Advertisement

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي 009

(الجوازم)
أنْشد فِيهِ
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الستمائة)
الْبَسِيط
(لَوْلَا فوارس من ذهل وأسرتهم ... يَوْم الصليفاء لم يُوفونَ بالجار)
على أَن لم قد جَاءَت فِي الشّعْر غير جازمة.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عُصْفُور: إِن رفع الْمُضَارع بعد لم ضَرُورَة. وَأنْشد مَعَ هَذَا الْبَيْت قَول الشَّاعِر: المتقارب.
(وأمسوا بهاليل لَو أَقْسمُوا ... على الشَّمْس حَوْلَيْنِ لم تطلع)
بِرَفْع تطلع. وَقَالَ: حكم ل لم بَدَلا من حكمهَا بِحكم مَا لما كَانَت نَافِيَة مثلهَا. فَرفع الْمُضَارع بعْدهَا كَمَا يرفع بعد مَا.
وَقَالَ التبريزي فِي شرح الكافية تبعا لِابْنِ جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَقد لَا تجزم لم حملا على لَا.
وَقَالَ ابْن مَالك: إِن رفع الْمُضَارع بعْدهَا لُغَة لَا ضَرُورَة. كَذَا فِي مُغنِي اللبيب.
-
وفوارس: جمع فَارس شَاذ. وَذهل بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة: اسْم لقبيلتين إِحْدَاهمَا: ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة بن عكابة. وَالْأُخْرَى:
(9/3)

ذهل بن ثَعْلَبَة ابْن عكابة وهما من ربيعَة.
وروى بدله: من جرم بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ قَبيلَة أَيْضا. وروى: نعم أَيْضا بِضَم النُّون وَهُوَ اسْم امْرَأَة وَهُوَ تَحْرِيف.
من ذهل وأسرتهم يرْوى بِالرَّفْع عطف على فوارس ويروى بِالْجَرِّ عطف على ذهل.
وأسرة الرجل بِضَم الْهمزَة: رهطه. والصليفاء: مصغر صلفاء وَهِي الأَرْض الصلبة وَالْمَكَان أصلف. وَيُقَال: صلفاء بِوَزْن حرباء.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الأصلف والصلفاء: مَا اشْتَدَّ من الأَرْض وَغلظ وصلب وَالْجمع الأصالف والصلافي. كَذَا فِي الْعباب للصاغاني. وَيَوْم الصلفاء هُوَ يَوْم من أَيَّام الْعَرَب لَكِن الشَّاعِر صغره.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعمد: يَوْم الصلفاء لهوازن على فَزَارَة وَعَبس وَأَشْجَع وَفِيه قتل دُرَيْد بأَخيه ذؤاب بن أَسمَاء. انْتهى.)
وَالْوَاو فِي يُوفونَ ضمير الْقَوْم الَّذين هجاهم الشَّاعِر. وَالْجَار لَهُ معَان: مِنْهَا المجاور فِي السكن وَمِنْهَا المستجير وَهُوَ الَّذِي يطْلب الْأمان وَمِنْهَا الحليف.
وَأحد هَذِه الثَّلَاثَة هُوَ الْمُنَاسب وَعَلِيهِ فَفِيهِ حذف مُضَاف أَي: لم يُوفونَ بِذِمَّة الْجَار.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْأَخْفَش والفارسي وَغَيرهمَا وَلم أجد من عزاهُ إِلَى قَائِله وَلَا من ذكر لَهُ تَتِمَّة. وَالله أعلم بِهِ.
(9/4)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل.
(فأضحت مغانيها قفاراً رسومها ... كَأَن لم سوى أهل من الْوَحْش توهل)
على أَن لم قد فصلت فِي الضَّرُورَة من مجزومها فَإِن الأَصْل: كَأَن لم توهل سوى أهل من الْوَحْش.
(نَوَائِب من لدن ابْن آدم لم تزل ... تباكر من لم بالحوادث تطرق)
وَأنْشد بعده قَوْله: فأضحت مغانيها الْبَيْت وَقد فصل فِي الأول بَين لم ومجزومها وَهُوَ تطرق بالمجرور وَفصل فِي الثَّانِي بالظرف بَينهمَا.
وَكَذَلِكَ صنع ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: وَقد تقصل من مجزومها فِي الضَّرُورَة بالظرف كَقَوْلِه: الوافر
(
فَذَاك وَلم إِذا نَحن امترينا ... تكن فِي النَّاس يدركك المراء)
وَقَوله: فأضحت مغانيها الْبَيْت وَقد يَليهَا الِاسْم مَعْمُولا لفعل يفسره مَا بعده كَقَوْلِه: الطَّوِيل
(ظَنَنْت فَقِيرا ذَا غنى ثمَّ نلته ... فَلم ذَا رَجَاء ألقه غير واهب)
انْتهى.
(9/5)

وَقَوله: إِذا نَحن امترينا مُتَعَلق بيدرك الأَصْل: وَلم تكن فِي النَّاس يدركك المراء إِذا نَحن امترينا والامتراء: الشَّك. والمراء: الْجِدَال.
وَقَوله: ظَنَنْت فَقِيرا ... . الخ هُوَ بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول والتكلم. وَفَقِيرًا: حَال من نَائِب الْفَاعِل)
وَذَا غنى: مفعول ثَان لظَنَنْت وَضمير نلته: للغنى وَذَا رَجَاء: مفعول لفعل مَحْذُوف مُفَسّر بألقى الْمَذْكُور.
وَغير واهب: حَال من فَاعله يَعْنِي أَنه فِي حَال فقره كَانَ متعففاً فكنى عَن ذَلِك بظنه ذَا غنى وَأَنه حِين صَار غَنِيا يُعْطي كل راج لقِيه مَا يَرْجُو.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة.
وَقَبله:
(فيا كرم السكن الَّذين تحملوا ... عَن الدَّار والمستخلف المتبدل)
وَبعده:
(كَأَن لم تحل الرزق مي وَلم تطَأ ... بجرعاء حزوى نير مرط مرحل
)
(إِلَى ملعب بَين الحواءين منصف ... قريب المزار طيب الترب مسهل)
وَقَوله: فيا كرم السكن ... إِلَخ هُوَ نِدَاء تعجبي أَي: يَا صَاح انْظُر كرم السكن وَهُوَ أهل الدَّار جمع سَاكن كصحب جمع صَاحب. وتحملوا: ارتحلوا.
والمستخلف: مَعْطُوف على الدَّار وَهُوَ المبتدل رويا على صِيغَة اسْم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول.
يُرِيد: الدَّار تبدلت بالسكن الوحوش والظباء وَالْبَقر. يَعْنِي أَن الدَّار اسْتخْلفت واستبدلت وَبِهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد صَاحب الْكَشَّاف على أَن التبدل فِي قَوْله
(9/6)

تَعَالَى: وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب بِمَعْنى الِاسْتِبْدَال كالتعجل والتأخر بِمَعْنى الاستعجال والاستئخار.
وَقَوله: فأضحت مغانيها أَي: صَارَت والمغاني: جمع مغنى وَهُوَ الْمقَام من غَنِي بِالْمَكَانِ كرضي: إِذا أَقَامَ فَهُوَ غان. والقفار: جمع قفر.
فِي الْمِصْبَاح: القفر: الْمَفَازَة لَا مَاء فِيهَا وَلَا نَبَات. وَدَار قفر: خَالِيَة من أَهلهَا. والرسم: الْأَثر.
ورسومها: فَاعل قفار.
والمروي فِي ديوانه كَذَا: فأضحت مباديها قفاراً بلادها قَالَ شَارِحه: مباديها: حَيْثُ تبدو فِي الرّبيع. والبلاد: جمع بَلْدَة وَهِي الْقطعَة من الأَرْض.
وَأهل الْمَكَان أهولاً من بَاب قعد: عمر بأَهْله فَهُوَ آهل وقرية آهلة. وأهلت بالشَّيْء: أنست بِهِ.
قَالَ شَارِح الدِّيوَان: توهل: تنزل. يُقَال: بلد مأهول: ذُو أهل.)
-
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أهل هَذَا الْمَكَان. وَسمعت يُقَال: مَكَان آهل أَي: ذُو أهل. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَبَنُو عَامر يَقُولُونَ: أهلت بِهِ آهل بِهِ أهولاً أَي: أنست بِهِ.
وَقَوله: كَأَن لم تحل الزرق هُوَ جمع أَزْرَق. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الزرق: أكثبة بالدهناء.
والمرط بِالْكَسْرِ: الْإِزَار. ونيره: علمه. والمرحل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة: الْمُوشى على لون الرّحال.
وَقَوله: إِلَى ملعب الحواءين بِكَسْر الْمُهْملَة: أَبْيَات مجتمعة. يُرِيد: ملعباً بني الحواءين. ومنصف بِفَتْح الْمِيم وَالصَّاد يَقُول: هُوَ بَين الحواءين وسط. ومسهل: سهل قد انحدر عَن الغلظ.
وترجمه ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل.
(أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا ... لما تزل برحالنا وَكَأن قد
)
على أَن الْفِعْل بعد قد مَحْذُوف اخْتِيَارا أَي: وَكَأن قد زَالَت. وأزف: دنا. والركاب: الْإِبِل.
وَلما: نَافِيَة جازمة وتزل: مجزوم وَأَصله تَزُول. والرحال: جمع رَحل وَهُوَ مَا يستصحبه الْإِنْسَان من الأثاث فِي السّفر. وَكَأن مُخَفّفَة.
وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الستمائة)
(احفظ وديعتك الَّتِي استودعتها ... يَوْم الأعارب إِن وصلت وَإِن لم)
وعَلى أَن حذف مجزوم لم ضَرُورَة وَالْأَصْل: وَإِن لم تصل.
كَذَا قدره أَبُو حَيَّان فَيكون وصلت مثله بِالْبِنَاءِ للمعلوم.
(9/8)

وَقدره أَبُو الْفَتْح البعلي: وَإِن لم توصل فَيكون إِن وصلت مثله بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
وَأنْشد ابْن عُصْفُور فِي الضرائر الشعرية: قَول ابْن هرمة: الْكَامِل
(
وَعَلَيْك عهد الله إِن بِبَابِهِ ... أهل السيالة إِن فعلت وَإِن لم)
يُرِيد: وَإِن لم تفعل.
وَمثله قَول الآخر: الرجز
(يَا رب شيخ من لكيز ذِي غنم ... فِي كَفه زيغ وَفِي الْفَم فَقُمْ)
أجلح لم يمشط وَقد كَانَ وَلم يُرِيد: وَقد كَانَ وَلم يجلح. ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لم يجز الِاكْتِفَاء بلم وَحذف مَا تعْمل فِيهِ إِلَّا فِي الشّعْر لِأَنَّهَا عَامل ضَعِيف فَلم يتصرفوا فِيهَا بِحَذْف معمولها فِي حَال السعَة بل إِذا كَانَ الْحَرْف الْجَار وَهُوَ أقوى فِي الْعَمَل مِنْهُ لِأَنَّهُ من عوامل الْأَسْمَاء وعوامل الْأَسْمَاء أقوى من عوامل الْأَفْعَال لَا يجوز حذف معموله فالأحرى أَن لَا يجوز ذَلِك فِي الْجَازِم.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَلم جَازَ الِاكْتِفَاء بلما وَحذف معمولها فِي سَعَة الْكَلَام وَهِي جازمة فَقَالُوا: قاربت الْمَدِينَة وَلما أَي: وَلما أدخلها وَلم يجز ذَلِك فِي لم فَالْجَوَاب أَن تَقول: إِن الَّذِي سوغ ذَلِك فِيهَا كَونهَا نفيا لقد فعل.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: فِي نفي قد قَامَ زيد: لم يقم فَحملت لذَلِك على قد فَكَمَا يُقَال: لم يَأْتِ زيد وَكَأن قد أَي: وَكَأن
(9/9)

قد أَتَى فيكتفي بقد فَكَذَلِك أَيْضا قَالُوا: قاربت الْمَدِينَة وَلما أَي: وَلما أدخلها فاكتفوا بلما. هَذَا كَلَامه.
وَقَوله: احفظ: أَمر. واستودعتها: على بِنَاء الْمَجْهُول. وَيَوْم الأعارب: لم أَقف عَلَيْهِ فِي كتب أَيَّام الْعَرَب وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ يَوْم مَعْهُود بَينهم. وَنسب الْبَيْت إِلَى إِبْرَاهِيم بن هرمة.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ وَالله أعلم.
-
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الستمائة)
الوافر ألما تعرفوا منا اليقينا على أَن الْهمزَة الدَّاخِلَة على لما للاستفهام التقريري أَي: ألم تعرفوا منا إِلَى الْآن الْجد فِي الْحَرْب عرفاناً يَقِينا. أَي: قد علمْتُم ذَلِك فَلم تتعرضوا لنا.
وَهَذَا عجز وصدره: إِلَيْكُم يَا بني بكر إِلَيْكُم وَالْبَيْت من معلقَة عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي يُخَاطب بني عَمه بكر بن وَائِل.
وإليكم: اسْم فعل أَي: ابعدوا وتنحوا عَنَّا إِلَى أقْصَى مَا يُمكن من الْبعد. وَكرر إِلَيْكُم تَأْكِيدًا للأولى. وَبعده:
(ألما تعلمُوا منا ومنكم ... كتائب يطعن ويرتمينا)
وألما مثل الأولى. والكتيبة: الْجَمَاعَة من الْجَيْش سميت كَتِيبَة
(9/10)

لِاجْتِمَاع بَعْضهَا إِلَى بعض وَمِنْه كتبت الْكتاب أَي: جمعت بعض حُرُوفه إِلَى بعض. ويطعن: يفتعلن من الطعْن وَكَذَلِكَ يرتمينا: يفتعلن من الرَّمْي وَالْألف للإطلاق. أَرَادَ التطاعن بِالرُّمْحِ والترامي بِالسَّهْمِ منا ومنكم.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة عَمْرو بن كُلْثُوم صَاحب الْمُعَلقَة مَعَ شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي مَوَاضِع فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين بعد الْمِائَة.
-
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الوافر
(مُحَمَّد تفد نَفسك كل نفس ... إِذا مَا خفت من شَيْء تبالا)
على أَنه جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر حذف لَام الْأَمر فِي فعل غير الْفَاعِل الْمُخَاطب وَالتَّقْدِير: يَا مُحَمَّد لتفد نَفسك كل نفس.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّام قد يجوز حذفهَا فِي الشّعْر وتعمل مضمرة كَأَنَّهُمْ شبهوها بِأَن إِذا أعملوها مضمرة.
وَقد قَالَ الشَّاعِر: مُحَمَّد تفد نَفسك كل نفس ... ... ... ... الْبَيْت)
وَإِنَّمَا أَرَادَ: لتفد.
وَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة:
(9/11)

الطَّوِيل
(على مثل أَصْحَاب الْبَعُوضَة فاخمشي ... لَك الويل حر الْوَجْه أَو يبك من بَكَى)
أَرَادَ: ليبك. انْتهى.
-
قَالَ الأعلم: هَذَا من أقبح الضَّرُورَة لِأَن الْجَازِم أَضْعَف من الْجَار وحرف الْجَرّ لَا يضمر. وَقد قيل: إِنَّه مَرْفُوع حذفت لامه ضَرُورَة واكتفي بالكسرة مِنْهَا. وَهَذَا أسهل فِي الضَّرُورَة وَأقرب.
وَقَالَ النّحاس: سَمِعت عَليّ بن سُلَيْمَان يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن يزِيد ينشد هَذَا الْبَيْت ويلحن قَائِله وَقَالَ: أنْشدهُ الْكُوفِيُّونَ وَلَا يعرف قَائِله وَلَا يحْتَج بِهِ وَلَا يجوز مثله فِي شعر وَلَا غَيره لِأَن الْجَازِم لَا يضمر وَلَو جَازَ هَذَا لجَاز يقم زيد بِمَعْنى: ليقمْ. وحروف الْجَزْم لَا تضمر لِأَنَّهَا أَضْعَف من حُرُوف الْخَفْض وحرف الْخَفْض لَا يضمر.
فَبعد أَن حكى لنا أَبُو الْحسن هَذِه الْحِكَايَة وجدت هَذَا الْبَيْت فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ يَقُول فِيهِ: وحَدثني أَبُو الْخطاب أَنه سمع هَذَا الْبَيْت مِمَّن قَالَه.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج احتجاجاً لسيبويه: فِي هَذَا الْبَيْت حذف اللَّام أَي: لتفد. قَالَ: وَإِنَّمَا سَمَّاهُ إضماراً لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ.
وَأما قَوْله: أَو يبك من بَكَى فَهَذَا الْبَيْت لفصيح وَلَيْسَ هَذَا مثل الأول وَإِن كَانَ سِيبَوَيْهٍ
(9/12)

قد جمع بَينهمَا.
وَذَلِكَ أَن الْمَعْطُوف يعْطف على اللَّفْظ وعَلى الْمَعْنى فعطف الشَّاعِر على الْمَعْنى لِأَن الأَصْل فِي الْأَمر أَن يكون بِاللَّامِ فحذفت تَخْفِيفًا وَالْأَصْل: فلتخمشي فَلَمَّا اضْطر الشَّاعِر عطف على الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ قَالَ: فلتخمشي ويبك فَيكون الثَّانِي مَعْطُوفًا على معنى الأول.
والبعوضة: مَوضِع بِعَيْنِه قتل فِي رجال من قومه فحض على الْبكاء عَلَيْهِم.
وحذا ابْن هِشَام فِي المغنى هَذَا الحذو وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي مَنعه الْمبرد أجَازه الْكسَائي فِي الْكَلَام بِشَرْط تقدم قل وَجعل مِنْهُ: قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة أَي: ليقيموا.
-
وَوَافَقَهُ ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَزَاد عَلَيْهِ أَن ذَلِك يَقع فِي النثر قَلِيلا بعد القَوْل الخيري كَقَوْلِه: الرجز
(قلت لبواب لَدَيْهِ دارها ... تيذن فَإِنِّي حموها وجارها))
أَي: لتيذن فَحذف اللَّام وَكسر حرف المضارعة.
وَأما ابْن عُصْفُور فَلم يزدْ فِي كتاب الضرائر على قَوْله: إِضْمَار الْجَازِم وإبقاء عمله أقبح من إِضْمَار الْخَافِض. ثمَّ أنْشد خَمْسَة أَبْيَات حذف فِيهَا اللَّام.
وَمُحَمّد: منادى. وتفد: أَمر من الْفِدَاء. وكل: فَاعله. ونفسك: مَفْعُوله. والتبال بِفَتْح الْمُثَنَّاة بعْدهَا مُوَحدَة. قَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن هِشَام: وَهُوَ سوء الْعَاقِبَة وَأَصله وبال فتاؤه مبدلة من الْوَاو.
(9/13)

وَالْبَيْت لَا يعرف قَائِله وَنسبه الشَّارِح فِي الْبَاب الَّذِي بعد هَذَا لحسان وَلَيْسَ مَوْجُودا فِي ديوانه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشذور: قَائِله أَبُو طَالب عَم النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وأشر بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
الْخَفِيف
(
لتقم أَنْت يَا ابْن خير قُرَيْش ... فلتقضي حوائج المسلمينا)
على أَن أَمر الْمُخَاطب جَاءَ فِيهِ بِاللَّامِ وَهُوَ فِي الشّعْر أَكثر مِنْهُ فِي النثر أَرَادَ: قُم. وَكَذَا اللَّام فِي قَوْله: فلتقضي لأمر الْمُخَاطب وَالْيَاء إشباع الكسرة.
وَالْبَيْت أوردهُ الْكُوفِيُّونَ وَهُوَ مَجْهُول لَا يعلم تتمته وَلَا قَائِله. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد السستمائة)
الرجز
(قَالَت بَنَات الْعم يَا سلمى وَإِن ... كَانَ فَقِيرا معدماً قَالَت وَإِن)
(9/14)

على أَن فِيهِ حذف الشَّرْط وَالْجَزَاء مَعًا لضَرُورَة الشّعْر وَالتَّقْدِير: وَإِن كَانَ كَذَلِك رضيته أَيْضا.
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي فصل الْحَذف من الْمُغنِي وَلم يخصصه بالشعر.
-
وَأما إِن الأولى فَإِنَّمَا حذف مِنْهَا جوابها وَالتَّقْدِير: وَإِن كَانَ فَقِيرا أترضين بِهِ لِأَن كَانَ شَرطهَا وَاسْمهَا مستتر فِيهَا يعود إِلَى بعل فِي بَيت مقدم. وَهُوَ: الرجز
(قلت سليمى لَيْت لي بعلاً يمن ... يغسل جلدي وينسيني الْحزن)
(وحاجة مَا إِن لَهَا عِنْدِي ثمن ... ميسورة قَضَاؤُهَا مِنْهُ وَمن)
(قَالَت بَنَات الْعم يَا سلمى وَإِن ... كَانَ فَقِيرا معدما قَالَت وَإِن)
وَهَذَا الرجز مَنْسُوب إِلَى رؤبة بن العجاج وسليمى: مصغر سلمى الْآتِيَة. والبعل: الزَّوْج.
ويمن: فعل مضارع من الْمِنَّة وخفف النُّون للضَّرُورَة والْمنَّة: النِّعْمَة يُقَال: من عَلَيْهِ أَي: أنعم عَلَيْهِ. وَالْمرَاد هُنَا: يحصل مِنْهُ الْمَنّ والإنعام سَوَاء كَانَ عَلَيْهَا أَو على غَيرهَا فَهُوَ مُطلق.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بِتَقْدِير يمن عَليّ.
وَقَوله: يغسل جلدي ... إِلَخ تَفْسِير لقولها يمن. وَقَوْلها: وحاجة مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَيَقْضِي لي حَاجَة وَهِي قَضَاء شَهْوَة النّوم. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: حَاجَة مَعْطُوف على بعلاً وَمَا: نَافِيَة وَإِن: زَائِدَة.
وَكَون هَذِه الْحَاجة
(9/15)

لَا ثمن لَهَا عِنْدهَا لغلائها وعزتها. وميسورة: صفة حَاجَة. وأرادت: وروى: قَالَت بَنَات الْحَيّ بدل بَنَات الْعم. وروى: وإنن بِزِيَادَة نون فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَبهَا اسْتشْهد شرَّاح الألفية على أَن هَذِه النُّون هِيَ تَنْوِين الغالي وَبهَا يخرج الشّعْر عَن الْوَزْن وَلَا يَسْتَقِيم إِلَّا بحذفها.
ورؤبة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أول الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل.
(أماوي مهمن يسمعن فِي صديقه ... أقاويل هَذَا النَّاس ماوي ينْدَم)
على أَن الْكُوفِيّين حكوا عَن الْعَرَب مَجِيء مهمن بِمَعْنى: من كَمَا فِي الْبَيْت.
قَالَ ابْن يعِيش عِنْد الْكَلَام على مهما: وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مركبة من مَه بِمَعْنى اكفف وَمَا الشّرطِيَّة. وَالْمعْنَى عِنْدهم: اكفف عَن كل شَيْء مَا تفعل أفعل. وَيُؤَيِّدهُ قَول الشَّاعِر: أماوي مهمن يستمع فِي صديقه ... ... ... ... الْبَيْت فَركب مَه مَعَ من كَمَا ركبهَا مَعَ مَا. فاعرفه. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب تَهْذِيب اللُّغَة: مهمن اسْتِفْهَام وَأَصلهَا من من فأبدلت النُّون هَاء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
والهمزة فِي قَوْله: أماوي للنداء. وماوي: مرخم ماوية وَهِي من أَسمَاء النِّسَاء مِنْهَا ماوية امْرَأَة حَاتِم الطيئ.
(9/16)

وَهَذَا الْبَيْت شَبيه بِشعرِهِ لكني لم أَقف عَلَيْهِ منسوبة إِلَى المَاء. وماوية: اسْم امْرَأَة.
قَالَ طرفَة: الرمل
لَيْسَ هَذَا مِنْك ماوي بَحر وَاسم امْرَأَة حَاتِم طَيئ وتصغيرها: موية. قَالَ حَاتِم يخاطبها: الوافر
(فضارته موي وَلم تضرني ... وَلم يعرق موي لَهَا جبيني)
يَعْنِي: الْكَلِمَة العوراء. انْتهى.
ومهمن: اسْم شَرط يجْزم فعلين الأول: يسمعن وَالنُّون هِيَ نون التوكيد الْخَفِيفَة. وَرُوِيَ: يستمع بدله يفتعل من السماع. وَالثَّانِي: ينْدَم وَكسر للقافية. وماوي الثَّانِي منادى وحرف النداء مَحْذُوف وَكرر المنادى للتلذذ بِهِ.
وَرُوِيَ المصراع الثَّانِي هَكَذَا أَيْضا: فَيكون يصرم جَزَاء الشَّرْط. والصرم: الهجر وَالْقطع.
وَرَأَيْت فِي قصيدة لذِي الرمة هَذَا الْمَعْنى مَعَ المصراع الثَّانِي بِعَيْنِه وَهُوَ قَوْله: الطَّوِيل
(وَمن يَك ذَا وصل فَيسمع بوصله ... أقاويل هَذَا النَّاس يصرمْ ويصرمِ))
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
(9/17)

السَّرِيع
(
مهما لي اللَّيْلَة مهما ليه ... أودى بنعلي وسرباليه)
على أَن مهما فِيهِ بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام.
قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي تَذكرته: هَذَا عِنْدِي مثل قَول الْخَلِيل فِي مهما فِي الْجَزَاء: إِنَّه مَا مَا فَقلب الْألف هَاء. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيد: مَالِي اللَّيْلَة. وَمَا تسْتَعْمل فِي الِاسْتِفْهَام على حد اسْتِعْمَالهَا فِي الْجَزَاء أَي: غير مَوْصُولَة فيهمَا. وَإِنَّمَا غير كَرَاهِيَة التقاء الْأَمْثَال.
أَلا ترى أَن قَوْله تَعَالَى: فِي مَا إِن مكناكم فِيهِ وَلم يقل: مَا مامكناكم فِيهِ فَعدل إِلَى إِن لِئَلَّا تلتقي الْأَمْثَال فِي اللَّفْظ. وَمن قَالَ مهما هِيَ مَه مَا غير مُغيرَة فَإِن كَانَ يُرِيد أَنَّهَا مَه الَّتِي لِلْأَمْرِ فَلَيْسَ يَخْلُو من أَن يجْزم بهَا أَو لَا يجْزم. فَإِن كَانَ يجْزم فَإِنَّمَا قَالَ: مَه ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ: مَا تفعل أفعل لم يجز.
أَلا ترى أَن قَوْله: الطَّوِيل وَإنَّك مهما تأمري الْقلب يفعل لَيْسَ يُرِيد بِهِ: وَأَنَّك اكففي مَا تأمري الْقلب يفعل وَإِن كَانَ لَا يجْزم الْفِعْل بهَا كَأَنَّهُ قَالَ: لتكفف افْعَل لم يكن لذكر فعل الشَّرْط وَجه. وَإِن كَانَ لَا يُرِيد الْأَمر بهَا وَلكنهَا حرف يُوَافق الَّتِي لِلْأَمْرِ فِي اللَّفْظ وَيُخَالِفهُ فِي الْمَعْنى فَيكون حرفا للشّرط يجْزم بِمَنْزِلَة إِن جَازَ ذَلِك. انْتهى.
-
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: إِنَّه يجوز أَن يكون مَه فِي مهما لي اللَّيْلَة اسْم فعل بِمَعْنى اسْكُتْ واكفف عَمَّا أَنْت فِيهِ من اللوم كَأَنَّهُ
(9/18)

يُخَاطب لائماً على مَا يرَاهُ من الوله. ثمَّ قَالَ: مَالِي اللَّيْلَة تَعْظِيمًا للْحَال الَّتِي أَصَابَته والشدة الَّتِي أَدْرَكته.
ثمَّ ذكر الْأَمر الَّذِي يُحَقّق تَعْظِيم الْأَمر فَقَالَ: السَّرِيع أودى بنعلي وسرباليه يَعْنِي ذهب بنعلي وسرباليه كَقَوْلِه تَعَالَى: هلك عني سلطانيه. وَإِذا ذهب عَنهُ نَعله وسرباله دلّ على أَن حَاله بلغت مبلغا أذهلته عَمَّا لَا يذهل متيقظ عَن مثله.
وَصُورَة الِاسْتِفْهَام للتعظيم ثمَّ مَجِيء مَا يُحَقّق ذَلِك التَّعْظِيم بجملة أخدى بعد ذَلِك من فصيح)
كَلَام الْعَرَب وبديعه. قَالَ تَعَالَى: الحاقة مَا الحاقة وَمَا أَدْرَاك مَا الحاقة ثمَّ قَالَ: كذبت ثَمُود.
وَيجوز أَن يكون مهما أَصله مَا مَا كررت مَا الاستفهامية للتَّأْكِيد اللَّفْظِيّ فقلبت الْألف الأولى هَاء كَمَا قلبت ألف الشّرطِيَّة فِي قَوْلهم: مهما. وَهِي عِنْد الْأَكْثَرين: مَا مَا.
وَلَيْسَ ذَلِك بِقِيَاس وَإِنَّمَا هُوَ حمل لفظ الْعَرَبِيّ على مَا يحْتَملهُ مِمَّا هُوَ من جنس كَلَامهم وَلَيْسَ من الْقيَاس الْمُخْتَلف فِيهِ فِي شَيْء.
وَيجوز أَن تكون مَا الأولى قدر الْوَقْف عَلَيْهَا فقلبت ألفها هَاء ثمَّ أجري الْوَصْل مجْرى الْوَقْف. وَالْوَجْه الأول أوجه وأوضح. انْتهى.
وَاخْتَارَ ابْن هِشَام التَّوْجِيه الأول فِي الْمُغنِي فِي رد مَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ: ذكر جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك أَن مهما تَأتي للاستفهام وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت وَلَا دَلِيل فِيهِ لاحْتِمَال أَن التَّقْدِير: مَه اسْم فعل
(9/19)

بِمَعْنى: اكفف ثمَّ اسْتَأْنف استفهاماً بِمَا وَحدهَا. هَذَا كَلَامه.
-
وَكَأَنَّهُ يُرِيد بِهِ تقليل الْأَقْسَام مهما أمكن. وعَلى أَي تَقْدِير كَانَ مهما: هَاهُنَا مُبْتَدأ ولي: هِيَ الْخَبَر وَاللَّيْلَة: ظرف مَعْمُول إِمَّا لمتعلق الْجَار فِي لي وَالتَّقْدِير: مَا حصل لي وَإِمَّا بِمَا تضمنه معنى الْجُمْلَة الْكُبْرَى لِأَن مَعْنَاهَا مَا أصنع وَمَا ألبس. وأودى: هلك وَتلف.
والنعلان: مثنى نعل وَهُوَ مَا وقيت بِهِ الرجل من الأَرْض. والسربال بِالْكَسْرِ: الْقَمِيص وَقيل الدرْع وَقيل: كل مَا لَيْسَ على الْبدن. وَالْبَاء فِي قَوْله بنعلي: زَائِدَة فِي الْفَاعِل.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر: يجوز أَن تكون الْبَاء زَائِدَة كَأَنَّهُ قَالَ أودى نعلاي فلحقت الْبَاء كَمَا لحقت فِي: كفى بِاللَّه. فَإِن قلت: فَلم لَا تجْعَل الْبَاء زَائِدَة فِي الْمَفْعُول بِهِ وَيكون الْفَاعِل مضمراً كَأَنَّهُ قَالَ: أودى مود بنعلي فتضمره للدلالة عَلَيْهِ كَمَا أضمر فِي قَوْله تَعَالَى: ثمَّ بدا لَهُم فَالْقَوْل أَن هَذَا أَضْعَف لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مود الَّذِي تضمره زِيَادَة على مَا استفدته فِي قَوْله أودى وَلَيْسَ قَوْله سُبْحَانَهُ: ثمَّ بدا لَهُم كَذَلِك لِأَن البدا والبداء قد صَارا بِمَنْزِلَة الْمَذْهَب فِي قَوْلك: ذهب بِهِ مَذْهَب وسلك بِهِ مَسْلَك.
فَإِن قلت: فَلم لَا تجْعَل فَاعل أودى ذكرا يعود إِلَى مَا فِي قَوْله: مهما لي اللَّيْلَة فَإِن ذَلِك أَيْضا لَيْسَ بِالْقَوِيّ لِأَن الْمَعْنى يصير: كَأَنَّهُ أودى شَيْء بنعلي.
فَإِذا جعلت الْبَاء لاحقة للْفَاعِل كَانَ أشبه وَلَا تزيد مَعَ الْفَاعِل من الْحُرُوف الجارة غير الْبَاء فِي)
قَول سِيبَوَيْهٍ فِي الْإِيجَاب كَمَا لم تزد فِيهِ غير الْبَاء فِي الْمُبْتَدَأ. انْتهى كَلَام أبي عَليّ.
وَذهب ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ إِلَى أَن الْبَاء للتعدية. قَالَ: وَالْبَاء
(9/20)

بَاء التَّعْدِيَة يَعْنِي: أذهبهما وَاخْتَارَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي مَذْهَب أبي عَليّ لكنه جعل زِيَادَة الْبَاء فِي الْفَاعِل مُخْتَصًّا بِالضَّرُورَةِ تبعا لِابْنِ عُصْفُور فِي كتاب الضرائر.
ثمَّ نقل كَلَام ابْن الْحَاجِب وَتعقبه بقوله: وَلم يتَعَرَّض لشرح الْفَاعِل وعلام يعود إِذا قدر ضميراً فِي أودى. وَيصِح أَن يكون التَّقْدِير: أودى هُوَ أَي: مود أَي: ذهب ذَاهِب.
وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا التَّوْجِيه قد رده أَبُو عَليّ وَبَين ضعفه.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لعَمْرو بن ملقط الطَّائِي عدتهَا اثْنَا عشر بَيْتا أوردهَا أَبُو زيد وَابْن الْأَعرَابِي فِي نوادريهما.
وَمَا بعده على رِوَايَة أبي زيد: السَّرِيع
(إِنَّك قد يَكْفِيك بغي الْفَتى ... ودرأه أَن تركض العاليه)
(بطعنة يجْرِي لَهَا عاند ... كَالْمَاءِ من غائلة الجابيه)
(يَا أَوْس لَو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوي بِهِ الهاويه)
(ألفيتا عَيْنَاك عِنْد الْقَفَا ... أولى فَأولى لَك ذَا واقيه)
(ذَاك سِنَان محلب نَصره ... كَالْجمَلِ الأوطف بالروايه)
(يَا أَيهَا النَّاصِر أَخْوَاله ... أَأَنْت خير أم بَنو جاريه)
(وَالْخَيْل قد تجشم أَرْبَابهَا ال ... شقّ وَقد تعتسف الداويه)
(يَأْبَى لي الثعلبتان الَّذِي ... قَالَ ضراط الْأمة الراعيه)
...
(9/21)

(ظلت بواد تجتني صمغة ... واحتبلت لقحتها الآنيه)
(ثمَّ غَدَتْ تنبذ أحرادها ... إِن متغناة وَإِن حاديه
)
قَوْله: أَن تركض الْعَالِيَة فِي تَأْوِيل مصدر مَرْفُوع فَاعل يَكْفِيك أَي: يقيك وبغي الْفَتى: مَفْعُوله الثَّانِي ودرأه: مَعْطُوف على بغي. وَالْبَغي: التَّعَدِّي والدرء: العوج. يُقَال: أَقمت دَرْء فلَان أَي: اعوجاجه.
وَرُوِيَ بدله: وشغبه بِالسُّكُونِ وَهُوَ تهييج الشَّرّ. والعالية بِالْعينِ الْمُهْملَة: اسْم فرس الشَّاعِر وَهُوَ عَمْرو بن ملقط كَذَا قَالَ أَبُو زيد.)
وَزعم ابْن الْأَعرَابِي: أَنه أَرَادَ عالية الرمْح وغلطه أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِيمَا كتب على نوادره.
وَقد خَاطب الشَّاعِر نَفسه فِي هَذَا الْبَيْت. وَأَرَادَ بالفتى: أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي كَمَا يَأْتِي.
وَقَوله: بطعنة ... إِلَخ مُتَعَلق بيكفيك. والعاند بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون: هُوَ الْعرق الَّذِي لَا يخرج دَمه على جِهَة وَاحِدَة. قَالَه أَبُو زيد.
وَقَوله: يَا أَوْس هُوَ أَوْس الْمَذْكُور وَهُوَ جاهلي. وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي:
(9/22)

يَا عَمْرو وغلطه أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي. وتهوي: تقع من فَوق إِلَى أَسْفَل. والهاوية: المهواة.
وَقَوله: ألفيتا عَيْنَاك ... . إِلَخ ألفيتا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: وجدتا. وَهَذَا على لُغَة أكلوني البراغيث.
وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَفِي شرح الألفية على أَن الْألف فِيهِ عَلامَة لاثْنَيْنِ.
وَكَذَا أوردهُ ابْن الْأَعرَابِي وَقد غلطه أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ: أفلتتا عَيْنَاك عِنْد الْقَفَا. وَلم يظْهر لي مَعْنَاهُ مَعَ أَنه وَافق أَبَا زيد فِي الرِّوَايَة.
-
وَالْعجب من شَارِحه ابْن الملا لقَوْله هُنَا: إِن هَذَا الْبَيْت لم يسم قَائِله مَعَ أَن هَذِه القصيدة بِتَمَامِهَا فِي شَوَاهِد الْعَيْنِيّ فِي بَاب الْفَاعِل وَلم يتَذَكَّر مَا أسلفه فِي شرح قَوْله: مهما لي اللَّيْلَة مهما ليه فِي حرف الْبَاء من الْمُغنِي من قَوْله: هَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لعَمْرو بن ملقط الطَّائِي وسيورده المُصَنّف فِي الْكَلَام على مهما. وَاسْتشْهدَ بَيت من أبياتها أَيْضا فِي الْحَرْف الهاوي. وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ. آه.
وَقَالَ أَيْضا عِنْد الْكَلَام على مَتى: تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الْبَاء الْمُوَحدَة.
وَقَوله: أولى لَك كلمة وَعِيد وتهديد قد شرحها الشَّارِح الْمُحَقق فِي أَفعَال المقاربة. وَقَوله: ذَا واقية حَال من الْكَاف فِي عَيْنَاك وَصَحَّ مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ لَكِن الْمُضَاف جُزْءا مِنْهُ.
والواقية: مصدر بِمَعْنى الْوِقَايَة
(9/23)

كالكاذبة بِمَعْنى الْكَذِب. يصفه بالهروب وَيَقُول: أَنْت ذُو وقاية من عَيْنَيْك عِنْد فرارك تحترس بهما ولكثرة تلفتك إِلَى خَلفك حِينَئِذٍ صَارَت عَيْنَاك كَأَنَّهُمَا فِي قفاك.
وَقَوله: ذَاك سِنَان ... إِلَخ قَالَ أَبُو زيد: سِنَان: اسْم رجل. والمحلب بِضَم الْمِيم وَسُكُون)
الْمُهْملَة وَكسر اللَّام: الْمعِين من الْإِعَانَة. والأوطف: الْكثير شعر الْأُذُنَيْنِ وهدب الْعَينَيْنِ. آه.
والراوية: الْبَعِير أَو الْبَغْل أَو الْحمار الَّذِي يستقى عَلَيْهِ. وَنَصره: مُبْتَدأ ومحلب: خَيره. ووانية من الوني وَهُوَ الفتور والإبطاء.
وَقَوله: وَالْخَيْل قد تجشم ... إِلَخ الإجشام بِالْجِيم: التَّكْلِيف وفاعله ضمير الْخَيل وأربابها: مَفْعُوله الأول.
-
والشق بِفَتْح الشين وَكسرهَا: بِمَعْنى الْمَشَقَّة مَفْعُوله الثَّانِي.
والاعتساف: الْمَشْي على غير الطَّرِيق المسلوكة وفاعله ضمير الْخَيل. والداوية: الْمَفَازَة وخففت الْيَاء للضَّرُورَة.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الثعلبتان: ثَعْلَبَة بن جدعَان بن ذهل بن رُومَان بن جُنْدُب بن خَارِجَة بن سعد بن فطْرَة بن طَيئ وثعلبة بن رُومَان ابْن جُنْدُب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَالَّذِي: مفعول يَأْبَى وَقَالَ: صلَة الَّذِي والعائد مَحْذُوف أَي: قَالَه. وضراط: فَاعل قَالَ: وَأَرَادَ بِهِ: أَوْسًا الْمَذْكُور سَمَّاهُ بِهِ استهانة بِهِ وتحقيراً لَهُ.
وَرُوِيَ: خباج بدل ضراط بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة ثمَّ جِيم وَهُوَ بِمَعْنى الضراط.
وَقَوله: ظلت أَي: استمرت. واللقحة بِالْكَسْرِ: النَّاقة ذَات اللَّبن.
(9/24)

والآنية قَالَ أَبُو زيد: هِيَ المبطئة بلبنها. وفسرها بَعضهم على هَامِش النَّوَادِر بالمدركة.
وَقَوله: تنبذ أحرادها ... إِلَخ تنبذ: تطرح وفاعله ضمير الْأمة. والأحراد: جمع حرد بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ أَبُو زيد: هُوَ الغيظ وَالْغَضَب.
وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي: ثمَّ غَدَتْ تنبض أحرادها وَقَالَ: تنبض: تضطرب وأحرادها: أمعاؤها. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: الصَّوَاب ثمَّ غَدَتْ تبنذ أحرادها أَي: تضرط يدلك على هَذَا قَوْله سَابِقًا: ضراط الْأمة الراعية. آه.
وروى الْعَيْنِيّ: تحرد أحرادها وَمَا أَدْرِي من أَيْن نقلهَا.
-
وَقَوله: إِن متغناة ... إِلَخ قَالَ أَبُو الْحسن فِي شَرحه: أَرَادَ: متغنية يقلبون الْيَاء ألفا. وحادية من حداء الْإِبِل وَهُوَ سوقها بِالْغنَاءِ. وَإِن هُنَا للتقسيم بِمَعْنى: إِمَّا الْمَكْسُورَة.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إِمَّا الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة مركبة عِنْد سِيبَوَيْهٍ من إِن وَمَا. وَقد تحذف)
مَا كَقَوْلِه: المتقارب
(
سقته الرواعد من صيف ... وَإِن من خريف فَلَنْ يعدما)
أَي: إِمَّا من خريف وَإِمَّا من صيف. وَيدل لما قُلْنَاهُ رِوَايَة الْجرْمِي وَأبي حَاتِم: إِمَّا مغناة وَإِن حاديه وَعَمْرو بن ملقط الطَّائِي شَاعِر جاهلي. وملقط بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَفتح الْقَاف. آه.
وَالله أعلم.
(9/25)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
المتقارب
وَمهما وكلت إِلَيْهِ كَفاهُ على أَن مهما اسْم بِدَلِيل رُجُوع الضَّمِير إِلَيْهِ وَهُوَ الْهَاء من كَفاهُ وَالضَّمِير لَا يرجع إِلَّا إِلَى الِاسْم وَأما الضَّمِير فِي إِلَيْهِ فراجع إِلَى الممدوح.
كَذَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن يعِيش فِي شرح الكافية. وَكَذَا الضَّمِير فِي بِهِ رَاجع إِلَى مهما فِي الْآيَة.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره: عَاد عَلَيْهَا ضمير بِهِ وَضمير بهَا حملا على اللَّفْظ وعَلى الْمَعْنى.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالْأولَى أَن يعود ضمير بهَا الْآيَة. وَفِيه أَن عود الضَّمِير إِلَى الْمُبين أولى من عوده إِلَى الْبَيَان. وَزعم السُّهيْلي أَن مهما تَأتي حرفا بِدَلِيل قَول زُهَيْر: الطَّوِيل.
(وَمهما تكن عِنْد امْرِئ من خَلِيقَة ... وَإِن خالها تخفى على النَّاس تعلم)
قَالَ: هِيَ هُنَا: حرف بِمَنْزِلَة إِن بِدَلِيل أَنَّهَا لَا مَحل لَهَا.
وَتَبعهُ ابْن يسعون وَاسْتدلَّ بقوله: الْبَسِيط.
(
قد أوبيت كل مَاء فَهِيَ ضاوية ... مهما تصب أفقاً من بارق تشم)
(9/26)

. قَالَ: إِذْ لَا تكون مُبْتَدأ لعدم رابط من الْخَيْر وَهُوَ فعل الشَّرْط وَلَا: مَفْعُولا لِاسْتِيفَاء فعل الشَّرْط مَفْعُوله. وَلَا سَبِيل إِلَى غَيرهمَا فَتعين أَنَّهَا لَا مَوضِع لَهَا.
قَالَ ابْن هِشَام: وَالْجَوَاب أَنَّهَا فِي الأول إِمَّا خبر تكن وخليقة: اسْمهَا وَمن زَائِدَة لِأَن الشَّرْط غير مُوجب عِنْد أبي عَليّ وَإِمَّا مُبْتَدأ وَاسم تكن ضمير رَاجع إِلَيْهَا والظرف خبر وَأَنت كَقَوْلِه: الطَّوِيل)
لما نسجتها من جنوب وشمأل وَفِي الثَّانِي مفعول تصب وأفقاً: ظرف وَمن بارق تَفْسِير لمهما أَو مُتَعَلق بتصب فمعناها التَّبْعِيض وَالْمعْنَى: أَي شَيْء تصب فِي أفق من البوارق تشم.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِن مهما تَأتي ظرف زمَان إِلَخ هُوَ فِي هَذَا تَابع لِابْنِ مَالك زعم أَن النَّحْوِيين أهملوا هَذَا الْمَعْنى.
وَأنْشد لحاتم: الطَّوِيل.
(وَإنَّك مهما تعط بَطْنك سؤله ... وفرجك نالا مُنْتَهى الذَّم أجمعا
)
وأبياتاً أخر. قَالَ ابْن هِشَام: وَلَا دَلِيل فِي ذَلِك لجَوَاز كَونهَا للمصدر بِمَعْنى أَي: إِعْطَاء كثيرا أَو قَلِيلا.
وَابْن مَالك مَسْبُوق بِهَذَا القَوْل. وشدد الزَّمَخْشَرِيّ الْإِنْكَار على من قَالَ بهَا فَقَالَ: هَذِه الْكَلِمَة فِي عداد الْكَلِمَات الَّتِي يحرفها من لَا يَد لَهُ فِي
(9/27)

علم الْعَرَبيَّة فَيَضَعهَا فِي غير موضعهَا ويظنها بِمَعْنى: مَتى.
وَيَقُول: مهما جئتني أَعطيتك. وَهَذَا من وَضعه وَلَيْسَ من كَلَام وَاضع الْعَرَبيَّة ثمَّ يذهب قَالَ ابْن هِشَام: وَالْقَوْل بذلك فِي الْآيَة مُمْتَنع لتفسيرها بِمن آيَة وَإِن صَحَّ ثُبُوته فِي يغرها كَمَا ذهب بَعضهم فِي: مهما تصب أفقاً الْبَيْت السَّابِق قَالَ: مهما فِيهِ ظرف زمَان وَالْمعْنَى: أَي وَقت تصب بارقاً من أفق فَقلب الْكَلَام أَو فِي أفق بارقاً فَزَاد من وَاسْتعْمل أفقاً ظرفا.
والمصراع الشَّاهِد وَقع فِي شعر شاعرين أَحدهمَا المتنخل الْهُذلِيّ.
وَهُوَ عجز وصدره: إِذا سدته سدت مطواعة وَالْآخر: ذُو الإصبع العدواني وصدره: فَإِن سسته سست مطواعة وَتقدم شعرهما مشروحاً فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَقَوله: إِذا سدته هُوَ من المساودة الَّتِي هِيَ المسارة والسواد كالسرار بكسرهما لفظا وَمعنى.
قَالَ: إِذا ساررته طاوعك وساعدك.
وَقَالَ قوم: هُوَ من السِّيَادَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا كَانَت فَوْقه سيداً لَهُ أطاعك وَلم يحسدك وَإِن)
وكلت إِلَيْهِ وفوضته شَيْئا كَفاك. والمطواع: الْكثير الطوع والانقياد وَالتَّاء لتأكيد الْمُبَالغَة.
-
وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: إِذْ سسته هُوَ من سست الراعية سياسة إِذْ دبرتهم وَقمت بأمرهم.
(9/28)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل.
(إذما دخلت على الرَّسُول فَقل لَهُ ... حَقًا عَلَيْك إِذا اطْمَأَن الْمجْلس)
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتشْهد بِهِ ل إذما.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْجَزَاء: فمما يجازى بِهِ من الْأَسْمَاء غير الظروف: من وَمَا وأيهم. وَمَا يجازى بِهِ من الظروف: أَي حِين وَمَتى وَأَيْنَ وأنى وحيثما. وَمن غَيرهمَا: إِن وإذما.
وَلَا يكون الْجَزَاء فِي حَيْثُ وَلَا فِي إِذْ حَتَّى يضم إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهُمَا مَا فَيصير إِذْ مَعَ مَا بِمَنْزِلَة إِنَّمَا وكأنما وَلَيْسَت مَا فيهمَا بلغو وَلَكِن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا مَعَ مَا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد. فمما كَانَ من الْجَزَاء ب إذما قَول الْعَبَّاس بن مرداس:
إذما أتيت على الرَّسُول فَقل لَهُ ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ الآخر وَهُوَ عبد الله بن همام السَّلُولي: الطَّوِيل إذما تريني الْيَوْم مزجى ظعينتي ... ... ... ... الْبَيْت الْآتِي
(9/29)

قَالَ ابْن يعِيش: إِن قيل: إِذْ ظرف زمَان مَاض وَالشّرط لَا يكون إِلَّا بالمستقبل فيكف يَصح المجازاة بهَا فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن.
أَحدهمَا: أَن إِذْ هَذِه الَّتِي تسْتَعْمل فِي الْجَزَاء مَعَ مَا لَيست الظَّرْفِيَّة وَإِنَّمَا هِيَ حرف غَيرهَا ضمت إِلَيْهَا مَا فركبا دلَالَة على هَذَا الْمَعْنى كإما.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الظَّرْفِيَّة إِلَّا أَنَّهَا بالتركيب غيرت ونقلت وغيرت عَن مَعْنَاهَا بِلُزُوم مَا إِيَّاهَا إِلَى الْمُسْتَقْبل وَخرجت بذلك إِلَى حيّز الْحُرُوف.
وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَا يكون الْجَزَاء فِي حَيْثُ وَلَا فِي إِذْ حَتَّى يضم إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهُمَا مَا إِلَخ. اه.
وَرَوَاهُ أهل السّير مِنْهُم ابْن هِشَام: إِمَّا أتيت على النَّبِي فَقل لَهُ)
وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ وَأَصله إِن مَا وَهِي إِن الشّرطِيَّة وَمَا الزَّائِدَة.
وَالْبَيْت من قصيدة للْعَبَّاس بن مرداس الصَّحَابِيّ قَالَهَا فِي غَزْوَة حنين يُخَاطب بهَا النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَيذكر بلاءه وإقدامه مَعَ قومه فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَغَيرهمَا من الْغَزَوَات وعدتها سِتَّة عشر بَيْتا وأولها:
(إِمَّا أتيت على النَّبِي فَقل لَهُ ... حَقًا عَلَيْك إِذا اطْمَأَن الْمجْلس)
(يَا خير من ركب الْمطِي وَمن مَشى ... فَوق التُّرَاب إِذا تعد الْأَنْفس)
(إِنَّا وَفينَا بِالَّذِي عاهدتنا ... وَالْخَيْل تقدع بالكماة وتضرس)
(9/30)

قَوْله: يَا أَيهَا الرجل ... إِلَخ تهوي بِكَسْر الْوَاو: تسرع. والوجناء: النَّاقة الغليظة الوجنات قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وجناء: غَلِيظَة الوجنات بارزتها وَذَلِكَ يدل على غؤور عينهَا وهم يصفونَ الْإِبِل بغؤور الْعَينَيْنِ عِنْد طول الْأَسْفَار. وَيُقَال من الوجنة فِي الْآدَمِيّين: رجل موجن وَامْرَأَة موجنة وَلَا يُقَال: وجناء. قَالَه يَعْقُوب.
ومجمرة بِالْجِيم: اسْم مفعول من أجمر الْبَعِير إِذا أسْرع فِي سيره. والمناسم: جمع منسم كمجلس وَهُوَ مقدم طرف خف الْبَعِير.
قَالَ السُّهيْلي: مجمرة المناسم أَي: نكبت مناسمها الْجمار وَهِي الْحِجَارَة. وَقد يُرِيد أَيْضا أَن مناسمها مجتمعة منضمة فَذَلِك أقوى لَهَا. وَقد حُكيَ: أجمرت الْمَرْأَة شعرهَا إِذا ضفرته.
وأجمر الْأَمِير الْجَيْش أَي: حَبسه عَن القفول. والعرمس بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْمِيم قَالَ السُّهيْلي: هِيَ الصَّخْرَة الصلبة وَيُشبه بهَا النَّاقة الْجلْدَة.
وَقَوله: إذما دخلت ... إِلَخ جملَة دخلت وَجُمْلَة: أتيت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي مَحل جزم شَرط وَأَرَادَ بالرسول وَالنَّبِيّ نَبينَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَقَوله: حَقًا عَلَيْك قَالَ اللَّخْمِيّ: قيل: إِنَّه مَنْصُوب بقل وَالصَّوَاب أَن يكون مَنْصُوبًا على الْمصدر
الْمُؤَكّد بِهِ أَو نعتاً لمصدر مَحْذُوف لِأَن الْمَقُول مَا بعد الْبَيْت وَهُوَ يَا خير من ركب الْمطِي إِلَخ.
وَعَلَيْك مُتَعَلق بحقاً. وَإِذا ظرف لقل. وطمأن: سكن. والمجلس
(9/31)

قيل يُرِيد أهل الْمجْلس فَحذف الْمُضَاف. وَحكى أَبُو عَليّ الْبَغْدَادِيّ أَن الْمجْلس النَّاس.
وَأنْشد: الْكَامِل.
(ذهب الْخِيَار من المعاشر كلهم ... واستب بعْدك يَا كُلَيْب الْمجْلس))
وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: إِذا اطْمَأَن جلوسك.
وَقَوله: يَا خير من ... إِلَخ هَذَا مقول القَوْل. وَقد تعسف بعض أفاضل الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل بقوله: يَا خير من ركب بَيَان لقَوْله حَقًا أَو بدل مِنْهُ.
وَيجوز أَن يكون وَاقعا موقع الْقسم تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ وَالْمعْنَى: قل لَهُ قولا حَقًا صدقا وَاجِبا عَلَيْك أَو قل لَهُ وَالله يَا خير الراكبين. هَذَا كَلَامه.
والمطي: جمع مَطِيَّة: الْبَعِير لِأَنَّهُ يركب مطاه أَي: ظَهره. وَقَوله: وَمن مَشى هُوَ مَعْطُوف على من ركب أَي: وَيَا خير من مَشى. وَقَوله: إِذا تعد الْأَنْفس إِذا مُتَعَلقَة بِخَير أَي: أَنْت خير النَّاس وَرَوَاهُ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِذا يعد الْأَنْفس بِالْمُثَنَّاةِ من تَحت. وَقَالَ: الْأَنْفس بِفَتْح الْفَاء على أَنه أفعل تَفْضِيل من النفاسة.
وَقَوله: إِنَّا وَفينَا ... إِلَخ هَذَا جَوَاب النداء. وَقَوله: والحيل تقدع ... إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: تكف. وَقيل: تقدع بِمَعْنى تضرب بالمقدعة وَهِي
الْعَصَا. والكماة: جمع كمي وَهُوَ الشجاع. وتضرس بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَيْضا أَي: تخرج.
وَقَالَ السُّهيْلي: أَي: تضرب أضراسها باللجم تَقول: ضرسته أَي: ضربت أَضْرَاسه كَمَا تَقول: رأسته أصبت رَأسه.
(9/32)

وَالْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ من بني سليم بِضَم السِّين: صَحَابِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(إذما تريني الْيَوْم أزجي ظعينتي ... أصعد سيراً فِي الْبِلَاد وأفرع)
ف تريني مجزوم ب إذما بِحَذْف النُّون وَالْأَصْل ترينني فحذفت الأولى للجزم وَالثَّانيَِة نون الْوِقَايَة وَالْيَاء ضمير الْمُتَكَلّم وَجَزَاء الشَّرْط هُوَ الثَّانِي.
وَقد أنشدهما سِيبَوَيْهٍ مَعًا فَكَانَ يَنْبَغِي للشَّارِح الْمُحَقق إنشادهما كَذَلِك وَهُوَ: الطَّوِيل.
(فَإِنِّي من قوم سواكم وَإِنَّمَا ... رجالي فهم بالحجاز وَأَشْجَع)
فجملة إِنِّي من قوم سواكم فِي مَحل جزم جَزَاء الشَّرْط وَالْفَاء للربط.
والبيتان لعبد الله بن همام السَّلُولي.
-
والإزجاء: السُّوق بالزاء الْمُعْجَمَة وَالْجِيم. يُقَال: أزجيت الْإِبِل إِذا سقتها. وظعينتي: مفعول أزجي. والظعينة: الْمَرْأَة مَا دَامَت فِي الهودج. وروى بدله: مطيتي. والمطية: الْبَعِير.
وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل أَن ظعينتي منادى ومفعول أزجي مَحْذُوف تَقْدِيره: ركائبي.
(9/33)

وروى سِيبَوَيْهٍ: مزجى ظعينتي بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول فَيكون ظعينتي نَائِب الْفَاعِل وَذكر مزجى وَالْأَصْل مزجاة بِالْهَاءِ قَالَه ابْن المستوفي.
وَجُمْلَة: أزجي حَال من الْيَاء من تريني لَا مفعول ثَان لترى لِأَنَّهَا هُنَا بصرية. وَكَذَلِكَ مزجى حَال.
وَجُمْلَة: أصعد وأفرع تَفْسِير لأزجي وَبَيَان لَهُ. وَقَالَ ابْن المستوفي: أصعد مَوْضِعه النصب على الْحَال وَلَو جعل بَدَلا من مزجى على رِوَايَة من روى مطيتي جَازَ لِأَن معنى يزجي مطيته معنى يصعد فِي الْبِلَاد ويفرع.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وأصعد فِي الْوَادي وَصعد فِي الْوَادي تصعيداً أَي: انحدر فِيهِ. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت فَيكون أفرع بِفَتْح الْهمزَة مُقَابلا لَهُ. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وفرعت الْجَبَل: صعدته وأفرعت فِي الْجَبَل: انحدرت.
قَالَ رجل من الْعَرَب: لقِيت فلَانا فارعاً مفرعاً يَقُول: أَحَدنَا مصعد وَالْآخر منحدر. وسيراً: مصدر فِي مَوضِع الْحَال.)
وَأنْشد الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل المصراع الأول كَذَا: فَإنَّا تريني الْيَوْم على أَن مَا تزاد بعد إِن للتَّأْكِيد.
وَقَوله: فَإِنِّي من قوم سواكم.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ سواكم وَهُوَ يُخَاطب امْرَأَة فَالْجَوَاب أَنه للتعظيم وَرُبمَا خوطبت الْمَرْأَة الْوَاحِدَة بخطاب جمَاعَة الذُّكُور مُبَالغَة فِي سترهَا فيعدل عَن الْإِفْرَاد والتأنيث إِلَى الْجمع والتذكير فيبعد عَن الضَّمِير لَهَا بمرتبتين. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى: فَقَالَ لأَهله وَقَالَ
عمر بن أبي ربيعَة مُخَاطبا لامْرَأَة:
(9/34)

الْبَسِيط
(كم قد ذكرتك ل أجزى بذكركم ... يَا أشبه النَّاس كل النَّاس بالقمر)
وَفهم بِالْمِيم لَا بالراء وَأَشْجَع: قبيلتان.
قَالَ الأعلم: انْتَمَى الشَّاعِر فِي النّسَب إِلَى فهم وَأَشْجَع وَهُوَ من سلول بن عَامر لأَنهم كلهم من قيس عيلان بن مُضر.
وَقَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره: عبد الله بن همام السَّلُولي.
وَهَذَا نسبه من الجمهرة: عبد الله بن همام بتَشْديد الْمِيم ابْن نُبَيْشَة بِضَم النُّون وَابْن ريَاح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا مثناة تحتية ابْن مَالك بن الهجيم بِالتَّصْغِيرِ ابْن حوزة بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن عُمَيْر بن مرّة بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن.
وَكَانَ يُقَال لعبد الله من حسن شعره: الْعَطَّار.
وسلول هِيَ بنت ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة كَانَت امْرَأَة مرّة بن صعصة وَأَوْلَادهَا مِنْهُ ينسبون إِلَيْهَا.
وَعبد الله بن همام شَاعِر إسلامي من التَّابِعين. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني مرّة بن صعصعة من قيس عيلان.
وَبَنُو مرّة يعْرفُونَ ببني سلول وَهِي أمّهم وَهِي بنت ذهل بن شَيبَان من ثَعْلَبَة وهم رَهْط أبي مَرْيَم السَّلُولي كَانَ لَهُ صُحْبَة.
-
وَعبد الله هُوَ الْقَائِل فِي عريفهم:
(9/35)

المتقارب
(وَلما خشيت أظافيره ... نجوت وأرهنته مَالِكًا)
(عريفاً مُقيما بدار الهوا ... ن أَهْون عَليّ بِهِ هَالكا))
وَهُوَ الْقَائِل فِي الفلافس: الطَّوِيل
(أقلي عَليّ اللوم يَا ابْنة مَالك ... وذمي زَمَانا سَاد فِيهِ الفلافس)
وساع من السُّلْطَان لَيْسَ بناصح ومحترس من مثله وَهُوَ حارس وَكَانَ الفلافس هَذَا على شرطة الْكُوفَة من قبل الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي أخي عمر بن أبي ربيعَة. وَخرج الفلافس مَعَ ابْن الْأَشْعَث فَقتله الْحجَّاج.
وَعبد الله هُوَ الْقَائِل ليزِيد بن مُعَاوِيَة يعزيه عَن أَبِيه: الْبَسِيط
(اصبر يزِيد فقد فَارَقت ذَا مقة ... واشكر حباء الَّذِي بِالْملكِ رداكا)
...
(9/36)

(لَا رزء أعظم بالأقوام قد علمُوا ... مِمَّا رزئت وَلَا عُقبى كعقباكا)
(أَصبَحت راعي أهل الدَّين كلهم ... فَأَنت ترعاهم وَالله يرعاكا)
وَأنْشد
بعده: الطَّوِيل كَبِير أنَاس فِي بجاد مزمل على أَن قَوْله: مزمل جر لمجاورته الْمَجْرُور وَهُوَ أنَاس أَو بجاد ولولاه لرفع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: كَبِير.
وَقد تقدم شَرحه مفصل مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الْخمسين بعد الثلثمائة.
وَهُوَ عجز وصدره: كَأَن أَبَانَا فِي عرانين وبله وَالْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس.
وَأنْشد بعده: الْخَفِيف
(فَمَتَى واغل يزرهم يحيو ... هـ وَتعطف عَلَيْهِ كأس الساقي)
على أَنه فصل اضطراراً بَين مَتى ومجزومه فعل الشَّرْط بواغل ف واغل: فَاعل فعل مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور أَي: مَتى يزرهم واغل يزرهم. والواغل: الَّذِي يدْخل على من يشرب الْخمر وَلم يدع إِلَيْهَا وَهُوَ فِي الشَّرَاب بِمَنْزِلَة الوارش فِي الطَّعَام وَهُوَ الطفيلي.
(9/37)

-
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
أَيْنَمَا الرّيح تميلها تمل لما تقدم قبله.)
فَتكون الرّيح فاعلة لفعل مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور أَي: أَيْنَمَا تميلها الرّيح تميلها.
وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت أَيْضا فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.
وَهُوَ عجز وصدره: صعدة نابتة فِي حائر وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
وَمن نَحن نؤمنه يبت وَهُوَ آمن لما تقدم قبله. ف نَحن: فَاعل لفعل مَحْذُوف يفسره الْمَذْكُور فَلَمَّا حذف الْفِعْل برز الضَّمِير وانفصل وَالتَّقْدِير: فَمن نؤمنه نؤمنه.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْحُرُوف الَّتِي لَا تقدم فِيهَا الْأَسْمَاء الْفِعْل: اعْلَم أَن حُرُوف الْجَزَاء يقبح أَن تتقدم الْأَسْمَاء فِيهَا قبل الْأَفْعَال وَذَلِكَ أَنهم شبهوها بِمَا يجْزم مِمَّا ذكرنَا إِلَّا حُرُوف الْجَزَاء قد جَازَ ذَلِك فِيهَا
(9/38)

فِي الشّعْر لِأَن حُرُوف الْجَزَاء يدخلهَا فعل وَيفْعل وَيكون فِيهَا الِاسْتِفْهَام فيرفع فِيهَا الْأَسْمَاء وَتَكون بِمَنْزِلَة الَّذِي.
فَلَمَّا كَانَت تصرف هَذَا التَّصَرُّف وتفارق الْجَزْم ضارعت مَا يجر من الْأَسْمَاء الَّتِي إِن شِئْت استعملتها غير مُضَافَة نَحْو: ضَارب عبد الله فَلذَلِك لم تكن مثل لم وَلَا فِي النَّهْي وَاللَّام فِي الْأَمر لِأَنَّهُنَّ لَا يفارقن الْجَزْم.
وَيجوز الْفرق فِي الْكَلَام فِي إِن إِذا لم تجزم فِي اللَّفْظ نَحْو قَوْله:
عاود هراة وَإِن معمورها خربا فَإِن جزمت فَفِي الشّعْر لِأَنَّهُ يشبه بلم. وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْفَصْل وَلم يشبه لِأَن لم لَا يَقع بعْدهَا فعل. وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي إِن لِأَنَّهَا أصل الْجَزَاء وَلَا تُفَارِقهُ فَجَاز هَذَا كَمَا جَازَ إِضْمَار الْفِعْل فِيهَا حِين قَالُوا: إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر.
وَأما سَائِر حُرُوف الْجَزَاء فَهَذَا فِيهِ ضعف فِي الْكَلَام لِأَنَّهَا لَيست كَإِن فَلَو جَاءَ فِي إِن وَقد جزمت كَانَ أقوى إِذْ جَازَ فِيهِ فعل. وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر مَجْزُومًا فِي غير إِن قَول عدي بن زيد:)
وَقَالَ: أَيْنَمَا الرّيح تميلها تمل وَلَو كَانَت فعل كَانَ أقوى إِذْ كَانَ ذَلِك جَائِزا فِي إِن فِي الْكَلَام. وَاعْلَم أَن قَوْلهم فِي الشّعْر: إِن زيد يأتك يكن كَذَا إِنَّمَا ارْتَفع على فعل
(9/39)

هَذَا تَفْسِيره كَمَا كَانَ ذَلِك فِي قَوْلك: إِن زيدا رَأَيْته يكن ذَلِك لِأَنَّهَا لَا يبتدأ بعْدهَا الْأَسْمَاء ثمَّ يبْنى عَلَيْهَا. فَإِن قلت: إِن تأتني زيد يقل ذَلِك جَازَ على قَول من قَالَ: زيدا ضَربته. وَهَذَا مَوضِع ابْتِدَاء.
أَلا ترى أَنَّك لَو جِئْت بِالْفَاءِ فَقلت: إِن تأتني فَأَنا خير لَك كَانَ حسنا. وَإِن لم تَجْعَلهُ على ذَلِك رفع وَجَاز فِي الشّعْر كَقَوْلِه: الله يشكرها
وَمثل الأول قَول هِشَام المري: الطَّوِيل
(فَمن نَحن نؤمنه يبت وَهُوَ آمن ... وَمن لَا نجره يمس منا مفزعا)
انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ ولنفاسته سقناه بِتَمَامِهِ.
وَقد أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي قَالَ: قَوْلنَا الْجُمْلَة المفسرة لَا مَحل لَهَا خَالف فِيهِ الشلوبين فَزعم أَنَّهَا بِحَسب مَا تفسره فَهِيَ فِي نَحْو: زيدا ضَربته لَا مَحل لَهَا وَفِي نَحْو: إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر وَنَحْو زيد الْخبز يأكه ينصب الْخبز فِي مَحل رفع. وَلِهَذَا يظْهر الرّفْع إِذا قلت آكله.
قَالَ: فَمن نَحن نؤمنه يبت وَهُوَ آمن فَظهر الْجَزْم. وَكَانَت الْجُمْلَة المفسرة عِنْده عطف بَيَان أَو بَدَلا.
(9/40)

وَلم يثبت الْجُمْهُور وُقُوع الْبَيَان وَالْبدل جملَة.
وَقد بيّنت أَن جملَة الِاشْتِغَال لَيست من الْجمل الَّتِي تسمى فِي الِاصْطِلَاح جملَة مفسرة وَإِن حصل فِيهَا تَفْسِير.
وَلم يثبت جَوَاز حذف الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عطف الْبَيَان وَاخْتلف فِي الْمُبدل مِنْهُ.
وَفِي البغداديات لأبي عَليّ أَن الْجَزْم فِي ذَلِك بأداة شَرط مقدرَة فَإِنَّهُ قَالَ مَا ملخصه: أَن الْفِعْل الْمَحْذُوف وَالْفِعْل الْمَذْكُور فِي نَحْو قَوْله: الْكَامِل
)
لَا تجزعي إِن منفساً أهلكته مجزومان فِي التَّقْدِير وَأَن انجزام الثَّانِي لَيْسَ على الْبَدَلِيَّة إِذْ لم يثبت حذف الْمُبدل مِنْهُ بل على تَكْرِير إِن أَي: إِن أهلكت منفساً إِن أهلكته وساغ إِضْمَار إِن لاتساعهم فِيهَا. اه.
وَالْبَيْت لهشام المري كَمَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَغَيره وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى مرّة بن كَعْب ابْن لؤَي الْقرشِي وَهُوَ شَاعِر جاهلي.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ بعد الستمائة)
الْكَامِل
(يثني عَلَيْك وَأَنت أهل ثنائه ... ولديك إِن هُوَ يستزدك مزِيد)
على أَن مَجِيء الشَّرْط المفصول باسم من أَدَاة الشَّرْط مضارعاً شَاذ وَحقه أَن يكون مَاضِيا سَوَاء كَانَ لفظا وَمعنى نَحْو: إِن زيد قَامَ قُمْت أَو معنى فَقَط نَحْو قَوْله:
(9/41)

الطَّوِيل
(وَإِن هُوَ لم يحمل على النَّفس ضيمها ... فَلَيْسَ إِلَى حسن الثَّنَاء سَبِيل
)
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَنه عمم فِي أَدَاة الشَّرْط وسيبويه خصّه بإن كَمَا تقدم وَتَبعهُ من بعده.
الثَّانِي: أَن مَجِيء الْمُضَارع ضَرُورَة لَا شَاذ سَوَاء كَانَت الأداة إِن أَو غَيرهَا كَمَا تقدم عَن سِيبَوَيْهٍ.
وَرُوِيَ: ولديك إِمَّا يستزدك مزِيد فَلَا شَاهد فِيهِ. فإمَّا هِيَ إِن الشّرطِيَّة وَمَا الزَّائِدَة.
وَالْبَيْت من أَبْيَات سِتَّة لعبد الله بن عنمة الضَّبِّيّ أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من الحماسة وَهِي:
(أأبي لَا تبعد وَلَيْسَ بِخَالِد ... حَيّ وَمن تصب الْمنون بعيد)
(أأبي إِن تصبح رهين قرارة ... زلج الجوانب قعرها ملحود)
(فلرب مكروب كررت وَرَاءه ... فمنعته وَبَنُو أَبِيه شُهُود)
(أنفًا ومحمية وَأَنَّك ذائد ... إِذْ لَا يكَاد أَخُو الْحَافِظ يذود))
(فلرب عان قد فَككت وَسَائِل ... أَعْطيته فغدا وَأَنت حميد)
(يثني عَلَيْك وَأَنت أهل ثنائه ... ولديك إِمَّا يستزدك مزِيد)
وَقَوله: أأبي ... إِلَخ الْهمزَة للنداء وَأبي: منادى. وَلَا تبعد: لَا تهْلك
(9/42)

وَأخْبر أَن ذَلِك لَيْسَ بكائن من أجل أَنه لَا يبْقى على الدَّهْر ذُو حَيَاة. والمنون: الْمنية. وبعيد: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: فَهُوَ بعيد.
-
وَقَوله: تصبح رهين ... إِلَخ أَي: إِن خليت مَكَانك وصرت رهين قبر رتق الجوانب لَا ينعش صريعه وَلَا يفك رهينه فلرب مكروب أَي: رب مضيق عَلَيْهِ تعطفت عَلَيْهِ وأنقذته.
وَقَوله: أنفًا ومحمية: مفعول لأَجله أَي: فعلت ذَلِك حمية وأنفة وَلِأَن من سجيتك الذياد أَي: الْمَنْع حِين لَا ذائد لشدَّة الْأَمر.
والعاني: الْأَسير من عَنَّا يعنو إِذا خضع أَي: وَرب أَسِير أطلقته من إساره وَرب سَائل أَعْطيته فأغنيته فَانْصَرف عَنْك وَأَنت مَحْمُود مشكور وَهُوَ يثني عَلَيْك ويشكر نِعْمَتك. وَلَو عَاد إِلَيْك لوجد معاداً إِذْ لَا تضجر وَلَا تسأم من الإفضال والجود.
وَعبد الله بن عنمة شَاعِر إسلامي مخضرم تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخمسين بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده: أَيْنَمَا الرّيح تميلها تمل لما تقدم قبله. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قَرِيبا وبعيداً.
-
وَأنْشد بعده: إِن منفس أهلكته
(9/43)

هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التِّسْعُونَ بعد الستمائة)
الطَّوِيل
(وللخيل أَيَّام فَمن يصطبر لَهَا ... وَيعرف لَهَا أَيَّامهَا الْخَيْر تعقب)
على أَن الْخَيْر مفعول مقدم لتعقب وَتعقب مجزوم جَوَاب الشَّرْط وَإِنَّمَا كسرت الْبَاء لِأَن القصيدة مجرورة.
وَإِنَّمَا جَازَ الْكسر فِي المجزوم دون الْمَرْفُوع والمنصوب لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْجَرّ فِي الْأَسْمَاء فَلَمَّا وَجب تحريكه للقافية حركوه بحركة النظير.
وَالثَّانِي: أَن الرّفْع وَالنّصب يدخلَانِ هَذَا الْفِعْل وَلَا يدْخل الْجَرّ فَلَو حركوه بِالضَّمِّ أَو الْفَتْح لالتبس حَرَكَة الْإِعْرَاب بحركة الْبناء بِخِلَاف الْكسر فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لبس.
قَالَ يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوَان طفيل: أَرَادَ تعقبه الْخَيل الْخَيْر فَقدم وَأخر. اه.
-
وَأجَاب الدماميني عَن الْكُوفِيّين بِأَن الْخَيْر صفة أَيَّامهَا أَي: أَيَّامهَا الطّيبَة فَلَا فصل لِأَنَّهُ لَيْسَ بمفعول للجزاء فَجزم تعقب لعدم الْفَصْل.
(9/44)

وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْأَيَّام هُنَا عبارَة عَن الشدائد الْمُتَعَلّقَة برياضة الْخَيل ومقاساة أهوالها فَلَا طيب بالشدائد على النَّفس والقرينة اسْتِعْمَال الصَّبْر.
ثَانِيهمَا: أَن تعقب فعل مُتَعَدٍّ فَلَا بُد لَهُ من مفعول وَلَيْسَ هُنَا منزلا منزلَة الْفِعْل اللَّازِم. فَإِذا كَانَ الْخَيْر صفة أَيَّامهَا لَا يعلم مَا الَّذِي تعقبه الْخَيل.
وَيشْهد لما قُلْنَا مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَهُوَ قَول الشَّاعِر: الطَّوِيل وكل مفداة العلالة صلدم قَالَ: أَي: أعقبهم خيلهم هَذِه خيرا مِمَّا قَامُوا عَلَيْهَا وصنعوها. والأهوج: الَّذِي يركب رَأسه.
والمهرج بِكَسْر الْمِيم: الْكثير الجري.
وَقَوله: مفداة العلالة يُقَال لَهَا إِذا طلب علالتها وَهِي بَقِيَّة جريها: ويهاً فداً لَك وَمثله قَول طفيل: وللخيل أَيَّام الْبَيْت)
وَالْعرب لِكَثْرَة انتفاعها بِالْخَيْلِ تسميها الْخَيْر قَالَ الله تَعَالَى: إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب. ذكرُوا أَنه لَهَا بِالْخَيْلِ وبالنظر إِلَيْهَا حَتَّى فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر.
-
وَقَالَ أَبُو مَيْمُون الْعجلِيّ: الزّجر وَالْخَيْل والخيرات كالقرينين
(9/45)

وَقَوله: وللخيل أَيَّام مُبْتَدأ وَخير وَقَوله: وَيعرف لَا مَعْطُوف على يصطبر وَلِهَذَا جزم. وَتعقب أَي: تحدث الْخَيْر فِي الْعَاقِبَة. والماضي أعقب بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين كَمَا فهم من ابْن السّكيت.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ بَيْتا قَالَهَا فِي غَارة أغارها على طَيئ أَكْثَرهَا فِي وصف الْخَيل.
وَبعده: الطَّوِيل
(وَقد كَانَ حيانا عدوين فِي الَّذِي ... خلا فعلى مَا كَانَ فِي الدَّهْر فارتبي)
(إِلَى الْيَوْم لم تحدث إِلَيْكُم وَسِيلَة ... وَلم تجدوها عندنَا فِي التنسب)
(جزيناهم أمس الْعَظِيمَة إننا ... مَتى مَا تكن منا الوسيقة نطلب)
قَالَ ابْن السّكيت: قَوْله: فارتبي يُرِيد: فاثبتي أيتها الْعَدَاوَة.
وَقَوله: إِلَى الْيَوْم ... إِلَخ يَقُول: لم تكن بَيْننَا مَوَدَّة وَلَا نسب فيستعطف بِهِ. والوسيقة: الطريدة. والعظيمة: الفظيعة.
وطفيل الغنوي شَاعِر جاهلي وَهُوَ طفيل بن عَوْف بن خلف بن ضبيس ابْن مَالك بن سعد بن عَوْف بن كَعْب بن جلان بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن
غنم بِفَتْح فَسُكُون ابْن غَنِي بن أعصر. كَذَا فِي الجمهرة.
(9/46)

قَالَ الصولي فِي كتاب الْكتاب فِي خلال وصف الحبر: وَسموا طفيلاً الغنوي محبراً لتحسينه شعره.
وَقيل سمي بذلك لقَوْله يصف بردا: الطَّوِيل
(سماوته أسمال برد محبر ... وسائره من أتحمى معصب)
وسماوة الْبَيْت: سقفه. والأتحمي: ضرب من البرود. اه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ طفيل الغنوي من أوصف الْعَرَب للخيل فَقَالَ عبد الْملك:)
من أَرَادَ ركُوب الْخَيل فليرو شعر طفيل. وَقَالَ مُعَاوِيَة: دعوا لي طفيلاً وَسَائِر الشُّعَرَاء لكم.
اه.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ طفيل أحد نعات الْخَيل وَكَانَ أكبر من النابغتين وَلَيْسَ فِي قيس فَحل أقدم وَقد أورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف أَرْبَعَة شعراء كل مِنْهُم اسْمه طفيل أحدهم هَذَا.
-
وَأنْشد بعده: الرجز
(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع ... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع)
على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على أَن رُتْبَة الْجَزَاء التَّقْدِيم فَرفع تصرع مُرَاعَاة لأصله وَلَو كَانَ رتبته التَّأْخِير لجزم.
وَأجَاب الشَّارِح عَنهُ بِأَنَّهُ ضَرُورَة كَمَا بَينه.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نَصه: وَقد تَقول: إِن أتيتني آتِيك أَي: آتِيك إِن أتيتني.
قَالَ زُهَيْر: الْبَسِيط
(وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مَسْأَلَة ... يَقُول لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم)
وَلَا يحسن إِن تَأتِينِي آتِيك من قبل أَن إِن هِيَ العاملة. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ:
(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع ... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع
(9/47)

)
أَي: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك.
وَمثل ذَلِك قَوْله: الْبَسِيط أَي: والمرء ذِئْب إِن يلق الرشا. قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ قديم أنشدنيه أَبُو عَمْرو.
وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل
(وَإِنِّي مَتى أشرف على الْجَانِب الَّذِي ... بِهِ أَنْت من بَين الجوانب نَاظر)
أَي: إِنِّي نَاظر مَتى أشرف. فَجَاز هَذَا فِي الشّعْر وشبهوه بالجزاء إِذا كَانَ جَوَابه منجزماً لِأَن الْمَعْنى وَاحِد كَمَا شبه الله يشكرها
(9/48)

جعله بِمَنْزِلَة يشكرها الله.
وكما قَالُوا فِي اضطرار: إِن تأتني أَنا صَاحبك تُرِيدُ معنى الْفَاء فتشبهه بِبَعْض مَا يجوز فِي الْكَلَام حذفه وَأَنت تعنيه.
وَقد يُقَال: إِن أتيتني آتِك وَإِن لم تأتني أجزك لِأَن هَذَا فِي مَوضِع الْفِعْل المجزوم وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن)
تفعل أفعل. وَتقول: إِن تأتني فأكرمك أَي: فَأَنا أكرمك فَلَا بُد من رفع فأكرمك إِذا سكت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَوَاب. وَإِنَّمَا ارْتَفع لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مُبْتَدأ. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
فتخريج الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْبَيْت خلاف مَا خرجه سِيبَوَيْهٍ فَإِن الشَّارِح جعل تصرع جَوَاب الشَّرْط مَعَ مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ الْفَاء الرابطة وَالتَّقْدِير: فَأَنت تصرع وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير إِن.
وسيبويه جعل تصرع خير إِن وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله.
-
وَالرجز لعَمْرو بن الخثارم وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط.
من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها على أَن الْفَاء الرابطة محذوفة من جَوَاب الشَّرْط ضَرُورَة أَي: فَالله يشكرها.
(9/49)

قَالَ النّحاس: أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يُجِيز حذف الْفَاء فِي الشّعْر.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَنهُ خِلَافه قَالَ: وَعَن الْمبرد أَنه منع ذَلِك حَتَّى فِي الشّعْر.
ثمَّ قَالَ النّحاس: وَقَالَ أَبُو الْحسن: هُوَ عِنْدِي جَائِز فِي الْكَلَام إِذا علم وَمِنْه قَول الله عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فِيمَا كسبت أَيْدِيكُم وَقُرِئَ:
بِمَا كسبت فاستدل بِهَذَا على أَن الْفَاء محذوفة. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة للْوَالِدين.
وَكَذَلِكَ جوزه ابْن مَالك قَالَ: وَمِنْه حَدِيث اللّقطَة: فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا استمتع بهَا.
ثمَّ قَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو الْحسن: حَدثنِي مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ: حَدثنِي الْمَازِني أَن الْأَصْمَعِي قَالَ: هَذَا الْبَيْت غَيره النحويون وَالرِّوَايَة: من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره وَأَبُو الْحسن قَالَ هَذَا فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس عَن الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي أَنه أنشدهم: فالرحمن يشكره. قَالَ: فَسَأَلته عَن الرِّوَايَة الأولى فَذكر أَن النَّحْوِيين صنعوها. وَلِهَذَا نَظَائِر لَيْسَ هَذَا مَوضِع شرحها. اه.
وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ طعن فِي الروَاة الْعُدُول.
وَأغْرب مِنْهُ مَا نَقله ابْن المستوفي قَالَ: وجدت فِي بعض نسخ
(9/50)

الْكتاب فِي أَصله: قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: خبر الْأَصْمَعِي عَن يُونُس قَالَ: نَحن عَملنَا هَذَا الْبَيْت.)
وَكَذَلِكَ نَقله الْكرْمَانِي فِي الموشح.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ وخدمته لعبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَرَوَاهُ جمَاعَة لكعب بن مَالك الْأنْصَارِيّ.
وَقَبله بيتان وهما:
(
إِن يسلم الْمَرْء من قتل وَمن هرم ... للذة الْعَيْش أفناه الجديدان)
(فَإِنَّمَا هَذِه الدُّنْيَا وَزينتهَا ... كالزاد لَا بُد يَوْمًا أَنه فَانِي)
وترجمه كَعْب بن مَالك تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتِّينَ.
وَعبد الرَّحْمَن بن حسان يعرف نسبه من تَرْجَمَة وَالِده رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقد تقدّمت فِي الشَّاهِد وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل.
(وَأَنِّي مَتى أشرف على الْجَانِب الَّذِي ... بِهِ أَنْت من بَين الجوانب نَاظر)
على أَن قَوْله: نَاظر جَوَاب الشَّرْط بِتَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ الْفَاء الرابطة أَي: فَأَنا نَاظر وَتَكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير أَن.
(9/51)

وَهَذَا خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَإِن نَاظرا عِنْده خير إِن وَالْجُمْلَة دَلِيل جَوَاب الشَّرْط الْمَحْذُوف.
قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: هَذَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ على تَقْدِيم الْجَزَاء: وَإِنِّي نَاظر مَتى أشرف.
وَأَجَازَ أَيْضا أَن يكون على إِضْمَار الْفَاء. وَالَّذِي عِنْد أبي الْعَبَّاس وَعِنْدِي فِيهِ وَفِي أَمْثَاله أَنه على إِضْمَار الْفَاء لَا غير لِأَن الْجَواب فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز أَن ينوى بِهِ غير مَوْضِعه إِذا وجد لَهُ تَأْوِيل.
وَمثله: فَهَذَا على مَا ذكرت لَك. وَكَذَلِكَ قَوْله:
( ... ... ... ... . إِنَّهَا ... مطبعة من يأتها لَا يضيرها)
أَرَادَ: لَا يضيرها من يأتها وَإنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك وَهُوَ عندنَا على إِضْمَار الْفَاء.
فَأَما قَوْله:)
من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها فعلى إِضْمَار الْفَاء فِي كل قَول. اه.
وَسَيَأْتِي نقل كَلَام الْمبرد فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بأبسط من هَذَا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة وَهَذَا مطْلعهَا: ...
(9/52)

(لمية أطلال بحزوى دوائر ... عفتها السوافي بَعدنَا والمواطر)
(كَأَن فُؤَادِي هاض عرفان ربعهَا ... بِهِ وعي سَاق أسلمتها الجبائر)
(عَشِيَّة مَسْعُود يَقُول وَقد جرى ... على لحيتي من عِبْرَة الْعين قاطر)
(أَفِي الدَّار تبْكي أَن تفرق أَهلهَا ... وَأَنت امْرُؤ قد حلمتك العشائر)
(فَلَا ضير أَن تستعبر الْعين إِنَّنِي ... على ذَاك إِلَّا جَوْلَة الدمع صابر
)
(فيا مي هَل يجزى بُكَائِي بِمثلِهِ ... مرَارًا وأنفاسي إِلَيْك الزوافر)
قَوْله: لمية أطلال ... إِلَخ حزوى: اسْم مَكَان. والدوائر: الَّتِي قد انمحت. وعفتها: محتها.
والسوافي: الرِّيَاح الَّتِي تسفي التُّرَاب.
وَقَوله: كَأَن فُؤَادِي ... إِلَخ الهيض: الْكسر بعد الْجَبْر وَضمير بِهِ للفؤاد. والوعي: الْجَبْر.
وأسلمتها: خذلتها. وَالْإِسْلَام: التَّخْلِيَة والخذلان.
والجبارة بِالْكَسْرِ: مَا شددت بِهِ الْكسر من الأعواد. وعرفان فَاعل هاض ووعي: مَفْعُوله.
وَقَوله: عَشِيَّة مَسْعُود هُوَ أَخُو ذِي الرمة.
وَقَوله: فِي الدَّار ... إِلَخ هُوَ مقول مَسْعُود وَأَن تفرق مجرور بِاللَّامِ الْمقدرَة وَأَنت امْرُؤ. .
إِلَخ جملَة حَالية. وحلمتك: وصفتك بالحلم.
وَقَوله: فَلَا ضير. . إِلَخ الضير: الضَّرَر. وصابر: خبر إِنَّنِي يُرِيد: إِنَّنِي صابر على ذَلِك الوجد إِلَّا جَوْلَة الدمع أَي: يجول فِي الْعين.
وَقَوله: فيا مي ... إِلَخ هُوَ مرخم مية. ويجزى بِبِنَاء الْمَفْعُول يُرِيد:
(9/53)

هَل تبكين مثل مَا أبْكِي مرَارًا. والزفير: إِدْخَال النَّفس إِلَى الْجوف. والشهيق: إِخْرَاجه.
وَقَوله: وَأَنِّي مَتى أشرف ... إِلَخ هُوَ بِفَتْح الْهمزَة مَعْطُوف على الْمُسْتَثْنى وَهُوَ جَوْلَة الدمع.
قَالَ شَارِح ديوانه: يُرِيد: إِنَّنِي على ذَاك صابر إِلَّا جَوْلَة الدمع وَأَنِّي مَتى أشرف. وَالْأَقْرَب أَن يكون مَعْطُوفًا على بُكَائِي أَي: هَل يجزى نَظَرِي إِلَيْك فِي كل جِهَة كنت فِيهَا أَي: هَل تنظرين)
إِلَيّ كَذَلِك. أَو الْمَعْنى: هَل تجزينني على هَذِه الْمحبَّة. وَالتَّاء من أَنْت مَكْسُورَة.
-
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل فَأَنت طَلَاق وَالطَّلَاق ألية على أَن جملَة: وَالطَّلَاق ألية اعتراضية وَقعت بَين الْمصدر وَهُوَ طَلَاق وَبَين عدده وَهُوَ ثَلَاثًا فِي المصراع الثَّانِي وَهُوَ: ثَلَاثًا وَمن يخرق أعق وأظلم وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
(9/54)

الطَّوِيل يرى كل من فِيهَا وحاشاك فانيا
وَهَذَا عجز وصدره: وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب وَالْبَيْت فِيهِ من أَنْوَاع البديع التَّكْمِيل وَهُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر أَو الْمُتَكَلّم بِمَعْنى من مَعَاني الْمَدْح أَو غَيره من فنون الشّعْر وأغراضه ثمَّ يرى مدحه بالاقتصار على ذَلِك الْمَعْنى فَقَط غير كَامِل فيكمل بِمَعْنى آخر كمن أَرَادَ مدح إِنْسَان بالشجاعة وَرَأى مدحه بالاقتصار عَلَيْهَا دون الْكَرم مثلا غير كَامِل فيكمله بِذكر الْكَرم أَو بالبأس دون الْحلم وَمَا أشبهه.
قَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير: وَمِمَّا وهم فِيهِ المؤلفون فِي هَذَا الْموضع أَنهم خلطوا التَّكْمِيل بالتتميم إِذْ ساقوا فِي بَاب التتميم شَوَاهِد التَّكْمِيل لأَنهم ذكرُوا قَول عَوْف: السَّرِيع
(إِن الثَّمَانِينَ وبلغتها ... قد أحوجت سَمْعِي إِلَى ترجمان)
من شَوَاهِد التتميم.
وَمعنى الْبَيْت تَامّ بِدُونِ لَفْظَة وبلغتها. وَإِذا لم يكن الْمَعْنى نَاقِصا فيكف يُسمى هَذَا تتميماً وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيل. وَمَا غلطهم إِلَّا من كَونهم لم يفرقُوا بَين تتميم الْأَلْفَاظ وتتميم الْمعَانِي.
وَكَذَلِكَ أَتَوا بقول المتنبي:)
وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب الْبَيْت
(9/55)

فِي بَاب التتميم وَهُوَ مثل الأول وَإِن زَاد على الأول أدنى زِيَادَة لما فِي لَفْظَة حاشاك بعد ذكر الفناء من حسن الْأَدَب مَعَ الممدوح. وَرُبمَا سومح بِأَن يَجْعَل هَذَا الْبَيْت فِي شَوَاهِد التتميم بِهَذِهِ اللَّفْظَة. وَأما الأول فمحض التَّكْمِيل وَلَا مدْخل
لَهُ فِي التتميم. اه.
وَقد ذكر التتميم فِي أول كِتَابه وَقَالَ: سَمَّاهُ ابْن المعتز اعْتِرَاض كَلَام فِي كَلَام لم يتم مَعْنَاهُ ثمَّ يعود الْمُتَكَلّم فيتمه. وَشرح حَده: أَنه الْكَلِمَة الَّتِي إِذا طرحت من الْكَلَام نقص حسن مَعْنَاهُ أَو مبالغته مَعَ أَن لَفظه يُوهم بِأَنَّهُ تَامّ. ومجيئه على وَجْهَيْن: للْمُبَالَغَة وَالِاحْتِيَاط. وَيَجِيء فِي المقاطع كَمَا يَجِيء فِي الحشو. هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الْحَد منطبق على الْبَيْت.
وَأما أَنا فالبيت عِنْدِي من الاحتراس وَهُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بِمَعْنى يتَوَجَّه عَلَيْهِ دخل فيفطن لَهُ فَيَأْتِي بِمَا يلخصه من ذَلِك.
قَالَ ابْن أبي الإصبع: وَالْفرق بَين الثَّلَاثَة أَن الْمَعْنى قبل التَّكْمِيل صَحِيح تَامّ ثمَّ يَأْتِي التَّكْمِيل زِيَادَة يكمل بهَا حَسَنَة إِمَّا بفن زَائِد أَو بِمَعْنى.
والتتميم يَأْتِي ليتمم نقص الْمَعْنى. والاحتراس لاحْتِمَال دخل على الْمَعْنى وَإِن كَانَ تَاما كَامِلا.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي مدح بهَا كافوراً الإخشيدي
(9/56)

(وَقد تهب الْجَيْش الَّذِي جَاءَ غازيا ... لسائلك الْفَرد الَّذِي جَاءَ عافيا)
يَقُول: إِذا غزاك جَيش أَخَذته فَوَهَبته لسائل وَاحِد أَتَاك يَسْأَلك.
وَقَوله: وتحتقر الدُّنْيَا ... إِلَخ هُوَ بِالْخِطَابِ. وَجُمْلَة: يرى ... إِلَخ صفة لمجرب.
يَقُول: أَنْت تحتقر الدُّنْيَا احتقار من جربها فعرفها وَعلم أَن جَمِيع مَا فِيهَا يفنى وَلَا يبْقى أَي: فَلذَلِك تهبها وَلَا تدخرها.
وَقَوله: وحاشاك اسْتثِْنَاء مِمَّا يفنى. وَذكر هَذَا الِاسْتِثْنَاء تحسيناً للْكَلَام واستعمالاً
للأدب فِي مُخَاطبَة الْمُلُوك وَهُوَ حسن الْموقع.
وترجمه المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل.
(فَقلت تحمل فَوق طوقك إِنَّهَا ... مطبعة من يأتها لَا يضيرها)
على أَن التَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهٍ: لَا يضيرها من يأتها فَهُوَ مُؤخر من تَقْدِيم.
وَقَالَ الْهُذلِيّ: فَقلت تحمل فَوق طوقك ... ... ... ... الْبَيْت
(9/57)

هَكَذَا أنشدناه يُونُس كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يضيرها من كَمَا كَانَ وَأَنِّي مَتى أشرف نَاظر على الْقلب.
وَلَو أُرِيد بِهِ حذف الْفَاء جَازَ فَجعلت كَإِن. اه.
قَالَ الأعلم: وَهَذَا عِنْد الْمبرد على إِرَادَة الْفَاء لِأَن يضير إِذا تقدّمت على من ارْتَفَعت من بِهِ.
وَيلْزم مِنْهُ أَن يبطل عَملهَا من الْجَزْم لِأَن حرف الشَّرْط لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.
-
وَالْحجّة لسيبويه أَنه يقدر الضَّمِير فِي يضير على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِير. وَمن مبتدأه على أَصْلهَا فَلَا يلْزم أَن يرْتَفع من بِهِ وَتبطل من عمل الْجَزْم. هَذَا كَلَامه.
وسننقل كَلَام الْمبرد فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين.
وَقد تكلم أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر على فَاعل يضير على التَّقْدِيرَيْنِ فَقَالَ: من قدر فِيهِ التَّقْدِيم كَانَ فَاعل لَا يضيرها ضير فأضمر الضير لَهُ لدلَالَة يضير عَلَيْهَا. والضير قد اسْتعْمل اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فِي نَحْو لَا ضير كَأَنَّهُ قد صَار اسْما لما يكره وَلَا يُرَاد. وَمن قدر الْفَاء محذوفة أمكن أَن يكون الْفَاعِل عندنَا أحد شَيْئَيْنِ.
أَحدهمَا: الضير كَقَوْل من قدر التَّقْدِيم. وَيجوز أَن يكون فَاعل يضير ضميراً من الَّذِي تقدم أَرَادَ بِمَا تقدم التَّحَمُّل فَوق الطَّاقَة.
وَالْبَيْت من قصدية عدتهَا سَبْعَة عشر بَيْتا لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ قَالَهَا فِي ابْن أُخْته خَالِد بن زُهَيْر وَكَانَ خَاله أَبُو ذُؤَيْب فِي صغره رَسُولا من وهب بن جَابر إِلَى امْرَأَة من هُذَيْل كَانَ يتعشقها وهب وَكَانَ أَبُو ذُؤَيْب
(9/58)

جميلاً فرغبت فِيهِ واطرحت وهباً فَفَشَا أَمرهمَا فِي هُذَيْل فَكَانَ يُرْسل إِلَيْهَا ابْن أُخْته خَالِد بن زُهَيْر وعاهده على أَن لَا يخونه فِيهَا فَلم تلبث أَن عشقت خَالِدا وَتركت أَبَا ذُؤَيْب.
فَجرى بَين أبي ذُؤَيْب وَبَين خَالِد أشعار كَثِيرَة مِنْهَا هَذِه القصيدة وأجابه خَالِد بقصيدة على)
رويها مِنْهَا: الطَّوِيل
(فَلَا تجزعن من سنة أَنْت سرتها ... فَأول رَاض سنة من يسيرها
)
وَقد شرحنا حَالهمَا وَمَا لَهما فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة وَفِي الشَّاهِد السِّتين بعد الستمائة.
وَهَذِه الأبيات من أول قصيدة أبي ذُؤَيْب:
(مَا حمل البختي عَام غياره ... عَلَيْهِ الوسوق برهَا وشعيرها)
(أَتَى قَرْيَة كَانَت كثيرا طعامها ... كرفغ التُّرَاب كل شَيْء يميرها)
(بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت حملت خَالِدا ... وَبَعض أمانات الرِّجَال غرورها)
قَوْله: مَا حمل البختي عَام غياره مَا: نَافِيَة. والبختي: نَائِب فَاعل حمل وَهُوَ وَاحِد البخت وَهُوَ نوع من الْإِبِل.
والغيار بِكَسْر الْمُعْجَمَة مصدر غارهم يغيرهم إِذا مارهم أَي: أَتَاهُم بالميرة بِالْكَسْرِ وَهِي الطَّعَام.
والوسوق: جمع وسق وَهُوَ حمل بعير وَجُمْلَة: عَلَيْهَا الوسوق تَفْسِير لقَوْله: حمل البختي.
وبرها وشعيرها بدل من الوسوق بدل مفصل من مُجمل. وَإِضَافَة الْبر وَالشعِير إِلَى ضمير الوسوق لأدنى مُلَابسَة لِأَنَّهُمَا
(9/59)

يصيران وسوقاً.
وَاخْتَارَ البختي على الْبَعِير لِأَنَّهُ أَشد مِنْهُ وَأقوى على زِيَادَة التَّحَمُّل. وَلِهَذَا قَالَ: عَلَيْهَا الوسوق. يَعْنِي أَن هَذَا البختي حمل أَضْعَاف مَا يحملهُ غَيره من الْإِبِل.
-
وَقَوله: أَتَى قَرْيَة ... إِلَخ فَاعل أَتَى ضمير البختي. وَالْجُمْلَة حَال من البختي.
وَقَوله: كرفغ التُّرَاب أَي: ككثرة التُّرَاب وأصل الرفغ اللين والسهولة وَهُوَ بِالْفَاءِ والغين الْمُعْجَمَة.
وَقَوله: يميرها هُوَ على الْقلب أَي: كل شَيْء تميره هَذَا الْقرْيَة فَقلب فَجعل الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْقرْيَة مَفْعُولا وَأسْندَ الْفِعْل إِلَى ضمير كل شَيْء. والنكتة فِيهِ أَن كل شَيْء يُعْطي هَذِه الْقرْيَة وَقَالَ الْقَارِي فِي شَرحه: قَوْله: يميرها يُرِيد يمتار من الْقرْيَة. قَالَ الْبَاهِلِيّ: كل شَيْء يمير لَهَا.
أَقُول: الْوَجْه الأول: معنى الْكَلَام قبل الْقلب وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ بعد الْقلب كَمَا قُلْنَا فِيهَا.
وَقَوله: فَقلت تحمل ... إِلَخ رِوَايَة السكرِي: فَقيل تحمل وَهِي الجيدة أَي: وَقيل للبختي تحمل فَوق طاقتك وَقَوله: إِنَّهَا أَي: إِن هَذِه الْقرْيَة مطبعة أَي: مختومة بالطابع.)
يَعْنِي أَن هَذِه الْقرْيَة مَمْلُوءَة بِالطَّعَامِ لِأَن الْخَتْم إِنَّمَا يكون غَالِبا بعد الملء. وَفِيه مُبَالغَة لَا تخفى.
وَجُمْلَة: إِنَّهَا مطبعة اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ سَأَلَ البختي هَل يدعونني أَن أتحمل فَوق طاقتي من هَذِه الْقرْيَة.
فَهُوَ سُؤال عَن السَّبَب الْخَاص للْحكم لَا عَن سَبَب الحكم مُطلقًا فَلهَذَا أكد بإن. وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير ثَان لإن. وضاره ضيراً من بَاب بَاعَ: أضرّ بِهِ.
(9/60)

وَقَوله: بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت ... إِلَخ يَقُول: مَا حمل هَذَا البختي من الطَّعَام بِأَكْثَرَ مِمَّا كنت حمت خَالِدا من الْأَمَانَة. والغرور بِالضَّمِّ الْغَفْلَة وَالضَّمِير للرِّجَال.
وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.
-
وَأنْشد بعده: الْبَسِيط.
والمرء عِنْد الرشا إِن يلقها ذيب على أَن التَّقْدِير عِنْد سِيبَوَيْهٍ: والمرء ذِئْب فَأخر خبر الْمُبْتَدَأ بعد الشَّرْط وَتَكون الْجُمْلَة دَلِيل الْجَواب الْمَحْذُوف.
وَعند الْمبرد ذيب هُوَ الْجَزَاء بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ مَعَ الْفَاء أَيْن: فَهُوَ ذيب وَتَكون الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خبر الْمُبْتَدَأ.
وَهَذَا عجز وصدره: هَذَا سراقَة لِلْقُرْآنِ يدرسه وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّانِي والثمانين.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(على حِين من تلبث عَلَيْهِ ذنُوبه ... يجد فقدها إِذْ فِي الْمقَام تدابر
(9/61)

)
على أَن جزم أدوات الشَّرْط الْمُضَاف إِلَى جُمْلَتهَا ظرف خَاص بالشعر كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ جازى بِمن مَعَ إِضَافَة حِين إِلَى جملَة الشَّرْط ضَرُورَة وَحكمهَا أَن لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى جملَة خبرية وَجَاز هَذَا فِي الشّعْر تَشْبِيها لجملة الشَّرْط بجملة الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز فِي الشّعْر أَن يجازى بعد هَذِه الْحُرُوف فَتَقول: أَتَذكر إِذْ من يأتنا نأته فَإنَّا أجازوه لِأَن إِذْ لَا تغير مَا دخلت عَلَيْهِ عَن حَاله قبل أَن تَجِيء بهَا وَلَا تغير الْكَلَام كأنا قُلْنَا: من يأتنا نأته كَمَا أَنا إِذا قُلْنَا: إِذْ عبد الله منطلق فكأنا قُلْنَا: عبد الله منطلق لِأَن إِذْ لم تحدث شَيْئا قبل أَن تذكرها.
قَالَ لبيد: على حِين من تلبث عَلَيْهِ ... ... ... ... الْبَيْت وَلَو اضْطر شَاعِر فَقَالَ: أَتَذكر إِذْ إِن تأتنا نأتك جَازَ لَهُ كَمَا جَازَ فِي من. وَتقول: أَتَذكر إِذْ نَحن من يأتنا نأته فَنحْن فصلت بَين إِذْ وَمن.
وَتقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا من يَأْتِيهِ يُعْطِيهِ وَإِن شِئْت جزمت لِأَن الْإِضْمَار يحسن هُنَا.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا أجمل النَّاس ومررنا بِهِ فَإِذا أَيّمَا رجل. فَإِذا أردْت الْإِضْمَار فكأنك قلت: فَإِذا هُوَ من يَأْته يُعْطِيهِ فَإِن لم تضمر فَهِيَ بِمَنْزِلَة إِذْ لَا يجوز فِيهَا الْجَزْم.
(9/62)

وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَكَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة جَار من بني
الْقَيْن قد لَجأ إِلَيْهِ فَضَربهُ عَمه عَامر بِالسَّيْفِ فَغَضب لذَلِك لبيد وَقَالَ هَذِه القصيدة يعدد على عَمه بلاءه وينكر فعله بجاره.
وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
(ودافعت عَنْك الصَّيْد من آل دارم ... وَمِنْهُم قبيل فِي السرادق فاخر)
(وذدت معداً والعباد وطيئاً ... وكلباً كَمَا ذيد الخماس البواكر))
على حِين من تلبث ... ... ... ... ... . . الْبَيْت الصَّيْد: الرؤساء المتكبرون. يُقَال للسَّيِّد المتعاظم أصيد لميله رَأسه من الْكبر وَالْعَظَمَة تَشْبِيها بالجمل الأصيد وَهُوَ الَّذِي بِهِ دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فيرم أَنفه فيشمخ ويميل رَأسه لذَلِك الوجع.
والقبيل: الْجَمَاعَة من قوم شَتَّى. والسرادق: مَا يدار حول الْخَيْمَة من شقق بِلَا سقف وَقيل: هُوَ الْفسْطَاط وَقيل: هُوَ كل بَيت من قطن.
وفاخر يُرِيد يفخرون عَلَيْك.
(9/63)

وَقَوله: وذدت معداً ... إِلَخ الذود الطَّرْد. ومعد: أَبُو قَبيلَة أَرَادَ من ينْسب إِلَيْهِ من أَوْلَاده.
-
والعباد: بِالْكَسْرِ: قبائل شَتَّى من بطُون الْعَرَب اجْتَمعُوا على النَّصْرَانِيَّة بِالْحيرَةِ وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عبَادي.
وطيئ بِهَمْزَة الآخر على وزن فيعل هُوَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة بِلَا همز. وكلب أَيْضا: قَبيلَة.
والخماس بِالْكَسْرِ: الْإِبِل الَّتِي لَا تشرب أَرْبَعَة أَيَّام. والبواكر: الَّتِي تبكر غَدَاة الْخمس.
وَقَوله: على حِين من تلبث على مُتَعَلقَة بقوله: ذدت وَحين يجوز جرها بالكسرة وَيجوز بناؤها على الفتحة لِأَن الظروف المضافة إِلَى الْجمل يجوز إعرابها وبناؤها على الفتحة.
واللبث: البطء.
والذنُوب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: هِيَ الدَّلْو الْعَظِيمَة.
قَالُوا: وَلَا تسمى ذنوباً حَتَّى تكون مَمْلُوءَة مَاء. وتذكر وتؤنث. وَقَالَ الزّجاج: مُذَكّر لَا غير. اه.
وَيرد عَلَيْهِ حصره هَذَا الْبَيْت فَإِن الضَّمِير فِي فقدها مؤنث وَهُوَ عَائِد إِلَى الذُّنُوب. والتدابر: التقاطع. وَأَصله أَن يولي كل وَاحِد من المتقاطعين صَاحبه دبره. يَقُول لِعَمِّهِ عِنْد قِيَامه فِي مقَام النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة مَعَ خصومه: أَنا دافعت عَنْك بلساني فِي مجمع.
يَقُول: قُمْت بفخرك وأيامك على حِين من لَا يقوم بحجته. وَهَذَا على الْمثل. يَعْنِي أَنه نَصره فِي وَقت إِن تبطئ فِيهِ الْحجَّة عَن المحتج يهْلك وَلَا يُمكنهُ أَن يتلافى مَا فرط مِنْهُ.
وَقَوله: يجد فقدها مَعْنَاهُ يؤلمه فقدها كَمَا يُقَال: وجد فلَان فقد فلَان إِذا انْقَطع عَنهُ نَفعه فأثر ذَلِك فِي حَاله.
وروى: تداثر
(9/64)

بِالْمُثَلثَةِ بدل تدابر بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التزاحم وَالتَّكَاثُر.
)
جعل الْجمع الَّذين عِنْد الْملك بِمَنْزِلَة المزدحمين على المَاء ليسقوا إبلهم. وأصل الدثر المَال الْكثير.
وَأَرَادَ بالْمقَام الْمجْلس الَّذِي جمعهم للخصام.
وَرُوِيَ فِي ديوانه: يجد فقدها وَفِي الذناب تداثر بِالْمُثَلثَةِ. والذناب بِالْكَسْرِ: جمع ذنُوب الْمَذْكُورَة. قَالَ شَارِح ديوانه: يَقُول: ذدت عَنْك فِي ذَلِك الْوَقْت. تلبث: تبطئ. والذنُوب: الدَّلْو. يجد فقدها إِذا لم تخرج إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا هَذَا مثل ضربه.
وَفِي الذناب تداثر يَقُول: وَفِي ذَلِك تكاثر. وَإِنَّمَا هَذَا مثل أَرَادَ الألسن الَّتِي كثرت عَلَيْهِ. اه.
وروى سِيبَوَيْهٍ المصراع الثَّانِي كَذَا: يَرث شربه إِذْ فِي الْمقَام تدابر قَالَ الأعلم: وصف مقَاما فاخر فِيهِ غَيره وَكَثُرت الْمُخَاصمَة والمحاجة فِيهِ. وَضرب الذُّنُوب وَهِي الدَّلْو مَمْلُوءَة مَاء مثلا لما نزل بِهِ من الْحجَّة. وَالشرب بِالْكَسْرِ: الْحَظ من المَاء. والريث: وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
(9/65)

الطَّوِيل.
(
وَلست بحلال التلاع مَخَافَة ... وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد)
على أَن وُقُوع الْجُمْلَة الشّرطِيَّة بعد لَكِن لكَونهَا لَا تغير معنى الْجُمْلَة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول: مَا أَنا ببخيل وَلَكِن إِن تأتني أعطك. جَازَ هَذَا وَحسن لِأَنَّك قد تضمر هَاهُنَا كَمَا تضمر فِي إِذا.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَا رَأَيْتُك عَاقِلا وَلَكِن أَحمَق. وَإِن لم تضمر تركت الْجَزَاء كَمَا فعلت ذَلِك فِي إِذا.
قَالَ طرفَة: وَلست بحلال التلاع مَخَافَة ... ... ... ... ... الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: أَنا. وَلَا يجوز فِي مَتى أَن يكون الْفِعْل وصلا لَهَا كَمَا جَازَ فِي من.
(وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
والقوافي مَرْفُوعَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن أَنْفَع مَتى مَا أملك الضّر وَيكون أملك على مَتى فِي مَوضِع جَزَاء وَمَا لَغْو. وَلم تَجِد سَبِيلا إِلَى أَن تكون بِمَنْزِلَة من فتوصل وَلكنهَا كمهما. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
فَشرط جَوَاز وُقُوع أَدَاة الشَّرْط بعد لَكِن تَقْدِير الضَّمِير بَينهمَا وَحِينَئِذٍ لَا ضَرُورَة فِيهِ بل هُوَ حسن للفصل كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ.
وَلم يصب الأعلم فِي قَوْله: الشَّاهِد فِي هَذَا الْبَيْت حذف الْمُبْتَدَأ بعد لَكِن ضَرُورَة والمجازاة بعْدهَا وَالتَّقْدِير: وَلَكِن أَنا مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد. اه.
-
وَإِن لم يقدر الضَّمِير فَلَا يجوز وُقُوع الأداة بعد لَكِن إِلَّا فِي الشّعْر.
(9/66)

وَالشَّارِح الْمُحَقق أخل بِهَذَا التَّفْصِيل وَلم يذكرهُ وَقد أَخذ بِهِ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية وَقَالَ فِيهَا: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد تَقْدِيره: وَلَكِن أَنا. إِن قيل هَذَا لم يحْتَج إِلَى الضَّمِير لِأَن لَكِن إِنَّمَا تشبه الْفِعْل إِذا كَانَت ثَقيلَة)
فَإِذا خفت زَالَ عَنْهَا شبه الْفِعْل وَإِذا كَانَ كَذَلِك صلحت للجملتين وَإِذا صلحت لَهما لم تحتج إِلَى ضمير قيل: لَكِن لما فِيهَا من معنى الِاسْتِدْرَاك لم يزل عَنْهَا معنى الْفِعْل فاحتيج إِلَى الضَّمِير فِيهَا.
وَهَذَا عِنْدِي إِنَّمَا يجب إِذا دخل حرف الْعَطف عَلَيْهِ نَحْو: وَلَكِن الَّتِي فِي الْبَيْت لِأَن حرف الْعَطف إِذا دخل عَلَيْهَا خلصت لمعناها وَخرجت من الْعَطف. وَإِذا لم يدْخل عَلَيْهَا حرف الْعَطف كَانَت للْعَطْف فَلم يحْتَج فِي وُقُوع الْجَزَاء بعْدهَا إِلَى إِضْمَار كَمَا لَا يحْتَاج فِي حُرُوف الْعَطف إِلَى ذَلِك. اه.
وَقد نقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن أبي عَليّ خلاف هَذَا. قَالَ: وَزعم سِيبَوَيْهٍ فِي قَوْله: وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد أَن التَّقْدِير: وَلَكِن أَنا. ووجهوه بِأَن لَكِن تشبه الْفِعْل فَلَا تدخل عَلَيْهِ. وَبَيَان كَونهَا دَاخِلَة عَلَيْهِ أَن مَتى مَنْصُوبَة بِفعل الشَّرْط فالفعل مقدم فِي الرُّتْبَة عَلَيْهِ.
-
ورده الْفَارِسِي بِأَن الْمُشبه للْفِعْل هُوَ لَكِن الْمُشَدّدَة لَا المخففة وَلِهَذَا لم تعْمل المخففة لعدم اختصاصها بالأسماء. وَقيل: إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى التَّقْدِير إِذا دخل عَلَيْهَا الْوَاو لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تخلص لمعناها وَتخرج عَن الْعَطف. اه.
(9/67)

