Advertisement

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي 002


المجلد الثاني
ذكر النوادر

نوادر المدح في أوصافه نشقت ... منه الصبا فأتتنا وهي في شمم
هذا النوع، أعني النوادر، سماه قوم الإغراب والطرفة، وهو أن يأتي الشاعر بمعنى يستغرب، لقلة استعماله، لا لأنه لم يسمع بمثله. وهذا مما اختاره قدامة دون غيره، ولكن غالب علماء البديع اختاروا غير رأي قدامة في هذا النوع، فإنهم قالوا: لا يكون المعنى غريبًا إلا إذا لم يسمع بمثله.
وأورد زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى: "بتحرير التحبير" لنوع النوادر حدًّا أقرب إليه من اختيار قدامة، وأبلغ وأوقع في النفوس، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور، ليس بغريب في بابه، فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المشهور غريبًا، وينفرد به دون كل من نطق به. وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر مبذول معروف، قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله، وكان سابق المتقدمين وقبلة المتأخرين، القاضي الفاضل، أنفت نفسه من المثابرة على هذا الابتذال، وكثرة تشبيه الحسان بالبدور، فقال:
تراءى ومرآة السماء صقيلة ... فأثر فيها وجهه صورة البدر
سبحان المانح حاصل كلامه تشبيه محسوبه بالبدر، ولكن زيادة هذه النادرة اللطيفة لا تخفى إلا على أكمه1 لا يعرف القمر، وعلى هذا المنوال نسجت بيت بديعيتي.
__________
1 الأكمه: الأعمى.
(2/3)

ويعجبني في باب النوادر، قول القائل:
عرض المشيب بعارضنيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوّضوا1
ولقد سمعت وما سمعت بمثله ... بين غراب البين فيه أبيض
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
كأنما قلب معن ملء فيه فلم ... يقل لسائله يومًا سوى نعم
هذا البيت، ذكر الشيخ صفي الدين في شرحه أن النادرة فيه، قلب معن بنعم. قلت: قلب معن بنعم لم يعد من نوع النوادر، بل من أنواع الجناس المسمى بالقلب والعكس، وجناس القلب وغيره من أنواع الجناس ليس فيه غير خدمة الألفاظ، فإنه نوع لفظي والذي قرره قدامة وغيره، في هذا النوع، أن الغرابة تكون في المعنى، بحيث يعد ذلك المعنى من النوادر.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته "هو":
نوادر من جناني كالجنان زهت ... أم هل بدت واضحات الحسن من إرم
قلت: إن بيت الشيخ صفي الدين الحلي، مع ما فيه من النقد والمؤاخذة، معدود من النوادر بالنسبة إلى هذا البيت. وما أشبهه بالبيت الذي أخبر عن الحريري في مقاماته، وقال إنه أخرج من التابوت، وأوهن من بيت العنكبوت. وما ذاك إلا أنني كررت النظر في أركان هذا البيت، فلم أجد فيه مقرًّا لنادرة من النوادر التي تقدم تقريرها، لم يسعني غير النظر في شرحه، فوجدته قال: إن جناني ظهر منه محاسن مدهشة، أم بدت محاسن إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ويحكى أنها جنة بناها عاد. قلت وما أحق اختراع الخراع بهذه العبارة، وهي، بشهادة الله، عبارته بنصها. والذي أعده من النوادر، إبراز الشيخ عز الدين مثل هذا البيت في بديعيته، ورضاه به، وتنزيل مثل هذه العبارة عليه. انتهى.
وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
نوادر المدح في أوصافه نشقت ... منها الصبا فأتتنا وهي في شمم
النادرة في معنى هذا البيت عرفها ضائع لمن شمه من أهل الأدب، وما ذاك إلا أن
__________
1 قوض: خرّب.
(2/4)

النسيم أكثر الشعراء من استعماله في تحمل الرسائل. وغاية ما أغربوا فيه أنه ينشق منه عرف الأحبة، إذا هب من نحوهم. والنادرة التي أغربت بها هذا المعنى: أن نسيم الصبا لما نشقت عرف مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعرفت به تزايد شممها. والشمم للنسيم نادرة، بل نكتة لم أسبق إليها. فإن النسيم أحق باشتراك هذه التورية من غيره، لأن الشمم لائق به وهذا الذي أشار إليه ابن أبي الأصبع، في أن الشاعر يعمد إلى معنى مبذول معروف ليس بغريب في بابه، فيغربه، بزيادة لم تقع لغيره، ويصير بها ذلك المعنى المعروف غريبًا ومثل ذلك، حتى يزداد نوع النوادر إيضاحًا، قول أبي نواس:
هبت لنا ريح شمالية ... متت إلى القلب بأسباب
أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي
قوله: عرفتها من بين أصحابي، نادرة لم يسبق إليها. وقد جاراه مجير الدين الخياط، في بديع هذا النوع. ونادرة هذا المعنى لولا الحياء لقلت إنه أحرز قصبات السبق عليه، بقوله:
يا نسيم الصبا الولوع بوجدى ... حبذا أنت لو مررت بهند
ولقد رابني شذاك فبالله ... متى عهده بأطلال نجد1
بين ولقد رابني شذاك، في بيت مجير الدين، وبين عرفتها من بين أصحابي معرك ذوقي، ما يدركه إلا من صفت مرآة ذوقه في علم الأدب. ولعمري إن النادرتين يتجمل بهما هذا النوع ومثله قول القائل، ويعجبني إلى الغاية:
ويد الشمال عشية مذ أرعشت ... دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيمًا في صحيفة جدول ... فيد الغمامة صححته بنقطها2
النوادر في هذين البيتين، لم يحتج برهانها إلى إقامة دليل، وقد فهمت الزيادات في غرابة المعاني المبتذلة.
ومثله، ولم يخرج عما نحن فيه من لطف النسيم ونوادر النوع، قول القائل:
هبت صبا من قاسيون فسكنت ... بهبوبها وصب الفؤاد البالي3
خاضت مياه النيرين عشية ... وأتتك وهي بليلة الأذيال4
__________
1 رابني: حيرني، وجعلني أرتاب أي أشك.
2 النقط: وضع النقاط على الحروف.
3 قاسيون: جبل يشف على دمشق -الوصب: المرض والوجع.
4 النيرين: دجلة والفرات، وهما من أسماء الشمس والقمر. والله أعلم.
(2/5)

ويعجبني في هذا الباب قول ناصر الدين بن المشد:
مسكية الأنفاس تملي الصبا ... عنها حديثًا قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل1
وألطف منه وأكثر نوادر، قول بدر الدين حسن الغزي، الشهير بالزغاري:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصبا ... وقد أصبحت حسرى من السير ضائعهْ
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعب أنفاسها متتابعهْ
ومن العجائب في هذا النوع:
حبذا ليلة رأيت دجاها ... زاهيًا عطفه بحلة فجر
بشرت باللقاء وهي غراب ... ونفي الفجر حسنها وهي قمري2
ومن النوادر اللطيفة، في هذا الباب، قول علاء الدين الجويني، صاحب الديوان ببغداد، من دو بيت:
مذ صار مبيتنا بضوء القمر ... والحب نديمنا وصوت الوتر
نادى بفراقنا نسيم سحرًا ... ما أبرد ما جاءت نسيم السحر
ومن نادر ما اتفق لي قولي من قصيدة رائية:
ومذ سرت نسمات الثغر باردة ... بدار بأعضاء ذاك الجفن تكسير
قد تقدم تقرير حد ابن أبي الأصبع، في نوع النوادر وتكرر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور كثير الاستعمال، فيغرب فيه بزيادة نكتة لم تقع لغيره، ليصير المعنى المستعمل بها غريبًا. وقد فهم ما أوردته هنا من تلاعب الشعراء بالنسيم، وما أظهروا فيه من النوادر التي تركت رخيصه غاليًا. وتكسير الجفن أيضًا ونسبة التكسير إليه أكثر أهل الأدب استعماله في تغزلهم ونسيبهم، ولكن استعارة النسمات الباردة للثغر، وهبوبها على أعضاء ذاك الجفن السقيم، حتى ظهر فيه التكسير، نادرة النوادر في هذا النوع. والله أعلم.
__________
1 العَرف: الرائحة الطيبة -المندل: العود الطيب الرائحة.
2 القمري: نوع من الحمام.
(2/6)

ذكر المبالغة:
بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى ... والشهب قد رمدت من عثير الدهم1
المبالغة نوع معدود من محاسن هذا الفن عند الجمهور، واستدلوا على ذلك بقول من قال: أحسن الشعر أكذبه، وبقول النابغة الذبياني: أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه. واستدلوا أيضًا برد النابغة المذكور على مثل حسان بن ثابت، في قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما2
والرد الذي رده النابغة على هذا البيت في ثلاثة مواضع: الأول منها أنه قال له: قلت لنا الجفنات والجفنات تدل على قليل، فلا فخر لك ولا مبالغة إذا كان في ساحتك ثلاث جفان أو أربع. والثاني: أنك قلت: يلمعن، واللمعة بياض قليل ليس في كبير شانٍ. والثالث: أنك قلت في السيوف: يقطرن، والقطرة تكون للقليل فلا تدل على فرط نجدة، ولا مبالغة.
وترشيح جانب المبالغة مذهب ابن رشيق، في العمدة، ومنهم من لم يَعُدَّ المبالغة من حسنات الكلام، ومشى في ذلك على مذهب حسان بن ثابت -رضي الله عنه- فإنه قال:
وإنما الشعر عقل المرء يعرضه ... على الأنام فإن كيسا وإن حمقا3
__________
1 الوغى: الحرب -رمدت: صار لونها شبيهًا بلون الرماد -العثير: الغبار- الدهم: جمع أدهم وهو من الخيل الأسود.
2 الجفنات: واحدتها الجفنة وهي القصعة وعاء كبير يطبخ فيه.
3 الكيس: اللباقة والحذاقة.
(2/7)

وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وعند أهل هذا المذهب، أن المبالغة لم تسفر عن غير التهويل على السامع، ولم يفر الناظم إلى التخييم عليها إلا لعجزه، وقصور همته عن اختراع المعاني المبتكرة؛ لأنها في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر، إذ أعياه إيراد المعاني الغريبة، فيشغل الأسماع بما هو محال وتهويل. وقالوا: ربما أنها أحالت المعاني فأخرجتها عن حد الكلام الممكن إلى حد الامتناع. والمبالغة تعاب في بابها إذا خرجت عن حد الإمكان إلى الاستحالة، ويأتي الكلام على حدها في موضعه. والذي أقوله: إن المبالغة من محاسن الاستحالة، ويأتي الكلام على حدها في موضعه. والذي أقوله: إن المبالغة من محاسن أنواع البديع، ولم يستطرد في حلبات سبقها إلا فحول هذه الصناعة، ولولا سَمّو رتبتها ما وردت في القرآن العظيم والسنة النبوية، ولو سلمنا إلى من يهضم جانبها ولم يعدها من حسنات الكلام، بطلت بلاغة الاستعارة، وانحطت رتبة التشبيه.
وتسمية المبالغة منسوبة إلى قدامة، ومنهم من سمى هذا النوع التبليغ، وسماه ابن المعتز الإفراط في الصفة، وهذه التسمية طابقت المسمى ولكن أكثر الناس رغبوا في تسمية قدامة لخفتها.
وهذا النوع، أعني المبالغة، شركة قوم مع الإغراق والغلو لعدم معرفة الفرق، وهو مثل الصبح ظاهر.
والمبالغة في الاصطلاح هي إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة.
والإغراق وصف الشيء الممكن البعيد وقوعه عادة.
والغلو، وصفه بما يستحيل وقوعه.
ويأتي الكلام على كل واحد من الثلاثة في موضعه. وقد تقرر أولًا أن المبالغة، نوعها مبني على وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه.
وحد قدامة المبالغة فقال: هي أن يذكر المتكلم حالًا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ من معنى قصده، كقول عمير بن كريم التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
وقال: إن هذا البيت من أحسن المبالغة عند الحذاق، فإن الشاعر بلغ فيه إلى أقصى ما يمكن من وصف الشيء، وتوصل إلى أكثر ما يقدر عليه، فتعاطاه.
ولخص بعضهم عبارة الحد الذي حده قدامة، وقال: المعنى إذا زاد على التمام سُمّي مبالغة.
(2/8)

وقال ابن رشيق، في العمدة: المبالغة: بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن في وصف الشيء.
قلت: وعلى هذا التقرير، فجل القصد في المبالغة الإمكان والخروج عن المستحيل. والمذهب الصحيح فيها أنها ضرب من المحاسن، إذا بعدت عن الإغراق والغلو، وإن كان الإغراق والغلو ضربين من المحاسن ونوعين من أنواع البديع، فقد شرط علماؤه أن النوع لا يتجاوز حده بحيث يزول الإلتباس. ويعجبني من أمثلة المبالغة في المديح قول القائل.
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه1
فالمعنى تم للناظم لما انتهى في بيته إلى قوله: دجى الليل. ولكن زاد بما هو أبلغ وأبدع وأغرب في قوله: حتى نظم الجزع ثاقبه.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي في وصف جواد
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
قال زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير": أبلغ شعر سمعته في باب المبالغة، قول شاعر الحماسة، إذ بالغ في مدح ممدوحه بقوله:
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنَّ ما لا يستطاع شديد
فانظر ما أحلى احتراسه عن ذلك بقوله: وما فوق شكري للشكور مزيد، وانظر كيف أظهر عذره في عجزه مع قدرته، بأن قال في البيت الثاني: ولو كان مما يستطاع استطعته. ثم أخرج بقية البيت للمبالغة، مخرج المثل السائر، حيث قال: ولكنّ ما لا يستطاع شديد. ومن هنا قال أبو نواس:
لا تسدين إلِيّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفنا2
ومن معجز المبالغة، في القرآن العظيم، قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار} 3، فجعل كل واحد منهم أشد
__________
1 الجزع: نوع من العقيق ذي الخطوط المتوازية المستديرة.
2 العارفة: المعروف.
3 الرعد: 13/ 10.
(2/9)

مبالغة في معناه وأتم صفه، وجاء من المبالغة، في السنة النبوية، قوله صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن ربه: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". وقوله في بقية هذا الحديث: "والذي نفس محمد بيده لخلوف1 فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك".
ففي الحديث الشريف مبالغتان: إحداهما، كون الحق -سبحانه وتعالى- أضاف الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال، لقصد المبالغة في تعظيمه وشرفه، وأخبر أنه عز وجل يتولى مجازاة الصائم بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه، ونحن نعلم أن الأعمال كلها لله سبحانه وتعالى ولعبده باعتبارين: أمّا كونها للعبد، فلأنه يثاب عليها، وأما كونها لله، فلأنها عملت لوجهه الكريم، ومن أجله، فتخصيص الصائم، بالإضافة للرب سبحانه، وتخصيص ثوابه بما خصص به إنما كان للمبالغة في تعظيمه. والمبالغة الثانية، إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد تقديم القسم، لتأكيد الخبر، بأن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، ففضل تغير فم الصائم، بالإمساك عن الطعام والشراب، على ريح المسك الذي هو أعطر الطيب، على مقتضى ما يفهم من ريح المسك، وأتى بصيغة أفعل للمبالغة، فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة: المجازي والحقيقي ولذلك ورد أن دم الشهيد كريح المسك، للمبالغة.
وهذا النوع، أعني المبالغة، ممكن الناظم منه في المدائح النبوية والصفات المحمدية، فإن المادح إذا بالغ في وصفه صلى الله عليه وسلم، كانت تلك المبالغة ممكنة قريبة من معجزاته وعظمه عند ربه، فمن ذلك، قولي من قصيدة نبوية أقول فيها عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
إذا ما سرى فردًا لفرط جلاله ... يقول الورى قد سار جيش عرمرم
فالمبالغة تمت لما انتهيت إلى قولي: سار جيش، وزدت بعد ذلك بما هو أبلغ منه وأعظم، لقولي: عرمرم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، يقول فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته ... والشهب أحلك ألوانًا من الدهم2
المبالغة تمت للشيخ صفي الدين، في الشطر الأول. بقوله: كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته. ولكن زاد بما هو أبلغ منها، حيث قال: والشهب أحلك ألونًا من الدهم.
__________
1 الخلوف: رائحة الفم إذا تغيرت وفسدت.
2 النقع: الغبار في أثناء المعارك -الدهم: الخيول السوداء.
(2/10)

وبيت العميان في بديعيتهم:
يعم نبيًّا تباري الريح أنمله ... والمزن من كل هامي الودق مرتكم1
المجمع عليه أن المبالغة في الأوصاف المحمدية ممكنة عقلًا وعادة، ولكن الأبلغ في مبالغة العميان أن الريح والمزن كان يحب كل منهما أن يتطفل على أنامل النبي -صلى الله عليه وسلم- في المباراة، لعلو رتبته وعظم مقامه.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
امدح وجز كل حد في مبالغة ... حقًّا ولا تطر تقبل غير متهم2
هذا البيت لم ينتظم في سلك ما قبله من أبيات المديح النبوي، ولا بينه وبين المبالغة أدنى وصلة، ولم يظهر لي في بيته، غفر الله له، إلا وصيته للمادح أنه إذا مدح يتجاوزكل حد، وأنه لا يطري فيقبل، وما أحقه هنا بقول القائل:
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضى يا بعد ما أتمناه
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي -صلى الله ليه وسلم:
بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى ... والشهب قد رمدت من عثير الدهم
فالمبالغة تمت في شطر البيت الأول، بقولي: بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى. والزيادة بما هو أبلغ منها قولي: والشهب قد رمدت من عثير الدهم. وتسمية النوع هنا هي ديباجة المبالغتين على هذه الصيغة، والله أعلم.
__________
1 يمم: توجه نحو، تباري: تسابق، الأنمل: جمع أنملة وهي طرف الأصبع، المزن: جمع مزنة وهي الغيمة الممطرة، هامي: سائل، الودق: المطر، مرتكم: بعضه فوق بعضه الآخر.
2 جُز: تجاوز، تطرِ: من الإطراء وهو المبالغة في المدح على غير الحقيقة.
(2/11)

ذكر الإغراق:
لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم
قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وهذا النوع، أعني الإغراق، فوق المبالغة، ولكنه دون الغلو، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة. وقل من فرق بينهما. وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد. وهنا لم يعمل بقول الحريري: سامح أخاك إذا خلط.
وكل من الإغراق والغلو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول، كقد، للاحتمال، ولولا، للامتناع، وكاد، للمقاربة، وما أشبه ذلك من أنواع التقريب.
وما وقع شيء من الإغراق والغلو، في الكتاب العزيز، ولا في الكلام الفصيح، إلا مقرونًا بما يخرجه من باب الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل: كاد ولو، وما يجري مجراهما، كقوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار} 1 إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، لكنه يمتنع عادة ما زاد وجه الإغراق هنا جمالًا إلا تقريبه بكاد، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان.
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق، بلو، قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
__________
النور، 24/ 43.
(2/12)

فاقتران هذه الجملة أيضًا بامتناع قعود القوم فوق الشمس، المستفاد بلو، هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق.
ومما استشهدوا به على هذا النوع، بغير أداة التقريب، قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي1
وبين المكانين بعد تام، فإن أذرعات من الشام، والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق، لأنهم قالوا: لا يمتنع عقلًا أن ترى النار من بعد هذه المسافة، وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره، من عظم جرم النار، ولكن ذلك ممتنع عادة، هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة، وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري، فلا يكون في البيت إغراق.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه:
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن2
كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لَم ترني
وقالوا: هنا لا يمتنع عقلًا أن ينحل الشخص، حتى يصير مثل الخلال، ولا يستدل عليه إلا بالكلام، إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدًا لا يرى، بخلاف الصوت. ولكن صيرورة الشخص، في النحول، إلى مثل هذه الحال، ممتنع عادة. ولعمري، إن الشيخ شرف الدين بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق، ورشحه بنفائس العقود، حيث قال:
كأني هلال الشك لولا تأوّهي ... خفيف لم تُهد العيون لرؤيتي
قلت: إذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض، لم تبعد المقارنة، لكن من قابل قول المتنبي: إنني رجل لولا مخاطبتي، بقول الشيخ شرف الدين بن الفارض، في بيته، كأني هلال الشك لولا تأوهي، لا بد أن يقابله الله على ذلك، وأين لطف: لولا تأوهي، من ثقل: لولا مخاطبتي. فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب.
__________
1 تنوّرتها: بصرت بها أو توهمتها، أذرعات: اسم مكان في الشام يبعد مسيرة ثلاثة أشهر عن يثرب، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 الخلال: الشبح.
(2/13)

ومنه قول بعضهم:
قد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
قلت: ما برح طائر فكري يحوم على ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة، على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه، وأريد أن أرشحه بنكتة، إلى أن قلت من قصيدتي التي عارضت بها كعب بن زهير، وامتدحت بها النبي صلى الله عليه وسلم:
وفوق طرس مشيتي أرَّخو تلفي ... وذلك الطرس فوق الرأس محمول
وقد تجاوز جسمي حد كل ضني ... وها أنا اليوم في الأوهام تخييل
وقد تقدم وتقرر، أن أداة المقاربة ما استعملت في الإغراق إلا لتنقله من الامتناع إلى الإمكان، وهذا الذي أوردته بغير أداة المقاربة هنا، إن كان يبعد عادة، لا يبعد عقلًا.
ومما استشهدوا به على نوع الإغراق، بلو، التي يمكن الإغراق بها عقلًا ويمتنع عادة، قول القائل:
ولو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يبق في النار كافر
يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط، وذلك لا يستحيل عقلًا، إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة. وهذا غاية في الإغراق.
وأورد الشيخ شهاب الدين ابن جعفر المغربي الأندلسي، في شرحه الذي كتبه على بديعية صاحبه شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي، على هذا البيت حكاية لطيفة، وهي أن إبليس تعرض لبعض الأولياء فلم ينل منه غرضًا. فقال له الولي: من أشد عليك: العابد الجاهل، أو العالم المسرف على نفسه؟ فقال: العالم المسرف، وأما العابد الجاهل فهو في قبضتي أدخل عليه في دينه من حيث شئت. وأنا أريك ذلك. فانطلق به إلى أعبد الجهال في ذلك الزمان، فطرق عليه الباب، فخرج إليهما. فقال له إبليس: جئت أستفتيك: هل الله قادر على أن يدخل الجمل في سم الخياط أو لا. فتوقف وتحير وغلق الباب. فقال إبليس للولي: ها هو قد كفر بالشك في قدرة الله تعالى، ثم انطلق به إلى عالم مسرف على نفسه، وطرق عليه الباب، وكان في القائلة1، فقال الرجل العالم: من هذا الشيطان الذي يضرب بابي في القائلة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
__________
1 القائلة: الاستراحة وقت الظهر.
(2/14)

"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل؟ فقال إبليس: ها هو قد عرفني قبل رؤيتي، فلما خرج قال له إبليس: هل في قدرة الله تعالى أن يدخل الجمل في سم الخياط؟ فقال له: أتشك في قدرة الله تعالى أن يوسع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل، أو يرقق الجمل حتى يصير كالخيط فيدخل في سم الخياط! فانصرفا، وقال إبليس لرفيقه: معرفة هذا بالله تمحو ذنوبه، وحاله خير من حال العابد الجاهل بالله. انتهى.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، على نوع الإغراق:
في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروي المواضي تربه بدم1
بيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع أبرزه بغير أداة التقريب، وهو بيت عامر قريب من العقل بعيد من الوقوع عادة، على شرط الإغراق، لكنه غير صالح للتجريد وقد تقرر وتكرر: أن بيوت البديعيات شواهد على الأنواع، فلا ينبغي أن يكون البيت متعلقًا بما قبله، ولا بما بعده.
وبيت بديعية العميان يقولون فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أتوا فيه بأداة التقريب حيث قالوا:
لو قابل الشهب ليلًا في مطالعها ... خرّت حياء وأبدت برّ محترم
لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه ... ندى يديه لأحياها ولم يضم2
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم3
على كل تقدير، مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح للمغالاة بالإغراق في مديحه، والله أعلم.
__________
1 المعرك: مكان العراك، العثير: الغبار، المواضي: جمع ماضي: السيف.
2 الندى: الجود والكرم والعطاء، يُضَم: يصاب بالضيم وهو الضعف والنقص والسوء.
3 ناواه: ناوأه مخففة ومعناها خاصمه وعانده.
(2/15)

ذكر الغلو:
بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يجفل بصبحهم1
قد تقدم القول على المبالغة، وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة.
والغلو، فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلًا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول، وغير مقبول. فالمقبول لا بد أن يقر به الناظم إلى القبول بأداة التقريب، اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا غلو.
ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة، التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة، كقوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار} 2 فإن إضاءة الزيت من غير مس نار، مستحيلة عقلًا، ولكن لفظة يكاد، قربته فصار مقبولًا.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا
ويعجبني هنا قول ابن حمديس الصقلي، في وصف فرس:
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
__________
1 السبع الطباق: السموات السبع.
2 النور: 24/ 35.
(2/16)

ومنه قول الفرزدق، في على بن الحسين بن على بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم1
ومن الغلو المقبول، بغير أداة التقريب، قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه:
عقدت سنابكها عليه عثيرًا ... فلو ابتغى عنقًا عليه أمكنا
معنى هذا البيت: أن سنابك الخيل، وهي أطراف الحوافر، عقدت على هذا الممدوح عثيرًا، وهو الغبار، حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقًا لأمكن، والعنق هو المشي السريع، وانعقاد الغبار في الهواء حتى يمكن المشي عليه، مستحيل عقلًا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول.
وقد وقع2 للقاضي الأرجاني، جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب، وهما ما جرى بهما مجرى كاد، والتخيل الحسن، وذلك قوله:
يخيل لي أنْ سُمّر الشهب في الدجا ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله: يخيل لي، هو الجاري مجرى كاد، فإنه جعل الأمر توهمًا لا حقيقة، وأما التخيل الحسن، فهو ما ذكر من تسمير الشهب، وشد أجفانه إليها بأهدابه، وجعل الأهداب بمنزلة الحبال، ولا يخفى ما في هذا من التخييل الحسن.
وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو عليَّ شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي
قالوا: إن سطوة شعاع الخمر عليه، بحيث يصير جسمه شفّافًا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلًا ولا عادة.
ومنه قول بعضهم:
أسكر بالأمس إن عزمت على ... الشرب غدًا إنَّ ذا من العجب
__________
1 الحطيم: بناء خارج الكعبة قبالة ميزاب الرحمة، الاستلام: أي استلام الحجر الأسود وهو من شعائر الحج.
2 وقع تخييل حسن.
(2/17)

فسكره بالأمس، بسبب عزمه على الشرب غدًا، مما لا يمكن عقلًا ولا عادة أيضًا.
ومنه قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا الذي قاله أبو نواس أيضًا، أمر مستحيل، فإن قيام العرض الموجود، وهو الخوف بالمعدوم، وهي النطف التي لم تخلق، لا يمكن عقلًا ولا عادة. ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس، فقال له: أما تستحي من الله بقولك:
وأخفت أهل الشرك البيت؟ فقال له أبو نواس: وأنت أيضًا ما استحيت من الله بقولك:
ما زلت في غمرات الموت مطرحًا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيل
لم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي1
فقال العتابي: قد علم الله، وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك أعددت لكل سؤال جوابًا.
ومنه قول بعضهم:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به2
وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه3
ومثل هذا أيضًا لا يقبله العقل، ولا عليه رونق القبول.
قلت: ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تئول بقائلها إلى الكفر. فمن ذلك قول ابن دريد:
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا
قيل: إنه لأجل هذا البيت، والإدعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه.
__________
1 معنى قول أبي نواس ظاهرة الشرك وباطنه المبالغة فهو يكاد يصل بممدوحه درجة الخالق جلّ وعلا إذ النطف التي لم تخلق لا تخاف إلا خالقها، عقلًا وقول العتابي: يعني: ما زلت أعاني من المصاعب المميتة ولا أستطيع لنفسي حيلة للنجاة. وأنت واضبت، تلطفًا منك وكرمًا، تفتش لي عن مخرج مما أنا فيه حتى كان ذلك على يديك فكأنك قد خلصتني من الموت بإذن الله. ولا يخفى الفرق بين المقصودين.
2 تمنطق: لبس المنطقه وهي قطعة من جلد أو من قماش تشد على الوسط.
3 زجّ: حشر ووضع في مكان يضيق عليه.
(2/18)

ومنه قوله:
ولو حمى المقدار عنه مهجة ... لرامها أو تستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
ومثله قول أبي الطيب:
كَأَنّي دَحَوتُ الأَرضَ مِن خِبرَتي بِها ... كَأَنّي بَنى الإِسكَندَرُ السَدَّ مِن عَزمي1
هذا أيضًا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل، مع ما فيه من قبح التركيب، وبعده عن البلاغة.
وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة:
ليس شرب الراح إلا في المطر ... وغناء من جوارٍ في السحر
غانيات سالبات للنهى ... ناغمات من تضاعيف الوتر2
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر3
عضد الدولة بان ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
روي أنه لم يفلح بعد هذا القول، وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} 4.
ولولا الإطالة، وهو نظم غير مقبول، لأوردت كثيرًا من نظم الذين كانوا يتساهلون في هذا النوع، كأبي نواس، وابن هانئ الأندلسي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وغيرهم من المتأخرين، كابن نبيه ومن جرى مجراه. وكنت من المبادئ أستقبح قول الشيخ صفي الدين الحلي، وأستقل أدبه بقوله، في موشحه الذي أوله: دارت على الدوح سلاف القطر. وذلك قوله في ممدوحه:
لو قابل الأعمى غدا بصيرا ... ولو رأى ميتًا غدًا منشورا5
ولو يشا كان الظلام نورا ... ولو أتاه الليل مستجيرا
آمنه من سطوات الفجر
__________
1 دحوت الأرض: سطحتها فجعلتها مدحية مسطحه، أو بسطتها ووسعتها.
2 النهى: العقول والألباب.
3 فاق البشر: أعلى منزلة منهم.
4 الحاقة: 69/ 28، 29.
5 النشور: الحياة بعد الموت.
(2/19)

وبيته في بديعيته على هذا النوع، أعني الغلو، قوله:
عزيز جار لو الليل استجار به ... من الصباح لعاش الناس في الظلم
قلت هذا الغلو هنا مقبول، في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- غير لائق بممدوحه الذي أشار إليه في موشحه بقوله:
ولو أتاه الليل مستجيرًا ... آمنه من سطوات الفجر
فقد تقرر أن الناظم إذا قصد الغلو في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا غلو.
وبيت العميان في بديعيتهم يقولون فيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
تكاد تشهد أن الله أرسله ... إلى الورى نطف الأبناء في الرحم
فنسبة الشهادة إلى النطف، وهي في الأرحام، لا تمكن عقلًا، وما استحال عقلًا استحال عادة، وهذا الغلو هنا مقبول في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد زاد الناظم تقريبه بكاد، ولكن ذكر الأرحام والنطف في المدائح النبوية ما يخلو من قلة أدب.
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته، يقول فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
في مدحه نفحات لا غلوّ بها ... يكاد يحيي شذاها بالي الرمم1
نفحات هذا البيت عطرت الوجود بالمديح النبوي، وغلوها فيه ملحوظ بعين القبول، وتقريبها بكاد أحرز قصبات السبق، ولا أقول كاد، وهذا البيت عندي مقدم على بيت الشيخ صفي الدين، وبيت العميان، لالتزامه بتسمية النوع البديعي مورى به من جنس المديح، مع انسجامه ورقته.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يجفل بصحبهم
هذا الغلوّ يرخص عنده بانتظامه في سلك المدائح النبوية كل غلو، فإنه لو كان في غير النبي -صلى الله عليه وسلم- استحال عقلًا وعادة، ونعوذ بالله من نسبته إلى غيره، فإنها تؤدي إلى الكفر المحض، وحصره في النبي -صلى الله عليه وسلم- متفق عليه عقلًا ونقلًا. وقولي عند نظم هذا النوع بلا غلو، ويعلم طالب هذا العلم طريق سلوك الأدب، وهذا البيت من خلاصات المدائح النبوية، فنرجو الله أن تشملنا بركة ممدوحه، صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
__________
1 الرمم: جمع رمة وهي جثة الإنسان بعد موته.
(2/20)

ذكر ائتلاف المعنى مع المعنى:
سهل شديد له بالمعنيين بدا ... تألف في العطا والدين للعظم
هذا النوع، وهو ائتلاف المعنى مع المعنى، ضربان: فالأول في الاصطلاح، هو أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران: أحدهما ملائم، والآخر بخلافه، فيقرنه بالملائم. واستشهدوا عليه بقول أبي الطيب المتنبي:
فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل1
وقالوا: إن تقوية المعنى الأول، مناسبة القطا الكدري مع العرب، لأنه يلائمهم بنزوله في السهل من الأرض، وينفر من العمران ويستأنس بالمهمة، ولا يقرب العمران إلا إذا زاد به العطش وقل الماء في البر. ومناسبة الحجل مع الروم، أنها تسكن الجبال، وتنزل في المواضع المعروفة بالشجر.
والضرب الثاني هو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له، فيقرن بهما ما لاقترانه مزية. واستشهدوا على هذا الضرب الثاني، بقول أبي الطيب المتنبي أيضًا:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم2
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم3
وقالوا: إن عجز كل من البيتين يلائم كلا من الصدرين، وما اختار ذلك الترتيب إلا
__________
1 الكوريّ: نوع من القطا أغبر اللون، مرقش الظهر، أصفر الحلق.
2 الردى: الموت.
3 كلمى: مجرّحة.
(2/21)

لأمرين: أحدهما أن قوله: كأنك في جفن الردى وهو نائم، تمثيل السلامة في مقام العطب، ولهذا قرر له الوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه فيه بالهلاك، أنسب من جعله مقررًا لثباته في حال هزيمة الأبطال. والثاني، أن في تأخير التتميم بقوله: ووجهك وضاح وثغرك باسم، عن وصف الممدوح بوقوفه ذلك الموقف، وبمرور أبطاله كلمى بين يديه، ما يفوت بالتقديم. ولعمري إن الضرب الثاني من ائتلاف المعنى مع المعنى أبدع من الضرب الأول، وأوقع في القلوب، وأقرب إلى مواقع الذوق، وعيه نظمت بيت بديعيتي ويأتي الكلام عليه في موضعه، ولكن هنا نكتة تزيد بديع الضرب الثاني إيضاحًا، وترشح قصد المتنبي في ترتيبه الذي تقدم عليه الكلام.
حكي أن سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي قال، عن إنشاده إياه هذين البيتين: يا أبا الطيب قد انتقدنا عليك، كما انتقد على امرئ القيس في قوله:
كأني لم أركب جوادًا لغارة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال1
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرة بعد إجفال2
فقال المتنبي: أيها الأمير إن صح أن البزاز أعلم بالثوب من حائكه، فقد صح ما انتقد على امرئ القيس وعليّ، فإن امرأ القيس أحب أن يقرن الشجاعة باللذة في بيت واحد، وهو الأول، وقد وقع مثل هذا في الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} 3 فإنه تعالى لم يراع فيه مناسبة الري بالشبع والاستظلال باللبس، في تحصيل نوع المنفعة، بل راعى مناسبة اللبس للشبع في حاجة الإنسان إليه وعدم استغنائه عنه، ومناسبة الاستظلال للري في كونهما تابعين اللبس والشبع.
قلت وأما جواب المتنبي عن قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا لغارة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
فهو الافتنان بعينه، وهو نوع من أنواع البديع العالية، وقد تقدم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته على هذا النوع، قوله:
من مفرد بغرار السيف منتشر ... ومروج بسنان الرمح منتظم4
__________
1 تبطّن: خبر وعرف الباطن، الكاعب: الفتاة إذا نهد ثدياها.
2 سبأ الزق الروي: اشترى وعاء الخمر المليء ليشربه.
3 طه:20/ 118، 119.
4 المروج: السريع، غرار السيف: حده.
(2/22)

قد كثر تكرار القول، بأن المراد من بيت البديعية أن يكون شاهدًا على نوعه، وإن لم يكن صالِحًا للتجريد لم يصح الاستشهاد به على ذلك النوع. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، هنا، غير صالح للتجريد، وعدم صلاحه للتجريد هو الذي عقده وحجب إيضاح معناه عن مواقع الذوق.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته، يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
ذو معنيين بصحب والعدا ائتلفا ... للخلف ما أشهب البازي كالرخم1
قلت: إن هذين المعنيين، لشدة العقادة، أتعبت الفكر فيهما على أن يتضح لي منهما معنى فعجزت عن ذلك، والله أعلم. وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
سهل شديد له بالمعنيين بدا ... تألف في العطا والدين للعظم
وقد تقدم قولي: إن بيت بديعيتي منظوم في سلك الضرب الثاني، لكونه أبدع وأوقع في الذوق من الضرب الأول، وهو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين فيقرن بهما ما يلائم ويظهر باقترانه مزية فسهولة النبي -صلى الله عليه وسلم- قرنتها بالعطاء وناهيك بهذه الملاءمة وشدته، صلى الله عليه وسلم، قرنتها بالدين لعظمه، فأكرم بها ملاءمة وشرف قران. وقد ورد نص الكتاب بذلك في قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 2 وقولي في القافية: للعظم، بعد ثبوت الشدّة للدين، في غاية التمكين. والله أعلم.
__________
1 أشهب: أصاب، البازي: طائر من الجوارح يستعمل ليصطاد به، الرخمة: طائر غزير الريش.
2 الفتح: 48/ 29.
(2/23)

ذكر نفي الشيء بإيجابه

لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ... ولا يشين العطا بالمن والسأم1
نفي الشيء بإيجابه، هو أن يثبت المتكلم شيئًا في ظاهر كلامه، وينفي ما هو من سببه مجازًا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته، كقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} 2 فإن ظاهر الكلام نفي الذي يطاع من الشفعاء، والمراد نفي الشفيع مطلقًا، وكقوله تعالى: {لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} 3 فإن ظاهر الكلام نفي الإلحاف في المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين.
وذكر ابن أبي الأصبع، في كتابه المسمى: "بتحرير التحبير" أنه منقول عن ابن عباس، رضي الله عنهما. وهذا هو الحد الذي قرره ابن رشيق، في العمدة، فإنه قال: نفي الشيء بإيجابه إذا تأملته وجدت باطنه نفيًا وظاهره إيجابًا واستشهد عليه بقول زهير:
بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكر4
قأثبت لها في الظاهر وصيدًا، ومراده في الباطن أن ليس لها وصيد فيسد.
وألطف ما رأيت، من شواهد هذا النوع، أعنى نفي الشيء بإيجابه، قول مسلم بن الوليد:
__________
1 يشين: يعيب.
2 غافر: 40/ 18.
3 البقرة: 2/ 273.
4 الأرض الخلاء: الخالية من الناس، والوصيد: هو الباب ومنه قوله تعالى عن أهل الكهف: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} الكهف: 18/18.
(2/24)

لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل1
فإن ظاهر الكلام نفي عبق الطيب ومسح الكحل، والمراد نفي الطيب والكحل مطلقًا.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب2
فظاهر الكلام عدم بروزهن من الحمام على تلك الهيئات، والمراد، في باطن الكلام، عدم الحمام مطلقًا، فإنهن عربيات كظباء الفلاة، ولهذا قال ذو الرمة:
بالله يا ظبيات قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
والقصد أن حسنهن لم يفتقر إلى تصنع ولا إلى تطرية بدخول الحمام.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع، أعني نفي الشيء بإيجابه، يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
لا يهدم المن منه عمر مكرمة ... ولا يسوء أذاه نفس متهم
فظاهرة الكلام، في بيت الشيخ صفي الدين الحلي، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتبع المكرمة بمن وحاشاه من ذلك، ولا يصدر منه لنفس متهم إساءة. والمراد، في الباطن، نفي المن والإساءة مطلقًا، فإن مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكرم والحلم، فوق ذلك.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين، غفر الله له، يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
لم ينف ذمًا بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم
هذا البيت ليس له تعلق بهذا النوع، فإن مشايخ البديع تواردوا في حده على عبارة واحدة لم تختلف بحرف، بل الجميع قالوا: نفي الشيء بإيجابه، هو أن يثبت المتكلم شيئًا في ظاهر كلامه، وينفي ما هو سببه مجازًا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة لو
__________
1 غَبِق: لامس ولاصق.
2 الأوراك: ملتقى الفخذ مع الجذع، مفردها: ورك، العراقيب: أوتار غليظة فوق الأعقاب، مفردها عرقوب.
(2/25)

الذي أثبته. وأوردوا على ذلك ما تقدم من شواهد القرآن العظيم، والشواهد الشعرية التي زادت النوع إيضاحًا. ولم يتضح لي في بيت الشيخ عز الدين -غفر الله له- لمعة استضيء بها في ظلمة هذه العقادة إلى تقرير هذا النوع في البيت المذكور، فلم يسعنى غير النظر في شرحه، فوجدته قد قال: ما نفي الذم بإيجاب المديح كريم، إلا وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود، فإنه هو الأصل في الأسباب الخيرية جميعها، فما علمت ما مراده في النظم، ولا في الشرح، ولا أين استقر نفى الشيء بإيجابه، والله أعلم.
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ... ولا يشين العطا بالمن والسأم
الذي أقوله: إن محاسن هذا البيت، ببركة ممدوحه، صلى الله عليه وسلم، تغني عن التطويل في شرحه، وسهولة مأخذ النوع منه لم تفتقر إلى زيادة إيضاح، وما أحقه هنا بقول القائل:
وقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا
(2/26)

ذكر الإيغال:
للجود في السير إيغال إليه وكم ... حبا الأنام بودٍ غير منصرم
هذا النوع، مأخوذ من إيغال السير. فإنه يقال: أوغل في المسير، إذا بلغ غاية قصده بسرعة. ولهذا قلت: للجود في السير إيغال إليه، ومعنى ذلك: أن المتكلم، أو الشاعر، إذا انتهى إلى آخر القرينة، أو البيت، استخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدًا أو كلًّا منهما، فكأن المتكلم، أو الشاعر، قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع مما فرعه قدامة، وفسره بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه، قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرًا، أفاد بها معنى زائدًا على معنى البيت، كقول ذي الرمة:
قف العيس في آثار مية واسأل ... رسومًا كأخلاق الرداء المسلسل1
فتم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدًا، وكذلك صنع في البيت الذي بعده، حيث قال:
أظن التي يجدي عليك سؤالها ... دموعًا كتبديد الجمان المفصل2
فإنه تم كلامه بقوله:
كتبديد الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدًا، ولو لم يأت بها لم يحصل. انتهى.
__________
1 العيس: الإبل مفردها أعيس، ومية: هي حبيبة ذي الرمة، الرسوم: الآثار، أخلاق الرداء المسلسل: الرداء المقطع البالي.
2 تبديد: تفريق، الجمان: اللؤلؤ، المفصل: المنضود والمرتب.
(2/27)

والفرق بين الإيغال والتتميم، أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه، كقول الشاعر وقد تقدم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فإن المعنى بدون قوله:
ويعطوه ناقص، والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام، فيزيده كمالًا ويفيد فيه معنى زائدًا، غير أن بين الإيغال والتكميل تجاذبًا يكاد أن ينتظم كل منهما في سلك الآخر. ولكن رأيت الناس قد سلموا إلى قدامة ما اختاره وفرعه هنا، فمشيت مع الناس. واستشهدوا على الإيغال بقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 1 فإن الكلام تم بقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا} ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى، فلما أتي بها أفاد معنى زائدًا. قلت: ولعمري لو طلب التكميل حقه من هذا الشاهد، لم يمنعه الذوق السليم. ومثله قوله تعالى: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} 2 فإن المعنى تم بقوله تعالى: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} ثم أراد، وهو أعلم، إتمام الكلام بالفاصلة، فقال: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} .
وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس؟ فقال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرًا، وينقضي كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدًا. فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعاني، وهو امرؤ القيس، حيث قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب3
ومثله قول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم4
فكلام امرئ القيس انتهى إلى وله الجزع، وزيادة المعنى في قوله: الذي لم يثقب، ولا يخفى على حذاق الأدب ما فيها من المحاسن. ومعنى قول زهير انتهى في
__________
1 المائدة: 5/ 50.
2 النمل: 27/ 80، والروم: 30/ 52.
3 الجزع: العقيق.
4 العِهن: الصوف المصبوغ ألوانًا، ومنه قوله تعالى: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ} القارعة: 101/ 5، الفنا: شجر ثمره حب أحمر فيه نقط سود "عنب الثعلب".
(2/28)

كلامه إلى قوله: حب الفنا، وزيادة المعنى في قوله: لم يحطم، فيها نكتة بديعية غريبة، وأنا أذكرها هنا تنبيهًا على ما قرره الأصمعي، وما ذاك إلا أن زهيرًا شبه ما تفتت من العِهن بحب الفنا، والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود، وقال الفراء: هو عنب الثعلب. فلما قال زهير، بعد تمام معنى بيته: لم يحطم، أراد أن يكون حب الفنا صحيحًا، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة.
وقال ابن أبي الأصبع في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير": ولقد أحسن ابن المعتز في إيغاله، بقوله لابن طباطبا العلوي:
فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم
فإنه تحيل على المساواة، بأن قال: ونحن بنو عمه المسلم، والكلام تم قبل الإتيان بالقافية، فلما أتى بها أفلت معنى، إذ لا طريق له إلى التفضيل بزيادة في حسن الجد.
والذي وقع اتفاق البديعيين عليه: أن أعظم ما وقع في هذا الباب وأبلغ، قول الخنساء أخت صخر:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار1
فإن معنى جملة البيت كامل دون القافية، فوجدوها زيادة لم تكن له قبلها. وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس، حتى جعلته يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم. ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارًا.
ويعجبني، من أمثلة هذا النوع في شعر المتأخرين، قول الباخرزي من قصيدة:
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي
ومثله قول الآخر:
تعجبت من ضنى جسمي فقلت لها ... على هواك فقالت عندي الخبر
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، يقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
كأن مرآه بدر غير مستتر ... وطيب رياه مسك غير مكتتم
__________
1 تأتم: تجعله إمامًا وتقتدي به، الهداة: الأئمة، العلم: الجبل.
(2/29)

الإيغال مع الشيخ صفي الدين في غير مستتر وغير مكتتم. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعيته يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
أضحت أعاديه في الأقطار طائرة ... وأوغلت في الهوى خوفًا مع العصم1
قال الشيخ عز الدين غفر الله له في شرحه: إن الإيغال الذي أفاد في بيته معنى زائدًا بعد تمامه، قوله: خوفًا مع العصم. وذكر أن العصم هي الجوارح من الطيور التي تفرخ في العوالي، والله أعلم.
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولي:
للجود في السير إيغال إليه وكم ... حَبَا الأنام بود غير منصرم
فمعنى بيتي انتهى إلى قولي عنه -صلى الله عليه وسلم: حبا الأنام بود. ولما قلت بعد ذلك: غير منصرم إشارة إلى ود النبي -صلى الله عليه وسلم- ظهر لي من زيادة المعنى ما أقام قواعد بيتي، وملأ الدنيا بهجة بمحاسن الصفات النبوية، والله أعلم.
__________
1 العصم: من الوحوش: التي في قوائمها بياض وسائر لونها أسود وأحمر.
(2/30)

ذكر التهذيب والتأديب:
تهذيب تأديبه قد زاده عظمًا ... في مهده وهو طفل غير منفطم
نوع التهذيب والتأديب ما قرروا له شاهدًا يخصه؛ لأنه وصف يعم كل كلام منقح محرر، وهو عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله، والشروع في تهذيبه وتنقيحه، نظمًا كان أو نثرًا، وتغيير ما يجب تغييره، وحذف ما ينبغي حذفه وإصلاح ما يتعين إصلاحه، وكشف ما يشكل من غريبه وإعرابه وتحرير ما يدق من معانيه، وإطراح ما يتجافى عن مضاجع الرقة من غليظ ألفاظه، لتشرق شموس التهذيب في سماء بلاغته، وترشف الأسماع على الطرب رقيق سلافته، فإن الكلام إذا كان موصوفًا بالمهذب، منعوتًا بالمنقح، علت رتبته وإن كانت معانيه غير مبتكرة. وكل كلام قيل فيه: لو كان موضع هذه الكلمة غيرها، أو لو تقدم هذا المتأخر وتأخر هذا المتقدم، أو لو تمم هذا النقص بكذا، أو لو تكمل هذا الوصف بكذا، أو لو حذفت هذه اللفظة، أو لو اتضح هذا المقصد، وسهل هذا المطلب لكان الكلام أحسن، والمعنى أبين، كان ذلك الكلام غير منتظم في سلك نوع التهذيب والتأديب.
وكان زهير بن أبي سلمى معروفًا بالتنقيح والتهذيب، وله قصائد تعرف بالحوليات، قيل: إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على علماء قبيلته في أربعة أشهر. ويروى، أنه كان يعمل القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في أحد عشر شهرًا. ولا جرم أنه قلما يسقط منه شيء، ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع جلالته في العلم، وتقدمه في النقد، يقدمه على سائر الفحول من طبقته، وما أحسن ما أشار أبو تمام إلى التهذيب بقوله:
(2/31)

خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب1
فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى، لكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعًا ومرآة التهذيب فيه صقيلة، لخلو الخاطر وصفاء القريحة، لا سيما وسط الليل والنفس قد أخذت حظها من الراحة، بعد نيل قسطها من النوم، وخف عليها ثقل الغذاء، وصح ذهنها وصار صدرها منشرحًا، وقلبها بالتأليف منبسطًا، وما قدموا وسط الليل في التأليف على السحر، مع ما فيه من رقة الهواء وخفة الغذاء وأخذ النفس سهمها من الراحة، إلا لما يكون فيه من انتباه أكثر الحيوان الناطق وارتفاع معظم الأصوات، وجرس الحركات، وتقشع الظلماء بطلائع الأضواء، وبدون ذلك ينقسم الفكر، ويشتغل القلب، ووسط الليل خال مما ذكرناه. ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر بالدجى عادلًا عن الطرفين، لما فيهما من الشواغل المذكورة.
وحكت الثقات عن أبي عبادة البحتري الشاعر قال: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب، حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة تخير الأوقات، وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات، إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفًا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغماغم2، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم.
وإذا شرعت في التأليف تغن بالشعر، فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقًا، والمعنى رشيقًا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، والتعلل باستنشاق النسائم، وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم من العذال، والوقوف على الأطلال.
وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأرهب من عزائمه ورغب في مكارمه. واحذر المجهول من المعاني، إياك أن تشين شعرك بالعبارة الردية والألفاظ الوحشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ
__________
1 الجلباب: الثوب الواسع الفضفاض.
2 الغماغم: الأصوات.
(2/32)

القلب، ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه. انتهت وصية أبي تمام.
وأورد العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير" وصية لنفسه أوردها أيضًا على نوع التهذيب والتأديب، فاخترت منها ما هو اللائق بالحال، وأولها: ينبغي لك أيها الراغب في العمل، السائل عن أوضح السبل، أن تحصل المعنى قبل الشروع في النظم، والقوافي قبل الأبيات. قلت: وهذا مذهبنا. ثم قال ابن أبي الأصبع: ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص وروي مقصود، وتوخ الكلام الجزل دون الرذل، والسهل دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظمًا ولا نثرًا عند الملل، فإن الكثير معه قليل، والنفس معه خسيس، والخواطر ينابيع، إذا رفق بها جمت1، وإذا كثر استعمالها نزحت2. واكتب كل معنى يسنح، وقيد كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت3، وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت. والترنم بالشعر مما يعين عليه، فقد قال الشاعر:
تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار4
وقد يكل خاطر الشاعر ويعصى عليه الشاعر زمانًا، كما روي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمر على زمان وقلع ضرس من أضراسي أهون عليَّ أن أقول بيتًا واحدًا. وإذا كان كذلك، فاتركه حتى يأتيك عفوًا، وينقاد إليك طوعًا، وإياك وتعقيد المعاني وتقصير الألفاظ، وتوخ حسن النسق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذ بأعناق بعض، وكرر التنقيح، وعاود التهذيب، ولا يخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد وإمعان النظر. انتهى.
قلت وهذا لعمري هو المراد من النوع الذي نحن في شرحه، أعني نوع التهذيب والتأديب، لا كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
__________
1 جَمّت الينابيع: كثر ماؤها.
2 نزحت الينابيع: قل ماؤها أو جفت.
3 ندت: الفكرة، نفرت وغابت.
4 المضمار: في الأصل مكان تضمرّ فيه الخيل. وللشعر: مجال.
(2/33)

فإن الممدوح إبراهيم بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك وأما التقديم والتأخير ففي قوله وما مثله، البيت، فإن تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا أبو أمه أبوه. وسلوك طريق التعقيد في قوله أبو أمه أبوه، وكان يجزيه قوله جده. وهذا لعمري هو التعقيد الذي بينه وبين التهذيب والتأديب الذي قررناه، بعد المشرقين. وقد تقدم قولي: إن البديعيين أجمعوا على أن هذا النوع ليس له شاهد يخصه؛ لأنه وصف يعم كل كلام منقح فاختصرت الشواهد، ليظهر للمتأمل من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات في هذا النوع، أعني التهذيب والتأديب.
ولكن رأيت العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع قد استحسن من الشواهد اللائقة بهذا النوع قول القاضي السعيد بن سنا الملك.
تغنى عليها حليها طربًا بها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
قال: وقوله صحيح، لو لم تقدم في صدر البيت لفظة مشتقة من الغناء، حصل بها في البيت من الرونق ما لا يحسن بدونها، وكان البيت خاليًا من التهذيب، فإن بوجودها حصل في بيته تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب فإنه لو قال:
زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع، يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم
قد تكرر قولي أنني لم أكثر من شواهد هذا النوع، إلا ليظهر فيه من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
والله هذبه طفلًا وأدبه ... فلم يحل هديه الزاكي ولم يرم1
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
تهذيب تأديبه قد زاده عظمًا ... في مهده وهو طفل غير منفطم
__________
1 لم يحل: لم يتغير.
(2/34)

هذا البيت يشتمل، ببركة من أدبه فأحسن تأديبه، وهو الممدوح صلى الله عليه وسلم، على عشرة أنواع من البديع: أولها النوع الذي هو شاهد عليه وهو التهذيب والتأديب، والانسجام والسهولة، والتورية بتسمية النوع، والتتميم، والتكميل، والتمكين، والإيغال، والائتلاف، والمبالغة. ولولا الخوف من الإطالة لذكرت كل نوع في موضعه، ولكن في نظر أصحاب الذوق السليم من علماء هذا الفن ما يغني عن ذلك. والله أعلم.
(2/35)

ذكر ما لا يستحيل بالانعكاس:
بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم
هذا النوع سماه قوم المقلوب والمستوي، وسماه السكاكي مقلوب الكل، وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن يكون عكس البيت، أو عكس شطره، كطرده.
وهذا النوع، أعني ما لا يستحيل بالانعكاس، غايته أن يكون رقيق الألفاظ سهل التركيب منسجمًا، في حالتي النثر والنظم. وجاء منه في الكتاب العزيز: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} 1 و {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} 2 ومن الكلام الذي رق لفظه: "أرض خضرا". وأورد الحريري في مقاماته: "ساكب كاس" وزاد في العدة: "كبر رجاء أجر ربك". وزاد في العدة أيضًا فقال: "لذ بكل مؤمل إذا لم وملك بذل". قلت هذا الكلام الذي زاد الحريري في عدة كلماته صحيح التركيب، في طرده وعكسه، ولكن لم يخف على الحذاق وأصحاب السجايا الرقيقة أن التكلف طوق جيده بطوق العقادة.
وذكروا أن العلامة القاضي فتح الدين بن الشهيد، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس، تغمده الله برحمته ورضوانه، وصل في تركيب هذا النوع إلى أكثر من هذه العدة، ولكن ما وقفت له على شيء من ذلك، وإنما مولانا، المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك المحروسة الإسلامية. عظم الله تعالى شأنه، أخبر المملوك أنه وقف على ما نثره القاضي.
__________
1 الأنبياء: 21/ 33.
2 المدثر: 74/ 3.
(2/36)

فتح الدين المشار إليه في هذا النوع، قبل تيمورلنك، وذكر أنه في غاية العقادة، وقد تقدم القول وتقرر: أن المراد من تركيب هذا النوع نثرًا كان أو نظمًا غير كثرة العدد، والمبرز فيه هو الذي يأتي به رقيق الألفاظ سهل التركيب، رافلًا في حلل الانسجام. وممن استوعب هذه الشروط في كلام منثور، مولانا قاضي القضاة شرف الدين شيخ الإسلام ابن البارزي الجهني الشافعي نور الله ضريحه بقوله: "سور حماه بربها محروس" ومن الغايات أيضًا، في هذا النوع، قول العماد الكاتب، وقد مر عليه القاضي الفاضل راكبًا: "سر فلا كبابك الفرس". فأجابه الفاضل على الفور، وقد علم القصد: "دام علا العماد". وقال الحريري في المقامات:
إن أحببت أن تنظم ... فقل للذي تعظم
آس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا1
قلت: وهذا النظم أيضًا، لا يخفى أنه يتجافى عن الرقة بغليظ لفظه. ومن الشواهد المقبولة على هذا النوع في النظم، قول الشاعر:
عج تنم قربك دعد آمنًا ... إنما دعد كبرق منتجع2
ومنها:
أراهنَّ نادَمْنه ليلَ لهوٍ ... وهل ليلهن مدان نهارًا
والذي وقع عليه الإجماع، أن أبلغ الشواهد على هذا النوع، الذي استوعب ناظمه فيه الشروط التي تقدم ذكرها، قول القاضي الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم
ومثال شطر البيت الذي نسجت أبيات البديعيات على منواله: "أرانا الإله هلالًا أنارا".
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع:
هل من ينم بحب من ينم له ... بما رموه كمن لم يدر كيف رمى
قلت الشيخ صفي الدين الحلي، غفر الله له، غير مشكور في نظم هذا البيت فإن الطرد والعكس لم يأت به إلا في الشطر الأول، وهو غير ملتزم تسمية النوع، فإن تسمية
__________
1 آس: من المواساة وهي التعزية، الأرمل: الذي ماتت زوجته، عرا: ألم. أسا: أساء. والله أعلم.
2 عج: عاج بالمكان مر به ومال إليه، المنتجع: المقصود لفائدته.
(2/37)

هذا النوع بما لا يستحيل بالانعكاس، تستوعب جزءًا كبيرًا من البيت، ومع عدم التزامه بشيء من ذلك، جاء بيته في غاية العقادة، ولظلمة عقادته لم يلح لي فيه لمعة اهتدى بها إلى فهم معناه. وأعجب من ذلك أن البيت مبني على مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- والبيت الذي قبله:
من مثله وذراع الشاة كلمه ... عن سمه بلسان صادق الرنم
والبيت الذي بعده:
هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم
فبيت ما لا يستحيل بالانعكاس بينهما أجنبي، ونسبه بعيد من شرف هذين البيتين المنتسبين إلى النبي، صلى الله عليه وسلم:
لم يستحل بانعكاس في سجيته ... مدنٍ أخا طعم معط أخا ندم1
قلت الشيخ عز الدين -رحمه الله تعالى- يعذر هنا إذا احتجبت عنه مسالك الرقة، لالتزامه بتسمية النوع الذي استوعب جزءًا كبيرًا من بيته.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم
وقد حبست عنان القلم هنا، عن الإطناب في انسجام هذا البيت ورقة ألفاظه وتمكين قافيته، علمًا أن في إنصاف الذوق السليم من أهل الأدب ما يغني عن ذلك، والله أعلم.
__________
1 مدنٍ: من أدنى، مقرب.
(2/38)

ذكر التورية:
أوصافه الغر قد حلت بتورية ... جيدي وعقد لساني بعد ذا وفمي
التورية، يقال لها: الإيهام والتوجيه والتخيير. والتورية أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمّى، لأنها مصدر وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر. وهي في الاصطلاح، أن يذكر المتكلم لفظًا مفردًا له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجازًا، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد ويوري عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة، أنه يريد القريب وليس كذلك، ولأجل هذا سُمّي هذا النوع إيهامًا، ومثل ذلك قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيَّره النقط
فمن سمع هذا البيت توهم أنه يريد براء ودال حرفي الهجاء؛ لأنه صدر بيته بذكر الحروف وأتبع ذلك بالرسم والنقط، وهذا هنا هو المعنى القريب المتبادر أولًا إلى ذهن السامع، والمراد غيره وهو المعنى البعيد المورى عنه بالقريب؛ لأن مراده بالحرف الناقة، وبحرف النون تشبيه الناقة به في تقويسها وضمورها، وبراء اسم الفاعل من رأى إذا ضرب الرئة، وبدال اسم الفاعل من دلا يدلو إذا رفق في السير، وبالرسم أثر الدار، وبالنقط المطر. ومعنى هذا البيت أن هذه الناقة لضعفها وانحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتيها ولم يرفق بها في السير فهو غير دال، وقد تقدم أن الدالي هو الرفيق ويؤم بها دارًا غَيَّر المطر رسمها. واجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف الناقة؛ لأنها لو كانت قوية لما احتاجت إلى ضرب رئتيها، وإلى الرفق بها مع شدة شوقه إلى ديار أحبابه، وذلك باعث على شدة السير.
(2/39)

قال حذاق الأدب تراكيب التورية، في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخرين وطلاوة ألفاظهم، وزخارف بيوتهم تستحق قول القائل:
وما مثله إلا كفارغ حمص ... خليّ من المعنى ولكن يفرقع
لأن هذا النوع، أعني التورية، ما تنبه لمحاسنه إلا من تأخر من حذاق الشعراء وأعيان الكتاب، ولعمري إنهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب، فإن التورية من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة، وسحرها ينفث في القلوب، ويفتح بها أبواب عطف ومحبة، وما أبرز شمسها من غيوم النقد إلا كل ضامر مهزول، ولا أحرز قصبات سبقها من المتأخرين غير الفحول، ومما يؤيد قولي هذا، قول الشيخ صلاح الدين الصفدي -رحمه الله تعالى- في ديباجة كتابه المسمّى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام". ومن البديع ما هو نادر الوقوع، ملحق بالمستحيل الممنوع، وهو نوع التورية والاستخدام، فإنه نوع تقف الأفهام حسرى دون غايته عن مرامي المرام.
نوع يشق على الغبي وجوده ... من أي باب جاء يغدو مقفلا
لا يفرَع هضبته فارع1، ولا يقرع بابه قارع، إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب، وتجري ريحها بأمره رخاء حيث أصاب.
وقال الزمخشري، وهو حجة في هذا العلم: ولا نرى بابًا في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله، وكلام نبيه -صلى الله عليه وسلم- وكلام صحابته -رضي الله عنهم أجمعين- فمن ذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 لأن الاستواء على معنيين، أحدهما، الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب المورى به، الذي هو غير مقصود؛ لأن الحق تعالى وتقدس منزه عن ذلك، والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي وُرّي عنه بالقريب المذكور. انتهى. ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سئل في مجيئه عند خروجه إلى بدر فقيل لهم: ممن أنتم؟ لم يرد أن يعلم السائل فقال: "من ماء". أراد أننا مخلوقون من ماء، فورى عنه بقبيلة يقال لها ماء. ومنه ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "لا يزال المنام طائرًا حتى يقص فإذا قص وقع". ففي الكلام توريتان: لفظة طائر، ولفظة يقص، ويحتمل أيضًا أن يكون في لفظة وقع تورية ثالثة. ومنه قول أبي بكر -رضي الله عنه- في الهجرة، وقد
__________
1 فَرَع: الهضبة علاها.
2 طه: 20/ 5.
(2/40)

سئل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا؟ فقال: هادٍ يهديني. أراد أبو بكر -رضي الله عنه- هاديًا يهديني إلى الإسلام، فورى عنه بهادي الطريق، وهو الدليل في السفر.
وكانت خواطر المتقدمين عن نظم التورية بمعزل، وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل، لكنها ربما وقعت لهم عفوًا من غير قصد، لأنهم على كل حال ولاة هذا الشأن، وأدلة هذا الركب. وقيل إن أول من كشف غطاءها، وجلا ظلمة إشكالها، أبو الطيب المتنبي بقوله:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات مصطحبان
كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني
يريد أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان؛ لأن شبيبًا كان قيسيًّا والسيف يقال له يماني، فورى به عن الرجل المنسوب إلى يمن، ومعلوم ما بين قيس ويمن من التنافر. قلت: وكأن من قال: إن أبا الطيب أول من كشف غطاء التورية، ما لمح قول عمرو بن كلثوم في معلقته عن الخمرة:
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا1
الشاهد هنا في سخينا، فإن العرب كانوا يسخنون الماء في الشتاء لشدة برده، ثم يمزجونها به فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف والمعنى: فأضحى شرابًا سخينًا، وهذا هو المعنى القريب المورى به. ويحتمل السخاء الذي هو عبارة عن الكرم، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. ومراد الناظم ومما يؤيد قولي أنه المراد، قول الجوهري في الصحاح: قول من قال سخينًا من السخونة، نصب على الحال ليس بشيء فإن المراد لما خالطها الماء ومزجت به طبنا وسخينا بأموالنا: كقول عنترة:
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم2
والحص هو الزعفران على أحد الأقوال، وهو الذي شبه صفرتها به، فإن قيل: سخا
__________
1- الحص: الزعفران وهو ذو لون أصفر شبيه بلون بعض أنوع الخمرة، وسخينا: صيغة مبالغة من السخونة، وهي منصوبة على الحال وليس كما أورد الكاتب عن الجوهري إذ ليس ما يوجب التأويل الذي لجأ إليه الكاتب بقوله: فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف، والمعنى: فأضحى شرابًا سخينًا. والذي نراه أن البيت يحتمل تأويلين: الأول وهو: تراها مشعشعة لونها بلون الزعفران إذا مزحت بالماء سخينا، أي مسخنًا. والثاني: إذا شربناها مشعشعة لونها بلون الزعفران ممزوحه بالماء صرنا كرامًا.
2 لم يكلم: لم يتعرض لأذى والكلم هو الجرح.
(2/41)

مضارعه يسخو، ويسخو من ذوات الواو فلا يجوز أن يكون سخينًا فعلًا على هذا التقدير، فالإجماع عند أهل اللغة أنه يقال: سخا يسخا وسخا يسخو، وهذا مذهب الجوهري في الصحاح، وعلى هذا التقدير، فاشتراك التورية في سخينا صحيح ممكن من الوجهين. انتهى.
وكشف أيضًا عن قناع التورية في شعره النابغة الذبياني بقوله:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما1
أراد بالصيام ههنا القيام، وورى بقوله: تعلك اللجما، عن الصيام.
وأورد السكاكي، في المفتاح، للعرب من هذا الباب.
حملناهم طرًا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسًا
أراد بالحمل على الدهم، تقييدهم، وأوهم بالركوب على دهم الخيل.
قلت: وقبل المتنبي أيضًا بزمن طويل قال أبو نواس:
فتنت قلبي محببة ... وجهها بالحسن منتقب3
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام" امتحنت، ببيت أبي نواس جماعة ممن حاضرتهم وذاكرتهم وعاطيتهم كئوس الأدب وعاشرتهم، فبعضهم استخرج منه النكتة، وبعضهم لم أجد له إليها لفتة.
وقال البحتري:
ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب4
الشاهد في قوله: تملح، فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي ضد العذوبة، وهو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو المعنى البعيد المورى عنه، وقد تقدم من لوازمه على جهة التبيين قوله: ملية بالحسن.
__________
1 العجاج: الغبار، اللجم: جمع لجام وهي حديدة توضع في فم الحصان أو الفرس حتى تسهل السيطرة عليه.
2 الدُّهم: جمع أدهم: القيود، والمصائب، والخيول السوداء اللون، الطعان: القتال.
3 منتقبة: لابسة نقابًا وهو الحجاب.
4 ملية بالحسن: كثيرة الحسن.
(2/42)

وأما أبو العلاء، فإنه أتى في التورية بلمعة خفية الإيماء شديدة العقادة والتكلف، وذلك في قوله:
حروف السرى جاءت لمعنى أردته ... برتني أسماء لهن وأفعال
إذا صدق الجدّ افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
الجد هنا مشترك بين أبي الأب والسعد، ومراده السعد. والعم مشترك بين أخي الأب والجماعة من الناس، ومراده الجماعة. والخال مشترك بين أخي الأم والظن، ومراده الظن. قلت زحوف1 هذا البيت أيضًا لا تخفى إنه مكسوف بدخان العقادة، أين هذا من قول الشيخ تقي الدين السروجي:
في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك اشتهى شمها
حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنه عمها2
ومثله في اللطف والظرافة قول الشيخ عز الدين الموصلي:
لحظت من وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالي
قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ من خالي3
قلت: ولهذا وقع الإجماع على أن المتأخرين هم الذين سموا إلى أفق التورية وأطلعوا شموسها، ومازجوا بها أهل الذوق السليم لم أداروا كئوسها، وقيل إن الفاضل هو الذي عصر سلافة التورية لأهل عصره، وتقدم على المتقدمين بما أودع منها في نظمه ونثره، فإنه رحمه الله تعالى كشف بعد طول التحجب ستر حجابها، وأنزل الناس بعد تمهيدها بساحاتها ورحابها. وممن شرب من سلافة عصره، وأخذ عنه وانتظم في سلكه بفرائد دره، القاضي السعيد ابن سنا الملك، ولم يزل هو ومن عاصره مجتمعين على دور كأسها، ومتمسكين بطيب أنفاسها، إلى أن جاءت بعدهم حلبة صاروا فرسان ميدانها، والواسطة في عقد جمانها، كالسراج الوراق وأبي الحسين الجزار، والنصير الحمامي وناصر الدين حسن بن النقيب، والحكيم شمس الدين بن دانيال، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمى: "بفض الختام عن التورية
__________
1 زحوف: زحافات مصطلح عروضي يفيد تغييرًا يلحق ثاني السبب في التفعيلة العروضية.
2 الخال: نقطة سوداء تكون في الجلد "الشامة"، عمّها: أي ملأ جسمها كله.
3 عمي: تقال لكل رجل كبير في السن. وخالي: شامتي.
(2/43)

والاستخدام". وجاء من شعراء الشام جماعة تأخر عصرهم، وتأزر نصرهم، ولأن في هذا النوع هصرهم1 وبعد حصرهم، كل ناظم تود الشعرى2، لو كانت له شعرًا، ويتمنى الصبح لو كان له طرسًا والغسق مددًا والنثرة3 نثرًا، ما حلا من بنات فكره خودًا4 إلا شاب لحسنها الوليد، وسيرها في الآفاق وبين يديها من النجوم جوارٍ5 ومن الشعراء عبيد، كالشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة، والأمير مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ومحيي الدين بن قرناض الحموي، وشمس الدين محمد بن العفيف، وسيف الدين بن المشد. وقال الشيخ صلاح الدين في أواخر ديباجة كتابه المذكور. ومع هؤلاء جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم، ويعز عليّ إذ لم أرهم على تكاثرهم لفوات عصرهم. وتلطف بقوله بعد ذلك: ولا تقل أيها الواقف على هذا التأليف، لقد أفرطت في التعصب لأهل مصر والشام، على من دونهم من الأنام، وهذا باطل ودعوى عدوان، وحمية لأوطانك ومن جاورها من البلدان. فالجواب أن الكلام في التورية لا غير، ومن هنا تنقطع المادة في السير، ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان. فالمقياس بيننا والشقراء6 والميدان. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي.
قلت: قد تقدم وتقرر أن التورية عند علماء هذا الفن بمنزلة الإنسان7 من العين، وسموها في البلاغة سموّ الذهب على العين8، وقد ثبت أن خواطر المتقدمين كانت بها شحيحة، وأفكارهم لا تقصد مظانها9 وإن كانت سليمة صحيحة، لكنها ربما وقعت لهم عفوًا من غير مرام10، فنقول إنها رمية من غير رامٍ. وقد علم أن المتأخرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها11، والمتفكهين في أدواح الأدب بثمراتها، فإذا جليت عرائس أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يمل المتأمل، اللهم إلا أن يكون سيف
__________
1 هصرهم: غمزهم.
2 الشعرى: كوكب نيّر يطلع في الجوزاء في شدة الحر.
3 النثرة: مجموعة من النجوم في صورة السرطان تشكل المنزلة الثامنة من منازل القمر.
4 الخود: الفتاة الحسناء.
5 جوارٍ: جمع جارية: وهي الخادمة.
6 الشقراء: الفرس.
7 الإنسان: إنسان العين، بؤبؤها.
8 العين: ما ضرب نقدًا من الدنانير.
9 مظانها: أماكنها التي يصعب الوصول إليها.
10 مرام: مطلب.
11 المشكاة: مكان وضع المصباح أو القنديل.
(2/44)

ذهنه كليلًا1 فيقول إنه من هذا الفن متنصل2، فإن هذه العرائس لم تبرز لمتأمل إلا من خدور هذا الكتاب، وإذا طلبها من غيره توارت عنه بالحجاب، فإذا سرح المتأمل طرفه وأمسى في كل واد من محاسنها يهيم، وتنوعت حلاوات أنواعها لذوقه السليم، جردت سيف العزم وأقمت لكل نوع حدًّا، ونظمت له من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع عقدًا، فإن الشيخ صفي الدين الحلي لم يذكر في شرح بديعيته نوعًا من أنواع التورية، ولا قسمًا من أقسامها، بل ذكر حد التورية الذي أجمع الناس عليه وقال: هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد، فيذكر لفظًا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد.
قلت: ومن أين يعرف الطالب من هذا الحد التورية المجردة، والتورية المرشحة وقسميها، والمبنية وقسميها، والمهيأة وأقسامها.
وكذلك العلامة زكي الدين بن أبي الأصبح، لم يذكر في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" نوعًا من أنواعها ولا قسمًا من أقسامها، مع أن كتابه ما وضع في هذا الفن له نظير، بل قال: التورية، وتسمى التوجيه، وهي أن يكون الكلام يحتمل معنيين، فيستعمل المتكلم أحد احتماليه ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله.
وأما صاحب التلخيص فإنه قال، مشيرًا إلى البديع: ومنه التورية، وتسمى الإيهام أيضًا، وهي أن يطلق لفظ له معنيان، قريب وبعيد، وهي ضربان: مجردة ومرشحة. ولم يزد على هذا القدر شيئًا.
وإذا أردت ما وعدت بإيراده من طلاوة المتأخرين في التورية، شرعت في الكلام على أنواعها وأقسامها، ليسير ركب الأدب في طرقها المتشعبة بدليل، ويصير لديباجة هذا النوع تفصيل، وقد قدمت ذكر الفاضل ومن فضل بعده، في باب الاستخدام، ولكن لم يمكن اختصارهم في باب التورية، فإنهم فرسان حلباتها، وأجل من سكن غريب نظمه بأبياتها، وكل ما أوردته لهم ولغيرهم من التورية في غير بابه، تعين نظم شمله هنا، ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه. فمن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله من مديح قصيدة طائية، وهي نكتة لم تختل في صدر غيره، وهو:
أما الثريا فنعل تحت أخمصه ... وكل قافية قالت لذلك طا3
__________
1 كليلًا: غير قاطع.
2 تنصل: تخلص، نفى إسهامه.
3 طا: أي طأ. أمر من وطأ.
(2/45)

ومثله قوله:
في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر
ومثله قوله:
وكنت وكنا والزمان مساعد ... فصرت وصرنا وهو غير مساعد
وزاحمني في ورد ريقك شارب ... ونفسي تأبى شركها في الموارد
ومن هنا أخذ الشيخ عز الدين الموصلي، وقال:
لقد كنت لي وحدي ووجهك حضرتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب
فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ثغرك شارب
ومن نظم الفاضل أيضًا، في بوّاب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلة ... فها أنا قد وليته دونكم ظهري1
وهب أن البحر الذي يخرج الغنى ... فكلّ خرافي الشط في لحية البحر"ي"2
ومثله قوله:
عاتبته فتضرجت وجناته ... والقلب صخر لا يلين لقاصد3
فنظرت من ذا في حرير ناعم ... وضربت من ذا في حديد بارد
ومن اختراعاته التي لم تجل في فكر غيره، قوله من مديح قصيدة عادلية.
وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامه
وهذا الدر منثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه
وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه
ومنه قوله أيضًا:
بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان طرفي بالبكاء بخيلا
__________
1 قبلة: مقصدًا، وجهة والقبلة: الجهة التي يتوجه إليها المسلمون في أثناء صلاتهم وتكون فيها الكعبة الشريفة.
2 الخرا: روث الإنسان، وإضافة الياء إلى البحر تجعله اسما للبواب المقصود.
3 تضرج: أشرب حمرة. أو تلون بلون الدم.
(2/46)

يا قلب كم خلفت ثم بثينة ... وأظن صبرًا أن يكون جميلا1
ومنه قوله وأجاد إلى الغاية
وقائل وثب الأعداء قلت له ... كما الفراش على نيرانه يثب
فإن ثوب الذي عاداكم كفن ... كما بيوت الذي عاصاكم ترب2
بلغتموهم مناهم في ترفعهم ... والقوم ما ارتفعوا إلا وقد صلبوا
هل السيوف عيون في الجفون لكم ... فإنها لقراب البغي ترتقب3
ومن نثره، في هذا الباب، قوله في يوم شديد المطر والبرد: والخادم في رأس جبل يتلقى الرحمة غضة قبل أن يبتذلها الناس، ويصافح الرياح عاصفة قبل أن تقتسمها الأنفاس، ويتلقى الرعد بالرعدة4، وإذا السماء انشقت استصحاها المملوك بالسجدة5.
وقد تقدم القول إن ممن أخذ عنه ونهل من موارده العذبة، القاضي السعيد ابن سنا الملك فمن نظمه في هذا الباب قوله:
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقى برهطك6
ملكت الخافقين فتهت عجبًا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك7
ومنه قوله أيضًا:
وفي الحي من صيرتها نصب خاطري ... فما آذنت في نازل الشوق بمرفع
تتيه بفر منه أصل بليتي ... ولم أر أصلًا قط يسعى إلى فرع
ومنه قوله:
ليس إلا دمعي الذي من رأي جفـ ... ـني رآه كأن دمعي هدبي
أنجم الدمع لا تغيب شروقًا ... مع أني رأيتها في الغرب
__________
1 بثينة: حبيبة جميل بن معمر الشاعر العذري، ويقصد بها مجرد الحبيبة، جميلًا: جميل بن معمر، والصبر الجميل.
2 تُرب: خربة، فاسدة.
3 عيون: حراس، الجفون: جمع جفن وهو غمد السيف، قراب: غمد، البغي: الظلم.
4 الرعدة: الإرتجاف.
5 استصحاها: طلب صحوها، بالسجدة: أي بسورة السجدة من القرآن الكريم.
6 رهط الرجل: قومه وعشيرته.
7 تاه: افتخر، القرط: ما تتحلى به المرأة في أذنيها.
(2/47)

ومنه قوله:
صفاتك في كل الوجوه صحيحة ... فلحظك نصبي وهو إن صحفوا يصبي1
حرست الحشا من ناظريك بصارم ... فكسرة ذاك الجفن من ذلك الضرب
ومما سبق إليه الناس، في هذا الباب، قوله:
وفي القلب تصديع وفي الوصل جبره، وفي الخد دينار وفي الجفن كسره
وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال:
في خده وجفونه ... للحسن دينار وكسر
وتلاعب الناس، بعد ابن سنا الملك، بهذا المعنى كثيرًا حتى وصل إلى المعمار فقال:
كم حوى جفني معنى ... قلت ألفًا وكسورا
ولم يزل ابن سنا الملك يتلاعب في التورية باختراعاته، ويسكنها في عامر أبياته، إلى أن ظهر بعده السراج فجلا غياهبها بنور مشكاته، وتعاصر هو وأبو الحسين الجزار والنصير الحمامي، وتطارحوا كثيرًا وساعدتهم صنائعهم وألقابهم في نظم التورية، حتى إنه قيل للسراج الوراق لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك، فمن ذلك قوله:
شعريتي مذ رمدت قد حبست ... طرفي عنكم فصرت محبوسًا2
الحمد لله زادني شرفًا ... كنت سراجًا فصرت فانوسًا
وقال من أبيات، فيمن تلقب بالضياء، وأجاد:
أمولانا ضياء الدين دم لي ... وعش فبقاء مولانا بقائي
فلولا أنت ما أغنيت شيئًا ... وما يغني السراج بلا ضياء3
ومثله قوله فيه:
وما أنا سائر في ليل خطب ... تساوى الصبح فيه والمساء4
فلا أنا مثل ما أدعى سراج ... ولا هو مثل ما يدعى ضياء
__________
1 نصبي: متعبي، من النصب، أو غايتي إذا كان بمعنى نصب عيني، التصحيف: هو تغيير الكلمة عن طريق زيادة نقط حروفها أو نقصها، يصبي: يعيد الصبا.
2 رمدت: هاجت وورمت، أو ذاعت واشتهرت.
3 المثل السائر أو السراج: لقب الشاعر، الضياء: لقب الممدوح.
4 الخطب: المصيبة إذا ألمت.
(2/48)

ومنه قوله:
وكنت حبيبًا إلى الغانيات ... فألبسني الشيب هجر الشبيب1
وكنت سراجًا بليل الشباب ... فأطفأ نوري نهار المشيب
وكتب إلى بعض الرؤساء:
بكتبك راج لي أملي وقصدي ... وفي يدك النجاح لكل راج
ولولا أنت لم ترفع مناري ... ولا عرف الورى قدر السراج2
ومنه قوله، يتقاضى من بعض الرؤساء شمعًا:
ما علينا ضوء وقد أبطأ السمـ ... ـع فقوض به خيام الدياجي
وتدارك بيتًا عليه ظلام ... لم يكد ينجلي بنور السراج
وقال، وقد اجتمع شمس الدين بيلبك وبدر الدين آق سنقر:
لما رأيت الشمس والبدر معًا ... قد انجلت دونهما الدياجي
حقرت نفسي ومضيت هاربًا ... وقلت ماذا موضع السراج
وظريف قوله في هذا الباب:
بُنِيّ اقتدى بالكتاب العزيز ... وراح لبري سعيًا ولاجا3
فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أبًا ولكوني سراجا
ومنه قوله:
أقول في يوم شتاء له ... من سحبه ما خلف النيلا
خرجت من بيتي سراجًا وقد ... عدت بحمد الله قنديلا
وكتب إلى أبي حسين الجزار في عيد الأضحى:
أجبت بعيد النحر من كان سائلي ... عن الحال في عيدي وقد مر ذكره4
إذا بطل الجزار والعيد عيده ... فلا تسأل الوراق فالعذر عذره
__________
1 الشبيب: الشبيبة: الشبان والشابات.
2 الورى: الناس، السراج: أداة الضوء، ولقب الشاعر.
3 الكتاب العزيز: القرآن الكريم، ولاج: داخل، من ولج: دخل.
4 عيد النحر: من أسماء عيد الأضحى، سُمي به لأن الحجاج ينحرون الأضاحي فيه قربة إلى الله تعالى.
(2/49)

ومنه قوله:
إلهي لقد جاوزت سبعين حجة ... فشكرًا لنعماك التي ليس تكفر
وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونورًا لذا قالوا السراج المعمر1
وعمم نور الشيب رأسي فسرني ... وما ساءني أن السراج منوَّر
ومن أظرف ما وقع له في هذا الباب قوله:
كم قطع الجود من لسان ... قلّد في نظمه النحورا
فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا
ومثله قوله:
أثنى عليَّ الأنام أني ... لم أهج خلقًا ولا هجاني
فقلت لا خير في سراج ... إن لم يكن دافئ اللسان2
ومثله قوله:
إذا بحت بالشكوى عنيت معاشرًا ... بلا راحة في مدحهم أتعبوا ذهني
يريدونني رطب اللسان ومن رأى ... سراجًا غدا رطب اللسان بلا دهن
وكتب إليه الأمير نصير الدين الحمامي، وهو مقيم بالروضة:
كم قد ترددت للباب الكريم لكي ... أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري
وأثني خائبًا مما أؤمله ... وأنت في روضة والقلب في نار
فكتب إليه السراج:
الآن نزهتني في روضة عبقت ... أنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنيت بها ... وكل بيت أراه بيت خمار
فلا تغالط فمن فينا السراج ومن ... أولى بأن قال إن القلب في نار
وقال النصير يومًا للسراج الوراق:
قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين، وأشتهى أن تثني عليها بحضرته، وسيرها إلى الصاحب. فلما أنشدت بحضرة السراج، قال السراج بعدما فرغ منها:
__________
1 السراج المعمّر: المضاء، والسراج: لقب الشاعر، المعمّر: الذي عاش كثيرًا وكبر في السن.
2 دافئ اللسان: لا يتكلم بالفاحش من القول.
(2/50)

شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم النصير
ومنه قوله:
طوت الزيارة إذ رأت ... عصر الشباب طوى الزياره
ثم انثنت لَمّا انثنى ... بعد الصلابة كالحجارة
وبقيت أهرب وهي تسـ ... ـأل جارة من بعد جاره
وتقول يا ستي استرحـ ... ـنا لا سراج ولا مناره1
ومما وَرّى به عن صناعة الوراقة قوله:
نصب الحشا غرضًا فقرطس إذ رمى ... وهي القلوب سهامها الأحداق2
وسألته وصلا فقال يحجني ... يا ليت شعري من هو الوراق
ومثله قوله:
يا خجلتي وصحائفي سود غدت ... وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق3
ومن لطائفه، في غير لقبه وصناعته، قوله:
قالوا وقد ضاعت جميع مصالحي ... لهموم نفس ليت لا حملتها
قد كان عندك يا فلان صريمة ... فأجبتهم بعت الحمار وبعتها4
ومنه قوله:
رفضوا الشعر جهدهم ورموه ... بينهم بالهوان والإزدراء
فلو أن الكتاب كان بأيديـ ... ـهم محوا منه آية الشعراء5
وله في المعنى وأجاد:
يا بني الآمال قد خاب الرجا ... وقد اشتدت وقد عز العزاء
سفن الآمال في بحر المنى ... وحلت منا فأين الرؤساء
__________
1 الست: السيدة
2 قرطس: أصاب القرطاس، وأَهْلَكَ. الأحداق: سواد العيون.
3 القيامة: يوم المعاد والحساب.
4 الصريمة: العزيمة.
5 الكتاب: القرآن. آية الشعراء: سورة الشعراء.
(2/51)

وقال في المعنى:
أصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب
ورب الشعر عندهم بغيض ... ولو وافى به لهم حبيب
من لطائفه قوله:
وقائل لي لما أن رأى قلقي ... من انتظاري لآمال تعنينا2
عواقب الصبر فيما قال أكثرهم ... محمودة قلت أخشى أن تخرينا
ومن لطائفه بعد تخرينا قوله:
أتيت أرجيه في حاجة ... فلم تنبعث نفسه الجامده
وفتل في ذقنه والنفوس ... تعاف المفتلة البارده3
ومنه قوله:
دع الهوينا وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كداحه
وكن عن الراحة في عزلة ... فالصفع موجود مع الراحة
وأنشده الجزار وهو يسرح ذقنه مماجنًا:
لا تعجب من لباسي ... فكل أمري لبس4
والله ما ثَمّ مآل ... وإنما ثم نفس
فأجابه على الفور:
صدقت ما ثم مال ... وإنما ثم نحس
وثم أخرى وأخرى ... فيها وعندك حدس
ومنه قوله:
ومغمومات روس باكرتنا ... بطيب شذا ولا طيب العروس
فقمت بما يلين لها فقالت ... يحق لك القيام على الرءوس
__________
1 حبيب: هو أبو تمام حبيب بن أوس الشاعر.
2 عناه: الأمر، أتعبه.
3 المفتلة الباردة: كناية عن البراز وهو روث الإنسان.
4 لبس: اشتباه واختلاط.
(2/52)

ومنه قوله:
وأحمق أضافنا ببقله ... لنسبة بينهما ووصله
فمن أقل أدبًا من سفله ... قد مد في وجه الضيوف رجله
ومنه قوله:
وسائل يسأل مني وقد ... أنشدت شعرًا دونه الشعرى
يقول لي إذ كنت في معشر ... قد عبدوا البيضاء والصفرا
هل حصلت دائرة بينهم ... قلت بلى بطيخة خضرا
ومنه قوله:
مدحته جهدي فما اهتز من ... قولي ونادى الناس كم تتعب
فقلت أرجو زبدة قيل لي ... فاتك أين اللبن الطيب
ومن لطائفه أيضًا قوله:
كان أيرًا صار سيرًا ... يلطم الأكساس سخره
كيف لا ينفرن عني ... ومعي شيب ودره
ومنه قوله:
فسر لي عابر منامًا ... فصل في قوله وأجمل
وقال لا بد من طلوع ... فكان ذاك الطلوع دمل
ومنه قوله وقد طلب شرابًا فما وصل إليه:
لا تطمعنَّ براحة من معشر ... سادوا بغير مآثر السادات
قطعت عن المعروف أيديهم وقد ... سرقوا العلا فخلت من الراحات
ومن نكته البديعة في مدائحه قوله:
رأيت قطوف عفوك دانيات ... فنحن على المدى نجني ونجني
وكم بات المسيء قرير عين ... وسيفك إن حلمت قرير جفن1
__________
1 إذا عفوت فإن سيفك يبقى لا يتحرك، قريرًا في غمده "جفن".
(2/53)

وكتب إلى فتح الدين بن عبد الظاهر:
أنا تحت وعدك واعد أملي بما ... يرجوه من ظفر ومن نجح
إذ قال أين الجود قلت أجيبه ... مع أين مبني على الفتح
ومنه قوله:
ومبخل بالمال قلت لعله ... يندى وظني فيه ظن مخلف1
جمع الدراهم ليس جمع سلامة ... فأجابني لكنه لا يصرف
وكتبت في هذا المعنى، إلى الخواجا شهاب الدين بن لؤلؤ الذهبي، بدمشق المحروسة، وقد مطلني في صرف دنانير أحلت بها عليه:
قد منعتم صرف الدنانير عني ... ولكم في الورى هبات كثيرة
وأنا شاعر وفي شرع نظمي ... صرفها واجب لأجل الضروره
وكتب السراج إلى بعض أصحابه يطلب كتابًا:
لك في المكارم سنة مألوفة ... معروفة في الأنساب والأسباب
فابعث لعبدك بالكتاب فلم تزل ... تقواك تشفع سنة بكتاب2
ومن لطائفه في شخص اسمه عرفات:
أطنبوا في عرفات وغدوا ... يتعاطون له حسن الصفات
ثم قالوا لي هل وافقتنا ... قلت عندي وقفة في عرفات3
ومن أغزاله قوله:
وفاتك يجرح سيف لحظه ... مجردًا عن جفنه ومغمدا
خاف على خديه من لحاظه ... فبات في عذاره مزردا4
ومنه قوله، وهو في غاية الحسن:
ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يومًا إلَيَّ فقلت من ألم الجوى
لم لا تميل إلى يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من جهة الهوى
__________
1 يندى: يكرم، يجود. مخلف: لا يصدق.
2 شفع الأمر بالأمر: أتبعه به. السنة: ما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول وفعل وأثر. الكتاب: القرآن.
3 وقفة: وقوف، واعتراض. عرفات: الجبل المعروف واسم الشخص.
4 العذار: الشعر ما بين العين والأذن. مزرد: مقيد بالزرد الذي شبه به العذار.
(2/54)

ومثله قوله:
قلت للأهيف الذي فضح الغصـ ... ـن كلام الوشاة ما ينبغي لك1
قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك
ومنه قوله:
عذبت طرفي بالسهاد فليله ... قد مات عنه تعيش أنت صباحه
وألح سائل أدمعي فحرمتني ... ولكم أضر بسائل إلحاحه
وقال في مليح قلندري:
عشقت من ريقته قرقفًا ... وما لها إذ ذاك من شارب2
قلندريًّا حلقوا حاجبًا ... منه كنون الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدله ... فاختار أن يبقى بلا حاجب
ومنه قوله:
ولنا ساقٍ جواد كفه ... وكَفَتْ بالراح سحبًا بعد سحب3
قال يوم فاق كعبًا في الندى ... قمت لا غرو لساق فوق كعب4
ومنه قوله:
يا ساكنًا قلبي على أنه ... بوجده في قلق دائب
قلبي من خوف النوى واجب ... وأنت لم تخرج عن الواجب5
نكتة الواجب أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة، ولكن سبكها في غير هذا القالب، في قوله في رامي بندق:
إسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب6
صرعت طيرًا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب
__________
1 الوشاة: جمع واشي وهو المفسد بين المتحابين.
2 القرقف: الخمر.
3 وكف: صب. انهل.
4 الندى: الكرم والعطاء. لا غرو: ليس غريبًا.
5 وجب: خفق، واضطرب.
6 البرزة: المرأة التي تجالس الرجال.
(2/55)

ويعجبني من تغزلات السراج الوراق قوله:
أقول لهم شبهت بالغصن قدها ... فقالوا رأينا قدها منه أرشقا
فقلت وبالرمان شبهت نهدها ... فقالوا إذن شبهت شيئًا محققا
ومنه قوله:
وقفت بأطلال الأحبة سائلًا ... ودمعي يسقى ثم عهدًا ومعهدا
ومن عجب أني أروي ديارهم ... وحظي منها حين أسألها الصدا1
ومنه قوله:
وبي من البدو كحلاء الجفون بدت ... في قومها كمهاة بين آساد
بنت عليها المعالي من ذوائبها ... بيتًا من الشعر لم يمدد بأوتاد
وأوفدت وجناتها النار لا لقرى ... لكن لأفئدة من وأكباد2
فلو بدت لحسان الخصر قُمْنَ لها ... على الرءوس وقلن الفضل للبادي
قلت ديوان الشيخ سراج الدين الوراق سبعة مجلدات من القطع الكامل، ولكن الذي جنيته وفكهت المتأمل به هنا هو ثمرات تلك الأوراق، وجمع الشيخ صلاح الدين الصفدي من ديوانه كتابًا لطيفًا وسماه: "لمع السراج" ولكن رأيت نور السراج فيه قليلًا.
ومن مقاطيف الجزار في سمين التورية، قوله موريًا في صناعته:
ألا قل للذي يسأ ... ل عن قومي وعن أهلي
لقد تسأل عن قوم ... كرام الفرع والأصل
ترجيهم بنو كلب ... وتخشاهم بنو عجل3
ومثله قوله:
إني لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب وسل عنهم إن رمت تصديقي
تضيء بالدم إشراقًا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق4
__________
1 الصدا: العطش.
2 القِرى: إطعام الضيوف.
3 الكلب، يرجو الجزار لما يرميه له، والعجل يخشاه لما يفعله به.
4 العراص: ساحات الدور. أيام التشريق: أيام ثلاثة تلي أيام الحج مباشرة وعيد الأضحى على الخصوص، تشرق فيها لحوم الأضاحي أي تقدد.
(2/56)

ومثله قوله:
أصبحت لحامًا وفي البيت لا ... أعرف ما رائحة اللحم
واعتضت من فقري ومن فاقتي ... عن التذاذ الطعم بالهم
جهلته فقرًا فكنت الذي ... أضله الله على علم
ومثله قوله:
أعمل في اللحم للعشاء ولا ... أنال منه العشا فما ذنبي
خلا فؤادي وفي فمي وسخ ... كأنني في جزراتي كلبي1
وظريف قوله:
كيف لا أشكر الجزارة ما عشـ ... ـت حفاظًا وأرفض الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيـ ... ـني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وقلبه أيضًا وقال:
لا تعبني بصنعة القصاب ... فهي أذكي من عنبر الآداب2
كان فضلي على الكلاب فمذ صر ... ت أديبًا رجوت فضل الكلاب
ومثله قوله:
معشر ما جاءهم مسترفد ... راح إلا وهو منهم معسر
أنا جزار وهم من بقر ... ما رأوني قط إلا نفروا3
وقال متهكمًا على المتنبي:
تعاظم قدري على ابن الحسين ... فذهني كالعارض الصيب4
وكم مرة قد تحكمت فيه ... لأن الخروف أبو الطيب5
__________
1 الجزارة: دكان الجزار، وهو هنا بيته.
2 القصاب: الجزار.
3 نقر: خاف وهرب، نقز.
4 ابن الحسين: هو المتنبي واسمه: أحمد بن الحسين الجعفي. العارض: المطر في غير أوانه. الصيب: الغزير.
5 أبو الطيب: كنية المتنبي.
(2/57)

وكتب إليه الشيخ نصير الدين الحمامي، موريًا عن صناعته:
ومذ لزمت الحمام صرت بها ... خلا يداري من لا يداريه
أعرف حر الأشياء وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه
فأجابه أبو الحسين الجزار بقوله:
حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والحظوظ تختلف
والعبد مذ صار في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف
ومن لطائفه البديعة، ما كتب به إلى بعض الرؤساء، وقد منع من الدخول إلى بيته في يوم فرح:
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمول
أتيت لبابك أرجو الغنى ... فأخرجني الضرب عند الدخول
وكتب إلى بعض الرؤساء يستهدي منه قطرًا:
يا علم الدين الذي جود كفه ... براحته قد أخجل الغيث والبحرا
لئن أمحلت أرض الكنافة إنني ... لأرجو لها من سحب راحته القطرا1
هذا القطر تحلى به الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله:
لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي
والقطر أرجو ولا عجيب ... للقطر يرجى من الغمام
تلاعب الناس به بعده كثيرًا.
ويعجبني من تغزلات أبي الحسين الجزار قوله:
تكلف بدر السما إذ حكى ... محياك لو لم يشنه الكلف2
وقام بعذري فيك العذار ... فأجرى دموعي لما وقف
__________
1 الكنافة: نوع من الحلوى. القطر: هو السكر مذابًا بالماء ومغليًّا مع إضافة قليل من الحامض إليه والعطاء.
2 الكلف: حبوب سمراء تعتري وجه الحامل "النمش".
(2/58)

