطعت الْإِضَافَة مِنْهُ.
وَلم يرتض ابْن جنّي فِي الخصائص كَون التَّنْوِين عوضا عَن الْجُمْلَة كيومئذ وفرّق بَينهمَا بِأَن إِذْ ظرف نَاقص وَأَوَان ظرف متصرّف. قَالَ: وتأوّل أَبُو العبّاس المبرّد قَول الشَّاعِر: طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... ... ... ... ... الْبَيْت على أَنه حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان فعوض التَّنْوِين عَنهُ على حد قَول الْجَمَاعَة فِي تَنْوِين إِذْ.
وَهَذَا لَيْسَ بالسهل وَذَلِكَ أنّ التَّنْوِين فِي نَحْو هَذَا إنّما دخل فِيمَا لَا يُضَاف إِلَى الْوَاحِد أَي: الْمُفْرد وَأما أَوَان فمعرب ويضاف إِلَى الْوَاحِد كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(فَهَذَا أَوَان الْعرض حيّ ذبابه ... زنانيره والأزرق المتلمس)
وَقد كسّروه على آوانه وتكسيرهم إيّاه يبعده عَن الْبناء لأنّه أخذٌ بِهِ فِي شقّ التصريف والتصرّف.
وَكَذَا قَالَ فِي سرّ الصِّنَاعَة: ذهب أَبُو العبّاس إِلَى أَن كسرة أَوَان لَيست إِعْرَاب وَلَا هِيَ علما للجرّ وَلَا أنّ التَّنْوِين الَّذِي بعْدهَا هُوَ التَّابِع لحركات الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا تَقْدِيره عِنْده أنّ أَوَان بِمَنْزِلَة إِذْ فِي أنّ حكمه أَن يُضَاف إِلَى الْجُمْلَة نَحْو قَوْلك: جئْتُك أَوَان قَامَ زيد وَأَوَان الْحجَّاج أَمِير
(4/185)

أَي: إِذْ ذَاك كَذَلِك فلمّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَوَان عوّض من الْمُضَاف إِلَيْهِ تنويناً.
وَالنُّون عِنْده كَانَت فِي التَّقْدِير سَاكِنة كسكون ذال إِذْ فلمّا لقيها التَّنْوِين سَاكِنا كسرت النُّون لالتقاء الساكنين. فَهَذَا شرح هَذِه الْكَلِمَة وَقَوله هَذَا غير مرضيّ لأنّ أواناً قد يُضَاف إِلَى الْآحَاد نَحْو قَوْله: ارجز هَذَا أَوَان الشدّ فاشتدّي زيم وَقَوله: فَهَذَا أَوَان الْعرض وَغير ذَلِك. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فهلاّ حركوا النُّون فِي يَوْمئِذٍ وَأَوَان لسكونها وَسُكُون)
الذَّال وَالنُّون قبله وَلم يحرّكوهما لذَلِك دونه فَالْجَوَاب: أنّهم لَو فعلوا ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُولُوا إِذن فَيُشبه التَّنْوِين الزَّائِد النُّون الأصيّلة.
وايضاً فَلَو فعلوا ذَلِك فِي إِذْ لما أمكنهم أَن يفعلوه فِي اوان لأنّهم لَو آثروا إسكان النُّون لما قدرُوا على ذَلِك لأنّ الْألف سَاكِنة قبلهَا وَكَانَ يلْزمهُم من ذَلِك أَن يكسروا النُّون لسكونها وَسُكُون فَإِن قيل: فلعلّ على هَذَا كسرهم النُّون من أَوَان إنّما هُوَ لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا دون أَن يكون كسرهم ذال إِذْ لسكونها وَسُكُون التَّنْوِين بعْدهَا.
فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يحمل كسر النُّون من أَوَان لِئَلَّا يخْتَلف الْبَاب
(4/186)

وَلِأَن أَوَان أَيْضا لم ينْطق بِهِ قبل لحاق التَّنْوِين لنونه فيقدّر مكسور النُّون لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا وإنّما حذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وعوّض مِنْهُ التَّنْوِين عقيب ذَلِك فَلم يُوجد لَهُ زمن يلفظ بِهِ بِلَا تَنْوِين فَيلْزم الْقَضَاء بِأَن نونه إنّما كسرت لكَون الْألف قبلهَا فاعرف ذَلِك من مَذْهَب أبي العبّاس.
وأمّا الْجَمَاعَة غَيره وَغير أبي الْحسن فعندهم أنّ أَوَان مجرورة بلات وأنّ ذَلِك لُغَة شاذّة. وروينا عَن قطرب قَالَ: قِرَاءَة عِيسَى: ولات حِين مناصٍ بِالْجَرِّ. انْتهى كَلَامه.
وَهَذَا حقّ لَا شُبْهَة فِيهِ فَالْوَجْه كَون لات فِيهِ حرف جرّ كَمَا نَقله الفرّاء فِي قَوْله: ولات سَاعَة. وَفِي هَذَا الْبَيْت أَيْضا.
وَكَذَلِكَ نَقله أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل عَن أبي عمر الْجرْمِي. وَاسْتَشْكَلَهُ أَبُو عليّ بأنّ حُرُوف الجرّ لَا بدّ أَن تتعلّق بِشَيْء ولات هُنَا لَا تتَعَلَّق بِشَيْء كَمَا بيّنه الشَّارِح وَجَوَابه: أنّ لنا حُرُوف جرّ لَا تتَعَلَّق بِشَيْء مِنْهَا لَوْلَا فِي نَحْو قَوْله: لولاي ولولاه فَلْيَكُن هَذَا مِنْهَا.
وَقَول ابْن هِشَام: وَزعم الفرّاء أَن لات تجرّ أَسمَاء الزّمان خَاصَّة تقدم النّقل عَنهُ قبل هَذَا
وَقَوله: وَأجِيب عَن الْبَيْت بجوابين: أَحدهمَا: على إِضْمَار من الخ هَذَا الْجَواب فَاسد لأنّ تَقْدِير من يَقْتَضِي أَن لَا يكون لَهَا مَعْمُول وَإِذا لم يكن لَهَا مَعْمُول اقْتضى كَونهَا غير عاملة.
وَالْجَوَاب إنّما هُوَ لبَيَان عَملهَا.
(4/187)

وَمن الْغَرِيب قَول أبي حيّان على مَا نَقله السّمين فِي إعرابه: إِن من المقدّرة ومجرورها موضعهما رفع على أَنَّهُمَا اسْم لات. قَالَ: كَمَا تَقول لَيْسَ من رجل قَائِما وَالْخَبَر مَحْذُوف. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: وَعَن الْقِرَاءَة بِالْجَوَابِ الأوّل. وَهَذَا الْجَواب لَا يصحّ هُنَا أَيْضا لما بيّنّاه.)
وَقَوله: وتوجيهه أنّ الأَصْل حِين مناصهم الخ وَهَذَا الأَصْل لَا يصحّ لأنّ مَعْمُول لات لَا يجوز إِضَافَته إلاّ إِلَى نكرَة.
وَدَعوى أَن الْمُضَاف وَهُوَ حِين اكْتسب الْبناء من الْمُضَاف إِلَيْهِ فَفِيهَا أنّ شَرط اكْتِسَاب الْبناء بِالْإِضَافَة فِي مثله أَن يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ إِمَّا إِذْ أَو فعل أَو جملَة اسمية وماص لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا. ثمَّ إنّ الْبناء إنّما سمع فِيمَا ذكرنَا على الْفَتْح لَا على الْكسر.
وَنقل السّمين فِي إعرابه عَن الْأَخْفَش أنّه خرّج الْبَيْت على حذف مُضَاف أَي: ولات حِين أَوَان فَبَقيَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مجروراً بعد حذف الْمُضَاف. وردّ عَلَيْهِ مكّي بأنّه كَانَ يَنْبَغِي أأن يقوم وَأجَاب عَنهُ السّمين بِأَن بَقَاء مثله على الجرّ قَلِيل وَمِنْه قِرَاءَة من قَرَأَ: وَالله يُرِيد الْآخِرَة بجرّ الى خرة.
أَقُول: تَقْدِير هَذَا الْمُضَاف لَا قرينَة تدلّ عَلَيْهِ وَإِن صحّ إِضَافَة حِين إِلَى أَوَان بِجعْل الْحِين عَاما والأوان خاصّاً بِحمْلِهِ على أَوَان الصُّلْح.
ثمَّ قَالَ السمين: وَقَالَ الزجّاج: الأَصْل ولات أواننا فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ
(4/188)

فَوَجَبَ ألاّ يعرب وكسره لالتقاء الساكنين. قَالَ أَبُو حيّان: وَمِنْه أَخذ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله أَصله وَلَا أَوَان صلح.
أَقُول: عبارَة الزّجاج فِي تَفْسِيره: وَمن خفض جعلهَا مبنيّة مَكْسُورَة لالتقاء السّاكنين كَمَا قَالُوا فدَاء لَك فبنوه على الْكسر. وَلما قَالَ ولات أَوَان جعله على معنى لَيْسَ حِين أواننا فلمّا حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ بنى على الْوَقْف ثمَّ كسر لالتقاء الساكنين. وَالْكَسْر شاذّ شَبيه بالْخَطَأ عِنْد البصريّين. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي زبيدٍ الطّائيّ النّصرانيّ. سَببهَا مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو الشيبانيّ وَابْن الأعرابيّ قَالَا: نزل رجلٌ من بني شَيبَان اسْمه المكاء برجلٍ من طيّئ فأضافه وسقاه فلمّا سكر وثب إِلَيْهِ الشّيبانيّ بِالسَّيْفِ فَقتله وَخرج هَارِبا.
وافتخر بَنو شَيبَان بذلك فَقَالَ أَبُو زبيد هَذِه القصيدة. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الْخَفِيف
(ولعمري لعارها كَانَ أدنى ... لكم من تقى وَحسن وَفَاء)
(ظلّ ضيفاً أخوكم لأخينا ... فِي صبوحٍ ونعمةٍ وشواء)
(لم يهب حُرْمَة النّديموحقت ... يَا لقومي للسّوءة السّواء)
(فاصدقوني وَقد خبرتم وَقد ثا ... بت إِلَيْكُم جوائب الأنباء))
(هَل علمْتُم من معشرٍ سافهونا ... ثمّ عاشوا صفحاً ذَوي غلواء)
(كم أزالت رماحنا من قتيلٍ ... قاتلونا بنكبة وشقاء)
(بعثوا حربنا إِلَيْهِم وَكَانُوا ... فِي مقامٍ لَو أبصروا ورخاء)
(ثمّ لمّا تشذّرت وأنافت ... وتصلوا مِنْهَا كريه الصّلاء)
(4/189)

.
(طلبُوا صلحنا ولات أوانٍ ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)
(ولعمري لقد لقوا أهل بأسٍ ... يصدقون الطّعان عِنْد اللّقاء)
(وَلَقَد قَاتلُوا فَمَا جبن القو ... م عَن الْأُمَّهَات وَالْأَبْنَاء)
إِلَى أَن قَالَ:
(فاصدقوني أسوقةٌ أم ملوكٌ ... أَنْتُم والملوك أهل عَلَاء)
(أبديءٌ أَن تقتلُوا إِذْ قتلتم ... أم لكم بسطةٌ على الْأَكفاء)
(فلحا الله طَالب الصّلح منّا ... مَا اطاف المبسّ بالدّهناء)
(إننا معشرٌ شَمَائِلنَا الصّب ... ر وَدفع الأسى بِحسن العزاء)
(وَلنَا فَوق كلّ مجدٍ لواءٌ ... فاضلٌ فِي التّمام كلّ لِوَاء)
(فَإِذا مَا اسْتَطَعْتُم فاقتلونا ... من يصب يرتهن بِغَيْر فدَاء)
المكّاء بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الْكَاف: اسْم الشيبانيّ الْقَاتِل. وعارها: عَار الضّربة.
وَقَوله: لم يهب حُرْمَة النّديم الخ أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: كَيفَ يواري سوءة أَخِيه على أنّ السوءة مَا يقبح كشفه. والسّوءة
السّواء على وزن اللَّيْلَة الليلاء: الحصلة القبيحة. ويهب: من الهيبة وَالْخَوْف.
وَالْمعْنَى: أَنه لم يعظم حُرْمَة الصاحب وحقّت تِلْكَ الْحُرْمَة بِأَن تهاب. ثمَّ نَادَى قومه ليعجّبهم من النّظر إِلَى هَذِه الفضيحة الَّتِي هِيَ هتك حُرْمَة النديم.
وَرُوِيَ: وَلَكِن بدل قَوْله: وحقّت.
(4/190)

وَقد وَقع الْعَجز شَاهدا فِي الكشّاف قَالَ الطّيبيّ: إنّي لم أظفر بصدره وَلَا بقائله. وجوائب الأنباء: جمع جائبة من الْجَواب وَهُوَ الْقطع. قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال هَل جَاءَكُم جائبة خبر أَي: خبر يجوب الأَرْض من بلد إِلَى بلد.
وَقَوله: سافهونا من السّفه وَهُوَ ضدّ الْحلم. وصفحاً: غعراضاً مِنْهُم. وذَوي حَال من)
الْوَاو فِي عاشوا. والغلواء بِضَم الْمُعْجَمَة: النشاط ومرح الشَّبَاب.
وَقَوله: لَو أبصروا لَو للتمنّي. ورخاء: مَعْطُوف على مقَام. وتشذّرت بالشين والذال المعجمتين قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال: تشذّر فلَان: إِذا تهيّأ لِلْقِتَالِ وتشذّر الْقَوْم فِي الْحَرْب: أَي تطاولوا. وأنافت: زَادَت. وتصلّوا: من صلي بالنَّار صلّى من بَاب تَعب: وجد حرّها. والصّلاء كتاب: حرّ النَّار.
وَقَوله: طلبُوا صلحنا الخ هُوَ جَوَاب لّما. وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ: طلبُوا فعل وفاعله مستتر فِيهِ ولات أَوَان فِي مَحل الْحَال من الصُّلْح.
وَقَوله: فأجبنا مَعْطُوف على طلبُوا وَأَن مصدريّة يُقَال: أَجَابَهُ بِكَذَا. وَقَالَ السيوطيّ: هِيَ تفسيريّة. وحِين خبر لَيْسَ أَي: لَيْسَ الْحِين حِين بَقَاء. والْبَقَاء: اسْم من قَوْلهم أبقيت على فلَان إبْقَاء: إِذا رَحمته وتلطّفت بِهِ. وَالْمَشْهُور أنّ الِاسْم مِنْهُ البقيا بِالضَّمِّ والبقوى بِالْفَتْح.
وَقَالَ العينيّ وَتَبعهُ السّيوطيّ: الْمَعْنى بَقَاء الصُّلْح.
وَقَوله: أبديءٌ الْهمزَة للاستفهام الإنكاريّ وبديء بِالْهَمْز كبديع وزنا وَمعنى. وتقتلُوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وقتلتم بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل.
(4/191)

وَقَوله: فلحا الله أَي: قبح الله.
وَقَوله: مَا أطاف الخ مَا: مَصْدَرِيَّة ظرفيّة. وأطاف وَطَاف بِمَعْنى دَار حول الشَّيْء. والمبسّ: حاديّ الْإِبِل وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم فَاعل من أبسست الْإِبِل: إِذا زجرتها. والدهناء: مَوضِع فِي بِلَاد بني تَمِيم. ويصب ويرتهن كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وأَبُو زبيد اسْمه الْمُنْذر بن حَرْمَلَة من طَيئ. قَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين وَابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَغَيرهمَا: عَاشَ أَبُو زبيد مائَة وَخمسين سنة وَكَانَ نصرانيّاً غَيره. وَكَانَ عُثْمَان بن عفّان يقرّبه ويدنيّ مَجْلِسه.
وَكَانَ مغرىً بِوَصْف الْأسد بعبارات
(4/192)

مهولة تزعج السّامع حتّى كأنّه يُشَاهد الْأسد فِي حُضُوره فَقَالَ لَهُ عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَوْمًا: إنّي لأحسبك جَبَانًا. فَقَالَ: كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن رَأَيْت مِنْهُ منْظرًا وَشهِدت مِنْهُ مشهداً لَا يبرح ذكره يتردّد ويتجدّد فِي قلبِي.
ثمّ وصف مَا شَاهد مِنْهُ وَنقل كَلَامه برمتّه صَاحب الأغاني إِلَى أَن قَالَ لَهُ عُثْمَان رَضِي الله)
عَنهُ: اسْكُتْ قطع الله لسَانك قد أرعبت قُلُوب الْمُؤمنِينَ.
وَقَالَ الطبريّ: كَانَ أَبُو زيد فِي الْجَاهِلِيَّة مُقيما فِي أَخْوَاله بني تغلب بالجزيرة وَفِي الْإِسْلَام مُنْقَطِعًا إِلَى الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط فِي ولَايَة الجزيرة وَولَايَة الْكُوفَة وَلم يزل بِهِ الْوَلِيد حتّى أسلم وَحسن إِسْلَامه.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ خلاف مَا قَالَ الْعلمَاء: أنّه مَاتَ على نصرانيّته.
قَالَ صَاحب الأغاني: ولّما وَفد أَبُو زبيد إِلَى الْوَلِيد بن عقبَة أَيَّام ولَايَته الْكُوفَة أنزلهُ دَار عقيل بن أبي طَالب على بَاب الْمَسْجِد فاستوهبها مِنْهُ فَوَهَبَهَا لَهُ فَكَانَ ذَلِك أوّل مَا طعن بِهِ على الْوَلِيد لأنّ أَبَا زبيد كَانَ يخرج مِنْهَا إِلَى الْوَلِيد فيسمر عِنْده وَيشْرب مَعَه ويشقّ الْجَامِع وَهُوَ سَكرَان فَلَمَّا شهد على الْوَلِيد بِشرب الْخمر عَزله عُثْمَان عَن الْكُوفَة وحدّه فِي الْخمر.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلما اعتزل الْوَلِيد بن عقبَة عليّاً وَمُعَاوِيَة صَار إِلَى الرّقة وَكَانَ أَبُو زبيد ينادمه.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: وَمَات الْوَلِيد قبل أبي زبيد فمرّ أَبُو زبيد بقبره فَوقف ثمَّ قَالَ:
(4/193)

الْكَامِل.
(يَا هاجري إِذْ جِئْت زائرة ... مَا كَانَ من عاداتك الهجر)
(يَا صَاحب الْقَبْر السّلام على ... من حَال دون لِقَائِه الْقَبْر)
ثمَّ انْصَرف. وَكَانَ يَجِيء إِلَى قَبره فيشرب عِنْده ويصبّ الشَّرَاب على قَبره ويبكي. وَبَقِي أَبُو زبيد إِلَى أَيَّام مُعَاوِيَة.
قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره: كَانَ يَجْعَل لَهُ فِي كل يَوْم أحد طعامٌ كثير ويهيأ لَهُ شرابٌ كثير وَيذْهب أَصْحَابه يتفرقون فِي الْبيعَة ويحملنه النِّسَاء فيضعه فِي ذَلِك الْمجْلس فيشرب والنّصارى حوله فَجَاءَهُ الْمَوْت فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا جعل الْمَرْء الَّذِي كَانَ حازماً ... يحلّ بِهِ حلّ الحوار وَيحمل)
(فَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَيْش خير يُريدهُ ... وتكفينه مَيتا أعفّ وأجمل)
(أَتَانِي رَسُول الْمَوْت يَا مرْحَبًا بِهِ ... لآتيه وسوف وَالله أفعل)
ثمَّ مَاتَ فَجَاءَهُ اصحابه فوجدوه مَيتا فَدفن على البليخ وَهُوَ مَوضِع إِلَى جَانب قبر الْوَلِيد بن عقبَة. وَفِي ذَلِك يَقُول أَشْجَع السّلميّ وَقد مرّ بقبرهما: الوافر
(مَرَرْت على عِظَام أبي زبيدٍ ... وَقد لاحت ببلقعة صلود)
(4/194)

. (وَكَانَ لَهُ الوليدج نديم صدقٍ ... فنادم قَبره قبر الْوَلِيد)
وَأنْشد بعده: أَلا رجلٍ على أنّ رجلا مجرور بِمن المقدّرة. وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(أَلا رجلٍ جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلةٍ تبيت)
وَذكر الشَّارِح المحقّق هُنَاكَ أَن رجل يرْوى أَلا رجلا وبالرفع وبالجرّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْكَامِل
(حنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الَّذِي كَانَت نوار أجنّت)
على أنّ هنّا فِي الأَصْل للمكان استعير للزمان وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة الفعلية وَهُوَ حنت.
يُرِيد أَن لات مَعَ هنّا عاملة عمل لَيْسَ أَيْضا لَا مُهْملَة وإلاّ لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي هنّا. وَاعْلَم أنّ هنّا بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا مَعَ تَشْدِيد النُّون ححاهما السيرافيّ وَقَالَ: الْكسر رَدِيء.
وَوهم العينيّ هُنَا فضبط الْهَاء بِالضَّمِّ وَتَبعهُ السيوطيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وَهِي عِنْد أهل اللُّغَة قاطبة اسْم إِشَارَة
(4/195)

للقريب وَعند ابْن مَالك للبعيد.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هنّا بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد مَعْنَاهُ هَاهُنَا وهنّاك أَي: هُنَاكَ. قَالَ: الرجز
(لمّا رَأَيْت محمليها هنّا ... محدّرين كدت أَن أجنّا)
وَمِنْه قَوْلهم: تجمعُوا من هنّا وَمن هنّا أَي: من هَاهُنَا وَمن هَاهُنَا. انْتهى.
وَمن لَازم اسْم الْإِشَارَة التَّعْرِيف وَعدم إِضَافَته إِلَى شَيْء وَقد ورد فِي الشّعْر كثيرا لات هنّا فالتزم أَبُو عليّ الفارسيّ وَتَبعهُ ابْن مَالك إهمال لات لأنّها لَا يصحّ إعمالها فِي معرفَة وَمَكَان وَقَالا: إِذا دخلت لات على هنّا كَانَت مُهْملَة وَكَانَت هنّا مَنْصُوبَة على الظّرْف فِي مَوضِع رفع على الْخَبَر لمبتدأ بعْدهَا سَوَاء كَانَ اسْما نَحْو: الْخَفِيف لات هنّا ذكرى جبيرَة
وَأورد عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَفِي شرح شواهده أنّ فِيهِ الْجمع بَين معموليها وَإِخْرَاج هنّا)
عَن الظرفيّة وإعمال لات فِي معرفَة ظَاهِرَة وَفِي غير الزَّمَان وَهُوَ جملَة النائبة عَن الْمُضَاف وَحذف الْمُضَاف إِلَى جملَة. انْتهى.
وَذهب بعض شرّاح المفصّل إِلَى أنّ هنّا خبر لات وَاسْمهَا مَحْذُوف وأنّ هنّا بِمَعْنى الْحِين وَالتَّقْدِير لَيْسَ الْحِين حِين حنينها.
وَهَذَا مُرَاد الشَّارِح المحقّق: فَقَوله: إنّ هنّا فِي الأَصْل للمكان استعير للزمان قصد بِهِ الردّ على أبي عليّ وَمن تبعه بأنّ هنّا لَيست على أَصْلهَا
(4/196)

حتّى يلْزم الْمَحْذُور بل قد استعيرت للزمان فَهِيَ ظرف بِمَعْنى حِين وَكَانَ أَصْلهَا الْإِشَارَة للمكان فتوسّع فِيهَا فَجعلت مجرّدة للزمان.
وَالْمعْنَى فِي جَمِيع مَا ورد شَاهد لَهُ فتيقى لات على مَا عهد لَهَا من الْعَمَل عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَمن وَقَوله: وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة أَرَادَ بِهِ الردّ على ابْن عُصْفُور: بأنّ هنّا خبر لات لَا اسْمهَا وأنّها مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة بعْدهَا لَا أنّ الْجُمْلَة خبر لات بِتَقْدِير مُضَاف.
وَالشَّارِح المحقّق قد أَخذ كَلَامه هَذَا من الْإِيضَاح لِابْنِ الْحَاجِب فإنّه قَالَ فِي فصل إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْجمل: هنّا فِي قَوْله: لولات هنّا حنّت الْبَيْت مَحْمُول على الزَّمَان لأمور: أَحدهَا: أنّ لَا الَّتِي لنفي الْجِنْس المكسوعة بالتّاء لَا تدخل إلاّ على الأحيان.
وَالثَّانِي: أنّ الْمَعْنى إِنْكَار الحنين بعد الْكبر وَذَلِكَ إنّما ينحقّق بِالزَّمَانِ لَا بِالْمَكَانِ.
وَالثَّالِث: أنّه لَو جعل للمكان لم يصحّ إِضَافَته إِلَى الْفِعْل إِذْ لم يضف من أَسمَاء الْمَكَان إِلَى الْأَفْعَال إلاّ الظروف غير المتمكنة كحيث. انْتهى.
وَقد ذهب ابْن الخبّاز أَيْضا فِي النِّهَايَة إِلَى هنّا مضافةٌ إِلَى الْجُمْلَة بعْدهَا.
نَقله عَنهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده وردّه بِأَن اسْم الْإِشَارَة لَا يُضَاف. وَهَذَا الردّ غير متّجه فإنّ من يَجْعَلهَا مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة كالزمخشري
(4/197)

فِي المفصّل لم يقل
إنّها اسْم إِشَارَة مُضَافَة إِلَى الْجُمْلَة إِذْ من الْقَوَاعِد أنّ أَسمَاء الْإِشَارَة لَا تصحّ إضافتها إِلَى شَيْء وإنّما هِيَ عِنْده مجردّة لِمَعْنى الْحِين.
وَبِمَا ذكرنَا يسْقط أَيْضا توقّف الدّمامينيّ فِي شرح التسهيل عِنْدَمَا نقل كَلَام الشَّارِح هُنَاكَ وَقَالَ: قَوْله: وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة إِن كَانَ مَعَ الْتِزَام أَنه اسْم إِشَارَة فمشكل لِأَنَّهُ لَا يُضَاف وَإِن كَانَ مَعَ ادّعاء التجرّد عَنْهَا فَيحْتَاج إِلَى نقل هـ.
وَمِنْه تعلم فَسَاد كَلَام الشاطبيّ أَيْضا وَجعله هنّا اسْم إِشَارَة للزمان مَعَ إِعْمَال لات فإنّه قَالَ:)
فَإِن قيل من شَرط لات عَملهَا فِي زمَان منكّر.
وَقَوْلهمْ ولات هنّا حنّت وَنَحْوه هنّا فِيهِ معرفَة وَهِي إِشَارَة للمكان. . فَالْجَوَاب أنّ هنّا لَا تختصّ بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْمَكَان بل قد يُرَاد بهَا الزَّمَان وَمن ذَلِك هَذِه الْمَوَاضِع فإنّ مَعْنَاهَا الْإِشَارَة إِلَى الزَّمَان أَي: ذكرى جبيرَة لَيْسَ فِي هَذَا الزَّمَان وحنينها لَيْسَ فِي هَذَا الْوَقْت. وأمّا عَملهَا فِي الْمعرفَة فإنّها عِنْد ابْن مَالك غير عاملة فِي هَذِه الْمَوَاضِع هـ.
فغن قلت: كَيفَ الْتزم الشَّارِح المحقّق أَن يُضَاف هنّا إِلَى الْجُمْلَة وَقد وَقع بعْدهَا الْمُفْرد فِي قَول الْأَعْشَى: الْخَفِيف
(لات هنّا ذكرى جبيرَة أم من ... جَاءَ مِنْهَا بطائف الْأَهْوَال)
وَفِي قَول الطّرمّاح: الْخَفِيف
(لات هنّا ذكرى بلهنية الدّه ... ر وأنّي لذِي السّنين المواضي)
(4/198)

قلت: ذكرى مفعول مُطلق عَامله مَحْذُوف أَي: لات هنّا أذكر ذكرى جبيرَة فالجملة محذوفة والحنين: الشوق ونراع النَّفس إِلَى الشَّيْء. وَالتَّاء من حنّت وأجنّت مَكْسُورَة
للوزن. ونوار: فَاعل حنّت مبنيّ على الْكسر فِي لُغَة الْجُمْهُور وَعند تَمِيم مُعرب لَا ينْصَرف وَهُوَ من أَسمَاء النِّسَاء مَأْخُوذ من نارت الْمَرْأَة تنور: إِذا نفرت من الرِّيبَة وَجمع نوار بِالضَّمِّ. وَجُمْلَة ولات هنّا حنّت حَال من نوار.
قَالَ ابْن هِشَام: وَتَكون حَالا إِذا وَقعت بعد الْوَاو. وبدا بِمَعْنى ظهر. ونوار الثَّانِي قد وضع مَوضِع الضَّمِير. وأجنّت بِالْجِيم: أخفت وسترت.
وَبعد هَذَا الْبَيْت بَيت ثانٍ لَا ثَالِث لَهُ وَهُوَ: الْكَامِل
(لما رَأَتْ مَاء السّلى مشروباً ... والفرث يعصر فِي الْإِنَاء أرنّت)
والسّلى بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالْقصر هِيَ الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون الْوَلَد فِيهَا من الْمَوَاشِي وَهِي المشميمة لَهُ. والفرث بِالْفَتْح: السّرجين مَا دَامَ فِي الكرش. وأرنّت من الرّنّة وَهُوَ الصَّوْت يُقَال: رنّت ترنّ رنيناً وأرنّت إرناناً: إِذا صاحت. وإنّما صاحت نوار وبكت لأنّها تيقنت فِي تِلْكَ الْمَفَازَة الْهَلَاك حَيْثُ لَا مَاء إلاّ مَا يعصر من فرث الْإِبِل وَمَا يخرج من المشيمة من بطونها.
وَهَذَانِ البيتان اخْتلف فِي قائلهما:)
فَقيل: شبيب بن جعيل التغلبيّ وَهُوَ جاهليّ. وَإِلَيْهِ ذهب الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف قَالَ: وشبيب هَذَا كَانَ بَنو قُتَيْبَة الباهليّون
(4/199)

أسروه فِي حَرْب كَانَت بَينهم وَبَين بني تغلب فَقَالَ شبيب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لما رأى أمّه نوار أرنّت وَهِي بنت عَمْرو بن كُلْثُوم.
وَقيل: هُوَ حجل بن نَضْلَة وَهُوَ جاهليّ أَيْضا. وَهُوَ قَول أبي عبيد وَتَبعهُ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء وَأَبُو عليّ فِي الْمسَائِل البصرية قَالُوا: قالهما فِي نوار بنت عَمْرو بن كُلْثُوم لما أسرها يَوْم طلح فَركب بهَا الفلاة خوفًا من أَن يلْحق. وَالله أعلم.
وَمِنْه تعرف أنّه لَا وَجه لقَوْل ابْن الْحَاجِب المتقدّم هنّا: إنّ معنى الْبَيْت إِنْكَار الحنين بعد الْكبر وَذَلِكَ إنّما يتحقّق بِالزَّمَانِ لَا بِالْمَكَانِ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة والآمدي: قد نقص حرف من فاضلة الْبَيْت الثَّانِي وَبَعض النَّاس يسمّون هَذَا إقواء لأنّه نقص من عروضه قوّة وَكَانَ يَسْتَوِي الْبَيْت بِأَن يَقُول متشرّباً.
يُقَال أقوى فلَان الْحَبل: إِذا جعل إِحْدَى قواه أغْلظ من الْأُخْرَى. وَالْمَشْهُور أنّ الأغقواء كَمَا قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَهُوَ اخْتِلَاف الْإِعْرَاب فِي القوافي: وَذَلِكَ أَن تكون قافية مَرْفُوعَة واخرى مجرورة. وَبَعض النَّاس يسمّي هَذَا الِاخْتِلَاف الإكفاء هـ.
(4/200)

وجعيل بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة. والتّغلبيّ بِالْمُثَنَّاةِ من فَوق بعْدهَا غين مُعْجمَة. وعَمْرو بن كُلْثُوم هُوَ صَاحب الْمُعَلقَة إِحْدَى المعلقات السَّبع وَقد تقدّمت تَرْجَمته.
وحجل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم. ونَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. تَتِمَّة قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح شَوَاهِد المفصّل عِنْد شرح هَذَا الْبَيْت: نوار اسْم لابنَة عبد شمس وَكَانَت قد عشقت ملكا فهمّ الْملك بِأَن يُوقع بِعَبْد شمس فشعرت نوار بذلك وآذنت أَبَاهَا فَقَالَ رجل من أقربائها: حنّت نوار أَي: اشتاقت إِلَى من تحبه وَلَيْسَ الْوَقْت وَقت الحنين والاشتياق إِلَيْهِ لظُهُور الْعَدَاوَة بَيْننَا وَظهر الَّذِي كَانَت هَذِه الْمَرْأَة أجنّته وسترته من الاشتياق.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ خطأ فَاحش وَمَا قَالَه شرحٌ لمثل: وَهُوَ حنّت ولات هنت وإنّي لَك مقروع.
(4/201)

وَقد خبط خبط عشواء أَيْضا فِي بَيَانه كَمَا يعلم وَجهه مِمَّا سَيَأْتِي.
وَهَذَا الْمثل أوردهُ الجوهريّ فِي مَادَّة لَيْت وَفِي مَادَّة هنن وَزعم أَنه شعر وَلَيْسَ كَذَلِك وَغنما)
هُوَ نثر. قَالَ: يُقَال: هنّ يهنّ هنيناً أَي: حنّ.
وَذكره أَبُو عبيد فِي مِثَاله وَالرِّوَايَة عِنْده حنّت ولات هنّت إِلَى آخِره قَالَ: يضْرب مثلا لمن يتهم فِي حَدِيثه وَلَا يصدق.
وأوّل من قَالَه مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم لابنَة اخيه الهيجمانة بنت العنبر ابْن عَمْرو بن تَمِيم حِين أخْبرت أَبَاهَا أنّ عبد شمس بن سعد بن زيد مَنَاة يُرِيد أَن يُغير عَلَيْهِم فاتّهمها مَازِن لِأَن عبد شمس كَانَ يهواها وَكَانَت تهواه فَقَالَ مَازِن هَذِه الْمقَالة. انْتهى كَلَامه.
وَأوردهُ صَاحب اللّبَاب للردّ على أبي عبيد فِي زَعمه أنّ تَاء لَا تحين من الْحِين. قَالَ شَارِحه الفالي: وَجه الِاسْتِدْلَال أنّ التَّاء دخلت مَعَ لَا على هنّت فَلَيْسَ جُزْءا من الْحِين وهنّت بِمَعْنى حنّت ومقروع: لقب عبد شمس بن سعد وَفِيه
يَقُول مَازِن بن مَالك فِي الهيجمانة بنت العنبر بن تَمِيم.
حنّت ولات هنّت وأنّي لَك مقروع وَهُوَ مثل وَأَصله أنّ الهيجمانة بنت الهنبر كَانَت تعشق عبد شمس وَكَانَ يلقّب بمقروع فَأَرَادَ أَن يُغير على قَبيلَة الهيجمانة وَعلمت بذلك فَأخْبرت أَبَاهَا فَقَالَ مَازِن: حنّت ولات هنّت أَي: اشتاقت وَلَيْسَ وَقت اشتياقها. ثمّ رَجَعَ من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب فَقَالَ: وأنّي لَك مقروع أَي: من أَيْن تظفرين بِهِ. يضْرب لمن يحنّ إِلَى مَطْلُوبه قبل أَوَانه. انْتهى.
(4/202)

وَفِي هَذَا الْمثل شيءٌ لم يتنبّه لَهُ وَهُوَ أنّ لات فِيهِ لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر لأنّها دخلت على فعل مَاض فَتكون مُهْملَة كَمَا تقدّم.
وَقَول صَاحب الْقَامُوس تبعا لصَاحب الْعباب: لَا تكون لات إلاّ مَعَ حِين وَقد تحذف وَهِي مُرَادة كَقَوْلِه: حنّت ولات هنّت وأنّي لَك مقروع فَإِن أَرَادَ أنّ الزَّمَان الْمَحْذُوف معمولها فَهَذَا غير صَحِيح لأنّه لَا يجوز حذف معمولي لات كَمَا لَا يجوز جَمعهمَا.
وَإِن أَرَادَ أنّها مُهْملَة وأنّ الزَّمَان لَا بدّ مِنْهُ لتصحيح اسْتِعْمَالهَا فَغير صَحِيح أَيْضا لأنّها إِذا أهملت ذخلت على غير الزَّمَان أَيْضا كَمَا تقدّم بَيت الأفوه الأوديّ عَن أبي حيّان. وَالله تَعَالَى أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(أَفِي أثر الأظعان عَيْنك تلمح ... نعم لات هنّا إنّ قَلْبك متيح)
على أنّ هنّا فِيهِ ظرف زمَان مَقْطُوع عَن الْإِضَافَة وَالْأَصْل لات هنّا تلمح فَحذف تلمح لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ فهنّا فِي مَوضِع نصب على أنّه خبر لات هنّا ذكرى جبيرَة حذفت الْجُمْلَة وَبَقِي أَثَرهَا كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا.
(4/203)

فَإِن قلت: لَو كَانَ هنّا مَقْطُوعَة عَن الْإِضَافَة كَمَا زعم الشَّارِح المحقّق لوَجَبَ أَن يلْحقهَا التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ الجمليّ كَمَا قَالَ هُوَ فِي بَاب الْإِضَافَة: إنّ الظروف الَّتِي فِيهَا معنى النِّسْبَة كقبل وَبعد إِن قطعت عَن الْإِضَافَة بنيت على الضَّم وَإِن كَانَت غير ذَلِك وَجب إِبْدَال التَّنْوِين عوضا من الْمُضَاف إِلَيْهِ كإذ وَأَوَان.
وَقَالَ فِي شرح بَيت لات أَوَان قبل هَذَا: وَلَا يعوّض التَّنْوِين فِي المبنيات من الْمُضَاف إِلَيْهِ إلاّ إِذا كَانَ جملَة.
فَإِن قلت: أيّ ضَرُورَة إِلَى ادّعاء حذف الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا هنّا مَعَ أَنه لم يقل بِهِ أحد وَلَا ابْن الْحَاجِب.
قلت: لّما حقّق أَن هنّا قد تجردت لظرف الزَّمَان كَانَ الظّرْف لَا بدّ لَهُ من مظروف وَالنَّفْي فِي الْحَقِيقَة متوجّه إِلَيْهِ وَلَوْلَا اعْتِبَاره لما كَانَ معنى لقولنا لات هنّا إِذْ لَا فَائِدَة فِي نفي الظّرْف.
وَهَذَا الْمَحْذُوف ملحوظ أَيْضا عِنْد من جعل هنّا إِشَارَة للمكان فإنّه لَا يتم الْمَعْنى بِدُونِهِ إِذْ لَا بدّ للْإِشَارَة من مشار إِلَيْهِ فَيكون المنفيّ فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ.
هَذَا مَا أمكنني أَن أفهم فِي كَلَامه فِي لات هنّا وَللَّه درّه مَا ادق نظره وألطف فكره وَفَوق كلّ ذِي علم عليم. وَالله أعلم.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدةٍ لِلرَّاعِي عدّتها سَبْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا مدح بهَا بشر بن مَرْوَان المروانيّ.
وَبعده:
(ظغائن مينافٍ إِذا ملّ بَلْدَة ... أَقَامَ الرّكاب باكرٌ مترّوح)
فَقَوله: أَفِي أثر الأظعان الْهمزَة للاستفهام وَفِي متعلّق بقوله تلمح وقدّم لِأَنَّهُ هُوَ المستفهم عَنهُ.)
(4/204)

قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الظّعينة الْمَرْأَة وَاصل الظّعينة الرّاحلة الَّتِي ترحل ويظعن عَلَيْهَا أَي: يسَار وَقيل للْمَرْأَة ظَعِينَة لأنّها تظّعن مَعَ الزَّوْج حَيْثُمَا ظعن أَو لأنّها تحمل على الرَّاحِلَة إِذا ظعنت وَقيل الظعينة الْمَرْأَة فِي الهودج ثمّ قيل للهودج بِلَا امْرَأَة ظَعِينَة وَجَمعهَا ظعن وظعائن وأظعان وظعن يظعن ظعناً بِالتَّحْرِيكِ: إِذا سَار. انْتهى. واللّمح: الإبصار الْخَفِيف قَالَ صَاحب الصِّحَاح: لمحه وألمحه إِذا أبصره بِنَظَر خَفِيف. ونعم: إِعْلَام للمستفهم السَّائِل. والمتيح بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون المثنّاة الفوقيّة وَفتح المثنّاة التحتيّة قَالَ ابْن حبيب فِي شرح ديوَان جران الْعود: المتيح الَّذِي يَأْخُذ فِي كلّ جِهَة وَهُوَ مفعل كأنّه أتيح لَهُ إتاحة أَي: قدّر.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة رجل متيح: إِذا كَانَ قلبه يمِيل إِلَى كلّ شَيْء. وَكِلَاهُمَا أنْشد هَذَا الْبَيْت. والميناف بِكَسْر الْمِيم بعْدهَا يَاء أَصْلهَا الْهَمْز قَالَ فِي الْعباب رجل مثناف أَي: سَائِر فِي أول النَّهَار وَقَالَ الأصمعيّ: رجل مئناف: يرْعَى مَاله أنف الْكلأ يُقَال: أنفت الْإِبِل أنفًا: إِذا وطِئت كلأ أنفًا بِضَم الْألف وَالنُّون أَي: عشياً لم يرع وَلم يدس بالأرجل. والْبَلدة: الأَرْض. وأَقَامَهُ من مَوْضِعه: خلاف أقعده. والرّكاب: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا
وَمعنى الْبَيْت أَن الشَّاعِر خَاطب نَفسه لما رَآهَا ملتفتة إِلَى حبائبها ناظرةً إلأى آثارها بعد الرحيل فاستفهمها بِهَذَا الْكَلَام ثمَّ أجَاب جَازِمًا بأنّ عينهَا ناظرة إِلَى أثرهنّ. وسفّهها فِي هَذَا الْفِعْل بِأَن اللمح لَيْسَ صادراً فِي وقته لأنّ صاحبهن مُلْتَزم أسفار ومقتحم أخطار شَأْنه الذّهاب وَعدم الإياب فَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَن تكتسب من النظرة شَدَائِد الْحَسْرَة.
(4/205)

وَقَوله: إنّ قَلْبك متيح اسْتِئْنَاف بيانيّ وَقع جَوَابا لسؤال عَن سببٍ خَاص نَشأ من الْجُمْلَة المنفية كَأَن نَفسه قَالَت لَهُ: هَل أَنا فِي هَذَا الْفِعْل متيح فأجابها بِالْجُمْلَةِ الْمُؤَكّدَة.
وَقَوله: ظعائن ميناف أَي: هنّ ظعائن وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لميناف. وَجُمْلَة: أَقَامَ الخ جَوَاب إِذا. وباكرٌ فَاعل أَقَامَ أَي: سائق باكر مترّوح: أَي شَأْنه سوق الْإِبِل بِالْغَدَاةِ والرّواح.
فَإِن قلت: كَيفَ يرتبط الجدواب بِالشّرطِ مَعَ خلّوه عَن ضمير الميناف قلت: هُوَ بِتَقْدِير أَقَامَ الركاب بأَمْره. ثمَّ وصف رحيل الميناف ونزوله ومنازله فِي أَبْيَات كَثِيرَة.)
ونرجمة الرَّاعِي قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة.
بَاب المجرورات الْإِضَافَة أنْشد فِيهَا: على أنّ ذَا اللَّام فِي أصل الْوَضع لوَاحِد معِين وَقد يسْتَعْمل بِلَا إِشَارَة إِلَى معيّن كالئيم فإنّ المُرَاد مِنْهُ لئيم من اللؤماء أيّ لئيمٍ كَانَ.
(4/206)

وَتَمَامه: فمضيت ثمّت قلت لَا يعنيني وَقد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل
(علا زيدنا يبوم النّقا رَأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشّفرتين يماني)
على أنّ الْعلم إِذا أضيف نكّر بجعله وَاحِدًا من جملَة من سمّي بذلك اللَّفْظ كزيد فإنّه معرفَة بالعلميّة ولّما أضيف نكّر واكتسب التَّعْرِيف من الْإِضَافَة.
وَقد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضا فِي الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
: الْكَامِل
(إِن قلت خيرا قَالَ شرّاً غَيره)
على أنّ السّرّاج نقض بِهِ مَا قَالَه ابْن السّريّ وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السّريّ الشّهير بالزجّاج من أَن غير إِذا أضيفت إِلَى معرّف لَهُ ضدّ وَاحِد تعرّفت كَقَوْلِك: عَلَيْك بالحركة غير السّكُون.
وَوجه النّقض: أنّ غيراً فِي الْبَيْت قد اضيفت إِلَى ضمير الْخَيْر وَهُوَ ضدّ الشَّرّ وَلم تتعرّف بِدَلِيل وُقُوعهَا صفة لقَوْله شرّاً.
(4/207)

وَنقض عَلَيْهِ أَيْضا بقوله تَعَالَى: نعمل صَالحا غير الَّذِي كنّا نعمل.
وَأجَاب الشَّارِح المحقّق بأنّ غيراً فيهمَا بدل لَا صفة وَيجوز أَن تكون صفة على الْأَكْثَر الْأَغْلَب وَهُوَ عدم تعرّفها بالمضاف إِلَيْهِ. هَذَا كَلَامه وَمَا نسبه إِلَيْهِمَا لم أره فِي كَلَامهمَا.
أما ابْن السّريّ فَهَذِهِ عِبَارَته فِي تَفْسِير الْفَاتِحَة: وَقَوله تَعَالَى: غير المغضوب عَلَيْهِم فيخفض على ضَرْبَيْنِ: على الْبَدَل من الَّذين كأنّه قَالَ: صِرَاط غير المغضوب عَلَيْهِم ويستقيم أَن يكون غير المغضوب عَلَيْهِم من صفة للنكرة تَقول مَرَرْت برجلٍ غَيْرك فغيرك صفة لرجل كأنّك قلت: مَرَرْت بِرَجُل آخر.
وَيصْلح أَن يكون مَعْنَاهُ مَرَرْت برجلليس بك وأنّما وَقع هَهُنَا صفة للَّذين لأنّ الَّذين هَهُنَا لَيْسَ بمقصود قصدهم فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك إنّي لأمرّ بِالرجلِ مثلك فَأكْرمه. انْتهى كَلَامه.
فَعلم مِنْهُ أَن وُقُوع غير صفة للَّذين لتأويل الَّذين بِمَا يقرب بِهِ من النكرَة وَهُوَ كَون المعرّف الجنسي قَرِيبا من النكرَة لَا لكَونهَا وَقعت بَين ضدّين كَمَا نقل عَنهُ الشَّارِح المحقّق.
وَأما ابْن السرّاج فقد قَالَ فِي بَاب الْإِضَافَة من الْأُصُول: وأمّا مثل وَغير وَسوى فإنهنّ إِذا أضفن إِلَى المعارف لم يتعرّفن لأنّك إِذا قلت مثل زيد فَمثله كثير: واحدٌ فِي طوله وَآخر فِي علمه وَآخر فِي صناعته وَآخر فِي حسنه. وَهَذَا يكَاد يكون بِلَا نِهَايَة.
وَكَذَلِكَ غير إِذا قلت غير زيد فَهُوَ غير زيد.
(4/208)

فَهَذَا وَمَا أشبهه لَا يتعرّف بِالْإِضَافَة. فَإِن أردْت مثل زيد الْمَعْرُوف بشبه زيد كَانَ معرفَة. انْتهى.
فَلَيْسَ فِيهِ ردّ وَلَا شعر.)
وَقد نسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إلأى ابْن السرّاج مَا نسبه الشَّارِح المحقّق إِلَى ابْن السريّ.
(إنّ امْرأ مَوْلَاهُ أدنا دَاره ... فِيمَا ألمّ وشرّه لَك بَادِي)
(إِن قلت خيرا قَالَ شرّاص غَيره ... أَو قلت شرّاً مُدَّة بمداد)
(فلئن أَقمت لأظعننّ لبلدةٍ ... وَلَئِن ظعنت لأرسين أوتادي)
(كَانَ التفرّق بَيْننَا عَن مئرةٍ ... فَاذْهَبْ إِلَيْك فقد شفيت فُؤَادِي)
وَقَوله: إِن امْرأ مَوْلَاهُ الخ وَالْمولى هُنَا يجوز أَن يكون ابْن العمّ وَأَن يكون النَّاصِر وَأَن يكون الْجَار وأدنا بِمَعْنى أَضْعَف وأذلّ وَمن الدناءة فسهّل. وفِي للسببيّة وألمّ من اللّمم وَهُوَ مقاربة الذَّنب. وبَادِي: ظَاهر. ومَوْلَاهُ مُبْتَدأ وأدنا خَبره وَالْجُمْلَة صفة لاسم إنّ وخبرها الْجُمْلَة الشرطيّة وَهُوَ قَوْله: إِن قلت خيرا الخ. وَقلت فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِفَتْح التَّاء. وَقَوله: مدّه الخ أَي: زَاده بِزِيَادَة مُتَّصِلَة.
وَقَوله: فلئن أَقمت الخ هَذَا التفاف من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَقَوله: لأرسين النُّون الْخَفِيفَة للتَّأْكِيد. والإرساء: الْإِثْبَات يُقَال رسا الشَّيْء يرسو:
(4/209)

إِذا ثَبت وأرساه: أثْبته. وَأَرَادَ بأوتاده أوتاد الْخَيْمَة. وإرساؤها كِنَايَة عَن الْإِقَامَة. والمئرة بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْهمزَة هِيَ العدواة قَالَ أَبُو زيد: مأرت بَين الْقَوْم مأراً وماءرت وَالْأسود بن يعفر شَاعِر جاهليّ تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... أجرت فَلَا قتلٌ عَلَيْهِ وَلَا أسر)
على أَن وَاحِد أمّه نكرَة لَا يتعرّف بِالْإِضَافَة وَإِن أضيف إِلَى الْمعرفَة لتوغله
فِي الْإِبْهَام إِذْ لَا ينْحَصر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُضَاف إِلَيْهِ معيّن إِذْ بعد الْإِضَافَة لَا يتعيّن الْمُضَاف أَيْضا فِيهِ نَظِير غَيْرك وَمثلك وَلذَلِك وَقع مجروراً لربّ.
وَالشَّارِح المحقّق نسب جعله مُنْكرا إِلَى بعض الْعَرَب واستدلّ لَهُ بِدُخُول ربّ عَلَيْهِ فإنّها لَا تدخل إلاّ على نكرَة. وَغَيره نسب التنكير إِلَى بعض النّحاة ويؤيّده قَول ابْن الأنباريّ فِي الزَّاهِر: إنّ الفرّاء وهشاماً قَالَا:
(4/210)

نَسِيج وَحده وعيير وَحده وَوَاحِد أمّه نكرات.
وَالدَّلِيل على هَذَا أنّ الْعَرَب تَقول: ربّ نَسِيج وَحده قد رَأَيْت وربّ وَاحِد أمّه قد أجرت.
واحتجّ هشتامٌ بقول حَاتِم: أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ شَارِح اللّبَاب وَغَيره: وَالْأَكْثَر أَن يكون معرفَة على قِيَاس الْإِضَافَة إِلَى المعارف وأمّا وُرُوده نكرَة فنادر إنّما جَاءَ فِي الشّعْر.
وَقَول الشَّارِح المحقّق: وَلَيْسَ العلّة فِي تنكيرهما مَا قَالَ بَعضهم إنّ وَاحِد مُضَاف إِلَى أمّ إِلَى آخِره هُوَ كَلَام عبد القاهر الجرجانيّ قَالَ: وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بِبَطن وأمّ لَا يجوز أَن يعود إِلَى نفس وَاحِد وَعبد لأنّ الْمُضَاف يكْتَسب من الْمُضَاف إِلَيْهِ التَّعْرِيف فَإِذا كَانَ تَعْرِيف أمّ بإضافتها إِلَى ضمير الْوَاحِد كَانَ التمَاس تَعْرِيف الْوَاحِد مِنْهَا محالاً وَكَانَ بِمَنْزِلَة تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ فَوَجَبَ أَن يعود الضَّمِير إِلَى شَيْء غير عبد وَوَاحِد يجوز أَن تَقول: زيد عبد بَطْنه فَيكون تَعْرِيف عبد بِغَيْر ضَمِيره.
قَالَ: فإّذا قلت جَاءَنِي وَاحِد أمّه وَعبد بَطْنه جَازَ أَن يكون معرفَة بِأَن يتقدّم الذّكر كَأَنَّك قلت جَاءَنِي الْكَامِل النَّبِيل الَّذِي عَرفته.
وَإِذا جعل نكرَة فعلى أَنه يُوصف بِهِ نكرَة محذوفة كَمَا فِي الْبَيْت كأنّه قَالَ إنسانٌ وَاحِد أمّه بِمَنْزِلَة قَوْلك: ربّ إِنْسَان عَزِيز معظّم لأنّ ربّ لَا تدخل على المعارف. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: أماويّ الخ الْهمزَة للنداء وماويّ منادى مرخّم ماويّة وَهِي زَوْجَة حَاتِم.)
والماويّة فِي اللُّغَة: الْمرْآة الَّتِي يرى فِيهَا الْوَجْه كأنّها منسوبة إِلَى المَاء فإنّ النِّسْبَة إِلَى المَاء مائيّ وماويّ. وربّ هُنَا لإنشاء
(4/211)

التكثير وَالْعَامِل فِي محلّ مجرورها أجرت بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة بِمَعْنى أمّنته مِمَّا يخَاف يُقَال: استجاره أَي: طلب مِنْهُ أَن يحفظه فأجاره. وروى بدله: أخذت قَالَ الزمخشريّ فِي أَمْثَاله عِنْد قَوْله أَجود من حَاتِم: كَانَ إِذا قَاتل غلب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا سُئِلَ وهب وَإِذا ضرب بالقدح سبق وَإِذا أسر أطلق وَإِذا أثرى أنْفق.
وَكَانَ أقسم بِاللَّه لَا يقتل وَاحِد أمّه. انْتهى.
وروى صَاحب اللّبَاب المصراع الثَّانِي هَكَذَا: قتلت فَلَا غرم عليّ وَلَا جدل من جدل عَلَيْهِ: إِذا صال عَلَيْهِ بالظّلم. وَلَيْسَ كَذَلِك فإنّ الْبَيْت من قصيدة رائيّة وَهِي:
(أماويّ قد طَال التّجنّب والهجر ... وَقد عذرتني فِي طلابكم عذر)
(أماويّ إنّ المَال غادٍ ورائحٌ ... وَيبقى من المَال الْأَحَادِيث والذّكر)
(أماويّ إنّي لَا اقول لسائلي ... إِذا جَاءَ يَوْمًا حلّ فِي مالنا النّزر)
(أماويّ إمّا مانعٌ فمبيّنٌ ... وإمّا عطاءٌ لَا ينهنهه الزّجر)
(أماويّ مَا يُغني الثّراء عَن الْفَتى ... إِذا حشرجت يَوْمًا وضاق بهَا الصّدر)
(4/212)

(تري أنّ مَا انفقت لم يَك ضائري ... وأنّ يَدي ممّا بخلت بِهِ صفر)
(أماويّ إنّي ربّ وَاحِد أمّه ... أخذت فَلَا قتلٌ عَلَيْهِ وَلَا أسر)
(وَقد علم الأقوام لَو أنّ حاتماً ... أَرَادَ ثراء المَال كَانَ لَهُ وفر)
(أماويّ إنّ المَال مالٌ بذلته ... فأوّله شكرٌ وَآخره ذكر)
(وإنّي لَا آلو بِمَالي صَنِيعَة ... فأوّله زادٌ وَآخره دخر)
(يفكّ بِهِ العاني ويؤكل طيّباً ... وَمَا إِن يعريّه القداح وَلَا الْقَمَر)
(وَلَا أظلم ابْن العمّ إِن كَانَ إخوتي ... شُهُودًا وَقد اودى بإخوته الدّهر)
(غنينا زَمَانا بالتّصعلك والغنى ... وكلاّ سقاناه بكأسيهما الدّهر)
(فَمَا زادنا بأواً على ذِي قرابةٍ ... غنانا وَلَا ازرى بأحسابنا الْفقر)
(وَمَا ضرّ جاراً يَا ابْنة الْقَوْم فاعلمي ... يجاورني أَن لَا يكون لَهُ ستر)
(بعينيّ عَن جارات قومِي غفلةٌ ... وَفِي السّمع منّي عَن أحاديثها وقر))
قَوْله: وَقد عذرتني الخ عذرته فِيمَا صنع من بَاب ضرب: رفعت عَنهُ اللوم فَهُوَ مَعْذُور أَي: غير ملوم. وَالِاسْم الْعذر بِالضَّمِّ.
وَقَوله: حلّ فِي مالنا النزر أَي: القلّة. ونهنهه: كفّه وَمنعه.
وَقَوله: إِذا حشرجت يَوْمًا الخ أورد صَاحب الكشّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: كلا إِذا بلغت التّراقي على إِضْمَار النَّفس قبل الذّكر لذلالة الْكَلَام عَلَيْهِ كَمَا أضمرها الشَّاعِر فِي حشرجت. والحشرجة أَوله مُهْملَة وَآخره جِيم: الغرغرة عِنْد الْمَوْت وتردّد النَّفس.
والصّدى: مَا يبْقى من الْمَيِّت فِي قَبره قَالَه الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْد قَول النّمر بن تولب الصحابيّ:
(4/213)

الطَّوِيل
(أعاذل إِن يصبح صداي بقفرةٍ ... بَعيدا نآني صَاحِبي وقريبي)
(تري أنّ مَا ابقيت لم أك ربّه ... وأنّ الَّذِي أنفقت كَانَ نَصِيبي)
وَقَوله: لَا آلو أَي: لَا أقصّر. والعاني: الْأَسير.
وَقَوله: وَمَا إِن يعرّيه أَي: يفنيه. والقداح: قداح الميسر. والْقَمَر بِالْفَتْح: المقامرة.
وَقَوله: غنينا غَنِي كفرح: عَاشَ وغنى بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ. والبأو بِالْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون الْهمزَة الْكبر وَالْفَخْر يُقَال: بأوت على الْقَوْم أبأى باواً.
وَسبب هَذِه القصيدة هُوَ مَا رَوَاهُ الزجاجيّ فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى قَالَ:: أخبنا ابْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن عَن عَمه وابو حَاتِم عَن أبي عبيد قَالَا: كَانَت امرأةٌ من الْعَرَب من بَنَات مُلُوك الْيمن ذَات جمال وَكَمَال وَحسب وَمَال فآلت أَن لَا تزوّج نَفسهَا إلاّ من كريم وَلَئِن خطبهَا لئيم لتجدعنّ أَنفه فتحاماها النَّاس حتّى انتدب لَهَا زيد الْخَيل وحاتم بن عبد الله وَأَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطائيّون فارتحلوا إِلَيْهَا فلمّا دخلُوا عَلَيْهَا قَالَت: مرْحَبًا بكم مَا كُنْتُم زوّاراً فَمَا الَّذِي جَاءَ بكم قَالُوا: جِئْنَا زوّاراً خطّاباً قَالَت: أكفاء كرام.
فأنزلتهم وفرّقت بَينهم وأسبغت لَهُم الْقرى وزادت فِيهِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي بعثت بعض حواريها مُتَنَكِّرَة فِي زِيّ سَائِلَة تتعرّض لَهُم فَدفع إِلَيْهَا زيد وأوسٌ شطر
مَا حمل إِلَى كلّ واحدٍ مِنْهُمَا فلمّا صَارَت
(4/214)

إِلَى رجل حاتمٍ دفع إِلَيْهَا جَمِيع مَا كَانَ من نَفَقَته وَحمل مَعهَا جَمِيع مَا حمل إِلَيْهِ فلمّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث دخلُوا عَلَيْهَا فَقَالَت: ليصف كلّ وَاحِد)
مِنْكُم نَفسه فِي شعره فابتدر زيد وانشأ يَقُول: الْبَسِيط
(هلاّ سَأَلت بني ذبيان مَا حسبي ... عِنْد الطّعان إِذا مَا احمرّت الحدق)
(وَجَاءَت الْخَيل محمرّاً بوادرها ... بِالْمَاءِ يسفح من لبّاتها العلق)
(وَالْخَيْل تعلم أنّي كنت فالاسها ... يَوْم الأكسّ بِهِ من نجدة روق)
(وَالْجَار يعلم أنّي لست خاذله ... إِن نَاب دهرٌ لعظم الْجَار معترق)
(هَذَا الثّناء فَإِن ترضي فراضيةٌ ... أَو تسخطي فَإلَى من تعطف الْعُنُق)
وَقَالَ أَوْس بن حَارِثَة: إنّك لتعلمين أنّا أكْرم أحساباً وَأشهر أفعالاً من أَن نصف أَنْفُسنَا لَك أَنا الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر: الوافر
(إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأمٍ ... ليقضي حَاجَتي وَلَقَد قَضَاهَا)
(فَمَا وطئ الْحَصَى مثل ابْن سعدى ... وَلَا لبس النّعال وَلَا احتذاها)
وَأَنا الَّذِي عقّت عقيقته وأعتقت عَن كلّ شعرةٍ فِيهَا عَنهُ نسمَة.
ثمَّ أنشأ يَقُول: الطَّوِيل
(فَإِن تنكحي ماويّة الْخَيْر حاتماً ... فَمَا مثله فِينَا وَلَا فِي الْأَعَاجِم)
...
(4/215)

(فَتى لَا يزَال الدّهر أكبر همّه ... فكاك أسيرٍ أَو مَعُونَة غارو)
(وَإِن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إِذا الْحَرْب يَوْمًا أقعدت كلّ قَائِم)
(وَصَاحب نَبهَان الَّذِي يتّقى بِهِ ... شذا الْأَمر عِنْد الْمُعظم المتفاقم)
(وَإِن تنكحيني تنكحي غير فَاجر ... وَلَا جارفٍ جرف الْعَشِيرَة هَادِم)
(وَلَا متّقٍ يَوْمًا إِذا الْحَرْب شمّرت ... بأنفسها نَفسِي كَفعل الأشائم)
(وَإِن طَارق الأاضياف لَاذَ برحله ... وجدت ابْن سعدى للقرى غير عاتم)
(فَأَي فَتى أهْدى لَك الله فاقبلي ... فإنّا كرامٌ من رُؤُوس أكارم)
أماويّ قد طَال التّجنّب والهجر وَقد عذرتني فِي طلابكم عذر إِلَى أَن انْتهى إِلَى آخر القصيدة وَهِي مَشْهُورَة فَقَالَت: أما انت يَا زيد فقد وترت الْعَرَب وبقاؤك مَعَ الحرّة قَلِيل. وأمّا أَنْت يَا أَوْس فَرجل ذُو ضرائر وَالدُّخُول عليهنّ شَدِيد. وأمّا أَنْت يَا حَاتِم فمرضيّ الْخَلَائق مَحْمُود الشيم كريم النَّفس وَقد زوّجتك نَفسِي. هـ مَا رَوَاهُ الزجلجيّ.)
وَقد روى صَاحب الأغاني هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا قَالَ: إِن مُعَاوِيَة تَذَاكَرُوا عِنْده مُلُوك الْعَرَب حتّى دكروا الزّبّاء وماويّة فَقَالَ مُعَاوِيَة: إنّي لأحبّ أَن أسمع حَدِيث ماوية وحاتم فَقَالَ رجل من الْقَوْم: أَفلا أحدّثك بِهِ فَقَالَ مُعَاوِيَة: بلَى. فَقَالَ: إِن ماوية كَانَت ملكة وَكَانَت تتَزَوَّج من ارادت وإنّها بعثت يَوْمًا غلماناً لَهَا وأمرتهم أَن يأتوها بأوسم من يجدونه من الْحيرَة فجاؤوا بحاتم فأكرمته وَبعد ان رَحل عَنْهَا دَعَتْهُ نَفسه إِلَيْهَا فَأَتَاهَا يخطبها
(4/216)

فَوجدَ عِنْدهَا النَّابِغَة ورجلاً من الأنصارمن النبيت فَقَالَت: انقلبوا إِلَى رحالكُمْ وَليقل كلّ مِنْكُم شعرًا يذكر فِيهِ فعاله ومنصبه فإنّي أَتزوّج أكْرمكُم واشعركم.
فانصرفوا فَنحر كلّ وَاحِد مِنْهُم جزوراً ولبست ماويّة ثيابًا لأمةٍ لَهَا فأعقبتهم فَأَتَت النّبيتيّ فاستطعمته من جزوره فأطعمها ثيل جزوره أَي: وعَاء قضيبه فاخذته ثمَّ أَتَت نَابِغَة بني ذبيان فاستطعمته فأطعمها ذَنْب جمله فَأَخَذته ثمَّ أَتَت حاتماً وَقد نصب قدره فاستطعمته فَقَالَ لَهَا: قريّ حَتَّى أُعْطِيك مَا تنتفعين بِهِ. فَأَعْطَاهَا من الْعَجز والسّنام وَمثلهَا من المخدّش وَهُوَ عِنْد الحارك ثمَّ انصرفت فَأرْسل إِلَيْهَا كلّ واحدٍ ظهر جمله وَأهْدى حَاتِم إِلَى جاراتها مثل مَا أهْدى إِلَيْهَا.
وصبّحوها فاستنشدتهم فأنشدها النّبيتيّ: الْبَسِيط
(هلاّ سَأَلت النّبيتيين مَا حسبي ... عِنْد الشّتاء إِذا مَا هبّت الرّيح)
وَبعده أَبْيَات ثَلَاثَة. ثمَّ قَالَت: أنشدنا يَا نَابِغَة فأنشدها: الْبَسِيط
(هلاّ سَأَلت بني ذبيان مَا حسبي ... إِذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما)
وَبعده بيتان ثمَّ قَالَت: يَا أَخا طّيئ أنشدنا. فأنشدها:
(أماويّ قد طَال التّجنّب والهجر ... وَقد عذرتني فِي طلابكم الْعذر)
إِلَى آخر القصيدة.
فلمّا فرغ حاتمٌ من إنشاده دعت بالغداء وَكَانَت قد أمرت إماءها أَن يقدّمن إِلَى كلّ رجل مَا كَانَ أطعمها فقدّمن إِلَيْهِم مَا كَانَت أمرتهنّ أَن يقدّمنه فنكّس النّبيتيّ والنابغة رأسيهما فَلَمَّا نظر حَاتِم ذَلِك رمى بِالَّذِي قدّمته إِلَيْهِمَا وأطعمهما مّما قدّم إِلَيْهِ فتسلّلا مِنْهَا.
(4/217)

وَقَالَت: إنّ حاتماً أكْرمكُم وأشعركم. فَلَمَّا خرجا قَالَت: يَا حَاتِم خلّ سَبِيل امْرَأَتك فَأبى فزودته. فَلَمَّا انْصَرف عَنْهَا مَاتَت امْرَأَته فَعَاد إِلَيْهَا فتزوّجها فَولدت لَهُ عديّاً. وَقد كَانَ عديّ)
أسلم وَحسن إِسْلَامه هـ مُخْتَصرا.
والصّحيح أَن عديّاً من امْرَأَته نوار لَا من ماويّة. وَالله أعلم.
وترجمة حَاتِم الطّائيّ قد تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة.
وأنشده بعده: وَلَقَد أمرّ على اللَّئِيم يسبّني تَمَامه: فمضيت ثّمت قلت لَا يغنيني وَقد تقدّم قَرِيبا.
وَأنْشد بعده هُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(لمّا أَتَى خبر الزّبير تواضعت ... سور الْمَدِينَة وَالْجِبَال الخشّع)
على أنّ سوراً اكْتسب التَّأْنِيث من الْمَدِينَة وَلِهَذَا أنث لَهُ الْفِعْل.
قَالَ الأعلم فِي شرح شَوَاهِد س: إنّ السّور وَإِن كَانَ بعض الْمَدِينَة
(4/218)

لَا يسمّى مَدِينَة كَمَا يسمّى بعض السنين سنة وَلَكِن الاتساع فِيهِ مُتَمَكن لأنّ معنى تواضعت الْمَدِينَة وتواضع سور الْمَدِينَة مُتَقَارب.
وَذهب أَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنّى إِلَى أنّ السّور جمع سُورَة وَهِي كلّ مَا علا وَبهَا سمّي سور الْمَدِينَة سوراً. وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِي الْبَيْت.
قَالَ السيرافيّ: وَالْجِبَال الخشّع مُبْتَدأ وخبرٌ عِنْد بَعضهم أَي: وَصَارَت الْجبَال خاشعة متضائلة لأنّه لَا مدح فِي قَوْلنَا تواضعت الْجبَال المتضائلة بل تواضعت الْجبَال الشامخة لكنّه وصفهَا بِمَا آلت إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَعْطُوف على سور الْمَدِينَة والخشّع صفة لَهُ وَلم يرد أنّها كَانَت خشّعاً قبل بل هِيَ خشّع لمَوْته الْآن.
وَأَرَادَ: لما أَتَى خبر قتل الزّبير وتواضعت وَقعت إِلَى الأَرْض. والخشّع: الَّتِي قد لطئت بِالْأَرْضِ.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير عدّتها مائَة وَعِشْرُونَ بَيْتا هجا بهَا الفرزدق وعدّد فِيهَا معايبه مِنْهَا أنّ ابْن جرمور المجاشعيّ وَهُوَ من رَهْط الفرزدق قتل الزّبير بن العوّام غيلَة بعد انْصِرَافه من وقْعَة الْجمل فَهُوَ ينسبهم إِلَى أنّهم غدروا بِهِ لأنّهم لم يدفعوا عَنهُ.
يَقُول: لّما وافى خبر قتل الزّبير إِلَى مَدِينَة الرَّسُول صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم تواضعت هِيَ وجبالها وخشعت حرناً لَهُ. وَهَذَا مثل وإنّما يُرِيد أَهلهَا. وَقبل هَذَا الْبَيْت: الْكَامِل
(إنّ الرّزيّة من تضمّن قَبره ... وَادي السّباع لكلّ جنبٍ مصرع)
وَبعده:
(وَبكى الزّبير بَنَاته فِي مأتمٍ ... مَاذَا يردّ بكاء من لَا يسمع)
ووادي السبَاع على أَرْبَعَة فراسخ من الْبَصْرَة. ثمَّ إنّ ابْن جرموز قدم على أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهنأه بِالْفَتْح وَأخْبرهُ بقتْله ال. ّبير
(4/219)

فَقَالَ لَهُ عليّ: أبشر بالنَّار سَمِعت رَسُول
وَفِي ذَلِك قَالَ ابْن جرموز: المتقارب
(أتيت عليّاً بِرَأْس الزّبير ... وَقد كنت أحسبها زلفه)
(فبشّر بالنّار فِي قَتله ... فبئس بِشَارَة ذِي التّحفه)
ثمَّ إِن ابْن جرموز جَاءَ إِلَى مُصعب بن الزّبير وَكَانَ والياً على الْعرَاق من قبل أَخِيه عبد الله فَقَالَ: اقتلني بالزّبير فَكتب فِي ذَلِك إِلَى أَخِيه فَكتب إِلَيْهِ عبد الله: أَنا لَا أَقتلهُ بالزّبير وَلَا بشسع نَعله. فَلم يقْتله وَمضى ابْن جرموز من عِنْد مُصعب.
وقصّة مقتل الزّبير مفصّلة فِي التّواريخ.
وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(إِذا بعض السنين تعرّقتنا ... كفى الْأَيْتَام فقد أبي الْيَتِيم)
لما تقدّم قبله وَهُوَ أنّ بَعْضًا اكْتسب التَّأْنِيث مّما بعده بِالْإِضَافَة وَلِهَذَا قَالَ تقرّقتنا بالتأنيث.
قَالَ ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة عِنْدَمَا أنْشد قَول الشَّاعِر:
(4/220)

الْبَسِيط
سَائل بني أسدٍ مَا هَذِه الصّوت إنّما أنّثه لأنّه أَرَادَ الاستغائة. وَهَذَا من قَبِيح الضَّرُورَة أَعنِي تانيث المذكّر لأنّ التَّذْكِير هُوَ الأَصْل بِدلَالَة أنّ الشَّيْء مذكّر وَهُوَ يَقع على المذكّر والمؤنث فَعلمت بِهَذَا عُمُوم التَّذْكِير وأنّه هُوَ الأَصْل الَّذِي لَا ينكسر. وَنَظِير هَذَا فِي الشذوذ قَوْله وَهُوَ من أَبْيَات الْكتاب: إِذا بعض السّنين تعرّقتنا ... ... ... . . الْبَيْت وَهَذَا أسهل من تَأْنِيث الصّوت قَلِيلا لأنّ بعض السنين سنة وَهِي مُؤَنّثَة وَهِي من لفظ وَزَاد المبّرد فِي الْكَامِل على هَذَا الْوَجْه وَجها آخر فَقَالَ: قَوْله: إِذا بعض السّنين تعرّقتنا يفسّر على وَجْهَيْن: أَن يكون ذهب إِلَى أنّ بعض السّنين يؤنّث لأنّه سنة وسنون. والأجود أَن يكون الْخَبَر فِي الْمَعْنى عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ فأقحم الْمُضَاف إِلَيْهِ توكيداً لأنّه غير خارجٍ من الْمَعْنى.
وَفِي كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ ّ: فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين والخضوع بيّن فِي الْأَعْنَاق
(4/221)