وَقَوله: وَلست بحلال ... إِلَخ الْحَلَال: مُبَالغَة الْحَال من الْحُلُول وَهُوَ النُّزُول. وَالْأَحْسَن أَن يكون فعال للنسبة أَي: لست بِذِي حُلُول والتلاع: جمع تلعة وَهُوَ مجْرى المَاء من رُؤُوس الْجبَال إِلَى الأودية.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: والتلعة من الأضداد تكون مَا ارْتَفع وَمَا انخفض. وَالْمرَاد هُنَا الثَّانِي وَهُوَ سيل مَاء عَظِيم. ومخافة: مفعول لأَجله. وأرفد بِكَسْر الْفَاء لِأَنَّهُ مضارع رفده رفداً من بَاب ضرب أَي: أعطَاهُ أَو أَعَانَهُ. والرفد بِالْكَسْرِ اسْم مِنْهُ. وأرفده بِالْألف مثله. وترافدوا: تعاونوا. واسترفدته: طلبت رفده.
قَالَ الزوزني: الْمَعْنى إِنِّي لست مِمَّن يسْتَتر فِي التلاع مَخَافَة الضَّيْف أَو غدر الْأَعْدَاء إيَّايَ وَلَكِن أظهر وأعين الْقَوْم إِذا استعانوا بِي إِمَّا فِي قرى الضَّيْف وَإِمَّا فِي قتال الْأَعْدَاء.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة طرفَة بن العَبْد. وَقد عابه المرزباني فِي كتاب الموشح وَقَالَ: المصراع الثَّانِي غير مشاكل للْأولِ.)
وَبعده:
(فَإِن تبغني فِي حَلقَة الْقَوْم تلقني ... وَإِن تقتنصني فِي الحوانيت تصطد
(9/68)

)
الْحلقَة بِسُكُون اللَّام: مَا اسْتَدَارَ من النَّاس وَمن الْحَدِيد وَتجمع على الحَلَق بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام يَقُول: وَإِن تطلبني فِي محفل الْقَوْم وجدتني هُنَاكَ وَإِن تطلبني فِي بيُوت الخمارين صدتني.
والبغاء هُوَ الطّلب وَالْفِعْل بغى يَبْغِي. يُرِيد أَنه يجمع بَين الْجد والهزل. كَذَا فِي شرح الزوزني.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ: الْمَعْنى إِن تطلبني فِي مَوضِع يجْتَمع الْقَوْم فِيهِ للمشورة وإجالة الرَّأْي تلقني لما عِنْدِي من الرَّأْي لَا أَتَخَلَّف عَنْهُم وَإِن تطلبت صيدي فِي حوانيت الخمارين تجدني أشْرب وأسقي من حضرني. والحانوت: بَيت الْخمار يذكر وَيُؤَنث. اه.
وَقَالَ ابْن السّكيت: يَقُول: أبدا تجدني فِي مجْلِس الْقَوْم للمفاخرة وَفِي بيُوت الخمارين مَعَ الشّرْب يَعْنِي أَنه من وُجُوه قومه لَا يبرم أَمر إِلَّا بِحَضْرَتِهِ وَأَنه صَاحب شراب وَلَهو. اه.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(9/69)

الطَّوِيل
(
وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
على أَن أَنْفَع مَرْفُوع وَهُوَ مُؤخر لمن تَقْدِيم لضَرُورَة الشّعْر كَمَا فِي قَوْله: وَالْأَصْل فيهمَا: وَلَكِن أَنْفَع مَتى أملك الضّر وَإنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك وَيكون هَذَا الْمُقدم تَقْديرا دَلِيل الْجَزَاء الْمَحْذُوف.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَالَّذِي سمعناهم ينشدون قَول العجير السَّلُولي: وَمَا ذَاك إِن كَانَ ابْن عمي الْبَيْت.
والقوافي مَرْفُوعَة كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن أَنْفَع مَتى مَا أملك الضّر. اه.
والضرورة عِنْد الْمبرد إِنَّمَا هِيَ فِي حذف الْفَاء من أَنْفَع وتصرع وَقد رد على سِيبَوَيْهٍ دَعْوَاهُ تَقْدِير التَّقْدِيم فِي هَذَا وَفِيمَا تقدم وَنَقله ابْن السراج فِي الْأُصُول فَلَا بَأْس علينا إِن نَقَلْنَاهُ. وَهَذَا كَلَامه: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: أما قَوْله: آتِيك إِن أتيتني فَغير مُنكر وَلَا مَدْفُوع اسْتغنى عَن الْجَواب بِمَا تقدم وَلم تجزم إِن شَيْئا فتحتاج إِلَى جَوَاب مجزوم أَو شَيْء فِي مَكَانَهُ.)
وَأما قَوْله: الْبَسِيط
(
وَإِن أَتَاهُ
خَلِيل يَوْم مسغبة ... يَقُول لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم)
يَقُول على الْقلب فَهُوَ محَال وَذَلِكَ لِأَن الْجَواب حَده أَن يكون بعد إِن وفعلها الأول وَإِنَّمَا يَعْنِي بالشَّيْء مَوْضِعه إِذا كَانَ فِي غير مَوْضِعه
(9/70)

نَحْو: ضرب غُلَامه زيد لِأَن حد الْغُلَام أَن يكون بعد زيد. وَهَذَا قد وَقع فِي مَوْضِعه من الْجَزَاء فَلَو جَازَ أَن تَعْنِي بِهِ التَّقْدِيم لجَاز أَن تَقول: ضرب وَأما مَا ذكره من: من وَمَتى وَسَائِر الْحُرُوف فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل فِي الْأَسْمَاء مِنْهَا والظروف من وُجُوه فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لِأَنَّك إِذا قلت: آتِي من أَتَانِي وَجب أَن تكون من مَنْصُوبَة بِقَوْلِك: أُتِي وَنَحْوه وحروف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا فَلَيْسَ يجوز هَذَا إِلَّا أَن تُرِيدُ بهَا معنى الَّذِي وَمَتى إِذا قلت: آتِيك مَتى أتيتني فَمَتَى للجزاء وَهُوَ ظرف لأتيتني لِأَن حرف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله وَلَكِن الْفِعْل الَّذِي قبل مَتى أغْنى عَن الْجَواب كَمَا قلت فِي إِن فِي قَوْلك: أَنْت ظَالِم إِن فعلت. فَأَنت ظَالِم مُنْقَطع من إِن وَقد سد مسد الْجَواب.
وَكَذَلِكَ آتِيك قد سدت مسد الْجَواب فِي مَتى وَإِن لم يكن مِنْهَا فِي شَيْء لِأَن مَتى مَنْصُوبَة بأتيتني لِأَن حُرُوف الْجَزَاء من الظروف والأسماء إِنَّمَا يعْمل فيهمَا مَا بعدهمَا وَهُوَ الْجَزَاء الَّذِي يعْمل فِيهِ الْجَزْم. وَالْبَاب كُله على هَذَا لَا يجوز غَيره.
وَلَو وضع الْكَلَام فِي مَوْضِعه لَكَانَ تَقْدِيره: مَتى أتيتني فأتيتك أَي: فَأَنا آتِيك.
وَأما قَوْله: ... من يأتها لَا يضيرها إِنَّمَا هُوَ من يضيرها لَا يأتها فمحال أَن ترْتَفع من بِقَوْلِك لَا يضيرها وَمن مُبْتَدأ كَمَا لَا تَقول زيد يقوم فترفعه بيقوم. وكل مَا كَانَ مثله فَهَذَا قِيَاسه.
وَهَذِه الأبيات الَّتِي أنشدها كلهَا لَا تصلح إِلَّا على إِرَادَة الْفَاء فِي الْجَواب كَقَوْلِه: الله يشكرها لَا يجوز إِلَّا ذَلِك. اه.
(9/71)

-
وَالْبَيْت من قصيدة للعجير السَّلُولي. قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني وَابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَت للعجير بنت عَم كَانَ يهواها وتهواه فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فوعده وقاربه ثمَّ خطبهَا رجل من بني عَامر مُوسر فَخَيرهَا أَبوهَا بَينه وَبَين العجير فَاخْتَارَتْ العامري)
ليساره فَقَالَ العجير فِي ذَلِك:
(ألما على دَار لِزَيْنَب قد أَتَى ... لَهَا باللوى ذِي المرج صيف ومربع)
(وقولا لَهَا: قد طَال مَا لم تكلمي ... وراعك بِالْغَيْبِ الْفُؤَاد المروع)
(وقولا لَهَا: قَالَ العجير وخصني ... إِلَيْك وإرسال الخليلين ينفع)
(أَأَنْت الَّذِي أودعتك السِّرّ وانتحى ... بك الخون مزاح من الْقَوْم أَقرع)
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفان: شامت ... وَآخر مثن بِالَّذِي كنت أصنع)
(وَلَكِن ستبكيني خطوب كَثِيرَة ... وشعث أهينوا فِي الْمجَالِس جوع)
(ومستلحم قد صَكه الْقَوْم صَكَّة ... بعيد الموَالِي نيل مَا كَانَ يمْنَع)
...
(9/72)

(وَمَا ذَاك أَن كَانَ ابْن عمي وَلَا أخي ... وَلَكِن مَتى مَا أملك الضّر أَنْفَع)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة.
والإلمام: النُّزُول وَضَمنَهُ معنى الإشراف. واللوى: مَا التوى من الرمل. والمرج: الْموضع الَّذِي ترعى فِيهِ الدَّوَابّ. وَأَرَادَ بالمربع الرّبيع.
-
وراعك: أفزعك. وانتحى: اعْتمد وَقصد. والخون: الْخِيَانَة.
وَقَوله: إِذا مت كَانَ النَّاس ... . إِلَخ هُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ على أَن كَانَ فِيهَا ضمير الشَّأْن وَهُوَ اسْمهَا. وَجُمْلَة النَّاس صنفان: خَيرهَا.
وروى ابْن الْأَعرَابِي الْبَيْت كَذَا:
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفين شامت ... ومثن بنيري بعض مَا كنت أصنع)
فَكَانَ على أَصْلهَا. والنيران: العلمان فِي الثَّوْب. وَإِنَّمَا يُرِيد أَنه يثنى عَلَيْهِ بِحسن فعله الَّذِي هُوَ فِي أَفعَال النَّاس كَالْعلمِ فِي الثَّوْب.
وَخَطأَهُ أَبُو مُحَمَّد الْأسود وَقَالَ: الصَّوَاب الرِّوَايَة الأولى فِي المصراع الثَّانِي.
(9/73)

وَقَوله: وَلَكِن ستبكيني خطوب الخطوب هُنَا: الْأُمُور الْعِظَام. وروى بدله: خصوم جمع خصم وَهُوَ مَعْرُوف. والشعث: جمع أَشْعَث وشعثاء وَهُوَ المتلبد الرَّأْس.
بلَى سَوف تَأتِينِي خطوب كَثِيرَة وَلم يظْهر لي وَجهه. ورويا: أهينوا حَضْرَة الدَّار بدل: أهينوا فِي الْمجَالِس وحضرة: ظرف.
وجوع: جمع جَائِع.)
وَقَوله: ومستلحم قد صَكه بِالرَّفْع مَعْطُوف على مَا قبله. والمستلحم بِكَسْر الْحَاء الْمُسْتَلْحق فِي الْقَرَابَة وَفِي الْجوَار من اللحمة بِالضَّمِّ وَهِي الْقَرَابَة.
-
والصكة: الضَّرْبَة. وَالْمولى هُنَا النَّاصِر والمعين. وبعيد: حَال من الْمَفْعُول.
ورويا: ذليل الموَالِي بدل: بعيد الموَالِي. وَقَوله: نيل أَي أَخذ مِنْهُ مَا كَانَ يمنعهُ.
ورويا المصراع الأول هَكَذَا: ومضطهد قد صَكه الْخصم صَكَّة والمضطهد بِفَتْح الْهَاء: المقهور والمضطر.
وَقَوله: رددت لَهُ مَا فرط القيل أَي: مَا نحاه القيل. قَالَ فِي الصِّحَاح: قَالَ الْخَلِيل: فرط الله عَنهُ مَا يكره أَي: نحاه وقلما يسْتَعْمل إِلَّا فِي الشّعْر. والقيل بِفَتْح الْقَاف: الْملك.
قَالَ ابْن خلف: وَيحْتَمل أَن يكون القيل هُنَا شرب نصف النَّهَار. وآبنا: رَجَعَ إِلَيْنَا. والأضلع بِالْمُعْجَمَةِ: المطيق للشَّيْء الْقَائِم بِهِ. ...
(9/74)

(رددت لَهُ مَا سلف الْقَوْم بالضحى ... وبالأمس حَتَّى اقتاله وَهُوَ أخضع)
وَقَالَ: سلف الْقَوْم ذلاً وَهُوَ أخضع أَرَادَ أَن مفعول سلف مَحْذُوف وَجُمْلَة: وَهُوَ أخضع حَال.
واقتاله أَي: اقتال عَلَيْهِ أَي: تحكم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: واقتال عَلَيْهِ: تحكم. ومادته القَوْل.
وروى أَبُو مُحَمَّد الْأسود المصراع الثَّانِي كَذَا: حَتَّى ناله وَهُوَ أضلع وَقَالَ: أَي: أَخذ أَكثر من حَقه.
-
وَقَوله: وَمَا ذَاك أَن كَانَ ... إِلَخ اسْم الْإِشَارَة رَاجع لما صنعه من الْجَمِيل مَعَ المستلحم وَهُوَ رد مَا أَخذ من مَاله إِلَيْهِ قهرا وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: صَنعته.
وَأَن مَصْدَرِيَّة مجرورة بِاللَّامِ. وَاسم كَانَ ضمير المستلحم. وَابْن خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: وَمَا ذَاك الْجَمِيل فعلته مَعَه لكَونه ابْن عمي ولكونه أخي وَلَكِن من شأني إِذا قدرت على الضَّرَر والبطش نَفَعت.
وروى أَبُو مُحَمَّد الْأسود المصراع الأول كَذَا: وَلست بمولاه وَلَا بِابْن عَمه)
وَأنْشد بعده: الْخَفِيف
(إِن من لَام فِي بني بنت حسا ... ن ألمه واعصه فِي الخطوب)
(9/75)

على أَن ضمير الشَّأْن وَهُوَ اسْم إِن مَحْذُوف وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبَرهَا.
وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع بعد الأربعمائة.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
الْخَفِيف
(من يكدني بسيئ كنت مِنْهُ ... كالشجا بَين حلقه والوريد)
على ن مَجِيء الشَّرْط مضارعاً مَجْزُومًا وَالْجَزَاء مَاضِيا خَاص بالشعر عِنْد بَعضهم.
قَالَ ابْن مَالك: الصَّحِيح الحكم بِجَوَازِهِ لثُبُوته فِي كَلَام أفْصح الفصحاء قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: من يقم لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه.
وَالْبَيْت من قصيدة لأبي زبيد الطَّائِي النَّصْرَانِي رثى بهَا ابْن أُخْته اللَّجْلَاج.
وَقَبله: من يكدني ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت الدرء: الدّفع. وَفِي الحَدِيث: ادرؤوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ.
والشغب
(9/76)

بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين: تهييج الشَّرّ.
-
والمريد: مُبَالغَة المارد.
وَقَوله: من يكدني يُقَال: كاده كيداً من بَاب بَاعَ إِذا خدعه ومكر بِهِ والسيئ: فيعل وصف من السوء. وَكنت بِالْخِطَابِ.
والشجا: مَا يعْتَرض فِي الْحلق كالعظم. والوريد: عرق قيل هُوَ الودج وقِي بجنبه.
وَقَالَ الْفراء: عرق بَين الْحُلْقُوم والعلباوين وَهُوَ ينبض أبدا فَهُوَ من الأوردة الَّتِي فِيهَا الْحَيَاة وَلَا يجْرِي فِيهَا دم بل هِيَ مجاري النَّفس بالحركات.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
(إِن طول الْحَيَاة غير سعود ... وضلال تأميل نيل الخلود)
وعدتها تِسْعَة وَخَمْسُونَ بَيْتا وَهِي من القصائد الْجِيَاد فِي المراثي وَقد جمعهَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس)
اليزيدي وَعَن ابْن حبيب وَهِي عِنْدِي بِخَط مُحَمَّد بن أَسد بن عَليّ الْقَارِي وتاريخ خطه سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلثمائة.
وَأنْشد بعده: من يفعل الْحَسَنَات الله يشكرها
وَتقدم شَرحه قَرِيبا.
(9/77)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا على أَنه قد يسْتَعْمل الْمَاضِي فِي الشَّرْط مُتَحَقق الْوُقُوع وَإِن كَانَ بِغَيْر لفظ كَانَ لكنه قَلِيل.
وَهُوَ هُنَا مَحْذُوف مُفَسّر بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور وَالتَّقْدِير: إِن حزت أذنا قُتَيْبَة. فحز أُذُنَيْهِ قد وَقع فِيمَا مضى من الزَّمَان وَتحقّق مَعْنَاهُ.
وَقدر المُصَنّف فِي شرح الْمفصل بِمَا نَقله الشَّارِح عَنهُ ورده. وَيشْهد لما قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل قَالَ: سَأَلت الْخَلِيل رَحِمَهُ اللَّهُ عَن قَول الفرزدق:
(أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا ... جهاراً وَلم تغْضب لقتل ابْن خازم)
فَقَالَ: لِأَنَّهُ قَبِيح أَن تفصل بَين أَن وَالْفِعْل كَمَا قبح أَن تفصل بَين كي وَالْفِعْل فَلَمَّا قبح ذَلِك وَلم يجز حملوه على إِن لِأَنَّهُ قد يقدم فِيهَا الْأَسْمَاء قبل الْأَفْعَال. اه.
يُرِيد الْخَلِيل أَن إِن فِي الْبَيْت لَا يَصح فتح همزتها للقبح الْمَذْكُور وَإِنَّمَا هِيَ
إِن الْمَكْسُورَة الْهمزَة لجَوَاز الْفَصْل بَينهَا وَبَين الْفِعْل باسم على شريطة التَّفْسِير نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك.
وَفِي الْمسَائِل القصرية لأبي عَليّ: اعْترض أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد على إنشاد هَذَا الْبَيْت بِالْكَسْرِ فَقَالَ: قتل قُتَيْبَة قد مضى وَإِن للجزاء وَالْجَزَاء
(9/78)

يكون لما يَأْتِي فَلَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: إِن قُمْت قُمْت وَقد مضى قِيَامه.
قَالَ أَبُو عَليّ: إِنَّمَا يُرِيد: أفتغضب كلما وَقع هَذَا الْفِعْل أَي: مثل هَذَا الْفِعْل وَإِن كَانَ التَّأْوِيل على هَذَا صَحَّ الْكسر. اه.)
وَأَرَادَ بِتَقْدِير الْمثل كَون الْفِعْل مُسْتَقْبلا.
وَظَاهر نقل أبي عَليّ أَنه لَا يجوز الْكسر عِنْد الْمبرد وَلَكِن صَرِيح كَلَام ابْن السَّيِّد أَن الْمبرد يجوزه قَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد: وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاس فتح أَن فِي هَذَا الْبَيْت وَجعلهَا أَن المخففة من الثَّقِيلَة وأضمر اسْمهَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه أذنا قُتَيْبَة حزنا.
وَمن روى إِن بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ رَأْي سِيبَوَيْهٍ فوجهه أَنه وضع السَّبَب فِي مَوضِع الْمُسَبّب كَأَنَّهُ قَالَ: أتغضب إِن افتخر مفتخر بحزه أُذُنِي قُتَيْبَة كَمَا قَالَ الآخر: الْكَامِل
(إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك لم يكن ... عاراً عَلَيْك وَرب قتل عَار)
الْمَعْنى: إِن افْتَخرُوا بقتلك. فَذكر الْقَتْل الَّذِي هُوَ سَبَب ذَلِك. اه.
وَقد صرفه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَى الْمُسْتَقْبل بتأويلين: أَحدهمَا: مَا ذكره ابْن السَّيِّد من إِقَامَة السَّبَب مقَام الْمُسَبّب.
-
وَالثَّانِي: أَنه على معنى التبين أَي: أتغضب إِن تبين فِي الْمُسْتَقْبل أَن أُذُنِي قُتَيْبَة حزنا فِيمَا مضى.
ثمَّ قَوْله: وَقَالَ الْخَلِيل والمبرد: الصَّوَاب: أَن أذنا بِفَتْح الْهمزَة أَي: لِأَن أذنا هُوَ خلاف مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَخلاف منا نَقله ابْن السَّيِّد عَن الْمبرد. وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن أنْ فِي هَذَا الْبَيْت لَيست للشّرط لمضيه وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى إِذْ.
قَالَ إمَامهمْ فِي سُورَة الزخرف
(9/79)

من تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحاً إِن كُنْتُم قَرَأَ الْأَعْمَش بِالْكَسْرِ وَقَرَأَ عَاصِم وَالْحسن بِفَتْح أَن كَأَنَّهُمْ أَرَادوا شَيْئا مَاضِيا.
وَأَنت تَقول فِي الْكَلَام: أأسبك أنْ تحرمني.
وَمثله: لَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم تكسر إنْ وتفتح. وَمثله: فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إنْ لم يُؤمنُوا وأَن لم يُؤمنُوا.
وَالْعرب تنشد قَول الفرزدق: أتجزع إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا
وأنشدوني: الطَّوِيل
(وتجزع إِن بَان الخليط الْمُودع ... وحبل الصَّفَا من عزة المتقطع)
وَفِي كل وَاحِد من الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحبه من الْكسر وَالْفَتْح. انْتهى كَلَامه.)
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للفرزدق مدح بهَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك وهجا جَرِيرًا.
وَقَبله هَذِه الأبيات: ...
(9/80)

(فَإِن تَكُ قيس فِي قُتَيْبَة أغضبت ... فَلَا عطست إِلَّا بأجدع راغم)
(وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً مجدعاً ... طَغى فسقيناه بكأس ابْن خازم)
(لقد شهِدت قيس فَمَا كَانَ نصرها ... قُتَيْبَة إِلَّا عضها بالأباهم)
(فَإِن تقعدوا تقعد لئام أَذِلَّة ... وَإِن عدتم عدنا بأبيض صارم)
أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة ... ... ... ... ... الْبَيْت تذبذب فِي المخلاة تَحت بطونها محذفة الأذناب جلح المقادم
(ستعلم أَي الواديين لَهُ ثرى ... قَدِيما وَأولى بالبحور الخضارم)
(وَمَا أَنْت من قيس فتنبح دونهَا ... وَلَا من تَمِيم فِي الرؤوس الأعاظم)
(9/81)

قَوْله: فَإِن تَكُ قيس ... إِلَخ قيس: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ قيس بن عيلان بن مُضر.
وقبيلة باهلة: فَخذ من قيس بن عيلان. وَأَرَادَ الْقَبِيلَة. ولجرير خؤولة فِي قيس. وقتيبة: هُوَ ابْن مُسلم الْبَاهِلِيّ وَسَتَأْتِي حكايته. وأغضبت: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
-
وَقَوله: فَلَا عطست ... إِلَخ جملَة دعائية: وَقعت جَزَاء للشّرط فَلِذَا قرنت بِالْفَاءِ. وأجدع: صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: أنف أجدع أَي: مَقْطُوع.
والراغم: الذَّلِيل أَو الكاره وَهُوَ على النِّسْبَة أَي: ذِي الرغام وَهُوَ التُّرَاب يُقَال: أرْغم الله أَنفه أَي: ألصقه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب وَهُوَ كِنَايَة عَن الإذلال.
وَقَوله: وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً اسْم كَانَ ضمير قُتَيْبَة ومجدعاً يدعى عَلَيْهِ بالجدع وَهُوَ قطع الْأنف. وباهلة: قَبيلَة منحطة بَين الْعَرَب.
وَلذَا قيل: المتقارب
(وَمَا ينفع الأَصْل من هَاشم ... إِذا كَانَت النَّفس من باهله)
رُوِيَ أَن قُتَيْبَة هَذَا مازح أَعْرَابِيًا جَافيا فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَن تكون باهلياً فَقَالَ: لَا وَالله. قَالَ: فَتكون باهلياً خَليفَة قَالَ: لَا وَالله وَلَو أَن لي مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَ: فيسرك أَن تكون باهلياً وَتَكون فِي الْجنَّة فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ: بِشَرْط أَن لَا يعلم أهل الْجنَّة أَنِّي باهلي فَضَحِك من قَوْله.)
وَقَوله: أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة ... إِلَخ فَاعل تغْضب ضمير قيس الْمُتَقَدّم وأنث فعله لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَبِيلَة. والاستفهام للتعجب والتوبيخ. وَيجوز أَن يكون فَاعله مستتراً فِيهِ تَقْدِيره أَنْت وَهُوَ خطاب مَعَ جرير
(9/82)

بِدَلِيل مَا بعده من الْبَيْتَيْنِ.
والحز بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة: الْقطع. وحز الْأُذُنَيْنِ كِنَايَة عَن الْقَتْل لِأَن الْقَتِيل قد تقطع أُذُنه للتشويه.
-
وجهاراً أَي: حزاً جهاراً أَو غَضبا جهاراً. وَابْن خازم: بِالْخَاءِ والزاء المعجمتين.
يُرِيد أَن قيسا غضِبت من أَمر يسير وَلم تغْضب لأمر عَظِيم. وَقد أنكر هَذَا مِنْهَا على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء.
وَأما قُتَيْبَة بِالتَّصْغِيرِ فَهُوَ قُتَيْبَة بن مُسلم بن عَمْرو بن حُصَيْن بن ربيعَة بن خَالِد ابْن أسيد الْخَيْر بن كَعْب بن قضاعي بن هِلَال الْبَاهِلِيّ.
نَشأ فِي الدولة المروانية وترقى وَتَوَلَّى الْإِمَارَة وَفتح الفتوحات الْعَظِيمَة وَعبر مَا وَرَاء النَّهر مرَارًا وأبلى فِي الْكفَّار. وَكَانَ شجاعاً جواداً دمث الْأَخْلَاق ذَا رَأْي افْتتح بُخَارى.
وخوارزم وسمرقند وفرغانة وَالتّرْك. وَولي خُرَاسَان ثَلَاث عشرَة سنة.
وَهَذَا خير مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: قتل قُتَيْبَة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فِي سنة سِتّ وَتِسْعين فِي خُرَاسَان. وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه أجَاب الْوَلِيد إِلَى خلع سُلَيْمَان فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى سُلَيْمَان خشِي قُتَيْبَة أَن سُلَيْمَان يسْتَعْمل يزِيد بن الْمُهلب على خُرَاسَان فَكتب قُتَيْبَة إِلَى سُلَيْمَان كتابا يهنئه بالخلافة وَيذكر بلاءه وطاعته لعبد الْملك والوليد وَأَنه لَهُ على مثل ذَلِك إِن لم يعزله عَن خُرَاسَان.
وَكتب إِلَيْهِ كتابا آخر يُعلمهُ فِيهِ بفتوحه ونكايته وعظيم قدره عِنْد مُلُوك الْعَجم وهيبته فِي صُدُورهمْ ويذم آل الْمُهلب وَيحلف بِاللَّه: لَو اسْتعْمل يزِيد على خُرَاسَان ليخلعنه.
وَكتب كتابا ثَالِثا فِيهِ خلعه. وَبعث الْكتب مَعَ رجل من باهلة وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ الْكتاب الأول إِلَيْهِ فَإِن كَانَ يزِيد حَاضرا
(9/83)

فقرأه ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ. فادفع إِلَيْهِ الثَّانِي. فَإِن قَرَأَهُ وَدفعه إِلَيْهِ فادفع إِلَيْهِ الثَّالِث. وَإِن قَرَأَ الأول وَلم يَدْفَعهُ إِلَى يزِيد فاحبس الْكِتَابَيْنِ عَنهُ.
فَقدم رَسُول قُتَيْبَة فَدخل على سُلَيْمَان، وَعِنْده يزِيد بن الْمُهلب، فَدفع إِلَيْهِ الْكتاب الأول، فقرأه، وألقاه إِلَى يزِيد، فَدفع إِلَيْهِ الثَّانِي، فقرأه، وَدفعه إِلَى يزِيد، فَأعْطَاهُ الثَّالِث فقرأه، وتمعر لَونه وختمه، وأمسكه بِيَدِهِ. فَقيل: كَانَ فِيهِ " إِن لم تقرني على مَا أَنا عَلَيْهِ وتؤمنني لأخلعنك، ولأمأنها عَلَيْك خيلاً ورجلاً ". ثمَّ أَمر سُلَيْمَان بإنزال رَسُول قُتَيْبَة، وأحضره لَيْلًا وَأَعْطَاهُ دَنَانِير وعهد قُتَيْبَة على خُرَاسَان، وسير مَعَه رَسُولا. فَلَمَّا كَانَا بحلوان، بلغهما خلع قُتَيْبَة، فَرجع رَسُول سُلَيْمَان. فَلَمَّا خلعه قُتَيْبَة، دَعَا النَّاس إِلَى خلعه، فَلم يجبهُ أحد. فَغَضب وسبهم طَائِفَة طَائِفَة، وقبيلة قَبيلَة، فَغَضب النَّاس واجتمعوا على خلع قُتَيْبَة، وَكَانَ أول من تكلم فِي ذَلِك الأزد، فَأتوا حضين بن الْمُنْذر، فَقَالُوا: إِن هَذَا قد خلع الْخَلِيفَة، وَفِيه فَسَاد الدَّين وَالدُّنْيَا، وَقد شَتمنَا فَمَا ترى؟ فَأَشَارَ أَن يَأْتُوا وَكِيع بن حسان بن قيس الغداني. وغدانة هُوَ ابْن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَكَانَ وَكِيع مقدما، لرياسته على بني تَمِيم، وَكَانَ قُتَيْبَة عَزله، فحقد عَلَيْهِ وَكِيع فَلَمَّا أَتَوْهُ وسألوه أَن يَلِي أَمرهم فعل، فَبلغ أمره لقتيبة، فَأرْسل إِلَيْهِ يَدعُوهُ.
(9/84)

أَرْسَالًا، وَاجْتمعَ إِلَى قُتَيْبَة أهل بَيته، وخواص أَصْحَابه، فكبروا وهاجوا، فَقتل عبد الرَّحْمَن أَخُو قُتَيْبَة، وَجَاء الناسحتى بلغُوا فسطاط قُتَيْبَة، فَقطعُوا أطنابه، وجرح قُتَيْبَة جراحات كَثِيرَة.
نزل سعد وشق الْفسْطَاط واحتز رَأس قُتَيْبَة وَقتل مَعَه من أَهله وَإِخْوَته أحد عشر رجلا.
فَأرْسل وَكِيع إِلَى سُلَيْمَان بِرَأْسِهِ ورؤوس أَهله.
وَأما ابْن خازم فَهُوَ عبد الله بن خازم السّلمِيّ. وَيَنْتَهِي نسب سليم إِلَى قيس عيلان. وَهُوَ أحد غربان الْعَرَب فِي الْإِسْلَام. وَكَانَ من أَشْجَع النَّاس وقتلته بَنو تَمِيم بخراسان فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَ الَّذِي ولي قَتله وَكِيع بن الدورقية القريعي.
وَكَانَ ابْن خازم أَمِير خُرَاسَان من قبل ابْن الزبير وَكَانَ أَولا اسْتَعْملهُ ابْن عَامر على خُرَاسَان فِي أَيَّام عُثْمَان. وَكَانَ أحد الْأَبْطَال الْمَشْهُورين وَقد حضر مَوَاقِف مَشْهُورَة وأبلى فِيهَا.
وَهَذَا خبر مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: وَلما قتل مُصعب بن الزبير كَانَ ابْن خازم يقتل بجير بن وَرْقَاء التَّمِيمِي بنيسابور فَكتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى ابْن خازم يَدعُوهُ إِلَى الْبيعَة ويطعمه خُرَاسَان سبع سِنِين فَامْتنعَ وَأطْعم كِتَابه لرَسُوله.
وَكتب عبد الْملك إِلَى
(9/85)

بكير بن وساج وَكَانَ خَليفَة ابْن خازم على مرو وتعهده على خُرَاسَان ووعده ومناه فَخلع بكير ابْن خازم ودعا إِلَى عبد الْملك فَأَجَابَهُ أهل مرو.)
وَبلغ ابْن خازم فخاف أَن يَأْتِيهِ بكير فيجتمع عَلَيْهِ أهل مرو وَأهل نيسابور
فَنزل بجيراً وَأَقْبل إِلَى مرو فَاتبعهُ بجير فَلحقه بقرية على ثَمَانِيَة فراسخ من مرو فقاتله فَقتل ابْن خازم وَكَانَ الَّذِي قَتله وَكِيع بن عَمْرو القريعي اعتوره وَكِيع وبجير بن وَرْقَاء وعمار بن عبد الْعَزِيز فطعنوه فصرعوه وَقعد وَكِيع على صَدره فَقتله وَبعث بشيراً بقتْله إِلَى عبد الْملك وَلم يبْعَث بِرَأْسِهِ وَأَقْبل بكير فِي أهل مرو فوافاهم حِين قتل ابْن خازم فَأَرَادَ أَخذ الرَّأْس وإنفاذه إِلَى عبد الْملك فَمَنعه بجير.
كَذَا قَالَ النويري. وَهُوَ خلاف قَول الفرزدق: فَمَا مِنْهُمَا إِلَّا بعثنَا بِرَأْيهِ إِلَى الشَّام ... ... ... ... . الْبَيْت وَالله أعلم.
وَكَانَ بَين قتل ابْن خازم وَقتل قُتَيْبَة أَربع وَعِشْرُونَ سنة.
وَقَوله: فَوق الشاحجات يَعْنِي البغال. والرسيم: ضرب من السّير وَإِنَّمَا عَنى هَاهُنَا بغال الْبَرِيد بقوله: محذفة الأذناب جلح القوادم وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
(9/86)

وَأنْشد بعده: الْكَامِل
لم تدر مَا جزع عَلَيْك فتجزع وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الموفي السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(وَقَالَ رائدهم أرسوا نزاولها ... فَكل حتف امْرِئ يجْرِي بِمِقْدَار)
على أَن قَوْله: نزاولها اسْتِئْنَاف وَلِهَذَا وَجب رَفعه.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول: ائْتِنِي آتِك فتجزم على مَا وَصفنَا وَإِن شِئْت رفعت على أَن لَا تَجْعَلهُ مُعَلّقا بِالْأولِ وَلَكِنَّك تبتدئه وَتجْعَل الأول مستغنياً عَنهُ كَأَنَّهُ يَقُول: ائْتِنِي أَنا آتِيك.
وَمثل ذَلِك قَول الأخطل: وَقَالَ رائدهم أرسوا نزاولها الْبَيْت
اه.
وَأَجَازَ الشَّارِح الْمُحَقق كَون نزاولها حَالا.
فَإِن قلت: الْحَال قيد لعاملها فَكيف يكون الإرساء فِي حَال المُزاوَلة والمزاولة إِنَّمَا تكون بعد الإرساء
(9/87)

وَهَذَا الْبَيْت أورد فِي علم الْمعَانِي مِثَالا لكَمَال الِانْقِطَاع باخْتلَاف الجملتين خَبرا وإنشاء لفظا وَمعنى وَلِهَذَا لم يتعاطفا. فَإِن أرسوا إنْشَاء لفظا وَمعنى ونزاولها خبر كَذَلِك فَوَجَبَ ترك الْعَطف.
وَلم يَجْعَل نزاولها مَجْزُومًا جَوَابا لِلْأَمْرِ لِأَن الْغَرَض تَعْلِيل الْأَمر بالإرساء بالمزاولة وَالْأَمر فِي الْجَزْم بِالْعَكْسِ أَعنِي يصير الإرساء عِلّة المزاولة كَمَا فِي أسلم تدخل الْجنَّة. كَذَا قَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيّ.
وَبِه يعرف مَا فِي قَول الأعلم وَتَبعهُ ابْن يعِيش: وَلَو أمكنه الْجَزْم على الْجَواب لجَاز من الضعْف.
وَتَبعهُ أَيْضا ابْن المستوفي فَقَالَ: وَيجوز أَن يجْزم إِذا جعلته عِلّة للْأولِ ومحتاجاً إِلَيْهِ.
وَإِنَّا اسْتشْهدُوا بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن جزم نزاولها.
والرائد: الَّذِي يتَقَدَّم الْقَوْم ليطلب المَاء والكلأ من الرود وَهُوَ التَّرَدُّد فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق.
وأرسوا بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الإرساء أَي: أقِيمُوا من أرسيت السَّفِينَة إرساء أَي: حبستها بالمرساة.
وَلم يصب الْعَبَّاس فِي معاهد التَّنْصِيص فِي قَوْله: وَهُوَ من رست السَّفِينَة ترسو رسواً إِذا وقفت على الأنجر مُعرب لنكر وَهُوَ مرساة السَّفِينَة وَهِي خشبات
يفرغ بَينهَا الرصاص الْمُذَاب)
فَتَصِير كصخرة إِذا رست رست السَّفِينَة.
أَو هُوَ من رست أَقْدَامهم فِي الْحَرْب أَي: ثتبت. نزاولها: مضارع زاول الشَّيْء أَي: حاوله وعالجه. والحتف: الْهَلَاك.
قَالَ السعد: الضَّمِير فِي نزاولها للحرب أَي:
(9/88)

قَالَ رائد الْقَوْم ومقدمهم: أقِيمُوا نُقَاتِل. فَإِن موت كل نفس يجْرِي بِمِقْدَار الله وَقدره لَا الجبين ينجيه وَلَا الْإِقْدَام يرديه.
وَقيل: الضَّمِير للسفينة وَقيل: للخمر. وَالْوَجْه مَا ذكرنَا. اه.
وَيشْهد لما اخْتَار مَا أوردهُ الْكرْمَانِي فِي الموشح وَتَبعهُ العباسي من بَيت بعده وَهُوَ:
(إِمَّا نموت كراماً أَو نفوز بهَا ... لنسلم الدَّهْر من كد وأسفار)
وَالْعجب من الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وصف الشَّاعِر جمَاعَة اللُّصُوص لما رَأَوْا السَّفِينَة طمعوا فِي أَخذهَا فَأمر سيد الْقَوْم الملاحين بإرساء السَّفِينَة. ويعضد هَذَا الْوَجْه مَا بعده: إِمَّا نموت كراماً ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن يعِيش: وصف شرباً قدمُوا أحدهم يرتاد لَهُم حمراً فظفر بهَا فَقَالَ لَهُم: أسوا أَي: انزلوا نشربها. وَمعنى نزاولها: نخاتل صَاحبهَا عَنْهَا.
وَقَوله: فَكل حتف ... إِلَخ أَي: لَا بُد من الْمَوْت فَيَنْبَغِي أَن نبادر بإنفاق المَال فِيهَا وَفِي نَحْوهَا إِلَى اللَّذَّات. هَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّانِي بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(9/89)

الطَّوِيل
(مَتى
تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خطباً جزلاً وَنَارًا تأججا)
على أَن جملَة: تعشو جَاءَت حَالا بعد صَرِيح الشَّرْط وَهُوَ تأته وَصَاحب الْحَال الضَّمِير الْمُخَاطب فِي الشَّرْط.
وَالْمعْنَى: مَتى تأته عاشياً أَي: فِي الظلام.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي مثله الْبَدَل. أَرَادَ مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نَصه فِي بَاب مَا يرْتَفع بَين الجزمين ونيجزم بَينهمَا: أما مَا يرْتَفع بَينهمَا فقولك: إِن تأتني تَسْأَلنِي أعطك وَإِن تَسْأَلنِي تمشي أمش مَعَك. وَذَلِكَ لِأَنَّك أردْت ن تَقول إِن تأتني سَائِلًا يكن ذَلِك وَإِن تأتني مَاشِيا فعلت.
-
وَقَالَ زُهَيْر: الطَّوِيل
(وَمن لَا يزل يستحمل النَّاس نَفسه ... وَلَا يغنها يَوْمًا من الدَّهْر يسأم)
إِنَّمَا أَرَادَ: من لَا يزل مستحملاً يكون من أمره ذَلِك. وَلَو رفع يغنها جَازَ وَكَانَ حسنا كَأَنَّهُ قَالَ: من لَا يزل لَا يُغني نَفسه. وَمِمَّا جَاءَ أَيْضا مرتفعاً قَول الحطيئة:
(مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا)
وَسَأَلت الْخَلِيل رَحِمَهُ اللَّهُ عَن قَوْله وَهُوَ عبيد الله بن الْحر: الطَّوِيل
(مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا وتأججا)
قَالَ: تلمم بدل من الْفِعْل. وَنَظِيره فِي الْأَسْمَاء:
مَرَرْت بِرَجُل عبد الله
(9/90)

فَأَرَادَ أَن يُفَسر الْإِتْيَان بالإلمام كَمَا فسر الِاسْم الأول بِالِاسْمِ الآخر.
وَمثل ذَلِك قَوْله أنشدنيهما الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو لبَعض بني أَسد: مجزوء الْكَامِل
(إِن يبخلوا أَو يجبنوا ... أَو يغدروا لَا يحفلوا)
(يغدوا عَلَيْك مرجلي ... ن كَأَنَّهُمْ لم يَفْعَلُوا)
فَقَوله: يغدوا بدل من لَا يحفلوا. وغدوهم مرجلي يُفَسر أَنهم لم يحفلوا.
وَسَأَلته رَحِمَهُ اللَّهُ: هَل يكون إِن تأتنا تسألنا نعطك فَقَالَ: هَذَا يجوز على غير أَن يكون مثل الأول لِأَن الْفِعْل الآخر تَفْسِير لَهُ وَهُوَ هُوَ. وَالسُّؤَال لَا يكون الْإِتْيَان وَلكنه يجوز الْغَلَط)
وَالنِّسْيَان مِمَّن يتدارك كَلَامه. وَنَظِير ذَلِك فِي الْأَسْمَاء: مَرَرْت بِرَجُل حمَار كَأَنَّهُ نسي ثمَّ وَعلم من هَذَا أَن من أنْشدهُ الشَّارِح مركب من بَيْتَيْنِ سَهوا. فصدره للحطيئة وعجزه لِابْنِ الْحر.
وَرفع يستحمل النَّاس فِي الْبَيْت الأول لِأَنَّهُ خبر زَالَ النَّاقِصَة.
وَقَوله: تلمم بِنَا فِي الْبَيْت الثَّالِث بدل من تأتنا وَتَفْسِير لَهُ لِأَن الْإِلْمَام إتْيَان. وَلَو أمكنه رَفعه على تَقْدِير الْحَال لجَاز.
وَقَوله: يغدوا عَلَيْك فِي الْبَيْت الرَّابِع بدل من قَوْله: لَا يحفلوا لِأَن غدوهم مرجلين دَلِيل على أَنهم لم يحفلوا بقبيح مَا أَتَوْهُ فَهُوَ
(9/91)

تَفْسِير لَهُ وتبيين. والترجيل: مشط الشّعْر وتليينه بالدهن. وحفلت بِكَذَا أَي: باليت بِهِ.
وَقَوله: مَتى تأته تعشو ... إِلَخ قَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح: يُقَال: عشا يعشو إِذا سَار فِي ظلمَة تسمى عشوة مُثَلّثَة الْعين. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ ابْن يعِيش: يُقَال: عشوته أَي: قصدته فِي الظلام ثمَّ اتَّسع فَقيل لكل قَاصد: عَاشَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَوْله: تعشو إِلَى ضوء ناره قَالَ الْأَصْمَعِي: تَأتيه على غير هِدَايَة. وَقَالَ غَيره: تَجِيء على غير بصر ثَابت فتهتدي بناره.
وَقَالَ القتبي: يُقَال: عشوت إِلَى نارك أعشو عشواً إِذا قصدنها بلَيْل ثمَّ سمي كل قَاصد قَالَ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن إِذا حصلت الآفة فِي الْبَصَر قيل: عشي كفرح وَإِذا نظر نظر الْعشي وَلَا آفَة بِهِ قيل: عشا يعشو. وَنَظِيره: عرج لمن بِهِ الآفة وعرج لمن مَشى مشْيَة العرجان من غير عرج.
قَالَ الحطيئة:
مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره أَي: تنظر إِلَيْهَا نظر الْعشي لما يضعف بَصرك من عظم الْوقُود واتساع الضَّوْء.
وَهُوَ بَين فِي معنى قَول حَاتِم: السَّرِيع
(أعشو إِذا مَا جارتي برزت ... حَتَّى يواري جارتي الخدر)
(9/92)

. اه.
وَقَول الْعَيْنِيّ: تعشو من عشا إِذا أَتَى نَارا يَرْجُو عِنْدهَا خيرا أَو هدى لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذكره.)
وَكَذَلِكَ قَول ابْن المستوفي: يُقَال: عشا إِلَى النَّار يعشو إِذا اسْتدلَّ عَلَيْهَا ليبصر. ضَعِيف.
قَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة: وَصفه بِأَن ناره موقدة بِاللَّيْلِ وَهَذَا عِنْد الْعَرَب غَايَة الْمَدْح بِالْكَرمِ وقرى الضيفان. ثمَّ دلّ بقوله: تعشو إِلَى ضوء ناره أَن السابلة تستضيء بهَا وتقصد نَحْوهَا. وَهَذَا صفة النَّار إِذا كَانَت على نشز وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا السَّيِّد وَقَوله: تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد أَي: مَتى أَتَيْته عاشياً إِلَى ضوء ناره وجدت خير نَار أَي: أَنْفَع نَار للدفء وَالْأكل عِنْدهَا خير موقد يحْتَمل مَعْنيين.
أَحدهمَا: أَن يُرِيد بِمن عِنْدهَا من يوقدها من الغلمان والخول.
وَيُرِيد بقوله: خير موقد كَثْرَة كرمهم واحتفالهم بالوارد عَلَيْهِم وَحسن الْقيام عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
-
وَالثَّانِي: يُرِيد بِهِ الممدوح وَوَصفه بالإيقاد وَإِن كَانَ سيداً لِأَنَّهُ آمُر بِهِ فَكَأَنَّهُ فَاعله. وَيُرِيد بقوله: خير موقد أكْرم موقد وأسخى موقد وَأفضل موقد.
فعلى هَذَا يكون قد وَصفه فِي هَذَا الْبَيْت بجماع الْفَضَائِل. وعَلى
(9/93)

التَّأْوِيل الأول إِنَّمَا وَصفه بالسخاء فَقَط لَكِن ذكره أَولا مفصلا وَهنا مُجملا فاعرف ذَلِك. اه.
ويروى أَن هَذَا الْبَيْت لما أنْشد لعمر بن الْخطاب قَالَ: كذب تِلْكَ نَار مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للحطيئة مدح بهَا بغيض بن عَامر بن شماس بن لأي بن أنف النَّاقة
(فَمَا زَالَت الوجناء تجْرِي ضفورها ... إِلَيْك ابْن شماس تروح وتغتدي)
(تزور امْرأ يُؤْتِي على الْحَمد مَاله ... وَمن يُعْط أَثمَان المحامد يحمد)
(يرى الْبُخْل لَا يبقي على الْمَرْء مَاله ... وَيعلم أَن الشُّح غير مخلد)
(كسوب ومتلاف إِذا مَا سَأَلته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند)
مَتى تأته تعشو ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(تزور امْرأ إِن يعطك الْيَوْم نائلاً ... بكفيه لَا يمنعك من نائل الْغَد)
(هُوَ الْوَاهِب الكوم الصفايا لجاره ... يروحها العبدان فِي عَازِب ندي))
(9/94)

وَهَذَا آخر القصيدة.
وَقَوله: فَمَا زَالَت الوجناء ... إِلَخ النَّاقة الوجناء: الغليظة. وضفورها: أتساعها وَإِنَّمَا تجْرِي لِأَنَّهَا قلقت من الضمر. وَابْن شماس: منادى.
وَقَوله: تززور امْرأ ... . إِلَخ قَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة: فِيهِ صنفان من الْمَدْح:
أَحدهمَا: أَنه يُؤْتِي مَاله لاكتسب الْحَمد فخلص بِهِ من رذيلة التبذير الَّذِي هُوَ إِنْفَاق لَا لغَرَض صَحِيح.
وَالثَّانِي: أَنه ينْفق مَاله لطلب الْحَمد لَا لعوض آخر فخلص بِهِ من رذيلة التقتير وَهُوَ أَخذ الْعِوَض المحسوس فِيمَا يُنْفِقهُ فَحِينَئِذٍ تمحض الْوسط للفضيلة.
وَقَوله: وَمن يُعْط ... إِلَخ أَتَى بقضية كُلية مَشْهُورَة تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقه للحمد.
وَقَوله: يرى الْبُخْل لَا يبقي ... . إِلَخ. دلّ بِهِ على أَن كرمه لَيْسَ لمُجَرّد الطَّبْع فَقَط بل عَن فكرة وروية واعتقاد صَحِيح وَنظر فِي العواقب مُسْتَقِيم.
قَالَ أفلاطون فِي هَذَا الْمَعْنى: نعم الْبُخْل لَو كَانَ المَال لَا يُؤْتى عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة الْبَذْل. وَلَكِن لما كَانَ المَال معرضًا للتلف بالحوادث الْخَارِجَة الَّتِي لَا يُمكن الاحتراس مِنْهَا كَانَ إِتْلَافه على يَدي مَالِكه أفضل لِأَنَّهُ يحوز بِهِ الْحَمد.
وَقَوله: كسوب ومتلاف ... . إِلَخ قَالَ عبد اللَّطِيف: وَصفه بالشجاعة والسخاء جَمِيعًا.
فبالشجاعة يكْتَسب وبالسخاء يبْذل ويتلف.
وَيجوز
(9/95)

أَن يُرِيد بكسوب أَنه يكْتَسب الْحَمد وَبِقَوْلِهِ متلاف الْبَذْل فَلَا يخرج إِذن عَن وَصفه بالسخاء بل يَصح أَن يُقَال إِنَّه وَصفه مَعَ السخاء بِالْعقلِ لِأَن السَّعْي فِي كسب الْحَمد من أَفعَال الْعُقَلَاء.
وَقَوله: إِذا مَا سَأَلته تهلل أَي: استبشر واستنار محياه. وَهَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد تناهي الْجُود.
وَقَوله: اهتز اهتزاز المهند وَصفه مَعَ البشاشة بالجمال والشهامة واعتدال الحركات فَإِن اهتزاز المهند مِمَّا يُوصف بِهِ الشهم الشجاع. وَأما اهتزاز الْقَضِيب والغصن الرطيب فمما يُوصف بِهِ النِّسَاء والمترفون.
وَقَوله: هُوَ الْوَاهِب الكوم ... إِلَخ الكوم: جمع كوماء وَهِي النَّاقة
الْعَظِيمَة السنام. والصفايا:)
جمع صَفِيَّة وَهِي النَّاقة الغزيرة اللَّبن. والعبدان بِالْكَسْرِ: جمع عبد.
والعازب: النبت الْبعيد عَن النَّاس فَلم يرع فَهُوَ أتم لَهُ. وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة. وَقد حرف الْعَيْنِيّ هَذِه الْكَلِمَة لفظا وَمعنى فَقَالَ: وَالْغَارِب بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء: مَا بَين السنام والعنق.
والحطيئة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأما الْبَيْت الآخر وَهُوَ:
(مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا)
فَإِن تلمم فِيهِ بدل من تأتنا لِأَن الثَّانِي من جنس الأول فَإِنَّهُ يُقَال: ألم الرجل بالقوم إلماماً: أَتَاهُم فَنزل بهم. وَمِنْه قيل: ألم بِالْمَعْنَى
(9/96)

إِذا عرفه وألم بالذنب: فعله. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
كَمَا أَن تعشو من جنس الْإِتْيَان فلولا أَنه فِي شعر لجازم جزمه.
وَيدل عَلَيْهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ الْمُتَقَدّم وَكَلَام الشَّارِح الْمُحَقق فَإِنَّهُ لَو كَانَ مُرَاده بالمثلية فِي قَوْله: وَيجوز فِي مثله الْبَدَل وُقُوع الْمُضَارع بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء فَقَط لقَالَ: إِذا كَانَ الثَّانِي من جنس الأول وَلم يقل لِأَن الثَّانِي إِلَخ.
وَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل قَالَ: وَلَو كَانَ تعشو فِي مَوضِع يقوم بِالْجَزْمِ فِيهِ وزن الْفِعْل لجَاز أَن يُبدل من تأته لِأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد لِأَنَّهُ كثر فِي كَلَامهم حَتَّى صَار كل قَاصد عاشياً. والحطب الجزل بِفَتْح الْجِيم: الغليظ مِنْهُ.
يُرِيد أَنهم يوقدون الجزل من الْحَطب لتقوى نارهم فَينْظر إِلَيْهَا الضيوف على بعد ويقصدونها.
-
والتأجج: توقد النَّار. وتأججا فِي الْبَيْت مَاض وَالْألف للإطلاق وفاعله ضمير النَّار.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات: النَّار تذكر وَهُوَ قَلِيل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَيشْهد لَهُ قَول الشمرذل: الطَّوِيل
(أناخوا فصالوا بِالسُّيُوفِ وأوقدوا ... بعلياء نَار الْحَرْب حَتَّى تأججا)
وَقَالَ بَعضهم: النَّار مُؤَنّثَة لَا غير وَإِنَّمَا رد الضَّمِير مذكراً لِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا الشهَاب وَهُوَ مُذَكّر.
وَقيل: لِأَن تَأْنِيث النَّار غير حَقِيقِيّ فَيكون على طَريقَة:
(9/97)

وَلَا أَرض أبقل وَقيل: الضَّمِير رَاجع للحطب لِأَنَّهُ أهم إِذْ النَّار إِنَّمَا تكون بِهِ. وَقيل: لَيست الْألف للإطلاق)
وَإِنَّمَا هِيَ ضمير الِاثْنَيْنِ: الْحَطب وَالنَّار وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير لتغليب الْحَطب على النَّار.
-
وَكَذَا فِي قَوْله:
(من يأتنا يَوْمًا يقص طريقنا ... يجد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا)
قَالَ أَبُو عَليّ: قَالَ أَبُو الْحسن: يَعْنِي النَّار والحطب.
وَقَالَ بَعضهم: تأججا فعل مضارع مَحْذُوف من أَوله التَّاء وَالْألف مبدلة من نون التوكيد الْخَفِيفَة وَالْأَصْل تتأججن فَالضَّمِير الْمُسْتَتر للنار المؤنثة وَلِهَذَا أنث الْفِعْل.
وَالْبَيْت من قصيدة تزيد على ثَلَاثِينَ بَيْتا لِعبيد الله بن الْحر قَالَهَا وَهُوَ فِي حبس مُصعب بن الزبير فِي الْكُوفَة.
وَكَانَ ابْن الْحر لشهامته لَا يُطِيع أحدا فَقَالَ النَّاس لمصعب: إِن عبيد الله بن الْحر كَانَ قد أَبى على الْمُخْتَار غير مرّة وَخَالفهُ وقاتله وَفعل مصل ذَلِك بعبيد الله ابْن زِيَاد من قبل فَلَيْسَ لأحد عَلَيْهِ طَاعَة وَنحن نتخوف أَن يثور فِي السوَاد فيكسر عَلَيْك الْخراج كَمَا كَانَ يفعل وَقد أظهر طرفا من الْخلاف فألطف لَهُ حَتَّى تحبسه.
فَلم يزل مُصعب يتلطف بِهِ ويعده يمنيه الْأَمَانِي حَتَّى أَتَاهُ فَلَمَّا أَتَاهُ أَمر بِهِ فحبس فَقَالَ فِي ذَلِك قصائد وَقَالَ هَذِه القصيدة وَهُوَ فِي السجْن لرجل من أَصْحَابه وَكَانَ
(9/98)

حبس مَعَه وَيُقَال لَهُ عَطِيَّة بن عَمْرو الْبكْرِيّ وَذَلِكَ أَن عَطِيَّة جزع فِي السجْن.
ومطلعها:
(أَقُول لَهُ صبرا عطي فَإِنَّمَا ... هُوَ السجْن حَتَّى يَجْعَل الله مخرجا)
إِلَى أَن قَالَ:
(ومنزلة يَا ابْن الزبير كريهة ... شددت لَهَا من آخر اللَّيْل أسرجا)
(لفتيان صدق فَوق جرد كَأَنَّهَا ... قداح براها الماسخي وسحجا)
(إِذا خَرجُوا من غمرة رجعُوا لَهَا ... بِأَسْيَافِهِمْ والطعن حَتَّى تفرجا
)
مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا ... ... ... ... . الْبَيْت وَالْقَصِيدَة بِتَمَامِهَا فِي كتاب اللُّصُوص.
وعطي: منادى مرخم عَطِيَّة. وَالْوَاو فِي قَوْله: ومنزلة وَاو رب. وَابْن الزبير هُنَا مُصعب.
وأسرج: جمع سرج. والجرد: جمع أجرد وَهُوَ الْقصير الشّعْر من الْخَيل.)
والقداح: جمع قدح بِكَسْر الْقَاف فيهمَا وَهُوَ عود السهْم قبل أَن يَجْعَل لَهُ نصل. والماسخي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: الَّذِي يصنع السِّهَام. وسحجا بتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة وَقبلهَا سين مُهْملَة أَي: نحته والغمرة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الشدَّة. والطعن مَعْطُوف على الأسياف وتفرجا أَصله تتفرجن بنُون توكيد خَفِيفَة فقلبت ألفا وحذفت التَّاء من أَوله وَمَعْنَاهُ تتكشف. والفرجة: الثلمة. وفاعله ضمير الغمرة.
وَقَوله: مَتى تأتنا فَاعله مستتر فِيهِ رَاجع لفتيان. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي تلمم وتجد وَلَيْسَت التَّاء فِيهَا للخطاب.
وَرَوَاهُ صَاحب كتاب اللُّصُوص:
(مَتى تأتني فِي منزل قد نزلته ... تَجِد حطباً جزلاً ... الْبَيْت)
(9/99)

وترجمة ابْن الْحر تقدّمت مفصلة فِي الشَّاهِد التَّاسِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث بعد السبعمائة)
مجزوء الْكَامِل
(دَعْنِي فَأذْهب جانباً ... يَوْمًا وأكفك جانبا
)
على أَنه عطف أكفك مَجْزُومًا على جَوَاب الْأَمر الْمَنْصُوب بِأَن بعد الْفَاء السَّبَبِيَّة. وَهُوَ فَأذْهب قَالَ صَاحب الْمفصل: وَسَأَلَ سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل عَن قَوْله تَعَالَى: لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين فَقَالَ: هَذَا كَقَوْل ابْن معد يكرب:
(دَعْنِي فَأذْهب جانباً ... يَوْمًا وأكفك جانبا)
وَكَقَوْلِه: الطَّوِيل
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا)
أَي: كَمَا جروا الثَّانِي لِأَن الأول تدخله الْبَاء فَكَأَنَّهَا ثَابِتَة فِيهِ. فَكَذَلِك جزموا لِأَن الأول يكون مَجْزُومًا وَلَا فَاء فِيهِ فَكَأَنَّهُ مجزوم. اه.
أَقُول: بَيت ابْن معد يكرب لم يُورِدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه الْبَتَّةَ
(9/100)

لَا هُنَا وَلَا فِي مَوضِع آخر كَمَا يظْهر لَك من نقل كَلَامه بعد هَذَا.
وَقد خبط ابْن المستوفي هُنَا خبط عشواء من وُجُوه فَقَالَ بعد أَن نقل عبارَة الْمفصل: الأول:)
من الْمَسْأَلَتَيْنِ كثير فصحي كَقَوْلِه تَعَالَى: من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ويذرهم.
وَالثَّانِي: لحن لَا يَأْتِي إِلَّا فِي ضَرُورَة شعر لِأَن لأوّل مُحَقّق فِيهِ الْجَزْم موضعا لوُجُود الْفَاء والثَّانِي متوهم فِيهِ الْجَرّ لعدم الْبَاء. هَذَا إِذا ثَبت أَنه رُوِيَ بِفَتْح الْبَاء فِي قَوْله: فَأذْهب وَلَو رُوِيَ بسكونها كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ لفظا وَإِذا فتحت الْبَاء كَانَ
وأكفك مَعْطُوفًا على مَحل الْفَاء لِأَنَّهَا أَحدهَا: أَن الْآيَة لَا مُنَاسبَة لإيرادها هُنَا.
ثَانِيهَا: أَن بَيت زُهَيْر لم يقل أحد إِنَّه من قبيل اللّحن. وَكَيف يسوغ تلحين أهل اللِّسَان لَا سِيمَا زُهَيْر.
ثَالِثهَا: قَوْله: هَذَا إِذا ثَبت أَنه رُوِيَ بِفَتْح الْبَاء ... إِلَخ كَأَنَّهُ لم يثبت عِنْده فتح الْبَاء مَعَ أَنه ثَابت عِنْد جَمِيع الروَاة.
رَابِعهَا: قَوْله: وَلَو روى بسكونها ... إِلَخ يَعْنِي: أَنه يكون عطف أَمر على أَمر. وَفِيه أَنه يخرج حِينَئِذٍ عَن كَونه شعرًا.
خَامِسًا: قَوْله: كَانَ أكفك مَعْطُوفًا على مَحل الْفَاء ... إِلَخ عبارَة قلقة وَحقّ التَّعْبِير: على توهم سُقُوط الْفَاء وَجزم أذهب وَهُوَ الْمُسَمّى عطف التَّوَهُّم والعطف على الْمَعْنى.
(9/101)

هَذَا: وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ: يجوز أَن يكون الْمَعْنى اتركني أتصرف فَأذْهب إِلَى جِهَة فأكفيك جانباً تحْتَاج إِلَى كِفَايَته بتصرفي وذهابي.
وَيجوز أَن يُرِيد: دَعْنِي يَوْمًا وأكفك جانباً يَوْمًا أَي: إِذا تصرفت لنَفْسي يَوْمًا كفيتك جِهَة تخشاها يَوْمًا آخر. اه.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم: انتصب جانباً الأول على الظّرْف وَالثَّانِي على أَنه مفعول ثَان لأكفك كَأَنَّهُ خطاب لمن عذله على السّفر والبعد أَي: اتركني أذهب فِي جَانب من الأَرْض وأكفك جانباً من الجوانب الَّتِي تتَوَجَّه إِلَيْهَا.
وَهَذَا الْبَيْت لم أَجِدهُ فِي ديوَان عَمْرو بن معد يكرب فَإِنِّي تصفحت ديوانه مرَارًا فَلم أره فِيهِ كَمَا أَن غَيْرِي تصفح ديوانه فَلم يجده فِيهِ. وَالله أعلم.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل.
(بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا)
على أَن قَوْله: سَابق بِالْجَرِّ مَعْطُوف على مدرك على توهم الْبَاء فِيهِ فَإِنَّهُ يجوز زِيَادَة الْبَاء فِي خبر لَيْسَ كَقَوْلِه تَعَالَى: أَلَيْسَ الله بكاف عَبده.
(9/102)

قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْحُرُوف الَّتِي تنزل بِمَنْزِلَة الْأَمر وَالنَّهْي لِأَن فِيهَا معنى الْأَمر وَالنَّهْي: وَسَأَلت الْخَلِيل عَن قَول الله عَزَّ وَجَلَّ: فَأَصدق وأكن فَقَالَ: هُوَ كَقَوْل زُهَيْر: فَإِنَّمَا جروا هَذَا لِأَن الأول تدخله الْبَاء فجاؤوا بِالثَّانِي وَكَأَنَّهُم قد أثبتوا فِي الأول الْبَاء.
وَكَذَلِكَ هَذَا لما كَانَ الْفِعْل الَّذِي قبله قد يكون جزما وَلَا فَاء فِيهِ تكلمُوا
بِالثَّانِي وَكَأَنَّهُم قد جزموا قبله. فعلى ذَلِك توهموا هَذَا. اه.
وَهَذَا كَمَا ترى لَيْسَ فِيهِ الْبَيْت السَّابِق. وَبَيَان الْآيَة وأولها: رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين. أَن لَوْلَا مَعْنَاهَا الطّلب والتحضيض فَإِذا قلت: لَوْلَا تُعْطِينِي مَعْنَاهُ أَعْطِنِي فَإِذا أُتِي لَهَا بِجَوَاب كَانَ حكمه حكم جَوَاب الْأَمر إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَكَانَ مَجْزُومًا بِتَقْدِير حرف الشَّرْط فَإِذا أجبْت بِالْفَاءِ كَانَ مَنْصُوبًا بِتَقْدِير أَن فَإِذا عطفت عَلَيْهِ فعلا آخر جَازَ فِيهِ وَجْهَان: النصب بالْعَطْف على مَا بعد الْفَاء والجزم على مَوضِع الْفَاء لَو لم تدخل وَتَقْدِير سُقُوطهَا.
وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أخر من كِتَابه.
أَحدهَا: فِي بَاب الْفَاء عِنْد ذكر نواصب الْفِعْل قَالَ فِيهِ بعد أَن أنْشدهُ: لما كَانَ الأول يسْتَعْمل فِيهِ الْبَاء وَلَا تغري الْمَعْنى وَكَانَت
(9/103)

مِمَّا يلْزم الأول نووها فِي الْحَرْف الآخر حَتَّى كَأَنَّهُمْ قد تكلمُوا بهَا فِي الأول.
ثَانِيهَا: قبيل بَاب يضمرون فِيهِ الْفِعْل لقبح الْكَلَام أنْشدهُ فِيهِ كَذَلِك.
ثَالِثهَا: وَهُوَ أول مَوضِع وَقع فِي كِتَابه أنْشدهُ فِي بَاب اسْم الْفَاعِل يعْمل عمل فعله بِنصب سَابق قَالَ: إِذا كَانَ اسْم الْفَاعِل منوناً ينصب الْمَفْعُول بِهِ.
وَأنكر الْمبرد رِوَايَة الْجَرّ وَقَالَ: حُرُوف الْخَفْض لَا تضمر وتعمل. وَالرِّوَايَة عِنْده: وَلَا سَابِقًا)
بِالنّصب وَلَا سابقي شَيْء بِالْإِضَافَة إِلَى الْيَاء وَرفع شَيْء على أَنه فَاعل سَابق.
وروى أَيْضا: وَلَا سَابق شَيْئا بِالرَّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: وَلَا أَنا سَابق شَيْئا.
قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَفِي هَذَا الْبَيْت شَاهد آخر وَهُوَ إِضَافَة اسْم الْفَاعِل المعمل وَذَلِكَ قَوْله: مدرك مَا مضى. وَالدَّلِيل على أَنه معمل أَنه خبر لَيْسَ وَلَيْسَ لَا تَنْفِي مَاضِيا وَإِنَّمَا تَنْفِي الْمُضَارع وَعطف سَابق عَلَيْهِ.
-
وَفِيه تَقْدِير الْمصدر على الْمَعْنى إِذْ لم يكن للْفِعْل الْوَاقِع بعْدهَا مصدر فَيكون التَّقْدِير: بدا لي امْتنَاع إِدْرَاك مَا مضى. وَإِنَّمَا قدر الْمصدر من غير اللَّفْظ لِأَن لَيْسَ لَا مصدر لَهَا. بدا: ظهر.
وَأَنِّي بِالْفَتْح. وَجُمْلَة: لست ... إِلَخ فِي مَحل خبر أَن وَأَن ومعمولاها فِي تَأْوِيل مصدر مَرْفُوع فَاعل بدا. وَمَا: مَوْصُولَة وَمضى صلتها أَو مَا نكرَة وَمضى فِي مَحل الصّفة.
وَإِذا: شَرْطِيَّة حذف جوابها وَيدل عَلَيْهِ مَا قبلهَا. وَلَا يَصح أَن تكون ظرفية لِأَن الشَّيْء لَا يسْبق وَقت مَجِيئه وَإِنَّمَا
(9/104)

يسْبق قبل مَجِيئه وَالْعَامِل فِي إِذا الشّرطِيَّة هُنَا خبر كَانَ أَو نفس كَانَ إِن قُلْنَا بدلالتها على الْحَدث.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ تَارَة إِلَى زُهَيْر بن أبي سلمى وَتارَة إِلَى صرمة الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ ابْن خلف: وَهُوَ الصَّحِيح. ويروى لِابْنِ رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ وَقد تقدم إنشاده فِي قصيدة زُهَيْر فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين بعد الستمائة.
(9/105)

(بَاب الْأَمر)
أنْشد فِيهِ: الْخَفِيف لتقم أَنْت يَا ابْن خير قُرَيْش تقدم شَرحه فِي الجوازم فِي الْحَادِي والثمانين بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده: مُحَمَّد تفد نَفسك كل نفس تقدم شرح هَذَا أَيْضا هُنَاكَ.
(9/106)

(
الْمُتَعَدِّي وَغير الْمُتَعَدِّي)
أنْشد فِيهِ
(الشَّاهِد الْخَامِس بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(يقْرَأن بالسور)
هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(تِلْكَ الْحَرَائِر لَا ربات أحمرة ... سود المحاجر لَا يقْرَأن بالسور)
على أَن الْبَاء زَائِدَة فِي الْمَفْعُول بِهِ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل ضمن يقْرَأن معنى يرقين ويتبركن وَأَنه يُقَال: قَرَأت بالسورة على هَذَا الْمَعْنى وَلَا يُقَال قَرَأَ بكتابك لفَوَات معنى التَّبَرُّك. قَالَه السُّهيْلي.
وَقَالَ أَيْضا فِي أول الْبَاب الثَّامِن: قد يعْطى النَّفْي حكم مَا أشبهه فِي مَعْنَاهُ وَمِنْه إِدْخَال الْبَاء فِي لَا يقْرَأن بالسور لما دخله من معنى لَا يتقربن بِقِرَاءَة السُّور.
وَلِهَذَا قَالَ السُّهيْلي: لَا يجوز أَن تَقول: وصل إِلَيّ كتابك فَقَرَأت بِهِ على حد
قَوْله: لَا يقْرَأن بالسور لِأَنَّهُ عَار عَن معنى التَّقَرُّب. اه.
وَلَا يخفاك أَن مَا نَقله عَن السُّهيْلي فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلف وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مدَار التَّضْمِين لفظ يجوز أَن يتَعَدَّى بالحرف الْمَذْكُور أَي لفظ كَانَ. وكل من هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة يتَعَدَّى بِالْبَاء وَلَكِن كَلَام السُّهيْلي مَبْنِيّ على أَن التَّضْمِين قياسي.
(9/107)

وَالْبَيْت وَقع فِي شعرين: أَحدهمَا: لِلرَّاعِي النميري وَالثَّانِي: لِلْقِتَالِ الْكلابِي.)
أما الأول فَهُوَ من قصيدة أَولهَا:
(يَا أهل مَا بَال هَذَا اللَّيْل فِي صفر ... يزْدَاد طولا وَمَا يزْدَاد فِي قصر)
(فِي إِثْر من قطعت عني قرينته ... يَوْم الحدالى بِأَسْبَاب من الْقدر)
(كَأَنَّمَا شقّ قلبِي يَوْم فارقهم ... قسمَيْنِ: بَين أخي نجد ومنحدر)
(هم الْأَحِبَّة أبْكِي الْيَوْم إثرهم ... قد كنت أطرب إِثْر الجيرة الشّطْر)
(فَقلت والحرة الرجلاء دونهم ... وبطن لجان لما اعتادني ذكري)
(صلى على عزة الرَّحْمَن وابنتها ... ليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر)
هن الْحَرَائِر لَا ربات أحمرة ... ... ... ... ... . الْبَيْت قَوْله: فِي صفر هُوَ اسْم الشَّهْر قَالُوا: خصّه لِأَن الْهم فِيهِ أَصَابَهُ.
وَقيل: كَانَ صفر صيفاً وليل الصَّيف قصير فَقَالَ: كَيفَ طَال عَليّ اللَّيْل فِي الصَّيف وَإِنَّمَا ذَلِك لما هُوَ فِيهِ من الْغم فَلذَلِك طَال عَلَيْهِ اللَّيْل. كَذَا قَالَ ابْن المستوفي.
(9/108)

-
وَقَوله: فِي إِثْر مُتَعَلق بيزداد وَأَرَادَ بِالْقَرِينَةِ: الحبيبة لِأَنَّهَا تشبه الْقَمَر. والحدالى بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْقصر: مَوضِع.
والجيرة: جمع جَار بِالْجِيم. والشطر بِضَمَّتَيْنِ: جمع شطير وَهُوَ الْبعيد.
والحرة الرجلاء: مَوضِع فِي ديار جذام الأول بِالْمُهْمَلَةِ وَالثَّانِي بِالْجِيم. ويروى: والحرة السَّوْدَاء.
ولجان بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْجِيم: وَاد قبل حرَّة بني سليم.
وَقَوله: صلى على عزة ... إِلَخ الصَّلَاة: الرَّحْمَة. وَعزة بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُعْجَمَة: محبوبة كثير الشَّاعِر.
وَقَوله: تِلْكَ الْحَرَائِر ... إِلَخ الْإِشَارَة بِتِلْكَ إِلَى النِّسَاء الْمَذْكُورَة. وإيثار اسْم الْإِشَارَة لتمييزهن أكمل تَمْيِيز وَكَونه بالبعيد للتعظيم.
وروى: هن الْحَرَائِر. وَتلك مُبْتَدأ والحرائر خَبره وَقَالَ بعض أفاضل الْعَجم: الْحَرَائِر صفته.
وَقَوله: لَا ربات هُوَ الْخَبَر. ويبطله رِوَايَة هن الْحَرَائِر وَهُوَ جمع حرَّة وَمَعْنَاهَا الْكَرِيمَة والأصيلة قَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: والأحمرة: جمع حمَار بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع قلَّة. وَخص الْحمير لِأَنَّهَا رذال المَال وشره يُقَال: شَرّ المَال مَا لَا يزكّى وَلَا يُذكى. اه.
وَكَذَا ضبط هَذِه الْكَلِمَة صَاحب كتاب اللُّصُوص وَابْن المستوفي. وَقد
صحف الدماميني فِي)
الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة هَذِه الْكَلِمَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة
(9/109)

وَقَالَ: والأحمرة: جمع خمار وَهُوَ مَا تستر بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا.
وَفِي الْقَامُوس: وكل مَا ستر شَيْئا فَهُوَ خمار. هَذَا كَلَامه وَتَبعهُ من بعده.
وَقَوله: سود المحاجر صفة ربات لِأَن إِضَافَة مَا بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل المستمر تخفيفية لَا تفِيد تعريفاً كَقَوْلِهِم: نَاقَة عبر الهواجر أَي: عابرة فِيهَا. وَكَذَلِكَ سود المحاجر أَي: مسودة محاجرها وَهُوَ جمع محجر كمجلس ومنبر.
قَالَ الجواليقي: هُوَ من الْوَجْه حَيْثُ يَقع عَلَيْهِ النقاب وَمَا بدا من النقاب أَيْضا. اه. وَأَرَادَ بِهَذَا الْوَصْف الْإِمَاء السود.
قَالَ صَاحب أشعار اللُّصُوص: سود المحاجر من سَواد الْوُجُوه وَخص المحاجر دون الْوَجْه وَالْبدن كُله لِأَنَّهُ أول مَا يرى.
وَمن هَذَا قَول النَّابِغَة: الْبَسِيط.
وَإِنَّمَا أَرَادَ سَواد الْجَسَد كُله.
وَجُمْلَة: لَا يقْرَأن صفة ثَانِيَة لربات.
-
قَالَ الجواليقي: يَقُول: هن خيرات كريمات يَتلون الْقُرْآن ولسن بإماء سود ذَوَات حمر يسقينها.
اه.
(9/110)

وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِن تِلْكَ الْحَرَائِر لَيست أَرْبَاب أحمرة وَلَا يتسترن بهَا سود المحاجر لهزالها أَو لكبر أسنانها وجاهلات لَا يقْرَأن الْقُرْآن. هَذَا كَلَامه.
وَهَذَا لَا يقْضى مِنْهُ الْعجب.
وَعِنْده أَن أحمرة بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا مر.
وترجمة الرَّاعِي تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة.
وَأما الشّعْر الثَّانِي فَهُوَ لِلْقِتَالِ الْكلابِي. قَالَ صَاحب كتاب اللُّصُوص: أخبرنَا أَبُو سعيد حَدثنِي أَبُو زيد حَدثنِي حميد بن مَالك أَنْشدني شَدَّاد بن عقبَة لِلْقِتَالِ فِي ابْنه عبد السَّلَام:
(عبد السَّلَام تَأمل هَل ترى ظعناً ... إِنِّي كَبرت وَأَنت الْيَوْم ذُو بصر)
(لَا يبعد الله فتياناً أَقُول لَهُم ... بالأبرق الْفَرد لما فَاتَنِي نَظَرِي))
(صلى على عمْرَة الرَّحْمَن وابنتها ... ليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر)
هن الْحَرَائِر ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت
(9/111)

وَعبد السَّلَام: منادى. وظعن: جمع ظَعِينَة وَهِي الْمَرْأَة فِي الهودج. والأبرق الْفَرد: مَوضِع وَكَذَلِكَ عاسم بالمهملتين وفحلين بإعراب الْمثنى وَذُو بقر: أَسمَاء مَوَاضِع. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الظعن نِسَاءَهُ وحريمه.
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: فحلين بِلَفْظ التَّثْنِيَة: مَوضِع فِي جبل أحد.
وَأنْشد هَذِه الأبيات.
والقتال الْكلابِي اسْمه عبد الله بن مُجيب بن المضرحي بن عَامر بن كَعْب ابْن عبد بن أبي بكر بن كلاب. وَقيل: اسْمه عبَادَة بن الْمُجيب. وَقيل: اسْمه عبيد بن الْمُجيب وكنيته أَبُو الْمسيب. كَذَا فِي كتاب اللُّصُوص.
وَهُوَ شَاعِر إسلامي كَانَ فِي الدولة المروانية فِي عصر الرَّاعِي والفرزدق وَجَرِير ولقب بِالْقِتَالِ لتمرده وفتكه. وَكَانَ شجاعاً شَاعِرًا. وَكَانَ فِي دناءة النَّفس كالحطيئة وَكَانَت عشيرته تبْغضهُ لِكَثْرَة جناياته وَمَا يلْحقهَا من أَذَاهُ وَلَا تَمنعهُ من مَكْرُوه يلْحقهُ.
وَأورد لَهُ صَاحب كتاب اللُّصُوص جنايات كَثِيرَة وَله فِيهَا أشعار.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل على أَن دون مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي من دون
(9/112)

وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن لم تَجِد دون عدنان والداً وَدون معد.
-
وَقَوله: فلتزعك بِفَتْح الزَّاي: أَمر من زوعته أزعه وزعاً إِذا كففته.
وَقد تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس بعد السبعمائة)
الطَّوِيل أشارت كُلَيْب بالأكف الْأَصَابِع على أَن بَقَاء عمل حرف الْجَرّ بعد حذفه شَاذ. وَعند ابْن عُصْفُور ضَرُورَة وَالتَّقْدِير: أشارت إِلَى كُلَيْب وَكَانَ الْقيَاس النصب بعد حذف الْجَار.
وَقد رَأَيْته فِي ديوانه وَفِي المناقضات مَنْصُوبًا. وأنشده أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة القصرية بِالرَّفْع. وَكَذَا رَأَيْته فِي شرح المناقضات قَالَ شارحها: أَرَادَ: أشارت الْأَصَابِع: هَذِه كُلَيْب.
ويروى: أَشرت كليباً أَي: رفعت.
إِذا قيل أَي النَّاس شَرّ قَبيلَة وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ بَيْتا للفرزدق نَاقض بهَا قصيدة لجرير هجاه بهَا على هَذَا الروي وغالب أبياتها فِي كتب النَّحْو.
-
وَهَذَا مطْلعهَا:
(منا الَّذِي اختير الرِّجَال سماحة ... وَخيرا إِذا هَب الرِّيَاح الزعازع)
...
(9/113)

(وَمنا الَّذِي قاد الْجِيَاد على الوجى ... لنجران حَتَّى صبحتها النزائع)
(وَمنا الَّذِي أعْطى الرَّسُول عَطِيَّة ... أُسَارَى تَمِيم والعيون دوامع)
(وَمنا الَّذِي يُعْطي المئين وَيَشْتَرِي ال ... غوالي ويعدو فَضله من يدافع)
(وَمنا خطيب لَا يعاب وحامل ... أغر إِذا الْتفت عَلَيْهِ المجامع)
(وَمنا الَّذِي أَحْيَا الوئيد وغالب ... وَعَمْرو وَمنا حَاجِب والأقارع)
(أُولَئِكَ آبَائِي فجئني بمثلهم ... إِذا جمعتنَا يَا جرير المجامع)
(بهم أعتلي مَا حَملتنِي مجاشع ... وأصرع أقراني الَّذين أصارع)
(فيا عجبا حَتَّى كُلَيْب تسبني ... كَأَن أَبَاهَا نهشل أَو مجاشع)
(تَنَح عَن الْبَطْحَاء إِن قديمها ... لنا وَالْجِبَال الراسيات الفوارع)
(أتعدل أحساباً لِئَامًا أدقة ... بأحسابنا إِنِّي إِلَى الله رَاجع)
...
(9/114)

(وكل فطيم يَنْتَهِي لفطامه ... وكل كليبي وَلَو شَاب راضع)
(تزيد يَرْبُوع بهم فِي عديدهم ... كَمَا زيد فِي عرض الْأَدِيم الأكارع))
(إِذا قيل أَي النَّاس شَرّ قَبيلَة ... أشارت كليباً بالأكف الْأَصَابِع)
وَقَوله: منا الَّذِي اختبر الرِّجَال سماحة يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي بَيت بعد هَذَا.
وَقَوله: وَمنا الَّذِي قاد الْجِيَاد ... إِلَخ هَذَا هُوَ الْأَقْرَع بن حَابِس وَعَمْرو ابْن كُلْثُوم كِلَاهُمَا غزوا نَجْرَان.
-
وَقَوله: وَمنا الَّذِي أعْطى الرَّسُول ... إِلَخ هَذَا يَوْم بني عَمْرو بن جُنْدُب حِين رد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَبْيهمْ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كلم الْأَقْرَع رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي أَصْحَاب الحجرات وهم بَنو عَمْرو بن جُنْدُب فَرد سَبْيهمْ.
وَقَوله: وَمنا خطيب ... إِلَخ الْخَطِيب هُوَ عُطَارِد بن حَاجِب بن زُرَارَة حِين وَفد إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي وَفد بني تَمِيم.
وَالْحَامِل: عبد الله بن حَكِيم الَّذِي حمل الحمالات يَوْم المربد يَوْم قتل مَسْعُود بن عَمْرو الْعَتكِي
(9/115)

وَقَوله: وَمنا الَّذِي أَحْيَا الوئيد هُوَ جده صعصعة بن نَاجِية كَانَ يَشْتَرِي الْبِنْت مِمَّن يُرِيد وأدها فأحيا سِتا وَتِسْعين موؤودة إِلَى زمن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وَقَوله: فيا عجبا حَتَّى كُلَيْب الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حَتَّى الجارة.
وَقَوله: إِذا قيل أَي النَّاس ... إِلَخ إِنَّمَا بنى قيل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّعْمِيم أَي: إِذا قَالَ قَائِل. وَجُمْلَة: أَي النَّاس شَرّ قَبيلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر نَائِب الْفَاعِل ونيابة الْجُمْلَة المختصة بالْقَوْل نَحْو: ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون لِأَن الْجُمْلَة الَّتِي يُرَاد بهَا لَفظهَا تنزل منزلَة الْأَسْمَاء المفردة.
وَشر أفعل تَفْضِيل حذفت مِنْهَا الْهمزَة. وأشارت: جَوَاب إِذا.
وروى أَبُو عَليّ فِي تَذكرته: أَشرت بدله وَقَالَ: يُرِيد أشارت إِلَيْهَا بِأَنَّهَا شَرّ النَّاس يُقَال: لَا تشر فلَانا أَي: لَا تشر إِلَيْهِ بشر. وَإِنَّمَا قَالَ أشارت
للإيماء إِلَى أَن حَال هَذِه الْقَبِيلَة فِي الشَّرّ قد صَار أمرا محسوسً يشار إِلَيْهِ. والأصابع: فَاعل أشارت وَإِنَّا جمع للتّنْبِيه على كَثْرَة المشيرين كل وَاحِد مِنْهُم يُشِير إِلَيْهِم بإصبع وَاحِدَة كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد.
قَالَ الدماميني: وبالأكف حَال من الْأَصَابِع أَي: أشارت الْأَصَابِع فِي حَالَة كَونهَا مَعَ الأكف.
يَعْنِي أَن الْإِشَارَة وَقعت بالمجموع. قَالَ:
(9/116)

وَفِيه مزِيد ذمّ لهَذِهِ الْقَبِيلَة فالباء على هَذَا للمصاحبة.)
وَقيل هَذَا من قبيل الْقلب المقبول لتَضَمّنه معنى لطيفاً وَهُوَ الْمُبَالغَة فِي هجو هَذِه الْقَبِيلَة لإيهام أَنه صَار يشار إِلَيْهَا حَال السُّؤَال عَن حَالهَا على خلاف الْمُعْتَاد لمزيد شَرها. وَالْأَصْل: أشارت الأكف إِلَى كُلَيْب بالأصابع فالباء للاستعانة.
قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ: وَيُقَوِّي الأول أَنه يُقَال: فلَان يشار إِلَيْهِ بالأصابع وَلَا يُقَال بالكف فلتكن الْأَصَابِع هُنَا هِيَ المشيرة ظَاهرا وَبَاطنا على التَّجَوُّز فِي الْإِسْنَاد من دون قلب.
ورد ابْن الملا على شَيْخه بِأَنَّهُ: إِنَّمَا يُقَال ذَلِك حَيْثُ يطوى ذكر الْفَاعِل وَمَا فِي الْبَيْت لَيْسَ كَذَلِك على أَن مَا يُقَال إِنَّمَا يُقَوي وَجه الْقلب لدُخُول الْبَاء فِيهِ على الْأَصَابِع.
وَالنَّاس: اسْم جمع لإِنْسَان أَصله أنَاس حذفت همزته تَخْفِيفًا. وَفِي الْقَامُوس: النَّاس يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ.
والقبيلة: وَاحِدَة قبائل الْعَرَب وَهِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من الطَّبَقَات السِّت الَّتِي عَلَيْهَا الْعَرَب وَهِي الشّعب بِالْفَتْح والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة. فالشعب يجمع الْقَبَائِل وَهِي تجمع العمائر والعمارة تجمع الْبُطُون والبطن يجمع
الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل. وَإِنَّمَا قيل لَهَا قَبيلَة أخذا من قَبيلَة الرَّأْس وقبائله: الْقطع المشعوب بَعْضهَا إِلَى بعض وَذَلِكَ لتقابلها وتناظرها فِي الشّعب كَمَا قيل لَهُ شعب لتشعب الْقَبَائِل إِلَيْهِ أَو مِنْهُ.
(9/117)

ورد عَلَيْهِ جرير فِي مناقضته بميل هَذَا الْبَيْت فَقَالَ:
(إِذا قيل أَي النَّاس شَرّ قَبيلَة ... وَأعظم عاراً قيل: تِلْكَ مجاشع)
وقبيلة فِي الْبَيْتَيْنِ بِالنّصب على التَّمْيِيز.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة الفرزدق فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع بعد السبعمائة)
الوافر تمرون الديار وَلم تعوجوا على أَن حذف الْجَار مِنْهُ على سَبِيل الشذوذ وَالْجَار الْمَحْذُوف إِمَّا الْبَاء وَإِمَّا على فَإِن الْمُرُور يتَعَدَّى بهما.
-
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَعَن الْأَخْفَش فِي مَرَرْت بزيد أَن الْمَعْنى مَرَرْت على زيد بِدَلِيل: لتمرون عَلَيْهِم. وَأَقُول: إِن كلا من الإلصاق والاستعلاء إِنَّمَا يكون حَقِيقا إِذا كَانَ مقضياً إِلَى
(9/118)

نفس الْمَجْرُور كأمسكت بزيد وصعدت على السَّطْح. فَإِن أفْضى إِلَى مَا يقرب مِنْهُ فمجازي وَكَقَوْلِه: الطَّوِيل وَبَات على النَّار الندى والمحلق فَإِذا اسْتَوَى التقديران فِي المجازية فالأكثر اسْتِعْمَالا أولى بالتخريج عَلَيْهِ كمررت بِهِ ومررت عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قد جَاءَ كَمَا فِي: لتمرون عَلَيْهِم يَمرونَ عَلَيْهَا.
وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني
إِلَّا أَن مَرَرْت بِهِ أَكثر فَكَانَ أولى بتقديره أصلا. وَيتَخَرَّج على هَذَا الْخلاف خلاف فِي الْمُقدر فِي قَوْله: تمرون الديار وَلم تعوجوا أهوَ الْبَاء أَو على. اه.
يَعْنِي: فَمن سَاوَى بَين التَّقْدِيرَيْنِ قدر أَيهمَا شَاءَ لصِحَّة الْمَعْنى بهما. وَمن رجح الْبَاء لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال قدرهَا لِأَنَّهُ مَتى أمكن الْمصير إِلَى الأَصْل لم يتَجَاوَز عَنهُ.
وعد ابْن عُصْفُور حذف الْجَار وإيصال الْفِعْل إِلَيْهِ ضَرُورَة. وَالصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق بِدَلِيل مَا أوردهُ من الْآيَات.
(9/119)

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: والأخفش الْأَصْغَر يُجِيز حذف الْجَار مَعَ غَيرهمَا أَيْضا قِيَاسا إِذا تعين والأخفش الْأَصْغَر هُوَ تلميذ أبي الْعَبَّاس وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش. وَلَيْسَ مَا نسبه إِلَيْهِ مذْهبه وَإِنَّمَا مذْهبه أَن يكون الْفِعْل مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد وَإِلَى آخر بِحرف جر فَحِينَئِذٍ يجوز حذفه.)
وَهَذَا كَلَامه فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد قَالَ: فَأَما قَوْله: الطَّوِيل وأخفي الَّذِي لَوْلَا الأسى لقضاني
فَإِنَّمَا يُرِيد: لقضى عَليّ الْمَوْت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: فَلَمَّا قضينا عَلَيْهِ الْمَوْت فالموت فِي النِّيَّة وَهُوَ مَعْلُوم بِمَنْزِلَة مَا نطقت بِهِ. وَمثله: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه. أَي: لِقَوْمِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون وَالْمعْنَى: إِذا كالوا لَهُم أَو وزنوا لَهُم أَي: كالوا لَهُم الشَّيْء ووزنوه لَهُم. والمكيل وَالْمَوْزُون مَعْلُوم بِمَنْزِلَة مَا ذكر فِي اللَّفْظ.
وَلَا يجوز مَرَرْت زيدا وَأَنت تُرِيدُ بزيد لِأَنَّهُ لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِحرف وَذَلِكَ أَنه فعل الْفَاعِل فِي نَفسه وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على مفعول وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة مَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فيتعدى إِلَى أَحدهمَا بِحرف الْجَرّ وَإِلَى الآخر بِنَفسِهِ لِأَن قَوْلك: اخْتَرْت الرِّجَال
(9/120)

زيدا قد علم بذكرك زيدا أَن حرف الْجَرّ مَحْذُوف من الأول. فَأَما قَول جرير وإنشاد أهل الْكُوفَة لَهُ وَهُوَ قَوْله: وَرِوَايَة بَعضهم لَهُ: أتمضون الديار وَلم تحيا فليستا بِشَيْء لما ذكرت لَك. وَالسَّمَاع الصَّحِيح وَالْقِيَاس المطرد لَا تعترض عَلَيْهِ الرِّوَايَة الشاذة. أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد قَالَ: قَرَأت على عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير: مررتم بالديار وَلم تعوجوا
فَهَذَا يدلك على أَن الرِّوَايَة مُغيرَة. اه.
وَالْبَيْت من قصيدة لجرير هجا بهَا الأخطل النَّصْرَانِي. وَهَذَا مطْلعهَا:
(مَتى كَانَ الْخيام بِذِي طلوح ... سقيت الْغَيْث أيتها الْخيام)
(تنكر من معالمها ومالت ... دعائمها وَقد بلي الثمام)
(أَقُول لصحبتي لما ارتحلنا ... ودمع الْعين منهمر سجام)
(تمرون الديار وَلم تعوجوا ... كلامكم عَليّ إِذا حرَام)
وَمِنْهَا:
(لقد ولد الأخيطل أم سوء ... على بَاب استها صلب وشام)
قَوْله: مَتى كَانَ الْخيام ... . إِلَخ. أورد ابْن هِشَام عَجزه فِي الْمُغنِي
(9/121)

على أَنه قد تولدت وَاو من)
والخيمة عِنْد الْعَرَب: كل بَيت يبْنى من عيدَان الشّجر. وَذُو طلوح بمهملتين: مَكَان. والطلح: شجر عَظِيم لَهُ شوك.
والمعالم: جمع معلم كمقعد: مَظَنَّة الشَّيْء وَمَا يسْتَدلّ بِهِ. والدعامة بِالْكَسْرِ: عماد الْبَيْت.
والثمام بِضَم الْمُثَلَّثَة: نبت ضَعِيف لَهُ خوص رُبمَا حشي بِهِ الوسائد ويسد بِهِ خصاص الْبيُوت.
والمنهمر: المنسكب. والسجام بِالْكَسْرِ: مصدر سجم الدمع إِذا سَالَ.
وَقَوله: وَلم تعوجوا يُقَال: عاج رَأس الْبَعِير إِذا عطفه بالزمام. وكلامكم مُبْتَدأ وَهُوَ مصدر مُضَاف إِلَى مَفْعُوله الْفَاعِل مَحْذُوف أَي: كَلَامي إيَّاكُمْ. وَحرَام: خَيره وَعلي مُتَعَلق بالْخبر.
وَقَوله: لقد ولد الأخيطل أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف شَاهدا لقِرَاءَة إِبْرَاهِيم
النَّخعِيّ: وَلم يكن لَهُ صَاحِبَة بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة على أَنه لم يؤنث الْفِعْل الْمسند إِلَى الْمُؤَنَّث الْحَقِيقِيّ للفصل.
والأخيطل: مصغر الأخطل صغره تحقيراً لَهُ. والصلب: جمع صَلِيب.
وشام: جمع شامة وَهِي الْعَلامَة. يُرِيد أَن أمه فعلت فعل الموشمات نقشت صُورَة الصَّلِيب فِي ذَلِك الْموضع.
وَفِي الْقَامُوس أَن الأخطل كَانَ يلقب بِذِي صَلِيب.
(9/122)

وَالشَّام: النقوش. وَفِي بعض حَوَاشِي الْمفصل: صلب وشام: نبتان يصفها بخشونة ذَلِك وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل.
وَمنا الَّذِي اختير الرِّجَال سماحة على أَن الرِّجَال مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَالْأَصْل: من الرِّجَال وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي الْمُقَيد بِحرف الْجَرّ لاختار فَإِنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى الأول بِنَفسِهِ وَإِلَى الثَّانِي
بِحرف الْجَرّ. وَالْمَفْعُول الأول هُنَا نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْعَائِد إِلَى الَّذِي فِي اختير.
وَهَذَا الْحَذف كثير الِاسْتِعْمَال وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَكَذَا يحذف من الْمَفْعُول الثَّانِي.
وَالْإِشَارَة لقَوْله سَابِقًا.
وَأما كَثْرَة الِاسْتِعْمَال قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْفَاعِل الَّذِي يتعداه فعله إِلَى مفعولين: إِن شِئْت اقتصرت على الْمَفْعُول الأول وَإِن شِئْت تعدى إِلَى الثَّانِي وَمن ذَلِك: اخْتَرْت الرِّجَال عبد الله.
وَمثل ذَلِك قَوْله تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا وسميته زيدا.
(9/123)

أسْتَغْفر الله ذَنبا لست محصيه وَقَالَ عَمْرو بن معد يكرب: الْبَسِيط
أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ وَهَذِه أَفعَال توصل بحروف الْإِضَافَة فَتَقول: اخْتَرْت من الرِّجَال وسميته بفلان كَمَا تَقول: عَرفته بِهَذِهِ الْعَلامَة وَأَسْتَغْفِر الله من ذَلِك. فَلَمَّا حذفوا حرف الْجَرّ عمل الْفِعْل.
وَلَيْسَ أسْتَغْفر الله ذَنبا وأمرتك الْخَيْر أَكثر فِي كَلَامهم جَمِيعًا وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ بَعضهم.
فَهَذِهِ الْحُرُوف كَانَ أَصْلهَا فِي الِاسْتِعْمَال أَن توصل بحروف الْإِضَافَة. وَمِنْه قَول الفرزدق:
(منا الَّذِي اختير الرِّجَال سماحة ... وجودا إِذا هَب الرِّيَاح الزعازع)
اه.
وَالْبَيْت مطلع قصيدة للفرزدق تقدم أَبْيَات مِنْهَا قبل هَذَا بِشَاهِد. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: سمح بِكَذَا يسمح بِفتْحَتَيْنِ سموحاً وسماحاً وسماحة: جاد وَأعْطى أَو وَافق على مَا أُرِيد مِنْهُ.
والجود: الْكَرم. وروى بدله: وَخيرا بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْكَرم.
والزعازع: جمع زعزع كجعفر وَهِي الرّيح الَّتِي تهب بِشدَّة. وعنى بذلك الشتَاء وَفِيه تقل الألبان وتعدم الأزواد وَيبْخَل الْجواد.)
فَيَقُول: هُوَ جواد فِي مثل هَذَا الْوَقْت الَّذِي يقل فِيهِ الْجُود. وسماحة وجودا مصدران منصوبان على الْمَفْعُول لأَجله كَأَنَّهُ قيل: اختير من الرِّجَال لسماحته وجوده.
(9/124)

وَيجوز أَن يَكُونَا تمييزين أَو حَالين أَي: سَمحا وجواداً. قَالَه ابْن خلف وَلم يذكر ابْن المستوفي غير الْأَخيرينِ.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: وَنصب سماحة على الْمصدر مِمَّا دلّ عَلَيْهِ اختبر لِأَنَّهُ لَا يخْتَار إِلَّا الْكِرَام.
-
وأرد بقوله: وَمنا الَّذِي اختير أَبَاهُ غَالِبا وَكَانَ جواداً.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(خرجت إِلَى إقطاعه فِي ثِيَابه ... على طرفه من دَاره بحسامه)
على أَنه يجوز أَن يجْتَمع على فعل وَاحِد عدَّة من حُرُوف الْجَرّ إِذا كَانَت مُخْتَلفَة فَإِن الْفِعْل الْوَاحِد قد يتَعَدَّى بعدة من حُرُوف الْجَرّ على مِقْدَار الْمَعْنى المُرَاد من وُقُوع الْفِعْل لِأَن هَذِه الْمعَانِي كامنة فِي الْفِعْل وَإِنَّمَا يظهرها حُرُوف الْجَرّ فَإنَّك إِذا قلت: خرجت فَأَرَدْت أَن تبين ابْتِدَاء خُرُوجك قلت: خرجت من الدَّار.
فَإِن أردْت أَن تبين انتهاءه قلت: إِلَى الْمَسْجِد: وَإِن أردْت أَن تبين ظرفه قلت: فِي ثِيَابِي. وَإِن أردْت أَن تبين أَنه مُقَارن للاستعلاء قلت: على الْفرس. وَإِن أردْت أَن تبين الملابسة والصحبة قلت: بحسامي. وَيجوز أَن يكون بعض هَذِه المجرورات فِي مَوضِع الْحَال.
وَهَذَا الْبَيْت يُوجد فِي بعض النّسخ قبل قَوْله: وَإِلَى اثْنَيْنِ كأعطى وَعلم بسطر بعد قَوْله: خرجت من الْكُوفَة إِلَى الْبَصْرَة لإكرامك.
(9/125)

وَالْبَيْت من مَقْطُوعَة عدتهَا سِتَّة أَبْيَات للمتنبي قَالَهَا ودع سيف الدولة ابْن حمدَان وَأَرَادَ التَّوَجُّه إِلَى إقطاعه الَّتِي أقطعه إِيَّاهَا.
قَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي مُعْجم الْبلدَانِ: السّبْعين هُوَ بِلَفْظ الْعدَد: قَرْيَة
بِبَاب حلب كَانَت إقطاعاً للمتنبي من سيف الدولة.
وَإِيَّاهَا عَنى بقوله:)
أَسِير إِلَى إقطاعه ... ... ... ... الْبَيْت وأوله الثَّابِت فِي جَمِيع نسخ ديوانه هُوَ كَمَا أنْشدهُ ياقوت بِلَفْظ: أَسِير.
(أيا رامياً يصمي فؤاد مرامه ... تربي عداهُ ريشها لسهامه)
الإصماء: إِصَابَة المقتل فِي الرَّمْي.
وَالْمعْنَى أَنه إِذا طلب شَيْئا أصَاب خَالص مَا طلبه كالرامي يُصِيب فؤاد مَا يَطْلُبهُ برميه.
وَقَوله: تربي عداهُ مثل وَذَلِكَ أَن السِّهَام إِنَّمَا تنفذ بريشها وأعداؤه يجمعُونَ الْعدَد وَالْأَمْوَال لَهُ لِأَنَّهُ يَأْخُذهَا فيتقوى بهَا على قِتَالهمْ فكأنهم يربون الريش لسهامه حَيْثُ يجمعُونَ المَال لَهُ.
فالريش مثل الْأَمْوَال والسهام مثل لَهُ.
أَسِير إِلَى إقطاعه فِي ثِيَابه الْبَيْت يُرِيد أَن جَمِيع مَا يتَصَرَّف فِيهِ من ضروب مملوكاته إِنَّمَا هُوَ من جِهَته وإنعامه. وَكَأن هَذَا تَفْصِيل مَا أجمله النَّابِغَة فِي قَوْله: الوافر
(وَمَا أغفلت شكري فانتصحني ... وَكَيف وَمن عطائك جلّ مَالِي)
(9/126)

وَقد فَصله النَّابِغَة أَيْضا فَقَالَ: الطَّوِيل
(
وَإِن تلادي إِن نظرت وشكتي ... ومهري وَمَا ضمت إِلَيْهِ الأنامل)
(حباؤك والعيس الْعتاق كَأَنَّهَا ... هجان المها تردي عَلَيْهَا الرحائل)
وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو نواس: الرجز
(وَمَا مطر تنيه من الْبيض والقنا ... وروم العبدى هاطلات غمامه)
الرّوم: جمع رومي كَمَا يُقَال: زنج وزنجي. والعبدى: العبيد. يَعْنِي وَمَا أنعم عَليّ من أَنْوَاع نعمه من الأسلحة وَالْعَبِيد الرومية.
(فَتى يهب الإقليم بِالْمَالِ والقرى ... وَمن فِيهِ من فرسانه وكرامه)
(وَيجْعَل مَا خولته من نواله ... جَزَاء لما خولته من كَلَامه)
أَي: يجازيني بنواله إِذا مدحته بِمَا استفدته من الْأَدَب من كَلَامه.
(فَلَا زَالَت الشَّمْس الَّتِي فِي سمائه ... مطالعة الشَّمْس الَّتِي فِي لثامه)
أَي: لَا زَالَت شمس السَّمَاء تطالع وَجهه الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ. وأضاف السَّمَاء إِلَيْهِ مُبَالغَة فِي الْمَدْح كَمَا قَالَ الفرزدق:
(9/127)

الطَّوِيل
)
لنا قمراها والنجوم الطوالع وَقَالَ ابْن جني: أضف السَّمَاء إِلَيْهِ لإشرافها عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الآخر: الطَّوِيل
(إِذا كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرة ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب)
أضَاف الْكَوْكَب إِلَيْهَا لجدها فِي عَملهَا عِنْد طلوعه.
تمّ الْجُزْء الثَّالِث ويله الْجُزْء الرَّابِع أَوله أَفعَال الْقُلُوب.
(9/128)

(
أَفعَال الْقُلُوب)
أنْشد فِيهَا
(الشَّاهِد الْعَاشِر بعد السبعمائة)
الوافر تعلم أَن بعد الغي رشدا على أَن تعلم الَّتِي بِمَعْنى اعْلَم أمرا لَا تنصب المفعولين بل ترد الاسمية مصدرة ب أَن السَّادة مَعَ معموليها مسد المفعولين. ويقل نصبها للمفعولين كَقَوْل زِيَاد بن سيار الجاهلي: الطَّوِيل
(تعلم شِفَاء النَّفس قهر عدوها ... فَبَالغ بلطف فِي التحيل وَالْمَكْر)
وَهَذَا المصراع من قصيدة طَوِيلَة جدا للقطامي.
وَقَبله:
(وَأما يَوْم قلت لعبد قيس ... كلَاما لَا أُرِيد بِهِ خداعا)
(تعلم أَن بعد الغي رشدا ... وَأَن لهَذِهِ الغبر انقشاعا
)
(وَلَو تستخبر الْعلمَاء عَنَّا ... وَمن شهد الْمَلَاحِم والوقاعا)
وَتقدم فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة مَا تقدم من أول القصيدة إِلَى هَذِه الأبيات مَعَ تَرْجَمته.
(9/129)

وَتقدم أَيْضا إِيرَاد أَبْيَات بعد هَذِه الأبيات فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَقَوله: وَأما يَوْم قلت لعبد قيس هُوَ أَخُو الْقطَامِي.
وَقَوله: تعلم أَن بعد الغي ... . إِلَخ الغبر: جمع غبرة وَهِي القتمة يُرِيد مَا أظل من الْأُمُور الشداد الْمظْلمَة. والانقشاع: الانكشاف.
وَأورد اللبلي المصراع الثَّانِي فِي شرح الفصيح: الانكشاف.)
وَأورد اللبلي المصراع الثَّانِي فِي شرح الفصيح بِرِوَايَة: وَأَن لتالك الغبر انقشاعاً وَقَالَ: تالك بِكَسْر اللَّام لُغَة فِي تِلْكَ فِي الْإِشَارَة إِلَى المؤنثة الْبَعِيدَة. وَيُرِيد الْقطَامِي بِهَذَا تَسْلِيَة أَخِيه فَإِن بني أَسد كَانُوا أوقعوا ببني تغلب فِي نواحي الجزيرة والقطامي مِنْهُم فَأسرهُ بَنو أَسد وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بن الْحَارِث الْكلابِي بَينه وَبينهمْ وحماه وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة كَمَا تقدم.
وَقَوله: وَلَو تستخبر الْعلمَاء ... . إِلَخ هُوَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والملاحم: جمع ملحمة وَهِي وَقَوله: بتغلب أَي: عَن تغلب كَقَوْلِه: الْبَسِيط
واسأل بمصقلة الْبكْرِيّ مَا فعلا أَي: عَن مصقلة. وتغلب: قَبيلَة الْقطَامِي وَهُوَ تغلب بن وَائِل.
(9/130)

ثمَّ أَخذ بعد هَذَا يذكر مآثر قومه فِي الْجَاهِلِيَّة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد السبعمائة)
المنسرح
(الله موف للنَّاس مَا زعما)
على أَن زعم قد يسْتَعْمل فِي التَّحْقِيق.
رَأَيْت فِي شرح الْكتاب للسيرافي: الزَّعْم قَول يقْتَرن بِهِ اعْتِقَاد وَقد يَصح ذَلِك أَو لَا يَصح.
فَأَما قَول الْجَعْدِي:
(تودي قُم واركبن بأهلك إِ ... ن الله موف للنَّاس مَا زعما)
فَقيل: الزَّعْم هَاهُنَا بِمَعْنى القَوْل وَقيل: بِمَعْنى الضَّمَان. وَمِنْه قَول عَمْرو بن شأس: الطَّوِيل قيل مَعْنَاهُ كَمَا ضمن وَقيل كَمَا قَالَ.
-
وَشَاهد الزَّعْم بِمَعْنى القَوْل قَول أبي زبيد: الْبَسِيط
(يَا لهف نَفسِي إِن كَانَ الَّذِي زَعَمُوا ... حَقًا وماذا يرد الْيَوْم تلهيفي)
أَي: الَّذِي قَالُوهُ. وَذَلِكَ أَنه سمع من يَقُول: حمل عُثْمَان على النعش إِلَى قَبره. وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ معنى ظن وَلَا ضَمَان. اه
(9/131)

)
وَقَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَة الصِّحَاح: الزَّعْم يَأْتِي فِي كَلَام الْعَرَب على أَرْبَعَة أوجه: يكون بِمَعْنى الْكفَالَة وَالضَّمان شَاهد قَول عمر بن أبي ربيعَة: الرمل
(قلت: كفي لَك رهن بِالرِّضَا ... وزعمي يَا هِنْد قَالَت: قد وَجب)
وَقَالَ النَّابِغَة يصف نوحًا: نُودي قُم واركبن بأهلك ... ... ... الْبَيْت زعم هُنَا فسر بِمَعْنى ضمن وَبِمَعْنى قَالَ وَبِمَعْنى وعد. وَيكون بِمَعْنى الْوَعْد قَالَ عَمْرو بن شأس: الطَّوِيل
(وعاذلة تخشى الردى أَن يُصِيبنِي ... تروح وتغدو بالملامة وَالْقسم)
تَقول هلكنا إِن هَلَكت ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ أَبُو زبيد الطَّائِي: يَا لهف نَفسِي إِن كَانَ الَّذِي زَعَمُوا ... ... ... ... الْبَيْت الْمَعْنى: إِن كَانَ الَّذِي قَالُوهُ حَقًا لِأَنَّهُ سمع من يَقُول: حمل عُثْمَان على النعش إِلَى قَبره.
-
وَقَالَ المثقب الْعَبْدي:
(9/132)

الرمل
(وَكَلَام سيئ قد وقرت ... أُذُنِي عَنهُ وَمَا بِي من صمم)
(فتصاممت لكَي مَا لَا يرى ... جَاهِل أَنِّي كَمَا كَانَ زعم)
وَيكون بِمَعْنى الظَّن قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود: الطَّوِيل.
(فذق هجرها إِن كنت تزْعم أَنه ... رشاد أَلا يَا رُبمَا كذب الزَّعْم)
فَهَذَا الْبَيْت لَا يحْتَمل سوى الظَّن وَبَيت عمر لَا يحْتَمل سوى الضَّمَان وَبَيت أبي زبيد لَا يحْتَمل سوى القَوْل وَمَا سوى ذَلِك على مَا فسر.
وَبَيت النَّابِغَة رُوِيَ لأمية بن أبي الصَّلْت وَبَيت عَمْرو بن شأس رُوِيَ لمضرس. اه.
وَمَا أوردهُ الشَّارِح قِطْعَة من قَوْله:
(نُودي قُم واركبن بأهلك إِ ... ن الله ... ... ... الْبَيْت)
وَزعم فِيهِ على مَا فسروه مُتَعَدٍّ إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الضَّمِير الْمَحْذُوف الْعَائِد إِلَى مَا وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ أَولهَا:
(الْحَمد لله لَا شريك لَهُ ... من لم يقلها فنفسه ظلما))
فالألف فِي قَوْله: زعما للإطلاق.
قَالَ ابْن خالويه فِي كتاب لَيْسَ:
(9/133)

قَالَ بعض الْمُفَسّرين: إِن الزَّعْم زاملة
الْكَذِب. وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب وأشعارهم زعم مَحْمُودًا إِلَّا فِي بَيْتَيْنِ قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت وَقيل للنابغة الْجَعْدِي فِي قصيدة أَولهَا: نُودي قُم واركبن ... ... ... . . الْبَيْت فَهَذَا على الْحق. وَسمعت الزَّاهِد يَقُول: زعم فِي هَذَا الْبَيْت بِمَعْنى قَالَ ووعد كَمَا يُقَال: زعم الشَّافِعِي أَي: قَالَ. اه.
وَالْقَصِيدَة الَّتِي هِيَ لأمية بن أبي الصَّلْت طَوِيلَة ذكر فِيهَا صنع الله وَعظم قدرته.
وَقَبله:
(عرفت أَن لن يفوت الله ذُو قدم ... وَأَنه من أَمِير السوء ينْتَقم)
(المسبح الْخشب فَوق المَاء سخرها ... خلال جريتها كَأَنَّهَا عوم)
(تجْرِي سفينة نوح فِي جوانبه ... بِكُل موج مَعَ الْأَرْوَاح تقتحم)
...
(9/134)

