Advertisement

شرح نقائض جرير والفرزدق 001



الكتاب: شرح نقائض جرير والفرزدق
المؤلف: أبو عبيدة معمر بن المثنى (برواية اليزيدي عن السكري عن ابن حبيب عنه)
تحقيق: محمد إبراهيم حور - وليد محمود خالص
الناشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإمارات
الطبعة: الثانية، 1998م
عدد الأجزاء: 3 (في ترقيم مسلسل واحد)

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الأول
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
قال أبو عبد الله محمدُ بنُ العباسِ اليزيديُّ، قال الحسنُ بنُ الحسينِ السُّكريُّ، قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ
حبيبٍ: حُكي عن أبي عبيدةَ معمرِ ابنِ المثنى التيميُّ - من تيمِ قريش، مولىً لهم، فغَلبَ عليه نسبُهم
- قال: كان التهاجي بين جريرٍ والفرزدقِ، فيما ذكرَ له مِسحلُ بنُ كسيبِ بنِ عمرانِ بنِ عطيةَ بنِ
الخطفى، واسمُ الخَطفى حُذيفةُ بنُ بدرِ بن سَلمة، وإنما سُميَ الخَطفى بقوله:
يَرفَعْنَ بِاللَّيلِ إذا مَا أَسدَفَا ... أَعناقَ جِنَّانٍ وَهَاماً رُجَّفا
وَعَنقاً بَاقي الُرَّسِيمِ خَيْطفَا
ويروى بعد الرسيم خَيطفا، عَنقاً: ضربٌ من سيرِ الإبل. خَيطَفا سريعاً، يقال: خَطف خَطفاً. وأُمُّ
مِسحل زَيداء بنتُ جريرِ بنِ عطية، وكانت بَكرة بنتُ مُليص، أحد بني مُقلد بنِ كليب، تحت تَميم بنِ
عُلاثة، أحد بني سَليط. وسَليطٌ هو كعب بنُ الحارثِ بن يربوع، فضربها
(1/157)

فَشجها، فلقي أخوها زوجَ
أختِه تميماً فلامَهُ على ضربهِ، وشجه إياها، فوقع بينهما لَحاء - أي بين أخي بَكرة وتميم - فشجَّ تميمُ
أخا بكرة أيضاً، فشجَّه فأمه. فحمل هلالُ بن صعصعة أحدُ بني كُليب ثُلث الدِّية، وهو ثلاثة وثلاثون
بعيراً وثُلث بعيرٍ، وكذلك دِية الآمَّة، وتمام الدِّية مائة بعير - فالتأم ما بينهم على دَخن، فقال عطية بنُ
الخطفَى في ذلك يتوعدُ تميمَ بنَ عُلاثة:
تَلبَّثْ فَقَد دَايَنْتَ مَن أنتَ وَاثِقٌ ... بِلَيَّانهِ أَوْ قَابلٌ مَا تَيَسَّرا
مِنَ المُفَلِسِ الغَاوِي الَّذي إنْ نَأَيْتَهُ ... زَمَاتاً وَأَجْرَرتَ الَّذي لَكَ أَعْسَرا
إذَا ما جَدَعْنا مِنْكم أَنْفَ مِسْمعٍ ... أَقرَّ وَمَنَّاهُ الْصَّعَاصِعُ أَبْكُرَا
جدعنا: قطعنا، مسمع: أُذُن، وأنف كلِّ شيء أوَّله. والصعاصع: يريد هلال بن صعصعة ومن يليله،
وأبكُر: جمعُ بَكرٍ. فكانت الهدنة بينهم على دَخن - والهدنة الصلح والسكون - ثم اجْتوَر بنو جُحيش
بن سيف بن جارية بن سَليط، وبنو الخَطفى، فتنازعوا في غديرٍ بالقاع، فجعلت بنو الخطفى تُهجِّيهم
- أي تهجوهم - وكانت بنو جُحيش مُفحمين لا يقولون الشِّعر، فاستعانوا بغَّسانٍ بن ذُهيل بن البراءِ
بن ثُمامة بن سيف بن جارية بن سَليط، فهجا غسانُ بن ذُهيل بني الخَطفي، عن بني عمِّه بني سيف
بن جارية، وجرير بن عطية ترعيَةٌ، يرعى على أبيه الغَنم، لم يقل الشِّعر بعدُ - يقال ترعِيَةٌ وتِرعِيَّةٌ
(1/158)

وتِرعايَة، إذا كان لازماً للرعي - فتَفلَّت جريرٌ إليه، فزُبر، فقيل: أنت ضرعٌ وهو مُذكٍّ، فورَد جريرُ
على أهله ذات يوم بإعجالتهم، وذلك على عِدَّ أن مُلك بني الزبير - والإعجالةُ اللبنُ يتعجَّل به
الراعي إلى الحيِّ المقيم في الدار من المُرتَبع، والعِدَّانُ الوقت - فإذا هو بجماعة، فسأل ما هذا؟
فقالوا: غسَّانُ يُنشد بنا، فقال جرير: احملوني على بعيرٍ، فجاؤوه بقعودٍ فركبه، وأقبل حتى أشرف
على غسَّانَ والجماعة، فرَجزَ بهم وهو أول شعرٍ قاله:
لاَ تَحْسِبنِّي عَنْ سليط غَافَلا ... إنْ تَعْشُ لَيْلاً بِسَليطٍ نَازلاَ
لاَ تَلقَ قِرَاناً وَلاَ صَوَاهلاَ ... وَلاَ قِرىً لِلنَّازلِينَ عَاجلاَ
أَبلِغْ سَلِيطَ اللُّؤْمِ خَبْلاً خَابِلاَ ... أَبْلغْ أَبَا قَيْسٍ وَاَبْلِغْ بَاسِلاَ
والصُّلْعَ مِنْ ثُمَامَةَ الحَواقِلاَ
الحَواقل: جمع حوقلٍ، وهو المُسنُّ.
إني لَمُهْدٍ لَهُمُ مَسَاحلا ... زُغْبَةَ وَالشَّحَّاجَ وَالقَنَابِلاَ
المَساحِل: الحمير في أصواتها خشونةٌ وبُحةٌ، وهذه أسماءُ حمير. ويروى والثَّهَّاث.
يَضْرِبنِ بالأَكْبَادِ وَيْلاً وَائلاَ ... رَعَيْنَ بِالُصَّلْبِ نَدىً شُلاَشِلاَ
(1/159)

يريد أنهن يضربنَ بطونهنَّ بجَرادِين ضِخام. والنَّدي هاهنا: البَقلُ. والشُّلاشل: النَّديُّ الغَضُّ، الذي
يتشَلشلُ ماؤه.
في مُسْتَحِيرٍ يَغمُزُ الجَحَافِلا ... زُغْبَةُ لاَ يَسْألُ إلاَّ عَاجلا
أي سِفاداً عاجلاً.
مُستحِيرٌ: ماءٌ مُتحيرِّ في الأرض قائمٌ، يريد أنه يغصِبُهنَّ على أنفسِهنَّ ولا يبالي ما لقِين من سفادِه.
مَا يَتَّقي حُولاً وَلا حَوَاملا ... يَحْسِبُ شَكْوَى المُوجعَاتِ بَاطِلا
يَرْهزُ رَهْزاً يُرْعِدُ الخْصَائِلا ... يَتْرُك أَصفانَ الخُصَى جَلاَجلا
الخَصائل: العَضلُ في اليدين والرجلين واحدتها خَصِيلة، والأصفان: جماعة صفنٍ وهو جلد الخُصيتين.
تَسْمَعُ في حَيْزومِهِ أَفَاكِلاَ ... قَدْ قَطَع الأمْرَاسَ وَالسَّلاَسِلاَ
حيزومه: صدرُه، والأفاكل: الرِّعدةُ من النشاط، والأمراس: الحبال.
(1/160)

وقال جريرٌ أيضاً:
إنَّ سَليطاً في الخَسَارِ إنَّهْ ... أَولاَدُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقنَّهْ
واحد الأقنة قِنٌ: وهو الذي مُلِكَ هو وأبواه.
لاَ تُوعدُوني يَا بني المْصُنَّه ... إنَّ لَهُمْ نُسَيَّة لُعِنَّهْ
سُوداً مَغَالِيمَ إذَا بَطِنَّهْ ... كفِعلِ الأُتْنِ يَسْتَنِنَّهْ
ويروى يفعَلْنَ فِعلَ الأُتُنِ المِسُنّهْ.
يُولَعْنَ بِالبَيعِ وإنْ غُبِنَّهْ
وقال أيضاً:
إنَّ سَليطاً هُمْ شِرارُ الخَلْقِ ... قَلَّدْتُهُمْ قَلاَئِداً لاَ تُبْقي
وقال أيضاً:
إنَّ الُسَّليطي خَبيثٌ مَّطْعَمُهْ ... أَخْبَثُ شَيْءٍ حَسَباً وأَلأمُهُ
مُحْرَنْفشاً بِحَسبٍ لاَ يَعْلَمُهُ ... اسْتُ السَّلِيطِيِّ سَوَاءٌ وَفَمُهْ
(1/161)

الاحرنْفاشُ: نفشُ الدِّيك عُرفه، وانتفاخ الحُفَّاث إذا غضِب، يريد أنهُ ينتفخ بما ليس عنده. والحُفَّاث
حيّةٌ تكون باليمامة، عظيمة مُنكرةٌ الخَلقِ، فإذا غضِبت انتفختْ فصارت مِثل الجراب، ثم تَنفَّشُ ولا
تؤذي، ويقال لها العَربدُّ أيضاً، وهي تأكل الفأر في بيوتهم ولا تؤذيهم.
خِنْزيرُ بَقٍّ سَيِّئٌ تَنَسُّمهْ ... هَلْ لَكَ في بَيِضْ خُصيً تَلَقَّمُه
إنَّ السَّليطِيَّ مُباحٌ مُحْرَمُهْ
وقال لهم أيضاً:
أَنْعَتُ حَصَّاءَ القَفَا جَمُوحَا ... ذَاتَ حَطَاط تَنْكَأُ الجُرُوحَا
تَتْرُكُ فُحْجَانَ سَلِيطٍ رُوحاً
الأفحجُ: الذي تَداني صدورُ قَدميه، وتُقبلُ إحدى رجليه على الأخرى، والأروحُ الذي تَداني عَقباه
وتباعَد صدورُ قدميه. والحصَّاءُ: التي لا شعر عليها. والحَطاط: البَثر الصِّغار من شدَّة النَّعط كأن فيه
بَثراً.
فاستغاثت بنو سَليط بحكيم بن مُعية، أحد بني المِجرِّ، من بني ربيعة بن مالكِ بن زيدِ مناة، وهو
ربيعةُ الجوع. وبنو المِجر من كِندةَ
(1/162)

دخلوا في هؤلاء على حلف، وكانت عند حُكيم امرأةٌ من بني
سليط، فولَدت له بشِيراً، وكانوا حُلفاء لهم. وأقبل حُكيم مع بني سليط، ودون الموقف الذي به جرير
أُكَيمةٌ، قال حكيم: فلما أوفَيتُها سمعته يقول:
لا يتَّقي حُولاَ ولا حَواملا ... يترك أَصفان الخُصى جَلاجِلا
فقلت لهم: لقد جَلجل الخُصى جَلجَلة، عرفت أنه بحرٌ لا يُنكش. يقال هو بحرٌ لا يُنكش ولا يُفثج،
ولا يُؤبى، ولا يُغضغض، ولا يُغرَّض، ولا يُنكف، ولا يُنزح بمعنى واحد، ولا يَمكُل، ولا يُنالُ عَربُه.
وأنشد لطُفيل بن عوفِ الغَنويِّ:
ولا أقولُ وقعرُ الماءِ ذو عَرَبِ ... من الحرارةِ إن الماءَ مشغولُ
فانصرفتُ وقلت: أيمِ الله لا جَلجَلتني اليوم. ولَحِم التهاجي بين غَسان بن ذُهيل وبين جرير فقال
غسان:
لَعَمْري لَئن كَانَتْ بَجيلَةُ زَانَهَا ... جَريرٌ لَقَدْ أَخْزى كُلَيْباً جَريرُهَا
وَما يَذْبُحون الشَّاةَ إلاَّ بِمَيْسرٍ ... طَويلاً تناجيَها صغيراً قُدُورُهَا
يقول: يشتركون في الشاة كما يشترك الأيسارُ في الجزور. وتناجيها تشاورُها.
(1/163)

رَمَيْتَ نِضَالاً عِنْ كُلَيب فَقَصَّرتْ ... مَرَاميكَ حَتَّى عَادَ صفْراً جفَيرُها
المرامي السهام، واحدتها مرماة، والجفير والوفضة والقرن والجعبة واحد، والكنانة مثله، والصفر:
الفارغ، وزعم أن المرامي سهام وأنشد للكميت:
وبناتٍ لها وما ولدته ... ن إناثاً طوراً وطوراً ذكوراً
يعني الوفضة يقال له سهم ومرماة فمرة يذكَّر ومرة يؤنث.
سَتَعْلمُ مَا يُغْني مُعَيْدٌ وَمُعْرضٌ ... إذَا ما سَليطٌ غرَّقَتْكَ بُحُورُها
مُعيدٌ: جدُّ جرير أبو أمه، وأُمُّه: أُم قيس بنت ين عُثيم بن حارثة ابن عوف بن كُليب، ومُعرِض من
أخواله وكان يحمَّق.
فأجابه جرير، وفيها تَصداقُ قول حُكيم، إنهم إنما تهاجَوا من أجل الغديرِ الذي بالقاع الذي تنازعوا
فيه:
أَلا بَكَرتْ سَلْمَى فَجدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ العَصَا بَعْد اجْتماعٍ أَميرُهَا
شقُّ العصا: التَّفرق، ومن هذا يقال للرجل المخالف للجماعة قد شقَّ
(1/164)

العصا وأميرُها الذي تؤامِرُه، زوجهُا أو أبوها.
إذَا نَحْنُ قُلْنَا قَدْ تَبَايَنَتِ الَّنَوى ... تُرَقْرِقُ سَلْمَى عَبْرَةً أَوْ تُميرُهَا
النَّوى: نِيةُ القوم ووجهتُهم التي عَمدوا لها. وتَرقرقُ الدَّمع: امتلاءُ العين به قبل أن يفيض، وتميرُها:
تُجيلها، وتَميرَها بفتح التاء تجلبها.
لَهَا قَصَبٌ رَيَّانُ قَدْ شَجيَتْ به ... خَلاَخيلُ سَلْمىَ المصْمَتاتُ وَسُورُهَا
كُلُّ عظم مُمِخٍّ فهو قصبةٌ. المُصمت الذي لا يجول ولا يتحرك. وشَجيت غصت خلاخيلُها وسورُها
بيديها ورجليها، وسُورٌ جماعةُ سِوار.
إذَا نَحْنُ لَمْ نَمْلِكْ لِسَلْمى زيَارَةً ... نَفسْنَا جَدَى سَلْمَى عَلَى مَنْ يَزُورُهَا
فَهَلُ تُبْلغَنِّي الحَاجَ مَضْبُورَةُ القَرَى ... بَطيء بِمَوْرِ النَّاعجَات فُتُورُها
المضبورة: المُوثقُة، والقرى: الظَّهر. والمورُ: الطريق. والناعجاتُ: الإبل البيض.
نَجَاةٌ يَصِلُّ المَرْوُ تَحْتَ أَظَلِّها ... بِلاَحِقَةِ الأْظْلاَلِ حَامٍ هَجيرُهَا
النجاةُ: السريعة. والمروُ: الحجارة البيض. وصليلها: صوتُها إذا قرع
(1/165)

بعضها بعضاً. والأظلُّ: باطن
الخُفِّ. واللاحقةُ الأظلال: أراد فلاة حين عُقل ظِلُّها، فصار ظِلُّ كُل شيءٍ تحته، لم يفضل عنه.
والهجير: الهاجر. وأنشد اللبيد:
تسلُبُ الكانِسَ لم يُوْأَر بها ... شُعبةَ السَّاقِ إذا الظِّلُّ عَقَلْ
يُؤأر يُشعر، وأنشد لذي الرمة:
عواطفَ يستثبتنَ في مَكْنَسِ الضُّحى ... إلى الهَجْرِ أظلالا بطيئاً ضُهولُها
عواطفَ وعواقد واحد، وهو الظَّبيُ الذي يعطفُ نفسَه، يضع رأسَه على جنبه. يَستثَبِتنَ يستفعلن من
الثَّبات، كأنهن يستبردن الظِّلَّ ويستطِبنَهُ.
أَلا لَيْتَ شِعْري عَنْ سَليط أَلمْ تَجِدْ ... سَليطٌ سِوى غَسَّانَ جَاراً يُجيرُهَا
لَقَدْ ضَمَّنُوا اَلأحسَابَ صَاحِبَ سَوْءَةٍ ... يُنَاجي بِها نَفْساً لَئِيماً ضَميرُهَا
وَنُبِّئْتَ غَسَّانَ بن واهصَة الخصُى ... يُلَجْلُج مِنِّي مُضْغَةً لا يُحيرُهَا
يريد لا يَسيغها، والوَهصُ الشَّدخُ، يريد أنها تشدخُ خُصى الغنم، ويقال لمِا خُصِيَ على الشدخ
مَوهُوصٌ وموجودٌ، فإذا سُلت
(1/166)

بيضتاه فهو ممتونٌ ومملوسٌ، وقد مُتِن ومُلِس، والاسم منه المَتنُ
والمَلسُ.
سَتَعْلمُ مَا يُغْني حُكَيْمٌ وَمَنْقَعٌ ... إذَا الحَرْبُ لَم يَرْجْعِ بصُلْحٍ سَفيرُهَا
حُكيمُ بن مُعيَّة الرَّاجز، أحدُ بني ربيعةَ الجوع، ومُنقعٌ أحدُ بني نَصله بن بهدَلة، أحدُ بني ربيعة
أيضاً، كان يُعينُ على جرير. والسَّفيرُ المُصلحُ بين القوم، يقال سَفر بين القوم سِفارة، والسفيرُ أيضاً،
ما سَفرته الريحُ من ورقِ الشجر وغيره، تسفِرُه سَفراً، ومن هذا سُميت المِكنسة مِسفرةً، لأنها يُسفَر
بها أي يُكنَس.
ألاَ ساءَ مَا تُبلى سَليطٌ إذا رَبتْ ... جَوَاشِنُهَا وَازْدادَ عَرْضاً ظُهُورُهَا
يريد أنها انتفخت رئاتُها من الجُبنِ فملأت صدورَها وظهورها.
بِأسْتَاههَا تَرمْي سَليطٌ وَتَتَقَّي ... وَيَرمِي نضَالاً عَنْ كُلَيْبِ جَريرُهَا
وَلمَّا عَلاَكمْ صَكُّ بَازٍ جَنَحتُمُ ... بأَسْتَاه خِرْبَانٍ تَصرُّ صُقُورُهَا
الجُنوح: الميلُ إلى الأرض وغيرها. والخِربانُ: ذكورُ الحُبارى، واحدها خَربٌ. تَصِرُّ تصيح
صقورها تصوِّت. يقول ليس عندكم دفعٌ إلا بأستاهكم، كما أن الحُبارى ليس عندها دفع إلا أن تَسلَح
على البازي.
(1/167)

عَضَارِيطُ يَشْوُونَ الفَرَاسِنَ بِالضُّحَى ... إذَا مَا السَّرَايَا حَثَّ رَكْضاً مُغيرُهَا
العضاريطُ جمع عُضرُوطٍ وهم الأتباعُ واحدهم عُضرُوط. والفراسنُ أخفاف الإبل واحدها فِرسِن.
يقول: فذاك حظُّهم من الجزور - وهو شرُّ ما في الجَزُور - يريد أنهم لا يَيسِرون مع الناس، ولا
يأكلون إلا شرَّ ما في الجزور، وقولُه إذا ما السرايا حثَّ ركضاً مُغيرُها، يقول: إذا ركب الناسُ لغارةٍ
أو فزعٍ لم يركبوا معهم، يقول: ليسوا بأصحابِ حربٍ ولا خيلٍ يُعَيِّرُهم بذلك.
فَمَا في سَليط فارِسٌ ذُو حَفيظَة ... وَمَعْقلُهَا يَومض الهِيَاجِ جُعُورُهَا
يقول: إذا تَهايَج الناس أحدثُوا هُم فَزعاً وجُبناً، فلم يَستعِن بهم أحدٌ، فذلك نجواهم يوم الهياج ونجواهم
به. ومن أمثالهم قولهم "اتَّقى بِسلحِه سَمُرةُ" وأصلُ ذلك أن رجلاً أراد ضرب غلام له يقال له سَمُرة،
فَسلح الغلامُ فَخلاَّه، فذهبت مَثلاً. وذو حفيظةٍ: ذو غضب. ومَعقِلها: ملجأ قومها.
أَضِجُّوا الَّروَايا بالمَزَادَ فَإنَّكُمْ ... ستَكْفَونَ كَرَّ الخَيْلِ تَدْمَى نُحُورُها
يقول: اخدموا أنتم واستقوا فإن الحربَ يكفيكُمُوها غيرُكم. وقوله أَضِجُّوا، يقول: إنما أنتم رِعاءٌ.
الرَّوايا: الإبل التي يُحمل عليها الماء، وهي التي يُستقَى عليها، وكلُّ ما استقُي عليه من بعيرٍ أو غيره فهو
(1/168)

راوِيةٌ، وبذلك سُمِّيَ راوية الشِّعر والعِلم لأنه يحمله. والمزادُ كلُّ ما استُقي فيه من الأدم، الواحدة
مَزادةٌ. وقوله أَضِجُّوا الرَّوايا يعني ألحُّوا عليها بالاستقاء حتى تَضِجَّ حتى ترغُوَ للضَّجر.
عَجِبتُ من الدَّاعيِ جُحَيْشاً وَصاَئداً ... وَعَيْسَاءُ يَسعَى بِالعلابِ نَفيرُها
جُحَيش بنُ زيادٍ أحدُ بني زُبيد بن سَليط، وصائدٌ سَليطيٌ، وعيساءُ جدَّةُ غسان بن ذُهيلٍ. والعِلابُ
جمعُ عُلبةٍ وهي التي يحلبُ فيها، وهي أعظمُ من الملعقةِ وأصغر من الجفنةِ وهي تُعمل من جلود
الإبل.
أَسَاعَيةٌ عَيْسَاءُ والضَّأنُ حُفَّلٌ ... فَمَا حَاوَلَتْ عَيْسَاء أَم مَا عذيِرُهَا
التَّحفيلُ اجتماعَ اللبن في ضروعها، وكذلك التَّصريَة. والعذير الحال.
إذَا ما تَعاظَمْتُم جُعُوراً فَشَرِّفُوا ... جُحَيْشاً إذَا آبَتْ من الصَّيْفِ عيرُهَا
يقول: إذا جاءت الإبلُ بالمِيرة، كَثُرت عندهم الحِنطةُ والتَّمرُ، فيشبعون وتعظم جعورُهُم.
قال أبو عثمان: حدثنا الأصمعيُّ، قال: تجاعَر حيَّان من العرب أي خَرِئوا، فاختار كلُّ حيٍّ منهم
رجلاً، وكان سَبقُهُم في ذلك جَزُورا. قال: فأُطعِما من الليلِ طعاماً كثيراً، حتى اندحَّت بطونُهما، قال:
ثم أصبحوا، فاجتمع الناسُ، قال: فجاء أحدُهما فوضع أمراً عظيماً، فهال
(1/169)

ذلك أصحاب الآخر، وخَبنوُا، وخشوا أن يُغلبوا فقال صاحبهم: لا تعجَلوا، ابشروا. قال: فجاء صاحبُهم إلى ما وضع
صاحبُه ثم جَلَّله، ثم تَنحَّى ناحية فوضع مثله، قال: فغَلب فأخذه أصحابهُ فحملوه على أعناقهم، فقال
الغالبُ لأصحابه: بأبي أنتم، أمَا إذا كان الظَّفرُ لنا فأشبعوني من أطايبها يعني من أطايب الجزور.
أُنَاسٌ يَخَالُونَ الْعَبَاءَةَ فيهِمُ ... قَطِيفَةَ مِرْعَزَّى يَقلَّبُ نيرُهَا
كَأنَّ سَليطاً في جَواشِنها الْخُصَى ... إذّا حَلَّ بَيْنَ الأمْلَحَيْن وَقيرُهَا
يريد أن أبدانَهم مُعضَّلةٌ كَخلق العبيد قد اكتنزت من العمل فتَعضَّلت، ليست سَبطةً كَسُبوطةِ الأحرار.
والأملحانِ ماءان ويقال جبلان لبني سَليط، وأنشد لعُمارة بن عَقيل:
وكم بابٍ فتحتَ بغيرِ حقٍّ ... وكم مالٍ أكلتَ بغيرِ حِلِّ
كأنك من خُصى سبعين بغلاً ... جُمِعْتَ فأنت كالثورِ المُوَلِّي
المُولِّي: المسنّ. والوقِيرُ: الغَنمُ فيها حماران أو أحمِرةٌ ولا تسمى الغنم وقيرا إلا بحُمرِها.
إِذا قِيلَ رَكْبٌ مِنْ سَلِيطٍ فَقُبِّحَتْ ... رِكَاباً وَرُكَباناً لَئيماً بَشيرُهَا
(1/170)

البشيرُ: المُبشِّر، والبشيرُ أيضاً الجَميلُ الوجه، يقال من البِشارة بَشرتُه، وأبشرتُه وَبشَّرتْهُ، وأنشد أبو
تَوبَة:
بَشَرْتُ عيالي أنْ رأيتُ صحيفةً ... أتتكَ من الحَجَّاجِ يُتْلَى كتابُها
نهيتُكُمُ أن تركبوا ذاتَ ناطحٍ ... من الحربِ يُلوَى بالرِّداءِ نذيرُها
ويروى: يسيرُها. يقول: أُتيتم. ذاتُ ناطحٍ: داهية.
وَمَا بكُمُ صَبْرٌ عَلى مَشْرَفيَّةٍ ... تَعَضُّ فِرَاخَ الْهَام أَوْ تَسْتَطِيرُهَا
المَشرفيَّةُ: سيوفٌ تُطبع بالمشارف، والمشارفُ القُرى ما بين الريفِ والبدو، مثل الأنبار من بغداد،
والعُذيبِ من الكوفة، وهي المزالِفُ والمَذارِعُ، وفراخِ الهام أدمغتها.
تَمَنَّيْتُمُ أنْ تَسْلُبُوا الْقَاعَ أَهْلَهُ ... كَذاكَ المُنَى غَرَّتْ جُحَيْشاً غُرُورُها
وَقَدْ كَانَ في بَقْعَاءَ رِيٌّ لشائكُمْ ... وَتَلعَةَ والجَوْفاءُ يَجْري غدَيِرُهَا
تَنَاهَوْا وَلاَ تَسْتَورْدُوا مَشُرفيَّة ... تُطيرُ شُؤُونَ الْهَامِ مِنْهَا ذَكْورُها
لا تستوردوا: لا تجعلوا رءوسكم وِردا لها، وشؤون الهام: مواصل الرأس، واحدها شأنٌ والشَّأنُ ما
بين قبيلتين من قبائل الرأس.
كأَنَّ السَّليطيِّينَ أَنْقَاضُ كَمْاة ... لأوَّلِ جَانٍ بالْعَصا يَسْتَثيرُهَا
واحدُ الأنقاض نَقضٌ وهو ما خرج من رأس الكَمأةِ إذا انشقت عنها
(1/171)

الأرضُ. يَصفُهم بالذُّلِّ وأنهم لايمتنعون، كما لا تمتنعُ هذه الكَمأةُ إذا استُثيرت بالعصا. ومن أمثال العَرب "هو أَذَلُّ من فَقْعٍ بِقاع"
وهي الكَمأةُ البيضاءُ.
غَضِبْتُمْ علينا أَو تَغَنَّيْتُمْ بِنَا ... أَن أخْضَرَّ من بَطنِ التِّلاَعِ غَمِيرُهَا
الغميرُ الكَلأ اليابسُ يُصيبه المطر فينتثر فيكون خَلِيساً أبيض وأخضر. يقول: لما أخصبتم وَشعبتم
تَغنَّيتمُ بهجائي. والتِّلاع مَسايل الماء المرتفعة وهي المنخفضةُ وهي من الأضداد.
فَلَوْ كَانَ حِلْمٌ نَافِعٌ في مُقلَّد ... لَمَا وَغِرَتْ مِنْ جُرْمٍ صُدُورُهَا
يعني مُقلَّد بن كُليب. والوَغر: الحِقد والعداوة.
بَنُو الْخَطَفى والْخْيلُ أَيَّامَ سُوفَةٍ ... جَلَوْا عَنْكُمُ الظَّلْمَاء فَانْشَقَّ نُورُهَا
كانت قيسُ عَيلان أغارت إلى بني سَليط فاكتسحت أموالهم، وسَبوا منهم سبايا فَركِبت بنو الخَطفى،
فاستنقَذت ما في أيدي قيسٍ من إبل بني سليط وسباياها، فمنَّ ذلك عليهم جرير. وَسُوفة موضع
بالمرُّوت وهو صحارٍ واسعة بين قُفيَّن أو بين شَرفين غليظين، وحائلُ ماءٌ ببطن المرُّوت، وسُوفة
قريبةٌ منه فأُضيفت سوفة إليه، وأنشد:
إذا قَطَعْنَ حائلاً والمَرُّتْ ... فَأبْعَدَ الله السُّوَيق المَلْتُوتْ
وفي بئْرِ حصْنٍ أدركتنا حَفيظَةٌ ... وَقَدْ رُدَّ فيهَا مَرَّتَينَ حَفيرُهَا
حفيرُها ما خرج منها. والحفيظة: الغضبُ. قال: كان بنو مُرَّة بن
(1/172)

حِمَّان طَمُّوا بئر حِصن بنُّ عوف بن مُعاوية الأكبر من كليب، وكانت ببطن المَرُّوت، وكانت لأهل الزُّلف من بني سليط فمٌ يدَّعونه،
فطَمَّتها بنو حِمان، حتى جاء بنو عوف بن كُليب، رهطُ جريرٍ فنزلوا عليها فسَفرت السُّفراء بينهم
واصطلحوا.
فَجئْنا وَقدْ عَادَتْ مَرَاغَا وبَرَّكَتْ ... عَليْها مَخَاضٌ لَمْ تَجدْ مَنْ يُثيرُها
يقول: دُفِنت بئركُم هذه مرتين، فاستثرناها لكم بعدما صارت مَراغا لم تَدفعوا عنها. المخَاضُ من
الإبل ذَوات الحَمل، في بطونها أولادها.
لَئِنْ ضَلَّ يَوْماً بالمُجَشَّرِ رَأْيُهُ ... وكَان لِعوْفٍ حَاسِداً لاَ يَضيرُهَا
المُجشَّر من بني مُقلِد بن كُليب، وعوفٌ رَهطُ جرير.
فَأَوَلَى وَأَولَى أَنْ أُصِيبُ مُقَلَّداً ... بفاشِيَةِ العَدْوى سَريعٍ نُشُورُهَا
ويروى طُرُورها أراد بقصيدة جَرِّيةٍ تُعدي من دَنا منها، ونشورُها: انتشارُها أي تنتشر وتفشُو.
فأولى وأولى: تَهدُّدٌ ووعيدٌ أي كُفُّوا عني لا أُصِبكُم بهذه المَعرَّة الفَاشية.
لَقَدْ جُرِّدَتْ يَوْمَ الحِدَاب نسَاؤُهُمْ ... فَسَاءَتْ مَجَاليهَا وَقَلَّتْ مُهُورُهَا
مجاليها حين جُليت كما تُجلى العَروس. وكان هذا اليومُ لبَكر بن وائل على سَليط فَسبوا منهم نساءً،
فأدركتهم بنو رياحٍ وبنو ثعلبة ابني يربوع، فاستنقذوهنَّ من أيدي بكر. وقوله: قلَّت مهورُها، يقول:
إنما مَلكُوهنَّ بالرِّماح ولم يَنقُدوا فيهن مَهراً. والحِداب: موضع.
فردَّ على جريرٍ أبو الورقاءُ عُقبة بنُ مُليص المُقلَّدي فقال:
(1/173)

إنَّ الذَّي يَسْعى بِحُرِّ بلاَدَنا ... كَمُبْتَحثٍ نَاراً بِكفّ يُثيرُهَا
وَمَا حَارَبَتْنَا مِنْ مَعَدٍّ قَبيلَةٌ ... فَتُقْلَع إلاَّ وَهَي تَدْمَى نُحُورُها
وَإلاَّ رَمَيْنَاهَا بِصَدْرٍ وَكَلْكَلٍ ... مِن الشَّرِّ حَتَّى مَا يَهرُّ عَقُورُهَا
أَبَا الخَطفَى وابْنيَ مُعَيْدٍ وَمُعْرِضٌ ... تٌسَدِّي أُمُوراً جَمَّةً لاَ تُنيرُهَا
جَمَّة: كثيرة، ويقال: هذه بئرٌ جمَّةٌ أي كثيرةُ الماء. يقول: تُسدِّي أي تمدُّ خيوط الثوب طولاً. واللُّحمة
عرضاً، وباللُّحمة والنِّير يتمَّ نسجُ الثوب، وهذا مثلٌ ومعناه أنه يقول: تَعُدُّ ما لا تدركه ولا يتم ذلك.
وقال غسان:
مَنْ شَاءَ بَايَعْتُهُ مَالي وَخلْعَتَهُ ... إذَا جَنَى الْحَرْبَ بَعْدَ السِّلْمِ جَانيها
لاَ تَسأَلُونَ كليبِّياً فَيخْبِرَكُمْ ... أيُّ الرَّمَاحِ إذا هُزَّتْ عَوَاليْها
أَمَّا كُلَيْبٌ فَإنَّ اللُّؤمَ حالفها ... مَا سَالَ في حَفلَةِ الزَّبَّاءِ واديهَا
الزَّباء: ماءٌ لبني سَليط، وحفلتُه كثرتُه، يعني كثرة السَّيل واجتماعه. ومنه قولهم: احتفل الفرسُ إذا
لم يُبق من جَهدهِ شيئاً. وكذلك احتفل الوادي إذا انتهى سيلهُ، وكلُّ ماءٍ تؤنِّثهُ فهو حفلةٌ، وإذا ذُكِّر فهو
ماء.
فأجابه جرير
أسأَلْ سَليطاً إذَا مَا الحرْب أَفْزَعَهَا ... مَا شَأْنُ خَيْلُكُم قُعْساً هَواديهَا
(1/174)

القَعسُ دخولُ الظَّهر وخُروج الصَّدر، يريد أنهم يجذبون أعِنَّتها ولا يُجرونَها فيَلحقون بالفوارس فقد
قعست لذلك. هواديها: أعناقُها ومثله.
ولا يدرون ما الطَّعَنَانُ حتى ... يُمَدَّ الجَرْيُ من طَبَقِ العِنانِ
طَبقُ العِنان أن تُطبٌِّق عند كفِّ الفَرس عن العَدو، فإذا بُسِطَ للفرسِ عدوُه خَلَّى عِنانه، والطَعنان أن
يُبسطَ جَري الفَرس حتى يَحمى فيعَضُّ على مِسحَله، فيقال طَعن الفَرسُ في مِسحَله طعناً وطَعناناً -
ومثله قولُ طَرفة:
أَعْوَجيَّاتٌ على الشَّاأْوِ أُزم
أي عَواضُّ على لُجمُها، يقول: لم يعتادوا رُكوب الخيلِ وركضَها، كما قال:
لم يركبوا الخيلَ إلا بعدما كَبروا ... فهم ثِقالٌ على أكتافها عُنُفُ
لاَ يَرْفَعُون إلى دَاع أَعَّنَتَها ... وَفي جَوَاشِنها دَاءٌ يُجَافِيهَا
يقول: في صدور بني سليطٍ انتفاخٌ من الجُبنِ والفَزع، فهم لا يَثبتون على مُتون خيلهم، فذلك دارؤُها
الذي يجافيها عن لُزُوم مُتون الخيل، ويروى إلى الداعي.
وَمَا السَّليِطُّي إلاَّ سَوْءَةٌ خُلِقَتْ ... في الأَرْضِ لَيْسَ لَهَا سِتْرٌ يُوَارِيَها
(1/175)

وقال غسان:
وَجَدَتْ كُلَيْبٌ غبَّ أَمْر سَفيههَا ... مُتَوخِّماً إذ رَام شَرَّ مَرَامِ
المتوخِّم المُستَوخِم، يقول استوخَمت غِبَّ أمر سفيهها يعني جريراً حين رام قهري بشعره.
الآنَ لَمَّا أبْيضَّ أَعْلَى مِسْحَلِي ... وَأَكَلْتَ مِنْ نَابي عَلى الأجُذَامِ
المِسحل ما سفُل عن العارضين من اللِّحية، والأجذامُ جماعةُ جِذمٍ وجِذمُ كلِّ شيءٍ أصلُه، يريد أنه قد
أسنَّ وذَرا ناباه، وأنشد:
إذا مُقْرَمٌ منَّاذَرا حدُّ نابهِ ... تَخَمَّطَ منا نابُ آخَرَ مُقْرَم
وأنشد:
الآنَ لما أبيضَّ أعلىَ مِسْحَلي ... وَعَضِضْتُ من نابي على جِذْم
يَرْجُو سقَاطي ابْنُ المْرَاغَة للْعِدَى ... سَفَهاً تَمَنَّيَ ضَلَّة الأْحْلاَمِ
ووجدتُ بخطِّ أبي أحمد عبدِ السلام على النُّسخة، أنَّه وجَد في نُسخة أبي سعيد السِّيرافي زيادةُ على
ما في النُّسخةِ التي لأبي أحمد وهو، وروَى عمرُو بنُ أبي عمرو:
وَلَقَدْ نَزتْ بكَ مِنْ شَقَائِك بِطْنَةٌ ... أرْدَتْكَ حَتَّى طِحْت في الْقَمْقَامِ
أي البحر.
(1/176)

وَنَشِبْتَ في لَهَوَاتِ لَيْثٍ ضَيْغَم ... شَثْنِ الْبَراثِنِ بَاسِلٍ ضِرْغَامِ
نشِبت علقت، وضيغمٌ شديدُ العضِّ، والضَّغمُ، وشثنٌ غليظٌ، باسلٌ كريهُ المنظر، ضِرغامٌ أسَدٌ.
قَبَحَ الإلهُ بَني كُلَيْب إنَّهُمْ ... خُورُ الْقُلُوبِ أَخِفَّةُ الأْحْلاَمِ
قَوْمٌ إذَا ذُكِرَ الكِرَامُ بِصَالحٍ ... لَمْ يُذْكَرُوا في صَالِحِ الأْقْوَامِ
صُبُرٌ عَلَى طُول الْهَوَان أَذُّل منْ ... نَعْلٍ منَ الأْنْعام للأْقْدام
ويروى التَّوطاء.
وَيَبَينُ بَخْرُ اللُّوْمِ حينَ رَأَيْتَهُمْ ... فيِ كُلِّ كَهْلٍ مِنْهُمُ وَغُلاَمِ
فأجابه جرير:
أَبَنِي أدَيْرةَ إنَّ فِيكُمْ فَأعْلَمُوا ... خَوَرَ الْقُلُوبِ وخَفَّةَ الأْحلاَمِ
أُديرةُ تصغيرُ أُدرَة، كأنه رَمى أُمَّهم بالأدَر وليس يكون إلا في الرجال، ولا يكون في النساء، وقوله
خَورٌ أي ضَعفٌ.
بِئْسَ الفَوَارِس يَوْمَ نَعْفِ قُشَاوةِ ... وَالْخيْلُ عَادِيةٌ عَلى بِسْطَامِ
(1/177)

بسطامُ بنُ قيس بن مسعودِ بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو ابن الحارث بنِ همَّامِ بنِ مرَّة بنِ
ذُهل بن شيبان، والنَّعفُ منتهى السَّيل من الوادي إلى أسفل الجبل. وحدُّ كلِّ أرضٍ نَعفٌ. قال:
وقُشاوةٌ ضَفِرةٌ، وهو رملٌ مجتمعٌ في أعراضِها صخورٌ سودٌ وترابُها أبيض، فيقال لها الخرجاءُ
للسَّوادِ والبياض.
الظَّاعُنونَ عَلىَ الْعَمى بجَميعهمْ ... والخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامِ
العَمى الجَهل والضلالُ، والخافَض المُقيمُ.
تَرَكُو الأُحَيْمرَ حينَ خَرَّقَهُ الْقنَا ... إنَّ المُحامُي يَوْمَ ذَاكَ مُحَامِ
الأُحَيمرُ حُريث بنُ أبي مُليل، وهو عبدُ الله بنَ الحارثِ بنِ عُبيد بنِ ثَعلبَة بن يربوع.
أَبْلَيتُمُ خَوَراً وَفَكَّ عُنَاتَكُمْ ... عَارِي الأشَاجِعَ مِنْ بَني هَمَّام
يقول: أبليتُم قوَمكم ضعفاً وخوراً وجُبناً، وفكَّ عُناتكَم بِسطامٌ هذا، عُناتُكم أسراؤكُم والواحدُ عانٍ،
والأشاجع عَصَبُ ظاهرِ الكفِّ، وعُريُها قِلَّة لحِمها وذلك ما يُنعتُ به الرجلُ إلا يكونَ مُرهَّلاً كثير
اللحم، وواحدُ الأشاجع أشجع.
(1/178)

خَبرُ يومِ قُشاوَة
وكان من حديثِ يومِ قُشاوةَ أن بِسطامَ بنَ قيس بنِ مسعود، خرج غازياً لبني يربوع حتى اطَّردَ نَعماً
لرجلين من بني سَليط، يقال لأحدِهما سُعير، والآخر حُجير، وهما ابنا سفيان من بني يربوع، فأتىَ
الصَّريخُ بني عاصمِ بن عُبيد بنِ ثَعلبة، وكانوا أدنى الناسِ منهم، فركب سبعةُ فوارسَ من بني
عاصم، فيهم بُجيرِ بنُ عبدِ الله، ومُليلُ بنُ عبدِ الله وهما ابنا الطائية، والأُحيمرُ حُريثُ بنُ عبِد الله،
ومالكُ بنُ حِطَّانِ ابنِ عوفِ بنِ عاصم، وهو مالكُ بنُ الجُرميَّة، وخرج معهم قومٌ من بني سَليط حتى
أدركوا القوم، فلما نظروا إلى جيش بسِطام هابُوا أن يُقدِموا عليهم، فقال مُليلُ بنُ أبي مُليل: يا بَني
يربوع إنه لا طاقةَ لكم بهذا الجيش إلا بمثلهِ، فأرسِلوا بُجيراً يستصرخ لكم، وإنما أمَرهُم بذلك مخافةً
عليه أن يُقتَل، فقال بُجير لا والله لا ذَهبتُ صريخاً بعد أنْ عاينتُ القومَ، فلما غلبه قال لابنِ عمه
أذهب أنت يا أُحيمر. فقال: وأنا والله لا أذهب، فقال لمالِك بن الجُرمية فاذهب أنت صَريخاً، فقال:
وأنا لا أذهب، فقال لهم مُليل بنُ أبي مُليل: فأعطوني قولاً أثِقُ به وأطمئنُّ إليه، لَتضبِطنَّ لي أنفسَكُم
ولا تُقدِموا على الجيش حتى آتِيكُم ففعلوا. وذهب مُليلٌ صريخاً، فلما ذهب، نظر إليه بسطام فقال
لأصحابه ذاك الذي يركُض، سيجلبُ عليكم شرّاً، فانظروا أن تَفرغُوا من أصحابهِ من قبل أن يأتِيكُم
الناسُ. فبرزَ بسطامُ في فرسانٍ من أصحابهِ حتى دنا من القومِ، فكلَّمُه بُجيرُ فقال له بسطام مَن أنت؟
قال: أنا بُجيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارث، فقال: يا بُجيرُ ألم تكن تَزعُم أنك فَتى يربوعٍ وفارسُها؟ قال:
(1/179)

بلى، وأنا الآن أَزعُمه فَابرُز لي، فأبى أن يبرُز له بسطام، وقال بسطام: ما أظنُّ نِسوةَ بني يربوعٍ
يَظنُنَّ بك هذا الظنَّ، أن تُحجِمَ عن الكتيبةِ حين رأيَتها، ثم قال لصاحبيه أُحَيمر ومالك مِثل ذلك. فلم
يزل يَشحذُهم ويُحَضِّضهم كَيداً منه وخديعةً، حتى حملوا أفراسَهم وَسط القومِ، فأمَّا بُجيرُ فلِقيه الملبِّدُ
بنُ مسعود، عمُّ بسطام، فاعتنق كلُّ واحد منهما صاحِبه فوقعا على الأرض عِكْمَي عَيرٍ، فاعتلاه
بُجير، فلما خشي الملبِّدُ أن يظهَر عليه بُجير، نادَى رجلاً من بني شيبان، يقال له لُقيمُ بنُ أوس: يا
لُقيمُ أغِثني فقد قتلني اليربوعيُّ، فمال إليه لُقيمُ فضربه على رأسه فقتلهُ، وخُرِّق أُحيَمر بالقنا، وتُرِك
مطروحاً فظنوا أنهم قتلوه، وضُرِبَ مالكُ بنُ الجُرمية، فأُمَّ فعاش سنة مأموماً ثم مات من آمتِه،
وانهزمت بنو سَليط، فلما انهزموا، قال بسطام: يا بني شَيبان أَيسُرُّكم أن تأسِروا أبا مُليل، قالوا: نعم،
قال: فإنه أولُ فارسٍ يطلُع عليكم الساعةَ، أتاهُ مُليلٌ فأخبره خبرنَا وخبر ابنهِ، فلم ينتظر الناس،
فليتخلّف معي منكم فوارسُ فإنكم ستجدونه مُكِبّاً على بُجيرٍ حين عاين جيفتَه فَكَمن له بِسطامُ في
عشرةِ فوارسَ قريباً من مصرعِ أصحابهِ، فلم يلبثوا إلا قليلاً، حتى طلع عليهم على فرسِه بلعاءَ، فلما
عاين بُجيراً نزل فأكبَّ على جيفتِه يقبِّلُه ويحتضِنهُ، وأقبل بِسطامُ ومَن كان معه يركُضون حتى أتَوه،
فوجوده مُكِباً عليه، وبَلعاءُ يَعِلك لجامَه واقفاً فأسروه وأخذوا فرسه، فلما صار في يَديْ بسطام، قال: يا
أبا مليل، إني لم آخُذك لأقتلك، قال: قد قتلتَ ابني وَودِدتُ أني مكانه، أما إنَّ طعامَك عليّ حرامٌ
مادُمتُ في يدك، قال: فكان أبو مُليلُ يؤتى بالطعام فَيبيتُ يطرُد عنه الكلابَ مخافةَ أن تأكله، فيظنوا
أنه أكله هو حتى جُهِدَ، فلما رأوا جَهده، قال بشرُ بنُ قيس لأخيه بسطام بن قيس: إني لا آمَنُ أن
يموتَ أسيرُك هذا في يديك هَزلاً فتسبُّك به العربُ، فَبِعهُ نفسَه، فأتاه
(1/180)

وهو مجهودٌ فقال له: أبا مليل أتشتري مني نَفسك؟ قال: نعم، قال بكم؟ قال: بمائةٍ من الإبل، فإن لك مائةٍ بدمِ بُجير، قال: تِلادي
أحبُّ من تلادك، والدَّمُ لك، فخلني أذهب، فخلاه بسطام، وأحلفه أن لا يُعقِّبَ، أي لا يغزوهم ثانية،
فلما أتى قومه أخبرهم خبرهُ، فقال مُتمِّمُ بنُ نُويرَة:
أبلغْ أبا قيس إذا ما لقيته ... نَعامةُ أدنَى دارِه فَظَليمُ
بأنَّا ذوو جَدٍّ وأن قبيلَكُم ... بني خالدٍ لو تعلمون كريمُ
وأن الذي آلَى لكم في بيوتكم ... بِمَقْسَمِهِ لو تعلمون أثيمُ
يقول: إن الذي حلف لكم أن لا يُعقِّبُ عليكم، سيحَنثُ ولابد أن يغزوَكم ثانية.
هو الفاجعُ المُبْكي سَراة صديقِهِ ... وذو طَلَبِ يومَ اللقاءِ غَشوم
فنهجمُ أبياناً ونبكي نُسَيّةً ... بنسوتنا يوماً لهن نحيم
النحيم: البكاء والنحيب، يقال نحم يَنحِم نَحماً ونحيماً ونحماناً.
كان بُجيراً لم يقل ليَ ما ترى ... من الأمر أو ينظر بوجه قسيمِ
هذا البيت مُكفأٌ وصاحبه يكفئُ. والقسيمُ الجميلُ، والاسم منه القَسامةُ، يقال رجلٌ قسيمٌ وسيمٌ، بين
القسامَةِ والوَسامة.
(1/181)