فَأخْبر عَنْهُم فأقحم الْأَعْنَاق توكيداً وَكَانَ أَبُو زيد الأنصاريّ يَقُول:
أَعْنَاقهم: جَمَاعَتهمْ والأوّل قَول عامّة النّحويّين. انْتهى المُرَاد مِنْهُ. وبغض: فَاعل فعل مَحْذُوف يفسّره تعرّقتنا الْمَذْكُور يُقَال تعرقت الْعظم: إِذا أكلت مَا عَلَيْهِ من اللّحم. يُرِيد أَنَّهَا أذهبت أَمْوَالنَا ومواشينا. والسّنة هُنَا: الْقَحْط والجدب: ضدّ الخصب والرّخاء. وكفى بِمَعْنى أغْنى يتعدّى إِلَى مفعولين أوّلهما الْأَيْتَام وَثَانِيهمَا فقد ومصدره الْكِفَايَة قَالَ)
تَعَالَى: وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال أَي: كفى الْأَيْتَام فقد آبَائِهِم لأنّه أنْفق عَلَيْهِم واعطاهم مَا وَأَرَادَ أَن يَقُول: كفى الْأَيْتَام فقد أبائهم فَلم يُمكنهُ فَقَالَ: فقد أبي الْيَتِيم لأنّه ذكر الْأَيْتَام أوّلاً ولكنّه أفرد حملا على الْمَعْنى لأنّ الْأَيْتَام هُنَا اسْم جنس فواحدها يَنُوب مناب جمعهَا وَبِالْعَكْسِ. وَكَانَ الْمقَام مقَام الْإِضْمَار فَأتى بِالِاسْمِ الظَّاهِر.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير مدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان.
(وَأَنت إِذا نظرت إِلَى هشامٍ ... عرفت نجار منتخبٍ كريم)
(يرى للْمُسلمين عَلَيْهِ حقّاً ... كَفعل الْوَالِد الرؤف الرّحيم)
(إِذا بعض السّنين تعرّقتنا ... كفى الْأَيْتَام فقد أبي الْيَتِيم)
والنجار بِكَسْر النُّون وَبعدهَا جِيم: الأَصْل.
وَقَوله: يرى للْمُسلمين عَلَيْهِ حقّاً لَهُ مثله فِي قَوْله أَيْضا: الطَّوِيل
(وإنّي لأَسْتَحي أخي أَن أرى لَهُ ... عليّ من الحقّ الَّذِي لَا يرى ليا)
(4/222)

. قَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: هَذَا بَيت يحملهُ النَّاس على خلاف مَعْنَاهُ وإنّما تَأْوِيله إنّي لأَسْتَحي أخي أَن يكون لَهُ عليّ فضلٌ وَلَا يكون لي عَلَيْهِ فضلٌ ومنّي
إِلَيْهِ مُكَافَأَة فأستحي أَن أرى لَهُ عليّ حقّاً بِمَا فعل إليّ وَلَا أفعل إِلَيْهِ مَا يكون لي بِهِ عَلَيْهِ حقّ. وَهَذَا من مَذَاهِب الْكِرَام.
وَأما قَول عَائِد الْكَلْب الزّبيريّ لعبد الله ابْن حسن بن حسن بن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم:
(لَهُ حقّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حقّ ... وَمهما قَالَ الْحسن الْجَمِيل)
(وَقد كَانَ الرّسول يرى حقوقاً ... عَلَيْهِ لغيره وَهُوَ الرّسول)
فإنّه ذكره بقلّة الْإِنْصَاف فَقَالَ: يرى لَهُ حقّاً على الناسولا يرى لَهُم عَلَيْهِ حَقًا من أجل نسبه بالرّسول صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم.
وَقد قيل لعليّ بن الْحُسَيْن بن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مَا بالك إِذا سَافَرت كتمت نسبك أهل الرّفقة
(4/223)

فَقَالَ: أكره أَن آخذ برَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم مَا لَا أعطي مثله.
وأنشده بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز
(مرّ اللَّيَالِي أسرعت فِي نقضي ... أخذن بَعْضِي وتركن بَعْضِي)
إِلَى أنّ مرّ اكْتسب التَّأْنِيث من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ: أخذن.
وسيبويه جعل محلّ الشَّاهِد أسرعت فَفِي الْبَيْت قد اكْتسب المذكّر فِيهِ التَّأْنِيث بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: التَّأْنِيث فَقَط وَهُوَ بِالنّظرِ إِلَى قَوْله أسرعت.
وَثَانِيهمَا: التَّأْنِيث والجمعيّة وَهُوَ بِالنّظرِ إِلَى قَوْله أخذن وَكَانَ الْمُنَاسب للشَّارِح المحقّق أَن يضمّ هَذَا الْبَيْت الَّذِي بعده أَو يُوَافق سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه.
ويروى: طول اللّيالي قَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ أنّه قَالَ: أسرعت فأنّث الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعل أسرعت. وَيجب أَن يكون مذكراً لأنذه يَنْبَغِي أَن يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ والمبتدأ مذكّر وَهُوَ الطّول. وإنّما أنّثه لأنّه أضَاف الطّول إِلَى اللّيالي وَلَيْسَ الطّول شَيْئا غَيرهَا فأخلص الْخَبَر لليالي دون الطّول. فقد بَان
(4/224)

وَهَذَا ناظرٌ إِلَى الْوَجْه الثَّانِي من وَجْهي كَلَام المبّرد الْمَنْقُول عَنهُ فِي الْبَيْت السَّابِق.
وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي التّكرة القصريّة: قَول ذِي الرّمّة: الطَّوِيل
(مشين كَمَا اهتزّت رماحٌ تسفهت ... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم)
أحسن من قَوْله: طول اللّيالي أسرعت فِي نقضي لأنّ الرّيح لَا تكون ريحًا إلاّ بمرورها ومدافعة الْهَوَاء بعضه بَعْضًا فَحسن أَن تجْعَل هِيَ هُوَ.
وَلَيْسَ طول اللّيالي كَذَلِك لأنّ اللّيل قد يكون لَيْلًا وإنم لم يكن طَويلا. انْتهى.
وَفِيه نظر: فإنذه لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر أنّ اللَّيَالِي الطّوال دون الْقصار أسرعت فِي نقضه وإنّما يُرِيد تكْرَار الزّمان لياليه وأيّامه طَالَتْ اللّيالي أَو قصرت وَالزَّمَان لَا يَنْفَكّ عَن التّكرار كَمَا لَا تنفكّ الرّيح عَن الهبوب والمرور. وَهَذَا لَازم فتأمّل.
وَرُوِيَ الْبَيْت: إنّ اللّيالي أسرعت وَرَوَاهُ الجاحظ أَيْضا فِي الْبَيَان:)
أرى اللّيالي أسرعت وروى المصراع الثَّانِي هَكَذَا أَيْضا:
(4/225)

نقضن كلّي ونقضن بَعْضِي والنَّقْض: هدم الْبناء حجرا فحجرا وَهَذَانِ البيتان من أجوزة للأغلب العجليّ ذكرهمَا أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمّرين وَأورد بعدهمَا:
(حنين طولي وحنين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهضي)
وَكَانَ الْأَغْلَب العجليّ مّمن عمّر عمرا طَويلا فِي الجاهليّة وَالْإِسْلَام. اسْلَمْ وَاسْتشْهدَ بوقعة نهاوند.
وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَزعم أَبُو مُحَمَّد الأعربيّ فِي فرحة الأديب انّ هَذَا الرجز لَيْسَ للأغلب وإنّما هُوَ من شوارد الرّجز لَا يعرف قَائِله. وَمن حفظ حجّةٌ على من لم يحفظ.
وَقد رَوَاهُ للأغلب صَاحب الأغاني أَيْضا قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ كَذَا: الرجز
(أَصبَحت لَا يحمل بَعْضِي بَعْضِي ... منفّهً أروح مثل النّقض)
(مرّ اللّيالي أسرعت فِي نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي)
(4/226)

. وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(وَمَا حبّ الدّيار شغفن قلبِي ... وَلَكِن حبّ من سكن الدّيارا)
على أنّ الْمُضَاف وَهُوَ حبّ اكْتسب التَّأْنِيث والجمعيّة بإضافته إِلَى الديار وَهُوَ جمع دارٍ وَهُوَ مؤنث سماعيّ. وَهَذَا وَاضح.
وَقد يكْتَسب الْمُضَاف الجمعية فَقَط كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(وَكم ذدت عنّي من تحامل حادثٍ ... وَسورَة أيّام حززن إِلَى اللّحم)
فسورة اكْتسبت الجمعيّة من إضافتها إِلَى أيّام وَلِهَذَا أُعِيد الضَّمِير من حززن
جَمِيعًا. وَالْفرق بَينه وَبَين مَا حبّ الديار شغفن أنّ هَذَا اكْتسب التانيث بِصفتِهِ أَعنِي الجمعيّة فَلم يتمحض لِاكْتِسَابِ الجمعية كَمَا فِي: وَسورَة أَيَّام حززن.
وَبَقِي أَشْيَاء لم يذكرهَا الشَّارِح المحقّق مِمَّا تكسبه الْإِضَافَة مِنْهَا تذكير المؤنّث عكس مَا ذكره كَقَوْلِه: الْبَسِيط وَمِنْهَا الظرفيّة نَحْو قَوْله تَعَالَى: تُؤْتى أكلهَا كلّ حِين. وَمِنْهَا
(4/227)

المصدرية نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أيّ منقلبٍ يَنْقَلِبُون. فأيّ: مفعول مُطلق ناصبه يَنْقَلِبُون وَيعلم معلّق عَن الْعَمَل معلّق عَن الْعَمَل بالاستفهام. وَمِنْهَا وجوب التصدّر نَحْو: غُلَام من عنْدك وَنَحْو صَبِيحَة أيّ يَوْم سفرك وَنَحْو: غُلَام أيّهم أكرمت وَنَحْو: غُلَام أيّهم أَنْت أفضل وَالْبَيْت الشَّاهِد لجنون بني عَامر.
وَقَبله:
(أمرّ على الدّيار ديار ليلى ... أقبل ذَا الْجِدَار وَذَا الجدارا)
وهما بيتان لَا ثَالِث لَهما.
رُوِيَ أنّه كَانَ إِذا اشْتَدَّ شوقه إِلَى ليلى يمرّ على آثَار الْمنَازل الَّتِي كَانَت تسكنها فَتَارَة يقبّلها وَتارَة يلصق بَطْنه بكثبان الرّمل ويتقلّب فِي حافاتها وَتارَة يبكي وينشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. والديّار: الْمنَازل قَالَ الكرمانيّ فِي شرح شَوَاهِد الموشّح: قَالَ أَبُو
حَاتِم: الدّيار: العساكر والخيام لَا الْبُنيان والعمران وإنّ الدّار الْعمرَان والبنيان وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة هود: فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين أَي: فِي عساكرهم وخيامهم وَفِي سُورَة الْأَعْرَاف وَالْعَنْكَبُوت:)
قَالَ مُحَمَّد بن جَعْفَر فِي كتاب دارات الْعَرَب: اعْلَم أنّهم
(4/228)

يَقُولُونَ لدار الردل الَّتِي سكنها دارة ويجمعونها دارات ودور وديار.
وَذَا اسْم إِشَارَة. وشغف الْهوى قبله شغفاً من بَاب نفع وَالِاسْم الشّغف بِفتْحَتَيْنِ: بلغ شغافة بِالْفَتْح وَهُوَ غشاؤه. والْمَجْنُون: اسْمه قيس بن معَاذ وَيُقَال قيس بن الملّوح أحد بني جعدة ابْن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة وَيُقَال بل هُوَ من بني عقيل بِالتَّصْغِيرِ ابْن كَعْب بن ربيعَة.
وَهُوَ من أشعر النَّاس على أنّهم قد نسبوا إِلَيْهِ شعرًا كثيرا رَقِيقا يشبه شعره كَقَوْل أبي صَخْر الهذليّ: الطَّوِيل
(فيا هجر ليلى قد بلغت بِهِ المدى ... وزدت على مَا لم يكن بلغ الهجر)
(وَيَا حبّها زِدْنِي جوىً كلّ ليلةٍ ... وَيَا سلوة العشّاق موعدك الْحَشْر)
وَقَالَ الجاحظ: مَا ترك النَّاس شعرًا مَجْهُولا لقَائِل فِيهِ ذكر ليلى إلاّ نسبوه إِلَى الْمَجْنُون وَلَا فِيهِ لبنى إلاّ نسبوه لقيس بن ذريح.
وَفِي الأغاني: اخْتلف فِي وجوده: فَذهب قومٌ إِلَى أَنه مستعار لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِي بني عَامر أصل وَلَا نسب.
وَقَالَ الأصمعيّ: رجلَانِ مَا عرفا فِي الدُّنْيَا إلاّ بِالِاسْمِ: مَجْنُون بني عَامر وَابْن القرّيّة وإنّما وضعهما الروَاة. قيل لَهُ: فَمن قَالَ هَذِه الْأَشْعَار المنسوبة إِلَيْهِ قَالَ فَتى من بني مَرْوَان كَانَ يهوى امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ فِيهَا الشّعْر وَخَافَ الظُّهُور فنسبه إِلَى الْمَجْنُون وَعمل لَهُ أَخْبَارًا وأضاف إِلَيْهَا ذَلِك فَحَمله النَّاس وَزَادُوا فِيهِ.
(4/229)

وَقَالَ الذهبيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام انكر بعض النَّاس ليلى وَالْمَجْنُون وَهَذَا دفعٌ بالصدر فَلَيْسَ من لَا يعلم حجّة على من يعلم وَلَا الْمُثبت كالنافي.
وعَلى القَوْل بِوُجُودِهِ اخْتلف فِي اسْمه: فَقيل مهْدي وَقيل قيس بن معَاذ وَقيل غير ذَلِك.
والأصحّ أنّه قيس بن الملّوح بن مُزَاحم بن قيس بن عديّ بن ربيعَة بن جعدة بن كَعْب ابْن ربيعَة)
بن عَامر بن صعصعة وصاحبته ليلى بنت مهديّ أم مَالك العامريّة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ الْمَجْنُون وليلى صاحبته يرعيان البهم وهما صبيّان فعلقها علاقَة الصبيّ وَقَالَ: الطَّوِيل
(تعلّقت ليلى وَهِي غرّ صَغِيرَة ... وَلم يبد للأتراب من ثديها حجم)
ثمَّ نَشأ وَكَانَ يجلس مَعهَا ويتحدّث فِي نَاس من قومه وَكَانَ ظريفاً جميلاً رِوَايَة للشعر حُلْو الحَدِيث فَكَانَت تعرض عَنهُ وَتقبل بِالْحَدِيثِ على غَيره حتّى شقّ
ذَلِك عَلَيْهِ وعرفته فَقَالَت: الوافر
(كِلَانَا مظهر للنّاس بغضاً ... وكلّ عِنْد صَاحبه مكين)
(تبلّغنا الْعُيُون بِمَا رَأينَا ... وَفِي القلبين ثمَّ هوى دَفِين)
ثمَّ تَمَادى بِهِ الْأَمر حتّى ذهب عقله وهام مَعَ الْوَحْش وَصَارَ لَا يلبس
(4/230)

ثوبا إلاّ خرّقه وَلَا يعقل إلاّ أَن تذكر لَهُ ليلى فَإِذا ذكرت عقل واجاب عَن كلّ مَا يسْأَل عَنهُ.
ثمَّ إنّ قوم ليلى شكوا مِنْهُ للسُّلْطَان فأهدر دَمه وترحّل قَومهَا من تِلْكَ النَّاحِيَة فَأَشْرَف فَرَأى دِيَارهمْ بَلَاقِع فقصد منزلهَا وألصق صَدره بِهِ وَجعل يمرّغ خديّه على التُّرَاب وَيَقُول الْأَشْعَار. ثمَّ إنّ أَبَاهُ قيّده فَجعل يَأْكُل لحم ذِرَاعَيْهِ وَيضْرب نَفسه ويعض لِسَانه وشفتيه فَأَطْلقهُ.
وَرُوِيَ أنّ نَوْفَل بن مساحق لّما جَاءَ ساعياً على صدقَات بني عَامر رأى الْمَجْنُون يلْعَب بالتّراب وَهُوَ عُرْيَان فَقَالَ لغلام لَهُ: خُذ ثوبا وألقه عَلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: أَلا تعرفه قَالَ: لَا. قَالُوا: هَذَا الْمَجْنُون قيس بن الملّوح كلّمه فَجعل يجِيبه بِغَيْر مَا يسْأَله عَنهُ فَقَالُوا لَهُ: إِن أردْت أَن يكلّمك كلَاما صَحِيحا فاذكر لَهُ ليلى. فَقَالَ: أتحبّ ليلى فَأقبل عَلَيْهِ يحدّثه عَنْهَا وينشده شعره فِيهَا فَقَالَ لَهُ: أتحبّ أَن أزوّجكما قَالَ: وَتفعل ذَاك قَالَ: نعم اخْرُج معي حتّى أقدم بك على قَومهَا فأخطبها لَك.
فارتحل مَعَه ودعا لَهُ بكسوة فلبسها وَرَاح مَعَه كأصحّ أَصْحَابه فلمّا قرب من قَومهَا تلقّوه بالسّلاح وَقَالُوا: وَالله يَا ابْن مساحق لَا يدْخل الْمَجْنُون لنا بَيْتا أَو نقْتل عَن آخِرنَا وَقد أهْدر لنا السّلطان دَمه فَأقبل بهم وَأدبر فَأَبَوا عَلَيْهِ فَقَالَ
لَهُ: انْصَرف. فَقَالَ: أَيْن مَا وعدت قَالَ: رجوعك بالخيبة أَهْون عليّ من سفك الدّماء.)
ثمَّ هام على وَجهه فِي الفلوات وَأنس بالوحوش فَكَانَ لَا يَأْكُل إلاّ مَا تنْبت الأَرْض من الْبُقُول وَلَا يشرب إلاّ مَعَ الظّباء وَطَالَ شعر جسده وَرَأسه وألفته
(4/231)

الوحوش وَكَانَ يهيم حتّى يبلغ حُدُود الشَّام فَإِذا ثاب عقله سَأَلَ عَن نجد فَيُقَال: وانى نجد فيدلّونه على طَرِيق نجد فيتوجّه نَحوه.
وَكَانَ بأَهْله يأتونه بالطّعام وَالشرَاب فربّما أكل مِنْهُ. وَفِي بعض الأيّام أَتَوْهُ بالطعّام فَلم يروه فَانْطَلقُوا يفتشونه فرأوه ملقىً بَين الْأَحْجَار مَيتا فاحتملوه إِلَى الحيّ فغسّلوه ودفنوه وَكثر بكاء النِّسَاء عَلَيْهِ. وَكَانَ فِي مدّة ابْن الزّبير.
وَكَانَت ليلى تحبّه أَيْضا محبّة شَدِيدَة. حكى ابْن قُتَيْبَة قَالَ: خرج رجلٌ من بني مرّة إِلَى نَاحيَة الشَّام والحجاز مِمَّا يَلِي تيماء والسراة بِأَرْض نجد بغية لَهُ فَإِذا هُوَ بخيمة قد رفعت لَهُ عظيمةٍ وَقد أَصَابَهُ الْمَطَر فَعدل إِلَيْهَا فتنحنح فَإِذا أمرٌ كثير عَظِيم فَقَالَت: سلوا هَذَا الرّاكب من أَيْن أقبل فَقَالَ: من نَاحيَة نجد. فَقَالَت: يَا عبد الله وأيّ بِلَاد نجد وطِئت قَالَ: كلّها.
قَالَت: فِيمَن نزلت مِنْهُم قَالَ: بني عَامر.
فتنفست الصّعداء ثمَّ قَالَت: بأيّ بني عَامر قَالَ: ببني الْحَرِيش. قَالَت: فَهَل سَمِعت بِذكر فَتى مِنْهُم يُقَال لَهُ قيسٌ ويلقب بالمجنون قَالَ: إِي وَالله قد أَتَيْته فرأيته يهيم مَعَ الوجش وَلَا يعقل شَيْئا حتّى تذكر لَهُ ليلى فيبكي وينشد أشعاراً يَقُولهَا فِيهَا. فَرفعت السّتر بيني وَبَينهَا فَإِذا شقّة قمرٍ لم تَرَ عَيْني مثلهَا قطّ فَلم تزل تبْكي وتنتحب حتّى ظَنَنْت أنّ قَلبهَا قد تصدّع فَقلت: يَا أمة الله اتّقي الله فو الله مَا قلت بَأْسا فَمَكثت طَويلا على تِلْكَ الْحَال من الْبكاء والنحيب ثمَّ قَالَت: الطَّوِيل
(أَلا لَيْت شعري والخطوب كثيرةٌ ... مَتى رَحل قيسٍ مستقلٌّ فراجع)
(بنفسي من لَا يسْتَقلّ برحله ... وَمن هُوَ إِن لم يحفظ الله ضائع)
(4/232)

ثمَّ بَكت حتّى غشي عَلَيْهَا فلمّا أفاقت قلت: من أَنْت يَا أمة الله قَالَ: أَنا ليلى المشؤومة عَلَيْهِ غير المواسية لَهُ. قَالَ: فو الله مَا رَأَيْت مثل حزنها عَلَيْهِ وَلَا مثل جزعها. وَلَا مثل وجدهَا.
وَأنْشد بعده: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار)
قد تقدّم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسبْعين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز
(ربّ ابْن عمّ لسليمى مشمعل ... طبّاخ سَاعَات الْكرَى زَاد الكسل)
على أنّ سَاعَات كَانَ فِي الأَصْل مَفْعُولا فِيهِ فاتّسع فِيهِ فَألْحق بالمفعول بِهِ واضيف إِلَيْهِ طبّاخ.
فكسرة التَّاء من سَاعَات كسرة جرّ وَزَاد الكسل مَنْصُوب على أنّه مفعول طبّاخ لأنّه مُعْتَمد على موصوفه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِضَافَة طبّاخ إِلَى سَاعَات على تشبيهها
(4/233)

بالمفعول
بِهِ لَا على أنّها ظرف وَلَا تجوز الْإِضَافَة إِلَيْهَا وَهِي ظرف لأنّ الظّرْف يقدّر فِيهِ حرف الْوِعَاء وَهُوَ فِي وَالْإِضَافَة إِلَى الْحَرْف غير جَائِزَة وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى الِاسْم. وَلما أضَاف الطبّاخ إِلَى السَّاعَات اتّساعاً ومجازاً عدّاه إِلَى الزَّاد لأنّه الْمَفْعُول بِهِ فِي الْحَقِيقَة. انْتهى.
وَقَول ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: إِضَافَة طبّاخ إِلَى سَاعَات لَا تجوز إلاّ فِي الشّعْر مَمْنُوع.
وَقَالَ ابْن برّيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عليّ: لَا بُد أَن تقدّر السَّاعَات تنزّلت منزلَة الْمَفْعُول بِهِ حَتَّى كَأَنَّهَا مطبوخة عَن كَانَ الطبّخ فِي الْمَعْنى إنّما هُوَ للزاد كَمَا تصير اللّيلة فِي قَوْله: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار بِمَنْزِلَة الْمَفْعُول حتّى كأنّها مسروقة. وَلما خفض سَاعَات بِإِضَافَة طبّاخ إِلَيْهَا انتصب زَاد على الْمَفْعُول بِهِ لأنّه الْمَطْبُوخ فِي الْحَقِيقَة.
وَمن خفض زَاد الكسل قدّر السَّاعَات ظرفا فاصلاً بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ على قَوْلهم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار انْتهى كَلَامه.
وَأوردهُ الفرّاء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَلَا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله قَالَ: اضيفت مخلف إِلَى الْوَعْد ونصبت الرُّسُل على التَّأْوِيل. وَإِذا كَانَ الْفِعْل يَقع على شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين مثل)
كسوتك الثَّوْب
(4/234)

وأدخلتك الدَّار تبدأ بغضافة الْفِعْل إِلَى الرجل فَتَقول: هُوَ كاسي عبد الله ثوبا ومدخله الدَّار وَيجوز هُوَ كاسي الثَّوْب عبد الله ومدخل الدَّار زيدا جَازَ ذَلِك لأنّ الْفِعْل قد يَأْخُذ الدَّار كأخذه عبد الله.
(ترى الثّور فِيهَا مدْخل الظّلّ رَأسه ... وسائره بادٍ إِلَى الشّمس أجمع)
فأضاف مدْخل إِلَى الظلّ وَكَانَ الْوَجْه أَن يضيف مدْخل إِلَى الرَّأْس.
وَمثله: ربّ ابْن عمّ لسليمى مشمعلّ ... . الخ وَمثله قَول الآخر: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار يُرِيد: يَا سَارِق أهل الدّار اللّيلة فأضاف سَارِقا إِلَى اللّيلة وَنصب أهل الدَّار. وَكَانَ بعض النَّحْوِيين ينصب اللَّيْلَة ويخفض أهل الدَّار. انْتهى المُرَاد مِنْهُ.
وَقَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ وَغَيره: وَرُوِيَ بجرّ زَاد أَيْضا على أنّ طباخاً قد أضيف إِلَيْهِ وَفصل بَينهمَا الظّرْف وَهُوَ سَاعَات فَتكون الكسرة فِيهِ نائبة عَن الفتحة وَهُوَ مَنْصُوب لَا مجرور.
قَالَ: وَمثل هَذَا جَائِز فِي الشّعْر كَقَوْلِه: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار
(4/235)

يُرِيد: يَا سَارِق أهل الدَّار اللَّيْلَة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: وَيجوز أَن يكون زَاد الكسل بدل اشْتِمَال من مَوضِع سَاعَات أَلا ترى أَن الزّاد تبيينٌ لما يطْبخ فِي السَّاعَات وَهِي مُشْتَمِلَة على الزَّاد وَغَيره ويجوة أَيْضا نصب زَاد بِفعل دلّ عَلَيْهِ طبّاخ أَي: يطْبخ زَاد الكسل. هَذَا كَلَامه فتأمّله.
وَقَوله: مشمعل صفة لمجرور ربّ بعد وَصفه بقوله لسليمى. والمشمعلّ: الجادّ فِي الْأَمر الْخَفِيف فِي جَمِيع مَا أَخذ فِيهِ من الْعَمَل وَهُوَ مشدّد اللَّام إلاّ أنّه سكّنها للشعر.
قَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: أَمر مُصعب بن الزّبير رجلا من بني أَسد بن خُزَيْمَة يقتل مرّة بن محكان السعديّ فَقَالَ مرّة: الطَّوِيل
(بني أسدٍ إِن تقتلوني تَحَارَبُوا ... تميماً إِذا الْحَرْب الْعوَان اشمعلت))
(وَلست وَإِن كَانَت إليّ حَبِيبَة ... بباكٍ على الدّنيا إِذا مَا تولت)
قَالَ المبّرد: واشمعلت: ثارت فأسرعت.
وَأنْشد: ربّ ابْن عمّ لسليمى مشمعل وطبّاخ صفة ثَالِثَة لمجرور ربّ. والْكرَى: النعاس. والكسل بِفَتْح الْكَاف وَكسر السِّين بِمَعْنى الكسلان إلاّ أنّ فِي كسلان مُبَالغَة لَيست فِي الكسل وَهُوَ المتثاقل المتواني. يَقُول: إِذا كسل أَصْحَابه عَن طبخ الزَّاد
(4/236)

عِنْد نزولهم آخر اللَّيْل وَغَلَبَة النعاس عَلَيْهِم كفاهم ذَلِك وشمّر فِي خدمتهم. وَصفَة بالنشاط والمضيّ فِي الْأُمُور وَقت كسل أَصْحَابه وفتورهم. وَالْعرب تفتخر بِمثل هَذَا.
وروى الْمبرد فِي الْكَامِل هَذَا الرجز كَذَا: الرجز
(ربّ ابْن عمّ لسليمى مشمعل ... أروع فِي السّفر وَفِي الحيّ غزل)
طبّاخ سَاعَات ... . . إِلَى آخِره والأروع: السَّيِّد الَّذِي يروعك عَظمته وعزّته. والسّفر: جمع سَافر كصحب جمع صَاحب يُقَال: سفرت أَي: خرجت إِلَى السّفر فَأَنا سَافر وَقوم سفر. وغزل بِفَتْح الْغَيْن وَكسر الزَّاي المعجمتين يُقَال: رجلٌ غزل: أَي صَاحب غزل وَهُوَ محادثة النِّسَاء ومراودتهنّ. وَهَذَا الْإِعْرَاب هُوَ مُقْتَضى هَذِه الرِّوَايَة وَسَتَأْتِي الرِّوَايَة الْأَصْلِيَّة.
وَقد نسب الْمبرد هَذَا الرجز إِلَى الشمّاخ بن ضرار وَهُوَ من رجز لجبّار بن جُزْء أخي الشمّاخ يتَعَلَّق بعمّه الشمّاخ. وَهَذَا مدحٌ فِيهِ.
وَهُوَ من جملَة أوجازٍ لجَماعَة لَهَا حكايةٌ مسطورة فِي آخر ديوَان الشمّاخ محصّلها: أنّ الشمّاخ أقبل من مصر وَمَعَهُ أَوْلَاد إخْوَته فِي نَاس من قومه
(4/237)

مِنْهُم جُنْدُب بن عَمْرو وَكَانَ الشمّاخ وَأَصْحَابه يبغضونه لأنّه كَانَ يتحدّث إِلَى امْرَأَة الشمّاخ حتّى إِذا كَانُوا قَرِيبا من تيماء على رَأس مَاء يُقَال لَهُ ثجر بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْجِيم قَالَ الشمّاخ لحسن بن مزرد: انْزِلْ أحد بالقوم وَكَانُوا كَذَلِك يَفْعَلُونَ: ينزل الرجل فيسوق بِأَصْحَابِهِ ويرتجز بهم وَأمره أَن يعرّض بِامْرَأَة جُنْدُب فَقَالَ: الرجز
(خَلِيل خودٍ غرّها شبابه ... إِلَى آخر الرّجز))
فَنزل جُنْدُب وحدا بالقوم وعرّض بامراة الشمّاخ وَكَانَت أمّ صبيّ وَاسْمهَا سليمى فَقَالَ: الرجز طيف خيالٍ من سليمى هائجي إِلَى أَن قَالَ: الرجز
(يَا لَيْتَني غير حارج ... قبل الرّواح ذَات لون باهج)
(أمّ صبيّ قد حبا أَو دارج ... غرثى الوشاح كزّة الدّمالج)
فَغَضب الشمّاخ لما عرّض بامرأته فَنزل وسَاق بالقوم ورجز رجزين عرّض فيهمَا بِامْرَأَة جُنْدُب إِلَى أَن نزل وحدا جمَاعَة من طرف هَذَا وَجَمَاعَة من قبل ذَاك وكلّ رجل يتعصب لصَاحبه إِلَى أَن تواثبوا بِالسُّيُوفِ.
وَكَانَ مَعَهم رجل من بني أَسد فاقتحم بَينهم فَقَالَ: يَا قوم نهشت نهشت فَلم يزَالُوا يسقونه السّمن واللّبن حتّى لهوا عَن قِتَالهمْ فَأَصْبحُوا وَقد سكنوا.
(4/238)

وَهَذَا رجز جبّار ابْن أخي الشمّاخ بِتَمَامِهِ: قَالَت سليمى لست بالحادي المدل مَا لَك لَا تملك أعضاد الْإِبِل المدل: الَّذِي أدلّ بقوةٍ على شدّة السّير. يَقُول: مَالك تتخلف عَن الْإِبِل لَا تكون عِنْد أعضادها. وَهَذَا خطاب لجندب بِأَنَّهُ ضَعِيف لَا جلد لَهُ.
ربّ ابْن عمّ لسليمى مشمعل يُحِبهُ الْقَوْم وتشناه الْإِبِل أَرَادَ بِابْن العمّ زَوجهَا الشمّاخ. ويحبّه الْقَوْم لِأَنَّهُ يعينهم ويخدمهم مساعدة. وتشنؤه الْإِبِل: أَي تبْغضهُ لأنّه يَسُوقهَا سوقاً عنيفاً بالحداء. ويحبّه: جَوَاب ربّ الْعَامِل فِي مَحل مجرورها.
فِي الشّول وشواشٌ وَفِي الحيّ رفل طبّاخ سَاعَات الْكرَى زَاد الكسل أحوس وسط الْقَوْم بالرّمح الخطل الشّول بِالْفَتْح: الْإِبِل الَّتِي شوّلت أَلْبَانهَا أَي: رفعته. والوشواش بمعجمتين: الْخَفِيف المتسرّع.)
يُرِيد أَنه خَفِيف جلد فِي السّفر يخدمنها ويراعيها وَفِي الْإِقَامَة فِي الحيّ متنعم متحملّ. والجملتان اسميتان
وَقد رُوِيَ بدل هَذَا الْبَيْت مَا نَقَلْنَاهُ عَن المبّرد. وَقَوله: طبّاخ بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ طبّاخ كَمَا هُوَ الظَّاهِر من السيّاق بِخِلَاف مَا تقدّم.
(4/239)

وَفِي طبّاخ مُبَالغَة دون طابخ. والأحوس بمهملتين: الرجل الشَّديد الَّذِي لَا يبرح عِنْد الْقِتَال. والخطّل بِفَتْح الْخَاء وَكسر الطَّاء الطَّوِيل جدا فَوق الْقدر.
(عاذلتي أُبْقِي قَلِيلا من عذل ... وَإِن تقولي هَالك أقل أجل)
عاذلتي: منادى. والعذل: اللوم. وَمن متعلّقة بِمَحْذُوف. وهَالك أَي: أَنْت هَالك. وأجل: بِمَعْنى نعم.
(قربت عنساً خلقت خلق الْجمل ... لَا تَشْتَكِي مَا لقِيت من الْعَمَل)
قربت بالتكلم وَالْبناء للْفَاعِل. والعنس بالنُّون: النَّاقة الصّلبة.
مولع يقرو صريماً قد نقل يُرِيد: أَن نَاقَته ضمرت فاسترخت نسوعها أَي: سيورها. ونهل السّوط بدفّيها أَي: بجنبيها.
وعلّ أَي: ضربت بِالسَّوْطِ مرّة بعد مرّة. والمولّع بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول: الثور الوحشيّ شبّه نَاقَته فِي حَال كلالها وتعبها بالثور الوحشيّ فِي حَال مَا رأى الصياد وَقد أَمْسَى اللَّيْل عَلَيْهِ فَهُوَ يسْرع أشدّ مَا يُمكن. ويقرو بِالْقَافِ يُقَال: قروت الْبِلَاد قرواً وقريتها واستقريتها: إِذا تتبعتها تخرج من أَرض إِلَى أَرض. والصّريم: الْقَاطِع يُرِيد رَفِيقه الَّذِي صرمه وَنقل رجله عَنهُ فسبقه.
(4/240)

(صبّ عَلَيْهِ قانصٌ لمّا غفل ... والشّمس كالمرآة فِي كفّ الأشل)
مقلدات القدّ يقرونَ الدّعل قانص: فَاعل صبّ أَي: أرسل قانصٌ على الثور لّما غفل كلاباً. وَجُمْلَة: وَالشَّمْس كالمرآة حَال إمّا من قانص أَو من فَاعل غفل أَو من ضمير عَلَيْهِ وهما ضمير الثور يُرِيد فِي حَالَة أنّ الشَّمْس قد تنكبت للمغيب. والأشلّ: الَّذِي يَبِسَتْ يَده فَلَا يمْسِكهَا إلاّ منكّسة. والمقلدات بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول يُرِيد كلاباً عَلَيْهَا قلائد من السيّور وَهُوَ مفعول صبّ.)
وَلم يزدْ العبّاسيّ شَارِح شَوَاهِد التَّلْخِيص على قَوْله: اخْتلف فِي قَائِل هَذَا الْبَيْت فَقيل للشمّاخ وَقيل لِأَخِيهِ وَقيل لأبي النّجم وَقيل لِابْنِ المعتز.
وجبّار قَائِل هَذَا الرجز هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الموحّدة وَمَعْنَاهُ ذُو الجبرية وَالْعَظَمَة يُقَال: قوم فيهم جبرية بِفَتْح الْبَاء أَي: عَظمَة وَكبر.
وَنسبه تقدّم فِي تَرْجَمَة عمّه الشمّاخ فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة.
(4/241)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(ضروبٌ بنصل السّيف سوق سمانها)
هَذَا صدر وعجزه: إِذا عدموا زاداً فَإنَّك عَاقِر على أنّ أبنية الْمُبَالغَة لكَونهَا للاستمرار لَا لأحد الْأَزْمِنَة عملت. ف ضروب مُبَالغَة ضَارب وَقد عمل النصب فِي سوق على المفعولية.
قَالَ ابْن ولاّد: سَأَلت أَبَا إِسْحَاق الزجّاج: لم صَار ضروبٌ وَنَحْوه يعْمل وَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا استقرّ وَثَبت وضاربٌ لَا يعْمل إِذا كَانَ كَذَلِك فَقَالَ: لِأَنَّك تُرِيدُ أنّها حَالَة مُلَازمَة هُوَ فِيهَا وَلست تُرِيدُ أَنه أفعل مرّة وَاحِدَة وانقضى الْفِعْل كَمَا تُرِيدُ فِي ضَارب فَإِذا قلت: هَذَا ضروبٌ رُؤُوس الرِّجَال فَإِنَّمَا هِيَ حَال كَانَ فِيهَا فَنحْن نحكيها.
قَالَ ابْن عُصْفُور: هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَالدَّلِيل على صحّته قَول أبي طَالب: ضروب بنصل السّيف الخ لأنّه مدح بِهِ أَبَا أميّة بن الْمُغيرَة بِمَا ثَبت لَهُ واستقرّ وَحكى الْحَال الَّتِي كَانَ فِيهَا من عقر الْإِبِل إِذا عدم الزَّاد. وَلَو أَرَادَ المضيّ الْمَحْض وَلم يرد حِكَايَة حَاله لما سَاغَ الْإِتْيَان بإذا لأنّها للمستقبل.
(4/242)

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: نصل شفرته أَي: حدّه الَّذِي يقطع بِهِ فَلذَلِك أَضَافَهُ)
إِلَى السَّيْف كلّه نصلاً. وسوق: جمع سَاق. والسّمان: جمع سَمِينَة. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ. وعقر الْبَعِير بِالسَّيْفِ عقراً: ضرب قوائمه. لَا يُطلق الْعقر فِي غير القوائم.
وَكَانُوا يعقرون النَّاقة إِذا أَرَادوا نحرها: إمّا لتبرك فَيكون أسهل لنحرها أَو ليعاجل الرجل ذَلِك فَلَا تَمنعهُ نَفسه من عقرهَا فَيكون قد عاجلها لئلاّ تَأمره بِغَيْر مَا فِي نَفسه. وضروب: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ ضروب. فَقَوله: فإنّك عَاقِر الْتِفَات.
قَالَ بَعضهم: وَلَو قدّر أَنْت ضروب لَكَانَ الِالْتِفَات مَعْدُوما فِيهِ وَيكون إنّك عَاقِر على مُقْتَضى الظَّاهِر. وَإِذا شرطيّة تجزم فِي الشّعْر. وَجُمْلَة عدموا شَرطهَا فِي محلّ جزم وَهِي الْعَامِل فِي إِذا وَالْجُمْلَة المقرونة بِالْفَاءِ جوابها.
وَلَا يجوز أَن يكون عَاقِر عَاملا فِي إِذا لأنّ مَا بعد إنّ لَا يعْمل فِيمَا قبلهَا لأنّها حرف والحرف لَا يتقدّم معموله وَلَا مَعْمُول معموله عَلَيْهِ. وَقيل إِذا هُنَا شرطيّة غير جازمة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي المعني: وَفِي ناصبها مذهبان: أَحدهمَا: أنّه شَرطهَا وَهُوَ قَول المحقّقين فَتكون بِمَنْزِلَة مَتى وحيثما وأيّان. وَقَول أبي الْبَقَاء إنّه مَرْدُود بأنّ الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِي الْمُضَاف غير وَارِد لأنّ إِذا عِنْد هَؤُلَاءِ غير مُضَافَة كَمَا يَقُوله الْجَمِيع إِذا جزمت كَقَوْلِه: الْكَامِل وَإِذا تصبك خصاصةٌ فتجملّ
(4/243)

وَالثَّانِي: أَنه مَا فِي جوابها من فعل أَو شبهه وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين. انْتهى.
وعَلى هَذَا اقْتصر اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل فَقَالَ: الْعَامِل فِي إِذا فعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ عَاقِر وَالتَّقْدِير: إِذا عدموا زاداً عقرت. وَلَا يجوز أَن يعْمل فِي إِذا عَاقِر لأنّه لَا يعْمل مَا بعد إنّ فِيمَا قبلهَا.
وَالْعجب من العينيّ هُنَا فإنّه بعد أَن ذهب إِلَى أنّها شرطيّة جازمة قَالَ: وَالْعَامِل فِيهَا فعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ عَاقِر أَي: عقرت. وَلَا يخفى تعسّفه. وَقيل إِذا ظرفيّة وَلَيْسَت شرطيّة وعاملها ضروب. وَهَذَا رَكِيك والأوّل هُوَ البليغ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لأبي طالبٍ عمّ النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم رثى بهَا أَبَا أميّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَكَانَ ختنه فَخرج تَاجِرًا إِلَى الشَّام فَمَاتَ بِموضع يُقَال لَهُ: سرو)
سحيم فرثاه أَبُو طَالب بِهَذِهِ القصيدة.
كَذَا فِي شُرُوح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وأبيات الْجمل وَغَيرهَا إلاّ أنّ فِي بعض نسخ مَا ذكرنَا سقطا من الْكتاب وَهُوَ أَنهم حذفوا الْمُضَاف من أبي أميّة وَالصَّوَاب إثْبَاته كَمَا يَأْتِي بَيَانه.
وَغلظ بَعضهم فَزعم أنّها مدحٌ فِي مُسَافر بن أبي عَمْرو.
وأفحش من هَذَا القَوْل قَول ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ إنّها مدحٌ فِي النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم.
وَالْقَصِيدَة هَذِه:
(4/244)

الطَّوِيل
(كأنّ فِرَاشِي فَوْقه نَار موقدٍ ... من اللّيل أَو فَوق الْفراش السّواجر)
(على خير حافٍ من قُرَيْش وناعلٍ ... إِذا الْخَيْر يُرْجَى أَو إِذا الشّرّ حَاضر)
(أَلا إنّ زَاد الرّكب غير مدافعٍ ... بسرو سحيمٍ غيّبته الْمَقَابِر)
(بسرو سحيم عارفٌ ومناكرٌ ... وَفَارِس غاراتٍ خطيبٌ وياسر)
(تنادوا بِأَن لَا سيّد الحيّ فيهم ... وَقد فجع الحيّان كعبٌ وعامر)
(وَكَانَ إِذا يَأْتِي من الشَّام قَافِلًا ... تقدّمه تسْعَى إِلَيْنَا البشائر)
(فَيُصْبِح أهل الله بيضًا كأنّما ... كستهم حبيراً ريدةٌ ومعافر)
(ترى دَاره لَا يبرح الدّهر عِنْدهَا ... مجعجعة كومٌ سمانٌ وباقر)
(إِذا أكلت يَوْمًا أَتَى الْغَد مثلهَا ... زواهق زهمٌ أَو محاضٌ بهازر)
(ضروبٌ بنصل السّيف سوق سمانها ... إِذا عدموا زاداً فإنّك عَاقِر)
(فإلاّ يكن لحمٌ غريضٌ فإنّه ... تكبّ على أفواههنّ الغرائر)
(فيا لَك من ناعٍ حبيت بألّةٍ ... شراعيّةٍ تصفرّ مِنْهَا الأظافر)
الغائر: من غَار المَاء فِي الأَرْض غوراً: ذهب فِيهَا. والشؤون: جمع شَأْن وَهُوَ عرق ينحدر من الرَّأْس إِلَى الْحَاجِب ثمَّ إِلَى الْعين وَمِنْه تَجِيء الدُّمُوع. والأعاور: جمع أَعور من عورت الْعين من بَاب تَعب: نقصت أَو غارت. والسّواجر: جمع ساجر بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الْموضع الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ السّيل فيملؤه. يُرِيد كَثْرَة الدُّمُوع.
(4/245)

وَقَوله: أَلا إنّ زَاد الرّكب الخ زَاد الركب: لقب أبي أميّة قَالَ الزّبير بن بكّار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: كَانَ أزواد الرّكب من قُرَيْش ثَلَاثَة: أحدهم: مُسَافر بن أبي عَمْرو بن أميّة بن عبد شمس.)
وثانيهم: زَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد العزّى.
وثالثهم: أَبُو أميّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم. وإنّما قيل لَهُم أزواد الرّكب لأَنهم كَانُوا إِذا سافروا لم يتزوّد مَعَهم أحد. وسحيم بضمّ السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَوضِع وسروه: أَعْلَاهُ. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد وَغَيره.
وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظ فِي مُعْجم مَا استعجم وَلَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ. وَالْمَوْجُود فِي الأول سخيم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة على وَزنه قَالَ: هُوَ مخلاف بن مخاليف الْيمن تنْسب إِلَيْهِ الْخُمُور الجيدّة.
وَقَالَ فِي مَادَّة سرو: والسّرو ارْتِفَاع وهبوط بَين حزن وَسَهل وسرو حمير أَعلَى بِلَاد حمير.
وَقَوله: بسرو سحيم عَارِف الخ عَارِف مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَمَا بعده مَعْطُوف على عَارِف وَحذف حرف الْعَطف من خطيب ضَرُورَة. والْعَارِف من عرف على الْقَوْم يعرف من بَاب قتل عرافة بِالْكَسْرِ فَهُوَ عَارِف أَي: مدبّر أَمرهم وقائم بسياستهم. ومناكر: اسْم فَاعل من ناكرة أَي: قَاتله. وخطيب الْقَوْم هُوَ الْمُتَكَلّم عَنْهُم. والياسر: اللاعب بقداح الميسر
(4/246)

وَهُوَ قمار الْعَرَب وتسمّى الأزلام. وَكَانَ الميسر منقبةٌ فِي الجاهليّة يَلْعَبُونَ بِهِ فِي أيّام الجدب والقحط وَكَانَ الْغَالِب يفرق مَا اخذه على الْفُقَرَاء. والقافل: الرّاجع من السّفر. والبشائر: جمع بِشَارَة.
وَأَرَادَ بِأَهْل الله قُريْشًا وَكَانَت الْعَرَب تسمّيهم أهل الله لكَوْنهم أَرْبَاب مكّة. وبيض: جمع أَبيض وَالْبَيَاض لعزّته عِنْد الْعَرَب لغَلَبَة السمرَة عَلَيْهِم يستعيرونه لحسن الْحَال والجودة. والحبير بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة: ثِيَاب ناعمة كَانَت تصنع بِالْيمن. وريدة بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: بَلْدَة من بِلَاد الْيمن. ومعافر بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْفَاء وَبَينهمَا عين مُهْملَة: حيّ من هَمدَان فِي الْيمن إِلَيْهِم تنْسب الثِّيَاب المعافريّة.
وَقَوله: مجعجعة اسْم فَاعل من جعجعت الْإِبِل إِذا صوّتت والجعجعة
: أصواتها إِذا اجْتمعت وَهِي حَال من كوم جمع كوماء كصحراء وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة السنام.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد وَغَيره من شرّاح الشواهد: المجعجعة المصروعة وَعَلِيهِ فَهِيَ اسْم مفعول. وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ هُنَا: مجعجعة من الجعجعة وَهِي صَوت الرَّحَى. والباقر: اسْم لجَماعَة)
الْبَقر كالجامل لجَماعَة الْجمال.
وَقَوله: إِذا أكلت يَوْمًا. . الخ الْغَد مَنْصُوب على الظرفيّة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْمك. ومثلهَا: حَال من زواهق وَهِي جمع زاهقة وَهِي السّمينة. والزّهم: الكثيرات الشَّحْم جمع زهمة بِفَتْح فَكسر وَكِلَاهُمَا بالزاي الْمُعْجَمَة. والْمَخَاض: الْحَوَامِل من الْإِبِل وَاحِدهَا خلفة من غير لَفظهَا. والبهازر: جمع بهزرة كحيدرة وَهِي الْعَظِيمَة الْجِسْم.
(4/247)

وَقَوله: ضروبٌ بنصل السَّيْف الخ السِّيَاق والسباق يمْنَع أَن يكون تَقْدِيره أَنْت ضروب كَمَا زَعمه بَعضهم. والْغَرِيض بإعجام الطَّرفَيْنِ: الطريّ من اللَّحْم. وتكبّ: تصبّ. والغرائر: جمع غرارة وَهِي الْعدْل يكون فِيهَا الدَّقِيق وَالْحِنْطَة وغسيرهما.
وَقَوله: فيا لَك من ناع الخ هَذَا تعجبّ. والنّاعي: الَّذِي يخبر بِمَوْت الْإِنْسَان. وحبيت: خصصت من الحباء وَهُوَ العطّية. والألّة بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة وَهِي الحربة. وشراعيّة بِالْكَسْرِ لَا بِالضَّمِّ كَمَا ضَبطه العينيّ. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: ورمح شراعيّ أَي: وَقَالَ ابْن السَّيِّد وَتَبعهُ ابْن خلف: الشّراعيّة الَّتِي قد أشرعت للطّعن أَي: صوّبت وسدّدت.
وَقَوله: تصفر مِنْهَا الخ أَي: تَمُوت مِنْهَا لأنّ الْمَيِّت يصفرّ ظفره دعاءٌ على من أخبر بِمَوْت أبي أميّة بِالْقَتْلِ.
وأَبُو أميّة اسْمه كنيته تقدم ذكر نسبه قَرِيبا مَاتَ فِي الجاهليّة وَكَانَ زوج أُخْت أبي طَالب وَهِي عَاتِكَة بنت عبد المطلّب بن هَاشم عمّه النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم.
قَالَ الزّبير بن بكّار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: كَانَ عِنْد أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة ابْن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم أَربع عواتك: عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب وَهِي أمّ زُهَيْر وَعبد الله وَهُوَ الَّذِي قَالَ للنّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم:
(4/248)

لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا وَقَرِيبَة الْكُبْرَى وعاتكة بنت جذل الطّعان وَهِي أم أمّ سَلمَة وَالْمُهَاجِر. وعاتكة بنت عتبَة بن ربيعَة وَهِي أم قريبَة الصُّغْرَى. وعاتكة التميميّة وَهِي بنت قيس بن سعد بن زَمعَة بن نهشل بن دارم وَهِي أم أبي الحكم درج وأمّ مَسْعُود قتل يَوْم بدر كَافِرًا وَرَبِيعَة وهشامٍ الْأَكْبَر وصفيّة.
وَكَانَ زُهَيْر بن أبي أميّة من رجال قُرَيْش وَكَانَ عبد الله بن أبي أميّة شَدِيد الْخلاف على الْمُسلمين ثمَّ خرج مُهَاجرا من مكّة يُرِيد النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فَلَقِيَهُ بالطّلوب بَين السّقيا)
وَالْعَرج هُوَ وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَأَعْرض عَنْهُمَا رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ فَقَالَ عليّ بن أبي طَالب لأبي سُفْيَان بن الْحَارِث: ائْتِ رَسُول صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم من قبل وَجهه وَقل لَهُ مَا قَالَ إخْوَة يُوسُف ليوسف: تا لله لقد آثرك الله علينا وَإِن كنّا لخاطئين فإنّه لَا يُرْضِي أَن يكون أحد أحسن مِنْهُ قولا. فَفعل ذَلِك أَبُو سُفْيَان فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرّاحمين وَقبل مِنْهُمَا وأسلما.
وَهُوَ أَخُو أمّ سَلمَة لأَبِيهَا وَشهد مَعَ رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فتح مكّة
وحنين. وَقتل يَوْم الطَّائِف شَهِيدا. وَقتل هِشَام بن أبي أميّة يَوْم أحد كَافِرًا.
(4/249)

وَأسلم المُهَاجر وَزُهَيْر. وَولد زُهَيْر معبدًا وَقتل يَوْم الْجمل وَعبد الله بن زُهَيْر. وَولدت قريبَة الْكُبْرَى لزمعة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد العزّى. وَولدت قريبَة الصُّغْرَى عبد الله وأمّ حَكِيم ابْني عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصدّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
وترجمة أبي طَالب عمّ النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل على أنّ قيدا بِمَعْنى مقيّد فإضافته إِلَى الأوابد لفظيّة لم تكسبه تعريفاً وَلِهَذَا وَقع نعتاً لمنجرد.
وَهَذَا عجز وصدره: أَي: أخرج غدْوَة للصيّد والوكنة: عشّ الطَّائِر الَّذِي يبيض فِيهِ. والمنجرد من الْخَيل: الْمَاضِي فِي السّير. والأوابد: جمع آبدة بالمدّ وَهِي الوحوش يُرِيد أنّ هَذَا الْفرس من سرعته يلْحق الوحوش فَيصير لَهَا بِمَنْزِلَة الْقَيْد.
(4/250)

وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس تقدّم شَرحه وَالْكَلَام على قيد الأوابد بلاغة وإعراباً فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: يَا سَارِق اللّيلة أهل الدّار على أنّ إِضَافَة سَارِق إِلَى اللّيلة بِمَعْنى فِي أَي: يَا سَارِقا فِي اللّيلة.
وَقد تقدّم الْكَلَام على هَذَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ الطَّوِيل)
(لِحَافِي لِحَاف الضيّف وَالْبرد برده)
على أنّ أل فِي الْبرد عِنْد الكوفيّين عوض من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالتَّقْدِير: ويردي برده. وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: لِحَافِي لِحَاف الضّيف.
وَهَذَا صَدره وعجزه: وَلم يلهني عَنهُ غزالٌ مقنّع وَبعده:
(أحدّثه إنّ الحَدِيث من الْقرى ... وَتعلم نَفسِي أنّه سَوف يهجع)
(4/251)

وَهَذَانِ البيتان أوردهما أَبُو تّمام فِي بَاب الأضياف من الحماسة لمسكين الدّارميّ إلاّ أنّه روى المصراع الشَّاهِد: لِحَافِي لِحَاف الضّيف وَالْبَيْت بَيته.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمِيع من سَيذكرُ من رُوَاته مِنْهُم ابْن الْأَثِير فِي الْمثل السائر وَقَالَ: الغزال اسْتِعَارَة للْمَرْأَة الْحَسْنَاء.
وَمِنْهُم السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ: وَمعنى أحدثه إِن الحَدِيث من الْقرى أَي: أَصْبِر على حَدِيثه وَأعلم أنّه سَوف ينَام وَلَا أضجر بمحادثته فَأَكُون قد محقت قراي. والْحَدِيث الْحسن من تَمام الْقرى.
وَقَالَ التبريزيّ: أَي تعلم نَفسِي وَقت هجوعه فَلَا أكلّمه. يُرِيد أنّه يحدثه بعد الْإِطْعَام كأنّه يسامره حتّى تطيب نَفسه فَإِذا رَآهُ يمِيل إِلَى النّوم خلاّه.
وَلم أقعد إِلَيْهِ أسائله قلت: هَذَا إِشَارَة إِلَى ابْتِدَاء النُّزُول وَذَلِكَ وَقت الِاشْتِغَال بالضيافة وَهَذَا يُرِيد بحَديثه بعد الْإِطْعَام.
وَمِنْهُم الأعلم الشنتمريّ فِي حماسته إلاّ أنّه روى المصراع الْأَخير: وتكلأ عَيْني عينه حِين يهجع
(4/252)

وتكلأ: تحرس والكلاءة: الحراسة وَالْحِفْظ. وَالْعين الأوّل حاسّة الْبَصَر وَالثَّانِي بِمَعْنى الذَّات.
وَمِنْهُم أَبُو زيد فِي نوادره وَمِنْهُم الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين إلاّ أَنَّهُمَا زادا على الْبَيْتَيْنِ قبلهمَا)
بَيْتَيْنِ آخَرين وهما:
(أرى كلّ ريحٍ تسكن مرّةً ... وكلّ سماءٍ ذَات درّ ستقلع)
(فَإنَّك والأضياف فِي بردةٍ مَعًا ... إِذا مَا تبض الشّمس سَاعَة تنْزع)
لِحَافِي لِحَاف الضّيف ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ قَالَ أَبُو زيد: تبضّ أَي: تجْرِي إِلَى الْمغرب أَي: أَمرهم لَازم لَك كأنّك أَنْت وهم فِي بردة. وَهُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وبضّ المَاء بيضّ بضيضاً أَي: سَالَ قَلِيلا قَلِيلا. وتنْزع: تذْهب من نزع إِلَى كَا: إِذا مَال إِلَيْهِ وَذهب. وَأَرَادَ بالسماء السَّحَاب. والدّرّ الْقطر. والإقلاع: الكفّ عَن الشَّيْء يُقَال: أقلع عمّا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالْكَاف من قَوْله فإنّك الخ مَكْسُورَة لأنّه خطاب مَعَ امْرَأَته.
وَقَوله: وَلم يلهني أَي: لم يشغلني. والمقنّع: اسْم مفعول الَّذِي ألبس الْمقنع والمقنعة بِالْكَسْرِ وهما مَا تقنّع بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا أَي: تغطّية. والقناع أوسع من المقنعة. وإنّما لم يقل المقنّعة بالتأنيث لأنّه جرى على لفظ الغزال.
(4/253)

وكلّهم روى هَذَا الشّعْر لمسكين الدّارميّ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة إلاّ الجاحظ والأعلم الشنتمريّ فَإِنَّهُمَا نسباه إِلَى كَعْب ابْن سعد الغنويّ.
وَنسبه التبريزيّ إِلَى عتبَة بن بجير وَبَعض شرّاح الحماسة.
وَقد انْفَرد ابْن الشّجريّ بنسبته إِلَى عتبَة بن مِسْكين الدّارميّ فإنّه قَالَ: محادثة الضَّيْف من دَلَائِل الْكَرم وَقد مدحوا بذلك وتمدحوا بِهِ: فَمن الْمَدْح قَول الشمّاخ يمدح عبد الله بن جَعْفَر: الرجز
(إنّك يَا ابْن جَعْفَر نعم الْفَتى ... وَنعم مأوى طَارق إِذا أَتَى)
(وربّ ضيفٍ طرق الحيّ سرى ... صَادف زاداً وحديثاً مَا اشْتهى)
وَمن التمدّح قَول عتبَة بن مِسْكين الدّارميّ: لِحَافِي لِحَاف الضيّف وَالْبَيْت بَيته ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ وَقَوله: وربّ ضيف هُوَ بِفَتْح الرَّاء وضمّ الْبَاء عطف على نعم.
وَقد نسب ابْن الشّجريّ الدارميّ إِلَى الْبُخْل فإنّه قَالَ قبل دينك الْبَيْتَيْنِ.
وَمن شعره الَّذِي استدلّ بِهِ على بخله قَوْله يذكر ضيفاً نزل بِهِ: الطَّوِيل)
(أَتَى يخبط الظّلماء واللّيل دامسٌ ... يسائل عَن غير الَّذِي هُوَ آمل)
(4/254)

.
(فَقلت لَهَا قومِي إِلَيْهِ فيسّري ... طَعَاما فإنّ الضّيف لَا بدّ نَازل)
(يَقُول وَقد ألْقى مراسيه للقرى ... أبن لي مَا الحجّاج بالنّاس فَاعل)
(فَقلت لعمري مَا لهَذَا طرقتنا ... فَكل ودع الحجّاج مَا أَنْت آكل)
(أَتَانَا وَلم يعدله سُبْحَانَ وائلٍ ... بَيَانا وعلماً بِالَّذِي هُوَ قَائِل)
(فَمَا زَالَ عَنهُ اللّقم حتّى كأنّه ... من العي لمّا أَن تكلم بَاقِل)
قَوْله: ألْقى مراسيه أَي: ألْقى أثقاله وَثَبت كلّ الثَّبَات. وسؤاله عَن الحجّاج هُوَ الَّذِي عناه بقوله: يسائل عَن غير الَّذِي هُوَ آمل. وطرقتنا: أَتَيْتنَا لَيْلًا.
وَقَوله: فَمَا زَالَ عَنهُ اللّقم الخ أَرَادَ أنّه امْتَلَأَ من الطَّعَام حتّى كسبته الكظّة العيّ كَقَوْلِهِم: البطنة تذْهب الفطنة. ولّما بدأه الضَّيْف بِالْحَدِيثِ وَسَأَلَهُ عَن الحجّاج طلبا للاستئناس قطع عَلَيْهِ كَلَامه بقوله: مَا لهَذَا طرقتنا فَكل ودع الْحجَّاج. وَهَذَا مِنْهُ نهايةٌ فِي الْبُخْل لأنّ محادثة الضّيف من دَلَائِل الْكَرم. انْتهى كَلَام ابْن الشّجريّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/255)

الْكَامِل
(الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... عوذا تزجّي خلفهَا أطفالها)
على أَنه قد يَجْعَل ضمير المعرّف بِاللَّامِ فِي التَّابِع مثل المعرّف بِاللَّامِ فإنّ قَوْله: عَبدهَا بالجرّ مَعْطُوف على الْمِائَة وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ أل. واغتفر هَذَا
لكَونه تَابعا وَالتَّابِع يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمَتْبُوع.
قَالَ أَبُو بكر بن السرّاج فِي بَاب الْعَطف: وَمِمَّا جَاءَ فِي الْعَطف لَا يجوز فِي الأوّل قَول الْعَرَب: كلّ شَاة وسخليها بدرهم وَلَو جعلت السّخلة تلِي كلّ لم يستقم.
وَمن كَلَام الْعَرَب: هَذَا الضَّارِب الرجل وزيدٍ وَلَو كَانَ زيد يَلِي الضَّارِب لم يكن جرّ.
وينشدون هَذَا الْبَيْت جرّاً.
الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها وَكَانَ أَبُو العبّاس المبّرد يفرق بَين عَبدهَا وَزيد يَقُول: إنّ الضَّمِير فِي عَبدهَا هُوَ الْمِائَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَعبد الْمِائَة وَلَا يستحسن ذَلِك فِي زيد وَلَا يُجِيزهُ. وَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ والمازنيّ وَلَا أعلمهم قاسوه إلاّ على هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ المازنيّ: إنّه من كَلَام الْعَرَب. وَالَّذِي قَالَه أَبُو العبّاس أولى وَأحسن. انْتهى.
وَقَالَ الأعلم: قد غلط سِيبَوَيْهٍ فِي استشهاده بِهَذَا لأنّ العَبْد مُضَاف إِلَى ضمير الْمِائَة وضميرها بمنزلتها وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاع وَلَيْسَ مثل الضَّارِب الرجل وَعبد الله لِأَن عبد الله علم كالفرد لم يضف إِلَى ضمير الأوّل فَيكون بِمَنْزِلَتِهِ.
وإنّما احتجّ سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا بعد أَن صحّ عِنْده بِالْقِيَاسِ جَوَاز الجرّ فِي الِاسْم الْمَعْطُوف. وَأنْشد الْبَيْت ليري ضربا من الْمِثَال فِي الِاسْم الْمَعْطُوف. لأنّه حجّة لَهُ لَا أنّه لَيْسَ يجور فِيهِ غَيره. هَذَا كَلَامه.
(4/256)

وَمعنى الْبَيْت أنّ هَذَا الممدوح يهب الْمِائَة من الْإِبِل الْكَرِيمَة ويهب راعيها أَيْضا وَهُوَ المُرَاد من العَبْد. وخصّ الهجان لِأَنَّهُ أكرمها. والهجان: الْبيض قَالَ الجوهريّ: هُوَ من الْإِبِل الْأَبْيَض يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع وَقَالَ الأصمعيّ: الهجان: الْكِرَام وأصل الهجان الْبيَاض وَهِي تكون للْوَاحِد وَالْجمع وربّما جمع هجائن كَمَا قَالُوا شمال وشمائل.)
وَقَالَ شَارِح ديوَان الْأَعْشَى: العوذ: الحديثات النِّتَاج قبل أَن توفى خمس عشرَة لَيْلَة ثمَّ هِيَ مطفل بعده.
وَقَالَ ابْن خلف: هِيَ الحديثة النِّتَاج كَانَ مَعهَا ولد أَو لم يكن. قَالَ الأعلم: وسمّيت عائذاً لأنّ وَلَدهَا يعوذ بهَا لصغره وَبني على فَاعل لأنّه على نِيَّة النّسَب لَا على مَا يُوجب التصريف كَمَا قَالُوا عيشة راضية. وتزجيّ: بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْجِيم أَي: تَسوق والتّزجية: السّوق وَمثله الإزجاء.
وَرُوِيَ بدله: ترشّح والترشيح: التربية يَعْنِي إِذا تخلّفت أَوْلَادهَا وقفت وحنّت حتّى يلْحق أَوْلَادهَا بهَا فتعذّيها وَكَذَلِكَ التزجية. وَقيل إنّما تكون التزجية من بَين يَديهَا. وفاعل تزجّي ضمير العوذ وَالْجُمْلَة صفة لَهَا وأطفالها مفعول تزجيّ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد
(4/257)

الثَّالِث وَالْعِشْرين فِي أَوَائِل الْكتاب وَقد اسْتعْمل هَذَا الْمَعْنى فِي شعره كثيرا مِنْهَا قَوْله: الْكَامِل
(الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... قطناً تشبّهها النّخيل المكرعا)
الْقطن والقطين: أَتبَاع الْملك وَهُوَ حَال من العَبْد. وتشبّهها بِالْخِطَابِ. والمكرع بِوَزْن اسْم وَمِنْهَا قَوْله: المتقارب
(هُوَ الْوَاهِب الْمِائَة المصطفا ... ة إمّا مخاضاً وإمّا عشارا)
وَقَالَ أَيْضا فِي قصيدة نونية: المتقارب
(هُوَ الْوَاهِب الْمِائَة المصطفا ... ة كالنخل زيّنها بالرّجن)
والرّجن بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة وبالجيم قَالَ فِي الصِّحَاح: قَالَ الفرّاء: رجنت الْإِبِل ورجنت أَيْضا بِالْكَسْرِ وَهِي راجنة وَقد رجنتها أَنا وأرجنتها: إِذا حبستها لتعلفها وَلم تسرّحها.
وَقد سبق الْأَعْشَى فِي هَذَا الْمَعْنى إمّا بشر بن أبي خازم وإمّا أَوْس بن حجر فَإِنَّهُمَا متعاصران وَكَانَا قبله: قَالَ الأوّل يمدح عَمْرو بن أم أنَاس:
(4/258)

الْكَامِل
(والمانح الْمِائَة المعكاء يشفعها ... يَوْم النّضار بِأُخْرَى غير مجهود)
والمعكاء بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا كَاف قَالَ ابْن الأنباريّ فِي الْمَقْصُود)
والممدود: يُقَال أعطَاهُ مائَة معكاء: إِذا أعطَاهُ مائَة من الْإِبِل سماناً غلاظاً. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَتلك القصيدة يمدح بهَا الْأَعْشَى قيس بن معد يكرب الكنديّ. وَهَذَا مطْلعهَا: الْكَامِل
(رحلت سميّة غدْوَة أجمالها ... غَضبى عَلَيْك فَمَا تَقول بدا لَهَا)
(هَذَا النّهار بدا لَهَا من همّها ... مَا بالها باللّيل زَالَ زَوَالهَا)
ثمَّ قَالَ:
(وسبيئةٍ ممّا تعتّق بابلٌ ... كَدم الذّبيح سلبتها جريالها)
(وغريبةٍ تَأتي الْمُلُوك حكيمةٍ ... قد قلتهَا ليقال من ذَا قَالَهَا)
ثمَّ وصف نَاقَته فَقَالَ مُخَاطبا لَهَا:
(وَلَقَد نزلت بِخَير من وطئ الْحَصَى ... قيسٍ فَأثْبت نعلها وقبالها)
(مَا النّيل أصبح زاحراً من مدّه ... جَادَتْ لَهُ ريح الصبّا فَجرى لَهَا)
...
(4/259)

(زيدا بمصرٍ يَوْم يسْقِي أَهلهَا ... وَغدا تفجّره النّبيط خلالها)
(يَوْمًا بأغزر نائلاً مِنْهُ إِذا ... نفس الْبَخِيل تجهّمت سؤالها)
الْوَاهِب الْمِائَة الهجان وعبدها ... ... ... . . الْبَيْت
(والقارح الأحوى وكلّ طمرّةٍ ... مَا عَن تنَال يَد الطَّوِيل قذالها)
وَقَالَ فِي آخر القصيدة:
(وَإِذا تَجِيء كتيبةٌ ملمومةٌ ... خرساء يخْشَى الذّائدون نهالها)
(كنت المقدّم غير لابس جنةٍ ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها)
(وَعرفت أنّ النَّفس تلقى حتفها ... مَا شَاءَ خَالِقهَا المليك قضى لَهَا)
وَقَوله: هَذَا النَّهَار بدا لَهَا الخ قَالَ أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ رَوَاهُ أَبُو الْحسن: هَذَا النّهار بِالنّصب وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ فأمّا من رفع النَّهَار فَجعله وَصفا لهَذَا وَحذف الرَّاجِع من خبر الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا النَّهَار
بدا لَهَا فِيهِ. فأمّا فَاعل بدا فَيكون ضمير الْمصدر أَي: بدا البداء وَقَوله: من همّها حَال من هَذَا الْفَاعِل وَيجوز على قَول الْأَخْفَش بِزِيَادَة من فِي الْوَاجِب أَن يكون مجرورها فَاعل بدا.
وَمن استجاز حذف الْفَاعِل مّمن خَالف سِيبَوَيْهٍ أجَاز أَن يكون من همّها صفة للْفَاعِل الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: بدا لَهَا بداءٌ من همّها. وَمن نصب النَّهَار فَفِيهِ وَجْهَان:)
أَحدهمَا: أَن يكون على حدّ زيدا مَرَرْت بِهِ.
وَالْآخر: أَن يكون ظرفا لبدا كَأَنَّهُ قَالَ: بدا لَهَا البداء من همّها
(4/260)

فِي هَذَا النَّهَار.
وَيجوز أَن يكون قَوْله: هَذَا فِيمَن نصب النَّهَار إِشَارَة إِلَى الارتحال كَأَنَّهُ لّما قَالَ: رحلت قَالَ: هَذَا الارتحال بدا لَهَا النَّهَار فَيكون فِي بدا ذكر يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ هَذَا. وَكَانَ الْمَعْنى عَلَيْهِ لأنّ الْمَعْنى هَذَا الارتحال والمفارقة قد بدا لَهَا فِي النَّهَار فَمَا بالها بِاللَّيْلِ يعتادنا خيالها هلاّ فارقتنا بِاللَّيْلِ كَمَا فارقتنا بِالنَّهَارِ.
فأمّا فَاعل زَالَ فِيمَن نصب زَوَالهَا فَجَائِز أَن يكون الهمّ لأنّ ذكره قد تقدّم كَأَنَّهُ قَالَ: زَالَ وَقد حُكيَ هَذَا القَوْل عَن أبي عَمْرو الشيبانيّ. وَيجوز أَن يكون الْفَاعِل اسْم الله تَعَالَى كَأَنَّهُ قَالَ: زَالَ الله زَوَالهَا. من قَوْله زلته فَلم يزل وعَلى هَذَا قَول ذِي الرّمّة: الطَّوِيل
(وبيضاء لَا تنحاش منّا وأمّها ... إِذا مَا رأتنا زيل منّا زويلها)
انْتهى كَلَام أبي عليّ وَكَأَنَّهُ لم يطّلع على مَا للْعُلَمَاء بالشعر فِي هَذَا الْبَيْت.
وَقد جمعه حَمْزَة بن الْحسن فِي كتاب التّنبيه على حُدُوث التَّصْحِيف قَالَ: قَوْله: هَذَا النَّهَار بدا قَالَ الْأَخْفَش: النَّهَار ظرف أَي: فِي هَذَا النَّهَار.
وَقَوله: من همّها مَا بالها بِاللَّيْلِ قَالَ بَعضهم: يَقُول: هَذَا الارتحال الَّذِي يرى لنا من همّها فِي النَّهَار فَمَا بالها بِاللَّيْلِ إِذا نمنا ألمّ بِنَا خيالها.
وَقَالَ آخر: يَقُول: هَذَا الهمّ بدا لَهَا نَهَارا والهمّ مَا همّت بِهِ من مُفَارقَته وصرمه. وَقَالَ آخر: هِيَ بِالنَّهَارِ تخَاف الْعُيُون وتراقب الوشاة فَمَا بالها بِاللَّيْلِ أَيْضا بِمثل تِلْكَ الْحَال لَا تزورني وَقد زَالَ عَنْهَا مَا تحاذر.
وَقَالَ آخر: إنّما ردّه على آخر الْبَيْت الأول وَهُوَ قَوْله: فَمَا تَقول بدا لَهَا ثمَّ قَالَ مُفَسرًا
(4/261)