(مشحونة ودخان الموج يرفعها ... ملأى وَقد صرعت من حولهَا الْأُمَم)
(حَتَّى تسوت على الجودي راسية ... بِكُل مَا اسْتوْدعت كَأَنَّهَا أَطَم)
قَالَ شَارِح ديوانه: يُقَال: سبح الرجل وأسبحه الله. والعوم: جمع العومة كَأَنَّهَا حَيَّة تكون بعمان. والعامة: شبه الطوف إِلَّا أَنه أَصْغَر مِنْهُ يركب فِيهِ الْبَحْر. فِي جوانبه: جَوَانِب المَاء.
ومشحونة: مَمْلُوءَة يُقَال: اشحن سفينتك أَي: املأها. والجودي فِيهَا
سوق يُقَال لَهُ: سوق الثَّمَانِينَ لثمانين رجلا كَانُوا مَعَ نوح فِي السَّفِينَة. والأطم بِضَمَّتَيْنِ: الْقصر وَالْجمع آطام.
وترجمة أُميَّة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ.
قَالَ ابْن خالويه: وقصدية النَّابِغَة:
(يَا مَالك الأَرْض وَالسَّمَاء وَمن ... يفرق من الله لَا يخف أثما)
(إِنَّنِي امْرُؤ قد ظلمت نَفسِي وإ ... لَا تعف عني أغْلى دَمًا كثما)
(أطرح بالكافرين فِي الدَّرك ا ... لأسفل يَا رب أصطلي الضرما)
...
(9/135)

(يَا أَيهَا النَّاس هَل ترَوْنَ إِلَى ... فَارس بادت وخر من دعما)
(أَمْسوا عبيدا يرعون شاءكم ... كَأَنَّمَا كَانَ ملكهم حلما))
(أَو سبا الْحَاضِرين مأرب إِذْ ... يبنون من دون سيله العرما
)
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
(وَلَقَد نزلت فَلَا تظني غَيره ... مني بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم)
على أَن ظن يقل فِيهَا نصب الْمَفْعُول الْوَاحِد فَإِن مَعْنَاهُ هُنَا لَا تظني شَيْئا غير نزولك. وَصِحَّة هَذَا الْمَعْنى لَا تَقْتَضِي تَقْدِير مفعول آخر.
وَفِيه رد للنحويين فَإِنَّهُم قَالُوا: الْمَفْعُول الثَّانِي لظن مَحْذُوف اختصاراً لَا اقتصاراً.
وَبِه اسْتشْهد شرَّاح الألفية وَقَالُوا: تَقْدِيره: فَلَا تظني غَيره وَاقعا أَو حَقًا. وَجُمْلَة: فَلَا تظني غَيره مُعْتَرضَة بَين نزلت وَبَين مُتَعَلقَة وَهُوَ مني.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة عنترة وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الموفي الْمِائَتَيْنِ.
(9/136)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(بِأَيّ كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم غاراً عَليّ وتحسب
)
على أَنه قد حذف مَفْعُولا تحسب للقرينة وَالتَّقْدِير: وتحسب حبهم عاراً عَليّ.
(فَلَمَّا جنَّة الفردوس هَاجَرت تبتغي ... وَلَكِن دعَاك الْخبز أَحسب وَالتَّمْر)
نصب جنَّة الفردوس بتبتغي وَهِي حَال من التَّاء فِي هَاجَرت. وَجَاز تَقْدِيم مَا انتصب بتبتغي لجَوَاز تَقْدِيم الْفِعْل نَفسه حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: فَمَا مبتغياً جنَّة الفردوس هَاجَرت على حد قَوْله تَعَالَى: خشعاً أَبْصَارهم يخرجُون من الأجداث. وَلم يعْمل أَحسب على اللَّفْظ وَأَرَادَ مفعوليها فحذفهما كبيت الْكُمَيْت: بِأَيّ كتاب ... ... ... ... ... ... ... الْبَيْت أَي: وتحسب ذَاك كَذَلِك. وَلَا يحسن أَن تجعلها هُنَا لَغوا من قبل أَنَّهَا لم تقع بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره وَلَا بعدهمَا نَحْو: زيد قَائِم أَحسب
(9/137)

وَإِنَّمَا كَانَ اعْتِبَار عَملهَا أَو إلغائها هُنَاكَ لِأَنَّهَا لَو كَانَت عاملة لعملت فيهمَا وَأما هَاهُنَا فَلَا سَبِيل إِلَى الْخبز وَالتَّمْر وَنَحْوهمَا. اه.
وَقَوله: بِأَيّ كتاب مُتَعَلق بقوله ترى.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للكميت بن زيد الْأَسدي مدح بهَا آل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.)
وَبعده:
(إِذا الْخَيل واراها العجاج وَتَحْته ... غُبَار أثارته السنابك أصهب
)
(فَمَا لي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... وَمَا لي إِلَّا مشعب الْحق مشعب)
وَتَقَدَّمت مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده: الْخَفِيف
(لَا تخلنا على غرائك إِنَّا ... طالما قد وشى بِنَا الْأَعْدَاء)
على أَنه قد حذف الْمَفْعُول الثَّانِي من تخلنا وَتَقْدِيره كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: لَا تخلنا أَذِلَّة على إغرائك الْملك بِنَا.
وَالْبَيْت من معلقَة ابْن حلزة تقدم شَرحه مَعَ تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
(9/138)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(
كَذَاك أدبت حَتَّى صَار من خلقي ... إِنِّي وجدت ملاك الشيمة الْأَدَب)
على أَن وجدت قد ألغي عَن الْعَمَل مَعَ تقدمه وَهُوَ ضَعِيف وقبيح.
وخرجه الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لسيبويه على تَقْدِير لَام الِابْتِدَاء أَو على تَقْدِير ضمير الشَّأْن تبعا أما على الأول فَتكون معلقَة عَن الْعَمَل فِي اللَّفْظ بلام الِابْتِدَاء الْمقدرَة وَيكون مَا بعْدهَا من الْمُبْتَدَأ وَالْخَيْر فِي مَحل نصب على أَنَّهُمَا سادان مسد مفعولي وجد.
وَأما على الثَّانِي فَيكون ضمير الشَّأْن الْمَحْذُوف هُوَ الْمَفْعُول الأول وَالْجُمْلَة بعده فِي مَحل الْمَفْعُول الثَّانِي.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أَرَادَ: وجدته ملاك الشيمة الْأَدَب كَقَوْلِك: ظننته زيد منطلق أَي: ظَنَنْت الْأَمر والشأن زيد منطلق إِلَّا أَنه حذف الضَّمِير فِي وجدت للضَّرُورَة كَمَا حذف أَيْضا فِي بَيت الْكتاب: الْخَفِيف
(إِن من لَام فِي بني بنت حسا ... ن ... ... ... . . الْبَيْت)
أَرَادَ: إِنَّه من لَام. أَلا ترى أَن من هُنَا شَرط فَلَا ينصبها مَا قبلهَا كالاستفهام. وعَلى هَذَا)
تَقول: ظَنَنْت أَبوك أَخُوك أَي: ظننته. فاعرفه. اه.
(9/139)

وَالْفرق بَين الإلغاء وَالتَّعْلِيق أَن الأول: إبِْطَال الْعَمَل لفظا ومحلاً وَالثَّانِي: إِبْطَاله لفظا لَا محلا لمجيء مَا لَهُ صدر الْكَلَام. وَكَأن الْعَيْنِيّ لم يفرق بَينهمَا لقَوْله:
ألغي عمل وجدت لكَون لَام الِابْتِدَاء مقدرَة وَالصَّوَاب علق وجدت عَن الْعَمَل لفظا لكَون لَام الِابْتِدَاء مقدرَة.
وَلَا يخفى أَن هَذَا التَّخْرِيج على كَلَام ابْن جني يكون من بَاب غسل الدَّم بِالدَّمِ. وَالصَّحِيح أَن حذف ضمير الشَّأْن لَا يخْتَص بالشعر. وَمِنْه الحَدِيث: إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون وحكاية الْخَيل: إِن بك زيد مَأْخُوذ.
وَلم يُورد ابْن عُصْفُور هَذَا فِي كتاب الضرائر.
وَالْبَيْت أوردهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة مَعَ بَيت قبله وَنسبه إِلَى بعض الفزاريين وَهُوَ:
(أكنيه حِين أناديه لأكرمه ... وَلَا ألقبه والسوءة اللقب)
لَكِن رِوَايَته بِنصب القافيتين وَلَا تحْتَاج إِلَى مَا ذكر من التَّوْجِيه وَيكون اللقب على رِوَايَته مفعول ألقبه. والسوءة مَنْصُوبَة أَيْضا.
قَالَ ابْن جني: نصب السوءة لِأَنَّهُ جعلهَا مَفْعُولا مَعَه أَي: لَا ألقبه مَعَ السوءة اللقبا مقترناً بالسوءة.
أَلا ترى أَنَّك تَجِد هَذَا الْمَعْنى فِي الْمَفْعُول مَعَه تَقول: قُمْت وزيداً فتجد مَعْنَاهُ قُمْت مقترناً بزيد. اه.
قَالَ ابْن النَّاظِم تَقْدِيم الْمَفْعُول مَعَه على مصحوبه اتّفق الْجُمْهُور على مَنعه وَأَجَازَهُ أَبُو الْفَتْح فِي الخصائص وَاسْتدلَّ بقوله:
(9/140)

الطَّوِيل
جمعت وفحشاً غيبَة ونميمة وَلَا ألقبه والسوءة اللقبا على رِوَايَة نصب السوءة واللقب أَرَادَ: وَلَا ألقبه اللقب والسوءة أَي: مَعَ السوءة لِأَن من اللقب مَا يكون لغير سوءة كتلقيب الصّديق عتيقاً لعتاقة وَجهه فَلهَذَا قَالَ الشَّاعِر: وَلَا ألقبه اللقب مَعَ السوءة أَي: إِن لقبته لقبته بِغَيْر سوءة.
قَالَ الشَّيْخ يَعْنِي وَالِده وَلَا حجَّة لِابْنِ جني فِي الْبَيْتَيْنِ لِإِمْكَان جعل الْوَاو فيهمَا عاطفة قدمت هِيَ ومعطوفها وَذَلِكَ فِي الْبَيْت الأول ظَاهر وَأما فِي الْبَيْت الثَّانِي فعلى أَن يكون أَصله وَلَا ألقبه)
اللقب وأسوؤه السوءة ثمَّ حذف ناصب السوءة كَمَا حذف ناصب الْعُيُون من قَوْله: الوافر فزججن الحواجب والعيونا ثمَّ قدم العاطف ومعمول الْفِعْل الْمَحْذُوف. اه.
وَأما على رِوَايَة رفع القافية فالسوءة مَرْفُوعَة على الِابْتِدَاء واللقب الْخَبَر وَالْجُمْلَة حَال من الْهَاء. والسوءة بِالْفَتْح: اللَّفْظَة القبيحة.
-
وَقَالَ الْعَيْنِيّ على رِوَايَة نصب القافيتين: وَيجوز أَن يكون انتصاب السوءة على الْمَعْنى يعْمل فِيهِ معنى لَا ألقبه فَيكون على هَذَا من بَاب:
(9/141)

مجزوء الْكَامِل
(يَا لَيْت بعلك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَإِن رفع فارتفاعه يجوز أَن يكون بِالِابْتِدَاءِ وَيكون الْخَبَر مضمراً كَأَنَّهُ قَالَ: والسوءة ذَاك. يَعْنِي إِن لقبته وَالْفُحْش فِيهِ.
وَيجوز أَن يكون مُبْتَدأ وَخَبره اللقبا يكون مصدرا كالجمزى. وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: لَا ألقبه اللقبا وَهُوَ السوءة. اه.
وَهَذِه الِاحْتِمَالَات لَا فَائِدَة فِيهَا سوى تسويد الْوَرق. على أَن اللقبا بِالْألف مَقْصُورا غير مَوْجُود.
وَقَوله: أكنيه حِين أناديه الْعَرَب إِذا أَرَادَت تَعْظِيم الْمُخَاطب خاطبته بالكنية وَعدلت عَن التَّصْرِيح باسمه. وصف الشَّاعِر نَفسه بِحسن الْعشْرَة مَعَ صَاحبه.
وَقَوله: كَذَاك أدبت هُوَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالْكَاف هُنَا اسْم مفعول مُطلق أَي: أدبت تأديباً مثل ذَلِك وَالْإِشَارَة إِلَى الْبَيْت الأول. وَحَتَّى ابتدائية كَقَوْلِه تَعَالَى: حَتَّى عفوا وَاسم صَار الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهَا الْعَائِد إِلَى الْأَدَب الْمَفْهُوم من أدبت. وَمن خلقي خبر صَار.
وَقَوله: إِنِّي وجدت بِكَسْر الْهمزَة اسْتِئْنَاف أرْسلهُ مثلا. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْكَاف للتشبيه أَي: كَمثل الْأَدَب الْمَذْكُور. وَحَتَّى للغاية بِمَعْنى إِلَى. وَمن مُتَعَلق بصار.
وَقَوله: أَنِّي وجدت بِفَتْح الْهمزَة فَاعل صَار. هَذَا كَلَامه وَفِيه خلل من وُجُوه.
(9/142)

-
قَالَ الْجَوْهَرِي: ملاك الْأَمر وملاكه أَي: بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح: مَا يقوم بِهِ. والشيمة بِالْكَسْرِ: الْخلق.
وَالْأَدب الَّذِي تعرفه الْعَرَب هُوَ مَا يحسن من الْأَخْلَاق وَفعل المكارم مثل ترك السَّفه وَبِذَلِك المجهود وَحسن اللِّقَاء.)
وَالنّصب وَالرَّفْع فِي قافيتي الْبَيْتَيْنِ رَوَاهُمَا ابْن جني والطبرسي من شرَّاح الحماسة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(أَرْجُو وآمل أَن تَدْنُو مودتها ... وَمَا إخال لدينا مِنْك تنويل)
على أَنه قد ألفى إخال عَن الْعَمَل مَعَ تقدمه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح بَانَتْ سعاد: وَجه إِلْغَاء إخال هُنَا عدم تصدرها فَإِن حرف النَّفْي لما تقدمها أَزَال عَنْهَا التصدر الْمَحْض فسهل إلغاءها كَمَا سهل إِلْغَاء ظَنَنْت تقدم مَتى وَإِنِّي فِي: مَتى ظَنَنْت زيد منطلق وَقَول الحماسي: إِنِّي وجدت ملاك الشيمة الْأَدَب أَو يكون الإلغاء على تَقْدِير حرف النَّفْي دَاخِلا على الْجُمْلَة الاسمية وَتَقْدِير إخال مُعْتَرضًا بَينهمَا. اه.
(9/143)

وَيجوز أَن يخرج أَيْضا كَالَّذي قبله إِمَّا على تَقْدِير لَام الِابْتِدَاء أَو على تَقْدِير ضمير الشَّأْن فَيكون على الأول مُعَلّقا عَن الْعَمَل فِي اللَّفْظ وَيكون جملَة: لدينا مِنْك تنويل فِي مَوضِع المفعولين.
-
وعَلى الثَّانِي تكون عاملة لفظا وَيكون مفعولها ضمير الشَّأْن الْمَحْذُوف أَي: مَا إخَاله وَجُمْلَة: لدينا مِنْك تنويل فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي.
وَقد تقدم الْفرق بَين الإلغاء وَالتَّعْلِيق. وَيظْهر كَون التَّعْلِيق هُوَ الْعَمَل فِي مَحل الْجُمْلَة من عطف شَيْء على الْجُمْلَة الْمُعَلقَة فَإِنَّهُ يعرب بإعرابها الْمحلي كَقَوْل كثير: الطَّوِيل
(وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزة مَا البكا ... وَلَا موجعات الْقلب حَتَّى تولت)
فعطف موجعات بِالنّصب على مَحل مَا البكا وَهَذَا على تَقْدِير اسمية مَا. فَإِن كَانَت حرفا زَائِدا فأدري بِمَعْنى أعرف والبكا: مَفْعُوله وَلَا يكون مِمَّا نَحن فِيهِ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: رَأَيْت بِخَط الإِمَام بهاء الدَّين بن النّحاس: أَقمت مُدَّة أَقُول: الْقيَاس جَوَاز الْعَطف على مَحل الْجُمْلَة الْمُعَلق عَنْهَا بِالنّصب. ثمَّ رَأَيْته مَنْصُوصا. اه.
وَمِمَّنْ نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك وَلَا وَجه للتوقف فِيهِ مَعَ قَوْلهم إِن الْمُعَلق عَامل فِي الْمحل. اه.
حَكَاهُ عَنهُ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحداد البَجلِيّ
(9/144)

الْبَغْدَادِيّ فِي شرح قصيدة بَانَتْ سعاد وَكَانَ)
تَارِيخ شَرحه فِي بَغْدَاد سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة.
قَالَ فِي شَرحه: وَقَالَ ابْن إياز الرُّومِي: يجوز فِيهِ وَجه آخر وَهُوَ أَن تكون مَا مَوْصُولَة وموضعها رفع بِالِابْتِدَاءِ ومفعول إخال الأول مَحْذُوف
وَهُوَ الْعَائِد إِلَى مَا ومنك الْمَفْعُول الثَّانِي وتنويل: خبر الْمُبْتَدَأ. انْتهى كَلَامه.
قلت: ولدينا فِي هَذَا الْوَجْه وَالَّذِي قبله وَهُوَ تَقْدِير ضمير الشَّأْن: ظرف لأخال.
وَمعنى الْبَيْت على هَذَا الْوَجْه: إِن الَّذِي أَظُنهُ وإخاله من وصالها الْمُقدر يجْرِي عِنْدِي مجْرى الْوَصْل الْمُحَقق من فرط الْمحبَّة.
وَقد أبان التهامي عَن هَذَا الْمَعْنى فَبَالغ وَأحسن بقوله: الْبَسِيط
(أهتز عِنْد تمني وَصلهَا طَربا ... وَرب أُمْنِية أحلى من الظفر)
وَابْن الْخياط الدِّمَشْقِي عكس هَذَا الْمَعْنى ورده على معتقده بقوله: الوافر
(أمني النَّفس وصلا من سعاد ... وَأَيْنَ من المنى دَرك المُرَاد)
وَهَذَا قَول من لَا يقنع بِدُونِ الْوِصَال وَلَا يسوف نَفسه بالمحال. وَأَيْنَ هُوَ من قناعة الآخر بالنير حِين بَالغ بقوله:
(9/145)

الطَّوِيل انْتهى كَلَام الْبَغْدَادِيّ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة بَانَتْ سعاد الْمَشْهُورَة فِي مدح رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وَقد أورد الشَّارِح بَيْتا آخر مِنْهَا فِي حُرُوف الشَّرْط فِي أَوَاخِر الْكتاب. وَقد اعتنى بشرحها أجلة الْعلمَاء وَالَّذِي يحضرني من شروحها الْآن شرح أبي الْعَبَّاس الْأَحول مَعَ شرح جَمِيع ديوانه وَهُوَ عني بِخَطِّهِ.
وَشرح أبي عبد الله نفطويه النَّحْوِيّ. وَشرح أبي بكر بن الْأَنْبَارِي وَهُوَ شرح صَغِير قَلِيل الجدوى. وَشرح الْبَغْدَادِيّ الْمَذْكُور وَشرح ابْن هشم الْأنْصَارِيّ وهما
أجل الشُّرُوح.
لَكِن شرح الْبَغْدَادِيّ أَكثر استنباطاً لمعاني الشّعْر وأدق تفتيشاً للمزايا والنكت. وَشرح ابْن هشم أوعى مِنْهُ للمسائل النحوية وَتَفْسِير الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة وكل مِنْهُمَا فِي حجم الآخر وعصر تأليفهما مُتَقَارب.
وَهَذَا الْبَيْت لم يرد فِي رِوَايَة نفطويه وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس الْأَحول كَذَا.
(أَرْجُو وآمل أَن يعجلن فِي أَبَد ... وَمَا لَهُنَّ طوال الدَّهْر تَعْجِيل))
وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ. قَالَ الْأَحول: فِي أَبَد: فِي دهر.
ويروى: أَي: لَا يعجلن وصلنا فِي الرِّوَايَة الأولى. يَقُول: آمل وَأَرْجُو وَمَا أَظن ذَلِك يكون أبدا. انْتهى كَلَامه.
وَضبط بِخَطِّهِ يعجلن بِفَتْح الْيَاء وَالْجِيم على أَنه مَبْنِيّ للْفَاعِل. وطوال بِفَتْح الطَّاء على أَنه ظرف بِمَعْنى طول الدَّهْر وَلَكِن لم يتَقَدَّم لضمير جمع الْمُؤَنَّث مرجع.
فَإِن قُلْنَا: إِن الْمرجع سعاد وَإِن جمع الضَّمِير
(9/146)

للتعظيم ورد أَن إرجاع ضمير الْجمع إِلَى الْوَاحِد إِنَّمَا هُوَ فِي التَّكَلُّم وَالْخطاب وَقد ورد تَعْظِيم الْغَائِب قَلِيلا.
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: من فِرْعَوْن وملئهم من سُورَة يُونُس: وَالضَّمِير لفرعون وَجمعه على مَا هُوَ الْمُعْتَاد فِي ضمير العظماء. لَكِن استشكله شراحه.
قَالَ سعدي: أَي قدر لفرعون عِنْد لله حَتَّى يعبر عَنهُ بِصِيغَة التَّعْظِيم. نعم لَو
كن هَذَا من كَلَام من يعظم فِرْعَوْن لَكَانَ لَهُ وَجه.
وَكَذَا قَالَ الكازروني.
وَأورد الْبَغْدَادِيّ هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ: الضَّمِير فِي يعجلن ولهن لمواعيدها فِي الْبَيْت الَّذِي قبله وَهُوَ:
(كَانَت مواعيد عرقوب لَهَا مثلا ... وَمَا مواعيدها إِلَّا الأباطيل)
ويعجلن من العجلة وَهُوَ خلاف البطء يُقَال: عاجله وأعجله إِذا سبقه. وَعجل هُوَ يعجل من بَاب فَرح. والأبد: الدَّهْر.
يَقُول: أَرْجُو أَن تسبق مواعيدها ويسرع إنجازها فِي دهر من الدهور وَلَا يحصل ذَلِك.
وَالرِّوَايَة الأولى أشهر. اه.
وَرَوَاهُ ابْن سيد النَّاس فِي سيرته تبعا لسيرة ابْن هِشَام:
(أَرْجُو وآمل أَن يعجلن فِي أمد ... وَمَا لَهُنَّ إخال الدَّهْر تَعْجِيل)
وَقَوله: أَرْجُو وآمل ... إِلَخ أَرْجُو مَعَ فَاعله الْمُسْتَتر جملَة استئنافية
(9/147)

لَا تعلق لَهَا بِمَا قبلهَا وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي نَقَلْنَاهُ.
وآمل مَعْطُوف عله وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَحسن الْعَطف لتغاير اللَّفْظَيْنِ وَعطف المترادفين لَا يكون إِلَّا)
بِالْوَاو.
وَقَالَ الْبَغْدَادِيّ: وَبَعْضهمْ فرق بَينهمَا بِأَن الرَّجَاء توقع حُصُول مَطْلُوب فِي الْمُسْتَقْبل مَعَ خوف عدم وُقُوعه. والأمل: طلب حُصُول مَا يغلب وُقُوعه فِي ظن الطَّالِب لتَعَلُّقه بِهِ وَإِن لم يقارنه خوف عدم الْوُقُوع.
-
وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: أملته أملاً من بَاب طلب وَهُوَ ضد الْيَأْس. وَأكْثر مَا يسْتَعْمل الأمل قَالَ: أَرْجُو وآمل أَن تَدْنُو مودتها وَمن عزم على سفر إِلَى بلد بعيد يَقُول: أملت الْوَصْل وَلَا يَقُول: طمعت إِلَّا إِذا قرب مِنْهَا فَإِن الطمع لَا يكون إِلَّا فِيمَا قرب حُصُوله. وَقد يكون الأمل بِمَعْنى الطمع. والرجاء بَين الأمل والطمع فَإِن الراجي قد يخَاف أَن لَا يحصل مأموله فَلهَذَا يسْتَعْمل بِمَعْنى الْخَوْف.
فَإِن قوي الْخَوْف اسْتعْمل اسْتِعْمَال الأمل وَعَلِيهِ بَيت كَعْب وَإِلَّا اسْتعْمل بِمَعْنى الطمع فَأَنا آمل وَهُوَ مأمول. وأملته تأميلاً مُبَالغَة وتكثير وَهُوَ أَكثر اسْتِعْمَالا من المخفف. اه.
وَفِي الْمجْلس الثَّامِن وَالْخمسين من أمالي ابْن الشجري الْبَغْدَادِيّ أَنه استفتي عَن مسَائِل مِنْهَا: هَل يأمل ومأمول وَمَا تصرف مِنْهَا جَائِز فَأجَاب عَنْهَا أَولا الْحسن بن صافي المكنى أَبَا نزار المتلقب بِملك النُّحَاة بِأَن أمل يأمل لَا يجوز لِأَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا كَانَ على يفعل بِضَم الْعين كَانَ بَابه أَن ماضيه على فعل بِفَتْح الْعين وأمل لم أسمعهُ فعلا
(9/148)

مَاضِيا.
فَإِن قيل: فَقدر أَن يأمل مضارع وَلم يَأْتِ ماضيه كَمَا أَن يذر ويدع كَذَلِك.
قلت: قد علم أَن يذر ويدع على هَذَا الْقَضِيَّة قد جَاءَا شاذين فَلَو كَانَ مَعَهُمَا كلم أُخْرَى شَاذَّة لنقلت نقلهما وَلم يجز أَن لَا تنقل.
وَمَا سمعنَا أَن ذَلِك مُلْحق بِمَا ذكرنَا فَلَا يجوز يأمل وَلَا مأمول إِلَّا أَن يسمعني الثِّقَة أمل خَفِيفَة الْمِيم. كتبه أَبُو نزار النَّحْوِيّ.
-
قَالَ ابْن الشجري: وَأجَاب عَنهُ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور موهوب بن أَحْمد: وَأما أمل يأمل فَهُوَ آمل وَالْمَفْعُول مأمول. فَلَا ريب فِي جَوَازه عِنْد الْعلمَاء وَقد حَكَاهُ الثِّقَات مِنْهُم الْخَلِيل وَغَيره وَالشَّاهِد عَلَيْهِ كثير.
قَالَ بعض المعمرين: مجزوء الْكَامِل)
(الْمَرْء يأمل أَن يعي ... ش وَطول عَيْش قد يضرّهُ)
وَقَالَ الآخر: المنسرح
(هَا أَنا ذَا آمل الخلود وَقد ... أدْرك عَقْلِي ومولدي حجرا)
وَقَالَ كَعْب بن زُهَيْر: وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول وَقَالَ المتنبي وَهُوَ من الْعلمَاء بِالْعَرَبِيَّةِ: حرمُوا الَّذِي أملوا كتبه موهوب بن أَحْمد.
(9/149)

وَكتب على هَامِش الأمالي هُنَا أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ الْبَغْدَادِيّ: قد جَاءَ أمل مخففاً مَاضِيا فِي شعر ذِي الرمة وَهُوَ قَوْله: الطَّوِيل
(إِذا الصَّيف أجلى عَن تشَاء من النَّوَى ... أملت اجْتِمَاع الْحَيّ فِي صيف قَابل)
وَلَا غرو أَن لَا يحضر الشَّاهِد للْإنْسَان وَقت طلبه.
-
وَهَذَا الْبَيْت ذكره أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كِتَابه فِي الأنواء وَذكره ابْن جني فِي الخاطريات. وَهُوَ فِي ديوَان ذِي الرمة مَشْهُور. اه.
وَأجَاب ابْن الشجري بقوله: وَأما قَوْله فِي أمل وآمل أَنَّهُمَا لَا يجوزان عِنْده لِأَنَّهُ لم يسمع فِي الْمَاضِي مِنْهُمَا أمل خَفِيف الْمِيم فليت شعري مَا الَّذِي سمع من اللُّغَة ووعاه حَتَّى أنكر أَن يفوتهُ هَذَا الْحَرْف وَإِنَّمَا يُنكر مثل هَذَا من أنعم النّظر فِي كتب اللُّغَة كلهَا ووقف على تركيب أم ل فِي كتاب الْعين للخليل وَكتاب الجمهرة لِابْنِ دُرَيْد والمجمل لِابْنِ فَارس وديوان الْأَدَب للفارابي وَكتاب الصِّحَاح للجوهري وَغير ذَلِك من كتاب اللُّغَة.
فَإِذا وقف على أُمَّهَات كتب هَذَا الْعلم الَّتِي استوعب كل كتاب مِنْهَا اللُّغَة أَو معظمها فَرَأى أَن هَذَا الْحَرْف قد فَاتَ أُولَئِكَ الْأَعْيَان ثمَّ سمع قَول كَعْب بن زُهَيْر:
(9/150)

سلم لكعب وأذعن لَهُ صاغراً فَكيف يَقُول: من لم يتولج سَمعه عشرَة أسطر من هَذِه الْكتب الَّتِي ذكرتها: لم أسمع أمل وَلم أسلم أَن يُقَال: مأمول.
وَأما قَوْله: إِنَّه لَا يجوز يأمل وَلَا مأمول إِلَّا أَن يسمعني الثِّقَة أمل فَقَوْل من لم يعلم بِأَنَّهُم قَالُوا:)
فَقير وَلم يَقُولُوا فِي ماضيه فقر وَلم يَأْتِ فعله إِلَّا بِالزِّيَادَةِ أفتراه يُنكر أَن يُقَال: فَقير لِأَن الثِّقَة لم يسمعهُ فقر وَلَعَلَّه يجْحَد أَن يَكُونُوا نطقوا بفقير وَقد ورد بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ:
إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير. وَهل إِنْكَار فَقير إِلَّا كإنكار مأمول بل إِنْكَار فَقير عِنْده أوجب لأَنهم لم يَقُولُوا فِي ماضيه إِلَّا افْتقر ومأمول قد نطقوا بماضيه بِغَيْر زِيَادَة. انْتهى كَلَام ابْن الشجري.
وَقد نقل ابْن هِشَام فِي شرح هَذِه القصيدة السُّؤَال والجوابين بِاخْتِصَار ثمَّ قَالَ: وَمن الْغَرِيب أَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ لم يستدلاً على مَجِيء آمل بالبيتين فِي هَذِه القصيدة أَحدهمَا الْبَيْت الشَّاهِد وَثَانِيهمَا قَوْله: وَقَالَ كل خَلِيل كنت آمله بل تكلّف ابْن الجواليقي وَأنْشد قَول شَاعِر آخر.
وَقَول ابْن الشجري إِنَّه لم يسمع فقر اعْتمد فِيهِ على كَلَام سِيبَوَيْهٍ والأكثرين. وَذكر ابْن مَالك أَن جمَاعَة من أَئِمَّة اللُّغَة نقلوا مَجِيء
(9/151)

فقُر وفَقِر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَأَن قَوْلهم فِي التَّعَجُّب مَا أفقره مَبْنِيّ على ذَلِك وَلَيْسَ بشاذ كَمَا زَعَمُوا. اه.
وَقَوله: أَن تَدْنُو سكنت الْوَاو للضَّرُورَة أَو أهملت أَن حملا على مَا المصدرية وَهِي مَعَ مدخولها فِي تَأْوِيل مُفْرد مَنْصُوب تنازعه الفعلان فأعمل الثَّانِي وَحذف مفعول الأول كَمَا هُوَ الأولى عِنْد الْبَصرِيين. ومودتها: فَاعل تَدْنُو وَالضَّمِير لسعاد. والمودة: مُرَاعَاة الصُّحْبَة.
وَقَوله: وَمَا إخال الْوَاو للاستئناف وَكسر همزَة إخال فصيح اسْتِعْمَالا شَاذ قِيَاسا وَفتحهَا لُغَة أَسد.
وَقَوله: لدينا مِنْك تنويل قَالَ الْبَغْدَادِيّ: تنويل مُبْتَدأ ولدينا خَبره ومنك: حَال من تنويل وَكَانَ صفته فَلَمَّا تقدمه صَار حَالا مِنْهُ.
وَمن فِيهِ لابتداء الْغَايَة. ولدى ظرف مَكَان غير مُتَمَكن بِمَنْزِلَة عِنْد لَا يجر إِلَّا بِمن. وتنويل: تفعيل من النوال وَهُوَ الْعَطاء وَكَأَنَّهُ كنى بِهِ عَن وَصلهَا. وَفِي
مِنْك الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. اه.
وَجوز ابْن هِشَام ارْتِفَاع تنويل بِأحد الظرفين لاعتماده على النَّفْي وَتَكون جملَة إخال: مُعْتَرضَة كَقَوْلِه: المنسرح)
وَلم يبين مَا مَوضِع الظّرْف الآخر من الْإِعْرَاب وَجوز أَيْضا أَن يكون كل مِنْهُمَا أَو كِلَاهُمَا خَبرا عَن تنويل والمسوغ إِمَّا تقدم النَّفْي
(9/152)

أَو تقدم الْخَبَر. وَإِذا قدر الظرفان خبرين قدر لكل مِنْهُمَا مُتَعَلق يَخُصُّهُ.
وَإِذا قدر الْخَبَر الأول فالظرف الثَّانِي إِمَّا مُتَعَلق بِهِ أَو بمتعلقه الْمَحْذُوف على الْخلاف الْمَشْهُور فِي أَن الْعَمَل للظرف أَو للاستقرار. وَإِمَّا حَال فَيتَعَلَّق بِمَحْذُوف وَصَاحب الْحَال إِمَّا الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف الأول لِأَن الصَّحِيح أَن الظّرْف يتَحَمَّل ضميراً منتقلاً إِلَيْهِ من الِاسْتِقْرَار الْمَحْذُوف.
وَإِمَّا نفس التنويل وعامله على هَذَا الِاسْتِقْرَار الْمُقدر لَا الِابْتِدَاء لِأَن الْحَال إِنَّمَا يعْمل فِيهَا الْفِعْل أَو شبهه أَو مَعْنَاهُ.
وَإِذا قدر الْخَبَر الظّرْف الثَّانِي كَانَ الظّرْف الأول مُتَعَلقا بِهِ وَجَاز تَقْدِيمه عَلَيْهِ للاتساع فِي الظّرْف.
وَكَعب بن زُهَيْر صَحَابِيّ تقدم نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: كَانَ كَعْب بن زُهَيْر شَاعِرًا مجوداً كثير الشّعْر مقدما فِي طبقته هُوَ وَأَخُوهُ بجير وَكَعب أشعرهما وأبوهما زُهَيْر فَوْقهمَا.
-
قَالَ خلف الْأَحْمَر: لَوْلَا قصائد لزهير مَا فضلته على ابْنه كَعْب. ولكعب ابْن شَاعِر اسْمه عقبَة ولقبه المضرب لِأَنَّهُ شَبَّبَ بِامْرَأَة فَضَربهُ أَخُوهَا بِالسَّيْفِ ضربات كَثِيرَة فَلم يمت. وَله ابْن أَيْضا يُقَال لَهُ الْعَوام شَاعِر.
وَمِمَّا يستجاد لكعب قَوْله: الْبَسِيط
(لَو كنت أعجب من شَيْء لأعجبني ... سعي الْفَتى وَهُوَ مخبوء لَهُ الْقدر)
...
(9/153)

(يسْعَى الْفَتى لأمور لَيْسَ يُدْرِكهَا ... فَالنَّفْس وَاحِدَة والهم منتشر)
(والمرء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أمل ... لَا تَنْتَهِي الْعين حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثر)
وَمِمَّا يستجاد لَهُ أَيْضا: السَّرِيع
(إِن كنت لَا ترهب ذمِّي لما ... تعرف من صفحي عَن الْجَاهِل)
(فاخش سكوتي إِذْ أَنا منصت ... فِيك لمسموع خنا الْقَائِل)
(وَالسَّامِع الذَّم شريك لَهُ ... ومطعم الْمَأْكُول كالآكل)
مقَالَة السوء إِلَى أَهلهَا أسْرع من منحدر سَائل)
(وَمن دَعَا النَّاس إِلَى ذمه ... ذموه بِالْحَقِّ وبالباطل)
وَسبب إِسْلَام كَعْب وَخبر هَذِه القصيدة مَذْكُور فِي كتب السّير وَالْأَخْبَار لَا سِيمَا فِي شرحيهما للبغدادي وَابْن هِشَام.
(9/154)

وَمُلَخَّصه على مَا نَقله الْبَغْدَادِيّ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: أَن زهيراً قَالَ لِبَنِيهِ:
إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي سَببا دُلي من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فمددت يَدي لأتناوله ففاتني فَأَوَّلْته بِالنَّبِيِّ الَّذِي يبْعَث فِي هَذَا الزَّمَان وني لَا أدْركهُ فَمن أدْركهُ مِنْكُم فليؤمن بِهِ.
فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ آمن بجير بن زُهَيْر وَأقَام كَعْب على الْكفْر والتشبيب بنساء الْمُسلمين فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: لَئِن وَقع كَعْب بن زُهَيْر فِي يَدي لأقطعن لِسَانه.
وَكتب كَعْب أبياتاً أرسلها إِلَى بجير يوبخه على إِسْلَامه فَكتب بجير إِلَى كَعْب: إِن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد أهْدر دمك فَإِن أسلمت ولقيته مُسلما طمعت لَك فِي النجَاة وَإِلَّا فَإِنِّي أحسبك لَا تنجو فَأسلم كَعْب وَقدم على رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فأنشده هَذِه القصيدة فَأَمنهُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأَجَازَهُ بردته الشَّرِيفَة الَّتِي بِيعَتْ بِالثّمن الجزيل حَتَّى بِيعَتْ فِي أَيَّام الْمَنْصُور الْخَلِيفَة بمبلغ أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم.
وَبقيت فِي خَزَائِن بني الْعَبَّاس إِلَى أَن وصل المغول وَجرى مَا جرى. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وَأنْشد بعده الْخَفِيف على
أَن اسْم إِن ضمير الشَّأْن حذف لضَرُورَة الشّعْر وَالتَّقْدِير: إِنَّه من يدْخل إِلَخ.
وَهَذَا الْبَيْت قد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
(9/155)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد السبعمائة)
الوافر
(ولستم فاعلين إخال حَتَّى ... ينَال أقاصي الْحَطب الْوقُود)
على أَن إخال الملغاة وَقعت مُعْتَرضًا بهَا بَين اسْم الْفَاعِل وَهُوَ فاعلين وَبَين معموله وَهُوَ حَتَّى فَإِنَّهَا جَارة بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بِهِ. وينال مَنْصُوب بِأَن مضمرة بعْدهَا.
وَالْبَيْت من أَبْيَات سِتَّة لعقيل بن علفة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة وَهِي:
(تناهوا واسألوا ابْن أبي لبيد ... أأعتبه الضبارمة النجيد)
(ولستم فاعلين إخال حَتَّى ... ينَال أقاصي الْحَطب الْوقُود)
(وَأبْغض من وضعت إِلَيّ فِيهِ ... لساني معشر عَنْهُم أذود)
(وَلست بسائل جارات بَيْتِي ... أغياب رجالك أم شُهُود)
(وَلَا ملق لذِي الودعات سَوْطِي ... ألاعبه وريبته أُرِيد
(9/156)

)
فِي شرح التبريزي: البيتان الأخيران لِابْنِ أبي نمير القتالي من بني مرّة جَاءَ بهما أَبُو تَمام ضلة فِي هَذِه الأبيات وليستا مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي اللآلي شرح أمالي القالي نقلا عَن أبي الْفضل الرياش.
قَوْله: تناهوا واسألوا ... إِلَخ كِلَاهُمَا فعل أَمر من النَّهْي وَالسُّؤَال. والضبارمة بِضَم الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة هُوَ الجريء على الْأَعْدَاء. وَيُسمى الْأسد ضبارمة. وَيُقَال: هُوَ الْأسد الوثيق الْخلق الْكثير اللَّحْم.
والنجيد: ذُو النجدة وَهُوَ الْبَأْس والشدة. وأعتبه بِمَعْنى أرضاه. وَلَيْسَ يُرِيد الرِّضَا وَلَكِن يُرِيد: هَل جازيته بِمَا فعل لي لِأَنَّهُ لما جنى عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ استدعى شَره كَمَا يَسْتَدْعِي الرجل الْعُتْبِي من صَاحبه.
يَقُول: كفوا عَمَّا أَنْتُم عَلَيْهِ من تهييج الشَّرّ واسألوا هَذَا الرجل هَل أرضاه الْأسد الْقوي الشَّديد لما تحكك بِهِ وَهل وفاه مَا اسْتَحَقَّه عَلَيْهِ كَابْن أبي لبيد كَانَ أَجْدَر مِنْهُم بِأَن ينَال البغية مِنْهُ لشدَّة شَكِيمَته وقوته فأخفق. يَقُول: سلوه عَن وتره عِنْده هَل نقضه ثمَّ لينهكم ذَلِك عَن الجراءة على مثلي.
وَقَوله: ولستم فاعلين ... إِلَخ حذف مفعول فاعلين وَهُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ فِي الْبَيْت قبله تناهوا)
كَأَنَّهُ قَالَ: ولستم فاعلين التناهي. والوقود بِالضَّمِّ: إيقاد النَّار وبالفتح: الْحَطب. والأقصى: الْأَبْعَد. وَهَذَا مثل تمثل بِهِ فِي انْتِهَاء الشَّرّ.
يَقُول: لَسْتُم متناهين عَمَّا أكرهه مِنْكُم حَتَّى يعمكم الشَّرّ ويبلغ الْبلَاء أقْصَى الْمبلغ فيتعدى من الْأَقَارِب إِلَى الأباعد وَمن السقيم إِلَى البريء. وَذكر الْحَطب والوقود هُنَا مثلا لتفاقم الشَّرّ واتساع الْمَكْرُوه.
(9/157)

-
وَقَوله: وَأبْغض من وضعت ... إِلَخ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَأَصله: وَأبْغض من وضعت لساني فِيهِ إِلَى معشر أذود عَنْهُم أَي: أبْغض الْأَشْيَاء إِلَيّ أَن أهجو معشري الَّذين يلْزَمنِي الذب عَنْهُم فَمن هُنَا نكرَة مَوْصُوفَة وَصفته الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ وضعت لساني فِيهِ وَقد فصل بَينهمَا بقوله: إِلَيّ وَهُوَ أَجْنَبِي مِنْهَا. وَهَذَا فِي الصّفة أقرب مِنْهُ فِي الصِّلَة.
وَقَوله: وَلست بسائل ... . إِلَخ كنى فِي الْبَيْت عَن عفته. يَقُول: لَا أكلم جارتي لِأَنِّي أصونها عَن الْكَلَام. وَيجوز أَن يكون تعرضاً للَّذي يهجوه أَي: لَا أغتنم الْخلْوَة لجارات بَيْتِي فأتطلب غيبَة رِجَالهنَّ عَنْهُن.
وَقَوله: وَلست بصادر ... إِلَخ يَقُول: إِذا دَعَاني الْجَار إِلَى بَيته يكرمني ببره لَا أصدر عَن بَيته والطمع فِي مَاله بِحَالهِ كَمَا يصدر العير عَن المَاء وَقد غمره الْوُرُود. والتغمير كالتصريد وَهُوَ شرب دون الرّيّ وَمِنْه الْغمر للقدح الصَّغِير. وَقيل: فِي غمره إِنَّه بِمَعْنى أرواه من الْغمر وَهُوَ المَاء الْكثير.
فَيكون الْمَعْنى: لَا أتهالك على طَعَامه كالمنهوم الخسيس الهمة لكنني آكل آكلاً كَرِيمًا. وَالْمعْنَى الأول أوجه. وَقيل: مَعْنَاهُ إِنِّي لَا أصدر عَن بَيته وَنَفْسِي تَدعُونِي إِلَى صَاحِبَة الْبَيْت لِأَنِّي رجعت مسرعاً حِين علمت بمَكَان جاري عَنهُ كَمَا يفعل العير إِذا أحس بالقانص.
وَقَوله: وَلَا ملق لذِي الودعات ... إِلَخ الودعة: الخرزة تعلق فِي عنق الصَّبِي أَي: لَا أشغل الصَّبِي ذَا الودعات بسوطي وَأَنا أُرِيد
(9/158)

ريبته أَي: رِيبَة أمه.
ويروى: وربته أُرِيد وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد أمه لِأَنَّهَا تربه وتملك أمره. وَيجوز أَن يُرِيد بِذِي الودعات: ابْن أمة وَيُرِيد بربته مولاته. وَجُمْلَة: ألاعبه حَال.
-
وَعقيل بن علفة شَاعِر إسلامي فِي الدولة الإسلامية المروانية تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعِشْرين بعد الثلثمائة.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْكَامِل
(وَلَقَد علمت لتأتين منيتي ... إِن المنايا لَا تطيش سهامها)
على أَن علم نزل منزلَة الْقسم فَيكون جملَة لتأتين جَوَاب الْقسم الَّذِي هُوَ علمت وَحِينَئِذٍ تخرج عَمَّا نَحن فِيهِ فَلَا تَقْتَضِي مَعْمُولا وَلَا تتصف بِعَمَل لوا تَعْلِيق وَلَا إِلْغَاء.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ أورد هَذَا الْبَيْت فِي بَاب أَفعَال الْقسم وَقَالَ: كَأَنَّهُ قَالَ: وَالله لتأتين منيتي كَمَا قَالَ: قد علمت لعبد الله خير مِنْك. اه.
وَيجوز أَن تبقى علم هُنَا على بَابهَا وَتَكون معلقَة بلام الْقسم فَيكون جملَة: لتأتين منيتي
جَوَابا لقسم مَحْذُوف تَقْدِيره: وَلَقَد علمت وَالله لتأتين منيتي.
وجملتا الْقسم وَالْجَوَاب فِي موقع نصب بعلمت الْمُعَلق.
(9/159)

وَإِلَى هَذَا ذهب ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية قَالَ: وَمِنْهَا أَي: من المعلقات لَام الِابْتِدَاء وَالْقسم كَقَوْلِه تَعَالَى: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَاله فِي الْآخِرَة من خلاق وكقول الشَّاعِر: وَلَقَد علمت لتأتين منيتي ... ... ... ... . الْبَيْت وَقَررهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده وَجوز الْوَجْه الأول أَيْضا فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَيَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي الْآيَة الْكَرِيمَة أَيْضا.
وَالسَّابِق إِلَى تَجْوِيز الْوَجْهَيْنِ فِي الْآيَة وَالْبَيْت ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة قَالَ فِيهِ: وَأما قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد علمُوا لمن اشْتَرَاهُ الْآيَة. فَاللَّام فِي لقد لَام الْقسم وَهُوَ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: وَالله لقد علمُوا.
وَاللَّام فِي لمن اشْتَرَاهُ لَام الِابْتِدَاء وَمن بِمَنْزِلَة الَّذِي مُبْتَدأ وصلته اشْتَرَاهُ وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة خَبره وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب بعلموا كَمَا تَقول: قد علمت لزيد أفضل مِنْك فلام الِابْتِدَاء وهمزة الِاسْتِفْهَام فِي التَّعْلِيق سَوَاء. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ.
وَذهب غَيره إِلَى جعل من شرطا وَجعل اللَّام فِيهِ كَالَّتِي تعترض زَائِدَة بَين الْقسم والمقسم عَلَيْهِ فالتقدير: وَالله لقد علمُوا لَئِن أحد اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق. وَفِي جعل من للشّرط بعض الضعْف وَذَلِكَ أَن علمُوا تَقْتَضِي مفعولها فَإِذا أوقعت الْقسم بعْدهَا صَار التَّقْدِير: وَلَقَد علمُوا أَحْلف بِاللَّه لَئِن اشْتَرَاهُ أحد.)
وَإِذا تأدى الْأَمر إِلَى هَذَا قبح أَن تلِي علمت فعل الْقسم لِأَنَّهَا وَأَخَوَاتهَا إِنَّمَا يدخلن على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
فَإِن قلت: فعلام تجيز كَون من شرطا وَقد قدمت قبح ذَلِك
(9/160)

فَالْجَوَاب أَن جَوَاز ذَلِك على أَن تجْعَل علمُوا نَفسهَا قسما. وَقد استعملتها الْعَرَب بِمَعْنى الْقسم. وَمن أَبْيَات الْكتاب:
فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله لتأتين منيتي.
فَإِن قلت: فَإِذا جعلت علمُوا جَارِيا مجْرى الْقسم وعندك أَن اللَّام فِي لقد دَالَّة على الْقسم الْمَحْذُوف فَكَأَنَّهُ عنْدك: وَالله لقد علمُوا وقولك: لقد علمُوا جَار مجْرى الْقسم فَكيف يجوز على هَذَا دُخُول الْقسم على الْقسم أَولا ترى أَن الْخَلِيل وسيبويه ذَهَبا فِي قَوْله تَعَالَى: وَالشَّمْس وَضُحَاهَا وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا أَن جَمِيع مَا بعد الْوَاو الأولى من الواوات إِنَّمَا هُوَ حرف عطف لِئَلَّا يدْخل قسم على قسم فَيبقى الأول مِنْهُمَا غير مجاب.
فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك إِنَّمَا جَازَ فِي علمُوا من حَيْثُ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي معنى الْقسم وَلَيْسَ قسما صَرِيحًا وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة اشْهَدْ لقد كَانَ كَذَا. فلأجل هَذَا جَازَ أَن تكون من فِي لمن اشْتَرَاهُ شرطا وَاللَّام فِي أَولهَا مُؤَكدَة للشّرط. فاعرف ذَلِك. اه.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه للبيد وَالْمَوْجُود فِي معلقته إِنَّمَا هُوَ المصرع الثَّانِي وصدره: صادفن مِنْهَا غرَّة فأصبنه وَالنُّون من صادفن ضمير الذئاب وَضمير مِنْهَا ضمير الْبَقَرَة الوحشية وَالْهَاء فِي أصبنه ضمير ولد الْبَقر.
وَلم
(9/161)

يُوجد للبيد فِي ديوانه شعر على هَذَا الْوَزْن والروي غير الْمُعَلقَة. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
( ... ... ... . . وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل)
على أَن لقد علمت فِي الْبَيْت السَّابِق منزل منزلَة الْقسم فَصَارَ كَقَوْلِه: قسما فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ بِتَقْدِير أقسم قسما.
وَقَوله: لأميل خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: لأَنا أميل وَالْجُمْلَة جَوَاب الْقسم.
وَقد تقدم مشروحاً فِي الشَّاهِد التسعين.)
وَأَصله:
(إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك ... ... ... . الْبَيْت)
وأنشده بعده
(الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز
لقد علمت أَي يَوْم عقبتي قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لَا يعلم فِيهِ مَا قبله من الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى: وَتقول: عرفت أَي يَوْم الْجُمُعَة فتنصب على أَنه ظرف لَا على عرفت. وَإِن لم تَجْعَلهُ ظرفا رفعت. وَبَعض الْعَرَب يَقُول: لقد علمت أَي يَوْم عقبتي. وَبَعْضهمْ يَقُول: أَي يَوْم عقبتي. اه.
(9/162)

وَظَاهر سِيَاقه إِن هَذَا كَلَام لَا شعر وَلِهَذَا لم يشرحه أَكثر شرَّاح شواهده وَلم يُورِدهُ أحد مِنْهُم فِي الأبيات إِلَّا أَبُو جَعْفَر النّحاس وَقَالَ بعده: لَا أنْشدهُ قَالَ بَعضهم: أَي حِين إِذا رفع فلَان الِاسْتِفْهَام لَا يفعل فِيهِ مَا قبله فَيكون مُبْتَدأ وَخَبره عقبتي. فَإِذا نصبت جعلته ظرفا وَلم يعلم فِيهِ علمت. اه.
يَعْنِي أَن أياً اكْتسبت الظَّرْفِيَّة من حِين لإضافتها إِلَيْهِ.
وَأوردهُ أَيْضا ابْن السيرافي فِي شرح أبياته وَقَالَ: هُوَ من رجز الراجز وَهُوَ:
(أَأَنْت يَا بسيطة الَّتِي الَّتِي ... هيبنيك فِي المقيل صحبتي
)
(لقد علمت أَي حِين عقبتي ... هِيَ الَّتِي عِنْد الهجير قَالَت)
إِذا النُّجُوم فِي السَّمَاء ولت وبسيطة: اسْم أَرض بَين الْكُوفَة وحزمن بني يَرْبُوع.
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب: وفيهَا يَقُول عدي بن عَمْرو الطَّائِي:
(9/163)

الْبَسِيط.
وَخطأ ابْن السيرافي فِي قَوْله: البسيطة: الأَرْض المنبسطة الممتدة.
ثمَّ رَأَيْت ابْن خلف أورد هَذَا الرجز وَقَالَ فِي مِثَال سِيبَوَيْهٍ: أما نَصبه فعلى قَوْلك: فِي أَي الْأَوْقَات الِاجْتِمَاع للصَّلَاة وَرَفعه جيد كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة والسبت مثل الْجُمُعَة.
وَإِنَّمَا جَازَ النصب فِي ذَلِك لِأَن الْجُمُعَة فِيهَا معنى الِاجْتِمَاع وَالْأَصْل فِي السبت الرَّاحَة وَهُوَ فعل وَاقع فِي الْيَوْم. وَلَو قلت: الْيَوْم الْأَحَد والاثنان إِلَى الْخَمِيس لم يجز إِلَّا الرّفْع. وَلَيْسَ للأحد)
معنى يَقع فِي الْيَوْم.
ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعض يَقُول: لقد علمت أَي يَوْم عقبتي أنْشدهُ نصبا وَهَذَا الْبَيْت من الشّعْر وَقد خلط بالْكلَام فِي الْكتاب.
وَالشَّاهِد فِيهِ نصب أَي على الظّرْف. وعقبتي مُبْتَدأ وَأي حِين: خَبره كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الأحيان اعتقابي يُرِيد ركُوب عقبته. وَرَفعه جَائِز على مَا قَدمته. والبسيطة: الأَرْض المنبسطة الممتدة.
-
هيبنيك صحبتي: هيبوني من ركوبك وَالسير فِيك. والهجير: الهاجرة. وَوَلَّتْ النُّجُوم: يَعْنِي النُّجُوم الَّتِي كَانَت فِي أول اللَّيْل مُرْتَفعَة ولت انحطت لِتَغَيُّبٍ.
يُرِيد أَنه لَهُ عقبتين: عقبَة بِاللَّيْلِ وَعقبَة بِالنَّهَارِ. انْتهى كَلَامه.
وَذهب بالبسيطة إِلَى مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ. وَقد رده أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي وَقَالَ: إِنَّهَا علم لأرض بِعَينهَا وَعلمت بِالْبِنَاءِ للمعلوم والتكلم. والعقبة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْيَاء.
قَالَ صَاحب الْعباب: الْعقبَة بِالضَّمِّ: النّوبَة بالنُّون. تَقول: تمت عقبتك أَي: نوبتك.
(9/164)

وَلم أَقف عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ من هَذَا وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد السبعمائة)
الْكَامِل غادرته جزر السبَاع وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(غادرته جزر السبَاع ينشنه ... مَا بَين قلَّة رَأسه والمعتصم)
على أَن غدر مُلْحق بَصِير فِي الْعَمَل وَالْمعْنَى إِذا كَانَ ثَانِي المنصوبين معرفَة كَمَا فِي الْبَيْت.
وَالْمَشْهُور فِي رِوَايَته: وَتركته جزر السبَاع.
-
وَقد اسْتشْهد بِهِ فِي التفسيرين على أَن ترك فِي قَوْله: وتركهم فِي ظلمات لَا يبصرون كَمَا فِي الْبَيْت.
وَترك فِي الأَصْل يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد لِأَنَّهُ بِمَعْنى طرح وخلى ثمَّ ضمن معنى صَار إِلَّا أَن مَا فِي الْبَيْت مُتَعَدٍّ قطعا إِلَى مفعولين لكَون الثَّانِي معرفَة بِخِلَاف الْآيَة فَإِن ترك فِيهَا يحْتَمل أَن تكون بِمَعْنى الأَصْل متعدية إِلَى مفعول وَاحِد وَيكون فِي ظلمات لَا يبصرون حَالين مترادفتين كَمَا قَالَه ابْن الْحَاجِب:
(ومدجج كرة الكماة نزاله ... لَا ممعن هرباً وَلَا مستسلم)
(جَادَتْ يداي لَهُ بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم)
(فشككت بِالرُّمْحِ الطَّوِيل ثِيَابه ... لَيْسَ الْكَرِيم على القنا بِمحرم)
(9/165)

وَتركته جزر السبَاع ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَوله: ومدجج أَي: رب مدجج وَهُوَ التَّام السِّلَاح بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا. والكماة: الشجعان. والنزال: المنازلة فِي الْحَرْب.
وَقَوله: لَا ممعن إِلَخ صفة ثَانِيَة لمدجج والإمعان: الْمُبَالغَة وَمَعْنَاهُ لَا يمعن هرباً فيبعد وَلَا هُوَ مستسلم فيؤسر وَلكنه يُقَاتل. وَيُقَال: مَعْنَاهُ لَا يفر فِرَارًا بَعيدا إِنَّمَا هُوَ منحرف لرجعة أَو كرة وَأَرَادَ وَصفه بالحزم فِي الْحَرْب. وَأَرَادَ أَنه وَإِن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة وَكَانَ مِمَّن
تكره منازلته فَإِنِّي لم أجبن عَنهُ وَلَا هِبته وَلَكِنِّي أقدمت عَلَيْهِ.
وَقَوله: جَادَتْ يداي ... . إِلَخ أَي: سبقته بالطعن لِأَنِّي كنت أحذق مِنْهُ. والمثقف: الرمْح الْمُقَوّم. والصدق بِالْفَتْح: الصلب. وَمَا بَين كل أنبوبتين كَعْب.)
وَقَوله: فشككت بِالرُّمْحِ ... إِلَخ أَي: انتظمت ثِيَابه بِالرُّمْحِ يُرِيد أَن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الْإِقْدَام. وَقيل: مَعْنَاهُ كرمه لَا يخلصه من الْقَتْل الْمُقدر لَهُ.
وَقَوله: وَتركته جزر السبَاع ... إِلَخ الجزر: جمع جزرة بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي وَهِي الشَّاة أَو النَّاقة تنحر وتذبح. أَي: تركته لَحْمًا للسباع. والنوش: التَّنَاوُل.
وَقلة رَأسه: أَعْلَاهُ. والمعصم: مَوضِع السوار من الذِّرَاع. وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول: مَا بَين قلَّة رَأسه والقدم فَلم يُمكنهُ للقافية. وَيحْتَمل أَنه اسْتعَار المعصم لما فَوق الْقدَم من السَّاق لتقاربهما فِي الْخلقَة.
(9/166)

وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الوافر
(سَمِعت النَّاس ينتجعون غيشاً ... فَقلت لصيدح انتجعي بِلَالًا
)
على أَن الْفِعْل التَّالِي لاسم الْعين بعد سمع يجوز أَن لَا يكون بِمَعْنى النُّطْق كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن الانتجاع التَّرَدُّد فِي طلب العشب وَالْمَاء وَلَيْسَ قولا والمسموع مُطلق الصَّوْت سَوَاء كَانَ قولا أَو حَرَكَة فَإِن الْمَشْي فِيهِ صَوت تَحْرِيك الْأَقْدَام.
وَكَذَا الانتجاع هُوَ طلاب النجعة وَهِي مَكَان الْمَطَر إِذا أجدبوا. والطلب إِمَّا بالسؤال وَهُوَ قَول أَو بالتردد ذَهَابًا ومجيئاً وَفِيه حركات مسموعة.
وَالشَّارِح الْمُحَقق مَسْبُوق بِهَذَا الِاخْتِيَار.
وَقَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: ألْحقُوا بِرَأْي العلمية الحلمية وَسمع الْمُعَلقَة يعين وَلَا يخبر بعْدهَا إِلَّا بِفعل دَال على صَوت. اه.
وَهَذَا مُخَالف لصريح كَلَام الرضي. وَقَوله فِي أَمَالِيهِ إِن قِيَاس سَمِعتك تمشي على سَمِعت أَنَّك تمشي قِيَاس مَعَ الْفَارِق لِأَنَّهُ بِتَقْدِير الْبَاء وَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل الَّذِي يدْخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
(9/167)

أَقُول: مُرَاده أَن سمع فِي المثالين مُتَعَلّقه مُطلق الصَّوْت سَوَاء كَانَ من اسْتِعْمَال وَاحِد أَو من استعمالين. فَإِن سمع فِي أَكثر استعمالاته مُتَعَلقَة الصَّوْت وَلَا يسْتَعْمل فِي غير مسموع إِن اللَّفْظَة مَوْضُوعَة لَهُ وَلَا يلْزم الدّلَالَة على الصَّوْت وضعا بل يَكْفِي الدّلَالَة عَلَيْهِ وَلَو التزاماً.)
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: بِنصب النَّاس فِيهِ رد على الحريري بإنكاره النصب فَإِنَّهُ قَالَ فِي درة الغواص: وَمن أوهامهم فِي هَذَا الْمَعْنى أَنهم ينشدون بَيت ذِي الرمة: سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً
فَيَنْصبُونَ لفظ النَّاس على الْمَفْعُول وَلَا يجوز ذَلِك لِأَن النصب بِجعْل الانتجاع مِمَّا يسمع وَمَا هُوَ كَذَلِك. إِنَّمَا الصَّوَاب أَن ينشد بِالرَّفْع على وَجه الْحِكَايَة. اه.
وَقد تبع فِي هَذَا الْمبرد فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْكَامِل: قَوْله سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً حِكَايَة وَالْمعْنَى إِذا حقق إِنَّمَا هُوَ: سَمِعت هَذِه اللَّفْظَة أَي: قَائِلا يَقُول: النَّاس ينتجعون غيثاً وَمثل هَذَا قَوْله: الوافر
(وجدنَا فِي كتاب بني تَمِيم ... أَحَق الْخَيل بالركض المعار)
فَمَعْنَاه وجدنَا هَذِه اللَّفْظَة مَكْتُوبَة.
فَقَوله: أَحَق الْخَيل ابْتِدَاء والمعار: خَبره. وَكَذَلِكَ النَّاس ابْتِدَاء وينتجعون خَبره.
وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام: قَرَأت الْحَمد لله رب الْعَالمين إِنَّمَا حكيت مَا قَرَأت وَكَذَلِكَ: قَرَأت على
(9/168)

وَقد روى النصب فِي الْبَيْت جمَاعَة ثِقَات مِنْهُم ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَمِنْهُم الفارقي فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح وَمِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره.
وَقد أوردهُ بِالرَّفْع الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا فِي أول سُورَة الْبَقَرَة على أَن جملَة: النَّاس ينتجعون محكي والحكاية إِمَّا بقول مُقَدّر على مَذْهَب من اشْترط فِي الْحِكَايَة القَوْل أَو بسمعت على خلاف.
وَتَقْدِيره كثير.
وَاعْلَم أَن نَحْو: سَمِعت زيدا يَقُول كَذَا اخْتلف فِيهِ: فَعِنْدَ الْأَخْفَش وَأبي عَليّ
الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح وَابْن مَالك وَصَاحب الْهَادِي وجم غفير أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين: الأول: الذَّات وَالثَّانِي: الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة بعد.
قَالَ البعلي فِي شرح الْجمل: وَأما سمع فَإِن وليه مَا يسمع تعدى إِلَى مفعول وَاحِد تَقول: سَمِعت الحَدِيث وَسمعت الْكَلَام. وَإِن وليه مَا لَا يسمع تعدى إِلَى مفعولين كَقَوْلِك: سَمِعت زيدا يَقُول كَذَا.
وَلم يجز بَعضهم سَمِعت زيدا قَائِلا إِلَّا أَن يعلقه بِشَيْء آخر لِأَن قَائِلا من صِفَات الذَّات والذات لَا تسمع.)
وَأما قَوْله تَعَالَى: هَل يسمعونكم إِذْ تدعون فعلى حذف الْمُضَاف تَقْدِيره: هَل يسمعُونَ قَالَ فِي شرح الْهَادِي: وَفِيه نظر فَإِن الثَّانِي من قَوْلنَا: سَمِعت زيدا يَقُول: جملَة وَالْجُمْلَة لَا تقع مَفْعُولا إِلَّا فغي الْأَفْعَال الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر نَحْو: ظَنَنْت وَسمعت لَيْسَ مِنْهَا بل الْحق أَنه مِمَّا
(9/169)

يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد وَلَا يكون إِلَّا مِمَّا يسمع.
فَإِن عديته إِلَى غير مسموع فَلَا بُد من قرينَة بعده تدل على أَن المُرَاد مَا يسمع فِيهِ. فَإِن قلت: سَمِعت زيدا يَقُول: فزيداً مفعول على تَقْدِير مُضَاف أَي: سَمِعت قَول زيد وَيَقُول فِي مَوضِع الْحَال. اه.
وَهَذَا النّظر غير وَارِد وَفِي كَلَامهم مَا يَدْفَعهُ. كَذَا فِي التسهيل وَقد نقلنا عِبَارَته.
فَعلم أَن من قَالَ بنصبها مفعولين جعلهَا مِمَّا يدْخل على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر لِأَن الْحَواس الظَّاهِرَة لما أفادت الْإِدْرَاك وَالْعلم إِذْ كَانَت طَرِيقا لَهُ أجروها مجْرى رأى وَعلم لذَلِك فأعلموا عَملهَا.
-
وَذهب بَعضهم إِلَى جعل الْجُمْلَة حَالا بعد الْمعرفَة وَصفَة بعد النكرَة. قَالَ القَاضِي فِي تَفْسِير: سمعنَا فَتى يذكرهم. صفة مصححة لِأَن يتَعَلَّق بِهِ السّمع وَهُوَ أبلغ فِي نِسْبَة الذّكر إِلَيْهِ.
وَوجه كَونه أبلغ إِيقَاع الْفِعْل على المسموع مِنْهُ وَجعله بِمَنْزِلَة المسموع مُبَالغَة فِي عدم الْوَاسِطَة بَينهمَا ليُفِيد التَّرْكِيب أَنه سَمعه مِنْهُ بِالذَّاتِ. وَضمير هُوَ رَاجع إِلَى التَّعَلُّق.
وَهَذَا معنى قَوْله فِي تَفْسِير: سمعنَا منادياً يُنَادي للْإيمَان حَيْثُ قَالَ: أوقع الْفِعْل على المسمع وَقَالَ الْفَاضِل فِي حَوَاشِي الْكَشَّاف: فِي مثل هَذَا يَجْعَل مَا يسمع صفة للنكرة وَحَالا للمعرفة فأغنى عَن ذكر المسموع. لَكِن لَا يخفى أَنه
(9/170)

لَا يَصح إِيقَاع فعل السماع على الرجل إِلَّا بإضمار أَو مجَاز أَي: سَمِعت كَلَامه.
وَأَن الأوفق بِالْمَعْنَى فِيمَا جعل وَصفا أَو حَالا أَن يَجْعَل بَدَلا بِتَأْوِيل الْفِعْل على مَا يرَاهُ بعض النُّحَاة لكنه قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال فَلِذَا آثر الوصفية والحالية. اه.
وَإِنَّمَا كَانَ الْبَدَل أوفق لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَن التَّجَوُّز والإضمار إِذْ هُوَ حِينَئِذٍ بدل اشْتِمَال وَلَا يلْزم فِيهِ قصد تعلق الْفِعْل بالمبدل مِنْهُ حَتَّى يحْتَاج إِلَى إِضْمَار أَو تجوز كَمَا فِي: سلب زيد ثَوْبه إِذْ لَيْسَ زيد مسلوباً. وَلم يؤوله أحد لِأَنَّهُ غير مَقْصُود بِالنِّسْبَةِ بل تَوْطِئَة لما بعده.
وإبدال الْجُمْلَة من الْمُفْرد جَائِز نَحْو: وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا هَل هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ.
وَفِي شرح الْمُغنِي: الْمُحَقِّقُونَ على أَنَّهَا متعدية إِلَى مفعول وَاحِد وَأَن الْجُمْلَة الْوَاقِعَة بعده حَال.
)
وَقَالَ التَّفْتَازَانِيّ: أَو بدل أَو بَيَان بِتَقْدِير الْمصدر. وَيلْزم عَلَيْهِ حذف أَن وَرفع الْفِعْل وَجعله بِمَعْنى الْمصدر بِدُونِ سابك وَلَيْسَ مثله بمقيس. وَهَذَا لَيْسَ بوارد لِأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى أَن بدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد بِاعْتِبَار مُحَصل الْمَعْنى لِأَنَّهُ سبك وَتَقْدِير.
بَقِي لسمع استعمالات غير مَا تقدم وَهِي ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن تتعدى إِلَى مسموع. وَقد حقق السُّهيْلي أَن جَمِيع الْحَواس الظَّاهِرَة لَا تتعدى إِلَّا مفعول وَاحِد نَحْو: سَمِعت الْخَبَر وأبصرت الْأَثر ومسست الْحجر ودقت الْعَسَل وشممت الطّيب.
ثَانِيهَا: تعديتها بإلى أَو اللَّام وَهِي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإصغاء
(9/171)

وَالظَّاهِر أَنه حَقِيقَة لَا تضمين قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَا يسمعُونَ إِلَى الملاء الْأَعْلَى. فَإِن قلت: أَي فرق بَين سَمِعت فلَانا يتحدث وَسمعت إِلَيْهِ يتحدث وَسمعت حَدِيثه وَإِلَى حَدِيثه قلت: المعدى بِنَفسِهِ يُفِيد الْإِدْرَاك والمعدى بإلى يُفِيد الإصغاء مَعَ الْإِدْرَاك.
قَالَ الْجَوْهَرِي: استمعت لَهُ أَي: أصغيت وتسمعت إِلَيْهِ وَسمعت إِلَيْهِ وَسمعت لَهُ.
وَأما قَوْله: سمع الله لمن حَمده فَإِنَّهُ مجَاز عَن المقبول.
ثَالِثهَا: تعديتها بِالْبَاء وَهُوَ مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار وَنقل ذَلِك إِلَى السَّامع.
وَيدخل حِينَئِذٍ على غير المسموع وَلَيْسَت الْبَاء فِيهِ زَائِدَة تَقول: مَا سَمِعت بِأَفْضَل مِنْهُ.
وَفِي الْمثل: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ قابله بِالرُّؤْيَةِ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْإِخْبَار عَنهُ المتضمن للغيبة.
-
وَقَالَ الحماسي: الْكَامِل وَقَالَ آخر: الْخَفِيف
(صَاح هَل ريت أَو سَمِعت براع ... رد فِي الضَّرع مَا قرى فِي العلاب)
(9/172)

وَقَالَ ربيعَة بن مقروم: الْبَسِيط
(وَقد سَمِعت بِقوم يحْمَدُونَ فَلم ... أسمع بمثلك لَا حلماً وَلَا جوداً)
وَإِنَّمَا أطلت الْكَلَام فِي هَذِه الْكَلِمَة لِأَن الشَّارِح الْمُحَقق أوجز فِيهَا كل الإيجاز.
وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة مدح بهَا بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَبعده:)
(تناخي عِنْد خير فَتى يمَان ... إِذا النكباء ناوحت الشمالا)
(ندى وتكرماً ولبات لب ... إِذا الْأَشْيَاء حصلت الرجالا)
(وأبعدهم مَسَافَة غور عقل ... إِذا مَا الْأَمر ذُو الشُّبُهَات عالا
)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة جدا وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بَيت مِنْهَا أَيْضا فِي أَفعَال الْمَدْح والذم.
وَقَوله: سَمِعت النَّاس ... . إِلَخ الْغَيْث: الْمَطَر وَأَرَادَ بِهِ مَا يحصل بِسَبَبِهِ من الكلإ وَالْخصب.
وصيدح بإهمال الطَّرفَيْنِ: اسْم نَاقَة ذِي الرمة. وبلال هُوَ الممدوح وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ بِلَال داهية لقناً أديباً.
(9/173)

وَلما سمع قَوْله: سَمِعت النَّاس الْبَيْت قَالَ لغلامه: مر لَهَا بقت وَنوى. أَرَادَ أَن ذَا الرمة لَا يحسن الْمَدْح. اه.
فَلَمَّا خرج ذُو الرمة قَالَ لَهُ أَبُو عَمْرو وَكَانَ حَاضرا: هلا قلت لَهُ إِنَّمَا عنيت بانتجاع النَّاقة صَاحبهَا كَمَا قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا يُرِيد أَهلهَا.
وهلا أنشدته قَول الْحَارِثِيّ: الوافر
(وقفت على الديار فكلمتني ... فَمَا ملكت مدامعها القلوص)
يُرِيد صَاحبهَا.
-
فَقَالَ لَهُ ذُو الرمة: يَا أَبَا عَمْرو أَنْت مُفْرد فِي عَمَلك وَأَنا فِي عَمَلي وشعري ذُو أشباه. اه.
وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: وَلما أنْشد هَذَا الشّعْر بِلَالًا قَالَ: يَا غُلَام مر لصيدح بقت وعلف فَإِنَّمَا هِيَ انتجعتنا. وَهَذَا من التعنت الَّذِي لَا إنصاف مَعَه لِأَنَّهُ قَوْله: انتجعي إِنَّمَا أَرَادَ نَفسه. وَمثله فِي كتاب الله تَعَالَى: واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل الْقرْيَة وَأهل العير.
وَقَوله: إِذا النكباء إِلَخ قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: النكباء: الرّيح الَّتِي تَأتي من بَين ريحين فَتكون بَين الشمَال وَالصبَا أَو الشمَال وَالدبور أَو الْجنُوب وَالدبور أَو الْجنُوب وَالصبَا.
فَإِذا كَانَت النكباء تناوح
(9/174)

الشمَال فَهِيَ آيَة الشتَاء. وَمعنى تناوح تقَابل يُقَال: تناوح الشّجر إِذا قَابل بعضه بَعْضًا. وَزعم الْأَصْمَعِي أَن النائحة بِهَذَا سميت لِأَنَّهَا تقَابل صاحبتها. اه.
وَيُرِيد ذُو الرمة أَنه يُعْطي فِي هَذَا الْوَقْت الَّذِي هُوَ الجدب والقحط ويبس وَجه الأَرْض.
وَقَوله: ندى وتكرماً تَمْيِيز لقَوْله: خير فَتى. وحصلت بِمَعْنى ميزت الشريف من الوضيع.)
والمسافة: الْغَايَة. وعال: غلب. وَذُو الشُّبُهَات: مَا اشبته وَلَا يهتدى لَهُ.
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
المتقارب إِذا أَقبلت قلت دباءة على أَن دباءة لَيست وَحدهَا محكية بالْقَوْل بل هِيَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ دباءة وَالْمَجْمُوع هُوَ المحكي.
وَهَذَا صدر وعجزه: وَالْبَيْت من قصيدة لامرئ الْقَيْس فِي وصف فرس.
وَقَبله:
(لَهَا حافر مثل قَعْب الْوَلِيّ ... د ركب فِيهِ وظيف عجر)
...
(9/175)

(لَهَا ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إِذا تزبئر)
(لَهَا ذَنْب مثل ذيل الْعَرُوس ... تسد بِهِ فرجهَا من دبر)
(لَهَا متنتان خظاتا كَمَا ... أكب على ساعديه النمر
)
(لَهَا كفل كصفاة المسي ... ل أبرز عَنْهَا حجاف مُضر)
(لَهَا منخر كوجار السبَاع ... فَمِنْهُ تريح إِذا تنبهر)
(وَعين لَهَا حدرة بدرة ... وَشقت مآقيهما من أخر)
(وَإِن أَدْبَرت قلت أثفية ... ململمة لَيْسَ فِيهَا أثر)
(وَإِن أَعرَضت قلت سرعوفة ... لَهَا ذَنْب خلفهَا مسبطر)
قَوْله: مثل قَعْب الْوَلِيد ... إِلَخ الْعقب بِفَتْح الْقَاف: قدح من خشب مقعر. وحافر مقعب مشبه بِهِ. والوليد: الصَّبِي. يُرِيد أَن جَوف حافرها وَاسع. وَبَينه عَوْف بن عَطِيَّة بقوله: المتقارب والمغار: بِالْفَتْح الْمسكن. والوظيف من الْحَيَوَان: مَا فَوق الرسغ إِلَى السَّاق وَبَعْضهمْ يَقُول: مقدم السَّاق.)
وعجر بِفَتْح المهلة وَكسر الْجِيم قَالَ فِي الصِّحَاح: ووظيف عجر بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا أَي: غليظ.
(9/176)

-
وَقَوله: لَهَا ثنن ... . إِلَخ هُوَ جمع ثنة بِضَم الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد النُّون وَهِي الشعرات الَّتِي فِي مُؤخر رسغ الدَّابَّة. ويفين غير مَهْمُوز أَي: يكثرن. يُقَال: وَفِي شعره إِذا كثر. يَقُول: لَيست بمنجردة لَا شعر عَلَيْهَا. وتزبئر: تنتفش. والخوافي: مَا دون الريشات الْعشْر من مقدم الْجنَاح.
وَقَوله: لَهَا ذَنْب مثل ذيل ... . إِلَخ دبر كل شَيْء: خَلفه وَهُوَ هُنَا حَشْو بغني عَنهُ ذكر الْفرج.
وَقَالَ الْآمِدِيّ عِنْد قَول البحتري: الْكَامِل
(ذَنْب كَمَا سحب الرِّدَاء يذب عَن ... عرف وَعرف كالقناع المسبل)
هَذَا خطأ من الْوَصْف لِأَن ذَنْب الْفرس إِذا مس الأَرْض كَانَ عَيْبا فَكيف إِذا سحبه. وَإِنَّمَا الممدوح من الأذناب مَا قرب من الأَرْض وَلم يَمَسهَا كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: الطَّوِيل
(كميت إِذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأَرْض لَيْسَ بأعزل)
والأعزل من الْخَيل: الَّذِي يَقع ذَنبه فِي جَانب وَهُوَ عَادَة لَا خلقَة وَقد عيب قَول امْرِئ الْقَيْس: وَمَا أرى الْعَيْب يلْحقهُ لِأَن الْعَرُوس وَإِن كَانَت تسحب أذيالها وَكَانَ ذَنْب الْفرس إِذا مس الأَرْض عَيْبا فَلَيْسَ بمنكر أَن يشبه بِهِ الذَّنب وَإِن لم يبلغ إِلَى أَن يمس الأَرْض لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا يشبه الشَّيْء إِذا
(9/177)

قاربه فَإِذا أشبهه فِي أَكثر أَحْوَاله فقد صَحَّ التَّشْبِيه.
وامرؤ الْقَيْس لم يقْصد أَن يشبه طول الذَّنب بطول ذيل الْعَرُوس فَقَط وَإِنَّمَا أَرَادَ السبوغ وَالْكَثْرَة والكثافة.
-
أَلا ترى أَنه قَالَ: تسد بِهِ فرجهَا من دبر. وَقد يكون الذَّنب طَويلا يكَاد يمس الأَرْض وَلَا يكون كثيفاً فَلَا يسد فرج الْفرس. فَلَمَّا قَالَ تسد بِهِ فرجهَا علمنَا أَنه أَرَادَ الكثافة والسبوغ مَعَ الطول.
فَإِذا أشبه الذَّنب الذيل من هَذِه الْجِهَة وَكَانَ فِي الطول قَرِيبا مِنْهُ فالتشبيه صَحِيح وَلَيْسَ ذَلِك بِمُوجب للعيب وَإِنَّمَا الْعَيْب فِي قَول البحتري: ذَنْب كَمَا سحب الرِّدَاء. فأفصح بِأَن الْفرس يسحب ذَنبه.
وَمثل قَول امْرِئ الْقَيْس قَول خِدَاش بن زُهَيْر: المتقارب
(لَهَا ذَنْب مثل ذيل الْهَدْي ... إِلَى جؤجؤ أيد الزافر)
وَالْهَدْي: الْعَرُوس الَّتِي تهدى إِلَى زَوجهَا. والأيد: الشَّديد. والزافر: الصَّدْر لِأَنَّهَا تزفر مِنْهُ)
فَشبه الذَّنب الطَّوِيل السابغ بذيل الْهَدْي وَإِن لم يبلغ فِي الطول إِلَى أَن يمس الأَرْض. اه.
(ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهضب)
يُقَال: لَحْمه خظا بظا إِذا كن كثير اللَّحْم صلبه. والزحلوف: الْحجر الأملس.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: لَهَا متنتان خظاتا الْبَيْت. يُقَال: هُوَ خاظي البضيع إِذا كَانَ كثير اللَّحْم مكتنزه. وَقَوله: خظاتا فِيهِ قَولَانِ:
(9/178)

أَحدهمَا: أَنه أَرَادَ خظاتان كَمَا قَالَ أَبُو دواد فَحذف نون التَّثْنِيَة. يُقَال: متن خظاة ومتنة خظاة.
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ خظتا أَي: ارتفعتا فاضطر فَزَاد ألفا. وَالْقَوْل الأول أَجود.
وَقَوله: كَمَا أكب على ساعديه النمر أَرَادَ: كَأَن فَوق متنها نمراً باركاً لِكَثْرَة لحم الْمَتْن. اه.
وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا وَجه لَهُ وَالصَّوَاب مَا قَالَه ثَعْلَب أَي: فِي صلابة ساعد النمر إِذا اعْتمد على يَده.
وَقَوله: لَهَا كفل ... إِلَخ الصفاة بِالْفَتْح: الصَّخْرَة الملساء. والمسيل: مجْرى السَّيْل شبه كفلها فِي ملاسته بصفاة فِي مسيل أبرزها السَّيْل وكشف مَا كَانَ عَلَيْهَا من التُّرَاب.
والجحاف بِضَم الْجِيم بعْدهَا مُهْملَة: السَّيْل الشَّديد. والمضر: الَّذِي يضر بِكُل شَيْء يمر عَلَيْهِ أَي: يهدمه ويقلعه.
وَقَوله: لَهَا منخر كوجار ... إِلَخ الوجار بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا بعْدهَا جِيم: جُحر الضَّب شبه بِهِ منخرها لسعته.
وتريح: تسنتشق الرّيح تَارَة وترسلها من أراح. والبهر بِالضَّمِّ: ضيق النَّفس عِنْد الجري والتعب.
وَقَوله: وَعين لَهَا حدرة ... إِلَخ بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ فِي الصِّحَاح: وَعين حدرة أَي: مكتنزة صلبة. وَعين بدرة أَي: تبدر النّظر وَيُقَال: تَامَّة كالبدر.
وَآخر بِضَمَّتَيْنِ فِي الصِّحَاح: وشق ثَوْبه أخراً وَمن أخر أَي: من مؤخره. وَأنْشد الْبَيْت.
(9/179)

وَقَوله: إِذا أَقبلت قلت دباءة هِيَ بِضَم الدَّال وَتَشْديد الْمُوَحدَة بعْدهَا ألف ممدودة.
قَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات: الدُّبَّاء: القرع واحده دباءة وقرعة. وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا شبهها بالدباءة لدقة مقدمها وفعامة مؤخرها.)
وَقيل كَذَلِك خلق الْإِنَاث من الْخَيل. وَهَذَا فِي الْإِنَاث والذكور سَوَاء يسْتَحبّ
من الْخَيل أَن تطول وَتَكون مآخيرها أعظم من مقاديمها. وامرؤ الْقَيْس وَإِن كَانَ وصف فرسا أُنْثَى هَذَا الْوَصْف فقد وصف ابْن مقبل ذكرا من الْخَيل. اه.
وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح: يشبهون إناث الْخَيل بالدباء وَهِي القرع والسلاء وَهُوَ الشوك وَأنْشد الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَيسْتَحب من الذُّكُور غلظ الْمُقدم ودقة الْمُؤخر وَلِهَذَا يشبهونها بالذئاب لكَونهَا زلاً جمع أزل. اه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي: يَقُول: كَأَنَّهَا من بريقها قرعَة وَلَيْسَ يُرِيد أَنَّهَا مغموسة فِي المَاء وَلكنه أَرَادَ أَنَّهَا فِي ري فَهُوَ أَشد لملاستها. وَهَذَا كَقَوْلِك: فلَان مغموس فِي الْخَيْر.
وَقَالَ بَعضهم: إناث الْخَيل تكون فِي الْخلقَة كالقرعة يدق مقدمها ويعظم مؤخرها. اه.
وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف عِنْد قَول امْرِئ الْقَيْس: الطَّوِيل مداك عروس أَو صراية حنظل
(9/180)

رَوَاهُ الْأَصْمَعِي: صراية الصَّاد مَفْتُوحَة غير مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَهِي الحنظلة الخضراء وَقيل: هِيَ الَّتِي اصْفَرَّتْ لِأَنَّهَا إِذا اصْفَرَّتْ برقتْ وَهِي قبل أَن تصفر مُغيرَة. قَالَ: وَمثله: إِذا أَقبلت قلت دباءة
أَي: من بريقها كَأَنَّهَا قرعَة. اه.
والأثفية: الْحجر الَّذِي ينصب عَلَيْهِ الْقدر. والسرعوفة بِضَم الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: هِيَ الجرادة وَيُشبه بهَا الْفرس. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقد أورد ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة فِي بَاب التَّقْسِيم قَالَ: زعم الْحَاتِمِي أَن أصح تَقْسِيم وَقع لشاعر قَول الأسعر الْجعْفِيّ يصف فرسا: الْكَامِل
(أما إِذا استقبلته فَكَأَنَّهُ ... باز يكفكف أَن يطير وَقد رأى)
(أما إِذا استدبرته فتسوقه ... سَاق قموص الوقع عَارِية النسا)
(أما إِذا استعرضته متمطراً ... فَتَقول: هَذَا مثل سرحان الغضا)
(9/181)

وَاخْتَارَهُ أَيْضا قدامَة وَلَيْسَ عِنْدِي بِأَفْضَل من قَول امْرِئ الْقَيْس إِلَّا بشرف الصِّفَات:
إِذا أَقبلت قلت دباءة ... ... ... الأبيات الثَّلَاث)
وَلَو لم يكن إِلَّا بنسق هَذَا الْكَلَام بعضه على بعض وَانْقِطَاع ذَلِك بعضه من بعض. اه.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة امْرِئ الْقَيْس فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
مجزوء الوافر
(تنادوا بالرحيل غَدا ... وَفِي ترحالهم نَفسِي)
على أَن جملَة الرحيل غَدا من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر محكية بقول مَحْذُوف عِنْد الْبَصرِيين وَالتَّقْدِير: تنادوا بقَوْلهمْ: الرحيل غَدا. وَعند الْكُوفِيّين محكية بتنادوا فَإِنَّهُ يجوز عِنْدهم الْحِكَايَة بِمَا فِي معنى القَوْل فَإِن تنادوا مَعْنَاهُ نَادَى على كل مِنْهُم الآخر وَرفع صَوته بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ الرحيل غَدا.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَقَالَ: أجَاز أَبُو عَليّ فِي الرحيل ثَلَاثَة أوجه: الْجَرّ وَالرَّفْع وَالنّصب على الْحِكَايَة. فكأنهم قَالُوا: الرحيل غَدا أَو نرحل الرحيل غَدا أَو نجْعَل الرحيل غَدا أَو أَجمعُوا الرحيل غَدا. فتحكى الْمَرْفُوع والمنصوب. اه.
(9/182)

وَنَقله الْقَاسِم بن عَليّ الحريري فِي درة الغواص عَن ابْن جني وَلم يزده شَيْئا.
-
والترحال: مصدر جَاءَ على التفعال بِالْفَتْح بِمَعْنى الترحل. وَالنَّفس بِسُكُون الْفَاء.
وَلم أَقف على هَذَا الْبَيْت بِأَكْثَرَ من هَذَا. وَالله أعلم.
وَمثله مَا أنْشدهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الكاشف قَول الشَّاعِر: الرجز
(رجلَانِ من ضبة أخبرانا ... إِنَّا رَأينَا رجلا عُريَانا)
قَالَ: إِن بِالْكَسْرِ بِتَقْدِير القَوْل عندنَا وَعِنْدهم يتَعَلَّق بِفعل الْإِخْبَار.
وَأنْشد بعده: الرجز جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ على أَن جملَة: هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ محكية بقول مَحْذُوف تَقْدِيره بمذق مقول فِيهِ: هَل رَأَيْت. . إِلَخ.
-
وَقد تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(أجهالاً تَقول بني لؤَي ... لعمر أَبِيك أم متجاهلينا)
(9/183)

على أَنه فصل بالمفعول الثَّانِي بَين الْهمزَة وَبَين تَقول.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن قلت إِنَّمَا وَقعت فِي كَلَام الْعَرَب على أَن يحْكى بهَا وَإِنَّمَا يحْكى بعد القَوْل مَا كَانَ كلَاما لَا قولا نَحْو: قلت زيد منطلق لِأَنَّهُ يحسن أَن تَقول:
زيد منطلق وتقولك قَالَ زيد إِن عمرا خير النَّاس.
وَكَذَلِكَ مَا تصرف من فعله إِلَّا تَقول فِي الِاسْتِفْهَام شبهوها بتظن وَلم يجعلوها كيظن وأظن فِي الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ لَا يكَاد يستفهم الْمُخَاطب عَن ظن غَيره وَلَا يستفهم هُوَ إِلَّا عَن ظَنّه.
فَإِنَّمَا جعلت كتظن كَمَا أَن مَا كليس فِي لُغَة أهل الْحجاز مَا دَامَت فِي مَعْنَاهَا فَإِذا تَغَيَّرت عَن ذَلِك أَو قدم الْخَبَر رجعت إِلَى الْقَيْس وَصَارَت اللُّغَات فِيهَا كلغة بني تَمِيم. وَلم تجْعَل قلت كظننت لِأَنَّهَا إِنَّمَا عِنْدهم أَن يكون مَا بعْدهَا محكياً فَلم تدخل فِي بَاب ظَنَنْت بِأَكْثَرَ من هَذَا.
وَذَاكَ قَوْلك: مَتى تَقول زيدا مُنْطَلقًا وأتقول عمرا ذَاهِبًا وَأكل يَوْم تَقول عمرا مُنْطَلقًا لَا تفصل بهَا كَمَا لم تفصل فِي أكل يَوْم زيدا تضربه.
وَتقول: أَأَنْت تَقول زيد منطلق رفعت لِأَنَّهُ فصل بَينه وَبَين حرف الِاسْتِفْهَام كَمَا فصل فِي قَوْلك: أَأَنْت زيدا مَرَرْت بِهِ فَصَارَت بِمَنْزِلَة أخواتها وَصَارَت على الأَصْل كَمَا قَالَ الْكُمَيْت: أجهالاً تَقول بني لؤَي ... ... ... ... الْبَيْت
(9/184)

وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: الْكَامِل
(أما الرحيل فدون بعد غَد ... فَمَتَى تَقول الدَّار تجمعنا)
وَإِن شِئْت رفعت بِمَا نصبت فَجَعَلته حِكَايَة. وَزعم أَبُو الْخطاب وَسَأَلته عَنهُ غير مرّة. أَن نَاسا يوثق بعربيتهم وهم بَنو سليم يجْعَلُونَ بَاب قلت أجمع مثل ظَنَنْت. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ على أَنه أعمل تَقول عمل تظن لِأَنَّهَا بمعناها وَلم يرد قَول اللِّسَان وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ.
وَالتَّقْدِير: أَتَقول بني لؤَي جُهَّالًا أَي: أتظنهم كَذَلِك وتعتقده فيهم فَبنِي لؤَي الْمَفْعُول الأول ومتجاهلينا الْمَفْعُول الثَّانِي. وَأَرَادَ ببني لؤَي جُمْهُور قُرَيْش كلهَا)
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة يفخر فِيهَا على الْيمن وَيذكر فضل مُضر عَلَيْهِم فَيَقُول: أتظن قُريْشًا جاهلين أَو متجاهلين حِين استعملوا اليمانيين فِي ولاياتهم وآثروهم على المضربين مَعَ فَضلهمْ عَلَيْهِم. والمتجاهل: الَّذِي يسْتَعْمل الْجَهْل وَإِن
لم يكن من أَهله. اه.
وَقَالَ ابْن المستوفي: أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ للكميت وَلم أرَاهُ فِي ديوانه. وَالَّذِي فِي ديوانه شعره: الوافر
(أنواماً تَقول بني لؤَي ... لعمر أَبِيك أم متناومينا)
(عَن الرَّامِي الكنانة لم يردهَا ... وَلَكِن كَاد غير مكايدينا)
يَقُول: أتظن أَن قُريْشًا تغفل عَن هجاء شعراء نزار لأَنهم إِن هجوا مُضر والقبائل الَّتِي مِنْهَا هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاء فقد تعرضوا لسب قُرَيْش فهم
(9/185)

بِمَنْزِلَة من رمى رجلا فَقيل: لم رميته فَقَالَ: إِنَّمَا رميت كِنَانَته وَلم أرمه وَكَانَ غَرَضه أَن يُصِيب الرجل. فَيَقُول: من هجا بني كنَانَة وَبني أَسد وَمن قرب نسبه من قُرَيْش فقد تعرض لسب قُرَيْش. يحرض الْخُلَفَاء عَلَيْهِم وَالسُّلْطَان. اه.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ: وَإِن شِئْت رفعت بِمَا نصبت فَجَعَلته حِكَايَة قَالَ الْمَازِني: غلط سِيبَوَيْهٍ فِيهِ وَأجِيب بِأَن مُرَاده: وَإِن شِئْت رفعت فِي الْموضع الَّذِي نصبت أَو أَن الْبَاء زَائِدَة فِي الْمَفْعُول.
وَأَقُول: هَذِه القصيدة تقدم أَبْيَات مِنْهَا فِي عدَّة مَوَاضِع وَأول مَا مر فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر من أَوَائِل الْكتاب مَعَ تَرْجَمَة الْكُمَيْت وَتقدم هُنَاكَ سَبَب نظمها. وهجا فِيهَا الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ هجا مُضر ومدح أهل الْيمن.
وَتقدم بَيت مِنْهَا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين.
وَقَوله: لعمر أَبِيك مُبْتَدأ مُضَاف وَخَبره مَحْذُوف أَي: قسمي وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف أَيْضا وَالتَّقْدِير: أجهالاً تَقول بني لؤَي أَو متجاهلين.
لعمر أَبِيك لتخبرني.
-
إِلَّا أَن قدم الْقسم وَاعْترض بِهِ بَين الْفِعْل ومفعوله وَحذف الْجَواب لدلَالَة الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ إِذْ مَعْلُوم أَن المستفهم يطْلب من المستفهم مِنْهُ أَن يُخبرهُ عَمَّا استفهمه عَنهُ.
(9/186)

(الْأَفْعَال النَّاقِصَة)
أنْشد فِيهَا
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
(فصرنا إِلَى الْحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أَي إذلال)
على أَن صَار تَامَّة ونا: فاعلها أَي: رَجعْنَا وانتقلنا. يُقَال: صَار الْأَمر إِلَى كَذَا أَي: رَجَعَ.
وَالْحُسْنَى إِمَّا اسْم مصدر بِمَعْنى الْإِحْسَان وَإِمَّا صِيغَة مؤنث أحسن أَي: إِلَى الْحَالة الْحسنى.
ورق بِمَعْنى لطف.
ورضت فعل وفاعل من رضت الدَّابَّة رياضة: ذللتها. وصعبة مفعول رضت. وذلت من ذلت الدَّابَّة ذلاً بِالْكَسْرِ: سهلت وانقادت فَهِيَ ذَلُول. وذللتها بالتثقيل فِي التَّعْدِيَة وكذل أذللته بِالْهَمْزَةِ. وَقَوله: أَي إذلال مفعول مُطلق عَامله رضت.
قَالَ الزّجاج عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: كتاب الله عَلَيْكُم مَنْصُوب على التوكيد مَحْمُول على الْمَعْنى لِأَن معنى حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم: كتب الله عَلَيْكُم هَذَا كتابا كَمَا قَالَ الشَّاعِر: ورضت فذلت صعبة أَي إذلال.
-
لِأَن معنى رضت: أذللت. اه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصدية لامرئ الْقَيْس تقدم بعض مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث من أول الْكتاب وَبَعض مِنْهَا فِي التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَقَبله:
(9/187)

وتنازعنا: تجاذبنا. وأسمحت: وَافَقت على مَا أُرِيد مِنْهَا. وهصرت: جذبت وأملت. وَالْبَاء فِي بِغُصْن زَائِدَة فِي الْمَفْعُول. وَأَرَادَ بالغصن قامتها.
والشماريخ إِمَّا جموع شِمْرَاخ بِالْكَسْرِ وَإِمَّا جمع شمروخ كعصفور فَإِنَّهُمَا يجمعان على شماريخ وَهُوَ مَا يكون فِي الرطب.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد السبعمائة)
مجزوء الْكَامِل
(أيقنت أَنِّي لَا محا ... لَة حَيْثُ صَار الْقَوْم صائر)
على أَن صَار فِيهِ تَامَّة أَي: أيقنت أَنِّي منتقل حَيْثُ انْتقل الْقَوْم. فصائر خبر أَن وَصَارَ بِمَعْنى انثقل وَالْقَوْم فَاعله.
وَلَا محَالة بِفَتْح الْمِيم: لَا تَغْيِير وَلَا تَبْدِيل وَأَنِّي بِفَتْح الْهمزَة وأيقنت جَوَاب لما فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ:
(لما رَأَيْت موارداً ... للْمَوْت لَيْسَ لَهَا مصَادر)
(وَرَأَيْت قومِي نَحْوهَا ... يمْضِي الأصاغر والأكابر)
(لَا يرجع الْمَاضِي إل ... ي وَلَا من البَاقِينَ غابر)
(أيقنت أَنِّي ... ... ....... ... ... ... . الْبَيْت)
(9/188)

والقرون: جمع قرن بِالْفَتْح قَالَ الزّجاج: هُوَ أهل كل مُدَّة كَانَ فِيهَا نَبِي أَو طبقَة من أهل الْعلم سَوَاء قلت السنون أَو كثرت. والموارد: جمع مورد وَهُوَ مَحل الْوُرُود أَي: الإيتان.
والمصادر: جمع مصدر وَهُوَ مَوضِع الصُّدُور أَي: الِانْصِرَاف وَالرُّجُوع. وغابر بِالْمُعْجَمَةِ: اسْم فَاعل من غير بِمَعْنى مكث وَبَقِي وَبِمَعْنى مضى أَيْضا فَهُوَ ضد.
وَهَذِه الأبيات لقس بن سَاعِدَة. روى أهل السّير وَالْأَخْبَار بِسَنَد مُتَّصِل إِلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: قدم وَفد إياد على رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ: أَيّكُم يعرف القس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي قَالُوا: كلنا نعرفه يَا رَسُول الله. قَالَ: فَمَا فعل قَالُوا: هلك.
قَالَ: مَا أنساه بعكاظ على جمل أَحْمَر وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا. من عَاشَ مَاتَ وَمن مَاتَ فَاتَ وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ. وَإِن فِي السَّمَاء لخبراً وَإِن فِي الأَرْض لعبراً.
مهاد مَوضِع وسقف مَرْفُوع ونجوم تمور وبحار لَا تغور. أقسم قس قسما حتما لَئِن كَانَ فِي الْأَمر رضَا لَيَكُونن سخطاً. إِن لله لدينا هُوَ أحب إِلَيّ من دينكُمْ الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ. مَالِي أرى النَّاس يذهبون وَلَا يرجعُونَ أرضوا بالْمقَام فأقاموا أم تركُوا فَنَامُوا.
-
ثمَّ قَالَ: أَيّكُم يروي شعره فأنشدوه:
(فِي الذاهبين الأولي ... ن من الْقُرُون لنا بصائر))
إِلَى آخر الأبيات الْخَمْسَة.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة قس فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالتسْعين من أَوَائِل الْكتاب.
(9/189)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل غَدا طاوياً يُعَارض الرّيح هافياً على أَن ابْن مَالك قَالَ: غَدا فعل تَامّ يَكْتَفِي بفاعله والمنصوب بعده حَال كَمَا فِي الْبَيْت.
قَالَ فِي التسهيل: وَالأَصَح أَن لَا يلْحق بهَا غَدا وَرَاح.
قَالَ شَارِحه ابْن عقيل: خلافًا للزمخشري وَأبي الْبَقَاء فالمنصوب بعدهمَا حَال لَا خير لالتزام وَهَذَا صدر وعجزه: يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
وَالْبَيْت من القصيدة الْمَشْهُورَة بلامية الْعَرَب للشنفري وَقد تقدم شرح أَبْيَات من أَولهَا مَعَ تَرْجَمته فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَفِي بَاب الْجمع.
وَقَبله:
(أَدِيم مطال الْجُوع حَتَّى أميته ... وأضرب عَنهُ الذّكر صفحاً فأذهل)
(وأستف ترب الأَرْض كي لَا يرى لَهُ ... عَليّ من الطول امْرُؤ متطول)
(وَلَوْلَا اجْتِنَاب الذام لم يلف مشرب ... يعاش بِهِ إِلَّا لدي ومأكل)
(وَلَكِن نفسا مرّة لَا تقيم بِي ... على الذام إِلَّا ريثما أتحول)
...
(9/190)

(وأطوي على الخمص الحوايا كَمَا انطوت ... خيوطة ماري تغار وتفتل)
(وأغدو على الْقُوت الزهيد كَمَا غَدا ... أزل تهاداه التنائف أطحل)
غَدا طاوياً ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت قَوْله: أَدِيم مطال الْجُوع ... إِلَخ المطال: مصدر ماطله بِمَعْنى مطله يمطله مطلاً من بَاب قتل إِذا سوفه بوعد الْوَفَاء مرّة بعد مرّة. وَضرب عَن كَذَا وأضرب عَنهُ أَيْضا: أعرض عَنهُ تركا أَو وَذهل عَن الشَّيْء يذهل بِفتْحَتَيْنِ ذهولاً بِمَعْنى غفل وَقد يتَعَدَّى بِنَفسِهِ فَيُقَال: ذهلته وَالْأَكْثَر أَن يتَعَدَّى بِالْألف فَيُقَال: أذهلني فلَان عَن الشَّيْء.)
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ذهل عَن الْأَمر: تناساه عمدا وشغل عَنهُ. وَفِي لُغَة: ذهل يذهل من بَاب تَعب. وَجُمْلَة: أَدِيم مستأنفة وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بأديم. وأضرب معطوفة على أَدِيم وأذهل مَعْطُوف على أضْرب لَا على أَدِيم لِأَن الْفَاء للتَّرْتِيب والتعقيب. وَالذكر مفعول أضْرب وصفحاً تَمْيِيز أَو مصدر فِي مَوضِع الْحَال أَي: معرضًا.
يَقُول: أقوى على رد نَفسِي عَمَّا تهوى وأغلبها وأذهل عَن الْجُوع حَتَّى أنساه.
-
وَقَوله: وأستف ترب ... إِلَخ يُقَال: سففت الدَّوَاء وَغَيره من كل شَيْء يَابِس أسفه من بَاب تَعب سفاً هُوَ أكله غير ملتوت. وَهُوَ سفوف مثل رَسُول. واستففت الدَّوَاء مثل سففته.
والطول: مصدر طَال على الْقَوْم يطول من بَاب قَالَ إِذا أفضل عَلَيْهِم. وتطول: تفضل.
وكي إِمَّا بِمَعْنى اللَّام حرف جر وَأَن مضمرة أَو بِمَعْنى أَن وَاللَّام مقدرَة. وفاعل
(9/191)

يرى امْرُؤ وَله مُتَعَلقَة بيرى ومفعول يرى مَحْذُوف أَي: شَيْئا وَمن الطَّوِيل بَيَان لَهُ وَقيل نعت لَهُ.
وَعند الْأَخْفَش الْمَفْعُول هُوَ الطول وَمن زَائِدَة وَعلي مُتَعَلق بيرى. وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بالطول لِأَن الْمصدر لَا يتَقَدَّم معموله عَلَيْهِ. وَيجوز عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق تعلقه بِهِ لِأَنَّهُ ظرف.
وَقَوله: وَلَوْلَا اجْتِنَاب الذام ... إِلَخ الذام: الْعَيْب يهمز وَلَا يهمز. ويلف: يُوجد يتَعَدَّى إِلَى مفعولين أَصلهمَا الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. ومشرب نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ الْمَفْعُول الأول فِي الأَصْل ويعاش بِهِ صفته.
وَلَدي ظرف بِمَعْنى عِنْدِي وَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه الْمَفْعُول الثَّانِي وَوَقع الْحصْر فِيهِ.
ومأكل مَعْطُوف على مشرب أَي: لم يُوجد مشرب يعاش بِهِ ومأكل كَذَلِك إِلَّا حاصلين لدي.
وَأَخْطَأ مُعرب هَذِه القصيدة فِي قَوْله: ويعاش بِهِ نعت لمشرب وَالتَّقْدِير: إِلَّا هُوَ لدي مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ للْعلم بِهِ وَلَدي خَبره ومأكل مَعْطُوف على هُوَ. اه.
-
وخطؤه من وَجْهَيْن ظَاهِرين للمتأمل.
وَقَوله: وَلَكِن نفسا ... إِلَخ لَكِن هُنَا للتَّأْكِيد فَإِن مَا بعْدهَا مُؤَكد لما قبلهَا من الصِّفَات وخبرها مَحْذُوف تَقْدِيره لي. وَمرَّة صفة نفس بِمَعْنى أبيَّة كالمرة فِي أَن كلا مِنْهُمَا مُمْتَنع على متناوله. وروى: حرَّة بدل مرّة. وَجُمْلَة: لَا تقيم بِي صفة ثَانِيَة لنَفس أَو استئنافية جَوَاب سُؤال مُقَدّر.
(9/192)

وَزعم مُعرب هَذِه القصيدة أَن الْجُمْلَة خبر لَكِن. وتقيم من الْإِقَامَة فِي الْمَكَان وَهُوَ اللّّبْث فِيهِ)
وَالْبَاء فِي بِي للمصاحبة على أَنَّهَا فِي مَوضِع الْحَال. وَقَالَ مُعرب هَذِه القصيدة: بِي مُتَعَلق بتقيم وَهَذَا لَا وَجه لَهُ. وعَلى مُتَعَلقَة بتقيم. والاستعلاء هُنَا معنوي نَحْو: لَهُم عَليّ ذَنْب وَيجوز أَن تكون للمصاحبة. وريث فِي الأَصْل مصدر راث أَي: أَبْطَأَ اسْتعْمل هُنَا للظرف الزماني أَي: إِلَّا بِمِقْدَار تحولي. فَمَا مَصْدَرِيَّة وَقيل: مَا زَائِدَة. وَقيل: كَافَّة. وَقيل: نصب ريث على الْحَال.
وَقَوله: وأطوي على الخمص ... إِلَخ الخمص بِالضَّمِّ: مصدر خمص الرجل خمصاً فَهُوَ خميص إِذا جَاع مثل قرب قرباً فَهُوَ قريب. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وَقيل: الخمص بِالضَّمِّ: الضمر وبالفتح: الْجُوع. وعَلى هُنَا للمصاحبة مُتَعَلق بأطوي. والحوايا مفعول أطوي جمع حوية وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَهِي الأمعاء فِي الْجوف. والخيوطة: جمع خيط وَالتَّاء لِكَثْرَة الْجمع نَحْو: حجار وحجارة.
وَقَالَ التبريزي: أَتَى بِالْهَاءِ للتأنيث إِذْ كَانَ بِمَعْنى الْجَمَاعَة. والماري: الْقِتَال وَهُوَ الَّذِي يفتل الحبال.
وتغار: يحكم فتلها. يُقَال: أغار الفتل أَي: أبرمه وأحكمه. وَمرَاده تفتل وتغار. وَلَا يضر التَّأْخِير فَإِن الْوَاو لَا تدل على التَّرْتِيب.
-
وَقَوله: كَمَا انطوت الْكَاف نعت لمصدر مَحْذُوف وَمَا مَصْدَرِيَّة. ومصدر انطوت الانطواء وَلَيْسَ بمصدر أطوي وَإِنَّمَا الْمَعْنى أطوي الحوايا فتنطوي كانطواء خيوط الفتال.
(9/193)

وَقَوله: وأغدو على الْقُوت ... إِلَخ. غَدا غدواً من بَاب قعد: ذهب غدْوَة وَهِي مَا بَين صَلَاة الصُّبْح وطلوع الشَّمْس هَذَا أَصله ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي الذّهاب أَي وَقت كَانَ. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
والغداة والغدوة وَاحِد كَمَا فِي الْقَامُوس. وعَلى هُنَا للتَّعْلِيل بِمَعْنى اللَّام كَقَوْلِه تَعَالَى: ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ. والزهيد: الْقَلِيل الَّذِي يزهد فِيهِ. وَالْكَاف نعت لمصر مَحْذُوف أَي: غدوا كغدو الْأَزَل وَالْأَزَلُ: الذِّئْب الأرسح بالمهملات أَي: الْقَلِيل لحم الفخذين. وَالْأَزَلُ لَا ينْصَرف للوصف وَوزن الْفِعْل وَكَذَلِكَ أطحل. الذِّئْب الْأَزَل: الْخَفِيف الْوَرِكَيْنِ وَهَذِه صفة لَازِمَة لَهُ.
قَالَ التبريزي: الْأَزَل: الأرسح وَبِه يُوصف الذِّئْب.
وَمن أمثالهم: لَا أنس فِي الذِّئْب الْأَزَل الجائع)
وَقَالَ بَعضهم: قلت لأعرابي: مَا الأرسح فَقَالَ: الَّذِي لَا است لَهُ. وَوصف رجل فَارِسًا فَقَالَ: قَاتله الله أقبل بزبرة الْأسد وَأدبر بعجز ذِئْب.
وَذَلِكَ أَنه يحمد من الْفَارِس أَن يكون أشعر الصَّدْر وَأَن يكون مَمْسُوح الاست كالذئب.
والتنائف: جمع تنوفة وَهِي الفلاة. وَمعنى تهاداه: تتخذه هَدِيَّة كلما خرج من تنوفة وَدخل فِي أُخْرَى. وَهُوَ مضارع مَحْذُوف من أَوله التَّاء وَأَصله تتهاداه. وَيجوز أَن يكون مَاضِيا وَإِنَّمَا لم يقل تهادته بالتأنيث لِأَن التنائف مؤنث مجازي وَجُمْلَة: تهاداه صفة أزل وَكَذَلِكَ
(9/194)

أطحل. وذئب أطحل وشَاة
طحلاء. والطحلة بِالضَّمِّ: لون بَين الغبرة والسواد ببياض قَلِيل. وَقَالَ التبريزي: الأطحل: الَّذِي لَونه لون الطحال.
وَقَوله: غَدا طاوياً ... إِلَخ غَدا: يحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى ذهب غدْوَة وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى دخل فِي الغدوة وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى ذهب أَي وَقت كَانَ مجَازًا من بَاب اسْتِعْمَال الْمُقَيد فِي الْمُطلق. فغدا على هَذِه الْوُجُوه تكون تَامَّة وطاوياً يكون حَالا من ضمير غَدا الرَّاجِع إِلَى أزل.
وَيحْتَمل أَن يكون بِمَعْنى يكون فِي الغدوة فَيكون غَدا من الإفعال النَّاقِصَة وطاوياً يكون خَبَرهَا وَغدا مَعَ فاعلها الْمُسْتَتر استئنافية مُنْقَطِعَة عَمَّا قبلهَا وَيجوز أَن تكون الْجُمْلَة صفة أُخْرَى لأزل أَو حَالا مِنْهُ بِتَقْدِير قد. وطاوياً يحْتَمل أَن يكون من طوى المتعدية الْمُتَقَدّمَة أَي: طاوياً أحشاءه على الْجُوع فالمفعول مَحْذُوف بِقَرِينَة مَا قبله يُقَال: طوى الشَّيْء طياً فَهُوَ طاو.
وَيحْتَمل أَن يكون من طوي يطوى طوى من بَاب فَرح أَي: جَاع فَهُوَ طاو وطوٍ وطيان وَالْأُنْثَى طياً وطاوية.
وَبِهَذَا يضمحل قَول المعرب: وَلَيْسَ من قَوْلك طوي يطوى إِذا جَاع لِأَن الِاسْم مِنْهُ طوٍ مثل عَم وشج مَعَ أَنه قَالَ قبل هَذَا: وطاوياً يجوز أَن يكون من طوى المتعدية. فنقض بِكَلَامِهِ الْأَخير مَا قدمه.
وَقَالَ التبريزي: يَقُول غَدا طاوياً وطواه من الْجُوع كَأَنَّهُ طوى أمعاءه عَلَيْهِ يُقَال: رجل طاو وطيان وَالْأُنْثَى طاوية وطياً والمصدر الطوى وَهُوَ خمص الْبَطن من أَي شَيْء كَانَ.
هَذَا كَلَامه وَلَا يخفى أَنه تَخْلِيط بَين الْمَعْنيين.
(9/195)

ويعارض الرّيح أَي: يستقبلها فِي عرضهَا ويصادمها وَمِنْه الْمُعَارضَة بِمَعْنى الْمُخَالفَة.
وهافيا يحْتَمل أَن يكون من هفا الطَّائِر بجناحه يهفو أَي: خَفق وطار. وَيحْتَمل أَن يكون من)
هفا الظبي يهفو إِذا اشْتَدَّ عدوه ومصدره الهفو على فعول.
-
وَيحْتَمل أَن يكون من الهفو وَهُوَ الْجُوع يُقَال: رجل هاف أَي: جَائِع.
وَقَالَ التبريزي: هافياً: يذهب يَمِينا وَشمَالًا من شدَّة الْجُوع. ويخوت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة أَي: يخْتل ويختلس يُقَال: خات الْبَازِي واختات أَي: انقض على الصَّيْد ليأخذه.
وَقَالَ الْفراء: يُقَال مَا زَالَ الذِّئْب يختال الشَّاة بعد الشَّاة أَي: يختلها فيسرقها. وَإِنَّهُم يختاتون اللَّيْل أَي: يَسِيرُونَ ويقطعون الطَّرِيق. فجملة: يُعَارض ويخوت وهافياً أَخْبَار أخر لغدا إِن كَانَت نَاقِصَة أَو أَحْوَال من ضمير طاوياً أَو أَحْوَال متداخلة أَو الجملتان صفتان للنكرة قبلهمَا.
وَتجوز هَذِه الْأَوْجه كلهَا مَا عدا الأول إِن كَانَت غَدا تَامَّة وَيجوز حِينَئِذٍ أَيْضا أَن يكون طاوياً مَعَ مَا بعده أحوالاً من الضَّمِير فِي غَدا.
وَالْبَاء فِي قَوْله: بأذناب بِمَعْنى فِي. وأذناب: جمع ذَنْب بِفتْحَتَيْنِ وذنب كل شَيْء: مؤخره. وذنابة الْوَادي بِالْكَسْرِ: الْموضع الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ سيله وَكَذَلِكَ ذَنبه وذنابته أَكثر من ذَنبه.
والشعاب بِالْكَسْرِ: إِمَّا جمع شعب بِالْكَسْرِ أَيْضا وَهُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَإِمَّا جمع شُعْبَة بِالضَّمِّ وَهُوَ المسيل الصَّغِير.
وَقَالَ التبريزي: الشعاب: مسايل صغَار. وأذنابها: أواخرها. ويعسل مَعْطُوف على يخوت بِكَسْر السِّين من بَاب فَرح. فِي
(9/196)