ولو شئتَ نَجَّاكَ الكُميتُ ولم تكن ... كأنَك نَضبٌ للرجال رجيم
ويروي للرماح.
ولكن رأيتُ الموتَ أدرك تُبَّعاً ... ومَن بعدَه مِن حادثٍ وقديمِ
فيالَ عُبَيدٍ حَلفةً إنَّ خيرُكم ... بجزرةَ بين الوَعْسَتَيْنِ مقيمُ
أراد عُبيدَ بنَ ثعلبةَ بنِ يربوع. وجَزرَةُ من أرضِ الكُرمَة من بلادِ اليمامة. والوَعسُ من الرملِ اللَّينِ
المَوطُوءُ الذي قد وَعَسته السائلة:
غَدَرْتُمْ ولم تَرْبَعْ عليه ركابُكمُ ... كأنكُمُ لم تُفْجَعُوا بعظيمِ
وكنتَ كذاتِ البَوِّرِ ريعَتُ فَرَجَّعَتْ ... وهل تَنْفَعَنْها نظرةٌ وشَميمُ
يقول: كنتَ كالناقةِ التي نُحِرَ ولدُها فجاءت تشمُّه وترأَمُه، وهل ينفعها ذاك، فكذاك أنا لا أسكُن حتى
أثأرَ به.
أطَافَتْ فسافَتْ ثم عادَتْ فَرَجَّعتْ ... ألا ليس عنها سَجْرُها بِصَريمِ
سافت شمَّت، والسَوفُ الشَّمُّ، وسَجرُها حنينُها، يقول: ليس حنينُها بمنصرم.
وقال مالكُ بنُ نُويرةَ يهجو بني سَليط ويعيِّرُهم فِرارَهم وانصرافَهم عن أصحابهم:
(1/182)

لحا الله الفوارسَ مِن سَليطٍ ... خصوصاً إنهم سَلِموا وآوبوا
أجئتم تطلبونَ العُذْرَ عندي ... ولم يُخْرَقْ لكم فيها إهابُ
دَعَتْكُم خَلْفَكُم فأجبتموها ... مَجازِمُ في أعاليها الجُبَابَ
المجازِمُ الأسقِيةُ المملوءةُ، والجبابُ شبيهٌ بالزُّبدِ يعلو لَبنَ اللِّقاح.
كفِعلكُمُ غداةَ لِوَى حَييِّ ... فهذا من لقائِكِمُ عذابُ
إذا لاقيتُمُ أبدا فَضَحتُمَ ... ذمارَكُمُ فليس لكم عِتابُ
فكيف بكم وقد اخزيتموها ... إذا ذُكِرَ الحفَائِظُ والسِّبابُ
وكانت جعفرٌ لو صادفتها ... هُمُ أصحابُ نَجدتِها فغابوا
وهذا جعفر بن ثعلبة بن يربوع، جد عتيبة بن الحارث.
ولو شَهِدَ الفوارسُ من عُبيدٍ ... لراثَ لِرَهْطِ بِسطامٍ إياب
ولو سَمِعَ الدُّعاءَ بنو رياحٍ ... لجاء فوارسٌ منهم غِضاب
فلا تَبْعَد فوارِسُنا وجادت ... على أرضٍ ثَوَرْا فيها الذِّهاب
وقال مالكُ بن حِطَّان، وهو في المعركة قبل أن يموت:
لَعَمِري لقد أقْدمَتُ مُقَدَم حارِدٍ ... ولكنَّ أقرانَ الظُّهورِ مَقَاتِلُ
الأقرانُ الأعوانُ، الواحد قِرنٌ. الظَّهرُ هو الناصرُ.
(1/183)

ولو شَهِدَتْني من عُبَيدٍ عصابةٌ ... حُماةٌ لخاضوا الموتَ حيثُ أُنازِل
بكلِّ لذيذٍ لم يَخُنْهُ ثِقافُهُ ... وعضبٍ حُسامٍ أخلصَتْهُ الصَّياقِل
وما ذَنْبُنا أَنَّا لَقِينا قَبيلةً ... إذا وَاكَلَتْ فرسانُنا لا تُواكل
يُساقونَنا كأساً مِنَ الموتِ مُرَّةً ... وعرَّدَ عنا المُقرِفونَ الحَناكِل
الحناكلُ القِصارُ الأفعالِ، واحد حَنكل. وعَرَّد فرّ.
فليت سُعيراً كان حَيْضاً بِرَجلِها ... وليت حُجَيراً غَرَّقته القوابل
إذا مات الصَّبيُّ في الرَّحِم فقد غَرَّقتهُ القوابل.
ولَيَتُهُم لم يركبوا في رُكُوبنا ... وليت سليطاً دونَها كان عاقِل
رُكوبٌ جمعُ رَكبٍ، وعاقلُ وادٍ ببلاد قيس، وهو اليوم لباهلةَ بنِ أَعصُر.
فما بين مَن هاب المِنَيَّةَ منكم ... ولا بيننا إلا ليالٍ قلائل
وقال لُقيمُ بنُ أوسِ الشَّيبانيُّ في ذلك، ويذُكرُ أن الملبِّد قال: إنما قَتل لُقيمٌ بُجيراً حسداً لأنه أسَرهُ:
إني وبيت الله لولا شدَّتي ... لَشَتَا المُلبِّد في رِجامٍ مُوْصَدِ
أو غَيرَ ذلِكُمُ رهينةَ ماغثٍ ... بفوارسٍ شربوا سِمامَ الأسْوَد
لَحِقُوا وَدَعْواهم عُبَيدٌ كُلُّهم ... فَلَقُوا مناياهم حِمامَ المَرْصَدِ
أَفَكَانَ شكري أنْ زعمتَ نَفَاسَةٌ ... نَقْذِيكَ أمسِ وليتني لم أشهد
(1/184)

نَقذِيك من الاستنقاذ أي استنقاذي إياك.
جَلَّلتُ مَفْرِقَهُ وما هلهلتُه ... لَيْنَ المَهَزِّ وصارماً لم يَنْأَد
هَلهَلتُهُ لَبَّثتُهُ - وأنشد:
هَلْهِلْ بِكَعْبٍ بعد ما وقعت ... فوق الجبينِ بساعدٍ فَعْمِ
لمَ يَنأدِ لم يَعوجّ ولم يَنثنْ.
وقال غسان:
أَيَرْجُو جَريرٌ أَنْ يَنَالَ مَسَاعِي الْ ... كِرَامِ بآبَاءٍ لِئَامٍ جُدُودُهَا
فأجابه جرير:
لَقَدْ وَلَدَتْ غَسَّانَ ثَالبةُ الشَّوى ... عَدُوسُ السُّرى لاَ يَقْبَلُ الْكَرْمَ جيدُهَا
ورُوى ثالِثةُ، جعلها كالضَّبُع تمشي على ثلاث والثَّالِبة المعِيبةَُ، أراد أنها مُشقَّقةُ القَدمين من الرَّعي،
والعدُوس الدائمةُ السُّرى، والكَرمُ القِلادة، ورُوى باليةُ الشَّوى يعني القوائم.
(1/185)

جَبَيْتَ جَبَا عَبْدٍ فأَصْبَحتَ مُورِداً ... غَرَائِبَ يَلْقىَ ضَيْعَةً مَنْ يَذُودُهَا
جَبيت جمعتَ وجَبوتَ أيضاً، هذا مثلٌ، يقول: جمعتَ جمعَ عبدٍ فعجزتَ حين وردت عليك قوافيَّ أن
تنقضَها، كما يعجِزُ الضعيفُ عن ذِيادِ الغرائبِ عن الماء.
أَلمْ تَرَ يا غَسَّانُ أَنَّ عَدَاوَتِي ... تُقَطِّعُ أَنْفَاسَ الرِّجالِ كَؤُودُهَا
الكؤُودُ العقبةُ الصَّعبةُ المَصعدِ، يقال: عَقبةٌ كَؤودٌ وكَأداءُ.
قال أبو عمرو: وكان غسانُ بنُ ذُهيل حَدُثاً، أي حَسن الحديث، وكان جالساً يُنشِد لبيدَ بن عُطارد بنِ
حاجبِ بنِ زُرارة بالكُناسَة ويحدِّثُه، فجاء رجلٌ من بني عُليم بنِ جٌنابِ، ثم أحدُ بني مَصاد، يقال له
جَنباءُ، وذاك حين اجتمع الناسُ على معاوية، فقال: مَن هذا الذي يُنشِدُكم؟ قيل له: غسَّانُ بنُ ذُهيلٍ
السَّليطيُّ، فقال: أنت الذي تُغيرُ على الناس؟ فقال له غسانُ أنا الذي بلغك. فقال جَنباءُ، أما والله لو
أَغرت على رجلٍ حرٍّ بعدُ، لقد فطمك. وكانت تميمُ حالفت كَلباً بعد قتل عثمانٍ، في الفتنة، فكَفل على
بني تميم، أحدُ بني دَيسق اليربوعي، وعلى كلبٍ رجلٌ من بني عُليم. فقال غسان: هل لك أن أُخَالِعك
الحِلف وأُغاوِرَك؟ ففعل. فأغار غسَّان على الكَلبيِّ مع أخويهِ معنٍ وسَليطٍ ابني ذُهيل ودَوسرٍ بن غسان، فتَنقَّى خمسين من كرائِم إبلهِ، فبعث بها مع ابنه دَوسر إلى هَجر، فبَيَّعها فزحفت بنو ثعلبة إلى
بني سَليط، فحملها قيسُ بنُ حنظلةَ بنِ النَّطف السَّليطيُّ عن أخواله، وأُمُّ قيس بنِ حنظلة قُتيلةُ بنتُ
عبدِ عمروٍ من بني عوف بنِ حارثةَ، رهطِ غسان، فقال
(1/186)

غسانُ في ذلك، وجاء الكلبي ينشُد إبِلَه:
يُسَائِلُني جَنْبَاءُ أَيْنَ مَخَاضُهُ ... فَقُلتُ لَهُ لاَ تَعْلُ عَثْرَةُ تَاعِسِ
حَوَاهَا اُمْرؤٌ سَهْلٌ إذَا هُوَ بَاعَهَا ... وَإنْ وُكِسَتْ أَثْمَانُهَا لَمْ يُمَاكِسِ
قَلِيلُ الُسِّوَامٍ غيْرَ دِرْعٍ حَصينَة ... وأَبْيَضَ مِمَّا أَخْلَصَ الْقَيْنُ يَابِسِ
يقول: هو صُلب الحديدِ، ليس بأنيث، وذلك مما يُمدح به السيفُ.
كَفَاكَ فَأَلْهَاكَ ابْنَ نَثْلَةَ بَعْدَهَا ... عُلاَلَةُ بَيُّوتٍ مِنَ المَاءِ قَارِس
أخبره أنه أَبدَلهُ عن البانِها شُربَ الماءِ القَراح، والقارِسُ الباردُ، والبيُّوت ما بات في الحياض. وابنُ
نَثلة جَنباء هذا.
تَسُوفُ أَدَاحِي النَّعَامِ إفَالُهَا ... بِقُودِ الْهَوَادي مُشرِفَاتِ البَرَاعِسِ
الأداحي مواضعُ بَيض النَّعام، واحدها أَدحَى. وإفالُها أولادُها، واحدها أفيل. خبَّر أنها تراعي الوحشَ
لِعزَّة قومِها، آمنةٌ أن يُغارَ عليها. والبرَاعسُ الكرامُ واحدها بِرعِيسٌ.
لَهَانَ عَلَيْهَا مَا يَقُولُ ابنُ دَيْسَقٍ ... إذَا مَارَعتْ بَينَ الِّلوى فَالعَرائِسِ
تُحَضِّضُ حَمَّاداً لِيَسْعَى بِذمَّةٍ ... عَلَيْكَ بِرَهْطِ الأَبْلَخِ المُتَشاوِسِ
(1/187)

أراد حمادَ بنَ الربيع، أحد بني عاصم بنِ عُبيد بن ثعلبةَ بنِ يربوع، وكان جَبناءُ مجاوِراً حمَّاداً هذا،
والأبلخ المتكِّبرُ.
إذَا هِيَ حَلَّتْ بَيْنَ سَعْدٍ وَمَالكٍ ... وَعَمْرٍ وأُجيرَتْ بِالرِّمَاحِ المْدَاعِسِ
سعدٌ ومالكٌ ابنا زيدِ مَناة، وعمرُو بنُ تميم، والدَّعس الطَّعن.
بَنِي طارق أَوْفُوا بِذِمَّةٍ جَارِكُمْ ... وَلاَ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
فأجابه جريرٌ عن جَبناءَ، وحضَّ عليه بني عاصمٍ، وعيَّرهُ الغدرَ بجارِ بني يربوعٍ فقال:
أَلاَ حيِّ أَطْلاَلَ الرُّسٌومِ الدَّوَارِسِ ... وَآرِيَّ أَمْهَارٍ وَمَوْقِدَ قَابِسِ
لَقْد خَبَّرَتني النَّفْسُ أَنِّي مُزَايِلٌ ... شَبابِي وَوَصْلَ المُنْفِسَاتِ الأَوَانِس
وَأَصْبَحْتُ مِنْ هِنْدٍ عَلَى قُرْبِ دَارِهَا ... أَخَا الْيَأسِ أَوْرَاجٍ قَليلاً كَآيس
وَطَامِحَةِ العْيْنَيْنِ مَطْرُوفَةِ الهَوَى ... عَنِ الزَّوْجِ أَوْ مَنْسُوبَةِ الحَالِ عَانِسِ
العانسُ التي كَبِرت في منزل أهلِها ولم تُزوَّج، وقولُه منسوبةُ الحالِ أراد أنها كريمةٌ، طامِحةُ العينين
تطمحُ عينُها إلى غير زوجِها إذا كانت فارِكاً، والفاركُ المُبغِضةُ لزوجها، ومطروفة الهوى تَطرِف
الهَوى من هاهنا إلى هاهنا، كأنها تستطرفُ غير زوجِها.
(1/188)

بَنِي عَاصمٍ أَوْفُوا بِذمَّةِ جَارِكُمْ ... وَلَمْ تَضْرِبُوا مِنْهَا بِرَطْبٍ وَيابِسِ
يقول: لم يلحقكم شيءٌ من العيبِ، رطبٌ ولا يابسٌ. ورُويَ وَلم تُضرَبوا.
إذا مَا دَعَا جَنْبَاءُ قَالَ ابْنُ دَيْسَقٍ ... لَعَالَكَ فِيهَا عَالياً غَيْرَ تَاعِسِ
إذا عثَر الشَّابُّ قيل لعاً لك، دعاءٌ كأنه قال: نَعشكَ اللهُ ورَفعك.
جَرَتْ لأخِي كَلْبٍ غَدَاةَ تَأَبَّسَتْ ... عُبَيْدٌ بِرَدِّ البُزْل مِنْهَا القَنَاعِس
جرت لأخي كلبٍ يعني جنباءَ، والقناعِسُ من الإبلِ الثِّقالُ، الواحدُ قِنعاسٌ.
ألاَ إنَّ حَمَّاداً سُيُوفيِ بِذمَّةٍ ... عَلْيْكَ وَرَدِّ الأبْلَخِ المُتَشَاوِسِ
حمادُ بنُ الربيع أحدُ بني عاصم بنِ عُبيد. الأبلخُ المُتَعظِّمُ. والمنشاوسُ الذي ينظر بمؤخَّرِ عينه كِبراً.
أَلَسْتُمْ لئاماً إذْ تَرُومُونَ جَارَهُمْ ... وَلَوْلاَهُمُ لَمُ تَدْفَعُوا كَفَّ لاَمِس
(1/189)

يقول: لولا بنو ثعلبةَ، لم تدفع عنهم بنو سليط كفَّ لامِس، وكانوا نُهزَةُ لمن أرادهم.
فَانَّكَ لاَقٍ لِلأغَرِّ ابْنِ دَيْسَقٍ ... فَوَارِسَ سَلاَّبينَ بَزَّ الفَوَارِس
فَلاَ أَعْرِفَنَّ فَنَّ الخَيْلَ تَعْدُو عَلَيْكُمُ ... فَتَطْعُنَ في ذِي جَوْشَنٍ مُتقَاعِسِ
في ذي جوشنٍ: رجلٌ ذو جوشنٍ، والجوشنُ الصَّدرُ. متقاعسٌ: متأخِّرٌ عن الحرب.
إذَا اطَّرَدُوا لم يَخفَ دَاءُ ظُهُورِهُمْ ... عَلَى مَارَبَا مِنْ نَخْضِهَا المُتَكَاوِسِ
يعني لم يخفَ انتفاخُ أجوافِهم من الجُبن. وتكاوسُ اللحمِ انتفاخهُ. والنَّخضُ اللحمُ.
وقال جريرٌ ولم يُسمع لها بنقيضة:
تَلْقَى السَّليطيَّ والأبطَالُ قَدْ كُلِمُوا ... وَسْطَ الرِّجَالِ بَطيناً وَهُوَ مَفْلُولُ
لَمْ يَرْكبُوا الخَيْلَ إلاًّ بَعْدَ مَا هَرِمُوا ... فَهُم ثِقَالٌ عَلَى أَكْتَافِهَا مِيلُ
فقال رجلٌ منهم: أدام الله لهم البِطنة والسلامة. والأميلُ من الرجال الذي لا يستوي على السرج إذا ركب.
(1/190)

ومما قال جريرٌ لبني سَليطٍ ولم توجد له نقيضة:
جَاءَتْ سَليطٌ كَالحَميرِ تَرْدِمُ ... فَقُلْتُ مَهْلاً وَيَحْكُمْ لاَ تُقْدِمُوا
تَردِمُ تَحبقُ، والحبقُ الضُّراطُ، وهو الرَّدام. معناه لا تقدموا عليَّ.
إنِّي بأَكْل الحَائِنينَ مُلذَمُ ... قَدْ عَلمَتْ أُسَيِّدٌ وَخَضَّمُ
أنَّ أَبَا خَزْدَةَ شَيْخٌ مُرْجَمُ
المُلذمُ المولعُ بالشيءِ، يقال لذِم بالشيءِ وغَرِي به وسَدِك به وعَسِك به ولَكَى به ولَغِي به وعَسِق به
بمعنى واحد.
إنْ عُدَّ لُؤْمٌ فَسَليطٌ أَلأَمُ ... مَا لَكُم أسْتٌ في الْعُلا وَلاَ فَمُ
وَلاَ قَديمٌ في الْقَديمِ يُعْلَمُ
وقال لهم أيضاً ولم نجد له نقيضةً:
إنَّ سَليطاً كَاسْمِهَا سَلِيطُ ... لَوْلاَ بَنُو عَمروٍ وَعَمْروٌ عِيطُ
قُلْتُ دِيَافِيُّونَ أَوْ نَبِيطُ
(1/191)

عمرو بنُ يربوع وهم حلفاءُ سَليط، والعِيطُ الطِّوالُ الضِّخامُ، واحدُهم أَعيَطُ، والمرأة عَيطاءُ، لا
يُعطون أحداً طاعةً، وأصلهُ من قولهم، اعتاطت الناقةُ إذا أبتْ أن تحمل. ودِيافُ قريةٌ بالشَّام، قلت:
هم نَبيطُ الشام، ونبيطُ يعني نَبط العراق. والسَّليط الحديدُ اللسانِ، يقال سِكينٌ سليطٌ.
وقال لبني سَليطٍ ولا نقيضة لها:
نُبِّئْتُ غَسَّانَ بْنَ وَاهصَة الخُصَى ... بِقُصْوَانَ فيِ مُسْتَكْلِئِينَ بِطَانٍ
المُستكلِئون أهل الكلاءِ والخِصب. البِطان الشِّباعُ.
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَيَّ ضَبَّةَ أَطْرَقُوا ... عَلَى مَالَقُوا من ذِلَّةٍ وَهَوان
أي سكتوا وأقرُّوا بالذُّلِّ في موضِعهم.
خَرَجْتُ خُرُوجَ الثَّوْرِ إذْ عَسِكَتْ بِه ... مُقَلَّدَةُ الأَوْتَار غَيْرُ سَمان
شبَّه نفسه بالثَّور تكتنِفه الكلابُ، فيقتُل فيها ويجرَح ويُفلِت سالماً.
وذكروا أن بني سليطٍ بعثوا ربيئةً لهم على فرسٍ، فنام الرِّبيئةُ، ونفَرت الفرسُ، فلم يدرٍ كيف أُخذت،
وذهبت نازعةً إلى أوطانها، وجاء
(1/192)

الجيشُ الذين كانوا يتَوقَّعُهم بنو سليطٍ فوجدوا الرَّبيئةَ نائماً فجاوَزوه
إلى الحيِّ، فاكتسحوهم، فقال في ذلك جريرٌ ولا نقيضةَ لها:
ولَعَمْرِي لَقَدْ نَامَ السَّلِيطِيُّ نَوْمَةً ... عَلَى حَزَّةٍ مَا كَانَ حُرٌّ يَنَامُهَا
لَقَدْ نَفَرَتْ مِنْ ريحهمْ أَعْوَجِيَّةٌ ... مِنَ الْجُرْدِ لَمْ يَعْرِفْ سَلِيطاً لِجَامُهَا
الأعوجيةُ منسوبةٌ إلى أعوجُ، فَرس لبني هلال بن عامر بن صَعصَعة، وكانت أُمُّه سَبلُ لِغنيِّ بن
أعصُر بن سعد بن قيس بن عيلان بنِ مُضر، وكانا من أجودِ خيلِ العرب.
قال أبو عبيدة: حَدَّثني أبو منيعٍ الكُليبيُّ، قال: كان جريرٌ يقول لولا ما فعل العبدُ ابنُ أُّمِّ غسَّان،
لنشرتُ من أيَّام بني سليط مالا يَبيدُ جدَّ الدَّهر، أو حيريَّ الدَّهر، - وجدَّ الدَّهر في معنى يدَ الدَّهر،
يريدُ أبداً - قال: وكانوا فرساناً. قال: ولقي فَضالة أحد بني عَرين بن ثعلبةَ بن يربوع - وكانت أمُّ
فَضالة هنداً بنتَ حوطِ بن قِرواش بن حُصين بن ثُمامة بن سيف بن جاريةَ بن سَليط - جريراً فقال
له: أَتشتِمُ أخوالي؟ أمَا والله لأقتلنَّك. وأما العُرنِيُّ الشاعر، فزعم أنَّ الذي لقي جريراً عبد الله بن
فَضالة. فقال جرير:
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبَتْ لتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي
(1/193)

عَرينٌ مِنْ عُرَيْنَةَ لِيْسَ مِنَّا ... بَرِئْتُ إلى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينِ
عَبِيداً مُسْبَعينَ لِعَبْدِ قَيْس ... مِنَ الْقِنِّ المُوَلَّدِ والْقَطِينَ
قُبَيِّلةٌّ أَنَاخَ اللُّؤْمُ فِيها ... فَلَيْسَ الُّلؤْمُ تَارِكَهَا لِحِين
فَنِعْمَ الْوَفْدُ وَفْدُ بَنِي رِيَاحٍ ... ونعم فَوَارِسُ الفَزْعِ اليَقِينِ
عَرَفْنَا جَعْفَراً وَبَنِي عُبَيْدٍ ... وَأَنْكَرَنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
الزَّعانف الأتباع، واحدهم زعنِفةٌ، وهو مأخوذٌ من زعانف الثَّوب وهي أهدابُه.
وذكر مِسحل بن كُسيب قال: وَلدت كهفةُ بنتُ مصادٍ الطائي أحد بني نبهان لِثُمامة بن سيف بن
جارية بن سَليط خمسةً سَلمة وأبا بَراءٍ وشجاراً وحُصيناً وقُتيباً بني ثُمامة، فأتى العنَّاب أعورُ بني
نبهان، واسمُه نُعيم بن شريكٍ، بني أُخته هؤلاء الذين سميناهم يسترفِدُهم في حَمالةٍ، او حفر ركيةٍ،
فأعطوه فأرضوه وزيَّنوا له أن يسأل جريراً، وكان جريرٌ لا يعطي أحداً لا يخافُه. قال مِسحل حدَّثتني
أُمي زيداءُ بنت جريرٍ قالت: بينما نحن بالجلاميد من الحَزن، إذا نحن بِبلقٍ قد ضُرب بناحيةٍ منَّا،
وكان جريرُ أشدَّ الناس فَرقاً من السلطان، فلما رأى البَلق، كاد يموت، فبعث من يسألُ، فقِيل له: هذا
الأعور النَّبهانيُّ، فدعا بجفنة فملأها زُبداً، وملأ أخرى من بَرنِيِّ هَجر، ووَطبٍ من لبنٌ فبعث به إليه،
فلما وُضِع بين يديه، قال: ما هذا؟
(1/194)

وجعل يُتَفِّف عليه، فأبلغ الرسول جريراً ذلك، فلما أصبح النَّبهاني
وجريرٌ جالسٌ في كُسيحةٍ له أمام بيته - والكُسيحة الموضع يُكسح ويُجعل حَواءً يُصَّلى ويُجلس فيه
- وقد صَّلى الصبح وكان لا يتكلم إذا صلَّى الصُّبح حتى تطُلع الشمس ولو تناحر الحيُّ، فلما طلُعت
الشمس، والنبهاني قاعدٌ قد سأله فلم يُجبه، قبل ذلك، أقبل عليه جريرٌ حين طلعت الشمس، فقال: أما
والله إنك لغنيٌّ مُقو ولو شئت لاكتفيت فقد بلغنا خَبرُك. وإنما أراد بنو ثمامة أن يمنعه جريرٌ فيهجوه.
قال: وحول بيت جرير بيوتٌ كثيرةٌ، فقال له جرير: ما مِمَّن ترى إلا واجبُ الحقِّ لا أجد له مَدفعاً،
وما كُل الحقِّ أنا واسعُ له، فانصرف راشداً أحسن الله إليك، فانصرف، فهجا جريراً فقال:
قُلْتُ لَهَا أُمِّي سَليطاً بأَرضِهَا ... فَبِئْسَ مُنَاخُ النَّازِلِينَ جَرِيرُ
وَلَوْ عْندَ غَسَّانَ السَّليطيِّ عَرَّسَتْ ... رَغَا قَرَنٌ مِنْهَا وَكَاسَ عَقيِرُ
القَرن البعير المقرون، ويقال: قد أرغى فلانٌ لفلانٍ، إذا قرن له بعيراً فأعطاه، ويقال سألتُ فلاناً فما
أرغاني ولا أثغاني، أي ما أعطاني شاة تثغو، وكَاس عَقير يريد عَقر له بعيراً فقام على ثلاث. يقول
لو نزلتُ بغسان لأعطاني جملاً يرغو في قرن، أي في حبل، وعقر لي آخر.
وأَنْتَ كُلَيبيٌّ لكَلْبٍ وكَلْبَةٍ ... لَهَا عنْدَ أَطْنَاب الْبيوتِ هَريرُ
(1/195)

فقال جرير يرد عليه:
عَفَا ذُو حَمَامٍ بَعْدَنا وَحفيرُ ... وَبالسِّرِّ مَبْدى منْهُمُ وَمَصيرُ
تَكَلَّفُها لاَ دانياً منْكَ وَصْلُتَها ... وَلاَ صَرْمُهَا شَيْءٌ عَلَيْكَ يَسيرُ
فَإِنْ يُسْلِمِ الله الرَّوَاسم بالضُّحى ... وَمرُّ القَوَافي يهتدي ويجور
الرَّواسم الإبل، والرَّسيم سيرٌ رفيعٌ. ويروى، لئن سلم الله المراسيل بالضحى. المراسيل الإبل السهلة
الناجية، الواحدة مِرسال، يقول: مَرُّ القوافي يهتدي فيبلغ من قيل فيه وتجور عنهم أيضاً إلى قومٍ
آخرين. وروى أبو عمرو: فإن سلم الله الرواسيم بالضحى.
تُبَلِّغْ بَني نَبهانَ منِّي قَصَائداً ... تَطَالَعُ منْ سَلْمَى وَهُنَّ وُعُورُ
سلمى لبني نبهان خصوصاً، واسمُ نبهان أسودان، وإنما سُمِّي نبهان لأنه حضنه عبدٌ لأبيه يقال له
نبهان، فغلب عليه اسمه وأجأ لِثُعل وسائر بني الغوث، ورُوِى لتعِترفن نبهانُ مني قصائداً وروى
اليربوعيُّ:
إذا ما علت جَوْزا من الرَّملِ طالَعَتْ ... خَنَاذيذَ من سَلمى ...
قال أبو عبيدة: الخناذيذُ المشرفة من الجبال والخيل.
إذَا حَلَّ مِنْ نَبْهَانَ أَرْبابُ ثَلَّة ... بأَوْسَاطِ سَلْمَى دقَّةٌ وفُجُورُ
الثَّلة القطعة من الغنم، وروي بأوشالٍ، والوشل الماء يغدرُه السَّيل في النُّقرة، تكون في أعلى الجبل،
وفي الصخرة. الدِّقة من لُؤم
(1/196)

الأصل.
تَرَى قَزَمَ المعْزى مُهُورَ نسَائِهِمْ ... وَفي قَزَمِ المْعزى لَهُنَّ مُهُورُ
وروي تُساق من المِعزَى مهور نسائِهم. القزم العليلة، واحدتها قَزمةٌ ورُوي ترى شرط المعزى،
وشرطُ المال أخسُّه وشِراره. يقول: ليس تبلُغ أقدارهم أن تمهر نساؤهم الإبل إنما يُمهرون خَسيس
المِعزى.
تَغَنَّى ابْنُ نَبْهَانيَّةٍ طَالَ بَظْرُها ... وَبَاعُ ابْنَها عنْدَ الفِضَالِ قَصيرُ
وروي ألست لنبهانيَّة، وروي ألست ابن نبهانية، وروي يوم الحِفاظ.
كَثيرةُ صئْبَان النِّطَاقِ كَأَنَّها ... إذَا رَشحَتْ منْهَا الْمَغَابِنُ كيرُ
الكِير موضع النار للحدَّاد، والكُور الرَّحل، والنِّطاق خيطٌ تشدُّ به المرأة وسطها إذا اعتملت فيكثر
لزومه لها، حتى تكثُر صِئبانُها لدوامه عليها. ومغابِنها مراقُّ بطِها يُخبِر أنها دَنيَّة تُباشر العمل.
وَجَدْنَا بني نَبْهَانَ أَذْنَابَ طَيَّءِ ... وَللنَّاسِ أَذْنَابٌ تُرَى وَصُدُورُ
وَأَعْوَرَ منْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهِارُهُ ... فَأَعْمى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصيرُ
أي هو أعمى النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسَّوءات، يسرق ويزني.
وَاَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ يَعْوي وَدُونَهُ ... مِنَ اللَّيْلِ بَابَا ظُلْمَةٍ وَستُورُ
يريد ظُلمة دونها ظلمة، يعوي يقول عوى وهو مُضلٌّ ببلد، فهو
(1/197)

يستنبحُ الكلاب لتجيبه فيستدلُّ بها على الناس.
دَعَا وَهُوَ حَيٌّ مِثْلُ مَيْت فَانْ يَحنْ ... فَهَذا لَهُ بَعدْ الممَاتِ نُشورُ
يقول: هذا القِرَى له حياةٌ بعد موته لبقاء الهجاء له في الناس.
رَفَعْتُ لَهُ مَشْبُوبَةً يُهتَدَى بِهَا ... يَكَادُ سنَاهَا في السَّماء يَطِيرُ
مشبوبة أراد ناراً مُشعلة. سناها ضوؤها.
فَمَا رَاعَنَا إلاَّ يُضَاحِكُ نَارنَا ... عَرِيضُ أفَاعي الْحَالبَيْنِ ضَريرُ
أراد أن عروق بطنه لهزاله باديةٌ كالأفاعي من الضُّرِّ، ويروى فلما استوى جَنباه ضَاحك نارنا
عريض، ويروى عظيم. ضرير الجسم سيُّء الحال. وقوله فلما استوى جنباه يعني حين شَبِع فاعتدل.
أَخُو البْؤْس أَمَّا مَا بَدَا مِنْ عظَامِهِ ... فَبَاد وَأَمَّا مُخُّهُنَّ فَرِيرُ
وروي أخو البؤس أما لحُمه عن عظامِه فَعار. الرَّير المخُّ الرقيق وإذا هُزِلت الدابةُ رقَّ عظمُه
ومُّخه، وإذا سَمِن رقَّ مُّخه وغلُظ عظمُه.
فَقُلْتُ لعَبْدَيْنَا أَدِرّاَ رَحَاكُمَا ... فَقَد جَاءَ رَجَّافُ الْعَشيِّ جَرُورُ
ويروى فقد جاء زحَّاف العشاء جرور، زحَّاف العشاء يزحف إلى العشاء، وجرور يجُرُّ ما في الإناء
إليه.
أَبُو مَنْزِلِ الأَضْيافِ يَغْشَوْنَ نَارَهُ ... وَيَعْرفُ حَقَّ النَّازِلِينَ جَريرُ
إذا لَمْ يُدِرُّوا عَاتماً عَطَفَتْ لَهُمْ ... سَرِيعَةُ إبْشَار اللِّقاحِ دَروُرُ
(1/198)

العاتم التي يتأخَّر حلبُها حتى يذهب صدرٌ من الليل، ومن هذا صلاةُ العتمة. ويقال عَتمت الإبل
واعتمت، يقول: إذا لم يكن لبَنٌ يُقرى منه الضِّيفان عقرت لهم ناقة كريمة رِبعيَّة، والرِّبعي من النِّتاج
واللَّقاح أوّله وهو أجوده، ويقال أبشَر وبَشَّر وبَشَر بمعنى واحد، وهو أن تشُول بذنبها، يقال منه ناقةٌ
مُبشرٌ.
وقال جرير لعنَّاب هذا ولا نقيضة لها:
مَا أَنْتَ يَا عَنَّابُ مِنْ رَهْطِ حَاتمٍ ... وَلاَ مِنْ رَوَابي عُرْوَةَ بِنَ شَبيبِ
الرَّابية ما أشرف من الأرض شبَّه عُظماء الرجال لها، عُروة رجل من جَدِيلة طيِّء.
رَأيْنا قُروماً مِنْ جَديلَة أَنْجَبوا ... وَفَحلُ بَني نَبْهَانَ غَيْرُ نَجيبِ
وَسَوْدَاءُ مِنْ نَبْهَانَ تَثْني نِطَاقَها ... بأَخْجَى قَعُورٍ أَوْ جَوَاعِرَ ذِيبِ
الأخجى الكثير الماء القامِسَة، والقعور البعيد المِسبار، وهو أخبث له. وقوله أو جَواعر ذيب، يعني
أنها رَسحاء لا أليين لها مثل الذيب، قعورٌ له قعرٌ وهو الحِرُ. والجاعرتان رأسا الفخذين من تحت
الذَّنب، والغُرابان رأساهما من فوق الذَّنب والحَجبتان رأساهما المُشرفان على الخاصرتين.
إذا ضَحكَتْ شَبَّهْت أَضْرَاسَهَا الْعُلى ... خَنَافِسَ سُوداً في صَرَاةِ قَليبِ
الصَّراة الماء المجتمع المُتغِّير، يقال شاة مُصراةٌ إذا حُفِّلت فلم تَحلب حتى يجتمع لبنُها. قال ابن
حبيب: من هاهنا روى المفضل.
(1/199)

وكان الذي هاج بين جرير والفرزدق الهجاءَ، أن البَعيث المُجاشعيَّ سُرقت إبله، سرقها ناسٌ من بني
يربوع، يقال لهم بنو ذُهيل، فطلبها البعيث، حتى وجدَها في أيديهم. واسم البَعيث خِداش بن بشِر بن
خالد ابن الحارث بن بيبة بن قُرط بن سفيان بن مجاشع، وإنما بَعَّثة بيتٌ قاله:
تَبَعَّثَ منِّي ما تَبَعَّثَ بعدما ... أُمِرَّتْ قُوَاي واستمرَّ عزيمي
فلما وجدَها البعيث في أيديهم قالوا: إنما كانت مع لصٍّ فانتزعناها منه، وكانت بينه وبينهم ضَربة
رَحِم من قِبل النَّوار بنت مُجاشع ن وكانت وَلدتهم. وغسان بن ذُهيل السَّليطي يومئذٍ يهاجي جريراً،
فجَعل البعيثُ يقول: وجدنا الشَّرف والشِّعر في بني النَّوار بنت مجاشع، فبلغ ذلك عطية بنَ جِعال
أحد بني غُدانة بن يربوع، فقال: وما أنت وهذا يا بَعيث، أتدخلُ بين بني يربوعٍ وأنت رجلٌ من بني
مجاشع.
فبلغ ذلك جريراً فأنشأ يقول:
طَافَ الْخَيالُ وَاَيْنَ منْكَ لِمَامَا ... فَارْجِعْ لِزَوْرِكَ بِالسَّلاَمِ سَلاَمَا
أراد طاف الخيال لِماماً وأين هو منك، والزَّورُ الخيال بعينه، ويقال رجلٌ زورٌ وامرأةٌ زور ونِسوةٌ
زورٌ وقومٌ زورٌ، وكذلك في التثنية،
(1/200)

وأنشد:
ومشيُهُنَّ بالخُبَيْبِ مَوْرُ ... كما تَهادَى الفَتَياتُ الزَّوْرُ
يَسْأَلْنَ بالغَوْرِ وأينَ الغَوْرَ ... والغَوْرُ مِنهنَّ بعيدُ جَوْر
فارجع لِزورِك أي فارجِع عليه السلام كما سلَّم عليك.
فَلَقَدْ أَنَى لَكَ أَنْ تُوَدِّعَ خُلَّةً ... فَنَيْت وَكَانَ حبَالُهَا أَرْمَامَا
الخُلَّة المودَّة، والأرمام الأخلاق، واحدها رِم. وروى أبو عبيدة وعاد حبالُها.
فَلَئِنْ صَدَرْتَ لَتَصْدُرَنَّ بحَاجَة ... وَلَئِنْ سُقيتَ لَطَالَ ذَا تَحْوَامَا
التحوام من الحَومِ حول الماء والدَّوران حوله والحائمُ هاهنا العطشان.
يَا عَبْدَ بَيْبَةَ مَا عَذيركَ مُحْلباً ... لِتُصيب عرَّة مُجرِبٍ وَتُلاَمَا
ما عذيرُك ما حالُك، وانشد:
إنَّ ربَّي لولا تدارُكُه المل ... كَ بأهلِ العِراقِ ساءَ العذيرُ
(1/201)

والعوفُ الحال أيضاً، وأنشد:
أزبُّ السَّاعِديَنِ بعوفِ سَوْءِ ... من الحيِّ الذين على قِنَانِ
والقنانُ جبلٌ لبني فقعسٍ من بني أسد.
والمُحِلب المعين، والعُرَّة الجَرب، والمُجرِب الذي قد جَرِبت إبلُه.
نُبِّئْتُ أَنَّ مُجَاشعاً قَدْ أَنْكَرُوا ... شَعَراً تَرَادَفَ حَاجبَيْكَ تُؤَامَا
أراد أنه أزبّ الحاجبين، كثيرُ شعرهما، يقال: ما أشدَّ زَبب شعرك. ويروى شعراً تَردَّف، أي رَكِب
بعضه بعضاً، تُؤاما تَنبِت شَعرتان في مكان.
يَا ثَلْطَ حَامضَة تَرَوَّحَ أَهْلُهَا ... عَنْ مَاسِط وتندَّت الْقُلاَّمَا
الثَّلطُ سَلحُ البعير، والحامضة التي تأكل الحَمض، يقال: حامِضةٌ وحَمضِيةٌ، فإذا رعت الإبل الخُلَّة
فهي خُلِّية وعاديةٌ وعُدويةٌ، فإذا رعت الطَّلح فهي طِلاحيَّةٌ. وماسِط ماءٌ لبني طُهيَّة، مِلحٌ يَمسُط ما في
بطونِها يُخرجه لملوحته وخُبثه. والقُلاَّم القاقُليُّ وهو من الحُموض. والتَّنديةُ أن تُسقى الإبل فإذا نَهِلت
نُدِّبت حول الماء في الحمِض شيئاً، ثم تُعَلُّ فلا تكون التَّندية إلا في الحمض.
أُنْبئْتُ أَنكَ يَا ابْنَ وَرْدَةَ آلِفٌ ... لِبَني حُدَيَّةَ مُقْعَداً وَمُقَامَا
(1/202)

وردةُ أمُّ البَعيث وهي من سَبي أصفهان، وكان القَعقاعُ بن مَعبِد بن زُرارة بن عُدس وَهبها لأبيه.
وحُديُّة أمُّ بني ذُهيل غسان وإخوته.
وإذَا انْتَحَيْتُكُمُ جَميعاً كُنْتُمُ ... لاَ مُسْلمينَ وَلا عَلَيَّ كِرامَا
انتحيتُكم قصدتُكم وأردتُكم. ويروى انتحيتهم أي انتحيتَهم أنت يا بعيثُ وعاونتَهم.
وَلَقَدْ لَقِيتَ مَؤونَةً منْ حَرْبِنا ... نَزَلَتْ عَلَيْكَ وَألْقَت اْلأَجرَاما
الأجرامُ جماعةُ جِرم، أراد ثِقل الحرب. وجِرم الرجل بَدنه، وجِرمُه صوته، وجِرمُه رائحتُه.
مَهْلاً بَعيثُ فَإنَّ أُمَّكَ فَرْتَنَا ... حَمْرَاءُ أَثخَنَت الْعُلُوجَ رُداما
يقال للأمة فرتنا وتُرنا، والردام الضراط. يقال: ردمَ يردمَ رُداما، يعني حبقا يعني الضراط. يقال
ردمَ يردِم، وحبقَ يحبِقَ، وحصَم وحَصَّ حُصاصا، وخبج وخضف كله بمعنى واحد.
كانتْ مُجَرَّبَةً تروزَ بكَفِّهَا ... كَمرَ العبيد وتلعبُ المهزَاما
المهزام لعبة لهم يلعبونها يُغطّى رأس بعضهم ثم يُلكم، فيقال له: من لكمك؟ فيقول: فلان، وإنما يريد
أنها امرأة جريئة تلاعب الرجال، والمهزام الدّستبند.
(1/203)

ولقد أصابَ بني حُدَيَّةَ ناطِحٌ ... ولقد بُعثتُ على البعيث غَرَاما
قال: فبلغ ذلك البعيث، فركب إلى بني الخطفى، فقال عجلتم علي، فقالوا بلغنا عنك أمرٌ، فإن شئت
قلت كما قلنا، وإن شئت صفحت، قال بل أصفح. فأقام فيهم مجاورا لهم ثلاث سنين، ثم إنه أبق له
عبدان، فلحقا بهجر، فركب عمرو بن عطية أخو جرير وعطاء بن الخطفى فردّا عليه عبديهِ بغير
جعالة. ثم إنه فارقهم راضياً، فقدم على ناس من بني مجاشع، فسألوه عن بني الخطفى، فأثنى عليهم
خيراً. فقال له رجل منهم: لحسن ما جازيتهم على الذي قالوا لك، ثم أنشده قول جرير:
نُبِّئتُ أن مجاشعاً قد أنكروا ... شَعَراً ترادَفَ حاجِبيك تؤاما
يقال لحسن ما فعلت، ولحسن ما فعلت، قال وأنشدنا أبو توبة:
لا يمنعُ الناسُ مني ما أردتُ ولا ... أعطيهُمُ ما أرادوا حَسنَ ما أدَبا
فلم يزالوا به حتى أغضبوه، فهجا البعيث بني كليب بأبيات يقول فيها:
أجريرُ أقصَر لا تَحِنْ بك شِقوَةٌ ... إن الشقيَّ ترَى له أعلاماً
فقالت بنو كليب لعطاء بن الخطفى: اركب إلى بني مجاشع
(1/204)

وأستنههم من أنفسهم، فقد قالوا كما قيل لهم. فأتاهم عطاء، فقال: أي بني مجاشع، أنتم الإخوة والعشيرة وقد قلتم كما قيل لكم فانتهوا عنا،
فأبى البعيث إلا هجاءهم، فالتحم الهجاء بين جرير والبعيث وسقط غسان.
فقال البعيث يهجو جريرا:
ألا حَيِّيا الرَّبعَ القَواءَ وسَلِّمَا ... ورَبعاً كجُثمان الحَمامَين أدهَما
القواء المكان الخالي، ويروى ونؤيا. يقال مكان قواء وقي، والجثمان جسم الحمامة يعني القمرية،
وشبه الربع وما فيه من لون الرماد والدمنة وأثر مصب اللبن وأثر بياض الأرض، بريش القمرية لما
فيه من السواد والبياض، أدهم ربع حديث العهد بالناس، قال الأصمعي ولو كان قديماً قال أغبر،
ويقال: جثمان وجسمان.
بِصارَةَ فالقَوِّينِ لأَياً عرفتُهُ ... كما عرفَ الحَبرُ الكتابَ المُنمنما
وروي فالفرقين. صارة والفرقان موضعان. وقوله لأيا عرفته أي بعد بُطء عرفته. والحبر العالم.
والمنمنم المزيّن المُصلح.
مِنَ الغاليَات في وسامٍ كأنما ... تُشابُ رُضاباً منْ سَحابٍ مُحَطَّمَا
الوسام الجمال والرضاب الريق. شبهه بماء السحاب، والمحطم الي يتحطم بماء كثير وروي لبيضاء
حلّت في وسام، وتُشاب رضابا يعني بردا. محطما مكسرا. الغاليات ذات المهور الغالية.
(1/205)

مَدَحنَا لها رَوقَ الشبابِ فعارضَتْ ... جِنَابَ الصَبّيَ في كاتِمِ السِّرِّ أعجمَا
روق الشباب وريقة أوله. ومعارضتها انقيادها. والسر الكاتم المكتوم، وهذا ضد، يقال: سر كاتم،
وشِعر شاعر، وماء دافق، ويقال للناقة الراحلة وهي مرحولة فجعلوا المفعول فاعلاً. قوله: فعارضت
جناب الصبي أي دخلت معنا فيه دخولاً ليست بمُباحته، ولكن تُرينا أنها داخلة معنا فيه، وليست
بداخلة، والصبي يعني الغزل. وقوله في كاتم السر أعجما يعني في فعل كاتم السر لا يتبينه من يراه،
وهو مستعجم على غيرنا، وهو واضح عندنا.
بَنِي الخَطفَى هل تَدفِنُنَّ أباكُمُ ... كُليباً ومَولاكُم حَراماً ليُكتَما
أراد عمرو بن يربوع، وأمه الحرام بنت العنبر. وكليب وعمرو خسيسان من بني يربوع.
فكُلُّ كُليبيٍّ عليه علامةٌ ... من اللُّؤمِ تبدو حاسراً ومُعمَّما
ويروى عمامة.
فانكَ قد جاريتَ سابقَ حَلُبَة ... نجيبَ جيَاد بينَ فرعينِ مُعلما
معلم مسوّم، ويروى معلنا يعني معروفاً يعلم مكانه.
لِزازَ حِضَارٍ يسبِقُ الخيلَ عَفوُهُ ... على الدَّفعَةَ الأولى وفي العقَب مِرجَما
العقب العدو بعد العدو، والمرجم المدفع الذي يدفع بنفسه، لزاز قوي
(1/206)