لذَلِك: بدا لَهَا أَن همّت بصرمي نَهَارا فَمَا بالها بِاللَّيْلِ أَي: مَا لنا وَلها بِاللَّيْلِ لسنا ننامه شوقاً إِلَيْهَا وذكراً لَهَا.
وَقَوله: زَالَ زَوَالهَا قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ دُعَاء على الْمَرْأَة أَي: هَذِه الْمَرْأَة لَا أكاد أَرَاهَا بِالنَّهَارِ فَإِذا جَاءَ اللَّيْل إِذْ أَتَانِي خيالها فَمَا بالها ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا فَقَالَ: زَالَ زَوَالهَا وَمَعْنَاهُ لَا زَالَ همّها يَزُول زَوَالهَا أَي: يَزُول مَعهَا أَرَادَ أنّه لَا يفارقها. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا دُعَاء على الهمّ وَمَعْنَاهُ زَالَ الهمّ مَعهَا حَيْثُ زَالَت. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ كلمة يدعى بهَا فَتَركهَا على حَالهَا.)
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ دُعَاء على الخيال وَمَعْنَاهُ أذهب الله خيالها عنّي كَمَا ذهبت هِيَ فَأَسْتَرِيح.
وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ دُعَاء على اللَّيْل وَمَعْنَاهُ أَزَال الله اللَّيْل الَّذِي نقاسي فِيهِ مِنْهُ مَا نقاسيه مَعَ صرمها لنا نَهَارا كَمَا زَالَت سميّة. وَهَذَا كَمَا تَقول: هلك فلَان أَي: أهلكه الله.
وَقَالَ الْأَخْفَش: قَالَ بَعضهم: زَالَ هُنَا بِمَعْنى أَزَال وَهِي لُغَة قوم من الْعَرَب تَقول: زلت الرجل عَن مقَامه بِمَعْنى أزلته وَعَلِيهِ قَول ذِي الرّمّة: الطَّوِيل
زيل مِنْهَا زويلها فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا بَال هَذَا اللَّيْل أزالها.
ويحكى هَذَا القَوْل بِعَيْنِه عَن أبي عُبَيْدَة. وَقَالَ الأصمعيّ فِي بعض
(4/262)

الحكايات عَنهُ: هَذَا مقلوب يجب أَن يَقُول زَالَت زَوَاله أَي: زَوَال النَّهَار ثمّ قلب الْكَلَام كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
( ... ... ... ... . كَمَا ... كَانَ الزناء فَرِيضَة الرَّجْم)
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ خيرٌ لَيْسَ بِدُعَاء وَمَعْنَاهُ مَا بَال حظّنا من سميّة بِاللَّيْلِ قد أزل كَمَا زَالَت وإنّما يُرِيد تَأَخّر الخيال عَنهُ الَّذِي كَانَ يقوم مقَامهَا فيستريح إِلَيْهِ. وعلّة تأخرّ الخيال عَنهُ أَنه سهر لفراقها فَلم ينم فيبصره.
قَالَ: وَقد يجوز أَن يكون دُعَاء على اللَّيْل إِذْ فَاتَهُ حظّه فِيهِ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أَنا أرويه: زَالَ زَوَالهَا بِالرَّفْع وَإِن كَانَ إقواء وعَلى هَذَا يكون دُعَاء على الْمَرْأَة بِالْهَلَاكِ وَأَن تذْهب من الدّنيا والأعشى شَاعِر أفحل من أَن يُقَوي.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ دعاءٌ مِنْهُ لسميّة لَا عَلَيْهَا زَالَ مَا تهمّ بِهِ من صرمنا فِي النّهار وَاللَّيْل كَمَا زَالَت هِيَ أَي: زَالَ عنّا همّها بذلك.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ إِخْبَار عَن اللَّيْل وَفِيه تَقْدِير قد أَي: قد زَالَ زَوَالهَا أَي: كأنّ اللَّيْل الَّذِي كَانَ لنا مِنْهَا قد زَالَ وَهَذَا كَمَا تَقول: مَالِي مَعَ فلَان ليلٌ وَلَا نَهَار وَإِنَّمَا تَعْنِي مَالِي حظّ من اللَّيْل وَلَا النّهار وَلست تَعْنِي أنّ هُنَاكَ نَهَارا وَلَا لَيْلًا. انْتهى مَا أوردهُ حَمْزَة.
وَقَوله: وسبيئة مّما تعتّق بابل الخ السّبيئة: الْخمر فَعَلَيهِ بِمَعْنى من سبأت الْخمر سّبئاً: إِذا اشْتَرَيْتهَا لتشربها وَالِاسْم السّباء بِالْكَسْرِ على
فعال والسّبّاء: الخمّار وزنا وَمعنى. والجريال بِكَسْر الْجِيم وَبعد الرَّاء
(4/263)

مثنّاة تحتيّة.
قَالَ الجواليقي فِي المعرّبات: هُوَ صبغ أَحْمَر وَيُقَال: جَرَيَان بالنُّون وَقيل هُوَ مَاء الذَّهَب)
وَذهب الأصمعيّ أنّه رومي مُعرب وَرُوِيَ لي عَن الْأَصْمَعِي عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن يُونُس بن متّى راوية الْأَعْشَى قَالَ: قلت للأعشى: مَا معنى قَوْلك: سلبتها جريالها قَالَ: شربتها حَمْرَاء وبلتها بَيْضَاء فسلبتها لَوْنهَا. يَقُول: لما شربتها نقلّت لَوْنهَا إِلَى وَجْهي فَصَارَت حمرتها فِيهِ. وَهَذَا الْمَعْنى أَرَادَ أَبُو نواس بقوله: الْبَسِيط أجدته حمرتها فِي الْعين والخدّ وربّما سميّت الْخمر جريالاً. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وغريبةٍ تَأتي الْمُلُوك حكيمةٍ أَي: ربّ قصيدة غَرِيبَة فِي أسلوبها محكمَة.
وَقَوله: وَلَقَد نزلت الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان ابْن حبيب: يجوز ضم التَّاء بالتكلم وَكسرهَا بخطاب النَّاقة وَالْمرَاد لقد نزلت برجلي فَأثْبت نعلها أَي: قضى حوائجي. وتجهمت: بِمَعْنى استثقلت.
وَقَوله: والقارح الأحوى الخ هُوَ بالجرّ عطف على الْمِائَة الهجان. والقارح: مَا جَاوز خمس سِنِين من ذَوَات الْحَافِر. والأحوى: مَا خالط لَونه لون آخر إِذا كَانَ كميتاً مثل صدأ الْحَدِيد وَقيل حَمْزَة يخالطها سَواد. والطمّرة بكسرتين وَتَشْديد الرَّاء: المستفز للوثب.
(4/264)

وَقَوله: وَإِذا تَجِيء كَتِيبَة الخ الكتيبة: الْجَيْش والخرساء: الَّتِي لَا يسمع فِيهَا قعقعة سلَاح من كَثْرَة الدروع وملمومة: مَجْمُوعَة. والجنّة
بِالضَّمِّ الْوِقَايَة. يُرِيد أَنه يهجم فِي الْحَرْب على الْإِبْطَال غير مكترث بِلبْس وقاية من السِّلَاح. وَهَذَا غَايَة فِي التهورّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(وَلَيْسَ حاملني إلاّ ابْن حمّال)
على أنّه قيل النُّون فِي حاملني هُوَ نون التَّنْوِين وَقيل نون وقاية وَكِلَاهُمَا شاذّ وَقبل الرِّوَايَة يحملني لَا حاملني.
وَهَذَا عجز وصدره: أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني وَهُوَ من أَبْيَات لم أرها إلاّ فِي كَامِل المبّرد قَالَ فِيهِ: أنشدنا أَبُو محلّم السّعديّ:
(لطلْحَة بن حبيبٍ حِين تسأله ... أندى وَأكْرم من فند بن هطّال)
(وَبَيت طَلْحَة فِي عزّ ومكرمةٍ ... وَبَيت فندٍ إِلَى ربقٍ وأحمال)
(أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني ... وَلَيْسَ يحملني إلاّ ابْن حمّال)
(فَقلت: طَلْحَة أولى من عَمَدت لَهُ ... وَجئْت أَمْشِي إِلَيْهِ مشي مختال)
قَوْله: إِلَى ربق وأحمال أَرَادَ جمع حمل على الْقيَاس كَمَا تَقول فِي جمع بَاب فعل: جمل وأجمال وصنم وأصنام.
(4/265)

وَقَوله: أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني يَعْنِي ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر.
وَأنْشد بَعضهم:
وَلَيْسَ حاملني إلاّ ابْن حمّال وَهَذَا لَا يجوز فِي الْكَلَام لأنّه إِذا نوّن الِاسْم لم يتّصل بِهِ الْمُضمر لأنّ الْمُضمر لَا يقوم بِنَفسِهِ وإنّما يَقع معاقباً للتنوين. تَقول: هَذَا ضاربٌ زيدا غَدا وَهَذَا ضاربك غَدا وَلَا يَقع التَّنْوِين هَاهُنَا لِأَنَّهُ لَو وَقع لَا نفصل الْمُضمر. وعَلى هَذَا قَول الله عزّ وجلّ: إنّا منجّوك وَأهْلك.
وَقد روى سِيبَوَيْهٍ بَيْتَيْنِ محمولين على الضَّرُورَة وَكِلَاهُمَا مَصْنُوع وَلَيْسَ أحد من النَّحْوِيين المتقنين يُجِيز مثل هَذَا فِي الضَّرُورَة لما ذكرت لَك من انْفِصَال الْكِنَايَة والبيتان اللَّذَان رَوَاهُمَا سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(هم الْقَائِلُونَ الْخَيْر والآمرونه ... إِذا مَا خَشوا يَوْمًا من الْأَمر مُعظما))
وَأنْشد: الطَّوِيل وإنّما جَازَ أَن تبيّن الجركة إِذا وقفت فِي نون الِاثْنَيْنِ وَالْجمع لِأَنَّهُ لَا يلتبس بالمضمر تَقول: هما رجلانه وهم ضاربونه إِذا وقفت لِأَنَّهُ
(4/266)

لَا يلتبس بالمضمر إِذْ كَانَ لَا يَقع هَذَا الْموقع وَلَا يجوز أَن تَقول: ضَربته وَأَنت تُرِيدُ ضربت وَالْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة لأنّ الْمَفْعُول يَقع فِي هَذَا الْموضع فَيكون لبساً.
فأمّا قواهم: ارمه واغزه فلتلحق الْهَاء لبَيَان الْحَرَكَة فإنّما جَازَ ذَلِك لما حذفت من أصل الْفِعْل وَلَا يكون فِي غير الْمَحْذُوف.
وَقَوله: فِي رَأس ذياله يَعْنِي فرسا انثى أَو حصاناً. والذّيال: الطَّوِيل الذَّنب. وإنّما يحمد مِنْهُ طول شعر الذَّنب وَقصر العسيب فَأَما الطَّوِيل العسيب فمذموم. هـ كَلَام المبّرد.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: لَيْسَ مَا أصّل بِصَحِيح وَلَا لَازم قد قَالُوا: ضربتنه وهلمّه يُرِيدُونَ: ضربتنّ وهلمّ وَالْمَفْعُول يَقع هَاهُنَا. وَمَا ذكرته مَذْكُور فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ.
وَأنْشد: يَا أَيهَا النَّاس أَلا هلمّه وَالْمَفْعُول يَقع هَذَا الْموقع.
وَقَوله لطلْحَة بن حبيب اللَّام للابتداء وَطَلْحَة مُبْتَدأ واندى خَبره. وَالسُّؤَال: استدعاء معرفةٍ فاستدعاء الْمعرفَة جوابها بِاللِّسَانِ وتنوب عَنهُ الْيَد فاليد خَليفَة عَنهُ بِالْكِتَابَةِ أَو الْإِشَارَة.
ويتعدّى لاثْنَيْنِ ثَانِيهمَا بِنَفسِهِ تَارَة وبحرف الجرّ أُخْرَى وَهُوَ عَن وتنوب عَنْهَا الْبَاء.
(4/267)

واستدعاء المَال جَوَابه بِالْيَدِ وتنوب عَنهُ اللِّسَان بوعدٍ أَو ردّ ويتعدّى بِنَفسِهِ أَو بِمن قَالَ تَعَالَى: وَإِذا سألتموهنّ مَتَاعا وَقَالَ: واسئلوا الله من فَضله. كَذَا فِي مُفْرَدَات الْقُرْآن للسمين. وأندى: أفعل تَفْضِيل من النّدى وَهُوَ السّخاء. وفند بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون النُّون: اسْم رجل. والرّبق بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة: حَبل فِيهِ عدّة يشدّ بِهِ البهم كلّ عروةٍ ربقة بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَالْجمع كعنب. والبهم
بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْهَاء: ولد الضَّأْن والمعز وَالْبَقر وَقيل صغَار الْإِبِل. والْأَحْمَال: جمع حمل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم: الخروف وَقيل هُوَ الْجذع أَي: الشابّ من اولاد الضّأن فَمَا دونه.
جعل بَيت طَلْحَة مظروفاً فِي العزّ والمكرمة وَبَيت فندٍ منتهياً إِلَى مَا ذكر وَأَرَادَ أنّ الْبَيْت الأوّل)
مَمْلُوء بِالْخَيْلِ وَبهَا يكون العزّ وَالْبَيْت الثَّانِي بَيت ذلّ وهوان لأنّ اقتناء الخرفان عِنْدهم يدلّ على الْفقر والضعف وأنّ بَيتهمْ إنّما هُوَ مربط للبهائم.
وَقَوله: أَلا فَتى من بني ذبيان الخ أَلا هُنَا للعرض والتخصيص وفَتى: مَنْصُوب بِفعل يفسّره يحملني أَو مَنْصُوب بِمَحْذُوف أَي: أَلا ترونني فَتى هَذِه صفته كَمَا قَالَ الْخَلِيل فِي قَوْله: وَلَا يجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي فَيكون فَتى مَبْنِيا مَعهَا على الْفَتْح لوُجُود الْخَبَر
(4/268)

وَهُوَ يحملني فإنّ الَّتِي للتمنيّ لَا خبر لَهَا لفظا وَلَا تَقْديرا وَالْمعْنَى أَيْضا لَا يساعد فِي جعلهَا للتوبيخ أَو للاستفهام عَن النَّفْي فإنّه بعيد. وَلَا معنى لجعلها هُنَا للتّنْبِيه. ويحملني: من حمله: إِذا أعطَاهُ دابّةً تحمله. وحمّال هُنَا مُبَالغَة حَامِل بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور. وحاملني فِيمَن رَوَاهُ خب لَيْسَ مقدّم وَمَا بعد إلاّ اسْمهَا وعَلى رِوَايَة لَيْسَ يحملني اسْمهَا ضمير الشَّأْن.
وَقَوله: فَقلت التَّاء مَضْمُومَة. وعمدت: قصدت.
وَقَوله: مُسْتَيْقنًا أنّ حبلي الخ هُوَ حَال من فَاعل أَمْشِي. ويعلقه: مضارع أعلق حبله إِذا امكنه أَن يعلق حبله ويربطه بِهِ. وعسيب الذَّنب: منبته من الْجلد والعظم. وَالْمَعْرُوف أنّه لَا يُقَال ذيّال إلاّ أَن يكون مَعَ طول الذَّنب طَويلا فِي نَفسه فَإِن كَانَ طَوِيل الذَّنب فَقَط فَهُوَ ذائل.
ومخلّم السعديّ بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام المشدّدة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات س: الطَّوِيل
(هم الفاعلون الْخَيْر والآمرونه ... إِذا مَا خَشوا من مُحدث الْأَمر مُعظما)
على أنّه قد جمع فِي قَوْله الآمرونه النُّون وَالضَّمِير ضَرُورَة وَصَوَابه والآمروه بِحَذْف نون الْجمع للإضافة فإنّ حكم الضَّمِير أَن يُعَاقب النُّون والتنوين لأنّه بمنزلتها فِي الضعْف والاتصال فَهُوَ معاقب لَهما إِذْ كَانَ الْمظهر مَعَ قوّته وانفصاله يعاقبهما.
(4/269)

قَالَ أَبُو جَعْفَر النحّاس: هَذَا خطأ عِنْد المبّرد لأنّ الْمَجْرُور لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا ينْطق بِهِ وَحده فَإِذا أَتَى بالتننوين فقد فصل مَا لَا ينْفَصل وَجمع بَين زائدين. وَهَذَا لَا يلْزم سِيبَوَيْهٍ مِنْهُ غلط لأنّه قد قَالَ نصّاً: وَزَعَمُوا أنّه مَصْنُوع. فَهُوَ عِنْده مَصْنُوع لَا يجوز فَكيف يلْزمه مِنْهُ غلط. انْتهى.
وَلَا يبعد أَن يكون من بَاب الْحَذف والإيصال وَالْأَصْل والآمرون بِهِ فحذفت الْبَاء واتّصل الضَّمِير بِهِ فإنّ أَمر يتعدّى إِلَى الْمَأْمُور بِنَفسِهِ وَإِلَى الْمَأْمُور بِهِ بِالْبَاء يُقَال: أَمرته بِكَذَا. والمأمور هُنَا مَحْذُوف أَي: الآمرون النَّاس بِالْخَيرِ فَيكون الضَّمِير مَنْصُوبًا لَا مجروراً.
يَقُول: هَؤُلَاءِ يَفْعَلُونَ الْخَيْر ويأمرون بِهِ فِي وَقت خشيتهم الْأَمر الْعَظِيم من حوادث الدّهر فَلَا يمنعهُم خوف الضَّرَر عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ.
وَقد رَوَاهُ المبّرد فِيمَا سبق النَّقْل عَنهُ بِمَا يقرب مِمَّا هُنَا.
وَرُوِيَ فِي المفصّل وَغَيره:
(هم الآمرون الْخَيْر والفاعلونه ... إِذا مَا خَشوا من حَادث الدّهر مُعظما)
والْمُعظم: اسْم مفعول وَهُوَ الْأَمر الَّذِي يعظم دَفعه. وَقد روى الجوهريّ فِي هَاء السكت المصراع الثَّانِي كَذَا: إِذا مَا خَشوا من مُعظم الْأَمر مفظعا وَهُوَ اسْم فَاعل من أفظع الْأَمر إفظاعاً وَمثله من فظع الْأَمر فظاعة: إِذا جَاوز الحدّ فِي الْقبْح. وخَشوا بضمّ الشين وَأَصله خشيوا بِكَسْرِهَا فحذفت الكسرة ونقلت ضمّة الْيَاء إِلَيْهَا ثمَّ حذفت الْيَاء الساكنين.
(4/270)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من أَبْيَات س: الطَّوِيل
(وَلم يرتفق والنّاس محتضرونه ... جَمِيعًا وأيدي المعتفين رواهقه)
لما تقدّم قبله وَهُوَ أنّه قد جمع النُّون وَالضَّمِير فِي قَوْله: محتضرونه ضَرُورَة.
وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدّم فِي الَّذِي قبله فَمن جعل الْهَاء ضميراً جعلهَا ضمير الممدوح وَمن جعلهَا للسكت فإنّه احْتَاجَ إِلَى تحريكها.
وَفِيه أنّ حضر واحتضر إِن كَانَ مَعْنَاهُ ضدّ غَابَ فَهُوَ لَازم وَغير هَذَا مردٌ هُنَا. وَإِن كَانَ بِمَعْنى شهد فَهُوَ متعدّ وَهَذَا هُوَ المُرَاد. يُقَال: حضرت القَاضِي أَي: شهدته.
وَفِي الْقَامُوس: حضر كنصر وَعلم حضوراً وحضارة: ضدّ غَابَ كاحتضر وتحضّر وَيَتَعَدَّى يُقَال وتحضّره. انْتهى.
وعَلى هَذَا فَالضَّمِير مَنْصُوب على المفعولية لَا أنّه مُضَاف إِلَيْهِ. ومحتضرون عَامل النصب فِيهِ لوُجُود شَرط عمل النصب وَهُوَ جمع محتضر. والارتفاق: الاتكاء على الْمرْفق أَي: لم يشْتَغل عَن قَضَاء حوائج النَّاس. وَيحْتَمل أنّ الْمَعْنى لم يرتفق بِمَالِه أَي: لم يبذله بالرفق بل جَار عَلَيْهِ بالجود. والمعتقون: الَّذين يأْتونَ يطْلبُونَ الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان يُقَال عفوته أَي: أَتَيْته أطلب معروفه. والرّواهق: جمع راهقة من رهقه من بَاب تَعب إِذا غشيه وَأَتَاهُ.
(4/271)

ورهقه بِمَعْنى أدْركهُ وَقرب مِنْهُ أَيْضا. وَالْهَاء يجوز أَن تكون ضميراً وَأَن تكون للسكت.
وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا مَصْنُوع.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: المنسرح
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة)
على أنّ الضَّمِير بعد الْوَصْف ذِي اللَّام المثنّى وَالْمَجْمُوع يحْتَمل عِنْد سِيبَوَيْهٍ أَن يكون مجروراً على الْإِضَافَة أَو مَنْصُوبًا كَمَا ورد الظَّاهِر مَنْصُوبًا بعده.
قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: وَقد أَجَازُوا: رَأَيْت الضاربي زيدا وَلَيْسَ ذَلِك بِحسن وإنّها جَوَاز ذَلِك على أنّك أردْت النُّون فحذفتها لطول الِاسْم كَمَا
تَقول: الَّذِي ضربت زيد فتحذف الْهَاء من ضَربته وَأَنت تريدها. وَحذف النُّون من الضّاربين والضّاربين مَعَ الإعمال قَبِيح قَالَ الشَّاعِر:
(الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة ل ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا نطف)
وَلَو جرّوا لَكَانَ الجيّد الصَّوَاب هـ.
وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ أنّه حذف النُّون من الحافظون وَنصب عَورَة الْعَشِيرَة بِمَا فِي الصِّلَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: الَّذين حفظوا عَورَة الْعَشِيرَة. وَلم يحذفها للإضافة إنّما حذفهَا تَخْفِيفًا مَعَ مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام.
(4/272)

وَقَالَ ابْن جنّي: حذفوا النُّون تَشْبِيها لهَذِهِ الْأَسْمَاء المتمكّنة غير الموصولة بالأسماء الموصولة لأنّها فِي معنى الموصولة.
قَالَ أَبُو عليّ: وَالْأَكْثَر الجرّ وَقَرَأَ بضعهم: والمقيمي الصّلاة بِنصب الصّلاة وَحكى أَبُو الْحسن عَن أبي السماك: وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله وَلَيْسَت فِيهِ ألف لَام حتّى يشبّه بالذين.
وَقَرَأَ بَعضهم أَيْضا: إنّكم لذائقوا الْعَذَاب الْأَلِيم بِالنّصب. وَقَرَأَ عمَارَة بن عقيل: وَلَا اللّيل سَابق النّهار بِنصب النَّهَار. وَالْأَشْبَه فِي هَذَا أَن يكون حذف التَّنْوِين لالتقاء الساكنين.
وَرُوِيَ: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة بجرّ الْعَوْرَة على أنّ الحافظو مُضَاف فَيكون سُقُوط النُّون للإضافة. وَقَوله: الحافظو صَوَابه والحافظو بِالْوَاو
فإنّه مَعْطُوف على خبر مُبْتَدأ فِي بَيت قبله كَمَا سَيَأْتِي. وَبِه يسْقط قَول ابْن خلف: الحافظو مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ أَو على الْخَبَر وَهُوَ مدح كأنّه قَالَ: هم الحافطون عَورَة الْعَشِيرَة فَحذف الْمُبْتَدَأ أَو الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة هم فَحذف الْخَبَر.
هَذَا كَلَامه وَلَا يَنْبَغِي أَن يكْتب قبل أَنِّي يقف على السّياق
(4/273)

والسّباق. ثمَّ بعد فصل أنّ الْمُبْتَدَأ)
يحذف فِي خَمْسَة مَوَاضِع وَالْخَبَر يحذف فِي اثْنَي عشر موضعا ثمَّ أَخذ فِي بَيَان أل الموصولة وأل والْعَوْرَة: الْمَكَان الَّذِي يخَاف مِنْهُ العدوّ. وَقَالَ ثَعْلَب: كلّ مخوف عَورَة. وَقَالَ كرَاع: عَورَة الرجل فِي الْحَرْب ظَهره. والْعَشِيرَة: الْقَبِيلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَالْجمع عشيرات وعشائر.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وَلَا يُنَاسِبه قَول العينيّ هُنَا: وعشيرة الرّجل: الَّذين يعاشرونه. والنّطف بِفَتْح النُّون والطاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الْعباب: قَالَ الفرّاء: النطف الْعَيْب وَقَالَ اللَّيْث: النطف: التلطّخ بِالْعَيْبِ.
وَرُوِيَ بدله الوكف بِفَتْح لواو وَالْكَاف أَيْضا قَالَ صَاحب الْعباب: هُوَ الْعَيْب وَالْإِثْم. انشد هَذَا الْبَيْت.
وَهَذَا الْمَعْنى الثَّانِي أوردهُ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف قَالَ: وكف وكفاً من بَاب فَرح.
وَقد ردّه عَلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم عليّ بن حَمْزَة البصريّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الرّواة بأنّ الوكف إنّما هُوَ الْعَيْب. وانشد هَذَا الْبَيْت.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وأبيات أدب الْكَاتِب وَتَبعهُ ابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: الْمَعْنى نَحن نَحْفَظ عَورَة عشيرتنا فَلَا يَأْتِيهم من وَرَائِنَا شَيْء يعابون بِهِ: من تَضْييع ثغرهم وَقلة رعايته. هَذَا على رِوَايَة: من وَرَائِنَا.
وَمن روى: من ورائهم أخرج الضَّمِير مخرج الْغَيْبَة على لفظ الْألف وَاللَّام لأنّ معنى الحافظو عَورَة: نَحن الَّذين يحفظون كَمَا تَقول أَنا الَّذِي قَامَ
فَتخرج الضَّمِير مخرج الْغَيْبَة وَإِن كنت
(4/274)

تَعْنِي نَفسك لِأَن مَعْنَاهُ أَنا الرجل الَّذِي قَامَ. وَقد يَقُولُونَ أَنا الَّذِي قُمْت. فعلى هَذَا رِوَايَة من روى: من وَرَائِنَا. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: قَوْله: من وَرَائِنَا أَي: من غيبنا فكنى بوراء عَن ذَلِك فامتدح بحفظهم عَورَة قَومهمْ بِظهْر الْغَيْب وأمنهم من ناحيتهم كلّ نقض وعيب. وَيجوز أَن يَعْنِي من وَرَاء حفظنا إيَّاهُم وذّبنا عَن حماهم فَحذف الْمُضَاف الَّذِي هُوَ حفظ واقام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. وَمن روى: من ورائهم فَالْمَعْنى فِيهِ أوضح وَحمل الضَّمِير على الْعَشِيرَة أرجح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس الخزرجيّ وَهِي هَذِه:
(يَا مَال والسيّد المعمّم قد ... يطْرَأ فِي بعض رَأْيه السّرف))
(خَالَفت فِي الرَّأْي كلّ ذِي فَخر ... والحقّ يَا مَال غير مَا تصف)
(يَا مَال والحقّ قد قنعت بِهِ ... فالحقّ فِيهِ لأمرنا نصف)
(لَا ترفع العَبْد فَوق سنته ... والحقّ نوفي بِهِ ونعترف)
(إنّ بجيراً مولّى لقومكم ... يَا مَال والحقّ عِنْده فقفوا)
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك راضٍ والرّأي مُخْتَلف)
(4/275)

(نَحن المكيثون حَيْثُ نحمد بَال ... مكث وَنحن المصالت الْأنف)
(والحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَا ... يَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف)
(وَالله لَا تزِدْه كتيبتنا ... أَسد عرينٍ مقيدها الغرف)
(إِذا مشينا فِي الفارسين كَمَا ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ قطف)
(نمشي إِلَى الْمَوْت من حفائظنا ... مشياً ذريعاً وحكمنا نصف)
(إِن سميراً أَبَت عشيرته ... أَن يعرفوا فَوق مَا بِهِ نصف)
(أَو تصدر الْخَيل وَهِي جافلةٌ ... تَحت هَواهَا جماجمٌ خفف)
(أَو تجرعوا الغيظ مَا بدا لكم ... فهارشوا الْحَرْب حِين تَنْصَرِف)
(إنّي لأنمى إِذا انتميت إِلَى ... عزٍّ منيع وقومنا شرف)
(بيضٌ جعادٌ كأنّ أَعينهم ... يكحلها فِي الْمَلَاحِم السّدف)
قَوْله: يَا مَال هُوَ منادى مرخّم مَالك بن العجلان. والعمامة عِنْد الْعَرَب لَا يلبسهَا إِلَّا الْأَشْرَاف والعمائم تيجان الْعَرَب. وطرأ الشَّيْء يطْرَأ طرآنا مَهْمُوز أَي: حصل بَغْتَة. والسّرف بِفتْحَتَيْنِ: اسْم الْإِسْرَاف وَهُوَ مصدر أسرف إسرافاً إِذا جَاوز الْقَصْد. والْفَخر بِفتْحَتَيْنِ:: لُغَة فِي الْفَخر بِسُكُون الْخَاء وَهُوَ الافتخار وعدّ الْقَدِيم. والنّصف: الْعدْل والاستقامة. والسّنّة: الطَّرِيقَة. وبجير بِضَم الْمُوَحدَة وَفتح الْجِيم.
(4/276)

وتكف: مضارع ركف وكفاً من بَاب فَرح: إِذا جَار عدل عَن الحقّ.
وَقَوله: نَحن بِمَا عندنَا الخ هَذَا من وَشَاهد النُّحَاة والمعانيّين حذف فِيهِ خبر نَحن أَي: رضوَان بِدلَالَة خبر الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَهُوَ أَنْت رَاض بِمَا عنْدك.
وَقَوله: نَحن المكيثون جمع مكيث فعيل من الْمكْث وَهُوَ الِانْتِظَار واللّبث أَرَادَ بِهِ هُنَا الصبّر والرّزانة يُقَال: رجلٌ مكيث أَي: رزين. والْمكْث بِالْفَتْح الْمصدر وبالضم وَالْكَسْر الِاسْم.)
وَقَوله: والحافظو عَورَة الخ. هُوَ معظوف على المصالت أَي: نَحن نَحْفَظ عشيرتنا من أَن يصيبهم مَا يعانون بِهِ.
وَقَوله: لَا تزدهي كتيبتنا الخ تزدهي: تستخفّ. والكتيبة من الجيوش: مَا جمع فَلم ينتشر.
وَهُوَ مفعول وَالْفَاعِل أسدّ. والعرين بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء المهعملتين: الغابة والأجمة وَهِي مسكن الْأسد.
وأضاف الْأسد إِلَيْهَا لأنّها أشدّ مَا تكون وَهِي فِي الغابة وَلَا يقدر أحد أَن يهجم عَلَيْهَا. والغرف بِضَمَّتَيْنِ: جمع غريف بالغين الْمُعْجَمَة وَهِي الغابة والأجمة أَيْضا.
وَقَوله: إِذا مشينا فِي الفارسين أَي: بَينهم. والمصاعب بِفَتْح الْمِيم: جمع مُصعب بضَمهَا وَفتح ثالثه هُوَ الْفَحْل الشَّديد يُقَال: أصعبت الجيل فَهُوَ مُصعب إِذا تركته فَلم تركبه. وقطف بِضَمَّتَيْنِ: جمع قطوف
(4/277)

بِفَتْح الْقَاف: البطيء يُقَال: قطفت الدايّة من بَاب قتل إِذا مشت مَعَ تقَارب الخطو.
وَقَوله: من حفائظنا: جمع حفيظة وَهِي الحميّة وَالْغَضَب. والذّريع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: السَّرِيع.
وَقَوله: أَو تصدر الْخَيل الخ أَو هُنَا بِمَعْنى إِلَى. وخفف بِضَمَّتَيْنِ: جمع خَفِيف. والهراش: مصدر هارش وَهُوَ التحريش وتحريك الْفِتْنَة.
وَقَوله: إنّي لأنمى إِذا انتميت الأوّل بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول يُقَال: نميت الرجل إِلَى أَبِيه نميّاً: إِذا نسبته إِلَيْهِ وانْتهى هُوَ: انتسب. وشرف بِضَمَّتَيْنِ أَي: أَشْرَاف.
وَقَوله: بيض جعاد الخ الْبيض قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح سقط الزّند: الْعَرَب تمدح السَّادة بالبياض من اللَّوْن وإنّما يُرِيدُونَ النَّقَاء من الْعُيُوب وربّما أَرَادوا بِهِ طلاقة الْوَجْه لأنّ الْعَرَب
والجعاد: جمع جعد بِفَتْح الْجِيم وَيكون الْعين الْمُهْملَة وَهُوَ الْكَرِيم من الرِّجَال. والْمَلَاحِم: جمع ملحمة بِالْفَتْح: الْقِتَال. والسّدف بِفَتْح السِّين وَالدَّال هِيَ الظلّمة فِي لُغَة نجد والضوء فِي لُغَة غَيرهم يَقُول: سَواد أَعينهم فِي الْمَلَاحِم باقٍ لأنّهم أنجادٌ لَا تبرق أَعينهم من الْفَزع فيغيب سوادها.)
(4/278)

وَكَانَ السَّبَب فِي القصيدة: أنّه كَانَ لمَالِك بن العجلان مولى يُقَال لَهُ بجير جلس مَعَ نفر من الْأَوْس من بني عَمْرو بن عَوْف فتفاخروا فَذكر بجيرٌ مَالك بن العجلان ففضّله على قومه وَكَانَ سيّد الحيّين فِي زَمَانه: الْأَوْس والخزرج فَغَضب جماعةٌ من كَلَام بجير وَعدا عَلَيْهِ رجلٌ من الْأَوْس يُقَال لَهُ سمير من زيد بن مَالك أحد بني عَمْرو بن عَوْف فَقتله فَبعث مَالك إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف: أَن ابْعَثُوا إليّ بسمير حَتَّى أَقتلهُ بمولاي وإلاّ جرّ ذَلِك الْحَرْب بَيْننَا.
فبعثوا إِلَيْهِ: إنّا نعطيك الرِّضَا فَخذ منا عقله. فَقَالَ: لَا آخذ إلاّ دِيَة الصّريح وَهِي عشرٌ من الْإِبِل: ضعف دِيَة الْمولى وَهِي خمس فَقَالُوا: إنّ هَذَا مِنْك استذلالٌ لنا وبغيٌ علينا فَأبى مالكٌ إلاّ أَخذ دِيَة الصّريح فَوَقَعت الْحَرْب بَينهم فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى نَالَ بعض الْقَوْم من بعض.
ثمَّ إنّ رجلا من الْأَوْس نَادَى: يَا مَالك نشدتك الله والرّحم أَن تجْعَل بَيْننَا حكما من قَوْمك فارعوى مالكٌ وحكّموا عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس صَاحب القصيدة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَقضى لمَالِك بن العجلان بدية الْمولى فَأبى مَالك وآذن بِالْحَرْبِ فخذلته بَنو الْحَارِث لردّة قَضَاء عَمْرو.
وَأنْشد يَقُول: المنسرج
(إنّ سميراً أرى عشيرته ... قد حدبوا دونه وَقد أنفوا)
(إِن يكن الظّنّ صادقي ببني النّ ... جّار لَا يطعموا الَّذِي علفوا)
(لَا يسلمونا لمعشر أبدا ... مَا دَامَ منّا بِبَطْنِهَا شرف)
...
(4/279)

(لَكِن مواليّ قد بدا لَهُم ... رأيٌ سوى مَا لديّ أَو ضعفوا)
(بَين بني جحجبى وَبَين بني ... زيدٍ فأنّى لجاريّ التّلف)
(يَمْشُونَ بالبيض والدّروع كَمَا ... تمشي جمالٌ مصاعبٌ قطف)
(كَمَا تمشّى الْأسود فِي رهج ال ... موت إِلَيْهِ وكلّهم لهف)
وَقَالَ بعده عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس قصيدته الَّتِي شرحناها.
وَقَالَ دِرْهَم بن زيد أَخُو سمير: المنسرح
(يَا قوم لَا تقتلُوا سميراً فإنّ ... الْقَتْل فِيهِ الْبَوَار والأسف)
(لَا تقتلوه ترنّ نسوتكم ... على كريمٍ ويفزع السّلف)
(يَا مَال والحقّ إِن قنعت بِهِ ... فِينَا وفيّ لأمرنا نصف))
(إنّ بجيراً عبدٌ فَخذ ثمنا ... والحقّ نوفي بِهِ ونعترف)
(ثمّ اعلمن إِن أردْت ظلم بني ... زيدٍ فإنّا وَمن لَهُ الْحلف)
(لنصبحن داركم بِذِي لجبٍ ... يكون لَهُ من أَمَانه عزف)
(الْبيض حصنٌ لَهُم إِذا فزعوا ... وسابغاتٌ كأنّها النّطف)
(4/280)

(وَالْبيض قد فللت مضاربها ... بهَا نفوس الكماة تختطف)
(كَأَنَّهَا فِي الأكف إِذْ لمعت ... وميض برقٍ وينكشف)
وَقَالَ قيس بن الخطيم من قصيدةٍ يجِيبه وَلم يحضر الْوَقْعَة وَلَا كَانَ فِي عصرها: المنسرح
(أبلغ بني جحجبى وقومهم ... خطمة أنّا وَرَاءَهُمْ أنف)
(وأنّنا دون مَا يسومهم ال ... أَعدَاء من ضيم خطةٍ نكف)
(نفلي بحدّ الصّفيح هامهم ... وفلينا هامهم بهَا عنف)
وَبعد هَذَا سِتَّة أَبْيَات: فردّ عَلَيْهِ حسان بن ثَابت شَاعِر النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وَهَذَا من تِلْكَ القصيدة: المنسرح
(دع ذَا وعدّ القريض فِي نفرٍ ... يرجون مدحي ومدحي الشّرف)
(إِن سميراً عبدٌ طَغى سفهاً ... ساعده أعبدٌ لَهُم نطف)
ثمَّ إنّهم تهيؤوا للحرب وتقاتلوا قتالاً شَدِيدا ومشت الْحَرْب بَين الْأَوْس والخزرج عشْرين سنة فِي أَمر سمير.
فَلَمَّا طَالَتْ الْحَرْب وكادت الْعَرَب يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا أرْسلُوا إِلَى مالكٍ أَن يحكموا بَينهم ثَابت بن الْمُنْذر أَبَا حسّان فأجابهم إِلَى ذَلِك فاتوه وَقَالُوا: قد حكّمناك بَيْننَا. قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي ذَلِك.
(4/281)

قَالُوا: وَلم قَالَ: أَخَاف أَن تردّوا حكمي كَمَا رددتم حكم عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
فَأَعْطوهُ عهودهم: أَن لَا يردّون مَا حكم بِهِ فَحكم أَن يودى حَلِيف مَالك دِيَة الصّريح ثمَّ تكون السّنّة فيهم على مَا كَانَت بِهِ: الصّريح على دِيَته والحليف على دِيَته وَأَن يعدّوا الْقَتْلَى الَّتِي أَصَابَت بَعضهم من بعض فيقابل الْبَعْض بِالْبَعْضِ ثمَّ تُعْطى الدِّيَة لمن كَانَ لَهُ فضلٌ فِي الْقَتْلَى من الْفَرِيقَيْنِ. فرضوا بذلك ففضلت الْأَوْس على الْخَزْرَج بِثَلَاثَة نفر فودتهم الْأَوْس واصطلحوا. .
وَقيل: الْخَمْسَة المكملة لدية الصّريح أَعْطَاهَا ثابتٌ من عِنْده حِين أَبَت عَلَيْهِ الْأَوْس أَن تُؤدِّي أَكثر من خمس وأبى مَالك أَن يقبل أقلّ من عشر إطفاءً لنائرتهم ولمّا لشعثهم.)
وَقَول مَالك: بَين بني جحجبى الخ بحاء سَاكِنة بَين جيمين مفتوحتين: حيّ من الْأَوْس وَكَذَلِكَ بَنو بدر. والاستفهام للإنكار.
وَقَول قيس بن الخطيم: أبلغ بني جحجبى وقومهم إِلَى آخِره خطمة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الطَّاء وَبعدهَا مِيم هُوَ عبد الله بن جشم بن مَالك بن الْأَوْس قيل لَهُ لأنّه ضرب رجلا بِسَيْفِهِ على خطمه أَي: أَنفه فسميّ خطمة.
وجحجبى وخطمة: حيّان لقبيلة قيس بن الخطيم لأنّه أوسيّ. والسّوم: التَّكْلِيف. والخطّة بِالضَّمِّ: الشَّأْن وَالْأَمر الْعَظِيم. ونكف بِضَمَّتَيْنِ: جمع ناكف من نكفت من كَذَا أَي: استنكفه وأنفت مِنْهُ.
وَعرف من إيرادنا لهَذِهِ القصائد مَا وَقع من التَّخْلِيط بَين هَذِه القصائد
(4/282)

كَمَا فعل ابْن السيّد واللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وتبعهما العينيّ والعبّاسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص.
فَإِنَّهُم جعلُوا مَا نقلنا من شعر قيس بن الخطيم مطلع القصيدة ثمَّ أوردوا فِيهَا الْبَيْت الشَّاهِد وَهُوَ: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة وَالشَّاهِد الثَّانِي وَهُوَ: نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا عنْدك راضٍ وَالْحَال أنّ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من قصيدة عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس.
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي نِسْبَة الْبَيْت الشَّاهِد أَعنِي: الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة فنسبه التّبريزيّ فِي شرح إصْلَاح الْمنطق والجواليقيّ فِي شرح أدب الْكَاتِب وَابْن برّيّ فِي حَوَاشِي صِحَاح الجوهريّ إِلَى عَمْرو من امْرِئ الْقَيْس كَمَا نسبناه نَحن.
وَنسبه ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح لشريح بن عمروان من بني قُرَيْظَة قَالَ: وَيُقَال: إنّه لمَالِك بن العجلان الخزرجيّ. وَنسبه ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَفِي شرح أبيادت أدب الْكَاتِب وَابْن هِشَام اللّخميّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَعلي بن حَمْزَة فِي أغلاط الرّواة والعباسيّ فِي شرح أَبْيَات التَّلْخِيص لقيس بن الخطيم.
وَالْعجب من العينيّ أَنه نقل عَن اللّخميّ أنّه لعَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/283)

الوافر
(أَنا ابْن التّارك الْبكْرِيّ بشرا)
هَذَا صدر وعجزه: عَلَيْهِ الطّير ترقبه وقوعا على أنّه عِنْد الْمبرد لَا يتبع مجرور ذِي اللَّام إلاّ مَا يُمكن وُقُوعه موقع متبوعه: فبشر
عِنْده مَنْصُوب لَا غير للْحَمْل على محلّ البكريّ.
أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ بجرّ بشر على أنّه بدل أَو عطف بَيَان للفظ البكريّ وَإِن لم يكن فِي بشر الْألف وَاللَّام. وَجَاز ذَلِك عِنْده لبعده عَن الِاسْم الْمُضَاف ولأنّه تَابع وَالتَّابِع يجوز فِيهِ مَا لَا يجوز فِي الْمَتْبُوع.
وغّلطه المبّرد وَقَالَ: الرِّوَايَة بِنصب بشر. وَاحْتج بأنّه إنّما جَازَ أَنا ابْن التارك البكريّ تَشْبِيها بالضارب الرجل فَلَمَّا جِئْت ببشر وَجَعَلته بَدَلا صَار مثل أَنا الضَّارِب زيدا الَّذِي لَا يجوز فِيهِ قَالَ الزّجّاج: الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أَن بشرا عطف الْبَيَان الَّذِي يقوم مقَام الصّفة يجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي الْمَوْصُوف: تَقول يَا زيد الظريف وَلَا يجوز يَا الظريف وَكَذَا أَقُول الضَّارِب الرجل زيدٍ وَلَا أَقُول الضَّارِب زيد.
قَالَ النّحاس: وَقد قَالَ المبّرد فِي الْكتاب الَّذِي سمّاه الشَّرْح: القَوْل فِي ذَلِك أَن قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشرٍ عطف بَيَان وَلَا يكون بَدَلا لأنّ عطف الْبَيَان يجْرِي مجْرى النَّعْت سَوَاء ألاّ ترى بَيَان فِي بَاب النداء تَقول: يَا هَذَا زيدٌ وَإِن شِئْت زيدا على عطف الْبَيَان فيهمَا. وَإِن أردْت الْبَدَل قلت زيد. فَهَذَا وَاضح جدا لأنّك أزلت هَذَا وَجعلت
(4/284)

زيدا مَكَانَهُ منادى.
انْتهى. وَهَذَا من الْمبرد رُجُوع إِلَى رِوَايَة سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ خَالفه فِي شَيْء آخر.
وَقد أوردهُ شرّاح ألفيّة ابْن مَالك بجرّ بشر على أنّه عطف بَيَان للبكريّ لَا بدل لِأَنَّهُ فِي حكم تنحية الْمُبدل مِنْهُ وحلوله محلّه. والتارك إِن كَانَ من التّرك الَّذِي بِمَعْنى الْجعل والتصيير فَهُوَ متعدّ لمفعولين: الأول قد وَقع مُضَافا إِلَيْهِ وَالثَّانِي هُوَ جملَة عَلَيْهِ الطّير من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَإِن كَانَ من التّرْك الَّذِي بِمَعْنى التَّخْلِيَة فَهُوَ متعدّ لمفعول وَاحِد وَهُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيكون الظّرْف أَعنِي عَلَيْهِ حَالا من الْبكْرِيّ)
وَالطير فَاعل الظّرْف أَو الطير مُبْتَدأ وَعَلِيهِ الْخَبَر وَالْجُمْلَة حَال مِنْهُ وَجُمْلَة ترقبه حَال من وأعربه الشَّارِح فِي عطف الْبَيَان فَقَالَ: عَلَيْهِ الطير ثَانِي مفعولي التارك إِن جَعَلْنَاهُ بِمَعْنى المصيّر وإلاّ فَهُوَ حَال.
وَقَوله: ترقبه حَال من الطّير إِن كَانَ فَاعِلا لعليه وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَهُوَ حَال من الضَّمِير المستكن فِي عَلَيْهِ. انْتهى.
وَمعنى ترقبه أَي: تنْتَظر انزهاق روحه لأنّ الطّير لَا يَقع على الْقَتِيل وَبِه رَمق فَفِيهِ حذف مُضَاف.
وَقَوله: وقوعاً فِيهِ أعاريب: أَجودهَا أَنه مفعول لَهُ أَي: تنْتَظر ازهاق روحه للوقوع عَلَيْهِ.
وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن خلف إِنَّه حَال من الضَّمِير فِي ترقبه. وَلَو رفع على الْخَبَر لجَاز. وقوعٌ عِنْده جمع وَاقع وَهُوَ ضدّ الطّائر. وَهَذِه الحاليّة لَا تصحّ من جِهَة الْمَعْنى لأنهّ لَا معنى للانتظار بعد الْوُقُوع على الْمَيِّت. وَلَو جعله حَالا من الطّير كَمَا قَالَه بَعضهم لَكَانَ صَحِيحا وَكَانَ حِينَئِذٍ فِيهِ بيانٌ لقَوْله عَلَيْهِ الطير.
وَقَالَ ابْن يعِيش: وقوعاً جمع وَاقع وَهُوَ إِمَّا من الضَّمِير المستكنّ فِي عَلَيْهِ وَإِمَّا من الْمُضمر الْمَرْفُوع فِي ترقبه.
وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَيجوز أَن يكون مصدرا فِي مَوضِع
(4/285)

الْحَال. وَلم يعيّن صَاحب الْحَال. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي إِعْرَاب أَبْيَات الْمفصل: وَلَا يبعد أَن يَجْعَل وقوعاً مصدرا وَيكون مَنْصُوبًا على الْبَدَل من الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى بشر فِي ترقبه لأنّه فِي معنى وقوعاً عَلَيْهِ فيتخصص نوع اخْتِصَاص وَيكون من بَاب بدل الاشتمال. هَذَا كَلَامه وَهُوَ جيّد إلاّ أنّ فِيهِ حذف الضَّمِير.
وَقَالَ العينيّ: قَوْله: الطير مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة أَعنِي قَوْله ترقبه خَبره وَقد وَقعت حَالا عَن البكريّ وَقَوله: عَلَيْهِ يتَعَلَّق بقوله وقوعاً. وَلَا يخفى مَا فِي تَعْبِيره من الاختلال وكأنّه لم يبلغهُ منع تقدّم مَعْمُول الْمصدر مَعَ هَذَا الْفضل الْكثير.
وَهَذَا الْبَيْت للمرّار بن سعيد الفقعسيّ. وَبعده:
(علاهُ بضربةٍ بعثت بليلٍ ... نوائحه وأرخصت البضوعا)
(وقاد الْخَيل عَائِدَة لكلبٍ ... ترى لوجيفها رهجاً سَرِيعا)
)
(عَجِيب لقائين صهٍ لقومٍ ... علاهم يفرع الشّرف الرّفيعا)
بعثت أَي: نبهت من النّوم يُقَال: بَعثه أَي: أهبّه أَي: أيقظه. والنوائح: جمع نائحة من ناحت الْمَرْأَة على الْمَيِّت نوحًا إِذا بَكت عَلَيْهِ مَعَ صُرَاخ. والبضوع إمّا جمع بضعَة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم وإمّا جمع بضع بضمّ فَسُكُون يُطلق وَرُوِيَ بدله: البضيعا بِفَتْح فَكسر وَهِي اللَّحْم. والوجيف بِالْجِيم: مصدر وجف الْفرس إِذا عدا وأوجفته إِذا أعديته وَهُوَ الْعُنُق فِي السّير بِفتْحَتَيْنِ. والرّهج: الْغُبَار. وصهٍ أَي: اسْكُتْ سكُوتًا مَا. ويفرع بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة بِمَعْنى يَعْلُو يُقَال: فرعت الْجَبَل إِذا صعدته.
قَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح شَوَاهِد س: بشر فِي قَوْله: أَنا ابْن التارك البكريّ بشر هُوَ بشر بن عَمْرو بن مرْثَد
(4/286)

وَقَتله رجلٌ من بني أَسد ففخر المرّار بقتْله. وَبشر هُوَ من بني بكر بن وَائِل.
وأرخصت البضوعا أَي: أرخصت الضَّرْبَة اللَّحْم على الطير. والبضوع: جمع بضعَة ويروى البضيعا وَهُوَ اللَّحْم.
وَزعم بعض الروَاة أَنه يُرِيد بالبضوع بضوع نِسَائِهِ أَي: نكاحهنّ يَقُول: لما قَتَلُوهُ سبوا نساءة فنكحوهنّ بِلَا مهر. والبضوع: النِّكَاح. وَالتَّفْسِير الأوّل أعجب إليّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ الْأسود فِي فرحة الأديب وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي أوّل الْكتاب: مَا أَكثر مَا يرجّح ابْن السيرافيّ الرَّدِيء على الجيّد والزائف على الْجَائِز وَذَلِكَ أَنه مَال إِلَى القَوْل بِأَن البضوع هُنَا اللَّحْم ولعمري أنّها لَو كَانَت لُحُوم المعزى وَالْإِبِل لجَاز أَن يَقع عَلَيْهَا الرّخص والغلاء وَهَذِه غباوة تَامَّة.
وَالصَّوَاب لّما قَتَلُوهُ عرضوا نِسَاءَهُ للسّباء لِأَنَّهُ لم يبْق لهنّ من يحميهنّ ويذود عنهنّ. ثمَّ إنّه لم يذكر قَاتل بشر من أيّ قبائل بني أَسد كَانَ وَإِذا لم يعرف حَقِيقَة هَذَا وَلم يدر لأيّ شَيْء افتخر المرّار بذلك.
وقاتله سبع بن الحسحاس الفقعسيّ وَرَئِيس الْجَيْش بني أَسد ذَلِك الْيَوْم خَالِد بن نصلة الفقعسيّ وَهَذَا جدّ المرّار بن سعيد بن حبيب بن خَالِد بن نَضْلَة. انْتهى وَمن الْعَجَائِب قَول العينيّ: أَرَادَ ببشر بن عَمْرو وَكَانَ قد جرح وَلم يعلم جارحه يَقُول: أَنا ابْن الَّذِي ترك بشرا بِحَيْثُ تنْتَظر الطُّيُور أَن تقع عَلَيْهِ إِذا مَاتَ هَذَا كَلَامه.
وليت شعري كَيفَ يفتخر الشَّاعِر بقتيل جهل قَاتله فَإِن قلت: فعلى قَول الْأسود الأعرابيّ)
قَاتله سبع بن الحسحاس كَيفَ افتخر المرّار بِهِ مَعَ أَنه لَيْسَ بأب من آبَائِهِ وَلَا مّمن ينتسب إِلَيْهِ قلت: افتخاره بجده خَالِد بن نَضْلَة فَإِنَّهُ كَانَ أَمِير الْجَيْش وسبعٌ الْمَذْكُور كَانَ من أَفْرَاد عسكره ومأموراً لَهُ وَالْفِعْل لسبع وَالِاسْم لخَالِد.
(4/287)

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْيَوْم وَهُوَ يَوْم قلاب: أنّ حيّا من بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان غزوا وَعَلَيْهِم خالدٌ جدّ المرّار الْمَذْكُور فَاعْترضَ بشر بن عَمْرو لآثارهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم قَالَ: عَلَيْكُم الْقَوْم. قَالَ ابْنه: إنّ فِي بني الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بني فقعس وَإِن تلقهم تلق الْقِتَال. فَقَالَ: اسْكُتْ فإنّ وَجهك شَبيه بِوَجْه أمّك عِنْد الْبناء فلمّا الْتَقَوْا هزم جَيش بشر فاتّبعه الْخَيل حتّى توالى فِي إثره ثَلَاثَة فوارس فَكَانَ أوّلهم سبع بن الحسحاس وأوسطهم عميلة بن المقتبس الوالبيّ وَآخرهمْ خَالِد بن نَضْلَة فأدركت نبل الوالبيّ الْأَوْسَط فرس بشر ابْن عَمْرو برميّة عقرته ولحقه سبعٌ فاعتنقه وَجَاء خَالِد وَقَالَ: يَا سبع لَا تقتله فإنّا لَا نطلبه بِدَم وَعِنْده مَال كثير وَهُوَ سيد من هُوَ مِنْهُ. وأتتهم الْخَيل فكلّما مرّ بِهِ رجلٌ أمره بقتْله فيزجر عَنهُ خَالِد.
ثمّ إنّ رجلا همّ أَن يوجّه إِلَيْهِ السّنان فنشر خالدٌ على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اجْتنب أسيري فَغَضب سبع أَن يدّعيه خَالِد فَدفع سبعٌ ف ينْحَر بشر فَوَقع مُسْتَلْقِيا فَأخذ
برجلة ثمَّ أتبع السَّيْف فرج الدّرع حتّى خَاضَ بِهِ كبده فَقَالَ بشر: أجيروا سراويلي فإنّي لم أستعن. وَعمد إِلَى فرسه فاقتاده. انْتهى. والمرّار بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة الأولى ينْسب تَارَة إِلَى فقعس وَهُوَ أحد آبَائِهِ الْأَقْرَبين وَتارَة إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَهُوَ جدّه الْأَعْلَى.
(4/288)

وَهَذِه نسبته من المؤتلف والمختلف للآمذي: المرّار بن سعيد بن حبيب ابْن خَالِد بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْجِيم الْمَفْتُوحَة على الْحَاء الْمُهْملَة الساكنة بن قفعس بن طريف الشَّاعِر الْمَشْهُور.
والمرّار بن سعيد من شعراء الدولة الأموية وَقد أدْرك الدولة العبّاسيّة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ المرّار بن سعيد الأسديّ يهاجي الْمسَاوِر بن هِنْد وَكَانَ قَصِيرا مفرط الْقصر ضئيلاً. تَتِمَّة)
هَذَا الْمَعْنى أَعنِي تتبّع الطّير للجيش الْغَازِي للأعداء حتّى تتَنَاوَل من الْقَتْلَى متداولٌ بَين الشُّعَرَاء قَدِيما وحديثاً وأوّل من جَاءَ بِهِ الأفواه الأوديّ فِي قَوْله: الرمل
(وَترى الطّير على آثارنا ... رَأْي عينٍ ثِقَة أَن ستمار)
أَي: تَأْخُذ الْميرَة من لُحُوم الْقَتْلَى. وَأَخذه النّابغة الذّيبانيّ فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا مَا غزا بالجيش حلّق فَوْقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب)
(جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إِذا مَا التقى الجيشان أوّل غَالب)
(لهنّ عَلَيْهِم عادةٌ قد عرفنها ... إِذا عرض الخطيّ فَوق الكواثب)
(4/289)

. والكاثبة من الْفرس: حَيْثُ تقع يَد الْفَارِس. وأخذهالحطيئة فَقَالَ: الطَّوِيل
(ترى عافيات الطّير قد وثقت لَهَا ... بشبعٍ من السّخل الْعتاق مَنَازِله)
وَأَخذه مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ: الْبَسِيط ثمَّ تبعه أَبُو نواس وَإِن كَانَ فِي عصره:
(تتأيّا الطّير غدوته ... ثِقَة بالشّبع من جزره)
ثمَّ أَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ: طالطويل
(وَقد ظلّلت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طيرٍ فِي الدّماء نواهل)
(أَقَامَت مَعَ الرّايات حتّى كأنّها ... من الْجَيْش إلاّ أنّها لم تقَاتل)
وكلّهم قصرّ عَن النَّابِغَة لأنّه زَاد فِي الْمَعْنى فَأحْسن التَّرْكِيب ودلّ على أنّ
الطير إنّما أكلت أَعدَاء الممدوح وَكَلَامهم مُحْتَمل وإنّ كَانَ أَبُو تَمام قد زَاد فِي الْمَعْنى. على أنّ الطّير إِذا شبعت مَا تسْأَل: أيّ القبيلتين الْغَالِب وَقد أحسن المتنبيّ فِي قَوْله: الطَّوِيل
(لَهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍِإذا رمى ... بهَا عسكراً لم تبْق إلاّ جماحمه)
وَقَالَ أَبُو عَامر: الطَّوِيل
(وَتَدْرِي كماة الطّير أنّ كماته ... إِذا لقِيت صيد الكماة سِبَاع)
(4/290)

.
(وَتَطير جياعاً فَوْقه وتردّها ... ظباه إِلَى الأوكار وَهِي شباع)
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى مَرْوَان بن أبي الْجنُوب فَقَالَ يمدح المعتصم: الْبَسِيط
(عوارفاً أنّه فِي كلّ معتركٍ ... لَا يغمد السّيف حتّى يكثر الجزرا))
فَأَخذه بكر بن النّطاح فَقَالَ: مجزوء الْكَامِل
(وَترى السّباع من الجوا ... رح فَوق عسكرنا جوانح)
(ثِقَة بِأَنا لَا نزا ... نمير ساغبها الدّبائح)
وَأَخذه ابْن جهور فَقَالَ: الْبَسِيط
(ترى جوارح طير الجوّ فَوْقهم ... بَين الأسنّة والرّايات تختفق)
وَأَخذه آخر فَقَالَ: الطَّوِيل وَلست ترى الطّير الحوائم وقّعا من الأَرْض إلاّ حَيْثُ كَانَ مواقعا وَمِنْه قَول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف: الوافر
(وَقد سترت أسنّته المواضي ... حديّا الجوّ والرّخم السّغاب)
وَمِنْه قَول ابْن قيس الرّقيّات: الْبَسِيط
(وَالطير إِن سَار سَارَتْ فَوق موكبه ... عوارفاً أنّه يَسْطُو فيقريها)
(4/291)

. وَأَخذه عبّاس الْخياط فَقَالَ: السَّرِيع
(يَا مطعم الطّير لُحُوم العدا ... فكلّها تثني على بأسه)
إِذا حوّمت فَوق الرّماح نسوره أطار إِلَيْهَا الضّرب مَا تنرقّب وأبدع من هَذَا كلّه قَول المتنبيّ: الْبَسِيط
(يطْمع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتّى تكَاد على أحيائهم تقع)
وَقد جَاءَ امْرُؤ الْقَيْس بِهَذَا الْمَعْنى بِوَجْه آخر فَقَالَ: الطَّوِيل
(إِذا مَا ركبنَا قَالَ ولدان أهلنا ... تَعَالَوْا إِلَى أَن يأتنا الصّيد نحطب)
يَقُول: قد وثقوا بصيد هَذَا الْفرس فهم يهيؤون لمجيء صَيْده الْحَطب.
وَأَخذه حميد بن ثَوْر الهلاليّ الصّحابيّ فَقَالَ فِي صفة الذّئب: الطَّوِيل
(ينَام بِإِحْدَى مقلتيه ويتّقي ... بِأُخْرَى المنايا فَهُوَ يقظان هاجع)
(إِذا مَا إِذا يَوْمًا رَأَيْت غيابةً ... من الطّير ينظرن الَّذِي هُوَ صانع)
زأخذه ابْن المعتز بِلَفْظ امْرِئ الْقَيْس فَقَالَ: الرجز قد وثق الْقَوْم لَهُ بِمَا طلب فَهُوَ إِذا جلّى لصيدٍ واضطرب عرّوا سكاكينهم من الْقرب)
(4/292)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الموفى ثَلَاثمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(أَقَامَت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي حونتا مصطلاهما)
على أنّ الصّفة المشبهة قد تُضَاف إِلَى ظاهرٍ مُضَاف إِلَى ضمير صَاحبهَا.
يَنْبَغِي أَن تشرح أَولا أَلْفَاظه اللغويّة حَتَّى يظْهر مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ من الْمَسْأَلَة النحوية فَنَقُول: هَذَا الْبَيْت للشمّاخ بن ضرار وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة وَقيل هَذَا بَيت.
وَهُوَ مطلع القصيدة:
(أَمن دمنتين عرّس الرّكب فيهمَا ... بحقل الرّخامى قد أَنى لبلاهما)
وَقد أوردهما مَعًا سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه وبعدهما:
(وإرث رمادٍ كالحمامة مائلٍ ... ونؤيان فِي مظلومتين كداهما)
(أَقَامَا لليلى والرّباب وزالتا ... بِذَات السّلام قد عَفا طللاهما)
قَوْله: امن دمنتين الْجَار متعلّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أتحزن أَو أتجرع من دمنتين رأيتهما فتذكرت من كَانَ يحلّ بهما. والاستفهام تقريريّ وَالْخطاب لنَفسِهِ. ذكر فِي هَذِه الأبيات أَنه رأى منَازِل حبائبه وَأَنه لم يبْق فِيهَا غير الأثافي والرماد والنؤي. والدّمنة بِالْكَسْرِ: الْموضع الَّذِي أثّر فِيهِ
(4/293)

النَّاس بنزولهم وغقامتهم فِيهِ. والتَّعْرِيس: نزُول الْمُسَافِرين فِي آخر اللَّيْل قَلِيلا للاستراحة ثمَّ يرتحلون.
وَرُوِيَ بدله: عرّج الرّكب والتعريج: أَن يعطفوا رواحلهم فِي الْموضع ويقفوا فِيهِ. والرّكب: ركاب الْإِبِل جمع رَاكب. والحقل بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف: القراح الصّلب وَهِي المزرعة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاء وَلَا شجر. والرّخامى بِضَم الرَّاء بعْدهَا خاء مُعْجمَة وَآخره ألف مَقْصُورَة وَهُوَ شجر مثل الضال وَهُوَ السّدر البرّيّ. وبحقل الرّخامى حَال من الضَّمِير فِي فيهمَا. وأَنى بالنُّون فعل مَاض بِمَعْنى حَان. والبلى بِكَسْر الْمُوَحدَة: الفناء والذّهاب بالمرّة وَاللَّام زَائِدَة أَي: قد حَان بلاهما.
وَقد روى كثيرٌ بدلهما: قد عَفا طللاهما وَهَذَا غير صَوَاب لِأَنَّهُ يتكررّ مَعَ مَا بعده:)
وَقَوله: أَقَامَت على ربعيهما الخ أَي: بعد ارتحال أهلهما. والرّبع: الدَّار والمنزل. وَضمير المثنّى للدمنتين خلافًا للسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فإنّه قَالَ: يَعْنِي بربعيهما منزلي الأمرأتين اللَّتَيْنِ ذكرهمَا مَعَ أَنه لم يقدّم ذكرهمَا بل أخرهما كَمَا رَأَيْت. وجارتا: فَاعل أَقَامَت وَهُوَ مُضَاف. والصّفا بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء: الصخر الأملس وَاحِدَة صفاة وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ.
قَالَ السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَيَعْنِي بجارتا صفا الأثفيّتين لأنّهما مقطوعتان من الصّفا الَّذِي هُوَ الصخر.
وَيُمكن فِي قَوْله: جارتا صفا وجهٌ آخر هُوَ أحسن من هَذَا وَهُوَ أنّ الأثقيّتين توضعان قَرِيبا قَرِيبا من الْجَبَل لتَكون حِجَارَة الْجَبَل ثَالِثَة لَهما وممسكةً للقدر مَعَهُمَا
وَلِهَذَا تَقول الْعَرَب: رَمَاه بثالثة الأثافي أَي: بالصخرة أَو الْجَبَل انْتهى.
(4/294)

وعَلى هَذَا الْأَخير اقْتصر ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ
(4/295)

وَتَبعهُ الْجَمَاعَة قَالَ: الصّفا هُوَ الْجَبَل فِي هَذَا الْموضع وجارتاه: صخرتان تجعلان تَحت الْقدر وهما الأثفيّتان اللَّتَان تقربان من الْجَبَل فَيقوم الْجَبَل مقَام صَخْرَة ثَالِثَة تكون تَحت الْقدر وَمُقْتَضى الْمَعْنى أنّ فِي كلّ من الرّبعين جارتا صفا لَا أنّ فِي مَجْمُوع الربعين جارتا صفا.
وَقَوله: كميتا الأعالي. . الخ هُوَ صفة جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ مثله وَهُوَ مثنّى كميت بِالتَّصْغِيرِ من الكمتة وَهِي الْحمرَة الشَّدِيدَة المائلة إلأى السوَاد. واراد بالأعالي أعالي الجارتين قَالَ الأعلم: يَعْنِي أنّ الأعالي من الأثفيّتين لم تسود لبعدها عَن مُبَاشرَة النَّار فَهِيَ على لون الْجَبَل.
وَكَذَلِكَ قَالَ السَّيِّد المرتضى: شبّه أعلاهما بلون الْكُمَيْت وَهُوَ لون الْحجر نَفسه لِأَن النّار لم تصل إِلَيْهِ فتسوّده.
وَقَالَ ابْن السيرافيّ وَتَبعهُ من بعده: يُرِيد أنّ أعالي الأثافي ظهر فِيهَا لون الكمتة من ارْتِفَاع النّار إِلَيْهَا. وَقَوله: جونتا مصطلاهما نعتٌ ثَان لقَوْله: جارتا صفا وَهُوَ تركيب إضافيّ أَيْضا وَلَيْسَ بمرادٍ هُنَا.
وَمن الْغَرِيب قَول النحّاس: إنّ الجون هُنَا هُوَ الْأَبْيَض. والمصطلى: اسْم مَكَان الصّلاء أَي: الاحتراق بالنّار فَيكون المصطلى مَوضِع إحراق النَّار.)
يُرِيد أَن أسافل الأثافي قد اسودّت من إيقاد النّار بَينهَا. وَالضَّمِير المثنّى فِي مصطلاهما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لقَوْله جارتا صفا وَعند المبّرد للأعالي كَمَا يَأْتِي بيانهما. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شَوَاهِد المفصّل أنّ الكمتة هُنَا السّواد. وَهَذَا غير صَوَاب.
وَقَوله: وإرث رماد الخ هُوَ مَعْطُوف على فَاعل أَقَامَت. وإرث كلّ شَيْء: أَصله وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَآخره ثاء مُثَلّثَة. والحمامة هُنَا: القطاة. شبّه لون الرّماد بريش القطاة. وماثل: قَالَ شَارِح الدِّيوَان: والمظلومة: الأَرْض الغليظة الَّتِي يحْفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر. والكدية بِالضَّمِّ: الأَرْض الغليظة الَّتِي ظلمت كداها أَي: حفر فِيهَا فِي غير مَوضِع حفر.
وَقَوله: أَقَامَا لليلى الخ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: هَذَانِ الطللان أَقَامَا بعد أهلهما. أَشَارَ إِلَى أنّ اللَّام فِي لليلى بِمَعْنى بعد. وذَات السَّلَام: مَوضِع. وعَفا: تغيّر. والطّلل قَالَ الأعلم: هُوَ مَا شخص من عَلَامَات الدَّار وأشرف كالأثفية والوتد وَنَحْوهمَا وَإِن لم يكن لَهُ شخص كأئر الرماد وملاعب الغلمان فَهُوَ رسم.
وَقَوله: كأنّها عزالي الخ هُوَ جمع عزلاء بِفَتْح مهملةٍ وَسُكُون مُعْجمَة وَهِي فَم الْقرْبَة ومصبّ المَاء من المزادة. والشّعيبان: المزادتان قَالَ أَبُو عبيد: الشّعيب والمزادة وَالرِّوَايَة والسّطحية شيءٌ وَاحِد. والمخلف: المستقي. والكلى: الرّقاع الَّتِي تكون فِي المزادة وأحدها كُلية.
هَذَا. وَأما محلّ الشَّاهِد قَوْله: جونتا مصطلاهما فَإِنَّهُ أضَاف جونتا إِلَى مصطلاهما. قَالَ السيرافيّ: جونتا مثنّى وَهُوَ بِمَنْزِلَة حسنتا وَقد أضيفا إِلَى مصطلاهما ومصطلاهما يعود إِلَى جارتا صفا وَمعنى جارتا صفا الأثافيّ والصفا هُوَ الْجَبَل وَإِنَّمَا يبْنى فِي أصل الْجَبَل فِي موضِعين مَا يوضع عَلَيْهِ الْقدر وَيكون الْجَبَل هُوَ الثَّالِث فالبناء فِي موضِعين هما جارتا صفا.
وَقَوله: كميتا الأعاللي يَعْنِي أنّ الأعالي من مَوضِع الأثافيّ لم تسود لأنّ الدّخان لم يصل
(4/296)

إِلَيْهَا فَهِيَ على لون الْجَبَل وَجعل الْأَعْلَى من الْجَبَل أعالي الجارتين. وجونتا مصطلاهما يَعْنِي مسودّتا المصطلى يَعْنِي الجارتين مسودّتا المصطلى وَهُوَ مَوضِع الْوقُود.
وَقد أنكر هَذَا على سِيبَوَيْهٍ وخرّد للبيت مَا يخرج بِهِ عَن: حسن وَجهه وحسنة
وَجههَا قَالَ: وَذَلِكَ أنّه لَا خلاف بَين النّحويين أنّ قَوْلنَا زيد حسن وَجه الْأَخ جيّد بَالغ وأنّه يجوز أَن يكنى عَن الْأَخ فَنَقُول زيد حسن وَجه الْأَخ جميل وَجهه فالهاء تعود إِلَى الْأَخ لَا إلأى زيد فكأنا قُلْنَا زيد حسن وَجه الْأَخ. جميل وَجه الْأَخ.)
قَالَ: فعلى هَذَا قَوْله كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما كَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلى الأعالي فَالضَّمِير فِي الصطلى يعود إِلَى الأعالي لَا إِلَى الجارتين فَيصير بِمَنْزِلَة قَوْلك: الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما. فَإِن أردْت بالضمير فِي خدودهما الْوُجُوه كَانَ كلَاما مُسْتَقِيمًا كأنّك قلت حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدود الْوُجُوه. فَإِن أردْت بالضمير الهندين فَالْمَسْأَلَة فَاسِدَة فَكَذَلِك جونتا مصطلاهما إِن أردْت بالضمير الأعالي فَهُوَ صَحِيح وَإِن أردْت بالضمير الجارتين فَهُوَ رَدِيء لأنّه مثل قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا.
قَالَ: فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا كَانَ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود إِلَى الأعالي فَلم يثنّى والأعالي جمع قيل لَهُ: الأعالي فِي معنى الأعليين فردّ الضَّمِير إِلَى الأَصْل.
(مَتى مَا تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا)
فردّ تستطار إِلَى رانفتين لِأَن روانف فِي معنى رانفتين. وعَلى هَذَا يجوز
(4/297)

أَن تَقول الهندان حسنتا الْوُجُوه جميلتا خدودهنّ لأنّ الْوُجُوه فِي معنى الْوَجْهَيْنِ فكأنّك قلت: جميلتا خدود الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ أَبُو بكر بن ناهض القرطبيّ: هَذَا التَّأْوِيل حسن فِي إِعَادَة الضَّمِير الَّذِي فِي مصطلاهما إِلَى الأعالي لَوْلَا مَا يدْخل الْبَيْتَيْنِ من فَسَاد الْمَعْنى وَذَلِكَ أنّك إِذا قلت: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما إنّ مَعْنَاهُ اسودّت الجارتان واصطلى أعاليهما كَمَا أَن معنى قَوْلك الهندان حسنتا الْوُجُوه مليحتا خدودهما إنّما الْمَعْنى
حسنت وُجُوههمَا وملحت خدودهما فَكَذَلِك يجب أَن يكون مصطلاهما إِذا أُعِيد الضَّمِير إِلَى الأعالي أَن يكون قد اصطلت الأعالي وَإِذا اصطلت الأعالي فقد اسودّت وَهُوَ بِخَير أنّهما لم يسودّا لأنّهما لم يصل الدّخان إِلَيْهِمَا.
وَالدَّلِيل على ذَلِك أنّه وصف الأعالي بالكمته وَلم يصفها بالسّواد كَمَا وصف الجارتين فَلَا يشبه هَذَا قَوْلك الهندان حسنتا الْوَجْه مليحتا خدودهما لأنّ كلّ واحدٍ من هذَيْن الضميرين قدج ارْتَفع بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ يجب أَن يرفع ضمير الأعالي بِفِعْلِهِ فَيكون على هَذَا الأعالي قد اصطلت بالنّار وَهَذَا خلاف مَا أَرَادَ الشَّاعِر لِأَنَّهُ ذكر أَنه لم يصطل مِنْهَا غير الجارتين وأنّ الأعالي لم يصل إِلَيْهَا الدُّخان. فَهَذَا خلاف مَا نظره النحويون وقاسوه. فَلَا بدّ من الذّهاب فِي معنى الْبَيْت إِلَى مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أنّ الضَّمِير فِي مصطلاهما يعود على الجارتين. انْتهى.
وَقد ردّ مَا ذهب إِلَيْهِ المبّرد ابْن جنّي أَيْضا بِوَجْه غير هَذَا قَالَ فِي بَاب الْحمل على الْمَعْنى من)
الخصائص: اعْلَم أنّ الْعَرَب إِذا حملت على الْمَعْنى لم تكد تراجع اللَّفْظ كَقَوْلِك شكرت من أَحْسنُوا إليّ على فعله.
وَلَو قلت
(4/298)