الصِّحَاح: وَالْعَسَل والعسلان: الخبب. يُقَال: عسل الذِّئْب يعسل عسلاً وعسلاناً إِذا أعنق وأسرع. وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان. وَالذِّئْب عاسل وَالْجمع الْعَسَل والعواسل. وَعسل الرمْح عسلاناً: اهتز واضطرب وَالرمْح عَسَّال.
وَقَالَ التبريزي: ويعسل إِذا مر مرا سهلاً فِي استقامة. وَمن ذَلِك يُقَال للرمح
عَسَّال إِذا تتَابع عِنْد الهز وَلم يكن كزاً. ومتعلق يعسل مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله.
وَأنْشد بعده الطَّوِيل يروح وَيَغْدُو داهناً يتكحل على أَن يروح وَيَغْدُو ون كَانَا بِمَعْنى يدْخل فِي الرواح والغداة فهما تامان والمنصوب حَال. وَإِن كَانَا بِمَعْنى يكون فِي الرواح والغداة فهما ناقصان.)
وَقد تقدم الْكَلَام على يَغْدُو. وَأما الرواح فقد قَالَ صَاحب الصِّحَاح: والرواح: نقيض الصَّباح وَهُوَ اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل. وَقد يكون مصدر قَوْلك: رَاح يروح رواحاً وَهُوَ نقيض قَوْلك: غَدا يغدوا غدواً. اه.
قَالَ أَبُو سهل الْهَرَوِيّ: الصَّوَاب الرواح: نقيض الغدو.
وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: رَاح يروح رواحاً وَتَروح مثله يكون بِمَعْنى الغدو وَبِمَعْنى الرُّجُوع.
وَقد طابق بَينهمَا فِي قَوْله تَعَالَى: غدوها شهر ورواحها شهر أَي: ذهابها ورجوعها.
وَقد يتَوَهَّم بعض النَّاس أَن الرواح لَا يكون
(9/197)

إِلَّا فِي آخر النَّهَار وَلَيْسَ كَذَلِك بل الرواح والغدو عِنْد الْعَرَب يستعملان فِي الْمسير أَي وَقت كَانَ من ليل أَو نَهَار. قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره. وَعَلِيهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: من رَاح إِلَى الْجُمُعَة أول النَّهَار فَلهُ كَذَا أَي: من ذهب. اه.
-
فَقَوله يروح إِن كَانَ بِمَعْنى يرجع فِي الرواح أَو يرجع مُطلقًا أَي: فِي أَي وَقت كَانَ من بَاب وَإِن كَانَ بِمَعْنى يكون فِي الرواح فالفعل نَاقص لقَوْله يروح وَيَغْدُو. وَإنَّك كَانَا تامين فداهناً حَال من فَاعل أَحدهمَا وَهُوَ ضمير مستتر وَتَكون حَال الآخر محذوفة. وَالْأولَى أَن يكون حَالا من فَاعل يَغْدُو. وَلَا يقدر ليروح حَال.
وداهن: اسْم فَاعل من الدّهن يُقَال: دهنت الشّعْر وَغَيره دهناً من بَاب قتل. والدهن: اسْتِعْمَال الدّهن بِالضَّمِّ وَهُوَ مَا يدهن بِهِ من زَيْت أَو طيب. وَجُمْلَة: يتكحل حَال أَيْضا إِمَّا من فَاعل يَغْدُو وَإِمَّا من فَاعل داهناً. وَيجوز أَن يكون صفة لداهناً.
وَإِن كَانَا ناقصين فداهناً خبر يَغْدُو وَيكون خبر يروح محذوفاً وَجُمْلَة: يتكحل إِمَّا خبر بعد خبر أَو حَال من ضمير داهن أَو صفة لَهُ. وَيجوز أَن يكون داهناً خبر يروح وَجُمْلَة: يتكحل خبر يَغْدُو فَلَا حذف. وَهَذَا أولى على تَقْدِير النَّقْص.
وَيجوز أَن يكون أحد الْفِعْلَيْنِ تَاما وَالْآخر نَاقِصا. فَتَأمل.
وَهَذَا المصراع عجز وصدره: وَلَا خَالف دارية متغزل
(9/198)

وَهَذَا الْبَيْت أَيْضا من لامية الْعَرَب.
وَقَبله:
(
وَلَا جبإ أكهى مرب بعرسه ... يطالعها فِي شَأْنهَا كَيفَ يفعل))
(وَلَا خرق هيق كن فُؤَاده ... يظل بِهِ المكاء يَعْلُو ويسفل)
(وَلَا خَالف دارية متغزل ... يروح وَيَغْدُو داهناً يتكحل)
قَوْله: وَلست بمهياف ... إِلَخ قَالَ التبريزي: المهياف الَّذِي يبعد بإبله طلب الرَّعْي على غير علم فيعطشها ويسيء بهَا.
وَفِي الْعباب: قَالَ الْأَصْمَعِي: رجل مهياف: سريع الْعَطش. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَفِيه أَيْضا: وَقَالَ اللَّيْث: المهياف الَّذِي قد هافت إبِله. ويعشي سوامه: يطْعمهَا عشاءها وَالْعشَاء: الطَّعَام بِعَيْنِه وَهُوَ خلاف الْغَدَاء وَكِلَاهُمَا بِالْفَتْح وَالْمدّ. والسوام: المَال الرَّاعِي اسْم جمع لسائمة.
ومجدعة بِالْجِيم وَالدَّال الْمُهْملَة: اسْم مفعول من جدعت الصَّبِي تجديعاً إِذا أَسَأْت غذاءه.
وَيُقَال: جدعته بِالتَّخْفِيفِ من بَاب منع. وَفِيه لُغَة أُخْرَى أجدعت الصَّبِي إجداعاً. وجدع الصَّبِي من بَاب فَرح إِذا سَاءَ غذاؤه. وَقيل المجدعة هُنَا: الْمُقطعَة أَطْرَاف الآذان ليصرف عَنْهَا الْعين.
وَقَالَ التبريزي: والمجدع: السَّيئ الْغذَاء وَالْأَصْل فِيهِ أَن يطْرَح الرَّاعِي ولد النَّاقة على الضَّرع والسقبان بِالْكَسْرِ: جمع سقب بِالْفَتْح. فِي الصِّحَاح: السقب: الذّكر من ولد النَّاقة وَلَا يُقَال للْأُنْثَى سقبة وَلَكِن حَائِل. وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث يرجع إِلَى السوام.
قَالَ التبريزي: وروى ثَعْلَب: سقباتها بِجمع الْمُؤَنَّث السَّالِم. وَالْمَحْفُوظ الأول.
(9/199)

-
وبهل: جمع بَاهل. فِي الْعباب: وناقة بَاهل: لَا صرار عَلَيْهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَالَ التبريزي: البهل: جمع باهلة وباهل وَهِي المخلاة لَا يتعهدها راعيها. وَيُقَال: بهل الرجل إِذا مضى لَا قيم عَلَيْهِ. وأبهلته إِذا تركته مخلى. والباهلة أَيْضا: الَّتِي لَا صرار عَلَيْهَا لترضعها أَوْلَادهَا فَتكون أسمن وَأحسن.
وَالْبَاء فِي قَوْله: بمهياف زَائِدَة فِي خبر لَيْسَ. ويعشي صفة لَهُ وسوامه مفعول يعشي ومجدعة: حَال سَبَبِيَّة لسوامه. وسقبانها نَائِب فَاعل مجدعة وَجُمْلَة: وَهِي بهل حَال من سوامه.
وصف السنفري نَفسه بالجلادة وَحسن التعهد لمَاله وجودة الْقيام عَلَيْهِ.
وَقَوله: وَلَا جبإ أكهى ... إِلَخ الجبأ بِضَم الْجِيم وَفتح الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بعْدهَا همزَة على وزن سكر: هُوَ الجبان والخائف.)
والأكهى بالقسر قَالَ التبريزي: هُوَ الكدر الْأَخْلَاق الَّذِي لَا خير فِيهِ. وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ البليد مثل الكهام. والمرب: اسْم فَاعل من أرب بِالْمَكَانِ أَي: لزمَه وَأقَام فِيهِ والعرس بِالْكَسْرِ: يَقُول: لست أُسِيء الرّعية وَلَا أجبن وَلَا أقيم مَعَ النِّسَاء وأشاورهن فِي أموري. وجبإ بِالْجَرِّ مَعْطُوف على مهياف وَلَو عطف بِالنّصب على مَوْضِعه لجَاز. وأكهى ومرب وصفان لجبإ.
قَالَ المعرب: الْبَاء فِي بعرسه بِمَعْنى فِي أَي: مُقيم ي بَيت عرسه. وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى على أَي: مُقيم على عرسه. وَجُمْلَة: يطالعها حَال من الضَّمِير فِي مرب وَفِي شَأْنه مُتَعَلق بيطالعها.
وَقَوله: وَلَا خرق هيق ... إِلَخ هَذَا أَيْضا بِالْجَرِّ مَعْطُوف على مهياف. والخرق بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الْمُهْملَة بعْدهَا قَاف قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ المدهوش من الْخَوْف. والهيق بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة هُوَ الظليم أَي: النعام فِي نفاره عِنْد حُدُوث مروع. والمكاء بِالضَّمِّ
(9/200)

وَالتَّشْدِيد وَالْمدّ: طَائِر أَي: كَأَن فُؤَاده على جنَاح طَائِر. وَهَذَا تَحْقِيق لجبنه وتحيره.
وَقَوله: وَلَا خَالف دارية هَذَا أَيْضا بِالْجَرِّ للْعَطْف على مهياف. والخالف بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: من لَا خير فِيهِ. ودارية بِالْجَرِّ صفة لخالف وَهُوَ الْمُقِيم فِي دَاره لَا
يُفَارِقهُ. وَالتَّاء زَائِدَة للْمُبَالَغَة.
والداري أَيْضا: الْعَطَّار مَنْسُوب إِلَى دارين: فرضة بِالْبَحْرَيْنِ فِيهَا سوق كَانَ يحمل إِلَيْهَا مسك من نَاحيَة الْهِنْد.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ويحتملهما كَلَامه لِأَن الْعَطَّار يكْتَسب من ريح عطره فَيصير بِمَنْزِلَة المتعطر فَالْمَعْنى لست مِمَّن يتشاغل بتطييب بدنه وثوبه أَو يلازم زَوجته فيكتسب من طيبها. والمتغزل: فِي الصِّحَاح: مغازلة النِّسَاء: محادثتهن ومراودتهن. تَقول: غازلتها وغازلتني وَالِاسْم الْغَزل.
وتغزل أَي: تكلّف الْغَزل. وَجُمْلَة: يروح صفة متغزل أَو حَال من ضَمِيره.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(بتيهاء قفر والمطي كَأَنَّهَا ... قطا الْحزن قد كَانَت فراخاً بيوضها)
على أَن كَانَ فِيهِ بِمَعْنى صَار.
والتيهاء: الْمَفَازَة الَّتِي لَا يهتدى فِيهَا فعلاء من التيه وَهُوَ التحير. يُقَال: تاه فِي الأَرْض يتيه تيهاً وتيهاناً أَي: ذهب متحيراً.
والقفر: الْمَكَان الْخَالِي يصف الْمطِي بِسُرْعَة السّير كَأَنَّهَا بِمَنْزِلَة قطاً تركت
(9/201)

بيوضاً صَارَت أفراخاً فَهِيَ تمشي بِسُرْعَة إِلَى أفراخها.
وَمعنى كَانَت: صَارَت لِأَن البيوض صَارَت أفراخاً لَا أَنَّهَا كَانَت فراخاً. والقطا: طَائِر سريع الطيران.
-
والحزن بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة: مَا غلظ من الأَرْض وَهُوَ ضد السهل وأضاف القطا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يكون قَلِيل المَاء فَتكون قطاه أَكثر عطشاً فَإِذا أَرَادَ المَاء كَانَ سريع الطيران.
قَالَ الْأَصْمَعِي وَنَقله ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي: أَرَادَ أَنَّهَا شربت من الْغدر فِي الرّبيع فَإِذا فرخت وَدخلت فِي الصَّيف احْتَاجَت إِلَى طلب المَاء على بعد فَيكون أسْرع لطيرانها.
وَإِنَّمَا تفرخ بيضها إِذا جَاءَ الْحر. فَأَرَادَ أَن يخبر عَن سرعَة طيرانها عِنْد حَاجَتهَا إِلَى المَاء.
وَوَجَب تَقْدِير كَانَ بصار هُنَا ليَصِح الْمَعْنى وَلَو قدر بكان لفسد لكَونه محالاً.
وَمثله قَول شمعلة بن أَخْضَر من شعراء الحماسة: الوافر
(فَخر على الألاءة لم يوسد ... وَقد كَانَ المَاء لَهُ خمارا)
قَالَ ابْن جني فِي إعرابه للحماسة: كَانَ هُنَا بِمَنْزِلَة صَار. أنْشد أَبُو عَليّ: بتيهاء قفر والمطي ... ... ... . . الْبَيْت أَي: صَارَت.
وَهَذَا وَجه من وُجُوه كَانَ خَفِي. اه.
وَمثله قَول رؤبة: الرجز وَالرَّأْس قد كَانَ لَهُ قتير
(9/202)

وَبَقِي وَجه آخر لم يرتضه الشَّارِح الْمُحَقق وَلِهَذَا لم يذكرهُ وَهُوَ أَن تكون كَانَ على بَابهَا)
ويدعى الْقلب فِي الْكَلَام وَيكون الأَصْل: قد كَانَت فراخها بيوضاً كَقَوْل الآخر: الْكَامِل
( ... ... ... ... . كَمَا ... كَانَ الزناء فَرِيضَة الرَّجْم)
أَرَادَ: كَمَا كَانَ الرَّجْم فَرِيضَة الزِّنَى.
وَمَا اخْتَارَهُ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ مَذْهَب ثَعْلَب وَأبي عَليّ وَابْن جني وَهُوَ الْجيد لِأَن الْقلب لَا يُصَار إِلَيْهِ إِذا وجد وَجه آخر.
وَأما قَوْله: بيوضها فقد رَوَاهُ ثَعْلَب بِضَم الْبَاء. وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْإِيضَاح مستشهداً بِهِ على أَنه جمع بيض كبيت وبيوت وَخَالفهُ فِي التَّذْكِرَة وَجزم بِأَن بيوضها بِفَتْح الْبَاء بِمَعْنى ذَات الْبيض واستبعد رِوَايَة الضَّم وَقَالَ: فَإِن قلت مَا تنكر أَن يكون بيوضها بِضَم الْبَاء فَالْقَوْل فِي ذَلِك أَنه يبعد وَإِن كَانُوا قد قَالُوا التمور لاخْتِلَاف الْجِنْس لِأَن الْبيض هُنَا ضرب وَاحِد وَلَيْسَ بمختلف فَلَا يجوز أَن يجمع.
وَهَذَا الاستبعاد مَبْنِيّ على أَن يكون جمع بيض وَالصَّحِيح أَنه جمع بَيْضَة كَمَا أَن مؤوناً جمع مأنة وَهِي السُّرَّة وَمَا حولهَا لَا أَنه جمع بيض لعدم الِاخْتِلَاف المسوغ للْجمع. وَهَذَا أولى من الطعْن فِي رِوَايَة ثَعْلَب.
(يضل القطا الكدري فِيهَا بيوضه ... ويعوي بهَا من خيفة الهلك ذيبها)
(9/203)

وَقَول الْجَعْدِي:
لَهُنَّ أداحي بِهِ وبيوض فَإِن قَالَ قَائِل: هَذَا جعل بيوضاً جمع بَيْضَة كَمَا جعل سخالاً جمع سخلة ومؤوناً جمع مأنة.
فَالْجَوَاب أَن نقُول: إِنَّمَا جعل سخالاً جمع سخلة لَا سخل وَإِن كَانَ بَاب كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن لَا يكسر لِأَن امْتنَاع التكسر فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس أقوى.
أَلا ترى أَن أَسمَاء الْأَجْنَاس كلهَا لَا يجوز تكسير شَيْء مِنْهَا بِقِيَاس. وَقد نَص على ذَلِك سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب جمع الْجمع. والآحاد المخلوقة كلهَا يجوز تكسيرها بِقِيَاس فِيمَا عدا هَذَا الْبَاب فَكَانَ جعل سخال جمع سخلى أولى من جعلهَا جمع سخل لذَلِك.
وَأما بيوض فَالَّذِي أوجب عَلَيْهِ أَن يَجْعَلهَا جمع بيض لَا بَيْضَة أَنه رأى أَن فعولًا فِي جمع فعل مقيس نَحْو: فلس وفلوس وفعول فِي جمع فعله نَحْو: بدرة وبدور غير مقيس فيرجح عِنْده جعل بيوض جمع بيض لذَلِك. وَمن صخور وتمور وأشباهه.)
وَلَيْسَ كَذَلِك فعال فَإِنَّهُ جمع لفعلة وَفعل بِقِيَاس نَحْو: جنان وكلاب. وَجعل مؤوناً جمع مأنة لما لم يسمع مأن.
وَأما على قَول أبي عَليّ فَلَا بُد من تَقْدِير مُضَاف وَالتَّقْدِير: كَانَت بيوضها ذَات أفراخ وَلَا قلب فِي الْكَلَام حِينَئِذٍ كَمَا فِي صُورَة جعل كَانَ بِمَعْنى صَار مَعَ رِوَايَة الْبَاء وَإِنَّمَا يدعى الْقلب فِي صُورَة جعل كَانَ على بَابهَا مَعَ رِوَايَة ضم الْبَاء.
والقطا: ضرب من الطير وَهُوَ نَوْعَانِ: كدري وجوني. فالكدري غبر الألوان رقش الظُّهُور والبطون صفر الحلوق قصار الأذناب.
(9/204)

والجوني سود الْبُطُون سود بطُون الأجنحة والقوادم بيض الصُّدُور غبر الظُّهُور وَفِي عنق كل وَاحِد مِنْهَا طوقان: أصفر وأسود.
وَقَوله: بتيهاء قفر الْجِدَار يتَعَلَّق بقوله: والعيس تجْرِي غروضها فِي بَيت قبله.
وَالْبَيْت من أبات لِابْنِ أَحْمَر وَهِي:
(لعمري لَئِن حلت قُتَيْبَة بَلْدَة ... شَدِيدا بِمَال المقحمين عضيضها)
(فَللَّه عينا أم فرع وعبرة ... ترقرقها فِي عينهَا أَو تفيضها)
(أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... صَحِيح السرى والعيس تجْرِي غروضها)
(بتيهاء قفر والمطي كَأَنَّهَا ... قطا الْحزن قد كَانَت فراخاً بيوضها)
وَفِي شرحها: قُتَيْبَة: بطن من باهلة. والمقحمون: الَّذين أقحمتهم السّنة وَهِي القحمة بِالضَّمِّ أَي: الْقَحْط.
وعضيضها: عضها. وصحيح السرى أَي: غير جَائِر عَن الْقَصْد فَيكون أسْرع لقصده لصِحَّة سراه. فتمنى أَن يَصح سراه ويستقيم ليعجل إِلَى مقْصده.
وغروضها: اتساعها. أَي: إِنَّهَا قد أضمرت حَتَّى قد كَانَت أَي: قد صَارَت. بيوضها: جمع الْبيض. انْتهى.
وَمعنى الْبَيْت أَن الْمطِي براها السّير وَحملهَا على المتاعب حَتَّى صَارَت كالفراخ فِي الضعْف والهزال بعد مَا كَانَت قَوِيَّة سماناً كالدجاج البيوض بِإِضَافَة الْفِرَاخ إِلَيْهَا. انْتهى.
وَهَذَا كَلَام من لم يقف على الرِّوَايَة. وَالَّتِي فِي عَامَّة نسخ شعره:
(أريهم سهيلاً والمطي كَأَنَّهَا ... قطا الْحزن ... ... . الْبَيْت)
(9/205)

. قَالَ شَارِحه: قَوْله أريهم سهيلاً يَعْنِي أَصْحَابه وَإِن لم يجر لَهُ ذكرن لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ أَي:)
يُرِيهم مطلعه الَّذِي بِبِلَاد أحبابه الَّتِي يقصدها فَهُوَ يتَمَنَّى أَن يَصح سراه إِلَى مقْصده لِيُرِيَهُمْ مطلع سُهَيْل بِبِلَاد أحبابه الَّتِي يقصدها فَهُوَ يتَمَنَّى أَن يَصح سراه إِلَى مقْصده لِيُرِيَهُمْ مطلع سُهَيْل بِبِلَاد أحبابه وَتَكون الْمطِي على الْحَال الَّتِي وصفهَا من قلق غروضها وأتساعها. لحثه إِيَّاهَا على السرى الَّذِي أهزلها
فقلقت أنساعها. وَشبههَا بِسُرْعَة القطا الَّتِي فَارَقت فراخها لتحمل إِلَيْهَا المَاء فتسقيها فَهُوَ أسْرع لطيرانها.
وَدلّ كَلَام الشَّاعِر على أَنه أَرَادَ: يُرِيهم سهيلاً من آخر اللَّيْل لِأَن القطا إِنَّمَا تصير كَمَا ذكر فِي الصَّيف. وطلوع سُهَيْل بالحجاز يكون عِنْد فتور الْحر فِي عشري آب من شهور الرّوم.
وَقَوله: والمطي كَأَنَّهَا حَال من فَاعل تجْرِي فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم على الرِّوَايَة الأولى وَصَاحب الْحَال فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ضمير الْجمع فِي أريهم سهيلاً. وَالْعَامِل أرى كَقَوْلِك: جئْتُك وَالشَّمْس طالعة.
وَقَوله: قد كَانَت ... إِلَخ حَال من القطا وَالْعَامِل مَا فِي كَانَ من معنى التَّشْبِيه. وفراخاً خبر مقدم لَكَانَ وبيوضها اسْمهَا الْمُؤخر.
وَابْن أَحْمَر شَاعِر إسلامي مخضرم تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الأربعمائة.
(9/206)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(سراة بني أبي بكر تسامى ... على كَانَ المسومة العراب
)
على أَن كَانَ فِيهِ زَائِدَة بَين الْجَار وَالْمَجْرُور.
وزيادتها عِنْد الشَّارِح قِسْمَانِ: أَحدهمَا: زِيَادَة حَقِيقِيَّة تزاد غير مفيدة لشَيْء إِلَّا مَحْض التوكيد يكون وجودهَا فِي الْكَلَام وَعدمهَا سَوَاء لَا تعْمل وَلَا تدل على معنى.
ثَانِيهمَا: زِيَادَة مجازية تدل على معنى وَلَا تعْمل.
وَمثل للْأولِ بِهَذَا الْبَيْت وبالآية الشَّرِيفَة وبقولهم: لم يُوجد كَانَ مثلهم. وَمثل للثَّانِي بِمَا كَانَ أحسن زيدا وبقولهم: إِن من أفضلهم كَانَ زيدا وبالبيت أَيْضا فَجعله متردداً بَينهمَا.
وَمَا ذكره أحد مَذَاهِب ثَلَاثَة: الأول: مَذْهَب ابْن السراح وَاخْتَارَهُ ابْن يعِيش قَالَ: وَالَّذِي أرَاهُ أَن تكون زَائِدَة دُخُولهَا كخروجها لَا عمل لَهَا فِي اسْم وَلَا خبر وَلَا هِيَ لوُقُوع شَيْء. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن السراج قَالَ فِي أُصُوله: وَحقّ الزَّائِد أَن لَا يكون عملا وَلَا مَعْمُولا وَلَا يحدث معنى سوى التَّأْكِيد.
وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله تَعَالَى: كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا أَن كَانَ فِي
(9/207)

الْآيَة زَائِدَة وَلَيْسَت النَّاقِصَة إِذْ لَو كَانَت النَّاقِصَة لأفادت الزَّمَان وَلَو أفادت الزَّمَان لم يكن لعيسى عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِك معْجزَة لِأَن النَّاس كلهم فِي ذَلِك سَوَاء فَلَو كَانَت الزَّائِدَة تفِيد معنى الزَّمَان لكَانَتْ كالناقصة فَلم يكن للعدول إِلَى جعلهَا زَائِدَة فَائِدَة.
وَمن مَوَاضِع زيادتها قَوْلهم: إِن من أفضلهم كَانَ زيدا فَكَانَ مزيدة لضرب من التَّأْكِيد إِذْ الْمَعْنى أَنه فِي الْحَال أفضلهم وَلَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ فِيمَا مضى إِذْ لَا مدح فِي ذَلِك. ولأنك لَو جعلت لَهَا اسْما وخبراً لَكَانَ التَّقْدِير: إِن زيدا كَانَ من أفضلهَا وَكنت قد قدمت الْخَبَر على اسْم إِن وَلَيْسَ بظرف وَذَلِكَ لَا يجوز.
-
وَقَول الشَّاعِر: على كَانَ المسومة العراب الْبَيْت كَانَ فِيهِ زَائِدَة. وَعند هَذَا الْقَائِل دلالتها على الزَّمَان يَسْتَدْعِي كَونهَا نَاقِصَة.)
الثَّانِي: مَذْهَب السيرافي قَالَ: لسنا نعني أَن دُخُولهَا كخروجها فِي كل معنى وإننا نعني بذلك أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا عمل وَلَا هِيَ لوُقُوع شَيْء مَذْكُور وَلكنهَا دَالَّة على الزَّمَان الْمَاضِي وفاعلها مصدرها وَذَلِكَ كَقَوْلِك: زيد كَانَ قَائِم تُرِيدُ كَانَ ذَلِك الْكَوْن وَقد دلّت على الزَّمَان الْمَاضِي وَلَو خلا مِنْهَا الْكَلَام لوَجَبَ أَن يكون ذَلِك فِي الْحَال.
وَقَول الشَّاعِر: على كَانَ المسومة العراب كَانَ ذَلِك الْكَوْن. وَإِذا قد هَذَا التَّقْدِير كَانَت كَانَ وَاقعَة لوُقُوع شَيْء مَذْكُور وَهُوَ ذَلِك الْكَوْن.
(9/208)

أَحدهمَا: أَن تلغى عَن الْعَمَل مَعَ بَقَاء مَعْنَاهَا وَالْآخر: أَن تلغى عَن الْعَمَل وَالْمعْنَى مَعًا. وَإِنَّمَا تدخل لضرب من التَّأْكِيد.
وَالْأول نَحْو قَوْلهم: مَا كَانَ أحسن زيدا المُرَاد أَن ذَلِك كَانَ فِيمَا مضى مَعَ إلغائها عَن الْعَمَل وَمَعْنَاهُ مَا أحسن زيدا أمس فَهِيَ فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة ظَنَنْت إِذا ألغيت بَطل عَملهَا لَا غير نَحْو قَوْلك: زيد ظَنَنْت منطلق. أَلا ترى أَن المُرَاد: فِي ظَنِّي.
وَأما الثَّانِي فنحو قَوْله: على كَانَ المسومة العراب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا. وَلَو أُرِيد فِيهَا الْمُضِيّ
لم يكن لعيسى عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِك معْجزَة لِأَنَّهُ لَا اخْتِصَاص لَهُ بذلك الحكم دون سَائِر النَّاس.
وَقَوله: سراة بني أبي بكر ... إِلَخ قيل: هُوَ جمع سري وَقيل: اسْم جمع لَهُ وَهُوَ الشريف.
قيل: وَيحْتَمل أَن يكون بِالضَّمِّ جمع سَار كقضاة جمع قَاض. وتسامى أَصله تتسامى بتاءين من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ.
والمسومة: الْخَيل الَّتِي جعلت عَلَيْهِ سومة بِالضَّمِّ وَهِي الْعَلامَة وَتركت فِي المرعى.
والعِراب: الْخَيل الْعَرَبيَّة وَهِي خلاف البراذين. وَالْمعْنَى أَن سَادَات بني أبي بكر يركبون الْخُيُول وروى: المطهمة بدل المسومة وَهُوَ التَّام الْخلقَة من كل حَيَوَان. وروى: جِيَاد بني أبي بكر ...
إِلَخ وَهُوَ جمع جواد وَهُوَ الْفرس السَّرِيع الْعَدو. وَالْمعْنَى على هَذِه الرِّوَايَة أَن خيل هَؤُلَاءِ تفضل على خُيُول غَيرهم.)
(9/209)

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: السّري: ذُو السخاء والمروءة وروى: جِيَاد فَإِن كَانَ جمع جيد فهما متقاربان أَو جواد فالممدوح خيلهم وَالْمعْنَى حِينَئِذٍ: على المسومة العِراب من جِيَاد غَيرهم.
وَهَذِه الرِّوَايَة وَهَذَا التَّفْسِير أظهر إِذْ لَيْسَ بِمَعْرُوف تَفْضِيل النَّاس على الْخَيل وَكَأَنَّهُ فهم أَن تسامى بِمَعْنى التَّفَاضُل وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا ذكرنَا.
ثمَّ قَالَ: وتسامى إِمَّا مضارع أَو مَاض على حد: الركب سَار. وَيُؤَيِّدهُ أَنه روى: تساموا.
وروى الْفراء: المطهمة الصلاب أَي: ذَوَات الصلابة أَي: الشدَّة.
وَهَذَا الْبَيْت مَعَ شهرته وتداوله لم أَقف على خبر لَهُ. وَالله أعلم.
3 - (تَتِمَّة)
ذهب ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر إِلَى أَن زِيَادَة كَانَ فِي الشّعْر وَأَنَّهَا تكون دَالَّة على الْمُضِيّ دَائِما. وَكِلَاهُمَا خلاف المرضي. قَالَ: وَمِنْهَا زِيَادَة كَانَ للدلالة
على الزَّمَان الْمَاضِي نَحْو قَول الفرزدق: الْكَامِل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ وَالْإِسْلَام وَقَول الآخر أنْشدهُ الْفَارِسِي: الْبَسِيط
(فِي غرف الْجنَّة الْعليا الَّتِي وَجَبت ... لَهُم هُنَاكَ بسعيٍ كَانَ مشكور)
يُرِيد: بسعي مشكور وَقَوله الآخر أنْشدهُ الْفراء: على كَانَ المسومة العِرابِ
(9/210)

وَقَول غيلَان بن حُرَيْث: الرجز إِلَى كناس كَانَ مستعيده يُرِيد: إِلَى كناس مستعيده. وَقَول امْرِئ الْقَيْس فِي الصَّحِيح من الْقَوْلَيْنِ: الطَّوِيل
(أرى أم عَمْرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عَمْرو وَمَا كَانَ أصبرا)
يُرِيد: وَمَا أَصْبِر أَي: وَمَا أصبرها وَقد تزاد فِي سَعَة الْكَلَام وَمِنْه قَول قيس بن غَالب البدري: ولدت فَاطِمَة بنت الخرشب الكملة من عبس لم يُوجد كَانَ مثلهم. إِلَّا أَن ذَلِك لَا يحسن إِلَّا فِي الشّعْر.
وَإِنَّمَا أوردت زيادتها فِي فعل دون زِيَادَة الْجُمْلَة لِأَنَّهَا فِي حَال زيادتها غير مُسندَة
إِلَى شَيْء.)
وَسبب ذَلِك أَنَّهَا لما زيدت للدلالة على الزَّمَان الْمَاضِي أشبهت أمس فَحكم لَهَا بِحكم أمس.
هَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد السبعمائة)
الْكَامِل
(فِي لجة غمرت أَبَاك بحورها ... فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ وَالْإِسْلَام)
على أَن كَانَ زَائِدَة بَين المتعاطفين لَا عمل لَهَا وَلَا دلَالَة على مُضِيّ.
(9/211)

أما الأول فَظَاهر. وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْمَعْنى أَن الْغمر ثَابت فِي زمن الْجَاهِلِيَّة وَفِي زمن الْإِسْلَام لَا أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَانْقطع لِأَن الْمَعْطُوف يَأْبَى هَذَا الْمَعْنى.
وَكَذَا كَانَ فِي قَوْلهم: لم يُوجد كَانَ مثلهم فَإِنَّهَا لَو كَانَت دَالَّة على الْمُضِيّ لاقتضى أَنه يُوجد مثلهم الْآن. وَهَذَا خلاف الْمَقْصُود.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا. وَقَبله يخاطبه:
(وحسبت بَحر بني كُلَيْب مصدرا ... فغرقت حِين وَقعت فِي القمقام)
فِي حومة غمرت أَبَاك بحورها ... ... ... ... ... إِلَخ قَوْله: أشبهت أمك ... إِلَخ يُرِيد: أشبه عقلك عقل أمك حِين تفاخر بكليب دارماً. وكليب: رَهْط جرير ودارم: فَخذ شرِيف من قَبيلَة تَمِيم.
وأدقة: جمع دَقِيق يُرِيد بِهِ الضَّعِيف الضئيل.
والمتقاعس: الْمُتَأَخر عَن الْمجد والشرف. ولئام: جمع لئيم.
وَقَوله: وحسبت بَحر ... إِلَخ ويروى: وحسبت حَبل بني كُلَيْب يَقُول: ظَنَنْت أَن بني كُلَيْب ينجونك مِمَّا قد وَقعت فِيهِ حِين تعرضت لي. ومصدر: اسْم فَاعل من أصدرته بِمَعْنى رجعته. والقمقام: الْبَحْر.
وَقَوله: فِي جلة غمرت ... إِلَخ اللجة: مُعظم المَاء. وروى بدله: فِي حومة بِمَعْنَاهُ.
قَالَ شَارِح المناقضات: حومة المَاء: مجتمعه ومعظمه وَهُوَ بدل من القمقام. وغمرت: غطت.
والغمر: المَاء الْكثير. وَقد غمره المَاء يغمره أَي: علاهُ.
وَالْبَحْر: المَاء الْكثير وكل نهر عَظِيم. والجاهلية: الزَّمَان الَّذِي كثر فِيهِ الْجُهَّال وَهِي مَا قبل
(9/212)

الْإِسْلَام. وَقيل: أَيَّام الفترة. وَقد تطلق على زمن الْكفْر مُطلقًا وعَلى مَا قبل الْفَتْح.)
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
(الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل بدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء
على أَن بداء فَاعل بدا وَهُوَ مصدر بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل وَالتَّقْدِير: بدا لَك رَأْي باد وَلما كَانَ ظَاهر هَذَا الشّعْر على طبق ثَبت الثُّبُوت بِجعْل الْمصدر فَاعِلا لفعله وَهُوَ مِمَّا لَا معنى لَهُ أجَاب عَنهُ بِمَا ذكره.
وَلَا يخفى أَنه تكلّف. والجيد مَا قَالَه أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر قَالَ: أضمر البداء فِي قَوْله تَعَالَى: ثمَّ بدا لَهُم من بعد مَا رَأَوْا الْآيَات ليسجننه لِأَن البداء الَّذِي هُوَ الْمصدر قد صَار بِمَنْزِلَة الْعلم والرأي. أَلا ترى أَن الشَّاعِر قد أظهره فِي قَوْله:
(لَعَلَّك والموعود حق لقاؤه ... بدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء)
وَكَذَلِكَ صنع ابْن الشجري فِي الْآيَة وَالْبَيْت وَقَالَ: ألسن الْعَرَب متداولة فِي قَوْلهم: بدا لي فِي هَذَا الْأَمر بداء أَي: تغير رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَيُقَال: فلَان ذُو بدوات ذَا بدا لَهُ الرَّأْي بعد الرَّأْي. انْتهى.
(9/213)

وَقد وَقع هَذَا التَّرْكِيب فِي سيرة ابْن هِشَام وَنَصه: قَالَ ابْن إِسْحَاق: ظن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن قد بدا لِعَمِّهِ بداء.
قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض: أَي: ظهر لَهُ رَأْي فَسُمي بداء لِأَنَّهُ شَيْء يَبْدُو بَعْدَمَا خفى والمصدر البدو وَالِاسْم البداء. وَلَا يُقَال فِي الْمصدر: بدا لَهُ بَدو كَمَا لَا يُقَال: ظهر لَهُ ظُهُور بِالرَّفْع لِأَن الَّذِي يظْهر ويبدو هَاهُنَا هُوَ الِاسْم نَحْو البداء.
وَمن أجل أَن البدو هُوَ الظُّهُور كَانَ البداء فِي وصف الْبَارِي سُبْحَانَهُ محالاً لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو لَهُ شَيْء كَانَ غَائِبا عَنهُ. والنسخ للْحكم لَيْسَ ببدو كَمَا توهمه جمَاعَة من الرافضة وَالْيَهُود وَإِنَّمَا هُوَ تَبْدِيل حكم بِحكم بِقدر قدره وَعلم قديم علمه.
وَقد يجوز أَن يُقَال: بدا لَهُ أَن يفعل كَذَا وَيكون مَعْنَاهُ أَرَادَ. وَهَذَا من الْمجَاز الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى إِطْلَاقه إِلَّا بِإِذن من صَاحب الشَّرْع.
وَقد صَحَّ فِي ذَلِك مَا خرجه البُخَارِيّ فِي حَدِيث الثَّلَاثَة: الْأَعْمَى والأقرع والأبرص وَأَنه عَلَيْهِ)
السَّلَام قَالَ: بدا لله أَن يبتليهم. فَبَدَا هَاهُنَا بِمَعْنى: أَرَادَ.
وَابْن أعين وَمن اتبعهُ يجيزون البداء على الله ويجعلونه والنسخ
(9/214)

شَيْئا وَاحِدًا وَالْيَهُود لَا تجيز النّسخ يَحْسبُونَهُ بداء. وَمِنْهُم من أجَاز البداء.
وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن رجلا وعد مُحَمَّد بن بشير الْخَارِجِي بقلوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة ومطله فقاله فِيهِ يذمه ويمدح زيد بن الْحسن بن عَليّ ابْن أبي طَالب: الطَّوِيل.
(لَعَلَّك والموعود حق لقاؤه ... بدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء)
(فَإِن الَّذِي ألْقى إِذا قَالَ قَائِل ... من النَّاس: هَل أحسستها لعناء)
(أول الَّذِي يُبْدِي الشمات وَإِنَّهَا ... عَليّ وإشماتُ الْعَدو سَوَاء)
(دَعَوْت وَقد أخلفتني الْوَعْد دَعْوَة ... بزيد فَلم يضلل هُنَاكَ دُعَاء)
(بأبيض مثل الْبَدْر عظم حَقه ... رجال من آل الْمُصْطَفى وَنسَاء)
فبلغت هَذِه الأبيات زيد بن الْحسن فَبعث إِلَيْهِ بقلوص من جِيَاد إبِله فَقَالَ يمدحه: الطَّوِيل
(إِذا نزل ابْن الْمُصْطَفى بطن تلعة ... نفى جدبها واخضر بالنبت عودهَا)
(وَزيد ربيع النَّاس فِي كل شتوة ... إِذا أخلفت أنواؤها ورعودها)
...
(9/215)

(حمول لأشتات الدِّيات كَأَنَّهُ ... سراج الدجى إِذا قارنته سعودها)
انْتهى.
وَقَوله: لَعَلَّك والموعود ... إِلَخ أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْبَاب الثَّانِي على أَن قَوْله: والموعود حق لقاؤه جملَة اعتراضية بَين مَا أَصله الْمُبْتَدَأ وَبَين خَبره.
وأحسستها: استفدتها. وأحسست الشَّيْء: وجدت حسه. وَقَوله: لعناء خبر إِن الَّذِي ألْقى.
يَقُول: إِن قلت للسَّائِل الشامت إِنِّي أفدتها فقد كذبت وكذبي وإشمات الْعود سَوَاء.
وَقَوله: بزيد الْبَاء زَائِدَة أَي: ناديته مرّة. وَجُمْلَة: وَقد أخلفتني الْوَعْد اعتراضية.
وَقَائِل هَذِه الأبيات مُحَمَّد بن بشير بن عبد الله بن عقيل الْخَارِجِي من بني خَارِجَة بن عدوان بن عَمْرو بن قيس بن عيلان بن مُضر ويكنى أَبَا سُلَيْمَان. وَهُوَ شَاعِر فصيح حجاي من شعراء الدولة الأموية وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى أبي
عُبَيْدَة بن عبد الله بن ربيعَة الْقرشِي أحد بني أَسد بن عبد الْعُزَّى. وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة فِي الأغاني.)
وانشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(9/216)

الوافر
(فَكيف إِذا مَرَرْت بدار قوم ... وجيران لنا كَانُوا كرام)
على أَن كَانَ فِيهِ نَاقِصَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمبرد الْوَاو اسْمهَا وَلنَا: خَبَرهَا وَلَيْسَت زَائِدَة كَمَا وَشبهه بقول الشَّاعِر:
(فَكيف إِذا رَأَيْت ديار قوم ... وجيران لنا كَانُوا كرام)
اه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِلْغَاء كَانَ وزيادتها توكيداً وتبييناً لِمَعْنى الْمُضِيّ
وَالتَّقْدِير: وجيران لنا كرام كَانُوا كَذَلِك.
وَقد رد الْمبرد هَذَا التَّأْوِيل وَجعل قَوْله: لنا خَبرا لَهَا وَالصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه من زيادتها لِأَن قَوْله: لنا من صلَة الْجِيرَان وَلَا يجوز أَن تكون خَبرا لَكَانَ إِلَّا أَن تردي معنى الْملك وَلَا يَصح الْملك هَاهُنَا لأَنهم لم يَكُونُوا لَهُم ملكا إِنَّمَا كَانُوا لَهُم جيرة. انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا تعسف مِنْهُ وَلَا فرق بَين قَوْلك: جيران لنا وَبَين كَانُوا لنا فَإِن الْوَاو فِي كَانُوا ضمير الْجِيرَان وَاللَّام للاختصاص لَا للْملك.
وَقد نسب الزّجاج فِي تَفْسِيره زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت إِلَى الْمبرد وَنقل عَنهُ غلطة لم يغلطها أصاغر الطّلبَة قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتاً. قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد: جَائِز أَن تكون كَانَ زَائِدَة فَالْمَعْنى على هَذَا إِنَّه فَاحِشَة ومقت.
وَأنْشد فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر:
(9/217)

وَهَذَا غلط من أبي الْعَبَّاس لِأَن كَانَ لَو كَانَت زَائِدَة لم تنصب خَبَرهَا. انْتهى.
وَهَذَا نقل شَاذ وَكلهمْ أَجمعُوا على أَن زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت إِنَّمَا قَالَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ. لَكِن الزّجاج تلميذ الْمبرد وَهُوَ أدرى بِمذهب شَيْخه. وَالله أعلم.
وتجويز الْمبرد زِيَادَة كَانَ فِي الْآيَة مَعَ نصب خَبَرهَا خطأ ظَاهر.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد يمْتَنع
من زِيَادَة كَانَ فِي الْبَيْت وَيَقُول: إِنَّمَا تلغى إِذا كَانَت مُجَرّدَة لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر وَأما فِي الْبَيْت فالواو اسْمهَا وَلنَا:)
الْخَبَر وكرام: صفة لجيران.
وَقد رد النَّاس هَذَا وَقَالُوا: يجوز أَن تكون الْوَاو حرفا دَالا على الْجمع يُؤَكد بِهِ الْجِيرَان كالواو فِي أكلوني البراغيث. وَهَذَا مَذْهَب كثير من الْبَصرِيين وَبَعض الْكُوفِيّين. وَلِأَنَّهُ يقدر بلنا التَّأْخِير وَهُوَ صفة لجيران وَقد حل مَحَله من حَيْثُ تبع الْمَوْصُوف وَلَا حَاجَة تَدْعُو إِلَى انْتِزَاعه من مَوْضِعه وَتَقْدِيره مُؤَخرا. وَهَذَا حجَّة أبي عَليّ. انْتهى.
أَقُول: هَذَا التَّوْجِيه ضَعِيف جدا فَإِن القَوْل بحرفية وَاو الْجمع إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ بعْدهَا جمع مَرْفُوع كَمَا فِي الْمِثَال وَأما إِذا لم يَأْتِ بعْدهَا جمع مَرْفُوع فَلم يقل أحد إِنَّهَا تَأتي حرفا دَالا على الْجمع.
وَالصَّوَاب
(9/218)

مَا وَجه بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق وَهُوَ أَن كَانَ زيدت مَعَ الْفَاعِل لِأَنَّهُ كالجزء مِنْهَا لأَنهم قَالُوا: وَالْفَاعِل كالجزء من الْفِعْل.
وَاسْتدلَّ صَاحب اللّبَاب على أَنَّهُمَا كالكلمة الْوَاحِدَة بِاثْنَيْ عشر وَجها مِنْهَا زِيَادَة الْفِعْل مَعَ الْفَاعِل فِي نَحْو هَذَا الْبَيْت. قَالَ شَارِحه الفالي: تَقْرِيره أَنهم حكمُوا بِأَن كَانُوا زَائِدَة وَإِن كَانَ الْفِعْل وَهُوَ كَانَ وَحده زَائِدا وَلَكِن لما كَانَ الْفَاعِل كالجزء لم يفكوه عَن الْفِعْل فحكموا بزيادتهما جَمِيعًا. انْتهى.
وَأَبُو عَليّ لم يَجْعَل الْوَاو فَاعل كَانَ وَإِنَّمَا جعلهَا ضميراً مؤكداً للضمير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف الْوَاقِع صفة لجيران أَعنِي قَوْله: لنا قَالَ: لنا فِي مَوضِع الصّفة لجيران وَفِيه ضميرهم مستتر على مَا عهد من حكم الْجَار وَالْمَجْرُور إِذا وَقع صفة وَالضَّمِير الْمُتَّصِل بكان تَأْكِيد لَهُ وَلم يكن بُد من اتِّصَاله لِأَنَّهُ لَا يقوم بِنَفسِهِ.
وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقول الشَّاعِر: المنسرح
(نَحن بغرس الودي أعلمنَا ... منا بطعن الكماة فِي السدف)
قَالَ: ف نَا من أعلمنَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ لِأَن أعلم أفعل وأفعل إِمَّا أَن يُضَاف وَإِمَّا أَن يتَّصل بِمن وَيمْنَع من إِضَافَته. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا بُد من تَخْرِيج يَصح عَلَيْهِ الْإِعْرَاب وَذَلِكَ أَنه تَأْكِيد ولقوة تنَاوله قدموه ليدلوا على شدَّة اتِّصَاله. وَإِذا جَازَ ذَلِك فِي أعلم مَعَ مَا بعده كَانَ فِي كَانَ أولى وَأحسن.
هَذَا كَلَامه وَنَقله عَنهُ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل.)
(9/219)

وَقد جمع ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد جَمِيع مَا للْعُلَمَاء من التخاريج فِي هَذَا الْبَيْت قَالَ: لنا قيل: خبر مقدم ثمَّ اخْتلف على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه خبر مُبْتَدأ وَالْأَصْل لنا هم ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا فَصَارَ لنا كَانَ هم ثمَّ وصل الضَّمِير إصلاحاً للفظ لِأَنَّهُ لَا يَصح وُقُوعه مُنْفَصِلا إِلَى جَانب فعل غير مشتغل بمعمول.
وَالثَّانِي: أَنه خبر لَكَانَ وَأَنَّهَا نَاقِصَة وَهُوَ قَول الْمبرد وَجَمَاعَة وَعَلِيهِ فالجملة صفة لجيران وَتَقَدَّمت على الصّفة المفردة وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام تَقْدِيم المفردة.
وَقيل: لنا صفة لجيران ثمَّ اخْتلف على قَوْلَيْنِ أَيْضا: أَحدهمَا: أَن كَانَ تَامَّة وَالضَّمِير فَاعل أَي: وجد. ورد بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الْكَلَام على هَذَا القَوْل.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا زئدة ثمَّ اخْتلف فِي الِاعْتِذَار عَن الضَّمِير على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الزِّيَادَة لَا تمنع الْعَمَل فِي الضَّمِير كَمَا لم يمْنَع إِلْغَاء ظن عَملهَا فِي الْفَاعِل مُطلقًا. قَالَه ابْن السَّيِّد وَابْن مَالك. وَفِيه نظر لِأَن الْفِعْل الملغى لم ينزل
منزلَة الْحُرُوف حَتَّى لَا يَلِيق الْإِسْنَاد إِلَى الْفَاعِل وَإِنَّمَا هُوَ فعل صَحِيح وضع لقصد الْإِسْنَاد.
وَالثَّانِي: أَن الأَصْل: كَانَ هم على أَن الضَّمِير توكيد للضمير الْمُسْتَتر فِي لنا ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا وَوصل الضَّمِير للإصلاح. انْتهى.
(9/220)

وَقد لخصه فِي الْمُغنِي فِي بحث لَعَلَّ.
وَقَوله: على تَقْدِير كَونهَا تَامَّة مَعَ فاعلها أَنه لَا فَائِدَة فِي الْكَلَام مَمْنُوع فَإِنَّهَا صفة لجيران بِمَعْنى ثبتوا وحصلوا. وَمَا أوردهُ أَولا من أَن الأَصْل لنا هم ثمَّ زيدت كَانَ بَينهمَا فاتصل بهَا الضَّمِير هُوَ قَول صَاحب الْكَشَّاف قَالَ فِي قَوْله تعال: وَإِن كَانَت لكبيرة: وَقَرَأَ اليزيدي: لكبيرة بِالرَّفْع ووجهها أَن تكون كَانَ مزيدة كَمَا فِي قَوْله: وجيران لنا كَانُوا كرام. الأَصْل: وَإِن هِيَ لكبيرة كَقَوْلِك: إِن زيد لمنطلق ثمَّ وَإِن كَانَت لكبيرة. انْتهى.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ فِي كتاب التَّنْبِيه على أغلاط أبي زِيَاد الْكلابِي فِي نوادره: روى أَبُو أَحْمد عبد الْعَزِيز بن يحيى بن أَحْمد بن عِيسَى بن يزِيد الجلودي فِي أَخْبَار الفرزدق بِإِسْنَاد مُتَّصِل ذكره أَن الفرزدق حضر عِنْد الْحسن الْبَصْرِيّ فأنشده:)
فَقَالَ لَهُ الْحسن: كراماً يَا أَبَا فراس. فَقَالَ الفرزدق: مَا ولدتني إِلَّا ميسانية إِن جَازَ مَا تَقول يَا أَبَا سعيد قَالَ: وَأم الْحسن من ميسَان. فَهَذَا رد الفرزدق عَن نَفسه. وَقد أصَاب وتقدر قَوْله: وجيران كرام كَانُوا لنا. انْتهى.
(9/221)

وميسان: قَرْيَة من قرى الْعرَاق. يُرِيد: إِنِّي لم أكن من الْعَرَب العرباء بل من المولدين إِن صَحَّ مَا لحنتني فِيهِ.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك ويهجو جَرِيرًا وأولها:
(ألستم عائجين بِنَا لعنا ... نرى العرصات أَو أثر الْخيام)
(فَقَالُوا إِن عرضت فأغن عَنَّا ... دموعاً غير راقئة السجام)
(فَكيف إِذا مَرَرْت بدار قوم ... وجيران لنا كَانُوا كرام)
(أكفكف عِبْرَة الْعَينَيْنِ مني ... وَمَا بعد المدامع من لمام)
قَوْله: ألستم عائجين ... . . إِلَخ الْهمزَة للاستفهام التقريري وروى: هَل أَنْتُم بدله.
وعائجون: جمع عائج اسْم فَاعل من عدت الْبَعِير أعوجه عوجا: إِذا عطفت رَأسه بالزمام.
وَالْبَاء فِي بِنَا بِمَعْنى مَعَ. وروى الْعَيْنِيّ فَقَط: عالجون بِاللَّامِ وَقَالَ: أَي: داخلون فِي عالج وَهُوَ اسْم مَوضِع. وَلم أره لغيره. وَلَيْسَ فِي الصِّحَاح عالج بِمَعْنى دخل فِي عالج.
ولعنا أَي: لَعَلَّنَا. وَلعن لُغَة فِي لَعَلَّ. وعرصة الدَّار: ساحتها وَهِي الْبقْعَة الواسعة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بِنَاء وَسميت عَرصَة لِأَن الصّبيان يعرصون فِيهَا أَي: يَلْعَبُونَ ويمرحون.
وَقَوله: إِن عرضت كَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب: قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَعرض الرجل إِذا أَتَى
(9/222)

الرَّوْض وَهِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَمَا حولهما.
قَالَ: الطَّوِيل فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن وَقَول الْكُمَيْت: الطَّوِيل فأبلغ يزِيد إِن عرضت ومنذراً يَعْنِي إِن مَرَرْت بِهِ. انْتهى.
وَمَا هُنَا يحْتَمل كلا مِنْهُمَا. وروى أَيْضا: إِن فعلت بدله أَي: فعلت العوج وَهُوَ عطف رَأس النَّاقة بالزمام.)
وَقَوله: فأغن عَنَّا هُوَ أَمر من قَوْلهم: أغنيت عَنْك أَي: أَجْزَأت مجزأَة. يُرِيد أَن أَصْحَابه لم يرفقوه على عطف الزِّمَام.
وَقَوله: دموعاً أَصله بدموع فَلَمَّا حذفت الْبَاء نصب. وراقئة بِالْهَمْزَةِ من رقأ الدمع رقئاً وَقَوله: فَكيف إِذا مَرَرْت ... إِلَخ كَيفَ: اسْتِفْهَام وفيهَا معنى التَّعَجُّب وَهِي هُنَا ظرف وَالْعَامِل فِيهَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام وَهُوَ أكون وَهُوَ مُقَدّر بعْدهَا لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.
وَالتَّقْدِير: على
(9/223)

أَي حَال أكون إِذا مَرَرْت بدار قوم إِلَخ وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف لدلَالَة مَا تقدم عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَامِل فِيهَا. كَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ.
وَقَالَ ابْن هِشَام: كَيفَ: ظرف لأكفكف. وَفِيه نظر. وَالتَّاء فِي مَرَرْت للمكلم بِدَلِيل لنا وأكفكف. وروى بدله: رَأَيْت. وَقَوله: أكفكف: أحبس.
وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة. واللمام بِكَسْر اللَّام بعْدهَا مِيم. كَذَا فِي مُنْتَهى الطّلب وَالْمَشْهُور من ملام.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
على أَن أَبَا الْبَقَاء جوز زِيَادَة يكون بِلَفْظ الْمُضَارع وَادّعى أَنَّهَا هُنَا زَائِدَة على رِوَايَة رفع مزاجها على الْمُبْتَدَأ وَعسل خَبَرهَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي: تكون زَائِدَة لَا اسْم لَهَا وَلَا خبر فَيكون قَوْله: مزاجها عسل جملَة من مُبْتَدأ وَخبر. وَقد عطف مَاء على الْخَبَر فَرفع.
(9/224)

وَذهب ابْن النَّاظِم أَيْضا فِي شرح الألفية إِلَى أَن زيادتها بِلَفْظ الْمُضَارع نَادِر كَقَوْل أم عقيل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الرجز
(أَنْت تكون ماجد نبيل ... إِذا تهب شمأل بلَيْل)
وارتضاه ابْن هِشَام فِي شرح شواهده لكنه أنكر زيادتها فِي الْمُغنِي قَالَ: ويروى برفعهن أَي: بِرَفْع مزاجها عسل وَمَاء على إِضْمَار الشَّأْن. وَأما قَول ابْن السَّيِّد: إِن كَانَ زَائِدَة فخطأ لِأَنَّهَا لَا تزاد بِلَفْظ الْمُضَارع بِقِيَاس وَلَا ضَرُورَة لدعوى ذَلِك هُنَا. انْتهى.
وَهَذَا التَّخْرِيج مَشْهُور وَذكره ابْن خلف وَغَيره فَيكون اسْمهَا ضمير الشَّأْن وَالْأَمر وَجُمْلَة: مزاجها عسل من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خَبَرهَا. وَذكر ابْن هِشَام
اللَّخْمِيّ تخريجاً آخر بعد ذَلِك قَالَ: اسْم يكون ضمير سبيئة وَجُمْلَة: مزاجها عسل فِي مَوضِع الْخَبَر أَو إِن خَبَرهَا مقدم عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْله من بَيت رَأس وَجُمْلَة: تكون من بَيت رَأس صفة لسبيئة وَجُمْلَة: مزاجها عسل صفة ثَانِيَة قَالَ: وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يُقَال: تكون بِالتَّاءِ. وَالسَّابِق إِلَى هَذَا التَّخْرِيج ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي.
ثمَّ قَالَ: وَالْأَحْسَن أَن تَقول على هَذَا الْوَجْه: تكون بِالتَّاءِ لِأَن السلافة مُؤَنّثَة وَلَو قلت بِالْيَاءِ جَازَ لِأَن التَّأْنِيث غير حَقِيقِيّ وَلَيْسَ بالجيد.
(9/225)

أَقُول: إِذا أسْند الْفِعْل إِلَى ضمير الْمُؤَنَّث الْمجَازِي فالتأنيث وَاجِب إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَإِنَّمَا جَوَاز التَّأْنِيث فِي الْإِسْنَاد إِلَى ظَاهره.
وَأما بَيت أم عقيل فَلم أر من خرجه. وَأَقُول بعن الله تَعَالَى: إِن اسْم تكون ضمير الْمُخَاطب الْمُسْتَتر فِيهَا وخبرها مَحْذُوف وماجد: خبر أَنْت وَالتَّقْدِير: أَنْت ماجد نبيل تكونه أَو تكون ذَاك وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.)
وَأم عقيل هِيَ أم عَليّ بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَاسْمهَا فَاطِمَة بنت أَسد ابْن هَاشم بن عبد منَاف.
وَهَذَا الرجز كَانَت ترقص بِهِ عقيلاً لما كَانَ طفْلا. وَقَبله: الرجز
(إِن عقيلاً كاسمه عقيل ... وبيبي الملفف الْمَحْمُول)
وَآخره: وَعقيل كل شَيْء: أفضله. وبيبي: بِأبي أَي: يفدى بِأبي أَو مفدى بِهِ.
وَرَوَاهُ الْأَزْدِيّ فِي كتاب الترقيص: الزّجر
(أَنْت تكون السَّيِّد النَّبِيل ... إِذا تهب الشمأل البليل)
وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم بِنصب مزاجها على أَنه خبر مقدم وَرفع عسل على أَنه اسْم مُؤخر. وَإِن شَاءَ الله يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي آخر الْبَاب.
(9/226)

وروى أَيْضا بِرَفْع مزاجها وَنصب عسل على الِاسْم وَالْخَبَر وَيكون ارْتِفَاع مَاء بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره: ومازجها مَاء لِأَن الشَّيْء إِذا خالط شَيْئا فقد خالطه ذَلِك الشَّيْء أَيْضا. وَهَذِه رِوَايَة أبي عُثْمَان الْمَازِني ومختاره نَقله عَنهُ ابْن السَّيِّد وَابْن خلف وَغَيرهمَا.
وَخبر كَأَن الْمُشَدّدَة فِي بَيت يَلِيهِ وَهُوَ: الوافر
(على أنيابها أَو طعم غض ... من التفاح هصرة اجتناء)
فَقَوله: على أنيابها هُوَ الْخَبَر. والأنياب أَرْبَعَة أَسْنَان: ثِنْتَانِ من يَمِين الثنايا: وَاحِدَة من فَوق وَوَاحِدَة من أَسْفَل وثنتان من شمالها كَذَلِك. شبه طعم رِيقهَا بطعم خمر قد مزجت بِعَسَل وَمَاء أَو بطعم تفاح غض قد اجتني. فَطَعِمَ بِالنّصب مَعْطُوف على سبيئة.
وهصره: أماله. والاجتناء: أَخذ التَّمْر من الشّجر. ويروى بدله: جناء بِكَسْر الْجِيم وَهُوَ الثَّمر وَالْبَيْت الثَّانِي ثَابت فِي ديوَان حسان وَهُوَ عِنْدِي نُسْخَة قديمَة تَارِيخ كِتَابَته سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
وَكَذَا رَوَاهُ من تكلم فِي شعره. وَقد أنكرهُ السُّهيْلي فِي الرَّوْض وَقَالَ: قَوْله: كَأَن سبيئة خبر كَأَن فِي هَذَا الْبَيْت مَحْذُوف تَقْدِيره: كَأَن فِي فِيهَا. وَمثله فِي النكرات حسن كَقَوْلِه: المنسرح
إِن محلا وَإِن مرتحلاً
(9/227)

أَي: إِن لنا محلا.)
وكقول الآخر: وَلَكِن زنجياً طَويلا مشافره وَزعم بَعضهم أَن بعده بَيْتا فِيهِ الْخَبَر وَهُوَ على أنيابها الْبَيْت. وَهُوَ مَصْنُوع لَا يشبه شعر حسان وَلَا لَفظه. انْتهى.
والسبيئة: فعيلة بِمَعْنى مفعولة. وَهِي الْخمر الَّتِي تسبأ أَي: تشترى بِالْهَمْزَةِ.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل وَأنْشد الْبَيْت. يُقَال: سبأت الْخمر سبئاً إِذا اشْتَرَيْتهَا. والسابيء: الْخمار.
قَالَ ابْن السَّيِّد: إِنَّمَا السابيء مبتاع الْخمر لَا بَائِعهَا. وَهَذَا مِنْهُ غلط.
وَفِي الْقَامُوس: سبأ الْخمر كجعل سبئاً وسباءً ومسبأً: شراها كاستبأها وبياعها السباء.
والسبيئة ككريمة: الْخمر.
ثمَّ قَالَ فِي المعتل: سبى الْعَدو: أسره. وَالْخمر سبياً وسباء وَوهم الْجَوْهَرِي:
حملهَا من بلد إِلَى بلد. انْتهى.
والجوهري قيد السبء بشرائها للشُّرْب. قَالَ: فَأَما إِذا اشْتَرَيْتهَا لتحملها إِلَى بلد آخر قلت: سبيت الْخمر. فشراؤها للتِّجَارَة يكون عِنْده بِالْيَاءِ.
ورد عله الصَّفَدِي فِي نُفُوذ السهْم فِيمَا وَقع للجوهري من الْوَهم. قَالَ: هَذَا تحكم مِنْهُ وَدَعوى بِلَا بِدَلِيل.
وَقَول ابْن هرمة:
(9/228)

المنسرح
(خود تعاطيك بعد رقدتها ... إِذا تَلَاهَا الْعُيُون مهدؤها)
(كأساً بفيها صهباء معرقة ... يغلو بأيدي التُّجَّار مسبؤها)
يشْهد بِخِلَاف هَذَا الْفرق الَّذِي أبداه. وَلَا يجوز سبيت الْخمر بِالْيَاءِ إِلَّا على قَول من يرى تَحْويل الْهمزَة. انْتهى.
وروى: كَأَن سلافة والسلافة: الْخمر وَقيل: خُلَاصَة الْخمر وَقيل: مَا سَالَ من الْعِنَب قبل وروى أَيْضا: كَأَن خبيئة وَهِي الْخمر المخبأة المصونة المضنون بهَا.
وَقَوله: من بَيت رَأس مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه صفة أولى لسبيئة وَجُمْلَة: يكون إِلَخ صفة ثَانِيَة لَهَا كَأَنَّهُ قَالَ: سبيئة مشتراة من بَيت رَأس ممزوجة بِعَسَل وَمَاء.)
وَبَيت رَأس: مَوضِع قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد:
قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبه: بَيت رَأس: اسْم قَرْيَة بِالشَّام من نَاحيَة الْأُرْدُن كَانَت الْخُمُور تبَاع فِيهَا وَبِه مَاتَت حبابة جَارِيَة يزِيد بن
(9/229)

عبد الْملك فَمَاتَ يزِيد بعد بضع عشرَة جزعاً عَلَيْهَا. انْتهى.
وَقيل: بيتُ: مَوضِع الْخمر وَرَأس: اسْم للخمار. وَقصد إِلَى بَيت هَذَا الْخمار لِأَن خمره أطيب الْخمر. وَقيل: الرَّأْس هُنَا بِمَعْنى الرئيس أَي: من بَيت رَئِيس. قَالَ اللَّخْمِيّ: وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال لِأَن الرؤساء إِنَّمَا تشرب الْخمر ممزوجة.
وَإِنَّمَا اشْترط أَن يمزجها لِأَنَّهَا خمر شامية صليبة فَإِن لم تمزج قتلت شاربها. وَخص الْعَسَل وَالْمَاء لِأَن الْعَسَل أحلى مَا يخالطها وَأَنه يذهب بمرارتها وَأما المَاء فيبردها ويلينها.
وَقيل: إِنَّمَا عَنى شراب الرؤساء والملوك على قَول من جعل رَأْسا: بِمَعْنى رَئِيس لِأَنَّهَا إِذا مزجت لَا يشْربهَا إِلَّا الرؤساء وأشراف النَّاس كَرَاهِيَة أَن تخرجهم عَن عُقُولهمْ.
لَا ترى إِلَى قَول عدي بن زيد: الرمل وَقد عابت على جذيمة الأبرش أُخْته شرب الْخمر صرفا لأمر لحقها من ذَلِك فَقَالَت لَهُ: الْخَفِيف
(ذَاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك فِي الصِّبَا والمجون)
وَقد مدح الله خمر الْجنَّة لما لم يكن الشَّارِب يؤوي وَجهه لَهَا فَقَالَ عزمن قَائِل: وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين أَي: ن الشَّارِب إِذا شربهَا لم يقطب وَجهه وَلم تخرجه عَن عقله.
وَبَيت حسان مَعَ مَا بعده مَأْخُوذ من قَول امْرِئ الْقَيْس وَإِن كَانَ فِي قَول امْرِئ الْقَيْس زِيَادَة أحسن فِيهَا مَا شَاءَ وأتبع دلوه فِي الإجادة الرشاء فَقَالَ:
(9/230)

المتقارب
(كَأَن المدام وَصوب الْغَمَام ... وريح الخزامى وَنشر الْقطر)
(يعل بِهِ برد أنيابها ... إِذا طرب الطَّائِر المستحر)
وَالزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا قَوْله: إِذا طرب الطَّائِر المستحر يَعْنِي عِنْد تغير الأفواه. فَشبه حسان ريق هَذِه الْمَرْأَة بِخَمْر ممزوجة بِعَسَل وَمَاء أَو بطعم غض من التفاح.
وَالْبَيْت من قصيدة لحسان بن ثَابت قَالَهَا قبل فتح مَكَّة مدح بهَا النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهجا أَبَا سُفْيَان وَكَانَ هجا النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قبل إِسْلَامه وَهِي هَذِه:
(عفت ذَات الْأَصَابِع فالجواء ... إِلَى عذراء منزلهَا خلاء))
(وَكَانَت لَا يزَال بهَا أنيس ... خلال مروجها نعم وَشاء)
(فدع هَذَا وَلَكِن من لطيف ... يؤرقني إِذا ذهب الْعشَاء)
(لشعثاء الَّتِي قد تيمته ... فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاء)
(كَأَن خبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء)
(إِذا مَا الأشربات ذكرن يَوْمًا ... فهن لطيب الراح الْفِدَاء)
(نوليها الْمَلَامَة إِن ألمنا ... إِذا مَا كَانَ مغث أَو لحاء)
(ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً مَا ينهنهنا اللِّقَاء)
(عدمنا خَيْلنَا إِن لم تَرَوْهَا ... تثير النَّقْع موعدها كداء)
...
(9/231)

(يبارين الأسنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظلماء)
(تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بِالْخمرِ النِّسَاء)
(فإمَّا تعرضوا عَنَّا اعتمرنا ... وَكَانَ الْفَتْح وانكشف الغطاء)
(وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لجلاد يَوْم ... يعين الله فِيهِ من يَشَاء)
(وَقَالَ الله: قد يسرت جنداً ... هم الْأَنْصَار عرضتها اللِّقَاء)
(لنا فِي كل يَوْم من معد ... قتال أَو سباب أَو هجاء)
(وَقَالَ الله: قد أرْسلت عبدا ... يَقُول الْحق إِن نفع الْبلَاء)
(شهِدت بِهِ وقومي صدقوه ... فقلتم مَا نجيب وَمَا نشَاء)
(وَجِبْرِيل أَمِين الله فِينَا ... وروح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء)
(أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء)
(بِأَن سُيُوفنَا تركتك عبدا ... وَعبد الدَّار سادتها الْإِمَاء)
(هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عَنهُ ... وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء)
(أتهجوه وَلست لَهُ بكفء ... فشركما لخيركما الْفِدَاء)
(هجوت مُبَارَكًا برا حَنِيفا ... أَمِين الله شيمته الْوَفَاء)
(أَمن يهجو رَسُول الله مِنْكُم ... ويمدحه وينصره سَوَاء)
(فَإِن أبي ووالده وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء)
(لساني صارم لَا عيب فِيهِ ... وبحري لَا تكدره الدلاء)
(9/232)

)
وَهَذِه رِوَايَة ابْن هِشَام فِي السِّيرَة. وَفِي الدِّيوَان ثَلَاثَة أَبْيَات أخر من آخر زِيَادَة على هَذَا.
قَالَ ابْن هِشَام: قَالَهَا حسان قبل يَوْم الْفَتْح. ويروى: لساني صارم لَا عتب فِيهِ بِالتَّاءِ. وَبَلغنِي عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: لما رأى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ النِّسَاء يلطمن الْخَيل بِالْخمرِ تَبَسم وَقَوله: عفت ذَات الْأَصَابِع ... إِلَخ عفت: بِمَعْنى: درست. وَذَات الْأَصَابِع: مَوضِع بِالشَّام.
والجواء بِكَسْر الْجِيم كَذَلِك. قَالَ السُّهيْلي: وبالجواء كَانَ منزل الْحَارِث ابْن أبي شمر. وَكَانَ حسان كثيرا مَا يرد على مُلُوك غَسَّان بِالشَّام يمدحهم فَلذَلِك يذكر هَذِه الْمنَازل. وعذراء قَالَ السكرِي فِي شرح ديوانه: قَرْيَة على بريد من دمشق وَبهَا قتل مُعَاوِيَة حجر بن عدي وَأَصْحَابه.
وَقَوله: ديار من بني الحسحاس بمهملات قَالَ السكرِي: الحسحاس بن مَالك بن عدي بن النجار.
وَقَالَ السُّهيْلي: بَنو الحسحاس حب من بني أَسد. قَالَ السكرِي: والروامس: الرِّيَاح الَّتِي ترمس الْآثَار وتغطيها.
وَقَالَ السُّهيْلي: يَعْنِي بالسماء الْمَطَر. وَالسَّمَاء لفظ مُشْتَرك يَقع على الْمَطَر وعَلى السَّمَاء الَّتِي هِيَ السّقف. وَلم تعلم ذَلِك من هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه وَلَا من قَوْله: الوافر
(إِذا سقط السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرِيد مطر السَّمَاء فَحذف الْمُضَاف وَلَكِن إِنَّمَا عَرفْنَاهُ من قَوْلهم فِي جمعه: سمي وأسمية وهم يَقُولُونَ فِي جمع السَّمَاء سماوات فَعلمنَا أَنه اسْم مُشْتَرك بَين شَيْئَيْنِ.
(9/233)

وَقَوله: وَكَانَت لَا يزَال بهَا. . إِلَخ خلال ظرف بِمَعْنى بَين خبر مقدم. وَنعم: مُبْتَدأ مُؤخر. قَالَ السُّهيْلي: النعم: الْإِبِل فَإِذا قيل: الْأَنْعَام دخل فِيهَا الْبَقر وَالْغنم.
وَالشَّاء والشوي: اسْم للْجَمِيع كالضأن والضئين وَالْإِبِل والأبيل والمعز والمعيز. فَأَما الشَّاة فَلَيْسَتْ من لفظ الشَّاء لَام الْفِعْل مِنْهَا تَاء.
وَقَوله: فدع هَذَا ... إِلَخ الطيف: الْخِيَار. ويؤرقني: يسهرني.
فَإِن قيل: كَيفَ يسهره الطيف والطيف حلم فِي الْمَنَام فَالْجَوَاب أَن الَّذِي يؤرقه لوعة يجدهَا عِنْد زَوَاله كَمَا قَالَ الطَّائِي: الْبَسِيط
(ظَبْي تقنصته لما نصبت لَهُ ... من آخر اللَّيْل أشراكاً من الْحلم))
(ثمَّ انثنى وبنا من ذكره سقم ... بَاقٍ وَإِن كَانَ معسولاً من السقم)
وَقَوله: لشعثاء الَّتِي ... إِلَخ شعثاء: بنت سَلام بن مشْكم الْيَهُودِيّ. وَبَيت: على أنيابها أَو طعم غض إِلَخ لم يُورِدهُ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة وَلِهَذَا أنكرهُ السُّهيْلي.
وَقَوله: نوليها الْمَلَامَة ... إِلَخ يُقَال: ألام إِذا أَتَى بِمَا يلام عَلَيْهِ. يَعْنِي إِن أَتَيْنَا بِمَا نلام عَلَيْهِ صرفنَا اللوم إِلَى الْخمر واعتذرنا بالسكر. والمغث بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا واللحاء: الملاحاة بِاللِّسَانِ يرْوى أَن حسان مر بفتية يشربون الْخمر
(9/234)

فِي الْإِسْلَام فنهاهم فَقَالُوا: وَالله لقد هممنا بِتَرْكِهَا فزينها لنا قَوْلك: ونشربها فتتركنا ملوكاً ... ... ... ... ... الْبَيْت فَقَالَ: وَالله لقد قلتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَا شربتها مُنْذُ أسلمت.
وَلذَلِك قيل: إِن بعض هَذِه القصيدة قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ آخرهَا فِي الْإِسْلَام.
وَقَوله: عدمنا خَيْلنَا ... إِلَخ النَّقْع: الْغُبَار. وكداء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الثَّنية الَّتِي فِي أَصْلهَا مَقْبرَة مَكَّة وَمِنْهَا دخل الزبير يَوْمئِذٍ وَدخل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من شعب أذاخر.
وَقَوله: يبارين الأسنة ... إِلَخ مباراتها الأسنة: أَن يضجع الرجل رمحه فَكَانَ الْفرس يرْكض ليسبق السنان.
والمصغيات: الموائل المنحرفات المطعن. والأسل: الرماح. وَرِوَايَة ابْن هِشَام: ينازعن الأعنة مصغيات.
وَقَوله: تظل جيادنا ... إِلَخ المتمطرات: الْخَوَارِج من جُمْهُور الْخَيل. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: كَانَ الْخَلِيل يروي: يطلمهن بِالْخمرِ النِّسَاء وينكر يلطمهن ويجعله بِمَعْنى ينفضن النِّسَاء بِخُمُرِهِنَّ مَا عَلَيْهِنَّ من غُبَار أَو نَحْو ذَلِك. قَالَ: وَالظُّلم: ضربك خبْزَة الْملَّة بِيَدِك لتنفض مَا عَلَيْهَا من
(9/235)

وَقَوله: فنحكم بالقوافي أحكمه: كَفه وَمنعه. وَمِنْه سمي القَاضِي حَاكما لِأَنَّهُ يمْنَع النَّاس من الظُّلم.
قَالَ جرير: الْكَامِل
(أبني حنيفَة أحكموا سفهاءكم ... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم أَن أغضبا)
وَقَوله: أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... إِلَخ المغلغلة: الرسَالَة الذاهبة إِلَى كل بلد من تغلغل إِذا)
ذهب.
وروى غير ابْن هِشَام مصراعه الثَّانِي كَذَا: فَأَنت مجوف نخب هَوَاء
والنخب بِفَتْح النُّون وَكسر الْمُعْجَمَة: الجبان ...
وَقَوله: هجوت مُحَمَّدًا قَالَ اللَّخْمِيّ: قَالَ ابْن دُرَيْد: أخبرنَا السكن بن سعيد عَن عباد بن عباد عَن أَبِيه قَالَ: لما انْتهى حسان إِلَى هَذَا الْبَيْت قَالَ لَهُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: جزاؤك على الله الْجنَّة يَا حسان.
وَلما انْتهى إِلَى قَوْله: أتهجوه وَلست لَهُ بكفء وَلما انْتهى إِلَى قَوْله: فَإِن أبي ووالده وعرضي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: وقاك الله يَا حسان حر النَّار.
(9/236)

وَقَوله: فشركما لخيركما الْفِدَاء قَالَ السُّهيْلي: فِي ظَاهر هَذَا اللَّفْظ شناعة لِأَن الْمَعْرُوف أَن لَا يُقَال: هُوَ شرهما إِلَّا وَفِي كليهمَا شَرّ. وَكَذَلِكَ شَرّ مِنْك وَلَكِن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: تَقول: مَرَرْت بِرَجُل شَرّ مِنْك إِذا نقص عَن أَن يكون مثله. وَهَذَا يدْفع الشناعة عَن الْكَلَام الأول.
وَنَحْو مِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: شَرّ صُفُوف الرِّجَال آخرهَا يُرِيد: نُقْصَان حظهم عَن حَظّ الصَّفّ الأول كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَلَا يجوز أَن يُرِيد التَّفْضِيل فِي الشَّرّ. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل على أَن قد فصل بالجار وَالْمَجْرُور أَعنِي الْجُمْلَة القسمية وَهُوَ وَأبي دهماء بَين لَا النافية وَبَين زَالَت.
وَهَذَا الْفَصْل شَاذ. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَّا أَنه لم يُقَيِّدهُ بالشذوذ وَلَا بالقلة. وَكَأَنَّهُ مطرد عِنْده. قَالَ فِي بحث الْجُمْلَة المعترضة: ويفصل بني حرف النَّفْي ومنفيه كَقَوْلِه: المنسرح وَلَا أَرَاهَا تزَال ظالمة
(9/237)

وَقَوله: فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة قَالَ شَارِحه ابْن الملا الْحلَبِي: وَيجوز أَن تكون لَا ردا وحرف النَّفْي محذوفاً وَلَا اعْتِرَاض.
انْتهى.
وَقد رد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْجَوَاز فَقَالَ: وَلَيْسَ مِمَّا حذف مِنْهُ حرف النَّفْي إِلَخ.
وَمرَاده الرَّد على الْفراء فَإِنَّهُ ذهب فِي موضِعين من تَفْسِيره إِلَى أَن حرف النَّفْي مِنْهُ مَحْذُوف: الأول فِي سُورَة يُوسُف عِنْد قَوْله تَعَالَى: تالله تفتؤ تذكر يُوسُف قَالَ: أَي لَا تزَال تذكر يُوسُف. وَلَا قد تضمر مَعَ الْأَيْمَان لِأَنَّهَا إِذا كَانَت خَبرا لَا يضمر فِيهَا لَا لم تكن إِلَّا بلام.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: وَالله لآتينك. وَلَا يجوز: وَالله آتِيك إِلَّا أَن تكون تُرِيدُ لَا. فَلَمَّا تبين قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: الطَّوِيل فَقلت يَمِين الله أَبْرَح قَاعِدا ... ... ... ... الْبَيْت وأنشدني بَعضهم:
(فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة ... على قَومهَا مَا فتل الزند قَادِح)
يُرِيد: لَا زَالَت.
(9/238)

والموضع الثَّانِي فِي سُورَة الْكَهْف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِذ قَالَ مُوسَى لفتاه لَا أَبْرَح.
قَالَ: لَا يكون تزَال وأبرح وأفتأ إِلَّا بجحد ظَاهر أَو مُضْمر. فَأَما الظَّاهِر فقد ترَاهُ فِي الْقُرْآن: وَلَا يزالون مُخْتَلفين. والمضمر فِيهِ الْجحْد قَول الله تَعَالَى: تفتؤ مَعْنَاهُ لَا تفتؤ.
وَمثله قَول الشَّاعِر:)
فَلَا وَأبي دهماء زَالَت عزيزة ... ... ... ... . الْبَيْت وَكَذَلِكَ قَول امْرِئ الْقَيْس: فَقلت يَمِين الله أَبْرَح قَاعِدا ... ... ... ... ... . الْبَيْت انْتهى.
وَقد جعله ابْن عُصْفُور من بَاب حذف النَّافِي وَهُوَ مَا لَكِن روى صَدره على خلاف هَذَا
(لعمر أبي دهماء زَالَت عزيزة ... على قَومهَا مَا فتل الزند قَادِح)
يُرِيد: مَا زَالَت عزيزة. انْتهى.
وَكَذَا رَوَاهُ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل وخرجه. إِلَّا أَنه قَالَ: أَي لَا زَالَت عزيزة. انْتهى.
وَقَوله: فَلَا وَأبي دهماء ... إِلَخ الْفَاء فِي التَّقْدِير دَاخِلَة على وَاو الْقسم أَي: فو أبي دهماء لَا زَالَت عزيزة.
أقسم الشَّاعِر بوالد هَذِه الْمَرْأَة. فَأبى مُضَاف إِلَى دهماء وَهِي اسْم امْرَأَة وَاسم زَالَت الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى دهماء وعزيزة خَبَرهَا وَهِي من الْعِزَّة بِالْعينِ الْمُهْملَة وبالزاء الْمُعْجَمَة وَجُمْلَة:
(9/239)

لَا زَالَت جَوَاب الْقسم وعَلى قَومهَا مُتَعَلق بعزيزة وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفية.
وفتل بِالْفَاءِ بعْدهَا مثناة فوقية روى بشدها وتخفيفها وَهُوَ فعل مَاض والزند مَفْعُوله وقادح فَاعله.
وَقد ذكر أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات صفة الزند والزندة وَكَيْفِيَّة الفتل فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا قَالَ: أفضل مَا اتَّخذت مِنْهُ الزِّنَاد شجرتا المرخ والعفاء بِفَتْح الْعين المهلمة بعْدهَا فَاء فَتكون الْأُنْثَى وَهِي الزندة السُّفْلى مرخاً وَيكون الذّكر وَهُوَ الزند الْأَعْلَى عفاراً. أَخْبرنِي بعض عُلَمَاء الْأَعْرَاب وَأما المرخ فقد رَأَيْته ينْبت قضباناً سَمْحَة طوَالًا لَا ورق لَهَا. ولفضل هَاتين الشجرتين فِي سرعَة الوري وَكَثْرَة النَّار سَار قَول الْعَرَب فيهمَا مثلا فَقَالُوا: فِي كل الشّجر نَار واستمجد المرخ والعفار أَي: ذَهَبا بالمجد فَكَانَ الْفضل لَهما.
وَلذَلِك قَالَ الْأَعْشَى: المتقارب
(زنادك خير زناد الملو ... ك خالط فِيهِنَّ مرخ عفارا)
ويختار أَن تكون الزندة من المرخ والزند من العفار.)
وَمن فَضِيلَة المرخ فِي كَثْرَة النَّار وَسُرْعَة الوري مَا ذكر أَبُو زِيَاد الْكلابِي فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الشّجر كُله أورى زناداً من المرخ قَالَ: وَرُبمَا كَانَ المرخ مجتمعاً ملتفاً وهبت الرّيح فحك بعضه بَعْضًا فأورى فَاحْتَرَقَ الْوَادي كُله. وَلم نر ذَلِك فِي شَيْء من الشّجر.
(9/240)

ثمَّ بعد أَن ذكر الْأَشْجَار الَّتِي تتَّخذ مِنْهَا الزِّنَاد قَالَ: وَصفَة الزندة: عود مربع فِي طول الشبر أَو أَكثر وَفِي عرض إِصْبَع أَو أشف وَفِي صفحاتها فرض وَهِي
نقر الْوَاحِدَة مِنْهَا فرضة وَتجمع فراضاً أَيْضا. والزند الْأَعْلَى نَحْوهَا غير أَنه مستدير وطرفه أدق من سائره.
فَأَما وصف الاقتداح بهَا فَإِن المقتدح إِذا أَرَادَ أَن يقتدح بالزناد وضع الزندة ذَات الْقَرَاض بِالْأَرْضِ وَوضع رجلَيْهِ على طرفيها ثمَّ وضع طرف الزند الْأَعْلَى فِي فرضة من فراض الزندة وَقد تقدم فَهَيَّأَ فِي الفرضة مجْرى للنار إِلَى جِهَة الأَرْض يحز وَقد حزه بالسكين فِي جَانب الفرضة ثمَّ فتل الزند بكفه كَمَا يفتل المثقب وَقد ألْقى فِي الفرضة شَيْئا من التُّرَاب يَسِيرا يَبْتَغِي بذلك الخشنة ليَكُون الزند أعمل فِي الزندة وَقد جعل إِلَى جَانب الفرضة عِنْد مفضى الحز رية تَأْخُذ فِيهَا النَّار فَإِذا فتل الزند لم يلبث الدُّخان أَن يظْهر ثمَّ تتبعه النَّار فتنحدر فِي الحز وَتَأْخُذ فِي الربة. وَتلك النَّار هِيَ السقط. انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار كثير.
وَقد صحف بَعضهم قَوْله: مَا فتل الزند قَادِح وروى: مَا قيل للزند قَادِح على أَنه فعل مَاض مَجْهُول من القَوْل. وجر الزند بِاللَّامِ.
وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف لَهُ على تَتِمَّة وَلَا قَائِل. وَالله أعلم.
(9/241)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
مجزوء الْكَامِل
(تنفك تسمع مَا حييّ ... ت بهَا لَك حَتَّى تكونه)
على أَن حرف النَّفْي مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لَا تنفك.
وَظَاهره أَن حذف النَّافِي أَي حرف نفي كَانَ يجوز حذفه من هَذِه الْأَفْعَال سَوَاء وَقعت جَوَاب قسم كالآية وَالْبَيْت الَّذِي بعده أم لَا كَهَذا الْبَيْت فَإِنَّهُ لم يتقدمه شَيْء. وَهُوَ الظَّاهِر أَيْضا من كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل وَمن كَلَام ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد.
لَكِن ابْن يعِيش قيد حرف النَّفْي بِكَوْنِهِ لَا وَأَنه لَا يحذف من هَذِه الْأَفْعَال إِلَّا إِذا وَقعت جَوَاب قسم. قَالَ: إِن حرف النَّفْي قد يحذف فِي بعض الْمَوَاضِع وَإِنَّمَا يسوغ حذفه إِذا وَقع فِي جَوَاب الْقسم وَذَلِكَ لأمن اللّبْس كَقَوْلِه: تزَال حبال مبرمات أعدهَا ... ... ... ... ... الْبَيْت وَلَا يجوز أَن يحذف من هَذِه الْحُرُوف غير لَا لِأَنَّهُ لَا يجوز حذف لم وَمَا لِأَن لم عاملة فِيمَا بعْدهَا وَلَا يجوز أَن تحذف وتعمل وَكَذَلِكَ مَا قد تكون عاملة فِي لُغَة أهل الْحجاز. انْتهى.
وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجوز حذف إِن أَيْضا لِأَنَّهَا قد تعْمل عمل لَيْسَ.
وَفِي كَلَامه نظر: أما أَولا: فَلِأَنَّهُ قد مثل بِهَذَا الْبَيْت تبعا لصَاحب الْمفصل وتنفك فِيهِ لَيْسَ جَوَاب قسم.
(9/242)

وَأما ثَانِيًا: فَلِأَن الْكَلَام فِي حُرُوف النَّفْي الدَّاخِلَة على الْأَفْعَال وَمَا الحجازية دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك وَهل هُوَ إِلَّا اشْتِبَاه.
وَقد تبعه الْمرَادِي فِي شرح التسهيل فِي الثَّانِي قَالَ: وينقاس الْحَذف فِي الْمُضَارع جَوَاب قسم وشذ فِي الْمَاضِي جَوَاب قسم كَقَوْلِه: لعمر أبي دهماء زَالَت عزيزة
أَي: لَا زَالَت. وَشد فِي الْمُضَارع غير جَوَاب كَقَوْلِه: الوافر
(وأبرح مَا أدام الله قومِي ... بِحَمْد الله منتطقاً مجيداً)
أَي: لَا أَبْرَح وَقيل: لَا حذف.
وَالْمعْنَى: أزول عَن أَن أكون منتطقاً مجيداً أَي: صَاحب نطاق وجواد مَا أدام الله قومِي)
فَإِنَّهُم يكفونني ذَلِك. انْتهى.
وَدَعوى عدم الْحَذف تعسف وَقع فِي أَشد مِمَّا فر مِنْهُ.
وَأغْرب من قَول الْمرَادِي مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن عُصْفُور من أَنه ضَرُورَة قَالَ: وَمِنْه إِضْمَار لَا النافية فِي غير جَوَاب الْقسم كَقَوْلِه: تنفك تسمع مَا حييت ... ... ... ... الْبَيْت انْتهى.
فَللَّه در الشَّارِح الْمُحَقق مَا أَجود اخْتِيَاره وَمَا أرصن سبكه.
وَقَوله: تنفك تسمع ... إِلَخ جملَة: تسمع مَعَ فَاعله الضَّمِير خبر لَا تنفك وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية.
وحييت بِالْخِطَابِ أَي: مُدَّة حياتك.
(9/243)

وَلَا وَجه لقَوْل بعض أفاضيل الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: وَقَوله: مَا حييت بَيَان لقَوْله: تنفك تسمع وتأكيد لَهُ. انْتهى.
وبهالك مُتَعَلق بتسمع على تَقْدِير مُضَاف أَي: بِخَبَر هَالك. وَسمع هُنَا لَيست مِمَّا يتَعَدَّى لمفعولين وتعديها بِالْبَاء أحد استعمالاتها كَمَا تقدم كَقَوْلِهِم: تسمع بالمعيدي.
وَيجوز أَن تكون الْبَاء زَائِدَة فَتكون متعدية إِلَى مفعول وَاحِد كَقَوْلِك: سَمِعت
الْخَبَر. وَهَذَا أَيْضا أحد استعمالاتها.
وَحَتَّى حرف جر بِمَعْنى إِلَى وَالْهَاء فِي تكونه ضمير الْهَالِك. وَالْأَكْثَر فِي خبر كَانَ إِذا كَانَ ضميراً أَن يكون مُنْفَصِلا. وَهَذَا من الْقَلِيل.
وَقد اسْتشْهد صَاحب اللّبَاب لقلته بِهَذَا الْبَيْت.
قَالَ ابْن هِشَام: أَي لَا تزَال تسمع: مَاتَ فلَان حَتَّى تكون الْهَالِك. وَالْخطاب لغير معِين مثله فِي: بشر مَال الْبَخِيل بحادث أَو وَارِث. وَتسمع خبر وَالْبَاء وَحَتَّى متعلقان بِهِ وَمَا ظرف لَهُ وَالْهَاء من تكونه رَاجِعَة للهالك بِاعْتِبَار لَفظه دون مَعْنَاهُ لِأَن السَّامع غير المسموع.
وَمثله مَسْأَلَة التَّنَازُع: ظنني وظننت زيدا قَائِما إِيَّاه. وَقد غمض هَذَا الْمَعْنى على ابْن الطراوة فَمنع الْمَسْأَلَة وَخَالف الْأَئِمَّة.
وَبعده:
(والمرء قد يَرْجُو الرجا ... ء مؤملاً وَالْمَوْت دونه))
وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كثيرا مَا يتَمَثَّل بهما. انْتهى.
وَكَذَا رَوَاهُ الْعَيْنِيّ.
وَالَّذِي رَوَاهُ ابْن المستوفي وَغَيره: والمرء قد يَرْجُو الْحَيَاة
(9/244)

ومؤملاً: حَال من ضمير يَرْجُو. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: مُؤَمل إِن كَانَ اسْم فَاعل فَهُوَ حَال من الْمَرْء وَإِن كَانَ اسْم مفعول فَهُوَ مفعول ليرجو. هَذَا كَلَامه. فَتَأَمّله.
وَدون هُنَا بِمَعْنى أَمَام أَو خلف لِأَنَّهُ من الأضداد. وَجُمْلَة: وَالْمَوْت دونه حَال إِمَّا من ضمير مُؤَمل أَو من ضمير يَرْجُو.
والبيتان نسبهما أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي كتاب الْأَمْثَال لخليفة
بن برَاز وَهُوَ جاهلي. وَقد أَخذ الْبَيْت بَعضهم فَقَالَ: الطَّوِيل وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(تزَال حبال مبرمات أعدهَا ... لَهَا مَا مَشى يَوْمًا على خفه جمل)
على أَن تزَال جَوَاب قسم وَحذف مِنْهُ حرف النَّفْي أَي: لَا تزَال. وَالْقسم فِي بَيت قبله وَهُوَ:
(حَلَفت يَمِينا يَا ابْن قحفان بِالَّذِي ... تكفل بالأرزاق فِي السهل والجبل)
تزَال حبال مبرمات ... ... ... ... الْبَيْت
(فأعط وَلَا تبخل إِذا جَاءَ سَائل ... فعندي لَهَا عقل وَقد زاحت الْعِلَل)
وروى أَيْضا: وتقسم ليلى يَا ابْن حفان بِالَّذِي
(9/245)

إِلَخ. فجلمة: لَا تزَال بِتَقْدِير لَا جَوَاب الْقسم الَّذِي هُوَ تقسم ليلى. ومبرمات: محكمات.
وأعدها: أهيئها. وَضمير لَهَا لِلْإِبِلِ فِي شعر قبل هَذَا يَأْتِي آنِفا.
وَمَا مَصْدَرِيَّة ظرفية. وجمل فَاعل مَشى وَسكن للقافية. وعقل: جمع عقال وَهُوَ مَا يرْبط بِهِ وَكَانَ من حَدِيث هَذِه الأبيات مَا رَوَاهُ أَبُو تَمام فِي الحماسة: أَن سَالم بن قحفان جَاءَ إِلَيْهِ أَخُو امْرَأَته زَائِرًا فَأعْطَاهُ بَعِيرًا من إبِله وَقَالَ لامْرَأَته: هَاتِي حبلاً يقرن بِهِ مَا أعطيناه إِلَى بعير. ثمَّ)
أعطَاهُ بَعِيرًا آخر وَقَالَ: مثل ذَلِك ثمَّ أعطَاهُ مثل ذَلِك فَقَالَت: مَا بَقِي عِنْدِي حَبل فَقَالَ: عَليّ الْجمال وَعَلَيْك الحبال.
وَأَنْشَأَ يَقُول:
(لقد بكرت أم الْوَلِيد تلومني ... وَلم أجترم جرما فَقلت لَهَا مهلا)
(فَلَا تعذليني بالعطاء ويسري ... لكل بعير جَاءَ طَالبه حبلا)
(فَإِنِّي لَا تبْكي عَليّ إفالها ... إِذا شبعت من روض أوطانها بقلا)
(فَلم أر مثل الْإِبِل مَالا لمقتن ... وَلَا مثل أَيَّام الْحُقُوق لَهَا سبلا)
فرمت إِلَيْهِ خمارها وَقَالَت: صيره حبلاً لبعضها. وأنشأت تَقول: حَلَفت يَمِينا يَا ابْن قحفان ... ... ... ... ... الأبيات الثَّلَاثَة انْتهى.
وَلم يتَكَلَّم الْخَطِيب التبيريزي بِشَيْء فِي شَرحه على هَذِه الأبيات.
والإفال: أَوْلَاد الْإِبِل. قَالَ ابْن المستوفي فِي قَوْله:
(9/246)

قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْإِبِل بهائم لَا تهتم بِي إِذا مت بل تربع وتشبع وَالثَّانِي: موتِي عِنْدهَا وَأَنا أنحرها أحب إِلَيْهَا فَلَعَلَّهُ يَأْخُذهَا من لَا يَنْحَرهَا
وَلَا يغمهما موتى لِأَنِّي جواد. انْتهى وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه على أمالي القالي: إِن هَذَا مَأْخُوذ من قَول ضَمرَة بن ضَمرَة: الْكَامِل
(أَرَأَيْت إِن صرخت بلَيْل هامتي ... وَخرجت مِنْهَا بَالِيًا أثوابي)
(هَل تخمشن إبلي عَليّ وجوهها ... وتعصبن رؤوسها بسلاب)
والسلاب: عصائب سود. يُقَال: امْرَأَة مسْلبَةٌ إِذا لبست السوَاد حداداً.
وَسَالم بن قحفان بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء لم أَقف لَهُ على خبر وَلَا على زَوجته ليلى. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(خراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... على الْخَسْف أَو نرمي بهَا بَلَدا قفرا)
على أَنه خطئَ ذُو الرمة فِيهِ لِأَن مَا تنفك وأخواته بِمَعْنى الْإِيجَاب من حَيْثُ الْمَعْنى لَا يتَّصل الِاسْتِثْنَاء بخبرها كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.
(9/247)

وَذكر عَنهُ جوابين:
أَحدهمَا: أَن تنفك تَامَّة ومناخة حَال وعَلى الْخَسْف مُتَعَلق بمناخة ونرمي مَعْطُوف على مناخة.
وَثَانِيهمَا: أَنَّهَا نَاقِصَة وعَلى الْخَسْف: خَبَرهَا ومناخة حَال. وَذكر مَا ورد على هَذَا الْجَواب.
والمخطئ هُوَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء.
قَالَ المرزباني فِي كتاب الموشح: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا الْفضل ابْن الْحباب حَدثنَا بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني حَدثنَا الْأَصْمَعِي سَمِعت أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: أَخطَأ ذُو الرمة فِي قَوْله: حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... الْبَيْت فِي إِدْخَاله إِلَّا بعد قَوْله: مَا تنفك ... قَالَ الصولي: وَحدثنَا مُحَمَّد بن سعيد الْأَصَم وَأحمد بن يزِيد قَالَا: حَدثنَا يزِيد المهلبي عَن إِسْحَاق الْموصِلِي أَنه كَانَ ينشد هَذَا الْبَيْت لذِي الرمة: حراجيج مَا تنفك آلا مناخة
(فَلم تهبط على سفوان حَتَّى ... طرحن سخالهن وصرن آلا)
وعَلى هَذَا يكون آل: خبر تنفك ومناخة: صفته وَأَنت الصّفة
(9/248)

لِأَن الشَّخْص مِمَّا يؤنث وَيذكر.
فرواية: إِلَّا بِالتَّشْدِيدِ غلط من الرَّاوِي لَا من الْقَائِل.
وَيرد عَلَيْهِ أَن ذَا الرمة لما قَرَأَ الْبَيْت عِنْد ابْن الْعَلَاء غلطه فِيهِ بِمَا ذكره النحويون.
وَقَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر: إِن ذَا الرمة لما عيب عَلَيْهِ قَوْله مَا تنفك إِلَّا مناخة فطن لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا قلت: آلا مناخة أَي: شخصا. وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف: ألال: الشَّخْص. يُقَال: هَذَا آل قد بدا أَي: شخص. وَبِه سمي الْآل لِأَنَّهُ يرفع الشخوص أول النَّهَار وَآخره.)
وَبِه يضمحل توقف ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي فِي قَوْله بَقِي شَيْء وَهُوَ أَن صَاحب الْقَامُوس على تبحره لم يذكر مَجِيء الْآل بِمَعْنى الشَّخْص. انْتهى.
وخرجه الْمَازِني كَمَا قَالَ ابْن يعِيش على زِيَادَة إِلَّا وَتَبعهُ أَبُو عَليّ فِي القصريات وَقَالَ: إِلَّا هَاهُنَا زَائِدَة لَوْلَا ذَلِك لم يجز هَذَا الْبَيْت لِأَن تنفك فِي معنى تزَال وَلَا يزَال لَا يتَكَلَّم بِهِ إِلَّا منفياً عَنْهَا. انْتهى.
وَنسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا التَّخْرِيج إِلَى الْأَصْمَعِي وَابْن جني قَالَ: وَحمل عَلَيْهِ ابْن مَالك أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً بأَهْله
وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظ: وَمَا الدَّهْر إِلَّا. ثمَّ إِن ثبتَتْ رايته فتتخرج على
(9/249)

أَن أرى جَوَاب لقسم مُقَدّر وحذفت لَا كحذفها فِي: تالله تفتؤ وَدلّ على ذَلِك الِاسْتِثْنَاء المفرغ. انْتهى.
وَلم يذكر ابْن عُصْفُور غَيره وَغير احْتِمَال التَّمام لكنه جعله من الضرائر. قَالَ: وَمِنْهَا زِيَادَة إِلَّا فِي قَوْله: أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً ... ... ... ... الْبَيْت هَكَذَا رَوَاهُ الْمَازِني يُرِيد: يرى الدَّهْر منجوناً. وَكَذَلِكَ جعلهَا فِي قَول الآخر: الْبَسِيط
(مَا زَالَ مذ وجفت فِي كل هاجرة ... بالأشعث الْورْد إِلَّا وَهُوَ مهموم)
يُرِيد: هُوَ مهموم فَزَاد إِلَّا وَالْوَاو فِي خبر زَالَ.
وَفِي قَول الآخر: الطَّوِيل
(وَكلهمْ حاشاك إِلَّا وجدته ... كعين الكذوب جَحدهَا واحتفالها)
يُرِيد: وَكلهمْ حاشاك وجدته.
وَفِي قَول ذِي الرمة: حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... . الْبَيْت
(9/250)

وَيحْتَمل أَن يَجْعَل زَالَ وتنفك تامتين وَتَكون إِلَّا دَاخِلَة على الْحَال. وَكَذَلِكَ تجْعَل إِلَّا فِي قَوْله: وَكلهمْ حاشاك إِلَّا وجدته إِيجَابا للنَّفْي الَّذِي يُعْطِيهِ معنى الْكَلَام أَي: مَا مِنْهُم أحد حاشاك إِلَّا وجدته. وَعَلِيهِ حمله الْفراء. وَأما أرى الدَّهْر إِلَّا منجنوناً فَلَا تكون إِلَّا فِيهِ إِلَّا زَائِدَة. انْتهى.
وَقد رَأَيْت تَخْرِيج ابْن هِشَام بَيت المنجون.)
وَأول من ذهب إِلَى أَن تنفك فِي بَيت ذِي الرمة تَامَّة هُوَ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله: لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين حَتَّى تأتيهم الْبَيِّنَة: قد يكون الانفكاك على جِهَة يزَال وَيكون على الانفكاك الَّذِي تعرفه.
فَإِذا كَانَت على جِهَة يزَال فَلَا بُد لَهَا من فعل وَأَن يكون مَعهَا جحد فَتَقول: مَا انفككت أذكرك تُرِيدُ: مَا زلت أذكرك. فَإِذا كَانَت على غير معنى يزَال قلت: قد انفككت مِنْك وانفك الشَّيْء من الشَّيْء فَيكون بِلَا جحد وَبلا فعل.
وَقد قَالَ ذُو الرمة: قَلَائِص لَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... الْبَيْت فَلم يدْخل فِيهَا إِلَّا إِلَّا وَهُوَ يَنْوِي بهَا التَّمام وَخلاف يزَال لِأَنَّك لَا تَقول: مَا زلت إِلَّا قَائِما.
وَنسبه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف إِلَى الْكسَائي قَالَ: وَهَذَا الْوَجْه رَوَاهُ هِشَام عَن الْكسَائي.
(9/251)

وَبِمَا ذكرنَا يعلم أَن قَول الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: وخرجه قوم مِنْهُم على أَنَّهَا نَاقِصَة خلاف الْوَاقِع. وتنفك على هَذَا مُطَاوع فكه إِذا خلصه أَو فَصله.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي حَوَاشِي الْمفصل: وَفِي تَصْحِيح الْبَيْت وجيه وَهُوَ أَن يُرِيد لَا تنفك عَن أوطائها أَي: لَا تنفصل عَنْهَا إِلَّا وَلها بعد الِانْفِصَال هَاتَانِ الحالتان: إِمَّا الإناخة على الْخَسْف فِي المراحل أَو السّير فِي الْبَلَد القفر. انْتهى.
وَبِهَذَا يظْهر قَول الشَّارِح الْمُحَقق: مناخة حَال ونرمي مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْن عقيل والمرادي فِي شرحيهما للتسهيل: كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تتخلص أَو مَا تنفصل علن السّير إِلَّا فِي حَال إناختها على الْخَسْف وَهُوَ حَبسهَا على غير علف.
يُرِيد أَنَّهَا تناخ معدة للسير عَلَيْهَا فَلَا ترسل من أجل ذَلِك فِي المرعى. وأَو بِمَعْنى إِلَى وَسكن الْيَاء للضَّرُورَة. انْتهى.
وَالْوَجْه الأول أوجه. والخسف بِفَتْح الْمُعْجَمَة: النقيصة يُقَال: رَضِي بالخسف أَي: بالنقيصة.
وَبَات على الْخَسْف أَي: جائعاً. ورطبت الدَّابَّة على الْخَسْف أَي: على غير علف. وعَلى بِمَعْنى مَعَ.
تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع يُرِيد أَن الإناخة إِنَّمَا تكون على الْعلف فَجعل الْخَسْف بَدَلا مِنْهُ كَمَا جعل الضَّرْب الوجيع بَدَلا)
من التَّحِيَّة. ونرمي بالنُّون مَعَ الْبناء للمعلوم ويروى: يرْمى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة مَعَ الْبناء للْمَفْعُول.
وَبهَا:
(9/252)

نَائِب الْفَاعِل وبلداً ظرف للرمي وَهُوَ بِمَعْنى الْمَكَان وَالْأَرْض لَا بِمَعْنى الْمَدِينَة.
والحرجوج كعصفور: النَّاقة الضامر قَالَه أَبُو زيد. وَقد روى مُناخة بِالرَّفْع أَيْضا.
قَالَ ابْن المستوفي: قَالَ أَبُو الْبَقَاء: رُوِيَ مناخة بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَمَوْضِع الْجُمْلَة حَال وَبِالنَّصبِ على الْحَال وَتَكون تنفك تَامَّة.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف.
وَأم التَّخْرِيج الثَّانِي من التخريجين اللَّذين ذكرهمَا الشَّارِح الْمُحَقق فَهُوَ للأخفش أبي الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْمُجَاشِعِي قَالَ فِي كتاب المعاياة: أَرَادَ: لَا تنفك على الْخَسْف أَو نرمي بهَا بَلَدا قفراً إِلَّا وَهِي مناخة لِأَنَّهُ لَا يجوز لَا تنفك إِلَّا مناخة كَمَا لَا تقولك لَا تزَال إِلَّا مناخة. انْتهى.
وَقد تبعه على هَذَا جمَاعَة مِنْهُم الزّجاج. قَالَ ابْن جني فِي بعض أَجْزَائِهِ: وَقد قَالَ فِيهِ بعض أَصْحَابنَا قولا أرَاهُ أَبَا إِسْحَاق وَرَأَيْت أَبَا عَليّ قد أَخذ بِهِ وَهُوَ ن يَجْعَل خبر مَا تنفك الظّرْف كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تنفك على الْخَسْف وَنصب مناخة على الْحَال وَقدم إِلَّا عَن موضعهَا.
وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن وَالشعر نقل إِلَّا عَن موضعهَا. انْتهى.
وَمِنْهُم أَبُو الْبَقَاء قَالَ: يجوز أَن تكون تنفك النَّاقِصَة وَيكون على الْخَسْف الْخَبَر أَي: مَا تنفك على الْخَسْف إِلَّا إِذا أنيخت. وَعَلِيهِ الْمَعْنى. انْتهى.
(9/253)

وَقد رده جمَاعَة مِنْهُم صَاحب اللّبَاب وَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الأسفرايني الْمَعْرُوف بِالْفَضْلِ قَالَ فِيهِ: وخطئ ذُو الرمة فِي قَوْله: حراجيج لَا تنفك إِلَّا مناخة والاعتذار بجعله حَالا وعَلى الْخَسْف خَبرا ضَعِيف لما أَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ قَلما يَجِيء فِي الْإِثْبَات وَيقدر المستثني مِنْهُ بعده. وَتَقْدِير التَّمام فِي تنفك أحسن مِنْهُ. وَالله أعلم. انْتهى.
قَالَ شَارِحه الفالي: مَعْنَاهُ أَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ فِي الْإِثْبَات قَلِيل. وَبعد تَسْلِيمه إِنَّمَا يَأْتِي إِذا قدر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ قبله لفظا وَهَاهُنَا يقدر بعده لِأَن قَوْله إِلَّا مناخة مُسْتَثْنى من أَحْوَال الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي على الْخَسْف أَي: مَا تنفك مهانة مظلومة فِي جَمِيع الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال الإناخة.
وَذَلِكَ غير مَعْهُود فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ فَإِن أَعم الْعَام فِي الِاسْتِثْنَاء المفرغ يقدر قبله لَا بعده)
فَإنَّك إِذا قلت: مَا ضربت إِلَّا رَاكِبًا فالتقدير: مَا ضربت فِي حَال من الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال وَلذَا جَازَ فِي الْإِثْبَات نَحْو: قَرَأت إِلَّا يَوْم كَذَا التَّقْدِير: قَرَأت فِي جَمِيع الْأَيَّام إِلَّا يَوْم كَذَا.
فالمستثنى مِنْهُ يقدر قبل الِاسْتِثْنَاء لَا بعده. انْتهى.
وَمِنْهُم الشَّارِح الْمُحَقق كَمَا حَرَّره.
وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: قَالَ جمَاعَة كَثِيرَة: هِيَ نَاقِصَة وَالْخَبَر على الْخَسْف ومناخة: حَال. وَهَذَا فَاسد لبَقَاء الْإِشْكَال إِذْ لَا يُقَال: جَاءَ زيد إِلَّا رَاكِبًا. انْتهى.
وَقَول أبي الْبَقَاء: وَعَلِيهِ الْمَعْنى مَرْدُود فَإِن الحالية سَوَاء نصبت مناخة أَو رفعتها كَمَا رُوِيَ بِتَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة حَال
(9/254)

يكون التَّقْدِير فِيهَا: هِيَ مستمرة على الْخَسْف فِي كل حَال إِلَّا حَال الإناخة فَإِنَّهَا تكون حِينَئِذٍ ذَات رَاحَة. وَهَذَا غير مُرَاد الشَّاعِر إِذْ مُرَاده وصف هَذِه الْإِبِل بِأَنَّهَا لَا تتخلص من تَعب إِلَّا إِلَى مثله فَلَيْسَ لَهَا حَال رَاحَة أصلا.
وسيبويه قد أورد هَذَا الْبَيْت فِي بَاب أَو الَّتِي ينْتَصب بعْدهَا الْمُضَارع بإضمار أَن قَالَ: وَلَو رفعت لَكَانَ عَرَبيا جَائِزا على وَجْهَيْن: على أَن تشرك بَين الأول وَالْآخر وعَلى أَن يكون مَقْطُوعًا من الأول. قَالَ تَعَالَى: ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ إِن شِئْت كَانَ على الْإِشْرَاك وَإِن شِئْت كَانَ على: أَو وهم يسلمُونَ.
وَقَالَ ذُو الرمة: فَإِن شِئْت كَانَ على لَا تنفك ترمي أَو على الِابْتِدَاء. انْتهى.
يُرِيد بِالْأولِ الْعَطف على خبر تنفك وَبِالثَّانِي الْقطع.
قَالَ النّحاس: سَأَلت عَنهُ عليا يَعْنِي الْأَخْفَش الصَّغِير فَقَالَ: لَك أَن تجْعَل
نرمي مَعْطُوفًا وَلَك أَن تقطعه وَلَك أَن تقدر أَو بِمَعْنى إِلَى أَن وتسكن الْيَاء فِي مَوضِع نصب.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة يُقَال لَهَا: أحجية الْعَرَب. وأولها:
(لقد جشأت نَفسِي عَشِيَّة مشرف ... وَيَوْم لوى حزوى فَقلت لَهَا: صبرا)
(نَحن إِلَى مي كَمَا حن نَازع ... دَعَاهُ الْهوى فارتاد من قَيده قصرا)
(9/255)

جشأت: نهضت. ومشرف وحزوى: موضعان. واللوى: مُنْقَطع الرمل. وصبرا: اصْبِرِي.
والنازع: الْبَعِير يحن إِلَى وَطنه. فارتاد من قَيده قصراً أَي: طلب السعَة فَوَجَدَهُ مَقْصُورا.
وَيُقَال: ارتاد جدباً وارتاد خَبرا أَي: طلب الخصب فَوَقع على جَدب. إِلَى أَن قَالَ:)
(فيا مي مَا أَدْرَاك أَيْن مناخنا ... معرقة الألحي يَمَانِية سجرا)
(قد اكتفلت بالحزن واعوج دونهَا ... ضوارب من خفان مجتابة سدرا)
حراجيج مَا تنفك إِلَّا مناخة ... ... ... ... ... الْبَيْت
(أنخن لتعريس قَلِيل فصارف ... يُغني بنابيه مطلحة صعرا)
معرقة الألحي: قَليلَة لحم الألحي جمع لحي. وَإِذا كثر لحم لحيها فَهُوَ عيب. يُقَال: نَاقَة سجراء: تضرب إِلَى الْحمرَة.
وَقَوله: قد اكتفلت بالحزن أَي: صيرت النَّاقة الْحزن خلفهَا كَالرّجلِ الَّذِي يركب الكفل فَإِنَّمَا يركب على أقْصَى الكفل كَمَا تَقول: اكتفلت النَّاقة أَي: ركبت مَوضِع الكفل من النَّاقة.
والحزن: مَا غلظ من الأَرْض. والضارب: منخفض كالوادي. وخفان:
مَوضِع. ومجتابة سدراً أَي: لابسة سدراً. واعوج يَعْنِي: الضوارب لَيست على جِهَة النَّاقة.
والحراجيج: الضمر. والخسف: الْجُوع وَهُوَ ن تبيت على غير علف والتعريس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل. وصارف أَي: فبعضها صَارف
(9/256)