ومنها قوله:
حمت خدها والثغر عن حائم شج ... له أمل في مورد ومورد1
وكم هام قلبي لارتشاف رضابها ... فأعرب عن تفصيل نحو المبرد2
ومن لطائف مجونه في التورية قوله:
تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن
لو برزت صورتها في الدجى ... ما جسرت تبصرها الجن
كأنها في فرشها رمة ... وشعرها من حولها قطن3
وقائل قال ما سنها ... فقلت ما في فمها سن
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: رأيت أبا الحسين بالقاهرة عند الشيخ قطب الدين بن القسطلاني، فقال لي الشيخ قطب الدين: هذا هو الأديب أبو الحسين الجزار، فأنشدني لنفسه، وكتبت عنه:
من منصفي من معبر ... كثروا عليَّ وأكثروا
صادقتهم وأرى الخروج ... من الصداقة يعسر
كالخط يسهل في الطرو ... س ومحوه يتعذر
وإذا أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر4
ومما شرح الصدور والقلب من قول الحمامي:
وكدرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحًا بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيب
ومنه قوله:
لي منزل معروفة ... ينهل غيثًا كالسحب
أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب5
__________
1 الحائم: الذي يحوم حول الشيء ولا يستطيع الوصول وهو بأمس الحاجة إليه. المورد: مكان الوُرُود أي الشرب. ويقصد هنا الفم لما فيه من الرضاب. الموَرّد: الخد.
2 الرضاب: الريق. أعرب: انكشف، عن أسنان كأنها البرد المنضود.
3 الرِّمَّة: بقية الجثة بعد الموت
4 كشط: أزال.
5 الجنب: القريب الذي بيته إلى جانب بيتك.
(2/59)

ومن لطائفه، ما كتب به إلى السراج الوراق، على يد مليح ولسانه:
عبدك يا مولاي وافى بها ... وَفّى بها معنى لمن يعقل
وهو على الباب ومقصوده ... وفيك فهم أنه يدخل
ومن نكته اللطيفة قوله:
أصبحت من أغنى الورى ... وطائرًا بالفرح
الخمر عندي ذهب ... أكتاله بالقدح
وقوله:
أقول للكاس إذ تبدى ... بكف أحوى أغن أحور1
أخربت بيتي وبيت غيري ... وأصل ذا كعبك المدور
ومن لطائفه في تغزلاته قوله:
ما زال يسقيني زلال رضابه ... لما خفيت ضنى وذبت توقدًا
ويظنني حيًّا رويت بريقه ... فإذا دعا قلبي يجلو به الصدى
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وتقوى عليه بالسيف، فقال:
أدعو السيوف صقيلة من لحظه ... وإذا دعوت لماه جاوبني الصدى2
ومن لطائفه في مداعباته قوله:
رأيت شخصًا آكلًا كرشة ... وهو أخو ذوق وفيه فطن
وقال ما زلت محبًّا لها ... قلت من الإيمان حب الوطن
وممن انتظم في سلك الجماعة وانتصر للتورية وحسن مواقعها، ناصر الدين حسن بن النقيب:
وجردت مع فقري وشيخوختي التي ... بها اليوم نومي عن جفوني مشرد
فلا يدعي غيري مقامي فإنني ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرد
__________
1 الأحوى: الأسود لشدة نضارته، الأغن: في صوته غنّه. الأحور: الشديد بياض، بياض العين وسواد سوادها.
2 اللما: الرفقة. الصدى: رجع الصوت.
(2/60)

ومن نكته الغريبة في التورية قوله:
أقول وقد شنوا إلى الحرب غارة ... دعوني فإني آكل الخبز بالجبن
ومثل ذلك قوله:
أقول لنوبة الحمى أتركيني ... ولا يك منك لي ما عشت أوبه1
فقالت كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه2
ومن لطائفه قوله:
قالوا رأينا العلق ينق مسرفًا ... والعلق لا شيء لديه ولا معه3
فأجبتهم إنفاقه من جحره ... قالوا صدقت لذاك ينفق من سعه
ومن لطائف ما وقع في تورية السعة، قول أبي الحسين الجزار وقد وقف على باب ابن الزبير ومنع من الدخول دون غيره، فكتب رقعة وأرسلها إلى ابن الزبير، فإذا فيها:
الناس قد دخلوا كالأير أجمعهم ... والعبد مثل الخصي ملقى على الباب
فلما وقف ابن الزبير على هذا البيت، أمر بعض الخدم أن يقف على الباب وينادي، ادخل يا خصي فدخل وهو يقول: هذا دليل على السعة، ومنه قوله:
ومكرش أضحى يحلق سفله ... لعساه لا يشكى إليه ويشكر
ويقص لحيته فإن ناديته ... لباك وهو محلق ومقصر
ويعجبني من لطائفه قوله في داره:
ودار خراب بها قد نزلت ... ولكن نزلت إلى السابعة4
طريق من الطرق مسلوكة ... محجتها للورى شاسعه
فلا فرق ما بين أني أكون ... بها أو أكون على القارعه
تساررها هفوات النسيم ... فتصغى بلا أذن سامعه
__________
1 الأوبة: واحدة الإياب وهو الرجوع.
2 النوبة: الأولى بمعنى: دورة الوجع والثانية بمعنى الحاشية والحرس.
3 العِلق: النفيس من كل شيء.
4 السابعة: أي الأرض السابعة.
(2/61)

وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعة
إذا ما قرأت إذا زلزلت ... خشيت بأن تقرأ الواقعة1
ومنه قوله:
جودوا لتسجع بالمديـ ... ـح على علاكم سرمدا
فالطير أحسن ما يغرد عنـ ... ـد ما يقع الندى
ومن بدائع أغزاله قوله:
وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي2
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي
ومن لطائف مجونه قوله:
نفقت لي رأس من الخيل كانت ... تسبق البرق والرياح الزعازع3
وابتلى الله في المشاعر أخرى ... بشقاق لها عن المشي مانع
وإذا قيل كم بقي لك رأس ... قلت رأس لكن بغير كوارع4
ومن لطائفه أيضًا في تورية المطوق قوله:
أنت طوقتني صنيعًا وأسمعتك ... شكرًا كلاهما ما يضيع5
فإذا ما شجاك سجعي فإني ... أنا ذاك المطوق المسموع6
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة سجع المطوق، ووصل به عدة مقاطيع، ومن غاية تغزلاته قوله:
رميت بمهجتي جمرات شوق ... ولم تأخذ بالمشتاق رأفه
فهرول دمع عيني فوق خدي ... وما حصلت له مع ذاك وقفه
__________
1 "إذا زلزلت" "والواقعة" من سور القرآن الكريم.
2 الغِرة: الإغترار وعدم التجريب.
3 نفق: الحيوان، مات. الزعازع: الهوجاء.
4 الكوارع: القوائم.
5 الصنيع: عمل المعروف.
6 المطوق، والمطوقة: الحمامة.
(2/62)

ومن لطائف مجونه قوله:
قال لي الواسع صف لي ... مثل ما أعرف وصفك
أين باب الخرق قل لي ... قلت باب الخرق خلفك
ومن غرائب النكت قوله:
أبيات شعرك كالقصو ... ر ولا قصور بها يعيق
ومن العجائب لفظها ... حر ومعناها رقيق1
ومن بديع اختراعاته قوله:
قالوا قد احترقت بالنار راحته ... وهي الغمام ومنها الوابل الغدق2
وقال قوم وما ضلوا وما وهموا ... بأنها النيل قلت النيل يحترق
ومن غريب نكته قوله:
بخالد الأشواق يحيي الدجى ... يعرف هذا العاشق الوامق3
فخذ حديث الوجد عن جعفر ... من دمع عيني إنه الصادق
ومن بديع تغزله قوله:
يا مالكي ولديك ذلي شافعي ... ما لي سألت فما أجبت سؤالي
فوخدك النعمان إن بليتي ... وشكايتي من جفنك الغزال4
ومن بديع غزله قوله:
أقول لمن جفنه سيفه ... ولكنه ليس يخشى نبوّه5
تكلف جفنك حمل الفتور ... وأخرج فيه من الضعف قوة
ومن نكته الغريبة قوله:
قلت لسقم الجسم متى وقد ... أفرط بي فرط ضنى واكتئاب
فعلت بي يا سقم ما لم يكن ... تلبس والله عليه الثياب
__________
1 الرقيق: العبد، أو من الرقة.
2 الوابل الغدق: المطر الغزيل.
3 الوامق: المحب.
4 النعمان: شقائق النعمان والنعمان بن المنذر الملك. الغزال: والغزالي الفيلسوف.
5 نبوَّه: من نبا السيف إذا أخطأ، والسهم طاش ولم يصب.
(2/63)

وممن حصل الجلاء لعيون التورية بملاطفته، الحكيم شمس الدين بن دانيال، من لطائفه قوله:
يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وا ضيعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
ومنه قوله:
كم قيل لي إذا دعيت شمسًا ... لا بدَّ للشمس من طلوع
فكأن ذاك الطلوع داء ... يرقى إلى السطح من طلوعي
ومن لطائفه أيضًا قوله:
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري معًا ... وصرت لا فوقي ولا تحتي2
ومن لطائفه أيضًا في جارية تضرب بالدف، وأجاد قوله:
ذات القوام الذي يهتز غصن نقا ... لو مر يومًا عليه طائر صدحا
تبدي على الدف كالجمار معصمها ... لنقره ببنان يشبه البلحا
غناؤها برقيق الغنج تمزجه ... فما ينقط إلا كل من رشحا3
ومن اختراعاته البديعة قوله:
أيا سائلي عن قد محبوبي الذي ... فتنت به وجدًا وهمت غراما
أبي قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالًا فأضحى بين ذاك قواما
وممن أحيا رسوم التورية وأظهر خفيها، القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ومن نظمه فيها:
لقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا عسى في فضلها نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك
__________
1 البخت: الحظ والنصيب.
2 وصرت لا فوقي ولا تحتي: مثل يقال للذي يكون عنده شيء فيبيعه فيصير معدمًا ويحتاج إلى المعونة.
3 رشح: سال ببطء، نزّ.
(2/64)

ومن لطائفه قوله:
لا ينقل الروض أحاديثه ... عن عين نمام غدت حافيه1
فإنه ينقل أخباره ... إلى أعين عنده صافيه
ومثله قوله:
يا قاتلي بلحاظ ... قتيلها ليس يقبر
إن صبروا عنك قلبي ... فهو القتيل المصبر
وقال:
إن لوزي جلق ... واهن الحبل والقوى
لم يكلفك كسره ... فالق الحب والنوى
ومن نظمي في هذا المعنى، في المشمش السلطاني بحماة:
قال سلطاني حماة عندما ... أجلسوه مذ أتاهم في الصدور
مشمش الشام يقوي قلبه ... يوم نقع فهو قد أضحى وزيري2
ومن لطائف القاضي محيي الدين قوله:
شكرًا لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية
لا غرر أن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكية
وهذه النكتة أخذها الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقال:
يا طيب نشر هبَّ لي من نحوكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي3
أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا نشر ذكي
وأشار إلى هذه السرقة الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة، بقوله، ولم يخرج عما نحن فيه من التورية:
إن ابن أيبك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح
نسب المعاني في النسيم لنفسه ... جهلًا فراح كلامه في الريح
__________
1 النمام: الذي يسعى بين الناس بهدف الإيقاع بينهم. حافية: ضعيفة لكثرة استعمالها.
2 النقع: بلّ الشيء بالماء.
3 التهتك: إهمال النفس.
(2/65)

ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
لا تسلني عن أول العشق إني ... أنا فيه قديم هجر وهجره
من دموعي ومن جبينك أرخـ ... ـت غرامًا بمستهل وغره1
وتطفل الشيخ عز الدين الموصلي على هذا المعنى، ولكن سبكه في قالب حسن، بقوله من قصيدة:
فيا هاجري عامًا لقد ضل عاذلي ... وليس له وجه وتاريخه سلخ
ومن لطائفه قوله بمنزلة القطيفة بالقرب من دمشق:
هذي القطيفة التي ... لا تشتهي عقلًا ونقلا
حشيت ببرد يابس ... فلأجل ذاك الحشو تقلى2
ومن لطائفه قوله:
ضفر الشعر وألقى ... خلفه كالقطن وفره
قلت ماذا قال شيب ... قلت والله ودره
ومن لطائفه قوله في معشوقه المعنى المسمى بالنسيم:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ومثله قوله فيه:
يا من غدا لي من عوا ... صف هجره الريح العقيم3
أترى يطيب لي الهوى ... ويقال لي رق النسيم
ومن لطائفه قوله:
سلّ سيفًا من جفنه ثم أرخى ... وفرة وفرت عليه الحميلة4
إن شكا الخصر طولها غير بدع ... لنحيل يشكو الليالي الطويلة
__________
1 المستهل: الدمع. الغرة: أول الشعر من مقدم الرأس.
2 تقلى: تكره وتهجر.
3 الريح العقيم: التي لا تفيد، والعقيم في الأصل من لا ينجب.
4 الحميلة: حميلة السيف، مكان في الرحل يوضع فيه السيف.
(2/66)

وألم به ابن العفيف، فقال:
حلَّ ثلاثًا يوم حمامه ... ذوائبًا تعبق منها الغوال1
فقلت والقصد ذؤاباته ... يا سهري في ذي الليالي الطوال
وهذا المعنى تلاعب به جماعة من المتأخرين، ولولا الخيفة من طول الشرح لذكرت ذلك، ولكن لا بدّ أن يرد على المتأمل في مواضعه، ويعجبني قوله:
وبروحي هويته عجميًّا ... لي ذلت ألفاظه الغتمية2
كم حلا عجمه فقلت لخلي ... خلني والحلاوة العجمية
ومن لطائف مجونه قوله:
وأعور العين ظل يكشفها ... بلا حياء منه ولا خيفه
وكيف يُلفى الحياء عند فتى ... عورته لا تزال مكشوفه3
ومنه قوله:
قال لي العلق وقد جئته ... أريه أيرًا فاق في حسنه
أيرك هذا مات قلت انحنى ... كرامة الميت في دفنه
ويعجبني من خمرياته قوله:
خمرة للشقيق أمست شقيقه ... بنت كرم بالمكرمات خليقه4
قال قوم من لطفها هي في الكا ... س مجاز والكاس فيها حقيقه
أنتجت فرحة وجاءت بكأس ... صبغت حمرة فنعم الشقيقه
ومن بديع اقتباسه بالتورية قوله:
بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين
كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن
__________
1 الغوال: جمع غالية وهي أخلاط من الطيب، كالمسك والعنبر وغيرهما.
2 الغتمية: غير الفصيحة لعجمة قائلها. من غتم: إذا لم يفصح لعجمة في منطقه.
3 يُلفى: يوجد. العورة: ما حرم الله كشفه من جسم الإنسان. وهو القبل والدبر. ومن المرأة معظم جسمها لقوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة كلها".
4 خليقه: حقيقه وجديرة.
(2/67)

هذا الاقتباس بالتورية أخذه الشيخ جمال الدين بقافيته، ولكن زاده إيضاحًا بقوله:
يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتنتي ألذ وأزين
فانظر إلى حسنيهما متأملًا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن
وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج عن إيضاحه أيضًا بقوله:
قد سلونا عن المليح بخود ... ذات وجه به الجمال تفنن1
ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن
ومن لطائفه قوله:
ذات طوق وذات زيق تغنى ... فتنبي بالوجد من ليس يدري2
زيفت ثم كاشفتنا فقلنا ... لك زيق الغنى ولى زيق فقري
ما تراها قد حدثت خاطر النهر ... بما قد جرى وما منه يجري
ومن لطيف كلامه قوله:
وبطحاء في واد يروقك روضها ... ولا سيما إن جاد غيث مبكر
تلاحظها عين تفيض بأدمع ... يرقرقها منه هنالك محجر
إذا فاخرتها الريح وهي عليلة ... بأذيال كثبان الربا تتعثر
بها الفضل يبدو والربيع وقد غدا ... بها الروض يحيا وهو لا شك جعفر3
وقال في مليحة اسمها وردة:
بأبي وردة مولدة الحسـ ... ـن دعوها بوردة البستان
في التصاوير مثلها ليس يلفى ... فيقولون وردة كالدهان4
ومن تواريه الغريبة في المواليا في مليح مشطوب:
لك طرف أحور حمى من حسنك السرحه ... كم قد أغار على العشاق في صبحه
لما علمت بانو سابق اللمحة ... عليه خفت فشطبتو على صحه
__________
1 الخود: الفتاة الحسناء.
2 الزيق: ما يخاط بالقميص لتقويته به. وزيقت: جعلت لقميصها زيقًا.
3 الفضل والربيع ويحيى وجعفر: بالإضافة إلى أنها أسماء أشخاص فإنها مستعملة هنا بمعانيها الأُخَر، وهي: الفضل: الشيء الفاضل والخير، والربيع: الفصل المعروف. يحيا: من الحياة. جعفر: نهر.
4 يلفى: يوجد. الدهان: الصباغ الأحمر يدهن به.
(2/68)

ومن نكته الغريبة في أغزاله قوله:
ذباب السيف من لحظ إليه ... لأخضر صدغه حسن انتسابي1
ولا عجب إذا ما قيل هذا ... له صدغ زمرده ذبابي2
ومن اختراعاته الغريبة قوله:
كتبت لكم من أعين القصب التي ... لها من معانيكم ومن نفسها طرب
فإن أطرب التشبيب فيها بذكركم ... فكم أطرب التشبيب من أعين القصب
ومن هنا أخذ المعمار، فقال:
هويته مشببا ... جماله برَّح بي
تيم قلبي بالحجا ... ز من عيون القصب
ومن مخترعات القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قوله:
ملأت الليالي من علا وختمتها ... فقد أصبحت محشوّة بمكارمك
ختمت عليها بالثريا فقل لنا ... أهذا الذي في كفها من خواتمك
ومنه قوله:
يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك
لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية والقلب مملوك3
ومنه قوله:
ذو قوام يجور منه اعتدال ... كم طعين به من العشاق
سلب القضب لينها فهي غيظى ... واقفات تشكوه بالأوراق
ومنه قوله:
يا رب كأس صرت من شربها ... من بعد رشفي ريق معشوقي
ملتهب الأحشاء نارًا لأن ... شربتها منه على الريق
__________
1 ذباب السيف: حده. الصدغ: الشعر ما بين العين والأذن.
2 ذُبابي: أي حاد كذباب السيف. أو لونه شبيه بلون الذبابة وهي الحشرة المعروفة.
3 القود: الدية. اقتص: أخذ منه قصاصًا. جارية: بالدمع وعبدة. ومملوك: عبد.
(2/69)

ويعجبني منه قوله:
أنت من وجه ولحظ ... لك دينار وكسر1
هذا الدينار والكسر، اغتصبه الشيخ جمال الدين بن نباتة ولم يسبكه في غير قالبه، فقال:
أفدي حبيبًا لي إلى ... مرآه طول الدهر فقر
في خده وجفونه ... للحسن دينار وكسر
وهذه زاوية اخترتها من ديوان الشيخ الإمام العلامة شيخ الشيوخ عبد العزيز الأنصاري الحموي، سقى الله ثراه، أما بعد حمدًا لله الذي أطلعنا من زوايا الأدب على خبايا، وأرشدنا بمشايخ شيوخه إلى سلوك ما فيه من المزايا، والصلاة والسلام على نبيه الذي اختاره فكان نعم المختار، وعلى آله وصحبه المنتظمين في سلك هذا الاختيار. فقد انتهى ما أوردته منوعًا في التورية من الحلاوات القاهرية، وقد تعين أن أُفَكِّهَ المتأمل بعد ذلك بالفواكه الشامية، وأقتطف له من فروع شيخ الشيوخ ما يظهر به مزية الثمرات الحموية، وقدرة السلطنة في الأدب وناهيك بالسلطنة الشيخية. فاخترت من أبيات قصائده ومواصيل مقاطيعه ما يحلو بها التشبيب، وسميته زاوية شيخ الشيوخ علمًا بأنها زاوية يتأهل بها الغريب، والله تعالى يجعلنا ممن تخير العمل الصالح فأحسن، وسمع القول فاتَّبع منه الأحسن. فمن ذلك قوله من قصيدة:
ويلاه من نومي المشرد ... وآه من شملي المبدد
يا كامل الحسن ليس يطفي ... ناري سوى ريقك المبرد
منها ووصل إلى المخلص، وهو في غاية الحسن قوله:
غصن نقا حل عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد2
فمن رأى ذلك الوشا ... ح الصائم صلى على محمد
ومنه قوله من قصيدة:
لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تاره
تعاملني بما يحلي سلوي ... ولكن ليس في حلو مراره
__________
1 الكسر: من الدينار ما يقل عنه من العملة.
2 غصن النقا: الغصن الطري الذي جرى فيه الماء.
(2/70)

ومنه قوله وهو مطلع قصيدة:
حروف غرامي كلها حرف إغراء ... على أن سقمي بعض أفعال أسماء
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين وقال:
أودت فعالك يا أسما بأحشائي ... واحيرتي بين أفعال وأسماء
ومن بديع نكته قوله:
وبدر دجى لم ينتقل كسميه ... ولكنه ما زال في القلب والطرف
يلوح لعيني ما شقا نون صدغه ... فأعبد خلّاقي على ذلك الحرف
هذه النكة أخذها ابن الوردي بقافيتها وغالب ألفاظها ومعناها، فقال:
يا بدر تم نوره باهر ... منزله في القلب والطرف
صدغك حرف النون في مشقه ... من يعبد الله على حرف1
ولعمري إنها سرقة فاحشة، ومنه قوله:
أقام لخده الناري عذارًا ... ومذ أقصى عذاري وهو ثلجي
حمى مرج العذار بمقلتيه ... فأمشى الناس في هرج ومرج2
ومنه قوله في التورية، مع بديع الاقتباس:
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأدامتني على وجل
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، وجعله مطلعًا لقصيدة، فقال:
إنسان عيني بتعجيل السهاد ملى ... عمري لقد خلق الإنسان من عجل
ومنه قول الشيخ عز الدين شيخ الشيوخ، وتلطف ما شاء مع قصر الوزن:
وغمام معربد ... ببروق وزمجره
غادر الروض ناضرًا ... بعيون مخضره
__________
1 الذي يعبد الله على حرف: السريع الانقلاب إلى الكفر عندما تواجهه أبسط المصاعب في سبيل الله سبحانه وتعالى.
2 الهرج والمرج: ثورة الفوضى.
(2/71)

ومنه قوله:
قلت وقد عقرب صدغًا له ... عن مشقة الحاجب لم يحجب
قد سدت يا رب الجمال الذي ... ألف بين النون والعقرب1
وقال، وتلطف ما شاء، وأظنه أول من ورى بهذه النكتة:
أفدي حبيبًا رزقت منه ... عطف محب على حبيب
بوجنة من أتم ربحي ... وقد غدا وردها نصيبي
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره، وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
فديتك غصنًا ليس يبرح مثمرًا ... من الحسن في الدنيا بكل غريب
تفتح في وجناته الورد أحمرا ... فيا ليت ذاك الورد كان نصيبي
ومنه قوله:
لا تنس وجدي بك يا شادنًا ... بحبه أنسيت أحبابي2
ما لي على هجرك من طاقة ... فهل إلى وصلك من باب3
ومنه قوله:
مرضت ولى جيرة كلهم ... عن الرشد في صحبتي حائد
فأصبحت في النقص مثل الذي ... ولا صلة لي ولا عائد4
ومن هنا أخذ الشيخ عز الدين الموصلي، وقال:
أهل دمشق قد مرضت عندهم ... وما قصدت نحوهم بمسألة
مع علمهم بأنني أنا الذي ... ولا أتاني عائد ولا صلة
ومنه قوله:
قالوا أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى
يا عاذلي دونك من لحظه ... سهمًا ومن عارضه سطرًا
__________
1 النون: الحاجب في وسطه العين والعقرب: الشعر ما بين الأذن والعين مجعدًا على التشبيه.
2 الشادن: الغزال.
3 الطاقة: القدرة والشبّاك.
4 الصلة والعائد: في الأصل الأقرباء والزوار أو العطاء والهبة، وفي المصطلح النحوي الصلة ما يصل بين جملتين، والعائد: ضمير يعود على متأخر في الكلام.
(2/72)

السهم وسطرى من منتزهات دمشق المشهورة، ومن هنا أخذ الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا وقال:
سألتكما إن جئتما الشام بكرة ... وعاينتما الشقراء والغوطة الخضرا
قفا واقرآ مني كتابًا كتبته ... بدمعي لكم مقرًا ولا تنسيا سطرا
ومقر أيضًا من منتزهات دمشق، وحسن بعدها ذكر سطرًا، ومنه قوله، وأجاد:
سحبان مورثه من حُسن يوسف ما ... لم يبق في الحجر لي والصبر من حصص
أقام للشعراء العذر عارضه ... فكم لهم من دبيب النمل من قصص1
ومنه قوله:
ولقد عجبت لعاذلي في حبه ... لما دجا ليل العذار المظلم
أو ما درى من سنتي وطريقتي ... أني أميل مع السواد الأعظم2
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره، فأما ابن نباتة فإنه أخذه وزنًا، وقافية، وقال:
أهواه معسول الرضاب منعمًا ... ولقد يعذبني الهوى بمنعم3
يا قلب هذا شعره وجفونه ... صبرًا على هذا السواد الأعظم
ومن لطائفه قوله:
أكملت ستًّا وأربعين بها ... أخلت همومي من راحتي ربعي4
وجزت في السبع خائفًا وجلا ... لأنني جائز على سبع5
ومن نكته اللطيفه قوله:
هزم الهم عن نداماي راح ... حظيت من سماعهم بلحون
لم تكد في الكئوس تظهر لطفًا ... فبدت من خدودهم في الصحون
__________
1 الدبيب: مشي كل ذات أربع.
2 السواد الأعظم: المجموع الأكبر من الناس، أو معظمهم.
3 معسول الرضاب: كأن ريقه العسل، حلو الريق.
4 الربع: الدار.
5 جاز: قطع ودخل وتجاوز ما قبله، السبع: العدد والحيوان.
(2/73)

ومن لطائف مجونه قوله:
سألته من ريقه شربة ... أطفي بها من كبدي حره
فقال أخشى يا شديد الظما ... أن تتبع الشربة بالجره1
ومن هنا أخذ المتأخرون. ومن نكته اللطيفة ما كتبه على جرن حمام السلطان بحماة:
كملت لطفًا ووقارًا على ... ما حزت من أوصافي الحلوه
من أجل هذا صرت أهلًا لأن ... أجالس السلطان في الخلوه
وممن أجار رقيق التورية من غلظ العقادة، الأمير مجير الدين بن تميم. فمن ذلك قوله:
فما لبست لبعده ثوب الضنى ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا2
أجريت واقف أدمعي من بعده ... وجعلته وقفًا عليه جاريا3
ومن لطائف نكته قوله في كتاب:
يا حسنها نسخة يلهو مطالعها ... بها لما قد حوت من رائق الكلم
صحت وقد لطفت أجزاؤها فحكت ... لطف النسيم وحاشاها من السقم
ومنه قوله:
بتنا جميعًا وبات لثمي ... له حمى ثغره مباح
فمات مني الظلام غيظًا ... وانشق من غيظه الصباح
ومنه قوله:
وساقية تدور على الندامى ... وتنهرهم لسرعة شرب خمر
سنشكر يوم لهو قد تقضى ... بساقية تقابلنا بنهر
وهذه النكتة تلاعب الناس بها كثيرًا. ومن نكته الغريبة قوله في سجادة:
أيا حسنها سجادة سندسية ... يرى للتقى والزهد فيها توسم4
__________
1 الجرّه: وعاء من الفخار أسطواني الشكل يستعمل للماء.
2 وردت في الأصل "لبثت" بدل "لبست" وما أثبتناه أصح ونظنه من خلط الذين يلفظون الثاء سينا والذال والظاء والضاد زايًا في هذه الأيام لكثرة ما صقلتهم "المدنية" و"الحزارة الحديسة".
3 وقفته عليه: قصرته عليه.
4 سندسية: نسبة إلى السندس وهو من رقيق الديباج، التوسم: الأمل.
(2/74)

إذا ما رآها الناسكون ذوو الحجا ... أمامهم صلوا عليها وسلموا1
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
إن سجادتي الحقيرة قدرا ... لم يفتها في بابك التعظيم
شرفت إذ سعت إليك فأمست ... وعليها الصلاة والتسليم
وتطفل عليها الشيخ زين الدين بن الوردي أيضًا، فقال:
سجادة أذكرتني ... منك الذي كنت تعلم
أهديتها لمحب ... صلى عليها وسلم
ومن قوله وهو من ألطف أغزاله:
يا حسن أهيف حظه من حبنا ... طيب النعيم وحظنا منه الشقا2
قدم العذار إلى نقا وجناته ... يا مرحبًا بقدوم جيران النقا3
ومن نكته الغريبة، قوله في مليح جرح جبينه:
بكوا لجراحة شقت جبين الـ ... ـحبيب فقال ما ضر الجراح
أليس جبينه صبحًا منيرًا ... ولا عجب إذا انشق الصباح
ومن لطائفه قوله:
وعيرني بالشيب قوم أحبهم ... فقلت وشأن العاشقين التحمل
بعثتم إلى رأسي المشيب بهجركم ... ومهما أتى منكم على الرأس يحمل
وهذه النكتة أيضًا، تلاعب بها المتأخرون بعد ابن تميم كثيرًا. ومن لطائف نكته أيضًا قوله:
ونهر حالف الأهواء حتى ... غدا طوعًا لها في كل أمر
إذا سرقت حلى الأزهار ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري
__________
1 الناسكون: جمع ناسك وهو الذي يقتصر على عبادة الله سبحانه وتعالي، ذوو الحجا: الثقاة. ذوو الاستمساك بالعقيدة.
2 الأهيف: الدقيق الخصر الضامر البطن، الشقا: الشقاء.
3 نقا: نقاء. النقا: الكثيب من الرمل.
(2/75)

ومثله قوله:
سرق النسيم حلى الغصون بسحره ... لما أتاها وهي في اطرابها
ورمى بها نحو الغدير فضمها ... في صدره من خوفه وجرى بها
ومن بدائع نكته:
وليلة بت أسقي في غياهبها ... راحًا تسل شبابي من يد الهرم
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم1
ومن لطائف نكته في أغزاله قوله:
خليلي قد صاد الفؤاد بحسنه ... غزال به عذر المحبين واضح
ولا غرو أن صاد الفؤاد بلحظه ... ألم تعلما أن العيون جوارح
ومن لطائف نكته في أغزاله أيضًا قوله:
وقالوا بدا خط العذار بخده ... فأضحى سعيد الخد وهو معذر
فقلت خيال الشعر ما قد رأيتم ... فإن صح ذاك الخط فهو مزور
من هنا أخذ الشيخ صلاح الدين، ولكن زاده نكتة أخرى، بقوله:
عيناه قد شهدت بأني مخطئ ... وأتت بخط عذاره تذكارا
يا حاكم الحب اتئد في قتلتي ... فالخط زور والشهود سكارى2
ومن نكته الغريبة قوله:
أيا ذا الذي قد كف كفيه عامدًا ... عن الجود خوف الفقر ما ذاك سائع
أتخشى سهام الفقر ما دمت منفقًا ... نصيبك والنعما عليك سوابغ3
ومن نكته الغريبة قوله:
ونهر بحب الروض أصبح مغرمًا ... يروح ويغدو هائمًا بوصالها
إذا بعدت عنه شكا بخريره ... جفاها وأمسى قانعًا بخيالها
__________
1 غزالة الصبح: الشمس.
2 اتئد: تؤده تمهّل.
3 سوابغ: جمع سابغة. النعمة: فائضة وزائدة عن الحاجة.
(2/76)

ومن لطائف مجونه:
وقواد يعيد الهجر وصلًا ... وطول البعد قربًا واتفاقا1
يكاد لحكمة فيه ولطف ... يقود بلا أزمتها النياقا
ومن نكته البديعة الغريبة في باب التورية قوله:
لما جسستك بالمديح ولم أكن ... أدري بأنك خامل في الناس
ناديت لما أن جسستك بالهجا ... أكليب خذها من يدي جساس2
ومنه قوله:
مذ لاحظ المنثور طرف النرجس ... المزور قال وقوله لا يدفع
فتح عيونك في سواي فإنني ... عندي قبالة كل عين أصبع
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه في الرياض طيور3
ودولابها كادت تعد ضلوعه ... لكثرة ما يبكي لها ويدور4
النكتة في يدور وفي ضاع دارت بين ابن تميم وبين الجماعة، وتسلسل دورها منهم بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي بقوله:
وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا
من حين ضاع نشرها ... دار عليها وبكى
ومنهم الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله:
وناعورة قسمت حسنها ... على واصف وعلى سامع
وقد ضاع نشر الربا فاغتدت ... تدور وتبكي على الضائع
ومنهم الشيخ صلاح الدين الصفدي ونقل المعنى إلى الغزل بقوله:
أضحى يقول عذاره ... هل فيكم لي عاذر
الورد ضاع بخده ... وأنا عليه دائر
__________
1 القوّاد: القائد إلى الفجور.
2 جس: جرّب. الخامل: المغمور غير المعروف. وجساس: المجرب وقاتل كليب أخي المهلهل الشاعر.
3 ضاع: يضوع، انتشر. والنشر: الرائحة الطيبة.
4 الدولاب: ما يوضع في الروضة ليسقى به، وتديره الدابة "الناعورة".
(2/77)

وبعضهم نقصه وقنع بالدور بقوله:
أبدى لنا الدولاب قولًا معجبًا ... لما رآنا قادمين إليه
إني من العجب العجيب كما ترى ... قلبي معي وأنا أدور عليه
وزاد الشيخ جمال الدين بن نباتة الدور نكتة أخرى فقال:
وناعورة قالت وقد ضاع قلبها ... وأضلعها كادت تعد من السقم
أدور على قلبي لأني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي
وهذا المعنى سبق إليه ابن تميم أيضًا، بقوله:
قامت لنا بالعذر ناعورة ... أدمعها في غاية السكب
تقول لما ضاع قلبي وقد ... ضعفت بالنوح وبالندب
صيرت جسمي كله أعينًا ... يدور في الماء على قلبي
ومثله قوله:
ناعورة مذ ضاع منها قلبها ... ناحت عليه بأنه وبكاء
وتعللت بلقائه فلأجل ذا ... جعلت تدير عيونها في الماء
وقنع الشيخ زين الدين بن الوردي بالدور، فقال:
ناعورة مذعورة ... ولهانة وحائرة1
الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة
وعلى ذكر تورية الدور يعجبني قول المقر المرحومي الفخري ابن مكانس، وقد كتب بدر الدين البشتكي يداعبه، وقد دار الشيخ بدر الدين المذكور في ساقية الهمائل2.
دورة البدر في سواقي الهمائل ... تركت أدمع العيون هوامل3
آه من للرياض نور أديب ... مظهر من كلامه سحر بابل
فاق سعيًا على بني عجل في الجو ... د وأغنى عن الوَلّي الهاطل
زاد علمًا على أبي ثور لكن ... قال بالدور تارة والسلاسل
__________
1 ولهانة: شديدة الحزن.
2 الهمائل: اسم للساقية
3 الهوامل: التي تفيض بالدمع.
(2/78)

ومنها ولم يخرج عن تورية الدور:
يا سعيدًا أثرى من النظم والنثـ ... ـر فأنسى الورى زمان الفاضل
قد سقيت الرياض يا شيخ بالدو ... ر فها غصنها من السكر مائل
ومن نظمي في تورية الدور أيضًا قولي من قصيدة:
ومذ مد ذاك النهر ساقًا مدملجًا ... وراح بنقش البيت يمشي على بسط
لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورًا على ساقه السبط1
وعلى ذكر تورية الدور وتسلسلها هنا نكتة لطيفة، وهي أنه اتفق أن الشيخ نجم الدين الفجفيري سأل جماعة من الطلبة المستعلين عليه من قول الشاعر:
يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج2
أبِنْ لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج
ففكر بعض الطلبة فيه ساعة طويلة ثم قال: هذا في الدولاب، لأنه أراد بالبسيط الماء، وبالهزج صوته حال دورانه. فقال له الشيخ: صدقت، إلا أنك درت في الدولاب زمانًا حتى ظهرت لك التورية. وهذا الكلام في غاية الظرافة من الشيخ رحمه الله تعالى:
رجع إلى ما كنا فيه من لطائف ابن تميم، فمن ذلك قوله:
لم لا أميل إلى الرياض وحسنها ... وأعيش منها تحت ظل ضافي
والزهر يلقاني بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي
وهذان البيتان عزاهما الصلاح الكتبي، في كتابه فوات الوفيات، للبدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ونُسبا أيضًا لمحيي الدين بن قرناص، في مواضع كثيرة. والله أعلم.
نكته اللطيفة في التورية قوله:
روحي الفداء لمن أدار بلحظه ... صهباء في عقلي لها تأثير3
فاعجب له أنى يصون بلحظه ... مشمولة وإناؤها مكسور4
__________
1 السبط: الطويل.
2 الحبر: رجل العلم الذي يعد مرجعًا في علمه.
3 الصهباء: الخمرة
4 المشمولة: التي هبت عليها ريح الشمال وهي أبرد وأطيب.
(2/79)

ومنه قوله:
إني لأشهد للحمى بفضيلة ... من أجلها أصبحت من عشاقه
ما زاره أيام نرجسه فتى ... إلا وأجلسه على أحداقه
وتلاعب المتأخرون بهذه النكتة كثيرًا.
ومنه قوله:
ألا رب يوم قد تقضى ببركة ... أقمت بها فيما جرى متفكرًا
بعيني رأيت الماء فيها وقد هوى ... على رأسه من شاهق فتكسرا1
ومثله قوله:
يا حسنه من جدول متدفق ... يلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أنظره عيونًا حوله ... خوفًا عليه أن يصاب فيعثرا
فأبى وزاد تماديًا في جريه ... حتى هوى من شاهق فتكسرا
وتورية تكسر تلاعب بها الناس بعد ابن تميم كثيرًا. ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
لو كنت تشهدني وقد حمى الوغى ... في موقف ما الموت عنه بمعزل
لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دمًا من تحت ظل القسطل2
ومن لطائف نكته قوله:
قالوا رأيناك كل وقت ... تهيم بالشرب والغناء
إني فتى قنوع ... أعيش بالماء والهواء
ومنه قوله:
حاذر أصابع من ظلمت فإنه ... يدعو بقلب في الدجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضى ... إلا الدعا بأصابع المنثور3
ومن لطائف نكته وقد تقدم معناها، ولكن حلا مكررها هنا بقوله:
تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعهما بين الرياض غزير
كأن نسيم الروض قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يجري وذاك يدور
__________
1 "بعيني" في الأصل "بعني" ونظنه من خطأ النسّاخ.
2 الأنابيب: جمع أنبوب وهو جسم الرمح، والقناة: الرماح. القسطل: الغبار الكثيف.
3 جمر الغضى: يضرب به المثل في شدة الحرارة وهو جمر شجر يدوم طويلًا.
(2/80)

وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان أنشدني أبو الخير الأزدي، لمجير الدين بن صميم:
نزلنا إلى الغور في جحفل ... نقاتل قومًا من المسلمينا
قطعنا الشريعة في حربهم ... وخضنا إليهم مع الخائضينا1
ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
إني لأعجب في الوغى من فارس ... حارت دقائق فكرتي في كنهه
أدى الشهادة لي بأني فارس الـ ... ـهيجاء حين جرحته في وجهه
ومن لطائف مجونه قوله:
هويت نطاعًا إذا جئته ... بادرني باللحظ والصفع2
أروم أن أحظى بوصل وقد ... قابلني بالسيف والنطع
ويعجبني من نكته في الخمريات قوله:
ومدامة كاساتها ... تعطي الأمان من الزمان
قد أحكمت علم النجو ... م وأتقنت سحر البيان
فإذا حساها الشاربو ... ن وأوقعتهم في الأماني
بدأت بإخراج الضميـ ... ـر وبعده عقد اللسان
ومن لطائف مجونه قوله:
غطت محاسن وجهها عن ناظري ... هيفاء لم أر في البرية شبهها
وغدت تمانعني فقمت مبادرًا ... وكشفت من بعد التمنع وجهها
ومن نكته الغريبة قوله:
سأهجو أناسًا يبتغون نقيصتي ... وقد رسخوا في بحر جهلهم رسخا
وأسلخهم لا في أوان مغيبهم ... ولكن أريهم في وجوههم السلخا
ومن لطائفه قوله:
بعث النسيم رسالة بقدومه ... للروض فهو بقربه فرحان
__________
1 الشريعة: مورد الماء الذي يستقي منه، والقانون السماوي. الخائضين: الذين يتحدثون في ما لا يعلمون أو السابحين.
2 النطاع: الأنيق المتأنق.
(2/81)

ولطيب ما قرأ الهزار بشدوه ... مضمونها مالت له الأغصان1
ومن لطائفه التي سبقه السراج إليها واستعملها ابن تميم أحسن منه:
أراق دمي بسيف اللحظ ظلمًا ... وها أثر الدماء بوجنتيه
فلما خاف من طلبي لثأري ... أدار عذاره زردًا عليه
وقال في غلام وقاد:
لاموا على الوقاد في حبه ... وحبه باللوم يزداد
لو لم يكن في حسنه كوكبًا ... ما كان أمسى وهو وقاد
وزاد شيخنا الشيخ شهاب الدين بن حجر، فسح الله في أجله، هذا المعنى نكتة حصل بها الاتفاق البديع بلقبه الكريم، فقال في وقاد أيضًا:
أحبب بوقاد كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي
وأنا الشهاب فلا يعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكوكب الوقاد
ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
بنده الأزرق لما ... شده من قد سباني
جدول فوق كثيب ... دار يسقي غصن بان
ومن نكته الغريبة قوله في وكيل بدار القاضي بدمشق المحروسة:
لا تقرب الشرع إذا لم تكن ... تخبره فهو دقيق جليل
ووكل العز الذي وجهه ... على نجاح الأمر أقوى دليل2
ولا تمل عنه إلى غيره ... وحسبنا الله ونعم الوكيل
وعلى ذكر الوكيل رأيت:
لاقى فلان اليوم ما ساءه ... وأفرغ الصك عليه وكيل3
وذاق من كف الوكيل العمى ... وحسبنا الله ونعم الوكيل
__________
1 الهزار: البلبل.
2 العز: العزيز الكريم القوي.
3 الصك: الوثيقة التي تثبت ملكية منقولة أو غير منقولة.
(2/82)

ومن لطائفه قوله يصف روضة:
أرض كساها القطر حلة سندس ... رقمت لها طرز من الغدران1
وفد النسيم أضاع نشر رياضها ... فالورق تنشده بكل مكان2
وكتب إلى كمال الدين بن النجار، وكيل بيت المال بدمشق المحروسة، وهي من نكته المخترعة:
كمال الدين يا مولاي يا من ... يغير لبحر في بذل النوالي
أتيت لحاجة فاغنم ثنائي ... عليك بها وشكري وابتهالي
ولا تجعل سواك لها فإني ... عليك بنجحها وقع اتكالي
أيجمل أن يقول الناس أني ... أتيت لحاجة لم تقضها لي
وأصبح بينهم مثلًا لأني ... أتاني النقص من جهة الكمال
ومن لطائف نكته قوله:
لم أنس قول الورق وهي حبيسة ... والعيش منها قد أقام مقفصا
قد كنت ألبس من غصوني أخضرًا ... فلبست منها بعد ذاك مقفصا3
وقال فيمن تاب عن شرب الخمر:
تركت شرب الحميا غير مفتكر ... فيها وفي شربها اللذات والطرب
فارجع فقد أسبل الراووق أدمعه ... شوقًا إليك وقلب الكاس يلتهب4
فأنشده بعد ذلك وقد وافقه:
إن كان قد أسبل الراووق أدمعه ... شوقًا إليك وقلب الكاس يضطرم
فاليوم أعينه من فرط فرحته ... تفيض دمعًا وثغر الكاس يبتسم
ومن نكته الغريبة قوله فيمن غضب عند عزله من منصب ولايته:
كم قلت لما فاض غيظًا وقد ... أزيح عن منصبه المعجب
لا تعجبوا إن فار من غيظه ... فالقلب مطبوخ على المنصب5
__________
1 رقم الثوب: إذا وشيَ.
2 الورق: الحمام.
3 مقفصًا: الأولى بمعنى موضوعًا في القفص "سجينًا"، والثانية بمعنى: المجمع.
4 الراووق: من أوعية الخمر "الباطية".
5 فار: استشاط غضبًا.
(2/83)

وهذا المعنى أَلَمّ به شرف الدين النصيبي واستعمله أرق وأسجم، بقوله:
ولوك إذ علموا بجهلك منصبًا ... علموا بأنك عن قليل تبرخ1
طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخ
وقال يعتذر عن مخدومه في كثرة تجريده له:
لقد لام قوم صاحبي حيث لم يزل ... يجردني دون الرفاق تعمدا
رآني حسامًا ماضيًا فأقامني ... مدى الدهر في وجه الأعادي مجردا
ومنه قوله:
مذ قلت للمنثور إن الورد قد ... وافى على الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرة ... بقدومه وتلون المنثور
وأحسن منه قوله:
ومذ قلت للمنثور إن مفضِّل ... على حسنك الورد المنزه في الشبه
تلوَّن من قولي وزاد اصفراره ... وفتح كفيه وأوما إلى وجهي
ومثله قوله:
كيف السبيل للثم من أحببته ... في روضة للزهر فيها معرك
ما بين منثور وناضر نرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك
هذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إلَيَّ وثغر هذا يضحك
ومثله قوله:
كيف السبيل لأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس
وأصابع المنثور تومي نحونا ... حسدًا وتغمزها عيون النرجس
ومنه قوله:
روض الحمى يهوى لقاك وإنه ... من فرط شوق لا يزال قرينه
لم يهد نرجسه إليك وإنما ... لغرامه أهدى إليك عيونه
__________
1 تبرخ: تبرح.
(2/84)

ومن لطائفه في أغزاله قوله:
قالوا بدا نبت خديه فخذ بدلًا ... عنه فقلت له حاشاه حاشاه
إن لاح في خده نبت فلا عجب ... الله أنبته والعين ترعاه1
وتورية النبت والرعي تلاعب بها جماعة من المتأخرين بعد ابن تميم، ومن مخترعاته في هذا الباب قوله:
لو كنت حين علوت كور مطيتي ... لم تعتلقها للمطي عيون2
وتوسطت بحر السراب حسبتني ... من فوقها ألفًا وتحتي نون
ومن نكته المخترعة قوله:
دعيت فكان أكلي فخذ طير ... ولم أشرب من الصهباء نقطه
وما يومي كأمس وذاك أني ... أكلت أوزة وشربت بطه3
أخذ الشيخ صلاح الدين الكل مع القافية فقال:
شوى الأوز فأضحت ... في حمرة الخد بسطه
فقلت تشوي أوزًا ... أم كنت تشرب بطه
ومن اختراعاته التي لعب الناس بها بعده:
قد هجرت الراح حتى ... ليس لي فيها نصيب
وعلى الراووق مني ... طول ما عشت صليب4
ومن نكته المخترعة الغريبة قوله يرثي الأمير قطب الدين رحمه الله تعالى:
نأيتم فلا قلبي عن الحزن مقصر ... عليكم ولا جفني يجف له غرب5
وأفلاك لذاتي تعطل سيرها ... وهل فلك يسري إذا عدم القطب6
__________
1 أنبته: صيره رجلًا.
2 الكور: للمطية هو الرحل.
3 البطة: الباطية، والطائر المعروف.
4 الراووق: الباطية، وعاء للخمرة.
5 النأي: البعد والسفر، غرب الجفن: دمعه.
6 الأفلاك: السفن. عدم القطب: لم يعرف الجهة.
(2/85)

ومن غريب نكته في أغزاله قوله:
شبهت خدك يا حبيبي عندما ... أبدي الجمال به عذارًا أشقرا
تفاحة حمراء قد كتبوا بها ... خطًا دقيقًا بالنضار مشعرا
ومثله في الغرابة قوله:
ولما اجتمت عنا الغزالة بالسما ... وعز على قناصها أن ينالها1
نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة ... عليها فلم نقدر قصدنا خيالها
ومن لطائف غرامياته:
لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... من أرضكم فلها عليّ جميل2
خاضت دموع العاشقين وعرجت ... عنهم إلَيّ وثوبها مبلول
وهذا المعنى وقفت عليه لغيره، والله أعلم من السابق. ولعمري إن الآخر أجاد بقوله:
وصبا صبت من قاسيون فسكنت ... بهبوبها وصب الفؤاد البالي3
خاضت مياه النيرين عشية ... وأتتك وهي بليلة الأذيال4
ومن لطائفه قوله:
لو لم أعانق من أحب بروضة ... أحداق نرجسها إلينا تنظر
ما شق جيب شقيقها حسدًا ولا ... بات النسيم بذيله يتعثر
وتلاعب الناس بعد ابن تميم بهذا المعنى كثيرًا. وقال في إهداء مهرة حمراء، وهي من مخترعاته:
أهديت لي يا مالكي مهرة ... جميلة الخلق بوجه جميل
مؤخرها والعنق قد أوقع ... قلب الأعادي في العريض الطويل
قد لبست من شفق حلة ... تخبرنا أن أباها أصيل
__________
1 غزالة السماء: الشمس.
2 الصبا: الريح المشرقية تهب عن استواء الليل.
3 قاسيون: جبل يطل على دمشق، الوصب: المرض والتعب الشديد.
4 النيرين: دجلة والفرات وكوكبين قطبيين والله أعلم.
(2/86)

ومنه قوله، وهو من الاختراعات اللطيفة:
حبيبي وعدت الكاس منك بقبلة ... وأعقب ذاك الوعد منك نفار1
وما كان هذا لونها غير أنها ... علاها لطول الانتظار صفار
ومن هنا أخذ الشيخ بدر الدين بن الصاحب فقال:
يا حابس للكأس لا تزدها ... من بعد حبس الدنان حسره2
واغنم مزاجًا لها لطيفًا ... أورثه الانتظار صفره
ومن نكته الغريبة البديعة قوله:
مما رأت عيني مناطقك التي ... أضحت بشعرك دائمًا تتعلق
لا تستقر وقد علتها صفرة ... ونحول جسم بالصبابة ينطق
أيقنت أن الخصر ضاع نحافة ... فلذا تدور جوى عليه وتقلق
ومن هنا أخذ الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
وشاح من أحببته قال لي ... وهو الذي في قوله قد صدق
قد ضاع مني الخصر لما انثنى ... أما تراني دائرًا في قلق
وقال في شخص اسمه عثمان يهدده بالهجو:
توعدت يا عثمان بالهجو شاعرًا ... سيوليك هجوًا عاره ليس ينجلي
فخذها قصيدًا قد أتت من محمد ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وممن أبدر في أفق التورية ونظم عقود لآلئها بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، فمن لآلئ عقوده قوله:
صدوا وقد دب العذار بخده ... ما ضرهم لو أنهم خبروه
هل ذاك غير نبات خد قد حلا ... لكنهم لما حلا هجروه
ومنه قوله:
عرج على الزهر يا نديمي ... ومل إلى ظله الظليل
فالروض يلقاك بابتسام ... والريح تلقاك بالقبول
__________
1 نفار: هجر.
2 الدنان: جمع دن وهو وعاء الخمر.
(2/87)

ومنه قوله وأجاد:
ورياض وقفت أشجارها ... وتمشت نسمة الصبح إليها
طالعت أوراقها شمس الضحى ... بعد أن وقعت الورق عليها1
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمّى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام"1، لما وقف على هذين البيتين نكتة التوقيع، هنا، أليق بابن عبد الظاهر، لكن طلع واطلع عليه البدر، وحفظ سره لما أضاعه ذلك الصدر، ومنه قوله:
وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا2
يتكسر الماء الزلال على الحصى ... فإذا جرى بين الرياض تشعبا
ومن هنا أخذ الشيخ برهان الدين القيراطي فقال من قصيدة:
وكأن ذاك النهر فيه معصم ... بيد النسيم منقش ومكتب3
فإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعب
ويعجبني قوله من قصيدة كلها غرر، ولولا خشية الإطالة لأوردتها بكمالها:
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
قامت تطارحني الغرام جهالة ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي
أني تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي4
وأنا الذي أملى الجوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
ومنه قوله:
هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه
نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه
ومنه قوله:
أدر كئوس الراح في روضة ... قد نمقت أزهارها السحب
__________
1 الورق: جمع ورقاء وهي الحمامة.
2 مطلولة: أصابها الطل وهو الندى.
3 مُكَتَّب: مجمع أو مخطط.
4 مآقي: جمع مؤق وهو مكان خروج الدمع من العين.
(2/88)

الطير فيها شيق مغرم ... وجدول الماء بها صب1
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة، وقال في نواعير حماة من طرديته:
ذات النواعير سقات الترب ... وأمهات عصفه والأب
تعلمت نوح الحمام الهتف ... أيام كانت ذات فرع أهيف
فكلها من الحنين قلب ... وكيف لا والماء فيها صبّ
وقال ابن نباتة في مطلع قصيدة:
دمعي عليك مجانس قلبي ... فارثِ على الحالين للصب
ونكتة الصب تطفل عليها أيضًا الشيخ صلاح الدين الصفدي، ولكن ركبها تركيبًا قلقًا فقال:
وحقكم ما حلت عن سنن الوفا ... ولم ينقلب مني إلى سلوة قلب
وما أنا غر بالصبابة والهوى ... فأنكر دمعي إن جرى وأنا صب2
ويعجبني قول بدر الدين يوسف بن لؤلؤ من قصيدة:
باكر إلى الروضة تستجلها ... فثغرها في الصبح بسام
والنرجس الغض اعتراه الحيا ... فغض طرفًا فيه أسقام
وبلبل الدوح فصيح على الأيـ ... ـكة والشحرور تمتام3
ونسمة الريح على ضعفها ... لها بنا مر وإلمام4
فعاطني الصهباء مشمولة ... عذراء فالواشون نوَّام5
واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الروض نمام
ومن هنا أخذ الجميع، حتى الشيخ صفي الدين الحلي، مع أن التورية غير مذهبه فقال:
__________
1 الشيق: صيغة مبالغة من الشوق، المشتاق، صب: كثير الانصباب، ومغرم
2 الغر: الجديد الذي لا تجربة له.
3 الأيكة: واحدة الأيك وهو الشجر الكثير الملتف. تمتام: مغرد.
4 الإلمام: المعرفة.
5 عاطني: أعطني. الصهباء: الخمرة. مشمولة: باردة لأنها أصابتها ريح الشمال. عذراء: مختومة في دنها لم تفضض. الواشون: النمامون السعاة بالشر.
(2/89)

أقول وطرف النرجس الغض شاخص ... إِلَيَّ وللنمام حولي إلمام1
أيا رب حتى في الحدائق أعين ... عليّ وحتى في الرياحين نمام2
ولكن ما أخل بها الشيخ جمال الدين بن نباتة لئلا يخرج عن مذهبه فقال:
وأهيف بنهب أرواحنا ... ووجهه كالروض بسام
تنم خداه بقتل الورى ... فخده ورد وثمام3
وأخذها ابن الوردي أيضًا، ولكن زادها نكتة أخرى بقوله:
إن قال صف لي عذارى وصف مبتكر ... ووجنتي قلت خذ يا صنعة الباري
هذا عذارك نمام ومسكنه ... نار بخديك والنمام في النار
ومنه قوله:
الروض أحسن ما رأيـ ... ـت إذا تكاثرت الهموم
تحنو عليّ غصونه ... ويرق لي فيه النسيم
ومنه قوله:
البرد قد ولَّى فما لك راقد ... يا أيها المدثر المزمل4
أو ما ترى وجه الربيع وحسنه ... والروض يضحك والحيا يتهلل5
ومن لطائف تغزلاته قوله:
حلال نبات الشعر يا عاذلي ... لما بدا في خده الأحمر
فشاقني ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السكر
ومثله في اللطف قوله:
شوقي إليك على البعاد تقاصرت ... عنه خطاي وقصرت أقلامي
واعتلت النسمات فيما بيننا ... مما أحملها إليك سلامي
__________
1 شاخص: ناظر.
2 الأعين: الرقباء.
3 الثمام: عشب من الفصيلة النجيلية
4 المدثر: لابس الدثار وهو الغطاء. المزّمل: الملفف.
5 الحيا: المطر سُمّي به لأنه يبعث الحياة في الأرض ومن بعدها الإنسان والحيوان. تهلل المطر: سقط.
(2/90)

ومنه قوله:
تعشقته لدن القوام مهفهفًا ... شهي اللمى أحوى المراشف أشنبا1
وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجهًا إلَيّ محببا2
وقد تقدم القول أن أبا تمام أول من اخترع هذه النكتة. ومن نكته الغريبة اللطيفة البديعة قوله:
وذي قوام أهيف ... بين الندامى قد نشط
قام يقط شمعة ... فهل رأيت الظبي قط3
وتطفل الناس بعده على هذه النكتة. ومنه قوله:
وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق4
وحداتهم أخذت حجازًا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق
ومن هنا أخذ الناس بعد الشيخ بدر الدين، كقول بعضهم:
قلت مذ غنى حجازًا ... ليتنا في أصبهان
ومنه قول الشيخ بدر الدين بن لؤلؤ:
لك مبسم عذب اللمى يفتر عن ... برد وسلسال الرضاب مرادي5
وفم يحاكي الميم إلا أنه ... كم حوله عين تحوم كصاد6
وهذا المعنى أيضًا تطفل عليه المتأخرون بعد الشيخ بدر الدين، منهم الشيخ جمال الدين بن نباتة، حيث قال:
يا عين آمالي إذا استجمعت ... إني إلى مورد لقياك صاد
__________
1 لدن القوام: رشيق القد. مهفهفًا: نحيف الخصر ضامر البطن. اللمى: سمرة في الشفاه. أحوى المراشف: ألمى الشفاه. الأشنب: رقيق الأسنان أبيضها.
2 حب الشباب: بثور تخرج في وجه الشاب في سن معينة وتكون دليلًا على بلوغه مبلغ الرجال.
3 يقط: يسوي.
4 المتحملون: المسافرون. تلازم: تلاصق.
5 السلسال: العذب. الرضاب: الريق.
6 كصاد: الحرف الهجائي المعروف والعطشان.
(2/91)

ويعجبني قوله من قصيدة ورَّى في بيتها الأول باسمه فقال:
قد أنحلتني الغوادي غير راحمة ... ومحقتني الليالي بعد إبدار1
فكم أواري غرامًا من جوى وأسى ... زناده تحت أثناء الحشا واري
جيراننا كنتم بالرقمتين فمذ ... بعدتم صار بعدكم جاري
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري
وما أحلى قول بدر الدين من القصيدة المذكورة، في الخمرة، ولم يخرج عما نحن فيه من التورية، فقال:
سارت لتقتص من قوم فما ربحت ... في حث كأس على الأوتار دوّار2
فالقوم من بعد قتلاها وما ظلمت ... وإنما أخذت منهم بأوتار
ومن هنا أخذ القاضي أمين الدين الحمصي وكان كاتب السر الشريف بالشام المحروس، فقال:
وقوس حاجبه يصمي3 كأن له ... مطالبات على قلبي بأوتار
ويطربني قوله من قصيدة:
فلما تفرقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فأتبعته قلبًا مطيعًا على الغضى ... وخليت لي جفنًا على السفح أطوعا4
ومن لطائفه الغريبة:
رفقًا بصب مغرم ... أبليته صدًّا وهجرًا
وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرًا5
هذا النهر ورد منه المتأخرون قاطبة، ولولا طول الشرح لذكرت ذلك، ومن لطائفه قوله:
__________
1 الغوادي: جمع غادة وهي الحسناء. محقتني: جعلتني في المحاق، بلا ضوء.
2 اقتص: قاصص ثأرًا وثأر. الأوتار: في الإنسان العروق والشرايين.
3 يصمي: يصيب ويردي.
4 الغضى: الرغم وشجر.
5 وافى المكان: وصل إليه.
(2/92)

يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو
يمرّ بي كل وقت ... وكلما مر يحلو
ومن لطائف اتفاقه ونكته الغريبة قوله في نجم الدين بن اسرائيل، وقد هويَ مليحًا يلقب بالجارح:
قلبك اليوم طائر ... عنك أم في الجوانح
كيف ترجّي خلاصه ... وهو في كف جارح
وكتب إليه وقد بلغه أنه سلا عن معشوقه المذكور:
خلصت طائر قلبك العاني ترى ... من جارح يغدو به ويروح1
ولقد يسر خلاصه إن كنت قد ... خلصته منه وفيه روح
ومن مخترعاته الغريبة قوله في الخمرة:
أبدى الحباب لها خطا فأحسن ما ... قد كان حرر من ميم ومن هاء2
قديمة ذاتها في روض جنتها ... كانت وكان لها عرش على الماء
ومن هنا أخذ الصاحب فخر الدين بن مكانس فقال من قصيدة السرحة:
فاستمهدت دوحها المخضل وافترشت ... نجم الربا ورقت عرشًا على الماء3
ولكن لم يساعده في لفظة العرش اشتراك تورية بالنسبة إلى الشيخ بدر الدين فإن نسبة العروش إلى الكرم معروفة. ومنه قوله في مليح نجار:
بروحي نجار مكي الغصن قدّه ... رشيق التثني أحور الطرف وسنان4
يميل على الأعواد قطعًا بما جنت ... وما سرقت من قده وهي أغصان
ومن هنا أخذ جميع الناس وقال من قال:
قد لمت ذا الأهيف النجار وهو على ... الأشجار يقطع في أغصان خلاف5
فقال لي عندها ثار تُحدُّ به ... لأنها سرقت من لين أعطافي6
__________
1 العاني: الخاضع الذليل الأسير.
2 الحباب: الفقاقيع التي تعلو وجه السائل عند صبه.
3 استمهدت: اتخذت منه مهدًا.
4 حكى: شابَهَ. رشيق التثني: خفيف الحركات. وسنان: ذابل الطرف كأنه نعسان.
5 الخلاف: شجر الصفصاف.
6 تجد: تعاقب والحدود قصاصات معلومة فرضها الله تعالى مثل: حد السرقة وحد الزنا.
(2/93)

وممن أحيا ما درس من رسوم التورية القاضي محيي الدين بن قرناص الحموي، تغمده الله برحمته. فمن نكته اللطيفة قوله:
سقيا له روضًا قدود غصونه ... تختال في الأبراد من أوراقها1
جنت به ورق الحمام صبابة ... أو ما ترى الأغلال في أعناقها
ومن لطائف قوله:
مال القضيب بروضة من سكره ... لما سقاه عقاره أدرار2
حتى إذا سرق النسيم دراهمًا ... من كمه صاحت به الأطيار
ومثله قوله:
مذ أتينا نبغي زيارة دوح ... قد حبانا بالجود والإكرام
ناولتنا أيدي الغصون ثمارًا ... أخرجتها لنا من الأكمام
ومثله قوله، وتلطف ما شاء في جمعه بين الاستعارة البديعة والتورية.
قد أتينا الرياض حين تجلت ... وتحلت من الندى بجمان
ورأينا خواتم الزهر لما ... سقطت من أنامل الأغصان
ومنه قوله:
ورب نهر له عيون ... تحار في وصفه العيون
لما غدا الريق منه عذبًا ... مالت إلى رشفه الغصون
ومنه قوله:
أيا حسنها روضة قد غدا ... جنوني فنونًا بأفنانها3
أتى السماء فيها على رأسه ... لتقبيل أقدام أغصانها
ومنه قوله:
تثنى الغصن إعراضًا وعجبًا ... على نهر يذوب أسى عليه
فرق له النسيم وجاء يسعى ... ملاطفة وميله إليه
__________
1 الأبراد: جمع برد وهو الثوب الموشى.
2 العقار: الخمرة سميت به من المعاقرة.
3 الأفنان: جمع فتن وهو الغصن.
(2/94)

ومنه قوله وتلطف ما شاء:
ويوم قد قطعناه بروض ... يضاحك زهره شمس النهار
فكأن نهارنا طلق المحيا ... صبيح الوجه مخضر العذاب
ومنه قوله:
أنعم فإن الدوح يا مالكي ... حمل من أجلك ما لا يطيق
يرقبك الطير على وكره ... وأعين الأزهار نحو الطريق1
وهذا المعنى أخذه الصاحب فخر الدين بن مكانس وزنًا وقافية فقال:
والنرجس الغض غدا شاخصًا ... فلا يخلي عينه للطريق
ومنه قوله، وتلطف ما شاء:
لو كنت إذ نادمت من أحببته ... في روضة أطيارها تترنم
لرأيت نرجسها يغض جفونه ... عنا وثغر أقاحها يتبسم
ومنه قوله في معذر:
ووجنة قد غدت كالورد حمرتها ... وأشبه الآس ذاك العارض النضر
كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارًا وجرَّ عليها ذيله الخضر2
وهذا المعنى استعمله بعضهم في شجرة نارنج3
فقال ولكن لم أعلم المخترع من هو:
نارنجة برزت في منظر عجب ... زبرجد ونضار صاغه المطر4
كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارًا وجرَّ عليها ذيلة الخضر
ومنه قوله:
وروض قد أتت فيه معان ... يطيب به الندامى والمدام
يسامره النسيم إذا تغنت ... حمائمه ويسقيه الغمام
__________
1 الوكر: الطير كالبيت للإنسان.
2 أقبس النار: أضرمها بقبس.
3 النارنج: شجر مثمر يصنع من زهره ماء الزهر. ومن قشرة الثمرة دواء أو مربيات.
4 الزبرجد: أحجار كريمة منوعة، أشهرها الأخضر.
(2/95)

ومنه قوله:
روضة من قرقف أنهارها ... وغناء الورق فيها بارتفاع1
لا تلم أغصانها إن رقصت ... فهي ما بين شراب وسماع
ومن لطائفه في أغزاله قوله:
هويت في مكتب غلامًا ... قلبي بهجرانه جريح
أهيف أضحى قبيح خط ... وإنما شكله مليح
ومنه قوله في مليح مؤذن:
ومؤذن أضحى كريمًا وجهه ... لكنه بالوصل أي شحيح
أبدًا أموت بهجره لكنني ... من بعد ذاك أعيش بالتسبيح
ومنه قوله:
قبلت خط عذاره لما بدا ... وهصرت لين قوامه المياس2
وطلبت لي من خده المحمر ما ... يشفي قواي فجاءني بالآس"ي"
وهذه النكتة توارد هو وشمس الدين محمد بن العفيف عليها فقال:
من يعطف نحوي قلب هذا القاسي ... كم أذكره وهو لعهدي ناسي
أشكو سقمي لعارضيه وكذا ... يشكو دنف سقامه للآسي "س"3
وتطفل عليها بعدهما الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال:
كم جرح القلب منه جفن ... كالسيف في صحة القياس
وطب آس العذار جرحي ... فصح أن الطيب آسي
وابتذل المتأخرون بعدهم حجابها، ونظمتها أنا ولكن زدتها نكتة أخرى من جنسها فترشحت وازدادت حسنًا، وهي قولي:
مذ جفاني ممرض القلب ولم ... ألق للضعف وللكسر انجبارا
قلت للعارض يا آسي إذا ... درت داري مرض القلب فداري
__________
1 القرقف: الخمرة، الورق: الحمائم.
2 هصر: حذب وعطف به نحوه. المياس: المتمايل.
3 دنف السقام: شدتها حتى يبدو السقيم وكأنه سكران.
(2/96)

ومن لطائفه في أغزاله قوله:
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظره
أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهره
وهذه النكتة أيضًا ابتذل المتأخرون حجابها كثيرًا. ومن ظرافات شمس الدين محمد بن العفيف المشهور بالشاب الظريف قوله:
إذا حاولت حل البند قالت ... معاطفه حمانا لا يحل
وإن جليت بوجنته مدام ... يرى لعذاره دور ونزل1
وسبك أيضًا، تورية الدور في قالب آخر، وجاء في غاية اللطف والغرابة بقوله:
لحاظك أسياف ذكور فما لها ... كما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلمًا ... ويلزمه دور وفيه تسلسل
ومنه قوله فيما يكتب على كاس وأجاد:
أدور لتقبيل الثنايا ولم أزل ... أجود بنفسي للندامى وأنفاسي
وأكسو أكف الشرب ثوبًا مذهبًا ... فمن أجل هذا لقبوني بالكاس"ي"
ومن هنا أخذ الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة وقال مضمنًا:
يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس
وكسا العذار الخد حسنًا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس "ي"
ويعجبني قوله وقد أهدى مجموعًا:
يا أيها الصدر الذي وجه العلا ... منه يزان بمنظر مطبوع
لا تعتقد قلبي يحبك وحده ... ها قد بعثت لسيدي مجموعي
ونكتة المجموع استعملها الشيخ جمال الدين وغيره. ومن نكته البديعة التي لم يسبق إليها قوله:
كان ما كان وزالا ... فاطرح قيلًا وقالا
أيها المعرض عنا ... حسبك الله تعالى
__________
1 نزلٌ: مساكن، ونزول نحو الأسفل، ودور، دوائر، ومنازل.
(2/97)

وهذه أخذها صاحبنا المرحوم مجد الدين بن مكانس بنصها، فقال من قصيدة:
يا غصنًا في الرياض مالا ... حملتني في هواك مالا
يا رائحًا بعد ما سباني ... حسبك رب السما تعالى
ومن لطائفه في مليح رسام قوله:
قلت لرسامكم ... بك الفؤاد مغرم
قال متى أذيبه ... فقلت حين ترسم
ومن لطائفه واختراعاته قوله:
قامت حروب الزهر ما ... بين الرياض السندسية
وأتت بأجمعها لتغزو ... روضة الورد الجنية1
لكنها انكسرت لأن الور ... د شوكته قوية
ومن لطائفه أيضًا قوله:
يا ساكنًا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني
لأي معني كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان2
ومن لطائفه أيضًا قوله:
إني لأشكو في الهوى ... ما راح يفعل خده
ما كان يدري ما الجفا ... لكن تفتح ورده
ومن هنا أخذ الشيخ صلاح الدين الصفدي، فقال، ولكن زاده نكتة:
أقول له ما كان خدك هكذا ... ولا الصدغ حتى سال في الشفق الدجى
فمن أين هذا الحسن والظرف قال ... لي تفتح وردي والعذار تخرجا3
ومن نكته البديعة قوله:
قد تعشقت خلافي ... ولي فيه معاني
كلما جادلني العا ... ذل فيه ولحاني
جئته من عارضيه ... بدليل الدوران
__________
1 الجنية: الناضجة.
2 ساكنان: المقيمان، وفي اللغة حرفان مسكنان بسكون.
3 تخرجا: صار كالخرج وهو نوع من الوشي يوضع في طرف الثوب. ويقصد أنه تخلله الشيب.
(2/98)

ومن اختراعاته اللطيفة قوله في مليح خيالي:
خيالَيّ أخاف الهجر منه ... ولست أراه يرغب في وصالي
وكنت عهدتني قدمًا شجاعًا ... فما لي صرت أفزع من خيالي
وقال في زهر اللوز:
تبسم ثغر اللوز عن طيب نشره ... وأقبل في حسن يجل عن الوصف
هلموا إليه بين قصف ولذة ... فإن غصون الزهر تصلح للقصف1
ومثله قوله:
تمشي بصحن الجامع الشادن الذي ... على قده أغصان بان النقا تثني
فقلت وقد لاحت عليه حلاوة ... ألا فانظروا هذي الحلاوة في الصحن2
وقال:
يا ذا الذي نام عن غرامي ... ونبه الوجد والجوى لي
جفني جرى طيه دموع ... شوقًا إلى وجهك الهلالي
ومن اختراعاته الغريبة قوله:
عبتم على المحبوب حمرة شعره ... وأظنكم بدليله لم تشعروا
لا تنكروا ما احمرّ منه فإنه ... بدماء أرباب القلوب مضفر3
وقال في مليح زجاج:
قولوا لزجاجكم ذا الذي ... له محيا بالسنا يسفر
إن كنت في الصنعة ذا خبرة ... وكان معروفك لا ينكر
فما لأحداقك أقداحها ... في صحة من حسنها تكسر
وقال أيضًا:
كلف الفؤاد بظبية عجانة ... ما كنت يومًا آمنًا من هجرها
عجنت فؤادي بالغرام فماؤها ... من أدمعي ودقيقها من خصرها
__________
1 القصف: اللهو واللعب والافتتان في الطعام والشراب.
2 صحن الدار: ساحتها.
3 مضفر: صبغت ضفائر شعره.
(2/99)

وهذا المعنى تلاعب به الجماعة بعد ابن العفيف، ولكن ما برح دقيقة خاصًّا. وقال في ذم الحشيش وأجاد:
ما للحشيشة فضل عند آكلها ... لكنه غير مصروف إلى رشده
صفراء في وجهه خضراء في فمه ... حمراء في عينه سوداء في جسده
وقال في مليح أصيبت عينه:
كان بعينين فلما طغى ... بسحره ردَّ إلى عين
وذاك من لطف بعشاقه ... ما يضرب الله بسيفين
وتورية السيف تناولها الجماعة بعد ابن العفيف، ولولا خشية الإطالة لذكرت غالبها، وقال في مليح بدوي:
بدوي كم جندلت مقلتاه ... عاشقًا في مقاتل الفرسان1
ذو محيا يصيح يا لهلال ... ولحاظ تقول يا لسنان2
وقال في مليح جرح بسكين:
لم تجرح السكين كف معذبي ... إلا لمعنى في الغرام يحقق
هي مثل ما قد قيل جارحة له ... ولكلّ جارحة إليه تشوّق3
وقال في مليح مؤذن بالجامع الأموي:
فديت مؤذنًا تصبو إليه ... بجامع جلق منا النفوس
يطير النسر من شوق إليه ... وتهوى أن تعانقه العروس
هذان البيتان توارد على نكتتهما شمس الدين بن العفيف والشيخ جمال الدين بن نباتة، ورأيتهما في ديوانه، والبيت الأول بنصه والبيت الثاني فيه بعض تغيير وهو:
لقد زف الزمان لنا مليحًا ... تكاد بأن تعانقه العروس
وقال في مليح منير:
منير وجدي به ... أكتمه ويظهر
وكيف تخفى لوعتي ... وقد غدا ينير
__________
1 جندل الفارس: رماه أرضًا وقتله.
2 هلال وسنان: بالإضافة إلى معنييهما المتداولين فهما اسما قبيلتين.
3 الجارحة: العضو العامل من أعضاء الجسد.
(2/100)

وقال أيضًا يصف بساطًا:
بساط يملأ الأحداق حسنًا ... ويهدي للقلوب به سرورا
ويشرح حين يبسط كل صدر ... وخير البسط ما يرضي الصدورا
وقال "من" دو بيت:
الصب بحيكم عراه الوله ... في طوع هواكم عصى عذله1
إيضاح غرامه غدا تكملة ... إذ كان مفصل الهوى مجمله2
وقال أيضًا:
أفدي عربًا بوادي الجزع ... يا وحشة ناظري لهم في الربع
لما بحثوا عندي في فرقتنا ... أنشأت لهم مسائلًا من دمعي
ومنه قوله:
يقول وقد رنا عن لحظ ظبي ... وهز الغصن في ورق الغلائل
أأقتلكم بطرفي أم بعطفي ... فقلت بما تشا فالكل ذابل3
وهذه النكتة أخذها الشيخ جمال الدين بقافيتها وقال:
له معطف لدن القوام ومرشف ... رقيق على التقبيل فالكل ذابل
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه الذي جمعه من إملاء الشيخ أثير الدين أبي حيان، وسماه "مجاني الهصر من أدب أهل العصر"، أنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني شمس الدين محمد بن العفيف في مليح طباخ:
رب طباخ مليح ... فاتر الطرف غرير4
مالكي أصبح لكن ... شغلوه بالقدور5
قال الشيخ صلاح الدين: وأنشدني الشيخ أثير الدين، قال: أنشدني شمس الدين محمد بن العفيف لنفسه:
__________
1 الوَلَه: ذهاب العقل لشدة الحزن
2 المفصل والمجمل: من آيات القرآن الكريم واضحة وغامضة.
3 العطف: الجانب.
4 الغرير: المغرور والذي لا تجربة له.
5 مالكي نسبة إلى الإمام مالك. القدور: الجبر، نظرية بعض الفرق الإسلامية التي لا تؤمن بالاختيار.
(2/101)

ليس خليلًا لي ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل1
يا ردفه جرت على خصره ... رفقًا به ما أنت إلا ثقيل2
وهذه النكتة تلاعب بها غالب المتأخرين بعد ابن العفيف. ومن لطائفه قوله وقد احتجب بعض أصحابه عنه:
ولقد أتيت إلى جنابك قاضيًا ... باللثم للعتبات بعض الواجب
وأتيت أقصد زورة أحيا بها ... فرددت يا عيني هناك بحاجب3
هذه النكتة أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة -غفر الله له- بقافيتها فقال:
حجبتني فازددت عندي علا ... برغم من أقبل كالعاتب
وقلت لا أعدم من سيدي ... من كان عيني فغدا حاجبي
وألم الشيخ زين الدين بن الوردي بهذه النكتة، ولكن سبكها في غير هذا القالب بقوله:
زرتكم صحبة وودا ... ألفيتكم مغلقين بابا
سعيي إلى بابكم جنون ... عليه أستأهل الحجابا
ومن لطائفه في أغزاله قوله:
وكم يدَّعي صونًا وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين يواعد
وكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالى ريقه وهو بارد
ومن هنا أخذ الشيخ صفي الدين الحلي وليته ما قال:
وما فيه شيء ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه
ومنه قوله:
أيسعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خط بخدك نازل
ولو أن قسا واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل4
__________
1 الخليل: الصديق الملازم وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- خليل الرحمن.
2 الردف: العجز والمؤخرة.
3 الزورة: الزيارة. الحاجب: ما يعلو العين من الشعر والخادم الذي يحجب الحاكم عن الناس.
4 باقل: مثمر قرونًا تشبه الباقلاء، وباقل الذي يضرب المثل به في العي وقس: هو ابن ساعدة الإيادي، خطيب مفوه.
(2/102)

الذي يظهر لي أن النكتة في باقل من اختراعات ابن العفيف، فإني لم أجد أحدًا ممن تقدَّمه أَلَمّ بها، ولكن ما صبر الشيخ جمال الدين عنها لحسنها فقال من قصيدة ضمنًا:
تطاولت الأغصان تحكي قوامه ... وعند التناهي يقصر المتطاول
وأعيا فصيح الوقت نبت عذاره ... وعير قسا بالفهاهة باقل1
وكذلك الشيخ زين الدين بن الوردي، ما صبر عنها حتى قال:
وبي أغيد من حسنه البدر خائف ... على نفسه والنجم في الغرب مائل
فلو رام قس وصف باقل خدّه ... لعير قسًّا بالفهاهة باقل
ومن لطائف قوله:
يا خاله خضرة بعارضه ... حرستها عن متيم مغرى
كف عن العاشقين مقتصرًا ... هل أنت إلا حويرس الخضرا2
ومن نكته اللطيفة قوله:
زار وجيب الظلام منسدل ... فانشق ثوب الدجى عن الفجر
وبت من صدغه ومبسمه ... أجمع بين الحشيش والخمر
هذه النكتة أخذها الشيخ زين الدين بمعناها وقال:
ومليح قال جهرًا ... يا نفوس الناس عيشي
من رضابي وعذاري ... بين خمر وحشيش
ومن لطائف نكت ابن العفيف قوله:
وأتى بوجه كالهلال مركب ... من قامة غصنية هيفاء
وبمقلة خفق الفؤاد وقد رنت ... وكذا الجنون يكون عن سوداء3
__________
1 الفهاهة: العي.
2 حويرس: تصغير حارس، للتحقير.
3 رنا: نظر بعطف- السوداء: مرض عصبي يصيب الإنسان نتيجة خلل في إفراز أحد الأخلاط الأربعة التي بها قيام الجسم وهي: الصفراء، الدم، البلغم والسوداء.
(2/103)

ومن لطائف اختراعاته قوله:
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح
فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح
ومنه قوله والنكتة غريبة وبديعة:
أسكرني باللفظ والمقلة الـ ... ـكحلاء والوجنة والكاس
ساق يريني قلبه قسوة ... كل ساق قلبه قاس "ي"
ومن لطائفه أيضًا قوله:
يا باعثًا شعره انتشارًا ... بقامة ما لها نظير
الموت من ناظريك لكن ... من شعرك البعث والنشور1
ومن لطائفه قوله في مليح اسمه مالك:
مالك قد أحلى قتلي برمح الـ ... ـقد منه وراح قلبي طعينه
ليس يفتي سواه في قتل صب ... كيف يفتي ومالك بالمدينة2
ومنه قوله مع حسن التضمين:
جلا ثغرًا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها المحب إلى المنايا
وأنشد ثغره يبغي افتخارًا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا3
ومن لطائفه قوله:
بأبي شادن غدا الوجه منه ... يخجل النيرين في الإشراق4
سلب القضب لينها فهي غيظي ... واقفات تشكوه بالأوراق
__________
1 البعث: إعادة الإحياء، النشور: القيام من الموت.
2 كيف يفتى ومالك في المدينة: أي لا يفتى ومالك في المدينة ومالك هو الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي.
3 أنا ابن جلا: واضح النسب. وطلاع: صيغة مبالغة من طلع، والثنايا: الطرق الجبلية، وطلاع الثنايا: الذي يتحمل الصعاب. وهذا القول هو للحجاج بن يوسف الثقفي من خطبة في أهل العراق يوم تولى أمره.
4 النيرين: الشمس والقمر.
(2/104)

البيت الثاني بلفظه، ومعناه تقدم لابن عبد الظاهر، والله أعلم أيهما السابق. وابتذل حجاب هذه النكتة بعد ذلك المتأخرون، منهم الشيخ زين الدين بن الوردي بقوله:
قدّه جار اعتدالًا ... فله فتك ونسك
سلب الأغصان لينًا ... فهي بالأوراق تشكو
ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب مني بلام العذار ... فعرفني أنها لام كي1
ومن لطائفه قوله:
كأنني واللواحي في محبته ... في يوم صفين قد قمنا بصفين
وكيف يطب صلحًا أو موافقة ... ولحظه بيننا يسعى بسيفين
ومن نكته التي تطفل الناس بعده عليها قوله:
بأبي أفدي حبيبًا ... تيم القلب غراما
عذر العاذل فيه ... مذ رأى العارض لاما
وقال:
لو لم تكن ابنة العنقود في فمه ... ما كان في خده القاني أبو لهب2
تبت يدا عاذلي فيه فوجنته ... حمالة الورد لا حمالة الحطب3
أخذه ابن نباتة وقال:
حمالة الحلى والديباج قامته ... تبت غصون النقا حمالة الحطب
قلت ورد ابن العفيف أغلى من ديباج ابن نباتة، من حيث المناسبة الأدبية، والله أعلم. وهذه النكتة أيضًا أغار عليها المعمار بقوله:
تعرض البدر يحكي حسن صورته ... فراح منكسفًا وانشق بالغضب
وبانة الجزع ماست مثل قامته ... تبت وقد أصبحت حمالة الحطب
__________
1 لام العذار: أطال سالفه وجعله بشكل حرف اللام، ولام كي في النحو هي التي تنصب الفعل المضارع.
2 ابنة العنقود: الخمرة. أبو لهب هو عم النبي محمد الذي خالف دعوته وحاربه.
3 تبّ: انقطع وخسر. وحمالة الحطب: زوجة أبي لهب.
(2/105)

وممن أحسن المباشرة في نظم التورية سيف الدين بن المشد. فمن نكته البديعة الغريبة قوله:
مسكية الأنفاس تملي الصَّبا ... عنها حديثًا قط لم يملل
جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل1
ومن لطائفه قوله:
ومجلس راق مر واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إيلام
ما فيه ساع سوى الساقي وليس به ... على الندامى سوى الريحان تمام
هذه النكتة تقدمت للبدر بن لؤلؤ الذهبي، وذكرت من أغار عليها من الجماعة، ولكن الأمير سيف الدين زادها نكتة أخرى بديعة، واستعملها أحسن من الجماعة، ومن لطائفه قوله:
وشادن أورد في هجره ... لهيب حر الشوق والفرقه
أصبحت حران إلى ريقه ... فليت لي من قلبه رقه2
هذه النكتة نظمتها في مبادي العمر، ولم أقف على قول ابن المشد، إلا بالديار المصرية في الأيام المؤيدية فقلت:
أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الدقة
فبت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقة
ومن لطائفه قوله:
في يوم غيم من لذاذة جوّه ... غني الحمام وطابت الأنداء
والروض بين تكبر وتواضع ... شمخ القضيب به وخر الماء
ومن لطائفه أيضًا قوله:
أذن القمري فيها ... عند تهويم النجوم3
فانثني الغصن يصلي ... بتحيات النسيم
__________
1 العرف: الرائحة الطيبة، الشذا.
2 حران: ظمآن
3 القمري: حمام مطوق حسن الصوت، التهويم: النوم الخفيف، وتهويم النجوم اختفاؤها.
(2/106)

ومن لطائفه قوله:
لئن صرفت وحاشا ... ك فالدنانير تصرف
وما اعتقلت كريمًا ... إلا وأنت مثقف
ومن لطائفه قوله:
الحمد لله في حلي ومرتحلي ... على الذي نلت من علمي ومن عملي
بالأمس كنت إلى الديوان منتسبًا ... واليوم أصبحت والديوان ينسب لي
ومن لطائفه قوله:
لعبت بالشطرنج مع شادن ... رشاقة الأغصان من قدّه1
أحل عقد البند من خصره ... وألثم الشامات من خدّه
تورية الشامات رخصها المتأخرون بعد سيف الدين بن المشد. وممن أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال:
أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت ... في شكله من معاني الحسن أشتات2
عيناه منصوبة للقلب غالبة ... والخد فيه لقتل النفس شامات
انتهى ما تخيرته ووعدت بإيراده في باب التورية. من كلام هذه العصابة، التي مشت تحت العصائب الفاضلية، وصار لها من بعده في نظم التورية أعظم روية، وقدمت إمامهم الذي صلت الجماعة خلفه، وهو القاضي الفاضل وبعده القاضي السعيد ابن سنا الملك، والشيخ سراج الدين الوراق، وأبو الحسين الجزار، ونصير الدين الحمامي، وناصر الدين حسن بن النقيب، والحكيم شمس الدين بن دانيال، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهذه "هي" الفرقة التي تقدمت بعد الفاضل بالديار المصرية. وأما الفرقة الشامية فإمام جماعتها الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة، وبعده مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ومحيي الدين بن قرناص الحموي، وشمس الدين بن العفيف، وسيف الدين بن المشد.
ولكن عجبت من الشيخ صلاح الدين الصفدي كيف أخل في كتابه المسمى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام" بذكر الشيخ علاء الدين على بن المظفر الكندي الشهير بالوداعي، وهو اشهر من قفا نبك، في نظم التورية، بل هو امرؤ قيسها وكنديها، وإذا
__________
1 الشادن: الغزال.
2 أشتات: متفرقات.
(2/107)

ذكر شرف نسبها فإنه علويّها، وانتقل من حلب إلى دمشق المحروسة، وعاصر الجماعة المذكورين، ومولده سنة أربعين وستمائة، ووفاته سنة ست عشرة وسبعمائة، فكانت مدة حياته ستًا وسبعين سنة. ومولد السراج الوراق سنة خمس عشرة وستمائة، ووفاته سنة خمس وتسعين وستمائة، فكانت مدة حياته ثمانين سنة. ومولد أبي الحسين الجزار سنة إحدى وستمائة ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة، فمدة حياته إحدى وسبعون سنة. ووفاة نصير الدين الحمامي لسنة اثنتي عشرة وسبعمائة. ووفاة ناصر الدين بن النقيب سنة سبع وثمانين وستمائة. ووفاة الحكيم بن دانيال سنة عشر وسبعمائة. ومولد محيي الدين بن عبد الظاهر سنة عشرين وستمائة، ووفاته سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فمدة حياته اثنتان وسبعون سنة. ومولد شيخ الشيوخ الأنصاري سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة، فمدة حياته خمس وسبعون سنة. ووفاة مجير الدين بن تميم سنة إحدى وثمانين وستمائة. ووفاة بدر الدين يوسف الذهبي سنة ثمانين وستمائة. ومولد شمس الدين بن العفيف سنة اثنتين وستين وستمائة، ووفاته سنة سبع وثمانين وستمائة، فمدة حياته خمس وعشرون سنة. ومولد سيف الدين بن المشد سنة اثنين وستمائة ووفاته سنة خمس وخمسين وستمائة. فمدة حياته ثلاث وخمسون سنة. وجل القصد من ذلك، تحقيق الواقف على هذا الشرح، إن علاء الدين الوداعي عاصر الجماعة أو غالبهم، وقد تقدم قولي في باب التوجيه، إن الشيخ علاء الدين الوداعي سبك التورية في قوالب لم يسبقه أحد من هذه الجماعة إليها، ولا سقط فكره عليها.
ومع علو قدر الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو الذي مشت ملوك الأدب قاطبة، بعد الفاضل، تحت أعلامه، تطفل على موائد نكت الوداعي ومعانيه، وعلى الأنواع الغريبة من تواريه. وأوردت هناك من هذا القدر نبذة، ولكن تعين إيرادها هنا كاملة لأنها حق من حقوق التورية، وصل في تقدمه إلى غير مستحقه بحيث إن الطالب إذا أراد أن يفرد هذا النوع، أعني التورية، كان بإفراده فريدًا، وعقدًا نضيدًا. وكلما أوردته من أنواع التورية في غير بابه، عزمت على نظم شمله هنا ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه، وقد عنَّ لي أنني إذا فرغت من هذا الشرح أن أفراد بابًا للتورية والاستخدام، أجعلهما مصنفًا مفردًا، وأسميه: كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام، فإن الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه، لم يشف القلوب بترتيبه، ولا تفقه في بديعه وغريبه.
فمن موائد الوداعي التي تطفل الشيخ جمال الدين بن نباتة عليها قوله من قصيدة:
أثخنت عينها الجراح ولا إثـ ... ـم عليها لأنها نعساء
زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء
(2/108)

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، فقال من مطلع قصيدة:
قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء
والشيخ جمال الدين بن نباتة أدرك الوداعي وهو في عنفوان شبابه، ولمعان سيوف آدابه، وقد تقدم مولد الوداعي ووفاته، ومولد الشيخ جمال الدين سنة ست وثمانين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وستين وسبعمائة، فمدَّة حياته اثنتان وثمانون سنة. وعلى هذا كان سن الشيخ جمال الدين بن نباتة عند وفاة الوداعي ثلاثين سنة والله أعلم.
ومما نعطف به على ما تقدم قول الوداعي:
إذا رأيت عارضًا مسلسلًا ... في وجنة كجنة يا عاذلي1
فاعلم يقينًا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، وزنًا وقافية، وقال:
أفدي الذي ساق إليها مهجتي ... فرع طويل تحت حسن طائل
قلبي بصدغيها إلى طلعتها ... يقاد للجنة بالسلاسل
ومن ذلك قول الشيخ علاء الدين الوداعي:
لقد سمح الزمان لنا بيوم ... غدا فيه السمي مع السمي2
تجمعنا كأنا ضرب خيط ... عليّ في عليّ في عليّ
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، أيضًا وزنًا وقافية، وقال:
علوت اسمًا ومقدارًا ومعنى ... فيا لله من حسن جليّ
كأنكم الثلاثة ضرب خيط ... عليّ في عليّ في عليّ
قال الشيخ علاء الدين الوداعي:
من آخذ من خدّه ... بدم الشهيد المغرم
فالريح ريح المسك منـ ... ـه ولونه لون الدم
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
لا ينكر الكاسر من جفنه ... دم الشهيد الصابر المغرم
فالريح ريح المسك من خدّه ... كما ترى واللون لون الدم
__________
1 العارض: المطر في غير أوانه، المسلسل: الدائم الهطول.
2 السمي: الذي يسمى بالاسم نفسه.
(2/109)

قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
يفتن بالفاتر من طرفه ... وريقه البادر يا حار
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة:
لو ذقت برد رضاب من مقبله ... يا حار ما لمت أعضائي التي ثملت1
مع أن الشيخ جمال الدين فتر عن الفاتر.
وقال الشيخ علاء الدين الوداعي:
قيل إن شئت أن تكون غنيًّا ... فتزوج وكن من المحصنينا2
قلت ما يقطع الإله بِحُرٍ ... لم يضع بين أظهر المسلمينا
أخذه الشيخ جمال الدين بالقافية، وقال:
قال لي خِلي تزوج تسترح ... من أذى الفقر وتستغني يقينًا
قلت دع نصحك واعلم أنني ... لم أضع بين ظهور المسلمينا
قلت إن قافية محصنين أصدق من يقين ابن نباتة في مقطوعه.
قال الشيخ علاء الدين الوداعي مضمنًا:
يا عاذلي في النكاريش اطّرح عذلي ... واعذر فعذري فيهم واضح حسن3
فالمرد إن حاولوا حربي بهجرهم ... إذن لقام معشر خشن4
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال:
لو آذنتني عذالي بحربهم ... إذ في النكاريش قد أصبحت هيمانا
إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إنْ ذو لوثة لانا5
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
عذب مقبله وحلو لحظه ... أو ما تراه بالنعاس معسلا6
__________
1 المقبل: مكان التقبيل "الشفاه". ثمل: سكر.
2 المحصنين: المتزوجين.
3 النكاريش: جمع نكريش وهو اللواطي، وقد سبق وأشرنا إلى هذه اللفظة "ص137".
4 المرد: جمع أمرد وهو الذي لا لحية له من الشبان.
5 الحفيظة: الغضب أو الحمية، اللوثة: الجنون.
6 المعسّل: من التعسيل وهو النوم الخفيف، أن ينام وتبقى عيناه مفتوحتين قليلًا.
(2/110)

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة:
معسل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت
قال الشيخ علاء الدين الوداعي، من القصيدة المذكورة.
ألحاظه وهي السيوف كليلة ... ويكون تعذيب الكليلة أطوالا1
أخذه الشيخ جمال الدين مع القافية وقال من قصيدة:
بليت به ساجي اللحاظ كليلها ... وما زال تعذيب الكليلة أطولا2
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
والنهر فيه كالمبرد يجلو الصدى ... ببرده عن قلب ظمآنه
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة:
والنهر فيه كمبرد ... فلأجل ذا يجلو الصدى
لكن، نقص نهره وكَلَّ مبرده، عن نكتة ببرده في بيت الوداعي، فإن الشيخ جمال الدين حط مكانها في بيته: فلأجل ذا. وشتان.
قال الشيخ علاء الدين الوداعي في مطلع قصيدة:
ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم3
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة:
مبخل يشبه ريم الفلا ... يا طول شجوي من بخيل كريم
قال الشيخ علاء الدين الوداعي في مليح أعمى:
بروحي غزال راح في الحسن جنة ... تعشقته أعمى فهمت من الوجد
إذا ما تردَّى قائدًا بيمينه ... تيقنت حقًّا أنه جنة الخلد
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بالقافية، وقال:
أفديه أعمى مغمدًا لحظه ... ليرتعي في خدّه الوردي
تمكنت عيناي من وجهه ... فقلت هذي جنة الخلد
__________
1 الكليلة: من السيوف غير القاطعة.
2 ساجي اللحاظ: ساكنه ولينه.
3 النفار: الهجر وعدم الوصال، كريم الحسب والأصل.
(2/111)

قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
بخلت على بدر مبسمها ... فغدت مطوقة بما بخلت1
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة:
بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لائم ... فغدت مطوقة بما بخلت به
هذا المعنى استحقيته على الشيخ علاء الدين الوداعي، والشيخ جمال الدين بن نباتة، فإني زدت الاقتباس من الحديث تورية بقولي:
ناحت مطوقة الرياض وقد جرى ... دمعي الملون بعد فرقة حبه
لكن بتلوين الدموع تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة يصف مليحًا من المغل:
وما يبري هوى المشتا ... ق إلا ذلك المغلي2
قال الشيخ جمال الدين من قصيدة:
من المغل أشكو نحوه ألم الجوى ... وطب الهوى عندي كما قيل بالمغلي
قال الشيخ علاء الدين الوداعي:
يا نديمي والذي عاهدني ... أنه عن شربها لن يقصرا
اسقني صرفًا ودع عذالنا ... يضربون الماء حتى يخصرا3
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
اسقني صرفًا من الرا ... ح تحت الهم حتًّا4
ودع العذال فيها ... يضربون الما حتى
قال الشيخ علاء الدين الوداعي، من مطلع قصيدة:
باللِّوي صعدة عليها لواء ... كل طعنات نصلها نجلاء5
__________
1 المطوقة: الحمامة، وفي البيت إشارة إلى قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
2 المغلي: نسبة غلى المغل وهم جيل من الناس "المغول". ونوع من الحلوى.
3 يخصرا: أي يختصر ويقل.
4 حتّ: أزال.
5 اللوي: مكان. الصعدة: الطويلة المستقيمة كالرمح. نجلاء: الطعنة الواسعة.
(2/112)