شكرت من أحسن إِلَيّ على فعلهم جَازَ وَلِهَذَا ضعف عندنَا أَن يكون هما من مصطلاهما فِي قَوْله: كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما عَائِدًا على الأعالي فِي الْمَعْنى إِذا كَانَا فاعلين اثْنَيْنِ لأنّه مَوضِع قد ترك فِيهِ لفظ التَّثْنِيَة حملا على الْمَعْنى لأنّه جعل كلّ جِهَة مِنْهُمَا أَعلَى كَقَوْلِهِم: شابت مُفَارقَة وَهَذَا بعيرٌ ذُو عثانين وَنَحْو ذَلِك. أَو لأنّ الأعليين شَيْئَانِ من شَيْئَيْنِ فَإِذا كَانَ قد انْصَرف عَن اللَّفْظ إِلَى غَيره ضعفت معاودته إيّاه لأنّه انتكاث وتراجع فَجرى ذَلِك مجْرى إدغام الملحق وتوكيد مَا حذف. على أنّه قد جَاءَ مِنْهُ شَيْء قَالَ: الطَّوِيل رُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان وَأما قَوْله: الْبَسِيط
(كِلَاهُمَا حِين جدّ الجري بَينهمَا ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي)
فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب وَإِن كَانَ قد عَاد من بعد التَّثْنِيَة إِلَى الْإِفْرَاد وَذَلِكَ أَنه لم يقل كِلَاهُمَا قد أقلعا وَأَنْفه رابٍ فَيكون مَا أنكرناه لكنه قد أعَاد كلا أُخْرَى غير الأولى فعاملها على لَفظهَا. وَلم يقبح ذَلِك لأنّه قد فرغ من حَدِيث الأولى ثمَّ اسْتَأْنف من بعْدهَا أُخْرَى وَلم يَجْعَل الضميرين عائدين إِلَى كلا واحدةٍ.
وَهَذَا كَقَوْلِك: من يقومُونَ أكْرمهم وَمن يقْعد أضربه. وَلَا يحسن وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك حتّى إِذا خَرجُوا من
(4/299)

عنْدك لما ذَكرْنَاهُ. وَهَذَا وَاضح فاعرفه. انْتهى.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام أبي عليّ فِي الْمسَائِل البغداديات وَقد بسط القَوْل على هَذَا الْبَيْت فَلَا بَأْس بإبراد كَلَامه قَالَ: فَأَما قَوْله: جونتا مصطلاهما فقد قدّره سِيبَوَيْهٍ تَقْدِير حَسَنَة وَجههَا وَجعل قِيَاسه كقياسه وَكَانَ حكمه عِنْده إِن أجراد على الأَصْل دون الْحَذف أَن يَقُول: جارتا صفا جونٌ مصطلاهما فيجرى جونٌ على الجارتين فيرتفع بجريه عَلَيْهِمَا لأنّهما مرفوعتان ثمَّ يرْتَفع المصطلى بجون وَيعود ضمير التَّثْنِيَة على الجارتين فَيكون كَقَوْلِك: الهندانحسنٌ ثوبهما وَهِنْد حسنٌ وَجههَا.
وَإِن أجراه على الْحَذف دون الأَصْل أَن يَقُول: أَقَامَت على ربيعيهما جارتا صفا جونتا المصطليات فِيمَن قَالَ الهندان حسنتا الْوُجُوه وفيمن قَالَ صفا رحليهما
جونتا المصطلين)
فَيصير كَقَوْلِك الهندان حسنتا الثَّوْبَيْنِ. فَلم يَسْتَعْمِلهُ على الْإِتْمَام وَالْأَصْل وَلَا على الِاخْتِصَار والحذف وَلَكِن جعله كَقَوْلِك: هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا فثنّى الجونة وهما وَصفا الجارتين وأضافه مثنّى إِلَى المصطلى وَهُوَ هما فِي الْمَعْنى إلاّ أنّه وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع فِيمَن قَالَ: حسان الْوُجُوه وَمَوْضِع التَّثْنِيَة فِيمَن قَالَ: صفا رحليهما وَهُوَ المصطلى أَلا ترى أنّ لكل وَاحِدَة من الجارتين مصطلى.
وَإِن وجّهته على أنّ المصطلى يكون جَمِيع ذَلِك وَأحد لم يضع وَاحِدًا مَوضِع جمع ثمَّ أضَاف مصطلى
(4/300)

إِلَى ضمير الجارتين كَمَا أضَاف الْوَجْه فِي قَوْله هَذِه امْرَأَة حَسَنَة وَجههَا إلأى ضمير الْمَرْأَة بعد إِضَافَة حسن الَّذِي هُوَ الْوَجْه فِي الْمَعْنى إِلَى الْوَجْه. فعلى هَذَا وضع سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت.
وَقد يحْتَمل غير مَا تأوّله وَهُوَ مَا ذكره بَعضهم: من أنّ الشَّاعِر إنّما ردّ الضَّمِير المثنّى فِي قَوْله مصطلاهما إِلَى الأعالي لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة اثْنَان.
وَهَذَا مثل قَوْله: الطَّوِيل
(رَأَتْ جبلا فَوق الْجبَال إِذا الْتَقت ... رُؤُوس كبيريهنّ ينتطحان)
وَلست أعرف من قَائِل هَذَا القَوْل إلاّ أنّه لَيْسَ بممتنع. وَيخرج الْكَلَام بِهِ من أَن يكون على قَوْلك: هِنْد حَسَنَة وَجههَا لأنّ الضَّمِير المثنّى على هَذَا فِي قَوْله مصطلاهما لَيْسَ يرجع إِلَى الجارتين إنّما يرجع إِلَى الأعالي لأنّ الأعالي وَإِن كَانَ مجموعاً فِي اللَّفْظ فَهُوَ اثْنَان فِي الْمَعْنى فَحَمله على ذَلِك فَكَأَنَّهُ قَالَ جونتا مصطلاهما الأعالي.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن على حَسَنَة وَجههَا لِأَن الجونة لم تضف إِلَى اسْم يتّصل بِهِ ضمير يعود من الِاسْم الَّذِي بعد الصّفة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة وَجههَا ضميرٌ يعود إِلَى هِنْد لكَون الضَّمِير الْعَائِد إِلَى الجارتين محذوفاً كَمَا أنّ الضَّمِير من هِنْد حَسَنَة الْوَجْه ودعد حَسَنَة وَجه الْأَب مَحْذُوف فَلذَلِك أنّث جونة من قَوْله جونتا مصطلاهما كَمَا أنّث حَسَنَة فِي قَوْلك هِنْد حَسَنَة الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يعد فِيهِ إِلَى هِنْد ضمير.
وَقِيَاس هَذَا إِذا رفع الِاسْم بِالصّفةِ وَلم تصف الصّفة إِلَى مَا هُوَ فاعلها فِي الْمَعْنى كحسنٌ وجهٌ حسنٌ الْوَجْه أَن يُقَال جارتا صفا جونٌ مصطلاهما أعاليهما أَو أعلييهما فمصطلاهما فِي مَوضِع رفع مثل قَوْلك هَاتَانِ امْرَأَتَانِ حسنٌ غُلَام أبويهما. وعيب هَذَا القَوْل الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل هُوَ أنّ التَّثْنِيَة حملت على أنّها جمع وَذَلِكَ بعيد لأَنا وجدناهم يجْعَلُونَ الِاثْنَيْنِ على لفظ)
الْجمع فِي نَحْو
(4/301)

قَوْله عزّ وجلّ: إِذْ تسوّروا الْمِحْرَاب وقد صغت قُلُوبكُمَا وبابه وَلم نرهم يجْعَلُونَ لفظ التَّثْنِيَة للْجمع.
إلاّ أنّه لَا يمْتَنع ذَلِك فِي هَذَا الْموضع لأنّ الْمَجْمُوع الَّذِي هُوَ قَوْلنَا: الأعالي هُنَا اثْنَان فِي الْحَقِيقَة فَحَمله على الْمَعْنى أَو اسْتعْمل اللغتين فِي نَحْو هَذَا جَمِيعًا فَحمل الأوّل على قَوْله: فقد صنعت قُلُوبكُمَا وَالثَّانِي على صفا رحليهما. وَلَيْسَ ذَلِك بِحسن لأنّ الرَّاجِع أَن يكون على لفظ المرجوع إِلَيْهِ أحسن إلاّ أَن ذَلِك لَا يمْتَنع.
فَفِي هَذَا التَّأْوِيل تَخْلِيص للشعر من عيب وإدخاله فِي عيب آخر. انْتهى كَلَام أبي عليّ.
وَمثله لِابْنِ السّرّاج فِي الْأُصُول قَالَ: وَقد حكى سِيبَوَيْهٍ أنّ بَعضهم يَقُول زيد حسن وَجهه شبهوه بِحسن الْوَجْه واحتجّ بقوله جونتا مصطلاهما فَجعل المصطلى هَاهُنَا فِي مَوضِع خفض وَالْهَاء وَالْمِيم رَاجِعَة إِلَى الِاثْنَيْنِ وهما جارتا صفا. وَكَانَ حقّه أَن يَقُول جونتا المصطلين.
وَقَالَ غَيره: لَيْسَ الْمَعْنى على هَذَا وَالْهَاء وَالْمِيم ترجع إِلَى الأعالي وَإِن كَانَت جمعا لأنّ مَعْنَاهُمَا معنى اثْنَيْنِ وإنّما جمعت لأنّها من اثْنَيْنِ كَمَا قَالَ: الرجز ظهراهما مثل ظُهُور التّرسين.
فَكَانَ معنى الشّعْر مصطلى الأعالي. وَنَظِير هَذَا: هِنْد فارهة العَبْد حَسَنَة وَجهه. تُرِيدُ حَسَنَة وَجه العَبْد. وَلَو قلت حَسَنَة وَجههَا كنت قد أضفت الشَّيْء إِلَى نَفسه. وسيبويه إنّما ذكر هَذَا الْبَيْت على ضَرُورَة الشَّاعِر والغلط عِنْدِي.
ثمَّ قَالَ فِي آخر الْكتاب فِي ذكر مَا جَاءَ كالشاذّ الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ: وَهُوَ سَبْعَة مِنْهُ تَغْيِير وَجه الْأَعْرَاب للقافية تَشْبِيها بِمَا يجوز: قَالَ: ومّما يقرب من
(4/302)

هَذَا قَوْله جونتا مصطلاهما وَإِنَّمَا الْكَلَام المصطلين فردّه إِلَى الأَصْل فِي الْمَعْنى لأنّك إِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه فَمَعْنَاه حسن وَجهه فَإِذا ثنيتقلت مَرَرْت برجلَيْن حسني الْوَجْه فَإِن رَددته إِلَى أَصله قلت برجلَيْن حسن وُجُوههمَا. فَإِذا قلت وُجُوههمَا لم يكن فِي حسن ذكرٌ مّما قبله وَإِذا أتيت بِالْألف وَاللَّام وأضفت الصّفة إِلَيْهَا كَانَ فِي الصّفة ذكر الْمَوْصُوف. فَكَانَ حق هَذَا الشَّاعِر لّما قَالَ مصطلاهما أَن يوحّد الصّفة فَيَقُول: جون مصطلاهما. انْتهى.
فقد بَان لَك مِمَّا نقلنا عَنْهُم وهم أَرْبَاب النَّقْد فِي هَذَا الْعلم أَن الرادّ عى سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ المبّرد لَا سيّما أَبُو عليّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أعرف قَائِل هَذَا القَوْل. وَالشَّارِح الْمُحَقق قَالَ هُوَ المبّرد. وَفَوق كلّ)
ذِي علمك عليم. وَالله أعلم.
وَقد تكلّم على هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الصّفة المشبّهة أَيْضا وَقَالَ: كَلَام المبّرد تكلّف وَالظَّاهِر مَعَ سِيبَوَيْهٍ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(رحيب قطاب الجيب مِنْهَا رقيقةٌ ... بجسّ النّدامى بضة المتجردّ)
على أنّ إِضَافَة رحيب إِلَى قطاب فِي حكم إِضَافَة جونتا إِلَى مصطلاهما فِي الْقبْح. قَالَ السيرافيّ: وَمِمَّا يدْخل فِي هَذَا النَّحْو قَول طرفَة: رحيب قطاب الجيب الْبَيْت وَهَذِه الْإِضَافَة رَدِيئَة بِمَنْزِلَة حَسَنَة وَجههَا وَذَلِكَ أنّ الأَصْل
وَهُوَ الإنشاد الصَّحِيح: رحيب قطاب الجيب بتنوين رحيب فقطاب يرْتَفع برحيب وَضمير مِنْهَا يعود إِلَى الأوّل فَإِذا أضفنا
(4/303)

رحيب فقد خلا مِنْهُ الضَّمِير الْعَائِد فَلَا معنى لمنها على مَا بيّنّا فِي حَسَنَة الْوَجْه وَكَذَلِكَ لَا يحسن أَن تَقول زيد حسن الْعين مِنْهُ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد وَقَبله:
(نداماي بيضٌ كَالنُّجُومِ وقينةٌ ... تروح علينا بَين بردٍ ومجسد)
رحيب قطاب الجيب مِنْهَا ... ... ... ... . الْبَيْت
(إِذا رجعت فِي صَوتهَا خلت صَوتهَا ... تجاوب أظآرٍ على ربعٍ ردي)
(وَمَا زَالَ تشرابي الْخُمُور ولذّتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي)
(إِلَى أَن تحامتني الْعَشِيرَة كلّها ... وأفردت إِفْرَاد الْبَعِير المعبّد)
(رَأَيْت بني غبراء لَا ينكرونني ... وَلَا أهل هذاك الطّرف الممدّد)
قَوْله: نداماي بيضٌ الخ النّدامى: الْأَصْحَاب يُقَال: فلانٌ نديم فلَان إِذا شَاربه وفلانة نديمة فلَان. وَيُقَال ذَلِك أَيْضا إِذا صَاحبه وحدّثه وَإِن لم يَكُونُوا على شراب.
قَالَ أَبُو جَعْفَر: سمّي النّديم نديماً لندامة جذيمة الأبرش حِين قتل مَالِكًا وعقيلاً
ابْني فارج اللَّذين أَتَيَا هـ بِعَمْرو ابْن أُخْته فَسَأَلَاهُ أَن يكون فِي سمره فَوجدَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا وَنَدم فسمّي كل مشارب نديماً. وواحدهم ندمانٌ ونديم وَالْمَرْأَة ندمانة ونديمة وَيُقَال من النّدم ندمان)
وندمى.
وَقَوله: بيض كَالنُّجُومِ أَي: هم ساداتٌ مشاهير كَالنُّجُومِ. وَقَوله: وقينة مَعْطُوف على بيض. والْقَيْنَة: المغنّية وكلّ أمة قينة وَإِنَّمَا قيل لَهَا قينة لِأَنَّهَا تعْمل بِيَدَيْهَا مَعَ غنائها. وَالْعرب تَقول لكّل من يصنع بيدَيْهِ شَيْئا قين. وَمعنى تروح علينا تجيئنا عشيّاً.
وروى: تروح إِلَيْنَا. والْبرد: ثوب وشيٍ. ومجسد هُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح السِّين
(4/304)

قَالَ الأعلم فِي شرح المعلّقة: المجسد: الْمَصْبُوغ بالزعفران المشبع. والجساد بِالْفَتْح: الزَّعْفَرَان.
وَقَالَ ابْن السكّيت فِي شرح ديوانه: المجسد: الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد وَهُوَ الشّعار.
وَالْمعْنَى على الأول تَأْتِينَا بالعشيّ تَارَة وَعَلَيْهَا بردٌ ومرّةٌ وَعَلَيْهَا ثوب مصبوغ بالزعفران. وَالْمعْنَى على الثَّانِي تَأْتِينَا وَعَلَيْهَا هَذَانِ الثوبان.
وَقَوله: رحيب قطاب الجيب الخ رُوِيَ بِإِضَافَة رحيب إِلَى قطاب وتقدّم بَيَان ضعفه وَرُوِيَ تَنْوِين رحيب وَرفع قطاب وَهُوَ الإنشاد الثَّابِت الصَّحِيح فَيكون رحيب صفة سَبَبِيَّة لقينة فَيكون الرحب وَصفا للقينة فِي اللَّفْظ ووصفاً لقطاب الجيب فِي الْمَعْنى لِأَن الْمَعْنى رحب قطاب جيبها أَي: اتّسع. وَضمير مِنْهَا للقينة. وقطاب الجيب بِالْكَسْرِ: مجتمعه حَيْثُ قطب أَي: جمع وَهُوَ مخرج الرَّأْس من الثَّوْب. والرّحيب: الْوَاسِع وإنّما وصف قطاب جيبها بالسّعة لأنّها كَانَت توسّعه ليبدو صدرها فَينْظر إِلَيْهِ ويتلذّذ بِهِ. وَلَيْسَ الْمَعْنى أنّ عُنُقهَا وَاسع فَيحْتَاج إلأى أَن يكون جيبها وَاسِعًا كَمَا توهمه أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ والخطيب التّبريزيّ فإنّ هَذَا الْوَصْف ذمّ.
وَقَوله: رَفِيقَة بفاء وقاف من الرِّفْق وَهُوَ اللين والملاءمة. وَرُوِيَ رقيقَة بقافين من الرّقة وَهُوَ ضدّ الغلظة. والجسّ بِفَتْح الْجِيم: اللَّمْس أَي: لمس أوتار اللَّهْو. أَي: استمرت على الجسّ فَهِيَ رَفِيقَة بِهِ حاذقة. وَقيل جسّ النّدامى مَا
طلبُوا من غنائها وَقيل جسّ الّدامى هُوَ أَن يجسّوا بِأَيْدِيهِم فيلمسوها تلذّذاً كَمَا فسّرنا أوّلاً كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: الطَّوِيل لجسّ النّامى فِي يَد الدّرع مفتق
(4/305)

وَكَانَت الْقَيْنَة يفتق فتيقٌ فِي كمّها إِلَى الْإِبِط فَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يلمس مِنْهَا شَيْئا أَدخل يَده فلمس. والدّرع: قَمِيص الْمَرْأَة ويَده: كمّه.)
وروى: لجسّ النّدامى بِاللَّامِ مَوضِع الْبَاء. والبضّة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة: الْبَيْضَاء الناعمة الْبدن الرقيقة الْجلد. والمتجرّد على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول: مَا سترد الثّياب من الْجَسَد. يَقُول: هِيَ بضّة الْجِسْم على التجرّد من ثِيَابهَا وَالنَّظَر وَقَوله: إِذا نَحن قُلْنَا الخ أسمعينا أَي: غنّينا. وانبرت اعترضت وَأخذت فِيمَا طلبنا من غنائها. ورسلها بِالْكَسْرِ بِمَعْنى هينتها ورفقها ومهلها. ومطروفة بِالْفَاءِ: الفاترة الطّرف أَي: كَأَن عينهَا طرفت فَهِيَ سَاكِنة. وَقيل إنّ مَعْنَاهُ تحدّ النّظر بطرفها. وَهَذَا لَيْسَ بشيءٍ.
وَرُوِيَ: مطروقة بِالْقَافِ وَمَعْنَاهُ كسترخية ليّنة. وَهُوَ حَال من فَاعل انبرت. وَلم تشدّد وَقَوله: إِذا رجّعت فِي صَوتهَا التّرجيع: ترديد الصَّوْت. والأظآر: جمع ظئر وَهِي الَّتِي لَهَا ولد. وربع بضمّ الرَّاء وَفتح الموحّدة: ولد النَّاقة. وردي فعل مَاض من الرّدى وَهُوَ الْهَلَاك.
يَقُول: إِذا طرّبت فِي صَوتهَا وردّدت نغماتها حسبت صَوتهَا أصوات نوقٍ تحنّ لهلاك وَلَدهَا.
شبّه صَوتهَا بصوتهنّ فِي التحزين.
وَيجوز أَن يكون الأظآر النِّسَاء وَالرّبع مستعاراً لولد الْإِنْسَان فشبّه صَوتهَا فِي
التحزين والترقيق بِأَصْوَات النوادب والنّوائح على صبيّ هَالك. وَهَذَا الْبَيْت قلّما يُوجد فِي هَذِه القصيدة.
وَقَوله: وَمَا زَالَ تشربي الخ التّشراب: الشّرْب وَهُوَ للتكثير. والطريف والطارف: مَا اكْتَسبهُ الْإِنْسَان من المَال. والمتلد بِصِيغَة اسْم
(4/306)

الْمَفْعُول وَكَذَا التالد والتليد: المَال الْقَدِيم الَّذِي وَرثهُ عَن آبَائِهِ. وَمَعْنَاهُ المتولّد وَالتَّاء بدل الْوَاو.
وَقَوله: إِلَى أَن تحامتني الخ أَي: تَرَكتنِي. والْعَشِيرَة: أهل بَيت الرجل والقبيلة. والمعبّد بزنة اسْم الْمَفْعُول: الأجرب وَقيل هُوَ المهنوء الَّذِي سقط وبره فأفرد عَن الْإِبِل أَي: تركت ولذّاتي.
وَقَوله: رَأَيْت بني غبراء غبراء: الأَرْض وَبَنُو غبراء الْفُقَرَاء وَيدخل فيهم الأضياف. وَأهل مَعْطُوف على الْوَاو فِي ينكروني. والطّراف بِالْكَسْرِ: بِنَا من أَدَم يكون للأغنياء. والممدّد: الْمَنْصُوب. يَقُول: إِن هجرني الْأَقَارِب وصلتني الأباعد الْفُقَرَاء والأغنياء فالفقراء لإنعامي عَلَيْهِم وَقد تقدّم شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... نوازع من قلبِي ظماءٌ وألبب)
على أنّ إِضَافَة ذَوي آل النَّبِي من إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: يَا أَصْحَاب
هَذَا الِاسْم.
أَرَادَ بِهَذَا الردّ على من زعم أنّ ذَا فِي مثله وَكَذَا فِي الأبيات الْآتِيَة زَائِد.
(4/307)

وَهَذَا كلّه ملخّص من كَلَام ابْن جنّي فِي الخصائص وَغَيره وَإِن كَانَ مَوْجُودا فِي المفصّل وشروحه.
وجوّزأبو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ أَن يكون ذُو زَائِدا وَأَن يكون على جعل الِاسْم المسمّى على الاتساع لمصاحبته لَهُ وَكَثْرَة الملابسة.
قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة ابْن مَسْعُود من سُورَة يُوسُف وَفَوق كلّ ذِي عالمٍ عليمٌ: تحْتَمل هَذِه الْقِرَاءَة ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى الِاسْم أَي: فَوق كل شخص يُسمى عَالما أَو يُقَال
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... نوازع من نَفسِي ظماءٌ وألبب)
أَي: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ آل النَّبِي. وَعَلِيهِ قَول الْأَعْشَى: الْبَسِيط
(فكذّبوها بِمَا قَالَت فصبّحهم ... ذُو آل حسّان يزجي الْمَوْت والشرّعا)
أَي: صبّحهم الْجَيْش الَّذِي يُقَال لَهُ آل حسّان. وَهُوَ بابٌ وَاسع قد تقصّيناه فِي كتاب الخصائص.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون عَالم مصدرا كالفالج وَالْبَاطِل.
(4/308)

وَالثَّالِث: أَن يكون على مَذْهَب من يعْتَقد زِيَادَة ذِي. انْتهى مُخْتَصرا.
وَقد ذكر ابْن جنّي هَذِه الْإِضَافَة فِي أَكثر قَالَ فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد
قَول طفيل الغنويّ: الطَّوِيل
(وَمَا أَنا بالمستنكر الْبَين إنّني ... بِذِي لطف الْجِيرَان قدماً مفجّع)
هَذَا من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه أَي: إنّني بالشيّ المسمّى بلطف الْجِيرَان. وَمثله بَيت الشمّاخ: الوافر)
وأدرج درج ذِي شطنٍ وَمثله بَيت الْكُمَيْت: إِلَيْكُم ذَوي آل النَّبِي. . الْبَيْت أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم واصحابه هم آل النبيّ صلّى عَلَيْهِ وَسلم فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَيْكُم يَا آل النّبيّ وَأَمْثَاله كَثِيرَة جدا قد ذَكرنَاهَا فِي غير مَوضِع. وَمن ذهب إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَات فِي هَذَا الْموضع ذهب إِلَى زيادتها فِي بَيت طفيل هَذَا أَيْضا وَمَعْنَاهُ فِي التَّأْويلَيْنِ جَمِيعًا أنّني بلطف الْجِيرَان أَي: بوصلهم مفجّع.
وَقَالَ أَيْضا فِي أَوَاخِر إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل
(فَلَمَّا رَآنِي أبْصر الشّخص أشخصاً ... قَرِيبا وَذَا الشّخص الْبعيد أَقَاربه)
(4/309)

قَرِيبا إِن شِئْت ظرف أَي: من قريب وَإِن شِئْت حَال أَي: أبصره مقارباً أشخصاً مَعْنَاهُ أبصره وَأَنا قريب مِنْهُ أشخصاً.
وَقَوله: وَذَا الشّحص الْبعيد من بَاب إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه كَقَوْل الشماخ. . وَقَول الْأَعْشَى. . وَقَول الْكُمَيْت. . وَأنْشد الأبيات الثَّلَاثَة ثمَّ قَالَ:
وَمعنى أَقَاربه أَي: أظنّه قَرِيبا.
وَلَو جرّ الْبعيد هُنَا لم يجز لأنّ الشَّخْص فِي هَذَا الْبَيْت اسمٌ لَا مسمّى. وَلَو قلت سمّيته بزيد الظريف على هَذَا لم يجز لأنّ الظّرْف لَا تُوصَف بِهِ الْأَسْمَاء.
ثمَّ قَالَ: وَقد دَعَا خَفَاء هَذَا الْموضع أَقْوَامًا إِلَى أَن ذَهَبُوا إِلَى زِيَادَة ذِي وَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع وإنّما ذَلِك بعدٌ عَن إِدْرَاك هَذَا الْموضع. انْتهى.
وَزَاد فِي الخصائص على مَا ذَكرْنَاهُ أنّ أَبَا عَليّ حدّثه أنّ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أستاذ ثَعْلَب روى عَنْهُم: هَذَا ذُو زيد أَي: هَذَا صَاحب هَذَا الِاسْم الَّذِي هُوَ زيد.
وَقد عقد لهَذَا بَابا فِي الخصائص وَهُوَ بَاب إِضَافَة الِاسْم إِلَى المسمّى والمسمّي إِلَى الِاسْم وَأطَال الْكَلَام فِيهِ وأطاب وَقَالَ: هَذَا مَوضِع كَانَ يعتاده أَبُو عليّ ويألفه ويرتاح لاستعماله وَهُوَ فصلٌ من العربيّة
(4/310)

غَرِيب وقلّ من يعتاده أَو ينظر فِيهِ وَقد ذكرته لتراه فتتنبّه على مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ قَالَ: وَفِيه دَلِيل يدلّ على فَسَاد من ذهب إِلَى أنّ الِاسْم هُوَ المسمّى وَلَو كَانَ إيّاه لم تجز إِضَافَة واحدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه لأنّ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه. قيل لأنّ الْغَرَض من الْإِضَافَة)
إنّما هُوَ التَّعْرِيف والتخصيص وَالشَّيْء إنّما يعرّفه غَيره لأنّه لَو كَانَت نَفسه تعرّفه لما احْتَاجَ أبدا إِلَى أَن يعرّف بِغَيْرِهِ لأنّ نَفسه فِي حَالي تَعْرِيفه وتنكيره وَاحِدَة وموجودة غير مفتقدة.
وَلَو كَانَت نَفسه هِيَ المعرّفة لَهُ أَيْضا لما احْتَاجَ إِلَى اضافته إِلَيْهَا لأنّه لَيْسَ فِيهَا إلآ مَا فِيهِ فَكَانَ يلْزم الِاكْتِفَاء بِهِ عَن إِضَافَته إِلَيْهَا فَلهَذَا لم يَأْتِ عَنْهُم نَحْو هَذَا غُلَامه ومررت بِصَاحِبِهِ والمظهر هُوَ الْمُضمر الْمُضَاف إِلَيْهِ هَذَا مَعَ فَسَاده فِي
الْمَعْنى لأنّ الْإِنْسَان لَا يكون أَخا نَفسه وَلَا صَاحبهَا.
فَإِن قلت: فقد تَقول مَرَرْت بزيدٍ نَفسه وَهَذَا نفس الحقّ يَعْنِي أنّه هُوَ الحقّ لَا غَيره. قيل: لَيْسَ الثَّانِي هُوَ مَا أضيف إِلَيْهِ من الْمظهر وإنّما النَّفس هُنَا بِمَعْنى خَالص الشَّيْء وَحَقِيقَته وَالْعرب تحلّ نفس الشَّيْء من الشَّيْء محلّ الْبَعْض من الكلّ وَلِهَذَا حكوا عَن أنفسهم مراجعتهم إيّاها وخطابها لَهُم وَأَكْثرُوا من ذكر التردّد بَينهَا وَبينهمْ.
أَلا ترى إِلَى قَوْله:
(4/311)

الْبَسِيط
(أَقُول للنّفس تأساءً وتعزيةً ... إِحْدَى يديّ أصابتني وَلم ترد)
وَقَوله: الرجز
(قَالَت لَهُ النّفس تقدّم راشدا ... إنّك لَا ترجع إلاّ حامدا)
وأمثال هَذَا كثير جدا وَجَمِيع هَذَا يدلّ على أنّ نفس الشَّيْء عِنْدهم غير الشَّيْء.
فَإِن قلت: فقد تَقول هَذَا أَخُو غُلَامه وَهَذِه جَارِيَة بنتهَا فتعرّف الأول بِمَا أضيف إِلَى ضَمِيره وَالَّذِي أضيف إِلَى ضَمِيره إنّما تعرّف بذلك الضَّمِير وَنَفس الْمُضَاف الأول متعرّف بالمضاف إِلَى ضَمِيره وَقد ترى على هَذَا أنّ التَّعْرِيف الَّذِي استقرّ فِي جَارِيَة من قَوْلك هَذِه جَارِيَة بنتهَا إنّما أَتَاهَا من قبل ضميرها وضميرها هُوَ هِيَ فقد آل الْأَمر إِذا إِلَى أنّ الشَّيْء قد يعرّف نَفسه وَهَذَا خلاف مَا ركبته وَأعْطيت يدك بِهِ.
قيل: كَيفَ تصرّفت الْحَال فالجارية إنّما تعرّفت بالبنت الَّتِي هِيَ غَيرهَا وَهَذَا شَرط التَّعْرِيف من جِهَة الْإِضَافَة فَأَما ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ أمضاف هُوَ أم غير مُضَاف فَغير قَادِح.
والتعريف الَّذِي أَفَادَهُ ضمير الأول لم يعرّف الأول وَإِنَّمَا عرّف مَا عرّف الأوّل وَالَّذِي عرّف الأول غير الأوّل فقد استمرت الصّفة وَسَقَطت الْمُعَارضَة.
ويؤكذ ذَلِك أَيْضا أنّ الْإِضَافَة فِي الْكَلَام على ضَرْبَيْنِ:)
أَحدهمَا: ضمّ الِاسْم إِلَى اسمٍ هُوَ غَيره بِمَعْنى اللَّام نَحْو غُلَام زيد. وَالْآخر: ضمّ اسْم إلأى اسْم هُوَ بعضه بِمَعْنى من نَحْو هَذَا ثوب خزٌ. وَكِلَاهُمَا لَيْسَ الثَّانِي فِيهِ بالأوّل. واستمرار هَذَا عِنْدهم يدلّ على أَن الْمُضَاف لَيْسَ بالمضاف إِلَيْهِ الْبَتَّةَ انْتهى.
(4/312)

وَقَول الْكُمَيْت: ذَوي آل النَّبِي هُوَ منادى حذف مِنْهُ حرف النداء أَي: يَا أَصْحَاب هَذَا الِاسْم. وَفِيه من التفخيم مَا لَيْسَ فِي قَوْلك يَا آل النَّبِي لِأَنَّهُ قد جعلهم تشوّفت وَبِه يتعلّق قَوْله إِلَيْكُم. وقدّمه للحصر أَي: أَنا مشتاق إِلَيْكُم لَا إِلَى غَيْركُمْ. ونوزاع: جمع نازعة من نزعت النَّفس إِلَى الشَّيْء أَي: اشتاقت إِلَيْهِ وَمثله نازعت نزوعاً ونزاعاً بِالْكَسْرِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: جنّ والظّماء: العطاش يُقَال: ظمئ ظمأ بِالْهَمْز كعطش عطشاً وزنا وَمعنى فَهُوَ ظمآن وَهِي ظمأى مثل عطشان وعطشى وَالْجمع ظماء كسهام. وَوصف النوازع بالظماء للْمُبَالَغَة فِي قوّتها وشدّتها. وألبب: جمع لبّ بضمّ وَهُوَ الْعقل وَهُوَ شاذّ وَالْقِيَاس ألبٌّ بِالْإِدْغَامِ وَهُوَ مَعْطُوف على نوازع.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب مدح بهَا آل بَيت النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وَهِي إِحْدَى القصائد الهاشميّات وَهِي من جيّد شعره.
وَقد اسْتشْهد النّحاة بِأَبْيَات من هَذِه القصيدة وَهَذَا مطْلعهَا مَعَ جملَة أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل
(طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب ... وَلَا لعباً منّي وَذُو الشّيب يلْعَب)
(وَلم تلهني دارٌ وَلَا رسم منزل ... وَلم يتطرّبني بنانٌ مخضّب)
(وَلَا السّانحات البارحات عشيّةً ... أمرّ سليم الْقرن أم مرّ أعضب)
...
(4/313)

(وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى ... وَخير بني حوّاء وَالْخَيْر يطْلب)
(إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم ... إِلَى الله فِيمَا نابني أتقرّب)
(بني هاشمٍ رَهْط النّبيّ وإنّني ... بهم وَلَهُم أرْضى مرَارًا وأغضب)
(بأيّ كتابٍ أم بأيّة سنّةٍ ... ترى حبّهم عاراً عليّ وتحسب)
(وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ ... وَمَالِي إلاّ مشعب الحقّ مشعب)
(وَمن غَيرهم أرْضى لنَفْسي شيعَة ... وَمن بعدهمْ لَا من أجلّ وأرحب)
(إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... توازع من قلبِي ظماءٌ وألبب))
(وجدنَا لكم فِي آل حَامِيم آيَة ... تأوّلها منّا تقيٌّ ومعرب)
(فإنّي على الْأَمر الَّذِي تكرهونه ... بِقَوْلِي وفعلي مَا اسْتَطَعْت لأجنب)
(يشيرون بِالْأَيْدِي إليّ وَقَوْلهمْ ... أَلا خَابَ هَذَا والمشيرون خيّب)
(فطائفةٌ قد أكفرتني بحبّهم ... وَطَائِفَة قَالُوا: مسيءٌ ومذنب)
(يعيبونني من غيّهم وضلالهم ... على حبّكم بل يسخرون وأعجب)
(وَقَالُوا ترابيّ هَوَاهُ وَدينه ... بذلك أدعى فيهم وألقّب)
(فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتّهمونني ... وَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب)
(ألم ترني فِي حبّ آل محمّدٍ ... أروح وأغدر خَائفًا أترقّب)
(كَأَنِّي جانٍ محدثٌ وكأنّما ... بهم يتّقي من خشيَة العرّ أجرب)
(على أيّ جرمٍ أم بأيّة سيرةٍ ... أعنّف فِي تقريظهم واؤنّب)
(4/314)

. روى الأصبهانيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ النَّوْفَلِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: الْكُمَيْت بن زيد الشَّاعِر كَانَ أوّل مَا قَالَ القصائد الهاشّميات فسترها ثمَّ أَتَى الفرزدق بن غَالب فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فراس إنّك شيخ مُضر وشاعرها وَأَنا ابْن أَخِيك الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ لَهُ: صدقت أَنْت ابْن أخي فَمَا حَاجَتك قَالَ: نفث على لساني فَقلت شعرًا فَأَحْبَبْت أَن أعرضه عَلَيْك فَإِن كَانَ حسنا أَمرتنِي بإذاعته وَإِن كَانَ قبيحاً أَمرتنِي بستره وَكنت أولى من ستره عليّ. فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أمّا عقلك فحسنٌ وإنّي لأرجو أَن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني مَا قلت.
فأنشده: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب قَالَ: فَقَالَ لي: فِيمَا تطرب يَا ابْن أخي فَقَالَ: وَلَا لعباً منّي وَذُو الشيب يلْعَب قَالَ: بلَى يَا ابْن أخي فالعب فإنّك فِي أَوَان اللّعب. فَقَالَ: وَلم يلهني دارٌ وَلَا رسم منزلٍ الْبَيْت
قَالَ: فَمَا يطربك يَا ابْن أخي فَقَالَ: فَقَالَ: أجل لَا تتطيّر. فَقَالَ:)
وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى الْبَيْت
(4/315)

فَقَالَ: وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك فَقَالَ: إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم الْبَيْت فَقَالَ: أرحني وَيحك من هَؤُلَاءِ فَقَالَ: بني هَاشم رَهْط النّبيّ فإنّني الْبَيْت فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أذع أذع يَا ابْن أخي أَنْت وَالله أشعر من مضى وأشعر من بَقِي.
وَعَن عِكْرِمَة الضّبي عَن أَبِيه قَالَ: أدْركْت النَّاس بِالْكُوفَةِ من لم يرو: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَلَيْسَ بشيعيّ. وَمن لم يرو: ذكر الْقلب إلفه المهجورا فَلَيْسَ بأمويّ. وَمن لم يرو: هلاّ عرفت منازلاً بالأبرق فَلَيْسَ بمهلبيّ.
قَوْله: طربت وَمَا شوقاً الخ اسْتشْهد بِهِ أَبُو حيّان على تَقْدِيم الْمَفْعُول لَهُ على عَامله ردّاً على من منع ذَلِك فإنّ شوقاً مفعول لَهُ مقدّم على عَامله وَهُوَ أطرب. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي على أنّ همزَة الِاسْتِفْهَام لكَونهَا أصلا جَازَ
حذفهَا سَوَاء كَانَت مَعَ أم لَا فإنّه أَرَادَ فإنّه أَرَادَ: أَو ذُو الشيب
(4/316)

يلْعَب والاستفهام إنكاريّ.
وَقَالَ شَارِح السَّبع الهاشميّات: ذُو الشيب خبر وَلَيْسَ باستفهام وَالْمعْنَى لم أطرب شوقاً إِلَى الْبيض وَلَا طربت لعباً منّي وَأَنا ذُو الشيب وَقد يلْعَب ذُو الشيب ويطرب وَإِن كَانَ قبيحاً بِهِ ولكنّ طربي إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى.
وَقَوله: وَلَا أَنا مّمن يزْجر الطير الخ همّه فَاعل يزْجر وَالطير مَفْعُوله. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الزّجر للطير هُوَ التّيمن والتشاؤم بهَا والتفاؤل بطيرانها كالسانح والبارح وَهُوَ نوع من الكهانة والعيافة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الْغُرَاب أعظم مَا يتطيّرون بِهِ ويتشاءمون بالثور الأعضب وَهُوَ المكسور الْقرن. والسانح مَا ولاّك ميامنه والبارح مَا ولاّك مياسره واهل نجد تتيمّن بالأوّل)
وتتشاءم بِالثَّانِي وَأهل الْعَالِيَة على عكس هَذَا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.
وَفِي السانحات جوّز الْأَخْفَش النصب للْعَطْف على الطير.
وَقَوله: ترى حبّهم عاراً الخ اسْتشْهد بِعْ ابْن هِشَام فِي شرح الألفيّة على جَوَاز حذف مفعولي بَاب ظنّ للدّليل.
وَقَوله: وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد الخ اسْتشْهد بِهِ النّحاة مِنْهُم صَاحب الْجمل على تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. والمشعب: الطَّرِيق يَقُول:
(4/317)

مَالِي مَذْهَب إلاّ طَرِيق الحقّ الَّذِي هُوَ حبّ آل النبيّ وتفضيلهم صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم.
وَقَوله: وجدنَا لكم الخ آل حم اسْم للسّور السَّبع الَّتِي أَولهَا حم وَيُقَال لَهَا أَيْضا الحواميم وَأَرَادَ الْآيَة الَّتِي فِي حمعسق: قل لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلاّ المودّة
فِي الْقُرْبَى يَقُول: من تأوّل هَذِه الْآيَة لم يَسعهُ إلاّ التشيّع فِي آل النبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وإبداء المودّة لَهُم على تقيّةٍ كَانَت أَو غير تقيّة.
وَقَوله: تقيٌّ ومعرب قَالَ الجوهريّ: أعرب بحجتّه إِذا أفْصح بهَا وَلم يتّق أحدا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: يَعْنِي المفصح بالتّفضيل والساكت عَنهُ للتّقيّة. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا لترك صرف حَامِيم لكَونه وَافق بِنَاء مَا لَا ينْصَرف من الأعجمية نَحْو قابيل وهابيل.
قَالَ الأعلم: جعل حَامِيم اسْما للكلمة ثمَّ أضَاف السُّور إِلَيْهَا كإضافة النّسَب إِلَى قرَابَة كَمَا وَقَوله: ألم ترني فِي حبّ آل مُحَمَّد الخ قَالَ السيوطيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: أخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن سهل قَالَ: قَالَ الْكُمَيْت: رَأَيْت رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فِي الْمَنَام وَأَنا مختفٍ فَقَالَ لي: ممّ خوفك فَقلت: يَا رَسُول الله من بني أميّة.
ثمَّ أنشدته: ألم ترني من حبّ آل محمدٍ الْبَيْت
(4/318)

فَقَالَ لي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: أظهر فقد أمنّك الله فِي الدّنيا وَالْآخِرَة.
وَفِي الأغاني للأصبهاني بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن سعيد الأسديّ عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت النّبيّ صلّى)
الله عَلَيْهِ وسلّم فِي الْمَنَام فَقَالَ لي: من أيّ النَّاس أَنْت قلت: من الْعَرَب. قَالَ: من أيّ الْعَرَب قلت: من بني أَسد. قَالَ: من أَسد بن خُزَيْمَة قلت: نعم. قَالَ: أهلاليٌّ أَنْت قلت: نعم.
قَالَ: أتعرف الْكُمَيْت بن زيد قلت: يَا رَسُول الله عمّي وَمن قبيلتي. قَالَ: أتحفظ من شعره شَيْئا قلت: نعم قَالَ: أَنْشدني:
طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت إِلَى قَوْله: فَمَا لي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ الْبَيْت فَقَالَ لي: إِذا أَصبَحت فاقرأ عَلَيْهِ السّلام وَقل لَهُ: قد غفر الله لَك بِهَذِهِ القصيدة.
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى دعبل بن عليّ الخزاعيّ قَالَ: رَأَيْت النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فِي النّوم فَقَالَ لي: مَالك وللكميت بِمَ زيد فَقلت: يَا رَسُول الله مَا بيني وَبَينه إلاّ كَمَا بَين الشُّعَرَاء. فَقَالَ لي: لَا تفعل أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل:
(فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتهمونني ... وَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب)
فإنّ الله قد غفر لَهُ بِهَذَا الْبَيْت. فانتهيت عَن الْكُمَيْت بعْدهَا.
(4/319)

وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى نصر بن مُزَاحم المنقريّ أَنه رأى النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فِي النّوم وَبَين يَدَيْهِ رجلٌ ينشده: الْخَفِيف من لقلبٍ متيّمٍ مستهام قَالَ: فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي: هَذَا الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ: فَجعل النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم يَقُول: جَزَاك الله خيرا. وَأثْنى عَلَيْهِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثلاثمائة)
الوافر
(أَلا قبح الْإِلَه بني زيادٍ ... وحيّ أَبِيهِم قبح الْحمار)
على أنّ لفظ حيّ من حيّ زيدٍ يسْتَعْمل فِي التَّأْكِيد بِمَعْنى ذَاته وعينه وَإِن كَانَ مَيتا بعد أَن كَانَ بِمَعْنى ضدّ الميّت كَمَا شَرحه الشَّارِح.
وَكَأَنَّهُ فهم أنّ مَا بعد حيّ فِي الْبَيْتَيْنِ ميّت فَبنى كَلَامه هَذَا عَلَيْهِ وإلاّ فَلم يقل بِهِ أحدٌ بل صرّح ابْن السّكيت فِي كتاب المذكّر والمؤّنث بِأَن مثل هَذَا لَا يُقَال إلاّ والمضاف إِلَيْهِ حيّ مَوْجُود غير معدو م وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعينهما وَجعل لفظ حيّ مِمَّا يَقع على المذكّر والمؤنّث لَكِن إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مؤنّثاً فَلَا بدّ من تَأْنِيث فعله. قَالَ: رَأَيْت الْعَرَب قد أفردت مِمَّا يَقع
(4/320)

على الْمُذكر والمؤنث شَيْئا لَا يكادون يذكرُونَ فعله وَلَفظه الْمُذكر.
من ذَلِك قَوْلك: أَتَيْتُك وحيّ فُلَانَة شاهجة وحيّك وحيّ زيد قَائِم. وَلم أسمع وَحي فُلَانَة شاهدٌ أَي: بتذكير شَاهد وَذَلِكَ أَنهم إنّما قصدُوا بالْخبر عَن فُلَانَة إِذا كَانَت حيّة غير ميتَة.
انْتهى.
وَمثله لِابْنِ جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد إنشاده هَذَا الْبَيْت قَالَ: أَي وقبح أباهم الحيّ الَّذِي يُقَال لَهُ أبوهم.
وَمِنْه قَول الآخر: الْبَسِيط وحيّ بكرٍ طعنّا طعنةً بحرا أَي: الْإِنْسَان الحيّ الَّذِي يسمّى بقَوْلهمْ بكر.
وَقَالَ فِي الخصائص أَي: والشخص المسمّى بكرا طَعنا. فحيّ هَاهُنَا مُذَكّر حيّة أَي: وشخص بكر الحيّ طَعنا.
وَمثله قَول الآخر: الْكَامِل يَا قرّ إنّ أَبَاك حيّ خويلدٍ ... ... الْبَيْت أَي: إنّ أَبَاك الشَّخْص الحيّ خويلداً.
وَكَذَلِكَ قَول الآخر:)
أَلا قبح الْإِلَه بني زِيَاد ... ... الْبَيْت أَي: أباهم الشَّخْص الحيّ. وَقَالَ: وَلَيْسَ الحيّ هُنَا هُوَ الَّذِي يُرَاد بِهِ الْقَبِيلَة كَقَوْلِك حيّ تَمِيم وقبيلة بكر إنّما هُوَ كَقَوْلِك: هَذَا رجلٌ حيٌّ وَامْرَأَة حيّة.
(4/321)

وَجعل ابْني جنّي هَذِه الْإِضَافَة من إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه وبيّنها كَمَا رَأَيْت. وَخَالفهُ الشَّارِح المحقّق فَجَعلهَا من إِضَافَة العامّ إِلَى الخاصّ.
وَمن حكم بِزِيَادَة حيّ كصاحب اللبّ جعل الْإِضَافَة من قبيل إِضَافَة الملغى إِلَى الْمُعْتَبر كَمَا قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل.
ومّمن ارتضى الزِّيَادَة الزمخشريّ فِي المفصّل فَإِنَّهُ قَالَ: قَالُوا: إنّ الِاسْم مقحمٌ دُخُوله وَخُرُوجه سَوَاء وَقد حُكيَ عَنْهُم حيّ فُلَانَة شاهدٌ بِدُونِ تَأْنِيث الْخَبَر. وتقدّم طعن ابْن السّكيت فِيهِ لَكِن يرد عَلَيْهِ مَا أنْشدهُ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ من قَول الشَّاعِر: لَو أنّ حَيّ الغانيات وحشا وَمن الْعجب قَول شَارِحه المظفّري: لفظ حيّ زَائِد وَمَعْنَاهُ الشَّخْص فكأنك قلت: هَذَا الشَّخْص زيد فَكَمَا أنّ لفظ شخص زَائِد فَكَذَلِك لفظ حيّ. وَقَوله بعد هَذَا: قيل وَلَا يُضَاف لفظ حيّ إلاّ بعد موت الْمُضَاف إِلَيْهِ صَوَابه إلاّ قبل موت الْمُضَاف إِلَيْهِ.
وَمِمَّا ورد عَن الْعَرَب من إِضَافَة حيّ إِلَيْهِ مَا قَالَه الشَّارِح قبل هَذَا الْبَيْت بصفحةٍ قالهنّ حيّ قَالَ المظفري: يَعْنِي سمع الْأَخْفَش أعرابيّاً أنْشد أبياتاً فَقيل لَهُ: من قَالَ هَذِه الأبيات فَقَالَ: قالهن حيّ رَبَاح بِزِيَادَة حيّ أَي: قالهنّ رَبَاح. انْتهى.
ورباح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة.
(4/322)

وَهُوَ مَأْخُوذ من الْإِيضَاح الشعري لأبي عَليّ قَالَ: حكى أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي أَبْيَات أَنه سمع من يَقُول فِيهَا: قالهنّ حيّ رَبَاح.
وَأنْشد: الوافر
(أَبُو بَحر أشدّ النّاس منّاً ... علينا بعد حيّ أبي الْمُغيرَة)
وَقَوله: أَلا قبح الْإِلَه الخ هَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات ليزِيد بن ربيعَة بن مفرّغ الحميريّ. أَلا هُنَا كلمة يستفتح بهَا الْكَلَام وَمَعْنَاهَا تَنْبِيه الْمُخَاطب لسَمَاع مَا يَأْتِي بعْدهَا وَجُمْلَة قبح الْإِلَه دعائيّة يُقَال قبحه الله يقبحه بِفَتْح الْمُوَحدَة فيهمَا أَي: نّحاه عَن الْخَيْر.
وَفِي التَّنْزِيل: هم من المقبوحين أَي: المبعدين عَن الْفَوْز. والمصدر الْقبْح بِفَتْح الْقَاف وَالِاسْم)
الْقبْح بضمّها يُقَال: قبحاً لَهُ وقبحاً. والإله تقدّم أَنه لَا يجمع بَين أل وهمزة إِلَه إلاّ على القلّة لكَون أل فِي الله بَدَلا من همزَة إِلَه. وزِيَاد هُوَ زِيَاد بن سميّة وَهِي جاريةٌ لِلْحَارِثِ بن كلدة الطّبيب الثّقفيّ كَانَ زوّجها بعبدٍ لَهُ روميّ اسْمه عبيد فَولدت لَهُ زياداً على فرَاشه. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان سَافر فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى الطَّائِف قبل أَن يسلم فواقعها بِوَاسِطَة أبي مَرْيَم الخمّار فَيُقَال
إنّها علقت مِنْهُ بِزِيَاد. ثمَّ إنّ مُعَاوِيَة أحضر من شهد لزيادٍ بِالنّسَبِ واستلحقه بِأبي سُفْيَان فَقيل زِيَاد بن أَبِيه أَي: ابْن أبي مُعَاوِيَة.
وَيُقَال لَهُ أَيْضا زِيَاد بن سميّة نِسْبَة إِلَى أمه.
وَهَذِه أول وَاقعَة خولفت فِيهَا الشَّرِيعَة المطهّرة عَلَانيَة لصريح قَوْله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: الْوَلَد للْفراش
(4/323)

وللعاهر الْحجر. وَأعظم النَّاس ذَلِك وأنكروه خُصُوصا بني أميّة لكَونه ابْن عبدٍ روميّ صَار من بني أُميَّة. وَقيل فِيهِ أشعارٌ مِنْهَا قَول يزِيد صَاحب الْبَيْت الشَّاهِد: الوافر
(ألآ أبلغ مُعَاوِيَة بن حربٍ ... مغلغلة من الرجل الْيَمَانِيّ)
(أتغضب أَن يُقَال أَبوك عفٌّ ... وترضى أَن يُقَال أَبوك زاني)
(فَأشْهد إنّ رَحِمك من زيادٍ ... كرحم الْفِيل من ولد الأتان)
(وَأشْهد أنّها ولدت زياداً ... وصخرٌ من سميّة غير داني)
وقصة الِاسْتِلْحَاق مفصّلة فِي التواريخ.
قَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح أمالي القالي: كتاب المثالب لأبي عُبَيْدَة أَصله لزياد بن أَبِيه فإنّه لّما ادّعى أَبَا سُفْيَان أَبَا علم أنّ الْعَرَب لَا تقرّ لَهُ بذلك مَعَ علمهمْ بِنِسْبَة فَعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كلّ عيب وعار وباطل وإفك وبهت. انْتهى.
وَبَنُو زيادٍ الْمَشْهُور مِنْهُم: عبّاد ولي سجستان وَمَا والاها وَمِنْهُم عبيد الله بن زِيَاد الشقيّ الْخَبيث قَاتل الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.
(4/324)

وَقَوله: وحيّ أَبِيهِم مَعْطُوف على بني أَي: وقبح الله أباهم زياداً.
وَقَوله: قبح الْحمار هُوَ بِفَتْح الْقَاف مصدر تشبيهيّ أَي: قبحهم الله قبحاً مثل قبح الْحمار.
وإنّما ذكر الْحمار لأنّه مثلٌ فِي المذلّة والاستهانة بِهِ ولأنّ صَوته أنكر الْأَصْوَات وأبشعها. ويزِيد شَاعِر إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة وَهُوَ أَبُو عُثْمَان يزِيد ابْن ربيعَة بن مفرّغ بن ذِي الْعَشِيرَة بن الْحَارِث وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى زيد بن يحصب الحميريّ.)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ يزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الحميريّ حَلِيف لقريش وَيُقَال إنّه كَانَ عبدا للضحاك بن يَغُوث الهلاليّ فأنعم عَلَيْهِ. انْتهى.
ومفرّغ بِكَسْر الرَّاء المشدّدة: لقب جده سمّي بِهِ لأنّه رَاهن على شرب سقاء لبن فشربه حتّى فرّغه فسمّي مفرّغاً. وَقَالَ النوفليّ: كَانَ حدّاداً بِالْيمن فَعمل قفلاً لامرأةٍ وَشرط عَلَيْهَا عِنْد فَرَاغه مِنْهُ أَن تجيئه بكرش من لبن فَفعلت فَشرب مِنْهُ وَوَضعه فَقَالَت: ردّ عليّ الكرش فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أفرّغه فِيهِ. قَالَت: لَا بدّ من ذَلِك. ففرّغه فِي جَوْفه فَقَالَت: إنّك لمفرّغ. فَعرف بِهِ.
وَكَانَ السَّبَب فِي هجو زِيَاد وَبَينه هُوَ مَا رَوَاهُ الأصبهانيّ فِي الأغاني أنّ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان لما ولي خُرَاسَان استصحب ابْن مفرّغ فَلم يَصْحَبهُ وَصَحب عبّاد بن زِيَاد فَقَالَ لَهُ سعيد بن عُثْمَان: أما إِذْ أَبيت صحبتي واخترت عبّاداً عليّ فاحفظ مَا أوصيك بِهِ: إنّ عباداً رجلٌ لئيم فإيّاك والدّالة عَلَيْهِ وَإِن دعَاك إِلَيْهَا من نَفسه فإنّها خدعةٌ مِنْهُ لَك عَن نَفسك وأقلل
(4/325)

زيارته فإنّه طرفٌ ملول وَلَا تفاخره وَإِن فاخرك فإنّه لَا يحْتَمل لَك مَا كنت أحتمله.
ثمَّ دَعَا سعيدٌ بِمَال فَدفعهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَذَا على سفرك فَإِن صلح لَك مَكَانك من عبّاد وإلاّ فمكانك عِنْدِي ممهّد. ثمَّ سَار سعيد من خُرَاسَان وَلما بلغ عبيد الله بن زِيَاد صُحْبَة ابْن مفرّغ أَخَاهُ عباداً شقّ عَلَيْهِ فَلَمَّا سَار عبّاد إِلَى سجستان أَمِيرا عَلَيْهَا شيّعه عبيد الله وشيّعه النَّاس فَلَمَّا أَرَادَ عبيد الله أَن يودّع أَخَاهُ دَعَا ابْن مفرّغ فَقَالَ لَهُ: إنّك سَأَلت أخي عباداً أَن تصحبه فأجابك إِلَى ذَلِك وَقد شقّ عليّ فَقَالَ ابْن مفرّغ: وَلم أصلحك الله فَقَالَ: لأنّ الشَّاعِر لَا يقنعه من النَّاس مَا يقنع بَعضهم من بعض لِأَنَّهُ يظنّ فَيجْعَل الظنّ يَقِينا وَلَا يعْذر فِي بعض الْعذر وإنّ عبّاداً يقدم على أَرض حربٍ فيشتغل بحروبه وخراجه عَنْك فَلَا تعذره فتكسبنا عاراً وشرّاً فَقَالَ: لست كَمَا ظنّ الْأَمِير وإنّ لمعروفه عِنْدِي شكرا كثيرا وإنّ عِنْدِي إِن أغفل أَمْرِي عذرا ممهّداً. قَالَ: لَا وَلَكِن تضمن لي إِن أَبْطَأَ عَنْك مَا تحبّه أَلا تعجل عَلَيْهِ حتّى تكْتب إليّ. قَالَ: ثمَّ لإنّ عبّاداً لما قدم سجستان اشْتغل بحروبه فاستبطأه ابْن مفرّغ وَلم يكْتب إِلَى عبيد الله كَمَا ضمن لَهُ وَلَكِن بسط لِسَانه وهجاه وَكَانَ عبّادٌ عَظِيم اللِّحْيَة فسارا ابْن مفرّغ يَوْمًا مَعَ عبّاد فَدخلت الرّيح فِيهَا فنفشتها فَضَحِك ابْن مفرّغ وَقَالَ لرجل من لخم كَانَ إِلَى جَانِبه: الوافر
(أَلا لَيْت اللّحى كَانَت حشيشاً ... فنعلفها دَوَاب المسلمينا))
(4/326)

فسعى بِهِ اللّخميّ إِلَى عبّاد فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ: لَا تجمل عُقُوبَته فِي هَذِه السَّاعَة مَعَ صحبته لي وَمَا أؤخرّها إلاّ لأشفي نَفسِي مِنْهُ فإنّه كَانَ يقوم ويشتم أبي فِي عدّة مَوَاطِن.
وَبلغ الْخَبَر ابْن مفرّغ فَقَالَ: إنّي لأجد ريح الْمَوْت عِنْد عبّاد ثمَّ دخل عَلَيْهِ
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِنِّي كنت مَعَ سعيد بن عُثْمَان وَقد بلغك رَأْيه فيّ وَرَأَيْت جميل أَثَره عليّ وَإِنِّي اخْتَرْتُك عَلَيْهِ فَلم أحظ مِنْك بطائل وإنّي أُرِيد أَن تَأذن لي فِي الرُّجُوع.
فَقَالَ لَهُ: إنّي اخْتَرْتُك كَمَا اخترتني واستصحبتك حِين سَأَلتنِي فقد أعجلتني عَن بُلُوغ محبّتي فِيك وَقد طلبت الْإِذْن لترجع إِلَى قَوْمك فتفضحني عِنْدهم وَأَنت على الْإِذْن قادرٌ بعد أَن أَقْْضِي حقّك فَأَقَامَ وَبلغ عبّاداً أنّه يسبّه وينال من عرضه. وأجرى عبّادٌ الْخَيل يَوْمًا فجَاء سَابِقًا فَقَالَ ابْن مفرّغ: الرجز
(سبق عبّادٌ وصلّت لحيته ... وَكَانَ خرّازاً تجود فربته)
قَالَ المدائنيّ: لنا بلغ عبّاداً هَذَا الشّعْر دَعَا بِهِ والمجلس حافل فَقَالَ لَهُ: أَنْشدني هجاء أَبِيك الَّذِي هجي بِهِ. فَقَالَ: أيّها الْأَمِير مَا كلّف أحدٌ قطٌّ مثل مِمَّا كلّفتني بِهِ فَأمر غُلَاما عجميّاً أَن يصبّ على رَأسه السَّوْط إِن لم ينشد فأنشده أبياتاً هجى بهَا أَبوهُ أوّلها: الْكَامِل
(قبح الْإِلَه وَلَا أقبّح غَيره ... وَجه الْحمار ربيعَة بن مفرّغ)
(4/327)

. وَجعل عبّاد يتضاحك بِهِ فَخرج ابْن مفرّغ وَهُوَ يَقُول: وَالله لَا يذهب شتم شَيْخي بَاطِلا.
فَطلب عَلَيْهِ الْعِلَل ودسّ إِلَى قوم كَانَ لَهُم عَلَيْهِ ديوَان أَن يقتضوا مَالهم عَلَيْهِ فَفَعَلُوا فحبسه وضربه وَأمر بِبيع سلاحه وخيله وأثاثه وقسّم ثمنهَا بَين غُرَمَائه ثمَّ بعث إِلَيْهِ أَن بِعني الأراكة وبرداً وَكَانَت الأراكة قينة لِابْنِ المفرّغ وبردٌ غُلَامه ربّاهما وَكَانَ شَدِيد الضنّ بهما فَبعث إِلَيْهِ ابْن مفرّغ: أيبيع الْمَرْء نَفسه أَو لده
فأضرّ بِهِ عبّاد حتّى أخذهما مِنْهُ وَقيل اشتراهما رجلٌ من أهل خُرَاسَان فَلَمَّا دخلا منزلَة قَالَ لَهُ برد وَكَانَ داهية أدبياً: أَتَدْرِي مَا شربت قَالَ: نعم شريتك وَهَذِه الْجَارِيَة. قَالَ: لَا وَالله مَا اشْتريت إلاّ الْعَار والدّمار وفضيحة الْأَبَد فجزع الرجل وَقَالَ: كَيفَ ذَلِك وَيلك قَالَ: نَحن ليزِيد بن المفرّغ وَمَا أصاره وَالله إِلَى هَذِه الْحَال إلاّ لِسَانه وشرّه أفتراه يهجو عبّاداً وَهُوَ أَمِير سجستان وأخاه عبيد الله وَهُوَ أَمِير العراقيّين وعمّه مُعَاوِيَة وَهُوَ الْخَلِيفَة ويمسك لِسَانه عَنْك وَقد ابتعتني وَأَنا مثل وَلَده وَهَذِه الْجَارِيَة وَهِي نَفسه فَقَالَ: أشهد أنّكما لَهُ إِن شئتما امضيا إِلَيْهِ وَإِن شئتما تَكُونَا لَهُ عِنْدِي.
(4/328)

قَالَ: فَاكْتُبْ إِلَيْهِ)
بذلك. فَكتب إِلَيْهِ بذلك فَكتب إِلَيْهِ ابْن مفرّغ يشْكر فعله ويسأله أَن يَكُونَا عِنْده حتّى يفرّج الله عَنهُ.
وَفِي بيعهمَا قَالَ وَذكر تَركه سعيد بن عُثْمَان: مجزوء الْكَامِل
(أصرمت حبلك من أَمَامه ... من بعد أيّامٍ برامه)
(ورمقتها فَوَجَدتهَا ... كالضّلع لَيْسَ لَهَا استقامه)
(لهفي على الرّأي الَّذِي ... كَانَت عواقبه ندامه)
(تركي سعيداً ذَا النّدى ... وَالْبَيْت ترفعه الدّعامه)
(ليثاً إِذا شهد الوغى ... ترك الْهوى وَمضى أَمَامه)
(فتحت سمر قندٌ لَهُ ... فَبنى بعرصتها خيامه)
(وتبعت عبد بني علا ... ج تِلْكَ أَشْرَاط القيامه)
(جَاءَت بِهِ حبشيّةٌ ... سكّاء تحسبها نعامه)
(من نسْوَة سود الوجو ... هـ ترى عليهنّ الدّمامه)
(وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد بردٍ كنت هامه)
(فالرّيح تبْكي شجوها ... والبرق يلمع فِي الغمامه)
(وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه)
وَقَوله: وشريت بردا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله
(4/329)

تَعَالَى: الَّذين يشرون الْحَيَاة الدّنيا بِالآخِرَة على أنّ الشِّرَاء يَأْتِي بِمَعْنى البيع فَهُوَ من الأضداد. والهامة: أثنى الصّدى وَهُوَ ذكر البوم.
وَفِي مروج الذَّهَب للمسعوديّ: من الْعَرَب من يزْعم أنّ النّفس طَائِر ينبسط فِي الْجِسْم فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان أَو قتل لم يزل يطِيف بِهِ مستوحشاً يصدح على قَبره
ويزعمون أنّ هَذَا الطَّائِر يكون صَغِيرا ثمَّ يكبر حتّى يكون كضرب من البوم وَهُوَ أبدا مستوحش وَيُوجد فِي الديار المعطلّة ومصارع الْقَتْلَى والقبور وأنّها لم تزل عِنْد ولد الْمَيِّت ومخلّفه لتعلم مَا يكون بعده فنخبره.
وَقَالَ أَيْضا فِي بيعهمَا: الْبَسِيط
(شريت بردا وَقد ملّكت صفقته ... لما تطلّبت فِي بيعي لَهُ رشدا)
(يَا برد مَا مسّنا دهرٌ أضرّ بِنَا ... من قبل هَذَا وَلَا بعنا لَهُ ولدا))
(أمّا أراكه كَانَت من محارمنا ... عَيْشًا لذيذاً وَكَانَت جنّة رغدا)
(لَوْلَا الدّواعي وَلَوْلَا مَا تعرّض لي ... من الْحَوَادِث مَا فارقتها أبدا)
ثمَّ إنّ ابْن مفرّغ علم أَنه إِن أَقَامَ فِي الْحَبْس على ذمّ عبّاد لم يَزْدَدْ إلاّ شرّاً فَجعل يَقُول للنَّاس إِذا سُئِلَ عَن حَبسه: أَنا رجلٌ أدّبه أميره ليقيم من أوده. . فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبّاداً رقّ لَهُ فَأَطْلقهُ فهرب حتّى أَتَى الْبَصْرَة ثمَّ الشَّام وَجعل يتنقل فِي الْبِلَاد ويهجو بني زِيَاد ويتأسّف على تَركه صُحْبَة سعيد فَمن ذَلِك قَوْله: الْخَفِيف
(إِن تركي ندى سعيد بن عثما ... ن فَتى الْجُود ناصري وعديدي)
(واتّباعي أَخا الضّرعة واللّؤ ... م لنقصٌ وفوت شأو بعيد)
...
(4/330)

(قلت واللّيل مطبق بعراه ... لَيْتَني متّ قبل ترك سعيد)
ثمَّ إنّه هجا بني زِيَاد حتّى مَلأ مِنْهُ الْبِلَاد وتغنّى بِهِ أهل الْبَصْرَة فَطَلَبه عبيد الله طلبا شَدِيدا وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة وَقيل إِلَى يزِيد إنّ ابْن مفرّغ هجا زياداً وبنيه بِمَا هتكه فِي قبه وفضح بنيه طول الدَّهْر وتعدّى ذَلِك إلأى أبي سُفْيَان فقذفه بالزّنى وسبّ وَلَده وهرب إِلَى الْبَصْرَة وطلبته حتّى لفظته الأَرْض فلجأ إِلَى الشَّام يتمضّغ لحومنا ويهتك أعراضنا وَقد بعثت إِلَيْك بِمَا هجانا بِهِ لتنتصف لما مِنْهُ.
فهرب ابْن مفرّغ من الشَّام إِلَى الْبَصْرَة فأجاره الْمُنْذر بن الْجَارُود وَكَانَت بنت الْمُنْذر تَحت عبيد الله وَكَانَ الْمُنْذر من أكْرم النّاس عَلَيْهِ فاغترّ بذلك فَبلغ عبيد الله أَن الْمُنْذر قد أجاره فَبعث عبيد الله إِلَى الْمُنْذر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ بعث عبيد الله بالشّرط فكبسوا دَاره وأتوه بِابْن مفرّغ فَلَمَّا رَآهُ الْجَارُود قَامَ إِلَى عبيد اللع فَقَالَ لَهُ: أذكّرك الله أَيهَا الْأَمِير لَا تخفر جواري فَإِنِّي قد أجرته فَقَالَ عبيد الله: يمدحك ويمدح آباءك وَقد هجاني وهجا أبي ثمَّ تجيره عليّ وَالله لَا يكون ذَلِك أبدا فَغَضب الْمُنْذر وَخرج.
وَأَقْبل عبيد الله على ابْن مفرّغ فَقَالَ: بئْسَمَا صَحِبت بِهِ عبّاداً فَقَالَ: بئْسَمَا صحبني عباد اخترته على سعيد وأنفقت على صحبته جَمِيع مَا ملكته وظننت أنّه لَا يَخْلُو من عقل زيادٍ وحلم مُعَاوِيَة وسماحة قُرَيْش فَعدل عَن ظنّي كلّه ثمَّ عاملني بكلّ قَبِيح. من حبس وَغرم وَضرب وَشتم فَكنت كمن شام برقاً خلّباً فِي سَحَاب جهامٍ فأراق مَاء طَمَعا فَمَاتَ عطشاً وَمَا هربت من أَخِيك إلاّ لما خفت أَن يجْرِي فيّ مَا ينْدَم عَلَيْهِ وَهَا أَنا بَين يَديك فَاصْنَعْ
(4/331)

فيّ مَا)
شِئْت فَأمر بحبسه وَكتب إلأى مُعَاوِيَة أَن يَأْذَن لَهُ فِي قَتله فَكتب إِلَيْهِ: إيّاك وَقَتله وَلَكِن تنَاوله بِمَا ينكله ويشدّ سلطانك عَلَيْهِ وَلَا تبلغ نَفسه فإنّ لَهُ عشيرة هم جندي وبطانتي وَلَا يرضون بقتْله إلاّ بالقود مِنْك فاحذر ذَلِك وَاعْلَم أنّ الْجد منّي وَمِنْهُم وأنّك مرتهنٌ بِنَفسِهِ وَلَك فِي دون تلفهَا مندوحةٌ تشفي من الغيظ.
فلمّا ورد الْكتاب أَمر بِابْن مفرّغ فسقي نبيذاً حلواً مخلوطاً بالشبرم والتربد فأسهل بَطْنه وطيف بِهِ على بعير فِي أزقّة الْبَصْرَة وأسواقها وَقرن بهرّة وخنزير وَجعل يسلح وَالصبيان يتبعونه ويصيحون عَلَيْهِ وألّح مَا يخرج مِنْهُ حتّى أضعفه فَسقط فَقيل لِعبيد الله: إنّا لَا نَأْمَن أَن يَمُوت.
فَأمر بِهِ فَغسل فلمّا غسل قَالَ: الْخَفِيف
(يغسل المَاء مَا فعلت وَقَوْلِي ... راسخٌ مِنْك فِي الْعِظَام البوالي)
ثمَّ ردّه إِلَى الْحَبْس. وَقيل لِعبيد الله: كَيفَ اخْتَرْت لَهُ هَذِه الْعقُوبَة قَالَ: لأنّه سلح علينا فَأَحْبَبْت أَن تسلح عَلَيْهِ الخنزيرة والهرّة.
ثمَّ إِن عبيد الله أرْسلهُ إِلَى أَخِيه بسجستان ووكلّ بِهِ رجَالًا وَكَانَ لّما هرب من عبّاد هجاه وَكتب هجاءه على حيطان الْخَانَات فَأمر عبيد الله الموكلين بِهِ أَن يلزموه بمحو مَا كتبه على الجيطان بأطافيره فَكَانَ يفعل ذَلِك حتّى ذهبت أظافيره فَكَانَ يمحو بعظام أَصَابِعه.
وَأمرهمْ أَيْضا أَن لَا يَتْرُكُوهُ يصليّ إلاّ إِلَى قبْلَة النّصارى إِلَى أَن يسلموه إِلَى عبّاد فحبسه وضيّق عَلَيْهِ فَلَمَّا طَال حَبسه اسْتَأْجر رَسُولا إِلَى دمشق وَقَالَ بِهِ: إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فقف على درج جَامع دمشق ثمَّ أنْشد هَذِه الأبيات بأرفع مَا يمنك من صوتٍ وَهِي:
(4/332)