يصرف بنابيه من الضجر والجهد. ومطلحة: معيية.
وصعر: فِيهَا ميل من الْجهد والهزال.
وَهَذَا نقلته من شرح ديوانه.
وترجمته تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع على أَن جعل الضَّرْب الوجيع كالتحية كَمَا جعل الْخَسْف كالأرض الَّتِي يناخ عَلَيْهَا.
يُرِيد أَن الْخَسْف جعل بَدَلا من الأَرْض كَمَا أَن الضَّرْب جعل بَدَلا من التَّحِيَّة
وَلَا يُرِيد أَنَّهُمَا من بَاب التَّشْبِيه فَإِنَّهُ غير صَحِيح فيهمَا فَإِن الأول لَيْسَ فِيهِ من أَرْكَان التَّشْبِيه غير الْخَسْف وَلَا يُقَال لمثله إِلَّا اسْتِعَارَة وَإِن كَانَ أَصله التَّشْبِيه. فَإِن كَانَ الْمُشبه بِهِ مَذْكُورا والمشبه غير مَذْكُور فَهُوَ اسْتِعَارَة تصريحية وَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ فَهُوَ استعالة بِالْكِنَايَةِ.
والخسف وَإِن أمكن أَن يَجْعَل من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ لكنه لما شبه بِمَا بعده علم أَن مُرَاده أَنه من بَاب التنويع كَمَا يَأْتِي بَيَانه.
وَأم الثَّانِي فَهُوَ لَيْسَ من التَّشْبِيه قطعا
(9/257)

إِذْ الْمَعْهُود فِي مثله أَن يشبه الأول بِالثَّانِي لَا الْعَكْس إِذْ لَا يُقَال فِي زيد أَسد: إِن أسداً مشبه بزيد. وَلم يجيزوا أَيْضا أَن تشبه التَّحِيَّة بِالضَّرْبِ لِأَنَّهُ من بَاب التنويع وَهُوَ من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر وَهُوَ ادِّعَاء أَن مُسَمّى اللَّفْظ نَوْعَانِ: مُتَعَارَف وَغير مُتَعَارَف. على طَرِيق التخييل بِأَن ينزل مَا يَقع فِي موقع شَيْء بَدَلا عَنهُ. مَنْزِلَته بِدُونِ تَشْبِيه وَلَا اسْتِعَارَة سَوَاء كَانَ بطرِيق الْحمل كَقَوْلِه: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
على معنى أنيسها اليعافير. أَي: إِن كَانَ يعد أنيساً فَلَا أنيس إِلَّا هُوَ. أَو بدونهما كَقَوْلِه: الْكَامِل
(غضِبت حنيفَة أَن تقتل عَامر ... يَوْم النسار فأعقبوا بالصيلم)
أَي: إِنَّهُم لما طلبُوا إِلَيْنَا العتبى وَضعنَا لَهُم السِّلَاح مَكَانهَا. وَهَذَا تهكم. والصيلم: الداهية.
وَحَيْثُ أطلق التنويع فَالْمُرَاد بِهِ هَذَا كَمَا تراهم يَقُولُونَ: من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع
(9/258)

فيجعلون الْمِثَال أساساً وَقَاعِدَة وَلَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء لِأَن طَرفَيْهِ مستعملان فِي حقيقتهما وَلَا تَشْبِيها كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بل التَّشْبِيه يعكس مَعْنَاهُ ويفسده.
قَالَ الشَّيْخ فِي دَلَائِل الإعجاز: اعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يكون سَبِيل قَوْله: الطَّوِيل)
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه سَبِيل قَوْلهم: عتابه السَّيْف. وَذَلِكَ لِأَن الْمَعْنى فِي بَيت أبي تَمام على أَنَّك تشبه شَيْئا بِشَيْء لجامع بَينهمَا فِي وصف. وَلَيْسَ الْمَعْنى فِي عتابك السَّيْف على أَنَّك تشبه عتابه بِالسَّيْفِ بَدَلا من العتاب.
أَلا ترى أَنه يَصح أَن تَقول: مداد قلمه قَاتل كسم الأفاعي وَلَا يَصح أَن تَقول: عتابك كالسيف اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تخرج إِلَى بَاب آخر وَشَيْء لَيْسَ هُوَ غرضهم بِهَذَا الْكَلَام فتريد أَنه قد عَاتب عتاباً خشناً مؤلماً.
ثمَّ إِنَّك إِذا قلت السَّيْف عتابك خرجت بِهِ إِلَى معنى ثَالِث وَهُوَ أَن تزْعم
أَن عتابه قد بلغ فِي إيلامه وَشدَّة تَأْثِيره مبلغا صَار لَهُ السَّيْف كَأَنَّهُ لَيْسَ بِسيف. انْتهى.
وَلَيْسَ هَذَا من قبيل التَّشْبِيه الَّذِي ذكر مَعَه مَا يحل دُخُول أَدَاة التَّشْبِيه كَقَوْلِه: الْكَامِل أَسد دم الْأسد الهزبر خضابه
(9/259)

فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى التَّصْرِيح بأداة التَّشْبِيه لدلَالَة التَّشْبِيه على أَنه دون الْأسد وَدلَالَة الْوَصْف على أَنه فَوْقه. فالوصف مَانع. وَأما هُنَا فالتشبيه يعكس الْمَعْنى المُرَاد. وَأَيْضًا فَإِن الْمَقْصُود نفي مَا صدر بِهِ يَعْنِي لَا تَحِيَّة بَينهم. والتشبيه لَا يُفِيد هَذَا الْمَعْنى.
وَلَيْسَ الشَّيْخ أَبَا عذرة هَذَا بل صرح بِهِ النُّحَاة مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ وَقد فَصله فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء من كِتَابه وَنَقله ابْن عُصْفُور وَابْن الطراوة قَالُوا: إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر معرفتين إِمَّا أَن تكون إِحْدَاهمَا قَائِمَة مقَام الْأُخْرَى أَو مشبهة بهَا أَو هِيَ نَفسهَا.
فَإِن كَانَت قَائِمَة مقَامهَا كَانَ الْخَبَر مَا تُرِيدُ إثْبَاته نَحْو قَول عبد الْملك بن مَرْوَان: كَانَ عُقُوبَتك وَلَو قلت: كَانَ عزلك عُقُوبَتك كَانَ معاقباً لَا معزولاً وَلَو قلت: كَانَ زُهَيْر زيدا أثبت التَّشْبِيه لزهير بزيد.
قَالَ ابْن الطراوة: وَقد غلط فِي هَذَا أجلة من الشُّعَرَاء مِنْهُم المتنبي فِي قَوْله: الطَّوِيل
(ثِيَاب كريم مَا يصون حسانها ... إِذا نشرت كَانَ الهبات صوانها)
فذمه وَهُوَ يرى أَنه مدحه. أَلا ترى أَنه أثبت الصون وَنفى الهبات كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يقوم لَهَا مقَام الهبات أَن تصان. وَقد أُجِيب عَن المتنبي.
(9/260)

فَإِذا لم يكن فِي شَيْء من أَطْرَافه تجوز وَلم يقْصد التَّشْبِيه فَهُوَ حَقِيقَة يَجْعَل بدل الشَّيْء الْقَائِم)
مقَامه فَردا مِنْهُ ادِّعَاء. فالتصرف فِي النِّسْبَة.
أَلا ترى لَو قلت إِن كَانَ الضَّرْب تَحِيَّة فَهُوَ تحيتهم كَانَ حَقِيقَة قطعا. فَجعل الْغَرَض الْمُقدر كَالظَّاهِرِ وَهُوَ نوع على حجَّة من خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر.
وَأما وَجه بلاغته وعَلى مَاذَا يدل فقد حَقَّقَهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي مَوَاضِع: مِنْهَا انه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الْآيَة. هُوَ من بَاب: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع وَمَا ثَوَابه إِلَّا السَّيْف. وَبَيَانه أَن يُقَال: هَل لزيد مَال وبنون فَتَقول: مَاله وَبَنوهُ سَلامَة قلبه. تُرِيدُ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِنَّه يدل على إِثْبَات النَّفْي فَمَعْنَى: لَيْسَ بهَا أنيس إِلَّا اليعافير أَي: إِنَّه لَا أنيس بهَا قطعا. لِأَنَّهُ جعل أنيسها اليعافير دون غَيرهَا. وَهِي لَيست بأنيس قطعا. فَدلَّ على أَنه لَا أنيس بهَا.
وَهُوَ قريب مِمَّا لَو قلت: إِن كَانَت اليعافير أنيساً فَإِنَّهَا أنيس. وَوجه دلَالَته على إِثْبَات النَّفْي أَنه استعملته الْعَرَب مرَادا بِهِ الْحصْر فَإِن الْكَلَام قد يدل عَلَيْهِ نَحْو: الْجواد زيد وَالْكَرم فِي
(9/261)

الْعَرَب وَشر أهر ذَا نَاب. وَلذَا ذكره النُّحَاة فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء. والحصر الملاحظ فِيهِ جَار على نهج الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَنَّهُ من التنويع عِنْد
الْخَلِيل. فعلى هَذَا وضح إفادته ثبات النَّفْي وَظهر عدم التَّجَوُّز فِي مفرداته وَأَنه لَا يتَصَوَّر فِيهِ التَّشْبِيه.
وَأما قَوْله فِي الْمَائِدَة فِي تَفْسِير: بشر من ذَلِك مثوبة فَإِن قلت: المثوبة مُخْتَصَّة بِالْإِحْسَانِ فَكيف جَاءَت فِي الْإِسَاءَة قلت: وضعت المثوبة مَوضِع الْعقُوبَة على طَريقَة قَوْله: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع وَمِنْه: فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم. انْتهى.
فمراده أَن الْآيَة من بَاب الإيجاز وَأَن فِي الْكَلَام تنويعاً مُقَدرا. وَهَذَا تَفْرِيع مَبْنِيّ عَلَيْهِ.
وَالتَّقْدِير: إِن نقمتم مِنْهُم وادعيتم لَهُم الْعقُوبَة فعقوبتهم المثوبة. وَقد صرح فِي سُورَة مَرْيَم وَقَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا فَإِن قل: كَيفَ قيل خير ثَوابًا كَأَن لمفاخراتهم ثَوابًا حَتَّى يَجْعَل ثَوَاب الصَّالِحَات خيرا مِنْهُ قلت: كَأَنَّهُ قيل: ثوباهم النَّار على طَريقَة قَوْله:
(9/262)

فأعتبوا بالصيلم)
وَقَوله: تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع ثمَّ بني عَلَيْهِ خير ثَوابًا. وَفِيه ضرب من التهكم الَّذِي هُوَ أَغيظ للمتهدد من أَن يُقَال لَهُ: عقابك النَّار. انْتهى.
وَالْمرَاد أَن بعض التنويع قد يسْتَعْمل فِي مقَام التهكم. وَقد صرح بِهِ ابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة للصاحبي فِي بَاب مَا يجْرِي مجْرى التهكم والهزء فَقَالَ: وَمن هَذَا الْبَاب أَتَانِي فقريته جفَاء وأعطيته حرما.
وَقَول الفرزدق: قريناهم المأثورة الْبيض انْتهى.
وَقد يسْتَعْمل بِدُونِهِ كَمَا فِي قَوْله: يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الْآيَة. وَفِي الحَدِيث: من كَانَ لَهُ إِمَام فقراءة الإِمَام قِرَاءَة لَهُ وَقد فسر بِهَذَا الْمَعْنى وَلَا يُمكن فِيهِ التهكم.
وَهَذَا المصراع عجز وصدره:
(وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع)
(9/263)

وَالْخَيْل: اسْم جمع الْفرس لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَالْمرَاد بِهِ الفرسان كَمَا فِي قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: يَا خيل الله ارْكَبِي. وَأَرَادَ بِالْخَيْلِ الأول خيل الْأَعْدَاء وَبِالثَّانِي خيله وَالضَّمِير فِي بنهم للخيلين.
ودلفت: دَنَوْت وزحفت من دلف الشَّيْخ من بَاب ضرب إِذا مَشى مشياً لينًا. وَالْبَاء للتعدية أَي: جَعلتهَا دالفة إِلَيْهَا. فَاللَّام بِمَعْنى إِلَى. وتحية مُضَاف
وَبينهمْ مُضَاف إِلَيْهِ مجرور بِكَسْر النُّون لِأَنَّهُ ظرف متصرف وَلَو فتح كَانَ مَبْنِيا لِإِضَافَتِهِ للمبني.
وَزعم ميربادشاه فِي حَاشِيَة الْبَيْضَاوِيّ أَن مَعْنَاهُ إِن ضَربهمْ الوجيع كتحية بَينهم على التَّشْبِيه البليغ المقلوب. وَقد بَينا بُطْلَانه.
وَوصف الضَّرْب بالوجيع مجَازًا. وَيجوز أَن يكون وجيع بِمَعْنى موجع وَالْمعْنَى رب خيل للأعداء أَقبلت عَلَيْهِم بخيل أُخْرَى كَانَ التَّحِيَّة بَينهم ضربا وجيعاً أَي: كَانَ مَكَان التَّحِيَّة هَذَا وَقد أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ: جعلُوا الضَّرْب تَحِيَّة كَمَا جعلُوا اتِّبَاع الظَّن علمهمْ.)
وَأوردهُ ثَانِيًا فِي بَاب أَو وَقَالَ: الْعَرَب تَقول: تحيتك الضَّرْب وعتابك السَّيْف وكلامك الْقَتْل.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ جعل الضَّرْب تَحِيَّة على الاتساع الْمُقدم ذكره. وَإِنَّمَا ذكر هَذَا تَقْوِيَة لجَوَاز الْبَدَل فِيمَا لم يكن من جنس الأول.
(9/264)

يَقُول: إِذا تلاقوا فِي الْحَرْب جعلُوا بَدَلا من تَحِيَّة بَعضهم لبَعض الضَّرْب الوجيع.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه شرَّاح أَبْيَات الْكتاب وَغَيرهم إِلَى عَمْرو بن معد يكرب الصَّحَابِيّ وَلم أره فِي شعره.
وَالْعجب من شَيخنَا الشهَاب الخفاجي أَنه نسبه إِلَيْهِ فِي حَاشِيَة الْبَيْضَاوِيّ وَقَالَ: هُوَ من قصيدة مسطورة لَهُ فِي المفضليات مَعَ أَنه غير مَوْجُود شعره فِي المفضليات لَا من كَثِيره وَلَا من قَلِيله.
قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة فِي بَاب السرقات الشعرية: وَمِمَّا يعد سرقاً وَلَيْسَ بسرق اشْتِرَاك اللَّفْظ الْمُتَعَارف كَقَوْل عنترة: الوافر
(وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... عَلَيْهَا الْأسد تهتصر اهتصارا)
وَقَول عَمْرو بن معد يكرب: الوافر وَقَول الخنساء ترثي أخاها صخراً: الوافر وخيل قد دلفت لَهَا بخيل فدارت بَين كبشيها رحاها وَقَول الْأَعرَابِي: الوافر
(وخيل قد دلفت لَهَا بخيل ... ترى فرسانها مثل الْأسود)
وأمثال هَذَا كثير. انْتهى.
(9/265)

وَإِن يكن الْبَيْت لعَمْرو بن معد يكرب فقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: الرجز
إِذْ ذهب الْقَوْم الْكِرَام ليسي على أَن لَيْسَ لنُقْصَان فعليتها جَازَ ترك نون الْوِقَايَة مَعهَا.
وصدره: عددت قومِي كعديد الطيس)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالتسْعين بعد الثلمائة.
وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَهَذَا صدر وعجزه: ثَلَاثًا وَمن يخرق أعق وأظلم على أَن جملَة: وَالطَّلَاق ألية من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر اعتراضية.
وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
وكوني بالمكارم ذكريني على أَنه جَاءَ خبر كَانَ جملَة طلبية. وَهَذَا مُخْتَصّ بالشعر.
وَالْمعْنَى: كوني مذكرة بالمكارم وَلَيْسَ يُرِيد كوني بالمكارم. يُقَوي ذَلِك قَوْله قبله: ...
(9/266)

(أَلا يَا أم فارع لَا تلومي ... على شَيْء رفعت بِهِ سَمَاعي)
(وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دلّ ماجدة صناع)
فَالْمَعْنى: لَا تلوميني على شَيْء رفعت بِهِ صيتي وذكري وذكريني بِهِ.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضَّرُورَة: جعل ذكريني فِي مَوضِع مذكرة وَهُوَ قَبِيح لِأَن فعل الْأَمر لَا يقوم مقَام الْخَبَر فِي بَاب كَانَ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِأَن كوني أَمر فِي اللَّفْظ ومحصول الْأَمر مِنْهُ لَهَا إِنَّمَا وَقع على التَّذْكِير فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَعْنى أمرا لَهَا بتذكيره اسْتعْمل فِيهِ لفظ الْأَمر. انْتهى.
وَقَالَ السكرِي فِيمَا كتب على نَوَادِر أبي زيد: الْمَعْنى: وصيري مذكرة لي بالمكارم. وَتَقْدِيره فِي الْعَرَبيَّة رَدِيء لَو قلت: يَا فلَان كن بِغُلَام بشرني لم يجز. وَهُوَ يُرِيد يَا أم فارعة فَحذف الْهَاء اسْتِخْفَافًا وَذَلِكَ شَاذ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنادى إِنَّمَا المنادى الْأُم.
والصناع بِفَتْح الصَّاد: الرفيقة الْكَفّ. والماجدة: الْكَرِيمَة. يَقُول:
اضبطي دلالك بِمَنْفَعَة وصنعة وَلَا تَكُونِي خرقاء لَا تَنْفَع أَهلهَا. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو زيد: قَوْله: سَمَاعي أَي ذكري وَحسن الثَّنَاء عَليّ. ودلي بِفَتْح الدَّال من دلّت تدل ودللت أَنا أدل مثل خجلت أخجل. انْتهى.)
(9/267)

قَالَ ابْن عقيل: الدل قريب الْمَعْنى من الْهَدْي وهما من السكينَة وَالْوَقار فِي الْهَيْئَة والمنظر وَالشَّمَائِل وَغير ذَلِك. قَالَه أَبُو عُبَيْدَة. والصناع: الماهرة الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ.
وَقَالَ الْأَخْفَش فِي حَوَاشِيه على النَّوَادِر: قَوْله: كوني بالمكارم ذكريني تَقْدِيره: كوني مِمَّن أَقُول لَهُ ذَكرنِي إِذا سَهَوْت فَجرى هَذَا على الْحِكَايَة كَمَا قَالَ: أَرَادَ: سَمِعت قَائِلا يَقُول: النَّاس ينتجعون غيثاً فَحكى. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: جملَة: ذكريني مؤولة بِالْجُمْلَةِ الخبرية أَي: وكوني تذكرينني. انْتهى.
وَإِنَّمَا أَوله لما عرف من أَن شَرط خبر كَانَ إِذا كَانَت جملَة أَن تكون خبرية. وَقَالَ السخاوي: يجوز أَن يكون الْخَبَر محذوفاً وذكريني أمرا مستأنفاً أَي: كوني بالمكارم مذكرة ذكريني.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(قنافذ هداجون حول بُيُوتهم ... بِمَا كَانَ إيَّاهُم عَطِيَّة عودا)
على أَن كَانَ فِي الْبَيْت عِنْد الْبَصرِيين إِمَّا شأنية وَإِمَّا زَائِدَة فَيكون عَطِيَّة فِي الأول: مُبْتَدأ وعوداً: فعل مَاض وألفه للإطلاق وفاعله ضمير عَطِيَّة ومفعوله إيَّاهُم الْمُتَقَدّم على الْمُبْتَدَأ وَالْأَصْل عودهم فَلَمَّا
(9/268)

تقدم انْفَصل وَجُمْلَة: عودهم خبر الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة الْكُبْرَى أَعنِي عَطِيَّة عودهم فِي مَحل نصب خبر كَانَ وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد: وَيجوز أَن يكون اسْم كَانَ ضميراً مستتراً فِيهَا عَائِدًا على مَا الموصولة أَي: بِسَبَب الْأَمر الَّذِي كَانَ هُوَ عَطِيَّة عودهم إِيَّاه وَجُمْلَة: عَطِيَّة عودهم خبر كَانَ وَحذف الْعَائِد لِأَنَّهُ ضمير مَنْصُوب.
وَيجوز أَيْضا أَن يكون عَطِيَّة اسْم كَانَ وَتَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر للضَّرُورَة. وَهَذَا الْجَواب عِنْدِي أولى لاطراده فِي نَحْو قَوْله: الْبَسِيط
(باتت فُؤَادِي ذَات الْخَال سالبة ... فالعيش إِن حم لي عَيْش من الْعجب)
إِذْ الأَصْل: باتت ذَات الْخَال سالبة فُؤَادِي. وَلَا يجوز تَقْدِير ذَات مُبْتَدأ لنصب سالبة.
وَاعْترض على هَذِه الْأَوْجه بِأَن الْخَبَر الْفعْلِيّ لَا يسْبق الْمُبْتَدَأ فَكَذَا معموله. وَالْجَوَاب: أَن الْمَانِع من تَقْدِيم الْفِعْل خشيَة التباس الاسمية بالفعلية وَذَلِكَ مَأْمُون مَعَ تقدم الْمَعْمُول. انْتهى.)
وأوضحه فِي الْمُغنِي بقوله: ولانتفاء الْأَمريْنِ وهما تهيئة الْعَامِل للْعَمَل مَعَ قطعه وإعمال الضَّعِيف مَعَ إِمْكَان الْقوي جَازَ عِنْد الْبَصرِيين وَهِشَام تَقْدِيم مَعْمُول
الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ فِي نَحْو: زيد ضرب عمرا وَإِن لم يجز تَقْدِيم الْخَبَر.
وَقَالَ البصريون فِي نَحْو قَوْله: بِمَا كَانَ إيَّاهُم عَطِيَّة عودا إِن عَطِيَّة مُبْتَدأ وإياهم مفعول عود وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَاسْمهَا
(9/269)

ضمير الشَّأْن.
وَقد خفيت هَذِه النُّكْتَة على ابْن عُصْفُور فَقَالَ: هربوا من مَحْذُور وَهُوَ أَن يفصلوا بَين كَانَ وَاسْمهَا بمعمول خَبَرهَا فوقعوا فِي مَحْذُور آخر وَهُوَ تَقْدِيم مَعْمُول الْخَبَر حِين لَا يتَقَدَّم الْخَبَر. وَقد بَينا أَن امْتنَاع تقدم الْخَبَر فِي ذَلِك لِمَعْنى مَفْقُود فِي تقدم معموله. انْتهى.
وبهذه الْأَجْوِبَة يرد على الْكُوفِيّين قَوْلهم: يجوز أَن يَلِي كَانَ أَو إِحْدَى أخواتها مَعْمُول خَبَرهَا غير الظّرْف. وَاحْتَجُّوا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ. قَالَ ابْن النَّاظِم وَبِقَوْلِهِ: الْبَسِيط
(فَأَصْبحُوا والنوى عالي معرسهم ... وَلَيْسَ كل النَّوَى يلقِي الْمَسَاكِين)
وَقد خطأه ابْن هِشَام فِيهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمَسَاكِين اسْما لَكَانَ يجب أَن يُقَال: يلقون أَو تلقي وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ عِنْد الْفَرِيقَيْنِ مُسندَة إِلَى ضمير الشَّأْن.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق مَذْكُورَة فِي النقائض هجا بهَا جَرِيرًا.
وَقَوله: قنافذ هداجون: جمع قنفذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمُهْملَة وَهُوَ حَيَوَان مَعْرُوف يضْرب بِهِ الْمثل فِي سرى اللَّيْل يُقَال: أسرى من قنفذ. وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هم قنافذ. وَهَذَا تَشْبِيه بليغ كَمَا
(9/270)

حَقَّقَهُ السعد التَّفْتَازَانِيّ لَا اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ كَمَا توهم الْعَيْنِيّ مَعَ اعتراضه بِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ كَمَا ذكرنَا.
وهداجون: فعالون من الهدج بالإسكان والهدجان بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ السّير السَّرِيع. وَفعله كضرب. ويروى: دراجون من درج الصَّبِي وَالشَّيْخ وَفعله كدخل وَمَعْنَاهُ تقَارب الخطو بِمَنْزِلَة مشي الصَّبِي.
وعطية: أَبُو جرير. يَقُول: إِن رَهْط جرير كالقنافذ لمشيهم فِي اللَّيْل للسرقة والفجور وَإِن أَبَا جرير هُوَ الَّذِي عودهم ذَلِك.
وَقد هجاه الأخطل بِمثل هَذَا أَيْضا قَالَ من قصيدة: الْبَسِيط)
(أما كُلَيْب بن يَرْبُوع فَلَيْسَ لَهَا ... عِنْد التفاخر إِيرَاد وَلَا صدر)
(مخلفون وَيَقْضِي النَّاس أَمرهم ... وهم بِغَيْب وَفِي عمياء مَا شعروا)
(مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نَجْرَان أَو بلغت سوءاتهم هجر)
وترجمة الفرزدق قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
(9/271)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا على أَنه يجوز فِي بَاب كَانَ الْإِخْبَار عَن النكرَة الْمَحْضَة إِذا حصلت الْفَائِدَة كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله: فصيل اسْم دَامَ. وَحيا خَبَرهَا وحصلت الْفَائِدَة من تَقْدِيم فِيهِنَّ وَهُوَ مُتَعَلق بالْخبر وَلَو حذفت فِيهِنَّ انْقَلب الْمَعْنى لِأَنَّك إِذا قلت: مَا دَامَ فصيل حَيا فَالْمُرَاد أبدا كَمَا تَقول: مَا طلعت شمس وَمَا ناح قمري. فَلَمَّا لم تتمّ الْفَائِدَة إِلَّا بِهِ حسن تَقْدِيمه لمضارعته الْخَبَر فِي الْفَائِدَة.
وَمثله قَوْله تَعَالَى: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فَإِن قَوْله: لَهُ وَإِن لم يكن خَبرا فَإِنَّهُ بِهِ يتم الْمَعْنى لِأَن سُقُوطهَا يبطل معنى الْكَلَام إِلَى ذكر لَهُ صَار بِمَنْزِلَة الْخَبَر الَّذِي لَا يسْتَغْنى عَنهُ وَإِن لم يكن خَبرا.
وَلم يكن بِمَنْزِلَة قَوْله: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك لِأَنَّك لَو حذفت فِيهَا كَانَ كلَاما صَحِيحا.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الْإِخْبَار عَن النكرَة بالنكرة وأمثلته فِي كَانَ
وَأَخَوَاتهَا قَالَ فِيهِ: وَتقول: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك وَمَا كَانَ أحد مثلك فِيهَا وَلَيْسَ أحد فِيهَا خير مِنْك إِذا جعلت
(9/272)

فِيهَا مُسْتَقرًّا وَلم تَجْعَلهُ على قَوْلك: فِيهَا زيد قَائِم أجريت الصّفة على الِاسْم.
فَإِن جعلته على قَوْلك: فِيهَا زيد قَائِم نصبتها تَقول: مَا كَانَ فِيهَا أحد خيرا مِنْك وَمَا كَانَ أحد خيرا مِنْك فِيهَا إِلَّا أَنَّك إِذا أردْت الإلغاء فَكلما أخرت الَّذِي تلغيه كَانَ أحسن.
وَإِذا أردْت أَن يكون مُسْتَقرًّا مكتفى بِهِ فَكلما قَدمته كَانَ أحسن لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَاملا فِي شَيْء قَدمته كَمَا تقدم أَظن وأحسب. وَإِذا ألغيته أَخَّرته كَمَا تؤخرهما لِأَنَّهُمَا ليسَا يعملان شَيْئا.
والتقديم هَاهُنَا وَالتَّأْخِير والإلغاء والاستقرار عَرَبِيّ جيد كثير. فَمن ذَلِك قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: وَلم)
يكن لَهُ كفوا أحد.
وَأهل الْجفَاء يَقُولُونَ: وَلم يكن كُفؤًا لَهُ أحد كَأَنَّهُمْ أخروها حَيْثُ كَانَت غير مُسْتَقِرَّة.
قَالَ الشَّاعِر: الرجز
(لتقربن قرباً جلذياً ... مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا)
وَقد دجا اللَّيْل فهيا هيا انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ ابْن يعِيش: سِيبَوَيْهٍ يُسَمِّي الظّرْف الْوَاقِع خَبرا: مُسْتَقرًّا لِأَنَّهُ يقدر باستقر وَإِن لم يكن خَبرا سَمَّاهُ لَغوا. وَتَقْدِيم الظّرْف وتأخيره إِذا كَانَ مُسْتَقرًّا جَائِز عِنْده وَإِنَّمَا يخْتَار تَقْدِيمه.
فَإِن قيل: فَمَا تصنع بقوله سُبْحَانَهُ: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد قدم الظّرْف
. مَعَ أَنه لَغْو قيل: لما كَانَت الْحَاجة ماسة وَالْكَلَام غير مستغن عَنهُ كَأَنَّهُ خبر مقدم لذَلِك.
أَلا ترى أَن قَوْله تَعَالَى: الله الصَّمد مُبْتَدأ وَخبر. وَقَوله: وَلم يكن لَهُ كفوا أحد مَعْطُوف عَلَيْهِ وَمَا عطف على الْخَبَر
(9/273)

كَانَ فِي حكم الْخَبَر فَلذَلِك لم يكن من الْعَائِد فِي قَوْله: لَهُ بُد لِأَن الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا افْتَقَرت إِلَى الْعَائِد. قَالَ: وَأهل الْجفَاء يَقُولُونَ: وَلم يكن كُفؤًا لَهُ أحد. أَرَادَ بِأَهْل الْجفَاء الْأَعْرَاب الَّذين لم يبالوا بِخَط الْمُصحف وَلم يعلمُوا كَيفَ هُوَ.
فَأَما قَوْله: مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل حَيا فَإِنَّهُ قدم الظّرْف هَاهُنَا وَإِن لم يكن مُسْتَقرًّا فَإِنَّهُ مُتَعَلق بالْخبر وَذَلِكَ لجَوَاز التَّقْدِيم عِنْده مَعَ أَنه قد تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَلَا يسوغ حذفه إِذْ حذفه يُغير الْمَعْنى وَيصير بِمَعْنى الْأَبَد كَقَوْلِك: مَا طلعت الشَّمْس. فَلَمَّا كَانَ الْمَعْنى مُتَعَلقا بِهِ صَار كالمستقر فقدمه لذَلِك. انْتهى.
وَقد أورد الشَّارِح الْمُحَقق هَذَا الْكَلَام فِي آخر الْبَحْث فِي الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ وَقَالَ: يجوز الْإِخْبَار عَن النكرَة فِي بَاب إِن وَفِي بَاب كن بالنكرة والمعرفة.
وَجوزهُ أَبُو حَيَّان فِي الأول دون الثَّانِي قَالَ فِي تَذكرته: نصب إِن وَأَخَوَاتهَا للنكرات لَا ينْحَصر وَقد أخبر بالمعرفة وَهَذَا غَرِيب وَلَا يجوز فِي الِابْتِدَاء وَلَا فِي كَانَ. حكى سِيبَوَيْهٍ: إِن قَرِيبا مِنْك زيد وَإِن بَعيدا مِنْك زيد.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ:
(9/274)

الطَّوِيل)
وَحكى: إِن ألفا فِي دراهمك بيض وَإِن بِالطَّرِيقِ أسداً رابض.
وَجَاز عِنْدِي أَن يكون الْمعرفَة خَبرا عَن النكرَة هُنَا لما كَانَ الْمَعْنى وَاحِدًا وَأَنه لما كَانَ فضلَة فَكَأَنَّهُ غير مُسْند إِلَيْهِ فَجَاز تنكيره وَلما كَانَ الْخَبَر مَرْفُوعا صَار كَأَنَّهُ مُسْند إِلَيْهِ فَكَانَ معرفَة.
وَذكر الْجرْمِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الفرخ وَقَالَ: إِنَّه يبتدأ بالنكرة ويخبر بالمعرفة عَنْهَا فِي هَذَا الْبَاب.
وَقَالَ: جَائِز ذَلِك لأَنهم لَا يقدمُونَ خبر إِن كَمَا يتسعون فِي ذَلِك فأعطوا إِن مَا منعُوا فِي كَانَ.
وَقد منعُوا خبر كَانَ وَمنعُوا أَن يكون خَبَرهَا معرفَة وَاسْمهَا نكرَة فأعطوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا مَنعه صَاحبه. انْتهى.
وَالشَّارِح تَابع فِي ذَلِك لِابْنِ مَالك. وَكَثْرَة السماع يشْهد لصِحَّة قَوْلهمَا.
وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة نَسَبهَا ابْن السيرافي وَابْن خلف لِابْنِ ميادة. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر من أَوَائِل الْكتاب.
وَقَوله: لتقربن قَالَ ابْن السيرافي: هُوَ جَوَاب قسم مَحْذُوف وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَكسر الْبَاء.
قَالَ الْجَوْهَرِي: قربت أقرب قرَابَة مثل كتبت أكتب كِتَابَة إِذا سرت إِلَى المَاء وَبَيْنك وَبَينه لَيْلَة.
وَالِاسْم الْقرب بِفتْحَتَيْنِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: قلت لأعرابي: مَا الْقرب قَالَ: سير اللَّيْل لورد الْغَد. قلت: مَا الطلق قَالَ: سير اللَّيْل لورد الغب. وَقَالَ: أقرب الْقَوْم فهم قاربون وَلَا يُقَال: مقربون. قَالَ أَبُو عبيد: هَذَا الْحَرْف شَاذ.
(9/275)

أَقُول: قد سمع ثلاثية فَلَا شذوذ. وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: لتقربن: لتردن. وَلَيْلَة الْقرب: لَيْلَة الْورْد. وَهَذَا خطاب لناقته.
يَقُول: لتسيرن إِلَى المَاء سيراً حثيثاً. والجلذي بِضَم الْجِيم وَسُكُون اللَّام بعْدهَا ذال مُعْجمَة وَمَعْنَاهُ السَّرِيع الشَّديد فَهُوَ وصف الْقرب. وَقيل. منادى مرخم. وجلذية: اسْم نَاقَته.
وَالضَّمِير فِي فِيهِنَّ عَائِد على الْإِبِل وَدلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام وَذكر النَّاقة فأضمر وَإِن لم يجر لَهَا ذكر.
والفصيل: ولد النَّاقة وَغنما ذكره لِأَنَّهُ نَاقَته من جملَة الْإِبِل يَسُوقهَا إِلَى المَاء سوقاً حثيثاً.
فَيَقُول: لَا أعذرك مَا دَامَ فِيهِنَّ فصيل يُطيق السّير. ودجا اللَّيْل: أظلم. وهيا هيا زجر لَهَا)
وتصويت حَتَّى تسير أَي: مبادرة. وَلَيْسَ مِنْهُ فعل وَهِي مَكْسُورَة الأول. وَقد حكيت بِالْفَتْح. قَالَه ابْن خلف.
وَقَوله: وَلَيْسَ مِنْهُ فعل يناقضه قَول الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: يُقَال: هوى يهوي هياً وَمُقْتَضَاهُ أَنه بِالْفَتْح لَا بِالْكَسْرِ وَأَنه مصدر لَا اسْم فعل إِلَّا أَن يكون هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ نقل إِلَى اسْم الْفِعْل.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(9/276)

الطَّوِيل
وَإِن شِفَاء عِبْرَة مهراقة على أَنه يجوز أَن يخبر فِي بَاب إِن أَيْضا عَن النكرَة كَمَا هُنَا فَإِن شِفَاء وَقع اسْم مُنْكرا وَأخْبر عَنهُ ب عِبْرَة.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ.
أَقُول: هَذَا نَصه فِي بَاب مَا يحسن عَلَيْهِ السُّكُوت فِي هَذِه الأحرف الْخَمْسَة إِن وَأَخَوَاتهَا قَالَ: وَتقول: إِن قَرِيبا مِنْك زيدا إِذا جعلت قَرِيبا مِنْك موضعا. وَإِن جعلت الأول هُوَ الآخر قلت: إِن قَرِيبا مِنْك زيد وَتقول: إِن بَعيدا مِنْك زيد. وَالْوَجْه إِذا أردْت هَذَا أَن تَقول: إِن زيدا قريب أَو بعيد مِنْك لِأَنَّهُ اجْتمع معرفَة ونكرة.
(وَإِن شِفَاء عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول)
فَهَذَا أحسن لِأَنَّهُ نكرَة. وَإِن شِئْت قلت: إِن بَعيدا مِنْك زيدا. وقلما يكون بَعيدا مِنْك ظرفا لِأَنَّك لَا تَقول: إِن بعْدك وَتقول: إِن قربك فالدنو أَشد تمكيناً فِي الظّرْف من الْبعد. انْتهى كَلَامه.
وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِي الْبَيْت: وَإِن شفائي بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف.
وَالْبَيْت من أول معلقَة امْرِئ الْقَيْس وَلم يذكر شراحها تِلْكَ الرِّوَايَة إِلَّا أَن الْخَطِيب التبريزي قَالَ: روى سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت وَإِن شِفَاء عِبْرَة وَاحْتج فِيهِ بِأَن النكرَة يخبر عَنْهَا بالنكرة.
ويروى:)
وَإِن شفائي عِبْرَة لَو سفحتها
(9/277)

أَي: صببتها. وَلَو: لِلتَّمَنِّي لَا جَوَاب لَهَا. وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة وَجَمعهَا عبر كبدرة وَبدر.
ومهراقة بِفَتْح الْهَاء أَي: مصبوبة.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أدب الْكَاتِب: قد ذكر ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب فعلت وأفعلت هرقت المَاء وأهرقته. وَقد قَالَ مثله بعض اللغويين مِمَّن لَا يحسن التصريف وتوهم أَن هَذِه الْهَاء فِي هَذِه الْكَلِمَة أصل. وَهُوَ غلط وَالصَّحِيح أَن هرقت وَأَهْرَقت فعلان رباعيان معتلان أصهلما أرقت.
فَمن قَالَ: هرقت فالهاء عِنْده بدل من همزَة أفعلت كَمَا قَالُوا: أرحت الْمَاشِيَة وهرحتها وأنرت الثَّوْب وهنرته.
وَمن قَالَ: أهرقت فالهاء عِنْده عوض من ذهَاب حَرَكَة عين الْفِعْل عَنْهَا ونقلها إِلَى الْفَاء لِأَن الأَصْل أريقت أَو أروقت بِالْيَاءِ أَو بِالْوَاو على الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك ثمَّ نقلت حَرَكَة الْوَاو أَو الْيَاء إِلَى الرَّاء فَانْقَلَبَ حرف الْعلَّة ألفا لانفتاح مَا قبلهَا ثمَّ حذف لسكونه وَسُكُون الْقَاف.
والساقط من أرقت يحْتَمل أَن يكون واواً فَيكون مشتقاً من راق الشَّيْء يروق وَيحْتَمل ن يكون يَاء لِأَن الْكسَائي حكى: راق المَاء يريق إِذا انصب.
وَالدَّلِيل على أَن الْهَاء فِي هرقت وَأَهْرَقت لَيست فَاء الْفِعْل على مَا توهم من ظَنّهَا كَذَلِك أَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك للَزِمَ أَن يجرى هرقت فِي تصريفه مجْرى ضربت فَيُقَال: هرقت أهرق هرقاً كَمَا تَقول: ضربت أضْرب ضربا أَو مجْرى غَيره من الْأَفْعَال الثلاثية الَّتِي يَجِيء مضارعها بِضَم الْعين وتجيء مصادرها مُخْتَلفَة.
وَكَانَ يلْزم أَن يجرى أهرقت فِي تصريفه مجْرى أكرمت وَنَحْوه من الْأَفْعَال الرّبَاعِيّة المصححة
(9/278)

وَلم تقل الْعَرَب شَيْئا من ذَلِك وَإِنَّمَا يَقُولُونَ فِي تصريف هرقت أهريق يفتحون الْهَاء وَكَذَلِكَ يفتحونها فِي اسْم الْفَاعِل فَيَقُولُونَ: مهريق وَفِي سم الْمَفْعُول مهراق لِأَنَّهَا بدل من همزَة لَو ثبتَتْ فِي تصريف الْفِعْل لكَانَتْ مَفْتُوحَة.
أَلا ترى أَنَّك لَو صرفت أرقت على مَا يَنْبَغِي من التصريف وَلم تحذف الْهمزَة مِنْهُ لَقلت فِي مضارعه يؤريق وَفِي اسْم فَاعله مؤريق وَفِي اسْم مَفْعُوله مؤريق. وَقَالُوا فِي الْمصدر: هراقة كَمَا قَالُوا إِرَاقَة.)
وَإِذا صرفُوا أهرقت قَالُوا فِي الْمُضَارع أهريق وَفِي الْمصدر إهراقة وَفِي اسْم الْفَاعِل مهريق وَفِي اسْم الْمَفْعُول مهراق فأسكنوا الْهَاء فِي جَمِيع تصريف الْكَلِمَة. فَهَذَا يدل على أَنه رباعي معتل وَلَيْسَ بِفعل صَحِيح وَأَن الْهَاء فِيهِ بدل من همزَة. أرقت أَو عوض كَمَا قُلْنَا.
قَالَ العديل بن الفرخ: الطَّوِيل
(فَكنت كمهريق الَّذِي فِي سقائه ... لرقراق آل فَوق رابية صلد)
وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل فَلَمَّا دنت إهراقة المَاء أنصتت وَقَالَ الْأَعْشَى فِي أَرَاك:
(9/279)

الْخَفِيف
انْتهى كَلَامه ولجودته سقناه بِتَمَامِهِ.
وَقَوله: فَهَل عِنْد رسم ... . إِلَخ الرَّسْم: الْأَثر. والدارس: المنطمس. وَالْفَاء فِي جَوَاب شَرط مُقَدّر قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: وَمن ذَلِك قَول امْرِئ الْقَيْس: وَإِن شقائي عِبْرَة ... ... ... ... . الْبَيْت فَفِي قَوْله معول مذهبان: أَحدهمَا: أَنه مصدر عولت بِمَعْنى: أعولت أَي: بَكَيْت. أَي: فَهَل عِنْد رسم دارس من إعوال وبكاءٍ.
وَالْآخر: أَنه مصدر عولت على كَذَا أَي: اعتمدت عَلَيْهِ كَقَوْلِهِم: إِنَّمَا عَلَيْك معولي أَي: اتكالي.
وعَلى أَي الْأَمريْنِ حملت الْمعول فدخول الْفَاء على: فَهَل عِنْد رسم حسن جميل أما على الأول فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن شفائي أَن أسفح عبرتي. ثمَّ خَاطب نَفسه أَو صَاحِبيهِ فَقَالَ: إِذا كَانَ الْأَمر على مَا قدمت من أَن فِي الْبكاء شِفَاء وجدي فَهَل من بكاء أشفي بِهِ غليلي فَهَذَا ظَاهره اسْتِفْهَام لنَفسِهِ وَمَعْنَاهُ التحضيض لَهَا على الْبكاء كَمَا تَقول: قد أَحْسَنت إِلَيّ فَهَل أشكرك أَي: فلأشكرنك. وَقد زرتني فَهَل أكافئك أَي: فلأكافئنك.
وَإِذا خَاطب صَاحِبيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد عرفتكما سَبَب شفائي وَهُوَ الْبكاء والإعوال فَهَل تعولان وتبكيان معي لأشفي وجدي ببكائكما. فَهَذَا التَّفْسِير على قَول من قَالَ: إِن معولي بِمَنْزِلَة إعوالي.)
وَالْفَاء عقدت آخر الْكَلَام بأوله لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إِن كنتما قد عرفتما مَا أوثره من الْبكاء فابكيا معي.
كَمَا أَنه إِذا استفهم نَفسه فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا كنت قد علمت أَن فِي الإعوال رَاحَة لي فَلَا عذر لي فِي ترك الْبكاء.
وَأما من جعل معولي بِمَعْنى تعويل على كَذَا أَي: اعتمادي واتكالي عَلَيْهِ فَوجه دُخُول الْفَاء على فَهَل فِي قَوْله: أَنه لما قَالَ: إِن شفائي عِبْرَة
(9/280)

مهراقة فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا راحتي فِي الْبكاء فَمَا معنى اتكالي فِي شِفَاء غليلي على رسم دارس لَا غناء عِنْده عني. فسبيلي أَن أقبل على بُكَائِي وَلَا أعول فِي برد غليلي على مَا لَا غناء عِنْده.
وَهَذَا أَيْضا معنى يحْتَاج مَعَه إِلَى الْفَاء لتربط آخر الْكَلَام بأوله فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا كَانَ شفائي إِنَّمَا هُوَ فِي فيض دمعي فسبيلي أَن لَا أعول على رسم دارس فِي دفع حزني وَيَنْبَغِي أَن أجد فِي الْبكاء الَّذِي هُوَ سَبَب الشِّفَاء. انْتهى كَلَامه.
وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن هِشَام وَهل بِالْوَاو قَالَ فِي الْمُغنِي فِي بحث هَل وَفِي عطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر من الْبَاب الرَّابِع: إِن هَل فِيهِ للنَّفْي وَلذَا صَحَّ الْعَطف إِذْ لَا يعْطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر.
وَقد تقدم فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالتسْعين بعد الْمِائَة عَن الباقلاني فِي إعجاز الْقُرْآن أَن هَذَا الْبَيْت مُنَاقض لما قبله فَرَاجعه.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده: الوافر
يكون مزاجها عسل وَمَاء على أَنه يجوز أَن يخبر فِي بَابي كَانَ وَإِن بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة فِي الِاخْتِيَار كَمَا هُنَا فَإِن مزاجها رُوِيَ بِالنّصب على أَنه خبر مقدم وَهُوَ معرفَة وَعسل اسْم كَانَ مُؤخر وَهُوَ نكرَة.
(9/281)

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لَا يجوز هَذَا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر.
وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني قَالَ فِي الْمُحْتَسب: رُوِيَ عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ: وَمَا كَانَ صلاتَهم عِنْد الْبَيْت نصبا إِلَّا مكاءٌ وتصديةٌ رفعا. ولحنه الْأَعْمَش. وَقد رُوِيَ هَذَا الْحَرْف أَيْضا عَن أبان بن تغلب أَنه قَرَأَهُ كَذَلِك.
ولسنا ندفع أَن جعل اسْم كَانَ نكرَة وخبرها معرفَة قَبِيح فَإِنَّمَا جَاءَت مِنْهُ أَبْيَات شَاذَّة وَهُوَ فِي)
ضَرُورَة الشّعْر أعذر وَالْوَجْه اخْتِيَار الْأَفْصَح الأعرب وَلَكِن وَرَاء ذَلِك مَا أذكرهُ. اعْلَم أَن نكرَة الْجِنْس تفِيد مفَاد مَعْرفَته.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: خرجت فَإِذا أَسد بِالْبَابِ فتجد مَعْنَاهُ معنى قَوْلك: خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ لَا فرق بَينهَا. وَذَلِكَ أَنَّك فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا تُرِيدُ أسداً وَاحِدًا معينا وَإِنَّمَا تُرِيدُ خرجت فَإِذا بِالْبَابِ وَاحِد من هَذَا الْجِنْس.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ هُنَا الرّفْع فِي مكاء وتصدية جَوَازًا قَرِيبا حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاءُ والتصديةُ أَي: إِلَّا هَذَا الْجِنْس من الْفِعْل.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجر هَذَا مجْرى قَوْلك: كَانَ قَائِم أَخَاك وَكَانَ جَالس أَبَاك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جَالس وقائم من معنى الجنسية الَّتِي تلاقي معنيا نكرتها ومعرفتها.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يجوز مَعَ النَّفْي من جعل اسْم كَانَ وَأَخَوَاتهَا نكرَة مَا لَا يجوز مَعَ الْإِيجَاب فَكَذَلِك هَذِه الْقِرَاءَة لما
(9/282)

دَخلهَا النَّفْي قوي وَحسن جعل اسْم كَانَ نكرَة. هَذَا إِلَى مَا ذكرنَا من مشابهة نكرَة اسْم الْجِنْس لمعرفته.
وَلِهَذَا ذهب بَعضهم فِي قَول حسان:
(كَأَن سبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء)
أَنه إِنَّمَا جَازَ ذَلِك من حَيْثُ كَانَ عسل ومكاء جِنْسَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: يكون مزاجها الْعَسَل وَالْمَاء. فَبِهَذَا تسهل هَذِه الْقِرَاءَة وَلَا تكون من الْقبْح واللحن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْأَعْمَش. انْتهى.
وَإِلَيْهِ أَيْضا ذهب ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: هَذَا لَا يجوز إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر فَأَما فِي الْكَلَام فَلَا يجوز.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: حسن ذَلِك أَن مزاجاً مُضَاف إِلَى ضمير نكرَة. قَالَ السيرافي عِنْدَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ: الوافر أظبي كَانَ أمك أم حمَار إِن ضمير النكرَة لَا تستفيد مِنْهُ إِلَّا نكرَة. أَلا ترى إِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل فكلمته لم تكن الْهَاء بموجبة تعريفاً لشخص بِعَيْنِه وَإِن كَانَت معرفَة من حَيْثُ علم الْمُخَاطب أَنَّهَا ترجع إِلَى ذَلِك المنكور. انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: فِي هَذَا أَرْبَعَة أَقْوَال: قيل هُوَ على وَجه الضَّرُورَة وَقيل: أَرَادَ
مزاجاً لَهَا فَنوى)
بِالْإِضَافَة الِانْفِصَال فَأخْبر بنكرة عَن نكرَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ: نصب مزاجها على الظّرْف الساد مسد الْخَبَر كَأَنَّهُ قَالَ: يكون مُسْتَقرًّا فِي مزاجها. فَإِذا كَانَ ظرفا تعلق بِمَحْذُوف يكون
(9/283)

الناصب لَهُ وَقدم على عسل وَمَاء كعادتهم فِي ثمَّ نقل تَوْجِيه ابْن جني. وَكَذَلِكَ نقل اللَّخْمِيّ عَنهُ قَالَ: وَعَن أبي عَليّ أَن مزاجها ينْتَصب على الظّرْف تَقْدِيره على الْمَعْنى: يكون مَكَان مزاجها عسل وَمَاء.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وتأويله الْفَارِسِي على أَن انتصاب المزاج على الظَّرْفِيَّة المجازية.
وَزعم شَارِحه ابْن الملا أَن كَانَ على تَأْوِيل أبي عَليّ تكون تَامَّة.
وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل إِلَى أَن هَذَا وَنَحْوه من الْقلب الَّذِي شجع عَلَيْهِ أَمن الإلباس.
وَإِلَيْهِ جنح ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ فِي الْبَاب الثَّامِن: من فنون كَلَامهم الْقلب وَأكْثر وُقُوعه فِي الشّعْر. وَأنْشد الْبَيْت. وَقَالَ فِي الْبَاب الرَّابِع مِنْهُ: إِنَّه ضَرُورَة. وَلم يذكر الْقلب.
وَرُوِيَ فِي الْبَيْت رفع مزاجها وَنصب عسل وَرفع مَاء وبرفع الْجَمِيع.
وَقد تقدم كُله مشروحاً مَعَ القصيدة فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ بعد السبعمائة.
وَأنْشد بعده: الوافر وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا
(9/284)

لما تقدم قبله من أَنه يجوز فِي الِاخْتِيَار أَن يخبر عَن نكرَة بِمَعْرِِفَة فِي ذَيْنك الْبَابَيْنِ.
قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: وَقد يخبر هُنَا وَفِي بَاب إِن بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة اخْتِيَارا.
وَقَالَ فِي شَرحه: لما كَانَ الْمَرْفُوع هُنَا مشبهاً بالفاعل والمنصوب مشبهاً بالمفعول جَازَ أَن يُغني هُنَا تَعْرِيف الْمَنْصُوب عَن تَعْرِيف الْمَرْفُوع كَمَا جَازَ فِي بَاب الْفَاعِل لَكِن بِشَرْط الْفَائِدَة وَكَون النكرَة غير مَحْضَة.
من ذَلِك قَول حسان: يكون مزاجها عسل وَمَاء وَلَيْسَ بمضطر إِذْ يُمكنهُ أَن يَقُول: مزاجها بِالرَّفْع فَيجْعَل اسْم يكون ضمير الشَّأْن.
وَقَول الْقطَامِي: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَلَيْسَ بمضطر إِذْ لَهُ ن يَقُول: وَلَا يَك موقفي. والمحسن لهَذَا شبه الْمَرْفُوع بالفاعل والمنصوب)
بالمفعول. وَقد حمل هَذَا الشّبَه فِي بَاب إِن كَقَوْل الفرزدق: الطَّوِيل
(وَإِن حَرَامًا أَن أسب مجاشعاً ... بآبائي الشم الْكِرَام الخضارم)
انْتهى.
وَهَذَا مَبْنِيّ على تَفْسِير الضَّرُورَة بِمَا لَا مندوحة للشاعر عَنهُ. وَهَذَا
(9/285)

فَاسد من وُجُوه تقدم بَيَانهَا فِي شرح أول شَاهد. وَعند الْجُمْهُور هُوَ من الضَّرُورَة وَمَعْنَاهَا مَا وَقع فِي الشّعْر سَوَاء كَانَ عَنهُ مندوحة أَو لَا.
قَالَ اللَّخْمِيّ: جعل موقفا وَهُوَ نكرَة اسْم يَك والوداع وَهُوَ معرفَة الْخَبَر ضَرُورَة لإِقَامَة الْوَزْن. وَحسن الضَّرُورَة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن النكرَة قد قربت من الْمعرفَة بِالصّفةِ.
وَالثَّانِي: أَن الْمصدر جنس فمفاد نكرته ومعرفته وَاحِد.
وَالثَّالِث: أَن الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى.
وَقَالَ صَاحب اللّبَاب: وهما أَي: الْمَرْفُوع والمنصوب بكان على شرائطهما فِي بَاب الِابْتِدَاء.
وَزعم بعض المنتمين إِلَى هَذِه الصَّنْعَة أَن بِنَاء الْكَلَام على بعضهما من غير تَقْدِير دُخُول على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر سَائِغ بِدَلِيل قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَلَيْسَ بمحمول على الضَّرُورَة إِذْ لَا يتم الْمَعْنى الْمَقْصُود إِلَّا هَكَذَا إِذْ لَو عرفهما لم يؤد أَنه لم يرخص أَن يكون مَا سوى ذَلِك من المواقف وداعاً. وَلَو نكرهما لم يؤد أَن الْوَدَاع قد كره إِلَيْهِ حَتَّى صَار نصب عَيْنَيْهِ. وَلَو عرف الأول ونكر الثَّانِي لجمع بَين الهجنتين.
وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم جَمِيع مَا ذكره أَنه لَو أَرَادَ إِيرَاد هَذَا الْمَعْنى بطرِيق النَّفْي دون النَّهْي لَا بُد أَن يَقُول: مَا موقف مِنْك الْوَدَاع بِعَين مَا ذكره. على أَن
(9/286)

الْمَقْصُود أَن لَا يكون الْوَدَاع موقفا مِنْهَا يكون مزاجها عسل وَمَاء
انْتهى.
أَرَادَ بالهجنتين ترخيص كَون مَا سوى هَذَا الْموقف الْمعِين موقف وداع وفوات النُّكْتَة المستفادة من تَعْرِيف الْوَدَاع. وَحَاصِله أَنه لما اخْتَار أَو وجود شَرَائِط الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي هَذِه الْأَفْعَال لَازم ذهب إِلَى أَن الْبَيْت مَحْمُول على الضَّرُورَة لِأَنَّهَا دعت إِلَى الْقلب.)
وَأجَاب عَن اسْتِدْلَال الْمُخَالف بِوَجْهَيْنِ: الأول: أَن يُقَال: لَا نسلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا معرفتين يلْزم قبح لِأَن مبناه أَن اللَّام فِي الْموقف للْعهد وَهُوَ مَمْنُوع لجَوَاز أَن تكون للْجِنْس أَي: لَا يَك جنس الْموقف الْوَدَاع.
وَفِيه عُمُوم سلمناه لَكِن لَا نسلم أَنَّهُمَا إِن كَانَا منكرين يلْزم قبح لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على أَن اللَّام فِي الْوَدَاع للْعهد إِلَى الشَّيْء الْمُكْره عِنْده وَهُوَ مَمْنُوع لجَوَاز كَونه للْجِنْس.
سلمناه لكنه منقوض بِنَقْض إجمالي وتوجيهه لَو صَحَّ مَا ذكرت لَكَانَ الْوَاجِب أَن يُقَال عِنْد إِرَادَة هَذَا الْمَعْنى بطرِيق النَّفْي دون النَّهْي: مَا موقف مِنْك الْوَدَاع بِعَين مَا ذكرت. لَكِن التَّالِي بَاطِل لِأَن تنكير الْمُبْتَدَأ وتعريف الْخَبَر بعد النَّفْي لَيْسَ حد الْكَلَام الَّذِي يجب أَن يكون عَلَيْهِ الِاتِّفَاق.
وعَلى هَذَا كَانَ الْوَدَاع اسْم كَانَ
(9/287)

والموقف خَبره فَقلب بِأَن جعل الِاسْم خَبرا وَالْخَبَر اسْما وَالْقلب مِمَّا يشجع عَلَيْهِ عِنْد أَمن الالتباس.
وَهَذَا المصراع عجز وصدره: قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعا
وَالْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا ... تميماً بجوف الشَّام أم متساكر)
على أَن سِيبَوَيْهٍ مثل بِهِ للإخبار عَن النكرَة بالمعرفة.
وَهَذَا نَصه: اعْلَم أَنه إِذا وَقع فِي الْبَاب نكرَة وَمَعْرِفَة فَالَّذِي تشغل بِهِ كَانَ الْمعرفَة لِأَنَّهُ حد الْكَلَام وَلِأَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة قَوْلك: ضرب رجل زيدا لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وهما فِي كَانَ بمنزلتهما فِي الِابْتِدَاء.
فَإِذا قلت: كَانَ زيد فقد ابتدأت بِمَا هُوَ مَعْرُوف عِنْده مثله عنْدك وَإِنَّمَا ينْتَظر الْخَبَر. فَإِذا قلت: حَلِيمًا فقد أعلمته مثل مَا علمت. فَإِذا قلت: كَانَ حَلِيمًا فَإِنَّمَا ينْتَظر أَن تعرفه صَاحب الصّفة فَهُوَ مبدوء بِهِ فِي الْفِعْل وَإِن كَانَ مُؤَخرا فِي اللَّفْظ. فَإِن قلت: كَانَ حَلِيم
(9/288)

أَو رجل فقد بدأت بنكرة فَلَا يَسْتَقِيم أَن تخبر الْمُخَاطب عَن المنكور. وَلَا يبْدَأ بِمَا فِيهِ يكون اللّبْس وَهُوَ النكرَة.
أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: كَانَ حَلِيمًا أَو كَانَ رجل مُنْطَلقًا كنت تلبس لِأَنَّهُ لَا يستنكر أَن يكون إِنْسَان هَكَذَا. فكرهوا أَن يبدؤوا باللبس ويجعلوا الْمعرفَة خَبرا
لما يكون فِي هَذَا اللّبْس.
وَقد يجوز فِي الشّعْر فِي ضعف من الْكَلَام. حملهمْ على ذَلِك أَنه فعل بِمَنْزِلَة ضرب وَأَنه قد يعلم إِذا ذكرت زيدا وَجَعَلته خَبرا أَنه صَاحب الصّفة على ضعف من الْكَلَام.
وَذَلِكَ قَول خِدَاش بن زُهَيْر: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار)
وَقَالَ حسان: الوافر
(كَأَن سبيئة من بَيت رَأس ... يكون مزاجها عسل وَمَاء)
وَقَالَ أَبُو قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ: الوافر وَقَالَ الفرزدق:
(أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا ... تميماً بجوف الشَّام أم متساكر)
فَهَذَا إنشاد بَعضهم.
وَأَكْثَرهم ينصب بالسكران وَيرْفَع الآخر على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.)
وَقَوله: وَأَكْثَرهم ينصب السَّكْرَان أَي: وَيرْفَع ابْن المراغة على أَنه اسْم كَانَ وَيكون الْخَبَر مقدما وَهُوَ سَكرَان. وعَلى هَذَا لَا قبح.
وَقَوله: وَيرْفَع الآخر هُوَ متساكر وَيكون رَفعه على الْقطع بجعله خبر
(9/289)

مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: أم هُوَ متساكر فَتكون أم مُنْقَطِعَة.
وَإِذا رفع سَكرَان وَنصب ابْن المراغة وَهَذِه مَسْأَلَتنَا فَفِيهِ قبح لضَرُورَة الشّعْر لِأَنَّهُ جعل اسْم كَانَ ضمير سَكرَان وَهُوَ نكرَة وَيكون ابْن المراغة خبر كَانَ فَيكون قد أخبر بِمَعْرِِفَة عَن نكرَة ويرتفع سَكرَان حِينَئِذٍ بكان محذوفة كَمَا يَأْتِي بَيَانه
وَيكون متساكر مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وعَلى هَذَا أم مُتَّصِلَة وَيكون الْعَطف من عطف مُفْرد على مُفْرد وَالْجُمْلَة وَاحِدَة. وعَلى الأول جملتان.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَأورد سِيبَوَيْهٍ للتمثيل بالإخبار عَن النكرَة بالمعرفة وَلم يقل: اسْتشْهد للإخبار لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يذهب إِلَى أَن هَذَا جَائِز فِي الِاخْتِيَار حَتَّى يستشهد لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَبِيح خَاص بالشعر لم يرتضه فِي الْكَلَام. فأورد هَذِه الأبيات أَمْثِلَة لما استقبحه فِي الشّعْر.
وَقد رُوِيَ رفع ابْن المراغة مَعَ رفع سَكرَان فَيكون الْمُعَرّف على هَذَا مُبْتَدأ وَالْمُنكر خَبرا وَكَانَ زَائِدَة.
وَجوز ابْن خلف أَن يضمر فِي كَانَ ضمير الشَّأْن. وَهَذَا خطأ تبع فِيهِ يُوسُف بن السيرافي فِي شَرحه لشواهد سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ ابْن هِشَام: وَضمير الشَّأْن يعود على مَا بعده لُزُوما وَلَا يجوز للجملة المفسرة لَهُ أَن تتقدم هِيَ وَلَا شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ.
وَقد غلظ يُوسُف بن السيرافي إِذْ قَالَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة إِذْ هجا الْبَيْت
(9/290)

فِيمَن رفع سَكرَان وَابْن المراغة: إِن كَانَ شأنية وَابْن المراغة وسكران مُبْتَدأ وَخَبره وَالْجُمْلَة خبر كَانَ. وَالصَّوَاب أَن كَانَ زَائِدَة.
وَالْأَشْهر فِي إنشاده نصب سَكرَان وَرفع ابْن المراغة فارتفاع متساكر على نه خبر لَهو محذوفاً. ويروى بِالْعَكْسِ فاسم كَانَ مستتر فِيهَا. انْتهى.
قَوْله: أسكران رفع بِفعل مُضْمر تكون كَانَ تَفْسِيرا لَهُ ودليلاً عَلَيْهِ. وَحسن الرّفْع فِي هَذَا)
لموْضِع لِأَن التَّقْدِير: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فاستفهم عَن سكره لَا عَنهُ فِي نَفسه. وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الأولى أَن يرفع لِأَن النكرَة لما دَخلهَا هَذَا
الْمَعْنى من أَن الْقَصْد إِنَّمَا وَقع إِلَيْهَا وَجب أَن يكون الرّفْع فَترفع بكان. وَكَذَلِكَ قَول الآخر: أظبي كَانَ أمك أم حمَار انْتهى.
وَمثله لِابْنِ جني فِي الخصائص قَالَ: وَقد حذف خبر كَانَ فِي قَوْله: أسكران كَانَ ابْن المراغة الْبَيْت أَلا ترى أَن تَقْدِيره: أَكَانَ سَكرَان ابْن المراغة فَلَمَّا حذف الْفِعْل فسره بِالثَّانِي وَابْن المراغة الْمَذْكُور خبر كَانَ الظَّاهِرَة وَخبر كَانَ المضمرة مَحْذُوف مَعهَا لِأَن كَانَ الثَّانِيَة دلّت على الأولى.
وَكَذَلِكَ الْخَبَر الثَّانِي الظَّاهِر دلّ على الْخَبَر الأول الْمَحْذُوف. انْتهى.
وَزعم ابْن الملا الْحلَبِي فِي شرح الْمُغنِي أَن سَكرَان مُبْتَدأ. قَالَ:
(9/291)

وَصحت ابتدائيته مَعَ نكارته لوُقُوعه فِي حيّز الِاسْتِفْهَام وَأَن جملَة كَانَ ابْن المراغة خَبره. هَذَا كَلَامه.
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا. وَأَرَادَ بِابْن المراغة جَرِيرًا وَكَانَ الفرزدق قد لقب أمه بالمراغة ونسبها إِلَى أَنَّهَا راعية حمير. والمراغة: الأتان الَّتِي لَا تمْتَنع من الفحول. وَإِذ: ظرف يتَعَلَّق بكان وفاعل هجا ضمير ابْن المراغة.
وَأَرَادَ بتميم هَاهُنَا: بني دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة وهم رَهْط الفرزدق وَجَرِير من رَهْط كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة.
فَلم يعْتد الفرزدق برهط جرير فِي تَمِيم احتقاراً لَهُم. وَأَرَادَ بجوف الشَّام: داخلها.
وروى أَبُو عَليّ وَابْن جني وَغَيرهمَا: بِبَطن الشَّام وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ: بجو الشَّام وَهَذَا تَحْرِيف.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وانشد بعده: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار)
لما تقدم قبله.
فاسم كَانَ ضمير ظَبْي وَهُوَ نكرَة وأمك بِالنّصب خَبَرهَا وَهُوَ معرفَة. وظبي اسْم لَكَانَ)
المضمرة الْمَدْلُول علها بكان الْمَذْكُورَة وَهُوَ نكرَة أَيْضا وَخبر المحذوفة مَحْذُوف أَيْضا مَدْلُول عَلَيْهِ بِخَبَر الْمَذْكُورَة كَمَا تقدم عَن ابْن جني.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الأول أولى لِأَن همزَة الِاسْتِفْهَام بالجمل
(9/292)

الفعلية أولى مِنْهَا بالاسمية.
وَعَلَيْهِمَا فاسم كَانَ ضمير رَاجع إِلَيْهِ.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ إِنَّه أخبر عَن النكرَة بالمعرفة وَاضح على الأول لِأَن ظَبْيًا الْمَذْكُور
اسْم كَانَ وَخَبره أمك وَأما على الثَّانِي فخبر ظَبْي إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة والجمل نكرات وَلَكِن يكون مَحل الاستشهاد قَوْله: كَانَ أمك على أَن ضمير النكرَة عِنْده نكرَة. انْتهى.
وَذهب صَاحب الْمِفْتَاح إِلَى أَن تنكير الْمسند إِلَيْهِ غير مَوْجُود بالاستقراء. وَأما هَذَا الْبَيْت وَنَحْوه فتنكير الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي ظَبْي إِذا ارْتَفع بالمضمر لَا فِي ضمير كَانَ الْعَائِد عَلَيْهِ. وَهُوَ وراد على الْقلب وَالْأَصْل: أظبياً كَانَ أمك أم حمارا قَالَ: إِن كَون الْمسند إِلَيْهِ نكرَة والمسند معرفَة سَوَاء قُلْنَا: يمْتَنع عقلا أَو يَصح عقلا لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب وَأما مَا جَاءَ من نَحْو قَوْله: وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا وَقَوله: يكون مزاجها عسل وَمَاء أظبي كَانَ أمك أم حمَار
(9/293)

فَمَحْمُول على منوال: عرضت النَّاقة على الْحَوْض. وأصل الِاسْتِعْمَال: وَلَا بك موقفا مِنْك الْوَدَاع وَيكون مزاجها عسلاً وَمَاء وأظبياً كَانَ أمك أم حمارا.
وَلَا تَظنن بَيت الْكتاب خَارِجا عَمَّا نَحن فِيهِ ذَهَابًا إِلَى أَن اسْم كَانَ هُوَ الضَّمِير وَالضَّمِير معرفَة فَلَيْسَ المُرَاد كَانَ أمك وَإِنَّمَا المُرَاد ظَبْي بِنَاء على أَن ارتفاعه
بِالْفِعْلِ الْمُفَسّر لَا بِالِابْتِدَاءِ.
وَلذَلِك قَدرنَا الأَصْل على مَا ترى. انْتهى.
وَاخْتَارَ السعد فِي المطول هَذَا الْأَخير فَلَيْسَ فِيهِ قلب لَفْظِي وَإِنَّمَا يكون فِيهِ قلب معنوي.
قَالَ: قيل: إِنَّه قلب من جِهَة اللَّفْظ بِنَاء على أَن ظَبْي مَرْفُوع بكان الْمقدرَة لَا بِالِابْتِدَاءِ فَصَارَ الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة.)
وَالْحق أَن ظَبْي مُبْتَدأ وَكَانَ أمك خَبره فَحِينَئِذٍ لَا قلب فِيهِ من جِهَة اللَّفْظ لِأَن اسْم كَانَ ضمير وَالضَّمِير معرفَة. نعم فِيهِ قلب من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الْمخبر عَنهُ فِي الأَصْل هُوَ الْأُم.
انْتهى.
وَيشْهد للقلب مَا رَوَاهُ ابْن خلف فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَقد ينشد: أظبياً كَأَن أمك أم حمَار على أَنه جعل اسْم كَانَ معرفَة وخبرها نكرَة فَهَذَا جيد إِلَّا أَنه كَانَ يجب أَن ينصب حمَار لِأَنَّهُ مَعْطُوف على ظَبْي. فَيجوز رَفعه على إِضْمَار مُبْتَدأ.
قَالَ الْمبرد فِي كِتَابه الْجَامِع: والأجود فِي هَذِه الأبيات نصب الْأَخْبَار الْمُقدمَة وَرفع المعارف وَرفع القوافي على قطع وَابْتِدَاء. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات لثروان بن فَزَارَة العامري الصَّحَابِيّ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
(9/294)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(أَلا من مبلغ حسان عني ... أطب كَانَ سحرك أم جُنُون)
لما تقدم قبله وَالْكَلَام فِيهِ كَمَا تقدم.
والطب بِالْكَسْرِ قَالَ الأعلم: هُوَ هُنَا الْعلَّة وَالسَّبَب أَي: أسحرت فَكَانَ ذَلِك سَبَب هجائك أم جننت. وسحر هُنَا مصدر سحر الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول وَهُوَ مُضَاف للْمَفْعُول.
وَالْبَيْت لأبي قيس بن الأسلت الْأنْصَارِيّ. وَقد اخْتلف فِي إِسْلَامه. وَحسان هُوَ ابْن ثَابت شَاعِر النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَكَانَ أَبُو قيس من الْأَوْس وَحسان من الْخَزْرَج وَكَانَا يتهاجيان فَقَالَ أَبُو قيس لحسان: أذهب عَنْك عقلك بِسحر حَتَّى اجترأت على هجائي أم أَصَابَك جُنُون فَلم تدر مَا صنعت. يعظم فِي نفس حسان مَا يَأْتِي من هجاء الْأَوْس وشعرائها ويتوعده بالمقارضة.
وَرَوَاهُ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة كَذَا: أطيب كَانَ داءك أم جُنُون)
وَقَالَ: الطِّبّ هُنَا: السحر.
وَرُوِيَ أَيْضا: أطب كَانَ شَأْنك أم جُنُون وهما أحسن من الرِّوَايَة الأولى.
وَبعده:
(فلست بزائل أبدا تمنى ... بصدرك من وحاوحه فنون)
(9/295)

والوحاوح بواوين ومهملتين: الحزازات.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرمل إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل هَذَا عجز وصدره: وَإِذا أقرضت قرضا فاجزه على أَن لَيْسَ يجوز حذف خَبَرهَا كثيرا كَهَذا الْبَيْت أَي: لَيْسَ الْجمل جازياً أَو يَجْزِي. وَقيل: إِن الْجمل هُوَ الْخَبَر وَسكن للقافية وَاسْمهَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من يَجْزِي أَي: لَيْسَ الجازي الْجمل فَلَا حذف فِيهِ. وَقيل: إِن
لَيْسَ فِيهِ عاطفة وَقد ذكره الشَّارِح فِي لَا العاطفة وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله.
هَذَا وَرِوَايَة الْبَيْت عِنْد سِيبَوَيْهٍ: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى غير الْجمل وَكَذَا رَوَاهُ الطوسي فِي شرح ديوَان لبيد.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن الْفَتى هُوَ معرفَة قد نعت بِغَيْر وَهِي نكرَة وَالَّذِي سوغه أَن التَّعْرِيف بِاللَّامِ يكون للْجِنْس وَلَا يخص وأحداً بِعَيْنِه فَهُوَ مقارب للنكرة وَأَن غيراً مُضَاف إِلَى معرفَة فقاربت المعارف لذَلِك.
(9/296)

وَكَذَا أوردهُ ابْن السراج فِي الْأُصُول قَالَ: إِن غيراً لَا تدخل فِي الِاسْتِثْنَاء إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي ضارعت فِيهِ إِلَّا.)
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك وَلَا تقع إِلَّا فِي مَكَانهَا لَا يجوز أَن تَقول: جَاءَنِي رجل إِلَّا زيد تُرِيدُ غير زيد على الْوَصْف. فالاستثناء هُنَا محَال.
وَلَكِن تَقول: مَا يحسن بِالرجلِ إِلَّا زيد أَن يفعل كَذَا لِأَن الرجل جنس وَمَعْنَاهُ: بِالرجلِ الَّذِي هُوَ غير زيد كَمَا قَالَ: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى غير الْجمل انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَقد تقدم بَعْضهَا فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعِشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الرمل
(اعقلي ن كنت لما تعقلي ... وَلَقَد أَفْلح من كَانَ عقل)
(فَلَقَد أعوص بالخصم وَقد ... أملأ الْجَفْنَة من شَحم القلل)
(وَلَقَد تحمد لما فَارَقت ... جارتي وَالْحَمْد من خير الخول)
(وَغُلَام أَرْسلتهُ أمه ... بألوك فبذلنا مَا سَأَلَ)
(أَو نهته فَأَتَاهُ رزقه ... فاشتوى لَيْلَة ريح واجتمل)
(من شواء لَيْسَ من عارضة ... بيَدي كل هضوم ذِي نزل)
(فَإِذا جوزيت قرضا فاجزه ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل)
(أعمل العيس على علاتها ... إِنَّمَا ينجح أَصْحَاب الْعَمَل)
(وَإِذا رمت رحيلاً فارتحل ... واعص مَا يَأْمر توصيم الكسل)
...
(9/297)

(واكذب النَّفس إِذا حدثتها ... إِن صدق النَّفس يزري بالأمل)
(غير أَن لَا تكذبنها فِي التقى ... واخزها بِالْبرِّ لله الْأَجَل)
قَوْله: اعقلي إِن كنت ... إِلَخ أعوص بالخصم إِذا لوى عَلَيْهِ أمره.
وَقَالَ الطوسي: أعوص: أركب بِهِ الْأَمر العويص أَي: الشَّديد. وَيُقَال: أعوص بِهِ أَي: آتيه بالعويص. وَيُقَال: أعوص بِهِ أَي: أحملهُ على العوصاء وَهِي الشدَّة. والجفنة بِفَتْح الْجِيم: الْقَصعَة.
وَأَرَادَ بالقلل الأسنمة: جمع سَنَام وَالْوَاحد قلَّة. وَقلة كل شَيْء: أَعْلَاهُ وأرفعه. يَقُول: إِنِّي وَإِن شبت فَإِنِّي أَنْفَع وأضر.)
وَقَوله: وَلَقَد تحمد ... . إِلَخ جارتي فَاعل تحمد. والخول بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْعَطِيَّة.
وَقَوله: وَغُلَام أَرْسلتهُ ... إِلَخ الْوَاو وَاو رب. والألوك بِفَتْح الْهمزَة: الرسَالَة وَمِنْه ألكني السَّلَام إِلَى فلَان أَي: أبلغ عني السَّلَام.
وَقَوله: أَو نهته فَأَتَاهُ ... إِلَخ مَعْطُوف على أَرْسلتهُ أَي: رب غُلَام نهته أمه عَن السُّؤَال منا حَيَاء أَو قنوعاً فَبَعَثنَا إِلَيْهِ بِمَا اشتوى واجتمل.
يُرِيد: إننا ننعم على الْفَقِير على كل حَال سَوَاء جَاءَ يطْلب أَو منع من الطّلب.
يُقَال: شويت اللَّحْم واشتويته. وَإِذا شويته فنضج قلت: قد انشوى بالنُّون لَا غير.
واجتمل: اتخذ الْجَمِيل بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الشَّحْم الْمُذَاب. يُقَال: اجتمل
أَي: أذاب الشَّحْم. وَفِي الحَدِيث: لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها فَبَاعُوهَا.
وَقَالَ الطوسي: وَيُقَال: اجتمل اللَّحْم أَي: طبخه بالشحم لَيْسَ مَعَه مَاء وَذَلِكَ إِذا قلاه بِهِ.
وَقَوله: لَيْلَة ريح أَي: لَيْلَة برد من الشتَاء. وَهَذَا غَايَة الْكَرم فَإِن شدَّة الْعَرَب وبؤسهم فِي الشتَاء لعد النَّبَات.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَهُم مَا يدعونَ على أَن يدعونَ افتعال من الدُّعَاء أَي: يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي اشتوى واجتمل أَي: شوى لنَفسِهِ وجمل لنَفسِهِ. وَمثله فِي الصِّحَاح قَالَ: اشتويت: اتَّخذت شواء. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: من شواء ... إِلَخ من مُتَعَلقَة باشتوى فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: شويت اللَّحْم شياً وَالِاسْم الشواء. والعارضة: النَّاقة الَّتِي أَصَابَهَا كسر أَو عرض فنحرت.
والهضوم بِفَتْح الْهَاء وَضم الْمُعْجَمَة: الْفَتى الَّذِي يهتضم مَاله يقطع مِنْهُ وَيكسر. والنزل بِفَتْح النُّون وَالزَّاي: الْمَعْرُوف وَالْخَيْر.
وَقَوله: فَإِذا أقرضت ... إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال: أَقْرضنِي
(9/299)

فلَان أَي: أَعْطَانِي قرضا.
وَالْقَرْض: مَا تعطيه من المَال لتقضاه. وَالْقَرْض هُنَا: مَا سلف من إِحْسَان أَو إساءة.
قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت: الْبَسِيط
(لَا تخلطن خبيثات بِطيبَة ... واخلع ثِيَابك مِنْهَا وانج عُريَانا)
(كل امْرِئ سَوف يجزى قرضه حسنا ... أَو سَيِّئًا ومدينا كَالَّذي دانا)
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن قرضا هُنَا مفعول مُطلق.)
وَقَالَ الزّجاج عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا: معنى الْقَرْض فِي اللُّغَة: الْبلَاء السَّيئ وَالْبَلَاء الْحسن. الْعَرَب تَقول: لَك عِنْدِي قرض حسن وقرض سيئ. وأصل الْقَرْض مَا يُعْطِيهِ الرجل ليجازى عَلَيْهِ. وَأنْشد بَيت لبيد وَبَيت أُميَّة.
وَقَوله: فاجزه أَمر من الْجَزَاء. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: جزى يَجْزِي مثل قضى يقْضِي وزنا وَمعنى. وَفِي الدُّعَاء: جزاه الله خيرا أَي: قَضَاهُ لَهُ وأثابه عَلَيْهِ وجزيت الدَّين: قَضيته.
وَرُوِيَ: فَإِذا جوزيت قرضا فاجزه قَالَ الْعَيْنِيّ: هما بِمَعْنى وَاحِد. وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بعد الْإِقْرَاض لَا على الْجَزَاء.
وَقَوله: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى ... إِلَخ بِالْبِنَاءِ للمعلوم والفتى فَاعله. وَزعم
(9/300)

الْعَيْنِيّ أَنه بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول والفتى نَائِب الْفَاعِل. وَكَأَنَّهُ لم يتَصَوَّر الْمَعْنى. وَمَعْنَاهُ أَن الَّذِي يَجْزِي بِمَا يُعَامل بِهِ من حسن أَو قَبِيح هُوَ الْإِنْسَان لَا الْبَهِيمَة.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى وَقيل: الْفَتى السَّيِّد اللبيب. وَالْعرب تَقول للجاهل: يَا جمل. أَي: إِنَّمَا يَجْزِي اللبيب من النَّاس لَا الْجَاهِل. يضْرب فِي الْحَث على مجازاة الْخَيْر وَالشَّر. انْتهى.
وعَلى هَذَا فَيكون للجمل هُنَا موقع لَا أَنه جَاءَ للقافية فَقَط كَمَا زعم الطوسي. والجمل كنيته عِنْد الْعَرَب أَبُو أَيُّوب. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع كني الْجمل بِهِ
لِصَبْرِهِ على الْمسير والأحمال تَشْبِيها بصبر أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام.
وَإِلَى هَذَا لمح عَليّ بن الْعَبَّاس الشهير بِابْن الرُّومِي فِي شعر لبيد وَقد ضمنه فِي شعره هاجياً وَزِير المعتضد أَبَا أَيُّوب سُلَيْمَان بن عبد الله فَقَالَ: الرمل
(يَا أَبَا أَيُّوب هذي كنية ... من كنى الْأَنْعَام قدماً لم تزل)
(وَلَقَد وفْق من كناكها ... وَأصَاب الْحق فِيهَا وَعدل)
(أَنْت شبه للَّذي تكنى بِهِ ... ولبعض الْخلق من بعض مثل)
(لست ألحاك على مَا سمتني ... من قَبِيح الرَّد أَو منع النَّفْل)
(قد قضى قَول لبيد بَيْننَا ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل)
...
(9/301)

(كم حدوناك لترقى فِي الْعلَا ... وأبى الله فَلَا تعل هُبل))
وَلم أر ذكر أَيُّوب واشتقاقه فِي كتب اللَّغْو الْمُدَوَّنَة كالقاموس والعباب والصحاح مَعَ كَثْرَة دورانه فِي الْأَلْسِنَة وَلَا فِي مُفْرَدَات الْقُرْآن مَعَ أَنه مَذْكُور فِيهِ.
وَفِي المعربات للجواليقي: قَالَ أَبُو عَليّ: وَقِيَاس همزَة أَيُّوب أَن تكون أصلا زَائِدَة لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يكون فيعولاً أَو فعلولا.
فَإِن جعلته فيعولاً كَانَ قِيَاسه لَو كَانَ عَرَبيا أَن يكون من الأوب مثل قيوم وَيُمكن أَن يكون فعولًا مثل سفود وكلوب وَإِن لم يعلم فِي الْأَمْثِلَة هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُنكر أَن يَجِيء العجمي على مِثَال لَا يكون فِي الْعَرَبِيّ. وَلَا يكون من
الأوب وَقد قلبت الْوَاو فِيهِ إِلَى الْيَاء لِأَن من يَقُول: صيم فِي صَوْم لَا يقلب إِذا تَبَاعَدت من الطّرف فَلَا يَقُول: إِلَّا صوام. وَكَذَلِكَ هَذِه الْعين إِذا تَبَاعَدت من الطّرف وحجز الْوَاو بَينه وَبَين الآخر لم يجز فِيهِ الْقلب. انْتهى.
فَأجَاز أَن يكون من مَادَّة أَوب وَمن مَادَّة أيب والمادتان مذكورتان فِي الْقَامُوس وَفِي غَيره الأولى فَقَط.
(9/302)

وَقَوله: أعمل العيس ... إِلَخ أعمل: أَمر من الإعمال وَهُوَ الإشغال.
والعيس: الْإِبِل الْبيض. وروى: العنس بالنُّون وَهِي النَّاقة الشَّدِيدَة. والعلات بِالْكَسْرِ: الْحَالَات جمع عِلّة بِمَعْنى الْحَالة.
وَقَوله: وَإِذا رمت رحيلاً ... إِلَخ توصيم: فَاعل يَأْمر وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي: يَأْمُرهُ.
والتوصيم بالصَّاد الْمُهْملَة هُوَ فِي الْجَسَد كالتكسير والفترة ووصمته الْحمى بِالتَّشْدِيدِ إِذا أحدثت فِيهِ فَتْرَة وتكسيراً. وَهُوَ من الوصم وَهُوَ الصدع فِي الْعود من غير بينونة. والوصم أَيْضا: الْعَيْب والعار.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي المستقصى: هَذَا المصراع مثل يضْرب فِي الْحَث على الجسارة أَي: حدثها بالظرف وبلوغ الْأَمر إِذا هَمَمْت بِأَمْر لتنشطها للإقدام وَلَا تنازعها بالخيبة فتثبطها. انْتهى.
وَقَوله: إِن صدق ... إِلَخ يَعْنِي إِذا حدثت نَفسك بِالْمَوْتِ لم تعمر شَيْئا وَلم تؤثل مَالا وَفَسَد عَلَيْك عيشك فأزرى ذَلِك بأملك. والإزراء بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة: النَّقْص.
قَالَ بَعضهم: الْكَامِل
(وَإِذا صدقت النَّفس لم تتْرك لَهَا ... أملاً ويأمل مَا اشْتهى المكذوب)
وَأورد هَذَا الْبَيْت صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه على أَن مَا)
مَصْدَرِيَّة فَإِنَّهُ يُقَال: حدث نَفسه بِكَذَا كَمَا يَقُولُونَ: حدثته بِهِ نَفسه.
(9/303)

وَقَوله: غير أَن لَا تكذبنها هُوَ اسْتثِْنَاء من قَوْله: اكذب النَّفس. واخزها بالمعجمتين: أَمر من خزاه يخزوه خزواً إِذا ساسه وقهره. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِهِ وَللَّه مُتَعَلق بِالْبرِّ. وَالْأَجَل: أفعل تَفْضِيل.
وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
(لم يَك الْحق على أَن هاجه ... رسم دَار قد تعفى بالسرر)
على أَن حذف نون يكن المجزوم الملاقى للساكن جَائِز عِنْد يُونُس. وَقَالَ السيرافي: هَذَا شَاذ.
وَالْبَيْت أنْشدهُ أَبُو زيد فِي نوادره مَعَ بَيت آخر بعده وَهُوَ:
(غير الْجدّة من عرفانه ... خرق الرّيح وطوفان الْمَطَر)
وَقَالَ بعدهمَا: لَا أعرف بَيْتا حذفت مِنْهُ النُّون من يكن مَعَ الْألف وَاللَّام غير هَذَا الْبَيْت.
وَهَذَا الْحصْر غير صَحِيح فقد سمع فِي غَيره قَالَ ابْن صَخْر الْأَسدي: الطَّوِيل
(فَإِن لَا تَكُ الْمرْآة أبدت وسامة ... فقد أبدت الْمرْآة جبهة ضيغم)
قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: قَالُوا: لم يكن الرجل لِأَن هَذَا مَوضِع تحرّك فِيهِ النُّون وَالنُّون إِذا وَليهَا الْألف وَاللَّام للتعريف
(9/304)

لم تحذف إِلَّا أَن يضْطَر إِلَيْهِ شَاعِر فَيجوز ذك على قبح واضطرار.
وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ ذهب إِلَى أَنه ضَرُورَة أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَابْن عُصْفُور فِي الضرائر.
وَقَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: أنْشد قطرب وقرأناه على بعض أَصْحَابنَا بِرَفْعِهِ إِلَيْهِ: لم يَك الْحق سوى أَن هاجه الْبَيْت أَي: لم يكن الْحق. وَكَانَ حكمه إِذا وَقعت النُّون موقعاً تحرّك فِيهِ فتقوى بالحركة أَن لَا يحذفها وَحذف النُّون من يكن أقبح من حذف التَّنْوِين وَنون التَّثْنِيَة وَالْجمع لِأَن النُّون فِي يكن أصل وَهِي لَام الْفِعْل والتنوين وَالنُّون زائدتان فالحذف فيهمَا أسهل مِنْهُ فِي لَام الْفِعْل. وَحذف النُّون من يكن أَيْضا أقبح من حذف نون من فِي قَوْله: المنسرح
غير الَّذِي قد يُقَال م الْكَذِب أَي: من الْكَذِب فَلِأَن يكن أَصله يكون حذفت مِنْهُ الْوَاو لالتقاء الساكنين فَإِذا حذفت مِنْهُ)
النُّون أَيْضا لالتقاء الساكنين أجحفت بِهِ لتوالي الحذفين لَا سِيمَا من وَجه وَاحِد عَلَيْهِ. هَذَا قَول أَصْحَابنَا فِي
(9/305)

هَذَا الْبَيْت.
وَأرى أَنا شَيْئا آخر غير ذَلِك وَهُوَ أَن يكون جَاءَ بِالْحَقِّ بعد مَا حذق النُّون من يكن فَصَارَ يَك مثل قَوْله: وَلم تَكُ شَيْئا فَلَمَّا قدره يَك جَاءَ بِالْحَقِّ بعد مَا جَازَ الْحَذف فِي النُّون وَهِي سَاكِنة تَخْفِيفًا فَبَقيَ محذوفاً بِحَالهِ فَقَالَ: لم يَك الْحق. وَلَو كَانَ قدره يكن ثمَّ جَاءَ بِالْحَقِّ لوَجَبَ أَن يكسر نونه لالتقاء الساكنين.
هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن تعليه يَقْتَضِي قِيَاس هَذَا الْحَذف. وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ لنَفسِهِ هُوَ لشيخه أبي عَليّ فِي الْمسَائِل العسكرية قَالَ فِي آخرهَا بعد إنشاد الْبَيْت: إِن قلت فِيهِ إِن الْجَزْم لحقه قبل لحاق وَنَظِير هَذَا إنشاد من أنْشد: الوافر فغض الطّرف إِنَّك من نمير
حرك السَّاكِن الأول فلحق السَّاكِن الثَّانِي وَقد مضى الْحَذف بِالْفَتْح للساكن الأول فَكَذَلِك لحق السَّاكِن وَقد مضى الْحَذف فِي الْحَرْف. وَإِن شِئْت قلت: إِن الْحَرَكَة هُنَا كَانَت لالتقاء الساكنين لم يعْتد بهَا وَكَانَ الْحَرْف فِي نِيَّة سُكُون فَكَمَا كَانَ يحذفها سَاكِنة كَذَلِك يحذفها إِذا كَانَت فِي نِيَّة السّكُون. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: على أَن هاجه ظرف مُسْتَقر فِي مَوضِع الْخَبَر لَكَانَ. وَالْحق يُطلق على معَان مِنْهَا وَهُوَ المُرَاد هُنَا: الْمَوْجُود بِحَسب مُقْتَضى
(9/306)

الْحِكْمَة أَي: لَيْسَ بلائق بالعاشق أَن يهيج حزنه الرَّسْم الدائر.
وهاج هُنَا مُتَعَدٍّ بِمَعْنى أثار وَالْهَاء: مفعول مقدم ضمير العاشق فِي بَيت قبله وَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: هاج حزنه ووجده. ورسم: فَاعل هاج وَهُوَ أثر الدَّار وَجُمْلَة: قد تعفى فِي مَوضِع الصّفة لرسم. وتعفى: مُبَالغَة عَفا الرَّسْم أَي: دثر ودرس وَقَوله: بالسرر ظرف مُسْتَقر فِي مَوضِع الصّفة لدار فقد وصف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ.
والسرر هُنَا ضَبطه أَبُو حَاتِم بِفَتْح السِّين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقد يكسر الأول وكل مِنْهُمَا اسْم قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: قَالَ نصر: السرر بِالتَّحْرِيكِ: وَاد يدْفع من الْيَمَامَة إِلَى أَرض حَضرمَوْت. والسرر بِكَسْر أَوله قَالَ السكرِي فِي قَول أبي ذُؤَيْب: المتقارب.)
(بِآيَة مَا وقفت والركا ... ب بَين الْحجُون وَبَين السرر)
هُوَ مَوضِع على أَرْبَعَة أَمْيَال من مَكَّة حرسها الله تَعَالَى عَن يَمِين الْجَبَل بطرِيق منى.
وَكَانَ عبد الصَّمد بن عَليّ اتخذ عِنْده مَسْجِدا كَانَ بِهِ شَجَرَة ذكر أَنه سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا أَي: قطعت سررهم. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ ياقوت نَاقِلا عَن الْأَزْهَرِي: عَن ابْن عمر أَنه سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا سمي سرراً لذَلِك.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وروى المغاربة: السرر: وَاد على أَرْبَعَة أَمْيَال من مَكَّة عَن يَمِين الْجَبَل قَالُوا: هُوَ بِضَم السِّين وَفتح الرَّاء الأولى قَالُوا:
(9/307)

كَذَا رَوَاهُ المحدثون بِلَا خلاف.
قَالَ الرياشي: المحدثون يضمونه وَهُوَ إِنَّمَا هُوَ السرر بِالْفَتْح. وَهَذَا الْوَادي هُوَ الَّذِي سر فِيهِ سَبْعُونَ نَبيا أَي: قطعت سررهم بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْأَصَح. انْتهى.
وروى: ودثر بدل قَوْله: بالسرر أَي: درس وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء. وعَلى هَذَا يكون مَعْطُوفًا على تعفى فَيكون صفة لرسم أَيْضا.
وَقَوله: غير الْجدّة ... إِلَخ هَذِه الْجُمْلَة صفة لرسم أَيْضا. وَالْجدّة بِكَسْر الْجِيم: مصدر جد الشَّيْء يجد بِالْكَسْرِ جدة هُوَ خلاف الْقَدِيم. والعرفان بِالْكَسْرِ: مصدر عَرفته عَرَفَة بِالْكَسْرِ وعرفاناً إِذا عَلمته بحاسة من الْحَواس الْخمس فَهُوَ مصدر مُضَاف لمفعوله وَالْهَاء ضمير الرَّسْم وفاعله مَحْذُوف. وخرق: فَاعل غير وَهُوَ بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة أَي: الْقطع من الرّيح جمع خرقَة.
وروى الْأَصْمَعِي: خرق بِضَمَّتَيْنِ جمع خريق وَهِي الرّيح الَّتِي تنخرق فِي الْجبَال وَغَيرهَا.
وطوفان الْمَطَر: كثرته. كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم فِيمَا كتبه على النَّوَادِر. يَقُول: غيرت كَثْرَة الرّيح والأمطار مَا استجددناه من معرفتنا لهَذَا الرَّسْم.
والبيتان نسبهما أَبُو زيد لحسيل بن عرفطة قَالَ: وَهُوَ شَاعِر جاهلي. وحسيل: مصغر حسل بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بعدهمَا لَام وَهُوَ ولد الضَّب.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: هُوَ حسيل بِفَتْح الْحَاء وَكسر السِّين وَقَالَ أَبُو حَاتِم: وحسين: مصغر حسن بالنُّون. وغلطه الْأَخْفَش فِيهِ. وَالله أعلم.
(9/308)

(أَفعَال المقاربة)
أنْشد فِيهِ
(الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(إِذا غير النأي المجين لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح)
على أَن بَعضهم قَالَ: إِن النَّفْي إِذا دخل على كَاد تكون فِي الْمَاضِي للإثبات وَفِي الْمُسْتَقْبل كالأفعال مستمسكاً بِالْآيَةِ وَهَذَا الْبَيْت.
وَهَذَا الْفَصْل فِي كَاد هُنَا وبِعَيْنِه عبارَة اللّبَاب بتغيير كَلمه. قَالَ صَاحب اللّبَاب: وَإِذا دخل النَّفْي على كَاد فَهُوَ كَسَائِر الْأَفْعَال على الصَّحِيح وَقيل: يكون للإثبات وَقيل: يكون فِي الْمَاضِي دون الْمُسْتَقْبل تمسكاً بقوله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَبقول ذِي الرمة: إِذا غير الهجر المحبين لم يكد إِلَخ وَالْجَوَاب نه لنفي مقاربة الذّبْح وَحُصُول الذّبْح بعد لَا ينافيها وَلم يُؤْخَذ من لفظ: وَمَا كَادُوا بل من لفظ: فذبحوها. انْتهى.
قَالَ شَارِحه الفالي: قَوْله: وَإِذا دخل النَّفْي ... إِلَخ مَعْنَاهُ نفي مَا دخل عَلَيْهِ إدراجاً لَهُ فِي الْأَمر الْعَام الْمَعْلُوم من اللُّغَة وَهُوَ أَنه إِذا دخل النَّفْي على فعل أَفَادَ نفي مضمونه.
وَقيل: يكون للإثبات أَي: لإِثْبَات الْفِعْل الَّذِي دخل عَلَيْهِ كَاد فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبل.
أما فِي الْمَاضِي فَلقَوْله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَالْمرَاد أَنهم قد فعلوا الذّبْح. وَأما فِي الْمُضَارع فَلِأَن الشُّعَرَاء خطؤوا ذَا الرمة فِي قَوْله: ...
(9/309)

( ... ... ... ... ... . لم يكد ... رسيس الْهوى من حب مية يبرح)
وَهُوَ أَنه يُؤَدِّي إِلَى أَن الْمَعْنى: إِن رسيس الْهوى يبرح وَيَزُول وَإِن كَانَ بعد طول عهد. فلولا أَنهم فَهموا فِي اللُّغَة أَن النَّفْي إِذا دخل على الْمُضَارع من كَاد أَفَادَ إِثْبَات الْفِعْل الْوَاقِع بعده لم يكن لتخطئتهم وَجه.
وَقيل: يكون فِي الْمَاضِي للإثبات دون الْمُسْتَقْبل تمسكاً بقوله تَعَالَى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ إِذْ الْمَعْنى قد فعلوا كَمَا ذكرنَا.
وَبقول ذِي الرمة:)
إِذا غير الهجر الْبَيْت إِذْ الْمَعْنى: وَمَا برح حبها من قلبِي.
فَهَذَا الْقَائِل تمسك بقول ذِي الرمة وَالْقَائِل الأول تمسك بتخطئة الشُّعَرَاء ذَا الرمة. وَالْجَوَاب أَنه لنفي مقاربة الذّبْح وَحُصُول الذّبْح بعد أَي: بعد أَن نفى مقاربة الذّبْح لَا ينافيها. وَلم يُؤْخَذ من لفظ: كَادُوا بل من لفظ: فذبحوها.
وَهَذَا جَوَاب عَن الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورين فَإنَّا لَا نسلم أَن النَّفْي الدَّاخِل على كَاد يُفِيد الْإِثْبَات لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل بل هُوَ بَاقٍ على وَضعه وَهُوَ نفي المقاربة. وَلَيْسَ مَا تمسكوا بِهِ بِشَيْء أما فِي الْآيَة فَهُوَ أَن مَعْنَاهُ أَن بني إِسْرَائِيل مَا قاربوا أَن يَفْعَلُوا للإطناب فِي السؤالات وَلما سبق فِي قَوْلهم: أتتخذنا هزوا وَهَذَا التعنت دَلِيل على أَنهم كَانُوا لَا يقاربون فعله فضلا عَن نفس الْفِعْل.
وَنفي المقاربة قد يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْفِعْل وَقد لَا يَتَرَتَّب وَهُوَ قَوْله: وَحُصُول الذّبْح بعد لَا ينافيها.
وَأما إِثْبَات الذّبْح فمأخوذ من الْخَارِج وَهُوَ قَوْله:
فذبحوها
(9/310)

وَأما الْبَيْت فَكَذَلِك مَعْنَاهُ لِأَن حبها لم يُقَارب أَن يَزُول فضلا عَن أَن يَزُول. وَهُوَ مُبَالغَة فِي نفي الزَّوَال فَإنَّك إِذا قلت: مَا كَاد زيد يُسَافر فَمَعْنَاه أبلغ من: مَا يُسَافر زيد أَي: لم يُسَافر وَلم يقرب من أَن يُسَافر أَيْضا. فالبيت مُسْتَقِيم وَلَا وَجه لتخطئة الشُّعَرَاء إِيَّاه. انْتهى.
وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق فَسَاد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي آخر الْبَاب. وَقَوله كَغَيْرِهِ: إِن الشُّعَرَاء خطؤوا ذَا قَالَ المرزباني فِي الموشح: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد الْجَوْهَرِي وَأحمد بن إِبْرَاهِيم الْجمال قَالَا: حَدثنَا الْحسن بن عليل الْعَنزي قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن مُحَمَّد بن الْمُهلب بن الْمُغيرَة بن حبيب بن الْمُهلب بن أبي صفرَة قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد ابْن المعذل عَن أَبِيه عَن جده غيلَان بن الحكم قَالَ: قدم علينا ذُو الرمة الْكُوفَة فَوقف على رَاحِلَته بالكناسة ينشدنا قصيدته الحائية فَلَمَّا بلغ إِلَى هَذَا الْبَيْت: إِذا غير النأي المحبين ... ... ... . . إِلَخ فَقَالَ لَهُ ابْن شبْرمَة: يَا ذَا الرمة أرَاهُ قد برح. ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ:
(إِذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الْهوى ... ... ... إِلَخ))
قَالَ: فَرَجَعت إِلَى أبي الحكم بن البخْترِي بن الْمُخْتَار فَأَخْبَرته
(9/311)

الْخَبَر فَقَالَ: أَخطَأ ابْن شبْرمَة حَيْثُ أنكر عَلَيْهِ وَأَخْطَأ ذُو الرمة حَيْثُ رَجَعَ إِلَى قَوْله. إِنَّمَا هَذَا كَقَوْل الله عَزَّ وَجَلَّ: إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا أَي: لم يَرَاهَا وَلم يكد. انْتهى.
وَقَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: روى عبد الصَّمد بن المعذل عَن غيلَان
عَن أَبِيه عَن جده غيلَان قَالَ: قدم علينا ذُو الرمة الْكُوفَة فأنشدنا بالكناسة وَهُوَ على رَاحِلَته قصيده الحائية إِذا غير النأي المحبين إِلَخ فَقَالَ لَهُ عبد الله بن شبْرمَة: قد برح يَا ذَا الرمة. ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ: إِذا غير النأي المحبين لم أجد إِلَخ قَالَ: فَأخْبرت أبي بِمَا كَانَ من قَول ذِي الرمة وَاعْتِرَاض ابْن شبْرمَة عَلَيْهِ فَقَالَ: أَخطَأ ذُو الرمة فِي رُجُوعه عَن قَوْله الأول وَأَخْطَأ ابْن شبْرمَة فِي اعتراضه عَلَيْهِ. وَهَذَا كَقَوْل الله تَعَالَى: إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة مطْلعهَا:
(أمنزلتي مي سَلام عَلَيْكُمَا ... على النأي والنائي يود وَينْصَح)
وَبعده:
(فَلَا الْقرب يُبْدِي من هَواهَا ملالة ... وَلَا حبها إِن تنزح الدَّار ينْزح)
...
(9/312)

(أتقرح أكباد المحبين كلهم ... كَمَا كَبِدِي من ذكر مية تقرح)
وَقَوله: إِذا غير النأي ... إِلَخ النأي فَاعل غير وَمَعْنَاهُ الْبعد. ورسيس الْهوى: مَسّه. ويبرح: يَزُول وَهُوَ فعل تَامّ لَازم. ومية: اسْم معشوقته.
يَقُول: إِن العشاق إِذا بعدوا عَمَّن يحبونَ دب السلو إِلَيْهِم وَزَالَ عَنْهُم مَا كَانُوا يقاسون وَأما أَنا
وَزَاد على هَذَا الْمَعْنى قَوْله فِي هَذِه القصيدة:
(أرى الْحبّ بالهجران يمحى فينمحي ... وحبك مياً يستجد ويربح)
أَي: يزِيد الْحبّ كَمَا يزِيد الرِّبْح.
وَقَوله: فَلَا الْقرب يُبْدِي ... إِلَخ نزحت الدَّار: بَعدت. يَقُول: حبها إِن بَعدت الدَّار لم يتَغَيَّر هُوَ لَازم ثَابت.
وَقَوله: أتقرح الْقرح: الْجرْح.)
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
: الْكَامِل
(ظَنِّي بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال)
على أَن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ: إِن عَسى تَأتي بِمَعْنى الْيَقِين كَمَا فِي الْبَيْت.
(9/313)

وَنَقله عَنهُ عبد الْوَاحِد أَبُو الطّيب اللّغَوِيّ فِي كتاب الأضداد قَالَ فِيهِ: قَالَ أَبُو حَاتِم وقطرب: عَسى تكون شكا مرّة ويقيناً أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ وَعَسَى فِي الْقُرْآن وَاجِبَة.
قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هِيَ وَاجِبَة من الله. وكل مَا فِي الْقُرْآن من ذَلِك فَهُوَ وَاجِب من الله.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَمِنْه قَول ابْن مقبل: ظَنِّي بهم كعسى الْبَيْت أَي: ظَنِّي بهم كيقين. انْتهى.
وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق بِأَنَّهُ لَا يعرف عَسى فِي غير كَلَام الله لليقين وَيجوز أَن يكون معنى: ظَنِّي بهم كعسى أَي: رَجَاء مَعَ طمع.
وَيُؤَيّد توقفه مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن السّكيت فِي كتاب الأضداد قَالَ فِيهِ: الظَّن يَقِين وَالظَّن شكّ وَمن الْيَقِين قَول ابْن مقبل:
(ظن بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال)
ويروى: جوائب أَي: تجوب الْبِلَاد. يَقُول: الْيَقِين مِنْهُم كعسى وَعَسَى شكّ. انْتهى.
فَجعل الْيَقِين للظن وَعَسَى للشَّكّ على أَصْلهَا. وَالرِّوَايَة عِنْده: ظن بهم كعسى بتنوين ظن من غير إِضَافَة إِلَى الْيَاء. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه صفة لظن وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره كعسى أَو خَبره مَحْذُوف أَي: للنَّاس ظن بهم فالياء مُتَعَلقَة بِظَنّ وَالْكَاف اسْم
(9/314)

صفة لظن وَجُمْلَة: وهم والتنوفة: الفلاة. ويتنازعون: يتجاذبون. وجوائز الْأَمْثَال أَي: الْأَمْثَال السائرة فِي الْبِلَاد.
وَبِمَعْنَاهُ جوائب الْأَمْثَال من جاب الْوَادي أَو الْمَكَان يجوبه جوباً إِذا سلكه وقطعه. وَأما على رِوَايَة ظَنِّي بِالْإِضَافَة فَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره كعسى أَي: يقيني بهم كشك فِي حَال كَونهم فِي الفلاة إِذْ لَيست أعلم الْغَيْب.)
يُرِيد أَنه لَا يَقِين لَهُ بهم. وبهذه الرِّوَايَة فسر أَبُو حَاتِم الظَّن فِي الْبَيْت بِالْيَقِينِ نَقله عَنهُ عبد الْوَاحِد الْمَذْكُور قَالَ فِي كِتَابه الأضداد: قَالَ أَبُو حَاتِم: وَأما قَوْله تَعَالَى: وَظن أَنه الْفِرَاق فأظنه يستيقن.
قَالَ الشَّاعِر فِي الظَّن بِمَعْنى الْيَقِين.
ظَنِّي بهم كعسى الْبَيْت والجوائز: الَّتِي تجوز الْبِلَاد أَي: تقطعها. يَقُول: يقيني بهم كعسى. انْتهى.
وَلم أَقف على تَتِمَّة هَذَا الْبَيْت وَهُوَ لِابْنِ مقبل وَهُوَ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ.
ثمَّ رَأَيْت فِي كتاب الأضداد لأبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن بشار الْأَنْبَارِي قَالَ: عَسى لَهَا مَعْنيانِ متضادان: أَحدهمَا: الشَّك والطمع وَالْآخر: الْيَقِين. قَالَ تَعَالَى: وَعَسَى أَن تكْرهُوا وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: عَسى فِي جَمِيع
(9/315)

كتاب الله وَاجِبَة. وَقَالَ غَيره: عَسى فِي الْقُرْآن وَاجِبَة إِلَّا فِي موضِعين فِي سُورَة بني إِسْرَائِيل: عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ يَعْنِي بني النَّضِير فَمَا رَحِمهم رَبهم بل قَاتلهم رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأوقع الْعقُوبَة بهم.
وَفِي سُورَة التَّحْرِيم: عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا فَمَا أبدله الله بِهن أَزْوَاجًا وَلَا بن مِنْهُ حَتَّى قبض عَلَيْهِ السَّلَام. وَقَالَ تَمِيم بن أبي بن مقبل فِي كَون عَسى إِيجَابا:
(ظن بهم كعسى وهم بتنوفة ... يتنازعون جوائز الْأَمْثَال)
أَرَادَ: ظن بهم كيقين. ويروى: سوائر الْأَمْثَال. ويروى: جوائب الْأَمْثَال.
وأنشدنا أَبُو الْعَبَّاس: الوافر عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ الْبَيْت فَعَسَى فِي هَذَا الْبَاب على معنى الشَّك. انْتهى كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
الرجز
على أَن الْمُتَأَخِّرين استدلوا بِهَذَا وبالمثل وَهُوَ: عَسى الغوير أبؤساً بِوُقُوع الْمُفْرد مَنْصُوبًا بعد مَرْفُوع على أَن أنْ وَالْفِعْل فِي قَوْلهم: عَسى
(9/316)

زيد أَن يفعل فِي مَوضِع نصب على أَنه خبر لعسى وَهِي تعْمل عمل كَانَ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات النَّاظِم: طعن فِي هَذَا الْبَيْت عبد الْوَاحِد الطراح فِي كِتَابه بغية الآمل ومنية السَّائِل. فَقَالَ: هُوَ بَيت مَجْهُول لم ينْسبهُ الشُّرَّاح إِلَى أحد فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَلَو صَحَّ مَا قَالَه لسقط الِاحْتِجَاج بِخَمْسِينَ بَيْتا من كتاب سِيبَوَيْهٍ فَإِن فِيهِ ألف بَيت قد عرف قائلوها وَخمسين بَيْتا مَجْهُولَة الْقَائِلين. انْتهى.
أَقُول: الشَّاهِد الَّذِي جهل قَائِله إِن أنْشدهُ ثِقَة كسيبويه وَابْن السراج والمبرد وَنَحْوهم فَهُوَ مقبل يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا يضر جهل قَائِله فَإِن الثِّقَة لَو لم يعلم أَنه من شعر من يَصح الِاسْتِدْلَال بِكَلَامِهِ لما أنْشدهُ.
وَمُرَاد عبد الْوَاحِد أَنه لم ينْسبهُ الشُّرَّاح إِلَى أحد مِمَّن أنْشدهُ من الثِّقَات أَو إِلَى قَائِل معِين يحْتَج بِكَلَامِهِ.
ثمَّ قَالَ ابْن هِشَام: وَقد حرف ابْن الشجري هَذَا الرجز فأنشده: الرجز
(قُم قَائِما قُم قَائِما ... إِنِّي عَسَيْت صَائِما)
وَإِنَّمَا قُم قَائِما صدر رجز آخر يَأْتِي فِي بَاب الْحَال وَلَا يتركب قَوْله: إِنِّي عَسَيْت صَائِما عَلَيْهِ بل أَصله:
(أكثرت فِي العذل ملحاً دَائِما ... لَا تكثرن إِنِّي عَسَيْت صَائِما)
فَإِن مَعْنَاهُ: أَيهَا العاذل الْملح فِي عذله إِنَّه لَا يُمكن مُقَابلَة كلامك بِمَا يُنَاسِبه من السب فإنني صَائِم. وَهُوَ مقتبس من الحَدِيث: فَلْيقل
(9/317)

إِنِّي صَائِم. ويروى: لَا تلحني مَكَان لَا تكثرن وَهُوَ بِفَتْح التَّاء. يُقَال: لحيته ألحاه لحياً إِذا لمته.
وَالشَّاهِد فِي قَوْله: صَائِما فَإِنَّهُ اسْم مُفْرد جِيءَ بِهِ خَبرا عَسى.
كَذَا قَالُوا وَالْحق خِلَافه وَإِن عَسى هُنَا فعل تَامّ خبري لَا فعل نَاقص إنشائي. يدلك على أَنه خبري وُقُوعه خَبرا لإن وَلَا يجوز بالِاتِّفَاقِ: إِن زيدا هَل قَامَ وَأَن هَذَا الْكَلَام يقبل التَّصْدِيق)
والتكذيب وعَلى هَذَا فَالْمَعْنى: إِنِّي رَجَوْت أَن أكون صَائِما. فصائماً خبر لَكَانَ وَأَن وَالْفِعْل مفعول لعسى. وسيبويه يُجِيز حذف أَن وَالْفِعْل إِذا قويت الدّلَالَة على الْمَحْذُوف.
أَلا ترى أَنه قدر فِي قَوْله: من لد شولاً
وَمن وُقُوع عَسى فعلا خبرياً قَوْله تَعَالَى: قَالَ هَل عسيتم إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال أَلا تقاتلوا أَلا ترى أَن الِاسْتِفْهَام طلب فَلَا يدْخل على الْجُمْلَة الإنشائية وَأَن الْمَعْنى قد طمعتم أَن لَا تقاتلوا إِن كتب عَلَيْكُم الْقِتَال.
وَمِمَّا يحْتَاج إِلَى النّظر قَول الْقَائِل: عَسى زيد أَن يقوم فَإنَّك قد قدرت عَسى فِيهِ فعلا إنشائياً كَمَا قَالَه النحويون أشكل إِذْ لَا يسند
(9/318)