وقال بعد المطلع:
لا تخل عندها سماعًا لشكوى ... فلهذا قالوا لها صماء1
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في مطلع قصيدة:
وعدت بطيف خيالها أسماء ... إن كان يمكن مقلتي إغفاء
وقال بعد المطلع:
يا من يطيل من الجوى لقوامها ... شكواه وهي الصعدة الصماء
قال الشيخ علاء الدين الوداعي:
يا ربوة أطربتني ... وحسنت لي هتكي
إذ لست أبرح فيها ... ما بين دف وجنك2
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
بالجنك من مغنى دمشق حمائم ... في دف أشجار تشوق بلطفها
فإذا أشار لها الشجي بكأسه ... غنت عليه بجنكها وبدفها
وتطفل أيضًا الشيخ صلاح الدين الصفدي على الوداعي، في جنكه ودفه، فقال:
انهض إلى الربوة مستمتعًا ... تجد من اللذات من يكفي
فالطير قد غنى على عوده ... في الروض بين الجنك والدف3
وتطفل على الوداعي أيضًا، الشيخ زين الدين بن الوردي، وتزاحم هو والصفدي على العود:
دمشق قل ما شئت في وصفها ... واحكِ عن الربوة ما تحكي
فالطير قد غني على عوده ... في الروض بين الدف والجنك
قال الشيخ علاء الدين الوداعي، من قصيدة يصف نار شوقه لمحبوبه مع كتمان سره:
في حشاه للشوق نار تلظَّى ... وبفيه حفظًا لسرك ماء4
__________
1 تخل: نهي من خان ظن. الصماء: التي لا تسمع، والقوية.
2 الجنك: من آلات الطرب، الطنبور.
3 العود: الغصن، وآلة موسيقية.
4 بفيه ماء: أي بفمه الماء، فلا يستطيع الكلام.
(2/113)

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، بالقافية وقال من قصيدة ولكن زاده حسنًا:
فيا عجبًا مني لإنسان مقلتي ... يحدث أخباري وفي فمه ماء
ومن لطائف الوداعي ونكته، في العود الذي أخذه منه الشيخ صلاح الدين الصفدي، والشيخ زين الدين بن الوردي واستعملاه بلا أوتار، قوله:
والروض يهدي مع نسيم الصبا ... نشر خزاماه وريحانه
وراسل القمري ورقاءه ... شدوًا على أوتار عيدانه1
ويعجبني من هذه القصيدة قوله، مشيرًا إلى رأس العين ببعلبك:
يا حادي الأظعان إن شارفت ... من بعلبك سفح لبنانه2
فاقرأ تحياتي على نازل ... في محجر العين كإنسانه
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
يا جيرة بالغوير قد نزلوا ... الله من جيرة ونزال
ما عطل الطرف بعد فرقتكم ... من دمعه واكشفوا عن الحال
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال:
حلوا بعقد الحسن أجيادهم ... وحاولوا صبري حتى استحال
فآه من عاطل صبر مضى ... والحمد لله على كل حال
قال الشيخ علاء الدين الوداعي، وأجاد إلى الغاية:
قالت الورق إذ شدا ... فشجاها وشوّقا
ما رأينا مقرطقًا ... قبل هذا مطوَّقا3
ومثله في تورية المطوّق:
يا جنة كوثرها ... رضا به المروق
وفوق غصن قده ... عذاره مطوَّق
__________
1 القمري: نوع من الحمام، وكذلك الورقاء. وكما يبدو هو ذكر الورقاء.
2 الحادي: الذي يسوق الإبل بواسطة الحداء وهو نوع من الغناء الشجي تحث بواسطته الإبل على السير. الأظعان: المسافرون جمع ظعن ويعني به الإبل.
3 المقرطق: لابس القرطق وهو نوع من الثياب الإيرانية المزركشة.
(2/114)

ومثله قوله:
فديت من مبسمه ... زهرًا لغصن قده
وصدغه مطوّق ... في روضة من خده
النكتة في المطوق من اختراعات الوداعي، وتطفل عليها الشيخ جمال الدين بن نباتة، حتى في تسمية كتابه، ومن نظمه فيها قوله:
طوّق جود الوزير جيدي ... فلست عن مدحه أعوّق
أسجع بالمدح في علاه ... لا غرو أن يسجع المطوّق
قال الشيخ علاء الدين الوداعي:
لي من الطرف كاتب يكتب الشو ... ق إليه إذا الفؤاد أمله
سلسل الدمع في صحيفة خدي ... هل رأيتم مسلسلات ابن مقله
هذا المعني قلبه ابن نباتة، بعد الوداعي، كثيرًا وسبكه في قوالب كثيرة، وأظنه أخذه وزنًا وقافية بقوله:
قلت للكاتب الذي ما أراه ... قط إلا ونقط الدمع شكله
إن تخط الدموع في الخد خطًا ... ما يسمى فقال خط ابن مقله
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
قلبي مطبع في هواك وأنت لي ... من بين دوح الحسن غصن خِلاف1
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة، وقال في مطلع قصيدة:
قاسي الجوانح لين الأعطاف ... أهواه في الحالين غصن خلاف
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة:
كيف أقوى لحمل سخط وبعد ... بعدما كان من رضا وتداني
فتكرم بعطفة والتفات ... مثل ما في الأغصان والغزلان
أخذه الشيخ جمال الدين، فقال من قصيدة:
غزال رمل ولكن غير ملتفت ... وغصن بان ولكن غير منعطف
__________
1 الخلاف: شجر الصفصاف.
(2/115)

ومن لطائف الشيخ علاء الدين الوداعي ونكته الغريبة قوله:
قال لي العاذل المفند فيها ... يوم وافت فسلمت مختاله1
قم بنا ندَّعي النبوة في العشـ ... ـق فقد سلمت علينا الغزاله
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال
يا غزالًا أهدى السلام إلى المغـ ... ـرم لا تنكرن حالًا لديه
كيف لا يدَّعي النبوّة في العشـ ... ـق وقد سلم الغزال عليه
وأخذه الشيخ صفي الدين الحلي، فقال في ثلاثة أبيات تركيبها ضعيف:
تنبأ فيك قلبي واسترابت ... قلوب صدهم عنه ضلال2
وردهم الهوى أن يؤمنوا بي ... وقالوا إن معجزه مجال
فمذ سلمت سلمت البرايا ... إِلَيّ وقيل كلمه الغزال
ومن لطائف الشيخ علاء الدين الوداعي أيضًا ونكته الغريبة، قوله على لسان صديق اسمه عمرو قد هام بمليح
في إحدى أذنيه لؤلؤة:
كم قلت لما مرّ بي ... مقرطق يحكي القمر
هذا أبو لؤلؤة ... منه خذوا ثأر عمر3
ومن لطائفه أيضًا في مليح اسمه سعد:
إذا ما كان قتلي يا حياتي ... مرادك من يردّك أو يصدُّ
ففوق سهم طرفك نحو قلبي ... فداك أبي وأم وارمِ سعد
ومن لطائفه أيضًا في مليح بدوي:
أقبل من حيه وحيا ... فأشرقت سائر النواحي
فقلت يا وجه من بني مَن ... فقال لي من بني صباح
__________
1 العاذل: اللائم. المفند: الضعيف الرأي. مختالة: متبخترة في مشيها، متكبرة.
2 استراب: شك.
3 أبو لؤلؤة: غلام فارسي طعن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فكانت الطعنة سببًا لوفاته.
(2/116)

ومن نكته البديعة الغريبه قوله:
تعجبوا لما غدت أدمعي ... بيضا وراحت كالدم القاني
لا تعجبوا طرفي رب الهوى ... فكل يوم هو في شان1
ومن نكته البديعة الغريبة أيضًا قوله:
وليلة خلت مجلسنا سماء ... وصحبي كالثريا في اجتماع
فبات الطرف يرعى البدر منهم ... إلى أن حل منزلة الذراع2
ومن نكته البديعة الغريبة أيضًا قوله من دو بيت:
يا غصن نقا أينع بالأزهار ... يا ألطف من نسيمة الأسحار
ريحان عذارك الذي تيمني ... من ولده من قلم الأشعار
ومن لطائفه قوله من دو بيت أيضًا:
لما حجب الكرى عن الآماق ... وانقاد مع العدى على العشاق3
ناديت وقد تزايدت أشواقي ... يا غصن رضيت منك بالأوراق
ومن لطائفه الغريبة قوله فيمن يبيع السكر بالدين:
أرى من الواجب أن يصرف الـ ... ـعطار بالصد وبالزجر4
فأي تصريف وذوق لمن ... يدين السكر بالصبر5
ومن نكته الغريبة أيضًا من قصيدة:
يا طالبًا للكيمياء ولم ... يحصل على عين ولا أثر6
زر لائمًا عتبات ساحته ... تظفر إذا بمكرم الحجر
وهذا المعنى تطفل عليه الشيخ جمال الدين بن نباتة، وكثير من الناس، بعد الوداعي.
__________
1 هذا تضمين لقوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 55/ 29] .
2 منزلة الذراع: من منازل القمر، وهو نجم على شكل الذراع.
3 الآماق: جمع مؤق وهو مكان خروج الدمع من العين.
4 العطار: في الأصل بائع العطر وتطلق على البائع إطلاقًا.
5 الصبر: يقصد أنه مرّ المذاق.
6 العين: معظم الجسم. الأثر: ما يدل على وجود جسم.
(2/117)

ومن لطائفه قوله:
يا عز والله العزيز الذي ... قضى على نفسي بإذلالها
له خطرت من نحوكم نسمة ... إلا تعرضت لتسآلها1
ولا سرت منا إلى أرضكم ... إلا تمسكت بأذيالها
ومن لطائف مجونه قوله:
لنا شاعر قد هذب الطبع شعره ... وأصبح عاصيه على فيه طيعا
إذا خمس الناس القصيد لحسنه ... يحق لشعر قاله أن يسبعا2
ومن نكته البديعة الغريبة، قوله مع حسن التضمين:
وشادن مثل الضحى وجهه ... كتمت عشقي فيه خوف الرقيب
حتى بدا ليل عذار له ... فبحت والليل نهار الأديب
ومن لطائفه التي تقدم بها قوله:
كلما رمت فيك إنكار حبي ... من عذول يزيد في تعنيفي3
عرفته لام العذار غرامي ... بك واللام آلة التعريف
ومن نكته التي هي نوع من السحر قوله في مطلع قصيدة:
أعيذ ريم الترك بالروم ... والصدغ مع فيه بحم4
وما أحلى ما قال بعده، ولم يخرج من مطابقة التورية:
وخده المشرق قد صح في ... عذاره المعوج تقويمي
ومن نكته البديعة الغريبة المطربة قوله:
وأغنّ ساجي الطرف ذي هيف ... والواو في وأغنّ للقسم5
__________
1 التسآل: السؤال. ونعتقد أن البيت يبدأ بـ "لا" بدلًا من "له" لمناسبة المعنى.
2 خمس القصيد أو سبعه: من المخمس والمسبع: جعل مقاطع لكل مقطع خمسة أبيات تأتي القافية في آخر البيت الأخير. أو سبعة أبيات والقافية في آخر البيت السابع.
3 رام: أراد. العذول: اللائم. والتعنيف: التبكيت واللوم.
4 الروم وحم: سورتان من سور القرآن الكريم. وأعيذ: أحمي.
5 الأغن: الذي في صوته غُنَّه. ساجي الطرف: ساكنه.
(2/118)

قالت خلاخله أيمكنني ... نطق وماء الساق ملء فمي1
ومن نكته البديعة الغريبة قوله من قصيدة:
وكأن ريق النحل ريقتها ... فيها الشفاء لمهجة نحلت2
ومن لطائفه قوله:
ويوم لنا بالنيرين رقيقة ... حواشيه خال من رقيب يشينه3
وقفنا وسلمنا على الدوح بكرة ... فردت علينا بالرءوس غصونه
ومن لطائفه أيضًا قوله:
وذي دلال أهيف أحور ... أصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساته ... وقال ساقي قلت في وسطي
ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
روِّ بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي الخالي4
وارو لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال
ومن اختراعاته البديعة الغريبة قوله:
سقيًا لكرم مدامة ... أنشت لنا النشوات ليلًا5
خلعت علينا سكرة ... بدوية كما وذيلًا
ومن نكته البديعة الغريبة قوله:
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي6
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي
__________
1 الخلاخل: الخلاخيل، جمع خلخال وهو من الحلي ما تلبسه الفتاة أو المرأة في ساقها. الساق: الساقي، خففها لإقامة الوزن ولإيهام التورية بين الساقي والساق.
2 ريق النحل: العسل. نحلت: ضعفت.
3 النيرين: الشمس والقمر، ودجلة والفرات. يشينه: يعيبه أو يعكره.
4 الخالي: الماضي، البائد.
5 النشوة: قمة الفرح والسرور، والسكر.
6 أصمى: أصاب وأمات.
(2/119)

أخذه الشيخ جمال الدين بالقافية وقال:
وأغيد كل شيء فيه يعجبني ... كأنما هو مخلوق على شرطي1
أجفانه الود ما تخطي إذا رشقت ... سهامها وسهام الليل لا تخطي
ويعجبني من نكته الغريبة قوله من قصيدة:
أهل نجد هل تنجدون محبًا ... صاده بالغوير ظبي ملول2
كم دماء مطلولة في هواه ... وبها روض خده مطلول3
وحديث عن السقام صحيح ... قد رواه عن طرفه مكحول4
وقال وقد عينه الوزير، لرحبة مالك بن طوق:
حاشاك أن تختار لي رحبة ... لست إليها الدهر بالسالك
لأنها نار تلظّى أما ... ترونها تعزى إلى مالك
ومن نكته التي ما حام فكر غيره عليها قوله:
وفي أسانيد الأراك حافظ ... للعهد يروي صبره عن علقمة
وكلما ناحت به حمامة ... روى حديث دمعه عن عكرمة
التورية في علقمة وفي عكرمة أيضًا فإنه اسم للحمامة.
ومثله في الغرابة أيضًا قوله وقد توجه من دمشق إلى البلقاء، لزيارة صاحب له يلقب بالشمس، فلما وصل إلى البلقاء وجده قد توجه إلى حسبان، فكتب إليه.
أتيت إلى البلقاء أبغي لقاءكم ... فلم أركم فازداد شوقي وأشجاني
فقالت لي الأقوام من أنت قاصد ... لرؤياه قلت الشمس قالوا بحسبان5
انتهى ما أوردته من ترجمة الشيخ علاء الدين الوداعي. ومن غرائب نكته البديعة في باب التورية، وأبدت سموّ رتبته بتطفل مثل الشيخ جمال الدين بن نباتة على موائد
__________
1 الأغيد: الناعم المتثني.
2 الملول: الذي لا يثبت على حب شيء.
3 المطلول: المهدور الدم دون الأخذ بثأره، والذي أصابه الطل وهو الندى.
4 مكحول: أحد رواة الحديث النبوي الشريف، والذي وضع الكحل في عينيه.
5 حسبان اسم بلد، وفي البيت إشارة إلى قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} .
(2/120)

بدائعه وغرائبه. ولكن أقول إن الجزاء من جنس العمل. فكما أغار الشيخ جمال الدين على الوداعي ودخل إلى بيوته وابتذل حجاب بنات فكره، قيض الله له الشيخ صلاح الدين الصفدي. فإن الشيخ جمال الدين -رحمه الله- كان يخترع المعنى الذي لم يسبق إليه، ويسكنه بيتًا من أبياته العامرة بالمحاسن، فيأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، بلفظه ولم يغير فيه غير البحر، وربما عام به في بحر طويل يفتقر فيه إلى كثرة الحشو واستعمال ما لا يلائم، فلم يصبر الشيخ جمال الدين على ذلك، وصنف كتابًا ألفه من نظمه ونظم الشيخ صلاح الدين الصفدي، وسماه: "خبز الشعير" يعني أنه مأكول مذموم، واستهل خطبته بقوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا} 1، ورتب كتابه المذكور على قوله: "قلت أنا فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال". وكنت أوردت من خبز الشعير نبذة في أوائل هذا الكتاب، ولكن لم يرض باب التورية إلا بإيراده هنا كاملًا؛ لأنه حق من حقوقها، فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة، قلت:
ومولع بفخاخ ... يمدّها وشباك
قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراكِ "ي"2
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
أغار على سرح الكرى عندما رمى الـ ... ـكراكي غزال للبدور يحاكي
فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراك "ي"
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت:
أسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب3
صرعت طيرًا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
قلت له والطير من فوقه ... يصرعه بالبندق الصائب4
سكنت قلبي فحركته ... فقال لم أخرج عن الواجب
__________
1 نوح: 71/ 28.
2 كراكِ "ي": الأولى: بمعنى النعاس. والثانية بمعنى طيور.
3 البرزة: المرأة الحسناء التي تجالس الرجال. الطالع: الحظ والطلعة. الغارب: الكاهل والذهاب، أي سعيدة الإقبال والصدود.
4 البندق: حبيبات تضرب بواسطة البندقية وهي نوع من السلاح.
(2/121)

وقال الشيخ جمال الدين: قلت:
وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه1
شغف العذار بخده ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه2
أخذه الشيخ الصلاح الصفدي وقال:
وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى ... تميل حمامات الأراك إليه
له عارض لما رأى الطرف ناعسًا ... أتى خده سرًّا فدب عليه
قال الشيخ جمال الدين: قلت:
يا غادرًا ولم أغدر بصحبته ... وكان مني مكان السمع والبصر
قد كنت من قلبك القاسي أخال جفا ... فجاء ما خلته نقشًا على حجر3
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
ما زلت أشكو حين وفر في الضنى ... قسمي وأسلمني إلى البلوى وفر4
حتى تأثر من شكاية لوعتي ... لي قلبه فرأيت نقشًا في حجر
وأحسن ما وقع في هذا الباب، للشيخ جمال الدين بن نباتة أنه قال:
بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... مليء الحسن حالي الوجنتين5
له خالان في دينار خدٍّ ... تباع له القلوب بحبتين6
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
بروحي خدّه المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبه
كأن الحسن يعشقه قديمًا ... فنقطه بدينار وحبه7
__________
1 يميس: يتمايل في مشيته، والرشأ: الغزال. النشوان: السكران.
2 العذار: خط من النخل والشجر والرمل، والمقصود ورد ذلك المكان أو طيوره، والله أعلم.
3 أخال: أظن. والجفاء: القسوة والهجر.
4 الضنى: الحزن والمرض.
5 الألمى: الأسمر الشفاه. حالي الوجنتين: من الحلا أي أنهما حلوتين أو أنهما حُلِيَتَا فليس عليهما شعر.
6 الخال: الشامة. الحبتين: هما حبتا القلب أو مكان الفرح والحزن والحب والنغض منه، أو هما. الصمامان والله أعلم.
7 نقطه: جعل عليه نقطًا، أو قدم له هدية في يوم عرسه وهذه تسمى "نقطة".
(2/122)

فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين، قال: لا إله إلا الله سرق الشيخ صلاح الدين، كما يقال، من الحبتين حبه.
قال الشيخ جمال الدين قلت:
يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتنتي ألذ وأزين1
فانظر إلى حسنيهما متأملًا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن
فأخذه الشيخ صلاح الدين، مع البحر، بل أخذ الكل مع القافية، وقال:
بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين
كم قد دفعت عواذلي من وجهها ... لما تبدى بالتي هي أحسن2
وهذان البيتان تقدم القول أنهما بنصهما للقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ولكن رأيت العز الموصلي نسبهما، في تذكرته، للصلاح الصفدي من جملة "خبز الشعير" والله أعلم.
قال الشيخ جمال الدين: قلت:
فديتك أيها الرامي بقوس ... وطرف يا ضنى جسدي عليه
لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه
فأخذه الشيخ صلاح الدين، وقال:
تشرط من أحب فذبت وجدًا ... فقال وقد رأى جزعي عليه3
عقيق دمي جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه4
قلت: أظن أن الشيخ صلاح الدين لَمّا سمع قول الشيخ جمال الدين، ونظم هذين البيتين، ما كان في حيز الاعتدال، وأين انجذاب القوس إلى الحاجب من انجذاب الدم إلى الخد، وليته ما تلفظ بالانجذاب، بل قال: عقيق دمي جرى فأصاب خدي.
قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
يا مشكتي الهم دعه وانتظر فرجًا ... ودارِ وقتك من حين إلى حين
ولا تعاند إذا أصبحت في كدر ... فإنما أنت من ماء ومن طين
__________
1 العاذل: اللائم.
2 تبدى: ظهر وبان واضحًا.
3 الوجد: شدة الشوق. الجزع: شدة الفزع، الهلع.
4 العقيق: حجر كريم لونه لون الدم تقريبًا.
(2/123)

أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقال:
دع الإخوان إن لم تلق منهم ... صفاء واستعن واستغن بالله
أليس المرء من ماء وطين ... وأي صفًا لهاتيك الجبلّة1
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة، قلت:
أحاول صبرًا عن هوى قد كتمته ... فلا أجد الصبر المحاول يعذب
وألقى به ثوب المثيب مطبعًا ... فأغسله بالدمع والطبع أغلب2
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
يقول الفكر لي دنست ثوب الشـ ... ـباب وفي غداة الشيب تتعب
وتغسله بدمعك كل وقت ... وما ينقى لأن الطبع أغلب
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- قلت:
أسفت لشاشي الذي قد مضى ... وفاز به سارق حاشه3
والله ما بي مما جرى ... سوى قولهم صفعوا شاشه4
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
قد سرق الشاش بليل وما ... قدره الله فما يندفع
الحمد لله الذي لم يكن ... شاشي على رأسي لما صفع
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت أنا:
أشكو إلى الله ما أكابد من ... دمامل مسني بها الضر5
فالليل عندي من حالها سنة ... فما لليلي ولا لها فجر
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
أشكو إلى الله من أمور ... تُمِرّ عيشي لما تَمُرّ6
__________
1 صفًا: صفاء. الجبلة: الخليط، والخلقة والطبيعة.
2 مطبعًا: مبقعًا ببقع تشبه طبعة الختم. الطبع أغلب: مَثَلٌ يضرب في من لا يستطيع ترك ما تعود عليه.
3 الشاش: نسيج رقيق يستعمل للجروح ولفافة العمامة. حاشه: سَرَقه.
4 صفعوا: سرقوا، والصفع في الأصل، الضرب بالكف المبسوطة.
5 كابد: عانى الدمامل: جمع دمل وهو التهاب بسيط في الجلد والنسيج الذي تحته مصحوب بتقيح.
6 تمر: تجعله مُرًّا.
(2/124)

ودمل مع دوام ليل ... ما لهما ما حييت فجر
ونظم الشيخ جمال الدين هذا المعنى أيضًا، في أبيات معناها الوعظ يعجبني إلى الغاية وهي:
لا تخش من هم كغيم عارض ... فلسوف يسفر عن إضاءة بدره1
إن تمس عن عباس حالك راويًا ... فكأنني بك راويًا عن بشره2
ولقد تمر الحادثات على الفتى ... وتزول حتى ما تمر بفكره
ولرب ليل في الهموم كدمل ... صابرته حتى ظفرت بفجره3
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت أنا:
بروحي فاتر الأجفان ساجٍ ... كأنَّ الحسن لفظ وهو معنى
تفرد وهو فتان التثني ... فيا لله من فرد تثنى4
فأخذه الشيخ صلاح الدين، وقال:
وأهيف حاز قدًا ... قد حار فيه المعنى
تراه في الحسن فردًا ... لكنه يتثنى
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت أنا:
بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري5
أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقال:
أسكنت شخصك طرفي ... حتى أُواري أُواري6
فحين جاورت دمعي ... جعلت جارك جاري
__________
1 الغيم العارض: الذي يعترض في الأفق فيسده، أسفر: انكشف.
2 عباس: ابن عباس وبشر هما من رواة الحديث النبوي الشريف ومن الصحابة.
3 فَجرِه: انفجاره وخروج ما فيه من الصديد وهو القيح.
4 تثنى: تمايل وأصبح مثنى أي اثنين.
5 جاري: سائل والقريب من منزلي.
6 أواري: الأولى من المواراة وهي الإخفاء: وأواري: الثانية من أوار النار وهو لهيبها.
(2/125)

وقد تقدم أن بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي أول من سبق إلى هذه النكتة قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت:
سألت النقا والغصن يحكي لناظري ... روادف أو أعطاف من زاد صدّها1
فقال كثيب الرمل ما أنا حملها ... وقال قضيب البان ما أنا قدّها2
أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
يقول ردف حبيبي ... وعطفه المتثني
ما أنت يا غصن قدي ... ولا كثيبك وزني
قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
لك يا أزرق اللواحظ مرأى ... قمري أضحى على الخلق ينهى
يا لها من سوالف وخدود ... ليس تحت الزرقاء أحسن منها3
أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
ألبسوه عمامة للنصارى ... قد روى اللازورد في الحسن عنها4
وجلا طلعة كبدر تمام ... ليس تحت الزرقاء أحسن منها5
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: قلت أنا:
يا مجريًا دمعي وموقف لوعتي ... من جسمي المضنى على الأطلال6
يا من إذا سألوه عن بدر الدجى ... والمسك قال أخي الشقيق وخالي7
__________
1 النقا: الرمل. الروادف: مفردها الردف وهو الكفل. أو المؤخرة. الأعطاف: جمع عطف وهو الجنب. الصد: الإعراض.
2 كثيب الرمل: المرتفع الصغير من الرمل. قدّها: أساويها، وقِوامها.
3 السوالف: جمع سالف وهو ما تدلى من الشعر على جانب الرأس بين العين والأذن وللرجل: الصدغ.
4 اللازورد: من الأحجار الكريمة لونها بلون السماء.
5 الزرقاء: السماء.
6 اللوعة: الحزن. المضنى: المريض. الأطلال: البقايا والآثار.
7 الشقيق: نوع من الأزهار الحمراء "شقائق النعمان".
(2/126)

أخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
فديت حبيبًا ضرج الحسن خده ... فصب على خديه ذوب عقيق1
إذا عاين الروض المدبّج خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي2
قلت: الشيخ صلاح الدين ما شم لمسك الخال رائحة، والله أعلم.
وقال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
هيهات بين ذوي الأسى لا يستوي ... دمعي ودمعك أيها المتواجد3
فحديث دمعي عن تلهب أضلعي ... ذاكي اللظى وحديث دمعك بارد4
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
شكوت حتى لان بعد قسوة ... ورحت أبكي وهو لي يساعد
وقال ها نحن سواء في البكا ... لا يا حبيبي ما بكانا واحد
لا يستوي دمع حكى جمر الغضى ... إذا جرى ودمع عين بارد5
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة، قلت أنا:
هنئتم آل الشهيد بنجمكم ... وبوجه مولود لكم ما أزهره
من قبل ما عملت لديه عقيقة ... عملت له المدح الجواري جوهره6
فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال:
أيا أندى الورى كفا ووجهًا ... وأقومهم إلى العليا طريقه7
لقد جاءتك جوهرة المعاني ... فلا تبخل عليها بالعقيقه
__________
1 ضرج: لوّن، خضب. ذوب عقيق: عقيق مذاب. والعقيق نوع من الأحجار الكريمة لونها يشبه لون الدم.
2 عاين: نظر بعينيه.
3 المتواجد: الذي يدعي الوجد. وهو شدة الشوق.
4 ذاكي اللظى: مستعر اللهب.
5 جمر الغضى: من أشد الجمر حرارة والغضى شجر جمره يدوم طويلًا.
6 العقيقة: الطعام الذي يعمل عند حلق شعر المولود لأول مرة ويكون ذبيحة على الأكثر.
7 أندى الورى: أجود الناس.
(2/127)

قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
عذول لست أسمع منه عذلا ... على هيفاء مثل البدر تما
له طرف ضرير عن سناها ... ولي أذن عن الفحشاء صما1
أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، وغير صيغة المثل بالحشو، فقال:
تعشقته مثل القضيب إذا انثني ... بوجه حكى البدر المنير إذا تما
وإن كان عذالي عموا عن جماله ... فلي أذن عن كل ما نقلوا صما
قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
حربي من مهفهف القد رام ... أسهم اللحظ ما أسدّ وأرشق2
كلما قلت يفتح الله بالوصـ ... ـل رماني من سحر عينيه يغلق
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
سهام طرفك أصمت ... قلبي ولم تترفق3
ما يفتح الجفن إلا ... ورهن قلبي يغلق
قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
تأملت في الحمام تحت مآزر ... روادف بيض ما سناها بغائب4
كأني من هذي وهاتيك ناظر ... بياض العطايا في سواد المطالب5
فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقال:
تبدى حبيبي في السواد فراقني ... وما راعني لما أتى بالعجائب
وشبهت ذاك الجيد في طوق برده ... بياض العطايا في سواد المطالب
قال الشيخ جمال الدين: قلت أنا:
لقد كنت في لذات ثغرك هائمًا ... ليالي لم يمنع على عاشق ثغر
فأما وستر دونها من شوارب ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
__________
1 السناء: النور والبهاء. صما: ترخيم صماء. وهي التي لا تسمع.
2 ما أسد: ما أحسن تسديده، والتسديد هو التصويب نحو الشيء.
3 أصمى: أصاب مقتلًا.
4 المآزر: جمع مئزر، هو ما تلتف به المرأة. الروادف: جمع ردف وهو العجز.
5 العطايا: جمع عطية وهي الهبة.
(2/128)

أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال:
ألا فاسقني من خمرة لَذّ طعمها ... بفيك ولا تبخل وقل لي هي الخمر1
وحط لثامًا حجب اللثم عن فمي ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
قلت: قد أوردت هنا ما جناه الشيخ صلاح الدين الصفدي، من حدائق الروض النباتي، ومقابلة الشيخ جمال الدين له على ما جناه: فإن نسبني أحد إلى تحامل، راجعته إلى النقل، وإن وافق وتعقل الرتبتين فقد اكتفى بشاهد العقل، وإلا فالأقسماء الصفدية بالنسبة إلى القطر النباتي تمجها الأذواق، وها أنا قد أبرزت ثمرات الدوحتين بين هذه الأوراق، والشيخ صلاح الدين -رحمه الله- تصاغر لذلك وما كابر، ووقف على باب الشيخ وقوف فقير يسأل بر الإجازة، وطال وقوفه على ذلك الباب العالي إلى أن حصل له الفتوح وأجازه2. وها أنا أذكر سؤال هذا السائل الذي ودَّ قبل العطاء أن يدفع بالتي هي أحسن، وأشرح كرم المسئول الذي نثر على سائله الدر جزافًا علمًا بأن عطاء الكريم لا يوزن. فسؤال الإجازة من الشيخ صلاح الدين، قوله يخاطب الشيخ جمال الدين بن نباتة، رحمهما الله تعالى: الحمد لله على نعمائه، المسئول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة، رحلة أهل الأدب. قبلة ذوي التحصين في التحصيل والدأب، الذي تبيت شوارد المعاني صرعى تخوله للطافة تخيله، وتمسي الألفاظ العذبة طوع تحوله في التركيب وتحيله، فأمسى وله النسيب الذي يضحك من العباس3 في رقته. ويقيم صريع الغواني4 إلى مقته بعد مقته، والغزل الذي يشيب له فؤاد الوليد، ويسترق الحر من كلام عبيد، والتشبيه الذي لو علمه ابن المعتز لما نصب الهلال فخًا لصيد النجوم، ولو تعاطاه حفيد جريح لقيل له ألم تسمع: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ} ، والمديح الذي لو بلغ زهيرًا لقال ما أنا من هذه الحدائق، أو اتصل نبؤه بالمتنبي لاشتغل عن ذكر العذيب وبارق5، والرثاء الذي نقص عنده أبو تمام بعد أن رفع له لواء الشرف والفخر. وقال هذه عذوبة الزلال لا ما تفجر من الخنساء على صخر، والترسل الذي سقى الفاضل كأس الحتوف، لما شبه الغمود بالكمائم والسيوف بالأزهار، وأذهله حتى صحت له القسمة في الخيل والخيال، بين المراقب والمرافد، فأخطأت معه في المرابع والمساجد بين الأنواء والأنوار، والكتابة
__________
1 ومعنى هذين البيتين صاغه أبو نواس في بيت واحد، هو قوله:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهر.
2 أجازه: سمح له بالشيء.
3 العباس: هو ابن الأحنف الشاعر.
4 صريع الغواني: هو مسلم بن الوليد الشاعر.
5 العذيب وبارق: مكانان صحراويان.
(2/129)

التي تغدو الطروس بها وكأنها رياض محبرة، أو سماء بالنجوم زاهرة، إن لم ترض أن تكون في الأرض رياضًا مزهرة.
أدب على الحصري يعلو تاجه ... وله ابن بسام بكى ألوانًا
وترسل سبحان من قد زاده ... منه وأعطى الفاضل النقصانا
وكتابة لعلوها في وضعها ... ليس ابن مقلة عندها إنسانا
فلكم أخى فضل رأت عيناه ... في الأوراق لابن نباتة بستانا
جمال الدين أبي عبد الله، محمد ابن الشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن نباتة، جمع الله به شتات أهل الأدب في درجة هذه الدولة، ولَمَّ به شعث أبنائه الذين لا صون لهم ولا صولة، وأقام به عماد أبيات الشعر التي لولاها لما عرفت دار مية من أطلال خولة1، إجازة كاتب هذه الأحرف فسح الله له في مدته برواية المصنفات في الأحاديث النبوية، والتأليفات الأدبية، على اختلاف أوضاعهما وتباين أجناسهما وأنواعهما، بحسب ما يؤدي ذلك إليه واتصل به من سماع أو إجازة، أو وصية أو وجازة، من مشايخ العلم الذين أخذ عنهم وإجازة ماله أحسن الله إليه من مقول، نظمًا أو نثرًا أو تأليفًا أو وضعًا، إجازة خاصة، وإثبات ما له من التصانيف إلى هذا التاريخ بخطه الكريم، وإجازة ما لعله يقع بعد ذلك إجازة عامة على أحد القولين في المسألة، فإن الرياض لا ينقطع زهرها، والبحار لا ينفد درها، وإثبات ما يحسن إيراده في هذه الإجازة من المقاطيع الرائقة، والأبيات اللائقة، وذكر نسبه ومولده ومكانه متفضلًا، في ذلك، وكتب كتبه خليل بن أيبك عبد الله الأيبكي بالقاهرة المحروسة، في مستهل شعبان المبارك سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكتب الشيخ جمال الدين بن نباتة الجواب مجيبًا لسؤال الشيخ صلاح الدين الصفدي، رحمهما الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، حمدًا لله الذي إذا توجه إليه ذو السؤال، فاز، وإذا استدعى كرمه ذو الطلب أجاب وأجاز، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، كعبة القصد التي ليس بينها وبين النجح حجاز، وعلى آله وصحبه حقائق الفضل والفضل من بعدهم مجاز.
فلو لزم في كل الأحوال تناسب المخاطبة، وكان جواب السؤال بحسب ما بينهما من شرف المناسبة، لما رضي سجع الحمائم لمطارحته نوعًا من الأطيار، ولا قبل فصحاء الأول مراجعة الصدى من الديار، ولا قنع غمز حواجب الأحبة برد القلوب الهائمة في
__________
1 خولة: حبيبة طرفة بن العبد التي ذكرها في معلقته بقوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
(2/130)

أودية الأفكار، ولكن نقول: الأكابر والأولياء تبذل من الأجوبة جهدها وتنفق ما عندها، وتجرد الأماثل سيوف المنطق ولا تتعدى الاتباع من الطاعة حدها، ولما كنت أيها الراقم1 برود هذا الاستدعاء ببنانه، والمنشئ روض هذا السؤال بآثار السحب من بيانه والسائل الذي بهرت الأفكار فضائله، وسحرت أرباب العقول عقائله2، وأقام المسئول مقامًا ليس من أهله فليتق الله سائله، فريد فن الأدب الذي لا يبارى، وبحره الذي لا يهدي غائص قلمه الدرّ إلا كبارًا، وذا اليد البيضاء فيه الذي طال ما آنس من جانب الذهن نارًا، وخليله الذي اطلع على أسراره الدقيقة، ورئيسه الذي لو طارح ابن المعتز وتمت ولايته لكان أمير المؤمنين على الحقيقة، وناظمه الذي يسري الطائيان3 تحت علمه المنشور، وكاتبه الذي تتبجح4 العيدان بالدخول تحت رقه المأثور، طالما شافه5 منه القلم وجهًا جميلًا وقدرًا جليلًا، ولا في من لا يندم على صحبته فيقول ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا، فهو الغرس الذي يقصر عن أمالي وصفه الشجري، ويفخر الدين والعلم بشخصه ولفظه، فهذا يقول غرسي وهذا يقول ثمري، كم أغنى بمفرد شخصه عن فضلاء جيل، وكم بدا للسمع والبصر من بنات فكره بثينة ومن وجهه جميل، وكم تنزهت الأفكار من لفظه بين آس وورد لا بين إذخر6 وجليل، وكم دام عهده ووده حتى كاد يبطل قول الأول دليلًا على أن لا يدوم خليل. تود الشهب لو كانت حصباء غدير طرسه، وتغار الأفق إذا طرز يراع درجه7 بالظلماء أردية شمسه، ويتحاسد النظم والنثر على ما تنتج مقدمات منطقه من النتائج، وينشد كل منهما إذا حاول القول: "خليل الصفا هل أنت بالدار عائج". إن كتب أغضى ابن مقلة من الحسد على قذاه8، وحمل ابن البواب لحجبه عصا القلم قائلًا ما ظلم من أشبه أباه، وإن نحا النحو لباه عشرًا، ولانت أعطاف الحروف قسرًا. وتشاجرت على لفظه الأمثلة فلا غرو أن ضرب زيد عمرًا، يترجل كلام الفارسي بين يديه. ويطير لفظ ابن عصفور حذرًا من البازي المطل عليه. وإن شعر هامت الشعراء بذكره في كل واد، ونصبت بيوت نظمه على بقاع الشرف كما نصبت بيوت الأجواد،
__________
1 الراقم: الموشي المزخرف.
2 العقائل: الكرائم جمع عقيلة وهي المصونة.
3 الطائيان: حاتم وحبيب "أبو تمام".
4 تبجّح: افتخر بما فعل وإن كان قليلًا.
5 شافه: حكى مشافهة، وطالع.
6 الإذخر: الثمين المدّخر.
7 الدّرج: جارور المكتب، أو ما توضع فيه أدوات الكتابة.
8 القذى: الضرر والأذى.
(2/131)

طالَمَا بلَّد لبيدًا، وولى منه شعر ابن مقبل شريدًا، وقالت الآداب لبحتري لفظه ألم نربك فينا وليدًا، وإن نثر فما الدر اليتيم إلا تحت حجره، ولا الزهر النضير إلا ما ارتضع من أخلاف قطره، ولا المرسلون إلا من تصرف في ولاية البلاغة تحت نهيه وأمره. وإن تكلم على فنون الأدب روى الظما، وجلا معاني الألفاظ كالدمى، وقالت الأعاريض لابن أحمد وله: "خليلي هبا بارك الله فيكما".
هذا وكم أثنى قديم علم الأوائل على فكره الحكيم، وشهدت رواية الحديث النبوي بفضله، وما أعلى من شهد بفضله الحديث والقديم.
بدأتني أعزك الله، من الوصف بما قل عن مكاني، وكاد من الخجل يضيق صدري ولا ينطلق لساني. وحملت كاهلي من المنن ما لم يستطع، وضربت لذكري في الآفاق نوبة خليلية لا تنقطع، وسألتني، مع ما عندك من المحاسن التي لها طرب من نفسها، وثمر من غرسها، أن أجيبك وأجيزك وأوازن بمثقال كلمي الحديد إبريزك3، وأقابل لسانك المطلق بلساني المحصور، وأثبت استدعاءك على بيت مال نطقي المكسور، فتحيرت بين أمرين أمرَّين، ووقع ذهني السقيم بين داءين مضرين: إن فعلت ما أمرت به فما أنا من أرباب هذا القدر العالي، والصدر الحالي، ومن أنا من أبناء مصر حتي أتقدم لهذا الملك العزيز، وكيف أطالب مع إقتار علمي بأن أمدح وأجيز. وإني لمقيد خطوي هذه الوثبات، وأني يماثل قوة هذا الغرس ضعف هذا النبات.
وإن منعت فقد أسأت الأدب والمطلوب حسن الأدب مني، وأهملت الطاعة التي أقرع بعدها برمح القلم سني، وفاتني شرف الذكر الذي امتلأ به حوض الأفق وقال قطني4. ثم ترجح عندي أن أجيب السؤال، وأقابل بالامتثال، صابرًا على تهكم سائلي، معظمًا قدري كما قيل بتعاقلي5، منقادًا إلى جنة استدعائك من السطور بسلاسلي، وأجزت لك أن تروي عني ما تجوز لي روايته من مسموع ومأثور، ومنظوم ومنثور، وإجازة ومناولة ونقل وتصنيف، وتنضيد وتفويف6، وماض ومتردد، وآت على رأي بعض الرواة ومتجدد، وجميع ما تضمنه استدعاؤك فاجمع ما يكون من لفظه المتبدد، كاتبًا لك بذلك خطي، مشترطًا عليك الشرط المعتبر فليكن قبولك يا عربي البيان جواب شرطي، ذاكرًا من لمع خبري ما أبطأت بذكره وأرجو أن أبطئ ولا أخطي.
__________
1 الإبريز: الذهب.
2 قطني: حسبي.
3 التعاقل: اصطناع التعقل.
4 تنضيد: ترتيب. تفويف: تزيين، وهو من المحسنات البديعية.
(2/132)

فأما مولدي فبمصر المحروسة، في ربيع الأول سنة ست وثمانين وستمائة، بمنزلنا بزقاق القناديل، وأما شيوخ الحديث الذين رويت عنهم سماعًا وحضورًا، فمن أقدمهم الشيخ شهاب الدين أبو الهيجاء غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب المعروف بالرادف، والشيخ عز الدين أبو نصر عبد العزيز بن أبي الفرج الحصري البغدادي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي محمد إسحق الأبرقوهي. وأما ذوو الإجازة في مصر وغيرها من الأمصار فكثير، وأما الفضلاء والأدباء الذين رويت عنهم ورأيت منهم، فمنهم القاضي الفاضل، محيي الدين أبو محمد عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان الكاتب المصري، والشيخ الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي النحوي، والأمير الفاضل، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الصاحب شرف الدين بن إسماعيل بن المتنبي اقترح عليّ أن أنظم له في زيادة النيل، فقلت:
زادت أصابع نيلنا ... وطمت فأكمدت الأعادي1
وأتت بكل جميلة ... ما ذي أصابع ذي أيادي
والشيخ العالم علم الدين قيس بن سلطان المصري من أهل منية ابن خصيب، قرأت عليه كثيرًا من الكتب الأدبية، وكان كثيرًا ما يستنشدني إلى أن أنشدته قولي:
يا غائبين تعللنا لغيبتهم ... بطيت عيش ولا والله لم يطب
ذكرت والكأس في كفي لياليكم ... فالكأس في راحة والقلب في تعب2
فقال: أتعب والله جزعك القدح.
والشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن المفسر أنشدني لنفسه:
لا أرى لي في حياتي راحة ... ذهبت لذة عيشي بالكبر
بقي الموت لمثلي سترة ... يا إلهي أنت أولى من ستر
فأنشدته لي:
بقلت وجنة المليح وقد ولى ... زمان الصبا الذي كنت أملك3
يا عذار الحبيب دعني فإني ... لست في ذا الزمان من خل بقلك
__________
1 طمى النهر: فاض وزاد ماؤه حتى حمل الطمي وهو عبارة عن الأتربة والأحجار وأغصان الشجر. أكمد: أحزن.
2 الراحة: باطن الكف، والإرتياح.
3 بقلت وجنته: نبت شعرها، والبقل نبات عشبي يغتذي به الإنسان.
(2/133)

والشيخ الأديب الفاضل سراج الدين عمر الوراق المصري، سمعته ينشد لنفسه:
واخجلتي وصحائفي مسوّدة ... وصحائف الأبرار في إشراق
وتوقفي لموبخ لي قائل ... أكذا تكون صحائف الوراق
والأديب الفاضل نصير الدين المناوي الحمّامي أنشدني لنفسه:
أحب من الدنيا إلَيّ وما حوت ... غزال تبدى لي بكأس رحيق1
وقد شهدت لي سنة اللهو أنني ... أحب من الصهباء كل عتيق2
فأنشدته لي:
إني إذا آنت هَمًّا طارقًا ... عجَّلت باللذات قطع طريقه
ودعوت ألفاظ المليح وكأسه ... فنعمت بين حديثه وعتيقه3
وجماعة يطول ذكرهم، ويعز عليَّ أن لا يحضرني الآن شعرهم.
وأما مصنفاتي التي هي كالياسمين لا تساوي جمعها، ولولا الخزائن الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية تجبرها، ما استخرت نصبها ورفعها، فهي: كتاب مجمع الفرائد، القطر النباتي، سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، منتخب الهدية من المدائح المؤيدية، الفاضل من إنشاء الفاضل، زهر المنثور، أبرار الأخيار، شعائر البيت، التقوى لم تكمل إلى الآن، الأرجوزة المسماة فرائد السلوك في مصائد الملوك.
أجزت لك أعزك الله روايتها عني، ورواية ما أدونه وأجمعه بعد ذلك حسبما اقترحه استدعاؤك ونمقه، ونسخه وحققه وتضمنه سؤالك الذي تصدقت به، فمنك السؤال ومنك الصدقة، والله تعالى يشكر عهدك الجميل، وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل ويمتع بك فنون الفضائل الملتجئة إلى ظل قلمك الظليل، ولا يعدم الأحباب والآداب من اسمك وسميك خير صاحب وخليل.
قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن أبي الحسن بن صالح بن على بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب بن يحيى بن عبد الرحيم بن نباتة الفارقي الحذاقي ثم المصري، عفا الله عنه.
انتهى ما أوردته من استدعاء الشيخ صلاح الدين وسؤاله، وجواب الشيخ جمال
__________
1 الرحيق: ما تفرزه الأزهار لجذب الحشرات، ومنه يكون العسل.
2 الصهباء: الخمرة. وعتيق: معتق وهو أجود الخمرة.
3 حديثه: تحديثه، كلامه، وجديده.
(2/134)

الدين وإجازته، بعد أن علمت دقائق الدرجتين في النظم والنثر، واتضح الفرق بينهما وثبت أن الشيخ جمال الدين بن نباتة سقى الله نباته ورعاه، ومتع أهل الذوق السليم بحلاوة ذلك النبات وجناه، فإنه وإن تأخر في السبق عن فحول المتقدمين عصرًا، فقد تقدم عليهم ببديعه وغريبه بيانًا وسحرًا، وتفقه في الطريق الفاضلية لمذاهب ما سلكها المتقدمون وها نحن نستجدي من حواصلها نظمًا ونثرًا، وكم سأله عالم في سلوك هذه الطريقة فقال له إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا.
وإن قيل إن الفاضل أجل من تمذهب بهذا المذهب فمذهبي، وأنا أستغفر الله، أنه وصل فيه إلى درجة الاجتهاد، وهذا القول يقول به من رفع الخلاف وتأدب، فإن هذه الطريقة ما أمَّها1 ناظم ولا ناثر في الأيام الأموية، ولا ابتسمت لهم ثغورها في الخلافة العباسية، ولما انتهت الغاية إلى الفاضل أتى بهذه الفضيلة الغريبة وأظهر منها الزيادة المستفادة، واعتادت بلغاء المتأخرين بها بعد ما شهدوا بسبقه فأكرم بها عادة وشهاده، ولما اتصلت بالشيخ جمال الدين بن نباتة أهل غربتها، وشرّف بأصل شجرته النباتية نسبتها، وأسكن في أبياته من بديع النظم كل قرينة صالحة، وأمست سواجع إنشائها على فروعه النباتية صادحة. وقد عنَّ لي أن أورد نبذة من مفرداته التى حصل الإجماع في الغرابة عليها، وأشار المصنف بقوله إليها:
أصغ لما قال أخو وقته ... وخلّ عنك اليوم ما قيلا
واسمع مقاطيعًا له أطربت ... ولا تقل إلا مواصيلا
فمن ذلك قوله:
حملت خاتم فيه فصًّا أزرقا ... من كثرة اللثم الذي لم أحصه2
لولاه ما علم الرقيب فيا له ... من خاتم نقل الحديث بفصه
ومنه قوله:
لله خال على خد الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث3
ورَّثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث
__________
1 أمها: قصدها.
2 هذا البيت هكذا ورد: برفع أوجر خاتم ونصب فصًّا أزرقًا، وهذا مما لم نعرف أو نتبين له وجهًا أعرابيًا. وكان حقه النصب في خاتم والرفع في فص أزرق فيكون: حملت خاتمًا فيه فص أزرق. والفص: قطعة صغيرة من حجر كريم توضع في وسط الخاتم.
3 الخال: شامة سوداء تعلو الجلد. حبة القلب: مركز العواطف منه.
(2/135)

ومنه قوله:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان الوسنى1
أجل نظر في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
وقوله:
بروحي مشروط على الخد أسمر ... دناو وفي بعد التجنب والسخط
وقال على اللثم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفًا على ذلك الشرط
وقوله:
وا حربا من هوى رشيق ... معتدل كالقضيب مائل
عذاره لا يجيب دمعي ... وسائل لا يجيب سائل2
ومن نكته البديعة في هذا الباب قوله:
وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يقاتل بالألحاظ من لا يقاتله
وسال عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله
ومن السرقات الفاحشة قول ابن الوردي، غفر الله له:
تعجبت من نهديه لو أن لامسًا ... أراد انقباضًا لم تطعه أنامله3
ومال عذار لو نحا نفس صبه ... لجاد بها فليتق الله سائله4
ومنه قوله:
لا تخف عيلة ولا تخش فقرًا ... يا كثير المحاسن المختاله
لك عين وقامة في البرايا ... تلك غزالة وذي قتاله
ومنه قوله:
قبلته عند النوى فتمرَّرت ... تلك الحلاوة بالتفرق والجوى
ولثمته عند القدوم فحبذا ... رطب الشفاه السكري بلا نوى5
__________
1 الأغيد: الناعم المتمايل في مشيه. جارت: ظلمت. الوسنى: الذابلة الناعسة.
2 سائل: الأولى بمعنى: الريق، والثانية بمعنى: الذي يسأل أو يطلب.
3 النهد: الثدي. الانقباض: التجمع عكس الانبساط. الأنامل: أطراف الأصابع.
4 نحا: ينحو اتجه ناحية. الصب: المغرم به.
5 الرطب: ثم البلح إذا حلي وصار رُطَبًا. النوى: البذرة.
(2/136)

وقوله:
أفديه لدن القوام منعطفًا ... يسل من مقلتيه سيفين1
وهبت قلبي له فقال عسى ... نومك أيضًا فقلت من عيني
ومنه قوله:
يا ربَّ لص ناهب سالب ... وهو من الحسن مليء غني2
يرنو إلى سرب الظبى لحظة ... فيسرق الكحل من الأعين
ومنه قوله:
مبقل الخد أدار الطلا ... فقال لي في حبها عاتبي3
عن أحمر المشروب ما تنتهي ... قلت ولا عن أخضر الشارب4
ومنه قوله:
كم قلت باللثم وبرد اللمى ... إيه برغم العاذل الحاسد
روِّ صدى قلبي ودع عاذلي ... في الحب يغتاظ على البارد
ومنه قوله:
بروحي معسول اللمى متحجب ... إذا لم يزر لم يهن عيش ولا إذا
وإن ذقت منا من حلاوة ريقه ... أتانا رقيب يتبع المن بالأذى
ومنه قوله:
يا كعبة الحسن الممنع لا تطل ... بيني وبينك للجفاء حجاز6
حاشى لها من قامة ألفية ... يثني لقاها كاشح هماز7
__________
1 اللدن: الطري.
2 اللص والناهب والسالب: السارق
3 مبقل الخد: الذي نبت شعر خده، الطلا: الخمرة، عاتبي: لائمي.
4 أحمر المشروب: النبيذ. أخضر الشارب: الشاب الأمرد الذي لم ينبت شارباه.
5 اللمى: سمرة أو سواد في باطن الشفة السفلى يعد من عناصر الجمال في المرأة. إيه: اسم فعل أمر بمعنى الزجر.
6 الجفاء: الهجر والابتعاد. حجاز: حاجز.
7 الكاشح: المبغض. الهماز: المغتاب، ومنه قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} .
(2/137)

ومنه قوله:
يا واصف الخيل بالكميت وبالنهد ... أرحني من طول وسواسي1
لا نهد إلا من صدر غانية ... ولا كميت إلا من الكاس
ومن هنا أخذ الصاحب فخر الدين بن مكانس، وقال:
وإن ذكرت الخيل في الميدان ... فاشرب كميتًا واعل فوق نهد
ومنه قوله:
قلت ولي في هوى حبيبي ... قلب رقيق عليه يدهش
بالجفن والصدغ يا عنائي ... هذا سقيم وذا مشوّش2
ومنه قوله:
نقطة خال في وجنة جعلا ... في اللهو لي بعد نوبتي غبطه3
فيا لها وجنة معشقة ... صرت عليها أقول بالنقطه
ومنه قوله:
إذا سألوني عن هوى قد كتمته ... سكت أراعي واشيًا ورقيبًا4
وجاوب عني سائل من مدامعي ... فلله دمعي سائلًا ومجيبًا
ومن اختراعاته الغريبة مع بديع التضمين قوله:
لما رأيت نهودها قد أقبلت ... ورأت لقلبي عشقه يتجدد
قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد
ومنه قوله:
وتاجر قلت له إذ رنا ... رفقًا بقلب صبره خاسر
ومقلة تنهب طيب الكرى ... منها على عينك يا تاجر5
__________
1 الكميت: ذات اللون الأحمر المائل إلى السواد. النهد: المستعدة دائمًا.
2 مشوّش: غير مرتب.
3 النوبة: دورة من الجنون تصيب الإنسان وتسمى بـ: النقطة أيضًا. الغبطة: الفرح والانبساط.
4 الواشي: النمام الذي ينقل الكلام بين المحبين يقصد إفساد ما بينهما.
5 على عينك يا تاجر: هذا مثل يضرب في الإنسان الفاجر الوقح.
(2/138)

وهذه النكتة زاحمه فيها الشيخ زين الدين بن الوردي، وزنًا وقافية ومعنى، وقال:
وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم دائر
قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت على عينك يا تاجر
واتصَلَتْ بالشيخ شمس الدين الرئيس الدمشقي العصري الشهير بالمزين، فاستعملها أحسن من الشيخ زين الدين بن الوردي، وزاد المثل قوة وإيضاحًا بقوله:
وتاجر أسكرني طرفه ... والكاس فيما بيننا دائر
وقال لي سرك قلت اسقني ... جهرًا على عينك يا تاجر
ومنه قوله:
أفنى جفاكم كثير دمعي ... لكن بقي في القليل نشطه1
وكنت أروي عن ابن بحر ... فصرت أروي عن ابن نقطه
ومنه قوله وتلطف كثيرًا:
خف خصر الحبيب ثم ابتلاني ... بعذول يزيدني تعنيفا
ليت لو كان في الملامة مثلي ... في هوى الخصر يؤثر التخفيفا
ومنه قوله:
وكنت أظن العشق يترك مهجتي ... إذا زاحم الشيب الشباب بمفرقي
فلما بدا مع أسود الشعر أبيض ... أتي العشق يغزوني على ألف أبلق2
ومنه قوله:
يا حبذا خد الحبيـ ... ـب وقد أضاء شريقه3
إن لم يكن في الحسن نفـ ... ـس الروض فهو شقيقه
أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقال:
فديت حبيبًا ضرج الحسن وجهه ... وصب على خديه ذوب عقيق
إذا أبصر الروض المديح خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي
__________
1 النشطة: واحدة النشاط، وفي الأصل: العضة أو اللدغة.
2 الأبلق: الحصان، وهو ذو اللونين الأبيض والأسود.
3 الشريق: الإشراق.
(2/139)

ومنه قوله:
يا حبذا يومي بوادي جلق ... وفرحتي مع الغزال الحالي
من أول الجبهة قد قبلته ... مرتشفًا لآخر الخلخال4
ومنه قوله:
آهًا لحاذق ذهن ... يقول في الحب من لي2
قال العذار لحذقي ... ما أنت من خل بقلي3
ومنه قوله مع التضمين للمثل:
في الناس من يشتاق للمرد ولا ... يزال في هجر وشوق يبطنه4
وآخر شاخوا وما يتركهم ... ذا يشتهي التين وذا يقطنه5
ومنه قوله:
يا من يقول البدر أو شمس الضحى ... كمعدني لا كيد للقمرين
أبوجه ذاك ووجه تلك تقيسه ... قسمًا لقد أخطأت من وجهين
ومنه قوله:
نسبوه حسنًا للهلال وعينه ... للظبي تنسب لا رميت ببينه6
فإذا بدا فإلى هلال أصله ... وإذا رنا فهو الغزال بعينه
ومثله ومن خطه نقلت:
يرنوا ويشرق حسنه ... في ناظري ولهانه7
فهو الغزالة والغزا ... ل بعينه وعيانه8
__________
1 ارتشف: شرب بملء فمه، وعلى مهل، الخلخال: ما تضعه المرأة من زينة في ساقها.
2 الذَهِن: الذكي.
3 الخل: عصير العنب المخلل. البقل: نبات معروف.
4 المرد: جمع أمرد وهو من الشباب الذي لم ينبت شارباه بعد ولا شعر لحيته. أبطن: ستر.
5 يقطن التين: يجعله كالقطن مكبوسًا وملفوفًا.
6 البين: الفراق والهجر.
7 اللهان واللهنة: ما يهدى للمسافرعند عودته أو ما يهديه هو عند عودته.
8 العيان: الأثر المادي للجسم.
(2/140)

وضافت عين الشيخ صلاح الدين الصفدي عن هذه النكتة، فأخذها بعينها وقال:
بسهم أجفاني رماني ... وذبت من صده وبينه 1
إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه
ومنه قوله:
دعوني في حلي من العيش مائسًا ... ومرتقبًا بعده عفو راحم2
أمد إلى ذات الأساور مقلتي ... واسأل للأعمال حسن الخواتم
ومنه قوله:
لما تبدي في الحنين ... تحاربت كبدي وعيني
فأعجب لها من وقعة ... جاءت ببدر في حنين3
ومن هنا آخذ الشيخ برهان الدين القيراطي، فقال:
بدت روادف حبي ... تحت الحنين بعين
فقلت يا بدر هذي ... حقًّا جبال حنين
ومن لطائف الشيخ جمال الدين قوله:
دعوا شبيه الغزال يرمي ... في مهجتي بالنقار جمرًا4
تا الله لا فاتني لقاه ... وعين كيسي عليه حمرًا
ومنه قوله:
بأبي نائم على الطرق راحت ... في هواه وليس يعلم روحي
فاتح في الكرى فما سكريا ... يا له من مسكر مفتوح
ومنه قوله:
ملأت إنسان عيني عسجدًا ... من خدود قد ملاها الحسن صبغا
__________
1 الصد: الإعراض.
2 المائس: المتبختر أو الماجن.
3 بدر وحنين: من حروب المسلمين الشهيرة.
4 النفار: أيام معينة من وقت الحج وبالتحديد اليومين الثاني والثالث من أيام التشريق، ورمي الجمار: من مناسك الحج.
(2/141)

قلت والردف أريني فانثنت ... ثم قالت هكذا الإنسان يطغى1
ومنه قوله:
ومن الشقا أن الجفا وتشوقي ... لا ينتهي هذا وذاك إلى طرف
ما مال غصن قوامه عن فكرتي ... يومًا ولا دينار وجنته انصرف
ومنه قوله:
سلت مهجة قد كان صدعها الأسى ... فلا آخذ الله الأسى بصدوعها2
وعين على حالي بعاد وجفوة ... عفا الله عما قد جرى من دموعها
ومن لطائفه قوله:
من الترك أثني سلوتي مع أنها ... صواب وأفتي فيه وهو من الخطا
أما والهوي لا حلت عن عطف أغيد ... ولا بت في رمان صدر مفرطا3
ومن نكته البديعة في المدائح قوله:
لنا ملك قد قاسمتنا هباته ... فنثر العطا منه ونظم الثنا منا4
يذكرنا أخبار معن بجوده ... فننشي له لفظًا وينشي لنا معنى5
وقال في صدر مطالعه:
خذ من عبيدك مقتضى نياتها ... في الحمد واعذر مقتضى أقوالها
قسمًا لو اسطاعت إليك جسومهم ... بعثت دروج الحمد من أوصالها6
وقوله:
لا عد منا لابن الأثير يراعًا ... جاريًا للعفاة بالأرزاق7
كلما ماس في المهارق كالغصـ ... ـن رأيت الندى على الأوراق8
__________
1 يطغى: يجاوز الحدود التي وضعها الله في كل الأمور.
2 صدّع: شقق، وأضعف. الأسى: الحزن.
3 مفرط: مكثر، متجاوز الحد.
4 العطا: العطاء. الثنا: الثناء وهو المدح.
5 معن: هو معن بن زائدة، من الأجواد.
6 دروج: صناديق. الأوصال: المفاصل.
7 اليراع: القلم. العفاة: طالبوا المعروف.
8 ماس: مال وتحرك. المهارق: الصحائف التي يكتب عليها.
(2/142)

وقوله في كمال الدين بن الزملكاني:
يفديه قوم تشبهوا حسدًا ... به وليسوا له بأشباه
إن نطقوا بالجميل أو فعلوا ... فللريا والكمال لله1
ومنه قوله:
لعمري لقد أفحمت بالفضل منطقي ... وقد كنت ذا نطق وفضل بيان2
وحركت ميزاني فأثنى لسانه ... فلا زلت مشكورًا بكل لسان
وقال، وقد كتب إليه الملك المؤيد صاحب حماة:
فديتك من ملك يكاتب عبده ... بأحرفه اللاتي حكتها الكواكب3
ملكت بها رقي وانحلني الأسى ... فها أنا ذا عبد رقيق مكاتب4
وقال يهنئ القاضي جمال الدين، وقد عاد من غزوة سيس:
بقيت مدى الدنيا جمالًا لدولة ... لها منك شهم في اللقا ورئيس
يسوق لها عند الفتوح جنائبًا ... وأوَّل هاتيك الجنائب سيس5
ومنه قوله في جواد:
وأدهم اللون حندسي ... في جريه للورى عجائب6
يقصر سعي الرياح عنه ... فكلها خلفه جنائب
ومنه قوله وقد كتب بها إلى الصاحب شرف الدين يعقوب:
قالت العليا لمن حاولها ... سبق الصاحب واحتل ذراها
فدعوا كسب المعالي إنها ... حاجة في نفس يعقوب قضاها
__________
1 الريا: الرياء وهو الكذب والنفاق والخداع.
2 أفحم: أسكت بالحجة، ومنعه النشاط.
3 المكاتبة: هي أن يكتب عهد بين العبد والسيد أنه يصير العبد حرًّا مقابل مبلغ معين من المال. الرق: العبودية. أنحل: أضعف. الأسى: الحزن.
4 الخلع: جمع خلعة وهي الهدية من الثياب.
5 الجنائب: النواحي والجهات.
6 الأدهم: من الخيل الأسود اللون. الحندسي: لونه لون الحندس وهو الظلام.
(2/143)

ومنه قوله:
قصدت معاليك أرجو الندى ... وأزجي من العسر داء دفينا1
فما كان بيني وبين اليسار ... سوى أن مددت إليك اليمينا2
وقوله يهنئ محتسبًا:
تهنأ بها حسبة أدركت ... بأيام فضلك ما ترتقب
فإنك من أسرة تصطفى ... وترزق من حيث لا تحتسب3
ومنه قوله يهنئ بعيد النحر:
تهنأ بعيد النحر وابق ممتعًا ... بأمثاله سامي العلا نافذ الأمر4
تقلدنا فيه قلائد أنعم ... وأحسن ما تبدو القلائد في النحر
وقوله:
كذا أبدًا يا أرفع الناس همة ... غوادي الندى من راحتيك غزار
أقدم أطراسًا وتمنح أنعمًا ... فمني أوراق ومنك ثمار
ومنه قوله، وكتب بها إلى القاضي بهاء الدين بن أبي البقاء على يد طالب شفاعة:
أرسلته لك واثقًا بمكارم ... أورثتها عن سادة أنجاب
لا غرو أن أعربت عن أحسابهم ... فأبو البقاء أحق بالإعراب
ومنه قوله، وكتب بها إلى القاضي شمس الدين البهنسي:
يا رب أمدد بالغنى يد سيد ... في يومه يهب الجزيل وفي غده
فالبحر يسعى خادمًا في بابه ... والسحب جارية تصب على يده
ومنه قوله، وكتب بها إليه:
على ديون من ثنا لم أقم بها ... فيا عجبًا في ازديادي من الفضل
وأعجب من ذا أنك الشمس أشرقت ... وها أنا منها حيثما كنت في ظل
__________
1 الندى: العطاء. العسر: الفقر والضيق.
2 اليسار: الغنى والثراء.
3 تصطفى: تختار.
4 عيد النحر: هو عيد الأضحى سمي بذلك لأن الحجيج ينحرون فيه الأضاحي تقربًا إلى الله تعالى. سامي: عالي. نافذ الأمر: مطاع.
(2/144)

ومنه قوله وقد أرسل إليه شرف الدين خالد القيسراني هدية جليلة في وقتها:
لك الله ما أزكى وأشرف همة ... وأحمد صنعًا حيث تبلى المحامد1
فأنت الذي قرت برؤيته العلا ... وهنئت الدنيا بأنك خالد
قال وقد وصلت إليه هدية على يد الكمال:
قبضت من الكمال نداه عفوًا ... بريئًا من سؤال أو مطال2
فينا لله من عادات بر ... أتتني بالتمام وبالكمال
وكتب إلى الصاحب تقي الدين بن هلال:
هنئت ما أوتيته من رتبته ... حملتك في العينين من إجلالها
في مقلة الإنسان نمت فقل لنا ... أنت ابن مقلتها أم ابن هلالها
وقوله:
فديناك يابن المحسنين مجوّدًا ... بأقلامه أو جائدًا بمكارمه3
فحاتم عند الجود في بطن كفه ... وياقوت عند الخط في فص خاتمه
وقوله يهنئ بالعيد:
تهن بعَوده عيدًا سعيدًا ... وعش ما شئت يا كهف البرايا
نحرت به جميع عداك فانحر ... قرونًا آخرين من الضحايا4
ومنه قوله:
قف بباب العلا وقل يا كتابي ... عن لساني قول الخويدم حقّا
أنا عبد مكاتب غير أني ... لست أبغي من مالك الرق عتقا5
__________
1 تبلى: تجرب وتختبر. المحامد: الأعمال التي يحمد عليها فاعلها.
2 الندا: العطاء والهدية. المطال: إخلاف الوعد والتسويف.
3 مجوّدًا: بالقلم: متأنقًا. جائدًا: متكرمًا، معطيًا.
4 قرون: أجيال.
5 المكاتب: العبد يتفق مع سيده على أن يكون حرًّا مقابل مبلغ معين من المال. العتق: التحرر.
(2/145)

وقال وقد أنعم عليه بنصيفة:
سور الذكر سهلت ... لي نصيفة علت1
فبياسين عوذت ... وبحاميم فصلت2
وتلطف بكتابته إلى من أنعم عليه بالنصيفة، بقوله:
يا سيدي نصيفتي قد فصلت ... وعجزت لما غبت عن تبطينها
ما حلت فيها عن ندى نعمًا يديـ ... ـك ولا اتخذت بطانة من دونها3
وكتب إلى القاضي شمس الدين البهنسي:
شكر الله أياديك التي ... أنعشت حالي بشمس الهبات
أنت بالمعروف قد أحييته ... وكذا الشمس حياة للنبات
وقال يهنئ قادمًا من الحجاز:
قالوا سررت زائدًا بقادم ... حج شهابًا ثم عاد بدرا
تقصد منه ماله أو جاهه ... قلت نعم كلاهما وتمرا
وكتب إلى من أهدى إليه تمرًا رديئًا غالبه نوى:
أرسلت تمرًا بل نوى فقبلته ... بيد الوداد فما عليك عتاب
وإذا تباعدت الجسوم فودّنا ... باق ونحن على النوى أحباب4
ومنه قوله:
قال فتح الدين إذ حدَّثنا ... يتلافى قصة تفضي لمنحي5
كيف أثمار حديثي عندكم ... قلت فصي أولا فهو فتحي
وقال يهنئ ولد الأمير ناصر الدين بن فضل الله العمري بإمرة عشرة:
__________
1 الذكر: القرآن الكريم. النصيفة: العمامة. أو أي غطاء الرأس.
2 ياسين: سورة يس. عوّذت: حميت. حاميم: سورة حم السجدة من القرآن الكريم.
3 البطانة: قطعة من القماش الناعم تخيط على داخل الثوب، والحاشية من الأتباع والأعوان.
4 النوى: السفر والبعد، والبذور من الثمار.
5 تلافى: تحاشى وابتعد. أفضى إلى الأمر أو إلى المكان: أوصل إليه.
(2/146)

هنئتها إمرة مجدَّدة ... يابن السراة الأكابر البرره1
أقسم من ذا وذا بأنكم ... وجدتم من أكابر العشره
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد2
إلا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد
وكتب على شرح مختصر ابن الحاجب لشمس الدين الأصفهاني:
أخا العلم إن الشمس باد ضياؤها ... فسر بسناها حيثما أنت سائر
وخل فتى شيراز عنك فإنما ... هو القطب قد دارت عليه الدوائر
ومن لطائفه قوله:
وصلت إلى باب المعز وظله ... وفارقت ذلي إذ وصلت إلى العز
وأصبحت من جند المحامد والثنا ... ولا بدَّ للجندي من طلب الخبز
وقوله في الجامع الأموي بدمشق:
أرى الحسن مجموعًا بجامع جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح
فإن يتغالى بالجوامع معشر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوح3
ومن مداعباته ومجونه وإعراضه ونكته اللطيفة، في باب التورية، قوله:
يا أير لا تركن لعلق ولا ... تثق به واتركه مع نفسه
ولا ترج الود ممن يرى ... إنك محتاج إلى فلسه
ومن مداعباته اللطيفة مع الشيخ بدر الدين حسن الزغاري، مضمنًا قوله:
يا غائبًا عن مجلس قد شاتمت ... ندماه واشتعلت عليه الأكؤس
نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس4
__________
1 السراة: الأشراف والسادة.
2 الباغي: المريد والطالب.
3 يتغالى: يتباهى.
4 استب: تشاتم. كليب: هو كليب وائل الذي قتله جساس بن مرة لأجل ناقة البسوس، وتصغير كلب، للتحقير.
(2/147)

ومنه قوله في مليح اسمه إلياس:
أفدي مليحًا في البرايا لم أزل ... طول الزمان عليه في وسواس
قالوا أتقطعه كثيرًا قلت من ... راحات المرء قطعُ إلياس
وقوله:
لهفي على فرسي الذي ... أضحى قريح المقلتين1
يكبو وأملك رقه ... فمعثر في الحالتين2
ومنه قوله:
سافرت للساحل مستبعضًا ... قصدًا وحمدًا حسن الجملة3
فيا له من متجر رابح ... ما نفقت فيه سوى بغلتي4
وقوله:
ميزاني العاطل المحلى ... قال له الفقر قف مكانك
لا تذكر المال عند هذا ... ولا تحرك به لسانك
ومنه قوله يداعب صديقًا له يروم ولاية القضاء:
رب إن ابن عامر هائم الفكـ ... ـر معنى في صبحه والمساء5
يتمنى القضاء فلا تعطينه ... واجعل الموت سابقًا للقضاء
ومثله قوله:
لقد أصبحت في حال ... يرق لمثلها الحجر
مشيب وافتقار يد ... فلا عين ولا أثر6
__________
1 قريح: مجروح. المقلة: معظم العين.
2 كبا الجواد: تعثر. والمعثر: الذي يتعثر ويكبوا أو الذي لاحظ له.
3 هكذا في الأصل: مستبعضًا، ونعتقد أنها: مستبضعًا: أي طالبًا للبضاعة لمناسبة المعنى.
4 نفقت الدابة: ماتت، أو بيعت.
5 المعنى: الكثير الاهتمام والاعتناء لدرجة الوسواس.
6 يرق: يصبح رقيقًا ويشفق ويعطف. لا عين ولا أثر: لا ملك مادي ولا ملك معنوي، وهذا مثل يقال للفقير المعدم.
(2/148)

ومنه قوله يداعب بعض أصحابه:
بفلان في الديوان صورة حاضر ... وكأنه من جملة الغياب
لم يدر ما مخزومه وجريده ... سبحان رازقه بغير حساب1
ومن لطائفه قوله يهنئ شارب دواء:
أمط بالدواء ثياب الأذى ... وطب بالرواح به والغدوّ2
وكرر أحاديث بيت الخلا ... ولكن على رغم أنف العدو
وكتب إلى صفي الدين الحلي مداعبًا له:
أوقعني ودّي مع هاجر ... يبخل بالدَّرْج وبالوصل3
والله لا غررت من بعدها ... ولا جعلت الود في حل4
ومنه قوله:
وقالوا أحاطت ذقنه بخدوده ... ووجدك لا ينفك يذكر حسنه
فقلت نعم ضيفي بقلبي نازل ... أعظم مثواه وأكرم ذقنه
وقوله:
رب مليح حسن صوته ... قالوا وقد أصبح ذا ذقن
لحيته قد قطعت حلقه ... قلت من الأذن إلى الأذن
وكتب، وقد أهدى إليه بعض أصحابه ديوكًا:
وصلتنا ديوك برك تزهو ... بوجوه جميلة مستجاده5
كل عرف يروق حسنًا وإني ... أرتجي أن تكون عرفًا وعاده6
__________
1 الجريدة: دفتر أرزاق الجيش في الديوان.
2 أماط: أزاح وخلع.
3 الدَّرْج: الطاعة.
4 في حل: أي بغير عهد.
5 برِّك: جودك
6 العرف: القطعة القرمزية التي تعلو رأس الديك، وما تعارف عليه الناس. راق: أعجب.
(2/149)

وكتب إليه في المعنى:
قل للرئيس جمال الدين لا برحت ... هباته ذات تأسيس وإيناس1
واصل رجاي يعرف الديك مقتبلًا ... لن يذهب العرف بين الله والناس
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
لقد عدناكم لما ضعفتم ... فلا والله ما وافيتمونا2
أقيموا في ضناكم أو أفيقوا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا
ومنه قوله، وقد صرف عن مباشرته:
أيا ابن نباتة جار الزمان ... وزلت وزالت قوى همتك
وقد كنت ذا خدم وانقضت ... فلا أوحش الله من خدمتك
ومن نكته اللطيفة قوله في هذا الباب:
أحمد الله كم أجوّد في الخلـ ... ـق مقالًا وما يفيد المقال
كلمي في الأنام سحر ولكن ... أنا والسحر باطل بطال
وقوله:
لقد أصبحت ذا عمر عجيب ... أقضي فيه بالإنكاد وقتي
من الأولاد خمس حول أم ... فوا حرباه من خمس وست3
ومن لطائفه قوله:
قد لقبوا الراح بالعجوز وما ... تخرج ألقابهم عن العادة
ألانت الغادة التي امتنعت ... فصح أن العجوز قوادة4
وقال يداعب كبير الأنف:
أقبل عند القوم يسألني ... من أي أرضيك نلت إيثارا
قلت من النيك ما رأى بصري ... خيرًا ولكن رأيت منقارا
__________
1 التأسيس والإيناس: من المصطلحات العروضية.
2 عاد الضعيف: زار المريض. وافى: زار أو جاء.
3 ست: العدد والسيدة.
4 الغادة: الحسناء الناعمة. القوادة: التي تقود إلى الفجور والفحش.
(2/150)

ومن لطائف مجونه:
أرى أيري تكبر في جلوسي ... وفي عمر وأعطى اللؤم قومه
فأمسى لا يقوم لزائريه ... وإن زار العزيز فنصف قومه1
وقال في صديق باع مملوكًا وتزوَّج امرأة جميلة:
لي صاحب ترك المليح وعاد في ... حب المليحة من ذوي الأقدار
قد كان عبد الأشهب المنسوب في ... حسن فأضحى وهو عبد الدار
ومن لطائفه قوله في هذا الباب:
قد أضحت سعاد تعاف أيري ... وتحوجها الضرورة أن تجامل
فتمعكه بلا قلب لديها ... وتأخذه بأطراف الأنامل2
ومنه قوله مع التضمين المخترع، وهو:
دنوت إليها وهو كالفرخ راقد ... فيا خجلتي لما دنوت وإدلالي
وقلت امعكية بالأنامل فالتقى ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
ومنه قوله:
محبوبتي دنيا جفت بعدما ... جادت وكانت نزهة الهائم
كانت مع الأير زمان الصبا ... وهكذا الدنيا مع القائم
ومن لطائفه قوله:
باع صديقي لجام بغلته ... ليشتري الخبز منه والأدما
واهًا عليه راحت جرايته ... فهو على ذلك يعلك اللجما4
ومن لطائف مجونه قوله:
يا ملاذي الغوث من عائلة ... ليس من تكليفهم لي مهرب
طلبوا في أرجلي شيئًا وقد ... نقبوا رأسي بما قد طلبوا
__________
1 العزيز: عزيز مصر والمحبوب.
2 تمعكه: تدلكه وتفركه.
3 الأدم: ما يؤكل مع الخبز من الطعام.
4 الجراية: الصبا. علك: مضغ. اللجم: جمع لجام وهو حديدة توضع في فم الحصان للسيطرة على سرعته.
(2/151)

ومنه قوله:
جنينة التين وجيرانها ... قد طيبت لذاتها وقتي
وكثرت عندي ما أشتهي ... فالتين من فوقي ومن تحتي
وقال يداعب صديقًا له طلق زوجة تسمى دنيا:
قل لابن بغلان الذي أصبحت ... كرته بين الورى خاسره
ظلمت دنياك وفارقتها ... ورحت لا دنيا ولا آخره
وقوله:
تبسم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سح الدمع من جفنه
حسب الفتى بعد الصبا ذلة ... أن يضحك الشيب على ذقنه
ومن أغراضه اللطيفة في إهداء كتاب قوله:
أرسلته نعم الجليـ ... ـس إذا تغيرت البشر
يبقى على سنن الوفا ... أبدًا ويقنع بالنظر
وقوله:
لله تصنيف له رونق ... كرونق الحبات في عقدها
كادت تصانيف الورى عنده ... تموت للهيبة في جلدها
وقال وقد عتب عليه القاضي بدر الدين، لأمر:
أهلتني للعتب حتى لقد ... لذ لسمعي وهو صعب شديد
هذا ولو قطعتني لذلي ... وسرني أني ببدر شهيد
وقال يداعب جنديًّا من أصحابه عرض ولم يقبل:
ظننا طوله يجدي ... ليوم العرض أو يرضي
فلا والله ما أجدى ... وراح الطول في العرض
ومن لطائف مجونه قوله:
صفا لون شيبي ثم كدر عيشتي ... فيا عجبًا للشيب من كدر صافي
وصار على الأكتاف يضحك من يرى ... فآهًا له شيبًا يقطع أكتافي
(2/152)

ومن أغراضه اللطيفة قوله:
كانت للفظي رقة ... ضن الزمان بما استحقت
فصرفتها عن قدرتي ... وقطعتها من حيث رقت
ومن لطائف مجونه قوله:
قالت أريد من طبيخ قدرة ... وكثرت حاجاتها وأوغلت1
فقلت هذي قدرة يا ستنا ... من قبل أن تمسها النار غلت2
ومن لطائف مجونه قوله:
دعاني صديق لحاجاته ... فأوقعني في العذاب الأليم
كلام يزيد وماء يقل ... فبئس الصديق وبئس الحميم
ومنه قوله:
ما زلت أقلع شيبة نسخت بها ... فسواد عقد شبابها مفسوخ
حتى غدت صفحات وجهي آية ... لا ناسخ فيها ولا منسوخ3
ومن مراثيه البديعة قوله يرثي الملك المؤيد صاحب حماة:
ألا في سبيل الله ملك مؤبد ... كنصل غدا في باطن الأرض مغمدا
على الرغم منا إن أتى منه لامع ... وجاوبنا من حول تربته الصدى
قوله وقد توفي له ولد ولم يبلغ حولًا:
يا راحلًا من بعد ما أقبلت ... مخايل للخير مرجوَّه
لم تكتمل حولًا وأورثتني ... ضعفًا فلا حول ولا قوَّة
ومثله قوله في ولده عبد الرحيم:
يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا ... شوقي إليه ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحِمام لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي4
__________
1 قدرة: قدر صغير يطبخ فيه. أوغل في الشيء: زاد فيه.
2 الست: السيدة.
3 الناسخ والمنسوخ: من آيات القرآن: الناسخ الآية التي تبطل حكم المنسوخ وهو الآيات التي بطل حكمها.
4 الحِمام: الموت.
(2/153)

ومنه قوله فيه:
آهًا لشمل قد وهى سلكه ... وكان ذا در بعبد الرحيم
فليتني لاقيت عنه الردى ... وعاش ذاك الدردرا يتيم
وقال يرثي جارية له:
يقولون قد أخلقت جفنك بالبكى ... نعم إن جفني بالبكاء حقيق1
دعوا الدمع للجفن القريح مؤاخيًا ... فإني عدمت الدمع وهو شقيق
وقال يهنئ بالعشر بعد تعزية بميت:
أتيتك يا أزكى البرية جامعًا ... لأمرين في يوم من الدهر وافد
هنا وعزا لا عيب فيه لأنني ... أهني بعشر إذا أعزي بواحد
وقال يرثي الملك الأفضل صاحب حماة:
مضى الأفضل المرجو للباس والندى ... وصحت على رغم العداة وفاته
وما مات إذا ماتت بحزن نساؤه ... وماتت بأحزان البلاد حماته
وقال في رثاء طفل:
بدا وفي حاله توارى ... فيا لها طلعة شريقه
جوهرة ما عملك إلا ... دموع عيني لها عقيقه2
وقال في رثاء ولده أيضًا:
قالوا فلان قد جفت أفكاره ... نظم القريض فلا يكاد يجيبه
هيهات نظم الشعر منه بعدما ... سكن التراب وليده وحبيبه
انتهى ما وقع عليه الاختيار ووعدت بإيراده من غرائب الشيخ جمال الدين بن نباتة، وبدائعه في باب التورية على اختلاف أنواعها، وقد تقدم قولي إن الراية الفاضلية هو عرابة مجدها، وواسطة عقدها، وقائد زمامها، ومسكة ختامها. وقدمت أيضًا من مشى تحت الراية الفاضلية، من ابن سنا الملك إلى الوداعي، ولما رفع العلم النباتي كانت هذه الفرقة التي مشت تحت هذا العلم أكثر عددًا وأشهر ذكرًا، وأعلى رتبة نظمًا ونثرًا.
__________
1 أخلق: أبلي. حقيق: جدير.
2 العقيقة: ما يعمل من الطعام عند ولادة المولود.
(2/154)

وقد عنَّ لي أن أذكر هنا لكل من عاصره ومشى تحت علمه النباتي، وتحلى بنكته الأدبية، نبذة من مختار مقاطيعه التي حلاوتها في الأصل نباتية، ليظهر صدق قولي في تفضيل الصحابة المحمدية، وأشرع بعد ذلك في إيراد نبذة من نظم التابعين لهم بإحسان، وأدير هذا الكاس بحيث يتسلسل دوره إلى أهل هذا العصر والأوان، والعصابة التي مشت تحت العلم النباتي، وتحلت بقطر نباته هم: الشيخ صلاح الدين الصفدي، والشيخ زين الدين بن لوردي، والشيخ برهان الدين القيراطي. ومذهبي أنه أقرب الناس إلى الشيخ جمال الدين، نظمًا ونثرًا، والشيخ شمس الدين بن الصائغ، والشيخ بدر الدين ابن الصاحب، والشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة، والشيخ إبراهيم المعمار، والشيخ بدر الدين حسن الزغاري، والشيخ يحيى الخباز الحموي، والشيخ شهاب الدين الحاجبي.
وممن أدركهم وعاصرهم المصنف، وكتبوا إليه وكتب إليهم، وأنشدوه وأنشدهم من أهل مصر والشام: الشيخ زين الدين بن العجمي عين كتاب الإنشاء الشريف بالديار المصرية، والقاضي فتح الدين بن الشهيد صاحب دواوين الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة، وناظم السيرة النبوية نور الله ضريحه، والشيخ عز الدين الموصلي والشيخ علاء الدين بن أيبك الدمشقي والشيخ جلال الدين ابن خطيب داريا، والشيخ شمس الدين الرئيس الشهير بابن المزين، والصاحب فخر الدين بن مكانس وولده الجناب المخدومي المجدي، وسيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء قدس الله روحه، ولكن ما رأيته، والشيخ شرف الدين عيسى الشهير بعويس، والشيخ شهاب الدين بن العطار، ولكن ما حضرته، والشيج جمال الدين، ولكن ما رأيته، وصاحبنا الشيخ شمس الدين المتنبي المصري، والفرقة التي أطال الله بقاءها وأمست قواعد الأدب بها قائمة، وختمت بهم هذه الطريقة البديعة وأخلصوا في العمل ففازوا في الحالتين بحسن الخاتمة، وهم: القاضي بدر الدين ابن الدماميني المالكي المخزومي، فسح الله في أجله، والشيخ الإمام الحافظ العلامة شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي -رحمه الله تعالى- والشيخ بدر الدين البشتكي، رحمه الله تعالى.
ونبدأ بمن تقدم ذكره أولًا فأولًا. فمن محاسن الشيخ صلاح الدين الصفدي في باب التورية -رحمه الله- قوله:
أفديه ساجي العيون حين رنا ... أصاب مني الحشا بسهمين1
أعدمني الرشد في هواه ولا ... أفلح شيء يصاب بالعين
__________
1 ساجي العيون: ساكنها. رنا: نظر.
(2/155)

ومثله قوله:
لقد شب جمر القلب من فيض عبرتي ... كما أن رأسي شاب من موقف البين1
فإن كنت ترضى لي مشيبي والبكى ... تلقيت ما ترضاه بالرأس والعين
ومثله في تورية العين قوله:
سألتم عن منام عيني ... وقد براه جفا وبين
واليوم قد غاب حين غبتم ... ولم يقع لي عليه عين
ومثله قوله:
إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السعد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ماجرى على الخد منها2
ومنه قوله:
وفقيه قلت صلني ... فالبكى قرَّح عيني
قال لا تفخر بشيء ... هو دون القلتين3
ومن لطائفه قوله:
قلت وقد أعرض عني ولم ... يصغ إلى الشكوى ولم يقبل
لا تطمعي يا نفس في وصله ... ويا دموع العين لا تسألي
ومن لطائفه قوله:
إن لم تصدقني تصدق بالكرى ... ليزورني فيه الخيال الزائل
وانظر إلى فقري لوصلك واغتنم ... أجري وقل للدمع قف يا سائل
وقوله أيضًا:
يقول الناس كيف يميل عنه ... الحبيب ويدعي صونًا وعفه
أليس لقده في كل يوم ... يمر مع النواسم ألف عطفه
__________
1 العبرة: الدمعة. البين: الفراق.
2 الغوادي: من السحاب التي تنشأ غدوة وهي أكثر مطرًا.
3 القلتين: من القليل.
(2/156)

وقوله أيضًا:
وأحور أحوى فاتر الطرف قد غدا ... به قلب صب بالجوى يتضرم1
كستني ضنى جسمي سهام جفونه ... فبرد سقامي في هواه مسهم2
وقوله مع حسن التضمين:
مقلته السوداء أجفانها ... ترشق في وسط فؤادي نبال
ويقطع الطرق على سلوتي ... حتى حسبنا في السويدا رجال3
وألم الشيخ زين الدين بهذه النكتة، ولكن سبكها في غير هذا القالب بقوله:
من قال بالمرد فإني امرؤ ... ميلي إلى النسوة ذات الجمال4
ما في سويدا القلب غير النسا ... ما حيلتي ما في السويدا رجال5
ومنه قوله:
بجفنه سيف فرى حده ... قلوب قوم في الهوى أسرى6
ومن عجيب نصر ألحاظه ... وجفنها المكسور قد فرّا
ومنه قوله:
وظبي معانيه بيان بديعها ... له حار فكري إذ رأى كل معجز
قرأت مقامات الحريري كلها ... بعارضه مشروحة للمطرزي
وتزاحم الشيخ صلاح الدين والشيخ زين الدين بن الوردي، في هذا المعنى والنكتة، بقوله:
شبهت خد حبيبي ... تشبيه فكر مبرز
مقامة للحريري ... وشرحها للمطرز
__________
1 الأحور: شديد بياض العينين وسواد سوادهما. الأحوى: الأسمر أو الأحمر الذي يميل إلى السواد. الصب: المغرم. يتضرم: يشتعل ويحترق.
2 الضنى: الضعف. المسهم: الذي فيه صور السهام.
3 حسبك في السويدا رجال: مثل يضرب في الفرارين الجبناء.
4 المراد: جمع أمرد وهو الغلام لم تنبت لحيته وشارباه بعد.
5 سويداء القلب: مركز العواطف منه.
6 فرى: كلّ وعاد لا يقطع.
(2/157)

والذي يشهد به الذوق أن تركيب الصفدي أحسن وأقعد، ومنه قوله:
كن كيف شئت فإن قد ... رك قد علا عندي وعزا
مات السلو تعيش أنـ ... ـت أما رأيت الصبر عزا1
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
قالوا حكى بدر الدجا وجه الذي ... تهوى فقلت لهم قفوا وتربصوا
أنا ما أصدّق ما عليه كلفة ... فإذا حكى شيئًا يزيد وينقص
ومن قوله:
من شافعي يومًا إلى مالك ... في أمر روحي القبض والبسطا
صوب رأي الناس في حبه ... وشعره في الأرض قد خطا
ومنه قوله:
يقولون حاكاه الهلال فلا تزغ ... عن الحق واعرف ذاك إن كنت تنصف3
فقلت إذا ما صار بدرًا مكملًا ... حكاه ومع هذا عليه تكلف4
وقوله:
إذا قلت قد أسرفت في التيه قالي لي ... تقل في جمالي في الورى غير ما جرى5
وابيض طرفي واقف عند حده ... واسود شعري قد تواضع للثرى
وقوله:
محياه له حسن بديع ... غدا روض الخدود به مزهر
وعارضه رأي تلك الحواشي ... مذهبة فزمكها وشعر6
__________
1 عز الصبر: ندر وقلَّ.
2 العذار: الشعر في مؤخر الرأس ما بين الأذنين.
3 زاغ: مال وحاد.
4 حكاه: شابهه. التكلف: الكلف وهو ما يعتري وجه الحامل من النمش.
5 التيه: التكبر.
6 زمكها: ملأها.
(2/158)

وقوله:
أقول وحر الرمل قد زاد وقده ... وما لي إلى شم النسيم سبيل
أظن نسيم الجو قد مات وانقضى ... فعهدي به في الشام وهو عليل
النسيم العليل تلاعبوا به كثيرًا، ولكن قول الصفدي: فعهدي به في الشام وهو عليل، في غاية اللطف.
ومنه قوله:
كئوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها ... فاحسن ما ذهبت بالطلا
وقوله:
قلت لما شوى إوزًا حبيبي ... واكتسى باللهيب ثوب ثناء
لو يعيش الجزار مات غرامًا ... في معاني محاسن الشواء
وقوله:
كلفي ببدر صائغ ... كالبدر في جو السماء
سكر المحب بريقه ... وغدا يموِّه بالطلاء
ومنه قوله:
شوى الإوز فأضحت ... في حمرة الخد بسطه
فقلت تشوي إوزًا ... أم كنت تشرب بطه2
ومنه قوله:
قل للعذول يسترح من عذلي ... ما أصبح المعشوق عندي مشتهى
وارتدّ قلبي عن سيف لحظه ... وكل شيء بلغ الحد انتهى
ومن نكته البديعة قوله:
أقول له ما كان خدك هكذا ... ولا الصدغ حتى سال في الشفق الدجى3
__________
1 الطلا: الخمر والدهان.
2 البطة: الباطية وهي وعاء من أوعية الخمر.
3 الصدغ: الشعر بين العين وشحمة الأذن. الدجى: الظلام.
(2/159)

فمن أين هذا الحسن والظروف قال لي ... تفتح وردي والعذار تخرجًا9
وقوله:
أصبحت نابغة الغرام لصبوة ... في غادة بجمالها متفرده
كم قد جلت من خدها وسيوف مقـ ... ـلتها إلى النعمان والمتجرده
وقوله أيضًا:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد
وقوله:
قالت وقد مادت كغصن النقا ... أسرفت في العشق بلا فائده2
فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن مدت له المائده3
وقوله:
سكن البدو من أحب فقالوا ... زاد أهل الغرام في البعد بعدا
قلت بالله هل سمعتم ببدر ... غاب عن عاشقيه لما تبدى
ومن نكته الغريبة قوله:
سال العذار فسل سيف جفونه ... حتى غدت مهج الورى أفلاذا4
يا صدغه والله كنا في غنى ... عن أن نراك السائل الشحاذا5
وقوله:
أقول لقاض سهم مقلته غدا ... يصيب الحشا لا تبغ قلبي ولا توذي
وإن كان قلبي عنده غير تائب ... فدعه ولا تحكم عليه بتنفيذ
__________
1 تخرجا: صار له خرجًا وهو من التخريج وهذا نوع من التطريز في طرف الثوب.
2 ماد: مال.
3 منهوم: من النهم وهو شدة الجوع والعطش.
4 العذار: الشعر بين الأذنين من مؤخر الرأس. أفلاذ: جمع فلذة وهي القطعة
5 الصدغ: الشعر بين العين والأذن. الشحاذ: المستعطي.
(2/160)

وقوله:
أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى
وعلمت أن بعادكم لا بد أن ... يجري له دمعي دمًا وكذا جرى
وقوله:
لئن سمح الدهر البخيل بقربكم ... وسكن مني أنفسًا وخواطرا
جعلت ابتذال الروح شكران وصلكم ... وقلت لدمع العين يعمل ما جرى
وقوله:
بدا في الخد عارضه فأضحى ... عليه معنفي باللوم يغري
وحاول أن يرى مني سلوًا ... وقال لقد تعذر قلت صبري
وقوله:
تقول له الأغصان إذ ماس قدّه ... أتزعم أن اللين عندك قد ثوى1
فقم نحتكم في الروض عند نسيمه ... ليقضي على من مال منا مع الهوى
وقوله:
تنائي الذي أهوى فمت صبابة ... فقال عجيب كل أمرك في الهوى
صبرت لطرفي إذ رمتك سهامه ... ولم تتصبر إذ رمتك يد النوى2
وقوله:
أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه
فناديته يا طيب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقوله:
بأسياف الجفون قتلت نفسًا ... مبرأة عن الشكوى زكيه
فما أقوى جفوك وهي مرضى ... وأقدرها على قتل البريه
وقوله:
جاء بقدّ قد ثنته الصبا ... ورنحت أعطافه الساميه3
ومذ غدا في لينه واحدا ... كانت له ريح الصبا ثانيه
وقوله:
وفي القلب من هاجري لوعة ... بغير تلافيه ما تندمل4
فيا شعره بعض هذا الجفا ... ويا ردفه أنت ما تتجمل
وقوله:
يا قلب صبرًا على الفراق ولو ... روعت ممن تحب بالبين
وأنت يا دمع إن أبحت بما ... تخفيه وجدًا سقطت من عيني
__________
1 ماس: مال واهتز. ثوى: أقام وسكن.
2 النوى: السفر والهجران.
3 الصبا: ريح ناعمة صحراوية. رنح: أسكر وأنشأ. السامي: العالي. الأعطاف: الأطراف والجناب.
4 تلافي: احتراز واجتناب. اندمل الجرح: طاب وشفي.
(2/161)

وقوله:
لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما
لكن تطاول في الشفاعة عنده ... وغدا على أقدامه يترامى
وهذه النكتة تزاحم هو والشيخ زين الدين بن الوردي عليها، والله أعلم من المخترع، فإنهما كانا متعاصرين فقال:
كيف أنسى لشعر حبي يومًا ... وهو كان الشفيع فِيّ لديه
شعر الشعر أنه رام قتلي ... فرمى روحه على قدميه
وقوله:
إن قلت زرني قال لا ... بحاجب ما أظلمه
فما يرى جوابه ... إلا بنون العظمه1
والشيخ صلاح الدين تزاحم هو والشيخ برهان الدين القيراطي على هذه النكتة، وزنًا وقافية -والله أعلم من المخترع منهما- بقوله:
وتائه حدثته ... فلم يفه بكلمه
أجابني بحاجب ... لكن بنون العظمه
ويعجبني قوله:
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال رباها
فكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينًا وجباها
ومثله قوله:
تقول دمشق إذ تفاخر غيرها ... بمعبدها الزاهي الرفيع المشيد
جرى ليباهي حسنه كل معبد ... وما قصبات السبق إلا لمعبد2 "ي"
وقوله:
لما زها زهر الربيع بروضه ... وغدا له فضل ينير لديه
قام الحمام له خطيبًا بالهنا ... وجرى الغدير فخر بين يديه
__________
1 نون العظمة: النون التي تصاحب كل كلمة من كلمات المتكلم المفرد، وتدل على تعظيمه نفسه.
2 معبد الأولى: مكان العبادة، ومعبد الثانية: اسم المغني المشهور، ومع إضافة الياء إليها وهي ياء المتكلم، تصير بمعنى مكان العبادة، وإذا كانت الياء ياء النسبة تصير بمعنى: ذلك الذي ينتسب إلى معبد المغني أو الذي يسير على خطه أو غنائه.
(2/162)

وقوله:
قالوا علا نيل مصر في زيادته ... حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى1
فقلت هذا عجيب في بلادكم ... أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما
ومن أغراضه قوله:
رب طباخ به نضجت ... مهجات غير مرحومه
سلوتي عنه مزورة ... أبدًا والنفس مغمومة
وقوله:
أحببت بابًا حسنه بارع ... سبى من النساك ألبابًا
أغلق في وجهي باب الرضى ... فهل تراني أفتح البابا
وقوله:
إن اللطافة لم تزل ... بين الأكابر فاشيه
أرأيت عمرك في الورى ... طرفًا رقيق الحاشيه
وكتب على لسان صاحب له طلب من صاحب سرجًا فلم يجهزه له، قوله:
عجبًا كيف لم تجد لي بسرج ... وحده واللجام دأب النفوس
وإذا لم تبعثه في أول الأمـ ... ـر اختيارًا فابعثه بالدبوس2
وكتب إلى من أهدى له صحن قطائف قوله:
أتاني صحن من قطائفك التي ... غدت وهي روض قد تنبت بالقطر
فلا غرو إن صدقت حلو حديثها ... وسكرها يرويه لي عن أبي ذر
الجماعة تجاروا في هذه الحلبة وأجادوا، منهم الشيخ زين الدين بن الوردي، بقوله:
بعثت قطائفًا حلت ... جناها قطرها الغامر
فسكرها أبو ذر ... ومرسل صحنها جابر
وأجاد الشيخ جمال الدين بن نباتة هنا، وجمع بين التورية وحسن التضمين وبديع الاكتفاء، والحلاوة، بقوله:
أقول وقد جاء الغلام بصحنه ... عقيب طعام الفطر يا غاية المنى
بعيشك قل لي جاء صحن قطائف ... وبح باسم من تهوى ودعني من الكنا3
__________
1 طمى النهر: إذا فاض.
2 الدبوس: المقمعة وهي عصا من حديد أو من خشب في رأسها كرة من حديد. والمعنى: ابعثه بالقوة بعد أن لم تبعثه اختيارًا.
3 الكنافة: نوع من الحلوى.
(2/163)