شديد، وأصل اللزاز مُتّرس الباب ويقال له الشجار.
لقى حَملَتهُ أمُّهُ وهيَ ضَيفةٌ ... فجاءتْ بِنَزّ للنُّزَالة أرشَما
اللقى الملقى المُهان. وإنما يخاطب بهذا جريراً وأن أمه حملته، وهي ضيفة لقوم، فجروا بها، أراد
أنها جاءت به نزّاً خفيفاً. والأرشم الذي ليس بصحيح ولا هجان اللون، ويقال: لقى غير منعّم ولا
ممهّد وقوله حملته أمه وهي ضيفة أي على غير تمكّن ولا تفرّش، وذلك أذكى للولد، وأحرى أن
يُنزع إلى أبيه ولا إلى أمه، نزّ خفيف ذكي شجاع، قال والنزالة النطفة والنز الخفيف قال: يعني
سرعة مائها. أرشم أصحم الوجه إلى السواد، ويقال الأرشم الذي به وسم وخطوط، ويقال: الذي
يشتمل على الطعام ويحرص عليه، ويروى من نُزالة أرشما.
مُدَامِنُ جَوعَات كأنّ عُروقَهُ ... مَسَارِبُ حَيَّات تَشَرَّبنَ سِمسِما
وروى تشربن سَمسما. وسَمسم بلد. تشربن ذهبن فيه وجئن. يقول: كأن عروقه من هُزاله وجوعه
مثل آثار حيّات غلاظ. تشربن دُهن سِمسم، مسارب حيات يقول: هو بادي العروق معصب قليل
اللحم وذلك أحق له في المجاراة.
فألقى عَصا طَلحَ ونَعلاً كأنها ... جَنَاحُ سُمانَى صَدرُها قد تَخذَّمَا
يريد أنه راع، وأن سلاحه عصا، وشبه نعله بجناح سمانى في دقتها وصغرها، يقول: إنه غير تام
الخلق وأنشد:
(1/207)

ولو أخذوا نعلَ الغَطَمَّشِ لاحتذَوا ... لأقدامِهم منها ثمانِي أنعُلِ
الغطمش رجل من بني ضبّة كان لصاً وتخذّم تقطّع.
وأبيضَ ذي تاج أشاطَت رمَاحُنا ... بمعُتركَ بين السّنَابك أقتَمَا
أشاطت أهلكت، ومعترك الحرب موضع وقعتها، والسنابك مقاديم الحوافر، والأقتم الأغبر، الغبرة
دون الكدرة ثم الكدرة ثم القترة ثم القتمة وهي أشدهن سواداً.
هَوى بينَ أيدي الخيلِ إذ خَطرَتْ به ... صُدور العَوالي ينضَحُ المِسكَ والدّما
خطرت به اهتزت فيه، لأن الطعن إذا هُزّ الرمح فيه اتسع، صدور العوالي صدور الرماح، وقوله
ينضح المسك والدما يقول: هو ملك فإذا ظهر دمه خالط ما تطلّى به من المسك ففاح ريح المسك.
ونحنُ حَدَرنَا طَيِّئاً عن بلادهَا ... ونحن رَدَدنا الحوفَزانَ مُكلَّمَا
أما يوم طيءٍ الذي ذكر فإن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، لما حضرته الوفاة أوصى
إلى عمرو بن عمرو بن عدس أن يطلب بثأره من عمرو بن ملقط الطائي، وكان هو الذي وشى بهم
إلى عمرو ابن المنذر اللخمي. وعمرو بن المنذر هو مضرّط الحجارة، فحرّق من بني تميم يوم
أوارة، تسعة وتسعين رجلاً وامرأة تمّ بها نذره، فأمر عمرا أن يُغير على طيء، فلما مات زرارة
أغار عمرو بن عمرو بن عدس على طيء فقتل بشراً كثيراً، وأفلته عمرو بن ملقط، وهو قول علقمة بن عبدة:
(1/208)

أصَبنَ الطريفَ والطريفَ بَن مالكٍ ... وكان الشِّفاءُ لو أصَبنَ الملاقِطا
إذاً علموا ما قدَّمُوا لنفوسِهم ... من الشَّرِّ إن الشرِّ مُردٍ أراهِطا
ضَرَبنا بُطونَ الخيلَ حتى تَدارَكتْ ... ذوي كَلعٍ والأشعثَين وخَثعَما
هذا يوم نجران، وكان الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، انصرف من
الكلاب، فأغار على نجران وهو في ألفين، وفيها أخلاط من اليمن من حمير وهم المتكلِّعون بلغة
حمير، وكانت القبائل إذا اجتمعت وتناصرت فقد تكلَّعت، والاسم منه التكلّع، ومنهم سُميفع بن ناكور
الكلاعي، الوافد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وله أربعة آلاف أهل بيت قن من العرب
مماليك أسرهم في الجاهلية، فسأله عمر أن يبيعهم إياه، على أن يكتب له بثلث ماله إلى الشام، وثلثه
إلى العراق، وثلثه إلى اليمن، فقال أمهلني أرُح إليك. فلما راح قال: ما صنعت؟ قال: قد أعتقهم لله،
وقُتل بعد مع معاوية بصفين. والأشعثان الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن جبلة الكندي وأخو
الأشعث. وخثعم هو أفتل بن أنمار أخو بجيلة، قال بن الكلبي إنما سمي خثعماً بجمل كان له. فهزم
جمعهم الأقرع بن حابس وغنم وسبى. قال ابن حبيب كان هشام يقول معدا كرب.
وكلُّ مَعَدٍّ قد جَزينا قُرُوضَهُم ... فبُؤسَى ببُؤسَى أو بَنعمَاءَ أنعُما
بؤسى فُعلى لا ينصرف، يقول جزينا لناس بالبؤسى، وبالنعماء أنعما
(1/209)

وأما قصة الحوفزان، فكان من حديثه أنه كان عميرة بن طارق بن ديسق أحد بني ثعلبة ابن يربوع تزوج مرية بنت جابر بن بُجير بن شريط العجليّ - وهي أخت أبجر لأمه وأبيه، أمهما أسماء بنت أبي حوط النمريّ الذي يقال له
أبو حوط الحظائر، وأم عميرة ابنة بجير - فخرج حتى ابتنى بها في بني عجل، وتحت عميرة أيضاً
بنت النطف بن الخيبري أحد بني سليط بن يربوع. فقال أبجر لعميرة وهما في بيت عميرة: إني
لأرجو أن آتيك بابنة النطف، فقال عميرة: ما أراك تُبقي عليّ من أن تحرُبني وتشينني، ثم إن أبجر
ندم، فقال: ما كنت لأغزو قومك ولكني متياسر في هذا الحي من تميم، فقال له عميرة: قد علمت ما
كنت لتفعل. فغزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من اللهازم - واللهازم قيس وتيم اللات
ابنا ثعلبة بن عكابة، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وعجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر
بن وائل - والحوفزان في بني شيبان، واسم الحوفزان الحارث بن شريك. وإنما سمي الحوفزان، لأن
قيس بن عاصم المنقري زجّه بالرمح حين فاته فحفزه عن سرجه فعرج منها. ووكّل أبجر بعميرة
أخاه حرقصة بن جابر، وتحت أبجر امرأة من بني طهية يقال لها سلمى بنت محصن، ففصل الجيش
من عين صيد، وأقبلت بكر بن وائل يفرون، مخافة أن يُعقّب عليهم، حتى نزلوا النويطف دون عين
صيد من القصيمة، ثم ساروا حتى نزلوا الكلواذة من أرض السواد، وهي أرض بين البصرة والكوفة،
فأقبل عميرة إلى سلمى عشاء، فقال: يا سلمى كيف أنت لو قد جاء غلمان بكر بن وائل بنساء قومك
يقودونهن، وإني رجل موكّل بي فإلا تُعينيني على حيلتي أبرم بها، قالت: فأني أعينك بما أردت وهي
حُبلى برافع بن أبجر متم، فأصبح الناس ظاعنين، وقالت: إني ماخض، فسار عميرة في السلف
المتقدمين، ثم قال
(1/210)

لحرقصة: لعليّ لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقد ولدتْ صاحبتُهم، فقال حرقصة:
لا أبالي أن تفعل. فكرّ عميرة على ناقة له يقال لها الجنيبة؛ فلقي المرأة قد احتُملت هي وصواحبها
فوافقته، فقالت: قد خبأت حيث كان فراشي زادك وسقاءك، فمضى حتى استثارهما ثم نفذ: فلم يفقده
الناس حتى تحالوا مغرب الشمس، ففقده حرقصة، فأتى أخته مرية امرأة عميرة، فقال لها: أين هو؟
قالت: لاقانا ضحى فوافقنا ثم مضى إلى دارنا فلم نره بعد، فاستحيا حرقصة أن يذكر أمره لأحد حتى
جن عليه الليل، وتحدث به الرجال من قبل النساء. فأقبلوا إلى حرقصة، فقالوا: ويلك ما صنع
الرجل؟ قال: ما أظنه إلا ذهب. قالوا: إن تكن في شك فإنا مستيقنون. فسار عميرة يومه وليلته والغد
حتى إذا لقي أنف الزور من الصحراء وغربت الشمس وأناخ، فحل راحلته وقيدّها وعصب يديها، ثم
نام، حتى إذا علاه الليل قام فلم ير الناقة، قال: فسعيت يميناً وشمالاً، فإذا أنا بسواد من الليل عظيم،
فحسبته الجيش فبت أرصده، أخاف أن يأخذوني حتى أضاء الصبح، فإذا خمسون ومائة نعامة، وإذا
ناقتي تخطر قائمة قريبة مني، وأنا غضبان على نفسي، فأجددت السير يومي ذاك حتى أرد سفار،
فأجد في منازل القوم نسعة فسقيت راحلتي - وسفار ماء لبني تميم - وطعمت من تمر كان معي،
وشربت ثم ركبت مسي الثالثة، فأصبحت بالحطّامة من ذي كريب، فإذا أنا بناس يعلقون السدر -
يعني يرعونه - فتحرّفت عنهم مخافة أن يأخذوني، فناداني بعضهم: إنما نحن صُدّار البيت فلا تخف
- والصدار الراجعون، أراد أنهم كانوا حجاجاً - فنفذت حتى أُصبّح طلح وبها جماعة بني يربوع،
فقلت قد غزاكم الجيش من بكر بن وائل برئيسين وكراع وعدد، فبعث بنو رياح بن يربوع فارسين
طليعة، أحدهما غلام للمشبّر أخي بني هرمي بن رياح،
(1/211)

وبعث بنو ثعلبة فارسين ربيئة في وجه آخر،
أحدهما المطوّح بن أطيط، والآخر جراد بن أنيف بن الحارث بن حصبة، ومكث بنو يربوع يوقدون
نارهم على صمد طلح، وأطلعوا السبي للشقيق فكانوا كذلك ثلاثاً - والشقيق من الرمل الجدد بين
الرملين وربما كان ميلاً وخمسة أميال وأكثر - ثم إن فارسي بني ثعلبة جاءا فقالا لم نحسس شيئاً،
فقال عميرة: فما تمنيت الموت قط إلا يومئذ، حين جاء الفارسان لم يُحسا شيئاً مخافة أن يكونوا
أرادوا غيرهم، فيكون ما حدثتهم باطلاً، وليلة ذهبت ناقتي مخافة أن أوخذ فيقال نام فأُخذ، فلما تعالى
النهار من اليوم الثالث، طلع فارسا بني رياح، فإذا العبد لا يوقّي فرسه خباراً ولا حجراً ولا جُرفاً،
وهو على الخصي فرس بني قيس بن عتّاب بن هرمي، فقالا: تركنا القوم حين نزلوا القسومية، قال:
فتلببنا ثم ركبنا ثم أخذنا طريقاً مختلفاً حتى وردنا الينسوعة حين غابت الشمس، فوجدنا معركة القوم
حين استقوا وسقوا ونثروا التمر وتخففوا للغارة، ثم أخذوا بطن المذنب، فاتبعناهم حتى وارى أثرهم
عنا الليل، واستقبلوا أسفل ذي طلوح وتحتي فرس ذريعة العنق، فمضت بي الخيل ففقدني عتوة بن
أرقم بن نويرة، فقال: يا بني يربوع، إن عميرة قد مضى ليُنذر أخواله. فقال عتيبة بن الحارث بن
شهاب: كذبت ما ينفس عميرة علينا الغنم والظفر، أما خاصّته فأنا لها جار، وعتيبة رأس بني يربوع
يومئذ قال: فسمعت ما قال الرجلان فوقفت حتى أدركوني، وقد خشيت لغط القوم مخافة أن يُنذروا
بأنفسهم، حتى إذا كنا حيث اطّلع الطريق من ذي طلوح، وقفنا وأمسكنا بحكمات الخيل ثم بعثنا طليعة
أخرى، فأتانا فأخبرنا أنهم بالطلحتين، نزول بأسفل وادي ذي طلوح. فمكثنا حتى إذا برق الصبح،
ركبنا وركب القوم، واستعدوا للغارة. وقد كان أبجر حين مروا
(1/212)

بسفار، قال للحوفزان: تعلّم أني لأظن عميرة قد دهانا،
وإني لأعرف هذا النوى. قال الحوفزان ما كان ليفعل. قال: فدفعنا الخيل عليهم، وهم
يريدون أن يغيروا: فكنت أول فارس طلع، فناديت با أبجر؟ هلم إليّ. قال: من أنت. قلت عميرة،
قال: كذبت، فسفرت عن وجهي فعرفني، فنزل عن فرس كان مركّباً عليها - المركّب الذي يركب
فرس غيره، ويغزو عليه، فله نصف الغنيمة وأنشد:
لا تركبُ الخيلَ إلا أن تُرَكَّبَها ... ولو تَجَمَّعنَ من حُمرٍ ومن سُودَ
لابن الغزالة السكوني - وابن الغزالة في شيبان - وعليّ مُلاءة لي حمراء فطرحتها، ثم جلس
عليها، وقد قال لي قبل أن يجيء: إني مركّب. قلت: فتعال على ذلك، وتحتي فرس لأبي مليل. قال:
فأقبل وما نظر إلى ذاك. قال: وأُخذ الجيش كلهم، فلم يُفلت منهم أحد غير شيخ من بني شيبان، ثم
أحد بني أسعد بن همام نجا على فرس له، وقد كان أخوه معه فأُخذ، فلما أتى الحي سألته بنت أخيه
عن أبيها، فقال الشيخ:
تسائلني هُنيدَةُ عن أبيها ... وما أدري وما عَبَدَتْ تميمُ
غداةَ عَهِدْتُهُنَّ مُغَلصَماتٍ ... لهُنَّ بكلِّ مَحنيةٍ نحيمُ
فما أدى أجُبنا كان طِبيِّ ... أم الكُوسَى إذا عُدَّ الحزيمُ
الكوسى من الكيس، والضوقى من الضيق، والخورى من الخير. وقالت امرأة لضرتها: ما أنت
بالخورى ولا الضوقى حراً والحزيم من الحزم، ومغلصمات مشددة الأعناق. وأُخذ الحوفزان يومئذ،
أخذه حنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس، وكان نقيلاً في بني
(1/213)

يربوع، ولم يشهدها من بني مالك بن حنظلة غيره، فاختصم عبد الله بن الحارث، وعبد عمرو بن سنان بن وعلة بن عوف بن
جارية بن سليط، فاختصموا فيه، فقال الحوفزان حكّموني في نفسي، فوالله لا أخيّب ذاحق فحكّموه
فأعطى أبا مليل عبد الله بن الحارث مائة من الإبل، وأعطى عبد عمرو بن سنان مائة، وجعل
ناصيته لحنظلة بن بشر، فقال عبد عمرو للحوفزان: إن بين بني جارية بن سليط، وبين بني مرة بن
همام موادعة، وإنه لا يحل لي أن أرزأك منها شيئاً، وأما أبو مليل فكان يسمي المائة التي أخذ منه
الخباسة، والخباسة الغنيمة، وأنشد للبيد:
خُبَاساتُ الفوارِسِ كُلِّ يومٍ ... إذا لم يُرْجَ رِسلٌ في السَّوام
وردها عبد عمرو بن سنان. وأُخذ سوادة بن يزيد بن بجير، أخذه عتوة ابن أرقم، فانتزعه عميرة بن
طارق. وأُخذ عبد الله بن عنمة الضبي يومئذ، وكان في بني شيبان، فافتكه متمم بن نويرة. وأُسر
سويد بن الحوفزان، وأسر سعد بن فلحس الشيباني أحد بني أسعد بن همام. فقال عميرة بن طارق:
أقِلِّي عليَّ اللومِ يا أُمَّ خِثرِما ... يَكُنْ ذاك أدنى للصواب وأكرَمَا
ولا تعذُليني أنْ رأيتِ مَعاشِرا ... لهم نَعَمٌ دَثْرٌ وأن كُنتُ مُصرِما
المصرم صاحب الصرمة وهي القطعة من الإبل، والدثر الكثير يقال عليه مال دثر ودبس ودبر،
وعُكمس وعُكامس وعُكاجس وعكنان إذا
(1/214)

كان كثيراً.
متى ما نَكُنْ في الناسِ نحنُ وهمْ معاً ... نكن منهُمُ أكسى جُنوبا وأطعَمَا
مَنَاكِ الإلهُ إن كرِهتِ جِمَاعَنا ... بمثلِ أبي قُرطٍ إذا الليلُ أظلما
مناك الإله مثل بلاك الله به، وكان أبو قرط هذا رجلاً بخيلاً، كثير المال،
إذا ما رأى ذَوداً ضَنِئنَ لعاجِزٍ ... لئيمٍ تصدّى وجههُ حيثُ يمَّما
الذود ما بين الثلاث إلى العشر، وضنئن أنسلن - والضنؤ النسل وأنشد:
ابنُ عجوزٍ ضَنؤها غيرُ أمِرْ صَهصَلِقِ الصوتِ بعينيها الصَّبرَ
تعدو على الحيِّ بِعودٍ من سَمُرْ ... حتى يَفِرَّ أهلُها كُلَّ مَفَرْ
لو نُحرَتْ في بيتِها عشرُ جُزُرْ ... لأصبحتْ من لحِمهِنَّ تعتذر
بِحَلِفٍ سَحٍّ ودمعٍ منهمر
السح المتتابع، والمنهمر السائل.
يسوقُ الفِراءَ لا يُحسَيِّنَ غيرَهُ ... كَفيحا ولا جاراً كريماً ولا ابنمَا
وروي يسوّق وفرا. والوفر وطاب مملوءة، لا يُحسيّن غيره أي لا يشرب منهن غيره. والفراء إبل
كانت له تُدعى بهذا الاسم، والفراء الحمير واحدها فرأ مقصور، يقول: لا يحسّين ضيفاً من ألبانها،
والكفيح الذي يأتيك فُجاءة يقال لقيته كفاحاً ونقاباً ولُقاطاً والتقاطاً.
(1/215)

وعين عُنّة، وصَحرة بحرة، وفِلاطاً بمعنى واحد.
فَدعَ ذا ولكن غيرهُ قد أهمّني ... أميرٌ أرادَ أن أُلامَ وأشتَما
فلا تأمُرَنِّي يا ابنَ أسماءَ بالتي ... تُجِرُّ الفتى ذا الطعمِ أن يتكلما
الأجرار أن يُشق لسان الفصيل إذا أرادوا فطامه لئلا يرضع - وأنشد:
فلو أنّ قومي أنطقتني رِماحُهُمُ ... نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أجَرَّتِ
هذا يقوله عمرو بن معدي كرب في بعض حروبه، التي كانت بينه وبين بلحرث بن كعب، قاله في
يوم نهد وجرم. وكان ذلك اليوم عليه، يقول: لو أن قومي أبلوا بلاء حسنا ذكرت ذلك، ولكن رماحهم
أساءت البلاء فقطعت لساني عنهم. - وذو الطعم ذو الحزم والعقل، يقال: ما به طعم، ولا نويص،
ولا حَراك ولا نَوص، ولا نَطيش، ولا حَبض، ولا نبض، إذا لم يكن عنده قوة ولا حراك.
بأن تغتزُوا قومي وأجلِسَ فيكُمُ ... وأجعلَ علمي ظَنَّ غَيبٍ مُرَجَّما
ولمّا رأيتُ القومَ جَدَّ نفيرُهم ... دعوتُ نَجيِّى مُحرِزاً والمُثَلَّما
هذان رجلان من البراجم - والبراجم من بني مالك بن حنظلة، وهم الظليم وكلفة ومرة وقيس -
وكان محرز والمثلم في بني عجل، فلما أراد أبجر الغزو شاورهما يستعين برأيهما.
(1/216)

وأعرضَ عني قَعنَبٌ وكأنما ... يرى أهلَ أُودٍ من صُداءَ وسَلهَمَا
قعنب رجل من البراجم، وكان ممن شاوره، فلم يُشر عليه بخير، وأهل أود بنو يربوع. وصداء في
بلحرث بن كعب، وهم إخوتهم وعدادُهم فيهم. وسلهم من خثعم، د وسلهم في مذحج أيضا:
فكَلَّفتُ ما عندي من الهمِّ ناقتي ... مخافَةَ يومٍ أن أُلامَ وأندَما
فمَرَّتْ بجنبِ الزَّورِ ثُمَّتَ أصبحتْ ... وقد جاوزتْ بالأقحُواناتِ مَخرِما
كأن يديها إذ أجَدَّ نَجَاؤُها ... يَدا مُغولٍ خرقاءَ تُسعِدُ مأتَما
تُرائِي الذين حولَها وهي لُبُّها ... رَخِيٌّ ولا تبكي لِشَجوٍ فَتَيلَمَا
ويروى ترائي اللواتي حولها وهي بالُها، وتيلم أراد تألم من الألم وهي لغته.
ومرَّتْ على وحشِيِّها وتذَكَّرِتْ ... نَصِّياً وماءً من عُبَيَّةَ أسحَمَا
عبية وعُباعب ماءان لبني قيس بن ثعلبة ببطن فلج، وفلج لبني العنبر، والنصي نبت من الجنبة
وهو نصي ما كان رطباً، فإذا جفّ فهو حلي وهو أبيض.
فقامت عليه واستقرَّ قُرورُها ... من الآينِ والنَّكراءِ في آلِ أزنَمَا
وقرارها واحد، وأزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع.
سأُجشِمها من رَهبَةٍ أن يُعزَّهم ... عَدُوٌّ من المَومَاةِ والأمرِ مُعظَما
حَلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ ... عَدِيّاً ونُعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
(1/217)

ويروى ترائي اللواتي حولها وهي بالُها، وتيلم أراد تألم من الألم وهي لغته.
ومرَّتْ على وحشِيِّها وتذَكَّرِتْ ... نَصِّياً وماءً من عُبَيَّةَ أسحَمَا
عبية وعُباعب ماءان لبني قيس بن ثعلبة ببطن فلج، وفلج لبني العنبر، والنصي نبت من الجنبة
وهو نصي ما كان رطباً، فإذا جفّ فهو حلي وهو أبيض.
فقامت عليه واستقرَّ قُرورُها ... من الآينِ والنَّكراءِ في آلِ أزنَمَا
وقرارها واحد، وأزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع.
سأُجشِمها من رَهبَةٍ أن يُعزَّهم ... عَدُوٌّ من المَومَاةِ والأمرِ مُعظَما
حَلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ ... عَدِيّاً ونُعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
هؤلاء قوم من بني يربوع، قتلتهم بنو شيبان يوم مليحة.
وَبَرَّتْ يميني إذ رأيتُ ابنَ فَلحَسٍ ... يُجَرُّكما جَرُّوا هَدِيَّ ابنِ أصرَما
الهدي الجار ههنا، والهدي العروس، والهدي الشيء يُهدى.
فأفلت بسطامٌ جَريضاً بنفسِه ... وغادرنَ في كَرشاءَ لَدناً مُقَوَّما
جريضاً يجرض بريقه يغص به، وذلك إذا كان بآخر رمق، ويقال أفلتَ فلان جريضاً وأفلت جريعة
الذقن وأفلت بذمائه وأفلت بحشاشة نفسه، وكرشاء رجل.
(1/218)

أثُمَّ أخَذتَ بعد ذاكَ تلومُني ... فسَائِل ذوي الأحلامِ مَنْ كان أظلَمَا
وقال عميرة أيضاً:
ألاَ أبلِغَا أبا حِمارٍ رسالةً ... وأبجَرَ أنّي عنكما غيرُ غافِلِ
أبو حمار الحوفزان، كان له ابنان أحدهما يقال له الحمار، والآخر العِفو، وهو الجحش والعِفا أيضا.
رسالةَ مَنْ لو طاوَعُوهُ لأصبحوا ... كُساةً نشاوىَ بين دُرنَا وبابل
نَهيتُكُم حتى اتّهَمتُم نصيحتي ... وأنبأتُكُم في الحيِّ ما أنا فاعلُ
فلما رأيتُ أن عَصَوني ولم أكُنْ ... ضعيفا كمطروقٍ من القومِ خاملِ
وكلَّفتُ ما عندي عَلاةً رَجيلةً ... مِراحا وفيها جُرأةٌ وتَخَايُلُ
علاة شديدة، شبهها بعلاة الحداد وهو السندان. والقصرة السندان أيضا. والقرزوم خشبة الحذاء،
وهي الجبأة أيضاً، والتخايل الاختيال، والرجيلة القوية.
مُذكَّرةً تمضي إذا الليلُ جَنَّها ... تَنَائِفَ منها مَعلَمٌ ومجاهلُ
يستحب للناقة أن تكون مذكرة الخلق، ويستحب للفحل أن يكون في خلق الناقة، يقال: بعير مُنّوق
وناقة مذكرة.
(1/219)

فأورَدتُها ماء كَسَى الدِّمنُ فوقَهُ ... وريشُ الحَمامِ كالسِّهامِ النَّواصلِ
الدمن: القماش والسرجين. السهام النواصل: يعني التي قد سقطت نصالها، فشبه ريش الحمام بها.
وأدليتُ في أجْنٍ بِدَلوٍ صغيرةٍ ... لأسقِيَ في حوضٍ جَبىً غير طائِلِ
قليلاً فلم تُعطَنْ به وزَجَرتُها ... على حاجة في نفسِها لم تُداخِلَ
الأعطان: أن تسقى البعير أول نهلة، فإن كان له مُندّى نديته قليلا ثم عللته، وإن لم يكن مُندّى أنخته
في العطن قريباً من الماء هُنيهة ثم عللته. والمداخلة: أن تُدخِل البعير بين بعيرين إذا كان ضعيفاً أو
مريضاً، أو أحببت أن تورده بعد ما نهل.
فراحَتْ كأنّ الرَّحلَ حُشَّ بجوَنَةٍ ... بذاتِ السِّتارِ أخطأتها الحبائِلُ
الجونه هاهنا القطاة، وحش جُعل ظهرها حشواً للرحل.
فما ذُقتُ طعمَ النومِ حتى رأيتُني ... أُعارِضُهم وِردَ الحِماسِ النَّواهِلِ
الخماس الإبل التي ترد في كل خمس، وهو أخبث الأوراد. والخمس: أن تُغبّ ثلاثة أيام وترد في
اليوم الرابع، والنواهل العطاش هاهنا، وقد تكون الرواء في غير هذا الموضع.
بفِتيانِ صِدقٍ فوقَ جُردٍ كأنها ... طَوالِب عِقبانٍ عليها الرَّحائِلُ
فأسرَعتُما إنفاقَ ما جِئتُما له ... وما كان بَيعاً بالخِفاف المَثاقِلُ
ولكنها سُوقٌ تكون صِفاقُها ... سُريجيّةً قد أرهَفَتها الصَّياقِلُ
(1/220)

سريجية سيوف منسوبة إلى سريج طابع من بني أسد.
فإذا وقعَتْ هاتا فلوُّوا رُؤوسَكم ... عليَّ وعضُّوا بعدَها بالأنامِلِ
سيمنعني الدَّعَّاءُ بالسَّهلِ منكم ... وقيسٌ نَجِيَّي غيرُ مِيلٍ مَعَازِلِ
فأبلِغْ بني عِجلٍ ألم يكُ فيهم ... لِقُربايَ راعٍ أو لفضليَ حامِلُ
قال أبو جعفر: إذا قال أحدهم الشعر بالركبانية أكفأ، والركبانية أن يتغنّى به ويقطّع كما يقطّع
العروض.
فيهديهُمُ إذْ أخطأوا قصدَ سُبلِهم ... ولا يَبتَغوا وَسطَ العَدوِّ غوائِلي
فإنيَ لو أمهَلتُكُم فغَزَوتُكُم ... فجئتم بسَبيٍ كالظِّباءِ وجامِلِ
رَهِبتُ بأن لا تشكروا لي وتفخروا ... عليَّ إذا نازَلتُكُم بالمنازِلِ
فأهوِنْ عليَّ بالوعيدِ وأهلِهِ ... إذا حَلَّ بيتي بين شركٍ وعاقلِ
وقال عميرة أيضاً:
ألمْ يعلمْ سَوادَةُ أيُّ ساعٍ ... وذي قُربى له بلوِىَ الكَثيبِ
سوادة بن يزيد بن بجير، أسره عتوة بن أرقم فانتزعه عميرة منه.
غداةَ يقالُ ذاك أخو غليظٍ ... يُشَلُّ به على عُريٍ سَليبِ
دَأبتُ له ولم تَملأ ذِراعي ... رماحُ القومِ دونكَ في الخُطُوبِ
كأني إذ مَننتُ عليكَ فضلي ... مَننتُ على مُقَطَّعَةِ القلوبِ
أُرَينبِ خُلَّةٍ باتتْ تَعَشَّى ... أبارِقَ كلُّها وَخْمٌ جَدِيبُ
قوله أُرينب خلة، يقول: كأني حمّلت منتي أرينبا لا جزاء عندها ولا
(1/221)

شكر. قال أبو جعفر؛ الأرنب أخور الوحش، وإن القُنبرة تطمع فيها
حتى تضربها، والأبارق جمع أبرق وهو رمل وحجارة.
فأنبأني ولم يكُ ذاك حَيفاً ... بخُلدِ الدهرِ والمالِ الرغيبِ
فلما أن أتيتَ بَني لُجيمٍ ... بِدُرنَا حيثُ تُسمِعُكَ الشُّروبُ
نطقتَ مقالةً كَذِباً وزُوراً ... تُرَقِّعُ كُلَّ بُهتانٍ وحُوبِ
ذكرتَ به عَجائزَ قاعِداتٍ ... أرامِلَ كُلُّها كَلٌّ رَقُوبَ
وأبجَرَ قد دعوتُ ولم يُجِبني ... وأصدقُهُ ويكذِبهُ الكَذوبُ
فلما أنْ رأى ما قُلتُ حقاً ... له طُرقٌ موارِدُها شَعوبُ
تجنّبَ رِحلتي ولقد يَراهُم ... على شقَّاءَ ليس لها خَبيبُ
أراد أنه هارب لا يخبّ ولا يُقرّب ولكنه يُجهد الركض
أتاني وهو مُنتَخَبٌ حَشَاهُ ... وما يُدعَى هناك وما يُجيبُ
وألفَى مُهرَةَ الكِنديِّ فيها ... مَدِيدُ الحَبِّ واللبنُ الحليبُ
المديد الماء والدقيق تُسقاه الإبل والخيل. يقول: مهرة الكندي صُنعه لها وإحسانه إليها.
فنَجَّتهُ وقد كان العَوالي ... من الصَّلَوَينِ مُكتَنِعَ الرقيبِ
الصلوان مكتنفا الذنب، والمكتنع القريب.
وقال عبد الله بن عنمة الضبي، يتشكر لممتم بن نويرة، ويتلهف على عميرة بن طارق، بإنذاره قومه
على أخواله بني عجل:
عميرةُ فَاقَ السَّهمُ بيني وبينه ... فلا يَطعَمَنَّ الخمرَ إن هو أصعدا
(1/222)

يريد أنه أفسد ما بينه وبينه، وهذا مثل ضربه لأن السهم لا يصلح إلا بفوقه. يقال: فاق السهم وإنفاق
إذا انكسر فوقه. يقول: فلا يطعمن الخمر إن هو أفلت، وليكن على حذر.
فلم أرَ جاراً وابنَ أُختٍ وصاحباً ... تكيدَّ منا قبلَهُ ما تَكَيَّدا
رأيتُ رِجالاً لم نكن لنَبيعَهم ... يَباعونَ بالبُعرانِ مَثنىً ومَوحَدا
طعامُهُمُ لحمٌ حرامٌ عليهِمُ ... ويُسقَونَ بعدَ الريِّ شِرباً مُصَرَّدا
يقول: إذا رَووا سقوا أسراهم شرباً قليلاً، والشرب النصيب.
فإنَّ ليربوعٍ على الجيشِ مِنَّةً ... مُجَلَّلَةً نالت سُويداً وأسعَدا
جَزَى الله رَبُّ الناسِ عني مُتَمِّماً ... بخيرِ الجزاءَ ما أعَفَّ وأمجدا
كأني غداةَ الصَّمدِ حينَ دعوتُهُ ... تفرَّعتُ حِصناً لا يُرامُ مُمَرَّدا
أُجِيَرتْ به دِماءنا فوفَى بها ... وشاركَ في إطلاقنا وتَفَرَّدا
أبا نَهشَلٍ فإنني غيرُ كافرٍ ... ولا جاعِلٍ من دونِكَ المالَ مُؤصَدا
وقال متمم في ذلك:
ونحنُ جَرَرنا الحوفزانَ إلى الرَّدَى ... وأبجرَ كَبَّلنا وقد كاد يَشعَبُ
جَرى لهمُ بالغيِّ من أهلِ بارِقٍ ... فأنجَحَ ذو كيدٍ من القومِ قُلَّبُ
عميرة بن طارق، وهو الذي أوقعهم في الأسر والغي، والقلّب المتصرف، يقال: رجل حُوّل قُلّب
وأنشد:
الحُوَّلُ القُلَّب الأريبُ ولا ... يدفع زَوَّ المَنِيَّةِ الحِيلُ
زو المنية ما يعدل منها إلى المأمور به، وما انزوى منها إليه.
(1/223)

وقال جرير يرد على البعيث:
لمنْ طَلَلٌ هاجَ الفُؤادَ المُتَيمَّا ... وهَمَّ بسَلمَانَينِ أنْ يتكَلَّمَا
قال الأصمعي: المتيم المضلل. قال: وهو مأخوذ من الأرض التيماء. قال: والتيماء والتيهاء بمعنى
واحد، وهي الأرض التي تُتوه الناس وتتيههم أي تضللهم وتهلكهم، وقال غيره: المتيم المعبّد ومنه تيم
الله أي عبد الله.
أمنزِلَتَي هِنِدٍ بنَاظِرَةَ أسلَمَا ... وما راجَعَ العِرفَانَ إلاَّ تَوَهُّمَا
ناظرة ماء لبني عبس، وقوله اسلما: دعاء لهما بالسلامة من الإقواء، توهما تفرسا بعد هنيهة.
وقد آذِنَتْ هندٌ حَبيباً لتصرمَا ... على طُول ما بَلَّى بهِندٍ وهَيَّمَا
وقد كانَ من شأن الغواني ظَغائِنٌ ... رَفَعنَ الكُسَا والعبقَريَّ المُرَقِّمَا
كأنَّ رُسومَ الدارِ ريشُ حَمامةٍ ... مَحاهَا البِلَى فأستَعجَمَت أن تكلَّمَا
وروى كأن ديار الحي، شبه الدار بريش حمامة لاختلاف لونها.
طَوى البَينُ أسبابَ الوِصَالِ وحاولَتْ ... بكِنْهِلَ أسبَابُ الهَوى أن تَجَذَّمَا
كنهل موضع من بلاد بني تميم، وفي ذلك اليوم قُتل الهرماس، وروي بكنهل أقران. والأقران الحبال
تجذّم تقطّع.
كأنَّ جمَالَ الحيِّ سُربِلنَ يانعاً ... منَ الوَارِدِ البَطحاءِ مَنْ نخلِ مَلهَمَا
(1/224)

قوله سربلن يانعاً شبّه ما على الهوادج من الرقُم، بالبُسر الأحمر اليانع، وهو المدرك في حمرته
وصفرته، وملهم قرية باليمامة لبني يشكر، وأخلاط من بكر.
سُقيت دَمَ الحيَّاتِ ما بالُ زائِرٍ ... يُلِمُّ فيُعطَى نَائلاً أن يُكلَّما
سُقيت دم الحيات دعا عليها، يقول: تعدّين كلامك نائلاً لي، ودم الحيات سمها.
وعهدي بِهنِدِ والشَّبَابُ كأنهُ ... عَسيبٌ نَمَا في رِيَّةٍ فتَقوَّمَا
العسيب هاهنا البردية؛ والرية العين الكثيرة الماء، ونما ارتفع، وإنما يريد أنه غض، لين المفاصل،
حسن القوام، وروي وأحدث عهدي والشباب.
بهِندٍ وهندٌ هَمُّهُ غيرَ أنهَا ... ترى البُخلَ والعِلاَّتِ في الوَعدِ مَغنَمَا
لقد عَلِقَتْ بالنفسِ مِنها عَلائِقٌ ... أبَتْ طُولَ هذا الدهرِ أن تتصرَّما
دَعتكَ لها أسبابُ طُولِ بَليَّةٍ ... ووجدٌ بِها هاجَ الحديثَ المكَتَّما
ويروى أسباب كل بلية، ويروى هاج الفؤاد المتيما. الحديث المكتم حبه إياها.
على حين أنْ ولَّى الشبابُ لشَأنِهِ ... وأصبحَ بالشَّيبِ المُحِيلِ تعَمَّما
المحيل الذي قد أحال السواد إلى البياض.
ألا ليتَ هذا الجهلَ عنا تصَرَّما ... وأحدَثَ حِلماً قلبُهُ فتَحَلَّما
أُنيخَتْ رِكَابي بالأحِزَّةِ بعدما ... خَبَطنَ بَحورانِ السَّريحَ المُخَدَّمَا
(1/225)

الأحزة جمع حزيز وهو ما غلُظ من الأرض وانقاد، وظهر البصرة يسمى الحزيز وحوران من عمل
دمشق. والسريح النعال، واحدتها سريحة. والمخدم المشدود إلى أرساغها بالسيور الخدام.
وأُدني وسَادي مِنْ ذِراعِ شِمِلَّةٍ ... وأترُكَ عَاجاً قد علِمتِ ومعصَمَا
الشملة الخفيفة. والعاج أسورة من عاج، ومن ذبل، ومن قرون، يقال لها: المسك أيضاً.
وعَاوٍ عَوى من غيرِ شَيئٍ رَمَيتُهُ ... بِقَارِعَةٍ أنَفَاذُهَا تَقطُرُ الدَّمَا
أنفاذها جماعة نفذ، ورويَ إنفاذُها، وإنفاذها مصدر، وروى أبو عبيدة أقطارُها تقطر الدما.
وإني لقَوالٌ لكلِّ غَريبةَ ... ورُودٍ إذا السَّارِي بَلَيلٍ تَرَنَّما
الغريبة من الشعر التي لم يُقل مثلها. والورود التي ترد البلدان على أفواه من يتغنى بها إذا سار ليله
كما قال الفرزدق:
تَغنَّى يا جريرُ لغيرِ شيءٍ ... وقد ذهبَ القصائدُ للرُّواةِ
فكيفَ ترُدُّ ما بعُمانَ منها ... وما بجبالِ مصرَ مُشَهَّراتِ
وكما قال الأعشى:
به تُنفَضُ الأحلاسُ في كلِّ منزلٍ ... وتُعقَدُ أطرافُ الحبالِ وتُطلَقُ
خَروجٍ بأفواهِ الرُّواةِ كأنها ... قَرى هُندُوانِيٍّ إذا هُزَّ صَمَّمَا
(1/226)

قرى كل شيء متنه، وتصميم السيف مضيه في ضريبته. سيف مطبق إذا وقع في المفصل.
والمصمم الذي يقطع العظام وغيرها من السلاح، والسراط كذلك، والسقاط الذي يقطع الضريبة
ويسقط من ورائها، وأنشد للنمر بن تولب:
تظلُّ تحفِرُ عنهُ إن ضَربتَ به ... بعدَ الذراعينِ والساقين والهادي
خروج ماضية، يعني ما قال فيه من الشعر، والرواة حملة الشعر، الواحد راوية وهو مأخوذ من
الرواية، وهو ما استُقي عليه من جمل أو غيره، والقرى الظهر، وهندواني سيف منسوب إلى الهند،
وصمم مضى في العظم.
فانِّي لهاجيهِم بكلِّ غريبة ... شَرُودٍ إذا الساري بلَيلٍ تَرَنَّما
غرائبَ أُلاَّفاً إذا حانَ وردُهَا ... أخَذنَ طريقاً للقصائدِ مَعلَمَا
لعمري لقد جَارَى دَعيُّ مجاشع ... عَذُوماً على طول المُجارَاة مرجَمَا
عذوما عضوضاً. مرجما يرجم الأرض بنفسه رجماً شديداً، أي يضربها ضرباً.
فأينَ بَنو القعقاعِ عَن ذَودِ فَرتَنَا ... وعن أصلِ ذاكَ القِنِّ أن يُتَقَسَّمَا
يعني القعقاع بن معبد بن زرارة، كانت أم البعيث أمَة له، واسمها وردة، من سبي إصبهان اشتراها
منه، أو وهبها له بشر بن خالد، فولدت البعيث، وكل أمَة عند العرب فهي تُدعى فرتنا، والقن ابن
العبد والأمة، وقوله أن يُتقسما المعنى: أين
(1/227)

هم عنه أن لا يتقسموه فإنه هو عبد لهم.
فتؤخذَ مَن عندِ البعَيثِ ضَريبَةٌ ... ويُترَكَ نَسَّاجاً بدَارِينَ مُسلَمَا
أرى سَوءةً فَخرَ البَعيث وأمُّهُ ... تُعَارِضُ خالَيه يَسَاراً ومُقسَمَا
يبَينُ إذا ألقى العمَامَةَ لُؤمُهُ ... وتعرفُ وجهَ العَبد حينَ تَعَمَّما
فهلاَّ سَألتَ الناسَ إن كُنتَ جاهلاً ... بأيّامِنَا يا ابنِ الضَّروُطِ فتَعلَمَا
ورِثْنَا ذُرى عِزٍّ وتُلقَى طريقَنَا ... إلى المجدِ عَادِيَّ الموَارِدِ مَعلَمَا
ويروى نحوط حمى مجد وتُلقى، الموارد الطرق واحدها مورد، عادي قديم، معلم ظاهر، والمجد
الشرف، ويقال في مثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. يضرب مثلاً للرجل، يخبر
بفضله، ثم يُبر عن غيره أنه أفضل منه.
وما كانَ ذُو شَغبٍ يُمارِسُ عيصَنَا ... فينظُرَ في كَفَّيه إلا تَنَدَّما
العيص الشجر الملتف، وقوله فينظر في كفيه. يقول: إذا تعيّف فنظر في يديه علم أنه لاقٍ شراً.
سَأحمَدُ يَربوعاً على أنّ وردَهَا ... إذا ذيدَ لم يُحبَس وإن ذادَ حَكَّمَا
الورد هاهنا الجيش، شبهه بالورد من الإبل، والورد الإبل بعينها، والورد الماء والورد الحمّى،
والورد العطش، والورد الجزء من الليل يكون على الرجل يُصلّيه ويقرؤه وأنشد:
ظلَّت تَخفَّقُ أحشائي على كبدي ... كأنني من حِذارِ البَينِ مورُودُ
(1/228)

وذيد حبس، يقول: إذا دُفع لم يندفع، وإذ ذاد هو منع، والتحكيم المنع، والحاكم من هذا أُخذ لأنه يمنع
الناس من الظلم، وكذلك حكمة اللجام، لأنها تمنع من غرب الدابة، ويقال قد حكم الرجل إذا انتهى
وكف. قال المرقّش:
يأتي الشبابُ الأقورِينَ ولا ... تَغبِط أخاكَ أن يُقالَ حَكَم
مَصَاليتُ يومَ الرَّوعِ تَلقى عصيَّنَا ... سُرَيجيَّةً يَخلينَ ساقاً ومَعصَمَا
مصاليت ماضون، واحدهم مصلات، والسريجية نسبها إلى بني سريج من بني معرض بن عمرو
بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيونا. ويخلين يقطعن كما يُخلى البقل.
وإنّا لقَوَّالُونَ للخَيلِ أقدَمي ... إذا لم يَحِدْ وغُل الفوارِسَ مُقدَمَا
الوغل الضعيف، والوغل دخول الرجل على القوم يأكلون ويشربون، ليس منهم، فيأكل معهم من
غير أن يُدعى. وقال عمرو بن قميئة:
إنْ أكُ مِسكيراً فلا أشربُ ال ... وَغْلَ ولا يسلَمُ مني البعير
والواغل الطفيلي وهو الراشن، والوغل ما جلّ في الغربال عن دقة.
ومَنَّا الذي ناجى فَلم يُخزِ قَومَهُ ... بأمرٍ قويٍّ مُحرزا والمُثلَّمَا
المناجي عميرة بن طارق، والمناجيان البرجميان اللذان ناجاهما عميرة، حين أراد أبجر أن يغزو
بني يربوع، وهو يوم بلقاء،
(1/229)

ويوم صمد، ويوم أود، ويوم ذي طلوح.
ويومَ أبي قابُوسَ لم نُعطِهِ المُنى ... ولكن صَدَعْنَا البْيَضَ حتى تَهزَّمَا

خبرُ يومِ ذاتِ كهفٍ ويومِ طخفَةَ
وكان من حديثه أنه لما هلك عتّاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، وكانت الردافة له وكان الملك إذا
ركب ردف وراءه، وإذا نزل جلس عن يمينه فتُصرّف إليه كأس الملك إذا شرب، وله ربع غنيمة
الملك من كل غزوة يغزو، وله إتاوة على كل من في طاعة الملك فنشأ له ابن يقال له عوف بن
عتاب، فقال حاجب بن زرارة: إن الردافة لا تصلح لهذا الغلام لحداثة سنه، فاجعلها لرجل كهل. قال:
ومن هو؟ قال: الحارث ابن بيبة المجاشعي فدعا الملك بني يربوع، فقال: يا بني يربوع، إن الردافة
كانت لعتّاب وقد هلك، وابنه هذا لم يبلغ فأعقبوا إخوتكم، فإني أريد أن أجعلها للحارث بن بيبة.
فقالت بنو يربوع: إنه لا حاجة لأخوتنا فيها، ولكن حسدونا مكاننا من الملك، وعوف بن عتّاب على
حداثة سنه، أحرى للردافة من الحارث بن بيبة، ولن نفعل ولا ندعها، قال: فإن لم تدعوها فأذنوا
بحرب. قالوا: دعنا نسر عنك ثلاثاً ثم آذنّا بحرب. فسارت بنو يربوع ذاهبة عن الملك، ومعها
برجمة من البراجم، والملك يومئذ المنذر بن ماء السماء، فخرجت بنو يربوع حتى نزلوا شعباً بطخفة
فدخلوا فيه هم وعيالهم - فجعلوا العيال في أعلاه، والمال في أسفله. وهو شِعب حصين له مدخل
كالباب. فلما مضى له ثلاث ليال، أرسل في أثرهم قابوس ابنه، وحسّاناً أخاه في جيش كثير من أفناء
الناس، واحتبس عنده شهاب بن عبد قيس بن كُباس بن
(1/230)

جعفر بن ثعلبة بن يربوع، وحاجب بن
زرارة، فلما مضى للجيش ثلاث، دعاهما الملك. وكانت الملوك تعطى العرب على حسن ظنونهم؛
والكلام الحسن، تُستقبل به الملوك. فقال لحاجب بن زرارة: يا حاجب، قد سهرت الليلة، فأرسلت
إليك لتحدثني أنت وشهاب، وأرسل إلى شهاب أيضاً، فقال لشهاب: ما ظنك بالجيش؟ فقال شهاب:
ظني أنك قد أرسلت جيشاً مختلف الأهواء، وإن كثروا، إلى قوم عند نسائهم وأموالهم، يدهم واحدة،
وهواهم واحد، يقاتلون فيُصدقون، فظني أن سوف يظفرون بجيشك، ويأسرون ابنك وأخاك. فقال
حاجب: أنت قد اهترت - أي كبرت - فقال شهاب: أنت أكذب. فتراهن هو وحاجب على مائة لمائة
من الإبل. وكان لشهاب رئي من الجن مغضباً، فانتبه من الليل وهو يقول:
أنا بَشيرُ نفسية ... نَفَّرتُ حاجباً مِيَهْ
فرددها مراراً، فسمعها الملك، فقال لحاجب: ما يقول هذا؟ قال يُهجر. قال: لا والله ما أُهجر، ولكن
جيشك قد هزم، وأُسر ابنك وأخوك، وآية ذلك أن يُصبّحك راكب بعيراً، جاعلاً أعلى رمحه أسفله
يُخبرك بذاك. وانطلق الجيش، حتى أتوا الشعب، فدخلوا فيه، حتى إذا كانوا في متضايقه حملت
عليهم بنو يربوع النعم، وخرجت الفرسان
(1/231)