فعل الْإِنْشَاء إِلَّا إِلَى منشئه وَهُوَ الْمُتَكَلّم كبعت واشتريت وَأَقْسَمت وَقبلت وحررتك. وَأَيْضًا فَمن الْمَعْلُوم أَن زيدا لم يترج وَإِنَّمَا المترجي الْمُتَكَلّم.
وَإِن قدرته خَبرا كَمَا فِي الْبَيْت وَالْآيَة فَلَيْسَ الْمَعْنى على الْإِخْبَار وَلِهَذَا لَا يَصح تَصْدِيق قَائِله وَلَا تَكْذِيبه.
فَإِن قلت: يخلص من هَذَا الْإِشْكَال أَنهم نصوا على أَن كَانَ وَمَا أشبههَا أَفعَال جَارِيَة مجْرى الأدوات فَلَا يلْزم فِيهَا حكم سَائِر الْأَفْعَال.
قلت: قد اعْتَرَفُوا مَعَ ذَلِك بِأَنَّهَا مُسندَة إِذْ لَا يَنْفَكّ الْفِعْل الْمركب عَن الْإِسْنَاد إِلَّا إِن كَانَ زَائِدا أَو مؤكداً على خلف فِي هذَيْن أَيْضا. وَقَالُوا: إِن كَانَ مُسندَة إِلَى مَضْمُون الْجُمْلَة.
وَقد بَينا أَن الْفِعْل الإنشائي لَا يُمكن إِسْنَاده لغير الْمُتَكَلّم. وَإِنَّمَا الَّذِي يخلص من الْإِشْكَال أَن يدعى أَنَّهَا هُنَا حرف بِمَنْزِلَة لَعَلَّ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ والسيرافي بحرفيتها فِي نَحْو: عَسى وعساك وعساه.
وَقد ذهب أَبُو كبر وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّهَا حرف دَائِما. وَإِذا حملناها على الحرفية زَالَ الْإِشْكَال إِذْ الْجُمْلَة الإنشائية حِينَئِذٍ اسمية لَا فعلية كَمَا تَقول: لَعَلَّ زيدا يقوم. فاعرف الْحق ودع التَّقْلِيد واستفت نَفسك وَإِن أفناك النَّاس.
هَذَا كَلَام ابْن هِشَام وَهُوَ خلاف مَسْلَك الشَّارِح الْمُحَقق.)
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الْمثل: إِن عَسى للإشفاق والغوير: مَاء لكَلْب
مَعْرُوف. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ. وَهُوَ فِي الأَصْل مصغر غور أَو غَار. والأبؤس: جمع بؤس وَهُوَ الشدَّة.
وأصل الْمثل أَن الزباء لما قتلت جذيمة جَاءَ قصير إِلَى عَمْرو بن عدين فَقَالَ: أَلا تَأْخُذ ثأر خَالك فَقَالَ:
(9/319)

كَيفَ السَّبِيل إِلَى ذَلِك.
فَعمد قصير إِلَى أَنفه فجدعها فَقيل: لأمر مَا جدع قصير أَنفه وأتى الزباء وَزعم أَنه فر إِلَيْهَا وَأَنَّهُمْ آذوه بِسَبَبِهَا وَأقَام فِي خدمتها مُدَّة يتجر لَهَا ثمَّ إِنَّه أَبْطَأَ عَنْهَا فِي السّفر فَسَأَلت عَنهُ فَقيل: أَخذ فِي طَرِيق الغوير فَقَالَت: عَسى الغوير أبؤساً.
ثمَّ لم يلبث أَن جَاءَ بالجمال عَلَيْهَا صناديق فِي جوفها الرِّجَال فَلَمَّا دخلُوا الْبَلَد خَرجُوا من الصناديق وانضاف إِلَيْهِم الرِّجَال الموكلون بالصناديق فَقتلُوا فِي النَّاس قتلا ذريعاً وَقتلُوا أهل الزباء وأسروها وفقؤوا عينهَا وَأتوا بهَا عمرا فَقَتلهَا.
وَقيل: إِنَّهَا امتصت خَاتمًا كَانَ مَعهَا مسموماً. وَمعنى الْمثل: لَعَلَّ الشَّرّ يَأْتِي من قبل الغوير.
يضْرب للرجل يتَوَقَّع الشَّرّ من جِهَة بِعَينهَا.
وَجَاء رجل إِلَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يحمل لقيطاً فَقَالَ لَهُ عمر: عَسى الغوير أبؤساً. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: عرض بِهِ أَي: لَعَلَّك صَاحب اللَّقِيط.
وَوهم ابْن الخباز فِي أصل الْمثل فَقَالَ: قالته الزباء حِين ألجأها قصير إِلَى غارها. انْتهى.
وَفِي الصِّحَاح: قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله أَنه كَانَ غَار فِيهِ نَاس فانهار عَلَيْهِم أَو أَتَاهُم فِيهِ عَدو فَقَتلهُمْ فَصَارَ مثلا لكل شَيْء يخَاف أَن يَأْتِي مِنْهُ شَرّ.
قلت: وَتَكون الزباء تَكَلَّمت بِهِ تمثلاً. وَهَذَا حسن لِأَن الزباء فِيمَا زَعَمُوا رُومِية فَكيف يحْتَج بكلامها وَقد يُقَال: وَجه الْحجَّة أَن الْعَرَب تمثلت بِهِ بعْدهَا.
وَاخْتلف فِي ناصب أبؤساً فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ وَأبي عَليّ أَنه عَسى
(9/320)

وَأَن ذَلِك من مُرَاجعَة الْأُصُول.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يصير محذوفة. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: التَّقْدِير: أَن يكون أبؤساً كَقَوْلِه: الوافر لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان وَمنع سِيبَوَيْهٍ أَن يكون إِضْمَار فِيهِ لِأَن فِيهِ إِضْمَار الْمَوْصُول وَقدر إِلَّا صفة. وَقيل التَّقْدِير: يكون أبؤساً وَفِيه مَجِيء الْفِعْل بعد عَسى بِغَيْر أَن وإضمار كَانَ غير وَاقعَة بعد أَدَاة تطلب الْفِعْل. وَقيل التَّقْدِير: عَسى الغوير يَأْتِي بأبؤس وَفِيه ترك أَن وَإِسْقَاط الْجَار توسعاً.)
وَلَكِن يشْهد لَهُ قَول الْكُمَيْت: الْبَسِيط
(قَالُوا أَسَاءَ بَنو بكر فَقلت لَهُم ... عَسى الغوير بإبآس وإغوار)
وتلخص: أَن أبؤساً خبر لعسى أَو لَكَانَ أَو لصار أَو مفعول بِهِ. وَأحسن من ذَلِك كُله أَن يقدر يبأس أبؤساً فَيكون مَفْعُولا مُطلقًا وَيكون مثل قَوْله تَعَالَى: فَطَفِقَ مسحاً أَي: يمسح مسحاً وَقَول أبي دهبل الجُمَحِي: الطَّوِيل
(لَأَوْشَكَ صرف الدَّهْر تَفْرِيق بَيْننَا ... وَلَا يَسْتَقِيم الدَّهْر والدهر أَعْوَج)
أَي: لَأَوْشَكَ يفرق بَيْننَا تفريقاً ثمَّ حذف الْفِعْل وأقيم الْمصدر مقَامه وأضيف إِلَى ظرفه.
(9/321)

انْتهى كَلَام ابْن هِشَام وَهَذَا خلاف مَا اخْتَارَهُ فِي الْمُغنِي قَالَ فِيهِ: الصَّوَاب أَنَّهُمَا أَي: الْبَيْت والمثل مِمَّا حذف فِيهِ الْخَبَر أَي: يكون أبؤساً وأكون صَائِما لِأَن فِي ذَلِك إبْقَاء لَهما على الِاسْتِعْمَال الْأَصْلِيّ وَلِأَن المرجو كَونه صَائِما لَا نفس الصَّائِم. انْتهى.
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون ذَلِك إبْقَاء على الِاسْتِعْمَال الْأَصْلِيّ أَن لَو جعل التَّقْدِير أَن يكون وَقد ذكر جَمِيع أوجه عَسى فِي الِاسْتِعْمَال ومذاهب النَّحْوِيين فِيهَا فِي مُغنِي اللبيب.
وَقَول الشَّاعِر: أكثرت فِي العذل ... . إِلَخ يجوز أَن يكون بَيْتا مصرعاً من تَامّ الرجز من ضربه الأول وَأَن يكون بَيْتَيْنِ من مشطوره. وَقد نسب إِلَى رؤبة بن العجاج وَلم أَجِدهُ فِي ديوَان رجزه.
وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان هَذَا عجز وصدره: وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ
وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد السبعمائة)
(9/322)

الطَّوِيل
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله)
كَذَا قدره أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر وَأورد لَهُ نظيراً. وَالْمرَاد: هَمَمْت بقتْله وَلم أَفعلهُ وكدت أَقتلهُ.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا على أَن الْهم الْقَصْد من هم بِالْأَمر: قَصده وعزم عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْت. وَمِنْه الْهمام للْملك لِأَنَّهُ إِذا قصد شَيْئا أَمْضَاهُ.
والحلائل: جمع حَلِيلَة وَهِي الزَّوْجَة. وَالْمعْنَى: قصدت قتل عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَلم أفعل مَا قصدته وقاربته وليتني تركت زَوْجَاته يبْكين عَلَيْهِ.
وَالْبَيْت من أَبْيَات سَبْعَة لضابئ البرجمي قَالَهَا فِي الْحَبْس وَمَات فِيهِ أوردهَا أَبُو تَمام فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهِي:
(من قافل أدنى الْإِلَه ركابه ... يبلغ عني الشّعْر إِذْ مَاتَ قَائِله)
(فَلَا يقبلن بعدِي امْرُؤ سيم خطة ... حذار لِقَاء الْمَوْت وَالْمَوْت نائله)
(وَلَا تتبعيني إِن هَلَكت ملامة ... فَلَيْسَ بِعَارٍ قتل من لَا تُقَاتِلهُ)
(فَإِنِّي وَإِيَّاكُم وشوقاً إِلَيْكُم ... كقابض مَاء لم تطعه أنامله)
(هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عُثْمَان تبْكي حلائله)
(وقائلة لَا يبعدن ذَلِك الْفَتى ... إِذا احمر من برد الشتَاء أصائله)
(9/323)

وَقَوله: من قافل اسْتِفْهَام أَي: من رَاجع وَجُمْلَة: أدنى الْإِلَه ركابه دعائية أَي: قرب الله إبِله إِلَى وَطنه.
وَقَوله: سيم خطة أَي: كلف أمرا. ومفعول يقبلن مَحْذُوف.
وَقَوله: وَلَا تتبعيني خطاب لامْرَأَته. وَقَوله: فَلَيْسَ بِعَارٍ ... إِلَخ أَي: قتل من لَا تقدر على مقاتلته لِأَن مَاتَ فِي حبس الإِمَام.
وَقَوله: وقائلة أَي: رب قَائِله. وَلَا يبعدن أَي: لَا يهلكن من بعد من بَاب فَرح إِذا هلك.
وَقَوله: إِذا احمر من برد ... إِلَخ يُرِيد أَنه مضياف فِي الشتَاء وَهُوَ زمن الْقَحْط عِنْد الْعَرَب لعدم نَبَات الأَرْض.)
وَقَوله: لَا يبعد الله من أبعده أَي: أهلكه. وضابئ آخِره همزَة بعد مُوَحدَة وأوله ضاد مُعْجمَة وَهُوَ قَائِل الشّعْر. والكبش: السَّيِّد الشجاع.
وضابئ هَذَا هُوَ ضابئ بن الْحَارِث بن أَرْطَاة من بني غَالب بن حَنْظَلَة التَّمِيمِي البرجمي بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَضم الْجِيم نِسْبَة إِلَى البراجم
وهم سِتّ بطُون من أَوْلَاد حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم: قيس وَعَمْرو وغالب وكلفة والظليم ومكاشر لقبوا بالبراجم لِأَن رجلا مِنْهُم اسْمه حَارِثَة بن عَامر قَالَ لَهُم: تَعَالَوْا فلنجتمع مثل براجم يَدي هَذِه
(9/324)

وضابئ أدْرك النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَكن يقنص الْوَحْش فاستعار من بعض بني جَرْوَل بن نهشل كَلْبا اسْمه قرحان بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْمُهْملَة بعْدهَا حاء مُهْملَة وَكَانَ يصيد بِهِ الْبَقر والظباء والضباع فطال مكثه عِنْده فطلبوه فَامْتنعَ فَرَكبُوا يطْلبُونَ كلبهم فَقَالَ لامْرَأَته: اخلطي لَهُم فِي قدرك من لُحُوم الْبَقر والظباء والضباع فَإِن عافوا بَعْضًا وأكلوا بَعْضًا تركُوا كلبك لَك وَإِن هم لم يفرقُوا فَلَا كلب لَك.
فَلَمَّا أطْعمهُم أكلوه ثمَّ أخذُوا كلبهم فَغَضب ضابئ وَرمى أمّهم بالكلب وَقَالَ: الطَّوِيل
(تجشم نحوي وَفد قرحان سربخاً ... تظل بِهِ الوجناء وَهِي حسير)
(فأردفتهم كَلْبا فراحوا كَأَنَّمَا ... حباهم بتاج الهرمزان أَمِير)
(وقلدتهم مَا لَو رميت متالعاً ... بِهِ وَهُوَ مغبر لكاد يطير)
(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... أُمَامَة مني والأمور تَدور)
...
(9/325)

(فأمكم لَا تتركوها وكلبكم ... فَإِن عقوق الوالدات كَبِير
)
(فَإنَّك كلب قد ضريت بِمَا ترى ... سميع بِمَا فَوق الْفراش بَصِير)
(إِذا عثنت من آخر اللَّيْل دخنة ... يبيت لَهُ فَوق الْفراش هرير)
فَلَمَّا بَلغهُمْ الشّعْر وَأَنه رمى أمّهم بالكلب اسْتَعدوا عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ لَهُ عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: مَا أعرف فِي الْعَرَب أفحش وَلَا ألأم مِنْك فَإِنِّي مَا رَأَيْت أحدا رمى أحدا بكلب غَيْرك وَإِنِّي لأظنك لَو كنت فِي زمن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لنزل فِيك وَحي فحبسه فِي السجْن فَقَالَ فِي الْحَبْس أبياتاً مِنْهَا: الطَّوِيل
(وَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب)
وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله مَعَ الأبيات فِي إِن الْمُشَدّدَة.)
فَلَمَّا سَمعهَا أخرجه من الْحَبْس فَأخذ سكيناً فَجَعلهَا فِي أَسْفَل نَعله ليفتك بعثمان فَأعْلم بذلك فَضَربهُ ورده إِلَى الْحَبْس إِلَى أَن مَاتَ فِيهِ. وَفِي ذَلِك قَالَ الأبيات الَّتِي مِنْهَا: هَمَمْت وَلم فعل وكدت وليتني ... ... ... ... . . الْبَيْت وَلم يزل فِي الْحَبْس حَتَّى أَصَابَته الدُّبَيْلَة فَأَنْتن فَمَاتَ فِي الْحَبْس.
(9/326)

وَلما قتل عُثْمَان جَاءَ عُمَيْر بن ضابئ فرفسه بِرجلِهِ فَكسر ضلعين من أضلاعه وَقَالَ: حبست أبي حَتَّى مَاتَ وَلما كَانَ زمن الْحجَّاج واستعرض أهل الْكُوفَة ليوجههم إِلَى الْمُهلب عرض عَلَيْهِ فيهم عُمَيْر بن ضابئ وَهُوَ شيخ كَبِير يرعش كبرا فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله بديلاً قَالَ: نعم. فَلَمَّا ولى قَالَ قَائِل: أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ: لَا قَالَ: هَذَا عُمَيْر ابْن
ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ: وَحكى الْقِصَّة فَقَالَ الْحجَّاج: ردُّوهُ عَليّ. فَلَمَّا رد قَالَ: أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى عُثْمَان بديلاً يَوْم الدَّار إِن فِي قَتلك لصلاحاً للْمُسلمين يَا حرسي اضْرِب عُنُقه وَسمع ضوضاة فَقَالَ: مَا هَذَا قَالُوا: البراجم جَاءَت لتنصر عُمَيْرًا. قَالَ: أتحفوهم بِرَأْسِهِ فَوَلوا هاربين.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(9/327)

الوافر
(عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... يكون وَرَاءه فرج قريب)
على أَنه حذف أَن من خبر عَسى وَهُوَ قَلِيل وَالتَّقْدِير: أَن يكون وَرَاءه ... . إِلَخ.
وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهُوَ ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: عَسى يفعل يشبهها بكاد يفعل فيفعل حِينَئِذٍ فِي مَوضِع الِاسْم الْمَنْصُوب فِي قَوْله عَسى الغوير أبؤساً. فَهَذَا مثل من أَمْثَال الْعَرَب أجروا فِيهِ عَسى مجْرى كَانَ.
قَالَ هدبة: وَقَالَ: الطَّوِيل
(عَسى الله يُغني عَن بِلَاد ابْن قَادر ... بمنهمر جون الربَاب سكوب)
وَقَالَ: الوافر
(فَمَا كيس فنجا وَلَكِن ... عَسى يغتر بِي حمق لئيم)
اه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي هَذِه الأبيات إِسْقَاط أَن ضَرُورَة وَرفع الْفِعْل. والمستعمل فِي الْكَلَام أَن يكون كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَسى أَن يَبْعَثك رَبك وعَسى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح.
والمنهمر: السَّائِل. والجون: الْأسود. والرباب: السَّحَاب. والحمق بِكَسْر الْمِيم: الأحمق.
(9/328)

وَكَذَا قَالَ ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر وَبعد أَن أورد هَذِه الأبيات وَغَيرهَا قَالَ: وَمَا ذكرته من أَن اسْتِعْمَال الْفِعْل الْوَاقِع فِي مَوضِع خبر عَسى بِغَيْر أَن ضَرُورَة هُوَ مَذْهَب الْفَارِسِي وَجُمْهُور الْبَصرِيين.
وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ يُعْطي أَنه جَائِز فِي الْكَلَام لِأَنَّهُ قَالَ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يقولك عَسى يفعل تَشْبِيها بكاد. فَأطلق القَوْل وَلم يُقيد ذَلِك بالشعر. إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يحمل كَلَامه على عُمُومه لما ذكره أَبُو عَليّ من أَنَّهَا لَا تكَاد تَجِيء بِغَيْر أَن إِلَّا فِي ضَرُورَة.
وَأَيْضًا فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الشّعْر وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن إِنَّمَا هُوَ بِالْحملِ على كَاد لشبهها بهَا من حَيْثُ جمعتهما المقاربة.
وَكَاد مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الشُّرُوع من جِهَة أَنَّهَا لمقاربة)
ذَات الْفِعْل فقربت لذَلِك من الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ للأخذ فِي الْفِعْل وَلَيْسَت عَسى كَذَلِك لِأَن فِيهَا تراخياً.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: عَسى زيد أَن يحجّ الْعَام وَإِنَّمَا عدت فِي أَفعَال المقاربة مَعَ مَا فِيهَا من التَّرَاخِي من جِهَة أَنَّهَا تدخل على الْفِعْل المرجو وَالْفِعْل المرجو قريب بِالنّظرِ إِلَى مَا لَيْسَ بمرجو. فَلَمَّا كَانَت مَحْمُولَة فِي اسْتِعْمَالهَا بِغَيْر أَن على مَا هُوَ مَحْمُول على غَيره ضعف الْحمل فَلم تَجِيء إِلَّا فِي الضَّرُورَة. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لهدبة بن خشرم قَالَهَا فِي الْحَبْس وَهِي: ...
(9/329)

(طربت وَأَنت أَحْيَانًا طروب ... وَكَيف وَقد تعلاك المشيب)
(يجد النأي ذكرك فِي فُؤَادِي ... إِذا ذهلت على النأي الْقُلُوب)
(يؤرقني اكتئاب أبي نمير ... فقلبي من كآبته كئيب)
(فَقلت لَهُ: هداك الله مهلا ... وَخير القَوْل ذُو اللب الْمُصِيب)
(فَيَأْمَن خَائِف ويفك عان ... وَيَأْتِي أَهله الرجل الْغَرِيب)
(أَلا لَيْت الرِّيَاح مسخرات ... بحاجتنا تباكر أَو تؤوب)
(9/330)

(فتخبرنا الشمَال إِذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عَنَّا الْجنُوب)
(فَإنَّا قد حللنا دَار بلوى ... فتخطئنا المنايا أَو تصيب)
(إِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولى ... فَإِن غَدا لناظره قريب)
(وَقد علمت سليمى أَن عودي ... على الْحدثَان ذُو أيد صَلِيب)
(وَأَن خليقتي كرم وَأَنِّي ... إِذا أبدت نواجذها الحروب)
(أعين على مكارمها وأغشى ... مكارهها إِذا كع الهيوب)
(وَقد أبقى الْحَوَادِث مِنْك ركنا ... صليباً مَا تؤيسه الخطوب)
(على أَن الْمنية قد توافي ... لوقت والنوائب قد تنوب)
هَذَا مَا أوردهُ القالي فِي أَمَالِيهِ وَزَاد بعده الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته: الوافر
(وَإِنِّي فِي العظائم ذُو غناء ... وأدعى للفعال فأستجيب)
(وَإِنِّي لَا يخَاف الْغدر جاري ... وَلَا يخْشَى غوائلي الْقَرِيب)
(وَكَمن من صَاحب قد بَان عني ... رميت بفقده وَهُوَ الحبيب))
(مَخَافَة أَن يراني مستكيناً ... عَدو أَو يساء بِهِ قريب)
(ويشمت كاشح ويظن أَنِّي ... جزوع عِنْد نائبة تنوب)
(فبعدك سدت الْأَعْدَاء طرقاً ... إِلَيّ ورابني دهر يريب)
...
(9/331)

(وَأنْكرت الزَّمَان وكل أَهلِي ... وهرتني لغيبتك الكليب)
(وَكنت تقطع الْأَبْصَار دوني ... وَإِن وغرت من الغيظ الْقُلُوب)
الطَّرب: خفَّة تصيب الْإِنْسَان لفرح أَو حزن. والنأي: الْبعد. ويؤرقني
: يسهرني. والاكتئاب: افتعال من الكآبة وَهِي الْحزن. وَأَبُو نمير قَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ رجل كَانَ مسجوناً مَعَه فجالسه يَوْمًا وَأظْهر لَهُ التألم.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ رجل من قرَابَته زار هدبة أَيَّام حَبسه فأظهر الْحزن. والكآبة. وَقَوله: وَخير القَوْل ذُو اللب أَي: قَول ذِي اللب.
وَرَوَاهُ ابْن المستوفي: وَخير القَوْل ذُو العيج الْمُصِيب بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالْجِيم وَقَالَ: وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عجت بِهِ أَي: لم أَرض بِهِ.
وَإِن روى: العنج بالنُّون فَهُوَ الِاسْم من عنجت الْبَعِير أعنجه عنجاً وَهُوَ أَن يجذب الرَّاكِب قَالَ ابْن السيرافي: والعيج من القَوْل: مَا ينْتَفع بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: مَا عدت بِكَلَامِهِ أَي: مَا انتفعت. كَذَا وجدته: العيج بِفَتْح الْعين وَالْيَاء.
وَقَوله: عَسى الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ ... . إِلَخ الكرب: الْهم.
قَالَ ابْن المستوفي: رُوِيَ بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا من أمسيت. والنحويون إِنَّمَا يَرْوُونَهُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح عِنْدِي أولى لِأَنَّهُ يُخَاطب ابْن عَمه أَبَا نمير وَكَانَ مَعَه فِي السجْن.
وَقَوله هَذَا لِابْنِ عَمه ليسليه بِهِ لما رَآهُ من خَوفه أَجود من أَن يكون يُرِيد بِهِ نَفسه لِأَن فِي قَوْله لِابْنِ عَمه زجرا
(9/332)

لَهُ: مهلا أَي: امهل يدل على مَا ذكرته. وَلَا يجوز أَن يُقَال: إِن اكتئاب ابْن عَمه إِنَّمَا كَانَ حذرا على هدبة لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لما قَالَ لَهُ: مهلا وَلِأَن الْإِنْسَان أَكثر عناية بِنَفسِهِ من عنايته بِغَيْرِهِ.
وَلَا يمْتَنع ضم التَّاء على أَن يُرِيد بِهِ: لَا يضق صدرك بِشَيْء فَإِن الكرب الَّذِي أمسيت فِيهِ يكون لَهُ فرج قريب فيزول مَا عنْدك. انْتهى.)
وَعين اللَّخْمِيّ فتح التَّاء قَالَ: الرِّوَايَة عَن أبي الْقَاسِم الزجاجي ضم التَّاء وَإِنَّمَا هِيَ تَاء الْمُخَاطب لِأَن مَا قبل الْبَيْت يدل عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُخَاطب أَبَا نمير وَهُوَ ابْن عَمه وَكَانَ مسجوناً مَعَه.
وَقَالَ ابْن هِشَام: وَرَاء ظرف مؤنث تصغيره على وريئة وَظُهُور الْهمزَة فِي تصغيره دَلِيل على أَنه لَيْسَ من واريت كَمَا قَالَ بَعضهم. وَالْأَظْهَر أَنه بِمَعْنى أَمَام كَقَوْلِه تَعَالَى: من وَرَائه جَهَنَّم وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا.
والفرج: انكشاف الْهم. وَفِي يكون ضمير الكرب وَيجوز أَن تكون نَاقِصَة وتامة وعَلى الأول يكون فرج: مُبْتَدأ وَقَرِيب: صفته والظرف: خبر وَالْجُمْلَة الاسمية خبر يكون. وعَلى الثَّانِي تكون الْجُمْلَة حَالا.
وَيجوز على الْوَجْهَيْنِ أَن يكون فرج فَاعِلا بالظرف على أَنه خبر النَّاقِصَة وَحَال من فَاعل التَّامَّة. وَهَذَا أرجح من تَقْدِيره مُبْتَدأ. وَإِنَّمَا لم أقدر فرج اسْم يكون على أَنَّهَا النَّاقِصَة ووراءه الْخَبَر أَو فَاعِلا ليَكُون على أَنَّهَا التَّامَّة ووراءه مُتَعَلق
(9/333)

بيكون كَمَا فعل بَعضهم لِأَن فَاعل الْفِعْل الْوَاقِع فِي بَاب كَاد لَا يكون إِلَّا ضميراً رَاجعا للاسم السَّابِق فَلَا يجوز كَاد زيد يَمُوت أَبوهُ.
وَمَا خرج عَن ذَلِك نَادِر فَلَا يحمل عَلَيْهِ مَعَ وجود مندوحة عَنهُ. وَكَذَلِكَ لَا يكون اسْم يكون ضمير الشَّأْن كَمَا قدره جمَاعَة لما ذكرنَا. انْتهى كَلَامه.
وعان: أَسِير. وَأَرَادَ بدار بلوى: السجْن. والناظر هُنَا: المنتظر. والأيد: الْقُوَّة. وكع: جبن وَخَافَ. وَمَا تؤيسه: مَا تذلله وَمَا تُؤثر بِهِ بِالْمُوَحَّدَةِ بعد الْهمزَة. وَبَاقِي أَلْفَاظ القصيدة ظَاهِرَة.
وهدبة هُوَ هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حَيَّة بن الكاهن وَهُوَ سَلمَة
ابْن أسحم بن عَامر بن ثَعْلَبَة بن عبد الله بن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم وَسعد: ابْن أسلم بن الحاف بن قضاعة وَيُقَال: بل هُوَ سعد بن أسلم بن هذيم وهذيم عبد لِأَبِيهِ رباه فَقيل: سعد بن هذيم يَعْنِي سَعْدا هَذَا.
وهدبة شَاعِر فصيح مُتَقَدم من بادية الْحجاز وَكَانَ شَاعِرًا راوية وَكَانَ يروي للحطيئة والحطيئة يروي لكعب بن زُهَيْر. وَكَانَ جميل راوية هدبة وَكثير راوية جميل.
وَكَانَ لهدبة ثَلَاثَة أخوة كلهم شَاعِر وَأمه كَانَت شاعرة أَيْضا. كَذَا فِي الأغاني.
وهدبة بِضَم الْهَاء وَسُكُون الدَّال بعْدهَا مُوَحدَة. وخشرم بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الشين)
المعجمتين. وكرز بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْمُهْملَة. وَأَبُو حَيَّة بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة.
(9/334)

وَسبب حَبسه على مَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني: أَن هدبة بن خشرم وَزِيَادَة بن زيد بن مَالك بن عَامر بن قُرَّة بن حنيش بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن عبد الله ابْن ذبيان بن الْحَارِث بن سعد بن هذيم الْمَذْكُور اصْطَحَبَا وهما مقبلان من الشَّام فِي ركب من قومهما فَكَانَا يتعاقبان السُّوق بِالْإِبِلِ وَكَانَ مَعَ هدبة أُخْته فَاطِمَة فَنزل زِيَادَة فارتجز فَقَالَ: الرجز
(أَلا تَرين الدمع مني ساجما ... حذار دَار مِنْك أَن تلائما)
(فعرجت مطرداً عراهما ... فعماً يبذ القطف الرواسما)
(كَأَن فِي الْمُثَنَّاة مِنْهُ عائما ... إِنَّك وَالله لِأَن تباغما)
(خوداً كَأَن البوص والماكما ... مِنْهَا نقاً مخالط صرائما)
(خير من استقبالك السمائما ... وَمن مُنَاد يَبْتَغِي معاكما)
وَقَوله: مَا بَين أَن يرى الْبَعِير أَي: مَا بَين مناخ الْبَعِير إِلَى قِيَامه. ومطرد: متتابع السّير وعراهم: شَدِيد.
وفعم: ضخم. والرسيم: سير فَوق الْعُنُق. والرواسم: الْإِبِل الَّتِي تسير هَذَا السّير.
والمثناة الزِّمَام وعائم: سابح. وتباغم: تكلم. والبوص: الْعَجز. والمأكمتان: مَا عَن يَمِين الْعَجز وشماله.
والنقا: مَا عظم من الرمل. والصرائم: دونه. ومعاكماً أَي: يعينك على عكمك حَتَّى تشده.
(9/335)

فَغَضب هدبة حِين سمع زِيَادَة يرجز بأخته فَنزل فرجز بأخت زِيَادَة وَكَانَت تدعى أم خازم وَقيل: أم قَاسم فَقَالَ: الرجز
(لقد أَرَانِي والغلام الحازما ... نزجي الْمطِي ضمراً سواهُمَا)
(يبلغن أم خازم وخازما ... إِذا هبطن مستحيراً قاتما)
(وَرفع الْحَادِي لَهَا الهماهما ... أَلا تَرين الْحزن مني دَائِما)
(حذار دَار مِنْك أَن تلائما ... وَالله لَا يشفي الْفُؤَاد الهائما)
(تمساحك اللبات والماكما ... وَلَا اللمام دون أَن تلازما)
(وَلَا اللئام قبل أَن تفاقما ... وَتَعْلُو القوائم القوائما))
وَقَوله: تَقول القلص ... إِلَخ أوردهُ النحويون شَاهدا على إِعْمَال القَوْل إِعْمَال الظَّن. والعياهم: الشداد.
قَالَ: فشتمه زِيَادَة وَشَتمه هدبة وتسابا طَويلا فصاح بهما الْقَوْم: اركبا لَا حملكما الله فَإنَّا قوم حجاج. وخشوا أَن يَقع بَينهمَا شَرّ فوعظوهما حَتَّى
أمسك كل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا فِي نَفسه وهدبة أشدهما حنقاً لِأَنَّهُ رأى أَن زِيَادَة قد ضامه إِذْ رجز بأخته وَهِي تسمع
(9/336)

قَوْله ورجز هُوَ بأخته وَكَانَت أُخْت زِيَادَة غَائِبَة لَا تسمع قَوْله فمضيا وَلم يتحاورا بِكَلِمَة حَتَّى قضيا حجهما ورجعا إِلَى عشائرهما.
وَجعل هدبة وَزِيَادَة يتهاديان الْأَشْعَار. وَلم يزل هدبة يطْلب غرَّة زِيَادَة حَتَّى أَصَابَهَا فَقتله وهرب وعَلى الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ سعيد بن الْعَاصِ فَأرْسل إِلَى عَم هدبة وَأَهله فحبسهم بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بلغ هدبة ذَلِك أقبل حَتَّى أمكن من نَفسه وتخلص عَمه وَأَهله فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى شخص عبد الرَّحْمَن بن زيد أَخُو زِيَادَة إِلَى مُعَاوِيَة فأورد كِتَابه إِلَى سعيد بِأَن يُقَيِّدهُ مِنْهُ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة.
فكره سعيد الحكم بَينهمَا فحملهما إِلَى مُعَاوِيَة فَلَمَّا صَارُوا بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: قل يَا هدبة.
فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل سجاعة فَإِن شِئْت أَن أقص عَلَيْك قصتنا كلَاما أَو شعرًا فعلت. قَالَ: بل شعرًا.
فَقل هدبة هَذِه القصدية ارتجالاً: الطَّوِيل
(أَلا يَا لقومي للنوائب والدهر ... وللمرء يردي نَفسه وَهُوَ لَا يدْرِي)
(وللأرض كم من صَالح قد تأكمت ... عَلَيْهِ فوارته بلماعة قفر)
(فَلَا تتقي ذَا هَيْبَة لجلاله ... وَلَا ذَا ضيَاع هن يتركن للفقر)
حَتَّى قَالَ:
(رمينَا فرامينا فصادف رمينَا ... منايا رجال فِي كتاب وَفِي قدر)
(وَأَنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا لنا ... وَرَاءَك من معدى وَلَا عَنْك من قصر)
وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير من شَوَاهِد النَّحْوِيين. وتأكمت: صَارَت أكمة. وروى بدله: قد توأدت قد تلمأت وتلأمت أَي: وارته.)
(9/337)

فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَرَاك يَا هدبة قد أَقرَرت بقتل صَاحبهمْ. ثمَّ قَالَ لعبد الرَّحْمَن: هَل لزِيَادَة ولد فَقَالَ: نعم الْمسور وَهُوَ غُلَام صَغِير لم يبلغ وَأَنا عَمه وَولي دم أَبِيه.
فَقَالَ: إِنَّك لَا تؤمن على أَخذ الدِّيَة أَو قتل الرجل بِغَيْر حق والمسور أَحَق بِدَم أَبِيه. فَرده إِلَى الْمَدِينَة فحبس ثَلَاث سِنِين حَتَّى بلغ الْمسور.
وَذهب عبد الرَّحْمَن بالمسور وَقد بلغ إِلَى وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ سعيد بن الْعَاصِ وَقيل: مَرْوَان بن الحكم فَأخْرج هدبة فَلَمَّا مُضِيّ بِهِ من السجْن للْقَتْل والتفت فَرَأى امْرَأَته وَكَانَت من أجمل النِّسَاء فَقَالَ: الطَّوِيل
(أقلي عَليّ اللوم يَا أم بوزعا ... وَلَا تعجبي مِمَّا أصَاب فأوجعا)
(وَلَا تنكحي إِن فرق الدَّهْر بَيْننَا ... أغم الْقَفَا وَالْوَجْه لَيْسَ بأنزعا)
(كليلاً سوى مَا كَانَ من حد ضرسه ... أعيبد مبطان العشيات أروعا)
(ضروباً بلحييه على عظم زوره ... إِذا النَّاس هشوا للفعال تقنعا)
(وحلي بِذِي أكرومة وحمية ... وصبر إِذا مَا الدَّهْر عض فأسرعا)
(9/338)

فمالت زَوجته إِلَى جزار وَأخذت شفرته فجدعت بِهِ أنفها وجاءته تدمي مجدوعة فَقَالَت: أتخاف أَن يكون بعد هَذَا نِكَاح قَالَ: فرسف فِي قيوده وَقَالَ: الْآن طَابَ الْمَوْت فَإِذا هُوَ بأبويه يتوقعان الثكل فهما بِسوء حَال فَقبل عَلَيْهِمَا وَقَالَ: الرمل
(أبلياني الْيَوْم صبرا مِنْكُمَا ... إِن حزنا إِن بدا بادئ شَرّ)
(لَا أَرَانِي الْيَوْم إِلَّا مَيتا ... إِن بعد الْمَوْت دَار المستقر)
(اصبرا الْيَوْم فَإِنِّي صابر ... كل حَيّ لقَضَاء وَقدر)
قَالَ النَّوْفَلِي: حَدثنِي أبي عَن رجل من عذرة عَن أَبِيه قَالَ: إِنِّي لفي بِلَادنَا يَوْمًا فِي بعض الْمِيَاه فَإِذا أَنا بِامْرَأَة تمشي أَمَامِي وَهِي مُدبرَة وَلها خلق عَجِيب من عجز وهيئة وَتَمام جسم وَتَمام قامة وَإِذا صبيان قد اكتنفاها يمشيان قد ترعرعا فتقدمتها والتفت إِلَيْهَا وَإِذا هِيَ أقبح منظر وَإِذ هِيَ مجدوعة
الْأنف مَقْطُوعَة الشفتين فَسَأَلت عَنْهَا فَقيل لي: هَذِه امْرَأَة هدبة تزوجت بعده رجلا أولدها هذَيْن الصَّبِيَّيْنِ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي حَدِيثه: فَسَأَلَ سعيد بن الْعَاصِ أَخا زِيَادَة أَن يقبل الدِّيَة عَنهُ فَقَالَ: أُعْطِيك مَا لم يُعْطه أحد من)
الْعَرَب: أعطك مائَة نَاقَة حَمْرَاء لَيْسَ فِيهَا ذَات دَاء. فَقَالَ لَهُ: وَالله لَو نقبت لي قبتك هَذِه ثمَّ
(9/339)

وَلم يزل سعيد يسْأَله حَتَّى عرض عَلَيْهِ سِتّ ديات فَأبى فَدفعهُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ لقَتله بأَخيه فَاسْتَأْذن هدبة فِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَأذن لَهُ فصلاهما وخفف ثمَّ الْتفت إِلَى من حضر فَقَالَ: لَوْلَا أَن يظنّ بِي الْجزع لأطلتهما فقد كنت مُحْتَاجا إِلَى إطالتهما.
ثمَّ قَالَ لأَهله: إِنَّه بَلغنِي أَن الْقَتِيل يعقل سَاعَة بعد سُقُوط رَأسه فَإِن عقلت فني قَابض رجْلي وباسطها ثَلَاثًا فَفعل ذَلِك حِين قتل.
وَقَالَ قبل أَن يقتل: الطَّوِيل
(إِن تقتلوني فِي الْحَدِيد فإنني ... قتلت أَخَاكُم مُطلقًا لم يُقيد)
فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أَخُو زِيَادَة: وَالله لَا قتلته إِلَّا مُطلقًا من وثَاقه. فَأطلق لَهُ وَتَوَلَّى قَتله ابْنه الْمسور دفع إِلَيْهِ عَمه السَّيْف وَقَالَ: قُم فَاقْتُلْ قَاتل أَبِيك. فَقَامَ فَضَربهُ ضربتين قَتله فيهمَا.
وهدبة أول من سنّ رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. هَذَا مَا اختصرته من الأغاني.
(9/340)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل على أَن السِّين فِي قَوْله: ستطفئ قَائِمَة عِنْد الْمُتَأَخِّرين مقَام أَن لِكَوْنِهِمَا للاستقبال.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: وَلما انحرف الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت عَمَّا عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال جَاءَ بِالسِّين الَّتِي هِيَ نظيرة أَن يَعْنِي لما لم يَأْتِ الشَّاعِر بِمَا حَقه أَن يَجِيء بِهِ مَعَ عَسى فِي الْخَبَر وَهُوَ أَن أَتَى بِمَا يقوم مقَامه فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال وَهُوَ السِّين. وعَلى أَن ذَلِك شَاذ.
وكما دخل أَن فِي خبر لَعَلَّ حملا على عَسى دخل السِّين فِي خبر عَسى حملا على لَعَلَّ.
وَالْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من الحماسة وَعَزاهَا لقسام بن رَوَاحَة السنبسي. وَقَبله:
(لبئس نصيب الْقَوْم من أخويهم ... طراد الْحَوَاشِي واستراق النَّوَاضِح)
(وَمَا زَالَ من قَتْلَى رزاح بعالج ... دم ناقع أَو جاسد غير ماصح)
(دَعَا الطير حَتَّى أَقبلت من ضرية ... دواعي دم مهراقة غير بارح)
عَسى طَيئ من طَيئ ... ... ... ... . . الْبَيْت)
يُرِيد بأخويهم: صاحبيهم يُقَال: يَا أَخا بكر يُرَاد: يَا وَاحِدًا
(9/341)

مِنْهُم. والحاشية: صغَار الْإِبِل ورذالها. والنواضح: جمع نَاضِح وَهِي الْإِبِل الَّتِي يستسقى عَلَيْهَا المَاء جعلت كَأَنَّهَا تنضح الزَّرْع وَالنَّخْل. وطراد وَمَا عطف عَلَيْهِ بدل من نصيب يَقُول: إِنَّهُم لَا يقدمُونَ على الْقَوْم يَعْنِي: بلغ من جبنهم أَن لَا يتَعَرَّضُوا للرعاة إِلَّا سَرقَة يسرقون النَّوَاضِح ويطردون الْحَوَاشِي فيرضون بذلك من طلب الثأر فبئس الْعِوَض ذَلِك من دم أخويهم يهزأ بهم.
وَهَذَا تَعْرِيض بِمن وَجب عَلَيْهِ طلب الدَّم فاقتصر على الْغَارة وسرقة الْإِبِل. وَفِيه بعث على طلب الدَّم. وأكد ذَلِك بقوله: وَمَا زَالَ من قَتْلَى رزاح ... . إِلَخ وَهُوَ برَاء مَفْتُوحَة وزاي وحاء مُهْملَة: قَبيلَة من خولان. وقتلى: جمع قَتِيل.
وعالج بِالْجِيم: مَوضِع بالبادية فِيهِ رمل. وَالدَّم الناقع بالنُّون وَالْقَاف قيل: الثَّابِت وَقيل: الطري. وَالدَّم الجاسد بِالْجِيم قيل: الْقَدِيم وَقيل: الْيَابِس. والماصح بالصَّاد الْمُهْملَة من مصح كمنع مصوحاً: ذهب وَانْقطع.
يَقُول: لَا يزَال من مقتولي هَذِه الْقَبِيلَة بِهَذَا الْمَكَان دم طري ويابس غير زائل. يَعْنِي: أَن دِمَاءَهُمْ بَاقِيَة بِحَالِهَا مَا لم يثاروا بهَا لِأَن غسل تِلْكَ الدِّمَاء إِنَّمَا يكون بِمَا يصب من دِمَاء أعداءهم. وَلم يكتف بِهَذَا الإغراء حَتَّى قَالَ: دَعَا الطير ... . إِلَخ
يَقُول: دَعَا دواعي دِمَائِهِمْ طيور الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة وَالْجِبَال المطلة حَتَّى أَتَت سباعهم وطيورها وَقعت عَلَيْهَا تَأْكُل مِنْهَا.
ومهراقة: الْهَاء ضمير الدَّم يَعْنِي: أَنه مصبوب فِي مَوْضِعه لم يزل وَلم يحل. قَالَ الطبرسي: وَيجوز أَن يُرِيد بالمهراق الْموضع المصبوب فِيهِ الدَّم. وَفِيه حث على طلب الثأر.
وضرية: اسْم بِلَاد تشْتَمل على بِلَاد سميت باسم ضرية بنت ربيعَة بن نزار كَمَا قيل للْمَاء الَّذِي بَين
(9/342)

الْبَصْرَة وَمَكَّة الحوءب كجعفر بِالْحَاء الْمُهْملَة سمي بالحوءب بنت كلب بن وبرة.
وَقَوله: عَسى طَيئ ... إِلَخ قَالَ المرزوقي: عَسى لَفْظَة وضعت للترجي والتأميل إِلَّا أَنَّهَا تؤذن بِأَن الْفِعْل مُسْتَقْبل مطموع فِيهِ. وَوضع السِّين بدل أَن فِي خبر عَسى لاشْتِرَاكهمَا فِي الدّلَالَة على الِاسْتِقْبَال مَعَ أَن السِّين أشهر فِيهَا.
وَمعنى عَسى طَيئ: لَعَلَّ الْبَطن المغلوب من هَذِه الْقَبِيلَة فِي الْقِتَال ينتصف من الْبَطن الْغَالِب مِنْهَا فِيهِ.
وَقَوله: بعد هَذِه إِشَارَة إِلَى الْحَالة الْحَاضِرَة بالتذكير الجامعة لكل مَا ذكره.)
والغلات: جمع غلَّة بِالضَّمِّ: حرارة الْجوف. وَالْمعْنَى: المرجو من أَوْلِيَاء الدَّم أَن يطلبوا الثأر فِي الْمُسْتَقْبل وَإِن كَانُوا أخروه إِلَى هَذِه الْغَايَة فتسكن نفوس وتبرد قُلُوب.
وَكَانَت القبيلتان مَعًا من طَيئ لِأَن طيئاً قبائل يكون أبدا بَينهم قتال. وطيئ بِالْهَمْزَةِ على وزن السَّيِّد وَقد تحذف الْهمزَة فَيبقى كحي.
والكلى: جمع كُلية أَو كلوة. والجوانح: الضلوع جمع جانحة. قَالَ بَعضهم: الْغلَّة إِنَّمَا تكون فِي الْقلب وَلكنه أَرَادَ الْمُبَالغَة أَي: تجَاوز الْقلب والكبد إِلَى الْكُلية.
وَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: إِن سُئِلَ أَي غلَّة للكلى حَتَّى أضيفت إِلَيْهَا أُجِيب بِأَن المزاج عِنْد وُرُود الهموم وَالْأَحْزَان عَلَيْهِ مِمَّا ينفعل ويسخن فَإِذا سخن المزاج حمي الْبَوْل واحتد وَالْبَوْل مَمَره على الكلى فَكَأَنَّهُ قَالَ: ستطفئ الغلل الَّتِي يظْهر أَثَرهَا فِي الْبَوْل. هَذَا كَلَامه.
(9/343)

وَقَائِل هَذِه الأبيات شَاعِر جاهلي وَهُوَ فِي بعض نسخ الحماسة: قسام بن رَوَاحَة وَفِي بعض آخر مِنْهَا: قسَامَة بن رَوَاحَة بِزِيَادَة الْهَاء. وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَتَخْفِيف السِّين الْمُهْملَة. وَفِي كل مِنْهُمَا رُوِيَ ابْن رَوَاحَة السنبسي والعنبسي.
وَقد أوردهُ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف فِيمَن يُقَال لَهُ ابْن رَوَاحَة قَالَ: وَمِنْهُم قسام بن رَوَاحَة العنبسي لَيْسَ لَهُ عِنْدِي فِي شعراء طَيئ ذكر. وَأنْشد لَهُ الطَّائِي فِي الحماسة: لبئس نصيب الْقَوْم الأبيات الْأَرْبَعَة. هَذَا مَا ذكره وَلم يرفع نسبه.
وَهَذَا نسبه من جمهرة الْأَنْسَاب وَقَالَ: قسَامَة الشَّاعِر ابْن رَوَاحَة بن جلّ بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن حق بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْقَاف ابْن ربيعَة ابْن عبد رضى بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا ألف مَقْصُورَة ابْن ود بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الدَّال ابْن ود بضبط مَا قبله أَيْضا ابْن معن بن عتود بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية مَضْمُومَة ابْن عنين بِضَم الْمُهْملَة وَبَين النونين مثناة تحتية ابْن سلامان ابْن ثعل بِضَم الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة ابْن عَمْرو بن وَلم أر فِي نسبه لَا سنبسا وَلَا عنبسا وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
(9/344)

الوافر
(فعادى بَين هاديتين مِنْهَا ... وَأولى أَن يزِيد على الثَّلَاث)
على أَن أولى من مرادفات كَاد وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا مَعَ أَن.
كَذَا قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل وَمثل لَهُ شراحه بِهَذَا الْبَيْت.
قَالَ ابْن عقيل: عادى من العداء بِكَسْر الْعين وَهُوَ الْمُوَالَاة بَين الصيدين بصرع أَحدهمَا على أثر الآخر فِي طلق وَاحِد وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس: الطَّوِيل
(فَعَاد عداء بَين ثَوْر ونعجة ... داركاً وَلم ينضح بِمَاء فَيغسل)
والهادية: أول الْوَحْش وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس:
(كَأَن دِمَاء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل)
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: أنْشد الْأَصْمَعِي هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: أَي قَارب أَن يزِيد. قَالَ ثَعْلَب: وَلم وَاسْتظْهر الشَّارِح الْمُحَقق أَن يكون أولى الْمُسْتَعْمل مَعَ أَن فعلا تَاما مُتَعَدِّيا وَأَن مَعَ منصوبه مَفْعُولا لأولى فَإِنَّهُ بِمَعْنى قَارب وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ. وَإِنَّمَا اسْتَظْهرهُ للُزُوم أَن مَعَ الْفِعْل وَهَذَا خلاف شَأْن أَفعَال المقاربة.
وَأما أولى الْمُسْتَعْمل مَعَ اللَّام فِي قَوْلهم: أولى لَك وَأولى لَهُ وَأولى لي فَهُوَ اسْم للوعيد غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل. لَا أفعل تَفْضِيل لأَفْعَل بِدَلِيل
قَوْلهم: أولاة الْآن. وَهُوَ من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل عِنْد إنشاد قَول الخنساء:
(9/345)

المتقارب
(هَمَمْت بنفسي كل الهموم ... فَأولى لنَفْسي أولى لَهَا)
يَقُول الرجل إِذا حاول شَيْئا فأفلته من بعد مَا كَاد يُصِيبهُ: أولى لَهُ. وَإِذا أفلت من عَظِيمَة قَالَ: أولى لي.
ويروى عَن ابْن الْحَنَفِيَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَنه كَانَ يَقُول: إِذا مَاتَ ميت فِي جواره أَو فِي دَاره: أولى لي كدت أكون السوَاد المخترم. وَأنْشد لرجل يقتنص الصَّيْد فَإِذا أفلته الصَّيْد قَالَ: أولى لَك.
فَكثر ذَلِك مِنْهُ فَقَالَ: الطَّوِيل
(فَلَو كَانَ أولى يطعم الْقَوْم صدتهم ... وَلَكِن أولى يترق الْقَوْم جوعا)
اه.)
وَقَالَ الْفَارِسِي فِي كتاب الشّعْر: أولى: اسْم مُبْتَدأ وَلَك: الْخَبَر. وَلَا يجوز أَن يكون أفعل من كَذَا لِأَن أَبَا زيد حكى أَنهم يَقُولُونَ: أولاة الْآن إِذا أوعدوا.
فدخول عَلامَة التَّأْنِيث على أفعل يدلك على أَنه لَيْسَ بأفعل من كَذَا وَأَنه مثل أرملة وأضحاة فِي أَنه على أفعل لَا يُرَاد بِهِ اتِّصَال الْجَار بِهِ إِلَّا أَنهم جعلُوا الْمُؤَنَّث فِيهِ أَيْضا معرفَة كَمَا جعلُوا الْمُذكر كَذَلِك فَصَارَ بِمَنْزِلَة شَيْء سمي بأضحاة فَلم ينْصَرف.
فَأَما فِي قَوْله: أولى فَأولى يَا امْرِئ الْقَيْس فَالْخَبَر مِنْهُ مَحْذُوف للْعلم بِهِ. أَلا ترى أَن الْكَلِمَة اسْتعْملت كثيرا فِي الْوَعيد حَتَّى صَارَت علما لَهُ فَحذف الْخَبَر لذَلِك.
فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون أولى اسْما للْفِعْل وَفِيه ضمير الْمُخَاطب كأف ووشكان وَيكون لَك فِي أولى لَك لَا يكون الْخَبَر وَلكنه
(9/346)

بِمَنْزِلَة قَوْلهم لَك فِي: هَلُمَّ لَك للتبيين وَفِي سقيا لَك وَنَحْو ذَلِك وَيكون امْتنَاع التَّنْوِين من الدُّخُول عَلَيْهِ كامتناعه على وشكان وَنَحْوه لَا كَمَا امْتنع من الدُّخُول على غير المنصرف فَالْجَوَاب مَا قدمْنَاهُ من أَن مَوضِع أولى رفع بِالِابْتِدَاءِ. وَيدل على صِحَة ذَلِك أَن أَبَا زيد حكى أَنهم يَقُولُونَ: أولاة الْآن بِالرَّفْع وَهَذَا تَأْنِيث أولى وَلَو كَانَ اسْما للْفِعْل لم يرفع.
أَلا ترى أَنَّك لَا تَجِد فِيمَا سمي بِهِ الْفِعْل شَيْئا مَرْفُوعا فَيجْعَل أولى مثله. والآن فِي قَوْلهم: أولاة وَأنْشد بعده: الطَّوِيل وَمَا كدت آيباً على أَنه اسْتعْمل كَاد فِي الضَّرُورَة مثل كَانَ فجَاء خَبَرهَا مُفردا فِي قَوْله: وَمَا كدت آيباً كَمَا يَجِيء خبر كَانَ مُفردا.
وَهَذَا قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(فَأَبت إِلَى فهم وَمَا كدت آيباً ... وَكم مثل فارقتها وَهِي تصفر)
وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مشروحاً فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الستمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا
(9/347)

على أَنه جَازَ اقتران خبر كَاد ب أَن لما ذكره.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ فِي الشّعْر كَاد أَن يفعل شبهوه بعسى.
قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا وَقد يجوز فِي الشّعْر أَيْضا لعَلي أَن أفعل بِمَنْزِلَة عَسَيْت أَن أفعل. اه.
وَمثله لِابْنِ عُصْفُور فِي الضرائر قَالَ: وَمن ذَلِك عِنْد بعض النَّحْوِيين دُخُول أَن فِي خبر كَاد نَحْو قَول رؤبة: قد كَاد من طول البلى أَن يمصحا وَقَول الآخر: الْخَفِيف
(كَادَت النَّفس أَن تفيظ عَلَيْهِ ... إِذْ ثوى حَشْو ريطة وبرود)
وَالصَّحِيح أَن دُخُولهَا فِي خبر كَاد ضَرُورَة غلا أَنَّهَا لَيست مَعَ ذَلِك بزائدة لعملها النصب والزائدة لَا تعْمل بل هِيَ مَعَ الْفِعْل الَّذِي
(9/348)

نصبته بِتَأْوِيل مصدر وَذَلِكَ الْمصدر فِي مَوضِع خبر كَاد على حد قَوْلهم: زيد إقبال وإدبار. اه.
قَالَ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ أَبُو عَمْرو والأصمعي يَقُولَانِ: لَا يَقُول عَرَبِيّ: كَاد أَن وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: كَاد يفعل. وَهَذَا مَذْهَب جمَاعَة النَّحْوِيين وَالْجَمَاعَة مخطؤون وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح مِنْهُ مَا فِي بعضه مقنع.
فَمِمَّنْ ذَلِك مَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي: الرجز وَأنْشد هُوَ وَغَيره: الرجز
(حَتَّى ترَاهُ وَبِه إكداره ... يكَاد أَن يَنْطَحُهُ أمجاره)
لَو لم ينفس كربه هراره وَأنْشد أَبُو زيد وَغَيره فِي صفة كلب: الرجز
(يرثم أنف الأَرْض فِي ذَهَابه ... يكَاد أَن ينسل من إهابه)
وَقَالَ بعض الرجاز:)
يكَاد من طول البلى أَن يمصحا
(9/349)

وَقَالَ ذُو الرمة: الطَّوِيل
(وجدت فُؤَادِي كَاد أَن يستخفه ... رجيع الْهوى من بعض مَا يتَذَكَّر)
اه.
أقولك مرادهما بقولهمَا: لَا يَقُول عَرَبِيّ كَاد أَن: أَنه لَا يَقُول ذَلِك فِي الْكَلَام وَأما الشّعْر فَهُوَ مَحل الضَّرُورَة. فَلَا خطأ فِي قَوْلهمَا.
وَأما مَا ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ: وَكَاد أُميَّة بن أبي الصَّلْت أَن يسلم وَجَاء فِي الحَدِيث أَيْضا: كَاد الْفقر أَن يكون كفرا فنادر.
وَقَبله: ربع عَفا من بعد مَا قد انمحى وأنشده ابْن يعِيش:
ربع عفاه الدَّهْر طولا فامحى وَرَوَاهُ اللَّخْمِيّ: ربع عفاه الدَّهْر دأباً وامتحى وَلم أر هَذَا الرجز فِي ديوَان رؤبة.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب وَاللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل بِأَنَّهُمَا لم يرياه فِي ديوانه.
وَالرّبع: الْمنزل حَيْثُ كَانَ. وروى بدله: رسم. والرسم: أثر الدَّار. وَعَفا يكون لَازِما كالرواية الأولى يُقَال: عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً
(9/350)

وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ أَي: درس.
وَيكون مُتَعَدِّيا كالرواية الثَّانِيَة. يُقَال: عفته الرّيح أَي: محته وامحى أَصله انمحى مُطَاوع محوته محواً أَي: أزلته فامحى أَي: زَالَ وَذهب أَثَره. وَيُقَال: محيته محياً بِالْيَاءِ من بَاب نفع.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن من فِي قَوْله: من بعد زَائِدَة وَمَا مَصْدَرِيَّة وَاسم كَاد ضمير رَاجع إِلَى ربع.
وَمن تعليلية مُتَعَلقَة بكاد لَا بيمصح لِأَنَّهُ صلَة أَن. والبلى بِالْكَسْرِ وَالْقصر: مصدر بلي الثَّوْب يبْلى إِذا أخلق. وبلي الْمنزل إِذا درس. فَإِن فتحت الْبَاء مددته.
ويمصح بِفَتْح الْيَاء وَالصَّاد: مضارع مصح بِفَتْح الصَّاد أَيْضا. قَالَ الْجَوْهَرِي: مصح الشَّيْء)
مصوحاً: ذهب وَانْقطع. قَالَ: ومصح الثَّوْب: أخلق. وَللَّه در الْقَائِل: الْكَامِل
(يَا بدر إِنَّك قد كُسِيت مشابهاً ... من وَجه أم مُحَمَّد ابْنه صَالح)
(وأراك تمصح فِي المحاق وحسنها ... بَاقٍ على الْأَيَّام لَيْسَ بماصح)
وَهُوَ فِي الْأَشْهر فعل لَازم وَلم يذكروه مُتَعَدِّيا. وَفِي كثير من كتب اللُّغَة مَا يُخَالِفهُ. فقد ذكره الْهَرَوِيّ وَابْن شُمَيْل والصاغاني مُتَعَدِّيا. وَفِي الْقَامُوس:
مصح الله مرضك أَي: أذهبه كمسحه. وَفِي الذيل والصلة للصاغاني: يُقَال للْمَرِيض: مصح الله مَا بك وَمسح وَالصَّاد أَعلَى.
وَقَالَ ابْن بري فِيمَا كتبه على درة الغواص: هَذَا غلط لِأَن مسح لَا يتَعَدَّى إِلَّا بِالْبَاء يُقَال: مسحت بالشَّيْء أَي: ذهبت بِهِ. فَلَو كَانَ بالصَّاد قيل: مصح الله بِمَا بك أَي: أذهبه فتعديه بِالْبَاء أَو بِالْهَمْزَةِ فَيُقَال: أمصح الله مَا بك إِذْ لَا يُقَال مصحه بِدُونِ بَاء. اه.
(9/351)

وَهَذَا مَأْخُوذ من الجواليقي قَالَ فِي تَكْمِلَة إصْلَاح الْمنطق: مَا تغلط فِيهِ الْعَامَّة. وَيَقُولُونَ فِي الدُّعَاء للْمَرِيض: مسح الله مَا بك. وَكَانَ النَّضر بن شُمَيْل يَقُول: مصح الله مَا بك أَي: أذهبه وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: سُئِلَ أَبُو بكر الزبيدِيّ عَن قَول الْقَائِل: مصح الله عَنْك بِيَمِينِهِ الشافية أبالسين يكْتب أم بالصَّاد فَقَالَ: الَّذِي أقوله وأعتقده وأرويه أَنه بِالسِّين لَا بالصَّاد فَإِن من كتبه بالصَّاد فَإِنَّمَا ذهب إِلَى قَوْلهم: مصح الظل إِذا ذهب. وَهُوَ قَول النَّضر بن شُمَيْل. وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَن الصَّاد إِنَّمَا اسْتعْملت فِي الظل خَاصَّة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(وَقد جعلت قلُوص ابْني زِيَاد ... من الأكوار مرتعها قريب)
على أَنه قد جَاءَ نَادرا خبر جعل جملَة اسمية وَهُوَ قَوْله: مرتعها قريب.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أوقع الْجُمْلَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر موقع الْجُمْلَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل أَرَادَ: وَقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل يقرب مرتعها من الأكوار كَمَا قَالَ:
(9/352)

الطَّوِيل
(فقد جعلت نَفسِي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تنام)
اه.
أَقُول: الصَّوَاب فِي التَّقْدِير: تقرب من المرتع بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَى ضمير القلوص فَإِن جَمِيع أَفعَال المقاربة لَا يكون فَاعل خَبَرهَا الْفعْلِيّ إِلَّا ضمير اسْمهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح الحماسة: وَقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل يقرب مرتعها من الأكوار أَي: لم تتباعد فِي الرَّعْي لما حط رَحلهَا لما بهَا من الإعياء فبركت مَكَانهَا.
وَجعلت هَاهُنَا بِمَعْنى طفقت وَأَقْبَلت وَلذَلِك لَا يتَعَدَّى. ومرتعها قريب فِي مَوضِع الْحَال. أَي: أَقبلت قلُوص هذَيْن الرجلَيْن قريبَة المرتع من رحالهم.
وَهَذِه غَفلَة من الْخَطِيب فَإِنَّهُ بعد أَن قَالَ: إِن جعلت بِمَعْنى طفقت كَيفَ يسوغ لَهُ أَن يَجْعَل الجلمة حَالية.
وَسَبقه إِلَى جعل الْجُمْلَة حَالية الإِمَام المرزوقي وتبعهما خضر الْموصِلِي فِي شرح شَوَاهِد التفسيرين.
ثمَّ قَالَ الْخَطِيب: قَالَ أَبُو الْعَلَاء: ويروى: فقد جعلت قلُوص ابْني سُهَيْل بِنصب قلُوص وَكثير من النَّاس يرفع القلوص وَهُوَ وَجه رَدِيء لِأَن الْقَائِل
إِذا قَالَ: جعلت وَهُوَ يُرِيد المقاربة لم يكن بُد من إِتْيَانه بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
(جعلت وَمَا بِي من جفَاء وَلَا قلى ... أزوركم يَوْمًا وأهجركم شهرا)
(9/353)

وعَلى ذَلِك جَمِيع مَا يرد فَإِذا قَالَ الْقَائِل: جعل زيد فعله جميل وَلم يَأْتِ بِلَفْظ الْفِعْل فَإِنَّمَا يحملهُ على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: جعل زيد يجمل.
وَأحسن من هَذِه الرِّوَايَة أَن تنصب قلوصاً وَيكون فِي جعلت ضمير يعود على الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة)
وَلَيْسَت جعلت فِي هَذَا القَوْل فِي معنى المقاربة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى صيرت فَلَا تفْتَقر إِلَى فعل وَيكون قَوْله: مرتعها قريب جملَة فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي كَمَا يُقَال: جعلت أَخَاك مَاله كثير. اه.
وَذكر الشلوبين فِيمَا كتب على الحماسة أَن بعض النَّاس أجَاز أَن يكون جعل بِمَعْنى صير وَحذف من جعلت ضمير الشَّأْن وَالتَّقْدِير: وَقد جعلته أَي: جعلت الْأَمر والشأن مرتعها قريب من الأكوار. وَأَن آخر أجَاز أَن يكون على إِلْغَاء جعلت مَعَ تقدمها على حد إجَازَة أبي الْحسن: ظَنَنْت عبد الله منطلق. اه.
فَإِن أَرَادَ بِبَعْض النَّاس أَبَا الْعَلَاء فَلَا يَصح نِسْبَة حذف ضمير الشَّأْن إِلَيْهِ فَإِنَّهُ روى بِنصب القلوص على أَنه مفعول أول لجعل بِمَعْنى صير وَالْفَاعِل ضمير الْمَرْأَة. وَيرد على القَوْل الآخر أَن الإلغاء لَا يكون فِي أَفعَال التصيير وَإِنَّمَا يجوز فِي أَفعَال الْقُلُوب.
وَقد أَخطَأ الْعَيْنِيّ فِي هَذِه الْكَلِمَة من وَجْهَيْن: الأول: أَنه قَالَ: جعل هُنَا من أَفعَال المقاربة وَإِنَّمَا هِيَ من أَفعَال الشُّرُوع.
وَالثَّانِي: أَنه قَالَ: وَجعلت هُنَا على صِيغَة الْمَجْهُول أسندت إِلَى
(9/354)

قلُوص. وَإِنَّمَا جعلت بِالْبِنَاءِ للمعلوم وقلوص اسْمهَا وَجُمْلَة: مرتعها قريب من الأكوار فِي مَحل نصب على أَنه خَبَرهَا.
والقلوص: النَّاقة الشَّابَّة.
ويروى: ابْني سُهَيْل بدل ابْني زِيَاد. والأكوار: جمع كور بِالضَّمِّ وَهُوَ الرحل بأداته.
والمرتع: مَوضِع الرتوع وَهُوَ أكل الْمَاشِيَة مَا شَاءَت. تَقول: رتعت الْمَاشِيَة رتوعاً.
وَهَذَا الْبَيْت أحد أَبْيَات ثَلَاثَة فِي الحماسة تقدّمت مشروحة فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يشقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب الثمل)
على أَنه قد يَجِيء خبر جعل جملَة شَرْطِيَّة مصدرة بإذا. فجملة: إِذا مَا قُمْت يثقلني ثوبي فِي مَحل نصب على أَنه خبر جعل.
(وَقد جعلت إِذا مَا حَاجَة عرضت ... بِبَاب دَارك أدلوها بِأَقْوَام)
أَي: أوصلها إِلَيْك بِأَقْوَام. وكقول عبد الله بن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:
(9/355)

فَجعل الرجل إِذا لم يسْتَطع أَن يخرج أرسل رَسُولا.
وعَلى هَذَا يكون ثوبي فَاعل يثقلني وَيكون وُقُوع الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبرا لجعل موقع الْفِعْل الْمُضَارع نَادرا.
وَقد تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي هَذَا ابْن مَالك فِي التسهيل قَالَ فِيهِ: وَرُبمَا جَاءَ خبر جعل جملَة اسمية وفعلية مصدرة بإذا. وَلَا يخفى أَنه إِذا جَازَ تخريجها على مَا ثَبت لَهَا لَا يَنْبَغِي الْعُدُول عَنهُ إِلَى ادِّعَاء الندرة فَإِنَّهُ لَا مَانع من جعل يثقلني خَبرا لَهَا وَيكون ثوبي بدل اشْتِمَال من التَّاء فِي جعلت وَذَلِكَ بِتَقْدِير إِذا ظرفية لَا شَرْطِيَّة.
وَكَذَا الْحَال فِي الْبَيْت الثَّانِي وَفِي الْأَثر وَلَكِن فِيهِ شذوذ وَهُوَ مَجِيء الْمَاضِي خَبرا فَلَا يخرج هَذَا عَن قَوْله سَابِقًا: وَيتَعَيَّن فِي جَمِيع أَخْبَار أَفعَال المقاربة ن يكون فَاعل أَخْبَارهَا ضميراً عَائِدًا إِلَى اسْمهَا.
واليه ذهب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: اشترطوا الْإِضْمَار فِي بعض المعمولات. وَمن ذَلِك مَرْفُوع خبر كَاد وَأَخَوَاتهَا إِلَّا عَسى. وَمن الْوَهم قَول جمَاعَة فِي قَول هدبة
: إِن فرج قريب اسْم يكون. وَالصَّوَاب أَنه مُبْتَدأ خَبره الظّرْف وَالْجُمْلَة خبر يكون وَاسْمهَا ضمير الكرب وَأما قَوْله: ...
(9/356)

(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي ... ... ... ... . الْبَيْت)
فثوبي بدل اشْتِمَال من تَاء جعلت لَا فَاعل يثقلني. اه.
إِلَّا أَن مَا اسْتَثْنَاهُ ابْن هِشَام فِي عَسى لم يذكرهُ الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ ابْن هشم: تَقول: كَاد زيد يَمُوت وَلَا تَقول: يَمُوت أَبوهُ. وَيجوز عَسى زيد أَن يقوم أَبوهُ فَترفع السَّبي. وَلَا يجوز رَفعهَا)
الْأَجْنَبِيّ نَحْو: عَسى زيد أَن يقوم عَمْرو عِنْده. اه.
وَمَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي كَاد نَحْو: كَاد زيد تخرج نَفسه لم يذكرهُ ابْن هِشَام. فَأفَاد كل مِنْهُمَا فَائِدَة لَيست عِنْد الآخر.
وَلَقَد صدق الْقَائِل فِي قَوْله:
(مَا حوى الْعلم جَمِيعًا أحد ... لَا وَلَو مارسه ألف سنة)
لَكِن ابْن مَالك جوز بقلة فِي خبر جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال أَن يرفع غير ضمير الِاسْم قَالَ فِي التسهيل: وَيتَعَيَّن عود الضَّمِير من الْخَبَر إِلَى الِاسْم. وَكَون الْفَاعِل غَيره قَلِيل. اه.
وَقع فِي بعض نسخ التسهيل: وَرُبمَا جَاءَ خبر جعل جملَة اسمية وفعلية مصدرة بإذا أَو كلما وندر إسنادها إِلَى ضمير الشَّأْن وَدخُول النَّفْي عَلَيْهَا. اه.
قَالَ شَارِحه الْمرَادِي: وَلم يتَعَرَّض المُصَنّف لهَذِهِ الزِّيَادَة فِي شَرحه. وَمِثَال تصدره بكلما: جعل زيد كلما جَاءَ عَمْرو ضربه. وَيحْتَاج إِلَى سَماع إِلَّا أَن فِي صَحِيح
البُخَارِيّ: فَجعل كلما جَاءَ ليخرج رمى فِي
(9/357)

فِيهِ بِحجر.
وَيُمكن تَمْثِيل الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة بِمَا حَكَاهُ الزَّاهِد غُلَام ثَعْلَب: أَنه يُقَال: عَسى زيد قَائِم بِرَفْع الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بعد عَسى. فيتخرج على أَن فِي عَسى ضمير الشَّأْن. هَذَا إِن جعلنَا الضَّمِير فِي إسنادها إِلَى أَفعَال الْبَاب. وَإِن جَعَلْنَاهُ عَائِدًا إِلَى جعل احْتَاجَ إِلَى سَماع.
وَمِثَال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة: مَا جعل زيد يتَكَلَّم وَقَول أنس: فَمَا جعل يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة من السَّمَاء إِلَّا انفرجت. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعود الضَّمِير إِلَى أَفعَال الْبَاب إِذْ لم ينْدر دُخُول النَّفْي عَلَيْهَا.
اه.
وَالْبَيْت من أَبْيَات خَمْسَة لعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ إِلَّا أَن قافيتها رائية لَا لامية كَمَا وَقع فِي إنشاد النَّحْوِيين.
والأبيات رَوَاهَا لعَمْرو الْمَذْكُور المرزباني فِي الموشح ورأيتها كَذَلِك بِخَط ابْن نباتة السَّعْدِيّ الْبَغْدَادِيّ صَاحب الْخطب النباتية كتبهَا فِي آخر ديوَان مُحَمَّد ابْن بشير الْخَارِجِي وَرَوَاهَا عَن أبي سعيد السكرِي عَن ابْن حبيب عَن ابْن الْأَعرَابِي وَقد أقوى فِي بَيْتَيْنِ مِنْهَا نَص عَلَيْهِمَا المرزباني وَهِي: الْبَسِيط
(مَا للكواعب يَا عيساء قد جعلت ... تزور عني وتطوى دوني الْحجر))
(9/358)

(قد كنت فراج أَبْوَاب مغلقة ... ذب الرياد إِذا مَا خولس النّظر)
(فقد جعلت أرى الشخصين أَرْبَعَة ... وَالْوَاحد اثْنَيْنِ مِمَّا بورك النّظر)
(وَكنت أَمْشِي على رجلَيْنِ معتدلاً ... فصرت أَمْشِي على رجل من الشّجر)
(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب السكر)
قَوْله: مَا للكواعب اسْتِفْهَام إنكاري أنكر إِعْرَاض الكواعب عَنهُ وَهِي جمع كاعب ويه الشَّابَّة الَّتِي نتأ ثديها وَظهر. وعيساء: اسْم امْرَأَة. وازور عَن الشَّيْء وتزاور عَنهُ: مَال عَنهُ.
وتطوى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. ودوني: أَمَامِي. وَالْحجر بِضَم فَفتح: جمع حجرَة. يُرِيد أَنَّهُنَّ لَا يقبلن عَليّ ويسددن أَبْوَاب الْحجر أَمَامِي.
وفراج: مُبَالغَة فارج من فرجت الْبَاب من بَاب ضرب إِذا فَتحته. وذب الرياد بِالنّصب: خبر آخر لَكَانَ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي: كثير الْحَرَكَة وَالدُّخُول وَالْخُرُوج. يُقَال: فلَان ذب الرياد: وخولس: مَجْهُول خالس الشَّيْء: فَاعل من خلست الشَّيْء إِذا اختطفته بِسُرْعَة على غَفلَة.
(9/359)

يُرِيد أَن النِّسَاء كن يتسارقن النّظر إِلَيّ لحسني وشبابي عِنْدَمَا كنت خَفِيف الْحَرَكَة. وَجعلت من أَفعَال الشُّرُوع. وَإِنَّمَا رأى الشخصين أَرْبَعَة لضعف بَصَره من شيخوخته وسنه.
وَقَوله: مِمَّا بورك النّظر تهكم واستهزاء ببصره جعل ضعف بَصَره بركَة لِأَنَّهُ يرِيه الشَّيْء مضاعفاً.
وَقَوله: على رجل من الشّجر أَرَادَ الْعَصَا فَإِن الشُّيُوخ يعتمدون عَلَيْهَا فِي الْمَشْي.
ويروى: على أُخْرَى من الشّجر أَي: على رجل أُخْرَى من الشّجر.
وَقَوله: إِذا مَا قُمْت مَا: زَائِدَة وزيادتها بعد أَدَاة الشَّرْط جَازِمًا أَو غير جازم مطردَة حَتَّى نظمها بَعضهم بقوله:
(خُذ لَك ذِي الفائده ... مَا بعد إِذا زائده)
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن مَا مَصْدَرِيَّة وَأَن التَّقْدِير حِين قيامي. وَقَوله: يثقلني من أثقله الشَّيْء: إِذا أجهده وَأتبعهُ بجعله ثقيلاً.
وَقَوله: فأنهض مَعْطُوف على يثقلني فَهُوَ خبر بعد خبر لَا على جعلت كَمَا زعم الْعَيْنِيّ لوَجْهَيْنِ: وَثَانِيهمَا: تناسب المتعاطفين فِي المضارعية وَفِي السَّبَبِيَّة: فَإِن كلا مِنْهُمَا سَبَب للْآخر.)
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن التَّحْقِيق فِيهِ أَنه أَقَامَ السَّبَب وَهُوَ الإثقال مقَام الْمُسَبّب وَهُوَ النهوض نَهَضَ الشَّارِب. هَذَا كَلَامه.
(9/360)

وأنهض: أقوم وَله مصدران أَحدهمَا مَا فِي الْبَيْت. وَالثَّانِي النهوض. ونهض الشَّارِب: صفة مفعول مُطلق نَائِب عَنهُ أَي: فأنهض نهضاً كنهض الشَّارِب.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: نَهَضَ الشَّارِب مَنْصُوب على الْإِطْلَاق وَهَذَا لَا معنى لَهُ وَكَأَنَّهُ يُرِيد على الْمَفْعُول الْمُطلق. وَالسكر بِكَسْر الْكَاف: صفة مشبهة من السكر. وَكَذَلِكَ الثمل بِكَسْر الْمِيم صفة مشبهة وَهُوَ الَّذِي أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب قواه.
وقافية هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله فيهمَا إقواء بِخِلَاف مَا قبلهمَا فَإِن قافيته مَرْفُوعَة.
وَعَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الأربعمائة.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَائِل الْبَيْت الشَّاهِد أَبُو حَيَّة النميري. وَقد نسب للْحكم بن عبدل الْأَعْرَج الْأَسدي. وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ لَا يُوجد فِي ديوانه.
ويروى الشّطْر الثَّانِي: فَقُمْت قيام الشَّارِب السكر وَمِمَّنْ رَوَاهُ هَكَذَا الجاحظ فِي بَاب العرجان من كتاب الْحَيَوَان لَهُ وَنسبه لأبي حَيَّة النميري هَكَذَا:
(9/361)

(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يوجعني ... ظَهْري فَقُمْت قيام الشَّارِب)
السكر
(وَكنت أَمْشِي على رجْلي معتدلاً ... فصرت أَمْشِي على أُخْرَى من الشّجر)
(9/362)

(فعل التَّعَجُّب)
أنْشد فِيهِ: الْبَسِيط يَا مَا أميلح غزلاناً شدن لنا تَمَامه: من هؤليائكن الضال والسمر وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي خَواص الِاسْم من أول الْكتاب.
قيل إِن هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لعَلي بن مُحَمَّد المغربي. وَهُوَ مُتَأَخّر لَهُ قصيدة فِي مدح عَليّ بن عِيسَى وَزِير المقتدر. وَقتل المقتدر فِي شَوَّال سنة عشْرين وثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام)
على أَن نصب الظّهْر على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ.
أَقُول: روى ابْن النَّاظِم وَغَيره الظّهْر فِي هَذَا الْبَيْت على ثَلَاثَة أوجه:
(9/363)

الأول: بِالنّصب وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق.
وَقَالَ ابْن الجاجب فِي أَمَالِيهِ: وَنصب الظّهْر كنصب الْوَجْه فِي: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه وَهِي لُغَة فصيحة على التَّشْبِيه بالمفعول. وَمِنْهُم من جعله نصبا على التَّمْيِيز وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لكَونه معرفَة والتمييز الْمَنْصُوب إِنَّمَا يكون بالنكرة.
وَفِيه رد على من قَالَ إِنَّه تَمْيِيز كالبيضاوي فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِلَّا من سفه نَفسه قَالَ: نَفسه مَنْصُوب على التَّمْيِيز كالظهر فِي الْبَيْت.
الثَّانِي: رفع الظّهْر على الفاعلية.
وَأم أجب فَهُوَ مجرور لَا غير. قَالَ ابْن الجاجب: أوجب مخفوض عَلامَة خفضه الفتحة صفة لذنابٍ أَو عَيْش. وَالْفَتْح إِنَّمَا هُوَ على رفع الظّهْر ونصبه وَأما على جَرّه فأجب مجرور بالكسرة للإضافة.
وَأما قطعه إِلَى الرّفْع على أَنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَو إِلَى النصب بِتَقْدِير: أَعنِي
فَلَا يجوز لِأَن)
قطع النكرَة غير الموصوفة نَادِر.
وَقد خلط الْعَيْنِيّ وَنسب إِلَى ابْن النَّاظِم مَا لم يقلهُ. قَالَ: الاستشهاد فِي قَوْله: أجب الظّهْر فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: الأول: أجب الظّهْر بِرَفْع أجب وَنصب الظّهْر. وَهَذَا من أَقسَام الضَّعِيف وَهُوَ على تَقْدِير: هُوَ أجب.
الثَّانِي: نصب أجب على الحالية وَرفع الظّهْر.
وَالثَّالِث: جر أجب على الصّفة لعيش وجر الظّهْر على الْإِضَافَة.
(9/364)

هَذَا كَلَامه.
وَتَبعهُ على هَذَا خضر الْموصِلِي فِي شرح أَبْيَات التفسيرين.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ بِنصب الظّهْر ب أجب على أَن فِي أجب تنويناً مُقَدرا وَلم يظْهر لِأَنَّهُ لَا وَالْبَيْت من أَبْيَات للنابغة الذبياني وَهِي:
(ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... أمحمول على النعش الْهمام)
(فَإِنِّي لَا ألومك فِي دُخُول ... وَلَكِن مَا وَرَاءَك يَا عِصَام)
(فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والشهر الْحَرَام)
(ونأخذ بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام)
وَمن حَدِيث هَذِه الأبيات أَن النَّابِغَة كَانَ عِنْد النُّعْمَان ملك الْعَرَب بالحية كَبِيرا عِنْده خَاصّا بِهِ وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فحسد على مَنْزِلَته مِنْهُ فاتهموه بِأَمْر ذَكرْنَاهُ فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب فَغَضب عَلَيْهِ النُّعْمَان وَأَرَادَ الْبَطْش بِهِ.
وَكَانَ للنعمان بواب يُقَال لَهُ: عِصَام بن شهير الْجرْمِي قَالَ للنابغة: إِن النُّعْمَان موقع بك فَانْطَلق فهرب النَّابِغَة إِلَى مُلُوك غَسَّان مُلُوك الشَّام فَكَانَ يمدحهم وَترك النُّعْمَان فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَعرف أَن الَّذِي بلغه كذب. فَبعث إِلَيْهِ: إِنَّك لم تعتذر من سخطَة إِن كَانَت بلغتك وَلَكنَّا تغيرنا لَك عَن شَيْء مِمَّا كُنَّا عَلَيْهِ وَلَقَد كَانَ فِي قَوْمك مُمْتَنع وحصن فتركته ثمَّ انْطَلَقت إِلَى قوم قتلوا جدي وبيني وَبينهمْ مَا قد علمت.
وَكَانَ النُّعْمَان وَأَبوهُ وجده قد أكْرمُوا النَّابِغَة وشرفوه وَأَعْطوهُ مَالا عَظِيما. وَبلغ النَّابِغَة أَن النُّعْمَان ثقيل من مرض أَصَابَهُ حَتَّى أشْفق عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَتَاهُ النَّابِغَة فَأَلْقَاهُ مَحْمُولا على رجلَيْنِ ينْقل)
مَا بَين الْغمر وقصوره الَّتِي بَين الْحيرَة
(9/365)

فَقَالَ لِبَوَّابِهِ عِصَام: ألم أقسم عَلَيْك لتخبرني ... ... ... ... . الأبيات الْمَذْكُورَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت مُلُوك الْعَرَب إِذا مرض أحدهم حَملته الرِّجَال على أكتافها يتعاقبونه لِأَنَّهُ عِنْدهم أوطأ من الأَرْض. فعافاه الله وَعَفا عَن النَّابِغَة.
قَالَ حسان بن ثَابت: وفدت إِلَى النُّعْمَان فحسدت النَّابِغَة على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أحسد: أَعلَى إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أَو على جودة شعره أَو على مَائه بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قيل لأبي عَمْرو: أَمن مخافته امتدحه وَأَتَاهُ بعد هربه مِنْهُ أم لغير ذَلِك قَالَ: لَا لعمر الله مَا لمخافته فعل إِن كَانَ إِلَّا آمنا من أَن يُوَجه إِلَيْهِ النُّعْمَان جَيْشًا. وَمَا كَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب إِلَّا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده وَلَا يسْتَعْمل غير ذَلِك.
وَقَوله: ألم أقسم عَلَيْك ... إِلَخ هُوَ اسْتِفْهَام تقريري وَقَوله: لتخبرني جَوَاب الْقسم.
وَقَوله: أمحمول ... . إِلَخ خبر مقدم والهمام مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْمَفْعُول لتخبرني.
وَالتَّحْقِيق أَن الْوَاقِع مَفْعُولا مَحْذُوف مُضَاف إِلَى هَذَا
الِاسْتِفْهَام وَالتَّقْدِير: جَوَاب هَذَا الِاسْتِفْهَام.
(9/366)

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَقيل معنى أمحمول على النعش أَي: هَل مَاتَ فَحمل على النعش أم لَا انْتهى.
أَقُول: هَذَا كَلَام من لم يصل إِلَى العنقود.
والهمام: الْملك الْعَظِيم الهمة.
وَقَوله: فَإِنِّي لَا ألومك ... إِلَخ لَا ألومك فِي تَركك الْإِذْن لي فِي الِانْتِهَاء إِلَى الْملك وَلَكِن أَخْبرنِي بكنه أمره.
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ: فَإِنِّي لَا ألام على دُخُول وَقَالَ: أَي لَا ألام على ترك الدُّخُول عَلَيْهِ لِأَنِّي مَحْجُوب لَا أصل إِلَيْهِ لغضبه عَليّ. وَهَذَا خلاف مَا رَوَاهُ النَّاس.
وَقَوله: مَا وَرَاءَك يَا عِصَام صَار مثلا عِنْد الْعَرَب وَأوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله قَالَ فِيهِ: هُوَ من قَول النَّابِغَة يضْرب فِي الاستخبار عَن الشَّيْء وَهُوَ عِصَام بن شهبر الْبَاهِلِيّ حَاجِب النُّعْمَان.)
وَمن شعر عِصَام هَذَا: الرجز
(نفس عِصَام سودت عصاما ... وعلمته الْكر والإقداما)
وَالْبَيْت الأول من هَذَا مثل أَيْضا يضْرب لمن شرف بِنَفسِهِ لَا بآبائه.
وَفِي الْأَمْثَال أَيْضا: كن عصامياً وَلَا تكن عظامياً أَي: افتخر بِنَفْسِك لَا بعظام آبَائِك البالية.
(9/367)

قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَهُوَ عِصَام الْخَارِجِي وَإِنَّمَا سمته الْعَرَب خارجياً لِأَنَّهُ خرج عَن غير أولية كَانَت لَهُ.
ويحكى أَن الْحجَّاج ذكر عِنْده رجل بِالْجَهْلِ فَأَرَادَ اختباره فَقَالَ: أعظامي أم عصامي أَرَادَ: أشرفت بآبائك الَّذين صَارُوا عظاماً أم بِنَفْسِك فَقَالَ الرجل: أَنا عصامي عِظَامِي.
فَقَالَ الْحجَّاج: هَذَا أفضل النَّاس فَقضى حَوَائِجه وَمكث عِنْده ثمَّ فتشه فَوَجَدَهُ أَجْهَل النَّاس فَقَالَ لَهُ: تصدقني أَو لأَقْتُلَنك كَيفَ أجبتني بِمَا أجبتني حِين سَأَلتك عَمَّا سَأَلتك قَالَ: لم أعلم أعصامي خير أم عِظَامِي فَخَشِيت أَن أَقُول أَحدهمَا فَقلت: كليهمَا فَإِن ضرني أَحدهمَا نَفَعَنِي الآخر. فَقَالَ الْحجَّاج عِنْد ذَلِك: الْمَقَادِير تصير العيي خَطِيبًا.
وَقَوله: فَأن يهْلك أَبُو قَابُوس ... إِلَخ هُوَ كنية النُّعْمَان وقابوس: مُعرب كاووس كطاووس اسْم أحد مُلُوك الْفرس.
وَقَوله: ربيع النَّاس إِلَخ يُرِيد أَنه كَانَ كالربيع فِي الخصب لمجتديه وكالشهر الْحَرَام لجاره أَي: لَا يُوصل إِلَى من أجاره كَمَا لَا يُوصل فِي الشَّهْر الْحَرَام إِلَى أحد.
وَالْمعْنَى: إِن يمت النُّعْمَان يذهب خير الدُّنْيَا عَنْهَا كَانَت تعمر بِهِ وبجوده وعدله ونفعه للنَّاس. وَمن كَانَ فِي ذمَّته وسلطانه فَهُوَ آمن على نَفسه محقون الدَّم كَمَا يَأْمَن النَّاس فِي الشَّهْر الْحَرَام على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ.
وروى بدله: وَالنعَم الركام بِالضَّمِّ أَي: المتراكمة.
وَقَوله: ونأخذ بعده ... إِلَخ الذناب والذنابة بكسرهما والذنابى بِالضَّمِّ وَالْقصر: الذَّنب.
قَالَ الشنتمري: الْمُسْتَعْمل للبعير وَنَحْوه الذَّنب وللطائر الذنابي وللعين وَنَحْوهَا الذنابة ولمالا خير فِيهِ. والأجب بِالْجِيم: الْجمل الْمَقْطُوع السنام والسنام: حدبة الْبَعِير.
يَقُول: إِن مَاتَ بَقينَا
(9/368)

فِي طرف عَيْش قد مضى صَدره ومعظمه وَخَبره وَقد بَقِي مِنْهُ ذَنبه وَيكون الْعَيْش كبعير قد جب سنامه.)
يُرِيد: صَار النَّاس بعده فِي أسوإ حَال وأضيق عَيْش وَذَلِكَ وتمسكوا مِنْهُ بِمثل ذَنْب بعير أجب الظّهْر. والسنام يستعار كثيرا للعز حَتَّى كَأَنَّهُ غلب فِيهِ.
وَقد أورد أَبُو الْقَاسِم الزجاجي هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى وَالْوُسْطَى وَقَالَ فيهمَا: أما عِصَام فحاجب النُّعْمَان.
يَقُول: لَا ألومك إِن منعتني من الْوُصُول إِلَيْهِ وَلَكِن عرفني خَبره. وَكَانَ الْملك إِذا مرض يَجْعَل فِي وَأما قَوْله: ونأخذ بعده فَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجزم. وَأما الْجَزْم فعلى الْعَطف على قَوْله: يهْلك ربيع النَّاس. وَالرَّفْع على الْقطع والابتداء وَالنّصب بِالصرْفِ على إِضْمَار أَن. وَكَذَلِكَ كل مَعْطُوف بعد جَوَاب الْجَزَاء من الْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة تجوز فِيهِ هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة.
وَقَوله: أجب الظّهْر يَعْنِي مَقْطُوع الظّهْر. وَهَذَا تَمْثِيل وتشبيه. ويروى: أجب الظّهْر بخفضهما جَمِيعًا على إِضَافَة أجب إِلَى الظّهْر ويروى: أجب الظّهْر بِفَتْح أجب وَنصب الظّهْر على أَن يكون مَوضِع أجب خفضاً وَلكنه لَا ينْصَرف وبنصب الظّهْر على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ ويضمر فِي أجب الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ: أجب الظّهْر بِالتَّنْوِينِ ثمَّ مَنعه من التَّنْوِين لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف وَهُوَ فِي تَقْدِير
قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل حسن الْوَجْه وَكثير المَال وَطيب الْعَيْش.
ويروى: أجب الظّهْر على أَنه فِي مَوضِع خفض وَرفع الظّهْر بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: أجب ظَهره فَأهل الْكُوفَة
(9/369)

يجْعَلُونَ الْألف وَاللَّام عقيب الْإِضَافَة وَأهل الْبَصْرَة يضمرون مَا يعلق الذّكر بِالْأولِ وَتَقْدِيره عِنْدهم: أجب الظّهْر مِنْهُ. انْتهى.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة النَّابِغَة الذبياني فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل وَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى على أَنه قد يُسْتَفَاد من الِاسْتِفْهَام معنى التَّعَجُّب كَمَا هُنَا فَإِن فِيهِ معنى التَّعَجُّب من الفتوة كَمَا تَقول: أَي رجل زيد وَقد تَضَمَّنت أَي معنى الْمَدْح والتعجب الَّذِي تضمنته نعم وحبذا.
وَأي: إِذا أضيفت إِلَى مُشْتَقّ من صفة يُمكن الْمَدْح بهَا كَانَت للمدح بِالْوَصْفِ الَّذِي اشتق مِنْهُ الِاسْم الَّذِي أضيفت إِلَيْهِ. فَإِذا قلت: مَرَرْت بِفَارِس أَي فَارس فقد أثنيت عَلَيْهِ بالفروسية خَاصَّة.)
وَإِن أضيفت إِلَى غير مُشْتَقّ فَهِيَ للثناء عَلَيْهِ بِكُل صفة يُمكن أَن يثنى عَلَيْهِ بهَا
فَإِذا قلت: مَرَرْت بِرَجُل، أَي رجل، فقد أتيت عَلَيْهِ ثَنَاء عَاما فِي كل مَا يمدح بِهِ الرجل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته - يَعْنِي الْخَلِيل - عَن قَوْله: ...
(9/370)

(فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر ... وَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى)
فَقَالَ: أَيّمَا تكون صفة للنكرة، وَحَالا للمعرفة، وَتَكون استفهاماً مَبْنِيا عَلَيْهَا، ومبنية على غَيرهَا، وَلَا تكون لتبيين الْعدَد، وَلَا فِي الِاسْتِثْنَاء نَحْو قَوْلك: أَتَوْنِي إِلَّا زيدا. أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول لَهُ: عشرُون أَيّمَا رجل وَلَا أَتَوْنِي إِلَّا أَيّمَا رجل. وَالنّصب فِي مثله رجلا كالنصب فِي عشْرين رجلا. فأيما لَا تكون فِي الِاسْتِثْنَاء، وَلَا يخْتَص بهَا نوع من الْأَنْوَاع، وَلَا يُفَسر بهَا عدد. وَأَيّمَا فَتى اسْتِفْهَام. أَلا ترى أَنَّك تَقول سُبْحَانَ الله من هُوَ وَمَا هُوَ؟ فَهَذَا اسْتِفْهَام فِيهِ معنى التَّعَجُّب. وَلَو كَانَ خَبرا لم يجز ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يجوز فِي الْخَبَر أَن تَقول: من هُوَ، وتسكت. انْتهى. قَالَ النّحاس: قد فسر الْخَلِيل أَيّمَا بقوله تكون صفة للنكرة، كَقَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل، وَحَالا للمعرفة، أَي: إِن شِئْت، رويت:
(فَللَّه عينا حبتر أَيّمَا فَتى)
بِالنّصب، أَي: كَامِلا ن ومبنياً عَلَيْهَا، كَقَوْلِك: أَيّمَا رجل، مَبْنِيَّة على غَيرهَا، نَحْو: زيد أَيّمَا رجل، وَلَا تكون لتبيين الْعدَد، وَلَا فِي الِاسْتِثْنَاء، لِأَنَّهَا لم تقو فِي الصِّفَات. على أَن الْأَخْفَش قد أجَاز ذَلِك. انْتهى. وَقَالَ الأعلم: رفع: " أَيّمَا " بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: أَي فَتى هُوَ، وَمَا زَائِدَة مُؤَكدَة. وَفِي أَي معنى الْمَدْح والتعجب. وصف أَنه أَمر ابْن أُخْت لَهُ يُقَال لَهُ: حبتر، بنحر نَاقَة من أَصْحَابه، لِأَنَّهُ كَانَ فِي غير مَحَله، ليخلفها عَلَيْهِ إِذا لحق بأَهْله. وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بذلك حَتَّى لَا يشْعر بِهِ أحد، ففهم عَنهُ وَعرف إِشَارَته لذكائه، وحدة بَصَره. والإيماء: الْإِشَارَة بِعَين أَو يَد. انْتهى.
(9/371)

وروى الْمبرد فِي الْكَامِل الرّفْع وَالنّصب فِي أَيّمَا فَتى فِي الْبَيْت قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَول ليلى الأخيلية: الطَّوِيل قَوْلهَا: أَي نظرة نَاظر يصلح فِيهِ الرّفْع وَالنّصب على قَوْله: نظرت أَي نظرة وأية نظرة وأيتما نظرة وَأَيّمَا نظرة كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل. وتأويله: بِرَجُل كَامِل. فأيما فِي مَوضِع: كَامِل.
وَتقول: مَرَرْت بزيد أَيّمَا رجل على الْحَال. وَمن قَالَ أَي نظرة هِيَ فعلى الْقطع والابتداء)
والمخرج مخرج اسْتِفْهَام وَتَقْدِيره أَي نظرة هِيَ كَمَا تَقول: سُبْحَانَ الله أَي رجل زيد.
وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر وَللَّه عينا حبترٍ أَيّمَا فَتى وَأَيّمَا إِن شِئْت على مَا فسرنا. انْتهى كَلَامه.
وَقد أنْشدهُ ابْن مَالك فِي بَاب الْمَوْصُول من شرح التسهيل بِنصب أَيّمَا على أَنه حَال من حبتر.
وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان فِي شَرحه وَقَالَ: أَصْحَابنَا أنشدوه بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ أَو خبر مُبْتَدأ وقدروه: أَي فَتى. وَلم يذكر أَصْحَابنَا كَون أَي تقع حَالا وَإِنَّمَا ذكرُوا لَهَا خَمْسَة أَقسَام: مَوْصُولَة وشرطية واستفهامية وَصفَة لنكرة ومنادى.
هَذَا كَلَامه على مَا ذكره الْعَيْنِيّ وَمَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة يرد عَلَيْهِ.
وَقَول الْمرَادِي فِي شَرحه تبعا لأوّل كَلَام أبي حَيَّان: أنْشدهُ المُصَنّف بِنصب أَي على الْحَال وَلَا أكاد أَقْْضِي الْعجب من قَول الْعَيْنِيّ: الاستشهاد فِيهِ أَن أياً فِيهِ صفة وَقد علم
وروى الْمبرد فِي الْكَامِل الرّفْع وَالنّصب فِي أَيّمَا فَتى فِي الْبَيْت قَالَ عِنْد الْكَلَام على قَول ليلى الأخيلية: الطَّوِيل قَوْلهَا: أَي نظرة نَاظر يصلح فِيهِ الرّفْع وَالنّصب على قَوْله: نظرت أَي نظرة وأية نظرة وأيتما نظرة وَأَيّمَا نظرة كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل أَيّمَا رجل. وتأويله: بِرَجُل كَامِل. فأيما فِي مَوضِع: كَامِل.
وَتقول: مَرَرْت بزيد أَيّمَا رجل على الْحَال. وَمن قَالَ أَي نظرة هِيَ فعلى الْقطع والابتداء)
والمخرج مخرج اسْتِفْهَام وَتَقْدِيره أَي نظرة هِيَ كَمَا تَقول: سُبْحَانَ الله أَي رجل زيد.
وَهَذَا الْبَيْت ينشد على وَجْهَيْن: فأومأت إِيمَاء خفِيا لحبتر وَللَّه عينا حبترٍ أَيّمَا فَتى وَأَيّمَا إِن شِئْت على مَا فسرنا. انْتهى كَلَامه.
وَقد أنْشدهُ ابْن مَالك فِي بَاب الْمَوْصُول من شرح التسهيل بِنصب أَيّمَا على أَنه حَال من حبتر.
وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان فِي شَرحه وَقَالَ: أَصْحَابنَا أنشدوه بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ أَو خبر مُبْتَدأ وقدروه: أَي فَتى. وَلم يذكر أَصْحَابنَا كَون أَي تقع حَالا وَإِنَّمَا ذكرُوا لَهَا خَمْسَة أَقسَام: مَوْصُولَة وشرطية واستفهامية وَصفَة لنكرة ومنادى.
هَذَا كَلَامه على مَا ذكره الْعَيْنِيّ وَمَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة يرد عَلَيْهِ.
وَقَول الْمرَادِي فِي شَرحه تبعا لأوّل كَلَام أبي حَيَّان: أنْشدهُ المُصَنّف بِنصب أَي على الْحَال
(9/372)

وَلَا أكاد أَقْْضِي الْعجب من قَول الْعَيْنِيّ: الاستشهاد فِيهِ أَن أياً فِيهِ صفة وَقد علم
أَنه صفة لمعْرِفَة وَحَال من نكرَة وَلَا يُضَاف إِلَّا إِلَى نكرَة. انْتهى.
وَهَذَا من نمط اختراع الخراع الَّذِي صنعه الصَّفَدِي وَقصد بِهِ التحميض.
وَالْبَيْت من قصيدة لِلرَّاعِي النميري وَأورد مِنْهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة ثَلَاثَة عشر بَيْتا وَكَانَ نزل بالراعي رجل من بني كلاب فِي ركب مَعَه لَيْلًا فِي سنة مُجْدِبَة وَقد عزبت عَن الرَّاعِي إبِله فَأَشَارَ إِلَى حبتر بخفية فَنحر لَهُم نَاقَة وأحلهم وصبحت الرَّاعِي إبِله فَأعْطى رب النَّاقة نَاقَة مثلهَا وزاده نَاقَة ثنية فَقَالَ هَذِه القصيدة فِي هَذِه الْقَضِيَّة.
وهجاه بَعضهم فِي نحر نَاقَة ضَيفه بِأَبْيَات وَأجَاب عَنْهَا الرَّاعِي بقصيدة وَالْجمع مَذْكُور فِي بَاب الهجاء من الحماسة.
قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: حبتر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وَفتح الْمُثَنَّاة من فَوق هُوَ ابْن أخي الرَّاعِي وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة الْقصير من النَّاس وَإِنَّمَا رسم لَهُ عرقبتها فِي السِّرّ بعد أَن اخْتَارَهَا مَخَافَة أَن يمْتَنع صَاحبهَا بِمَا هم بِهِ فِيهَا.
وَقَوله: وَللَّه عينا حبتر اعْتِرَاض. وَإِذا عظموا الشَّيْء نسبوا ملكه إِلَى الله تَعَالَى.
وَأَيّمَا فَتى
(9/373)

ينشد بِالرَّفْع وَالنّصب فالرفع على تَقْدِير أَيّمَا فَتى هُوَ وَالنّصب على الْحَال. انْتهى.
وَأنْشد بعده)
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(وَقد وجدت مَكَان القَوْل ذَا سَعَة ... فَإِن وجدت لِسَانا قَائِلا فَقل)
لما ذكره من معنى أحسن أَي: صفة بالْحسنِ كَيفَ شِئْت. فَإِن فِيهِ مِنْهُ كل مَا يُمكن أَن يكون فِي شخص كالبيت فَإِن مَعْنَاهُ وجدت مَكَانا لِلْقَوْلِ بِكَثْرَة مَا فِيهِ من المناقب فَإِن كَانَ لَك لِسَان قَائِل فَقل مَا شِئْت أَي: فلست تحْتَاج فِي شَيْء غَائِب إِلَى مدحه.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي مدح بهَا سيف الدولة.
وَقَبله:
(والمدح لِابْنِ أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهلية عين العي والخطل)
تنجده: تعينه. والخطل: اضْطِرَاب القَوْل. وَهَذَا تَعْرِيض بِأبي الْعَبَّاس النامي فَإِنَّهُ مدح سيف الدولة بقصيدة ذكر فِيهَا آبَاء الَّذين
(9/374)

كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة. يَقُول: إِذا مدحت وأعنته بكر آبَائِهِ الجاهليين كَانَ ذَلِك عين العي ثمَّ وضح هَذَا الْمَعْنى وتممه بقوله:
أَي: لَيْت مَا مدح بِهِ من الشّعْر استوفى ذكر مناقبه وَمَتى يتفرغ الشّعْر لذكر كُلَيْب وَأهل الدهور السَّابِقَة.
(خُذ مَا ترَاهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل)
يَقُول: امدحه بِمَا تشاهده واترك مَا سَمِعت فَإِن الشَّمْس تغنيك عَن زحل. وَجعله كَالشَّمْسِ وآباءه كزحل.
وَالْمعْنَى: فِيمَا قرب مِنْك عوض عَمَّا بعد عَنْك وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الْقَرِيب أفضل من الْبعيد.
وَقد وجدت مَكَان القَوْل ذَا سَعَة ... ... ... ... . الْبَيْت وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَهَذَا الْبَيْت إِنَّمَا أوردهُ لتنظير معنى بِمَعْنى.
(9/375)

(أَفعَال الْمَدْح والذم)
أنْشد فِيهِ
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد السبعمائة)
الرمل على أَن طرفَة اسْتعْمل نعم على الأَصْل بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين.
قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة يحيى بن وثاب: فَنعم عَقبي الدَّار: أصل قَوْلنَا: نعم الرجل زيد: نعم كعلم. وكل مَا كَانَ على فعل وثانيه حرف حلقي فَلهم فِيهِ أَربع لُغَات وَذَلِكَ نَحْو: فَخذ ونغر بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي على الأَصْل.
وَإِن شِئْت أسكنت الثَّانِي وأقررت الأول على فَتحه. وَإِن شِئْت أسكنت ونقلت الكسرة إِلَى الأول. وَإِن شِئْت أتبعت الكسرَ الْكسر. وَكَذَلِكَ الْفِعْل نَحْو: ضَحِك وَإِن شِئْت ضَحْك وَإِن شِئْت ضِحْكَ. وَإِن شِئْت ضِحِك.
فعلى هَذَا القَوْل نَعِم الرجل وَإِن شِئْت نَعْم وَإِن شِئْت نِعْم وَإِن شِئْت نِعِم. فَعَلَيهِ جَاءَ: فَنعم عُقبى الدَّار وأنشدنا أَبُو عَليّ لطرفة:
(ففداء لبني قيس على ... مَا أصَاب النَّاس من سر وضر)
(مَا أقلت قدمي إِنَّهُم ... نِعَم الساعون فِي الْأَمر المبر)
وروينا عَن قطرب: نَعٍ مَ الرجل زيد بإشباع كسرة الْعين وإنشاء
(9/376)

يَاء بعْدهَا المطافيل والمساجيد. وَلَا بُد من أَن يكون الْأَمر على مَا ذكرنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَمْثِلَة الْأَفْعَال فَعِيلَ الْبَتَّةَ.
انْتهى.
وَقد بسط القَوْل على نعم وَبئسَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَابْن الشجري فِي الْمجْلس السِّتين من أَمَالِيهِ وَقيد قِرَاءَة يحيى بن وثاب بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْعين.
وَقَوله: ففداء لبني قيس ... إِلَخ قَالَ شرَّاح أَبْيَات الْمفصل وَغَيره: أَي: أَنا فدَاء لهَذِهِ الْقَبِيلَة.
والسر والضر بضمهما: السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. وَمَا: دوامية. والإقلال: الرّفْع. وَقدمي: فَاعل أقلت.
وَرُوِيَ: قدمايَ بالتثنية. وَعَلَيْهِمَا فمفعول أقلت مَحْذُوف التَّقْدِير: أقلتني. وَإِنَّهُم تَعْلِيل لقَوْله ففداء.
وَرُوِيَ أَيْضا:)
مَا أقلت قدم ناعلها والناعل: لابس النَّعْل أَي: سَاتِر الْقدَم بالنعل.
وَرُوِيَ أَيْضا: ثمَّ نادوا أَنهم فِي قَومهمْ أَي قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْقَوْم هم الَّذين قَالَ النَّاس فِي حَقهم: نعم الساعون هم فِي الْأَمر المبر.
فالمخصوص بالمدح مَحْذُوف. والمبر: اسْم فَاعل من أبر فلَان على أَصْحَابه أَي: غلبهم. أَي: هم نعم الساعون فِي الْأَمر الْغَالِب الَّذِي عجز النَّاس عَن دَفعه. هَذَا مَا قَالُوا، والمروي فِي ديوَان طرفَة فِي عدَّة نسخ الْبَيْت الأول كَمَا رَوَاهُ ابْن جني
وَالْبَيْت الثَّانِي كَذَا:
(خَالَتِي وَالنَّفس قدماً إِنَّهُم ... نعم الساعون فِي الْقَوْم الشّطْر)
(9/377)

قَالَ شَارِح ديوانه الأعلم الشنتمري: يَقُول: نَفسِي فدَاء لبني قيس على مَا أصَاب النَّاس من أَمر يسر هم أَو يضرهم. والسر والضر: السَّرَّاء وَالضَّرَّاء.
وَقَوله: فِي الْقَوْم الشّطْر يَعْنِي الْبعدَاء من النَّاس الغرباء. وَوَاحِد الشّطْر شطير. وأصل الشطير: النَّاحِيَة. وكل من بعد عَن أَهله فقد أَخذ فِي نَاحيَة من الأَرْض. يَقُول: سَعْيهمْ فِي الغرباء أحسن سعي. انْتهى.
وَفهم من كَلَامه أَن قَوْله: خَالَتِي مُبْتَدأ وَالنَّفس مَعْطُوف عَلَيْهِ.
وَقَوله: فدَاء خبر لَهما مقدم. لَكِن ينظر: مَا وَجه ذكر الْخَالَة هَاهُنَا وقدماً بِالْكَسْرِ: ظرف مُتَعَلق بنعم وَلَا يمْنَع مِنْهُ ذكر إِن الْمَكْسُورَة لِأَنَّهُ ظرف اغتفر فِيهِ التَّقَدُّم.
وَقيس: أَبُو قَبيلَة الشَّاعِر وَإِنَّمَا جعل نَفسه فدَاء لِبَنِيهِ لأَنهم يتبادرون فِي إغاثة الملهوف.
وَهَذَا نسب طرفَة الشَّاعِر: طرفَة بن العَبْد بن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن ضبيعة ابْن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة لطرفة تقدم بعض أَبْيَات مِنْهَا فِي بَاب اسْم الْفَاعِل فِي
الشَّاهِد السَّابِع بعد الستمائة. وَهَذِه أَبْيَات قبل الْبَيْت الشَّاهِد: ...
(9/378)

(نَحن فِي المشتاة نَدْعُو الجفلى ... لَا ترى الآدب فِينَا ينتقر)
(حِين قَالَ النَّاس فِي مجلسهم ... أقتار ذَاك أم ريح قطر))
(بجفان تعتري نادينا ... من سديف حِين هاج الصنبر)
(كالجوابي لَا تني مترعة ... لقرى الأضياف أَو للمحتضر)
(وَلَقَد تعلم بكر أننا ... آفَة الجزر مساميح يسر)
(وَلَقَد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرَّأْي وَفِي الروع وقر)
(يكشفون الضّر عَن ذِي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر)
(فضل أحلامهم عَن جارهم ... رحب الأذرع بِالْخَيرِ أَمر)
(ذلق فِي غَارة مسفوحة ... ولدى الْبَأْس حماة مَا نفر)
(نمسك الْخَيل على مكروهها ... حِين لَا يمْسِكهَا إِلَّا الصَّبْر)
(حِين نَادَى الْحَيّ لما فزعوا ... ودعا الدَّاعِي وَقد لج الذعر)
(أَيهَا الفتيان فِي مَجْلِسنَا ... جردوا مِنْهَا وراداً وشقر)
ثمَّ وصف الْخَيل بِأَبْيَات تِسْعَة، وَقَالَ:
(ففداء لبني قيس على ... مَا أصَاب النَّاس من سر وضر)
(خَالَتِي وَالنَّفس قدماً إِنَّهُم ... نعم الساعون فِي الْقَوْم الشّطْر)
قَوْله: نَحن فِي المشتاة ... إِلَخ قَالَ شَارِحه الأعلم الشنتمري: يُرِيد زمن الشتَاء وَالْبرد وَذَلِكَ أَشد الزَّمَان.
والجفلى: أَن يعم بدعوته إِلَى الطَّعَام وَلَا يخص وَاحِدًا دون آخر. والآدب: الَّذِي يَدْعُو إِلَى المأدبة
(9/379)

وَهِي كل طَعَام يدعى إِلَيْهِ.
والانتقار: أَن يَدْعُو النقرى وَهُوَ أَن يخصهم وَلَا يعمهم. يَقُول: لَا يخص الْأَغْنِيَاء وَمن يطمعون فِي مكافاته وَلَكنهُمْ يعمون طلبا للحمد ولاكتساب الْمجد.
وَقَوله: حِين قَالَ النَّاس ... إِلَخ القتار بِالضَّمِّ: رَائِحَة اللَّحْم إِذا شوي.
والقطر بِضَمَّتَيْنِ: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ. يَقُول: نَحن نطعم فِي شدَّة الزَّمَان إِذا كَانَ ريح القتار عِنْد الْقَوْم بِمَنْزِلَة رَائِحَة الْعود لما فِيهِ من الْجهد وَالْحَاجة إِلَى الطَّعَام.
وَقَوله: يجفان تعتري ... إِلَخ أَي: ندعوهم إِلَى الجفان. وَمعنى تعتري: تلم بِهِ وتأتيه.
والنادي: مجْلِس الْقَوْم ومتحدثهم. والسديف: قطع السنام. والصنبر أَشد مَا يكون من الْبرد.
قَالَ ابْن جني فِي الخصائص الصنبر بنُون مُشَدّدَة وباء سَاكِنة. وَكَانَ حَقه إِذا نقلت الْحَرَكَة أَن تكون الْبَاء مَضْمُومَة لِأَن الرَّاء مَرْفُوعَة وَلكنه قدر الْإِضَافَة إِلَى الْفِعْل يَعْنِي الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ:)
حِين هيج الصنبر. يَعْنِي: أَنه نقل الكسرة فِي الْوَقْف إِلَى الْبَاء الساكنة وسكنت الرَّاء.
قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة بعد أَن نقل الْكَلَام: وَهَذَا من الغرائب فَإِن الصنبر لَا شكّ فِي كَونه فَاعِلا بهاج لكنه أعربه بالكسرة نظرا إِلَى أَن الْفِعْل فِي معنى الْمصدر الْمُضَاف إِلَى هَذَا الْفَاعِل ثمَّ نقل الكسرة. وَقد نظمته لغزاً فَقلت: الطَّوِيل
(أيا عُلَمَاء الْهِنْد إِنِّي سَائل ... فمنوا بتحقيق بِهِ يظْهر السِّرّ)
...
(9/380)