الْبَسِيط
(أبلغ لديك بني قحطان قاطبةً ... عضّت بأير أَبِيهَا سادة الْيمن)
(أضحى دعيّ زيادٍ فقع فرقرةٍ ... يَا للعجائب يلهو بِابْن ذِي يزن)
(قومة افَقولُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ لنا ... حقٌ عَلَيْك ومنٌّ لَيْسَ كالمنن)
(فَاكْفُفْ دعيّ زيادٍ عَن أكارمنا ... مَاذَا تزيد على الأحقاد والإحن)
فَفعل الرّسول مَا أَمر بِهِ فحميت اليمانية غضبوا لَهُ ودخلوا إِلَى مُعَاوِيَة فَسَأَلُوهُ فِيهِ فدافعهم عَنهُ فَقَامُوا غضاباً والشرّ يلمع فِي وُجُوههم فَعرف ذَلِك مُعَاوِيَة مِنْهُم فوهبه لَهُم ووجّه رجلا من بني أَسد يُقَال لَهُ خمخام بريداً إِلَى عبّاد وَكتب لَهُ عهدا وَأمره أَن يبْدَأ بِالْحَبْسِ فَيخرج ابْن مفرّغٍ مِنْهُ ويطلقه قبل أَن يعلم عبّاد فيمَ
قدم فيغتاله فَفعل ذَلِك فَلَمَّا خرج من الْحَبْس قرّبت)
بغلةٌ من بغال الْبَرِيد فركبها فَقَالَ: الطَّوِيل
(عدس مَا لعبّادعليك إمارةٌ ... أمنت وَهَذَا تحملين طليق)
وَهُوَ من جملَة أَبْيَات تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمَوْصُول عِنْد إنشاد هَذَا الْبَيْت هُنَاكَ فَلَمَّا دخل على مُعَاوِيَة بَكَى وَقَالَ: ركب منّي مَا لم يركب من مسلمٍ قطّ على غير حدثٍ فِي الْإِسْلَام وَلَا خلع يدٍ من طَاعَة. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل: ...
(4/333)

(أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حَرْب ... مغلغلة من الرجل الْيَمَانِيّ)
الأبيات الْمُتَقَدّمَة. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي عظّم حقّك مَا قلتهَا وَلَقَد بَلغنِي أنّ عبد الرَّحْمَن بن الحكم قَالَهَا ونسبها إليّ. قَالَ: أفلم تقل كَذَا وَكَذَا. . وسرد أشعاره ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ فقد عَفَوْت عَن جرمك فاسكن أيّ أَرض شِئْت. فَاخْتَارَ الْموصل ثمَّ ارْتَاحَ إلأى الْبَصْرَة فَقَدمهَا فَدخل على عبيد الله فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ الصّفح والأمان فأمنّه فَأَقَامَ بهَا مدّة ثمَّ دخل عَلَيْهِ فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير إِنِّي قد ظَنَنْت أنّ نَفسك لَا تطيب لي بِخَير أبدا ولي أعداءٌ وَلَا آمن سَعْيهمْ عليّ بِالْبَاطِلِ وَقد رَأَيْت أَن أتباعد. فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْن شِئْت فَقَالَ: كرمان.
فَكتب لَهُ إِلَى شريك بن الْأَعْوَر وَهُوَ عَلَيْهَا بجائزة وَقَطِيعَة فشخص إِلَيْهَا وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ فِي طاعون الجارف أَيَّام مُصعب بن الزّبير.
هَذَا مَا لّخصته من الأغاني وَهُوَ كشذرة من عقد نحر أَو قَطْرَة من قَامُوس بَحر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل: الْكَامِل
(يَا قرّ إنّ أَبَاك حيّ خويلد ... قد كنت خائفة على الإحماق)
لما تقدّم قبله. وَذهب أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشّعريّ عِنْد ذكره هَذِه الشواهد إِلَى أنّ لفظ حيّ زَائِد لَا غير وَتَبعهُ الزمخشريّ فِي المفصّل والبيضاوي فِي اللبّ وتعقبّه شَارِحه الشيّد عبد الله بأنّه غير زَائِد من
(4/334)

حَيْثُ الْمَعْنى فإنّه يُفِيد نوعا من تحقير مَا أضيف إِلَيْهِ حيّ كأنّه يَقُول: هَذَا شخصٌ لَيْسَ سوى أنّه حيّ وشبحٌ مَا فِيهِ سوى أنّه حسّاس. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذِه النّكتة قَاصِرَة على هَذَا الْبَيْت لَا تتمشّى لَهُ فِي غَيره. وقرّ بِضَم الْقَاف: مرخّم قرّة. وحيّ خويلد: بدلٌ أَو عطف بَيَان من أَبَاك. وَجُمْلَة قد كنت خائفه خبر إنّ. والإحماق: مصدر أَحمَق الرجل: إِذا ولد لَهُ ولدٌ أَحمَق وَكَذَا أحمقت الْمَرْأَة وأمّا حمق بِدُونِ ألف فَهُوَ من الْحمق بِالضَّمِّ وَهُوَ فسادٌ فِي الْعقل وَهُوَ من بَاب تَعب وَوَصفه حمقٌ بِكَسْر الْمِيم وَأما أَحمَق فَفعله حمق بالضمّ وَالْأُنْثَى حمقى. وعَلى مُتَعَلقَة بخائفه يُقَال: خفته وَالْمعْنَى إنّني كنت أرى من أَبِيك مخايل تدلّ على أنّه يلد ولدا أَحمَق وَقد تحقّق بولادته إيّاك.
وَمثل هَذَا أبلغ من أَن يَقُول لَهُ: أَنْت أَحمَق لأنّ ذَلِك يشْعر بتحقّق ذَلِك فِيهِ أَي: كَانَ مَعْرُوفا من أَبِيك قبل أَن يلدك. فَهَذَا أبلغ من دَعْوَى الْحمق فِيهِ الْآن.
وَإِدْرَاك مثل هَذِه الْمعَانِي لَا يكَاد يحصل بالتعبير وَإِنَّمَا هُوَ أمرٌ فِي الْغَالِب يدْرك بالقوّة الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى فِي أهل هَذَا اللِّسَان. كَذَا فيأمالي ابْن الْحَاجِب.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه أَبُو زيد فِي نوادره إِلَى جبّار بن سلمى بن مَالك قَالَ: وَهُوَ جاهليّ.
وَأورد بعده: ...
(4/335)

(وكأنّ حَيا قبلكُمْ لم يشْربُوا ... فِيهَا بأقلبةٍ أجنّ زعاق)
هَذَا الحيّ بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وأقلبة جمع قليب بِمَعْنى الْبِئْر قَالَ الرياشيّ: هَذَا يدلّ على تذكير القليب لأنّه قَالَ أقلبة وَالْجمع قلب وَلَكِن جَاءَ بِهِ على رغيف وأرغفه للْجمع الْقَلِيل. انْتهى.
وَالْبَاء بِمَعْنى من. وأجنّ فعلٌ مَاض وَالنُّون الْأَخِيرَة فَاعله تعود على أقلبة لما سكن لَهَا لَام الْفِعْل أدمغت فِيهَا يُقَال: أجن المَاء ياجن بِضَم الْجِيم وَكسرهَا. إِذا تغيّر. وَضمير فِيهَا للمنيّة.
وَضرب القليب مثلا لَهَا. وَقد يكون القليب الْقَبْر قَالَه ابْن برّيّ فِي شرح أَبْيَات إِيضَاح)
الفارسيّ. والزّعاق بِضَم الزَّاي بعْدهَا عين مُهْملَة: المَاء المرّ الغليظ لَا يُطَاق شربه من وحبّار بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الموحّدة وَآخره رَاء مُهْملَة. وَقد أوردهُ الآمديّ فِي المؤتلف والمختلف وَقَالَ: هُوَ جبّار بن سلمى بن مَالك من بني عَامر بن صعصعة.
وَأنْشد لَهُ المفضّل فِي المقطّعات: الوافر
(وَمَا للعين لَا تبْكي بجيراً ... إِذا افترّت عَن الرّمح اليدان)
(وَمَا للعين لَا تبْكي بجيراً ... وَلَو أَنِّي نعيت لَهُ بكاني)
وَذكر ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء يوافقونه فِي اسْمه أحدهم: جبّار بن مَالك بن حمَار بن شمخ بن فَزَارَة.
(4/336)

وثانيهم: جبّار بن عَمْرو الطّائي قَاتل عنترة العبسيّ وهما جاهليّان أَيْضا.
وثالثهم: جبّار بن جُزْء بن ضرار وَهُوَ ابْن أخي الشّمّاخ وَهَذَا إسلاميٌّ ابْن صحابيّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(إِلَى الْحول ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولاّ كَامِلا فقد اعتذر)
على أنّ لفظ اسْم مقحم عِنْد بعض النُّحَاة.
قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بِسم الله وَنحن نحمل الْكَلَام على أنّ فِيهِ محذوفاً. قَالَ أَبُو عليّ: وإنّما هُوَ على حدّ حذف الْمُضَاف أَي: ثمَّ معنى السَّلَام عَلَيْكُمَا وَاسم معنى السَّلَام هُوَ السَّلَام وَكَأَنَّهُ قَالَ: ثمّ السَّلَام عَلَيْكُمَا.
فَالْمَعْنى لعمري مَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة لكنّه من غير الطَّرِيق الَّتِي أَتَاهُ هُوَ مِنْهَا أَلا
ترَاهُ هُوَ اعْتقد زِيَادَة شَيْء واعتقدنا نَحن نُقْصَان شَيْء. انْتهى.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسيّ فِي تأليف ألّفه فِي الِاسْم: تَقْدِيره ثمّ مسمّى السّلام عَلَيْكُمَا أَي: ثمَّ الشَّيْء المسمّى سَلاما عَلَيْكُمَا فالاسم هُوَ المسمّى
(4/337)

بِعَيْنِه وهما ينواردان على معنى وَاحِد.
وَذهب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى أَن لفظ اسْم هُنَا مقحم. وَعند أبي عليّ فِيهِ مُضَاف مَحْذُوف وَتَقْدِيره وردّ عَلَيْهِ الإِمَام السّهيليّ فِي كِتَابه الْمُعْتَبر فَقَالَ: هَذَا جوابٌ لَا يقوم على سَاق وَلَا يكَاد يفهم لما فِيهِ من الاستغلاق. وَقد تكلّف فِي هَذَا التَّأْلِيف وتعسّف وَمن ألّف فقد استهدف.
وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لم يرد الشَّاعِر إِيقَاع التَّسْلِيم عَلَيْهَا لحينه وإنّما أَرَادَهُ بعد الْحول. فَلَو قَالَ: ثمَّ)
السّلام عَلَيْكُمَا لَكَانَ مسلّماً فِي وقته الَّذِي نطق بِهِ فِي الْبَيْت فَلَمَّا ذكر الِاسْم الَّذِي هُوَ عبارَة عَن اللَّفْظ أَي: إِنَّمَا لفظ بِالتَّسْلِيمِ بعد الْحول وَذَلِكَ السّلام دعاءٌ فَلَا يتقيّد بِالزَّمَانِ الْمُسْتَقْبل وإنّما هُوَ لحينه فَلَا يُقَال: بعد الْجُمُعَة اللَّهُمَّ ارْحَمْ زيدا وَإِنَّمَا يُقَال: اغْفِر لي بعد الْمَوْت وَبعد ظرف للمغفرة وَالدُّعَاء وَاقع لحينه.
فَإِن أردْت أَن تجْعَل الْوَقْت ظرفا للدّعاء صرّحت بِلَفْظ فَقلت: بعد الْجُمُعَة أَدْعُو بِكَذَا وألفظه وَنَحْوه لأنّ الظّروف إنّما تقيّد بهَا الْأَحْدَاث الْوَاقِعَة خَبرا أَو أمرأً أَو نهيا وَأما غَيرهَا من الْمعَانِي كالعقود وَالْقسم والدّعاء وَالتَّمَنِّي والاستفهام فإنّها وَاقعَة لحين النُّطْق بهَا.
فَإِذا قَالَ: بعد بعد الْحول وَالله لأخرين فقد انْعَقَد الْيَمين حِين ينْطق بِهِ وَلَا يَنْفَعهُ أَن يَقُول: أردْت أَن لَا أوقع الْيَمين إلاّ بعد الْحول فإنّه لَو أَرَادَ ذَلِك قَالَ: بعد الْحول أَحْلف أَو ألفظ بِالْيَمِينِ.
فأمّا الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر فإنّما تقيّدت بالظروف لأنّ الظروف فِي الْحَقِيقَة إنّما يَقع فِيهَا الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ أَو الْمخبر بِهِ دون الْأَمر وَالْخَبَر فإنّهما واقعان لحين النُّطْق بهما فَإِذا قلت: اضْرِب
قلو أنّ لبيداً قَالَ: إِلَى الْحول ثمّ
(4/338)

السّلام عَلَيْكُمَا كَانَ مُسلما لحينه وَقد أَرَادَ إنيّ لَا ألفظ بِالتَّسْلِيمِ والوداع إلاّ بعد الْحول وَلذَا ذكر الِاسْم الَّذِي هُوَ اللَّفْظ ليَكُون بعد الْحول ظرفا. انْتهى كَلَام السُّهيْلي.
وَالْمرَاد من قَوْله: ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا الْكِنَايَة عَن الْأَمر بترك مَا كَانَ أَمرهمَا بِهِ وَهُوَ سَلام توديع. وأتى بثمّ لأنّها للتراخي والمهلة. وَقد تعسّف قومٌ لإِخْرَاج الِاسْم عَن الزِّيَادَة بِجعْل السَّلَام اسْم الله تَعَالَى ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم: عَلَيْكُمَا اسْم فعل أَي: الزما اسْم الله واتركا ذكري.
وَفِيه أنّ تَقْدِيم اسْم العفل لَا يجوز إلاّ عِنْد الكسائيّ على أنّ الرِّوَايَة رفع اسمٍ لَا نَصبه.
وَقَالَ جماعةٌ مِنْهُم شَارِح اللبّ: إنّ الْمَعْنى ثمَّ حفظ الله عَلَيْكُمَا كَمَا يُقَال للشَّيْء المعجب: اسْم الله عَلَيْك تعويذاً لَهُ من السوء. فَفِي ذكر الِاسْم تفخيم وصيانة للمسمّى عَن الذّكر.
وَقَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَة المفصّل: أجَاب بَعضهم بأنّ السّلام هُنَا اسمٌ من أَسمَاء الله تَعَالَى والسّلام عبارةٌ من التَّحِيَّة وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ وَلكنه شرّفه بِأَن أَضَافَهُ إِلَى الله تَعَالَى لأنّه أبلغ فِي التَّحِيَّة كَأَنَّهُ يَقُول: لَو وجدت سَلاما أشرف من هَذَا لحيّيتكم بِهِ ولكنّي لَا أَجِدهُ لِأَنَّهُ اسْم السَّلَام. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل: قَوْله ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا أَي: حفظ)
الله عَلَيْكُمَا وَالِاسْم مقحم وثمّ تسْتَعْمل فِي معنى التّرْك والإعراض. هَذَا كَلَامه وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْخبط الظَّاهِر.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للبيد بن ربيعَة بن عَامر الصّحابيّ وَقد تقدّمت
(4/339)

تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
رُوِيَ أنّه لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لَا بنتيه:
(تمنّى ابنتاي أَن يعِيش أَبوهُمَا ... وَهَا أَنا إلاّ من ربيعَة أَو مُضر)
(فقوما وقولا بِالَّذِي تعلمانه ... وَلَا تخمشا وَجها وَلَا تحلقا شعر)
(وقولا: هُوَ الْمَرْء الَّذِي لَا صديقه ... أضاع وَلَا خَان الْخَلِيل وَلَا غدر)
إِلَى الْحول ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... ... ... ... الْبَيْت وَبعد وَفَاته كَانَتَا تلبسان ثيابهما فِي كلّ يَوْم وتأتيان مجْلِس جَعْفَر بن كلاب قبيلته فترثيانه وَلَا تعولان فأقامتا على ذَلِك حولا كَامِلا ثمَّ انصرفنا.
وَقَوله: تمنّى ابنتاي هُوَ مضارع وَأَصله تتمنّى بتاءين. وَزعم بَعضهم أنّه فعل مَاض وَلَو كَانَ كَمَا زعم لقَالَ تمنت وَلَا مُوجب لحمله على الضَّرُورَة.
وَقَوله: وَهل أَنا الخ أَي: جَمِيع آبَائِي من ربيعَة أَو مُضر قد مَاتُوا وَلم يسلم أحدٌ مِنْهُم من وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات المفصّل مَعْنَاهُ: وَمَا أَنا إلاّ من الْكِرَام الْأَشْرَاف وَمن كَانَ مِنْهُم لَا يعِيش طَويلا لأنّ الْكِرَام قَليلَة الْأَعْمَار وَهَذَا كَلَامه وَلَيْسَ هَذَا معنى الشّعْر ويكذّبه أَن لبيداً من المعمّرين كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته.
وَقَوله: فقوما الْفَاء فصيحةٌ لأنّ الْمَعْنى إِذا ثَبت أَنِّي ربيعَة أموات كَمَا مَاتُوا فقوما بعد موتِي للعزاء وقولا فِي الرثاء مَا تعلمانه من الصِّفَات الحميدة وابكيا إِن أردتما وَلَا تخمشا بأظافير كَمَا وَلَا تحلقا شعركما.
ويقدّر ابكيا لقَوْله وَلَا تخمشا الخ وَذَلِكَ أنّ خَمش الْوَجْه وَحلق الشّعْر لَا يكون إلاّ مَعَ
(4/340)

الْبكاء والبكاء مُبَاح مَا لم يكن فِيهِ خَمش الْوَجْه وَحلق الشّعْر وَلَطم خدّ.
وَقَوله: لَا صديقه مفعول مقدم لقَوْله أضاع ومفعول غذر مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الْخَلِيل أَو أنّ غذر منّزل منزلَة اللَّازِم أَي: لم يحصل مِنْهُ غدرٌ لأحد.
وَقَوله: إِلَى الْحول متعلّق بقوله: قوما أَي: امتثلا مَا قلت لَكمَا إِلَى الْحول وإنّما قَالَ إِلَى الْحول)
لأنّ الزَّمَان ساعاتٌ وأيامٌ وجمعٌ وشهورٌ وسنون والسّنون هِيَ النِّهَايَة فالحول وَالسّنة مدّة هِيَ نِهَايَة الزَّمَان فِي التَّقْسِيم إِلَى أَجْزَائِهِ.
وَيُمكن أَن يكون ذَلِك لما رُوِيَ فِي بعض الْآثَار: أَن أَرْوَاح الْمَوْتَى لَا تَنْقَطِع من التردّد إِلَى مَنَازِلهمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى سنة كَامِلَة فكأنّه إنّما أَمرهمَا بِمَا ذكر من الذّكر والدّعاء وَغير ذَلِك ليشاهد ذَلِك مِنْهُمَا وَلذَلِك قَالَ: وَمن يبك جولاً الخ.
وَقَالَ بَعضهم: إنّما وقّت بالحول لأنّه مدّة عزاء الْجَاهِلِيَّة وَهَذَا لَا يصحّ هُنَا لِأَنَّهُ قَائِله صحابيّ واعتذر بِمَعْنى أعذر أَي: صَار ذَا عذر كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَالْخطاب فِي قَوْله: عَلَيْكُمَا لابنتيه كَمَا تقدّم وَمِنْه يعلم غَفلَة بعض شرّاح المفصّل فِي قَوْله: الْمَعْنى بَكَيْت عَلَيْكُمَا أَيهَا الخليلان ثمَّ السَّلَام عَلَيْكُمَا يَعْنِي تركت الْبكاء فإنّ من يبكي حولا فقد مضى حقّ الْخَلِيل.
وعجيبٌ من صَاحب الْكَشْف فِي سُورَة الْمُؤمن قَوْله: إنّ لبيداً قَالَ ذَلِك يرثي أَخَاهُ لأمّه وَهُوَ أَرْبَد وَابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل لما أصابهما مَا أصابهما بدعوة من النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(4/341)

تَتِمَّة رَأَيْت فِي التَّذْكِرَة الحمدونية أنّ الْحسن ابْن الْحسن بن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لما مَاتَ قَامَت زَوجته بنت الْحُسَيْن على قَبره سنة ثمَّ رفعت الْفسْطَاط وأنشدت: إِلَى الْحول ثمنّ السّلام عَلَيْكُمَا ... ... ... الْبَيْت فَسمع صوتٌ من جَانب الْقَبْر: أهلٌ وجدوا مَا طلبُوا وَسمع من الْجَانِب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.
وَمثل هَذَا مَا رَوَاهُ ان الزّجاجيّ فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى بِسَنَدِهِ عَن إِسْمَاعِيل بن يسَار قَالَ: مَاتَ ابنٌ لأرطاة بن سهيّة المرّيّ فَلَزِمَ قَبره حولا يَأْتِيهِ بِالْغَدَاةِ فيقف عَلَيْهِ فَيَقُول: أَي عَمْرو هَل أَنْت رائحٌ معي إِن أَقمت عنْدك إِلَى العشيّ ثمَّ يَأْتِيهِ بالمساء فَيَقُول مثل ذَلِك فَلَمَّا كَانَ بعد الْحول أنشأ متمثّلاً: الطَّوِيل إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... ... . . الْبَيْت وَأنْشد بعد هَذَا أبياتاً جيّدة فِي هَذَا الْبَاب رَوَاهَا الزجّاجيّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من أَبْيَات المفصّل أَيْضا:
(4/342)

الطَّوِيل
(تداعين باسم الشّيب فِي متثلّم ... جوانبه من بصرة وَسَلام)
لما تقدّم قبله: من أنّ اسْما مقحمٌ. قَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَته على المفصّل: ردّ هَذَا بعض الْمُتَأَخِّرين وَقَالَ: لَو كَانَ الْبَيْت على إقحام الِاسْم لقَالَ باسم شيب والشاعر إنّما قَالَ باسم الشّيب بِالْألف وَاللَّام وَلَفْظهمَا غير مَوْجُود فِي صَوت الْإِبِل فإنّما أَرَادَ تداعين بِصَوْت يشبه فِي اللَّفْظ اسْم الشيب أَعنِي جمع أشيب. انْتهى.
أَقُول: وجود أل لَا يضرّ فإنّها زيدت فِي الْحِكَايَة لَا أنّها من المحكيّ على أنّ الصّاغانيّ قَالَ فِي الْعباب: الشّيب حِكَايَة أصوات مشافر الْإِبِل عِنْد الشّرْب. وَأورد هَذَا الْبَيْت.
وَالنُّون فِي تداعين ضمير القلص أَي: النوق الشوابّ. والْمُتَثَلِّم: بِكَسْر اللَّام المشدّدة وَهُوَ المتهدّم والمتكسّر أَرَادَ الْحَوْض المتثلّم. وَجُمْلَة جوانبه من بصرة صفة المتثلّم. والْبَصْرَة بِفَتْح الْمُوَحدَة: حِجَارَة رخوة فِيهَا بَيَاض وَقيل تضرب إِلَى السوَاد. والسّلام بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لذِي الرّمّة تقدّم شرح بَعْضهَا مَعَ هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقد وصف إبِلا وارداتٍ على حَوْض متهدّم فشربن المَاء فَيَقُول: دَعَا بعض الْإِبِل بَعْضًا إِلَى الشّرْب بِصَوْت مشافرها عِنْد شرب المَاء من ذَلِك الْحَوْض أَي: إِذا سمع كلٌّ مِنْهَا صَوت
(4/343)

تجرّع المَاء من الآخر ازْدَادَ رلاغبةً فِي الشّرب فَكَانَ ذَلِك كأنّه دعاءٌ إِلَى الشّرْب.
وَأنْشد بعد وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع بعد الثلاثمائة)
الْبَسِيط
(لاينعش الطّرف إلاّ مَا تخونه ... دَاع يُنَادِيه باسم المَاء مبغوم)
على أنّ اسْما مقحم. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي شرح المفصّل: النداء إنّما هُوَ بِاللَّفْظِ فَلَو حمل الِاسْم على اللَّفْظ لختلّ الْمَعْنى. وَالَّذِي يَجْعَل الِاسْم المسمّى فِي قَوْله ثمّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا يَجعله من بَاب ذَات يَوْم ويتأول قَوْله باسم المَاء على أَن المُرَاد بمسمّى هَذَا اللَّفْظ ويجعله دَالا على قَوْلك مَاء وَهُوَ حِكَايَة بغام الظّبية.
ويقوّي ذَلِك اسْتِعْمَاله اسْتِعْمَال رجل وَفرس بِإِدْخَال اللامعليه وخفضته وإضافته وَلَوْلَا تَقْدِيره اسْما لذَلِك لم يجرهذا المجرى. انْتهى.
قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: ذهب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى زِيَادَة الِاسْم فِي قَوْله ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَفِي قَوْله باسم المَاء مبغوم وَنحن نقُول إِن فِيهِ محذوفاً أَي: اسْم معنى السَّلَام ... إِلَى آخر مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ قبل هَذَا.
وَزِيَادَة الِاسْم هُنَا لَا تتّجه لأنّ الدّاعي هُنَا هُوَ الظبية وإنّما دعت وَلَدهَا بقولِهَا: مَاء مَاء فَلَو كَانَ على إقحام الِاسْم لقالت باسم مَاء مَاء وَالْمَاء بِالْألف وَاللَّام لَيْسَ إلاّ المَاء المشروب فَكيف يُرِيد حِكَايَة صَوتهَا ولكنّ الشَّاعِر
(4/344)

ألغز حَيْثُ أوقع الِاشْتِرَاك بَين لفظ المَاء وصوتها كَأَنَّهُ اللَّفْظ المعبّر بِهِ عَن المَاء المشروب. كَذَا فِي حَاشِيَة المفصّل للشّلوبين.
وَهَذَا كلّه مَأْخُوذ من كَلَام أبي عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر قَالَ: فَإِن قيل إنّ هَذَا من قبيل غاق يَعْنِي الصَّوْت فَكيف ألحق لَام التَّعْرِيف وَقَالَ آخر: ونادى بهَا ماءٍ إِذا ثار ثورةً على الْقيَاس فَالْقَوْل فِيهِ أَن قَوْله باسم المَاء إِن شِئْت قلت إنّ تَقْدِيره يُنَادِيه بِالْمَاءِ وَالِاسْم دُخُوله وَخُرُوجه سَوَاء كَقَوْلِه: ثمّ ام السَّلَام عَلَيْكُمَا. وإ شِئْت
جعلت الِاسْم المسمّى على الإتباع لمصاحبته لَهُ وَكَثْرَة الملابسة. وَإِن شِئْت قلت: إنّ التَّقْدِير يُنَادِيه باسم معنى المَاء فَحذف الْمُضَاف وَاسم معنى المَاء هُوَ المَاء فَيكون التَّقْدِير باسم مَاء وَتَكون أل فِيهِ زَائِدَة لأنّها لم تلْحق هَذَا الْقَبِيل أَلا ترى أنّهم لم يلحقوه غاق وصه وَنَحْوه. انْتهى كَلَامه مُخْتَصرا.
وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرّمّة تغزّل فِيهَا بمحبوبته خرقاء ومطلعها:)
(أأن توهّمت من خرقاء منزلَة ... مَاء الصبّابة من عَيْنَيْك مسجوم)
وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد:
(كأنّها أمّ ساجي الطّرف أخذلها ... مستودعٌ خمر الوعساء مرخوم)
(كَأَنَّهُ بالضّحى يرْمى الصّعيد بِهِ ... دبّابةٌ فِي عِظَام الرّأس خرطوم)
لَا ينعش الطّرف ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(4/345)

وَقَوله: كَأَنَّهَا أَي: كأنّ خرقاء أمّ غزال ساجٍ طرفه والسّاجي: السَّاكِن للحداثة. وأخذلها أَي: خلّفها عَن قطيعها فأقامت عَلَيْهِ فخذلت هِيَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَهِي خاذل وَهُوَ خاذل. والْمُسْتَوْدع فَاعل أخذلها وَهُوَ اسْم مفعول أَرَادَ بِهِ الغزال يَقُول: استودعته أمّه خمر الوعساء خوفًا عَلَيْهِ. والوعساء: الأَرْض الليّنة لَا يبلغ تربها أَن يكون رملاً. وَيُقَال الوعساء رابيةٌ من رمل.
والْخمر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم: الشّجر السَّاتِر. ومرخوم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: مَحْبُوب يُقَال: ألْقى عَلَيْهِ رخمته وَإِن عَلَيْهِ الرَّحْمَة بِالتَّحْرِيكِ أَي: محبّة.
وَقَوله: كأنّه أَي: كأنّ الغزال فِي وَقت الضّحى سَكرَان رَمَاه على الصَّعِيد الْخمر. والصَّعِيد: الأَرْض. والدبّابة: الْخمر وَإِنَّمَا شبّه الغزال فِي ضعفه وَغَلَبَة النعاس عَلَيْهِ وفتور عِظَامه بالسّكران الَّذِي غلبت عَلَيْهِ الْخمر.
وَقَوله: لَا ينعش الطّرف الخ فَاعل ينعش ضمير ساجي الطّرف وَهُوَ الغزال والطرف مَفْعُوله ونعش كرفع معنى ووزناً ومضارعهما مقتوح الْعين.
وَرُوِيَ أَيْضا: لَا يرفع الطّرف: يصفه بِكَثْرَة النّوم لأنّه يغلب على الطِّفْل لرطوبة مزاجه. يَقُول: لَا يرفع طرفه وَلَا جفن عينه من شدّة نعاسه إلاّ أَن تَأتي إِلَيْهِ أمّه فَيسمع حسّها أَو صَوتهَا فَعِنْدَ ذَلِك ينتعش وَيقوم. والتخوّن: التعهد يُقَال للحمّى: تتخوّن فلَانا أَي: تتعهده وأصل التخوّن التنقصّ وَيُقَال: تخوّنني فلانٌ حقّي إِذا تنقّصك.
قَالَ الجوهريّ: يَقُول: الغزال ناعس لَا يرفع طرفه إِلَّا أَن تَجِيء أمّه وَهِي المتعهدة لَهُ وَيُقَال: إلاّ مَا تنقّصه نَومه دُعَاء أمّه لَهُ. وتخوّنه فعل مَاض فَاعله داعٍ المُرَاد بِهِ أمّه.
وَأَخْطَأ المظفريّ فِي شرح المفصا حَيْثُ قَالَ: تخوّنه فعل مضارع حذف مِنْهُ التَّاء وداع بدل من الضَّمِير فِي تخوّنه وَهِي الظّبية. انْتهى.
(4/346)

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أنّه صفة داعٍ بِمَعْنى أنّه يجِيبه وَلَده بِمَاء مَاء أَيْضا. وَقيل هُوَ خير مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: دعاؤه مبغوم فَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي دَاع من الدُّعَاء وَمَعْنَاهُ دُعَاء ذَلِك الدَّاعِي بغامٌ غير مَفْهُوم. وَقيل فَاعل يُنَادِيه. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ تعسّف. ويناديه صفة لداع قدم الْوَصْف الجمليّ على الْوَصْف الْمُفْرد. وَقيل يُنَادِيه حَال من داعٍ وَفِيه نظر لأنّه يلْزم الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة ذِي الرّمّة فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي اوائل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل: الوافر
(ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذّئب كالرّجل اللّعين)
على أَن لفظ مقَام مقحم وَإِلَيْهِ ذهب الزمخشريّ فِي المفصّل
(4/347)

والبيضاويّ فِي اللبّ قَالَ شَارِحه السَّيِّد عبد الله: وَفِيه نظر لأنّه يُفِيد تَأْكِيد نفي الذِّئْب لأنّه إِذا نفى مَوضِع قِيَامه فقد نَفَاهُ قطعا.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: وَلمن خَافَ مقَام ربّه رعبٌ لَا يفِيدهُ لَو لم يذكر الْمقَام. انْتهى.
وَهَذَا هُوَ أجَاب بِهِ الشَّارِح المحقّق وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الكشّاف فِي حم السَّجْدَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: ونأى بجانبه على أنّه يوضع الْجَانِب مَوضِع
النَّفس فَإِنَّهُ ينزّل جَانب الشَّيْء ومكانه وجهته منزلَة وجهته منزلَة نَفسه فَيُقَال: حَضْرَة فلَان ومجلسه وكتبت إِلَى جَانِبه وجهته وَالْمرَاد نَفسه وَمِنْه مقَام الذِّئْب وَهُوَ لبذئب نَفسه.
وسبقهم إِلَى هَذَا ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي فَإِنَّهُ قَالَ: مقَام الذِّئْب أَرَادَ الذِّئْب نَفسه أَي: وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة عدّتها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا للشمّاخ بن ضرار وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة مدح بهَا عرابة بن أَوْس. وَلَيْسَ لذِي الرمة كَمَا زعم الْعَلامَة)
الشّيرازيّ فِي سُورَة الرَّحْمَن وَتَبعهُ الْفَاضِل اليمني. وَهَذَا بعد مطْلعهَا:
(وماءٍ قد وَردت لوصل أروى ... عَلَيْهِ الطّير كالورق اللّجين)
(ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذّئب كالرّجل اللّعين)
(4/348)

إِلَى أَن قَالَ مُخَاطبا لناقته:
(إِذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بِدَم الوتين)
(رَأَيْت عرابة الأوسيّ يسمو ... إِلَى الْخيرَات مُنْقَطع القرين)
(أَفَادَ سماحةً وَأفَاد مجداً ... فَلَيْسَ كجامدٍ لحزٍ ضنين)
(إِذا مَا ريةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ)
(فَنعم المرتجى ركدت إِلَيْهِ ... رحى حيزومها كرحى الطّحين)
(إِذا ضربت على العلات حطت ... إِلَيْك حطاط هاديةٍ شنون)
(توائل من مصكٍِّ أنصبته ... حوالب أسهريّه بالذّنين)
(مَتى ينل القطاة يَرك عَلَيْهَا ... بحنو الرّأس معترض الجبين)
(طوت أحشاء مرتجةٍ لوقتٍ ... على مشجٍ سلالته مهين)
إِلَى أَن قَالَ:
(إِلَيْك بعثت رَاحِلَتي تشكّى ... هزالًا بعد مقحدها السّمين)
(إِذا بَركت على شرفٍ وَأَلْقَتْ ... عسيب جِرَانهَا كعصا الهجين)
(إِذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئٍ بالرّمل عين)
(كأنّ محاز لحييها حصاه ... جنابا جلد أجرب ذِي غُضُون)
وَهَذَا الْمِقْدَار نصف القصيدة وإنّما سقناه لِأَن فِيهِ شَوَاهِد.
وَقَوله: وَمَاء قد وَردت الخ الْوَاو وَاو ربّ وجوابها قَوْله الْآتِي: ذعرت. وأروى: اسْم الْمَرْأَة. واللّجين بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم قَالَ شَارِح
(4/349)

ديوانه هُنَا: اللجين الَّذِي قد ركب بعضه بَعْضًا فتلجّن كَمَا يتلجّن الخطميّ ويتلزج.
وَيُقَال: اللجين: المبلول من الْوَرق وَغَيره تَقول لجنته إِذا بللته. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ: أما الطير فيرتفع بلظرف بِلَا خلاف وَأما قَوْله: كالورق اللّجين فإنّه يحْتَمل ضَرْبَيْنِ:)
أَحدهمَا: أَن يكون حَالا من الطير وَالْآخر: أَن يكون وَصفا للْمَاء تَقْدِيره: وَمَاء كالورق اللجين وَمثل قَوْله: وَمَاء كالورق اللجين فِي الْمَعْنى قَول عَلْقَمَة: الطَّوِيل
(فأوردته مَاء حَماما كأنّه ... من الأجن حنّاءٌ مَعًا وصبيب)
فَكَمَا شبّه خثورة المَاء لتقادم عَهده بالواردة بالحنّاء كَذَلِك شبّه الشمّاخ بالورق اللجين.
وَقَوله: عَلَيْهِ الطير على هَذَا قد حذف مِنْهُ الْمُضَاف. وَمثل ذَلِك قَول الهذليّ: المتقارب
(تجيل الْحباب بأنفاسها ... وتجلو سبيخ جفال النّسال)
السبيخ: مَا نسل من ريش الطير.
وَقَالَ الْأَعْشَى: الْخَفِيف
(وقليب أجنٍ كأنّ من الرّ ... يش بأرجائه سُقُوط نصال)
وَإِن جعلت كالورق اللجين حَالا للطير صَار فِيهِ ضَمِيره وَيكون معنى عَلَيْهِ الطير أنّ الطير اتَّخذت فِيهِ الأوكار لخلائه وَكَثْرَتهَا عَلَيْهِ وَقلة من يردهُ
(4/350)

فالطير لكثرتها عَلَيْهِ وتكابسها فِيهِ كالورق اللجين.
وَمثل ذَلِك فِي الْمَعْنى قَول الرَّاعِي: الوافر
(بدلوٍ غير مكربةٍ أَصَابَت ... حَماما فِي جوانبه فطَارَا)
كأنّه استقى بسقرةٍ فَلذَلِك لم تكن مكربة وَالطير قد اتَّخذت فِيهِ الأوكار للخلاء. فَقَوله: كالورق اللجين مثل قَوْلك صائداً بِهِ وصائد بِهِ بعد قَوْلك:
مَرَرْت بِرَجُل مَعَه صقر. فَجَعَلته مرّة حَالا من الْهَاء فِي مَعَه وَأُخْرَى صفة لرجل. انْتهى.
وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل: اللجين: السَّاقِط من ورق الشجرعند الضَّرْب بالعصا. قَالُوا: الْمَعْنى اجْتمعت على ذَلِك الطير شَبيهَة بالورق السَّاقِط من الشّجر فِي اصفراره لأنّه فِي القفر فَلَا يردهُ واردٌ من النَّاس.
وَقَوله: ذعرت بِهِ القطا الخ يُرِيد أنّه جَاءَ إِلَى متنكراً. وذعرت: خوّفت ونفرّت. ونفيت: طردت وأبعدت. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي وخصّ الذِّئْب والقطا لأنّ القطا أهْدى الطير وَالذِّئْب أهْدى السبَاع وهما السابقان إِلَى المَاء.
قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: ذعرت القطا بذلك المَاء ونفيت عَن ذَلِك المَاء مقَام الذِّئْب أَي: وَردت المَاء فَوجدت الذِّئْب عَلَيْهِ فنحّيته عَنهُ أَرَادَ مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين المنفيّ المقصى.)
انْتهى.
فاللعين على هَذَا بِمَعْنى الطّريد وَهُوَ وصف للرجل وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: اللعين المطرود وَهُوَ الَّذِي خلعه أَهله لِكَثْرَة جناياته. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم
(4/351)

فِي شرح أَبْيَات المفصّل: اللعين: المطرود الَّذِي يلعنه كلّ أحد وَلَا يؤويه أَي: هَذَا الذِّئْب خليعٌ لَا مأوى لَهُ كَالرّجلِ اللعين. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: الرجل اللّعين: شَيْء ينصب فِي وسط الزّرع يستطرد بِهِ الوحوش. وانشد هَذَا الْبَيْت.
وَقد أغرب أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي بقوله: كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غدر وأخفر الذِّمَّة جعل لَهُ مثالٌ من طين وَنصب وَقيل: أَلا إنّ فلَانا قد غدر فالعنوه كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل
(فلنقتلنّ بخالدٍ سرواتكم ... ولنجعلنّ لظالمٍ تمثالا)
فالرجل اللعين هُوَ هَذَا التمثال. هَذَا كَلَامه. فَلْينْظر على هَذَا مَا معنى الْبَيْت.
وَكَذَلِكَ فِي قَول أبي عُبَيْدَة خفاءٌ حَيْثُ قَالَ: إنّما يُرِيد مقَام الذِّئْب اللعين كَالرّجلِ نَقله عَنهُ ابْن قُتَيْبَة: فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَأَبُو عليّ: فِي الْمسَائِل البصرية.
وَقَوله: إِذا بلغتني وحملت رحلي الْبَيْت قَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قد أحسن كلّ الْإِحْسَان فِي هَذَا الْبَيْت يَقُول: لست أحتاج إِلَى أَن أرحل
(4/352)

إِلَى غَيره. وَقد عَابَ بعض الروَاة قَوْله: فاشرقي بِدَم الوتين وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن ينظر لَهَا مَعَ استغنائه عَنْهَا.
وتقدّم نقل مَا اعْترض النَّاس عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت بِسوء مكافأته لناقته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة.
وَقَوله: أَفَادَ سماحة الخ قَالَ الجوهريّ: أفدت المَال: أَعْطيته غَيْرِي وأفدته: استفدته. والجامد بِالْجِيم الْيَابِس كِنَايَة عَن الشحّ. واللّحز بِفَتْح اللَّام وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَآخره زاء مُعْجمَة هُوَ الْبَخِيل الضيّق الْخلق والضّنين: الْبَخِيل.
وَقَوله: تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الْيَمين القوّة قَالَ الله تَعَالَى: لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. وَقَالَ بَعضهم: بِيَمِينِهِ لَا بِشمَالِهِ. وَالْيَمِين عِنْدهم أَحْمد بن الْيُسْرَى.
وَقَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قَالَ أَصْحَاب الْمعَانِي: معنلاه بِالْقُوَّةِ. وَقَالُوا مثل ذلم فِي قَوْله تَعَالَى: والسّموات مطويّات بِيَمِينِهِ. قَالَ المبّرد: وَكَانَ هَذَا الشّعْر ارْتِفَاع عرابة بن أَوْس.)
وَسبب الشّعْر أنّ عرابة قد من سفر فَجَمعه والشمّاخ الطَّرِيق فتحادثا فَقَالَ لَهُ عرابة: مَا الَّذِي أقدمك الْمَدِينَة قَالَ: قدمت لأمتار مِنْهَا فَمَلَأ لَهُ عرابة
رواحله برّاً وَتَمْرًا وأتحفه بِغَيْر ذَلِك فَقَالَ الشّماخ هَذَا الشّعْر.
(4/353)

وَقَالَ مُعَاوِيَة لعرابة بن أَوْس: بِمَ سدت قَوْمك قَالَ: لست بسيّدهم ولكنّي رجلٌ مِنْهُم. فعزم عَلَيْهِ فَقَالَ: أَعْطَيْت فِي نائبتهم وحملت عَن سفيههم وشددت على يَدي حليمهم فَمن فعل مِنْهُم مثل فعلي فَهُوَ مثلي وَمن قصّر عَنهُ فَأَنا أفضل مِنْهُ وَمن تجاوزني فَهُوَ أفضل منّي.
وَقَوله: فَنعم المرتجى الخ الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف أَي: عرابة. وركدت إِلَيْهِ أَي: بَركت عِنْد عرابة وَيُقَال دَامَ سَيرهَا إِلَيْهِ والراكد: الْقَائِم. الْبَعِير. وَالْإِبِل تُوصَف بصغر الكركرة وشبّه رحى حيزومها برحى الطّحين فِي الصّلابة لَا فِي الْعظم فَإِنَّهُ عيب.
وَقَوله: إِذا ضربت على العلاّت الخ يَقُول: إِذا ضربت على مَا كَانَ بهَا من عِلّة حطت إِلَيْك أَي: اعتمدت عَلَيْك اعْتِمَاد هاديةٍ أَي: أتان مُتَقَدّمَة. والشّنون بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وضمّ النُّون بَين السمين والمهزول.
وَقَوله: توائل من مصكّ الخ توائل تفَاعل من وأل بِمَعْنى نجا أَي: تنجو وتهرب تِلْكَ الأتان من مصكّ أَي: حمَار شَدِيد بِكَسْر الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَالْكَاف مُشَدّدَة. وأنصبته: من النّصب وَهُوَ التَّعَب. وحوالب فَاعل أنصبته وَهِي مَا تحلّب وسال من أَنفه وَذكره أَي: ذكره يذنّ بِمَاء ظَهره فهما حوالب أسهريه لشدّة شبقه. والذّنين بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة ونونين الشَّيْء الَّذِي يسيل وَيجْرِي وَقد ذنّ يذنّ ذنيناً إِذا سَالَ وَجرى.
وَقَالَ
(4/354)

أَبُو عُبَيْدَة: حوالب أسهريه هما عرقا الذّكر اللَّذَان يظهران إِذا أنعظ. وَيُقَال الأسهران: عرقان فِي أصل الْقَفَا يجْرِي فيهمَا المَاء حتّى يبلغ الذّكر. وَيُقَال: اللذنين: الذّكر. كَذَا قَالَ شَارِح الدِّيوَان.
وَقَوله: مَتى ينل القطاة الخ أَي: مَتى ينل الْحمار قطاة الأتان وَهُوَ مَوضِع الرّدف يَرك ليها أَي: يتورّك عَلَيْهَا. وحنو الرَّأْس بِكَسْر الْمُهْملَة: جَانب الرَّأْس. وفوقه: معترض الجبين أَي: جَبينه فِي نَاحيَة من شدّة نشاطه.
وَقَوله: شجّ بالرّيق أَي: غصّ ذَلِك الْحمار بريقه إِذْ حرمت عَلَيْهِ وَذَلِكَ أنّها حاملٌ وَهِي)
مُحصنَة الْفرج يَعْنِي الأتان. والواسقة: الحاملة. والْجَنِين: الْوَلَد فِي بَطنهَا. فَلَيْسَ فِي الأَرْض أُنْثَى تحمل فَتمكن الْفَحْل مَا خلا الْمَرْأَة.
وَقَوله: طوت أحشاء الخ أَي: هَذِه الأتان ضمّت أحشاء مرتجة أَرَادَ رَحمهَا أَي: أغلقت رَحمهَا على مَاء الْفَحْل. والمشج بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين: مَاء الْفَحْل مَعَ الدَّم وَقيل مَاء الْفَحْل والأتان جَمِيعًا يختلطان. وسلالته أَي: مَاؤُهُ وَهُوَ فَاعل مشج وَيُقَال: السلالة الْوَلَد وَهُوَ الرَّقِيق. ومهين: ضَعِيف وَهُوَ صفة مشج.
كَذَا قَالَ شَارِح الدِّيوَان. وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب الكشّاف عَنهُ قَوْله تَعَالَى: أمشاجٍ نبتليه على أنّه يُقَال: مشجٌ كَمَا يُقَال أمشاج وَكِلَاهُمَا مُفْرد.
قَالَ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضرٌ الموصليّ: يجوز أَن يكون سلالته مُبْتَدأ وَخَبره مهين وَإِنَّمَا لم تؤنئ إمّا لأنّه فعيل بِمَعْنى مفعول أَبُو بِمَعْنى فَاعل لكنه حمل عَلَيْهِ أَو لأنّ المُرَاد شَيْء مهين.
(4/355)

وَقد غفل عَن القوافي مَعَ أنّه أورد القصيدة فإنّها مجرورة فمهين مجرور لَا مَرْفُوع حتّى يَصح أَن يَقع خبر الْمُبْتَدَأ.
وَالْمعْنَى أنّ هَذِه الأتان أطبقت رَحمهَا إِلَى وَقت الْولادَة على النّطفة فَلَا تمكّن الْحمار مِنْهَا فَهِيَ تهرب مِنْهُ تهرب مِنْهُ بأشدّ مَا يكون فناقة الشّماخ تشبه هَذِه الأتان فِي الْإِسْرَاع للتوجّه إِلَى هَذَا الممدوح.
وَقَوله: إِلَيْك بعثت الخ المقحد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة: السّنام.
وَقَوله: إِذا بَركت على شرف الخ الشّرف بِفتْحَتَيْنِ: الْموضع العالي. والعسيب هُنَا: عظم الْعُنُق وَيَأْتِي بِمَعْنى عظم الذَّنب. والجران
بِكَسْر الْجِيم: بَاطِن الْعُنُق وَهُوَ الَّذِي يمسّ الأَرْض عِنْد مدّ عُنُقه عَلَيْهَا. وشبّه العسيب بَعْضًا الهجين لخفّته وَطوله. وخصّ الهجين لأنّ العبيد كَانُوا يرعون الْإِبِل ويستجدون الْعَصَا. وَجَوَاب إِذا هُوَ قَوْله: كَأَن محاز لحييها الْبَيْت الْآتِي.
وَقَوله: إِذا الأرطى توسّد الخ هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة. والأرطى: شجرٌ من أَشجَار الْبَادِيَة تدبغ بِهِ الْجُلُود وَهُوَ مفعول لفعل مَحْذُوف أَي: إِذا توسّد الأرطى.
وأبرديه بدل اشْتِمَال من الأرطى. وَمعنى توسّد أبرديه اتخذهما كالوسادة. والأبردان الظل والفيء سميّا بذلك لبردهما. والأبردان أَيْضا: الْغَدَاة والعشي. وخدود فَاعل توسّد.
والجوازئ: الظباء. وبقر الْوَحْش سميّت جوازئ لأنّها اجتزأت بِأَكْل النبت الْأَخْضَر عَن المَاء)
أَي: اكتفت بِهِ واستغنت عَن شرب المَاء. والْعين الواسعات الْعُيُون جمع عيناء. وَالْمعْنَى أنّ الوحوش تتَّخذ كناسين عَن جَانِبي الشّجر تستتر فيهمَا من حرّ الشّمس فترقد قبل زَوَال الشَّمْس فِي الكناس
(4/356)

الغربي فَإِذا زَالَت الشَّمْس إِلَى نَاحيَة الْمغرب وتحول الظلّ فَصَارَ فَيْئا زَالَت عَن الكناس الغربيّ ورقدت فِي الكناس الشرقيّ.
وَالْمعْنَى أَنه قطع الفلاة فِي الهاجرة حِين تفرّ الوحوش من حرّ الشَّمْس. يمدح نَفسه بذلك وَيُوجب على الممدوح رِعَايَة حقّه. فَقَوله: إِذا الأرطى ظرف لقَوْله بعثت فِي الْبَيْت السَّابِق وَلَيْسَ شرطيّة حتّى يقدّر لَهَا جَزَاء خلافًا لِابْنِ السَّيِّد.
وَقَوله: كَأَن محاز لحييها الخ هَذَا جَوَاب إِذا الأولى. أخبر أَنَّهَا تطأطئ رَأسهَا من الذُّبَاب فتلزقه بالحصى فتدفع الْحَصَى بلحييها. فَأخْبر أنّ تِلْكَ الأَرْض الَّتِي دفعت الْحَصَى عَنْهَا كَأَنَّهَا جلد أجرب لم يبْق عَلَيْهِ من الْوَبر إلاّ الْقَلِيل.
يَقُول: تقع مَعِيبَة فتمد جِرَانهَا فتفحص التُّرَاب والحصى فَكَأَن ذَلِك الفحص جناباً بِكَسْر الْجِيم أَي: ناحيتا جلدٍ أجرب. وَضمير حصاه للرمل.
وَقد ذكر أَبُو الْفرج الأصبهانيّ فِي الأغاني حِكَايَة مستظرفة لقَوْله إِذا الأرطى توسّد أبرديه
عَن المدائنيّ أنّ عبد الْملك بن مَرْوَان نصب الموائد يطعم النَّاس فَجَلَسَ رجلٌ من أهل الْعرَاق على بعض الموائد فَنظر إِلَيْهِ خادمٌ لعبد الْملك فَأنكرهُ فَقَالَ: أعراقيٌّ أَنْت فَقَالَ: نعم فَقَالَ: بل أَنْت جاسوس قَالَ: لَا قَالَ: بلَى. قَالَ: وَيحك دَعْنِي أتهنأ طَعَام أمبر الْمُؤمنِينَ وَلَا تنغّصه عليّ. ثمّ إِن عبد الْملك أقبل يطوف على الموائد فَوقف على تِلْكَ الْمَائِدَة فَقَالَ: من الْقَائِل:
(4/357)

إِذا الأرطى توسّد أبرديه وَمَا مَعْنَاهُ وَمن أجَاب فِيهِ أجزناه. فَقَالَ العراقيّ للخادم: أتحبّ أَن أشرح لَك ذَلِك قَالَ: نعم فَقَالَ هَذَا الْبَيْت يَقُوله عديّ بن زيد فِي صفة البطّيخ الرمسي. فَنَهَضَ الْخَادِم مَسْرُورا إلأى عبد الْملك فَأخْبرهُ فَضَحِك عبد الْملك حتّى سقط فَقَالَ لَهُ الْخَادِم: أَخْطَأت يَا مولَايَ أم أصبت فَقَالَ: بل أَخْطَأت. فَقَالَ: هَذَا العراقيّ لقّنني إِيَّاه. فَقَالَ: أيّ الرِّجَال هُوَ فَأرَاهُ إِيَّاه.
فَقَالَ: أَأَنْت لقنته هَذَا فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: صَوَابا لقّنته أم خطأ فَقَالَ فَقَالَ: بل خطأ.
فَقَالَ: وَلم قَالَ: لِأَنِّي كنت متحرماً بمائدتك فَقَالَ لي كَيْت وَكَيْت وَأَرَدْت أَن أكفّه عنّي)
وأضحكك مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: فَكيف الصَّوَاب فَقَالَ: هَذَا الْبَيْت يَقُوله الشمّاخ بن ضرار فِي صفة الْبَقر الوحشيّة الَّتِي جزأت بالرّطب عَن المَاء فَقَالَ: صدقت وَأمر لَهُ بجائزة ثمَّ وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(فَقلت انجوا عَنْهَا نجا الْجلد إنّه ... سيرضيكما مِنْهَا سنامٌ وغاربه)
(4/358)

. على أنّ الفرّاء يُجِيز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه إِذا اخْتلف اللفظان كَمَا فِي الْبَيْت فإنّ النّجاء وَالْجَلد مُتَرَادِفَانِ وَقد تضايقا.
وَهُوَ معنى قَول المراديّ فِي شرح الألفيّة: نجا الْجلد من إِضَافَة المؤكّد إِلَى الكؤكد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: النّجا مقصورٌ من قَوْلك: نجوت جلد الْبَعِير عَنهُ وأنجيته إِذا سلخته.
قَالَ الشَّاعِر يُخَاطب ضيفين طرقاة:
(فَقلت انجوا عَنْهَا نجا الْجلد ... إنّه ... ... ... الْبَيْت)
قَالَ الفرّاء: أضَاف النّجا إِلَى الْجلد لأنّ الْعَرَب تضيف الشَّيْء إِلَى نَفسه إِذا اخْتلف اللفظان كَقَوْلِك: عين الْيَقِين ولدار الْآخِرَة. وَالْجَلد نجاً مَقْصُور أَيْضا. انْتهى.
وَقَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود: والنّجا مَا سلخته عَن الشَّاة وَالْبَعِير يكْتب بِالْألف لأنّه من نجا ينجو. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت عَن الفرّاء عَن أبي الجرّاح. فَيكون أَصله نجو بِالتَّحْرِيكِ قلبت الْوَاو ألفا لتحرّكها وانفتاح مَا قبلهَا.
قَالَ الزّجاجيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ: معنى النّجوى فِي الْكَلَام مَا تنفرد بِهِ الْجَمَاعَة أَو الِاثْنَان سرّاً كَانَ أَو ظَاهرا وَمعنى نجوت الشَّيْء فِي اللُّغَة خلّصته وألقيته يُقَال نجوت الْجلد: إِذا أَلقيته عَن الْبَعِير وَغَيره وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم عليّ بن حَمْزَة البصريّ فِي التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة: لَا يُقَال فِي الْإِبِل سلخت وإنّما يُقَال فِيهَا خاصّة نجوت وجلّدت.
(4/359)

قَالَ أَبُو زيا: نجوت جلد الْبَعِير وجلّدت الْبَعِير تجليداً وَلَا تَقول سلخت إلاّ لعنقه فَإِنَّهُم يَقُولُونَ ذَلِك فِيهِ دون سَائِر الْجَسَد.
وَقَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: يُرِيد قشّرا عَنْهَا لَحمهَا وشحمها كَمَا يقشّر)
الْجلد فَإِنَّهَا سَمِينَة. وغاربها: مَا بَين السّنام والعنق.
وَيُؤْخَذ من هَذَا التَّفْسِير أَن النجا هُنَا اسْم مصدر بِمَعْنى النجو منصوبٌ على أنّه مفعول مُطلق وَلَيْسَ اسْما للجلد. فَلَا يكون كَمَا قَالَه الفرّاء. فتأمّل.
وَرَأَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح لِابْنِ بريّ نِسْبَة هَذَا الْبَيْت لعيد الرَّحْمَن بن حسّان بن ثَابت وَنقل العينيّ عَن الْعباب للصاغاني أنّه لأبي الْغمر الكلابيّ وَقد نزل عِنْده ضيفان فَنحر لَهما نَاقَة فَقَالَا: إنّها مَهْزُولَة. فَقَالَ: معتذراً لَهما: فَقلت انجوا الخ.
قَالَ: وَقَبله بيتان آخرَانِ وهما:
(وَردت وَأَهلي بَين قوّ وفردةٍ ... على مجزر تأوى إِلَيْهِ ثعالبه)
(فصادفت خيري كاهلٍ فاجآ بهَا ... يشفّان لَحْمًا بَان مِنْهُ أطايبه)
(4/360)

وَقد فتشت الْعباب فَلم أظفر فِيهِ بِشَيْء مِمَّا قَالَه وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. وقوّ بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْوَاو هُوَ وادٍ بالعقيق عقيق بني عقيل. وفردة بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا دَال ماءٌ من مياه نجدٍ لجرم. كَذَا فِي مُعْجم البكريّ. ومجزر بِكَسْر الزَّاي مَوضِع الجزر. وكَاهِل: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ كَاهِل بن أَسد بن خُزَيْمَة. وفاجأ: أَي أَتَى بَغْتَة. ويشفّان: من شفّه الهمّ يشفّه
بِالضَّمِّ أَي: هزله أَي: اللَّحْم الَّذِي ظهر مِنْهُ أطايبه قَالَا إِنَّه مهزول.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْعَاشِر بعد الثلاثمائة)
: الْخَفِيف
(ملكٌ أضلع البريّة لَا يو ... جد فِيهَا لما لَدَيْهِ كفاء)
على أنّ إِضَافَة أفعل التَّفْضِيل عِنْد أبي بكر بن السرّاج وَمن تبعه لفظّية لَا تفِيد تعريفاً بِدَلِيل هَذَا الْبَيْت فإنّ أضلع البريّة وَقع نعتاً لملك وَهُوَ نكرَة فَلَو كَانَت تفِيد التَّعْرِيف لما صحّ وُقُوعه نعتاً لنكرة.
قَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرّية: قَالَ أَبُو بكر فِي أفعل النَّاس نَحْو أشرف النَّاس وَأفضل الْقَوْم: إنّ هَذِه الْإِضَافَة فِي تَقْدِير الِانْفِصَال لأنّ مَا تضيفه من هَذَا الْقَبِيل يَنْبَغِي أَن يكون بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ بِدلَالَة امْتنَاع زيد أفضل الْحمير فَيجب أَن يقدّر الِانْفِصَال وإلاّ لم يجز لِئَلَّا تضيف الشَّيْء إِلَى نَفسه.
فَإِن قلت: فإنّ مَا يقدّر فِيهِ الِانْفِصَال نجد فِيهِ معنى الْفِعْل نَحْو ضَارب
(4/361)

وَلَيْسَ فِي أفعل معنى الْفِعْل قيل: هَذَا وإنّ قصّر عَن فَاعل فَإِن فِيهِ معنى الْفِعْل لنصبه الظّرْف فِي بَيت أَوْس: أحْوج سَاعَة ووصوله تَارَة بالحرف وَأُخْرَى بِنَفسِهِ نَحْو أعلم بِمن وأعلم من وَهَذَا مِمَّا يختصّ بِالْفِعْلِ.
فَإِن قلت: إِذا قدّرت فِيهِ الِانْفِصَال اقتصرت بِهِ على النكرَة كضارب زيد.
قَالَ: فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ. فَالْجَوَاب عِنْدِي نعم وَذَلِكَ قَوْله: ملك أضلع البريّة الْبَيْت. وَأما قَوْله: أحسن الْخَالِقِينَ فَيكون مَقْطُوعًا أَي: هُوَ أحسن الْخَالِقِينَ لأنّه مَوضِع ثَنَاء. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة الْحَارِث بن حلّزة وَهِي سابعة المعلّقات السَّبْعَة وَقد تقدّم جَانب مِنْهَا مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ وَقطعَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ ونقلنا فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَبَب نظمه لهَذِهِ الْمُعَلقَة وَفِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة أَيْضا.
وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد:
(فملكنا بذلك النّاس حتّى ... ملك الْمُنْذر بن مَاء السّماء)
...
(4/362)

(وَهُوَ الرّبّ والشّهيد على يو ... م الحيارين وَالْبَلَاء بلَاء)
ملكٌ أضلع البريّة ... ... ... . . الْبَيْت
وَقَوله: فملكنا بذلك فِي هَذَا الْبَيْت إقواء فإنّه مجرور القافية. وَقيل هَذَا الْبَيْت منحول إِلَيْهِ)
لَيْسَ من القصيدة.
وَقَوله: بذلك يَعْنِي بالعزّ والامتناع وبالحروب الَّتِي كَانَ الغلب لنا فِيهَا دللّنا النَّاس حتّى ملك الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء.
وَقَوله: وَهُوَ الربّ الخ الربّ عَنى بِهِ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء. والربّ فِي هَذَا الْموضع: السَّيِّد. والشَّهِيد الْحَاضِر. والحياران: بلدٌ وَهُوَ بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا مثّناة تحتيّة. يخبر أنّ الْمُنْذر كَانَ شهد يَوْم الحيارين. فإنّ الْمُنْذر غزا أهل الحيارين وَمَعَهُ بَنو يشْكر فأبلوا بلَاء حسنا وَكَانَ الْبلَاء فِي ذَلِك الْيَوْم بلَاء عَظِيما.
وَقَوله: ملك أضلع الخ خبرٌ آخر لقَوْله هُوَ فَيكون مشاركاً للرب ف يالخبريّة فإنّ الْأَخْبَار يجوز أَن يَأْتِي بَعْضهَا بالْعَطْف وَبَعضهَا بِدُونِهِ كَمَا هُنَا. وأضلع البريّة أَي: أشدّ الْبَريَّة إضطلاعا لما يحمّل أَي: هُوَ أحمل النَّاس لما يحمل من أَمر وَنهي وَعَطَاء وَغير ذَلِك.
وَقَوله: لَا يُوجد فِيهَا الخ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي الْبَريَّة أحدٌ يُكَافِئهُ وَلَا يَسْتَطِيع أَن يصنع مثل مَا يصنع من الْخَيْر. والكفاء بِالْكَسْرِ: الْمثل والنظير يُقَال: فلَان كفاءٌ لفُلَان أَي: كفءٌ لَهُ وَنَظِير.
وَرُوِيَ: ملك أضرع البريّة على
(4/363)

أنّه فعل مَاض أَي: أذلّ الْبَريَّة زقهرها فَمَا يُوجد فيهم من يُسَاوِيه فِي معاليه وَحِينَئِذٍ لَا شَاهد فِي الْبَيْت.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(وَلم أر قوما مثلنَا خير قَومهمْ ... أقلّ بِهِ منّا على قَومهمْ فخرا)
لما تقدّم قبله فإنّه وصف النكرَة وَهِي قوما بِخَير وَهُوَ بِمَعْنى التَّفْضِيل وَلَو كَانَت الْإِضَافَة معنوية للتعريف لما وَقع صفة للنكرة.
قَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَة المفصّل: هَذَا إِذا جعلت خيرا للتفضيل فإنّ جعلت خيرا فيهمَا من الْخَيْر الَّذِي هُوَ ضدّ الشرّ لم يكن من هَذَا الْبَاب.
وجوّز شرّاح الحماسة أَن يكون خير قَومهمْ بَدَلا أَيْضا من قوما لَكِن قَالَ ابْن جنّي فِي إِعْرَاب الحماسة: فِي هَذَا الْبَيْت شاهدٌ لجَوَاز: مَرَرْت بِرَجُل أكْرم أَصْحَابه على أَصْحَابه على الصّفة لأنّها هُنَا أظهر من الْبَدَل وَالْهَاء فِي بِهِ ضمير الْخَيْر الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله: خي قَومهمْ وَلَيْسَ الثَّانِي هُوَ الأوّل لأنّ خيرا الأوّل صفة وَالثَّانِي المقدّر مصدر كَقَوْلِك: أَنا أوثر الْخَيْر وأكره الشَّرّ فدلّت الصّفة على الْمصدر.
(إِذا نهي السّفيه جرى إِلَيْهِ ... وَخَالف والسّفيه إِلَى خلاف)
انْتهى
(4/364)

وَقَوله: أقل بِالنّصب مفعول ثَان لقَوْله: لم أر. وفخراً تَمْيِيز. وَتَقْدِير الْبَيْت: لم أر خير قومٍ مثلنَا أقلّ بذلك فخراً منّا على قَومنَا.
وَالْمعْنَى إنّا لَا نبغي على قَومنَا وَلَا نتكبّر عَلَيْهِم بل نعدّهم أمثالنا ونظراءنا فنباسطهم ونوازنهم قولا بقول وفعلاً بِفعل.
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثلاثةٍ مَذْكُورَة فِي الحماسة لَكِن جَمِيع النّسخ والشروح
تَجْتَمِع على إِسْقَاط الْوَاو من قَوْله: وَلم أر قوما على أَنه مخروم. والبيتان اللَّذَان بعدهمَا:
(وَمَا تزدهينا الْكِبْرِيَاء عَلَيْهِم ... إِذا كلّمونا أَن نكلّمهم نزرا)
(وَنحن بَنو مَاء السّماء فَلَا نرى ... لأنفسنا من دون مملكةٍ قصرا)
زهاه وأزهاه بِمَعْنى تكبّر والزّهو: الْكبر وَالْفَخْر. ونزراً أَي: قَلِيلا وَهُوَ مفعول مُطلق أَي: كلَاما قَلِيلا وَالْمعْنَى لَا يستخفنا الْكبر إِلَى أَن نتعلّى عَلَيْهِم ونقلّل الْكَلَام مَعَهم ترفعاً عَن مساواتهم بل نباسطهم ونكاشرهم فِي القَوْل وَالسُّؤَال إيناساً لَهُم وتسكيناً مِنْهُم.)
قَالَ بعض الْأَنْصَار: الوافر
(أَنا ابْن مزيقيا عَمْرو وجدّي ... أَبوهُ عامرٌ مَاء السّماء)
(4/365)

وَمَاء السَّمَاء أَيْضا: لقب أمّ الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس بن عَمْرو بن عديّ بن ربيعَة بن نصر اللّخميّ. وَهِي ابْنة عَوْف بن جشم من النّمر بن قاسط. وسمّيت بذلك لجمالها وَقيل لولدها بَنو مَاء السَّمَاء وهم مُلُوك الْعرَاق.
وَقَالَ زُهَيْر بن جناب: الوافر
(ولازمت الْمُلُوك من أل نصرٍ ... وبعدهم بني مَاء السّماء)
انْتهى
فَالظَّاهِر أنّ المُرَاد هُنَا هُوَ الأوّل لأنّ قَائِل الأبيات أَنْصَارِي وَهُوَ زِيَادَة بن زيد الْحَارِثِيّ من بني الْحَارِث بن سعد أَخُو عذرة.
وَقَالَ أَبُو رياش: هُوَ زِيَادَة بن زيد من سعد هذيم بن لَيْث بن سود بن أسلم بن الحاف بن وزِيَادَة شَاعِر إسلاميّ فِي الدولة الأموية قَتله ابْن عَمه هدبة بن خشرم. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله سَبَب قَتله عِنْد ذكر هدبة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/366)

الوافر
(فأيّي مَا وأيّك كَانَ شرا ... فقيد إِلَى المقامة لَا يَرَاهَا)
على أَن هَذَا ضَرُورَة وَالْقِيَاس الْمُسْتَعْمل: فأيّناكان شرّاً من صَاحبه. ومَا زَائِدَة للتوكيد وأيّي مُبْتَدأ وأيّك مَعْطُوف عَلَيْهِ وَاسم كَانَ ضمير أَي: أيّنا وشرّاً خَبره وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ وقيد مَجْهُول قاد الْأَعْمَى. وَجِيء بِالْفَاءِ لأنّه دُعَاء فَهُوَ كالأمر.
والمقامة بِضَم الْمِيم وَفتحهَا: الْمجْلس وَجُمْلَة لَا يَرَاهَا حالٌ من ضمير قيد. يَدْعُو على الشرّ مِنْهُمَا أَي: من كَانَ منّا شرّاً أعماه الله فِي الدّنيا فَلَا يبصر حَتَّى يُقَاد إِلَى مَجْلِسه.
وَقَالَ شَارِح اللّبَاب: أَي: قيد إِلَى مَوَاضِع إِقَامَة النَّاس وجمعهم فِي العرصات لَا يَرَاهَا أَي: قيد أعمى لَا يرى المقامة. انْتهى.
وَحمل الدّعاء على الْآخِرَة لَا على الدُّنْيَا غير جيّد. وَهَذَا من الْمُعَامَلَة بالإنصاف.
وَهَذَا الْبَيْت من جملَة أبياتٍ للعبّاس بن مرداس السّلميّ قَالَهَا لخفاف بن ندبة فِي أمرٍ شجر
(أَلا من مبلغٌ عنّي خفافاً ... ألو كَا بَيت أهلك مُنْتَهَاهَا)
(أَنا الرّجل الَّذِي حدّثت عَنهُ ... إِذا الخفرت لن تستر براها)
(أشدّ على الكتيبة لَا أُبَالِي ... أفيها كَانَ حتفي أم سواهَا)
(فأيّي مَا وأيّك كَانَ شرّاً ... فقيد إِلَى المقامة لَا يَرَاهَا)
(وَلَا ولدت لَهُ أبدا حصانٌ ... وَخَالف مَا يُرِيد إِذا بغاها)
(ولي نفسٌ تتوق إِلَى الْمَعَالِي ... ستتلف أَو أبلّغها مناها)
(4/367)

وخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء كغراب واشتهر بِالْإِضَافَة إِلَى أمه وَهِي ندبة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الدَّال بعْدهَا بَاء موحّدة. وَهُوَ من أَصْحَاب رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم كالعبّاس بن مرداس.
وتقدّمت تَرْجَمَة العبّاس فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر من أَوَائِل الْكتاب أما تَرْجَمَة خفاف بن ندبة فستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب اسْم الْإِشَارَة. وألوك بِفَتْح الْهمزَة وَضم اللَّام: الرسَالَة وَمِنْهَا الْمَلَائِكَة. وحدّثت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْخطاب. والخفرات: النِّسَاء الحيّيات بِفَتْح الْخَاء وَكسر الْفَاء وَالْفِعْل من بَاب تَعب. والبرا: جمعه بره)
بِضَم الْبَاء الموحّدة فيهمَا وَهِي كلّ حَلقَة من سوار وقرط وخلخال وَالْمرَاد هُنَا الْأَخير. وَعدم ستر الخلاخيل للنِّسَاء إنّما يكون عِنْد هروبهن من السبيّ والنهب. وإِذا ظرف إمّا لقَوْله حدّثت أَو لقَوْله أشدّ على الكتيبة. وَمثل هَذَا يُسمى التجاذب.
وَقَوله: أَشد على الكتيبة وَقيل: لم يقل فِي الشجَاعَة أبلغ من هَذَا الْبَيْت. والكتيبة: الْجَيْش. والحتف: الْهَلَاك. وَقَوله: فقيد إِلَى المقامة رُوِيَ أَيْضا: فسيق إِلَى المقامة من السّوق.
وَقَوله: ولاولذت لَهُ الخ هَذَا دعاءٌ عَلَيْهِ بِقطع نَسْله والخصان بِالْفَتْح: الْمَرْأَة العفيفة. وتتوق تاقت نَفسه إِلَى الشَّيْء اشتاقته ونازعت إِلَيْهِ وَتلف الشَّيْء من بَاب فَرح إِذا هلك.
(4/368)

وأنشده بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الثلاثمائة)
الرجز
(أظلمي وأظلمه)
على أنّه ضَرُورَة وَالْقِيَاس أظلمنا. وَهُوَ قِطْعَة من رجز رَوَاهُ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر عَن أَحْمد بن يحيى الشهير بثعلب وَهُوَ:
(يَا ربّ مُوسَى أظلمي وأظلمه ... فاصبب عَلَيْهِ ملكا لَا يرحمه)
قَالَ: مَعْنَاهُ أظلمنا كَقَوْلِه: أخزى الله الْكَاذِب منّي وَمِنْه أَي: منّا فَالْمَعْنى أظلمنا فاصبب عَلَيْهِ. وَهَذَا يدلّ على جَوَاز ارْتِفَاع زيد بِالِابْتِدَاءِ فِي نَحْو زيد فَاضْرِبْهُ إِن جعلت الْفَاء زَائِدَة على مَا يرَاهُ أَبُو الْحسن.
فَإِن قلت: أضمر الْمُبْتَدَأ كَمَا أضمرت فِي قَوْلك: خولان فانكح فَتَاتهمْ فَإِن ذَلِك لَا يسهل لأنّه للمتكلم فَكَمَا لَا يتّجه: هَذَا أَنا على إِرَادَة إِشَارَة الْمُتَكَلّم إلأى نَفسه من غير أَن ينزله منزلَة الْغَائِب كَذَلِك لَا يحسن إِضْمَار هَذَا هُنَا.
فَإِن قلت: إِن أظلمنا على لفظ الْغَيْبَة فَلَيْسَ مثل هَذَا أَنا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ كَذَلِك فَالْمُرَاد بِهِ بعض الْمُتَكَلِّمين وَلَا يمْنَع ذَلِك أَلا ترى أَنهم قَالُوا يَا تَمِيم كلّهم فَحَمَلُوهُ على الْغَيْبَة لما كَانَ اللَّفْظ لَهُ وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ الْمُخَاطب. وَإِن جعلت الْمُضمر فِي علمك كَأَنَّك قلت قد أظلمنا فِي عهلمك كَانَ مُسْتَقِيمًا. انْتهى.)
(4/369)