من شعابه، فقعقوا بالسلاح للنعم فذعرها ذلك، وحُمل على
الجيش فردوا وجوههم، واتبّعتهم خيل بني يربوع، تقتل وتطعن، فأدرك طارق بن ديسق بن حصبة
بن أزنم قابوس بن المنذر، فاعتنقه وضرب طارق فرس قابوس بالسيف على وجهها، فأطن جحفلتها،
ومضى حتى ذبحها، واحتطّه عن السرج. وشد عمرو بن جوين بن أهيب بن حميري بن رياح على
حسان أخي المنذر فأسره وهُزم الجيش، وأُخذت الأنهاب، وقُتل يومئذ أبو مندوسة المجاشعي لا يُدرى
من قتله. فصبّح الملك تلك الغداة التي قال في ليلتها شهاب. رجل انهزم من أول الجيش، على بعير،
فأخبره ما قال له شهاب لم يخرم منه شيئاً. فدعا شهاباً، فقال: يا شهاب: أدرك ابني وأخي، فإن
أدركتهما حيّين فلبني يربوع حكمهم، وأرد عليهم ردافتهم، وأُهدر عنهم ما قتلوا، وأهنئهم ما غنموا
وأحمل لهم من قُتل منهم، فأعطيهم بها ألفي بعير. فخرج شهاب، فوجد الرجلين حيين، قد جُزّت
ناصية قابوس جزّها طارق، فقال قابوس لطارق: إن الملوك لا تُجزّ نواصيها. قال: قد قال ذاك ابن
المتمطر لابن عمك حين أسره ثم أطلقه فكفره.
لو خِفتُ أن تُدعَى الطَّلاقةُ غيرهَا ... لَقِظْتُ ودوني بطنُ جوٍّ ومِسْطَحٌ
فهل مَلِكٌ في الناسِ بعدكَ مُطلَقٌ ... له لِمَّةٌ إلا هوَ اليومِ أجلَحُ
وإن شهاباً أتاهم فضمن لهم ما قال لهم المنذر، فرضوا، وعادت الردافة إلى ابن عتّاب بن هرمي،
فلم تزل لهم حتى مات الملك، وقال شريح بن الحارث اليربوعي:
وكنتُ إذا ما بابُ مَلكٍ قَرَعتُهُ ... قرعتُ بآباءٍ أُولي شَرفٍ ضَخمِ
بأبناءِ يربوعٍ وكان أبوهُمُ ... إلى الشَّرفِ الأعلى بآبائه يَنمي
همُ مَلكُوا أملاكَ آل مُحَرَّقٍ ... وزادوا أبا قابوسَ رَغماً على رَغمِ
(1/232)

وقادوا بِكُرهٍ من شهابٍ وحاجبٍ ... رُؤوسَ مَعدٍّ بالأزِمَّةِ والخُطمِ
عَلا جدُّهُم جَدَّ الملوكِ فأطلقوا ... بطِخفَةَ أبناءَ الملوكَ على الحُكمِ
وأيهاتَ من أنقاضِ قاعٍ بقَفرةٍ ... بُدورٌ أنافت في السماءِ على النَّجمِ
حِمانَا حِمَى الأُسدِ التي بِشُبُولها ... تَجُرُّ من الأقرانِ لَحماً على لَحمِ
وكنّا إذا قومٌ رَمينا صفاتَهُم ... تركنا صُدوعا بالصَّفاةِ التي نرمي
ونرعى حِمَى الأقوامِ غيرَ مُحَرَّمٍ ... علينا ولا يرعى حِمانا الذي نحمي
وقال متمم بن نويرة:
ونحن عَقرنا مُهرَ قابوسَ بعدما ... رأى القومُ منه الموتَ والخيلُ تُحلَبُ
عليه دِلاصٌ ذاتُ نَسجأٍ وسَيفُهُ ... جُرازٌ من الجُنثيُّ أبيضُ مِقضَبُ
وقال عمرو بن حوط بن سلمى بن هرمي بن رياح:
قَسَطنا يومَ طِخفَةَ غيرَ شَكٍّ ... على قابوسَ إذكُرِهَ الصباحُ
لَعَمرُ أبيكَ والأنباءُ تَنمي ... لَنِعمَ الحيُّ في الجُلّى رياحُ
أبَوا دِينَ الملوكِ فهُم لَقَاحٌ ... إذا هِيجُوا إلى حَربٍ أشاحُوا
فما قومٌ كقومي حين يَعلُو ... شهابُ الحربِ تُسعِرُهُ الرِّماح
وما قومٌ كقومي حين يُخشى ... على الخودِ المُخدّرةِ الفِضَاح
(1/233)

أذبُّ عن الحَفَائِظِ في مَعَدٍّ ... إذا ما جدَّ بالقومِ النِّطاح
كأنهم لِوَقعِ البِيضِ بُزْلٌ ... تَغُضُّ الطَّرفَ وارِدةً قِماحُ
القماح الرافعة رؤوسها عن الماء لا تشرب.
صَبرنَا نَكسِرُ الأسلاَتِ فيهم ... فَرُحْنَا ناهِرِينَ لهم وراحوا
ورُحنَا تَخفِقُ الرَّاياتُ فينا ... وأبناءُ المُلوكِ لهم أُحاح
الأُحاح أصله الفلي، وهو العطش.
وقدْ أثكَلَتْ أُمَّ البَحِيرَين خَيلُنا ... بِوِردٍ إذا ما استعْلَنَ الرَّوعُ سَوَّماً
البحيرين أراد بحيراً وفراساً ابني عبد الله بن عامر بن سلمة بن قشير. واستعلن ظهر، وسوّم أعلم
للقتال.
وكان من حديث هذا اليوم، وهو يوم المرُّوت، أن قعنب بن الحارث ابن عمرو بن همام بن يربوع،
التقى هو وبحير بن عبد الله بن عامر ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
بعكاظ، والناس متوافقون. فقال بحير، يا قعنب، ما فعلت البيضاء فرسك، قال: هي عندي. قال فكيف
شكرك لها؟ قال: وما عسيت أن أشكرها به؟ قال: وكيف لا تشكرها وقد نجتك مني؟ قال قعنب:
ومتى كان ذلك؟ قال حيث أقول:
لو أمكنتني من بَشامةَ مُهرتي ... لَلاقَى كما لاقت فوارسُ قَعنبِ
تمطَّت به البيضاء بعد اختِلاسِهِ ... على دَهَشٍ، وخِلتُني لم أُكُذَّبَ
(1/234)

فأنكر ذلك قعنب، وتلاعنا وتداعيا أن يقتل الصادق منهما الكاذب. ونذر قعنب أن لا يراه بعد ذلك
الموقف إلا قتله أو مات دونه. فضرب الدهر من ضربانه، ثم إن بحيراً أغار على بني العنبر يوم
إرم الكلبة، وهو نقاً قريب من النباح، فأصاب منهم ناساً، وانفلت منهم منفلتون، فأنذروا بني حنظلة
وبني عمرو بن تميم، فركبوا في أثر بحير، وقد سار بمن أخذ من بني العنبر. فكان أول من لحق،
بنو عمرو بن تميم، فقال بحير لأصحابه: أنظروا ما ترون؟ قالوا: نرى خيلاً عارضة الرماح. قال:
أولئكم بنو عمرو بن تميم. فلحقوا ببحير وهو بالمروت، فاقتتلوا شيئاً من قتال، ثم لحق بنو مالك بن
حنظلة، فقال بحير لأصحابه انظروا ما ترون؟ قالوا: نرى خيلاناً ناصبة الرماح. قال: أولئكم بنو
مالك بن حنظلة فقاتلوا شيئاً من قتال، ثم لحقت خيل شماطيط فقال بحير: ما ترون؟ قالوا نرى خيلاً
شماطيط - أي متفرقة أرسالاً - ليس معها رماح. قال أولئكم بنو يربوع رماحهم عند آذان الخيل وما
قوتلتم منذ اليوم إلا الساعة، فكان أول من لحق منهم، نعيم بن عتاب، فطعن المثلم بن قرط أخا بني
قشير فصرعه وأسره. ثم لحق قعنب بن عصمة بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بحيراً
فطعنه، فأذراه عن فرسه، فوثب عليه كدّام بن نخيلة المازني، فأبصره قعنب بن عتاب وهو في يد
كدام، فحمل عليه فأراد كدام منعه، فقال قعنب: رأسك مازِ والسيف - أراد يا مازني رأسك والسيف
- فخلى عنه كدام، فضربه قعنب بن عتاب فأطار رأسه.
وأخذ يومئذ أرقم بن نويرة صهبان بن ربيعة بن قشير، وكانت أم صهبان امرأة من مازن بن مالك
بن عمرو بن تميم. فقالت بنو عمرو:
(1/235)

يا بني يربوع قتلتم أسيرنا في أيدينا - يعنون بحيراً - فهمّوا
بالقتال. فقال أرقم بن نويرة: يا بني يربوع أعطوا بني مازن ابن أختهم من أسيرهم، فأعطاهم بنو
يربوع صهبان فرضيت بنو مازن، فأطلقوه. وقتلت بنو يربوع يومئذ بُريك بن قُرط بن عامر وأخاه.
وأما المُثلم فإنه بقي بعد طعنه نعيم إياه، فافتدى نفسه بمائة من الإبل، وهُزم بنو عامر. فقال أوس بن
حجر:
زَعَمتُم أن غَولاً والرِّجامَ لكم ... ومَنعِجاً فاَذكُرُوا والأمرُ مُشترَكُ
وقلتم ذاكَ شِلوٌ سوفَ نأكُلُهُ ... فكيف أكلُكُمُ الشِّلوَ الذي تَرَكُوا
نفسي الفِداءُ لمن أدَّاكُمُ رَقَصاً ... تَدمَى حَرَاقِفُكُم في مشيكم صَكَكُ
الحرقفتان من الإنسان وغيره: رأسا الوركين المتصلان بالصلب، وهما الغرابان، والصكك اصطكاك
الركبتين عند المشي.
وقال أوس بن بحير في ذلك:
لَعَمرُكَ ما أصابَ بَنُو رِياحٍ ... بما احتَمَلوا وغيرُهُم السَّقيمُ
بقَتلِهِمُ امرءاً قد أنزَلَتهُ ... بنو عمروٍ وأوْهَطَهُ الكُلومُ
فإن كانت رياحاً فاقتُلوها ... وآلُ نُخَيلَةَ الثَّأرُ المُنيمُ
الثأر المنيم: الذي ينام صاحبه ويهدأ إذا أدركه.
(1/236)

وقال يزيد بن عمرو بن الصعق:
أوارِدَةٌ عليَّ بنو رِياحٍ ... بِعِيرِهِمُ وقد قَتَلُوا بَحيراً
فقالت العوراء أخت بني رياح ترد عليه:
قَعِيدَكَ يت يزيدُ أبا قُبيسٍ ... أتُنْذِرُ كي تُلاقينَا النُّذورا
وتُوضِعُ تُخبِرُ الأقوامَ أنَّا ... وُجِدْنَا في ضِراسِ الحربِ خُورا
الإيضاع: السير الرفيع، يقال أوضعت بعيري ووضع هو.
وأنشد لأبي محمد الفقعسي
سِلْقٍ وراعٍ فإذا كان فَزَعْ ... ألفَيتَني مُحتَمِلاً بَزِّي أضع
ألم تعلم قَعِيدَكَ با ابنَ عَمروٍ ... بأنّا نَقمَعُ الشَّيخَ الفَخُورا
ونُطلِقُهُ فيَكفُرُ ما سَعَينا ... ونلفِيه لِنُعمانَا كَفورا
فأبلِغْ إن عَرضتَ بني كِلابٍ ... بأنّا نحنُ أقعَصنَا بَحيرا
وغادَرنَا بُرَيكَيكُم جميعاً ... فأصبحَ مُوثَقا فينا أسيرا
أي بريك وأخوته.
أفَخراً في الرَّخاءِ بغيرِ فخرٍ ... وعندَ الحربِ خَوَّاراً ضَجُورا
وكان المصفّى أخو بني قشير، قتل عمرو بن واقد الرياحي، فقتله نعيم بن عتاب يوم المروت، فقال
نعيم في ذلك:
(1/237)

ما زِلتُ أرميِهم بثَغرَةِ نَحرِهِ ... وفارسِهِ حتى ثأرتُ ابنَ واقدِ
أُحاذِرُ أن يُخزى قبيلي ويُؤثَروا ... وهم أُسرتي الدُّنيا وأقربُ والدِ
شَهيدي سُوَيدٌ والفَوارسُ حوله ... وما أبتَغَي بعدَ سُويدٍ بشاهِدِ
أسرة الرجل، وفصيلته وعشريته، وناهضته، وظهرته، البطن الذي هو منه دون القبيلة العظمى.
وقالتْ بَنو شَيبانَ بالصَّمدِ إذ لَقُوا ... فَوارِسَنا يَنعَونَ قَيلاً وأيهَمَا
كان يوم الصمد، وهو الذي ذكره جرير، وهو يوم ذي طلوح لبني يربوع خاصة، ولم يكن فيه من
بني دارم إلا رجل واحد، نقيل في بني يربوع، وهو حنظلة بن بشر وعمرو بن عمرو بن عُدس بن
زيد بن عبد الله بن دارم، الذي شرك في أسر الحوفزان، فافتخر به البعيث والفرزدق على جرير،
وهو لجرير دونهما. وأما قيل وأيهم، فكان سبب قتلهما يوم طلحات حومل، وهو يوم مليحة، وذلك أن
بسطام بن قيس خرج مغتزياً، وذلك حين ولى الربيع، واشتد الصيف، وقد توجّهت بنو يربوع بينهم،
وبين طلح، فذكر لأخريات بني يربوع، أنهم رأوا منسراً فبعثوا مرسلاً أخا بني حرملة بن هرمي بن
رياح، فأشرف ضفرة حومل - والضفرة والعقدة: الحبل المتراكم من الرمل - فرُفع له عشرون
بعيراً، يعدهن عند طلحات حومل، فحسب أنه ليس غيرهم، والجيش في الخبراء دونهم - والخبراء
التي تمسك الماء وتُنبت السدر، والجماعة خبارى - فكرّ يدعو يا آل يربوع الغنيمة، فتسارع الناس
أيهم يسبق إليها، فجاءوا متقطعين، فسقطوا على الجيش من دون
(1/238)

الطلحات في الخبراء، فلم تجئ
عصبة إلا أُخذوا، وقُتل يومئذ عصمة ابن النحّار بن ضباب بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع،
فقال بسطام حين رآه قتيلاً، ويحكم من قتل ابن النحار؟ وما قُتل هذا إلا لتثكل رجلاً أمه، فكان قاتله
الهيش بن المقعاس، من بني الحارث بن همام، فقتلته بنو يربوع بابن النحار يوم العُظالى. وأصابوا
نعمان بن قيل. وأيهم اليربوعيين، أصابتهما بنو شيبان، فلما أخذ بنو شيبان اليربوعيين وأسروهم،
نظر بنو شيبان فإذا هم لا ماء معهم يبلّغهم، فقالوا: يا بني يربوع، إنكم تموتون قبلنا، وإنّا شاربون ما
معنا من الماء، ومانعوه منكم، وليس مُبلغنا، فاختاروا إن شئتم أن تجيرونا بغير طلاقة ولا نعمة، حتى
نتوّفى كل سقاء، ونسقى كل دابة من طلح، وإما أن نرجع بكم، فهو هلاكنا وهلاككم. فأجارهم بنو
يربوع على غير طلاقة ولا نعمة، فخلّوا عن اليربوعيين واستقى بنو شيبان، فذلك قول عميرة بن
طارق:
حلفتُ فلم تَأثَمْ يميني لأثأرَنْ ... عَدِيّاً ونعمانَ بنَ قَيلٍ وأيهَمَا
وغِلمتَنَا السَّاعِينَ يومَ مُلَيحةٍ ... وحَومَلَ في الرَّمضَاء يوماً مُجَرَّما
أشَيبانُ لو كانَ القِتالُ صَبَرتُمُ ... ولكنَّ سَفعاً مِنْ حريقٍ تَضَرَّمَا
يقول: لو كنتم تُناصِفون القتال لصبرتم، ولكن لقيتم النار لا يد لكم بها، كما قال أوس بن حجر:
فما جَبنُوا أنَّا نَسُدُّ عليهم ... ولكن لَقُوا ناراً تَحُسُّ وتَسفَعُ
تحس تحرق، وقوله نسد عليهم من السداد، أي لسنا نناصفهم
(1/239)

القتال، ولكن كنا عليهم مثل النار.
وعَضَّ ابنُ ذي الجَدَّينِ حولَ بُيُوتِنا ... سَلاَسِلُهُ والقِدُّ حَولاً مُجَرَّمَا
ابن ذي الجدين بسطام بن قيس. ويروى وسط بيوتنا.

خبرُ يومِ أعشاشٍ ويومِ صحراءِ فَلْجٍ
وكان من قصة هذا اليوم، ما حكاه الكلبي، عن المفضّل بن محمد، عن زياد بن علاقة التغلبي، أن
أسماء بن خارجة الفزاري حدّثه بذلك، قال: أغار بسطام بن قيس ببني شيبان، على بني مالك بن
حنظلة، وهم حالّون بالصحراء من بطن فلج، ومع بني مالك الثعلبات، بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة،
وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، نقيل في بني
مالك، ليس معهم يربوعي غيره، فأخذ بسطام بن قيس نسوة فيهن أم أسماء بن خارجة، وهي امرأة
من بني كاهل بن عذرة بن سعد هذيم - وإنما كان هذيم عبداً لأبي سعد، فحضن سعداً، فغلب عليه -
وأسماء يومئذ غلام شاب يذكر ذلك، فأتى الصّريخ بني مالك، فركبوا في أثره، فاستنقذوا ما أصاب،
وأردكه عتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن كباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع، فأسره
وأخذ أم أسماء، وقد كان بسطام قتل مالك بن حطّان بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن
يربوع، وبجير بن عبد الله بن الحارث بن عاصم - وعبد الله هو أبو مليل - وأثقل الأحيمر
اليربوعي، فأشفق عتيبة أن يأتي به بني عبيد بن ثعلبة، مخافة أن يقتلوه بمالك بن حطّان أو ببجير،
ورغب في الفداء، فأتى به عامر بن مالك بن جعفر، وكانت عمته خولة بنت شهاب، ناكحاً في بني
الأحوص - ولدت زعموا في بني الأحوص - فزعموا أن بسطاماً لما
(1/240)

توسط بيوت بني جعفر قال:
واشيناناه ولا شيبان لي، فبعث إليه عامر ابن الطفيل، إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل، فإني
سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف بنفسك في الرَّكيَّ التي خلف بيوتنا، وكانت الركي بديئاً، إنما حُفر
منها قامتان، فأتت أم حمل - وهي تابعة له كانت من الجن - عتيبة، فخبّرته بما كان من أمر عامر،
فأمر عتيبة ببيته، فقوّض وركب فرسه، وأخذ سلاحه، ثم أتى مجلس بني جعفر وفيه عامر بن
الطفيل فحيّاهم، ثم قال: يا عامر، إنه قد بلغني الذي أرسلت به إلى بسطام، فأنا مخيّرك فيه خصالاً
ثلاثاً، فاختر أيتهن شئت، قال عامر: ما هن يا أبا حزرة؟ قال: إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل
بيتك - يعني بخلعته ماله ينخلع عنه - حتى أُطلقه لك، فليست خلعتك وخلعه أهل بيتك بشر من
خلعته وخلعة أهل بيته، فقال عامر: هذا مالا سبيل إليه. فقال عتيبة: فضع رجلك مكان رجله، فلست
عندي بشر منه، فقال عامر: ما كنت لأفعل فقال عتيبة: فأُخرى هي أهونهن، فقال عامر: ما هي؟
قال عتيبة: تتبعني إذا أنا جاوزت هذه الرابية، فتقارعني عنه الموت، فإما لي، وإما علي. فقال
عامر: تيك أبغضهن إليّ فانصرف عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة، فإنه لفي بعض الطريق، إذا نظر
بسطام إلى مركب أم عتيبة، فقال يا عتيبة: أهذا مركب أمك؟ قال: نعم. قال: ما رأيت كاليوم قط
مركب أم سيد، مثل هذا إنّ حِدج أمك لرث. قال عتيبة: ألك إرث، قال: نعم. قال عتيبة: أما واللات
والعزى، لا أطلقك حتى تأتيني أمك بكل شيء ورّثك قيس بن مسعود، وبجملها، وحدجها، فأتته أم
بسطام على جملها وحدجها، وبثلاثمائة بعير. وهي ليلى بنت الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي
فقال عتيبة في ذلك:
أبْلِغْ سَراةَ بني شَيبانَ مَالَكَةً ... إني أباتُ بعبدِ الله بِسطامَا
(1/241)

أبأته من البواء وهو أن يُقتل الرجل بمن قتل.
قاظَ الشِّرِبَّةَ في قيدٍ وسِلسِلَةٍ ... صوتُ الحديدِ يُغَنِّيهِ إذا قاما
إنْ يحصُروكَ بذي قارٍ فَذَاقِنَةٍ ... فقد أُعَرِّفُهُ بِيداً وأعلاما
وقال عتيبة أيضاً:
ألاَ مَنْ مُبلِغٌ جَزءَ بنَ سَعدٍ=فكيف أصاتَ بَعدُكُم النَّقِيلُ
أصات من الصيت والشرف. وروى الكلبي: أصاب، والنقيل يعني نفسه، لأنه كان نقيلاً في
الثعلبات.
أُحامي عن ذِمار بني أبيكمُ ... ومثلي في غُواتِكِمُ قليلُ
كما لاقى ذَوو الهِرماسِ مني ... غَداةَ الرَّوعِ إذ فُرِيَ الشَّليلُ
إذا اختَلَفتْ نواصي الخيل ظنُّوا ... بأنّ بصَعدَتي يُشفى الغليلُ
صعدته رمحه. وأنشد عن أبي توبة:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميلها تمل
وقال جرير في ذلك اليوم ولم تتم قصيدته الأولى بعد:
ألا طالَ ما لم نُعُطِ زيقاً بحُكمِهِ ... وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُّ لازِبُ
حَوينَا أبا زِيقٍ وزيقاً وعَمَّهُ ... وجدَّةُ زيقٍ قد حَوَتها المَقَانِبُ
ألم تعلموا يا آل زِيقٍ فوارسي ... إذا احمرَّ من طُولِ الطِّرادِ الحواجبُ
حوت هانئاً يومَ الغبيطينِ خيلُنا ... وأدرَكنَ بِسطاماً وهُنَّ شَوازِبُ
رجع إلى القصيدة.
(1/242)

وتَكذِبُ أستاهُ القُيونِ مُجاشِعٌ ... متى لم نَذُذْ عن حَوضِنَا أن يُهدّمَا
جعل مجاشعاً قيوناً لعبد كان لصعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان يسمى جبيراً، فنسب
جرير غالباً أبا الفرزدق إلى القين، ولذلك يقول جرير:
وجَدنَا جُبَيراً أبا غالبٍ ... بعيدَ القَرابَةِ من مَعبدِ
أتَجعَلُ ذا الكِيرِ من دارِمٍ ... وأينَ سُهيلٌ من الفَرقَدِ
إذا عُدَّ فَضلُ السعيِ مِنّا ومنهُمُ ... فَضَلنَا بني رَغوانَ بُؤسى وأنعُمَا
بنو رغوان بنو مجاشع، وكان مجاشع خطيباً، فسمعت كلامه امرأة بالموسم فقالت: كأنه يرغو فسمي
بهذا. وحكي أن مجاشعاً وفد على بعض الملوك، فكان يُسامره، وكان نهشل بن دارم رجلاً جميلاً، ولم
يكُ وفّاداً إلى الملوك، فسأله الملك عن نهشل فقال له: إنه مقيم في ضيعه، وليس ممن يفد إلى الملوك،
فقال: أوفده. فأوفده، فلما اجتهره نظر إلى جماله، قال: حدثني يا نهشل، فلم يجبه، فقال له مجاشع:
حدّث الملك يا نهشل، فقال: الشر كثير وسكت، ثم أعاد إليه مجاشع، فقال: حدّث الملك. فقال إني
والله لا أحسن تكذابك وتأثامك تشول بلسانك شولان البروق. البروق بفتح الباء هي التي تشول بذنبها
فيظن أنها لاقح وليس بها ذلك، فأرسلها مثلا.
ألمْ تَرَ عَوفاً لا تزالُ كِلاَبُهُ ... تَجُرَّ بِأكمَاعِ السِّباقَين ألحُمَا
عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة، والسباقان واديان، وأكماعهما نواحيهما، والألحم التي ذكر: لحم
مزاد بن الأقعس بن ضمضم، أخي
(1/243)

هبيرة بن ضمضم. وكان من حديث هذا اليوم، أن الحارث بن حاطب،
كان على صدقات بني حنظلة، فورد على بني مالك بن حنظلة فصنعوا له طعاماً، فسبق
طعام بني طهية طعام بني عوف بن القعقاع فاقتتلوا بينهم، فقتلت بنو طهية قيس بن عوف بن القعقاع
رُمي بحجر فانتهوا إليه وهو يقول: ظُهير قتلني، وفيهم رجلان كل واحد منهما يسمى ظهيراً، فادّعوا
على ظهير أخي بني ميثاء، وجاء عوف برجلين يشهدان على ظهير هذا، فشهدا أن ظُهيراً هو
القاتل، وكان أحدهما من بني ضبة، والآخر من بكر بن وائل. فقال لهم الأمير: هل تطعنون في
شهادة هذين الرجلين الشاهدين؟ فقال الأخضر بن هبيرة ابن المنذر بن ضرار الضبي، وكان أخواله
بنو ميثاء، أشهد على الضبي أنه لم تبق سوأة إلا وقد عملها، غير أني لم أره يأتي أمه! فأبطل شهادة
الضبي، فقُضي لعوفٍ بالدية، فأبى عوف أن يأخذها وخلّى سبيل ظهير. وأن مورق بن قيس بن
عوف بن القعقاع، لقيَ غلاماً من بني ميثاء، يقال له حكيم بن برق، نحره فقتله بأبيه وقال:
كَسَوتُ حُكيماً ذا الفَقَارِ ومَنْ يكُنْ ... شِعاراً له ترِنن عليهِ أقارِبُه
فمن مُبلِغٌ عُليَا طُهيّةَ أنني ... رَهِينٌ بيومٍ لا تَوارى كَواكِبُه
جَزاءً بيومِ السَّفحِ عند ابنِ حاطِبٍ ... ومِثلُ خَبِيِ السَّوءِ دَبّتْ عقارِبُه
ثم إن بني طهية استعدت زياد بن أبيه، فبعث إلى بني عوف هبيرة ابن ضمضم المجاشعي، فطلب
بني عوف فأدركهم بكنهل، فقتل منهم عمرو بن عوف، وجعل عمرو يرتجز ويقول:
إن كنتَ لا تدري فإني أدري ... أنا القُباعُ وابنُ أمِّ الغَمرِ
هل أُقتَلَنْ إن قَتَلتُ ثأرِي
(1/244)

ويروى وابن أم عمرو.
فأمهل الناس حتى إذا مات معاوية واضطرب الأمر، نهض بنو عبد الله بن دارم فأخذوا هبيرة بن
ضمضم، فقالوا: قتلت عمرو بن عوف. فقال: إنما كنت عبداً مأموراً، والله ما أردتُ قتله، وإنما بَوّأت
له بالرمح ليستأسر، فحمل نفسه على الرمح، ودفع اليهم مزاد بن الأقعس ابن أخيه رهينة بالرضا،
وكان مزاد غلاماً حديث السن، فلما فارق هبيرة الحي، دعا عوف غلاماً له أسود يقال له نُبيه، فأمره
بضرب عنق مزاد، ففعل. فخرج أحد الأقعسين الأقعس أو هبيرة يطلب عوفاً بدم مزاد، فأتاه ليلا فلما
دنا منه هابه فرماه بسهم، فأصاب ركبته ثم انصرف، فعرج عوف من الرمية، فقال الفرزدق:
لو كنتَ بالمغلوبِ سيفَ ابنَ ظالمٍ ... ضربتَ أبا قيسٍ أرَنَّتْ أقارِبُهُ
ولكن وجدتَ السَّهمِ أهونَ فُوقَةً ... عليكَ فقد أودَى دمٌ أنت طالِبُه
حَسِبتَ أبا قيسٍ حمارَ شَريعَةٍ ... قَعدْتَ له والصُّبحُ قد لاحَ حاجِبُه
فإنْ أنتُما لم تجعلا بأخيكُما ... صَدىً بينَ أكماعِ السباقِ يُجاوِبُه
فليتَكُما يا ابنَي سُفينَةَ كُنتما ... دماً بينَ رجَلَيها تسيلُ سَبَائِبُهُ
(1/245)

وقد لَبِسَتْ بعدَ الزبيرَ مجاشِعٌ ... ثيابَ التي حَاضَتْ ولم تَغسِلِ الدَّمَا
يعيره بإخفار النعر بن الزمام المجاشعي الزبير بن العوام، وقد استجاره فقتل في جواره. وكان من
حديث قتل الزبير رضي الله عنه أن الزبير لما انصرف عن الجمل يريد المدينة، جاء رجل إلى
الأحنف بن قيس، فقال: هذا الزبير بن العوام قد مر آنفاً، فقال: ما أصنع به، جمع بين الفئتين من
المسلمين عظيمتين، فقتل بعضهم بعضاً، ثم لحق بقومه. فاستجار النعر بن الزمام المجاشعي، فنهض
عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع بن كعب بن عمير السعديون، فاتبعوا الزبير فلحقوه
بوادي السباع - وادي السباع فيما بين مكة إلى البصرة، بينه وبين البصرة خمسة فراسخ - فكرّ
عليهم الزبير حين رآهم فانهزموا عنه، ولحق الزبير ابن جرموز، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله،
فكفّ عنه ورجع الزبير، فانصرف فضالة ونقيع ولزمه ابن جرموز فسايره، في ليلة مقمرة، فكرّ
عليه الزبير، فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله فكف عنه. وسايره وأغفى الزبير فطعنه فأذراه عن
فرسه، فقال الزبير: ما له قاتله الله يُذكّر بالله وينساه، ومات الزبير. ورجع ابن جرموز إلى علي
رضي الله عنه - فأخبره أن قاتل الزبير بالباب، فقال: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وكان ابن
جرموز أخذ سيف الزبير فأخذه علي منه، وقال سيف طالما فرّج الغماء عن وجه رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
وقد عَلِمَ الجيرَانُ أنّ مجاشِعاً ... فُرُوجُ البَغَايا لا يرى الجَارَ مَحرَما
ولو عَلقَتْ حبلَ الزبيرِ حبَالُنَا ... لكانَ كَناجٍ في عَطالَةَ أعصَمَا
(1/246)

يقول: لو تعلق منا الزبير بذمة لأصبح في عز ومنعة كناج: كوعل في عطالة، وعطالة اسم جبل
بالبحرين منيع شامخ.
ألم تَرَ أولادَ القُيُون مجاشِعاً ... يَمُدُّونَ ثَدياً عندَ عَوفٍ مُصَرَّمَا
عوف بن القعقاع قاتل مزاد هذا. يقول: يتقربون إليه برحم غير مرعية ولا موصولة، مصرّم مقطّع
والتصريم أن يكوى خلف الناقة حتى ينقطع لبنها ويكون أشد لها.
ولمّا قَضى عَوفٌ أشَطَّ عليكُم ... فأقسَمتُم لا تفعلُونَ وأقسَما
أشط: جار كلّفكم شططاً، فلم يرض منكم دون قتل مزاد هذا، يقول: أقسمتم لا تعطونه إلا الدية وأقسم
لا يأخذ إلا الجزاء أي القتل.
أبَعدَ ابنِ ذَيَّالٍ تقولُ مجاشِعاً ... وأصحابَ عوفٍ يُحسِنُونَ التَّكلُّمَا
ابن ذيال: عمرو بن جرموز بن فاتك بن ذيال السعدي. معنى تقول: تظن، ولا تقول تظن في القول
إلا في فعل مستقبل، وأنشد:
أنُوَّاماً تقولُ بني لُؤَيٍّ ... قَعيدَ أبيكَ أم مُتَنَاوِمينا
معنى تقول تظن بني لؤي.
فأُبتُمْ خَزَايَا والخَزيزُ قِرَاكُمْ ... وباتَ الصَّدى يدعو عِقالاً وضَمضَمَا
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وضمضم بن مرة بن سيدان، والصدى: صدا مزاد المقتول،
خزايا واحدهم خزيان والمرأة خزيا، والمصدر الخزى، وهو كل أمر يُستحى منه، والخزير شيء
يُعمل من الدقيق شبه العصيدة.
(1/247)

وتغضَبُ مِن شأنِ القُيُونُ مجاشِعٌ ... وما كانَ ذِكرُ القَين سِرَّا مُكَتَّمَا
ولاقيتَ مني مِثلُ غاية دَاحسٍ ... وموقِفِهِ فأستَأخِرَنْ أو تقَدَّمَا
يقول: لقيت مني نكداً وشؤما، كما لقي عبس وذبيان، ابنا بغيض وفزارة بن ذبيان في داحس.
ترى الخُور جِلداً من بَنَاتِ مجاشِعٍ ... لدى القَينِ لا يَمنعنَ منهُ المُخَدَّمَا
الخور الفاسدة، والمخدم موضع الخلخال، قوله جلداً يعني جلوداً.
إذا ما لَوى بالكَلبَتينِ كتيفَةً ... رَأينَ وراءَ الكِيرِ أيراً مُحَمَّمَا
الكتيفة ضبة من حديد، والمحمم الأسود يريد أنه حداد.
ويروى ترى الخور أجلاد بنات مجاشع.
لقد وجدتْ بالقين خُورُ مجاشِعٍ ... كوَجدِ النصارى بالمسيحِ بن مَريمَا
شبه نساءهم بالخور من الإبل، وهي الغزار الرقيقة الجلود، الطويلة الأوبار، اللينات الأبشار.

حديث داحس عن الكلبيِّ
ذكر الكلبي قال: كان من حديث داحس، أن أمه فرس كانت لقرواش ابن عوف بن عاصم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع، يقال لها جلوى، وكان أبوه ذا العُقّال.
(1/248)

وكان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح. وإنما سمي داحساً، أن بني يربوع احتملوا
ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط بن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى
فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودى. وضحك شباب من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه فنزا
على جلوى، فوافق قبولها فأقصّت، ثم أخذه لهما بعض الحي فلحق بهما حوط، وكان رجلاً شريراً
سيء الخلق، فلما نظر إلى عين الفرس قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه الخبر،
فقال: يال رياح، لا والله لا أرضى أبداً حتى آخذ ماء فرسي. فقال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا
فرسك، إنما كان منفلتاً، فلم يزل الشر بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء
فرسكم، فسطا عليها حوط، وأدخل يده في ماء وتراب، ثم أدخلها في رحمها، حتى ظن أنه قد أخرج
الماء، واشتملت الرحم على ما فيها، فنتجها قرواش مهراً، فسمي داحساً لذلك، وخرج كأنه أبوه ذو
العقال، وفيه يقول جرير:
إنَّ الجيادَ يَبِتنَ حولَ قِبَابِنَا ... مِنْ آل أعوَجَ أو لِذي العُقَّالِ
أعوج فرس لبني هلال، فلما تحرك المهر شيئاً مرَّ مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة سائرون فرآه
حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح، ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أول مرة، ثم هذه الآن، فقالوا: هو
فرسنا، ولن نترككم، أو نقاتلكم عليه، أو تدفعوه إلينا، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذاُ لا نقاتلكم
عليه، أنتم أعز علينا منه. هو فداؤكم فدفعوه إليهم، فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا
اخوتنا
(1/249)

مرتين، وقد حلموا وكرموا، فأرسلوا به إليهم مع لقوحين، فمكث عند قرواش ما شاء الله أن
يمكث، وخرج أجود خيول العرب. ثم إن قيس ابن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، أغار على
بني يربوع، فلم يصب أحداً غير ابنتي قرواش بن عوف، ومائة من الإبل لقرواش، وأصاب الحي
خلوفاً لم يشهد من رجالهم، غير غلامين من بني أزنم ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن
الفرس مرتدفيه، وهو مقيد، أعجلهما القوم عن حل قيده. واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين ضبراً حتى
نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين، إن مفتاح القيد مدفون في مرود الفرس بمكان كذا وكذا، فسبقا
إليه حتى أطلقاه فلما رأى ذلك قيس بن زهير، رغب في الفرس، فقال لهما: لكما حكمكما وادفعا إلي
الفرس، فقالا أو فاعل أنت؟ قال: نعم، فاستوثقا منه على أن يرُدّ ما أصاب من قليل أو كثير، ثم
يرجع عوده على بدئه، ويُطلق الفتاتين، ويُخلّى عن الإبل، وينصرف عنهم راجعاً. ففعل ذلك قيس
فدفعا إليه الفرس فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا نُصالحك أبداً، أصبنا مائة من الإبل،
وامرأتين، فعمدت إلى غنيمتنا، فجعلتها في فرس لك، تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر بينهم،
حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل. فلما جاء قرواش، قال للغلامين الأزنميين أين فرسي؟
فأخبراه، فأبى أن يرضى إلا أن يُدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر، حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم
أن تُرد الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير، ويُرد عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر.
وانصرف قيس بن زهير، ومعه داحس فمكث ما شاء الله.
فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس بن زهير، وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن
لوذان بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن
(1/250)

بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن
مضر أن قيساً دخل على بعض الملوك، وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بقول امرئ القيس:
دارٌ لِهرٍّ والرَّبابِ وفَرْتَنَا ... ولَميسَ قبلَ حَوادِث الأيام
- وهن فيما يُذكر نسوة من بني عبس - فغضب قيس بن زهير، وشق رداءها، وشتمها. فغضب
حذيفة، فبلغ ذلك قيساً، فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه، فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده
أفراس له فعابها، وقال: أيرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مُسهر؟ فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم فتجاريا
حتى تراهنا.
ويزعم بعضهم أن الذي هاج الرهان، أن رجلاً من بني عبد الله بن غطفان، ثم أحد بني جوشن،
وهم أهل بيت شؤم، أتى حذيفة زائراً، فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما أرى فيها جواداً مبراً -
المبر الغالب، وأنشد:
أبرُّ على الخُصُومِ فليس خَصمٌ ... ولا خَصمانِ يَغلِبُهُ جِدالا
فقال له حذيفة: ويحك فعند من الجواد المبر؟ قال: عند قيس بن زهير. فقال: هل لك أن تراهنني
عنه؟ قال: نعم، قد فعلت. فراهنه على ذكر من خيله وأنثى. قال: ثم إن العبدي أتى قيس بن زهير،
فقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك، ذكر وأنثى، وأوجبت الرهان. فقال
(1/251)

قيس: لا أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: ما راهنت غيره. فقال له قيس: إنك ما عملت لأنكد، ثم ركب قيس حتى
أتى حذيفة، فوقف عليه، فقال له: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضِعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه.
قال: ما أردت ذلك، فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيّرك بثلاث خلال، فان بدأت واخترت فلي
خلّتان ولك الأولى، وإن بدأت واخترت فلك خصلتان ولي الأولى. قال حذيفة: فابدأ. قال: الغاية من
مائة غلوة، قال حذيفة: فالمضمار أربعون ليلة، والمجرى من ذات الإصاد ففعلا، ووضعا السبق على
يدي غلاّق أو ابن غلاّق أحد بني ثعلبة بن سعد، فزعموا أن حذيفة أجرى الخطّار والحنفاء، وزعمت
بنو فزارة أنه أجرى قُرزُلاً والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء.
وزعم بعضهم أن ما هاج الرهان، أن رجلا من بني المعتم بن قطيعة ابن عبس يقال له سراقة،
راهن شاباً من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة، فلما جاء قيس كره ذلك،
وقال لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة، فقالوا: لا، حتى يُعرف لنا
سبقُنا، فإن أخذنا فحقنا، وإن تركنا فحقنا. فغضب قيس ومحك، وقال: أما إذ فعلتم ذلك، فأعظِموا
الخطر، وأبعدوا الغاية. قالوا: فذلك لك، فجعلوا الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وذلك مائة غلوة،
والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، يقال له حصين.
ويقال رجل من بني العشراء من بني فزارة، وهو ابن أخت لبني عبس، وجعلوا البركة ماء، وجعلوا
السابق أول الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة بن
(1/252)

بدر، وقيس ابن زهير أتيا المدى الذي أُرسلن منه،
ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه، فلما أُرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، فقال:
ترك الخداع من أجرى من مائة. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس.
فقال حذيفة: سُبقت يا قيس. فقال قيس: جري المُذكّيات غلاب. فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة، فقال
حذيفة: إنك لا تركض مركضاً. فأرسلها مثلا. ثم قال: سُبقت خيلك يا قيس. فقال قيس: رويد يعلون
الجدد. فأرسلها مثلا. وقد جعلت بنو فزارة كميناً بالثنية، فاستقبلوا داحساً فعرفوه فأمسكوه وهو
السابق، ولم يعرفوا الغبراء، وهي خلفه مصلّية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنيّة، ثم أسهلوه
فتمطّر في آثارها، أي أسرع. فجعل يبدرها فرسا فرسا، حتى سبقها إلى الغاية مصلّيا، وقد طرح
الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلّؤوها عن البركة ثم
لطموا داحساً، وقد جاءا متواليين. وكان الذي لطمه عمير بن نضلة، فجفّت يده فسمي جاسئا، فجاء
قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو
عبس لقاتلوهم، وإنما كان من شهد ذلك من بني عبس، أبياتاً غير كثير. فقال قيس بن زهير: يا قوم
إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً من الظلم، فأعطونا حقنا. فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً، وكان
الخطر عشرين من الإبل. فقالت بنو عبس فأعطونا بعض سبقنا، فأبوا. فقالوا: أعطونا جزوراً
ننحرها، نطعمها أهل الماء، فإنا نكره القالة في العرب. فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور
وجزور واحدة سواء، والله ما كنا لنقر بالسبق علينا ولم
(1/253)

نسبق، فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيساً كان
كارهاً لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى
شر، فأعطوه جزوراً من نعمكم. فأبوا. فقام إلى جزور من إبله فعقلها ليُعطها قيساً ويرضيه، فقام ابنه
فقال: إنك لكثير الخطأ، أتريد أن تخالف قومك وتُلحق بهم خزاية بما ليس عليهم، فأطلق الغلام
عقالها، فلحقت بالنعم. فلما رأى ذلك قيس بن زهير، احتمل ومن معه من بني عبس، فأتى على ذلك
ما شاء الله. ثم إن قيساً أغار فلقي عوف بن بدر فقتله، وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة فهمّوا بالقتال
وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد أحد بني عوف بن غالب بن قُطيعة بن عبس دية عوف ابن بدر،
مائة عُشراء متلية - والعُشراء التي أتى على حملها عشرة أشهر من ملحقها، والمتالي التي نتج
بعضها والباقي يتلوها في النتاج. وأم عوف وأم حذيفة بنت نضلة بن جوية بن لوذان بن عدي بن
فزارة - واصطلح الناس، ومكثوا ما شاء الله. ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة يقال لها مليكة بنت
حارثة، من بني غراب بن فزارة، فابتنى بها باللقاطة قريباً من الحاجر. فبلغ ذلك حذيفة بن بدر،
فدس له فوارس على أفراس من مسانّ خيلهم، وقال لا تُنظروا مالكاً إن وجدتموه أن تقتلوه، والربيع
بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي، مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد
معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فلقوا مالكاً فقتلوه، ثم انصرفوا عنه فجاؤوا عشية، وقد جهدوا أفراسهم،
فوقفوا على حذيفة، ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم، وعقرناه،
فقال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار. فقال حذيفة لما أكثر عليه الربيع
من الملامة، وهو يحسب أن الذي أصابوا حمار: إنّا لم نقتل حمارا، ولكنا قتلنا مالك بن زهير، بعوف
بن بدر. فقال الربيع:
(1/254)

بئس لعمر القتيل قتلت. أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره فتراجعا شيئاً ثم
تفرقا. فقام الربيع يطأ الأرض وطئاً شديدا، وأخذ يومئذ حمل ابن بدر ذا النون، سيف مالك بن
زهير، فزعموا أن حذيفة لمّا قام الربيع أرسل أمَة له مولّدة، فقال اذهبي إلى معاذة بنت بدر، امرأة
الربيع، فانظري ماذا ترين الربيع يصنع. فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت، فاندست بين الكفاء
والنضد، وجاء الربيع فنفذ البيت، حتى أتى فرسه، فقبض بمعرفته، ثم مسح متنه، حتى قبض بعكوة
ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه، فهزّه هزاً شديداً، ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته
اطرحي لي شيئاً، فطرحت له شيئاً فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت إليه، فقال
إليك، فقد حدث أمر، ثم تغنّى فقال:
نام الخَليُّ وما أُغمِّضُ حارِ ... مِن سيِّيءِ النَّبَأِ الجليلِ السارِي
مِن مِثلهِ تُمسي النِّساءُ حواسِراً ... وتقوم مُعوِلةً معَ الأسحار
مَن كان مسروراً بمقتَلِ مالكٍ ... فليأتِ نِسوَتنا بِوَجهِ نهار
قد كُنَّ يَخبأنَ الوجوهَ تَسَتُّرا ... فاليومَ حين بَدونَ للنُظَّار
يَحبَأنَ حُرَّاتِ الوُجوهِ على امرئٍ ... سَهلِ الخليقةِ طَيِّبِ الأخبار
أفَبَعدَ مَقتلِ مالكِ بنِ زُهيرٍ ... ترجو النساءُ عَواقبَ الأطهار
ما إنْ أرى في قَتلهِ لِذَوي الحِجَا ... الا المَطِيَّ تُشَدُّ بالأكوار
ومُجَنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَذَوَّفاً ... يقذِفنَ بالمُهرَاتِ والأمهار
(1/255)

ومَساعِرا صَدَأُ الحديدِ عليهِمُ ... فكأنّما طُلِيَ الوجوهُ بِقار
يا رُبَّ مَسرورٍ بمقتلِ مالكٍ ... ولَسَوفَ يَصرِفُهُ لِشرِّ مَحَار
فرجعت الأمَة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين اجتمع أمر إخوتكم، ووقعت الحرب. وقال الربيع
لحذيفة وهو يومئذ جار لحذيفة: سيرني، فإني جاركم. فسيّره ثلاث ليال، ومع الربيع فضلة من خمر،
فسار الربيع ثلاث ليال فدسّ في أثره فوارس فقال لهم: اتبعوه، فإذا مضت ثلاث ليال فإن معه فضلة
من خمر، فإن وجدتموه قد هراقها، فهو جاد وقد مضى، فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه،
فإنكم تجدونه قد مال لأدنى منزل فأرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجدوه قد شق الزق ومضى
فانصرفوا، فلما أتى الربيع قومه، وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم
قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب، وضعها بين يديه، ثم ركض بها، فلم
يردّها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، من بني أنمار بن بغيض، وهي
إحدى منجبات قيس، وهي أم الربيع بن زياد العبسي، وهي تسير في ظغائن من بني عبس، فاقتاد
جملها، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تُرد عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضل
حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبداً، وقد أخذت أمهم، وذهبت بها يميناً وشمالاً، فقال الناس
في ذلكم ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه. فأرسلتها مثلا. فعرف قيس بن زهير ما قالت،
فخلّى سبيلها واطّرد إبلاً لبني زياد،
(1/256)

فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب
بن سعد بن سعد تيم بن مرة القرشي. فقال في ذلك قيس بن زهير:
ألمْ يَبلُغكَ والأنباءُ تَنمِي ... بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ
ومَحبَسُها على القُرَشِيِّ تُشرَى ... بِأدراعٍ وأسيافٍ حِداد
كما لاقيتُ من حَمَلِ بنِ بدرٍ ... وإخوتِه على ذاتِ الإصاد
همُ فَخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍ ... وذادوا دونَ غايتهِ جوادي
وكنتُ إذا مُنيتُ بخَصمِ سَوءٍ ... دَلَفتُ له بداهيةٍ نآد
ويروى بآبدة
بداهيةٍ تَدُقُّ الصُّلبَ منه ... فتقصِمُ أو تجوبُ عن الفُؤاد
وكنتُ إذا أتاني الدهرَ رِبقٌ ... بداهيةٍ شَدَدتُ لها نِجادي
ألم يعلم بنو الميقابِ أني ... كريمٌ غيرُ مُغتَلِثِ الزِّناد
ويروى معتلث. الوقب الأحمق. والميقاب التي تلد الحمقى.
أُطَوِّفُ ما أُطوِّفُ ثم آتي ... إلى جارٍ كجارِ أبي دُؤادَ
جاره يعني ربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير - وجار أبي دؤاد يقال له الحارث بن همام بن
مرة بن ذهل بن شيبان. وكان أبو دؤاد في جواره، فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير، فقمس
الصبيان ابن أبي دؤاد فقتلوه، فخرج الحارث، فقال: لا يبقى في الحي صبي إلا غُرّق في الغدير،
فودوا ابن أبي دؤاد ديات عدة، فهو قول أبي دؤاد:
(1/257)

إبلي الإبلُ لا يُحَوِّزُها الرَّا ... عُونَ مَجَّ النَّدى عليها المُدامُ
إليكَ رَبيعةَ الخيرِ بنِ قُرطٍ ... وَهُوباً للطَّريفِ وللتِّلادِ
كفاني ما أخافُ أبو هِلالٍ ... ربيعةُ فانتَهتْ عني الأعادي
تظلُّ جيادُهُ يَجزِمنَ حولي ... بذاتِ الرِّمثِ كالحِدَأِ الغَوادي
كأني إذ أنَختُ إلى ابنِ قُرطٍ ... عَلِقتُ إلى يَلَملَمَ أو نِضَادِ
وقال قيس بن زهير أيضاً:
إنْ تكُ حربٌ فلم أجنِهَا ... جَنَتهَا صُبَارَتُهُم أوهُمُ
حّذارِ الرَّدى إذ رَأوا خيلَنا ... مُقَدَّمُها سابحٌ أدهَمُ
عليه كَمِيٌّ وسِربَالُهُ ... مُضَاعَفَةٌ نَسجُها مُحكَمُ
فإن شَمَّرَتْ لكَ عن ساقِها ... فَوَيهاً ربيعُ ولا تَسأمُوا
نَهيتُ رَبيعاً فلم يَنزَجِرْ ... كما انزَجَرَ الحارِثُ الأضجَمُ
وروى ابن الأعرابي الحارث الأجذم. والأضجم رجل من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهو
صاحب المرباع. فكانت الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه،
فزعموا أن قيساً دسّ غلاماً له مولّدا، فقال انطلق كأنك تطلب إبلاً، فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل
مالك، ثم احفظ ما يقولون. فأتاهم العبد، فسمع الربيع يتغنى بقوله:
(1/258)

أفبَعدَ مقتلِ مالكَ بنِ زُهيرٍ ... تَرجُو النساءُ عواقِبَ الأطهارِ
فلما رجع العبد إلى قيس، فأخبره بما سمع من الربيع بن زياد، عرف قيس أن قد غضب.
فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة فأرسلوا إليهم أن رُدوا علينا إبلنا التي وديناها عوفاً أخا
حذيفة بن بدر لأمه فقال لا أعطيكم دية ابن أمي، وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر، وهو ابن الأسدية
فأنتم وهو أعلم. وزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية - أي دنا نتاجها - وأنه
أتى على تلك الإبل أربع سنين، وقد توالدت. وإن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها، فقال له
سنان بن أبي حارثة المريّ: أتريد أن تُلحق بنا خزاية، فتعطيهم أكثر مما أعطونا، فتسبّنا العرب
بذلك، فأمسكها حذيفة وأبي بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بعينها، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلاً له، فمر على بني رواحة، فرماه جنيدب، أخو بني رواحة بسهم
فقتله، فقالت ابنة مالك بن بدر، وهذا يوم المعنقة:
فللهِ عَينَا مَن رأى مِثلَ مالِكٍ ... عَقيرةَ قومٍ أن جَرَى فَرَسانِ
فليتَهما لم يَشرَبا قَطُّ قَطرَةً ... وليتَهما لم يُرسلاَ لِرِهانِ
(1/259)

أحَلَّ جُنيدِبُ أمسِ نَذرَهُ ... وأيُّ قتيلٍ كان في غَطَفانِ
إذا سَجَعَت بالرَّقمتَين حمامةٌ ... أو الرَّسِّ تبكي فارِسَ الكُتُفانِ
ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم بن عوذ ابن غالب بن قطيعة بن عبس،
مشى في الصلح، ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه، وأربعة من بني أخيه، حتى يصطلحوا، وجعلهم
على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فمات سبيع وهم عنده، فلما حضرته
الوفاة، قال لابنه مالك بن سبيع إن عندك مكرمة لا تبيد إن احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأني بك، لو
قد مُت قد أتاك خالك حذيفة - وكانت أم مالك هذا بنت بدر - فعصر عينيه وقال: هلك سيدنا، ثم
خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا شرف بعدها. فان خفت ذلك، فاذهب بهم إلى قومهم. فلما
ثقل، جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدنا فوقع ذلك له في قلب مالك، فلما هلك سبيع أطاف بابنه
مالك وأعظمه فقال له: يا مالك إني خالك، وأنا أسن منك، فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي،
إلى أن ننظر في أمرنا، ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية - واليعمرية ماء بواد من بطن
نخل من الشربة لبني ثعلبة - فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن، جعل يبرز كل يوم غلاماً فينصبه
غرضاً ثم يرمي ويقول: ناد أباك، فينادي أباه حتى تخرقه النبل، وقال لواقد بن جنيدب: ناد أباك،
فجعل ينادي يا عماه، خلافا عليهم، يكره أن يأبس أباه بذلك - والأبس القهر والحمل على المكروه -
وقال لابن جنيدب بن الأسلع: ناد حبينة، فجعل ينادي يا عمراه، باسم أبيه حتى قُتل، قتله عتبة بن
قيس بن زهير. ثم
(1/260)

إن بني فزارة اجتمعوا، هم وبنو ثعلبة وبنو مرة، فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة
من جنب ذي بقر، فقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي، قتله الحكم بن مروان بن زنباع
العبسي، وعبد العزى بن حذار الثعلبي، والحارث بن بدر الفزاري، وهرم بن ضمضم المري، قتله
ورد ابن حابس العبسي، ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة هرم بن ضمضم المري:
يا لَهفَ نفسي لَهفَةَ المَفجُوعِ ... إذ لا أرى هرِما على مَودُوع
أمِنْ أجلِ سيِّدِنا ومصرعِ جَنبِهِ ... عَلِقَ الفؤادُ بحنظَلٍ مَصدُوعِ
ثم إن حذيفة جمع وتهيأ، فاجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال
قيس بن زهير: أطيعوني، فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، قالوا: فإنّا
نطيعك، فأمرهم فسرّحوا السوام والضعفاء بليل، وهم يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا
في الصبح، وأصبحوا على ظهر المعنقة، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحت طلعت الخيل
عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون
بكم في أنفسكم شراً من ذهاب المال.
فأخذوا غير طريق المال، فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله وما خيرهم بعد ذهاب
أموالهم. فاتّبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال،
فلما أدركوه ردّوا
(1/261)

أوله على آخره، ولم يُفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل،
فيذهب بها. وتفرّقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا قوم إن القوم قد فرّق بينهم المغنم، فأعطفوا
الخيل في آثارهم، فلم تشعر بنو ذبيان، إلا والخيل دوائس، فلم يقاتلهم كبير أحد، وجعل بنو ذبيان
إنما همة الرجل في غنيمته، أن يحوزها ويمضي بها، فوضعت بنو عبس فيهم السلاح، حتى ناشدتهم
بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين في أثره، وأرسلوا خيلاً تنفضُ الناس،
ويسألونهم حتى سقط خبر حذيفة من الجانب الأيسر، على شدّاد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن
مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وعمرو بن الأسلع، والحارث بن زهير، وقرواش بن
هني بن أسيد بن جذيمة، وجنيدب، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه، فوضع رجله على
حجر مخافة أن يُقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض، فعرفوه وعرفوا حنف
فرسه - والحنف أن تُقبل إحدى اليدين على الأخرى، وفي الناس أن تُقبل إحدى الرجلين على
الأخرى، وأن يطأ الرجل على وحشيّهما، وجمع الأحنف حنف - فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر
الهباءة، وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه، ومعه حمل بن بدر، وحنش بن عمرو، وورقاء بن بلال،
وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء،
وتمعّكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطّلع فينظر، فإذا لم ير شيئاً رجع فنظر نظرة فقال: إني رأيت
شخصاً، كالنعامة أو كالطائر، فوق القتادة من قبل مجيئنا، فقال حذيفة: هنّا وهنّا عن شداد على جروة
- وجروة فرس شدّاد، والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وشمالك، واذكر غيره لما كان يخاف من
شداد - فبينما هم يتكلمون، إذا هم بشداد بن معاوية واقفاً عليهم، فحال
(1/262)

بينهم وبين الخيل، ثم جاء
عمرو بن الأسلع، ثم جاء قرواش، حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم، فاطّردها وحمل
عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجفر، فقال حذيفة يا بني عبس: فأين العود والأحلام؟ فضرب
حمل بن بدر رأس كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم. فأرسلها مثلا. وقتل قرواش ابن هني
حذيفة، وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل
أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث في ذلك:
تركتُ على الهَباءَةِ غيرَ فَخرٍ ... حُذيفَةَ حولَه قِصَدُ العوالي
سيُخبِرُ قومَهُ حَنَشُ بنُ عمروٍ ... إذا لاقاهُمُ وابنَا بلال
ويُخبِرُهُم مكانَ النُونِ مني ... وما أُعطِيُتُهُ عَرقَ الخِلال
العرق المكافأة والمودة، والخلال الخُلّة. يقول: لم يعطوني السيف عن مودة، ولكني قتلت وأخذت،
فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان:.
سيُخبرُكَ الحديثَ بكم خَبيرٌ ... يجاهِدُكَ العَداوَةَ غيرُ آلِ
بُداءَتُها لِقرواشٍ وعمروٍ ... وأنت تَجولُ جَوبُكَ في الشِّمال
الجوب الترس، يقول بداءة الأمر لقرواش وعمرو بن الأسلع، حين اقتحما الجفر وقتلا من قتلا،
وأنت تُرسك في يدك تجول، لم تغن شيئاً.
(1/263)

ويقال لك البداءة ولفلان العوادة. وقال قيس بن زهير:
تَعلَّم أنَّ الناسِ مَيتٌ ... على جَفرِ الهَباءَةِ ما يَريمُ
ولو ظُلمُهُ ما زِلتُ أبكي ... عليه الدهرَ ما طَلعَ النُّجومُ
ولكنَّ الفتى حملَ بنَ بدرٍ ... بَغى، والبَغيُ مَرتَعُهُ وخِيمُ
أظُنُّ الحِلمَ دلَّ عليَّ قومي ... وقد يُستَجهَلُ الرجلُ الحليمُ
فلا تَغشَى المظَالِمُ أن تَراهُ ... يُمتَّعُ بالغِنَى الرجُلُ الظلومُ
ولا تَعجَلْ بأمرِكَ واستَدِمهُ ... فما صَلَّى عَصاكَ كمُستديمِ
يقول عليك بالتأني، وإياك والعجلة، فإن العجول لا يُبرم أمراً، كما أن الذي يُثقف العود إذا لم يُجد
تصليته على النار لم يستقم له.
أُلاقي من رجالٍ مُنكَرَاتٍ ... فأُنكِرُها وما أنا بالغَشُومِ
ولا يُعِييكَ عُرقُوبٌ لِلأيٍ ... إذا لم يُعطِكَ النِّصفَ الخصيمُ
قوله عرقوب، يقول: إذا لم يُنصفك خصمك فأدخل عليه عرقوباً ينسخ حجته.
ومارستُ الرِّجالَ ومارَسُوني ... فمُعوَجٌ عليَّ ومستقيمُ
وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي وهو أبو عنترة:
مَنْ يَكُ سائلاً عني فإني ... وجَروَةَ لا تَرُودُ ولا تعارُ
مُقرَّبَةُ الشِّتاءِ ولا تَرَاها ... أمامَ الحَيِّ تتبَعُها المِهار
(1/264)

لها بالصِّيفِ آصِرَةٌ وجُلٌّ ... وسِتٌّ من كرائِمِها غِزار
ألاَ أبلغْ بني العُشَراءِ عني ... عَلانِيَةً وما يُغني السِّرارُ
قتلتُ سَراتَكُم وحَسَلتُ منكم ... حَسيلاً مثلَ ما حُسِلَ الوَبَار
وحسالة الناس، وحفالتهم، ورعاعهم، وخمانهم، وشرطهم، وحثالتهم، وحشارتهم، وغفاهم السفلة.
وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى، ويزعم بعض بني فزارة، أن حذيفة يومئذ كان أصاب فيمن أصاب
من بني عبس، تُماضر بنت الشريد السلمية، أم قيس فقتلها وكانت في المال.
ولم أقتَلُكُمُ سِرّاً ولكِنْ ... عَلانيَةً وقد سَطعَ الغُبارُ
ثم إن بني عبس ظعنوا، فحلّوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان، فقاتلتهم كلب فهزمتهم
عبس، وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي، أحد بني عُليم بن جناب، فقال عنترة في ذلك، وهي في
شعره:
ألا هل أتاها أنَّ يومَ عُرَاعِرٍ ... شَفى سَقَماً لو كانتِ النفسُ تَشتفِي
قال: فأجلتهم الحرب، فلحقوا بهجر، وامتاروا منها، ثم حلُّوا على بني سعد بني سعد بن زيد مناة،
وهم بالفروقِ، وقد آمنتهم بنو سعد ثلاث ليال، فأقاموا، ثم إنهم شخصوا عنهم، فاتبّعهم ناس من بني
سعد، فقاتلهم العبسيون فامتنعوا، حتى رجع بنو سعد، وقد خابوا ولم يظفروا منهم بشيء، فقال عنترة
في ذلك:
(1/265)

ألا قاتلَ الله الطُّلولَ البَواليا ... وقاتلَ ذِكرَاكَ السِّنينَ الخَواليا
ونحن منَعنَا بالفَروُقِ نِساءَنا ... نُطَرِّفُ عنها مُسبِلاتٍ غَواشيا
وسُئل قيس بن زهير، كم كنتم يوم الفروق؟ قال مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل، ولم نقل
فنضعف. ثم سارت بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز
وحصون، فحالفوهم، فخرج قيس بن زهير حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جرّاري
ربيعة - قال ابن حبيب: الجرار من قاد ألف فارس، فإن لم يقد ألف فارس فليس بجرار - وهو
يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يُرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء، لابد
من مشاورتهم، وما نُنكر حسبك ولا نكايتك، فلما خرج قيس من عنده، قيل له ما تصنع، تعمد إلى
أفتك العرب وأجرئهم فتُدخله أرضك، فيعلم وجوه أرضك، وعورة قومك، ومن أين يؤتون؟ فقال كيف
أصنع وقد وأيت له - أي وعدت - أستحيي من رجوعي، فقال له السمين الحنفي: أنا أكفيك. قيس
هو رجل حازم متوثق، لا يقبل إلا الوثقة، فلما أصبح غدا فلقيه السمين الحنفي، فقال: إنك على خير،
وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قيس، ومر على جمجمة إنسان بالية فضربها برجله، وقال: رُبّ
خسف قد أقرّت به هذه الجمجمة، مخافة مثل هذا اليوم، وإن مثلي لا يقبل إلا القوي من الأمر. فلما لم
ير ما يُحب، احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، من بني
الحريش، وهم بنو أختهم، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم وكانوا يرون عليهم أثرة، وسوء جوار،
واستخفافاً بهم. فقال نابغة بني ذبيان:
(1/266)

لَحا الله عُبساً عَبسَ آل بُغيِّضٍ ... كَلَحي الكِلابِ العَوياتِ وقد فَعَل
فأصبحتُمُ والله يفعلُ ذاكُمُ ... يَعزُّكُمُ مَولَى مواليكم حَجَل
إذا شاءَ منهم ناشِئٌ دَربَخَتْ له ... لطيفَةُ طَيءِّ الكَشحِ رابِيَةُ الكَفَل
دربخت له جبّت وقامت على أربع حتى يأتيها.
فأصبحتُمُ والله يَفعلُ ذاكُمُ ... تَنيكُ النِّساءَ المُرضِعاتِ بَنُو شَكَل
فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم، ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو ذبيان وبنو أسد
ومن تبعهم من بني حنظلة، يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبّان بن بدر، فكانوا معهم ما شاء الله.
ثم إن رجلاً من الضباب، أسره بنو عبد الله بن غطفان، والضبابي هو أخو الحنبص، فاستودعه
الذي أسره يهودياً ليغزو، ثم يعود فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال لحنبص الضبابي لقيس بن
زهير: أدَّ إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله أصابوا صاحبنا، وبنو عبد الله بن غطفان حلفاء بني
عبس، فقال قيس: ما كنا لنفعل. فقال: والله لو أصابه مر الريح لوديتموه. فقال قيس في ذلك:
لَحى الله قوماً أرَّشُوا الحربَ بيننا ... سَقَونَا بها مُرّاً مِنَ الشِّربِ آجِنا
وحَرمَلَةَ النَّاهيهمُ عَنْ قِتَالِنا ... وما دَهرَهُ إلا يكونُ مُطَاعِنَا
أُكَلَّفَ ذا الخُصيّينِ إن كانَ ظالماً ... وإن كان مَظلوماً وإن كان شَاطِنا
(1/267)

خَصَاهُ امرؤٌ من أهلِ تَيمَاءَ طَابنٌ ... ولا يَعدَمُ الأنسِيُّ والجِنُّ طَابِنا
الطابن الفطن، يقول: يخصه يهودي وأكلف أناديته.
فهلاَّ بَني ذُبيانَ وسطَ بُيُوتهم ... رَهَنتَ بمَرِّ الريحِ إن كنتَ رَاهِنا
وخَابَستُهُم حقِّي خلالَ بُيُوتهم ... وان كنتُ ألقَى من رجالٍ ضَغَائِنا
إذا قلتُ قد أُفلِتُ من شرِّ حَنبَصٍ ... لَقيتُ بأُخرى حنبَصاً مُتَباطِنا
فقد جَعلتْ أكبَادُنَا تَجتوِيكُمُ ... كما تجتوِي سُوقُ العَضَاهِ الكَرازِنَا
تَدَرَّوَننا بالمُنكَراتِ كأنّما ... تَدرَّونَ ولداناً تَرَمَّى الرَّهَادِنا
تدرّوننا تختلوننا والرهادن جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور، ويقال باللام كما قالوا غرين وغريل،
وهو التقن في أسفل الحوض، وترمى من الرمي.
وقال النابغة الذبياني يرد على قيس بن زهير:
إبكِ بُكاءَ النِّساءِ إنكَ لن ... تهَبِطَ أرضاً تُحبُّها أبدَا
نحن وَهَبنَاكَ للحَريش وقد ... جَاوَرتَ في أرضِ جَعفَرٍ عَددا
وأغار قرواش بن هني العبسي، وبنو عبس يومئذ في بني عامر، على بني فزارة، فأخذه أحد بني
العشراء، الأخرم بن سيار، أو قطبة بن
(1/268)

سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن سمي بن مازن بن فزارة،
أخذه تحت الليل فقال له: من أنت؟ فقال له: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني
مازن بن فزارة كانت ناكحاً في بني عبس، فعرفت صوته فقالت: أبا شريح، أما والله لنعم مأوى
الأضياف، وفارس الخيل أنت. قال: ومن هو؟ قالت: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه
وكان قتل حذيفة.
وزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع، فقتلوه بمالك بن سبيع. وكان قتل مالك بن سبيع الحكم
بن مروان بن زنباع، فقال نهيكة بن الحارث الفزاري:
صبراً بغيضَ بنَ رَيثٍ إنها رَحِمٌ ... جِئتُم بها فأناخَتكُم بِجَعجَاع
فما أشَطَّتْ سُميٌّ أنْ هُمُ قَتلوا ... بني أُسيدٍ بقتلى آل زِنباعِ
لقد جزتكُم بنو ذُبيانَ ضاحِيَةً ... بما فعلتُم ككَيلِ الصَّاعِ بالصَّاع
قتلاً بقتلٍ وتعقيراً بعَقرِكُم ... مهلاً حُميضَ فلا يسعى بنا الساعي
وقال في ذلك عنترة
هَدِيُّكُم خيرٌ أباً من أبيكُمُ ... أعَفُّ وأوفى بالجِوارِ وأحْمَدُ
الهدي هاهنا الأسير، والهدي الجار، والهدي العروس، والهدي ما أهديت إلى بيت الله الحرام. أهل
العالية يخفّفون الهدى إلى بيت الله عز وجل، وأهل نجد يُحركونه ويثقلونه -
(1/269)

وأحمىَ لدى الهَيجا إذا الخيلُ صَدَّها ... غَداةَ الصَّباحِ السَّمهَرِيُّ المُقصَّدُ
فهلاَّ وفي الغَوغاءُ عمرو بنُ جابرٍ ... بذَمَّتِهِ وابنُ اللقيطَةِ عِصيَدُ
سَيأتيكُمُ مني وإن كنتُ نائِياً ... دُخانُ العَلَندَى حولُ بيتيَ مِذوَدُ
أي هجاء يذود عني، والعلندي شجر كثير الدخان مؤذ، يقول: يأتيكم هجاء مؤذ.
قصائدُ مِن بَزِّ امرئٍ يحتذِيكمُ ... وأنتم بجسمي فارتَدُوا أو تقلَّدوا
وقال قيس بن زهير:
ما لي أرى إبلي تَحِنُّ كأنها ... نَوحٌ تُجاوِبُ مَوهِناً أعشارا
الموهن بعد صدر من الليل. وأعشار جمع عشر.
لن تهبطي أبداً جُنوبَ مُويسِرٍ ... وقَنا قُراقِرَتينِ والإمرارا
أجَهِلتِ من قومٍ هَرَقتُ دِمَاءَهم ... بيَدي ولم أدِهِم بجَنبِ تعَارا
إنَّ الهوادَةَ لا هوادةَ بيننا ... إلا التجاهُدُ فاجَهدِنَّ فَزارا
إلا التَّزاوُرُ فوقَ كلِّ مُقَلِّصٍ ... يهدِي الجِيادَ إذا الخميسُ أغارا
فلأهبِطَنَّ الخيلَ حُرَّ بِلادِكم ... لُحقَ الأياطِلِ تَنبِذُ الأمهارا
حتى تزورَ بلادَكم وتُرَى بها ... مِنكُم مَلاحِمُ تُخشِعُ الأبصارا
وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير، ومالك بن بدر:
أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا ما لم يَجِد بَطلٌ مَقاما
(1/270)

أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا لم يَجِد راعٍ مَساما
ويروى مُساما. يقال: سامت الإبل مَساما، وأسمتُها مُساما.
أخي والله خيرٌ من أخيكُم ... إذا الخَفِراتُ أبدَينَ الخِداما
قتلتُ به أخاكَ وخيرَ سَعدٍ ... فإنْ حَرباً حُذُيفُ وإن سلاما
تَرُدُّ الحربُ ثَعلبةَ بنَ سعدٍ ... بحمدِ الله يَرعَونْ البِهاما
وتُغني مُرَّةَ الأثرَينَ عنّا ... عُروجُ الشَّاءِ تَترُكهُ قِياما
وكيف تقولُ صبرُ بني حجَانٍ ... إذا غَرِضوا ولم يَجِدُوا مَقاما
غرضوا ملُّوا في هذا الموضع.
ولولا آلُ مُرَّةَ قد رأيتُم ... نَواصِيَهُنَّ يَنضُونَ القَتَاما
وقال نابغفة بني ذبيان:
أبْلِغْ بني ذبيانَ إلاّ أخَالَهم ... بعَبسٍ إذا حَلُّوا الدِّماخَ فأظلَمَا
بجَمعٍ كلَونِ الأعبَلِ الوَردِ لونُهُ ... ترى فيه نَواحيهِ زُهيرا وحذيَما
الأعبل الحجارة البيض، ويقال الجبل الأبيض، واحدها أعبل، والجمع أعابل.
همُ يَرِدُونَ الموتَ عند لقائِهِ ... إذا كان وَردُ الموتِ لابدَّ أكرَما
(1/271)

ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا
وفداً، فأرسل إليهم بنو تغلب ثمانية عشر راكباً، فيهم ابن الخمس التغلبي، قاتل الحارث بن ظالم.
وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك.
فلما رأى الوفد بني عبس قال لهم قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا حتى مر بابن الخمس، فقال: أنا
ابن الخِمس، فقال قيس: إن زمانا أمنتنا فيه لزمان سوء. قال ابن الخمس: وما أخاف منك؟ والله لأنت
أذل من قُراد تحت منسم بعيري. فقتله قيس، وإنما قتله بالحارث بن ظالم لأن الحارث كان قتل
بزهير بن جذيمة، خالد بن جعفر بن كلاب، فلما دخل الحارث على النعمان، قال: من كان له عند
هذا ثأر فليقتله، فقام إليه ابن الخمس فقتله، فقال: تقتلني ياابن شر الأظماء. قال: نعم يا ابن شر
الأسماء. فقتل قيس ابن الخمس بالحارث بن ظالم. فلما رأى ذلك قيس، قال: يا بني عبس، ارجعوا
إلى قومكم فهم خير الناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا والله لا أجاور بيتاً غطفانياً أبداً، فلحق بعمان
فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس فقال الربيع بن زياد في ذلك:
حَرَّقَ قيسٌ عليَّ البلادَ ... حتى إذا اضطَرَمتْ أجذَما
جَنِيَّةُ حربٍ جَناها فما ... تُفُرِّجَ عنه ولا أُسلِما
عَشيَّةَ يُردِفُ آلَ الرِّبا ... بِ يُعجِلُ بالرَّكضِ أنْ يُلجِما
(1/272)

ونحنُ الفوارسُ يومض الهَريرِ ... إذ تُسلِمُ الشَّفَتانِ الفَمَا
ويروى إذ تقلص، أراد تقلص الشفتان من الهول.
إذا ذُعِرَتْ من بَياضِ السُّيو ... فِ قُلنا لها أقدِمي مُقدَمَا
ولما انصرف الربيع بن زياد، وكان يُدعى الكامل، أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى
الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فوقفوا عليه فقالوا: هل أحسست لنا الحارث بن عوف، وهو يعالج
نحياً. فقال: هو في أهله. ولبس ثيابه، فطلبوه ثم رجعوا وقد لبس ثيابه فقالوا: ما رأينا كاليوم قط
مركوباً إليه. قال: ومن أنتم؟ قالوا: بنو عبس، ركبان الموت. قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة،
مرحباً بكم، لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة. فقالوا: نأتي غلاماً حديث السن، وقد قتلنا أباه
وأعمامه ولم نره قط! فقال الحارث: نعم إن الفتى حليم، وإنه لا صُلح حتى يرضى. فأتوه عند
طعامه، فلما رآهم، ولم يكن رآهم حصن، قالوا: هؤلاء بنو عبس. فلما أتوه حيّوه. قال: من أنتم؟
قالوا: ركبان الموت، فحياهم، وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم، فقد
احتاج قومكم إليكم. هل أتيتم سيدنا الحارث ابن عوف؟ قالوا: لم نأته. وكتموا إتيانهم إياه. قال: فأتوه.
فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا. فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله، حتى أتوه. فلما أتوه،
حلف له حصن هل أتوك قبلي؟ قال: نعم. فقال: قم بين عشيرتك، فإني معينك بما أحببت. قال
الحارث: فأدعوا معي خارجة بن سنان. قال: نعم. فلما اجتمعا قالا لحصن: تُجيرنا من
(1/273)

خصلتين: من الغدر بهم، والخذلان لنا، قال: نعم فقاما بينهم، فباءؤوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد ألف
ناقة، وأعانهم فيها حصن بخمس مائة ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم
قد حلف أن لا يصيب رأسه غُسل، حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم. فأقبل رجل من بني عبس
يقال له ربيعة بن وهب بن الحارث ابن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقيه
حصين بن ضمضم المري فقتله بأخيه الذي قتله ورد بن حابس العبسي. فقال حيّان بن حصين العبسي:
سالَمَ الله مَنْ تَبرَّأ مِن غَيْ ... ظٍ ووَلَّى أثَامَها يَربوعا
قَتلونَا بعدَ المواثيقِ بالسُّح ... مِ تَرَاهُنَّ في الدِّماءِ كُروعا
إن تُعيدوا حَربَ القَليبِ علينا ... تجدُوا أمرَنا أحَذَّ جميعا
فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم، ربيعة بن وهب، غضبوا وغضب حصن في قتل ابن
أختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس. وغضب بنو عبس فأرسل إليهم الحارث ابنه، فقال:
اللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني ابنه. يقول: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فالدِّية. قالوا: اللبن أحب
إلينا. فأرسل إليهم مائة من الإبل، دية ربيعة ابن وهب. فقبلوا الدية، وتموا على الصلح. فقال شييم
بن خويلد الفزاري:
حلَّت أُمَامَةُ بطنَ البَينِ فالرَّقَمَا ... واحتَلَّ أهلُكَ أرضاً تُنبِتُ الرَّتَما
الرتم شجر، الواحدة رتمة.
(1/274)

فذاتَ شَكٍّ إلى الأعراجِ مِن إضَمٍ ... وما تَذكُّرُهُ من عاشِقٍ أمَمَا
هَمٌّ بعيدٌ وشَأوٌ غيرُ مُؤتَلَف ... إلا بمرؤودَةٍ ما تشتكي السَّأمَا
المزؤودة المرعوبة من ذكائها.
أنْضَيتُها مِن ضُحَاهَا أو عَشيَّتِها ... في مُستَتِبٍّ تَشُقُّ البِيدَ والأكَما
تسمعُ أصواتَ كُدرِيِّ الفِراخِ به ... مِثلَ الأعاجِمِ تُغشي المُهرَقَ القَلما
يا قومَنا لا تَعُرُّونا بمَظلَمَةٍ ... يا قومَنا واذكُروا الآلاءَ والذِّمَمَا
في جارِكم وابنِكم إذ كان مَقتَلُهُ ... شَنعاءَ شَيَّبت الأصداغَ واللِّمَما
عيَّ المَسُودُ بها والسَّائِدونَ فلم ... يُوجَدْ لها غيرُنا مولىً ولا حَكما
كُنَّابِها بعدما طِيخَتْ عُروضُهُمُ ... كالهِبرقيَّةِ ينفي لِيطُها الدَّسَما
الهبرقية السيوف والهبرقي الحداد. أراد كالسيوف الماضية تسبق الدم. والليط اللون.
إني وحِصناً كذِي الأنفِ المَقُولِ له ... ما مِنكَ أنفُك إن أعضَضتَهُ الجَلَما
أإنْ أجارَ عليكم لا أبَا لكُمُ ... حِصنٌ تقطَّرُ آفاقُ السماءِ دَما
أدُّوا ذِمَامَةَ حِصنٍ أو خُذوا بِيَدٍ ... حرباً تَحُشُّ الوَقودَ الجَزلَ والضَّرَما
وقال ابن عنقاء الفزاري، وهو عبد قيس بن بحرة:
(1/275)

إنْ تَأتِ عبسٌ وتَنصُرها عَشيرتُها ... فليس جارُ ابنِ يربوعٍ بمخذولِ
كِلا الفريقينِ أعيَا قتلِ صاحِبِهِ ... هذا القَتيلُ بمَيتٍ غيرِ مَطلولِ
باءَتْ عَرارِ بِكَحلٍ والرِّفاقُ معاً ... فلا تَمنَّوا أمانيَّ الأضَاليلِ
عرار وكحل ثور وبقرة كانا في بني إسرائيل، فعُقر كحل فعُقرت به عرار، فوقعت الحرب بينهم،
حتى تفانوا، وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباؤوا بين القتلى، أقبلوا يسيرون حتى
نزلوا على ماء، يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة، وبنو فزارة، لبني
ثعلبة: أعرضوا عن بني عبس فقد باؤوا بالقتلى بعضهم ببعض. فقالت بنو ثعلبة: فكيف تأتون بعبد
العزّى بن حذار، ومالك بن سبيع، أتهدروانهما وهما سيدا قيس عيلان، فوالله ما نشم هذا بأنوفنا أبداً.
فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشاً. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية. فقال في ذلك معقل بن عوف
بن سبيع الثعلبي:
لَنِعمَ الحيُّ ثعلبةَ بنَ سعدٍ ... إذا ما القومُ عَضَّهُمُ الحديدُ
همُ رَدُّوا القبائلَ من بغيض ... بغيظِهِمُ وقد حَمِيَ الوقود
تُطَلُّ دماؤُهم والفَضلُ مِنَا ... على قَلهَى ونَحكمُ ما نُريد
وقال شريح بن بجير الثعلبي:
نحنُ حَبسنَا بالمَضيقِ ثَمانِيا ... نَحُشُّ الجِيادَ الرَّاءَ فهي تأوَّدُ
(1/276)

الراء شجر مر، يقول: حبسنا نحبس خيلنا على الثغر، حفاظا. فهي تأود ضعفاً.
وفيها إذا جَدَّ الصَّوارِخُ شاهدٌ ... مِنَ الجَريِ أو تُدعى لها فتُجَرَّدُ
ولو أنّ قومي قومُ سَوءٍ أذِلَّةٌ ... لأخرَجَني عَوفٌ وعَوفٌ وعِصيَدُ
الأول عوف بن أبي حارثة، والثاني عوف بن سبيع، وعصيد لقب لحصن بن حذيفة.
وعَنترةُ الفَلحَاءُ جاءَ مُلأّماً ... كأنكَ فِندٌ من عَمَايةَ أسودُ
الفلحاء، كان مشقوق الشفة، ومنه قولهم الحديد بالحديد يفلح، والفلاح الأكار الذي يشق الأرض.
والفلح شق. وفند قطعة من الجبل، وعماية جبل.
تُطيفُ به الحُشَّاشُ يُبسٌ تِلاعُهُ ... حِجارَتُهُ من قِلةِ الخيرِ تَصلِدُ
الحشاش الذين كانوا يحتشون. يقول: لا خير فيهم، والصلد اليابس.
ولكنَّ قومي أحرَزَتني رِماحُهُم ... فآبَى وأُعِطي الوُدَّ مَنْ يَتودَّدُ
إذا جاءَ مُرِّيٌّ جَرَرنا برَأسه ... إلى الماءِ والعَبسيُّ بالنارِ يَفأدُ
يفأد يشوي. والفئيد الشواء.
فأمّا ابنُ سيَّارِ بنِ عمرِو بنِ جابرٍ ... ففوزَ ظِمءَ الضَّبِّ أو هوَ أجلَدُ
فوزّ أي ركب المفاوز كالضب الذي لا يشرب الماء.
(1/277)

فهذا ما كان من حديث داحس والغبراء، وبلغنا أن الحرب كانت فيهم أربعين سنة، وصار داحس
مثلا.
وقال البعيث:
أأنْ أمرعَتْ مِعزَى عطَّيةَ وارتَعَتْ ... تِلاعاً مِنَ المرَوُّتِ أحوى جميمُهَا
أمرعت أخصبت. والتلاع مسايل الماء، والمروت من بلاد بني تميم، والأحوى الشديد الخضرة،
والجميم من النبت ما كثر وأمكن المال أن يرعاه.
تعرَّضتَ لي حتى ضَرَبتُكَ ضربةً ... على الرأس يَكبو لليدينِ أميمُهَا
ويروى صككتك صكة، والأميم هو المأموم الذي تهجم ضربته على أم الرأس، وهي الجلدة التي
تجمع الدماغ تحت العظم إذا شقّها شيء ووصل إليها مات صاحبها.
إذا قاسَها الآسي النِّطاسيُّ أُرعِشَتْ ... أنَامِلُ كَفيَّهْ وجاشَتْ هُزُومُهَا
الآسي المتطبب. والنطاسي البصير العالم، يقال: فلان نَطِس ونَطُس ونطيس.
ويقال أسوتُ آسو أسواً وهزومها صدوعها واحدها هزم.
كُليبٌ لِئامُ الناسِ قد تعلَمونَهُ ... وأنتَ إذا عُدَّتْ كُليبٌ لَئيمُها
ويروى أليس كليبٌ ألأمَ الناس كلهم.
(1/278)

لقىً مُقعَدُ الأحسَابِ مُنقَطَعٌ بهِ ... إذا القومُ رامُوا خُطَّةً لا يَرُومُهَا
لقى ملقى مقعد الأنساب يعني قصير النسب، أي إذا القوم راموا بلغة أي شيئاً يُتبلّغ به وليس بطائل.
لا يرومها لا يطمع فيها عجزاً عنها.
أترجو كُليبٌ أنْ يَجيء حَديثُها ... بخيرٍ وقدْ أعيا كُليباً قديمُهَا
يقول أترجو كليب أن يكون لها حديث من المجد ولا قديم لها. وقال غيره: أترجو كليبٌ أن يأتي
أخيرها بشرف ولا شرف لها، والتفسير الأخير أجود.
على عَهدِ ذي القَرنَينِ كانت مُجاشِعٌ ... أعِزّاءَ لا يَسطِيعُها مَن يَضِيمُها
ويروى .. أعزّ فلا يسطيعها من يرومها.
وروى غير أبي عبيدة .. سماما على الأعداء لُدّاً خصومها.
فأجابه جرير:
ألاَ حيِّ بالبُردَينِ داراً ولا أرى ... كدَارِ بقوٍّ لا تُحيَّا رُسُومُهَا
البردان غديران بينهما حاجز يبقى ماؤهما الشهرين والثلاثة.
لقدْ وَكَفَتْ عيناهُ أنْ ظَلَّ واقِفاً ... على دِمنَةٍ لمْ يبقَ إلا رَميمُهَا
أبَينَا فلم نسمعْ بِهندٍ مَلامَةً ... كما لم تُطِعْ هِندٌ بِنَا مَنْ يَلُومُهَا
إذا ذُكِرَتْ هِندٌ لهُ خَفَّ حِلمُهُ ... وجَادَتْ دُموعُ العَينِ سَحّاً سُجُومُها
وأنّى لهُ هِندٌ وقدْ حالَ دُونَها ... عُيونُ وأعداءٌ كثيرٌ رُجُومُها
(1/279)

رجومها أي ترجم بالغيب رجما، أي يظنون بنا غير الحق واليقين.
إذا زُرتُمَا حالَ الرقيبانِ دُونُهَا ... وإن غِبتُ شَفَّ النفسْ عَنها هُمومُها
شف النفس أضمرها وأنحلها.
أقولُ وقد طالتْ لِذكرَاكِ ليلتي ... أجِدَّكِ لا تسري لما بي نُجومُها
أجدّك أي أبجدّك، معناه هو الجد منك. يا ليلة خاطبها ثم رجع عن المخاطبة فقال: ما تسري نجومها
طولا عليّ.
أنا الذّائِدُ الحامِي إذا ما تَخَمَّطَتْ ... عَرانينَ يَربوعٍ وصَالتْ قُرُومُهَا
الذائد الدافع. وتخمّط الفحول إيعاد بعضها بعضاً. وعرانين القوم أشرافهم. وقرومها فحولها. والقرم
الفحل الذي لم يمسسه حبل، واتخذ للفحلة فشبه الرجل الرئيس بها.
دَعُوا الناسَ إني سوفَ تنهَى مخافتي ... شياطينَ يُرمَى بالنحاس رَجيمَها
ويروى سوف يكفي.
النحاس الدخان وإنما أراد النار لأن النار لا تكون إلا بدخان.
فما ناصَفَتنا في الحِفاظِ مجاشعٌ ... ولا قَايَست في المجدِ إلا نَضيمُها
ويروى ولا قايستنا المجد.
فما ناصفتنا أي لم تبلغ نصف حفاظنا، ولا قايستنا إلا ضمناها. وروي ناصبتنا، ولا قايستنا الفضل.
(1/280)

ولا نعتصي الأرطَى ولكن عِصيُّنَا ... رِقَاقُ النّواحي لا يُبلُّ سليمُها
الأرطى شجر ينبت في الرمل، يقال بل المريض وأبلّ برأ، وكذلك اطرغش وقشّ قشوشاً وأصل
القشوش في الجُرح إذا جفّ للبرء.
كَسونا ذُبابَ السيفِ هامةَ عارضٍ ... غَداةَ اللوى والخيلُ تَدمى كُلُومُهَا
عارض رجل من بني جشم بن معاوية بن بكر، ويقال بل من بني ثعلبة بن مسعد بن ذبيان وكان
أغار على بني يربوع في مقنب يوم واردات، فقتله أبو مليل.
ويومَ عُبيدالله خُضنَا برَايَةٍ ... وزَافِرَةٍ تَمَّتْ إلينا تَميمُها
الزافرة ناهضة الرجل وأعوانه لذين بهم يصول:

وهذا يوم عُبيد الله بن زياد بن أبيه
وذلك أنه لما مات يزيد بن معاوية، خرجت بنو تميم حين بلغهم أن عبيد الله بن زياد ترك دار
الإمارة، وبايعوا لعبد الله بن الحارث الهاشمي، حتى أدخلوه الدار فأمروه عن غير مشورة من اليمن
وربيعة، فقال شاعر منهم:
نَزَعنا وأمَّرنا وبكرُ بنُ وائِلٍ ... تجُرُّ خُصَاها تبتغي مَن تُحالِفُ
فما بات بكريٌّ منَ الدهرِ ليلةٌ ... فيُصبحَ إلا وهو للذلِّ عارِفُ
وقال الفرزدق:
وبايعتُ أقواماً وفَيتُ بعَهدِهِمِ ... وبَبَّةُ قد بايَعتُهُ غيرَ نادِمِ
(1/281)

ببة هو عبد الله بن الحارث، وإنما سمي ببة لأن أمه كانت ترقّصه فتقول:
لأُنكِحَنَّ بَبَّه ... جارِيَةً كالقُبَّهْ
ويروى جارية في قبه، ويروى جارية حدلُكّهْ
مُكرَمَةً مُحَبَّهْ ... تَجُبُّ أهلَ الكَعبةْ
تجب تفضل. فلما بلغ ذلك اليمن قالوا: لا نرضى أن يؤمر علينا أمير من غير مشورة منا ولا
رضاً، فركب مسعود بن عمرو العتكي، وكان يقال له قمر العراق، في اليمن وربيعة قد رأسوه عليهم،
حتى دخل المسجد الجامع، وعبد الله بن الحارث في الدار، وغفل الناس عن الحرورية فأتوا بالسلاح،
فخرجوا من السجن، فدخلوا المسجد، لا يلقون أحداً إلا قتلوه. فقتلوا مسعوداً في المسجد، وقتلو معه
اثني عشر رجلاً من قومه، ثم طمّوا - طموا ذهبوا - إلى الأهواز من وجههم، فأقبل ناس من بني
منقر، فاجترّوا مسعوداً إلى دورهم فمثّلوا به. فسارت اليمن وربيعة حتى ملأت سكة المربد، فذكر
إسحاق بن سويد العدوى قال: إني لواقف على باب دارنا، إذ مرت بنا كبكبة، فقلت من هذا؟ فقالوا:
مالك بن مسمع. ثم مكثت غير طويل فإذا كبكبة أخرى قد ملأت سكة المربد، فقلت من هذا: فقالوا:
القمر. قلت: ومن القمر؟ قالوا: مسعود. فأتت بنو سعد الأحنف فسألوه أن ينهض، فأبى. فقالوا: أنت
(1/282)

سيدنا. فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان. فقال سلمة بن ذؤيب الرياحي: يا معشر الفتيان، قد
سمعتم ما قال هذا المهتر. فانتدبوا مع رجل يقوم بهذا الأمر، فأنُتدب معه خمسمائة من بني تميم. فلما
كان في بعض الطريق، لقيه أربعمائة من الأساورة، عليهم ما فروردين، فساروا حتى انتهوا إلى أفواه
السكك، فوقفت الخيل، فقال لهم ما فروردين، بالفارسية (جوان مردان جبوذ كنشويذ) قالوا بالفارسية:
(نما هلند تاكارزار كنيم) قال: (دهادشان بنجكان - معناه ارموهم بخمس نشّابات كل رجل منكم -
فرموهم بألفي نُشّابة. قال: ودخلوا المسجد، ومسعود على المنبر يخطب. فانزلوه فضربوا عنقه، فأما
زهير بن هنيد فحدّث عن ناشب بن الحنشاش قال: أتينا الأحنف بن قيس فيمن ينظر في بني عامر
بن عبد الله، وقد اعتزل الفتنة، ونزل منزله، فأتته امرأة بمجمرة فقالت: مالك وللسؤدد، والرياسة،
إنما أنت امرأة فتجمّر، فقال: استُ المرأة أحقُّ بالمجمر وقال: لا أجيبهم إلى إعانة حتى أُوتى، فقيل
له: إن عبلة بنت ناجية - وقال آخرون بل عزّة الخزّ - قد انتُهبت وسُلبت حتى انتزع خلخالها من
رجلها - ودارها حيال مطهرة رحبة بني تميم - وقيل له قُتل الصباغ الذي على طريقك، وقُتل المقعد
الذي على باب المسجد الجامع، فقال: أقيموا بيّنة فشهد عنده بشر. فقال: أجاء عبّاد بن حصين؟ فقيل:
لا. وسأل ثانية وثالثة فقيل لا. فقال: أهاهنا عبس أخو كهمس الصريمي؟ قالوا: نعم. فدعاه ثم انتزع
معجراً في رأسه، فعقده في رمح، ثم دفعه إليه، وقال سر. فلما ولّى قال: اللهم لا تخزها، اللهم
انصرها، فإنك لم تخزها فيما مضى. فقصد نحو مسعود،
(1/283)

وصاح الشباب: هاجت زبراء، أي غضب
الأحنف، وزبراء اسم وليدته، فكنوا بها عنه من إجلاله. قال: وسمعت أبا الخنساء العنبري، قال:
سمعت الحسن يقول في مجلسه في المسجد: أقبل مسعود من هاهنا في أمثال الطير - وأشار بيده إلى
منازل الأزد - معلماً بقباء ديباج أصفر، معيّن بسواد، يأمر بالسنة وينهى عن الفتنة - فقال الحسن:
ألا إن من السُنّة أن يؤخذ ما فوق يديك - فأتوه وهو على المنبر فاستنزلوه علم الله فقتلوه. وذكروا أن
بنت مسعود لما بلغها مقتل أبيها يومئذ، ركبت دابة موكّفة وولّت وجهها نحو ذنبها، ونشرت شعرها،
وتجلببت مسحاً، منادية تقول: مسعود من نقتل بك! أحنف لا نعطى بك، قفيز لا نرضى بك - قفيز
كان قصيراً فسمي قفيزا، وقفيز عبد الله بن عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عرض عليهم نفسه في
الصلح - حتى وقفت على مالك بن مسمع وهو عند دار العقار في سكة المربد، فقال لها ارجعي،
فقالت: لا، حتى أوتى برأس الأحنف. فأمر برأس رجل جميل، فأُتيت به فقالت: هذا رأس علج. فأمر
برأس رجل ضخم، فأُتيت به، فأزمت عليه بأنفه، وغمست طرفي كمّيها في دماء لغاديده، ثم
انصرفت لا تشك أنه الأحنف. فقال عرهم بن عبد الله بن قيس بن بلعدوية:
ومسعودَ بنَ عَمرِو إذا أتانا ... صَبَحْنَا حَدَّ مَطرُورٍ سَنينا
رَجا التأميرَ مسعودٌ فأضحَى ... صَريعاً قد أذَقنَاهُ المَنُونَا
سيُجمَعُ جَمعُنا لبني أبينا ... كما لَزُّوا القَرينَةَ والقَرينا
وتُغني الزُّطُّ عبدَ القيسِ عنّا ... وتكفينا الأسَاوِرَةُ المَزونا
الزط السيابجة، قوم من السند بالبصرة لهم قدم، وكانوا يحفظون بيت المال في الدهر الأول.
والمزون مدينة عمان. وقال:
جاءَتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفَّا ... بَكرٌ وجمعُ الأزْدِ حين التَفَّا
(1/284)