(أرى فَاعِلا بِالْفِعْلِ أعرب لَفظه ... بجر وَلَا حرف يكون بِهِ الْجَرّ)
(وَلَيْسَ بمحكي وَلَا بمجاور ... لذِي الْخَفْض وَالْإِنْسَان للبحث يضْطَر)
فَهَل من جَوَاب مِنْكُم أستفيده فَمن بحركم مَا زَالَ يستخر الدّرّ وَقد اسْتشْهد الْجَوْهَرِي بِبَيْت طرفَة على أَن الصنبر بِكَسْر الْبَاء: شدَّة الْبرد فَجعل الكسرة أَصْلِيَّة وَجوز أَن تكون الْبَاء سَاكِنة فِي الأَصْل وَلَكِن حركت بِالْكَسْرِ للضَّرُورَة. وعَلى هَذَا لَا يلغز. انْتهى كَلَامه.
قَالَ الشمني: وَقد سبق الدماميني إِلَى اللغز فِي ذَلِك بِأبي سعيد فرج الْمَعْرُوف بِابْن لب النَّحْوِيّ الأندلسي فِي منظومته النونية فِي الألغاز النحوية فَقَالَ: وَفِي شرحها: يَعْنِي الصِّنَبِر من قَول طرفَة. اه.
وَقَوله: كالجوابي لاتني ... . إِلَخ الجوابي: جمع جابية وَهُوَ الْحَوْض الْعَظِيم يجبى فِيهِ المَاء أَي: يجمع. شبه الجفان بهَا فِي سعتها وعظمها. والمترعة: المملوءة.
قَوْله: لَا تني أَي: لَا تفتر وَلَا تزَال. والقرى: الْقيام بالضيف. والمحتضر: النَّازِل على المَاء اسْم فَاعل من احْتضرَ. والمحاضر: الْمِيَاه وَاحِدهَا محْضر كجعفر.
يَقُول: لَا تزَال جفاتنا مترعة لم جَاءَنَا ضيفاً أَو لمن كَانَ حَاضرا مَعنا نازلاً على مائنا.
وَقَوله: وَلَقَد تعلم بكر ... إِلَخ الجزر: جمع جزور. والمساميح: الأسخياء.
واليسر: الداخلون فِي الْيُسْر. يُرِيد: تفضل اراؤنا وسياستنا
(9/381)

رَأْي غَيرنَا وَلَا نخف عِنْد الروع بل نثبت ونتوقر.
وَقَوله: ويبرون أَي: يغلبُونَ ويظهرون. على الآبي أَي: الْمُمْتَنع. أيك نَحن نغلب الآبي الْغَالِب.
وَقَوله: فضل أحلامهم يَقُول: إِن جهل جارهم حلموا عَنهُ حلماً فَاضلا وَلم يكافئوه على جَهله.)
وَقَوله: رحب الأذرع أَي: واسعو الصَّدْر بِالْمَعْرُوفِ. وَأمر: جمع أُمُور وَهُوَ الْكثير الْأَمر.
وَقَوله: ذلق فِي غَارة أَي: مسرعون إِلَى الْغَارة متقدمون فِيهَا. وَأَصله من ذَلِك السَّيْف إِذا كَانَ والمسفوحة: المصبوبة وَيُقَال: هِيَ الْكَثِيرَة. والحماة: جمع حام وَهُوَ الَّذِي يحمي حريمه وعشيرته.
وَقَوله: نمسك الْخَيل يَقُول: نصبر على ارتباط الْخَيل وَالْقِيَام عَلَيْهَا.
وَقَوله: على مكروهها أَي: نمسكها على شدَّة الزَّمَان وجوع النَّاس ونؤثرها على أَنْفُسنَا.
وَيحْتَمل أَن يُرِيد نمسك الْخَيل على مَا نَلْقَاهُ من شدَّة الْحَرْب وجهدها وَلَا ننهزم.
وَإِنَّمَا ذكر مَكْرُوه الْخَيل لِأَنَّهُ إِذا أَصَابَهَا مَكْرُوه فِي الْحَرْب فهم أَجْدَر أَن يصيبهم. وَالْبَيْت الَّذِي بعده يدل على هَذَا التَّفْسِير الثَّانِي.
وَقَوله: وَقد لج الذعر أَي: دَامَ الذعر فِي الْقلب وَاشْتَدَّ. والذُّعر: الْفَزع وحرك الْعين إتباعاً لحركة الذَّال.
وَقَوله: أَيهَا الفتيان ... إِلَخ جردوا مِنْهَا وراداً أَي: ألقوا عَنْهَا جلالها
(9/382)

وأسرجوها للقاء.
وَقيل: الجريدة من الْخَيل وَهِي الَّتِي تخْتَار فتجرد أَي: تكمش فِي مُهِمّ الْأُمُور.
والوراد: جمع ورد. وشقر: جمع أشقر وحرك الثَّانِي إبتاعاً للْأولِ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة طرفَة بن العَبْد فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل تقدم شَرحه مُسْتَوْفِي عَلَيْهِ الْكَلَام فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: الْكَامِل
فمضيت ثمت قلت لَا يعنيني على أَن ثمَّ إِذا لحقتها التَّاء اخْتصّت بعطف قصَّة على قصَّة.
تقدم هَذَا من الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث أَيْضا وَهُوَ الْمَشْهُور. وَقد وَقع فِي شعر رؤبة عطف الْمُفْرد بهَا قَالَ: الرجز
(فَإِن تكن سوائق الْحمام ... ساقتهم للبلد الشآم)
فبالسلام ثمت السَّلَام
(9/383)

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَقد جوزه ابْن الْأَنْبَارِي وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته أَقُول: تجويزه مَأْخُوذ من)
شعر رؤبة. وَحِينَئِذٍ صِحَّته وَاضِحَة.
وَالْمَذْكُور عجز وصدره: وَلَقَد أَمر على اللَّئِيم يسبني وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مرَارًا وَأول مَا ذكر فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده السَّرِيع
(ماوي يَا ربتما غَارة ... شعواء كاللذعة بالميسم)
على أَن التَّاء لحقت رب للإيذان بِأَن مجرورها مؤنث وَمَا زَائِدَة بَين رب ومجورها كَمَا قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق فِي رب من حُرُوف الْجَرّ.
وَالْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة لضمرة بن ضَمرَة النَّهْشَلِي أوردهَا أَبُو زيد فِي نوادره.
وَبعده:
(ناهبتها الْغنم على طيع ... أجرد كالقدح من الساسم)
(ماوي بل لست برعديدة ... أبلخ وجاد على المعدم)
(لَا وألت نَفسك خليتها ... للعامريين وَلم تكلم)
وماويَّ: منادى مرخم ماوية اسْم امْرَأَة. وَيَا فِي قَوْله: يَا ربتما
(9/384)

للتّنْبِيه لَا للنداء.
وَفِي رِوَايَة أبي زيد: ماوي بل ربتما قَالَ أَبُو زيد: الشعواء: الْغَارة المنتشرة وَهِي بِالْعينِ الْمُهْملَة. والذعة بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة من لذعته النَّار إِذا أحرقته.
هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو زيد قَالَ الْعَيْنِيّ: وَإِنَّمَا اللدغة بِالدَّال المهلمة والغين الْمُعْجَمَة: المكوى. اه.
وَهَذَا مُعَارضَة النَّقْل بِالرَّأْيِ. قَالَ أَبُو زيد: والميسم: مَا يوسم بِهِ الْبَعِير بالنَّار.
وَقَوله: ناهبتها جَوَاب رب أَي: نهبت بالغارة الْغنم بِالضَّمِّ وَهِي الْغَنِيمَة. والغارة: اسْم من أغار الْقَوْم إغارة أَي: أَسْرعُوا فِي السّير.
وَقَوله: على طيع أَي: فرس طيع وَهُوَ فيعل من الطوع وَهُوَ الانقياد.
قَالَ أَبُو زيد: طيع: فرس لين الْعَنَان طوع. وأجرد بِالْجِيم وَالرَّاء قَالَ أَبُو زيد: هُوَ قصير الشّعْر. وَهُوَ صلب كَأَنَّهُ قدح من خشب الساسم الآبنوس وَهُوَ الساسم.
والقدح بِكَسْر الْقَاف: السهْم قبل أَن يراش وينصل. والساسم بسينين مهملتين مفتوحتين قَالَ)
أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه هُنَا: وأنشدت عَن ابْن الْأَعرَابِي: ناهبتها الْغنم على صُنْتُع وَزعم أَنه الصلب الشَّديد وَهُوَ بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَضم الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا عين مُهْملَة.
قَالَ أَبُو زيد: رجل رعديد ورعديدة إِذا كَانَ يرعد عِنْد الْقِتَال. والأبلخ
(9/385)

بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة صفة رعديدة قَالَ أَبُو زيد: المتكبر الفخور. ووجاد بتَشْديد الْجِيم صفة ثَانِيَة لرعديدة.
قَالَ أَبُو زيد: وجاد: كثير الْغَضَب وَهُوَ مُبَالغَة فَاعل من الوجد وَهُوَ الْغَضَب. وَيُقَال: الموجدة أَيْضا. والمعدم: الْفَقِير وَهُوَ اسْم فَاعل من أعدم فلَان إِذا افْتقر.
وَقَوله: لَا وألت نَفسك ... . إِلَخ هَذَا دُعَاء على رجل استأسر لأعدائه دون أَن يجرح. قَالَ أَبُو زيد: وألت: نجت. والموئل: المنجى. وَتكلم: تجرح بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْكَلم وَهُوَ الْجرْح.
وضمرة بن ضَمرَة شَاعِر جاهلي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن والثمانين.
وَأنْشد بعده: الرجز
(يَا صاحبا ربت إِنْسَان حسن ... يسْأَل عَنْك الْيَوْم أَو يسْأَل عَن)
على أَنه جَاءَ مجرور ربت مذكراً على خلاف الْقيَاس.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْمُذكر والمؤنث فِي الشَّاهِد الْوَاحِد وَالْخمسين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده: الْبَسِيط وَالْمُؤمن العائذات الطير على أَن العائذات كَانَ فِي الأَصْل صفة للطير فَقدم عَلَيْهِ وَصَارَ الطير بَدَلا من العائذات.
والعائذات مفعول بِهِ لِلْمُؤمنِ وَالْمُؤمن
(9/386)

مَعْطُوف على مقسم بِهِ مُتَقَدم.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده الطَّوِيل لنعم السيدان وجدتما هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
761 - لنعم السيدان وجدتما هُوَ قِطْعَة من بَيت، وَهُوَ:
(يَمِينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حَال من سحيل ومبرم))
على أَنه قد يدْخل الْفِعْل النَّاسِخ على الْمَخْصُوص بالمدح أَو الذَّم سَوَاء تقدم الْمَخْصُوص كَمَا فِي الْمِثَال أَو تَأَخّر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَأَصله لنعم السيدان أَنْتُمَا فَدخل عَلَيْهِ النَّاسِخ فَصَارَ وجدتما فضمير التَّثْنِيَة نَائِب الْفَاعِل لوجد وَهُوَ الْمَفْعُول الأول لَهُ.
وَقَوله: لنعم السيدان جَوَاب الْقسم وَالْقسم وَجَوَابه فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّانِي لوجد.
وَكَذَا إعرابه على مُقْتَضى مُخْتَار الشَّارِح الْمُحَقق فِي جعل الْمَخْصُوص مُبْتَدأ وَجُمْلَة الْمَدْح أَو الذَّم خَبره.
والسحيل بالمهملتين: الْخَيط الَّذِي لم يحكم فتله. والمبرم: الْخَيط الَّذِي أحكم فتله. وَأَرَادَ بِالْأولِ: الْأَمر السهل وَبِالثَّانِي: الْأَمر الشَّديد.
وَالْبَيْت من معلقَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَقد شرحناه مَعَ أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَة من بَاب الِاشْتِغَال.
(9/387)

وَقَوله: فيدخله عوامل الْمُبْتَدَأ يَشْمَل بَاب كَانَ وَظن وَإِن وَأَخَوَاتهَا. والأولان جائزان وَالثَّالِث لَا يجوز فَإِنَّهُ لَا يُقَال: نعم الرجل إِن زيدا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول كَمَا قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل فِي صُورَة تَأْخِير الْمَخْصُوص: أَو أول معمولي فعل نَاسخ ليحترز عَن إِن وَأَخَوَاتهَا.
وَمِثَال الأول قَوْله: الطَّوِيل
(لعمري لَئِن أنزفتم أَو صحوتم ... لبئس الندامى كُنْتُم آل أبجرا
)
وتعميم النواسخ إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَة تَقْدِيم الْمَخْصُوص كَقَوْلِه: مجزوء الْكَامِل
(إِن ابْن عبد الله نع ... م أَخُو الندى وَابْن الْعَشِيرَة)
وَقَول الآخر: الطَّوِيل
(إِذا أرسلوني عِنْد تعذير حَاجَة ... أمارس فِيهَا كنت نعم الممارس)
وَمِثَال ظن نَحْو: ظَنَنْت زيدا نعم الرجل.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الرجز على أَن حرف الْجَرّ دَاخل على مَحْذُوف أَي: بمقول فِيهِ: نَام صَاحبه
(9/388)

فَحذف القَوْل وَبَقِي المحكي بِهِ.
وَذهب صَاحب اللّبَاب إِلَى أَنه من بَاب حذف الْمَوْصُوف غير القَوْل قَالَ: تَقْدِيره: بلَيْل نَام صَاحبه فِيهِ فالجر دخل فِي الْحَقِيقَة على الْمَوْصُوف الْمُقدر لَا على الصّفة.
وَأَقُول: لَا فرق بَينهمَا فَإِن كلا مِنْهُمَا ضَرُورَة يخْتَص بالشعر. إِلَّا أَن مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق أقرب إِلَى الْقيَاس وَهُوَ قَول أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة قَالَ فِيهَا: وَمن زعم أَن نعم اسْم لدُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهِ فِي قَول حسان: الطَّوِيل
(أَلَسْت بنعم الْجَار يؤلف بَيته ... أَخا ثلة أَو معدم المَال مصرم)
فَلَا حجَّة لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ يقدر فِيهِ الْحِكَايَة وَيلْزمهُ على هَذَا أَن يكون نَام اسْما كَقَوْلِه:
(وَالله مَا زيد بنام صَاحبه ... وَلَا مخالط الليان جَانِبه)
اه.
وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي وَابْن الشجري إِلَّا أَن روايتهما: مَا ليلِي بنام صَاحبه.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن ابْن سَيّده فِي الْمُحكم أَن رِوَايَته كَرِوَايَة أبي عَليّ. وَقَالَ: إِنَّه قَالَ: قيل إِن نَام صَاحبه علم رجل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك جرى مجْرى شَاب قرناها. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِن قَوْله وَلَا مخالط الليان جَانِبه لَيْسَ علما وَإِنَّمَا هُوَ صفة وَهُوَ مَعْطُوف على نَام صَاحبه فَيجب أَن
(9/389)

يكون قَوْله: نَام صَاحبه أَيْضا صفة. قيل: قد يكون فِي الْجمل إِذا سمي بهَا مَعَاني الْأَفْعَال.
أَلا ترى أَن شَاب قرناها اسْم عليم وَفِيه مَعَ ذَلِك معنى الذَّم. وَإِذا كَانَ كَذَلِك جَازَ أَن يكون قَوْله: وَلَا مخالط الليان جَانِبه: مَعْطُوفًا على مَا فِي قَوْله نَام صَاحبه من معنى الْفِعْل. هَذَا كَلَامه.
قَالَ شَارِح اللّبَاب: الليان بِالْكَسْرِ: الملاينة. وبالفتح: مصدر لَان بِمَعْنى اللين. يُقَال: هُوَ فِي ليان من الْعَيْش أَي: فِي نعيم وخفض. اه.
وروى صَدره: عمرك مَا ليلى إِلَخ)
فَيكون عمرك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: قسمي. وَجُمْلَة: مَا ليلِي إِلَخ جَوَاب الْقسم وزيدت الْبَاء فِي خبر مَا.
وَالْبَيْت مَعَ كَثْرَة دورانه فِي كتب النَّحْو غير مَعْلُوم قَائِله. وَالله أعلم بِهِ.
وَأنْشد بعده:
(يَمِينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حَال من سحيل ومبرم)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(أَبُو مُوسَى فجدك نعم جدا ... وَشَيخ الْحَيّ خَالك نعم خالا)
على أَنه قد يكون فَاعل نعم ضميراً مُفَسرًا بنكرة مَعَ تقدم الْمَخْصُوص بالمدح
كَمَا هُنَا. فَإِن أَبُو مُوسَى هُوَ الْمَخْصُوص وفاعل نعم ضمير
(9/390)

فسره بقوله: جدا. وَكَذَا المصراع الثَّانِي فَإِن قَوْله: شيخ الْحَيّ هُوَ الْمَخْصُوص وخالك بدل مِنْهُ وفاعل نعم ضمير مُفَسّر بقوله: خالا.
وَأما قَوْله: فجدك تَحْرِيف وَقع فِي نسخ هَذَا الشَّرْح وَلم يتَنَبَّه لَهُ أحد وَلَا فتش ديوَان قَائِله حَتَّى يُؤْخَذ المَاء من مجاريه.
وَقد تمحل لإعرابه الْمولى حسن الفناري فِي حَاشِيَة المطول وَهُوَ مَعْذُور. قَالَ: قَوْله: فجدك بدل من أَبُو مُوسَى وَالْأَقْرَب أَن أَبُو مُوسَى مُبْتَدأ فجدك خَبره وَالْفَاء زَائِدَة فِي الْخَبَر على مَا جوزه الْأَخْفَش. أما زيادتها فِي الْبَدَل فَلم أظفر بِهِ والمخصوص بالمدح مَحْذُوف على قِيَاس نعم العَبْد. وَهَذَا أولى لشيوعه.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا مائَة بَيت مدح بهَا بِلَال بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَلَيْسَ الْبَيْت للأخطل كَمَا زعم الشَّارِح فَإِن الأخطل هلك قبل ظُهُور بِلَال فَإِن الأخطل كَانَ من شعراء مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وبلال كَانَ فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَالْبَيْت مَوْجُود فِي قصيدة من شعر ذِي الرمة. وغالب شعر ذِي الرمة فِي مدح بِلَال.
وَقَبله: ...
(9/391)

(بنى لَك أهل بَيْتك يَا ابْن قيسٍ ... وَأَنت تزيدهم شرفاً جلالا)
(مَكَارِم لَيْسَ يحصيهن مدح ... وَلَا كذبا أَقُول وَلَا انتحالا))
(أَبُو مُوسَى فحسبك نعم جدا ... وَشَيخ الركب خَالك نعم خالا)
(كَأَن النَّاس حِين تمر حَتَّى ... عواتق لم تكن تدع الحجالا)
(قيَاما ينظرُونَ إِلَى بِلَال ... رفاق الْحَج أَبْصرت الهلالا)
(فقد رفع الْإِلَه بِكُل أفق ... لضوئك يَا بِلَال سنا طوَالًا)
(كضوء الشَّمْس لَيْسَ بِهِ خَفَاء ... وَأعْطيت المهابة والجمالا)
والجلال بِضَم الْجِيم: الْجَلِيل. وَمَكَارِم: مفعول بنى لَك.
وَقَوله: أَبُو مُوسَى فحسبك ... إِلَخ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ.
وَقَوله: فحسبك الْفَاء فِي فَحسب زَائِدَة لَازِمَة. وَحسب: اسْم بِمَعْنى ليكف كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْإِضَافَة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا النّسَب أَو هَذَا الْمَدْح.
وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
وَقَوله: وَشَيخ الركب أَي: الْقَافِلَة. وروى بدله: وَزَاد الركب وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يدع أحدا من الركب يحمل زَاد السفرة بل هُوَ يجْرِي النَّفَقَات على جَمِيع من صَحبه فِي السّفر.
ومدحه فِي هَذَا الْبَيْت بشرف النسبين: نسب الْأَب وَنسب الْأُم.
وَقَوله: كَأَن النَّاس ... . إِلَخ خبر كَأَن قَوْله: رفاق الْحَج فِي الْبَيْت بعده. وَحَتَّى: حرف جر غَايَة للنَّاس وَمَا بعْدهَا دَاخل فِي المغيا. وعواتق مجرور بالفتحة جمع عاتق وَهِي الْبِنْت الَّتِي أدْركْت فِي بَيت أَبَوَيْهَا
(9/392)

وَلم تكن متزوجة.
والحجال: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيتهَا الَّذِي تلازمه وَلَا تخرج مِنْهُ. وقياماً مَنْصُوب على الْحَال.
أَرَادَ: كَأَن النَّاس فِي حَال قيامهم حِين يمر بِلَال رفاق الْحَج إِذا نظرُوا إِلَى الْهلَال. والسنا بِالْقصرِ: الضَّوْء. والطوال: مُبَالغَة الطَّوِيل.
وَفِي هَذِه القصيدة أَبْيَات أخر شَوَاهِد مِنْهَا: الوافر
و (وميه أحسن الثقلَيْن جيدا ... وسالفه وَأَحْسَنهمْ قذالا) القذال: مَا بَين الْأذن والنقرة وهما قذالان. وَمِنْهَا:
(سَمِعت النَّاس ينتجعون غيثاً ... فَقلت لصيدح انتجعي بِلَالًا)
وَتقدم شَرحه فِي أَفعَال الْقُلُوب.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة بِلَال هَذَا فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة. وترجمة ذِي الرمة فِي الشَّاهِد الثَّامِن)
من أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده: ويلمها رَوْحَة هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: الْبَسِيط
(ويملها رَوْحَة وَالرِّيح معصفة ... والغيث مرتجز وَاللَّيْل مقترب)
(9/393)

وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده: فيا لَك من ليل هَذَا أَيْضا من بَيت وَهُوَ: الطَّوِيل
(فيا لَك من ليلٍ كَأَن نجومه ... بِكُل مغار الفتل شدت بيذبل)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... فَنعم الزَّاد زَاد أَبِيك زادا)
على أَنه قد يَجِيء بعد الْفَاعِل الظَّاهِر تَمْيِيز للتوكيد.
قَالَ ابْن يعِيش: اخْتلف الْأَئِمَّة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَمنع سِيبَوَيْهٍ من ذَلِك وَأَنه
لَا يُقَال: نعم الرجل رجلا زيد وَكَذَلِكَ السيرافي وَابْن السراج وَأَجَازَهُ الْمبرد وَأَبُو عَليّ.
وَاحْتج فِي ذَلِك سِيبَوَيْهٍ بِأَن الْمَقْصُود من الْمَرْفُوع والمنصوب الدّلَالَة على الْجِنْس وَأَحَدهمَا كَاف عَن الآخر. وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك رُبمَا أوهم بِأَن الْفِعْل الْوَاحِد لَهُ فاعلان وَذَلِكَ إِن رفعت اسْم الْجِنْس بِأَنَّهُ فَاعل.
وَإِذا نصبت النكرَة بعد ذَلِك آذَنت بِأَن الْفِعْل فِيهِ ضمير فَاعل لِأَن النكرَة المنصوبة لَا تَأتي إِلَّا كَذَلِك.
(9/394)

وَحجَّة الْمبرد فِي الْجَوَاز الغلو فِي الْبَيَان والتأكيد وَالْأول أظهر.
تزَود مثل زَاد أَبِيك ... ... ... ... . إِلَخ فَإِن الْمبرد أنْشدهُ شَاهدا على مَا ادّعى من جَوَاز ذَلِك. فَإِن رفع الزَّاد الْمُعَرّف بِاللَّامِ بِأَنَّهُ فَاعل)
نعم وَزَاد أَبِيك هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح وَزَادا تَمْيِيز وَتَفْسِير فَالْقَوْل عَلَيْهِ أَنا لَا نسلم أَن زاداً مَنْصُوب بنعم وَإِنَّمَا هُوَ مفعول بِهِ بتزود وَالتَّقْدِير: تزَود زاداً مثل زَاد أَبِيك فِينَا فَلَمَّا قدم صفته عَلَيْهِ نصبها على الْحَال.
وَيجوز أَن يكون مصدرا مؤكداً مَحْذُوف الزَّوَائِد وَالتَّقْدِير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا تزوداً.
وَيجوز أَن يكون تمييزاً لمثل كَمَا يُقَال: مَا رَأَيْت مثله رجلا. وعَلى تَقْدِير أَن يكون الْعَامِل فِيهِ نعم فَإِن ذَلِك من ضَرُورَة الشّعْر وَلَا يَجْعَل قِيَاسا.
وَمثله قَول الآخر: الوافر
(ذَرِينِي أصطبح يَا بكر إِنِّي ... رَأَيْت الْمَوْت نقب عَن هِشَام)
(تخبره وَلم يعدل سواهُ ... وَنعم الْمَرْء من رجل تهامي)
فَقَوله: من رجل كَقَوْلِه رجلا لِأَن من تدخل على التَّمْيِيز. وَذَلِكَ كُله من ضَرُورَة الشّعْر.
وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص: إِن الرجل من نَحْو قَوْلهم: نعم الرجل زيد غير الْمُضمر فِي نعم إِذا قلت: نعم رجلا زيد لِأَن الْمُضمر
(9/395)

على شريطة التَّفْسِير لَا يظْهر وَلَا يسْتَعْمل ملفوظاً بِهِ.
وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا بَاب مَا لَا يعلم فِي الْمَعْرُوف إِلَّا مضمراً أَي: إِذا فسر بالنكرة نَحْو: نعم رجلا زيد فَإِنَّهُ لَا يظْهر أبدا. وَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت زِيَادَة الزَّاد فِي قَول جرير: تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... ... ... ... الْبَيْت وَذَلِكَ أَن فَاعل نعم مظهر فَلَا حجَّة بِهِ إِلَى أَن يُفَسر. فَهَذَا يسْقط اعْتِرَاض الْمبرد على صَاحب الْكتاب فِي هَذَا الْموضع. اه.
وَهَذَا جَوَاب خَامِس.
وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: منع سِيبَوَيْهٍ الْجمع بَين التَّمْيِيز وَالْفَاعِل الظَّاهِر وَأَجَازَ ذَلِك الْمبرد والفارسي. قَالَ المُصَنّف: وَهُوَ الصَّحِيح. اه.
وبالجواز قَالَ ابْن السراج. وَفصل بَعضهم فَقَالَ: إِن أَفَادَ التَّمْيِيز معنى لَا يفِيدهُ الْفَاعِل جَازَ نَحْو: نعم الرجل رجلا فَارِسًا زيد وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ المُصَنّف: وَالْحَامِل لسيبويه على الْمَنْع كَون التَّمْيِيز فِي الأَصْل مسوقاً لدفع الْإِبْهَام والإبهام إِذا ظهر الْفَاعِل زائل فَلَا حَاجَة إِلَى التميز. وَهَذَا الِاعْتِبَار يلْزم مِنْهُ منع التَّمْيِيز فِي كل مَا لَا إِبْهَام فِيهِ كَقَوْلِك: عِنْدِي من الدَّرَاهِم عشرُون درهما. وَمثل هَذَا جَائِز بِلَا خلاف. اه.)
وَمَا ذكره من أَن الْحَامِل لسيبويه مَا ذكر لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابه. وَفرق بَين نعم رجل رجلا يزِيد وَبَين: لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَنَحْوه بِأَن عشْرين وأمثالها
محتاجة إِلَى التَّمْيِيز فِي الأَصْل بِخِلَاف نعم الرجل
(9/396)

زيد. والتمييز مبناه على التَّبْيِين ثمَّ يعرض لَهُ فِي بعض الْمَوَاضِع أَن يقْتَرن بالْكلَام مَا يُغني عَنهُ فَيصير مؤكداً.
وَقد تَأَول الْفَارِسِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن مَعْنَاهُ لَا يكون الْفَاعِل ظَاهرا حِين يلْزم التَّمْيِيز بل الْفَاعِل فِي حَال لُزُوم التَّمْيِيز مُضْمر لَا غير وَأما مَعَ الظَّاهِر فَلَا يكون لَازِما. وَفِيه بعد. وَاسْتدلَّ المُصَنّف على الْجَوَاز بِالْقِيَاسِ وَالسَّمَاع.
أما الْقيَاس فَقَالَ بعد التَّمْثِيل ب لَهُ من الدَّرَاهِم عشرُون درهما وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا وَقَوله تَعَالَى: وَاخْتَارَ مُوسَى قومه سبعين رجلا وَقَوله تَعَالَى: فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَقَوله تَعَالَى: فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة.
فَكَمَا حكم بِالْجَوَازِ فِي مثل هَذَا وَجعل سَبَب الْجَوَاز التوكيد لَا رفع الْإِبْهَام فَكَذَلِك يفعل فِي نَحْو: نعم الرجل رجلا. وَلَا يمْنَع لِأَن تَخْصِيصه بِالْمَنْعِ كَحكم بِلَا دَلِيل. هَذَا لَو لم تستعمله الْعَرَب فَكيف وَقد استعملته. اه.
وَقد تقدم مَا فرق بِهِ بَين مَا ذكرته من التَّمْثِيل وَبَين نعم الرجل. قَالَ: وَمن وُرُوده التَّمْيِيز للتوكيد لَا لرفع الْإِبْهَام قَول أبي طَالب: الْكَامِل وَقَول الآخر: المتقارب
(فَأَما الَّتِي خَيرهَا يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظة)
(9/397)

اه.
وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك الْفرق هُنَا. وَأما السماع فَقَوْل جرير: الْبَسِيط
(والتغلبيون بئس الْفَحْل فحلهم ... فحلاً وأمهم زلاء منطيق)
وَقَوله جرير أَيْضا: تزَود مثل زَاد أَبِيك ... ... ... ... الْبَيْت وَأنْشد غير المُصَنّف: الْبَسِيط
(نعم الفتاة فتاة هِنْد لَو بذلت ... رد التَّحِيَّة نطقاً أَو بإيماء)
وَحكي من كَلَام الْعَرَب: نعم الْقَتِيل قَتِيلا أصلح بَين بكر وتغلب. وَهَذَا وَارِد فِي الِاخْتِيَار.)
وَقد تَأَول المانعون السماع. أما فحلاً وفتاة فعلى الْحَال الْمُؤَكّدَة. وَأما زاداً فعلى أَنه مصدر مَحْذُوف الزَّوَائِد مَنْصُوب بتزود. وَقد حكى الْفراء اسْتِعْمَاله مصدرا. أَو على أَنه مفعول بِهِ وَمثل مَنْصُوب على الْحَال لِأَنَّهُ لَو تَأَخّر لَكَانَ صفة.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان: وَعِنْدِي تَأْوِيل غير مَا ذَكرُوهُ وَهُوَ أقرب. وَذَلِكَ أَن يدعى أَن فِي نعم وَبئسَ ضميراً وفحلاً وفتاة وَزَادا تَمْيِيز لذَلِك الضَّمِير وَتَأَخر عَن الْمَخْصُوص على جِهَة الندور.
فالفحل والفتاة والزاد هِيَ الْمَخْصُوصَة وفحلهم
وَزَاد أَبِيك أبدال من الْمَرْفُوع قبلهَا.
هَذَا مَا أوردهُ الْمرَادِي ولفوائده سقناه برمتِهِ.
(9/398)

وَالْبَيْت من قصيدة لجرير مدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز مِنْهَا:
(وسدت النَّاس قبل سِنِين عشر ... كَذَاك أَبوك قبل الْعشْر سَادًّا)
(وَثَبت الْفُرُوع فهن خضر ... وَلَو لم تحي أصلهم لبادا)
تزَود مثل زَاد أَبِيك فِينَا ... ... ... ... ... . الْبَيْت
(فَلَمَّا كَعْب بن مامة وَابْن سعدى ... بأجود مِنْك يَا عمر الجوادا)
(وتبني الْمجد يَا عمر بن ليلى ... وتكفي الممحل السّنة الجمادا)
(يعود الْحلم مِنْك على قُرَيْش ... وتفرج عَنْهُم الكرب الشدادا)
(وَتَدْعُو الله مُجْتَهدا ليرضى ... وتذكر فِي رعيتك المعادا)
وباد: هلك. وأتبع الْجواد لموْضِع عمر وَهُوَ من شَوَاهِد المنادى.
وَكَعب هُوَ ابْن مامة الْإِيَادِي أحد أجواد الْعَرَب.
قَالَ الواحدي فِي
(9/399)

أَمْثَاله: كَانَ كَعْب فِيمَا يُقَال أَجود من حَاتِم الطَّائِي. حُكيَ أَنه خرج فِي ركب وَفِيهِمْ رجل من النمر بن قاسط فِي القيظ فضلوا
فتصافنوا المَاء بالمقلة فَقعدَ أَصْحَاب كَعْب لشرب المَاء فَلَمَّا دَار الْقَعْب إِلَى كَعْب أبْصر النمري يحدد النّظر إِلَيْهِ فآثره كَعْب بمائه وَقَالَ للساقي: اسْقِ أَخَاك النمري يصطبح فَذَهَبت مثلا.
فَشرب النمري نصيب كَعْب ذَلِك الْيَوْم ثمَّ نزلُوا من الْغَد منزلا آخر فتصافنوا بَقِيَّة مَائِهِمْ فَنظر النمري إِلَى كَعْب كنظره بالْأَمْس فَفعل كَعْب فعلته بالْأَمْس وارتحل الْقَوْم وَقَالُوا: يَا كَعْب ارتحل. فَلم يكن بِهِ قُوَّة النهوض وَكَانُوا قد قربوا من المَاء فَقيل: رد كَعْب إِنَّك وراد. فعجز عَن الْإِجَابَة فَلَمَّا يئسوا مِنْهُ خيلوا عَلَيْهِ بِثَوْب يمنعهُ من السبَاع وتركوه مَكَانَهُ فَمَاتَ فَقَالَ أَبوهُ)
يبكيه: الْبَسِيط
(أوفى على المَاء كَعْب ثمَّ قيل لَهُ ... رد كَعْب إِنَّك وراد فَمَا وردا)
قَالَ: وَكَانَ من جوده أَنه إِذا مَاتَ جَار لَهُ أدّى دِيَته إِلَى أَهله وَإِن هلك لجاره بعير أَو شَاة أخلفه عَلَيْهِ فجاوره أَبُو دواد الْإِيَادِي فعامله بذلك فَصَارَت الْعَرَب إِذا حمدت مستجاراً بِهِ لحسن جواره قَالُوا: كجار أبي دواد. وَمِنْه قَول قيس بن زُهَيْر: الوافر
(سأفعل مَا بدا لي ثمَّ آوي ... إِلَى جَار كجار أبي دواد)
اه.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: والتصافن: أَن يطْرَح فِي الْإِنَاء حجر ثمَّ يصب فِيهِ من المَاء مَا يغمره لِئَلَّا يتغابنوا. والمقلة: اسْم ذَلِك الْحجر.
(9/400)

وَابْن سعدى هُوَ كَمَا فِي كَامِل الْمبرد: أَوْس بن حَارِثَة بن لأم الطَّائِي. وَكَانَ سيداً مقداماً فوفد هُوَ وحاتم بن عبد الله الطَّائِي على عَمْرو بن هِنْد وَأَبوهُ الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فَدَعَا أَوْسًا فَقَالَ: أَنْت أفضل أم حَاتِم فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن لَو ملكني حَاتِم وَوَلَدي ولحمتي لوهبنا فِي غَدَاة وَاحِدَة ثمَّ دَعَا حاتماً فَقَالَ: أَنْت أفضل أم أَوْس فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن إِنَّمَا ذكرت بأوس ولأحد وَلَده أفضل مني.
وَكَانَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر دَعَا بحلة وَعِنْده وُفُود الْعَرَب من كل حَيّ فَقَالَ: احضروا فِي غَد فَإِنِّي ملبس هَذِه الْحلَّة أكْرمكُم. فَحَضَرَ الْقَوْم جَمِيعًا إِلَّا أَوْسًا فَقيل لَهُ: لم تتخلف فَقَالَ: إِن كن المُرَاد غَيْرِي فأجمل الْأَشْيَاء أَن لَا أكون حَاضرا وَإِن كنت المُرَاد فسأطلب وَيعرف مَكَاني.
فَلَمَّا جلس النُّعْمَان لم ير أَوْسًا فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْس فَقولُوا لَهُ: احضر آمنا مِمَّا خفت.
فَحَضَرَ فألبسه الْحلَّة فحسده قوم من أَهله فَقَالُوا للحطيئة: اهجه وَلَك ثلثمِائة نَاقَة فَقَالَ: الحطيئة: كَيفَ أهجو رجلا لَا أرى فِي بَيْتِي أثاثاً وَلَا مَالا إِلَّا من عِنْده ثمَّ قَالَ: الْبَسِيط
(كَيفَ الهجاء وَمَا تنفك صَالِحَة ... من آل لأم بِظهْر الْغَيْب تَأتِينِي
فَقَالَ لَهُم بشر بن أبي خازم أحد بني أَسد بن خُزَيْمَة: أَنا أهجوه لكم. فَأخذ الْإِبِل وَفعل فَأَغَارَ أَوْس عَلَيْهَا فاكتسحها فَجعل لَا يستجير حَيا إِلَّا قَالَ: قد أجرتك إِلَّا من أَوْس.
وَكَانَ فِي هجائه قد ذكر أمه فَأتي بِهِ فَدخل أَوْس على أمه فَقَالَ: قد أَتَيْنَا ببشر الهاجي لَك ولي.
(9/401)

قَالَت: أَو تطيعني قَالَ: نعم. قَالَت: أرى أَن ترد عَلَيْهِ مَاله وَتَعْفُو عَنهُ وتحبه وأفعل)
مثل ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يغسل هجاءه إِلَّا مدحه.
فَخرج فَقَالَ: إِن أُمِّي سعدى الَّتِي كنت تهجوها قد أمرت فِيك بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا جرم وَالله لَا مدحت حَتَّى أَمُوت أحدا غَيْرك. فَفِيهِ يَقُول: الوافر
(إِلَى أَوْس بن حَارِثَة بن لأم ... ليقضي حَاجَتي فِيمَن قَضَاهَا)
(فَمَا وطئ الثرى مثل ابْن سعدى ... وَلَا لبس النِّعَال وَلَا احتذاها)
وَأنْشد بعده: الوافر
أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا على أَن الْمَوْصُوف مَحْذُوف وَصفته جملَة فعلية وَهِي جلا على أَنه فعل مَاض وفاعله ضمير مستتر فِيهِ وَالتَّقْدِير: أَنا ابْن رجل الْأُمُور وكشفها.
وَهَذَا أحد التخريجين فِي الْبَيْت وَقد ذكرناهما مشروحين فِيمَا لَا ينْصَرف وَفِي النَّعْت.
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْكَامِل
(نعم الْفَتى فجعت بِهِ إخوانه ... يَوْم البقيع حوادث الْأَيَّام)
على أَن الْمَخْصُوص بالمدح مَحْذُوف وَهُوَ مَوْصُوف بجملة أُقِيمَت مقَامه تَقْدِيره: نعم الْفَتى فَتى فجعت بِهِ إِلَخ.
(9/402)

قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: الْهَاء فِي بِهِ عَائِدَة على مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: نعم الْفَتى فَتى فجعت بِهِ حوادث الْأَيَّام.
وَيَوْم البقيع ظرف وَيجوز أَن تنصبه على أَنه فِي الْمَعْنى مفعول بِهِ لِأَن الْفِعْل فِي هَذَا النَّحْو يسند إِلَى ظرف الزَّمَان نَحْو قَوْلك: شفني يَوْم كَذَا وسرني وَقت كَذَا فتنسب الْفِعْل إِلَى ذَلِك الْيَوْم وَالْوَقْت. اه.
وَقَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: جملَة فجعت بِهِ ... . إِلَخ صفة فَتى مَحْذُوف وَهُوَ الْمَخْصُوص بالمدح خصصته حَتَّى صَار كالمعرفة. والحذف فِي مثل هَذَا إِنَّمَا يصلح إِذا كَانَ الممدوح مَشْهُور الْبَيَان. وَيَوْم البقيع ظرف مَنْصُوب. وحوادث الْأَيَّام فَاعل فجعت. والفجيعة: وَالْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة لمُحَمد بن بشير الْخَارِجِي أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من الحماسة وَبعده:)
(سهل الفناء إِذا حللت بِبَابِهِ ... طلق الْيَدَيْنِ مؤدب الخدام)
(وَإِذا رَأَيْت صديقه وشقيقه ... لم تدر أَيهمَا أَخُو الْأَرْحَام)
وَقَالَ الطبرسي: سهل الفناء: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَجعل فناءه سهلاً للزوار والعفاة وَذَلِكَ مثل لِكَثْرَة إحسانه إِلَيْهِم.
وَقَوله: مؤدب الخدام تَنْبِيه على اقتدائهم بمولاهم فِي تفقد الوراد وإكرامهم وَالسَّعْي
(9/403)

فِي أُمُورهم.
والشقيق من إخْوَان الْولادَة. وَالصديق من إخْوَان الْمَوَدَّة.
يَقُول: لَا يتَمَيَّز صديقه عَن شقيقه فِي شُمُول تفقده لَهما وتساويهما فِي الْمجد عِنْده. وَهَذَا هُوَ الْغَايَة فِي الْكَرم.
وَمُحَمّد بن بشير الْخَارِجِي: شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ بعد السبعمائة وَهُوَ من خَارِجَة عدوان: قَبيلَة. وَلَيْسَ من الْخَوَارِج.
وَنقل ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ أَن المرزباني ذكر فِي كتاب مُعْجم الشُّعَرَاء أَن هَذِه الأبيات لعمير بن عَامر مولى يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ
رثى بهَا سَيّده.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْكَامِل نعم الْفَتى المري أَنْت هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
(نعم الْفَتى المري أَنْت إِذا هم ... حَضَرُوا لَدَى الحجرات نَار الموقد)
(9/404)

على أَنه يجوز وصف فَاعل نعم فَإِن المري صفة الْفَتى لَا بدل مِنْهُ خلافًا لِابْنِ السراج كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.
وَهَذِه عبارَة أبي بكر بن السراج فِي الْأُصُول: وَيجوز توكيد الْمَرْفُوع بنعم. قَالُوا: وَقد جَاءَ فِي الشّعْر منعوتاً.
وأنشدوا: نعم الْفَتى المري أَنْت ... ... ... ... الْبَيْت وَهَذَا يجوز أَن يكون بَدَلا غير نعت فَكَأَنَّهُ قَالَ: نعم المري أَنْت. اه.
وَقد نَقله أَبُو عَليّ عَنهُ فِي تَذكرته وَأقرهُ قَالَ قرئَ على أبي بكر من الْأُصُول: نعم الْفَتى المري أَنْت الْبَيْت قَالَ أَبُو بكر: حمله قوم على الصّفة
وَهُوَ عندنَا على الْبَدَل لِأَن وَصفه قَبِيح.
قَالَ أَبُو عَليّ: لِأَن فَاعل نعم إِذا كَانَ ظَاهرا فالمقصود بِهِ الْجِنْس وَلَيْسَ بعد الْجِنْس شَيْء يلبس فيفصل بَينهمَا. هَذَا كَلَامه.
ورد عَلَيْهِمَا الشَّارِح الْمُحَقق بِأَن هَذَا الْمَنْع لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الْإِبْهَام مَعَ مثل هَذَا التَّخْصِيص بَاقٍ.
وَهُوَ فِي مثل هَذَا الرَّد والتوجيه تَابع لِابْنِ جني فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَيت الحماسة ليزِيد بن قنافة: الطَّوِيل
(لعمري وَمَا عمري عَليّ بهين ... لبئس الْفَتى الْمَدْعُو بِاللَّيْلِ حَاتِم)
قَالَ أَصْحَابنَا فِي قَول الشَّاعِر: نعم الْفَتى المري أَنْت إِن المري بدل من الْفَتى قَالُوا: وَذَاكَ أَن فَاعل نعم وَبئسَ لَا يجوز وَصفه من حَيْثُ كَانَ وَاقعا على الْجِنْس وَالْجِنْس أبعد شَيْء عَن الْوَصْف لفساد
(9/405)

مَعْنَاهُ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك عدلوا بِهِ عَن الْوَصْف إِلَى الْبَدَل.
فَقِيَاس هَذَا أَن يكون الْمَدْعُو بَدَلا من الْفَتى. وَأما أَنا فأجيزه. وَذَلِكَ أَن يكون الْمَدْح والتفضيل إِنَّمَا وَقع على أَن يفضل حَاتِم على الفتيان المدعوين بِاللَّيْلِ أَي: فاق حَاتِم جَمِيع الفتيان المدعوين بِاللَّيْلِ وَلم يرد أَن يفضله على جَمِيع الفتيان عُمُوما.)
وَلَو أَرَادَ ذَلِك لما جَازَت الصّفة وَلكنه وصف الْفَتى وَفضل حاتماً على جَمِيع الفتيان المدعوين وَكَذَلِكَ تَقول: نعم لرجل الطول زيد أَي: فاق زيد فِي الرِّجَال الطوَال خَاصَّة.
وَهَذَا معنى مَعَ أول تَأمل يَصح. انْتهى كَلَامه.
وَلَا بَأْس بإيراد كَلَام الْمرَادِي فِي شرح التسهيل فَإِن فِيهِ فَوَائِد.
قَالَ بعد قَول التسهيل: وَلَا يُؤَكد فاعلها توكيداً معنوياً بِاتِّفَاق مَا نَصه: لِأَن الْقَصْد بالتوكيد الْمَعْنَوِيّ رفع توهم إِرَادَة الْمَخْصُوص مِمَّا ظَاهره الْعُمُوم أَو رفع توهم الْمجَاز مِمَّا ظَاهره الْحَقِيقَة وفاعل نعم وَبئسَ فِي الْغَالِب بِخِلَاف ذَلِك لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْجِنْس إِن كَانَ ذَا جنس أَو مؤول بالجامع لأكمل خِصَال الْمَدْح اللائقة بمسماه إِن كَانَ فَاعل نعم وبالجامع لأكمل خِصَال الذَّم إِن كَانَ فَاعل بئس والتوكيد الْمَعْنَوِيّ منَاف للقصدين فاتفق على مَنعه.
وعَلى القَوْل بِأَن أل عهدية فقد يُمكن
(9/406)

أَن يجوز توكيده توكيداً معنوياً لانْتِفَاء الْمَانِع. قَالَ فِي الشَّرْح: وَأما التوكيد اللَّفْظِيّ فَلَا يمْتَنع لَك أَن تَقول نعم الرجل الرجل زيد. اه.
قيل: وَيَنْبَغِي أَن لَا يقدم على جَوَاز ذَلِك إِلَّا بِسَمَاع لِأَن بَاب نعم وَبئسَ لَهُ أَحْكَام مُغَايرَة وَأما النَّعْت فَلَا يَنْبَغِي أَن يمْتَنع على الْإِطْلَاق بل يمْنَع إِذا قصد بِهِ التَّخْصِيص مَعَ إِقَامَة الْفَاعِل مقَام الْجِنْس لِأَن تَخْصِيصه حِينَئِذٍ منَاف لذَلِك الْقَصْد. وَإِذا تؤول بالجامع لأكمل الْخِصَال فَلَا مَانع من نَعته حِينَئِذٍ لِإِمْكَان أَن ينوى فِي النَّعْت مَا ينوى فِي المنعوت.
نعم الْفَتى المري أَنْت ... ... ... ... ... الْبَيْت وَحمل ابْن السراج وَأَبُو عَليّ مثل هَذَا على الْبَدَل وأبيا النَّعْت. وَلَا حجَّة لَهما.
اه.
قيل: أما منع وَصفه فَهُوَ قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز عِنْد الْبَصرِيين. اه.
وَأَجَازَ أَبُو الْفَتْح فِي بَيت الحماسة: لبئس الْفَتى الْمَدْعُو بِاللَّيْلِ حَاتِم أَن يكون الْمَدْعُو وَصفا للفتى. وَمُقْتَضى سكُوت المُصَنّف عَن الْبَدَل والعطف جوازهما. قيل: وَيَنْبَغِي أَن لَا يجوز مِنْهُمَا إِلَّا مَا يباشره نعم وَبئسَ. انْتهى كَلَام الْمرَادِي.
وَالْبَيْت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى عدتهَا سَبْعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا مدح بهَا سِنَان بن أبي حَارِثَة المري بَدَأَ بِذكر حبيبته سلمى ثمَّ انْتقل إِلَى وصف نَاقَته إِلَى أَن قَالَ:)
(9/407)

(وتيممت عرض الفلاة كَأَنَّهَا ... غراء من قطع السَّحَاب الأقهد)
(وَإِلَى سِنَان سَيرهَا ووسيجها ... حَتَّى تلاقيه بطلق الأسعد)
(نعم الْفَتى المري أَنْت إِذا هم ... حَضَرُوا لَدَى الحجرات نَار الموقد)
(خلط أُلُوف للْجَمِيع ببيته ... إِذْ لَا يحل بجيزة المتوحد)
قَوْله: وتيممت عرض الفلاة ... إِلَخ تيممت: قصدت وفاعله ضمير النَّاقة.
وَالْعرض بِالضَّمِّ: النَّاحِيَة والجانب. والغراء: الْبَيْضَاء. والأقهد: الْأَبْيَض من كل شَيْء. أَي: كَأَن النَّاقة سَحَابَة بَيْضَاء فِي سرعتها. والسحابة الْبَيْضَاء أخف وأسرع ذَهَابًا لقلَّة مَائِهَا.
وَقَوله: إِلَى سِنَان سَيرهَا هُوَ سِنَان بن أبي حَارِثَة بن مرّة بن نشبة بن غيظ
ابْن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان. وَكَانَ زُهَيْر مادحاً لسنان هَذَا ولابنه هرم بن سِنَان المري الذبياني وغالب مدحه فِي ابْنه هرم.
وشيجها بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم قَالَ شَارِح ديوانه صعوداء: الوسيج: سير خَفِيف هُوَ أَلين سير الْإِبِل وَهُوَ سير النجائب. وطلق: سليم من كل سوء ومكروه يُقَال: يَوْم طلق وَلَيْلَة طَلْقَة: لَيْسَ فِيهَا حر وَلَا برد وَلَا مَكْرُوه. والأسعد: جمع سعد النُّجُوم.
وَقَوله: نعم الْفَتى المري مَنْسُوب إِلَى مرّة أحد أجداده الْقَرِيب أَو الْبعيد. وَأَنت: هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح. وَإِذا: ظرفية وهم: فَاعل لفعل مَحْذُوف يفسره مَا بعده كَقَوْلِه تَعَالَى: إِذا السَّمَاء انشقت. وهم
(9/408)

ضمير الْوُفُود والضيوف ولدى: ظرف مُتَعَلق بحضروا والحجرات بِضَمَّتَيْنِ قَالَ شَارِحه: هِيَ حجرات الأضياف.
يُرِيد: الْبيُوت الَّتِي تنزل فِيهَا الضيوف. ونار: مفعول حَضَرُوا. والموقد: اسْم فَاعل قَالَ يُرِيد: أَنه أَشد النَّاس إِكْرَاما لضيوفه إِذا حَضَرُوا دَار ضيافته وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهَا بالنَّار الَّتِي يوقدها خادمه ليقبل عَلَيْهَا من رَآهَا. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: إِذا للمفاجأة وهم: مُبْتَدأ وحضروا: خَبره. والحجرات: جمع حجرَة وَهِي شدَّة الشتَاء. هَذَا كَلَامه.
وَكَأَنَّهُ لم يفهم معنى الْبَيْت. والحجرات بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكره بِفتْحَتَيْنِ.
وَقَوله: خلِط أُلُوف ... إِلَخ خلِط بِكَسْر اللَّام بِمَعْنى مخالطٍ للنَّاس ومعاشرهم وَله ألفة بهم فِي بَيته.
والمتوحد: الْمُنْفَرد عَن الْحَيّ ينزل بَعيدا مِنْهُم حَتَّى لَا يَقْصِدهُ ضيف.)
والجيزة يفتح الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ شَارِحه: هُوَ الْموضع الَّذِي انحاز إِلَيْهِ لِئَلَّا يعرف العفاة والضيوف مَوْضِعه وَهَذَا أَشد شَيْء تشب الْعَرَب بِهِ الرجل. يَقُول: سِنَان يألف الْحَيّ وَينزل بَينهم.
وَقَوله: يسط الْبيُوت ... إِلَخ هُوَ مضارع وسط وسطا. قَالَ الْأَصْمَعِي: يسط الْبيُوت: ينزل وَسطهَا.
والمظنة قَالَ شَارِحه: هُوَ الْموضع الَّذِي لَا يشك فِيهِ. وَالْعرب تَقول: اطلب الْأَمر فِي مظانه أَي: فِي الْموضع الَّذِي لَا يشك. وَالظَّن يكون يَقِينا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: وَرَأى المجرمون النَّار فظنوا أَنهم مواقعوها
(9/409)

أَي: أَيقَن بِمَا فتناه وخر عِنْد الْيَقِين. وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: يظنون أَنهم ملاقو رَبهم أَي: موقنون.
والمسترفد: الَّذِي يطْلب الرفد وَهُوَ النّيل وَالعطَاء. والجفنة: الْقَصعَة الَّتِي يطعم فِيهَا الطَّعَام.
وترجمة زُهَيْر تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(فَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه ... وَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان)
على أَن من الثَّانِيَة مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي وَقعت فَاعِلا لنعم عِنْد أبي عَليّ والمبرد وَهُوَ: مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره مثله وَالْجُمْلَة صلَة من والمخصوص بالمدح مَحْذُوف تَقْدِيره: بشر.
وَأما قَوْله: فِي سر وإعلان فَهُوَ مُتَعَلق بنعم وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِمَحْذُوف على أَنه خبر هُوَ الْوَاقِع صلَة الْمَوْصُول لما بَينه أَبُو عَليّ.
وَقد بسط الْكَلَام على هَذَا المصراع فِي احْتِمَال وُجُوه ثَلَاثَة لمن فَلَا بَأْس بِنَقْل كَلَامه قَالَ فِي قَالَ الشَّاعِر:
(9/410)

الْبَسِيط
(وَكَيف أرهب أمرا أَو أراع لَهُ ... وَقد زكأت إِلَى بشر بن مَرْوَان)
(فَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه ... وَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان)
القَوْل فِي الظّرْف أَنه يتَعَلَّق بنعم وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون خبر هُوَ فِي الصِّلَة أَو يكون مُتَعَلقا بنعم. فَلَا يجوز أَن يكون مُتَعَلقا بِمَحْذُوف على أَن يكون فِي مَوضِع خبر هُوَ الَّتِي فِي)
الصِّلَة لِأَن التَّقْدِير قبل كَون الْكَلَام صلَة يكون: هُوَ فِي سر وإعلان وَهَذَا لَا معنى لَهُ.
فَإِذن الْمَعْنى: كرم هَذَا الْإِنْسَان فِي سره وعلانيته أَي: لَيْسَ مَا يَفْعَله من الْخَيْر لتصنع فيفعل الْخَيْر فِي السِّرّ كَمَا يَفْعَله فِي الْعَلَانِيَة. وَإِذا كَانَ كَذَلِك احْتَاجَ
" هُوَ " إِلَى جُزْء حَتَّى تستقل الصِّلَة، وَذَلِكَ الْجُزْء يَنْبَغِي أَن يكون الَّذِي هُوَ مثله، وَلَا يكون الَّذِي هُوَ هُوَ، لتَكون الصِّلَة شائعة فَلَا تكون مَخْصُوصَة، لِأَنَّهَا فَاعل نعم. فَإِن قدرت الَّذِي هُوَ هُوَ، وَأَنت تُرِيدُ الَّذِي هُوَ مثله، فتحذف الْمُضَاف، فَيصير الَّذِي هُوَ هُوَ مَعْنَاهُ مثله، جَازَ أَيْضا. وَقد يجوز فِي الْقيَاس أَن تجْعَل " من " نكرَة. فَإِذا جعلت نكرَة احْتَاجَت إِلَى صفة، فَتكون الْجُمْلَة الَّتِي قدرتها صلَة لَهَا مقدرَة صفة، وَيكون الْمَقْصُود بالمدح مضمراً، لِأَن ذكره قد جرى، كَمَا جرى ذكر أَيُّوب قبل قَوْله تَعَالَى: " نعم العَبْد " فاستغني [بذلك] عَن ذكر مَا يَخُصُّهُ بالمدح وإظهاره. وَيجوز فِي الْقيَاس أَن تجْعَل من نكرَة وَلَا تجْعَل لَهُ صفة كَمَا فعل ذَلِك بِمَا، فِي قَوْله تَعَالَى: " فَنعما هِيَ ". فَإِذا جَعلتهَا كَذَلِك
(9/411)

كَانَ كَأَن قَالَ: فَنعم رجلا، فَيكون مَوضِع " من " نصبا، وَيكون هُوَ كِنَايَة عَن الْمَقْصُود بالمدح. وَوجه الْقيَاس فِي الحكم على " من " أَنَّهَا نكرَة غير مَوْصُوفَة: أَنهم جعلُوا " مَا " بِمَنْزِلَة شَيْء، وَهُوَ أَشد إِشَاعَة، وإبهاماً من " من ". فَإِذا جَازَ أَن لَا تُوصَف مَعَ أَنَّهَا أَشد إبهاماً من " من " كَانَ أَن لَا تُوصَف " من " أجوز، لِأَنَّهَا أخص مِنْهَا، فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ: نعم رجلا هُوَ، لِأَنَّهَا تخص النَّاس، وَمن أشبههم، كَمَا كَانَت مَا تعم الْأَشْيَاء، إِلَّا أَنا لم نعلمهُمْ فِي الِاسْتِعْمَال تركُوا من بِغَيْر صفة، كَمَا تركُوا مَا غير مَوْصُوفَة فِي الْخَبَر، نَحْو التَّعَجُّب وَالْآيَة الَّتِي تلوناها. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد نسب ابْن هِشَام فِي " الْمُغنِي " هَذَا التَّخْرِيج الْأَخير إِلَى أبي عَليّ، وَنسب الأول إِلَى غَيره. قَالَ فِي بحث " من "، وَفِي الْبَاب الثَّالِث: إِن من تَأتي نكرَة تَامَّة عِنْد أبي عَليّ، قَالَه فِي قَوْله:
(وَنعم من هُوَ فِي سر وإعلان)
فَزعم أَن الْفَاعِل مستتر، وَمن تَمْيِيز، وَقَوله هُوَ: مَخْصُوص بالمدح، فَهُوَ: مُبْتَدأ،
وَخَبره مَا قبله أَو خبر لمبتدأ مَحْذُوف. وَقَالَ غَيره: من مَوْصُول فَاعل وَقَوله: هُوَ مُبْتَدأ خَبره هُوَ آخر مَحْذُوف على حد قَوْله: والظرف مُتَعَلق بالمحذوف لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل أَي: وَنعم من هُوَ الثَّابِت فِي حالتي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة. قلت: ويحتادج إِلَى تَقْدِير هُوَ ثَالِث يكون مَخْصُوصًا بالمدح. انْتهى.)
(9/412)

وَصَاحب هَذَا القَوْل هُوَ ابْن مَالك قَالَ فِي شرح الكافية: هُوَ مُبْتَدأ خَبره هُوَ آخر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: وَنعم من هُوَ هُوَ فِي سر وإعلان. وَفِي مُتَعَلق بهو الْمَحْذُوف لِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل. اه.
وَعرف ضعف تَقْدِيره هُوَ هُوَ من كَلَام أبي عَليّ.
وَقد رد ابْن مَالك فِي شرح التسهيل الْوَجْه الثَّالِث قَالَ: لَا يَصح لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن التَّمْيِيز لَا يَقع فِي الْكَلَام بالاسقتراء إِلَّا نكرَة صَالِحَة للألف وَاللَّام ومَنْ بِخِلَاف ذَلِك فَلَا يجوز كَونهَا تمييزاً.
الثَّانِي: أَن الحكم عَلَيْهَا بالتمييز عِنْد الْقَائِل بِهِ مُرَتّب على كَون من نكرَة غير مَوْصُوفَة وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِإِجْمَاع فِي غير مَحل النزاع فَلَا يُصَار إِلَيْهِ بِلَا دَلِيل عَلَيْهِ. فصح القَوْل بِأَن مَنْ فِي مَوضِع رفع بنعم إِذْ لَا قَائِل بقول ثَالِث. اه.
ورفعها بنعم عِنْده إِنَّمَا يكون على جعلهَا مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي لِأَنَّهُ الَّذِي ذكره. وَأما جعلهَا نكرَة مَوْصُوفَة بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بعْدهَا كَمَا هُوَ الْوَجْه الثَّانِي فِي كَلَام أبي
عَليّ فَلَا. وَهُوَ وَارِد على قَوْله: إِذْ لَا قَائِل بقول ثَالِث فَتَأمل. وَيكون هَذَا من لُغَة من يرفع بنعم النكرَة كَمَا يَأْتِي بعد هَذَا.
وَأجَاب التبريزي فِي شرح الكافية بِأَن نَحْو نعم غُلَام رجل زيد بِنصب الْغُلَام تَمْيِيز. وَلم يقبل اللَّام. وَأَيْضًا كَونه فعلا لَا يَصح إِلَّا إِذا كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَى الْمُعَرّف بِاللَّامِ. وَمن لَيْسَ شَيْئا من ذَلِك.
وَأما الثَّانِي فمعارض بِمثلِهِ فِي هَذِه الصُّورَة فِيمَا تقدم. أما فِي هَذِه
(9/413)

الصُّورَة إِنَّمَا يجوز أَن يَقع فَاعِلا إِذا كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ أَو مُضَافا إِلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَأما فِي غير هَذِه الصُّورَة إِنَّمَا تقع مَا فَاعِلا معرفَة إِذا كَانَ فِي غير صُورَة: نعما هِيَ ثَبت كَونهَا معرفَة غير مَوْصُولَة وَلَا يُصَار إِلَيْهِ من غير دَلِيل.
وَأما المصراع الَّذِي قبل هَذَا وَهُوَ: وَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه فقد قَالَ ابْن مَالك: إِن مَن فِيهِ مَوْصُولَة أَيْضا قَالَ فِي شرح تسهيله: وَمِمَّا يدل على أَن فَاعل نعم قد يكون مَوْصُولا ومضافاً إِلَى مَوْصُول قَول الشَّاعِر: وَنعم مزكأ من ضَاقَتْ مذاهبه ... ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ: فَلَو لم يكن فِي هَذَا إِلَّا إِسْنَاد نعم إِلَى الْمُضَاف إِلَى مَن لَكَانَ فِيهِ حجَّة على صِحَة إِسْنَاد)
نعم إِلَى مَن لِأَن فَاعل نعم لَا يُضَاف فِي غير ندور إِلَى مَا يصلح إِسْنَاد نعم إِلَيْهِ فَكيف وَفِيه نعم قَالَ الْمرَادِي: وَلَا حجَّة فِي الْبَيْت لاحْتِمَال أَن تكون من فِي قَوْله: مزكأ مَن نكرَة مَوْصُوفَة وَتَكون نعم قد رفعت الْمُضَاف إِلَى النكرَة على مَا تقدم نَقله عَن الْأَخْفَش. اه.
وَقَوله: وَكَيف أرهب ... إِلَخ الرهب محركة: الْخَوْف. وأراع بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الروع وَهُوَ الْفَزع. وزكأ بالزاي الْمُعْجَمَة والهمز فِي آخِره
أَي: لَجأ. يُقَال: زكأت إِلَيْهِ: لجأت إِلَيْهِ. والمزكأ مفعل اسْم مَكَان مِنْهُ بِمَعْنى الملجأ.
(9/414)

وَبشر هُوَ ابْن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة الْقرشِي العبشمي الْأمَوِي. كَانَ سَمحا جواداً. ولي إمرة العراقين لِأَخِيهِ عبد الْملك وَهُوَ أول أَمِير مَاتَ بِالْبَصْرَةِ وَذَلِكَ سنة خمس وَسبعين عَن نَيف وَأَرْبَعين سنة.
والبيتان لم أَقف على قائلهما. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط فَنعم صَاحب قوم لَا سلَاح لَهُم قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل بعد قَول ابْن مَالك: وَقد يُنكر مُفردا أَو مُضَافا: حكى الْأَخْفَش أَن نَاسا من الْعَرَب يرفعون ب نعم النكرَة مُفْردَة ومضافة فَيُقَال على هَذَا: نعم امْرُؤ زيد وَنعم صَاحب قوم عَمْرو.
وَوَافَقَ الْأَخْفَش فِي كَون الْفَاعِل نكرَة مُضَافَة. وَإِلَى هَذَا وَنَحْوه أَشَارَ بقوله: وفاعل فِي الْغَالِب.
وَنقل إجَازَة كَونه مُضَافا إِلَى نكرَة عَن الْكُوفِيّين وَابْن السراج. وَمنع ذَلِك عَامَّة النَّحْوِيين إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: الْبَسِيط.
(فَنعم صَاحب قوم لَا سلَاح لَهُم ... وَصَاحب الركب عُثْمَان بن عفانا)
(9/415)

وَقد كَانَ يُمكن تَأْوِيل هَذَا الْبَيْت على حذف التَّمْيِيز لَوْلَا أَن الْأَخْفَش حكى أَن ذَلِك لُغَة للْعَرَب. وَزعم صَاحب الْبَسِيط أَنه لم يرد نكرَة غير مُضَافَة. وَلَيْسَ كَمَا زعم بل ورد وَلكنه أقل من الْمُضَاف.
وَمِنْه قَوْله: الوافر)
(وسلمى أكمل الثقلَيْن حسنا ... وَفِي أثوابها قمر وريم)
(نياف القرط غراء الثنايا ... وريد للنِّسَاء وَنعم نيم)
والنيم: الضجيع والضجيعة.
وَأَجَازَ بعض النَّحْوِيين أَن يكون فَاعل نعم وَبئسَ مُضَافا إِلَى ضمير مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام فَأجَاز: الْقَوْم نعم صَاحبهمْ أَنْت. وَأنْشد: الطَّوِيل.
فَنعم أَخُو الهيجا وَنعم شهابها قَالَ بَعضهم: وَالصَّحِيح الْمَنْع. وَهَذَا مِمَّا يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ. اه.
وَبَقِي فِي الْقِسْمَة النكرَة الموصوفة كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد قبل هَذَا.
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل البصرية: علم أَن الْعَرَب تجْعَل مَا أضيف إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ ألف وَلَام بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام فترفعه
(9/416)

كَمَا ترفع ذَلِك فَتَقول: نعم أَخُو قوم زيد. قَالَ:
فَنعم صَاحب قوم لَا سلَاح لَهُم هُوَ بِمَنْزِلَة صَاحب الْقَوْم. فَإِن قلت: لَعَلَّه ينشد بِالنّصب صَاحب قوم قلت: لَا يكون ذَلِك لِأَنَّك لَا تعطف معرفَة مَرْفُوعَة على نكرَة مَنْصُوبَة. وَهَذَا ضَعِيف.
وَلَو قلت: نعم رجلا فِي الدَّار وَزيد لم يجز لِأَنَّهُ لَيْسَ قبل زيد شَيْء يعْطف عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي الدَّار لَيْسَ باسم ورجلاً نكرَة مَنْصُوبَة. اه.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ: زعم الْأَخْفَش أَن قوما من الْعَرَب يرفعون النكرَة المضافة إِلَى مَا لَيْسَ فِيهِ الْألف وَاللَّام بنعم.
قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَا يجوز ذَلِك على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ لِأَن المرفعوع بنعم لَا يكون إِلَّا على الْجِنْس.
وَلَو قلت: أهلك النَّاس شَاة وبعير لم يدل على الْجِنْس كَمَا دلّت عَلَيْهِ الشَّاة وَالْبَعِير.
وَلَا يجوز صَاحب قوم بِالنّصب لقَوْله: وَصَاحب الركب وَلَا يعْطف مَرْفُوع على مَنْصُوب.
وَلَا يكون مَعْطُوفًا على مُضْمر فِي نعم لِأَنَّهُ مُضْمر يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير فَكَأَنَّهُ لم يتم فَلَا يجوز إِظْهَاره وَلَا تأكيده وَلَا الْعَطف عَلَيْهِ. وَإِذا قبح الْعَطف على الْمُضمر الْمَرْفُوع بِالْفِعْلِ دون تأكيده فَأن لَا يجوز هَذَا أولى لما بَيناهُ. انْتهى كَلَامه.
قَالَ ابْن يعِيش: وَلَو نصبت صَاحب قوم فِي غير هَذَا الْبَيْت على التَّفْسِير لجَاز كَمَا تنصب النكرَة المفردة فِي نَحْو: نعم رجلا لكنه ضَعِيف هَاهُنَا لعطفك فِي قَوْلك: وَصَاحب الركب)
عُثْمَان وَالْمَرْفُوع
(9/417)

لَا يعْطف على الْمَنْصُوب. وَكَأن الَّذِي حسن ذَلِك فِي الْبَيْت قَوْله: وَصَاحب الركب لما عطف عَلَيْهِ مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام دلّ على أَنَّهَا فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُرَادة لِأَن الْمَعْنى وَاحِد فاعرفه.
وَالْبَيْت لكثير بن عبد الله النَّهْشَلِي الْمَعْرُوف بِابْن الغريزة. وَقيل لحسان بن ثَابت. اه.
وَقد راجعت ديوَان حسان فَلم أَجِدهُ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: عزاهُ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لكثير بن عبد الله الْمَذْكُور.
وَقَالَ أَيْضا: وَنسبه صَاحب الموعب فِي اللُّغَة وَأَبُو حَاتِم فِي كتاب إصْلَاح الْمُفْسد إِلَى أَوْس بن مغراء. وَقَبله: الْبَسِيط
(صحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحاً وقرآنا)
وَأَقُول: ذكر الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه أَن هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لحسان بن ثَابت.
وَقد راجعت ديوانه فَرَأَيْت أبياتاً على هَذَا الْوَزْن وَمَا فِيهَا هَذَا الْبَيْت. وَالله أعلم.
وَكثير ابْن عبد الله الْمَذْكُور أوردهُ ابْن حجر فِي قسم المخضرمين
(9/418)

من الْإِصَابَة قَالَ: هُوَ كثير بن عبد الله بن مَالك بن هُبَيْرَة بن صَخْر بن نهشل بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة يعرف بِابْن الغريزة النَّهْشَلِي ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَقَالَ: شَاعِر مخضرم بَقِي إِلَى إمرة الْحجَّاج. وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي قصيدة رثى بهَا عُثْمَان بن عَفَّان: المتقارب
(لعمر أَبِيك فَلَا تجزعن ... لقد ذهب الْخَيْر إِلَّا قَلِيلا)
(وَقد فتن النَّاس عَن دينهم ... وخلى ابْن عَفَّان شرا طَويلا)
وَقَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: كَانَ شَاعِرًا مخضرماً أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وغزا الطالقان فِي عهد عمر مَعَ الْعَبَّاس بن مرداس وأخيه. وَأنْشد لَهُ فِي ذَلِك أَبْيَات مِنْهَا: الوافر
(سقى مزن السَّحَاب إِذا استهلت ... مصَارِع فتية بالجوزجان)
وَقَوله: ضحوا ... إِلَخ أَي: ذبحوه كالأضحية. فِي الْمِصْبَاح: وضحى تضحية إِذا ذبح الْأُضْحِية وَقت الضُّحَى. هَذَا أَصله ثمَّ كثر حَتَّى قيل ضحى فِي أَي وَقت كَانَ من أَيَّام التَّشْرِيق. وَيَتَعَدَّى أَي: بالحرف. فَيُقَال: ضحيت بِشَاة.
قَالَ ابْن بري: قَوْله: ضحوا أَي: جَعَلُوهُ بدل الْأُضْحِية كَأَنَّهُمْ قَتَلُوهُ فِي أَيَّام لُحُوم الْأَضَاحِي وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة. انْتهى.)
والشمط بِالتَّحْرِيكِ: بَيَاض الشّعْر من الرَّأْس يخالط سوَاده وَالرجل أشمط وَالْمَرْأَة شَمْطَاء.
وشمط يشمط من بَاب فَرح. وعنوان مُبْتَدأ بِمَعْنى
(9/419)

عَلامَة وَبِه خَبره وَالْجُمْلَة صفة شمط.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: عنوان السُّجُود حَال من ضمير يقطع وَيجوز جَرّه على النَّعْت لأشمط كَأَنَّهُ قَالَ: بأشمط ظَاهر الْخَيْر.
قَالَ أَبُو الْحجَّاج: وَقد يكون حَالا من أشمط وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهَا مَفْهُوم من يُرَاد بهَا. هَذَا كَلَامه.
وَأَقُول: الحالية ل تجوز لَا لفظا وَلَا معنى على الأول وَلَا لفظا على الثَّانِي للتعريف.
وَقَوله: فَنعم صَاحب قوم ... إِلَخ قَالَ الْعَيْنِيّ: إِشَارَة إِلَى فضل عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَأَنه يُغني يَوْم الْقِيَامَة بالشفاعة غنى من دَافع فِي الدُّنْيَا بسلاحه عَن عزل الْجَمَاعَة. وَقد يكون هَذَا كَلَامه.
وَلَيْسَ معنى الشّعْر إِنَّمَا مَعْنَاهُ إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم الدَّار: من رمى سلاحه كَانَ حرا.
وَقَوله: صَاحب الركب أَي: ركب الْحَج.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط
(أَو حرَّة عيطل ثبجاء مجفرة ... دعائم الزُّور نعمت زورق الْبَلَد)
على أَنه قد يؤنث نعم لكَون الْمَخْصُوص بالمدح مؤنثاً وَإِن كَانَ الْفَاعِل مذكراً فَإِنَّهُ أنث نعم مَعَ أَنه مُسْند إِلَى مُذَكّر وَهُوَ زورق الْبَلَد.
(9/420)

لِأَنَّهُ يُرِيد النَّاقة فأنث على الْمَعْنى كَمَا أنث مَعَ الْبَلَد فِي قَوْلهم: هَذِه الدَّار نعمت الْبَلَد حِين أَرَادَ بِهِ الدَّار.
وكقول الراجز: الرجز
(نعمت جَزَاء الْمُتَّقِينَ الْجنَّة ... دَار الْأَمَانِي والمنى والمنه)
والحرة: الْكَرِيمَة وَأَرَادَ بهَا النَّاقة. والعيطل: الطَّوِيلَة الْعُنُق.
وثبجاء بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمُوَحدَة بعْدهَا جِيم: الضخمة الثبج وَهُوَ الصَّدْر. كَذَا جَاءَ فِي تَفْسِير هَذَا الشّعْر. والثبج بِفتْحَتَيْنِ: مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر. أَي: هَذَا مِنْهَا عَظِيم.
وَقَالَ ابْن يعِيش: ثبجاء: عَظِيمَة السنام. والمجفرة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَكسر الْفَاء: الْعَظِيمَة الْجنب الواسعة الْجوف. والجفرة بِالضَّمِّ: الْوسط يُقَال: فرس مجفر وناقة مجفرة إِذا كَانَت عريضة الجرم. وصفهَا بِأَنَّهَا عَظِيمَة القوائم وكنى عَن ذَلِك بدعائم الزُّور. والدعائم: القوائم. والزور بِفَتْح الزَّاي: أَعلَى الصَّدْر.
وَقَالَ ابْن المستوفي: دعائم الزُّور: الضلوع وكل ضلع دعامة. وانتصب دعائم الزُّور على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ فَهُوَ من بَاب الْحسن الْوَجْه. وَقيل: انتصابه على التَّمْيِيز وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ معرفَة.
وَأَخْطَأ من وَجْهَيْن صَاحب التخمير والموشح فِي قَوْلهمَا: إِنَّه مَنْصُوب على التَّمْيِيز للمخصوص بالمدح الْمَحْذُوف وناصبه نعمت.
وزورق فَاعل نعم والمخصوص بالمدح مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الْحرَّة أَي: هِيَ. والزورق: السَّفِينَة.
والبلد: الأَرْض والمفازة. وَهَذَا كَقَوْلِهِم: الْإِبِل سفن الْبر فَإِن
(9/421)

الْإِبِل تشبه بالسفن والمفاوز قَالَ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف: البوصي: الزورق. وَتعقبه عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ بِأَن البوصي إِنَّمَا هُوَ من سفن الْبَحْر وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: بوزي والزورق بالنبطية وَقد تَكَلَّمت بِهِ)
الْعَرَب وَجمعه الزوارق. والزورق مِمَّا يجْرِي فِي المَاء العذب بدجلة والفرات. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة مدح بهَا بِلَال بن أبي بردة. وَقَبله: الْبَسِيط
(ومنهل اجن قفر محاضره ... خضر كواكبه ذِي عرمض لبد)
(فرجت عَن خَوفه الظلماء يحملني ... غوج من الْعِيد والأسراب لم ترد)
(بَاقٍ على الأين يُعْطي إِن رفقت بِهِ ... معجاً رقاقاً وَإِن تخرق بِهِ يخد)
أَو حرَّة عيطل ثبجاء مجفرة ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(لانت عريكتها من طول مَا سَمِعت ... بَين المفاوز تنآم الصدى الغرد)
(حنت إِلَى نعم الدهنا فَقلت لَهَا ... أُمِّي بِلَالًا على التَّوْفِيق والرشد)
المنهل: المورد وَالْوَاو: وَاو رب. والآجن: المَاء الْمُتَغَيّر الطّعْم واللون.
(9/422)

وأجن المَاء يأجن من بَاب ضرب وَنصر أجناً وأجوناً. وَحكي أجن من بَاب فرج. والمحاضر: جمع محْضر كجعفر وَهُوَ الْمرجع إِلَى الْمِيَاه. وكوكب الشَّيْء: معظمه.
والعرمض كجعفر بإهمال الأول وإعجام الآخر: الطحلب وَهُوَ الْأَخْضَر الَّذِي يَعْلُو المَاء.
والظلماء مفعول فرجت وَجُمْلَة: يحملني حَال من تَاء فرجت.
والغوج بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا جِيم: اللين المعاطف من الْإِبِل وَالْخَيْل.
والعيد بِكَسْر الْمُهْملَة: فَحل منجب من الْإِبِل. والأسراب: جمع سرب بِالْكَسْرِ وَهُوَ القطيع من القطا والظباء والوحش وَالنِّسَاء. وَترد من وُرُود المَاء.
والأين: التَّعَب. والمعج بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا جِيم: سرعَة السّير. والرقاق بِضَم الرَّاء: الرَّقِيق. وتخرق بِفَتْح الرَّاء: مضارع خرق بِكَسْرِهَا خرقاً بِفتْحَتَيْنِ إِذا عمل شَيْئا فَلم يرفق بِهِ وَالِاسْم الْخرق بِالضَّمِّ وَهُوَ العنف. ويخد من الوخد وَهُوَ ضرب من سير الْإِبِل وَهُوَ أَن يَرْمِي بقوائمه كمشي النعام.
والعريكة: الْخلق. والتنآم: تفعال من النئيم وَهُوَ صَوت فِيهِ
(9/423)

ضعف كالأنين. والصدى: ذكر البوم.
والغرد بِكَسْر الرَّاء: المتطرب فِي الصَّوْت. والغرد بِفَتْحِهَا: الْغناء يُقَال: غرد الطَّائِر من بَاب فَرح.
وَالنعَم بِفتْحَتَيْنِ: الْإِبِل. والدهنا: مَوضِع بِبِلَاد تَمِيم يمد وَيقصر. وَأمي: أقصدي.)
وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أول الْكتاب.
(الشَّاهِد السبعون بعد السبعمائة)
الطَّوِيل بعد مَا متأملي وَهُوَ قِطْعَة من بَيت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس وَهُوَ:
(فعدت لَهُ وصحبتي بَين ضارج ... وَبَين العذيب بعد مَا متأملي)
على أَن بعد فِيهِ للمدح والتعجب وَأَصله بعد بِفَتْح الْبَاء وَضم الْعين أَصَالَة ألحق بِفعل الْمَدْح.
وَيجوز فِي بائه وَجْهَان: فتحهَا وتسكين عينهَا بِحَذْف حركتها وَضمّهَا بِنَقْل حَرَكَة عينهَا إِلَيْهَا كَمَا يجوز فِي كل فعل المُرَاد بِهِ الْمَدْح أَو التَّعَجُّب كَمَا قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر الْفَصْل وصوره بِهَذَا الْبَيْت.
وَقد رُوِيَ أَيْضا بِالْوَجْهَيْنِ. قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي بعد مَضْمُومَة الْبَاء وَمَعْنَاهُ يَا بعد مَا تَأَمَّلت على التَّعَجُّب أَي: تثبت فِي النّظر أَيْن يسْقِي.
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم: بَعْدَ بِفَتْح الْبَاء وَقَالَ: خفف بعد فأسكن الْعين وَبقيت الْبَاء مَفْتُوحَة مثل
(9/424)

وَفِيه رد على ابْن مَالك فِي التسهيل فِي اشْتِرَاط نقل ضم الْعين إِلَى الْفَاء بِكَوْن الْفَاء حرفا حلقياً كحب وَحسن.
وَمَا بعد بُعْدَ إِمَّا زَائِدَة ومتأملي فَاعل بعد وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْيَاء وَالرَّفْع فِيهِ مُقَدّر والمخصوص بالمدح مَحْذُوف.
وَإِمَّا اسْم نكرَة مَنْصُوبَة الْمحل على التَّمْيِيز للضمير الْمُسْتَتر فِي بعد ومتأملي هُوَ الْمَخْصُوص بالمدح والتعجب فَتكون مَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: فَنعما هِيَ.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
(أصاح ترى برقاً أريك وميضه ... كَلمعِ الْيَدَيْنِ فِي حبي مكلل)
(يضيء سناه أَو مصابيح رَاهِب ... أهان السليط بالذبال المفتل)
قعدت لَهُ وصحبتي ... ... ... ... ... ... الْبَيْت قَوْله: أصاح ترى ... إِلَخ الْهمزَة لنداء الْقَرِيب. وَصَاح: مرخم صَاحب وَحذف همزَة)
الِاسْتِفْهَام بعده للضَّرُورَة. والوميض والإيماض: اللمعان. يُقَال: ومض الْبَرْق يمض وأومض إِذا لمع وتلألأ. واللمع: التحرك والتحريك جَمِيعًا.
والحبي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة وَهُوَ السَّحَاب المتراكم سمي بِهِ لِأَنَّهُ حبا بعض إِلَى بعض أَي: تراكم. وَجعله مكللاً لِأَنَّهُ صَار أَعْلَاهُ كالإكليل لأسفله. وَمِنْه قَوْلهم: كللت الرجل إِذا توجته. ويروى: مكلل بِكَسْر اللَّام: اسْم فَاعل من كلل تكليلاً إِذا تَبَسم.
(9/425)

يَقُول: يَا صَاحِبي هَل ترى برقاً أيك لمعانه وتلألؤه وتألقه فِي سَحَاب متراكم صَار أَعْلَاهُ كالإكليل لأسفله أَو فِي سَحَاب متبسم بالبرق يشبه برقه تَحْرِيك الْيَدَيْنِ. أَرَادَ يَتَحَرَّك تحركهما.
وَتَقْدِير الْبَيْت: أريك وميضه فِي حبي مكلل كَلمعِ الْيَدَيْنِ. شبه لمعان الْبَرْق وتحريكه بتحرك الْيَدَيْنِ.
وَقَوله: يضيء سناه ... إِلَخ السنا بِالْقصرِ: الضَّوْء يُقَال: سنا يسنو. والسليط: الزَّيْت وَقيل: الشيرج وَسمي سليطاً لإضاءته السراج وَمِنْه السُّلْطَان لوضوح أمره.
والذبال: جمع ذبالة وَهِي الفتيلة. وَمعنى أهان السليط أَنه لم يعزه وَأكْثر الإيقاد بِهِ.
وروى: أما السليط فَقيل من المقلوب وَتَقْدِيره أمال الذبال بالسليط إِذا صبه عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: تَقْدِيره: أمال السليط مَعَ الذبال يُرِيد أَنه يمِيل الْمِصْبَاح إِلَى جَانب فَيكون أَشد إضاءة لتِلْك النَّاحِيَة من غَيرهَا.
يَقُول: هَذَا الْبَرْق يتلألأ ضوءه فَهُوَ يشبه فِي تحريكه لمع الْيَدَيْنِ أَو مصابيح الرهبان الَّتِي أميلت فتائلها بصب الزَّيْت عَلَيْهَا فِي الإضاءة يُرِيد أَن تحركه يَحْكِي تحرّك الْيَدَيْنِ وضوءه يَحْكِي ضوء ومصابيح بِالْجَرِّ مَعْطُوف على لمع.
وَقَوله: قعدت لَهُ ... إِلَخ قَالَ الْخَطِيب التبريزي: صُحْبَة بِالضَّمِّ:
(9/426)

اسْم جمع صَاحب. وضارج والعذيب: مكانان أَي: قعدت لذَلِك الْبَرْق أنظر من أَيْن يَجِيء بالمطر.
وَمعنى قَوْله: بعد مَا متأملي: مَا أبعد مَا تَأَمَّلت. وَحَقِيقَته أَنه نِدَاء مُضَاف.
وَهِي تحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى بَعُد ثمَّ حذف الضمة. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى بعد مَا تَأَمَّلت. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ الزوزني: يَقُول قعدت للنَّظَر إِلَى السَّحَاب وأصحابي بَين هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَكنت مَعَهم)
فَبعد متأملي وَهُوَ المنظور إِلَيْهِ أَي: بعد السَّحَاب الَّذِي كنت أنظر إِلَيْهِ وأرقب مطره وأشيم برقه. يُرِيد أَنه نظر إِلَى هَذَا السَّحَاب من مَكَان بعيد فتعجب من بعد نظره. انْتهى.
وَحَاصِله أَن بَعْدَ بِالْفَتْح فعل مَاض مسكن الْعين وَمَا زَائِدَة ومتأملي اسْم مفعول وَاقع على السَّحَاب مُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم كَمَا سبق من تَقْرِير كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق من أَنه مصدر مُضَاف إِلَى الْيَاء.
ثمَّ قَالَ الزوزني: وَقَالَ بَعضهم: إِن مَا فِي الْبَيْت بِمَعْنى الَّذِي وَتَقْدِيره: بَعُدَ مَا هُوَ متأملي وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل وَحب بهَا مقتولة حِين تقتل
(9/427)

على أَن حب فِيهِ للمدح وَالْعجب وَأَصلهَا حبب بِضَم الْعين للتحويل الْمَذْكُور. فَإِن نقلنا حَرَكَة الْعين إِلَى الْفَاء بعد حذف حركتها صَار حب بِضَم الأول. وَإِن حذفنا ضمة الْعين صَار حب بِفَتْح الأول والإدغام فِي الصُّورَتَيْنِ وَاجِب لِاجْتِمَاع المثلين وَالْأول مِنْهُمَا سَاكن. وفاعلها الضَّمِير الْمُؤَنَّث الْمَجْرُور بِالْبَاء لِأَن هَذِه الصِّيغَة تعجبية لكَونهَا بِمَعْنى أحبب بهَا.
قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أمالي الْمفصل: مقتولة نصب على الْحَال من الضَّمِير فِي بهَا وَبهَا فَاعل حب زيدت فِيهِ الْبَاء على غير قِيَاس كَقَوْلِه: كفى بِاللَّه شَهِيدا. وَقَالَ صَاحب التخمير: الْبَاء فِي بهَا هَاهُنَا للتعجب وَنَظِيره قَوْلهم: كَفاك بزيد رجلا.
وَقَالَ ابْن السراج: الْبَاء دخلت لِأَنَّهَا دَلِيل التَّعَجُّب كَمَا قَالُوا: إِنَّك من رجل عَالم لم تسْقط من قَالَ ابْن يعِيش: حب من المضاعف الَّذِي عينه ولامه من بَاب أحد وَفِيه لُغَتَانِ حب وَأحب وَأحب أَكثر فِي الِاسْتِعْمَال. وَأما حب فوزنه فعل بِفَتْح الْعين قَالَ الشَّاعِر:
(9/428)

الطَّوِيل
(فوَاللَّه لَوْلَا تمره مَا حببته ... وَلَا كَانَ أدنى من عبيد ومشرق)
فَإِذا أُرِيد بِهِ الْمَدْح نقل إِلَى فعل فَتَقول: حب زيد أَي: صَار محبوباً وَمِنْه قَوْله: حب بهَا مقتولة حِين تقتل
وَكَذَلِكَ قَول الآخر: الْكَامِل)
هجرت غضوب وَحب من يتَجَنَّب وَذهب الْفراء إِلَى أَن حب أَصله حَبُب مضموم الْعين وَاسْتدلَّ بقَوْلهمْ: حبيب وفعيل بَابه فعل كظريف وكريم من ظرف وكرم. وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ قد جَاءَ مُتَعَدِّيا وَفعل لَا يكون مُتَعَدِّيا.
فَأَما قَوْلهم: حبيب فَلَا دَلِيل فِيهِ لِأَنَّهُ مفعول فحبيب ومحبوب وَاحِد فَهُوَ كجريح وقتيل.
وحبِيب من حب إِن أُرِيد بِهِ الْمَدْح فَاعل كظريف. وَحب فعل متصرف تَقول مِنْهُ: حبه يُحِبهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ من الشاذ لِأَن فعل إِذا كَانَ مضاعفاً مُتَعَدِّيا فمضارعه يفعل بِالضَّمِّ نَحْو: رده يردهُ وشده يشده. وَقَالُوا فِي الْمَفْعُول مَحْبُوب وَقل محب. وَجَاء محب فِي اسْم الْفَاعِل وَقل
(9/429)

هَذَا وَالرِّوَايَة فِي الْبَيْت: وَأطيب بهَا مقتولة حِين تقتل بِصِيغَة التَّعَجُّب من الطّيب. وَقَبله: فَقلت اقتلوها عَنْكُم بمزاجها وَقتل الْخمر: مزجها وَكسر قوتها بِالْمَاءِ. جعل مزجها بِالْمَاءِ قتلا لَهَا. وَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات.
(فلذت لمرتاح وَطَابَتْ لشارب ... وأحبب بهَا مقتولة حِين تقتل)
وَقَالَ: إِذا كَانَت الْخمر طيبَة فَهِيَ لَذَّة نعت لَهَا. وَقد لذت لشاربها تلذ لَذَّة ولذها شاربها يلذها لذاً ولذاذة. انْتهى.
وَهَذَا مركب من بَيْتَيْنِ كَمَا يَأْتِي.
وَالْبَيْت من قصيدة للأخطل النَّصْرَانِي مدح بهَا خَالِد بن عبد الله بن أسيد بن أبي الْعيص بن أُميَّة وَكَانَ أحد أجواد الْعَرَب فِي الْإِسْلَام.
وَهَذِه القصيدة أول ديوانه وَقَبله: الطَّوِيل
(وجاؤوا ببيسانية هِيَ بَعْدَمَا ... يعل بهَا الساقي ألذ وأسهل)
(فلذت لمرتاح وَطَابَتْ لشارب ... وراجعني مِنْهَا مراح وأخيل)
(فَمَا لبثتنا نشوة لحقت بِنَا ... توابعها مِمَّا نعل وننهل)
...
(9/430)

(تدب دبيباً فِي الْعِظَام كَأَنَّهُ ... دَبِيب نمال فِي نقاً يتهيل))
(فَقلت اقتلوها عَنْكُم بمزاجها ... وَأطيب بهَا مقتولة حِين تقتل)
وبيسان هِيَ بَلْدَة بغور الشَّام تنْسب إِلَيْهَا الْخمر. والعلل: الشّرْب الثَّانِي. والشواء: الكباب.
والمرعبل: المقطع. والمراح بِالْكَسْرِ: السرُور. والأخيل: الْخُيَلَاء وَالْعجب.
ونشوتها: رائحتها. والنشوة: السكر أَيْضا. وتوابعها: مَا لحق من سكرها. والنهل: الشّرْب الأول. كَذَا فِي شرح ديوانه.
ونمال بِالْكَسْرِ: جمع نمل. والنقا: الْكَثِيب من الرمل. ويتهيل: يتصبب.
وترجمة الأخطل تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الْبَسِيط على أَن حسن يه للمدح والتعجب وَيجوز فِي مثله أَن تنقل ضمة الْعين إِلَى الْفَاء كَمَا فعل الشَّاعِر وَأَن تحذف وَتبقى الْفَاء على فتحهَا.
وَالْبَيْت أنْشدهُ الْجَوْهَرِي قَالَ: وَقد حسن الشَّيْء وَإِن شِئْت خففت الضَّم فَقلت: حسن الشَّيْء وَلَا يجوز أَن تنقل الضَّم إِلَى الْحَاء لِأَنَّهُ
(9/431)

خبر وَإِنَّمَا يجوز النَّقْل إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَدْح أَو الذَّم لِأَنَّهُ يشبه فِي جَوَاز النَّقْل بنعم وَبئسَ وَذَلِكَ أَن الأَصْل فيهمَا نعم وَبئسَ فسكن ثَانِيهمَا ونقلت حركته إِلَى مَا قبله. وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا.
قَالَ الشَّاعِر: لم يمْنَع النَّاس مني مَا أردْت ... ... ... ... ... الْبَيْت
أَرَادَ: حسن هَذَا أدباً فَخفف وَنقل. انْتهى كَلَامه.
وَقَالَ ابْن السيرافي: يُرِيد أَن يقهر النَّاس فيمنعهم مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ وَلَا يمنعونه مِمَّا يُرِيد مِنْهُم لعزه وقهره. وَاسْتحْسن هُوَ هَذَا وَجعله أدباً حسنا. وَذَا: فَاعل حسن وأدباً مَنْصُوب على التَّمْيِيز.
انْتهى.
وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: الْأَدَب الَّذِي كَانَت الْعَرَب تعرفه هُوَ مَا يحسن من الْأَخْلَاق وَفعل المكارم مثل ترك السَّفه وَبِذَلِك المجهود وَحسن اللِّقَاء.
لم يمْنَع النَّاس مني مَا أدرت ... ... ... ... . الْبَيْت)
كَأَنَّهُ يُنكر على نَفسه أَن يُعْطِيهِ النَّاس وَلَا يعطيهم. واصطلح النَّاس بعد الْإِسْلَام بِمدَّة طَوِيلَة على أَن يسموا الْعَالم بالنحو وَالشعر وعلوم الْعَرَب أديباً ويسمون هَذِه الْعُلُوم الْأَدَب وَذَلِكَ كَلَام مولد لِأَن هَذِه الْعُلُوم حدثت فِي الْإِسْلَام.
واشتقاقه من شَيْئَيْنِ: يجوز أَن يكون من الْأَدَب وَهُوَ الْعجب وَمن الْأَدَب مصدر قَوْلك: أدب فلَان الْقَوْم يأدبهم أدباً إِذا دعاهم قَالَ طرفَة: الرمل
(نَحن فِي المشتاة نَدْعُو الجفلى ... لَا ترى الآدب فِينَا ينتقر)
(9/432)

فَإِذا كَانَ من الْأَدَب الَّذِي هُوَ الْعجب فَكَأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يعجب مِنْهُ لحسنه لِأَن صَاحبه الرجل الَّذِي يعجب مِنْهُ لفضله.
وَإِذا كَانَ من الْأَدَب الَّذِي هُوَ الدُّعَاء فَكَأَنَّهُ الشَّيْء الَّذِي يَدْعُو النَّاس إِلَى المحامد
وَالْفضل فينهاهم عَن المقابح وَالْجهل. وَالْفِعْل مِنْهُ أدبي آدب أدباً من بَاب فَرح فَأَنا أديب.
والمتأدب: الَّذِي قد أَخذ من الْأَدَب بحظ وَهُوَ متفعل من الْأَدَب يُقَال مِنْهُ أدب الرجل يأدب إِذا صَار أديباً مثل كرم إِذا صَار كَرِيمًا. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لسهم بن حَنْظَلَة الغنوي أورد بَعْضهَا أَبُو تَمام فِي كتاب مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل. وَهَذَا مَا أوردهُ:
(إِذا افْتَقَرت نأى وَاشْتَدَّ جَانِبه ... وَإِن رآك غَنِيا لَان واقتربا)
(وَإِن أَتَاك لمَال أَو لتنصره ... أثنى عَلَيْك الَّذِي تهوى وَإِن كذبا)
(مدلى الْقَرَابَة عِنْد النّيل يَطْلُبهُ ... وَهُوَ الْبعيد إِذا نَالَ الَّذِي طلبا)
(حُلْو اللِّسَان بعيد الْقلب مُشْتَمل ... على الْعَدَاوَة لِابْنِ الْعم مَا اصْطَحَبَا)
(الله مخلف مَا أنفقت محتسباً ... إِذا شكرت ومؤتيك الَّذِي كتبا)
...
(9/433)

(لَا بل سل الله مَا ضنوا عَلَيْك بِهِ ... وَلَا يمن عَلَيْك الله مَا وهبا)
(يَا للرِّجَال لأقوام أجاورهم ... مستقبسين وَلما يقبسوا لهبا)
(يصلونَ نَارِي وأحميها لغَيرهم ... وَلَو أَشَاء لقد كَانُوا لَهَا حطبا)
(من الرِّجَال رجال لَا أعاتبهم ... وَلَا تفزع مِنْهُم هامتي رعْبًا)
(من لَا يزل غَرضا أرمي مقاتله ... لَا يَتَّقِي وَهُوَ مني وَاقِف كثبا))
(وَلَا أسب امْرأ إِلَّا رفعت لَهُ ... عاراً يسب بِهِ الأقوام أَو لقبا)
(قد يعلم النَّاس أَنِّي من خيارهم ... فِي الدَّين دينا وَفِي أحسابهم حسبا)
قَالَ التبريزي فِي شرح إصْلَاح الْمنطق لِابْنِ السّكيت: يُرِيد أَنه يقهر النَّاس فيمنعهم مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ وَلَا يمنعونه مَا يُرِيد مِنْهُم لعزته. وَجعله أدباً حسنا. هَذَا تَفْسِير أبي مُحَمَّد.
وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء فِي معنى هَذَا الْبَيْت: كَأَنَّهُ يُنكر على نَفسه أَن يُعْطِيهِ النَّاس وَلَا يعطيهم ويمنعهم. وَهُوَ الصَّوَاب لِأَن مَا قبله يدل عَلَيْهِ. وَذَا: فَاعل حسن. وأدباً تَمْيِيز. وَأَرَادَ حسن فَخفف وَنقل لِأَن
(9/434)

هَذَا مَذْهَب التَّعَجُّب.
وَقَالَ الصفار: إِن الشَّاعِر أنكر على نَفسه بِأَن النَّاس يعطونه ويمنعهم ثمَّ قَالَ: حسن ذَا أدباً أَي: مَا أحسن هَذَا الْأَدَب على سَبِيل الْإِنْكَار والتهكم.
انْتهى.
وَسَهْم بن حَنْظَلَة: شَاعِر مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. ذكره ابْن حجر فِي قسم الخضرمين من الْإِصَابَة عَن المرزباني.
وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: سهم بن حَنْظَلَة بن جأوان بن خويلد أحد بني شبيبة بن غَنِي بن أعصر فَارس مَشْهُور وشاعر محسن وَهُوَ الْقَائِل: الْكَامِل
(كم من عَدو قد رماني كاشح ... ونجوت من أَمر أغر مشهر)
(وحذرت من أَمر فَمر بجانبي ... لم يبكني وَلَقِيت مَا لم أحذر)
(تدني الْفَتى فِي الْغنى للراغبين إِذا ... ليل التَّمام أهم المقتر العزبا)
(9/435)

(حَتَّى تمول يَوْمًا أَو يُقَال فَتى ... لَاقَى الَّتِي تشعب الأقوام فانشعبا)
انْتهى.
وَقد أَخطَأ فِي هَذَا فَإِن صَاحب القصيدة هُوَ سهم الَّذِي ذكره أَولا والبيتان من تِلْكَ القصيدة وَقد نَسَبهَا إِلَيْهِ أَبُو تَمام وَغَيره. وَقد اشْتبهَ على الْآمِدِيّ فَظن سَهْما اثْنَيْنِ وَأَن صَاحب القصيدة غير سهم الغنوي وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا. وَسَهْم الَّذِي ذكره ثَانِيًا مَجْهُول وَلِهَذَا لم يرفع نسبه لَا إِلَى أَب وَلَا إِلَى جد. وَلم يذكرهُ غير الْآمِدِيّ أحد. وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
(9/436)

(حُرُوف الْجَرّ)
أنْشد فِيهَا، وَهُوَ
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز باتت تنوش الْحَوْض نوشاً من علا على أَن علا فِيهِ مَبْنِيّ على الضَّم كَقَوْلِهِم: من عل بِحَذْف الْمُضَاف إِلَيْهِ.
وَبَيَانه مَا قَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني نقلا عَن أبي عَليّ: إِن الْألف فِي علا منقلبة عَن الْوَاو لِأَنَّهُ من عَلَوْت وَإِن الْكَلِمَة فِي مَوضِع مَبْنِيّ على الضَّم نَحْو: قبلُ وَبعد لِأَنَّهُ يُرِيد نوشاً من أَعْلَاهُ فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجب بِنَاء الْكَلِمَة على الضَّم نَحْو: قبل وَبعد فَلَمَّا وَقعت الْوَاو مَضْمُومَة وَقبلهَا فَتْحة قلبت ألفا. وَهَذَا مَذْهَب حسن. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة: يجوز أَن يكون علا مُبينًا معرفَة وَيجوز أَن يكون معرباً نكرَة. فَإِن كَانَ مَبْنِيا كَانَت الْألف منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بالضمة. وَإِن كَانَ معرباً كَانَت منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بِالْجَرِّ.
فَإِن قيل: لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا لِأَنَّهُ معرفَة لتقدم الْحَوْض وَالْمعْنَى من علا الْحَوْض. قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: لله الْأَمر من قبلُ وَمن بعدُ فهما نكرتان
وَإِن كَانَ ذكر الْغَلَبَة قد تقدم وَكَانَ مَعْلُوما أَن معنى الْكَلَام من قبل الْغَلَبَة وَمن بعْدهَا. انْتهى.
(9/437)

فَعلم من هَذَا أَنه لَا يتَعَيَّن بناؤها على ضمة على الْوَاو المنقلبة ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا لقطعه عَن الْإِضَافَة وَنِيَّة مَعْنَاهُ لجَوَاز أَن يكون معرباً بِالْجَرِّ والتنوين المقدرين على الْوَاو المنقلبة وَلَا ينوى الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ وَيكون كَسَائِر الْأَسْمَاء النكرَة كَمَا فِي قِرَاءَة: من قبلُ وَمن بعد بِالْجَرِّ والتنوين.
وَاسْتشْهدَ بِهِ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا ذهب لامه من أَبْوَاب التحقير. قَالَ الأعلم: اسْتدلَّ بِهِ على أَن قَوْلهم من عل مَحْذُوف اللَّام وَإِذا صغرته اسْما ردَّتْ لامه فَقيل عَليّ لِأَن أَصله من الْعُلُوّ.
انْتهى.
وكسيبويه أوردهُ ابْن السراج فِي الْأُصُول.
وروى سِيبَوَيْهٍ: وَهِي تنوش الْحَوْض بدل: باتت تنوش.)
قَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: النوش: التَّنَاوُل.
قَالَ الشَّاعِر: الرجز
(فَهِيَ تنوش الْحَوْض نوشاً من علا ... نوشاً بِهِ تقطع أجواز الفلا)
ق ال الأعلم: وصف إبِلا وَردت المَاء فِي فلاة من الأَرْض فعافته وتناولته من أَعْلَاهُ وَلم تمعن فِي شربه. انْتهى.
وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: يصف إبِلا تشرب من مَاء الْحَوْض وتتناول مَا فِيهِ من المَاء تناولاً من فَوق تقطع بِهِ أَرضًا بعيدَة وتستغني بِهِ عَن الْمُبَالغَة فِيهِ. والأجواز: جمع جوز بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ الْوسط.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شحر أبياته أَيْضا:
(9/438)

لَا أعلم هَذَا الرجز لمن هُوَ يصف
نَاقَة شربت المَاء من الْحَوْض. وَقد يُمكن أَن يصف أبلاً وَيُرِيد بقوله: بِهِ تقطع أجواز الفلا أَنهم كَانُوا إِذا حاولوا سفرا سقوا إبلهم المَاء على نَحْو مَا يقدرونه من بعد الْمسَافَة وقربها وَكَانُوا يجْعَلُونَ أظماء إبلهم ثلثا وربعاً وخمساً إِلَى الْعشْر وَالْعشر نِهَايَة الأظماء.
وَكَانُوا رُبمَا احتاجوا فِي الفلاة إِلَى المَاء وَلَا مَاء عِنْدهم فينحرون الْإِبِل ويستخرجون مَا فِي أجوافها من المَاء ويشربونه وَهُوَ معنى قَول زيد الْخَيل الطَّائِي: الوافر
(نصول بِكُل أَبيض مشرفي ... على اللائي بقى فِيهِنَّ مَاء)
(عَشِيَّة نؤثر الغرباء فِينَا ... فَلَا هم هالكون وَلَا رواء)
انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعلم قَائِلهَا وَالله أعلم.
وأنشده صَاحب الصِّحَاح فِي نوش وَفِي علا. وَقَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ: هَذَا الرجز لغيلان بن حُرَيْث الربعِي. وَلم أَقف على خبر لغيلان. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة
)
(لمن الديار بقنة الْحجر ... أقوين من حجج وَمن دهر)
على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا اسْتِعْمَال من الابتدائية فِي الزَّمَان أَيْضا
(9/439)

كَمَا فِي الْبَيْت. وَسلم الشَّارِح الْمُحَقق هَذِه الدَّعْوَى مِنْهُم وَطعن فِي الدَّلِيل قَالَ: الإقواء لم يبتدأ من الْحجَج بل الْمَعْنى من أجل مُرُور حجج وَشهر. فَمن فِيهِ تعليلية لَا ابتدائية.
اعْلَم أَن مَحل النزاع بَين أهل البلدين إِنَّمَا هُوَ فِي وُرُود من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان فَأهل الْكُوفَة يثبتونه وَأهل الْبَصْرَة يمنعونه.
وَأما وُرُودهَا لابتداء الْغَايَة فِي الْمَكَان والأحداث والأشخاص فَلَا خلاف فِيهَا عِنْدهمَا.
وَاسْتدلَّ أهل الْكُوفَة لوُرُود من فِي ابْتِدَاء الْغَايَة فِي الزَّمَان بقوله تَعَالَى: لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم أَحَق أَن تقوم فِيهِ. وَأول يَوْم من الزَّمَان. وَقَوله تَعَالَى: إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة وبالبيت الْمَذْكُور.
وَأجَاب البصريون عَن الْآيَة الأولى بِأَن فِيهَا مُضَافا محذوفاً وَالتَّقْدِير: من تأسيس أول يَوْم.
فمجرور من حدث لَا زمَان.
وَضَعفه أَبُو الْبَقَاء بِأَن التأسيس لَيْسَ بمَكَان. ورد عَلَيْهِ السمين بِأَنَّهُم إِنَّمَا منعُوا من كَون من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان وَلَيْسَ فِي كَلَامهم أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا فِي ابْتِدَاء الْغَايَة فِي الْمَكَان. وَهَذَا رد ورد الشَّارِح الْمُحَقق دَلِيل الْكُوفِيّين بِأَنَّهُ لَيْسَ التأسيس حَدثا ممتداً وَلَا أصلا للمعنى
الممتد وَإِنَّمَا هُوَ حدث وَاقع فِيمَا بعد من فَتكون ظرفية كَمَا فِي الْآيَة الثَّانِيَة.
فَهُوَ يوافقهم فِي مَجِيء من لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان تبعا للمبرد وَابْن
(9/440)

درسْتوَيْه وَلِهَذَا لم يؤول كَمَا أول البصريون فِي الْآيَة. وَأَجَابُوا عَن الْآيَة الثَّانِيَة بِأَن من فِيهِ ظرفية وَإِلَيْهِ ذهب الشَّارِح أَيْضا.
وَأَجَابُوا عَن الْبَيْت بِمَا أجابوا بِهِ فِي الْآيَة الأولى بِأَن فِيهِ مصدرا محذوفاً أَي: من مر حججٍ فَيكون مجرورها حَدثا لَا زَمَانا.
وَأجَاب الشَّارِح الْمُحَقق بِأَن من فِيهِ تعليلية مَعَ تَقْدِير الْمُضَاف لَا ابتدائية. وَهُوَ الْحق فَإِن عِلّة إقواء الديار مُرُور الدهور عَلَيْهَا لابتداء مرورها.
وَأجَاب بَعضهم بِأَن من هُنَا على مَذْهَب الْأَخْفَش زَائِدَة وَالْأَصْل أقوين حجَجًا ودهراً. نَقله ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف. فَيكون مَنْصُوبًا على الظَّرْفِيَّة. وأهون من هَذَا ادِّعَاء من ظرفية)
كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ. وَلم أر من قَوْله.
وَأجَاب بَعضهم بِأَن الرِّوَايَة: مذ حجج ومذ دهر وَأنكر الأولى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. فَإِن الْبَيْت الْوَاحِد يَأْتِي على رِوَايَات شَتَّى وَكلهَا صَحِيحَة إِذا كَانَ رواتها ثِقَات.
قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: قَوْله: قَالَ الْأَصْمَعِي: أقوين مذ حجج ومذ دهر. وَمن روى: من حجج. قَالَ: مَعْنَاهُ من مر حجج وَمن مر دهر.
قَالَ الزّجاج: قَوْله تَعَالَى: من أول يَوْم دخلت من فِي الزَّمَان وَالْأَصْل مذ ومنذ. هَذَا أَكثر الِاسْتِعْمَال فِي الزَّمَان. وَمن جَائِز دُخُولهَا لِأَنَّهَا أصل فِي ابْتِدَاء الْغَايَة وَفِي التَّبْعِيض. انْتهى.
(9/441)

-
وَقَوله: لمن الديار الظّرْف خبر مقدم والديار: مُبْتَدأ مُؤخر. وَهَذَا الِاسْتِفْهَام تعجب من شدَّة خرابها حَتَّى كَأَنَّهَا لَا تعرف وَلَا يعرف سكانها وأصحابها.
وَبَعض المصنفين حرفه فَفتح اللَّام وَكسر الْمِيم وَقَالَ إِن من فِي الْبَيْت شَاهد لدُخُول من الجارة على الْمَكَان. وَهَذَا مِمَّا يتعجب مِنْهُ.
والقنة بِضَم الْقَاف وَتَشْديد النُّون: أَعلَى الْجَبَل. والقلة بِاللَّامِ مَوضِع النُّون مثله. وَالْحجر بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة: منَازِل ثَمُود بِنَاحِيَة الشَّام عِنْد وَادي الْقرى.
قَالَ صعوداء فِي شرح ديوَان زُهَيْر: قَالَ أَبُو عَمْرو: لَا أعرف إِلَّا حجر ثَمُود وَلَا أَدْرِي أَرَادَهُ بِعَيْنِه أم لَا وَأما حجر بِفَتْح الْمُهْملَة فَهِيَ الْيَمَامَة وَلَكِن لَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام فَلذَلِك أنكرها أَبُو عَمْرو. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ غَيره. قَالَ ابْن السَّيِّد: هَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ هُنَا وَقد أَوله جمَاعَة على زِيَادَة آل.
يَا لَيْت أم الْعُمر كَانَت صَاحِبي أَرَادَ: أم عَمْرو.
وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل
وجدت الْوَلِيد بن اليزيد مُبَارَكًا
(9/442)

أَرَادَ: الْوَلِيد بن يزِيد. هَذَا مَا قَالُوا. وَالصَّوَاب دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ. قَالَ عَاصِم: الْحجر بِالْفَتْح: مَدِينَة الْيَمَامَة وَالْحجر بِالْكَسْرِ: حجر ثَمُود. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْحجر بِالْفَتْح: قَصَبَة الْيَمَامَة يذكر وَيُؤَنث ويؤيدهما الْبَيْت الْمُتَقَدّم وَبَيت النَّابِغَة: الطَّوِيل)
(وهم قتلوا الطَّائِي بِالْحجرِ عنْوَة ... أَخا جَابر واستنكحوا أم جَابر)
وَالْبَاء فِي قَوْله: بقنة ظرفية مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف على أَنه حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَالْعَامِل فِيهِ الِاسْتِقْرَار الْمَحْذُوف وَالتَّقْدِير: لمن الديار كائنة بقنة الْحجر.
وأقوين: أقفرن يُقَال: أقوت الدَّار إِذا خلت من سكانها وأقفرت. وَالنُّون ضمير الديار وَجُمْلَة: أقوين حَال من ذَلِك الضَّمِير أَيْضا.
والحجج بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم: جمع حجَّة بِكَسْرِهَا أَيْضا وَهِي السّنة. والدهر: الْأَبَد الْمَمْدُود. وروى بدله: وَمن شهر وَأَرَادَ من شهور فَوضع الْوَاحِد مَوضِع الْجمع اكْتِفَاء بِهِ.
قَالَ اللَّخْمِيّ: وَمن رَوَاهُ مذ حجج كَانَت مذ: حرف جر وَالْعَامِل فِيهَا أقوين وَهِي بِمَنْزِلَة فِي لِأَن الْمَعْنى أقوين فِي حجج.
وَالْبَيْت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بهَا هرم بن سِنَان بن أبي حَارِثَة
المري عدتهَا تِسْعَة عشر بَيْتا وَبعده: الْكَامِل
(لعب الرِّيَاح بهَا وَغَيرهَا ... بعدِي سوافي المور والقطر)
(قفر بمندفع النحائت من ... ضفوي أولات الضال والسدر)
(دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم ... خير الكهول وسد الْحَضَر)
(9/443)

. والسوافي: جمع ساف اسْم فَاعل من سفت الرّيح التُّرَاب تسفيه سفياً إِذا ذرته. والمور بِالضَّمِّ: الْغُبَار بِالرِّيحِ. والقطر: الْمَطَر.
قَالَ صعوداء فِي شَرحه: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ للقطر سواف وَلكنه أشركه فِي الْجَرّ. انْتهى.
وَلَيْسَ هَذَا من الْجَرّ على الْجوَار لِأَنَّهُ لَا يكون فِي النسق. وَوَجهه أَن الرِّيَاح السوافي تذري التُّرَاب من الأَرْض وتنزل الْمَطَر من السَّحَاب.
وَقَوله: قفر أَي: تِلْكَ الديار قفر. والمندفع بِفَتْح الْفَاء. النحائت بِفَتْح النُّون بعْدهَا حاء مُهْملَة وَآخره مثناة فوقية قَالَ صعوداء: هِيَ آبار.
ومندفعها: مندفع مياهها ولعلها أَوديَة. والآبار تَفْسِير أبي عَمْرو. قَالَ: وَيُقَال: مَوضِع فِيهِ آبار.
والضفوان بالضاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء: الجانبان الْوَاحِد ضفاً كقفا.
وَأولَات الضال والسدر: مَوَاضِع فِيهَا سدر. والضال هُوَ السدر الْبري. وَقَوله: دع ذَا وعد ... إِلَخ قَالَ صعوداء:)
عد القَوْل: اصرفه إِلَيْهِ. والحضر جمع واحده حَاضر مثل صحب وَصَاحب. انْتهى.
والحاضر: الْحَيّ الْعَظِيم. والحاضر: خلاف البادي.
والأبيات الثَّلَاثَة الأول قد نَسَبهَا نقاد الشّعْر إِلَى حَمَّاد الراوية وَقَالُوا: أول القصيدة إِنَّمَا هُوَ: دع ذَا وعد القَوْل ... ... ... ... . الْبَيْت روى الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ فِي الأغاني عَن جمَاعَة أَنهم كَانُوا فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي بعيساباد وَقد اجْتمع فِيهَا الْعلمَاء بأيام الْعَرَب
(9/444)