وَرَوَاهُ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل هَكَذَا: سلّط عَلَيْهِ ملكا لَا يرحمه وربّ منادى مُضَاف إِلَى مُوسَى وَضمير أظلمه الْغَائِب رَاجع إِلَى مُوسَى هَذَا وَهُوَ خصم صَاحب هَذَا الرجز.
وَكَلَام أبي عَليّ مبنيّ على رفع أظلمي واظلمه بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر الْجُمْلَة الدهائية وَيجوز نصبهما على الِاشْتِغَال.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(فَهَل لكم فِيهَا إليّ فإنّني ... طَبِيب بِمَا أعيا النّطاسيّ حذيما)
على أَن فِيهِ حذف مُضَاف أَي: ابْن حذيم فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه لِأَنَّهُ علم أَنه الْعَالم بالطبّ وَالْمَشْهُور بِهِ لَا حذيم فإنّه ورد فِي الْأَمْثَال: أطبّ من ابْن حذيم.
قَالَ الزمخشريّ فِي المستقصى: هُوَ رجلٌ كَانَ من أطباء الْعَرَب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: أَرَادَ ابْن حذيم. انْتهى.
قَالَ أَبُو الندى: ابْن حذيم رجلٌ من تيم الرّباب كَانَ أطبّ الْعَرَب وَكَانَ أطبّ من الْحَارِث بن كلدة.
(4/370)

وَأورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن على أنّ التَّسْمِيَة واقعةٌ على الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ جَمِيعًا.
وأمّا مَا يرد من نَحْو قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ وتقدّم وَقد خَالف كَلَامه هُنَا فِي المفصّل فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: إِذا أمنُوا الإلباس حذفوا الْمُضَاف. وَقد جَاءَ اللّبس فِي الشّعْر قَالَ ذُو الرّمّة: الطَّوِيل
(عشيّة فرّ الحارثيّون بَعْدَمَا ... قضى نحبه فِي ملتقى الْقَوْم هوير)
وَقَالَ: بِمَا أعيا النّطاسيّ حذيما
أَي: ابْن هوبر وَابْن حذيم. وَهُوَ فِي قَوْله هَذَا تابعٌ لأبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر فَإِنَّهُ قَالَ: قد)
جَاءَ فِي الشّعْر أبياتٌ فِيهَا حذف مُضَاف مَعَ أنّه يؤديّ حذفه إِلَى الإلباس مثل بِمَا ذكر وَبِقَوْلِهِ: الْكَامِل
(أرضٌ تخيّرها لطيب مقليها ... كَعْب بن مامة وَابْن أمّ دَاوُد)
هُوَ أَبُو الشَّاعِر واسْمه جَارِيَة وَالتَّقْدِير ابْن أمّ أبي دَاوُد فَحذف الْأَب. وَالصَّوَاب مَا فِي الكشّاف من أنّه لَا إلباس فِيهِ فإنّ الإلباس وَعَدَمه إنّما يكون بِالنِّسْبَةِ إلأى الْمُخَاطب الَّذِي يلقِي المتكلّم كَلَامه إِلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أمثالنا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ عندنَا من قبيل الإلباس مفهومٌ وَاضح عِنْد الْمُخَاطب بِهِ فِي ذَلِك الْعَصْر.
(4/371)

ويؤيّد مَا ذكرنَا قَول ابْن جنّي فِي الخصائص: أَلا ترى أنّ الشَّاعِر لما فهم عَنهُ مَا أَرَادَ بقوله قَالَ
(صبّحن من كاظمة الخصّ الخرب ... يحملن عبّاس بن عبد المطّلب)
وإنّما أَرَادَ عبد الله بن عبّاس. وَلَو يكن على الثِّقَة بفهم ذَلِك لم يجد بدّاً من الْبَيَان. وعَلى ذَلِك قَول الآخر: طبيبٌ بمتا أعيا النّطاسيّ حذيما أَرَادَ: ابْن حذيم. انْتهى.
زحذف الصلتان العبديّ أَكثر من هَذَا فِي محاكمته بَين جرير والفرزدق فِي قَوْله: الطَّوِيل أرى الخطفى بذّ الفرزدق شعره ولكنّ خيرا من كلابٍ مجاشع
فَإِنَّهُ أَرَادَ: أرى جرير بن عطيّة بن الخطفى. وَجَاز هَذَا لكَونه مَعْلُوما عِنْد الْمُخَاطب.
وَقد أنكر الخوارزميّ كَون هَذَا من بَاب الْحَذف قَالَ: إنّما هُوَ من بَاب تعدّي اللقب من الْأَب إِلَى الابْن كَمَا فِي قَوْله: الطَّوِيل كراجي النّدى وَالْعرْف عِنْد المذلّق
(4/372)

أَي: ابْن المذلّق. هَذَا وَقد قَالَ يَعْقُوب بن السكّيت فِي شرح هَذَا الْبَيْت من ديوَان أَوْس بن حجر: حذيم رجلٌ من تيم الرّباب وَكَانَ متطّبباً عَالما. هَذَا كَلَامه فَعنده أنّ الطَّبِيب هُوَ حذيم لَا ابْن حذيم. وَتَبعهُ على هَذَا صَاحب الْقَامُوس فَلَا حذف فِيهِ وَلَا شَاهد على مَا وذها الْبَيْت من أَبْيَات لأوس بن حجر قَالَهَا لبني الْحَارِث بن سدوس بن شَيبَان وهم أهل الْقرْيَة بِالْيَمَامَةِ حَيْثُ اقتسموا معزاه. وَقيل اقتسمها بَنو حنيفَة وَبَنُو سحيم وَكَانَ أَوْس بن حجر أغرى عَلَيْهِم عَمْرو بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء ثمَّ جاور فيهم فَاقْتَسمُوهُ معزاه.)
وَهَذَا مطْلعهَا:
(فَإِن يأتكم منّي هجاءٌ فإنّما ... حباكم بِهِ منّي جميل بن أرقما)
ثمَّ بعد أَرْبَعَة أَبْيَات: فَهَل لكم فِيهَا إليّ فإنّني ... ... ... ... الْبَيْت
(فأخرجكم من ثوب شَمْطَاء عاركٍ ... مشهّرةٍ بلّت أسافله دَمًا)
(وَلَو كَانَ جارٌ مِنْكُم فِي عشيرتي ... إِذا لرأوا للْجَار حقّاً ومحرما)
(وَلَو كَانَ حَولي من تَمِيم عصابةٌ ... لما كَانَ مَالِي فِيكُم متقسّما)
(أَلا تَتَّقُون الله إِذْ تعلفونها ... رضيخ النّوى والعضّ حولا مجرّما)
(وأعجبكم فِيهَا أغرّ مسهّرٌ ... تلادٌ إِذْ نَام الرّبيض تغمغما)
وَهَذَا آخر الأبيات. قَوْله: فإنّما حباكم الخ حباكم بِهِ أَي: وصلكم بالهجاء.
(4/373)

وَقَوله: فَهَل لكم فِيهَا الخ قَالَ المفضّل بن سَلمَة فِي الفاخر وَابْن الأنباريّ فِي الزَّاهِر: وروى ابْن السكّيت: فإنّني بَصِير بدل طَبِيب. والْبَصِير: الْعلم وَقد بصر بِالضَّمِّ بصارة والتبصّر: التأمّل والتعرّف. وأعياه الشَّيْء نتعدّي عييت بأَمْري إِذا لم تهتد لوجهه. والنّطاسيّ مَفْعُوله وحذيم بدل من النطاسي. وفاعل أعيا ضمير مَا الموصولة الْوَاقِعَة على الدَّاء. أَي: إنّني طبيبٌ حاذق بالداء الَّذِي أعجز الْأَطِبَّاء فِي مداواته وعلاجه. والنّطاسيّ بِكَسْر النُّون قَالَ ابْن السّكيت: الْعَالم الشَّديد النّظر فِي الْأُمُور.
قَالَ أَبُو عبيد: ويروى: النّطاسيّ بِفَتْح النُّون. قَالَ الجوهريّ: التنطّس الْمُبَالغَة فِي التطّهر وكلّ من أدقّ النّظر فِي الْأُمُور واستقصى علمهَا فَهُوَ متنطّس. وَمِنْه قيل للمتطّبب نطّيس كفسيق ونطاسيّ بِكَسْر النُّون وَفتحهَا.
وَقَوله: فَهَل لكم بضمّ الْمِيم وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَل لكم ميل. وَقَوله: فِيهَا الضَّمِير للمعزى. وَفِيه حذف مُضَاف أَي: فَهَل لكم ميلٌ فِي ردّ المعزى إليّ.
وَقَوله: فأخرجكم من ثوب شَمْطَاء الخ الشمطاء: الْمَرْأَة الَّتِي فِي رَأسهَا شمط بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيَاض شعر الرَّأْس يخالطه سَواد وَالرجل أشمط. والعارك: الْحَائِض. ومشّهرة: اسْم مفعول من شهّرته تشهيراً والشهّرة:
وضوح الْأَمر يَقُول: هَل لكم فِي ردّ معزاي فأخرجكم من سبّةٍ شنعاء تلطخ أعراضكم وتدنّسها كَمَا تدنس الْحَائِض ثوبها بِالدَّمِ فأغسلها عَنْكُم. وَهَذَا)
(4/374)

وَقد خبط جَمِيع من تكلم على هَذَا الشَّاهِد حَيْثُ لم ير السّياق والسّباق فَقَالَ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين: الْمَعْنى هَل لكم علمٌ بحالي مِنْكُم فإنّني بصيرٌ بِمَا أعجز الطَّبِيب الْمَشْهُور.
وَقَالَ المظفّري فِي شرح المفصّل: أَي هَل لكم طريقٌ فِي مداواة مَا بِي فإنّي أرى من الدَّاء مَا أعيا الطَّبِيب عَن مداواته.
وَقد قَارب بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل بقوله: وَالْمعْنَى هَل لكم فِي هَذِه الْحَادِثَة حاجةٌ إليّ لأشفيكم بِرَأْي فِيهَا فإنّني طبيبٌ عَالم بِالَّذِي عجز عَنهُ هَذَا الحاذق الْعَالم بالطب وَلم يهتد إِلَيْهِ.
وَقَوله: ألآ تَتَّقُون الله الخ يَقُول: لَوْلَا أنّك سرقتها لأيّ شَيْء تعلفها يَقُول: فردّها وَلَا تعلفها. والرضيح بالضاد وَالْخَاء المعجمتين: المدقوق رضحت الْحَصَا والنوى كسّرته. والعضّ بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة قَالَ ابْن السّكيت: هُوَ القتّ وَقَالَ الجوهريّ: علف أهل الْأَمْصَار مثل الْكسْب والنّوى المرضوح. والمجرّم بِالْجِيم على وزن اسْم الْمَفْعُول: التَّام والكامل.
وَقَوله: وأعجبكم فِيهَا أغرّ الخ قَالَ ابْن السّكيت الأغرّ: الْأَبْيَض. والتلاد: الْقَدِيم من المَال. والرّبيض هَاهُنَا الْغنم. وَقَوله: تغمغما يَعْنِي هَذَا الْأَغَر والغمغمة هبابه أَي: لَا ينَام
(4/375)

تَتِمَّة قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ابْن حذيم شَاعِر فِي قديم الدَّهْر يُقَال إنّه كَانَ
طَبِيبا حاذقاً يضْرب بِهِ الْمثل فِي الطبّ فَيُقَال: أطبّ بالكيّ من ابْن حذيم وسمّاه أوسٌ حذيماً يَعْنِي أنّه حذف لفظ ابْن فَقَالَ: عليمٌ بِمَا أعيا النطاسيّ حذيماً وَيُقَال ابْن حذام أَيْضا وإنّه أوّل من بَكَى من الشُّعَرَاء فِي الديار وَهُوَ الَّذِي سمّاه امْرُؤ الْقَيْس فِي قَوْله: الْكَامِل
(عوجا على الطّلل الْمُحِيل لعلّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بَكَى ابْن حذام)
وَابْن خذام بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أشهر وَقيل هما اثْنَان. وَقَالَ فِي الْخَاء الْمُعْجَمَة: ابْن خذام هُوَ الْمَذْكُور فِي حرف الْحَاء على اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فَمنهمْ من جعله إيّاه وَمِنْهُم من جعلهمااثنين.
وَيُقَال: إِن هَذَا الْبَيْت الَّذِي فِي قصيدة امْرِئ الْقَيْس لَهُ وَهُوَ: الطَّوِيل)
(كأنّي غَدَاة الْبَين حِين تحمّلوا ... لَدَى سمُرَات الحيّ ناقف حنظل)
وَيُقَال: للخمّار ابْن خذام. وخذام من أَسمَاء الْخمر. هَذَا كَلَامه.
أَقُول: جَمِيع من ذكر ابْن حذام الشَّاعِر لم يقل إِنَّه هُوَ ابْن حذيم الطَّبِيب. وَقد اخْتلف فِي ضبط اسْمه فَالَّذِي رَوَاهُ الْآمِدِيّ ابْن خذام بمعجمتين قَالَ: من يُقَال لَهُ ابْن خذام مِنْهُم ابْن خذام الَّذِي ذكره امْرُؤ الْقَيْس فِي شعره وَهُوَ أحد من بَكَى الديار قبل امْرِئ الْقَيْس ودرس شعره.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: ...
(4/376)

(عوجا على الطّلل الْمُحِيل لأنّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بكة ابْن خذام)
قَوْله: لأنّنا يُرِيد لعلّنا ذكر ذَلِك أَبُو عُبَيْدَة وَقَالَ: قَالَ لنا أَبُو الوثيق مّمن ابْن خذام فَقُلْنَا: مَا نعرفه. فَقَالَ: رَجَوْت أَن يكن علمه بالأمصار فَقُلْنَا: مَا سمعنَا بِهِ فَقَالَ: بلَى قد ذكره امْرُؤ الْقَيْس وَبكى على الديار قبله فَقَالَ: كأنّي غَدَاة الْبَين يَوْم تحمّلوا ... ... ... الْبَيْت انْتهى وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الَّذِي أعرف أَن ابْن خذام بذال مُعْجمَة وحاء غير مُعْجمَة كَمَا روى الجاحظ وَغَيره. انْتهى.
وَضَبطه بَعضهم ابْن حمام بحاء مهملو مَضْمُومَة بعْدهَا مِيم غير مشدّدة واسْمه امْرُؤ الْقَيْس.
قَالَ الْآمِدِيّ عِنْد ذكر المسمّين بامرئ الْقَيْس وَمِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس بن حمام ثمَّ ذكر نسبه وَقَالَ: وَالَّذِي أدْركهُ الروَاة من شعره قَلِيل جدا. وَكَانَ امْرُؤ الْقَيْس هَارِبا فَقَالَ مهلهل: الْكَامِل فِي قصّة مَذْكُورَة فِي أَخْبَار زُهَيْر بن جناب. وَبِهَذَا الْبَيْت قيل لمهلهل مهلهل. وَبَعض الروَاة يروي بَيت امْرِئ الْقَيْس بن حجر:
(عوجا على الطّلل الْمُحِيل لعلّنا ... نبكي الدّيار كَمَا بَكَى ابْن حمام)
يَعْنِي امْرأ الْقَيْس هَذَا ويروي ابْن خذام. انْتهى.
وَمثله للعسكريّ فِي كتاب التَّصْحِيف قَالَ: وَمِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس
(4/377)

بن حمام
ابْن عُبَيْدَة بن هُبل بن أخي زُهَيْر بن جناب بن هُبل. وَيَزْعُم بَعضهم أنّه الَّذِي عَنى امْرُؤ الْقَيْس بقوله: نبكي الديار كَمَا بَكَى ابْن خذام وَكَانَ يَغْزُو مَعَ مهلهل وإياه أَرَادَ مهلهلٌ بقوله:)
لما توغّل فِي الْكلاب هجينهم ... ... ... . الْبَيْت فالهجين هُوَ امْرُؤ الْقَيْس بن حمام. وَجَابِر وصنبل: رجلَانِ من بني تغلب. انْتهى.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: ويروى: لّما توفّل فِي الكراع شريدهم قَالَ السكريّ: يَعْنِي بالهجين امْرأ الْقَيْس بن حمام وَكَانَ مهلهل تبعه يَوْم الْكلاب ففاته ابْن حمام بعد أَن تنَاوله مهلهلٌ بِالرُّمْحِ وَكَانَ ابْن حمام أغار على بني تغلب مَعَ زُهَيْر بن جناب فَقتل جَابِرا هَذَا مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ. وَقَول امْرِئ الْقَيْس بن حجر: عوجا على الطّلل الْمُحِيل الْبَيْت هُوَ من قصيدة لَهُ اسْتشْهد بِهِ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمَا يشعركم أنّها إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ بِفَتْح الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة بِمَعْنى لعلّ كَمَا أنّ لأنّنا فِي الْبَيْت بِمَعْنى لعلّنا.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الهمدة: يرْوى فِي الْبَيْت لأنّنا بِمَعْنى لعلّنا وَهِي لُغَة امْرِئ الْقَيْس فِيمَا زعم بعض المؤلفين وَالَّذِي كنت أعرف: لعنّنا بِالْعينِ ونونين.
(4/378)

والْمُحِيل: الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ الْحول. وعوجا أَمر من عجت الْبَعِير أعوجه عوجا ومعاجاً: إِذا عطفت رَأسه بالزمام.
وأَوْس بن حجر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم شَاعِر من شعراء تَمِيم فِي الْجَاهِلِيَّة. وَفِي أَسمَاء نسبه اخْتِلَاف فَلِذَا تركنَا نسبه.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ أوسٌ فَحل مُضر حتّى نَشأ النَّابِغَة وزهيرٌ فأحملاه.
وَقيل لعَمْرو بن معاذٍ وَكَانَ بَصيرًا بالشعر: من أشعر النَّاس فَقَالَ: أَوْس قيل: ثمَّ من قَالَ: أَبُو ذُؤَيْب.
وَكَانَ أوسٌ عَاقِلا فِي شعره كثير الْوَصْف لمكارم الْأَخْلَاق وَهُوَ من اوصفهم للحمير وَالسِّلَاح زلا سيّما للقوس وَسبق إِلَى دَقِيق الْمعَانِي وَإِلَى أَمْثَال كَثِيرَة. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ أَوْس هَذَا من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفحولها وكر أَبُو عُبَيْدَة أَنه من الطَّبَقَة الثَّالِثَة وقرنه بالحطيئة والنابغة الْجَعْدِي. وَتَمِيم تقدم أَوْسًا على سَائِر شعراء الْعَرَب.
وَقَالَ الأصمعيّ: أوسٌ أشعر من زُهَيْر إلاّ أنّ النَّابِغَة طأطأ مِنْهُ.)
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ أَوْس غزلاً مغرماً بِالنسَاء فَخرج فِي سفر حتّى إِذا كَانَ بِأَرْض بني أَسد بَين شرج وناظرة فَبَيْنَمَا هُوَ يسير ظلاماً إِذْ جالت بِهِ نَاقَته فصرعته فاندقّت فَخذه فَبَاتَ مَكَانَهُ وَمَا زَالَ يقاسي كلّ عَظِيم بِاللَّيْلِ ويستغيث فَلَا يغاث حتّى إِذا أصبح إِذا جواري الحيّ يجتنبن الكمأة وَغَيرهَا من نَبَات الأَرْض وَالنَّاسِي فِي ربيع: فبيناهنّ كَذَلِك إِذْ بصرن بناقته تجول وَقد علق زمامها بشجرة وأبصرنه ملقىً ففرغن مِنْهُ فهربن فَدَعَا جَارِيَة منهنّ فَقَالَ لَهَا: من أَنْت قَالَت: أَنا حليمة بنت فضَالة بن كلدة.
وَكَانَت أصغرهنّ فَأَعْطَاهَا حجرا وَقَالَ: اذهبي إِلَى
(4/379)

أَبِيك فَقولِي لَهُ: ابْن هَذَا يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك: أدركني فإنّي فِي حَالَة عَظِيمَة فَأَتَت أَبَاهَا وقصّت عَلَيْهِ
القصّة وأعطته الْحجر فَقَالَ: يَا بنية لقد أتيت أَبَاك بمدح طَوِيل أَو هجاء طَوِيل. ثمّ احْتمل هُوَ وأَهله إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ أوسٌ وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ الْخَبَر فَأَتَاهُ بِمن جبر كَسره وَلم يزل مُقيما عِنْده وبنته تخدمه إِلَى أَن برأَ فمدحه أَوْس بقصائد عديدة ورثاه أَيْضا بعد مَوته.
وَكَانَ أوسٌ إِذا جلس فِي مجْلِس قومه قَالَ: مَا لأحد عليّ منّه أعظم من منّه أبي دليجة. وَكَانَ أَبُو دليجة كنية فضَالة بن كلدة.
وكلدة بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وَهِي فِي اللُّغَة الأَرْض الغليظة. وَذكره ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب الْأَسْمَاء المنقولة من أدب الْكَاتِب.
وَمن شعر أَوْس قَوْله: الطَّوِيل
(يَا رَاكِبًا إمّا عرضت فبلّغن ... يزِيد بن عبد الله مَا أَنا قَائِل)
(بآيه أنّي لم أخنك وإنّه ... سوى الحقّ مهما ينْطق النّاس بَاطِل)
(فقومك لَا تجْهَل عَلَيْهِم وَلَا تكن ... لَهُم هرشاً تغتابهم وتقاتل)
(وَمَا ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاحه ... وَلَا يحمل الماشين إلاّ الْحَوَامِل)
(وَلَا سَابق إلاّ بساق سليمةٍ ... وَلَا باطشٌ مَا لم تعنه الأنامل)
(إِذا أَنْت لم تعرض عَن الْجَهْل والخنى ... أصبت حَلِيمًا أَو أَصَابَك جَاهِل)
الهراش: أشدّ الْقِتَال مثل مهارشة الْكلاب. وَأَرَادَ بالحوامل الأرجل.
(4/380)

وَمَا حب الدّيار شغفن قلبِي
تَمَامه:)
وَلَكِن حبّ من سكن الدّيارا هُوَ لقيسٍ مَجْنُون بني عَامر. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد التسعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الثلاثمائة)
الْكَامِل
(يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل)
على أنّه قد يقوم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَام الْمُضَاف فِي التَّذْكِير لأنّه أَرَادَ: مَاء بردى. وَلَو لم يقم مقَامه فِي التَّذْكِير لوَجَبَ أَن يُقَال تصفّق بِالتَّاءِ للتأنيث لأنّ بردى من صِيغ الْمُؤَنَّث وَهُوَ نهر دمشق.
قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هُوَ من الْبرد سمّي بذلك لبرد مَائه.
وَأوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم على أَن الْوَاو فِي يجْعَلُونَ ضمير أَصْحَاب الصّيب وَإِن كَانَ محذوفاً لبَقَاء مَعْنَاهُ كَمَا أرجع الشَّاعِر ضمير يصفق إِلَى مَاء بردى مَعَ أنّه غير مَذْكُور وَلِهَذَا ذكّر يصفّق.
(4/381)

قَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى: لَو قَالَ قَائِل: إنّه أعَاد الضَّمِير مذكّراً على الْمَعْنى لأنّ بردى نهر لوجد مساغاً.
وروى صَاحب الأغاني:
وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. والبريص قَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم وَتَبعهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: هُوَ بِفَتْح الموحّدة وَآخر صَاد مُهْملَة: مَوضِع بِأَرْض دمشق. وَزَاد الجواليقيّ فِي المعرّبات: وَلَيْسَ بالعربيّ الصَّحِيح وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب وَأَحْسبهُ روميّ الأَصْل. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَلم أر من أهل اللُّغَة من ضَبطه بالضاد الْمُعْجَمَة.
وَقد اخْتلف شرّاح المفصّل فِي ضَبطه وَمَعْنَاهُ فَقَالَ ابْن يعِيش: هُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة نهر يتشعّب من بردى وَهُوَ نهر دمشق كالصّراة من الْفُرَات. وزلدمشق أَنهَار أَرْبَعَة كلّها من بردى.
وَقَالَ المظفريّ: هُوَ بالضاد الْمُعْجَمَة وادٍ فِي ديار الْعَرَب والبريص بالصَّاد الْمُهْملَة: اسْم نهر وَقيل اسْم مَوضِع بِدِمَشْق.
وَقَالَ ابْن الْمُسْتَوْفى: هُوَ بالضاد الْمُهْملَة. قَالَ المفسّرون: هُوَ مَأْخُوذ من البرض أَرَادَ الْموضع)
المبيّض المجصصّ. ويروى بالضاد الْمُعْجَمَة: فعيل من البرص وَهُوَ المَاء الْقَلِيل. وَرِوَايَة الْمُهْملَة أَكثر وأجود. وَقَالُوا: هُوَ اسْم نهر. وكرّر البريص فِي هَذِه القصيدة فَقَالَ: ...
(4/382)

(فعلوت من أَرض البريص عَلَيْهِم ... حتّى نزلت بمنزلٍِ لم يوغل)
فدلّ على أنّه مَوضِع بِعَيْنِه لَا مَا ذهب إِلَيْهِ من فسّره قبل. قَالَ أَبُو دُرَيْد: والبريص مَوضِع وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوضِع فِيهِ أنهارٌ كَثِيرَة وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ. وَأنْشد: الوافر
(أهان الْعَام مَا عيّر تمونا ... شواء المسمنات مَه الخبيض)
(فَمَا لحم الْغُرَاب لنا بزادٍ ... وَلَا سرطان أَنهَار البريص)
وفاعل يسقون وَهُوَ الْوَاو ضمير عائدٌ على أَوْلَاد جَفْنَة فِي بَيت قبله كَمَا يَأْتِي وَمن مَفْعُوله.
قَالَ العصام فِي حَاشِيَة القَاضِي: وتعديه الْوُرُود بعلى لتضمّنه معنى النُّزُول وإلاّ قالورود المتعدّي بعلى بِمَعْنى الْوُصُول لَا يعدّى بِنَفسِهِ. وَالْبَاء فِي قَوْله بالرحيق للمصاحبة أَي: ممزوجاً بِالْخمرِ الصافية السائغة.
ويصفّق بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول والتصفيق: التَّحْوِيل من إِنَاء إِلَى إِنَاء ليصفّى وَحَقِيقَته التَّحْوِيل من صفق إِلَى صفق أَي: من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة. وَالْبَاء فِي بالرحيق مُتَعَلق بِمَحْذُوف أَي: يمزج بالرحيق وَهُوَ الصافي من الْخمر.
وَقَالَ صَاحب الكشّاف فِي المطففين: الرَّحِيق: صفوة الْخمر وَلِهَذَا فسّر بِالشرابِ الْخَالِص الَّذِي لَا غشّ فِيهِ. والسلسال: السهل الانحدار السائغ الشَّرَاب.
قَالَ ابْن حَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يجوز أَن يكون المُرَاد مدح مَاء بردى وتفضيله على غَيره. وَمعنى يصفّق يمزج يُقَال صفّقته إِذا مزجته. والرَّحِيق: الْخمر. والسلسل: السهل أَي: كَأَنَّهُ ممزوج
(4/383)

وَيجوز أَن يكون المُرَاد مدح هَؤُلَاءِ الْقَوْم بِالْكَرمِ وأنّهم لَا يسقون المَاء إلاّ ممزوجاً بِالْخمرِ لسعتهم وكرمهم وتعظيم من يرد عَلَيْهِم. انْتهى.
وَالظَّاهِر أنّ المُرَاد هُوَ الثَّانِي لَا الأوّل للسياق والسّباق. وَلَيْسَ معنى التصفيق مَا ذكره وَالصَّوَاب مَا ذكره بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل من أَنه يصفهم بالجود على من يرد عَلَيْهِم فيسقونه مَاء مصفّى ممزوجاً بِالْخمرِ الصافية السائغة فِي الْحلق.
وَحمل هَذَا الْكَلَام على الْقلب أظهر يُرِيد: يسقون من يرد عَلَيْهِم الرَّحِيق السلسل يصفّق ببردى أَي: بِمَائِهَا. انْتهى.)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحسّان بن ثَابت الصّحابيّ وَقد تقدّمت تَرْجَمته فيالشاهد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مدح بهَا آل جَفْنَة مُلُوك الشَّام. وَهَذِه قِطْعَة مِنْهَا بعد المطلع بِثَلَاثَة أَبْيَات:
(لله درّ عصابةٍ نادمتهم ... يَوْمًا بجلّق فِي الزَّمَان الأوّل)
(أَوْلَاد جَفْنَة حول قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل)
(يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السّواد الْمقبل)
يسقون من ورد ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(يسقون درياق الرّحيق وَلم تكن ... تدعى ولائدهم لنقف الحنظل)
(فَلَبثت أزماناً طوَالًا فيهم ... ثمّ ادّكرت كأنّني لم أفعل)
إِلَى أَن قَالَ بعد بَيْتَيْنِ:
(وَلَقَد شربت الْخمر فِي حانوتها ... صهباء صافيةٌ كطعم الفلفل)
...
(4/384)

(يسْعَى عليّ بكأسها متنطّفٌ ... فيعلّني مِنْهَا وَإِن مِنْهَا وَإِن لم أنهل)
(إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل)
(كلتاهما حلب الْعصير فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهما للمفصل)
(بزجاجةٍ رقصت بمل فِي قعرها ... رقص القلوص براكبٍ مستعجل)
الْعِصَابَة: الْجَمَاعَة من النَّاس. وجلّق: بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام أَيْضا. قَالَ الجواليقي فِي المعربات: يُرَاد بِهِ دمشق وَقيل مَوضِع بِقرب دمشق وَقيل إِنَّه صُورَة امْرَأَة كَانَ المَاء يخرج من فِيهَا فِي قَرْيَة من قرى دمشق وَهُوَ أعجميّ مُعرب وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: أَوْلَاد جَفْنَة الخ بالجرّ بدل من عِصَابَة وَيجوز رَفعه. وجَفْنَة بِفَتْح الْجِيم هُوَ أَبُو مُلُوك الشَّام وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن حَارِثَة بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مازنٍ الغسانيّ.
وَأما جبلة بن الْأَيْهَم فَهُوَ ابْن ماوية لأنّه ابْن الْأَيْهَم بن جبلة بن الْحَارِث الْأَعْرَج. وَأَرَادَ باولاد جَفْنَة أَوْلَاد الْحَارِث الْأَعْرَج بن مَارِيَة وهم: النُّعْمَان وَالْمُنْذر والمنيذر وجبلة وَأَبُو شمر.
وَهَؤُلَاء كلّهم مُلُوك وهم أعمام جبلة بن الْأَيْهَم. كَذَا فِي مُخْتَصر أَنْسَاب الْعَرَب لياقوت الحمويّ.
قَالَ السيّد الجرجانيّ فِي شرح الْمِفْتَاح: ترك تَفْضِيلهمْ احْتِرَازًا عَن تَقْدِيم بَعضهم على بعض.)
ثمَّ قَوْله وَعَن التَّصْرِيح بأسامي الْإِنَاث الدَّاخِلَة فيهم فِيهِ نظر فَإِن ذكر نسَاء الْمُلُوك لَا يعْهَد عِنْد ذكر الْمُلُوك.
وَقَوله: إنّ مَارِيَة
(4/385)

هِيَ أمّ جَفْنَة غير صَوَاب وإنّما هِيَ أم الْحَارِث الْأَعْرَج. ومارية قَالَ جُمْهُور النسّابين: هِيَ مَارِيَة بنت ظَالِم بن وهب بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ثَوْر بن مرتع الكندية.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَابْن السّكيت: هِيَ مَارِيَة بنت أَرقم بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن جَفْنَة فَتكون على هَذَا غسّانية وَهِي أُخْت هِنْد امْرَأَة حجر وَالِد امْرِئ الْقَيْس صَاحب المعلّقة وَلَيْسَت أمه.
ومارية هِيَ الَّتِي تضرب الْمثل بقرطيها فَيُقَال: خُذْهُ وَلَو بقرطيّ مَارِيَة يضْرب للترغيب فِي الشَّيْء وَإِيجَاب الْحِرْص عَلَيْهِ أَي: لَا يقوتنّك على كلّ حَال وَإِن كنت تحْتَاج فِي إحرازه إِلَى بذل النفائس.
قَالَ الزمخشريّ فِي أَمْثَاله: هِيَ أول عَرَبِيَّة تقرّطت وَسَار ذكر قرطيها فِي الْعَرَب وَكَانَا نفيسي الْقيمَة وَقيل إنّهما قوّما بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَقيل كَانَ فيهمَا درّتان كبيض الْحمام لم ير مثلهمَا وَقيل هِيَ من الْيمن أَهْدَت قرطيها إِلَى الْبَيْت. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ: هِيَ ذَات القرطين لدرّتين كأنّهما بيضتا نعَامَة أَو حمامة.
وَأَرَادَ بقوله: حول قبر أَبِيهِم أنّهم مُلُوك ذَوُو حاضرةٍ ومستقرّ لَيْسُوا أَصْحَاب رحْلَة وانتجاع.
سُئِلَ الأصمعيّ بأنّه مَا أَرَادَ حسان بِهِ وَأي مدح لَهُم فِي كَونهم عِنْد قبر أَبِيهِم فَقَالَ: إنّهم مُلُوك حُلُول فِي مَوضِع وَاحِد وهم أهل مدر وَلَيْسوا بِأَهْل عمد. وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ أنّهم آمنون لَا يبرحون وَلَا يخَافُونَ كَمَا تخَاف الْعَرَب وهم مخصبون لَا ينتجعون
(4/386)

قَالَ السّيد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: هَذَا من الِاخْتِصَار الَّذِي لَيْسَ فِيهِ حذف. أَرَادَ أنّهم أعزّاء مقيمون بدار مملكتهم لَا ينتجعون كالأعراب. فاختصر هذاالمبسوط فِي قَوْله: حول قبر أَبِيهِم.
قَالَ: والاختصار غير الْحَذف وقومٌ يظنون أنّهما وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك لأنّ الْحَذف يتعلّق بالألفاظ: وَهُوَ أَن تَأتي بِلَفْظ يَقْتَضِي غَيره ويتعلّق بِهِ وَلَا يستقلّ بِنَفسِهِ وَيكون فِي الْمَوْجُود دلالةٌ على الْمَحْذُوف فَيقْتَصر عَلَيْهِ طلبا للاختصار. والاختصار يرجع إِلَى الْمعَانِي: وَهُوَ أَن تَأتي بلفظٍ مفيدٍ لمعان كَثِيرَة لَو عبّر عَنْهَا بِغَيْرِهِ لاحتيج إِلَى أَكثر من ذَلِك اللَّفْظ. فَلَا حذف إلاّ وَهُوَ اختصارٌ وَلَيْسَ كلّ اخْتِصَار حذفا. انْتهى كَلَامه.
وأدرج ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة هَذَا النَّوْع فِي بَاب الْإِشَارَة قَالَ: وَالْإِشَارَة من غرائب الشّعْر)
وملحه وبلاغةٌ عجيبةٌ تدلّ على بعد المرمى وفرط الْقُدْرَة وَلَيْسَ يَأْتِي بهَا إلاّ الشَّاعِر المبرّز والحاذق الماهر وَهِي فِي كلّ نوعٍ من الْكَلَام لمحةٌ دالّةٌ واختصار وتلويج يعرف مُجملا وَمَعْنَاهُ بعيد من ظَاهر لَفظه.
وَقَوله: يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم الخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يتردّد إِلَيْهِم من غشيه: إِذا جَاءَهُ.
وهرّ الْكَلْب يهرّ من بَاب ضرب هريراً: إِذا صوّت وَهُوَ دون النّباح. يَعْنِي أنّ مَنَازِلهمْ لَا تَخْلُو من الأضياف والفقراء فكلابهم
لَا تهرّ على من يقْصد مَنَازِلهمْ لاعتيادها بِكَثْرَة التردّد إِلَيْهَا من الأضياف وَغَيرهم وَقَوله: لَا يسْأَلُون الخ أَي: هم فِي سَعَة لَا يسْأَلُون كم نزل
(4/387)

بهم من النَّاس وَلَا يهولهم الْجمع الْكثير وَهُوَ السّواد إِذا قصدُوا نحوهم.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أنّ حتّى فِيهِ ابتدائية ألأي: حرف يبتدأ بعده الْجُمْلَة اسميّة أَو فعلية.
وَقَالَ أَبُو عليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: اعْلَم أنّ يغشون للْحَال الْمَاضِي أَعنِي أنّه حِكَايَة لما مضى من الْحَال لَوْلَا تقديرك لَهُ بِالْحَال مَا صحّ الرّفْع لأنّ الرّفْع لَا يكون إلاّ وَالْفِعْل وَاقع. ويغشون لَا يكون إلاّ للْحَال أَو للآتي فَلَو قدّرته للآتي لم يصحّ الرّفْع إِذْ لَا يكون الرّفْع إلاّ وَمَا قبله وَاقع من عَادَتهم أنّهم يغشون حتّى لَا تهرّ كلابهم أَي: لَا يزالون يغشون. انْتهى.
وَقَوله: يسقون درياق الرّحيق الخ يسقون بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول قَالَ شَارِح الدِّيوَان السكريّ: الدّرياق: خَالص الْخمر وجيّده سبّهه بالدّرياق الشافي. والولائد: جمع وليدة وَهِي الْخَادِم. والنّقف: اسْتِخْرَاج مَا فِي الحنظل. يَقُول: هم ملوكٌ تجتني ولائدهم الحنظل وَلَا تنتقفه.
وَقَوله: يسْعَى على بكأسها الخ المتنطّف: المقرّط والنّطفة بِفَتَحَات: القرط. ويروى: متنطّق وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ منطقةٌ. وعلّة: سقَاهُ سقيا بعد سقِِي. والنّهل هُنَا: الْعَطش.
وَقَالَ السكريّ: يَقُول: يسقينيها على كلّ حالٍ عطشت أَو لم أعطش.
(4/388)

وَقَوله: إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها قتلت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: مزجت بِالْمَاءِ وَالْجُمْلَة خبر إنّ.
وَقَوله: قتلت هَذَا أَيْضا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول لكنّه مُسْند إِلَى ضميرالمتكلم وَالْجُمْلَة اعتراضية.
وَقَوله: كلتاهما الخ أَرَادَ كلتا الممزوجة وَالصرْف حلب الْعِنَب فناولتي أشدّهما إرخاء وَهِي الصّرف الَّتِي طلبَهَا مِنْهُ فِي قَوْله لم تقتل. وهاتها بِكَسْر التَّاء أمرٌ من هاتى يهاتي مهاتاة. والْحَلب بِفتْحَتَيْنِ بِمَعْنى المحلوب كالنقص بِمَعْنى المقنوص.)
قَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: قَالَ أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب كتاب الأغاني حَدِيثا رَفعه إِلَى أبي ظبْيَان الحمّاني قَالَ:
(4/389)

اجْتمعت جماعةٌ من الحيّ على شرابٍ فتغنّى أحدهم بقول حسّان: إنّ الَّتِي ناولتني فَردَّتهَا الْبَيْت وَقَوله: كلتاهما حلب الْعصير الْبَيْت فَقَالَ رجلٌ مِنْهُم: كَيفَ ذكر واحدةٌ بقوله إنّ الَّتِي ناولتني فرددتها ثمَّ قَالَ كلتاهما فَجَعلهَا اثْنَتَيْنِ قَالَ أَبُو ظبْيَان: فَلم يقل أحدٌ من الْجَمَاعَة جَوَابا فَحلف رجلٌ مِنْهُم بِالطَّلَاق ثَلَاثًا إِن بَات وَلم يسْأَل القَاضِي عبد الله بن الْحسن عَن تَفْسِير
هَذَا الشّعْر قَالَ: فَسقط فِي أَيْدِينَا ليمينه ثمَّ اجْتَمَعنَا على قصد عبيد الله. فحدّثنا بعض أَصْحَابنَا السعديّين قَالَ: فيمّمناه نتخطّى إِلَيْهِ الْأَحْيَاء فصادفناه فِي مسجدٍ يُصَلِّي بَين العشاءين فلمّا سمع حسّناً أوجز فِي صلَاته.
ثمَّ أقبل علينا فَقَالَ: مَا حَاجَتكُمْ فبدر رجلٌ منا كَانَ أحسننا بقيّة فَقَالَ: نَحن أعزّ الله القَاضِي قومٌ نَزَعْنَا إِلَيْك من طَرِيق الْبَصْرَة فِي حَاجَة مهمّة فِيهَا بعض الشَّيْء فَإِن أَذِنت لنا قُلْنَا. فَقَالَ: قُولُوا. فَذكر يَمِين الرجل والشّعر. فَقَالَ: أمّا قَوْله: إنّ الَّتِي ناولتني فإنّه يَعْنِي الْخمر. وَقَوله: قتلت أَرَادَ مزجت بِالْمَاءِ.
وَقَوله: كلتاهما حلب الْعصير يَعْنِي الْخمر ومزاجها فالخمر
(4/390)

عصير الْعِنَب وَالْمَاء عصير السَّحَاب قَالَ الله تَعَالَى: وأنزلنا من المعصرات مَاء تجّاجاً. انصرفوا إِذا شِئْتُم.
وَأَقُول: إنّ هَذَا التَّأْوِيل يمْنَع مِنْهُ ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أنّه قَالَ كلتاهما وكلتا مَوْضُوعَة لمؤنثين وَالْمَاء لمذكر والمذكر أبدا يغلّب على التَّأْنِيث كتغليب الْقَمَر على الشَّمْس فِي قَول الفرزدق:)
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع.
أَرَادَ: لنا شمسها وقمرها. وَلَيْسَ للْمَاء اسْم مؤنث فَيحمل على الْمَعْنى كَمَا قَالُوا: أَتَتْهُ كتابي فاحتقرها لأنّ الْكتاب فِي الْمَعْنى صحيفَة.
وَالثَّانِي: أنّه قَالَ: أرخاهما للمفصل وأفعل هَذَا مَوْضُوع لمشتركين فِي معنى
وَأَحَدهمَا يزِيد على الآخر فِي الْوَصْف بِهِ وَالْمَاء لَا يُشَارك فِي إرخاء الْمفصل.
وَالثَّالِث: أنّه قَالَ فِي الْحِكَايَة: فالخمر عصير الْعِنَب وَقَول حسّان حلب الْعصير يمْنَع من هَذَا لأنّه إِذا كَانَ الْعصير الْخمر والحلب هُوَ الْخمر فقد أضيت الْخمر إِلَى نَفسهَا وَالشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه.
وَالْقَوْل فِي هَذَا عِنْدِي: أَنه أَرَادَ كلتا الخمرين: الصّرْف والممزوجة حلب الْعِنَب فناولني أشدّهما إرخاء للمفصل.
وفرّق اللغويون بَين الْمفصل والمفصل فَقَالُوا: الْمفصل بِكَسْر الْمِيم وَفتح
(4/391)

الصَّاد اللِّسَان وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الصَّاد وَاحِد مفاصل الْعِظَام وَهُوَ فِي بَيت حسان يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ. انْتهى كَلَام ابْن الشجري.
وَأما حَدِيث حسان بن ثَابت مَعَ جبلة بن الْأَيْهَم وَكَيْفِيَّة إِسْلَام جبلة وارتداده فقد أوردهُ صَاحب الأغاني مفصّلاً وَهَا أَنا أوردهُ مُجملا: روى بِسَنَدِهِ إِلَى يُوسُف بن الْمَاجشون عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ حسّان بن ثَابت: أتيت جبلة بن الْأَيْهَم الغسّاني وقد مدحته فَأذن لي فَجَلَست بَين يَدَيْهِ وَعَن يَمِينه رجلٌ لَهُ ضفيرتان وَعَن يسَاره رجلٌ لَا أعرفهُ فَقَالَ: أتعرف هذَيْن فَقلت: أمّا هَذَا فأعرفه وَهُوَ النَّابِغَة الذبيانيّ وَأما هَذَا فَلَا أعرفهُ. قَالَ: هُوَ عَلْقَمَة بن عَبدة فَإِن شِئْت استشدتهما وَسمعت مِنْهُمَا ثمَّ إِن شِئْت أَن تنشد بعدهمَا أنشدت وَإِن شِئْت أَن تسكت سكتّ. قلت: فَذَاك. فأنشده النَّابِغَة: الطَّوِيل
(كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب)
قَالَ: فَذهب نصفي. ثمَّ قَالَ لعلقمة: أنْشد. فَأَنْشد: الطَّوِيل
(طحا بك قلبٌ فِي الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حَان مشيب)
فَذهب نصفي الآخر فَقَالَ لي: أَنْت أعلم الْآن إِن شِئْت سكتّ وَإِن شِئْت أنشدت.)
فتشدّدت وأنشدت:
(لله درّ عصابةٍ نادمتها ... يَوْمًا بجلّق فِي الزّمان الأوّل)
(أَبنَاء جَفْنَة عِنْد قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْجواد الْمفضل)
(يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم ... كأساً تصفّق بالرّحيق السّلسل)
(4/392)

.
(يغشون حتّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السّواد الْمقبل)
(بيض الْوُجُوه كريمةٌ أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل)
فَقَالَ لي: ادن ادن لعمري مَا انت بدونهما. ثمّ أَمر لي بثلثمائة دِينَار وَعشرَة أقمصه لَهَا جيبٌ وَاحِد وَقَالَ: هَذَا لَك عندنَا فِي كلّ عَام.
وَذكر أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ هَذِه القصّة لحسّان مَعَ عَمْرو بن الْحَارِث الْأَعْرَج وأتى بالقصّة أتمّ من هَذِه الرِّوَايَة قَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَ حسّان بن ثَابت: قدمت على عَمْرو بن الْحَارِث فاعتاض الْوُصُول إِلَيْهِ فَقلت للحاجب بعد مدّة: إِن أَذِنت لي عَلَيْهِ وإلاّ هجوت الْيمن كلّها. ثمَّ انقلبت عَنْكُم فَأذن لي فَدخلت فَوجدت عِنْده النَّابِغَة وعلقمة بن عَبدة فَقَالَ لي: يَا ابْن الفريعة قد عرفت نسبك فِي غسّان فَارْجِع فَإِنِّي باعثٌ إِلَيْك بصلَة سنيّة وَلَا تحْتَاج إِلَى الشّعْر فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك هذَيْن السّبْعين أَن يفضحاك فضيحتك فَضِيحَتِي وَأَنت وَالله لَا تحسن أَن تَقول: الطَّوِيل
(رقاق النّعال طّيبٌ حجراتهم ... يحيّون بالرّيحان يَوْم السّباسب)
فأبيت وَقلت: لَا بدّ مِنْهُ فَقَالَ: ذَاك إِلَى عمّيك. فَقلت لَهما: بحقّ الْملك إلاّ مَا قدّمتماني عَلَيْكُمَا فَقَالَ: قد فعلنَا. فأنشأت أَقُول:
(أَبنَاء جَفْنَة عِنْد قبر أَبِيهِم ... قبر ابْن مَارِيَة الْكَرِيم الْمفضل)
(4/393)

الأبيات فَلم يزل عَمْرو بن الْحَارِث يزحل عَن مَجْلِسه سُرُورًا حتّى شاطر الْبَيْت وَهُوَ يَقُول: هَذَا وَأَبِيك الشّعْر لَا مَا يعلّلاني بِهِ مُنْذُ الْيَوْم هَذِه وَالله البتّارة الَّتِي قد بترت المدائح أَحْسَنت يَا ابْن الفريعة هَات لَهُ يَا غُلَام ألف دِينَار مرجوحة. فَأعْطيت ذَلِك ثمَّ قَالَ: لَك عليّ كلّ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشّيبانيّ: لّما أسلم جبلة بن الْأَيْهَم الغسّانيّ وَكَانَ من مُلُوك آل جَفْنَة كتب إلأى عمر يَسْتَأْذِنهُ فِي الْقدوم عَلَيْهِ فَأذن لَهُ فَخرج إِلَيْهِ فِي خمسمائةٍ من أهل بَيته من عكّ وغسّان حَتَّى إِذا كَانَ على مرحلَتَيْنِ كتب إلأى عمر يُعلمهُ بقدومه فسرّ عمر رضوَان الله عَلَيْهِ بذلك)
وَأمر النَّاس باستقباله وَبعث إِلَيْهِ بأنزلٍ وَأمر جبلة مِائَتي رجل من أَصْحَابه فلبسوا الديباج وَالْحَرِير.
وركبوا الْخَيل معقودةً أذنابها وألبسوها قلائد الذَّهَب والفضّة وَلبس جبلة تاجه وَفِيه قرطا مَارِيَة وَهِي جدّته وَدخل الْمَدِينَة فَلم يبْق بهَا بكر وَلَا عانسٌ إلاّ خرجت تنظر إِلَيْهِ وَإِلَى زيّه فَلَمَّا انْتهى إِلَى عمر رحّب بِهِ وألطفه وَأدنى مَجْلِسه ثمَّ أَرَادَ عمر الحجّ فَخرج مَعَه جبلة يَده فهشم أنف الفرازيّ فاستعدى عَلَيْهِ عمر فيعث إلأى جبلة فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه تعمّد حلّ إزَارِي لَوْلَا حُرْمَة الْكَعْبَة لضَرَبْت عُنُقه بالسّيف
(4/394)

قَالَ عمر قد أَقرَرت إمّا أَن ترضي الرجل وإمّا أقدته.
قَالَ جبلة: تصنع مَاذَا قَالَ: آمُر بهشم أَنْفك قَالَ: وَكَيف ذَلِك هُوَ سوقة وَأَنا ملك قَالَ: إنّ الْإِسْلَام جمعك وإياه فَلَيْسَ تفضله إلاّ بالتّقى والعافية قَالَ جبلة: قد ظَنَنْت أَنِّي أكون فِي الْإِسْلَام أعزّ منّي فِي الجاهليّة.
قَالَ عمر: دع عَنْك هَذَا فإنّك إِن لم ترض الرجل أقدته مِنْك قَالَ: إِذن أتنصّر قَالَ: إِن تنصّرت ضربت عُنُقك فَلَمَّا رأى جبلة الجدّ من عمر قَالَ: أَنا نَاظر فِي هَذَا لَيْلَتي هَذِه.
وَقد اجْتمع بِبَاب عمر من حيّ هَذَا وحيّ هَذَا خلق كثيرٌ حتّى كَادَت أَن تكون فتْنَة فَلَمَّا أَمْسوا أذن لَهُ عمر بالانصراف حتّى إِذا نَام النَّاس تحمّل جبلة مَعَ جماعته إِلَى الشَّام فَأَصْبَحت مَكَّة مِنْهُم بَلَاقِع. فَلَمَّا انْتهى إِلَى الشَّام تحمّل فِي خمسمائةٍ من قومه حتّى أَتَى القسطنطينيّة فَدخل إِلَى هِرقل فتنصّر هُوَ وَقَومه فسرّ هِرقل بذلك جدّاً وطنّ أنّه فتحٌ من القتوح واقعده حَيْثُ شَاءَ وَجعله من محدّثيه وسمّاره.
ثمَّ إنّ عمر بدا لَهُ أَن يكْتب إِلَى هِرقل يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام ووجّه إِلَيْهِ رَسُولا وَهُوَ جثّامة بن مساحق الكنانيّ فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ أجَاب إِلَى كل شَيْء سوى الْإِسْلَام فَلَمَّا أَرَادَ الرَّسُول الِانْصِرَاف قَالَ لَهُ هِرقل: هَل رَأَيْت ابْن عمّك هَذَا الَّذِي جَاءَنَا رَاغِبًا فِي ديننَا قلت: لَا. قَالَ: فالقه. قَالَ: فتوجّهت إِلَيْهِ فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى بَابه رَأَيْت من الْبَهْجَة وَالْحسن والستور مَا لم أر مثله بِبَاب هِرقل فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ إِذا هُوَ فِي بهو عَظِيم وَفِيه من التصاوير مَا لَا أحسن وَصفه وَإِذا هُوَ جَالس على سريرٍ من قَوَارِير قوائمه
(4/395)

أَرْبَعَة أسدٍ من ذهب وَقد أَمر بمجلسه فَاسْتقْبل بِهِ وَجه الشَّمْس فَمَا بَين يَدَيْهِ من آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة تلوح فَمَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ فلمّا سلّمت)
عَلَيْهِ ردّ السَّلَام ورحبّ بِي الطفني ولامني على تركي النُّزُول عِنْده ثمَّ أقعدني على سَرِير لم ادر مَا هُوَ فتبينته فَإِذا هُوَ كرسيٌّ من ذهب فانحدرت عَنهُ فَقَالَ: مَالك فَقلت: إِن رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم نهى عَن هَذَا.
فَقَالَ جبلة أَيْضا مثل قولي فِي النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين ذكرته وصلّى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا إنّك إِذا طهّرت قَلْبك لم يضرّك مَا لبسته وَلَا مَا جَلَست عَلَيْهِ. ثمَّ سَأَلَني عَن النَّاس وألحف فِي السُّؤَال عَن عمر ثمَّ جعل يفكّر حتّى عرفت الْحزن فِي وَجهه فَقلت لَهُ: مَا يمنعك من الرُّجُوع إِلَى قَوْمك وَالْإِسْلَام. فَقَالَ: أبعد الَّذِي قد كَانَ قلت: قد ارتدّ الْأَشْعَث بن قيس عَن الْإِسْلَام زمنعهم الزّكاة
وضربهم بِالسَّيْفِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام.
فتحدّثنا مليّاً ثمَّ أَوْمَأ إِلَى غُلَام على رَأسه فولّى يحضر فَمَا كَانَ إلاّ هينهة حَتَّى أَقبلت الأخونة فوصعت وَجِيء بخوان من ذهب فَوضع أَمَامِي فاستعفيت فَوضع أَمَامِي خوان من خلنج وجامات قَوَارِير وأديرت الْخمر فاستعفيت مِنْهَا فَلَمَّا فَرغْنَا دَعَا بكأس من ذهب فَشرب مِنْهُ خمْسا ثمَّ أَوْمَأ إِلَى غُلَام فولّى يحضر فَمَا شَعرت إلاّ بِعشر جوارٍ يتكسّرن فِي الْحلِيّ وَالْحلَل فَقعدَ خمسٌ عَن يَمِينه وَخمْس عَن شِمَاله ثمَّ سَمِعت وسوسةٍ من ورائي فَإِذا أَنا بعشرٍ أفضل من الأول عليهنّ الوشي والحلي فَقعدَ خمسٌ عَن يَمِينه وَخمْس عَن شِمَاله.
ثمَّ أَقبلت جاريةٌ على رَأسهَا طَائِر أَبيض كَأَنَّهُ لؤلؤة مؤدّب وَفِي يَدهَا الْيُمْنَى جَام فِيهِ مسك وَعَنْبَر قد خلطا وَفِي الْيُسْرَى جَام فِيهِ مَاء
(4/396)

ورد فَأَلْقَت الطَّائِر فِي مَاء الْورْد فتمعّك فِيهِ بَين جناحيه وظهره وبطنه ثمَّ أخرجته فألقته فِي جَام الْمسك والعنبر فتمعّك فيهمَا حَتَّى لم يدع فِيهِ شَيْئا ثمَّ نفّرته فطار فَسقط على رَأس جبلة ثمَّ رَفْرَف ونفض ريشه فَمَا بَقِي عَلَيْهِ شَيْء إلاّ سقط على جبلة ثمَّ قَالَ للجواري: أطربني فخفقن بعيدانهنّ يعنيّن:
(لله درّ عصابةٍ نادمتهم ... يَوْمًا بجلّق فِي الزّمان الأوّل)
الأبيات فاستهلّ واستبشر وطرب ثمَّ قَالَ: زدنني. فاندفعن يغنّين: الْخَفِيف
(لمن الدّار أقفرن بمعان ... بَين شاطي اليرموك فالصّمّان)
إِلَى آخر القصيدة.
فَقَالَ: أتعرف هَذِه الْمنَازل قلت: لَا. قَالَ: هَذِه مَنَازلنَا فِي ملكنا بِأَكْنَافِ
دمشق وَهَذَا شعر ابْن الفريعة حسّان بن ثَابت شَاعِر رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم. قلت: أما إنّه مضرور)
الْبَصَر كَبِير السنّ قَالَ: يَا جَارِيَة هَاتِي. فَأَتَتْهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَخَمْسَة أَثوَاب ديباج فَقَالَ: ادْفَعْ هَذِه إِلَى حسّان. ثمَّ روادني على مثلهَا فأبيت فَبكى ثمَّ قَالَ لجواريه: أبكينني. فعوضن عيدانهنّ ثمَّ أنشأن يقلن: الطَّوِيل
(تكنّفني فِيهَا لجاجٌ ونخوةٌ ... وَكنت كمن بَاعَ الصّحيحة بالعور.)
(فيا لَيْت أمّي لم تلدني وليتني ... رجعت إِلَى القَوْل الَّذِي قَالَه عمر)
...
(4/397)

(وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بفقرةٍ ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر)
(وَيَا لَيْت لي بالشّام أدنى معيشةٍ ... أجالس قومِي ذَاهِب السّمع والْبَصَر)
ثمَّ بَكَى وبكيت مَعَه حتّى نظرت إِلَى دُمُوعه تجول على لحيته كَأَنَّهَا اللُّؤْلُؤ ثمَّ سلّمت عَلَيْهِ وانصرفت فَلَمَّا قدمت على عمر سَأَلَني عَن هِرقل وَعَن جبلة فقصصت عَلَيْهِ القصّة فَقَالَ: أبعده الله تعجّل فانيةً اشْتَرَاهَا بباقية فَهَل سرّح مَعَك شَيْئا قلت: سرّح إِلَى حسان خَمْسمِائَة دِينَار وَخَمْسَة أَثوَاب ديباج. فَقَالَ: هَاتِهَا.
وَبعث إِلَى حسان فَأقبل يَقُودهُ قائده حتّى دنا فسلّم وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنّي لأجد أَرْوَاح آل جَفْنَة فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: قد نزع الله تَعَالَى لَك مِنْهُ على رغم أَنفه طوأتاك بمعونته.
فَأَخذهَا وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول: الْكَامِل
(إنّ ابْن جَفْنَة من بقيّة معشرٍ ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم)
(لم ينسني بالشّام إِذْ هُوَ ربّها ... كلاّ وَلَا منتصّراً بالرّوم)
(يُعْطي الجزيل وَلَا يرَاهُ عِنْده ... إلاّ كبعض عطيّة المذموم)
ثمَّ قَالَ للرسول: مَا لَك جبلة قَالَ: قَالَ لي: إِن وجدته حيّاً فادفعها إِلَيْهِ وَإِن وجدته مَيتا فاطرح الثّياب على قَبره وابتع بِهَذِهِ الدَّنَانِير بدناً فانحرها على قَبره.
فَقَالَ حسّان: ليتك وَالله وجدتني مَيتا فَفعلت ذَلِك بِي انْتهى كَلَام الأغاني.
وروى هَذِه الْقِصَّة ابْن عبد ربه فِي العقد على هَذَا النمط وَزَاد فِيهَا عِنْد قَوْله:
(4/398)

قد ارتدّ الْأَشْعَث بن قيس عَن الْإِسْلَام ثمَّ رَجَعَ وَقبل مِنْهُ.
قَالَ جبلة: ذَرْنِي من هَذَا إِن كنت تضمين لي ان يزوّجني عمر بنته ويولّيني بعده الْأَمر رجعت إِلَى الْإِسْلَام. قَالَ: فضمنت لَهُ التَّزْوِيج وَلم أضمن الإمرة.
وَقَالَ فِي آخر الْقِصَّة: فَلَمَّا قدمت على عمر أخْبرته خبر جبلة وَمَا دَعوته إِلَيْهِ من الْإِسْلَام)
وَالشّرط الَّذِي اشترطته فَقَالَ لي عمر: هلاّ ضمنت لَهُ الإمرة أَيْضا فَإِذا أَفَاء الله بِهِ إِلَى الْإِسْلَام قضى عَلَيْهِ بِحكمِهِ عَزَّ وَجَلَّ ّ. قَالَ: ثمَّ جهّزني عمر إِلَى قَيْصر وَأَمرَنِي أَن أضمن لجبلة مَا اشْترط بِهِ. فَلَمَّا قدمت الْقُسْطَنْطِينِيَّة وجدت النَّاس منصوفين من جنَازَته فَعلمت أَن الشّقاء غلب عَلَيْهِ فِي أمّ الْكتاب. انْتهى.
وروى صَاحب الأغاني عَن ابْن الْكَلْبِيّ: أنّ الفزاريّ لما وطئ إِزَار جبلة فلطم الفزاريّ جبلة كَمَا لطمه جبلة وثب عَلَيْهِ غسّان فهشّموا أَنفه وَأتوا بِهِ عمر. ثمَّ ذكر بَاقِي الْخَبَر كَمَا ذكر.
(4/399)

وروى الزّبير بن بكّار: أنّ جبلة قدم على عمر فِي ألفٍ من أهل بَيته فَأسلم وَجرى بَينه وَبَين رجل من أهل الْمَدِينَة كَلَام فسبّ المدنيّ فردّ عَلَيْهِ فَلَطَمَهُ جبلة فَلَطَمَهُ المدنيّ فَوَثَبَ عَلَيْهِ أَصْحَاب جبلة فَقَالَ: دَعوه حتّى أسأَل صَاحبه وَأنْظر مَا عِنْده. فجَاء إِلَى عمر فَأخْبر فَقَالَ: إنّك فعلت بِهِ فعلا فَفعل بك مثله. قَالَ:
أَو لَيْسَ عنْدك من الْأَمر إلاّ مَا أرى قَالَ: لَا فَمَا عنْدك من الْأَمر يَا جبلة قَالَ: من سبّنا ضَرَبْنَاهُ وَمن ضربنا قَتَلْنَاهُ قَالَ: إنّما أنزل الْقُرْآن بِالْقصاصِ فعضب وَخرج بِمن مَعَه وَدخل أَرض الرّوم فتنصّر ثمَّ نَدم فَقَالَ: تنصّرت الْأَشْرَاف من عَار لطمةٍ وَذكر الأبيات الْمَاضِيَة.
ثمَّ روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن عبد الله بن مسْعدَة الفزاريّ قَالَ: وجّهني مُعَاوِيَة إِلَى ملك الرّوم فَدخلت عَلَيْهِ وَعِنْده رجل على سَرِير من ذهب فكلّمني بِالْعَرَبِيَّةِ فَقلت: من أَنْت يَا عبد الله قَالَ أَنا رجل غلب الشَّقَاء أَنا جبلة بن الْأَيْهَم الغسّاني إِذا صرت إِلَى منزلي فالقني.
فلمّا انْصَرف أتينه فألقينه على شرابه وَعِنْده فينتان تغّنيانه بِشعر حسّان بن ثَابت فلمّا فرغتا من غنائهما أقبل عليّ فَقَالَ: مَا فعل حسان بن ثَابت قلت: شيخ كَبِير قد عمي فَدَعَا بِأَلف دِينَار فَقَالَ: ادفعها إِلَى حسان. ثمَّ قَالَ: أَتَرَى صَاحبك يَفِي لي إِن خرجت إِلَيْهِ قلت: قل مَا شِئْت أعرضه عَلَيْهِ. قَالَ: يعطيني الثنيّة فإنّها كَانَت مَنَازلنَا وَعشْرين
(4/400)

قَرْيَة من الغوطة مِنْهَا داريّا وسكّاء ويفرض لجماعتنا وَيحسن جوائزنا. فَقلت: أبلّغه. فلمّا قدمت على مُعَاوِيَة أخْبرته الْخَبَر فَقَالَ: وددت أنّك أَجَبْته إِلَى مَا سَأَلَ. وَكتب إِلَيْهِ بعطاء ذَلِك فَوَجَدَهُ قد مَاتَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من أَبْيَات المفصّل وَغَيره: الطَّوِيل
(وَقد جَعَلتني من حزيمة إصبعا)
على أنّ فِيهِ حذف ثَلَاث كَلِمَات متضايفات أَي: ذَا مِقْدَار مَسَافَة أصْبع الأولى تَقْدِير مضافين أَي: ذَا مَسَافَة إِصْبَع فإنّ الْمسَافَة مَعْنَاهَا الْبعد. والْمِقْدَار لَا حَاجَة إِلَيْهِ. كَذَا قد رجماعةٌ مِنْهُم أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعري وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
وَهَذَا عجر وصدره: فَأدْرك إبْقَاء العرادة ظلعها وَهُوَ من جملَة أبياتٍ للكلحبة العريني تقدّم شرحها وترجمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتِّينَ.
وأوّل الأبيات:
(فَإِن تنج مِنْهَا يَا حزيم بن طارقٍ ... فقد تركت مَا خلف ظهرك بلقعا)
(4/401)

يَقُول: إِن تنج يَا حزيمة من فرسي فَلم تفلت إلاّ نَفسك وَقد استبيح مَالك وكا كنت حويته وعنمته فَلم تدع لَك هَذِه الْفرس شَيْئا.
وَسبب هَذِه الأبيات: أنّ بني تغلب وَكَانَ رئيسهم خُزَيْمَة بن طَارق أغار على بني مَالك بن حَنْظَلَة من بني يَرْبُوع فاستاق حريمة بن طَارق إبل بني يَرْبُوع وَلما أَتَى الصّريخ إِلَى بني يَرْبُوع ركبُوا فِي إثره فهزموه واستنقذوا مِنْهُ مَا كَانَ أَخذه واسر حريمة.
وَهَذَا الْبَيْت يشْهد بانفلات حزيمة وَشعر جريرٍ يشْهد بأسره وَهُوَ قَوْله: قدنا حزيمة قد علمْتُم عنْوَة وَيجمع بَينهمَا بأنّ حزيمة بعد أَن نجا من الكلحبة أسره غَيره. وَضمير مِنْهَا رَاجع إلأى فرس الكلحبة. وحزيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الزاء الْمُعْجَمَة: مرخمٌ حزيمة كَمَا فِي الْبَيْت الآخر. والبلقع: الْفقر الْخَالِي. والْإِبْقَاء: مَا تبقيه الْفرس من الْعَدو إِذْ من عتاق الْخَيل مَا لَا تُعْطِي مَا عِنْدهَا من الْعَدو بل وَقَوله: فَأدْرك إبْقَاء العرادة بِفَتْح الْعين وَالرَّاء وَالدَّال المهملات: اسْم فرس الكلحبة. تبقي مِنْهُ شَيْئا إِلَى وَقت الْحَاجة يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء فقطعها عَن غبقائها ففاته حزيمة وظلعها:)
فَاعل أدْرك وإبقاء: مَفْعُوله. والظّلع فِي الْإِبِل بِمَنْزِلَة العرج الْيَسِير وَلَا يكون فِي ذِي الْحَافِر إلاّ يَقُول: تبِعت حزيمة فِي هربه
(4/402)

فَلَمَّا قربت مِنْهُ أصَاب فرسي عرجٌ فتخلفت عَنهُ وَلَوْلَا عرجها لما أسره غَيْرِي. وَجُمْلَة وَقد جَعَلتني الخ حَالية.
وَأَخْطَأ المظفريّ فِي شرح المفصّل حَيْثُ لم يقف على منشأ الْبَيْت فَزعم أنّ حزيمة اسْم قَبيلَة وَقَالَ فِي مَعْنَاهُ: أدْرك الظّلع غبقاء هَذَا الْفرس أَي: بقاءها وثباتها فِي السّير يَعْنِي كَانَت ثَابِتَة فِي السّير فعرجت فِي حالةٍ لم يبْق بيني وَبَين قبيلتي إلاّ قدر إِصْبَع. هَذَا كَلَامه وَكَانَ السُّكُوت أجمل بِهِ لَو كَانَ يعقل وَقَالَ الْعَيْنِيّ: كَانَت فرس الكلحبة مجروحة فقصّرت لما قرب من حزيمة ففاته. وَهَذَا لم يقلهُ أحد وإنّما اعتذر الكلحبة لعرج فرسه وانفلات حزيمة بقوله:
(ونادى مُنَادِي الحيّ أَن قد أتيتم ... وَقد شربت مَاء المزادة أجمعا)
يَقُول: أَتَى الصّريخ وَقد شربت فرسي ملْء الْحَوْض مَاء. وخيل الْعَرَب إِذا علمت أَنه يغار عَلَيْهَا وَكَانَت عطاشاً فَمِنْهَا مَا يشرب بعض الشّرْب وَبَعضهَا لَا
يشرب أَلْبَتَّة لما قد جرّبت من الشدّة الَّتِي تلقى إِذا شربت المَاء وحورب عَلَيْهَا. وَجُمْلَة وَقد شربت حَال أَي: أتيتم فِي هَذِه الْحَال. كَذَا قَالَ ابْن الأنباريّ فِي شرح المفضّليات.
فَعلم من هَذَا أنّ سَبَب عرج فرسه من إفراط شرب المَاء لَا من الْجرْح. وَالله أعلم. ...
(4/403)

(يَا من رأى عارضاً أسر بِهِ ... بَين ذراعي وجبهة الْأسد)
على أنّ أَصله: بَين ذراعي الْأسد وجبهة الْأسد. فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ الأوّل على نيّة لَفظه.
وَلِهَذَا لم بَين الْمُضَاف وَلم ينوّن. ومن: منادى وَقيل المنادى مَحْذُوف وَمن استفهامية. والرؤية بصريّة. والْعَارِض: السّحاب الَّذِي يعْتَرض الْأُفق. وَجُمْلَة أسرّ بِهِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول صفة لعَارض. والذراعان والْجَبْهَة: من منَازِل الْقَمَر. وَعند الْعَرَب أَن السَّحَاب الَّذِي ينشأ بِنَوْء من منَازِل الْأسد يكون مطره غزيراً فَلذَلِك يسرّ بِهِ.
قَالَ الأعلم فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: وصف عَارض سحابٍ اعْترض بَين نوء الذِّرَاع ونوء الْجَبْهَة وهما من أنواء الْأسد وأواؤه أَحْمد الأنواء. وَذكر الذراعين والنوء إنّما هُوَ لِلذِّرَاعِ المقبوضة مِنْهُمَا لاشْتِرَاكهمَا فِي اعضاء الْأسد.)
وتقدّم شرح هَذَا الْبَيْت وَهُوَ للفرزدق بأبسط من هَذَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: مجزوء الْكَامِل
(إلاّ علالة أَو بدا ... هة سابحٍ نهد الجزارة)
(4/404)

قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصريّة: لَيْسَ من اعْترض فِي قَوْله: إلاّ علالة أَو بداهة قارح بأنّ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَحْذُوف بدافع أَن يكون بِمَنْزِلَة مَا شبّهه بِهِ من قَوْله: لله درّ الْيَوْم من لامها لِأَنَّهُ قد ولي الْمُضَاف إِلَيْهِ وَإِذا وليه غَيره فِي اللَّفْظ فقد وَقع الْفَصْل بِهِ بَينهمَا كَمَا وَقع الْفَصْل بَينهمَا فِي اللَّفْظ فِي قَوْله: لله درّ الْيَوْم. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد ساواه فِي الْقبْح للفصل الْوَاقِع بَينهمَا وَزَاد عَلَيْهِ فِيهِ أنّ الْمُضَاف هُنَا مَحْذُوف وَللَّه درّ الْيَوْم مَذْكُور فَلَا يَخْلُو الْأَمر من أَن يكون أَرَادَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فَحَذفهُ لدلَالَة الثَّانِي عَلَيْهِ أَو أَرَادَ غضافته إِلَى الْمَذْكُور فِي اللَّفْظ وَفصل بَينهمَا بالمعطوف. وَكَيف كَانَت القصّة فالفصل حاصلٌ بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ.
وَاعْترض بِأَن قَالَ: لَو كَانَ على تَقْدِير الْإِضَافَة إِلَى قارح الظَّاهِر لَكَانَ إلاّ علالة أَو بداهة قارحٍ. ولَا يلْزم لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون: إلاّ علالة قارح أَو
بداهة قارح فَيظْهر الْمُضَاف إِلَيْهِ مَوضِع الْإِضْمَار فتحذفه من اللَّفْظ كَمَا جَازَ عِنْد خَالف سِيبَوَيْهٍ بِأَن يدكر علالة وَهُوَ يُرِيد الْإِضَافَة فيحذف الْمُضَاف.
وَله أَن يَقُول: إنّ تقديري الْحَذف أسوغ ولأنيّ أحذفه بعد أَن قد جرى ذكره وَحذف مَا جرى ذكره أسوغ لتقدّم الدّلَالَة عَلَيْهِ. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
(4/405)

وَقَبله: وَهُنَاكَ يكذب ظنكم أَن لَا اجْتِمَاع وَلَا زياره يَقُول: إِذا غزوناكم علمْتُم أَن ظنّكم بأنّنا لَا نغزوكم كذب وَهُوَ زعمكم أننا لَا نَجْتَمِع وَلَا نزوركم بِالْخَيْلِ غازين.
وَقَوله: إلاّ علالة اسْتثِْنَاء مُنْقَطع من قَوْله لَا اجْتِمَاع أَي: لَكِن نزوركم بِالْخَيْلِ. والعلالة: بِضَم الْمُهْملَة: بقيّة جري الْفرس. والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة: أول جري الْفرس وأَو للإضراب.
وَرُوِيَ بِتَقْدِيم بداهة على علالة فأو على هَذَا لأحد الشَّيْئَيْنِ. والسابح: الْفرس الَّذِي)
يدحو الأَرْض بيدَيْهِ فِي الْعَدو. والنّهد: الْمُرْتَفع. والجزارة بِضَم الْجِيم: الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ. يُرِيد أَن فِي عُنُقه وقوائمه طول وارتفاعاً. وَهَذَا مدحٌ فِي الْخَيل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: السَّرِيع
(لمّا رَأَتْ ساتيدما استعبرتلله درّ الْيَوْم من لامها
(4/406)