وقوله مع بديع التضمين:
رعى الله نعماك التي من أقلها ... قطائف من قطر النبات لها قطر
أمد لها كفي فأهتز فرحة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
ويعجبني هنا قول الشيخ برهان الدين القيراطي، مع بديع التضمين:
لقد قطفت زهر النبات قطائف ... تخيرتها فاخترت للنفس ما يجلو
تقول اسمعوا مني مدائح مرسلي ... فكلي إن حدثتكم ألسن تتلو
وأما تورية القطر فالقطر النباتي معروف، فمن ذلك قوله:
شكرًا لبرّك يا غيث العفاة ولا ... زالت مدائحك العلياء تنتخب1
قد جدت بالقطر حتى زدت في طمع ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقوله:
لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي
والقطر أرجو ولا عجيب ... القطر يرجى من الغمام
ويعجبني هنا قول أبي الحسين الجزار:
أيا علم الدين الذي جود كفه ... براحته قد أخجل الغيث والبحرا
لئن أمحلت أرض الكنافة إنني ... لأرجو لها من سحب راحتك القطرا2
قلت الشيء بالشيء يذكر، ذكرت هنا لغزًا في لوزينج كتب به مولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي -رحمه الله- إلى علامة العصر القاضي بدر الدين بن الدماميني رحمهما الله:
يا من له في عروض الشعر أي يد ... فاق الخليل بها فضلًا وتمكينا
ما اسم دوائره في لفظه ائتلفت ... والثلم في صدرها مستعمل حينا
أجزاؤه من زحاف الحشو قد سلمت ... وقد تقطع مطويًّا ومخبونا3
تصحيف معكوسه لفظ يرادفه ... يا فرد يا رحلة قوم مقيمونا
والعبد منتظر من حله فرجًا ... لا زال سعدك بالإقبال مقرونا
__________
1 العفاة: طالبوا المعروف.
2 الكنافة: نوع من الحلوى. السحب: واحدتها سحابة وهي الغيمة.
3 الزحاف والحشو والمطوي والمخبون: مصطلحات عروضية.
(2/164)

فأجابه المشار إليه بقوله:
يا مرسلًا من شهي النظم لي كلمًا ... منه ابن سكرة قد راح مغبونا
لله درك صدرًا من حلاوته ... وجوهر النظم لم يبرح يحلينا
هذا وكم قد رأينا في دوائره ... للكف قبضًا يزيد العقل تمكينا
وليس إضماره مستحسنًا فأدم ... بالكشف عنه لمن وافاك تحسينا
وكن لنا هاديًا صوب الصواب ودم ... فينا أمينًا رشيد الرأي مأمونا
وقد آن الرجوع إلى ما كنا فيه، مما اختاره من نظم الشيخ صلاح الدين الصفدي في باب التورية، فمن لطائف مجونه قوله فيمن سرق شيئًا من بعض شعره:
إن كان يا مولاي لا بد أن ... تأخذ شعري جملة كافيه
قافية البيت اطرح لفظها ... وقم خذ الكل بلا قافيه
وقوله:
أدير بلحيتي البيضاء كاسي ... بكَيْسٍ زائد مني وفطنه1
ألم ترني وعفو الله راج ... ومن شرهي أصفيها بقطنه2
وقوله:
وجرّة قدموها ... والراح فيها كمينه3
شممت طينة فيها ... فرحت سكران طينه
وقوله:
قلت له إذ هز لي ذقنه ... ولام فيمن همت في عشقها
تذكر إذ غنت فنادى نعم ... فقلت واشوقًا إلى حلقها
وقوله:
وعاذل بارد المقالة لا ... يعي صوابًا وزاد في نكدي
وقال ذقن الحبيب باردة ... فقلت يا بردها على كبدي
وقوله:
ملكت كتابًا أخلق الدهر جلده ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد5
__________
1 الكَيَس: اللباقة وحسن التصرف.
2 الشره: النهم وهو شدة العطش والجوع.
3 الكمين: المختبئ.
4 أخلق: أبلى.
5 الأسى: الحزن. تجلد: تصبر، والشطر لطرفة بن العبد من معلقته:
وُقوفًا بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم ... يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ
(2/165)

ومن نكت المجون التي توارد هو والشيخ جمال الدين عليها، وزنًا وقافية، قوله:
إذا ما قام أيرك في الدياجي ... وعندك من تحب فلا تحابي1
ومل نحو الطواشي واعتنقه ... فمثلك لا يدل على صواب2
وقول الشيخ جمال الدين:
أرى الصواب يا أيري صفات ... تحث على التعشق والتصابي
فبادره فأنت به خبير ... ومثلك لا يدل على صواب
ويحسن أن نختم هذه المجونات بقول الشيخ صلاح الدين، وهو:
يا ساحبًا ذيل الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب3
فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقه من قبل وقع المشيب
الشيخ صلاح الدين سامحه الله كان من المكثرين، وكان هو والشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة يرضيان، لرغبتهما في الكثرة بالأشياء الرخيصة، ولم أورد للشيخ صلاح الدين هنا غير الغالي من نظمه واختياره واختياري، ومن محاسن الشيخ زين الدين بن الوردي في باب التورية، ومقاطيعه التي هي أحسن من مقطعات النيل، وأحلى في الأسماع من نغمات المواصيل:
إن قلت قدّك غصن ... قالت لي الغصن ساجد
أو قلت ريقك ثلج ... قالت تشبه بارد
ومن ذلك قوله:
يا سائلي تصبرًا ... عن لثم فيه لا تسل
ما تستحي تبدلني ... بالصبر عن ذاك العسل
ومن ذلك قوله:
ومليح إذا النحاة رأوه ... فضلوه على بديع الزمان
برضاب عن المبرّد يروي ... ونهود تروى عن الرماني
__________
1 حابي: فاضل بين شيئين أو فضل أحدهما على الآخر.
2 الطواشي: الخصيّ، الذي لا يمكنه الجماع.
3 القشيب: الجديد.
(2/166)

وقوله:
أمام في الركوع حكى هلالا ... ولكن في اعتدال كالقضيب
وقال تلوت قلت الشمس حسنًا ... وقال ختمت قلت على القلوب
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
يشفع فِيّ شعره ... إذ مال عن قبوله
فهو على أقدامه ... ممدد بطوله
ومنه قوله:
عجبت في رمضان من مسحره ... بديعة الحسن إلا أنها ابتدعت
قامت تسحرنا ليلًا فقلت لها ... كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت
ومن لطائفه قوله:
إذا تعذر حبي ... فخله يتعذر
فجيده حصل ما بي ... والجيد لا يتغير
ومنه قوله:
وتاجر ماطلته دينه ... لأجتليه قال ما أمطلك1
قلت له جيدك لي أو لمن ... فقال هات المال والجيد لك
وقوله:
قالت إذا كنت تهوى ... أنسي وتخشى نفوري
صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري
ومنه قوله:
أنكر حبي مدمعي ... وقال هذا من هوى
فقلت لا بل من فتى ... أصاب عيني بنوى
ومن نكته اللطيفة في تضمين المثل السائر قوله:
وسمينة كانت لها ... في القلب ترقت
رقت فعفت وصالها ... وقطعتها من حيث رقت
__________
1 ماطل: سوّف ولم يف بالوعود.
(2/167)

وقوله:
سألتها أي ناه ... نهاك عن حسن نوجك1
قالت نهاني زوجي ... فقلت روحي بزوجك
ومن أغزاله قوله:
أقول إذ قال لي حبيبي ... علام فارقتني علاما
خدّك كان الصفا ولكن ... قد أصبح المشعر الحراما
وقوله:
رامت وصالي فقلت لي شغل ... عن كل خود تريد تلقاني2
قالت كأن الخدود كاسدة ... قلت كثير القلة القاني3
وقوله:
أبصروا دمعي فخافوا ... قلت لاتخشوا بكائي
ما عليكم من دموعي ... غير أمطار السماء
ومنه قوله:
سل الله ربك من فضله ... إذا عرضت حاجة مقلقه
ولا تسأل الترك في حاجة ... فأعينهم أعين ضيقه
وقوله:
لما شتت عيني ولم ... ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خده ... والنار فاكهة الشتا
وقوله:
ضممتها عند اللقا ضمة ... منعشة للكلف الهالك4
قالت تمسكت وإلا فما ... وهذا الشّذا قلت بأذيالك
وقوله:
شكى من الخط ضعفًا ... وذاك منه دلال
قلت استعن بمثال ... فقال ما لي مثال
ومنه قوله:
وأغيد يسألني ... ما المبتدأ والخبر5
مثِّلهما لي مسرعًا ... فقلت أنت القمر
ومن نكته مع حسن التضمين قوله:
مليح ردفه والساق منه ... كبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيبًا ... فقد عزم الغريب على الخروج
__________
1 نوجك: مراءاتك، النوج: المراءاة
2 رام: أراد وطلب. الخود: الحسناء.
3 كاسدة: ليس عليها طلب. القاني: المحترف والمتزين.
4 الكَلِف: الشديد العشق المتلهف على اللقاء.
5 الأغيد: الممشوق القد المتمايل في مشيته.
(2/168)

ومن نكته اللطيفة قوله:
مهفهف القد إذا ما انثنى ... يقول لا تخش من الردّ
ما أنت حملي يا كثيب النقا ... ولست يا غصن النقا قدي
وقوله:
لو نلت من خديه تقبيلة ... تزين الريحان بالورد
وقوله:
رومية الأصل لها مقلة ... تركية صارمها هندي
قد فضحتني وجنتاها فقل ... في وجنة فاضحة الوردي
وقوله من دو بيت:
يا روضة حسن ليتها لي وحدي ... الشركة فيك قيد أذابت كبدي
ما ضرك أن تسقي بماء فرد ... والواجب أن يكون ماء الورد
ومنه قوله:
هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيها عذاب مذاب
رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب1
وقوله:
قلت وقد عانقته ... عندي من الصبح فلق2
قال وهل يحسدنا ... قلت نعم حتى انفلق
ومنه قوله:
تقويم قدك مال يا من ثغره ... در يقصر دونه التقويم3
إني لأبكي من جفاك ولي أب ... والثغر يضحك منه وهو يتيم
ومن اختراعاته قوله:
رام ظبي الترك وردًا ... قلت أقصر خاب ضدّك
عندك الورد المربى ... قال قاني قلت خدك
وقوله:
رب فلاح مليح ... قال يا أهل الفتوّه
كفلي أضعف خصري ... فأعينوني بقوّه4
__________
1 بنو شيبان ونبهان وكلاب: قبائل عربية.
2 الفلق: الضوء ينشق من ظلمة الليل.
3 تقويم: الأولى بمعنى الاستقامة والثانية بمعنى التثمين.
4 الكفل: فلكتا المؤخرة أو الردف.
(2/169)

وقوله:
قلت لفرا فرى أديمي ... وزاد صدًّا وطال هجرا1
قد فر صبري وفر نومي ... قال نعم مذ عشقت فرا
وقوله:
رغيف خبازكم قد حكى ... من وجهه التدوير والحمره
إذا رأى ميزانه المشتري ... قال هنا الميزان والزهره2
ومنه قوله في مليح عبري:
أغيد عبري له عمة ... حكت من العشاق ألوانا
لقد سبى بالنور شمس الضحى ... فهل أتى من آل عمرانا
ومنه قوله:
ووعدت أمس بأن تزور ولم تزر ... فغدوت مسلوب الفؤاد مشتتا
لي مهجة في النازعات وعبرة ... في المرسلات وفكرة في هل أتى3
وقوله:
أعور كالبدر له مقلة ... واحدة قامت مقام اثنتين
قد سرق الرقدة من ناظري ... وقال ما جئتك إلا بعين
وقوله:
بأبي أعور عين فاتن ... مثل بدر التم والتم بعين
طرفه الواحد عضب ذكر ... فله في الحسن حظ الأنثيين4
ومنه قوله:
رأيت رشيق القد أعور فاتنا ... له مقلة أغنته عن حسن ثنتين5
إذا قال غصن البان أنت ابن قامتي ... يناديه بدر التم أنت أخو عيني
وقوله:
جنكية شاهدت عشاقها ... وهم بها في الجهد والضنك
قالت أما تعشق جنكية ... قلت كذا يا ليتني جنكي
وقوله:
تغسل عيني وجنتي ... بدمعة هاملة
فوجنتي قائلة ... عدوتي غاسلتي
__________
1 فرى: يفري، شق. والأديم: الجلد.
2 الميزان والمشتري والزهرة: من الكواكب والأبراج بالإضافة إلى معناها الحقيقي.
3 هل أتى، والنازعات: سورتان من سور القرآن الكريم.
4 العضب: الحاد القاطع. الأنثيين: الخصيتين.
5 الجنكية: التي تضرب بالجنك وهو من آلات الطرب. الضنك: التعب.
(2/170)

وقوله:
ناديت صالحة إلى ... كم أنت عنا نازحه
قالت نزحت لأنكم ... لا تصلحون لصالحه1
هويت حصادًا حكت قامتي ... من طول ما يهجرني منجله2
أقول والسنبل من حوله ... مولاي أنت الشمس في السنبلة3
وقوله:
أنا في حالي نقيض ... يا شموسًا في البزوغ
هزم الصبر عليكم ... والمنى دون البلوغ
ومن لطائفه قوله:
قال لي بند خصره ... كم كذا ترجع البصر
قلت لا تنفرد به ... لك شد ولي نظر
ومن أغراضه اللطيفة قوله في صديق له بالمعرة يقال له شمس:
لي بالمعرة شمس ... رضاه غير مرادي
فلا تذموه إني ... أدرى بشمس بلادي
وكتب إليه في زفة له:
يا شمس أشعلت شمعًا ... عليك عشر الأصابع
رغمًا لمن قال قبلي ... الشمع في الشمس ضائع4
ومنه قوله في آل النصيبي بحلب:
فؤادي إلى آل النصيبي مائل ... وودي لهم في محضري ومغيبي
فبيني وبين القوم نوع تجانس ... إذا طاب أصل الورد كان نصيبي5
وقوله:
للمقدسي بقلبي ... حب خليّ الدليل
فمن يكن ذا خليل ... فالمقدسيّ خليلي
__________
1 نزح: هاجر. صالحه: اسم علم وعمل الخير.
2 المنجل: آلة الحصاد البدائية.
3 السنبلة: أحد أبراج الشمس.
4 ضائع: لا يظهر ضوؤه.
5 نصيبي: نسبة إلى آل النصيبي ومن الحظ.
(2/171)

ومن لطائف أغراضه قوله:
يا شيخ خلِّ التصابي ... فالزهد بالشيخ أليق1
ولا تحت كميتًا ... فإن فودك أبلق2
ولي صاحب بالمدح والهجو كسبه ... يقول أتدري كيف أصنع بالخلق
إذا حمَّروا وجهي وما بيّضوا يدي ... أزرِّق لهم رجلي ولو خضَّروا عنقي3
ومثله قوله:
لي صاحب واسمه سراج ... ما قرّ لي عنده قرار
لسانه محرق لقلبي ... إن لسان السراج نار
ومن أغراضه اللطيفة قوله:
تجادَلْنا أماء الزهر أزكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف4
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل الوفاق على الخلاف
ومن لطائف مجونه:
يا من تولى قاضيًا ... هذا قضاء أم قدر
غدروك في بستاننا ... إن القضا يعمي البصر
ومن أغراضه البديعة قوله:
قد مات شيخي فاظهروا ... بحربه أو سلمه
عيشوا بجهل بعده ... فقد قضى بعلمه
ومن أغراضه البديعة قوله:
لا تحملوني على انتقام ... فالجاه يحكي خيال طيف
عفوت عن مذنب فقرت ... عين عدوي وجفن سيفي
__________
1 خلِّ: اترك. التصابي: عمل الصبيان.
2 حتّ: أسقط. الكميت: من صفات الخمرة. الفود: الشعر النابت فوق جانب الرأس مما يلي الأذن. الأبلق: الذي خالد سواده بياض.
3 حمروا وجهي: أخجلوني. بيضوا يدي: بالعطاء، أزرّق لهم رجلي: أهيئها للرحيل إليهم. خضّروا عنقي: دقوها.
4 الخلاف: الصفصاف.
(2/172)

ومن أغراضه قوله:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل
ومن لطائف مجونه قوله:
حمامكم قيمه أسود ... هربت منه وأنا صارخ1
قد سلخت جسمي أظفاره ... يا قوم هذا أسود سالخ2
ومن لطائف أغراضه قوله:
يا من غدا في طلاب المجد مجتهدًا ... لم يثنه عنه لا مال ولا ولد
لا تبسطن لتقليد القضاء يدًا ... أيرتضي رتبة التقليد مجتهد3
وكتب إلى قاضي القضاة شرف الدين بن البارزي:
جنبتني وأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مختلفين
يا حيّ عالم دهرنا أحييتنا ... فلك التصرف في دم الأخوين
وقوله مع تضمين المثل السائر:
إني عدمت صديقًا ... قد كان يعرف قدري
دعني لقلبي ودمعي ... يا صاح أحرف وأدْري4
ومن لطائف أغراضه وقد ولى قضاء شيراز قوله:
إنما شيراز نار ... وبها القاضي مخلد
قلت لا أمكث فيها ... أنا من حزب محمد
ومن أغراضه قوله:
مرض الفؤاد وصح ودّي فيهم ... وأقام تذكاري وصبري نازح
إنسان عيني كم سهادكُم بكى ... يا أيها الإنسان إنك كادح5
__________
1 القيم: المسئول عن الشيء والمعتني به.
2 الأسود السالخ: من الحيات أشرسها وأشدها سُمًّا.
3 المجتهد: الذي يستطيع استنباط الحكم الإلهي في أي قضية.
4 أحرف وأدري: أي أعرف وأنكر.
5 كادح: عامل عملًا شاقًّا، وهذا الشطر من آية قرآنية هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} .
(2/173)

ومن نكته البديعة مع تضمين المثل قوله في آل البيت عليهم السلام:
يا آل بيت النبي من بذلت ... في حبكم روحه فما غُبنا1
من جاء عن بيته يحدثكم ... قولوا له البيت والحديث لنا
ومن نكته الغريبة قوله في محتسب:
من ولي الحسبة يصبر على ... تعرض الواقف والسائر
فليس يحظى بالمنى والغنى ... فيهم سوى المحتسب الصابر2
وقوله:
قد عجبنا لأمير ... ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح
وقوله في مدينة حلب:
عليك بصهوة الشهباء تلقى ... بجوشنها محاربة الزمان3
فللعرفان في الفردوس ريح ... يفوح شذاه من باب الجنان
ومن مجونه فيمن رتبوا له أربعة دراهم قوله:
كل يوم رتبوا أربعة ... لك فازددت علينا صعصعة4
فلو استفتيت في سيدنا ... قلتَ يستأهل قطع الأربعة5
ومن لطائفه قوله:
ناعورة مذعورة ... ولهانة وحائره6
الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائره
ومن نكته الغريبة قوله:
زوجة مجد الدين والدها ... قد أخذ عرض المجد أشبهاها
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
__________
1 غُبن: بخس حقه.
2 المحتسب: الذي يعمل العمل في سبيل الله.
3 الجوشن: الصدر. الصهوة: أعلى الشيء.
4 الصعصعة: الجلبة والصياح.
5 استفتى: طلب الفتوى، وهي الحكم الشرعي. الأربعة: اليدين والرجلين.
6 الناعورة: دولاب يستقى بواسطته الماء. المذعورة: الهاربة التي تبدو وكأنها ملاحقة.
(2/174)

وقوله:
مليحة مصطولة ... إن لمتها فيما أرى1
تقول كل ظبية ... ترعى الحشيش الأخضرا
ومن أغراضه البديعة مع حسن التضمين قوله:
كرهت وضوءًا من قناة تساق من ... دماء الرعايا أو بسخرة مسلم2
ستشرق في يوم الحساب ندامة ... كما شرقت صدر القناة من الدم
ومما تخيرته هنا من تأليفي الذي وسمته بتحرير القيراطي -رحمه الله تعالى- قوله:
البدر طلعة وجهه ... وعذاره هالاته3
وخفوق قلبي في هوا ... هـ سعيدة حركاته
وقوله:
أجريت دمعي فمذ أفنيت أبحره ... أجريت مني بأسياف الجفون دمي
إن ملت عني برمح القدّ يا أملي ... لتقرَعَنَّ على السن من ندم
وقوله:
أسدي ثم ألحم تحت طاق ... له والدمع يجري كل وقفه4
وكم يوم عبرت له زقاقًا ... أحاول غفلة وأروم عطفه
وقوله:
لما تبدى قوام قامته ... وحاجباه لناظر العين
رأيت موتي بسيف ناظره ... من قيد رمح وقاب قوسين
وقوله:
تنفس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيه
واطربت في العود قمرية ... وكيف لا تطرب عوديه5
وقوله:
ارتاح للأقمار وهي طوالع ... وشموس راحي للمغارب تجنح
ويهزني زجل الطيور بلحنها ... والروض بالزهر النظيم موشح
__________
1 مصطولة: بلهاء.
2 السخرة: التسخير وهو التشغيل دون مقابل.
3 العذار: الشعر ما بين الأذنين من مؤخر الرأس. الهالات: جمع هالة، وهي دائرة من النور تحيط بالقمر في أيام القيظ عادة.
4 أسدي ثم ألحم: من السدى واللحمة وهما الخياطة والتبطين.
5 القمرية: نوع من الحمام المطوق.
(2/175)

وقوله:
يا أمير الجمال قل ... فالمراسيم تستمع
أنا مملوكك الذي ... لك قلبي غدا تبع
وقوله:
في جفنه سيف مضاربه ... يا صاح اسبق لي من العذل
وبخدّه والردف لي خبر ... قد سار بين السهل والجبل
وقوله:
شبه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلا
فأبى فالسيف والسنان وقالا ... حدنا دون ذاك حاشا وكلا1
وقوله:
هويت طباخًا له نصبة ... نيرانها للقلب جنات2
يكسر أجفانًا إذا ما رنا ... لها على الأرواح نصبات
وقوله:
أهيم بأعطاف القدود صبابة ... وإن هي زادتني جفا وتباعدا
ويعجبني بين الأنام تطفلي ... عليها إذا شاهدتهن موائدا
وقوله:
أباح لي نرجس ألحاظه ... في مجلس ما فيه ما نكره
فقلت ورد الخد جد لي به ... أيضًا فقال الكل في الحضره3
وقوله:
قال لي بالحمى غزالي لما ... لم أجد من ظبا الجفون ملاذا4
كيف جاءت إليك أسياف جفني ... قلت جاءت على الحمى فولاذا
وقوله:
في وصف خمر الثغر منك نوادر ... تزري بحسن نوادر ابن عتيق5
وإذا وصفت رشيق قدك عندما ... هز القوام لنا فما ابن رشيق
وقوله:
جفني وجفن الحب قد أحرزا ... وصفين من نيلك يا مصر
جفني له يوم الوداع الجفا ... وجفنه الساجي له الكسر6
وقوله:
خدمت بالأغزال أبوابه ... لما تبدى حسنه الباهر
ولي من الدمع على خدمتي ... جراية أطلقها الناظر7
__________
1 هكذا في الأصل ونرجح أنه: السيف، بدل: فالسيف.
2 النصبة: الموقد المنصوبة.
3 في الحضرة: في خدمة صاحب المكانة الرفيعة.
4 ظبا: جمع ظبة وهي شفرة السيف وحده.
5 ابن عتيق: الناقد الشهير ابن أبي عتيق الأموي.
6 الساجي: الساكن الهادئ.
7 الجراية: الجريان والمسيل.
(2/176)

وقوله:
الدمع والجفن فيه ... لي شاهدان بحزني
فالجفن يسقط دمعي ... والدمع يجرح جفني
وقوله:
عبدك يا من جفا وصدّ وما ... درى بصب يموت بالكمد1
جرى على الخد من مدامعه ... في الحب ما لا جرى على أحد
وقوله:
في خد من همت به شامة ... ما الند في نفحه ندها2
والعنبر الرطب غدا قائلًا ... لا تدعني إلا بيا عبدها
وقوله:
ومخايل نبت العذار بخدّه ... وله مخايل بالملاحة تشهد3
لما رآني قانعًا بخياله ... نزل العذار بوجنتيه يسوّد
وقوله:
مال إلى الهيئة ذو هيئة ... فاتنة ألبابنا باهره
فخاله في خده نقطة ... عِذاره أضحى لها دائره
وقوله:
أنظر إلى سطر عذار بدت ... من فوقه الشامات مثل النقط
صحت به نسخة حسن لمن ... قد راحت الأرواح فيه غلط
وقوله:
جزت النقا فحويت لين غصونه ... وكثيب واديه وجيد غزاله
وأخذت حسن البدر منه وقد بدا ... في أفقه بتمامه وكماله
وقوله:
ويوم توالي القطر فيه فجاءني ... بشمس الطلا بدر يفوق على البدر4
فعانقت لما مال عسال قده ... وقبلت معسول اللمى عدد القطر5
وقوله:
يا من تبرمك6 صبه في عشقه ... بالروح لا تبخل فعشقي زائد
بالفضل جد لي إن دمعي جعفر ... والوجد يحيى والتشوق خالد
وقوله:
يا هاجرًا أوقعني هجره ... وصده في حالة صعبه
أخذت قلبي بالتجني وما ... تركت لي منه ولا حبه
__________
1 الصب: الشديد العشق. الكمد: كبت المشاعر.
2 الند: عود يتبخر برائحته الطيبة. ندها شبيهها.
3 المخايل: المختال الفخور. المخايل: العلامات.
4 الطلا: الخمرة
5 العسال: المضطرب المهتز. المعسول: الممزوج بالعسل. اللمى: سمرة الشفاه.
6 تبرمك: انتسب إلى بني برمك أو تشبه بهم، وهم أسرة علت مكانتها في الحكم حتى كانت نكبتهم على يد أحد الخلفاء العباسيين. ومنهم يحيى البرمكي وخالد وجعفر والفضل.
(2/177)

وقوله:
قلت له لما زها حسنه ... على بدور التم ما أحسنك
وقلت للائم يا لائمي ... في خده الناعم ما أخشنك
ومن لطائف مدائحه قوله:
أوصافكم تسري أحاديثها ... مسرى النجوم الزهر في الأفق
كما أحاديث الندى عندكم ... تسندها الركبان من طرق
وقوله في البجانقي الموقت:
شهاب الدين ذو فكر بسمت ... وبالفلك المحيط غدت محيطه1
غدا في العصر شيخ الوقت حقًّا ... وفي أوضاعه ملك البسيطة2
ومن أغراضه قوله:
قناطر الجيزة كم قادم ... عليك يلقى فيك أقصى مناه
أتاك قوم لاطة فانحنى ... ظهرك للوطء وصب المياه3
وقلت في هذا المعنى:
وقالوا كميت النيل يجري وقد غدا ... عليه حلوق السبق قلت كذا جرى4
ولكنه نحو القناطر إذ أتى ... تجرّى عليها معجبًا فتقنطرى
ويعجبني من أغراضه اللطيفة قوله:
كم عالم قد اشتكى ... في الفقر طول مكثه
وكل نور سارح ... زيد له في حرثه5
وكتب إلى الشيخ صلاح الدين:
يا صلاح العلا صفاء ودادي ... لا يرى عن أبي الصفا تحويلا
فدع العتب إنني لست ممن ... لا يراعون في الأنام خليلا6
__________
1 السمت: الهيئة الخيّرة.
2 البسيطة: الأرض وما عليها.
3 لاطة: يمارسون اللواط وهو إتيان الرجال شهوة من دون النساء.
4 الكميت: الحمراء الضاربة إلى السواد. الحلوق: الطرق.
5 الحرث: المتاع.
6 الخليل: الصديق الملازم.
(2/178)

ومن لطائفه قوله فيما يكتب على طاسة:
تأمل فإني طاسة صح نقشها ... وفاق على نقش الغواني التي تسبي1
وواصف حسني أطرب السمع قوله ... كأني في الكاسات داخلة الضرب
وقلت في المعنى:
أنا طاسة قدري سما وبروضتي ... نهر المجرة للنجوم موارد
وتسارح القمر المنير لحسنه ... فقمرته وعليه نقشي قاعد2
وقلت أيضًا:
أنا طاسة بيضت وجهي عندكم ... وصفًا لكم قلبي بماء رائق
عذبت موارده ببارق بهجتي ... فتنزهوا بين العذيب وبارق3
ومن أغراضه اللطيفة في باذهنج قوله مضمنًا:
بروحي أفدي باذهنجًا موكلًا ... بإطفاء ما يلقاه من حرق الجوي4
إذا مدحت أوصافه قال منشدًا ... على أنني راض بأن أحمل الهوى
ومن أغراضه قوله:
أطربنا العود إلى أن غدا ... مقامنا يرقص مع صحبه
فشمعنا قام على ساقه ... وكأسنا دار على كعبه
وقوله مضمنًا:
درب الحجاز لقد شرفت منازلًا ... قدر المنازل من سواها نازل
كم سارت فيها نحو مكة منشدًا ... لك يا منازل في القلوب منازل
ومما اخترته من الأبيات العامرة، للمعمار -رحمه الله- قوله:
إن قام يتلو سورة الشمـ ... ـس المنيرة في ضحاها
__________
1 تسبي: تفتن وتأسر، والطاسة وعاء صغير مجوف ومستدير.
2 قَمَرَ: غَلَبَ.
3 العذيب وبارق: مكانان في الصحراء.
4 باذهنج: لم نعثر على هذه اللفظة في ما بين أيدينا ونظنه من الأسماء التي تدل على نوع من النبات.
(2/179)

يا حسنه فكأنه الـ
ـقمر المنير إذا تلاها1 "ى"
ونقلت من تذكرة الشيخ عز الدين الموصلي، بخطه، بيتين للمعمار وذكر أنهما خارجان عن الديوان، وهما من اللطائف في هذا الباب.
لما تبدى عذار الحب قلت له ... رفقًا ومهلًا عليه أيها الجاني
ولا تخشن فما في الخد محتمل ... بان يخط عليه عرق ريحان2
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
وخادم قبلت مشروطه ... في خده لكن رأيت العجب
من ناعم حلو فناديته ... ما أنت يا مشروط إلا رطب3
وقوله:
تملك قلبي خادم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد
أقول لصحبي حين يرنو بلحظه ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي
وقوله:
لثمت عذار محبوبي الشرابي ... فقال تركت لثم الخد عجبًا
حفظت الأنيسون كما سمعنا ... ورحت تضيع الورد المربى4
وقوله:
صاد فؤادي من بني العرب فتى ... له من الحسن اتصال ونسب
فصحت في الحي وقلبي طائر ... يا عربًا أهل ذمام وحسب
عساكم أن تنشدوا حشاشة ... في حبكم ضلت وراحت يا عرب5
وقوله:
رحلوا عريب المنحنى ... وفراقهم ما كان أصعب
أملتهم أن يرجعوا ... والموت لي من ذاك أقرب
جئت الحمى لأرى الخيا ... م فلم يلح في الحي مضرب6
ومنه قوله وأجاد:
كلفي بطباخ تنوع حسنه ... ومزاجه للعاشقين يوافق
لكن مخافي من جفاه وكم غدت ... منه قلوب في الصدور خوافق
__________
1 تلاها "هى" الأولى بمعنى: قرأها والثانية، بمعنى اللهو.
2 البان: شجر طيب الرائحة. الريحان: كل نبات طيب الرائحة.
3 المشروط: المتأنق في عمله.
4 الأنيسون: اليانسون، نبات عشبي ذو رائحة فواحة يستعمل في الاستطباب
5 الحشاشة: بقية الروح. ضلت أضاعت الطريق.
6 المضرب: الخيمة أو مكانها.
(2/180)

ومنه قوله:
رب جزار هواه ... صار لي لحمًا ودما
فزت بالألية منه ... وامتلا قلبي شحما1
وقوله:
حاكمت في شرع الهوى قاتلي ... ولي دم طل على خده
فاتهم الحاكم لحظًا له ... تحقق الفتنة من عنده
مال إلى الحق فلما رأى ... قد حبيبي مال مع قده
وقوله:
أصاب قلبي خطائي ... بلحظه لشقائي
فرحت من فرط دائي ... أشكو إلى الحكماء
قالوا أصبت بعين ... فقلت من علم دائي
إن كان هذا صوابًا ... فتلك عين الخطائي
ومن لطائفه قوله:
رحت يوم الفراق أجري دموعي ... حسرة إذ قضى الزمان ببيني2
قيل كم ذا تجري دموعك تعمى ... أوقف الدمع قلت من بعد عيني
ومن لطائفه قوله:
شكوت للحب منتهى حربي ... وما ألاقيه من ضنى جسدي3
قال تداوى بريقتي سحرًا ... فقلت يا بردها على كبدي
ومن لطائفه قوله:
قلت له لما وفى موعدي ... مختفيًا من حاسد معتدي
رب كما فرحتني بالوفا ... أسبل عليّ الستر يا سيدي4
وقوله:
وبي غضبان لا يرضيه إلا ... دموع ساكبات مستمره
فما عطفت معاطفه بوصل ... وفي عيني بعد الهجر قطره
__________
1 الألية: ذنب الغنم أو العجيزة وما ركبها من شحم ولحم.
2 البين: الفراق.
3 حربي: غضبي الشديد. الضنى: الضعف والمرض.
4 أَسبل الستر: أرخاه وستر به.
(2/181)

ومن لطائفه قوله:
لو أنصفت لإشارات بالسلام على ... متيم ما قضى من وصلها وطره1
بأصبع إنما عضت أناملها ... حتى ولا واحد يصفو من العشره
ومثله قوله:
لو رأى دور ثغره ... عاذلي في التبسم
ذهبت روحه كما ... قيل في دور درهم
وقوله:
في خد من أحببته ... ورد بدا لم أجنه
وشامة ذقت لها ... حلاوة في صحنه2
ومن لطائف قوله مع التضمين:
عزمت على رقيا محاسن وجهه ... بأنوار آيات الضحى حين أقبلا3
فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أولا
ومن بديع مديحه قوله:
لابن فضل الله فضل ... غمر الفضل ووفى
كيف لا وهو عليّ ... علم السر وأخفى
وقوله:
أيا بدر المحاسن حزت جودًا ... وفضلًا شاع بين العالمينا
وكنت من الكرام فحزت حظًّا ... فصرت من الكرام الكاتبينا
وقوله:
قسمًا بما أوليت من إحسانه ... وجميله ما عشت طول زماني
ورأيت من يثني على عليائه ... بالجود إلا كنت أول ثان4
ومن أغراضه قوله:
ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنون مشرقًا أو مغربا
هذا وإن كنتم على سفر به ... فتيمموا منه صعيدًا طيبا5
__________
1 الوطر: الحاجة والأرب.
2 الشامة: الخال بقعة سوداء تظهر على الجلد وتكون عادة على الخد. صحنه: أي صحن خده وصحن الخد صفحته.
3 الرقيا: التداوي بالرقى وهي التعاويذ والطلاسم.
4 ثانٍ: الذي يثني، المادح.
5 هذا البيت عبارة عن آياتين قرآنيتين تصرف بهما الشاعر، وتيمموا: اقصدوا. الصعيد: الأرض والتراب.
(2/182)

وقوله:
جاء الرخاء وفاض النيل وانفرجت ... عنا الهموم وهان القمح ثم رمى
وراح خزانه للنيل ينظره ... فاستكثر الماء في عينيه ثم عمى
وقوله:
حزن الخزان لما أن رأى ... نيلنا قد عم سهلًا وجبل
ورأى الأرض لنا قد أخرجت ... سنبلات ذات حب فاختبل1
وبكى إذ رمدت أعينه ... زادها الله عروقًا وسبل2
وقوله:
سمعت يومًا سد مصر يقو ... ل النيل وافى زائدًا عندي
وكان هذا خبرًا صادقًا ... فرحت أرويه عن السدي3
وقوله:
لائمي في الشباب دع عنك لومي ... لست ممن تروعه بالعتاب
أيها الشيخ هات بالله قل لي ... أي عيش يحلو بغير الشباب
وقوله:
وشادن ليس له شارب ... ولا عذار بل له طره4
كفايتي من ريقه شربة ... واحسرتي منه على جره
ومن لطائف مجونه قوله:
شهر الصيام تولى ... فراقه يوم عيد
فقيل شيع بست ... فقلت أيضًا وسيدي5
وقوله:
قلت هلال الصيام ليس يرى ... فلا تصوموا وارضوا بقول ثقه
فغالطوني وحققوا ورجوا ... وكل هذا من قوة الحدقه6
وقوله:
أيري مع المرد خاب متجره ... مذ عاملوه معثر النصبه
فضيعوا رأس مال حاصله ... إذ كسروه وقام بالثقبه
__________
1 اختبل: جن واختلط عقله.
2 عروق العين: مرض يصيبها فلا تقوى على النظر "الظفر". والسبل: العمى والغشاوة.
3 السدي: أحد رواة الحديث.
4 الشادن: الغزال تشبه به الفتاة. العذار: جانب اللحية أو معظمها. الطرة: الطغراء وهي الشعر الذي يجمع ويرفعه صاحبه فوق جبهته.
5 الست: العدد المعروف والسيدة من النساء.
6 الحدقه: دائرة العين التي يرى بواسطتها.
(2/183)

وقوله:
أيري إذا ندبته ... لحاجة تختص بي
قام لها بنفسه ... ما هو إلا عصبي
وقوله:
تأخرت لعذرها ... قلت لها تقدمي
أيري هذا عصبي ... يدخل معك في الدم
وقوله:
لي أيري فيه كبر وجفاء ... وهو مني يا لقومي وإلَيّ
كلما أغضبني أرضيته ... وإذا أرضيته قام عليّ
وقوله:
أيري مغري باللواط الذي ... يقبح لا سيما على مثله
أوقف حالي لا تسلى ما جرى ... وصرت خلف الناس من أجله
وقوله:
وبخت أيري إذ جاء ملتثمًا ... بذاك من غفلة فما اكترثا
بل قال لي حين لمته قسمًا ... ما جزت حمام قعره عبثًا
كيف وفيها طهرتي وبها ... أقلب ماء وأرفع الحدثا
وقوله:
يا ليلة قضيتها ... فهل تراها عائده
عمود أيري قائم ... وهي عليه قاعده
وقوله:
وصغيرة كلفتها ... أيري فقالت ويك باعد
ما خلت يحمل ذا العمود ... من النسا إلا القواعد
ومثله:
صغير نام على وجهه ... وقال حكك قلت لا فائده
قم أدخل العمود يا سيدي ... فقال لا تنخرم القاعده
وقوله:
عميرة قام يبتغي نكدي ... جلدته ثم قلت يا ولدي
ها أنت في قبضتي تطاوعني ... وإن عصاني خصاه تحت يدي
وقوله:
وقحبة ذات حر يابس ... يحمل كالسندان رصعي الشديد
تقول قم طرّقه لي لا تنم ... فقلت ما لي زبرة من حديد
وقوله:
أطعمت أيري كي ينام ... وقلت قرّ فما استقر
بل قام يسعى قائلًا ... أنا من إذا طعم انتشر
وقوله:
قد ذبت من كربي لفقد النسا ... أفور كالتنور من ناريه
وقد طغى الماء فمن لي بأن ... أحمل بالجود على جاريه
(2/184)

وقوله:
لو رأى فقحة حبي عاذلي ... وهي تجلي في ثياب سندسيه1
لغدا العاذل فيها عاذرًا ... وتفاصلنا على بيضا نقيه
وقوله:
سألت وصال حبي قال دعني ... فإنك في افتقار لا تجاب
فقلت له حبيب القلب أدعى ... بذي فقر وفي وسطي نصاب
وقوله:
وصاحب أنزل بي صفعة ... غضبت إذ ضيع لي حرمتي2
فقال في ظهرك جاءت يدي ... فقلت لا والعهد في رقبتي
وقوله:
سألته في صفعة قال لي ... جناية الصفعة ما منه بد
صاع من التمر أحلى به ... قلت له أعطيك صاعًا ومد
وقوله:
لج العذول ولامني ... فيمن أحب وعنفا
فهممت ألطم رأسه ... لما بليت تأسفا
لكنني زلقت يدي ... وقعت على أصل القفا3
وقوله:
جئت لخل يلاطف الجرحى ... قلت له يا أخا الرضا صف لي
في عنقي دمل به ورم ... قال تداو بمرهم الخل
وقوله:
قالوا عشقت الشباب جهلًا ... فعلك هذا هو القبيح
فقلت قد قيل كل شيء ... يأتي على وجهه مليح
وقوله:
بدا بخد الحبيب شعر ... وسفله يا أخي سالم
فكان كالخوخ إذ ينادي ... عليه ذا مشعر وناعم
وقوله:
ومماجن يهوى الصفاع ... ولم يكن إذ ذاك فني4
سلمته عنقي الدقيق ... فراح ينخله بغبن5
ما إن أذنت له رضا ... لكنه من خلف أذني
لولا يد سبقت له ... لأمرته بالكف عني
__________
1 الفقحة: الزهرة أيًا كان لونها. السندس: نسيج الديباج أو الحرير.
2 الصفعة: ضرب القفا.
3 زلق: غلط وأخطأ المقصد.
4 المماجن: الذي يمارس المجون. الصفاع: ضرب القفا.
5 نخل: هز ليتبين جودته أو رداءته. الغبن: الخفية.
(2/185)

ومثله قوله:
ومازحة تهوى المجون ولم تزل ... تباسطني لطفًا بطيب مجونها
تقول وقد تاهت بلين قوامها ... وقلبي مفتون بسحر عيونها
بعيشك هب لي صفعة ثم أقسمت ... على صبها المضني بنور جبينها
فلما جرى منها اليمين وأكدت ... مددت قفاي فسحة ليمينها
ومن عجائبه وغرائبه قوله:
جاءت بخدين كاللجين ... فقلت ماذا سوى لحيني1
ذات حر واسع عميق ... كأنه ترعة اللبيني
عليه شعر لو نسجته ... لجاء مسحمًا لراهبين2
تقول لم لا تجر ألفًا ... أجبتها باسط اليدين
إن كان قصدي عليه جرًّا ... غرقت فيه بجرتين
ومنه قوله:
وإن من الخدام من ليس ترتجي ... مكارمه فالبعد عنه غنائم
ولا تك ممن يتهمهم بحشمة ... فليس لهم بين الرجال محاشم3
وقوله:
فلان والجماعة عارفوه ... وإن أبدى التنسك والزهاده
يموت على الشهادة وهو حي ... إلهي لا تمته على الشهادة
وقوله:
لما جلوا لي عروسًا لست أطلبها ... قالوا ليهنك هذا العرس والزينه4
فقلت لما رأيت النهد منتفشًا ... رمانة كتبت يا ليتها تينه
وقوله:
أبيت من الإفلاس والفقر طاويًا ... لقد زهدوني العشق قهرًا وسلوني5
وقالوا تحب البيض والسمر قلت لا ... أحب من الألوان قمحية اللون
__________
1 اللجين: الفضة. الحين: الموت.
2 المسح: يجمع على مسوح وهي ثياب خاصة برجال الدين.
3 الحشمة: الغضب والأذى.
4 جلا العروس: زفها إلى عريسها، والجلوة من أعمال العرس وكانت تتم بأن تقوم إحدى النساء بالغناء للعروس بأغانٍ معروفة بينما تقوم العروس بالدوران مادة يديها وفي كل دورة يدفع لها العريس بعض المال حتى تتم عددًا معينًا من الدورات.
5 طاوي: جائع، خاوي البطن.
(2/186)

ووله في المواليا:
طرفي لمح حسن رابس قرحوا تقريح ... أوسق بصدي وسمى الهجر بالتصريح1
قذف لعرضي وخلاني من التبريح ... دمعي انحدر والعواذل تقذفوا في الريح2
وقوله:
مزحت يومًا مع الحب الرشيق القد ... وقلت آهي على قبلة بصحن الخد
فسل سيفه من الحاظو لقتلي حد ... قلت انتهى الأمر يا حبي إلى ذا الحد
وقوله:
رمى أصاب صميم القلب زين الزين ... وأصبحت مضنى قلق أخشى حلول الحين3
وكنت لم أشك قبل الخل وشك البين ... سالم من العشق حتى صابني بالعين
وقوله:
يقل لها زوجها لا تختشي من لوم ... ولا ففي كل من في الأرض وأنا الكوم
واتبنى واطعميني ابق من ذا اليوم ... انعس وأرقد مثل ومثلي لا يرى في النوم
وقوله:
قلت لمن تركتني بالجفا ناحل ... وصلك بكم وارحمي ذا العاشق الناحل
قالت بميتين جمل قلت لها أنا راحل ... ما لي جمال ولكن نخل في الساحل
وقوله:
قالت لي أخبر وروي قلبي الظامي ... وأصدقني أعطيك ما خلفي وقدامي
عهدي بأيرك رقيق خرط لاقلامي ... وقد نما قلت أيري لم يزل نامي
وقوله:
قالوا توق الشتا كم قد صرع أعيان ... يصدمك تعمى وذا شي يعرفوا العميان
انهض تحلل ودع لعبك مع الصبيان ... قلت يجي إنني لو منحني عريان
ومن لطائف العلامة الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي -رحمه الله تعالى- في باب التورية قوله:
من هجر سلمى ما سلمت ومن ترى ... يقوى لحمل الشوق والهجران
لا تغترر يومًا بحلو رضابها ... فلقد بدا من قدها مران6
وقوله:
وشادن ظلت غصون الربا ... لما رأته مقبلًا ساجده
سألته من ريقه شربة ... فقال ذي مسألة بارده
__________
1 رابس: حامض كناية عن صعوبة الوصول إليه. أوسق: عارض.
2 القذف: اتهام الإنسان في عرضه. التبريح: الشوق
3 الحين: الموت.
4 الرضاب: الريق. المران: الرماح الصلبة اللدنة، وبزيادة الياء منسوب إليها.
(2/187)

وقوله:
ثنى غصنًا ومد عليه فرعًا ... كحظي حين أطلب منه وصلا
وأسبله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا
وقوله:
ركبت في بحر هواكم مركبا ... قذفت فيه بيد التبريح
فانحدرت مدامعي وأقبلت ... عواذلي وأقلعت في الريح
وقوله:
هجرت فأحشائي توقد جمرها ... هذا وليست في المحبة فاتره
وتظل تحرقني بنيران الجفا ... ومن الذي يقوى لنار الهاجره1
وقوله:
قد أودعوا القلب لما ودعوا حرقا ... فظل في الليل مثل النجم حيرانا
راودته يستعير الصبر بعدهم ... فقال إني استعرت اليوم نيرانا2
وقوله:
يقول عذولي للدموع وقد جرت ... على إثر محبوب برى مهجتي بريا
تأنى فقد لاح العذار بخده ... فقالت له والله قد زدتني جريا3
وقوله:
قد زاد في التفنيد لي عاذلي ... على هوى من لم أطق بينها4
حتى بدا من لحظها صارم ... ففر لما أن رأى عينها5
وقوله:
لا تنكروا أني تركت معذرًا ... أضنى الفؤاد بلوعة التبريح6
لما بدا شعر بصفحة خده ... قابلت ذاك الشعر بالتسريح
وقوله:
عارضني العذال في عارض ... قالوا له بلطف بعدما أطنبوا
ما آن للعارض أن ينتهي ... قلت ولا للشيب لا تتعبوا
وقوله:
قاس الورى وجه حبيبي بالقمر ... لجامع بينهما وهو الخفر7
قلت القياس باطل بفرقه ... وبعد ذا عندي في الوجه نظر
__________
1 الهاجرة: وقت اشتداد الحر من النهار وهو وسطه.
2 راود: حاول الخداع.
3 الجري: الركض.
4 التفنيد: التكذيب. البين: الفراق.
5 الصارم: السيف.
6 أضنى: أتعب. التبريح: شدة الشوق.
7 الخفر: الحياء.
(2/188)

وقوله:
لما ثنى العطف ثنى مهجتي ... إليه ظبي في الهوى شارد
ناديت إذ صرنا بلا ثالث ... يا ثاني العطف عسى واحد
وقوله:
قال العذول عندما ... شاهدني في شغلي
بمن فتنت في الورى ... فقلت دعني بعلي
وقوله:
يا باخلين بالسلام جهدهم ... من ذا رأيتم له شح يومًا بالكلام1
لا تمنعوا عني السلام سادتي ... فأنتم قصد المعنى والسلام
وقوله:
يا مليحًا رووا لنا عنه حسنًا ... وقبيح إن لم يكن تم حسنا2
طبت لفظًا مع الرواة ولكن ... ينبغي أن تكون في الدهر معنا
وقوله:
أميل إليه كي يميل فينثني ... ويعرض أبصرت القضيب إذا انثنى
ويطرحني عن باله لا يعدني ... فيلبسني من طرحه حلة الضنى
وقوله:
وليلة مرت لنا حلوة ... إن رمت تشبيهًا بها عبتها
بت مع المعشوق في روضة ... ونلت من خرطومه المشتهى
وقوله:
لست أنسى رقة العيش الذي ... زاد في الرقة حتى انقطعا
فرعى الله زمانًا بالحمى ... وحماه وسقاه ورعا
وقوله:
بدا ليل العذار بخد بدر ... يفوق البدر حسنًا في الكمال
فلا تطمع عذولي في سلوي ... فعشقي لا تغيره الليالي
وقوله:
بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال
تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال
وقوله:
راحت مني روحي فهذي مهجتي ... من بعد ذا وجدًا بها قد طاحت3
فاترك ملامك يا عذول فإنما ... هي مهجة رحلت على من راحت
وقوله في القاضي علاء الدين بن فضل الله:
لقد أعطى علاء الدين ما لم ... توف بشكره المداح طرا
__________
1 الشح: البخل.
2 هذا البيت هكذا ورد في الأصل يرفع قبيح. والتقدير: وقبيح هو إن لم يكن تم حسنًا، والله أعلم.
3 طاحت: هلكت.
(2/189)

نحا نحو الكرام إلَيَّ حتى ... دخلت مبردًا وخرجت فرًّا
وقوله في القاضي تقي الدين بن صالح مع بديع التضمين:
بجود تقي الدين أصبح دهرنا ... رقيق الحواشي معلمًا بالمدائح1
فيا دهرنا حزت المفاخر فافتخر ... إذا نحن أثنينا عليك بصالح
ومن أغراضه قوله:
أعدى احتراق النيل أكباد الورى ... فغدت تذوب تلهبًا وتلهفا
وتزايدت نيرانها من نقصه ... فإذا به طاف البلاد وقد طفا2
ومن نكته اللطيفة، وقد أهدى له بعض الوزراء في عيد الأضحى كبشًا:
وزير الملك عيد ألف عيد ... فأنت الصاحب الخلق الجميل
لقد منيت في الأضحى بكبش ... مليّ بالغنى كاف كفيل
ومن لطائف مجونه قوله:
وناحل أضحى يصفي وقد ... حنت له راووق جريال3
سألته كأسًا أطفي بها ... نيران أحشائي فصفى لي
وقوله:
قلت لبزاز على خلوة ... واصل فتى ينسب للخرقة4
وخلني أصفق ولو صفقة ... فأنت ما تخسر في صفقتي
وقوله في العنب العاصمي:
وعاصميّ قد غدا طعمه ... أروى من الماء لدى الحائم5
أورث خلي أكله هيضة ... فاعجب له من مسهل عاصم6
__________
1 معلمًا: مشهورًا ومميزًا.
2 طفا: تمادى في ارتفاعه.
3 الراووق: وعاء الخمر. الجريال: نوع من الشراب أحمر اللون ونظنه النبيذ الأحمر.
4 البزاز: بائع الثياب. الخرقة: الحمق.
5 الحائم: الشديد العطش.
6 هيضة: الإسهال والاستفراغ "الكوليرا".
(2/190)

وقوله:
جاء نحوي معذر ... بعدما عز مطلبه
قلت ذا الأير ميت ... ظل يبكي ويندبه
وقوله:
تطلبت حجرًا في الظلام فلم أجد ... ومن يك مثلي حية دأبه الجحر
فناداني البدر الأديب إلى هنا ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر1
ومن لطائف مجونه مع الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة قوله:
يكذب من ينسب البغاء إلى ... شاعرنا المنتمي إلى حجله2
ما هو بغا كما يقال لنا ... بل هو نور يدور بالعجله3
وقوله في الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
لعلاء الدين ذقن ... تملأ الكف وتفضل
فاعمل المنخل منها ... لدقيق العيد وانخل
ومن لطائف الشيخ بدر الدين بن الصاحب في باب التورية قوله وتلطف ما شاء:
حبيب لي طبيب لم يزرني ... سوى بالطيف في ظلم الليالي
رآني ناحلًا من فرط شوقي ... فأهدى لي مزوّره الخيالي4
وقوله:
وعدتني بخيال ... يزور طرفي منامًا
فشاب رأسي انتظارًا ... وما بلغت احتلامًا5
وقوله:
يا هلالًا قد تسامى ... وله الصدغ عمامه
أشتهي لو نلت حظًّا ... منك مقدار قلامه6
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
يقبل الأرض لا زالت مقبلة ... من بعد ثغري بثغر الأرض والزهر
ويسأل الله جمع الشمل منتظمًا ... ودمعه قائل يا منزل المطر
__________
1 الشطر الثاني من هذا البيت، لأبي فراس الحمداني من قوله:
سيعرفني قومي إذا جد ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
2 البغاء: ممارسة الفجور.
3 العجلة: السرعة.
4 ناحل: ضعيف. مزوره: طيفه.
5 الاحتلام: العقل والبلوغ.
6 القلامة: قصاصة الظفر.
(2/191)

وقوله:
جفني عليك ساهر ... بحرقة قد ذقتها
ودمعتي جارية ... إن زرتني عتقتها1
وقوله في قيم حمّام:
وقيم قيم في حسن صنعته ... حاز الجمال على حسن من الترف
لو يخدم البدر أنقى البدر من كلف ... لكنه لم يزل ما بي من الكلف2
وقوله:
فتنت بنبت من عوارض خده ... فها أنا في قيد الغرام أسير
ولا كان لي بالعشق قط تعلق ... ولا بالهوى قبل العذار شعور
وقوله:
إذا جلوا لي كأسي ... بها حباب منظم3
علمت أن زماني ... بعد القطوب تبسم4
وقوله:
يا أيها العاصر بادر إلى ... عنقودك الفاخر في كرمه
إياك أن تتركه ساعة ... يزبب النحس على أمه5
وقوله:
يا حابس الكاس لا تزدها ... من بعد حبس الدنان حسره6
واغنم مزاجًا لها لطيفًا ... أورثه الانتظار صفره
وقوله:
أطربنا مشبب ... من غير جعل سأله7
يا حسن موصول له ... لم يفتقر إلى صله
ويعجبني قوله:
غنت فأغنت عن كئوس الطلا ... بالسكر من لذات تلك اللحون
فقلت إذ هيمني صوتها ... في مثل ذا الحلق تروح الذقون8
__________
1 عتقتها: حبستها.
2 الكلف: شدة العشق والكلف، النمش الذي يعلو وجه الحامل.
3 الحباب: الفقاقيع التي تعلو وجه السائل عند صبه.
4 القطوب: العبوس.
5 تزبب: صار زبيبًا. النحس: المجدب الذي لا خير فيه: وهذا من الأمثال: يزبب النحس على أمه.
6 الدنان: جمع دن وهو وعاء الخمر.
7 الجعل: الضريبة.
8 الحلق: الحلاقة.
(2/192)

يا مهدي الأقصاب من سكر ... صفرًا حكى طول القنا طولها1
إياك أن تقطعها ساعة ... فأحسن الأقصاب موصولها
وقوله:
ناحت حمام البان أم تاهت أسى ... لم أدر ما عناؤها من شوقها
عجماء لا تظهر حرفًا من شجى ... كأنها مخنوقة من طوقها
وقوله:
وذات طوق على الأغصان تذكرني ... قوم حسنك في ضمي لمعتنقك
قد سوّدت وجهها نوحًا فقلت لها ... سواد قلبي يا ورقاء في عنقك2
ويعجبني قوله:
يا ليل إن الحبيب وافى ... وخفت إسراع دهم خيلك3
فطل وغش الصباح إني ... دخلت بالليل تحت ذيلك
ومن نكته البديعة الغريبة في الشطرين قوله:
تأمل ترى الشطرنج كالدهر دولة ... نهارًا وليلًا ثم بؤسًا وأنعما
محركها باق وتفنى جميعها ... وبعد القنا تحيا وتبعث أعظما
وقوله مضمنًا:
أميل لشطرنج أهل النهى ... وأسلوه من ناقل الباطل
وكم رمت تهذيب لعابه ... وتأبى الطباع على الناقل
ومن أغراضه:
لعبت في الشطرنج في غاية ... تقصر الأوصاف عن حدها
إن صاح في الأقران لي بيدق ... تموت منه الشاة في جلدها4
ومن لطائف مجونه قوله:
شاب الحبيب فقلت أهلًا بالوفا ... وازددت فيه تعشقًا وتكلفا
والأير قام ولم يبل لمشيبه ... فالراية البيضا عليه في الوفا
__________
1 الأقصاب: جمع قصبة وهي نبات ذو ساق كالأنبوب ومنه ما هو سكري الطعم ويصنع منه السكر. القنا: الرماح.
2 النوح: البكاء. الورقاء: الحمامة المطوقة.
3 دُهم الخيل: سودها والدَّهم: المداهمة والمفاجأة.
4 البيدق: من أدوات لعبة الشطرنج "الجندي".
(2/193)

وقوله:
كم جار صرف الدهر في حكمه ... وضرَّني من حيث بي يعتني
ألبسني من شيبتي حلة ... قلت له والله عزيتني
ومن أغراضه البديعة مع حسن التضمين قوله:
لله يوم الوفا والناس قد جمعوا ... كالروض تطفوا على نهر أزاهره
وللوفاء عمود من أصابعه ... مخلق تملأ الدنيا بشائره1
وقوله:
النيل ألبس حلة ... حمراء في تخليقه
وله أصابع زينب ... قد ختمت بعقيقه
وقوله:
نادى منادي الوفاء مصرًا ... إذا علقوا سترة علامه
من الغلا قد سلمت حقًّا ... فبت في الستر والسلامه2
وقوله:
كانت لمصر سترة ... بالنيل مذ ولى خلت
كأنه زوج لها ... فبعده ترملت3
ومن أغراضه البديعة قوله:
فاخرت الأقلام سمر القنا ... والسعد في الأقسام مكتوب
فقلت للخطيّ لا تستطل ... كلاكما للخط منسوب4
وقوله:
ولائم زاد لومًا ... في أسود أشتهيه
وقال أسود تهوى ... فقلت عينك فيه
ومن لطائف أغراضه في مليح فوّال قوله:
أنا ابن الذي في الليل تسطع ناره ... كثير رماد القدر للعبء يحمل
يطوف بأقداح العواقي على الورى ... ويصبح بالخير الكثير يفوّل5
ومما اخترته من نظم الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة، وقد تقدم قولي: إنه كان يرضى بالرخيص لأجل الكثرة، قوله:
__________
1 المخلق: ذو الأخلاق الفاضلة.
2 الغلا: الغلاء وهو ارتفاع الثمن.
3 ترملت: المرأة، فقدت زوجها فصارت أرملة.
4 استطال: تكبر وتعجرف.
5 يفوّل: يملأ أو من الفأل.
(2/194)

بي من غدا ظهري عليه المنحنى ... ولحظه لحظ ظباء رامه
كم قلت من عذاره وقد بدا ... لي خطه يا كاتب السلامه
وقوله:
يقول لي الحبيب أرى عذاري ... يدب الحسن من وجهي إليه
تكلم في وظيفة حسن خدي ... وقام بنفسه يسعى إليه
وقوله:
وعاذل قد زاد في لومه ... وقال لما هاج بلبالي1
بعارض المحبوب ما تنتهي ... قلت ولا بالشيب والوالي2
وقوله:
يا سائلي عن حالتي ما حال من ... أمسى بعيد الدار فاقدًا إلفه
بي صيرفِيّ لا يرق لحالتي ... قدمت من جور الزمان وصرفه3
وقوله:
أصبحت ما بين الورى ... كالواله المصاب
من هجر ذي القبطي الذي ... ما كان في حسابي4
وقوله:
يقول جاري من بعد جور ... وقد رأى حرقتي وناري
دمعك ما شأنه ومن ذا ... عليك قد جار قلت جاري
وقوله مضمنًا:
أقول لصب قلبه يشتكي الأسى ... هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل
عذلتك في ابن السكري والذي أرى ... مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
وقوله مضمنًا:
قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج5
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عِوَج
وقوله في غلام يدعى مقبلًا:
يا من تحجب عن محب صادق ... ما زال عنه كل حين يسأل
من لي بيوم فيه تقبل باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل6
__________
1 البلبال: شدة الهم أو الحزن الشديد.
2 العارض: جانب اللحية. ولا بالشيب: أي ولا أنتهى بالمشيب وما بعده.
3 صرف الزمان: تقلّبه. والصرف من الصيرفة عملية تبديل العملات.
4 القبطي: نسبة إلى الأقباط وهم طائفة من النصارى أكثرهم في مصر.
5 البلج: الإضاءة والإشراق.
6 مقبل: آتٍ واسم الحبيب.
(2/195)

وقوله في جارية تدعى حكم الهوى:
حكم الهوى صدق فبت لأجل ذا ... ولهان من فرط الصبابة والجوى
يا عاذلي لا تلحني في حبها ... نفذ القضا وكذا جرى حكم الهوى1
ورأيت غالب مقطعات الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة، في الباذهنج والفانوس، ولكن نختار منها ما يحسن نظمه في هذا السلك، فمن ذلك قوله في فانوس مع حسن التضمين:
وكأنما الفانوس نجم نير ... منع الظلام من الهجوم طلوعه
أو عاشق أجرى الدموع بحرقة ... من حر نار تحتويه ضلوعه
وتقدمه فيه مجير الدين بن تميم، فقال وأحسن التضمين:
انظر إلى الفانوس تلق متيمًا ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهب قلبه بدموعه ... وتعد من تحت القميص ضلوعه
وقال فيه ابن أبي حجلة وأجاد مع حسن التضمين:
يحكي سنا الفانوس من بعد لنا ... برقًا تألق موهنًا لمعانه2
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه
ويعجبني قوله مع حسن التضمين:
أنا في الدجى ألقى الهوى وبمهجتي ... حرق يذوب لها الفؤاد جميعه
فكأنني في الليل صب مدنف ... كتم الهوى فوشت عليه دموعه3
ويعجبني أيضًا هنا قول مجير الدين بن تميم:
أبدى اعتذارًا لنا الفانوس حين بدا ... في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرمًا ما بين أضلعه ... نار الجوى فغدا بالثوب يسترها4
ومن نظم الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في الباذهنج قوله مع حسن التضمين:
__________
1 لحا: لام.
2 الموهن: قريب من منتصف الليل أو بعده بقليل.
3 الصب: العاشق. المدنف: المريض بالعشق. وشى: دَلَّ ونَمَّ.
4 مضرمًا: ملتهبًا. الجوى: الشوق والصبابة.
(2/196)

وباذهنج غدا في الجو منظره ... من فوق مخبره يبدو على سنن
فانظر فديتك يا محبوب رفعته ... واستنشق الريح من تلقاه يا سكني
وقوله:
يا باذهنجي كم كذا ... تعلو على بان الحمى
أبديت حمقًا زائدًا ... ورفعت رأسك للسما
وألطف منه قوله مع حسن التضمين:
يا باذهنجي لا برحت من الهوى ... مثلي على حب الديار مولها
داري بحبك لم تزل مشغوفة ... خلعت هواك كما خلعت هوى لها
وقوله مضمنًا:
هجا الشعراء جهلًا باذهنجي ... لأن نسيمه أبدًا عليل
فقال الباذهنج وقد هجوه ... إذا صح الهوى دعهم يقولوا
ومن نكته الغريبة في باب التورية قوله، وكتب به إلى ابن الزين المعروف بلبيكم:
يا شاعرًا قد حاز حسن بديهة ... وتطيعه درر النجوم إذا نظم
وتجيبه قبل السؤال لقصده ... وتقول يابن الزين لبيكم نعم1
وقوله وقد قدم الشيخ جمال الدين إلى الشام:
يا معشر الأدبا غدا تشبيبكم ... ومديحكم فيما يروق ويعذب2
وافاكم ابن نباتة فتفقهوا ... أقواله بسكينة وتأدَّبوا
وقوله من أبيات:
ومتى امتطيت من الكئوس كميتها ... أمسيت تمشي في المسرة راكبا3
ومتى طرقت عشى آنس ديرها ... لم تلق إلا راغبًا أو راهبا
وممن قنص شوارد التورية بحبائل فكره الشيخ بدر الدين حسن الزغاري، فمن ذلك قوله:
__________
1 لبيكم: لقب المذكور ومعناها سرعة الاستجابة للطلب.
2 التشبيب: التغزل.
3 الكميت: الحمراء التي يميل لونها إلى السواد. المسرة: السرور.
(2/197)

قالت وقد أنكرت سقامي ... لم أرد ذا السقا يوم بينك1
لكن أصابتك عين غيري ... فقلت لا عين بعد عينك
وقوله:
حبست الدّمع ثم جعلت جفني ... سياجًا ما له قط انفراج
فما زلتم بجوركم إلى أن ... تجرى الدمع وانخرق السياج
وقوله:
قيل لي إذ رأيت أقمار تَمّ ... عن بدور السماء للطرف تلهي
أي وجه أضناك قلت دعوني ... فسقامي قد صح من كل وجه
وقوله:
سل لحتفي كالحسام الصقيل ... لحظًا حديدًا تحت جفن كليل2
ثقيل ردف قادني في دجى ... شعره عنقود وليل طويل
وقوله أيضًا:
أفدية في الألكن يرمي دائمًا ... وسواد قلب الصب من أغراضه3
أطلقت لحظي نحوه فأجابني ... سهم وما عاينت كشف بياضه
وقوله مضمنًا، وأجاد:
يقول العاذلون نرى رمادًا ... على خديه من شعر العذار
فقلت لهم صدقتهم غير أني ... أرى خلل الرماد وميض نار4
وقوله:
شتت بأسمر حلو اللمى ... لسلوانه السب لم يستطع5
يقطع قلبي وما رق لي ... ودمعي يرق وما ينقطع
ومنه قوله في مليح بيده قوس حلقه:
وبدا العشية أغيد في كفه ... قوس كنانتها سهام جفونه6
فسألته البقيا على عشاقه ... فنفوسهم مطوية بيمينه
__________
1 السقام: المرض والضعف. البين: الفراق.
2 الحسام: السيف. الصقيل: المسنون القاطع. حديد: شديد الإبصار. الكليل: الذي لا حدّ له فلا يقطع.
3 الألكن: الذي يصعب عليه الإفصاح بالعربية لكنه في لسانه أي عجمة.
4 الوميض: اللمعان.
5 اللمى: سمرة في الشفاه من عناصر الجمال.
6 الكنانة: الجعبة التي تحوي السهام.
(2/198)

وقوله:
وافى كتابك يا خليلي بعدما ... حكمت علي بعدك الأيام
لكن أرى نار اشتياقي لم تكن ... بردًا عليَّ وفيه منك سلام
ومن نكته الغريبة قوله:
أما ترى النهر كالحسام غدا ... ينسل بين الغصون والورق
وليس في الجري مثل صارمه ... يشق نحوي مفارق الطرق
ومن غاياته البديعة في هذا الباب قوله:
سرت من بعيد الدار لي نفحة الصبا ... وقد أصبحت حسري من السير ظالعه1
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعب أنفاسها متتابعه2
ومن لطائفه قوله:
أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرواق لما انسكبت3
لم تزل البطة في قهقهة ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت4
ومثله قوله وزاد لطفًا بزيادة نكتة أخرى:
يا من يلوم في التصابي خلني ... فأذني عن الملام قد نبت5
تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطة حتى انقلبت
وتلاعب بهذا المعنى وقال:
أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب
ولم أنل مما أضعته سوى ... تصفية الكاسات في شواربي
ومن مجونه قوله:
يا صاحبًا ما زال من أنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي6
قد قطعت فرجيتي حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي7
__________
1 حسرى: كاشفة. ظالعة: متهمة.
2 الجيب: موضع وضع القلادة من العنق.
3 الرواق: هكذا وردت في الأصل ونظنها الراووق وهو وعاء الخمر.
4 البطة: الباطية وهي وعاء للخمر.
5 نبا: أخطأ ولم يصب.
6 رفى: يرفي ويرفو: رقع.
7 الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام يلبسه رجال الدين عادة "محدثة".
(2/199)

وممن أتى في دقيق التورية بخاص الخاص الشيخ يحيى الخباز الحموي، فمن ذلك قوله:
قال عذولي والقوم قد رحلوا ... وقصده في مقاله حيني
أطلق دموعًا ما زلت تحبسها ... وطلق النوم قلت من عيني1
وقوله:
لم أنس طيفًا زارني وانثنى ... عني وقلبي بعده يخفق
وما كفى حتى دموعي غدت ... من خلفه تجري وما تلحق
وقوله مضمنًا:
لئن وعدت بالوصل سلمى وأخلفت ... فسلها عسى العذر المبين يقوم2
ولا تبدها باللوم قبل سؤالها ... لعل لها عذرًا وأنت تلوم
وقوله:
لقد تعشقت فتى سائبًا ... يبدل الحاضر بالغايب
مدحته جهدي فلم يرتبط ... وراح كل المدح في السائب
وقوله:
تعذر من أهواه واسودّ وجهه ... ورام وصالي بعدما لم يكن خلقي3
وقال حكى صدغي نباتًا أجبته ... صدقت لهذا عاد يصلح للحلق4
ومن لطائف نكته في هذا الباب قوله:
قلت لمن ينتف أصداغه ... لا تكره الريحان حول الشقيق
وأعتق شعور الذقن من نتفها ... فإنني شيخ أحب العتيق
ومن لطائف نكته في هذا الباب قوله:
أصبحت في العالم أعجوبة ... عند ذوي الألباب والفهم
جدي حموي فاسمعوا واعجبوا ... وما كفى حتى أبي أمي
__________
1 من عيني: كناية عن الاستجابة للطلب.
2 أخلف الوعد: نكثه ولم يف به.
3 رام: طلب وأراد. خلقي: جدير بي.
4 الحلق: الحلاقة. الصدغ: الشعر بين العين والأذن حكى: شابه.
(2/200)

ومن لطائفه قوله:
عاطنيها من عهد كسرى سلافًا ... تتقد في الكئوس كالنيران1
وابن ماء السماء زوجه راحًا ... أذكرتنا شقائق النعمان
ومن رقيق أغزاله قوله:
لضعف أجفان حبي ... بالفتك فينا عتوّه2
فيا لها من جفون ... تزداد بالضعف قوّة
ومن مجونه قوله:
كسبت مملوكًا ومن لطفه ... يسير باللطف على سيري
سميته خيرًا وإن يدخل ... الأير يكن خيرًا على خير
ومن مماجناته مع الشيخ حسن الزغاري المذكور قوله:
حسن الزغاري أحمق ... يا بئس من يوافقه
خنقته هجوًا وما ... للكلب إلا خانقه
ومثله قوله فيه:
نبح الزغاري عند نظم موشح ... وكمال نظمي بالسفاهة نقصا
فضربته بعصا الهجا لما عوى ... فأصبت مصرعه ولم تضع العصا
وقوله فيه:
قل للزغاري الذي من جهله ... أمسى بأقوال الأكابر هازي
هذا ابن قرصة قد سمعت هجاءه ... من ذا يجيرك من يد الخباز
ومن لطائف الشيخ شهاب الدين الحاجبي -تغمده الله برحمته- في باب التورية، ولم أظفر له إلا بما قل من مقاطيعه، مع أني كثير الفحص عنها، فإنه ما يجاري في انسجامه وسهولته ورقته ولطيف تركيبه في هذا الباب، قوله:
لها عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت
وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلت وحاكت
__________
1 عاطاه: الخمرة: شربها معه.
2 العتوّ: القوة والشدة والهياج.
(2/201)

وقوله:
وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجح1
قالوا وصف جبينه ... فقلت ذاك واضح2
وقوله:
عودوا لصب بكى عليكم ... يا جيرة ودّعوا وساروا
فدمع عينيه عاد بحرًا ... وقلبه ما له قرار
وقوله:
لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوّعت ... نشرًا فيا لله ما أذكاها3
ووقفت له على قصيدة لامية امتدح بها الملك الأفضل صاحب حماة، كلها غرر في باب التورية، مطلعها:
عما جرى من أدمعي لا تسألوا ... فمدامعي أخبارها تتسلسل
وما أحلى ما قال بعد المطلع:
وخذوا حديثًا قد ألم بمهجتي ... وازداد حتى أهملته العذل
منها:
ثاني المعاطف كنت أول عاشق ... في حبه ولكل ثانٍ أول4
يرنو فيحلو للمتيم لحظه ... إذ ذاك لحظ بالنعاس معسل5
وتميل منه شمائل لم أدر من ... مشمولة أو حركتها الشمأل6
متلون الأوصاف سيف لحاظه ... ماضٍ ولكن هجره مستقبل
منها قوله، وأظنه سبق ابن نباتة إلى معناه، وهو:
__________
1 الردف: الكفل والعجيزة. الراجح: الثقيل.
2 واضح: بين ظاهر، وواضح الجبين: عريضه.
3 تضوع: فاح. النشر: الرائحة الطيبة.
4 ثاني: طاوي من ثنى يثني.
5 يرنو: ينظر بعطف. المتيم: العاشق. المعسّل: ذو النوم الخفيف.
6 المشمولة: الخمرة الباردة. الشمأل: الريح الشمالية.
(2/202)

أيجود لي دهر بطيف خياله ... وأظنه برجوع ذلك يبخل
أم كيف يأتي الطيف جفنًا بابه ... بالفتح من أرق الصبابة مقفل1
وقول الشيخ جمال الدين:
وأقسم لو جاد الخيال بزورة ... لصادف باب الجفن بالفتح مقفلا
ومن قصيدة الحاجبي قوله:
يا ساكنين السفح كيف حجبتم ... عن ناظري البدر الذي لا يأفل2
وفعلتم بي ما يسر عواذلي ... ما شئتم يا أهل بدر فافعلوا
لا تحجبوا بيني وبين غزالكم ... فعلى حجاز الصد ماء لي محمل
ومنها وهو المرقص والمطرب قوله:
يا صاح عللني بكأس مدامة ... عن ذكره إن المحب يعلل3
صهباء إن جن الفتى بخمارها ... فهي الشفاء وفي شذاها المندل4
ومن لطائفه في هذا الباب قوله:
لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح
ذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت فيه بحبيب وراح5
تالله لقد عز علي أن تتحجب عن عرائس الحاجبي في خدور الأوراق، فإني لم أظفر من منهله العذب بغير هذه النهلة، ومن عروبة الشيخ زين الدين بن العجمي في باب التورية، قوله:
سهل الخدود عزيز وصل من يرم ... يومًا جنى وجناته لم يستطع
كم رمت لثم الخد منه فقال لي ... لا تطمعن فكل سهل ممتنع
__________
1 الأرق: عدم استطاعة النوم. الصبابة: الشوق.
2 أفل النجم: غاب.
3 علل: منّى النفس. المدامة: الخمرة أديمت في الدنان.
4 الصهباء: الخمرة. الخمار: غطاء الوجه للفتاة أو السكر. الشذا: الرائحة. المندل: العود الطيب الرائحة، وضرب من الكهانة.
5 الراح: الخمرة.
(2/203)

وقوله:
حبي يمين في يمين الهوى ... فلا تشق منه بزور المقال
كم قال ما ملت وولى وكم ... قد سلب العشاق روحًا ومال
وقوله:
وافى وفي كميه ورد أحمر ... حيا به مذ شب تجت لثامه
فرشفت حلو الراح من خرطومه ... وجنيت ورد الخد من أكمامه
وقوله:
أنظر إلى الغدران كيف تجعدت ... أمواجها فزهت وراقت منظرا
وحكت سطورًا في طروس خطها ... قلم النسيم بلطفه لما انبرى
ومن نكت مدائحه البديعة قوله في القاضي شهاب الدين بن فضل الله، رحمه الله تعالى:
يا عمري الأصل أنت مالكي ... ونافعي بجوده دون البشر
لذا رفعت سندي في حكمكم ... لنافع لمالك لابن عمر1
وقال وقد أهدى له حلاوة سكب:
لفضلك يا قاضي القضاة مزية ... على السحب لا تخفى على من له لب2
فأول جود الغيث قطر مبدّد ... وغيث نداك الجم أوله سكب3
ويعجبني من زهدياته قوله:
عن طريق الذنوب قيدت خطوي ... خيفة من عقاب عقبى التجري4
وإذا لاح نهج بر تراني ... فيه أمشي أبغي ثوابي وأجري
وقد عنّ لي أن أورد هنا نبذة له من المواليا، فإنه كان فارس ميدانها وقائد عنانها، فمن ذلك قوله:
للحب قالوا معناك الذي إذ بلتو ... جدلو بقبله فعقلو فيك خبلتو
فقال أقسم لو أن البوس سبلتو ... ومات للشرق ما درتو وقبلتو
__________
1 نافع ومالك بن أنس وعبد الله بن عمر: من رواة الحديث.
2 اللب: العقل.
3 الغيث: المطر والمساعدة. الندى: العطاء.
4 التجري: اتخاذ الجواري.
(2/204)

ومن مخترعات معانيه قوله فيها:
حشيش عارضك الأخضر بدا في هدو ... في روض وجنتك يحدو للصبابه حدو
والوهم ما ضر خدك يا رخيم الشدو ... إلا لأن حشيشو قد طلع في بدو
وقوله:
شدوا المحامل فصرت ساعة التحميل ... ملهوف لا حمل يعنيني ولا تحميل
والعين قد حلفت يا بدر في التكميل ... لا تكتحل بالكرى إن غبت عنها ميل
وقوله:
يا من على الخلق أذيال المكارم جر ... وقد سلب نوم أجفاني وعني فر
يحل لك أن قلبي يا غزير الدر ... مالو قرار ودمعي البحر وأنت البر
وممن فتح له هذا الوصيد، القاضي فتح الدين بن الشهيد -رحمه الله تعالى- فمنه قوله:
بستان حسنك أينعت ثمراته ... واهًا لغصن قوامك المياس1
في صدره رمان نهد زانه ... حليٌّ يوسوس في صدور الناس
وقوله:
أفدي التي ساقت حروب الهوى ... بحسن ساقيها لمشتاقها
جادلت عذالي على حسنها ... فقامت الحرب على ساقها
وقوله:
قال لا تخش رقيبي فلمن ... حبني في زورتي أوفى نصيب
قلت إن زرت وحانت غفلة ... فبودي وعمى عيني رقيبي
وقوله في عين بعلبك:
ولقد أتيت لبعلبك فشاقني ... عين بها روض النعيم منعم
فلأهلها من أجلها أنا مكرم ... ولأجل عين ألف عين تكرم
وقوله:
قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم
فعروس جامع جلق ما مثلها ... شتان بين عروسنا وحماتكم
__________
1 أينع الثمر: نضج. واهًا: اسم فعل بمعنى التلهف والتفجع والتعجب.
(2/205)

فأجبته في ذلك التاريخ عن ذلك بقولي:
والله إن حماة شامية شامكم ... وعروسها بمحاسن متزايده
ودمشقكم بعذارها الثلجي قد ... ولت شبيبتها وأمست بارده
ومن لطائف القاضي فتح الدين بن الشهيد، قوله وقد أحضر له عواد يسمى طائر بغا، بسفارة الحاجب توكل:
نهاري أنس كله بمنادمٍ ... على عوده يغزو الحشا بتبلبل1
وكنت أراه طائرًا عز مطلبًا ... ولكنني حصلته بتوكل
وقال وقد حضر عنده من يلعب بالقانون وأطربه:
غنى على القانون حتى غدا ... من طرب يهتز عطف الجليس2
داوى قلوبًا من عليل الأسى ... وكان فيها من هواها رسيس3
فصاحت الجلاس عجبًا به ... يا صاحب القانون أنت الرئيس
ومن نكته اللطيفة التي هو أحق بها من غيره، لكونه صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام، قوله:
كانت فتاتي لنظم بيتي ... قرينة برة أمينه
بكيتها والحمام قامت ... بالسجع في ندبها معينه
من علم الورق أنّ سجعي ... ليس يؤاتي بلا قرينه
ومن لطائفه، وقد جهز لبعض أصحابه رسالة القلب، وهي ما لا يستحيل بالانعكاس وجهز بعده قوالب سكر:
رسالة القلب بها خدمتي ... تقدمت في الزمن الذاهب
وها أنا أرسل من بعدها ... قوالب السكر في الواجب
ليعلم المخدوم أني امرؤ ... أخدمه بالقلب والقالب
وكتب على عمارة بيته قوله:
بنيت على وفق المكارم والعلا ... فللفتح أبوابي وصدري للضم
سنا الملك يبدو من موشح زينتي ... ومن أجل ذا دار الطراز على كمي
__________
1 التبلبل: الاضطراب.
2 القانون: من آلات الطرب الموسيقية. العطف: الجنب.
3 الرسيس: الأثر.
(2/206)

وكتب على الرفرف:
رفعتك ما شاء الترفه رفرفًا ... أزين سمائي بل أزين سماحي1
فلا بدع أن الناس يهوون بهجتي ... ويمشون في ظلي وتحت جناحي
وكتب على مجلس بيته:
يا من ينزه في حسني نواظره ... اسمع صفات بها قد قفت أمثالي2
أني مقام مقر عز جانبه ... ودون قدر مقامي المجلس العالي
ومن لطائف الشيخ عز الدين الموصلي، في باب التورية، قوله، رحمه الله تعالى:
يقول وقد بدا قمرًا وغصنًا ... حباه حسنه هيفًا بلين
تنشق مسك أصداغي حلالًا ... فهذا الطيب من عرق الجبين
وقوله:
كالزرد المنظوم أصداغه ... وخدّه كالورد لما ورد
بالغت في اللثم وقبلته ... في الخدّ تقبيلًا يفك الزرد
ويعجبني من نكته الغريبة قوله:
وحاجم في الكأس أجرى دمًا ... من ساق ساقينا بإشفاق3
لكنه خالف في شرطه ... وحكّم الكأس على الساق
ولعمري إنه تلطف إلى الغاية بقوله:
أعدى سقام جفونه ... جفني فأعدمني الكرى4
حتى اعتللت بسرعة ... مثل النسيم إذا سرى
ويعجبني قوله في باب التدبيج:
خضرة الصدغ والسواد من العيـ ... ـن بياض المشيب قد أورثاني
واحمرار الدموع صفر خدي ... كل ذا من تلونات الزمان
__________
1 الرفرف: الرف تجعل عليه طرائف البيت.
2 فاق: تفوق وزاد عليه.
3 الحاجم: الذي يشتغل بالحجامة وهي المداواة بكبايات الهواء أو امتصاص الدم بالمحجم.
4 أعدمني: حرمني. الكرى: النوم.
(2/207)

وقوله:
حديث عذار الحب باد وساقه ... له أوجه تبدي لقلبي اشتياقه
درى أننا نسعى إلى الحسن كلنا ... فأبدى لنا ذاك الحديث وساقه1
وقوله:
يا مقلة الحب مهلًا ... فقد أخذت بثارك
وأنت يا وجنتيه ... لا تحرقيني بنارك
وقوله:
حديث عذار الحب في خدّه جرى ... كمسك على الورد الجني مسطرا
فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرى2
وقوله:
عيني أفاضت دموعي ... من طول صد وبين
ووجنة الحب قلت ... رأيت غسلي بعين
وقوله:
عاتبت حبي على تأخره ... وقد تعنى برجة الردف3
فقال هذا الثقيل أخرني ... عن سرعتي لانقطاعه خلفي
وقوله:
لحديث نبت في العذار حلاوة ... وطلاوة هاجت بها العشاق4
فإذا تجافى المرد قلت تمهلوا ... فإليكم هذا الحديث يساق5
وقوله:
هجروك البيض لما ... نصل الصبغ فضرك6
كشف الدهر المغطى ... يا جميل الستر سترك
وقوله:
ذو حور أصابني ... بعينه لما نظر
فليس قتل صبه ... إلا كلمح بالبصر
ومن لطائف مجونه قوله:
وبي ناتف للعارضين يقول صف ... نبات عذار زان في الحسن منظري
فناديت يا حلو الشمائل ما الذي ... يقول لساني في النبات المكرر
__________
1 درى: عرف. وساقه: الحديث حدث به في سياق الكلام. والساق المتصل بالقدم.
2 الرسوم: الآثار. جرى: حدث.
3 الرجة: الاهتزاز. تعنى: تعب. الردف: المؤخرة.
4 الحديث: الجديد. الطلاوة: الرونق.
5 المرد: جمع أمرد وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته بعد.
6 نصل الصبغ: بهت وبار لونه. والصبغ الخضاب.
(2/208)

وقوله:
لما جفا المحبوب ناديته ... قابلت حبي منك بالبغض
فعندها نام على وجهه ... وقال وجهي منك في الأرض1
وكنت أظن أن هذه النكتة اختراع الشيخ عز الدين الموصلي، إلى أن وقفت على الديوان الكبير من نظم الشيخ جمال الدين بن نباتة، فوجدته قد أخذها منه بنصها، الله إلا أن يكون وقع حافر على حافر، وقول الشيخ جمال الدين في هذه النكتة:
عاتبت محبوبي وقد نكته ... بطحا فأضحى خجلًا مغضي
فقلت دربسني وخل الحيا ... فقال وجهي منك في الأرض2
ومن لطائف مجون الشيخ عز الدين قوله:
قد لقبوا بالزاغ ذا حنكة ... كواه ذا التلقيب في القلب داغ3
وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ4
وقوله في تمتع الدمشقي:
وذي أدب لطيف الذات جدًّا ... طلبت الوصل منه فما تمنع
ودب لأخذ أيري قلت من ذا ... فناداني بإشفاق تمتع
وقوله:
مذ نام أيري قال لي ... أفمه يحظى بالوصول
فقلت فيه قصر ... فقال ذا شيء يطول
وممن عاصر الشيخ عز الدين الموصلي، ومشى تحت علم التورية، علاء الدين بن أيبك الدمشقي، وكان المتعصبون على الشيخ عز الدين يناظرونه به. ولعمري إن هذه المناظرة ما صدرت ممن له نظر. فمن نكته البديعة قوله، وقد اجتمع بمليح في متنزه من متنزهات دمشق يعرف بالسلطاني:
سلطان حسن أفتديه بناظري ... وأعيذه من نظرة الشيطان
يومًا بزهر اللوز لما زارني ... قضيت ذاك اليوم بالسلطان
__________
1 وجهي منك في الأرض: كناية عن الخجل وشدته.
2 دربس: قدّم.
3 الزاغ: من أنواع الغربان قريب من الحمامة أسود اللون لا يأكل الجيف. الحنكة: الدهاء والحيلة. داغ: هذه اللفظة لم نعثر على معنى لها في ما بين أيدينا ونرجح أن تكون بمعنى ترخيمًا لداغل وهذه تقال للجرح الخفي، أو أنها تكون بمعنى الأحمق من دُغينة وهي علم على الأحمق.
4 زاغ: مال عن الحق وحاد. ويمكن أن تكون ترخيم "زاغل" وهي بمعني غاش.
(2/209)

وقوله:
أحببت من خياله وجنة ... مشرقة حمراء شبه اللهب
قالوا الشهيدية أعطافه ... فقلت والردف تليل الذهب1
وقوله:
أقول وقد ظمئت ووجه حبي ... له عرق على ورد الخدود
أرى ماء وبي ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود2
ومن لطائف مجونه قوله:
تلطف واحتمل مزح الغواني ... وإن أوجعن منك الظهر دقا
وجيدك إن يُلَقَّ الصفع فاصبر ... فإن الجيد في الدنيا ملقى
ومن نظم الشيخ جلال الدين ابن خطيب داريا في باب التورية قوله:
شهدت جفون معذبي بملالة ... مني وإن وداده تكليف3
لكنني لم أفأ عنه لأنه ... خبر رواه الجفن وهو ضعيف4
وقوله:
تقول وقد أتتني ذات يوم ... مخبرة عن الظبي الجموح
يسرك أن أروح إليه أجري ... فقلت لها خذي مالي وروحي5
ومن لطائف مجونه قوله:
يا معشر الأصحاب قد عن لي ... رأي يزيل الحمق فاستظرفوه6
لا تحضروا إلا بأخفافكم ... ومن تثاقل بينكم خففوه
وقوله:
تصفحت ديوان الصفيّ فلم أجد ... لديه من السحر الحلال مرامي
فقلت لقلبي دونك ابن نباتة ... ولا تقربي الحليّ فهو حرامي7
__________
1 الشهيدية: ونظنها الشهدية نسبة إلى الشهد وهو العسل ويمكن أن تكون منسوبة إلى الشهيد لطيب أعطافه. تليل الذهب: عنقه وأحسن شيء فيه.
2 الورود: شرب الماء وجمع وردة.
3 تكليف: واجب.
4 فاء عن الشيء: تاه عنه وأضاعه. وفاء إليه: لجأ.
5 روحي: من الروح والرواح.
6 عنَّ: بات وظهر.
7 تقربي: هكذا ورد والأصح: تقرب أو تكون تقربي كما وردت ولكن يكون البيت كما يلي: فقلت لنفسي: بدل قلبي. الحرامي: السارق.
(2/210)

الشيخ جمال الدين -رحمه الله تعالى- أراد بالسحر الحلال الذي ما وجده في ديوان صفي الدين التورية لا غير، وما ذاك إلا أن الشيخ صفي الدين كان أجنبيًّا منها، ولهذا لم أنظمه في سلك القوم الذين مشوا في نظم التورية تحت العلم الفاضلي والعلم النباتي، وغايته أنه رضي بالشعر الساذج المنسجم، وتعرض للتورية في بعض المواضع، ولكن سبكها في غير قالبها؛ لأنه لم يكن في طباعه ويأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. ومن نظم الشيخ جلال الدين -غفر الله له- والمعنى في مراده ومفهوم قوله:
ذكر المصطفى ثلاثين دجّا ... لًا يجيئون في قيام الساعة1
فيهم أعور وقد صح بالبر ... هان أن جا كواحدٍ من جماعه
ويعجبني قوله، في آثار النبي، صلى الله عليه وسلم:
يا عين إنْ بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره2
فلقد حظيت من الزمان بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره3
ومن لطائف شمس الدين بن المزين، في باب التورية، ما أنشدنيه من لفظه لنفسه:
مدير الكاس حدثنا ودعنا ... بعيشك من كئوسك والخبيث
حديثك عن قديم الراح يغني ... فلا تسقي الأنام سوى الحديث4
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضًا:
ومليح لالاه يحكيه حسنًا ... فهو كالبدر في الدّجى يتلالا5
قلت قصدي من الأنام مليح ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
ومن نكته اللطيفة قوله:
قلت للأحدب لما ... أن رأى الوجد علاني6
أنا أبقى وبوجدي ... فيك يا أحدب فاني
__________
1 الدجّال: المنافق الكذاب.
2 نأى: ابتعد. المرابع: جمع مربع وهو الدار. شط: بعد. المزار: المسكن والمقام.
3 الطائل: الخير الكثير.
4 الحديث: الجديد والكلام.
5 لالاه: لألاؤه: فرحه وضحكه أو طلعته.
6 الأحدب: منحني الظهر.
(2/211)

وقد تقدم القول أن النكتة في التاجر استحقها الشيخ جمال الدين بن نباتة على الصلاح الصفدي، وعلى زين الدين الوردي، وهي:
وتاجر أسكرني طرفه ... والكاس فيما بيننا دائر
وقال لي سرك قلت اسقني ... جهرًا على عينك يا تاجر
ومن نكته المخترعة قوله:
شاب ورد الرياض من ... ورد خديك وانفرك1
فله الناس أثبتوا ... وانتفى الورد للكرك2
ورسم الجوباني، وهو إذ ذاك كافل المملكة الشامية لفضلاء دمشق، أن ينظموا له ما يكتب على أسنة الرماح، فنظم القاضي فتح الدين بن الشهيد:
إذا الغبار على في الجو عثيره ... فأظلم الجو ما للشمس أنوار3
هذا سناني نجم يستضاء به ... كأنه علم في رأسه نار4
إن الرماح لأغصان وليس لها ... سوى النجوم على العيدان أزهار
ونظم مولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي، نور الله ضريحه، وكان إذ ذاك في عنفوان شبابه ومبادي نظمه:
النصر مقرون بضرب أسنة ... لمعانها كوميض برق يشرق
سبكت ما لتسبك كل خصم مارق ... وتطرقت لمعاند يتطرق
زرق تفوق البيض في الهيجاء إذ ... يحمر من دمها العدو الأزرق5
ينسجن يوم الحرب كل كتيبة ... تحت الغبار فنصرهن محقق
__________
1 انفرك: صار قريبًا من النضوج.
2 الكرك: مدينة.
3 العثير: الناعم من الغبار.
4 الشطر الثاني من هذا البيت مضمن وهو للخنساء ترثي أخاها صخرًا في قولها:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
والعلم: الجبل العالي سمي بذلك لأنهم كانوا يوقدون في رأسه نارًا علامة للضالين من المسافرين في الصحراء ليهتدوا إلى مكان معمور.
5 الزرق والبيض: الخيول. الهيجاء: الحرب. العدو الأزرق: الأجنبي من أبناء الروم.
(2/212)

ولعمري إن الشيخ شمس الدين بن المزين تطاول برمحه على أقرانه في ذلك العصر، بقوله:
أنا أسمر والراية البيضاء لي ... لا للسيوف وسل من الشجعان
لم أحل في عيش العداة لأنني ... نوديت يوم الجمع بالمرّان1
وإذا تعانقت الكماة بجحفل ... كلمتهم فيه بكل لسان2
فتخالهم غنمًا تساق إلى الردى ... قهر المعظم سطوة الجوباني
وكتبت من حماة المحروسة حسب ما رسم لي به قولي:
أنا في الخط إن تحمر نقطي ... فكتابي مقاتل الفرسان
وقوامي إذا تثنى ففرد ... ما له في تفرق الجمع ثاني
وسناني كالبرق بل صار منه ... قلب سيف البروق قي خفقان
رمحه للردين ينسب لكن ... صاح لما علاه بالسنان3
ومن أغراض الشيخ شمس الدين المزين اللطيفة قوله:
حمل الدواة فرمتها ... منه مرامة عاشق4
قالت إذًا ما أنت يا ... قلم الديار بلائق
ومن لطائف مجونه قوله:
سلماني أضافنا ... لبنًا ما له ثمن
بيض الله وجهه ... كلما جاء باللبن
ومن مقاطيعه التي سارت لديها الركبان قوله:
أنا دواة يضحك الجود من ... بُكا يراعي جلّ من قد براه5
دلوا على جودي من مسه ... داء من الفقر فإني دواه6
__________
1 المرّان: الرماح الصلبة اللدنة، مفردها مرانة.
2 الكماة: الفرسان الأبطال. كلمتهم: جرجتهم ومن الكلام.
3 الردين: امرأة كانت تقوم الرماح فنسبت إليها فيقال: رماح ردينية وهي أصلب الرماح وأقومها.
4 رام: طلب، مرامة: مطلب.
5 بكا: بكاء. يراع: قلم.
6 الداء: المرض.
(2/213)

ومن أغراضه اللطيفة قوله:
نزلنا بالقصير فرام قلبي ... مليحًا بالعذارى الغيد أزرى1
فلما أن تعذر مال عنه ... فؤادي والجوانح نحو عذرا2
ومن مدائحه المخترعة ما أنشده لشيخنا ومولانا، قاضي القضاة علاء الدين بن القضامي الحنفي -نور الله ضريحه- وقد مرّ على دمشق متوجهًا إلى الحجاز الشريف في محفة، قوله:
محفة المجلس العلائي ... تنشر جدواه في المشاهد
تقول هذا قنى وأعطى ... وحج بالناس وهو قاعد3
وأمر ابن المزين أن يكتب على قبره من نظمه، ما قرأته على القبر وحفظته، وهو قوله، رحمه الله:
بقارعة الطريق جعلت قبري ... لأحظى بالترحم من صديقي
فيا مولى الموالي أنت أولى ... برحمة من يموت على الطريق
ومما قررته للشيخ شرف الدين عيسى العالية في باب التورية، قوله، رحمه الله تعالى:
لما رأوه مضاجعي تحت الدجى ... حجبوه عن عينيّ حتى أسهرا
قبلت خالًا فوق كعبة خده ... قبل الوداع وما أتيت المشعرا4
وقوله:
ومليحة راودتها فتعللت ... بالحيض وهي تقول كالمذعور
هل موضع خال فقلت لها اسكتي ... فمواضعي ليست تعد ودوري
ومن لطائف مجونه قوله وهو حكاية لحاله:
قالت لي الفروة قم دفني ... حتى أدفيك بقلبين
قلت لها بالله ما تشتهي ... قالت غشا قلت على عيني5
__________
1 أزرى به: أظهر بشاعته.
2 عذرا: عذراء وهي الفتاة لم يمسسها بشر.
3 قنّى: جعله يقتني ويملك أي وهب ما يقتني
4 المشعر: المشعر الحرام وهو من مناسك الحج.
5 غشا: جُماع. على عيني: كناية عن الاستجابة.
(2/214)