وآدابها وَأَشْعَارهَا ولغاتها إِذْ خرج بعض أَصْحَاب الْحَاجِب فَدَعَا بالمفضل الضَّبِّيّ الراوية فَدخل فَمَكثَ مَلِيًّا.
ثمَّ خرج ذَلِك الرجل بِعَيْنِه فَدَعَا بحماد الراوية فَمَكثَ مَلِيًّا ثمَّ خرج وَمَعَهُ حَمَّاد والمفضل جَمِيعًا وَقد بَان فِي وَجه حَمَّاد الانكسار وَالْغَم وَفِي وَجه الْمفضل السرُور والنشاط ثمَّ خرج الْخَادِم مَعَهُمَا فَقَالَ: يَا معشر من حضر من أهل الْعلم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعلمكم أَنه قد وصل حماداً الشَّاعِر بِعشْرين ألف دِرْهَم لجودة شعره وأبطل رِوَايَته لزيادته فِي أشعار النَّاس مَا لَيْسَ مِنْهَا وَوصل الْمفضل بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم لصدقه وَصِحَّة رِوَايَته.
فَمن أَرَادَ أَن يسمع شعرًا جيدا مُحدثا فليسمع من حَمَّاد وَمن أَرَادَ رِوَايَة صَحِيحَة فليأخذها عَن الْمفضل.
فسألنا عَن السَّبَب فَأخْبرنَا أَن الْمهْدي قَالَ للمضل لما دَعَا بِهِ وَحده: إِنِّي رَأَيْت زُهَيْر بن أبي سلمى افْتتح قصيدته بِأَن قَالَ: دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم
وَلم يتَقَدَّم قبل ذَلِك قَول فَمَا الَّذِي أَمر نَفسه بِتَرْكِهِ فَقَالَ لَهُ الْمفضل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت فِي هَذَا شَيْئا إِلَّا أَنِّي توهمته كَانَ يفكر فِي قَول يَقُوله أَو يروي فِي أَن يَقُول شعرًا قَالَ: عد إِلَى مدح هرم وَقَالَ: دع ذَا أَو كَانَ مفكراً فِي شَيْء من شَأْنه فَتَركه وَقَالَ: دع ذَا أَي: دع مَا أَنْت فِيهِ من الْفِكر وعد القَوْل فِي هرم.
ثمَّ دَعَا بحماد فَسَأَلَهُ عَن مثل مَا سَأَلَ عَنهُ الْمفضل فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا قَالَ زُهَيْر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَكيف قَالَ فأنشده:
(9/445)

الأبيات الثَّلَاثَة.)
دع ذَا وعد القَوْل فِي هرم ... ... ... ... الْبَيْت قَالَ: فَأَطْرَقَ امهدي سَاعَة ثمَّ أقبل على حَمَّاد فَقَالَ: قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك خبر لَا بُد من استحلافك عَلَيْهِ. ثمَّ استحلفه بأيمان الْبيعَة ليصدقنه عَمَّا يسْأَل عَنهُ. فَحلف حَمَّاد لَهُ فَلَمَّا توثق مِنْهُ قَالَ لَهُ: اصدقني عَن حَال هَذِه الأبيات وَمن أضافها إِلَى زُهَيْر.
فَأقر لَهُ حِينَئِذٍ أَنه قَالَهَا. فَأمر فِيهِ وَفِي الْمفضل بِمَا أَمر بِهِ من شهر أَمرهمَا وكشفه. انْتهى.
وَحَمَّاد قد تَرْجمهُ صَاحب الأغاني فَلَا بَأْس بإيراد شَيْء من أخباره فَإِنَّهُ كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا ولكونه صَاحب الْبَيْت الشَّاهِد اسْتحق أَن نترجمه. وَهُوَ مِمَّن يَصح الاستشهاد بِكَلَامِهِ.
قَالَ: هُوَ حَمَّاد بن ميسرَة فِيمَا ذكره الْهَيْثَم بن عدي. وَكَانَ صَاحبه وراويته وَأعلم النَّاس بِهِ.
وَزعم أَنه مولى بني شَيبَان. وَكَانَ من أعلم النَّاس بأيام
الْعَرَب وأخبارها وَأَشْعَارهَا وأنسابها ولغاتها وَكَانَت مُلُوك بني أُميَّة تقدمه وتؤثره وتسني بره.
وَقَالَ لَهُ الْوَلِيد بن يزِيد: بِمَا استحققت هَذَا اللقب فَقيل لَك: حَمَّاد الراوية قَالَ: لِأَنِّي أروي لكل شَاعِر يعرفهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو سمع بِهِ ثمَّ أروي لأكْثر مِنْهُم مِمَّن لَا تعرف بأنك لَا تعرفهم وَلَا سَمِعت بهم ثمَّ لَا أنْشد شعرًا لقديم
(9/446)

أَو مُحدث إِلَّا ميزت الْقَدِيم مِنْهُ من الْمُحدث.
قَالَ: إِن هَذَا لعلم وَأَبِيك كثير فكم مِقْدَار مَا تحفظ من الشّعْر قَالَ: كثير وَلَكِنِّي أنْشدك على أَي حرف شِئْت من حُرُوف المعجم مائَة قصيدة كَبِيرَة سوى المقطعات من شعر الْجَاهِلِيَّة.
قَالَ: سأمتحنك. وَأمره الْوَلِيد بالإنشاد.
فأنشده حَتَّى ضجر الْوَلِيد ثمَّ وكل بِهِ من استحلفه أَن يصدقهُ عَنهُ ويستوفي عَلَيْهِ. فأنشده ألفي قصيدة وَتِسْعمِائَة قصيدة للجاهليين وَأخْبر الْوَلِيد بذلك فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم.
وروى أَحْمد بن عبيد عَن حَمَّاد أَنه قَالَ: كَانَ انْقِطَاع إِلَى يزِيد بن عبد الْملك فَكَانَ هِشَام يجفوني لذَلِك فَلَمَّا مَاتَ يزِيد وأفضت الْخلَافَة إِلَى هِشَام جفاني وَمَكَثت فِي بَيْتِي سنة لَا أخرج إِلَّا لمن أَثِق بِهِ من إخْوَانِي سرا فَلَمَّا لم أسمع أحدا يذكرنِي أمنت وَخرجت فَصليت الْجُمُعَة ثمَّ جَلَست عِنْد بَاب الْفِيل فَإِذا شرطيان قد وَقفا عَليّ فَقَالَا لي: يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بن عمر.
فَقلت فِي نَفسِي: هَذَا مَا كنت أحذر: فصرت إِلَيْهِ فَرمى كتابا إِلَيّ فِيهِ: من
عبد الله هِشَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بن عمر أما بعد فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من)
يَأْتِيك بِهِ غير مروع وادفع إِلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار وجملاً مهرياً يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَى دمشق.
فأخذتها وركبته وسرت حَتَّى وافيت بَاب هِشَام فاستأذنت فَأذن لي فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار مفروشة بالرخام وَبَين كل رخامتين قضيب ذهب وحيطانها كَذَلِك وَهِشَام جَالس على طنفسة حَمْرَاء وَعَلِيهِ ثِيَاب خَز حمر وَقد تضمخ بالمسك والعنبر وَبَين يَدَيْهِ مسك مبثوث فِي أواني الذَّهَب
(9/447)

يقلبه بِيَدِهِ فتفوح روائحه. فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام واستدناني فدنوت حَتَّى قبلت رجله فَإِذا جاريتان لم أر مثلهمَا فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهَا حلقتان فيهمَا لؤلؤتان توقدان فَقَالَ لي: كَيفَ أَنْت يَا حَمَّاد وَكَيف حالك قلت: بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: أَدْرِي فِيمَا بعثت إِلَيْك قلت: لَا. قَالَ: بعثت إِلَيْك لبيت خطر ببالي لم أدر من قَالَه قلت: وَمَا هُوَ قَالَ: الْخَفِيف
(فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق ... قلت: هَذَا يَقُوله عدي بن زيد فِي قصيدة لَهُ. قَالَ: أنشدنيها. فأنشدتها:
(بكر العاذلون فِي فلق الصب ... ح يَقُولُونَ لي: أَلا تستفيق)
(ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الل ... هـ وَالْقلب عنْدكُمْ موهوق)
(لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل عِنْدِي ... أعدو يلومني أم صديق)
(زانها حسنها وَفرع عميم ... وأثيث صلت الجبين أنيق)
(فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يمنها إبريق)
(9/448)

)
(قَدمته على عقار كعين ال ... ديك صفى سلافها الراووق)
(ثمَّ كَانَ المزاج مَاء غمام ... غير مَا آجن وَلَا مطروق)
قَالَ: فطرب وَقَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا حَمَّاد سلني حوائجك. فَقلت: كائنة مَا كَانَت قَالَ: نعم. قلت: إِحْدَى الجاريتين. قَالَ: هما جَمِيعًا بِمَا عَلَيْهِمَا وَمَا لَهما لَك.
فوهبهما لَهُ وأنزله فِي دَاره ثمَّ نَقله من غَد إِلَى منزل أعده لَهُ فانتقل إِلَيْهِ فَوجدَ فِيهِ الجاريتين وَمَا لَهما وكل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة فوصل إِلَيْهِ مِنْهُ مائَة ألف دِرْهَم.
وَرُوِيَ أَيْضا بِسَنَدِهِ أَن جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَالْمَعْرُوف بِابْن الكردية كَانَ يستخف مُطِيع بن أياس وَيُحِبهُ وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ وَله مِنْهُ منزلَة حَسَنَة. فَذكر مُطِيع حماداً وَكَانَ)
صديقه وَكَانَ مطرحاً مجفواً فِي أيامهم فَقَالَ لَهُ: ائتنا بِهِ لنراه.
فَأتى مُطِيع حماداً فَأعلمهُ بذلك وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَمَعَهُ فَقَالَ لَهُ حَمَّاد: دَعْنِي فَإِن دَوْلَتِي كَانَت مَعَ بني أُميَّة وَمَا لي مَعَ هَؤُلَاءِ خير. فَأبى مُطِيع إِلَّا الذّهاب بِهِ فاستعار حَمَّاد سواداً وسيفاً ثمَّ أَتَاهُ فَمضى بِهِ إِلَى جَعْفَر فَلَمَّا دخل سلم عَلَيْهِ وَأثْنى عَلَيْهِ فَرد عَلَيْهِ السَّلَام وَأمره بِالْجُلُوسِ ثمَّ قَالَ لَهُ جَعْفَر: أَنْشدني لجرير. قَالَ حَمَّاد: فوَاللَّه لقد سلخ شعر جرير كُله من قلبِي إِلَّا قَوْله:
(بَان الخليط برامتين فودعوا ... أَو كلما اعتزموا لبين تجزع
(9/449)

)
فَانْدفع ينشده إِيَّاهَا حَتَّى قَالَ: الْكَامِل
(وَتقول بوزع قد دببت على الْعَصَا ... هلا هزئت بغيرنا يَا بوزع)
قَالَ حَمَّاد: فَقَالَ: لي جَعْفَر: أعد هَذَا الْبَيْت. فأعدته. فَقَالَ: بوزع أيش هُوَ قلت: اسْم امْرَأَة. فَقَالَ: هُوَ بَرِيء من الله وَرَسُوله وَنفي من الْعَبَّاس إِن كَانَت بوزع إِلَّا غولاً من الغيلان تَرَكتنِي وَالله يَا هَذَا لَا أَنَام اللَّيْل من فزع بوزع يَا غلْمَان قَفاهُ قَالَ: فصغت حَتَّى لم أدر أَيْن أَنا.
ثمَّ قَالَ: جروا بِرجلِهِ. فجروا برجلي حَتَّى أخرجت من بَين يَدَيْهِ مسحوباً فنخرق السوَاد وانكسر جفن السَّيْف وَلَقِيت شرا عَظِيما. وَكَانَ أشر من ذَلِك غرامتي ثمن السوَاد وجفن السَّيْف.
وَكتب حَمَّاد إِلَى بعض الرؤساء الْأَشْرَاف: الْخَفِيف
(إِن لي حَاجَة فرأيك فِيهَا ... لَك نَفسِي فدى من الأوصاب)
(وَهِي لَيست مِمَّا يبلغهَا غي ... ري وَلَا يستطيعها فِي كتاب)
(غير إِنِّي أقولها حِين ألقا ... ك رويداً أسرها فِي حجاب)
(إِنَّنِي عاشق لجبتك الدكن ... اء عشقاً قد حَال دون الشَّرَاب)
(فاكسنيها فدتك نَفسِي وَأَهلي ... أتباهى بهَا على الْأَصْحَاب)
(وَلَك الله وَالْأَمَانَة أَن أج ... علها عمرها أَمِير ثِيَابِي)
(9/450)

فَبعث بهَا إِلَيْهِ.
قَالَ ابْن النطاح: كَانَ حَمَّاد فِي أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص
فَنقبَ لَيْلَة على رجل وَأخذ مَاله فَكَانَ فِيهِ جُزْء من أشعار الْأَنْصَار فقرأه حَمَّاد فاستحلاه وَحفظه ثمَّ)
طلب الْأَدَب وَالشعر وَأَيَّام الْعَرَب ولغاتها بعد ذَلِك وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ فَبلغ فِي الْعلم مَا بلغ.
وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: سَمِعت الْمفضل الضَّبِّيّ يَقُول: قد سلط على الشّعْر حَمَّاد الراوية فأفسده. فَقلت لَهُ: وَكَيف أيخطئ فِي رِوَايَته أم يلحن فَقَالَ: ليته كَانَ ذَلِك فَإِن أهل الْعلم يردون من أَخطَأ إِلَى الصَّوَاب وَلكنه رجل عَالم بلغات الْعَرَب وَأَشْعَارهَا ومذاهب الشُّعَرَاء ومعانيها فَلَا يزَال يَقُول الشّعْر يشبه بِهِ مَذْهَب رجل ويدخله فِي شعره وَيحمل ذَلِك عَنهُ فِي الْآفَاق فيختلط بأشعار القدماء وَلَا يتَمَيَّز الصَّحِيح مِنْهَا إِلَّا عِنْد عَالم ناقد وَأَيْنَ ذَاك.
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ أَن الطرماح قَالَ: أنشدت حماداً الراوية فِي مَسْجِد الْكُوفَة وَكَانَ أذكى بَان الخليط بسحرة فتبددوا وَهِي سِتُّونَ بَيْتا فَسكت سَاعَة وَلَا أَدْرِي مَا يُرِيد ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: هَذِه لَك قلت: نعم. قَالَ: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك. ثمَّ ردهَا عَليّ كلهَا وَزِيَادَة عشْرين بَيْتا زَاد فِيهَا فِي وقته فَقلت لَهُ: وَيحك إِن هَذَا شعر قلته مُنْذُ أَيَّام مَا اطلع عَلَيْهِ أحد.
فَقَالَ: قد وَالله قلت هَذَا الشّعْر مُنْذُ عشْرين سنة وَإِلَّا فعلي وَعلي. فَقلت: لله عَليّ حجَّة أحجها حافياً رَاجِلا إِن
(9/451)

جالستك بعْدهَا أبدا فَأخذ فبضة من حَصى
الْمَسْجِد ثمَّ قَالَ: عَليّ لله بِكُل حَصَاة مائَة حجَّة إِن كنت أُبَالِي. فَقلت لَهُ: أَنْت رجل ماجن وَالْكَلَام مَعَك ضائع. ثمَّ انصرفت.
وروى بِسَنَدِهِ أَيْضا أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَة نفر يُقَال لَهُم الْحَمَّادُونَ: حَمَّاد عجرد وَحَمَّاد الراوية وَحَمَّاد بن الزبْرِقَان يتنادمون على الشَّرَاب ويتناشدون الْأَشْعَار ويتعاشرون معاشرة جميلَة وَكَانُوا كَأَنَّهُمْ نفس وَاحِدَة وَكَانُوا يرْمونَ بالزندقة جَمِيعًا.
وَقد هجاه أَبُو الغول الطهوي بقوله: الْكَامِل
(نعم الْفَتى لَو كَانَ يعرف ربه ... أَو حِين وَقت صلَاته حَمَّاد)
(ضمت مشافره الشُّمُول فأنفه ... مثل الْقدوم يسنها الْحداد)
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالسبْعين بعد السبعمائة)
(9/452)

الطَّوِيل
(فليت لنا من مَاء زَمْزَم شربة ... مبردة باتت على طهيان)
على أَن من قد تَأتي للبدل. أَي: فليت لنا شربة بدل مَاء زَمْزَم.
-
وطيهان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَالْهَاء والمثناة التَّحْتِيَّة: جبل. وَرَوَاهُ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: باتت على الْهِمْيَان وَقَالَ: هَكَذَا الرِّوَايَة والنحاة يَرْوُونَهُ: على طهيان. والهميان: قَوَائِم من صَخْر شاخصة فِي بِلَاد غطفان.
وأنشده فِي مَادَّة برد قَالَ: وَبَردت المَاء تبريداً وَلَا يُقَال: أبردته إِلَّا فِي لُغَة رَدِيئَة. وَنسب الْبَيْت إِلَى الْأَحْوَال الْكِنْدِيّ. وَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ الروَاة فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن الْبَيْت آخر قصيدة ليعلى الْأَزْدِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
(لَا تنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط ... كالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل)
على أَنه لَو صَحَّ قَول المُصَنّف فِي تَوْجِيه كَلَام الْعَرَب: قد كَانَ من مطر بِأَن أَصله: قد كَانَ شَيْء من مطر فَحذف الْفَاعِل الْمَوْصُوف بالظرف لجَاز أَن تكون الْكَاف فِي هَذَا الْبَيْت حرف جر وَيكون الْفَاعِل
(9/453)

محذوفاً وَقد أقيم الظّرْف مقَامه فَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِالْبَيْتِ على أَن الْكَاف اسْم مَعَ أَنَّهَا اسْم وجوبا فِي الْبَيْت.
وَقد رد ابْن السراج فِي الْأُصُول مَا ذكره المُصَنّف قَالَ: فِي الْكَلَام والأشعار مَا يُوجب للكاف أَنَّهَا اسْم.
-
قَالَ الْأَعْمَش: أتنتهون وَلَا ينْهَى ذَوي شطط ... ... ... ... ... الْبَيْت فالكاف هِيَ الفاعلة. فَإِن قَالَ الْقَائِل: إِنَّمَا هِيَ نعت لمَحْذُوف أَرَادَ شَيْء كالطعن وَهِي حرف. قيل لَهُ: إِنَّمَا يخلف الِاسْم وَيقوم مقَامه مَا كَانَ اسْما مثله نَحْو: جَاءَنِي عَاقل ومررت بظريف. وَلَيْسَ بالْحسنِ إِلَّا فِيمَا يشكل من النعوت وَلَو كَانَ غير الِاسْم يخلفها لصلح أَن تَقول: جَاءَنِي يقوم وَكلمت يضْرب تُرِيدُ إنْسَانا ورجلاً وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَلِكَ يلزمك أَن تَقول: جَاءَنِي)
فِي الدَّار تُرِيدُ: رجل فِي الدَّار. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون تقدم بَعْضهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع والثلاثني بعد الستمائة.
وَقَبله: الْبَسِيط
(إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إِلَيْهِ الباقر الغيل)
(لَئِن قتلتم عميداً لم يكن صدداً ... لَنَقْتُلَنَّ مثله مِنْكُم فنمتثل)
(وَإِن منيت بِنَا عَن غب معركة ... لَا تلفنا عَن دِمَاء الْقَوْم ننتفل)
(لَا تنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط ... كالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل)
(حَتَّى يظل عميد الْقَوْم مرتفقاً ... يدْفع بِالرَّاحِ عَنهُ نسْوَة عجل
)
(أَصَابَهُ هندواني فأقصده ... أوذابل من رماح الْخط معتدل)
(9/454)

قَوْله: إِنِّي لعمر الَّذِي ... إِلَخ اللَّام للتوكيد وعَمر بِالْفَتْح مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف يقدر بعد تَمام الْبَيْت تَقْدِيره قسمي. وَعمر مُضَاف إِلَى الَّذِي بِتَقْدِير مَوْصُوف أَي: لعمر الله الَّذِي. وَمعنى لعمر الله: أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه.
وَالْبَيْت الَّذِي بعده جَوَاب الْقسم وَالْقسم وَجَوَابه خبر إِنِّي. وحطت بِالْحَاء الْمُهْملَة بِمَعْنى اعتمدت. ومناسمها فَاعله والمناسم: جمع منسم كمجلس وَهُوَ طرف خف الْإِبِل. وَالضَّمِير الْمُؤَنَّث ضمير الْإِبِل وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لِأَن المناسم تدل عَلَيْهَا.
والعائد إِلَى الَّذِي مَحْذُوف تَقْدِيره إِلَيْهِ أَي: إِلَى بَيته وَيدل عَلَيْهِ مَا بعده. وتخدي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال الْمُهْملَة أَي: تسير سيراً شَدِيدا وفاعله ضمير المناسم فِيهِ وَالْجُمْلَة حَال من المناسم. وَإسْنَاد الخدي إِلَى المناسم مجَاز عَقْلِي وَفِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لِلْإِبِلِ.
وروى أَبُو عُبَيْدَة: لَهُ بدل تخدي فالعائد حِينَئِذٍ مَذْكُور.
وَقَوله: وسيق عطف على حطت أَي: وَعمر الَّذِي سيق إِلَيْهِ. والباقر نَائِب فَاعل سيق وَهُوَ اسْم جمع مَعْنَاهُ جمَاعَة الْبَقر.
والغيل بِضَمَّتَيْنِ: جمع غيل بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بِمَعْنى الْكثير.
يُرِيد: إِنِّي أقسم بِاللَّه الَّذِي تسرع الْإِبِل إِلَى بَيته ويساق إِلَيْهِ الْهَدْي.
والخطيب التبريزي لم يَأْتِ فِي شرح هَذَا الْبَيْت بِشَيْء مَعَ أَنه اخْتلفت الروَاة فِيهِ وَخطأ الْعلمَاء بَعضهم بَعْضًا فِيهِ.)
وَقد روى أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي أول كِتَابه: التَّنْبِيهَات على
أغلاط الروَاة. مَا وَقع للأئمة الْأَعْلَام من الردود وتخطئة بَعضهم بَعْضًا فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ:
(9/455)

وَنقل إِلَيْنَا من غير وَجه أَن أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: روى أَبُو عُبَيْدَة بَيت الْأَعْشَى: وسيق إِلَيْهِ الباقر العَثلُ أَي: بِعَين مُهْملَة وثاء مُثَلّثَة مفتوحتين فَأرْسلت إِلَيْهِ: صحفت إِنَّمَا هُوَ الغيل أَي: وروى عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: الغيل: السمان من قَوْلهم: ساعد غيلٌ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يروي هَذَا الْبَيْت.
(إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إِلَيْهِ الباقر العثل)
وَحكى ابْن قُتَيْبَة أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَنهُ فَقَالَ: لم أسمع بالعثل إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْت. وَلم يفسره. قَالَ: وَسَأَلت أَبَا عُبَيْدَة عَنهُ فَقَالَ: العثل: الْكثير.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وخبرنا غَيره أَن الْأَصْمَعِي كَانَ يروي: وجد عَلَيْهَا النافر الْعجل يُرِيد: النفار من منى. والنافر لَفظه لفظ وَاحِد وَهُوَ معنى جمع. وَقد اخْتلف عَنهُ فِي الْعجل فَقَالَ بعض: العُجُل بِضَم الْعين وَقَالَ بعض العِجِل أَي: فتح فَكسر وَجعله وَصفا لوَاحِد.
قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة: حطت مناسمها بِالْحَاء غير مُعْجمَة وَقَالَ: يَعْنِي حطاطها فِي السّير وَهُوَ الِاعْتِمَاد. وَرَوَاهُ الْأَصْمَعِي: خطت مناسمها بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: شقَّتْ التُّرَاب.
-
وَأنْشد للنابعة: الْكَامِل فَمَا خططت غباري أَي: شققته. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حطت خطأ.
(9/456)

فَانْظُر إِلَى اخْتلَافهمْ فِي هَذَا الْبَيْت. ورد بَعضهم على بعض ومراسلة أبي عَمْرو أَبَا عُبَيْدَة فِيهِ.
وَقد أصَاب أَبُو عَمْرو فِي الغيل وصحف أَبُو عُبَيْدَة لِأَن لتفسيري أبي عَمْرو وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ معروفين وَتَفْسِير أبي عُبَيْدَة غير مسموع من غَيره وَلَا مَعْرُوف.
وَلَا تلتفتن إِلَى قَول ابْن دُرَيْد: نعم عَثلٌ وعثِلٌ: كثير وَلَا إِلَى قَوْله: العَثَل: الغلظ والفخامة عَثِلَ يَعثَل عَثلاً. وكل كثير عَثَل. فَكل هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة.
وَأصَاب أَبُو عُبَيْدَة فِي حطت لِأَنَّهُ وَجه صَحِيح وَأَخْطَأ الْأَصْمَعِي فِي قَوْله: حطت بِالْمُهْمَلَةِ)
خطأ. وَلِأَن تكون مُعْتَمدَة فِي سَيرهَا بمناسمها خير من أَن تكون خاطة. والحظ بِالْمُهْمَلَةِ: الِاعْتِمَاد يُقَال: حَطَّ يحُطُّ حطَّاً إِذا اعْتمد. وَلما لم يعرفهُ الْأَصْمَعِي رده.
قَالَ عَمْرو بن الْأَهْتَم: الطَّوِيل
(ذَرِينِي فَإِن الشَّيْخ يَا أم هَيْثَم ... لصالح أَخْلَاق الرِّجَال سروق)
(ذَرِينِي وحطي فِي هواي فإنني ... على الْحسب الزاكي الرفيع شفيق
)
وَمن هَذَا أَخذ: حط الْأَدِيم وَهُوَ صقله ودلكه وَذَاكَ لِأَن صاقله
(9/457)

يعْتَمد عَلَيْهِ. يُقَال: حطه يحطه حطاً فَهُوَ أَدِيم محطوط. والخشبة الَّتِي يصقل عَلَيْهَا يُقَال لَهَا: المحط.
(كَأَن محطاً فِي يَدي حارثية ... صناع علت مني بِهِ الْجلد من عل)
شبه برْقَان بدنه لماء الشَّبَاب وترارته بالأديم المصقول. انْتهى مَا أرده أَبُو الْقَاسِم.
وَقَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: وَقد رووا بَيْتا من شعر الْأَعْشَى على عشرَة أوجه وَهُوَ: إِنِّي لعمر الَّذِي حطت مناسمها ... ... ... ... ... الْبَيْت وَذكرت الْأَوْجه ليعلم قدر عنايتهم بِالْعلمِ وَصرف اهتمامهم إِلَيْهِ. رَوَاهُ الْأَصْمَعِي: إِنِّي لعمر الَّذِي خطت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَرِوَايَة عسل عَنهُ بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: خطت يَعْنِي أَنَّهَا تشق التُّرَاب. قَالَ: وَمثله قَول النَّابِغَة:
(أعلمت يَوْم عكاظ حِين لقيتني ... تَحت العجاج فَمَا خططت غباري)
أَي: قصرت عَنهُ أَن تُدْرِكهُ. قَالَ: وَلَا يكون حطت لِأَن الحطاط
(9/458)

الِاعْتِمَاد فِي الزِّمَام. وَرَوَاهَا أَبُو عَمْرو: حطت بِالْحَاء وَقَالَ: هُوَ أَن يعْتَمد فِي أحد شقيه. وَرَوَاهُ: تخدي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: الباقر العيل بِعَين غير مُعْجمَة بعْدهَا بَاء تحتهَا نقطتان.
-
وَفِي رِوَايَة الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي: الباقر العثل بِعَين وثاء فَوْقهَا ثَلَاث نقط وَفَسرهُ فَقَالَ: العثل والعنج وَاحِد وَهُوَ الْجَمَاعَة.
وَفِي رِوَايَة عسل: حطت بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة وَقَالَ: مَعْنَاهُ أسرعت. قَالَ: والعثل الْكَبِير الثقيل: يُقَال: انْكَسَرت يَده ثمَّ عثلت تثعل أَي: ثقلت عَلَيْهِ. هَذِه رِوَايَة الْأَصْمَعِي. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة: حطت بِالْحَاء وَهُوَ الِاعْتِمَاد فِي أحد شقيها إِذا سَارَتْ.
وروى: العثل وَقَالَ: هِيَ القطيع وَالْجَمَاعَات يُقَال: ذَلِك فِي النَّاس وَالْإِبِل. وَكَذَلِكَ العثج وَلم يعرف الغيل.)
وَرَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الغيل بغين مُعْجمَة وَتَحْت الْيَاء نقطتان وَفَسرهُ بالكثير وَقَالَ: يُقَال: مَاء غيل إِذا كَانَ كثيرا. والغيل أَيْضا السمان. يُقَال: ساعد غيل إِذا كَانَ ممتلئاً رياً.
قَالَ: وروى أَبُو عُبَيْدَة: العثل بالثاء منقوطة بِثَلَاث فَأرْسلت إِلَيْهِ: أَن قد صحفت إِنَّمَا هُوَ الغيل.
وروى بَعضهم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ: الرِّوَايَة: وجد عَلَيْهَا النافر الْعجل بِالْجِيم. والنافر بالنُّون وَالْفَاء. أَي: خطت مناسمها تخدي ذَاهِبَة ثمَّ جدت عَلَيْهَا النفار من منى حَيْثُ نفروا.
وَقَالَ أَبُو الْحباب: قلت لَهُ: إِنَّمَا قَالَ النافر وَهُوَ وَاحِد ثمَّ قَالَ الْعجل فَقَالَ: كَقَوْلِك: يَا أَيهَا الرجل وكلكم ذَلِك الرجل. وَكَثِيرًا مَا يَجِيء الْوَاحِد فِي معنى الْجَمِيع.
(9/459)

وَرَوَاهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام عَن أَصْحَابه خطت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: يَعْنِي أَنَّهَا تشق التُّرَاب. قَالَ: فَمَا خططت غباري
يَعْنِي مَا شققته أَي: قصرت عَنهُ وَلم تُدْرِكهُ. وروى بَعضهم حطت مناسمها تحدى بحاء مُهْملَة بَدَلا من تخدي.
فَانْظُر إِلَى هَذَا الْبَيْت وَكم تَعب من الروَاة وَالْعُلَمَاء وَاحْتَمَلُوهُ لطلب الْفَائِدَة فِيهِ. انْتهى كَلَام العسكري.
وَقَوله: لَئِن قتلتم ... إِلَخ اللَّام هِيَ الموطئة للقسم. وَقَوله: لَنَقْتُلَنَّ جَوَاب الْقسم وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم.
وَقَوله: وَإِن منيت بِنَا ... . إِلَخ يَأْتِي إِن شَاءَ الله شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ بعد التسْعمائَة فِي حُرُوف الشَّرْط. وَالْخطاب ليزِيد بن مسْهر الشَّيْبَانِيّ فَإِنَّهُ كَانَ أغوى بني سيار فِي أَن يقتلُوا سيداً من رَهْط الْأَعْشَى على مَا تقدم سَببه هُنَاكَ.
والعميد: السَّيِّد الَّذِي يعمد أَي: يقْصد. والصدد بقتحتين: المقارب.
وَقَوله: فنمتثل أَي: نقْتل الأمثل. وأماثل الْقَوْم: خيارهم. يَقُول: وَالله إِن قتلتم منا دون السَّيِّد لنقتل أمثلكم.
وَقَوله: لَا تنتهون ... إِلَخ أَي: لَا تنزجرون.
وَقَوله: وَلنْ ينْهَى ... إِلَخ الْبَيْت: جملَة مُعْتَرضَة بَين لَا تنتهون وَبَين مُتَعَلّقه وَهُوَ حَتَّى يظل)
الْبَيْت الْآتِي. وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الْجُمْلَة حَالية. وعذره أَنه لم ينشد الْبَيْت الَّذِي
(9/460)

بعده.
ويروى: أتنتهون بالاستفهام الإنكاري وَلنْ ينْهَى بِفَتْح الْهَاء وَذَوي مفعول مقدم. يُقَال: ينهاه أَي: يزجره ويمنعه.
والشطط بِفتْحَتَيْنِ: الْجور وَالظُّلم. فِي الْمِصْبَاح: شط فلَان فِي حكمه شطوطاً وشططاً: جَار وظلم. وشط فِي القَوْل شططاً وشطوطاً: أغْلظ فِيهِ. وشط فِي السّوم: أفرط. والجميع من بَابي ضرب وَقتل.
وَالْكَاف من قَوْله كالطعن اسْم فَاعل ينْهَى والطعن مُضَاف إِلَيْهِ وَهُوَ
مصدر طعنه بِالرُّمْحِ طَعنا من بَاب قتل.
وَيهْلك بِكَسْر اللَّام من بَاب ضرب. وَجُمْلَة: يهْلك ... إِلَخ صفة لِلطَّعْنِ لِأَن اللَّام فِيهِ للْجِنْس. والفتل بِضَمَّتَيْنِ: جمع فَتِيلَة أَرَادَ فَتِيلَة الْجراحَة.
وَالْمعْنَى: لَا ينْهَى أَصْحَاب الْجور مثل طعن جائف أَي: نَافِذ إِلَى الْجوف يغيب فِيهِ الزَّيْت والفتل. يُرِيد أَنه لَا يمْنَع الجائرين من الْجور إِلَّا الْقَتْل.
وَقَوله: حَتَّى يظل ... إِلَخ حَتَّى جَارة بِمَعْنى إِلَى مُتَعَلقَة بقوله: لَا تنتهون. ويظل بِمَعْنى يسْتَمر والمرتفق: الطَّالِب الرِّفْق والإعانة. والراح: جمع رَاحَة الْيَد. والعجل بِضَمَّتَيْنِ جمع عجول وَهِي الثكلى.
يَقُول: حَتَّى يظل سيد الْحَيّ تدفع عَنهُ النِّسَاء بأكفهن لِئَلَّا يقتل لِأَن من يدْفع عَنهُ من الرِّجَال قتل.
وَقيل الْمَعْنى: يدفعن لِئَلَّا يُوطأ بعد الْقَتْل. وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: أَصَابَهُ هندواني أَي: سيف مَنْسُوب إِلَى الْهِنْد.
وأقصده: قَتله مَكَانَهُ. وذابل هُوَ الرمْح. والخط بِالْفَتْح: مَوضِع بِالْيَمَامَةِ تنْسب إِلَيْهِ الرماح وَهِي لَا تنْبت بالخط إِنَّمَا هُوَ سَاحل للسفن الَّتِي تحمل القنا إِلَيْهِ وتعمل بِهِ.
(9/461)

وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(وَأَنت الَّتِي جببت شغباً إِلَى بدا ... إِلَيّ وأوطاني بِلَاد سواهُمَا)
على أَن إِلَى الأولى فِيهِ للانتهاء أَي: مُضَافا إِلَى بدا. وَذكر الْمُتَعَلّق لإِفَادَة أَن إِلَى مَعَ مجرورها وَاقعَة موقع الْحَال من شغب ولإفادة أَن الْغَايَة دَاخل فِي المغيا.
وَزعم الْكُوفِيُّونَ أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنى مَعَ وَهُوَ خلاف الأَصْل من غير ضَرُورَة تلجئ إِلَيْهِ.
وَمن الْغَرِيب قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إِنَّهَا بِمَعْنى الْفَاء. قَالَ: إِذْ الْمَعْنى شغباً فَبَدَا وهما موضعان.
وَيدل على إِرَادَة التَّرْتِيب قَوْله بعده: الطَّوِيل
(حللت بِهَذَا حلَّة ثمَّ حلَّة ... بِهَذَا فطاب الواديان كِلَاهُمَا)
وَهَذَا الْمَعْنى غَرِيب لِأَنِّي لم أر من ذكره. اه.
وَقد رد عَلَيْهِ شَارِحه الدماميني بِأَن من حق النُّحَاة أَن لَا يذكروه مستندين إِلَى هَذَا الدَّلِيل فَإنَّا لَا نسلم إِرَادَة التَّرْتِيب فِي الْبَيْت الأول لاحْتِمَال أَن يكون إِلَى فِيهِ للمعية كَمَا قَالَه جمَاعَة كَثِيرَة ومتعلقة بِمَحْذُوف إِن لم نقل بذلك أَي: مَعَ
بدا أَو مضموماً إِلَى بدا.
وَالْبَيْت الثَّانِي
(9/462)

لَا يدل على إِرَادَة التَّرْتِيب فِي الأول إِذْ حلولها بِأحد المكانين بعد حلولها بِالْآخرِ لَا يَقْتَضِي أَن الْمَكَان الأول حبب إِلَيْهِ أَولا بسب حلولها فِيهِ وَأَن الثَّانِي حبب إِلَيْهِ بعد ذَلِك لحلولها بِهِ إِذْ من الْجَائِز أَن يكون حب المكانين حصل لَهُ فِي آن وَاحِد بعد حلولها فيهمَا على ثمَّ وَلَو سلم دلَالَة الْبَيْت الثَّانِي على التَّرْتِيب فِي الأول لم يدل على دَعْوَاهُ لِأَن التَّرْتِيب الْوَاقِع فِي الثَّانِي إِنَّمَا هُوَ ب ثمَّ لَا بِالْفَاءِ. وَفِي بعض النّسخ: حلَّة بعد حلَّة. اه.
وَأما إِلَى الثَّانِيَة فقد شرحها الشَّارِح الْمُحَقق بعد أسطر.
والبيتان فِي الحماسة ونسبهما لكثير عزة. وَالرِّوَايَة فِيهَا كَذَا:
(وحلت بِهَذَا حلَّة ثمَّ أَصبَحت ... بِهَذَا فطاب ... ... ... إِلَخ)
قَالَ المرزوقي: خاطبها فِي الْبَيْت معتداً عَلَيْهَا بِأَنَّهُ كَمَا آثرها على أَهله وعشيرته آثر بلادها على بِلَاده فَذكر طرفِي محالها فَقَالَ: أحب لَك وفيك شغباً إِلَى بدا وبلادي بِلَاد غَيرهمَا.
ثمَّ أخبر عَنْهَا فِي الْبَيْت الثَّانِي فَقَالَ: نزلت بِهَذَا يُشِير إِلَى شغب نزلة ثمَّ أَصبَحت ببدا ففاح)
الواديان وتضوعا برياها.
وَمثله قَوْله الآخر: المنسرح
(اسْتوْدعت نشرها الرياض فَمَا ... تزداد طيبا إِلَّا على الْقدَم)
وَفِي بعض نسخ الحماسة بَيت بَينهمَا وَهُوَ:
(إِذا ذرفت عَيْنَايَ أعتل بالقذى ... وَعزة لَو يدْرِي الطَّبِيب قذاهما
(9/463)

)
أَي: عزة سَبَب قذاهما. وشغب بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين. وبداً بِفَتْح الْمُوَحدَة قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: هما من بِلَاد عذرة يُرِيد أَنَّهُمَا من بِلَاد الْيمن.
ويناسبه مَا نَقله أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم بعد قَوْله: شغب: قَرْيَة الزُّهْرِيّ الْفَقِيه: عَن ابْن أبي أويس قَالَ: خرج عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي نَحْو الْيمن وَمَعَهُ ابْنه فَنزلَا على غدائهما فَقَالَ عبد الله بن السَّائِب: الطَّوِيل
(فَلَمَّا علوا شغباً تبينت أَنه ... تقطع من أهل الْحجاز علائقي)
فَقَالَ ابْنه: الطَّوِيل
(فَلَا زلن حسرى ظلعاً لم حملننا ... الى بلد ناء قَلِيل الأصادق)
فَقَالَ أَبوهُ: أمك طَالِق إِن تغدينا أَو تعشينا إِلَّا على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
وَلكنه قَالَ: شغب قد تقدم ذكره وتحديده فِي رسم بدا. وَالَّذِي قَالَه فِي بدا: أَنه مَوضِع بَين طَرِيق مصر وَالشَّام.
قَالَ كثير: وَأَنت الَّتِي حببت شغباً إِلَى بدا ... ... ... ... ... . الْبَيْت وشغب: منهل بَين طَرِيق مصر وَالشَّام أَيْضا.
قَالَ جميل:
(9/464)

الطَّوِيل وَقد ورد بدا فِي شعر زِيَادَة بن زيد ممدوداً فَلَا أَدْرِي أمده ضَرُورَة أم فِيهِ لُغَتَانِ. قَالَ: الطَّوِيل
(
وهم أطْلقُوا أسرى بداء وأدركوا ... نسَاء ابْن هِنْد حِين تهدى لقيصرا)
هَذَا مَا ذكره. وَهُوَ لَا يُنَاسب شعر ابْن السَّائِب وَلَا شعر جميل فَإِنَّهُ عُذْري.
وَلم يزدْ ابْن ولاد والقالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهما على قَوْلهمَا: بدا: اسْم مَوضِع مَقْصُور)
يكْتب بِالْألف. يُقَال: بَين شغب وبدا. وَأنْشد الْبَيْت الشَّاهِد. وَالله أعلم.
وترجمة كثير عزة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد الثلثمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(فَلَا تتركني بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب)
على أَنه قيل إِلَى فِيهِ بِمَعْنى فِي وَالْوَجْه أَن تكون على أَصْلهَا للانتهاء لِأَن قَوْله: مَطْلِي بِهِ القار مَعْنَاهُ مكره مبغض. وَهُوَ يتَعَدَّى بإلى.
وَهَذَا تَوْجِيه ابْن عُصْفُور قَالَ فِي كتاب الضرائر: إِنَّمَا وَقعت فِيهِ إِلَى موقع فِي لِأَنَّهُ إِذا كن بِمَنْزِلَة الْبَعِير الأجرب المطلي الَّذِي يخَاف
(9/465)

عدواه فيطرد عَن الْإِبِل إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَينهَا كَانَ مبغضاً إِلَى النَّاس فعومل مَطْلِي كَذَلِك مُعَاملَة مبغض.
-
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: هُوَ على تضمين مَطْلِي معنى مبغض. وَلَو صَحَّ مَجِيء إِلَى بِمَعْنى فِي لجَاز زيد إِلَى الْكُوفَة. اه.
وَقَالَ بَعضهم: إِلَى مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي: مَطْلِي بالقار مُضَافا إِلَى النَّاس فَحذف وقلب الْكَلَام. وَلَا يخفى سماجته.
والوعيد: التهديد. والقار هُنَا: القطران. وَإِنَّمَا شبه نَفسه بالبعير الأجرب المطلي بالقطران لِأَن النَّاس يطردونه إِذا أَرَادَ الدُّخُول بَين إبلهم لِئَلَّا يعرها بالقطران ويعديها بدائه.
والقار نَائِب فَاعل مَطْلِي وَبِه مُتَعَلق بمطلي. وَالْأَصْل مَطْلِي بالقار فمرفوع مَطْلِي هُوَ الْمُسْتَتر لكنه قلب. وَقيل: رُوِيَ: القار بِالْجَرِّ على أَنه بدل من ضمير بِهِ فَلَا قلب.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني يعْتَذر بهَا إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ فِي شَيْء اتهمَ بِهِ عِنْده فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك الشَّام بني جَفْنَة الغسانيين كَمَا تقدم بَيَانه فِي تَرْجَمته وَاعْتذر إِلَيْهِ بعدة قصائد فِي انضمامه إِلَى بني جَفْنَة والتبري مِمَّا رمي بِهِ أَوله: الطَّوِيل إِلَى أَن قَالَ:
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مطلب)
...
(9/466)

(لَئِن كنت قد بلغت عني جِنَايَة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب))
(وَلَكِنِّي كنت امْرأ لي جَانب ... من الأَرْض فِيهِ مستراد وَمذهب)
(مُلُوك وإخوان إِذا مَا أتيتهم ... أحكم فِي أَمْوَالهم وَأقرب)
(كفعلك فِي قوم أَرَاك اصطنعتهم ... فَلم ترهم فِي شكر ذَلِك أذنبوا)
(فَلَا تتركني بالوعيد كأنني ... إِلَى النَّاس مَطْلِي بِهِ القار أجرب
)
(ألم تَرَ أَن الله أَعْطَاك سُورَة ... ترى كل ملك دونهَا يتذبذب)
(فَإنَّك شمس والملوك كواكب ... إِذا طلعت لم يبد مِنْهُنَّ كَوْكَب)
(فلست بمستبق أَخا لَا تلمه ... على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
(فَإِن أك مَظْلُوما فعبد ظلمته ... وَإِن تَكُ غضباناً فمثلك يعتب)
وَقَوله: أَبيت اللَّعْن جملَة دعائية اعْتِرَاض بهَا بَين الْفِعْل وفاعله يخاطبون الْمُلُوك بهَا تَحِيَّة.
وَمَعْنَاهُ أَبيت أَن تفعل شَيْئا تلعن بِهِ.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أَي: أَبيت أَن تَأتي من الْأَخْلَاق المذمومة مَا تلعن بِهِ.
وَكَانَت هَذِه تَحِيَّة مُلُوك لخم وجذام وَكَانَت مَنَازِلهمْ الْحيرَة وَمَا يَليهَا. وتحية مُلُوك غَسَّان: يَا خير الفتيان. وَكَانَت مَنَازِلهمْ الشَّام.
وَتلك: إِشَارَة إِلَى الْمَلَامَة المفهومة من لمتني إِذْ الْمَعْنى: أَتَتْنِي ملامتك إيَّايَ. وأهتم أصير ذَا هم.
وأنصب: مضارع نصب كفرح أَي: أتعب وأعيا.
وَقَوله: حَلَفت قسم وَجَوَابه: لَئِن كنت وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض.
والريبة: الشَّك وَجُمْلَة: وَلَيْسَ وَرَاء الله ... إِلَخ جملَة مُؤَكدَة لمضمون
(9/467)

مَا قبلهَا فَإِنَّهُ إِذا لم يكن وَرَاء الله مطلب لأحد لم يحلف بأعظم مِنْهُ فَكيف يحلف بِهِ كَاذِبًا.
-
وَهَذَا الْبَيْت وَمَا بعده من الأبيات الْأَرْبَعَة اسْتشْهد بِهِ أهل البديع على النَّوْع الْمُسَمّى عِنْدهم بِالْمذهبِ الكلامي وَهُوَ إِيرَاد حجَّة للمطلوب على طَريقَة أهل الْكَلَام.
وَالْجِنَايَة: الذَّنب. والوشي: النمام. وغشه: لم يخلص لَهُ النصح. ولي جَانب من الأَرْض صفة امْرأ وَفِيه إِعَادَة الضَّمِير الرابط ضمير تكلم. وَأَرَادَ بالجانب أَرض الشَّام.
والمستراد: مَوضِع يتَرَدَّد فِيهِ لطلب الرزق. وملوك وإخوان: بدل من مستراد وَمذهب أَو بِتَقْدِير: فِيهِ مُلُوك وإخوان. وَمعنى أحكم: أتصرف فِي أَمْوَالهم كَيفَ أَشَاء.
وَقَوله: كفعلك ... إِلَخ قَالَ الْأَصْمَعِي: يُرِيد كَمَا فعلت أَنْت بِقوم قربتهم وأكرمتهم فتركوا)
وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْمنزلَة الرفيعة والشرف. وبالبيت اسْتشْهد الْبَيْضَاوِيّ لِمَعْنى السُّورَة. وَملك بِسُكُون اللَّام: لُغَة فِي كسرهَا. ويتذبذب: يضطرب.
وَقَوله: فَإنَّك شمس قَالَ الْمبرد: هَذَا من أعجب التَّشْبِيه.
وَأَرَادَ بِهَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله تَسْلِيَة النُّعْمَان عَمَّا حصل عِنْده من
(9/468)

مدحه آل جَفْنَة ثمَّ كرّ معتذراً عَن زلته فَقَالَ: وَلست بمستبق أَخا إِلَخ يَقُول: أَي الرِّجَال يكون مبراً من الْعُيُوب فَإِن قطعت إخوانك بذنب لم يبْق لَك أَخ. وتلمه: تصلحه وَتصْلح مَا تشعث من أمره وَفَسَد.
وَالْبَيْت اسْتشْهد بِهِ عُلَمَاء الْبَيَان للتذييل وَهُوَ تعقيب الْكَلَام بجملة تشْتَمل على مَعْنَاهُ للتوكيد.
وَقَوله: فَإِن أك مَظْلُوما أَي: باستمرار غضبك عَليّ. جعل غَضَبه ظلما
لَهُ لِأَنَّهُ عَن غير مُوجب. فَأَنت إِنَّمَا ظلمت عبدا من عبيدك وَلَيْسَ لأحد اعْتِرَاض فِيهِ.
وَقَوله: وَإِن تَكُ غضباناً ... إِلَخ رُوِيَ أَيْضا: وَإِن تَكُ ذَا عتبى فمثلك يعتب بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يرجع لَهُ إِلَى مَا يحب. وَيُقَال: لَك العتبى أَي: الرُّجُوع إِلَى مَا تحب. وَقيل: يعتب بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل أَي: يُعْطي العتبى يُقَال: أعتبه إِذا أعطَاهُ الرِّضَا وَهُوَ العتبى.
وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني ... الى ذرْوَة الْبَيْت الْكَرِيم المصمد)
على أَن إِلَى فِيهِ على أَصْلهَا وَهِي مَعَ مجرورها حَال من الْيَاء فِي تلاقني مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره: تلاقني منتسباً إِلَى ذرْوَة الْبَيْت ... إِلَخ.
وَلَيْسَت هُنَا بِمَعْنى فِي كَمَا قيل حَكَاهُ ابْن السراج قَالَ فِي الْأُصُول: وَقَالُوا فِي قَول طرفَة:
(9/469)

وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني إِلَخ إِن إِلَى بِمَعْنى فِي.
-
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ قَول الزوزني شَارِح المعلقات فِي شرح هَذَا الْبَيْت يَقُول: وَإِن اجْتمع الْحَيّ للافتخار تلاقني أَنْتَهِي إِلَى ذرْوَة الْبَيْت الشريف أَي: إِلَى أَعلَى الشّرف. يُرِيد أَنه أوفاهم حظاً من الْحسب وَأَعْلَاهُمْ سَهْما من النّسَب.
وَقَوله: تلاقني إِلَى يُرِيد: أعتزي إِلَى ذرْوَة فَحذف الْفِعْل لدلَالَة الْحَرْف عَلَيْهِ. اه.
وَكَذَا فِي شرح أدب الْكَاتِب لِابْنِ السَّيِّد البطليوسي قَالَ: قيل مَعْنَاهُ فِي ذرْوَة. وَهَذَا لَا يلْزم لِأَنَّهُ يُمكن أَن يُرِيد آوياً إِلَى ذرْوَة كَمَا قَالَ تَعَالَى: سآوي إِلَى جبل يعصمني من المَاء فَلَا حجَّة فِيهِ.
وَقَالَ الأعلم الشنتمري فِي شرح الْمُعَلقَة: يَقُول: إِذا التقى الْحَيّ الْجَمِيع بعد افتراقهم وجدتني فِي مَوضِع الشّرف مِنْهُم وعلو الْمنزلَة.
وَقَوله: إِلَى ذرْوَة أَي: فِي ذرْوَة الْبَيْت. وذروة كل شَيْء: أَعْلَاهُ. والمصمد: الَّذِي يصمد إِلَيْهِ النَّاس لشرفه ويلجؤون إِلَيْهِ فِي حوائجهم. والصمد: الْقَصْد. اه.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي شرح ديوَان طرفَة أَي: إِذا التقى الْحَيّ الْجَمِيع الَّذين كَانُوا مُتَفَرّقين وجدتني فِي الشّرف.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس والخطيب التبريزي: يُرِيد: وَإِن يلتق
(9/470)

الْحَيّ للمفاخرة وَذكر الْمَعَالِي تجدني مَعَهم.
قَالَ أَبُو الْحسن: معنى إِلَى ذرْوَة أَي: مَعَ ذرْوَة وَهُوَ تَمْثِيل. وَإِنَّمَا يُرِيد بِالْبَيْتِ هَاهُنَا الْأَشْرَاف الَّذين يقصدون فشبههم هَاهُنَا بِالْبَيْتِ الرفيع. اه.
)
فَهَذَا معنى ثَالِث لإلى فِي الْبَيْت.
وَهُوَ من معلقَة طرفَة بن العَبْد. وَقَبله: الطَّوِيل
(فَإِن تبغني فِي حَلقَة الْقَوْم تلقني ... وَإِن تقتنصني فِي الحوانيت تصطد)
(مَتى تأتني أصبحك كأساً روية ... وَإِن كنت عَنْهَا ذَا غنى فاغن وازدد)
وَإِن يلتق الْحَيّ الْجَمِيع تلاقني ... ... ... ... ... ... الْبَيْت
(نداماي بيض كَالنُّجُومِ وقينة ... تروح علينا بني برد ومجسد)
(رحيب قطاب الجيب مِنْهَا رَفِيقَة ... بجس الندامى بضة المتجرد)
قَوْله: وَلست بحلال التلاع ... إِلَخ تقدم شَرحه مَعَ الَّذِي بعده فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين بعد الستمائة.
وَكَذَلِكَ تقدم شرح قَوْله: نداماي
(9/471)

بيض مَعَ الْبَيْت الَّذِي بعده فِي الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الثلثمائة وَفِي الشَّاهِد الَّذِي بعد الثَّانِي عشر والستمائة.
وَقَوله: مَتى تأتني أصبحك ... إِلَخ فِي الصِّحَاح: الصبوح: الشّرْب بِالْغَدَاةِ
وَهُوَ خلاف الغبوق. تَقول: صبحته صبحاً. اه.
يَقُول: أسقك صَبُوحًا. وَالرِّوَايَة: المروية. والكأس: الْخمر فِي الْإِنَاء وَهِي الْإِنَاء أَيْضا إِذا كَانَ فِيهِ خمر. وَمعنى فاغن وازدد: فاغن بِمَا عنْدك أَي: استغن بِهِ وازدد غنى.
وترجمة طرفَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
(ألْقى الصَّحِيفَة كي يُخَفف رَحْله ... والزاد حَتَّى نَعله أَلْقَاهَا)
تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة من بَاب الِاشْتِغَال.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(
وأكفيه مَا يخْشَى وأعطيه سؤله ... وألحقه بالقوم حتاه لَاحق)
على أَن الْمبرد زعم أَن حَتَّى هُنَا جرت الضَّمِير. وَلَيْسَ كَذَلِك
(9/472)

وَإِنَّمَا حَتَّى هُنَا ابتدائية وَالضَّمِير أَصله هُوَ فَحذف الْوَاو ضَرُورَة كَمَا تقدم بَيَانه فِي شرح قَول: الطَّوِيل فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل أَي: بَينا هُوَ يشري رَحْله فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الثلثمائة فحتى حرف ابْتِدَاء دَاخِلَة على الْجُمْلَة وَهُوَ الضَّمِير الْمَحْذُوف واوه ضَرُورَة فِي مَحل رفع على الِابْتِدَاء ولاحق خَبره. وَلَو كَانَت حرف جر لم يكن لذكر لَاحق بِالرَّفْع وَجه.
وَلم يتَنَبَّه لهَذَا صَاحب اللب وَإِنَّمَا قَالَ: واختصت بِالظَّاهِرِ خلافًا للمبرد. و: لَا يعْتد بِهِ. قَالَ شَارِحه السَّيِّد: لندوره وشذوذه وَلَو أورد الْبَيْت الثَّانِي لَكَانَ مناسباً.
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ قَول ابْن عُصْفُور فِي الضرائر قَالَ: وَمِنْه حذف الْيَاء من هِيَ وَالْوَاو من هُوَ نَحْو: دَار لسعدى إذه من هواكا أَي: إِذْ هِيَ. وَقَول الآخر:
وألحقه بالقوم حَتَّى لَاحق وَقَول العجير: فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل
(9/473)

أَي: حَتَّى هُوَ وَبينا هُوَ وحذفهما يُؤَدِّي إِلَى بَقَاء الضَّمِير الْمُنْفَصِل على حرف وَاحِد وَذَلِكَ قَبِيح لِأَنَّهُ عرضة للابتداء فَلَا اقل من أَن يكون على حرفين: حرف يبتدأ بِهِ وحرف يُوقف عَلَيْهِ. اه.
وأكفيه: مضارع كَفاهُ الشَّيْء مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين بِمَعْنى منعته الشَّيْء. وَمَا الْمَفْعُول الثَّانِي مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة. والسؤل: مَا يسْأَل مفعول ثَان لأعطى.
وألحقه: مضارع ألحقهُ بِكَذَا أَي: أتبعه بِهِ فلحق هُوَ بِهِ. وَأما ثلاثيه فَيُقَال: لحقته وَلَحِقت بِهِ من بَاب تَعب لَحقا بِالْفَتْح: أَدْرَكته يتَعَدَّى تَارَة بِنَفسِهِ وَتارَة بِالْبَاء. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وصلَة)
لَاحق فِي الْبَيْت مَحْذُوف تَقْدِيره: حَتَّى هُوَ لَاحق بهم.
وَالْبَيْت لم أَقف على خبر لَهُ. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الوافر
(فَلَا وَالله لَا يلقاه نَاس ... فَتى حتاك يَا ابْن أبي يزِيد
)
على أَن الْمبرد تمسك بِهِ على أَن حَتَّى تجر الضَّمِير.
وَأجَاب الشَّارِح الْمُحَقق بِأَنَّهُ شَاذ. وَالْأَحْسَن أَن يَقُول ضَرُورَة فَإِنَّهُ لم يرد فِي كَلَام منثور.
وَلم يظْهر لي معنى الْغَايَة فِي حَتَّى هُنَا. وفتى حَال من الْهَاء أَو بدل مِنْهُ. وَرُوِيَ: لَا يلقى أنَاس ففتى مفعول يلقى.
وروى الْعَيْنِيّ: لَا يلقِي أنَاس بِكَسْر الْفَاء فأناس فَاعله وَينظر أَيْن: مَفْعُولا ألفى
(9/474)

فَإِن ألفى من نواسخ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.
والغاية فِي هَذَا الْبَيْت ظَاهِرَة: الوافر
(أَتَت حتاك تقصد كل فج ... ترجي مِنْك أَنَّهَا لَا تخيب)
وَهُوَ من أَبْيَات مُغنِي اللبيب.
ثمَّ رَأَيْت فِي شرح التسهيل لأبي حَيَّان وَقد أنْشد بَيت: فَتى حتاك يَا ابْن أبي يزِيد أَنه قَالَ: وانتهاء الْغَايَة فِي حتاك لَا أفهمهُ وَلَا أَدْرِي مَا عَنى بحتاك فَلَعَلَّ هَذَا الْبَيْت مَصْنُوع.
اه.
-
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(فوا عجبا حَتَّى كُلَيْب تسبني ... كَأَن أَبَاهَا نهشل أَو مجاشع)
على أَن حَتَّى فِيهِ ابتدائية وفائدتها هُنَا التحقير.
أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَقَالَ: فحتى هُنَا بِمَنْزِلَة إِذا وَإِنَّمَا هِيَ هَاهُنَا كحرف من حُرُوف الِابْتِدَاء.
وَقَالَ الأندلسي فِي شرح الْمفصل: يَقع بعْدهَا الْجُمْلَة الفعلية
(9/475)

والاسمية. وَتسَمى حرف ابْتِدَاء وتفيد مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ الْغَايَة إِمَّا فِي التحقير أَو فِي التَّعْظِيم كَمَا فِي بَيت الفرزدق: فوا عجبا حَتَّى كُلَيْب تسبني أَي: تعجبوا لسب النَّاس إيَّايَ حَتَّى كُلَيْب كَأَنَّهُ يَقُول: كل النَّاس تسبني حَتَّى كُلَيْب على حقارتها. وَلَو خفض هُنَا كُلَيْب لجَاز وَيكون تسبني إِمَّا حَال من كُلَيْب أَو مُسْتَأْنف وَحَتَّى كُلَيْب مُتَعَلق بِهِ.
قَالَ ابْن المستوفي بعد أَن نَقله: قَوْله أَي تعجبوا فِي تَفْسِير وَاعجَبا غير صَحِيح لِأَنَّهُ يُنَادي الْعجب على مَا ذكره الْعلمَاء تأدباً لَا يَأْمر أحدا بِهِ.
-
وَقَوله: وَلَو خفض كُلَيْب هُنَا لجَاز محَال لَان الْخَفْض بعد حَتَّى إِمَّا أَن يكون بالْعَطْف على الْمَجْرُور قبلهَا أَو يكون بِمَعْنى إِلَى وَلَا مجرور قبلهَا فتعطف عَلَيْهِ. وَلَيْسَت بِمَعْنى الْغَايَة إِذْ لَيْسَ مَا قبلهَا مُفردا من جنس مَا بعْدهَا. فَبَقيَ الرّفْع لَا غير. وَذكر قسميها فِي التَّعْظِيم والتحقير. وَلم يَأْتِ إِلَّا بالتحقير.
وَقَوله: ويكن تسبني إِمَّا حَال من كُلَيْب أَو مُسْتَأْنف بِالرَّفْع فيهمَا وَصَوَابه: النصب فيهمَا. وَلَا أعلم مَا أَرَادَ بقوله: وَحَتَّى كُلَيْب مُتَعَلق بِهِ. اه.
أما الأول فَيحْتَمل أَن يكون عجبا منادى مُنْكرا وَيحْتَمل أَن يكون
(9/476)

يَا حرف تَنْبِيه وعجباً مصدر مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف ي: تعجبوا عجبا. وَيحْتَمل أَن تكون يَا حرف نِدَاء والمنادى مَحْذُوف أَي: يَا قوم وعجباً كَذَلِك.
فَكَلَام الأندلسي جَار على كل من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ. وَأما الثَّانِي فَإِنَّهُ أَرَادَ: فيا عجبي فَقلب يَاء الْمُتَكَلّم ألفا وَهِي لُغَة.
وَأما قَوْله: خفض كُلَيْب محَال ... . إِلَخ فَنَقُول: هِيَ جَارة والمغيا غير مَذْكُور وَالتَّقْدِير: فوا)
عجبا النَّاس تسبني حَتَّى كُلَيْب. وَهَذَا الْمَذْكُور لَا بُد مِنْهُ فِي الابتدائية أَيْضا.
وَقَوله: وَلم يَأْتِ إِلَّا بالتحقير نقُول: لَا يضر ذَلِك. وَمِثَال التَّعْظِيم:
حَتَّى مَاء دجلة أشكل الْبَيْت الْآتِي وَقَوله: صَوَابه النصب فيهمَا يَعْنِي أَنه يجب أَن يَقُول: وَيكون يسبني إِمَّا حَالا من كُلَيْب أَو مستأنفاً بنصبهما لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَكَأَنَّهُ رفع على تَقْدِير يكون إِمَّا تَامَّة أَو زَائِدَة.
وَقَوله: لَا أعلم مَا أَرَادَ بقوله: وَحَتَّى كُلَيْب مُتَعَلق بِهِ أَقُول: إِنَّه يُرِيد أَن حَتَّى الجارة تكون مُتَعَلقَة بيسبني إِذْ كل جَار لَا بُد لَهُ من مُتَعَلق. وَهَذَا ظَاهر.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَلَا بُد من تَقْدِير مَحْذُوف قبل حَتَّى من هَذَا الْبَيْت بِكَوْن مَا بعد وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق هجا بهَا جَرِيرًا تقدم بعض مِنْهَا فِي الشَّاهِد السَّادِس بعد السبعمائة.
(9/477)

وَقَوله: فوا عجبا هُوَ من قبيل الندية للتوجع كَأَنَّهُ يَقُول: أَنا أتوجع لعدم حضورك يَا عجبي فَاحْضُرْ لهَذَا الْأَمر الَّذِي يتعجب مِنْهُ.
وكليب: جد رَهْط جرير وَهُوَ جرير بن عَطِيَّة بن الخطفى بن بدر بن سَلمَة بن كُلَيْب بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. ويجتمع مَعَ الفرزدق فِي حَنْظَلَة بن مَالك.
ونهشل ومجاشع أَخَوان ابْنا دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة. ومجاشع قَبيلَة الفرزدق وَهِي أشرف من كُلَيْب. وَأما نهشل فهم أعمام الفرزدق لَا آباؤه وَإِن كَانَت الْعَرَب تسمي الْعم أَبَا. جعلهم فِي الصّفة بِحَيْثُ لَا يسبون مثله لشرفه.
يَقُول: يَا عجبا لسب النَّاس إيَّايَ حَتَّى كُلَيْب على ضعفها فِي الْقَبَائِل وَبعدهَا من الْفَضَائِل كَأَنَّهُ لَهَا أَبَا كَرِيمًا وحسباً صميماً كَمَا لنهشل ومجاشع. والسَّبُّ: الشتم. والسِّبُّ بِالْكَسْرِ: الَّذِي يسابك وتسابه.
-
قَالَ حسان بن ثَابت: الْخَفِيف
(لَا تسبني فلست بسبي ... إِن سبي من الرِّجَال الْكَرِيم)
قَالَ ابْن طَلْحَة الإشبيلي فِي شرح جمل الزجاجي: كَأَن للتشبيه وَقد يَجِيء فِي ضمنهَا الظَّن والتوهم كَمَا قَالَ الشَّاعِر: كَأَن أَبَاهَا نهشل أَو مجاشع)
الْمَعْنى: توهمت أَبَاهَا نَهْشَلَا أَو مجاشعاً. وَلَو بقيت على معنى التَّشْبِيه
(9/478)

من غير أَن تضمن معنى الظَّن لانقلب الهجو على الهاجي. اه.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل
)
على أَن فَائِدَة حَتَّى الابتدائية هُنَا التَّعْظِيم وَالْمُبَالغَة وَهُوَ تغير مَاء دجلة من كثر دِمَاء الْقَتْلَى حَتَّى صَار أشكل وَهُوَ حمرَة مختلطة ببياض. الشكلة كالحمرة وزنا وَمعنى لَكِن يخالطها بَيَاض. وَهُوَ مَأْخُوذ من أشكل الْأَمر أَي: الْتبس.
فَإِن قلت: أَيْن مَا اشْترط الشَّارِح الْمُحَقق من كَون خبر الْمُبْتَدَأ بعد حَتَّى من جنس الْفِعْل الْمُقدم عَلَيْهَا قلت: مَا قبل حَتَّى فِي قُوَّة قَوْله: فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تغير مَاء دجلة بالدماء.
والقتلى: جمع قَتِيل. وتمج: تقذف يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد يُقَال: مج الرجل المَاء من فِيهِ مجاً من بَاب قتل:: رمى بِهِ. ويروى بدله: يمور دماؤها مضارع مار الدَّم: سَالَ. ومار الشَّيْء: تحرّك بِسُرْعَة. ومار: تردد فِي غَرَض. ومار الْبَحْر: اضْطربَ فَهُوَ فعل لَازم ودماؤها فَاعله.
قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: ويعدى بِنَفسِهِ وبالهمزة أَيْضا فَيُقَال: ماره وأماره إِذا أساله. فعلى هَذَا يجوز نصب دماءها بِهِ على أَنه
(9/479)

مُتَعَدٍّ. ودجلة بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا: النَّهر الَّذِي يمر بِبَغْدَاد لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي.
وَالْبَيْت من قصيدة لجرير هجا بهَا الأخطل وَذكر مَا أوقعه الجحاف ببني تغلب قَالَ بعد أَبْيَات: الطَّوِيل
(بَكَى دوبل لَا يرقئ الله دمعه ... أَلا إِنَّمَا يبكي من الذل دوبل)
(جزعت ابْن ذَات القلس لما تداركت ... من الْحَرْب أَنْيَاب عَلَيْك وكلكل)
(فَإنَّك والجحاف يَوْم تحضه ... أردْت بِذَاكَ الْمكْث والورد أعجل)
(سما لكم لَيْلًا كَأَن نجومه ... قناديل فِيهِنَّ الذبال المفتل)
(فقد قذفت من حَرْب قيس نِسَاؤُهُم ... بِأَوْلَادِهَا مِنْهَا تَمام ومعجل
))
(ومقتولة صبرا ترى عِنْد رجلهَا ... بقيراً وَأُخْرَى ذَات بعل تولول)
(وَقد قتل الجحاف أَزوَاج نسْوَة ... يَسُوق ابْن خلاس بِهن وعزهل)
...
(9/480)

(تَقول لَك الثكلى الْمُصَاب حَلِيلهَا ... أَبَا مَالك مَا فِي الظعائن مغزل)
(حضضت عَن الْقَوْم الَّذين تَركتهم ... تعل الردينيات فيهم وتنهل)
(عِقَاب المنايا تستدير عَلَيْهِم ... وشعث النواصي لجمهن تصلصل)
(بدجلة إِذْ كروا وَقيس وَرَاءَهُمْ ... صُفُوفا وَإِن راموا المخاضة أَو حلوا)
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
(فَإِن لَا تعلق من قُرَيْش بِذِمَّة ... فَلَيْسَ على أسياف قيس معول)
(لنا الْفضل فِي الدُّنْيَا وأنفك راغم ... وَنحن لكم يَوْم الْقِيَامَة أفضل)
(وَقد شققت يَوْم الحروب سُيُوفنَا ... عواتق لم يثبت عَلَيْهِنَّ محمل)
(أَجَارَ بَنو مَرْوَان مِنْهُم دماءكم ... فَمن من بني مَرْوَان أَعلَى وَأفضل)
وَيَنْبَغِي أَن نقدم أَولا سَبَب مَا أوقعه الجحاف ببني تغلب ثمَّ نشرح الأبيات فَنَقُول: إِن عُمَيْر بن الْحباب السّلمِيّ خرج على عبد الْملك فِي أول خِلَافَته
(9/481)

فاجتمعت إِلَيْهِ قيس وعامر وَكَانَ نازلاً فِي الْقرب من بني تغلب قَبيلَة الأخطل وَكَانَت مَنَازِلهمْ بَين الخابور والفرات ودجلة فأساء الْمُجَاورَة مَعَ تغلب فَوَقع بَينهم شَرّ فَمَا زَالَ الْحَرْب بَينهم سجالاً إِلَى أَن قتل بَنو تغلب عُمَيْرًا وَأَرْسلُوا بِرَأْسِهِ إِلَى عبد الْملك
فِي سنة سبعين من الْهِجْرَة فأنعم عبد الْملك على الْوَفْد وكساهم.
ثمَّ إِن الأخطل وَفد على عبد الْملك فَدخل عَلَيْهِ الجحاف بن حَكِيم السّلمِيّ فَقَالَ عبد الْملك: أتعرف هَذَا يَا أخطل قَالَ: وَمن هُوَ قَالَ: الجحاف. فَقَالَ الأخطل: الطَّوِيل
(أَلا سَائل الجحاف هَل هُوَ ثَائِر ... بقتلى أُصِيبَت من سليم وعامر)
حَتَّى فرغ من القصيدة وَكَانَ الجحاف يَأْكُل رطبا فَجعل النَّوَى يتساقط من يَده غيظاً ثمَّ أَجَابَهُ فَقَالَ: الطَّوِيل
(بلَى سَوف نبكيهم بِكُل مهند ... ونبكي عُمَيْرًا بِالرِّمَاحِ الشواجر)
ثمَّ قَالَ: يَا ابْن النَّصْرَانِيَّة مَا ظننتك تجترئ عَليّ بِمثل هَذَا وَلَو كنت مأسوراً لَك فَحم الأخطل خوفًا. فَقَالَ عبد الْملك: أَنا جَارك مِنْهُ. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هبك أجرتني مِنْهُ فِي)
الْيَقَظَة فَمن يجيرني مِنْهُ فِي النّوم ثمَّ قَامَ الجحاف وَمَشى يجر ثَوْبه وَهُوَ لَا يعقل حَتَّى دخل بَيْتا من بيُوت الدِّيوَان فَقَالَ لِلْكَاتِبِ: أَعْطِنِي طوماراً من طوامير العهود فَأَتَاهُ بطومار وَلَيْسَ فِيهِ كتاب فَخرج إِلَى أَصْحَابه من القيسية فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ولاني صدقَات بكر وتغلب.
فَلحقه زهاء ألف فَارس فَسَار حَتَّى أَتَى الرصافة ثمَّ قَالَ لمن مَعَه: إِن الأخطل قد أسمعني مَا علمْتُم وَلست بوال فَمن كَانَ يحب أَن يغسل عَنهُ الْعَار فليصحبني فَإِنِّي قد آلَيْت أَن لَا أغسل رَأْسِي حَتَّى أقع ببني تغلب.
فَرَجَعُوا غير ثلثمِائة فَسَار ليلته فَصبح الرحوب وَهُوَ مَاء لبني جشم بن بكر رَهْط
(9/482)

الأخطل فصادف عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة من تغلب فَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَأخذ الأخطل وَعَلِيهِ عبائة وسخة فظنوه عبدا وَسُئِلَ فَقَالَ: أَنا عبد فَخلوا سَبيله
فخشي أَن يرَاهُ من يعرفهُ فَرمى بِنَفسِهِ فِي جب فَلم يزل فِيهِ حَتَّى انصرفت القيسية فنجا وَقتل أَبوهُ غوث وأسرف الجحاف فِي الْقَتْل وشق الْبُطُون عَن الأجنة وَفعل أمرا عَظِيما. فَلَمَّا عَاد عَنْهُم قدم الأخطل على عبد الْملك فأنشده: الطَّوِيل
(لقد أوقع الجحاف بالبشر وقْعَة ... إِلَى الله مِنْهَا المشتكى والمعول)
والبشر بِكَسْر الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة: اسْم مَاء. فَطلب عبد الْملك الجحاف فهرب إِلَى الرّوم فَكَانَ يتَرَدَّد فِيهَا ثمَّ بعث إِلَى بطانة عبد الْملك من قيس فطلبوا لَهُ الْأمان فآمنه فَلَمَّا ثمَّ تنسك الجحاف وَصلح وَمضى حَاجا فَتعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَجعل يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَمَا أَظُنك تفعل فَسَمعهُ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ: يَا شيخ قنوطك شَرّ من ذَنْبك.
وَمن هُنَا نرْجِع إِلَى شرح الأبيات. فَقَوله: بَكَى دوبل هُوَ اسْم الأخطل. قَالَ شَارِحه: كَانَ الأخطل يلقب بِهِ صَغِيرا. وبكاؤه لقَوْله: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقْعَة ... ... ... ... الْبَيْت وَابْن منادى. والقلس بِفَتْح الْقَاف: حَبل ضخم من لِيف أَو خوص أَرَادَ بِهِ زنار النَّصَارَى.
والجحاف بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد
(9/483)

الْحَاء الْمُهْملَة. وتحضه: تحثه. يُقَال: حضه على الْأَمر أَي: حمله عَلَيْهِ. والمكث: البطء. والورد بِالْكَسْرِ: الْوُرُود.
وذر قرن الشَّمْس: طلعت. والكردوس بِالضَّمِّ: الْقطعَة من الْخَيل الْعَظِيمَة
والكراديس: الْفرق)
مِنْهُم. يُقَال: كردس الْقَائِد خيله أَي: جعلهَا كَتِيبَة كَتِيبَة. ويهديهن: يدلهن ويقودهن. والورد: الْأسد عَنى بِهِ الجحاف.
وأتمت الحبلى فَهِيَ متم إِذا تمت أَيَّام حملهَا وَولدت لتَمام بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا وَولد الْمَوْلُود لتَمام كَذَلِك. ومعجل: خلاف التَّمام.
وَالصَّبْر: الْقَتْل أسراً. والبقير: المبقور وَهُوَ الَّذِي شقّ بَطْنه. وتولول: تصوت وتصيح.
وخلاس وعزهل: رجلَانِ من قيس. والحليل: الزَّوْج. وَأَبُو مَالك: كنية الأخطل. والظعائن: جمع ظَعِينَة وَهِي الهودج. والمغزل كجعفر قَالَ شَارِحه: من الْغَزل وَهُوَ محادثة النِّسَاء واللعب. وَإِنَّمَا هزئ بِهِ. يَقُول: قد شغلك مَا صنعت عَن التغزل. اه.
والردينيات: الرماح. والنهل: الشّرْب الأول. والعلل: الشّرْب الثَّانِي. وعقاب المنايا: الرَّايَة شبهها بالعقاب. واللجم: جمع لجام. وتصلصل: تصوت. وَأَرَادَ بشعث النواصي الْخَيل.
وأوحلوا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل أَي: وَقَعُوا فِي الوحل.
وَقَوله: فَإِن لَا تعلق استهزاء فِي معرض النَّصِيحَة أَي: إِن لم تتَعَلَّق بِذِمَّة قُرَيْش فَلَا طَاقَة لكم بسيوف قيس.
(9/484)

وَقَوله: لنا الْفضل فِي الدُّنْيَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن اللَّام تَأتي بِمَعْنى من أَي: وَنحن أفضل مِنْك. وشققت: قطعت. وعواتق: جمع عاتق وَهُوَ مَا بَين الْمنْكب والعنق.
والمحمل بِكَسْر الْمِيم الأولى: سيور السَّيْف.
والمصراع الْأَخير تَقْدِيره: فَمن أَعلَى وَأفضل من بني مَرْوَان.
وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.
-
وَأنْشد بعده الْكَامِل بَطل كَأَن ثِيَابه فِي سرحة على أَن فِي بِمَعْنى على فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَن ثِيَابه لَيست فِي جَوف سرحة وَهِي الشَّجَرَة الْعَالِيَة وَإِنَّمَا هِيَ على بدنه.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَالْأولَى أَن تكون على بَابهَا لِأَن ثِيَابه إِذا كَانَت عَلَيْهَا فقد صَار السرحة موضعا لَهَا.)
وَهَذَا المصراع صدر وعجزه: يحذى نعال السبت لَيْسَ بتوأم وَالْبَيْت من معلقَة عنترة الْعَبْسِي وَقَبله:
(ومشك سابغة هتكت فروجها ... بِالسَّيْفِ عَن حامي الْحَقِيقَة معلم)
...
(9/485)

(ربذ يَدَاهُ بِالْقداحِ إِذا شتا ... هتاك غايات التُّجَّار ملوم)
(بَطل كَأَن ثِيَابه فِي سرحة ... يحذى نعال السبت لَيْسَ بتوأم)
(فطعنته بِالرُّمْحِ ثمَّ علوته ... بمهند صافي الحدية مخذم
)
(لما رَآنِي قد نزلت أريده ... أبدى نَوَاجِذه لغير تَبَسم)
قَوْله: ومشك سابغة بِكَسْر الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة قَالَ الأعلم فِي شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: أَرَادَ رب مشك درع سابغة.
والمشك: الَّتِي شكّ بَعْضهَا فِي بعض. والمشك: مسامير الدروع. والسابغة: الْكَامِلَة.
وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي: مشك الدرْع: حَيْثُ يجمع جيبها بسير. وَكَانَت الْعَرَب تجْعَل سيراً فِي جيب الدرْع يجمع جيبها فَإِذا أَرَادَ أحد الْفِرَار جذب السّير فَقَطعه واتسع الجيب فألقاها عَنهُ وَهُوَ يرْكض. وَقيل: الدرْع الَّتِي شكّ بَعْضهَا إِلَى بعض. وَقيل: المشك: المسامير الَّتِي تكون فِي حلق الدرْع. وَمن جعل المشك الدرْع يكون من إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف وتأويله عِنْد الْبَصرِيين: ومشك حَدِيدَة سابغة. وهتكت: جَوَاب رب.
وَكَذَلِكَ على قَول من جعله بِمَعْنى السّير والمسامير لِأَنَّهُمَا من الدرْع فَيصير الْإِخْبَار عَن الدرْع. وهتكت فروجها أَي: شققتها وخرقتها. وفروجها: جيبها وكماها وَاحِدهَا فرج بِفَتْح الْفَاء. وحامي الْحَقِيقَة أَي: يحمي مَا يحِق عَلَيْهِ أَن يحميه. والمعلم: اسْم فَاعل من أعلم نَفسه بعلامة وَهُوَ
(9/486)

الَّذِي شهر نَفسه بعلامة إدلالاً بشجاعته وإعلاماً بمكانه.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: هُوَ اسْم مفعول وَكَذَلِكَ المسوم يقالان بِالْفَتْح. والسومة
بِالضَّمِّ: الْعَلامَة. وَقَالَ الزوزني: الْمعلم بِكَسْر اللَّام: الَّذِي أعلم نَفسه بعلامة يعرف بهَا فِي الْحَرْب حَتَّى تبرز لَهُ الْأَبْطَال.
يَقُول: وَرب مشك درع أَي: رب مَوضِع انتظام درع وَاسِعَة شققت أوساطه بِالسَّيْفِ عَن رجل حام لما يجب عَلَيْهِ حفظه شاهر نَفسه فِي حومة الْحَرْب أَو مشار إِلَيْهِ فِيهَا. يُرِيد أَنه هتك مثل هَذِه الدرْع على مثل هَذَا الشجاع فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِ)
وَقَوله: ربذ يَدَاهُ هُوَ بِالْجَرِّ صفة لحامي الْحَقِيقَة. وَكَذَا: هُنَاكَ. والربذ بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة وَكسر الْمُوَحدَة: السَّرِيع.
قَالَ أَبُو جَعْفَر والخطيب: لم يقل ربذة يَدَاهُ لِأَن الْيَد مُؤَنّثَة وَوَجهه أَن قَوْله: يَدَاهُ بدل من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي ربذ الْعَائِد إِلَى حامي الْحَقِيقَة كَمَا تَقول: ضربت زيدا يَده.
وَمذهب الْفراء فِي هَذَا أَنه يجوز أَن يذكر الْمُؤَنَّث فِي الشّعْر إِذا لم يكن فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث.
والقداح هِيَ سِهَام الميسر جمع قدح بِالْكَسْرِ أَي: هُوَ حاذق بالقمار وَالْميسر خَفِيف الْيَد بِضَرْب القداح. وَهَذَا كَانَ مدحاً عِنْد الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة.
وَقَوله: إِذا شتا يُرِيد أَنه إِذا اشْتَدَّ الزَّمَان وَكَانَ أَشد الزَّمَان عِنْدهم زمن الشتَاء وَكَانَ لَا ييسر فِيهِ إِلَّا أهل الْجُود وَالْكَرم.
وَقَوله: هُنَاكَ غايات التُّجَّار هُوَ جمع تجر وَهُوَ جمع تَاجر كَمَا يجمع صَاحب على صحب وَصَحب على صِحَاب. وَأَرَادَ بهم تجار الْخمر. والغايات: عَلَامَات تكون للخمارين.
يَقُول: فَهُوَ يهتك رايات تجار الْخمر لِأَنَّهُ لَا يتْرك شَيْئا من الْخمر إِلَّا اشْتَرَاهُ
(9/487)

وَإِذا فني مَا عِنْدهم رفعوا علاماتهم.
وَقيل الْمَعْنى: أَنه يعطيهم مَا يطْلبُونَ فِي السّوم بهَا. والملوم: الَّذِي يكثر اللوم عَلَيْهِ فِي تبذير مَاله.
-
وَقَوله: بَطل كَأَن ثِيَابه ... . إِلَخ بَطل بِالْجَرِّ صفة حامي الْحَقِيقَة وَيجوز رَفعه على تَقْدِير: هُوَ بَطل وَهُوَ الشجاع الَّذِي تبطل عِنْده شجاعة غَيره. والسِّرحة بِفَتْح السِّين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ فحاء مُهْملَة: وَاحِدَة السِّرْح وَهُوَ الشّجر الْعَظِيم العالي.
يُرِيد أَنه طَوِيل الْقَامَة كَامِل الْجِسْم فَكَأَن ثِيَابه على شَجَرَة عالية. وَالْعرب تمدح بالطول وتذم بِالْقصرِ.
قَالَ أَثَال بن عَبدة بن الطَّبِيب: الطَّوِيل
(وَلما التقى الصفان وَاخْتلف القنا ... نهالاً وَأَسْبَاب المنايا نهالها)
(تبين لي أَن القماءة ذلة ... وَأَن أعزاء الرِّجَال طوالها)
يرد أَن القنا وَردت الدَّم وَلم تثن وَذَلِكَ أَن الناهل الَّذِي يشرب أول شربة فَإِذا شرب ثَانِيَة فَهُوَ علل. وَقَوله: نهالها أَي: أول مَا يَقع مِنْهَا يكون سَببا لما بعده.
وَقَالَ بعض بني العنبر:
(9/488)

الطَّوِيل)
وَقَالَ آخر: الطَّوِيل
(أَشمّ طَوِيل الساعدين كَأَنَّمَا ... تناط إِلَى جذع طَوِيل حمائله
)
ولسلم الخاسر: الطَّوِيل
(يقوم مَعَ الرديني قَائِما ... وَيقصر عَنهُ طول كل نجاد)
وَقَوله: يحذى نعال السبت يحذى بِالْحَاء الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة على الْبناء للْمَفْعُول ونائب الْفَاعِل ضمير البطل. ونعال مفعول ثَان لَهُ أَي: تجْعَل لَهُ النِّعَال السبتية حذاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ.
فِي الصِّحَاح: الْحذاء: النَّعْل. واحتذى: انتعل. وأحذيته نعلا إِذا أَعْطيته نعلا. والسبت بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة: الْجلد المدبوغ بالقرظ وَلم ينجرد من شعره.
قَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي النَّبَات: الْجلد مَا لم يدبغ فَهُوَ محرم وَكَذَلِكَ إِذا دبغ فَلم يُبَالغ فِيهِ الدّباغ فَفِيهِ تَحْرِيم. والفطير مثله وَهُوَ الخام. وأجود مَا يدبغ بِهِ الإهاب بِأَرْض الْعَرَب الْقرظ وَهُوَ يدبغ بورقه.
وَيُقَال للَّذي يَأْخُذهُ من شَجَره: القارظ وَالَّذِي يَبِيعهُ: الْقَرَّاظ. فَمَا كَانَ مِنْهَا من جُلُود الْبَقر خَاصَّة فَإِن الْأَصْمَعِي زعم أَنه السِّبت. وَمَا أَبُو عَمْرو فَزعم أَن كل جلد مدبوغ سِبْتٌ بالقرظ أَو بِغَيْرِهِ.
وَقد اخْتلف علينا فِي ذَلِك فروى مَا حكيناه عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو وَمَا ذَكرْنَاهُ عَن أبي عَمْرو عَن الْأَصْمَعِي. وَقَالَ أَبُو زِيَاد: السبت: جُلُود الْبَقر. قَالَ: وَلَا تَقول للجلد سِبت حَتَّى
(9/489)

يصير حذاء فَذَاك حِين تنسبه إِلَى السبت فَتَقول: نعل سبتٍ ونعال سِبت.
وَأنْشد قَول عنترة: يحذى نعال السبت لَيْسَ بتوأم وَقَالَ أَبُو زيد: نعل سبت وَهِي من جُلُود الْبَقر خَاصَّة وَقَالَ: السبت جُلُود
الْبَقر خَاصَّة مدبوغة وَلَا يُقَال لغير جُلُود الْبَقر سبت والجميع سبوت وأسبات. فَأَما مَا كَانَ من جُلُود الضَّأْن خَاصَّة فَهُوَ السّلف والواحدة سلفة وَهِي أَضْعَف من الماعز وألين.
وَقَالَ أَبُو زِيَاد: خَيرهَا مَا دب بالقرظ ثمَّ الأرطى ثمَّ السّلم. وشرها مَا دبغ بالآلاء. وَقَالَ: الألاء شَدِيد المرارة شَدِيد الخضرة طيب الرّيح. انْتهى مَا أردنَا مِنْهُ.
وَقَول عنترة: يحذى نعال السِّبت يُرِيد أَنه من الْمُلُوك الَّذين يلبسُونَ النِّعَال السبتية الرقيقة الطّيبَة)
الرّيح. وهم يتمدحون بجودة النِّعَال كَمَا يتمدحون بجودة الملابس.
قَالَ النَّابِغَة: الطَّوِيل
(رقاق النِّعَال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يَوْم السباسب)
أَرَادَ أَنهم مُلُوك لَا يخصفون نعَالهمْ إِنَّمَا يخصفها من يمشي. والحجزة: الْوسط. أَرَادَ أَنهم يشدون أزرهم على عفة. والسباسب: يَوْم الشعانين. وَأَرَادَ برقة النِّعَال أَن نعَالهمْ لَيست بمطبقة.
وَقَالَ النَّجَاشِيّ:
(9/490)

الطَّوِيل لَا يَأْكُل الْكَلْب السروق نعالنا إِنَّمَا يَأْكُل الْكَلْب الفطير من النِّعَال. وَأما السِّبت فَلَا.
-
وَقَالَ كثير وَذكر نعلا: الطَّوِيل
(إِذا طرحت لَا يطبي الْكَلْب رِيحهَا ... وَإِن طرحت فِي مجْلِس الْقَوْم شمت)
أَي: هِيَ طيبَة الرّيح لَيست بفطير لِأَن النَّعْل إِذا كنت غير مدبوغة وظفر بهَا الْكَلْب أكلهَا.
وَقَوله: لَيْسَ بتوأم يُرِيد أَنه لم يزاحمه أَخ فِي بطن أمه فَيكون ضَعِيف الْخلقَة.
والتوأم: الَّذِي يكون مَعَ آخر فِي بطن أمه. فنفى عَنهُ ذَلِك وَوَصفه بِكَمَال الْخلق وَتَمام الشدَّة وَالْقُوَّة.
يَقُول: هُوَ بَطل مديد الْقَامَة كَأَن ثِيَابه ألبست شَجَرَة عَظِيم من طول قامته واستواء خلقه ويتخذ النِّعَال من جُلُود الْبَقر المدبوغة وَلم تحمله أمه مَعَ غَيره.
وَقد بَالغ فِي وَصفه بالشدة وَالْقُوَّة بامتداد قامته وَعظم أَعْضَائِهِ وَتَمام غذائه عِنْد إرضاعه إِذْ كَانَ غير توأم.
وَقَوله: بمهند هُوَ السَّيْف الْهِنْدِيّ. وَقَوله: صافي الحديدة أَي: مجلو صقيل. والمخذم بِكَسْر الْمِيم والمعجمتين: الْقَاطِع من خذمه أَي: قطعه.
(9/491)

وَقَوله: لما رَآنِي قد نزلت ... إِلَخ النواجذ: آخر الأضراس. وَمعنى أبدى نَوَاجِذه أَي: كلح غيظاً عَليّ. وَيُقَال: بل كلح كَرَاهَة لِلطَّعْنِ. وَقيل: الْمَعْنى لما رَآنِي قَاصِدا لَهُ كلح وكشر أَسْنَانه فَصَارَ كَأَنَّهُ متبسم.
وَقيل: الْمَعْنى لما قتلته تقلصت شفتاه عَن أَسْنَانه فصرت إِذا نظرت إِلَيْهِ كَأَنَّهُ يتبسم. يَقُول: لما)
نزلت عَن فرسي أُرِيد قَتله كشر عَن أَسْنَانه غير متبسم. أَي: لفرط كلوحه من كَرَاهِيَة الْمَوْت تقلصت شفتاه عَن أَسْنَانه.
وَقَوله: عهدي بِهِ أَي: مشاهدتي لَهُ وَقد تخضب بدمه فَكَأَنَّهُ قد خضب
بالعظم كزبرج وَهُوَ شجر يتَّخذ مِنْهُ الوسمة. يُقَال: إِنَّه الكتم. وَإِنَّمَا شبه الدَّم بِهِ لم انْعَقَد وَضرب إِلَى السوَاد.
وَيُقَال: عهدته أعهده عهدا إِذا لَقيته. قَالَ الْخَطِيب: عهدي بِهِ مُبْتَدأ وَالْخَبَر فِي الِاسْتِقْرَار.
وَقَوله: مد النَّهَار بدل من الِاسْتِقْرَار كَمَا تَقول: الْقِتَال الْيَوْم وكما تَقول: عهدي قَرِيبا أَي: وقتا قَرِيبا. إِلَّا أَنه يجوز فِي هَذَا أَن تَقول قريب على أَن تجْعَل الْقَرِيب الْعَهْد. وَمد النَّهَار: ارتفاعه.
وروى: شدّ النَّهَار بِمَعْنَاهُ. وَيُرِيد بالبنان الْأَصَابِع. وروى بدله: اللبان بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الصَّدْر. يَقُول: رَأَيْته طول النَّهَار وامتداده بعد قَتْلِي إِيَّاه وجفوف الدَّم عَلَيْهِ كَأَن بنانه أَو سدره وَرَأسه مخضوب بِهَذَا النبت.
وترجمة عنترة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب.
(9/492)

وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(ويركب يَوْم الروع فِيهَا فوارس ... بصيرون فِي طعن الأباهر والكلى)
على أَنه قيل إِن فِي بِمَعْنى الْبَاء أَي: بصيرون بطعن الأباهر. وَالْأولَى أَن
تكون بمعناها أَي: لَهُم بصارة وحذق فِي هَذَا الشَّأْن.
قَالَ ابْن عُصْفُور فِي الضرائر: إِنَّمَا عدي بَصِير بَقِي لِأَن قَوْلك: هُوَ بَصِير بِكَذَا يرجع إِلَى معنى وَالْبَيْت من أَبْيَات تِسْعَة لزيد الْخَيل الطَّائِي رَوَاهَا أَبُو زيد فِي نوادره وَأَبُو الْعَبَّاس الْأَحول فِي شرح ديوَان كَعْب بن زُهَيْر وَأَبُو عَليّ القالي فِي ذيل الأمالي وَهِي: الطَّوِيل
(أَفِي كل عَام مأتم تبعثونه ... على محمر عود أثيب وَمَا رضَا)
(تَجِدُونَ خمشاً بعد خَمش كَأَنَّهُ ... على فاجع من خير قومكم نعا)
(تحضض جباراً عَليّ ورهطه ... وَمَا صرمتي مِنْهُم لأوّل من سعى)
...
(9/493)

(ترعى بأذناب الشعاب ودونها ... رجال يردون الظلوم عَن الْهوى)
(ويركب يَوْم الروع فِيهَا فوارس ... بصيرون فِي طعن الأباهر والكلى)
(فلولا زُهَيْر أَن أكدر نعْمَة ... لقاذعت كَعْبًا مَا بقيت وَمَا بقا)
(قد انبعثت عرسي بلَيْل تلومني ... وَأقرب بأحلام النِّسَاء من الردى)
(تَقول: أرى زيدا وَقد كَانَ مقتراً ... أرَاهُ لعمري قد تمول واقتنى)
(وَذَاكَ عَطاء الله فِي كل غَارة ... مشمرة يَوْمًا إِذا قلص الخصى)
وَقَوله: أَفِي كل عَام ... إِلَخ اسْتِفْهَام توبيخي. والمأتم مَهْمُوز وَهُوَ الْجَمَاعَة من النِّسَاء يجتمعن لحزن أَو فَرح وَالْمرَاد هُنَا الْحزن وَلِهَذَا أعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ من تبعثونه مذكراً.
-
وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات الْكتاب: الضَّمِير عَائِد على مَحْذُوف أَي: أَفِي كل عَام اجْتِمَاع مأتم فَيكون وَلِهَذَا قَالَ أَبُو زيد: أَرَادَ: أَفِي كل عَام حُدُوث مأتم فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه. اه
(9/494)

وَإِنَّمَا قَالَ كَذَا لِئَلَّا يَقع ظرف الزَّمَان خَبرا عَن الجثة. وتبعثونه: تهيجونه وتحركونه. وَرُوِيَ بدله: تجمعونه.
والمحمر بِكَسْر الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بَينهمَا قَالَ أَبُو زيد: هُوَ الْفرس)
الَّذِي يشبه الْحمار وَهُوَ أَيْضا اللَّئِيم من الرِّجَال أَرَادَ هُنَا أَنه فرس هجين أخلاقه كأخلاق الْحمير بطيء الْحَرَكَة.
وعَلى هُنَا تعليلية. وَالْعود بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة قَالَ أَبُو زيد: هُوَ المسن. وأثيب: جعل لنا ثَوابًا.
وَالثَّوَاب: الْجَزَاء.
وروى الْجرْمِي: على محمر ثوبتموه وَمَا رضَا يُقَال: أثابه وثوبه أَي: أعطَاهُ الثَّوَاب. ورضا بِضَم الرَّاء بِمَعْنى رَضِي فعل مَجْهُول وَهُوَ لُغَة طَيئ يكْرهُونَ مَجِيء الْيَاء المتحركة بعد الكسرة فيفتحون مَا قبلهَا لتنقلب إِلَى الْألف لخفتها.
يَقُولُونَ فِي بَقِي: بقا وَفِي نعي: نعا كَمَا هُنَا.
يَقُول: إِنَّكُم تجمعون نسَاء ليبكين على فقد هَذَا الْفرس الَّذِي جعلتموه جَزَاء لنا على جميل فَعَلْنَاهُ بكم وَالْحَال أننا لم نرض بِهَذَا الْفرس الَّذِي يشبه الْحمار.
وَقَوله: تَجِدُونَ خمشاً ... إِلَخ يُقَال: أجد فلَان الشَّيْء واستجده إِذا أحدثه فتجدد.
والخمش: مصدر خمشت الْمَرْأَة وَجههَا بظفرها من بَاب ضرب
أَي: جرحت ظَاهر الْبشرَة.
وفاجع: الَّذِي فجعهم بِنَفسِهِ. يُقَال: فجعته الْمُصِيبَة أَي: أوجعته.
وروى بدله: على سيد. ونعا أَصله نعي يُقَال: نعيت الْمَيِّت نعياً من بَاب نفع إِذا أخْبرت بِمَوْتِهِ. يَقُول: إِنَّكُم تخمشون وُجُوهكُم مرّة بعد مرّة على هَذَا البرذون كأنكم فقدتم خير قومكم.
(9/495)

وَقَوله: تحضض جباراً ... إِلَخ هَذَا خطاب لكعب بن زُهَيْر. قَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: يُقَال حضضت الرجل إِذا حثثته على الْخَيْر وَالشَّر جَمِيعًا وحضضته بِالتَّخْفِيفِ إِذا حثثته على الْخَيْر. وحثثته: إِذا حرضته على سوق أَو سير. وَلَا يكون الحض فِي السّير والسوق.
وجبار بِفَتْح الْجِيم وَالْمُوَحَّدَة الْمُشَدّدَة: اسْم رجل. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَحول: هُوَ رجل من فَزَارَة. والصرمة يكسر الصَّاد الْمُهْملَة: الْقطعَة من الْإِبِل مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين.
والهط: النَّفر وهم مادون الْعشْرَة من الرِّجَال. يَقُول: تغري هَذَا الرجل ليغير على إبلي وَلَيْسَت وَقَوله: ترعى بأذناب ... إِلَخ أَصله تترعى بتاءين فَهُوَ مضارع. وَقَالَ الجواليقي: أَي: ترعي يُرِيد أَنه مُبَالغَة ترعى بِالتَّخْفِيفِ. والأذناب: جمع ذَنْب بِفتْحَتَيْنِ. وروى بدله: بأطراف.)
قَالَ الجواليقي: والشعاب: جمع شعب وَهُوَ الْموضع المنفرج بَين جبلين وَهُوَ جمع نَادِر كقدح وقداح. ودونها أَي: دون هَذِه الصرمة رجال يردون الظَّالِم عَن هَوَاهُ.
وَقَوله: ويركب يَوْم الروع بِفَتْح الرَّاء هُوَ الْفَزع. وفيهَا أَي: من أجل الصرمة. قَالَ الْأَحول: الأباهر والكلى مقتلان وَالْأَبْهَر: عرق فِي الْمَتْن. وَقَالَ الجواليقي: أَي هم بصراء عالمون بمواضع الطعْن. والأباهر: جمع أبهر وَهُوَ عرق مستبطن الصلب.
-
والكلى: جمع كُلية. وللإنسان وَالْحَيَوَان كليتان وهما لحمتان حمراوان منتبرتان لازقتان بِعظم
(9/496)

الصلب. اه.
وَكَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد. وَصفهم بالحذق فِي الطعْن فهم يتعمدون الْمقَاتل. وَالْأَبْهَر: عرق مستبطن الْمَتْن مُتَّصِل بِالْقَلْبِ.
وَقَوله: فلولا زُهَيْر أَن أكدر نعْمَة ... . إِلَخ هَذَا الْبَيْت فِي رِوَايَة الْأَحول وَفِي رِوَايَة القالي آخر الأبيات. والملاصق لقَوْله: ويركب يَوْم الروع عِنْدهمَا.
تَقول: أرى زيدا الْبَيْت. وَلَيْسَ عِنْدهمَا قد انبعثت عرسي بلَيْل تلومني الْبَيْت.
وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب لسياق الْكَلَام. وَبَيت: قد انبعثت عرسي إِنَّمَا هُوَ من شعر كَعْب كَمَا سَيَأْتِي لَكِن كتبنَا الأبيات كَمَا وجدناها ثَابِتَة فِي نسختين صحيحتين من نَوَادِر أبي زيد.
وَقَوله: فلولا زُهَيْر وَهُوَ وَالِد كَعْب. وَقَوله: أَن أكدر نعْمَة هُوَ بدل اشْتِمَال من زُهَيْر بِتَقْدِير الرابط وَالتَّقْدِير: فلولا تكدير نعْمَة لزهير.
وَقَوله: لقاذعت جَوَاب لَوْلَا. والقذع بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة: الْفُحْش والخنى. يُقَال: قذعته إِذا رميته بالفحش وشتمته.
وَقَوله: قد انبعثت عرسي ... إِلَخ هَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات كَعْب بن زُهَيْر الْآتِيَة وَلَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.
والمصراع الأول فِي رِوَايَة الْأَحول: أَلا بكرت عرسي توائم من لحا قَالَ الْأَحول: توائم: تعَارض وَتفعل مَا يَفْعَلُونَ. وأصل المواءمة المباراة فِي الطَّعَام.
-
وَقَوله: وَأقرب بأحلام ... إِلَخ هُوَ صِيغَة تعجب.
(9/497)

والأحلام: الْعُقُول. قَالَ الْأَحول: هُوَ من مثل تضربه الْعَرَب لب النِّسَاء إِلَى حمق.)
وَقَوله: تَقول أرى زيدا ... . إِلَخ هَذَا خطاب لكعب لَا حِكَايَة قَول عرسه وَإِن كَانَ ظَاهرا.
وروى بدله: مصرماً من أَصْرَم الرجل إِذا صَار ذَا صرمة. وتمول: صَار ذَا مَال. وَالْمَال عِنْد الْعَرَب: الْإِبِل والماشية.
واقتنى هُوَ من قنيت الشَّيْء إِذا اتخذته لنَفسك لَا للتِّجَارَة. ويروى بدله: وافتلى أَي: صَار ذَا فَلَو وَهُوَ الْمهْر. والفلو كفعول وَيُقَال: فَلَو بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون اللَّام. وَيُقَال: افتلى بِمَعْنى ربى أَيْضا وَبِمَعْنى فطم الصَّغِير عَن اللَّبن.
وَقَوله: وَذَاكَ عَطاء الله ... إِلَخ الْإِشَارَة للتمول والاقتناء. والغارة: الْغُزَاة. ومشمرة من شمر إزَاره تشميراً إِذا رَفعه. ويروى: قلص الخصى بتَخْفِيف اللَّام وتشديدها بِمَعْنى انضمت وانزوت. وتقلص الخصى يكون عِنْد الرعب والفزع.
وَسبب هَذِه الأبيات مَا رَوَاهُ القالي فِي ذيل الأمالي قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ: أخبرنَا أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: خرج بجير بن زُهَيْر بن أبي سلمى فِي غلمة يجتنون جنى الأَرْض فَانْطَلق الغلمة وَتركُوا ابْن زُهَيْر فَمر بِهِ زيد الْخَيل الطَّائِي فَأَخذه وَدَار طَيئ متاحمة لدور بني عبد الله بن غطفان فَسَأَلَ الْغُلَام: من أَنْت فَقَالَ: أَنا بجير بن زُهَيْر.
فَحَمله على نَاقَة ثمَّ أرسل بِهِ إِلَى أَبِيه
(9/498)

فَلَمَّا أَتَى الْغُلَام أخبرهُ أَن زيدا أَخذه ثمَّ خلاه وَحمله وَكَانَ لكعب بن زُهَيْر فرس من جِيَاد خيل الْعَرَب وَكَانَ كَعْب جسيماً وَكَانَ زيد الْخَيل من أعظم النَّاس وأجسمهم وَكَانَ لَا يركب دَابَّة إِلَّا أَصَابَت إبهامه الأَرْض فَقَالَ زُهَيْر: مَا أَدْرِي مَا أثيب بِهِ زيدا إِلَّا فرس كَعْب. فَأرْسل بِهِ إِلَيْهِ وَكَعب غَائِب فجَاء كَعْب فَسَأَلَ عَن الْفرس فَقيل لَهُ: قد أرسل بِهِ أَبوك إِلَى زيد.
-
فَقَالَ كَعْب لِأَبِيهِ: كَأَنَّك أردْت أَن تقَوِّي زيدا على قتال غطفان. فَقَالَ زُهَيْر لَهُ: هَذِه إبلي فَخذ ثمن فرسك.
وَكَانَ بَين بني زُهَيْر وَبَين بني ملقط الطائيين إخاء وَكَانَ عَمْرو بن ملقط وفاداً إِلَى الْمُلُوك وَهُوَ الَّذِي أصَاب بني تَمِيم مَعَ عَمْرو بن هِنْد يَوْم أوارة فَقَالَ كَعْب شعرًا يُرِيد أَن يلقِي بِهِ بَين بني ملقط وَبَين رَهْط زيد الْخَيل شرا فَعرف زُهَيْر حِين سمع الشّعْر مَا أَرَادَ بِهِ وَعرف ذَلِك زيد الْخَيل وَبَنُو ملقط فَأرْسلت إِلَيْهِ بَنو ملقط بفرس نَحْو فرسه.)
وَكَانَت عِنْد كَعْب امْرَأَة من غطفان لَهَا حسب فَقلت لَهُ: أما استحيت من أَبِيك لشرفه وسنه أَن تؤبسه فِي هِبته عَن أَخِيك ولامته. وَكَانَ قد نزل بكعب قبل ذَلِك ضيفان فَنحر لَهُم بكرا كَانَ لامْرَأَته فَقَالَ: مَا تلوميني إِلَّا لمَكَان بكرك الَّذِي نحرت فلك بِهِ بكران. وَكَانَ زُهَيْر كثير المَال وَكَانَ كَعْب مجدوداً.
(أَلا بكرت عرسي بلَيْل تلومني ... وَأقرب بأحلام النِّسَاء إِلَى الردى)
(9/499)

وَذكر فِيهَا زيدا فَقَالَ زُهَيْر لِابْنِهِ: هجوت رجلا غير مفحم وَإنَّهُ لخليق أَن يظْهر عَلَيْك.
فَأَجَابَهُ زيد فَقَالَ: أَفِي كل عَام مأتم تجمعونه إِلَى آخر الأبيات اه.
وَهَذِه أَبْيَات كَعْب من ديوانه بِرِوَايَة أبي الْعَبَّاس الْأَحول:
(
أَلا بكرت عرسي توائم من لحا ... وَأقرب بأحلام النِّسَاء من الردى)
وَتقدم شَرحه.
(أَمن أجل بكر قطعتني ملامة ... لعمري لقد كَانَت ملامتها ثنى)
الْبكر بِالْفَتْح: الفتي من الْإِبِل. قَالَ الْأَحول: أَمن أجل بكر نَحرته وَأَطْعَمته أَصْحَابِي بكرت عَليّ باللوم مَعَ من يلوم. وَقَوله: ثنى بِفَتْح النُّون بعْدهَا مُثَلّثَة أَي: مرّة بعد مرّة.
(أَلا لَا تلومي ويب غَيْرك عَارِيا ... رأى ثَوْبه يَوْمًا من الدَّهْر فاكتسى)
يَقُول: لَا تلومي فِي أَن نحرت بكرا وكسوت رجلا عَارِيا فاكتسى. وويب: يذهب بِهِ مَذْهَب وَيْح. ...
(9/500)

(وَقيل رجال لَا يبالون شَأْننَا ... غوى أَمر كَعْب مَا أَرَادَ وَمَا ارتأى)
قَالَ الْأَحول: يَقُول لَوْلَا قَول رجال لَا يبالون مَا ذكرُوا من أَمْرِي وأمرك ويثنون عَليّ وَعَلَيْك أمرا لم أرتئه وَلم أَفعلهُ.
(لقد سكنت بيني وَبَيْنك حقبة ... بأطلائها الْعين الملمعة الشوى)
قَالَ الْأَحول: ويروى: لقد رتعت بيني وَبَيْنك. وَالْعين: الْوَحْش.
قَالَ الْأَحول: ويروى: لقد رتعت بيني وَبَيْنك. وَالْعين: الْوَحْش.
والشوى: القوائم. يَقُول: يكون بيني وَبَيْنك تفرق دهر لَا نَجْتَمِع على بعد منزل وتنائي مَحل هَذِه صفته تسكنه الْوَحْش.)
وَالْمعْنَى: لفارقتك مُفَارقَة لَا نَجْتَمِع مَعهَا.
(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... بني ملقط عني إِذا قيل: من عَنى)
(فَلَمَّا خلتكم يَا قوم كُنْتُم أَذِلَّة ... وَمَا خلتكم كُنْتُم لمختلس جنى)
(لقد كُنْتُم بالسهل والحزن حَيَّة ... إِذا نهشت لم يشف نهشتها الرقى)
(وَإِن تغضبوا أَو تدركوا لي بِذِمَّة ... لعمركم أَو مثل سعيكم كفى)
...
(9/501)

(لقد نَالَ زيد الْخَيل مَال أخيكم ... فَأصْبح زيد قد تمول واقتنى)
(وَإِن الْكُمَيْت عِنْد زيد ذمَامَة ... وَمَا بالكميت من خَفَاء لمن رأى)
قَالَ أَبُو عَمْرو: إِذا أَتَى مَا لَا يَشْتَهِي صَاحبه فقد أَذمّ بِهِ. وَقَالَ غَيره: يَقُول: إِن فرسي ذمام عِنْد زيد وَمَا بِهِ خَفَاء لمن رَآهُ.
(يبين لأفيال الرِّجَال وَمثله ... يبين إِذا مَا قيد بِالْخَيْلِ أَو جرى)
أفيال الرِّجَال: الَّذين لَا رَأْي لَهُم وَلَا فهم.
يَقُول: إِذا رَآهُ الَّذِي لَا علم لَهُ بِالْخَيْلِ وَلَا بصر يُقَاد أَو يجْرِي علم كرمه وعتقه وَلم يحْتَج إِلَى أَن يسْأَل عَن نسبه. ثمَّ وَصفه ببيتين آخَرين.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْأَحول: وَإِنَّمَا قَالَ كَعْب هَذِه الأبيات وأجابه زيد الْخَيل وَذَلِكَ أَن بجير بن زُهَيْر والحطيئة ورجلاً من بني بدر خَرجُوا يقتنصون الْوَحْش وَلَا سلَاح مَعَهم وَمَعَ زيد الْخَيل عدَّة من أَصْحَابه فَقَالَ: استأسروا فَقَالُوا: لَا غلا على الطَّاقَة. فَأَخذهُم.
فَأَما الحطيئة فخلى سَبيله لخبث لِسَانه وَفَقره وَأَنه لم يكن عِنْده مَا يفْدي بِهِ نَفسه.
-
وَأما بجير ففدى نَفسه بفرس كَانَ يُقَال لَهُ: الْكُمَيْت. وَأما أَخُو بني بدر فَافْتدى نَفسه بِمِائَة من الْإِبِل.
فَقَالَ كَعْب بن زُهَيْر وبلغه حَدِيث الْقَوْم وَكَانَ نازلاً فِي بني ملقط من طَيئ فَقَالَ يحرضهم على زيد الْخَيل
(9/502)

ليَأْخُذ الْكُمَيْت.
وَزعم أَن الْكُمَيْت كَانَ لَهُ دون بجير فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدة: أَلا بكرت عرسي وأجابه زيد الْخَيل: أَفِي كل عَام مأتم فزعموا أَن زهيراً قَالَ لكعب: هجوت امْرأ غير مفحم وَإنَّهُ لخليق أَن يظْهر عَلَيْك.
ثمَّ نقل أَبُو الْعَبَّاس أَرْبَعَة أَبْيَات للحطيئة مدح بهَا زيد الْخَيل. وَالله أعلم أَي ذَلِك قد كَانَ.)
وَزيد الْخَيل وَكَعب صحابيان تقدّمت ترجمتهما.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد السبعمائة)
الطَّوِيل
(نحابي بهَا أكفاءنا ونهينها ... وَنَشْرَب فِي أثمانها ونقامر)
على أَن فِي قيل: إِنَّهَا بِمَعْنى الْبَاء فِي الْبَيْت أَي: وَنَشْرَب بأثمانها. وَالْأولَى أَيْضا أَن تكون على مَعْنَاهَا بِجعْل أثمانها ظرفا للشراب والقمار مجَازًا.
وَالْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة لسبرة بن عَمْرو الفقعسي أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة.
وَهِي:
(أتنسى دفاعي عَنْك إِذْ أَنْت مُسلم ... وَقد سَالَ من نصر عَلَيْك قراقر)
(9/503)