قوله دغرى لا صفّا أي يحملون أنفسهم لا يصطفون ولا يقفون.
كيف رأيتَ جيشَها اقلَعَفّا ... لما رأوا عِيصاً لنا ألَفّا
المقلعف المنقطع من أصله.
في حارةِ الموتِ يَدِفُّ دَفّا ... ضَرباً بِكُلِّ صارمٍ مُصَفّى
إنْ أخطَأ الرأسَ أصابَ الكَفّا ... ولّواخزايا قد أُقِصّوا الحَتفَا
وأُمُّ مسعودٍ تُنادي لَهفَا ... قد ذَأفَ الموتُ عليه ذَأفا
وسالَ شَحمُ البَطنِ منه هِفّا
والهِف الرقيق. قال: وكان الأحنف بعد الحرب أقام إياس بن قتادة ابن موألة العبشمي يوم المربد،
فحمل دماء الحيين. فجاءت بنو مقاعس فقالوا للأحنف: يكون الأمر لبني مقاعس، ويحمل الحمالة
رجل من عبشمس لا نرضى، فدعاه الأحنف فقال: تجاف لأخوالك عنها. فقال: سمع وطاعة، فجاءت
الأبناء وهم عبشمس، وعوف، وجشم، وعوافة، ومالك بنو سعد، فقالوا: لا نرضى أن تخرج حمالتنا
من أيدينا، وحددوا لبني مقاعس، وحددت لهم فخلاّها الأحنف. فقال إياس: فجهدت أن يقوم لي بها
أهل الحضر، فلم يفعلوا، ولم يُغنوا فيها شيئاً. فخرجت إلى البادية، فجعلوا يرمونني بالبكر وبالاثنين،
حتى اجتمع لي من حمالتي سواد صالح، وصرت بالرمل إلى رجل ذُكر لي، فلما دُفعت إليه، إذا
رجل أسيود، أفيحج، أعيسر، أكيشف، فلما انتسبت له، وذكرت له حمالتي، قال: قد بلغني شأنك،
فانزل فوالله ما قراني ولا بنى عليّ فلما كان من الغد، أقبلتْ إبله لوردها، فإذا الأرض مسودة، وإذا
هي لا ترد في يوم لكثرتها، وقد ملأ غلمانه حياضه، فجعل كلما ورد رسل من إبله، جاء يعدو حتى
ينظر في وجهي فيقول: أنت حويمل
(1/285)

بني سعد، ثم يخرج يرقص، فأقول: أخزى هذا وأخزى من دلني
عليه، حتى إذا رويت وضربت بعطن - يعني برك بأعطانها - قال أين حويمل بني سعد؟ قلت:
قريب منك. قال: هات حبالك، فما ترك لي حبلاً إلا ملأه بقرينين، ثم قال: حبالك؟ فجئنا بمرائر
محالبنا، وأرشية دلائنا، وأروية زواملنا، ثم قال حبالك؟ فحللنا عُصم قربنا وعُقل إبلنا وخُطمها فملأها
لنا ثم قال: حبالك؟ قلت: لا حبال فقال: قد عرفت في دقّة ساقيك أنه لا خير عندك. فقال سوّار بن
حيان المنقري:
ألمْ تكُن في قَتلِ مَسعودٍ عِبَرْ ... جاءَ يريدُ إمرَةً فما أمَرْ
حتى ضَربنَا رأسَ مَسعودٍ فَخرْ ... ولم يُوَسَّدْ خَدُّهُ حيثُ انعَفَرْ
فأصبحَ العبدُ المَزونيُّ عَثرْ ... حتى رأى الموتَ قريباً قد حَضرْ
يَطمُّهُم بحرُ تميمٍ إذْ زَخرْ ... وقيسُ عيلانَ ببَحرٍ فانفَجرْ
مِن حولِهِم فادَرَوا أينَ المَفرْ ... حتى عَلا السَّيلُ عليهم فغَمرْ
وودوا مسعود بن عمرو بعشر ديات، لأنهم مثّلوا به، وباؤوا بين القتلى - باؤوا سووا بين القتلى -
وتم الصلح، وأخرجوا عبيد الله بن زياد إلى الشام.
رجع إلى قصيدة جرير:
لنا ذَادَةٌ عندَ الحِفاظِ وقَادَةٌ ... مَقادِيمُ لم يذهبُ شَعاعاً عَزِيمُهَا
الشعاع المتفرق، يقال شعّ الشيء تفرّق، وواحد المقاديم مقدام. وعزيمها رأيها وعزمها على الأمر.
ويقال أشع الرجل ببوله إشعاعا إذا فرّقه.
(1/286)

إذا رَكِبوا لم تَرهَبِ الرَّوعَ خَيلُهُم ... ولكن تُلاقي البَأسَ أنّى نُسيمُهَا
ويروى: إذا فزعوا لم تُعلف القتّ خيلنا يقول: لم ترهب الروع لكثرة غشيانها الحرب وعادتها،
نُسيمها نعلمها من السيماء.
إذا فَزِعوا لم تعَلِف القَتَّ خَيلُهُم ... ولكنْ صُدورَ الأزأنِيِّ نَسُومُهَا
ويروى وإن فزعوا، ويروى صدور الثائرين. نسومها نحملها على صدور القنا.
ويقال الأزاني واليزأني أيضاً، لم تُعلف القتّ يعني أنهم أهل بدو ويعلفون خيلهم الحشيش، لا أهل
قرى يعلفونها القت.
عَنِ المِنبَر الشرقيِ ذَادَتْ رِمَاحُنا ... وعنَ حُرمَةِ الأركَانِ يُرمَى حَطيمُهَا
المنبر الشرقي بالبصرة، وكان ابن الأعرابي يقول: هو منبر خراسان، وذلك أن البصرة غلب عليها
أيام الفتنة سلمة بن ذؤيب الرياحي، يوم قُتل مسعود بن عمرو العتكي. وغلب على الكوفة مطر بن
ناجية اليربوعي لابن الأشعث. وأُخرج منها عامل الحجاج. وغلب على المدينة لابن الزبير،
الأسودبن نعيم بن قعنب اليربوعي. وغلب على خراسان وكيع بن حسّان بن أبي سود الغداني ثم
اليربوعي. وقُتل قتيبة بن مسلم الباهلي بها. وأما منع الحطيم وذكره، فإن عبد الله بن الزبير -
رضي الله عنهما - لمّا حصره أهل الشام نادى من ينصر الله؟ من ينصر الكعبة، فأتاه الخوارج
والمرجئة والشيعة، وكل ذي رأي ينصرون
(1/287)

الكعبة، وكان عُظم الخوارج من تميم إذ ذاك، وكان بنو
الماحوز التميميون، الزبير وإخوته، رؤساء الخوارج، وكان معهم نجدة بن عامر الحنفي، فقاتلوا مع
ابن الزبير حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام من مكة، ثم أتوا عبد الله بن الزبير
ليمتحنوه، فعرضوا عليه المحنة، فقال: تغدون عليّ، فجمع أصحابه وألبسهم السلاح، فلما أتوه سألوه
عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فذكر ما هما أهله وتولاّهما، ثم سألوه عن عثمان - رضي
الله عنه - فقال كذلك، فتبرؤوا منه، ولعنوه، وجانبوه، وانصرفوا إلى مواطنهم.
رأى الموتَ مَّنا مَن يَرومُ قَنَاتَنا ... فغيرُ ابنِ حَمرَاءِ العِجَانِ يَرُومُهَا
يرى رواية
أراد فليرمها كما قال عدي بن زيد:
وما قَصَّرتُ عن طَلبِ المَعالي ... فتَقصُرُ بي المِنيَّةُ أو تَطُولُ
معناه فلتقصر بي المنية أو فلتطل، فلما نقله عن الجزم رفعه. ويروى فعلّ ابن حمراء.
سَعَرنَا عليكَ الحربَ تَغلي قُدورُهَا ... فهلاَّ غَداةَ الصِّمَّتَينِ تُدِيمُها
سعرنا أوقدنا، وتُديمها تسكنها، ومنه الماء الدائم يعني الساكن.
(1/288)

الصمتان معاوية بن مالك بن علقة بن غزية وأخوه
وكان الصمّة الجشمي أغار على بني حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني
صُدي بن مالك بن حنظلة يوم عاقل، فأسره الجعد بن الشماخ أحد بني صدي بن مالك بن حنظلة،
وهُزم جيشه، وأصيب فيهم، ثم إن الجعد منّ عليه، وجزّ ناصية بعد سنة، وكان الصمة قد أبطأ فداؤه،
وكان الجعد يأتيه كلّ هلال شهر بأفعى، فيحلف بما يُحلف به لئن هو لم يفد نفسه، ليُعضّنها إياه، فلما
طال ذلك جزّ ناصيته على الثواب. ثم أتاه مستثيباً، فقال له الصمة: مالك عندي ثواب، فقدمه فضرب
عنقه، فضرب عليه الدهر، ثم إن الصمة أتى عكاظ فلقي ثعلبة ابن الحارث بن حصبة بن أزنم بن
عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مرحب، وكان حرب بن أمية يدعو الناس، رجلين رجلين،
فيكرمهما، ويخص بذلك أهل الفضل. فجاءت دعوة الصمة وأبي مرحب، فكره الصمة ذلك لحداثة
أبي مرحب، فقرّب إليهما حرب تمراً، فجعل الصمة يأكل التمر، ويُلقي النوى بين يدي ثعلبة، فقال
الصمة لثعلبة: أبصر ما عندك من النوى، فقال له أبو مرحب: إنك أكلت ما أكلت بنواه، فذاك الذي
أعظم بطنك. فقال الصمة: لا، ولكن أعظم بطني دماء قومك، أين الجعد بن الشماخ؟ فقال أبو
مرحب: ما ذِكرك رجلاً أسرك ومنّ عليك، ثم جاء يستثيبك فغدرت به وقتلته، أما والله لا ألقاك بعد
يومي هذا إلا قتلتك، أو مُتّ دونك. فمكث الصمة زمانا، ثم غزا بني حنظلة، فأسره الحارث بن بيبة
المجاشعي، وهزم جيشه - ويقال بل هُزم جيشه - فأجاره الحارث بن بيبة من إساره ذلك، وكان
رجل من بني أسد يقال له ابن الذهوب مع ابن أخت له يقال له مرارة بن شداد، من بني عمرو ابن
يربوع فأسر ابن الذهوب معيّة بن الصمة، فأما الحارث بن بيبة فباع الصمة نفسه، وقال الصمة: سِر
بي في قومك حتى اشتري أُسراء
(1/289)

قومي، فسار به حتى أناخ به في بني يربوع، والحجرة يومئذ لبني
عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فأناخا إلى الحجرة، فدخلاها، فأقبل إليهما الناس، وأقبل إليه أبو
مرحب، فلما رأى الصمة عرفه، فخنس عنه، وأخذ سيفه ثم جاء، فضرب به بطن الصمة فأثقله. فلما
رأى ذلك الحارث خرج فدعا: يال مالك، فأقبل بنو مالك إلى بني يربوع. فلما خافوا القتال، قام رجل
من بني عرين بن ثعلبة، يقال له مصعب بن أبي الخير، فقال: يابني مالك، هذه يدي بجاركم، فهي
لكم وفاء. فقال راجز بني مالك:
نحن أبأنا مُصعباً بالصِّمَّهْ ... كِلاهُما شيخٌ قليلُ اللِّمَّهْ
فقالت بنو يربوع: خذوا مُعية فأدّوه مكان أبيه. فكلّموا ابن الذهوب في معية فأبى عليهم. فأتوا ابن
أخته فكلّموه فأبى عليه. فقال: أغيروا عليّ وعليه، وخذوا معية ومالي، وعليّ رضاه. ففعلوا فأخذوا
معية، فأعطوه الحارث بن بيبة، وأعطى مرارة خاله سبعين بكرة وجارية بيضاء مولّدة، فذلك قول
جرير:
ومِنّا الذي أبلَى صُدَيَّ بنَ مالِكٍ ... ونَفَّرَ طيراً عن جُعَادَةَ وقُعَّاضا
رجع إلى الشعر:
تركناكَ لا تُوفي بِزندٍ أجَرتَهُ ... كأنّكَ ذاتُ الوَدعِ أوفَى بَرِيمُها
الزند الذي تُقدح به النار. يقول: لا تمنع زندا فما فوقه كأنك امرأة
(1/290)

ضاع بريمها فليس عندها إلا البكاء، وبريمها حقابها.
وإنما قال ذات الودع لأن الودع من لباس الإماء، وإنما يريد أن أمك أمَة.
يُعَدُّ ابنُ حَمراءِ العِجَانِ لزِنيَةٍ ... إذا عُدَّ مَولَى مَالِكِ وصَمِيمُها
لهُ أمُّ سَوء ساءَ ما قَدَّمتْ لهُ ... إذا فارِطُ الأحسابِ عُدَّ قديمُها
ويروى إذا فرط الأحساب، وهو ما مضى منها وسبق، يعني أوائلها.
فقد أخذَتْ عيناكَ مِن حُمرَةِ استَها ... وجَنباكَ جَنبَاها وخِيمُكَ خيمُها
ولمَّا تغشّى اللُّؤمُ ما حَولَ أنفهِ ... تَبَوَّأ في الدارِ التي لا يريمُها
ألم تر أنّي قد رميتُ ابنَ فَرتَنا ... بصَّمَّاءَ لا يرجو الحياةَ أميمُها
ويروى سليمها.
إذا ما هوى من صَكَّةٍ وقعتْ بهِ ... أظَلَّتْ حَوامِي صَكَّةٍ يستديمُها
يستديمها يتوقعها أو ينتظرها. وحوامي صكة أي موجعات صكة، أي صكة حامية حارة.
فلم تَدريَا هُلْبَ اُستها كيفَ تتقي ... شَمُوساً أبتْ إلا لقَاحاً عقيمُها
الشموس المنوع في الخيل. وهذا مثل يقول: أبت عقيمها إلا أن تلقح، وإذا لقحت الحرب كان أشد
لأمرها وأعظم.
رجا العبدُ صُلحِي بعدما وقعتْ بهِ ... صَواعِقُها ثمّ استَهلَّتْ غُيُومُها
استهلت مطرت، والاستهلال صوت وقع المطر.
(1/291)

لقد سرَّني لَحبُ القوافي بأنفهِ ... وعَلَّبَ جِلدا الحاجبينِ وسُومُها
اللحب والعلب واحد وهو الأثر البين ويروى وعلب بجلد الحاجبين.
لقد لاحَ وسمٌ مِن غَواشٍ كأنّها ... الثُّرَيَّا تَجلَّتْ مِن غُيومٍ نُجُومُها
غواش ما غشيه من الشدائد ويروى في غواش.
أتارِكَةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشِعٌ ... وقد خُسَّ إلا في الخزيرِ قَسيمُها
قسيمها حظها. والخزير أن يُطبخ الدقيق بودك أو قديد أو لحم، وقد يكون إنما يُطبخ الشختيت، وهو
دقاق سويق الشعير ثم يُطرح فيه الدقيق والودك.
سيَخزى ويرضى باللّفَاءِ ابنُ فَرْتَنا ... وكانتْ غَداةَ الغْبِّ يُودَى غَريمُها
ويوفى. اللفاء ما دون الحق، وهو الشيء القليل.
إذا هَبطتْ جَوَّ المراغِ فعَرَّستْ ... طُروقاً وأطرافُ التَّوادي كُرُومُها
الطروق النزول بعد هدأة من الليل قريب من الفجر، والتوادي العيدان التي تُصر بها أخلاف الإبل،
واحدتها تودية. والكروم الحلي يريد أنها راعية، فإن التوادي معلّقة في عنقها مكان الحلي، ويروى
تكرّست عروشا. تكرست جُمعّت شجرا فعرّشته فسكنت فيه، وذلك فعل الرعيان.
فكيف تُرى ظنَّ البَعيثُ بأُمِّه ... إذا باتَ علجُ الأقعسَينِ يَكُومُها
(1/292)

الأقعسان هبيرة والأقعس ابنا ضمضم.
إذا استَنَّ أعلاجُ المصيفِ وجَدتَها ... سريعاً إلى جَنبِ المرَاغِ جُثُومُها
المراغ موضع من الأرض تمرّغ فيه الإبل، جثوم لزوم للأرض وانكباب.
ضَرُوطٌ إذا لاقتُ عُلوجَ ابنِ عامرٍ ... وأينَعَ كُرَّاثُ النِّبَاجِ وثُومُها
أراد عبد الله بن عامر بن كريز بن عامر بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهم أصحاب النباج.
بني مالِكٍ إنّ البِغالَ مجاشعاً ... مُبَاحٌ بحمراءِ العِجانِ حَريمُها
بني مالك يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قوله مباح حريمها أي لا تُرعى
حرمتهم ولا ذمتهم. بحمراء العجان يعني أم البعيث، والعجان ما بين الفرجين، وقال حمراء لأنها من
العجم.
لئن راهَنت عَدواً عليكً مُجاشِعٌ ... لقد لقيتْ نقصاً وطاشتْ حُلُومُها
فأبقُوا عليكُم واتَّقُوا نابَ حيَّةٍ ... أصابَ ابنَ حمراءِ العِجانِ شَكيمُها
شكيمتها شدة نفسها وسوء سمّها، يقال: هو شديد الشكيمة إذا كان جلداً
إذا خِفتُ من عَرٍّ قِرافاً شفَيتُهُ ... بصادقَةِ الإشعال باقٍ عصيمُها
العر الجرب. والقراف الدنو. وعصيمها أثرها، العر مفتوح الأول
(1/293)

الجرب، والعر مضموم الأول: قرح سوى الجرب. قرافاً مخالطة، والإشعال الإحراق والعصيم أثر الهناء.
وبقية أثر الخضاب في اليد والرجل أيضاً عصيم.
لهُ فَرَسٌ شَقراءُ لم تَلقَ فارِساً ... كريماً ولم تَعلَقْ عَناناً يُقيمُها
له فرس شقراء يعني أم البعيث.

أولُ ابتداء الفرزدقِ
قال أبو عبيدة: وقد كان الفرزدق قبل قول البعيث، هجا بني ربيع ابن الحارث بن عمرو بن كعب
بن سعد بن زيد مناة فقال:
أترجُو رُبيعٌ أن تَجيءَ صِغارُها ... بخيرٍ وقد أعيَا رُبيعاً كِبارُها
كأنّ رُبيعاً حين تُبصِرُ مِنقَرا ... أتانٌ دَعاها فاستجابَتْ حِمارُها
فلما سمع قول البعيث:
أترجو كُليبٌ أن يجيءَ حديثُها ... بخيرٍ وقد أعيا كليباً قديمُها
قال الفرزدق:
إذا ما قُلتُ قافيةً شَرُوداً ... تَنَخَّلَها ابنُ حمراءِ العِجانِ
قال أبو عبد الله: تنخّلها أي أخذ خيارها، وتنحّلها انتحلها، وابن
(1/294)

حمراء العجان يعني البعيث. فأجابه البعيث:
تَناومتُم لأعيَنَ إذ دَعَاكُم ... بني القَينَاتِ للقَينِ اليماني.
ويروى عن أعين. ويروى بني الميقاب من قين يماني.
تَبادَرَهُ سُيوفُ بني حُوَيٍّ ... كأنّ عليه شُقّةَ أُرجُوَانِ
هذا أعين بن ضبيعة أبو النوار امرأة الفرزدق. وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – وجهّه
إلى البصرة فقُتل بها، قتله رجل من بني حوي بن عوف بن سفيان ابن مجاشع وله حديث.
قال أبو عبيدة: وذلك أنه لما شخص عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنهما - من
البصرة إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - استخلف عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
- زياد بن أبي سفيان، فتجمعت العثمانية وبقايا من شهد يوم الجمل، فرأسوا عليهم عبد الله بن عامر
الحضرمي فغلب على البصرة، فهرب زياد فلحق بصبرة بن شيمان الحداني عائذاً به، فبلغ ذلك علياً
- رضي الله عنه - فندب جنداً للبصرة، فقال له أعين بن ضبيعة وكان شيعة لعلي بن أبي طالب -
رضي الله عنه - قُلّباً، وهو أبو النوار امرأة الفرزدق. وهو الذي اطلع في هودج عائشة - رضي
الله عنها - يوم الجمل فدعت عليه فقالت: اللهم اقتله ضيعة: أنا أُكفيك البصرة بقومي. فقال علي -
رضي الله عنه - أحب الأشياء إلىّ ما كفيته، فأقبل أعين يطم - أي يسرع - لا يلوي على شيء،
حتى نزل داره في بني مجاشع، ولم يُخف نفسه، ولم يجمع جمعاً فبات، ويطرقه عبد الله بن عامر
الحضرمي في رحله، فنادى أعين يال تميم، حتى انتهى إلى بني مجاشع، وما يجيبه أحد.
(1/295)

واعتوره القوم بالضرب حتى ظنوا أنهم قد قتلوه، وأصبح وبه رمق، فبلغ ذلك زيادا وهو في الأزد، فجاؤوا
فارتثّوه، فلم يلبث أن مات فقبره اليوم بفناء قبر أبي رجاء العودي، فعيّرهم ذلك البعيث وجرير
أيضاً:
قال أبو عبيدة: حتى إذا غمّ جرير نساء بني مجاشع وقد كان الفرزدق حج، فعاهد الله، بين الباب
والمقام، أن لا يهجوا أحداً أبداً، وأن يقيد نفسه، ولا يحل قيده حتى يجمع القرآن. قال أبو عبيدة:
فحدثني مسحل بن كسيب قال: حدثتني أمي زيداء بنت جرير قالت: فمر بنا الفرزدق حاجاً، وهو
معادل النوار بنت أعين بن ضبيعة امرأته، حتى نزل بلغاط، ونحن بها، فأهدى له جرير، ثم أتاه
فاعتذر إليه من هجائه البعيث، وقال فعل وفعل، ثم أنشده جرير والنوار خلفه في فسيطيط صغير،
فقالت: قاتله الله، ما أرق منسبته وأشد هجاءه - المنسبة أرادت التشبيب بالنساء - فقال لها الفرزدق:
أترين هذا، أما إني لن أموت حتى أُبتلى بمهاجاته. قال: فلم يلبث من وجهه حتى هجا جريراً، فقدم
الفرزدق البصرة، وقيد نفسه، وقال توبة من الشعر:
ألم تَرنَي عاهدتُ ربي وإنني ... لَبينَ رِتاجٍ قائماً ومَقام
على حَلفَةٍ لا أشتِمُ الدهرِ مُسلماً ... ولا خارجاً من فِيَّ سُوءُ كلام
الرتاج باب البيت، ويروى ولا خارجاً من فيّ زور كلام. قال: وبلغ نساء بني مجاشع فحش جرير
بهن، فأتين الفرزدق مقيداً فقلن: قبّح الله قيدك، فقد هتك جرير عورات نسائك فلُحيت شاعر قوم، فأحفظنه
(1/296)

- أي أغضبنه - ففض قيده، ثم قال. فقال الفرزدق إذ ذاك، وقد كان الفرزدق قيّد نفسه قبل
ذلك، وحلف أن لا يطلق قيده حتى يجمع القرآن، فلما رأى ما وقع فيه البعيث، قال الفرزدق، وهو
همّام بن غالب ابن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم:
ألا استَهزأتْ مِّني هُنيدَةُ أنْ رَأتْ ... أسيراً يُداني خَطوَهُ حَلقُ الحِجلِ
ويروى ألا هزئت، الحجل ها هنا القيد، وهو الخلخال، هنيدة امرأة الزبر قان بن بدر، وهي عمة
الفرزدق.
ولو عَلِمتْ أنّ الوثَاقَ أشَدُّه ... إلى النارِ قالت لي مَقالَةَ ذي عَقل
ويروى أشُدّه. فمن قال أشَدّه شدة الوثاق إلى النار، ومن قال أشُدّه خوف النار. يقول استهزأت بي
حين رأتني أرسف في القيد، ولو علمت أن أشد الوثاق، وثاق النار، لما استهزأت ولا لامت رجلاً قيد
نفسه خوف النار.
لَعَمرِي لئِن قيَّدتُ نفسي لطالما ... سَعيتُ وأوضَعتُ المَطِيَّةَ للجَهلِ
هذا مثل، أوضعتها رفعتها في السير أي أسرعت.
ثلاثينَ عاماً ما أرى مِن عَمايَةٍ ... إذا بَرقتْ إلاّ شَددتُ لها رَحلِي
ويروى أشد لها.
عماية جهالة يقول لا أرى عماية تظهري لي إلا قصدتها.
(1/297)

أتتني أحاديثُ البَعيث ودُونهُ ... زَرُودُ فشاماتُ الشقيقِ إلى الرَّملِ
زرود لبني مجاشع، بين الثعلبية والأجفر، ليس لهم بالتربة ماء غيره، من طريق الكوفة. والشقيقة
الجدد بين الرملتين وربما كان أميلاً.
فقُلتُ أظنَّ أبنُ الخَبيثةِ أنني ... شُغِلتُ عن الرامي الكنانَةَ بالنَّبِلْ
يريد بهذا جريراً بهجاء البعيث وغيره، كما صنع صاحب الكنانة؛ وهو أن رجلاً من بني أسد،
ورجلاً من بني فزارة، كانا راميين، فالتقيا، ومع الفزاري كنانة جديد، ومع الأسدي كنانة رثة، فلم
يدر الأسدي كيف يأخذها من الفزاري، فقال له الأسدي أنا أرمي أو أنت؟ قال الفزاري: أنا أرمى
منك، أنا علّمتك الرمي، فقال له الأسدي: فاني أنصب كنانتي، وتنصب كنانتك، حتى ترمي فيهما.
فنصب الأسدي كنانته في خطر قد سمياه، فجعل الفزاري يرميها فيُقرطس، حتى أنفذ سهامه، كل ذلك
يصيبها ولا يخطئها. فلما رأى الأسدي أن سهام الفزاري قد نفدت، قال: انصب لي كنانتك حتى
أرميها، فنصبها له فرمى نحو الكنانة، ثم عطفه وسدده نحو حتى قتله، فضربه الفرزدق مثلا.
فإنْ يكُ قيدي كانَ نَذراً نَذرتُهُ ... ما بي عن أحسابِ قوميَ مِن شُغلِ
أنا الضامِنُ الراعي عليهِم وإنما ... يُدافِعُ عن أحسابِهم أنا أو مثلي
ولو ضاعَ ما قالوا أرعَ مِنَّا وجَتَهُم ... شِحاحاً على الغالي منَ الحسَبِ الجَزلِ
يقول: لو ضيعت أنا أحسابهم فلم أرعها لم يضيعوها. والجزل الضخم.
إذاً ما رَضُوا مني إذا كنتُ ضامناً ... بأحسابِ قومي في الجبال أو السهل
(1/298)

ويروى قوم. ويروى في الجبال ولا السهل.
فمَهما أعِشْ لا يُضمِنُوني ولا أُضِعْ ... لهم حسَباً ما حرَّكَتْ قدمي نَعلي
الضمن الزمن، والضمانة الزمانة، وهو هاهنا العجز، يقال: أضمنت الرجل إذا وجدته ضمناً، وكذلك
أبخلته إذا أصبته بخيلاً، وأحمدته إذا أصبته محموداً. قال وجاء رجل من الأعراب إلى عيسى بن
موسى وهو يكتب الزمنى فسأله أن يكتبه فقال:
إنْ تكتُبُوا الزَّمنَى فإني لَضَمِنْ ... من ظاهِرِ الدّاءِ وداءٍ مُستَكِنْ
ولا يكادُ يَبرَأُ الداءُ الدَّفِنْ ... أبيتُ أهوى في شياطين تُرِنْ
مُختَلِفٍ نجرَاهُما حِنٍّ وجِنْ ... يَبِتْنَ يَلعبنَ حَوالىَّ الطَّبِنْ
والطبن لعبة يقال لها الفيال وهي السُّدر. قال: والسدر الخليط بالتراب، والحن ضرب من الجن،
قال: وأتى عمرو بن معدي كرب الزبيدي، مجاشع بن مسعود السلمي بالبصرة، فقال له: احملني على
فرس يشبهني وأجزني جائزة تشبهني، فأتاه بفرس، فأخذ عمرو بعكوته ثم غمزه، فأخلده إلى الأرض،
فقال: لا يحملني هذا فأتاه بفرس من خيل كلب، فغمزه فلم يتحلحل، وأمر له بخمسة آلاف درهم
ودرع وسيف وكسوة، فقال: لله أنتم يا بني سليم، لقد شاعرنا كم فما أفحمناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم،
وسألناكم فما أبخلناكم.
ولستُ إذا ثِارَ الغُبارُ على امرئٍ ... غداةَ الرِّهانَ بالبِطَيء ولا الوغلَ
الوغل ما جل في الغربال عن الدُّقاق، والوغل الضعيف، والواغل الطفيلي على الشراب والوارش
على الطعام.
(1/299)

ولكنْ تُرى لي غايةُ المجدِ سابقاً ... إذا الخيلُ قَادَتها الجيادُ مع الفَحلِ
ويروى على الحبل.
يريد أنه يُقرن بأجود الخيل. ويروى أدتها الجياد إلى الفحل، يريد أدتها أمهاتها إلى آبائها في الجودة
والشبه. وأدتها الجياد إلى الفحل أنسلتها.
وحَولَكَ أقوامٌ رَددتُ عُقولَهُم ... عليهم فكانوا كالفراشِ من الجَهل
ويروى إليهم.
رَفعتُ لهم صوتَ المُنادِي فأبصَرُوا ... على خَدِبَاتٍ في كَواهِلِهم جُزلِ
يقول: أبصروا وعقلوا بعد ما جزلت كواهلهم. والخدبة الجراحة التي قد هجمت على الجوف، يقال
جراحة خدباء، وروي خدبات أي ضربات في كواهلهم، والكاهل ما بين الكتفين مما يلي العنق. جزل
متقطعة يقول: أقصروا عني وقد أوقعت بهم، فجزلت كواهلهم. وواحدة الخدبات خدبة.
ولولا حَياءٌ زدْتُ رأسَكَ هَزمَةً ... إذا سُبِرَتْ ظلَّتْ جَوانِبُها تَغلي
الهزمة الشق. والسبر تقدير الجراحة.
بعيدةَ أطراف الصُّدُوعِ كأنها ... رَكَّيةُ لُقمانَ الشَّبيهَةُ بالدَّحلِ
ركية لقمان بثأجٍ، وهي مطوية بحجارة، الحجر أكثر من ذراعين،
(1/300)

وثأج أطراف البحرين وخراجها إلى اليمامة، كانت لبني قيس بن ثعلبة ولعنزة بن أسد،
فكانوا متعادين فيها، بائن بعضهم من بعض،
لهؤلاء مسجد يجتمعون فيه، ولهؤلاء مسجد يجتمعون فيه، والدحلان خروق في روض وغيطان من
البلاد، يذهب فيها الرجل عامة يومه، وقد يوجد في الدحل الواسع الشجر والغضا.
إذا نظرَ الآسُونَ فيها تَقلبَّتْ ... حَماليقُهُم مَنْ هَولِ أنيابِها الثُّعلِ
الآسون الأطباء، واحدهم آس. وقد أسوته آسوه أسواً داويته، والحماليق باطن جفون العين واحدها
حملاق. والثعل في الفم تراكم الأسنان في النبتة، بعضها على بعض، يقال رجل أثعل وأمرأة ثعلاء.
إذا ما رَأتْها الشمسُ ظلَّ طَبيبُها ... كمن ماتَ حتى الليل مُختلَسَ العقلِ
ويروى إذا ما علتها الشمس، قال ابن الأعرابي: إذا طلعت الشمس على الجرح كان أشد له وأهول.
يودُّ لك الأدنَونَ لو مِتُّ قَبلها ... يَرونَ بها شراً عليكَ من القتل
يقال مِتّ تمات، ومُتّ تموت.
ترى في نواحِيها الفِراخَ كأنما ... جَثمن حَواليْ أُمِّ أربعةٍ طُحلِ
(1/301)

الفرخ الدماغ، يريد أنه قد قطع دماغه فكأنها فراخ جثمن حول أمهن، وأم الدماغ الجلدة التي تغشاه،
والطحل سواد إلى الكدرة وفراشه مارقّ من عظامه.
شرّ نبثَةٌ شَمطاءُ مَن يَر ما بها ... تُشبهُ ولو بينَ الخُماسِيِّ والطِّفلِ
شر نبثة أراد أنها قبيحة منكرة، وأصل الشر نبث الغليظ.
إذا ما سَقوها السَّمنَ أقبلَ وجهُها ... بعَينَي عَجوزٍ من عُرينَةَ أو عُكلِ
عكل هو عوف بن عبد مناة، وإنما غلبت عليه حاضنة سوداء يقال لها عكل وعرينة من بجيلة أراد
أنها قبيحة.
جُنَادِفَةٍ سَجراءَ تأخُذُ عَينَها ... إذا اكتَحَلتْ نِصفُ القَفيزْ من الكُحلِ
جنادفة قصيرة غليظة سجراء حمراء.
وإني لمن قومٍ يكون غَسُولُهُم ... قِرَى فأرَةِ الدَّارِي تُضرَبُ في الغِسلِ
قراها ما قُري في سرتها من المسك، والداري منسوب إلى دارين بالبحرين. والغسل الخطمي.
فما وجدَ الشَّافُونَ مِثلِ دمائِنَا ... شِفاءً ولا السَّاقونَ مِنْ عَسلِ النَّحلِ
يقول: إن دماءنا لو سُقيت الكلبي لشفتها - والكلبي جماعة كلب.
(1/302)

والكلب الذي قد عضه الكلْب الكلِب، أو الذئب الكلب فيخبله، حتى يبول
أمثال الذر على خلقة الجراء، فإن سقي دم شريف برأ - وأنشد الكميت:
أحلامُكُم لِسَقامِ الجَهلِ شافيةٌ ... كما دِماؤكُمُ يُشفَى بها الكلَبُ
فقال البعيث، وهو خداش بن بشر بن خالد بن الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع، يهجو
جريراً ويجيب الفرزدق:
أهاجَ عليكَ الشَّوقَ أطلالُ دِمنَةٍ ... بناصِفَة الجوَيَّنْ أو جانبِ الهَجلِ
الناصفة المسيل الواسع، والميثاء المسيل فوق الناصفة، والجو ما انخفض من الأرض، وكذلك
الهجل والجمع هجول.
أتى أبَدٌ من دونِ حدثانِ عَهدنا ... وجَرَّتْ عليها كلُّ نافجَةٍ شَملِ
النافجة الريح الشديدة الهبوب، والشمل الشمال، يقال، ريح شمال وشمل وشمأل وشأمل وشمل
وشمول، ويقال شيمل. وأنشد لمالك بن الريب:
ثَوى مالِكٌ ببلادِ العَدُوِّ ... تُسفَى عليهِ رِياحُ الشَّمَلْ
وأنشد للمرار:
بكَفِّكَ صارِمٌ وعليكَ زَغفٌ ... كماءِ الرَّجعِ تَنسِجُهُ الشَّمُولُ
وأبقَى طوالُ الدهرِ مَن عَرصَاتَها ... بقيةَ أرمامٍ كأرديَةِ الطَّبلِ
(1/303)

عرصات الدار ساحاتها لاعتراص الولد فيها، والعرص اللعب، ويقال رمح عرّاص إذا اشتد
اصطرابه عند الهز، وبرق عراص إذا دام لمعانه، ويقال بعير معرّص للذي ذل ظهره ولم يذل
رأسه، ولحم معرص للذي لم يُنعم طبخه ولم ينضج. والأرمام الأخلاق. وأردية الطبل جنس من
البرود منسوبة. وحكي عن أبي عبيدة، قال: الطبل تخم من تخوم خراج مصر، وأرديته ثياب تُجبى
فيه، والطبل أيضاً الناس، يقال ما أدري أي الطبل هو، وأي الطبن هو، وأي الورى، وأي الأورم
هو، وأي القبيض هو، وأي الهوز هو، وأي دهداء الله هو، وأي برنساء هو، وأي النخط هو، وأي
ولد الرجل هو، وأي من أكل اللحم هو.
وعَيسٍ كَقَلقَالِ القِداحِ زَجرتُها ... بمُعتَسَفٍ بينَ الأجَارِدِ والسَّهلِ
العيس الإبل البيض الصفر الأطراف، يقال أعيس وعيساء. وقلقال مصدر القلقلة، وتقلقلها خفتها في
السير وأجارد جمع جردة من الأرض، وهو مالا نبت فيه. والمعتسف من الأرض المركوب على
غير هدى.
بَرَى النِّقيَ عن أصلابِها كُلُّ غَربةٍ ... قَذُوفٍ وإدآبُ المَنَصَّة والذَّملِ
النقي الشحم، والنقي المخ، والغربة البرية البعيدة، وكذلك القذوف تقذف بهم إلى البعد، والمنصة
الارتفاع في السير، ومن هذا قيل: نُصّ الحديث إلى أهله، أي ارفعه. ومنصة العروس أُخذت من هذا
الأنها ترفع عليها وترى الناس. والذمل والذميل فوق العنق.
وخَفَّتْ تَواليها ومَارَتْ صُدِورُها ... بأعضَادِ جُون عن جَآجئها فُتلِ
(1/304)

تواليها أرجلها ومآخيرها، والجآجي الصدور، واحدها جؤجؤ، والجون البيض: والجون السود وهذا
من الأضداد، والفتل المفرجة التي بانت أعضادها عن صدورها وهو أتعب لها.
وجروِيَّةٍ صُهبٍ كأنَّ رُؤُوسَها ... مَحَاجِنُ نَبعٍ في مُثَقَّفَة عُصلَ
الجروية إبل نسبها إلى جروة، وهم من بني القين بن جسر من قضاعة، والمحجن شبيه بالصولجان،
وإنما سمي محجنا لأن الراعي يحتجن بها، مثقفة يعني مقومة، عصل معوجة.
تَجَاوَزنَ مِن جَوشَينِ كلَّ مَفازَة ... وهُنَّ سَوامٍ في الأزِمةَّ كالإجلِ
قوله جوشين أراد جوشاً وحده، فثنى به، وهما جبلان في بلاد بلقين، والسوامي الروافع الرؤوس،
الطوامح من نشاطها. والإجل القطيع من البقر.
وقَلّتْ نِطافُ القومِ إالا صُبابَةً ... وخَوَّدَ حَادِيها فشَمَّرَ كالرَّألِ
حادينا رواه أبو عبيدة.
النطاف الماء، يقول: نفدت نطافهم إلا صبابة، والتخويد العدو كعدو النعامة، والرأل فرخ النعام،
والرأل هاهنا الظليم بعينه.
ألا أصبحتَ خَنساءُ جَاذِبَةَ الوَصلِ ... وضَنَّتْ علينا والضَّنينُ من البُخل
الجاذبة التي انقطع وصلها، وقوله والضنين من البخل، والضنين البخيل، وهو كقولك أنت من
الجود، وأنت من الكرم، يريد أنت من أهل الكرم.
(1/305)

فصَدَّتْ فأعدانا بهَجرٍ صُدُودُها ... وهُنَّ من الإخلافِ قَبلَكَ والمَطلِ
يقول: صدت فصددنا نحن كما صدت، وكان ذلك كعدوى المرض والجرب، لأنها حين صدت،
أعدانا صدها. وقوله: وهن من أهل الإخلاف، معناه هن من أهل الإخلاف.
أنَاةٌ كأنّ المسكَ تحتَ ثيابها ... وريحَ خُزامَى الطَّلِّ في دَمث سَهلِ
ويروى في دمث الرمل، الأناة الرزينة البطيئة القيام، وهو مأخوذ من التأني، والدمث ما لان من
الأرض، والخزامى نبت شبيه بالخيري.
كأنكَ لم تَعرِفْ لُبانَةَ عاشِقٍ ... وموقِفَ رَكبٍ بينَ عُسفَانَ والنَّخلِ
ويروى بين ميسان وهو جبل لبني سعد.
عسفان على مرحلتين من مكة إلى المدينة، والنخل بطن مر.
غَداةَ لقينَا من لُؤيِّ بن غالبٍ ... هجانَ الغَواني واللِّقَاءُ على شُغلِ
من همز لؤي بن غالب، أخذه من تصغير اللأي، وهو الثور من الوحش. ومن ترك الهمز أخذه من
لويت الشيء، والهجان البيض، والغواني العفائف اللاتي غنين بأزواجهن. وقوله واللقاء على شغل
أي كان لقاؤنا إياهن ونحن محرومون، مشاغيل عنهن، ويقال: الغواني اللواتي غنين بحسنهن عن
الحلي. ويقال غنين بمالهن، وقال أبو زيد: كل شابة غانية.
عَطَونَ بأعناقِ الظِّباءِ وأشرَقتْ ... محاجِرُهُنَّ الغُرُّ بالأعيُنِ النُّجلِ
(1/306)

عطون مددن، والنجل الواسعة مشق العيون.
لعَمري لقد ألهَى الفرزدقَ قيدُهُ ... ودُرجُ نوارٍ ذو الدِّهَانِ وذو الغِسلِ
يقول: شغله قيده والجلوس مع النوار بنت أعين امرأته، والقيام على نفسه عن الذب عن أعراض
مجاشع. والغسل الخطمي. ع: الغسل كل ما غُسل به الرأس. وما امتشطت به المرأة، فهو غسل.
قال: والغسل واحد ولم أسمع له بجمع.
فياليتَ شِعري هل ترى لي مُجاشعٌ ... غَنائيَ في جُلِّ الحوادِثِ أو بَذلِ
وذَبِّيَ عن أعراضِهِمِ كلَّ مُترَفٍ ... وجدِّي إذا كانَ القيامُ على رِجلِ
كل مترف كل متكبر، والعرض حسن ذكر الرجل وثناؤه. وقال الأصمعي طيب ريح بدنه أيضاً
عرضه. يقال فلان طيب العرض. وخبيث العرض. إذا كان خبيث الريح. قال: والعرب تقول للسقاء
إذا تغيرت ريحه، خبيث العرض. وقوله: إذا كان القيام على رجل يعني للمفاخرة يضع إحدى رجليه
على الأخرى للتحدي، يعني يفاخر ويباري.
وثَبتِي على ضَاحِي المَزِلِّ عَلتْ بهِ ... جُدودُ بني سُفيانَ عن زَلَّة النَّعلِ
ثبت ثبات على المكان. والضاحي الظاهر البارز. والمزل الأملس الزلق يزلق فيه. فيقول: أنا في
مثل هذا المكان ثابت. علت به أي ارتفعت جدود بني سفيان أي حظوظهم، ويقال جدودهم آباؤهم
عن زلة النعل، أي عن أن تزل نعالهم، وجعل النعل كناية عن القدم.
فأني أمرؤٌ من آل بَيبَةَ نَابِهٌ ... وسادَ بني سُفيانَ أوّلهُم قَبلي
(1/307)

أي ساد أول بيبة بني سفيان، ويروى بنو سفيان. يقول: لم يزالوا سادة. نابه رفيع الذكر.
وكلَّ تُراثِ المجدِ أورثَني أبي ... إذا ذُكرَ الغالي من الحَسبِ الجَزلِ
الغالي المرتفع، والجزل الضخم.
وجدتُ أبي مِن مالكٍ حَلَّ بيتُهُ ... بحيثُ تنصَّى كلُّ أبيض ذي فَضلِ
مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والتنصي التعلق بالشيء، وهو مأخوذ من مناصاة
الرجل، وهو أن يأخذ كل إنسان بناصية صاحبه.
أغَرَّ يباري الريحَ في كُلِّ شَتوَةٍ ... إذا أغبَرَّ أقدَامُ الرجَالِ مِنَ المَحلِ
منَ الدار ميِّينَ الذينَ دَماؤُهم ... شِفَاءٌ مَن الداءِ المَجنَّةِ والخَبل
يقول: هم ملوك، فدماؤهم شفاء والمجنة الجنون، والخبل، قال الأصمعي: كل فساد في البدن من
ذهاب يد أو رجل أو لسان فهو خبل.
فإنَّ لنا جَداً كريماً ونَجوةً ... تَتِمُّ نواصيها إلى كاهلٍ عَبلِ
النجوة المرتفع من الأرض، وهذا مثل، لأن من نزل بنجوة لم ينله السيل. يقول: فلنا عز رفيع
وشرف، والعبل الضخم.
أُجَدِّعُ أقواما إذا ما هَجوتُهُم ... وأُوقدُ نارَ الحَيِّ بالحَطبِ الجَزلِ
التجديع قطع الأذنين والأنف والجدع كله قطع، وإنما هذا مثل. والجزل ما غلظ من الحطب،
والضرام من الحطب ما دق ورقّ، وأسرعت فيه النار، وقال حاتم:
(1/308)

ولكن بِها ذَاكَ اليَفاعِ فأوقِدي ... بجَزلٍ ولا تَستوقدي بِضِرام
وعَمِّي الذي اختارتْ مَعَدٌّ فحَّكمُوا ... فألقوا بأرسَانٍ إلى حَكمٍ عَدلِ
عمه الأقرع بن حابس وكان أحد حكام بني تميم، حتى بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم،
وكان أول من داهن في الحكومة. وهو الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
وكان حكام بني تميم في الجاهلية ستة: ربيعة بن مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، وزرارة
بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، وضمرة بن ضمرة النهشلي وأكثم بن صيفي، وأبوه صيفي
من بني أسيد بن عمرو. ويقال: إن الأقرع بن حابس أول من حابى في الحكومة في منافرة جرير بن
عبد الله البجلي وخالد بن أرطاة الكلبي، وكان الذي جر المنافرة بين جرير بن عبد الله بن جابر، وهو
الشليل بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن مالك بن سعد بن نذير
بن قسر بن عبقر بن أنمار، وبين خالد بن أرطاة بن خشين بن شبث بن إساف بن هذيم بن عدي بن
حناب، أن كلباً أصابت في الجاهلية رجلاً من بجيلة من بني عادية بن عامر بن قداد يقال له مالك بن
عتبة - أو عنبة، شك في اسمه الكلبي - فوافوا له عكاظ. ومر العادي بابن عم له يقال له القسم بن
عقيل يأكل تمراً، فتناول من ذلك التمر شيئاً ليتحرم به، ومعه رجل من كلب يمسكه، فجذ به الكلبي
بقده فقال: إنه رجل من عشيرتي فقال: لو كانت لك عشيرة منعتك. فانطلق القسم بن عقيل إلى بني
زيد بن الغوث بن أنمار، فاستتبعهم - أي سألهم أن يتبعوه - فقالوا: كلما طارت وبرة
(1/309)