ومن مجونه مع الشيخ بدر الدين البشتكي:
البشتكي المكدي ... ذو أُبنة ليس تخفى1
قد مد للنيك رجلًا ... وللخلائق كفًّا
وقوله:
أيا معشر الصحب مني اسمعوا ... مقالي وكس أم من ينتكي2
ألا فالعنوا آكلين الحشيش ... وبولوا على شارب البشتكي
وقوله:
البشتكي البدر له لحية ... كلحية الراهب مشعوره3
قال أنا أشعر هذا الورى ... قلنا له فاستعمل النوره4
ويعجبني من مدائحه قوله:
تهنأ بنصف كم به من حلاوة ... وجد لي بفضل لا يضيع ثوابه
فإن لساني صارم وفمي له ... قراب وأرجو أن يحلى قرابه5
ومن شعر عيسى في مؤلفه من قصيدة:
صبيغ دعاويه ما تنقضي ... ويخطئ في القول لا يشعر
تفكرت فيه وفي ذقنه ... فلم أدر أيهما أحمر6
وقوله:
أيا رب الجناب الرحب جد لي ... وكثر في العطاء ولا تقلل
وما تعطيه لي من خشكنان ... نهار العيد كبر أو فهلل7
وقوله:
لفضلك يابن فضل الله أشكو ... برأسي البرد في نومي وأمي
وأرجو أن يكون الشاس شمسًا ... أروم الفوز من برد بشمس8
__________
1 المكدي: الشحاذ. الأُبنة: العيب.
2 ينتكي: يشاكس ويعمل بالضد "نكاية".
3 مشعورة: المغطاة بالشعر الكثيف.
4 النورة: أخلاط من الأملاح تستعمل لإزالة الشعر. أشعر: أكثر شَعْرًا وأحسنهم شِعْرًا.
5 القراب: للسيف غمده أو موضعه.
6 أحمر: أفعل تفضيل من حِمار، واللون المعروف.
7 الخشكنان: نوع من الحلوى يضع من دقيق الحنطة والسكر واللوز أو الفستق "فارسية". كبّر: قال الله أكبر. هلل: قال لا إله إلا الله.
8 الشاش: نسيج رقيق من القطن تضمد به الجراح ويستعمل لفافة للعمامة.
(2/215)

الشيخ شرف الدين عيسى، وعصريه الشيخ شهاب الدين بن العطار الآتي ذكره -رحمهما الله تعالى- والشيخ بدر الدين البشتكي، لم أجد في أغزالهم من المقاطيع ما يغازل بغزله عيون التورية، ولكن وقفت لهم على أغراض هي فوق الغرض، فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين بن العطار:
أصبحت بطال والأولاد أربعة ... محمد وثلاث موتهم يجب1
فإن تخيل في رزق بمدحكم ... أبو محمد البطال لا عجب
ومن إيهامه في هذا الباب قوله:
طلبت رزقًا قيل رح ناظرًا ... جيوش سيس قلت رأي تعيس2
لو أن ذي الحكام في سلطة ... ما طلبوا أني أبقى بسيس
وقال في الشيخ شرف الدين عيسى المذكور:
عيسى ومن مدحوه ... ما شمت فيهم رئيسا3
وما رأيت أناسًا ... لكن حميرًا وعيسا4
وقوله في طاهر بن حبيب:
تجادل شافعي مع مالكي ... وهذا البحث بين الناس ظاهر
فقال الشافعي الكلب نجس ... وقال المالكي الكلب طاهر
ومن لطائف مجونه قوله:
هيأ البلان موسى ... خلوة تحيي النفوسا5
قلت ما أصنع فيها ... قال تستعمل موسا
ومن محاسن الشيخ جمال الدين عبد الله السوسي، في باب التورية، قوله:
أهوى غزالًا عليه صبري ... قد بان في الحب وهو عذري
قد أسرت مقلتاه قلبي ... فرحت مملوكه بأسري6
__________
1 بطال: بدون عمل.
2 سيس: اسم بلد.
3 شام: رأى أو وجد وآنس.
4 العيس: الإبل مفردها أعيس.
5 البلان: الحمام.
6 بأسري: بكل جوارحي.
(2/216)

وقوله:
تهاون شمس الدين بي وهو صاحب ... وأظهر لي أضعاف ما تظهر العدا
نزلت به أبغي الندى وهو طالع ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندى1
وقوله:
زجرت النفس عن نذل لئيم ... أقر بموعدي غلطًا وأنكر
وقد ذكّرته عنه مرارًا ... وهيهات المؤنث لا يذكر
وقوله:
تجنب أقطعًا لصًّا جريئًا ... يحن إلى الجناية كل ساعة2
وما قطعوه بعد الوصل إلا ... أرادوا كفه عن ذي الصناعة
ومن محاسن الصاحب فخر الدين بن مكانس، في باب التورية، قوله:
بأبي عقيقة مرشف ... برت وكانت قبل عقت3
فلثمتها ورشفتها ... وقطعتها من حيث رقت
ومنه قوله:
يقول مفندي إذ همت وجدًا ... بخد خلت فيه الشعر نملا4
أيعرف خده للعشق أهلًا ... فقلت لهم نعم أهلًا وسهلا
وقوله:
زارت معطرة الشذا ملفوفة ... كي تختفي فأبى شذا العطر
يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... فتناظموا في اللف والنشر5
وقوله:
علقتها معشوقة خالها إذ عمها ... إذ عمها بالحسن قد خصصا6
يا وصلها الغالي ويا جسمها ... لله ما أغلى وما أرخصا
وقال وأجاد:
إن الهواءين يا معشوق قد عبثا ... بالروح والجسم في سر وفي علن
فالروح تفديك بالممدود قد تلفت ... والجسم حوشيت بالمقصور في كفن7
__________
1 الندى: الثانية بمعنى الرذاذ الذي يكون صباحًا على الأزهار والأولى بمعنى العطاء.
2 الأقطع: الذي حدّ حد القطع فقطعت يده لأنه سرق. اللص: السارق. الجناية: العمل المشين.
3 العقيقة: واحدة العقيق، حجر كريم يميل لونه إلى الدم تشبه به الشفاه. المرشف: مكان الرشف أي الشفاه. برّت: أطاعت. عقت: عصت.
4 المفند: المتهم والمكذب ومضعف الرأي.
5 اللف والنشر: من المصطلحات البلاغية.
6 علقتها: عشقتها.
7 المقصور: من الأسماء الذي ينتهي بألف أصلها ياء، ومكان العبادة، حوشيت: حاشاكِ.
(2/217)

وقوله مضمنًا:
ومقلة ظبي يرشق القلب سهمًا ... ولكنه رشق يزال به الهم
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم
وقوله:
عارض المحبوب من فو ... ق صفاء الخد فاتن
شبه ورد زاد لطفًا ... حول ماء غير آسن1
وقوله في مجونه مضمنًا:
قلت يا لائمي على بذل مالي ... في هوى الحب دع كلام الفشار2
فعلى فلس ذا يناح ويبكي ... لا على درهم ولا دينار
وقوله:
شكى إلَيَّ اليتم إذ نكته ... مراهق فيه حلا هتكي3
بت أسليه على يتمه ... وكلما سلّيته يبكي4
وقوله:
سكر الشيخ وطابا ... واشتهى الشيخ شبابا
حسب الخمرة صابا ... وجد الراح شرابا5
وقوله يمازح السراج السكندري، وقد انقطع عنه:
قل للسراج إذا تكبـ ... ـر حيث بالقوم احتمى
أنت السراج بعينه ... لو شلت انفك للسما6
ومثله قوله فيه:
يا ذا السراج اشترى أيري فأنت به ... أولى وذلك للحق الذي وجبا
سكندري وتدعى بالسراج وذا ... مثل المنار إذا ما قام وانتصبا
وقال في الصاحب بن النشو الوزير، وقد أنشأ سبيلًا بالجامع العمري:
__________
1 آسن: فاسد ومتغير اللون والطعم والرائحة.
2 الفشّار: الأحمق.
3 المراهق: الذي لم يبلغ الحلم من الصبيان. الهتك: المجون والفحش.
4 سلّيته: من التسلية، والسّل.
5 الصاب: عصارة شجر مر المذاق. الراح: الخمرة.
6 شال بأنفه: تكبر وتعجرف.
(2/218)

أنشأ القطيم النشو لما ارتقى ... وزارة زادته في وزره1
بالجامع العمري سبيلًا وقد ... قال لنا عنه بنو مصره
هذا سبيل حاله فاسد ... وزيره يرشح من قعره2
ومن أغراضه البديعة قوله:
لولا الزمان للمحال قابل ... ما سلسلوا مطلق كل جدول
وأصبح الدولاب في رياضه ... يقول بالدور وبالتسلسل3
ومن أغراضه الغريبة قوله في ولده مجد الله بن فضل الله، رحمهما الله تعالى:
أرى ولدي قد زاده الله بهجة ... وكمله في الْخَلْق والْخُلق مذ نشا
سأشكر ربي حيث أوتيت مثله ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
ومن بدائع أمداحه قوله في الشهيد فخر الدين نقيب الأشراف، رحمه الله تعالى:
جناب فخر الدين كهف الورى ... دامت له النعماء لا تنقضي
فهو الشريف الحسن المرتضى ... وخلقه ذاك الشريف الرضي4
وقال يمدح الإمام المرتضى، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
يابن عم النبي إن أناسًا ... قد توالوك بالسعادة فازوا
أنت للعلم في الحقيقة باب ... يا إمامًا وما سواك مجاز
ويعجبني من حسن خواتمه قوله:
وا سوأتاه إذا وقفت بموقف ... ما مخلصي فيه سوى الإقرار5
وسواد وجهي عند أخذ صحيفتي ... وتطلعي فيها شبيه القار6
__________
1 القطيم: الصقر. الوزر: الحمل الثقيل والمسئولية.
2 يرشح: يتسرب منه الماء. قعره: إسته.
3 الدولاب: ما يستقى به ويوضع فوق البئر "الناعورة".
4 الشريف الرضي: الشاعر المعروف وأخو الشريف المرتضى صاحب الأمالي.
5 الإقرار: الاعتراف.
6 القار: الزفت.
(2/219)

ومن محاسن ولده مجد الدين بن فضل الله -تغمده الله برحمته- قوله:
وأغيد بت منه ... بنار عشقيه أقلى1
رمى من اللحظ سهمًا ... به نموت ونبلى
وقوله:
قالوا وقد عبثت بنا ... قاماتهم والأعينا
إن رمت تلقانا فلج ... بين السيوف والقنا2
وقوله:
يقولون هل من الحبيب بزورة ... ومنا كم المطلوب قلنا لهم منا3
فقالوا لنا غوصوا على قده وما ... يحاكي إذا ما اهتز قلنا لهم غصنا
وقوله:
بحق الله دع ظلم المعنى ... ومتعه كما يهوى بأنسك
وكف الصد يا مولاي عمن ... بيومك رحت تهجره وأمسك
وقوله:
قال خلي لحبيبي صل فتى ... بك قد أضحى معنى مغرمًا
قال هل يولم إن واصلته ... قلت إن فاز بثغر أولَما4
وقوله:
يا لائمي إن فقدت الصبر في قمر ... أصداغه سلبت أهل الهوى وسبت
كلت سيوف اصطباري عنه حين بدا ... آس العذار على وجناته ونبت5
وقوله:
من مجيري من سادة ألفوا الهج ... ـر لعشاقهم وزادوا النفارا
سأل الدمع أن يجيروه قالوا ... مثل هذا في حينا لن يجارا6
ومن اختراعاته اللطيفة:
تساومنا شذى أزهار روض ... تحير ناظري فيه وفكري
فقلت نبيعك الأرواح حقًّا ... بعرف طيب منه ونشر7
__________
1 أُقلى: أُحرق بالزيت الساخن أو أُكره وأُهجر.
2 لج: أمر من ولج: أدخل. القنا: الرماح.
3 منَّ: جاد وتفضل. منّى: علل.
4 أولم: أقام وليمة. لما: سمرة في الشفاه.
5 كَلَّ السيف: لم يعد قاطعًا. الآس: نبات ذو ثمار كروية بيضاء ورائحة زكية. نبت: أخطأت الهدف ومن النبات.
6 أجار: حمى. لن يجارى: لن يسبقه أحد ولن يعينه أحد.
7 العرف: الشذا. النشر: الرائحة الطيبة.
(2/220)

ومن أغراضه اللطيفة قوله:
سحقًا لذى نظم يهيج من البغا ... ويثير في هجو الكرام عجاجا1
أقصيته عني فظل يسبني ... ومنعته أيري فذم وهاجا2
ومن مدائحه يهنئ والده بعوده من السفر:
هنئت يا أبتي بعودك سالِمًا ... وبقيت ما طرد الظلام نهار
ملئت بطون الكتب فيك مدائحًا ... حتى لقد عظمت بك الأسفار
وقال فيه أيضًا، وقد أهدى له هدية حسنة:
تناهيت في بري إلى أن هديتني ... ولولاك كنت الدهر في الغي ساديا3
وأهديت لي ما حير العقل حسنه ... فلا زلت في الحالين للعبد هاديا
ويعجبني من زهدياته قوله:
جزى الله شيبي كل خير فإنه ... دعاني لما يرضي الإله وحرضا
فأقلعت عن ذنبي وأخلصت تائبًا ... وأمسكت لما لاح لي الخيط أبيضا
ومن كلام الشيخ أبي الفضل بن أبي الوفاء العارف، الذي دخل بحسن سلوكه إلى زوايا الأدب فأخرج منها الخبايا وأظهر البرهان -تغمده الله برحمته- قوله:
عبدك الصب المعنى ... عرف الفقر وذاقه
فلكم فاخر محتا ... جًا شكا فقرًا وفاقه
ومن مخترعاته، في باب التورية مع بديع التضمين، قوله:
ما خادم واسمه في در مبسمه ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول4
وريقه مع ثناياه التي انتظمت ... كأنه منهل بالراح معلول5 "مع لولو"
__________
1 البغا: البغاء وهو الفحش. العجاج: الغبار المتصاعد فوق أرض المعركة.
2 هاج: اضطرب وصاح. وهاجي من الهجاء بادله إياه.
3 ساديًا في الغي: متماديًا في الضلال.
4 أغن: في صوته غنه، غضيض الطرف: ذابله.
5 الثنايا: الأسنان. معلول: ممزوج.
(2/221)

ومن اختراعاته قوله:
على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما
حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العار حماحما1 "حمى حمى"
ومثله قوله:
أرسلت عينَيّ بدمعيهما ... بين يدي من قد تمادى جفاه
أسأله في فمه قبلة ... فلم يميلاه ولم يعطفاه "يعطِ فاه"
ومثله قوله:
سألتها رشف ريق ... مستعذب الطعم حلو
قالت فصفني ارتجالًا ... فقلت بعد التروي2
ومن لطائف نكته في هذا الباب، قوله:
ازداد خدك شعرًا ... فازداد قلبي حبًّا
إذ كان وردك جمري ... فيه فصار مربى3
ومن لطائفه قوله:
ألا لا تلوموني فلست بمقلع ... إذا انحدرت من كأسها الراح في حلقي
سآوي إلى بحر من الخمر مترع ... أحط المراسي عنده فأمل لي واسقي "وسقي"4
وقوله:
ذكرك لي في اللوم مستحسن ... واللوم عندي غير مستحسن
كم قلت للمعرب في لومه ... إن جئت نحوي قط لا تلحنِ "ني"5
ومن لطائف مجونه مع حسن التضمين:
وخلّ سمته صفعًا بمال ... فقال توازعوه يا صحابي6
إذا الحمل الثقيل توازعته ... أكف القوم هان على الرقاب
__________
1 الحماحم: الحبق، نبات طيب الرائحة.
2 التروي: الشبع والتأني.
3 مربى: من الحلويات وذو تربية.
4 الوسق: مكيال مقداره ستون صاعًا والصاع خمسة أرطال وثلث، والرطل كيلوان ونصف، وعن هذا يكون الوسق: سبعماية وخمسون كيلو أو لترًا. وتجمع على أوسق.
5 تلحن: تخطئ في النحو وتلومني.
6 سام: طلب الشراء.
(2/222)

ومن أغراضه قوله:
تعنت دهر لج فينا بخطبه ... وذللنا من بعد عز وأنكانا1
قسا وانثنى يختال في جبروته ... وجرر أذيالًا علينا وأردانا2
وأنشدني، من لفظه لنفسه، الشيخ شمس الدين المتنبي، قوله في مليح اسمه حمزة
ترى يبدو لحمزة بعض ما بي ... ويرثي لي وينظر في بلائي
وأشفي بالمبرد من لماه ... واجمع بين حمزة والكساء "ي"3
ومن لطائف علّامة الوجود فريد الدهر بدر الدين بن الدماميني المخزومي المالكي، قوله:
قلت له والدجى مولٍّ ... ونحن في مجلس التلاقي
قد عطس الصبح يا حبيبي ... فلا تشمته بالفراق4
وقوله:
يقول بديوان المحبة وردوا ... محاسن حبي فهو في الحسن مفرد
فوردت في الديوان عامل قدّه ... فقال وذاك الخد قلت مورد
وقوله:
وبي وجنة حمراء زاد صفاؤها ... وأبدت صفات أبدع الحسن كونها
فدع لائمي ينهى عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها "نهى"
وقوله:
يا عذولي في مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا5
كم تهز العطف منه طربًا ... عندما تسمع منه وترى "ا"6
وقوله:
أذاب أحشائي هوى صائغ ... قلت له والقلب رهن لديه
إني على فيك أرى خاتما ... فهل ترى يقعد نقشي عليه
__________
1 الخطب: الأمر الجلل والمصيبة. أنكانا: عاندنا
2 يختال: يتبختر في مشيته. أردانا: أكمام أو قتلنا أو أوردنا الردى وهو الموت.
3 حمزة والكسائي: من رواة الحديث.
4 عطس الصبح: طلع وبان ضوؤه. شَمّت العطس: قال له: يرحمكم الله.
5 سفر: انكشف.
6 وترى "ا": الوتر الخيط في الآلة الموسيقية. والرؤية.
(2/223)

وقد زاد النكتة حسنًا بقوله:
بدا وقد كان اختفى ... وخاف من مراقبه
فقلت هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه1
وقوله:
أمنيتي أنت يا مليح ... ما مثله في الزمان ثاني
فكيف تبدي جفاك خوفًا ... وأنت في غاية الأمان "ني"
وقوله:
وعزيز الجمال أوجب ذلي ... وهواه عليَّ أصبح فرضا
فهو في الحسن والجمال سماء ... صرت يا صاح منه بالذل أرضا "ضى"
وقوله:
تناسبت أوصاف من وصله ... ينفي عن القلب جمع الكرب2
في الخد تسهيل ومن ثغره ... يطيب للصب ارتشاف الضرب
وقوله:
لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المحب الصب في الحين3
فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين
وقوله:
قلت لعطار به صبوتي ... محمودة والصبر لا يستطاب
أسقيتني كأس غرام به ... ذبت ومن فيك براني الشراب
وقوله:
لله منه ملثم أشنب ... قد طاب فيه العشق للمغرم5
قلت لعذالي لا تعجبوا ... طيب الهوى ما زال في الملثم
وقوله:
في ليلة البدر أتى ... حبي فقرت مقلتي
وقال لي يا بدر قم ... فقلت هذه ليلتي
وقوله:
قم بنا نركب طرف ... اللهو سيقًا للمدام6
واثن يا صاحي عناني ... لكميت ولجام7
__________
1 بعينه: نفسه وذاته والعين أداة النظر.
2 الكرب: الضيق.
3 الحين: الحيرة والقلق المميت.
4 المين: المراهنة والرياء.
5 الملثم: الفم. الأشنب: الأبيض الأسنان رقيقها.
6 سيقًا: هكذا في الأصل وهي من السياقة، ونظنها سقيًا: وهي بمعنى شربًا. وهي أنسب في المعنى. والمدام: الخمرة.
7 العنان: المقود. الكميت: من الخمرة التي يميل لونها الأحمر إلى السواد. الجام: وعاء للشراب. واللجام: المقود.
(2/224)

ومن أغراضه اللطيفة قوله:
أقول لخل جن من فرط ماله ... ورابى فأسق الناس كأس عذاب
صفاتك يا هذا لعمري تناقضت ... فإنك ذو مال وأنت ترابي
ومن مدائحه، ما كتب به إلى قاضي القضاة ناصر الدين التنيسي، قوله:
قد نلت يا قاضي القضاة مطالبي ... بكنوز ود منك أورثت الغنى
وأخافني الدهر الظلوم فمذ رآني ... داعيًا لجناب جودك أمنا
ومن مدائحه فيه قوله، وقد ولاه وظيفة العقود في مبادي العمر:
يا حاكمًا ليس يلفى ... نظيره في الوجود1
قد زدت في الفضل حتى ... قلدتني بالعقود2
وكتب إلى برهان الدين المحلي:
يا سر يا معروفه ليس يحصى ... ورئيسًا ذكا بفرع وأصل
مذ علا في الورى محلك عزا ... قلت هذا هو العزيز المحلِ "ي"3
وكتب إلى شهاب الدين الفارقي:
قل للذي أضحى يعظم حاتِمًا ... ويقول ليس لجوده من لاحق
إن قسته بسماح أهل زماننا ... أخطا قياسك مع وجود الفارقِ "ي"
ويعجبني من أغراضه البديعة قوله:
لئن عقدت بنت الكروم عقودها ... على حمل نفي الهم والهم زائد
فنحن شهود في المقام لعقدها ... على أولياء اللهو واللوز عاقد4
ومن لطائف مجونه قوله:
أمنت صدوده فدنوت منه ... على مهل بشيء زاد حسنا
وعاجلني الرقيب فخاف أيري ... وأنزل إذ رأى خوفًا وأمنا "ي"
__________
1 يلفى: يوجد. النظير: المثيل والشبيه.
2 قلد: ألبس قلادة وهي عقد ثمين يلبس في العنق.
3 العزيز: عزيز مصر، واشتهر عهده بالرخاء.
4 عقد اللوز: إذ صار زهره ثمرًا. والعقد: عقد الزواج.
(2/225)

ومما اختاره سيدنا الشيخ العالم العلامة، أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني، روى الله من سحاب الرحمة ثراه، من نظمه لنفسه -رحمه الله تعالى- في باب التورية، ورسم لي أن يكون واسطة لهذا العقد، وكتب ذلك بخطه الكريم في كراسة، وأتحف بها العبد لأنظمها في عقود هذه الأسلاك، وكتب في ديباجة الكراسة قوله:
يا سيدًا طالعه ... إن راق معناه فعد
وافتح له باب الرضا ... وإن تجد عيبًا فسد
وقوله:
سألت من لحظه وحاجبه ... كالقوس والسهم موعدًا حسنا
ففوق السهم من لواحظه ... وانقوس الحاجبان واقترنا1 "وقت رنا"
وقوله:
سألوا عن عاشق في ... قمر باد سناه
أسقمته مقلتاه ... قلت لا بل شفتاه
وقوله:
أتى من أحبائي رسول فقال لي ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا
فكم عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزًا حين ذاق هوانا2
وقوله:
ضنيت جوى فواصلني حبيبي ... وعاد إلى الجفاء فعاد ما بي
فقلت أعد وصالًا قال كلا ... فها أنا ذبت من رد الجوابِ "بي"
وقوله، مع بديع الاقتباس:
خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما رأوا كالبحر سرعة سيره
فحبسته لأصون سر هواكم ... حتى يخوضوا في حديث غيره3
وقوله:
يا عاذلي وسهام اللحظ ترشقني ... عن قوس حاجب بدر خدّه قبسي
إن تستطع لنجاتي في الهوى سببًا ... فاستنبط السلم لي من أسهم وقسِ "ي"
وقوله:
ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة ... فغارت من المعشوق أعينها المرضى
ولاحت بخد الورد حمرة خجلة ... حياء رأينا طرف نرجسها غضا
__________
1 فوّق السهم: صوّبه. انقوس: صار منحنيًا كالقوس.
2 هوانا: حبنا، والذل.
3 حتى يخوضوا في حديث غيره، تضمين للآية الكريمة: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 6/ 86] .
4 قس: أمر من قاس: قدر المسافة. وقسي: جمع قوس.
(2/226)

وقوله:
يا مبدعًا في حسنه واصل أخا ... همّ له عام وما واصلنا
فقال هل ضيف في مشتاته ... قلت نعم وفي هموم شتى
وقوله:
محبوبتي واصلتني ... والهم عني تشتت
وذاب قلب حسودي ... لما وفت وتفتت
وقوله:
أحبب بوقاد كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي
وأنا الشهاب فلا تعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكوكب الوقاد
وقوله:
نحن أهل الهوى بلوناه قدما ... بين خوف من أهله وأمان
وشربنا خمر الهوى كل حين ... بكئوس قد أترعت وأوان "ني"1
وقوله:
ورشا مذ نشا وعينا التصابي ... بعدما كان ذا اشتباه علينا2
وجهلنا الغرام حتى أرانا ... منه تحت اللثام خدًّا وعينا
وقوله:
سرت وخلفتني غريبًا ... في الربع أصلى جوى بنارك3
أغث حشا أحرقت غرامًا ... في ربعك المعتلي ودارك
وقوله:
وبدر تَمّ جميل ... محجب بالدلال
إذا هممت بأني ... أسلو هواه بدا لي
وقوله:
نهاني حبيبي أن أطيع عواذلي ... لكي أتهنى بالوصال الذي سرا
فقلت فدتك النفس سمعًا وطاعة ... فلم أرَ نهيًا منه أهنى ولا أمرا4
وقوله:
وأهيف حياتي بطيب وصاله ... ومن ريقه الخمر الحرام حلالي
أدار لي الكأسين خمرًا وريقة ... ونزهني عن جفوة وملالِ "لي"
وقوله:
تجرد من أحب فقال لي من ... يلوم وأظهر الحسد المكتم
أجاد لك الحبيب بلمس جسم ... له كالخز قلت نعم وأنعم
__________
1 أترع الكأس: امتلأ. أوان: وقت وآنية وهي الأوعية.
2 الرشأ: الغزال. اشتباه: التباس.
3 أصلى: أحترق.
4 أمرا: من الأمر وأمرأ: أي أسهل وأهون.
(2/227)

وقوله:
تيه فلان الدين مع فقره ... أقوى دليل أنه جاهل1
لثوبه بالصقل من فوقه ... قعاقع ما تحتها طائل2
ومن أغراضه اللطيفة قوله:
أشكو إلى الله ما بي ... وما حوته ضلوعي
قد طابق السقم جسمي ... بنزلة وطلوع
وقوله، وهو مما كتبه على مجموع الكرماني:
نظرت لما سطرته من فوائد ... لها الفضل إذ وافت محاسنها يعزى
فللَّه ما سطرت منها لخاطري ... فلم يكف طرفي منه شيء ولا أجزا3
وقوله:
قد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الإبريز4
وبرزت في هذا وفي هذا على الر ... ازي بالإحسان والتبريز "ي"
ويعجبني من وعظياته قوله:
يا أيها الشيخ المطيع هواه دع ... هذي الدعاية قد أتى داعي الردى5
وخيوط هذا الشيب لا تنسج بها ... ثوب التصابي فهي ما خلقت سدى6
وقوله:
خليليّ ولي العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا
فحتى متى نبني بيوتًا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنى "تبنا"
ومن نظم الشيخ بدر الدين البشتكي -رحمه الله- في هذا النوع قوله:
بدا بوجه جميل ... قد شرف الحسن قدره
في شمسه كل صب ... يود يبذل بدره
__________
1 التيه: التكبر والخيلاء.
2 قعاقع: أصوات وجلبة.
3 أجزا: أجزأ أي كفى أو قام مقام.
4 الإبريز: الذهب.
5 الردى: الموت.
6 سدى: عبثًا بدون طائل.
(2/228)

هذا الذي ظفرت به من أغزاله في هذا الباب. ومن مجونه قوله:
وافى بذقن بعد أن ... قاسيته حلوًا ومرًا
فقبضت لحيته وأيـ ... ـري في استه وهلم جرا1
وقال من كتابه المسمّى "برفع شان العمشان":
أقول لناتف خديه مهلًا ... أترضى اللائطين مدى الدهور2
فدع نتف العوارض عنك كيما ... تناك بلحية مثل الحرير "ي"
ومثله قوله في الشيخ بدر الدين بن الدماميني المخزومي:
تبًّا لقاض جار في أحكامه ... حتى على المنثور والمنظوم
خان الشريعة مذ أطاع بني وفا ... وانقاد للفساق كالمخزوم3 "ي"
ومن مدائحه قوله:
وقاس الورى بالنيل نائلك الذي ... حلا وصفا والنيل يبدو مرنقا4
فقلت وهل ينقاس من خلقه الوفا ... بمن بالوفا في العام يومًا تخلقا
وكتب إليه سيدنا ومولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر العسقلاني، في رمضان:
أليس عجيبًا بأنا نصوم ... ولا تشتكي من أذى الصوم غما
ونسغب والله في نسكنا ... إذا نحن لم نرو نثرًا ونظما5
فأجابه بقوله:
ألا يا شهابًا رقى في العلا ... فأمطرنا نوؤه العذب قطرا6
إلى فقرة منك يا فقرنا ... ونستغن إن قلت نظمًا ونثرا7
__________
1 الإست: مكان خروج الفضلات من جسم الإنسان.
2 اللائطين: الذين يأتون الرجال شهوة من دون النساء.
3 المخزوم: الذي جعل في جانب منخره الخزام أو الخزامة وهي حلقة يشد فيها الزمام وهو الرسن.
4 المرنق: المكدر.
5 نسغب: سغبًا وهو الجوع.
6 النوء: المطر.
7 نثرًا "ي": النثر الكلام العادي غير الموزون ونثرى: نستغني.
(2/229)

ومما فضل لي من صابات هؤلاء الفضلاء في مناهل التورية قولي:
هويته أعجميًا فوق وجنته ... لامية عوذتها أحرف القسم
في وصفها ألسن الأقلام قد نطقت ... وطال شرحي في لامية العجم
وقولي:
خال الحبيب يقول لي لما بدا ... من تحت عارضه كسر غامض
أنا فارضيّ في الغرام بخده ... فغدا مقامي تحت ذيل العارض
وقولي:
عزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض
وكان العذر يقبل في سلوّي ... ولكن ما سلمت من العوارض
وقولي:
دويرة العارض عني حميت ... برشقة من جفنه مشتقة
فاترك ملامي يا عذولي إنني ... قتلت بين دورة ورشقة
وقولي:
ولما رآني الشعر وهو مذيل ... وجانب ذاك الصدغ وهو مطرّف
بدا بخمار من خمار بريقه ... فقلت لهم هذا الجناس المحرف
وقولي:
أقول لثغر الحب مت ولم أجد ... سبيلًا إلى برد الحشايا أخا الصفا
فقال ارتشف من خمر ريقي نهلة ... ألم تره من برده قد تقرقفا1
وقولي:
لما تعذر من أحب تعذر الصـ ... ـبر الجميل فلم أطق أن أصبرا
قال العذول الصبر أعظم مسعد ... في العشق قلت أما تراه تعذرا
وقوله، مع بديع الاقتباس:
ناحت مطوقة الرياض وقد رأت ... تلوين دمعي بعد فرقة حبه
لكن به لما سمحت تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به2
وقولي في مدح حماة:
ذكرت أحبتي بالمرج يومًا ... فقوّت أدمعي نيران وهجي
وبت أكابد الأحزان وحدي ... وكل الناس في هرج ومرج3
__________
1 تقرقف: برد كثيرًا.
2 في مطوقة بما بخلت به، تضمين لقوله تعالي: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 3/ 180] .
3 كابد: عانى. الهرج والمرج: كناية عن الفرح وعدم المبالاة.
(2/230)

وقولي فيه أيضًا:
مرج حماة بنواعيره ... زاد على المقياس في روضته
واغتاظ نمروذ دمشق لذا ... فقلت لا أفكر في غيظته1
وجلست يومًا في قطاف السفرجل على عين الغيضة الموصوفة بست الشام، مع جماعة من أهل العلم والأدب، فنظم كل منهم ما يليق بذلك المقام على قدر مقامه، فنظمت قولي:
تقول ست الشام لما غازلت ... بعينها فأنعشت حياتي
وانتقشت بمرجها وأبرزت ... نهدًا حلا لأنه نباتي
خذني بغير ضرة فإنني ... بديعة في الحسن والصفات
واستجلني عروسة يتيمة ... شامية وعش بلا حماة
وقولي في وادي رشعين وعينه، بظاهر مدينة طرابلس:
أرض وادي رشعين مفتوحة العيـ ... ـن لها نقطة على النيرين2
ما حللنا هناك إلا وقالت ... أجلسوهم على محاجر عيني
وقولي بوادي المنافس، بظاهرها أيضًا:
وادي المنافس من مغنى طرابلس ... بطيب أنفاسه أبدى نفائسه
وكاد يلحق بالشقرا وأبلقها ... فلا تلوموا إذ أقوى منافسه3
وقولي برأس العين ببعلبك:
ولما نزلنا بعلبك تفكهت ... عيوني وأذواقي وصلت على البين
وطالبتها يومًا برؤية مرجها ... وخضرته قالت على الرأس والعين4
ومن أغزالي البديعة قولي:
ماس في الروض وانثنى ... بخدود مورده
فرأينا غصونه ... وهي خشب مسنده
__________
1 النمروذ: نوع من الأزهار.
2 النيرين: الشمس والقمر.
3 أقوى: ضعف وبلي.
4 على الرأس والعين: تعبير عن الاستجابة للطلب.
(2/231)


وقلت موريًا ومقتبسًا ومكتفيًا:
قالوا وقد فرطت في تصبري ... وما برى بوصله سقاما
اصبر عسى تسقى بماء ريقه ... قلت لهم يا حسرتا على ما1
وقولي:
أرخت لنا ذوائبًا من شعرها ... عشرًا وفرق الفجر فيهم يسري
فصرت بالفجر لها معوّذًا ... لما بدا بين ليال عشر2
وقولي: موريًا مع بديع التضمين:
سرنا وليل شعره منسدل ... وقد غدا بنومنا مضفرا3
فقال صبح ثغره مبتسمًا ... عند الصباح يحمد القوم السرى4
وقولي:
قف واستمع طربًا فليلي في الدجى ... باتت معانقتي ولكن في الكرى
وجرى لدمعي رقصة بخيالها ... أتُرى درى هذا الرقيب بما جرى
وقولي:
كم صحت في ظلمة الليالي ... ويلاه من نومي المشرد
والدمع في وجنتي ينادي ... أواه من شملي المبدد
وقولي:
يقول معذبي حسن تخير ... سواي فقلت قد عز اصطباري
وكم في الناس من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري
وقولي:
أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الدقه
فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقه5
وقولي:
أبصروا عند وداعي ... عقدها وهو مفرط
لمتها في ذاك قالت ... برح الشوق وأفرط6
__________
1 يا حسرتا على ما: على ماء ريقها أو على ما أؤمل.
2 الفجر: سورة الفجر. معوّذًا: حاميًا من التعويذ وهو الاحتماء بآيات القرآن الكريم وبالطلاسم.
3 مضفرًا: بشكل ضفائر واحدتها ضفيرة وهي الجديلة من الشعر أو غيره.
4 السرى: السير ليلًا.
5 الرقة: مدينة سورية.
6 أفرط: زاد.
(2/232)

وقولي:
سجدت جفوني هيبة لما بدا ... محراب حاجبه بغير حجاب
الله أكبر وهو يغزو مهجتي ... حربًا ولم أخرج عن المحراب1
وقولي:
طلبت منه قبلة فقال لي ... وقد بدا يشرع في الإعراض
نسيت فعل سيف لحظي قلت لا ... يا قاتلي وكيف أنسى الماضي
وقولي:
قيل لي لما عرتني شدة ... وتناءى فرجٍ عني مده
يا أخا الأشواق ماذا تبتغي ... قلت أبغي فرجًا من بعد شده
وقولي:
مذ جفاني ممرض القلب ولم ... ألق في الضعف وفي الكسر انجبارا
قلت للعارض يا آسي إذا ... درت داري ممرض القلب فدارا
وقولي:
طلبت تقبيل من أحب وقد ... أنكرت في الخد نقطة حسنه
فرق لي قلبه وقال إذا ... قبلت خدي لا تنكر الحسنه
وقولي موريًا ومضمنًا:
حثثت عزمي شوقًا إليكم ... فلم أطق مكثه بأرض
وحيث لم أحظ بالتلاقي ... فغايتي أن ألوم حظي
وقولي:
جاء بصبح ثغره مبتسمًا ... يمشي بليل الشعر في دلال
قلت له دمت لقلبي هكذا ... ما دامت الأيام والليالي
وقولي مرتجلًا في جبهة دمشق، من دو بيت:
لما ملأ الجبهة بالأنوار ... لمناه على ذلك خوف العار
قال انصرفوا سئمت من بلدتكم ... والجبهة من منازل الأقمار
وقولي:
مذ أظهر ورده لنا ريحانه ... ناديت لتلك المقلة الكسلانه
قد دب عذاره على وجنته ... قومي انتبهي قالت أنا نعسانه
وقولي:
أحببته متأدبًا ونظمت في ... حسن ابتدائي فيه نظم المرقص
وأشار في حسن الختام أجبته ... حسن الختام يكون بعد تخلصي
__________
1 المحراب: مكان العبادة.
(2/233)

وقولي:
يحاضرني بأبيات ولكن ... يعيرني إذا طال اجتماعي
فإن أنشدت أشعار السلام ... يطارحني بأبيات الوداعِ "عي"
وقولي:
قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد
فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد
وقولي:
قال أراك الحمى تعوّض ... بغصن قدي إذا جفاكا
فقلت من بعد قد حبي ... والله ما أشتهي أراكا
وقولي:
رمت يوم العيد منه وقفة ... ليرى من بعده حالي وضعفه
فطر القلب وولى قائلًا ... يا معنى ما لعيد الفطر وقفه1
وقولي:
قال نهد الحب صفني مذ غدا ... قاعدًا في الصدر بالتصدير يجهر
قلت إذ برز في تحقيقه ... أنت بالتحقيق والله مصدر
وقولي:
أسياف لحظ قاتلي ... لما تعدت حدها
وعربدت من سكرها ... قلت استحي فردّها2
وقال لي موريًا ... لا بد أن أحدها3
وقولي:
عاتبته ودموعي غير جارية ... لأن دمعي من طول البكى نشفا
فقال لم أر وكف الدمع قلت له ... حسيبك الله يا بدر الدجى وكفا4
وقولي:
قالت وقد قبلتها في جيدها ... تصبو إلى غيري وتخلص من يدي
فأجبت حين تقلدت بمدامعي ... يا هند خوضي في دمي وتقلدي5
وقولي:
بنقطة الخال وطعم اللمى ... وخضرة الشارب يا عاتبي
قد ملت للنقطة بعد التقى ... وقلت بالمشروب والشارب
__________
1 الوقفة: اليوم الذي يسبق عيد الأضحى وفيه يقف الحجيج بعرفة.
2 عربد: تكلم بكلام ماجن فاحش.
3 أحدها: أعاقبها والحد العقاب المعروف كحد السرقة: القطع، وحد الزنى الجلد إلخ....
4 وكف الدمع: انصبابه.
5 خاض في دمه: قتله. تقلدي: البسي قلادة وهي العقد.
(2/234)

وقولي:
أرداف من أهواه قد تثاقلت ... لما تجافى الشعر يوم البين
بعد ذا وجنته تلوّنت ... وساقه والله ذو وجهين
وقولي:
برامة لي ظبي ... تخشى الأسود مرامه
كم هام قلبي فيه ... بين العذيب ورامه
وقولي:
هويت غصنًا لأطيار القلوب على ... قوامه في رياض الوجد تغريد
قالت لواحظه أنا نسود على ... بيض الظبا قلت أنتم أعين سودوا1 "د"
وقولي:
قلت له إن جفن مقلته ... يشبه سهمًا بجعبة رشقه2
خفت من الفتك رحت أملقه ... سابقني مدمعي جرى ملقه3
وقولي:
في سويداء مقلة الحب نادى ... لحظه وهو يقنص الأسد صيدا4
لا تقولوا ما في السويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال السويدا
وقولي:
بروحي أفتدي ظبيًا نفورًا ... يحق له بروحي أن يفدى
جلا لصدا قليبي فرد يوم ... بوصل منه ثم جفا وصدا
وقولي مورّيًا مضمنًا:
ومذ كلمت جسمي سيوف لحاظها ... شكوت إليها قصتي وهي تبسم5
فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم
وقولي:
جاد النسيم على الربا ... بندى يديه وقال لي
أنا ما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي6
وقولي:
رأيت مع المنثور بعض وقاحة ... ولم أدر ما بين الغدير وبينه
تلوّن منه ثم مد أصابعًا ... إلى وجهه قصدا وخضر عينه
__________
1 سودوا: كونوا سادة، تزعموا.
2 الجعبة: مكان وضع السهام.
3 ملق: كذب واحتال. ملقة: أملس.
4 قنص: صاد بغتة.
5 كلم: جرّح.
6 هذا البيت مأخوذ من بيت لعنترة بن شداد يفخر فيه بشربه الخمر فيقول:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى
وكما علمت شمائلي وتكرمي
والندى: العطاء والكرم. والشمائل: الصفات الحسنة.
(2/235)

وقولي:
حيا بها عاصرها في كأسها ... مشرقة باسمة كالثغر
وقال هذي تحفة في عصرنا ... قلت اسقنيها يا إمام العصر
وقولي:
لما غدا حباب كأسي شاعرًا ... لنظم خمرياته يحرّر1
أوقفت ساقينا على نظامه ... فقال لي والله هذا جوهر
وقولي:
لما غدا راحي نحيلًا باليًا ... وكاد أن لم يك في الزجاج
وجاز بالماء إلى بحرانه ... ورق قالوا صنه بالعلاج
فجئته مستقصيًا أعراضه ... وجدته معتدل المزاج2
وقولي:
في حب كأسي لامني ... من ليس يدري حالتي
فقلت دعني إنني ... وجدت فيها راحتي
وقولي مماجنًا:
أعنابكم إن حرموا ماءها ... وحرفوا فيها على الشارب
لا تحرموني التين إني امرؤ ... أعشقه بالقلب والقالب
وقولي:
أدخلت أيري فيه ... أصبت منه المقاتل
فقلت كيف تراه ... فقال والله داخل
وقولي:
العلم ابن الكوير قال معي ... لطف وظرف حواهما الكرم
وقامتي بانة مهفهفة ... فقلت لا بانة ولا علم
وقولي:
قالوا صفي الدين أشعاره ... ما للورى في طرقها ممشى
وهكذا إنشاؤه مسكر ... قلت لهم والله ما أنشا
وقولي:
ديوان نظمي جاء وهو محرّر ... برقيق نظم لفظه يستعذب
فإذا بدى لا تستقلوا حجمه ... وحياتكم فيه الكثير الطيب
انتهى ما أوردته في باب التورية من كتاب الله وحديث نبيه -صلى الله عليه وسلم- وكلام أصحابه -رضي الله عنهم أجمعين- ومن نظم فحول العرب والمولدين، إلى أن ارتفع العلم الفاضلي وأوردت محاسنه، ومحاسن من مشى تحت علمه المحمدي، إلى أن اتصل هذا السند بأعيان أهل العصر.
قلت ولولا الحياء من العصابة النباتية، وأنا منها، لعززت العلمين من الوداعي
__________
1 حرّر: كتب.
2 مستقصيًا: متتبعًا ومتبينًا. وأعراض المرض: مظاهره وعلاماته.
(2/236)

بثالث، فأوردت هنا من مطرب عطر مفرداته ما يغني عن المثاني والمثالث، فإنه أحد أئمة هذا المذهب، وإذا ذكرت التورية فهو عذيقها المرجب، وعلى كل تقدير ففرسان العلمين المشهورين الفاضلي والنباتي هم الذين أبرزوا عروس التورية من خدرها، وحققوا للناس من تساذج عن نقوش القاعدة وسفل عن علوّ قدرها، ولم أخل بذكر الشهاب محمود، وكان محمود الحشمة في ألفاظه على كل ناظم وناثر، إلا أن التورية كانت غير مذهبه، ووقوعها في نظمه ونثره من النوادر، وتمذهب بها القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ولكن ما تفقه في هذا المذهب ولا حرره، ولا أبدر فيها بدر الدين بن حبيب، وكانت ليالي سطورها بنظمه غير مقمرة، ولهذا خدمها حذاق الأدب وحافظوا على الخدمة وثابروا وأنشدوا من رضي بالشعر الموزون:
إذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وازن وما أنا شاعر1
قلت: ومما تخيرته من نظم القاضي شهاب الدين بن فضل الله -رحمه الله- من النكت التي وقعت له عفوًا من غير كد ولا تكلف، قوله:
جاءوا بأنواع من الطيب لنا ... تحملها معشوقة ممشوقه2
قلت خذوا الطيب لكم جميعه ... بشرط أن لا تأخذوا المعشوقه
ومما اخترته من نظم بدر الدين بن حبيب -رحمه الله تعالى- قوله:
وجنته الحمراء لما اكتست ... خضرة أذناب الطواويس
عابوا لفرط الحسن دينارها ... فقلت خلوه على كيسي
قلت: وقد عنَّ لي أن أورد هنا نبذة من نظم من كانت التورية غير مذهبه، لأجعلها في مهالك الأشكال وموانع العقادة جل مطلبه، وما عليَّ ممن تأخر عصرًا أو تقدم، فإن الغرض أن يصير عقد التورية وهو بنظم من شعر بها منظم، وما خفي أن من حذاق الأدب من وقعت له التورية عفوًا، وصار العفو محلًا عند القدرة، ومنهم من نقب عنها وعسعس عليه ظلام التكليف، فلم يبرزها نيرة، كالشيخ صفي الدين، فإنها كانت غير مذهبه، وحاولوا مرارًا فأتى بها مغصوبة، ولم يبلغ من اقتناص شواردها بحبائل فكره مطلوبه، كقوله:
__________
1 وازن: هكذا في الأصل ونظنه من التحريف فالبيت غير قائم الوزن والأصح: وزّان: وهو الذي ينظم الشعر الموزون حسب التفعيلات.
2 ممشوقة: طويلة القوام.
(2/237)

وساق من بني الأتراك طفل ... آتيه به على جمع الرقاق1
أملكه قيادي وهو رقي ... وأفديه بعيني وهو ساقي2
قلت: لا شك أن مراده بالمعنى الواحد من التورية ساقي الراح، وهو ظاهر صحيح، وبالمعنى الآخر أن يكون هذا الساقي ساقًا للشيخ صفي الدين، وهو غير ممكن ولعمري إن هذا مسلك من ليس له في باب التورية مدخل، وهذه النكتة أبرزتها معلمة الطرفين، وأنا إذ ذاك مبتدئ لم أبلغ من البلاغة أشدي، ولا ثبت عند قضاة الأدب رشدي، بقولي موريًا ومضمنًا:
يا حسن ساق يقول إن ذهبت ... مدامكم تكيفوا بأحداقي
شمر عن ساقه لنا وسقى ... قامت حروب الهوى على ساق
قلت: ومما عقده الشيخ صفي الدين، في هذا الباب، بيت بديعيته الذي نظمه شاهدًا على هذا النوع، وهو قوله في مدح النبي، صلى الله عليه وسلم:
خير النبيين والبرهان متضح ... في الحجر عقلًا ونقلًا واضح اللقم3
قلت: ومن تواريه التي يستشهد بها على رفضه، ولا بد أن الله تعالى يقابله فيها على قبح سريرته وقلة أدبه، قوله:
إذا شاهدت عيناك وجه معذبي ... وقد زارني بعد القطيعة والهجر
رأيت بقلبي من تلقيه مرحبًا ... وسيف عليَّ في لحاظ أبي بكر
وكذلك الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسي، ناظم البديعية، كان عن نظم التورية بمعزل، ولم ترض أن تنزل من أبياته بمنزل، وبيت نظمه في بديعيته، شاهدًا على هذا النوع، في غاية العقادة والسفالة، وهو قوله:
لا يرفع العين للراجين يمنحهم ... بل يخفض الرأس قولًا هاك فاحتكم
وهذه البديعية غالبها سافل على هذا النمط، والتورية تجل عن أن تكون من مخدرات هذا البيت. ولكن أورد له الشيخ أبو جعفر، في شرحه الذي كتبه على بديعيته، ما هو منقول في هذا الباب، وهو قوله:
__________
1 أتيه: أفتخر.
2 ساقي: الساق المعروفة وساقي الخمر.
3 اللقم: الطريق والنهج الواضح.
(2/238)

وقفت للوداع زينب لما ... رحل الركب والمدامع تسكب
مسحت بالبنان دمعي وحلو ... سكب دمعي على أصابع زينب
قلت: ورتبة الشيخ صفي الدين بالنسبة إلى ابن جابر معلوم أنها عالية، ولكن التورية ما دخلت إلى بيت من بيوته إلا خرجت غير راضية.
ومن التواري التي وقعت لناظمها عفوًا، بل سحرًا من غير كد، قول القائل:
قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف
فذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف1
ومن ذلك قول جلال الدين شاعر ماردين قديمًا:
ويوم برد يد أنفاسه ... تخمس الأوجه من قرصها2
يوم تودّ الشمس من برده ... لجرت النار إلى قرصها
ومثله قوله شرف الدين بن منقذ:
ولرب ليل تاه فيه نجمه ... وقطعته سهرًا فطال وعسعسا3
وسألته عن صبحه فأجابني ... لو كان في قيد الحياة تنفسا
ومثله قول ابن نبيه، وكانت التورية غير مذهبه:
تعلمت علم الكيمياء بحبه ... غزال بجسمي ما بعينيه من سقم
فصعدت أنفاسي وقطرت أدمعي ... فصح بذا التدبير تصفية الجسم
ومثله قول ظهير الدين بن البارزي:
يا لحية الحب التي ... طال لها تلفتي
هل أنت مسك الترك أو ... هل أنت مسك تبت
ومثله قول أمين الدين السليماني:
أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر
__________
1 الخلاف: الصفصاف. وبلا خلاف: بلا شك.
2 تخمش: تلطم وتخدش. القرص: شدة البرد.
3 تاه النجم: غاب. عسعس الليل: انتشر.
(2/239)

ومثله قول محاسن الشواء:
ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمى قارض
وقد بهتوا لما رأوني ساهيًا ... وقالوا به عين فقلت وعارض2
ومثله قول سعد الدين الفارقي:
قف بي على نجد فإن قبض الهوى ... روحي فطالب خد ليلى بالدم
وإذا دجى ليل الفراق فناده ... يا كافرًا أحللت قتل المسلم
ومثله قول شهاب الدين بن أبي الحوف:
أقول لعقد أذهل الطرف حسنه ... على جيد خود وصلها كل مقصودي3
أخذت نظامًا راق معنى فقال لي ... وما زلت في عمري أدور على الجيد
ومثله قول إبراهيم بن عبد الله الغرناطي:
يا رب كأس لم تشج شمولها ... فأعجب لها جسمًا بغير مزاج
لما رأينا السحر من أشكالها ... جملًا نسبناه إلى الزجاج5
ومثله قول مجير الدين بن حبان الشاطبي:
تؤمون الحجاز وما علمتم ... بأن القلب بيتكم العتيق
وألفاظي العذيب وأضلعي المنـ ... ـحنى ودموع مقلتي العقيق6
ومثله قول الشريف محمد بن قاضي الجماعة بغرناطه، وهو:
حدائق أنبتت فيها الغوادي ... ضروب النور رائقه البهاء
فما يبدو بها النعمان إلا ... نسبناه إلى ماء السماء7
__________
1 قارض: جائز قاطع من قرض إذا جاز وقطع.
2 العين: صيبة العين. والعارض: المس.
3 الجيد: العنق. الخود: القناة الحسناء.
4 تشج الكأس: يمزج ما فيها من الخمرة بالماء لكسر سورتها.
5 الزجاج: أحد النحويين العرب.
6 العذيب والمنحنى والعقيق: أودية بظاهر المدينة المنورة.
7 النعمان: الزهر المعروف بشقائق النعمان، والنعمان بن المنذر بن ماء السماء، الملك.
(2/240)

ومنه قول لسان الدين بن الخطيب:
جلس المولى لتسليم الورى ... ولفضل البرد في الجوّ احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت هذا اليوم برد وسلام
ومنه قول الشيخ شمس الدين الأدفوي:
كم للنسيم على الربا من نعمة ... وفضيلة بين الورى لن تجحدا1
ما زارها وشكت إليه فاقة ... إلا وهز لها الشمائل بالندى2
ومثله، في الحسن واللطف، قول الشيخ موفق الدين الحكيم:
لله أيامنا والشمل مجتمع ... نظمًا به خاطر التفريق ما شعرا
وا لهف قلبي على عيش ظفرت به ... قطعت مجموعه المختار مختصرا
ومنه قول عبد العزيز الآمدي:
إن الذي في وجهه جنة ... حفت بمكروه من العذل
مقلته في وسط قلبي غدت ... أرملة تأكل بالغزل
ومنه قول القائل وأجاد:
ويد الشمال عشية مذ أرعشت ... دلت على ضعف النسيم بخطها
كتبت سقيمًا في صحيفة جدول ... فيد الغمامة صححته بنقطها
ومثله، في الحسن، قول علاء الدين بن البطريق ناظر الجيش ببغداد:
دار السراج بديعة ... فيها تصاوير بمكنه
تحكي كتاب كليلة ... فمتى أراها وهي دمنه3
ويعجبني في هذا الباب قول القائل في حمام:
إن حمامك التي نحن فيها ... أي ماء لها وأية نار
قد نزلنا فيها على ابن معين ... وروينا عنه صحيح البخارِ "ي"
__________
1 جحد: أنكر.
2 الفاقة: الحاجة. الشمائل: المكرمات. الندى: العطاء والكرم.
3 دمنة: أخو كليلة الثعلب الذي ورد اسمه في عنوان كتاب لابن المقفع "كليلة ودمنة" والدمنة آثار الدار أو الخربة.
(2/241)

ومن المخترعات في هذا الباب، قول الشيخ شمس الدين الواسطي يهجو عوادًا وزامرًا:
شبهت ذا العوّاد والزامر إذ ... ضاقت علينا بهم المناهج
بعقرب يضرب وهو ساكت ... وأرقم بنفخ وهو خارج1
ويعجبني قوله، من دو بيت:
إن ضرمني بجذوة التذكار ... حبي وبرى عظمي شكرت الباري
فالعاذل في هواه لا عقل له ... ما أبلد عاذلي وأذكى ناري
ومنه قول القاضي علاء الدين بن الجويني صاحب الديوان ببغداد:
يا طيب مبيتنا بواد السمر ... في بهجة ليلة بضوء القمر
وافى بفراقنا نسيم سحرًا ... ما أبرد ما جاء نسيم السحر
ومن الغايات في هذا الباب، قول الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
كم قال معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل2
والآن أوامري عليهم حكمت ... البيض تُحدُّ والقنا تعتقل3
ومثله قوله:
يا غاية منيتي ويا معشوقي ... من بعدك لم أمل إلى مخلوق
يا خير نديم كان لو يؤنسني ... من بعدك صليت على الراووق4
ويعجبني، من نظم المواليا في هذا الباب، قول القائل:
حبي ومحبوبتي مذ بان يوم البين ... زاروا عشا ليلة الاثنين قبل الحين
فصرت أنظر إلى زينه وألمح زين ... وأقول يا قلب ما أحلى ليلة الاثنين
ومثله، في اللطف، قول الآخر:
سمعتها وهي داخل دارها في الصحن ... تنشد رمل صحنت قلبي المعنى صحن5
يا ليتها مع تغنيها وطيب اللحن ... ترفع أجر ودع يدخل على اللحن6
__________
1 الأرقم: ذكر الحية.
2 الأسل: الرماح. والبيض: الخوذ.
3 تحدّ: تقاصص بالحد وهو قصاص محدد.
4 الراووق: إناء الخمرة.
5 صحنت: ضربت.
6 اللحن: الموسيقى والخطأ النحوي.
(2/242)

ومثله قول الآخر:
قالت لها أختها قصدي يسمعنا ... ما النحو قالت لها نحن بأجمعنا
للرفع والنصب أنا وأنتِ ومن معنا ... للجر والزوج حرف جاء للمعنى
ومنه قوله:
ستي الكبيرة لها الخدام والحرمه ... تحلف على النيك بالمصحف وبالختمه
جاها الطواشي أفشخت لو ناك من كلمه ... راحت يمين القواقية على قرمه
ومثله في اللطف قول القائل:
يا منيتي زدت لهواتي تنشفها ... واحرمتني الشفة الحمراء أرشفها
تحب بيضا وأجفانك تحشفها ... بالله أنظر ظلاماتي وكشفها
ويعجبني قول الشيخ حامد الحكاك:
ثار الغرام الذي في مهجتي خامد ... وسال دمعي الذي كنت أعهده جامد
وأنا ببغداد والمحبوب في آمد ... مصيبتي عظمت وأنا لها حامد
وقد طال الشرح، وأوردت في باب التورية من المحاسن ما يكفي، قديمًا وحديثًا، وأوردت بعد ذلك ما وقع فيها من النظم، عفوًا وتكليفًا. وقد تعين على إيراد ما وعدت به في ديباجة هذا الباب، من فقه التورية والكلام على أنواعها وأقسامها، فإن القول على اختلاف عبارات الحدود قد تقدم، والكل راجع إلى مقصود واحد، إذ القصد من لفظ التورية أن يكون مشتركًا بين معنيين أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويوري عنه بالقريب، فيوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك، ولهذا سمي هذا النوع إيهامًا.
أنواع التورية:
والتورية أربعة أنواع: مجردة، ومرشحة، ومبينة، ومهيأة.
النوع الأول التورية المجردة: وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المورى به، وهو المعنى القريب، ولا من لوازم المورى عنه، وهو المعنى البعيد. وأعظم أمثلة هذا النوع قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [ط: 5/ 20] ؛ لأن الاستواء على معنيين: أحدهما الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب، والثاني الاستيلاء والملك، وهو المعنى
__________
1 طه، 20/ 5.
(2/243)

البعيد المورى عنه، وهو المراد؛ لأن الحق سبحانه منزه عن المعنى الأول، ولم يذكر من لوازم هذا شيئًا، ولا من لوازم ذاك، فالتورية مجردة بهذا الاعتبار. ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في خروجه إلى بدر، وقد قيل له: ممن أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: من ماء، وأراد أنّا مخلوقون من ماء، فورى عنه بقبيلة من العرب يقال لها ماء. ومن ذلك قول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الهجرة وقد سئل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل من هذا؟ فقال هذا هاد يهديني. أراد أبو بكر هاديًا يهديني إلى الإسلام، فورى عنه بهادي الطريق الذي هو الدليل في السفر. ومنه قول القاضي عياض، في سنة كان فيها شهر كانون معتدلًا فأزهرت فيه الأرض:
كأن نيسان أهدى من ملابسه ... لشهر كانون أنواعًا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل1
فالتورية هنا مجردة، والشاهد في الغزالة والجدي والحمل، فإن الناظم لم يذكر قبل الغزالة ولا بعدها شيئًا من لوازم المورى به، كالأوصاف المختصة بالغزالة الوحشية، من طول العنق وسرعة الالتفات وسرعة النفرة وسواد العين، ولا من أوصاف المورى عنه، كالأوصاف المختصة بالغزالة الشمسية، من الإشراق والسمو والطلوع والغروب. فإن قيل إن الغزالة قد رشحت بذكر الجدي والحمل، وهما مرشحان بالغزالة، فالجواب إن لازم التورية من شرطه أن يكون لفظه غير مشترك، والغزالة هنا مشتركة وكذلك الجدي والحمل.
ومنه قول القاضي محيي الدين بن زيلاق، وقد أهدى لصاحب الموصل حملًا:
يا أيها المولى الذي ... ببابه كل أمل
لو لم تكن بدرًا لما ... أهدى لك الثور حمل
فالتورية وقعت بين البدر والثور والحمل، ولم يذكر لواحد منها لازمًا، فالبدر مشترك بين اسم الممدوح وبدر السماء، والثور مشترك بين الحيوان والبرج في السماء، وكذلك الحمل. ومنه قول بعضهم، من كان وكان:
لو سنبله خلف ظهرو ... ناظر إليها المشتري2
ولو ذنب ما يقارن ... حتى يرى الميزان3
__________
1 الغزالة: الشمس والحيوان المعروف. خرفت: فقدت قدرتها على التفكير والتمييز بين الأشياء. الجدي والحمل: منزلتين من منازل الشمس والمدارين المعروفين وحيوانين معروفين.
2 سنبلة: الشمس في منزلة تدعى السنبلة. المشتري: الكوكب المعروف.
3 ذنب: مذنب وهو مجموعة من الكواكب. الميزان: مجموعة من الكواكب.
(2/244)

ومنه قوله القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر يصف واديًا:
وبطحاء من واد يروقك حسنه ... ولا سيما إن جاد غيث مبكر1
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به العيش يحيى وهو لا شك جعفر2
فالتورية وقعت هنا في الفضل والربيع ويحيى وجعفر، والاشتراك في كل من الأربعة ظاهر.
النوع الثاني: التورية المرشحة: وهي التي يذكر فيها لازم المورى به، سميت بذلك لتقويتها بذكر لازم المورى به، ثم تارة يذكر اللازم قبل لفظ التورية، وتارة بعده، فهي بهذا الاعتبار قسمان: فالقسم الأول منها، هو ما ذكر لازمة قبل لفظ التورية، وأعظم أمثلته قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} 3 فإن قوله بأيد يحتمل الجارحة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح، البنيان، ويحتمل القوة وعظمة الخالق، وهذا المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، فإن الله سبحانه منزه عن المعنى الأول.
ومنه قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة:
فلما نأت عنّا العشيرة كلها ... أنخنا فخالفنا السيوف على الدهر
فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وقر4
الشاهد في الجفون فإنها تحتمل جفون العين، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد تقدم لازمًا من لوازمه على جهة الترشيح، وهو الإغضاء؛ لأنه من لوازم العين، وتحتمل أن تكون جفون السيوف أي أغمادها، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم.
ومن ألطف ما وقع في هذا القسم قول شمس الدين الحكيم بن دانيال الكحال:
يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وصنعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
الشاهد هنا، في أعين الناس، فإنها تحتمل الحسد وضيق العين، وهو المعنى
__________
1 البطحاء: الأرض المنبسطة. جاد الغيث: المطر إذا تساقط.
2 الفضل والربيع ويحيى وجعفر: من البرامكة والزيادة وفصل من فصول السنة، ويعيش والنهر.
3 الذاريات: 51/ 47.
4 الوقر: الذل.
(2/245)

القريب المورى به، وقد تقدم لازمه على جهة الترشيح، وهو درهم الإنفاق لأنه من لوازم الحسد، ويحتمل العيون التي يلاطفها بالكحل، وهذا هو المعنى المورى عنه، وهو مراد الناظم الكاحل.
انتهى القسم الأول من التورية المرشحة، والقسم الثاني منها، هو ما ذكر لازمه بعد لفظ التورية، ومن أمثلته اللطيفة قول الشاعر:
مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم
قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام بي عمي
الشاهد في الخال، فإنه يحتمل خال النسب، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد ذكر لازمه بعد لفظ التورية على جهة الترشيح وهو العم.
ومنه قول الشاعر:
أقلعت عن رشف الطلا ... واللثم في ثغر الحبب1
وقلت هذي راحة ... تسوق للقلب التعب
الشاهد هنا في الراحة التي هي ضد التعب، وقد ذكر التعب بعدها على جهة الترشيح لها، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل الراحة التي هي من أسماء الخمر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم.
النوع الثالث: التورية المبينة: وهي ما ذكر فيها لازم المورى عنه، قبل لفظ التورية أو بعده، فهي بهذا الاعتبار أيضًا قسمان: فالقسم الأول: هو ما ذكر لازمه من قبل، واستشهدوا عليه بقول البحتري:
وراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب
الشاهد هنا في تملح، فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي ضد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة التي هي عبارة عن الحسن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم، وقد تقدم من لوازمه على جهة التبيين ملية بالحسن.
قلت: هذا الشاهد الذي استشهدوا به من نظم البحتري فيه نظر، ولكن يأتي
__________
1 أقلع عن العادة: تركها. الرشف: الشرب على مهل. الطلا: الخمرة.
(2/246)

الكلام عليه في موضعه. ومن أحسن الشواهد على هذا القسم قول الشيخ شرف الدين بن عبد العزيز شيخ شيوخ حماة، رحمه الله تعالى:
قالوا أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى
يا عاذلي دونك من لحظه ... سهمًا ومن عارضه سطرا
الشاهد هنا في موضعين، وهما: السهم وسطرا، فإن المعنى البعيد هما الموضعان المشهوران بمتنزهات دمشق، وذكر النزهة بجلق قبلهما هو المبين لهما، وأما المعنى القريب فسهم اللحظ وسطر العارض.
القسم الثاني من التورية المبينة: هو الذي يذكر فيه لازم المورى عنه بعد لفظ التورية، ومن أمثلته البديعة قول الشاعر:
أرى ذنب السرحان في الأفق ساطعًا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع1
الشاهد هنا في موضعين2:
أحدهما ذنب السرحان، فإنه يحتمل أول ضوء الفجر، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو مراد الناظم، وقد بينه بذكر لازمه بعده بقوله ساطعًا، ويحتمل ذنب الحيوان المعروف، وهذا هو المعنى القريب المورّى به.
واستشهدوا على هذا القسم بقول ابن سناء الملك، وهو:
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليَّ ما ألقى برهطك
ملكت الخافقين فتهت عجبًا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك
الشاهد هنا في: الخافقين، فإنه يحتمل أن يريد قلبه وقرط محبوبه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو مراد الناظم، وقد بينه بالنص عليه فإنه صرح بعد الخافقين بذكر القلب والقرط، ويحتمل أن يريد ملك المشرق والمغرب وهذا هو المعنى القريب المورى به.
النوع الرابع: التورية المهيأة: وهي التي لا تقع فيها التورية ولا تتهيأ إلا باللفظ الذي قبلها، أو باللفظ الذي بعدها، أو تكون التورية في لفظين لولا كل منهما لما تهيأت في الآخر. فالمهيأة، بهذا الاعتبار، ثلاثة أقسام: القسم الأول من التورية المهيأة: وهو
__________
1 السرحان: الذئب والفجر.
2 يبدو أن ابن حجة نسي أن يذكر الموضع الثاني من الشاهد وهو قول الشاعر: الغزالة: التي يحتمل أن تكون ذلك الحيوان المعروف التي تشبه الفتاة الحسناء كما يحتمل أن تكون الشمس.
(2/247)

الذي تتهيأ فيه التورية من قبل، وقد استشهدوا على ذلك، بقول ابن سناء الملك يمدح الملك المظفر صاحب حماة:
وسيرك فينا يسرة عمرية ... فروحت عن قلب وأفرجت عن كرب1
وأظهرت فينا من سميك سنة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب
الشاهد هنا في الفرض والندب، وهما يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء، والندب صفة الرجل السريع في قضاء الحوائج الماضي في الأمور، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ولولا ذكر السنة لما تهيأت التورية فيهما، ولا فهم من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان صحت بهما التورية.
القسم الثاني من التورية المهيأة: وهو الذي تتهيأ فيه التورية بلفظة من بعد، ومن أمثلته نثرًا قول الإمام على بن أبي طالب -كرم الله وجهه- في الأشعث بن قيس: "إنه كان يحول الشمال باليمين". فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل أن يراد بها الشمال التي هي إحدى اليدين، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر اليمين بعد الشمال لما تنبه السامع لمعنى اليد.
ومنه نظمًا قول الشاعر:
لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا مريض لا يعود مريضا
لقضيت نحبًا في جنابك خدمة ... لأكون مندوبًا قضى مفروضا2
فالمندوب هنا يحتمل الميت الذي يبكى عليه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أحد الأكام الشرعية، وهو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر المفروض بعده لم يتنبه السامع لمعنى المندوب، ولكنه لما ذكر تهيأت التورية بذكره. ومثله قول أبي الحسين الجزار:
يا عذولي دعني من العذل إن ... النصح في مذهب الهوى تحريض
مت لما نأى فها أنا مندو ... ب فراق وحبه مفروض
الكلام على هذا الشاهد كالكلام على الذي قبله.
__________
1 روح عن القلب: فرحه من بعد حزن. الكرب: الشدة والهم.
2 النحب: النحيب وهو أشد البكاء والعمر أو المدة منه.
(2/248)

القسم الثالث من التورية المهيأة: وهو الذي تقع التورية فيه في لفظين، لولا كل منهما لما تهيأت التورية في الآخر، واستشهدوا على ذلك بقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو:
أيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
الشاهد، في البيت الأول، في الثريا وسهيل، فإن الثريا يحتمل أن يكون أراد بها بنت على بن عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو المراد، والقريب ثريا السماء، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وسهيل يحتمل أيضًا سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل كان رجلًا مشهورًا من اليمن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل النجم المعروف بسهيل، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر الثريا التي هي النجم لم يتنبه السامع لسهيل، وكل واحد منهما صالح للتورية.
والتورية هنا، لا تصلح أن تكون مرشحة ولا مبينة؛ لأن الترشيح والتبيين لا يكون كل منهما إلا بلازم خاص، والفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية واللفظ الذي تترشح به واللفظ الذي تتبين به، أن اللفظ الذي تقع به التورية مهيأة، لو لم يذكر لما تهيأت التورية أصلًا، واللفظ المرشح والمبين إنما هما مقوّيان للتورية، فلو لم يذكرا لكانت التورية موجودة.
وسبب نظم هذين البيتين أن سهيلًا المذكور تزوَّج الثريا المذكورة، وكان بينهما بون بعيد في الخلق، فإن الثريا كانت مشهورة في زمانها بالجمال، وسهيل بالعكس، وهذا مراد الناظم بقوله: عمرك الله كيف يلتقيان. وأيضًا هي شامية الدار، وسهيل يماني.
انتهى الكلام على التورية المهيأة وهي آخر أنواع التورية.
وهنا تنبيه فيه فائدة: وهو أن مشايخ هذا العلم قالوا: ليس كل لفظ مشترك بين معنيين تتصور فيه التورية، كاللغات التي تدور على الألسنة، وإنما تتصور حيث يكون المعنيان ظاهرين، إلا أن أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر.
وقد عنَّ لي أن أختم باب التورية بفائدة تكون مسكًا لختامها وبدرًا لتمامها، وهي أن بعض علماء هذا الفن قالوا، إن التورية، إذا جاءت بلازمين فتكافآ ولم يترجح أحدهما على الآخر، فكأنهما لم يذكرا وصار المعنى القريب والمعنى البعيد بذلك في درجة
(2/249)

واحدة، وتلحق هذه التورية بالمجردة وتعد فيها قسمًا ثانيًا، وتصير مجردة بهذا الاعتبار. واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر:
غدوت مفكرًا في سرّ أفق ... أرانا العلم من بعد الجهاله
فما طويت له شبك الدراري ... إلى أن أظفرته بالغزاله
وقالوا: إن الشبك من لوازم الغزالة الوحشية، والدراري من لوازم الغزالة الشمسية. قلت: أما قوله في تقريره: إن اللازمين إذا تكافآ ولم يترجح أحدهما على الآخر تصير التورية كالمجردة، فقريب. وأما الشاهد ففيه نظر، فإنه صدر بقوله: غدوت مفكرًا في سرّ أفق فالتفكر في سرّ هذا الأفق الذي أراه العلم من بعد الجهالة؛ لازم خاص يرجح جانب الغزالة الشمسية، وأما الشبك فاستعارة مرشح بالحسن لنجوم الدراري، وهي أيضًا مما يرشح جانب الشمس عند طيها، الذي أراد به الناظم غيابها، ولو كانت الشمس مجردة من الدراري، ربما كان للغزالة الوحشية بعض مقاربة، وعين الشمس هنا ما تغطى على الترجيح، والله أعلم.
واستشهدوا أيضًا على هذا بقول مجير الدين بن تميم:
وليلة بت أسقى في غياهبها ... راحًا تسل شبابي من يد الهرم1
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم
وقالوا أيضًا: إن الصبح من لوازم الغزالة الشمسية، والرعي من لوازم الغزالة الوحشية. قلت: أما الصبح فمن لوازم الغزالة الشمسية، كما قالوا، وأما رعي نرجس الظلم فليس من لوازم الغزالة الوحشية، وإنما هو استعارة مرشحة بالحسن للنجوم، وهي مثل استعارة الشباك والدراري، والغزالة الوحشية ليس لها هنا مرعى، فإنها أجنبية من رعي نرجس الظلم الذي هو عبارة عن النجوم، والله أعلم.
وقد تقدم قولي على الشاهد الذي أوردوه للبحتري، في التورية المبينة، بذكر لازم المورى عنه من قبل وقلت: فيه نظر، وهو قوله:
ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلب وتعذب
هذا الشاهد تعارض فيه اللازمان وتكافآ، وهو أقرب إلى المجردة، وما ذاك إلا أن الشاهد في قوله: تملح، يحتمل أن يكون من الملوحة، ولازمه تعذب، وهو المعنى.
__________
1 الغياهب: الظلمات. الراح: الخمرة. سل: سحب بسرعة.
(2/250)

القريب، ويحتمل أن يكون من الملاحة، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ولازمه ملية بالحسن، وقد تعارض اللازمان، وهذا هو الشاهد على هذا القسم الذي اختاروه أن يكون قسمًا ثانيًا للتورية المجردة، وأقرب منه قول الشيخ زين الدين بن الوردي:
قالت إذا كنت تهوى ... أنسي وتخشى نفوري
صد ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري
ومثله قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
حملت خاتم فيه فصًّا أزرقا ... من كثرة اللثم الذي لم أحصه
لولاه ما علم الرقيب فيا له ... من خاتم نقل الحديث بفصه
والأشباه والنظائر من هذا القسم كثير، والغرض أن اللازمين، إذا تعارضا وتكافآ في التورية، يلحق هذا القسم بالتورية المجردة.
انتهى الكلام على التورية، وقد قدمت من نظم الجماعة الذين مشوا تحت العلمين المشهورين ما هو أشهر من الأعلام، فالمتأمل إذا جمع بين طرفي هذا الباب، وعرف الأنواع والأقسام، وضع كل شيء في محله فإني كشفت له اللثام عن وجه التورية، وأما أبيات البديعيات فقد تقدم ذكرها، والله أعلم بالصواب.
(2/251)

ذكر المشاكلة:
ن اعتدى فبعدوان يشاكله ... لحكمة هو فيها خير منتقم
المشاكلة: في اللغة هي المماثلة، والذي تحرر في المصطلح، عند علماء هذا الفن، أن المشاكلة هي ذكر الشيء بغير لفظه، لوقوعه في صحبته، كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} 1، فالجزاء عن السيئة في الحقيقة، غير سيئة، والأصل: وجزاء سيئة عقوبة مثلها، ومثله قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} 2 والأصل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك، فإن الحق، تعالى وتقدس، لا يستعمل في حقه لفظ النفس، إلا أنها استعملت هنا مشاكلة لما تقدم من لفظ النفس، ومنه قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} 3 والأصل: أخذهم بمكرهم، ومنه قوله تعالي: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} 4 أي: فعاقبوه، فعدل عن هذا لأجل المشاكلة اللفظية.
وفي الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله لا يمل حتى تملوا". الأصل: فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا عن مسألته، فوضع لا يمل موضع لا يقطع الثواب، على جهة المشاكلة، وهو مما وقع فيه لفظ المشاكلة أولًا.
ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
__________
1 الشورى: 42/ 40.
2 المائدة: 5/ 116.
3 آل عمران: 3/ 54.
4 البقرة: 2/ 194.
(2/252)

أي فنجازيه على جهله، فجعل لفظة نجهل موضع فنجازيه، لأجل المشاكلة. ومثله قول الشاعر، وتلطف ما شاء:
قالو اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
أراد خيطوا، فذكره بلفظ اطبحوا، لوقوعه في صحبة طبخه.
قلت: قد تقرر أن هذا النوع، أعني المشاكلة، اللفظية، أن يأتي المتكلم في كلامه باسم من الأسماء المشتركة في موضعين، فتشاكل إحدى المشاكلتين اللفظيتين الأخرى في الخط واللفظ ومفهومها مختلف. ومن إنشادات التبريزي في هذا الباب، قول أبي سعيد المخزومي:
حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال
فلفظة الآجال الأولى: أسراب البقر الوحشية، والثانية: منتهى الأعمار، وبينهما مشاكلة في اللفظ والخط. قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمى: "بتحرير التحبير"، هذا الشاهد وأمثاله داخل في باب التجنيس. قلت: قول الشيخ زكي الدين ظاهر ليس في صحته سقم، وهذا البيت الذي أنشده التبريزي من أحسن الشواهد على الجناس التام، ولو اعتمد البديعيون على المشاكلة المعنوية لخلصوا من هذا الاعتراض. وعلى كل تقدير، فالمعارضة تعدّت حكم الالتزام في نظم هذا النوع، أعني المشاكلة اللفظية. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته، على هذا النوع، قوله عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
يجزي إساءة باغيهم بسيئة ... ولم يكن عاديًا منهم على إرم1
وبيت العميان:
سقاهم الغيث ماء إذ سقى ذهبًا ... فغير كفيه إن أمحلت لا تشم2
وبيت الشيخ عز الدين:
يجزي بسيئة للضد سيئة ... معنى مشاكلة من خير منتقم
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
من اعتدى فبعدوان يشاكله ... لحكمة هو فيها خير منتقم
__________
1 إرم: مدينة قوم عاد الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر: 89/ 7] .
2 شام: طلب.
(2/253)

ذكر الجمع مع التقسيم:
مع الأعادي بتقسيم يفرّقه ... فالحي للأسر والأموات للضرم1
هذا النوع، أعني الجمع مع التقسيم، هو أن يجمع الناظم بين شيئين فأكثر، ثم قسم. كقول أبي الطيب المتنبي:
الدهر معتذر والسيف منتصر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
وقد يتقدم التقسيم ويتأخر، كقول حسان بن ثابت:
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حالوا النفع في أشياعهم نفعوا2
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع3
فالأول أحسن وأوقع في القلوب، وعليه مشى أصحاب البديعيات.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
أبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم4
__________
1 الضرم: الاحتراق.
2 أو حالوا: هكذا وردت في الأصل، ونظن أنه سقط منها حرف الواو وهي: حاولوا. أشياعهم: أتباعهم.
3 السجية: العادة. المحدث: الجديد الذي كان بعد أن لم يكن. البدع: الافتراءات وهي ما يستحدث في الدين زورًا وبهتانًا.
4 الرخم: طير من الجوارح كبير الجثة وحشي الطباع.
(2/254)

وبيت العميان في بديعيتهم:
والمال والماء في كفيه قد جريًا ... هذا لراج وذا للجيش حين ظمي
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:
علم ومال على جمع تقسمه ... هذا لغمر وهذا نفع مغترم4
وبيت بديعيتي:
جمع الأعادي بتقسيم يفرقه ... فالحي للأسر والأموات للضرم
__________
1 الغمر: الجاهل غير المجرب للأمور. المغترم: الآثم.
(2/255)

ذكر الجمع مع التفريق:
ناه كالبرق إن أبدوا ظلام وغى
والعزم كالبرق في تفريق جمعهم
هذا النوع، أعنى الجمع مع التفريق: هو أن يجمع الشاعر بين شيئين في حكم واحد، ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 1 فكأنه يقول: الشمس والقمر كوكبان، فهذا نهاري، وهذا ليلي، فجمع بينهما إذ هما كوكبان، ثم فرق بأن هذا يضيء نهارًا وهذا يضيء ليلًا، فوقع الفرق في الشيء الذي وقع به الجمع.
واستشهدوا على هذا النوع بقول الفخر عيسى:
تشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة
فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي
هذا الناظم جمع بين الدمعين في الشبه، ثم فرق بينهما بأن دمعها أبيض، فإذا جرى على خدها صار أحمر بسبب احمرار خدها , وأن دمعه أحمر؛ لأنه يبكي دمًا وجسده من النحول أصفر، فإذا جرى عليه الدمع حمره.
ومنه قول البحتري:
ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر منا ولاقطه2
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
__________
1 الإسراء: 17/ 12.
2 لاقط الدر: جامعه.
(2/256)

وبيت الصفي الحلي:
سناه كالبرق يجلو كل مظلمة ... والعزم كالنار يفني كل مجترم1
وبيت العميان في تركيبه قلق، حيث قالوا:
فلذ بمن كفه والبحر ما افترقا ... إلا بكف وبحر في كلامهم2
وبيت الشيخ عز الدين، شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين الحلي، بقوله:
وعزمه النار في جمع يفرقه ... ووجهه النور يجلو ظلمة الغشم3
وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
سناه كالبرق إن أبدوا ظلام وغى ... والعزم كالبرق في تفريق جمعهم
__________
1 المجترم: مرتكب الجريمة.
2 لاذ: احتمى.
3 الغشم: الظالمون، والليالي المظلمة.
(2/257)

ذكر الإشارة:
من إشارته في الحرب كم فهم ألـ ... أنصار معنى به فازوا بنصرهم
هذا النوع، أعني الإشارة، مما فرّعه قُدَامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على المعنى الكثير، بإيماء ولمحة تدل عليه، كما قيل في صفة البلاغة، هي لمحة دالة. وتلخيص هذا الشرح: إنه إشارة المتكلم إلى المعاني الكثيرة بلفظ يشبه، لقلته واختصاره، بإشارة اليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء، لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة، وحسن البيان مع الاختصار؛ لأن المشير بيده، إن لم يفهم المشار إليه معناه، فإشارته معدودة من العبث.
وكان النبي، صلى الله عليه وسلم: سهل الإشارة، كما كان سهل العبارة وهذا ضرب من البلاغة يمتدح به.
والإشارة قسمان: قسم للسان، وقسد لليد. ومن شواهد الإشارة في الكتاب العزيز قوله: {وَغِيضَ الْمَاءُ} 1 فإنه سبحانه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء، وذهاب الماء الذي كان حاصلًا على وجه الأرض قبل الإخبار، ولو لم يكن كذلك لما غاض الماء. ومنه قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} 2 فالمح أيها المتأمل كل ما تميل النفوس إليه من اختلاف الشهوات، وملاذ الأعين في اختلاف المرئيات لتعلم أن بلاغة هذا اللفظ القليل جدًّا، عبرت عن المعاني
__________
1 هود: 11/ 44.
2 الزخرف: 43/ 71.
(2/258)

التي لا تنحصر عدا. ومنه قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} 1. ومن المنظوم قول زهير في هذا النوع:
فإني لو لقيتك فاتجهنا ... لكان لكل منكرة لقاء
يعني قابلت كل منكرة بمثلها.
ومن أمثلة هذا النوع قول امرئ القيس:
بعزهم عززت فإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا
فانظر كم تحت قوله: أنالك ما أنالا، من أنوع الذل ومثله قوله:
فلأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل
أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل
فالحظ كم تحت قوله: وفضله الفضل، بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت، من أصناف المدح وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله: غريب نعمته، غاية المدح، إذ جعل نعمته غريبة لم يقع مثلها في الوجود، وكم تحت قوله: وفعلك الفعل، بعد إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ترجيح شجاعته عليهم. ومنه قوله في صفة الفرس:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا واني2
فإنه أشار بقوله: أفانين، إلى جمع صنوف عدو الخيل المحمودة، والذي يدل على ذلك قوله: قبل سؤاله، فإن الأفانين المحمودة كانت منه عفوًا من غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف. ولو عدت هذه المعاني بألفاظها الموضوعة لها، لاحتاجت في العبارة إلى ألفاظ كثيرة.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته:
يولي الموالين من جدوى شفاعته ... ملكًا كبيرًا عدا ما في نفوسهم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
ما تشتهي النفس يهدي في إشارته ... يعطي فنونًا بلا من ولا سأم
وبيت بديعيتي:
ومن إشارته في الحرب كم فهم ... الأنصار معنى به فازوا بنصرهم
__________
1 النجم: 53/ 10.
2 الهيكل: الحصان الضخم الجثة الغليظ العظام. الكزّ: السريع. الواني: البطيء.
(2/259)

ذكر التوليد:
ليد نصرتهم يبدو بطلعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم
قلت: هذا النوع أعني، التوليد: ليس تحته كبير أمر، وهو على ضربين من الألفاظ والمعاني، فالذي من الألفاظ تركه أولى من استعماله؛ لأنه سرقة ظاهرة، وما ذاك إلا أن الناظم يستعذب لفظة من شعر غيره، فيقتضبها ويضمنها غير معناها الأول في شعره، كقول امرئ القيس في وصف الفرس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل1
فاستعذب أبو تمام قيد الأوابد فنقلها إلى الغزل فقال:
لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب2
والتوليد من المعاني، هو الأجمل والأستر3، وهو الغرض ههنا، وذلك أن الشاعر ينظر إلى معنى من معاني من تقدمه، ويكون محتاجًا إلى استعماله، في بيت من قصيدة له، فيورده ويولد منه معنى آخر، كقول القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل4
وقال من بعده، ونقص الألفاظ، وزاد تمثيلًا وتوكيدًا وتذييلًا:
__________
1 الوكنات: جمع وكنة وهي العش والمخبأ. المنجرد: الذي يسهل قيادة قيد الأوابد: يعني أنه لسرعته لا تفلت منه الوحوش. الهيكل: الضخم
2 الخفارة: الحراسة.
3 "الأستر": هكذا وردت ونعتقد أنها: "الأَسْيَر" أي الأكثر وجودًا في النظم.
4 المتأني: المتمهل. الزلل: الخطأ.
(2/260)

فمعنى صدر هذا البيت معنى بين القطامي بكماله، ومعنى عجزه نوع التذييل، وما تقدم ذكره، وهو مولد.
قال ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير": أغرب ما سمعت في التوليد قول بعض العجم:
كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهي العذب صاد
وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد1
فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لصًّا، وولد من معناه ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت توليد وإغراب وإدماج. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع.
من سبّق لا يرى سوط لها سملا ... ولا جديد من الأرسان واللجم2
بيت صفي الدين هنا غير صالح للتجريد، وقد تكرر عليه هذا النقد في كثير من الأبيات، فإن بيته لم يظهر له معنى إن لم ينشد البيت الذي قبله، وهذا العيب سماه علماء هذا الفن التضمين، ويأتي الكلام عليه في موضعه، ولكن هو أقبح ما يكون في البديعيات؛ لأن المراد من بيت البديعيات أن يكون بمجرده شاهدًا على النوع المذكور، ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده.
وبيت صفي الدين مولد من قول أبي عبد الله بن الحجاج:
خرقت صفوفهم بأقب نهد ... مراح السوط متعوب العنان3
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين:
ما لي بتوليد مدحي في سواه هدى ... لمعشر شبهوا الهندي بالجلم4
وبيت عز الدين هنا صالح للتجريد، فإن ضميره عائد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما قوله:
__________
1 بهيم: شديد السواد.
2 السبق: الخيل السابقة. السوط: الكرباج. سمل: البالي من كثرة استعماله أي هي خيول تسبق دون أن تضرب. اللجم جمع لجام وهو حديدة توضع في فم الخيل ليسهل قيادها والسيطرة عليها.
3 الأقب: من الخيل الضامر. النهد: السريع القفز. مراح السوط: مدهونه وذلك ليصير أشد لسعًا. متعوب العنان: عنانه تعب لسرعته.
4 الهندي: السيف. الجلم: المقص.
(2/261)

لمعشر شبهوا الهندي بالجلم، فإن ذكر في شرحه أنه ولده من قول أبي الطيب المتنبي:
فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما أراه من الإحسان عميانا1
ثم قال في الشرح: ما شبه السيف بالمقص إلا أعمى. قلت: ومن أين لنا أن تشبيه السيف بالجلم مولد من بيت المتنبي، وألفاظها ومعانيها ظاهرة للمتأمل.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
توليد نصرتهم يبدو بطلعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم
معنى هذا البيت ولدته من قول أبي تمام:
والنصر من شهب الأرماح لامعة ... بين الخميس علا في السبعة الشهب2
ولكن ذكر التوليد هنا، وهو اسم النوع البديعي، مع النصرة لا تخفى محاسنه على حذاق الأدب، فإنه التوليد في التوليد، وذكر الرمل هنا توليد آخر، وقد جمعت في صدر هذا البيت وعجزه بين التوليد الذي هو المراد من التورية في تسمية النوع، وبين التذييل بقولي، بعد تتمة الفائدة: ما توليد رملهم، وبين مراعاة النظير، بذكر التوليد والرمل والسبعة الشهب والنصرة، وجمعت بين قسمي التوليد في اللفظ والمعنى، والذي بينهما من توليد المحاسن الظاهرة الزائدة على بيت أبي تمام غير خاف على المتأمل المنصف، والله أعلم.
__________
1 العيس: الإبل جمع أعيس.
2 الخميس: الجيش.
(2/262)

ذكر الكناية:
قالوا طويل نجاد السيف قلت وكم ... لناره ألسن تكني عن الكرم1
الكناية: هي الإرداف بعينه، عند علماء البيان، وإنما علماء البديع أفردوا الإرداف عنها، والكناية هي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى ردفه في الوجود فيومئ إليه، ويجعله دليلًا عليه، مثال ذلك قولهم: طويل النجاد، كثير الرماد، يعنون بذلك أنه طويل القامة، كثير القرى2. فلم يذكروا المراد بذكره الخاص به، ولكن توصلوا إليه بمعنى آخر هو رديفه في الوجود، ألا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر الرماد؟ ومن أحسن الأمثلة على هذا النوع قول الشاعر:
بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم3
أراد أن يذكر طول جيدها فأتى بتابعه وهو بعد مهوى القرط. ومثله قول ليلى الأخيلية:
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
كَنّتْ عن الإفراط في الجود بخرق القميص، لجذب العفاة له عند ازدحامهم عليه لأخذ العطاء.
والأبلغ في هذا الباب والأبدع، أن يكني المتكلم عن اللفظ القبيح باللفظ الحسن.
__________
1 نجاد السيف: حمائله وطويل نجاد السيف كناية عن طول قامته.
2 القِرى: إطعام الضيوف.
3 بعيدة مهوى القرط: كناية عن طول عنقها. والمهوى: الموضع، والقرط: ما تتزين به المرأة في أذنيها.
(2/263)

والمعجز في ذلك قوله تعالى: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} 1 كناية عن الحدث، وقوله جل جلاله: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} 2 يريد بذلك ما يكون بين الزوجين. وعلى الجملة لا تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز إلا بلفظ الكناية؛ لأن المعنى الفاحش متى عبر المتكلم عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيبًا، من جهة فحش المعنى، ولهذا عاب قدامة على امرئ القيس قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول3
إذا ما بكى من تحتها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
قال، أعني قدامة: عيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، والقرآن منزه عن ذلك. ولو استعار امرؤ القيس لمعناه الفاحش لفظ الكناية لسلم من العيب، وهذا القدر ينتقد على مثله. وفي السنة النبوية من الكنايات ما لا يحصى، كقوله صلى الله عليه وسلم: لا يضع العصا عن عاتقه كناية عن الضرب، أو كثرة السفر. وحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول لمن به أُبنة4 أنت تحت العصا وأنشد:
زوجك زوج صالح ... لكنه تحت العصا
ومن نخوة العرب وغيرتهم كانت كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العزيز بذلك، فقال سبحانه: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} 5. وقال امرؤ القيس في معلقته:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهواتها غير معجل6
أي بيضة خدر يعني امرأة كالبيضة في صيانتها لا يرام خباؤها لعزتها. ومن لطائف الكنايات قول بعض العرب:
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمه الله السلام
__________
1 المائدة: 5/ 75.
2 النساء: 4/ 21.
3 طرق: زار ليلًا. ذو التمائم: الولد. المحول: الذي له حول من العمر.
4 الأُبنة: العيب.
5 الصافات: 37/ 49.
6 بيضة الخدر: المرأة المصونة في خدرها وهو الخباء. لا يرام: لا يمكن الوصول إليه. لهواتها: واحدتها لهاة وهي قطعة من اللحم مدلاة في سقف الفم.
وهذا البيت يروى كما يلي:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
وغير معجل: غير مستعجل، دليل على عدم الخوف.
(2/264)

سألت الناس عنك فخبروني ... هناة ذاك تكرهه الكرام1
وليس بما أحلّ الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام
فإن هذا الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناة عن الرفث، فإن العرب كانت تكني بها عن مثل ذلك. وأما الكناية بالنخلة عن المرأة من ألطف الكنايات.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته عن الكناية قوله:
كل طويل نجاد السيف يطربه ... وقع الصوارم كالأوتار والنغم2
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
داع كثير رماد القدر إن وصفت ... كناية بطنها والظهر بالدسم
قول الشيخ عز الدين: كثير رماد القدر، معلوم أنه أراد بذلك الكرم، وأما تتمة البيت، فالدسم الظاهر من القدر في ظاهرها تعافه النفس، ولفظة الدسم سافلة بعيدة عن حشمة الألفاظ.
وبيت بديعيتي:
ؤقالوا طويل نجاد السيف قلت وكم ... لناره ألسن تكني عن الكرم
تقدم القول إن الناس كنوا بطول النجاد عن طول القامة، وبكثرة الرماد عن كثرة القرى، ولكن الكناية بألسن النار عن كثرة الكرم والقرى لا تخفى استعارتها التي كادت تقوم مقام الحقيقة من المحاسن الظاهرة، والله أعلم بالصواب.
__________
1 الهناة: واحدتها هنة وهي الضعف والعيب.
2 الصوارم: السيوف.
(2/265)

ذكر الجمع:
آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم
هذا النوع، أعني الجمع: هو أن يجمع المتكلم بين شيئين فأكثر في حكم واحد، كقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 1 جمع سبحانه وتعالى المال والبنون في الزينة. ومنه قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} 2 فجمع بين الشمس والقمر في الحسبان، وجمع بين النجم والشجر في السجود. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح آمنًا في سربه معافَىً في بدنه -ويروى في جسده- عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". فجمع الأمن ومعافاة البدن وقوت اليوم في حوز الدنيا بحذافيرها، وهي النواحي والواحد حذفار، ومنه قول الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
فجمع بين الشباب والفراغ والجدة في المفسدة.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في الجمع قوله:
آراؤه وعطاياه ونقمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم
وبيت العميان في بديعيتهم:
قد أحرز السبق والإحسان في نسق ... والعلم والحلم قبل الدرك للحلم
__________
1 الكهف: 18/ 46.
2 الرحمن: 55/ 5، 6.
(2/266)

وبيت الشيخ عز الدين:
للفصل والفضل والألطاف منه يرى ... والعلم والحلم جمع غير منخرم1
قلت: حشو لفظة يرى، في بيت الموصلي، أذهب طلاوة الانسجام.
وبيت بديعيتي:
آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم
__________
1 المنخرم: المنقطع، والمثقوب والمنثلم.
(2/267)

ذكر السلب والإيجاب:
إيجابه بالعطايا ليس يسلبه ... ويسلب المنّ منه سلب محتشم
هذا النوع، أعني: السلب والإيجاب، ذكر ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير": أنه من مستخرجاته. ولكن رأيت لأبي هلال العسكري تقريرًا حسنًا على هذا النوع، وهو أن يبني المتكلم كلامه على نفي شيء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، والذي قرَّره ابن أبي الأصبع، هو أن يقصد المادح إفراد ممدوحه بصفة لا يشركه فيها غيره، فينفيها في أوّل كلامه عن جميع الناس، ويثبتها لممدوحه بعد ذلك، كقول الخنساء في أخيها:
وما بلغت كف امرئ متطاولًا ... من المجد إلا والذي نلت أطول
ولا بلغ المهدون للناس مدحة ... وأن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: ويروى متناولًا، ونصبها على أنها مفعول به، وما هنا أبلغ، وعلى هذه الرواية رسمنا هذا الشاهد. وأخذ أبو نواس معنى البيت الثاني، ولكن لم يتمكن منه إلا في بيتين، ومع ذلك قصر عنه تقصيرًا زائدًا، فقال:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني
هذا كله عين كلام الخنساء، ولكن فاته وإن أطنبوا في بيت الخنساء، وقولها: وما بلغ المهدون، وكل هذه المبالغات قصر عنها أبو نواس، والفرق بين فأنت الذي نعني، وبين الذي فيك أفضل ظاهر وأعظم الشواهد علي هذا النوع قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} 2 ومنه قول امرئ القيس:
__________
2 الإسراء: 17/ 23.
(2/268)

هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج1
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع:
أغرّ لا يمنع الراجلين ما طلبوا ... ويمنع الجار من ضيم ومن حرم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله:
لم ينف ذمًا بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم
وبيت بديعيتي:
إيجابه بالعطايا ليس يسلبه ... ويسلب المن منه سلب محتشم
__________
1 هضيم الحشا: دقيقة الخصر. الحجل والدملج: الأساور والمجوهرات.
(2/269)

ذكر التقسيم:
هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيًّا وميتًا ومبعوثًا مع الأمم
التقسيم أول أبواب قدامة، وهو في اللغة مصدر قسمت الشيء إذا جزأته، وفي الاصطلاح اختلفت فيه العبارات والكل راجع إلى مقصود واحد، وهو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين ليخرج اللف والنشر، هذه عبارة صاحب التلخيص وذكر بعضها في الإيضاح.
وقال السكاكي: هو أن يذكر المتكلم شيئًا ذا جزأين أو أكثر ثم يضيف إلى واحد من أجزائه ما هو له عنده.
ومنهم من قال: هو أن يريد المتكلم متعددًا، أو ما هو في حكم المتعدد، ثم يذكر لكل واحد من المتعددات حكمه على التعيين.
وتعجبني بلاغة زكي الدين بن أبي الأصبع، فإنه قال: التقسيم عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه، ومثل ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} 1 ليس في رؤية البرق غير الخوف من الصواعق، والطمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين. ومن لطيف ما وقع في هذه الجملة من البلاغة، تقديم الخوف على الطمع، إذ كانت الصواعق لا يحصل فيها المطر في أول برقة، ولا يحصل إلا بعد تواتر البرقات، فإن تواترها لا يكاد يكذب، ولهذا كانت العرب تعد سبعين برقة ثم تنتجع، فلا تخطئ الغيث والكلأ، وإلى هذا المعنى أشار المتنبي بقوله:
وقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام
__________
1 الرعد: 13/ 12.
(2/270)

فلما كان الأمر المخوف، من البرق، يقع في أول برقة، أتى ذكر الخوف في الآية الكريمة أولًا، ولما كان الأمر المطمع إنما يقع من البرق بعد الأمر المخوف، أتى ذكر الطمع في الآية الكريمة ثانيًا، ليكون الطمع ناسخًا للخوف، لمجيء الفرج بعد الشدة ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} 1 فاستوفت الآية الكريمة جميع الهيئات الممكنات. ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه} 2 فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها، فإن العالم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة. ومنه قوله تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} 3 فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة، ولا رابع لها، والمراد الحالي والماضي والمستقبل فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال.
وفي الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أوتصدقت فأبقيت". ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "من أقام الصلاة كان مسلمًا ومن آتى الزكاة كان محسنًا ومن شهد أن لا إله لا الله كان مخلصًا". فإنه صلوات الله عليه استوعب الوصف الذي من الدرجات العليا والوسطى والسفلى. ومنه قول على بن أبي طالب، كرم الله وجهه: "أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره". فإنه استوعب أقسام الدرجات، وأقسام أحوال الإنسان بين الفضل والكفاف والنقص.
ويحكى أن بعض وفود العرب قدم على عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وكان فيهم شاب فقام وتقدم في المجلس وقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون. سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لنا لا تمنعونا، وإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. قال عمر بن عبد العزيز: ما ترك لنا الأعرابي في واحدة عذرًا.
ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضله، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت: قال الحسن: ما ترك الأعرابي في واحدة عذرًا.
__________
1 آل عمران: 3/ 191.
2 فاطر: 35/ 32.
3 مريم: 19/ 64.
(2/271)

ومن النظم قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم1
ونقل أبو نواس جد زهير إلى الهزل، فقال:
أمر غدٍ أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس
فإنما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس2
وقال ابن حيوس، وأجاد في تقسيمه:
ثمانية لم يفترقن جميعها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شقر3
ضميرك والتقوى وكفك والندى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر
ومنه قول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض، قدس الله روحه:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ... ونور ولا نار وروح ولا جسم
وأنشد سيبويه بيتًا بديعًا على هذا الباب، وهو قوله:
فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق أيمن الله ما ندري
ويعجبني قول الحماسي في هذا الباب.
وهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... عن الدار أو من غيبته المقابر
ويعجبني قول، أبي تمام في مجوسي أحرق النار:
صلى لها حيًّا وكان وقودها ... ميتًا ويدخلها مع الفجار
ومنه قول عمرو بن الأهتم:
اشربا ما شربتهما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير
وبيت صفي الدين مأخوذ من قول عمرو بن الأهتم:
أفنى جيوش العدا غزوًا فلست ترى ... سوى قتيل ومأسور ومنهزم
__________
1 غم: جاهل.
2 ابنة الشمس: من أسماء الخمرة.
3 ذبَّ: دافع وحامى. الشَّقْر: الأمر المهم.
(2/272)

وبيت النعمان في بديعيتهم
غيثان أما الذي من فيض أنمله ... فدائم والذي للمزن لم يدم
وبيت الشيخ عز الدين:
تقسيمه الدهر يومًا أمسه كغد ... في الحلم والجود والإيفاء للذمم
قلت: قد تقدم شرح هذا النوع، وتقرر أن الاثنين في التقسيم لا يمكن أن يكون لهما ثالث، والثلاثة لا يجوز أن يكون لها رابع. وقد تقدم في الاثنين قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} 1 وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في المطر. وتقدم في تقسيم الثلاثة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت". ولا رابع لهذه الثلاثة.
ورأيت باب الزيادة في بيت الشيخ عز الدين مفتوحًا، فإنه يحتمل الحلم والجود وإيفاء الذمم والشجاعة والصبر والقناعة والدين وهلم جرًا. وتقدم أن بيت صفي الدين الحلي مأخوذ من بيت عمرو بن الأهتم.
اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير
فهذه الثلاثة لا تحتمل رابعًا.
وكذلك بيت صفي الدين، فإنه مأخوذ من هنا. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيًّا وميتًا ومبعوثًا مع الأمم
وهذه الثلاثة أيضًا لا يمكن أن يكون لها رابع، وهذا النوع ليس في تحصيله على واضعه مشقة زائدة على حذاق الأدب، لا سيما مثل الشيخ عز الدين. والذي أقوله: إنه لم تضق عليه المسالك إلا بالتزام التورية في تسمية النوع، والله أعلم.
__________
1 الرعد: 13/ 12.
(2/273)

ذكر الإيجاز:
أوجز وسل أوّل الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم
هذا النوع، أعني الإيجاز، اعتنت به فصحاء العرب وبلغاؤها كثيرًا، فإنهم كانوا إذا قصدوا الإيجاز أتوا بألفاظ استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة، كأدوات الاستفهام والشرط وغير ذلك. فقولك: أين زيد؟ مغن عن قولك: أزيد في الدار أم في المسجد، إلى أن تستقري جميع الأماكن. وقولك: من يقم أقم معه، مغن عن: إن يقم زيد أو عمرو أقم معه. وما بالدار من أحد، مغن عن قولك: ليس فيها زيد ولا عمرو. فغالب كلام العرب مبني على الإيجاز والاختصار، وأداء المقصود من الكلام بأقل عبارة.
وهذا النوع على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف. فإيجاز القصر: اختصار الألفاظ، وهو كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} 1 فهذا اللفظ الوجيز المعجز المختصر، غاية في الإيجاز والإيضاح والإشارة والكناية والطباق وحسن البيان والإبداع ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} 2 وعظ في ذلك بألطف موعظة، وذكر بألطف تذكرة، واستوعب جميع أقسام المعروف والمنكر، وأتى بالطباق اللفظي والمعنوي، وحسن النسق والتسهيم، وحسن البيان والإيجاز، وائتلاف اللفظ ومعناه، والمساواة وصحة المقابلة وتمكين الفاصلة. ومن ذلك قول الشاعر:
يا أيها المتحلي دون شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
__________
1 البقرة: 2/ 179.
2 النحل: 16/ 90.
(2/274)

وإيجاز الحذف: عبارة عن حذف بعض لفظه، لدلالة الباقي عليه كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} 1 وكقول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا
أي ومعتقلًا رمحا. ومثله قول الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا،
أي: وسقيتها ماء باردًا.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على الإيجاز:
واستخدم الموت ينهاه ويأمره ... بعزم مغتنم في زي مغترم
تقديره بعزم رجل مغتنم، ومثله في زي مغترم، ولكنه ما تحته في بلاغة الإيجاز كبير أمر.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وقول الشيخ عز الدين:
وسل زمانك تلف الكتب راوية ... إيجاز معنى طويل الذكر مرتسم2
الشيخ عز الدين إيجازه: وسل زمانك، أي أهل زمانك، وأما بقية البيت فلا أفهم له معنى، فإن البيت الذي قبله متعلق بمدح النبي -صلى الله عليه وسلم- ماش في أثر الأبيات التي قبله، وأما رواية الكتب لإيجاز هذا المعنى الطويل المرتسم، فإنه نوع من المعميات، والله أعلم.
وأما بيت بديعيتي فهو قولي عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
أوجز وسل أول الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم
الضمير في لفظة فيه عائد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والإيجاز البديع البليغ الغريب في قولي:
وسل أول الأبيات، فإنه إشارة إلى أول بيت وضع للناس، والإيجاز الثاني في قولي: وسل مكة أي وسل أهل مكة، فهذا البيت المبارك فيه إيجازان بليغان، وفيه التورية بتسمية النوع، وفيه المناسبة البديعة بين مكة والبيت والحرم، ومراعاة النظير أيضًا بين الإيجاز والمدح والإثبات، وفي الأبيات تورية أخرى، ونوع التمكين في القافية ظاهر.
__________
1 يوسف: 12/ 82.
2 تَلْفَ: تجد.
(2/275)

ذكر المشاركة:
بالحجر ساد فلا ند يشاركه ... حجر الكتاب المبين الواضح اللقم1
هذا النوع، أعني الاشتراك، جعله ابن رشيق وابن أبي الأصبع ثلاثة أقسام: قسمان منها من العيوب والسرقات، وقسم من المحاسن: وهو أن يأتي الناظم في بيته بلفظة مشتركة بين معنيين اشتراكًا أصليًّا، أو فرعيًّا، فيسبق ذهن سامعها إلى المعنى الذي لم يرده الناظم، فيأتي في آخر البيت بما يؤكد أن المقصود غير ما توهمه السامع، كقول كثير عزة:
وأنت الذي حببت كل قصيرة ... إلَيّ ولم تعلم بذاك القصائر2
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء الحباتر3
فإنه أثبت في البيت الثاني ما أزال به وهم السامع من أنه أراد القصار مطلقًا، وقد يلتبس الاشتراك بالتوهيم على من لا يحققه، والفرق بينهما أن الاشتراك لا يكون إلا باللفظة المشتركة، والتوهيم يكون بها وبغيرها من تحريف أو تصحيف أو تذييل، والفرق بينه وبين الإيضاح أن الإيضاح في المعاني خاصة، لا تعلق له بالألفاظ، وهذا نوع اشتراك اللفظة. وبيت الشيخ صفي الدين على هذا النوع قوله:
شيب المفارق يروى الضرب من دمهم ... ذوائب البيض بيض الهند لا اللمم
__________
1 اللقم: الطريق والنهج.
2 القصائر: النساء المقصورات في خدورهن.
3 الْحَبَاتر: القصار، مفردها حباتر وحبتر.
(2/276)

هذا البيت الاشتراك فيه بين البيض، فلولا بيض الهند التي ترشح بها جانب السيوف، بذكر الهند، لسبق ذهن السامع إلى أنه أراد الذوائب البيض، ولكن بيت الشيخ صفي الدين لم يخل من بعض عقادة.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
وللغزالة تسليم به اشتركت ... مع التي هي ترعى نرجس الظلم
هذا البيت يصلح أن يعد من باب الإشارة في الجناس المعنوي، فإن الشيخ عز الدين أضمر أحد الركنين وأظهر الآخر، وهذا حد جناس الإشارة من المعنوي، فإنه ذكر الغزالة في أول البيت وأضمر الغزالة الشمسية في الشطر الثاني، وهذا النوع تقدم تقريره، ولو صرح الشيخ عز الدين في الشطر الثاني بلفظة الغزالة، وذكر معها الإشراق والنور بحيث يزيل وهم السامع أن المراد الغزالة الوحشية، ويتحقق أن المراد الغزالة الشمسية، أو بالعكس، كان نوع الاشتراك في بيته خالصًا، مع ما فيه من النظر، وهو أن كلًّا من الغزالتين سلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه أظهر لفظ الغزالة الثانية، فتحتم أنه صار جناسًا معنويًّا، ولعمري إنه أحسن من بيته الذي استشهد فيه على الجناس المعنوي في أول بديعيته:
وكافر نعم الإحسان في عذل ... كظلمة الليل عن ذا المعنوي عمي
فإن أظهر في أول البيت لفظة كافر، والليل يسمى كافرًا، فأضمر لفظة كافر الذي هو الليل، وتالله إن بيته الذي نظمه شاهدًا على نوع الاشتراك يستحق الجناس المعنوي، استحقاقًا ذوقيًّا وهو أسجم من هذا البيت وأرق للمعنى وأوقع في الأسماع. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
بالحجر ساد فلا ند يشاركه ... حجر الكتاب المبين الواضح اللقم
هذا البيت يجب أن يعتمد عليه في هذا النوع، ولا يخفى على أهل الذوق السليم ما في تركيبه. والعميان ما نظموه في بديعيتهم. وبيت عز الدين تقرر أن الجناس المعنوي أحق به، واشتراك بيتي في لفظة الحجر، فإني قلت في أول بيتي بالحجر ساد وهذه اللفظة مشتركة بين العقل وسورة الحجر، فلما قلت في الشطر الثاني: حجر الكتاب المبين، زال الالتباس عن السامع وعلم المراد، وترشح عنده جانب السورة المنزلة على الممدوح فيه، صلى الله عليه وسلم.
(2/277)

ذكر التصريع:
تصريع أبواب عدن يوم بعثهم ... يلقاه بالفتح قبل الناس كلهم
هذا النوع، أعني التصريع: هو عبارة عن استواء آخر جزء في صدر البيت، وآخر جزء في عجزه في الوزن والروي والإعراب، وهو أليق ما يكون بمطالع القصائد، وفي وسطها ربما تمجه الأذواق والأسماع. وهذا وقع في معلقة امرئ القيس فإنه صرع المطلع بقوله:
قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوي بين الدخول فحومل1
وقال في أثناء هذه القصيدة:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
قلت: وعلى كل تقدير، ليس في نوع التصريع كبير أمر حتى يعد من أنواع البديع، ولكن القوم كلما تغالوا في الرخص رغبوا في الكثرة. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
لاقاهم بكماة عند كرهم ... على الجسوم دروع من قلوبهم2
والعميان ما نظموه. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
لا زال بالعزمات العز والهمم ... يصرع الضد بالتشطير في القمم
__________
1 سقط اللوى والدَّخول وحومل: أسماء أماكن في الصحراء.
2 الكماة: الأبطال الشجعان.
(2/278)

وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم:
تصريع أبواب عدن يوم بعثهم ... يلقاه بالفتح قبل الناس كلهم
انظر أيها المتأمل المنصف إلى بديع التورية وترشيحها، عند ذكر الأبواب بالفتح، هو فتوح في هذا الباب، مع سهولة التركيب، وحسن الانسجام، وتمكين القافية.
(2/279)

ذكر الاعتراض:
فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم
هذا النوع، أعني الاعتراض، هو عبارة عن جملة تعترض بين الكلامين، تفيد زيادة في معنى غرض المتكلم. ومنهم من سماه الحشو، وقالوا في المقبول منه: حشو اللوزينج، وليس بصحيح، والفرق بينهما ظاهر، وهو أن الاعتراض يفيد زيادة في غرض المتكلم والناظم، والحشو إنما يأتي لإقامة الوزن لا غير. وفي الاعتراض من المحاسن المكملة للمعاني المقصودة ما يتميز به على أنواع كثيرة، ومن معجزه في القرآن: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} 1. ومنه قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} 2 ومن الشواهد الشعرية قول بعضهم:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقوله: وبلغتها، من الاعتراضات التي زادت المعنى فائدة في غرض الشاعر، وهو الدعاء للمخاطب، وأمثلته كثيرة، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
فإن من أنفذ الرحمن دعوته ... وأنت ذاك لديه الجار لم يضم3
__________
1 البقرة: 2/ 24
2 الواقعة: 56/ 76.
3 أنفذ: جح. يضم: يصاب بالضيم وهو الضيق والهوان.
(2/280)

فقوله: وأنت ذاك، هو الاعتراض بعينه، فإنه زاد المعنى. وسماه قدامة التفاتًا، وهو قريب.
والعميان ما نظموه. وبيت الشيخ عز الدين:
فلا اعتراض علينا في السؤال به ... أعني الرسول لكي ننجو من الضرم1
فقول الشيخ عز الدين: أعني الرسول، هو الاعتراض الذي أراده. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم
فقولي، بين الكلامين: هو الشفيع، هو الاعتراض البديع المتمكن، فإن في قول عز الدين: أعني الرسول، ركة تدل على ضعف التركيب، وكذلك قول الشاعر في مخلص مديحه: أعني فلانًا، يدل على ضعف رويته وقلة تصرفه، فإنهم عدوا ذلك من المخالص الواهية، ولم يجنح إليه إلا عوام أهل الأدب، ومثل الشيخ عز الدين ينتقد عليه ذلك والله أعلم.
__________
1 الضرم: النار والاحتراق بها.
(2/281)

ذكر الرجوع:
وما لنا من رجوع عن حماة بلى ... لنا رجوع عن الأوطان والحشم1
هذا النوع، أعني الرجوع، ذكره ابن المعتز وأبو هلال العسكري، وسماه بعضهم استدراكًا واعتراضًا، وليس بصحيح. قال القاضي جلال الدين القزويني في "التلخيص والإيضاح": هو العود على الكلام بالنقض لنكتة، كقول زهير:
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم2
والنكتة فيه، كأنه لما وقف بالديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغير، فقال لم يعفها القدم، ثم رجع إلى عقله وتحقق ما هي عليه من الدروس، فقال بلى عفت، وعليه بيت الحماسة:
أليس قليلًا نظرة إن نظرتها ... إليك وكل ليس منك قليل
ويعجبني هنا قول أبي البيداء:
وما لي انتصار إن غدا الدهر جائرًا ... عليَّ بلى إن كان من عندك النصر
وأما من سَمّى هذا النوع استدراكًا واعتراضًا، فتسميته غير صحيحة، والذي أقول: إن هذا الرجوع لا فرق بين السلب والإيجاب، وقد تقدم قول أبي هلال العسكري: إن السلب والإيجاب هو أن يبني المتكلم كلامه على نفي شيء من جهة، وإثباته من جهة.
__________
1 الحشم: العيال والأهل والتابعون.
2 يعفها: يبلها. القِدَم: العِتق. الأرواح: الرياح. الديم: الأمطار.
(2/282)

أخرى. وقال القاضي جلال الدين: الرجوع هو العود على الكلام السابق بالنقض، وكل من التقريرين لائق بالنوعين، وللمتأمل أن ينظر في ذلك ليحسن ذوقه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
أطلتها ضمن تقصيري فقام بها ... عذري وهيهات إن العذر لم يقم
وبيت العميان:
قلوا ببدر ففلوا غرب شانئهم ... به وما قل جمع بالرسول حمي1
وبيت الشيخ عز الدين:
رمت الرجوع عن الأمداح أنظمها ... سوى مديح سديد القول محترم2
قلت: ليس في بيت الشيخ عز الدين رجوع، إلا عن حشمة الألفاظ وفخامتها في مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن قوله: سديد القول، دون من أنزل الله القرآن في أوصافه.
ويعجبني قول ابن نباتة في لاميته:
ماذا عسى الشعراء اليوم مادحة ... من بعد ما مدحت حم تنزيل3
وأيضًا، فإنه كان يجب على الشيخ عز الدين أن يقول في النوع البديعي، الذي هو الرجوع: رجعت عن الأمداح، حتى يصح النقض في الشطر الثاني، وإنما قال: رمت، كأنه يرى أن يرجع. وعلى الجملة، فالبيت قاصر من كل وجه.
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولي:
وما لنا من رجوع عن حماة بلى ... لنا رجوع عن الأوطان والحشم
هذا البيت لم يحتج إلى إطلاق عنان القلم في ميادين الطروس، بوصف ما فيه من المحاسن، إذ في مدح أهل الذوق، من علماء هذا الفن، ما يغني عن ذلك والله أعلم.
__________
1 فلوا: قطعوا والغرب: العزيمة والقوة. الشانئ: العدو المبغض. حمي: احتمى.
2 رام: طلب وأراد. سديد القول: صائبه.
3 حم تنزيل: من سور القرآن الكريم وفيها مدح للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم.
(2/283)

ذكر الترتيب:
ترتب الحيوانات السلام له ... والنبت حتى جماد الصخر في الأكم1
هذا النوع، أعني الترتيب، من استخراجات التيفاشي، ذكره في كتابه وسماه بهذا الاسم، وقال: هو أن يجنح الشاعر إلى أوصاف شتى في موضوع واحد، أو في بيت وما بعده على الترتيب، ويكون ترتيبها في الخلقة الطبيعية، ولا يدخل الناظم فيها وصفًا زائدًا عما يوجد علمه في الذهن أو في العيان، كقول مسلم بن الوليد:
هيفاء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب على حقف النقا الدهس2
فإن الأوصاف الأربعة على ترتيب خلقة الإنسان، من الأعلى إلى الأسفل.
وبيت صفي الدين الحلي:
كالنار منه رياح الموت إن عصفت ... روى صرى مائه أرض الوغى بدم3
ترتيب بيت صفي الدين على العناصر الأربعة، وهي الماء والنار والهواء والتراب.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين:
له الملائك والإنسان أجمعهم ... والجن والوحش في الترتيب كالخدم
__________
1 الأكم: التلال والأمكنة المتكاتفة الأشجار.
2 حقف النقا: كثيب الرمل. الدهس: غير الصافي. أي الممزوج بالتراب وغيره.
3 الصرى: المحبوس والمجتمع في مكان ما. الوغى: الحرب.
(2/284)

هذا البيت، ذكر الشيخ عز الدين في شرحه أنه على ترتيب المخلوقات: الملائك والإنس والجن والوحش، ولكن وضع هذا الترتيب غير منتظم على ما قرره التيفاشي.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
ترتب الحيوانات السلام له ... والنبت حتى جماد الصخر في الأكم
معلوم أن الموجودات ثلاثة، وهي حيوان ونبات وجماد، والثلاثة على ترتيب خلقة الإنسان من الأعلى إلى الأسفل، فإذا قلنا: جسم نام، خرج الجماد لأنه لا ينمو، وإذا قلنا: جسم نام متحرك بإرادته، خرج النبات، وإذا قلنا: جسم نام متحرك بإرادته ناطق، خرج باقي الحيوان وبقي الإنسان، وهذا حده. والله أعلم بالصواب.
(2/285)

ذكر الاشتقاق:
محمد أحمد المحمود مبعثه ... كل من الحمد تبيين اشتقاقهم
هذا النوع، أعني الاشتقاق، استخرجه الإمام أبو هلال العسكري، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف "بالصناعتين"، وعرفه بأن قال: هو أن يشتق المتكلم من الاسم العلم معنى، في غرض يقصده، من مدح أو هجاء أو غيره، كقول ابن دريد في نفطويه:
لو أوحي النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا العلم يعزى إليه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صياحًا عليه1
وهذا النوع، ما ذكره القاضي جلال الدين القزويني في "التلخيص" ولا في "الإيضاح"، ولا ذكره الشهاب محمود في "حسن التوسل"، ولا نظمته العميان ولا غيرهم من أصحاب البديعيات، غير الشيخ صفي الدين الحلي، وبيت بديعيته، التي ذكر أنه جمعها من سبعين كتابًا، قوله:
لم يلق مرحب مني مرحبًا ورأى ... ضد اسمه عند هدّ الحصن والأطم2
الشيخ صفي الدين اشتق من اسم مرحب، الترحاب، حتى يقابله بضده، وهذا هو الغرض الذي أراده الناظم، وبيت الشيخ عز الدين في المعارضة قوله:
__________
1 ذلك أن النصف الأول لاسمه هو: نفط ومعناه البترول تلك المادة المشتعلة، والنصف الآخر: ويه وهي للندبة.
2 الأطم: الحصون. ومرحب هو الفارس اليهودي الذي قتله الإمام على بن أبي طالب -رضي الله عنه- يوم فتح حصن خيبر.
(2/286)

ميم وحا في اشتقاق الاسم محوُ عِدا ... والميم والدال مد الخير للأمم
هذا البيت يشق عليّ أن أشرح اشتقاقه، وأذكر ما فيه من التعسف والزيادة، وعدم القبول للتجريد، فإنه أراد أن يمشي على طريق ابن دريد في الاشتقاق، فلم يأتِ بغير الشقاق، وما ذاك إلا أن اسم نفطويه سداسي، قسمه الناظم في الاشتقاق نصفين: جعل النصف الأول نفطًا، والثاني صياحًا، وهذا الاشتقاق صحيح على هذا التفصيل، وقالوا هو في محمد رباعي من أين للشيخ عز الدين -غفر الله له- هذا حتى تصح معه لفظة محو، مع أني راجعت شرحه فوجدته قال: الميم والحاء، من اسم محمد -صلى الله عليه وسلم- فيهما محو لأعدائه، وأيضًا فلم نجد أحدًا استشهد، في بيت من بيوت بديعيته وصدر بيته، بقوله: ميم وحا في اشتقاق الاسم محو عدا، إلا الشيخ عز الدين، فإن المراد من بيت البديعية أن يكون صالِحًا للتجريد خاليًا من العقادة، ليصح الاستشهاد به على ذلك النوع.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
محمد أحمد المحمود مبعثه ... كل من الحمد تبيين اشتقاقهم
قد تقدم تقرير أبي هلال العسكري، في هذا النوع، وهو أن يشتق المتكلم معنى لغرض يقصده. والغرض هنا، إن كلًّا من محمد وأحمد وصفتهما المحمودة مشتق من الحمد، وشرف هذا المدح ظاهر. والله أعلم.
(2/287)

ذكر الاتفاق:
ووصفه لابنه قد جاء تسمية ... فإنه حسن حسب اتفاقهم
الاتفاق: عزيز الوقوع جدًّا، وهو أن تتفق للشاعر واقعة وأسماء مطابقة لتلك الواقعة تعلمه العمل في نفسها، إما بالمشاهدة، أو بالسماع، فإن السبق إلى معاني الوقائع، يشترك الناس في مشاهدتها وفي سماعها فضل لا يجحد، وإن حصل للشاعر في ذلك قران سعادة، سارت الركبان بقوله، وترنم الحادي والملاح به، كما اتفق للرضي بن أبي حصينة المصري، في حسام الدين لؤلؤ صاحب الملك الناصر، يوسف، حين غزا الفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، فظفر الحاجب بهم فقال ابن أبي حصينة يخاطب الفرنج:
عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير
وأحسن من ذلك وأبدع، ما اتفق للشيخ شمس الدين الكوفي، الواعظ، في الوزير مؤيد الدين العلقمي حيث قال:
يا عصبة الإسلام نوحي والْطمي ... حزنًا على ما حل بالمستعصم
دَستُ الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي1
فاتفق أن المذكورين كانا وزيرين، وأن المورى بهما: "الفرات والعلقمي" نهران معروفان، وقد طابق الناظم بينهما بالفرات الحلو والعلقم المر.
__________
1 دَست الوزارة: منصبها.
(2/288)

ومنه قول ابن الساعاتي، وقد حضر الملك الناصر بيت يعقوب من حصون الشام يخاطب الفرنج: دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف.
ومنه قول ابن أبي الأصبع، وقد اجتمع الملك الأشرف موسى بالملك الظاهر، وهو الخضر بن يوسف بن أيوب:
غدا مجمع البحرين شاطي فراتنا ... ألم تر موسى فيه قد لقي الخضرا
واتفق لي مع الملك ما يناسب هذه الاتفاقات البديعية، فإني أنشدته، وقد كسر النيل في شهر مسرى، وبلغه في يوم الكسران نوروز قد وصل من الشام إلى غزة، وقصد الديار المصرية، فقلت:
أيا ملكًا بالله أضحى مؤيدًا ... ومنتصبًا في ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضي ... وحقك بعد الكسر أيام نيروز1
الاتفاق البديع الغريب، في هذا البيت، أن كسر نوروز بعد كسر مسرى، ويسميه المصريون: الكسر النيروزي، ولم يبق بعده كسر. واتفق لي نظير ذلك بالحضرة المؤيدية وهو أن المقر التاجي، نائب السلطنة الشريفة، نقل عنه إلى المسامع الشريفة كلام، فثبت فيه براءته فأنشدته الحضرة الشريفة المؤيدية ما حصل به للخواطر الشريفة الرضا الزائد، وهو قولي:
سبع وجوه لتاج مصر ... تقول ما في الوجوه شبهي
وعندنا ذو الوجوه يهجى ... وأنت تاج بفرد وجه
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع:
ومن غدا اسم أمه نعتًا لأمته ... فتلك آمنة من سائر النقم
اتفاق هذا البيت في اشتراك لفظي آمنة وآمنة. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
محمد واسمه بالاتفاق له ... وصف يشاكله في اسمه العلم
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأذكر فيه وصفه الشريف لابنه الحسن2
__________
1 المسرى: المجرى. النيروز: عيد الربيع عند الإيرانيين ويصادف رأس السنة الفارسية.
2 الحسن والحسين -رضي الله عنهما- هما ابنا على بن أبي طالب -رضي الله عنه- ولكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول إنهما ابناه إشعارًا للمسلمين بقربهما له وبأنهما من ورثته فهما ابنا بنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- والتي كان يقول فيها: "فاطمة بضعة مني،.... وفاطمة أم أبيها ... من أغضبها فقد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله".
(2/289)

رضي الله عنه:
ووصفه لابنه قد جاء تسمية ... فإنه حسن حسب اتفاقهم
اتفاق هذا البيت في اشتراك لفظي: حسن وحسن الوصف، هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى الحسن -رضي الله عنه- وقال: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". اهـ.
(2/290)

ذكر الإبداع:
إبداع أخلاقه إيداع خالقه ... في زخرف الشعر فاسجع بها وهِمِ1
الإبداع: هو أن يأتي الشاعر في البيت الواحد بعدة أنواع، أو في القرينة الواحدة من النثر وربما كان في الكلمة الواحدة ضربان من البديع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإبداع، كقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 2. هذه الآية الشريفة استخرج منها زكي الدين بن أبي الأصبع أنواعًا كثيرةً من البديع منها: المناسبة التامة بين ابلعي وأقلعي، والمطابقة اللطيفة بين الأرض والسماء، والمجاز في قوله: ويا سماء، ومراده مطر السماء، والاستعارة في قوله: أقلعي، والإشارة في قوله تعالى: وغيض الماء، فإنه بهاتين اللفظتين عبر عن معانٍ كثيرة، والتمثيل في قوله تعالى: وقضي الأمر، فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ الموضوع له، والإرداف في قوله تعالى: واستوت على الجودي، فإنه عبر عن استقرارها في المكان بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل؛ لأنه قوله تعالى: غيض الماء، علة الاستواء، وصحة التقسيم، إذ قد استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، والاحتراس، في قوله تعالى: وقيل بعدًا للقوم الظالمين، إذ الدعاء عليهم مشعر بأنهم مستحقون الهلاك، احتراسًا من ضعيف يتوهم أن الهلاك شمل من يستحق ومن لا يستحق، فأكد بالدعاء على المستحقين، والمساواة؛ لأن لفظ الآية الشريفة لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لأنه سبحانه وتعالى قص القصة،
__________
1 هِم: أمر من هام يهيم أي أحبَّ حبًّا شديدًا.
2 هود: 11/ 44.
(2/291)

وعطف بعضهما على بعض، بحسن ترتيب، وائتلاف المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح معها غيرها، والإيجاز؛ لأنه سبحانه وتعالى قص القصة بأقصر عبارة، والتسهيم؛ لأنه من أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مرادات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وعليها رونق الفصاحة لسلامتها من التعقيد والتقديم والتأخير، والتمكين؛ لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة، كما ينسجم الماء، وباقي مجموع الآية الشريفة هو الإبداع الذي هو المراد هنا، مع تكرار الأنواع البديعية.
وسهوت عن تقديم حسن البيان، وهو أن السامع لا يتوقف في معرفة معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذه النظائر، وهذا الكلام تعجز عنه قدرة البشر.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على الإبداع قوله:
ذل النضار كما عز النظير لهم ... بالفضل والبذل في علم وفي كرم1
الشيخ صفي الدين في بيته من أنواع البديع: التجنيس، والتسجيع، واللف والنشر، والكناية عن الكرم، في قوله: ذل النضار، وائتلاف المعنى مع المعنى.
والعميان ما نظموا هذا في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ذكر فيه ستة عشر نوعًا، ما أمكن العبد استيعابها، وتركته لحذاق الأدب، وهو قوله:
كم أبدعوا روض عدل بعد طولهم ... وأترعوا حوض فضل قبل قولهم
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
إبداع أخلاقه إبداع خالقه ... في زخرف الشعر فاسجع بها وهم
الشطر الأول من هذا البيت مشتمل على: التورية، وعلى جناس التصحيف، وعلى الجناس المطلق، وعلى الترصيع، والمماثلة، والتسجيع، وائتلاف المعنى مع المعنى، والسهولة. والشطر الثاني فيه: التورية، ومراعاة النظير، والاعتراض، والانسجام ظاهر في البيت بكماله، والإبداع الذي هو المراد هنا، والله أعلم.
__________
1 النضَار: الجود والكرم.
(2/292)

ذكر المماثلة:
فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم
هذا النوع، أعني المماثلة: هو أن تتماثل ألفاظ الكلام، أو بعضها، في الزنة دون التقفية، كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} 1 وقد تأتي ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد؛ لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، كقول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر العطر
وأما الشاهد الذي هو على أصل هذا الباب في الزنة دون التقفية، فهو كقول الشاعر:
صفوح صبور كريم رزين ... إذا ما العقول بدا طيشها2
والفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المتزنة وتفرقها في المناسبة، قلت: هذا النوع، أعني المماثلة، ما تستحق عقود أنواع البديع، بسموها، أن ينتظم النوع السافل في أسلاكها، وما أعلم وجه الإبداع فيه ما هو، ولا نرى من استخراجه وعده بديعًا غير الكثرة، وقد حسن أن أنشد ههنا:
وكثر فارتابت ولو شاء قلّلا
وبالله ما اختلج في فكري من حين تأدبت أن أرصعه في قصيدة من قصائدي، ولكن حكم المعارضة أوجب ذلك.
__________
1 الطارق: 86/ 31.
2 الصفوح: المتسامح المتساهل. الرزين: الوقور العاقل.
(2/293)

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
سهل خلائقه صعب عرائكه ... جم غرائبه في الحكم والحكم1
والعميان ما نظموا. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
يبدي مماثلة يعطي مناسبة ... يجزي مجانسة في الكلم والكلم
وبيت بديعيتي:
فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم
__________
1 العرائك: جمع عريكة وهي العشرة والمعاملة. جم: كثير.
(2/294)

ذكر حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي:
الحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يحلق بالكلي للعظم
هذا النوع الغريب اخترعه الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، وهو أن يأتي المتكلم إلى نوع فيجعله، بالتعظيم له، جنسًا، بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس، كقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} 1 فإنه سبحانه وتعالى يعلم ما في البر والبحر، من أصناف الحيوانات والجماد حاصر الجزئيات المولدات، فرأى الاقتصار على ذلك لا يكمل به التمدح، لاحتمال أن يظن ضعيف أنه جلّ جلاله يعلم الكليات دون الجزئيات، فإن المولدات، وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم، فكل واحد منها كلي بالنسبة إلى ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، فقال، لكمال التمدح: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} 2. وعلم سبحانه وتعالى أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك، فتمدّح بما لا يشاركه فيه أحد فقال عز من قائل: {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} 3 ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات فقال: {وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 4 وأمثاله من النظم قول الشاعر:
إليك طوى عرص البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النشر
فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
__________
1 الأنعام: 6/ 59.
2 الأنعام: 6/ 59.
3 الأنعام: 6/ 59.
4 الأنعام: 6/ 59.
(2/295)

المراد من النوع، البيت الثالث، فإن الشاعر قصد تعظيم الممدوح وتفخيم أمر داره التي قصد فيها، ومدح يومه الذي لقيه فيه، فجعل الممدوح جميع الورى، وجعل داره الدنيا، ويومه الدهر، فجعل الجزء كليًّا بعد حصر أقسام الجزئي، أما جعله الجزئي كليًّا فلأن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدّهر، وأما حصر أقسام الجزئي؛ فلأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، وقد حصر ذلك، وهذا النوع صعب المسالك في نظمه، عزيز الوقوع والتحصيل، وقد فر العميان من نظمه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيه:
شخص هو العالم الكلي في شرف ... ونفسه الجوهر القدسي في عظم
الشيخ صفي الدين جعل الجزئي كليًّا فقط، وهو القسم الأول، لكون الواحد لا يسع جميع القيود وبيت الشيخ عز الدين:
فألحق الجزء بالكلي منحصرًا ... إذ دينه الجنس للأديان كلهم
هذا البيت ما وجدت فيه للكلام فسحة لأمور، وبيت بديعيتي:
ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم
النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أن يكون هنا كليًّا، العلو مقداره وعظمه، فقولي عن الأنبياء: فالجزء يلحق بالكلي للعظم، لا يخفى ما فيه من المبالغة والمغالاة في وصف الممدوح، صلى الله عليه وسلم، هذا مع تحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة، وإيضاحه مع التورية باسمه، وسهولة تركيبه وانسجامه، وما أعلم له في هذا الباب نظيرًا، وما أوضحه وزاده طلاوة وحسنًا إلا تشريفه بالمديح النبوي.
(2/296)

ذكر الفرائد

وشم وميض بروق من فرائده ... وانظم حنانيك عقدًا غير منفصم
الفرائد: نوع لطيف مختص بالفصاحة دون البلاغة؛ لأن المراد منه أن يأتي الناظم، أو الناثر، بلفظة فصيحة من كلام العرب العرباء تتنزل من الكلام منزلة الفرائد من العقد، وتدل على فصاحة المتكلم بها، بحيث أن تلك اللفظة لو سقطت من الكلام لم يسد غيرها مسدها، كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} 1 قوله تعالى: الرفث، فريدة لا يقوم غيرها مقامها، وكقوله تعالى: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} 2 فقوله سبحانه وتعالى: أهش بها على غنمي، فريدة يعز على الفصحاء أن يأتوا بمثلها في مكانها، ومنه قول عنترة في معلقته:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي
فعمي صباحًا، فريدة في مكانها. وروي أن أبا ذر أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: عم صباحًا، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أبدلني ما هو خير منها". فقال: ما هي؟ قال: "السلام".
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
ومن له جاور الجزع اليبيس ومن ... بكفه أورقت عجزاء ذي سلم3
__________
1 البقرة: 2/ 287
2 طه: 10/ 18.
3 الجزع: الخرز الأسود والأبيض من العقيق. العجزاء: العصا أو بقية الشجرة. وذي سلم: في نسخة: من سلم.
(2/297)

الفريدة في بيت الحلي هي العجزاء، والعجزاء هي العصا المعقدة.
والعميان ما نظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين:
كم حصحص الحق إذ وافت فرائده ... وفي الوطيس بدا ثبًتا بلا برم1
الفريدة في بيت الشيخ عز الدين هي لفظة الوطيس، وأما برم فما أبرم فيها أمرًا.
وبيت بديعيتي أقول فيه، وأنا مستمر على خطابي لمن رام مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- فإني قلت في البيت الذي قبله:
ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم
وقلت بعده في الفرائد:
وشم وميض بروق من فرائده ... وانظم حنانيك عقدًا غير منفصم2
الفرائد في هذا البيت ثلاثة وهي شم وحنانيك ومنفصم والوميض صالح لذا، والله أعلم بالصواب.
__________
1 حصحص الحق: ظهر وبان. الوطيس: احتدام المعارك. الثبت: الشجاع الذي يثبت في المعركة. البرم: التذمر.
2 شم: أمر من شام: طلب. الوميض: اللمعان. حنانيك: رحمك الله. مقصم: منقطع.
(2/298)

ذكر الترشيح:
يس زادت على لقمان حكمته ... وبان ترشيحه في نون والقلم
هذا النوع، أعني الترشيح: هو أن يأتي المتكلم بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن، حتي يؤتى بلفظة ترشحها وتؤهلها لذلك، كقول التهامي في مرثيته المشهورة:
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار1
فلولا ذكر الشفير، لما كان في الرجاء تورية برجا البئر، ولكان من رجوت الأمر، لقوله أولًا: وإذا رجوت المستحيل. قلت: وهذا النوع تقدم ذكره، في باب التورية المرشحة، وقد تقدم أيضًا أن التورية أربعة أنواع: مجردة ومرشحة ومهيأة ومبينة، فالمرشحة هي التي يذكر فيها لازم من لوازم المورى به قبل لفظ التورية أو بعده، وسميت مرشحة لترشيحها وتقويتها بذكر لازم المورى به، وتقدم هذا في باب التورية المرشحة، ولكن ذكروا في تكرير الترشيح هنا فائدة لم يكن لمكررها حلاوة، وهي إذا قيل: ما الفرق بين التورية والترشيح، وقد جعلت مثاليهما واحدًا؟ قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما من أنواع البديع ما لا يحتاج إلى ترشيح، وهي التورية المجردة المحضة، والثاني أن الترشيح لا يختص بالتورية دون بقية الأبواب، بل يعم المطابقة والاستعارة وغيرهما، في كثير من الأبواب، ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
__________
1 الرجاء: للبئر، الناحية والأمل. الشفير: الحرف، والجنب، والناحية. الهار: الموشك على السقوط والخراب.
(2/299)

فإن قوله: يا جنتي، رشحت لفظة جهنم للمطابقة، ولو قال مكانها: يا منيتي، لم يكن في البيت مطابقة البتة، وأما ترشيح الاستعارة، فكقول بعض العرب:
إذا ما رأيت النسر عزى ابن دأية ... وعشش في وكريه طارت له نفسي
فإنه شبه الشيب بالنسر لاشتراكهما في البياض، وشبه الشعر الأسود بابن دأية، وهو الغراب، لاشتراكهما في السواد، واستعار التعشش من الطائر للشيب، لما سماه نسرًا ورشح به إلى ذكر الطيران الذي استعاره لنفسه من الطائر، فقد ترشح باستعارة إلى استعارة، ولولا خشية الإطالة لذكرت ترشيح التشبيه، وترشيح غيره من الأنواع.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي يقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
إن حل أرض أناس شد أزرهم ... بما أباح لهم من حط وزرهم1
لفظة شد، في البيت، للشيخ صفي الدين، رشحت لفظة حل، للمطابقة، ولو أبقاها على حالها في معنى الحلول، لم يكن في البيت مطابقة البتة.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:
في الفتح ضم من الأنصار شملهم ... جبرًا لكسر بترشيح من الرحم
الترشيح في بيت الشيخ عز الدين ظاهر، فإنه رشح الفتح للتورية بصريح الضم، ورشح الضم للتورية بذكر الكسر.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
يس زادت على لقمان حكمته ... وبان ترشيحه في نون والقلم
فذكر لقمان رشح يس للتورية، وذكر النون والقلم رشح لقمان للتورية والفريق بين قولي: وبان ترشيحه في نون والقلم، وبين قول الشيخ عز الدين: بترشيح من الرحم، ظاهر، وأما سهولة التركيب وعذوبة الانسجام وتمكين القافية، فلم أحتج معهما إلى إقامة دليل، والله تعالى أعلم.
__________
1 الأزر: القوة والظهر. الوزر: الحمل الثقيل.
(2/300)

ذكر العنوان

النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم التباهل: {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} 1 وكان قد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- محتضنًا الحسين آخذًا بيد الحسن -عليهما السلام- وفاطمة تمشي خلفهما -سلام الله عليهم أجمعين- فحين رآهم العاقب قال للنصارى: لا تباهلوا محمدًا فإني أرى معه وجوهًا لو أقسم على الله أن يزيل بها الجبال لأزالها، فانصرفوا وقبلوا الجزية.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
بشرى المسيح أتت عنوان دعوته ... وقبله كل هاد صادق القدم
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
هبه العصا أثمرت عزًّا لصاحبها ... موسى وكم قد محت عنوان سحرهم
هذا البيت عنوانه ظاهر لم يحتج فيه إلى شرح، ولكن التورية في العنوان وترشيحها، بلفظة محت، لا يخفي ما فيها من المحاسن؛ لأنها اسم النوع الذي هو القصد هنا، وأما قولي: به العصا أثمرت، فهي مناسبة ليس لها في الحسن مناسب.
__________
1 آل عمران: 3/ 61.
(2/302)

ذكر التسهيم:
كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم
هذا النوع مأخوذ من الثوب المسهم، وهو الذي يدل أحد سهامه على الآخر الذي قبله، لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص به، لمجاورة اللون الذي قبله. ومن المؤلفين من جعل التسهيم والترشيح شيئًا واحدًا، والفرق بينهما: أن الترشيح لا يدل على غير القافية، والتسهيم تارة يدل على عجز البيت، وتارة يدل على ما دون العجز، وتعريفه أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما يتأخر، تارة بالمعنى وتارة باللفظ، كأبيات أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق بمعاني الشعر وتأليفه يعلمون معنى قولها:
فأقسم يا عمرو لو نبهاك. يقتضي أن يكون تمامه: إذا نبها منك داء عضالًا، دون غيره من القوافي؛ لأنه لو قال، مكان داء عضالًا: ليثًا غضوبًا، أو أفعى قتولًا، أو ما ناسب ذلك، لكان الداء العضال أبلغ، إذ كل منهما ممكن مغالبته والتوقي منه، والداء العضال لا دواء له، هذا مما يعرف بالمعنى، وأما ما يدل على الثاني دلالة لفظية فهو قولها بعده:
إذا نبها ليث عرّيسة ... مقيتًا مفيدًا نفوسًا ومالًا1
وكذلك قولها:
وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرف تشكي الكلالا2
فكنت النهار به شمسه
__________
1 العريسة: الأكمة، أو الشجر الملتف يكون مأوى للأسد.
2 الخرق: الأحمق. الوجناء: من النوق، الشديدة القوية. الحرف: من النوق: المهزولة.
(2/303)

يقتضي أن يتلوه: وكن دجا الليل فيه الهلالا. ومنه قول البحتري:
أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي قد حللت بمحلل
ومن هنا يعرف المتأدب أن تمامه: وليس الذي قد حرمت بحرام.
الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
كذلك يونس ناجي ربه فنجى ... من بطن حوت له في اليم ملتقم1
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعيته يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تسهيمه في الوغى حسم لمتصل ... تسليمه في الرضا وصل لمحتشم
قلت: الشيخ عز الدين رماه التسهيم في العكس، فتشوش إذ صار كل من النوعين يتجاذبه، وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم
لفظة التسهيم، في هذا البيت، انحصر فيها ثلاثة أنواع أحدها تسمية النوع، والثاني الاستعارة البديعية، والثالث التورية المرشحة، فإن لفظة التسهيم رشحت التورية، بذكر الإصابة وتحرير النوع ظاهر في دلالة الأول على الثاني.
__________
1 اليم: البحر. ملتقم: مبتلع.
(2/304)

ذكر التطريز:
شملي بتطريز مدحي فيه منتظم ... يا طيب منتظم يا طيب منتظم
هذا النوع، أعني التطريز: هو أن يبتدئ المتكلم، أو الشاعر، بذكر جمل من الذوات غير منفصلة، ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قرره وقدره، في تلك الجملة الأولى، وعدد الجمل التي وصفت بالذوات عدد تكرر واتحاد لا عدد تغير، كقول ابن الرومي:
قرون في رءوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب
ومثله قوله:
كأن الكأس في يدها وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق1
ومثله قول ابن المعتز:
فثوبي والمدام ولون خدي ... شقيق في شقيق في شقيق
وأبدع من الجميع وألطف، قولي من قصيدتي المصغرة:
لفيظك والمقيلة مع نظيمي ... سحير في سحير في سحير
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التطريز:
فالجيش والنقع تحت الظل مرتكم ... في ظل مرتكم في ظل مرتكم
__________
1 فيها: فمها.
(2/305)

قلت: هذا البيت لا يخلو أن يكون للعقادة فيه بعض تراكم.
والعميان ليس في بديعيتهم تطريز: وبيت الشيخ عز الدين الموصلي -رحمه الله تعالى- في بديعيته قوله:
الدين والنقع تطريز لمحترم ... في نصر محترم في نصر محترم
هذا البيت لم أفهم منه غير لفظة التطريز، الذي هو اسم النوع.
وبيت بديعيتي أقول عن النبي صلى الله عليه وسلم.
شملي بتطريز مدحي فيه منتظم ... يا طيب منتظم يا طيب منتظم
هذا البيت بهجة التطريز ظاهرة على أركانه، وقد جمعت فيه بين التطريز الذي هو المراد، والتورية، واللف والنشر، والترشيح، والاستعارة، ومراعاة النظير، والسهولة، والانسجام، والجناس التام، والله أعلم.
(2/306)

ذكر التنكيت:
وأله البحر آل إن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم1
هذا النوع، أعني التنكيت، يستحق لغرابته أن ينتظم في أسلاك البديع، ويغار عليه أن يعد مع المماثلة والموازنة ومع التطريز والترصيع، وقد تقدم الكلام على سفالة هذه الأنواع.
والتنكيث: عبارة عن أن يقصد المتكلم شيئًا بالذكر دون أشياء كلها تسد مسده، لولا نكتة في ذلك الشيء المقصود، ترجح اختصاصه بالذكر. وعلماء هذا الفن أجمعوا على أنه لولا تلك النكتة التي انفرد بها، لكان القصد إليه دون غيره خطأ ظاهرًا عند أهل النقد، وجاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} 2 فإنه سبحانه خص الشعرى بالذكر، دون غيره من النجوم، وهو رب كل شيء؛ لأن من العرب من عبد الشعرى، وكان يعرف بابن أبي كبشة، ودعا خلقًا إلى عبادتها، فأنزل الله تعالى:
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} التي ادعيت فيها الربوبية دون سائر النجوم، وفي النجوم ما هو أعظم منها. ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} 3 فإنه سبحانه وتعالى خص تفقهون دون تعلمون، لما في الفقه من الزيادة على العلم، والمراد الذي يقتضيه معنى هذا الكلام: الفقه في معرفة كنه التسبيح من
__________
1 آله: أهله وأقاربه. آل: سراب. إن: لا.
2 النجم: 53/ 49.
3 الإسراء: 17/ 44.
(2/307)

الحيوان البهيمي والنبات والجماد، الذي تسبيحه بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده ومخترعه. ومن الأمثلة الشعرية قول الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا ... وأذكره بكل غروب شمس
فخصت هذين الوقتين بالذكر، وإن كانت تذكره كل وقت، لما في هذين الوقتين من النكتة المتضمنة للمبالغة، في وصفه بالشجاعة والكرم؛ لأن طلوع الشمس وقت الغارات على العدا، وغروبها وقت وقود النيران للقرى.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، على التنكيت:
وآله أمناء الله من شهدت ... لقدرهم سورة الأحزاب بالعظم
الشيخ صفي الدين خصص سورة الأحزاب هنا بالذكر؛ لأن فيها تصريحًا بمدح آل البيت -عليهم السلام- بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} 1 ولولا هذا الاختصاص كانت كغيرها من السور.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، رحمه الله:
ففي براءة تنكيت بمدحته ... معناه في الشرح يشفي داء ذي البكم2
ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أن النكتة المقصودة في بيته، في سورة براءة، هي قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} 3 وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
وآله البحر آل إن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم
التنكيت، في هذا البيت بديع وغريب في بابه، فإنني خصصت الندى بالذكر عند مقايسته بالبحر، في قولي: إن البحر عند ندى كفوفهم كالآل، والآل هو الذي يحسبه الظمآن ماء، ولو قلت: أنهاركفوفهم أو جداول كفوفهم لسد كل واحد منهما مسده بزيادة زائدة، ولكن في الندى نكتة ليست فيهما، وهي الغلو في أن البحر يصير عند هذا الندى سرابًا، وهذا الذي أوجب تخصيص الندى بالذكر دون غيره، وقد اجتمع في هذا البيت التنكيت الذي هو القصد هنا، والتورية، والغلو، ومراعاة النظير، والجناس، والله أعلم.
__________
1 الأحزاب، 33/ 33.
2 البكم: العجز عن التكلم خِلقة.
3 التوبة: 9/ 40.
(2/308)

ذكر الإرداف:
وفي الوغى رادفوا لسن القنا سكنًا ... من العدا في محل النطق بالكلم
نوع الإرداف: قالوا إنه هو والكناية شيء واحد. قلت: وإذا كان الأمر كذلك كان الواجب اختصارهما.
وإنما أئمة البديع، كقدامة والحاتمي والرماني، قالوا: إن الفرق بينهما ظاهر، والإرداف: هو أن يريد المتكلم معنى، فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، بل يعبر عنه بلفظ هو رديفه وتابعه، كقوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} 1 فإن حقيقة ذلك جلست على المكان، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى لفظ هو رديفه، وإنما عدل عن لفظ الحقيقة، لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف، من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ جلست وقعدت، ومن الأمثلة الشعرية على الإرداف قول أبي عبادة البحتري يصف طعنة:
فأوجرته أخرى فأحللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
ومراده القلب، فذكره بلفظ الإرداف، والفرق بين الإرداف وبين الكناية أن الإرداف قد تقرر أنه عبارة عن تبديل الكلمة بردفها، والكناية هي العدول عن التصريح بذكر الشيء إلى ما يلزم؛ لأن الإرداف ليس فيه انتقال من لازم إلى ملزوم، والمراد بذلك انتقال المذكور إلى المتروك كما يقال: فلان كثير الرماد، ومراده نقله إلى ملزومه، وهي كثرة الطبخ للأضياف.
__________
1 هود: 11/ 44.
(2/309)

وبيت الشيخ صفي الدين -رحمه الله تعالى- على الإرداف قوله:
بقتبة أسكنوا أطراف سمرهم ... من الكماة محل الضغن والأضم1
الشيخ صفي الدين زاحم البحتري في بيته، إلى أن نزع قلبه من صدره، بل جل قصده في إردافه هنا القلب وكان الواجب العدول عنه لشهرته في هذا الباب عند أهل البديع.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
للطعن والضرب إرداف يحل به ... في موضع العقل يحكيه ذوو الحكم
وبيت بديعيتي، قلت قبله عن آل النبي -صلى الله عليه وسلم- مشيرًا إلى الغلوّ في كرمهم:
وآله البحر آل أن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم
وأردفته بقولي في الشجاعة:
وفي الوغى رادفوا لسن القنا سكنا ... من العدا في محل النطق بالكلم
انظر أيها المتأمل في بديع هذا الإرداف الغريب الذي ميزته على أقرانه من البحتري إلى الشيخ عز الدين، بحسن مراعاة النظير الذي أسكنت به الألسنة بالأفواه، بقولي: في محل النطق بالكلم، مع التورية بتسمية النوع، والله سبحانه أعلم.
__________
1 القتبة: جمع قتب وهو الضيق الخلق السريع الغضب من الرجال. الكماة: جمع كمي وهو الفارس المغوار. السمر: الرماح. الضغن: البغض والكره. الأضم: الحقد.
(2/310)

ذكر الإيداع:

وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم1
هذا النوع أعني الإيداع، يغلب عليه التضمين، والتضمين غيره، فإنه معدود
من العيوب، والعيب المسمى بالتضمين هو أن يكون البيت متوقفًا في معناه على البيت الذي بعده، كقول النابغة:
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواطن صادقات ... أنبئهم بود الصدر مني
والإيداع الذي نحن بصدده: هو أن يودع الناظم شعره بيتًا من شعر غيره، أو نصف بيت أو ربع بيت، بعد أن يوطئ له توطئة تناسبه بروابط متلائمة، بحيث يظن السامع أن البيت بأجمعه له. وأحسن الإيداع ما صرف عن معنى غرض الناظم الأول، ويجوز عكس البيت المضمن، بأن يجعل عجزه صدرًا أو صدره عجزًا، وقد تحذف صدور قصيدة بكمالها وينظم لها المودع صدورًا، لغرض اختاره وبالعكس. وقد تقدم وتقرر أن الأحسن، في هذا الباب، أن يصرف الشاعر ما أودعه في شعره عن معناه الذي قصد صاحبه الأول، ويجوز تضمين البيتين بشرط أن ينقلهما من معناهما الأول إلى صيغة أخرى، كما حكي أن الحيص بيص قتل جرو كلب وهو سكران، فأخذ بعض الشعراء كلبة وعلق في رقبتها قصة وأطلقها عند باب الوزير، فإذا فيها مكتوب:
يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بخزية ألبسته العار في البلد
__________
1 العقبان والرخم: من الطيور الجوارح.
(2/311)

أبدى شجاعته بالليل مجترئًا ... على جريّ ضعيف البطش والجلد1
فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت ... دم الأبليق عند الواحد الأحد2
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من بعد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
البيتان الأخيران لامرأة من العرب قتل أخوها ابنها، فقالت ذلك تسلية. ومنهم من أودع شعره بيتين، وكل بيت منهما لشاعر، كقول القاضي شهاب الدين محمود:
وبتنا على حكم الصبابة مطعمي ... زفيري وأشجاني وشربي المدامع
وخلي يعاطيني كئوس ملامة ... وينشدني والهم للقلب صادع
أتطمع من ليلى بوصل وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
البيت الأخير للنابغة، قلت غاية الأوائل أن ينقلوا المعنى الأول في الإيداع إلى معنى آخر، إن كان في بيتين أو بيت واحد أو نصف بيت، ولكن الفرقة التي مشت تحت العلم الفاضلي، وتحلت بالقطر النباتي وهلم جرًا، لم يرضوا بنقله مجردًا من التورية أو ما يناسبها من أنواع البديع، ومما يؤيد قولي هذا قول القاضي جلال الدين القزويني، في التلخيص وأحسنه ما زاد على الأصل بنكتة، كالتورية والتشبيه، وممن أبدع في نقله إلى التورية علامة هذا الفن، الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله تعالى- بقوله:
أتاني على البانياسيّ منشدًا ... فيا لك من شعر ثقيل مطوّل
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
ومثله قوله في مليح اسمه حبيب وهو:
حبيب حبيب القلب أخلى منيزلًا ... به كان في عرس المسرة ينجلي
فيا صاحبي الذكر قد لذ بالبكا ... قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل
وما يشك من عنده ذوق أن المقطوعين في الإيداع تميز المحاسن التورية، وغريب النقل إلى غرض كل من الناظمين وكذلك تقطيع أعناق الرجال، في إيداع الشهاب محمود، فإنهم نقلوه إلى الصفع، وجاءت توريته في غاية الحسن، وهذا هو المذهب
__________
1 جريّ: تصغير جرو وهو ولد الكلب.
2 الأبليق: هكذا في الأصل ونظنها من الأخطاء الطباعية والأصح: الأبيلق: وهو تصغير الأبلق الذي في لونه الأسود بقع بيضاء، وكان قد صغر جرو في البيت الذي قبله. فيصير جُرَيٌّ أبيلق، والله أعلم.
(2/312)

الذي انتهت غايات المتأخرين إليه، ومن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضًا وهو:
أقول لمعشر جلدوا ولاطوا ... وباتوا عاكفين على الملاح
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
وقولي:
ومذ كلمت قلبي سيوف لحاظها ... شكوت إليها قصتي وهي تبسم
فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
دنوت إليها وهو كالفرخ راقد ... فيا خجلتي لما دنوت وإذلالي
فقلت امعكيه بالأنامل فالتقى ... لدى وكرها العناب والحشف البالي1
وقولي طاول الليل بالذؤابة قبس ... وتثنى عجبًا بلطف وكيس2
فحلا لي السهاد مذ طال ليلي ... يا خليليّ من ذؤابة قيس
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
تصدى إلى أيري فقلت له اتئد ... وحقك لو عاينته وهو ثائر3
رأيت الذي لاكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أن صابر
وأنشدني، من لفظه لنفسه الكريمة، مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، كان، تغمده الله برحمته، ما اختلف هو والشيخ جمال الدين بن نباتة في إيداعه واتفقا في معناه، والمعنى في البيتين المذكورين قبل. وأما الترشيح فعندي أن التورية في بيتي المقر الناصري أرجح، وهما قوله:
أقول وقد أبى عن أخذ أيري ... وسالت من محاجره دموع
إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
__________
1 امعكيه: ادلكيه. وكرها: فرجها، شبهه بوكر الطير. العناب: البظر: شبهه بالعناب: الثمر المعروف. الحشف: التمر أو التمرة من قضيب الرجل على التشبيه.
2 الكيس: اللباقة.
3 اتئد: تمهل. ثائر: منتصب.
(2/313)

الذي ترجع عندي أن قوله: وجاوزه أعقد من قول الشيخ جمال الدين: لا كله، والذي أقوله: إن كلًّا منهما في بابه بديع وغريب، وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لم أنس موقفنا بكاظمة ... والعيش مثل الدار مسود
والدمع ينشد في مسائله ... هل بالطلول لسائل ردّ
ومثله قولي:
قف واستمع طربًا فليلى في الدجى ... باتت معانقتي ولكن في الكرى
وجرى لدمعي رقصة بخيالها ... أترى دري ذاك الرقيب بما جرى
ومن إيداعاتي الغريبة قولي من إعجاز الملحة:
تنكر الحال علينا عندما ... سال عليه العارض المسلسل
فعنه سلني إن ترد تعريفه ... فإنه منكر يا رجل
ومما انفرد به الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله تعالى- تضمين أعجاز الملحة، والذي يؤيد انفراده حسن تخلصه من الغزل، وهو ماش على التضمين، إلى مدح قاضي القضاة، ولم يزل مستمرًا على غرر المدائح اللائقة بالقاضي إلى حسن الختام.
وضمن الشيخ زين الدين بن الوردي نبذة من أعجاز الملحة، ولم يفرغها في غير قوالب الغزل، فإن التخلص من الغزل إلى المدح من المستحيلات في هذا الباب، ولكن الشيخ جمال الدين بن نباتة كان في ذلك العصر نسيج وحده، ومن المعلوم أن الجماعة مثل الشيخ زين الدين بن الوردي، والشيخ صلاح الدين الصفدي، والشيخ برهان الدين القيراطي، وغيرهم ممن عاصره، ما منهم إلا من تطفل على موائد حلاواته النباتية. وقد عنَّ لي أن أورد هنا نبذة من التضمين للشيخين، وأجعل كلًّا من أبيات الشيخين وقفًا محبسًا على أصحاب الذوق السليم. قال الشيخ جمال الدين في المطلع:
صرفت فعلي في الأسى وقولي ... بحمد ذي الطول الشديد الحول1
وقال الشيخ زين الدين -رحمه الله تعالي- في المطلع:
يا سائلي عن الكلام المنتظم ... هو الذي في لفظ من أهوى قسم
هذا المطلع من إيداع الذي قصر فيه باع الشيخ زين الدين بن الوردي، فإنه صدر
__________
1 الْحَوْل: القوة.
(2/314)

مطلعه بالصدر وهو جائز، ولكنه غير المراد، فإن الشيخ جمال الدين تقدمه بتضمين الإعجاز ونسج إبداعه على هذا المنوال، ومن أغزال الشيخ جمال الدين البديعة في هذا الباب قوله:
أفدي غزالًا مثلوا جماله ... في مثل قد أقبلت الغزاله
ما قال مذ ملك قلبي واسترق ... كقولهم رب غلام لي أبق1
للقمرين وجهه مطالع ... فهي ثلاث ما لهن رابع
لأحرف الحسن على خديه خط ... وقال قوم إنها اللام فقط
منفرد بالوصل في دار الهنا ... مثاله الدار وزيد وأنا
لا يختشي تلاعب الظنون ... والأمر مبني على السكون
في خده التبري هان نشبي ... وقيمة الفضة دون الذهب2
فاصرف عليه ثروة تسام ... فما على صارفها ملام
وإن رأيت قدّه العالي فصف ... وقف على المنصوب منه بالألف
والعارض النوني ما أنصفته ... وإن تكن باللام قد عرّفته
واهاله من حرف نون قد عرف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف
يأتي بنقط الخال في الإعجام ... وتارة يأتي بمعنى اللام
للحظه المسكر فعل يطرب ... مفعوله نحو سقى ويشرب
ولا تلم فيه عويشقًا تلف ... ولا سكيران الذي لا ينصرف
جسمي وذاك الخصر والجفن الدنف ... هن حروف الاعتلال المكتنف2
فيا مليحًا عنه أخرت القمر ... أما لا هوان وإما لصغر
كرر فما أحلى بسمعي السامي ... قولك يا غلام يا غلامي
وارفق بمضناك فما سوى اسمه ... ولا تغير ما بقي من رسمه
وقد حكى العذار في الوقوف ... فاعطف على سائلك الضعيف
وافخر بمعنى لحظك المعشوق ... في كل ما تأنيثه حقيقي
يا لك لحظًا بسعاد أزرى ... وجاء في الوزن مثال سكرى
يا ناصبًا أوصاف ذياك الصبي ... تم الكلام عنده فلتنصب
هيهات بل دع عنك ما أضنى وما ... وعاص أسباب الهوى لتسلما
__________
1 استرقّ: استعبد. أبق: هرب.
2 التبر: الذهب. نَشَبي: مالي، الثابت والمنقول.
3 الدنِف: المريض. المكتنف: الذي أصاب المصيب.
(2/315)

وكرر الأمداح في علي ... قاضي القضاة الطاهر النقي
بكل معنى قد تناهى واستوى ... في كلم شتى رواها من روى
بادر بنا ذاك الحمى العالي وصف ... إذا اندرجت قائلًا ولا تقف
دونك والمدح زكيًا معجبًا ... نحو لقيت القاضي المهذبا
فالجود والعلم عليه أرسي ... وهكذا أصبح ثم أمسي
واهرع إلى قارٍ قراه نافع ... وافزع إلى حام حماه مانع1
يقول للضيف نداه جب وجل ... ومثله ادخل وانبسط واشرب وكل
وإن ظفرت عنده بموعد ... تقول كم مال أفادته يدي
لله ما ألينه عند العطا ... وما أحد سيفه إذا سطا
إن قال قولًا بين الغرائبا ... وقام قس في عكاظ خاطبًا
وإن سخا أتى على ذي العدد ... والكيل والوزن ومذروع اليد
معطل السمع عن العذال ... فما له مغير بحال
الفضل جنس بيته المهنا ... ونوعه الذي عليه يبنى
سام به أهل العلا جميعًا ... وارفع ولا رد ولا تقريعًا2
وإن ذكرت أفق بيت قد نما ... فانصب وقل كم كوكب تحوي السما
بيت عظيم المجد والعلاء ... عند جميع العرب العرباء3
إذا اجتليت في العطا جبينه ... أو استثرت للرجا يمينه
منها والبيت مضمن بكماله:
تقول قد خلت الهلال لائحًا ... وقد وجدت المستشار ناصحًا
كم بالغنى عنه تولى راجل ... وواقف بالباب أضحى سائل
قال له الشرع امض ما تحاوله ... واقض قضاء لا يرد قائله
وأنت يا قاصده سر في جدد ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد4
ولا تقل كان غمامًا ورحل ... كان وما انفك الفتى ولم يزل
باب سواه اهجر عداك عيب ... وصغر الباب وقل بويب
أود به أنسى أحاديث المطر ... فليس يحتاج لها إلى خبر
__________
1 قارٍ: الذي يقري الضيوف أي يطعمهم. والقِرى: إطعام الضيف.
2 التقريع: اللوم والتوبيخ.
3 العرب العرباء: العرب الخلص، الأقحاح.
4 الجدد: نوع من السير السريع ويكون في الأرض المستوية.
(2/316)

خذ بحر شعر جبته للذكر ... وغصت في البحر ابتغاء الدر
حتى ملا عيني نداه عينًا ... وطبت نفسًا إذ قضيت الدينا
دونكها معسولة الآداب ... ممزوجة بملحة الإعراب1
مضى بها الليل مضيّ الأنجم ... وبات زيد ساهرًا لم ينم
فافتح لها باب القبول تجتلى ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا
لا زلت مسموع الثنا ذا منن ... جائلة دائرة في الألسن
ما لعداك راية تقام ... فليس إلا الكسر والسلام
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
في صدغه للحسن آيات تخط ... وقال قوم إنها اللام فقط
قلت: الشيخ جمال الدين تقدمه في هذا البيت بالإيداع، وهنا بحث لطيف أبحثه مع حذاق الأدب، قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: "لأحرف الحسن على خديه خط" ومراده بذكر الأحرف هنا مخالفة القوم له، على أنها ليست بأحرف وإنما هي حرف اللام فقط. وقال الشيخ زين الدين: "في خده للحسن آيات تخط" فلم يبق لقول من خالفه بقوله. وقال قوم إنها اللام فقط موضع ولا محل، وأين الآيات التي تخط من اللام، ولعمري إن هذا الإيداع، على هذا التقدير، يصير بينه وبين العجز من بيت الملحة بعض مباينة، وكان الأليق للشيخ زين الدين الإعراض عن إيداع هذا البيت بعد الشيخ جمال الدين، فإنه لم يترك لغيره مجالًا فيه، والله أعلم. وقال الشيخ زين الدين بن الوردي، رحمه الله تعالى:
زمانه غض فلا يخشى فرط ... إذ أَلِفُ الوصل متى يدرج سقط
بسيف حفنه قتلت نفسي ... فإنه ماض بغير لبس2
فيا غزال إن أبنت ما اعتدى ... فأسقط الحرف الأخير أبدا
قلت لمذكر لحي خلّ الفند ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد
وهذا الإيداع أيضًا نسخه الشيخ زين الدين من قول الشيخ جمال الدين، وسبكه في غير قالبه، وأين هذا من قول الشيخ جمال الدين في إشاراته إلى قاصد ممدوحه:
وأنت يا قاصده سر في جدد ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد
__________
1 معسولة الآداب: حلوة الآداب. وكأن آدابها مزجت بالعسل لحلاوتها.
2 ماضٍ: قاطع. اللبس: الشك والريبة.
(2/317)

قال الشيخ زين الدين:
وإن يكن عدلك في المؤنث ... فقل لها خافي رجال العبث
منها وأجاد إلى الغاية:
قوامه أشبه شيء بالألف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف
ومثله في الحسن قوله:
يا خصره من ردفه بالمنح ... ولا تسل أخف وزنًا أم رجح
تركيب هذا البيت غاية في هذا الباب؛ لأنه قدم ذكر الألف في الأول، وقال في عجز بيت الملحة كمثل ما تكتبه لا يختلف، بخلاف قوله في ذلك البيت آيات، وقوله في عجز بيت الملحة. وقال قوم إنها اللام فقط وقال:
عذاره الرقيم فز بلثمه ... ولا تغير ما بقي من رسمه1
ولكن مرسوم الشيخ جمال الدين أمثل، وأين قول الشيخ جمال الدين: "وارفق بمضناك فما سوى اسمه" حتى يقول بعد التوطئة: "ولا تغير ما بقي من رسمه". من قول الشيخ زين الدين: "عذاره الرقيم فز بلثمه". وقال الشيخ زين الدين بعد بيته الأول:
تقول فيه خضرة يسيره ... كما تقول ناره منيره
دينار وجهه به شححت ... وكم دنينير به سمحت2
يا ليته يعطف بالوصال ... والعطف قد يدخل في الأفعال
لا ما حلا لي في هواه العذل ... لشبهه الفعل الذي يستقبل
منها وأجاد:
عيناه أفنت أكثر العشاق ... وهكذا تفعل في البواقي
في ثغره جواهر غوالي ... جلوتها منظومة اللآلي
صورته كالبدر فوق الغصن ... فانظر إليها نظر المستحسن
وخل عنك يا عذول العذلا ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا
وهذا البيت أيضًا منسوخ من إيداع الشيخ جمال الدين، والبون بينهما بعيد، فإن
__________
1 الرقيم: المنقش. والرقيم، الكتاب أو اللوح نقش فيه.
2 شح: بخل.
(2/318)

الشيخ جمال الدين اعتذر للممدوح في آخر القصيدة، عن التقصير، كما جرت عادة الشعراء بقوله:
فافتح لها باب القبول تجتلى ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا
هذا، مع مطابقة الفتح بالسد في هذا الباب، وهذا غاية، وأما اعتذار الشيخ زين الدين للعاذل، وقوله له عن محبوبه: "وإن تجد عيبًا فسد الخللا" فالمحبوب عند محبه أجل من هذا القدر، والله أعلم، وختام الشيخ زين الدين بن الوردي -رحمه الله- قوله:
حتى رثى لي وألان القولا ... والحمد لله على ما أولى
ولعمري إني اختصرت من إيداع الشيخ زين الدين بن الوردي جانبًا لم أرضه له.
ومن الإيداعات التي برز فيها الشيخ زين الدين بن الوردي، قصيدته التي امتدح بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وضمن فيها أعجاز قصيدة أبي العلاء المعري وبعض صدورها، وهي القصيدة الرائية التي امتدح بها أبو العلاء المعري ابن القصيصي، ونقلها الشيخ زين الدين بن الوردي إلى مستحقها صلى الله عليه وسلم، وقد عنَّ لي أن أجمع هنا بين الأصل والفرع، لتظهر مزية الشيخ زين الدين، فإنه أظهر في إيداعه العجائب وأتى بالغرائب، ومطلع الشيخ زين الدين خال من الإيداع، وهو:
أدر أحاديث سلع والحمى أدر ... والهج بذكر اللوى أو بانة العطر1
ومطلع الشيخ أبي العلاء المعري:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانًا على السهر
قال الشيخ زين الدين بعد المطلع:
وقف على الجزع واذكرني لساكنه ... لعل بالجزع أعوانًا على السهر
وقال في إيداع صدر مطلع أبي العلاء:
إذا تبسم ليلًا قل لمبسمه ... يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر
قال أبو العلاء يخاطب البرق:
وإن بخلت على الأحياء كلهم ... فاسق المواطرَ حيًّا من بني مطر
__________
1 سلع والحمى واللوى وبانة العطر: أسماء أماكن في الجزيرة العربية.
(2/319)

وقال أبو العلاء، في قصر الليل على العاشق ليلة الوصل:
يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر
نقله الشيخ زين الدين إلى المديح، وأجاد إلى الغاية، بقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم:
تشرف الركن إذا قبلت أسوده ... وزيد فيه سواد القلب والبصر
قال أبو العلاء:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
فنقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، فقال يخاطب النبي، صلى الله عليه وسلم:
عذبت وردًا فلم تهجر على خصر ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر1
قال أبو العلاء يخاطب محبوبته:
قلدت كل مهاة عقد غانية ... وفزت بالشكر في الآرام والعفر2
نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وما أحق المادح والممدوح به، فقال:
إن الغزالة لما أن شفعت نجت ... وفزت بالشكر في الأرآم والعفر
قال الشيخ أبو العلاء:
أقول والوحش ترميني بأعينها ... والطير تعجب مني كيف لم أطر
نقله الشيخ زين الدين وقال:
ضمنت مدح رسول الله مبتهجًا ... والطير تعجب مني كيف لم أطر
قال أبو العلاء:
في بلدة مثل ظهر الضب بت بها ... كأنني فوق روق الظبي من حذر3
نقله الشيخ زين الدين وقال:
ولي ذنوب متى أذكر سوالفها ... كأنني فوق روق الظبي من حذر
__________
1 الإفراط: الزيادة. الخصر: الاختصار.
2 المهاة: البقرة الوحشية. الغانية: الفتاة الحسناء. الأرآم: جمع رئم وهو الظبي الأبيض. العفر: جمع أعافر وهو نوع من الظباء الضعيفة العدو.
3 الضب: من الزواحف شبيه بالحرذون. الروق: القرن. الظبي: الغزال.
(2/320)

قال أبو العلاء يخاطب صاحبيه:
لا تطويا السير عني يوم نائبة ... فإن ذلك ذنب غير مغتفر
قال الشيخ زين الدين بعد قوله: ولي ذنوب:
ومطمعي أنها لا شراك "إلا" بشركها ... فإن ذلك ذنب غير مغتفر
قال أبو العلاء:
يا روع الله سوطي كم أروع به ... فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر1
نقله الشيخ زين الدين وقال:
ولي فؤاد متى تفخر سوى مضر ... فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر
قال أبو العلاء في المخلص، بعد روع الوجناء:
باهت بمهرة عدنانا فقلت لها ... لولا القصيصيّ كان المجد في مضر
قال الشيخ زين الدين لله دره:
والله لو أن أهل الأرض قاطبة ... مثل القصيصيّ كان المجد في مضر
قال أبو العلاء مشيرًا إلى ممدوحه، وأساء الأدب:
وقد تبين قدري أن معرفتي ... من تعلمين سيرضيني عن القدر
نقله الشيخ زين الدين بن الوردي إلى المديح النبوي، وقال بحق:
يا نفس لا تيأسي يوم المعاد فلي ... من تعلمين سيرضيني عن القدر
قال أبو العلاء، وكذب عن القصيصي في قوله:
ولو تقدم في عصر مضى نزلت ... في وصفه معجز الآيات والسور
نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وقال -رحمه الله- حيث قال:
وأين شعري من الهادي الذي نزلت ... في وصفه معجزات الآي والسور
__________
1 السوط: الكرباج، قطعة من الجلد تستعمل للضرب. راع: أخاف. الوجناء: من النوق: الشديدة القوية.
(2/321)

قال الشيخ أبو العلاء يخاطب ممدوحه:
وافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر1
نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وقال يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- وسبى العقول بقوله:
وأنت في القبر حي ما اعتراك بلى ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
قال أبو العلاء يخاطب ممدوحه:
أعاذ مجدك عبد الله خالقه ... من أعين الشهب لا من أعين البشر
والبيت نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي بكماله، ولكن كان فارس ميدانه وقائد عنانه، وكأنه كان معدًّا لقصيدته حتي يبرزه في محله من مديح النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو:
لله قولي لعبد الله والده ... قولًا إلى فص علياه على قدر2
أعاذ مجدك عبد الله خالقه ... من أعين الشهب لا من أعين البشر
قال أبو العلاء يخاطب ممدوحه:
سافرت عنا فظل الناس كلهم ... يراقبون إياب العيد من سفر3
نقله الشيخ زين الدين إلى المديح، فقال يخاطب النبي، صلى الله عليه وسلم:
كم راقبت أمم منك القدوم كما ... يراقبون إياب العيد من سفر
قال أبو العلاء يخاطب الممدوح:
لو غبت شهرك موصولًا بتابعه ... وأُبت لانتقل الأضحى إلى صفر4
قال الشيخ زين الدين يخاطب النبي، صلى الله عليه وسلم:
سل تعط واشفع تشفع ما ترده يكن ... لو شئت لانتقل الأضحى إلى صفر
__________
1 الوهن: من الليل بُعَيد منتصف الليل. السحر: قبيل الفجر.
2 إلى فص علياه: إلى أصلها.
3 الإياب: الرجوع.
4 الأضحى: عيد الأضحى عند المسلمين. وهو العيد الذي يقدم فيه الحجيج الأضحيات قربة إلى الله تعالى.
(2/322)

قال أبو العلاء في ختام قصيدته:
ولا تزال بك الأيام ممتعة ... بالآل والحال والعلياء والعمر1
قال الشيخ زين الدين في ختامه:
وارتجي بك من ذي العرض عافية ... في الآل والحال والعلياء والعمر
رحم الله الشيخ زين الدين، هذه القصيدة معدودة من محاسنه، ولولا خشية الإطالة لاستوعبتها بكمالها، فإنها بديعة في باب الإيداع. انتهى.
وأما أعجاز قصيدة امرئ القيس اللامية المعلقة، فإن جماعة من أهل الأدب ثابروا على تضمينها وتضمين البعض منها، وسبكوها في قوالب مختلفة الأنواع.
كتب إلَيّ مولانا قاضي القضاة، صدر الدين بن الآدمي الحنفي -سقى الله ثراه- من دمشق المحروسة إلى حماة المحروسة، في صدر رسالته:
أحن إلى تلك السجايا وإن نأت ... حنين أخي ذكرى حبيب ومنزل
وأهدي إليها من سلامي معطرًا ... بمسكٍ سحيق لا بريّا القرنفل2
وأذكر ليلات بكم قد تصرّمت ... بدار حبيب لا بدارة جلجل3
شكوت إلى صبري اشتياقي فقال لي ... ترفق ولا تهلك أسى وتجمل
وقلت له إني عليك معول ... وهل عند رسم دارس من معول4
فأجبته وصدرت الرسالة بقولي:
سرت نسمة منكم إلَيّ كأنها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
فقلت لليلي مذ بدا صبح طرسها ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
جنت ما حلا ذوقًا فقلت تقربي ... ولا تبعدينا عن جناكِ المعلل
ورقت فأشعار امرئ القيس عندها ... كجلمود صخر حطه السيل من علِ
فقلت قفا نضحك لرقتها على ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
__________
1 الآل: الأهل والعشيرة.
2 ريا القرنفل: رائحة القرنفل وهو نبات طيب الرائحة.
3 تصرّم: انقضى.
4 الرسم: الأثر. الدارس: الممحو، غير الواضح. معول: فائدة.
(2/323)

وتطارح الشيخ جمال الدين، والشيخ صلاح الدين قبلنا، في جانب كثير منها، ولكن الشيخ جمال الدين تنازل فيها إلى الغاية فقال:
رأى فرسي إصطبل عيسى فقال لي ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأما الشيخ صلاح الدين فإنه كتب إلى الشيخ جمال الدين، في معنى العتب المفرط:
أفي كل يوم منك عتب يسوؤني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وترمي على طول المدى متجنيًا ... بسهميك في أعشار قلب مقتل1
فأمسى بليل طال جنح ظلامه ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
وأغدو كأن القلب من وقدة الجوى ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل2
تطير شظاياه بصدري كأنها ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل3
وسالت دموعي من همومي ولوعتي ... على النحر حتى بل دمعي محملي
إذا عاين الأخوان ما بي من الأسى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
ترفق ولا تجزع على فائت الوفا ... فما عند رسم دارس من معول
ولي فيك ود طال ما قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل4
ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل
كأن أمانيها كئوس مدامة ... غذاها نمير الماء غير محلل5
سلوت غوايات الشبيبة والصبا ... وليس فؤادي عن هواها بمنسلي
وأجلو محيا الودّ فيك لأهله ... متي ما ترق العين فيه يسهل
فكر على جيش الجناية عائدًا ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل6
تجد خفرات الأنس منها كواعبًا ... ترائبها مصقولة كالسجنجل7
__________
1 لمتجني: الذي يبدأ الجناية. السهمان: هما النظرتان. الأعشار: الأجزاء
2 جاش: تحرّك صعودًا وهبوطًا، ثار. الْمِرجل: القدر يطبخ فيها.
3 الشظايا: القطع. الأنابيش: جذور الأشجار وبقاياها. العنصل: نبات معمر من الفصيلة الزنبقية له ورق كورق الكراث.
4 الصم: الصلاب. الجندل: الصخور.
5 نمير الماء: الصافي منه والعذب.
6 المنجرد: الحصان القصير الشعر. قيد الأوابد: كناية عن السرعة، الأوابد: الوحوش. الهيكل: الضخم.
7 خفرات: شديدات الحياء. الكواعب: جمع كاعب وهي الفتاة نهد ثدياها. الترائب: عظام الصدر. السجنجل: المرآة. رومية معربة.
(2/324)

وخل الجفا وارجع إلى معهد الوفا ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل1
حلا ودك الماضي وإن لم تعد أعد ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل2
فأجابه الشيخ جمال الدين متهكمًا في المطلع، والتهكم فيه غاية لا تكاد تخفى على حذاق الأدب، بقوله:
فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبًا ... أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل
بروحي ألفاظ تعرض عتبها ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
فأحييت ودًّا كان كالرسم عافيًا ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل3
تعفي رياح العذر منك رقومه ... لما نسجتها من جنوب وشمأل4
نعم قوّضت منك المودة وانقضت ... فيا عجبًا من رحلها المتحمل
أمولاي لا تسلك من الظلم والجفا ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل5
ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى ... بصبح وما الإصباح مني بأمثل
صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... بجيد معم في العشيرة مخول6
وحاولت من إدناء ودك ما نأى ... فأنزلت فيه العصم في كل منزل
يقلب لي وجدي به سوط سائق ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل7
وكم خدمة عجلتها ومحبة ... تمتعت من لهو بها غير معجل
وكم أسطر مني ومنك كأنها ... عذاري دراري في ملاء مذيل8
وقلب خليل ينشد الودّ همه ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
__________
1 الصرم: القطيعة. أزمع: نوى وعزم على الأمر.
2 سمرات: جمع سمرة وهي شجرة الطلح. الحنظل: نبات شديد الحرارة. الناقف: الذي يكسر الحنظل، وناقف الحنظل يبقى سائل الأنف، كثير الدمع لشدة حرارة الحنظل.
3 العافي: الممحو غير الواضح. الرسم: الأثر. سقط اللوى والدخول وحومل: أسماء أماكن في الصحراء العربية.
4 الرقوم: النقوش. الجنوب والشمأل: الريح.
5 الخبت: الوادي العميق المحدود. القفاف: التلال والوهدات ويروى: حقاف وهي الرمال المرتفعة. العقنقل: الوادي العظيم المتسع والكثيب من الرمل.
6 المعم: ذي الأعمام. المخول: ذي الأخوال.
7 الإرخاء: السير السريع. السرحان: الذئب. التقريب: السير البطيء. التتفل: ولد الثعلب أو الثعلب عينه.
8 الملاء: الثوب الفضفاض تلتف به المرأة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. المذيل: المطرزة أذياله.
(2/325)

وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت ... عليّ وآلت حلفة لم تحلل1
ولحية لاح غاظها ضحكي على ... أثيث كقنو النخلة المعثكل2
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
نزعت لسكري ساحبًا من صبابتي ... على إثرها أذيال مرط مرحل3
إلى أن تبدى عذره متمطيًا ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل4
فلاطفته في حالتيه ولم أقل ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وضن بأسطار كأن يراعها ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل5
ويقرع سمعي من معاريض لفظه ... مداك عروسك أو صلاية حنظل6
وعدنا لود يملأ القلب عوده ... بشحم كهداب الدمقس المفتل
أعدت صلاح الدين عهد مودة ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل7
فدونك عتبي اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل8
وعادات حب هن أشهر فيك من ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
والذي أقوله: المهيع الذي اخترعه الصاحب فخر الدين بن مكانس، ومشى عليه في تضمين هذه المعلقة، يعد من المعلقات في بابه، فإنه ضمنها في مداعبة رجل من أصحابه، كان كبير الأنف وأتى بما لا اختلج في صدر متأدب، ولا سمع بعده المرقص والمطرب، وهو قوله:
تأنف عن وصف الغزال تغزلي ... بلحية أنف ذي عقاص ومرسل
انظر أيها المتأدب ما ألطف تأنف هنا، وألطف منه قوله بلحية أنف، فإن العقاص
__________
1 آلى: حلف.
2 اللاحي: اللائم. الأثيث: الملتف. قنو النخلة: العنقود. المتعثكل: المتشابك.
3 المرِط: الإزار. المرحل: الموشى.
4 أردف أعجازًا: أتبع المؤخرة. ناء بعد. الكلكل: الصدر.
5 أساريع الظبي: أصابعه واحدها أسروع. المساويك: جمع مسواك: وهو عود تنظف به الأسنان. الإسحل: الشجر الذي تتخذ منه المساويك.
6 المداك: المسك المدقوق دقًا وتستعمله العرائس عادة أو هو الحجر الذي يسحق به. صلاية الحنظل: الحجر الأملس الذي يكسر عليه، وهو نبات شديد الحرارة.
7 مغار القتل: محكم الجدل وهو الحبل المتين. يذبل: اسم جبل في الصحراء.
8 نصّته: أبرزته وأظهرته. المعطل: الذي لا حلي فيه.
(2/326)

جمع عقيصة وهو ما جمع من الشعر، والمرسل الشعر المسرح، ومراده أن لحية هذا الأنف غزيرة الشعر مسرحة وقال مشيرًا إليها:
من البقّ فيها جملة قد تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل1
فيا قبح شعر فوق أنف معرقص ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل2
الأثيث الكثير، والمتعثكل الذي دخل بعضه في بعض لكثرته وتدلى وهكذا قنو النخلة الذي شبه به الصاحب فخر الدين هذا الأنف، ولعمري إن هذا الإيداع من السحر في نقله إلى هذه الصفة الغريبة وقال بعده:
وقالوا اختبا في شعره فكأنه ... كبير أناس في بجاد مزمل
هذا التشبيه بالنسبة إلى كبر الأنف نوع من الغلوّ، وهو من المخترعات في بابه، فإن امرأ القيس شبه به جبل ثبير فقال:
كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
والعرانين جمع عرنين وهو الأنف، والوبل ما عظم من المطر، والبجاد كساء مخطط من الشعر الأبيض والأسود، فنقله الصاحب فخر الدين في إيداعه إلى الأنف، لما فيه من الشعر الأبيض والأسود الذي انتسج في أنفه كالبجاد، ولما اختفى في ذلك الشعر، بكبير أناس في بجاد مزمل أي ملتف، وقد تقدم قولي إنه من المخترعات.
مقلص كلتا الجانبين كأنه ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وهذا التشبيه أيضًا من العجائب، فإن هذا الأنف لم يبرح سائلًا، فشبهه الصاحب برجل ناقف حنظل، فإن ناقف الحنظل كثير الدمع لشدة حرارته. وقال:
ترى القمل والصيبان في عرصاته ... وقيعانه كأنه حب فلفل3
وفي جوفه شعر طويل كأنه ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
فيا لك شعرًا فوق أنف معظم ... يلوح كهداب الدمقس المفتل
وكم قلت إذ أرخى ذوائب أنفه ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ ... بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ
__________
1 البق: نوع من الحشرات التي تشبه القمل ولكنها أكبر منه.
2 المعرقص: المجعد كثيرًا.
3 العرصات: واحدتها عرصة وهي ساحة الدار. والقيعان: مفردها قاع: وقاعة الدار ساحتها أيضًا.
(2/327)

الصاحب فخر الدين -رحمه الله- ضمن هنا عجزًا وبيتًا كاملًا بنصف بيت واحد، وفي هذا من الروية والقوة ما يزيد على الوصف، وأما قوله بعدما أرخى هذا الرجل ذوائب أنفه: ألا أيها الطويل ألا انجل، فإن هذا نوع من السحر بل السحر بعينه، ومن المبالغة المفرطة في هذا الباب قوله:
كأن الفسا إن قس مع ريح أنفه ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل1
ترى شعرات الأنف سدت خدوده ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
وقد درست بالأنف آثار وجهه ... فهل عند رسم دارس من معوّل
كأني بمولانا على وصف أنفه ... تولى بأعجاز وناء بكلكل
وجرد شعر الأنف منه وجاءنا ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من علِ
هذا الذي وقع عليه الاختيار من اختراع الصاحب فخر الدين -تغمده الله برحمته ورضوانه- ولعمري إنه من الاختراع الذي لم يسبق إليه، ولا حام فكر من قبله عليه، انتهى.
وكان الأمير مجير الدين بن تميم يجنح إلى نوع الإيداع كثيرًا، وأتى فيه بالعجائب والغرائب، وقال من شغفه بالتضمين:
أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري
أضمن كل بيت فيه معنى ... فشعري نصفه من شعر غيري
ومن تضامينه:
أفدي الذي أهوى بفيه شاربًا ... من بركة راقت وطابت مشرعًا
أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معًا
وله أيضًا:
وشبابة قد كنت أهوى سماعها ... وقد صرت منها بعدما تبت أنفر3
وها أنا قد فارقتها غير نادم ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
__________
1 الفسا: الريح الذي يخرج من دبر الإنسان.
2 درس: امّحى. المعول: الفائدة أو ما يعوّل عليه.
3 الشبابة: آلة موسيقية قديمة يستعملها الرعاة عادة وهي عبارة عن قصبة فيها خمسة ثقوب أو ستة توضع عليها الأصابع وينفخ فيها مع تحريك الأصابع فيسيل منها نغم مطرب، وقد تكون مصنوعة من الحديد أو النحاس أو ما إلى ذلك وتعرف أيضًا بالقصبة.
(2/328)

وأورد العميان في شرح بديعيتهم بيتين ذكروا أن تضمينهما لبعض المتقدمين المغاربة، وهما على طريقتهم، ولكن أعجباني، وهما:
وفرع كان يوعدني بأسر ... وكان القلب ليس له قرار
فنادى وجهه لا خوف فاسكن ... كلام الليل يمحوه النهار
ومن التضامين البديعة قول زكي الدين بن أبي الأصبع، وقد جعل مطلع أبي الطيب عجزين لبيتين، فلم يلحق فيهما، فإنه نقلهما من فخامة التحمس إلى زخارف الغزل بقوله:
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق
ومن تضامين ابن تميم:
عاينت في الحمام أسود واثيًا ... من فوق أبيض كالهلال المسفر1
فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقال في الفانوس:
يقول لي الفانوس حين أتوا به ... وفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذوا بيدي ثم اكشفوا الثوب تنظروا ... ضنى جسدي لكنني أتستر
وله:
أزهر اللوز أنت لكل زهر ... من الأزهار يأتينا إمام
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
وقال:
لو كنت إذ أبصرتها موارة ... للشمس في أمواهها لألاء2
لرأيت أعجب ما ترى من بركة ... سال النضار بها وقام الماء
وقال غيره، وسبكه في غير هذا القالب:
لو كنت في الحمام والحنا على ... أعطافه ولجسمه لألاء
لرأيت ما يسبيك منه بقامة ... سال النضار بها وقام الماء
__________
1 واثيًا: مصابًا بالوثء وهو وصم يصيب لحم اليد ولا يبلغ العظم المسفر: المكشوف.
2 أمواه: جمع ماء.
(2/329)

وقال:
يا من يقول بأن رشـ ... ـف لمى الحبائب لم يرق
وغدا يعنفني به ... دع عنك تعنيفي وذق
وقال:
لما رأيت البدر في ساعدي ... ونرجس الأنجم قد صوّحا1
أفنيت رشفًا فيه ريق الدجى ... من قبل أن ترشف شمس الضحى
وقوله:
صهباء ريقته رشفت سلافها ... وتغلبت فعجزت أن أتكلما
وإذا سئلت أقل لمن هو سائل ... إني لأعلم ما تقول وإنما2
ومن محاسن الشيخ سراج الدين الوراق قوله:
توارت من الواشي بليل ذوائب ... له من جبين واضح تحته فجر
فدل عليها شعرها بظلامه ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
نقله الشيخ شمس الدين بن الصائغ إلى المداعبة، وزاده تورية، بقوله:
تطلبت حجرًا في الظلام فلم أجد ... ومن يك مثلي حية دأبة الحجر3
فناداني البدر الأديب إلى هنا ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ويعجبني من تضمين ابن أبي الأصبع قوله، وهو منقول من الحماسة إلى الغزل:
له من ودادي مثل كفيه صافيًا ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل
ومن قده الزاهي ونبت عذاره ... صدور رماح أشرعت وسلاسل
وقوله:
هذا الذي أنا قد سمحت بحبه ... كرمًا بلؤلؤ دمعي المتنظم
لا تحرموني ضم أسمر قدّه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
ومن تضامين الشيخ محمود البديعة قوله:
من حاتم عدّ عنه واطرح فيه ... في الجود لا بسواه يضرب المثل
لو مثل الجود سرحًا قال حاتمهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل4
__________
1 صوّح: جف ويبس.
2 وإنما لا أستطيع التكلما.
3 الحجر: بيت الحية. دأبه الحجر: دأبه طلب الحجر.
4 لا ناقة لي في هذا ولا جمل: مثل يضرب فيمن لا يعنيه شيء من الأمر.
(2/330)

ومن محاسن تضامين شمس الدين محمد بن العفيف البديعة قوله:
قالوا غدا تندم عن لثمه ... في خده إذ يغلب السكر
فقال لي مبسمه دعهم ... اليوم خمر وغدًا أمر1
وقال:
جلا ثغرًا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها المحب إلى المنايا
وأنشد ثغره يبغي افتخارًا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
ومن تضامين مجير الدين بن تميم التي تطفل الناس عليها بعده قوله:
إن تاه ثغر الأقاحي إذ تشبهه ... لله حبك واستولى به الطرب
فقل له عندما يحكيه مبتسمًا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب2
ومن تضامين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر البديعة قوله:
وناطقة بالروح عن أمر ربها ... تعبر عما عندها وتترجم
سكتنا وقالت للقلوب فأطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
ومن تضامين الشيخ صلاح الدين الصفدي قوله:
ملكت كتابًا أخلق الدهر رسمه ... وما أحد في دهره بمخلد
إذا عاينت كتبي الجديدة جلده ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
وقال:
قل للرقيب يسترح من عذلي ... ما أصبح المعشوق عندي مشتهى
وارتد قلبي عن سيوف لحظه ... وكل شيء بلغ الحد انتهى
وقال مضمنًا ومكتفيًا:
رشفت ريقك حلوًا ... فلم يكن لي صبر
وسوف أحظى بوصل ... وأوّل الغيث قطر
ومن تضامين الشيخ عز الدين الموصلي:
وعلق يرى للترك فيه تحمس ... يقود عليه أحدب ويعاشره3
إذا جاءه اللوطي يطلب وصله ... ثنى طرفه نحو الحسام يشاوره
__________
1 اليوم خمر وغدًا أمر: قالها امرؤ القيس عندما بلغه مقتل والده وقد كان خليًّا لا هم له يشرب الخمر ويلهو، فصار مهتمًا بالثأر لأبيه.
2 حكيت: شابهت. الشنب: بياض الأسنان ورقتها.
3 العلق: الصعلوك من الناس، أو المخنث المتشبه بالنساء. يقود عليه: يجلب له الزبائن وهي القوادة أي القيادة إلى الفحش. يعاشره: يجامعه، يلوطه.
(2/331)

وله أيضًا:
جاد لنا كالشادن الربيب ... لحظته بالنظر المريب
فقال في السكرة عند نومه ... يا رب سلمها من الدبيب1
وقال:
نادمت قومًا لا خلاق لهم ولا ... ميل إلى طرب ولا سمار
يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وقال:
لحديث نبت في العذار حلاوة ... وطلاوة هامت بها العشاق
فإذا نهاني المرد قلت تمهلوا ... فإليكم هذا الحديث يساق2
ومن تضامين الشيخ برهان الدين المعمار التي أجاد فيها قوله:
عزمت على رقيى محاسن وجهه ... بأنوار آيات الضحى حين أقبلا
فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أوّلا3
وكتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، إلى الشيخ سيف الدين الآمدي:
لئن تقدم قوم عصر سيدنا ... فكم تقدم خير المرسلين نبي
وإن يكن علمه فرعًا لعلمهم ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
وإن أتت قبله كتب مؤلفة ... فالسيف أصدق إنباء من الكتب
ومن الغايات في هذا الباب، قول الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
لله يوم الوفا والناس قد جمعوا ... كالروض تطفوا على نهر أزاهره
وللوفاء عمود من أصابعه ... مخلق تملأ الدنيا بشائره
ومما جاد به الشيخ برهان الدين القيراطي، في تضمينه:
قل في اخضرار عذاره وقوامه ... خلع الربيع على غصون البان
وانشر من الأغزال في أردافه ... حللًا فواصلها على الكثبان4
ومن غايات الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في هذا الباب قوله:
قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
__________
1 الدبيب: سريان الخمرة في المفاصل بعد شربها.
2 المرد: جمع أمرد وهو الشاب لم تنبت لحيته بعد.
3 يفتر: يبتسم حتى تبدو أسنانه.
4 الأرداف: جمع ردف وهي المؤخرة. الكثبان: جمع كثيب: تلة الرمل.
(2/332)

ومن تضامين علاء الدين بن أيبك الدمشقي البديعة قوله:
أقول وقد ظمئت ووجه حبي ... له عرق على ورد الخدود
أرى ماء وبي ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
ومن تضامين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قوله:
لقد قال لي إذ رحت من خمر ريقه ... أحث كئوسًا من ألذ مقبل1
بلثم شفاهي بعد تقبيل مبسمي ... تنقل فلذات الهوى في التنقل
وظريف في هذا الباب قول الشيخ بدر الدين بن المنيجي:
ولما خلونا والمسرة بيننا ... وقد عز شرب الراح فينا عن الشرب2
تعوّض كل بالحشيش عن الطلا ... ومن لم يجد ماء تيمم بالترب3
ومن تضامين شهاب الدين بن أبي حجلة البديعة قوله:
يحكي سنا الفانوس من بعد لنا ... برقًا تألق موهنًا لمعانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
وقال فيه:
أنا في الدجى ألقى الهوى وبمهجتي ... حرق يذوب لها الفؤاد جميعه
وكأنني في الليل صب مغرم ... كتم الهوى فوشت عليه دموعه
وقال وأجاد:
يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس
وكسا العذار الخد حسنًا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس
ومن تضامين الشيخ برهان الدين القيراطي:
تجمعت من نطف ذاته ... حتى بدا في قالب فاسد
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
__________
1 المقبّل: مكان التقبيل وهو الفم.
2 المسرّة: الفرحة. الشرب: الذين يشربون الراح وهي الخمرة.
3 الحشيش: نوع من المسكرات يدخن تدخينًا والطلا: الخمرة.
(2/333)

وقال مضمنًا في قطائف:
لقد نطقت زهر الثنا بقطائف ... تخيرتها فاختر لنفسك ما يحلو
تقول اسمعوا مني مدائح مرسلي ... وكلي إن حدثتكم السن تتلو
وله في باذهنج وأجاد:
بروحي أفدي باذهنجًا موكلًا ... بإطفاء ما ألقاه من حرق الجوى6
إذا فتتحت في الحر منه طوابق ... أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
وقال فيه:
أيا باذهنجًا صح فيه لنا الهوا ... صفاتك ما وفى بهن خطاب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي ... على أن عشقي في هواك صواب
وقال فيه الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة وأجاد:
هجا الشعراء جهلًا باذهنجي ... لأن نسيمه أبدًا عليل
فقال الباذهنج وقد هجوه ... إذا صح الهوى دعهم يقولوا
ويعجبني من قصائد الشيخ برهان الدين القيراطي قوله:
وموسوس عند الطهارة لم يزل ... أبدًا على الماء الكثير مواظبا
يستصغر البحر الكبير لذقنه ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
ومن غاياته في هذا الباب قوله:
ولما بدا والليل أسود فاحم ... قد انتشرت في الخافقين غياهبه2
أضاء بدر الثغر عند ابتسامه ... دجا الليل حتى نظم الجزع ثاقبه3
وقال بدر الدين حسن الزغاري وأجاد:
وبي سامري مربى في عمامة ... قد اكتسبت من وجنتيه احمرارها
موردة دارت بوجه كأنما ... تناولها من خده فأدارها
__________
1 الباذهنج: شجر طيب الرائحة.
2 الخافقين: الأفقين. الغياهب: الظلمات.
3 الجزع: نوع من الخرز الأسود.
(2/334)

ومثله قول الشيخ عز الدين الموصلي:
وسامري أعار البدر منه سنا ... سموه نجمًا وهذا النجم غرار
تهتز قامته من تحت عمته ... كأنه علم في رأسه نار
ومن تضامين محيي الدين بن قرناص الحموي:
أفديه أغيد زارني تحت الدجى ... وعليه من فرعيه ليل ساجي
والفرق بين الشعر فوق جبينه ... عريان يمشي في الدجى بسراج
وقال أيضًا:
سقى الله روضا قد تبدى لناظري ... به شادن كالغصن يلهو ويمرح
وقد نضحت خداه من ماء ورده ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
وقوله في كاحل:
دعوا الشمس من كحل الجفون فكفه ... تسوق إلى الطرف الصحيح الدواهيا1
فكم أذهبت من ناظر بسواده ... وخلت بياضًا خلفها ومآقيا
وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
ومتى امتطيت من الكئوس كيمتها ... أمسيت تمشي في المسرّة راكبًا
ومتى طرقت عشى آنس ديرها ... لم تلقَ إلّا راغبًا أو راهبا
وقال ابن الوردي: تعجبت من اشتهار بيتين ما أحكمهما بانيهما، ولا اعتنى بمعانيهما وهما:
مقامات الغريب بكل أرض ... كبنيان القصور على الثلوج
يذوب الثلج تنهدم البنايا ... وقد عزم الغريب على الخروج
فخلصتهما من مقامات الغريب بكل أرض، وأوقدت فكرتي فذاب الثلج، وانهدمت البنايات المستحقة للنقض، وجعلتهما أسمى من السماء، ونقلتهما من كثافة الأرض فقلت:
مليح ردفه والساق منه ... كبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيبًا ... فقد عزم الغريب على الخروج
__________
1 الدواهيا: المصائب.
(2/335)

قلت، وقد سألني بعض حذاق الأدب عن بيت ابن مطروح، الذي لم تصل أفواه البلغاء إلى لثم أعتابه، ولا الحضور إلى جنابه، ولا وجدوا طاقة للدخول من بابه، فضمنته تضمينًا لو سمعه ابن مطروح لطرح نفسه خاضعًا، وسلم إلَيّ مفاتيح بيته طائعًا، وهو قوله:
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
فقلت:
ولما خلعنا العذار ... فككنا طويق الخجل
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
ومن تضامين الشيخ زين الدين بن الوردي ما ذكره في ديوانه، أنه كان له صاحب يدعي بالمجد، حصل له أذية مفرطة من زوجته، وأبيها وجدها، فكتب إليه الشيخ:
زوجة مجد الدين والداها ... في ثلب عرض المجد أشبهاها1
إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
ومن تضميني الذي ما حام فكر من ضمن إعجاز الملحة عليه، ولا سبقني جواد من فحول العربية إليه قولي مداعبًا:
نصبت أيري إذ نحوت نيكه ... وهو يريد رفعها لي ابتدا
وبعد ذا للجر قد أضفته ... وفي المضاف ما يجر أبدا
وأنشدني من لفظه الكريم، قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر، من هذا الباب بيتين كان مولانا قاضي القضاة علاء الدين يترنم بهما:
تيه فلان الدين مع فقره ... أقوى دليل أنه جاهل
لثوبه بالصقل من فوقه ... قعاقع ما تحتها طائل2
وقال أيضًا في المجون:
وشاعر فاسق أتى امرأة ... من خلف إذ سامه المليح قِلى
وقال إذا عاتبوه معتذرًا ... تلجي الضرورات في الأمور إلى3
__________
1 ثلب: تجريح. وعيب.
2 القعاقع: الكثير التصويت على غير طائل، والطائل: النتيجة والفائدة والمعنى.
3 إلى: إلى الممنوعات.
(2/336)

ومن تضاميني الغريبة:
حثثت عزمي شوقًا إليكم ... فلم أطق مكثة بأرض
وحيث لم أحظ بالتلاقي ... فغايتي أن ألوم حظي
وقولي:
يقول معذبي حسن تخير ... سواي فقلت قد عز اصطباري
وكم في الناس من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري
وأنشد المقر المرحومي محمد بن منهال ناصر الدين، عين الموقعين بدمشق المحروسة، بيتين لابن الوردي، والأصل للحريري صاحب المقامات:
لوجنة صيادكم نسخة ... حريرية ملحة في الملح
يقول لنبت العذار اجتهد ... ومدّ الشباك وصد من سنح1
فنظمت في ذلك المجلس بيتين اعترفت لهما القصور العوالي بالقصر، وما شك أحد أن أبا بكر مقدم على عمر:
غدا طير أفراحنا سانِحًا ... يحوم على ورد عذب القدح
فقلنا لبدر الحباب اجتهد ... ومد الشباك وصد من سنح
ومن تضاميني الغريبة ما ضمنته قول عنترة في معلقته:
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
فقلت:
جاد النسيم على الربا ... بندى يديه وقال لي
أنا ما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي
وبيت الشيخ صفي الدين في هذا النوع:
إذا رآه الأعادي قال قائلهم ... حتام نحن نساري النجم في الظلم
الشيخ صفي الدين ضمن في بيته الشطر الأول من مطلع المتنبي، وشطره الثاني: "وما سراه على خف ولا قدم".
__________
1 سنح: ظهر وتعرّض أو مرّ من اليمين إلى الشمال.
(2/337)

وبيت العميان:
واسمح بنفسك وابذل في زيارته ... كرائم المال من خيل ومن نعم
والعميان ضمنوا الشطر الثاني من بيت الشريف الرضي، وشطره الأول: "ماض من العيش لو يفدى بذلت له".
وبيت الشيخ عز الدين:
إيداعه الفضل في الأصحاب شرفهم ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
والشيخ عز الدين ضمن الشطر الثاني من بيت المتنبي، من قصيدته التي ضمن فيها الشيخ صفي الدين الشطر الأول وهو قوله:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على المديح النبوي تابع لقولي، وهو:
وآله البحر آل أن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم
وفي الوغى رادفوا لُسنَ القنا سكنًا ... من العدا في محل النطق بالكلم
وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم
وأنا أيضًا ضمنت في بيتي شطرًا ثانيًا من ميمية المتنبي، والشطر الأول: "ولا تشك إلى خلق فتشمته"، ووجه الاستحقاق هنا سافر لمستجلي محاسن هذا النوع، والله أعلم.
(2/338)

ذكر التوهيم:
والبعض ماتوا من التوهيم واطرحوا ... والسمر قد قبلتهم عند موتهم1
قلت: هذا النوع، أعني التوهيم، وتقدمه باب الترشيح، كان الأليق بهما أن ينتظما في سلك باب التورية ويذكر التوهيم مع إيهامها والترشيح مع المرشحة، وقد تقرر كل من النوعين وتقدم في بابه، والذي مشى عليه الشيخ صفي الدين هنا هو إيهام التورية وهو قوله:
حتى إذا صدروا والخيل صائمة ... من بعد ما صلت الأسياف في القمم
فذكر صيام الخيل، هنا، يوهم السامع أن السيوف صلت من الصلاة، ومراده الصليل وهو صوت الحديد، وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} 2 بعد قوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} 3 فإن ذكر الشمس والقمر، هنا، يوهم السامع أن المراد بالنجم أحد النجوم، والمراد به النبت الذي لا ساق له.
قال ابن أبي الأصبع: وقد يأتي التوهيم للمطابقة، كقول أبي تمام، رحمه الله تعالى:
تردّى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فإنه أوهم بالمطابقة بين الأحمر والأخضر، وليس يطابق، إذ الأحمر لا يطابق
__________
1 السمر: الرماح. التقبيل: الطعن في الثغر. ويحتمل أن يكون السمر النساء، والتقبيل: الاتجاه نحو القبلة.
2 الرحمن: 55/ 6.
3 الرحمن: 55/ 5.
(2/339)

الأخضر وفرع منه ضربًا آخر فقال: هو أن يأتي المتكلم بكلمة توهم، بما بعدها من الكلام، أن المتكلم أراد تصحيفها ومراده خلاف ذلك، كقول أبي الطيب:
وإن الفئام التي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس
فإن الأرجل أوهمت السامع أن لفظة الفئام بالقاف، ومراد الشاعر الفئام بالفاء، وهي الجماعات الكثيرة، هكذا روي هذا البيت، والمبالغة تقتضيه فإن القيام بالقاف يصدق عليه أقل الجمع. انتهى.
وبيت عز الدين الموصلي:
يا سائرًا مفردًا أعربت لحنك في ... توهيم منع رضاع الشاء من حلم
قلت: هذا البيت المبارك عجزت عن حل معناه، إذ ليس له تعلق بما قبله، ولا بما بعده، ولا بمدح النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم أزل في حيرة إلى أن وقفت على شرح المصنف، فوجدته قد قال: الحلم مشتق من الحلمة، وهي رأس الثدي، ويحصل في جلد الشاة دود، فتقول العرب: حلمت وحلم أديمها، أي وجد الدود في جلدها، ثم قال: ومعنى البيت، أني أخاطب سائرًا في الطريق منفردًا بنفسه عن الناس، لا يرغب في مرافقة أحد، فقلت: له وأنت تتوهم بترك اجتماعك بالناس معنى لا تظهره، كما يوهم الراعي بمنع رضاع الشاء، أن جلودها حلمت، وحلم بين حلم الشاة وحلم الأديب. قلت والله ما ازددت إلا حيرة في تفسير هذا الشرح، والذي أقوله: إن الشرح والنظم في العقادة، وعدم الفائدة، كفرسي رهان.
وبيت بديعيتي تقدم قبله وهو:
وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم
وقلت بعده في التوهيم:
والبعض ماتوا من التوهيم واطرحوا ... والسمر قد قبلتهم عند موتهم
فذكر الموت في البيت يوهم السامع أن نساءهم السمر قد أدارتهم إلى جهة القبلة، كما هو المعهود. والتوهيم هنا في التقبيل وفي السمر، والمراد بالسمر الرماح، وبالتقبيل الطعن في الأفواه التي تنزل هنا منزلة التقبيل، واستعارة التقبيل للرماح في غاية الحسن، فإنهم شبهوا سنان الرماح باللسان، وشبهوا مواقع الطعن بالثغور. ويعجبني هنا قول ابن المزين في الرمح:
(2/340)

أنا أسمر والراية البيضاء لي ... لا بالسيوف وسل من الشجعان
لم يحل بي عيش الغداة لأنني ... نوديت يوم الجمع بالمران1
وإذا تفاخمت الكماة بجحفل ... كلمتهم فيه بكل لسان2
__________
1 المران: الرماح اللدنة الصلبة واحدتها مرانة.
2 تفاخمت: علت قدرًا. الكماة: الأبطال الشجعان. الجحفل: الجيش الجرار. كلم: جرح. اللسان من الرمح سهمه.
(2/341)

ذكر الألغاز:
وكل ما ألغزوه حله لسن ... مذ طال تعقيده أزري بفهمهم
هذا النوع، أعني الألغاز: يسمى المحاجاة والتعمية، وهي أعم أسمائه، وهو أن يأتي المتكلم بعدة ألفاظ مشتركة، من غير ذكر الموصوف، ويأتي بعبارات يدل ظاهرها على غيره، وباطنها عليه، وأبدع ما فيه أنه لم يسفر في أفق الحلى غير وجه التورية، وأما تعسف الفرقة التي ليس لها إلمام بالتورية في الألغاز، فأمرهم مسلم إليهم، وأما علماء هذا الفن فإنهم ما قرروا غير ما قررناه، فمن ذلك قول أبي العلاء في إبرة:
سعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثرًا والله شاف من السم1
كست قيصرًا ثوب الجمال وتبعًا ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم
وقول ابن حراز في خيمة:
ومضروبة من غير ذنب أتت به ... إذا ما هدى الله الأنام أظلت2
قلت: لغز أبي العلاء ولغز محيي الدين، لم تسفر فيهما الوجوه الحسان إلا من وراء ستور التورية، ومنه قول ابن حراز فيمن اسمه عثمان:
حروفه معدودة خمسة ... إذا مضى حرف تبقى ثمان
ومن ألطف الألغاز في القلم:
وذي خضوع راكع ساجد ... ودمعه من جفنه جاري
مواظب الخمس لأوقاتها ... منقطع في خدمة الباري
__________
1 السم: الثقب، وذات السم: الإبرة. والسم: مادة تسبب الموت.
2 المضروبة: التي ضربت من الحيوانات فشارفت على الموت، والخيمة.
(2/342)

وقول ابن عبد الظاهر في شربه في كوز الوزير:
وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا قلب
إذا استولى على حب ... فقل ما شئت في الصب
ومن لطائف ما وقع في باب الألغاز أن شيخ الشيوخ بحماة كتب إلى والده ملغزًا في باب، بقوله:
ما واقف بالمخرج ... يذهب طورًا ويجي
لست أخاف شره ما لم يكن بمرتج1 ... فكتب إليه والده في الكتاب
ذهاب ومجيء وخوف وشر، هذا باب خصومة والسلام.
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ملغزًا في باب:
أي شيء تراه في الدور والكتـ ... ـب مجازًا هذا وذاك محقق
هو زوج وتارة هو فرد ... وهو في أكثر الأحايين يطرق
وطليق في نشأتيه ولكن ... بحديد من بعد ذلك يوثق2
وهو في القلب يستوي وتراه ... بان تصحيفه لمن يترمق3
فأجبني عنه بقيت مطاعًا ... نست في حلبة الفضائل تسبق
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي في باذهنج، وأجاد:
أهواؤنا المختلفة ... قد أصبحت مؤتلفه
في شامخ بأنفه ... على العوالي أنفه
وذي جناح لم يطر ... وكل طير ألفه
جناحه طول المدى ... يبدي علينا رفرفه
في الريح ضاع قول من ... على هواه عنّفه
عليله الصحيح كم ... شفى قلوبًا دنفه
وروحه لطيفة ... وذاته منحرفه
__________
1 أرتج: الباب، أقفله.
2 يوقف: يربط، ويقيد.
3 التصحيف: تغيير نقط الحروف. المترمق: المحد النظر.
(2/343)

عن قبلة الدين أرى ... حب الهوا قد صرفه
ولم تكن مع الهوا ... أعطافه منعطفه
هواه تحت طوعه ... كيف يشاء صرفه
ما زال غير شاكر ... ساكنه مذ ألفه
وكلما أسرف في ... بذل شكرنا سرفه
أنفاسه كم أودعت ... مجلسنا تلطفه
كم رنحت من غصن ... وقامة مهفهفه1
معتله هو الصحيـ ... ـح عند من قد عرفه
وقال محيي الدين ملغزًا في قمري:
ما معمى ورأسه ... في عداد المطير
كم له من مترجم ... كم له من مسحر
كم خواف له بدت ... لالتماع المبصر2
كله معجم وإن ... زال بعض اسمه قري
وقال المقر المرحومي الأميني، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة، ملغزًا في فاختة3:
وما طائرًا يهوى الرياض تنزهًا ... ويسرح في أفنانها ويغرد
هجاء اسمه خمس حروف تعدها ... وخمساه حرف إن تأملت مفرد
وبعدهما تصحيف باقية إن ترد ... بيانًا له أفعى تبين وتشهد
وفيه أخ إن تهت عنه فأخته ... تدل على ما قد عنيت وترشد
هذا اللغز ورد إلى الديار المصرية، وحله بقية السلف الشيخ زين الدين بن العجمي، وأجاب عنه بقوله:
أيا من له مجد أثيل وسودد ... غدا دون مرقاه سماك وفرقد4
تفيد يسار المقترين يمينه ... ويسراه من يمنى الغمامة أجود
__________
1 رنح: أسكر، وأمال.
2 الخوافي: أربع ريشات في جناح الطائر تختفي إذا ضم الطائر جناحه، واحدتها خافية.
3 الفاختة: نوع من الحمام المطوق، يباعد بين جناحيه وإبطيه ويتمايل في مشيه.
4 الأثيل: الأصيل المتجذر. السؤدد: الرفعة. مرقاه: ارتقاؤه. السماك والفرقد: نجمان، وهنالك سماكان وفرقدان.
(2/344)

ونقل الشيخ جمال الدين الدميري في كتابه "حياة الحيوان" لغزًا في بجع:
ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب
منقاره في وسطه ... والعين منه في الذنب
وكتب علامة العصر الشيخ بدر الدين الدماميني، إلى المجدي فضل الله بن مكانس، ملغزًا في قدح، فقال: ما اسم حبيب إلى النفوس، شبيه بالبدر حليق للشموس، إن قلب كان لقلبه من العين مكان المناسبه، أو سقط قلبه مع الفعل كان ضدًّا للأقوال الكاذبه، وإن صحف بعد العكس أنبأ عن الذكاء وهذا غاية الشرح، وإن غير ثانيًا علم رب الكلام المحرر أنه دال على الطرح، حاشيتاه مع التصحيف آلة للصيد، معينة على المكر والكيد، وإن قطع طرفه كان صراح باقيه قوامًا، وإن عكس على الطرف صار بتصحيفه مدامًا، وإن زال أوله كان العكس عقابًا بالمتعاطي إثمه، أو صحف اشتاقت الشفاه إلى تقبيله ولثمه، وربما كان الحد عند تصحيفه الآخر منافيًا لاسمه، مبيانًا في الحقيقة لحده ورسمه.
فكتب الجناب المجدي الجواب وألغز فيه ورد بقوله: يقبل الأرض التي أطالت بالجفاء حرمانه، وتداركته بعد إجراء دموعه فعظمت في الحالين شانه، وانتهى المملوك إلى اللغز الذي تمتع بملحه، وشرب بقدحه، فابتهل شكرًا، ومالت أعطافه بالقدح الفارغ سكرًا، فوجده كما قال مولانا حبيبًا إلى النفوس، مجتهدًا في التوصل بما حازه إلى الرءوس، وكتب في الجواب لغزًا، وخالف نفسه إذ قالت لا ينبغي مجاراة هذا الجواد لزًّا1. "وهو" ما عاطل يتحلى به المجالس، ويتفكه به في المجالس، تحمر وجناته من الشرب، وتحمد آثاره في البعد والقرب، إن قلبته وجدته تاجًا، وإن تركته على حاله زادك ابتهاجًا، يعذب بالنار وغيره الجاني، ويريك إن بدلت أوله برد الأماني، يستخرج وهو داخل، ويرى دمعه من نار قلبه هاطل، لا تبرح به في غبطة، ولا تجد فيه مع انهماله نقطة، فإن حذفت أوله وحرفت باقيه وجدته أمرًا بالشراب، وإن فعلت كذا في ثانيه رأيت ما بقي مولدًا للمحبة بين الأحباب، وورّ إن حذفت آخره كمن وري، وغص في بحر الفكر على عكس ثلثيه لتستخرج درًا، والمملوك يسأل الصفح فإنه لولا المحبة ما أجاب، ولا طرق بعد فقد أبيه هذا الباب.
فكتب إليه الشيخ بدر الدين الجواب: يقبل الأرض وينهي ورود الجواب، الذي شفى القلوب بوروده، واللغز الذي نسي بوروده، بان الحمى وطيب وروده، فوجده روض
__________
1 اللز: الإلتصاق، والسرعة.
(2/345)

سؤالك عن أنثى طروب ولم تزل ... على عودها في الروض تشدو وتنشد
وتجذبني بالطوق عند نشيدها ... لنحو التصابي لا أطيق أفند
ومذ بان منها الطرف أمست لعكسها ... تخاف الردى ممن لها يترصد
وإن حذفت ثاني الأخير فإنه ... على العكس خاف بل يلوح ويشهد
فأولها مع ما يليه وحرفها ... لنا فاه بالمعنى الذي فيه يقصد
وحرفان منها فرد حرف لناطق ... واف لمن بالعكس في ذاك يجحد
بقيت بقاء الدهر عزك باذخ ... وفي مفرق الجوزا لواؤك يعقد1
وقال ملغزًا في درة:
أي شيء من الجمادات يلفى ... وتراه من بعد ذا حيوانا
وترى ذلك الجماد عزيزًا ... غاليًا منه رصعوا تيجانا2
وترى الروح منه في حيوان ... ذي جناح ويألف الطيرانا
وإذا ما شدا على العود يومًا ... فوق دف يحرك الأغصانا
أو بدا في مقفص فابن برد ... عند أسجاعه يصير مهانا
كله طائر وفي ثلثيه ... لك ذو أربع مع العكس بانا
كله عاطل به تتحلى ... كل خود وتستقل الجمانا3
وتراه عند الملوك عظيمًا ... وبتصحيفه حقيرًا مهانا
عكسه في تصحيفه زد بنقص ... فالمعمى هنا فكن يقظانا
وإذا لم تدر التصاحيف ذره ... للذي فيه فهو يدري البيانا
وبتحريفه تؤدب من شئـ ... ـت إذا كان يجهل العرفانا
ثلثاه در نفيس وفي فيـ ... ـه إذا جاء يصحب المرجانا
لكن الثلث عنده نصف وحش ... ذب عنا تصحيفه ما اعترانا
وهو في البر نافر وإذا ما ... حضروه قد يألف الإنسانا
فافترسه بالحل إن كنت ليثًا ... فهو لغز عن فضله قد أبانا
وعلى ذكر القمري والفاختة، أوردت هنا ما ألغزته في القفص، وهو قولي:
أي مغنى أعواده بيت شدو ... مرقص مطرب وبالقلب صفق
ولمجموعه النباتي حسن ... فزت من بعضه بسجع المطوق
__________
1 الباذخ: عظيم الشأن. اللواء: الراية.
2 عزيزًا: عزيز الوجود: نادره. رصّع: زخرف وزين.
3 العاطل: الذي لا حلي له. الخود: الحسناء. استقل: رأى الشيء قليلًا. الحجان: اللؤلؤ.
(2/346)

بلاغة عدم العاتب والعائب، وترعرع زهره حيث أمطرته من الأنامل المجدية خمس سحائب، فلو شاهده ابن الوردي لاحمرّ خجلًا، أو صاحب زهر الأدب لتلوّن وجلًا، ثم تأمل حل اللغز فوجده قد كشف المشكل وجلى، واعترف أنه لم يمر بذوقه أطيب من ذلك الحل ولا أحلى، وتحقق أن مولانا أوسع المملوك في مقام الأدب بفضله إيناسًا، وتناول منه قدحًا أعاده بألفاظه المسكرة كاسًا، وانتهى المملوك إلى اللغز المخدومي، فقال:
مولاي مجد الله يا من فضله ... يروي وجود كفوفه يروي الصدى
ألغزت في اسم عاطل حليته ... فينا بدرّ اللفظ أو قطر الندى1
إن أورد التحريف في أثنائه ... قد كان للشاني هلاكًا أو ردى2
وقال مجيبًا له أيضًا عن الورد:
لله لغزك يا مولى فضائله ... قد عطر الكون منها طيب أنفاس
أتى بورد فحياني على قدحي ... به وأبهجني ما بين جلاسي
وقد أسا جرح كسرى حين أقبل لي ... روحي الفداء لذكر الورد والآس
فاستحلى المملوك بالتحريف ورده، وود لو اقتطف من أغصان حروفه ورده، ورده إلى ذل القصور عاريًا عن ملابس عزه، وأنشد قول ابن قلاقس وقد تقلى بنار عجزه:
إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشميم3
فراح على بهرج هذا الرأي الكاسد، واقتنع بالشميم على رغم أنف الحاسد، وعلم أن تلك الورود لا تخرج إلا من تلك الخضرة، وأن هذه الفاكهة لا تخرجها إلا أغصان أقلام لها باليد المخدومية بهجة ونضرة، وتمشى المملوك من هذا اللغز في بساتين الوزير على الحقيقة، ورأى كل ورقة فاحمرت الوجنات الحمر فتحير أهي وردة أم شقيقة4، وتفكه به معجبًا بثمار غرسه، منشدًا لمن كرر النظر في صحيفتي طرسه:
إن كنت تزعم ما في خده عجبًا ... فانظر إلى الورد في خديه منثورًا
فلقد ظفرت من نفسه الوردي بالعنبر الورد، وعودته عند تبديل الثلاثة بالواحد
__________
1 العاطل: الذي لا حلي له.
2 الشاني: الشانئ: المبغض. الهلاك: الموت. الردى: الموت.
3 الشميم: ما يشتم من الرائحة.
4 الشقيقة: واحدة الشقائق، وهي أزهار حمراء قانية فيها بقع سوداء تعرف بشقائق النعمان.
(2/347)

الفرد، وتأملت بقصور راحتي نكتة برد الأماني، فانعقد لسحر البيان لساني، وتيقنت أنه لا يقوى على فهم هذا البرد إلا كل حديد النظر، ووجدت تصحيف هذه الكلمة، يا شمس الفضائل للعقول قمر، وعلمت أن الفكر لا يجاري من بديهته من بحر الفضائل رويه، وأن الخاطر لا يقوى على سلطان هذا اللغز؛ لأن شوكته قوية، وقلت للذهن رد1 بعضه لتنتهل شرابًا سائغًا، وزد تصحيفه ليكون في التعريف بمعناه مبالغًا، وتمتعت من ورده بالمشموم، ثم تذكرت البعد عن جناب المخدوم، فاستقطر البين ماء الورد من حدقي ولمولانا الصفح عن مقابلة هذا الدر بالسقط2، وتمر هجر بهذا الحشف الملتقط3.
قلت وعلى ذكر القدح والورد، حسن أن نورد هنا لغزًا في المدام وقفت عليه، للشيخ صلاح الدين الصفدي بخطه:
وما شيء حشاه فيه داء ... وأوله وآخره سواء
إذا ما زال آخره فجمع ... يكون الحد فيه والمضاء4
وإن أهملت أوله ففعل ... له بالرفع والنصب اعتناء
قلت: لا بد للمدام من ماء من حيث الممازجة:
ووقفت بالديار المصرية على لغز للشيخ زين الدين بن العجمي، ألغزه في الماء فأعجبني، وهو قوله: سألتك أعزك الله عن سائل لا حظ له في الصدقة، ولم يكن متصل النسب بالأشراف، وتراه كثير الرجفان. من غير أن يخاف، كم رد سائله نهرًا، وعفر وجه قائده في التراب قسرًا، مذكر كثير الحيض، لطيف الانبساط سريع الفيض، مطلق التصرف وعليه الحجر5، وطال ما قبل العشاء أبدى لنا الفجر، يتشعب ويتكسر، ويتعوج ويتدور، وتبدو له خمسون عينًا وأكثر، يحمل القناطير المقنطرة، ويعجز عن حمل إبرة، سرع الاستحالة، قل أن يثبت على حاله، بعيد الغوص ليس له قرار، ويعاجل صفاء وراده بالأكدار، ويسكن في تخوم الغبرا6، وينم على أحوال السماء نثرًا، بعيد الغوص رقيق القلب على كل عديم، وكيف لا وهو المولى الحميم، يجود بأفخر الحلى، ولا يردّ
__________
1 رِدْ: أمر من وَرَدَ.
2 السقط: من كل شيء الرديء.
3 الحشف: التمر الرديء، وتمر هجر أحسن أنواع التمر، وهجر مدينة اشتهرت بتمرها.
4 الحدّ: قصاص مفروض من الله سبحانه وتعالى مقابل جنايات معينة. والمضاء: التنفيذ.
5 الْحَجْر: المنع من التصرف والحركة.
6 الغبرا: الأرض.
(2/348)

من نداه مؤملًا، كم عمر سبيلًا، وقطع طريقًا وأخاف سبيلًا، وكم طغى واحترق، وأظهر الجفاء وهو كثير الملق1، صقيل يجلو الصدى، ويظهر على شدة البرد تجلدا، قد جمع فيه الخوف والرجا، والكدر والصفا، فسبحان من جمع فيه هذه الأصداد، وأرسله رحمة للعباد.
ويعجبني فيه قول أبي الفضل بن الخازن:
وخل صفاء زرته بعد هجعة ... فألفيت شخصي في حشاه مصورا2
وأودعته سري فأفشاه للورى ... فيا حسن ما أفشى الغداة وأظهرا3
أبوه حليف للثريا وأمه ... به حامل في بطن منخفض الثرى
سطيح له جسم بغير جوارح ... يباري الرياح الذريات إذا جرى
تزر عليه الريح ثوبًا موردًا ... وتكسوه شهب الليل ثوبًا مدثرًا4
قلت: وعلى ذكر الماء يحسن أن نورد هنا لغزًا في القربة. كتب الشيخ بدر الدين الدماميني إلى المقر الأميني، أمين الدين الحمصي، كاتم السر بدمشق صاحب، ديوان الإنشاء بالشام لغزًا في قربة تزاحم سرب الأدب على الشرب منها، ولو عاش صريع الدلاء ودّ أن يكون راوية عنها، وهو قوله:
أكاتب سر الملك والفاضل الذي ... ثناه على الأفكار فرض مرتب
يحدث عن سهل رواة كلامه ... إذا ما أتاه اللغز يرويه مصعب
فديتك ما ذات أطالعكم بها ... ويبحث في الأسفار عنها وتطلب
تشدوكم في الأرض قارٍ أمالها ... وصدق إذا ما قيل تملى وتكتب5
وما هي في التحقيق راوية وكم ... لها خبر في الذوق يحلو ويعذب
مليحة شكل يألف الحب صبها ... زمانًا وفي وقت لها يتجنب
وتبلغ منها للحياض حقيقة ... ولكن رأينا قلبها وهو طيب
يزيد مريدوها إذا ما تصوفت ... ويشكرها أهل الزوايا ويطنبوا6
__________
1 الملق: الكذب والمراءاة.
2 الهجعة: سكون الليل وهدوؤه. الحشا: الجوف والداخل.
3 أفشى السر: كشفه وأذاع به. الورى: الناس.
4 تزر عليه: تلبسه. المدثر: الذي رسمت على أطرافه الدنانير.
5 القاري: مطعم الضيوف. تملى: تملأ. تكتب: يقال كتبت القربة إذا ربطت بابها وشددتها بالوكاء.
6 الزوايا: أماكن العبادة التي اشتهرت في تونس في فترة من الفترات وكان أشهرها الزوايا السنوسية. أطنب: زاد وتوسّع.
(2/349)

لها أربع لكن بساق رأيتها ... على السعي في الأحياء بالنفع تدأب1
وما نال إثْمًا في تعاطيه بعدما ... رأيناه من تلك العتيقة يشرب
وشم فما المفتوح كم راح سائلًا ... وما نطقت حرفًا عن القصد يعرب
وترضع أحيانًا وما حان رضعها ... وكم من فتى في حملها راح يرغب
وتحمل ما فيه الحياة لربها ... فيا حبذا منها البسيط المركب2
وترسله فاعجب له من مسلسل ... غدا مرسلًا عن الرواية تعجب3
وكم من خليع شمته إذ تعتقت ... يمد إليها الراح لهوًا ويطرب
وكم قد تعبدنا بتحريف لفظها ... ولم أر بالتحريف من يتقرب
وتصحيفها يا جبهة الدهر بلدة ... حواها من الأقطار شرق ومغرب
وتوجد في الأفلاك عالية لها ... ويألفها بعض الجواري ويصحب
ويا من لرق الفضل أصبح مالكًا ... فما لي إلا نحو علياه مذهب
تلفت للغز نحو بابك قد أتى ... وكل غدا من ظرفه يتعجب
وقال بعضهم ملغزًا في قربة السباحة:
وذات فم طورًا تسبح ربها ... ولم تكتسب أجرًا بتسبيحها قط
معانقة الصبيان مضمرة الهوى ... كأن بقايا قوم لوط لها رهط
قلت: أما لغز الشيخ بدر الدين في القرية فنسيج وحده، وما ذاك إلا أنه لم يحتج فيه إلى عقادة من تمذهب بغير مذهبنا، ولم يسبكه في غير قوالب التورية، وقد أذكرني لغزًا ألغزته في قصب السكر بطرابلس المحروسة، وقد أنشدني بعض المخاديم وهو المقر المرحوم الشهابي الدنيسري لغزًا في قصب السكر أيضًا، وهو:
وحاملة درًا حكى الخمر لذة ... ونشرًا يروي شربه ويقوت
تعيش إذا لم يبد منها فإن بدا ... فمهجتها في إثر ذاك تفوت
فلم تر عيني مرضعًا في مثالها ... من الخلق تسقي درها وتموت
وقال بعد الإنشاد: ولا أعلم في هذا الباب مثل هذا اللغز؛ لأنه سالم من التعقيد
__________
1 أربع: أي أربع سوقٍ.
2 ربها: صاحبها.
3 المرسل من الحديث: ما سقط من إسناده الصحابي ويرويه التابعي بقوله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون ذكر الصحابي الذي أخذه عنه.
(2/350)

والتصحيف والتحريف والعكس والحذف والإبدال، فنظمت هذا اللغز في يوم الإنشاد وهو:
وعسالة تبدو بغير أسنة ... ولا طعن فيها وهي داخلة الصدر1
ممشقة هيفاء حلو مذاقها ... به يطرح في المهمة القفر2
منعمة لقاء مهضومة الحشا ... تكاد بأن تنقد من رقة الخصر
وتحلو على البيض الرشاق شمائلًا ... إذا ما تثنت في غلائلها الخضر
يلذ قبيل العصر في الظهر رشفها ... وبرد لماها من أليم الجوى يبري
وإن سقيت ماء سقتك سلافة ... بطيب مزاج وهي طيبة النشر4
وينبت حلو الثغر حلو نباتها ... فيرشف أرياقا ألذ من الخمر
وإن لمعت في ثغرها وتبلجت ... دع ابن جلا يقرع ثناياه في الثغر5
على عودها كم للرباب مواقع ... وموصولها يغني عن الناي والزمر
وإن قطعوا موصولها شببت به ... ألو الذوق تشبيبًا شفى غلة الصدر
وترفع بعد النصب والكسر جرها ... فتجزم ما للفارسي من الذكر
وهمزاتها همزات وصل وقطعها ... إذا ما أميلت جائز لك يا مقري6
وفي أول الأعراف تروي من الظما ... وتضرم نيران الجوى وهي في العصر
ومن حلها إن أفرغت في قوالب ... يقول الورى هذا هو السكر المصري
ومن أجل ذا عنها ابن سكرة روى ... وأما النباتي قال من ههنا قطري
كذا ابن الجلاوي قلبه معها يرى ... كسيرًا وكم قد أوردته لظى الجمر
فيا من حلا ذوقًا وحل بدائعي ... وفي عقد عقد الألغاز يا نافت السحر
تأملت بعد الحل كيف تنوعت ... حلاوتها حتى رقت منبر الشكر
بنية فكر من حماة تغربت ... وغربتها والله قد أشغلت فكري
__________
1 العسّالة: الخلية والجعبة التي توضع فيها السهام.
2 المرّان: الرماح اللدنة الصلبة واحدتها مرانة. المهمة: الأرض الواسعة.
3 الغلائل: واحدتها غلالة وهي الرقيق من الثياب.
4 السلافة: الخمرة. النشر: الرائحة التي تنتشر منها.
5 تبلج: بان ووضح. ابن جلا: الحجاج بن يوسف لقب به لقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
6 المقري: المقرئ وهو علم تقريبًا على قارئ القرآن. والإمالة: تقريب الفتحة والألف في اللفظ من الكسرة والياء.
(2/351)

ومن شط ذاك النهر يا بحر قد أتت ... فلا تنهروها فهي في جيرة البحر
سعت من أبي بكر لأحمد خدمة ... وأحمد من أولى الورى بأبي بكر
فلا زلت في حل وظعن مؤملًا ... لكل غريب جاء حتى من الشعر
قلت: وبعد قصب السكر يحلو أن نورد هنا شيئًا مما ألغزوه في العسل، فمن ذلك ما كتب به الشيخ شرف الدين عيسى العالية، إلى سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة بدر الدين بن الدماميني، وهو:
يا أيها المولى الرئيس ومن له ... ألّفت مدحًا كالجواهر نظمه
اسمع سمعت الخير أمرًا محكمًا ... يمضي على الألغاز جمعًا حكمه
قالوا من الأطيار حقًّا أصله ... أكرم به لغزًا يروقك طعمه
لكنه ما حاز منقارًا ولا ... ريشًا وأجنحة ولست أذمه
من أين يعرف ما اسم شيء ربما ... أكلته في بعض المجاعة أمه
فأجابه الشيخ بدر الدين بقوله:
يا فاضلًا نثر المحاسن نظمه ... يوللغزه قد ذل عجزًا خصمه
وتطرزت حلل البديع بمنطق ... منه علا بين الأفاضل رسمه
شرف لأعراض البدائع سابق ... ومن الفضائل قد توفر قسمه
ألغزت في اسم عاطل حليته ... بنفيس در صح فينا يتمه1
فإذا أضفت القلب منه لأصله ... قلنا بهذا الفعل قد وضح اسمه
وإذا عكست الأصل منه فهو إن ... أعربت لحنًا ليس يجهل حكمه
قد كانت الأذهان منه خلية ... فحوت به شهدًا لذيذًا طعمه
ورأى ابن سكرة حلاوة طعمه ... فقضى بتقطير المرارة وهمه
ورأى بعين لغزك الحلو الجنى ... حلو المذاق فحار فيه فهمه
وأعاذه بعلي أمير النحل إذ ... أضحى عليًّا في الفصاحة نظمه
فاصفح بفضلك عن جواب سافل ... يا طالعًا في خير أفق نجمه
قلت: وعلى ذكر العسل يحلو أيضًا أن نورد هنا ما ألغزه مولانا المقر المرحومي القاضي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي في سكر نبات، وكتب به إلَيّ، وهو:
__________
1 العاطل: الذي لا حلي له. النفيس: الثمين. اليتيم: من الدر، الذي لا ثاني له.
(2/352)

يا قاضي الأدب احكم لي فذا أدبي ... حلا مذاقًا ووقع لي بتحسين
واقبل شهادة ما أهديته تر من ... تصحيف معكوسه ثانٍ يزكيني
ورسم لي بحل اللغز والجواب فألغزت مع الحل لغزًا زائد الحلاوة في قطر، وهو:
أهديت لغزًا حلا ذوقًا مكرره ... فانحل مذ حل في قلبي بتمكين
وفزت منه بشكر في مصحفه ... وجاء منه بثانٍ قلت يكفيني
تصحيف معكوسه من غير تزكية ... وحكمه ثابت عندي بتبيين
حماة منبته لكن بمصر له ... مزية تزدري نبت الرياحين
فحل منه لنا لغزًا مجانسيه ... يحل أحشاء أرضينا فيرضيني
يرادف اسم رباب فهو يطربني ... هذا وتصحيفه في العيد يأتيني
حلو رقيق بلا حشو لذائقه ... لأن قطر النباتي عنه ينسيني
فلا برحت برغم الكسر تجبرني ... وكلما مرّ لي عيش تحليني
قلت: وعلى ذكر القطر، يحلو أن نورد هنا شيئًا من بديع ما ألغزوه، في الكنافة والقطائف، فمن ذلك ما ألغزه الشيخ برهان الدين إبراهيم القيراطي في النوعين وهو قوله:
هذان لغزان قد حلا ببابك يا ... قاضي البرية ما هذان خصمان
اسمان كل خماسي إذا كتبت ... حروفه فهما لا شك حرفان
تباينا في الورى شكلًا إذا نظرا ... وصورة وهما في الأصل مثلان
هما إلى الصين منسوب مقرهما ... أن أحضرا في مكان بين أخوان
لذا كنى وهو بين الناس ليس له ... من كنية ما انتحى في ذلك اثنان
في البر يلقى وإن فتشت عنه تجد ... في لجة البحر ملقى خمسه الثاني
نبت أرى النار قد أبدت له ورقًا ... فأعجب له ورقًا ينمو بنيران
يحيا إذا ما سقاه القطر وابله ... وجاده بسحاب منه هتان1
ذو رقة فإذا صحفته ظهرت ... كثافة منه فاستره بكتمان
هذا وكم من بدور فيه قد طلعت ... في آخر الشهر لم تمحق بنقصان2
فقدها خيط فجر أبيض عجل ... بالبرق يسطو عليها سطوة الجاني
__________
1 الهتان: الشديد المطر متتابعة.
2 محق: البدر صار في المحاق وهي المنزلة التي ينزلها القمر قبل أن يبدأ بالإثارة، أو الهلال قبل رؤيته.
(2/353)

واللغز الآخر في اسم ذات ألسنة ... لم يبد منها لنا بالنطق حرفان
يا حسنها ألسنا أضحت حلاوتها ... يحلو المديح لها من كل ملسان1
بالطي والنشر في حال قد اتصفت ... والطي والنشر فيما قيل ضدان
كم سكرت ففتحنا بالدخول بها ... أبوابها فتلقتنا بإحسان
حسناء أجمع أهل العقد كلهم ... والحل منها عليها بعد عرفان
وصالها حل بالإجماع في زمن ... فيه الوصال حرام عند أعيان
ثلثا ثلاثة أخماس لها وجدا ... شيئا يجيء بإيضاح وتبيان
وما ذكرت من الأخماس قد نطقت ... صدقًا بذكر اسمها من غير بهتان2
وخمسها جبل لكن بقيتها ... في مكرة يرتجى فوزًا بغفران
ما ملَّ راوٍ من القالي أماليه ... عنها وما خاطر القالي لها شاني3
في الجوف منها قلوب جمة جمعت ... ولا يكون بجوف الشخص قلبان
كم ظل يطرحها من ليس ذا شرف ... جهرًا ويوصف مع هذا بإتقان
بالحل أنعم سقى القطر المواطئ من ... إقدام سعيك من إرواء ظمآن
وكتب مولانا قاضي القضاة، صدر الدين بن الآدمي الحنفي -رحمه الله- إلى علامة العصر سيدنا ومولانا الشيخ بدر الدين بن الدماميني -رحمه الله- ملغزًا في لوزينج وأجاد إلى الغاية، وهو:
يا من له في علوم النظم أي يد ... فاق الخليل بها فضلًا وتمكينا
ما اسم دوائره في نظمها ائتلفت ... والثلم في صدرها مستعمل حينًا
أجزاؤه من زحاف الحشو قد سلمت ... هذا ويقطع مطويًّا ومخبونا
تصحيف معكوسه لفظ يرادفه ... يا فرد يا رحلة قوم مقيمونا
والعيد منتظر من حله فرجًا ... لا زال سعدك بالإقبال مقرونًا4
فحله المشار إليه -رحمه الله- وأجاد إلى الغاية، والجواب:
يا مرسلًا من شهي النظم لي كلمًا ... منها ابن سكرة قد راح مغبونًا
لله درك صدرًا من حلاوته ... وجوهر النظم لم يبرح يحلينا
__________
1 الملسان: الفصيح.
2 البهتان: الافتراء والكذب.
3 شاني: شانئ مبغض. والقالي. صاحب الأمالي والمبغض أيضًا.
4 السعد: الحظ. مقرونًا: مقترنًا ملازمًا.
(2/354)

حليت لغزك إذ أبهمته فلذا ... يا فاتني رحت بالإعجاب مفتونا
هذا وكم قد رأينا في دوائره ... للكف قبضًا يزيد العقل تمكينا
وليس إضماره مستحسنًا فأين ... بالكشف عنه لمن وافاك تحسينا
وكن لنا هاديًا صوب الصواب ودم ... فينا أمينًا رشيد العقل مأمونا
والله تعالى يمن على أفواه شاكريه بما هو أشهى من اللوزينج وأحلى، ويحلي أعناق المتأدبين من كلمه بما هو أنفس من الدر وأغلى.
وكتب الشيخ بدر الدين، المشار إليه، أيضًا لغزًا في دواة وجهزه إلى المقر المرحومي الأميني المقدم ذكره، وهو هذا:
كتبت وأعذاري إليك تقرر ... ونظمي بها يا كاتب السر يجهر
أتتك بأبيات المعاني فرضتها ... وحكت حبير اللفظ وهو محرر1
وحليت أهل العصر إذ كنت خاتمًا ... لهم فعليك الآن يعقد خنصر
وما أنت إلا البحر جاش عبابه ... ولكن رأينا منك علمًا يجسر2
فما كلمة أفديك دام اعتلالها ... وفيها دواء إن عراها تغير
ويحفظها ذو السر وهي التي وشت ... وذلك من عاداتها ليس يترك
وما مسها إلا وجادت بنفسها ... وصحف ترى المقصود بالنفس يظهر
وتحمل سمر الخط رايات ملكها ... على الرأس عباسية حين تخطر
كحيلة طرف تعشق العين شكلها ... ويحسن مرآها إذا ما تحبر
مؤنثة كم ذكرتنا بلونها ... عهود الصبا والشيء بالشيء يذكر
وكم قد أرانا ريقها من مسلسل ... يلذ به في الذوق ورد ومصدر
وكم لاقت الأحبار منها محاسنًا ... فعادت لها الجهال بالعي تحصر3
مسودة إن ترض فالعيش أخضر ... وإن غضبت فالموت لا شك أحمر
ويعذب للسمر الرقاق رضابها ... فتنهل منها موردًا لا يكدر
لقد أحكمت والنسخ ما زال دأبها ... بذلك قد جاء الكتاب المسطر
وما هي إلا ذت متربة غدت ... وكم ذي غنى عن قصدها ليس يفتر4
__________
1 حبير اللفظ: المحبر، المكتوب.
2 جاش: هاج واضطرب. عبابه: وسطه ولجته.
3 الأحبار: مفردها حبر وهو الرئيس الديني للنصارى. العي: عدم القدرة على التكلم. تحصر: تمنع من الكلام.
4 المتربة: الحاجة والفقر. يفتر: يضعف.
(2/355)

ولسنا نراها غير سائلة ولم ... تفه بسؤال فاعترانا التحير1
فانعم بحل اللغز يا خير منعم ... فأنت به والله أجدى وأجدر
فلا زالت الأقلام تسعى لشكركم ... على رأسها طول المدى لا تقصر
فكتب المقر المرحومي الأميني الجواب بعد أيام، وهو قوله:
مواقع أقلام لها الفضل ينشر ... وروضة آداب بها القلب يجبر
تحرر معنى حسنه نسيج وحده ... فيا حبذا الإسكندري المحرر
تشق على الأفهام شقة شأوها ... فكم من بليغ عن مداها يقصر2
أتت سهلة الألفاظ ممنوعة الذرا ... حماها من العلياء لا يتسوّر3
تشير إلى الحبلى التي عز وضعها ... فأحشاؤها فيها الأجنة تقبر
ينامون لا تغشاهم سنة الكرى ... فإن هب فرد ظل يسعى ويحضر
وإن أرشفته من زلال رضابها ... تهادى بها نشوان يمشي ويعثر
وأما إذا اعتموا السواد فكلهم ... خطيب له فوق الأنامل منبر
وينطق عن علم وطول نباهة ... وعما رآه في المنام يعبر
تطاول سمر الخط أنى تشامخت ... سموًا ومع هذا على الطول تقصر
وكل بني الآداب تلفى بيوتهم ... تقام بها بين الأنام وتعمر
فأكرم بما قد ولدته وأنشأت ... وربت ويكفيها بذلك مفخر
نجية وجهي إن جلست ووجهها ... تجاهي وجاهي عندها ليس يحقر4
وقد فتحت فاها فقالت وقصرت ... وأنى استقالت فهي في ذاك تعذر
فلا زلتم أهل الجمال وخيركم ... لدى النقص مثلي فهو حظ موفر
بمدحكم الأقلام يضحك سنها ... بحق وأفواه الدواة تقطر
ويعجبني من الألغاز، في التورية، قول شهاب الدين الغزاوي، في قوس، وهو:
ما عجوز كبيرة بلغت سنًا ... طويلًا وتتقيها الرجال
ولها في البنين سهم وقسم ... وبنوها كبار قدر نبال
ومن غريب ما أعجبني في هذا الباب قول القائل في كمون وهو:
__________
1 سائلة: من الأجسام التي تشبه الماء، والتي تطلب العطاء، فاه: تكلم، نطق.
2 شق: صعب وصار شاقًّا. الشأو: المدى والغاية.
3 تسوّر: تسلق، الذرا: القمم والأعالي.
4 النجية: التي تحادث وجهًا لوجه ولكن عن بعد.
(2/356)

يا أيها العطار أعرب لنا ... عن اسم شيء قل في سومك1
تنظره بالعين في يقظة ... كما ترى بالقلب في نومك
ومثله قول شمس الدين الهيتي في ورق، وهو:
وشيء بلا جرم يصلب تارة ... ويقطع حينًا في حضور وأسفار2
ومن قدم قد بيض الله وجهه ... على أنه ما انفك يومًا عن القار3
ومن لطائف الشيخ شمس الدين بن الصاحب في هذا الباب قوله في سهم:
لله مملوك إذا ... ما قام في الشغل اعترض
لكنه في لحظة ... محصل لك الغرض
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله- ملغزًا في قلم:
مولاي ما اسم لنا حل دنف ... وما به علة ولا سقم
لسان قوم فإن حذفت وإن ... صحفت بعض الحروف فهو فم
وقال ملغزًا في علي:
أمولاي ما اسم جلي إذا ... تعوض عن حرفه الأوّل
لك الوصف من شخصه سالِمًا ... وإن قلعت عينه فهو لي
ويعجبني في هذا الباب قول ابن المرجاني ملغزًا في مشط وهو:
يا إمامًا سألته حل لغز ... شط منه مزار أهل الذكاء4
أهمل الثلث باعتناء وقلب ... تره جاء قائد الشعراء
ويعجبني قول الشيخ صلاح الدين ملغزًا في قريشة:
أي شيء يروق الناس أكلًا ... ذو بياض وأصله من حشيشه
خمسة أثقل الجمادات وزنًا ... فتعجب له وباقيه ريشه
__________
1 السوم: التثمين والتسعير.
2 الجرم: الجسم والجسد.
3 القار: الزفت وبزيادة الياء: مطعم الضيوف.
4 شط المزار: بعد المسكن والمقام.
(2/357)

ويعجبني لغز ابن منقذ في الضرس، وهو:
وصاحب لا أملُّ الدهر صحبته ... يسعى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه تفارقنا إلى الأبد
ومن الغايات التي لم تدرك، في هذا الباب، قول القاضي صدر الدين بن الآدمي -رحمه الله- ملغزًا في كشتوان:
ما رفيق وصاحب لك تلقاه ... معينًا على بلوغ المرام
هو للعين واضح وجلي ... وتراه في غاية الإبهام1
واستظرف قول بعض مواليا ملغزًا في بدرة:
محبوبتي وجهها يغني عن المقباس ... واسمها ينقذ العاشق من الإفلاس2
إن تعكسوا تجدوا ضدين في الأجناس ... هذا نفور وهذا يقبل الإيناس
وسألني جماعة من فضلاء أهل الأدب بالديار المصرية أن أنظم لهم لغزًا في كرمة، وأطلق لهم عنان القلم في ذلك فقلت:
أخبروني عن فاضل بأصولٍ ... وفروع يسمو على كل فاضل
أسبغ الله ظله فهو ظل ... سابغ وافر مديد وكامل
وأبو محجن يقول ادفنوني ... تحته إن أتاني الموت عاجل
كم إلينا قد مد كفًا نديًّا ... فصير العيش أخضرًا في المنازل
نقط الطل فوقه وضحته ... عند توقيعها به وهو عاطل3
ما تبدى لنا بعين ولكن ... حرفته وصحفته الأفاضل
فرأينا للترك فيه اسم عين ... بفتور الأجفان جاءت تغازل
إن تذكره أحرف الكل تبدي ... كرمًا والندى من الكف هاطل
أو تؤنثه يقبل الهاء في الحا ... ل ومن بعد ذا يرى وهو حامل
ويقل شطره لمن عابه مه ... لك هم بالعكس عندي حاصل4
هو حلو وفيه مرّك يبدو ... عند تحريف عكسه المتماثل
__________
1 الإبهام: الغموض، والأصبع الكبرى لليد.
2 المقباس: الذي ينار به الضوء ويؤخذ منه القبس من النور.
3 الوضحة: الجبهة من الوضوح. عاطل: غير محلى.
4 مه: اسم فعل أمر بمعنى اكفف، للزجر.
(2/358)

وبلا أول يرى فعل أمر ... واقلب الفعل منه فالأمر حاصل
وهو خشب مسندات ولكن ... حاز نجلًا يبدو رقيق الغلائل1
ومن العز جسمه الغض يدمى ... وتراه من بعد ذا وهو ذابل
وإذا ما فرطت فيه تراه ... لم يحل عنك وهو نعم الخصائل
ذو بياض وحمرة ولّدا لي ... فرحًا راح ساريًا في المفاصل
فتراه يومًا عقود بلخش ... نظمت سلكها بغير أنامل2
وتراه يبدو عقود جمان ... ما لها غير ثغر حبي مماثل
وتراه طورًا سلافة راح ... ولدر الحباب فيه حواصل3
وعلى عوده يغني علينا ... أعجمي به تهيج البلابل
لك منه فواكه وشراب ... كل غض إليك تلقاه واصل
وحلاواته بها كل قلب ... كسروه والكسر للقلب حامل
وترى وصله بمصر قليلًا ... وهو بالشام لا يزال يواصل
وتراه بذات عرق مقيمًا ... في نعيم وظله غير زائل
وإذا قلت في المخيم بالغور ... رأيناك فيه أصدق قائل
ولقد جاءنا بعتب لطيف ... عند تصحيفه لمن هو هازل
كيف لا والكتاب عن جنتيه ... قد أتى مخبرًا بكل الفصائل
فتفكه من حله بقطوف ... دانيات لكل آت وراحل4
وأقم تحت ظله فهو لغز ... ظله ظاهر على كل قائل
ثم دم للألغاز في الحل والعقـ ... ـد غني إذا أتى اللغز سائل
قلت: ومما ألحقوه بالألغاز، ما حكي عن بعض ولاة الطوف ببغداد: جاءوا إليه بغلامين غلب عليهما السكر، فقال لأحدهما من أبوك؟ فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قِدْرُه ... وإن نزلت يومًا فسوف تعود 5
ترى الناس أفواجًا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود
__________
1 النجل: الابن. الغلائل: الثياب الرقيقة الناعمة.
2 اللخش: لم نعثر لها على معنى وربما كانت اسْمًا للخرز أو الجواهر.
3 الحباب: فقاقيع الماء. الحواصل: جمع حوصلة وهي بالنسبة للطائر كالمعدة بالنسبة للإنسان.
4 الحل: الحلال. القطوف الدانية: القريبة المتدلية.
5 القِدر: وعاء يستعمل للطبخ.
(2/359)

فأطلقه وعظم في عينه، وقال: هذا أبوه من بيت كبير، وقال للآخر: من أبوك؟ فقال:
أنا ابن من دانت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها1
تأتيه بالرغم وهي صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها
فقال الوالي: ما أشك أن هذا أبوه كان ملكًا شجاعًا، فأمر بإطلاقهما فلما انصرفا كان في المجلس رجل نبيه فقال للوالي: الشاب الأول كان أبوه فوّالًا، والثاني كان أبوه حجامًا. فأعجب الوالي منه ذلك، فقال:
كان ابن من شئت واكتسب أدبًا ... يغنيك مضمونه عن النسب2
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وبيت الشيخ صفي الدين على الألغاز في بديعيته:
حرّان ينقع حر الكر غلته ... حتى إذا ضمه برد المقيل ظمي3
الشيخ صفي الدين ألغز هنا في السيف فإنه يروي في حر الكر بالدماء، وإذا أدخل القراب الذي كنى به عن برد المقبل، كان ظامئًا.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
إن المنافق لغز قلبه زغل ... وهو المعمى كمثل الأرزة الرزم4
قلت: الشيخ عز الدين -غفر الله له- لم يأت في بيته بغير الجناس المقلوب، في لغز وزغل، وأما التعمية بالأرزة الرزم، فما علمت ما المراد منهما حتى نظرت في شرحه، فوجدته قد قال: الرزم القائم والأرزة شجرة الصنوبر، فما ازددت في التعمية غير تعمية.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، صلى الله عليه وسلم:
وكلما ألغزوه حله لَسِنٌ ... مذ طال تعقيده أزرى بفهمهم
__________
1 دان: خضع.
2 مضمونه: معناه ويروى: محموده.
3 الحرّان: الشديد العطش. نقع: روى. الكر: المعركة. الغلة: شدة العطش. ظمي: ظمئ، عطش.
4 الزغل: الخبث والانطواء عليه. الأرزة: شجرة من فصيلة الصنوبريات وهي شعار اللبنانيين وتتوسط علمهم. من الناس الأرزة: المنقبض. الرزم: الثابت القائم على الأرض.
(2/360)

قد تقدم، وتقرر أن أحسن التعمية في اللغز ما أسفر بعد الحل عن تورية بديعة في بابها، وهذا البيت أيضًا بديع في هذا الباب، فإن اللغز في الرمح والتورية في لسن؛ لأن لسان الرمح لسان القائل في التورية للتكليم، وفي التعقيد المشترك بين تعقيد اللغز وتعقيد الرمح، وأما المناسبة بين الحل والتعقيد، والإزراء بالفهم بعد ذكر الألغاز، فمحاسنها لا تخفى على حذاق الأدب. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(2/361)

ذكر سلامة الاختراع:
وقده باختراع سالم ألف ... يبدو بترويسه من رأس كل كمي1
هذا النوع، أعني سلامة الاختراع: هو أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق إليه، كقول عنترة في وصف الذباب:
وخلا الذباب بها فليس بنازحٍ ... غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدْحَ المكب على الزناد الأجذم
هذا المعنى إذا تأمله المتأدب، وتخيله في فكره يجده غريبًا في بابه، فإنه قال: إن هذا الذباب لَمّا خلا بهذه الروضة التي أعاد الضمير إليها في قوله: بها، صار هزجًا مترنّمًا يحك ذراعه بذراعه من الطرب الذي اعتراه، فشبهه عنترة برجل أجذم قاعد يقدح زنادًا بذراعيه، والأجذم المقطوع اليد، والتقدير في البيت قدح الأجذم المكب على الزناد. انتهى.
ومنه قول ابن الرقاع، في تشبيه قرن الخشف:
يزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها2
وعدّوا قول ابن الرومي من المخترعات التي لم يسبق إليها، فإنه قال في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز:
__________
1 الترويس: الرأس المحدد. والألف: الرمح، وترويسه: سهمه. الكمي: البطل الشجاع.
2 يزجي: يرسل ويحث. الأغن: الذي في صوته غنه. الروق: القرن.
(2/362)

لم أنس بالأمس خبازًا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر1
ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر2
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر3
وأجمعوا على أن قول أبي الطيب من الاختراعات التي لم يسبق إليها، وهو قوله:
حلفت وفيًّا إن رُدِدْت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قلت: أما أبو الطيب فإنه شن الغارات على معاني المتقدمين كثيرًا، وما خفي ما أورده عليه الحاتمي في الحاتمية، وكان قد عنَّ لي أن أورد، في هذا الشرح المبارك -له ولمن تقدمه ولمن تأخر عنه- جملة مستكثرة مما وقع لهم من معانيهم، من سلامة الاختراع بالنسبة إلى اطلاعي، وخفت أن يقع اختياري على معنى أعده لصاحبه من سلامة الاختراع، فيأتي من تبحر في اطلاعه على معنى له لغيره ممن تقدمه، فأضربت عن ذلك وجنحت إلى ذكر ما وقع لي في نظمي، من سلامة الاختراع التي لم أسبق إليها، ولا حام طائر فكر غيري عليها، فمن ذلك قولي من قصيدة رائية:
وحمرة الخد أبدت خيط عارضه ... فخلت كأس مدام وهو مشعور4
ومذ بدت نسمات الثغر باردة ... بدا بإغضاء ذاك الجفن تكسير
وقلت منها في وصف القلم:
له يراع سعيد في تقلبه ... إن خط خطًّا أطاعته المقادير
ومنها:
وأشقر يده البيضاء غرته ... له إلى الرزق فوق الطرس تيسير5
بل أسمر عينه السوداء يلحظها ... وهدب أجفانها تلك المشاعير6
__________
1 يدحو: يدوّر. الرقاقة: الرغيف ويروى: ما أنسى لا أنسى خبازًا مررت به.
2 قوراء: لم تستكمل دورتها بعد.
3 انداح: استدار.
4 مشعور: مكسور دون انفصال أجزائه وتبعثرها.
5 الطرس: ما يكتب عليه.
6 المشاعير: الخطوط الدقيقة.
(2/363)

ومثله قولي من القصيدة:
كذا محابره سود العيون فإن ... دنت أياديه فهي الأعين الحور
ومنه قولي من قصيدة ميمية:
حين قابلت خده بدموعي ... أثرت خلت ثوب خز منمنم1
ومنه قولي في وصف حماة من قصيدة طائية:
ينظم بالشطين دور ثمارها ... عقودًا لها العاصي رأيناه كالسمط2
وقد مد ذاك النهر ساقًا مدملجًا ... وراح بنقش النبت يمشي على بسط3
لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورًا على ساقة الشط
وقلت من قصيدة أخرى:
وعاص رحيب الصدر قد خر طائعًا ... ودولابه كالقلب يخفق في الصدر
وقلت من قصيدة أخرى:
وهززت فيه كل عود أراكةٍ ... أضحى بهاتيك الثغور مطيبا
والمعنى المخترع قولي بعده:
ودخلت كل خباء زهر قد غدا ... بدموع أجفان الغمام مطنبا4
ومن اختراعاتي التي لم أسبق إليها، وسارت الركبان بها قولي في المدائح المؤيدية:
فرج على الملجون نظم عسكرا ... وأطاعه في النظم بحر وافر5
فانبت منه زحافه في وقعة ... يا من بأحوال الوقائع شاعر6
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر
والمعنى المخترع فيها قولي:
وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة ... فكأن هاتيك السروج مقابر
__________
1 الخز: الحرير. المنمنم: المزركش.
2 العاصي: نهر العاصي وهو نهر ينبع من لبنان ويصب في سوريا. السمط: العقد.
3 المدملج: الذي يلبس الدملج وهو من الأساور والحلى.
4 مطنبًا: مرفوعًا أو مشدودًا بالطنب وهي حبال وأعمدة الخيمة.
5 الملجون: الورق اللزج.
6 انبت: انقطع. الزحاف: في المصطلح العروضي تغيير يلحق ثاني السبب من التفعيلة.
(2/364)

ومنها في سلامة الاختراع قولي:
وإذا مددت يراع رمحك ماله ... إلا قلوب الدارعين محابر1
ونعال خيلك كالعيون ومالها ... إلا جماجم من قتلت محاجر
ومنه قولي متغزلًا في مليح مشطوب:
بالصدع أبدى شطبة ... من شكله محوّط2
سألته عن أمرها ... فقال زاد اللغط3
قلتم بدا لي عارض ... مشكل منقط
جئت شطبت فوقه ... وقلت هذا غلط
ولي من قصيدة بديعة مشتملة على وصف متنزهات حماة المحروسة:
والنبت يضبطها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين4
والمعنى المخترع قولي بعده:
والغصن يحكي النون في ميلانه ... وخياله في الماء كالتنوين
وقلت في مطلع قصيدة:
ألف القد مدها لي بعزه ... وعليها من عطفة الصدغ همزه
وقلت من قصيدة فائية:
وعارضه في الوضع لامٌ وصِدغه ... إذا مدها من فوقه تتكوف5
ولعمري، إن الشرح قد طال، ولولا خشية الإطالة لذكرت من هذا الباب قدرًا وافيًا، بالنسبة إلى ما أدى إليه اجتهادي، وقلت: إني مخترعه، وبشهادة الله إني ما تطفلت بالنسبة إلى علمي على معنى لغيري، اللهم إلا أن تكون أحكام المواردة قد حكمت عليّ فالحكم لله العلي الكبير.
__________
1 الدارعين: لابسي الدروع. المحابر: جمع محبرة وهي الدواة.
2 الشطبة: أثر الجرح. محوّط: مرقيّ بالرقي لإبعاد الضرر عنه.
3 اللغط: القيل والقال.
4 التلحين: من الألحان بمعنى الزقزقة والتغريد ومن اللحن وهو الخطأ اللغوي وكذلك: معرب: مبين واضح وحسب قواعد الإعراب.
5 تتكوّف: تتجمع وتستدير.
(2/365)

وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على سلامة الاخترع قوله:
كادت حوافرها تدمي جحافلها ... حتى تشابهت الأحجال بالرثم1
جحفلة الفرس شفته العليا، والرثم بياض شفتيه، وكأنه يقول: إن هذه الفرس لسرعة جريانها اتصلت أحجالها إلى شفتها فتشابها في البياض.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، -رحمه الله- في بديعيته قوله:
سلامة لاختراعي في علا هممي ... اسمي وفعلي كحرف عند رسمهم
وقال في الشرح: اسمي علا، وفعلي علا، والحرف المشبه بهما على هذا المعنى على الذي هو معدود من حروف الجر، قلت: لو ألحق الشيخ عز الدين ما قاله هنا بالألغاز لكان أقرب وأليق، فإن سلامة الاختراع وغرابة المعنى عنه بمعزل.
وبيت بديعيتي تقدمه قولي في الألغاز بالرمح بقولي:
وكلما ألغزوه حله لسن ... مذ طال تعقيده أزرى بفهمهم
ولم أخرج عن الرمح بل قلت مخترعًا فيه اختراعًا بعد من المرقص والمطرب، بعد بيت الألغاز، وهو:
وقده باختراع سالم ألف ... يبدو بترويسه من رأس كل كمي2
تقدم قولي: أنه كان عنّ لي أن أورد هنا، من سلامة الاختراع للمتقدمين والمتأخرين، جمل مستكثرة ولم يصدني عن ذلك إلا الخيفة ممن تبحر علي في المطالعة، فيورد ما أثبت من المعنى المخترع لزيد، أنه مسبوق إليه من عمرو، فأردت أن أخلص من هذا الاعتراض، وأورد هنا نبذة من مخترعات ابن حجاج، فإنه منوال ما نسج عليه غيره، وقد تقدم قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في ديباجة كتابه المسمى: "بتلطيف المزاج من شعر ابن الحجاج"، وأما أشعار أبي عبد الله الحسيني بن حجاج، فإنه أمة غريبة تبعث وحدها، وذرية تبلغ بإتقان اللهو رشدها، فمن ذلك قوله:
يا ديمة الصفع صبي ... على قفا المتنبي
__________
1 الجحفلة: شفة الحيوان ذي الحافر. الأحجال: مفردها حجل وهو بياض يكون في قوائم الخيل. الرثم: بياض الشفة عند الخيل.
2 الألف: الرمح. الترويس: السهم. الكمي: البطل الشجاع.
(2/366)

وأنت يا ريح بطني ... على عذاريه هبي
ويا قفاه تقدم واقعد ... قليلًا بجنبي
وإن صفعتك ألفا ... فلا تقولن حسبي
وقد تعشقت معنى ... طرطورك المتعبي1
يا لحية هي عن أهـ ... ـل شيخنا النذل تنبي
قومي ادخلي جوف بطني ... فقد وقعت بقلبي
وأنت عندي مكان ... السواد من عين صلبي
ومنه قوله:
كأنما باب سور مبعرها ... عنقود كرم مزبب العنب2
كأنما الأير فوق عصعصها ... راكب حمارة على قتب
ومنه قوله:
جارية قد سمطت فيشتي ... بوهج حمى سرمها الصالب3
أخذت في الليل مجس استها الـ ... ـحامي وقد نامت إلى جانبي
أوجب إخراج دم فاسد ... من عين قيفال استها الضارب4
لبظرها الأسود دنية ... تصلح للقاضي أبي السائب
خطبت بالأمس عليها استها ... فأنعمت للخاطب الراغب
وبات أيري رافضي الخصى ... يعطي قفا مبعرها الناصب
وقال أيضًا:
قوموا افتحوا باب سرمها ولجوا ... فكل عضو من استها شرج
قوموا فعين استها لرؤيتكم ... بالليل فوق الفراش تختلج
إن لم يسعكم ممر عصعصها ... فثم بالطول تحته أزج
وفي استها خاتم للولبه ... طوق محلى وفصه سبج5
إذا الخصي صافح استها خريت ... تحتي وبالبيض تعمل العجج
وقال أيضًا:
بأبي من تمكنت من فؤادي ... فأنا الدهر كله في اجتهاد
قدها في القياس من قوم يأجو ... ج ولكن بظرها قوم عاد
__________
1 الطرطور: من حلى النساء: قلنسوة دقيقة طويلة ويقال: طنطور بالنون.
2 المبعر: مكان خروج البعر والبعر هو فضلات الحيوانات أو روثها.
3 الفيشة: الحشفة من الأير. السرم: طرف المعي الغليظ أو مكان خروج البراز. الصالب: الحمى الشديدة الحرارة.
4 القيفال: وريد في الجانب الوحشي من العضد.
5 السبج: خرز أسود.
(2/367)

وقفت لي فبستها من قعود ... بوسة بردت غليل فؤادي1
ولها شعرة ولا زبد البحـ ... ـر بياضًا وعصعص كالمداد
وحر أشمط العذارين الحي ... فيه سمت النساك والعباد
بظرها فوقه كدنية الحا ... كم يوم انحداره في السواد
ما توهمته وحقك إلا ... بعض أصحابنا بني حماد
يوم حاملتها فلما أحست ... في خراها بمثل شرط الفصاد2
جذبت لحيتي وقالت أيا شيخ ... ترى أنت كافر بالمعاد
أنت ممن يبغي خلافًا على الله ... ويسعى في أرضه بالفساد
قلت كفي إنا وجدنا على هـ ... ـذا أيور الآباء والأجداد
عرفيني وخبريني متى كا ... نت سيوف الخصي بلا أغماد
ومن غاياته في هذا الباب قوله:
مولاي يدعوك شيخ لا وقار له ... حتى القيامة سكران ومخمور
ما فيه للشيب إكرام فيزجره ... عن الخمور ولا للسن توقير
يقول بالأمرد المصقول عارضه ... مقسمًا فيه تأنيث وتذكير
وبالفتاة التي تنور مدخلها ... بعد العشا لشوى الخصيان مسجور3
وبالعجوز التي في أصل عنبلها ... غداة بعث المخاصي ينفخ الصور
زبال زرع استها يسقى بدالية ... وبظرها واقف في الزرع ناطور4
لها حر أشمط قد شاب مفرقه ... عليه بظر طويل فيه تدوير
كأنه شاعر قد جاء من حلب ... شيخ على رأسه المحلوق طرطور5
هذا الاستطراد في البيت الأخير استطرد فيه إلى أبي الطيب، وهو في غاية اللطف والظرف، وقد تقدمت إشارته إلى طرطوره في الأبيات المتقدمة البائية، ومن اختراعاته في هذا الباب قوله:
أحب من الكس تقبيله ... إذا كان في شفتيه لعس6
__________
1 البوسة: القبلة:
2 الشرط: البضع والجرح. الفصاد: عملية إخراج الدم الفاسد من العروق.
3 مسجور: محميّ.
4 الزبال: ما تحمله النملة. الدالية: الناعورة. البظر: نتوء في فرج المرأة.
5 الطرطور: القلنسوة.
6 الكس: فرج المرأة. اللعس: سواد مستحسن في باطن الشفة.
(2/368)

ويعجبني منه أني إذا ... نقرت أنفه بقمدي عطس1
وواسعة السرم تشكو استها ... إذا مسها النيك ضيق النفس
فتاة لدرب إستها حارس ... يعلق من خصيتيه جرس
ويعجبني قوله من قصيدة:
في إستها سدرة إذا نفضوها ... جمعوا لي من تحتها كف نبق2
وهو نبق بلا نوى أسود اللو ... ن إذا لكته تحمض شدقي3
__________
1 القمد: الطويل الضخم العنق.
2 النبق: ثمرة شجر الدر أو دقيق يخرج من لب جذع النخلة.
3 لاك: مضغ.
(2/369)

ذكر التفسير:
وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم
هذا النوع، أعني التفسير، من مستخرجات قدامة، وسماه قوم التبيين، وهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر في بيت بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون تفسيره، إما في البيت الآخر، أو في بقية البيت، إن كان الكلام يحتاج إلى التفسير في أوله. والتفسير يأتي بعد الشرط وما هو في معناه، وبعد الجار والمجرور، وبعد المبتدأ الذي يكون تفسيره خبره، بشرط أن يكون المفسَّر مجملًا والمفسر مفصلًا. فمن بديع التفسير الذي وقع في بيت واحد قول بعض المغاربة:
صالوا وجادوا وضاءوا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار وأجبال
فإنه أحسن الترتيب في عجز البيت كله، وجعل المفسَّر في الصدر، بحيث أتى كل قسم مستقلًا بنفسه.
ومثال ما وقع من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط، قول الفرزدق:
لقد جئت قومًا لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيًا ومطاعنًا ... وراءك شزرًا بالوشيج المقوّم1
والفرزدق ما راعى حسن الترتيب في بيته، فإن عندهم عدم الترتيب مع حسن الجوار، وقرب الملائم، لا ينقص حسن الكلام البليغ. ألا ترى إلى قوله تعالى:
__________
1 ألفيت وجدت. الشزر: النظر بطرف العين. الوشيج المقوم: الرمح المستقيم.
(2/370)

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} 1. ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} 2.
ومن الأمثلة الواقعة بعد الجار والمجرور في باب التفسير، قول شرف الدين القيرواني:
لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العقبى وللخائف الأمن
ومما جاء من التفسير بعد المبتدأ، قول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم3
قالوا إن هذا أبلغ ما وقع في التفسير من الأمثلة الشعرية، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن مراعاة.
ومن بديع هذا النوع قول محمد بن وهيب في المعتصم:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
ومثله في الحسن قول محمد بن شمس الخلافة:
شيئان حدِّثْ بالقساوة عنهما ... قلب الذي يهواه قلبي والحجر
وثلاثة بالجود حدث عنهم ... البحر والملك المعظم والمطر
ومن معجز التفسير، ما جاء في الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} 4 فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولًا، حيث قال: كل دابة فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج، ثم فسر سبحانه هذا الجنس، بعد ذلك، بالأجناس المتوسطة والأنواع، حيث قال: فمنهم ومنهم ومنهم، مراعيًا للترتيب، وذلك أنه قدم ما يمشي على غير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي
__________
1 آل عمران: 3/ 106.
2 آل عمران: 3/ 107.
3 رجوم: ظنون لا دليل على صحتها.
4 النور: 24/ 45.
(2/371)

بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائمًا لمقصود الآية الشريفة، ثم ثنى بالأفضل فأتى بما يمشي على رجلين وهو الآدمي والطير لتمام خلق الإنسان وكمال صورته ولما في الطير من عجب الطيران الدال على الخفة مع ما فيه من الكثافة الأرضية، وثلّث بما يمشي على أربع؛ لأنه أحسن الحيوان البهيمي وأقواه، فتضمنت هذه الكلمات، التي هي بعض آية، عدة من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم مع مراعاة الترتيب والإشارة وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق. والفرق بين التفسير والإيضاح: أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال؛ لأن المفسر من الكلام لا يكون فيه إشكال.
وبيت صفي الدين على التفسير قوله:
هم النجوم بهم يهدى الأنام ... وينجاب الظلام ويهمي صيب الديم1
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
ذكر الإمام وابنيه يفسره ... عليّ والحسنان أكرم بذكرهم
الشيخ عز الدين ما أفادنا في التفسير هنا شيئًا
وبيت بديعيتي أقول فيه، عن الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم
هذا هو التفسير الذي لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه، في الشطر الأول من البيت، إلا بتفسيره من الشطر الثاني على الترتيب. وأما ذكر الإمام عليّ -كرّم الله وجهه- وذكر ولديه -رضي الله عنهما- في بيت الشيخ عز الدين -رحمه الله- فإنه غير محتاج إلى تفسير والله أعلم.
__________
1 انجاب: انكشف. يهمي: يمطر بغزارة. الديم: الغيوم.
(2/372)

ذكر حسن الاتباع:

ذكراه يطربهم والسيف ينهل من ... أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم1
هذا النوع، أعني حسن الاتباع، هو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن اتّباعه فيه، بحيث يستحق بوجه من الوجوه الزائدة التي توجب للمتأخرين استحقاق معنى التقدم، إما باختصار لفظه، أو قصر وزن أو عذوبة لفظ، أو تمكين قافية، أو تتميم نقص، أو تحلية من البديع توجب الاستحقاق، كاتباع أبي نواس جريرًا
في قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
فنقل أبو نواس المعنى من الفخر إلى المدح بقوله:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
فزاد على جرير زيادات، منها: قصر الوزن، وحسن السبك، وإخراج كلامه من الظن إلى اليقين، وأيضًا فإن ذكر العالم، أعم من ذكر الناس في بيت جرير.
وعدوا من الشواهد الحسنة في حسن الاتباع، قول منصور النميري، في زينب أخت الحجاج وأترابها، وهو:
وهي اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطّعن الحشا حسرات
__________
1 شان: عاب.
(2/373)

فأحسن اتباعه ابن الرومي بقوله:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
قلت: وقع السهام ونزعهن، بعد ويلاه، في بيت ابن الرومي، تركت بيت النميري أطلالًا بالية:
وقال أبو عبادة البحتري:
أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبًا وبرُّ راح وهو جفاء
وأحسن أبو العلاء وقال:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر، مع الإيجاز والإيضاح وحسن البيان.
وقال عنترة:
إني امرؤ من خير عبس منصبًا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل1
فأحسن اتباعه منصور الفقير في شريف نسبه، وكان شرفه من جهة أبيه لا من جهة أمه، بقوله:
إن فاتني بأبيه ... فلم يفتني بأمه2
ورام شتمي ظلمًا ... سكت عن نصف شتمه
فإن هذا الفقيه أحسن غاية الإحسان، من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به في بيت تام من الكامل، في بيت من المجتث، وأتى بالمطابقة المعنوية، فأما قوله سكت عن نصف شتمه، ففيه من التأدب الديني مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاحتراس، ما يزيد على الوصف.
وقال ابن الرومي:
تخذتكم درعًا حصينًا لتدفعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها
__________
1 المنصل: السيف.
2 لم يفتني: بالقرابة.
(2/374)

وكنت أرجي منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن كنتم لا تحفظون مودتي ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها
فأحسن ابن سنان الخفاجي اتباعه بقوله:
أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عونًا فكنتم عون كل ملمة
وتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو ومقاتلي من جنتي1
فلأنفضن يدي يأسًا منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت
ويعجبني هنا قول القائل:
وأخوان حسبتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
وقال ابن الرومي:
سد السداد فمي عما يريبكم ... لكن فم الحال عني غير مسدود
وأحسن زكي الدين بن أبي الأصبع اتباعه فقال:
هبني سكت فما لسان ضرورتي ... أهجى لكل مقصر عن منطقي
وقال سليك بن سلكة:
وتبسم عن ألمي اللثاة مفلج ... خليق الثنايا بالعذوبة والبرد2
وما ذقته إلا بعيني تفرسًا ... كما شيم برق في السحابة من بعد3
وقال نصيب:
كأن على أنيابها الخمر شجها ... بما الندى في آخر الليل عابق4
وما ذقته إلا بعيني تفرسًا ... كما شيم في أعلى السحابة بارق
__________
1 أي منكم عرف العدو كيف يقتلني. والمقاتل: الأمكنة التي إذا أصيب فيها الإنسان قتل.
2 ألمى: أسمر. اللثاة: مفردها لثة وهي مكان انغراز الأسنان في الفم. مفلج: بين أسنانه فسحات متساوية.
3 التفرّس: التثبت بالنظر. شيم: انتظر.
4 شجها: الخمرة مزجها بالماء. العابق: اللبق الظريف.
(2/375)

وأحسن بشار بن برد اتباعهما بإيجازه، وقال:
يا أطيب الناس ريفًا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك1
وقال السموأل:
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
فأحسن بشار اتباعه بزيادة محاسن، فقال: أفناهم الصبر إذ أبقاهم الجزع.
وقال الأسود ابن يعفر:
يسعى بها ذو توأمين كأنما ... قنأت أتأمله من الفرصاد2
وأحسن أبو نواس اتباعه، بزيادة من المحاسن، وقال:
تبكي فتذري الدمع من نرجس ... وتلطم الورد بعناب
استوفى أبو نواس المعنى في نصف بيت، وأخذه الوأواء الدمشقي من أبي نواس، وزاد عليه زيادة عجيبة، بقوله:
وأمطرت لؤلؤًا من نرجس فسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد
وقال مسلم بن الوليد:
تجري محبتها في قلب عاشقها ... مجرى المعافاة في أعضاء منتكس3
فأحسن أبو نواس اتباعه فقال:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض الملوك باليمن:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس
نقل أبو هلال العسكري في "الصناعتين" عن الصولي أنه قال: حدثني أبو بكر بن هارون بن عبد الله المهلبي، قال: كنا في حلقة دعبل الشاعر، فجرى ذكر أبي تمام،
__________
1 المساويك: مفردها مسواك وهو غصن شجر يستاك به أي تنظف به الأسنان.
2 قنأ: احمر كثيرًا- الفرصاد: التوت أو صبع أحمر، أو نوى العنب.
3 المعافاة: البرء. المنتكس: الذي يعود إليه المرض بعد تماثله للشفاء.
(2/376)

فقال دعبل: كان يتبع معانِيَّ فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: مثل ماذا أعزك الله؟ فقال: قلت:
وإنّ امرأ أسدى إلَيَّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق
فأخذه أبو تمام، وقال:
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت والله، قبحك الله. فقال الرجل: إن كان سبقك بهذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك فقد أجاد فصار أولى به منك على الحالين، فغضب دعبل وقام.
وقال بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج1
فأحسن اتباعه سلم الخاسر، وقال:
من راقب الناس مات غمًا ... وفاز باللذة الجسور
فلما سمع بشار هذا البيت قال: قد ذهب ابن الفاعلة ببيتي.
وممن زاد على المتقدمين بحسن سبكه وعذوبة لفظه، ابن المعتز -رحمه الله- بقوله:
ولا ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدت من الظفر2
وهو مأخوذ من قول الأول:
كأن ابن ليلته جانح ... إلى مسقط الأفق من خنصر3
وقال أبو العتاهية:
كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه
فأحسن أبو تمام اتباعه فقال:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله أدنى القوم بالنعم
__________
1 الفاتك: الشجاع. اللهج: المثابر.
2 القلامة: قصاصة الظفر. قُدّ: قُطِع.
3 ابن ليلته: الهلال مضت عليه ليلة واحدة بعد المحاق. الخنصر: الأصبع الأصغر.
(2/377)

فزاد عليه، إلا أنه أتى بعكس المعنى، وما يعرف للمتقدمين معنى شريف، إلا نازعهم إياه المتأخرون وطلبوا الشركة معهم فيه، إلا قول عنترة: وخلا الذباب بها فليس بنازح1. فإنه ما نوزع في هذا المعنى، على جودته، وقد رامه بعض المجتهدين فافتضح، وتقرر ذلك في بيت سلامة الاختراع.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، على حسن الاتباع قوله:
ينازع السمع فيها الطرف حين جرت ... فيرجعان إلى الآثار في الأكم2
بيت الشيخ صفي الدين مأخوذ من قول القائل:
وطرف يفوت الطرف في جريانه ... ولكن للأسماع فيه نصيب
والعميان ما نظوا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
والجزع حن إليه بعد فرقته ... حسن اتباع لتلك الأربع الحرم
ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أنه اتبع الفرزدق في قوله، في مديح الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن عليّ -رضي الله عنهما- وهو هذا:
هذا ابن من تعرف البطحاء وطأته ... والركن يعرفه والبيت والحرم
وبيت بديعيتي تقدمه قولي، في حق الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم
ثم إني قلت بعده، في حسن الاتباع عن الصحابة:
ذكراه يطربهم والسيف ينهل من ... أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم
هذا المعنى سبقني إليه الشيخ شرف الدين بن الفارض، وكنت في صغري أترنم به وهو قوله:
فلي ذكرها يحلو على كل صيغة ... ولو مزجوه عذلي بخصام
الشيخ شرف الدين قرر: إن ذكر محبوبه يحلو، ولو كان في محل خصام من
__________
1 نازح: مغادر.
2 الأكم: المكان الملتف الأشجار، المرتفع.
(2/378)

العذال، وقولي أبلغ في حق الصحابة -رضي الله عنهم- لأن ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يطربهم والسيوف تنهل من أجسامهم، وأين الطرب في هذا المقام؟ من يحلو في ذلك المقام؟ وأين المخاصمة بالألسن من التكليم بألسنة السيوف؟ والزيادة التي ما على حسنها من مزيد، قولي: لم يشن حسن اتباعهم، فإن شدة الحرب وتكليم النفوس، ما شان حسن السيوف وذهاب الأنفس، ما شان حسن اتباعهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا من الأيام. والتورية، في حسن الاتباع الذي هو المراد من تسمية النوع، محاسنها لا تخفى على المنصفين من أهل الأدب، والله أعلم.
(2/379)

ذكر المواردة:
نما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيفوهم1
هذا النوع، أعني المواردة: هو أن يتوارد الشاعران على بيت، أو بعض بيت، بلفظه ومعناه: فإن كان أحدهما أقدم من الآخر وأعلى رتبة في النظم حكم له بالسبق، وإلا فلكل منهما ما نظمه كما جرى لامرئ القيس وطرفة بن العبد في معلقتيهما، وهو قول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
قال طرفة: أسى وتجلد. فلما تنافسا في ذلك وأحضر طرفة بن العبد خطوط أهل بلده في أي يوم نظم هذا البيت، كان اليوم الذي نظما فيه واحدًا. وقد يقع مثل ذلك أو دونه في بيت يخالف وزن البيت الأصلي.
وبيت الشيخ صفي الدين على الواردة قوله:
تهوى الرقاب مواضيهم فتحسبها ... حديدها كان أغلالًا من القدم
وبيت الشيخ صفي الدين ذكر في شرحه أنه نظم بيتًا من جملة أبيات، وهو:
تهوى مواضيك الرقاب كأنما ... من قبل كان حديدها أغلالا
ثم ذكر أنه سمع بعد ذلك بيتًا لا يعلم قائله وهو:
تهوى الرقاب مواضيه فتحسبها ... تود لو أصبحت أغلال من أسرا
فأسقط البيت الذي له، فلما تعددت عليه الأنواع في نظم البديعية، ووصل إلى
__________
1 الأحداق: جمع حدقه وهي استدارة العين. والهام: الجباه.
(2/380)

المواردة، ألجأته الضرورة إلى نظمها، ليكون البيت المنظوم منتظمًا في سلك شواهد بديعيته، بحيث لا تخلو من هذا النوع.
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:
بيت المدائح تستوفي علاه ولو ... تواردت في مديح غير منصرم
الشطر الأول من هذا البيت، ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أنه توارد هو وأبو الطيب المتنبي عليه.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. ومعنى المواردة في بيت بديعيتي أني كنت مدحت تمر بغاء الأفضلي الشهير بمنطاش، ورياحين الشبيبة غضة، ونشوة الابتداء تحث على دور كاسات الأدب، وكان المشار إليه إذ ذاك كافل المملكة الحموية، بقصيدة رائية سارت ببديع محاسنها الركبان، واحتوت على معان لم أسبق إليها، وتمثلت في غصون نظمها بين يدي شيخي، وهو مولانا قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن على القضامي الحنفي -رحمه الله- وقد علق بخاطري منها أبيات، فأنشدته في ذلك الوقت ما علق بخاطري، وهو قولي منها:
له مطالعة في الحرب حين يرى ... دم العدا فوق طرس الأرض قد سطرا
إن راسل القوم أنشا في رسائله ... سجعات ضرب بها الهامات قد نثرا
كتابه السيف والخطي له قلم ... والرسل أسهم حتف توضح الخبرا1
إن كان قد نظم الأعدا مكيدتهم ... فقل لهم إنه من قبلهم شعرا
لأنه ببديع الحسن لف لنا ... شملًا ولكن لأرقاب العدا نشرا
وخط من فوق ألواح الصدور لهم ... بابًا من الخوف في أحشائهم وقرا
وصار يكتب بالهندي ويعجم بالـ ... ـخطي فعل شجاعٍ قد قرا ودرى2
تراه بالرمح بدرًا حاملًا غصنًا ... وبالتريسة غصنًا حاملًا قمرا3
إن جس عودًا لضرب مال سامعه ... والخيل يرقصها إن حرك الوترا
وصار4 كلما أنشدته بيتًا من هذه الأبيات يترنم كثيرًا، ويرسم لي بإعادته حتى انتهيت إلى قولي:
__________
1 الخطي: الرمح.
2 الهندي: السيفن ويكتب بالهندي: يفرض بالسيف. يعجم: يزيل الإبهام، ويختبر. قرا: قرأ.
3 التريسة: الترس وهو ما يتقى به السيف.
4 في الأصل: صرت.
(2/381)

كأنما الهام أحداق أضرّ بها ... سهد وأسيافه في الحرب طيب كرى
فلما سمع هذا البيت لم يترنم كما ترنم للأبيات التي قبله، وقال: أبو الطيب هو أبو عذرة هذا المعنى ولكن أحسنت الاتباع، بقولك: أضر بها سهد، وبقولك في الشطر الثاني: طيب كرى، فإن فيهما زيادتين حسنتين، فالتزمت له بيمين أنني ما ملكت ديوان المتنبي يومًا من الأيام، ولا طالعته عند غيره، وما كنت في ذلك الوقت أطالع غير ديوان الشيخ جمال الدين بن نباتة، وديوان الشيخ صفي الدين الحلي، فتعجب مولانا قاضي القضاة من ذلك وبالغ في الجبر والثناء، ولكني أسقطت البيت من القصيدة، خوفًا من قدح حاسد، فلما وصلت بديعيتي إلى نوع المواردة ألجأت الضرورة إلى نظمه في سلك أنواعها.
وبيت المتنبي الذي حصلت المواردة به قوله:
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد1
وبيت بديعيتي:
كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم
والترشيح أيضًا هنا ظاهر في قولي: مسهدة، والترشيح، في تورية المواردة، بتسمية النوع وزيادة المعنى، غير خاف على أهل الأدب.
__________
1 الهام: جمع هامة وهي الجبهة من الإنسان.
(2/382)

ذكر الإيضاح:
هذا تزداد إيضاحًا مخافتهم ... في كل معترك من بطش ربهم
هذا النوع، أعني الإيضاح: هو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، فلا يفهم من أول وهلة، حتى يوضحه في بقية كلامه، كقول الشاعر:
يذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل1
فألقاك عن مكروهها متنزهًا ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل
معنى البيت الأول ملتبس، وما ذاك إلا أنه يقتضي المدح والذم ولكنه أوضحه بقوله:
فألقاك عن مكروهها متنزهًا ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل
وقد يكون الإيضاح في الوصف الذي لا يتعلق به مدح ولا هجاء، وذلك أن يخبر المتكلم بخبر واحد عن شيء واحد يحصل فيه الإشكال، فيوضح ذلك الإشكال بما يفهم منه كشف اللبس عن الحد الأول، كقول ابن حيوس:
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه2
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
فإنه لو اقتصر على البيت الأول أشكل الأمر من جهة الوجه، فإنه وإن كان حسنًا لا يغني النديم عن الخمر، فأزال اللبس في البيت الثاني وأوضحه، وقد تقدم وتقرر الفرق بين الإيضاح والتفسير.
__________
1 الخنى: القول الفاحش.
2 المقرطق: لابس القرطق وهو ثوب فارسي مزركش.
(2/383)

وبيت الشيخ صفي الدين قوله:
قادوا الشواذب كالأجبال حاملة ... أمثالها ثبتة في كل مصطدم1
العميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
للخير والشر إيضاحًا به فبذا ... أمر وعن ذاك نهيٌ حب نصحهم
والذي أقوله: إن الشيخ عز الدين -غفر الله له- لم يتضح في بيته غير الإشكال.
وبيت بديعيتي تقدم قولي قبله في وصف الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- بحسن الاتباع والصبر والإقدام، إلى أن قلت في المواردة:
كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم
ثم إني قلت بعده في الإيضاح:
هذا وتزداد إيضاحًا مخافتهم ... في كل معترك من بطش ربهم
الإطناب والمبالغة، في وصف الصحابة -رضي الله عنهم- قد تقدم بالشجاعة التي هي فوق الوصف، فلما قلت في هذا البيت: إن مخافتهم تزداد إيضاحًا في كل معترك، ظهر اللبس فأوضحته بقولي: من بطش ربهم. والتورية بتسمية النوع، الذي هو المطلوب هنا، محاسنها لم تفتقر إلى الإيضاح، والله الموفق.
__________
1 الشواذب: جمع مفرده الشاذب وهو المتنحي عن وطنه. ثبتة: شجاعة. المصطدم: مكان الاصطدام أو ساحة المعركة.
(2/384)

ذكر التفريع:
ما العود إن فاح نشرًا أو شدا طربًا ... يومًا بأطرب من تفريع وصفهم
هذا النوع، أعني التفريع، وهو ضد التأصيل، هو أن يصدّر الشاعر أو المتكلم كلامه باسم منفي، بما خاصة، ثم يصف ذلك الاسم المنفي بأحسن أوصافه المناسبة للمقام، إما في الحسن وإما في القبح، ثم يجعله أصلًا يفرع منه جملة، من جار ومجرور، متعلقة به تعلق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، ثم يخبر عن ذلك الاسم بأفعل التفضيل، فتحصل المساواة بين الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما النافية؛ لأن حرف النفي قد نفى الأفضلية. فتبقى المساواة بين ذلك أن تقول: ما الزهر إذا بكى الغمام فضحك، بأحسن من أخلاق زيد. فالمساواة بين الزهر والأخلاق ههنا ثابتة، بالشروط المذكورة، ومن الأمثلة الشعرية قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحسن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل1
يضاحك الزهر منها كوكب شرق2 ... مؤزر بعميم النبت مكتهل
يومًا بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل3
__________
1 غناء: ملتفة الشجر. جاد: هطل. المسيل: من المطر: الناز من السحاب بغزارة. هطِل: صيغة مبالغة من هطل.
2 شرِق: واضح الإشراق. مؤزر: يلبس الإزار. مكتهل: كبير السن.
3 الأصل: الأصيل أو وقت الغروب.
(2/385)

وقد يجيء الفرع والأصل في بيت واحد، كقول أبي تمام:
ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب1
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب
فذكر في البيت الأول الأصل والفرع، وكذلك في البيت الثاني، فالأصل هو الاسم المنفي مع ما ذكر من أوصافه، والفرع هو أفعل التفضيل مع ما يتعلق به.
ويعجبني في هذا الباب قول إبراهيم بن سهل الأشبيلي، من قصيدة، وهو:
وما وَجْدُ أعرابية بان دارها ... وحنت إلى بان الحجاز ورنده2
إذا آنست ركبًا تكفل شوقها ... بنار قراه والدموع بورده
وأن أوقدوا المصباح ظنوه بارقًا ... يحيي فهشت للسلام ورده
بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... يرى أنني أذنبت ذنبًا لوده
ومن إنشاء القاضي شهاب الدين محمود، في هذا الباب، قوله: وما أم طفل قذفها الزمن العنيد، في بعض البيد، في أرض موحشة المسالك، قليلة السالك، قد لمع صوابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها، ونفر ظليمها3، وحضر سمومها4، وغاب نسيمها، فلما خافت على ولدها من الظمأ الهلاك، أجلسته إلى جنب كثيب هناك، ثم ذهبت في طلب الماء للغلام، لئلا يقضي عليه الأوام5، فانتهى بها المسير إلى روضة وغدير، وآثار مطي بوارك، تدل على أن الطريق هنالك، فعادت إلى ولدها مسرعة، وكل أعضائها إليه عيون متطلعة، فلما شارفت جنب الكثيب، رأت ولدها في فم الذيب:
بأكثر مني حسرة وتلهفًا ... وأعظم مني حرقة وتأسفًا
وأغزر دمعًا عندما قيل لي الذي ... كلفت به أضحى على البعد مزمعًا
وذكر صاحب الإيضاح، للتفريع، قسمًا ثانيًا لم يذكره غيره، ولا نسج على منواله أصحاب البديعيات فألغيته أيضًا، والشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع اخترع قسمًا ثالثًا،
__________
1 غيلان: اسم ذي الرمة الشاعر.
2 بان: بَعُد. البان: شجر طيب الرائحة طويل الأغصان طريها. الرند: شجر طيب الرائحة يشبه الآس وينبت في البادية.
3 الظليم: ذكر النعام.
4 السموم: الريح الحارة.
5 الأوام: شدة العطش.
(2/386)

ولكن وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق، وأوقع في القلوب، وعلى سننه مشى أصحاب البديعيات، فألغيت أيضًا ما اخترعه ابن أبي الأصبع، رحمه الله.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع في وصف الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
ما روضة وشع الوسمي بردتها ... يومًا بأحسن من آثار سعيهم1
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:
ما الدوح تفريعه بالزهر متسق ... نظمًا بأطيب من تعريف ذكرهم
وبيت بديعيتي أقول فيه عن الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
ما العود إن فاح نشرًا أو شدا طربًا ... يومًا بأطيب من تفريع وصفهم
هذا البيت فيه نوع التفريع، الذي هو القصد هنا، والتورية بتسميته، والاستخدام، ومرعاة النظير، وفيه الانسجام، والتمكين، والله أعلم.
__________
1 وشّح: زين وزخرف. الوسمي: مطر الربيع.
(2/387)

ذكر حسن النسق:
من ذا يناسقهم من ذا يطابقهم ... من ذا يسابقهم في حلبة الكرم
هذا النوع، أعني حسن النسق، ويسمى التنسيق، من محاسن الكلام، وهو أن يأتي المتكلم بالكلمات من النثر، والأبيات من الشعر، متتاليات متلاحمات تلاحمًا مستحسنًا مستبهجًا، وتكون جملها ومفرداتها منسقة متوالية، إذا أفرد منها البيت قام بنفسه واستقل معناه بلفظه، كقوله شرف الدين القيرواني:
جاور عليًّا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادّرعت فلا تسأل عن الأسل1
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
فالحظ حسن النسق، وصحة هذا التركيب فيه، واستيعاب هذا التقسيم، ووضوح هذا التفسير.
ومنه قول أبي نواس:
وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس
وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس
حسن النسق، هنا، لأمرين بين فنين متضادين، في هذين البيتين، وهما المجون والزهد، حتى صارا كأنهما فن واحد.
__________
1 ادّرع: لبس الدرع. الأسل: الرماح.
(2/388)

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
والذئب سلم والجني أسلم والثـ
ـعبان كلم والأموات في الرحم1
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
فالضيق أذهب والتوفيق سبب والتنـ ... ـسيق رتب في تصديق حكمهم
وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على وصف الصحابة -رضوان الله عليهم- بقولي:
من ذا يناسقهم من ذا يطابقهم ... من ذا يسابقهم في حلبة الكرم
__________
1 سلم: رضي. الجني: واحد الجن. أسلم: انقاد وتدين بالإسلام. الثعبان: الحية ذكرًا كانت أو أنثى. كلّم: تكلم ورد الجواب. الأموات في الرحم: الأجنة. والبيت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
(2/389)

ذكر التعديد:
تعديد فضلهم بيدي لسامعه ... علمًا وذوقًا وشوقًا عند ذكرهم
هذا النوع، أعني التعديد، ذكره الإمام فخر الدين الرازي وغيره، وسماه قوم الإعداد، وهو عبارة عن إيقاع أسماء منفردة على سياق واحد، فإن روعي في ذلك ازدواج، أو مطابقة، أو تجنيس، أو مقابلة، فذلك الغاية في حسن النسق. مثاله قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} 1 ومن الأمثلة الشعرية قول أبي الطيب المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع قوله:
يا خاتم الرسل يا من علمه ... والعدل والفضل والإيفاء للذمم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت عز الدين في بديعيته قوله:
تعديد أوصافهم في المدح يعجزنا ... أهل التقى والنقا والمجد والهمم
وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على مدح الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- بقولي:
تعديد أوصافهم بيدي لسامعه ... علمًا وذوقًا وشوقًا عند ذكرهم
__________
1 البقرة: 2/ 155.
(2/390)

ذكر التعليل:
نعم وقد طاب تعليل النسيم لنا ... لأنه مر في آثار تربهم
هذا النوع، أعني التعليل: هو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقع، فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة تتقدم على المعلول، كقوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 1 فسبق الكتاب من الله تعالى علة النجاة من العذاب، وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فخوف المشقة على الأمة، هو علة في التخفيف عنهم من الأمر بالسواك عند كل صلاة.
ومن أمثلته الشعرية قول البحتري:
ولو لم تكن ساخطًا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
فوجود سخط الممدوح، هو علة في شكوى الشاعر.
ومنه قول ابن هانئ الأندلسي:
ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما صح عندي علة للتيمم
وفي رواية: لما كنت أدري، وعلى كلتا الروايتين، ففي الغلو قبح وإساءة أدب، كيف أنه لم يدر علة للتيمم إلا بما ذكر، وقد علمت صحة التيمم من نص الكتاب والسنة.
ولقد أحسن ابن رشيق القيرواني، في تعليل قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا"، حيث قال:
__________
1 الأنفال: 8/ 68.
(2/391)

سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهرًا وطيبا
فقالت غير ناطقة لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا
فتخلص مما وقع فيه ابن هانئ، لكونه سأل الأرض عن العلة، وتلطف في استخراج علة مناسبة لا حرج عليه في إيرادها. وقد يتقدّم المعلول على العلة في هذا الباب، وعلى هذا المنوال نسج ابن رشيق.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التعليل قوله:
لهم أسام سوام غير خافية ... من أجلها صار يدعى الاسم بالعلم1
وبيت العميان:
لم تبرق السحب إلا أنها فرحت ... إذ ظللته فأبدت حسن مبتسم
وبيت الشيخ عز الدين قوله:
تعليل طيب نسيم الروض حين سرى ... بأنه نال بعضًا من ثنائهم
وبيت بديعيتي أقول فيه عن الصحابة:
نعم وقد طاب تعليل النسيم لنا ... لأنه مر في آثار تربهم
__________
1 أسامٍ: جمع مفرده اسم. سوام: جمع مفرده سامي: عالي المكانة.
(2/392)

ذكر التعطف:
تعطف الخير كم أبدوا لمذنبهم ... والخبر ما زال في أبواب صفحهم1
التعطف شبيه بالترديد في إعادة اللفظة بعينها في البيت، والفرق بينهما أن التعطف شرطه أن تكون إحدى كلمتيه في مصراع، والأخرى في مصراع آخر.
قلت: وهذا النوع أيضًا من الأنواع التي تقدمت، وقررت أن ليس تحتها كبير أمر، وأن رتبة البديع أعلى من هذه الأنواع السافلة، ولكن تقدم قولي: إن القوم كلما طلبوا الكثرة تغالوا في الرخيص، والشروع في المعارضة ملزم، وقد استشهدوا على هذا النوع -أعني: التعطف- بقول أبي الطيب المتنبي:
فساق إلَيَّ العرف غير مكدر ... وسقت إليه المدح غير مذمم
وبيت الشيخ صفي الدين على هذا النوع الرخيص قوله:
وصحبه من لهم فخر إذا افتخروا ... ما أن يقصر عن غايات فضلهم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
تعطفوا برضا أحبابهم وعلى ... أعدائهم عطفوا بالصارم الخذم2
وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على وصف الصحابة -رضي الله عنهم- بقولي:
تعطف الخير كم أبدوا لمذنبهم ... والخير ما زال في أبواب صفحهم
وقلت بعده مشيرًا إليهم.
__________
1 الصفح: العفو والغفران.
2 الصارم: السيف القاطع. الخذم: القاطع.
(2/393)

ذكر الاستتباع:
يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا ... ويحفظون وفاهم حفظ دينهم
الاستتباع: هو استفعال من تتبع الرجل، إذا اقتفى أثره. وفي الاصطلاح: هو أن يذكر الناظم أو الناثر معنى مدح أو ذم أو غرض من أغراض الشعر، فيستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصف ذلك الفن، كقول أبي الطيب المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
فإنه مدحه بالشجاعة، على وجه استتبع مدحه بكونه سببًا لإصلاح الدنيا، حيث جعلها مهنأة بخلوده ومثله قوله:
إلى كم ترد الرسل فيما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام
فمدحه بالشجاعة إيماء، وألغز في رد الرسل عما أتوا به وصدهم عن مطلوبهم والتهاون بمرسلهم، واستتبع في آخر البيت مدحه بالكرم، لعصيان الملام في الهبات.
ويعجبني هنا قول أبي بكر الخوارزمي:
سمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله
فإنه مدحه بذلاقة اللسان على وجه استتبع الكرم.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع قوله:
الباذلو النفس بذل الزاد يوم قرى ... والصائنو العرض صون الجار والحرم1
__________
1 القرى: إطعام الضيوف، ويوم القرى: يوم المسغبة أو يوم الحاجة.
(2/394)

وبيت العميان:
تجري دماء الأعادي من سيوفهم ... مثل المواهب تجري من كفوفهم
وبيت الشيخ عز الدين:
يستتبعون ببذل العلم بذل ندى ... ويحفظون المعالي حفظ عرضهم
وبيت بديعيتي:
يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا ... ويحفظون وفاهم حفظ دينهم
(2/395)

ذكر الطاعة والعصيان:
اعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلوّ فجانسه بمدحهم
هذا النوع، أعني الطاعة والعصيان، استنبطه أبو العلاء المعري في شرحه الذي سماه: "معجز أحمد" عند نظره في شعر أبي الطيب، وهو قوله:
يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وسماه الطاعة والعصيان، وقال: إنما أراد أبو الطيب أن يقول: يرد يدًا عن ثوبها وهو مستيقظ، بحيث تطيعه المطابقة في قافية البيت، بقوله: راقد، فلم يطعه الوزن في ذلك، ولما عصاه الوزن عدل إلى لفظة: قادر، وجعلها مكان مستيقظ، لما فيها من معنى اليقظة وزيادة، فأطاعه التجنيس المقلوب، بين قادر وراقد، وعصته المطابقة، بين راقد ومستيقظ، فلم يخل بيته عن معنى بديعي، وقيل إن هذا النوع لم يسمع له مثال قبل أبي العلاء، ولا بعده في سائر كتب البديع، لقلة وقوعه وتعذر اتفاقه، وإنما وقع للمتنبي نادرًا.
قلت: أنا تابع، في هذا النوع، مذهب علامة هذا العلم، وهو الشيخ زكي الدين ابن أبي الأصبع -تغمده الله برحمته ورضوانه- فإنه كشف عن وجه الإشكال، وأرشد من كان متعلقًا بحبال المحال، فإن القوم أضربوا عن هذا النوع وهو ظاهر؛ لأن الشيخ زكي الدين قال: إضرابهم عن النظر فيه، إما لحسن ظنهم بالمعري وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه العصمة من الخطأ والسهو، وإما أن يكون مر عليهم ما مر عليه في هذا البيت، إذ ليس في البيت شيء أطاع الشاعر ولا شيء عصاه، ودليل ذلك قول المعري: إن المتنبي أراد مستيقظًا، ليحصل بينها وبين لفظة راقد طباقًا، فعصته لفظة مستيقظ.
(2/396)

لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، وهذا محال؛ لأن المتنبي لو أراد أن يقول: يردُّ يدًا عن ثوبها وهو ساهر، لحصل له غرضه من الطباق، ولم يعصه الوزن، وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق وجناس، فعدل عن لفظة ساهر إلى قادر؛ لأن القادر ساهر وزيادة، وحصل بين راقد وقادر الطباق المعنوي، وجناس العكس؛ لأن الطباق أنواع: منها المعنوي: كما أن الجناس أنواع: منها العكس، ومذهب المتنبي ترجيح المعاني على الألفاظ، ولا سيما وبالعدول عن الطباق اللفظي، حصل في البيت الطباق والجناس معًا، وما كان فيه الطباق والجناس معًا أفضل مما ليس فيه سوى الطباق. ولو عدل المتنبي إلى ما ذكره المعري، لفاته هذا الفضل، والله أعلم.
وقد ثبت من هذا البحث، أن بيت المتنبي لا يصلح أن يكون شاهدًا على هذا الباب؛ لأنه لم يعصه فيه شيء ولم يطعه غيره، وكذلك بيت الشيخ صفي الدين في بديعيته وهو قوله:
لهم تهلل وجه بالحياء كما ... مقصوره مستهل من أكفهم1
فإنه ذكر، في شرحه، أنه أراد الجناس، بين الحياء والحيا، ولما عصاه الوزن وتعذر التجنيس عدل إلى لفظة مقصوره، وهي ردف لفظة الحيا، فأطاعه الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه. اهـ.
قلت: والذي قرره الشيخ صفي الدين أيضًا محال، ولو قال:
لهم تهلل وجه بالحياء كما ... لنا الحيا مستهل من أكفهم
لحصل له ما أراد من الجناس، وخلص من ثقل مقصوره، وحصل لبيته طلاوة في الأذواق، وخلا من العقادة، وتحقق المتأمل أن عصيان الوزن هنا محال، وكذلك بيت الشيخ عز الدين وهو:
أطاعه وعصاه المؤمنون ومن ... ناواه ذا الفرق بين الإنس والنعم2
فإنه ذكر، في شرحه، أنه أراد الطباق بين المؤمنين والكافرين، فعصاه الوزن وتعذرت المطابقة، فأتى بلفظة ناواه، فأطاعته المطابقة وعصاه الوزن.
قلت: والذي قرره الشيخ عز الدين أيضًا ههنا محال، ولو قال:
أطاعه وعصاه المؤمنون وجمـ ... ـع الكافرين ولم يحفل بجمعهم
__________
1 المقصور: الذي يقتصر عليهم منه. مستهل: نازل أو بادئ.
2 ناواه: ناوأه: عصاه وعمل ضده. النعم: الأنعام وهي الحيوانات.
(2/397)

لحصل له ما أراد من المطابقة بين المؤمنين والكافرين، وخلص من ثقل ناواه وتجشم الإنس والنعم التي زلزلت أركان بيته، وأما قوله: أطاعه وعصاه فهذه المطابقة تحصيل الحاصل؛ لأنها تسمية النوع الذي هو المراد هنا، وجل القصد: أن عصيان الوزن في بيت أبي الطيب، وبيت الشيخ صفي الدين وبيت الشيخ عز الدين محال.
وبيت بديعيتي أقول فيه، عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين:
طاعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلو فجانسه بمدحهم
هذا البيت أردت أن أجانس فيه بين العلوّ والغلوّ، فلم يطع فيهما الوزن، فلما عصى ذلك عدلت إلى لفظة مجانسة، فحصل الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه، فهذا البيت مشتمل على الطاعة والعصيان حقيقة، فإن الناظم أراد فيه جناس التصحيف، فعصاه الوزن وأطاعه الجناس المعنوي. والعميان ما نظموه في بديعيتهم، والله أعلم.
(2/398)

ذكر المدح في معرض الذم:
في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم
هذا النوع، أعني المدح في معرض الذم، من أنواع ابن المعتز، وهو أن ينفي صفة ذم ثم يستثني صفة مدح، كقولك: لا عيب في زيد سوى أنه يكرم الضيف. وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا} 1
ومن الشواهد الشعرية قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب2
ومنه قول الشاعر:
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن
ومنه أيضًا قول الشاعر:
ولا عيب في هذا الرشا غير أنه ... له معطف لدن وخد منعم3
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم
__________
1 الواقعة: 56/ 25، 26.
2 فلول: كسور. قراع: قتال. الكتائب: مجموعات من الجيوش.
3 الرشا: الغزال. اللدن: الطريء.
(2/399)

وبيت العميان في بديعيتهم:
لا عيب فيهم سوى أن لا ترى لهم ... ضيفًا يجوع ولا جارًا بمهتضم1
قلت: بين قول الشيخ صفي الدين، عن الضيف أنه يسلو عن الأهل والأوطان والحشم، وبين قول العميان عن الضيف، أنه لا يجوع، بون بعيد.
وبيت الشيخ عز الدين:
في معرض الذم إن رمت المديح فهم ... لا عيب فيهم سوى الإعدام للنعم
وبيت بديعيتي:
في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم
__________
1 مهتضم: مغموط الحق أو لحق به الجور.
(2/400)

ذكر البسط:
هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكتاف أرضهم1
هذا النوع، أعني البسط، من مستخرجات ابن أبي الأصبع، والبسط بخلاف الإيجاز لكونه عبارة عن بسط الكلام، لكن شروطه زيادة الفائدة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فبسط هذه اللفظة الجامعة، ليفرد الأئمة بالذكرمن جملة المسلمين، ولم يكن الاقتصار على الأئمة لأجل نقص المعنى، إذ تمامه لا يكون إلا بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى، بعد تخصيص من يجب تخصيصه بالذكر.
ومن الأمثلة الشعرية المستحسنة على البسط، قول البحتري في الخيري وهو المنثور الأصفر:
قد نفض العاشقون ما صنع الـ ... ـهجر بألوانهم على ورقه
فإن حاصل هذا الكلام الإخبار بصفرة الخيري، فبسط اللفظ الذي لو اقتصر عيه لما حصل به المراد، لما في البسط من حسن إدماج الغزل في الوصف، بغير لفظ التشبيه ولا قرينة، إذ مفهوم اللفظ أن صفرة المنثور تشبيه ألوان المهجورين.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
سهل الخلائق سمح الكف باسطها ... منزه قوله عن لا ولئن ولم
__________
1 الحيا: المطر. الأكناف: النواحي. مفردها كنف.
(2/401)

والعميان ما نظموه في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
ذو بسط كف وخلق زانه خلق ... أثنى عليه إله العرش بالعظم
وبيت بديعيتي، أنا مستمر فيه على مدح الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكناف أرضهم
(2/402)

ذكر الاتساع:
نور القبائل ذو النورين ثالثهم ... وللمعالي اتساع في عليهم
هذا النوع، أعني الاتساع، يتسع فيه التأويل على قدر قوى الناظم فيه، وبحسب ما يحتمل ألفاظه من المعاني، كقول امرئ القيس:
إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل
فإن هذا البيت اتسع النقد في تأويله، فمن قائل: تضوع المسك منهما بنسيم الصبا، ومن قائل: تضوع المسك منهما بفتح الميم، يعني الجلد بنسيم الصبا، وهو أضعف الوجوه، والوجه الثاني مذهب ابن أبي الأصبع، وهو أنور الوجوه. ومن ذلك فواتح السور التي أقسم الله بها، فإنهم اتسعوا في تأويلها، ولم يترجح من ذلك إلا أنها أسماء للسور.
وبيت الحلي في بديعيته قوله:
بيض المفارق لا عار يدنسهم ... شم الأنوف طوال الباع والأمم1
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
__________
1 شم الأنوف: أي رافعو الرءوس كناية عن العزة. طوال الباع: طوال ما بين البلدين إذا مدتا وهذا كناية عن القوة والقدرة. بيض المفارق كناية: عن نقاء العرض والنسب أو الشرف. الأمم: قريب التناول.
(2/403)

بان اتساع المعالي في الصحابة كالفاروق ثم شهيد الدار ذي الحرم1
وبيت بديعيتي، أنا مستمر فيه على مدح الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين:
نور القبائل ذو النورين ثالثهم ... وللمعالي اتساع في عليهم
__________
1 الفاروق: لقب عمر بن الخطاب الخليفة الثاني للمسلمين بعد أبي بكر. شهيد الدار: هو عثمان بن عفان الخليفة الثالث.
(2/404)

ذكر جمع المؤتلف والمختلف:
جمعت مؤتلفًا فيهم ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم
هذا النوع -أعني جمع المؤتلف والمختلف- ذكر المؤلفون فيه أقوالًا كثيرة غير سديدة، ومثلوه بأمثله غير مطابقة، ولم يحرره ويطابقه بالأمثلة الصحيحة اللائقة غير الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، والذي تحرر عنده: أن هذا النوع عبارة عن أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين، فيأتي بمعانٍ مؤتلفة في مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر، بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الآخر، فيأتي لأجل الترجيح بمعانٍ تخالف معنى التسوية، كقوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} 1 فحصلت المساواة في الحكم والعلم، فساوى بينهما في أهلية الحكم، ثم رجح سليمان فقال: ففهمناها سليمان، ثم راعى حق الوالد فقال: وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا، فحصلت المساواة في الحكم والعلم. وكقول الخنساء في أخيها، وقد أرادت مساواته بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة مدح لا ينقص به حق الولد:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الفخر2
وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا على وكر
حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر
__________
1 الأنبياء: 21/ 78, 79.
2 تعاور: تداور أي كل واحد يلبسها مرة. الملاءة: الثوب الفضفاض.
3 نزا: طاش، والقلب: طمح. لزّت: ألصقت.
(2/405)

وعلا طباق الأرض أيهما ... قال المجيب هناك لا أدري
برقت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي -رحمه الله- في بديعيته قوله:
هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... سوى الإخاء ونص الذكر والرحم
قلت: الحلي أساء الأدب في نظم هذا البيت، وكان يجب أن يؤدب على نظمه، فإنه بخس فيه حق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكذب في الثلاثة التي استثناها، وقال: إن الصحابة -رضي الله عنهم- عدموها وقوله: هم هم في جميع الفضل، لا يفهم منه مدح؛ لأنه سلبهم الفضل في الشطر الثاني من البيت، ولهذا قال الشيخ عز الدين في بديعيته مشيرًا إلى هذا البيت:
هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... ما قاله الرافضي النذل في الكلم1
وعلى هذا الترتيب الفاسد. فما اجتمع في بيت الصفي غير المختلف؛ لأن المؤتلف عنه بمعزل.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:
جمع لمؤتلف فيهم ومختلف ... في العلم والحلم مع تقديم ذي قدم
وبيت بديعيتي يجب أن لا يستشهد على هذا النوع بغيره، فإني قلت فيه، عن الصحابة رضي الله عنهم:
جمعت مؤتلفًا فيهم ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم
__________
1 الرافضي: لقب للذي يرفض خلافة أبي بكر وعمر، يجمع على الروافض وهو منسوب إليهم. النذل: الخسيس من الناس الدنيء.
(2/406)

ذكر التعريض:
تعريض مدح أبي بكر يقدّمني ... في سبق حُليِّهم مع موصليهم
هذا النوع -أعني التعريض- نوع لطيف في بابه، وهو عبارة عن أن يكني المتكلم بشيء عن آخر، لا يصرح به، ليأخذه السامع لنفسه ويعلم المقصود منه، كقول القائل: ما أقبح البخل، فيعلم أنك أردت أن تقول له: أنت بخيل. وكقول بعضهم للآخر: لم تكن أمي زانية، يعرض بأن أمه زانية، والتعريض نوع من الكناية، ومن أمثلته الشعرية قول الحجاج، يعرض بمن تقدمه من الأمراء:
لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم1
والشواهد على هذا النوع كثيرة، ولكن أردت أن أجعل العمدة فيه على بيتي المنتظم في سلك بديعيتي، فإنه من الأمثلة البديعة، وليس في هذا النوع له مثال، ولكن نبدأ ببيت الشيخ صفي الدين -رحمه الله- لأجل الترتيب، وهو:
ومن أتى ساجدًا لله ساعته ... ولم يكن ساجدًا في العمر للصنم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي -رحمه الله- قوله:
تطويل تعريض شانئهم يعظمهم ... والرفض أقبح شيء موجب الأضم2
__________
1 الوضم: الخشبة التي يقطع عليها الجزار اللحم.
2 الشانئ: المبغض والكاره. الأضم: الحقد والعداوه.
(2/407)

وبيتي الذي أطنبت في وصفه، هو قولي بعد:
جمعت مؤتلفًا فيه ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم
تعريص مدح أبي بكر يقدمني ... في سبق حليهم مع موصليهم
(2/408)

ذكر الترصيع:
نعم ترصع شعري واعتلت هممي ... وكم ترفع قدري وانجلت غممي
هذا النوع، أعني الترصيع: هو عبارة عن مقابلة كل لفظة من صدر البيت، أو فقرة النثر، بلفظة على وزنها ورويها، وهو مأخوذ من مقابلة ترصيع العقد، ومن أمثلته الشريفة في الكتاب العزيز قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} 1 ومثله قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} 2 ومنه قول الحريري في المقامات: يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.
وإن كان مع الترصيع زيادة بديع، كطباق أو مقابلة أو جناس، كان ذلك زيادة حسنة. ومن أمثلته الشعرية قول أبي فراس:
وأفعالنا للراغبين كرامة ... وأموالنا للطالبين نهاب
ومنه قول الشاعر:
فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق
والمبرز في هذا النوع هو الذي يخلي نظم بيته من الحشو، والحشو فيه عبارة عن تكرار الألفاظ التي ليست من الترصيع، بحيث لا يأتي في صدر بيته بلفظة إلا ولها أخت تقابلها في العجز حتى في العروض والضرب، كقول ابن النبيه:
فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي3
فهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه فإن المقابلة فيه حاصلة بين حريق
__________
1 الانفطار: 82/ 13، 14.
2الغاشية: 88/ 25، 26.
3 السيب: الكرم والعطاء، المعتفي: طالب المعروف.
(2/409)

ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي، وأبو فراس بيته خال من ترصيع العروض والضرب. والشاهد الثاني كرر فيه ناظمه حرف النداء، فدخل عليه الحشو.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في الترصيع قوله:
من حاسر بغرار العضب ملتحف ... وسافر بغبار الحرب ملتثم1
صفي الدين فاته في هذا البيت ترصيع العروض والضرب وقد تسامحوا فيهما ولكن الغاية ما قررته في نظم هذا النوع، وأيضًا فإن الشيخ صفي الدين غير عاجز عن ذلك. فإن أتى في بيته بالحشو مع عدم ترصيع العروض والضرب، وناهيك أن العميان تبصروا له ونظموه في بديعيتهم، وهو:
فهجر ربعي لذاك الربع مغتنمي ... ونثر جمعي لذاك الجمع معتصمي
هذا البيت استشهد به العميان على الترصيع الواقع في جميع ألفاظ البيت، ولكن ذاك في مقابلة ذاك اعتذر عنهما الشيخ شهاب الدين أبو جعفر الشارح، وقال: إن معناهما مختلف، فإن الإشارة الأولى للربع، والثانية للجمع، وعلى كل تقدير فالنظر فيهما مجال.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
كم رصعوا كلمًا من در لفظهم ... كم أبدعوا حكمًا في سر علمهم
الشيخ عز الدين رصع، حتى في العروض والضرب، ولكن كرر في بيته لفظة كم. ودخل عليه الحشو وهو من وفى، والكمال لله.
وبيت بديعيتي أقول فيه بعد قولي في بيت التعريض:
نعم ترصع شعري واعتلت هممي ... وكم ترفع قدري وانجلت غممي
التنبيه على محاسن هذا البيت، كالتنبيه على محاسن بيت ابن النبيه، وفي حقوق هذا النوع في نظمه، وأما الجماعة المذكورون معه، فما منهم إلا من بخسه بعض حقه، لما أدخله في بيته. وقد تميز بيتي على بيت ابن النبيه أيضًا في ترصيع نظمه بزيادة جوهرتين، فإني قابلت فيه خمسة بخمسة، وابن النبيه وبقية القوم قابلوا أربعة بأربعة، والزيادة على ابن النبيه أيضًا في تسمية النوع الذي هو الترصيع، ولعمري إنها تورية ما رصع في العقود نظيرها، وهذا البيت مشتمل على الترصيع، والتورية، والجناس اللاحق، واللزوم، والتمكين، والموازنة، ومراعاة النظير، والسهولة والانسجام، والله أعلم.
__________
1 الحاسر: كاشف الرأس. غرار العضب: حد السيف القاطع. السافر: كاشف الوجه.
(2/410)

ذكر السجع:
سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم
السجع: مأخوذ من سجع الحمام، واختلف فيه، هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أو لا؟ فمنهم من منعه ومنهم من أجازه، والذي منع تمسك بقوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} 1 فقال: قد سماه فواصل، وليس لنا أن نتجاوز ذلك.
والسجع ينقسم أربعة أقسام: المطرف، والموازي، والمشطر، والمرصع. القسم الأول: المطرف، وعلى منواله نسج نظام البديعيات، وهو أن يأتي المتكلم في أجزاء كلامه، أو في بعضها بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية، ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية، كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} 2 وكقولهم: جنابه محط الرحال، ومخيم الآمال. ومن الأمثلة الشعرية قوله أبي تمام:
تجلّى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي3
الثاني: الموازي، وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة مع نظيرتها في الوزن والروي، كقوله تعالى: {سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} 4. ومنه قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا". ومنه قول الحريري في المقامات: ألجأني
__________
1 فصِّلت: 41/ 3.
2 نوح: 71/ 13، 14.
3 الثمد: الماء. وأورى: اشتعل. والزند: عود تقتدح به النار.
4 الغاشية: 88/ 13، 14.
(2/411)

حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط. وقوله: وأودى بي الناطق والصامت، ورثى لي الحاسد والشامت. ومن أمثلته الشعرية قول أبي الطيب المتنبي:
فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل
القسم الثالث: المشطر، وهو أن يكون لكل نصف من البيت قافيتان مغايرتان لقافيتي النصف الأخير، وهذا القسم مختص بالنظم، كقول أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب في الله مرتعب
الرابع: المرصع، وقد تقدم الكلام عليه.
قلت: وإذ كنت منشئ ديوان الإنشاء الشريف، أنشأت جميع ما يحتاجون إليه من الفوائد التي أخذتها عن علماء هذا الفن، فإن قصر الفقرات يدل على قوة المنشئ، وأقل ما يكون من كلمتين، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 1 وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العزيز، لكن الزائد على ذلك هو الأكثر وكان بديع الزمان يكثر من ذلك، كقوله: كميت نهد2، كأن راكبه في مهد، يلطم الأرض بزبر3، وينزل من السماء بخبر. لكن قالوا: التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر، لتشوقه إلى ما ورد منه متزايدًا على سمعه. وأما الفقر المختلفة، فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير، لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة، وإن زادت القرائن على اثنتين، فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين، وإن زادت الثانية على الأولى يسيرًا، والثالثة على الثانية، فلا بأس، ولا يكون أكثر من المثل. ولا بد من الزيادة في آخر القرائن.
مثاله في القرينتين: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّا} 4 فالثانية أطول من الأولى، ومثاله في الثالثة قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} 5 ومن قواعد الإنشاء، أن تكون كل فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى؛ لأن اللفظ إذا كان
__________
1 المدثر: 74/ 1-4.
2 الكميت: الأحمر الذي يميل إلى السواد. والنهد: السريع.
3 الزبر: الحديد وهي قطع توضع في أسفل حافر الحصان "النضوة".
4 مريم: 19/ 88- 90.
5 الفرقان: 25/ 11- 13.
(2/412)

من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى كان معيبًا، كقول الصاحب بن عباد يصف منهزمين: طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم. فالظهور بمعنى الأصلاب والصدور بمعنى النحور, ومنه قول الصابي: يسافر رأيه وهو لا يبرح، ويسير وهو ثاوٍ لا ينزح. ويبرح وينزح بمعنى واحد، ويسافر ويسير كذلك.
ومن فوائد الإنشاء التي يطول بها باع المنشئ، أن السجع مبني على الوقف، وكلمات الأشجاع بين القرائن ويزاوج، ولا يتم له ذلك إلا بالوقف، إذ لو ظهر الإعراب، لفات ذلك الغرض، وضاق ذلك المجال على قاصده، ألا ترى أنهم لو بينوا الإعراب، مثل قولك: ما أبعد ما فاتَ، وما أقرب ما هو آتٍ، للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة منونة فيفوت غرض الاتفاق؟ ومن ذلك أن السجع مبني على التغيير، فيجوز أن تغير لفظة الفاصلة لتوافق أختها، فيجوز فيها حالة الازدواج ما لا يجوز فيها حالة الانفراد. فمن ذلك: الإمالة، فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء وما هو من ذوت الواو، فتمال التي هي من ذوات الواو وتكتب بالياء حملًا على ما هو من ذوات الياء، لأجل الموافقة، نحو قوله تعالى: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} 1. أميلت والضحى وكتبت بالياء حملًا على ما هي من ذوات الياء، لأجل الموافقة، وكذلك: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} 2 أميلت فيها ذوات الواو وكتبت بالياء حملًا على ما هي من ذوات الياء. ومن ذلك، حذف المفعول، نحو قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} 3. الأصل وما قلاك. حذفت الكاف لتوافق الفواصل. ومن ذلك، صرف ما لا ينصرف، كقوله تعالى: {قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَا} 4 صرفه بعض القراء السبعة، ليوافق فواصل السورة الكريمة. ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز، لوجده كثيرًا.
ومما جاء من الحديث5، قوله صلى الله عليه وسلم: "أعيذه من الهامة والسامة، ومن كل عين لامة". والأصل: عين ملمة؛ لأنه من ألم، ولكنه لأجل الموافقة قيل: لامة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ارجعن مأزورات غير مأجورات". الأصل: موزورات بالواو؛ لأنه من الوزر، ولكن ليوافق مأجورات. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم". الأصل: ما وادعوكم، ولكن حذف الألف ليحصل الاتفاق مع تركوكم.
__________
1 الضحى: 93/ 1، 2.
2 الشمس: 91/ 1.
3 الضحى: 93/ 3.
4 الإنسان: 76/ 15، 16.
5 أي من السجع.
(2/413)

وسمعت أن بعض علماء الإنشاء صنع مؤلفًا في أحكام الفواصل. ومن ذلك أن المراد من علم الإنشاء: البلاغة في المقاصد. والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده، مع إيجاز بلا إخلال، وإطالة من غير إملال. والفصاحة خلوص الكلام من التعقيد. وقيل: البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ، فيقال: لفظ فصيح ومعنى بليغ. والفصاحة خاصة تقع في المفرد، يقال كلمة فصيحة ولا يقال كلمة بليغة، وأنت تريد المفرد، فإنه يقال للقصيدة كلمة، كما قالوا: كلمة لبيد. ففصاحة المفرد خلوصه من تنافر الحروف، والفصاحة أعم من البلاغة؛ لأن الفصاحة تكون صفة للكلمة والكلام، يقال: كلمة فصيحة وكلام فصيح. والبلاغة لا يوصف بها إلا الكلام، فيقال: كلام بليغ، ولا يقال: كلمة بليغة. واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال: متكلم فصيح بليغ.
فمن الإنشاء الفصيح البليغ، قول ابن عباد، وقد قيل له: ما أحسن السجع! فقال: ما خف على السمع. فقيل: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا ومنه، ما كتب به عبد الحميد، عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي به هذه الغمرة، وتصحو هذه السكرة، فينصب السيل وتمحى آية الليل. ومنه قول أبي نصر العتبي: دب الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوشل1 في تفاريق أعضائهم، فجيوب الأقطار عنهم مزرورة2، وذيول الخذلان عليهم مجرورة. ومنه قول الصابي: نزغ به شيطانه، وامتدت في الغي أشطانه3. ومنه قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره. ومنه قول القاضي الفاضل رحمه الله: ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامه، وأنملة إذا خضبتها أيدي الأصيل كان الهلال لها قلامة.
ويعجبني في هذا الباب، من إنشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: لا زال في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف، وأروع للعدا من سلة سيف. ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الارتواء من قلبها، والسيوف قد أضرمت الحمية.
__________
1 الوشل: الوهن والضعف.
2 مزرورة: مقفلة.
3 الأشطان: جمع شطن وهو الحبل.
(2/414)

للدين نار غضبها، وعداها حر الإشفاق على ثغور المسلمين فأعرضت عن برد الثغور وطيب شنبها، والحماة ما منهم إلا من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه، والأبطال ما فيهم من يسأل عن عدد العدو بل عن مكانه.
قلت: ما أوردت كثيرًا من الإنشاء ههنا إلا لأن يطيب للتأمل تنقله من شطوط البحور، إلى التنزه في رياض المنثور. فمن ذلك ما أنشأته في تقليد مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري، محمد بن البارزي الشافعي، بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، وهو قولي: وقد أوصلناه إلى رتبة استحقاقه من رتب المعالي، ورقيناه إلى درجات الكمال، علمًا أن الكمال ما خرج عن بيته العالي، فإنه المنشئ الذي ما للصاحب دخول إلى ديوانه، ولا لابن عبد الظاهر بلاغته وقوة سلطانه، ولا للشهاب محمود أن يباهي كماله في طارفه وتليده، ولا للقاضي الفاضل شرف البارزي وتمييزه ولو بالغ في كثرة شهوده، ما نثر في كمام طرسه1 زهره إلا وأرانا ذيول زهر المنثور، ولا قرع أبواب المصطلح إلا فتحت ودخل بيتها بغير دستور، ولا تسنم منبرًا إلا أجاد بألفاظ كان مزاجها من تسنيم، وقالت البلغاء للفصاحة المحمدية ما ثم إلا الرضا والتسليم.
ومنه ما أنشأته في تقليد ولده، وهو مولانا المقر الأشرف الكمالي عظم الله شأنه، بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، وهو قولي: فإنه من البيت الذي وهبه الله شرف العلم ورحم منه كل ميت، فقل لكل من مشايخ الإسلام ناشدتك الله هل تنكر هبة الله لهذا البيت، وما خفي أن إمامكم الأعظم أول من راعى حقوقه وبادر إلى رفع مثاله، وشرع في رفع قواعده وتشييد كماله، ولهم هذا الفرع الذي زكت أصوله وسقيناه ماء القرب فأتمر، وقد أنبته الله نباتًا حسنًا والنبات الحموي حسنه لا ينكر. غاب نيره الأكبر فأبدر بعده وهذا البدر في كماله ما أبهاه، ولجأ إلى الله ثم إلينا فزاده الله كمالًا وعلمنا أن الكمال لله، وسلكناه في حياة والده فكان لمشيختنا الشريفة نعم المريد، وأخذ عنا الأدب فجاد نظمه وها هو في البيوت البارزية بيت القصيد، والكتابة دون كماله ومحاسنه تجل أن تقابل بمثال، وإن كان الكمال زها بحاشيته فحاشيتنا زهت بهذا الكمال، وكان والده عقدًا فرط فيه الزمان ولكن استدرك فارطه، وقد نظمناه في عقد سلكنا الشريف إلى أن صار به نعم الواسطه. وامتدت ألسن الأقلام إلى ثغور المحابر فقبلتها، وانشرحت صدور الأوراق وعلق فيها عنابر سطور فحملتها، وقالت لحمر أقلامه: أهلًا بالعربيات التي ليس لها إلا الأيدي الجهينية غرر، ومرحبًا بعد النوبة بقهوة الإنشاء
__________
1 الطرس: ما يكتب عليه.
(2/415)

فإن شباب الزمان قد عاد وزهر المنثور قد زهر، وجاء الإمام الذي إن كتب تقليدًا قالت البلغاء هذا الإمام الذي يجب تقليده، وهذا هو الخليفة على السر الشريف وأمينه ومأمونه ورشيده. إن تحمس في إنشائه قال الجبان لا أقعد الجبن عن الهيجا، أو استطرد إلى وصف روض ممرج زاد هرجًا ومرجا، أو ترسل غراميًا فما حديقة زهير عند زهر منثوره، أو كتب عنا تهديدًا سال جامد الصخر، ولو سمعت الجوزاء حديثه لسقطت مع الحصى عند خريره فإنه المنشئ الذي ما اعتقل رمح فمه بيمينه وهزه هزه، إلا قال كل منشئ دخلت أصبع قلمي. من دواتي تحت رزه1. ولا حرك من دوح أقلامه فرعًا إلا تساقط بين الأوراق ثمرات شهيه، فلو أدركها الصاحب لقدمها وأخر الفواكه البدرية، ولو ناسبه الفتح لقابله المؤمنون بالقتال، وكان والده قد اعترف بكماله وهذا هو التقليد لثبوت ذلك الاعتراف أسجال2، فإنه الأمين الذي إن تصرف في مزررتنا3، الشريفة، فقد ثبت أن توثيق العرا4 لبيته العالي، أو أملى في ديواننا الشريف كانت أماليه أمالي المحب لا أمالي القالي5 ولولا خشية الإطالة، لأوردت هذا التقليد الشريف بكماله؛ لأنه في صناعة الإنشاء لنسيج وحده.
ومنه ما أنشأته عن ملانا السلطان الملك المؤيد، سقى الله ثراه من غيث الرحمة جوابًا عن مكاتبة الملك الناصر صاحب اليمن، وهو: لا زال جناس مجده سعيد الحركة بين اليمن واليمن، وسيفه اليماني لم يرض بمجانسة سيف بن ذي يزن، والأمة بأحمدها تهنأ بجنات عدنٍ6 في عدن، ولا برحت صنائعه بصنعاء محبرة حتى في سطور الطروس، وأقلام الثناء سود اللمم بمدحه ولو تركت لاعتراها شيب الرءوس، وتحياته المكرمة مخصوصة منا بشرف التسليم، وبدور مودته سافرة في ليالي سطورها بين بديعي التكميل والتتميم، أصدرناها وشاهد المودّة قد وضع رسم شهادته وكتب، وأثبت مقدمات الإخلاص فحكم له قاضي المحبة بالموجب، وأودعناها من السلام ما تعمه رحمة الله وبركاته، ومن طيب الثناء ما يتأرج بين إدراك ذلك المندل7 الرطب نفحاته، ومن خالص المودة ما يضم به بعد حسن المخلص من طيب أعرافه حسن الختام، ومن سجعات
__________
1 رزه: ورقه الصقيل.
2 أسجال: إثباتات.
3 المزررة: مكان الأزرار.
4 العرا: جمع عروة وهو فتحة الزر.
5 القالي: أبو علي صاحب الأمالي المشهورة، والقالي: الهاجر الكاره.
6 عدْنٍ: خلد ونعيم. وعَدَن بالمكان أقام فيه.
7 المندل: بفتح الميم: عود طيب الرائحة.
(2/416)

الأشواق كل مصونة ليس لها غير سواد النقس لثام. وتبدى لعلمه ورود المثال العالي بطيب تلك المعادن التي ود النسيم أن يقيدها ويحتبس، ولقد رافقها الاكتساب اللطيف ولكن سرق من طيب عرفها وتكلم بنفس، فأكرم به مثالًا أرانا خفر الملك على كل قرينة لها من حجب البلاغة ستور، وخدامها من سود سطورها وبيض طروسها عنبر وكافور، ورد صحف الصفاء صقيلة فتمثل فيها، وأظهر من أوراقه ثمرات المودة ونحن بيد القبول نجنيها، وقدم من ذلك الحرم الأحمدي فكان أكرم وافد قوبل منا بالإكرام، وفتح أبواب الدخول إلى السلام فسلمنا وقلنا لخواصنا ادخلوها بسلام. ولقد ثملنا بكأس إنشائه وهو بحضرتنا الشريفة دائر، وعلمنا أن هذا الإنشاء لا يصدر إلا من فاضل والفاضل لا ينسب إلا إلى الناصر، وتغزلنا في محاسنه بحيرة اليمن بعد تغزلنا بحيرة العلم، وراعنا تحمس بلاغته فقلنا هذا لا يصدر إلا من رب سيف وقلم، وود كل دوح أن يملأ طروس أوراقه بريحان سطوره، وتطفل كل روض أريض1 عند وروده على زهر منثوره، وقالت فصاحته وتلك البلاغة التي جاءت بسحر البيان، هل يفتى لنا بصدق المحبة فقال لهما القلب: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فهذا نفس طيب عرفنا معدن طيبه فلم نقل من أين، وهذه سلافة إنشاء دارت سلطانياتها فأنشأت أهل الخافقين2، وهذا سحر صدقت عزائمه في العطف والقبول بين الملكين، وأبطل هذا السحر الحلال ما حرم ببابل من سحر الملكين3، واشتمل على نظم ونثر رأينا شعار السلطنة عليهما عيانا4، كأن البلاغة قالت لهما قديمًا سنجعل لكما سلطانا5، فيا له من مثال تدرع زرد ميماته فقلنا لا طعن فيك لطاعن، وتشرع طباق بديعه فكانت على أكناف النيل من أثره مساكن، وأطرب بأنفاس علمنا أنها من يراع ما برح بالسعادة موصولًا، وطاف في حضرتنا الشريفة بكاس يمانية كان مزاجها زنجبيلا6. ولقد أكثر هذا المقال في كتابه المبين من إيناس الخطاب، وقضت به الوحشة أجلها فقلنا لكل أجل كتاب.
وهذا الجواب أيضًا، لولا خشية الإطالة لاستوعبته بكماله، فإن اليمن ما دخل إليها من الديار المصرية نظيره، والله أعلم.
__________
1 الأريض: والأروض: الروض الذي كسى الأرض بالنبات.
2 الخافقين: المشرق والمغرب.
3 الملكين: هما هاروت وماروت اللذان ورد ذكرهما في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ....... يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} البقرة: 2/ 102.
4 العيان: الظاهر للعين، الواضح.
5 السلطان: السلطة والقوة.
6 الزنجبيل: نوع من الشراب كالخمرة أو هو الخمرة ذاتها.
(2/417)

ومنه ما أنشأته عن مولانا السلطان الملك المؤيد -سقى الله ثراه- جوابًا عن مكاتبة وردت من صاحب تونس، وهو المتوكل على الله أبو فارس عبد العزيز -رحمه الله- وهو: لا زالت سيوف عزائمه في الجهاد ماضية الضرب، ولا برح جوده وإقدامه متطابقين في السلم والحرب، تخصه بسلام هو لنا والشوق برد وسلام، وسقاية وداد ماء زمزم تسنيم قبولها إلا تعالى ذلك المقام، وتحيات تنطق بها عن مواظبة الخمس1 ألسنة الأقلام، وثناء يقلد بخالص عقوده جيد الزمان، وينسى قلائد العقيان، ومحبة يقمر صدقها في ذلك الأفق الغربي ويشمس، وتزيل وحشة من سلا عن غيرها في المغرب وتونس ... واستطردت مفاوضتكم إلى الوصية بحاج المغرب فبادرنا إلى قبول ذلك، فإن هذا قد يتبرك من النجب السائرة به بالمبارك، وقد أعدناه مصحوبًا بالسلامة وحداته2 تطرب بنغمتها الحجازية، وتهيم اشتياقًا عند تشبيبها بذكرالطلعة المتوكلية، وأعدنا جواب ذلك على يد رسولكم الذي لم يقابل منا بغير القبول، ليكون خالص ودنا متمسكًا بالكتاب والرسول.
ومنه ما كتبته جوابًا عن مكاتبة وردت من الجناب العالي، الناصري محمد بن أبي يزيد بن عثمان، وهو: لا زالت تحياته مخصوصة منا بشرف التسليم، وسيره العثماني محفوظًا في بيعة المودة بالتقديم، وشعراء الإخلاص في كل بيت من معاني محبته تهيم، وفروض الجهاد بسيوفه المسنونة في كل وقت تقام، وبلاده الإسلامية محروسة بالجناب المحمدي عليه السلام، وهمزات عوامله بصدور الكفار موصوله، وألسن سيوفه بثغور بلادهم من رشف أرياق دمائهم مبلولة، ولا برح يجاهد في سبيل الله برًّا ويتخذ في البحر سبيله، فإنه من الذي علا بمحمد مقامه، وانسجم بالخلف العثماني نظامه، واقتدى بمشيختنا المؤيدية والنجح في هذا الاقتداء له شريك، وساعدته تورية السعادة لما تمسك بقول من قال: ولا بد من شيخ يريك، ولم يبق بعد الاقتداء بهذه المشيخة إلا الفتوحات المقبوله، والمشاركة في القبول على ما يرضي الله ورسوله، صدرت هذه المفاوضة إلى الجناب المحمدي تأرّج بطيب السلام عليه، وتنسم نسيمات القبول من أخبارها الطيبة ما تنقله إليه، وحملناها ثناء أطلقنا عنان كميت القلم وهو غرة في جبهته، وتوجهت رءوس الأقلام قبل ركوعها إلى قبلته، "ومن الإنشاء الملوكي ما أطلق به فصيح القلم لسانه وخضر الشباب على عوارض نفسه ومحاسن سجعاته، وقال الفاضل الناصر هذا الإنشاء الذي ما خرس لسانه قلمه ولا شابت لمة دواته" وتبدى لعلمه الكريم ورود ما أهداه من
__________
1 الخمس: يعني الصلوات الخمس: الصبح والظهرين والمساءين.
2 الحداة: جمع حادي، وهو الذي يسوق الإبل بالحداء وهو نوع من الغناء.
(2/418)

ثمرات المودة يانعًا في أوراقه، مختالًا في شعار الإخلاص فعلمنا أنه عنوان لعهده وميثاقه، وقد أتحف من نبات الإيناس ما غرس بأكناف النيل فحلا نباته، ودنت قطوف أنسه وظهر في فروع المحبة ثمراته، فاقتطفنا زهر المنثور من رياضه عند الورود1، وتغزلنا في رقم سطوره على بياض طروسه بين العوارض2 والخدود. وطالعنا مجموع محاسنه الذي لم ينس فعلمنا أنه للملوك تذكرة، وتبصرنا فيما أدهش من حكمه فرأينا المدهش في التبصرة، وقلنا هذه لمعة لو أدركها السراج لقصر لسانه وقال: سراج الملوك حرمته قوية، أو القاضي السعيد لقال: ما لسناء الملك بهجة عند هذه الأنوار المحمدية ... وقد تيقظت عيون عزمنا الشريف للجهاد وعن قريب تهدر مقل السيوف أجفانها، وتتجرد لقتال المشركين وقد تكنى لها النصر بأبيه فأيد سلطانها، وإذا قدحت سيوف الدولتين في عباب البحر على الكفار نارًا، تلا لسان النصر: {لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} 3. "ومن إنشاء الفاضل عن الناصر هنا ما يحسن أن يشنف به سمعه الكريم، فإنه عن أبي الفتوحات الذي مشى على هذا الصراط المستقيم" وهو: إذا كان الله قد أعطانا البلاد وهي آلة المقيم الراتب4. وأعطاهم المراكب وهي آلة الظاعن5 الهارب، فقد علمنا لمن عقبى الدار، ومن ينقله الله تعالى انتقال قوم نوح من الماء إلى النار. فالجناب يوطن نفسه على حسن المآل في الحالين، ويعلم أنه من المكرمين في الدارين6، وقد تلمظت7 ألسن سيوفنا شوقًا لحلاوة نصره، وتحركت عيدان رماحنا طربًا عند سماع ذكره، ونفضت جوارح سهامنا ريش أجنتها لاقتناص تلك الغربان، وهامت فرساننا المؤيدية إلى منازل الأحباب لتريه من أعدائه مقاتل الفرسان، فإنه المجاهد الذي حظ بني الأصفر في البحر الأزرق من بيض سيوفه أسود، وكم أذاقهم الموت الأحمر، وكمال التدبيج يقول أهلًا بعيش أخضر يتجدد، وتتولد نصرتنا عنده برفع راية الفرح في كل وقت عليه مبارك، ويتأيد بعز نصرنا المؤيدي حتى يقول له لسان الحال: أعز الله أنصارك، فتقديمه العثماني من جهة الاستحقاق قد ثبت عندنا وتقرر، وهو اليوم إمام المجاهدين الذي ما صلت سيوفه في محراب القتال إلا قال مرقي النصر الله أكبر. والله
__________
1 الورود: المجيء.
2 العوارض: جمع عارض وهو صفحة الخد.
3 نوح: 71/ 26.
4 الراتب: الدائم الثابت، وعند المحدثين: ما يأخذه الموظف من أجر شهري لقاء عمله.
5 الظاعن: الراحل.
6 الدارين: الدنيا والآخرة.
تلمظ: السيف: خرج واهتز.
(2/419)

يجريه على أجمل العوائد من هذا النصر، ليصير الكافرون في زلزلة من قارعة سيوفه بهذا العصر.
ومنه ما كتبته جوابًا عن مولانا السلطان الملك المؤيد -سقى الله عهده- عن مثال كريم ورد من قرى يوسف صاحب العراقين، وهو: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الجمالي اليوسفي، لا زالت زوراء العراق في أيامه القويمة مستقيمة الجانبين، وحلتها الفيحاء عالية المنار وشمل الدين بها مجتمعًا في الجامعين، وعراق العرب والعجم بارزين من محاسنه اليوسفية في حلتين، فلامية العرب تقول:
ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لديّ ومأكل
ولامية العجم تقول:
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل
فأكرم بهما لامين دارا على وجنات الطروس لكمال المحاسن اليوسفية، وفتحت لها الميمات أفواه الشكر؛ لأنها من الأحرف المؤيدية، أصدرناها إلى المقر وسواجعها تغرد بالثناء بين أوراقها، وألسن الأقلام قد أودعت صدور طروسها سر أشواقنا عند انطلاقها، فإنها الصدور التي تعرب من نفثاتها عن ضمائر الأشواق، وإذا أطلقت من فض الختم خففت أجنحتها بذلك الثناء على الإطلاق، ونبدي لكريم علمه ورود البشير بالقرب اليوسفي، وقد حل بالأسماع قبل رؤيته تشنف، وهبت نسمات قبوله فأطفأت ما في القلوب من التلهف، وضاع نشرها1 اليوسفي، فقال شوقنا اليعقوبي: إني لأجد ريح يوسف، وتأملنا كريم مثاله فوجدناه قد مد أطناب المحبة وخيم على معاني المودة، وحام عليه صادي الأشواق فوجده منها قد أعذب الله في مناهل الصفاء ورده، وأومض البرق في الظلمات من رقم سطوره فما شككنا أنه نظم برده، فهو مثال يوسفي ولكن ظهر السر الداودي من فصل خطابه، وصدقنا رسوله لما جاءنا بكريم كتابه، والتفتت من كناس سطوره آرام الإيناس فاقتنصنا منها ما هو عن العين شارد، وألفت القلوب على الولاء فضربت الأعداء من جماد الجسد في حديد بارد، وأمست الدجلة والنيل لامتزاجهما بسلاف المحبة كالماء الراكد، وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقر أن يقول: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، وسرتنا الإشارة الكريمة بالتمكين من أرض الأعداء ومطابقة الطول بالعرض، وعلمنا أن هذا الاسم الكريم قد
__________
1 ضاع نشرها: انتشر ريحها الطيب.
(2/420)

شملته العناية قديمًا بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} 1 وأما قرا عثمان فمقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا، ما ذكرت نوبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا ما برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلًا فلا بد لأجل الغرض اليوسفي أن نخيم عليه، وننزل سلطان قهرنا بأرضه، ونغرس فيها عوامل المران2، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لاشتغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخوارج، وإيقاع الضرب الداخل بعد جس العيدان في كل خارج، وقد آن سله لئلا يكون بين المحب والمحبوب رقيبًا، ولا بد أن يجانسه العكس ويرى ذلك قريبًا، ويدهمه من أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدهم، ورد الجموع الصحيحة إلى التكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء غردت بورق الحديد الأخضر مردهم3، وإذا امتدوا إلى أمد تلالهم حصنهم سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن لهم حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لساكنها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت تلك الحصون الواقعة4، وإن كانت المنايا غابت عنه مدة، كلمته ألسنة سيوفهم وقالت حصرت، وإذا طرق بروجه منهم طارق رأى سماء تلك البروج قد انفطرت، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي مزقها الله أيدى سبأ، وكم سائل سأل وقد رآهم في النازعات عن ذلك النبأ.
وقد أشار بعض شعراء دولتنا الشريفة إلى ذلك بقصيدة كامل بحرها مديد، ولكن القصد هنا من أبيات تلك القصيدة:
يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامر
والله إن الله نحوك ناظر ... هذا وما في العالمين مناظر
فرج على اللجون نظم عسكرا ... وأطاعه في النظم بحر وافر5
فانبت منه زحافه في وقعة ... يا من بأحوال الوقائع شاعر6
وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر
وعى ظهور الخيل ماتوا خيفة ... فكأن هاتيك السروج مقابر
__________
1 يوسف: 12/ 21.
2 المران: جمع مرانة وهي الرمح اللدن في صلابة.
3 المرد: جمع أمرد وهو الشاب لم تنبت لحيته بعد.
4 الواقعة: القتال، المجادلة، الحديد، الطارق، النازعات، النبأ: أسماء لسور من القرآن الكريم.
5 اللجون: البطيء الثقيل المشي، أو الورق اللزج: الملجون. وقد وردت في ما سبق "الملجون".
6 انبت: انقطع. الزحاف: من علل الشعر، وهو تغيير يلحق ثاني السبب من التفعيلة.
(2/421)

وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا بعد الناصر فاشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق1 بهم المكر السيئ فأجابهم الصدا، ولم يكن لحرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة2، حتى أظهرنا تلون الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان النصرة، وأخذوا سريعًا شبان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المقامع3، وقد أسبع الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهرلمحراب بهجة إلا بهاتين القبيلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل4 للإعراب عن سواهما ما عملت، وقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كئوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة. وهذه الأحكام عندنا عمدة، وتالله لقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب لي عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطور الأخوة في رقاعها محققة، وتصديق ما يقصه في الجواب فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة، والله تعالى يمتع الأسماع والأبصار بمشاهدة مثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهي ثماره.
ومما أنشأته بالديار المصرية، وحصل إجماع الأمة على أنه من الأفراد، تقليد مولانا قاضي القضاة جلال الدين شيخ الإسلام البلقيني -نور الله ضريحه- بعد عزل الهروي، ويوم قراءته بالجامع المؤيدي أرخه المؤرخون، وذكروا أنه لم يتفق بملك مصر يوم نظيره، وهو: الحمد لله الذي أبان فضل العرب على العجم في الكتاب والسنة، وأظهر جلال سراجهم المنير فأوضح بحسن تدريبه طريق الجنة، وأزال ظلم الجهل بنور هذا الجلال فله الحمد على هذه المنة، ونكرر حمده على نصرة أصحاب الشافعي وعود جيرته إلى منازلها العالية، ونشكره على نيل الغرض بسهام ابن إدريس فمن جهل أحكام القضاء أمست عليه قاضية، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نستعين بحسن أدائها على القضاء والقدر، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي من قابل شريعته المطهرة بدنس الجهل فقد كفر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أزالوا بفصاحتهم
__________
1 حاق: أحاط وطوّق.
2 فترة: وهن وضعف.
3 المقامع: جمع مِقمعة وهي خشبة أو حديدة في طرفها سلك معدني أو خيط يضرب بها الحيوان والإنسان ليُقْمَع ويذل.
4 العوامل: مصطلح نحوي يعني الكلام الذي يسبب رفعًا أو نصبًا أو جرًّا في غيره من الكلام، كالفعل مثلًا يعمل الرفع في الفاعل والنصب في المفعول به، والمبتدأ يعمل الرفع في الخبر، بينما الإبتداء يعمل الرفع في المبتدأ ... إلخ.
(2/422)

العربية كل عجمة، وتميزوا على العجم بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} وهذا التمييز نصبه مرفوع على كل أمة، صلاة نسن بها سيوف السنة على من تسربل بدروع ضلاله، ونقيم حدودها على من بدل حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وجهل أسماء رجاله، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فالهناء بنصرة هذا الدين القيم بين هذه الأمة مشترك، وكيف لا وقد ظهر جلاله مقمرًا وأنشدوا:
يا ليل طل أو لا تطل ... فليس نرعى قمرك
وقد حلا مكرر الحمد بنشر الأعلام المؤيدية على أئمتنا الأعلام2، وحلت أيضًا مواقع التورية بنصرة شيخ الإسلام، فهو الليث الذي كان لظما العلماء إلى إمامهم نعم الغوث والغيث، حتى تأيدوا بمؤيدهم وأعز الله أنصارهم بالشافعي والليث، حجبناه عن غيوم العزل، وقلنا وقد ساعدنا رأينا الشريف في إظهاره:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل3
وولى غيره فأنشد كل عالم أظلم ضوء نهاره:
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأنذال والسفل
واعتلت كتب العلم فقالت وعيون سطورها باكية:
لعل إلمامة بالجذع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي
وأنشد لسان حال شيخ الإسلام وقطوف قربه دانية:
تقدمتني رجال كان شوطهم ... وراء خطوي لو أمشي على مهل
وأشار إلينا وقال وخواطرنا الشريفة بإشارته راضية:
لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبّه لي
فتنبهنا له وقلنا لضده وقد أهبطناه من تلك الرتبة العالية:
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا ... في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزل
وكيف يطلب من نار خامدة هدى، أو يجعل السراب ماء، وإذا دعونا الري جاوبنا الصدى، ويأبى الله أن يطابق سحبان بباقل، أو يجاري فارس العلم براجل:
ومن يقل للمسك أين الشذى ... كذبه في الحال من شما
__________
1 الزخرف: 43/ 3.
2 الأعلام: الفطاحل الهداة.
3 العطل: عدم التزين. والخطل: خطأ الرأي.
(2/423)

وتالله لقد زادنا بحجبه في غيوم العزل علمًا بعلو مقداره، وكان عزلًا أظلمت بسببه الدنيا إلى أن من الله على المسلمين بإبداره، وقالت الأمة ذلك ما كنا نبغي، واستوفى كل عالم شروط المحبة واستوعب، وعلمنا أن الحكم العدل حكم بتقديم هذا الإمام بالموجب، أنلنا وظيفته غيره فزلزلت الأرض زلزالها، وقلنا يخف على قلبنا فأخرجت الأرض أثقالها، وأظهرنا جلال العرب فأطلقوا أعنة بلاغتهم في ميادين الفصاحة، وما أحقهم هنا بقول الفاضل: وتناجدت أهل نجد فكل صاح يا صباحه، وعلمنا أن هذا فضل رفل به أبناء العرب في حلل التقديم، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وامتلأ صحن جامع القلعة بحلاوة هذه البشرى، وهلل مؤذنوه وذكروا طلعته الجلالية فكبروا وأنشدوا:
لو أن مشتاقًا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
وأزهرت هذه البشرى في ربيع ولكنه ربيع الأبرار الذي نزه الله روحه وريحانه عن كل نمام، وصان فيه المسلمين ممن يأكل أموال الناس بالباطل ويدلي بها إلى الحكام. ونشر الله أعلام كتب العلم وزاد الله بالسيف المؤيدي إسعافها. وكانت ستور الجهل قد أسبلت على التفاسير فأظهر السر للآي كشافها، أما القراءات فهي في قرى1 شيخ الإسلام وفضله فيها عاصم من الجهل ونافع2 وأما الحديث فهو مجلي مبهماته بنور جلاله الساطع. وأما العربية فقد ظهر بعد وعر العجم تسهيلها، وشرعت بيوت العرب لشواهدها وأكرم نزيلها. وأما المعاني فقد أظهر الله بيانها وجليت بها عروس الأفراح واهتدينا بنور جلالها ففتحت لنا أبوابها بغير مفتاح. وأما المنطق فمقدمات منطقه العذب أرتنا نتائجه يقينًا، وأما العقليات فما رأينا لمن ناظره فيها في هذه المدة عقلًا ولولا الحياء لقلنا ولا دينا، وها هو قد نبه الفقه من سنة الغفلة بعدما أمرض الجهل عيونه وأرمد، والحاوي أظهر ما حواه من العلم بعدما كان هلك أسى وتجلد، والروضة أزهرت في حدائق هذه المسرة بين أوراقها فأينعت، ومدة الشافعية أصول دوحتها فتفرعت، وظهرت رفعة الرافعي في أفق كماله، ونور الله ضريح الشافعي بنور سراجه وبهجة جلاله.
"ولما كان" الجناب الكريم الجلالي هو الذي ناظرناه بغيره فقال نور الشريعة وهو أشهر من نار على علم:
__________
1 قِرى: طعام الضيف أو قراءة.
2 عاصم ونافع: من المقرئين الأفذاذ.
(2/424)

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
فعلمنا أنه حجة للشافعي الذي منه الاستقاء وإليه منتهى السؤال، وما أبدر في أفق درس لا أزال ظلم الشك بأنواره وأسفر أبداره عن التتمة والإكمال، وهو أبو العلماء الذي ولد من الأم أفراحهم، وأبو المهمات الذي شهر من العدة الكاملة في ميدان الفرسان سلاحهم، وإليه انتهت الغاية فإنه ما برح يأتينا في وجيز تقريبه بالعجاب، ويغنينا عن موضح القشيري فإنه يغذينا في إبانته باللباب.
اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعيده إلى منال شرفه بعد التحجب وها هو قد ظهر، ويتسلسل في أيامنا الشريفة عند الرواة حديث ابن عمر، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي السيفي، لا زالت الشافعية في أيامه الشريفة بجلالهم في ترشيح بهجة وابتهاج، وثبت الله القواعد وأقامها في ملكه عي التحرير ومشى الرعية فيها على أوضح منهاج، أن تفوض إلى الجناب المشار إليه وظيفة كذا وكذا. وقد وقع التمويه في الفروق بينه وبين غيره عند أهل التبصرة والهداية وهو نهاية المطلب، وعيون المسائل وتاج رءوسها والمذهب الذي تهذيبه في أدب القاضي كفاية، وهو البحر الذي ما دخلنا بسيطه المبسوط، إلا قالت التورية إنه في البسيط كامل، ولا نظرنا إلى حليته الجلالية إلا غنينا عن المصباح بنوره الشامل، وقد ميزناه على مناظريه لما أقروا له بالتعجيز، وقرت عيون ابن البارزي -نور الله ضريحه- بهذا التمييز، وألغينا ذكر علوم يجل قدره عن نسبتها إليه، ولكن ثغور سيناتها تبسم عند ذكره وأفواه ميماتها تكثر الثناء عليه، فليتلق ذلك فإنه العزيز عندنا والمنتقى لهذا التشريف الذي هو ديباجة رقمه، وإذا ذكرنا الأصول فأصوله محفوظة، وهو المعتمد عليه في التمهيد والمستصفى ببديع عمله، ولو عاشن ابن الحاجب ما تغزل في رفع حاجبه وخفض له جانبه، وعلم أن جلالنا عين الإسلام فلم نرفع على العين حاجبه، والوصايا كثيرة ولكن جواهر ذخائرنا تلتقط من إملائه وأماليه، وهو جامع مختصراتها ومظهر زوائدها ببيانه ومعانيه، لا زال حديث فضله يتسلسل مع الرواة ويسند، ولا برح أجل من أوضح الرسالة في مسند محمد وأحمد.
"ورسم" لي في الأيام الشريفة المؤيدية، سنة تسع عشرة وثمانمائة، أن أنشئ رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها، ولا حام طائر فكر عليها، وأحضر مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصر محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية -تغمده الله بالرحمة والرضوان- قطعة من إنشاء القاضي الفاضل بوفاء النيل وقرئت على المسامع الشريفة المؤيدية، وحذرت من التعرض إلى شيء من ألفاظها ومعانيها فأنشأت رسالة حكم لأبي بكر بها على كل فاضل بالتقديم، وإن
(2/425)

كان لسان القلم قد طال فأنا أقطه1 ههنا تأدبًا مع عبد الرحيم، وقد وصلنا ههنا شمل القطعتين، ليتفكه المتأمل في جنى الجنتين، ويتنزه نظره في حدائق الروضتين، ويطرب لسجع حمام الدوحتين.
"قال القاضي الفاضل": نعم الله سبحانه وتعالى من أصوبها بزوغًا، وأضفاها سبوغًا، وأصفاها ينبوعًا، وأسناها منفوعًا، وأمدها بحر مواهب، وأضمنها حسن عواقب، النعمة بالنيل المصري الذي يبسط الآمال ويقبضها مده وجزره، ويربي النبات حجره، ويجري على سواد الأرض بفضته البيضا، ويهنأ بيده الخصيبة نقب الجرب من الحربي، ويحيي مطلعه أنواع الحيوان، ويجني ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان، وينشر مطوي حريرها وينشر مواتها، ويوضح معنى قوله تعالى: {وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} ، وكان وفاء النيل المبارك في تاريخ كذا وكذا، فأسفر وجه الأرض وإن كان قد تنقب، وأمن يوم بشراه من كان خائفًا يترقب فرأينا الإبانة عن لطائف الله سبحانه وتعالى وقد حققت الظنون، ووفت بالرزق المضمون، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وقد أعلمناك لتوفي حقه من الإذاعة، وتبعده من الإضاعة، وتتصرف فيه على ما يصرفك من الطاعة، وتشهر ما أورده البشير من البشرى بإبانته، وتمده بإيصال رسمه إليه على عادته.
"فقلت بعد الفاضل": ونبدي لعلمه ظهور آية النيل المبارك الذي عاملنا الله فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وحلق أصابعه ليزيل الإبهام فأعلن المسلمون بالشهادة، كسر بمسرى فأصبح كل قلب بهذا الكسر مجبورًا، وأتبعناه بنوروز2 ما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مسكوًّا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع3 عليه، وقبل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت بأعطاف غصونها إليه وشبب خريره في الصعيد بالقصب، ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا إنه صبغ بقوة لما جاء وعليه الاحمرار، وأطال الله عمر زيادته فتردد الناس على الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي مكة إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحصن مشتهى الروضة في صدره وحنى عليه حنوّ المرضعات على الفطيم.
وأرشفه على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم4
__________
1 قطّ: قصّ وقصّرَ.
2 النوروز: والنيروز: عيد الربيع عند الفرس وهو رأس السنة الفارسية.
3 القِلْع: الصدرية والرجل الذي لا يثبت على ظهر الخيل. وبفتح القاف وكسر العين: الذي لا يثبت في البطش ولا على السرج، والرجل البليد.
4 الزلال: الماء الصافي. وأرشف: سقى.
(2/426)

وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات وأدخله إلى جنات النخيل والأعناب فالق النوى والحب، فأرضع جنين النبت وأحيا لها أمهات العصف والأب1، وصافحته كفوف الموز فختمها بخواتيمه العقيقية، ولبس الورد تشريفه وقال أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهري بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به الشقراء فأرخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوا، واستوفت الأشجار ما كان لها في ذمة الري من الديون، ومازج الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكّر والليمون، وانجذب إليه الكباد2 وامتد ولكن قوي قوسه لما حظي منه بنصيب سهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج3 وترفع إلى أن لبس بعده التاج، وفتح منشور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراج. فتناول معالم الشنبر4 وعلم بأقلامها ورسم لمحبوس كل سد بالإفراج، وسرح بطائق السفن فخفقت بمخلق بشائره، وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره، وحظي بالمعشوق وبلغ من كل أمنية مناه، فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه للمطالعة بعدما تفقه وأتقن باب المياه، ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الحور، وزاد بسرعته فاستحلى المصريون زائده على الفور. ونزل بركة الحبش فدخل التكرور5 تحت طاعته، وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته، وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فأقر الله عينه، وصار أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله، فما شعر إلا وقد ركب عليه ونزل في ساحله، وأمست واوات دوائره على وجنات الأرض عاطفة، وثقلت أردافه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة، ومال إليه باسق النخل فلثم طلعه وقبل سوالفه، وأمست سود السفن كالحسنات في حمرة وجناته، وكلما زاد زاد الله في حسناته، فلا فقير سد إلا وحصل له من فيض نعمائه الفتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به ودبت فيه الروح.
ولكنه احمرت عيونه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس عندي قبالة كل عين أصبع، فنشر النيل أعلام قلوعه وحمل وله من ذلك الخرير زمجره، ورام أن يهجم
__________
1 الأب: ورد ذكره في قوله تعالى، في سورة عبس: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا،.... وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} 80/ 27-30. وهو "المرعى لأنه يؤب أي يؤم أو الفاكهة اليابسة تؤب أي تعد للشتاء" "تفسير الزمخشري، ص549".
2 الكبّاد: عامية معناها الأترج ويقال له أيضًا الترنج وهو ثمر شبيه بالليمون.
3 الشربوش: لغة في الطربوش، والأترج: الكبّاد.
4 الشنبر: لم نعثر على هذه اللفظة في ما بين أيدينا وربما كانت بمعنى "القصب"
5 التكرور: لقب حاكم الحبشة في ذلك الوقت.
(2/427)

على عير بلاده فبادر إليه عزمنا المؤيدي وكسره، وقد أثرنا المقر بهذه البشرى التي عم فضلها برًّا وبحرًا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالًا وصدرًا، ليأخذ حظه من هذه البشرى البحرية بالزيادة الوافرة وينشق من طيها نشرًا، فقد حملت له من طيبات ذلك النسيم أنفاسًا عاطره، والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة لسمعه الكريم ليصير بها في كل وقت مشنفًا، ولا برح من نيلنا المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا.
ومما انفردت بإنشائه: رسالة السكين، فإن الشيخ جمال الدين بن نباته سبق إلى رسالة السيف والقلم، وتقدمه أبو طاهر إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني إلى رسالة القوس. وكتاب الإنشاء لا بد لهم من سكين فقلت: وينهى وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفاء، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء، وتالله ما غابت إلا وصلت الآلام من تعثرها إلى الجفاء زرقاء1، كم ظهر للبيض منها ألوان، خرساء ومن العجائب أنها لسان كل عنوان، ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد أن خضعت له الرءوس والرقاب. كم أيقظت طرف القلم بعدما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضائق نفعًا، وحكم بحسن صحبتها قطعًا، ماضية العزم قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين؛ لأنها بالناب والنصاب معلمة الطرفين، وأنملة صبح تقمعت بسواد الدجى، فعوذتها بالضحى والليل إذا سجى، ولسان برق امتد في ظلمات الليل، فتنكرت الأشعة الأنجم وما عرف منها سهيل2، هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الحد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد.
من أجل ذا تدخل في مضائق ليس فيها قط مدخل، وكلما تفعله ترجزه والرمح في تعقيده مطول. إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف. تنسى حلاوة العسال3 فلا يظهر لطوله طائل، ويغني عن آله الحرب بإيقاع ضربها الداخل. إن مرت بكلها المحلى تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادلة. شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب، وحكم لها بصحة ذلك قبل أن يستكمل النصاب. ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرحتها بإحسان، ولا طالعت كتابًا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان.
__________
1 رزقاء: نافعة.
2 سهيل: نجم يظهر في أواخر شهر تموز يقولون إن خروجه دليل على نضوج الفواكه وانقضاء القيظ، وفي المثل: إذا طلع سهيل رفع كيل، ووضع كيل يضرب في تبدل الأحكام.
3 العسّال: الرمح. وهو في الأصل الذي يستخرج العسل.
(2/428)

تعقد عليها الخناصر لأنها عِدَة، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وتكلمت بحدّة. إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبكت1 على الدخول، أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها قبول. تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس2. وكم لها من عجائب صار بها جدول السيف في بحر غمده كالغريق، ولو سمع بها قبل ضربه ما حمل التطريق, فلو عارضها أبو طاهر لعراك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين. فإن جذبت إلى مقاومتها وكان لك يد تمتد، وصلت السكين إلى العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى هذا الحد. وهل تعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. ولو لمحها الفاضل لحقق قوله إن خاطر سكينه كل، أو أدركها ابن نباتة ما أقر برسالة السيف وفل، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، وما قصد المملوك الإيجاز في رسالة السكين ونظمها، إلا لتكون مختصرة كحجمها، لا زالت صدقات مهديها تنحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي بما يشفي وإيهام التورية يقول ويبري.
قلت: الذي أوردته ههنا من إنشائي وإنشاء غيري، كان من الواجب؛ لأن الباب الذي تحتم عليّ شرحه وبيانه وإيضاحه، باب التسجيع، وهو عبارة عن علم الإنشاء، وقد تقدم تقرير السجع وأقسامه، وعلم أنها أربعة أقسام، وهي المطرّف والموازي والمشطر والمرصع، وذكرت فيه الفوائد التي منها أحكام الفواصل، وأوردت المباحث في الإنشاء الذي فيه نظر بالنسبة إلى الحالة التي هي المطلوب، وأوردت من بديع الإنشاء وغريبه، هذه النبذة التي هي من إنشائي وإنشاء غيري، ولولا خشية الإطالة لأوردت من ذلك ما يذبل عنده زهر المنثور، ويقرط3 في قلائد النحور، ومن أراد البحث عن صحة ذلك فعليه بمصنفي المسمى: "بقهوة الإنشاء"، فإنه خمسة مجلدات، منها مجلد أنشأته بالبلاد الشامية، قبل أن أستقر منشئ دواوين الإنشاء الشريف بالديار المصرية والممالك الإسلامية، وثلاثة مجلدات أنشأتها عن مولانا السطان الملك المؤيد -سقى الله ثراه- ومجلد أنشأته عن الملك المظفر والملك الظاهر والملك الصالح، وعن مولانا السلطان الملك الأشرف، وعن مولانا أمير المؤمنين المعتضد بالله -زاده الله شرفًا وتعظيمًا. انتهى.
__________
1 سبكت: جبلت عليه وفُطِرت فهو خُلق منها.
2 الخمس: يعني الصلوات اليومية، والمواظبة عليها: المداومة.
3 يُقرَّط: يجعل أقراطًا. القلائد: جمع قلادة وهي الحلية تلبسها المرأة في عنقها. والنحر: موضع القلادة "العنق وما يليه من الصدر".
(2/429)

والفرق بين التسجيع والتجزئة، اختلاف زنة أجزائه ومجيئه على قافية واحدة، من غير عدد معين محصور. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التسجيع قوله:
فعال منتظم الأحوال مقتحم ... الأهوال ملتزم بالله معتصم
وبيت العميان:
من لي بمستلم لليد معتصم ... بالعيش لا مسئم يومًا ولا سئم1
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
كم قاتل بصحيح الجمع مقتحم ... وقائل لنظيم السجع ملتزم
قلت: الذي يظهر لي أن الشيخ عز الدين لم يمش في نظم بديعيته مشي محقق، لأنه تقرر عنده وعند الجماعة في شروحهم: أن التسجيع هو أن يأتي المتكلم في أجزاء بيته أو كلامه أو في بعضها، بأسجاع غير متزنه، والشيخ أتى في شطر بيته الأول بأسجاع قابل كلًّا منها في الشطر الثاني بوزنه، مثل: قاتل وقائل، وصميم ونظيم، وجمع وسجع، ومقتحم وملتزم، وهذا هو الترصيع بعينه. فإن الترصيع من شرطه أن تقابل كل لفظة من البيت بوزنها ورويها وليته نقل هذا البيت إلى الترصيع فإن بيته في الترصيع ناقص بالذي أظهره، مع قصر باعه فيه من الحشو، وهو:
كم رصعوا كلِمًا من درّ لفظهم ... كم أبدعوا حِكمًا في سر علمهم
مع أنه نظر في بيت الشيخ صفي الدين الحلي، وهو:
فعال منتظم الأحوال مقتحم ... الأهوال ملتزم بالله معتصم
ورأى اختلاف الوزن بين ملتزم ومعتصم.
وبيت بديعيتي أقول فيه:
سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم
__________
1 المسئم: العمل المتعب. والسئم: الملول التعِب.
(2/430)

ذكر التسميط:

تسميط جوهره يلقى بأبحره ... ورشف كوثره يروي لكل ظمي1
هذا النوع -أعني التسميط- هو أن يجعل الشاعر كل بيت، بسمطه، أربعة أقسام ثلاثة منها على سجع واحد، بخلاف قافية البيت، كقول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
والفرق بين التسميط والتسجيع، كون أجزاء التسميط غير ملتزم أن تكون على روي البيت، وكون أجزائه متزنة فيكون عددها محصورًا، والفرق بين التفويف وبينه تسجيع بيت التسميط. قال ابن أبي الأصبع: ما خالفوا بين قافية البيت وأسجاع التسميط إلا لتكون القافية كالسمط، والأجزاء المسجعة بمنزلة حب العقد؛ لأن السمط يجمع حب العقد، والمراد بأجزاء التسميط بعض أجزاء التقطيع ويسمى تسميط التبعيض، ومن التسميط نوع آخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن تسجع جميع أجزاء التفعيل على روي يخالف القافية، كقول ابن أبي الأصبع:
وأسمر مثمر من مزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن
فجاءت جميع أجزاء التفعيل من هذا البيت، من سباعيها وخماسيها، مسجعة على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت.
__________
1 التسميط: في اللغة أن تجعل الجواهر سماطًا أو عقدًا. والرشف: الشرب على مهل. والكوثر: النهر العذب الماء الصافي. والظمي: الظامئ: العطشان.
(2/431)

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التسميط:
فالحق في أفق والشرك في نفق ... والكفر في فرق والدين في حرم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
تسميط ذي أدب تنظيم ذي أرب ... تحقيق ذي غلب بالنصر ملتزم1
وبيت بديعيتي أشرت فيه إلى نظمي ونثري، ترفعًا بمدح النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم- بقولي:
سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمتي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم
وقلت بعده مشيرًا إلى النظم:
تسميط جوهره يلفى بأبحره ... ورشف كوثره يروي لكل ظمي
التورية في التسميط هنا منتظمة في سلك الجواهر، وقد تقرر أن السمط هو الذي يجمع حب العقد، ولهذا قلت: تسميط جوهره، والمناسبة البديعية حاصلة بقولي: يلفى بأبحره، فمحاسنه غير خافية بعد ذكر الجوهر، مثل ذلك الرشف للكوثر والري للظامئ، وتمكين القافية ظاهر. والله أعلم.
__________
1 الأرب: الحاجة، والبغية والأمنية، والمهارة.
(2/432)

ذكر الالتزام:
لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه مدح سواه ليس من لزمي1
هذا النوع الذي سماه قوم: الالتزام، ولزوم ما لا يلزم، ومنهم من سماه: الإعنات، والتضييق، وهو في الاصطلاح أن يلتزم الناثر في نثره، أو الناظم في نظمه، بحرف قبل حرف الروي أو بأكثرمن حرف، بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف، وقد جاء في الكتاب العزيز في مواضع تجل عن الوصف، كقوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} 2 وكقوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} 3 ومثله قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} 4، وأما الشعراء فأبو العلاء كان أكثرهم في هذا النوع التزامًا، حتى إنه صنع كتابًا وسماه: "اللزوميات" جاء فيه بأشياء بديعة، إلا أن فيه من عثرات لسانه كثيرًا، كقوله:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يُعادُ لنا سبك
ومنه قوله:
لا تطلبن بآلة لك رفعة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
__________
1 ملتزمي: التزم به، واجبي. واللزم: الواجب.
2 التكوير: 81/ 16.
3 القلم: 68/ 2، 3.
4 الانشقاق: 48/ 17، 18.
(2/433)

ومنه قوله:
يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الراح والماء الذي غير آسن1
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على لزوم ما لا يلزم قوله:
من كل مبتدر للموت مقتحم ... في مارق بغبار الحرب ملتجم2
وبيت العميان:
وميل سمعي لنيل القرب من شيمي ... وسيل دمعي بذبل الترب كالديم3
وبيت الشيخ عز الدين قوله:
لي التزام بمدحي خير معتصم ... بربه وارتباط غير منفصم
وبيت بديعيتي أقول فيه:
لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه ومدح سواه ليس من لزمي
__________
1 آسن: الماء: فسد وتغير لونه وطعمه وريحه. أو ركد.
2 المبتدر: الذي يبادر إلى الأمر ويندفع إليه. المارق: من الدين الخارج عنه، ومن الغبار الخارج منه.
3 الشيم: جمع شيمة: وهي الخلق الحسن، والخصلة النبيلة.
(2/434)

ذكر المزاوجة:
إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النقم
هذا النوع، سمّوه المزاوجة والازدواج، وهو في اللغة مصدر زاوج بين الشيئين، إذا قارب بينهما، وفي الاصطلاح قال السكاكي ومن تبعه: هو أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج لي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر1
ومنه قوله:
إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها2
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
ومن إذا خفت في حشري فكان له ... مدحي نجوت وكان المدح معتصمي
وبيت العميان:
إذا تبسم في حرب وصاح بهم ... يبكي الأسود ويرمي اللسن بالبكم3
__________
1 لجّ: ألح. وأصاخ: أنصت وسمع كلامه وأطاعه. والواشي: النمّام الذي ينقل الكلام بين اثنين وأكثر بهدف إفساد ذات البين.
2 احتربت: تحاربت. والقربى: الأقرباء.
3 اللُسن: الفصحاء. البَكَم: العي والخرس.
(2/435)

وبيت الشيخ عز الدين:
إذا تزاوج خوف الذنب في خلدي ... ذكرت أن نجاتي في مديحهم
وبيت بديعيتي أقول فيه:
إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النّقم1
__________
1 منَّ: تفضَّل. النقم: الانتقام.
(2/436)

ذكر التجزئة:
ورّيت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي
التجزئة: هي أن يأتي المتكلم ببيت ويجزئه جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على وزنين مختلفين جزءًا بجزء، أحدهما على روي يخالف روي البيت، والثاني على روي البيت، كقول الشاعر:
هندية لحظاتها خطية ... خطراتها دارية نفحاتها1
وبيت الشيخ صفي الدين:
ببارق خذم في مارق أمم ... أو سابق عرم في شاهق علم2
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله:
ذي فضل أندية عدل تجزئة ... فالذئب في ظلم يمشي مع الغنم
الشيخ عز الدين سها في هذا البيت عن رتبة التجزئة في الشطر الثاني، بالنسبة إلى التقرير، في شرط الرتبة.
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى ما أبديته من المحاسن في المديح النبوي، بقولي:
وريت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي
__________
1 هندية: نسبة إلى الهند. خطية: نسبة إلى الرماح الخطية أي تفعل فعلها. ودارية: نسبة إلى داريا.
2 البارق: السيف. الخذم: القاطع. المارق: الخارج من الشيء. الأمم: المأموم وهو المضروب على أم رأسه. السابق: الفارس. العرم: السّريع الطعن الشرس.
الشاهق: الشديد الارتفاع. والعلم: الجبل.
(2/437)

ذكر التجريد:
لي المعاني جنود في البديع وقد ... جردت منها لمدحي فيه كل كمي1
التجريد، عرفه صاحب التلخيص بأن قال: هو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله، وفائدته المبالغة في تلك الصفة، كقولك: مررت بالرجل الكريم، والنسمة المباركة. فجردت من الرجل نسمة متصفة بالبركة، وعطفتها عليه كأنها غيره، وهي هو.
ومن أمثلته الشعرية قول الشاعر:
أعانق غصن البان من لين قدّها ... وأجني جنيَّ الورد من وجناتها
فإنه جرد من قدها غصنًا ومن وجنتيها وردًا.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
شوس ترى منهم في كل معترك ... أسد العرين إذا حر الوطيس حمي2
والشيخ صفي الدين جرد في بيته أسد العرين من الشوس.
وبيت العميان في بديعيتهم:
من وجه أحمد لي بدر ومن يده ... بحر ومن لفظه در لمنتظم
__________
1 الكمي: الفارس المغوار.
2 الشوس: والأشاوس: الشجعان. العرين: بيت الأسد. الوطيس: المعركة.
(2/438)

وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
من لفظه واعظ بالنصح جرد لي ... يا نفس توبي وللتجريد فالتزمي
وبيت بديعيتي في المديح النبوي قولي:
لي في المعاني جنود في البديع وقد ... جردت منها لمدحي فيه كل كمي
(2/439)

ذكر المجاز:
وهو المجاز إلى الجنات إن عمرت ... أبياته بقبول سابغ النعم
المجاز: هو عبارة عن تجوز الحقيقة، فإن المراد منه أن يأتي المتكلم بكلمة يستعملها في غير ما وضعت له في الحقيقة في أصل اللغة، هذا رأي السكاكي وأصحاب المعاني والبيان، وقال البديعيون: المجاز عبارة عن تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم إلى اسم موضوع لمعنى فيخصه، إما أن يجعله مفردًا بعد أن كان مركبًا، أو غير ذلك من وجوه الاختصاص.
والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة، كالاستعارة والمبالغة والإرداف والتمثيل والتشبيه، وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد. وهذه الأنواع وإن كانت من المجاز، فكونها متعددة لخلوها عن معنى زائد عن تجوز الحقيقة، كالاستعارة والتشبيه وبقية ما ذكره من الأنواع، فلما لم يكن له غير تجوز الحقيقة اختصارًا، أفرد باسم المجاز إذ لا يليق به غيره.
وعمل الشريف الرضي كتابًا سماه: "مجاز القرآن" ومات قبل استيفائه، ومن أمثلته الشعرية قول العتابي:
يا ليلة لي بحوّارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير
قوله: ساهرة، مجاز.
وبيت الشيخ صفي الدين قوله:
صالوا فنالوا الأماني من مرادهم ... ببارق في سوى الهيجاء لم يشم
(2/440)

المجاز في بيت الشيخ صفي الدين في لفظة بارق.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله:
أحيا فؤادي مجازي نحو حجرته ... وقد دهشت لجمع فيه مزدحم
وبيت بديعيتي تقدمه قولي: إني تجردت لمدح النبي -صلى الله عليه وسلم- وقلت بعده في المجاز:
وهو المجاز إلى الجنات إن عمرت ... أبياته بقبول سابغ النعم
(2/441)

ذكر الائتلاف:
وهو أربعة أنواع هي:
1- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
تألف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
هذا النوع ذكره قدامة -أعني ائتلاف اللفظ مع المعنى- وترجمه منفردًا ولم يبين معناه وشرحه الآمدي وأطال، ولم توف عبارته بإيضاحه. وأوضحه ابن أبي الأصبع وقال: مختصر عبارة هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعاني المطلوبة ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى، إن كان اللفظ جزلًا كان المعنى فخمًا، أو رشيقًا رقيقًا كان المعنى غريبًا، كقول زهير بن أبي سلمى:
أثافيّ سفعًا في معرس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم1
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحًا أيها الربع واسلم
فإن زهيرًا قصد تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى غريب، لكن المعنى غير غريب، فركبه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما جنح في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأوّل وأغرب، ركبه من ألفاظ مستعملة معروفة.
وبيت الحلي في بديعيته قوله:
كأنما حلق السعدي منثرًا ... على الثرى بين منقض ومنقصم
__________
1 الإثافيّ: حجارة الموقد. السفع: تغير اللون. المعرّس: المنزل، أو مكان التعريس وهو التجمع، والمعرس: هو الدار أو مكان الخيمة، وهنا مكان القدر أو الموقد. والمرجل: القدر يطبخ به. النؤي: نهير صغير يحفر حول الخيمة ليمنع دخول ماء المطر إليها. الجذم: البقية والأثر. تثلم: تشقق وتكسّر وخرب.
(2/442)

والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
تؤلف اللفظ والمعنى فصاحته ... تبارك الله منشي الدرّ في الكلم
بيت الشيخ عز الدين في هذا النوع عامر، وبيت الشيخ صفي الدين خراب؛ لأنه غير صالح للتجريد، ولم يظهر له معنى حتى يأتي بالمشبه به في البيت، وعلى هذا التقرير لم يحصل في بيته ائتلاف بين اللفظ والمعنى.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
تآلف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
2- ائتلاف اللفظ مع الوزن:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
هذا النوع، أعني ائتلاف اللفظ مع الوزن، قال قدامة: هو أن تكون الأسماء والأفعال تامة لم يضطر الشاعر في الوزن إلى نقصها في البنية، ولا إلى الزيادة، ولا إلى التقديم والتأخير. ومنهم من قال: هذا النوع لا مثال له بصورة معينة؛ لأنه عبارة عن أنه لا يضطر إلى ما لا يلزمه منه فساد صورة المعنى وذهاب رونق اللفظ، كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا ملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وفي رواية: أخو أمه: فإن اضطرار الوزن حمله على رداءة السبك، فحصل في الكلام تعقيد يمنع من فهم معناه بسرعة، ولو قال: ما مثله إلا مملك أبوه يقارب خاله، لسهل مأخذه وقرب تناوله.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
في ظل أبلج منصور اللواء له ... عدل يؤلف بين الذئب والغنم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
أؤلف اللفظ مع وزن بمدحة مو ... لانا وذم عدوّ بين الثلم
قلت: ثقل الهمزة في اللفظة أؤلف، والوقوف لتحرير الوزن عند قوله: بمدحة مولانا، كان سببًا في عدم ائتلاف اللفظ مع الوزن في بيت الشيخ عز الدين
(2/443)

وبيت بديعيتي قلت فيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد قولي فيه في ائتلاف اللفظ مع المعنى:
تألف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
وقلت بعده:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
3- ائتلاف المعنى مع الوزن:
والوزن صح مع المعنى تألّفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
هذا النوع -أعني ائتلاف المعنى مع الوزن- هو أن تأتي المعاني في الشعر صحيحة، لا يضطر الشاعر في الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا إلى خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد:
فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق1
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما يطيق2
فإنه أراد أن يقول: فديت نفسي بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب المعنى. ومهما كان الشعر سليمًا من مثل هذا، كان الشعر الذي ائتلف معناه مع وزنه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
من مثله وذراع الشاة حذره ... عن سمه بلسان صادق الرتم3
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
تؤلف اللفظ والمعنى مدائحه ... فللمعاني ترى الألفاظ كالخدم
قلت: بيت الشيخ صفي الدين، في هذا النوع، قاصر عن بيت الشيخ عز الدين فإن الشيخ عز الدين أتى أولًا بالانسجام والسهولة مع التورية بتسمية النوع وتمكين القافية، فإن لفظة رتم، في بيت الشيخ صفي الدين غير ممكنة، وأيضًا فإن الوزن والمعنى في بيت الموصلي في غاية الائتلاف.
وبيت بديعيتي قلت فيه:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
__________
1 يفوق: يجود.
2 آلى: أقسم وحلف اليمين.
3 الرتم: الكلام الخفي.
(2/444)

وقلت بعده في ائتلاف المعنى مع الوزن:
والوزن صح مع المعنى تألفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
4- ائتلاف اللفظ مع اللفظ:
هذا النوع، أعني ائتلاف اللفظ مع اللفظ: هو أن يكون في الكلام معنى يصح معه هذا النوع، ويأخذ عدة معانٍ فيختار منها لفظة بينها وبين الكلام ائتلاف، كقول البحتري في الإبل النحيلة:
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار1
فإن تشبيه الإبل بالقسي كناية عن هزالها، فلو شبهها بغير ذلك كالعرجون والدال جاز، ولكن المناسبة والائتلاف بين الأسهم والأوتار والقسي حسنت التشبيه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
خاضوا عباب الوغى والخيل سابحة ... في بحر حرب بموج الموت ملتطم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الموصلي في بديعيته:
ساروا وجدوا النوى واللفظ مؤتلف ... من لسنِ دمعي بلفظ جِدُ منسجم2
الذي فهمته من هذا النوع معنى الشطر الأول، وأما الشطر الثاني فما حصل بينه وبين هذا النوع ائتلاف.
وبيت بديعيتي قلت قبله:
والوزن صح مع المعنى تألفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
وقلت بعده، في ائتلاف اللفظ مع اللفظ:
واللفظ باللفظ في التأسيس مؤتلف ... في كل بيت بسكان البديع حمي
__________
1 القسي: جمع قوس. المعطفات: المحنيات. الأسهم المبرية: المحدودة الرءوس.
2 جدّوا النوى: أسرعوا بالبعاد والسفر. وقد ورد الشطر الثاني من هذا البيت بلفظ "خد" بدل "جدُّ" التي أثبتناها وهي كما هو واضح، أصح وأقوم.
(2/445)

ذكر التمكين:
تمكين سقمي بدا من خيفة حصلت ... لكن مدائحه قد أبرأت سقمي
هذا النوع -أعني التمكين- وهو ائتلاف القافية، منهم من سماه بالتمكين، منهم من سماه بائتلاف القافية: وهو أن يمهد الناثر لسجعه فقرة، أو الناظم لقافية بيته تمهيدًا تأتي به القافية ممكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، غير نافرة ولا قلقة، ولا مستدعاة بما ليس له تعلق بلفظ البيت ومعناه، بحيث إن منشد البيت، إذا سكت دون القافية، كملها السامع بطباعه بدلالة من اللفظ عليها. وأكثر فواصل القرآن على هذه الصورة، والذي عقد البديعيون عليه الخناصر في هذا الباب، قول أبي الطيب:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
وقال ابن أبي الأصبع: لم نسمع لمتقدم شعرًا متمكنًا في قافية أشد من تمكين النابغة الذبياني، حيث قال:
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
زعم الغمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدي
قلت: ويعجبني هنا قول صدر الدين بن عبد الحق، ولعمري إنه أمكن وألطف وأظرف، وهو:
ورب ظبي آنس ... حشاشتي ملّكته
أسقيته أسكرته ... حركته نبهته
نادمته أعجبته ... حدثته أطربته
مدد