. قد سَأَلتنِي بنت عَمْرو عَن ال)
لمّا رَأَتْ ساتيدما استعبرت ... ... ... ... الْبَيْت
(تذكرت أَرضًا بهَا أَهلهَا ... أخوالها فِيهَا وأعمامها)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: قَالَ أَبُو النّدى: سَبَب بكائها أَنَّهَا لما فَارَقت بِلَاد قَومهَا إلأى بِلَاد الرّوم بَكت ونَدِمت على ذَلِك. وإنّما أَرَادَ عَمْرو بن قميئة بِهَذِهِ الأبيات نَفسه لَا بنته فكنّى عَن نَفسه بهَا. وساتيدما: جبل بَين ميّا فارقين وسعرت. وَكَانَ عَمْرو بن قميئة قَالَ هَذَا لما خرج
مَعَ امْرِئ الْقَيْس إِلَى ملك الرّوم. انْتهى. وتنكر: تجْهَل أنكرته إنكاراً: خلاف عَرفته ونكرته مِثَال تعبت كَذَلِك غير أنّه لَا يتَصَرَّف.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والْأَعْلَام: الْجبَال
(4/407)

وَيجوز أَن يُرِيد بهَا الْمنَار المنصوبة على الطَّرِيق ليستدلّ بهَا من يسْلك الطَّرِيق. يُرِيد: أَنَّهَا سَأَلته عَن الْمَكَان الَّذِي صَارَت فِيهِ وَهِي لَا تعرفه لما انكرته)
استخبرته عَن اسْمه. واستعيرت: بَكت من وَحْشَة الغربة ولبعدها من أَرَاضِي أَهلهَا. وَالْعرب تَقول: لله درّ فلَان إِذا دعوا لَهُ وَقيل: إنّهم يُرِيدُونَ لله عمله أَي: جعل الله عنله فِي الْأَشْيَاء الْحَسَنَة اليت يرضاها.
وإنّما دَعَا للائمها بِالْخَيرِ نكايةً بهَا لأنّها فَارَقت أَهلهَا بِحسن اخْتِيَارهَا فَيكون هَذَا تسفيهاً لَهَا وَقَالَ الأعلم: وصف امْرَأَة نظرت إِلَى ساتيدما وَهُوَ جبلٌ بعيدٌ من ديارها فتذكرت بلادها فاستعبرت شرقاً إِلَيْهَا ثمَّ قَالَ: لله درّ من لامها الْيَوْم على استعبارها وشوقها إنكاراً على لائمها لأنّها استعبرت بحقّ فَلَا يَنْبَغِي أَن تلام. هَذَا كَلَامه. وَلَيْسَ هَذَا معنى الشّعْر فتأمّل.
وذكلك لم يصب بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل فِي قَوْله: قد سَأَلتنِي هَذِه الْمَرْأَة عَن الْأَرْضين الَّتِي كَانَ بهَا أَهلهَا إِذْ أنْكرت جبالها أَو أعلامها المنصوبة فِيهَا وَلم تعرفها لتقادم الْعَهْد بهَا أَو لتغيّرها لّما رَأَتْ هَذَا الْجَبَل بَكت لِأَنَّهُ كَانَ منزل أَهلهَا. ثمَّ قَالَ: لله درّ من لامها على الْبكاء وقبّحه عِنْدهَا لتمتنع عَنهُ. انْتهى كَلَامه. وَهَذَا كَلَام من لم يصل إِلَى العنقود.
وَقَوله: تذكّرت أَرضًا بهَا أَهلهَا قد اسْتشْهد سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا الْبَيْت أَيْضا على أنّ قَوْله: أخوالها فِيهَا وأعمامها مَنْصُوب بِفعل مُضْمر وَهُوَ
(4/408)

تذكّرت. وَهَذَا جَائِز عَنْهُم بِإِجْمَاع لأنّ الْكَلَام قد تمّ فِي قَوْله: تذكّرت أَرضًا بهَا أَهلهَا ثمَّ حمل مَا بعده على معنى التذكّر.
وَأَجَازَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل أَن يكون قَوْله: أخوالها بَدَلا من أَرضًا بدل الاشتمال.
وَقَوله: بهَا أَهلهَا الظّرْف لقَوْله أَرضًا وَأَهْلهَا فَاعل الظّرْف وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ والظرف قبله خَبره وَالْجُمْلَة هـ يالصفة.
وَالْكَلَام على ساتيدما قد أَجَاد فِيهِ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ قَالَ: ساتيدما بعد الْألف تَاء مثناة من فَوق مَكْسُورَة وياء مثنّاة من تَحت ودال مُهْملَة مَفْتُوحَة وَمِيم وَألف مَقْصُورَة أَصله مهمل فِي الِاسْتِعْمَال فِي كَلَام الْعَرَب فإمّا أَن يكون مرتجلاً عَرَبيا لأنّهم قد اكثروا من ذكره فِي شعرهم وإمّا أَن يكون أعدجمياً. قَالَ العمرانيّ: هُوَ جبلٌ بِالْهِنْدِ لَا يعْدم ثلجه أبدا.
وأنشدوا: المتقارب
(أبرد من ثلج ساتيدما ... وَأكْثر مَاء من العكرش)
وَقَالَ غَيره: سمّي بذلك لِأَنَّهُ لَيْسَ من يَوْم إلاّ ويسفك فِيهِ دم كأنّه اسمان جعلا وَاحِدًا: ساتي)
دَمًا. وِسَادِي وساتي بِمَعْنى وَهُوَ من سدى الثّوب فَكَأَن الدِّمَاء تسدى فِيهِ كَمَا يسدى الثَّوْب. وَقد مدّه البحتريّ فَقَالَ: الطَّوِيل
(ولمّا أسفرت فِي جلولى دِيَارهمْ ... فَلَا الظّهر من ساتيدماء وَلَا اللّحف)
(4/409)

قَالَ أبوعبيد البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم: رَأَيْت البحتريّ قد مدّه فَلَا أعلم أضرورة أم لُغَة والبحتريّ شَدِيد التوقيّ فِي شعره من اللّحن والضّرورة.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وَقد حذف يزِيد بن مفرّغ ميمه فَقَالَ: الوافر فدير سوى فساتيدا فبصرى قلت: وَهَذَا يدل على أَن هَذَا الْجَبَل لَيْسَ بِالْهِنْدِ وإنّما العمرانيّ وهم. وَذكر غَيره أنّ ساتيدما هُوَ الْجَبَل الْمُحِيط بِالْأَرْضِ مِنْهُ جبل بارمّا وَهُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف
بجبل حمرين وَمَا يتّصل بِهِ قرب الْموصل والجزيرة وَتلك النواحي. وَهُوَ أقرب إِلَى الصِّحَّة. وَالله أعلم.
وَقَالَ أَبُو بكر الصّوليّ فِي شرح قَول أبي نواس: المنسرح
(وَيَوْم ساتيدما ضربنا بني ال ... أصفر وَالْمَوْت فِي كتائبها)
قَالَ: ساتيدما: نره أقرب أرزن وَكَانَ كسْرَى وجّه إِيَاس بن قبيصَة الطَّائِي لقِتَال الرّوم بساتيدما فَهَزَمَهُمْ فافتخر بذلك وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح. وَقَوله: فِي بِلَاد الْهِنْد خطأ فَاحش.
وَقد ذكر الكسرويّ فِيمَا أورد فِي خبر دجلة عَن المرزباني عَنهُ فَذكر نَهرا بَين آمد وميّاً فارقين ثمَّ قَالَ: ينصبّ إِلَيْهِ وَادي ساتيدما وَهُوَ خَارج من درب الْكلاب بعد أَن ينصبّ إِلَى وَادي ساتيدما وَادي الزُّور الْآخِذ من الكلك وَهُوَ مَوضِع ابْن بقراط البطريق من ظَاهر أرمينيا. قَالَ: وينصبّ أَيْضا من وَادي ساتيدما نهر ميّا فارقين وَهَذَا كُله مخرجه من بِلَاد الرّوم فَأَيْنَ هُوَ الْهِنْد ياللعجب وَقَول عمروبن قميئة:
(4/410)

لّما رَأَتْ ساتيدما استعبرت يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ قَالَه فِي طَرِيقه إِلَى ملك الرّوم حَيْثُ سَار مَعَ امْرِئ الْقَيْس. انْتهى كَلَام وَقَالَ البكريّ فِي مُعْجم مَا استعجم: ساتيدما: جبل متّصل من بَحر الرّوم إِلَى بَحر الْهِنْد وَلَيْسَ يَأْتِي يومٌ من الدَّهْر إلاّ سفك عَلَيْهِ دم فَلذَلِك سمّي ساتيدما. وَكَانَ قَيْصر قد غزا كسْرَى وأتى بِلَاده على غرّة فاحتال لَهُ حتّى انْصَرف عَنهُ وَاتبعهُ كسْرَى فِي جُنُوده فأدركه بساتيدما فَانْهَزَمُوا مرعوبين من غير قتال فَقَتلهُمْ قتل الْكلاب وَنَجَا قَيْصر وَلم يكد. وَفِي شعر)
أبي النَّجْم ساتيدما: قصر من قُصُور السوَاد قَالَ أَبُو النَّجْم يذكر سكر خالدٍ القسريّ لدجلة: الزّجر
(فَلم يجئها الْمَرْء حَتَّى أحكما ... سكرا لَهَا أعظم من ساتيدما)
انْتهى. وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ فِي قَول أبي النَّجْم مَا يعيّن كَونه قصراً وَلَا مَانع من أَن يحمل على معنى الْجَبَل. ومّما يرد بِهِ على العمرانيّ فِي قَوْله: إِنَّه جبل بِالْهِنْدِ لَا يعْدم ثلجه أَن الْهِنْد بِلَاد حارّة لَا يُوجد فِيهَا الثَّلج. وَالله أعلم. وعَمْرو بن قميئة على وزن فعيلة مؤنّث قميء على وزن فعيل مَهْمُوز اللَّام من قمؤ الرجل بِضَم الْمِيم قمأ بسكونها وقماءة بِفَتْحِهَا وَالْمدّ أَي: صَار قميئاً وَهُوَ الصَّغِير الذَّلِيل.
(4/411)

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: عَمْرو بن قميئة من قيس بن ثَعْلَبَة بن مَالك رَهْط طرفَة بن العَبْد وَهُوَ قديمٌ جاهليّ كَانَ مَعَ حجر أبي امْرِئ الْقَيْس فَلَمَّا خرج امْرُؤ الْقَيْس إِلَى الرّوم
(بَكَى صَاحِبي لّما رأى الدّرب دونه ... وأيقن أّا لَا حقان بقيصرا)
(فَقلت لَهُ: لَا تبك عَيْنك إنّما ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذوا)
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَفِي عبد الْقَيْس عَمْرو بن قميئة الضبعِي.
وَأورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء يُقَال لَهُم ابْن قميئة أوّلهم هَذَا قَالَ: هوعمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة الشَّاعِر
الْمَشْهُور دخل بِلَاد الرّوم مَعَ امْرِئ الْقَيْس بن حجر فَهَلَك فَقيل لَهُ عمروٌ الضائع.
وَالثَّانِي هُوَ جميل بن عبد الله بن قميئة الشَّاعِر العذريّ أحد بني ظبْيَان بن حنّ وحنّ ابْن عذرة وَلم يكن جميل يعرف إلاّ بِابْن قميئة.
وَالثَّالِث ربيعَة بن قميئة الصّعبي أحد بني صَعب بن تيم بن أَنْمَار بن ميسر بن عميرَة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار شَاعِر لَهُ فِي كتاب عبد الْقَيْس القصيدة الَّتِي أَولهَا: الطَّوِيل
(لمن دمنٌ قفرٌ كأنّ رسومها ... على الْحول جفن الفارسيّ المزخرف)
(4/412)

وَأنْشد بعده الْبَسِيط
(كأنّ أصوات من إيغالهنّ بِنَا ... أَوَاخِر الميس إنقاض الفراريج)
على أنّ الظّرْف قد فصل بَين المتضايقين لضَرُورَة الشّعْر وَالْأَصْل: كأنّ أصوات أَوَاخِر الميس. والإيغال: الإبعاد يُقَال أوغل فِي الأَرْض: إِذا أبعد فِيهَا. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ. والْأَوَاخِر: جمع)
آخِرَة الرحل بِوَزْن فاعلة وَهُوَ الْعود الَّذِي فِي آخر الرحل يسْتَند إِلَيْهِ الرَّاكِب. والميس: بِفَتْح الْمِيم: شجرٌ يتَّخذ مِنْهُ الرّحال والأقتاب. وَإِضَافَة الْأَوَاخِر إِلَيْهِ كإضافة خَاتم فضّة. والإنقاض مصدر أنقضت الدَّجَاجَة: إِذا صوّتت وَهُوَ بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة. والفراريج: جمع فرّوج وَهِي صغَار الدّجاج.
يُرِيد أنّ رحالهم جديدةٌ وَقد طَال سيرهم فبعض الرحل يحكّ بَعْضًا فَيحصل مثل أصوات الفراريج من اضْطِرَاب الرّحال لشدَّة السّير.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمّة تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الثلاثمائة)
الطَّوِيل
(تمرّ على مَا تستمرّ وَقد شفت ... غلائل عبد الْقَيْس مِنْهَا صدروها)
على أنّ الْفَصْل بَين المتضايقين بِغَيْر الظّرْف نَادِر كَمَا هُنَا وَالْأَصْل: وَقد شفت غلائل صدروها عبد الْقَيْس مِنْهَا ففصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بالفاعل وبالجارّ وَالْمَجْرُور.
وَالْفَاعِل وَهُوَ عبد الْقَيْس فِي نِيَّة التَّقْدِيم على الْمَفْعُول وَهُوَ غلائل صدروها لأنّ فِيهِ ضمير الْفَاعِل. وعبد الْقَيْس: قَبيلَة. والغلائل: جمع غليلة وَهُوَ الضغن والحقد. وشفت: مجَاز من شفى الله الْمَرِيض. إِذا أذهب عَنهُ مَا يشكو. وتمر: من الْمُرُور. وتستمر: من الِاسْتِمْرَار.
وَهَذَا الْبَيْت مَصْنُوع وقائله مَجْهُول كَذَا فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف لأبي البركات عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الشهير بِابْن الأنباريّ.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْأَخْفَش وتوجيه إعرابه أَنه فصل بَين الْمُضَاف والمضاف
(4/413)

إِلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بظرف وَهُوَ أفحش مَا جَاءَ فِي الشّعْر ودعت إِلَيْهِ ضَرُورَة وَتَقْدِير الْكَلَام: وَقد شفت غلائل صدورها. والغلائل: جمع غليلة مثل عَظِيمَة وعظائم وكريمة وكرائم.
وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: إِن كَانَ الشّعْر لم يوثق بعربيّته فَيجوز أَن يكون أخرج غلائل غير مُضَافَة وقدّر فِيهَا التَّنْوِين لأنّها لَا تَنْصَرِف ثمَّ جَاءَ بالصدرو مجرورة
على نيّة إِعَادَتهَا كَمَا قَالَ)
الآخر: الْخَفِيف
(رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طَلْحَة الطّلحات)
أَي: أعظم طَلْحَة الطّلحات. فَكَذَلِك هُنَا يُرِيد غلائل عبد الْقَيْس مِنْهَا غلائل صدورها وَقد حذف الثَّانِي اجتزاءً بالأوّل. وَهَذَا التَّأْوِيل حسن لأنّه مخرج الْكَلَام وَفِيه ضعف من حَيْثُ إِضْمَار الْجَار. انْتهى.
(4/414)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الثلاثمائة)
مجزوء الْكَامِل
(فزججتها بمزجّة ... زجّ القلوص أبي مزاده)
على أنّه فصل بَين الْمُضَاف وَهُوَ زجّ وَبَين الْمُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ أبي مزاده بالمفعول وَهُوَ القلوص.
يُقَال زججته زجّاً: إِذا طعنته بالزّجّ بِضَم الزاء وَهِي الحديدة الَّتِي فِي أَسْفَل الرمْح. وزجّ القلوص مفعول مُطلق أَي: زجّاً مثل زجّ. والقلوص بِفَتْح الْقَاف: النَّاقة الشَّابَّة. وأَبُو مزاده: كنية رجل قَالَ صَاحب الصِّحَاح المزجّ بِكَسْر الْمِيم: رمح قصير كالمزراق قَالَ ابْن خلف: هَذَا الْبَيْت يرْوى لبَعض المدنيّين المولّدين وَقيل هُوَ لبَعض المؤنّثين مِمَّن لَا يحْتَج بِشعرِهِ. ومزجّه يرْوى بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ مَوضِع الزّجّ يَعْنِي
أنّه زجّ رَاحِلَته لتسرع كَمَا يفعل أَبُو مزادة بالقلوص.
وَيجوز أَن تكون الْمِيم مَكْسُورَة فَيكون الْمَعْنى فزّججتها يَعْنِي النَّاقة أَو غَيرهَا أَي: رميتها بِشَيْء فِي طرفه زجّ كالحربة والمزجة مَا يزجّ بِهِ. وَأَرَادَ كزجّ أبي مزادة بالقلوص أَي: كَمَا يزجّها.
انْتهى.
وَقَول العينيّ: الْأَظْهر أَن الضَّمِير ف يزججتها يرجع إِلَى الْمَرْأَة لأنّه يخبر أَنه زجّ امْرَأَته بالمزجّة كَمَا زجّ أَبُو مزادة القلوص كَلَام يحْتَاج فِي تَصْدِيقه إِلَى وَحي. وَقد انعكس عَلَيْهِ الضَّبْط فِي مزجّه فَقَالَ: هِيَ بِكَسْر الْمِيم وَالنَّاس يلحنون فِيهَا فيفتحون ميمها. وَقد أنْشد ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ الثَّالِثَة هَذَا الْبَيْت كَذَا: ...
(4/415)

(فزججتها متمكّناً ... زجّ الصّعاب أَبُو مزاده))
وَأنْشد بَعضهم: زجّ الصّعاب أبي مزاده أَرَادَ: زجّ أبي مزادة الصّعاب ثمَّ اعْترض بالصّعاب اه.
فَلَا شَاهد فِي الْبَيْت على رِوَايَته الأولى. والصّعاب: جمع صَعب وَهُوَ نقيض الذلّول.
وَهَذَا الْبَيْت لم يعْتَمد عَلَيْهِ متقنو كتاب سِيبَوَيْهٍ حَتَّى قَالَ السيرافيّ: لم يُثبتهُ أحدٌ من أهل الرِّوَايَة وَهُوَ من زيادات أبي الْحسن الْأَخْفَش فِي حَوَاشِي كتاب سِيبَوَيْهٍ فَأدْخلهُ بعض النّسّاخ فِي بعض النّسخ حتّى شَرحه الأعلم وَابْن خلف فِي جملَة أبياته.
والأخفش هَذَا هُوَ أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة صَاحب سِيبَوَيْهٍ لَا الْأَخْفَش أَبُو الخطّاب فإنّه شيخ سِيبَوَيْهٍ. قَالَ الزمخشريّ فِي مفصّله وَمَا يَقع فِي بعض نسخ الْكتاب من قَوْله: فزججتها بمزجة الْبَيْت: فسيبويه بَرِيء من عهدته.
أَرَادَ أَن سِيبَوَيْهٍ لم يُورد هَذَا الْبَيْت فِي كِتَابه بل زَاده غَيره فِي كِتَابه. وإنّما برّأ سِيبَوَيْهٍ من هَذَا لأنّ سِيبَوَيْهٍ لَا يرى الْفَصْل بِغَيْر الظّرْف وَإِذا كَانَ هَذَا مذْهبه فَكيف يُورد بَيْتا على خلاف مذْهبه. وَمِنْه يظْهر لَك سُقُوط قَول الجعبريّ فِي شرح الشاطبيّة فَإِنَّهُ بعد أَن زعم أَن الْبَيْت من أَبْيَات الْكتاب قَالَ: فَإِن قلت: فَمَا معنى قَول المفصّل: بَرِيء من عهدته قلت: مَعْنَاهُ من عُهْدَة هَذِه الرِّوَايَة لأنّه يرويهِ: زجّ القلوص أَبُو مزاده بجرّ القلوص بِالْإِضَافَة وَرفع أَبُو مزاده فَاعل الْمصدر. هَذَا كَلَامه.
(4/416)

ثمَّ قَوْله: إِن هَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْأَخْفَش والفرّاء أَقُول: نقل الفرّاء لهَذَا الْبَيْت لَيْسَ لتأييد قِرَاءَة ابْن عَامر الْآتِيَة وَإِنَّمَا نَقله لِلطَّعْنِ فِيهِ بِأَنَّهُ كَلَام من لَا يوثق بِهِ كَمَا يظره لَك من كَلَام الفرّاء الْآتِي.
قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: قد فصل بالمفعول بِهِ مَعَ قدرته أَن يَقُول: زجّ القلوص أَبُو مزاده.
وَفِيه عِنْدِي دَلِيل على قوّة إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل عِنْدهم وَأَنه فِي نُفُوسهم أقوى من إِضَافَته إِلَى الْمَفْعُول. أَلا ترَاهُ ارْتكب هَاهُنَا الضَّرُورَة مَعَ تمكنّه من ترك ارتكابها لَا لشَيْء غير الرَّغْبَة فِي إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْفَاعِل دون الْمَفْعُول. وَهَذَا فِي النثر وَحَال السّعة صعبٌ جدّاً لَا سيّما والمفصول بِهِ مفعول لَا ظرف اه.)
وَبِقَوْلِهِ: لَا لشَيْء غير الرَّغْبَة الخ يعلم أنّ قَول العينيّ: إنّ قَائِله لَيْسَ لَهُ عذر فِي هَذَا لاّ مسّ الضَّرُورَة لإِقَامَة الْوَزْن صادرٌ من غير رويّة وفكر.
وَنقل جمَاعَة عَن ابْن جنّي فِي تَوْجِيهه: أنّه يقدّر فِي الأول مُضَاف إِلَيْهِ وَفِي الثَّانِي مُضَاف وَالتَّقْدِير: زجّ أبي مزاده القلوص قلُوص أبي مزادة على أَن يكون قلُوص بَدَلا من القوص وتعسّفه ظَاهر. وَنقل ابْن الْمُسْتَوْفى عَن الزمخشريّ فِي حَوَاشِيه أنّه قَالَ: الْوَجْه أَن يجرّ القلوص وَيجْعَل أبي مزادة بعده مجروراً بمضاف مَحْذُوف تَقْدِيره: قلُوص أبي مزادة كَمَا فِي: المتقارب
ونارٍ توقّد باللّيل نَارا اه.
(4/417)

وَقد نقل الْخلاف ابْن الأنباريّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كِتَابه الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف فَقَالَ: ذهب الكوفيّون إِلَى أنّه يجوز الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِغَيْر الظّرْف وحرف الْخَفْض لضَرُورَة الشّعْر وَذهب البصريّون إِلَى أنّه لَا يجوز ذَلِك بِغَيْرِهِمَا. أما الكوفيّون فاحتجوا بِأَن فزججتها بمزجةٍ ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ الآخر: تمرّ على مَا تستمرّ وَقد شفت ... ... ... . الْبَيْت وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل
(يطفن بحوزيّ المراتع لم يرع ... بواديه من قرع القسيّ الكنائن)
وَالتَّقْدِير من قرع الكنائن القسيّ. وَقَالَ: المنسرح
(وأصبحت بعد خطّ بهجتها ... كأنّ قفراً رسومها قَلما)
وَالتَّقْدِير بعد بهجتها ففصل بَين الْمُضَاف الَّذِي هُوَ بعد والمضاف إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ بهجتها بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ خطّ. وَتَقْدِير الْبَيْت: فَأَصْبَحت قفراً بعد بهجتها كَأَن
قَلما خطّ رسومها. وَقد حكى الكسائيّ عَن الْعَرَب: هَذَا غُلَام
(4/418)

وَالله زيدٍ. وَحكى أَبُو عُبَيْدَة سَمَاعا عَن الْعَرَب: إنّ الشَّاة لتجترّ فَتسمع صَوت وَالله ربّها. وَإِذا جَاءَ هَذَا فِي الْكَلَام فَفِي الشّعْر أولى.
وأمّا البصريون فاحتجوا بِأَن قَالُوا إنّما قُلْنَا لَا يحوز ذَلِك لأنّالمضاف والمضاف إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد فَلَا يجوز أَن يفصل بَينهمَا. وإنّما جَازَ الْفَصْل بالظرف وحرف الجرّ كَمَا قَالَ ابْن قميئة: وَقَالَ أَبُو حيّة النميريّ: الوافر)
(كَمَا خطّ الْكتاب بكفّ يَوْمًا ... يهوديّ يُقَارب أَو يزِيل)
وَقَالَ ذُو الرمّة: كَأَن أصوات من إيغالهنّ بِنَا لآنّ الظّرْف وحرف الْجَرّ يتّسع فيهمَا مَا لَا يَتَّسِع فِي غَيرهمَا.
وأمّا الْجَواب عَن كَلِمَات الكوفيّين: أما قَوْله: فزججته بمزجّة الْبَيْت فيروى لبض المدنيّين المولّدين فَلَا يكون فِيهِ حجّة. وَأما سَائِر مَا أنشدوه فَهُوَ مَعَ قلّته لَا يعرف قَائِله فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَأما مَا حَكَاهُ الكسائيّ وَأَبُو عُبَيْدَة فإنّما جَاءَ فِي الْيَمين لِأَنَّهَا تدخل فِي أَحْبَارهم للتوكيد فكأنهم لما جازوا بهَا موضعهَا استدركوا ذَلِك بِوَضْع الْيَمين حَيْثُ أدركوا من الْكَلَام.
(4/419)

وَالَّذِي يدلّ على صحّة هَذَا أَنا أجمعنا وإيّاكم على أنّه لم يَجِيء الْفَصْل بِغَيْر الْيَمين فِي اخْتِيَار الْكَلَام. وَأما قِرَاءَة ابْن عَامر فَلَا يسوغ لكم الِاحْتِجَاج بهَا لأنّكم لَا تَقولُونَ بموجبها لأنّ الْإِجْمَاع واقعٌ على امْتنَاع الْفَصْل بالمفعول فِي غير ضَرُورَة الشّعْر وَالْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَة. وَإِذا وَقع الغجماع على امْتنَاع الْفَصْل بَينهمَا فِي حَالَة الِاخْتِيَار سقط الِاحْتِجَاج بهَا على حَالَة والبصريون يذهبون إِلَى أَن هَذِه الْقِرَاءَة وهم من الْقَارئ. إِذْ لَو كَانَت صَحِيحَة لَكَانَ من أفْصح الْكَلَام وَفِي وُقُوع الْإِجْمَاع على خِلَافه دليلٌ على أنّه وهمٌ فِي الْقِرَاءَة. وإنّما دَعَا ابْن عَامر إِلَى هَذِه الْقِرَاءَة أنّه رأى فِي مصاحف أهل الشَّام شركائهم مَكْتُوبًا بِالْيَاءِ وَوجه إِثْبَات الْيَاء جرّ شركائهم على الْبَدَل من أَوْلَادهم وَجعل الْأَوْلَاد هم الشُّرَكَاء لأنّ أَوْلَاد النَّاس شُرَكَاء آبَائِهِم فِي احوالهم وَأَمْوَالهمْ. وَهَذَا تَخْرِيج خطّ مصحف أهل الشَّام. فأمّا قِرَاءَة ابْن عَامر فَلَا وَجه لَهَا فِي الْقيَاس ومصاحف أهل الْحجاز وَالْعراق شركاؤهم بِالْوَاو فدلّ على صحّ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَالله أعلم. انْتهى كَلَام ابْن الأنباريّ.
وَفِيه أَمْرَانِ: الأول: أنّ نسبه جَوَاز الْفَصْل فِي الشّعْر بِنَحْوِ الْمَفْعُول إِلَى الكوفيّين لم يعْتَرف بِهِ الفرّاء وَهُوَ من أجلّ أَئِمَّة الكوفيّين قَالَ فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف بعاني الْقُرْآن: فِي سُورَة الأانعام عِنْد قفراءة ابْن عَامر مَا نَصه: وَفِي بعض مصاحف أهل الشَّام شركائهم فَإِن تكن مثبتة عَن الأوّلين فَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ زيّن أَي: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيكون اللشركاء هم الْأَوْلَاد لأنّهم مِنْهُم فِي النّسَب وَالْمِيرَاث.)
فَإِن كَانُوا يقرؤون زيّن أَي:
(4/420)

بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل فلست أعرف جِهَتهَا إلاّ أَن يَكُونُوا آخذين بلغَة قومٍ يَقُولُونَ: أتيتها عشاياً ثمَّ يَقُولُونَ فِي تَثْنِيَة الْحَمْرَاء حمريان. فَهَذَا وَجه أَن يَكُونُوا قَالُوا: زيّن لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركايهم. وَإِن شِئْت جعلت زيّن إِذا فَتحته فعلا لإبليس ثمَّ تخْفض الشُّرَكَاء بإتباع الْأَوْلَاد. وَلَيْسَ قَول من قَالَ إنّما أَرَادوا مثل قَول الشَّاعِر:
(فزججتها متمكّناً ... زجّ القلوص أبي مزاده)
بِشَيْء. وَهَذَا مِمَّا كَانَ يَقُوله نحويّو أهل الْحجاز وَلم نجد مثله فِي الْعَرَبيَّة. انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا فِي سُورَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: وَلَيْسَ قَول من قَالَ: مخلف وعده رسله بِشَيْء وَلَا: زيّن لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركائهم بِشَيْء. قَالَ الفرّاء: هَذَا بَاطِل ونحويّو أهل الْمَدِينَة ينشدون قَوْله: زجّ القلوص أبي يمزاده وَالصَّوَاب: زجّ القلوص أَبُو مزاده انْتهى الْأَمر الثَّانِي: أنّ ابْن خلف فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَأَبا شامة فِي شرح الشاطبيّة وَتَبعهُ فِي شرحها بعده الجعبريّ والسمين فِي إِعْرَاب الْقُرْآن نقلوا عَن الْإِنْصَاف لِابْنِ الأنباريّ مَا يُؤَيّد قِرَاءَة ابْن عَامر.
(4/421)

قَالَ ابْن خلف: قد احتجّ ابْن الأنباريّ فِي كتاب الْإِنْصَاف عَن الكسائيّ عَن الْعَرَب: هُوَ غُلَام إِن شَاءَ الله أَخِيك ففصل بِالْجُمْلَةِ الشرطيّة.
وَقَالَ السّمين: قَالَ ابْن الأنباريّ: هَذِه قِرَاءَة صَحِيحَة وَإِذا كَانَت الْعَرَب قد فصلت بَيت المتضايفين بِالْجُمْلَةِ فِي قَوْلهم: هُوَ غُلَام إِن شَاءَ الله أَخِيك فَأن تفصل بالمفرد أسهل.
هَذَا كَلَامهم أَنْت ترى هَذَا النَّقْل لَا أصل لَهُ وإنّما نقل ابْن الأنباريّ عَن
الكسائيّ عَن الْعَرَب هُوَ قَوْلهم: هَذَا غُلَام وَالله زيد. وَلَيْسَ فِي كَلَامه أَيْضا مَا يُؤَيّد الْقِرَاءَة وإنّما هُوَ طاعنّ فِيهَا تبعا للزمخشريّ وَغَيره.
وَكنت أَظن أنّ صَاحب الكشّاف مَسْبُوق بِابْن الأنباريّ فراجعت ترجمتهما فَرَأَيْت الْأَمر بِالْعَكْسِ فإنّ الزمخشريّ توفيّ يَوْم عَرَفَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَابْن الأنباريّ مَاتَ لَيْلَة)
الْجُمُعَة تَاسِع شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ تلميذ الجواليقي صَاحب المعرّبات وَابْن الشجريّ صَاحب الأمالي والزمخشريّ من أَقْرَان ابْن الشجريّ فَابْن الأنباريّ مُتَأَخّر عَن الزمخشريّ بِأَرْبَع طَبَقَات. والزمخشريّ فِي طعنه على هَذِه الْقِرَاءَة مسبوقٌ ايضاً بالفرّاء فَكَانَ يَنْبَغِي الردّ على الفرّاء فإنّه هُوَ الَّذِي فتح ابْتِدَاء بَاب الْقدح على قِرَاءَة ابْن عَامر.
قَالَ السّمين: قِرَاءَة ابْن عَامر متواترة صَحِيحَة وَقد تجرأ كثير من النَّاس على قَارِئهَا بِمَا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ أَعلَى القرّء السَّبْعَة سنداً واقدمهم هِجْرَة وإنّما
(4/422)

ذكرنَا هَذَا تَنْبِيها على خطأ من ردّ قِرَاءَته وَنسبه إِلَى لحن أَو اتِّبَاع مجرّد المرسوم.
وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ: هَذَا قَبِيح قَلِيل الِاسْتِعْمَال وَلَو عدل عَنْهَا كَانَ أولى لأَنهم لم يفصلوا بَين المتضايقين بالظرف فِي الْكَلَام مَعَ اتساعهم فِي الظروف وَإِنَّمَا أجازوه فِي الشّعْر.
وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أحب قِرَاءَة ابْن عَامر لما فِيهَا من الاستكراه وَالْقِرَاءَة عندنَا هِيَ الأولى لصحتها فِي الْعَرَبيَّة مَعَ إِجْمَاع أهل المصرين بالعراق عَلَيْهَا. وَقَالَ الزمخشريّ وأساء فِي عِبَارَته: وَأما قِرَاءَة ابْن عَامر فشيءٌ لَو كَانَ فِي مَكَان الضَّرُورَة لَكَانَ سمجاً مردوداً كَمَا سمج وردّ: زجّ القلوص أبي مزده فَكيف بِهِ فِي الْكَلَام المنثور فَكيف بِهِ فِي الْقُرْآن المعجمز بِحسن نطمه وجزالته. وَالَّذِي حمله على ذَلِك أنّه رأى فِي بعض الْمَصَاحِف شركائهم مكتوباُ بِالْيَاءِ. وَلَو قَرَأَ بجرّ الْأَوْلَاد والشركاء لِأَن الْأَوْلَاد شركاؤهم فِي أَمْوَالهم لوجد فِي ذَلِك مندوحة عَن هَذَا الارتكاب. وَهَذِه الْأَقْوَال كلّها لَا يَنْبَغِي أَن يلْتَفت إِلَيْهَا لأنّها طعنٌ فِي الْمُتَوَاتر وَإِن كَانَت صادرة عَن ائمة أكَابِر. وَأَيْضًا فقد انتصر لَهَا من يقابلهم وَجَاء فِي الحَدِيث: هَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي.
وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص بَاب مَا يرد عَن العربيّ مُخَالفا لِلْجُمْهُورِ: إِذا اتّفق شَيْء من ذَلِك العربيّ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ فَإِن كَانَ فصيحاً وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ يقبله الْقيَاس فَيحسن الظَّن بِهِ لأنّه يُمكن أَن يكون قد وَقع إِلَيْهِ ذَلِك من لُغَة قديمَة قد طَال عهدها وَرُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ:
(4/423)

كَانَ الشّعْر علم قوم لم يكن لَهُم علم أصحّ مِنْهُ فِي الْإِسْلَام.
فجَاء الْإِسْلَام فتشاغلت عَنهُ الْعَرَب بِالْجِهَادِ ولهت عَن الشّعْر وَرِوَايَته فَلَمَّا كثر الْإِسْلَام وَجَاءَت الْفتُوح واطمأنت الْعَرَب بالأمصار راجعوا رِوَايَة الشّعْر فَلم يؤولوا إِلَى ديوَان مدوّن ط لَا كتاب مَكْتُوب وألفو ذَلِك وَقد هلك من هلك فحفظوا أقلّ ذَلِك وَذهب عَنْهُم كَثِيره.)
فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك لم يقطع على الفصيح يسمع مِنْهُ مَا يُخَالف الْجُمْهُور بالْخَطَأ إِذا كَانَ الْقيَاس يعضده.
وَقَالَ ابْن ذكْوَان: سَأَلَني الكسائيّ عَن هَذَا الْحَرْف وَمَا بلغه من قراءتنا فرأيته كَأَنَّهُ أعجبه وَنزع بِهَذَا الْبَيْت: نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف بِنصب الدراهيم وجرّ تنقاد. وأمّا ورد فِي النّظم من الْفَصْل بَين المتضايقين بالظرف وَبِغَيْرِهِ فكثير. ثمَّ بعد أَن سرد غَالب مَا ورد فِي الشّعْر قَالَ: وَإِذا قد عرفت هَذَا قِرَاءَة ابْن عَامر صحيحةٌ من حَيْثُ اللُّغَة كَمَا هِيَ صَحِيحَة من حَيْثُ النَّقْل فَلَا الْتِفَات إلأى قَول من قَالَ: إنّه اعْتمد على الرَّسْم لأنّه لم يُوجد فِيهِ إلاّ كِتَابَة شركائهم بِالْيَاءِ وَهَذَا وَإِن كَانَ كَافِيا فِي الدّلَالَة على جر شركائهم فَلَيْسَ فِيهِ مَا يدلّ على نصب أَوْلَادهم إِذْ الْمُصحف مهمل من شكل ونقط فَلم يبْق
بِهِ حجّة فِي نصب الْأَوْلَاد إلاّ النَّقْل الْمَحْض.
وَقَالَ أَبُو شامة: وَلَا بعد فِيمَا استبعده أهل النَّحْو من جِهَة الْمَعْنى وَذَلِكَ
(4/424)

أنّه قد عهد تقدّم الْمَفْعُول على الْفَاعِل الْمَرْفُوع لفظا فاستمرّت لَهُ هَذِه الْمرتبَة مَعَ الْفَاعِل تَقْديرا فَإِن الْمصدر لَو كَانَ منوّناً لجَاز تَقْدِيم الْمَفْعُول على فَاعله نَحْو أعجبني ضرب عمرا زيد فَكَذَا فِي الْإِضَافَة.
وَقد ثَبت جَوَاز الْفَصْل بَين حرف الجرّ ومجروره مَعَ شدَّة الِاتِّصَال بَينهمَا أَكثر من شدته بَين المتضايفين كَقَوْلِه تَعَالَى: فبمَا نقضهم ميثاقهم فبمَا رحمةٍ وَالْمَفْعُول المقدّم هُوَ فِي غير مَوْضِعه معنى فَكَأَنَّهُ مُؤخر لفظا. وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زعم أَنه لم يَأْتِ فِي الْكَلَام المنثور مثله. لأنّه نافٍ وَمن أسْند هَذِه الْقِرَاءَة مثبتٌ وَالْإِثْبَات مرجّح على النَّفْي بِإِجْمَاع. وَلَو نقل إِلَى هَذَا الزاعم عَن بعض الْعَرَب أَنه اسْتَعْملهُ فِي النثر لرجع إِلَيْهِ فماباله لَا يَكْتَفِي بناقل الْقِرَاءَة من التَّابِعين عَن الصَّحَابَة هَذَا زبدة مَا أوردهُ السّمين وَمثله كَلَام الجعبريّ فِي شرح الشاطبيّة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ:
(4/425)

الْبَسِيط
(تَنْفِي يداها الْحَصَى فِي كلّ هاجرة ... نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف)
على أنّفيه الْفَصْل بالمفعول أَيْضا بَين المتضايفين فَإِن أَصله: نفي تنقاد الصياريف الدراهيم ففصل بالمفعول وَهُوَ الدراهيم بَين المتضايفين.
وَإِضَافَة نفي إِلَى تنقاد من إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله. وَرُوِيَ أَيْضا بغضافة نفي إِلَى الدراهيم وَرفع تنقاد فَيكون من إِضَافَة الْمصدر. وعَلى هَذِه الرِّوَايَة أنْشدهُ ابْن النَّاظِم وَابْن عقيل فِي شرح الألفيّة.
قَالَ العينيّ: وَفِي شرح الْكتاب: وَيجوز نصب التّنقاد وَرفع الدراهيم فِي الْعَمَل على الْقلب من حَيْثُ أَمن اللّبْس يَعْنِي أنّه رُوِيَ بجرّ الدراهيم بِإِضَافَة نفي إِلَيْهِ وَنصب تنقاد فَيكون من قبيل إِضَافَة الْمصدر إِلَى فَاعله على تَقْدِير الْقلب بِجعْل الْفَاعِل مَفْعُولا وَالْمَفْعُول فَاعِلا.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي اوائل كِتَابه فِي بَاب مَا يحْتَمل الشّعْر قَالَ: وربّما مدّوا فَقَالُوا: مساجيد نفي الدَّنَانِير تنقاد الصّياريف وينشد: نفي الدراهيم. انْتهى كَلَامه ومحلّ الشَّاهِد فِيهِ عِنْد أبي جَعْفَر النّحاس الدَّنَانِير والدراهيم قَالَ: من روى الدنابير فَلَا ضَرُورَة عِنْده فِيهِ لأنّ الأَصْل فِي دِينَار دنّار فَلَمَّا جمعت رَددته إِلَى أَصله فَقلت دَنَانِير. وَمن روى الدراهيم فَذكر أَبُو الْحسن بن كيسَان أَنه قد قيل فِي بعض اللُّغَات درهام قَالَ: فَيكون هَذَا على تَصْحِيح الْجمع. قَالَ: أَو يكون على أَنه زَاده للمد.
قَالَ: وَيكون على الْوَجْه الَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ أنّه بنى الْجمع على غير لفظ الْوَاحِد كَمَا أّ قَوْلهم: مذاكير لَيْسَ على لفظ ذكر إِنَّمَا هُوَ على لفظ مذكار وَهُوَ جمع لذكر على غير بِنَاء واحده.
(4/426)

قَالَ: وَلم يُنكر أَن يكون الْجمع على غير بِنَاء الْوَاحِد فَلذَلِك زَاد الْيَاء فِي دراهيم. وَقَالَ لي عَليّ بن سُلَيْمَان: وَاحِد الصياريف صيرف وَكَانَ يجب أَن يَقُول صيارف انْتهى كَلَامه.
وَعند الشنتمري الشَّاهِد فِي الصياريف قَالَ: زَاد الْيَاء فِي الصياريف صرورة تَشْبِيها لَهَا بِمَا جمع فِي الْكَلَام على غير وَاحِد نَحْو ذكر ومذاكير وسمح ومساميح. وَلم يتَعَرَّض للدراهيم وَالدَّنَانِير.)
وَقد جمع ابْن خلف بَينهمَا فَقَالَ: الشَّاهِد فِيهِ على زِيَادَة الْيَاء فِي جمع الدَّرَاهِم والصيارف.
أَقُول: الظَّاهِر كَلَام الأعلم لَا غير وَرُوِيَ الدَّرَاهِم بِلَا يَاء وجميعهم لم يتَعَرَّضُوا إِعْرَاب الدراهيم والتنقاد. والنَّفْي بالنُّون وَالْفَاء قَالَ صَاحب الْمُحكم: كلّ مَا رَددته فقد نفيته ونفيت الدَّرَاهِم: أثرتها للانتقاد. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. ويداها: فَاعل تَنْفِي وَالضَّمِير لناقة الفرزدق. والْحَصَى: مفعول. والهاجرة: وَقت اشتداد الحرّ فِي وَقت الظّهْر. ونفي الدراهيم: مفعول مُطلق تشبيهي وَالْأَصْل تَنْفِي يداها الْحَصَى نفيا كنفي الدراهيم. والتنقاد: بِالْفَتْح من نقد الدَّرَاهِم وَهُوَ التَّمْيِيز بَين جيّدها ورديئها. والصّيارف: مجرور لفظا بِالْإِضَافَة مَرْفُوع محلاّ لأنّه فَاعل تنقاد.
قَالَ الأعلم: وصف الفرزدق نَاقَته بِسُرْعَة السّير فِي الهواجر فَيَقُول: إِن يَديهَا لشدّة وقعها يَفِ الْحَصَى ينفيانه فيقرع بعضه بَعْضًا وَيسمع لَهُ صليل كصليل الدَّنَانِير إِذا انتقدها الصّيرفيّ فنفى رديئها عَن جيّدها وخصّ الهاجرة لتعذّر السّير فِيهَا.
(4/427)

وَقَالَ ابْن خلف: وصف رَاحِلَته بالنشاط وَسُرْعَة السّير فِي الهواجر حِين تكلّ المطيّة وتضعف القوى مِنْهَا تكون هـ يينشيطة قويّة إِذا أَصَابَت مناسمها الْحَصَى انتقى من تَحت مناسمها كَمَا تنتقي الدَّرَاهِم من يَد الصيرفيّ إِذا نقدها باصابعه. شبّه خُرُوج الْحَصَى من تَحت مناسمها وترجمة الفرزدق فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
الرجز
(يَا ابْن الزّبير طالما عصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا)
لنضربن بسيفنا قفيكا على أنّه جَاءَ فِي الشّعْر قلب الْألف يَاء مَعَ الْإِضَافَة إِلَى كَاف الضَّمِير فِي قَوْله: فقيكا وَالْأَصْل قفاكا فأبدلت الْألف يَاء. وَإِنَّمَا كَانَ سَبِيل هَذَا الشّعْر لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ يَاء الْمُتَكَلّم فَإِنَّهَا تقلب مَعَه يَاء نثراً ونظماً عِنْد هُذَيْل.
وإنّما قيد بكاف الضَّمِير لأنّ السماع جَاءَ مَعَه.
وَظَاهر كَلَام أبي عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية لَا يختصّ هَذَا بالشعر فَإِنَّهُ قَالَ:
(4/428)

وأمّا إِبْدَال الْيَاء من الْألف فِي قفا فِي الْإِضَافَة فإنّما أبدل كَمَا أبدلت الْألف مِنْهَا فِيمَن قَالَ: رَأَيْت هَذَانِ أَي: للتقارض. وَقَالُوا أَيْضا: عَلَيْك وَإِلَيْك وَقد اطّرد هَذَا فِي بعض اللُّغَات نَحْو: هويّ ونويّ وقفيّ فأبدلت الْيَاء من ألف هواي ونواي وقفاي كَمَا أبدلت الْألف مِنْهَا فِي: حاحيت وعاعيت حَيْثُ أُرِيد إِزَالَة التَّضْعِيف فِيهِ. كَمَا أُرِيد من نَظِيره من الْوَاو وَهُوَ: ضوضيت وقوقيت. هَذَا كَلَامه.
وَأما عصيكا فأصله عصيت قَالَ ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة: أبدل الْكَاف من التَّاء لِأَنَّهَا أُخْتهَا فِي الهمس وَكَانَ سحيم إِذا أنْشد شعرًا قَالَ: أحسنك وَالله يُرِيد أَحْسَنت. انْتهى.
وَقد تقدّم الْكَلَام فِي هَذَا الْكتاب فِي تَرْجَمته سحيم أنّه كَانَ حبشيّاً وَكَانَ فِي لِسَانه لكنة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية: قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: إِن شِئْت قلت أبدل من التَّاء الْكَاف لاجتماعها مَعهَا فِي الهمس وَإِن شِئْت قلت أوقع الْكَاف موقعها وَإِن كَانَ فِي أَكثر الِاسْتِعْمَال للْمَفْعُول لَا للْفَاعِل لإِقَامَة القافية أَلا تراهم يَقُولُونَ: رَأَيْتُك أَنْت ومررت بِهِ هُوَ فَيجْعَل عَلَامَات الضَّمِير المختصّ بهَا بعض الْأَنْوَاع فِي أَكثر الْأَمر موقع الآخر. وَمن ثمّ جَاءَ: لولاك. وإنّما ذَلِك لأّ الِاسْم لَا يصاغ معرباً وإنّما يسْتَحق الْإِعْرَاب بالعامل. انْتهى.
قَالَ ابْن هِشَام فِي المعني: لَيْسَ هَذَا من اسْتِعَارَة ضمير النصب مَكَان
(4/429)

ضمير الرّفْع كَمَا زعم الْأَخْفَش وَابْن مَالك وإنّما الْكَاف بدل من التَّاء بَدَلا تصريفيّاً.
وَهَذَا الشّعْر من مشطور السَّرِيع هَكَذَا أوردهُ أَبُو زيد فِي نوادره وَنسبه لراجز من حمير.)
وَتَبعهُ صَاحب الصِّحَاح فِي مَادَّة السِّين الْمُهْملَة.
وأمّا الزّجاجيّ فإنّه رَوَاهُ يَفِ آخر أَمَالِيهِ الْكُبْرَى على خلاف هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ: بَاب التَّاء وَالْكَاف فِي المكنّي يُقَال: مَا فعلت وَمَا فعلك قَالَ الراجز:
(ياابن الزّبير طالما عصيكا ... وطالما عنّيكنا إليكا)
لنضربن بسيفنا قفيكا يُرِيد عصيتنا وعنيتنا. فروى: عنيكنا بدل التَّاء كافاً مثل عصيكا. وعنينا إِلَيْك بِمَعْنى أتعبتنا بِالْمَسِيرِ إِلَيْك. وَالنُّون الْخَفِيفَة فِي قَوْله: لنضربن نون التوكيد. وَأَرَادَ بِابْن الزّبير عبد الله بن الزّبير حواريّ رَسُول الله صلّى اله عَلَيْهِ وَسلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
الرجز
(قَالَ لَهَا: هَل لَك ياتا فيّ)
على أنّ كسر يَاء الْمُتَكَلّم من نَحْو فيّ لُغَة بني يَرْبُوع لكنّه عِنْد
(4/430)

النُّحَاة ضَعِيف كَقِرَاءَة حَمْزَة: مَا أَنْتُم بمصرخي.
وَهَذَا الشّعْر من أرجوزة للأغلب العجليّ وَهُوَ شَاعِر حاهليٌّ أسلاميّ أسلم وَهَاجَر ثمَّ اسْتشْهد فِي وقْعَة نهاوند.
وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وأوّل هَذِه الأرجوزة:
(أقبل فِي ثوبٍ معافريّ ... بَين اخْتِلَاط اللّيل والعشيّ)
إِلَى أَن قَالَ:
(ماضٍ إِذا همّ بالمضيّ ... قَالَ لَهَا هَل تِلْكَ ياتا فيّ)
قَالَ فِي الصِّحَاح: معافر بِفَتْح الْمِيم: حيّ من هَمدَان وإليهم تنْسب الثِّيَاب المعافريّة وَهُوَ باللعين الْمُهْملَة. والْمَاضِي: الَّذِي لَا يتوانى وَلَا يكسل فِي أمرٍ همّ بِهِ.
وَقَوله: قَالَ لَهَا الخ الضَّمِير عَائِد على امْرَأَة تقدّم ذكرهَا. ويَا حرف نِدَاء وتا بالثناة الفوقيّة منادى وَهُوَ اسْم إِشَارَة يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث. ولَك بِكَسْر الْكَاف والجارّ وَالْمَجْرُور)
خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُتَعَلق قَوْله فيّ. يَقُول: قَالَ لَهَا ذَلِك الرجل الْمَاضِي: يَا هَذِه الْمَرْأَة: هَل لَك رغبةٌ فيّ قَالَت لَهُ: لست بالمرضيّ فَيكون لي رَغْبَة فِيك.
وَاعْلَم أنّ الفرّاء والزجّاج وَغَيرهمَا قد أَنْكَرُوا هَذِه الْقِرَاءَة وَالشعر. أمّا الفرّاء فقد قَالَ: فِي تَفْسِيره: الْيَاء من مضرخيّ منصوبةٌ لأنّ الْيَاء
(4/431)

من المتكلّم
تسكن إِذا تحرّك مَا قبلهَا وتنصب إِرَادَة الْهَاء كَمَا قرئَ: لكم دينكُمْ ولي دين بِنصب الْيَاء وجزمها. فَإِذا سكن مَا قبلهَا ردّت إِلَى الْفَتْح الَّذِي كَانَ لَهَا فالياء من مصرخيّ سَاكِنة وَالْيَاء بعْدهَا من المتكلّم سَاكِنة فحركت إِلَى حركةٍ قد كَانَت لَهَا. فَهَذَا مطّرد فِي الْكَلَام.
وَقد خفض الْيَاء من مصرخيّ الْأَعْمَش وَيحيى بن وثاب جَمِيعًا حدّثني الْقَاسِم ابْن معن عَن الْأَعْمَش عَن يحيى أَنه خفض الْيَاء ولعلها من وهم القرّاء طبقَة يحيى لإإنه قلّ من سلم مِنْهُم من الْوَهم ولعلّه ظنّ الْبَاء من بمصرخيّ خافضة للحرف كُله وَالْيَاء من الْمُتَكَلّم خَارِجَة من ذَلِك.
ومّما نرى أنّهم وهموا فِيهِ قَوْلهم: نولة مَا تولّى ونصله جهنّم وظّنوا وَالله أعلم أنّ الْجَزْم فِي الْهَاء وَالْهَاء فِي مَوضِع نصب وَقد انجزم الْفِعْل بِسُقُوط الْيَاء مِنْهُ. ومّما وهموا فِيهِ قَوْله: وَمَا تنزلت بِهِ الشياطون حَدثنِي منْدَل بن عَليّ العنزيّ عَن الْأَعْمَش قَالَ: كنت عِنْد إِبْرَاهِيم وَطَلْحَة بن مصرّف يقْرَأ: قَالَ لمن حوله أَلا تستعمون بِنصب اللَّام من حوله فَقَالَ لي إِبْرَاهِيم: مَا تزَال تَأْتِينَا بِحرف أشنع إِنَّمَا هِيَ: لمن حوله بخفض اللَّام. قَالَ: قلت: لَا إنّما هِيَ حوله فَقَالَ إِبْرَاهِيم: يَا طَلْحَة كَيفَ تَقول قَالَ: كَمَا قلت.
(4/432)

قَالَ الْأَعْمَش قلت: لحنتما لَا أجالسكما الْيَوْم. قَالَ الفرّاء: وَقد سَمِعت بعض الْعَرَب ينشد:
(قَالَ لَهَا: هَل لَك ياتا فيّ ... قَالَت لَهُ: مَا أَنْت بالمرضيّ)
فخفض الْيَاء من فيّ: فَإِن يَك ذَلِك صَحِيحا فَهُوَ مِمَّا يلتقي من الساكنين فيخفض الآخر مِنْهُمَا وَإِن كَانَ لَهُ أصل فِي الْفَتْح أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: لم أره مذ الْيَوْم وَالرَّفْع فِي الذَّال هُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ أصل حَرَكَة مُنْذُ والخفض جَائِز. فَكَذَلِك الْيَاء من مصرخيّ خفضت وَلها أصلٌ فِي النصب.
انْتهى كَلَام الفرّاء.
وَأما الزّجاج فقد قَالَ فِي تَفْسِيره: قَرَأَ حَمْزَة وَالْأَعْمَش بمصرخيّ بِكَسْر الْيَاء وَهَذِه عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين رَدِيئَة مرذولة وَلَا وَجه لَهَا إلاّ وجيه ضَعِيف ذكره بعض النحويّين وَذَلِكَ أنّ يَاء وَمن أجَاز بمصرخيّ بِالْكَسْرِ لزمَه أَن يَقُول: هَذِه عصاي أتؤكأ عَلَيْهَا. وَأَجَازَ الفرّاء على)
وجهٍ ضَعِيف الْكسر لِأَن أصل التقاء الساكنين بِالْكَسْرِ وَأنْشد: قَالَ لَهَا هَل لَك ياتا فيّ الخ وَهَذَا الشّعْر مّما لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَعمل مثل هَذَا أسهل وَلَيْسَ يعرف قَائِل هَذَا الشّعْر من الْعَرَب وَلَا هُوَ مّما يحْتَج بِهِ فِي كتاب الله تَعَالَى. انْتهى كَلَام الزجّاج.
(4/433)

وَنقل أَبُو شامة فِي شرح الشاطبيّة عَن ابْن النّحاس: أنّ الْأَخْفَش سعيداً قَالَ: مَا سَمِعت هَذَا من أحد من الْعَرَب وَلَا من أحد من النَّحْوِيين. قَالَ أَبُو جَعْفَر: قد صَار هَذَا بِإِجْمَاع وَلَا يجوز وَلَا يَنْبَغِي أَن يحمل كتاب الله على الشذوذ.
قَالَ أَبُو نصر بن القشيريّ فِي تَفْسِيره: مَا ثَبت بالتواتر عَن النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يجوز أَن يُقَال هُوَ خطأ أَو قَبِيح ورديء بل فِي الْقُرْآن فصيح وَفِيه مَا هُوَ أفْصح فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ أَرَادوا أنّ غير هَذَا الَّذِي قَرَأَ حَمْزَة أفْصح.
قَالَ أَبُو شامة: قلت: يُسْتَفَاد من كَلَام أهل اللُّغَة أنّ هَذِه لُغَة وَإِن شذّت وقلّ اسْتِعْمَالهَا.
قَالَ أَبُو عليّ: قَالَ الفرّاء فِي كِتَابه التصريف: زعم الْقَاسِم بن معن أنّه صَوَاب قَالَ: وَكَانَ ثِقَة بَصيرًا وَزعم أنّه لُغَة بني يَرْبُوع. ثمّ بعد أَن نقل أَبُو شامة بَعْضًا من كَلَام الفرّاء والزّجاج قَالَ: قلت: لَيْسَ بِمَجْهُول فقد نسبه غَيره إِلَى الْأَغْلَب العجليّ الراجز ورأيته أَنا فِي أوّلأ ديوانه. وَانْظُر إِلَى الفرّاء كَيفَ يتَوَقَّف فِي صِحَة مَا أسْندهُ وَهَذِه اللُّغَة باقيةٌ فِي أَفْوَاه النَّاس إِلَى الْيَوْم يَقُول الْقَائِل: مَا فيّ أفعل كَذَا.
وَفِي شرح الشَّيْخ: قَالَ حُسَيْن الجعفيّ: سَأَلت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء بن كسر الْيَاء فَأَجَازَهُ. وَهَذِه الْحِكَايَة تروى على وجود ذكرهَا ابْن مُجَاهِد فِي كتاب الياءات من طرق قَالَ: قَالَ خَلاد حدّثنا حُسَيْن الجعفيّ قَالَ: وَقلت لأبي عَمْرو بن الْعَلَاء: إِن أَصْحَاب النَّحْو يلحّنوننا فِيهَا. فَقَالَ: هِيَ جَائِزَة أَيْضا لَا نبالي إِلَى اسفل حركتها أَو إِلَى فَوق. ثمَّ ذكر بَقِيَّة الطّرق.
وَاعْلَم أَن عُلَمَاء العربيّة قد وجّهوا قِرَاءَة حَمْزَة بِوُجُوه: أَحدهَا: مَا ذكره الشَّارِح المحقّق وَهُوَ أَن يَاء الْإِضَافَة سشبّهت بهاء الضَّمِير الَّتِي توصل بواوٍ إِذا كَانَت مَضْمُومَة وبياء إِذا كَانَت مَكْسُورَة وتكسر بعد الْكسر وَالْيَاء الساكنة. وَوجه المشابهة: أنّ الْيَاء ضمير كالهاء كِلَاهُمَا على حرف وَاحِد يشْتَرك فِي لَفظه النصب والجر. وَقد وَقع قبل الْيَاء هُنَا يَاء سَاكِنة فَكسرت كَمَا تكسر الْهَاء فِي عَلَيْهِ. وَبَنُو يَرْبُوع يصلونها بياء كَمَا)
يصل ابْن كثير نَحْو عَلَيْهِ بياء وَحَمْزَة كسر هَذِه الْيَاء من غير صلَة لأنّ الصِّلَة لَيست من مذْهبه.
وَهَذَا التَّوْجِيه هُوَ الَّذِي اعْتمد عَلَيْهِ أَبُو عليّ فِي الحجّة قَالَ: وَجه ذَلِك من الْقيَاس أَن الْيَاء لَيست تَخْلُو من أَن تكون فِي مَوضِع نصب أَو جر فالياء فِي النصب والجرّ كالهاء فيهمَا وكالكاف فِي أكرمتك وَهَذَا لَك فَكَمَا أَن الْهَاء قد لحقتها الزِّيَادَة فِي هَذَا لَهُ وضربه وَلحق الْكَاف أَيْضا الزِّيَادَة فِي قَول من قَالَ: أعطيتكاه
وأعطيتكيه فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وهما أخنا الْيَاء كَذَلِك ألْحقُوا الْيَاء كَذَلِك ألْحقُوا الْيَاء الزِّيَادَة من المدّ فَقَالُوا: فيّ ثمَّ حذفت الْيَاء الزَّائِدَة على الْيَاء كَمَا حذفت الزِّيَادَة من الْهَاء فِي قَول من قَالَ: لَهُ أرقان وَزعم أَبُو الْحسن أنّها لُغَة.
قلت: نقل الواحديّ فِي تَفْسِيره الْوَسِيط عَن قطرب أَنه زعم أَن هَذَا لُغَة فِي بني يَرْبُوع يزِيدُونَ على يَاء الْإِضَافَة يَاء نَحْو: هَل لَك ياتا فيّ وَكَانَ الأَصْل بمصرخيّ ثمّ حذفت الْيَاء الزَّائِدَة وأقرّت الكسرة على مَا كَانَت عَلَيْهِ. انْتهى.
وَقَول أبي عَليّ: لَهُ أرقان هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(4/435)

الطَّوِيل فبتّ لَدَى الْبَيْت الْعَتِيق أربغه ومطواي مشتاقان لَهُ أرقان وَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الضمائر.
وَقَالَ أَبُو شامة: لَيْسَ التَّمْثِيل بقوله: لَهُ أرقان مطابقاً لمقصوده فإنّ الْهَاء سَاكِنة حذفت حركتها مَعَ حذف طلتها وَلَيْسَ مُرَاده إلاّ حذف الصِّلَة فَقَط. فَالْأولى لَو كَانَ مثل بِنَحْوِ: عَلَيْهِ وَفِيه.
ثمَّ قَالَ أَبُو عَليّ: وكما حذفت الزيادةٌ من الْكَاف فَقيل أعطيتكه كَذَلِك حذفت الْيَاء اللاحقة للياء على هَذِه اللُّغَة وَإِن كَانَ غَيرهَا أفشى مِنْهَا وعضدة من الْقيَاس مَا ذكرنَا.
لم يجز لقَائِل أَن يَقُول إِن الْقِرَاءَة بذلك لحنٌ لِاسْتِقَامَةِ ذَلِك فِي السماع وَالْقِيَاس وَمَا كَانَ كَذَلِك لَا يكون لحناً.
الْوَجْه الثَّانِي أَن يكون الْكسر فِي بمصرخيّ لأجل التقاء الساكنين وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي نبّه عَلَيْهِ الفرّاء أوّلاً وَتَبعهُ فِيهِ النَّاس قَالَ الزمخشريّ: كَأَنَّهُ قدّر يَاء الْإِضَافَة سَاكِنة ولكنّه غير صَحِيح لِأَن يَاء الْإِضَافَة لَا تكون إلاّ مَفْتُوحَة حَيْثُ قبلهَا ألف فِي عصاي فَمَا بالها وَقبلهَا يَاء.
ومّمن تبع الفرّاء ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب فِي سُورَة طه قَالَ: قَرَأَ الْحسن وَأَبُو عَمْرو بخلافٍ عَنْهُمَا: هِيَ عصاي بِكَسْر الْيَاء وَكسرهَا فِي نَحْو هَذَا ضَعِيف استقالاً للكسرة فِيهَا وهرباً)
إِلَى الفتحة كهداي وبشراي إلاّ أنّ للكسر وَجها مَا وَذَلِكَ أَنه قد قَرَأَ حَمْزَة وَمَا أَنْتُم بمصرخيّ وَكسر الْيَاء لالتقاء الساكنين مَعَ أنّ قبلهَا كسرة وياء والفتحة وَالْألف
(4/436)

فِي عصاي أخفّ من الكسرة وَالْيَاء فِي مصرخيّ. وروينا عَن قطرب وجماعةٍ من أَصْحَابنَا: قَالَ لَهَا هَل لَك ياتا فيّ أَرَادَ: فيّ ثمَّ أشْبع الكسرة للإطلاق وَأَنْشَأَ عَنْهَا يَاء نَحْو منزلي وحوملي. وروينا عَنهُ أَيْضا:
(عليّ لعَمْرو نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده لَيست بِذَات عقارب)
وروينا عَنهُ أَيْضا: الرجز
(إنّ بنيّ صبيةٌ صيفيّون ... أَفْلح من كَانَ لَهُ ربعيون اه.)
الْوَجْه الثَّالِث: أنّ الْكسر فِي بمصرخيّ للإتباع للكسرة الَّتِي بعْدهَا وَهِي كسر همزَة إنّي كَمَا قَرَأَ بَعضهم: الْحَمد لله بِكَسْر الدَّال اتبَاعا لكسر اللَّام بعْدهَا.
قَالَ أَبُو شامة: وَهَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة كلهَا ضَعِيفَة. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده:
خالط من سلمى خياشم وفا تقدّم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الِاسْتِثْنَاء.
(4/437)

وَمَا وَجه بِهِ الشَّارِح هُنَا من الْوَجْهَيْنِ هما لأبي عليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ وتقدّم نقلهما عَنهُ هُنَاكَ بأبسط مّما هُنَا فَليرْجع إِلَيْهِ.
وَقَالَ فِي البغداديّات أجْرى الشَّاعِر فِي فَم الْإِفْرَاد مجْرى الْإِضَافَة فِي الضَّرُورَة وَذَلِكَ قَوْله: خاشيم وفا فَحكم ألأف فا أَن تكون بَدَلا من التَّنْوِين والمنقلبة من الْعين سَقَطت لالتقاء الساكنين لِأَنَّهُ السَّاكِن الأوّل وَبَقِي الِاسْم على حرف وَاحِد. وَجَاز هَذَا فِي الشّعْر للضَّرُورَة قَالَ المبّرد: وَقد لّحن كثيرٌ من النَّاس العجّاج فِي قَوْله: خياشيم وفا. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بلاحن لِأَنَّهُ حَيْثُ اضْطر أَتَى بِهِ فِي قافيةٍ غير مُلْحقَة مَعهَا التَّنْوِين. وَالْقَوْل عِنْدِي فِيهِ مَا قدّمته: من أنّه أجراه فِي الْإِفْرَاد مجْرَاه فِي الْإِضَافَة فَلَا يصلح تلحينه وَنحن نجد مساغاً إِلَى تجويزه وَنحن نرى فِي كَلَامهم نَظِيره من استعمالهم فِي الشّعْر مَا لايجوز مَعَ سواهُ كَقَوْلِهِم: ولضفادي جمّه نقانق أَي: لضفادع جمّه فَكَذَلِك يجوز فِيهِ اسْتِعْمَال الِاسْم على حرف وَاحِد وَإِن لم يسغْ فِي الْكَلَام.)
فأمّا قَول المبّرد: وَمن كَانَ يرى تَنْوِين القوافي لم ينوّن هَذَا فَلَيْسَ فِي هَذَا عِنْده شيءٌ منع من تنوينه عِنْد من ينوّن. وَيفْسد مَا ذكره من أنّ من نوّن القوافي لم ينوّن هَذَا أنّ من ينوّن القافية يلْزمه تَنْوِين هَذَا الِاسْم لكَونه فِي مَوضِع النصب وَقد أجَاز المبّرد فِي غير هَذَا
(4/438)

الموع أَن يكون الِاسْم الْمظهر على حرف مُفْرد. هَذَا كَلَامه وَمِنْه تعلم أنّ نقل الشَّارِح المحقّق عَن أبي عليّ خلاف مذْهبه.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
الوافر
(كفي بالنّأي من أَسمَاء كَافِي)
على أنّ الْوَقْف على الْمَنْصُوب بِالسُّكُونِ لُغَة فَإِن كَافِيا مفعول مُطلق وَهُوَ مصدر مؤكّد لقَوْله كفى وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول كَافِيا بِالنّصب لكنّه حذف تنوينه ووقف عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ والمنصوب حقّه أَن يُبدل تنوينه ألفا. وكَاف من المصادر الَّتِي جَاءَت على وزن اسْم الْفَاعِل قَالَ المرزوقيّ فِي شرح الفصيح: يُرِيد كفى النأي من أَسمَاء كفايةُ وَهُوَ اسْم فَاعل وضع مَوضِع الْمصدر كَقَوْلِهِم: قُم قَائِما وعوفي عَافِيَة وفلج فالجاً. وَكَانَ يجب أَن يَقُول كَافِيا لكنّه حذف الفتحة كَمَا تحذف الضمّة والكسرة. انْتهى.
وَكَذَلِكَ الزمخشريّ أوردهُ فِي المفصّل فِي المصادر الَّتِي جَاءَت على صِيغَة اسْم الْفَاعِل. والنأي: الْبعد وَهُوَ فَاعل كفى وَالْبَاء زَائِدَة فِي الْفَاعِل كَقَوْلِه تَعَالَى:
(4/439)

كفى بِاللَّه شَهِيدا.
وَهَذَا صدر وعجزه: وَلَيْسَ لنأيها إِذْ طَال شافي وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدةٍ لبشر بن أبي خازم مدح بهَا أَوْس بن حَارِثَة بن لأم لّما خلّى سَبيله من الْأسر وَالْقَتْل. وشاف: اسْم لَيْسَ. ولنأيها: متعلّق بِهِ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: عِنْدِي أَو مَوْجُود. وفاعل طَال ضمير النأي. وإِذْ تعليليّة متعلّقة بشاف. وَجُمْلَة وَلَيْسَ لنأيها الخ معطوفة على مَا قبلهَا أَي: يَكْفِينِي بعْدهَا بلَاء فَلَا حَاجَة إِلَى بلاءٍ آخر إِذْ هُوَ الْغَايَة وَلَا شِفَاء لي من مرض بعْدهَا مَعَ
طوله. وَيجوز أَن تكون الْوَاو للْحَال.)
وَقَالَ معمر بن المثنّى شَارِح ديوَان بشر وَهُوَ عِنْدِي بخطّه وَهُوَ خطٌّ كوفيٌّ: الْمَعْنى لَا يُصِيبنِي بعد هَذَا شيءٌ النَّاشِئ من بعْدهَا.
ويروى أَيْضا: وَلَيْسَ لسقمها أَي: السّقم الَّذِي حصل لي مِنْهَا. هَذَا كَلَامه وَلَيْسَ وَرَاء عبّادان قَرْيَة.
وروى شرّاح المفصّل المصراع الثَّانِي كَذَا: وَلَيْسَ لحبّها إِذْ طَال شافي
(4/440)

قَالَ شَارِح أبياته وَهُوَ بعض فضلاء الْعَجم: قَوْله: لحبّها مفعول شافي وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: وَرَوَاهُ المظفّريّ فِي شَرحه: ولَيْسَ بحبّها بالموحّدة وَقَالَ: أَي لَيْسَ حبّها شافياً إِذْ طَال يَعْنِي يحصل الشِّفَاء من وَصلهَا لَا بحبّها. وبشر بن أبي خازم بِكَسْر الموحّدة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وخازم بِالْخَاءِ وَالزَّاي المعجمتين.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: بشر بن أبي خازم هُوَ من بني أَسد جاهليّ قديم وَشهد حَرْب أَسد وطيّئ وَشهد هُوَ وَابْنه نوفلٌ الْحلف بَينهمَا.
قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: فحلان من فحول الجاهليّة كَانَا يقويان: بشر بن أبي خازم والنابغة الذبيانيّ: فأمّا النَّابِغَة فَدخل يثرب فغنّي بِشعرِهِ فَفطن فَلم يعد للإقواء. وَأما بشر فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ سوَادَة: إنّك لتقوي قَالَ: وَمَا الإقواء قَالَ: قَوْلك: الوافر
(ألم تَرَ أنّ طول الدّهر يسلي ... وَيُنْسِي مثل مَا نسيت جذام)
ثمَّ قلت:
(وَكَانُوا قَومنَا فبغوا علينا ... فسقناهم إِلَى الْبَلَد الشّآم)
فَلم يعد للإقواء. اه.
وَأوردهُ محمّد بن حبيب فِي كتاب أَسمَاء من قتل من الشُّعَرَاء فَقَالَ: وَمِنْهُم بشر بن أبي خازم الأسديّ وَكَانَ أغار فِي مقنبٍ من قومه على الْأَبْنَاء
(4/441)

من بني صعصعة بن مُعَاوِيَة وكلّ بني صعصعة إلاّ عَامر بن صعصعة يدعونَ الْأَبْنَاء وهم: وائله ومازن وسلول فَلَمَّا جالت الْخَيل مرّ بشرٌ بغلامٍ من بني وائلة فَقَالَ لَهُ بشر: استأسر.
فَقَالَ لَهُ الوائلي: لتذهبن أَو لأرشقنك بسهمٍ من كِنَانَتِي: فَأبى بشرٌ إلاّ أسره فَرَمَاهُ بِسَهْم على ثندوته فاعتنق بشرٌ فرسه وَأخذ الْغُلَام فأوثقه فلمّا كَانَ فِي اللَّيْل أطلقهُ بشرٌ من وثَاقه وخلّى)
سَبيله وَقَالَ: أعلم قَوْمك أنّك قتلت بشرا. وَهُوَ قَوْله: الوافر
(وإنّ الوائليّ أصَاب قلبِي ... بسهمٍ لم يكن نكساً لغابا)
فِي شعر طَوِيل اه.
وَكَانَ بشر أوّلاً يهجو أَوْس بن حَارِثَة بن لأم وَكَانَ أوسٌ نذر لَئِن ظفر بِهِ ليحرّقنه فَلَمَّا تمكّن أطلقهُ وَأحسن إِلَيْهِ فمدحه. وَهَذِه القصيدة الفائيّة أول القصائد الَّتِي مدحه بهَا. وَلما لم يكن فِيهَا شَيْء من الشواهد سوى المطلع اكتفينا بِهِ وَمَا زِدْنَا عَلَيْهِ شَيْئا. وعدّتها اربعة وَعِشْرُونَ بَيْتا.
وأوسٌ هَذَا مّمن يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْكَرم والجود يُقَال لَهُ ابْن سعدى قَالَ جرير: الوافر
(وَمَا كَعْب بن مامة وَابْن سعدى ... بأجود مِنْك يَا عمر الجودا)
وَسبب هجاء بش لأوس هُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاس المبّرد فِي الْكَامِل قَالَ: أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الظائيّ كَانَ سيداً مقدّماً وَفد ههو وحاتم بن عبد الله الطَّائِي على عَمْرو بن هندٍ وَأَبوهُ الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَدَعَا أَوْسًا
(4/442)