من بني زيد أردنا أن نتبعها في أيدي العرب.
فانطلق إلى جرير بن عبد الله فكلّمه فكان القسم يقول بعد: إن أول ما رأيت فيه الثياب المصبغة،
والقباب الحمر، ليوم جئت جريراً في قسر. قال: فاتبعني ثم فتشني عن الرجل، فقال: اطوِ الخبر،
وخلا بأشراف بني مالك بن سعد بن نذير بن قسر فدعاهم إلى انتزاع العادي من كلب فتبعوه، فخرج
يمشي بهم حتى هجم على منازل كلب بعكاظ، فانتزع منهم الأسير مالكاً فقامت كلب دونه فقال جرير:
زعمتم أن قومه لا يمنعونه، فقالت كلب جماعتنا خُلوف عنا فقام جرير فقال: لو كانوا حضوراً لم
يدفعوا عنه شيئاً. فقالوا: كأنك تستطيل على قضاعة فقال: إن شاؤوا قايسناهم المجد. وزعيم كلب
يومئذ خالد بن أرطاة، فقال: ميعادك من قابل سوق عكاظ. فجمعت كلب، وجمعت قسر، ووافوا
عكاظ. وصاحب كلب الذي أقبل بهم في العام المقبل خالد بن أرطاة، فحكمّوا الأقرع بن حابس
التميمي، حكّمه جميع الحيين، ووضعوا الرهن على يدي عقبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي، في
أشراف من قريش، وكان في الرهن من قسر الأضرم بن أبي عويف بن عويف بن مالك ابن ذبيان
بن ثعلبة بن عمرو بن يشكر. ومن أحمس حازم بن أبي حازم بن صخر ابن العيّلة ومن بني زيد بن
الغوث رجل. ثم قام خالد بن أرطاة، فقال لجرير: ما تجعل؟ فقال: الخطر في يدك قال: ألف ناقة
حمراء لألف ناقة حمراء. فقال له جرير: ألف قينة عذراء لألف قينة عذراء، وإن شئت فألف أوقية
صفراء لألف أوقية صفراء قال خالد: من لي بالوفاء؟ قال: كفيلي اللاّت، والعزى، وإساف، ونائلة،
وشمس، ويعوق، والخلصة، ونسر فمن عليك بالوفاء؟ قال: ودّ ومناة، وفلس، ورضى. قال جرير: لك
الوفاء سبعون غلاماً معماً مخولا، يوضعون على أيدي الأكفاء من أهل الله. فوضعوا الرهن من بجيلة ومن
(1/310)

كلب، على أيدي من سمينا من قريش، وحكّموا الأقرع بن حابس وكان عالم العرب في زمانه.
فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ قال ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصباح. قال: الأقرع
وما عندك يا جرير؟ قال: نحن أهل الذهب الأصفر، والأحمر المعتصر - يعني الخمر - نخيف ولا
نخاف، ونُطعم ولا نستطعم. ونحن حي لقاح ونُطعم ما هبّت الرياح. نُطعم الشهر، ونضمن الدهر،
ونحن الملوك قسر. قال الأقرع: واللاّت والعزى لو فاخرت قيصر ملك الروم، وكسرى عظيم فارس،
والنعمان ملك العرب، لنفرتك عليهم. وأقبل نعيم بن حجيّة النمري - وقد كانت قسر ولدته - بفرس
إلى جرير فركبه من قبل وحشية، فقالوا: لم تُحسن تركب الفرس فقال جرير: إن الخيل ميامين، وإنا
نركبها من وجوهها، ونادى عمرو بن الخثارم، وهو أحد بني جشم بن عمرو بن قداد فقال:
يا ابَني نِزارٍ انصُرَا أخَاكُما ... إنَّ أبي وجَدتُهُ أبَاكُما
لا يُغلَبُ اليومَ أخٌ وَالاكُما
وقال أيضاً
يا أقرعَ بنَ حابِسٍ يا أقرَعُ ... إنّكَ إن تَصرَعْ أخاكَ تُصرَعُ
وقال أيضاً
يَالَ نِزارٍ دعوةَ المُثَوِّبِ ... أحسَابُكُم أخطرْتُها وحَسبَي
(1/311)

فزعمت مضر أن الأقرع بن حابس، إنما نفر جريراً وبجيلة على خالد بن أرطاة وكلب لأنه زعم أن
أنماراً ابن نزار، وأنه لقرابته بمضر وربيعة، أفضل وأكثر عدداً بإخوته من قضاعة، لأن قضاعة بن
معد وهو عم هؤلاء. وقال الكميت بن زيد الأسدي:
وأنمارٌ وإن رَغِمَتْ أُنوفٌ ... معدِّيُّ العُمومَةِ والخؤُولِ
وعَمرو بنُ الخُثارِمِ كان طباٍّ ... بنِسبَتِهمِ وتَصديقي لقيلي
وليس ابنُ الخُثارِمِ في مَعَدٍّ ... بمقصِيِّ المحلِّ ولا دَخيلِ
لهم لُغَةٌ تُبيِّنُ من أبوُهُم ... مع الغُرَرِ الشَّوادِخِ والحُجُولِ
وقال الأخطل يمدح جريراً، ويذكر ما كان بينه وبين خالد بن أرطاة:
يرمي قُضاعَةَ مَجدوعٌ مَعَاطِسُها ... وهمٌ أشَمٌ تَرى في رأسِهِ صَيَداً
ويروى وهو أشم.
صافى الرسولَ ومِنْ قومٍ هُمُ ضَمِنوا ... مالَ الغريبِ ومَن ذا يضمَنُ الأبَدا
كانوا إذا حَلَّ جارٌ في بُيوتِهِمُ ... عادوا عليه فأحصَوه مالَهُ عَددا
قال: كانت بجيلة إذا جاورهم جار، عمدوا إلى ماله فأحصوه، ودفعوه إلى ثقة، فإن مات له شاة أو
بعير أخلفوه عليه. حتى ينصرف موفوراً، فإن مات قبل أن يصير إلى وطنه ودوه، وإن قُتل طلبوا
بدمه، وإن حُرب أخلفوا عليه.
(1/312)

رجع إلى القصيدة:
ويومٍ شَهِدنَاهُ تَسامى مُلُوكُهُ ... بمُعتَركٍ بينَ الأسِنّةِ والنَّبلِ
تسامى: تفاخر كما تسامى فحول الإبل بأعناقها إذا تصاولت وارتفع بعضها على بعض، والمعترك
موضع القتال وهو المعركة.
إذا رَكِبَ الحَيَّانِ عَمروٌ ومَالِكٌ ... إلى الموتِ أشباهَ المَعَبَّدةِ البُزلِ
عمرو بن تميم ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهم يد على الرباب. والمعبدة
المهنوءة. فشبه الرجال عليها الحديد والسلاح بالإبل المهنوءة، وقال البزل لأنها أعظم ما تكون إذا
بزلت، وبزول الجمل طلوع نابه.
سَمونَا بعِرنينٍ أشمَّ وسَادَةٍ ... مَراجيحَ ذَوَّادينَ عن حَسبِ الأصلِ
سمونا ارتفعنا، بعرنين أشم أي بأنف أشم طويل الأرنبة والقصبة، وذوّادين دفّاعين، مراجيح ثقال
رزان.
وألفَيتَنا نَحمي تَميماً وتنتَميَ ... إلينا تَميمٌ بالفوارسِ والرَّجلِ
الرجل الرجَّالة، يقال رَجل ورِجال ورُجّال ورُجالى ورَجالى وأرَاجل وأراجيل إذا كانوا رجّالة.
وإنَّا لضَرَّابونَ تَغشَى بَنانَنَا ... سَوابِغُ مِنْ زَغفِ درَصٍ ومَنْ جَدلِ
ويروى علينا من الماذي كل مفاضة، سوابغ. الرغف ما صغر من حلق الدرع، والدلاص الملس
وكذلك الدلامص والدمالص كما قالوا للكريم مصاص ومصامص، والجدل سيور كانت تجدل يلبسها أهل
(1/313)

اليمن، واليلب مثله.
وإنَّا لذَاواّدونَ كلَّ كَتيبَةٍ ... تجُرُّ منايا القومِ صادِقَةِ القتَلِ
نُطاعِنُهُمْ والخَيلُ عابِسَةٌ بِنَا ... ونُكرِهُهَا ضَربَ المُخيضِ على الوحلِ
ويروى نضاربهم المخيض الذي أخاض فرسه، حمله على الوحل.
تخَطَّى القَنا والدَّارعينَ كأنما ... تَوثَّبُ أجرَالاً بكُلِّ فَتىً جَزلِ
ويروى يطأن، الأجرال الحجارة، واحدها جرول وجرل وجراول، ويقال: أرض جرلة إذا كانت
كثيرة الحجارة.
ونحنُ مَنَعنا يومَ عَينينِ مِنقَراً ... ولم نَنبُ في يومي جَدُودَ عَنِ الأصلِ
يوم عينين موضع بالبحرين، كانت بنو منقر خرجوا يمتارون من البحرين فعرضت لهم عبد القيس
فاستغاثوا ببني نهشل، فحمتهم بنو نهشل حتى استنقذوهم.

يوم جَدُودَ
وأما يوم جدود، فإن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك الشيباني، أغار على بني تميم، هو وأبجر
بن جابر العجلي، خرجا متساندين يريدان الغارة على بني تميم فمروا ببني يربوع وهم بجدود، فلما
رأوهما نهدوا إليهما، وحالوا بينهما وبين الماء وأردوا قتالهما، فقال لهم الحوفزان: والله ما إياكم
أردت، ولا لكم سموت، وإنما أردت بني
(1/314)

سعد بن زيد مناة، فهل لكم في خمسمائة جلة وفضل ما معنا من ثوب.
ولكم الله أنّا لا نروّع حنظلياً ولا نقاتله، وخلّوا بيننا وبين بني سعد. فخلّوا له وجهه،
وصالحوه ثلاث سنين، وأخذوا منه جلال التمر. فمضى الى بني سعد، فأغار على بني ربيع بن
الحارث، فأصاب نسوة وهم خلوف، وأصاب إبلاً فأتى الصريخ بني سعد، فركب قيس بن عاصم في
بني سعد، فأدركوه وهو قائل برغام والمقاد، وقد أمن من الطلب في نفسه، وذلك في يوم شديد الحر.
فزعموا أن سنان بن سمي المنقري أتاهم من أمامهم، فقالوا من الرجل؟ قال: من القوم؟ فلم يزالوا
حتى عاقدهم ألا يكتم بعضهم بعضاً شيئاً. فقال: من أنتم؟ قال الحوفزان، وهذه بنو ربيع معي، قد
احتويتها، فمن أنت؟ قال: أنا سنان بن سمي المنقري في الجيش وفي الحي، فأتى أصحابه فأخبرهم
الخبر، فأكبّوا عليهم الخيل كباً، فاقتتلوا قتالاً شديداً.
ثم إن بكر بن وائل انهزمت، وأوجعوهم قتلاً وأسراً، واستنقذوا النسوة والنعم، وقُتلت قتلى كثيرة،
واتبع قيس بن عاصم الحوفزان على فرس له يدعى الزبد، وقيس بن عاصم على الزعفران بن الزبد
فرس الحوفزان، فإذا استوت بهما الأرض لحقه قيس، وإذا وقعا في هبوط وصعود سبقه الحوفزان
بقوة فرسه وسنه، فلما خشي أن يفوته، قال استأسر يا حارث، قال: الحوفزان: ما شاء الزبد! ثم زجر
فرسه وجعل يقول:
اليوم أبلو فرسي وجِدِّي
ويروى اليوم أبلو حلبي وحشدي - قال: استأسر يا حارث خير أسير. فيقول الحوفزان: شر أسير
فلما خشي قيس أن يفوته، زرقه
(1/315)

بالرمح زرقة هجمت على جوفه وأفلت بها، وزعموا أن الحوفزان
انتقضت به طعنته من العام المقبل فمات منها. والتقى مالك بن مسروق الربيعي يومئذ، وشهاب بن
جحدر أحد بني قيس ابن ثعلبة، وجد المسامعة، وهو أحد بني قيس بن ثعلبة. فقال مالك لشهاب: من
أنت؟ قال:
أنا شِهابُ بنُ جَحدَر ... أطعُنُهُم عندَ الكَرْ=تحتَ العَجاجِ الأكدَرْ
ومعه العدل، رجل من قومه فقال مالك:
أنا مالك بن مسروق بن غيلان ومعي سنان حران وإنما جئت الآن أقسم لا تؤوبان.
ثم حمل على شهاب فقتله، ثم أعاد على العدل فقتله، وقال قيس بن عاصم في ذلك:
جزى الله يربوعاً بأسوَإ سَعيِها ... إذا ذُكِرَتْ في النائبَاتِ أُمورُها
ويومَ جَدُودٍ قد فَضحتُم أبَاكُمُ ... وسالمتُمُ والخيلُ تَدمَى نُحورُها
فأصبحتمُ والله يفعلُ ذاكُمُ ... كمَهنوُءةٍ جَرباءَ أُبرِزَ كورُها
أفَخراً على المولى إذا ما بَطِنتُمُ ... ولُؤماً إذا ما الحربُ شَبَّ سَعِيرُها
ويروى إذا ما الحرب تغلي قدورها.
ستَخطِمُ سَعدٌ والرِّبابُ أُنُوفَكُم ... كما غاطَ في أنَفِ الظَّؤُورِ جَرِيرُها
أتاني وعيدُ الحوفزانِ ودُونَهُ ... من الأرضِ صَحرَاواتُ فَلج وَقُورُها
أقِمْ بسبيلِ الحيِّ إن كنتَ صادِقاً ... إذا حَشَدَتْ سَعدٌ وجاشَ نَصِيرُها
(1/316)

عَصَمنا تميماً في الحُروبِ فأصبحتْ ... يَلُوذُ بنا ذو مالِها وفقيرُها
وأصبحتَ وَغلاً في تميمٍ وأصبحتْ ... مَعَادِنُها تُجبَى سِواكَ وخِيرُها
وقال سوار بن حيان المنقري:
ونحنُ حَفزنَا الحوفزانَ بطَعنَةٍ ... تَمُجُّ نَجيعاً من دَمِ الجَوفِ أشكَلا
وحُمرَانُ أدَّتهُ إلينا رِمَاحُنا ... يُنازِعُ غُلاًّ في ذِراعيهِ مُقفَلا
حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد.
أبَى الله أنَّا يومَ تُقتسَمُ العُلا ... أحَقُّ بها منكم وأعطى وأجزَلا
فلستَ بمُسطِيعِ السماءِ ولم تجدْ ... لِعَزٍّ بَنَاه الله فوقَكَ مَنقَلا
ومالكَ مِنْ أيّامِ صِدقٍ تَعُدُّها ... كيومِ جُوَاثَا والنِّباجِ وثَيتلا
وقال سلامة بن جندل السعدي:
ومَنْ كان لا تعتَدُّ أيامُهُ له ... فأيّامُنا عنّا تُجلِّي وتُعرِبُ
ألاَ هَلْ أتى أفناءَ خِندِفَ كلّها ... وعَيلانَ إذ ضمَّ الخمسينِ يترَبُ
جَعلنا لهم ما بين كُثلَةَ رَوحَةً ... إلى حيثُ أوفى صُوّتَيهِ مُثقَّبُ
غداةَ تَركنا في الغُبارِ ابنَ جَحدَرٍ ... صَريعاً وأطرافُ العوالي تَصبّبُ
(1/317)

وأفلتَ منا الحوفزانُ كأنهُ ... برَهوَةَ قَرنٌ أفلتَ الخيلَ أعضَبُ
غَداةَ رَغامِ حينَ ينجُو بطَعنَةٍ ... سَؤُوقِ المنايا قد تُزِلُّ وتُعطِبُ
لَقُوا مِثلَ ما لاقي اللُّجَيمي قَبلَهُ ... قَتادَةُ لمّا جاءَنا وهو يَطلُبُ
اللجيمي قتادة بن مسلمة الحنفي، وكان أحد جراري ربيعة.
فآبَ الى حَجرٍ وقد فُضَّ جمعُهُ ... بأخبَثِ ما يأتي به مُتَأوِّبُ
وقد نالَ حَدُّ السيفِ مِنْ حُرِّ وجهِهِ ... إلى حيثُ ساوىَ أنفَهُ المُتَنقَّبُ
وجَثَّامَةُ الذُّهِليُّ قد وسَجَتْ بهِ ... إلى أهِلنا مَخزُومَةٌ وهو مُحقَبُ
تعرَّفُهُ وسطَ البُيوتِ مُكَبَّلاً ... رَبَائِبُ من أحسَابِ شَيبانَ تثقُبُ
وهَوذَةَ نجَّى بعدَ ما مالَ رأسُهُ ... يمانٍ إذا ما خالَطَ العَظمَ مِخدَبُ
المخدب الجارح، خدبه جرحه، وهوذة بن علي الحنفي.
فأمسكهُ من بعدِ ما مالَ رأسُه ... حِزامٌ على ظهرِ الأغَرِّ وقَيقَبُ
غداةَ كأنَّ ابني لُجيمٍ ويَشكُراً ... نَعَامٌ بصَحراءَ الكَديدَينِ هُرَّبُ
وقال سلامة أيضاً:
فسائِلْ بسَعدَيَّ في خِندِفٍ ... وقيسٍ وعندَكَ تِبيَانُها
(1/318)

وإنْ تسألِ الحَيَّ من وائِلٍ ... تُنَبِّئكَ عِجلٌ وشيبَانُها
بوادي جَدُودَ وقد غُودِرَتْ ... بضَيقِ السَّنَابِكِ أعطَانُها
بأرعَنَ كالطَّودِ من وائِلٍ ... يَؤُمُّ الثغورَ ويَعتَانُها
يعتانها من الربيئة وهو عين القوم.
تكادُ له الأرض من رِزَّهِ ... إذا سارَ تَرجُفُ أركانُها
قَداميسُ يقدُمُها الحوفزانُ ... وأبجَرُ تَخفِقُ عِقَبانُها
وجَثَّامُ إذ سارَ في قومِهِ ... سَفاهاً إلينا وحُمرانُها
وتغلِبُ إذ حَربُها لاقِحٌ ... تُشَبُّ وتُسعَرُ نِيرانُها
غَداةَ أتانَا صَريخُ الرِّبابِ ... ولم يكُ يَصلُحُ خِذلانُها
صَريخٌ لضَبِّةَ يوم الهُذَيلِ ... وضَبَّةُ تُردَف نِسوانُها
تَدَارَكَهُم والضُّحَى غُدوَةٌ ... خَنَاذِيدُ تُشعَلُ أعطانُها
بأُسدٍ من الفِزرِ غُلبِ الرِّقَابِ ... مَصَالِيتَ لم تُخشَ إدهانُها
الفزر سعد بن زيد مناة.
فحَطَّ الربيعَ فتىً شَرمَحٌ ... أخُوذُ الرَّغائِبِ مَنَّانُها
فقَاظَ وفي الجِيدِ مَشهُورَةٌ ... يُغنَيِّهِ في الغُلِّ إرنانُها
رجع إلى القصيدة:
(1/319)

ونحنُ ردَدنا سَبي عَمرو بنِ عامرٍ ... مِنَ الجَيشِ إذ سعدُ بنُ ضَبَّةَ في شُغلِ
عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة.
ونحنُ مَنَعنا بالكُلاَبِ نِسَاءَنا ... بِضَربٍ كأفواه المُقَرَّحَةِ الهُدلِ

هذا يومُ الكُلابِ الثاني
كان من حديث يوم الكلاب، أنه لما أوقع كسرى ببني تميم يوم الصفقة بالمشقر، فقتلت المقاتلة،
وبقيت الذرية والأموال، بلغ ذلك مذحج، فمشى بعضهم الى بعض، وقالوا: اغتنموا بني تميم، ثم
بعثوا الرسل في قبائل اليمن وأحلافها من قضاعة، فقالت مذحج للمأمور الحارثي الكاهن: ما ترى؟
فقال: لا تغزوا بني تميم، فإنهم يسيرون أغباباً، ويردون مياهاً جباباً. فتكون غنيمتكم تراباً، يعني أنهم
يسيرون منقلتين في منقلة واحدة، أُخذ من الغِبّ.
فزعموا أنه اجتمع من مذحج ولفّها اثنا عشر ألفاً، فكان رئيس مذحج عبد يغوث بن وقاص بن
صلاءة، ورئيس همدان رجل يقال له مشرح، ورئيس كندة البراء بن قيس بن الحارث الملك، فأقبلوا
إلى بني تميم فبلغ ذلك سعداً والرباب، فانطلق ناس من أشرافهم إلى أكثم بن صيفي فاستشاروه، فقال
أكثم بن صيفي: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا
المحالة، وتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورُبذ عجلة تهب ريثاً، وابرزوا للحرب، وادرعوا الليل،
فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف.
(1/320)

فلما انصرفوا من عند أكثم بن صيفي تهيئوا للغزو، واستعدوا للحرب، وأقبل أهل اليمن، من
أشرافهم: يزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المخرم، ويزيد بن الكيشم بن المأمور، ويزيد بن هوبر،
حتى إذا كانوا بتيمن - وتيمن ماء بين نجران إلى بلاد بني تميم - نزلوا قريباً من الكلاب، ورجل
من بني زيد بن رياح بن يربوع يقال له مشمت بن زنباع، في إبل له، وهو عند خال له من بني
سعد، ومعه رجل يقال له زهير، فلما أبصرهم المشمت، قال لزهير: دونك الإبل، وتنح عن طريقهم
حتى آتي الحي فأنذرهم.
فأعدوا للقوم وصبّحوهم، فأغاروا على النعم فاطردوه، وجعل رجل من أهل اليمن يقول:
في كلِّ عامٍ نَعَمٌ ننتَابُه ... على الكُلابِ غُيَّباً أربابُه
فأجابه غلام من بني سعد كان في نعم على فرس فقال:
عمَّا قليلٍ تَلحَقَنْ أربَابُهْ
وأقبلت بنو سعد والرباب، ورئيس الرباب النعمان بن جساس، ورئيس بني سعد قيس بن عاصم -
وأجمع العلماء أن قيس بن عاصم كان الرئيس يومئذ - فقال رجل من بني ضبة حين دنا من القوم:
(1/321)

في كلِّ عامٍ نَعمٌ تَحوُونَهْ ... يُلقِحُهُ قومٌ وتُنتِجُونَهْ
أربَابُهُ نَوكى فلا يَحمُونَهْ ... ولا يُلاقُونَ طِعاناً دونَهْ
أنَعمَ الأبنَاءِ تَحسَبونَهْ ... أيهَاتَ أيهاتَ لمِا ترجُونَهْ
الأبناءُ كلُّ بني سعدِ بنِ زيدِ ... مَناةَ، إلا بني كَعبِ بنِ سعدٍ
فقال ضمرة بن لبيد الحماسي - والحماس ربيعة بن فلان بن كعب بن الحارث ابن كعب: انظروا
إذا سُقتم الإبل فإن أتتكم الخيل عصباً - العصبة تقف للأخرى حتى تلحق - فإن أمر القوم هين، وإن
لحق بكم القوم ولم ينظروا إليكم، حتى يردوا وجوه النعم، ولا ينظر بعضهم بعضاً، فإن أمر القوم
شديد.
وتقدمت سعد والرباب، فالتقوا في أوائل الناس، فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النعم من قبل وجوهه،
فجعلوا يصرفونه بأرماحهم، واختلط القوم، فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم، حتى إذا كان آخر النهار، قُتل
النعمان بن جساس، رماه رجل من أهل اليمن، كانت أمه من بني حنظلة، يقال له عبد الله بن كعب،
فقال حين رمى: خذها وأنا ابن الحنظلية، فقال النعمان: ثكلتك أمك، رب ابن حنظلية قد غاظني.
فظن أهل اليمن أن بني تميم ليسوا بكثير، حتى قُتل النعمان، فلم يزدهم ذلك عليهم إلا جرأة. فاقتتلوا
حتى حجز بينهم الليل، فباتوا يحرس بعضهم بعضاً، فلما أصبحوا غدوا على القتال، فنادى قيس بن
عاصم: يال سعد، ونادى عبد يغوث: يال سعد قيس، يدعو سعد بن زيد مناة، وعبد يغوث يدعو سعد
العشيرة.
(1/322)

فلما سمع ذلك قيس نادى: يال كعب، ونادى عبد يغوث: يال كعب قيس، يدعو بني كعب بن سعد،
وعبد يغوث يدعو بتي كعب بن عمرو.
فلما رأى قيس صنيع عبد يغوث قال: ما لهؤلاء أخزاهم الله لا ندعو بشعار الا دعوا بمثله.
فنادى قيس: يال مقاعس - وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم – فسمع
الصوت وعلة بن عبد الله الجرمي جرم قضاعة، وكان صاحب اللواء يومئذ فطرحه، وكان أول من
انهزم منهم، وحملت سعد والرباب فهزموهم، وجعل رجل منهم يقول:
يا قومِ لا يُفلِتكُمُ اليَزيدانْ ... يزيدُ حَزنٍ ويزيدُ الرَّيّانْ
مُخرِّمٌ أعني به والدَّيّانْ
مخرم بن شريح بن المخرم بن جرم بن زياد بن مالك بن الحارث بن مالك ابن ربيعة بن كعب بن
الحارث، وهو صاحب المخرم الذي ببغداذ.
وجعل قيس ينادي: يا آل تميم لا تقتلوا إلا فارساً، فإن الرجّالة لكم، وجعل يرتجز ويقول:
لمّا تَولَّوا عُصَباً شَوازِبَا ... أقسَمتُ لا أطعُنُ إلا رَاكِباً
إني وجدتُ الطَّعنَ فيهم صائباً
وجعل يأخذ الأسرى، فإذا أخذ أسيراً قال: ممن أنت؟ قال: من بني زعبل - وهو زعبل بن كعب،
اخوة الحارث بن كعب، وهم أنذال،
(1/323)

يريدون بذلك رُخص الفداء -
فجعل قيس إذا أخذ منهم أسيراً دفعه إلى ثلاثة من بني تميم، فيقول: أمسكوا حتى أصطاد لكم زعبلة
أخرى.
فما زالوا في أثر القوم يقتلون ويأسرون، حتى أسروا عبد يغوث بن وقاص ابن صلاءة الحارثي،
أسره رجل من بني عبشمس بن سعد، وقُتل يومئذ علقمة بن سبّاح القريعي، وهو فارس هبود، وهو
فرس عمرو بن الجعيد المرادي. وأسر الأهتم وهو سمى بن سنان بن خالد ابن منقر، رئيس كندة،
ويومئذ هُتم الأهتم، وقتلت التيم الأوبر بن أبان ابن دارع الحارثي، وآخر من بني الحارث يقال له
معاوية، قتلهما النعمان بن جساس قبل أن يُقتل، وكان قد قتل يومئذ خمسة من أشرافهم، وقتلت بنو
ضبة ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن، قتله قبيصة بن ضرار بن عمرو الضبي، وأما عبد يغوث فانه
انطلق به العبشمي إلى أهله، وكان العبشمي أهوج، فقالت له أمه - ورأت رجلا شريفاً عظيماً جليلاً
جميلاً - فقالت لعبد يغوث: من أنت؟ قال: أنا سيد القوم. فضحكت وقالت: قبحك الله سيد قوم حين
أسرك هذا فقال عبد يغوث الحارثي:
وتضحكُ مني شَيخَةٌ عَبشَميَّةٌ ... كأنْ لم ترى قبلي أسيراً يمانِيا
فقال: أيتها الحرة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أعطي ابنك مائة من الإبل، وينطلق بي
إلى الأهتم، فإني أتخوّف أن تنتزعني سعد والرباب منه؛ فضمن لها مائة من الإبل، وأرسل إلى بني
الحارث، فسرحوا بها إليه، فقبضها العبشمي، وانطلق به إلى الأهتم، فقال عبد يغوث:
(1/324)

أأهتمُ يا خيرَ البريَّةِ والداً ... ورَهطاً إذا ما الناسُ عَدُّوا المَسَاعيا
تدارَكْ أسيراً عانياً في حِبالِكُم ... ولا تُثقِفَنِّي التيمَ ألقى الدَّواهِيا
ويروى: فإن تثقفني التيم ألق الدواهيا، قال: فمشت سعد وتيم إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: يا بني
سعد، قتل فارسنا، ولم يُتلك لكم فارس مذكور، فدفعه إليهم، فأخذه عصمة بن أبير التيمي، فانطلق به
إلى منزله، فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قتلة كريمة، فقال عصمة: وما القتلة الكريمة؟ قال:
اسقوني الخمر، ودعوني أنوح على نفسي. فجاءه عصمة بالشراب، ومضى عصمة وجعل معه ابنين
له، فقالا لعبد يغوث: جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلمنا، فكيف رأيت الله عز وجل صنع بك؟
وذاك أنه لما أسر قال: شدوا لسانه بنسعة لا يهجكم، فضحكت منه عجوز من بني عبشمس بن سعد،
فقال عبد يغوث في ذلك:
ألا لا تَلُومَاني كَفى اللَّومَ ما بِيا ... فما لكما في اللَّومِ نفعٌ ولا لِيَا
ألم تعلما أنّ الملامةَ نَفعُها ... قليلٌ وما لَومي أخي من شِمالِيَا
فيا رَاكِباً إما عرضتَ فبَلِّغَنْ ... نَدَاماي من نَجرَانَ ألاّ تَلاقيا
أبا كَرِبٍ والأ يهمَينِ كِليهما ... وقيساً بأعلى حَضرموتَ اليَمانيا
وتضحكُ مني كَهلَةٌ عبشَمِسَّةٌ ... كأنْ لم ترى قبلي أسيراً يمانيا
وظلَّ نِساءُ التَّيمِ حوليَ رُكَّدا ... يُرَاوِدنَ مني ما تُريدُ نِسائِيا
(1/325)

أقولُ وقد شَدُّوا لساني بنِسعَةٍ ... أمعشرَ تَيمٍ أطلِقوا عن لِسانيا
فإنْ تقتُلوني تقتُلوا بي سيّداً ... وإن تُطلِقوني تحرُبُوني بماليا
أحَقاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ سامِعا ... نشيدَ الرُّعاءِ المئثعزِبِينَ المَتَاليا
كأني لم أركبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخَيلي كُرِّي نفسي عن رِجَاليا
ولم أسبَأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقُلْ ... لأيسارِ صِدقٍ عَظِّموا ضَوءَ نارِيا
لَحا الله خيلاً بالكُلابِ دعوتُها ... صَريحَهُمُ والآخرينَ المَوالِيا
فلو شِئتُ نجتّني كُمَيتٌ رَجِيلَةٌ ... ترى خلفها الحُوَّ العِتَاقَ تَوالِيا
ولكنني أحمي ذِمارَ أبيكُمُ ... وكان العوالي يَختَطِفنَ المُحاميا
فأبو إلا قتله. فقتلوه بالنعمان بن جساس.
فقالت صفية بنت الخرع التيمية ترثي النعمان بن جساس:
نِطاقُهُ هُندُوَانِيٌّ وجُبَّتُهُ ... فضفَاضَةٌ كأضَاةِ النَّهي مَوضُونَهْ
غابتْ تميمٌ فلم تشهدْ فوارِسُها ... ولم يكونوا غَداةَ الرَّوعِ يُخزُونَهْ
لقد أخذنا شِفاءَ النفسِ لو شُفيتْ ... وما قتلنا به إلا امرءاً دونَهْ
وقال علقمة بن السبّاح لعمرو بن الجعيد، وكان كاهنا فيما يذكرون:
(1/326)

لمّا رأيتُ الأمرَ مخلوجَةً ... أكرَهتُ فيه خُرُصاً مارِنا
قلتُ له خُذهَا فإني امرؤٌ ... يَعرِفُ رُمحي الرجلَ الكاهِنا
وأما وعلة فإنه لحقه رجل من بني سعد فعقر به فنزل الجرمي، وعلة يُحضر على رجليه، فلحق
رجلاً من بني نهد، يقال له سليط بن قتب، فقال له وعلة: أردفني خلفك، فأبى أن يردفه، فنجا
الجرمي يُحضر، وأدركت بنو سعد النهدي فقتلوه، فقال وعلة حين أتى أهله:
لمّا سَمِعتُ الخيلَ تدعو مقاعِساً ... تطلّعَ مني ثُغرةَ النَّحرِ جائِرُ
نَجوتُ نَجاءً ليس فيه وَتيرَةٌ ... كأنّي عِقَابٌ دون تَيمَنَ كاسِر
خُدارِيَّةٌ صَقعاءُ لَبدَ رِيشَها ... بطِخفَةَ يومٌ ذو أهاضِيبَ ماطرُ
وقد قلتُ للنَّهدِيِّ هل أنتَ مُردِفي ... وكيفَ رِدَافُ الفَلِّ أمَّكَ عابِر
أُناشِدُهُ بالرِّحمِ بيني وبينَه ... وقد كان في نَهدٍ وجَرمٍ تَدابُرُ
فمن يَكُ يرجو في تميمٍ هوادَةً ... فليس لِجرمٍ في تميمٍ أواصِر
وذلك أن قيس بن عاصم، لمّا أكثر قومه القتل في اليمن، أمرهم بالكف عن القتل، وأن يحزوا
عراقيبهم. فقالت نائحة عمرو بن الجعيد:
أشَابَ قَذَالَ الرَّأسِ مَصرَعُ سَيِّدٍ ... وفارِسُ هَبُّودٍ أشَابَ النَّواصيا
(1/327)

وقال محرز بن المكعبر الضبي:
فِدىً لقومي ما جمّعتُ مِنْ نَشَبٍ ... إذ ساقَتِ الحربُ أقواماً لأقوامِ
قد حُدِّثَتْ مَذْحِجٌ عنّا وقد عَلِمَتْ ... أنْ لنْ يُورّعَ عن أحسَابِنا حامي
دارت رَحاكُم قليلاً ثمّ وجَّهَكُم ... ضَربٌ يُصَيَّحُ منهُ مَسكِنُ الهام
ساروا إلينا وهم صِيدٌ رؤُوسُهُمُ ... فقد جعلنا لهم يوماً كأيّامِ
ظلّتْ ضِبَاعُ مُجيراتٍ يعُدنَهُمُ ... والحَمُوهُنّ منهم أي إلحَام
ولا حُذُنَّةَ لم نترُك لها سَبُعا ... إلا له جَزَرٌ من شِلوِ مِقدام
حذنة: أرض لبني عامر بن صعصعة:
ظَلّتْ تدُوسُ بني عَمروٍ بِكَلكَلِها ... وهمَّ يومُ بني سَعدٍ بِإظلامِ
رجع إلى القصيدة:
وجئنا بأسلابِ المُلوك وأحرَزَتْ ... أسنَّتُنا مجدَ الأؤِبَّةِ والأكلِ
الأربة جمع الرباب، الاكل قطائع كانت الملوك تؤكّلها الأشراف.
وجئنا بعمروٍ بعدَ ما حَلّ سَربُهَا ... مَحلَّ الذَّليلِ خلفَ أطحَلَ أو عُكلِ
وجئنا بعمروٍ بعدَ ما كانَ تابعاً ... حليفاً لتَيمِ الُلاَّتِ أو لبني عجلِ
(1/328)

يريد عمرو بن تميم، وكانوا غالبوا بني حنظلة، فحالفوا بكر بن وائل، فأقاموا فيهم، وهو قول أوس
بن حجر:
نحنُ بنو عَمروِ بنِ بكرِ بنِ وائلٍ ... نُحَالِفُهُم ما دامَ للزَّيتِ عاصِرُ
فلما احتفلت سعد والرباب على بني حنظلة، خافوا أن يكثروهم ويهتضموهم، فسارت وجوه حنظلة
إلى بني عمرو بن تميم، فحالفوهم وردوهم، فهم يد مع بني حنظلة على سعد والرباب. وأطحل جبل
ينزله بنو ثور بن عبد مناة. وعكل هو عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن اليأس بن مضر بن
نزار، وإنما سمي عُكلا لأن أمَة سوداء حضنته، يقال لها عكل فغلبت على اسمه.
أبى لكُليبٍ أن تُسامي مَعشَراً ... مِنَ الناسِ أن ليسُوا بفَرعٍ ولا أصلِ
سَوَاسيَةٌ سُودُ الوجوهِ كأنهُم ... ظَرَابيُّ غِربَانٍ بمَجرُودَةٍ مَحلِ
السواسية المستوون في الشر خاصة، ولا يقال في الخير. والظرابي جمع ظربان وهو دويبة مثل
جرو الكلب منتن الريح كثير الفسو، والأنثى ظربانه.
فقُل لجريرِ اللُّؤمِ ما أنتَ صانِعٌ ... وبيِّنْ لنا إنّ البيانَ مِنَ الفَصلِ؟
أبُوكَ عَطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهِم ... فقُبِّحَ مِن شَيخٍ وقُبِّحتَ مِنْ نَجل
رواية كهل.
يقال نجل الرجل، ونسله، وشلخه، وشرخه، وزكوته، وزكبته
(1/329)

وزكمته، بمعنى واحد. وأنشد:
زُكوَةُ عمَّارٍ بَنُو عمَّارِ ... مثلُ الحَراقِيص على الحِمارِ
الحرقوص خنيفس يقرض الوطاب وما أشبهها، إنما همّتهم شيء قذر.
ألستَ كُليبياً إذا سِيَم خُطّةً ... أقَرَّ كإقرَارِ الحَليلَةِ للبَعلِ
وكُلُّ كُلَيبِيٍّ صَفِيحَةُ وجَههِ ... أذَلُّ لأقدَامِ الرِّجالِ مِنَ النَّعلِ
ويروى صحيفة وجهه.
وكُلُّ كُليبيٍّ يَسُوقُ أتانَهُ ... لهُ حاجَةٌ مِن حيثُ تُثقَرُ بالحَبلِ
قال أبو عثمان: سمعت أبا عبيدة يقول: سألت بعض بني كليب: ما أشد ما هُجيتم به عليكم؟ فأنشده
هذه الثلاثة الأبيات. قال أبو جعفر: فقالت عجوز منهم لا، ولكن قول الفرزدق:
أنتم قَرارَةُ كُلِّ مَدفَعِ سَوءةٍ ... ولكُلِّ سائِلَةٍ تَسيلُ قَرارُ
فقال جرير يجيب البعيث. ويهجو الفرزدق:
عُوجِي علينا وأربَعي رَبَّةَ البَغلِ ... ولا تقتُليني لا يَحِلُّ لكم قتلي
أعَاذلُ مَهلاً بعضَ لَومِك في البُطلِ ... وعَقلُكِ لا يذهَبْ فإنّ معي عقلي
فانّكَ لا تُرضي إذا كنتَ عاتباً ... خليلَكَ إلا بالمودّةِ والبَذلِ
أحقّاً رأيتَ الظاعنينَ تَحمَّلُوا ... مِنَ الغِيلِ أو وادي الوريعةَ ذي الأثلِ
(1/330)

وادي الوريعة: لبني يربوع.
لياليَ إذ أهلي وأهلُكِ جيرَةٌ ... وإذ لا نخافُ الصُّرمَ إلا على وصلِ
يقول: لا نتصارم تصارم قطيعة، وإنما صرمنا دلال، ويروى إلا على رحل، أي على عجلة لا
نخاف الصرم إلا أن يعجل بنا فراق.
وإذ أنا لا مالٌ أريدُ ابتياعَهُ ... بمالي ولا أهلٌ أبيعُ بِهم أهلي
خليليَّ هِيجَا عَبرَةً أو قِفا بِنا ... على مَنزلٍ بينَ النقيعَةِ والحبلِ
ويروى على طلل.
النقيعة خبراء بين بلاد بني سليط وضبة، والخبراء أرض تنبت الشجر.
فإني لَبَاقي الدَّمعِ إن كنتُ باكياً ... على كُلِّ دارٍ حلَّها مَرَّةً أهلي
تُريدينَ أن أرضى وأنتِ بخيلَةٌ ... ومَنْ ذا الذي يُرضي الأخِلاّءَ بالبُخلِ
لعَمرُكَ لولا اليأسُ ما انقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حَنَّ مِن والهٍ قبلي
سقى الرملَ جَونٌ مُستهِلٌّ رَبابُهُ ... وما ذاكَ إلا حُبُّ مَن حَلّ بالرَّملِ
متى تجمعي مَناً كثيراً ونائِلاً ... قليلاً تُقطّعْ منكِ باقيةُ الوَصلِ
ألا تبتغي حلماً فينهى عنِ الجهلِ ... وتصرِمُ جُملاً راحةً لكَ مِنْ جُملِ
فلا تعجبا مِن سورةِ الحُبِّ وانظُرا ... أتنفعُ ذا الوجدِ الملامةُ أو تُسلي
ألا رُبّ يومٍ قد شَرِبتُ بمَشرَبٍ ... سقى الغيمَ لم يشربْ بهِ أحدٌ قبلي
المشرب يعني الريق، والغيم العطش.
وهِزَّةِ أظعانٍ كأنّ حُمُولَها ... غَداةَ استقَلّتْ بالفَرُوقِ ذُرى النّخلِ
(1/331)

هزة أظعان يعني تحركها في السير، وأصل الأظعان النساء على الإبل، ثم استعمل حتى جُعل للنساء بغير إبل.
طَلبتُ ورَيعانُ الشبابِ يقودُني ... وقد فُتنَ عيني أو تَوارَينَ بالهَجلِ
ريعان الشباب أوله، وريعان النهار أوله، وريعان الخيل أولها، والهجل البطن المطمئن من الأرض.
فلما لحِقناهُنّ أبدَينَ صَبوَةً ... وهُنّ يُحاذِرنَ الغَيورَ منَ الأهل
ويروى العيون.
على ساعةٍ ليستْ بساعةِ مَنظَرٍ ... رَمينَ قُلوب القومِ بالحَدَقِ النُّجلِ
ويروى بالأعين.
وما زِلنَ حتى كادَ يَفطِنُ كاشِحٌ ... يزيدُ علينا في الحديث الذي يُبلي
يروى يُملي.
فلم أرَ يوماً مثلَ يومٍ بذي الغَضا ... أصبنا بهِ صَيداً غزيراً على رِجلِ
يروى على رسل.
ألَذَّ وأشفى للفؤادِ مِنَ الجَوى ... وأغيظَ للواشينَ مِنهُ ذوي المَحلِ
الواشي: المبلغ الكلام يريد به الشر، يقول العرب: وشى بينه يشي وشاية، ووشى الثوب يشيه وشياً
ووشية حسنة، قال أبو عبد الله: لا يقال وشى حتى يزينه ويغيره عن حاله، والمحل التبليغ
والتحريش بالنميمة. قال أبو عبد الله: يقال نم الحديث ينمه إذا حكاه، فإذا غيّره
(1/332)

ولونه، قيل وشى، ومن هذا الوشي في الثوب من التلوين، وقوله عز وجل {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي لون فيها غير الصفرة.
وهاجِدِ مَؤماةٍ بعثتُ إلى السُّرى ... وللنومُ أحلى عندَهُ مِن جنَى النَّحلِ
الموماة هاهنا الفلاة والجمع موام، وهاجد هاهنا الساهر ع هاجد نائم، موماة بلد قفر، وهاجد موماة،
يريد وهاجد في موماة، بعثت أيقظته من نومه، والهاجد في غير هذا الموضع الساهر وهو من
الأضداد.
يقول:
نُزولُ الرَّكبِ فيها كَلاَ ولاَ ... غِشاشاً ولا يَدنُونَ رَحلاً إلى رَحلِ
يريد أنهم يعرسون ولا يحطون عن إبلهم، إنما يخفق أحدهم خفقة ثم ينهض، كقولك لا ولا في
السرعة، والغشاش العجلة، يقال أغششتني عن حاجتي أي أعجلتني.
ليَومٍ أتتْ دونَ الظِّلالِ سَمُومُهُ ... وظَلِّ المَهاصُوراً جَماجِمُها تغلي
يقول: نبهتهم لسير يوم هذه صفته، والصور الموائل الرؤوس سدراً من الحر، كما قال مضرّس بن
ربعي:
ويومٍ مِنَ الشِّعرَى كأنّ ظِبَاءَهُ ... كواعِبُ مقصُورٌ عليها سُتُورُها
تَدلَّتْ عليها الشمسُ حتى كأنما ... بِهنّ صُداعٌ أو فَوَالٍ يصُورُها
(1/333)

تَمنّى رجالٌ مِن تَميمٍ ليَ الرِّدى ... وما ذادَ عن أحسابهم ذائِدٌ مثلي
الردى الهلاك، وقوله رجال من تميم يعني الفرزدق بن غالب، والبعيث بن بشر، وعمر بن لجأ،
وغسان بن ذهيل السليطي، والمستنير بن عمرو، وهو البلتع.
كأنهمُ لا يعلمُونَ مَواطني ... وقدْ عَلِموا أني أنا السابقُ المُبلِي
ويروى وقد جربوا. يريد الذي يبلي البلاء الحسن الجميل.
وأوقَدتُ ناري بالحديدِ فأصبحتْ ... لها لَهبٌ يُصلِي به اللهُ مَنْ يُصلي
يروى وهج.
يعني المواسم وإنما يريد مواسم الشعر وهذا مثل.
إذا سارَ في الرَّكبِ البَعيثُ عَرفتُمُ ... تَزَمُّرَ حمراء العِجانِ على الرَّحْلِ
التزمر التحرك، يقول: إذا رأيت البعيث عرفت حركات أمه فيه أي الهجنة بينة فيه.
لَعَمري لقد أخزى البعيثُ مُجاشِعاً ... وقالَ ذَوو أحسابهم ساء ما يُبلي
ألامَ ابنُ حَمراء العجانِ وباستها ... جُلوبُ القَنا بعدَ الكَلاليبِ والرَّكلِ
ألام من اللوم أساء وأتى بما يلام عليه، والكلاليب مقارع، واحدها كُلاّب والكلاّب المقرعة، جلوب
قروح.
أهُلْبَ استِها فَقعاً بِشَرِّ قَرارَةٍ ... بمَدرَجةٍ بينَ الحُزُونَةِ والسَّهلِ
(1/334)

الهلب الشعر، والفقع الكمأة البيضاء، فقع وفقعة، وجبء وجبأة والجبء الأحمر والأسود جميعاً،
ويقال للأحمر من الكمأة والأسود جميعاً جبأة، ومنها بنات أوبر، وهي كمآت صغار زغب، ومنها
الذعاليق والبرانيق، وهي إلى الطول، ومنها المغاريد وهي صغار مستديرة واحدها مغرود، ومن
جنس الكمأة الذآنين واحدها ذؤنون وهي تنبت في أصول الأرطى - سألت أبا جعفر عن الذآنين
فقال: نبت كأنه البصل ثم يجف فيخرج منه شبيه بالخنافس تمشي، وقد رأيته وأطعمته جملي - ومن
جنس الكمأة وليس بها الطراثيث، واحدها طرثوث وهي تنبت في أصول الرمث، والكمأة تنبت في
أصول الأجرد والقصيص، وهما ضربان من الشجر، والعساقل والعقابل صغار شبيه ببنات أوبر، إلا
أنها أكبر منها، وأنشدنا محمد بن القاسم الباهلي:
ولقد جَنَيتُكَ أكمُؤاً وقَعَابِلا ... ولقد نَهيتُكَ عن بناتِ الأوبِرَ
وأنشدنا النمري وعساقلا مكان قعابل.
جَزِعتَ إلى دُرجَي نَوارَ وغِسلِها ... وأصبحتَ عَبداً لا تُمِرُّ ولا تُحلي
يعني الفرزدق. يقول: لم يكن لك نكير إلا الرجوع إلى امرأتك والجلوس معها، نوار بنت أعين بن
ضبيعة بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
لعَمري لَئِن كانَ القُيونُ تَواكَلُوا ... نَوارَ لقد آبتْ نَوارُ إلى بَعلِ
يروى فحل.
(1/335)

المواكلة أن يتكل الرجل على صاحبه في العمل والقتال، يقول: فلئن كانت بنو مجاشع تواكلوا نوار،
فلم يتزوجوها، لقد صارت إلى بعل وإن لم يكن كفؤاً ولا رضاً.
وإنّ الذي يَلقى البَعيثُ ورَهطُهُ ... هوَ السَّمُّ لا دُرجَا نَوارَ معَ الغِسلِ
يروى الوسم.
الدرج شيء تضع فيه النساء الطيب، والغسل ما غسلت به رأسك.
تمنَّى ابنُ حمراءِ العِجان عُلالَتي ... وقد تَمَّ ناباً لا ضعيفٍ ولا وَغلِ
ويروى ظنون.
العجان ما بين الدبر إلى الفرج، ع العجان ما بين الفرجين وهو من الرجل ما بين الأنثيين إلى
السبة، والعلالة الجري الثاني بعد الجري الأول، وهو مثل العلل بعد النهل، ظنون متهم قليل الخير،
والوغل النذل الداخل في القوم ليس منهم.
خُروجٍ إذا اصْطَكَّ الأضامِيمُ سابقٍ ... وما أحرَزَ الغاياتِ مِن سابقٍ قَبلي
الأضاميم الجماعات من الخيل وغيرها واحدتها إضمامة.
ليَ الفضلُ في أفناءِ عمروٍ ومالِكٍ ... وما زِلتُ مُذ جارَيتُ أجري على مَهلِ
ويروى في أحياء عمرو بن تميم ومالك بن زيد مناة بن تميم.
وتُرهَبُ يربوعٌ ورائيَ بالقَنا ... وذاكَ مقامٌ ليسَ يُزري بهِ فعلي
ويروى وتخطر. ويروى ورائي بالردى، وروي وذتك مقام لا تزل به نعلي.
(1/336)

لَنِعمَ حُماةُ الحَيِّ يُخشى وراءَهُم ... قديماً وجيرانُ المخَافَةِ والأزلِ
ويروى ونعم حماة الثغر، ويروى يُخشى رؤاؤهم. والرؤاء المنظر، الأزل الضيق.
لقد قَوَّسَتْ أمُّ البَعيثِ ولم تَزلْ ... تُزاحِمُ عِلجاً صادِرَينِ على كِفِلِ
قوست انحنت من حمل القرب، والكفل كساء يدار حول السنام ثم يُركب عليه.
ترى العَبسَ الحَولَّي جَوناً بِكُوعِها ... لها مَسَكاً من غيرِ عاج ولا ذَبلِ
ويروى جوناً تسوفه، ويروى لها مسك، العبس: ما جفّ من بول البعير على ذنبه وفخذيه، والكوع
رأس الزند، والمسك جماعة مسكة وهي أسورة من عاج ومن قرون ومن ذبل، يلبسها الأعراب.
وأنشد لأبي النجم في العبس:
كأنّ في أذنابِهِنَّ الشُّوَّلِ ... مِن عَبَسِ الصيفِ قُرونَ الأُيِّلِ
إذا لَقِيَتْ علجَ ابنِ صَمعاءَ بَايَعتْ ... بِشَقِّ استها أهلَ النِّباجِ وما تُغلي
ابن صمعاء مولى لعبد الله بن عامر بن كريز، والنباج نباجان: النباج الذي بين مكة والبصرة
للكريزّيين، والنباج الذي بين البصرة واليمامة، بينه وبين اليمامة غبّان لبكر بن وائل، والغب مسيرة
يومين.
لياليَ تنتابُ النِّباجَ وتبتغي ... مَراعِيهَا بينَ الجداوِلِ والنخلِ
وهلْ أنتَ إلاّ نخبَةٌ مِنْ مجاشعٍ ... تُرى لِحيَةً في غيرِ دِينٍ ولا عَقلِ
(1/337)

النخبة المنخوب القلب الجبان، والنخبة أيضاً جلدة الاست، قال:
إنَّ أباكَ كانَ عبداً جازِرَا ... ويأكُلُ النَّخبَةَ والمَشافِرَا
بني مالكٍ لا صِدقَ عندَ مجاشعٍ ... ولكنّ حَظّاً من فياشٍ على دَخلِ
الفياش الفخر بالباطل والطرمذة، فايش عليه طرمذ، والدخل الأمر الفاسد.
وقد زَعموا أنّ الفرزدقَ حَيَّةٌ ... وما قتلَ الحَيَّاتِ مِنْ أحدٍ قبلي
وروى أبو عبيدة وما مارس الحيات.
وما مارَستْ من ذي ذُباب شَكيمَتي ... فيُفلَت فوتَ الموتِ إلا على خَبلِ
شكيمته حدة نفسه ومضاؤه، خبل فساد واختلاج في بدنه من ذهاب يد أو رجل، وذباب حدة وجهل.
ولمّا اتّقى القَينُ العِراقيُّ باستِهِ ... فَرغتُ الى القَين المُقَيَّدِ في الحِجلِ
القين العراقي يريد البعيث، يقول: لما انهزم وولاني دبره هارباً، فرغت إلى الفرزدق. تميم يقولون
فرِغت أفرَغ فَرَاغا، وقريش وأهل العالية يقولون فرغتُ أفرُغُ فُرُوغاً.
رأيتُكَ لا تحمي عقالاً ولم تُرِدْ ... قِتالاً فما لاقيتَ شَرٌّ منَ القتلِ
ولو كنتَ ذَارَأيٍ لما لُمتَ عاصِماً ... وما كانَ كُفؤاً ما لقيتَ مِنَ الفضل
عاصم العنبري كان دليلاً فضلّ بالفرزدق.
(1/338)

ولمّا دَعوتُ العنبريَّ ببلدَةٍ ... إلى غير ماءلا قريبٍ ولا أهلِ
ضَلِلَتَ ضَلالَ السامريِّ وقومِهِ ... دَعاهُم فظَلُّوا عاكفينَ على عِجلِ
فلمّا رأى أنّ الصحارِيَ دُونَهُ ... ومُعتَلَجَ الأنقاءِ مِنْ ثَبَجِ الرملِ
ثبج كل شيء وسطه والأنقاء جمع نقاً والنقا والرمل، ومعتلجه حيث لقي بعضه بعضا.
بَلعتَ نَسيءَ العَنبريِّ كأنما ... تَرى بِنَسيءِ العنبريِّ جَنى النحلِ
النسيء اللبن يُمذق بالماء، وإنما عنى هاهنا بوله، يقول: شربت بوله، وذاك الأصل.
فأورَدَكَ الأعداءَ والماءُ نازِحٌ ... دليلُ امرِئ أعطى المَقادَةَ بالدَّحلِ
روى أبو عقيل ألقى المقرة بالدحل، ويروى: علال امرئ ألقى المقرة بالدحل. وواحد الأعداء عِد
وهو الماء القديم.
ألمْ تَرَ أني لا تُبِلُّ رَميّتي ... فمن أرْمِ لا تُخطِئ مَقاتِلَهُ نَبلي
يقال بَلّ وأبَلّ واستبلّ، لا يُبل لا يبرأ صاحبها.
قال أبو عبيدة: فلما واقف جرير الفرزدق بالمربد طُلبا، فهرب الفرزدق وأُخذ جرير فحبس، وأُخذت
نوار بنت أعين امرأة الفرزدق، فحُبست مع جرير، فزاد في هذه القصيدة جرير:
فباتتْ نَوارُ القَينِ رِخواً حِقابُها ... تُنازِعُ ساقي ساقَها حَلقَ الحِجلِ
تُقَبِّحُ ريحَ القَين لمّا تَناولت ... مَقَذَّ هِجانٍ إذ تُساوِفُهُ فَحلِ
يريد مقذ هجان فحل، والمقذ ما خلف الأذن، والهجان الأبيض،
(1/339)

تساوفه تشامه يعني نفسه، قال أبو عبيدة وكان جرير عفيفاً.
فأقسمتُ ما لاقيتِ قبلي منَ الهوى ... وأقسمتِ ما لاقيتِ مِن ذَكرٍ مثلي
ويروى:
فأقسمتُ ما لاقيتُ من قلبيَ الهوى ... وأقسمُ ما لاقيتِ من ذَكَرٍ قبلي
قال أبو عبيدة: أُخبرت أنه كان أعفّ من ذلك.
أبا خالد أبليتَ حَزماً وسُؤدَداً ... وكلُّ امرئٍ مُثنىً عليه بما يُبلي
أبا خالدٍ لا تُشمِتَنَّ أعادياً ... يَودّونَ لو زالت بمَهلَكةٍ نَعلي
وكان واليَ أهل البصرة.
يفيشُ ابنُ حَمراءِ العِجانِ كأنهُ ... خَصِيُّ براذِينٍ تَقاعسَ في وَحلِ
ويروى تقاعس في الوحل، يفيش يفخر بالباطل، تقاعس رجع إلى ورائه وكاع عن التقدم، ويروى
بعد هذا البيت:
إذا قالَ قد أغنَيتُ شيئاً رُويدَكُم ... أتَوهُ فقالوا لستُ بالحَكمِ العَدل
فأخزى ابنُ حمراءِ العِجانِ مجاشعاً ... وما نالتِ المجدَ الدِّلاءُ التي يُدلي
فأجابه الفرزدق فكانت أول قصيدة هجا بها جريراً ويهجو البعيث:
ألمْ ترَ أني يومَ جَوِّ سُويقَة ... بَكَيتُ فَنادَتني هُنيدَةُ مالِيا
فقلتُ لها إنَّ البُكاءَ لرَاحَةٌ ... بهِ يَشتَفي مَنْ ظنَّ أنْ لا تَلاقيا
قفي ودِّعينا يا هُنيدَ فإنني ... أرى الحَيَّ قد شامُوا العَقيقَ اليَمانيا
(1/340)

العقيق واد لبني عامر بن صعصعة مما يلي اليمن في أعلى نجد، شاموا نظروا إلى البرق أين
مصابه فينتجعونه، ويقال العقيق البرق، ويروى أمّوا العقيق.
قَعِيدَكُما اللهَ الذي أنتُما لَهُ ... ألمْ تَسمعا بالبَيضَتينِ المُنادِيا
قعيدكما قسم كأنه قال: بعبدتكما الله الذي أنتما له عبدان من المقاعدة، وأنشد:
قَعيدَكِ ألا تُسمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنكَئِي قَرحَ الفُؤادِ فَيَيجَعَا
والبيضتان أراد البيضة فثنى بغيرها، كما قالوا برامتين، والبيضة بالصّمّان لبني دارم، والبيضة
مكسورة بالحزن لبني يربوع قريبة من واقصة.
حَبِيباً دَعا والرَّملُ بَيني وبَينَهُ ... فأسَمَعَني سَقياً لذلكَ داعِيا
يقول إنما حدّث نفسه بها فكأنه توهّم أنها دعته
فكانَ جوابي أن بكيتُ صَبابَةً ... وفَدَّيتُ مَن لو يستطيعُ فَدانِيا
روى أبو عمرو فكان ثوابي، وأبو عبيدة جوابي.
إذا اغرَورَقت عَينايَ أسبَلَ منهُما ... إلى أن تغيبَ الشِّعريَانِ بُكائِيا
اغريراق العين امتلاؤها بالماء قبل أن تفيض، والشعريان الشِّعرى الغُميصاء، والشّعرى العبور،
وهي التي تقطع المجرّة، والغُميصاء
(1/341)

إحدى ذراعي الأسد، وهي الذراع المقبوضة، والذراع المبسوطة،
كوكبان قدر سوط، والذراع المقبوضة بحذائها على قدر رمحين عرضاً في السماء.
لِذِكرَى حَبيبٍ لم أزَلْ مُذ هَجرتُهُ ... أعَدُّ لهُ بعدَ الليالي لَياليا
ويروى مُذ تركته، ويروى مذ ذكرته.
أراني إذا فارقتُ هِنداً كأنني ... دوَاسَنَةٍ مما التقى في فُؤادِيا
ويروى أخو سنة دوى سقيم، يقال رجل دوى، وامرأة دوى، وقوم دوى، ونسوة دوى، واحد. وكذلك
في التثنية على لفظ واحد وهو السقيم، ويروى مما أجن فؤاديا.
دَعاني ابنُ حمراءِ العجانِ وام يجدْ ... لهُ إذ مُستَأخَراً عن دُعائِيا
يعني البعيث، ويروى إذ دعانيا.
فنَفَّستُ عن سَمَّيهِ حتى تَنَفسَّا ... وقلتُ لهُ لا تَخشَ شيئاً ورائِيا
سماه منخراه، وكل خرق فهو سَم وسُم. يقول أعتقته وأنقذته من جرير.
أرَحتُ ابنَ حمراءِ العِجانِ فعَرَّدَتْ ... فقارَتُهُ الوُسطى وإنْ كانَ وانِيا
عرّدت اشتدت، عردت قويت أي صارت عردة، والعرد الشديد، وأراد أنه اشتد ظهره، وانياً يعني
فاتراً ضعيفاً، يقال: ونى يني ونياً
(1/342)

وونيّا إذا فتر، قال أبو عبد الله: سألت أبا العباس عن ونى، هل يكون.
من فتور في خلقة الإنسان أم يفتر قاصداً؟ فأجازه فيهما جميعاً، قال أبو عبد الله ونى ونية.
فإن يدعُني باسمي البَعيثُ فلم يجدْ ... ليماً كفى في الحربِ ما كانَ جانيا
فألقِ استَكَ الهَلبَاءَ فوقَ قَعُودِها ... وشَيِّعْ بها واضمُمْ إليكَ التواليا
الهلباء الشعراء، وشيّع بها ادع بها، والشياع الدعاء، هاهنا الهاء لأم البعيث، يريد أن أمك راعية
فاركب قعودها، وافعل فعلها، والتوالي المتأخرات.
قَعُودِ التي كانت رَمَتْ بِكَ فَوقَهُ ... لها مَدْلَكٌ عاسٍ أمِلَّ العَراقِيا
وما أنتَ منّا غيرَ أنكَ تدَّعي ... إلى آل قُرط بعدَ ما شِبتَ عانيا
ويروى لها مدلك قذر أمل، مدلك يعني البظر، عاس غليظ جاف، واسمه النوف أيضاً إذا طال، وإذا
غلظ فهو العرون، ومن أسمائه أيضاً العُناب والخنتب والعنبل، والعراقي يريد عراقي القتب،
والعراقي خشبتان تجمعان ذئب القتب، وذئبه أعالي أحنائه.
قرط بن سفيان بن مجاشع، والعاني هاهنا العبد والخادم.
تكونُ معَ الأدنَى إذا كنتَ آمناً ... وأُدعى إذا غَمَّ الغُثاءُ التَّراقيا
الغثاء ما علا من الماء مما يحمله السيل من الشجر وغيره، وهذا مثل، يقول: إذا امتلأ الوادي فعلا
الغثاء وصار إلى التراقي، وبلغ الأمر أشده دُعيت أنا.
(1/343)

عَجِبتُ لَحِينِ ابنِ المَراغَة أنْ رأى ... لهُ غَنما أهدى إليّ القوافيا
وهلْ كانَ فيما قد مضى مِن شَبيبتي ... لهُ رُخصَةٌ عندي فيرجُو ذَكائيا
الذكاء تمام نبات الأسنان، والمعنى يقول لم تطمع فيّ وأنا شاب غمر، فكيف تطمع فيّ وقد أسننت!.
ألمْ أكُ قد راهنتُ حتى عَلِمتُمُ ... رِهاني وخَلّتْ لي مَعدٌّ عِنانيا
وما حَمَلتْ أمُّ امرِئ في ضُلوعِها ... أعَقَّ مِنَ الجاني عليها هِجائيا
وأنت بِوادي الكَلبِ لا أنتَ ظاعِنٌ ... ولا واجدٌ يا بنَ المَراغَةِ بانيا
وادي الكلب شر المنازل، أي ليس عليك بناء ولا عريش، كما أن الكلب مصحر في غير بناء.
إذا العَنزُ بالَتْ فيهِ كادَتْ تُسيلُهُ ... عليكَ وتُنفَى أن تَحُلَّ الروابيا
أي من ضيقه وخُبث ترابه، والروابي ما أشرف من الأرض حيث لا يناله السيل
عليكُمْ بتَربيقِ البِهامِ فانّكُم ... بأحسابِكُم لن تستطيعوا رِهانيا
البهام العُنوق والجداء واحدها بهمة. والتربيق أن تربط في ربق، والربق حبل ممدود في وتدين،
وفيه حبال قصار تشد بها الغنم.
وكيفَ تَنالُونَ النُّجومَ وكُنتمُ ... خُلِقتُم فِقاحاً لم تكونوا نَواصيا
النجوم يعني أباه وأجداده، ويروى وأنتم.
بِأيِّ أبٍ المَراغةِ تبتغي ... رهاني إلى غايات عَمِّي وخَاليا
(1/344)

رهاني مسابقتي، عمه من بني دارم، وخاله العلاء بن قرظة الضبي.
هَلُمَّ أباً كابني عِقالٍ تَعدُّهُ ... ووادِيهما يابنَ المَراغةِ وادِيا
ابنا عقال ناجية وحابس ابنا عقال، وأم غالب بن صعصعة ليلى بنت حابس ابن عقال أخت الأقرع
بن حابس.
تجدْ فَرعَهُ عندَ السماء ودارِمٌ ... منَ المجدِ منهُ أترَعتْ لي الجَوابيا
بَنى لي به الشيخانُ مِن آل دارمٍ ... بناءً يُرى عندَ المجرَّةَ عاليا
الشيخان جماعة شيخ، يقال شِيخ وأشياخ إلى العشرة، وشِيوخ وشُيوخ وشِيخان ومشيخة سواء،
ومَشيُخة ومَشيخَة وشِيخة ومشيوخاء، وروى المفضل بنى لي به الشيخان بفتح الشين، وقال: هما
ناجية وحابس ابنا عقال، به بالوادي وإن شئت بالمجد.
فأجابه جرير:
ألا حَيِّ رَهبى ثمَّ حَيِّ المَطالِيا ... فقد كانَ مأنوساً فأصبحَ خالِيا
رهبي موضع، والمطالي موضع. مأنوس حيث الأهل، خال قفر.
فلا عهدَ إلاّ أن تَذَكَّرَ أو تَرى ... ثُماماً حوالي مَنصِبِ الخَيمِ بَاليا
الخيم جمع خيمة، والثمام شجر، ويروى باقيا.
ألا أيها الوادي الذي ضمَّ سيلُهُ ... إلينا نَوى ظَمياءَ حُييِّتَ وادِيا
(1/345)

يقول: أنبت ماء هذا الوادي عُشبا، فانتجعته ظمياء وأهلها فأقاموا فيه فالتقينا به.
إذا ما أرادَ الحَيُّ أن يَتَزَيَّلُوا ... وحَنَّتْ جمالُ الحَيِّ حَنَّتْ جِماليا
فيا ليتَ أنَّ الحَيَّ لم يتفرَّقوا ... وأمسى جميعاً جِيرَةً مُتَدانيا
إذا الحَيُّ في دارِ الجميعِ كأنما ... يكونُ علينا نِصفُ حَولٍ لَياليا
يقول: نحن في سرور، فالدهر يقصر علينا.
إلى الله أشكو أنّ بالغَورِ حاجَةً ... وأخرَى إذا أبصَرتُ نَجداً بَدالِيا
نظرتُ برَهبيَ والظَّعائِنُ باللِّوَى ... فطارت برهبيَ شُعبَةٌ مِن فُؤادِيا
وما أبصَرَ النارَ التي وضَحَتْ لهُ ... وراءَ جُفافِ الطير إلا تمارِيا
جفاف الطير جبل، وروي خُفاف أيضاً وهو موضع.
وكائن ترى في الحيِّ من ذي صداقةٍ ... وغيرَانَ يدعو ويلَهُ مِن حذارِيا
إذا ذُكِرتْ ليلى أُبيحَ ليَ الهوى ... على ما ترى مِن هجرتي وأجتنابيا
خليليَّ لولا أنْ تظُنَّا بي الهوى ... لقلتُ سَمعنا مِنْ عُقيلَةَ داعِيا
قفا فاسمَعا صوتَ المُنادي لعلهُ ... قريبٌ وما دانيتُ بالظنِّ دانيا
إذا ما جعلتُ السِّيَّ بيني وبينها ... وحَرَّةَ ليلى والعقيقَ اليمانيا
رَغِبتُ إلى ذي العرشِ مولى مُحمَّدٍ ... ليَجمعَ شَعباً أو يُقرِّبَ نائِيا
ويروى دعوت إلى ذي العرش رب محمد، عليه الصلاة والسلام، الشعب الحي والنائي البعيد.
(1/346)

اذا العرشِ إني لستُ ما عْشتُ تاركاً ... طِلابَ سُلَيمى فأقضِ ما أنتَ قاضيا
ولو أنها شاءَتْ شَفتنِي بهَيِّنٍ ... وإنْ كانَ قد أعي الطبيبَ المُداويا
سأترُكْ للزُّوارِ هِنداً وأبتغي ... طبيباً فيُغنيني شفاءً لِمَا بيا
فإنّكِ إن تُعطي قليلاً فَطالما ... مَنعتِ وحَلأتِ القلوبَ الصَّوادِيا
حلأت منعت. والصوادي العطاش.
دُنُوَّ عِتاقِ الخيلِ للزَّجرِ بعدما ... شَمسْنَ وولَّينَ الخُدودَ العَواصِيا
يقول: شمست ثم دنت وعادت.
إذا اكتَحَلتْ عيني بعينكِ مسَّني ... بخيرٍ وجلَّى غَمرَةً عن فؤاديا
ويأمُرُني العُذَّالُ أن أغلِبَ الهوى ... وأنْ أكتُمَ الوجدَ الذي ليسَ خافيا
فيا حَسراتِ القلبِ في إثرِ مَنْ يُرى ... قريباً وتَلقى خيرهُ منكَ قاصيا
تُعيِّرُني الإخلافَ ليلى وأفضَلتْ ... على وصلِ ليلى قوّةٌ مِن حِباليا
فقولا لِوَاديها الذي نَزلتْ بهِ ... أوَاديَ ذي القَيصُومِ أمرَعتَ واديا
فقد خِفتُ أن لا تجمعَ الدارُ بيننا ... ولا الدهرُ إلا أن تُجِدَّ الأمانيا
ألا طَرَقتْ شعثاءُ والليلُ مُظلِمٌ ... أحَمَّ عُمانِيا وأشعَثَ ماضيا
الأحم الأسود، عماني رجل منسوب إلى عمان، وأشعث يعني نفسه، ماضيا يريد ماضياً على ما يريد
ويهم به.
لدى قَطَرِيَّاتٍ إذا تَغَوَّلتْ ... بِنا البِيدُ غاوَلنَ الحُزُومَ القَياقِيا
(1/347)

قطريات إبل منسوبة إلى قطر وهي أرض بالبحرين، وتغوّلت تباعدت، والحزوم جماعة حزم، وهو
ما أشرف من الأرض وغلظ، والقياقي الواحدة قيقاة وهي أرض صُلبة، ويروى تغاولت.
تَخَطّى إلينا مِن بعيدٍ خَيالُها ... يخوضُ خُدارياً مِنَ الليلِ داجِيا
الخداري الأسود يعني الليل، وداج مظلم.
فحُييتَ مِن سارٍ تكلَّفَ مَوهِنا ... مَزاراً على حاجةٍ مُتراخيا
موهناً بعد ساعة من الليل.
يقولُ ليَ الأصحابُ هل أنتَ لاحقٌ ... بأهلِكَ إنّ الزَّاهِريّةَ لاهيا
الزاهرية امرأة لاهيا ليس إليها سبيل، يعني ليست هي التي عهدت.
لَحِقتُ وأصحابي على كلِّ حُرّةٍ ... وخُودٍ تُباري الأحبَشيَّ المُكاريا
حرة كريمة، والأحبشي الظل، والأخنسي وهو ضرب من النجائب، وتباري تعارض، والمكاري
الذي يكرو في مشيته يثب وثباً، وخود يعني تجد في مشيها، وهو ضرب من السير، ويروى
الأحمسي، والأحمسي الحادي المنكمش، وقال بن الأعرابي ..
تَرامَين بالأجوازِ في كُلِّ صَفصَفٍ ... وأدنَينَ مِن خَلجِ البُرينَ الذُفَّارِيا
الأجواز الأوساط، والصفصف القاع المستوي، وخلج جذب، والبرين
(1/348)

جمع برة وهي حلقة من صفر في أنف البعير، والذفريان ما عن يمين العنق وشماله.
إذا بَلَّغتْ رَحلِي رَجيعٌ أمَلَّها ... نُزُوليَ بالموماةِ ثمّ ارتِحالِيا
مُخَفِّقَةً يهوي على الهولِ رَكبُها ... عِجالاً بِها ما يَنظُرونَ التّواليا
مخففة مفازة تلمع بالسراب، والتوالي المستأخرات.
تخال بِها ميتَ الشُخِّاصِ كأنّهُ ... قَذى غَرقٍ يُضحِى بهِ الماءُ طافيا
الشخاص جمع الشخص، يعني أن السراب يحرك الشخص الميت وتراه طافياً فوق السراب كأنه قد
غرق وطفا.
يَشُقُّ على ذي الحِلمِ أن يتبعَ الهوى ... ويرجوَ مِنْ أدناهُ ما ليسَ لاقيا
ويروى لشقّ، يقول: الحليم يشق عليه أن يتبع الهوى، والأدنى الأقرب، يريد عمه، يقول: ما أكثر
من يرجو من أقاربه مالاً يناله، وإنما يعاتب عمه في هذه القصيدة، وعده بشيء فلم يفِ له به.
وإتِّي لَعَفُّ الفَقرِ مُشترَكُ الغنَى ... سريعٌ إذا لم أرضَ داري انتِقاليا
وإني لأستَحيِيكَ والخَرقُ بيننا ... منَ الأرضِ أن تَلقَى أخاً لي قَالِيا
وقائلةٍ والدَّمعُ يَحدُرُ كُحلَها ... أبعَدَ جَريرٍ تُكرمُونَ المواليا
(1/349)

فَرُدِّي جِمالَ الحَيِّ ثمّ تَحمَّلي ... فمالكِ فيهم مِنْ مُقامٍ ولا لَيا
تعرَّضتُ فاستَمرَرتِ من دونِ حاجتي ... فحالَكِ إني مُستمرٌ لحاليا
وإني لَمَغرورٌ أعَلَّلُ بالمُنى ... لياليَ أرجو أنّ مالكِ ماليا
فأنتَ أبي ما لم تكُن لي حاجةٌ ... فانْ عَرضتُ فإنني لا أباليا
بأيِّ نِجادٍ تحملُ السيفَ بعدما ... قطعتَ القُوى من مِحملٍ كانَ باقيا
النجاد حمائل السيف. يقال: حمائل ومحامل.
بأيِّ سنانٍ تطعُنُ القومَ بعدما ... نَزعتْ سِناناً مِنْ قَناتِكَ ماضيا
ألم أكُ ناراً يَصطَليها عَدُوُّكم ... وحِرزاً لِما ألجأتُمُ مِن ورائيا
وباسِطَ خيرٍ فيكُمُ بيمينهِ ... وقابِضَ شرٍّ عنكُمُ بشماليا
ألا لا تخافا نَبوتي في مُلِمَّةٍ ... وخافا المَنايا أن تفوتَكُما بيا
أنا ابنُ صَريحَي خِندفٍ غيرَ دِعوَةٍ ... يكونُ مكانَ القلبِ منها مَكانيا
يعني مدركة وطابخة ابني اليأس بن مضر، ومدركة اسمه عمرو، واسم طابخة عامر، لقب مدركة
لأنه أدرك صيداً صاده لأبيه، فلقبه مدركة أبوه، وسمي طابخة لطبخه الصيد لأبيه. وأمهما خندف
واسمها ليلى بنت عمران بن الحاف بن قضاعة، وسميت خندف لأنها طلبت ابنيها فلما رأتهما قالت:
لم أزل أخندف منذ اليوم، فسماها زوجها خندف، والخندفة ضرب من المشي.
وليسَ لسيفي في العِظامِ بقيّةٌ ... وللسَّيفُ أشوَى وقعَةً من لسانيا
جَريءُ الجَنان لا أهالُ منَ الرَّدى ... إذا ما جعلتُ السيفَ من عَن شِماليا
(1/350)

الجنان القلب.
يقول: السيف أحسن بقية وأسلم، إذا وقع من لساني، وذاك أن الشوى غير المقتل، وأصل ذلك أن
السهم يمر بين الشوى، والشوى القوائم.
أبالموتِ خشّتني قُيُونُ مُجاشعٍ ... وما زِلتُ مَجِنياً عليُهِ وجانِيا
فما يسَّرَتْ عندَ الحِفاظِ مُجاشِع ... كريماً ولا من غايةِ المجدِ دانِيا
دَعُوا المجدَ إلا أن تَسُوقُوا كَزُومَكُم ... وقَيناً عِراقيّاً وقيناً يمانيا
الكزوم الناقة المسنة، يقول: ليس لكم فخر إلا بعقر غالب الناقة التي عقرها يوم عاقر سحيم بن
وثيل الرياحي. القين الحداد هاهنا، وقوله وقيناً عراقيا يعني البعيث، وقيناً يمانيا يعني الفرزدق، وإنما
قال ذلك لموضع منازلهم، كما قال النابغة الذبياني:
وكنتَ أمينَهُ لو لم تَخُنهُ ... ولكن لا أمَانَةَ لليماني
وإنما يعني النابغة يزيد بن الصعق الكلابي، وكان منزله قريبا من منازل الحارث ابن كعب.
تَراغَيتُمُ يومَ الزبيرِ كإنّكُم ... ضباعٌ بِذي قارٍ تمنّى الأمانيا
يقول: لم يكن لكم نكير يوم قتل الزبير إلا الرغاء حين أخفر ذمتكم عمرو ابن جرموز، يقول: دُنستم
كدنس الفواجر يوم غدركم بالزبير،
(1/351)

وقوله تمنى الأمانيا، فإن الضبع إذا أرادوا صيدها وهي في
وجارها قالوا: خامري أم عامر، أبشري أم عامر بجراد عظال، وكمر رجال. فلا تزال يقال لها ذلك
حتى يدخل عليها الرجل، فيربط يديها ورجليها ويكعمها ويجرها، وليست لها حيلة. وقوله: خامري
أي استكني، والجراد العظال إذا أراد أن يسرأ بيضه، ركب بعضه بعضاً، وأصل هذا أن المعاظلة
سفاد السباع، يسرأ يغرّز بيضه، وقوله وكمر رجال، يزعمون أن الضبع إذا وجدت قتيلاً قد انتفخ
جردانه وأنعظ، ألقته على قفاه، ثم ركبته، فتستعمله حتى يلين ويسترخي ومن ذلك قوله:
تبيتُ به عُرجُ الضِّباعِ عَرائِسا
وآبَ ابنُ ذَيَّالٍ بأسلابِ جارِكُمْ ... فسُمِّيتُمُ بعدَ الزبيرِ الزَّوانِيا
ابن ذيال يعني عمرو بن جرموز بن الذيال، قاتل الزبير بن العوام، رضي الله عنه.
إذا سَرَّكُمْ أن تمسَحُوا وجهَ سابقٍ ... جوادٍ فَمُدُّوا وابسُطُوا مِن عنانيا
فقال البعيث للفرزدق لما وقع الشر بينه وبين جرير، وجعلا لا يلتفتان إلى البعيث، فقال الناس:
سقط البعيث:
أشارَكتَني في ثَعلبٍ قد أكلتُهُ ... فلم يبقَ إلا رأسُهُ وأكارِعُهْ
فدُونكَ خُصيبَهْ وما ضَمّت استُهُ ... فإنكَ قَمّامٌ خبيثٌ مراتِعُهْ
ويروى فإنك درام، والدرام القصير القوائم المقارب الخطو.
(1/352)

والقمام الكساح، والقمامة الكساحة والسباطة والخمامة والكناسة
وقال البعيث لبني عقال بن محمد سفيان في شيء كان بينه وبين الفرزدق:
وإني لأستبقيكُمُ ولقد أرى ... لَبئسَ الموالي لو يَرِقُّ لكم عَظمي
همُ استنقَذُوا مني الكُليبيَّ بعدما ... هَوى بينَ أنيابٍ شَبَكنَ مِنَ اللُّخمِ
اللخم سمكة كبيرة يقال لها جمل البحر.
فلقي البعيث ناجية بن صعصعة أخو غالب أبي الفرزدق، فقال له ناجية: أنت المعيّرنا بأعين،
والشاتم أعراضنا، والملقي ذنبك علينا. وقد مننا عليك، ورمينا دونك، إذ كلّت مراميك؟ فقال البعيث
لناجية بن صعصعة في ذلك:
أناجِيَ إني لا إخالُكَ ناجياً ... ولا مُفلَتي إلا رَكوباً مُوَقَّعا
موقع به آثار الدبر، ركوب ذلول.
أناجيَ قد عُدَّ اللئامُ فلا أرى ... مِنَ الناسِ أدنى مَنْ أبيكَ وأوضَعا
تمنَّيتُمُ أن تَشتِمُونا وتُترَكوا ... أصَعصَعَ للنَّوكِ المُضلّل صَعصَعا
معناه تعجّبوا لصعصعة، قال: ومن هذا الباب لإيلاف قريش، معناه تعجبوا.
وما تَركَ الهاجُونَ لي في أديمكُم ... مَصَحّاً ولكني أرى مُترَقّعا
(1/353)

قال أبو عبيدة فلم يزل الفرزدق وجرير يتهاجيان حتى هلك الفرزدق. وقال الفرزدق:
إنّ الذي سَمكَ السّماءَ بَنى لنا ... بيتاً دَعائمُهُ أعَزُّ وأطوَلُ
سمك السماء رفعها سمكها يسمكها سمكا، قال أبو عثمان، وحدّثني الأصمعي عن أبي عمرو بن
العلاء، قال: كنت باليمن فأتيت دار قوم أسأل عن رجل، فقال رجل اسمك في الريم، أي اعل في
الدرجة - قال والريم بكلامهم الدرجة - والمسماك العمود الذي يقيم البيت، وقال ذو الرمة يصف
الظليم:
كأنّ رِجلَيهِ مِسمَاكَانِ مِن عُشَرٍ ... صَقبانِ لم يَتقشَّرْ عنهما النَّجَبُ
الصقب الطويل، ودعائم البيت العيدان التي تقيمه، وقوله أعز وأطول أراد أعز وأطول من بيتك،
فلما صار في موضع الخبر استغنى عن من لقوة الخبر، وخرج مخرج الله أكبر الله أعلى وأجل.
وفي كتاب الله جل وعز {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وقوله تعالى {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي من
كذا مما يقولون. قال أبو جعفر: سمعت في التفسير في قوله تعالى {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى
وَأَمَرُّ} يعني يوم القيامة أدهى، وأمر يعني من يوم بدر، وقوله {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي
وأحسن تفسيراً من مثلهم.
بَيتاً بنَاهُ لنا المليكُ وما بَنى ... حَكمُ السماءِ فإنهُ لا يُنقَلُ
(1/354)

إنما يريد بيت شرف وعز، وهذا مثل، ويروى ملك السماء، ويروى رب السماء.
بَيتاً زُرارَةُ مُحتَبٍ بفِنائِهِ ... ومجاشِعٌ وأبُو الفوارسِ نَهشَلُ
قوله زرارة يعني زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك، ومجاشع بن دارم، ونهشل
بن دارم. قال أبو عبد الله سمعت بعض ولد عطارد ابن حاجب بن زرارة يقول: ليس في العرب إلا
عدس بفتح الدال إلا في تميم فانه عدس بضمها.
يَلِجُونَ بيتَ مجاشِعٍ وإذا احتَبَوا ... بَرَزوا كأنهمُ الجِبالُ المُثّلُ
يلجون يدخلون، وهو من قول الله عز وجل {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ولَج يلِج ولوجاً،
والمُثل المنتصبة المقيمة لا تبرح، يريد الجبال يشبههم بالجبال الراسيات، والماثل من الأضداد مثل
ثبت وانتصب، ومثل درس.
لا يَحتبي بِفِناءِ بَيتِكَ مِثلُهُم ... أبداً إذا عُدَّ الفَعالُ الأفضلُ
مِن عِزِّهم جَحَرَتْ كُليبٌ بيتَها ... زَرباً كأنهمْ لديه القُمَّلُ
ويروى من عزه اجتحرت كليب عنده، ويروى احتجزت وانحجزت من الانحجاز، ويروى احتجرت
من الحُجرة واجتحرت من الجحر، جحرت دخلت زرباً كأنه جُحر، والزرب حفيرة تتخذ تحبس فيها
العنوق والجداء، والقمّل أصغر من الجراد، وانجحرت أيضا من الانجحار في الزرب.
ضَربتْ عليكَ العَنكبُوتُ بنَسجِها ... وقضى عليكَ بهِ الكتابُ المُنزَلُ
(1/355)

قوله ضربت عليك العنكبوت بنسجها، يعني أن جريراً في الوهن والذل كبيت العنكبوت.
أينَ الذينَ بِهم تُسامي دارِماً ... أم مَن إلى سَلفي طُهيّةَ تجعلُ
طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانت عند مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد،
فولدت له أبا سود وعوفاً وحشيشاُ، فغلبت على بنيها فنُسبوا إليها.
يمشُونَ في حَلَقِ الحديدِ كما مَشتْ ... جُربُ الجِمالِ بِها الكُحَيلُ المُشعَلُ
الكحيل القطران، وحلق الحديد الدروع، شبه الرجال لعظمهم ولون الحديد عليهم بالجمال المهنوءة
بالقطران، والمشعل الحديدة التي يحرق بها الجلد، ويروى كأنهم.
والمانِعُونَ إذا النساءُ تَرادَفتْ ... حَذَرَ السِّباءِ جمالُها لا تُرحَلُ
ويروى تُردّفت ويروى جمالها والرفع بقوله لا تُرحل، وترادفت ركب بعضهن خلف بعض، يقول
إذا كانت الغارة فزعت النساء فركبت الجمال أعراء لا تُرحل للعجلة كما قال الشاعر:
وأعرَورَتِ العُلُطَ العُرضِيَّ تَركُضهُ ... أمُّ الفوارسِ بالدِّيداء والرَّبَعَهْ
يريد الدأدأة، اعرورت ركبت البعير عريا للعجلة، والعلط الذي لا أداة عليه مثل العُطل، والعُرضي
الذي فيه اعتراض وصعوبة، وقال: أم الفوارس، يقول: فإذا كانت أم الفوارس هكذا فغيرها أخوف،
والديداء والربعة من أشد العدو، وليس بعدهما إلا الفلقة وهي أشد العدو، ويقال: مر البعير يفتلق إذا
عدا عدو الخيل ويربع من الربعة.
(1/356)

يحمي إذا اختُرِطَ السيوفُ نساءَنا ... ضَربٌ تَخِرُّ لهُ السواعِدُ أرعَلُ
قوله تخر له السواعد أي تسقط، أرعل مسترخ مائل، وإنما يريد أنه يميل ما قطع فيسترخي، وفي
مثل للعرب، زادك الله رعالة كما زدت مثالة؛ رعالة استرخاء ومثالة مصدر من قولك هذا أمثل من
هذا.
ومُعَصَّبٍ بالتّاجِ يَخفِقُ فوقَهُ ... خِرَقُ الملُوكِ لهُ خميسٌ جَحفَلُ
خرق الملوك يعني الرايات، والخميس الجيش الضخم، والجحفل الكثير الخيل.
لا يقال جحفل إلا لما فيه الخيل.
مَلِكٌ تَسُوقُ لهُ الرِّماحَ أكُفُّنا ... منهُ نَعُلُّ صُدورَهُنَّ ونُنهِلُ
ويروى تُعل وتُنهل، منه الهاء للملك، ونعل صدورهن من الدم، ونُنهل الإنهال الطعن الأول والعلل
الطعن الثاني، وأصل هذا في الشرب أو السقي.
قد ماتَ في أسَلاتِنا أو عَضَّهُ ... عَضبٌ بِرَونَقِهِ المُلوكُ تُقَتَّلُ
الأسلات الرماح هاهنا، وعضب سيف قاطع، ورونقه فرنده، والأسل نبات أيضاً.
ولنا قُراسيَةٌ تَظَلُّ خَواضِعاً ... منهُ مَخافَتَهُ القُرومُ البُزَّلُ
(1/357)

القراسية الضخم الغليظ من الإبل، والبزل الواحد بازل وهو الذي نبت نابه.
مُتَخَمِّطٌ قَطِمٌ لهُ عاديَّةٌ ... فيها الفَراقِدُ والسِّماكُ الأعزَلُ
متخمط متغضب في كبر، قطم هائج يقال قطم الفحل يقطم قطماً، وعادية أولية قديمة، فيها الفراقد
والسماك الأعزل أي لنا عز وشرف عال كمكان النجوم التي لا تُنال.
ضَخمُ المَناكِبِ تحتَ شَجرِ شُؤوُنِهِ ... نابٌ إذا ضَغَمَ الفُحولَةَ مِقصَلُ
شجره مجتمع لحييه والشؤون ملتقى قبائل الرأس الواحد شأن، ضغم عض، مقصل مقطع.
وإذا دَعوتُ بني فُقَيمٍ جاءَني ... مَجرٌ لهُ العددُ الذي لا يُعدَلُ
فقيم بن جرير بن دارم بن مالك، مجر جيش له عدد كثير، ويروى مدد، ويروى لا يُخذل، وروى
أبو سعيد مجد، قال وهو أجود، والمجد الشرف.
وإذا الرُبَّائِعُ جاءَني دُفَّاعُها ... مَوجاً كأنهمُ الجَرادُ المُرسَلُ
الربائع ثلاثة: ربيعة الكبرى وهو ربيعة بن مالك بن زيد مناة الذي يلقب ربيعة الجوع، وهم رهط
علقمة بن عبدة الشاعر. وربيعة الوسطى، وهو ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد، وهم رهط المغيرة
بن حبناء الشاعر، ورهط أبي بلال مرداس بن أدية وعروة بن أدية. وربيعة الصغرى، وهو ربيعة
بن مالك بن حنظلة وهم رهط الحنتف بن السجف، وكل واحد من الربائع عم صاحبه، والدُّفّاع دُفّاع
(1/358)

السيل حين يكثر ويمتد، شبه كثرة الرجال بالسيل حين يدفع.
هذا وفي عَدَوِيَّتي جُرثُومَةٌ ... صَعبٌ مَناكِبُها نِيافٌ عَيطَلُ
ويروى ضخم مناكبها، العدوية فكيهة بنت مالك بن جل بن عدي بن عبد مناة بن أد وكانت عند مالك
بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، فولدت له ثلاثة صدياً وزيداً ويربوعاً، فغلبت على بنيها فنُسبوا
إليها، والجرثومة تراب تجمعه الريح في أصل شجرة فيرتفع على ما حوله. وقوله صعب مناكبها
يعني نواحيها. نياف طويلة مشرفة، عيطل طويلة.
وإذا البَراجِمُ بالقُرومِ تَخاطَروا ... حولي بأغلَبَ عِزُّهُ لا يُنزَلُ
البراجم من بني حنظلة بن مالك بن زيد وهم خمسة: قيس، وغالب، وعمرو، وكلفة، والظليم.
تبرجموا على سائر إخوتهم يربوع بن حنظلة، وربيعة بن حنظلة، ومالك بن حنظلة، قالوا نجتمع
فنصير كبراجم الكف، والبراجم رؤوس الأشاجع التي هي أصول الأصابع، والقروم الفحول تخاطروا
كما تخطر الفحول بأذنابها إذا تهدد بعضها بعضاً، والأغلب الغليظ العنق.
وإذا بذَختُ ورايتي يمشي بها ... سُفيانُ أو عُدُسُ الفَعالِ وجَندَلُ
البذخ التفخر في كبر، وسفيان بن مجاشع بن دارم. وعدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، وجندل بن
نهشل بن دارم. وبنو دارم ستة: عبد الله، ومجاشع، ونهشل، وأبان، وجرير، ومناف، وبنو نهشل
ستة، منهم جندل، وصخر، وجرول - وهؤلاء الثلاثة يسمون الأحجار - وقطن وزيد وأُبير.
(1/359)

الأكثَرُونَ إذا يُعدُّ حَصاهُمُ ... والأكرَمُونَ إذا يُعدُّ الأولُ
وزَحَلتَ عن عَتَبِ الطريقِ ولم تجدْ ... قَدماكَ حيثُ تقومُ سُدَّ المَنقَلُ
العتب الغلظ في ارتفاع، والمنقل الطريق في الجبل.
إنّ الزِّحامَ لغيرِكُم فتَجَنَّبوا ... وِردَ العَشِيِّ إليهِ يخلو المَنهلُ
ويروى شرب العشي، هذا البيت مثل، وهذا مثل قول النجاشي لابن مقبل:
ولا يَرِدُونَ الماءَ إلا عَشيّةً ... إذا صَدرَ الوُرَّادُ عن كُلِّ مَنهلِ
وذلك لضعفهم، وإنما المعنى في هذا أنه يقول: إنهم إنما يُسقون من فضل غيرهم.
حُلَلُ المُلوكِ لِبَاسُنا في أهِلنا ... والسابِغاتِ الى الوَغى نَتَسربَلُ
الحلة إزار ورداء، نتسربل نتقمّص والسرابيل القميص، وهو من قول الله عز وجل {سَرَابِيلُهُم مِّن
قَطِرَانٍ}.
أحلامُنا تَزِنُ الجِبالَ رزانَةً ... وتَخالُنا جِنّاً إذا ما نَجهَلُ
فادفَعْ بكَفِّكَ إنْ أردتَ بِنَاءَنا ... ثَهلانَ ذا الهَضباتِ هل يتحلحلُ
ثهلان جبل، هل يتحلحل هل يزول ويتحرك فكذلك نحن.
وأنا ابنُ حَنظلةَ الأغرُّ وإنني ... في آل ضَبّةَ للمُعَمُّ المُخوَلُ
حنظلة بن مالك بن زيد، والمعم المخول الكريم الأعمام والأخوال. وأم
(1/360)

الفرزدق لينة بنت قرظة من بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، والأغر المشهور بالعز والشرف.
فَرعان قد بلغَ السماءِ ذُراهُما ... وإليهما من كلِّ خَوفٍ يُعقَلُ
يعقل يُلجأ، وذروة كل شيء أعلاه.
فلئنْ فَخرتُ بِهم لمِثلُ قديمهِم ... أعلُو الحَزُونَ بهِ ولا أتسَهّلُ
الحزون ما غلظ من الأرض، والسهل ما سهُل.
زَيدُ الفوارسِ وابنُ زَيدٍ منهُمُ ... وأبوُ قَبيصَةَ والرَّئيسُ الأولُ
زيد الفوارس هو زيد بن حصين بن ضرار بن رُديم، واسم رديم عمرو، وإنما سمي رديم لأنه كان
يُحمل على بعيرين يُقرن بينهما من ثقله وأبو قبيصة ضرار بن عمرو بن زيد بن الحصين بن زيد
بن صفوان، أخو بني ثعلبة بن سعد بن ضبة، والرئيس الأول محلم بن سويط من بني ثعلبة ابن سعد
بن ضبة. زيد الفوارس بن حصين بن ضرار، وإنما سمي زيد الفوارس لأن قوماً غازين مروا
بحصين أبيه، وكان شيخاً كبيرا، فسألوه عن نسبه، فقال: أنا الحصين، وكانوا يطلبونه بثأر، فدفع
إليهم سيفه فقال: اضرب الرأس فإن النفس فيه، فقتلوه ومضوا، وأُخبر بذلك زيد فخرج في طلبهم
فلحقهم، فوالى بين سبعة فوارس فسمي بذلك زيد الفوارس.
أوصى عَشِيّةَ حينَ فارقَ رَهطَهُ ... عندَ الشهادةَ في الصّحِيفَةَ دَغفَلُ
ويروى حين ودّع أهله عند الوصية دغفل بن حنظلة النسابة من بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن
صعب بن علي بن بكر بن وائل.
(1/361)

إنَّ ابنَ ضَبّةَ كانَ خيراً والداً ... وأتَمُّ في حَسَبِ الكِرام وأفضَلُ
ويروى لهو خير والداً، قال أبو عبد الله: لا يجوز إلا هذه الرواية.
ممن يكونُ بَنو كُلَيبٍ رَهطَهُ ... أو من يكون إليهمُ يَتَخَوّلُ
يتخول من الخؤولة أي يدعيهم أخوالاً.
وهمُ على ابنِ مُزَيقِياءَ تَنازَلوا ... والخيلُ بينَ عَجاجَتَيها القَسطَلُ
قوله على ابن مزيقياء فإن الحارث بن مزيقياء. وهو عمرو بن عامر - فقتله عامر ابن ضامر أخو
بني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة. ومحرقاً وزياداً ابني الحارث بن مزيقياء قتلهما زيد
الفوارس، وعجاجتيها يعني عجاجتي الجيشين اللذين التقيا، والقسطل الغبار.
وهمُ الذينَ على الأميلِ تدارَكوا ... نَعَماً يُشَلُّ إلى الرئيسِ ويُعكَلُ
قال أبو عبيدة: كان يوم فلك الأميل لبني ضبة على بني شيبان. قال أبو عبيدة: وذلك أن بسطام بن
قيس بن مسعود بن قيس بن خالد الشيباني أغار على بني ضبة في فلك الأميل، والأميل رمل يعرض
ويستطيل مسيرة يوم أو يومين - فاستاق ألف بعير لمالك بن المنتفق رئيس بني ضبة، كان قد فقأ
عينَ فحلها لئلا تُصيبها العين فأتى النذير بني ضبة، فتداركت الخيل فشد عاصم بن خليفة على
بسطام فقتله، وردوا ما استاق من النعم. يُعكل يُرد ويُحبس، ويُشل يُطرد، والعكل الرد والحبس.
وكان من حديث هذا اليوم وهو
(1/362)