فَقَالَ: أَأَنْت أفضل أم حَاتِم فَقَالَ: أَبيت اللّعن لَو ملكني حاتمٌ وَوَلَدي ولحمتي لوهبنا فِي غذاةٍ وَاحِدَة ثمَّ دَعَا حاتماً فَقَالَ: أَأَنْت أفضل أم أَوْس فَقَالَ: أَبيت اللّعن إنّما ذكرت بأوس ولأحد وَلَده أفضل منّي.
وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر دَعَا بحلّةٍ وَعِنْده وُفُود الْعَرَب من كلّ حيّ فَقَالَ: احضروا فِي غدٍ فإي ملبسٌ هَذِه الحلّة أكْرمكُم. فَحَضَرَ الْقَوْم جَمِيعًا إلاّ أَوْسًا فَقيل لَهُ: لم تتخلّف فَقَالَ: إِن كَانَ المُرَاد غَيْرِي فأجمل الْأَشْيَاء أَلا أكون حَاضرا وإ كنت المُرَاد فسأطلب وَيعرف مَكَاني فَلَمَّا جلس النُّعْمَان لم ير أَوْسًا فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْس فَقولُوا لَهُ: احضر آمنا مِمَّا خفت. فَحَضَرَ فألبسه الحلّة فحسده قومٌ من أَهله فَقَالُوا للحطيئة: اهجه وَلَك ثلثمِائة نَاقَة. فَقَالَ الحطيئة: كَيفَ أهجو رجلا لَا أرى فِي بَيْتِي أثاثاً وَلَا مَالا إلاّ من عِنْده ثمَّ قَالَ: الْبَسِيط
(كَيفَ الهجاء وَمَا تنفكّ صالحةٌ ... من آلأ لأم بِظهْر الْغَيْب تَأتِينِي)
فَقَالَ لَهُ بشر بن أبي خازم أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة: أَنا أهجو
(4/443)

لكم. فَأخذ الأغبل وَفعل فَأَغَارَ أَوْس عَلَيْهَا فاكتسحها فَجعل لَا يستجير حيّاً إلاّ قَالَ قد أجرتك إلآّ من أَوْس.
وَكَانَ فِي هجائه قد ذكر أمّه فَأتي بِهِ فَدخل أوسٌ على أمّه فَقَالَ: قد أَتَيْنَا ببشرٍ
الهاجي لَك ولي فَمَا تَرين فِيهِ قَالَت: أَو تطيعني فِيهِ قَالَ: نعم. قَالَت: أرى أَن تردّ عَلَيْهِ مَاله وَتَعْفُو عَنهُ وتحبوه وأفعل مثل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يغسل هجاءه إلاّ مدحه فَخرج فَقَالَ: إنّ أمّي سعدى الَّتِي)
كنت تهجوها قد أمرت فِيك بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا جرم وَالله لَا مدحت حتّى أَمُوت أحدا غَيْرك. فَفِيهِ يَقُول: الوافر
(إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأمٍ ... ليقضي حَاجَتي فِيمَن قَضَاهَا)
(فَمَا وطئ الثّرى مثل ابْن سعدى ... وَلَا لبس النّعال وَلَا احتذاها)
هَذَا مَا أروده المبّرد وَلم يذكر كَيفَ تمكّن مِنْهُ أَوْس.
وَقد حَكَاهُ معمر بن المثنّى فِي شَرحه قَالَ: إنّ بشر بن أبي خازم غزا طيئاً ثمَّ بني نَبهَان فجرح فأثقل جراحه وَهُوَ يَوْمئِذٍ بحمى أحدٍ أَصْحَابه وإنّما كَانَ فِي بني والبة فأسرته بَنو نَبهَان فخبؤوه كَرَاهِيَة أَن يبلغ أَوْسًا فَسمع أوسٌ أَنه عِنْدهم فَقَالَ: وَالله لَا يكون بيني وَبينهمْ خير أبدا أَو يَدْفَعُوهُ ثمَّ أَعْطَاهُم مِائَتي بعير وَأَخذه مِنْهُم فجَاء بِهِ وأوقد لَهُ نَارا ليحرّقه وَقَالَ بعض بني أَسد: لم تكن نَار ولكنّه أدخلهُ فِي جلد بعير حِين سلخه وَيُقَال جلد كَبْش ثمَّ تَركه حتّى جفّ عَلَيْهِ فَصَارَ فِيهِ كَأَنَّهُ العصفور فَبلغ ذَلِك سعدى بنت حُصَيْن الطائيّة وَهِي سيّدة فَخرجت إِلَيْهِ فَقَالَت:
(4/444)

مَا تُرِيدُ أَن تصنع فَقَالَ: أحرق هَذَا الي شَتمنَا. فَقَالَت: قبح الله قوما يسوّدونك أَو يقبسون من رَأْيك وَالله لكأنّما أخذت بِهِ أما تعلم مَنْزِلَته فِي قومه خلّ سَبيله وأكرمه فَإِنَّهُ لَا يغسل عَنْك مَا صنع غَيره.
فحبسه عِنْده وداوى جرحه وكتمه مَا يُرِيد أَن يصنع بِهِ وَقَالَ: ابْعَثْ إِلَى قَوْمك يفدونك فَإِنِّي قد اشتريتك بِمِائَتي بعير. فَأرْسل بشرٌ إِلَى قومه فهيّؤوا لَهُ الْفِدَاء وبادرهم أوسٌ فَأحْسن كسوته وَحمله على نجيبه الَّذِي كَانَ يركبه وَسَار
مَعَه حتّى إِذا بلغ أدنى أَرض غطفان جعل بشرٌ يمدح أَوْسًا وَأهل بَيته. بمَكَان كلّ قصيدة هجاهم بهَا قصيدة فهجاهم بخمسٍ ومدحهم بِخمْس. وَقد قيل: إِن بني نَبهَان لم تأسر بشرا قطّ إنّما أسره النُّعْمَان بن جبلة بن واثل بن جلاح الْكَلْبِيّ وَكَانَ عِنْد جبلة بنت عبيد بن لأم فَولدت مِنْهُ عَوْف بن جبلة فَبعث إِلَيْهِ أَوْس بن حَارِثَة يتقرّب بِهَذِهِ الْقَرَابَة فَبعث ببشر إِلَيْهِ فَكَانَ من أمره مَا كَانَ.
هَذِه حكايته وَقد نقلتها من خطّه الكوفيّ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
المتقارب
(وآخذ من كلّ حيّ عصم)
هَذَا عَجزه وصدره: إِلَى الْمَرْء قيسٍ أطيل السّرى
(4/445)

على أَنه وقف على الْمَنْصُوب المنوّن بِالسُّكُونِ وَلم يُبدل تنوينه ألفا كَالَّذي قبله.
والاستشهاد بِهَذَا الْبَيْت كثيرٌ فِي مؤلفات أبي عليّ وتلميذه ابْن جنّي. وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: عصماً لِأَنَّهُ مفعول آخذ وَهُوَ جمع عِصَام ككتب جمع كتاب.
قَالَ ابْن جنّي فِي الْمُبْهِج وَهُوَ شرح أَسمَاء شعراء الحماسة لأبي تَمام: عِصَام الْقرْبَة: وكاؤها وعصامها أَيْضا: عروتها. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: هُوَ جمع عِصَام يَعْنِي عهدا يبلغ بِهِ ويعزّ بِهِ. فقضيته أنّه بِضَمَّتَيْنِ.
وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام صَاحب السِّيرَة النَّبَوِيَّة على أَن عصماً فِيهِ بكسرة
ففتحة جمع عصمَة فَإِنَّهُ قَالَ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: وَلَا تمسّكوا بعصن الكوافر: وَاحِدَة العصم عصمَة وَهِي الْحَبل وَالسَّبَب. ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَهُوَ من قصيدة للأعشى مَيْمُون مدح بهَا قيس بن معد يكرب مطْلعهَا:
(أتهجر غانيةً أم تلم ... أم الْحَبل واهٍ بهَا منجدم)
(أم الصّبر أحجى فإنّ أمرا ... سينفعه علمه إِن علم)
إِلَى أَن قَالَ:
(ويهماء تعزف جناحها ... مناهلها آجنات سدم)
(قطعت برسامةٍ جسرةٍ ... عذافرةٍ كالفنيق القطم)
...
(4/446)

(تفرّج للمرء من همّه ... ويشفى عليا الْفُؤَاد السّقم)
(إِلَى الْمَرْء قيسٍ أطيل السّرى ... وآخذ من كلّ حيّ عصم)
(فكم دون بابك من معشرٍ ... خفاف الحلوم عداةٍ غشم)
(إِذا أَنا حيّيت لم يرجِعوا ... تحيّتهم وهم غير صم)
إِلَى أَن قَالَ:)
(وَلم يود من كنت تسْعَى لَهُ ... كَمَا قيل فِي الْحَرْب أودى درم)
(تَقول ابْنَتي حِين جدّ الرّحيل ... أرانا سَوَاء وَمن قد يتم)
(فيا أبتا لَا تزل عندنَا ... فإنّا نَخَاف بِأَن نخترم)
(فَلَا رمت يَا أبتا عندنَا ... فإنّا بِخَير إِذا لم ترم)
(نرانا إِذا أضمرتك البلا ... د نجفى وَيقطع منّا الرّحم)
الغانية: الْجَارِيَة الَّتِي استغنت بزوجها وَقد تكون الَّتِي استغنت بحسنها. والْإِلْمَام: النُّزُول وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الزِّيَارَة والمواصلة. والْحَبل: الْوَصْل. ووهى الْحَبل وَنَحْوه: تشقّق واسترخى. والانجذام بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: الِانْقِطَاع. وأحجى: أليق من الحجا وَهُوَ الْعقل. واليهماء بِفَتْح الْمُثَنَّاة التحتيّة: الفلاة الَّتِي لَا يهتدى إِلَى الطَّرِيق فِيهَا. وتعزف: تصوّت وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة. والجنّان بِكَسْر الْجِيم:
(4/447)

جمع جانٌ وَهُوَ أَبُو الجنّ. والمنهل: المورد وَهُوَ عين مَاء ترده الْإِبِل. والآجن: المَاء المتغيّر الطّعْم واللون. والسّدم بِضَم السِّين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ فِي الصِّحَاح: ركيّة سدم وسدم مثل عسر وعسر: إِذا ادّفنت.
وَقَوله: قطعت جَوَاب ربّ المقدّرة فِي قَوْله: ويهماء وَهُوَ الْعَامِل فِي مَحَله. والرسّامة: النَّاقة الَّتِي تُؤثر فِي الأَرْض من شدّة الْوَطْء. والجسرة بِفَتْح الْجِيم: النَّاقة القوية الشَّدِيدَة وَمثلهَا العذافرة بِضَم الْعين الْمُهْملَة. والفنيق بِفَتْح الْفَاء وَكسر النُّون: الْفَحْل الْعَظِيم الْخلق. والقطم بِفَتْح الْقَاف وَكسر الطَّاء: وصفٌ من قطم الْفَحْل بِالْكَسْرِ أَي: اهتاج وَأَرَادَ الضراب وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة أقوى مَا يكون. والهمّ: الغمّ. والفؤاد فَاعل يشقى. والسّقم بِفتْحَتَيْنِ مَفْعُوله.
وَقَوله: إِلَى الْمَرْء قيس الخ أل فِي الْمَرْء لاستغراق خَصَائِص الْأَفْرَاد نَحْو زيد الرجل أَي: الْكَامِل فِي هَذِه الصّفة. وَقيس بدل من الْمَرْء. والسّرى بِالضَّمِّ: جمع سَرِيَّة يُقَال: سرينا سَرِيَّة من اللَّيْل وسرية بِالضَّمِّ وَالْفَتْح. قَالَ أَبُو زيد: وَيكون السّرى أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره.
وَهَذِه طَريقَة المتقدّمين فِي التَّخَلُّص إِلَى المديح وَهُوَ أَنهم يصفونَ الفياقي وقطعها بسير النوق وحكاية مَا يعانون فِي أسفارهم إِلَى ممدوحهم.
وَقَوله: وآخذ من كلّ الخ مَعْطُوف على أطيل السرى. وَإِنَّمَا كَانَ يَأْخُذ
من كلّ قبيلةٍ عهدا إِلَى قبيلةٍ أُخْرَى لِأَن لَهُ فِي كلّ حيّ أَعدَاء مِمَّن هجاهم أَو مِمَّن يكره ممدوحه فيخشى الْقَتْل أَو غَيره)
فَيَأْخُذ عهدا ليصل بالسّلامة إِلَى ممدوحه فَذكر لَهُ مَا تجشّمه من المشاق فِي الْمسير إِلَيْهِ ليجزل لَهُ العطايا. وَقد ذكر الْأَعْدَاء بقوله: فكم دون بابك من معشر ... الخ
(4/448)

وخفاف: جمع خَفِيف ككرام جمع كريم. والحلوم: جمع حلم بِالْكَسْرِ وَهُوَ الأناة أَرَادَ وَقَوله: وَلم يود من كنت الخ أودى فلَان أَي: هلك فَهُوَ مودٍ. ودرم بِفَتْح الدَّال وَكسر الرَّاء قَالَ فِي الصِّحَاح: اسْم رجل من بني شَيبَان قتل فَلم يدْرك بثأره وَقَالَ المؤرخ: فقد كَمَا فقد الفارظ العنزيّ.
وَفِي ديوَان الْأَعْشَى: إِنَّه درم من دبّ بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان كَانَ النُّعْمَان يَطْلُبهُ فظفروا بِهِ فَمَاتَ فِي أَيْديهم قبل أَن يصلوا بِهِ إِلَى النُّعْمَان فَقيل أودى درم فَذَهَبت مثلا.
وَرُوِيَ: كَمَا قيل فِي الحيّ أودى درم قَالَ العسكريّ فِي التَّصْحِيف: اجْتمع رُوَاة بَغْدَاد على أنّ درم مَفْتُوح الدَّال مكسور الرَّاء إلآّ ابْن الروميّ الشَّاعِر فإنّه ذكر أَن رِوَايَته درم بِكَسْر الدَّال وَفتح الرَّاء وَكَانَ يغزوه إِلَى محمّد بن حبيب. وإنّما احْتَاجَ إِلَى أَن يَجعله هَكَذَا فِي
شعر لَهُ هرباً من التَّوْجِيه فقد كَانَ ابْتِدَاء قصيدته:
(4/449)

أفيضا دَمًا إنّ الرّزايا لَهَا قيم فبناها على فتح مَا قبل الرويّ ثمَّ قَالَ: فطاحت جباراً مثل صَاحبهَا درم وأنشدها عليّ هَكَذَا فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب. ودرمٌ هَذَا مَشْهُور عِنْد النسّابين وَهُوَ درم دبّ بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان. إِنَّمَا قَالُوا: أودى درم لِأَنَّهُ قتل فَلم يود وَلم يثأر بِهِ وَقَالَ قَائِل: أودى درم فَضرب مثلا.
وَقَوله: أرانا سَوَاء الخ أَي: نرى أنسفنا مثل الْأَيْتَام سَوَاء. وَقد يتم بِالْكَسْرِ ييتم بِالْفَتْح يتماً بِالضَّمِّ وَالْفَتْح وَسُكُون التَّاء فيهمَا. واخترتهم الدَّهْر وتخرمهم: أَي اقتطعهم واستأصلهم.
ونخترم بِضَم النُّون.
وَقَوله: فَلَا رمت الخ رام من مَكَانَهُ يريم: إِذا برح وَزَالَ. ونرانا بِضَم النُّون من الرُّؤْيَة بِمَعْنى الظنّ. ونجفى بِضَم النُّون من الجفوة أَي: نعامل بهَا.)
(4/450)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
الراجز
(كالحوت لَا يرويهِ شيءٌ يلقمه ... يصبح ظمآن وَفِي الْبَحْر فَمه)
على أَنه قد يُقَال فِي غير الْأَفْصَح فمي وفم زيد فِي جَمِيع حالات الْإِضَافَة. وَهَذَا ظَاهر فإثبات الْمِيم عِنْد الْإِضَافَة فصيح ويدلّ لَهُ الحَدِيث: لخلوف فَم الصّائم.
وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول أبي عَليّ فِي البغداديات: قد اضْطر الشَّاعِر فأبدل من الْعين الْمِيم فِي الْإِضَافَة كَمَا أبدلها مِنْهَا فِي الْإِفْرَاد فَقَالَ: وَفِي الْبَحْر فَمه. وَهَذَا الْإِبْدَال فِي الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِفْرَاد دون الْإِضَافَة فَأجرى الْإِضَافَة مجْرى الْمُفْرد فِي الشّعْر للضَّرُورَة. هَذَا كَلَامه. ويلقمه: مضارع لقمت اللّقمة لقماً من بَاب طرب: إِذا بلغتهَا وَكَذَلِكَ التقمتها وتلقّمتها: إِذا ابتلعتها. وَرُوِيَ بدله: يلهمه وَهُوَ بِمَعْنَاهُ يُقَال: لهمه لَهما من بَاب طرب أَيْضا. إِذا ابتلعته. وظمآن بِالنّصب خبر يصبح. وَجُمْلَة: وَفِي الْبَحْر فَمه حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر يَفِ ظمآن.
قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي الدرّة الفاخرة: أظمأ من حوت مثلٌ يَزْعمُونَ دَعْوَى بِلَا بينةٍ أَنه يعطش وَفِي الْبَحْر فَمه واحتجّوا بقول الشَّاعِر: كالحوت لَا يرويهِ شَيْء الخ. وينقضون هَذَا بقَوْلهمْ: أروى من حوت فَإِذا سئلوا عَن علّة قَوْلهم قَالُوا: لأنّه لَا يُفَارق المَاء. انْتهى.
(4/451)

وَلم يزدْ الزمخشريّ فِي المستقصى فِي شرح هَذَا الْمثل على قَوْله: يَزْعمُونَ أَنه يعطش فِي الْبَحْر قَالَ: كالحوت لَا يرويهِ شَيْء الخ.
وَقد نقل الكرمانيّ كَلَام الدرّة فِي شرح شَوَاهِد الخبيصيّ ثمَّ قَالَ: يُمكن تَصْحِيح المثلين حَقِيقَة وَهُوَ أَن الْحُوت لَا يشرب مَاء الْبَحْر مَا أمكنه لملوحته فَهُوَ إِذن ظمآن. ولكثرة صبره على الْعَطش مَعَ وجود المَاء كَأَنَّهُ ريّان إِذْ لَوْلَا أَنه كَذَلِك لشرب المَاء. وَجَاز أَن يكون قلّة شربه لخوف غرقه بوصول المَاء إِلَى جَوْفه متجاوز الحدّ.
هَذَا كَلَامه وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تسطير مثل هَذَا. وَالْوَجْه أَن يُقَال: لوُجُوده فِي المَاء إِنَّمَا ضرب الْمثل بربّه وَلعدم طاقته على مُفَارقَة المَاء قيل: أظمأ من حوت. كأنّ ملازمته للْمَاء إِنَّمَا هِيَ لشدّة ظمئه.
وَقَالَ صَاحب حَيَاة الْحَيَوَان: هَذَا الْبَيْت مثل يضْرب لمن عَاشَ بَخِيلًا شَرها.)
وَهُوَ من رجز طَوِيل لرؤبة بن العجّاج عدّته أَرْبَعمِائَة وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا مدح بِهِ أَبَا العبّاس السفّاح أول الْخُلَفَاء العباسيّة.
قلت لزيرٍ لم تصله مريمه وَذكر فِي أَوَاخِر فقره وشدّة حَاجته إِلَيْهِ. وَهَذِه قِطْعَة مِنْهُ: جَاءَك عودٌ خندقيٌّ قشعمه الْعود بِالْفَتْح: المسنّ الْقَدِيم وَأَصله فِي الْإِبِل عَنى بِهِ نَفسه. وخندف:
(4/452)

امْرَأَة الياس بن مُضر. وَأَرَادَ بِكَوْنِهِ خندقياً أَنه عدنانيٌّ لَا قحطاني. والقشعم: الْكَبِير.
عَلَيْهِ من لبد الزّمان هلدمه لبد الزّمان بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْمُوَحدَة: جفونه ووسخه. وهلدمه: مَا تراكم بعضه على بعض وَقَالَ بَعضهم: خلقانه. وَهُوَ بِكَسْر الْهَاء وَالدَّال وَسُكُون اللَّام بَينهمَا.
موجّب عاري الضّلوع حرضمه الموجّب بِكَسْر الْجِيم وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا: الَّذِي يَأْكُل فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مرّةً يُقَال: فلَان يَأْكُل وحبةً وَقد وجبّ نَفسه توجيباً: إِذا عوّدها ذَلِك: أَرَادَ: إِنَّنِي لَا أُصِيب من الْقُوت فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة إلاّ مرّة. والحرضم بِكَسْر الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة بَينهمَا رَاء مُهْملَة: المهزول كَذَا فِي شرح ديوانه.
لم يلق للجشب إدَامًا يأدمه الجشب بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ضيق الْعَيْش. فِي الصِّحَاح: طَعَام جشب مَا زَالَ يرجوك لحقّ يزعمه على التنّائي ويراك حلمه التمّائي: التباعد. والْحلم بِضَمَّتَيْنِ: مَا يرَاهُ النَّائِم. والأاسناد مجازيّ أَي: يراك فِي حلمه.
(4/453)

قد طالما جنّ إِلَيْك أهيمه أهيمه: عقله وفؤاده.
إيّاك لم يُخطئ بِهِ ترسّمه الترسّم بالراء: التفرّس من افراسة.
كالحوت لَا يرويهِ شيءٌ يلهمه شبّه نَفسه بالحوت أَي: هُوَ كالحوت.)
يصبح ظمآن وغي الْبَحْر فَمه من عطشٍ لوّحه مسلهمه
لوحه: غَيره من لوّحته أَي: غيّرته وَمن لوّحت الشَّيْء بالنَّار: أحميته. والمسلهم: المغيّر.
أَطَالَ ظمئاً وجباك مقدمه الجبا بِكَسْر الْجِيم بعْدهَا مُوَحدَة: المَاء الْمَجْمُوع لِلْإِبِلِ وَهُوَ بِالْقصرِ. ومقدمه: مورده. الرّواء بِالْفَتْح والمدّ: المَاء العذب. وأطغمه أَي: أَكْثَره وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة.
قد كَانَ جمّاً شاؤه ونعمه أخبر عَن نَفسه بأنّه قبل الْيَوْم كثير الْغنم وَالْإِبِل.
فعضّه دهرٌ مذفٌ محطمه والدّهر أحبى لَا يزَال ألمه
(4/454)

الأحبى: الشَّديد الحابي الضلوع أَي: المشرف المنتفخ الجنبين من الغيظ.
أفنى الْقُرُون وَهُوَ بَاقٍ أونمه أَي: حوادثه وَهُوَ بالزاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون.
بِذَاكَ بادت عَاده وإرمه بادت: هَلَكت. وعَاد وإرم: فبيلتان.
وَهَذَا آخر الرجز. وترجمة رؤبة قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أَوَائِل الْكتاب.
وَقد خطي الأصمعيّ عِنْد هَارُون الرشيد بروايته لهَذَا الرجز.
روى السيّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: الدّرر وَالْغرر بِسَنَدِهِ إِلَى الأصمعيّ أَنه قَالَ: تصرّفت بِي الْأَسْبَاب على بَاب الرشيد مؤمّلاً للظفر بِهِ والوصول إِلَيْهِ حَتَّى إنّي صرت لبَعض حرسه خديناً فإنّي فِي بعض ليلةٍ قد نثرت السَّعَادَة والتوفيق فِيهَا الأرق بَين أجفان الرشيد إِذْ خرج خادمٌ فَقَالَ: أما بالحضرة أحدٌ يحسن الشّعْر فَقلت: الله أكبر ربّ قيدٍ مضيّق قد حلّه التَّيْسِير فَقَالَ لي الْخَادِم: ادخل فلعلّها أَن تكون لَيْلَة يغْرس فِي صباحها الْغنى إِن فزت بالخطوة عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَدخلت
(4/455)

فواجهت الرّشيد فِي مَجْلِسه وَالْفضل بن يحيى إِلَى جَانِبه فَوقف بِي الْخَادِم حَيْثُ يسمع التَّسْلِيم فَسلمت فردّ عليّ السَّلَام ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام أرحه ليفرح روعه إِن كَانَ وجد)
للرّوعة حسّاً فدنوت قَلِيلا ثمّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إضاءة مجدك وبهاء كرمك مجيران لمن نظر إِلَيْك من اعْتِرَاض أذيّة فَقَالَ: ادن. فدنوت فَقَالَ: أشاعرٌ أم راوية لكلّ ذِي جدّ وهزل بعد أَن يكون محسناً فَقَالَ: تا لله مَا رَأَيْت ادّعاء أعظم من هَذَا فَقلت: أَنا على الميدان فَأطلق من عناني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: قد أنصف القارة من راماها ثمَّ قَالَ: مَا الْمَعْنى فِي هَذِه الْكَلِمَة بديئاً فَقلت: فِيهَا قَولَانِ: القارة هِيَ الحرّة من الأَرْض وَزَعَمت الرّواة أنّ القارة كَانَت رُمَاة للتبابعة وَالْملك إِذْ ذَاك أَبُو حسّان فواقف عسكره وعسكر السّغد فَخرج فارسٌ من السّغد ثد وضع سَهْمه فِي كبد قوسه فَقَالَ: أَيْن رُمَاة الْعَرَب فَقَالَت الْعَرَب: وَقد أنصف القارة من راماها.
ثمَّ قَالَ: أرتوي لرؤية بن العجّاج والعجّاج شَيْئا فَقلت: هما شَاهِدَانِ لم بالقوافي وَإِن غيّبا عَن بَصرك بالأشخاص. فَأخْرج من ثني فرشه رقْعَة ثمَّ قَالَ: أَنْشدني: الراجز أرّقني طَارق همّ أرّقا فمضيت فِيهَا مضيّ الْجواد فِي سنَن ميدانه تهدر بهَا أشداقي فلمّا
(4/456)

صرت إِلَى مديحه لبني أُميَّة ثنيت لساني إِلَى امتداحه لأبي الْعَبَّاس فِي قَوْله: قلت لزيرٍ لم تصله مريمه فَلَمَّا رَآنِي قد عدلت من أرجوزة إِلَى غَيرهَا قَالَ: أعن حيرةٍ أم عَن عمد قلت: عَن عمد تركت كذبه إِلَى صدقه فِيمَا وصف بِهِ جدّك من مجده فَقَالَ الْفضل: أَحْسَنت بَارك الله فِيك مثلك يؤهلّ لمثل هَذَا الْمجْلس فَلَمَّا أتيت على آخرهَا قَالَ لي الرشيد: أتروي كلمة عديّ بن الرّقاع: عرف الدّيار توهّماً فاعتادها قلت: نعم. قَالَ: هَات. فمضيت فِيهَا حتّى إِذا صرت إِلَى وصف الْجمل قَالَ لي الْفضل: ناشدتك الله أَن تقطع علينا مَا أمتعنا بِهِ من السهر فِي ليلتنا هَذِه بِصفة جمل أجرب فَقَالَ لَهُ الرشيد: اسْكُتْ فالإبل هِيَ الَّتِي أخرجتك من دَارك واستلب تَاج ملكك ثمَّ مَاتَت وعملت جلودها سياطاً ضربت بهَا أَنْت وقومك فَقَالَ الْفضل: لقد عوقبت على غير ذَنْب وَالْحَمْد لله فَقَالَ الرشيد: أَخْطَأت
الْحَمد لله على النّعم وَلَو قلت: وَأَسْتَغْفِر الله كنتمصيباً. ثمَّ قَالَ لي: امْضِ فِي أَمرك. فَأَنْشَدته حتّى إِذا بلغت إِلَى قَوْله:)
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه اسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ: أتحفظ فِي هَذَا ذكرا قلت: نعم ذكرت
(4/457)

الروَاة أنّ الفرزدق قَالَ: كنت فِي الْمجْلس وَجَرِير إِلَى جَانِبي فَلَمَّا ابْتَدَأَ عديّ فِي قصيدته قلت لجرير مسيرًا إِلَيْهِ هَلُمَّ نسخر من هَذَا الشاميّ. فَلَمَّا ذقنا كَلَامه يئسنا مِنْهُ فلمّأ قَالَ: تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه وعديّ كالمستريح قَالَ جرير: أما ترَاهُ يستلب بهَا مثلا فَقَالَ الفرزدق: يَا لكع إنّه يَقُول: قلم أصَاب من الدّواة مدادها فَقَالَ عديّ: قلم أصَاب من الدّواة مدادها فَقَالَ جرر: أَكَانَ سَمعك مخبوءاً فِي صَدره فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ شغلني سبّك عَن جيّد الْكَلَام فلمّا بلغ إِلَى قَوْله: الْكَامِل قَالَ الرشيد: مَا ترَاهُ قَالَ حِين أنْشدهُ هَذَا الْبَيْت قلت: قَالَ: كَذَاك أَرَادَ الله. فَقَالَ الرشيد: مَا كَانَ فِي جلالته ليقول هَذَا أَحْسبهُ قَالَ: مَا شَاءَ قلت: وَكَذَا جَاءَت الرِّوَايَة.
فَلَمَّا أتيت على آخرهَا قَالَ: أتروي لذِي الرمّة شَيْئا قلت الْأَكْثَر. قَالَ: فَمَا أَرَادَ بقوله:
(4/458)

الطَّوِيل
(ممرٌّ أمرّت فتله أسديّةٌ ... ذراعيّة حلاّلةٌ بالمصانع)
قلت: وصف حمَار وَحش أسمنه بقل روضةٍ تواشجت أُصُوله وتشابكت فروعه من مطر سحابةٍ كَانَت بِنَوْء الْأسد ثمَّ فِي الذِّرَاع من ذَلِك. فَقَالَ الرشيد: أرح فقد وجدناك ممتعاً وعرفناك محسناً. ثمَّ قَالَ: أجد ملالة ونهض فَأخذ الْخَادِم يصلح عقب النّعل فِي رجله وَكَانَت عربيّة فَقَالَ الرشيد: عقرتني يَا غُلَام فَقَالَ الْفضل: قَاتل الله الْأَعَاجِم أما إنّها لَو كَانَت سنديّةً لما احتجت إِلَى هَذِه الْكَلِمَة.
فَقَالَ الرشيد: هَذِه نَعْلي ونعل آبَائِي كم تعَارض فَلَا تتْرك من جوابٍ ممضّ ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام يُؤمر صالحٌ الْخَادِم بتعجيل ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم على هَذَا الرجل فِي ليلته هَذِه وَلَا يجب فِي المستأنف.
فَقَالَ الْفضل: لَوْلَا أنّه مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا يَأْمر فِيهِ غَيره لأمرت لَك بِمثل مَا أَمر لَك وَقد)
أمرت لَك بِهِ إلاّ ألف دِرْهَم فتلّقى الْخَادِم صباحاً. قَالَ الأصمعيّ: فَمَا صلّيت من غدٍ إلاّ وَفِي منزلي تسعةٌ وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(4/459)

الطَّوِيل
(هما نفثا فِي فيّ من فمويهما ... على النّابح العاوي أشدّ رجام)
على أنّه جمع بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ وهما الْمِيم وَالْوَاو.
وتكلف بَعضهم معتذراً بِأَن قَالَ: الْمِيم بدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ اللَّام قدّمت على الْعين.
وَتَقْدِير القَوْل الأول كَمَا فِي البغدادّيات لأبي عَليّ أهـ أضَاف الْفَم مبدلاً من عينهَا الْمِيم للضَّرُورَة كَقَوْل الآخر: وَفِي الْبَحْر فَمه ثمَّ أَتَى بِالْوَاو الَّتِي هِيَ عين وَالْمِيم عوض مِنْهُ فَيكون جمعا بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ للضَّرُورَة.
وَقد وجدنَا هَذَا الْجمع فِي مذاهبهم قَالَ الشَّاعِر: أَقُول يَا اللهمّ يَا اللهمّا فَجمع بَين حرف التبيه وَبَين الميمين اللَّتَيْنِ هما هوضان مِنْهُ فَيكون قد اجْتمع فِيهِ على هَذَا الْوَجْه ضرورتان: إِحْدَاهمَا إِضَافَة فَم بِالْمِيم وَحكمه أَن لَا يُضَاف بهَا وَثَانِيهمَا جمعه بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ.
أَقُول: إِضَافَة فَم بِالْمِيم فصيح وَلَيْسَ بضروروة وتقدّم الردّ عَلَيْهِ بِحَدِيث: لخلوف فَم الصّائم.
وَأما القَوْل الثَّانِي فَهُوَ يشبه أَن يكون مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فإنّه قَالَ فِي بَاب
(4/460)

النِّسْبَة واسْمه عِنْد بَاب الْإِضَافَة مَا نصّه: وَأما فَم فقد ذهب من أَصله حرفان لأنّه كَانَ أَصله فوه فأبدلوا الْمِيم مَكَان الْوَاو فَهَذِهِ الْمِيم بِمَنْزِلَة الْعين نَحْو مِيم ذمّ ثبتَتْ فِي الِاسْم فَمن ترك دم على حَاله إِذا أضيف ترك فَم على حَاله وَمن ردّ إِلَى دم اللَّام ردّ إِلَى فَم الْعين فَجَعلهَا مَكَان اللَّام كَمَا جعلُوا الْمِيم مَكَان الْعين فِي فَم.
قَالَ الشَّاعِر:)
هما نفثا فِي فيّ من فمويهما
وَقَالُوا: فموان. قَالَ فمان فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قَالَ: فمويّ وَإِن شَاءَ قَالَ: فميّ. وَمن قَالَ: فموان قَالَ: فمويّ على كل حَال.
هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَبِه يظْهر خطأ الأعلم فِي شرح شواهده حَيْثُ قَالَ: الشَّاهِد فِي قَوْله فمويه مَا وَجمعه بَين الْوَاو وَالْمِيم الَّتِي هِيَ بدل مِنْهَا فِي فمّ. وَمثل هَذَا لَا يعرف لأنّ الْمِيم إِذا كَانَت بَدَلا من الْوَاو فَلَا يَنْبَغِي أَن يجمع بَينهمَا.
وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا وَجعل من قَوْله إِذْ أسنّ وَاخْتَلَطَ عقله. وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين توهّمه مِمَّا حذفت لمه من ذَوَات الاعتلال كيد وَدم فردّ مَا توهّمه محذوفاُ مِنْهُ. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وَمثل هَذَا لَا يعرف تقدم عَن أبي عليّ أَنه مَعْرُوف فِي قَوْلهم: يَا اللهمّ.
وَقَوله: وَقد غلط الفرزدق فِي هَذَا الخ فِيهِ أنّه لَا يجوز أَن يتوهمّ فِي البدويّ أَنه يغلط ف ينطقه ويلحن فَإِنَّهُ لَا يطاوعه لِسَانه وَإِن تعمّده كَمَا قيل فالعرب معصومون عَن لحن اللِّسَان.
نعم يجوز أَن يغلطوا فِي الْمعَانِي.
(4/461)

وَقَوله: وَيحْتَمل أَن يكون لّما رأى فَمَا على حرفين الخ كَأَنَّهُ حِين كتب هَذَا الْكَلَام لم ينظر إِلَى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
وَقد نقل أَبُو عَليّ فِي البغداديّات وَجها آخر فِي تَوْجِيه فمويهما مَعَ أَنه لم ينْقل فِيهَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وأمّا الفرزدق فمويهما فَإِنَّهُ قيل إنّه أبدل من الْعين الَّذِي هُوَ واوٌ الْمِيم كَمَا تبدل مِنْهُ فِي الْإِفْرَاد ثمَّ أبدل من الْهَاء الَّتِي هِيَ لالمٌ الْوَاو. وَبدل الْوَاو من الْهَاء غير بعيد وَيدل على سوغ ذَلِك أَنَّهُمَا يعتقبان الْكَلِمَة الْوَاحِدَة كَقَوْلِك عضة فإنّ لمه قد يحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا هَاء لقَولهم عضاه وَقد يحكم عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاو لقَولهم عضوات.
وَذهب ابْن جنّي فِي سرّ الصِّنَاعَة إِلَى أنّ فمويهما مثنّى فَمَا بِالْقصرِ قَالَ فِي قَول الشَّاعِر:
يَا حبّذا عينا سليمى والفما يجوز أَن يكون الفما فِي مَوضِع رفع وَهُوَ اسمٌ مَقْصُور بِمَنْزِلَة عَصا وَعَلِيهِ جَاءَ بَيت الفرزدق: هما نفثا فِي فيّ من فمويهما)
فاعرفه. انْتهى.
وَقَوله: هما نفثا ضمير التَّثْنِيَة راجعٌ إِلَى إِبْلِيس وَابْنه كَمَا يَأْتِي. ونفثا: أَي: ألقيا على لساني من نفث الله الشَّيْء فِي الْقلب: ألقاهز وأصل نفث بِمَعْنى بزق وَمِنْهُم من يَقُول: إِذا بزق وَلَا ريق مَعَه. وَنَفث فِي الْعقْدَة عِنْد الرّقية وَهُوَ البزاق الْيَسِير. ونفثه نفثاً أَيْضا: إِذا سحره.
وَرُوِيَ
(4/462)

أَيْضا: هما تفلا من تفل تفلاً من بَابي ضرب وَقتل من البزاق يُقَال: بزق ثمَّ تفل. والنابح: أَرَادَ بِهِ من يتعرّض للهجو والسبّ من الشُّعَرَاء وَأَصله فِي الْكَلْب. وَمثله العاوي بِالْعينِ الْمُهْملَة. والرّجام: مصدر راجمه بِالْحِجَارَةِ أَي: راماه. وراجم فلانٌ عَن قومه: إِذا دَافع عَنْهُم جعل الهجاء كالمراجمة لجعله الهاجي كَالْكَلْبِ النابح. وكأنّ الأعلم لم يقف على مَا قبل هَذَا الْبَيْت وَلِهَذَا ظنّ أنّ ضمير التَّثْنِيَة لشاعرين من قومه نزع فِي الشّعْر إِلَيْهِمَا.
وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدةٍ للفرزدق قَالَهَا آخر عمره تَائِبًا إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ ّ ممّا فرط مِنْهُ من مهاجاته النَّاس وَقذف الْمُحْصنَات وذمّ فِيهَا إِبْلِيس لَا غوائه إيّاه فِي شبابه. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الطَّوِيل
(أم ترني عَاهَدت ربّي وإنّني ... لبين رتاجٍ قَائِما ومقام)
(على حلفةٍ لَا أشتم الدّهر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فيّ زور كَلَام)
(وأصبحت أسعى فِي فكاك قلادةٍ ... رهينة أوزارٍ عليّ عِظَام)
(وَلم انتبه حتّى أحاطت خطيئتي ... ورائي ودقّت للأمور عِظَامِي)
(أطعتك يَا إِبْلِيس سبعين حجّةً ... فلمّا انْتهى شيبي وتمّ تمامي)
(فزعت إِلَى ربّي وأيقنت أنّني ... ملاقٍ لأيّام الْمنون حمامي)
(أَلا طالما قد بتّ يوضع نَاقَتي ... أَبُو الجنّ إبليسٌ بِغَيْر خطام)
(يظلّ يمنّيني على الرّحل واركاً ... يكون ورائي مرّةً وأمامي)
(يبشّرني أَن لَا أَمُوت وأنّه ... سيخلدني فِي جنّةٍ وَسَلام)
...
(4/463)

(فلمّا تلاقى فَوْقه الموج طامياً ... نكصت وَلم تحتل لَهُ بمرام)
(ألم تأت أهل الْحجر وَالْحجر أَهله ... بأنعم عيشٍ فِي بيُوت رُخَام)
(وآدَم قد أخرجته وَهُوَ ساكنٌ ... وَزَوجته من خير دَار مقَام)
(وَأَقْسَمت يَا إِبْلِيس أنّك ناصحٌ ... لَهُ وَلها إقسام غير أثام))
(وَكم من قُرُون قد أطاعوك أَصْبحُوا ... أَحَادِيث كَانُوا فِي ظلال غمام)
(وَمَا أَنْت يَا إِبْلِيس بِالْمَرْءِ ابْتغِي ... رِضَاهُ وَلَا يقتادني بزمام)
(سأجريك من سوءات مَا كنت سقتني ... إِلَيْهِ جروحاً فِيك ذَات كَلَام)
(تعيّرها فِي النّار والنّار تلتقي ... عَلَيْك بزقّومٍ لَهَا وضرام)
(وإنّ ابْن إِبْلِيس وإبليس ألبنا ... لَهُم بِعَذَاب النَّاس كلّ غُلَام)
هما نفثا فِي فيّ من فمويهما ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَوله: ألم ترني عَاهَدت رَبِّي الْبَيْتَيْنِ هما من شَوَاهِد الْكَشَّاف وَمُغْنِي اللبيب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرحهما فِي محلّه.
وَقَوله: وَإِن ابْن إِبْلِيس الخ ألبنا: سقيا اللَّبن يُرِيد أَن إِبْلِيس وَابْنه سقيا كلّ غُلَام من الشُّعَرَاء هجاء وكلاماً خبيثاً. ثمَّ إنّ الفرزدق سامحه الله وَغفر ذَنبه بعد هَذَا نقض تَوْبَته وَرجع إِلَى
(4/464)

وَكَانَ السَّبَب فِي نقض التَّوْبَة هُوَ مَا حَكَاهُ شَارِح النقائض: أَن الفرزدق لما حجّ عَاهَدَ الله بَين الْبَاب وَالْمقَام أَن لَا يهجو أحداًِ أبدا. وَأَن يقيّد نَفسه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَلَمَّا قدم الْبَصْرَة قيّد نَفسه وَقَالَ:
(ألم ترني عَاهَدت ربّي وإنّني ... لبين رتاجٍ قَائِما ومقام)
الأبيات. ثمَّ إِن جَرِيرًا والبعيث هجواه وَبلغ نسَاء بني مجاشع فحش جرير بهنّ فأيتن الفرزدق وَهُوَ مُقَيّد فَقُلْنَ: قبح الله قيدك وَقد هتك جريرٌ عورات نِسَائِك فلحيت شَاعِر قوم فأغضبه ففك قَيده وَقَالَ وَهُوَ من قصيدة: الطَّوِيل
(لعمري لَئِن قيّدت نَفسِي لطالما ... سعيت وأوضعت المطيّة فِي الْجَهْل)
(ثَلَاثِينَ عَاما مَا أرى من عمايةٍ ... إِذا برقتْ أَن لَا أشدّ لَهَا رحلي)
(أَتَتْنِي أَحَادِيث البعيث ودونه ... زرود فشامات الشّقيق من الرّمل)
(فَقلت أظنّ ابْن الخبيثة أنني ... شغلت عَن الرّامي الكنانة بالنّبل)
(فَإِن يَك قيدي كَانَ نذرا نذرته ... فَمَا بِي عَن أَحْسَاب قومِي من شغل)
(أَنا الضّامن الرّأعي عَلَيْهِم وإنّما ... يدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي)
قَوْله: أَوضعت المطيّة أَي: دفعتها فِي السّير. والعماية بِالْفَتْح: الْجَهْل وَالصبَا.
(4/465)

يَقُول: إِنَّمَا أَرَادَ جريرٌ بِهِجَاء البعيث غَيره كَمَا صنع رامي الكنانة بصاحبها: وَذَلِكَ أَن رجلا)
من بني فَزَارَة ورجلاً من بني أَسد كَانَا راميين فَالْتَقَيَا وَمَعَ الفزاريّ كنانةٌ وَمَعَ الأسديّ كنَانَة رثّةٌ فَقَالَ الأسديّ للفزاريّ: أَنا أرمى أَو أَنْت فَقَالَ الفزاريّ: أَنا أرمى مِنْك فَقَالَ لَهُ الأسديّ: فإنّي أنصبت كِنَانَتِي وتنصب كنانتك حتّى نرمي فيهمَا فنصب الأسديّ كِنَانَته فَجعل الفزاريّ يرميها فيقرطس حتّى أنفذ سهامه كلّها كلّ ذَلِك يُصِيبهَا وَلَا يخطئها فَلَمَّا رأى الأسديّ أنّ سِهَام الفزاريّ نفذت قَالَ: انصب لي كنانتك حتّى أرميها. فَرمى فسدّد السهْم نَحوه حتّى قَتله فَضَربهُ الفرزدق مثلا يَعْنِي أنّ جَرِيرًا يهجو البعيث وَهُوَ يعرّض بالفرزدق.
وَقَوله: أَنا الضَّامِن الرَّاعِي عَلَيْهِم عَلَيْهِم الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة والبيانيّين وَرُوِيَ صَدره بِغَيْر هَذَا أَيْضا.
وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل وَغَيره:
(4/466)

الْكَامِل وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار هَذَا عجزٌ وصدره: قدرٌ حلّك ذَا الْمجَاز وَقد أرى على أنّ أبيّ عِنْد المبّرد مفردٌ ردّ لامه فِي الْإِضَافَة إِلَى الْيَاء كَمَا ردّت فِي الْإِضَافَة إِلَى غَيرهَا فَيكون أَصله أَبَوي قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِيهَا عملا بالقاعدة حَيْثُ اجْتمعَا وَكَانَ أوّلهما سَاكِنا وأبدلت الضمّة كسرة لئلاّ تعود الْوَاو.
وَكَلَام المبّرد وَإِن كَانَ مُوَافقا للْقِيَاس إلاّ أنّه لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل قَاطع. قَالَ الزمخشريّ فِي المفصّل: وَقد أجَاز المبّرد أبي وأخيّ وَأنْشد: وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار وصحّة محمله على الْجمع فِي قَوْله: تدفع ذَلِك. يُرِيد أَن أبيّ جَاءَ على لفظ الْجمع وَلَا قرينَة مخلّصة لللإفراد فتعارض الاحتمالان فَحمل على لفظ الْجمع وَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ فِي محلّ الْخلاف فَيكون أَصله على هَذَا أبين حذفت)
النُّون عِنْد الْإِضَافَة فأدغمت الْيَاء الَّتِي هِيَ يَاء الْجمع فِي يَاء المتكلّم. فوزن أبي فعي لَا فعلي.
وعَلى هَذَا حمل ابْن جنّي وَغَيره قِرَاءَة من قَرَأَ: نعْبد إلهك وإله أَبِيك إِبْرَاهِيم وإسمعيل وَإِسْحَق ليَكُون فِي مُقَابلَة آبَائِك فِي الْقِرَاءَة الآخرى.
(4/467)

قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ: وَمن زعم أَن قَول الشَّاعِر: وأبيّ مَالك ذُو الْمجَاز بدار إنّما ردّ الْوَاو الَّتِي هِيَ لَام الغعل فِي الْإِضَافَة إِلَى الْيَاء كَمَا ردّه مَعَ الْكَاف وَالْهَاء فِي نَحْو أَبوك وَأَبوهُ فَلَيْسَ بمصيب وَذَلِكَ أنّ هَذَا الْموضع لّما كَانَ يلْزمه الإعلال بِالْقَلْبِ وَقد استمرّ فِيهِ الْقلب وأمضي ذَلِك فِيهِ فَلم يرد فِيهِ مَا كَانَ يلْزمه الإعلال وإنّ أبيّ مثل عشريّ. انْتهى.
واحتجّ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ بِمثل هَذَا.
وَقد عزا ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ الْعَاشِرَة إِلَى الْفراء مَا عزاهُ الزمخشريّ وَابْن الشّجريّ إِلَى المبّرد من كَون أبي مُفردا رد إِلَيْهِ لَام فعله. وَهَذِه عبارَة ثَعْلَب: الْفراء يَقُول: من أتمّ الْأَب فَقَالَ: هَذَا أَبوك أبيّ فَاعْلَم ثقيلٌ وَهُوَ الِاخْتِيَار.
وَأنْشد: الوافر فَلَا وأبيّ لَا آتِيك حتّى ينسّى الواله الصّبّ الحنينا وَقَالَ: أنْشد الكسائيّ برنبويه قَرْيَة من قرى الْجَبَل قبل أَن يَمُوت:
(4/468)

(قدرٌ أحلك ذَا النّجيل وَقد أرى ... وأبيّ مَالك ذُو النّجيل بدار)
(إلاّ كداركم بِذِي بقر الْحمى ... هَيْهَات ذُو بقرٍ من المزدار)
انْتهى.
وَقَوله: قدرٌ مُبْتَدأ وَجُمْلَة أحلّك الخ خَبره. وَهُوَ كَقَوْلِهِم: شرٌّ أهرّ ذَا نَاب أَي: مَا أحلّك ذَا الْمجَاز إلاّ قدر.
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي مسوّغات الِابْتِدَاء بالنكرة من الْبَاب الرَّابِع من الْمُغنِي على أنّ المسوّغ للابتداء بِهِ صفة محذوفة كَقَوْلِهِم: شرّ أهرّ ذَا نَاب أَي: قدرٌ لَا يغالب وشرّ أيّ شَرّ. والْقدر: قَضَاء الله وَحكمه. وأحلك بِمَعْنى أنزلك متعديّ حلّ بِالْمَكَانِ حلولاً: إِذا نزل وَهُوَ متعدّ إِلَى مفعولين أَولهمَا الْكَاف وَثَانِيهمَا ذَا الْمجَاز والهمزة للتصيير أَي: صيّرك حَالا بِذِي الْمجَاز.)
وَعند الأزرقيّ من طَرِيق هِشَام بن الكلبيّ أنّها كَانَت لهذيل على فَرسَخ من عَرَفَة. وَوَقع فِي شرح الكرمانيّ أنّها كَانَت بمنى. وَلَيْسَ بِشَيْء لما رَوَاهُ الطّبرانيّ عَن مُجَاهِد. أَنهم كَانُوا لَا يبيعون وَلَا يبتاعون فِي الْجَاهِلِيَّة بِعَرَفَة وَلَا بمنى. انْتهى.
(4/469)

والكرمانيّ فِي هَذَا تَابع لصَاحب الصِّحَاح فإنّه قَالَ فِيهِ: ذُو الْمجَاز مَوضِع بمنى كَانَ بِهِ سوقٌ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَتَبعهُ أَيْضا وذُو النجيل فِي رِوَايَة ثَعْلَب بضمّ النُّون وَفتح الْجِيم كَذَا رَأَيْته مضبوطاً فِي نشخة صَحِيحَة قديمَة من أَمَالِيهِ عَلَيْهَا خطوط الأئمّة. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: ذُو الّجيل بِضَم النُّون وَفتح الْجِيم: مَوضِع من أَعْرَاض الْمَدِينَة وينبع اه.
وَرُوِيَ أَيْضا: ذُو النّجيل بِضَم النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ مناسبٌ أَيْضا قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصّع: هُوَ عين قرب الْمَدِينَة وَأُخْرَى قرب مكّة وَمَوْضِع دوين حضوموت. وكلا هذَيْن اللَّفْظَيْنِ غير مَوْجُود فِي مُعْجم مَا استعجم للبكريّ.
وَقَوله: وَقد أرى قد للتحقيق وأرى بِمَعْنى أعلم معلّق عَن الْعَمَل بِمَا النافية وَالْجُمْلَة بعْدهَا سادّة مسدٌ المفعولين. وَقَوله: وأبيّ الْوَاو للقسم وَجُمْلَة الْقسم مُعْتَرضَة بَين أرى وحرّفه بَعضهم فَرَوَاهُ: وَلَا أرى بِلَا النافية مَوضِع قد وَزعم أنّ الْجُمْلَة المنفيّة جَوَاب الْقسم وأنّ مفعولي أرى محذوفان تَقْدِيره: لَا أَرَاك أَهلا لذِي الْمجَاز. وَقيل: لَا دعائيّة. هَذَا كَلَامه.
وَلم يرو هَذِه الرِّوَايَة أحدٌ وَالثَّابِت فِي رِوَايَة ثَعْلَب وَغَيره من شُرُوح المفصّل هُوَ مَا قدّمناه وَلَيْسَ الْمَعْنى أَيْضا على مَا أعربه فتأمّل.
وَقَالَ بَعضهم: ارى بالمبنيّ للْمَفْعُول بِمَعْنى أظنّ وبكسر الْكَاف من أحلك ولَك وَكِلَاهُمَا لَا أصل لَهُ.
(4/470)

وَقَوله: مَا لَك ذُو الْمجَاز الخ وَذُو الْمجَاز: فَاعل لَك لاعتماده على النَّفْي أَو هُوَ مُبْتَدأ وَلَك خَبره وَعَلَيْهِمَا فَقَوله بدار حالٌ صَاحبهَا ذُو الْمجَاز على الأوّل وضميره الْمُسْتَتر فِي لَك على الثَّانِي أَو قَوْله بدار خبر الْمُبْتَدَأ وَلَك كَانَ فِي الأَصْل صفة لدار فلمّا قدّم صَار حَالا. خَاطب نَفسه وَقَالَ: قدر الله وقضاؤه أحلّك هَذَا الْموضع وَقد أعلم أنّه لَيْسَ لَك هَذَا الْموضع بمنزلٍ تقيم)
فِيهِ بل ترتحل عَنهُ وَأقسم على ذَلِك بِأبي.
وَقَوله: إلاّ كداركم صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: إلاّ دَار كداركم أَو الْكَاف زَائِدَة.
وذُو بقر بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْقَاف قريةٌ فِي ديار بني أَسد وَقَالَ أَبُو حَاتِم عَن الأصمعيّ: هُوَ قاعٌ يقري المَاء وَقَالَ يَعْقُوب: هُوَ وادٍ فَوق الرّبدة انْتهى.
وَالْمرَاد هُوَ الْأَخير بِدَلِيل إِضَافَته إِلَى الْحمى فإنّ الرّبذة كَانَت حمى خَارج الْمَدِينَة المنّورة. قَالَ أَبُو عبيد: الرّبذة بِفَتْح أوّله والموحّدة وبالذال الْمُعْجَمَة هِيَ الَّتِي جعلهَا عمر حمى لإبل الصَّدَقَة وَكَانَ حماه الَّذِي أحماه بريداً فِي بريد ثمَّ زَادَت الْوُلَاة فِي الْحمى أضعافاً ثمَّ أبيحت الأحماء فِي أيّام المهديّ العباسيّ فَلم يحمها أحدٌ بعد ذَلِك.
إِلَى أَن قَالَ: ثمّ الْجبَال الَّتِي تلِي القهب عَن يَمِين المصعد إِلَى مكّة جبلٌ أسود يدعى أسود الْبرم بَينه وَبَين الرّبذة عشرُون ميلًا وَهُوَ فِي أَرض
(4/471)

بني سليم وَأقرب الْمِيَاه من أسود الْبرم حفائر حفرهَا المهديّ على ميلين مِنْهُ تدعى ذَا بقر وَقد ذكرهَا مؤرخ السّلميّ فَقَالَ: قدرٌ أحلّك ذَا النّجيل وَقد أرى ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ وأنشدهما على رِوَايَة ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ. والمزدار: اسْم فَاعل من ازدار: افتعل من الزِّيَارَة. وَأَرَادَ الشَّاعِر بِهِ نَفسه استبعد أَن يزور أرضه.
وروى أَبُو عبيد فِي المعجم الزّوّار جمع زائر.
وَقَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مؤرخ السّلميّ كَمَا قَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم وَهُوَ شاعرٌ إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة: ومؤرج بِضَم الْمِيم وَفتح الْهمزَة وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة وَآخره جِيم وَهُوَ اسْم فَاعل من أرّجت بَين الْقَوْم تأريجاً: إِذا هيّجت الشرّ بَينهم. والسّلميّ بِضَم السِّين وَفتح اللَّام نِسْبَة إِلَى سليم بن منصوزر مصغّراً وَهُوَ أَبُو قَبيلَة.
تَتِمَّة قَالَ ابْن حجر فِي شرح البخاريّ: أسواق الْعَرَب فِي الجاهليّة أَرْبَعَة: ذُو الْمجَاز وعطاظ ومجنّة وحباشة.
أما ذُو الْمجَاز فقد تقدّم نَقله عَنهُ.
وأمّا عكاظ بِضَم أَوله فَعَن ابْن إِسْحَاق: أنّها فِيمَا بَين نَخْلَة والطائف إِلَى بلد يُقَال لَهَا الفتق)
بضمّ الْفَاء والمثنّاة بعْدهَا قَاف. وَعَن ابْن الكلبيّ: كَانَت بِأَسْفَل مكّة على بريدٍ مِنْهَا غربيّ الْبَيْضَاء وَكَانَت لكنانة.
(4/472)

وَأما حُبَاشَة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الموحّدة وَبعد الألفشين مُعْجمَة فَكَانَت فِي ديار بارق نَحْو قنونا بِفَتْح الْقَاف وبضمّ النُّون الْخَفِيفَة وَبعد النُّون ألف مَقْصُورَة من مكّة إِلَى جِهَة الْيمن على ستّ مراحل. وَقد ذكر فِي الحَدِيث الثَّلَاث الأول وإنّما لم تذكر حُبَاشَة فِي الحَدِيث لأنّها لم تكن من مواسم الحجّ. وإنّما كَانَت تُقَام فِي شهر رَجَب.
قَالَ الفاكهيّ: وَلم تزل هَذِه الْأَسْوَاق قَائِمَة فِي الْإِسْلَام إِلَى أَن كَانَ أول مَا ترك مِنْهَا سوق عكاظ فِي زمن الْخَوَارِج سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَآخر مَا ترك مِنْهَا سوق حُبَاشَة فِي زمن دَاوُد بن عِيسَى بن وسى العبّاسيّ فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة ثمَّ أسْند عَن ابْن الكلبيّ: أنّ كلّ شريفٍ إنّما كَانَ يحضر سوق بَلْدَة إلاّ سوق عكاظ فإنّهم كَانُوا ينتوافون بهَا من كلّ جِهَة فَكَانَت أعظم تِلْكَ الْأَسْوَاق. وَقد ذكرهَا فِي أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث ابْن عبّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: انْطلق النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فِي طائفةٍ من أَصْحَابه عَامِدين إِلَى سوق عكاظ الحَدِيث فِي قصّة الجنّ.
وروى الزّبير بن بكّار فِي كتاب النّسَب أَنَّهَا كَانَت تُقَام صبح هلتال ذِي الْقعدَة إِلَى أَن تمْضِي عشرُون يَوْمًا. قَالَ: ثمَّ تقوم سوق مجنّة عشرَة أَيَّام إِلَى هِلَال ذِي الحجّة ثمَّ تقوم سوق ذِي الْمجَاز ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ يتوجهون إِلَى منى بِالْحَجِّ. وَفِي حَدِيث جَابر: أنّ النّبيّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم لبث عشر سِنِين يتبع النَّاس فِي مَنَازِلهمْ فِي الْمَوْسِم بمجنّة وعكاظ يبلّغ رسالات ربه. انْتهى مَا أوردهُ ابْن حجر.
وَفِيه: أنّ أسواق أَكثر من الْعَرَب أَكثر من هَذَا جمعهَا صَاحب قبائل الْعَرَب قَالَ: دومة الجندل كَانَت تقوم أوّل يَوْم من ربيع الأول إِلَى النّصْف مِنْهُ وَكَانَت الْمُبَايعَة فِي إِلْقَاء الْحِجَارَة على السّلعة فَمن أَعْجَبته ألْقى حجرا فَتركت لَهُ. والمشّقر تقوم من أوّل يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ بيعهم بالملامسة والإيماء والهمهمة خوف الْحلف وَالْكذب. ثمَّ صحار بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة تقوم لعشر يمضين من رَجَب خَمْسَة أَيَّام ثمَّ الشّحر بِالْكَسْرِ يقوم فِي النّصْف من شعْبَان وَكَانَ بيعهم فِيهِ بِالْحِجَارَةِ أَيْضا. ثمَّ صنعاء فِي النّصْف من شهر ومضان إِلَى آخِره.)
ثمَّ سوق حَضرمَوْت فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة. ثمَّ عكاظ فِي هَذَا الْيَوْم بِأَعْلَى نجد قريب من عَرَفَات. وعكاظ من أعظم أسواق الْعَرَب وَكَانَ يَأْتِيهَا قريشٌ بِأَعْلَى نجد قريب من عَرَفَات. وعكاظ من اعظم أسواق الْعَرَب وَكَانَ يَأْتِيهَا قريشٌ وهوازن وغَطَفَان وسليم الْأَحَابِيش وَعقيل والمصطلق وَطَوَائِف من الْعَرَب إِلَى آخر ذِي الْقعدَة فَإِذا أهلّ ذُو الحجّة أَتَوا ذَا الْمجَاز وَهُوَ قريب من عكاظ فتقوم سوقه إِلَى التَّرويَة ثمَّ يصيرون إِلَى منى وَتقوم سوق نطاة بِخَيْبَر وسوق حجر بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم يَوْم عَاشُورَاء إِلَى آخر الْمحرم. هَذَا مَا أوردهُ صَاحب قبائل الْعَرَب.
(4/473)

وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: المتقارب
(فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا)
على أَن الْأَب يجمع على الأبين عِلّة حدّ جمع الْمُذكر السَّالِم كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
(4/474)

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته يَعْنِي الْخَلِيل عَن أَب فَقَالَ: إِن ألحقت فِيهِ النُّون وَالزِّيَادَة الَّتِي قبلهَا قلت أبون وَكَذَلِكَ أَخ تَقول أخون لَا تغيّر الْبناء إلاّ أَن تحدث اللعرب شَيْئا كَمَا يَقُولُونَ دمون وَلَا تغيّر بِنَاء الْأَب عَن حَال الحرفين لأنّه بني عَلَيْهِ إلاّ أَن تحدث الْعَرَب شَيْئا كَمَا بنوه على غير بِنَاء الحرفين. وَقَالَ الشَّاعِر: فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... ... ... الْبَيْت أنشدناه من نثق بِهِ وَزعم أَنه جاهليّ. وَإِن شِئْت كسّرت فَقلت: آبَاء وآخاء. انْتهى نصّ سِيبَوَيْهٍ.
وَأورد ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب بعد هَذَا الْبَيْت عِنْد قِرَاءَة ابْن عبّا وَالْحسن: وإِلَه أَبِيك على
(ألم تَرَ أنّي بعد همّ هممته ... لفرقة حرّ من أبين كرام)
وَقَول آخر: فَهُوَ يفدّى بالأبين وَالْخَال قَالَ الأعلم: جمع أَب جمع صسلامة غريبٌ إِذْ حقّه للأعلام وَالصِّفَات الْجَارِيَة على فعلهَا كمسلمين.)
(4/475)

وَقَوله: تبّينّ بِمَعْنى تعرّفن وَبِه رُوِيَ أَيْضا. أَي: لّما عرفن اصواتنا معرفَة
بيّنه ووزنه تفعّلن.
أدغمت النُّون الْأَصْلِيَّة فِي نون جمَاعَة النِّسَاء. وَقَوله: فدّيننا الخ أَي قُلْنَ: جعل الله آبَاءَنَا فدَاء لكم.
قَالَ ابْن السيرافيّ فِي شرح أَبْيَات الْكتاب وَتَبعهُ من بعده من شرّاح الشواهد: الْبَيْت لزياد بن وَاصل. لّما عرفن أَصْوَاتهم ركبن إِلَيْهِم حتّى يستنقدوهنّ وفدّينهنّ بآبائهنّ.
ويروى: فلمّا تبيّنّ أشباحنا جمع شبح.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ الغندجانيّ فِي فرحة الأديب: كذب ابْن السيرافيّ فِي تَفْسِير هَذَا وإنّما معنى الْبَيْت أنّ زياداً افتخر فِي أبياتٍ بآباء قومه وبأمهاتهم من بني عَامر وأنّهم قد أبلوا فِي حروبهم ومعاونتهم فَلَمَّا عَادوا إِلَى حللهم وَعند نِسَائِهِم وعرفن أَصْوَاتهم فدّينهم لأجل أنّهم أبلوا فِي الحروب. والأبيات تدلّ على صحّة هَذَا الْمَعْنى. وأولها وَهِي لزياد بن وَاصل السّلميّ:
(هزتنا نسَاء بني عامرٍ ... فسمنا الرّجال هواناً مُبينًا)
(وَنحن بنوهنّ يَوْم الصّفا ... ق إِذْ نقبل الْقَوْم وعثاً حزوناً)
(بضربٍ كولغ ذُكُور الذّئا ... ب تسمع للهام فِيهِ رنينا)
(4/476)

(ورميٍ على كلّ عزّافةٍ ... تردّ الشّمال وَتُعْطِي اليمينا)
(وكنّا مَعَ الْخَيل حتّى اسْتَوَت ... شباب الرّجال وسرّوا العيونا)
(لمّا تبيّنّ أصواتنا ... رئمن وفدّيننا بالأبينا)
انْتهى مَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد. ورئمن بِمَعْنى عطفن وحننّ من الحنين وَمَعْنَاهُ على رِوَايَة بكين أنّهنّ بكين فَرحا بسلامتهم وفدّينهم بآبائهنّ إشفاقاً عَلَيْهِم.
وقولهه: عزتنا من عزوته إِلَى أَبِيه: إِذا نسبته إِلَيْهِ. أَرَادَ: نسبت نسَاء بني عَامر إِلَيْنَا وقلن نَحن مِنْكُم.
وَقَوله: بِضَرْب الخ وَهُوَ متعلّق بسمنا يُقَال: ولغَ فِي الْإِنَاء ولغاً وولوغاً إِذا شرب مَا فِيهِ بأطراف لِسَانه. وَقَوله: تسمع صفة ضرب والهامة الرَّأْس وَضمير فِيهِ للضرب.)
وَقَوله: وَرمي الخ هُوَ بالجرّ عطف على ضربٍ. والشّجاع الجهير الصَّوْت وَهُوَ صِيغَة مُبَالغَة من العزف بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَهُوَ الصّوت. أَي: ورميٍ على كلّ شُجَاع صيّت يردّ الضَّرْب عَن شِمَاله وَيُعْطِيه عَن يَمِينه.
(4/477)

وزِيَاد بن وَاصل من شعراء بني سليم وَهُوَ جاهليّ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
3 - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الثلاثمائة)
الوافر
(وَكنت لَهُ كشرّ بني الأخينا)
على أَن أَخا يجمع على أخين جمع مُذَكّر سَالم كَمَا يجمع أَب على أبين.
وَهَذَا عجر وصدره: وَكَانَ لنا فَزَارَة عمّ سوءٍ وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ أَبُو زيد مُفردا فِي نوادره وَنسبه إِلَى عقيل بن علّفة المرّيّ وَقَالَ: أَرَادَ الْإِخْوَة.
قَالَ ابْن الشجريّ فِي أَمَالِيهِ: وَأما قَول الآخر وَهُوَ من أَبْيَات الْكتاب: الوافر
(فَقُلْنَا أَسْلمُوا إنّا أخوكم ... فقد بَرِئت من الإحن الصّدور)
(4/478)

فَقيل: إِنَّه وضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع وَقيل: إنّه جمع أَخ كجمع أَب على أبين وَحذف النُّون من أخون للإضافة. وَمن قَالَ الأبون والأخون قَالَ فِي التَّثْنِيَة الأبان والأخان فَلم يردّ اللَّام فِي التَّثْنِيَة أَقُول هَذَا الْبَيْت لَيْسَ من شَوَاهِد الْكتاب وَأورد الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين مَا قبل الْبَين الشَّاهِد قَالَ: وَقَالَ الآخر فِي إنجاب الأمّهات وَهُوَ يُخَاطب
بني إخْوَته: الوافر
(عفاريتاً عليّ وَأخذ مَالِي ... وعجزاً عَن أناسٍ آخرينا)
(فهلاّ غير عمّكم ظلمتم ... إِذا مَا كُنْتُم متظلّمينا)
(وَلَو كُنْتُم لمكسيةٍ أكاست ... وكيس الأمّ كيس للبنينا)
(وَلَكِن أمّكم حمقت فجئتم ... غثاثاً مَا نرى فِيكُم سمينا)
(وَكَانَ لنا فَزَارَة عمّ سوءٍ ... وَكنت لَهُ كشرّ بني الأخينا)
وَقَوله: متظلّمينا فِي الصِّحَاح: تظلّمني فلَان أَي: ظَلَمَنِي مَالِي. وَقَوله: وَلَو كُنْتُم لمكسية الخ)
هُوَ بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكسر التحتيّة هِيَ المراة الَّتِي تَلد أَوْلَادًا أكياساً. وأكاست الْمَرْأَة: ولدت ولدا كيّساً.
قَالَ اصاحب الصِّحَاح: الْكيس: خلاف الْحمق وَالرجل كيّس مكّيس باسم الْمَفْعُول أَي: ظريف والكيسى بِالْكَسْرِ: نعت الْمَرْأَة الكيّسة وَهُوَ تَأْنِيث الأكيس وَكَذَلِكَ الكوسى بِالضَّمِّ وَقد كاس الْوَلَد يكيس كيساً. وأكيس
(4/479)

الرجل وأكاس إِذا ولد لَهُ أَوْلَاد أكياس وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا بعده. وروى المصراع الثَّانِي هَكَذَا: وَكَذَا أنشدهما الصاغانيّ فِي الْعباب وَنسبه إِلَى رَافع بن هريم. وَقد رجعت إِلَى ديوَان رَافع بن هريم فَلم أجد إِلَّا الْبَيْتَيْنِ الأوّلين وهما: عفاريت عليّ وَأخذ مَالِي ... ... ... . . الْبَيْت وَالْبَيْت الَّذِي بعده. وَلَيْسَ فه البيتان اللَّذَان أوردهما صَاحب الصِّحَاح والعباب منسوبين إِلَيْهِ.
وَقَوله: ولكنّ أمّكم حمقت بِضَم الْمِيم أَي: صَارَت حمقاء. والغثاث: بِكَسْر الْمُعْجَمَة بعْدهَا مثلّثة: جمع عثيث بِمَعْنى المهزول ككرام جمع كريم. وفَزَارَة بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: أَبُو حيّ من غطفان هُوَ فَزَارَة
ابْن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. والسّوء بِالْفَتْح هُوَ المؤذي. فِي الْمِصْبَاح وَغَيره: هُوَ رجل سوء بِالْفَتْح وَالْإِضَافَة وَعمل سوء فَإِن عرّفت الأول قلت: الرجل السّوء وَالْعَمَل السّوء على النَّعْت.
وَقَوله: وَكنت لَهُ الخ فِي أَكثر نسخ الشَّرْح وَكنت لَهُم بضمير الْجمع وَهُوَ خطأ وَالصَّوَاب الْإِفْرَاد وَهُوَ بالتكلّم لَا بِالْخِطَابِ. وإنّما قَالَ: كشرّ بِالْكَاف لَا بِدُونِهَا لِأَنَّهُ اراد مثل أشرّ بني إخوةٍ فِي الدُّنْيَا وَلم يرد أَنه مثل أشرّ بني إخْوَة فَزَارَة.
وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْبَيْت وَحده لعقيل بن علّفة وَهُوَ غير مُرْتَبِط بالأبيات الَّتِي أوردهَا الجاحظ قبله. وَتلك الأبيات البيتان الأوّلان مِنْهَا رأيتهما فِي ديوَان رَافع بن هريم من رِوَايَة أبي عَمْرو.
(4/480)

ورَافع هُوَ رَافع بن هريم بن عبد الله بن الْحَارِث بن عَاصِم بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع. قَالَ أَبُو زيد فِي نموادره: هُوَ شَاعِر قديم أدْرك الْإِسْلَام وَأسلم وديوانه صَغِير وَهُوَ عِنْدِي وَعَلِيهِ خطّ أبي العبّاس ثَعْلَب إِمَام الكوفيّين وخطّ الْحسن بن الخشّاب الْبَغْدَادِيّ وَلَيْسَ فِيهِ من شَوَاهِد هَذَا الشَّرْح شَيْء. وهريم بِضَم الْهَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة.
وَأما عقيل بن علّفة فَهُوَ شَاعِر فصيح مجيد من شعراء الدولة الأمويّة. وَعقيل بِفَتْح الْعين)
وَكسر الْقَاف. وعلّفة بضمّ الْعين الْمُهْملَة وتشديج اللَّام الْمَفْتُوحَة بعْدهَا فَاء وَهُوَ علم مَنْقُول من وَاحِد العلّف وَهُوَ ثَمَر الطلّح.
وَهُوَ عقيل بن علّفة بن الْحَارِث بن مُعَاوِيَة بن ضباب بن جَابر بن يَرْبُوع بن غيظ ابْن مرّة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان
بن مُضر. وأمّه عمْرَة بنت الْحَارِث بن عَوْف المرّيّ. وأمّها بنت بدر بن حصن بن حُذَيْفَة.
قَالَ صَاحب الأغاني كَانَ عقيلٌ هَذَا جَافيا أهوج شَدِيد الْغيرَة والعجرفيّة وَهُوَ فِي بَيت شرفٍ فِي قومه من كلا طَرفَيْهِ. وَكَانَ لَا يرى أنّ لَهُ كفئاً وَكَانَت قُرَيْش ترغب فِي مصاهرته وتزوّج إِلَيْهِ من خلفائها وأشرافها
(4/481)

وخطب إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان بعض بَنَاته لبَعض وَلَده فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ قَالَ: إِن كَانَ وَلَا بدّ فجنبني هجناءك فَضَحِك عبد الْملك وَعجب من كبر وَدخل عُثْمَان بن حيّان وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: زوّجني بعض بناتك. فَقَالَ: