Advertisement

شرح نقائض جرير والفرزدق 002

الجزء الثاني
(2/363)

مقتل عُمارة
وكان من قصة مقتل عمارة، وهذا اليوم الذي قتل فيه، يقال له يوم أعيار، ويوم النقيعة، أن المثلم بن
المشخرة العائذي ثم الضبي، كان مجاوراً لبني عبس، فقامر هو وعمارة بن زياد بالقداح، فقمره
عمارة حتى حصل عليه عشرة أبكر، فقال له المثلم: هلم أزايدك في المقارعة حتى تزيد عليَّ أو أحط
بعض ما علي، فقال له عمارة: ما أنا بفاعل، ما أريد أن أزيد عليك وقد عجزت، وما أريد أن أحط
عنك شيئاً قد ركبته عليك؛ فقال له المثلم: خل عني حتى آتي قومي، فأبعث إليك بالذي لك عليَّ فأبى
عمارة إلا أن يرتهنه، فرهنه ابنه شرحاف بن المثلم، وخرج حتى أتى قومه فأخذ الأبكار فأتى بها
عمارة، وافتك ابنه. فلما انطلق بابنه، قال له في الطريق: يا أبتاه، من معضال؟ قال: ذلك رجل من
بني عمك ذهب فلم يوجد إلى الساعة، ولم يحسن له أثر، قال شرحاف: فإني قد عرفت قاتله. قال
أبوه: ومن هو؟ قال: هو عمارة بن زياد، سمعته يحدث القوم يوماً، وقد أخذ فيه الشراب أنه قتله، ثم
لم يلق له ناشداً.
ثم لبثوا بعد ذلك حيناً، وشب شرحاف، ثم إن عمارة جمع جمعاً عظيماً من بني عبس، فأغار بهم
على بني ضبة، فاطردوا إبلهم وركبت عليهم بنو ضبة فأدركوهم في المرعى، فلما نظر شرحاف إلى
عمارة، قال: يا عمارة أتعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا شرحاف بن المثلم، أد إلي ابن عمي
معضالاً مثله يوم قتلته، قال عمارة: يا شرحاف اذكر اللبن. قال شرحاف: الدم أحب إلي من اللبن، ثم
حمل عليه فقتله، وهزم جيشه واستنقذ الإبل، فقال في ذلك المثلم بن المشخرة:
(2/367)

إنْ تُنْكِروني فَأَنا المثلَّمْ ... فارسُ صِدقٍ يوم تنضاحِ الدَّمْ
بشكَّتي وفرسٍ مُصمَّمْ ... طَعْناً كأَفواهِ المزادِ المُعصَمْ
وقال شرحاف:
ألاَ أبْلِغ سراةَ بني بَغيضٍ ... بما لاقَتْ سَرَاةُ بني زيادِ
وما لاقت جذيمةُ إذ تُحامِي ... وما لاقَى الفوارِسُ من بجاد
تركنَا بالنَّقيعةِ آل عَبْسٍ ... شَعاعاً يُقتَلونَ بكلِّ واد
وما إنْ فاتَنَ إلا شَرِيدٌ ... يؤُمُّ القَفْرَ في تيهِ البلاد
فَسَلْ عنَّا عُمارةَ آلِ عبسٍ ... وسَلْ وَرْداً وما كُلٍّ بَدادِ
تركتُهُمُ بوادي البَطنِ رَهناً ... لِسيدانِ القَرَارَةِ والجِلاد
وقال الفرزدق:
وهنَّ بِشِرحافٍ تداركنَ دالِقاً ... عُمارةَ عبسٍ بعدما جَنحَ العَصْرُ
وأما حديث محرق وأخيه زياد يوم بزاخة، فإنه أغار محرق الغساني وأخوه في إياد، وطوائف من
العرب من تغلب وغيرهم، على بني ضبة بن أد ببزاخة، فاستاقوا النعم فأتى الصريخ بني ضبة،
فركبوا فأدركوه واقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن زيد الفوارس حمل على محرق، فاعتنقه وأسره وأسروا
أخاه، أسره حبيش بن دلف السيدي، فقتلتهما بنو ضبة - وكان يقال لأخي محرق فارس مردود - وهزم
(2/368)

القوم، وأصيب منهم ناس كثير. فقال في ذلك ابن القائف أخو بني ثعلبة، ثم أحد بني معاوية
بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبة:
نِعمَ الفوارسُ يومَ جيشه محرِّقٍ ... لَحِقوا وهُم يدعونَ يالَ ضِرارِ
زيدُ الفوارِسِ كرَّ واْبَنا مُنذِرٍ ... والخيلُ أوجعها بنو جَبِّار
حتى سَموا لمحرِّقٍ برماحِهِم ... بالطَّعْنِ بين كتائبٍ وغُبار
ولَعَمْرُ جَدِّكَ ما الرُّقادُ بِطائِشٍ ... رَعِشٍ بديهتُهُ ولا عُوَّار
يرمي بغُرَّةِ كامِلٍ وبنحرهِ ... خَطرَ النُّفوسِ وأيُّ حينِ خِطار
لما رأوْا يوماً شديداً بأسُهُ ... كرِهَ الحياةَ وشُقَّةَ الأسفار
وكأنَّ زيداً زيدَ آلِ ضِرارِ ... ليثٌ بكفيْهِ المنَّيةُ ضار
وكأنَّ آثارَ الغَرِيبِ عليهم ... ومَكَرَّهُ يوماً مُطَافُ دُّوار
جَعَلُوا لعافي الطيرِ منهم وقعَةً ... صَرعى تَضَوَّرُ في قناً أكسار
لولا فوارِسُهُنَّ قِظْنَ عواطلا ... في غيرِ ما نَسَبٍ ولا إصهار
قال: وأما ابن مزيقياء الغساني - ومزيقياء عمرو بن عامر، وعامر ماء السماء وفيهم كان ملك
غسان بالشام في آل جفنة بن علبة بن عمرو - بن عامر - فإنه أقبل حتى أغار على بني ضبة يوم
إضم، فأصاب بني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، وقد كانوا أوقدوا مع جروة وشقرة ابني
ربيعة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة ناراً للحرب، فقال الملك: ما هذه النار التي تدخن علينا؟ قالوا: هذه شقرة
(2/369)

وجروة قد أوقدوا نارا للحرب. قال: أحملوا عليهم، فحملوا عليهم، فأبادوا يومئذ بني عائذة،
وقُتل الرديم وهو عمرو أبو ضرار الضبي وكان يسمى فارس مسمار، فترجل يومئذ وقال: مسمار
أقبل وأدبر، مسمار لا تستحسر، مسمار إن اليوم يوم ذفر، فقتل فيمن قُتل يومئذ.
وجاء رجل من بني قيس بن عائذ يدعى عامر بن ضامر، فقال: والله لأطعنن اليوم طعنة كمنخر
الثور، النعر فطعن ابن مزيقياء وقتله، وانهزم أصحابه هزيمة قبيحة. فقال ربيعة بن مقروم:
وآلُ مُزيقياءَ وقد تَداعَتْ ... حلائِبُهُم لنا حتى تَرينا
صَبَرْنا بالسُّيوفِ لهم وكانت ... معاقِلُنَا بِهِنَّ إذا عَصِينا
وغادَرْنا قَريعَهم صَريعاً ... عوائدُهُ سِباعٌ يَعتفينا
وقالت نائحته:
لَعَمْرِي لقد غَادَرْتُمُ يومَ رْحْتُمُ ... على إضَم منكم عَقِيَرةَ عامِرِ
لقد خَطَّطَ الأنواءَ طعنةُ عامرٍ ... ألاَ يا قتيلاً ما قتيلُ ابنِ ضامرِ
رجع
وهُمُ إذا اقْتَسَم الأكابِرُ رَدَّهُمْ ... وافٍ لِضَبَّةَ الرِّكابُ تُشَلَّلُ
الأكابر شيبان، وعامر، وجليحة، من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، أجارهم بدر بن حمراء أخو
بني ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن
(2/370)

ضبة، فوفى لهم.
جارٌ إذا غَدرَ اللِّئامُ وَفَى بِهِ ... حَسبٌ ودعْوةُ ماجِدٍ لا يُخْذَلُ
جار يعني بدر بن حمراء الضبي.
قال أبو عبيدة: حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: أصاب الناس سنة، فخرج كدام التيمي، وبدر بن
حمراء الضبي، والمساور بن نعمان ابن جساس التيمي، فاستجاروا في بني تيم اللات بن ثعلبة،
فأجاروهم، فرعوا بلادهم حتى أخصبت بلاد بني تميم فرجعوا ووفوا لهم. ثم أصاب بلاد بني تيم
اللات سنة، فقال بنو تميم لجيرانهم: تعالوا فارعوا بلادنا، فأنتم في جوارنا حتى تبسطكم سماء،
ففعلوا. فانطلق كل رجل منهم بجيرانه، ثم إن كداماً التيمي مرَّ ذات يوم بجاره وهو يلوط حوضه،
فقنعه بالسوط، وقال: أحسن لوط حوضك، فقال البكري: متى كنت أُتهم عليها؟ يعني إبله، وبات
المساور التيمي معرسا بجارته ليلته، فلما أصبح زوجها أتى صاحبه فأخبره، فأتيا بدر بن حمراء
الضبي، فذكروا له ما أتي إليهما، فأتى القوم فقال: ما صنعتم بجيراني وجيرانكم؟ قالوا: ومالك ولهم،
ونحن أعلم بجيراننا، وأنت أعلم بجيرانك، فقال: كذبتم والله لقد عقدت لهم جميعاً، وتجمعت له
حلائب قومه فخلى القوم عنهم بأموالهم، فقال: النجاء أرضكم.
فقال في ذلك بدر بن حمراء:
أَبْلغْ أبا بدرٍ إذا ما لقيتَهُ ... فَعِرضُكَ محمودٌ ومالُكَ وافرُ
وفَيتَ وفاءً لم يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ ... بِتعشَارَ إذ تحنو إليَّ الأكابر
(2/371)

تعشار وتبراك وتقصار وتجفاف وتلقاء. والأكابر شيبان وعامر وجليحة من تيم اللات.
حَبَوْتُ بها بَكْرَ بنَ سعدٍ وقد حَبَا ... كِدامٌ بأُخْرَى رَهطهِ والمُساوِرُ
فَمنْ يكُ مَبنياً على بيت جارِهِ ... فإني امرؤٌ عن بيتِ جارِيَ جافر
مبنيا يقول معرسا بامرأة جاره، فإني امرؤ جافر عن ذاك، كما يجفر الفحل عن إبله إذا أعرض عنها
وعدل بعدما يلقحها.
أقولٍ لمنْ دلَّتْ حِبالي وأوردَتْ ... تعلَّم وبيتِ الله أنَّكَ صادِر
قوله دلت حبالي أي أجرته وصار في كنفي وجواري صادر سالم.
كذاكَ منعتُ القومَ أن يتقسَّموا ... بسيفي وعُريانُ الأشاجعِ خادِر
قوله وعريان الأشاجع، يقول: رجل عريان الأشاجع، خادر مثل الأسد في نفسه، والأشاجع عروق
ظاهر الكفين.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وعشيَّةَ الجمَلِ المُجَلَّلِ ضَاربوا ... ضَرباً شُؤُونُ فَراشِهِ تَتزيَّلُ
ويروى وهم لدى الجمل. يعني يوم الجمل مع عائشة، رضي الله عنها، قال: وقُتل من بني ضبة
يومئذ فيما يذكرون، ألف ومائة رجل، ما منهم رجل يتحرك من مكانه.
وراجز بني ضبة يقول:
(2/372)

لا تَطْمعُوا في جمْعِنَا المُكَلَّلِ ... والموتُ دونَ الجَمَلِ المُجَللِّ
وهذه الحُرْمَةُ لمَّا تُحْلَلِ
ويروى لم تحلل يعني حرمة عائشة رضي الله عنها، وروي عند الجمل.
يَا بْنَ المَراغَة أَيْنَ خالُك إنَّني ... خالي حُبَيْشٌ ذو الفَعالِ الأفضَلُ
خالي الَّذي غَصَبَ المُلوكُ نفوسَهْم ... وإليه كانَ حِباءُ جَفَنَةَ يُنْقَلُ
خاله حبيش بن دلف بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن بكر ابن سعد بن ضبة، أسر عمرو
بن الحارث بن أبي شمر بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن
علبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد فجز ناصيته،
واشترط عليه أن يبعث إليه كل سنة بحباء حتى يموت.
وَلئِنْ جَدعتَ ببظْرِ أُمِّكَ أنفها ... لتنالَ مِثْلَ قديمهم لا تفْعلُ
إنَّا لَنْضربُ رأْسَ كُلِّ قبيلةٍ ... وأبُوكَ خلفَ أتانِهِ يتقمَّلُ
يهزُ الهرانِعَ عقدُهُ عندَ الخُصى ... بِإذلَّ حيثُ يكونُ منْ يتذلَّلُ
قوله يهز الهرانع يعني ينزع القمل، والهرانع القمل الواحد هرنع، عقده يعني عقد ثلاثين إذا قتل
القمل.
وشُغلتُ عنْ حَسَبِ الكرامِ وما بَنَوا ... إنَّ اللَّئيم عنِ المكارِمِ يُشْغَلُ
إنَّ التِّي فُقئَتْ بها أبصارُكُمُ ... وهيَ التي دمعتْ أباكَ الفيصَلُ
الفيصل مقطع الحق فيما بيننا وبينكم. قال خالد: هذه القصيدة
(2/373)

كانت تُسمى الفيصل.
وهبَ القصائِدَ لي النَّوابِغَ إذُ مضَوْا ... وأَبو يَزيدَ وذُو القُرُوحْ وجَرْولُ
النوابغ أراد نابغة بني ذبيان، والجعدي، ونابغة بني شيبان، وأبو يزيد المخبل، واسمه ربيعة بن
مالك بن ربيعة بن قتال بن أنف الناقة، وذو القروح امرؤ القيس بن حجر، وجرول هو الحطيئة.
والفحلُ علقمةُ الذَّي كانتْ لهُ ... حُلَلُ المُلْوكِ كَلامُهُ لا يُنْحَلُ
ويروى كلامه يتمثل، علقمة بن عبدة وإنما سمي الفحل لأن في بني عبد الله بن دارم علقمة الخصي
فلذلك قال الفحل.
وأَخو بنَي قيْسٍ وهُنَّ قتلنَهُ ... ومُهَلْهِلُ الشُّعراءِ ذاكَ الأوَّلُ
أخو بني قيس طرفة بن العبد، وهن قتلنه يعني القوافي، ومهلهل بن ربيعة ابن الحارث بن زهير
بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.
والأعشَيانِ كلاهُما ومُرقشٌ ... وأَخو قُضاعَةَ قَوْلُهُ يُتمثلُ
الأعشيان يعني أعشى بني قيس وأعشى باهلة، وقال بعضهم: هو الأسود بن يعفر. وأخو قضاعة
أبو لطمحان القيني.
وأخُو بَني أسَد عبيدٌ إذْ مَضَى ... وأَبو دُؤادٍ قولُه يُتنحلُ
عبيد بن الأبرص بن جشم، وأبو دؤاد جارية بن حمران.
وابْنا أبي سُلْمَى زُهَيْرٌ وابْنُهُ ... وابنُ الفُريعةِ حينَ جَدَّ المِقولُ
يعني بابن الفريعة حسان بن ثابت، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب.
(2/374)

والجعفريُّ وكانَ بِشْرٌ قبلهُ ... لِيِ مِنْ قصائِدِهِ الكتابُ المُجملُ
الجعفري يعني لبيد بن ربيعة الجعفري، وبشر بن أبي خازم الأسدي.
ولقدْ ورِثتُ لآلِ أَوْسٍ منطقاً ... كالسَّمِّ خالطَ جانبيه الحنظلُ
والحارثيُّ أخُو الحِماسِ ورثْتُهُ ... صَدْعاً كما صَدَعَ الصَّفاةَ المِعْوَلُ
ويروى ورثته قولا، ويروى والحارثي أخا الحماس بالرفع والنصب يعني النجاشي، صدعا يعني
قسما.
يَصْدَعْنَ ضاحيَةَ الصَّفا عَنْ مَتنِها ... ولهُنَّ مِنْ جَبَلَيْ عَمايَةَ أثقلُ
ضاحية يعني ظاهرة، متنا عن متن الصفاة، ويروى عن متنه.
دَفعوا إليَّ كتابهُنَّ وصيَّةً ... فورثتُهُنَّ كأنَّهُنَّ الجندلُ
الجندل الحجارة الواحدة جندلة ويروى وراثة.
فِيهِنَّ شارَكني المُساورُ بعدهُمْ ... وأخُو هوازنَ والشَّآمي الأخطلُ
المساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي، وأخو هوازن يعني الراعي.
وبنُو غُدانةَ يُحلبُونَ ولمْ يكُنْ ... خيليِ يقُومُ لَها اللَّئيمُ الأعْزَلُ
غدانة بن يربوع، ويروى حربي.
فليبرُكنْ يا حقُّ إنْ لَمْ تنتهوا ... مَن مالكَيَّ عَلَى غُدانَةَ كَلْكَلُ
حقة امرأة من بني غدانة ولكنه رخم، وقوله مالكي يعني مالك بن زيد، ومالك بن حنظلة. وقال
بعضهم: حقة أم جرير، وليس أم جرير
(2/375)

اسمها عندنا حقة.
إنَّ استراقَكَ يا جَريرُ قصائِدي ... مِثلُ ادِّعاءِ سَوىَ أَبيكَ تنقلُ
وابْنُ المراغَةِ يدَّعِيِ منْ دارِمٍ ... والعبدُ غيرَ أبيهِ قَدْ يتنحَّلُ
لَيْسَ الكِرامُ بنا حِليكَ أَباهُمُ ... حَتَّى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ
تعتل تساق قسراً، ويقال تعتل تقاد بين اثنين.
وزَعَمْتَ أنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بما بَنَى ... فَاصْبِرْ فما لَكَ عَنْ أَبيكَ مُحَوَّلُ
ولَئِنْ رَغِبْتَ إلى أبيكَ لترجعنْ ... عَبْداً إليه كأَنَّ أنفَكَ دُمَّلُ
أزْرَى بجَرْيكَ أنَّ أُمكَ لَمْ تَكُنْ ... إلاَّ اللئيم مَن الفُحُولَة تُفحَلُ
قَبَح الإلُه مَقَّرةً في بطنها ... مِنْهَا خَرجتَ وكُنتَ فيها تُحملُ
مقرة يعني مستقر الولد في الرحم.
نَسفتْ مَنيَّ أبيكَ فهيَ خَبيثَةٌ ... وَبها إلى قَعْر المقرَّةِ يضهلُ
يضهل يسيل ويجتمع قليلاً ويروى رشفت.
يَبكي علَى دِمَنِ الدِّيارِ وأُمُّهُ ... تعلُو عَلى كَمَر العَبيد وتَسْفُلُ
وَإذا بَكيتَ عَلى أُمامةَ فاسْتَمعْ ... قولاً يعُمُّ وتارةً يُتنخَّلُ
ويروى ومرة يتخلل، ويروى شتما يعم، يتنخل يخص، وأمامة امرأة جرير، وهي أمامة بنت عمرو
بن حرام بن حوط بن شهاب بن حارثة بن عوف بن كليب ابن يربوع، ولدت لجرير من الرجال
عكرمة وموسى، ومن النساء موفية وجبلة وربداء وجعادة.
(2/376)

أسألتني عَنْ حُبوتي ما بالُها ... فَأسأل إلى خبري وعمَّا تَسألُ
ويروى وسألتني. ويروى إلى خبريك عما تسأل.
فاللُّؤمُ يمنعُ منكُمُ أنْ تحتبوُا ... والعْزِ يَمنعُ حُبوتي لا تُحْلَلُ
والله أثبتها وعِزٌّ لَمْ يَزَلْ ... مُقْعَنسساً وأبيكَ مَا يتحوَّلُ
مقعنسس مترادف قوي، ويقال اقعنسس الليل إذا طال، وأبيك أقسم له بأبيه.
جَبَلِي أعزُّ إذا الحُروبُ تكشَّفَتْ ... مِمَّا بَنَى لَكَ والدِاكَ وأفضَلُ
ويروى أولوك وأطول.
إنَّي ارْتَفَعتُ عليكَ كُلّ ثَنيَّةٍ ... وعَلوتُ فوقَ بني كُليبٍ مِنْ عَلُ
الثنية الطريق في الجبل.
هَلاّ سألتَ بني غُدانَةَ ما رَأوا ... حيثُ الأتانُ إلى عَمودِكَ تُرْحَلُ
كسرَتْ ثنيَّتَكَ الأتانُ فشاهِدٌ ... مِنها بِفيكَ مُبيّنٌ مُستقبَلُ
رَمَحَتْكَ حينَ عَجلْتَ قبلْ وَدَاقِها ... لكنْ أبُوكَ وَدَاقَها لا يَعجَلُ
جاءُوا بِحقّةَ مُفرِمِينَ عجانَها ... يَحدُو الأتانَ بِها أجيرٌ مِرْحَلُ
الفرم شيء يتضيق به النساء، والفرام المعبأة وهي خرقة الحائض والمرحل البصير بالرحلة.
وقفتَ لتِزْجُرني فقُلْتُ لها ابرُكي ... يا حِقُّ أنتِ وما جمعتِ الأسفلُ
وكشفتُ عنْ أيري لَهَا فتجحلتْ ... وكذاكَ صاحبةُ الوداقِ تجحدلُ
(2/377)

تجحدلها تقبضها واجتماعها، وقال قدُّ بن مالك الوالبي:
تعالوَا نجمع الأموالَ حتى ... نُجَحْدِلُ من عَشيرتِنا المِئِينا
لَقِيَتْ أخا نعَظٍ لها مُتبَذِّلاً ... وأخُو المُفاضحةِ الذي يتبذَّلُ
وتركتُ أُمَّكَ يا جريرُ كأنَّها ... للنَّاسِ باركةً طريقٌ مُعملُ
وكأنَّما كمَرُ الغُواةِ على أُستِها ... أوْرادُ مات سَقتِ النِّباجُ فثيتلُ
النباج وثيتل قريتان في أرض بني شيبان، وفيهما مياه ونخل، غلبت بنو سعد عليهما
يا حِقُّ ما نُبئْتُ مِنْ رَجُلٍ لَهُ ... خُصْيَانِ إلاَّ ابْنَ المَراغَةِ يَحبَلُ
حقة أم جرير نبزها به - أي لقبها به - لأن سويد بن كراع العكلي كان خطبها إلى أبيها وهي
جارية، فقال له أبوها: إنها صغيرة ضرعة، فقال له سويد: لقد عهدتها وإنها لحقة - والحقة من النوق
طروقة الفحل - فصيره نبزا لها لقبا، وفي ذلك يقول أبو الرديني وهو يهاجي عمارة بن عقيل بن
بلال بن جرير:
فطوراً تَدَّعي لبني كُراعٍ ... وطوراً أنتَ للخَطَفَى اللئَّيمِ
وقال بشام بن نكت وهو يهاجي نوح بن جرير:
يا نوحُ يا ابنَ جريرٍ إنَّ شِعَركُمُ ... من شِعرِ عُكْلٍ وإنَّ الشِّعرَ ينتسبُ
وأم جرير أم قيس بنت معيد بن حية بن عبد العزي بن حارثة بن عوف بن كليب، وأُمها أُم عثمان
من بني عبد حربش أحد بني عمرو بن حنظلة.
(2/378)

شَرِبَ المنيَّ فأصبحتْ في بَطنهِ ... بَظْراءُ أسفلُ بَظرِها يَتَأكلُ
ولئنْ حبِلْتَ لقدْ شربتَ رثيئةً ... ما باتَ يجعلُ في الوليدةَ نبتلُ
الرثيئة اللبن الحامض يحلب عليه الحليب، وهو أطيب اللبن، ومثل للعرب:
إن الرثيئة ما يفثأ الغضبا، أي يسكنه. والوليدة يعني أمة لأبي سواج أخي بني عبد مناة بن سعد بن
ضبة، ونبتل اسم عبد لأبي سواج.
وكان من حديثه أن أبا سواج سابق صرد بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وهم عم
مالك ومتمم ابني نويرة، بن جمرة فسبق أبو سواج صرداً على فرس له يقال لها ندوة، وكان فرس
صرد حصانا يقال له القطيب، فقال أبو سواج في ذلك:
ألم تَرَ أنَّ ندوةَ إذ جريُنَا ... وجَدَّ الجِدُّ خلَّفَتِ القَطيبا
لها كَفلٌ يصِلُّ الرَّبْوُ فيه ... وتخبطُ سُنبُكاً عجُراً صَليبا
وعُوجاً فعمَةً رُكِّبنَ فيها ... خِفافَ الوقعِ تحسبها صُقوبا
كأَنَّ قطيبَهم يتلو عُقابا ... على الصَّلعَاءِ وازِمَةً طَلوبا
الوزم قطع اللحم، والوازمة الفاعلة ويروى:
كَأَنَّ قطيبهم في الجَرْي يتلو ... عُقايا كاسِراً أُصُلاً طَلوبا
(2/379)

الكاسر المنقضة، والأصل العشية -
مُقَرَّبَةٌ أُجَلِّلها رِدَائِي ... إذا ما ألجأَ الصِّرُّ الكَليبا
وأَمنحُها المَدِيدَ وإن ... مراداً من مَباءَتَها قريبا
فشري الشر بينهما، حتى جعل صرد يحدث الناس، أنه يخالف إلى امرأة أبي سواج، وقد كان
يتحدث إليها، فقال لها صرد فيما يقول: لستُ أَرضى حتى تَقُدي من عجان أبي سُواجٍ سيرا، فقالت
لأَبي سُواج: إن هذا يسُومني سيراً من عجانِكَ، فقام أبو سُواجٍ فذبح نعجة سحماءَ وقد من أَليتها سيراً
فبعثَتْ به إلى صُرَدٍ، فَشَسَع به نعلَه وقَعَدَ في النَّادي فقال: بِتُّ بِذي بِلِيانْ، وفي رجلي من اسْتِ بعضِ
القوم شِسْعانْ. فَعَلِمَ أبو سُواج أنه يُعرِّضُ به، فقام فَتَوَحَّشَ من ثِيَابِه - أي تجرَّد - وقام على أربعٍ
فقال: هل ترون بأساً؟ فإذا ليس به شيءٌ، فعاوَدَ صُرَدُ امرأةَ أبي سُواجٍ، فقال: غَدَرْتِ بي!! ولم تزل
تُرَاصِدُه - ويروَى ولم تَزَلْ تُرَاسِلُه - وهي تُريدُ أن تَمْكُرَ به، حتى واعَدَتْهُ ليلةً، فأَمَر أبو سُواجٍ
عبدَهُ نَبْتَلاً أن ينكح جاريةً له ليلَه كُلَّه، فإذا أراد أن يُفْرغَ أفْرَغَ في عُسٍّ، ثم أمرَ فَحُلِبَ عليه وخِيضَ،
ثم أمرها أن تَسْقِيَ صرداً إذا استسقى لبناً، فَسَقَتْهُ فانْتَفَخَ ثم مات، فبنو يربوع يُعيَّرون بِشُرْبِ الَمنِيِّ
إلى اليومِ.
وقال في ذلك رُشَيْدُ بنُ رُمَيْضٍ العَنْزِيُّ:
إنَّ ابنَ المُحِلِّ وصاحِبَيْهِ ... لأهلٌ للنَّواكَةِ والضَّجَاجِ
المُحِلُّ هو ابنُ قُدَامَةِ بنِ أسودَ بنِ جَمْرَةَ بن جعفرِ بنِ ثعلبةَ بنِ يربوعٍ.
أَتَحْلِفُ لاتَذُوقُ لنا طعاماً ... وتشربُ سَيْءَ عبدِ أبي سُواجِ
شَرِبْتَ رَثِيئَةً فَحَبِلْتَ منها ... فمالَكَ راحَةٌ دونَ النِّتَاجِ
(2/380)

وقال في ذلك المُسْتَنِيرُ العَنْبرِيُّ لجريرٍ:
أَتَهْجُونَ الرِّبابَ وقد سَقَوْكُم ... مِنِيَّ العَبْدِ في لَبَنِ اللِّقاحِ
دَهَاكُم فيه مَكْرُ أَبي سُوَاجٍ ... وحِرْصُ العَنْبَرِيِّ على الضَّياحِ
الضَّياحُ لَبَنٌ صُبَّ عليه ماءٌ.
وقال الأَخطلُ في هجاءِ جريرٍ:
تَعِيبُ الخَمْرَ وهي شَرَابُ كِسْرَى ... وَيَشْرَبُ قَوْمُكَ العَجَبَ العَجِيبَا!
مَنِيُّ العبدِ عبدِ أَبي سُواجٍ ... أَحَقُّ من المُدَامَةِ أَن تَعِيبَا!
وقال في ذلك أَبو سُواجٍ:
جَأْجِئْ بيربوعٍ إلى المَنِيِّ ... جَجَأَةً بالشَّارِفِ الخَصِيِّ
في بَطنِه جَاريةُ الضَّبِّيِّ ... وشيخُها أَشْمَطُ حَنْظَلُّيِ
وقال ابن لَجَأٍ:
تُمَسِّحُ يَرْبُوعٌ سِبالاً لَئيمةً=بها من مَنِيِّ العَبْدِ رَطْبٌ ويابِسُ
فلما شرب صُردُ بنُ جَمرةَ العُسَّ، وَجَدَ طعماً خبيثاً فكَرِهَهُ، فقالت: إنما هذا من طُولِ ما أُنْقِعَ،
أَقسمتُ عليك إلا شَرِبْتَهُ، فقال: إني أَرى لَبَنَكُم يَتَمَطَّطُ، أحْسَبُ إبِلَكُم زَعَتِ السَّعْدَان - والسَّعْدَانْ
مُخْثِرَةٌ لأَلبانِ الإِبِلِ، والحُرْبُثُ لأَلبانِ الغَنَمِ - فلما وقع في بطنه، وجد الموتَ فخرج هارباً إلى أهله،
وأصحابُهُ لا يعلمون بشيءٍ من هذا.
فلما جَنَّ الليلُ على أبي سواج، أمر بإبله وأهله وغلمانه، فانصرفوا إلى قومه، وخلَّف الفرس وكلبه
في الدار، فجعل الكلب ينبح، والفرس يصهل، وساروا ليلتهم، فأصبحت الدار ليس فيها أحد غيره،
ومعه
(2/381)

فرسه وكلبه والعس، فلما أصبح ركب فرسه، وأخذ العس، فأتى مجلس بني يربوع، فقال:
جزاكم الله خيراً من جيران، فقد أحسنتم الجوار، وكنتم أهل ما صنعتم! قالوا: يا أبا سواج ما بدالك
في الانصراف عنا، وقد كنا بك أضناء؟ قال: إن صرد بن جمرة لم يكن فيما بيني وبينه محسناً، وقد
قلت في ذلك شعرا:
إن المَنِيَّ إذا سَرَى ... في العبدِ أصبَحَ مُسْمَغِدّا
أَتناكُ سَلمَى باطِلاً ... وخُلِقْتُ يومَ خُلِقْتُ جَلدا
ألا واعلموا أن هذا القدح قد أحبل منكم رجلا وهو صرد بن جمرة، ثم رمى بالعس على صخرة
فانكسر ثم ركض فرسه، فتنادوا: عليكم الرجل فأعجزهم ولحق بقومه. فكان أول من هجاهم عمرو
بن لجأ فقال:
تُمسِّحُ يربوعٌ سِبالاً لئيمةً ... بها من مَنيِّ العبدِ رطبٌ ويابسُ
فما ألبس الله امرءاً فوقَ جلدِهِ ... من اللُّؤمِ إلاّ والكُليبيُّ لابسُ
عليهم ثِيابُ اللُّؤمِ لا يُخلِقونَها ... سَرَابيلُ في أعناقِهم وبَرَانِسُ
باتَتْ تُرَقِّصها العَبيدُ وعُسُّها ... قَربانُ مما يَجعلون وتَجعلُ
ويروى تعارضها ويروى كربان، ويروى وعسها ضربان يعني اللبن والمني، قربان قد قارب الملء
وكربان مثله، وجمعان إذا امتلأ فجعل يسيل في جوانبه يعني الوليدة، ويقال: إناء نصفان وذلك إذا
صار إلى نصفه فقال الأخطل في هجائه جريراً:
تَعيبُ الخمرَ وهي شَرَابُ كِسرَى ... ويشربُ قومُكَ العَجَبَ العَجِيبا
مَنِيُّ العَبدِ عبدِ أبي سُواجٍ ... أحَقُّ من المُدَامَةِ أنْ تَعِيبا
حَتَّى إذا خَثُرَ الإناءُ كأنّها ... فيه القَريسُ مِن المَنِيِّ الأشكلُ
(2/382)

وكأنّ خاثِرَهُ إذا ارتَثَئُوا بهِ ... عسلٌ لهمْ حُلِبَتْ عليهُ الأيّلُ
ويروى الإبل بالباء، وحكي عن بعض الأعراب أنه قال: الإبل خثرت ألبانها وغلظت. وقال
بعضهم: هي جمع آبل ويروى الأيل.
قالتْ وخاثِرُهُ يَكُرُّ عليهِمُ ... والليلُ مُختَلِطُ الغياطِلِ أليَلُ
الغياطل ظلمة الليل، الأليل التام، كما يقال عام أعوام، وشهر أشهر، وسنة سنهاء، ويوم أيوم، ونهار
أنهر.
لا تَشتَهي إمّاهُمْ ارْتَثَؤا بِهِ ... يَومين مِنْ ثِقْلَ الشّرابِ المأكَلُ
هذا الذي زَحَرَتْ بِهِ أستَاهُكُمْ ... ويرُى لهُ لَزَجٌ إذا يتَمَثّل
ويروى وترى له لزجا، إذا يتمثل أي تصير له ثمالة وهي الرغوة والحفالة، ويقال يُتمثل يُستقصى
شربه كله.
سَجراءُ مُنْكَرَةٌ إذا خَضْخَضْتُها ... مِنها يَكادُ إناؤُها يَتَزَيّلُ
ويروى يتميل، سجراء يضرب لونها إلى الحمرة.
قالتْ لِشاعِرِها كُليبٌ كلُّها ... أتَنِيكُ أُمَّكَ أم تُقادُ فتُقتَلُ
والموتُ أهونُ يا جريرُ مِنَ التي ... عُرِضَتْ عليكَ فأيّ تَنيِكَ تفعلُ
والمُرَّيين يُخيِّرونَكَ منهُما ... فالموتُ مِنْ خَلَقي عَجوزكَ أجملُ
المُريّان من المرارة خلقاها إستكاها أي إنها عجوز كبيرة، المريان الواحدة مري وهي الفعلى من
المرارة ومذكره الأمر، ويروى المرتين، ويروى خلفي.
(2/383)

فاختارَ نَيكَ كبيرةٍ قدْ أصهَرَتْ ... شَمْطاءَ ليفُ عجانها يَتَفَتّلُ
ويروى ضرب كبيرة، أصهرت صار لها أصهار من قِبل بنيها وبناتها.
والعجان ما بين القُبل والدبر، أي أنها عجوز لا تستحلق.
قالتْ وقَدْ عرفتْ جريراً أمُّهُ ... مهلاً جريرُ إليّ جئتَ تَغَفَّلُ
تغفل تأتيني على غفلة، ويروى تذيّل وتقمّل.
إنّ الحياةَ إلى الرجال بغيضةٌ ... بعدَ الذي فعلَ اللئيمُ الأثَولُ
يقول: خُيّر جرير بين القتل وبين ما عُرض عليه في أمه، فاختار ما عرض عليه لحب الحياة،
والأثول المجنون.
قال أبو عبد الله: يقال رجل أثول وهو الأهوج، وأصل الثول في الشاء أن يكون بالشاء هوج، فلا
تتبع الغنم، ويقال للأنثى ثولاء، ويقال رجل ضاجع وهو الأحمق.
فأجابه جرير فقال:
لِمَنِ الدِّيارُ كأنها لمْ تُحلَلِ ... بينَ الكناسِ وبينَ طَلحِ الأعزلِ
الكناس موضع من بلاد غني، والأعزل واد لبني كليب به ماء يسمى
(2/384)

الأعزل، الطلح شجر من العضاة، وقوله لم تحلل يخبّر أنها قد درست وامّحت آثارها.
ولقدْ أرى بِكَ والجديدُ إلى بلىً ... موتَ الهوى وشِفاءَ عَينِ المُجتلي
قوله موت الهوى يقول: كنا بك يا دار مجتمعين متجاورين، فهو أنا ميت، فلما افترقنا جاء التذكّر
والأحزان كما قال جرير:
فأما التَقى الخَيَّانِ أُلقِيَتِ العَصَا ... وماتَ الهوى لما أُصِيبَتْ مقاتله
يقول: لما اجتمعوا وصاروا إلى المواصلة مات الهوى، والمجتلي المفتعل من قولهم اجتليت العروس
أي أبرزتها، ويروى إلى البلى.
نَظَرتْ إليكَ بِمثِل عَيني مُغْزِلٍ ... قَطَعتْ حِبَالَتها بأعلَى يَلْيَلِ
مغزل ظبية غزالها، ويليل موضع.
ولقدْ ذَكَرتُكِ والمَطِيُّ خَواضِعٌ ... وكأنَّهُنَّ قَطَا فَلاةٍ مَجْهَل
يَسْقِينَ بالأدمَى فِراخَ تَنُوفَةٍ ... زُغْبَاً حَواجِبُهُنًّ حُمرَ الحَوصَلِ
الحوصل جمع حوصلة، ويروى جآجئهن.
يا أمَّ ناجِيَةَ السلامُ عليكُمْ ... قبلَ الرَّواحِ وقبلَ لومِ العُذَّلِ
يقول: إذا أخّرنا الرحيل ودفعناه، لم نعدم لائماً على ذلك، قال ابن أحمر:
أفِدَ الرحيلُ وَلَيتهُ لم يأفَدِ ... واليومَ عاجِلُهُ ويُعذَرُ في غَدِ
(2/385)

قال: العواذل يلمن إذا أخّرنا الرحيل.
وإذا غَدوتِ فَباكَرَتكِ تَحيّةٌ ... سَبَقَتْ سُروح الشَّاحجاتِ الحُجَّلِ
يعني الغربان، تشحج في صياحها، وتحجل في مشيها، وهي يتشأم بها، يقول: فباكرتك تحية قبل
سروح الغربان للمرعى بكراً.
لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخِرَ عهدِكُمُ ... يومُ الرحيلِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ
يعني في حسن الحال والوداع.
أو كنتُ أرهَبُ وشكَ بَينٍ عاجلٍ ... لقَنَعْتُ أو لسألتُ ما لمْ يُسأل
ويروى أحذر فجع بين، ويروى ما لم أسأل.
أعدَدْتُ للشُّعراءِ سُمّاً ناقِعاً ... فسَقَيتُ آخِرَهُمْ بِكأسِ الأولِ
ويروى كأساً مرةً.
لمّا وضَعتُ على الفرزدق ميسَمي ... وضغَا البَعيثُ جَدَعتُ أنفَ الأخطلِ
أخزى الذي سَمَكَ السماءَ مُجاشِعاً ... وبنى بِناءَكَ في الحضيضِ الأسفلِ
الحضيض أسفل الجبل، وأعلاه عرعرته.
بيتاً يُحَمَّمُ قَينُكُمْ بِفِنائِهِ ... دَنِساً مَقاعِدُهُ خَبيثَ المَدخَلِ
ويروى المأكل، يحمم أي يدخّن فيه فيسوده.
ولقد بَنَيتَ أخَسَّ بيتٍ يُبتَنَى ... فهَدَمتُ بيتَكُمْ بِمثلي يَذْبِلُ
إنّي بنى ليَ في المَكارِمِ أوّلي ... ونَفَختُ كِيرَكَ في الزمانِ الأولِ
أعيتكَ مأثُرَةُ القُيُونِ مُجاشِعٍ ... فانظرْ لعلّكَ تدّعي من نهشلِ
(2/386)

مجاشع ونهشل أخوان. والفرزدق مجاشعي، فقال: أما مجاشع فلا فخر لك فيهم، فانظر لعلك تجد
فخراً في نهشل، يهزأ به.
وامدَحْ سَراةَ بني فُقيمٍ إنّهُمْ ... قَتلو أباكَ وثأرُهُ لم يُقتَلِ
قال أبو عبيدة: كانت اللهابة خبراء بالشاجنة، وحولها مياه بني مالك بن حنظلة القرعاء، ولصاف،
والرمادة، وطويلع، فاختفتها بنو كعب بن العنبر - أي أظهرتها - فوقع بين بني فقيم وبين بني كعب
شر، حتى ارتفعوا فيها إلى مروان ابن الحكم وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فاختلفوا فيها
وجعل رجل من بني كعب يرتجز ويقول:
إنَّ لُهاباً وارِدُ اللَّهَابَهْ ... ووارِدُ الجَمَّةِ والحَطَّابَهْ
ثم إلى طُوَيْلِعٍ مَآبَهْ
فقال مروان: من يبتدئ بأن يدع المنهل؟ فقالت بنو فقيم: نحن. فابتدءوا وتركوا الماء لبني كعب،
فلما مرّوا بأضاخ راجعين، نشروا براماً وطُرفا، فعدلوها، فقدموا بها على أهلهم، فقال الفرزدق:
آبَ الوَفْدُ وفْدُ بني فُقَيْمٍ ... بأخبثِ ما يؤوبُ به الوفودُ
فَآبُو بالبِرامِ معدَّليها ... وفازَ الجُدُّ بالجُدِّ السَّعيدُ
وزاحمتِ الخُصُومُ بني فُقَيْمٍ ... بلا جَدٍّ إذا زَحَمَ الجدودُ
- ويروى وزاحمت الخصوم بنو فقيم، ويروى إذا ازدحم الجدود
(2/387)

- فلما بلغت هذه الأبيات بني فقيم،
قالوا: هذا قول همام فشكوه إلى غالب، فكذب عنه فصدقوه، فقال الفرزدق يعتذر إلى بني فقيم:
يا قومِ إني لم أُرِدْ لأسُبَّكم ... وذو الطنئِ محقوقٌ بأنْ يتعذّرا
ويروى لم أكن لأسبكم، والطنئ التهمة.
تناهوْا فإني لو أَردتْ هِجاءَكم ... بَدَا وهو معروفٌ أغرَّ مٌشَهَّراً
إذا قال غاوٍ من معدٍّ قصيدةً ... بها جربٌ كانت علىَّ بِزوبرا
أي بأجمعها، يقال: خذ هذا بزوبره أي بأجمعه، وبزوبر لا ينصرف. قال أبو عثمان: سمعت
الكسائي والأصمعي جميعا يقولان، خذه بزوبره، وبزاجمه، وبزامجه، وبصنايته، وبحذافيره، أي خذه
بأجمعه.
أينطقُها غيري وأُرمى بذنبها ... وهذا قضاءٌ حقهُ أنْ يُغيَّرا
فلما سمع هذه الأبيات غالب، قال: أنت والله صاحب القوم. وقال لبني فقيم: إن شئتم فاعفوا، وإن
شئتم فعاقبوا. فعفوا عنه واضطغنوا عليه في أنفسهم. ثم إن ركبا من بني فقيم نهشل، وفيهم شغار بن
مالك الفقيمي، وفيهم امرأة من بني يربوع، معها صبية لها من بني فقيم، خرجوا يريدون البصرة،
فمروا بجابية من ماء السماء بالقبيبة لغالب، عليها أمة لها تحفظها، فشرعوا فيها فنهتهم الأمة فشيعهم
- أي جرأهم - شغار على ورودها، فضربوها واستقوا. وأتت المرأة أهلها فأخبرتهم الخبر وهم
قريب، فركب الفرزدق فرساً، وأخذ رمحا، حتى أدرك القوم، فشق أسقيتهم، وعقر بشغار، وشق نحي
(2/388)

المرأة، وجرح أصل ذنب بعيرها، فقال: في ذلك الفرزدق:
لعمرُ أبيكَ الخيرِ ما رغمُ نهشلٍ ... عليَّ ولا حرداؤها بكبيرِ
ويروى ولا حردائها، ويروى حردانها، حرداؤها لقب من الحرد في اليد، وهو أن يعنت العقال يد
البعير، فييبس عصبه، فتبقى قائمة، إنما يرمى بها رمياً.
وقَدْ علمَتْ يومَ القُبيباتِ نَهشلٌ ... وحرداؤُها أنْ قدْ مُنُوا بِعَسير
عَشِيَّةَ قالوا إنَّ ماءَكُمُ لنا ... فلاقَوْا جوازَ الماءِ غيرَ يَسيرِ
الجواز سقي الماء من قولهم: أجز فلاناً أي اسقه، ومن هذا اشتقت الجائزة.
وكم تركوا من خَلْفِ نَحِيْ وبُرْمَةٍ ... وأَحْرَدَ ضَخْمِ الخُصيتينِ عقيرِ
فما كان إلا ساعةً ثم أدبرتْ ... فُقَيمٌ بأعضادٍ لها وظُهُورِ
فقلتُ له استمسكْ شِغارُ فإِنَّهُ ... أُمُورٌ دنتْ أحناؤُها لأُمورِ
فلما قدمت المرأة البصرة أراد قومها وإخوتها أن يثئروا بها - يفتعلوا من الثأر - فقالت: لا، حتى
يشب هؤلاء الصبية، فإن صنعوا شيئاً وإلا طلبتم. وكان أكبر ولدها ذكوان بن عمرو من بني مرة بن
فقيم، فلما شب ذكوان راض الإبل بالبصرة، فلما كان يوم عيد تزين
(2/389)

وركب ناقة له فائقة، فقال له ابن عم له: ما أحسن هيأتك يا ذكوان،
لو كنت أدركت ما صُنع بأمك، قال: وإن ذاك مما يؤنب به؟ قال
ابن عمه لعز - أي لشد ما - فاستنجد ذكوان ابن عم له، فخرجا حتى أتيا غالباً بالحزن متنكرين،
وهو على ذات الجلاميد، فلم يقدرا له على غرة، حتى تحمل يريد كاظمة فعرضا له، فقال ذكوان:
أتبيعني هذا البعير، وهو أكثرها معاليق؟ فقال الفرزدق: نعم. قال: فحط عنه حتى أنظر إليه، فأناخوا
فحطوا عنه، فقال: لا أريده ومضى. فشُغل الفرزدق ومن معه بإعادة الجهاز على البعير، حتى لحق
ذكوان غالباً وهو محمل، وعديلته أم الفرزدق لينة بنت قرظة فعقر بعيرهما، ثم عقر بعير جعثن بنت
غالب، وهي أخت الفرزدق، ثم هرب هو وابن عمه. فزعم مليص الفقيمي أن غالباً لم يزل وجعا
منها حتى مات بكاظمة، فذلك قول جرير:
وامْدحْ سَرَاةَ بني فُقيمٍ إنَّهم ... قتلُوا أباكَ وثأرُهُ لم يُقتلِ
وقال في تصداق ذلك ذكوان بن عمرو:
زعمتُمْ بني الأقيانِ أنْ لَنْ نُضُركُمْ ... بَلَى والذي تُرْجَى إليه الرَّغائِبُ
ويروى زعمتم بني رغوان.
لقد عضَّ سيفي ساقَ عودِ فتاتكم ... وخرَّ على ذاتِ الجلاميدِ غالبُ
فكُدِّحَ منه أنفُه وجبينُه ... وذلك منه إن تبينتَ جالبُ
أي عليه جلبه. وقال جرير أيضاً ينعى ذلك على الفرزدق:
(2/390)

رَأَيْتُكَ لم تترُكْ لِسَيْفِكَ محمَلاً ... وفي سيفِ ذكوانَ بن عمرو محاملُه
تفرَّدَ ذكوانٌ بمقتلِ غالِبٍ ... فهلْ أنت إن لاقيتَ ذكوانَ قاتِلُه
وقال جرير أيضا ينعى ذلك على الفرزدق:
قتلتْ أباكَ بنو فُقيمٍ عنوةً ... إذ خرَّ ليسَ على أَبيك إزارُ
عقرُوا رَواحلهُ فليس بِقتلهِ ... قتلٌ وليس لعقرهِنَّ عِقارُ
وقال جرير أيضا:
ذكوانُ شَدَّ على ظَعائِنكُم ضُحىً ... فَسَقى أَباكَ من الأمرُ الأعلقِ
أُمُّ الفرزدقُ بعدَ عقرِ بعيرِها ... شُقَّ النَّطاقُ عن اسْتِ ضَبٍّ مُذْلَقِ
أي مخرج. فهذا قول جرير والهجاء كذوب. وأما ذكوان بن عمرو فإنه لم يدع غير ما في قصيدته،
فهذا الذي هاج الفرزدق على هجاء بني فُقيم.
رجع إلى شعر جرير:
ودعِ البراجمَ إنَّ شِرْبَكَ فيهِمُ ... مُرٌّ مذاقتهُ كطعمِ الحنظلِ
إنَّي انصببتُ منَ السَّماءِ عليكمُ ... حتَّى اختطفتكَ يا فرزدقُ منْ عَلِ
مِنْ بعدِ صكَّتِيَ البعيثَ كأنَّهُ ... خربٌ تنفجَ مِنْ حِذارِ الأجدلِ
الخرب ذكر الحبارى، والأجدل الصقر وربما جعل البازي صقراً،
(2/391)

تنفج نفش ريشه، وذلك أن الحبارى إذا رأت الصقر تنفشت واتقته بسلحها.
ولقدْ وسمتكَ يا بعيثُ بميسميِ ... وضَغا الفرزدقُ تحتَ حدِّ الكلكلِ
الكلكل الصدر، وذلك قتل الفحول، إنما تضع الرجل تحت كلكلها فتطحنه.
حسبُ الفرزدقِ أَنْ تسُبَّ مُجاشِعٌ ... ويعُدَّ شِغرَ مُرَقَّشٍ ومُهلهلِ
طلبتْ قُيُونَ بَني قُفيرةَ سابِقاً ... غمرَ البديهةَ جامحاً في المسحلِ
قفيرة أم صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، والمسحل جديدتا اللجام
تكتنفان اللحيين يمنة ويسرة، وفأس اللجام الذي فيه لسانه.
قال: حدثني عمارة بن عقيل، قال: أم قفيرة اسمها المذبة، وكانت المذبة وليدة لكسرى، وهبها لزرارة
بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فوهبها زرارة لابنة أخيه يثربي بن عدس بن زيد، وزوجها
مرثد ابن الحارث، أو زياد بن الحارث، فساعاها أخوه سكين بن الحارث فجاءت بقفيرة، فجاءت
بأجمل من الشمس، فتزوجها ناجية ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، على أنها من عبد الله
بن دارم فنعاها عليه جرير.

حديث البراجم
وأما حديث البراجم، فإن ضابئ بن الحارث بن أرطاة بن شهاب
(2/392)

بن شراحيل بن عبيد بن خاذل بن قيس بن حنظلة، وهو ابن الحذاقية،
وكان رجلاً يقتنص الوحش، واستعار من بني عبد الله بن هوذة
بن جرول بن نهشل بن دارم كلباً لهما يقال له قُرحان، فكان يصيد به الظباء والبقر والضباع، فلما
بلغهم ذلك حسدوه، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء
والضباع، فإن عافوا بعضاً وأكلوا بعضاً تركوا كلبك لك، وإن لم يعرفوا بعضه من بعض فلا كلب
لك، فلما أطعمهم أكلوه كله ولم يعرفوا بعضه من بعض، ثم أخذوا كلبهم. فقال ضابئ بن الحارث في
ذلك:
تجشَّمَ دوني وفْدُ قُرحانَ شُقَّةٍ ... تظلُّ بها الوجناءُ وهي حسيرُ
ويروى الأدماء.
فأردفتُهُم كلباً فراحُوا كأنَّما ... حَبَاهم ببيْتِ المرزُبانِ أَمير
فيا راكباً إمَّا عرضتَ فبلِّغنْ ... ثُمامةَ عنِّي والأمورُ تَدور
فإنَّكَ لا مُستضعفٌ عن عنائِهِ ... ولكنْ كريمُ المُستطاعِ فَخُور
فأُمَّكُمُ لا تُسلمُوها لِكلبكُم ... فإن عُقوقَ الوالِداتٍ كبير
وإنَّكَ كلبٌ قد ضريتَ بما تَرى ... سميعٌ بما فوق الفِراشِ بَصير
إذا عثَّنتْ من آخرِ الليلِ دُخنةً ... ببيتُ له فوق الفِراشِ هَرِير
(2/393)

العثان الدخان. فاستعدى عليه بنو عبد الله بن هوذة، عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأرسل إليه،
فأقدمه، وأنشدوه الشعر الذي قال في أُمهم، فقال عثمان: ما أعلم في العرب رجلاً أفحش ولا ألأم منك،
وإني لأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان حيا لنُزل فيك قرآن. فقال ضابئ:
منْ يَكُ أَمسَى بالمدينةِ رَحْلُهُ ... فإني وقيَّاراً بها لغَريبُ
قيار بعيره وفرسه أو رفيقه.
وما عاجلاتُ الطيرِ يُدنينَ مِلْ فَتَى ... رَشَاداً ولا عَنْ ريثهنَّ يخيبُ
ويروى تدني من الفتى:
ورُبَّ أُمورٍ لا تضيرُكَ ضيرةً ... وللقلبِ من مخشاتِهنَّ وجِيبُ
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُ ... على نائِباتِ الدَّهرِ حينَ تنُوبُ
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي العَزْمِ قُوَّةٌ ... ويخطِئُ بالحدْسِ الفتى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقاً ولا أَخاً ... إذا لم تعدِّ الشَّيءَ وهو يَريبَ
ورواية إذا لم تعد بالصفح، ويروى بالفضل حين يريب. فقضى عثمان رضي الله عنه لبني هوذة
على ضابئ، بجز شعره
(2/394)

وخُمس إبله. وانحدروا من المدينة إلى لصاف، فحبسوه عند أُمهم الرباب
بنت قرط إحدى نساء بني جرول بن نهشل فقال ضابيء:
مَنْ مُبلغُ الفتيانِ عَنِّي رِسَالةً ... بأَنِّي أَسيرٌ رَبَّتي أُمُّ غَالِبِ
ويروى في يدي أم غالب، فقالت أمهم: والذي أنا أمة له ليطلقن، فأطلق وأخذ ضابئ بعد ذلك ثمامة
بن عبد الله بن هوذة بإثبيت فضربه وشجه، فاستعدوا عليه عثمان رضي الله عنه، فأرسل عثمان،
فشُخص به إلى المدينة، فسأل بني عبد الله البينة على ما ادَّعوا من ضرب ضابئ أخاهم، فلم تكن لهم
بينة، فحبس عثمان ضابئاً في السجن، فعرض ذات يوم أهل السجن، فخرج ضابئ وقد شد سكَّيناً
على ساقه يريد أن يفتك بعثمان ففطن له، وأُخِّر فضُرب بالسياط، وأُمر به فحُبس، فقال ضابئ في
حبسه، وفيما همَّ به من قتل عثمان رضي الله عنه:
من قافِلٌ أدَّى الإلهُ ركابهُ ... يُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذ ماتَ قائِلُهْ
فلا يَقبلَنْ بعدي امرُؤٌ ضيمَ خُطَّةٍ ... حِذارِ لِقاءِ الموتِ فالموتُ نَائِلُهُ
ولا تُتبعنِّي إن هلكتُ ملامةً ... فليس بعارٍ قتلُ منْ لا أُقاتلُه
فإني وإيَّاكم وشَوقاً إليكُمُ ... كَقابضِ ماءٍ لم تسقهُ أَناملُه
هممتُ ولم أفعلْ وكِدتُ وليتَني ... تُركتُ على عثمانَ تَبْكي حلائلُه
وقائلةٍ إنْ ماتَ في السِّجْنِ ضَابئٌ ... لنعمَ الفَتَى نخْلُو به ونُداخِلُهُ
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى ... إذا احمرَّ منْ بردِ الشِّتاءِ أصائِلُهُ
وقائلةٍ لا يُبعدُ الله ضابئا ... إذا الكبشُ لم يوجد له من يُنازلُه
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى ... إذا العزبُ التَّرعيُّ شَصَّ شوائِلُه
الترعي البصيرُ بالرعي، الشصوص التي لا لبن لها.
(2/395)

وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئاً ... إذا الخَصْمُ لم يُوجدْ له مَنْ يحاوِلُه
وبِئسَ ابنُ عمِّ المرءِ يومَ دعوتَهُ ... فِراسٌ تَنُوَّسُ عفلُهُ وبآدِلُه
العفل العجان، والبآدل لحم الصدر.
وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئاً ... إذا الرِّفدُ لم يملأ ولم يألُ حاملُه
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتى ... ولا تبعَدَنْ آسانُهُ وشمائِلُه
ويروى أخلاقه، آسانه طرائقه واحدها أسن، فلم يزل ضابئ محبوساً حتى أصابته الدبيلة، فأنتن
ومات في سجن عثمان رضي الله عنه. رجع إلى شعر جرير:
قُتِلَ الزُّبيرُ وأنتَ عاقِدُ حُبوةٍ ... تبَّاً لحُبوتِكَ التَّي لَمْ تُحللِ
ويروى قبحاً لحبوتك، قال: ادعى جرير أن الزبير كان جارا للنعر بن زمام المجاشعي ولم يكن
أجاره.
وافاكَ غدرُكَ بالزُّبيرْ على مِنىً ... ومَجرُّ جعثنكُمْ بِذاتِ الحرمَلِ
يريد منى التي عند مكة، جعثن بنت غالب، وكان غالب جاور طلبة ابن قيس بن عاصم بالسيدان،
فكانت ظمياء بنت طلبة تحدث إلى جعثن، فاشتهى الفرزدق حديثها، وشُغلت أخته ليلة، فأخذ الفرزدق
الجلجل الذي كانت جعثن تصفق به لظمياء لتجيء وغفل نفسه لها ثم حرك الجلجل، فجاءت ظمياء
للعادة، فارتابت بالفرزدق، وهتفت وعادت إلى رحلها، فلما سُمع بأمرها، تجمع فتيان من مقاعس،
أحدهم عمران بن مرة، ومقاعس بن صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد
بن زيد، فاستخرجوا جعثن من خبائها، ثم
(2/396)

سحبوها ليُسمعوا بها، فعيَّره بعد جرير، ولم يكن أكثر من ذلك،
وكل ما ادعى جرير غير هذا فهو باطل، ويقال إن جعثن كانت امرأة عفيفة مسلمة صالحة.
باتَ الفرزدقُ يستجيرُ لنفسهِ ... وعجانُ جعثنَ كالطَّريقِ المُعملِ
أينَ الَّذينَ عددتَ أنْ لا يُدرِكوا ... بمجرِّ جعثنَ يابْنَ ذاتِ الدُّمَّلِ
ويروى أن يتداركوا، يقول: بها حكة في فرجها فهي تحك يعني البظر.
أسلمتَ جعثِنَ إذْ يُجَرُّ برجلِها ... والمنقرَيُّ يدُوسُها بالمنِشلِ
المنقري عمران بن مرة، والمنشل ذكره، والمنشل حديدة يُنشل بها اللحم من القدر فشبه الذكر به.
تهوَى أسْتُها وتقولُ يالَ مُجاشِعٍ ... ومشقُّ نُقبيتِها كَعينِ الأقبلِ
الأقبل الذي انقلبت حدقتاه على أنفه، والأخزر الذي انقلبت حدقتاه إلى أذنيه، والأحول الذي ارتفعت
عيناه إلى حاجبيه.
لا تذكُروا حُلَلَ الملُوكِ فإِنَّكُمْ ... بعدَ الزُّبيرِ كحائضٍ لَمْ تغُسَلِ
أَبُنيَّ شِعْرَةَ لَنْ تَسُدَّ طَريقنا ... بالأعميين ولا قُفيرة فأزحَلِ
قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا احتقر وعيب ابن شعرة، ويروى بالأخشبين.
الأعميان قال: كان غالب أعور وأخوه أعمى، والأخشبان رزام وكعب
(2/397)

وربيعة بنو مالك بن حنظلة وهم الخشبات.
ما كانَ يُنكَرُ في نَديِّ مُجاشِعٍ ... أَكْلُ الخزِيرِ ولا ارْتِضاعُ الفيشلِ
قال أبو عبيدة. عطش نحيح بن مجاشع في فلاة، ومعه ثعالة مولى له، إما حليف وإما عسيف، فاشتد
عطشهما، فلما أدركهما الموت أقبل نحيح فوضع فاه على جردان ثعالة فمصه فشرب بوله، فلم ينفعه
ومات، وفعل مثل ذلك ثعالة فلم ينفعه أيضاً فماتا ففي ذلك يقول جرير:
رَضِعتُم ثُمَّ سالَ على لحَاكُم ... ثُعالَةَ حيثُ لم تجدوا شَرَاباً
ولقَدْ تَبيَّنَ في وُجوه مُجاشع ... لُؤْمٌ يثورُ ضَبَابُهُ لا يَنجَلي
ولقدْ تركْتُ مُجاشِعاً وكأنَّهُمْ ... فقعٌ بِمَدْرَجَةَ الخَميسِ الجَحْفَل
فقع كمأة بيضاء كبار، يضرب بما المثل في الذل، يقال: أذل من فقع بقاع، لأنه يوطأ وتأكله الطير
وغيره. والخميس الجيش وجحفل كثير الجلبة.
إنِّي إلى جبليْ تَمِيمٍ معقلي ... ومحلُّ بَيْتي في اليَفاعِ الأطْوَلِ
معقلي ملجئي وحرزي.
أَحلامُنَا تَزنُ الجِبالُ رَزانةً ... ويَفوقُ جاهِلُنا فَعالَ الجُهَّلِ
فَأرْجِعْ إلى حكميْ قُرَيْشِ إنَّهُمْ ... أهْلُ النُّبُوةِ والكتابِ المُنزلِ
يعني هاشما وأُمية، ويروى الخلافة، ويقال حكما قريش عبد مناف وهاشم.
(2/398)

فاسألْ إذا خرجِ الخِدامُ وأُحْمِشَتْ ... حربٌ تضَرَّمُ كالحَرِيق المُشْعَلِ
ويروى واسأل، والخدام الخلاخيل يعني في الغارة.
والخيلُ تنحطُ بالكُماة وقدْ رأوا ... لمعَ الرَّبيئة في النِّيافِ العيْطَلِ
تنحط تزفر، والنياف العيطل الطويلة المشرفة.
أبنُو طُهيَّةَ يعدلونَ فَوارسي ... وبَنَو خَضافِ وذاك ما لَمْ يُعدَلِ
وإذا غضِبْتُ رمى ورائِي بالحَصَى ... أبناءُ جندلَتِي كَخَيرِ الجندَلِ
جندلة بنت تيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وهي أم يربوع ومازن.
عمرٌو وسعدٌ يا فرزدقُ فيهمُ ... زُهْرُ النُّجومِ وباذخاتُ الأجبلِ
عمرو يعني تميم بن مر، وسعد بن زيد مناة، كانا حليفين، زهر بيض كالنجوم، باذهات عاليات،
وجاء في الحديث "إنَّ يومَ الجمعةِ يومٌ أزهر وليلتها غراء"
كانَ الفرزدقُ إذْ يعوذُ بِخالهِ ... مثلَ الذليلِ يعوذُ تحتَ القرمَلِ
القرملُ شجر ضعيف لا شوك له، ومثل للعرب: ذليل عاذ بقرملة، وأيضاً في مثل: كقرملة الضب
الذي يتذلل، ويروى عبد صريخته أمه، ويروى أمة، ويروى حين عاذ بخاله.
وافخرِ بضبَّةَ إنَّ أُمكَ منهُمُ ... ليسَ ابنُ ضبَّةَ بالمُعمِّ المُخولِ
(2/399)

وقضتْ لنَا مُضَرٌ عليكَ بِفَضلِنا ... وقَضتْ ربيعةُ بالقَضاء الفَيصلِ
إنَّ الذَّي سمكَ السَّماءَ بَنى لَنَا ... عِزَّاً عَلاكَ فَما لَهُ مِنْ مَنْقَلِ
أَبِلْغْ بَني وقبَانَ أَنَّ حُلومَهُمْ ... خَفَّتْ فَلا يزنُونَ حبةَ خردَل
وقبان نبز لبني مجاشع.
أزْرى بحِلْمكُمُ الفِياشُ فأنتُمُ ... مثْلُ الفَراشِ غَشِينَ نارَ المُصطَلي
لَوْ نِكْتَ أُمكَ بعدَ أكلِ خزيرِها ... لتعُدَّ مِثلَ فَوارِسي لَمْ تفعلِ
في مُزْبِدٍ غمقٍ كأنَّ مشقهُ ... خلُّ المجازةِ أوْ طريقُ العُنْصُلِ
غمق كثير الندى، له غور يريد الفرج، والخل طريق في الرمل
تَصفُ السُّيوفَ وغيرُكُمْ يعصَى بها ... يا بْنَ القُيونِ وذاكَ فِعْلُ الصَّيْقَلِ
يعصى بها أي يتخذها شبيهاً بالعصا.
وبرحاحانَ تخضخضتْ أصلاؤُكمْ ... وفزعتُمُ فزعَ البِطانِ العُزَّلِ
قال أبو الوثيق أحد بني سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، لما التحفت بنو دارم على
الحارث بن ظالم قاتل خالد بن جعفر ابن كلاب، وأبوا أن يسلموه أو يخرجوه من عندهم،، غزاهم
ربيعة الأحوص بن جعفر بن كلاب بأفناء عامر، طالباً بدم أخيه خالد بن
(2/400)

جعفر، عند الحارث بن ظالم، فالتقوا برحرحان، وفيهم يومئذ الحارث بن ظالم، فقاتل في القوم، فلم يُذكر منه بلاء يومئذ،
فتفرقت بنو دارم، وهرب معبد بن زراررة، فقال رجل من غني لعامر والطفيل ابني مالك بن جعفر
بن كلاب: هذا رجل معلم بسب أحمر - وأصل السب الخمار وهو العمامة هاهنا - يستدمي - أي به
جرح - يُطاطئ رأسه فدمه يسيل، رأيته يسند في الهضبة. وكان معبد طُعن طعنة في كدرة الخيل -
أي دُفعتها - فصرع، فلما أجلت عنه الخيل سند في هضبة من رحرحان - ورحرحان جبل. فقال
عامر والطفيل للغنوي: اسند فاحدره فسند الغنوي فحدره عليهما. فإذا معبد بن زرارة، فأثابا الغنوي
عشرين بكرة ثوابا له من معبد، فكان أسيرهما. وأما درواس بن هني - ويقال هيي بياءين وكسر
الهاء - أحد بني زُرارة، فزعم أن معبداً كان برحرحان معتنزا - ومعناه متنحيا عن قومه - في
عُشراوات له، فأخبر الأحوص بمكانه، فاغتره فوقد لقيط بن زرارة عليهم في فداء أخيه، فقال: لكم
عندي مائتا بعير فقالوا: إنك يا أبا نهشل سيد الناس، وأخوك معبد سيد مُضر، فلا نقبل منك فداءه
إلادية ملك، فأبى أن يزيدهم، وقال: إن أبانا كان أوصانا أن لا نزيد لأسير منا على مائتي بعير فيحب
الناس أخذنا، فقال معبد: والله لقد كنت أبغض اخوتي إلي وفادة عليَّ، لا تدعني ويلك يا لقيط فو الله
إن غُيِّب نعمي من المنمح والفقر لأكثر من ألف بعير، فافدني بألف بعير من مالي، فقال لقيط: ما أنا
بمنط عنك شيئاً يكون على أهل بيتك سُنة سُبكاً - أي لازمة - ويدرب له الناس بنا يُدرب يعتاد،
فقال معبدُ ويلك يا لقيط لا تدعني فلا تراني بعد اليوم أبداً،
(2/401)

فأبى لقيط ومنى معبداً أن يستنقذه ويغزوهم.
وأما أبو ثعلبة العدوي - ويقال أبو نعامة العدوي - فقال: قال معبد لأخيه لقيط: لا تردني
إلى مكاني الذي كنت فيه، فو الله لئن رددتني لأموتن. فقال له لقيط: صبراً أبا القعقاع، إن أبانا كان
أوصانا أن لا نزيد بفداء أحد منا على فداء أحد من قومنا. وأما درواس فقال: قال لقيط وأين وصاة
أبينا ألا تؤكلوا العرب أنفسكم، ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل من قومكم، فيدرب بكم ذؤبان
العرب؟ أنفسكم، ورحل لقيط عن القوم، فسقوا معبداً الماء وضاروه حتى هلك هزلا. وأما أبو الوثيق
فقال: لما أبى ولقيط أن يفادي معبداً بألف بعير، ورجع عنهم، ظنوا أنه سيغزوهم، فقالوا: ضعوا
معبداً في حصن هوزان، فحملوه حتى وضعوه بالطائف، قال: فجعلوا إذا سقوه قراه لم يشرب، وضم
بين فقميه، وقال: أأقبل قراكم وأنا في القد أسيركم؟ فلما رأوا ذلك عمدوا إلى شظاظ، فأولجوه في فيه
فشحوا به فاه، ثم أوجروه اللبن رغبة في فدائه، وكراهية أن يهلك، فلم يزل حتى هلك في القد.
فلما هجا عديا لقيط وتيما، قال عوف بن عطية التيمي يعيره أسر بني عامر معبداً وفراره عنه:
هلاَّ فوارِسَ رحرحانَ هجوْتُّمُ ... عُشراً تَناوَحُ في سرارَةِ وادِ
لا تأكُلُ الإبلُ الفراثُ نباتهُ ... ما إنْ يقومُ عمادُهُ بعمادِ
أي هو أضعف العماد. ويروى أولا يقوم، ويروى إذ لا يقوم.
(2/402)

هلاَّ كرَرْتَ على ابنِ أُمِّكَ معبَدٍ ... والعامريُّ يقوده بِصِفادِ
وذكرتَ من لبَنِ المُحلقِ شربةً ... والخيلُ تعدو بالصَّعيدِ بِدَادِ
ويروى وشربت، والمحلق سمة إبل زرارة، قال أبو عبيدة: وبقية هذه القصيدة مصنوعة. قوله هلا
كررت على ابن أمك وليس أمهما واحدة، ولكن لهما أُمهات تجمعهما فوق ذلك، والمحلق سمة إبل بني
زرارة.
وقال لبيد بن ربيعة يذكر يوم رحرحان في كلمة له:
منها خُوَيٌّ والذُّهابُ وقبلهُ ... يومٌ بُبرقةِ رحرحان كريمُ
الذهاب غائط من أرض بني الحارث بن كعب أغار عليهم فيه عامر بن الطفيل، وعلى أحلافهم من
أهل اليمن. غائط مهبط من الأرض، ومنه سُمي الغائط.
بكتائبٍ رُجُحٍ تعوَّد كبشُها ... نطحَ الكباشِ كأَنَّهُنُ مُجُومُ
ويروى روح:
نَمضي بها حتى نُصيبَ عدوَّنا ... ويُرَدُّ منها غانمٌ وكليمُ
وقال أبو الوثيق: قال عامر بن الطفيل يذكر ميتة معبد - قال أبو عبيدة:
(2/403)

فقلت له: أو أدرك عامر يومئذ؟ فقال: لا، إنما ركضت به أمه يوم جبلة ولكنه فخر بعد ذلك فقال:
قضينَا الجونَ عن عبسٍ وكانت ... منيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
وقال جرير لما هاجى الفرزدق ينعى بني دارم يوم رحرحان:
وليلةَ وادي رحرحانَ رفعتُمُ ... فِراراً ولم تلوُوا زفيفَ النَّعائِمِ
تركتُم أبَا القعقاعِ في الغُلِّ معبداً ... وأيَّ أخٍ لم تُسْلِمُوا للأداهمِ!
وقال جرير أيضا:
ومعبدكُمْ دَعَا عُدُسَ بنَ زيدٍ ... فأُسلِمَ للكُبُولِ وللهُزَالِ
قال: فلما انقضت وقعة رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم. وبين يوم رحرحان
ويوم جبلة سنة كاملة، وكان يوم جبلة، قبل الإسلام بخمس وأربعين سنة في قول المكثر، وذلك عام
ولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قول المقلل أربعين سنة.
خُصِيَ الفرزدقُ والخِصاءُ مذلَّةٌ ... يرجو مُخاطَرَةَ القُرومِ البُزَّلِ
هاب الخَواتنُ منْ بَناتِ مُجاشعٍ ... مثلَ المحاجنِ أوْ قُرونَ الأيلِ
وكأنَّ تحتَ ثِيابِ خُورِ نسائِهمْ ... بطَّا يُصوتُ في صَراةِ الجدولِ
الخور المناتين، وكل ماء مجتمع صراة.
قعدتْ قفيرةُ بالفرزدقِ بعدَما ... جهدَ الفرزدقُ جهدهُ لا يأتلي
ألهى أباكَ عن المكارِمِ والعُلا ... ليُّ الكتائفِ وارتفاعُ المرجَلِ
(2/404)

الكتائف الضبات الواحدة كتيفة، والمرجل القدر، وكل قدر عند العرب مرجل.
ولدتْ قُفيرةُ قدْ علمتُم خبثةً ... بعدَ المشيبِ وبظرُها كالمنجلِ
بزرُودَ أرقصتِ القعودُ فِراشها ... رعثاتِ عُنبلُها الغدفْلِ الأرعَلِ
الغدفل المسترخي، والأرعل مثله، ويروى الأرغل، والأغرل.
أشْركتِ إذْ حُمِلَ الفرزدقُ خبثةً ... حوضَ الحمارِ بليلةٍ منْ نبتلِ
ويروى أشركت إذ حملت لأمك خبثة. قوله أشركت يخاطب أم الفرزدق فيقول: أشركت في حمل
الفرزدق. وحوض الحمار يعني غالباً أبا الفرزدق. بليلة من نبتل فجئت به منهما جميعاً مشتركين
فيه.
أبلغُ هديتيَ الفرزدقَ إنَّهُ ... ثِقلٌ يُزادُ على حسيرٍ مُثقلِ
إنَّا نُقيمُ صَغا الرُؤُوس ونختلي ... رأسَ المُتوجِ بالحُسامِ المقصلِ
وقال الفرزدق:
أقُولُ لصاحبيَّ من التَّعزي ... وقَدْ نكَّبنَ أكثبةَ العقارِ
نكبن عدلن وتركنها ناحية، أكثبة جمع كثيب، والعقار أرض لباهلة، ويقال اسم رمل، ويقال أرض
لبني عامر، ويقال لها عقار الملح، وهو بين اليمامة وعقيق بني كعب.
أعيناني عَلى زَفراتِ قَلْبٍ ... يحِنُّ برامتينِ إلى النَّوارِ
إذا ذُكرتْ نَوارُ لهُ استهلتْ ... مدامعُ مُسبلِ العبراتِ جارِ
(2/405)

استهلت قطرت قطراً له صوت من شدة وقعه، ومنه قولهم: إذا استهل الصبي ورث، يقول: إذا سقط
من بطن أمه حياً فصاح وُرث وإلا لم يُورث.
فَلَمْ أر مثْلَ ما قطعتْ إلينا ... منَ الظُّلمِ الحَنادِسِ والصَّحارِي
الحنادس ليال شديدة الظلمة، يقال: ليلة حندس وليال حنادس.
تخوضُ فرُوجهُ حتَّى أتينا ... عَلَى بُعدِ المُناخِ مِنَ المَزارِ
فروجه طرقه، يريد طرق ما قطعت إلينا، والهاء لما قطعت الينا.
وكيفَ وِصالُ مُنقطعٍ طَرِيدٍ ... يغورُ معَ النُّجُومِ إلى المغارِ
قوله يغور مع النجوم أي وجهته إلى الشام ناحية المغرب.
كسعْتُ ابنَ المراغة حينَ ولَّى ... إلى شرِّ القبائِل والدِّيارِ
الكسع أن يضرب الرجل مؤخر الرجل بصدر قدمه محقرة له.
إلى أَهلِ المضايقِ مِنْ كُليبٍ ... كِلابٍ تحتَ أخبيةٍ صِغارِ
ألا قبَحَ الإلهُ بَنِي كُليبٍ ... ذَوي الحُمُراتِ والعمدِ القصارِ
نساءٌ بالمضايقِ ما يُوارِي ... مخازيهُنَّ مُنتقبُ الخِمارِ
(2/406)

أي أن المرأة يواريها خمارها، وهؤلاء لا يواريهن الخمار لفجورهن هذا قول أبي سعيد، وقال
غيره: يعني أنهن يبرقن للرجال، وقال بعضهم يعني أنهن مقاريف فإذا انتقبن بدا سواد محاجرهن.
وما أبكارهُنَّ بثيِّباتٍ ... ولدنَ من البُعولِ ولا عذاري
يقول: لم يلدن من الأزواج، ولكن من غيرهم، ولسن بعذارى، يقول: ولدن من الطريق.
ولوْ تُرمى بلُؤْمِ بني كٌليبٍ ... نُجومُ اللَّيلِ ما وضحتْ لِساري
ولوْ لَبسَ النَّهارَ بنُو كُليبٍ ... لدنَّس لُؤْمُهُم وضحَ النَّهارِ
ومَا يغدُو عزيزُ بنَي كُليبٍ ... ليطلُبَ حاجَةً إلاَّ بِجارِ
بنوُ السِّيدِ الأشائِمُ للأعادِي ... نَموْني للعُلى وبنُو ضِرارِ
السيد بن مالك بن عمرو بن بكر من بني ضبة، وضرار هو رديم بن مالك بن زيد بن كعب بن
بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة.
وعائِدَةُ الَّتي كانَتْ تميمٌ ... يُقدُمها لمحميةِ الذِّمارِ
وأصحابُ الشَّقيقةِ يومَ لاقَوْا ... بَني شيبانَ بالأسلِ الحِرارِ
أصحاب الشقيقة بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة، يعني قتل عاصم بن خليفة الضبي بسطام بن قيس
الشيباني، والأسل الرماح. وقوله الحرار هي العطاش، يقول: هي عطاش لم ترو من الدم بعدُ.
(2/407)

حديث الشقيقةِ
قال أبو عبيدة: الشقيقة كل جمد بين جبلي رمل. والجمد غلظ وصلابة، وهو أيضا يسمى نقا الحسن.
والحسن اسم رمل بعينه. قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله
ذي الجدين ضبة، ومعه أخوه السليل بن قيس، ومعه دليل من بني أسد يسمى نقيداً، فلما كان بسطام
في بعض الطريق، رأى كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو تأتي الغرب المزلة. فلما أصبح بسطام قصها
على نقيد الأسدي فتطير منها نقيد، وقال له: أفلا قلت: ثم تعود بادنا مبتلة؟ فتفرط عنك النحوس.
ووجل منها نقيد. وحدث الأصمعي بمثل حديث أبي عبيدة في رؤيا بسطام، وذهب البيتان مثلا.
قال أبو عبيدة: وذهب بسطام على وجهه فلما دنا من نقا يقال له الحسن، في بلاد بني ضبة صعده
ليربأ، فإذا هو بنعم قد ملأ الأرض، فيه ألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن بكر بن
سعد بن ضبة، قد فقأ عين فحلها - وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف بعير
فقأ عين فحلها ليردوا عنها العين - وإبل من تبعه كأنها الرطب، ومالك بن المنتفق فيها على فرس له
جواد، فلما أشرف بسطام النقا، تخوف أن يروه فينذروا به، فاضطجع بطنه لظهره، وتدهدى حتى
أسهل بمستوى من الأرض، وقال: يا بني شيبان لم أر كاليوم في الغرة وكثرة النعم، فلما نظر نقيد
الأسدي إلى لحية بسطام معفرة بالتراب حين أسهل، تطير له من الأولى إلى الأخرى وأخذ زلزه،
فتهيأ لفراقه والانصراف عنه، وقال: ارجع يا أبا الصهباء،
(2/408)

فإني أتخوف عليك أن تقتل، فعصاه وركب نقيد الطريق ففارقه.
وركب بسطام وأصحابه فأغاروا على الإبل فاطردوها، وفيها فحل لمالك
يقال له شاغر وكان أعمى، وركب مالك بن المنتفق فرسه ونحا نحو قومه بني ضبة، حتى إذا أشرف
على تعشار نادى: يا صباحاه، ولحق مالك راجعاً حتى تداركت الفوارس القوم، وهم يطردون النعم،
فجعل فحله شاغر يشذ من النعم، فلكما شذ شاغر أو ناقة من الإبل لم يلحق طعنوه ليلحق، ومالك يرى
ما يصنعون، فقال مالك: لبسطام لا تعقرها لا أبالك، فإما لنا وإما لك، وهذه الخيل قد لحقت فأبى
بسطام، وكان في أُخريات الناس على فرس له يقال له الزعفران. وقال مالك لأصحابه: ارموا مزاد
القوم فجعلوا يرمونها فيشقونها، وقال مالك: رويدا يلحق الداريون، فلحقت بنو ثعلبة، وفي أوائلهم
عاصم بن خليفة الصباحي وكان رجلاً به طرقة - أي ضعف عقل - وكان يقع حديدة له قبل ذلك في
أيام صفره قبل وقت الغزو - وقال بعضهم: كان يعقب قناة له فيقال له ما تصنع بها يا عاصم،
فيقول: أقتل بها بسطاما.
- وقال بعضهم أقتل بها سيد بكر - فيهزؤون منه. فلما جاء الصريخ إلى بني ضبة، أسرج أبوه
فرسه، ثم جعل يشد أزرار الدرع عليه، فبادره ابنه عاصم فركب فرس أبيه، فناداه أبوه مراراً فجعل
لا يلتفت إليه ولا يجيبه، فأوصاه بما يصنع وكيف يحذر، فلحق وقد سبقه الفرسان، وقد شد حديدة
على عارضة هودج - وقال بعضهم ركبها في قناة - فقال عاصم لرجل من فرسان بني ضبة أيهم
الرئيس بأبي أنت؟ قال حاميتهم صاحب الفرس الأدهم، وبسطام يحميهم، فقام عاصم فعلا عليه
بالرمح يعارضه حتى إذا كان حياله رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فلم يخطئ حاق صماليخ
أذنه،
(2/409)

حتى خرج السنان من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الآلاءة، ميتا، فلما رأت ذلك بنو
شيبان خلوا سبيل النعم، وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير، وأسر بنو ثعلبة بجاد بن قيس بن مسعود
في سبعين من بني شيبان. فقال ابن عنمة الضبي، وهو يومئذ مجاور في بني شيبان وخاف أن يقتل:
لأُم الأرضِ ويلٌ ما أجنَّتْ ... بحيثُ أضرَّ بالحسنِ السبيلُ
يقسَّمُ مالهُ فينا وندعُو ... أبَا الصَّهباءِ إذ جنحَ الأصيلُ
أجِدَّكِ لن تريهِ ولن نرَاهُ ... تخُبُّ به عذافرةٌ ذَمولُ
حقيبةُ رحلِها بدنٌ وسرجٌ ... تُعارضُها مربيةٌ دؤُولُ
إلى ميعادِ أرعنَ مُكفهرُ ... تُضمَّرُ في جوانبهِ الخُيولُ
لك المُرباعُ منها والصَّفايا ... وحُكمُكَ والنشيطةُ والفُضُولُ
لقد ضمنتْ بنو زيدِ بن عمرو ... ولا يُوفى بِبسطامٍ قتيلُ
وخرَّ على الألاءةِ لم يُوسَّد ... كأنَّ جبينه سيفٌ صقيلُ
فإن تجزَعْ عليه بنو أبيهِ ... فقد فُجِعوا وفاتهُم جليلُ
بِمِطعامٍ إذا الأشوالُ راحتْ ... إلى الحُجراتِ ليس لها فصيلُ
وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار:
ويومَ شقائقِ الحسنينِ لاقَتْ ... بنو شَيبانَ آجالاً قِصاراً
شَككنا بالرِّماحِ وهُنَّ زُورٌ ... صِماخيْ كبشهم حتى استدارا
(2/410)

وأوجزناهُ أسمرَ ذا كُعُوبٍ ... يُشبهُ طولُهُ مسداً مُغارا
وقال محرز بن المكعبر الضبي - ويقال إنها لسنان بن ماجد من تيم الرباب - يفخر بفعال بني
ضبة:
أطلقتُ من شيبانَ سبعينَ عانِياً ... فآبُوا جميعاً كُلُّهم ليس يشكُرُ
إذا كنتَ في أفناءِ شيبانَ مُنعماً ... فجزُّ اللِّحى إنَّ النَّواصِيَ تُكفَرُ
فَعلَّ تميماً أنْ تُغيرَ عليكُمُ ... بجيشٍ وعلِّي أَن أُغيرَ فأقدِرُ
فلا شُكركُمْ أَبغي إذا كنتُ مُنعماً ... ولا ودَّكُم في آخرَ الدَّهرِ أُضمِرُ
وقال ابن علاقة أخو بني الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، يعير آل ذي الجدين، تركهم
قيس بن مسعود بن قيس بن خالد رهينة في يد كسرى حتى مات، وأنهم إنما رهنوه بأكلة تمر،
وبتزويجهم امرأته في حياته، وبقتل عاصم بن خليفة الضبي بسطاما، وأنهم لم يثأروا به فقال:
أقيسَ بنَ مسعودٍ رهنتُم بأكلةٍ ... من التمرِ لم تُشبعْ بُطونَ الجراضِمِ
وأَنتم نكحتُم عرسَهُ في حياتِهِ ... فكانَتْ عليكمْ بعدُ ضربةَ لازِمِ
فَخرتُمْ ببسطامٍ ولم تثأرُوا بهِ ... أحارِ بنَ همَّامٍ حلائِلَ عاصِمِ
فعيرهم أنهم لم يُدركوا بدم بسطام، وجعلهم حلائل لعاصم بن خليفة الضبي. وقال الفرزدق يفخر
بفعال بني ضبة قصيدة غير هذه:
خالي الذي تركَ النَّجيعَ برُمحِهِ ... يومَ النَّقا شرِقاً على بِسطامِ
(2/411)

رجع إلى القصيدة:
وسامٍ عاقِدٍ خرزاتِ مُلْك ... يَقودُ الخيلَ تنبذُ بالمِهارِ
عاقد خرزات ملك أي ملك عليه تاج، وكانت الملوك تعقد في تيجانها من الخرز عدد سني مملكتها
فكلما زادت سنة زادوا خرزة.
أناخَ بِهمْ مُغاضبةً فلاقَى ... شعوبَ الموتِ أو حلقَ الإسارِ
شعوب الموت يعني المنية وحلق الأسار يعني القيود. ويروى حمام الموت. وحياض الموت.
وفضَّلَ آل ضبَّة كُلَّ يومٍ ... وقائِعُ بالمجُرَّدةِ العواري
المجردة السيوف تجرد من أغمادها فتعرى.
وتقديمٌ إذا اعتركَ المنايا ... بجُرْدِ الخيلِ في اللُّججِ الغمارِ
الجرد جمع أجرد وهو القصير الشعر.
وتقتيلُ الملوكِ وإنَّ منهُمْ ... فوارِسَ يومِ طخفةَ والنِّسارِ
أراد بطخفة والنسار يوم ضرية، فلم يمكنه في الشعر فجعله يوم طخفة، والنسار لقربهما من ضرية.
وإنَّهُمُ هُمُ الحامون لمَّا ... تواكلَ منْ يذودُ عنِ الذِّمارِ
تواكل ضعف واتكل على غيره. والذمار ما يجب على الرجل أن يحميه ويحوطه من وراء ظهره.
(2/412)

ومنهمْ كانتَ الرُّؤساءُ قدماً ... وهُمْ قتلُوا العدُوَّ بكُلِّ دارِ
فَما أمْسى لِضبةَ مِنْ عدُوِّ ... يَنامُ ولا يُنيمُ منَ الحِذارِ

حديث النِّسار
قال أبو عبيدة: والنسار أجبل متجاورة، ويقال لها الأنسر والنسار، وفيه أقاويل وادعاء من الرباب،
ومن الرباب، ومن قول بني أسد وغطفان وغيرهما من قيس عيلان. قال أبو عبيدة: هو عندي باطل
مختلط، أخذ عن جُهال، وجاء الشعر الثابت الذي لا يرد بغير ذاك. قال أبو عبيدة: حدثني قيس بن
غالب بن عباية بن أسماء بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري، وشيخ علامة من بني
قتيبة بن معن ابن باهلة، وأبو مرهب رتبيل الدبيري من بني أسد بن خزيمة، وغير واحد من علماء
قيس، وبني أسد، أن يوم النسار كان بعد يوم جبلة، لا ما تقول الرباب. والدليل على هذا أن الأحاليف
غطفان، وبني أسد، وطيئاً، شهدوا يوم النسار بعدما تحالفت الأحاليف، وحصن بن حذيفة، هو الذي
أمر سبيعاً الثعلبي أن يحالف بينهم، فحالف بينهم وبين بني أسد بن خزيمة. قال: وكانت بنو أسد
وطيئ قد احتفلوا قبل ذلك، فسموا الأحاليف؛ وذلك بعد قتل حذيفة بن بدر، وكانت بنو عبس في بني
عامر يوم جبلة، لأنهم كانوا قتلوا حذيفة يوم الهباءة، والدليل على ذلك أيضاً، أن حصن بن حذيفة
كان رئيس الأحاليف، ولم يرأسهم أبوه حذيفة لأن حذيفة لو كان حياً لم يرأسهم حصن ابنه، والدليل على
(2/413)

أن حصنا كان رئيس الأحاليف قول زهير بن أبي سلمى حيث يقول:
ومنْ مِثْلُ حِصْنَ في الحروبِ ومثلُهُ ... لإنكارِ ضَيْمٍ أوْ لأمرٍ يحاولُهْ
إذا حلَّ أحياءُ الأحاليفِ حولهُ ... بذي نجَبٍ هدَّاتُهُ وصَوَاهِلُهْ
ألا ترى أنه رئيس الأحاليف، وإنما رأس حصن بعد مقتل أبيه، وكيف يكون يوم النسار قبل يوم
جبلة كما تزعم الرباب. وحدثني درواس أحد بني معبد بن زرارة، أن حاجب بن زرارة كان يوم
جبلة غلاما له ذؤابة، فلو كان يوم النسار قبل يوم جبلة، ما كان حاجب إلا طفلا، وما رأس بني تميم
يوم النسار، لأنه كان رئيس بني تميم يوم النسار، والدليل على ذلك أيضا، أن حاجباً لم يكن ليرأس
بني تميم، ولقيط حي، ولقيط قتل يوم جبلة. قال أبو عبيدة: وحدثني ابن شفاء المنافي من بني مناف
ابن دارم قال: إنما نبه أبو عكرشة بعد قتل أبي نهشل - قال: وقوله نبه يقول استعلى أمره وذكر
فعرف - وأبو عكرشة هو حاجب بن زرارة، وأبو نهشل لقيط، والدليل على أن لقيطاً كان أنبه من
حاجب - أنبه أعلى ذكرا - أن لقيطاً هو الذي طلب بني عامر بثأر أخيه معبد يوم جبلة، وهو الذي
جمع الملوك يوم جبلة، وحاجب كان يوم جبلة في جيشه، فكل هذا حجة على من زعم أن يوم النسار
كان قبل يوم جبلة.
قال أبو عبيدة: قالوا، وكان سبب يوم النسار أن بني تميم كانوا يأكلون عمومتهم بني ضبة وبني عبد
مناة، فأصابت بنو ضبة
(2/414)

رهطاً من بني تميم، فطلبتهم بنو تميم، فانزالت جماعة الرباب فحالفت بني
أسد بن خزيمة، وهم يومئذ في الأحاليف، حلفاء لبني ذبيان بن بغيض، فنادى صريخ بني ضبة يال
خندف. قال القتيبي: فذلك أول يوم تخندفت فيه خندف فأصرختهم بنو أسد فاستعووا حليفيهم غطفان
وطيئاً.
قال أبو الغراف الضبي: وكان رئيس بني أسد يوم النِّسار، عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر بن قعين.
وقال أبو مرهب: بل كان رئيسنا يوم النِّسار خالد بن نضلة. قال أبو عبيدة: وحدثني
قيس بن غالب، أن رئيس جماعة الرباب وجماعة الأحاليف حصن بن حذيفة بن بدر. قال: وأنشدني
رتبيل أبو مرهب في تصداق ذلك قول بشر بن أبي خازم الأسدي في كلمة له:
أَضَرَّ بهم حِصْنُ بنُ بدْرٍ فأصبحوا ... بمنزلةٍ يشكو الهَوَانَ حَرِيبُها
قال أبو عبيدة: ولكن الناس قلبوه ن وهكذا سمعته من مشيختنا، قال وحدثني قيس بن غالب عن
مشيخة قومه، أن عبد الملك بن مروان سأل رجلاً من بني فزارة كانوا عنده، من كان على الناس يوم
النسار؟ قالوا: كانوا متساندين. قال ويدخل أبو قشع، وكان أعلمنا، فسأله عبد الملك عن ذلك فقال:
والذي نفسي بيده يا أمير المؤمنين، للناس يوم النسار أطوع لحصن بن حذيفة، من بعض غلمانك لك.
قال أبو عبيدة: وزعم أبو الغراف الضبي، وأبو نعامة العدوي، وأبو الذيال، أن رئيس الرباب يوم
النسار، الأسود بن المنذر أخو النعمان، وأم الأسود أمامة
(2/415)

بنت الحارث بن جلهم من بني تيم عدي من الرباب،
وكان النعمان، بعثه قبل ذلك رئيساً على الرباب فكان ملكهم، وأظنهم قد صدقوا لأن حصناً لا
يرأس ملكاً أخا ملك، وهو سوقة ولكنهما كانا متساندين.
قال: وأنشدني في تصداق ذلك أن الأسود كان رئيس الرباب يوم النسار قول عوف بن عطية بن
الخرع التيمي:
ما زال حَيْنُكم ونقصُ حُلومِكم ... حتى بَلَوْتُمْ كيفَ وَقْعُ الأسوَدِ
وقبائِلُ الأحلافِ وَسطَ بيوتِكم ... يعْلُونَ هامكُمُ بكُلِّ مُهنَّدِ
قال بنو أسد وغطفان، هذه مصنوعة، لم يشهد الأسود النسار. فلما بلغ بني تميم ذلك استمدوا بني
عامر بن صعصعة فأمدوهم، وعلى بني تميم حاجب، وأنشدونا في تصداق قولهم أن حاجباً كان على
تميم، قول بشر بن أبي خازم:
وأفلَتَ حاجِبٌ فَوْتَ العَوَالي ... على شَقَّاءَ تلمعُ في السَّرَابِ
ولو أدْرَكْنَ رأسَ بني تميمٍ ... عَفَرْنَ الوجهَ منه بالتُّرَابِ
وعلى بني عامر بن صعصعة جواب، وهو مالك بن كعب من بني أبي بكر ابن كلاب، لأن بني
جعفر يومئذ كانوا قد نفاهم جواب إلى بني الحارث بن كعب فحالفوهم، قال: وقد زعمت بنو كعب أن
رئيس بني عامر يوم النسار شريح بن مالك القشيري، فالتقوا بالنسار، فصبرت عامر واستحر بهم
الشر، وانفضت بنو تميم فواءلت، أي هربت، لم
(2/416)

يصب منهم كبير، فهزموا، وقتلوا، وسبوا، فغضبت بنو تميم لبني عامر،
وقتل قدُّ بن مالك الوالبي شريح بن مالك القشيري، رأس بني عامر في قول
كعب بن ربيعة الأسدي، ففخر بذلك سهم الأسدي في الإسلام، وحملت على بشر بن أبي خازم:
وهم تركُوا رئيس بني قُشَيْرٍ ... شُريْحاً للضِّباعِ وللنُّسُورَ
وقتلوا عبيد بن معاوية بن عبد الله بن كلاب، وقتلوا الهصان، وهو عامر بن كعب من بني أبي بكر
بن كلاب، وقد كان ثعلبة بن الحارث بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، أسر الهصان.
هذا يوم ذي نجب بعد يوم جبلة. وأسر خالد بن نضلة الأسدي دودان إبن خالد أحد بني نفيل، وأسر
حنثر بن الأضبط الكلابي. فقال خالد إبن نضلة في أسرهما:
تَدارَكَ إرخاءُ النَّعامةِ حنثَرا ... ودُودان أَدَّتْ في الصِّفادِ مُكبَّلاً
ويروى في الحديد. وقال أيضاً:
تدارَكَ إرخاءُ النَّعامةِ حَنْثَرا ... ودُودَانَ أدَّتْهُ اليَّ ابنَ خالدِ
وصارت سلمى بنت المحلق لعروة بن خالد بن نضلة، وصارت العنقاء بنت همام من بني أبي بكر
بن كلاب لزياد بن زبير بن وهب بن أعياء بن طريف الأسدي. قال أبو عبد الله: دبير مكان زبير.
وصارت أم خازم بنت كلاب من بني أبي بكر بن كلاب لأرطاة بن منقذ الأسدي. قال أبو عبد الله: أم
حازم بالحاء غير معجمة. وصارت رملة بنت صبيح للحارث بن جزء بن جحوان الأسدي، وصارت
هند بنت وقاص لقيس
(2/417)

بن عبد الله الفقعسي، وصارت أمامة بنت العداء لأسامة بن نمير الوالبي.
فقالت سلمى بنت المحلق تعير جواباً بفرته والطفيل:
لحا الإلهُ أَبَا ليلَى بِفَرَّتهِ ... يومَ النِّسارِ وقُنْبَ العَيْرِ جوَّابا
تعني أبا عامر بن الطفيل. جواب لقب لأنه كان يجوب الآبار يحفرها يتخذها لنفسه.
كيفَ الفِخَارُ وقد كانت بِمُعْتَرَكٍ ... يومَ النِّسارِ بنو ذُبيَانَ أَرْبَابَا
لم تمنعُوا القَوْمَ إذْ شَلُّوا سَوامكُمُ ... ولا النِّساءَ وكان القومُ أَحزابا
وقال رجل من بني ذبيان يعير أبا عامر بن الطفيل فراره عن امرأتيه وجواباً:
وفَرَّ عن ضَرَّتْيهِ وَجْهُ خارِئَةٍ ... ومالكٌ فَّر قُنْبُ العَيْرِ جوَّابُ
قال القنب غلاف الذكر. وجواب اسمه مالك بن كعب بن عوف بن عبد الله بن أبي بكربن كلاب.
فبعثت بنو كلاب إلى القوم فشاطروهم سبيهم، فقال الفارعة بنت معاوية من بني قشير تعير كلاباً -
وكلاب هاهنا قبيلة - بمشاطرتهم الأحاليف سباياهم يومئذ:
منا فَوارسُ قاتلوا عنَ سبْيِهم ... يومَ النِّسارِ وليس مِنَّا أَشْطُرُ
ولَبِئْسَ ما نَصَرَ العشيرةَ ذو لِحىً ... وحَفيفٌ نافِجَةٍ بِلَيْلٍ مُسْهِرُ
ذو لحى أي ذو اللحية بن عامر بن عوف بن أبي بكر بن كلاب،
(2/418)

ومسهر بن عبد قيس بن ربيعة بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب.
ضَبُعَا هِراشٍ تَعفِرانِ اسْتَيهِما ... فَرَأتهَما أُخرَى فقامَتْ تَعْفِرُ
تقول العرب ما على عفر الأرض مثله إذا مدحوه وهجوه، والأصل في ذلك للمديح، تعفران تمسحان
استيهما بالعفر، والعفر التراب.
زَعَمتْ بَزُوخُ بني كِلابٍ أنَّهم ... منعُوا النِّساءَ وأَنَّ كَعْباً أَدْبَرُوا
كَذَبَتْ بَزُوخُ بني كِلابٍ إنَّها ... تمشي الضَّراءَ وبولُها يَتَقطَّرُ
البزوخ التي تدخل ظهرها وتخرج بطنها، قال والضراء ما سترك وواراك.
حاشَى بني المَجْنُونِ إنَّ أباهُم ... صاتٌ إذا سَطَعَ الغُبارُ الأكدَرُ
صات له صوت في الناس وذكر. والصيت الشديد الصوت.
لولا بُيوتُ بني الحَرِيشِ تَقَسمَّتْ ... سَبْيَ القَبَائِلِ مازِنٌ والعَنْبَرُ
الرواية لولا بنو بنت، ريطة بنت الحريش، وبنوها بنو خويلد بن نفيل، وبنو أبي بن كلاب.
يقولون: هم أربعة من بني بشر بن كعب ابن أبي بكر، وبنو المجنون من بني أبي بكر. وقال بشر
بن أبي خازم في تصداق حديث غطفان وبني أسد، وأنه كما حدثوا، وأن بني ضبة استعانوهم
ودعوهم:
(2/419)

أجَبْنا بني سَعْدِ بنِ ضَبَّةَ إذ دَعَوْا ... ولله مولَى دَعْوَةٍ لا يُجيبُها
وكُنَّا إذا قُلْنَا هَوَازِنُ أقبِلي ... إلى الرُّشْدِ لم يأتِ السَّدَادَ خَطيبُها
عَطَفْنَا لهم عَطْفَ الضَّرُوسِ مِنَ المَلاَ ... بِشَهْبَاءَ لا يمشي الضَّرَاءَ رَقِيبُها
الضروس الناقة الحديثة النتاج. ويروى الثني. قال: وإنما سميت ضروسا لأنه يعتريها عضاض
أياماً عند نتاجها حذارا على ولدها ثم يذهب عنها.
فلما رَأَوْنا بالنِّسارِ كأَنَّنا ... نَشَاصُ الثُّرَيّا هَيَّجتْهَا جَنُوبُها
فكانوا كَذَاتِ القِدْرِ لم تدرِ إذغَلَتْ ... أَتُنْزِلُها مَذْمُومَةً أَمْ تُذِيبُها
يقول: لما رأونا تحيروا وبعلوا - أي دهشوا - فلم يدروا كيف يصنعون، فكانوا كذات القدر
ارتجنت زبدتها والارتجان الفساد - فلما أوقدت تحت الزبدة الفاسدة، لم تستقر في القدر، فطفحت،
فجعل الزبد يخرج منها، فتحيرت لا تدري كيف تصنع، إن أنضجت الزبد خرج من القدر وانصب،
وإن تركته بقي غير نضيج لا ينفق عنها. يقال دجروا، وبعلوا، وتحيروا، ودهشوا، وبطروا، بمعنى
واحد كله سواء.
جَعَلْنَ قُشيراً غايةً يُهتدَىَ بها ... كما مَدَّ أشطانَ الدِّلاءِ قَليبُها
يقول لأن منازل قُشير في أقاصي بني عامر، يقول: فنحن نطؤهم بالخيل حتى ننتهي إلى آخرهم،
كما أن الدلاء منتهاها قعر القليب، والقليب البئر غير مطوية.
لَدُنْ غُدْوَةً حتى أَتى اللَّيْلُ دونَهم ... وأَدْرَكَ جَرْيَ المُنْقِيَاتِ لُغوبُها
(2/420)

لدن في معنى مُذ. والمنقيات ذوات النقي وهو المخ في العظام. واللغوب الإعياء يقال لغب يلغب
لغوبا، ومنه قوله عز وجل {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}
قَطعناهُمُ فبِاليَمَامَةِ فِرْقَةٌ ... وأُخْرَى بأَوْطَاسٍ تَهِرُّ كَليبُها
قولها تهر كليبها أي يتحارسون من الخوف والفزع، يقال كَلبٌ وكليب وعبد وعبيد.
قال أبو عبيدة: لا أعرف على هذا الجمع إلا حرفين كَلبٌ وكَليب، وعبد وعبيد.
قال الأصمعي: ومثله مَعزٌ ومَعيز، وضأنٌ وضئين، وبخت وبخيت، ونفر ونفير، وشاء وشوي، قال
الحطيئة:
أَتَعرِفُ منزِلاً من آلِ هندٍ ... عَفَا بعد المُؤَبَّلٍ والشَّوِيَّ
وقال الراجز:
إذا الشَّوِيَّ كَثُرَتْ رَوَائِحُه ... وصارَ من جَنبِ الكُلَى نَوَائِحُهْ
أضَرَّبهم حِصْنُ بنْ بدْرٍ فأصبحُوا ... على آلةٍ يشكو الهَوَانَ حَرِيبُها
بني عامرٍ إنَّا تَرَكْنَا نِسَاءِكُم ... من الشَّلِّ والإيجاف تَدْمَى عُجُوبُها
(2/421)

عَضَارِيطُها البيضُ الكَواكِبُ كالدُّمى ... مُضَرَّجَةً بالزَّعْفَرَانِ جُيُوبُها
ويروى عضار يطنا مستبطنوا البيض كالدمى، وقال سهم الأسدى في تصداق أن تميماً قد شهدوا مع
بني عامر يوم النسار وهي تحمل على بشر:
ونحنُ جَلَبْنَا الخَيْلَ حتى تَنَاوَلَتْ ... تَميمَ بنَ مُرٍّ بالنِّسارِ وعامِرا
وقال عبيد بن الأبرص في ذلك وفي غضب تميم لعامر:
ولقد تَطَاوَلَ بالنِّسارِ لعامِرٍ ... يومٌ تشيبُ له الرُّؤوسُ عَصَبْصَبُ
ولقد أَتانِي عن تَميمٍ أنَّهم ... ذُئِرُوا لِقَتْلى عامرٍ وتَغَضَّبوا
ويروى أتانا. ذئروا ساءت أخلاقهم.
رَغْمٌ لَعَمْرُ أبيكَ عندِي هَيِّنٌ ... ولقد يَهُونُ عليَّ أن لا يُعتبُوا
فقال جرير:
سَمَتْ لِيَ نَظْرَةٌ فَرَأيتُ بَرْقاً ... تِهامِيّاً فَراجَعَني أدِّكاري
يَقُولُ النَّاظرونُ إلى سَناهُ ... نَرَى بُلقاً شَمَسْنَ عَلَى مِهارِ
(2/422)

يقول: كأنَّ البرق خيل بلق شمسن على أمهارها؛ الشموس النفور المنوع للمهر.
لَقَدْ كَذَبَتْ عداتُكِ أُمَّ بِشْرٍ ... وقَدْ طالَتْ أَناتِي وانْتِظارِي
عَجلْتِ إلى مَلامَتِنا وَتَسْري ... مَطايانا وَلَيْلُكِ غيرُ سارِي
فَهانَ عَلَيْك مَا لَقِيتْ رِكابِي ... وسَيْري في المُلَمعةِ القِفارِ
وَأَيَّامٌ أَتَيْنَ عَلى المَطايا ... كَأَنَّ سَمُومَهُنَّ أَجيجُ نارِ
قال أبو عبد الله: أتين على المطايا أي أهلكنها، كما تقول أتى على القوم أي أهلكهم.
كَأَنَّ علَى مَغابِنَهنَّ هَجْراً ... كُحَيْلَ اللِّيت أوْ نَبَعانَ قارِ
ويروى كحبل العين، يريد رأس العين بالجزيرة، هجراً يريد هاجرة، وذلك إذا اشتد الحر في
الهاجرة، والمغابن المراق وأصول الأفخاذ، والكحيل القطران.
لقَدْ أَمْسَى البَعِيثُ بِدارِ ذُلّ ... ومَا أمَسى الفرَزْدَقُ بِالخيارِ
جَلاجِلُ كُرَّجٍ وسِبالُ قِرْدٍ ... وَزَنْدٌ مِنْ قُفَيْرَةَ غَيْرُ وارِي
جلاجل كرج يهزأ به يعني السماجة. الكرج الخيال الذي يلعب به المخنثون.
عَرَفْنَا مِنْ قُفَيْرَةَ حاجِبيْها ... وَجَذَّا في أنامِلها القِصارِ
ويروى حاجبيه، وجذا أي قطعا، يريد أنها قصيرة الأنامل يهجنها. ويروى وجذا من أناملها القصار.
تَدافَعْنا فَقالَ بَنو تَمِيمٍ ... كَأَنَّ القِرْدَ طُوِّحَ مِنْ طَمارِ
(2/423)

قوله طُوح من طمار ألقي ورمي به من موضع عال مرتفع إلى أسفل، فهو يهوي.
قال ابن الزبير الأسدي:
فإن كنتِ لا تدَرينَ ما الموتُ فانْظُرِي ... إلى هَانِئٍ في السُّوقِ وابنِ عَقيلِ
إلى رجلٍ قَدْ عَقَّرَ السَّيفُ وَجْهَهُ ... وآخَرَ يهوى مِنْ طَمارِ قتيلِ
قال وكان عبيد الله بن زياد ضرب عنق مسلم بن عقيل فوق قصره فهوى إلى أسفل.
أَطامِعَةٌ قُيُونُ بَنِي عِقالٍ ... بِعَقْبي حينَ فَاتُهُم حِضاري
حضاري محاضرتي. وقوله بعقبي فالعقب الجري الثاني بعد الجري الأول.
وَقَدْ عَلَمْت بَنُو وَقْبانَ أَنِّي ... ضَبُورُ الوَعْثِ مُعْتَزمُ الخَبارِ
بنو وقبان نَبزٌ نُبزَ به بنو مجاشع - والنَّبزُ اللقب - قال أبو عبد الله: والوقب الأحمق، ضبور يجمع
رجليه ثم يثب وهو الضبر. والوعث الموضع الكثير الرمل، والخبار الأرض الكثير جحرة الفأر
وغيرها من الجحرة. يقول أعتزم وأجمع نفسي وأمري ثم أثب الخبار فأخرج منه وأجاوزه.
بِيَرْبوعٍ فَخَرتُ وَآلِ سَعدْ ... فَلاَ مَجْدي بَلَغتَ ولا افْتخاري
(2/424)

لِيَرْبوعٍ فَوارِسُ كُلَّ يَوْمٍ ... يُواري شَمْسَهُ رَهَجُ الغُبارِ
عُتَيْبَةُ والأحيمَرُ وابنُ قَيْسٍ ... وعَتَّابٌ وَفارِسُ ذي الخِمار
عتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن كباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع، والأحيمر بن أبي
مليل، واسمه عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وابن قيس هو معقل بن
قيس من بني يربوع، وكان على شرطة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وعتاب من هرمي بن
رياح بن يربوع، وفارس ذي الخمار مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع،
وذو الخمار فرس مالك بن نويرة.
وَيَوْمَ بَنِي جذيمةَ إذْ لحقْنَا ... ضُحىً بينَ الشُّعيبة والعِقارِ
وروى خالد: بين الشقيقة والقفار. يوم بني جذيمة يوم الصرائم، ويوم ذات الجرف كان لبني يربوع
على بني جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث ابن قطيعة بن عبس، وذلك أن مروان بن زنباع العبسي،
كان غزا بني يربوع فأسروه وهزموا جيشه.
وُجوهُ مُجاشِعٍ طُليَتْ بِلُؤْمٍ ... يُبينُ في المقلَّدِ والعذارِ
ويروى تبين. يُبين يستبين. المقلد العنق. والعذار موضع العذار.
وحالفَ جِلْدَ كُلِّ مُجاشعيٍّ ... قَميصُ اللُّؤْمِ ليسِ بمُستعارِ
لهُمْ أدَرٌ تُصَوتُ في خْصاهُمْ ... كتصْويت الجلاجِلِ في القِطارِ
يعني قطار الإبل. يقال إن الآدر إذا غضب فاشتد غضبه نقت أدرته
(2/425)

كما قال الجعدي:
كَذِي داءٍ بإحدَى خُصْيَتَيهِ ... وأُخرَى ما تشَكَّي من سَقَامِ
ألحَّ على الصَّحيحةِ فانتحاهَا ... بِسِكينٍ له ذكرٍ هُذامِ
فَضَمَّ ثيابَهُ من غيرِ بُرءٍ ... على شعراءَ تُنقضُ بالبِهامِ
قال لا يكون آدر إلا وهو أشعر الأنثيين. وقوله تنقض تصوت.
أغركُمُ الفرزدقُ منْ أبيكُمْ ... وذِكرُ مزادتين على حمار
قال كان الفرزدق واقفاً في طريق فمر به حمار عليه مزادتان فزحمه فلطخ ثيابه فقال الفرزدق.
ومَا تنفكُّ تُبصرُ في طَريقٍ ... كُليبيّاً عليه مزادتانِ
ويروى وما أنفك أبصر على الزحاف. قال فلهجت بنو مجاشع بإنشاد هذا البيت، قال كان الفرزدق
يهجو جريرا بذكر مزادتين على حمار ن فقال جرير: أغركم الفرزدق بذكر هذا مني وجهلكم بأبيكم
إذ كان يسامي به الرجال.
وجَدْنا بَيْتَ ضَبَّةَ في معدٍّ ... كبيتِ الضَّبِّ لَيسَ بِذي سوَارِي
ويروى ليس له سواري.
وجدْناهُمْ قناذِعَ مُلزقاتٍ ... بِلا نَبْعٍ نبتنَ ولا نُضارِ
إذا ما كنْتَ مُلتمساً نِكاحاً ... فَلا تعدلْ بِنيكِ بني ضِرارِ
(2/426)

ويروى بجمع بني ضرار. ويروى:
وإن أنتَ اغْتَلَمْتَ فلا تُجاوِزْ ... ذوي الأحراحِ جمعَ بني ضِرارِ
وَلا تمنعكَ منْ أربٍ لحاهُمْ ... سواءٌ ذُو العمامةِ والخِمارِ
يقول: رجالهم ونساؤهم سواء.
وإنْ لاقَيْتَ ضَبياً فنكهُ ... فَكُلُ رجالهِمْ رِخْوُ الحِتارِ
ويروى ذهليا، الحتار شرج الاست ويقال الدائرة نفسها، وكل وترة حتار، وحتار العين ما نبت عليه
الهدب.
وقال جرير يهجو الفرزدق:
ألا حيِّ الدُيارَ بسُعدَ إنِّي ... أُحِبُّ لحُبِّ فاطمَةَ الدِّيارا
أرادَ الظَّاعِنُون ليُحزنونُي ... فهاجُوا صدعَ قَلبي فأستطارا
استطار أي تصدع صدعا مستبيناً في طول.
لَقدْ فاضَتْ دُموعُكَ يَومَ قوٍّ ... لِبينٍ كانَ حاجَتُهُ ادِّكارا
أبيتُ اللَّيْلَ أرقُبُ كُلَّ نَجْم ... تعرَّضَ أنجدَ ثمَّ غارا
تعرض أخذ يميناً وشمالا. أنجد أتى ناحية نجد. وغار أخذ ناحية الغور وهي تهامة.
يحنُ فُؤادُهُ والعينُ تلقَى ... من العَبراتِ جوْلاً وانْحِدارا
الجول أن تستدير العبرة في العين ثم تنحدر فتسيل.
(2/427)

إذا ما حَلَّ أهلكِ يا سُليمَى ... بدارةِ صُلْصُلٍ شَحطوا المَزارا
دارة صلصل موضع.
فَيدعونا الفؤادُ إلى هَواها ... ويَكْرَهُ أهْلُ جَهمةَ أنْ تُزارا
ويروى ويأبى آل جهمة.
كأنَّ مُجاشعاً نخباتُ نيبٍ ... هبطنَ الهرمَ أسفلَ مِنْ سَرارا
الهرم نبت مثل القاقلي وهو ضرب من الحمض. والنخبات الأستاه، الواحدة نخبة. وسرارة واد،
موضع. ويروى رعين الحمض. النيب الإبل المسان.
إذا حلُّوا زرودَ بَنَوا علَيَها ... بيوُتَ الذُّلِّ والعمدَ القِصارا
تَسيلُ عليهمُ شُعبُ المخازِي ... وَقَدْ كانُوا لِسَوْءَتِها قَرارا
الشعبة أصغر من التلعة وهي مسيل.
وهَلْ كانَ الفرزدقُ غيرَ قرْدٍ ... أصابتْهُ الصواعقُ فاستَدارا
وكُنْتَ إذا حلَلْتَ بِدارِ قَوْمٍ ... رَحلتَ بخزْيةٍ وتركتَ عارا
وظعنت رواية. قال جرير هذا البيت، لأن الفرزدق نزل بامرأة فأضافته وأحسنت إليه، ثم إنه
راودها عن نفسها فصرخت وصيحت به، فطُلب فهرب، فعيره جرير بذلك.
فَهلاَّ غِرْتَ يوْمَ أَرادَ قوْمٌ ... أَصابُوا عُقْرَ جِعْثِنَ أنْ تَغارا
العقر أرش الاقتضاض من غير تزويج.
(2/428)

أتذْكُرُ صَوْتَ جِعْثِنَ إذْ تُنادِي ... ومنْشَدَك القلائِدَ والخِمارا
ويروى أتنكر منشدك طلبك القلائد أن تسأل عن قلائدها وخمارها، يقال نشدت الضالة أنشدها نشدة،
ونشداناً، وإذا عرفتها قلت: أنشدتها إنشاداً، وقوله صوت جعثن، كشفت صدرها وقالت: الله الله لتُمنع
ويُذب عنها.
ألمْ تَخشوْا إذا بَلَغَ المخازي ... عَلَى سَوْءاتِ جعثنَ أَنْ تُثارا
ويروى تزارا، تثار تذكر ويتحدث بها.
فإن مجرَّ جعثنِ كانَ ليْلاً ... وأعينُ كانَ مقتلهُ نَهارا
أعين أبو النوار كان مقتله نهاراً أي واضحاً ويروى جهاراً.
فلَوْ أيَّامَ جِعْثنِ كانَ قَوْمِي ... هُمُ قَوْمِّ الفرزدقِ ما اسْتَجارا
ونصب قوم أحسن، لأن هم عماد مع المعرفة، وتكون رفعا مع النكرة.
تزوَّجتُمْ نَوارَ ولَمْ تُريدُوا ... ليُدرِكَ ثائرٌ بأبِي نَوارا
فدينُكَ يا فرزدقُ دِينُ لَيلَى ... تَزورُ القيْنَ حَجَّا واعْتِمارا
ليلى أم غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال، تزور القين حجا، أي كأنها تحج إليه وتعتمر.
فَظلَّ القينُ بعدَ نِكاحِ لَيْلَى ... يُطيرُ عَلى سِبالِكُم الشُرَّارا
ويروى يظل. ويروى يُطير عن سبالكم والروايتان سواء.
(2/429)

نَكحتُ على البَعيث وَلَمْ أُطلِّقُ ... فأَجزأتُ التُّفرُّدَ والضِّرارا
يقول كان البعيث امرأة لي فتزوجت عليه الفرزدق ولم أطلقه، فأجزأته وهو فرد، وأجزأت ضرته
أيضا.
نَشَدْتُكَ يا بعيثُ لتُخبرَنِّي ... أليلاً نكتَ أُمَّكَ أمْ نَهارا
مريتُمْ حربْنا لكُمُ فَدَرَّتْ ... بِذي عَلَقٍ فأبطأت الغِرارا
مريتم حربنا أي احتلبتموها عليكم علقا، علقا أي دماً. والغرار قلة اللبن.
ألمْ أك قَدْ نهيتُ على حَفير ... بَني قُرطٍ وعِلجهُمُ شُقارا
بنو قرط رهط البعيث، وهو قرط بن سفيان بن مجاشع، وشقارا يعني البعيث نفسه. يقول هو أشقر
وذلك أنه كان أحمر.
سَأُرهنُ يأبْنَ حادِجَةِ الرَّوَاياَ ... لَكُمْ مَدَّ الأعنةِ والحِضَارا
ويروى بابن حادية. ويروى والخطارا. سأرهن سأديم، والراهن الدائم، يقال ماء راهن إذا كان دائما،
كما قال الأعشى:
لا يسَتفيقونَ منها وهي راهِنَةٌ ... إلاَّ بِهاتِ وإن عَلُّوا وإن نَهِلوا
وحادية يعني سائقة الروايا. والحادج الذي يشد الحدج على البعير.
يَرى المتعبدونَ عليَّ دُوني ... حياضَ الموْت واللُّججَ الغَمارا
(2/430)

المتعبدون المتغيظون، ويروى المتعيدون، أي المعتدون، يعني الطاغين.
ألسنَا نحنُ قدْ علمتْ معدٌّ ... غَداةَ الروعِ أجدرَ أنْ نَغارا
وأضْرَبَ بالسُّيوفِ إذا تَلاَقتْ ... هوادِي الخيلِ صاديةً حِرارا
وأطعنَ حينَ تختلفُ العوالي ... بمأزولٍ إذا ما النقعُ ثارا
وأصبرَ في القُوى وأعزَّ نصراً ... وأمنعَ جانباً وأعزَّ جارا
غَضينا يومَ طخفةَ قَدْ علمتمْ ... فَصَفدنا الملوكَ بِها اعتساراً
صفدنا أسرنا.
فوارسُنا عتيبةُ وابنُ سعدٍ ... وقَوَّادُ المقانِبِ حيثُ سارا
عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي. وابن سعد هو جزء بن سعد الرياحي، والمقانب واحدها
مقنب الجيوش. وقوله قواد المقانب يعني المنهال بن عصمة أخا بني حميري بن رياح.
ومنَّا المعقلان وعبدُ قيسٍ ... وفارِسُنا الذَّيِ مَنَعَ الذَّمارا
والمعقلان أراد معقل بن عبد قيس الرياحي وأخاه بشر بن عبد قيس، وكان معقل على شرط عليَّ
بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي بارز المستورد الحروري فقتل كل واحد منهما صاحبه،
ومن روى ومنا القعنبان، أراد قعنب بن عتاب الرياحي وقعنب بن عصمة بن قيس بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة.
وعبد قيس بن الكباس بن جعفر بن ثعلبة، وقوله وفارسنا الذي منع الذمارا يعني
عتاب بن هرمي الرياحي.
فمَا ترجُو النُّجومَ بنو عقَالٍ ... ولا القَمَرَ المُنير إذا اسْتَنارا
(2/431)

قوله فما ترجو النجوم أي تطيق، وبنو عقال أراد عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع.
ونَحنُ المُوقدون بِكُلِّ ثَغْرٍ ... يُخافُ بِهِ العَدُوُّ عليكَ نارا
أتنسَونَ الزُّبيرَ ورهنَ عوْف ... وعَوْفاً حِينَ عزَّكُمُ فَجارا
ويروى فخارا أي مفاخرة، فجار أي جار عليكم في الحكم، يعني الزبير بن العوام، ورهن عوف
مزاد بن الأقعس المجاشعي، وعوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة.
تركتُ القينَ أطوعَ مِنْ خَصِيٍّ ... يعضُ بأيرِهِ المسَدَ المُغارا
خصي جمل قد خصي فحقب ثيله بالحبل. وذلك إذا ضمر وتأخر جهازه.
فأجابه الفرزدق:
جرَّ المُخزياتِ عَلَى كليبٍ ... جريرٌ ثُمَّ ما منعَ الذِّمارا
الذمارا ما يجب على الرجل أن يحميه.
وكانَ لهُمْ كبكْرِ ثَمُودَ لمَّا ... رَغا ظُهراً فَدمرهم دمارا
عَوَى فَأثارَ أغْلبَ ضَيغمياً ... فويلُ ابْنُ المراغَةِ ما اسْتَثارا
عوى يعني جريراً، أغلب أسد غليظ الرقبة، ضيغمي شديد الضغم، وهو العض.
مِنَ اللائي يظلُّ الألفُ مِنهُ ... مُنيخاً مِنَ مخافته نَهارا
(2/432)

قال نهارا ولم يقل ليلا لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل، فيقول هذا الأسد يظل الألف منه منيخا
بالنهار فكيف بالليل.
تظلُّ المُخدراتُ لهُ سُجُوداً ... حَمى الطُّرُقَ المُقانِبَ والتِّجارا
يعني الأسود الداخلة في عرينها. وعرينها حذرها، يقال هذا أسد مخدر وخادر.
كَأَنَّ بساعديْهِ سَوادَ وَرْسٍ ... إذا هُوَ فَوقَ أيدي القومِ سارا
الورس أسود فإذا سحق اصفر. سار وثب وساور.
وإنَّ بَني المراغَة لَمْ يُصيبُوا ... إذا اختارُوا مشاتَمتَي اخْتِيارا
هَجَوْني خائنينَ وكانَ شَتمي ... على أكبادهمْ سَلعاً وقارا
سلع شجر خبيث الطعم مر. وقار القطران يعني هناء يطلى به من الجرب، شبهه بالقار لسواده كما
قال النابغة:
فلا تتركنَّي بالوعيدِ كأنَّني ... إلى النَّاسِ مطِليٌّ به القارُ أجربُ
في الناس وعند الناس.
ستعلمُ مَنْ تناولهُ المخازِي ... إذا يَجْري ويدَّرِعُ الغُبارا
ويروى ستعلم ما. ويروى من تثار له المخازي. يقول: يتخلف فيلبسه الغبار.
ونَامَ ابنُ المراغَة عَنْ كُليبٍ ... فجلَّلَها المخازيَ والشِّنارا
(2/433)

الشنار الأمر الشنيع القبيح.
وإنَّ بَني كُليبٍ إذْ هَجَونْي ... لَكَا لِجعلانِ إذْ يَغْشينَ نارا
وإنَّ مُجاشعاً قَدْ حمَّلتني ... أُمُوراً لَنْ أُضيعها كِبارا
قِرَىَ الأضيافِ لَيْلَةَ كُلِّ رِيحٍ ... وقِدْماً كنتُ للأضيافِ جارا
إذا احترقتْ مَاشِرُها أشالْت ... أكارِعَ في جواشِنها قِصارا
تلُومُ على هِجاءِ بنِي كُليبٍ ... فَيالَكَ للمَلاَمةِ مِنْ نوارا
فقُلْتُ لهَا المَّا تعْرفِيني ... إذا شدَّتْ مُحافلتي الإزارا
ويروى محافظتي. محافلتي مجامعتي.
فَلَوْ غيرُ الوبارِ بَني كُليبٍ ... هَجَوْنِي ما أردتُ لهمْ حِوَارا
ولكنَّ اللِّئامَ إذا هَجَوني ... غَضَبْتُ فَكانَ نُصرتَيِ الجِهارا
يقال جاهرته جهارا ومجاهرة إذا كاشفته.
وقالَتْ عِندَ آخِرِ مانَهتني ... أتهجو بِالخضارمَةِ الوِبْارا
الخضارمة قومه والخضرم السيد. والخضرم البحر يشبه السيد من الرجال بالبحر لسعته.
أَتهجُو بالأقارِعِ وَابْنِ لَيْلَى ... وصَعَصَعَةَ الذِّي غمرَ البحارا
الأقارع يريد الأقرع بن حابس، وفراسا ابني حابس بن عقال. وأم غالب ليلى بنت حابس أخت
الأقرع. وصعصعة جد الفرزدق.
وناجيةَ الَّذي كانت تَميمٌ ... تَعيشً بحزمهِ أنى أشارا
ناجية أبو صعصعة. قال: وكان ناجية بن عقال هو المستشار يوم
(2/434)

النسار، وكانت تميم تعيش برأيه وحزمه. أنى بمعنى كيف.
به رَكَزَ الرِّماحَ بنُو تميمٍ ... عَشَيَّةَ حلَّتِ الظُّعُنُ النِّسارا
وَأنتَ تَسُوقُ بهمَ بنِي كُليبِ ... تُطَرُطِبُ قائماً تشُلي الحُوارا
الطرطبة دعاء البهم. والحوار اسم فحل غنم جرير. تشلي تدعو إليك، قال حاتم:
أشليْتُها بِاسمِ المِزاجِ فأقبلتْ ... رَتَكاً وكانت قَبْلَ ذلك تُعلفُ
أشليتها دعوتها باسم فحلها.
فكيفَ تردُّ نفسكَ يابْنَ ليلَى ... إلى ظِرْبَى تَحفَّرتِ المَغارا
أجِعْلاَنَ الرَّغامِ بَني كُليبٍ ... شِرارَ الناسِ أحساباً ودَارا
ويروى أجعلان الرغام بالخفض أراد ترد نفسك إلى ظربى وإلى جعلان الرغام ومن روى أجعلان
الرغام بالنصب فعلى النداء، والرغام تراب خثر ليس بالرقيق، وظربى جمع الظربان، قال أبو عبد
الله: وفيه وجه آخر للنصب أتهجو جعلان.
فَرافِعُهمْ فإن أباكَ ينمَى ... إلى العُليا إذا احتفروا النِّقارا
وبالفاء أيضاً.
فرافعهم أي انتسب لهم، وقوله إذا احتفروا النقارا يعني إذا اتخذوا الزروب للبهم والجداء.
وإنَ أباكَ أكرمُ مِنْ كُليبٍ ... إذا العِيدانُ تعتصرُ اعْتِصارا
إذا جُعلُ الرَّغامِ أبو جريرٍ ... تَرَدَّدَ دونَ حُفرتهِ فَحارا
مِنَ السُّودِ السَّراعِفِ ما يُبالي ... أليْلاً ما تَلَطَّخَ أَمْ نَهارا
(2/435)

السراعف واحدهم سرعوف، وهو الضعيف الخفيف القليل اللحم من كل شيء.
لَهُ دُهدِيةٌ إنْ خافَ شَيئاً ... مِنَ الجِعْلانِ أَحرزَها احتِفارا
دهدية يعني الذي يدهدي من العذرة يدورها ثم يُدخلها جحره بيده.
وإِنْ نَقِدَتْ يَداهُ فَزلَّ عنْها ... أَطافَ بِهِ عَطِيَّةُ فاسْتدارا
قوله نقدت يداه يعني قرحت وضعفت من العمل كما تنقد السن والقرن والحافر إذا تأكل.
رأيتْ ابْنَ المراغةِ حينَ ذَكَّى ... تَحَولَ غيرَ لحيتهِ حمارا
ذكى أسن، والذكاء من السن ممدود، والذكاء من الفهم ممدود، وذكا النار مقصور وهو ضوؤها. قال
أبو عبد الله: لا أحفظ هذا - يعني ذكا النار مقصور. غير لحيته أنه حمار إلا أنه لا لحية للحمار.
لَهُ أُمٌّ بأسفلٍ سُوق حَجْرٍ ... تبيعُ لَهُ بِعنبلها الإزارا
تبيع تشتري، والعنبل متاع المرأة، ويروى تبيع له بأثملها وهو فرجها، يريد أنها إذا باعت إزارها
لم يقبل منها حتى يُفجر بها.
هلُمَّ نُواف مكة ثُمَّ نسألْ ... بنا وبكُمْ قُضاعةَ أوْ نزارا
ورهْطُ ابْنِ الحصينِ فَلا تَدعْهُمْ ... ذَوِي يَمَنٍ وعاظِمني خِطارا
ويروى ورهط بني الحصين. رهط بن الحصين هم بنو الحارث بن
(2/436)

كعب. والحصين هو ذو الغصة بن يزيد بن الحنظلية بن شداد بن قنان بن سلمة
بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب.
هُنالِكَ لَوْ نَسبتَ بَنِي كُليبٍ ... وجدتهُمُ الأدقاءَ الصِّغارا
ومَاغرَّ الوبارَ بَنِي كُليبٍ ... بغيْثي حينَ أنْجدَ واستطارا
وباراً بالفضاءِ سمعنَ رَعْداً ... فَحاذرن الصواعقَ حينَ ثارا
الفضاء المتسع من الارض ممدود، والفضا مقصورا تمر وزبيب وما أشبهه.
هربنَ إلى مَداخِلِهنَّ مِنْهُ ... وجاءَ يُقَلِّعُ الصَّخْرَ انحِدارا
فأدركهنَّ مُنبعقٌ ثُعابٌ ... بِحَتفِ الحيْنِ إذْ غَلَبَ الحِذارا
يروى لحتف، ويروى بحيث الحين، منبعق سائل، وثعاب مثله.
هَجوتُ صِغارَ يربوعٍ بُيوتاً ... وأعظمهمْ مِنَ المخزاةِ غارا
فإنكَ والرِّهانَ على كُليبٍ ... لَكَا لمُجري معَ الفرسِ الحمارا
مساعينا التَّي كرُمتْ وطابتْ ... تَقيسُ بها مساعيكَ القِصارا
وقال الفرزدق:
عفَّى المنازِلَ آخِرَ الأيَّامِ ... قَطْرٌ ومُورٌ واختلافُ نَعامِ
المور التراب الدقيق مع الريح، عفاها درسها، والعفاء محو الأثر.
قالَ ابنُ صانِعَةِ الزُّروبِ لقومهِ ... لا أستطيعُ رَواسي الأعلامِ
(2/437)

ويروى لأمه يعني جريرا والزراب والزروب واحدها زرب وهي حفيرة تحتفر مثل البيت يبني
حولها، فتصير كالحظيرة تحتبس فيها الجداء والعنوق عن أمهاتها، وقوله رواسي ثوابت، يقال رسا
يرسو رسوا، قال: والأعلام الجبال واحدها علم، وإنما ضربه مثلا للعز والشرف، يقول: لا أستطيع
أن أفاخر من هو مثل الجبل الراسي الثابت، أن أزيله عن مكانه، وكذلك عزي وشرفي لا يبلغه أحد
وإن جهد.
ثقُلتْ عليَّ عمايتانِ وَلَمْ أجِدْ ... سَبَاً يُحَوِّلُ لِي جِبالَ شَمامِ
ويروى حسبا يحرك لي. قال وعماية جبل عظيم. قال: وشمام جبل أيضا. وإنما يعني فضل حسبه
على حسب جرير، فشبه رجاله وقومه بالجبال الراسية، فضربه مثلا للحسب.
قالتَ تُجاوبُهُ المراغةُ أُمُّهُ ... قَدْ رُمْتَ وَيْلَ أبيكَ كُلَّ مَرامِ
فأسكُتْ فإنَّكَ قَدْ غُلِبَتْ فلْمِ تَجدْ ... للقاصِعاءِ مآثرَ الأيام
ويروى قد عليت. القاصعاء من جحرة اليربوع.
ووجدتَ قومكَ فقَّؤا مِنْ لؤْمهمْ ... عينيكَ عندَ مكارمِ الأقَوام
قوله فقؤا عينيك يقول لم يدعوا لك بصراً ولا حيلة، وعرفوا فخري وأقروا بذلك ومنعوك مفاخرتي.
صغُرتْ دلاؤهم فما ملؤوا بِها ... حوضاً ولا شَهدُوا عراكَ زِحامِ
قوله صغرت دلاؤهم قال وهذا مثل أيضا يعني فعالهم وأحسابهم، والعراك أن ترسل الإبل كلها
بجماعتها فترد، والرسل أن ترسل قطعة قطعة فذلك الرسل.
(2/438)

أرداكَ حينُكَ إذْ تُعارِضُ دارِماً ... بأدقَّةٍ مُتاشبين لِئامِ
ويروى أشبهت أمك، ويروى متقاعسين، قال متقاعسين يعني مختلطين، وقوله أرداك يريد أهلكك،
يقال من ذلك ردي الرجل يردى ردى مقصورا.
وحسبتَ بحرَ بَنِي كُليبٍ مُصدراً ... فَغَرقتَ حينَ وقعتْ في القمقامِ
يقول: بحرك لا يصدر أحدا أي لا يروى أحدا، هو أقل من ذلك وأضعف لا ماء به، ثم قال فغرقت
في القمقام، يقول: فلكا جاريتني غرقت في بحري فضربه مثلا للبحر، وإنما يريد الحسب، قال:
والقمقام البحر.
في حومةٍ غمرَتْ أَباك بُحُورُها ... في الجاهليَّةَ كانَ والاسلامِ
قوله في حومة حومةُ الماء مجتمعه وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأشده قتالا.
إنَّ الأقارعَ والحُتاتَ وغالِباً ... وأبا هُنيدةَ دافعُوا لِمَقامِي
قوله إن الأقارع يريد الأقرع وفراساً ابني حابس، قال: والحتات بن يزيد المجاشعي، وغالب أبو
الفرزدق، قال وأبو هنيدة صعصعة جد الفرزدق، وقوله هنيدة يعني هندا ابنة صعصعة، وكانت هند
تقول: من جاءت من نساء العرب بأربعة كأربعة، يحل لي أن أضع خماري معهم فلها صرمتي: ثم
قالت لهم: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان بن بدر، ففخرت بذلك على
نساء العرب فلم يجئن بمثلهم.، وهي ذات الخمار، وذلك أنها دخلت على هؤلاء الأربعة،
(2/439)

فألقت خمارها. فقالوا لها ما هذا ولم تكوني متبرجة؟ فقالت: داخلتني خيلاء حين رأيتكم، فأي امرأة من
العرب وضعت خمارها عند مثلكم فلها صرمتي. قال: والأقرع حكم العرب؟ وصعصعة محيي
الوثيدات، أحيي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأربع جوار.
وكان من حديث صعصعة أنه كان كلما ولدت امرأة جارية يكفل ابنتها لئلا توأد، وغالب الجرار،
والزبرقان بن بدر أجمل العرب، والزبرقان اسم القمر سمي به الزبرقان لجماله.
بِمناكِبٍ سَبقَتْ أباكَ صُدورُها ... ومآثِرٍ لمتوَّجينَ كِرامِ
قوله. بمناكب بأجداد كرام أشراف، لهم سؤدد وفعال خير، يقول: ففعالهم تتقدم وترتفع مثل مناكب
الجبال وهو مانتأ منها وقوله ومآثر واحدتها مأثرة، وهو ما أثره الناس فتحدثوا به من المكارم وشرف
الفعال والسؤدد. وقوله لمتوجين، يعني حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن
مالك، وعطارد بن حاجب بن زرارة توجهما كسرى، وفي ذلك يقول الفرزدق أيضا:
رأيْتُ مهابةً ولُيُوثَ حرْبٍ ... وتاجَ المُلْكِ يلتهبُ التهابا
قال، وفي ذلك يقول مسكين بني عامر:
كفانَا حاجِبٌ كِسْرى وقوماً ... هُمُ البِيضُ الجِعادُ ذَوُو السِّبالِ
وسَارَ عُطارِدٌ حتى أتاهُم ... فأعطوْه المُنَى غيرَ انْتِحال
هُمَا حُبِيا بِديباجٍ كريمٍ ... وياقوتٍ يُفصَّلُ بالمُحالِ
(2/440)

قال وعطارد الذي أتى كسرى، فرد الخفارة وقبض القوس، فضربت به العرب المثل في ذلك في أشعارها وأمثالها،
وذهب له الصوت أبدا.
إنِّي وجدْتُ أبي بَنى لي بيْتَهُ ... في دوحَةِ الروُّساءِ والحُكَّام
ويروى ذروة، قال والدوحة من الشجر الطويلة العظيمة منها؛ قال: وإنما هذا مثل، قال والرؤساء
أجداده وأعمامه مثل سفيان بن مجاشع، ومحمد بن سفيان، وقوله والحكام يعني الأقرع بن حابس،
وكان حكم العرب في الجاهلية، حتى جاء الإسلام وهو كذلك، يصدرون عن رأيه، وذهب حكمه
ورأيه مع النبوة، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو غسان: وإنما كان الأقرع بن حابس
حكم بين اثنين وهما جرير بن عبد الله البجلي، ورجل من كلب وذلك أنهما تنافرا إليه فحكم بينهما،
قسمته حكم العرب وهذه قصته.
مِنْ كُلِّ أبيضَ في ذُؤابةِ دارِمٍ ... ملكٍ إلى نضدِ الملُوكِ هُمامِ
ويروى أصيد من ذؤابة مالك. قوله أصيد يعني مائل الرأس من الكبر، وأصل الصيد داء يصيب
البعير في الرأس فيميل رأس البعير له، وأصله في البعير ثم نقلوه إلى الإنسان فشبهوه بالكبر لذلك،
لأنه يميل البعير رأسه ويرفعه لذلك، وكأنه متكبر يتبختر. وقوله إلى نضد الملوك، يقول: رجال كرام
أشراف بعضهم إلى بعض - ويقال تراكب أيضا، يقال بالميم وبالباء - قال وكذلك نضد البيوت ما
كان بعضه على بعض من المتاع، قال فشبه رجاله بذلك. ويقال النضد فحسب في الملك مترادف
يقال من قبل الآباء والأمهات، وقال بعضهم النضد في الأعمام والأخوال.
فَاسأل بِنا وبِكم إذا لاقيتم ... جُشَمَ الأراقمِ أوْ بَنِي هَمَّامِ
(2/441)

يريد جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. قال: والأراقم هم من بني تغلب،
وهم جشم بن بكر، وهم رهط مهلهل، وعمرو بن كلثوم. ومالك بن بكر رهط السفاح ورهط القطامي،
وهما يسميان الروقين، وعمرو بن بكر، وفيهم العدد بعد هذين، وثعلبة بن بكر رهط الهذيل بن
هبيرة، ورهط حنش بن مالك، والحارث بن بكر، ومعاوية بن بكر. وقوله أو بني همام يعني همام بن
مرة بن ذهل بن شيبان، فإنه قاد بكرا ما خلا بني حنيفة، وذلك أيام حرب بكر وتغلب، حتى قتلوه يوم
القصيبات، وهم يوم قضة. قال أبو غسان إنما يعني تعال حتى أفاخرك.
منَّا الَّذي جمعَ المُلُوكَ وبينهمُ ... حربٌ يُشبَّ سعيرُها بِضِرَام
ويروى وقودها. سعيرها حرها. وقوله بضرام قال والضرام شدة الالتهاب من النار، ثم صيره
للحرب، وذلك إذا اشتدت وحميت كما يشتد وقود النار والتهابها، قال أبو عبيدة: كان الحارث بن
عمرو الكندي بعث به تُبع مع بكر بن وائل ملكا عليهم، وقد ضيق على المنذر بن ماء السماء، ملك
عذار العراق، حتى ألجأه إلى هيت وتكريت، قال: وكان الحارث أكثر ملوك معد غزواً حتى غلب
على قبائل جمة من العرب غير بكر بن وائل، وكان يقبل وينزل بطن عاقل وكان المنذر يستجيش
الملك الذي وضعه بالحيرة، وهو أنوشروان فلا يمده، فأشار سفيان بن مجاشع بن دارم على المنذر
أن يخطب ابنة الحارث إليه، فقال: لا يزوجني وبيننا دق منشم، ومن لي بمن ينهي ذلك إليه، قال: أنا
لك بذلك فلحق بالحارث، فخطب إليه هندا بنت الحارث، فزوجها إياه، وهي التي يقول لها القائل: يا
ليت هنداً ولدت ثلاثة. قال: فولدت ثلاثة ذكورة بعضهم على رأس بعض، ولدت عمراً مضرط الحجارة
(2/442)

ابن هند، سمي بذلك لشدته. وقابوس قينة العراق ابن هند - وكانت فيه حلية يعني لينا
وليس بالمخنث لقب هو - والمنذر بن هند الأكبر. فتهادنا وكف المنذر عنه، قال وطفئت النائرة
بينهما، ورجع إلى الحيرة. قال فسفيان بن مجاشع هو الذي أصلح بينهما، قال ففخر به الفرزدق على
جرير.
وأَبِي ابْنُ صعصعَةَ بْنِ لَيلَى غالبٌ ... غَلَبَ المُلوكَ ورهطُهُ أعمامِي
خالي الَّذي تَرَكَ النَّجيعَ برُمحهِ ... يومَ النَّقا شَرِقاً عَلَى بِسْطَامِ
قوله خالي يعني عاصم بن خليفة الضبي الذي قتل بسطاما يوم النقا، ويوم الشقيقة ويوم فلك الأميل
ويوم الحسنين. والنجيع الدم الطري. شرق لازق ظاهر على الرمح.
والخَيلُ تنحطُ بالكُماةِ تَرى لَها ... رهجاً بِكُلِّ مُجَرَّبٍ مِقْدامِ
ويروى تنقل بالكُماة، والنقل والنقلان ضرب من العدو. قوله تنحط يعني تزفر، وذلك من الجهد
والشدة.
والحوفزانُ تداركتهُ غارةٌ ... منَّا بأسفلِ أودَ ذِي الآرامِ
ويروى بمدفع أود ذي الأعلام، قال اليربوعي: ليس هو كما قال الفرزدق في الحوفزان، إنما أسر
الحوفزان أبو مليل - وهو عبد الله بن الحارث بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع - وعبد عمرو بن سنان
السليطي، وحنظلة بن بشر، قال: وكان حنظلة بن بشر يومئذ نقيلا في بني يربوع، لم يشهد ذلك اليوم
دارمي غيره، قال: وقد مر حديثه في غير هذا الموضع. قال والآرام واحدها إرمي وإرم وهي حجارة
يوضع بعضها على بعض ليهتدى بها. قال والأرْام الظباء ساكنة الراء. والآرَام
(2/443)

الحجارة متحركة الراء.
مُتجرِّدينَ عَلى الجِيادِ عشَّيةً ... عُصباً مُجَلَّجةً بِدارِ ظَلامِ
يعني ظلام الليل. وقوله مجلجة يعني جادة ماضية لمحاربتها، يريد الخيل والفعل لأصحابها الذين
على الخيل. ويروى مبادرة بدار. ويروى بدار مقام.
وتَرَى عطيَّة ضارِباً بِفنائِهِ ... ربقينِ بينَ حظائرِ الأغنامِ
الربق حبل يشد ممدودا وفيه حبال صغار تشد فيه الجداء والعنوق.
مُتقلداً لأبيهِ كانتْ عندَهُ ... أرباقُ صاحِبِ ثلةٍ وبهامِ
قال: نصب أرباق بمتقلد يريد متقلدا أرباق صاحب ثلة وبهام، وكانت عنده تلك الأرباق. قال
والأرباق الحبال التي تشد بها الغنم وتجمع على معلفها لئلا تفرق فتذهب. قال والثلة الضأن من
الغنم، والبهام الجداء، والعنوق الواحدة بهمة.
ما مَسَّ مذْ ولدتْ عطيةَ أُمُّهُ ... كفَّا عطيَّةَ مِنْ عِنانِ لِجامِ
ويروى مذ خرئت عطية أمه
فأجابه جرير فقال:
سرتِ الهُمومُ فبتنَ غيرَ نيامِ ... وأخُو الهُمومِ يرُومُ كُلَّ مَرامِ
ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةَ الِّلوى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأقوامِ
ضربتْ معارِفَها الروامسُ بعدنا ... وسجالُ كلَّ مُجلجلٍ سَجَّامِ
(2/444)

قوله معارفها ما بقي من آثار الدار مما يعرف مثل الحائط الدارس حتى يبقى جذمه، أو العرصة قد
امحت إلا ما بقي من رسمها وموضعها الذي تعرف به، والروامس من الرياح ذات التراب. والرمس
التراب بعينه، قال والمجلجل يريد صوت الرعد من السحاب، وقوله وسجال يريد مطرة بعد مطرة،
قال والسجل الدلو، وإنما شبه المطر في كثرته به، يريد كأن القطر في عظمه إذا وقع بالأرض كوقع
مصب الدلو في كثرته وعظمه.
ولقَدْ أَراكِ وأَنْتِ جامِعَةُ الهَوى ... نُثني بِعهدِكِ خيرَ دارِ مُقامِ
نصب خير على النداء. قال والمعنى في ذلك ولقد أراك خير دار مقام
فإذا وقفتَ على المنازلَ باللِّوىَ ... فاضَتْ دُموعي غيرَ ذاتِ نظامِ
ويروى دموعك. غير ذات نظام أي تقطر قطرا غير متسق لكثرته.
طرقتكَ صائدةُ القُلوبُ وليسَ ذا ... وقتَ الزيارةِ فارجعي بسلامِ
تُجرِي السِّواكَ على أغرَّ كأنَّهُ ... بردٌ تحدَّرَ منْ مُتون غَمام
لوْ كانَ عهدُكِ كالذَّي حدَّثتنا ... لوصلتِ ذاكَ فكانَ غيرَ رِمامِ
قوله رمام يقول أخلاق الواحدة رمة، ومن العظام رمة، وأنشد لذي الرمة:
أشعثَ باقي رُمَّةِ التقليدِ
إنِّي أُواصلُ منْ أَردتُ وصالهُ ... بِحبالِ لا صلفٍ ولا لوَّامِ
(2/445)

قال والصلف الذي لا خير فيه ولا عنده. قال: ومثل يضرب يقال: رب صلف تحت الراعدة. يعني
رعدا بلا مطر، كما أن كلام الصلف بلا فعل. قال أبو عبد الله: يقال حنطة صلفة إذا كانت قليلة
النزل، وصلفت المرأة عند زوجها قل موقعها، ومن كلام العرب: كم صلف تحت الراعدة. يراد به
الرجل يقل خيره مع ظاهر يستعظم.
ولقدْ أراني والجديدُ إلى بلىً ... في فتيةٍ طُرُفِ الحديثِ كرامِ
ويروى في موكب. ويروى طرفي الحديث. يقول يأتون بكل حديث مستطرف مما يشتهى ويحب
السامع أن يسمعه.
طلبوا الحُمولَ على خواضعَ في البُرى ... يُلحقنَ كُلَّ مُعذَّلٍ بسَّامِ
ويروى يحملن كل. قوله الحمول يعني الظعن وهن النساء على الإبل. وقوله على خواضع، يقو:
هذه الإبل واضعة رؤوسها للسير. وقوله كل معذل يريد كل فتى معذل أي ملوم، يطلب الغزل والناس
يعذلونه، يريد يلومونه على فعله وهو غير منته عما يريد. يقال من ذلك عذلت فلانا وذلك إذا لمته.
لوْلا مُراقبَةُ العُيونِ أريننَا ... مُقلَ المَها وسَوالِفَ الآرامِ
ويروى حدق المها. ويروى مراقبة الغيور. قال والمقلة العين كلها. والمها البقر البيض، قال:
والسالفة صفحة العنق من أعلاه. والآرام ظباء الرمل وهي أحسن الظباء ليلا لسكونها في الرمل.
ونظرنَ حينَ سمعنَ رجعَ تحيَّتِي ... نظرَ الجيادِ سمعنَ صوتَ لِجامِ
كذَبَ العواذلُ لوْ رأينَ مُناخنا ... بحزيزِ رامةَ والمطيُّ سوامِ
(2/446)

قال والحزيز أرض فيها غلظ واستواء. وقوله سوام، يقول رافعة أبصارها وأعناقها. والمطي ما
امتطي ظهره والمطا الظهر. قال أبو عبد الله قال أبو العباس: قوله لو رأين مناخنا وما نلقى ما عذلننا
في الطلب، قال وقوله والمطي سوام يقول هي في بلد لا رعي فيها فهي تسموا بأبصارها إلى موضع
الرعي.
والعيسُ جائِلَةُ الغُروضِ كأنَّهُ ... بقرٌ جوافِلُ أوْ رعيلُ نعامِ
قوله جائلة الغروض لضرها وهزالها. فقد اضطربت حزمها من التعب والسير. قال والغروض
للابل من أدم مثل الحزم للخيل.
نصِّي القُلوصَ بكُلِّ خرقٍ ناضِبٍ ... عمقِ الفجِاجِ مُخَرَّجٍ بقتامِ
ويروى بكل خرق مهمه. قال: والنص النصب للسير، قال: ومنه قولهم منصة العروس. وقوله بكل
خرق ناضب، قال: والخرق الفلاة الواسعة تتخرق الرياح في الفلاة فتفضي إلى فلاة أخرى. وقوله
ناضب أي بعيد، وقوله مخرج يقول: فيه بياض وسواد: قال والعمق البعيد، والفجاج أفواه الطرق،
الواحد منها فج. قال والقتام الغبار.
يدمى على حذمِ السريحِ أظلُّها ... والمروُ مِنْ وهجِ الهجيرةِ حامِ
ويروى من وهج الهواجر. ويروى على جذم. والسريح
(2/447)

السيور التي توصل بها رقاع الاخرى إلى الرسغ.
وقوله على حذم يقول قطع، والسريح سيور النعال، قال: والمرو حجارة بيض وسمر.
والهواجر أشد النهار حراً. قال والأظل ما تحت المنسم من الخف.
باتَ الوسادُ لدى ذِراعِ شملَّةٍ ... وثَنى أشاجعهُ بفضلِ زمامِ
ويروى بات الوساد على قال: والشملة من الإبل السريعة.
إنَّ ابْنَ آكلةِ النُّخالةِ قدْ جَنى ... حرْباً عليكَ ثقيلةَ الأجرامِ
يعني البعيث. قال الجرم الجسد كله، يقال من ذلك رماه بأجرامه، قال وذلك إذا ماه بجسده كله.
خُلقَ الفرزدقُ سوءةً في مالكٍ ... ولخلفِ ضبةَ كانَ شرَّ غُلام
ويروى ولخلف ضبة. يريد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم.
وقوله ولخلف ضبة قال وذلك لأن ضبة أخواله. قال ومنه قول الله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}.
قال أبو عبد الله: الخلف ساكنة اللام من يأتي بعد والخلف متحركة اللام هو البدل.
مهلاً فرزدقُ إنَّ قومكَ فيهُمُ ... خورُ القُلوبِ وخفَّةُ الأحلامِ
الظَّاعنونَ على العَمَى بجميعهم ... والنَّازلونَ بشرِّ دارِ مُقامِ
قوله الظاعنون على العمى بجميعهم، يقول: يركبون ما لا يُبالون
(2/448)

عاقبته من الأمور، ولا يدرون ما هو، ولا يدرون ما يفعلون،
يتبعون صارخهم على عمياء من أمره، ولا يبالون عاقبته، ولا يدرون ما
هو. وقوله والنازلون بشر دار مقام، يقول: يتخير الناس عليهم المنازل فهم يتبعون من المنازل ما
تركه الناس فينزلونه، وذلك لأنهم أذلاء لا منعة عندهم ولا دفع لهم.
لَوْ غيرُكمْ علقَ الزُّبيرُ ورحلهُ ... أدَّى الجوارَ إلى بنِي العوَّامِ
ويروى لو غيركم علق الزبير رحله، وهو أجود، ويريد العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
كانَ العنانُ على أبيكَ مُحرَّما ... والكيرُ كانَ عليه غيرَ حرامِ
عمداً أُعرفُ بالهوانِ مُجاشِعاً ... إنَّ اللِّئامَ عليَّ غيرُ كرامِ
إنَّ المكارمَ قدْ سُبقْتَ بفضلها ... فانسُبْ أباكَ لعروةَ بنِ حِزامِ
تلقَى الضَّفنةَ منْ بناتِ مُجاشِعٍ ... تهذي استُها باخابثِ الأحلامِ
قال الضفنة من النساء الضخمة البطن والجنبين، أي ترى في المنام أنه يُفعل بها.
ما زلتَ تسعى في خبالِكَ سادِراً ... حتى التبستَ بعُرَّتي وعُرامِي
إنِّي إذا كرهَ الرجالُ حلاوتي ... كنتُ الذُّعافَ مُقشَّباً بسمامِ
فيمَ المِراءُ وقْد علوتُ مُجاشِعاً ... علياءَ ذاتَ معاقلٍ وحَوامِي
وحللتُ في مُتمنِّعٍ لوْ رُمتهُ ... لهويتَ قبلَ تثبُّتِ الأقدامِ
وقال الفرزدق لجرير:
لا قوْمَ أكرمُ مِنْ تَميمٍ إذْ غدتْ ... عوذُ النِّساءِ يُسقنَ كالآجالِ
(2/449)

قوله عوذ النساء هُن اللاتي معهن أولادهن، والأصل في عوذ في الإبل التي معها أولادها فنقلته
العرب إلى النساء وهذا من المستعار، وقد تفعل العرب ذلك كثيراً. قال والآجال الفرق من البقر
والظباء واحدها إجل.
الضّاربونَ إذا الكَتيبةُ أحجمتْ ... والنَّازلُونَ غَداةَ كُلِّ نِزال
والضّامِنونَ على المنيَّةِ جارُهْم ... والمطعمونَ غَداةَ كُلِّ شَمالِ
أبني غُدانةَ إنَّني حررتُكُمْ ... ووهبتكُمْ لعطيةَ بنِ جعالِ
قوله حررتكم يعني أعتقتكم وجعلتكم أحراراً.
قال: فلما بلغ عطية هذا البيت، وكان عطية خليلاً للفرزدق قال: جزى الله خليلي عني خيرا. وهو
عطية بن جعال بن مجمع بن قطن بن مالك بن غدانة بن يربوع، وكان عطية من سادة بني غدانة.
فوهبتكُمُ لأحقِّكُمْ بقديمكم ... قِدماً وأفعلهِ لكُلِّ نوالِ
لولاَ عطيَّةُ لأجتدعتُ أُنوفكُمْ ... مِنْ بينِ ألأمِ آنفٍ وسِبالِ
ويروى أعين وسبال، قال: فلما بلغ عطية قوله من بين الأم آنف وسبال قال: ما أسرع ما رجع
خليلي في هبته.
إنِّي كذاكَ إذا هجوتُ قبيلةً ... جدَّعتُهُم بعوارِمِ الأمثالِ
العوارم الخبيثة المشهورة، جدعتهم قطعت آذانهم.
أبنُو كُليبٍ مثلُ آلِ مُجاشِعٍ ... أمْ هلْ أبوكَ مُدعدِعاً كعقالِ
مدعدعاً في حال دعدعته، كأنه قال أم هل أبوك في هذه الحال.
(2/450)

الدعدعة زجر الغنم يقال دعدع وسعسع وسأسأ، قال يريد عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
قال والدعدعة الدعاء بأولاد المعز.
دعدِعْ بأعنُقكَ التَّوائِمِ إنني ... في باذخٍ يابْنَ المراغة عالِ
الباذخ يريد الجبل المشرف المنيع، فأنا كذلك لا يصل أحد إلى أذاتي ولا مساءتي، فضربه مثلا
للتجبر، يقال من ذلك قد بذخ فلان إذا علا وتكبر. قال والتوائم التي يولدن ثنتين في بطن.
وابنُ المراغةِ قدْ تحوَّلَ راهِباً ... مُتبرنساً لتمسكُنٍ وسؤالِ
أي صار يلبس البرنس كما يلبس الرهبان.
ومُكبَّلٍ تركَ الحديدُ بساقهِ ... أثراً من الرَّسفانِ في الأحجالِ
قوله من الرسفان هو مشي متقارب وهو مشي المقيد. والأحجال القيود الواحد حجل، قال وأصل
الحجل الخلخال ثم جعل القيد هاهنا حجلاً، ولما وقع القيد في موضع الخلخال من المرأة سموه حجلاً.
وفدتْ عليْ شيوخُ آلِ مُجاشعٍ ... منهمْ بكلِ مُسامحٍ مِفضالِ
ففدوهُ لا لثوابِهِ ولقدْ يُرى ... بيمينه ندبٌ منَ الاغُلالِ
ويروى أثر. ولقد يرى بيمينه ندباً. ويروى فكوه. قوله ندب يعني أثراً من معالجة العمل والمهنة.
ما كانَ يلبسُ تاجَ آلِ مُحرِّقٍ ... إلاَّهُمُ ومقاولُ الأقوالِ
قوله ومقاول، المقاول ملوك اليمن. قال ويروى ومقاول الأقيال.
(2/451)

فمن رواه الأقيال فجمعه على قيل، ومن رواه الأقوال رده إلى الأصل، كذا فسره أبو عبيدة
والأصمعي.
كانتْ مُنادمةُ المُلوكِ وتاجُهمْ ... لمُجاشِعٍ وسُلافةُ الجريالِ
قوله وسلافة يعني الشراب، وهو ما سال بغير عصر ولا علاج، وهو أجوده قال وسلافة كل شيء
أوله، وهو ما سلف وتقدم. قال والجريال حمرة من كل شيء وكأنه مما سال ويقال هو البقم بعينه ثم
صار لكل حمرة.
ولئنْ سألتَ بني سُليمٍ أيُّنا ... أدنَى لكُلِّ أرُومةٍ وفعالِ
ليُنبئنَّكَ رهطُ معنٍ فأتهمْ ... بالعلمِ والأنفونَ مِنْ سمَّالِ
الأنفون من الأنف. قال ومعن بن يزيد السلمي وسمال من بني سليم وهم رهط عبد الله بن خازم
صاحب خراسان. ويروى والأتقون لأنهم أتقياء لا يكذبون.
إنَّ السَّماءَ لنا عليكَ نُجومُها ... والشَّمْسَ مُشرقَةٌ وكُلُّ هلال
نصبة أي في حال إشراقها.
ولنا معاقلُ كُلَّ أعيطَ باذِخٍ ... صعبٍ وكُلُّ مباءةٍ محلالِ
قوله أعيط هو جبل طويل. والباذخ المشرف من الجبال ومنه يقال بذخ فلان علينا وذلك إذا علا
وتجبر. وقوله مباءة أي محلة يتبوأ فيها يعني ينزلها الناس، قال والمحلال التي يحلها الناس لكرمها
وخصبها.
إنَّ ابنَ أُختِ بَني كُليبٍ خالهُ ... يومَ التَّفاضُلِ أَلاَمُ الأخوالِ
بعلُ الغريبةِ منْ كُليبٍ ممْسكٌ ... منْها بلا حسبِ ولا بجمالِ
(2/452)

الغريبة التي تزوج في غربة تدعى الإطريحة. والسحوب الذي تذهب به امرأته إلى قومها فتجيره.
سُودُ المحاجر سيءٌ لباتُها ... منْ لؤمهنَّ يُنكنَ غيرَ حلالِ
ككلابِ أعبُدِ ثلَّةٍ يتبعنهُمْ ... حملتْ أجنتها بشَرَّ فِحالِ
يعوينُ مُختلطَ الظَّلامِ كما عوتْ ... خلفَ البيوتِ كلابَهْا لعظالِ
قوله لعظال. قال العظال المعاظلة سفاد السباع كلها، نسب نساءهم إلى ذلك، وشبههن بالكلاب إذا
طلبت السفاد فنساؤهم يفعلن هذا الفعل.
يرفعنَ أرجلهُنَّ عنْ مفروكةٍ ... مُقِّ الرُّفُوغِ رحيبةُ الأجوالِ
مفروكة يبغضها زوجها لعيب بها. والرفوغ أصول الفخذين والمغابن. مق طوال واحدتها مقاء،
والذكر أمق بين المقق.
تلَقى الأُيورَ بظُورهنَ كأنَّها ... عصبُ الفراسِنِ أو أُيُورُ بغالِ
تَغلو دِماءُ بَني المراغةِ فيهمُ ... ودماؤُهُمْ وأبيكَ غيرُ غوالِ
يُسلحنَ أنتنَ ما أكلنَ عليهمُ ... لمَّا وجدنَ حرارةَ الإنزال
قوله يسلحن جعلهن عذيوطات - وعذاييط أيضا - قال وذلك أن العذيوط من الرجال والعذيوطة من
النساء، التي إذا جُومعت سلحت عند الفراغ، قال: وكذلك الرجل أيضاً.
إَّني وجدتُ بني كُليبٍ إنَّما ... خُلقُوا وأُمكَ مُذْ ثلاثُ ليالَ
الرفعُ في ثلاث أجود لأنه قد مضى. وأمك خفض على القسم لأنه
(2/453)

حلف بها.
يُزويهمُ الثمدُ الذي لوْ حلَّهُ ... جُرذانِ ما ندَّاهُما ببلالِ
ويروى ما رويا له ببلال. الثمد الماء القليل الملح عليه. قال أبو عبيدة: الثمد ماء المطر يجتمع في
مشاشة من الأرض وهي الحجارة الهشة، فيشرب منها الشهر والشهرين إذا استقيت دلو عاد مثلها.
لا يُنعمونَ فيستثيبوا نعمةً ... لهُمُ ولا يجزُونَ بالإفضالِ
يتراهنُونَ على جيادِ حميرهم ... منْ غايَةِ الغذَوانِ والصلصالِ
قال: والغذوان والصلصال حماران فحلان، والغذوان الذي يُغذي ببول - يفرقه - إذا بال. قال:
والصلصال الصلب الصوت، قال امرؤ القيس
كتيس الظباء الحلب الغذوان
قال: وكأنه من قولهم سمعت صلصة الحديد بعضه على بعض، وذلك إذا اشتد صوته.
وكأنَّما مَسَحوا بوجه حمارهمْ ... ذِي الرقمتينِ جبينَ ذِي العُقَّالِ
قال والرقمتان الحلقتان على كآذتي الحمار. قال والكاذة موضع الرقم منه من أعلى الفخذين، وأسفل
الورك، وهي الناتئة منه، قال وذو العقال فرس معروف بالنجابة.
ومُهُورُ نسوتِهم إذا ما أُنكحُوا ... غذويُّ كُلِّ هبنقعٍ تنُبالِ
(2/454)

قال: الغذوي ما في بطون الحوامل لم ينتج بعد. والهبنقع الذي إذا قعد أقعى على استه، وضم فخذه،
وفرج بين رجليه. قال والتنبال من الرجال القصير.
قال أبو عبد الله: لا أعرفه إلا غدوي بالدال غير معجمة. قال: مهور نسوتهم الحملان ليس يُمهرن
الإبل.
يتبعنهُمْ سلفاً على حُمراتهِمْ ... أعداءَ بطنَ شُعيبةَ الأوشالِ
قوله أعداء يريد النواحي، واحدها عدى كما ترى مقصور، وهو من قول الله عز وجل {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} وهن جانبا النهر. وشعيبة مسيل. والوشل ماء يقطر من الجبل
قليلاً قليلاً.
ويظلُّ مِنْ وهج الهجيرةَ عائذاً ... بالظِّلِّ حيثُ يزولُ كُلِّ مزالِ
يقول يعرف في الهاجرة لأنه لا بيت له ولا بناء يستكن فيه من الشمس.
وحسبتَ حربِي وهي تخطرُ بالقنَا ... حلبَ الخمارةِ يابْنَ أمِّ رِعال
كلاَّ وحيثُ مسحتُ أيمنَ بيتهِ ... وسعيتُ أشعثَ مُحرماً بحلالِ
يريد الحجر الأسود. وقوله بحلال يريد لأحل من إحرامي، ويروى لحلال
تبكي المراغةُ بالرَّغامِ على ابنها ... والناهِقاتُ ينُحنَ بالإعوالِ
(2/455)

قال: المراغة يريد أُم جرير قال والرغام التراب الخشن، وهو الذي ينهال وهو من قولهم للرجل إذا
دعوا عليه، أرغم الله أنفه يعني ألزق الله أنفه بالتراب.
سِوقِي النَّواهقَ مأتماً يبكينهُ ... وتعرَّضي لمُصاعد الفُقالِ
يقول: سلي من يسافر مصعدا أو غير مصعد. وقوله مأتما يبكينه، يقول: ليس من يبكيه إلا الحمير.
وقوله وتعرضي لمصاعد القفال يريد سلي عنه. ويروى لمصعدي القفال.
سرباً مدامِعُها تنوحُ على ابنها ... بالرمَّلِ قاعدةً على جلاَّلِ
جلال طريق لطيءٍ يسلكونه.
قالُوا لها احتسبي جريراً إنهُ ... أودى الهزبرُ بهِ أبو الأشبالِ
ويروى ائتجري جريرا، ومن هذا قول الشمردل يرثي الحكم بن شريك أخاه:
يقولون ائْتَجِز حكما وراحوا ... بأبيضَ لن أراهُ ولن يراني
قوله ائتجري احتسبي جريراً فأنه قد قتله الهزبر وهو الأسد، يعني نفسه أي إني أنا الهزبر قتلت
جريرا.
ألقى عليه يديه ذُو قوميَّةٍ ... وردُ فدقَّ مجامِعَ الأوصالِ
روى أبو عمرو يدق مجامع، الأوصال واحدها وصل ووصل. قوله
(2/456)

ذو قومية يريد ذو قوة وبأس، قال ومجامع الأوصال البطن وهو هاهنا الصلب.
قَدْ كنتُ لوْ نفَعَ النَّذيرُ نهيتهُ ... ألاَّ يكونَ فريسةَ الرِّيبالِ
قال الريبال الأسد الذي يتربل أي يطلب الصيد وحده - ويتريبل أيضا - وذلك لقوته وثقته بنفسه.
إني رأيتكَ إذْ أبقتَ فلمْ تئلْ ... خيرتَ نفسكَ منْ ثلاثِ خِلالِ
تئل تنجو، يقال من ذلك وأل فلان وذلك إذا نجا، وتقول العرب لا وألت إن وألت. يريدون لا نجوت
إن نجوت. ويروى فلم تُبل من المبالاة.
بينَ الرُّجوعِ إلى وهيَ فظيعةٌ ... في فيكَ مدنيةٌ مِنَ الآجالِ
وروى أبو عمرو وهي بغيضة ومريرة، أي لا تقدر أن تتكلم بها لفظاعتها.
أوْ بينَ حيِّ أبِي نعامةَ هارِباً ... أَو بِاللَّحاقِ بطيى الأجبالِ
قال: أبو نعامة يعني قطري بن الفجاءة الخارجي، وهو من بني مازن. وقوله حي أبي نعامة أي هو حي،
تقول فعلت ذاك حي فلان، أي وفلان حي.
ولقدْ هممتَ بقتلِ نفسكَ خالياً ... أوْ بالفِرارِ إلى سفينِ أوَال
فالآنَ يا رُكبَ الجداءِ هجوتُكمُ ... بهجائكُمْ ومُحاسِبِ الأعمالِ
قوله يا ركب الجداء يحقرهم بذلك وينقصهم. وقوله ومحاسب
(2/457)

لأعمال هي يمين حلف بها كما تقول وديان الدين ومحاسب العالمين.
فاسأل فإنكَ مِنْ كُليبٍ والتمسْ ... بالعسكريْنِ بقيةَ الأظلالِ
قوله والتمس بالعسكرين، يعني القريتين قريتي بني عامر وفيهما سوق، وتمر، ونباذون قال: وإنما
يرميه بأن له منزلا في القريتين وأنه ليس ببدوي والأظلال يعني الأخبية لأنها تظلهم من الحر
والبرد.
إنَّا لتُوزنُ بالجبالِ حلُومنُا ... ويزيدُ جاهِلُنا على الجُهَّالِ
فأجمعْ مساعيَكَ القصارَ ووافني ... بعُكاظَ يا ابنَ مُربقِ الأحمالِ
واسألْ بقومكَ يا جريرُ ودارِمٍ ... منْ ضَمَّ بَطْنُ مِنّى مِنَ النُّزالِ
النزال هم الحجاج، وأنشد لعامر بن الطفيل:
أنازلةٌ أسماءُ أمْ غيرُ نازِلهْ ... أبيني لنا يا أسمَ ما أنتِ فاعلهْ
تجدِ المكارمَ والعديدَ كليهما ... في دارمٍ ورَغائبَ الآكالِ
الرغائب كل مالٍ مرغوب فيه. والآكال هي الأموال وهي طعم كانت الملوك تجعلها لأشراف
العرب.
وإذا عددتَ بني كُليبٍ لمْ تجدْ ... حسباً لهُمْ يُوفِي بشسِعِ قِبالِ
لا يمنعونَ لهُمْ حرامَ حليلة ... بمهابةٍ منهُمْ ولا بِقتالِ
ويروى فيهم. ويروى لا يمنعون لهم خدام حليلة والخدام الخلخال، والحليلة المرأة والخليلة الصديقة
بالخاء المعجمة.
أجريرُ إنَّ أباكَ إذْ أتعبتهُ ... قصرتْ يداهُ ومدَّ شرَّ حبالِ
(2/458)

وروى أبو منجوف إن أباك حين ندبته أي دعوته. والحبال أسباب الفخر هاهنا.
إنّ الحجارة لَوْ تكلَّمُ خبرتْ ... عنكُمْ بآلامِ دقةٍ وسِفالِ
لَوْ تعلمونَ غداةَ يُطردُ سبيُكمْ ... بالسَّفْحِ بينَ مُليحةٍ وطِحال
والحوفزانُ مسومٌ أفراسهُ ... والمُحصناتُ يجُلنَ كُلّ مجال
ويروى هل تعلمون. ويروى بالسفح بين روية.
قال أبو عبيدة: أغار الحوفزان بن شريك على بني يربوع بذي بيض فسبى وأخذ الأموال. قال أبو
عبيدة: وذو بيض أرض بين جبلة وطخفة، وهي اليوم لغني والضباب وبنو تميم في شق ذي بيض
الجنبي. قال: وأسر حنظلة بن بشر بن عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم
الحوفزان بن شريك، ثم من عليه بلا فداء، وردَّ ما كان في يديه من المال على بني يربوع. وفي ذلك
يقول الفرزدق يفخر على جرير:
وردَّ عليكم مُردفاتٍ بناتِكُمْ ... بنا يومَ ذي بيضٍ صلادِمُ قُرَّحُ
وعانقَ مِنَّا الحوفزانَ فردَّهُ ... إلى الحيَّ ذو درءٍ عن الأصلِ مرزخُ
قال أبو عبيدة: وربما أنشدوني:
هلْ تعلمُونَ غداةَ يُطردُ سبيُكمُ ... بالسَّفحِ بينَ مُليحةٍ ...
(2/459)

وأيضا بين كُلية. وأيضا بين رؤية وطحال. قال: وهي شيء واحد، وذلك لتقارب بعضهن من
بعض. وذلك لأن بين صحراء طحال الجنبي وبين وضاخ وجبلة ليلة، والسفح عن يسار طخفة
مصعداً إلى مكة. ومليحة قريب من السفح وهو لغني اليوم. والصمد ماء للضباب اليوم، وهو في
شاكلة الحمى في شق ضرية الجنبي. قال وروية وكلية ماءان لغني قريب منهن. والكثيب اسم ماء
للضباب في قبلة طخفة، قال فهن متقاربات. رياء - أي يرى بعضهن من بعض. قال فلذلك اختلفوا
في ألفاظهن، والعرب تستحسن ذلك، أن يجيء الحرف مراراً إذا كان لفظه مختلفاً. والشملي ما يلي
الشمال. والجنبي ما يلي الجنوب.
يحدُرنَ من أُمُلِ الكثيبِ عشيَّةً ... رقصَ اللِّفاحِ وهُنَّ غيرُ أَوال
ويروى يحدين. قوله غير أوال يعني غير تاركات جهداً، كأنه من قولهم لست آلو جهداً يريد لا أترك
جهداً. يحدين يسقين. والأمل جمع أميل وهو الحبل من الرمل.
حتَّى تداركها فوارسُ مالكٍ ... ركضاً بكُلِّ طُوالَة وطُوال
لمَّا عرفنَ وُجوهَنا وتحدَّرتْ ... عبراتُ أعينهنَّ بالإسبالِ
قوله بالإسبال يريد سيلان الدموع متداركا.
وذكرُنَ من خفرِ الحياءِ بقيَّةً ... بقيتْ وكُنَّ قُبيلُ في أشغالِ
وارينَ أسوقهُنَّ حينَ عرفننا ... ثقةً وكُنَّ روافِعَ الأذيالِ
وارين أسوقهن ثقة بأنا سنحميهن ونمنعهن. وقوله وارين يريد سترن أسوقهن منا من الحياء. وقوله
روافع الأذيال يعني للهرب.
بفوارِسٍ لَحِقوا أبُوهُمْ دارِمٌ ... بيضِ الوُجوه عَلى العدُوِّ ثِقالِ
(2/460)

ويروى مالك وهو أبو دارم بيض الوجوه أي لم تسود وجوهم من العار، كما قال الشاعر:
ليسوا كأقوامٍ عرفْتُهُمُ ... سُودِ الوُجُوهِ كمعدنِ البُرمِ
كُنَّا إذا نزلَت بأرضِكَ حيَّةٌ ... صمَّاءُ تخرُجُ منْ صُدُوعِ جبالِ
يُخشَى بوادِرُها شَدخنا رأسها ... بمُشدخاتٍ للرؤوس عوالِ
إنَّا لننزِلُ ثغرَ كُلِّ مُخوفَةٍ ... بالمُقرباتِ كأنَّهنَّ سَعالِ
ويروى لنترك. وقوله بالمقربات يعني الخيل لأنها تقرب مرابطها من بيوتهم لا يدعونها تسرح
وترعى.
قُوداً ضَوامِرَ في الرُّكوبِ كأنَّها ... عِقبانُ يومَ تغيُّمٍ وطِلالِ
ويروى جرر القياد وفي الطراد كأنها. طل وطلال هو الندى.
شُعثاً شَوازِبَ قدْ طَوى أقرابَها ... كرُّ الطِّرادِ لواحقُ الآطالِ
قوله شوازب يريد ضوامر يابسة الجلود. قال والأقراب الخواصر وما يليها. قال: والآطال الخصور
الواحد إطل ويقال إطل. قال أبو عبد الله: ويقال شاسب وشاسف، وحكي شسفوا لحومكم أي يبسوها.
بأُولاَك تُمنعُ أَن تُنفِّقَ بعدَما ... قصَّعتَ بينَ حُزونَةٍ ورِمالِ
قال النافقاء والقاصعاء: جحر اليربوع الذي يدخل فيه ويخرج، والقاصعاء جحر له يحفره حتى إذا
رأى الضوء تركه رقيقا، فإذا احتاج إلى الهرب ضربه برأسه فنقبه وهرب، يقول: أولئك وهي لغة
قريش، وبها نزل القرآن وأولاك وألاك وأولالك وألائك بمعنى واحد، وأنشد لجندل بن المثنى:
(2/461)

وكُلُّ أُلائِكَ غيرُ مُنزربِ ... في الجُحْرِ لمَّا يُنجِهِ شِعْبٌ لَصِبْ
اللصب الضيق. يقول: بفوارسي تمنع أن تطلع رأسك كما يُنفق اليربوع من جحره، ولجحر اليربوع
بابان فمدخله من القاصعاء ومخرجه من النافقاء.
وبِهِنَّ ندفعُ كربَ كُلِّ مُثَوِّبٍ ... وترى لَهَا خُدداً بِكُلِّ مَجالِ
قوله: كرب كل مثوب. قال: فالمثوب الرافع صوته الفزع المستغيث مرة بعد مرة، قال أبو عبيدة:
وكأنه مأخوذ من تثويب الأذان، لأنه يرفع صوته فيدعو إلى الصلاة، كما يدعو المستغيث بالتثويب
إلى النصرة. وقوله: ترى لها يعني للخيل. خددا يعني حفرا. وذلك لأنها تحفر بحوافرها من الاستنان
والمرح، من قوله جل وعلا {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} وهي حفر تخد في الأرض فكأنه مشتق من ذلك
إنّي بَنى لي دارِمٌ عادِيَّةً ... في المَجْدِ لَيْسَ أَرُومها بِمُزالِ
قوله أرومها يعني أصلها. والأرومة الأصل. وقوله إني بنى لي دارم وأبوه الذي ورد الكلاب يعني
جده سفيان بن مجاشع، وكان في الكلاب الأول مع المقتول آكل المرار، وقُتل مع سفيان يومئذ ابنهُ
مرة، وهو أبو مندوسة الذي يقول فيه جرير:
ندسنَا أَبا مُندوسَةَ القَيْنِ بالقَنَا ... ومارَ دَمٌ من جارِ بيبةَ ناقِعُ
قوله ندسنا طعنا والندس الطعن.
وأَبي الَّذي وردَ الكُلابَ مُسوِّماً ... والخيلً تحتَ عجاجِها المُنجالِ
(2/462)

قوله المنجال هو المنفعل من الجولان. وقوله مسوماً يعني معلماً من قوله عز وجل {مِّنَ الْمَلآئِكَةِ
مُسَوِّمِينَ} يعني مُعلمين، يقال من ذلك قد سوَّم القوم وذلك إذا أعلموا ليعرفوا في القتال. قال وليس
يُسوِّمُ إلا الشديد الذي لا يفر ويحب أن يعرف مقامه لترى شدته.
تَمشي كواتِفُها إذا ما أقبلتْ ... بالدَّار عينَ تكدُّسَ الأوعالِ
قوله تمشي كواتفها، قال: الكواتف التي تكتف في المشي، وهو أن ترفع هذه الكتف مرة وهذه مرة،
يقال: مرت تكتف كتفاً إذا مشت كذلك. وقوله تكدس الأوعال يعني توثب الأوعال.
قلِقَاً قلائِدُها تُقادُ إلى العِدى ... رُجُعَ الغِزَيِّ كثيرةَ الأنفالِ
قوله قلقاً قلائدها قال وذاك من الضمر فقلائدها تذهب وتجيء، فهي مضطربة من الجهد والتعب
وطلب الأوتار والغارات. وقوله كثيرة الأنفال، يقول: خيلنا هذه قد رجعت غانمة، قد نالت أملها
وأصابت محبتها.
أكلتْ دوابِرَها الإكامُ فمشْيُها ... ممَّا وجينَ كمشيةِ الأطفالِ
فكأنَّهُنَّ إذا فزعنَ لصارخٍ ... وشرعنَ بينَ سوافِلٍ وعوالِ
قال: الصارخ المستغيث من كرب نزل به. وقوله سوافل وعوال يريد سوافل الرماح وهي الأزجة،
وعوال يريد الأسنة.
وهززْنَ مِنْ جزعٍ أسِنَّةَ صُلَّبٍ ... كجُزوعِ خيبرَ أوْ جُزوعِ أوالِ
ويروى من فزع. يقول هززن خدودهن فجعلها أسنة صلب. قال
(2/463)

والأسنة هاهنا المسان واحدها سنان ومسن، مثل لحاف وملحف،
جعل خدودهن كالمسان، قال: وذلك لعرضها وامليساسها. والصلب
حجارة المسان. وقوله: كجذوع خيبر يقول هززن خدودهن بأعناق طوال كجذوع نخل خيبر.
طيرٌ تُبادِرُ رائِحاً ذا غبيةٍ ... برداً وتسحفُهُ خريقَ شَمالِ
وطيرا أيضا بالنصب. ويروى وتسحفها. وقوله غبية قال: هي دفعة من المطر شديدة ثم تقلع. وقوله
بردا فيه برد. وتسحفه يريد تكشفه فتذهب به. قال والخريق الريح الشديدة الباردة، قال والريح في
الشمال أشد برداً منها في الجنوب، فمن ثم قال خريق شمال شبه الخيل بالطير في مبادرتها إلى
الوكور على هذه الحال.
علقتْ أعنتُهُنَّ في مجرومةٍ ... سُحُقٍ مُشَذَّبَةِ الجُذوعِ طوالِ
يقول علقت الأعنة في أعناق طوال كالنخل، السحق المجرومة، وهي النخل المصرومة، يقال من
ذلك نخل مجرومة ومصرومة بمعنى واحد، وذلك أطول للنخل إذا كانت مجرومة، والسحق الطوال
قال الشاعر:
يا ربِّ أرسِلْ خارِفَ المساكينْ ... عَجاجَةً ساطِعَةَ العَثانِينْ
تحُتَّ ما في السُّحقِ المجانينْ
قال والمجانين من النخل الطوال جدا، الخارجة من حد النخل، فقد صارت إلى حد الإفراط في
الطول، كما خرج المجنون من حد الصحة إلى حد الجنون. قال ابن الاعرابي: سمعت أعرابيا ينشد
هذه الأبيات، ومر بنخل طوال لا يصل إلى أن يأكل منه. قال وإذا شُذب سعف الشجر
(2/464)

كان أطول لها.
تَغشَى مُكلِّلةً عوابِسُها بِنا ... يومَ اللِّقاءِ أسنةَ الأبطالِ
ويروى مكلمة من الجراح. وقوله مكللة يعني حاملة لا تكذب في حملتها، يقال من ذلك كلل السبع إذا
حمل.
ترعَى الزَّعانِفُ حولَنْا بقيادِها ... وغُدُوهنَّ مُروحَ التشلالِ
قوله الزعانف هم التباغ والأجراء والضعفاء من الناس، الواحدة زعنفة، يقول: إذا قُدنا الخيل إلى
الأعداء، رعت الزعانف حولنا آمنين بنا، لا يخافون عدوا يصيبهم لعزنا ومنعتنا، فهم آمنون في
رعيهم. وقوله وغدوهن يعني غدو الخيل. وقوله مروح التشلال، يقول: نحمل الناس على أن يشلوا
نعمهم فيهربوا منا، ويروى ترعى الزعانف حولها لقيادها.
يومَ الشُّعيبةِ يومَ أقدمَ عامِرٌ ... قدَّامَ مُشعَلَةِ الرُّكوبِ غَوالِ
ويروى رعال، ويروى عجال. وقوله يوم الشعيبة، قال: يوم الكلاب، وعامر الذي ذكر هو عامر بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة.
وترَى مُراخيها يثُوبُ لحاقُها ... وردَ الحمامِ حوائرَ الأوشالِ
ويروى حوابي، ويروى مدامع. وقوله وترى مراخيها الواحد مرخاء وهو السهل في عدوه من
الخيل، إذا مر مرا لينا سهلا. وقوله حوائر واحدها حائرة وهو الماء المستنقع المتحير في الأرض،
وذلك لأنه لم يكن له مجرى يجري إليه فتحير بمكانه فبقي. قال: والوشل ما قطر
(2/465)

من الجبل من الماء. وروى أبو عمرو: ورد الذئاب مدافع الأوشال. ويروى بحث السباع مدامع الأوشال.
شُعثاً قدِ انتزعَ القِيادُ بُطونها ... منْ آلِ أعوجَ ضُمَّرٍ وفِحالِ
شُمَّ السَّنابِكِ مُشْرِفٌ أقتارُها ... وإذا انتضينَ غَداةُ كُلِّ صِقالِ
ويروى مشرف أقرابها قوله شم السنابك يعني مشرفات السنابك. ويروى رثم السنابك أي مكسورة،
وذلك من وطئها الحجارة، من قولهم فلان أرثم وذلك إذا كانت سنه مكسورة، قال: والسُّنبك طرف
مقدم الحافر. قال: وأقتارها نواحيها. ويروى رُتم بالتاء معجمة اثنتين أي مكسورة يقال رتم أنفه إذا
دقه، ومن روى رثم أراد أنها ملطخة بالدم.
في جحفلٍ لجِبٍ كأَنَّ شُعاعهُ ... جبلُ الطراةِ مُضعضعُ الأميالِ
قال: الجحفل الجيش الكثير الأهل. وقوله لجب يعني كثير الأصوات، ومضعضع هادم، والأميال
أميال الطرق. يعني أنهم يسوونها بالأرض من كثرتهم. وقوله مضعضع الأميال، يقول: مضعضع
أمياله في السراب. قال: والميل منتهى مد البصر. يقول أمياله تحرك في السراب. ويروى كأن
زهاءه، ويقال كم تزهو هذا؟ أي كم ترى عدده.
يعذمنَ وهيَ مُصرَّةٌ آذانها ... قصراتِ كُلِّ نجيبةٍ شِملالِ
مصرة ناصبة آذانها، قال وذلك أن الرجل كان يركب الناقة ويجنب الفرس، فربما عبث الفرس
فعض عنق الراحلة، قال: والشملال الناقة السريعة الخفيفة، العذم العض بطرف الفم، يريد أن الخيل
تجنب مع الإبل فتعض قصرات الإبل نشاطاً وعبثاً.
وترى عطيَّةَ والأتانُ أمامهُ ... عجِلاً يمُرُّ بِها عَلَى الأمثالِ
(2/466)

ويروى دئلاً من الدألان. ويروى تلقى عطية، وعجلا وعجلا لغتان معروفتان، ويروى بينا عطية.
والأمثال ببطن فلج إكام.
ويظلُّ يتبعهنَّ وهُوَ مقرمدٌ ... مِنْ خلفهنَّ كأنَّهْ بشكالِ
قال مقرمد ومقرمط سواء، وهو تقارب شحو الخطو.
وترَى على كتفْي عطَّيَةِ مائلاً ... أرْباقَهُ عُدِلَتْ لهُ بِسِخال
ويروى وترى عطية ضاربا بفنائه أرباقه يقول ضرب بفنائه أرباق غنمه ثم عدلها ربطها فيها يعني
أنه راع.
وتراهُ مِنْ حمي الهجيرةَ لائذا ... بِالظِّلِّ حينَ يزولُ كُلِّ مَزالِ
يعني أنه لا منزل له يستظل به، فهو يتبع الظل حيث ما زال.
تبعَ الحمارَ مُكلماً فأصابهُ ... بنهيقهِ مِنْ خلفهِ بنكالِ
وابنُ المراغةِ قدْ تحوَّلَ راهِباً ... مُتبرنساً لتمسكُنٍ وسُؤالِ
يمشِي بها حلماً يُعارضُ ثلَّةً ... قُبحاً لتلكَ عطِيَّ مِنْ أعدالِ
ويروى دئلاً يعارض.
ويروى يمشي يعارض ثلة عدلت له. دئل نشيط وقوله حلما يعني قد لصق الحلم في أرفاغه.
نظروا إليَّ بأعينٍ ملعُونةٍ ... نظرَ الرِّجالِ وما هُمُ برجالِ
مُتقاعسينَ على النَّواهِقِ بالضُّحى ... يمرونهنَّ بيابسِ الأجذالِ
إنَّ المكارمَ يا كُليبُ لغيركُمْ ... والخيلَ يومَ تنازُلِ الأبطال
(2/467)

فأجابه جرير فقال
لَمِنِ الدِّيار رُسومهُنَّ خَوالِ ... أقفرْنَ بعدَ تأنُّسٍ وحلال
الأصل: بوال.
عفَّى المنازِلَ بعدَ منزِلِنا بِها ... مطرٌ وعاصِفُ نيرجٍ مِجفَالِ
قال وإنما أراد وعاصف ريح نيرج فأضاف إلى النعت كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} فأقامه مقام
الإسم قال وهذه حجة في النحو، قال والنيرج من الرياح الخفيفة السريعة.
عادَتْ تُقاي عَلى هوايَ ورُبَّما ... حنَّتْ إذا ظَعَنَ الخلِيطُ حمالي
يقول عاد حلمي على جهلي بعد أن كنت أحن إذا بان الخليط والجيران.
ولقَدْ أرى المُتجاورِيِنَ تَزايلُوا ... مِنْ غيرِ ماتِرَةٍ وغَيْر تَقالِ
إنِّي إذا بَسَطَ الرُّماةُ لِغلوِهِمْ ... عندَ الحِفاظِ غلوتُ كُلِّ مُغالِ
ويروى علوت، قوله غلوت من غالاني فغلوته يقول نظرنا أينا أبعد غلوة سهم وإنما هذا مثل
للتفاخر وذكر الأيام والنعم والأيادي.
رُفِعَ المطيُّ بِما وسمتُ مُجاشِعاً ... والزَّنبريُّ يعومُ ذُو الأجلالِ
قوله رفع المطي يقول غني بشعري في البر والبحر. قال والزنبري
(2/468)

العظام من السفن. يقول غني بشعري في البر على المطي وهي الإبل وفي الزنبري
في البحر وهي السفن العظام. وقوله ذو
الأجلال يعني الشرع. ومن قال: رفع المطي أراد ذهب المطي به يعني بشعري.
في ليلتينْ إذا حدوتُ قصِيدةً ... بلغَتْ عُمانَ وطِيءَ الأجْبالِ
هذا تقدُّمنا وزجري مالِكاً ... لا يُردينَّكَ حينَ قينكَ مالِ
قوله مال يريد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
لمَّا رأوْا جمَّ العذابِ يُصيبُهمْ ... صارَ القُيونُ كساقَةِ الأفيالِ
ويروى رجم العذاب وهي جمع رجمة وهي حجارة تجمع. وروى سعدان: لما رأوا رجم العذاب.
يقول: هلكوا كما هلك أصحاب الفيل حين أرادوا هدم البيت.
يا قُرْطُ إنَّكُمُ قرينَةُ خزيةٍ ... واللَّؤْمُ مُعتقلٌ قُيونَ عِقالِ
ويروى رهينة خزية. يريد قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك وهو جد البعيث خاصة،
وإنما أراد البعيث لتحامله عليه. معتقل يقول عقلهم اللؤم عن طلب المكارم أي حبسهم.
أمْسَى الفرزدقُ للبعيثِ جنيبةً ... كابْنِ اللَّبونِ قرينةَ المُشتالِ
ويروى قرينة المشتال. قوله: المشتال يعني الرافع ذنبه وإنما يفعل ذاك إذا ضعف وعجز
واسترخى. ابن اللبون يعني الفرزدق جنبه مع البعيث حين هجاهما. وقوله قرينة يعني البعيث
والفرزدق.
(2/469)

أرْداكَ حينُكَ يا فرزدقُ مُحلِباً ... ما زادَ قومَكَ ذاكَ غيرَ خَبالِ
ولقَدْ وسمتُ مُجاشِعاً بأُنوفِها ... ولقدْ كفيتُكَ مِدحةَ ابنِ جعالِ
قوله ابن جعال هو عطية بن جعال بن مجمع بن قطن بن مالك بن غدانة بن يربوع وكان صديقا
للفرزدق.
فانفُخْ بكيركَ يا فرزدقُ إنَّنِي ... في باذِخٍ لمحلِّ بيتِكَ عاليِ
ويروى وانتظر في كرنباء هدية القفال. كرنباء قرية من قرى الأهواز يقول الحق بهم أي أنك لست
من العرب كأنه جعله من الخوز. وقوله هدية القفال أي إنهم يأتونك من ناحيتي بقصائدي.
لمَّا وليتُ لثغرِ قومِي مشهداً ... أثرْتُ ذاكَ على بنيَّ وماليِ
إنِّي ندبتُ فوارِسِي وفعالهُمْ ... وندبتَ شرَّ فوارسٍ وفعالِ
قوله ندبت يريد رفعت صوتي مثل النائحة تندب ميتها. يقول: ذكرت فعال فوارسي ومآثرهم،
وذكرت فعال فوارسك فكانوا شر مندوبين. يقول: ليس لهم خير يعرفون به فندبوا بشر فعال.
نحنُ الولاةُ لكُلِّ حربٍ تُتقَّى ... إذْ أنْتَ مُحتضِرٌ لكيركَ صالَ
منْ مِثلُ فارِسِ ذي الخمارِ وقعنَبٍ ... والحنتفينِ لليلةِ البلبالِ
قوله: فارس ذي الخمار يعني مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وذو
الخمار اسم فرسه. وقعنب بن عمرو بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع. قال: والحنتفان ابنا
أوس بن أهيب بن حميري بن رياح بن يربوع. والبلبال الاختلاط للفزع.
(2/470)

والرِّدفِ إذْ مَلَكَ المُلوكَ ومنْ لهُ ... عظمُ الدَّسائِعِ كُلَّ يومِ فِضالِ
قوله والردف إذ ملك الملوك، قال: فأرداف الملوك في بني يربوع من بني رياح. قال وأول من
ردف عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، ثم عوف بن عتاب، ثم يزيد بن عوف، على عهد المنذر
بن ماء السماء. وأراد المنذر أن يجعل الردافة في بني دارم للحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن
مجاشع بن دارم، فأبى بنو يربوع ذاك عليه فحاربهم، وقد كتبت حديثه فلم تزل الردافة في بني
يربوع حتى قتل كسرى ابرويز النعمان الأصغر، وهو النعمان بن المنذر بن المنذر بن النعمان بن
امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر. فأهل اليمن يقولون: نصر ابن ربيعة بن الحارث بن مالك
بن عمم بن نمارة بن لخم. وأما علماء أهل العراق فيقولون: نصر بن الساطرون بن السيطرون ملك
السريانيين. وهو صاحب الحضر جرمقاني من أهل الموصل، من رستاق، يدعى باجرمي. وأما
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، فنسبهم إلى معد بن عدنان. قال: وكان
عمال الأكاسرة لم يكن أحد من العرب أكثر غارة على أهل مملكتهم من بني يربوع، فصالحوهم على
أن جعلوا لهم الردافة وان يكفوا عن الغارة على أهل العراق. وكان الرادفة أن يجلس الملك ويجلس
الردف عن يمينه فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، وغذا غزا الملك جلس الردف في مجلسه
وخلفه الملك على الناس حتى يرجع من غزاته. قال رجل من بني تميم:
ومن يناد آل يربوع يُجَبْ ... يأتِكَ منهم خيرُ فتيانِ العربُ
المجلسُ الأيمنُ والرِّدفُ المُحبْ
(2/471)

قال وإذا أغارت كتيبة الملك أخذ الردف المرباع وذلك قول جرير:
رَبَعنا وأردفنا الملوك فَظَلِّلوا ... وطابَ الأحاليبِ الثُّمامَ المنزّعا
المنزع هو الثمام ينزع ويقتلع من أصله فتبرد به أو طاب اللبن. قال وكانت للردف إتاوة يأخذها من
جميع مملكة المنذر وذلك قول جرير أيضا:
وكان لنا خرجٌ مقيمٌ عليكم ... وأسلابُ جَبَّارِ الملوكِ وجاملُه
وقال لبيد أيضاً في ذلك:
وشهدتُ أنجيةَ اُلأفاقة عالياً ... كعبي وأرداف الملوك شهودُ
ونصرتُ قومي إذ دعتني عامرٌ ... وتقدمتُ يومَ الغبيطِ وفودُ
وتدافعت أركان كل قبيلة ... وفوارس الملك الهمام تذودُ
وقال لبيد أيضا:
ويوما بصحراء الغبيط وشاهدي ال ... مملوكُ وأردافُ الملوكِ العراعرُ
وقال لبيد أيضا في ذلك:
أبني كِلاب كيف تُنفَى جعفرٌ ... وبنو ضبيبة حاضرو الأجباب
(2/472)

يرعَون منعرج اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب
متظاهر حَلَقُ الحديد عليهم ... كبني زُرارة أو بني عتَّاب
وبقولهم عرفتُ ربيعةُ كلُّها ... غَضَبَ الملوك وبسطةَ الأرباب
وقال في ذلك الأحوص وهو يزيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع -
وفي نسخة وهو الصحيح وقال شُريح بن الحارث اليربوعي -:
وكنت إذا ما باب ملك قرعته ... قرعت بآباء ذوي حسب ضخمِ
بأبناء عَتابٍ وكان أبوهم ... على الشرف الأعلى بآبائه ينمي
هُمُ ملكوا الأملاك آل محرقٍ ... وزادوا أبا قابوس رَغماً على رغم
وقادوا بِكُرهٍ من شهابٍ وحاجبٍ ... أُنوفَ معدٍّ بالأزمَّةٍ والخُطم
علا جدُّهم جَدَّ الملوكِ وأطلقوا ... بطِخفةَ أبناء الملوكِ على حكم
أنا ابنُ الذي ساد الملوكَ حياتَهَ ... وساسَ الأُمورَ بالمروءةِ والحِلم
وهيهات من أنقاضِ فَقْعٍ بقَرقرٍ ... بُدورٌ أنافت في السماء على النجم
وكنا إذا قومٌ رَمْينا صفاتهم ... تركنا صدوعاً بالصَّفاةِ التي نرمي
حَمَينا حِمَا الأُسد التي لشبولها ... تجرُّ من الأوصال لحماً إلى لحم
ونرعى حِمَى الأَقوام غيرَ محرَّمٍ ... علينا ولا يُرعَى حِمانا الذي نحمي
قال فهذا كانت الرادفة على ما فسرت لك وقالت الشعراء.
رجع إلى شعر جرير:
الذّائدُونَ إذا النِّساءُ تُبُذِّلَتْ ... شَهْباءَ ذاتَ قَوانِسٍ ورِعالِ
(2/473)

ويروى تردفت. ويروى تبدلت أي تبدلت النساء بقومهن كتيبة شهباء لأنهم سبوهن. والذائدون
الدافعون. قال وشهباء يعني الكتيبة شبهها بالشهب لبياض الحديد وبريقه. وقوله ذات قوانس،
القوانس: أعلى البيض. ورعال أي فرق.
قَوْمٌ غَمَّوا أَباكَ وفيِهمُ ... حَسَبٌ يقوتُ بَنِيِ قُفَيْرةَ عالِ
ويروى هم غمروا ويروى قوم هم عزوا أباك من قولهم من عزَّ بزَّ أي من غلب سلب يقال بزه ثوبه
وبزه سلاحه وذلك إذا غلبه فسلبه، يقول فهم عزوا أباك وغلبوه على أمره من ذلك.
إنِّي لَتَستَلِبُ الملوكَ فوارِسي ... ويُنازِلونَ إذا يُقالُ نَزالِ
مِنْ كُلِّ أَبيضَ يُستضاءُ بِوجههِ ... نَظرَ الحجيج إلى خُروجِ هِلالِ
تَمْضي أَسِنَّتُنا وتَعلُم مالِكٌ ... أَنْ قَدْ منعتُ حُزونَتيِ ورِماليِ
فَاسألْ بِذِي نَجبٍ فوارِسَ عامِرٍ ... وأَسالْ عُيينَةَ يَومَ جِزْعِ ظِلالِ
قال أبو عبد الله: لا أعرفه إلا بالظاء معجمة ظلال. عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر بن عمرو
بن جوية بن لوذان بن عدي بن فزارة وكان أغار على الرِّباب فأدركه بنو يربوع فاستنقذوا ما في
يديه.
قال أبو عبيدة: فاسأل بذي نجب. قال وذاك أن بني عامر بن صعصعة أتوا معاوية بن الجون
الكندي فاستنجدوه على بني تميم، وأخبروه بوقعة جبلة بهم وهو بعد جبلة بحول. قال فوجه معهم
اليهم عمرا وحسان وأمهما كبشة ورجلا آخر منهم فقتل حُشيش بن نمران - قال أبو عبد الله لا
أعرفه إلا جشيش بالجيم - أحد بني حميري بن رياح بن يربوع عمراً هذا. قال: وقد ذكره جرير في
قصيدة غير هذه
(2/474)

فقال جرير في تصداق ذلك:
لقد صدع ابن كبشة إذ لحقنا ... حُشَيشٌ حيث تفليه الفوالي
قال وأسر يومئذ دريد بن المنذر بن حصبة بن أزنم حسان بن كبشة وفي تصداق ذلك يقول جرير،
قال: وذلك يوم واقف الفرزدق:
جيئوا بمثل قعنب والعَلَهان ... أو كدريد يوم شد حسان
قال وقتلوا يومئذ عمرو بن الأحوص، قتله خالد بن مالك النهشلي بأبيه مالك. وكان مالك قتل يوم
جبلة. قال وأما قوله وأسأل عيينة يوم جزع ظلال: فظلال عن يسار طخفة وأنت مصعد إلى مكة،
وهو لبني جعفر بن كلاب. فأغار عيينة بن حصن على بني جعفر واستحف أموالهم وأموال المسلمين
المجاوريهم أحدهم أنس بن عباس الرعلي.
يا رُبَّ مُعْضِلَةٍ دَفعْنا بَعدَما ... عَيَّ القُيونُ بِحيلَةِ المُحتالِ
قوله معضلة يريد داهية وهي الشديدة المعيية تعيي الناس. قال: ومنه قول عمر بن الخطاب: أعضل
بي أهل الكوفة، أي أعيوني. ومنه قولهم عضلت المرأة إذا ولدت فنشب الولد فلم يخرج. فهو من
ذلك. وهو من الشدة والأمر الصعب.
إنَّ الجِيادَ يبِتْنَ حولَ قِبابِنا ... مِنْ آل أعوجَ أوْ لِذِيِ العُقَّالِ
يقول خيلنا مكرمة ندنيها منا لكرمها، فهي لنا في الطلب، والأمر
(2/475)

النازل بنا ليلا أو نهارا لأنا مطلوبون،
فخيلنا قريبة منا لذلك فهي حول قبابنا. وقوله من آل أعوج أو لذي العقال وهما فحلان
نجيبان معروفان بالنجابة والفراهة. قال: وقال أبو عبيدة النزيع من الخيل والناس الذي أمه غريبة.
قال وإذا كانت غريبة لم تُضو ولدها - يقول لم تلدهم مهازيل دقاقا - وأجادت به.
قال أبو عبيدة فحدثني شهاب بن أبي عباس بن مرادس قال كان أعوج لكندة فلما لقيناهم يوم علاف
ابتززنا أعوج فيما ابتززنا منهم، فكان نقيذا لبني سليم ثم صار إلى بني هلال بن عامر. قال وذو
العقال كان في الجاهلية مجيدا يفتخر به - يعني يلد الجياد من الخيل - وكان لبني رياح بن يربوع.
قال وكان في الإسلام أيضاً ذو العُقَّالِ لجرم ولم ينسب إليه شيء.
مِنْ كُلِّ مُشترفٍ وإنْ بعُدَ المَدى ... ضَرِمِ الرِّقاقِ مُناقِلِ الأجْرالِ
قوله مشترف يقول هو منتصب مشرف. قال والمدى غاية الرهان التي ينتهي إليها. قال ومدى
الشيء غايته. وضرم الرقاق، يقول: هو كالحريق إذا كان في الرقاق. قال: والرقاق الأرض اللينة
وفيها صلابة. والأجرال الحجارة واحدها جرل. قال ومناقلته أن يضع يده ورجله على غير حجر
يحسن نقلهما في الحجارة لحذقه وفراهته ومعرفته بوضع يده ورجله.
مُتقاذِفٍ تلِعٍ كأَنَّ عِنانَهُ ... عَلِقٌ بِأجردَ مِنْ جُذوعِ أوال
قوله متقاذف يقول يرمي بنفسه رمياً يقذف بها قذفا، وذلك لجرأته وحده نفسه وذكائه. وقوله تلع
يقول: هو منتصب العنق. وقوله أجرد
(2/476)

هو الجذع الذي قد تحات كربه. قال: وإنما شبه طول عنق الفرس بهذا الجذع الذي قد تحات كربه.
صافي الأدِيِم إذا وضعتِ جلالَهُ ... ضافي السَّبِيبِ يبَيِتُ غيرَ مُذالِ
قوله السبيب هو شعر الناصية. وقوله ضافي وهو السابغ التام الخلق. قال وقوله غير مذال يريد
غير مهان ولا مضاع.
والمُقرباتُ نقودُهُنَّ عَلى الوجَى ... بحثَ السِّباعِ مَدامِع الأوْشالِ
قوله المقربات: هي الخيل التي تقرب وتربط مع بيوتهم، وذلك أنهم يتقون عليها البرد والحر وذلك
من كرامتها عليهم، وأنهم إن فزعوا ركبوها. قال والوجى الحفى.
تِلْكَ المكارمُ يا فرزدقُ فأعترفْ ... لا سوقُ بكرِكَ يومَ جوفِ أُبالِ
ويروى جرف أبال. ويروى جوف وبال. وهو يوم لبكر بن وائل على بني دارم. قال ووبال على
يسارك وأنت مصعد إلى مكة.
أَبنِي قُفيرةَ مَنْ يُورِّعُ وردَنا ... أَمْ مَنْ يقومُ لِشدَّةِ الأحمالِ
قوله يورع يعني يكف ويحبس. والأحمال من بني يربوع، وهم سليط وعمرو وصبير وثعلبة. وأمهم
السفعاء بنت غنم من بني قتيبة ابن معن، من باهلة وولدها في بني سعد يسمون الجذاع.
أَحَسِبْتَ يَوْمَكَ بِالوقيطِ كَيوْمِنا ... يوْمَ الغَبِيطِ بقُلَّةِ الأَرْحالِ
قال أبو عبد الله: الرواية بقنة يوم الغبيط بالنصب أراد كوقعة يوم الغبيط ونصب ذلك على المعنى.
(2/477)

وهذا يوم الوقيط
قال أبو عبيدة: حدثنا فراس بن خندق قال تجمعت اللهازم - واللهازم قيس، وتيم الله ابن ثعلبة بن
عكابة، وعجل بن لجيم، وعنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار - لتغير على بني تميم وهم غارون.
فرأى ذلك ناشب بشامة العنبري الأعور وهو أسير في بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن
ثعلبة، فقال لهم ناشب: أعطوني رسولا أرسله إلى أهلي، وأوصيه ببعض حاجتي، وكانوا اشتروه من
بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فقال له بنو سعد: ترسله ونحن حضور، وذلك مخافة أن ينذر
قومه. قال: نعم. فأتوه بغلام مولد، فقال أتيتموني بأحمق، قال الغلام: والله ما أنا بأحمق. فقال
الأعور: إني أراك مجنونا. قال: والله ما بي من جنون. قال: فالنيران أكثر أم الكواكب؟ قال:
الكواكب وكل كثير. فملأ الأعور كفه من الرمل، فقال له: كم في كفي؟ قال: لا أدري، وإنه لكثير ما
أحصيه، فأومأ إلى الشمس بيده وقال له: ما تلك؟ قال: هي الشمس. قال: ما أراك إلا عاقلا ظريفا،
أذهب إلى أهلي فأبلغهم عني التحية والسلام، وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم ويكرموه، فإني عند قوم
يحسنون إليَّ ويكرمونني - وكان حنظلة بن طفيل المرثدي في أيدي بني العنبر - وقل لهم فليعروا
جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العيساء، وليرعوا حاجتي - يعني ينظروا في أبيني مالك، وأخبرهم أن
العوسج قد أورق، وأن النساء قد اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فأنه مشئوم محدود، وليطيعوا
هذيل بن الأخنس، فانه حازم ميمون. فقال له بنو قيس من أبينو مالك؟ قال بنو أخي. فأتاهم الرسول،
فأخبرهم وأبلغهم. فلم تدر عمرو بن تميم ما الذي أرسل به
(2/478)

إليهم الأعور، وقالوا ما نعرف هذا الكلام،
ولقد جن الأعور بعدنا، ما نعرف له ناقة يختصها، ولا جملاً. وإن إبله عنده لبأج واحد فيما نرى.
فقال هذيل بن الأخنس للرسول: اقتص عليَّ أول قصته. فقص عليه أول ما كلمه به الأعور، وما
رجعه إليه حتى أتى على آخره، فقال هذيل: أبلغه التحية إذا أتيته وأخبره أنا سنوصي بما أوصى به.
فشخص الرسول ثم نادى هذيل يا للعنبر قد بيَّن لكم صاحبكم: أمَّا الرمل الذي جعل في يده فإنه
يخبركم أنه قد أتاكم عدد لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول إن ذلك أوضح من
الشمس، وأما جمله الأحمر فالصمان يأمركم ن تعروه يعني ترتحلوا عنه، وأما ناقته العيساء فإنها
الدهناء يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبينو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم ما حذركم وأن تمسكوا
بحلف بينكم وبينهم، وأما إيراق العوسج فإن القوم قد اكتسوا سلاحاً، وأما اشتكاء النساء فيخبركم أنهن
قد عملن الشكاء يريد خرزن لهم شكاء وعجلا يغزون بها. قال: فحذرت عمرو بن تميم فركبت
الدهناء وأنذروا بني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، فقالوا ما ندري ما تقول بنو الجعراء -
قال: والجعراء لقب، قال: والجعراء الضبع يقال جعراء وجعار وجيعر، قال: ما ندري ما تقول بنو
العنبر - ولسنا متحولين لما قال صاحبهم. قال فصبحت اللهازم بن حنظلة ووجدوا عمراً قد أجلت
وارتحلت، وإنما أرادوهم على الوقيط، وعلى الجيش أبجر بن جابر العجلي. قال وزعمت بنو قيس
أن مرثد بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد ابن عمرو مساند لابجر. قال: وشهدها ناس من بني تيم
اللات، وشهدها الفزر بن الأسود بن شريك، من بني شيبان، فاقتتلوا فطعن
(2/479)

بشر بن العوراء من بني تيم اللات، ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
وأخذه فلما رأى ضرار الفزر، قال: لست أسيرك.
قال: الفزر بلى فاحتقا فيه، فجزت بنو تيم اللات ناصيته، وخلوا سربه تحت الليل مضادة للفزر،
فأغار الفزر على إبل بشر بن العوراء. وفي ذلك يقول أبو فرقد التيمي:
هم استنقذوا المأموم من رهط طيسل ... وردوا ضرارا في الغبار المنضح
المنضح المخيط يعني الغبار كانه مخيط يتلو بعضه بعضا. وبارز عمرو بن قيس من بني ربيعة بن
عجل، ثم أحد بني زلة العجلي، عثجل ابن المأموم من بن شيبان بن علقمة بن زرارة، فأسره عمرو
ثم من عليه، ففخر بذلك الفضل بن قدامة أبو النجم العجلي فقال:
وهنَّ يرقَّصن الحصا المُرملا ... بالقاع إذ بارز عمروٌ عثجَلا
وعير جرير بن دارم بأسر ضرار وسبي غمامة بنت الطود فقال:
أغمامَ لو شهدَ الوقيطَ فوارسي ... ما قِيدَ يُعتلُ عثجل وضرارُ
فأسر طيلسة بن زياد أحد بني ربيعة بن عجل حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، فاشتراه
الوراز بن الوراز بمائة بعير، ثم حبسه معه، فلم يوفه، فقدم الكوفة ليفاديه وبها علي بن أبي طالب -
رضي الله عنه - فأتاه نفر من بني حنظلة الذين كانوا بالكوفة فقالوا أإسار في الإسلام؟ فقال: لا.
وبعث فانتزعه من الوراز. قال: ولم يكن الوراز وفى بني عجل فداء حنظلة. فلما كانت فتنة ابن
الزبير، وثب بنو عجل
(2/480)

فأخذوا من الوراز مائة بعير. قال: وزعم آخرون أن أم الوراز من بني ربيعة
بن عجل، فصالحهم على خمسين بعيراً، وتركوا له خمسين. فقال يزيد بن الجدعاء العجلي في المأموم.
وهم صبحوا أخرى ضرارا ورهطه ... وهم تركوا المأموم وهو أميمُ
وقال عمرو بن عمارة التيمي في عثجل والمأموم:
وصادف عثجلٌ من ذاك مُرّاً ... مع المأمومِ إذ جدَّا نِفارا
قال وأسر حنظلة بن عمار، من بني شريب بن ربيعة بن عجل، جويرية بن بدر من بني عبد الله
بن دارم، ثم من بني عبيد بن زرارة. فلم يزل في الوثاق حتى رآهم ذات يوم قد قعدوا شربا، وهو
زوج غمامة بنت الطود. فأنشأ يتغنى رافعاً عقيرته:
قائلةٍ ما غالهُ أن يزورنا ... وقد كنتُ عن تلك الزيارةِ في شغل
وقد أدركتني والحوادثُ جمَّةٌ ... مخالبُ قوم لا ضعافٍ ولا عزلِ
سِراع إلى الجُلَّى بطاءٍ عن الخنَا ... رزانٍ لَدى الناديَّ في غير ما جهل
لعلَّهُمُ أن يمطروني بنعمةٍ ... كما صاب ماءُ المزن في البلد المحل
فقد يُنعشُ الله الفَتى بعد عثرةٍ ... وقد تَبتني الحسنى سراةُ بني عجل
فلما سمعوها أطلقوه. وأسر جابر بن حرقصة أحد بني بجيرة من
(2/481)

بني ربيعة بن عجل نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وأسروا العم ابن ناشب.
وأسروا حاضر بن ضمرة. وأسروا سنان بن عمرو، أحد بني سلامة بن كندة بن معاوية بن عبد الله بن دارم،
وأسر الهيش بن صعصعة من بني الحارث بن همام الخفيف بن المأموم فمن عليه. وهرب عوف بن القعقاع عن أخويه، ففات. وهرب مالك بن قيس وفي ذلك يقول عمير بن عمارة التيمي.
وأفلتنا ابنُ قعقاعٍ عويفٌ ... حثيث الركضِ واحتطُّوا ضِرارا
فإن تكُ يا عويفَ نجوتَ منها ... فقِدماً كنتَ منتخباً مطارا
وكم غادرنَ منكم من قتيل ... وآخر قد شددناه إسارا
كذاك الله يجزى من تميم ... ويرزقها المساءَة والعثارا
ونجى مالكا منا ابنَ قيسٍ ... أخو ثقة يؤم به القفارا
وصادف عثجل من ذاك مراً ... مع المأموم إذ جدّا نفارا
وغادرنا حكيما في مجال ... صريعاً قد سلبناه الإزرارا
مددنا غارة ما بين فلْج ... وبين لَصَافِ نوطئها الديارا
فلما شعروا بنا حتى رأونا ... على الرايات ندَّرع الغبارا
وقال يزيد بن الجدعاء في فرار عوف:
وقد قال عوفٌ شمتُ بالأمسِ بارقاً ... فلله عوفٌ كيف ظلَّ يشيمُ
ونجاه من قتلى الوقيطِ مُقلِّصٌ ... يعضُّ على فاْس اللِّجامِ أزومُ
قال ولحق وراز التيمي حكيماً النهشلي وهو يرتجز:
ماويَّ لن تراعي ... رحيبةٌ ذراعي=بالكَرِّ والإيزاعِ
فشدَّ عليه وراز فقتله، ولم يقتل من بني نهشل يومئذ غير حكيم،
(2/482)

فقال شاعر بني نهشل:
أَتنَسى نهشلٌ ما عند عجلٍ ... وما عند الوُرازِ من الذحول
قال وزعم الأغر أنه لم يشهد يوم الوقيط من بني نهشل غير حكيم هذا. قال فقاتل فأثخن في القوم
وجعل يقول وهو يقاتل ويرتجز:
كلُّ امرئٍ مصبَّحٌ في أهله ... والموت أدْنَى من شِراكِ نعلِهِ
فقُتل، فرثاه أبو الحارث بن نهيك الأصيلع فقال:
حُكيمٌ فدى لك يومَ الوقي ... طِ إذ حضرَ الموتُ خالي وعمْ
تعوَّدتَ خيرَ فِعالِ الرِّجا ... لِ فَكَّ العُنَاةِ وقتلَ البُهمْ
وما إن أَتَى من بني دارمٍ ... نعيُّكَ أشمطَ إلا وجَمْ
وفقَّأَ عينيَّ تبكاهما ... وأورثَ في السمع مني صَممْ
فما شاءَ فليفعلِ المؤْيدا ... تُ والدهرُ بعد فتانا حَكَمْ
فتىً ما أضَلَّتْ به أُمُّهُ ... من القومِ ليلةَ لا مُدَّعَمْ
يجوبُ الظلامَ ويهدي الخميسَ ... ويُصبح كالصَّقْرِ فوقَ العلمْ
وقال أبو الطفيل، عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد - ويروى عمير بن خالد بن محمد:
حكَّت تميمٌ برْكَها لمَّا التقتْ ... راياتُنا ككَواسِرِ العِقبانِ
يومَ الوقيطِ بجحفلٍ جَمَّ الوَغَا ... ورماحُها كنوازِع الأشطان
وقال أبو مهوش بن ربيعة بن حوط الفقعسي، يعير بني تميم بيوم
(2/483)

الوقيط:
وما قاتلت يومَ الوقيطينِ نهشلٌ ... ولا الأسكَتُ الشُّؤْمَي فُقيمُ بنُ دارمِ
الأسكت حرف الفرج وهو منبت الشعر.
ولا قصبٌ جوف رجالِ مجاشعٍ ... ولا قشرَ الأستاهُ غيرُ البراجِمِ
وقال أبو مهوش أيضا:
ذَهبتْ فشيشةُ بالأباعِرِ حولَنا ... سَرقا فصُبَّ على فشيشةَ أبجرُ
عضَّتْ أُسيِّدُ جِذْلَ أيْرِ أبيهم ... يومَ الوقيطِ وخُصيتيه العنبُر
ويروى جذم. قوله فشيشة يريد أنهم ينفشون من الغضب، وأبجر يعني أبجر بن جابر العجلي. قال:
فتدافعت بنو تميم فشيشة، فقال أبو مهوش: ألا أبلغ لديك بني تميم .. فكلهم فشيشة أجمعونا وقال في
ذلك العجاج:
لَوَ انّ سعْداً هي جاشَ بحرُها ... وأُلجمت مُهرتُها ومُهْرُها
قُبّاً تَعادَى بتوالٍ ضبرُها ... يومَ الوقيطِ ما استُحِفَّ نفرَّها
ما استُنكحتْ عوانُها وبِكرُها ... أيامَ فرَّتْ مالكٌ وعمرُها
وتركتْ قتلَى أُضيعَ شطرُها ... لا يُستطاع في ليالٍ قبرُها
قال: واشترك في غمامة بنت الطود بن عبيد بن زرارة، الخطيم بن
(2/484)

هلال واسمه النعمان من بني شريب بن ربيعة بن عجل، وظربان - بالظاء معجمة - ابن زياد - من بني شريب –
وقيس بن الخليد - من بني الأسعد - ورديم ووراز التيمي. قال: فأتوا بها أهلها، فوجدوهم يشاتمون بني عمهم،
ورجل منهم يعيرهم بذلك في رجز له وهو يقول:
سَلُوا الخُطيمَ اليومَ عن غمامَهْ ... خالَمهَا فرضيَتْ خِلامَهْ
وقال أيضاً:
فهلاَّ من رُديْمٍ أو وُرَازٍ ... منعتُمْ فرجَ حاصِنَةٍ كَعابِ
فأَشهدُ أنه قد حلَّ منها ... محلَّ السيفِ من قعرِ القِرابِ
فلما سمعوا ذلك، انسلوا حتى أتوا رحل الحفيف بن المأموم فنزلوا عليه. ويقال الخفيف بن المأموم
بالخاء معجمة. وكان الهيش بن صعصعة الشيباني أسر الحفيف، فمنَّ عليه، فلذلك لاذوا به. ثم قال
بعضهم لبعض انطلقوا أيها القوم فمالكم عند القوم ثواب مع ما سمعتم فرجعوا. ومرَّت اللهازم يومئذ
بعد الوقعة على ثلاثة نفر من بني عدي بن جندب بن العنبر: وزر، وجذمر، وشريك. لم يكونوا
برحوا مع قومهم، فلحقوا بالدهناء معهم، ولم يشهدوا القتال مع بني دارم، فكانوا يرعون نقا. فقاتلوا
من دون إبلهم حتى طردوها فحرزوها وجعل وزر يقاتلهم، ويرميهم ويرتجز، ويقول:
نحن حميْنا يومَ لا يَحمِى بَشرْ ... يومَ الوقيطِ والنِّساءُ تُبتقرْ
قوسٌ تَنقَّاها من النَّبعِ وزرْ ... ترنُّ إن تُنازعُ الكفُّ الوترْ
حجريةٌ فيها المنايا تستُعرْ ... تحفزُها الأوتارُ والأيدي الشُّعُرْ
قال أبو عبيدة: وأما
(2/485)

حديث يومِ الغبيطِ
غبيط المدرة، فإن سليطا، وزبان الصبيري وجهما السليطي، قال: غزا بسطام بن قيس ومفروق بن
عمرو، والحارث الحوفزان بن شريك، بلاد بني تميم، فأغاروا على بني ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن
سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا متجاورين بصحراء فلج،
فاقتتلوا فهزمت الثعالب، وأصابوا فيهم، واستاقوا إبلا من نعمهم، قال: ولم يشهد عتيبة ذلك اليوم، لأنه
كان نازلا في بني مالك بن حنظلة بن مالك، ثم امتروا على بني مالك - قوله امتروا: افتعلوا من
المرور - قال: وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاكتسحوا إبلهم. قال: فركبت عليهم بنو مالك،
وفيهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي، وفرسان بني يربوع تأثف البكريين - قوله: تأثف
يريد تتبعهم وتحوطهم مثل ما تأثف الأثافي الرماد - منهم الأحيمر بن عبد الله، وأسيد بن حناءة،
وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحي، وهو رئيس بني يربوع، وربيع، والحليس، وعمارة - وبخط
عثمان بن سعدان جزول ويقال جرول - بنو عتيبة بن الحارث بن شهاب، والدراج أحد بني ثعلبة،
ومعدان، وعصمة ابنا قعنب بن سمير الثعلبي، والمنهال بن عصمة الرياحي، وهو الذي يقول فيه
متمم بن نويرة:.
لقد كَفَّنَ المنهالَ تحت ردائِهِ ... فتىً غيرَ مِبطانِ العَشِيَّاتِ أَرْوَعَا
قال: وكان مالك بن نويرة فيهم أيضا. فأدركوهم بغبيط
(2/486)

المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم وأخذوا ما كانوا استقاوا من آبالهم وانهزموا
- وقوله من آبالهم يريد من إبلهم - يقال لفلان إبلٌ كثيرة وآبال
كثيرة بمعنى واحد - قال وانهزموا، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ثعلبة بن الحارث بن حصبة، وألح
عتيبة وأسيد والأحيمر على بسطام، وكان أسيد أدنى إلى بسطام من الرجلين، فوقعت يد فرسه في
ثبرة - يعني في هوة وهي الوهدة تكون في الأرض كالحفرة - قال وتقدم بسطام وجعل يلتفت هل
يرى عتيبة وقد صار في أفواه الغبط - وهي مسايل المياه - فلحق عتيبة بسطاما، فقال له: استأسر
يا أبا الصهباء. فقال له: ومن أنت؟ قال: أنا عتيبة، وأنا خير لك من الفلاة والعطش، وكان الأحيمر
محدوداً لا يكون له ظفر، وكان فارساً ذا بأس ونجدة ولاحظ له في ظفر. قال: فأسر عتيبة بسطاما.
قال: ونادى القوم بجادا أخا بسطام بن قيس، كر على أخيك، وهم يرجون إذا أبسوه أن يكر فيأسروه.
قال: والأبس أن يعيروه حتى يغضب فيأنف من التعيير فيرجع فيأسر. فنادى بسطام أخاه إن كررت
يا بجاد فأنا حنيف، وكان نصرانيا، قال فلحق بجاد بقومه. فقالت بنو ثعلبة: يا أبا حرزة إن أبا
مرحب قد قُتل وقد أسرت بسطاما، وهو قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل، ومالك بن حطان يوم قشاوة
فاقتله، قال: إني معيل وأنا أحب اللبن. قالوا: إنك لتفاديه وتخلي عنه، فيعود فيحر بنا فأبى. فقال
بسطام: يا عتيبة، إن بني عبيد أكثر من بني جعفر وأعز، وقد قُتل أبو مرحب، ولي في بني عبيد
أثر بئيس - أي ذو بؤس - وهم آخذي منك، ولن تقدر بنو جعفر على أن يمنعوني منهم، وأنا
معطيك من المال عائرة عينين - يعني كثيرا تذهب العين فيه وتجيء - فقال: لا جرم والله لأضعنك
في أعز بيتين من مضر، في بني جعفر بن كلاب أو في بني عمرو بن جندب، ثم من بني عمرو بن
تميم من بلعنبر، فاختار بسطام
(2/487)

بني جعفر لخله عامر بن الطفيل. فتحمل بأهله وبه، حتى لحق
بالشربة ببني جعفر، فنزل به على بني عامر بن مالك بن جعفر، فرأى رثاثة فودج أم عتيبة. ويقال
هو دج مية. فعجب منه وكره ذلك، فقال عتيبة: لا جرم لا تنفلت من القد حتى تجيء بفودج أمك فيما
تفادي به. فقال قائل: إما مالك بن نويرة، وإما أخوه متمم بن نويرة، وإما أبو مليل في ذلك:
لله عتَّابُ بِنُ ميَّةَ إذ رأى ... إلى ثأرِنا في كفهِ يتلدَّدُ
أتُحيي امرءاً أردى بُجيراً ومالِكاً ... وأشوى حُريثاً بعدما كان يقصدُ
ونحن ثأرنا قبلَ ذاكَ ابنَ أُمِّهِ ... غداةَ الكلابيِّين والقومُ شهدُ
قال: فلم يزل بسطام فيها زمينا، وكان عامر يطلب إلى عتيبة أن يخليه، حتى ينادمه. فكان يفعل
كذلك، فلما طال مكثه قال عتيبة، يعطف عليه جزء بن سعد، وكان رئيس بني يربوع:
ألا مَنْ مُبلغٌ جزءَ بنَ سعدٍ ... فكيفَ أصاتَ بعدكُمُ النُّقيلُ
أُحامي عن ذِمارِ بني أبيكم ... ومثلي في غَوائِبكم قليلُ
قال: فلما انتهى جزء إلى قوله: ومثلي في غوائبكم قليل. قال: أي والله، وفي شواهدنا، فلم يقدر
عتيبة مع بني عبيد، أن يأذن له فيلحق بقومه. قال عتيبة في أسره بسطاما:
أبلغ سراةَ بني شيبانَ مالكِةً ... إني أبأتُ بعبدِ الله بسطاما
إن تُحرزُوه بذي قارٍ فَذاقِنةٍ ... فقد هبطتُ به بيداً وأعلاما
قاظ الشَّرِبَّةَ في قيدٍ وسلسلةٍ ... صوتُ الحديدِ يُغنيه إذا قاما
(2/488)

وقال جرير في ذلك:
قد رَدَّ في الغِلِّ بسطاما فوارِسُنا ... واستودَعُوا نعمةً في رهطِ حَجَّار
يعني حجار بن أبجر بن جابر العجلي. وقال جرير أيضاً:
رَجعنَ بهانئٍ وأصبنَ بِشراً ... وبسطاما تَعضُّ به القيودُ
يعني هانئ بن قبيصة الشيباني. وقال جرير أيضاً:
بطخفةَ جالدَنْا الملوك وخيلُنا ... عشيَّةَ بسطامٍ جرينَ على نَحْبِ
قال: والنحب النذر، كأنه شيء يطلبه مثل النذر عليهم. وقال داءود ابن متمم بن نويرة في ذلك:
ومن كان حتفُ ابنَي هجيمة سيفهُ ... وأنزلَ بسطاما غداةَ يساوره
قال: ثم إن بسطاما فادى نفسه، فزعم أبو عمرو بن العلاء أنه فدى نفسه بأربعمائة بعير، وثلاثين
فرساً، فلم يكن عربي عكاظي أغلى فداء منه - لا أدري. أما حاجب بن زرارة فإنه أغلى فداء منه -
على أن يجز ناصية بسطام، ويعاهده أن لا يغزو بني شهاب. قال: فبينا هو كذلك، ولم يقدم الفداء
بعد، وعتيبة في بني جعفر، إذ مرت به أمة لعامر ابن الطفيل بضبة مكون قد حشى بطنها دقيقا، ثم
مُلَّ في النار، ثم
(2/489)

بعث به سرا إلى بسطام ليأكله، ثم يدعى جواره. قال سليط: وإنما كان عتيبة أتى به
إلى عامر بن الطفيل، وكان مع عتيبة رئي له من الجن، فلما رآها قال لحباشة عبده: إن مع الأمة
شيئاً تخبؤه مني وإن فيه لغدرا فخذه، فأخذه منها، فوجد الضبة معها. قال: وقال عامر بن الطفيل
لعتيبة: أتفادي أسيرك؟ قال: نعم، إلا أن تضيق ذراعك. قال: لن تضيق ذراعي فقل. قال: ضع
رجلك في حلقته. قال عامر: لا، ولكن بمالي. قال عتيبة: هو أكثر منك مالا. قال عامر: هل أنت
مبارزي عليه؟ قال عتيبة: هذا شيء ما أسأله ولا آباه، وأنا مرتحل غدا فاتبعني. قال ك فارتحل فتلأم
عامر - يعني لبس لأمته قال: واللأمة الدرع. فقال له عمه عامر بن مالك أتريد أن تستنقذ أسيراً من
يديه، خاض إليه الرماح حتى أخذه؟ انثل الدرع عنك - يعني ألقها - فلو نفث عليك لقطرك. ومضى
به عتيبة حتى نزل به في عمرو بن جندب ابن العنبر، فلم يلبث أن جاء فداؤه أربعمائة بعير
وثلاثون فرساً وفودج أمه. قال فخلى سربه - أي سبيله.
رجع إلى شعر جرير:
ظلَّ اللَّهازمُ يلعبونَ بنسوةٍ ... بِالجوِّ يومَ نُفحنَ بالأبوالِ
قال الجو يريد البطن من الأرض. وقوله نفحن بالأبوال، قال: وإنما نفعل هذا من الفزع.
يبكينَ منْ حذَرِ السِّباءِ عشيَّةً ... ويملنَ بينَ حقائبٍ ورِحالِ
لا يخفينَّ عليكَ أنَّ مُجاشِعاً ... شبهُ الرِّجالِ وما هُمُ برِجالِ
مِثْلُ الضِّباعِ يسُفْنَ ذيخاً رائحاً ... ويخُزنَ في كمر ثلاثَ ليال
الذيخ ذكر الضباع.
(2/490)

وقوله يخرن في كمر ثلاث ليال، يقول يأكلن الموتى. ويسفن يشممن.
وإذا ضَئينُ بنِي عقالٍ ولدتُ ... عرفُوا مناخِرَ سخلِها الأطفالِ
قال: والمعنى يقول هم. رعاء يعيبهم بذلك، ضئين جمع الضأن الغنم.
أمَّا سِبابِي فالعَذابُ عليهمُ ... والموتُ للِنَّخباتِ عندَ قِتاليِ
كالنيِّبِ خرَّمَها الغَمائِمُ بعدما ... ثلطنَ عنْ حُرُضٍ بجوفِ أُثالِ
قال: النيب المسان من النوق. قال: والغمائم واحدتها غمامة، وهو شيء يجعل من خرق وصوف
مثل الكرة، وذلك أنهم إذا أرادوا أن يرئموا الناقة ولد غيرها أدخلوا الغمامة في أنفها لئلا تشم شيئا، ثم
يجعلون لها درجة أكبر من الغمامة فيدخلونها في رحمها ثم يشحرون فرجها بالأخلة لئلا تبول، فإذا
علموا أن ذلك قد بلغ منها، فتحوا عنها الأخلة وأخرجوا الدرجة من رحمها ونزعوا الغمامة عن أنفها،
وأدنوا إليها حوار غيرها، وذلك لترأمه وتدر عليه، يرونها أنه ولدها. قوله ثلطن يعني سلحن.
والحرض: أشنان وهو ضرب من الحمض إذا أكلته الإبل سلحت.
جُوفٌ مجارِفُ للخزيرِ وقدْ أوى ... سلبُ الزُّبيرِ إلى بَني الذّيالِ
قوله جوف، يقول: لا قلوب لهم. قال: وبنو الذيال من بني سعد، وهم رهط عمرو بن جرموز قاتل
الزبير.
لاقيتَ أعينَ والزُّبيرَ وجِعثناً ... أعدالَ مُخزيَة عليكَ ثِقالِ
ودَعَا الزُّبيرُ مُجاشِعاً فترمزتْ ... للغدرِ الأمُ آنفٍ وسِبالِ
(2/491)

قوله ترمزت، يعني تحركت، والترمز التحرك.
يا ليتَ جاركُمُ الزَّبيرَ وضيفكُمْ ... إيَّايَ لبَّسَ حبْلهُ بِحِباليِ
الله يعلمُ لَوْ تناولَ ذَّمِةً ... مِنَّا لجُزِّعَ في النُّحور عَوالي
قوله لجزع، يعني كُسر. يقال من ذلك جزع الشيء إذا كُسر، وعالية الرمح قدر الثلث مما يلي
السنان.
وتقُولُ جعثنُ إذْ رأتْكَ مُنقَّباً ... قُبحتَ مِنْ أسدٍ أبي أشبال
ويروى مقنعا، أي يتقنع لئلا يعرف، لأنه صاحب سوأة. قال أبو عبد الله، قال أبو العباس: معناه أنك
لا تدفع عني، ومن شأن الأسد أن يحمي عرينه.
ألوي بها شذِبُ العرُوقِ مُشذَّبٌ ... فكأنَّما وكنتْ على طِربالِ
ويروى شبق العروق. قوله شذب العروق، يقول: ليس عليه لحم. قال: وهو من قولهم رجل مشذب.
يقول: هو رجل خفيف قليل اللحم، وقوله كأنما وكنت يريد جلست. وقوله طربال، وهو حصن
معروف. قال: وفي الحديث "إذا مررت بطربال مائل فأسرع المشي". كذلك كلام العرب.
لاقَى الفرزدقُ ضيعةً لم يُغيها ... إنَّ الفرزدقَ عنكَ في أشغالِ
باتَتْ تُناطِحُ بِالجَبوب جبينَها ... والرُّكبتينْ تنَاطُح الأوعالِ
(2/492)

ما بالُ أُمِّكَ إذْ تسربلُ درعَها ... ومِنَ الحديدِ مُفاضَةٌ سِربالي
شابتْ قُفيرةُ وهيَ فائِرَةُ النَّسا ... في الشَّولِ بوَّاصِرةٍ وفِصالِ
قوله فائرة النسا، يقول: هي منتشرة النسا من طول وركيها. والنسا عرق في الفخذ يقول:
بكرَتْ مُعجِّلةً يشَرشِرُ بظرَها ... قتبٌ ألحَّ على أزبَّ ثَفالِ
قوله ثفال هو البطيء. الثقين من الابل. وقوله يشرشر يقطع بظرها لركوبها هذا البعير الأزب.
قال: والأزب من الإبل الكثير شعر الأذنين والأشفار وإنما معناه أنها راعية يعيرها ذلك.
قبَحَ الالهُ بني خَضافِ ونُسوَةً ... باتَ الخزيرً لَهُنَّ كالأحقالِ
قوله بني خضاف قال الخضوف الضروط، قال: والأحقال داء يأخذ في أسفل البطن، فيسترخي لذلك
البطن يعيرها بذلك. ويروى الأجفال، وهي سلحان الفيلة لأن الفيل يسلح شيئا عظيما.
مِنْ كُلِّ آلِفَةِ المَواخِرِ تتَّقي ... بمُجرَّدٍ كمُجَرَّدِ البَغَّالِ
قوله آلفة المواخر تتقى واحدها ماخور، وهو بيت الخمار حيث يجتمع أهل الريب ويشربون على
مالا يحل من الحرام.
قامَتْ سُكينَةُ للِفُجورِ ولمْ تقُمْ ... بِنتُ الحُتاتِ لِسُورةِ الأنْفال
(2/493)

قال سكينة عمة الفرزدق. والحتات بن يزيد المجاشعي.
ودَّتْ سُكينةُ أنَّ مسجِدَ قومِها ... كانتْ سَوارِيهُ أُبورَ بِغالِ
ولَدَ الفرزدقَ والصعاصِعَ كُلَّهُمْ ... علجٌ كأنَّ وُجوههُنَّ مَقال
أراد كأن بظهورهن فكنى. وقوله مقال، جمع مقلى وإنما أراد أن وجوهن سود، وهو عند العرب ذم.
والبياض في النساء مدح لهن.
يا ضَبَّ قَدْ فرعتْ يمينى فاعلموا ... طُلقاً وما شَغلَ القُيون شمِالي
قال أبو عبد الله: ويروى يا ضب قد أمست يميني فاعلموا خلواً.
يا ضَبَّ علِّي أَنْ تُصيبَ مواسِمِي ... كُوزاً على حنقٍ ورهطَ بِلالِ
وقوله عليَّ يريد: لعلي وهو لغة تميم.
كوز بن كعب بن خالد بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، رهط المسيب، ورهط حصين
بن غوي، وكان من فرسانهم. وبلال بن هرمي من بني ضبيعة بن بجالة. ويونس النحوي مولى بلال
هذا.
يا ضَبَّ إنِّي قَدْ طبخْتُ مُجاشِعاً ... طبخاً يُزيلُ مجامِعَ الأوصالِ
قوله مجامع الأوصال، يريد البطن. قال سعدان أنشدنا الأصمعي:
طعنتُ مجامعَ الأوصال منه ... بنافذةٍ على دهشٍ وذُعرِ
يريد البطن.
يا ضَبَّ لوَلا حينُكُمُ ما كُنتمُ ... غرضاً لِنَبلي حين جَدَّ نضالي
يا ضَبَّ إنَّكُمُ البِكارُ وإنَّني ... مُتخمِّطٌ قَطِمٌ يُخافِ صيالي
(2/494)

متخمط متكبر. قطم فحل هائج.
يا ضبَّ غيركُمُ الصَّمِيمُ وأنْتُمُ ... تبعٌ إذا عُدَّ الصَّميمُ مَواليِ
يا ضَبَّ إنَّكُمُ لسَعْد حِشْوةٌ ... مِثْلُ البكارِ صممْتَها الأغفالِ
قال: والأغفال التي ليست عليهن سمات، واحدها غفل.
يا ضَبَّ إنَّ هَوى القُيونِ أَضَلَّكُمْ ... كَضَلالِ شيعَةِ أعْورَ الدَّجَّال
قال أبو عبد الله: جعل أعور اسماً فلم يصرفه، وجعل الدجال من نعته لأنه معرفة.
فَضَحَ الكتيبةَ يومَ يضرُطُ قائِماً ... سلْحُ النَّعامَةِ شَبَّةُ بْنُ عِقَالِ
ويروى السرية يوم يخطب قائماً. كان شبه بن عقال من خطباء العرب فكان يوما يخطب وقد
اسحنفر في خطبته، حتى ضرط فضرب يده على استه فقال: يا هذه كفيناك السكوت فاكفينا الكلام.
مَا السِّيدُ حينَ ندبْتَ خالَكَ مِنْهُمُ ... كَبَنِي الأشَدِّ ولا بَنِي النَّزالِ
خالي الَّذي اعْتَسَرَ الهُذيْلَ وخيْلَهُ ... في ضيقِ مُعتركٍ لها ومَجالِ
جِئني بِخالِكَ يا فرزدقُ واعلمنْ ... أَنْ ليْسَ خالُكَ بالِغاً أَخْوالي
وقال الفرزدق يهجو جريرا:
(2/495)

يا ابْنَ المَراغَةِ إنَّما جارَيْتَنَي ... بِمُسبقينَ لَدَى الفَعالِ قِصارِ
والحابِسِينَ إلى العَشِيِّ ليأخذوا ... نُزُحَ الرَّكِيِّ ودِمْنَةَ الأسآر
ويروى ليشربوا. يقول: هم ضعفاء أذلاء، فلا يقوون أن يشربوا إلا بعد الناس كلهم كما قال
النجاشي:
ولا يردون الماء إلاَّ عشيةً ... إذا صدَرَ الوُرَّادُ عن كُلِّ منهلِ
قال: والأسار، واحدها سُؤر مهموز. قال: ودمنة هاهنا، طين وما بقي في أسفل البئر، وهو في هذا
الموضع مستعار، وأصل الدمنة مجتمع البعر والرماد ومصب اللبن.
قال الأخطل في السؤر:
وشاربٍ مُرْبحٍ بالكأسِ نادَمَني ... لا بالحُصُورِ ولا فيها بساءَرِ
يا ابْنَ المراغةِ كيفَ تطلُبُ دارماً ... وأبوكَ بينَ حِمارَةٍ وحِمارِ
وَإذا كِلابُ بني المَراغةِ ربَّضَتْ ... خَطَرتْ ورائِي دار مي وَجَماري
قوله وجماري، يعني بني طهية وبني العدوية ابني مالك بن حنظلة، وقد فسرنا حديثهم في موضع
آخر. قوله خطرت ورائي، أصل الخطران أن يأكل الفحل الربيع فيسلح فيضرب بذنبه ميمنة
وميسرة فيتلبد على عراقيبه وما أصاب الذنب يمنة ويسرة - قال وهما العظمان الناتيان - فذلك
الخطر.
قال الشاعر:
كسا غرابيه نفي الخطر
هَلْ أنتُمْ مُتقلَدِّي أَرْباقِكُمْ ... بِفوارِسِ الهَيْجا ولا الأيْسارِ
(2/496)

يروى ما أنتم.
مثْلُ الكِلابِ تَبولُ فَوْقَ أَنوفِها ... يلْحَسْنَ قاطِرَهُنَّ بالأسحار
ويروى بالأشجار، يريد شجر الأرطى. ويقال الأشجار جمع شجر وهو مجتمع الشدقين، وقيل
مجتمع اللحيين. يقال شجر وشجور.
لَنْ تُدْرِكوا كرَمِي بِلُؤْمِ أَبِيكُمُ ... وأَوابِدي بتنحُّلِ الأشْعارِ
أوابدي قصائدي الغرائب كأوابد الوحش الواحدة آبدة، والتنحل ادعاء الشعر واستراقه.
هَلاَّ غَداةَ حبستُمُ أَعْياركُمْ ... بِجِدودَ والخَيلانِ في إعصارِ
والحوفزانُ مسوِّمٌ أَفراسهُ ... والمُحصناتُ حواسِرُ الأبكارِ
يدْعونَ زيْدَ مناةَ إذْ ولَّيتُمُ ... لا يتَّقينَ عَلى قَفاً بِخِمارِ
صَبَرتْ بَنو سعدٍ لِهمْ بِرِماحِهم ... وكشفتُمُ لَهُمُ عَنِ الأدبارِ
روى أبو عمرو: صبرت لهم سعد بحد رماحهم. وقوله عن الأدبار أي انهزمتم. قال اليربوعي:
وكان من حديث يوم جدود أن الحوفزان - واسمه الحارث بن شريك بن عمرو، وعمرو هو الصلب
بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن
علي بن بكر بن وائل - كانت بينه وبين سليط بن يربوع موادعة، فهم بالغدر بهم، وجمع بني شيبان
وذهلاً واللهازم، وعليهم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. ثم غزا، وهو يرجو أن
يصيب غرة من بني يربوع، حتى إذا أتى بلاد بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب،
فنادى في بني جعفر بن ثعلبة، فحالوا بين الحارث بن شريك وبين الماء، والحوفزان في جماعة من
أفناء بكر بن وائل، فقال الحارث لعتيبة: إني لا أرى معك إلا بني
(2/497)

جعفر، وأنا في طوائف من بكر بن وائل، والله لئن ظفرت بكم لا تعادون عمارة من بني تميم أبدا - والعمارة الحي العظيم –
ولئن أنتم ظفرتم بي، ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي، والله ما لكم سموت، وقد عرفتم الموادعة التي بيننا
وبين اخوتكم بني سليط، فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر وتخلو سبيلنا، فو الله لا
نروع يربوعيا أبدا. فأخذ عتيبة ما معهم من التمر وخلى سبيلهم. فسار الحارث في بكر بن وائل حتى
أغار على بني ربيع بن الحارث - وهو مقاعس - بجدود فأصابوا سبياً ونعماً وهم خلوف. فبعث
بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب بن يربوع وهم يومئذ جيرانهم فلم يجيبوهم، فقال قيس بن مقلد
الكليبي لصريخ بني ربيع:
أمنكم علينا مُنْذرٌ لعدوِّنا ... ودَاعٍ بنا يوم الهياج مُندِّدُ
فقلتُ ولم أَسرُرْ بذاك ولم أُسَأْ ... أسعدَ بنَ زيدٍ كيف هذا التَّودُّدُ
فأتى صريخ بني ربيع بني منقر بن عبيد، فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل، وهم قائلون، فما
شعر الحارث بن شريك، وهو قائل في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر،
وهو واقف على رأسه، فوثب الحارث إلى فرسه فركبه، وقال للأهتم: من أنت؟ قال أنا الأهتم، وهذه
منقر قد أتتك. فقال الحارث: فأنا الحارث ابن شريك وهذه ربيع قد حويتها. فنادى الأهتم بأعلى
صوته يا آل سعد. ونادى الحارث يا آل وائل. وشد كل واحد منهما على صاحبه. ولحق بنو منقر
فقاتلوا قتالاً شديداً، ونادت نساء بني ربيع يا آل سعد. قال: فاشتد قتال بني منقر لما نادى النساء،
فهزمت بكر بن وائل، وخلوا ما كان في أيديهم من السبي والأموال، ولم تكن لرجل منهم همة إلا أن
ينجو بنفسه، وتبعتهم منقر فمن قتيل وأسير.
(2/498)

قال: وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، ولم تكن لقيس بن عاصم همة إلا الحارث. قال: والحارث
يومئذ على فرس قارح يدعى الزبد. وقيس بن عاصم على مهر يقال إنه ابن فرس الحارث، واسمه
الزعفران. فلحق قيس بن عاصم الحارث فقال: استأثر يا حارث خير أسير. فقال الحارث لا بل شر
أسير، ثم قال قيس استأثر يا حارث خير أسير، فقال لا بل شر أسير، ثم قال الحارث ما شاء الزبد،
ثم زجر فرسه فسبق مهر قيس لقوته، وتخوف قيس أن يفوته الحارث فحفزه بالرمح في إسته، قال:
فبحفزة قيس سمي الحارث الحوفزان. فنجا الحارث بالحفزة ورجع بنو منقر بسبي بني ربيع
وأموالهم، وبأساري بكر بن وائل وأسلابهم. وفي هذا اليوم يقول قيس بن عاصم:
جزى الله يربوعاً بأسوإ فعِلها ... إذا ذُكرت في النائبات أمورُها
ويومَ جدودٍ قد فضحتم أباكم ... وسالمتم والخيلُ تدمَى نحورُها
ستخطِمُ سعدٌ والرِّبابُ أنوفكم ... كما غاط في أنفِ القضيبِ جريرُها
قوله غاط يعني دخل. قال والقضيب الناقة التي لم تُرض.
فأصبحتم والله يفعل ذاكم ... كمهنوءةٍ جرباءَ أُبرِزَ كورُها
وأصبحتم والله يفعل ذاكم ... كموءودةٍ لم يبقَ إلا زفيرُها
وأصبحتُ وغلاً في تميم وأصبحت ... عظاماً مساعيها سواكَ ودورُها
ويروى: وأصبحت مقادتها يجبى سواك وخيرها.
أقم بسبيل الحيُ إن كنتَ صادقاً ... إذا غضبت سعدٌ وجاش نصيرُها
عصمنا تميماً في الأمور فأصبحت ... يلوذ بنا ذو وفرِها وفقيرُها
ويومَ جُواثا والنِّباجِ وثيتلٍ ... منعنا ربيعاً أن تُباحَ ثغورها
وغرَّكُمُ من رهطِكم كلُّ مَربعٍ ... جوابي جِهنّامٍ يمد نحيرها
(2/499)

قال: وجهنام أخو هريرة التي كان يشبب بها الأعشى وهو من بني قيس بن ثعلبة.
تساقطُ أفلاقُ الحَصَا في نحوركم ... بصحنِ العراقِ فاستبنتُمُ نحورها
وقال الأهتم في أسره حمران بن عمرو:
تمطَّت بحُمرانِ المنيَّةُ بعدما ... حَشَاه سنانٌ من شَرَاعةَ أزرقُ
دعا يالَ قيسٍ واعتزيتُ لمنقرٍ ... وقد كنتُ إذ لاقيتُ في الخيل أصدُقُ
وقال سوار بن حيان المنقري يفخر على رجل من بكر بن وائل:
ونحن حَفَزْنا الحوفزانَ بطعنةٍ ... سَقَتْهُ نجيعاً من دمِ الجوفِ أشكلا
وحمرانُ قسراً أنزلتهُ رماحُنا ... فعالَجَ غِلاً في ذراعيه مُقفلاً
فما لكِ من أيامِ صِدْقٍ تعُدُّها ... كيوم جُواثا والنِّباجِ وثَيْتَلا
قَضَى الله أنَّا يومَ تقتسم العُلا ... أحقُّ بها منكم فأعطَى وأجزلا
فلست بِمْسطِيعِ السماءِ ولم تجد ... لِعِزٍّ بناه الله فوقَكَ منقلا
رجع إلى شعر الفرزدق.
فلنَحْنُ أَوْثَقُ في صُدور نسائِكُمْ ... عنْدَ الطَّعان وَقُبَّة الجَبَّار
منكُمْ إذا لَحق الرُّكوبُ كأنَّها ... خَرقُ الجَراد تثور يَوْمَ غُبار
خرق الجراد، قال: وذلك إذا جاءت منه قطعة. والركوب جمع راكب.
بالمُرْدَفاتِ إذا التقينَ عشيَّةً ... يبكينَ خلفَ أواخِرِ الأكوار
فأسأَلْ هَوازنَ إنَّ عندَ سَراتِهِمْ ... عِلْماً ومُجتمعاً منَ الأخبار
(2/500)

فلتُخبرنَّكَ أنَّ عِزَّةَ دارمٍ ... سَبقتكَ يا ابنَ مُسْوق الأعيار
كيفَ التَّعَذُّرُ بعدَما ذمَّرْتُمُ ... سَقْياً لمعضلَة النتَّاج نوَار
قوله ذمرتم، يقول مسستم مذمرة عند نتاجه، وهو أن يمس لحييه في بطن أمه، فإذا كان غليظاً كان
فحلاً. وقوله لمعضلة النتاج؛ يريد معيبة النتاج، يعني نتجت في مشقة وشدة. وقوله نوار، يريد
نفورا. والتعذر يريد به الاعتذار. وقال إنما يمس مذمره وهو ذفراه.
قَبحَ الإلهُ بني كُليب إنَّهمْ ... لا يغدْرونَ ولا يَفوْنَ لجار
لا يغدرون ولا يفون لجار، وذلك لضعفهم وقلة دفعهم عن أنفسهم، وغيرهم، وذلك كما قال النجاشي:
قبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون الناس حبَّةَ خردل
يَستيقظونَ إلى نُهاق أتانهم ... وتَنامُ أعيُنُهمْ عَن الأوتار
وحميرهم أيضا أي إذا سمعوا صوت الحمير انعظوا وقاموا اليها.
يا حقَّ كُلُّ بني كُليب فَوْقَهُ ... لؤْمٌ تسربلهُ إلى الأطفار
مُتبرقعي لُؤْمٍ كأنَّ وُجوههُمْ ... طُليتْ حَواجبُها عنيَّة قار
ويروى محاجرها يعني أنهم سود الوجوه من العار، العنية البول ورماد الرمث وخضخاض ردى
القت يطلى به البعير للجرب، وإنما جعله قاراً لسواده.
كَمْ منْ أبٍ ليَ يا جَريرُ كأنَّهُ ... قَمرُ المجرَّة أَوْ سراجُ نَهار
ورثَ المكارمَ كابراً عَنْ كابر ... ضَخْم الدَّسيعَة يَوْمَ كُلِّ فَخار
(2/501)

قال: الدسيعة: العطية. يقال دسع له دسعة أغنته، وذلك إذا أعطاه عطية جبرته. أصله من دسع
البعير بجرته.
تلقى فَوارَسنا إذا ربَّقتُمُ ... مُتَلبَّبينَ لكُلِّ يَوم غَوار
ولَقَد تركتُ بَني كُليب كُلَّهُمْ ... صُمَّ الرُّؤُوس مفقَّئي الأبصار
ولقدْ ضللتَ أباكَ تطلُبُ دارماً ... كَضَلال مُلتمس طريقَ وَبار
وبار: أرض ورمال غلب عليها الجن فهي لا تسلك. وقوله مفقئي الأبصار: يريد فقئت عيونهم.
لا يهتدي أبداً ولوْ نُعتتْ لَهُ ... بسَبيل واردَةٍ ولا إصْدار
قالوا عليكَ الشَّمْسَ فاقْصِد نحوَها ... والشَّمْسُ نائيةٌ عن السُّفار
لمَّا تكسَّعَ في الرِّمالِ هدَتُّ لهُ ... عرْفاءُ هاديةٌ بكُلِّ وَجار
قوله تكسع، يعني تحير وضل فلم يدر كيف يأخذ. وقوله بكل وجار، قال: الوجار جحر الضبع،
وقوله عرفاء وهي ضبع كثيرة شعر العُرف.
كَالسَّامريِّ يَقولُ إنْ حرِّكتهُ ... دعْني فَليْسَ عليَّ غيرُ إزار
قوله كالسامري، يقول: هو في ضلالة كالسامري الذي يتيه فلا يدري أين يتوجه، لأنه تائه وهو من
قول الله عز وجل {وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} يقول: فأنت تضل قومك كما أضل السامري قومه فتاهوا في
الأرض.
لَوْلا لساني حيثُ كنتُ رفعتُهُ ... لَرميتُ فاقرَةٌ أَبا سَيِّار
(2/502)

قوله حيث كنت رفعته، يعني ذكرته، وأثنيت عليه وهو من قول الله تعالى. {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
وفاقرة، يريد شنعة مشهورة تصيب من رُمي بها. قال وأبو سيار من غدانة. ويروى ناقرة وهي
المقرطسة. يقول هذه الناقرة تؤثر في الوجه، كما تؤثر النار في الوجه وغيره. وهذا مثل ضربه.
فَوْقَ الحواجِبِ والسِّبالِ كأنَّها ... نارٌ تلوحُ على شَفيرِ قُتارِ
قتار جمع قترة، وهي حقيرة الصائد التي يستتر فيها، ويروى قِتار بالكسر. قال أبو سعيد: قتار مكان
مرتفع. قال: وهو جمع قتر أيضا، وهو الناحية. وقال غيره قتار واحد وجمع. وقال آخر قتار جبل.
إنَّ البكارةَ لا يديْ لصغارِها ... بزحامِ أصيدَ رأسُهُ هدَّارُ
قَرْمٌ إذا سَمعَ القُرومُ هَديرهُ ... ولينهُ ورمينَ بالأبعارِ
ويروى ونبذن بالأبعار. وقوله قرم، هو الفحل الذي لا يركب لصعوبته وعزة نفسه، وقوله ورمين
بالأبعار، أي من فرقه. قال: والأصيد المائل رأسه من الكبر والتجبر.
كَمْ خالَةٍ لَكَ يا جَريرُ وعمَّةٍ ... فَدعاءَ قَدْ حلبت عَليَّ عشاري
الفدع هو خروج مفصل الإبهام مع ميل في القدم قليل. وقوله قد حلبت، يقول: هي راعية يعيرها
بذلك، لأن الرعي في الرجال. قال ومثل للعرب "يحلب بني وأضب على يديه" قال: وذلك أن امرأة
غاب عنها
(2/503)

رجالها الحلابون، وعندها صبي قد جاع وعطش، فلما خافت عليه جاءت به إلى شاة
فوضعت يده على طبيها وهي تعصر فوق يده وتحلب وهي تقول "يحلب بني وأضب على يديه".
ويروى بالضم والكسر - قال وإنما فعلت ذلك فراراً من العيب أن تُعير بذلك. قال: والضَبُّ: الحلب
بأربع أصابع.
كُنَّا نُحاذر أنْ تَضيعَ لقاحُنا ... ولهاً إذا سمعتُ دُعاءَ يَسار
قال: ويسار اسم راع إذا سمعت دعاءه ولهت إليه صبابة. يقول: إذا سمعت هذه المرأة دعاء يسار
تركت الإبل وذهبت إليه.
شَغَّارةً تقذُ الفصيلَ برجْلها ... فطَّارةً لقَوادم الأْبكار
قوله شغارة، يقول نشغر الفصيل برجلها وذلك إذا دنا من أمه ليرضع وهي تحلب، ضربته برجلها
من خلف. شبه الرمح فتدق عنقه وذلك كما قال الجعدي:
غرَّزها أخضرُ النواجذ نسَّا ... فٌ نحورَ الفِصال بالقدم
قوله غرزها، يقول رفع لبنها وبقاه. قال: والفطر: الحلب بالسبابة والوسطى ويستعين بطرف
الإبهام. قال: وخلفا الضرع المقدمان وهما القادمان، وجمعه القوادم. قال والأبكار تحلب فطراً، لأنه لا
يستمكن أن يحلبها ضبا، وذلك لقصر الخلف لأنها صغار.
كانتْ تُراوحُ عاتقيْها عُلْبَةً ... خلفَ اللِّقاح سريعةَ الادرارِ
ولقدْ عركتُ بَني كُليب عركَة ... وتركتُهُمْ فقعاً بكُلِّ قَرار
(2/504)

فأجابه جرير فقال:
قال: في الأصل هذه القصيدة مقدمة، والتي مضت جوابها.
ما هاجَ شَوْقَكَ منْ رسوم ديار ... بِلَوى عُنبَّقَ أَوْ بصُلبِ مَطارِ
وروى أبو عبيدة: بلوى عنيزة، وعنيق ومطار موضعان، ويروى بلوى عنبق وهي تصغير عناق،
وهو هاهنا موضع. والرسم أثر الديار ما لم يكن شخصا، والطلل ما كان له شخص. واللوى منقطع
الرمل.
أبقَى العواصفُ منْ معالم رَسْمها ... شَذبَ الخيام ومربَطَ الأمهارِ
ويروى من بقية رسمها. الشذب ما تشذب من عصي الخيام وتفرق، والخيام بيوت يبتنونها في
المرتبع، أعمدتها خشب، وتظلل بالثمام وما أشبهه من الشجر، فإذا رجعوا إلى المياه تركوا البيوت
على حالها، وإنما يفعلون ذلك لأن ظل الخيام أبرد من ظل الأخبية وهي الأبنية. والعواصف: الرياح
الشديدة الهبوب.
أَمِنَ الفراق لعبتَ يومَ عُنيزة ... كهواكَ يومَ شقائق الأحفار
قوله يوم عنيزة وهي تصغير عنز وهو هاهنا موضع.
ورأيتُ نارَك إذْ أضاءَ وقودها ... فرأيتُ أحسنَ مُصطلينَ ونَار
قال سعدان، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء فقلت: ما الوقود؟ فقال: تحرق النار. فقلت فما
الوقود؟ قال: الحطب. قلت فما الوضوء؟ قال الماء الذي يتطهر به. قلت فما الوضوء؟ قال لا أعرفه.
(2/505)

أَمَّا البعيثُ فقدْ تَبيَّنَ أنَّهُ ... عبدٌ فعلَّكَ في البعيث تُماري
واللُّؤْمُ قَدْ خَطَمَ البعيث وأرزمتْ ... أُمُّ الفرزدق عندَ شرِّ حُوار
قوله أرزمت، يعني حنت. وهو حنين الناقة، فاستعاره من الناقة فصيره لأم الفرزدق، وقد تفعل
العرب ذلك كثيرا. يقول: أم الفرزدق حنت عند شر مولود، وأصل الأرزام للناقة.
إنَّ الفرزدقَ والبعيثَ وأُمَّهُ ... وأبا البعيث لشرُّ ما إستار
قال: والإستار وزن أربعة فهم أربعة وهم شر كلهم، وأراد بالإستار جهار بالفارسية.
طاحَ الفرزدقُ في الرِّهان وغمَّهُ ... غمرُ البديهة صادقُ المضْمارِ
قال: والبديهة المفاجأة. يقول: يغمر من يبدهه في المجاراة واللقاء. يقول: هو حاضر الجواب في كل
حال.
تَرْجو الهوادةَ يا فرزدقُ بعدَما ... أطفأتَ نارَكَ واصطليتَ بناري
إنِّي لتُحرِقُ منْ قصدْتُ لشتمه ... ناري ويلحقُ بالغُواة سُعاري
تبَّا لفخركَ بالضَّلال ولمْ يزلْ ... ثَوْبا أبيكَ مُدنَّسينَ بعار
ماذا تقولُ وقدْ علوتُ عليكُمْ ... والمسلُمونَ بما أقولُ قَواري
قوله قوار، يعني يتبعون أفعال الناس، ويشهدون بالحق عليهم، كما يتتبع مقتص الآثار فيها. وكما
تقرو الأرض، وذلك إذا تتبعت الآثار فيها.
وإذَا سألتَ قَضَى القُضاةُ عليكُمُ ... وإذا افتخرتَ علاَ عليكَ فخاري
فأنا النَّهارُ عَلا عليكَ بضوئه ... واللَّيلُ يقبضُ بسطَةَ الأبْصار
(2/506)

إنَّا لنربعُ بالخَميسِ تَرى لَهُ ... رهجاً ونضربُ قَونسَ الجبَّار
إذْ لا تغارُ عَلى البنات مُجاشعٌ ... يومَ الحُفاظ وَلا يَفون بجار
أنَّى لقَوْمكَ مثلُ عدوَة خَيلنا ... بالشِّعْبِ يَومَ مُجزَّل الأُمْرار
الشعب اسم جبل. وقوله مجزل الأمرار، قال: كانت بكر بن وائل نزولا بالأمرار، وما يليه، فسار
إليهم الحارث بن يزيد، وكانت فيهم جارية من بني شيبان عاشقا، فاكتلأت تنظر فرأت رجلا معتجرا
بشقة برد متنكبا قوسه، فلاحت لها صفحة القوس، فأنبهت أباها، فقالت: يا أبة إني رأيت متن سيف،
أو صفحة قوس على موضع السلاح في الشمال، من رجل أجلى الجبين، براق الثنايا، كأن عمامته
ملوثة بشجرة. قال: يا بنية إني لابغض الفتاة الكلوء العين. قالت: والله ما كذبتك فصاح في قومه،
فأنذرهم. فقالوا: ما نبه ابنتك في هذه الساعة إلا أنها عاشق، فاستحيا الشيخ، فانصرف. وقالت له
ابنته: ارتحل فإن الجيش مُصبحك. ففعل. فأصبحوا، فوقعت بنو سعد ببكر بن وائل فقتلوا وملأوا
أيديهم من السبي، فقال الأقرع بن نعيم بن الحارث بن يزيد:
أبي غداةَ حُفْرَةِ المجزلِ ... سارَ بجرَّارٍ كثيرِ القسطل
تَقدَعُ أُولاها بهابٍ وَهلِ
قَوْمي الَّذين يزيدُ سَمْعي ذكرُهُمْ ... سمعاً وكانَ بضَوْئهمْ إبْصاري
والمُوردون عَلى الأُسِنَّة قُرَّحاً ... حُمْراً مساحلُهُنَّ غيرَ مهار
قوله مساحلهن يعني مسحل اللجام. يريد تحمر من الدم، كما قال:
مَججْنَ دماً من طولِ علْكِ الشَّكائمِ
(2/507)

ومسحلا اللجام: الحديدتان اللتان تكتنفان لحيي الفرس.
هلْ تشكُرونَ لَمنْ تَدارَكَ سبيُكمْ ... والمردَفاتُ يملنَ بالأكوار
إنِّي لتُعْرَفُ في الثُّغور فَوارسي ... ويفُجِّرونَ قَتامَ كُلِّ غُبار
نحنُ البُناةَ دَعائماً وسَوارياً ... يعلُونَ كُلَّ دَعائم وسَوار
تَدْعو ربيعةُ والقَميص مُفاضَةٌ ... تحتَ النِّجاد تُشَدُّ بالأزْرار
قال: عنى بقوله تدعو ربيعة يريد به

يوم الصرائم
وهو يوم أغارت فيه بنو عبس، على ربيعة بن مالك بن حنظلة، فأتى الصريخ بني يربوع، فركبوا
في طلب بني عبس، فأدركوهم بذات الجرف. قال: فقتلوا شريحا وجابرا ابني وهب من بني عوذ بن
غالب، وأسروا فروة وزنباعا ابني الحكم بن مروان بن زنباع. وأسر أسيد بن حناءة الحكم بن مروان
بن زنباع بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس. وقتل عصمة بن
حدرة ابن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام بن رياح سبعين رجلا من بني عبس - وقال قائل بل
قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام هو الذي قتلهم فسمي في هذا اليوم قعنب المبير -
وقد كان العفاق بن الغلاق بن قيس بن عبد الله بن عمرو بن همام، خرج في طلب إبل له، فمرَّ ببني
عبس، فأخذه شريح وجابر ابنا وهب فقتلاه. قال: فنذر عصمة بن حدرة ألا يطعم خمرا، ولا يأكل
لحما، ولا يقرب امرأة، ولا يغسل رأسه، حتى يقتل به سبعين رجلاً من بني عبس فقال لما قتلهم:
(2/508)

الله قد أمكنني من عبس ... ساغَ شرابي وشفيتُ نفسي
وكنتُ لا أقرب طُهْرِ عِرسي ... ولا أشد بالوِخاف رأسي
ولم أكن أشربُ صَفْوَ الكأسِ
وقال في هذا اليوم الحطيئة وكان في الجيش فهرب:
لقد بلغوا الشفاءَ فأخبرونا ... بِقتلى من تقتلنا رياحُ
حَوتْنَا منهمُ لما التقينا ... رماحٌ في مراكزها رماحُ
وجُرِّدَ في الأعنَّةِ ملجماتٌ ... خفافُ الطَّرِف كلَّمها السلاحُ
إذا ثار الغبارُ خرجن منه ... كما خرجت من الغدر السراح
وما باءوا كَبَأرِهِمُ علينا ... بفضلِ دمائهم حتى أراحوا
قال: البأو: الكبر يقال منه، بأوت تبأى بأوا، قال وهو المصدر، قال: وقال في هذا اليوم أيضاً
شميت بن زنباع بن الحارث بن ربيعة بن زيد ابن رياح:
سائِلْ بنا عبساً إذا ما لقيتَها ... على أي حيٍّ بالصرائم دَلَّتِ
قتلنا بها صبراً شُريحاً وجابراً ... وقد نهلت منها الرماح وعَلَّتِ
قال: شريح وجابر ابنا وهب، وهما من بني عوذ بن غالب.
جزيْنَا بما أمَّتْ أسيدةُ حِقبةً ... خويلةَ إذ آذنَّها فاستقلتِ
فأبلغ أبا حمرانَ أن رماحَنا ... قضت وَطراً من غالبٍ وتغَلَّتِ
(2/509)

قوله وتغلت، يريد من الغلو وهو الزيادة، وهو من قولهم: قد غلا السعر وذلك إذ علا وارتفع. قال
وأبو حمران، عروة بن الورد العبسي.
فدىّ لرياحٍ إذ تداركَ ركضُها ... ربيعةَ إذ كانت بها النَّعْلُ زلَّتِ
فَطِرنا عُجالي للصريخِ ولا ترى ... لنا نَعماً من حيثُ يُفزعُ شُلَّتِ
قوله شُلَّتِ، يريد لا يهمون بطرد إبلهم إذا فزعوا - وقال الأصمعي قال لبيد في مثل ذلك:
في جميعٍ حافظي عوراتِهم ... لا يهمُّون بإدعاقِ الشَّللْ
يقول: لا يهمون بطرد إبلهم، أي بالهرب إذا فزعوا وأتوا، ولكنهم يقيمون ثقة منهم بأنفسهم. وقال:
والشلل والطرد سواء. وقال الأصمعي: وقوله بادعاق، قال والأصل في إدعاق دعق يقال دعق يدعق
دعقا، قال وأرى أن أدعق إدعاقا لغة وهو الطرد -
وما كان دهري إن فخرتُ بدولة ... من الدهر إلا حاجةَ النفسِ سُلَّتِ
وقال في هذا اليوم رافع بن هريم الرياحي يرتجز:
فينا بقيَّاتٌ من الخيلِ صُرَّمٌ ... سبعةُ آلاف وأدراعٌ دُرُمْ
قوله درم، يعني ملسا غامضة المسامير. قال: وذلك لكثرة استعمالهم إياها املاست وسلست.
ونحن يومَ الجرفِ جئنا بالحَكمْ ... قَسراً وأَسرى حوله لم تقتَسم
وصَدَّأ الدرعُ عليه كالحممْ
(2/510)

وقال جرير يفخر على الفرزدق:
قُلْ لحفيف القَصَباتِ الجوفانْ ... جيئوا بمثلِ قعنبٍ والعلهانْ
والرِّدفِ عتَّابٍ غداة السُّوبانْ ... أو كأبي جزرةَ سُمَّ الفرسانْ
يعني عتيبة بن الحارث.
والحنتفينِ عند شَلِّ الأظعانْ ... وما ابنُ حِنَّاءةَ بالوغل الوانْ
ولا ضعيفٍ في لقاءِ الأقرانْ ... يومَ تسدَّى الحكمُ بنُ مروانْ
قوله تسدى، يقال من ذلك تسداه إذا علاه وركبه. وقوله الحكم، يعني الحكم بن مروان بن زنباع بن
جذيمة بن رواحة.
رجع إلى القصيدة:
إنَّ البعيثَ وعبدَ آل مُقاعسٍ ... لا يقرآنِ بسورةِ الأحبار
قوله وعبد آل مقاعس، أراد الفرزدق. ومقاعس هو الحارث وولده عبيد. قال: وعبيد وصريم ابنا
الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، تقاعسوا عن الحلف فسموا مقاعسا. وقوله:
لا يقرآن بسورة الأحبار، فالباء زائدة. يقول: لا يقرآن سورة الأحبار. قال أبو عبد الله: يعني قوله
تعالى {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} يعني لا يوفون بعهودهم.
(2/511)

أبلغْ بَني وقبانَ أنَّ نساءَهُمْ ... خُورٌ بَناتُ موقَّع خَوَّار
كُنتمْ بَني أمةٍ فأُغلقَ دُونكمْ ... بابُ المَكارم يا بني النَّخْوار
النخوار نبز نبزهم به. ويروى يا بني حجار. وحجار من بني مجاشع.
أبَني قُفيرةَ قدْ أناخَ إليكُمُ ... يومَ التَّقاسُم لُؤْمُ آلِ نزَار
إنَّ اللِّئامَ بني اللِّئامِ مُجاشعٌ ... والأخبثونَ محلَّ كُلِّ إزار
ضربَ الخميسُ على بناتِ مُجاشع ... حتَّى رجعنَ وهُنَّ غيرُ عذاري
إنَّ المواجنَ من بنات مُجاشَع ... مأوى اللُّصوص وملعبُ العُهَّار
تبْكي المُغيبةُ منْ بناتِ مُجاشع ... وَلهى إذا سمعتُ نُهاقَ حمار
لا تبتغي كمراً بناتُ مُجاشع ... ويُردْنَ مثلَ بيازر القصَّار
قال: البيازر واحدتها بيزارة. قال: وكل عصا غليظة فهي بيزارة. قال: وهي هاهنا مواجن
القصارين، واحدتها ميجنة ن وهي التي تسميها الفرس الكذين.
أبُنَّي شِعرَةَ ما ظننتُ وحرْبُنا ... بعدَ المراس شديدةُ إلا ضْرار
سارَ القصائدُ واستبحنَ مُجاشعاً ... ما بينَ مصرَ إلى جنوب وَبار
سار القصائد واستبحن، يعني سلبوهم باحتهم ونزلوا بها. والباحة والساحة والعرصة كله واحد.
وقوله وبار، وهي أرض معروفة. وجنوبها يعني جوانبها.
يَتلاوَمون وقدْ أباحَ حريمهُمْ ... قينٌ أحلَّهُمُ بدارِ بوَارِ
قوله بوار، يريد به الهلاك، وهو من قوله تعالى {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
(2/512)

الْبَوَارِ} يعني الهلاك.
لا تفخرَنَّ إذا سمعتَ مُجاشِعاً ... يَتخاوَرونَ تخاورَ الأثوار
أعْليَّ تغضَبُ أنْ قُفَيرةُ أشبهتْ ... منهُ مكانَ مُقَلَّدٍ وَعذار
قوله وعذار، يعني عارضيه. وعارضا الفرس خداه.
نامَ الفرزدقُ عنْ نَوار كنوْمِهِ ... عنْ عُقْرِ جعثِنَ ليلةَ الأحفار
قالَ الفرزدقُ إذْ أتاهُ حَديثُها ... ليستْ نوارُ مُجاشعٍ بنوَار
تَدْعو ضُرَيسَ بَني الحُتات إذا انتشَتْ ... وتقولُ ويحُكَ من أَحسَّ سواري
يقول تسكر فيضيع سوارها، فدعت ضُريس يطلب سوارها.
إنَّ القصائدَ لنْ يزلنَ سَوايخاً ... بحديث جعثنَ ما تَرَنَّمَ ساري
لمَّا بَنى الخطفى رضيتُ بما بَنى ... وأبو الفرزدق نافخُ الأكيار
وتبيتُ تشربُ عندْ كُلِّ مُقَصَّصٍ ... خضِلِ الأناملِ واكِفِ المعْصارِ
قوله مقصص أي ذمي قد جزت ناصيته.
لا تفخرَنَّ فإن دينَ مُجاشع ... دينُ المَجُوس تطُوفُ حَوْل دُوار
يعني صنما.
وقال الفرزدق في قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن ربيعة بن خالد بن أسيد بن كعب بن
قضاعى بن هلال بن عمرو بن
(2/513)

سلامان بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن
قيس بن عيلان بن مضر، وقتله وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود ابن كليب بن عوف بن مالك
بن غدانة بن يربوع، ويمدح سليمان بن عبد الملك ويهجو قيساً وجريرا:
تحِنُّ بِزوراءِ المدينةِ ناقَتيِ ... حنينَ عجُولٍ تبتَغي البوَّرائِمِ
قوله حنين عجول، قال: العجول الثكلى، وهي المرأة تثكل أولادها، فشبه حنين الناقة بحنين الثكلى
وطلبها لولدها. قال: والبو جلد حوار يحشى ثماماً ترأمه الناقة فهي تستدر به لينزل لبنها وتحسب
ذلك البو ولدها.
وَيا ليْتَ زوْراءَ المدينةِ أصبحتْ ... بِأَحفارِ فلْجٍ أَوْ بِسيفِ الكواظِمِ
قال: السيف شط البحر والكواظم يعني كاظمة وما حولها، وهو موضع معروف.
وكمْ نامَ عنِّي بالمَدينةِ لَمْ يُبَلْ ... إليَّ اُطِّلاعَ النَّفسِ دُونَ الحَيازِمِ
إذا جشَأَتْ نَفسِي أقولُ لَها أرْجُعي ... وراءَك واستحي بياضَ اللَّهازِمِ
جشأت ارتفعت لسوء وهمت بقبيح. يقول: كلما جشأت نفسي مما أجد وقرتها وقلت لها: استحي
بياض اللهازم وهو شبيه.
فإن التي ضَرَّتْكَ لَو ذُقْتَ طَعمها ... عليكَ منَ الأعباءِ يومَ التَّخاصُمِ
يقول: هذه القصيدة، أو الشيء الذي قاله من قصيدة، أو نحوها، لو
(2/514)

ذقت طعمها يريد ثوابها من الأعباء والثقل لكان عليك ثقيلاً. قال: والمعنى يقول: كم نام عني بالمدينة من خلي أي من رخي
البال، لا يبالي ما أنا فيه من الكرب والغم الذي قد خرجت نفسي له من الحيازم إلى التراقي. قال:
والحيزوم الصدر. وقوله لم يبل يريد هو خلي البال كما تقول العرب "ويل للشجي من الخلي" يريد
للحزين من الفرح. قال أبو عبد الله: يقال إن هذا أراد به المرأة. وقوله يوم التخاصم، يريد يوم
القيامة لقول الله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}.
ولسْتَ بِمأخوذٍ بَلْغو تقُولُهُ ... إذَا لَمْ تعمَّدْ عاقِداتِ العزَائِمِ
وروى أبو عبيدة بقول تقوله، بلغو قال: بقول لا يؤاخذك الله باللغو في كلامك فإن عزمت على شيء
وعقدته آخذك به.
ولمَّا أَبَوْا إلاَّ الرَّحِيلَ وأَعْلَقُوا ... عُرىً في بُرىً مَخْشوشَةٍ بالخزائمِ
يروى فلما أبوا إلا الرواح وأعلقوا ن يعني الأزمة في الأخشة، وهي جمع خشاش، وهي الخشبة في
أنف البعير، وهي البرى، وذلك حين أرادوا الرحيل، وكانت قبل ذلك معطلة في الرعي. والخزامة
حلقة من شعر تكون في أنف الناقة مكان البرة، والبرة من صفر.
وراحُوا بجثمانيِ وأمْسَكَ قلبهُ ... حُشاشتُهُ بينَ المصلَّى وواقِمِ
ويروى بجسماني وهو الجسم، وكذلك الجثمان، الحشاشة بقية الروح. وواقم بالمدينة، أراد حرة واقم.
ويروى قلبه، حبالته يعني حبالة القلب، أي تلك التي كلف بها قد صادت قلبه فكأنها حباله الصائد.
(2/515)

أقولُ لمغْلوبٍ أماتَ عِظَامَهُ ... تَعاقُبُ أدْرَاجِ النُّجُومَ العَواتِمِ
مغلوب صاحب له غلب عليه النعاس والإعياء. أدراج النجوم سير العقب بالنجوم.
إذا نحنُ ناديْنَا أبَى أنْ يُجيبنَا ... وإنْ نحنُ فدَّينَاه غيرَ الغَماغم
قال: الغمغمة: صوت لا يفهمه من نعاسه وإعيائه.
سيُدْنيكَ مِنْ خَيْر البَريَّةِ فاعتَدلْ ... تناقُلُ نَصِّ اليملات الرَّواسِمِ
قوله فاعتدل يريد فانتصب لا تنم. ويروى أيضا فانتصب. التناقل: نقلها قوائمها في السير.
إلى المُؤْمِنِ الفَكاكِ كُلَّ مُقيَّدٍ ... يَداه ومُلقِي الثِّقلَ عنَّ كُلِّ غَارِمِ
بِكفَّينِ بيضَاوَيْنِ في رَاحتيهمَا ... حَيَا كُلِّ شَيءٍ بالغيُوثِ السَّواجِمِ
بِخَيرْ يَدْي مَنْ كانَ بعدَ مُحمَّدٍ ... وجارَيهْ والمظلُومِ للهِ صَائِمِ
فلمَّا حَبَا وَادي القُرى مِنْ ورائِنَا ... وأشرفْنَ أقتَارَ الفجَاجِ القواتِمِ
ويروى وأعرض أركان الرعان القواتم. وراءنا هاهنا أمامنا، حبا: أشرف. والقتمة: سواد في
الحمرة، وجارا النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر، والمظلوم عثمان رضي الله عنهم.
لَوَى كُلُّ مُشتاقٍ مَنَ القومِ رأسَهُ ... بِمغرورِ قاتٍ كالشَّنانِ الهَزَائِم
ويروى من الركب. الهزائم المنكسرة. والشنة القربة الخلق تبرد الماء ولا تسيل.
(2/516)

وأيَقَنَ أنَّا لن نرُدَّ صُدُورها ... ولمَّا تُواجهها جِبالُ الجَراجِمِ
وأيقن يعني الرجل. قال: وروى عمرو بن أبي عمرو وأيقن يعني النوق. قال: والجراجم نبط الشام،
واحدهم جرجماني.
أكُنتُمْ ظننتُمْ رِحلتي تنثنيِ بِكُمْ ... ولَمْ ينقُضِ الإدلاجُ طَيَّ العمائمِ
ويروى حسبتم رحلتي تنقضي. قوله تنثني بكم أي تصرفكم عن وجوهكم. والإدلاج: سير الليل كله،
والإدلاج التبكير.
لَبِئسَ إذاً حامي الحقيقةَ والَّذي ... يُلاذُ به في المعضِلاتِ العظائِمِ
وماءٍ كأنَّ المنَّ فوقَ جمامِهِ ... عباءٌ كستهُ من فُروجِ المخارِم
كسته ذلك الغبار الرياح، المخرم منقطع الطريق في الجبل.
رياحُ على أعطانه حيثُ تلتقِي ... عفَا وخَلا مِنْ عهدِهِ المُتقادِمِ
وردتَ وأعجازُ النُّجومِ كأنَّها ... وقَد غارَ تاليها هجائنُ هاجِمِ
ويروى وأرداف، وقوله هاجم هو طارد يطرد إبله، قوله هجائن هاجم، الهاجم صاحب إبل قد هجم
بها على الماء. وأراد اجتماع النجوم في الغرب للمغيب. وقد غار تاليها وهو آخرها، أي غابت هي
في المغيب، وتاليها: كوكب الصبح في المشرق وقد ذهب بها ضوء الفجر.
بغيدٍ وأطلاحٍ كأنَّ عُيونهَا ... نطاف أظلتُها قِلاتُ الجماجِمِ
بغيد يريد بفتيان شباب، لينة أعناقهم ومفاصلهم. وقوله وأطلاح، هي الإبل المعيية قد بلاها السفر.
ونطاف: مياه. وقوله أظلتها، يريد
(2/517)

صيرتها في ظلال القلات. قال، والقلت: قلت العين مدخلها في
الرأس. والجماجم يعني رءوسها واحدتها، جمجمة. قال أبو عبد الله: قوله غيد يعني يثنون من
النعاس.
كأنَّ رحالَ الميْس ضمَّتْ رحالُها ... قناطرَ طيِّ الجندلِ المُتلاحم
الميس: شجر تتخد منه الرحال. والمتلاحم: المتراصف الذي قد أخذ بعضه بعضاً.
إليكَ وليَّ الحقِّ لاقَى غُروضها ... وأحقابَها إدْراجُها بالمنَاسِم
يقول: ضمرت فالتقت عرى الغروض، وهو مثل الحزم من الأدم. والأحقاب مثل الحبال. يقول:
كانت عراها لا تلتقي فلما أضمرها السفر التقت.
نواهضَ يحملن الهِمومَ التَّي جفتْ ... بنا عَنْ حَشَايا المُحصنات الكَرائم
ليبلُغنَ ملءَ الأرض نُوراً ورحمةً ... وعدلاً وغيثَ المُغبرات القَواتم
ويروى أمنا وعصمة.
جُعلتَ لأهْل الأرْضِ عدلاً ورحمَةً ... وبُرءاً لآثار الجُروح الكَوالم
كَما بعثَ الله النَّبيَّ مُحمَّداً ... على فترَة والنَّاسُ مثلُ البَهائم
ورثتُمْ قناةَ المُلك غيرَ كلالَة ... عَن ابْني مَنَاف عَبْد شَمْس وهَاشم
تَرى التَّاجَ مَعقوداً عليْه كأنَّهُمْ ... نُجُومٌ حَواليْ بدْر مُلك قُماقم
عجِبْتُ إلى الجَحَّادِ أي إمارةٍ ... أرادَ لأنْ يزدادها أو دراهم
(2/518)

يعني الحجاج بن يوسف.
وكانَ عَلى ما بينَ عمَّانَ واقفاً ... إلى الصِّين قَدْ ألقوا لهُ بالخزائم
قوله ما بين عمان، هو موضع ببلاد الشام، وقوله بالخزائم يعني ذلوا له وانقادوا، كما يذل البعير إذا
خزم بالبرة أو بالخشاش.
فلمَّا عَتَا الجَحَّادُ حينَ طَغَى به ... غنى قالَ إنِّي مُرتق في السلاَّلَم
ويروى طغت به مني. قوله مرتق في السلالم يريد أصعد إلى السماء.
فكانَ كَمَا قَالَ ابنُ نُوح سأرتَقي ... إلى جبَل منْ خَشيَة الماءِ عَاصم
رَمَى الله في جُثمَانه مثلْ ما رَمَى ... عن القِبلةَ البيضاءَ ذاتِ المحارم
يقول لم ينفعه شيء. مثل ما رمى أي مثل ما رمى الله عز وجل. قوله ذات المحارم يعني طيراً
أبابيل جاءت تنصر البيت.
جُنوداً تسُوقُ الفيلَ حتى أعَادَها ... هباءٌ وكانُوا مُطرَ خمَّي الطَّراخم
نُصرتَ كنَصْر البيت إذْ ساقَ فيلَهُ ... إليه عَظيمُ المُشركينَ الأعَاجم
وما نُصر الحجاجُ الاَّ بغيره ... على كُلِّ يومْ مُستحرِّ المَلاحم
الملاحم القتال. يقول: هلكت الحبشة فكانوا كعصف مأكول.
بقَوْم أبوُ العَاصي أبُوهُمْ توارْثَوُا ... خلافةَ أُميَّ وخيْر الخَواتم
يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أنه خاتم الأنبياء، وهو خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
(2/519)

ولاَ رَدَّ مُذْ خطَّ الصَّحيفَةَ ناَكثاً ... كَلاماً ولا باتَتْ لهُ عينُ نَائم
ولاَ رَجعُوا حتَّى رأَوا في شماله ... كتاباً لمغَرْور لدَى النَّار نَادم
ويروى حتى رأى. وقوله لدى النار، يريد إلى النار. الرواية لمغلول إلى النار.
أتَاني ورَحْلي بالمَديَنة وقعَةٌ ... لآل تَميم أقْعَدتْ كُلَّ قَائم
قال: يعني قتل وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، قتيبة بن مسلم
الباهلي، على قتل ابني الأهتم. قال: والأهتم هو سنان بن سمي. وذلك أنه لما أراد قتيبة أن يستخلف
عبد الله ابن عبد الله بن الأهتم، أتاه بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال له بشير: أصلح الله
الأمير، إنك تريد أن تستخلف عبد الله، وهو رجل حريص حسود غدور كفور. ومتى تستخلفه يخنك،
ويكفرك، ويغدر بك. فغيَّر منزلتنا عندك، وأفسدنا عليك. فحمله قتيبة على الحسد من بشير لعبد الله،
فقال له قتيبة: لا، ولكنك حسدت ابن عمك. قال: فاذكر قولي، واقبل عذري، إن فعل فاستخلفه، وغزا
فرغانة. - وقال أبو الحسن المدائني: لم يغز فرغانة وإنما غزا سجستان - حين ضمت إليه الجنود.
قال أبو عبيدة: فجعل عبد الله يشقق الكتب في قتيبة إلى الحجاج بعوراته، ويحمله عليه، ويطلب
عمله. فإذا وردت كتبه إلى الحجاج طواها في بطون كتب إلى قتيبة، فتمر بها الرسل إلى عبد الله،
فتطويه بها إلى قتيبة بفرغانة، حتى تواترت كتبه. قال: فلما رأى ذلك قتيبة، ضاق بذلك ذرعاً. قال:
فدعا عند ذلك نفرا من بني تميم، فشكى إليهم
(2/520)

عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، فهرب عبد الله حتى أتى مكران،
ثم عبر إلى عمان، فأتى مكة، وأتى المدينة، وكان شبيهاً بالموالي في خلقته. قال: فعصب
إحدى عينيه بخرقة، وجعل يبيع الخمر والأدهان، يطوف بها على ظهره، ومعه غلمان له يبيعون
معه، فكتب فيه قتيبة إلى الحجاج أن عبد الله عدو الله، حمل بيت مال خراسان وهرب، وكتب فيه
إلى الوليد فكتب إلى الآفاق. فلم يقدر عليه لتنكره، وأخذ قتيبة شيبة ابنه أبا شبيب، وأخذ أخا لشيبة
بن عبد الله فقتلهما، وأخذ بشير بن صفوان بن عمرو بن الأهتم، فقال: قد كنت أخبرتك بغدره،
وتقدمت في المعذرة إليك، واستعهدتك من ذلك. فقال له قتيبة: صدقت، لقد أنبأتني بذلك، ولكنه دسيس
ومكر منكما، فإن تم لكما ما أردتما، لم يكن ذلك ضرك، وإن صرعكما الله، كنت قد أخذت لنفسك أمنا
ونجاة، فقتله، وقتل ابنا لبشير، وقتل معهم نفرا. قال: فمر وكيع بن حسان بن قيس ابن أبي سود،
وهريم بن أبي طحمة على بشير في السوق، وقد قطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه - قال أبو
الحسن المدائني: بل قطع يديه ورجليه، وطرحه في الثلج حتى مات - وهما يريدان قتيبة، فلما دخلا
عليه، قال: يا وكيع ألم تر ما فعلت بصديقك أبي الزقاق، وهو يظن أن ذلك يوافق وكيعا، وكانا
يتنازعان كثيرا، وذلك للشحناء التي كانت بين حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وبين بني سعد بن زيد
مناة بن تميم. فقال وكيع: سبحانه الله، ما بلغ كنه ما بيني وبينه، ما تبلغ عقوبته ما رأيت، فغضب
قتيبة حتى كاد يطير. وقام وكيع، فلم يزل قتيبة ينظر في قفاه حتى تغيب. قال: وتبعه هريم، فقال
لوكيع: لا تدع جفاءك. أبدا، تعمد إلى جبار يقطر سيفه دما، فتكلمه بمثل ما كلمته، حتى تربد وجهه
تربدا خفته عليك. وما زال يتئر بصره - أي يديم النظر - في قفاك حتى قلت: الساعة يأمر بك.،
فقال وكيع لهريم: لا تخشى أن
(2/521)

يقتلني، فأنا والله أقتله. قال: فلم يصل وكيع يومئذ الظهر ولا العصر
ولا المغرب، فقيل له: ألا تصلي يا أبا المطرف؟ فقال: ما أصنع بالصلاة، وقد قُتل من بني الأهتم
من قُتل. لا يغضب لهم أحد لا من في الأرض ولا من في السماء. قال: فعزله قتيبة عن رئاسة بني
تميم، واستعمل مكانه ضرار بن حصن الضبي. قال زهير بن الهنيد: وكان أول ما هاج مقتل قتيبة
بخراسان، أن الوليد بن عبد الملك، في آخر عمره، أراد خلع سليمان، وأن يجعل ابنه عبد العزيز بن
الوليد، ولي عهد. ودس في ذلك إلى القواد والشعراء. فقال جرير في ذلك:
إذا قيل أيُّ الناس خيرُ خليفةٍ ... أشارت إلى عبدِ العزيزِ الأصابعُ
رأَوُهُ أحقَّ الناسِ كُلِّهِمُ بها ... وما ظَلموا إن بايعوه وسارعوا
وقال جرير أيضا يحض الوليد على بيعته:
إلى عبدِ العزيزِ سَمَتْ عيونُ ال ... رَّعيةُ إذ تُخيرِّتِ الرِّعاءُ
إليهِ دَعتْ دَواعِيَهُ إذا ما ... عمادُ المُلِك خَرَّتْ والسماءُ
وقال أولو الحكومةِ مِنْ قريشٍ ... علينا البيعُ إذ بَلغَ الغَلاءُ
رَأَوْا عبدَ العزيزِ وليَّ عهدٍ ... وما ظلموا بذاك ولا أساءوا
فماذا تنظرون بها وفيكم ... جُسورٌ بالعظائم واعتلاء
فزَحلِفها بأزفلِها إليه ... أميرُ المؤمنين إذا تشاء
قوله فزحلفها إليه، يعني ادفعها. وقوله بأزفلها يريد بأجمعها.
فإن الناس قد مدُّوا إليه ... أكُفَّهم وقد بَرِحَ الخفاء
ولو قد بايعوك ولي عهد ... لقام الوزن واعتدل البناء
(2/522)

قال أبو عثمان: حدثنا الأصمعي، وليس هذا من النقائض، قال للمذمر مكانان يمسهما المذمر،
فأحدهما ما بين الأذنين، إذا وجده غليظا تحت يده، علم أنه ذكر، وإذا رآه يموج تحت يده، علم أنه
أنثى. قال والمكان الآخر أن يمس طرف اللحى، فإن وجده لطيفا، علم أنه أنثى. وإن وجده جائسا،
علم أنه ذكر، ومن ذلك قول عتيبة بن مرداس. ويقال له ابن فسوة:
تطالعُ أهلَ السُّوقِ والبابُ دونها ... بمستفلك الذّفْرَى أسيلِ المُذَمَّرِ
قوله تطالع أهل السوق، وذلك لطول عنقها. وإنما يصف ناقة محبوسة في دار، فهي ترفع رأسها،
فتشرف من فوق الحائط، وقوله بمستفلك الذفرى، قال: الذفرى ما خلف الأذنين، قال أبو عثمان:
وأنشد الأصمعي للكميت:
وأنسى في الحروب مُذَمَّريكم ... نتاجَ اليتن ما صِقةَ السليل
يريد في حروب مخالفة، لا تنتج على استقامة. وإنما تنتج يتناً. قال واليتن الذي تخرج رجلاه قبل
رأسه مقلوبا. يقول: فلا أدري أذكر هو أم أنثى، يضرب مثلا للأمر الذي لا يهتدى له، كما قال
الكميت:
وقال المُذَمِّرُ للناتجين ... متى ذُمِّرَتْ قبلي الأرْجُلُ
الزيادة إلى هنا
قال: فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف، وقتيبة بن مسلم. قال: ثم طعن في نيط الوليد -
يعني مات. كما تقول: طُعن في جهازه،
(2/523)

وذلك إذا مات. قال: ونيط واحد وجمعه نياط - قال فقام
سليمان بن عبد الملك يوم السبت للنصف من جمادى الآخر - قال، وقال أبو الحسن المدائني،
للنصف من ربيع الآخر - سنة ست وتسعين، فخافه قتيبة، فخرج غازياً حتى لحق بفرغانة في
الناس، وخلف حماد بن مسلم على مرو، قال: وبعث رسولاً إلى سليمان بثلاثة كتب، وقال لرسوله:
إذا دفعت إليه الكتاب الأول، وكان فيه وقيعة في يزيد بن المهلب، يذكر غدره وكفره وقلة شكره، فإن
قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع إليه هذا الآخر، وكان فيه ثناء على يزيد، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد، فادفع
إليه هذا الكتاب الثالث، وكان فيه "لئن لم تقرني على ما كنت عليه، وتؤمني لأخلعنك خلع النعل،
ولأملأنها عليك خيلا ورجالا". قال: فدفع الأول إليه، ويزيد عنده، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد. فدفع
إليه الكتاب الثاني، فلما اقترأه، دفعه إلى يزيد أيضاً. قال: فدفع الكتاب الثالث إليه فلما اقترأه، وضعه
بين مثالين من المثل التي تحته، ولم يحر في ذلك مرجوعا. قال: ولم يشك الناس أنه مستعمل يزيد
بن المهلب. قال: وقد كان في نفس يزيد على قتيبة ما كان، لبعثه الحجاج إياه عليهم إلى خراسان،
فرهب أيضا ذلك. قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال أبو مالك: وكان قتيبة لا يزال يلقي الكلمة بعد
الكلمة، يستطلع بذلك آراء الناس ولا يعالنهم، فقال يوما: هذه وفود الشام تقدم عليكم في البيعة،
فقولوا: لا نبايع إلا على أن يقسم فينا فيئنا، ولا تغزونا مرابطات أهل الشام. فقال جدي وكيع: أنت
الأمير، فابدأ فقل، ثم نقول نحن، فقال له قتيبة: اسكت لا أم لك. ومن سألك عن هذا؟ قال: أنت
آمرتنا فأجبتك. قال: وكانت فيه عليه غلظة، فعزله عن رئاسة بني تميم، وجعل عليها ضرار بن
حصن بن زيد الفوارس الضبي، ثم قال لهم يوما: استخلف عليكم يزيد بن ثروان، والناس يومئذ
عرب، فعرفوا أنه
(2/524)

عنى هبنقة، فشبه سليمان به، وهذا كله ابتيار منه للناس - يريد اختبار منه للناس
- ليدعوهم إلى خلعه، فلما لم يجب إلى ذلك، قام فيهم خطيبا، وهو عاتب عليهم، قال: فعرض ولم
يصرخ بالخلع وعاب القبائل وحضهم.
قال، وقال أبو عبيدة، قال زهير: وحدثني أبو نعامة، أنه قال: وقد كان مدد من الأعراب أمد بهم من
الهند وجزائر البحر فقال: "يا أهل السافلة، ولا أقول أهل العالية، إنما أنتم أو شاب من أو شاب كأبل
الصدقة جمعت من كل أوب، يا بكر بن وائل، يا فراش النار وذبان الطمع، بأي يوميكم تخوفوني،
أبيوم سلمكم أم بيوم حربكم؟ فو الله لأنا أعز منكم في الفتنة، وأمنع منكم في الجماعة، يا بني ذميم،
ولا أقول يا بني تميم، يا أهل الغدر والقصف - يعني الضعف والخور - كنتم تسمون الغدر في
الجاهلية كيسان، يا عبد القيس يا معشر الفساة، يا عبيد الكراب، ورعاء البقر، وسواق الحمير، خليتم
إبار النخل وحصد الزرع، وارتبطتم الحصن وركبتموها بعد طول الترقي في النخل، يا معشر الأزد
والله لانتم بأعنة السفن، ولبس التبابين، وجذب أعنة السفن، أحذق منكم بأعنة الخيل، رفضتم
المرادي، وأخذتم الرماح، والله إنها لبدعة في الإسلام، والأعراب وما الأعراب! ولعنة الله على
الأعراب، جمعتكم من منابت القرظ، والشيح، والقيصوم، ومنابت الغاف - وهو الينبوت - والقاتل،
ومن جزيرة عمان، ومن جزيرة ابن كاوان، تركبون البقر، وتاكلون القضب، حتى إذا اجتمعتم
اجتماع قزع الخريف، فحملتكم على الخيل وسلحتكم، وفتح الله لكم البلاد، وقلتم وقلتم كيت وكيت،
وذيت وذيت. كلاَّ والله، إنه ابن أبيه، وأخو
(2/525)

أخيه، العصا من العصية حول الصلبان الزمزمة - نبت
يعجب الإبل تزمزم حوله وتدور - لأعصبنكم عصب السلمة، يا أهل خراسان، والله لئن شئتم
لتجدني غشمشما، أغشى الشجر مثل البعير يمر بالشجر فيدقه لا يبالي. ألم أكن أيمن عليكم نقيبة من
حنيف الحناتم - وكان أحسن الناس قياما على إبله فضرب به المثل - من تيم اللات بن ثعلبة؟ ألم
أكن أغزيكم قبل الشتاء، وأقفلكم قبل الفراء، يا أهل العراق، انسبوني من أنا، والله لتجدني عراقيا ابن
عراقي، الشام أب مبرور، والعراق أب مكفور، حتى متى يتبطح أهل الشام في أفنيتكم وظلال
دياركم، إن هاهنا نارا حمراء فارموها أرم معكم، أرموا غرضكم الأقصى فقد استخلف عليكم أبو نافع
ذو الودعات. يا أهل خراسان، أتدرون لمن تبايعون. تبايعون يزيد بن ثروان! كأني بأمير فتى قد
أتاكم فأكل فيئكم وسامكم سوء العذاب. سميت هذا النهر معتقا - يعني نهر بلخ -
إنَّ امرءاً عرف اليمامةِ قلبُهُ ... أعطى الملوكَ مقادَةً لمضِلل
ويروى كلها أعطى - يا أهل خراسان، أما تذكرون ما كنتم فيه، وما أنتم اليوم فيه. فتحمدون الله
على ما أصبحتم فيه، فقد وليتكم الولاة قبلي وجربتموهم، فاذكروا كيف كنتم كيف كانت حالكم في
الفرقة بالأمس - يعني عبد الله بن خازم السلمي - ثم أتاكم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فكان
كاسمه أمية الرأي، كان في رأيه ودينه وعقله كاسمه - أي أمة صغرت أمية - أمية الدين أمية العقل
في قرب أثره، لم يفتح أرضا، ولم ينك عدوا، وزعم أن جبايتها لا تكفي بطنه، فكتب إلى خليفته: إن
خراج خراسان لو كان في مطبخه لم يكفه. ثم أتاكم بعده المهلب، فدوَّم بكم أبو سعيد ثلاث سنين، لا
(2/526)

تدرون أفي معصية أنتم أم في طاعة، لم يجب مالا، ولم يستفئ فيئا، ولم ينك عدوا، ثم بنوه من بعده،
كأطباء الكلبة، منهم ابن دحمة حصانا تبارى له النساء صباح مساء. وجئتكم أنا، فانظروا كيف نعمة
الله اليوم منها قبل ذلك، وأين ما أنتم فيه اليوم مما كنتم فيه قبل؟ ألست أعظم منا عليكم من حنيف
الحناتم؟ ألست أغزيكم فلا أجمركم - معناه لا أحبسكم - فقد ترون ما أصبحتم فيه، إن الظعينة
لتخرج من مرو إلى سمر قند في غير جوار، فأرم القوم سكوتا، ما يحير أحد منهم جوابا. ثم قال: يا
معشر أهل خراسان أتيتكم وأنتم رجلان، رجل عند جرته - قال أبو عبد الله جرته بفتح الجيم - إن
هدرت هدر، وإن استقرت استقر. عليكم يزيد بن المهلب، لا بل ينقص لا يزيد، حمارا نهاقا ينهق
كلما برق له الصبح نهقة أو اثنتين، ثم التفت فإذا حوله من الصغد - والسغد يقال بالسين والصاد -
أربعة آلاف في الحديد، فقال: والله إن في هؤلاء لمنتصرا للدين، ومقارعة عن حريم المسلمين، قال:
ثم نزل فدخل رواقه ولبس قميصا وملحفة سابريين، ثم أمر بأبناء السغد، يعرضون عليه في السلاح،
معهم السيوف والخناجر ن وقد قتل آباءهم. قال: فعرض عليه أربعة آلاف منهم، ثم قال: ذهب الفتك
من السغد سائر الدهر. كأنه استقتل، فهمت به القبائل جمع. قال: وقد كان بعث إلى ذراري الذين معه
ليحوزهم إلى مدينة سمر قند دون فرغانة، ويأخذهم رهائن، فحشرهم حماد بن مسلم خليفته قال، وقال
زهير بن الهنيد فحدثني عمي المهلب ابن إياس بن زهير بن حيان بن قميئة، أنه لما بعث إلى
ذراري من معه، منع الناس وقطع نهر بلخ ن وبين عسكره وبين المفازة سبعون فرسخا، واستعمل
على ذلك مولى له يقال له بندة الخوارزمي، فنزل دون النهر إلى العراق، وجمع المعابر فحرقها. قال
زهير وكان مع قتيبة
(2/527)

أبي إياس بن زهير، وعماي عبيد الله بن حيان وعبد الله ابنا زهير بن حيان
بن قميئة، فقال أبي: أصلح الله الأمير، قد عرفت نصيحتي لك، وانقطاعي إليك، ولم أشعر بما أردت
ولم يعلمني الأمير ولم أكن أعلم بالذين بعثتهم إلى ذراريهم، وإن لي أصيبية صغارا، وضيعة ومالا،
وليس لهم من يغني شيئا ولا يجزي، فإن رأى الأمير أن يأذن لابني الهنيد فيكتب له جوازا، فيضم
مالي وضيعتي، ويحمل صبيتي فليفعل. فكتب له قتيبة بيده، وكذلك جوازه بخط يده قال، فقال الهنيد:
فأقبلت من عسكره وحدي ما أرى أحداً يتحرك حتى قطعت المفازة من خوفه، فلما وقفت على شط
نهر بلخ مما يلي فرغانة، ألمعت بسيفي ليروني من الجانب الآخر، فيعلموا أني رسول فيأتوني
بالمعبر، قال: فلما ألمعت قطع إلي نفر في المعبر، فقالوا: من أنت؟ قال: فانتسبت وقلت: رسول
الأمير، فرجوا فأخبروا مولى قتيبة الخوارزمي، بقولي واسمي ونسبي، وعرفوني. قال: فردهم
فرجعوا يحملونني، فحملوني فأتيته في قصره، حتى إذا دخلت عليه في يوم قائظ، وقد أمعرت من
الزاد، وطال يومي، وأنا شاب أتضرم ولا أصبر، قال: فإذا خوانه مهيأ ليؤتى به، فلولا الحياء لملت
إلى الخوان فرجوت أن يعجل به خادمه، قال: فأقبل يستخبرني فيم وجهت، فقلت: في حاجة للأمير
مكتومة، وأقبل يستخبرني الأخبار وعن حال الناس، قال: ولهى عن الغداء، وأقلقني الجوع، فلما طال
على ذلك قلت لوصيف له: هلم ذلك الخوان، قال هو حينئذ قربه إليه. فجعلت آكل وهو يسألني وأنا
أحدثه.
فقال زهير بن الهنيد، وجهم وأبو مالك: فأبرمت اليمانية أمرها، وأجمعت رأيها على الخروج عليه،
والنهض به على قتله، فلما تبايعت على ذلك، وكانوا أول الناس فعل ذلك، قالوا: لو دعونا حلفاءنا
(2/528)

وأدخلناهم في أمرهم، قال: فأتوا الحضين بن المنذر. قال أبو عبد الله: كل اسم فهو الحصين بالصاد
غير معجمة غير هذا فإنه بالضاد معجمة، وهو صاحب رايه قومه يوم صفين. وقد روى عن علي
بن أبي طالب رضي الله عنه فعرضوا ذلك عليه، ودعوه إلى أن يدخل فيما دخل فيه الناس، فقال
الحضين: هل دعوتم إلى أمركم هذا أحداً من بني تميم؟ قالوا: لا ولا نريد إدخالهم في هذا الأمر، ولا
إطلاعهم عليه، قال: قد عرفتم أن بني تميم أعد أهل خراسان رجلا عربيا، ومتى تريدوا هذا الأمر
يكونوا أشد الناس عليكم، فلا يغرنكم ما كان بينهم وبين قتيبة، فانكم إن لم تدخلوهم في هذا الأمر، لم
يسلموه أبدا، فإن نصرته تميم تجمعت له مضر، وإن اجتمعت مضر، وقد علمتم أن العجم جنود
خراسان وبيت المال معهم. والمال لهم والسلطان لهم. لم ير بعضنا مصرع بعض، ثم قال لهم: لست
من هذا ولا جملي ولا رحلي، أنا أول لاحق بقتيبة حتى ينجلي هذا الأمر، فقالوا لا وحشة بنا إليهم،
فرجعوا عنه ولم يجبهم. قال زهير: فتدافعوا، لا يتقلدها أحد اتقاء ألا يتم الأمر هيبة لقتيبة، قال:
وكان قتيبة أشد سلطانا من الحجاج، وهيبة في صدور الجند. قال: وكان الحجاج استعمله على فرض
أهل الكوفة إلى خراسان. وكان أبوه زحر بن قيس من وجوه أصحاب عليّ - رضي الله عنه - قال:
واستعمل سعد بن نجد من الجراميز ابن الحارث بن مالك ابن فهم من الأزد، على فرض أهل
البصرة من الأزد إلى خراسان. فلما عرس أمرهم - أي عسر - قالوا: لو أتينا الحضين فأشار علينا.
فأتوه فقالوا له: ما الرأي؟ فقال: الرأي عندي أن تأتوا الأهوج من بني تميم - يعني وكيع بن سود -
فتقلدوه هذا الأمر - وقال جهم: فإن تأتوا هذا الرجل من بني تميم - فإنكم إن قلدتموه هذا الأمر،
أعانته تميم أو كف عنكم من لم يرد نصره - وقال جهم: أو كف من لم يعنه - فلم ينصر
(2/529)

قتيبة، فإن انصرفت تميم عن قتيبة انصرفت مضر وتخاذلت. وإن نصر قتيبة بعضهم كنتم قد ألقيتم بأسهم
بينهم، فإن ظفرتم فهو ما طلبتم، وإن لم يتم هذا الأمر كان البلاء بهم، ولم يستحر الشر إلا ببني تميم.
قال فأتوا وكيعا فيابعوه، وأخذ منهم الطلاق والعتق، وجعل يأتي الفقير عبد الله بن مسلم، فيشرب
عنده إلى هدء من الليل ثم يرجع، قد واعدهم تلك الليلة بعد رجعته، فيأتيه الناس فيبايعونه على
الطلاق والعتق، وجعل يأتي شباب بني مسلم ويشرب معهم، ويتساكر، وليس به سكر حتى فشا ذلك
في الناس وعرفوه، فقال ضرار ابن حصين الضبي، رأس بني تميم لقتيبة، وخبره بكل ما كان من
أمرهم، فقال له عبد الله بن مسلم، إنه عندي وعند شبابنا يخرج كل ليلة سكران ما يبت سكراً، قال
فاكذب عنه، وجل وكيع يأتي أهل مسلم، ولا يجهد الشراب، ويتساكر عليهم. قال: وربما تناوم، وربما
راهم أن الشراب قد غلبه، حتى يحمل إلى منزله في كساء، فجعل أمره يستبين، ويأتي ضرار بذلك
قتيبة من أمره، حتى كاد يأخذ ذلك في قتيبة. قال: وكان عبد الله لا يصدق أن وكيعاً يفعل شيئا تلك
الساعة لما يراه به. قال: فقال ابعث من ينظر إليه، فبعث قتيبة فوجده عند عبد الله سكران، فرجعوا
فأخبروا قتيبة. قال: فتراخى عنه حتى أشعلها عليه، فأتى ضرار قتيبة. فقال برئت إليك من جناية
وكيع، فقد دسست اليه ابن عمي ضرار بن سنان الضبي فبايعه، قال: ووضح أمر وكيع، وقام ابن
توسعة فقال:
تنمَّرْ وشَمِّرْ يا قتيبَ بنَ مسلمٍ ... فإن تميما ظالمٌ وابنُ ظالمِ
ولا تأَمنَنَّ الثائرينَ ولا تنَمْ ... فإن أخا الهيجاءِ ليس بنائمِ
ولا تثِقَنْ بالأزدِ فالغَدرُ منهمُ ... وبكرٍ فمنهم مُسْتحلُّ المحارمِ
وإني لأخشى يا قتيبَ عليكُمُ ... معرَّةَ يومٍ مثلِ يومِ ابنِ خازمِ
(2/530)

قال، فقال له قتيبة: صدقت اجلس، فبعث إلى وكيع عبد الله بن رألان، وهو رجل من عدي الرباب.
فقال له: قل له، لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يأتيني برأسك. قال أبو مالك: فوجد قد طلا ساقيه وجسده
بصندل أحمر، وعلَّق على ساقيه كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فجئته وقد طلا ساقيه بمغرة
الجأب، وإذا عنده رجلان من طاحية بن سود من الأزد يرقيانه من الشوكة، قال جهم: وقد علق على
ساقيه مع الطلاء كعوب ظباء وخرزا، قال ابن رألان: فأبلغته ما قال قتيبة. فقال وكيع: بي الشوكة
ولا أقدر على المجيء أما تراني مريضا؟ قال: فأتيت قتيبة بما قال وكيع. قال: فأرسل اليه صاحب
شرطه ورقاء بن نصر الباهلي، من بني قتيبة بن معن، وأخاه صالح بن مسلم وأمرا لخيل، فركبت
إليه معهما، فقال: إن أجاب وإلا فأتياني برأسه، فقد حذرني الحجاج غدر بني تميم. قال فدخل عليه
فقال له: أجب الأمير وإلا احتززنا رأسك. قال: نعم، أصب عليَّ ماء من هذا الطلاء، قال: فدخل
حجرة له، فشن عليه الدرع، ثم خرج من كفاء الخباء، قال زهير: وكان عند وكيع ثمامة ابن ناجية
من عدي الرباب، فقال ثمامة: فدعا بماء فغسل المغرة عن ساقيه وأمرني، فقال: ناد يا خيل الله
اركبي إلى وكيع وأبشري، قال ثمامة: فدعوت بما أمرني به من نواحي العسكر، قال ثمامة: فكان
أول من تجمع إليه مائة من بني العم، مرة بن مالك بن حنظلة. قال أبو مالك: كان أول من ثاب إليه
ابن أخيه إسحاق بن محمد في خمسة عشر فارسا من أهله مجففة. قال: وتقاعس الناس بعض
التقاعس، وتربصوا. قال: فأمر إسحاق أن يحرق، يريد بذلك أن يشغلهم ويرهبهم ويريهم أنهم كثير،
ولينشط أصحابه فيخرجوا. قال: فثاب الناس واجتمعوا. قال أبو الخنساء: فخرج وكيع فرأى رجلا
(2/531)

اجتهره، فقال: من أنت؟ قال: بشر بن غالب. قال: ممن؟ قال: من بني أسد. قال: خذ الحربة فأخذها،
فسار بها حتى طعن قتيبة فجعل وكيع يرتجز ويقول:
شُدَّا عليَّ سُرَّتي لا تنقلف ... يومٌ لهمدانَ ويوم للصُّدَف
ولتميم مثلُها أو تعترف
قال أبو عبد الله: للصدَف بفتح الدال، قال: ولقي سليمان الضبي صالح بن مسلم فرماه فأثقله، قال:
وزعمت الأزد أن زياد بن عبد الرحمن، أخا لمدرك بن شريك بن مالك بن فهم حمل على صالح بعد
ذلك، فطعنه فقتله. قال: حظارا فيه بخاتيه، وأطافوا به قال: وهرب عبد الله بن مسلم فقُتل في هربه،
وقتل عبد الرحمن بن مسلم أخو قتيبة، قتله قصاب، قال زهير: ولم يبق من بني تميم معه، غير
إياس بن زهير بن قميئة، وعبد الله بن رألان العدويين، فإنهما وفيا له فلم يزالا قاعدين معه في
فسطاطه، حتى أتى إياس بن زهير أخواه عبد الله وعبيد الله ابنا زهير، فأخذا بضبعي إياس أخيهما
وقالا، حتى متى تكون مع قيس وقد أسلمت أنفسها؟ قال: وقتيبة يرى ما يصنعان ويسمع قولهما،
فأخرجاه. قال أبو مالك: فلما قيل لقتيبة إن وكيعا قد تجمع إليه أصحابه، قال هريم بن أبي طحمة:
هذا الباطل أنا أجيئك به. قال: فوليت غير بعيد، فسمعتهم يقولون لا تدعه فيلحق بوكيع، ولن يرجع
إليك. قال: فغمزت فرسي برجلي المتوارية عنهم، ونوديت فتصاممت حتى فت القوم. قال أبو مالك
ك فجاء إليَّ ما حيال وجهه، من صف أصحاب وكيع، فجعل يضرب وجوه خيلهم برمحه، ويقول: سووا
(2/532)

صفوفكم، ولم يأت وكيعا، قال، وقال عمر بن عبد الله بن أبي بكرة، قال، قال بشير بن عبد
الله: فلما أطافوا بفسطاطه، دعا ببرذون له مدرب، كان يتطير إليه في الزحوف. ودعا بعمامة كان
يعتم بها، فقرب البرذون إليه ليركبه، قال: فجعل البرذون يقمص به حتى أعياه، قال: فلما رأى ذلك،
عاد إلى سريره فقعد عليه، فقال: دعوه فإن هذا أمر يراد، قال: وجاء حيان النبطي، وكان قائد العجم،
وكان مولى بكر بن وائل، فقال: أنا أكفيكم العجم، فقال لهم: ما لكم وللعرب تهرقون دماءكم فيما
بينهم، دعوهم يقتل بعضهم بعضا، واعتزلوا شرهم. قال: فمالوا براياتهم، فقال قتيبة لجعفر بن جزء
الوحيدي: يا أخا بطحاء أين قومك؟ قال: حيث جعلتهم. قال بشير فغشوا الفسطاط، ثم قطَّعوا أطنابه
علينا، فلولا سريره لقتلنا، ولكن السرير رد عادية الفسطاط عنا، قال زهير، فقال جهم لسعد انزل
فحزَّ رأسه. قال: وقد أثخن جراحا. فقال: أخاف أن تجول الخيل جولة. فقال: أتخاف وأنا إلى جنبك،
فنزل سعد فشق عنه صومعة الفسطاط - ويروى صوقعة - فاحتز رأسه فغيبه فقال الحضين بن المنذر:
وإن ابنَ سعدٍ وابنَ زَحْرٍ تعاورا ... بسيفِهما رأسَ الهمامِ المُتَوجِ
وما أدركت في قيسِ عيلانَ وِتَرها ... بنو مِنْقَرٍ إلاَّ بأزدٍ ومِذحجِ
عَشِيَّةَ جئنا بابنِ زَحْرٍ وجئتُمُ ... بأدغَمَ مَرقومِ الذراعينِ دَيْزَجِ
أصَمُّ غُدانيٌّ كأَنَّ جبينَه ... لطاخةُ نقسٍ في أديمٍ مَمجْمَح
قال ك وصوقعة الفسطاط رأسه الذي فيه العمود. قال: فقتلوه سنة ست وتسعين وقتل من بني مسلم
أحد عشر رجلا. قال: فصلبهم وكيع. سبعة منهم لصلب مسلم، وأربعة من بني أبنائهم، وهم: قتيبة،
وعبد الرحمن، وعبد الله الفقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد.
(2/533)

هؤلاء بنو مسلم. وكثير بن قتيبة، ومغلس بن عبد الرحمن. قال ولم ينج من صلب مسلم غير عمرو،
وكان عامل الجوزجان. وضرار، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
قال: فجاء أخواله فدفعوه حتى نجوه. قال ففي ذلك يقول الفرزدق:
عشيةَ ما ودَّ ابنُ غراءَ أنه ... له من سوانا إذ دعا أبوان
قال: وضرب أياس بن عمرو أخو مسلم بن عمرو على رقبته فعاش. فلما قتل مسلمة يزيد بن
المهلب، استعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، قال
فحبس عمال يزيد، وحبس فيهم جهم بن زحر الجعفي، وعلى عذابه رجل من باهلة. فقيل له: هذا
قاتل قتيبة فقتله في العذاب، قال: فلامه سعيد، فقال: أمرتني أن استخرج منه المال فعذبته، فأتى عليه
أجله! قال: فصعد وكيع المنبر حين غيَّب الرأس فلم يحمد الله عز وجل، ولم يصل على النبي صلى
الله عليه وسلم وقال:
من ينك العير ينك نياكا
وقال:
أنا ابنُ خندفٍ تنميني قبائلها ... للصالحات وعمي قيسُ عيلانِ
أين الرأس، والله لا أنزل حتى أوتى برأس سعد بن نجد، أو يخرج الرأس، قال: فأراد أن يبث
الخيل على الأزد، فأتوا سعدا فانتزعوا الرأس منه، فأتوا به وكيعاً فهدأ الناس، قال: ثم إن وكيعا بعث
برءوس بني مسلم، مع أنيف بن حسان بن بشير بن عدي التيمي، أحد بني ذكوان،
(2/534)

ومعه رجل من الأزد إلى سليمان بن عبد الملك. فقال جمانة بن عبد الملك، رجل من بني أوس بن معن بن مالك
يرثي قتيبة:
كأنَّ أبا حفصٍ قتيبةَ لم يَسِرْ ... بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا
ولم تخفق الراياتُ والقومُ حولَه ... وقوفٌ ولم يشهد له الناسُ عسكرا
دعتْهُ المنايا فاستجابَ لربِّهِ ... وراح إلى الجنَّاتِ عَفاً مطهرا
وما رُزِئَ الأقوامُ بعد محمدٍ ... بمثل أبي حفصٍ فبكيهِ عبهَرا
ويروى وما رزيء الإسلام بعد محمد، وقال ثابت بن قطنة العتكي:
ألم تَرَ أن الباهليَّ ابنَ مسلمٍ ... بفرغانةَ القُصْوَى بدارِ هوان
تمورُ أسابِيُّ الدماءِ بوجهه ... وقد كان صعباً دائمَ الخطران
الأسابي طرائق الدم، وقوله الخطران: أي كان يوعد ويهدد.
وقال نهار بن توسعة التيمي في ذلك:
أراد بنو عمروٍ لتهلكَ ضيعة ... فقد تُركت أجسادُهم بمضيعِ
ستبلغ أهلَ الشام عنا وقيعةٌ ... صَفَا ذكرُها للحظليِّ وكيعِ
وقد أسندت أهلُ العراقِ أمورَها ... إلى حاملٍ مما حمَّلوه منيع
له رايةٌ بالثغرِ سوداءُ لم تزل ... تفضُّ بها للمشركين جموعُ
مباركةٌ تَهدي الجنودَ كأنها ... عُقابٌ نَحَتْ من ريشها لوقوع
على طاعةِ المهديِّ لم يبقَ غيرُها ... فَأُبنا وأمرُ المسلمينَ جميع
على خيرِ ما كانت تكونُ جماعةٌ ... على الدين دينا ليس فيه صدوعُ
(2/535)

قال فأتاه دهقان بجام فضة فيه ورق، وبدابة، فأمره وكيع بدفعه إلى نهار بن توسعة، قال عبد الله بن
عمرو ن من بني تيم اللات، فركب وكيع ذات يوم، فأتوه بسكران فأمر به فقتل. فقيل له: ليس عليه
القتل، إنما عليه الحد، فقال لا أعاقب بالسياط، إنما بالسيف فقال ابن توسعة:
كنا نُبَكِّي من الباهلي ... فهذا الغدانيُّ شرٌّ وشر
وقال أيضا:
ولما رأينا الباهليَّ ابنَ مسلم ... تَجَبَّر عَمَّمناه عَضْباً مهندا
وقال الفرزدق يذكر وقعة وكيع:
ومنا الذي سلَّ السيوفَ وشامَها ... عشَّيةَ بابِ القصرِ من فَرَغَانِ
عشيةَ لم تمنع بنيها قبيلةٌ ... بِعِزِّ عراقيٍّ ولا بيمان
عشيةَ ودَّ الناسُ أنهم لنا ... عبيدٌ إذ الجمعانِ يضطربان
عشيةَ ما ودَّ ابنُ غرَّاءَ أنه ... له من سوانا إذ دَعا أبوان
عشيةَ لم تستر هوازنُ عامرٍ ... ولا غطفانٌ عورةَ ابنِ دخان
رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت ... رءوسُ كبيرَيْهن ينتطحان
رجالٌ على الاسلام إذ ما تجالدوا ... على الدين حتى شاع كل مكان
وحتى دعا في سُورِ كلِّ مدينةٍ ... منادٍ ينادي فوقها بأذان
فيُجزَى وكيعٌ بالجماعةِ إذ دعا ... اليها بسيفٍ صارمٍ وسنان
جزاءٌ بأعمالِ الرجالِ كما جَزَا ... ببدرٍ وباليرموك فيءَ جنان
(2/536)

وقال الفرزدق أيضا في ذلك:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌ ... لآل تميمٍ أقعدت كُلِّ قائمِ
قال: ولم يكن الفرزدق برح المدينة، حتى جاءت وقعة وكيع، فقال جرير يجيبه:
وإنَّ وكيعاً حين خارت مُجَاشِعٌ ... كَفَى شِعْبَ صَدعِ الفتنةِ المتفاقم
قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال أبو هشام، قال بيهس بن حاجب ابن ذبيان:
وردَّ على سعدٍ وكيعٌ دماءَها ... حفاظاً وأوفَى للخليفةِ بالعهدِ
ولما دَعَا فينا وكيعٌ أجابَهُ ... فوارسُ ليسوا بالرِّبابِ ولا سعد
فوارسُ من أبناءِ عمروٍ ومالكٍ ... سراعٌ إلى الداعي سراعٌ إلى المجدِ
ميامينُ لا كُشْفُ اللقاءِ لدى الوغَى ... ولا نُكُدٌ إن حُشَّتِ الحربُ بالنُّكْد
قال أبو عبيدة، قال أبو هشام، وهو من بني العجيف بن ربيعة بن مالك بن حنظلة، فحج سليمان بن
عبد الملك، فبلغه بمكة إيقاع وكيع بقتيبة، قال فخطب الناس بعرفات، فذكر غدر بني تميم، ووثوبهم
على سلطانهم، وإسراعهم إلى الفتن، وقال: إنهم أصحاب فتن، وأهل غدر، وقلة شكر. قال: فقام
الفرزدق وفتح رداءه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا ردائي رهن لك بوفاء تميم، والذي بلغك كذب. فقال
الفرزدق، حيث جاءت ربيعة وكيع لسليمان بن عبد الملك:
فِدىً لسيوفٍ من تميمٍ وَفى بها ... ردائي وجلَّت عن وجوه الأهاتِم
(2/537)

قال أبو مالك: فخبرني محمد بن وكيع، قال فكنت فيمن أشخص حماد بن مسلم من مروفي الذراري،
فإذا نفر على البريد، فقالت امرأة معنا: لو ركبت راحلتي، وتحولت عن سرجك، فإني أخاف عليك.
فأبيت وتنحيت عن الطريق، وبعثت غلامي يستخبر، فقالوا: قتل وكيع قتيبة. فقال: هذا ابن وكيع،
فمالوا إليَّ فلما دنوا مني سجدوا لي. قال زهير: ثم بعث بطاعته، وبرأس قتيبة إلى سليمان بن عبد
الملك. قال: فوقع ذلك من سليمان كل موقع، فجعل يزيد بن المهلب لعبد الله بن الأهتم مائة ألف
درهم على أن ينقر وكيعا عنده، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، والله ما أحد أوجب شكرا، ولا أعظم
عندي يدا من وكيع، لقد أدرك لي بثأري، وشفاني من عدوي، ولكرامة أمير المؤمنين أعظم وأوجب
عليَّ حقا، وإن النصيحة لتلزمني لأمير المؤمنين، إن وكيعا لم تجتمع له مائة عنان قط، إلا حدث
نفسه بغدرة، خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذن ممن أستعين به.
قال: وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يُخلع. قال: فاستعمل سليمان ابن عبد الملك يزيد بن المهلب على
حرب العراق، وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يدا من طاعة، أن يقيد وكيعا به.
قال فغدر يزيد بن المهلب فلم يعط عبد الله بن الأهتم المائة الألف التي كان جعلها له. قال: فلما قدم
يزيد واسطا، وقد غدر بابن الأهتم، فلم يعطه ما كان ضمن له، وجه ابنه مخلد بن يزيد إلى وكيع.
قال: فلما دنا جمع وكيع بني تميم وبلغه الخبر، فقال: أما لابن العبسية خصيان. إن هذا الغلام قد دنا،
وهو قادم غدا عليكم مترفا أبلخ، فإن أطعتموني شددته وثاقا. قالوا: قد أراح الله من الفتنة، فما نصنع
بالخلاف. قال: فقدم مخلد، فسلَّم له وكيع ما في يده. قال: فلما
(2/538)

قدم يزيد، قال له وكيع: ما يسرني أنك جبان. قال: لم؟ قال: لأنك لو كنت جبانا قتلتني!
قال: فحبسه في سلسلة، فإذا قعد الناس أقعد خلف يزيد. قال: وكان رأي يزيد إهدار دم قتيبة،
قال: وقال عمر بن عبيد الله: فشهد عنده بشير بن عبد الله بن أبي بكرة، أن قتيبة لم ينزع يداً عن طاعة،
وأنه لم يخلع، وأنه قُتل مظلوما. قال: فأمر يزيد بحبس وكيع، فلم يفلت من يده، حتى أقرَّ له بموضع نهره،
الذي في السبخة في الفرسخ الرابع من نهر معقل، فلم يزل في يده حتى حفره له،
فقاده إلى سباخ وراء ذلك من ميسان وراء النخل الذي عليه سكة البريد، فهو اليوم يقال: نهر يزيد بن المهلب.
قال ثم خلى سبيله. قال جهم: فلما قدم يزيد خراسان، قال: لا تدعوا أزديا إلا حضرني الليلة،
فجُمعوا له، فلما كان السمر، دخلوا عليه، فقال: يا معشر الأزد، كنتم أذل خمس بخراسان،
حتى أن الرجل من الحي الآخر، ليشتري الشيء فيتسخركم،
فتحملونه له، حتى قدم المهلب وقدمت، فلم ندع موضعا يستخرج منه درهم، إلا استعملناكم عليه،
وحملنا على رقاب الناس، حتى صرتم وجوها، وأخبرت أمير المؤمنين، أن أعز أهل العراق قومي،
وكنتم أصحاب هذا الأمر، وقد بلغكم أني قد استعملت على العراق، فعجزتم أن تولوا أمركم رجلا
منكم، يقوم لكم به، وأنتم أهل القرحة، حتى عمدتم إلى رجل من غيركم، فوليتموه أموركم، وقلدتموه
شأنكم. فقام مخلد بن يزيد فقال: إن هذا اللحاء لا يأتي بخير، أتقول مثل هذا لأعمامك؟ قال: فضرب
يزيد برجله في صدره، فقال عبد الرحمن بن نعيم الأزدي: قدمت خراسان غير مرة، ووليتها وأنت
أعلم بها منا، وقد علمت أن تميما أكثرها عربيا، وأن الجند بها أربعة وعشرون ألفا معهم، وبيت
المال والسلطان معهم، فإن تجمعوا، لم ير أحد منا مصرع صاحبه، فأردنا أن نفرق جمعهم، وننكئ
عدونا، ثم لو كنت، أصلحك
(2/539)

الله، ببست لم تدركنا، فدع أنك بالشام. قال: وكان وصول التركي أبو
ابن صول هذا، في قرية من أدنى قرى جرجان إلى خراسان، يقال لها دهستان، فكان يغير على قرى
خراسان، فكتب يزيد إلى سليمان يستأذنه في غزوه، فأذن له، فغزاه، فأقام عليه سنتين حتى قتله.
وافتتح جرجان وأقبل إلى البصرة، ولم يفتح شيئا غيرها، فمات سليمان قبل أن يدخلها يزيد، فأخذه
عدي بن أرطاة فحبسه أيضا في المرة الثانية، وضن بما في يديه وجمع له. فقال نهار بن توسعة في
ذلك:
لقد صَبرتْ للذلِّ أعوادُ منبرٍ ... تقوم عليها في يديكَ قضيبُ
رأيتُكَ لمَّا شِبْتَ أدرَكَكَ الذي ... يُصيبُ شيوخَ الأزدِحين تَشيب
بخِفِّةِ أحلامٍ وقلَّةِ نائلٍ ... وفيك لمن عاب المَزونَ مُعيب
ويروى وفيك لمن عاب المزون عيوب. المزون لقب. ويروى أخفة أحلام، وقلة نائل. قال أبو عبد
الله: المزون قرية بالبحرين تنسب الأزد اليها. قال أبو عبد الله: لقبهم به نسبهم إلى قرية بعمان وهم
نبط. قال، وقال الفرزدق: وكان يزيد كتب اليه من جرجان أن يأتيه:
دعاني إلى جرجانَ والريُّ دونه ... لآتيه إني إذاً لزءُورُ
لآتي من آل المهلَّبِ ثائرا ... لأعراضِكم والدائراتُ تدور
سأبي وتأبى لي تميمٌ وربما ... أبيتُ فلم يقدِرْ عليَّ أمير
قال: فلما قدم الفرزدق الكوفة، قال له عثمان بن المفضل: قد كان أُعد لك مائة ألف درهم، فقال لابنه
لبطة: صدق، ولكن كان يقتلني، فما ينفعني منها بعد موتي. قال، وقال سعيد بن خالد: ثم قدم حيان
(2/540)

النبطي البصرة، يريد الحج، فتعرف مسلم بن الشمردل الباهلي تحته برذونا زردا، رآه تحته أيام
عدي بن أرطاة، فضبث به - أي تشبث - فرفعهما إلى إياس بن معاوية، قاضي البصرة، قال: فجعل
حيان ينفض بنائق قبائه ويقول: أخاصم في برذون ودم قتيبة في بركات قبائي! وأعان وكيع حيان
وشهد له، فقال له إياس: مالك وللشهادات، إنما هي من صنعة الموالي، قال: وقيل لوكيع، إنه لا يقبل
شهادتك، فقال: والله لئن ردها لأعلون رأسه بجرزي هذا. قال، وقال الزعل الجرمي في قتل عبد الله
بن خازم، وفي قتل قتيبة بن مسلم، ويحض الأزد عليهم:
أبعدَ قتيلينَا بمروٍ تعُدُّنا ... تميمٌ نسيبا أو ترجِّي لنا نصرا
فنحن معَ السَّاعي عليكم بسيفِهِ ... إذا نحن آنسنَا لعظِمكُمُ كَسْرا
ربيعةُ لا تنسى الخنادقَ ما مشت ... ولا الأزدُ قتلتُمْ سراتكُمُ قَسْرا
ويروى سراتهم قسرا، قال: فهذا يدل على أن الأزد قد كانت مع ربيعة أيام ابن خازم، فأجابه جرير
بن عرادة فقال:
أَلمْ تُرِني أن الثريا تلومني ... وقبلَكَ ما عاصيْتُ لومَ العواذِل
ألا حينَ كان الرأسُ لونين منهما ... سوادٌ ومخضوبٌ به الشيبُ شاملُ
تقول: أَتَى يومُ القيامة فاصْطَنعْ ... لِنفسِكَ خيراً، قلت: إني لفاعِلُ
كريمةَ قومٍ حمَلونيَ مجدَهم ... وإني لهم ما دمتُ حيّاً لحاملُ
وقد قلتُ للزَّعْلَى لا تنطقُ الخنا ... فإني لم أفخر عليك بباطلِ
متى تلقَنَا عند المواسمِ تحتقرْ ... سُليماً وتغمرْك الذرىَ والكواهلُ
وترجعْ وقد قلَّدت قومَكَ سُبَّةً ... يعضُّون من مخزاتِها بالأنامل
ومنا رسولُ اللهِ أُرسلَ بالهُدى ... وأنت مع الجَحَّادِ سحَّارُ بابلِ
يعني المختار الثقفي.
(2/541)

ولم يجعل اللهُ النبوةَ فيكم ... ولا كنتُمُ أهلا لتلك الرسائِل
ولكنكم رُعيانُ بِهمٍ وثُلَّةٍ ... تردُّون للمِعزَى بطونَ المسايلِ
إذا الخيلُ ألوتْ بالنَّهابِ فَزِعتُمُ ... إلى حُفَّلِ الضَّراتِ قُمْر الجحافلِ
إلى حَرَّةٍ سوداءَ تشوي وجوهَكم ... وأقدامَكم رمضاؤُها بالأصائلِ
فإن كنتَ أزمعتَ المُهاداةَ فَالتَمِسْ ... مساعيَ صِدْقٍ قبلَ ما أنتَ قائلُ
فإنك مُجريَ في الجيادِ فمُتعبٌ ... إلى أمدٍ لم تخشَهُ مُتماحِلُ
وأنت حديثُ السنِّ مستنبطُ الثَّرى ... سقطت حديثاً بين أيدي القوابلِ
وذاك ولم تسمع بأعورَ سابقٍ ... دقيقِ الشُّوى أرساغُهُ كالمغازلِ
نصبتم لبيتِ اللهِ ترمون رُكنهُ ... وكان عظيماً رميُهُ بالجنادلِ
ونحن حززنا من قتيبة أذنهُ ... وذاق ابنُ عجْلَى حدَّ أبيضَ قاصِل
عشيَّةَ نحدوُ قيسَ عيلانَ بالقنا ... وهم بارزوا الأستاهِ حُدلَ الكواهلِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
كأَنَّ رُءُوسَ النَّاسِ إذْ سَمعُوا بِهَا ... مُدَمَّغةٌ مِنْ هازمات أمَائِمِ
ويروى هاماتهم بالأمائم. قوله: أمائم يعني مأمومة. قال: وهي الشجة تهجم على أم الدماغ.
فِدىً لِسيوفٍ مِنْ تَميمٍ وَفَى بِهَا ... رِدائي وجلَّىْ عَنْ وُجُوه الأهاتِمِ
وروى أبو عمرو: وفى بها وكيع وجلت، قوله: الأهاتم، يعني الأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن
منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقوله ردائي وجلت:
يعني قوله لسليمان بن عبد الملك هذا ردائي رهن عن بني تميم.
شَفينَ حَزازاتِ النُّفُوسِ ولَمْ تَدعْ ... عَليْنَا مقالاً في وفاءٍ للاَئِمِ
أَبأُنا بِهمْ قتلِىَ ومَا فِي دِمائِهمْ ... وفاءٌ وهُنَّ الشَّافِياتُ الحوائِمِ
(2/542)

قال: الحوائم: العطاش، وهي التي تحوم حول الماء. قال: وتخفض الحوائم، كما تقول: الحسن
الوجه، وهو القول. والمعنى: أن الحوائم هي الشاقيات لأنها حامت على دمائهم، كما تحوم الطير على
القتلى حين أدركوا بثأرهم.
جَزى اللهُ قَوْمِي إذْ أرادَ خِفَارتِي ... قُتيبةُ سَعيَ الأفضلينَ الأكارِمِ
ويروى سعي المدركين.
هُمُ سَمِعوا يومَ المُحصبِ مِنْ منىً ... نِدَائِي إذا التقَّتْ رفَاقُ الموَاسِمِ
هُمُ طَلبوهَا بِالسُّيُوف وَبالقِنا ... وجُرْدٍ شَجٍ أَفواهُها بِالشَّكائِمِ
قوله شج أفواهها، يعني عاضة بلجمها. وروى ابن الأعرابي: شحاً أفواهها أي فتح أفواهها بالشكائم
وهي حدائد اللجام.
تُقادُ وما رُدَّتُ إذا ما تَوهَّسَتْ ... إلى البأسِ بالمُستبسلينَ الضَّراغِمِ
ويروى ترد. توهست وطئت وطئاً شديداً. ويروى بالمستلأمين.
كَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ تَميماً إذا دَعتْ ... تَميمُ ولَمْ تَسمعْ بِيومِ ابْنِ خَازِمِ
ويروى لم تعلم تميما، يعني عبد الله بن خازم السلمي صاحب خراسان ن قتله ابن الدورقية، وهو
وكيع بن عمير القريعي.
وقَبْلَكَ عجَّلْنا ابْنَ عَجْلى حِمامَهُ ... بِأسيافِنا يَصدعْنَ هامَ الجَماجِمِ
ويروى وقبلك أعطينا ابن عجلى حسابه، أي قتلناه. يصدعن يشققن. قوله ابن عجلى: يعني عبد الله
بن خازم وأمه عجلى وكانت
(2/543)

حبشية. قال: وابن خازم أحد أغربة العرب. قال: وأغربة العرب أربعة،
منهم عنترة بن شداد العبسي وأمه زبيبة سوداء. ومنهم خفاف بن ندبة وأمه ندبة سوداء. ومنهم سليك
بن السلكة وكانت أمه سوداء. قال أبو عثمان سعدان بن المبارك، وأما أبو عمرو الشيباني فقال:
خفاف بن ندبة مكان ابن خازم. قال أبو جعفر: عبد الله بن خازم إسلامي لا يعد في الأغربة، ولو
عددناه لوجدنا مثله في الإسلام كثيرا، ولكنهم عنترة، وخفاف بن ندبة، وسليك بن السلكة، والمنتشر
بن قاسط الباهلي.
وَما لَقِيتْ قَيسُ بنُ عَيلانَ وقعةً ... وَلا حَلاَّ يوْمٍ مِثْلَ يَوْمِ الأراقِمِ
ويروى ولا خزي يوم. قال: والأراقم هم: جشم وهم رهط مهلهل. وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن
ثعلبة رهط الهذيل بن هبيرة، وخنش بن مالك، ومعاوية، والحارث بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن
غنم بن تغلب. قال أبو عبد الله: ليس في العرب حُبيب غير هذا، بضم الحاء. وسائر ذلك حَبيب
بالفتح. فأما جشم ومالك فهما يسميان الروقين. قال: وإنما سموا الأراقم، لأن حازيتهم - وهي الكاهنة
- نظرت إليهم وهم صبيان، كانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار فقالت: كأنهم نظروا إليَّ بعيون
الأراقم. قال: والأراقم ضرب من الحيات، الواحد أرقم، والأنثى رقماء، فلذلك سموا الأراقم.
عشيَّةَ لاقَى ابْنُ الحبابِ حَسابَهُ ... بِسنْجارَ أَنْضاءَ السُّيوفِ الصَّوارِمِ
قال: وابن الحباب، يريد عمير بن الحباب السلمي، قتلته بنو تغلب
(2/544)

يوم سنجار بالجزيرة. والأنضاء الأخلاق القديمة. والصوارم القواطع.
نَبحْتَ لِقَيسٍ نبحَةً لَمْ تدعْ لَها ... أنوفاً ومرَّتْ طيرُها بِالأشائِمِ
ندمتَ على العِصيانِ لمَّا رأيتنَا ... كأنَّا ذُرَى الأطوادِ ذاتِ المَخارِمِ
المخرم منقطع أنف الجبل.
عَلى طاعَةٍ لَوْ أنْ أجبالَ طيءٍ ... عمدنَ بِهَا والهَضْبَ هَضْبَ التهائِمِ
لينقُلنَهَا لَمْ يستطِعْنَ الَّذِي رَسا ... لَها عِنْدَ عالٍ فَوْقَ سبعينِ دائِمِ
يعني بسبعين السموات السبع والأرضين السبع. رساثبت
وألقيتَ مِنْ كفيكَ حبلَ جماعةٍ ... وطاعةَ مهديٍّ شَديدِ النَّقائِمِ
فإن تَكُ قيسٌ في قُتيبةَ أُغضبتْ ... فلاَ عطسَتْ إلاَّ بأجدعَ راغِمِ
وَما كان إلاَّ باهِليَّاً مُجدَّعا ... طغَى فسقيناهُ بكأسِ ابنِ خازِمِ
ويروى مسلطا. ويروى بكأس علاقم.
لقدْ شَهدتْ قيسٌ فَما كانَ نصرُهَا ... قُتيبةَ إلاَّ عضَّهَا بالأباهِمِ
فإن تقعدُوا تقعُدْ لئِامٌ أذلَّةٌ ... وإنْ عُدتُمْ عُدنْا ببِيضٍ صَوَارم
ويروى فإن تقعدي، وإن عدت عدنا بالسيوف الصوارم. ويروى فإن عدتم عادت ظباة الصوارم.
ويروى سيوف الصوارم.
أَتغضبُ أَنْ أُذنَا قُتيبةَ حُزَّتَا ... جهاراً ولَمْ تغضبْ ليوْمِ ابِنْ خازِمِ
ومَا مِنهُمَا إلاَّ بعثْنا برأسِهِ ... إلى الشَّأم فَوقَ الشَّاحجاتِ الرَّواسِمِ
(2/545)

ويروى نقلنا دماغه. وروى عطوة وأبو الجراح وما منهما إلا ملخنا دماغه.
تذبذبُ في المخِلاةِ تحتَ بُطونِها ... مُحذَّفَةَ الأذنابِ جُلحَ المقادِمِ
يعني بغال البريد. جلح لا نواصي لها.
ستعلَمُ أيُّ الوادييِن لَهُ الثَّرى ... قَدِيماً وأولى بالبُحُورِ الخَضارِمِ
ويروى به الثرى ومن هو أولى قال: وهذا البيت للشمردل بن شريك اليربوعي فلما سمعه الفرزدق.
قال والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال خذه لا بارك الله فيه.
فَمَا بينَ مَنْ لَمْ يُعطِ سمعاً وطاعةً ... وبينَ تميمٍ غيرُ حزِّ الحلاقِمِ
وكانَ لهُمْ بومانِ كانَا عليهمُ ... كأيَّامِ عادٍ بالنُّحوسِ الأشائِمِ
قوله يومان كان لقيس يوم ذي نجب ويوم الوتدات.
ويومٌ لهُمْ مِنَّا بحِّومانةَ التقتْ ... عليهِمْ ذُرى حوماتِ بَحْرٍ قماقِمِ
تَخلَّى عَن الدُّنيا قُتيبةُ إذْ رأى ... تَميماً عليهَا البيضُ تحتَ العمائِمِ
غداةَ اضمحلَّتْ قيسُ عيلانَ إذْ دَعا ... كَما يضمحلُّ الآلُ فوقَ المخَارِمِ
لتمنعهُ قيسٌ ولا قيسَ عِندهُ ... إذا ما دَعا أو يرتقِي في السَّلالِمِ
تُحرِّكُ قيسٌ في رءوسٍ لئيمةٍ ... أنُوفاً وآذاناً لئَامَ المصالِمِ
قال: المصالم أنوفها ومجادعها. يقول: هم مقاريف فأنوفهم لئيمة
(2/546)

من بين أخثم وأفطس، والمصالم هو مشتق من الصلم ومنه قولهم اصطلمهم الموت.
إذا قطع أصلهم فلم يبق منهم أحد.
ولمَّا رأينَا المُشركِينَ يقُودُهُمْ ... قُتيبةُ زَحْفاً في جُمُوعِ الزِّمَازِمِ
قوله الزمازم يعني المجوس لأنه استعان بهم في حربه. قال أبو سعيد: الزمزمة جماعة من الناس
وأبطل المجوس.
ضَرَبْنَا بِسيفٍ في يمينكَ لَمْ نَدعْ ... بِهِ دُونَ بَابِ الصِّينِ عَيْناً لِظَالمِ
بِهِ ضَربَ الله الذَّينَ تحزَّبوا ... ببدْرٍ عَلَى أعناقِهِمْ والمَعاصِمِ
فإن تَميماً لَمْ تكُنْ أُمُّهُ ابتغتْ ... لهُ صِحَّةً في مَهْدِهِ بالتَّمائِمِ
قال أبو عبد الله: يقال إنه ولد وقد نبتت ثنياته فأكل. يقول لم تعلق عليه أمه التميمة التماس الصحة.
كَأَنَّ أكُفَّ القَابِلاتِ لأمِّهِ ... رَمينَ بِعاديِّ الأسودِ الضِّراغِمِ
وروى أبو عبيدة: بعاد من شبول الضراغم، يقول: كأن أكف قابلاته رميت بأسد عاد.
تَأزَّرَ بَيْنَ القابِلاتِ ولَمْ يكُنْ ... لَهِ توأمٌ إلا دهاءٌ لِحازِمِ
يقول ساعة ولد قام فاتزر وهو بين القوابل، وكان توأمه الذي ولد معه الدهاء والحزم.
وضَبَّةُ أخْوالي هُمُ الهَامَةُ الَّتي ... بِهَا مُضَرٌ دَماغَةٌ للِجَماجِمِ
إِذا هِي مَاسَتْ في الحَدِيدِ وأعلَمَتْ ... تَميمٌ وجاشَتْ كالبُحُورِ الخَضَارِمِ
فَمَا النَّاسُ في جميعهمُ غيرُ حِشَوةٍ ... إذا خَمَد الأصواتُ غيرَ الغَمَاغِمِ
(2/547)

كَذبتَ ابنَ دِمْنِ الأرضِ وَابْنَ مَراغِهَا ... لآلُ تَميمٍ بِالسُّيُوفِ الصُّوَارِمِ
ويروى بالرماح الغواشم.
جَلوْا حُمماً فوقَ الوُجوهِ وأنزلوا ... بِعيلانَ أيَّاماً عِظامَ الملاحِمِ
فَما أنْتَ مِنْ قيسٍ فتنبحَ دُونها ... ولاَ مِنْ تميمٍ في الرءوس الأعاظمِ
ويروى عنهم بدل دونها. ويروى في الذرى والغلاصم.
وإنَّكَ إذْ تهْجو تُميماً وترتشِي ... تباينَ قيسٍ أو سُحُوقَ العَمائِمِ
كمُهْرِيقِ ماءٍ بِالفلاةِ وغرَّهُ ... سرابٌ أثارتْهُ رِياحُ السَّمائِمِ
ويروى نجوم السمائم. ويروى لكما لمهريق الماء لما جرى له، ويروى سراب أذاعته وأذابته.
بَلَى وأبِيكَ الكَلْب، إنِّي لعالِمٌ ... بِهِمْ فهُمُ الأدنْونَ يوْمَ التَّزاحُمِ
ويروى الأعلون تحت التخاصم.
فَقَرِّبْ إلى أشياخِنا إذْ دَعَوتهُمْ ... أباكَ ودَعْدِعْ بالجْداءِ التَّوائِمِ
لعَمرِي لَئِنْ قيسٌ أمصَّتْ أيُورَها ... جريراً وأعطتهُ زُيُوفَ الدَّراهِمِ
لَكمْ طبقْنَ مِنْ قيسَ عيلانَ مِن حِر ... وَقَدْ كانَ قَبقاباً رِماحُ الأراقِمِ
فمنهن عِرْسُ ابْنِ الخُباب الَّذي ارتمتْ ... بأوصالِهِ عُرْجُ الضِّباعِ القَشاعِمِ
تظلُّ النَّصارَى مُبركينَ بنَاتِهمْ ... عَلى رُكبٍ مُقِّ الرُّفُوغِ الخَلاجِمِ
إذا غابَ نصرانيُّهُ في حنيفها ... أهلَّتْ بحجَّ فَوْقَ ظهرِ العجارمِ
(2/548)

أي هي مسلمة وذلك نصراني. أبو جعفر حنيفها. وسعدان جنينها. قال وجنينها الذي تجنه هو
فرجها. والعجارم الذكر الغليظ.
وهَلْ يا ابْنَ ثَفرِ الكلْبِ مِثلُ سُيوفِنا ... سُيُوفٌ ولا قَبْص العدِيدِ القَمَاقِمِ
فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَمْ تعِبْ مِدْحتي لهُمْ ... ولكِنْ حمارٌ وشْيهُ بِالقوائِمِ
منعتَ تمِيماً مِنكَ إنِّي أنا ابنُها ... وراجِلُها المعروفُ عِندَ المواسِمِ
ويروى ووافدها. ويروى وشاعرها.
أَنا ابْنُ تَميمٍ والمُحامِي وراءَها ... إذا أسلمَ الجاني ذِمارَ المَحارِمِ
إذا مَا وُجوهُ الناسِ سالَتْ وجوهُها ... مِنَ العرقِ المعبُوطِ تحتَ العمائِمِ
المعبوط السائل معتبطا من ساعته ومنه قولهم داهية شديدة تعرق الوجه.
أَبِي مَنْ إذا قِيلَ مَنْ أنتَ مُعْتزٍ ... إذا قِيلَ ممَّنْ قومُ هذا المُراجِمِ
قال أبو عبيدة، قال لي أعرابي: إذا لم نرك فإلى من نعزوك؟ معتز منتسب. المراجم المخاصم.
أدِرْسانَ قيسٍ لا أبا لكَ تشترِي ... بِأَعراضِ قوْمٍ هُمْ بُناةُ المَكارِمِ
درسان خلقان الواحد دريس. ويروى بأحساب قوم يعني بني غالب.
ومَا عَلِمَ الأقوامِ مثلُ أسيرِنا ... أسيراً وَلا أجدافِنا بِالكَواظِمِ
أجدافنا لغة تميم، ويروى أجداثنا. وروى ابن الأعرابي: وما وجد الأقوام. قوله مثل أسيرنا، يعني
حاجب بن زرارة بن عدس، فإنه لم
(2/549)

يسمع بملك ولا سوقه افتدى بمثل فداء حاجب. قال: وذلك أنه
أدعى أسره ذو الرقيبة القشيري يوم جبلة. قال واسم ذي الرقيبة مالك من بني عامر بن صعصعة.
قال وادعاه الزهدمان، وهما من بني عبس. قال فحكمته عبس وعامر في نفسه، فحكم أنه أسير ذي
الرقيبة. قال: ولهذين العبسيين بما نالا من ثيابي مائة ناقة، وأعطى ذا الرقيبة ألف بعير، وأطلق له
مائة من الأسارى، أسارى قيس كانوا في بني تميم. قال: وإنما ديات الملوك ألف بعير، فزادهم
حاجب على فداء الملوك مائة ناقة ومائة أسير. قال: وزعمت قيس في أشعارها، أنها أخذت منه ألف
عبد، وألفي ناقة، ومعها أولادها. وقد قال في ذلك باهلة:
حتى افتدوا حاجباً منها وقد جعلت ... سمر القيود برجلي حاجب أثرا
بألفٍ عبدٍ وألفي رائم جعلوا ... أولادهن لنا من رائم جزرا
قال: وأما صاحب الجدث بالكواظم، فهو أبو الفرزدق غالب بن صعصعة. قال ولا يعلم قبر أجار
ولا قرى في جاهلية ولا إسلام غيره، وقد ذكرته العرب في أشعارها. قال وذكروا أن أبا ثمامة الوليد
بن القعقاع بن خليد القيسي استجار بقبر هشام بن عبد الملك من يزيد بن هبيرة، وهو على قنسرين.
قال فبعث إليه يزيد فضربه حتى مات. فقال بو الشغب العبسي في ذلك:
يا آل مروانَ إن الغدرَ مدركُكُم ... حتى ينيخُكُمُ يوما بجعجاعِ
أضحت قبورُ بني مروانَ مخرُءَةُ ... لا تستجار ولا يُرْعىَ لها الراعي
قبرُ التميميِّ خيرٌ من قبورِكم ... يسعَى بذمته في قومِه ساع
إن البريةَ قالت عند غدرِكم ... قُبحاً لقبرٍ به عاذَ ابنُ قعقاع
قبرٌ لا حول كان الصنجُ همَّتهُ ... والمزنيات ودفٌّ عند إسماع
(2/550)

وقال في ذلك المقري:
بقرِ ابنِ ليلى غالبٍ عذتُ بعدما ... خشيت الردى أو أن أُرَدَّ إلى قبر
بقبرِ امرئٍ يَقري المئينَ عظامُه ... ولم يكُ إلا غالباً ميِّتٌ يقري
ويروى يقري المئين ولم يكن، من الناس إلا غالباً.
فقال لي القبرُ المباركُ إنما ... فكاكُكَ أن تلقَى الفرزدقَ بالمِصرِ
قال: وأصاب رجل من بني الأبيض بن مجاشع دما. قال: فسأل في الناس فلم يعطوه شيئا، فاستغاث
بقبر غالب فافتكه الفرزدق بمائة ناقة، فهو حيث يقول:
دعا دعوةً بين المقرَّين غالباً ... وعاذ بقبرٍ تحته خيرُ أعظُم
فقلت له أقَريك من قبرِ غالبٍ ... هُنيدةَ إن كانت شِفاء من الدم
ينام الطريدُ بعدها نومةَ الضحى ... ويرضَى بها ذو الأحنةِ المتجرِّم
ألا هل علمتم ميْتاً قبلَ غالب ... قَرَى مائةً ضيفاً له لم يكلم
قال أبو عثمان، حدثني الأصمعي، قال: قلت لأعرابي ما يحملكم على نومة الضحى؟ قال: إنها مبردة
في الصيف، مسخنة في الشتاء. قال في ذلك بعض الأعراب يصدق ما أقول:
وما العيشُ إلا شرقةٌ وتبطُّحٌ ... وتمرٌ كأكبادِ الرباعِ وماءُ
قال أبو عبيد الله، أخبرنا أحمد بن يحيى: أن الأعرابي أنشدهم:
تُمنيِّن الطلاقَ وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشمالِ
(2/551)

وقال الأخطل بن غالب أخو الفرزدق:
بني الخطفى هاتُم أباً مثلَ دارمٍ ... وإلا فَجاراً منكم مثلَ غالبِ
قَرَى مائةً ضيفاً أناخَ بقبرِهِ ... فآب إلى أصحابِهِ غيرَ خائب
رجع إلى شعر الفرزدق:
إذَا عجزَ الأحياءُ أنْ يحمِلوا دَماً ... أناخَ إلى أجداثِنَا كُلُّ غَارِمِ
ويروى إذا عجز الأقوام أن يحملوا دما. ويروى أجدافنا.
تَرَى كُلَّ مظلُوم اليَنّا فِرَارُهُ ... ويَهُرُبُ مِنَّا جهدَهُ كُلُّ ظالِمِ
أَبَتْ عامرٌ أَنْ يأخُذُوا بأسيرِهِمْ ... مِئِينَ مِنَ الأسرى لَهُمْ عِندْ دَارِمِ
وقَالُوا لَنَا زِيُدوا عليْهمْ فانَّهُمْ ... لَفاءٌ وإنْ كانُوا ثُغامَ اللَّهازِمِ
ويروى ولو كانوا. لفاء باطل وهو مادون الحق. ثغام أي شيب شمط، بيض اللهازم لهازمهم كبياض
الثغام، وهو شجر إذا يبس أبيض الشيب به الواحدة ثغامة.
رأوْا حاجِباً أغْلَى فِداءً وقومَهُ ... أحَقَّ بأيَّام العُلا والمَكارِمِ
فَلاَ نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُّهُمْ ... إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِمِ
فهَلْ ضربةُ الرُّومِيِّ جاعِلةً لكُمْ ... أباً عَنْ كُليبٍ أَوْ أَباً مِثلَ دارِمٍ
كذاكَ سُيوفُ الهِندِ تنبُو ظُباتُها ... ويقطعنَ أحياناً مناطَ التَّمائِمِ
قال فهل ضربة الرومي جاعلة لكم. قال أبو عبيدة: إن رؤبة بن العجاج قال: كان سليمان بن عبد
الملك حج وحجت الشعراء معه، وحججت معهم، قال: فلما كان سليمان بالمدينة، تلقوه بنحو من
(2/552)

أربعمائة أسير من الروم. قال: فقعد سليمان بن عبد الملك، وأقربهم مجلساً عبد الله بن الحسن بن
الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، فقدم بطريقهم، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الله
بن الحسن: يا عبد الله قم فاضرب عنقه. قال: فما أعطاه أحد سيفاً حتى دفع إليه حرسي سيفه،
فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل - ويروى وعض بالغل - فقال سليمان: والله ما هو
من جودة السيف أجاد الضربة، ولكن بجودة حسبه وشرف مركبه. قال: وجعل سليمان يدفع البقية
إلى الوجوه وإلى الناس، فيقتلونهم حتى دفع إلى جرير بن الخطفى رجلاً منهم، قال فدست إليه بنو
عبس سيفاً قاطعاً في قراب أبيض، قال: فضربه فأبان رأسه. قال: ودفع إلى الفرزدق أسيراً، فلم يجد
سيفاً، فدسوا إليه سيفاً ددانا - يعني كليلاً أنيثا كهاما لا يقطع - قال: فضرب الفرزدق الأسير
ضربات فلم يصنع شيئاً، قال: فضحك سليمان وضحك القوم منه ومن سوء ضربته. قال: وشمت به
بنو عبس، وهم أخوال سليمان: قال: فألقى السيف الفرزدق مغضباً مغموماً من شماته القوم به وأنشأ
يقول، يعتذر إلى سليمان بن عبد الملك، ويأتسي بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد:
إن يك سيفٌ خانَ أو قدَرٌ أبى ... لتأخير نفسٍ، حتفُها غيرُ شاهد
فسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نَبَا بَيديْ ورقاءَ عن رأسِ خالد
كذاك سيوفُ الهند تنبو ظُباتُها ... ويقطعنَ أحياناً مناطَ القلائد
قال يعني ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي. قال: وذلك أنه ضرب خالد بن جعفر بن كلاب. قال
وخالد مكب على أبيه زهير، وقد ضربه
(2/553)

بالسيف وصرعه. قال: فأقبل ورقاء بن زهير، فضرب خالداً ضربات فلم يصنع شيئاً. فقال ورقاء:
رأيت زهيرا تحت كلكلِ خالدٍ ... فأقبلتُ أسعَى كالعجولِ أبادرُ
فشُلَّتْ يميني يومَ أضربُ خالدا ... ويمنعه مني الحديدُ المظاهر
وقال الفرزدق في مقامه ذلك:
أيضحك الناسُ أن أضحكت خيرَكم ... خليفةَ الله يُستسقى به المطرُ
وما نبا السيفُ من جُبنٍ ولا دَهَشٍ ... عند الإمامِ ولكن أُخِّر القدر
وما يُعجِّلُ نفسا قبل ميتتها ... جمعُ اليدين ولا الصمامةُ الذكر
وقال جرير في ذلك:
بسيف أبي رغوانَ سيفِ مجاشعٍ ... ضربتَ ولم تضرب بسيفِ ابنِ ظالمِ
ضربتَ به عند الإمامِ فأُرعشَتْ ... يداك وقالوا مُحدثٌ غير صارم
قوله بسيف ابن ظالم، يعني الحارث بن ظالم المري، وكان من فتاك العرب، فتك بخالد بن جعفر،
وهو إذ ذاك نازل بالنعمان بن المنذر بن ماء السماء.
رجع إلى شعر الفرزدق:
ويومَ جعلنَا الظِّلَّ فِيهِ لِعامِرٍ ... مُصَمَّمَةً تفأى شُؤُونَ الجَماجِمِ
(2/554)

قوله تفأى تقديره تفعى، ومعنى تفأى تعشق. وقوله مصممة، أي هي سيوف تصمم في العظام لا
يردها شيء عظم ولا غيره، يقال من ذلك، صمم السيف، قال وذلك إذا صادف العظم فقطعه، وإذا
صادف المفصل فمضى فيه، قيل حينئذ قد طبق السيف، وهو من قولهم قد صمم الرجل، وذلك إذا
مضى في الأمر، ولم يحبسه شيء ولم يثنه. كما لا يرد السيف شيء ولا يثنيه. والشؤون مجتمع
قبائل الرأس الواحد شأن.
فَمِنْهنَّ يومٌ للبريكْينِ إذْ تَرَى ... بنُو عامِرٍ أَنْ غَانِمٌ كُلُّ سَالِمِ
قوله يوم البريكين إذ ترى بنو عامر. قال: والبريكان هما بريك وأخوه بارك، وهما من بني قشير
بن كعب، قتلهما بنو يربوع يوم المروت.
ومِنْهُنَّ إذْ أَرْخَى طفيلُ بنُ مالِكٍ ... على قُرزُلٍ رِجلَي ركُوضِ الهَزائِمِ
قرزل فرس طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. قال وذلك أنه كان هرب على قرزل فرسه، وذلك
يوم ملزق، ويوم السوبان. قال: ويوم ملزق لبني سعد على بني عامر، وقال في هذا اليوم يقول
الفرزدق:
نحن تركنا عامراً يومَ ملزقٍ ... كثيراً على قبل البيوت هجومها
ونجَّى طفيلاً من علالةَ قرزلٌ ... قوائم نجَّى لَحمهُ مستقيمُها
قال وفي ذلك أيضاً أوس بن مغراء السعدي:
(2/555)

ونحن بملزق يوما أبرنا ... فوارسَ عامرٍ لما لقونا
وقوله ركوض الهزائم: يريد ركوض عند الهزائم، وذلك كما قال لبيد بن ربيعة العامري الجعفري:
ونحنُ ضَربنَا مِنْ شُتيرِ بنِ خالدٍ ... عَلى حيثُ تستسقِيهِ أُمُّ الجَماجِمِ
قوله أم الجماجم: يريد الهامة. وشتير، يريد شتير بن خالد بن نفيل بن عمر بن كلاب، قتله ضرار
بن عمرو الضبي ويروى أم العمائم، ويروى أم الغمائم. والغمائم ما يدخل في الشجة، مثل غمامة
الناقة.
ويومَ ابِنْ ذِي سِيدانَ إذْ فوَّزَتْ بِهِ ... إلى الموتِ أعجازُ الرِّماحِ الغْواشِمِ
ويروى ويوم ابن سيدان الذي فوزت به. فوز أي مات. ويروى العواسم، الشداد الصلاب. وقوله
ويوم ابن ذي سيدان، يريد طريف ابن سيدان، وهو من بني أبي عوف بن عمرو بن كلاب، قتله
زويهر بن عبد الحارث بن ضرار يوم غول.
يريد يزيد بن الصعق - والصعق لقب وذلك أن صاعقة أصابته، واسم الصعق خويلد بن نفيل بن
عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة - قال وكان أسره أنيف بن الحارث بن حصبة بن
أزنم ابن عبيد بن ثعلبة بن يربوع قال: وأم الفراخ يريد الدماغ.
ونحنُ قَتلنا ابنَيْ هُتَيْم وأَدْرَكْتَ ... بُجيراً بِنا رَكْضُ الذُّكُورِ الصَّلادِمِ
قال: وابنا هتيم، هما من بني عمرو بن كلاب، قتلهما بنو ضبة يوم
(2/556)

دارة مأسل، وهو يوم أخذوا إبل النعمان. قال: وفي ذلك يقول ذو الرمة:
نجائبُ من ضربِ العصافيرِ ضربُها ... أخذنا أباها يومَ دارةَ ماسل
وقال في ذلك اليوم عمر بن لجأ:
لا تهجُ ضبةَ يا جريرُ فإنهم ... قتلوا مِنَ الرؤساءِ ما لم تقتلِ
قتلوا شُتيراً يومَ غَولٍ وابنَه ... وابني هُتيمٍ يومَ دارةَ مأسلِ
قال: وبجير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع يوم
المروت.
ونحنُ قَسمْنَا مِنْ قُدامَةَ رأسَهُ ... بِصَدْعٍ عَلَى يافُوخِهِ مُتفاقِمِ
ويروى شققنا. قوله من قدامة، يعني قدامة الذائد بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتلته بنو ضبة يوم
النسار. قال: وقالت أخته في ذلك اليوم أيضاً:
شَفَى الله نفسَي من معشرٍ ... أضاعوا قدامةَ يومَ النسارِ
أضاعوا به غيرَ رِعديدةٍ ... كريمَ الصَّباحِ بعيدَ المزارِ
وعمْراً أَخا عَوْفٍ تَركْنا بِمُلتقىً ... مِنَ الخيلِ في سَامِ مِنَ النقَّعْ قَاتِمِ
رجع:
قال: يعني عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، أخا عوف بن الأحوص جد علقمة بن علاثة،
قتله خالد بن مالك بن
(2/557)

ربعي بن سلمي بن جندل بن نهشل، يوم ذي نجب. سام أي مرتفع قاتم أسود
يضرب إلى الحمرة وهي القتمة.
ونحنُ ترَكنَا مِنْ هِلالِ بِنْ عامرٍ ... ثَمانينَ كهْلاً لِلنُّسُورِ القَشَاعِم
ويروى صرعى. يعني يوم الوتدات، وكان لبني نهشل على بني هلال، وناس من بني عامر. قال
وشهد هذا اليوم سمي بن زياد بن نهيك بن هلال، وظبيان بن زياد. قال: وهو جد زرعة بن ضمرة
الهلالي. وشهد هذا اليوم طفيل الغنوي، فاستجار عصمة بن سنان بن خالد بن منقر. قال: فأجاره فنجا
يومئذ، فقال طفيل في ذلك:
عُصيمةُ أجزيهِ بما قدَّمتْ له ... يداه وإلا أجزهِ السَّعيَ أكفر
تداركني وقد برِمتُ بحيلتي ... بحبلِ امرئٍ إن يُوردِ الجارَ يُصدِر
أفدِّي بأميَ الحصَانِ وقد بدت ... من الوتِداتِ لي جبالُ معبِّر
قال: والوتدات رمال بالدهناء معروفة.
بِدهنا تميمٍ حيثُ سُدَّتْ عليهمْ ... بِمُعتركٍ مِنْ رَملِها المُتراكِمِ
ويروى سد عليهم. ويروى بمعتلج. ويروى بدهنا تميم حيث سالت عليهم.
ونحنُ منعنَا مِنْ مِصادٍ رِمَاحنا ... وكُنَّ إذا يلقييْنَ غيرَ حَوائِمٍ
ويروى شفينا وسقينا. ويروى وكن إذا يسقين غير حوائم، أي
(2/558)

عطاش، أي هي روية أبدا من الدم.
وقوله مصاد، يعني مصاد بن عوف بن عمرو بن كلاب، قتلته بنو ضبة يوم قادم وغول. قال: وكان
على الجيش يومئذ، حبيش بن دلف. وفي ذلك اليوم يقول الأخطل لرجلين من قومه:
لم تظلما أن تكفيا الحيَّ ضيفَهم ... وأن تسعيَا سعيَ الرجالِ الأكارمِ
وأن تنحرا بَكرينِ مما جمعتما ... وشرُّ النداما من صحا غيرَ غارم
وأن تسعيَا مسعاةَ سَلَمى بنِ جندلٍ ... وسعيَ حُبيشٍ يومَ غولٍ وقادم
رُدينية صُمَّ الكُعُوبِ كأنَّها ... مَصابيحُ في تركيبها المتلاحمِ
ونحنُ جدعَنا أنفَ عيلانَ بِالقَنا ... وبالراسبات البِيض ذَاتِ القَوائِمِ
قال أبو جعفر: الراسبات بالباء الغامضات في الضريبة.
ولَوْ أَنَّ قَيْساً قَيْسَ عَيلانَ أصبحتْ ... بِمُستَنِّ أبوالِ الرِّبابِ ودَارِمِ
لَكانُوا كأقذاءٍ طَفتْ في غُطامِطٍ ... مِنَ البحرِ في آذيِّها المُتلاطِمِ
قوله غطامط، يعني مجتمع الماء وكثرته، ومضطرب الأمواج حتى تسمع له صوتا لكثرة مائه
واضطرابه.
فإِنَّا أُناسٌ نشتري بِدِمائِنا ... دِيارَ المَنايا رَغبةٌ في المَكارِمِ
يعني بديار المنايا القبور. يقول: إذا رأينا أمراً أدركه كرم وفخر خاطرنا بأنفسنا وحملناها عليه،
ويقال: إن معناه، أن من نزل ثغراً يقاتل فيه فقد نزل دار منيته.
(2/559)

أَلسنَا أَحقَّ النَّاس يَومَ تَقايسُوا ... إلى المَجدِ بالمُستأثراتِ الجَسائِمِ
مُلوكٌ إذا طمَّتْ عليكَ بُحورُها ... تطحطحطتَ في آذيِّها المُتصادمِ
إذا ما وُزنَّا بالجبال رأيتنا ... نميلُ بأنضاد الجِبالِ الأضاخمِ
تَرانا إذا صعَّدتَ عينكَ مُشرفاً ... عليكَ بأطوادٍ طِوالِ المَخارِمِ
ولوْ سُئلتْ مَنْ كفؤُنا الشَّمْسُ أَوْ ماتْ ... إلى ابْنَي منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشِمِ
وكيفَ تُلاقِي دارِماً حيْن تلتقيِ ... ذُراها إلى حيث النُّجومِ التَّوائِمِ
لقدْ تركتْ قيساً ظُباةُ سُيوفُنا ... وأيدٍ بأعجازِ الرِّماحِ اللَّهاذِمِ
وقائعُ أيامٍ أرينَ نِساءَهُمْ ... نهاراً صَغيراتِ النُّجومِ العَوائِمِ
العوائم السوابح في الفلك.
بِذِي نجبٍ يومٌ لِقيسٍ شَريدهُ ... كثيرُ اليتامىَ في ظِلالِ المآتِمِ
ونحنُ تركنَا بالدَّفينةِ حاضِراً ... لآلِ سُليمٍ هامُهُمْ غيرُ نائِمِ
ويروى بالدثينة وهي لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. قال وذلك أنه أغار على بني سليم
حجش بن عثمان المازني فقتل الحصين الرعلي فقال في ذلك عباس بن ريطة الرعلي:
أغرَّكَ مني ان رأيتَ فوارسي ... ثوى منهم يوم الدثينة حاضرُ
بأيدي رجال أغضبتهم رماحُنا ... وأسيافُنا إن الأمور دوائرُ
وذلك ما جرَّت علينا رماحُنا ... وكلُّ امرئ يوما به الجدُّ عاثر
وأُمُّكم ترجو التُّؤامَ لبعلها ... وأمُّ أخيكم كزَّةُ الرحمِ عاقر
فيالَ بني رعلٍ وأفناءِ فالج ... لما ظلمتنا في المقامة عامر
فالج من بني سليم - والتؤام أن تلد اثنين اثنين.
(2/560)

حلفتُ برَبِّ الرَّاقصاتِ إلى منىً ... بقينَ نهاراَ دامياتِ المناسم
عليهنَّ شُعثٌ ما اتقَّوا مِنْ وديقةٍ ... إذَا ما التظتْ شهباؤُهَا بِالعَمائِم
لتحتلِبَنْ قيسُ بنُ عيلانَ لقحةً ... صَرَى ثرةٍ أخلافُها غيرِ رائِمِ
قوله صرى ثرة، يريد صرى ناقة ثرة أخلافها. قال: والصرى ما اجتمع في الضرع من اللبن. قال،
وصرى في موضع نصب. وإنما ضربه مثلاً للحرب، يقول الحرب غير رئمة.
لعَمْرِى لَئنَ لاَمتْ هوازِنُ أَمرَهَا ... لقدْ أصبحتْ حلَّتْ بِدَارِ المَلاَومِ
ولَوْلا ارتفاعي عَنْ سُليمَ سقيتُها ... كِئاسَ سِمامٍ مُرَّةً وعلاقِمِ
فَمَا أنتمُ مِنْ قيسِ عيلانَ في الذُّرى ... وَلا مِنْ أثافيِها العِظامِ الجَماجِمِ
إذا حُصِّلَتْ قيسٌ فأنتُمْ قليلُها ... وأبعدها من صُلبٍ قيسٍ لعالِمِ
وأنتُمْ أذلُّ قيس عيلانَ حُبوةً ... وأعجزُها عِندَ الأمورِ العوارِمِ
سيُخبِرُ خُصيا ابِنَ الحُبابِ ورأسُهُ ... عُمير عَلى ما كانَ يومَ الأراقِمِ
عَشيَّةً ألقَوا في الخريطَةِ رأسَهُ ... وخُصييهِ مشدُوخاً سَليبَ القوائِمِ
ويروى مسدوحا ومبطوحاً.
عشيَّةَ يدعُوهم قُتيبةُ بعدَما ... رَأَى أنَّهُ لَمْ يعتصِمْ بِالعواصِمِ
تركنَا أُيُورَ الباهِليينَ بينَهُمْ ... مُعلَّقَةً تحتَ اللِّحَى كالتَّمائِمِ
ومَا كانَ هذا النَّاسُ حتَّى هداهُمُ ... بنا الله إلاَّ مِثْلَ شاءِ البهائِمِ
ويروى هذي البهائم.
(2/561)

فمَا مِنْهُمُ إلاَّ يُقادُ بأَنفِهِ ... إلى ملكٍ مِنْ خندِفٍ بالخزائِمِ
عجبتُ إلى قيسٍ وما قَدْ تكلَّفَتْ ... مِنَ الشِّقْوَةِ الحمقاءِ ذاتِ النَّقائِمِ
يلُوذُونَ مِني بالمراغةِ وابنها ... وما مِنهُما مِنيِّ لقيسٍ بعاصِمِ
فأجابه جرير فقال:
ألاَ حيِّ رَبْع المنزِل المُتقادِمِ ... ومَا حَلَّ مُذْ حلَّتْ بِهِ أُمُّ سالِمِ
تميميَّةٌ حلَّتْ بحومانتي قسىً ... حِمَى الخيلِ ذادتْ عَنْ قسى فالصَّرائِمِ
حومانة، أرض فيها غلظ منقادة. والصرائم، رمال تنقطع من معظم، الرمل الواحد صريمة.
أبيتِ فلاَ تقضِينَ ديناً وطَالمَا ... بخِلْتِ بحاجاتِ الصَّديقِ المُكارِمِ
بِنَا كالجَوَى مِمَّا يُخافُ وقدْ نَرَى ... شِفاءَ القُلوبِ الصَّادِياتِ الحوائِمِ
الجوى: فساد الجوف، يقال من ذلك جويت المعدة فهي تجوى، جوى مقصور، قال: وذلك إذا فسدت.
أعاذلَ هيجينيِ لبينٍ مصارِمٍ ... غداً أَوْ ذَرِيني مِنْ عِتَابِ المُلاومِ
أَغَرَّكِ مِنَّي أنَّما قادني الهَوَى ... إليكَ ومَا عهدٌ لكنَّ بِدائِمِ
ألاَ رُبَّما هاجَ التَّذدُّرُ والهَوى ... بتلعةَ إرشاشَ الدُّمُوعِ السَّواجِمِ
تلعة موضع ذكرها به فسالت دموعه.
عَفتْ قَرقرى والوشمُ حَّى تنكَّرتْ ... أَواذِيُّها والخيمُ مثلُ الدَّعائِمِ
(2/562)

قرقرى موضع. قال أبو عثمان: زعم الجرمازي أن الوشم ثمانون قرية.
وأقفرَ وادِي ثرمداءَ ورُبَّما ... تَدانَى بِذِي نَهْدا حُلُولُ الأصارِمِ
الأصارم: بيوت متفرقة، واحدها صرم، ثم يجمع أصرام وأصاريم وأصارم.
لقدْ ولدتْ أُمُّ الفرزدقِ فاجِراً ... وجاءتْ بِوزُوازٍ قصيرِ القوائِمِ
قوله بوزواز،، قال: هو الخفيف على الأرض.
ومَا كانَ جارٌ للفرزدق مسلمٌ ... ليأمَنَ قِرداً ليلُهُ غيرٌ نائِمِ
قوله ليأمن قرداً، يرميه بالزناء، والعرب تقول هو أزنى من قرد. فرماه بالفجور.
يُوصِّلُ حبليْهِ إذا جَنَّ ليلُهُ ... ليرقَى إلى جاراتهِ بالسَّلالِمِ
أتيتَ حُدُودَ اللهِ مُذْ أنتَ يافِعٌ ... وشِبْتَ فَما ينهاكَ شِيبُ اللَّهازِمِ
ويروى مذ كنت يافعاً.
تتبَّعُ في الماخُورِ كُلَّ مُريبةٍ ... ولستَ بأهلِ المحصناتِ الكرائِمِ
رأيتُكَ لا تُوفي بِجارٍ أجرتَهُ ... وَلا مُستعِفاً عَنْ لِئامِ المطاعِمِ
ويروى فإنك لا موف لجار. ولا مستعف.
هُو الرِّجْسُ يا أهلَ المدينةِ فأحذروا ... مُداخلَ رِجسٍ بالخبِيثاتِ عالم
لقَدْ كانَ إخراجُ الفرزدق عنكُمُ ... طهُوراً لِما بينَ المُصلَّى وواقِمِ
(2/563)

قال سعدان، قال أبو عبيدة: قال جرير هذا البيت، لقد كان إخراج الفرزدق عنكم طهورا، وذلك أن
الفرزدق كان قدم على عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة واليها، من قبل الوليد بن عبد الملك،
فأنزله عمر منزلاً قريباً منه، وأكرمه وأحسن ضيافته، ثم إنه بلغه عنه أنه صاحب فجور. قال: فبعث
اليه عمر بألطاف مع جارية له، وقال: اغسلي رأسه، وألطفيه جهدك. قال: وإنما يريد أن يختبره
بذلك، ليعلم حاله، فأتته الجارية، وفعلت ما أمرها به مولاها، ثم قالت له الجارية: أما تريد أن تغسل
رأسك؟ قال: بلى فقربت اليه الغسل، ثم ذهبت لتغسل رأسه، فوثب الشيخ عليها، وامتنعت منه. ثم
عادت، فعاد بمثل ذلك، وذلك بعين عمر، وهو يتطلع عليه من خوخة له. قال: فخرجت الجارية إلى
عمر، قال: فبعث إليه أن اخرج عن المدينة، ولئن أخذتك فيها، ما دام لي سلطان، لأعاقبنك، قال:
فنفاه عمر عن المدينة، فذلك قول جرير حيث يقول:
نفاك الأغرُّ ابنُ عبدِ العزيز ... بحقكَ تُنْفَى عن المسجد
قال: فلما خرج الفرزدق، فصار على راحلته، قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه كان ينظر إليَّ حيث
يقول:
وكنتَ إذا نزلتَ بدارِ قوم ... رحلت بخزيةٍ وتركتَ عاراً
قال: ثم قدم جرير على عمر، فأنزله في منزل الفرزدق، وبعث إليه بتلك الجارية بعينها، وأمرها أن
تفعل بجرير ما فعلت بالفرزدق، فألطفته، وفعلت به مثلما فعلت بالفرزدق، وقالت له: قم أيها الشيخ
(2/564)

فاغسل رأسك فقام، فقال للجارية: تنحي عني، قالت له الجارية: سبحان الله، إنما بعثني سيدي
لأخدمك. فقال: لا حاجة لي في خدمتك. قال: ثم أخرجها من الحجرة، وأغلق الباب عليه، وائتزر،
فغسل رأسه. قال: وعمر ينظر إليه، من حيث بعث بالجارية، إلى أن خرجت من عنده. فلما راح
أهل المدينة من منازلهم إلى عمر، قال: فحدثهم عمر بفعل الفرزدق وجرير، وما كان من أمرهما، ثم
قال عمر: عجبت لقوم يفضلون الفرزدق على جرير، مع عفة بطن جرير وفرجه، وفجور الفرزدق
وخبثه وقلة ورعه وخوفه لله عز وجل!!
تَدَلَّيتَ تزْنِي مِنْ ثَمانِينَ قامَةً ... وقصَّرتَ عنْ باعِ العُلا والمَكارِمِ
ويروى تجري، قوله تدليت تجري من ثمانين قامة. وذلك أنه عير الفرزدق بقوله:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقضَّ بازِ أقتمُ الريشِ كاسره
أتمدحَ يَا ابْنَ القَيْنِ سَعداً وقَدْ جرَتْ ... لِجَعثِنَ فِيهمْ طَيْرها بِالأشائِمِ
قال: يعني جعثن أخت الفرزدق لأبيه وأمه. قال، وقال اليربوعي: كذب عليها جرير. قال، وكان
جرير يقول كثيراً: استغفر الله مما قلت لجعثن، وكانت إحدى الصالحات.
وتمدح يا ابْنَ القينِ سَعْداً وقَدْ تَرَى ... أديَمَكَ مِنْها واهِياً غيرَ سالمٍ
تُبرئُهُمْ مِنْ عِقْرِ جِعْثِنَ بَعْدَما ... أتَتكَ بِمَسْلُوخِ البَظارَةِ وارِمِ
تُنادي بِنْصفِ اللَّيلِ يالَ مُجاشِعٍ ... وقَدْ قشَرُوا جِلْد اسْتِها بالعُجارِمِ
(2/565)

فإن مَجَر جِعثِنَ ابَنةِ غالِبٍ ... وكيرَيْ جُبيْرِ كانَ ضَرْبَةَ لازِم
قال: وذلك أن جبيراً كان قينا لصعصعة جد الفرزدق، فنسب أباه غالباً إلى القين، قال وذلك قول
جرير:
وجدنا جبيراً أبا غالب ... بعيد القرابة من معبد
أتجعل ذا الكير من دارم ... وأين سهيل من الفرقد
تلاقي بنات القين من خُبثِ مائِهِ ... ومِنْ وهجان الكِير سُودَ المعاصِمِ
وإنَّكَ يا ابْنَ القَيْنِ لَسْتَ بِنافِخِ ... بكيرك إلاَّ قاعداً غيرَ قائِمِ
فَمَا وَجَدَ الجِيرانُ حَبْلَ مُجاشِعِ ... وفيَّاً ولاَ ذَامِرَّةٍ في العَزائِمِ
ولامت قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشِعاً ... ولَمْ يعذِرُوا مَنْ كَانَ أهلَ المَلاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعٍ ... دَعَا شَبثاً أَوْ كانَ جارَ ابنَ خَازِمِ
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي. وعبد الله بن خازم السلمي. الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد
بن عبد العزى بن قصي، قتله عمرو ابن جرموز، أخو بني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة
بن تميم. وشبث بن ربعي بن الحصين بن عيثم بن ربيعة بن زيد بن رياح ابن يربوع. وابن خازم
هو صاحب خراسان وهو عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن
حرام بن السمال ابن عوف بن امريء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور.
وَلَوْ حبلَ تَيميٍّ تَناوَلَ جارُكُمْ ... لَما كانَ عَاراً ذِكرُهُ في المواسِمِ
فغيرُكَ أدَّى للخليفةِ عهدهُ ... وغيرُكَ جلَّى عَنْ وُجُوهِ الأهاتِم
قوله فغيرك أدى للخليفة عهده، يعني وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود. قال: وذلك أنه قتل قتيبة
بن مسلم فتكا، وبعث برأسه إلى
(2/566)

سليمان بن عبد الملك، وبعث بطاعته مع الرأس، وذلك أن قتيبة بن
مسلم كان قد خلع سليمان بن عبد الملك.
فإن وَكيعاً حينَ خارَتْ مُجاشِعٌ ... كَفَى شَعْب صَدْعِ الفِتنَةِ المُتفاقِمِ
لَقَدْ كُنتَ فِيها يا فرزدقُ تابَعاً ... ورَيشُ الذُّنابىَ تابِعٌ للِقُوادِمِ
قال: والقوادم هن الريشات العشر اللواتي في أول الجناح، وبعدها الخوافي.
نُدافِعُ عنْكُم كُلَّ يَومِ عظيمةٍ ... وأنْتَ قُراحِيٌّ بِسيفِ الكَواظِمِ
القراحي صاحب القرية، ملازم لها ليس ببدوي، وقراح موضع على شاطئ البحر.
أجُبْناً وفخراً يا بَنِي زُّبداستِها ... ونحنُ نشُبُّ الحربِ شيبَ المقَادِمِ
أباهِلَ ما أحببتُ قتلَ ابنِ مُسلِمٍ ... وَلا أَنْ ترُوعُوا قَوْمَكُمْ بِالمَظالِمِ
أباهِلَ قَدْ أوفيتُمُ مِنْ دِمائِكُم ... إذا ما قتلتُمْ رَهطَ قيسِ بنِ عاصِمِ
ويروى قد أوفيتم. قوله أباهل، يريد أباهلة، لأن قتيبة بن مسلم كان باهليا.
تُحضِّضُ يا ابْنَ القَيْنِ قَيْساً ليجعلُوا ... لِقَوْمِكَ يَوْماً مِثْلَ يَوْمِ الأرَاقمِ
قوله مثل يوم الأراقم، يعني بني تغلب على قيس، حين قتلوا عمير بن الحباب بسنجار من الجزيرة.
إذا رَكِبتْ قيسٌ خُيُولاً مُغيرَةً ... عَلى القَينِ يَقرَعْ سِنَّ خزيانَ نادِمِ
ويروى بخيل مغيرة.
(2/567)

وقَبْلَكَ مَا أَخْزى الأخيطِلُ قومَهُ ... وأسلمهم للِمْأزِقِ المُتلاحِمِ
ويروى في المأزق. قال المأزق يعني المضيق. قال: وهو موضع ملتقى الحرب. قال: وجعله
متلاحماً لشدته وضيقه عليهم. قال: وعنى بقوله وقبلك ما أخزى الأخيطل قومه، أراد به قول
الأخطل، حين دخل على عبد الملك بن مروان، وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، وقد كان الجحاف
اعتزل حربهم تحرجا، ولم يدخل منها في شيء، فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال:
ألا أبلغ الجَحَّافَ هل هو ثائرٌ ... بقتلَى أصيبت من سُليمٍ وعامرِ
ويروى ألا سائل الجحاف. فلما سمع الجحاف ذلك من الأخطل، غضب وجعل يجر مطرفه حمية
وجزعا وغضبا، فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلا قد جررت على قومك شراً طويلاً. قال ومضى
الجحاف حتى أتى قومه وافتعل كتبا على لسان عبد الملك بالولاية، ثم أنه حشى جربا ترابا، وقال إن
عبد الملك قد ولاَّني بلاد بني تغلب، وهذه الحرب فيها الأموال، فتأهبوا وامضوا معي، فلما أشرف
على بلاد بني تغلب، نثر التراب وخرَّق الكتب، ثم قال لهم: ما من ولاية ولكني غضبت لكم -
وأخبرهم بقول الأخطل له عند عبد الملك - فاثأروا بقومكم. قال فشد على بني تغلب بالبشر ليلا وهم
غارون آمنون. فقتل منهم مقتلة عظيمة، قال: وهرب الأخطل من ليلته مستغيثاً بعبد الملك، فلما دخل
عليه الأخطل أنشأ يقول:
(2/568)

لقد أوقع الجحافُ بالبشرِ وقعةً ... إلى الله منها المشتكىَ والمعوَّلُ
فإلا تغيِّرها قريشٌ بمُلكها ... يكن عن قريشٍ مستماز ومزحل
فقال عبد الملك: إلى أين يا ابن اللخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: لو قلت
غيرها، لقطعت لسانك، أو الذي فيه عيناك. ثم إن الجحاف لقي بعد ذلك الأخطل فقال:
أبا مالك هل لمتني إذ حَضَضتني ... على الحربِ أم هل لامني لك لائمُ
متى تدعني يوماً أُجبك بمثلها ... وأنت امرؤٌ بالحقِ ليس بعالم
لقد أوقدت نار الشمردى بأرؤس ... عظامِ اللِّحى مُعرنزمات اللهازم
الشمردى رئيس من تغلب، قال أبو عمرو، فحدثني أو مخنف، لوط ابن يحيى، قال: قتل الجحاف#
منهم ثلاثة وعشرين ألفاً.
رُوَيْدَكُمُ مسْحَ الصَّلِيبِ إذا دَنا ... هِلالُ الجِزىَ واستعجلُوا بِالدراهمِ
قوله الجزى يعني الجزية. يريد خراج رءوسهم، يقول يؤدونه وهم صاغرون لقول الله تعالى {حَتَّى
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}
وما زالَ في قَيْسٍ فَوارِسُ مَصدَق ... حُماةٌ وحمَّالُونَ ثِقلَ المَغارِمِ
وقيسٌ هُمُ الفضْلُ الذي نستعِدُّهُ ... لِفَضْلِ المَساعِي وابتناءِ المَكارِمِ
ويروى الكهف. ويروى لدفع الأعادي.
(2/569)

إذا حَدَبتْ قيسٌ عليَّ وخِندفٌ ... أخذتُ بِفضلِ الأكثرِينَ الأكارِمِ
أَنا ابنُ فُرُوعِ المجدَ قيسٍ وخندِفٍ ... بَنوْا ليِ عاديَّا رَفيعَ الدَّعائِمِ
فإن شِئْتَ منْ قيسٍ ذُرى مُتَمنِّعٍ ... وإنْ شِئْتَ طَوْداً خندفيَّ المخَارِمِ
ألَمْ تَرَنِي أَرِدْي بأَرْكانِ خنْدِفٍ ... وانْ كان قيسٌ نَعمَ كهفُ المُراجِمِ
وقيسٌ هُمُ الكهفُ الَّذي نستَعِدُّهُ ... لدَفْعِ الأعادِيَ أَوْ لحملِ العظائِمِ
بنُو المَجْدِ قيسٌ والعَواتِكُ مِنْهُمُ ... ولدْنَ بُحُوراً لِلْبُحورِ الخْضَارِمِ
قال سعدان، قال أبو عبيده: العواتك من بني سليم، نقله إلينا العلماء من المحدثين، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، كذا، قال في يوم حنين أنا ابن العواتك من سليم. قال فمنهن أم هاشم والمطلب
وعبد شمس بني عبد مناف، وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن
سليم بن منصور. وعاتكة بنت فالج بن ذكوان أم جده هاشم ابن عبد مناف وعاتكة بنت الأوقص بن
مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان. أم وهب بن عبد مناف بن زهرة، جد رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، من قبل أمه، آمنة بنت وهب بن عبد مناف. وسائر العواتك أمهات رسول الله صلى الله عليه
وسلم، من غير بني سليم، فهن تسع. قال أبو عبد الله، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الواسطي،
قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله، قال حدثني أبي، عن سعيد، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه
وسلم، شد على المشركين يوم حنين، وهو يقول:
أنا النبيُّ لا كذب ... أنا ابنُ عبد المطلب
أنا ابن العواتك.
(2/570)

لَقدْ حدبتْ قيسٌ وأفناءُ خنْدَفٍ ... عَلى مُرهبٍ حامٍ ذِمارَ المخارِمِ
ويروى لقد خاطرت. ويروى حامي ذمار. والمخارم بالخاء معجمة، مواضع.
فَما زادَنِي بُعْدُ المَدَى نقضَ مرَّةٍ ... ولا رقَّ هظمِي للضُّرُوسِ العَواجِمِ
تعجم تعض.
تَرانِي إذا ما النَّاسُ عَدُّوا قدِيمهُمْ ... وفضْلَ المَساعي مسفراًغيرَ واجمِ
بأيَّامِ قومِي ما لقْومِكَ مِثلُها ... بِها سهَّلوا عنَّي خبارَ الجراثِمِ
إذا ألْجمت قيسٌ عَناجيجَ كالقَنا ... مَججنَ دَماً مِنْ طُولِ علكِ الشَّكائِمِ
عناجيج طوال الأعناق. والشكيمة حديدة اللجام.
سَبَوْا نِسْوةَ النُّعمانَ وابنيْ مُحَرِّقٍ ... وعمرانَ قادُوا عنوةً بالخزائِمِ
قال سعدان، قال لنا أبو عبيدة: معنى البيت أن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة
بن عامر بن صعصعة، أغار على النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو على سفوان ماء من البصرة،
على رأس أربعة فراسخ منها، قال: فأخذ امرأته المتجردة في نسوة من نساء المنذر. قال: وأصاب
أموالا كثيرة وهرب النعمان منه، فلحق بالحيرة، قال: ففي ذلك اليوم يقول نابغة بني جعده:
وظلَّ لنسوةِ النعمانِ منَّا ... على سفوانِ يومَ أرْوَناني
فأردفنا حليلته وجئنا ... بما قد كان جمعٌ من هجان
(2/571)

فظِلتُ كأنني نادمتُ كسرى ... له قاقُزَّةٌ ولىَ اثنتان
ويروى قاقوزة، وهي نبطية. قال: وابنا محرق، هما ابن عمرو بن هند، وهو عمُّ عمِّ النعمان بن
المنذر بن ماء السماء. وعمران بن مرة بن ذهل بن شيبان، قتله قرة بن هبيرة يوم قارة أهوى، وهو
يوم القويرة، وكان بدء ذلك، أن عمران بن مرة أخا بني شيبان، جمع جمعاً من بني شيبان، فانطلق
بهم، حتى ورد أرض بني نمير بن عامر فلما دنا منهم أرسل ربيئة من بني شيبان فانطلق حتى أتى
أرض بني نمير، يعتان، - أي يكون لهم عينا - فلم يجد بها أحدا من بني نمير. قال: وكان عظمهم
في الغزو. قال: فأخبره ربيئة بالخبر، وقال الناس: متفرقون يطلبون الكلأ، وليسوا بجميع، قال
عمران لبني شيبان: أغيروا. فأغاروا، فاستاقوا النعم، وأصابوا نساء من بني نمير، فانطلقوا راجعين،
قال: وأفلت رجل من بني نمير، فأخبر أصحابه بالخبر، قال: وكان الذي أصاب من بني عمرو بن
الحارث بن نمير، فركب عروة بن شريح، أحد بني عبد الله بن الحارث بن نمير، فلما مرَّ عمران
بسبايا بني نمير، أخذ على سواج، فمر بناس من بني قشير، فأخبروا أن عمران أخا بني شيبان، معه
سبايا من بني نمير، فنادى قرة بن هبيرة: يا بني قشير. قال: فجاء من كان منهم بحضرته، فتبعوا
عمران بن مرة وجيشه، فأرادت بنو قشير أن تقع بهم، حتى إذا ورودا قارة أهوى، إذا نواصي خيل
بني نمير قد حفت بهم، فلحقوا، واجتمعت بنو نمير وقشير، وإذا بنت شريح خلف عمران، فلما رأت
أخاها عروة بن شريح، وثبت عن البعير، وحمل قرة بن هبيرة على عمران فطعنه، وهو يوم طعن
أبو سحيمة بن قرة، الردفين فصرعهما، وحمل قرة بن هبيرة على رجل من بني شيبان على ناقة له،
فنظمه بمؤخر الرحل. قال: وانهزمت
(2/572)

بنو شيبان، وارتدت بنو عامر ما كان مع جيش عمران من السبايا، فقال الجعدي في ذلك:
جزى الله عنَّا رهطَ قرةَ نصرةً ... وقرةً إذ بعضُ الفعالِ مزلَّجُ
جلا الخزيَ عن جُلِّ الوجوه فاسفرت ... وكانت عليها هبوةٌ ما تبلَّج
هم اليومُ إذ بادَ الملوكُ ملوكُنا ... فعالاً ومجداً غيرَ أن لم يُتَوَّجوا
تدارك عمرانَ بنَ مرةَ ركضُهم ... بقارَةَ أهوَى والجوافح تخلج
بأرعنَ مثلِ الطودِ تحسب أنهم ... وقوفٌ لحاج والركابُ تهملج
تبيت إذا جاء الصباح نساؤُهم ... تشدِّدُ خلاَّتِ الدروع وتُشرِج
على نارِ حيَّ يصطلون كأنهم ... جمالٌ طلاها بالعلية مهرج
وقال الجعدي أيضاً:
إن قومي عزِّ نصرُهُم ... قد شَفُوني من بني عَنمه
تركوا عمرانَ منجدلا ... للضباعِ حوله رزَمه
في صلاه ألَّةٌ حُشُرٌ ... وقناةُ الرمح منقسمة
كلَّ قومٌ كان سعيهُم ... دون ما يسعى بنو سلمه
سيِّد الأملاكِ سيِّدُهم ... وعِداه الخانةُ الأثمة
وقال عياض بن كلثوم:
وعمرانَ بنَ مرةَ قد تركنا ... نجيعَ دمٍ للحيتهِ خضابا
سقيناه بأَهوَى كأسَ حتفٍ ... تحسَّاها مع العَلَقِ اللعابا
رجع إلى شعر جرير:
(2/573)

وَهُمْ أنزلُوا الجونين في حَوْمَةِ الوَغى ... ولَمْ يمنَع الجَونين عقْدُ التَّمائِمِ
قال أبو عبد الله: ويروى وهم قتلوا. قال: والجونان هما عمرو ومعاوية ابنا شراحيل بن عمرو بن
الجون قال: والجون هو معاوية ابن حجر، آكل المرار ن بن عمرو بن معاوية بن ثور. قال: وثور،
هو كندة - كانا في أخوالهما بني بدر، في يوم الشعب - وهو يوم جبلة فأسر عوف بن الأحوص بن
جعفر بن كلاب عمرا، وأسر طفيل بن مالك بن جعفر معاوية. قال: فجز عوف ناصية عمرو بن
الجون، وخلى سبيله. قال: فمر ببني عبس فقتلوه. فغضبت بنو عامر من ذلك. قال: وأتى عوف بني
عبس، فقال: يا بني عبس، قتلتم طليقي، وقد علمتم أنه كان في جواري حتى يبلغ مأمنه، فقالوا: ما
علمنا أنه كان في جوارك. قال: فاختاروا مني إحدى ثلاث: إما أن تردوه عليَّ حيَّاً كما كان، أو
تدفعوا إليَّ رجلاً أقتله به، أو تعطوني ديته. قال، فقال له قيس بن زهير: يا عوف انصرف عنا
يومنا هذا، فإنا سنعطيك بعض ما سألت. قال: وكان قيس أحزم الناس رأيا، قال: فانطلق قيس إلى
طفيل، فقال له: ادفع إليَّ معاوية بن الجون، حتى أدفعه إلى عوف بأخيه، فإنا قد قتلناه، وأنا اتخوف
أن يعظم فيه الشر. قال: فدفع طفيل معاوية بن الجون إلى قيس بن زهير. قال: فانطلق به قيس،
فدفعه إلى عوف، فقدم عوف معاوية بن الجون فضرب عنقه فقتلا كلاهما. قال: فأثاب قيس ابن
زهير طفيل بن مالك من ابن الجون فرساً له، يدعى قرزلا.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس، عن ابن الأعرابي، قال: القرزل أن تمشط المرأة مشطة تكون
على أحد جانبي رأسها.
(2/574)

قال سعدان، وأما أبو عبيدة، فزعم أن قيس بن زهير اشترى معاوية أسيره بألف بعير، وهي ديات
الملوك، وأعطاه من خيله فرسه المزنوق بالقيمة، حتى وفاه الألف، فدفعه إلى عوف مكان أخيه، فقال
عوف لمعاوية أرضيت أن تكون مكان صاحبك، وبرئت من خفارتي؟ قال: نعم. قال: الحق بأبيك،
وسكن الناس. فتحولت بنو عبس إلى بني أبي بكر بن كلاب فحالفوهم، وعقد لهم الحلف أبو هلال
ربيعة بن قرط، فقال قيس في ذلك:
أحاولُ ما أحاولُ ثم آوي ... إلى جارٍ كجارِ أبي دؤادِ
منيعٍ وسطَ عكرمةَ بن قيسٍ ... وهوب للطريف وللتلادِ
كفاني ما أخاف أبو هلالٍ ... ربيعةُ فانتهت عني الأعادي
قال سعدان، قال أبو الوثيق: وذلك قول عامر بن الطفيل:
قضينا الجونَ عن عبسٍ وكانت ... منيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
رجع إلى شعر جرير:
كأنَّكَ لَمْ تشهدْ لقيِطاً وَحاجِباً ... وعَمَرو بْنَ عَمْرو إذا دَعوْايا لدَارِمِ
يعني لقيط بن زرارة - قال: وجاور أبو دؤاد هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
مناة بن تميم، وكان قد أسن، وأتى عليه دهر طويل، فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء،
ويتغاطون، إذا غطوا ابن أبي دؤاد فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:
ألم تر أنني جاورتُ كعباً ... وكان جوارُ بعض الناسِ غِيّا
فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نوَيّا
(2/575)

أراد: نواي فذهب به إلى مثل قفي وهوي، وهو الوجه الذي يريدونه. استدرج، يقول: أترككم
وأذهب. فلما سمه هلال بذلك، أمر بنيه فأخرجوه إلى نادي قومه، فقال: ألا ترون. لا والذي يحلف به
لا يبقى غلام شهد ابن أبي دؤاد إلا قتلته، فأعطوه حتى رضي، فزعموا أن هلالا قال لأبي دؤاد
احتكم عليهم حكم الصبي على أهله - قال ولقيط بن زرارة قتل يوم جبلة، وحاجب بن زرارة أسر
ذلك اليوم أيضا. وعمرو ابن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، ألح عليه مرداس بن أبي
عامر، أبو عباس بن مرداس، يوم جبلة، وعمرو على فرسه الخنثى. قال فلما كاد يلحق بمرداس
حصانه هوت يده في ثبرة - أي في هوة - وتمطت الخنثى بفارسها عمرو، ففاتت: فقال مرداس في
ذلك:
تمطَّت كميتٌ كالهراوةِ صلدمٌ ... بعمرِو بن عمروٍ بعد ما مُسَّ باليدِ
فلولا مدى الخنثى وطولُ جرائِها ... لَرُحتَ بطيء المشي غيرَ مقيد
قال: ثم إن قيس بن المنتفق، والحارث بن الأبرص العقيليين اعتورا عمرو بن عمرو، فسبقه قيس
فاعتنقاه فلما صرع أعان الحارث قيساً على عمرو بحبل فشده به، فأراد الحارث قتل عمرو، وأمر
قيسا بذلك، فعصاه قيس، وذلك طماعية منه في الفداء، فجز ناصيته وخلى عنه. ثم أتياه يطلبان الفدية
عنده - قال: وكان الحارث من أجمل الناس - قال: فجعلت عيون بنات عمرو تسمو إلى الحارث،
وذلك لجماله، وكان قيس دميم المنظر، فقال أبوهن: عليكن الرجل الآخر، فإنه ولي نعمة أبيكن، وإن
هذا قد أراد ليقتلني، فعصاه، ثم لم يرضهما. فقال الحارث بن الأبرص في ذلك:
تعجبُ من شواري بنتُ عمرو ... وما أنا في تأسِّينا بِغَمْرِ
(2/576)

فكم من فارسٍ لم ترزئيه ... أخي الفتيان في عُرفٍ ونُكرَ
لقد آمرته فعصَى إماري ... بأمرِ حزامةٍ في جنب عمرو
أمرتُ به لتخمش حنَّتاه ... فضيَّع أمرَه قيسٌ وأمري
رجع إلى شعر جرير:
ولمْ تشهَد الجَوْنينْ والشِّعبَ ذا الصْفا ... وشَدَّات قيسٍ يومَ ديرِ الجَماجم
ويروى بالشعب. قال: والجونان، عمرو ومعاوية ابنا الجون. قال والشعب ذا الصفا يعني شعب
جبلة.
ودير الجماجم عنى بذلك خروج أهل العراق، مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي فواقعوه
بدير الجماجم. قال: وإنما سمي ذلك الموضع دير الجماجم، لأنه كانت تعمل فيه الأقداح، فلذلك سمي
ديرالجماجم. والجمجمة القدح. قال: فهرب ابن الأشعث من الحجاج، حتى دخل على رتبيل كابل شاه،
فقال عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع، أخو بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد لرتبيل: ما تصنع
بمحاربة العرب وإدخالهم أرضك، دعني أخرج إلى الحجاج، فأكون بينك وبينه قال: فخرج سراً حتى
قدم على الحجاج، فوعد الحجاج عبد الله أو عبيد الله بن أبي سبيع ألف ألف درهم، إن أتاه بعبد
الرحمن حيا. قال: فخرج عبد الله أو عبيد الله حتى قدم على رتبيل، فأخبره أنه قد صالح الحجاج،
على أن يدفع اليه ابن الأشعث، وترجع عنه الجيوش. فقال له رتبيل: ويلك، إني أكره أن أرى الغدر
وأنا قاعد، قال: فإذا جلس إليك، فقم. قال: وجمع عبد الله بضعة وعشرين رجلاً من بني ربيعة بن
حنظلة، وأجلسهم قريباً منه، قال: وجاء ابن الأشعث، فجلس عند
(2/577)

رتبيل، وقام رتبيل، فوثب القوم جميعا على عبد الرحمن الأشعث فأوثقوه رباطا، وخرج به إلى الحجاج.
قال: وانتهب الترك ما كان بيد العرب الذين مع عبد الرحمن بن الأشعث. قال: فقتل عبد الرحمن نفسه في الطريق بفارس،
وذلك أنه رمى بنفسه من فوق القصر، فأدرك بآخر رمق، وهو يقول: قطني قطني ومات مكانه،
فاجتز عبد الله بن أبي سبيع رأسه فأتى به الحجاج.
أكلفتَ قيساً أنْ نَبا سيفُ غالبٍ ... وشاعتْ لَهُ أحدوثةٌ في المَواسِمِ
بسِيفِ أَبي رغَوانَ سيفِ مُجاشِعٍ ... ضربتَ ولمَ تضْرِبْ بسيفٍ ابنِ ظالِمٍ
ضربتَ بِهِ عَندَ الأمامِ فأرعشتْ ... يَداكَ وقالُوا مُحدثٌ غيرُ صارِمِ
ضربتَ بِه عرقُوبَ نابٍ بِصوارِ ... ولا تضربونَ البِيضَ تحتَ الغماغمِ
الغمغمة: الصوت الذي لا يعرف. ويروى تحت العمائم. قال: وإنما عنىبذلك، معاقرة غالب بن
صعصعة أبي الفرزدق، سحيم بن وثيل الرياحي. قال سعدان: وحديثه في كتاب المعاقرات. الغماغم:
أصوات لا تفهم، يكون ذلك في الحرب عند القتال. قال أبو عثمان، سمعت أبا عبيدة يقول: الغماغم:
شبيه بالزئير عند المسابقة يحرض بلك نفسه. قال أبو عبيدة: حدثني أعين بن لبطة، وجهم السليطي،
عن إياس بن شبة بن عقال بن صعصعة، قالوا: أجدبت بلاد بني تميم، وأصابت بني حنظلة سنة في
خلافة عثمان، رضي الله عنه، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة فانتجعها بنو حنظلة، فنزلوا
صوأر، وهي فوق الكوفة، مما يلي الشأم، وكانت بنو يربوع قدام الناس، فنزلوا أقصى الوادي،
وتسرع غالب بن صعصعة، ناجية بن عقال بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع فيهم وحده، دون
بني مالك بن حنظلة،
(2/578)

فلم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب، فلما نزلوا، وردت إبل غالب
فحبس منها ناقة كوماء، فنحرها وأطعمها. قال، فقال أناس: ليس فينا من بني مالك، غير رجل واحد،
وقد نحر ولم ننحر. فقالوا لسحيم بن وثيل الرياحي: انحر. فلما وردت إبل سحيم، حبس منها ناقة،
فنحرها من الغد فأطعمها. قال جهم: فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، فضحك غالب، وقال: كلا،
لكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت إبل غالب، حبس منها ناقتين، فنحرهما فأطعمهما. فلما
وردت إبل سحيم، نحر ناقتين فاطعمهما. فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني. قال إياس، فلما وردت
إبل غالب، حبس منها عشرا فعقلها، ثم أخذ الحربة فجعل ينحرها، فانفلتت ناقة منها، فانشامت في
بني يربوع، فركب غالب فرسه، فأدركها عند بيت الخرماء، وهي أسماء بنت عوف بن القعقاع،
وكانت امرأة الهذلق بن ربيعة بن عتيبة فعقرها، ثم لتب في سبلتها - أي وجأ، والسبلة موضع
المنحر وذلك المكان لا يخلو من شعرات هناك - فقالت الخرماء: مالك قطع الله يدك. فقال دونك
فاجتزريها، فإني لا اشتم ابنة العم، ولكن أجزرها. فسألت من هذا؟ فقالوا: هذا غالب بن صعصعة.
فقالت واسوأتاه. ورجع غالب فنصب قدوره، وغاظ ذلك بني يربوع، فأتوا سيدهم الهذلق فتجمعوا
اليه، فقالوا: ما ترى، قد فضحنا هذا، وصنع ما ترى، فما الرأي؟ قال الهذلق: أرى أن تأتوه فتأكلوا
من طعامه، وتنحروا كما نحر، وتصنعوا مثل صنعه. قالوا: لا، بل إذا فرغ من قدوره، غدونا،
فكفأناها، بما فيها، ففضحناه، فإن بني مالك حلماء رجح فنصغى إناءه، ونأتيهم، فنقر لهم بحقهم،
فيغفرون لنا، وذلك بمسمع من الخرماء أسماء بنت عوف، فتقنعت بملحفتها، وخرجت من كسر بيتها،
(2/579)

فأتت غالبا، فقالت له: قد سير بك وأنت لا تشعر، فأخبرته بما يريدون به. قال ومن أنت؟ قالت:
أسماء بنت عوف، وإنهم يريدون أن يكفؤا قدورك بما فيها، فيقنعوك خزية. فقال: هل شعر بك أحد؟
قالت: لا. قال فارجعي بأبي أنت وأمي، فحمل ابنه وابن أخ له على فرسين، ثم قال لهما: خذا أعداء
الوادي - أي ناحيتيه، أي أنت عن يمين، وأنت عن شمال، هاهنا وهاهنا - فانظرا أول صرم تريانه
من بني مالك، فعلي به، واحشرا من لقيتما منهم، فلقي أحدهما صرما من بني فقيم، ولقي الآخر
صرما من بني سبيع، ثم من بني طهية، فحشراهم، فأقبلوا على كل صعب، وذلول، حتى نزلوا حول
غالب، واستيقظ الهذلق، فقام من آخر الليل، فإذا أبيات ورجال لم يكن عهدهم من أول النهار، فقال:
إني لا تعرف وجوهاً لم أرها أول الليل، وأبنية ورجالا، فبعث إلي بني يربوع فقال: أترون ما أرى؟
قالوا: نعم. قال: جاءكم قوم يمنعون قدورهم، أليس هذا فلان وهذا فلان؟ أفترون أن تقتلوا هؤلاء في
غير جرم، قالوا فما الرأي؟ قال: أرى أن تأكلوا من طعامه، وتنحروا كما ينحر، وتصنعوا مثل ما
يصنع، فقعدوا فأكلوا من طعامه، ثم قالوا لسحيم: أعقر. فقال: والله إني ما أقوم لنحاري بني مالك،
إنما أقوم لنوكاهم. قالوا: إنا نرفدك. قال: فعلى بني مالك تعولون بالرفد، وهم أكثر منكم أموالا، ثم
وردت إبل سحيم فعقر منها خمس عشرة أو عشرين فضحك غالب.
قال أبو عبيدة، قال جهم: وكانت إبل غالب ترد لخمس، فجاء غلمته قد جبوا في حياضهم أنصافها،
فقال لهم: قدكم الآن، فقد أرويتم. قالوا له: وكيف أروينا وإنما جبينا في أنصاف الحياض، وكنا
نملؤها، ثم لا نضبطها، حتى نأخذ عليها قبلا سقيا على رءوسها فنسقيها. فقال:
(2/580)

بلى، قد أرويتم فحسبكم، فلما حان وردها - قال أعين بن لبطة - فلبس حلته وأخذ سيفه وانطلق معه الفرزدق.
قال: وصوأر واد ذاهب في الأرض. قال الفرزدق: فعلوناه وجاءت الأبل، فأمهل حتى إذا أدبرت،
فلم يبق منها شيء. انتضى سيفه فأهوى لعرقوبي آخرها، فنفرن لما رأين الدم، ووجدن ريحه،
فذعرن فأقبلن، حتى أطفن بالحياض نوافر عطاشا، وأقبل في أثرها، فلما لحقها، جعل يقول: عقرا
عقرا، ويقول للفرزدق: ردها يا هميم، فجعل الفرزدق يقول: إيه عقرا. إيه عقرا. قال أبو عبيدة، قال
إياس: فجعل يحول بينها وبين الحياض، فكلما ورد بعير عقره. قال جهم: حتى اضطرها إلى بيت أم
سحيم ليلى بنت شداد، فعقر عن يمينه وشماله، ومن ورائه، حتى قطعت أطنابه، فوقع عليها،
فخرجت عليه فسبته ودعت عليه، وقالت: يا غالب إن عقرك لن يذهب لؤمك، أو قالت: إن هذه
ليست مذهبة بلؤمك. فقال: إني لا أشتم ابنة العم، ولكن كلوا من هذا شحما ولحما. قال فجعل يعقرها
ويرتجز:
خذلني قومي وحان وِردي ... أسوقُها بذي حسامٍ فردِ
هل أنتَ يا سحيمُ غيرُ عبدِ ... أسودُ كالفلذِ من المغدِ
وقال أيضاً:
آل رياحٍ إنه الفَضَاحُ ... وإنها المخاضُ واللقاحُ
قد شاع في أسؤقها الجراحُ ... فلا تضجِّي واصبري رياحُ
قال أعين: وفيها غلام لغالب، يقال له سحيم، أبصر الناس بالإبل وأرعاهم، فجعل يقول يا أبا الصمة
ويأبى غالب. قال سحيم: فلم أزل
(2/581)

أطمع أن يكف حتى مر بفحل منها، ثمنه أربعة آلاف درهم، فعقره.
فلما عقره علمت أنه لن يستبقي شيئاً، فذهب سحيم غلامه يكفه عنه، فأهوى إليه السيف فأصاب
ركبته فقطع إحدى رجليه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فاعتقه، فلما قتل عثمان،
رضي الله عنه، استرقه غالب. قال أعين: فعقر أربعمائة بعير، وزعم إياس أنها كانت مائة وأربعين
ناقة، فلما عقر مائة منها، ورأت البارقة ووجدت ريح الدم طار منها أربعون فندت، فنادى غالب: أنا
غالب بن صعصعة، من أخذ بعيرا فهو له. وأحرج على رجل يجمع بين بعيرين، فإني لا أحل له.
فطلبه عثمان، رضي الله عنه، ليعاقبه، فركب إلى أبيه صعصعة، فرحب به، وقال: حاجتك؟ قال:
جئت لتخلف عليَّ ما عقرت، فقد رحضت عنك الذم والعار فاخلف لي، قال: نعم وكرامة أخلف ما
عقرت، وأشترط عليك أن لا تعقر بعيراً ولا بهيمة، ولا تذبها ولا تمثل بها، قال غالب لا أعطيك هذا
الشرط أبدا. قال: فلا إلا على هذا الشرط. فلحق بالبصرة، فأتى منزل الحتات بن يزيد فالتزمه وقبله،
وقال: أقم تخرج أعطيه الحي، وفيهم ثمانون على الفين، فنقاسمك من أعطيتهم، ففعل فأخذ أربعين
الفا، فارتحل بحمل ورق، فأتى الموسم براحلة دراهم، فلما قضى نسكه، زار البيت في أول الناس، ثم
ركب بين خرجيه بعيرا نجيبا لا يجارى. ثم نادى بالبطحاء: يا أيها الناس، أنا غالب بن صعصعة،
فمن أخذ شيئا فهو له، ثم فتح الخرجين، ثم حثى أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ووراءه، حتى إذا
فرغ الخرجين من الورق، أحال السوط في بطن البعير، ثم نجا، فقيل لعثمان: عتبت على غالب في
العقر، وأخفته وطلبته لتعاقبه، فها هو ذاك قد أنهب ماله فبعث في طلبه فهرب فأعجزهم.
(2/582)

قال أبو عبيدة: وأما زبان أو مطرف الصبيري، وسعيد الرياحي، فزعما أن امرأة من بني رياح،
نذرت إن زوجت ابنها عجردا أن تنحر جزورين، فزوجته فنحرت جزورين لنذرها، فوافق ذلك نحر
غالب، فظن أنه مواءمة فلج الأمر، وفي ذلك يقوم الأخوص الرياحي:
فكنا بخير قبل قُبَّةِ عجردٍ ... وقبلَ جزورَي أُمِّه يوم صوأرِ
يعني قبة البيت الذي ابتنى فيه بامرأته. وبلغ بني مالك غضب بني يربوع فقال ذو الخرق الطهوي:
ما كان ذنبُ بني مالك ... بأن سُبَّ منهم غلامٌ فَسَبْ
عراقيب كومٍ طوالِ الذُّري ... تخرُّ بوائكُها للركب
واحدة البوائك بائكة، وهي الكريمة من الأبل.
بأبيضَ يهتزُّ ذي هبَّةٍ ... يقطُّ العظامَ ويبري العصب
فلا تبعثوا ساقيا منكم ... قصيرَ الرِّشا ضعيفَ الكَرب
يسامي بحورَ بني مالك ... ترامىَ أواذيها بالخشب
وأبقى سحيمٌ على ماله ... وملَّ السؤالَ وخاف الحَرَب
وقال شعبة بن عمير:
لعمري لقد أروَى ابنُ ليلى لبونَه ... على صوأرِ والماءِ لزنَّ مشاربه
جرى سابقا لا يبلغ الجهدُ عفوه ... إلى غايةِ المجدِ الذي هاب صاحبه
وقال الفرزدق في ذلك وذكر عقر غالب يوم صوأر:
(2/583)

ألم تعلما يا ابن المجشَّر أنها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تُعقَّر
منا عيشُ للمولى مرائيبُ للثأَى ... معاقيرُ في يوم الشتاء المذكر
وما عقرت إلا على عثم يُرى ... عراقيبُها مذعقَّرت يومَ صوأرِ
رجع إلى شعر جرير:
عَنيفُّ بِهز السَّيفِ قَيْنُ مُجاشِعٍ ... رَفيقٌ بأَخراتِ الفؤُوسِ الكرازِمِ
قوله رفيق بأخرات، يريد خرت الفأس، وهو الذي يقع فيه عموده، وهو ثقب الفاس، يريد أنه حداد.
قال والكرازم الفؤوس التي لها رأس عظيم عريض، ويقال: لها كرَزَم وكرْزم. وكَرْزن وكُرزنِ. قال
سعدان، وأنشدنا أبو عبيدة لقيس بن زهير في ذلك:
فقد جعلت أكبادنا تجتويكم ... كما تجتوي سوق العضاه الكرازنُ
ستُخبرُ يا ابنَ القينِ أنَّ رِماحَنا ... أباحَتْ لَنَا ما بَيْنَ فَلَج وعَاسَمِ
ويروى ألم تر. ويروى أباحت لكم.
ألاَ رُبَّ قوم قَدْ وفدْنَا عليهمِ ... بصُمِّ القنا والمقرباتِ الصَّلادِمِ
ويروى قد نكحنا بناتهم بسمر القنا أي سبينا هن ولم يكن هناك تزويج.
لقْدَ حظِيت يَوْماً سُليمٌ وعامِرٌ ... وعبسٌ بِتجريدِ السُّيوفِ الصوارِم
وعبسٌ هُمُ يومَ الفرُوقينِ طرَّفُوا ... بأسيافِهمْ قُدموسَ رأسٍ صُلادِمِ
(2/584)

ويروى مصادم. قوله طرفوا ردوا ومنعوا. والقدموس شيء ينتأ في رأس الجبل طولاً يشبه به رأس
القوم وسيدهم وكبيرهم، عنى بذلك رأس بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذلك أن بني عبس في
حرب داحس، ساروا إلى هجر ليمتاروا منها، فنزلوا في بني سعد بأمان ثلاث ليال، فنظر بنو سعد
إلى قلتهم، وإلى ظعنهم وكثرة أموالهم، فأجمعوا على الغدر بهم، فبلغهم ذلك، وقال لهم عنترة بن شداد
بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس،
إن القوم أجمعوا على الغدر بكم، وهم كثير، فإذا جنَّكم الليل، ففرقوا النيران فيما حولكم من الشجر،
واظعنوا، فإن القوم إذا نظروا إلى النيران، ظنوا أنكم في منزلكم. ففرقوا النيران فميا حولهم من
الشجر، وارتحلوا وقد قدموا عيالاتهم وأموالهم بين أيديهم، وتخلَّف الفرسان، وأصبح بنو سعد فغدوا
ليقتسموا أموال بني عبس وظعنهم، فوجدوهم قد ساروا فتبعوهم حتى لحقوهم بالفروق، فاقتتلوا قتالا
شديدا، وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم وأموالهم، ورجع بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض، لم ينالوا
خيرا. ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد العبسي:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا ... وقاتلَ ذكراكَ السنينَ الخواليا

حديث يوم الفروقَينْ
قال سعدان، قال أبو عبيدة: لما أصيب أهل الهباءة، استعظمت غطفان قتل حذيفة بن بدر، فتجمعوا،
وعرفت بنو عبس أنه ليس لهم
(2/585)

مقام بأرض غطفان. قال: فخرجت متوجهة إلى اليمامة، يطلبون
أخوالهم - قال: وكانت عبلة بنت الدول، ويقال بنت الديل جميعاً ابن حنيفة أم رواحة - فأتوا قتادة
بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمينا، ثم مرَّ ذات يوم قيس مع قتادة فرأى قحفاً فضربه برجله، وقال: كم
من ضيم قد أقررت به مخافة هذا المصرع، ثم لم تئل - أي لم تنج، يقال من ذلك قدوأل الرجل،
وذلك إذا نجا من مرض، وما كان من شيء إذا نجا - قال: فلما سمعها منه قتادة، كرهها وأوجس
منه. قال: ارتحلوا عنا، فارتحلوا حتى نزلوا هجر ببني سعد بن زيد مناة، فمكثوا فيهم زمينا. قال: ثم
إن بني سعد أتوا الجون وهو ملك هجر وملكهم، فقالوا: هل لك في مهرة شوهاء - يعني حسنة ترفع
إليها العين - وناقة حمراء، وفتاة عذراء، قال: نعم. قالوا بنو عبس، فإنهم غارون، نغير مع جندك
عليهم، وتسهم لنا من غنائمهم. قال: فأجابهم إلى ذلك. وفي بني عبس امرأة ناكح فيهم من بني سعد،
قال: فأتاها أهلها ليضموها، وأخبروها الخبر، فأخبرت به زوجها فأتى زوجها قيسا فأخبره، فأجمعوا
على أن يرحلوا الظعائن، وما قوي من الأموال من أول الليل، وتترك النار في الرثة من منزلهم -
الرثة الموضع الذي ارثوا فيه النار، يريد الموضع الذي كانوا فيه نزولا - فلا يستنكر القوم ظعن
بني عبس عن منزلهم.
قال: وتقدم الفرسان إلى الفروق، فوقفوا دون الظعن وبين الفروق، وبين سوق هجر نصف يوم، فإن
تبعوهم شغلوهم وقتلوهم، حتى تعجزهم الظعن، ففعلوا ذلك. قال: وأغارت عليهم جنود الملك، ومن
تابعهم من بني سعد، وذلك عند وجه الصبح. قال: وكذلك كانوا يغيرون في الجاهلية، قال: فوجدوا
الطعن قد أسرين ليلتهن، ووجدوا المنزل خلا. قال: فتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الفروق، فإذا الخيل
والفرسان فقاتلوهم، وقد استراحت الظعن حتى خلوا سربهم، فمضوا
(2/586)

حتى لحقوا الظعن ثلاث ليال بأيامهن، حتى قالت ابنة قيس يا ابتاه، أتسير الأرض معنا، فعلم أنها قد جهدت، فقال: أنيخوا،
وامتنعت بنو عبس، ومنعوا ظعنهم. قال: ورجعت بنو سعد يتفادى بعضهم ببعض - أي يستتر
بعضهم ببعض - لم ينالوا خيرا.
قال ففي ذلك يقوم عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن
غالب بن قطيعة بن عبس:
ألا قاتل الله الطلولَ البواليا ... وقاتل ذكراكَ السنينَ الخواليا
قال: معنى قوله قاتل الله، يريد التعجب. قال: والطلول: ما شخص لك من آثار الدار، مثل الوتد
والأثافي وغير ذلك، قال وهو مثل قولك للرجل: قاتلك الله أي قتلك الله.
وقولك للشيءِ الذي لا تناله ... إذا ما حَلاَ في الصدر يا ليتَ ذاليا
قال: وروى أبو عبد الله بن الأعرابي: إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفَروقِ نساءنا ... نذبب عنها مشيلات غواشيا
ويروى نطرف أولى مشعلات غواشيا. وروى أبو عبد الله: نطرف عنها مسبلات غواشيا. مسبلات
بالسين بلا إعجام. قال والمشبلات بالشين يريد الأسد، من قولهم أشبل عليه، وذلك إذا قاتل عنه،
وأشفق عليه. والغواشي التي تغشاهم، يريد غشيتهم الرماح. قال: والمسبلات، يريد أسبل عليهم أي
صب عليهم. قال: وفي قول أبي عبد الله نطرف،
(2/587)

فالتطريف الرد. يقال من ذلك للرجل، قد تطرف الخيل عن رحالك،
وذلك إذا ولوا عن حريمك. قال: والمسبلات المغذفات. وغواشيا يريد غشيتهم
الرماح، يريد غشين هؤلاء النساء.
حلفتُ لكم والخيلُ تَردي بنا معا ... نزايلكم حتى تهزُّوا العواليا
قال وروى أبو عبد الله: والخيل تدمى نحورها. وقال تردي هو من قولك ردت، فهي تردي، وردى
فهو يردي وذلك إذا رمى وردى يردي ردى شديدا، وذلك إذا هلك. وقوله حتى تهروا العواليا، يريد
حتى تكرهوا، كأنه مشتق من هر الكلب، وهو أن يكره الكلب شيئا فيهر منه، قال: والعوالي الرماح
بأعيانها في هذا الموضع. قال: والعالية طرف الرمح.
عواليَ سُمراً من رماح رُدينة ... هريرَ الكلابِ يتَّقينَ الأفاعيا
قوله من رماح ردينة، قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: ردينة امرأة من قضاعة نسبوا الرماح إليها.
تفاديتُمُ أستاهَ نَيبٍ تجمعت ... على رِمَّة من الرماح تفاديا
قوله تفاديتم، يقول ك اتقى بعضكم ببعض، وتكل بعضكم على بعض، وذلك من الفرق، والجزع
والخوف. قال والرمة الحبل الخلق، قال: والمعنى في ذلك يقول: تفاديتم من الرماح. يقول: هربتم
كإبل تجمعت على رمة تأكلها. قال والرمة العظام البالية. قال والإبل تأكل العظام - وقد قال لبيد في
ذلك:
(2/588)

والنيبُ إن تعرُمني رِمَّةً خلقا ... بعد الممات فإني كنت أتئر
قوله والنيب هي المسان من الإبل. وقوله إن تعرمني يريد أن تأتي، يقال من ذلك عروته واعتروته،
كل ذلك إذا أبليته. وقوله أتئر، يقول: كنت آخذ بثأري. ويقال كنت أتئر. يقول كنت أعروها ولا
أبقي عليها. يقول: فهذه النيب إن أكلت عظامي، فقد كنت أصنع بها هذا، فأنا أدرك بثأري أنال
حاجتي.
ألم تعلموا أن الأسنَّةَ أحرزت ... بقيتَّنا لو أن للدهر باقيا
في نسخة عثمان: تعتبنا. يقول: صبرنا على القتال فنجونا - وقالت الخنساء في مثله:
نهين النفوسَ وهونَ النفو ... سِ يومَ الكريهةِ أبقى لها
وقال الشاعر في مثله أيضاً:
وما ينجي من الغمرات إلا ... بَراكاءُ القتال أو الفرارُ
رجع إلى شعر عنترة:
أبينا أبينا أن تضبَّ لثاتُكم ... على مرشفات كالظباء عواطيا
قوله أن تضب لثاتكم، يقال للرجل إذا جاء حريصا، يطمع في الشيء، جاء الرجل تدمى لثته، وجاء
تضب وتبض لثته جميعاً يقالان. ويقال أيضا: جاء الرجل يدمى فوه ويسيل فوه، وجاء ناشرا أذنيه،
كل ذلك إذا
(2/589)

جاء طامعا فيما يريد، حريصاً عليه. ويقال ما يبض حجره، وما تندى صفاته. قال: وذلك
إذا لم يطمع منه في شيء. قال: والبض والضب السيلان، قال: وكل هذا أعرابي، يعني هذا كلام
الأعراب ولغتهم واختيارهم.
وقلتُ لمن أخطرِ الموتُ نفسَه ... ألا من لأمرٍ حازمٍ قد بدَاليا
وقلت لهم ردوا المغيرَةَ عن هَوىً ... سوابقَها وأقبلوها النواصيا
قوله ردوا يعني هذه الخيل، يعني ردوها عن طمع سوابقها، وهواها ما تريد، وأقبلوها نواصي
خيلكم أي ردوها.
فما وجودنا بالفروق أشابة ... ولا كُشُفاً لكن وجدنا مواليا
ويروى ولا كشفا ولا نبتنا مواليا: قوله: ولا نبتنا مواليا، يقول: لم نكن حلفاء في قوم وإنما كنا
بعضنا في بعض. وقال ابن الأعرابي: ولا وجدونا مواليا، وقال: نبتنا فكأنه أراد بالنبت الشيء
المحدث، فنحن لنا القدم والأصل المعروف، ويروى عند الطعان. والفروق موضع معروف. قال:
وهو الموضع الذي ذكره جرير، وهذا حديثه. قال: وقوله أشابة، قال والأشابة الخلط، ومنه يقال فلان
مؤتشب الحسب، وذلك إذا كان مغمورا في حسبه وليس بخالص. ومنه يقال شب لبنك بالماء يا
رجل، يريد أخلطه. قال: والأكشف من الرجال، الذي ينكشف في الحرب فلا يثبت. وهذا قول أبي
عبد الله ابن الاعرابي. وقال غيره: الأكشف من الرجال، الذي لا ترس معه. قال، وقال الأصمعي
كقول ابن الأعرابي في تفسيره. قال: والأكشف الذي يولي سريعا.
وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها ... رؤوس نساء لا يجدنَ فواليا
قوله لا يجدن فواليا يعني من الشعث والضر.
(2/590)

رجع إلى شعر جرير:
وإنَّي وقيساً يا ابنَ قين مُجاشِعٍ ... كرِيمٌ أُصفَّي مدحتي للأكارِمِ
إذا عُدَّتَ الأيامُ أخزيتَ دارِماً ... وتُخزيكَ يا ابنَ القينِ أيامُ دارِمِ
ألمْ تُعطِ غصباً ذا الرقيبة حُكمهُ ... ومنُيةُ قيسٍ في نصيبِ الزَّهادِمِ
ويروى وأعطيت غصبا. وقوله ومنية قيس، يريد قيس بن زهير العبسي حين أخذ للزهدمين
نصيبهما من حاجب بن زرارة مائة ناقة من فدائه، وقوله ألم تعط غصبا ذا الرقيبة حكمه. فإن ذا
الرقيبة هو مالك بن عامر بن سلمة بن قشير، أخذ فداء حاجب ألف بعير، وأخذ منه قيس للزهد مين
مائة ناقة، فقال في ذلك قيس بن زهير:
جزاني الزهدمانِ جزاء سوء ... وكنتُ المرءُ يُجزَى بالكرامة
وقد دافعتُ قد علمت معدٌّ ... بني قُرطٍ وعمُّهُم قدامه
أجاثيهم على الركباتِ حتى ... أثبتكم بها مائةً ظُلامه
وأنتُمْ فررتُمْ عَنْ ضرارٍ وعثجلٍ ... وأسلمَ مسعودٌ غداةَ الحفاتِمِ
قوله وأنتم فررتم عن ضرار. يعني ضرار بن قعقاع بن معبد بن زرارة، أسره بشر بن لأي أخو
بني تيم اللات بن ثعلبة يوم الوقيط، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من الكتاب.
قال: وأخذ طيسلة العجلى عثجل بن المأمون بن شيبان بن علقمة بن زرارة يوم الوقيط أيضاً، وفي
نسخة ابن سعدان طيلسة. وقوله مسعود، وهو مسعود بن القصاف بن عبد قيس بن حرملة بن مالك
ابن أبي سود بن مالك بن حنظلة، قتله إياس بن عبلة أخو بني جثم بن
(2/591)

عدي بن الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة. في نسخة ابن سعدان: إياس ابن حنظلة.
وَفِي أيَّ يومٍ فاضِحٍ لَمْ تُقرنُوا ... أُسارَى كتقرين البِكارِ المقاحِمِ
قوله المقاحم الواحد مقحم، وهو الذي يقتحم سنين في سن، في سنة واحدة. قال وذلك أن يكون حُقاً،
فيحسب جذعاً أو جذعا، فيحسب ثنيا، ولا يكون هذا إلا في الضعيف لا غير.
ويومَ الصَّفا كُنتُمْ عَبِيداً لِعامِرٍ ... وبالحزنِ أصبحتُم عَبيدَ اللهازِمِ
قوله ويوم الصفا، يعني يوم جبلة. وقوله وبالحزن يعني يوم الوقيط، يعني كنتم عبيداً لعامر يعني
أسروكم. ويروى وبالحنو أصبحتم.
وليلةِ وادِي رحرحانَ رفعتُمُ ... فِراراً ولَمْ تلوُوا زَفِيفَ النَّعائِم
أي رفعتم بالسير بالفرار. والزفيف السرعة. ويروى تركتم خليدا.
تركتُمْ أبا القعقاعِ في الغُلِّ مُعبداً ... وأيَّ أخٍ لَمْ تُسلِمُوا للأداهم
ويروى وأي أخ اسلمتموه. قال اليربوعي، قال شريح: إن الأحوص ابن جعفر أسر معبد بن زرارة
يوم رحرحان، وأعطاه لقيط فداء معبد، وقد كتبنا حديثه فيما مضى من أملائنا.
تركتُمْ مَزاداً عِندَ عوفٍ يقودُهُ ... برُمَّةٍ مخذُولٍ على الدَّينْ غارِمِ
ويروى على الدين راغم. ويروى جلبتم إلى عوف مزادا فقاده برمة.
(2/592)

وَلا متْ قُريشٌ في الزُّبيرِ مُجاشَعاً ... ولمْ يعذِروا مَنْ كانَ أهلَ الملاوِمِ
وقالتْ قُريشٌ ليتَ جارَ مُجاشِعِ ... دَعا شبثاً أوْ كانَ جارَ ابنِ خازمِ
قوله دعا شبثا يعني شبث بن ربعي الرياحي، وعبد الله بن خازم السلمي
إذا نزلُوا نجداً سمعتُمْ ملامةً ... بجمعٍ مِنَ الأعياصِ أوْ آل هاشمِ
ويروى إذا نزلوا يوما سمعت ملامة. قال: والأعياص هم بنو أمية. وهم العاصي، وأبو العاصي،
والعيص، وأبو العيص، فلذلك سماهم الأعياص.
أحاديثُ رُكبانِ المحجَّةِ كُلَّما ... تاوَّهْنَ خُوصاً دامياتِ المناسِمِ
وجارَتْ عليكُمْ في الحكومة مِنقرٌ ... كَما جارَ عوفٌ في قتيلِ الصماصِمِ
وأُخزاكُمُ عوفٌ كما قَدْ خزِيتُمُ ... وأدركَ عمَّارٌ تراتِ البراجِمِ
قال سعدان لم يعرف الأصمعي ولا أبو عبيدة عمارا.
لقدْ ذُقتَ مِنِّي طعمَ حربٍ مريرةٍ ... ومَا أنتَ إنْ جاريتَ قيساً بِسالِمِ
ويروى إذا ذقت مني طعم حرب مريرة. أي مرة. ويروى: وما أنت إذ جاريت.
قُفيرةُ مِنْ قِنٍّ لسلمى بِنْ جندَلٍ ... أبُوكَ ابنُها بينَ الأماء الخوادِمِ
سيُخبرُ ما أبلتْ سيُوفُ مجاشِعٍ ... ذَوِي الحاج والمُستعملاتِ الرَّواسِمِ
(2/593)

حديث المراعي وعرادة النميري
قال سعدان، قال أبو عبيدة، قال مسمع: كان عرادة النميري نديماً للفرزدق، فقدم الراعي البصرة،
فاتخذ عرادة طعاما وشرابا، ودعا الراعي. قال: فلما أخذت الكأس منهما، قال عرادة: يا أبا جندل، قل
شعرا تفضل به الفرزدق على جرير، فلم يزل يزين له حتى قال:
يا صاحبيَّ دنا الأصيل فسيرا ... غلبَ الفرزدقُ في الهجاء جريرا
فغدا به عرادة على الفرزدق، وأنشده إياه. قال: وكان عبيد الراعي شاعر مضر، وذا سفه، فتحسب
جرير أنه مغلب للفرزدق عليه، فلقيه يوم جمعة، بعدما انصرف الناس، فقال: يا أبا جندل، إني أتيتك
لخبر أتاني، إني وابن عمي هذا نستب صباح مساء، وما عليك غلبة المغلوب ولا لك غلبة الغالب،
فإما أن تدعني أنا وصاحبي، وإما أن تكون وجه منك إلى أن تغلبني عليه. فإني وإن كنت ولابد
داخلاً بين كلبين من حنظلة أولى منك بتلك، لانقطاعي إلى قيس، وذبي عنهم، وحطبي في حبلهم،
فقال له الراعي: صدقت، نعم لا أبعدك من خير، ميعادك المربد غدا. قال فصبحه جرير، فبينما هما
يستنبث كل واحد منهما مقالة صاحبه، رآهما جندل بن عبيد الراعي، قال: فأقبل يركض على فرس
له، حتى ضرب وجه البغلة التي تحت أبيه الراعي، وقال: مالك يراك الناس واقفا على كلب من
كليب فصرفه. قال أيوب بن كسيب، قال جرير: فحميت، فقلت: أما والله يا ابن بروع، لتأتين بني
نمير بأعباء ثقال، إن أهلي ساقوا بي وبراحلتي، حتى وضعوا بقارعة الطريق بالمربد، والله ما
أكسبهم دنيا ولا أخرى، إلا لأسب من سبهم
(2/594)

من الناس، وإن عبيدا بعثه أهله على رواحلهم من اكتاف
خلص وهبود، يلتمس عليها الميرة والخير، وايم الله لأوقرن رواحله مما ساء نسوة بني نمير. قال
فأتى جرير رحله في دار بني مصاد، في موضع دار جعفر بن سليمان، وهو في غرفة، فجعل لا يهدأ
قلقاً مما يجد في نفسه. قال: فصعد إليه بعضهم، فقال له: ما عراك يا أبا حرزة؟ قال: لا شيء، حتى
فعل ذلك عامة ليله. قال: ويصعدون إليه فيسألونه ما شأنك، فلا يخبرهم بشيء، حتى افتتح له هجاؤه
كما أراد، فقال: إني كنت أحاول هجاء العبد حتى أطلعت طلع هجائه. واستتب لي من ذلك ما أردت
منه. قال: وأدخل طرف ثوبه بين رجليه ثم هدر كما يهدر البعير، وقال: أخزيت ابن بروع، حتى إذا
أصبح غدا فرأى الراعي وابنه في سوق الإبل فقال:
أجندلُ ما تقول بنو نميرٍ ... إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
فقال الراعي لما سمع ذلك: شراً والله تقول.
علوتُ عليك ذروةَ خندفيٍّ ... ترى من دونها رتبا صعابا
لنا حوضُ النبيِّ وساقياه ... ومن وَرَث النبوةَ والكتابا
إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... حسبتَ الناسَ كلَّهم غضابا
فغضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
أتجعلُ دِمنةً خَبُثتْ وقلَّت ... إلى فرعين قد كثرا وطابا
فقال الراعي وهو يريد نقضها:
أتاني أنَّ جحشَ بني كليب ... تعرَّض حول دجلَة ثم هابا
(2/595)

ويروى: أتانا الجحش جحش. ويروى حوم وهو أصح.
فأولَى أن يظلَّ العبدُ يطفو ... بحيثُ ينازع الماءُ السحابا
أتاك البحرُ يضربُ جانبيه ... أغرَّ تَرى لجزيتهِ حُبابا
قال أبو عبد الله: فكف الراعي ورأى أن لا يجيبه، قال: فأجاب عنه الفرزدق على روي قوله:
أنا ابنُ العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا
قال: ثم قال الراعي فلم يهجه ولم ينزع - قال: وبعض قومه يقول إن جندلا قالها:
إني أتاني كلامٌ ما غضبت له ... وقد أراد به من قال إغضابي
جنادب لاحق بالرأسِ منكبه ... كأنه كودَنٌ يوشي بكلاب
قولُ امرئٍ غرَّ قوماً من نفوسهم ... كخرز مكرهةٍ في غير أطناب
قوله يوشي، يستخرج ما عنده. فغلبهما جرير. قال أبو عثمان، وأخبرنا الأصمعي، قال: مرَّ الراعي
برجل يتغنى بشعر جرير، فتسمع له، وإذا هو يقول:
وعاوٍ عوَى من غيرِ شيء رميتهُ ... بقافيةٍ أنفاذُها تقطُرُ الدما
خرُوجٍ بأفواه الرواةِ كأنها ... قرى هندواني إذا هُزَّ صمَّمَا
قال: فقال الراعي ما لجرير لعنة الله. ثم قال الراعي: علام يلومني الناس أن غلبني هذا. قال أبو
عثمان، حدثني أبو عطارد، عن حسين
(2/596)

راوية جرير، قال: لقي جرير الراعي، فأخذ بيده، واعتذر اليه
الراعي، فرآهما جندل بن الراعي، فأقبل فنتر يد أبيه من يد جرير، فقال جرير: وكانت فيه غنة، أما
والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل جرير إلى منزله، فقال للحسين روايته: زد في دهن سراجلك الليلة،
واعدد ألواحا ودواة. قال: ثم أقبل على هجاء بني نمير. قال: فلم يزل حتى ورد عليه قوله:
فغضَّ الطرفَ إنكَ من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فقال جرير للحسين روايته: حسبك أطفئ سراجك ونم، فقد فرغت منه - يعني قتلته - قال: ثم إن
جريرا أتم هذه القصيدة بعد. قال: وكان جرير يسميها الدماغة، ويسميها الدهقانة. قال: وكان يسمي
هذه القافية المنصورة. قال: وذلك لأنه قال قصائد على قافيتها، كلهن أجاد فيها. قال سعدان: وأما
عمارة بن عقيل، فانه قال: قال جرير لراعي الإبل، وهو يزجره، أن يقع بينه وبين الفرزدق، وبلغه
عنه قول قال: فقال جرير: يا أبا جندل، إني قد كنت بهذا المصر سبع سنين، لا أكسب أهلي دنيا ولا
آخرة، إلا أن أسب من سبهم، فلا يقع بيني وبين هذا الرجل منك ما أكره، وأنت شيخ مضر
وشاعرهم، وقولك مسموع فمهلا. فقال: معاذ الله، لا أفعل ما تكره. قال: وجرير قائم لازم بعنان بغلة
الراعي، وقد قال له الراعي ميعادك وميعاد قومك غدا مجلسكم في المسجد الجامع، فأعتذر إليكم مما
بلغكم، وأرجع عما ساءكم. قال جرير: وقد بلغني أنك ترفع الفرزدق وقومه، حتى لو تقدر أن تجعلهم
في السماء لفعلت، وتقع في بني يربوع حتى تصير إليَّ في رحلي. قال وابنه جندل وراءه يسمع
ذلك، وهو على فرس له، فقال لرجل من هذا الذي أبي واقف عليه، قال له: ذلك جرير بن الخطفى.
قال: فأقبل يشتد به فرسه حتى يهوى بالسوط لمؤخر بغلة أبيه. قال: فزحمتني والله
(2/597)

زحمة وقعت منها على كفي في الأرض. قال: وندرت قلنسوتي. قال: وسمعته يقول: إنك لواقف على كلب من كليب
تعتذر إليه. قال: فمضيت وأنا أوعده في نفسي وأقول ما فيه دركي، مما أنال فيه شفاء غليظي. قال:
فما مررت على مجلس إلا قلت: جاء ابن بروع برواحله من أهله بخلص وهبود يكسبهم عليهم، أما
والله لأوقرن رواحله مما يثقلها خزيا ينقلب به إلى أهله. قال: فلما انتهيت إلى أهلي، فدخلت منزلي،
واجتمعت إلى مشيخة قومي، فذكروا ما كان مني ومنهم تلك العشية، فقالوا: غلام سفيه فلا تكافئه
بإساءته ولا تعجل بمكافأته، فإن الشيخ يلقانا بالبشر والطلاقة. قال: فلما انصرفنا من الجمعة، اجتمعنا
في حلقتنا ومجلسنا في المسجد، فلم نحسه حتى صلينا العصر، وأردنا الانصراف، فوقف علينا رجل
من بني أسيد قد علم الأمر، قال: فمع منا. فقال هاهو ذا جالسا في حلقة بني نمير ناحية المسجد، فقلنا
للأسيدي: اذهب فتعرض له، واذكر مجلسنا، لعله نسي الذي قال لنا بالأمس، فأتاه، فقال: يا أبا جندل،
هذه بنو يربوع تنضح جباههم العرق، ينتظرون ميعادك مذ اليوم. قال فوثب ليأتينا، فأدركته حلقة
بني نمير، فأخذوا بأسافل ثوبه، وقالوا: أجلس، فو الله لأن ينضح قبرك غدوة في الجبانة، أحب الينا
من أن يراك الناس تعتذر إلى هذه الكلاب - قال: وذلك بحدثان قتل وكيع قتيبة بن مسلم فباهلة
ونمير غضاب على بني يربوع، قال: فأتى الرجل فاخبرنا، فانصرفنا. قال وارتكبه جرير فهجاه، قال
جرير: فقلت من قصيدتي ليلتي ثمانين بيتا، فلما أتيت في آخر الليل على قولي:
فغضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلاباً
علمت أني قد نلت منه حاجتي، وبلغت غايتي فيه. قال: وزعم
(2/598)

الكلبي أن جريرا بلغه قول عرادة النميري حيث يقول:
رأيت الجحشَ جحشَ بني كليب ... تيمم حول دجلةَ ثم هابا
قال: ثم أتممت القصيدة، ثم غدوت بها وهو قاعد بفنائه في المربد، فأنشدته إياها، فلما أتيت على
قولي: فغض الطرف. قال: أخزيتهم أخزاك الله آخر الدهر. قال: فلما أتيت على قولي:
أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأيرُ في است أبيك غابا
قال: تقولون شرا. أرسل يا غلام فبئس، والله، ما كسبنا قومنا.
فقال جرير:
أقلِّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتابا ... وقُولي إنْ أصبتُ لقدْ أَصابا
أجدَّكَ ما تذكُّرُ أهلَ نَجْد ... وحيًّا طالَ ما انتظرُوا الأيابا
ويروى: ما يذكر عهد نجد.
بلى فارفض دمْعُكَ غيْرَ نزْر ... كَما عيَّنتَ بالسِّرب الطِّبابا
قال: التعيين في موضعين حين يفرغ من خرز الوعاء، يقولون، يومئذ، عيِّن وعاءك فيصب فيه
الماء، فينظر من أين يسيل ومن أين عيبه فيسد. قال: والطباب الجلدة تضرب على أسفل المزادة.
قال والسرب السيلان. قال: وقال بعضهم التعيين الرقة والفساد في الجلد. والطباب أيضا الشرائك،
ويجمع بين أديمي المزادة.
(2/599)

وهاجَ البرْقُ ليلةَ أضرِعاتِ ... هَوىً ما تستطِيعُ لَهُ طِلابا
فقُلْتُ بحاجة وطَويتُ أُخرَى ... فهَاجَ علىَّ بينهُما اكِتئابا
ووجْدٍ قَدْ طويتُ يكادُ مِنْهُ ... ضَميرُ القلبِ يلتهِبُ التِهابا
سألناها الشِّفاءَ فَما شَفتْنا ... ومنَّتنا المواعِدَ والخِلابا
ويروى: التودد. وقوله الخلاب، الكذب من مواعيدهن وقول الباطل.
بشتَّانَ المُجاوِرُ ديرَ أروَى ... ومنْ سكَنَ السَّليلَةَ والجِنابا
أسيلةُ معقِدِ السَّمطَين مِنْها ... وريَّا حيثُ تعتقِدُ الحِقابا
ولا تمشُيِ اللِّئامُ لَها بِسرٍّ ... ولا تُهدِي لجارَتها السِّبايا
أباحَتْ أمُّ حزرةَ مِنْ فُؤادِي ... شِعابَ الحُبِّ إنَّ لَهُ شِعابا
مَتى أُذْكَرْ بِخُورِ بَني عِقالٍ ... تبيَّنُ في وُجوهِهِم اكتئابا
ويروى تبين. ويروى متى أقصد لخور بني عقال.
إذا لاقَى بنُو وقبانَ غمًّا ... شَددتُ على أُنوفِهِمِ العِصابا
قوله العصابا، يعني عصاب الغمامة التي تشد على أنف الناقة، وذلك إذا أرادوا أن يعطفوها على
غير ولدها، كيلا تشمه، وإنما تعرف ولدها بالشم.
أبَى لِي ما مَضَى لِي فِي تَميمٍ ... وفِي فرعيْ خُزيمةَ أَنْ أُعابا
ويروى وفي حبي خزيمة. وحيا خزيمة يريد كنانة وأسدا.
ستعلمُ مَنْ يصيرُ أبُوهُ قيناً ... ومَنْ عُرِفتُ قصائدُهُ اجتِلابا
أثعلبَةَ الفوارِسَ أوْ رِياحا ... عدلتَ بِهمْ طُهَّيةَ والخِشابا
قوله طهية يعني طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة
(2/600)

أبا سود. قال: والخشاب ربيعة ورزام إخوتهم، بنو مالك بن حنظلة من غير طهية.
كأنَّ بَنِي طُهَيَّةَ رهطَ سَلمَى ... حِجَارَةُ خارئٍ يرْمِي كِلابا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة والأصمعي: كان أبو البلاد الطهوي الشاعر، خطب سلمى بنت عم
أبي البلاد لحا، فقال أبوها: أنت سبريت - وإن شئت سبروت قال وهو الذي لا يملك شيئاً - قال،
فقال له أبو البلاد: فإني أؤاجرك نفسي حتى تجتمع لي عمالة أقوى بها. قال: فأجابه إلى ما سأله.
قال: ثم إنه رعى عليه زمانا، حتى إذا ظن أن قد قدر على صدقتها، ورد الماء لخمس، وقد أنكحها
أبوها رجلا سواه. قال: ثم إن أبا البلاد تجهز إلى الكوفة ليمتعها، وقد بقي له من زاده آراب في
مكتل، وقد شد في عمود البيت. قال والآراب كل عظم يكسر، فهو إرب. وهو من قول العرب قطعته
إربا إربا، يعني عضوا عضوا. قال وقد شد الزبيل في عمود البيت، فتلقته أمة لبعض أهل الماء في
حاجة لها. فقالت: يا أبا البلاد، قد أجيلت جوائل سلمى، فهات محورتك - قال وإنما أرادت قول أبي
البلاد حيث يقول:
سيعلمُ أكياسُ الرجالِ محورتي ... إذا الأمر من سلمى أجيلت، مجاوله
قوله أجيلت مجاوله يعني قضى الأمر الذي يريدون، يعني قضي أمر سلمى، فزوجت وأنت لا تدري
- قال، فقال للأمة: ويحك، ما تقولين؟ قالت: أنت وذاك فسل تخبر.
قال: فقصد إلى بيت سلمى. قال، فقالت سلمى: فرأيت وجهه مصفراً، وظننت أنه من الجوع
والضر. قالت: فقمت إلى المكتل ثم دفعته
(2/601)

إلى فناء البيت قبله، ثم قمت إلى ستارتي فجعل يعبث
باللحم، وذاك برأي عيني. قالت: فملأني خوفاً ورعباً، وخفته على نفسي، وعلمت أنه لا جوع به،
وأن الذي في نفسه، ما ظننت أنه قد بلغه من تزويجي. قالت: فخرجت موائلة أبادر كسر البيت،
لأنجو منه بنفسي - قال وكسر البيت أثناء مواخيره الواقعة على الأرض - قالت ويقفوني بالسيف،
فأهوى لعرقوبي، فضربهما. قال: فبقيت سلمى سائرة يومها، ثم ماتت. قال وهرب أبو البلاد هائما
في البلاد.
وقال بعضهم: ضرب حبل عاتقها، ثم قال أبو البلاد في نفسه، بعدما أمعن في البلاد هربا من أي
شيء: أهرب فو الله ما أدري أحية هي أم ميتة. ثم إنه رجع ليعلم علمها. قال: فإذا أهلها يوقدون
عندها، ويقلبونها على النار، وهو ينظر إليهم من حيث لا يعلمون به، قال: فماتت، فقال بعد موتها:
يا موقدَ النارِ أوقِدها بعرفجةٍ ... لمن تُبيِّنها من مدلج سارِ
قال: وإنما اختار العرفج، وذلك لأن نار العرفج أسرع التهابا من غيره، وناره أوسع وأكثر ضوءا.
تبدي لك النار سلمى كلما وقدت ... للهِ دَرُّكِ ما تُبدين من نارِ
قال: ثم إن أبا البلاد انطلق حتى أتى نافع بن قتب، سيد بني طهية، فنادى ابنه عصاما، فقال له: من
ذا؟ قال: أنا أبو البلاد. فقال له: ما تشاء؟ قال، وذلك تحت الليل. ثم قال له: آذن أباك بي، فأتاه
فأخبره. فقال: ما جاء به في هذه الساعة خير، وإني لأخاف شره. قال: فخرج إليه، فقال له: ما شأنك
يا أبا البلاد؟ فقال له: قتلت فلانا، وسمى له
(2/602)

رجلا، وحاد عن ذكرها. وقال له: مر لي بزاد وراحلة
وسقاء. قال: فأعطاه راحلة ونصف جلة وسقاء. قال: ثم هرب فبلغ الخافقين - الخافقان المشرق
والمغرب - قال: ثم أنه ندم على قتل سلمى، فقال يعذل نفسه ويوبخها ويلومها على قتل سلمى:
غدرَت أبا البلادِ بقتلِ سلمى ... وكنت أبا البلادِ فتى غدوراً
قال: ولقي أبا البلاد الغول فقتلها. وقال في هربه ذلك:
لهانَ على جهينة ما ألاقي ... من الروعات عند رحى بطانِ
لقيتُ الغولَ تسري في ظلام ... بسهب كالعباية صحصحان
فقلتُ لها: كلانا نقض أرض ... أخو سفر فصدّي عن مكاني
فصدَّت وانتحيتُ لها بعضبٍ ... حسامٍ غيرِ مؤتشب يمان
فقدت سلاتها والبركَ منها ... فخرّت لليدين وللجران
فقالت زد، فقلت لها وإني ... على أمثالها ثبتُ الجنان
ويروي: فقلت رويد.
شددت عقالها وحللتُ عنها ... لأنظرَ غدوةً ماذا أتاني
إذا عينان في وجهٍ قبيح ... كوجه الهر مسترق اللسان
ورِجلا مخدج وسراةُ كلب ... وثوبٌ من فِراءٍ أو شنان
قال: ثم إنه رجع بعدما مل الحياة، وقد حمل ديتها رجل من بني طهية، وأداها عن أبي البلاد. قال،
وقال غيره: سلمى امرأة من بني طهية، قتلها أبو شداد القشيري. قال: وذلك أنها كانت قد هجته فعير
(2/603)

جرير بني طهية قتلها.
رجع إلى شعر جرير:
رأينَ سوادهُ فدنَوْنَ مِنْهُ ... فيرميهنَّ أخطأَ أوْ أَصابَا
فلاَ وأَبيكَ ما لاقيتُ حياً ... كيربُوعٍ إذا رفعُوا العُقابا
قال: العقاب، هاهنا، الراية التي تحمل في القتال، والناس يقاتلون معها وحولها، ما دامت قائمة، فإذا
سقطت انهزم أهلها. قال: والراية لا تهمز.
ومَا وجدَ المُلُوكُ أعزَّ مِنَّا ... وأسرَعِ مِنْ فَوارِسنا اسْتِلابا
إذا حربٌ تلقَّحُ عَن حِيالٍ ... ودرَّتْ بعدَ مرْيَتِها اغْتِصابا
قوله اغتصابا، قال: وذلك أن الناقة إذا امتنعت فلم تدر، عصبت فخذاها.
قال فتلك العصوب. قال وإنما شبه الحرب بالناقة. قال وإذا طال جيال الناقة لقحت في أول قزعة.
قال: وكذلك الحرب إذا تراخى سكونها وطال أمرها لقحت في أول هيج. قال: فضرب الناقة مثلا
للحرب. قال: ومرية الناقة أن يمسح ضرعها حتى تدر. قال: فكذلك الحرب تهيج بالشيء بعد الشيء
حتى تلقح.
ونحنُ الحاكِمُونَ عَلى قُلاخٍ ... كَفينا ذا الجَريرةَ والمُصابا
قوله على قلاخ، قالوا قلاخ أرض، وقالوا موضع باليمن، كانت به
(2/604)

وقعة. قال واختلفوا فيها، فكان
الحكم في بني رياح، إلى بني حميري بن رياح بن يربوع وولده. قال فرضى بحكمهم. ويروى ونحن
الحاكمون على عكاظ. قال وذلك أن الحكام والأئمة في الموسم كانوا بعد عامر بن الظرب في بني
تميم. فكان الرجل يلي الموسم منهم ويلي غيره القضاء. فكان من اجتمع له الموسم والقضاء جميعا
سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ثم ولى ذلك حنظلة بن مالك بن زيد مناة. ووليه ذؤيب بن كعب بن
عمرو بن تميم. ثم وليه مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. ثم وليه ثعلبة بن يربوع بن حنظلة. ثم
معاوية بن شريف ثم جروة ابن أسيد بن عمرو بن تميم. ثم الاضبط بن قريع بن عوف بن كعب ابن
سعد. ثم صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة. قال وكان آخر تميمي اجتمع
له القضاء والموسم سفيان بن مجاشع فمات. فافترق الأمر فلم يجتمع القضاء والموسم لأحد منهم حتى
جاء الإسلام. وكان محمد بن سفيان بن مجاشع يقضي بعكاظ، فصار ميراثا لهم. فكان آخر من قضى
منهم الذي وصل إلى الإسلام الأقرع ابن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان.
حَمينا يومَ ذِي نجبٍ حمانا ... وأحرزْنا الصَّنَائِعَ والنِّهابا
قوله يوم ذي نجب كان لبني يربوع خاصة، دون بني حنظلة.
لَنَا تحتَ المحامِل سابِغاتٌ ... كنَسْجِ الرَّيحِ تَطَّرِدُ الحَبابا
ويروى ترى تحت المحامل سابغات. قال والمحامل يعني محامل السيوف واحدها محمل. قال وهي
أيضا الحمائل. وقوله الحباب قال الحباب الذي تراه على الماء مثل الوشم تراه وتبينه إذا حركته
الريح.
وذَي تاجٍ لَهُ خرزاتُ مُلْكِ ... سَلبناهُ السُّرادقَ والحجابا
(2/605)

ألا قَبحَ الإلهُ بَني عقال ... وزادهُمُ بغدرْهم ارْتيابَا
أجيرانَ الزُّبير برئْتُ منكُمْ ... فألقُوا السَّيفَ واتَّخذُوا العِيَابا
يقول أنتم نساء فاتخذوا العياب ودعوا السلاح.
لقْدْ غرَّ القيونُ دَماً كَريماً ... ورحلاً ضاعَ فانتُهبَ انتِهابا
وقدْ قعستْ ظُهُورُهم بِخيل ... تُجاذبُهمْ أعنَّتها جذابا
يقول يريدون الانهزام والتأخر القهقرى، والخيل تريد التقدم وهي تجاذبهم أعنتها.
عَلاَمَ تقاعسُونَ وقَدْ دَعاكُمْ ... أهانَكُمُ الَّذي وَضعَ الكتابَا
تعشَّوْا من خزيرهمُ فنامُوا ... ولَمْ تهجعْ قرائبُه انتحَابَا
أتنسونَ الزُبيرَ ورهْطَ عوفٍ ... وجعثنَ بعدَ أعينَ والرَّبَابَا
قوله رهط عوف، يعني عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة. ورهطه مزاد بن الأقعس بن ضمضم.
قال وقد مر حديثه فيما امليناه من الكتاب وكتب في موضعه. قال وأما قوله بعد أعين، فإن حديث
أيمن بن ضبيعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، ان عليا ابن أبي طالب، رضي
الله عنه، كان بعثه إلى البصرة فقتل بها، وذلك أن بني حوي بن سفيان بن مجاشع، والرباب بنت
الختات بن يزيد المجاشعي - أظن أنه غراب البين وكان أسود كأنه حبشي - قال وكان يزعم أنه من
بني مرة بن عوف من غطفان، وكان مصدقا على بني تميم لابراهيم بن عربي فقال إنها انغلت منه
- أنغلت جاءت بولد نغل ولد زنا - ووجد غراب البين عند هند بنت عبد الله بن حكيم القرين
فعقروا ناقته وفيه يقول جرير يعيرهم بذلك:
(2/606)

ترضى الغراب وقد عقرتم نابه ... بنت القرين بمحبس وسرير
قالت فدتك مجاشع واستنشقت ... من منخريه عصارة القفور
وحنت هنيدة خزية لمجاشع ... إذ أولمت لهم بشر جزور
وحنت وجنت أيضا كل هذه روايات. وقال جرير في هذه القصة:
سأذكر من هنيدة ما علمتم ... وأرفع شأن جعثن والرباب
وأصبح غاليا فتقسموه ... عليكم لحم راحلة الغراب
رجع:
ألْم تَرَ أنَّ جعثِنَ وَسْطَ سعْد ... تُسَمَّى بَعدَ قضَّتها الرِّحابا
تُحزحزُ حينَ جاوزَ رُكبتيها ... وهزَّ القُزبريَّ لهَا فغَابا
تحزحز أي تقدم حرها. ويروى
تحزحزُ حينَ جلف ركبتيها ... وهز القسبري لها فغابا
وتخزخز وتحزحز واحد أي تحرك.
تَرَىَ بَرصاً بِمَجمَعِ إسكتيهاً ... كنعفقةِ الفرزدقِ حينَ شابا
يعني بأسفل. ويروى لها برص بأسفل إسكتيها. في نسخة ابن سعدان بجانب إسكتيها.
وهَلْ أُمٌّ تكُونُ أشدَّ رعياً ... وصرَّاً مِنْ قُفيرةَ واجتِلابا
(2/607)

ويروى وما أم. ويروى أشد نعظا. ويروى أشد فطرا. والفطر مسح الضرع ليدر.
ومقرفة اللَّهازِمِ مِنْ عِقالٍ ... يُغَرِّقُ ماءَ نخبتِها الذُّبابا
قوله ماء نخبتها، الماء هاهنا سلحها. والنخبة يعني الدبر. والنخبة جلد الاست ويروى:
وسوداء المحاجر من عقال ... تغرق من مشيمتها الثيابا
ويروى يشين سواد محجرها النقابا.
تُواجهُ بعلَها بِعُضارِطِي ... كأنَّ عَلىَ مَشافِرِهِ جُبابا
ويروى تواجه بعلها بسراطمي. قال والجباب من ألبان الإبل ما تجمع وتكمز. مثل الزبد والسراطمي
الذي يسترط كل شيء. قال والجباب شبيه بالزبد يجتمع من ألبان الإبل ولا زبد له. تكمز صار
كمزا. ويروي بضراطمي من الضراط والميم زائدة.
وخُورُ مُجاشِعٍ تركُوا لقِيطاً ... وقالُوا حِنْوَ عينكَ والغُرابا
يقول احفظ الغراب بعينك فإن ذهبت عينك جاء الغراب فأكلها. وحنو العين الحجاج. قال وكان لقيط
بن زرارة قتل يوم جبلة. وقوله حنو عينك، قال حنو العين عظم الحاجب المنحني على العين. قوله
والغرابا يقول هو قتيل فالغراب ينقره وهو واقع على عينه. وقالوا حنوها ناحيتها يعني تركوه
صريعا يهزأ به. يقول أحذر لا يأكل عينك الغراب.
وأضبعُ ذي مَعارِكَ قَدْ علمتُمْ ... لقِينَ بجنبهِ العَجبَ العُجابا
(2/608)

ويروى لقين بجيبه. ويروى بجلبة. أضبع جمع ضبع. وذو معارك موضع. وجلبة موضع.
فإن مُجاشِعاً جمعُوا فِياشاً ... وأستاهاً إذا فَزعُوا رِطابا
قوله فياشاً فإن الرجل يفخر بما ليس له ويكذب في فخره. وقوله رطابا يقول إذا فزعوا سلحوا.
يقول قد جمعوا الخفر بالكذب والسلاح.
وَلاَ وأَبيكَ ما لهُمُ عُقولٌ ... ولا وُجِدتْ مكاسِرُهُمْ صِلابا
وليلةَ رحرحانْ تركتَ شِيباً ... وشُعثاً في بيُوتِكُمُ سِغابا
رضعتُمْ ثُمَّ سالَ عَلى لِحاكُمْ ... ثُعالَةَ حيثُ لَمْ تجِدُوا شَرابا
تركتُمُ بِالوقيِطِ عُضارِطاتٍ ... تُردِّفُ عِنْدَ رِحلتِها الركَّابا
لَقَدْ خَزَي الفرزدقُ في معدٍ ... فأمْسَى جهدُ نُصرَتِهِ اغتِيابا
يقول أخزيته فلم يكن عنده انتصار لنفسه إلا الاغتياب فقط.
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا ... تَرَى لِوُكُوفِ عبرتِهِ انْصِبابا
ويروى:
ولاَقَى القينُ والنِّخَباتُ غَمًّا ... على غم وزادهم عذابا
والنخبات الجبناء من الرجال واحدهم نخبة.
أتُوعِدِني وأنتَ مُجاشِعِيٌّ ... تَرَى في خَنْثِ نخبِتِهِ اضْطِرابا
أصل الخنث اللين. وقولك في خنث يريد في عطف نخبتك لينا وانثناء. قال والنخبة الدبر. وخنثها
شرجها. ويروى أرى في خنث لحيتك اضطرابا.
(2/609)

فَما هِبْتُ الفرزدقَ قَدْ علمتُمْ ... وَما حَقُّ ابْنِ يروَعَ أنْ يَهابا
ويروى فما هيت الفرزدق. وابن يروع يعني الراعي.
أعَدَّ الله للِشُّعرَاءِ مِنِّى ... صَواعِقَ يخضعُونَ لَها الرِّقابا
قرنْتُ العبْدَ عبدَ بَنى نُميرٍ ... مَعَ القينينِ إذْ غُلِبا وَخابا
أَتانِي عَنْ عَرادةَ قولُ سُوءٍ ... فَلا وأبِي عَرادَةَ مَا أَصَابا
يعني عرادة النميري راوية الراعي.
وكَمْ لَكَ يا عَرادَ مِن أمِّ سُوءٍ ... بِأرضِ الطَّلْح تحتبِلُ الزَّبابا
الزبابة شبيه الفأرة.
عَرادةُ مِنْ بقيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ... ألا تَبا لما عملُوا تبابا
لَبِئسَ الكسبُ تكسبُهُ نُميرٌ ... اذا استأنوكَ وانتظروا الأيابا
أنا البازِي المُدِلُّ على نُميرٍ ... أتِحْتُ مِنَ السَّماءِ لهَا انصبابا
ويروى المطل على نمير، ويروى أتحت من السماء له انصبابا.
إذا علقَتْ مَخالِبُهُ بِقرْنٍ ... أصابَ القَلْبَ أوْ هتكَ الحِجابا
تَرَى الطَّيرَ العِتاقِ تظلُّ مِنْهُ ... جوانِحَ لِلْكلاكلِ أنْ تُصابا
الكلاكل الصدور. قال وإنما أراد أنها لاصقة بالأرض من مخافته فشبه نفسه بالبازي.
(2/610)

ولَوْ وُضِعت فِقاحُ بَني نِميرٍ ... عَلَى خَبث الحَدِيدِ إذا لذَابا
فَلا صلَّى الإِلهُ عَلى نُميرٍ ... وَلا سقيتْ قُبُورُهمُ السَّحابا
وخضْراءِ المغابِنِ مِنْ نُمير ... يشينُ سوادُ مَحْجِرها النِّقابا
ويروى وسوداء المحاجر وسوداء المغابن. ويروى ومقرفة المغابن. قال والمغابن ما تثنى من الجلد
واسترخى من جلد المرأة والرجل أيضا. والمحجر من المرأة ما خرج من النقاب ولم يغطه النقاب.
ويقال المحجر ما حول العين وهو بارز من النقاب إذا انتقبت المرأة.
إذا قامَتْ لِغيْرِ صَلاةِ وِتْرٍ ... بُعيْدَ النَّومِ أنْبحَتَ الكلاِبا
تطلَّى وهَيَ سيئَة المعَرَّى ... بصِنَّ الوَبْرِ تَحْسبهُ مَلابا
كانَّ شَكِيرَ نابِتِ إسْكتَيْها ... سِبالُ الزُّطِّ علَّقَتِ الرِّكابا
قال الشكير الزغب تحت الشعر ن والريش الصغار تحت الكبار، والورق الصغار الذي ينبت تحت
الكبار.
وقَدْ جلَّتْ نساءُ بَني نُميرٍ ... وَما عرفَتْ أَنامِلُها الخِضَابا
جلت لقطت الجلة من كثرة ما تعالج الأبعار، ويقال جلت من الجلال والجلالة يريد به من الكبر.
وقال في مثله الشاعر:
فإن تنسني الأيام الا جلالة ... أعش حين لا تأسى علي العوائد
قال والمعنى في ذلك: إن تؤخرني الأيام ويتأخر أجلي أعش فاهرم،
(2/611)

فلا تحزن علي عوائدي ولا
تبالي حياتي، ولا نفع عندي ولا دفع. قال أبو عبد الله وقد حلبت من الحلب ويروى:
لقد حلبت أناملها وصرت ... وما عرفت أناملها الخضابا
إذا حلَّتْ نساءُ بنِي نُميْرٍ ... عَلى تِبراكَ خبثت التُّرابا
تبراك هو ماء لبني العنبر. قال أبو عثمان سمعت الاصمعي يقول: جاءت عن العرب أربعة أحرف:
قوله تعشار وهو لبني ضبة. وتبراك وهو لبني العنبر. وقولهم تقصار وهو القلادة اللاصقة بالحلق.
وقولهم تلقاء - ويروى إذا جلست نساء بني نمير - وفي المصادر تلقاء وتبيان. أبو عبد الله ما سوى
هذين - يعني تلقاء وتبيان - من المصادر فهو مفتوح الأول.
وَلوْ وُزِنتْ حُلُومُ بَنِي نُمَيرٍ ... عَلى المِيزانِ ما وَزنتْ ذُبابا
فَبراً يا تُيُوسَ بَنَي نميرٍ ... فإن الحربَ مُوقِدةٌ شِهابا
بَعمرُ أبي نِساءِ بَنِي نُميرٍ ... لسَاءَ لَها بمقصبتي سِبايا
ستهدِمُ حائِطَيْ قرماءَ مِنِّي ... قَواف لا أريد بِها عِتابا
دخْلَنَ قُصُورَ يثربَ مُعلماتٍ ... ولَمْ يتركنَ مِنْ صنعاءَ بابا
يقول سارت القوافي فيهن فبلغن كل مكان. وقوله ولم يتركن من صنعاء بابا وذلك أن الأقرع بن
حابس قاد الخيل من أرض نجد حتى دخل نجران فأغار على بني الحارث بني كعب وأغار الاضبط
ابن قريع والنمر بن مرة بن حيان، والرئيس الأول، وهو محلم بن سويط الضبي، في جماعة من بني
تميم على أهل اليمن حتى انتهوا إلى صنعاء.
تَطُولكُمُ جِبالُ بَنِي تميمٍ ... ويحمِي زأرُها أجماً وغابا
يقال من ذلك طاولته فطلته أي كنت أطول منه. قال أبو عبد الله
(2/612)

الراوية وتحمي أسدها.
ألمْ نُعتِقَ نِساءَ بَني نُميرِ ... فَلا شُكراً جَزَيْنَ وَلا ثَوابا
أجندلُ ما تقُولُ بَنُو نُميرٍ ... إذا ما الأيرُ في استِ أبيكَ غابا
ألمْ ترَني صُبِبْتُ عَلَى عُبيدٍ ... وقَدْ فَارتْ أَبا جِلُهُ وَشابا
قوله فارت يعني تعقدت وورمت.
أُعِدُّ لهْ مواسِمَ حامِياتٍ ... فَيَشفَى حرُّ شُعلتِها الجرابا
فغُضّ الطرفَ إنَّكَ مِن نُميرٍ ... فَلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا
أتعدلُ دِمنَةٌ خبثت وقلَّت ... إلى فرعينِ قَدْ كَثرا وَطابا
الدمنة نمير، والفرعان كعب وكلاب.
وحُقَّ لمِنْ تكنَّفُهُ نُميرٌ ... وضَبَّةُ لا أَبا لَكَ أَنْ يعابا
يعني قريع بن الحارث بن نمير، وضبة بن نمير. ويروى وحق لمن تعد له نمير.
فَلَولا الغُرُّ مَنْ سَلفيْ كِلابٍ ... وكعْبٍ لاغتصبتُكُمُ اغْتِصابا
فَانَّكُم قَطِينُ بَني سُليْمٍ ... تُرَى بُرقُ العباءِ لكُمْ ثِيابا
ويروى قطع العباء. وقطع العباء الفراء. قوله برق العباء يقول: اكسيتهم برق أي فيها بياض وسواد
يبرق فيها. ويقال من ذلك جبل ابرق، أي قوة بيضاء، وقوة سوداء. والقوة الطاقة.
إذا لنفيتُ عبْدَ بَني نُميرٍ ... وعلِّي أَنْ أزيدهُمُ ارْتِيابا
ويروى فماذا عند عبد بني نمير فعلي أن أزيدهم. وقال أبو عبد الله
(2/613)

فماذا راب عبد بني نمير فعلي.
فيَا عَجبِي أتُوعِدُني نُميرٌ ... براعِي الإبلِ يحتْرشُ الضِّبابا
الاحتراش أن يجبئ الرجل إلى جحر الضب، فيحرك يده عليه فيحسبه الضب أفعى أو حية، فيخرج
الضب إليه ذنبه فيضربه بذنبه، فلا يزال به حتى يأخذ بذنبه فيخرجه. قال ومثل من أمثال العرب
"أنا أعلم بضب احترشته". ومثل آخر من أمثالهم "هذا أجل من الحرش".
لعلَكَ يا عُبيد حَسِبتَ حَرْبِي ... تُقلِّدُكَ الأصِرةَ والعِلابا
إذا نَهضَ الكِرامُ إلى المعالي ... نهضتَ بعلُبةٍ وأثْرَت نابا
تُنوِّخُها بِمحنيَةِ وحِيناً ... تُبادِرُ حدَّ دِرَّتها السِّقابا
ويروى تبوئها من الباءة وهو النكاح، وتبوخها مثله. قال والمحاني في الوادي مثل العواقيل في
الأنهار. ويقال المحاني ثني الوادي وعطفه. يقول تبادر ألبانها أولادها فتسبق أولادها أن تشرب اللبن
من أمهاتها فتشربه. قال والمعنى في ذلك يقول إنك راع يعيره بذلك.
تَحِنُّ لَهُ العِفاسُ إذا أفاقَتْ ... وتعْرِفُهُ الفِصالُ إذا أَهابا
قال والعفاس وبروع ناقتان كان الراعي ذكرهما في شعره، وقوله إذا أفاقت قال، وأفاقتها يريد
اجتماع درتها بعد الحلب. قال والاهابة الدعاء.
فأولِعْ بالعِفاسِ بَني نُميرٍ ... كما أولعتَ بالدَّبَرِ الغُرابا
وبِئْسَ القرضُ قرضُكَ عِندَ قيسٍ ... تُهيجُهُمُ وتمتدحُ الوِطابا
قوله تهيجهم تعرضهم للهجاء. الرواية الصحيحة تهجيهم من الهجاء.
(2/614)

وتَدْعُو خَمْشَ أُمِّكَ أَنْ تَرانا ... نُجُوماً لا تَرُومُ لَها طِلابا
قوله خمش أمك وهو مثل قولك ويل أمك، دعاء عليه أي تثكله أمه حتى تخمش عليه.
فَلنْ تَسْطِيعَ حنظَللتي وسُعْدى ... ولا عَمْري بلغتُ ولاَّ الرِّبابا
ويروى وسعدى وعمري إذا دعوت ولا الربابا.
قُرُومٌ تحملُ الأعباءَ عنكُمْ ... إذا ما الأمرُ في الحدثانِ نابا
هُمُ مُلَكُوا المُلْوكَ بِذاتِ كهفٍ ... وهُمْ منعُوا مِنَ اليَمنِ الكُلابا
قال أبو عبيدة: قوله بذات كهف، قال وهو انك إذا قطعت طخفة بينها وبين ضرية، والطريق بينها
وبين قنة الحمر، فهو يوم طخفة، ويوم الرخيخ، ويوم ذات كهف، ويوم خزاز. قال وذلك لانهن
متقاربات. وقوله: وهم منعوا من اليمن الكلابا، قال فيوم الكلاب لبني سعد والرباب. قال وإنما جاز
له أن يفخر به لأنه فخر به على راعي الابل النميري. قال أبو عبيدة وليس هذا الكلاب بالكلاب
الأول. قال وذلك لأن الكلاب الأول كان بين شرحبيل وسلمة الغلفاء ابني الحارث ابن عمرو الكندي،
لما هلك تنافس ابناه في الملك فقتل سلمة أخاه شرحبيل: قال وأما كلاب بني تميم، فكان بعد مبعث
النبي صلى الله عليه وسلم، قال وقال اليربوعي: قوله هم ملكوا الملوك بذات كهف، أن بني يربوع
أسروا قابوس بن المنذر بن ماء السماء، وحسان أخاه. قال والكلاب الأخير هو لسعد والرباب على
أهل اليمن ومذحج وغيرهم.
إذا غَضِبتَ عليكَ بنُو تَميمٍ ... حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمْ غِضابا
ألسْنَا أكثَرَ الثَّقلينَ رَجلاً ... بِبطْنِ مِنىً وأعظمهُ قبابا
(2/615)

وأجْدَرَ إنْ تَجاسرَ ثُمَّ نادَى ... بِدَعْوَى يالَ خِندِفَ أَنْ يُجابا
قوله وأجدر يعني وأخلق أن يكون كذلك.
لَنا البَطحاءُ تُفْعِمُها السَّواقِي ... ولمْ يَكُ سيْلُ أودِيَتي شِعابا
فما أنتُمْ إذا عَدلتْ قُرُومِي ... شَقاشِقَها وَهافَتَتِ اللُّعابا
ويروى إذا هدلت. قوله إذا عدلت قرومي يعني إذا مالت رءوسها فهدرت. قال وكذلك يفعل الفحل
إذا هدر أمال رأسه ناحية كالتكبر الذي يميل رأسه تجبرا. قال فهو إذا هدر رأسه في ناحية شقته.
وقوله وهافتت اللعابا، يريد فألقت القروم لعابها، يريد زبدها إذا هدرت وهو الأصل، إلا أنهم نقلوه
إلى غيره. قالوا الهفيتة القوم تقحمهم السنة فيتهافتون على الناس في أمصارهم، كتهافت ذلك اللعاب
وهو زبد البعير إذا أهدر وألقاه من فيه. قال والقرم الفحل من الإبل الذي لم يمسسه حبل ولا حمل
عليه لكرمه، وإنما هو للفحلة فشبهوا السيد القوم وكريمهم بالفحل.
تَنَحَّ فإن بحْرِي خِنْدفيٌّ ... تَرَى في مَوْجِ حريتهِ حبابا
ويروى ترى في موج جريته عبابا، ويروى ترى لفحول جربته عبابا.
بِمَوجٍ كالجِبالِ فإن ترُمْهُ ... تُغَرَّقُ ثمَّ يَرم بِكَ الجنَابا
فما تَلْقى مَحِلِّيَ في تَميمٍ ... بِذِي زَلَلٍ ولا نَسْبَي ائتِشابا
ويروى على زلل. والمؤتشب المخلوط من كل ضرب، يقال قد تأشبوا إذا اختلطوا من كل حي.
ويقال أشبوا ايضا وهم الاشابة والاباشة.
(2/616)

ويروى ولا نسبي أشابا.
عَلَوتُ عليكَ ذِروةَ خِندفَي ... تَرى مِنْ دُونِها رُتُباً صِعابا
لَهُ حوضُ النَّبِيِّ وساقِياهُ ... وَمَنْ وَرِثَ النُّبوَّةَ والكِتابا
ويروى لنا حوض النبي وساقياه. قال سعدان وقال لنا الأصمعي وأبو عبيدة: كانت الاجازة في
الجاهلية لصفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن سعد بن زيد بن مناة بن تيم.
ومِنَّا مَنْ يُجِيزُ حَجِيج جَمْعٍ ... وإنْ خاطبتَ عزَّكُمُ خِطابا
قالوا وقوله ومنا من يجيز، أراد كرب بن صفوان، قال وكان يجيز الناس من عرفات إلى مزدلفة
إلى منى. قال وكانت صوفة، وهم بنو الغوث بن حرب يجيزون من منى إلى الأبطح. وبكر بن وائل
يجيزون من الأبطح إلى الكعبة.
ستعْلَمُ مَنْ أعز حِمى بِنجْدٍ ... وأعظمُنَا بِغائرَةٍ هضابا
أعزُّكَ بِالحجازِ وإنْ تسهَّلْ ... بِغُورِ الأرْضِ تُنتهبِ انتِهابا
قوله اعزك يريد أغلبك، وهو من قولهم من عز بز. يقول من غلب قهر صاحبه، بزه ثيابة وما معه.
أتيعَرُ يا ابنَ بروعَ مَنْ بعيدٍ ... فَقَدْ أسْمعتَ فاستمع الجَوابا
قوله أتيعر يريد تصيح صياح التيس. قال واليعار صوت المعز، والثؤاج صوت الضأن.
فَلا تجزعْ فإن بَنِي نُميرٍ ... كأتوامٍ نفحتَ لهُمْ ذِنابي
قال الذناب النصيب وأصله الدلو.
(2/617)

شَياطِينُ البلادِ يخفْنَ زَأرِي ... وحيَّةُ أريُحاءَ لَيِ اسْتَجابا
ويروى رآبيل البلاد. وقال هي جمع رئبال بالهمز. أريحاء بالشأم مدينة بيت المقدس.
تَركتُ مُجاشِعاً وبنِي نُميرٍ ... كَدار السَّوْء أسرعَتِ الخَرابا
ألمْ تَرَني وسمتُ بَني نُميرٍ ... وردتُ عَلى أُنوفِهِمُ العِلابا
إليْكَ إليْكَ عبدَ بَنِي نُميرٍ ... وَلَما تقتَدِحُ مِنِّى شِهابا
فأجابه الفرزدق فقال:
أَنا ابْنُ العَاصِمينَ بَنِي تَميمٍ ... إذا ما أعظمُ الحدثانِ نابا
نما في كُلِّ أصْيدَ دارِميِّ ... أغرَّ تَرَى لقُبَّتِه حِجابا
مُلُوكٌ يبتنونَ توارثُوها ... سُرادِقُها المُقاولُ والقِبابا
مِنَ المستأذنِينَ تَرَى معدَّاً ... خُشُوعاً خاضِعِينَ لَهُ الرِّقابا
شُيوخٌ مِنْهُمُ عُدُسُ بنُ زيدٍ ... وسُفيانُ الَّذي وردَ الكُلابا
قال أبو عبد الله: هؤلاء عدس بضم الدال، وغيرهم عدس بفتح الدال. قال سعدان وأبو عبيدة: يقال
عدس بنصب الدال وبرفعها يقالان جميعا. قال وهو عدس بن زيد بن عبد الله بن درام، وسفيان بن
مجاشع بن درام جد الفرزدق. قال وأم سفيان شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد
مناة بن تميم، قال وكان سفيان بن مجاشع رئيس بني مالك بن حنظلة يوم الكلاب الأول.
(2/618)

وهذا حديث يوم الكلاب
قال أبو عبيدة: وكان من حديث يوم الكلاب الأول، فيما حدث خراش وابن الكلبي هشام بن محمد،
ان الحارث الملك بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي، كان فرق بينه في قبائل العرب.
قال فصار شراحيل بن الحارث في بكر بن وائل، وحنظلة مالك، وبني ابن زيد بن تميم، وبني أسيد،
وطوائف من بني عمرو بن تميم، والرباب. قال وصار سلمة بن الحارث في بني تغلب، والنمر بن
قاسط، وسعد بن زيد مناة ابن تميم. قال وكانت طوائف من بني دارم بن مالك ابن حنظلة من ولد
أسيدة بنت عمرو بن عامر بن امرئ القيس بن فتية بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن
عمران بن الحاف بن قضاعة، مع اخوتهم التغلبيين لأمهم في بني تغلب - وبني أسيدة بنت عمرو
بن دارم بن مالك بن حنظلة، وربيعة بن مالك بن حنظلة، واخوتهم لأمهم بنو جشم بن بكر بن حبيب
بن عمرو بن غنم بن تغلب، وهم زهير ومالك وسعد ومعاوية والحارث وعمرو وعامر بنو جشم بن
مالك - ومع سلمة الصنائع، وهم الذين يقال لهم بنو رقية، رجال كانوا يكرهون مع الملوك من شذاذ
الناس، أي ممن شذ منهم، أي طرداء الأحياء. قال فلما هلك أبوهم الحارث بن عمرو، تشتت أمرهم
وتفرقت كلمتهم. قال ومشت الرجال بينهم، فكانت المغاورة بين الأحياء التي معهم، يغير بعضهم على
بعض، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهما لصاحبه الجموع، وزحف بعضهم بالجيوش. قال
فسارت بكر بن وائل ومن معهم من قبائل حنظلة،
(2/619)

وبني أسيد بن عمرو بن تميم، وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، فنزلت الكلاب.
وهو ماء بين البصرة والكوفة وذلك على بضع عشرة ليلة
من اليمامة - على سبع ليال أو نحوها - وأقبل سلمة في بني تغلب والنمر وأحلافها، وفي بني سعد
بن زيد مناة بن تميم، ومن كان معم من قبائل حنظلة، وفي الصنائع. قال وهم أتباع الملوك -
يريدون الكلاب - قال وكان نصحاء شرحبيل وسلمة قد نهوهما عن التفاسد والتحاسد وحذرهما
الحرب وعثراتها وسوء مغبتها. قال فلم يقبلا ذلك وأبيا إلا التتابع واللجاجة. فقال سلمة في ذلك.
إنى عليَّ استب لومكما ... ولم تلوما عمرا ولا عصما
كلا يمين الآله يجمعنا ... شيء وأخوالنا بني جشما
حتى تزور الضباع ملحمة ... كانها من ثمود أو إرما
قال وكان أول من ورد الكلاب من جموع، سلمة بن الحارث الملك سفيان بن مجاشع، جد الفرزدق
- وهو همام بن غالب بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن
دارم - قال وكان نازلاً في بني تغلب مع إخوته لأمه. قال: فقتلت بكر بن وائل ستة بنين له فيهم
مرة بن سفيان - قتله سالم بن كعب بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - وقرط بن سفيان
ونبيه بن قرط بن سفيان. فقال سفيان حين قتل ابنه مرة:
الشيخ شيخ ثكلان ... والجوف جوف حران
والورد ورد عجلان ... أنعى اليك مرة بن سفيان
قال وفي ذلك اليوم قال الفرزدق:
(2/620)

فوارس منهم عُدُسُ بنْ زيد ... وسفيانُ الذي وَردَ الكُلابا
ويروى شيوخ. قال وأول من ورد الماء من بني تغلب رجلان، رجل من بني عبيد بن جشم على
فرس يقال له الخروب وبه كان يعرف، وهو نعمان بن قريع بن حارثة بن معاوية بن عبيد بن جشم.
قال ثم ورد سلمة ببني تغلب وسعد وجماعة الناس. قال وعلى بني تغلب السفاح، وهو سلمة بن خالد
بن زهير بن كعب بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب وهو يقول:
إن الكلاب ماؤنا فخلوه ... وساجرا والله لن تحلوه
قال فاقتتل القوم قتالاً شديداً وثبت بعضهم لبعض. قال حتى إذا كان آخر النهار من ذلك اليوم خذلت
بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل. قال وانصرفت بنو سعد وألفافها عن بني تغلب.
وصبرابنا وائل بكر وتغلب، ليس معهم غيرهم حتى غشيهم الليل. ونادى منادي شرحبيل: من أتاني
برأس سلمة، فله مائة من الابل. ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل، فله مائة من الابل.
قال وكان شرحبيل نازلا من بني حنظلة وعمرو بن تميم والرباب، ففروا عنه. قال وعرف أبو
حنش، وهو عصم بن النعمان بن مالك بن عتاب بن سعد ابن زهير بن جشم بن بكر، مكان شرحبيل
فقصد نحوه، قال فلما انتهى اليه رآه جالسا وطوائف من الناس يقتتلون حوله، فطعنه بالرمح ثم نزل
إليه فاحتز رأسه، وأتى به سلمة، والناس حوله فطرح الرأس بين يديه. فانحازت بكر بن وائل لما
قتل صاحبهم من غير هزيمة تذكر. قال وقال أناس آخرون: إن بني حنظلة وعمرو بن تميم والرباب
لما انهزمت، خرج معهم شرحبيل،
(2/621)

ولحقه ذو السنينة، وذلك أنه كانت له سن زائدة، واسمه حبيب بن
بعج بن عتبه بن سعد بن زهير بن جشم - في نسخة ابن سعدان واسمه حبيب أيضا - قال فالتفت
إليه شرحبيل، فضرب ذا السنينة على ركبته فأطن رجله وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه، أمهما
سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي كليب ومهلهل - فقال ذو السنينة: يا أبا حنش قتلني الرجل - فقال
أبو حنش: قتلني الله إن لم أقتله. قال ومات ذو السنينة. فحمل أبو حنش على شرحبيل فأدركه،
فالتفت إليه شرحبيل فقال: يا أبا حنش اللبن اللبن. قال قد هرقت لنا لبنا كثيرا. فقال: يا أبا حنش
أملك بسوقه. قال إنه كان ملكي يعني أخاه قال فطعنه أبو حنش فأصاب رادفة سرجه، فورعت عنه
ثم أهوى له فألقاه عن الفرس، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له، يقال له
أبو أجأ بن كعب بن مالك بن عتاب. فأتى به سلمة فطرحه بين يديه. فقال سلمة لو كنت ألقيته إلقاء
رفيقا، قال ما صنع به وهو حي شر من هذا، قال وعرف القوم الندامة في وجهه والجزع على أخيه.
وهرب أبو حنش فتنحى عنه. فقال معدي كرب أخو شرحبيل وكان صاحب سلامة معتزلا عن
حربهما. ويقال إن الشعر لسلمة لا لمعدي كرب:
ألا أبلغ أبا حنش رسولا ... فمالك لا تجيء إلى الثواب
تعلم أن خير الناس طراً ... قتيل بين أحجار الكُلاب
تداعت حوله جُشَمُ بنُ بكر ... وأسلمة جعاسيس الرباب
قتيل ما قتيلك يا ابن سلمى ... تضربه صديقك أو تحابي
(2/622)

فأجابه أبو حنش فقال:
أحاذر أن أجيئك ثم تحبو ... حباء أبيك يوم صُنَيبعات
وكانت غدرةٌ شنعاء سارت ... تقلَّدها أبوك إلى الممات
تتابع سبعة كانوا لأم ... كأجرام النعام الحائرات
في نسخة ابن سعدان كأحراج النعام. يعني البيض. قوله يوم صنيبعات، أن ابنا للحارث كان
مسترضعا بين حيين من العرب، تميم وبكر فمات. يقال لدغته حية. فأخذ خمسين رجلا من بكر
فقتلهم بذلك. قال وكان معدي كرب بن عكب بن عكب بن كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن
حبيب، من سادات بني تغلب وأشرافهم، وله يقول الشاعر:
إن سرك العز التليد في العرب ... فالحق بأولاد عكب بن عكب
قال وكان أخذ درع شرحبيل منه فطلبها منه أبو حنش ورهطه، فأبى أن يدفعها إليهم. فأغار رهط
أبي حنش، فأخذوا إبلاً لرجل من بني تيم ابن أسامة بن مالك، رهط معدي كرب بن عكب بن عكب.
فقال الذي أخذت إبله:
ألا أبلغ بني تيم رسولا ... فإني قد كبرت وطال عمري
وإن الدهم قد علمت معد ... محبسة لدى عصم بن عمرو
وطار بها بنو حسان عني ... بأفراس لهم حو وشقر
وأرماح لهم سمر طوال ... كأن كعوبهن حباب قطر
قال وبلغ الخبر علفاء معدي كرب أخا شرحبيل، فقال يرثي أخاه ويذكر مصابه:
(2/623)

إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسرَّ فوق الظراب
قوله الأسر ن قال الأسر من السرر، وهو داء يأخذ البعير في كركرته فتسيل ماء، فإذا برك في
موضع غليظ تجافى لشدة الوجع.
من حديث نما إليَّ فما تر ... فأ عيني وما أسيغ شرابي
مرة كالذعاف أكتمها النا ... س على حرِّملة كالشهاب
من شرحبيل إذ تعاوره الأر ... ماح من بعد لذة وشباب
يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميما وأنت غير مجاب
لتشدَّدت من ورائك حتى ... تبلغَ الرحبَ أو تبز ثيابي
أحسنت وائل وعادتها الإح ... سان بالحنو يوم ضرب الرقاب
يوم فرت بنو تميم وولت ... خيلهم يتقين بالأذناب
ويحكم يا بني أسيّد إني ... ويحكم ربكم ورب الرباب
أين معطيكم الجزيل وجابيكم ... على الفقر بالمئين الكباب
والثمانين قد تخيرها الرا ... عي ككرم الزبيب ذي الأعناب
فارس يضرب الكتيبة بالس ... يف على نحره كنضح الملاب
وقال السفاح في ذلك:
هلاّ سألت وريب الدهر ذو غير ... أن كيف صقعتنا ذهل بن شيبانا
أما بنو الحصن إذ شالت نعامتهم ... فيخرج المرء من ثوبيه عريانا
أما الرباب فولونا ظهورهم ... وأجزرونا أبا سلمى وسفيانا
قوله وأجزرونا أبا سلمى، يقول صيرونا جزرا للأعداء. وأبو سلمى
(2/624)

من بني رياح أحد بني هرمي بن رياح. وسفيان بن حارثة بن سليط ابن يربوع.
وفي نسخة ابن سعدان، جارية بن سليط. وقال السفاح في ذلك أيضاً:
وردنا الكلاب على قومنا ... بأحسن ورد لهيجا شعارا
وقد جمعوا جمعهم كله ... وجمع الرباب لنا مستعارا
وقال أبو اللحام التغلبي، وأسمه سريع بن عمرو. وعمرو هو اللحام ابن الحارث بن مالك بن ثعلبة
بن بكر بن حبيب.
ربعنا بالكلاب وما ربعتم ... وأنهبنا الهجائن بالصعيد
سقينا الابل غبّا بعد عشر ... وغبا بالمزاد من الجلود
وجرد كالقداح مسومات ... شوازب محلسات باللبود
بكل فتى أطار الغزو عنه ... بشاشة كل سر بال جديد
وقال جابر بن حني في ذلك أيضاً:
ويوم الكلاب قد أزالت رماحنا ... شرحبيل إذ ألية مقسم
ليستلبن أدراعنا فأزاله ... أبو حنش عن ظهر شقّاء صلدم
تناوله بالرمح ثم ثنى له ... فخر صريعا لليدين وللفم
وكان معادينا تهر كلابه ... مخافة جمع ذي زهاء عرمرم
قال: فلما قتل شرحبيل قامت بنو سعد بن زيد مناة دون أهله وعياله، فمنعوهم وحالوا بين الناس
وبينهم، حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم. قال: وولي لك عوير بن شجنة بن الحارث بن عطارد بن
(2/625)

عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة. قال وحشد له في ذلك رهطه ونهضوا معه فيه، فأثنى عليه
امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بذلك في أشعاره وامتدحهم، وذكر ما كان من كريم وفائهم وفعالهم،
ووصف ما كان من صبر قبائل بكر بن وائل، وما كان من محاماتهم. وخص بني قران، وهو عبد
الله بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول - والديل أيضا يقالان - أبي حنيفة ومحرق بن سعد
بن مالك ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وبني مرثد وهو مرثد بن سعد بن مالك. قال وهجا بني
حنظلة وذكر ما كان من خذلانهم وفرارهم وإسلامهم شرحبيل وانهزامهم، وفصل قبائل حنظلة قبيلة
قبيلة فعم البراجم وغيرهم، من بني دارم بن مالك بن حنظلة، وهم زيد ابن نهشل، وقطن بن نهشل
وأمهما ماوية المنقرية امرأة من الأراقم من بني تغلب، الذين قال امرؤ القيس:
بلغ ولا تترك بني ابنةِ مِنقرٍ ... وفقرِّهُمُ إني أُفقِّرُ جابرا
قوله فقرهم، يقول فصلهم فقرة فقرة أي قبيلة قبيلة. يعني بني عوف رهط عوير بن شجنة، وهو
عوف بن كعب بن سعد. وقال امرؤ القيس:
إن بني عوف ابتنَوْا حسبا ... ضيَّعه الدُّخُلُلون إذ غدروا
أدوا إلى جارهم ذمامهم ... ولم يضيعوا بالغيب من نصروا
ويروى خفارته. ويروى ولم يضع بالمغيب.
(2/626)

لم يفعلوا فعلَ حنظل بهم ... بئس لعمري بالغيب ما ائتمروا
قوله حنظل يعني بني حنظلة - ويروى:
لم يفعلوا فعل آل حنظلة ... إنهم جَيْر بئسما ائتمروا
لا حميريٌّ وَفَى ولا عُدَسٌ ... ولا استُ عيرٍ يحكها الثغر
قوله لا حميري، يريد حميري بن رياح بن يربوع. وعدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
لكن عُوَيرٌ وَفى بذمته ... لا عَورٌ ضره ولا قصر
كالبدر طلق حلو شمائله ... لا البخل أزرى به ولا الحصر
من معشر ليس في نصابهم ... عيب ولا في عيدانهم خور
بيض مطاعيم في المحول إذا أس ... تروح ريح الدخان والقتر
وقال امرؤ القيس أيضاً:
أحنظل لو حاميتم وكرمتم ... لأثنيت خيرا صالحاً ولأرضاني
وقال أيضا:
ألا قبح الله البراجم كلها ... وقبح يربوعا وجدع دارما
قال أبو عبيدة، وكان الكلاب يوما من أيام العرب المشهورة
(2/627)

المذكورة، فقال فيه شعراء الإسلام وافتخروا بفضلهم فيه، وعير بعضهم بعضا،
فقال الأخطل في ذلك مما يدل على تصديقه:
أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأخوهما السفاح ظمّأ خيله ... حتى وردن جبى الكلاب نهالا
وقال الأخطل أيضا. قال وكان أتى العراق في حمالة تحملها، فسأل مالك بن مسمع، وهو أبو غسان.
فقال له مالك عندي إلا التراب، ألست القائل:
إذا ما قلت قد صالحتَ بكرا ... أبي الأضغانُ والنسبُ البعيدُ
قال بلى، أنا صاحب ذلك وصاحب ما استأنف. قال وقد كان الأخطل قال قبل ذلك بزمان:
هما أخوان عيشهما جميع ... رداء الملك بينهما جديد
فأجابه جرير بن خرقاء أخو بني عجل فقال:
أطال الله رغمك يا ابن دوس ... فقبل اليوم أحزنك الحديد
تعيرنا الدماء بواردات ... وأنت بمأزق منا شريد
معناه أنت شريد بمأزق منا:
ويوم الحنو قد علمت معد ... حصدناكم كما حصدت ثمود
فإن تذكر ليالي واردات ... فإن الدهر مؤتنف جديد
أتغضب أن تعزّ الناس بكر ... وبيت العزّ في بكر تليد
(2/628)

فأجابه الأخطل فقال:
ألا تنهى بنو عجل جريراً ... كما لا تنتهي عنا هلال
وما تغني عن الذهلين إلا ... كما يغني عن الغيم الخيال
وقال الأخطل أيضا:
غدا ابنا وائل ليعاتباني ... وبينهما أجل من العتاب
أمور لا يُنام على قذاها ... تُغِص ذوي الحفيظة بالشراب
ترقوا في النخيل وأنسئونا ... دماء سراتكم يوم الكلاب
فبئس الظاعنون غداة شالت ... على القُعُدات استاه الرباب
نكر بنات حلاب عليهم ... ونزجرهن بين هَلٍ وهاب
رجع إلى شعر الفرزدق:
يَقُودُ الخيلَ تركبُ مِنْ وَجاها ... نَواصِيها وتغتصِبُ النِّهابا
تفرَّعَ في ذُرى عوْفِ بِنْ كعْبٍ ... وتأبَى دارِمٌ لي أَنْ أُعابا
قوله تفزع في ذرى عوف بن كعب، فإن أم سفيان بن مجاشع شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب
بن سعد.
وضَمرَةُ والمُجبِّرُ كانَ مِنهُم ... وذُو القَوْسِ الَّذي رَكزَ الحِرابا
(2/629)

قوله وضمرة يعني ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل. والمجبر هو سلمى بن جندل بن
نهشل بن دارم. وذلك أنه كانت أصابت قومه سنة فجبرهم. وقوله وذو القوس يعني حاجب بن زرارة
ابن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. وذلك أنه كان رهن قوسه كسرى عن العرب، فوفى له بما
ضمن له. قال أبو عثمان عن أبي عبيدة: وكان من حديث قوس حاجب بن زرارة ورهنه إياه، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مضر فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم
سنين كسني يوسف". قال فتوالت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى هلكوا. قال وأنزل الله تعالى
{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} قال أبو عبيدة حدثنا ابن عون: ان الدخان قد مضى في تحقيق
الحديث. قال فلما رأى حاجب الجهد والجدب على قومه، جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على
أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا، فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا. قال والبحر الريف.
فتلكأ بعضهم عليه، وقال بعضهم رشدت فافعل. غير أنا نخاف عليك بكر بن وائل، لما كان بيننا
وبينهم ولابد لك من ورود مياههم. فقال ما منهم وجه من الناس ولا شريف إلا ولي عنده يد خضراء،
إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، ثم ارتحل فجعل لا يأتي على ماء لبكر إلا أكرمه
سيدهم، ونحر له وقراه، حتى نزل قصوان وعليه ابن الطويلة التيمي - قال واسم ابن الطويلة سويد
بن زهير بن حريث بن ربيعة ابن بكر بن أبي سود بن مالك بن حنظلة. ويقال ان أمه طهوية ولدت
طهية بنت عبشمس بن سعد أبا سود، وعوذاً ابني مالك بن حنظلة، وأخوهما خشيش بن مالك، وليس
من امهما. في نسخة ابن سعدان حشيش بالحاء غير المعجمة - فلما أضاء الصبح وناديهم قريب من
(2/630)

منزل حاجب الذي حل فيه، دعا حاجب بنطع، ثم أمر فصب عليه التمر، ثم نادي حاجب حيّ على
الغداء. قال فنظر ابن الطويلة فإذا هو بحاجب، فقال لأهل المجلس أجيبوه فانه سيد قومه، فأتوه
فأكلوا، واهدى اليه ابن الطويلة جزوراً وشياها، فنحر وأكل وأطعم. قال فلما أراد حاجب أن يرتحل،
قال له ابن الطويلة إني معك حتى تبلغ مأمنك، فإني لا أدري ما يعرض لك أمامك. قال حاجب ليس
أمامي أحد أخافه علي. قال وارتحل حاجب. فزعم ناس من غير بني تميم أنه أتى إياس بن قبيصة
الطائي، عامل كسرى على الحيرة والعرب الذين يلونهم. قال فكتب له إلى كسرى. قال وزعمت بنو
تميم أنه أتى كسرى. وزعم أبو عبيدة أنه أتى القائد الذي كان على الأساورة، الذين يكونون على حد
العجم. قال فلما شكى إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم، وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى
يعيشوا ويحيوا. فقال له إنكم معشر العرب غدر حرصاء على الفساد، فإن أذنت لهم أفسدوا البلاد
وأغاروا على الرعية وآذوهم. قال له حاجب فإني ضامن للملك أن لا يفعلوا. قال ومن لي بأن تفي
بما تقول. قال أرهنك قوسي بالوفاء لك بما ضمنت لك. قال فلما جاء بقوسه حاجب، ضحك القوم
الذين كانوا حول الملك لما رأوا قوسه، وقالوا بهذه العصا تفي للملك بما ضمنت له؟ قال فقال الملك
لمن حوله ما كان ليسلمها لشيء أبدا. قال وأمرهم فقبضوها، وأذن لهم في أن يدخلوا الريف. قال
فأتت مضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا هلك قومك وأكلتهم الضبع، فادع الله لنا ان يرفع
عنا القحط وان يسقينا فانا نسلم. قال فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحيوا. قال وقد مات
حاجب، وخرج أصحابه إلى بلادهم. قال فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى ليطلب قوس أبيه.
قال ولما دخل على كسرى وكلمه في القوس. قال له كسرى ما أنت بالذي وضعتها عندي قال أجل أيها
(2/631)

الملك، ما أنا بالذي وضعتها. قال فما فعل الذي وضعتها؟ قال هلك وهو والدي، وقد وفى لك أيها
الملك بما ضمن لك عن قومه، ووفى هو بما قال للملك. قال كسرى ردوا عليه قوسه. قال وكساه
حلة. فلما وفد عطارد بن حاجب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رئيس وفد بني تميم فأسلم،
أهدى الحلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم. فباعها عطارد
من الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم.
رجع إلى شعر الفرزدق:
يَرُدُّونَ الحُلُومَ إلى جبالٍ ... وإنْ شاغبتهُمْ وجدُوا شِغابا
أُولاكَ وعيْرِ أُمُكَ لَوْ تَراهُمُ ... بِعينَك ما استطعت لَهُمْ خِطابا
ويروى لو تراهم وجدك ما استطعت لهم خطابا.
رأيتَ مهابةُ وأسودَ غابٍ ... وتاجَ المُلْكِ يلتهبُ التِهابا
قوله وتاج الملك، يعني تاج حاجب الذي كان توجه به كسرى. قال وقال ابن الاعرابي أراد بقوله
وتاج الملك، يريد كسوة كسرى لعطارد بن حاجب بن زرارة، حين أخذ من كسرى القوس بعد موت
أبيه. والغاب موضع الأسد.
بَنُو شَمْسِ النَّهارِ وكُلُّ بَدْرٍ ... إذا انْجابَتْ دُجُنَّتُهُ انْجِيابا
الرواية بني. ويروى وكل نجم. أي رأيت مهابة ورأيت بني شمس. ويروى بني شمس النهار، على
المدح كما قال: نحن بني ضبة أصحاب الجمل. فنصب على المدح. والدجنة الظلمة. وانجيابها
انكشافها.
فَكيْفَ تُكلِّمُ الظَّربَى عليْها ... فِراءُ اللُّؤْمِ أَرْباباً غضابا
ويروى عليهم فراء اللؤم. واحد الظربى الظربان وهو دويبة مثل
(2/632)

السنور منتنة الريح.
لَنا قَمرُ السَّماءِ عَلى الثُّريَّا ... ونَحْنُ الأكثرُونَ حَصَىً وغابا
ولسْتُ بِنائِلٍ قمرَ الثُّرَيَا ... وَلا جَبَلى الَّذي فَرعَ الهِضابا
قال فرع علا وأشرف. والهضاب الجبال الواحدة هضبة.
أَتطلُبُ يا حمارَ بَنِي كُليبِ ... بِعانَتِكَ اللَّهامِيمَ الرِّغابا
اللهاميم السادة العظام الأفعال، وكل واسع الجوف ضخم فهو لهميم. والرغاب الواسعة. إناء رغيب
أي واسع.
وتَعْدِلُ دارماً بِبنيِ كُليبٍ ... وتَعدِلُ بِالمُفقئةِ السِّبابا
قال وروى ابن الأعرابي بالمفقئة الشعابا. قال أبو عبيدة المفقئة أشعاره. وهو قول الفرزدق غلبتك
بالمفقى: والمعنى وقوله: "ولست وإن فقأت عينيك واجدا" قال والمعنى قوله "لأنت المعنى يا جرير
المكلف". يقول فأنا أفقيء عينيك بأشعاري وأنت تسبني. قال ابن الأعرابي قوله بالمفقئة الشعابا، يريد
بالمفقئة التي تجيء وتسيل تتعمد كل شيء. قال والشعبة هو المسيل الصغير في تفسير ابن
الأعرابي. قال أحمد بن عبيد المفقئة الأودية التي تتحرف في الأرض. ويروى بالمنفقة.
فقُبِّحَ شرُّحيَّيْنَا قَدِيماً ... وأصْغَرُهُ إذا اغترفُوا ذِنابا
ذناب جمع ذنوب وهي الدلو المملوءة ماء.
وَلَمْ تَرِثِ الفَوارِسَ مِنْ عُبيدٍ ... وَلا شَيئاً وَرِثتَ ولا شِهابا
قوله من عبيد، يعني عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وشبث بن ربعي بن
(2/633)

الحصين بن عثيم بن ربيعة بن زيد بن رياح بن يربوع. وشهاب بن عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع.
وَطاحَ ابنُ المراغَةِ حِينَ مدَّتْ ... أعِنَّتِنا إلى الحَسبِ النِّسابا
ويروى إلى الحسب السبايا يعني المفاخرة حين تسابوا.
وأسلمهُمْ وَكانَ كَأُمُ حِلْسٍ ... أَقَرتْ بعدَ نَزْوتِها فَغابا
ويروى كأم جحش. قوله أم حلس يعني الاتان وهي تكنى أم حلس. قال وكذلك تقوله العرب معروف
عندها ذلك. وهو لقب للاتان لأنها تركب بحلس لا بلبد ولا بسرج. قال أبو عبد الله ويقال لها أم
الهنبر.
ولمَّا مُدَّ بيْنَ بَنِي كُليبٍ ... وَبَيني غايَةٌ كَرِهُوا النِّصابا
أي المناصبة. قال أبو عبد الله وغاية دارم.
رأَوْا أَنّا أَحَقُّ بآلِ سَعدٍ ... وأَنَّ لَنا الحناظِلَ والرِّبابا
وأَنَّ لَنا بَنِي عَمْروٍ عَليْهِمْ ... لَنا عَددٌ مِنَ الأثريْنِ ثابا
قوله من الأثرين قال الأثرون الأكثرون. ثاب أي رجع قال الحطيئة:
ولكني أخذت بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء
ذُبابٌ طارَ في لَهواثِ لَيْث ... كَذاك اللِّيثُ يلتهِم الذُّبابا
هَزبرٌ يرفتُ القصراتِ رَفْتاً ... أبَى لِعُداتهِ إلاَّ اغْتصابا
الهزبر الأسد. وقوله يرفت أي يكسر. قال والرفات ما تكسر من الشيء.
(2/634)

مِنَ الَّلائِي إذا أُرْهبْنَ زَجْراً ... دَنَوْنَ وزادهُنَّ لَهُ اقْتِرابا
ويروى أرهقن. يقول لا يهولهن الزجر والوعيد.
أَتَعْدِلُ حَوْمَتِي بِبَني كُليبٍ ... إذا بَحْرى رأَيْتَ لَهُ اضْطِرابا
ويروى إذا اضطربت غواربها. حومتي كثرة عددي. وحومة الماء مجتمعة وكثرته.
تَرُومُ لتَرْكَبَ الصُّعَداءَ مِنْهُ ... ولَوْ لُقْمانُ ساوَرَها لَهابا
أراد لقمان بن عاد الأكبر.
أتَتْ مِنْ فَوْقِهِ الغَمراتِ مِنْهُ ... بِمَوْجٍ كادَ يجتفلُ السَّحابا
يقول لو وقع لقمان في هذه اللجة، ارتفعت الغمرات فوقه من كثرة الماء. ويروى أتت من فوقه
الصعداء قدما بموج. يقول لو وقع لقمان في اللجة، ارتفعت نفسه منه صعداء جزعا منها في موج كاد
يبلغ السحاب فيجتفله.
تَقاصَرتِ الجِبالُ لَهُ وطمَّتْ ... بِهِ حَوْماتُ آخَرَ قَدْ انابا
بِأَيَّةِ زَنمتيكَ تَنالُ قَوْمي ... إذا بَحْري رأيتَ لَهُ عُبابا
الزنمتان اللتان تراهما متعلقتين في حلق العناق تنوسان. عباب موج وكثرة ماء وامتلاء. قال
وزنمتاه ثعلبة ورياح ابنا يربوع، شبههما بزنمتي العنز وهو المتعلق منها.
(2/635)

تَرَى أمْواجَهُ كَجِبالِ لُبنَى ... وطوْدِ الخَيفِ إذْملأ الجَنابا
قال ابن الأعرابي: وطود الحيق أدركت الجنابا. قال والحيق الجبل، وهو جبل قاف الحائق بالدنيا،
يريد المحيط بالدنيا. يقال من ذلك حاق فلان بالمكان إذا أحاط به.
إذا جاشَتْ ذُراهُ بِجُتحِ لَيْلٍ ... حَسِبْت عَليْهِ حَرَّاتٍ وَلابا
قال واللابة والحرة واحد. ويروى إذا جشأت مهموزا يعني ارتفاع أمواجه. وهو من قولك جشأت
نفسي وذلك إذا غلبه القيء فعلا في صدره وارتفع، فكأنه مأخوذ من ذلك. قال والجشء هو الارتفاع
يريد بذلك ارتفاع الأمواج.
مُحِيطاً بالجبال لَهُ ظِلالٌ ... مَعْ الجربْاءِ قَدْ بَلَغَ الطِّبابا
ويروى محيط بالرفع. قال والجرباء يريد السماء. والطباب المجرة التي تكون في السماء، شبهها
بطباب المزادة، وإنما يريد أن أحدا لا يبلغ مجدنا وارتفاعنا.
فَانَّك مِنْ هجاءِ بَنِي نُمَيْرٍ ... كأهُلِ النَّارِ إذْ وجَدوَّا العَذابا
رَجَوْا منْ حرِّها أَنْ يسترِيحُوا ... وقَدْ كانَ الصَّديدُ لهُمْ شَرابا
فإن تَكُ عامرٍ أثرتْ وطابَتْ ... فَما أثْرَى أَبُوكَ وَما أطابا
ولَمْ تَرِثِ الفَوارِسَ مِنْ نُميْرٍ ... وَلا كَعْباً وَرِثتَ ولا كِلابا
ولكِنْ قَدْ ورِثْتَ بَنى كُليبٍ ... حَظائرَها الخَبِيثَةَ والزِّرابا
ومَنْ يخترْ هَوازِنَ ثُمَّ يخترَ ... نُميراً يختَرِ الحسَبَ اللُّبابا
(2/636)

ويروى: ومن يختر هوازن ثم يأخذ .. نميرا من هوازن أو كلابا.
اللباب الخالص، قال أبو عبيدة قال يونس رجل لباب ومصاص وخيار، ويقال للاثنين والجميع على
هذا اللفظ لا يثنى ولا يجمع.
وَيُمسِكُ مِنْ ذُراها بِالنَّواصِي ... وخيْرِ فَوارِسٍ عُلِموُا نِصابا
ويروى فقد وأبيك أمسك بالنواصي.
هُمُ ضَربُوا الصَّنائِعَ واسْتَباحُوا ... بِمَذْحِجِ يَوْمَ ذي كَلعٍ ضِرابا
ويروى مذحج بخفض الميم وبنصبها، وهي أرض بين نجران وبين أرض عامر قال وهذا.

يومُ فَيفِ الرِّيحِ
وكان لبني نمير فيه بلاء حسن. قال وكان من قصته، أن بني عامر كانت تطلب بأوتار كثيرة بني
الحارث بن كعب. قال فجمع لهم الحصين بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي ذو الغصة، وكان يغزو
بمن تبعه من قبائل مذحج. قال فأقبل في بني الحارث، وجعفى، وزبيد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد
وصداء، ونهد، فاستعانوا بخثعم، فخرج شهران وناهش، وأكلب عليهم أنس بن مدرك الخثعمي، ثم
أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون مكانا يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى
لا يفروا، إما ظفروا وإما ماتوا
(2/637)

جميعا، فاجتمعت بنو عامر كلها إلى عامر بن الطفيل. فقال لهم عامرابن الطفيل حين بلغه مجيء القوم،
أغيروا بنا عليهم فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم،
ولا تدعوهم يدخلون عليكم داركم. قال فتابعوه على ذلك. وقد جعلت مذحج ولفها رقباء - قال ولف
القوم، من كان فيهم من غيرهم الحلفاء وغيرهم - قال فلما دنت بنو عامر من القوم صاح رقباؤهم
أتاكم الجيش، قال فلم يكن بأسرع من أن جاءتهم مسالحهم تركض إليهم، فخرجوا إليهم. فقال أنس بن
مدرك لقومه انصرفوا بنا ودعوا هؤلاء، فانهم إنما يطلب بعضهم بعضا. ولا أظن عامرا تريدنا. فقال
لهم الحصين افعلوا ما شئتم، فانا والله ما نراد دونكم، وما نحن بشر بلاء عند القوم منكم. فانصرفوا
إن شئتم فإنا نرجو أن لا نعجز عن بني عامر، فرب يوم لنا ولهم قد غابت سعوده وظهرت نحوسه.
فقالت خثعم لأنس إنا كنا وبنو الحارث على مياه واحدة، في مراع واحدة، وهم لنا سلم وهذا عدو لنا
ولهم، فنريد أن نتصرف عنهم، فوالله لئن سلموا وغنموا لنندمن أن لا نكون معهم، ولئن ظفر بهم
لتقولن العرب خذلتم جيرانكم. فأجمعوا على أن يقاتلوا معهم. قال وجعل حصين يومئذ لخثعم ثلث
المرباع ومناهم الزيادة. وقد كان عامر بن الطفيل بعث إلى بني هلال بن عامر، فاشترى منهم
أربعين رمحا بأربعين بكرة، فقسمها في أفناء بني عامر. قال فالتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديداً ثلاثة
أيام، يغادونهم القتال بفيف الريح. فالتقى الصميل بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب، وعمرو
بن صبح بن عبد الله بن العمير بن سلامة بن دوي بن مالك بن نهد. قال فطعنه عمرو بن صبح. قال
فذهب الصميل بطعنته معانقا فرسه حتى ألقاه فرسه إلى جانب الوادي، فاعتنق صخرة وهو
(2/638)

يجود بنفسه. قال فمر به رجل من خثعم فأخذ درعه وفرسه وأجهز عليه. وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر
فسموا حريجة الطعان - أي اجتمعوا بقنيهم فصاروا بمنزلة الحرجة. قال وذلك أن بني عامر جالوا
جولة إلى موضع يقال له العرقوب. قال فالتفت عامر فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في قتال
القوم. قال فرجع عامر يصيح يا صباحاه يا نميراه ولا نمير لي بعد اليوم، حتى أقحم فرسه وسط
القوم. قال فذكروا أن عامرا يومئذ طعن بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنه. وبرز يومئذ حسيل
بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب ابن كلاب. فبرز له صخر بن أعيا بن عبد يغوث بن زمان بن
سعد بن حرام بن رفاعة بن مالك بن نهد. فقال له عامر بن الطفيل، ويلك يا حسيل لا تبرز له. فإن
صخرا صخرة. وإن أعيى يعيي عليك كأنه تطير من اسمه قال فغلبه حسيل فبارزه فقتله صخر.
وقتل كعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء. قتله خليف بن عبد العزى بن عائد الهندي. قال
فمر بعد ذلك خليف بن عبد العزى بن عائذ على بني جعدة فعرفوا بزة كعب وفرسه، قال فشد عليه
مالك بن عبد الله بن جعدة فقتله. وأخذ الفرس والبزة فردهما على بني البكاء. قال وقتلت بنو عامر
يومئذ من بني نهد، عتبة بن سلمى من عبد نهم بن مرة بن الحارث. وكان مسهر بن يزيد بن عبد
يغوث بن صلاءة الحارثي، فارسا شريفا. قال وكان قد جنى جناية في قومه، قال فلحق ببني عامر
فحالفهم فشهد معهم فيف الريح. قال وكان عامر يتعهد الناس فيقول، يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا.
فيقول الرجل الذي قد أبلى انظر إلى سيفي وما فيه وإلى رمحي وسناني. قال: إن مسهراً أقبل في
تلك الهيئة فقال يا أبا علي انظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي. حتى إذا أقبل عليه عامر، وجاءه
بالرمح في وجنته ففلق وجنته، وانشقت عين
(2/639)

عامر ففقأها. وخلى مسهر الرمح في عينه وضرب فرسه فلحق بقومه،
وإنما دعاه إلى ما صنع بعامر، لأنه رآه يصنع بقومه الأفاعيل. فقال هذا مبير
قومي. قال وأسرت بنو عامر سيد مراد جريحا. قال فلما تماثل من جراحته أطلقوه. قال أبو عبيدة
وكان ممن أبلى يومئذ من بني جعفر، عامر بن الطفيل، وأربد بت قيس بن جزء بن خالد بن جعفر،
وعبد عمرو بن شريح بن الأحوص. فقال في ذلك أبو دؤاد الرؤاسي:
ونحن أهل بضيع يوم واجهنا ... جيش الحصين طلاع الخائف الكزم
بضيع جبل معروف. والكزم يعني الضيق.
ساقوا شعوبا وعنسا في ديارهم ... ورجل خثعم من سهل ومن علم
ولت رجال بني شهران تتبعها ... خضراء يرمونها بالنبل عن شهم
والزاعبية تكفيهم وقد جعلت ... فيهم نوافذ لا يرقعن بالدسم
ظلت يحابر تدعى وسط أرحلنا ... والمستميتون من حاءو من حكم
حتى تولوا وقد كانت غنيمتهم ... طعنا وضربا عريضا غير مقتسم
وقال عامر بن الطفيل:
أتونا بشهران العريضة كلها ... وأكلبُها ميلادِ بكر بن وائل
فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا ... يبت عن قرى أضيافه غير غافل
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كل جن وخابل
وخثعم حي يعدلون بمذحج ... وهل نحن إلا مثل إحدى القبائل
(2/640)

قال وأسرع القتل في الفريقين جميعا فاقترفوا، ولم يستقل بعضهم من بعض غنيمة. قال وكان
الصبر والشرف فيها لبني عامر.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإِنكَ قِدْ تركتَ بَني كُليبٍ ... لكُلِّ مُناضِلٍ غرضاً مُصابا
كُليبٌ دِمنةٌ خبُثتْ وقلَّتْ ... أبَى الآبِي لَها إلاَّ سِبابا
وتحسبُ مِنْ ملائِمها كُليبٌ ... عَليْها النَّاسَ كُلَّهمُ غِضابا
فأَغْلَقَ مِنْ وَراء بَنِي كُليبٍ ... عطيَّةُ مِنْ مخازِي اللُّؤُمِ بابا
بثَدْي اللُّؤم أُرْضِعَ للمخازِي ... وأورثَكَ الملائِمَ حِينَ شابا
ويروى بهم اللؤم أرضع للمخازي.
وهَلْ شَيءٌ يكونُ أذلُّ بيتاً ... مِنَ اليربُوع يحتفرُ التُّرابا
لقَدْ تَرَكَ الهذيلُ لكُمْ قدِيماً ... مخازيَ لا يبتَنِ عَلَى إرابا
ويروى لا يبدن. ويروى لن يبدن. قوله لقد أرك الهذيل لكم قديما.
قال يعني يوم إراب، وهو يوم أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على بني رياح بن يربوع.
قال سعدان وكان من حديث إراب، حدثنا سعدان قال حدثنا أبو عبيدة قال: غزا الهذيل بن هبيرة
الأكبر التغلبي أبو حسان، فأغار على بني يربوع بأراب، فقتل منهم قتلا ذريعا وأصاب نعما كثيرا
وسبي سبيا كثيرا، فيهم زينب بنت حميري بن الحارث بن همام بن رياح بن
(2/641)

يربوع. قال وهي يومئذ عقيلة نساء بني يربوع. قال أبو عبيدة فحدثني أبو خيرة أفار بن لقيط العدوي، قال وكان الهذيل
يسمى مجدعا، وكان بنو تميم يفزعون به أولادهم وولدانهم. قال وأسر قعنبا وسبى بنت جزء بن سعد
الرياحي، ففداها أبوها جزء وتمنع بمفاداة زينت. فركب عتيبة بن الحارث بن شهاب فيها وفي
أسراهم حتى فكهم، ثم بلغه أنهم يمرون نعمته - أي يجحدونها - قال أبو عبيدة فأنشدني ابن سليط
لعتيبة في ذلك:
أبلغ أبا قران حيث لقيته ... وبلغ خداما إن نأى وتجنبا
فلا تكفراني لا أبا لأبيكما ... فإن لكم عندي من الكفر مذهبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتي ... وأدركت إذ راث الترحل زينبا
جلبنا الجياد من وبال فأدركت ... أخاكم بنا في القد والمرء قعنبا
قال أبو قران، نعيم بن قعنب. وهو زوج زينب بنت حميري. ولدت له قران بن نعيم، وخداماً أخا
نعيم بن قعنب بن أرنب. وهي بنت حرملة بن هرمي وهي أم قعنب.
فما ردنا حتى حللنا وثاقه ... حديدا وقدا فوق ساقيه مجلبا
فقلنا له افسح بعض خطوك طالما ... جلست وقد رمت الخطا يا ابن أرنبا
وما كانت العسراء ترجو إيابه ... ولا أمه من طول ما قد تعتبا
قوله تعتبا، يعني كما يعتب البعير، وذلك إذا مشى على ثلاث. قال والعسراء امرأة قعنب، وهي بنت
جزء بن سعد الرياحي. قال ثم قال أيضا مرة أخرى: تعتب البعير وذلك إذا عرج يعرج في مشيه
عروجا وعرجا وعرجانا.
(2/642)

ويقال قد عرج البعير فهو يعرج، وذلك إذا صار أعرج. قال وأما اليربوعي فقال: أغار الهذيل بن
هبيرة على بني يربوع، ثم بني رياح وهم خلوف. وذلك أنهم كانوا غزوا ورئيسهم جزء بن سعد
الرياحي على بكر بن وائل، فملئوا أيديهم من الأموال والسبي ثم انصرفوا، فانتهوا إلى بعض مياه
بني تميم. قال فأتاهم الهذيل فمنعوه الماء. فقال يا بني يربوع، والله لا تمنعوني قعبا من الماء إلا
بعثت إليكم برأس رجل منكم، قال فما زال بهم الأمر حتى صالحهم الهذيل على أن يطلقوا أسارى
بكر بن وائل، ويردوا سبيهم. وعلى أن يرد الهذيل سبي بني رياح، ويطلق أسراهم، فأطلق جزء بن
سعد أسارى بكر بن وائل، وأطلق سبيهم. قال وفعل الهذيل مثل ذلك ببني رياح. وكان عتيبة بن
الحارث أشار على جزء بقتال بني تغلب. فقال لا أقاتل قوما معهم بنتي زينب في السبي. قال فلما
سار الهذيل طلبه غتيبة بن الحارث بن شهاب في بني يربوع، فقاتله فهزم جيشه، وأسر التغلبي الذي
كان أصاب ابنة جزء. فقال والله لتأتيني بزينب أو لينكحنك حباشة - يعني غلاما كان لعتيبة أسود -
فبعث التغلبي إلى الهذيل، فردها واستنقذ عتيبة قعنب بن عتاب الرياحي من بني تغلب. قال وكان قد
أسروه. فقال عتيبة يفخر على نعيم بن قعنب - وهو أبو قران - وخدام:
أبلغ أبا قران إما لقيته ... وبلغ خداما ان دنا أو تجنبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتي ... وأدركت اذ راث الترحل زينبا
رجع إلى شعر الفرزدق:
سَما بِرجَالِ تغلِبَ مِنْ بَعيدٍ ... يقُودُونَ المسوَّمةَ العِرَابا
المسومة المعلمة. سما علا من مكان بعيد.
(2/643)

نزائِعَ بينَ حُلاَّبٍ وقيدٍ ... تُجاذِبهُمْ أعَّنتَها جذابا
قوله تجاذبهم، أي تجاذبهم خيلهم الأعنة من المرح والنشاط. قال أبو عبيدة النزيع من الخيل والناس
الذي أمه غريبة. قال وإذا كانت الأم غريبة لم تضو ولدها وأجادت به، يعني جاء ولدها جيادا في
حسن خلقهم وتمام أجسامهم.
قال وحلاب وقيد فحلان لبني تغلب من المجيدة التي ذكروا نجلها. وقال الأخطل لبكر بن وائل في
تصداق ذلك وتبيانه:
نكر بنات حلاب عليهم ... ونزجرهن بين هل وهاب
وقال أبو عبيدة يقال أن نسل خيل بني تغلب من حلاب وقيد. ويقال إن خيلهم من أجاود خيل العرب
معروف لهم ذلك.
وكَانَ إذا أَناخَ بدار قَومٍ ... أبو حسَّانَ أورثَها خَرابا
فَلمْ يبرحْ بِها حتَّى احتواهُمْ ... وحلَّ لهُ الشَّرابُ بِها وطَابا
ويروى فلما جزن عانة مردفات. وروى أبو عمرو، فلما جئن عانة مردفات وحل. عانة قرية على
شاطئ الفرات. قال وإنما قال وحل له الشراب بها وطابا. لأنه كان حلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى
يدرك بطائلته وينال ترته. فبر قسمه بما أدرك منهم.
عَواني في بَني جُشَمَ بِن بَكرٍ ... فَقَسَّمَهُنَّ إذ بلغَ الأيابا
قوله عواني يريد النساء اللاتي سبين. قال والعاني من الرجال الأسير المكبل بالحديد.
(2/644)

وقالَ لكلِّ عُضرُوطٍ تَبَوّأ رَديفَةَ ... رَحلِكَ الوَقبَ الرِّحابا
قال العضروط من الرحال التابع. والعضاريط من الرجال التُبّاع. قوله تبوأ أي اتخذها أهلا لك أي
امرأة تأوي اليها. قال والوقبى من النساء الواسعة الفرج يعيرهم بذلك.
نِساءكُنّ يومَ إرابَ خَلَّتْ ... بُعولَتَهُنَّ تَبُتِدِرُ الشِّعابا
ويروى أعراء سغابا. قال والشعب فرجة من الجبل يتسع أولها ويضيق آخرها. يعني يتخذونها
ملاجئ يلجأون اليها.
خُواقُ حِياضِهِنّ يسيلُ سَيلاً ... على الأعقابِ تحسِبُهُ خِضابا
خواق ما يخق يصوت. والحياض دم الحيض.
مَدَدنَ إليهم بِثُديِّ آمٍ ... وأيدٍ قد وَرِثنَ بِها حِلابا
آم جمع آمة. ويروى اجتلابا.
يُناطِحنَ الأواخِرَ مُردفاتٍ ... وتسمعُ مِن أسافِلها ضغابا
قال الأواخر يريد أواخر الرحال. وآخرة الرحل التي يستند إليها الراكب. وقوله ضغابا الضغاب
والضغيب صوت الأرنب. قال والمعنى في ذلك: يريد هؤلاء النسوة السبايا اللاتي سبين هذه حالهن.
لَبئسَ اللاحِقونَ غَداةَ تُدعى ... نساءُ الحَيِّ تَرتدِفُ الرِّكابا
وأنتم تنظرونَ إلى المُطايا ... تَشِلُّ بِهنْ أعراءً سِغابا
(2/645)

الشل: الطرد. يشل شلا. سغاب جياع.
فلو كانت رِماحُكُم طُوالا ... لِغرتُم حِينَ ألقينَ الثِّيابا
يئِسنَ مِنَ اللَّحاقِ بِهِنَّ منْكُمْ ... وقَدْ قَطعُوا بِهن لوىً حِدابا
وروى أبو عبيدة وقد قطعوا بهن معا جذابا. أي مجاذبة.
فَكمْ مِنْ خائفٍ لِي لَمْ أضرهُ ... وآخرَ قَدْ قَذفتُ لهُ شِهابا
ويروى وآخر قد قذفت له ذنابا. ويروى نفحت. قال والذناب أنصبة كل ذنوب نصيب. وهو من
قول الله عز وجل {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} أي نصيبا.
وغُرَّ قَدْ نسقْتُ مُشهراتٍ ... طوالِعَ لا تُطيقُ لَها جَوابا
قوله وغر، يريد ورب غر. قد نسقت قد هيأت من القصائد مشهورات بكل بلد. يتلو بعضها بعضا.
ويروى وغر قد وسقت مشهرات. وإنما قال وغر يريد به كالفرس الأغر الذي يعرف من بين الخيل
بغرته. قال ويروى وغراً فنصب. يريد نسقت غرا فنصب بالفعل الواقع وهو نسقت، فكأنه أراد غرا
نسقت. وطوالع قال يردن كل بلد فتطلع هذه القصائد على أهله.
بلغنَ الشَّمسَ حيْث تكُونُ شرْقاً ... ومسقطَ قرنِها مِنْ حيثُ غَابا
بكُلِّ ثنيَّةٍ وبكُلِّ ثغرٍ ... غواربُهنَ تنسبُ انتسابا
قوله تنتسب انتسابا يقول هن معرفة مشهورة.
وَخالي بالنَّقا تركَ ابنَ ليلَى ... أبا الصَّهباءِ مُحتضِراً لِهابا
قال وخاله عاصم بن خليفة الضبي، من بني ثعلب بن سعد بن
(2/646)

ضبة، قتل بسطام بن قيس بن مسعود يوم النقا.
وهو أبو الصهباء وأمه ليلى بنت الأحوص الكلبي، واللهب جماعة اللهاب. وهو شق في الجبل.
كفاهُ التَّبلَ تبلَ بَني تَميمٍ ... وأجزرهُ الثَّعالِبَ والذِّئابا
ويروى كفاه الغزو غزو بني تميم. ويروى كفاه الليل ليل بني تميم. التبل الحقد والعداوة، يقول كفاه
تبل بني تميم عنده، أي عند بسطام وأراحهم منه. قال وكانت نساء بني تميم تشد نطقها بالليل مخافة
غارته. وقوله وأجزره يريد جعله جزرا للسباع تأكله.
وقال جرير للفرزدق وعبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري:
غَداً باجتماعِ الحيِّ تُقضى لُبانةً ... وأقسمُ لا تُقضى لُبانتنَا غَدا
قوله لا تقضى لبانتنا غدا يعني مخافة الرقباء كما قال الأعشى:
ودَّع هريرة إن الركب مرتحل ... بقُوٍّ شَماليلُ النَّوى أَنْ تبدَّدا
قوله شماليل النوى المتفرقة منه مثل شماليل النخلة. قال وهو شماريخ العذق - يقال عِذق وعَذق
وفتح العين أفصح. والعذق النخلة والعذق الكباسة.
وأصبحَت الأجزاعُ ممَّنْ يَحُلُّها ... قِفاراً فمَا شاءَ الحمامُ تَغَرَّدا
(2/647)

يقول فما شاء الحمام الذي يقه بها أي بالدار بعد القوم. تغرد: صاح. يقول قد خلت الدار من أهلها كما قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ... ونقري ما شئت أن تنقري
هو مثله يقول قد خلت الديار.
أجالتْ عليهنَّ الرَّوامسُ بعدَنا ... دِقاقَ الحصَى مِنْ كُلَّ سَهْلٍ وأجلدا
لقَدْ قادِني مِنْ حُبَّ ماويَّةَ الهوى ... ومَا كَانَ يلقانِي الجنيبةَ أقْودا
ويروى وما كنت تلقاني الجنيبة أقودا، الجنيبة التي تجنب معه. أقود منقاد مطيع.
وأحسْدُ زُوَّارَ الأوانسِ كُلَّهم ... وقدْ كنتُ فيهنَّ الغيُور المُحسدا
أُعِدُّ لبيُّوتِ الأمورِ إذا سرتْ ... جُماليَّةٌ حُرْفاً وميساً مُفردا
بيوت الهموم ما بات منها معه. والميس خشب تعمل منه الرحال. والجمالية ناقة تشبه الجمل في
قوتها.
لهَا مِخزمٌ يُطوى عَلى صُعدائِها ... كَطيِّ الدَّهاقِين البِنَاء المشيَّدا
قوله لها محزم يقول لها وسط قوي. وقوله على صعدائها يعني على ما علا من حلقها. قال ويقال
على زفرتها وتنفسها الصعداء. والمشيد المجصص والشيد الجص.
وقدْ أخلفتْ عهدَ السِّقاب بجاذب ... طوتْهُ حبالُ الرحل حتَّى تجدَدا
(2/648)

قوله وقد أخلفت يقول لم تحمل. قال والسقاب يعني الحيران الذكور، قال والإناث هي الحول وقوله
يجاذب يعني بضرع ليس فيه لبن، يقال من ذلك قد تجدد الضرع وذلك إذا ذهب لبنه وذلك أقوى
للناقة وأشد لها.
وزافتْ كما زافَ القرِيعُ مُخاطِراً ... ولُفَّ القَرَى والحالِبانِ فألبَدا
قوله وزافت، يعني تبخترت الناقة في مشيتها كالمتبختر، ورفعت رأسها. قال والقريع فحل الشول
الذي يضرب في الإبل. وقوله مخاطرا يريد هذا الفحل مساميا لفحل آخر فهو يخطر بذنبه للايعاد
والغضب. وقوله ولف القرى، يعني دق وضمر والقرى الظهر، قال والحالبان عرقان يكتنفان السرة.
وقوله فألبدا، يقول صار على عجزه مثل اللبود من أثر سلحه وبوله، وذلك مما يصيبه إذا أكل الربيع
وخطرانه بذنبه.
وتُصبحُ يومَ الخمسِ وهيَ شملَّةٌ ... مرُوحاً تغَالى الصحصحانَ العمرَّدا
أقولُ لهُ يا عبد قيسٍ صبابةً ... بأيَّ ترى مُستوقدَ النَّارِ أوقدا
فقالَ أرَى ناراً يُشَبُّ وقُودُها ... بحيثُ استفاضَ الجزعُ شيحاً وغرقَدا
قوله يشب وقودها، يعني تلهبها وتحرقها. وقوله استفاض يعني اتسع وكثر كما كثر شجر هذا
الجزع. وهو حافة الوادي والنهر، كما تقول شط النهر وجزع النهر سواء بمعنى واحد. قال والغرقد
شجر تدوم خضرته الشتاء والصيف. ويروى بحيث استفاض القنع.
أُحِبُّ ثرَى نجدٍ وبالغورِ حاجةٌ ... فغارَ الهوىَ يا عبدَ قيسٍ وأنجَدا
وإني لَمِن قومٍ تكونُ خُيولُهمْ ... بثُغرٍ وتلقاهُمْ مقانبَ قُوَّدا
(2/649)

ويروى تحل بيوتهم. المقتب ما بين الخمسين إلى المائة. وقوله قودا يعني قادة. والثغر كل موضع
يخاف منه العدو.
يحُشُّون نِيرانَ الحرُوبِ بِعارِضِ ... علتهُ نُجومُ البِيضِ حتَّى توقَّدا
الحش إدخال الحطب تحت القدر، شبه إيقاد الحرب بذلك. وعارض سحاب قد أخذ الأفق شبه القوم
في الحرب به.
وكُنَّا إذا سِرْنا لحيٍّ بأرضِهمْ ... تركناهُمُ قتلَى وفلاًّ مُشرَّدا
ومُكتبلاً في القدِّ ليسَ بنازعِ ... لهُ منْ مراسِ القدِّ رِجلاً ولا يدا
قوله مكتبلا يعني مقيدا بالكبل. قال ومراس القد معالجته إياه ليفكه.
وإنِّي لتبتز الرئيس فوارِسي ... إذا كُلُّ عجعاجٍ منَ الخُورِ عرَّدا
قوله عرد يعني جبن وهاب. يقول قد عرد الرجل في الحرب، وذلك إذا جبن أن يتقدم وهاب القتال.
وقوله تبتز يعني تستلب بزته، وهو ما عليه من الحديد وغيره، ومنه قولهم: من عز بز. يقول من
غلب سلب بزة صاحبه. قال وعجعاج ضعيف يعج ويضج يصيح، ليس عنده إلا الجلبة والصياح لا
غير. قال والخور الضعاف من الرجال، ويقال إن كثرة الكلام في الحرب من الفشل والجبن.
رددْنا بِخبراءِ العُنابِ نِساءكُمْ ... وقدْ قُلنَ عِتقُ اليومِ أو رقُّنا غَدا
قال سعدان، وقال أبو عبيدة: أغار بحير بن عبد الله القشيري على رباع من بني يربوع - من بني
عمرو بن تميم بني العنبر - وأكثرهم بأقرية العناب، وهو قريب من المروت. قال فأتى الصريخ بني يربوع
(2/650)

فردوا لهم منه. أقرية مسايل تصب في الروض واحدها قرى. قال يوم العناب هو يوم
المروت، قتل فيه بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو
بن همام بن رياح. وفيه يقول جرير:
ونحن تداركنا بحيرا وقد حوى ... نهاب العنابين الخميس ليربعا
قال ومن روى ونحن تداركنا البحيرين إذ حوى، أراد بحيرا وأخاه فراسا، وقد مر حديثه فيما أمليناه
في موضعه. وقد حوى يريد وقد جمع الغنيمة.
فأصبحنَ يزجُرنَ الأيامنَ أسعُدا ... وقدْ كُنَّ لا يزجرنَ بالأمسِ أسعُدا
فَما عِبتَ مِنْ نارِ أضاءَ وقُودُها ... فِراساً وبسطامَ بن قيس مُقيَّدا
يريد فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير، وكان أسيرا مع بسطام ابن قيس.
وأوقدتَ بالسِّيدانَ ناراً ذليلَةً ... وعرفْتَ مِنْ سواءاتِ جعثنَ مشهدا
قال أبو عبيدة السيدان موضع، كان له فيه بئر عند كاظمة به قبائل شتى من قيس وتميم، ولها
رجوان، رجا ضأن، ورجا ابل، فكان مجر جعثن ببطن السيدان، وكان تثفيل الفرزدق نفسه ظمياء
المنقرية عند الرجا.
أضاءَ وقُودُ النَّارِ منهِا بصيرةً ... وعبرةَ أعْمَى همُّهُ قدْ تردَّدا
قوله بصيرة يعني طريقة من الدم، وقوله أعمى يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
(2/651)

كأنَّ الَّتي يدعُونَ جعثنَ ورَّكتَ ... على فالجٍ مِنْ بُختِ كرْمان أحردَا
أصابُوا قُفيريًّا بِكُمْ ذَا قرابةٍ ... إذا اختلفتْ فيهِ الدِّلاتانِ أزبَدا
ويروى أضاءت. قفيري من ولد قفيرة. والدلاتان يعني الخصيتين.
هُمْ رَجعُوها بعدَ ما طَالت السُّرى ... عوانَا وردُّوا حُمرةَ الكيِن أسودا
الكين لحم الفرج من داخله. ولحمه من خارجه يقال له الزرنب.
وأورثَني الفرعانِ سعدٌ ومالكٌ ... سناءٌ وعِزًّا في الحياةِ مُخلَّدا
مَتى أُدع بينَ ابني مُغدَّاةَ تلقنِي ... إلى لَوْذِ عزٍّ طامِحِ الرأْسِ أصْيَدا
قال وابنا مغداة، يريد مالكا وسعدا ابني زيد مناة بن تميم، وأمهما المغداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد
بن خزيمة.
أَحُلُّ إذا شئتُ الأيادَ وحزنهُ ... وإنْ شِئتُ أجزاعَ العقيقِ فجلعدا
الاياد من حزن بني يربوع. والجزع منثى الوادي.
فَلو كانَ رأىٌ في عديِّ بِنْ جُندبٍ ... رأوا ظُلمنا لابنيْ سُميرةَ أنكدا
يعني عدي بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر.
أيشهدُ مثغُورٌ علينا وقدْ رأى ... سُميرةَ مِنَّا في ثَناياهُ مشهَدا
قوله مثغور، يعني عبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري، قال وكان عثمان بن
عفان، رضي الله عنه، استعمل سمرة بن
(2/652)

عمرو على هوافي النعم - قال والهوافي الضوال يريد ما
ضل منها - قال فبلغ سمرة أن ناقة ضالة في إبل سحيم بن وثيل. قال فأتى الإبل وسحيم غائب
عنها، وفيها غلمة له، قال وأمه ليلى بنت شداد من بني حميري بن رياح ن فقال لها سمرة مري
غلمانك فليعرضوا علي الإبل. فأبت عليه. قال فوقع بينه وبينها كلام، فأهوى اليها كأنه يريدها
بضرب. فقالت فمي فمي، قال وكانت ثنيتاها وقعتا قبل ذلك بحين. قال فلما انصرف سحيم من غيبته
إلى أمه، خبرته الخبر، فسكن من سمرة حتى لقي عبيد بن غاضرة بن سمرة، فأخذه سحيم فدق
ثنيتيه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فانطلق به إلى المدينة وحبست إبل سحيم
حتى ضاعت ضرا وجوعا. فشكي إلى عثمان، رضي الله عنه، ذلك. فقال له أبعدك الله عدوت على
ابن عمك فكسرت ثنيتيه. قال سحيم إنه كسر ثنيتي أمي. قال عثمان أفلا استعديت عليه. ثم ان بني
العنبر قالوا يا بني يربوع دو فم صاحبتكم، وندى فم صاحبنا، ففعل القوم ذلك واصطلحوا، ففي ذلك
يقول سحين بن وثيل:
ولن أقر على خسف ومنقصة ... وقد تلفع أصداغي من القدم
قد أترك القرن محطوما نواجذه ... إذا نسائي علا أفواهها بدم
النواجذ أقصى الأضراس، ومنه قولهم قد عض على ناجذه، فلذلك سمى عبيد بن غاضرة مثغورا
لأنه كسر ثغره.
مَتَى ألقَ مثغُوراً عَلى سُوءِ ثغرهِ ... أضعْ فوقَ ما أبقَى مِنَ الثَّغْرِ مبرَدا
منعناكُمُ حتَّى ابتنيتُمْ بُيُوتكُمْ ... وأصدرَ راعيكُمْ بِفلجٍ وأوردَا
بشُعثٍ على شُعثٍ مغاوِيرَ بالضُّحى ... إذا ثَوَّبَ الدَّاعِي لروعٍ وندَّدا
(2/653)

ثوب ردد صوته مرة بعد مرة. وندد مثله.
كَرادِيسَ أوراداً بكُلِّ مُناجِدٍ ... تعوَّدَ ضربَ البيضِ فِيما تعوَّدا
ويروى أوراد. قوله كراديس، يقول هم فرق جماعة بعد جماعة. والكردوس ما بين الأربعين إلى
الخمسين من الخيل. وكل مجتمع من الخيل فهو كردوس. وإذا عظم فهو كتيبة. وقوله بك مناجد، أي
ذي نجدة، يقول بكل فارس ذي نجدة في القتال يريد له إقدام وجرأة.
إذا كفَّ عنهُ مِنْ يديْ حُطميَّةٍ ... وأبدَى ذِراعي شيظمٍ قدْ تخدَّدا
قوله حطمية يعني درعا ثقيلة. وشيظم طويل خفيف من الرجال له رواء حسن. وقوله قد تخدد قد
تفرق لحمه وذلك لاضطراب جسمه. قال وانما تخدد لطول علاجه وممارسته الحروب. حطمية
منسوبة إلى حطمة بن محارب. يقول ذهب رهلة عنه كقول العجاج: وضمرت من كان حرا فضمر.
عَلى سابحٍ نهدٍ يُشبَّهُ بالضُّحى ... إذا عادَ فيهِ الرَّكضُ سيداً عمرَّدا
السابح من الخيل الجواد السريع البعيد الشحوة، وهي فتح يديه. والنهد المشرف. والعمرد والنشيط
من كل شيء. والطويل الخفيف.
أرَى الطَّيرَ بالحجَّاجِ تجرِى أيامِناً ... لكُمْ يا أميرَ المؤمنينَ وأسعُدا
رجعتَ لبيتِ الله عهدَ نبيِّه ... وأصلحْت ما كانَ الخُبيبانِ أفسَدا
فَما مُخدرٌ وردٌ بخفَّانَ زأرهُ ... إلى القرنِ زجرَ الزاجرينَ تورَّدا
بِأمضَى مِنَ الحجَّاجِ في الحرْب مُقدماً ... إذا بعضُهُمْ هابَ الخياضَ فعرَّدا
قوله الخياض يعني المخاوضة. وعرد جبن وهاب.
(2/654)

تصدَّى صنادِيدُ العِراقِ لوجههِ ... وتُضحِي لهُ غُرُّ الدهاقينِ سُجَّدا
وللقَين والخنزيرِ منِّي بديهةٌ ... وإنْ عاودُوني كنتُ للعودِ أحمدا
قال وكان سبب هجاء جرير لمثغور، فيما حدثنا به أبو عبيدة، عن المنتجع بن نبهان العدوي: أن
لقمان الخزاعي قدم على صدقات الرباب فكانت وجوه مصاد تحضر، وفيهم عمر بن لجأ بن جرير
أحد بني مصاد فأنشده:
تاوبني ذكر لزولة كالخبل ... وما حيث تلقى بالكثيب ولا السهل
تحل وركن من ظمية دونها ... وجو قسي مما يحل به أهلي
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الاخلاء بالبخل
حتى فرغ منها، فقال له لقمان ما زلنا نسمع بالشام أنها كلمة جرير. فقال عمر إني لأكذب شيخ في
الأرض إن ادعيت شعر جرير. قال ثم أنشده على رءوس الناس جميعا والرباب حضور. قال فأبلغ
لقمان جرير قول عمر، قال وزعم أنك سرقتها منه. فقال له جرير وأنا أحتاج أن أسرق قول عمر
وهو الذي يقول وقد وصف إبله فجعلها كالجبال، وجعل فحلها كالظرب فقال:
كالظَّرِب الأسود من ورائها ... جرَّ العجوزِ الثِّنيَ من خفائها
والله ما شهره من نمط واحد، وانه لمختلف الفنون. قال فأبلغ لقمان عمر قول جرير وما عاب عليه
من قوله. فقال عمر يعيب علي قولي: جر العجوز الثني من خفائها. وإنما أردت لينه ولم أرد أثره.
فقد قال أقبح من ذلك وهو قوله:
(2/655)

وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرد السيف لامع
فلحقهن بعد ما نكحن وأحبلن. قال فأبلغ لقمان جريرا قوله، وما عاب عليه من شعر، فأحفظه - أي
أغضبه - حتى هجاه. قال أبو جعفر محمد بن حبيب، قال عمارة قال جرير، والله لقد عاب علي
عمر بن لجأ بيتا أحب إلي من حرزة - يعني ابنه - فقال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يقذفنكم في سوءة عمر
أحين صرت سماما يا بني لجأ ... وخاطرت بي عن أحسابها مضر
خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأجابه عمر بن لجأ فقال:
لقد كذبت وشر القوم أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت نزوة خوار على أمة ... من يسبق الحلبات اللؤم والخور
قال فهذا بدء ما كان جرى بينهما. قال والتحم التهاجي بينهما. قال وأما أبو اليقظان سحيم، وهو
لقب، وهو عامر بن حفص، فزعم أن جريرا قال إن هذا ليس بعيب، فبيني وبينك رجل عالم بما
اختلفنا فيه. قال فجعلا بينهما عبد الله بن غاضرة بن سمرة بن عمرو العنبري، وكان حاضرا ذلك
اليوم يسمع كلاهما. قال فسألاه أن ينظر في شعرهما فتابع ابن لجأ وعاب على جرير ما قال.
فقال جرير:
(2/656)

أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا
وقال عمر بن لجأ يقضي للفرزدق على جرير، ولبني دارم على بني يربوع، ويفضل الفرزدق على
جرير:
لما رأيت ابن ليلى عند غايته ... في كفه قصبات السبق والخطر
هبتَ الفرزدقَ واستعفيتني جزعا ... للموت تعمد والموت الذي تذر
إن قال يوما جرير إن لي نفرا ... من صالحي الناس فاسأله من النفر
أمعرِضٌ أم مُعبد أم بنو الخطفى ... تلك الأخابث ما طابوا ولا كثروا
وقال أيضا يفضل دارما عليهم:
أيكون دِمنُ قرارةٍ موطوءةٍ ... نبتت بخبثٍ مثلَ آل محمد
ويروى نبت كنبت آل محمد.
أيهات حلت في السماء بيوتهم ... وأقام بيتك بالحضيض الأقعد
أو سرت بالخطفى لتدرك دارما ... أيهات جار بك الطريق المهتدي
وقال عمر أيضا:
ما كان ذنبي في الفرزدق أن هجا ... فهجوته فتخير الأمثالا
(2/657)

فغدوتما وكلاكما متبرع ... ندب الموالي إذ أراد نضالا
فدعا الفرزدق حاجبا وعُطاردا ... والأقرعين وحابسا وعقالا
ودعوت قنة والمعيد وقرهدا ... والمعرضين وخيطفا وثمالا
سبق الفرزدقبالمكارم والعلا ... وابن المراغة ينعت الاطلالا
قال ومعيد، يعني جد جرير أبا أمه. والمعرضان يريد معرضا وأخاه. قال وهما من أخوال جرير من
الحارثة - قال أبو عبد الله لا أعرفه إلا من بني الحرام - والخيطفي جده وهو حذيفة بن بدر بن
سلمة. وكان معرض يحمق، قال وكان مما ذكر من حماقته، أن اخوته غزوا في الجاهلية وخلفوه عند
أهلهم، وقالوا له تكون عند نسائنا أن يسبين. قال فلما ذهب اخوته، أتى النساء وأولادهن، فأتى بهن
ركية واسعة يقال لها الجوفاء، بشبكة من شباك بني كليب فألقاهم فيها أجمعين. قال وكان فم الركية
ضيقا وأسفلها واسعا. قال ثم أخذ صفيحة واسعة فأطبقها عليهم. ثم اتبع اخوته فلما لحق بهم، قالوا له
لم تركت نساءنا أولادهن. قال قد جلجلتهن في الجوفاء جلجالة. قال فرجعوا فأخرجوهم وقد مات
بعضهم. وكاد بعضهم يموت من الجوع والغم. قال وكان من حماقته أيضا أنه كان في قطعة لقاح
لأهله. قال فجعلت تنزع إلى الرمل وما أنبتت الرمال من الضعة. وهي النصي، والصليان،
والفرنوة، والحلمة، والحماط، وهو الحماض، وما أنبت الرمل من سائر نباته، وهم بالشباك. قال وهذه
كلها مما ترعاه الإبل، وتسمن عليه. قال فلما أصبح واصطبح من لقاحه وأراد أن ينام، خشي أن
تذهب الإبل. قال فأخذ حبالا له فربط بها أولادها في أعناقها إلى خشب الطلح. قال وكان شديدا قوي
الأصل ثابتا في الأرض. ثم نام فلم يستيقظ حتى كان عشية. قال فتخنقت الفصال وموتت. قال فأتى
أهله يمشي
(2/658)

وترك الإبل تدور بأولادها. قال فكان ذلك أيضا مما شهره بالموق. قال وخطب أيضا إلى
ابن عم له غلام اختاله. قال فأبى الغلام أن يملكه إياها. قال فأتاه في غنم له يرعاها فشدخه بصخرة،
قال ثم أتى به قارة بالشباك يقال لها الجبوة، قال فجعله في إرمي في رأسها - والارمى جماعة إرم
وعي الأعلام. ومن قال إرم قال آرام ومن قال إرمي قال إرميات - قال فأطبق عليه بالحجارة، قال
فجعل الحي يتبعون الفتى ولا يدرون أين هو ولا يخافونه عليه. فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا من
قبل تلك القارة، فقال له يا فلان لعلك رأيت الدم بين الحجرين؟ فقال أي دم؟ فقال لا شيء. فعرفوا أنه
قد قتل الفتى. وخرجوا يتبعونه من حيث جاء الرجل فوجدوه مشدوخا قتيلا. فشدت عليه أم الغلام
بالسيف وهو موثق فضربته على عنقه فنبا عنه السيف وهو بيدها. فقال بعض بني كلاب:
وما جبنت ليلى ولكن سيفها ... نبا نبوة عن معرض وهو باتر
قال فصار مثلا في العرب بالحماقة والرعونة وذكرته في أشعارها. قال وهي أم التي كان يخطب
فقتل به فقطع الله عقبه ونسله، فهذا ما كان من حديثه وحمقه. وقال عمر بن لجأ أيضا:
أترجو أن تنال بني عقال ... رجاء منك تطلبه بعيد
فانك قد قرعت صفاة قوم ... تفلل عن مناكبها الحديد
رأيتك يا فرزدق عدت لما ... أتاك الوقع وانقشع الوعيد
فأجابه الفرزدق فقال:
رأى عبدُ قيسٍ خفقةً شوَّرتْ بِها ... يَدا قابسٍ ألْوَى بِها ثُمَّ أخْمَدا
(2/659)

قوله عبد قيس، يريد عدي بن جندب بن العنبر. وقوله شورت بها، يعني رفعتها يريد النار. وقال
قابس أي مقتبس نورا، وألوى: أشار. ويروى أهوى بها حين أهمدا. قال ومعنى أهمد وأخمد واحد
وهو إطفاؤها.
أَعِدْ نظراً يا عبدَ قيسٍ فرُبَّما ... أضاءتْ لَكَ النَّارُ الحِمارِ المُقيَّدا
قال يعني حمارا من حمير بني كليب. قال وذلك أنهم أصحاب حمير يهجوهم بذلك ويؤنبه ويضع
من قدره نسبه إلى رعية الحمير.
حمارُ كُليبيين لمْ يشهِدُوا بِهِ ... رِهاناً ولمْ يُلفوْا على الخَيلِ روَّدا
أي لم يركبوا الخيل فيما يرتاد من الكلأ والنجعة.
عَسَى أنْ يُعيدَ المُوقِدُ النَّارَ فالتَمسْ ... بعينيكَ نارَ المُصطلى حيثُ أوقَدا
فما جهِدُوا يومَ النِّسارِ ولمْ تعُدْ ... نِساؤُهُمُ منهُمْ كميُّا مُوسَّدا
حِماراً بمَرُّوتِ السِّخامة قاربَتْ ... كُليبيَّةُ قينيهِ حتَّى تردَّدا
كُليبيَّةً لمْ يجعلِ اللهُ وجهَها ... كريماً ولمْ تزجُرْ لَها الطَّيرُ أسعَدَا
إذا عدلَتْ نِحيينِ فوقَ عجانها ... وحثَّت برجليْها الحِمارَ فقرْمَدا
روى عمارة، إذا عدلت نحيين منها بوطبها، قوله اذا عدلت نحيين، يقول اذا ركبت الحمار وصيرت
الزقين، وهما النحيان على الحمار وحثت يقول حركت الحمار ليسرع المشي. والقرمدة المشي القليل
المتقارب على تؤدة.
فَويلٌ لَها مِنْ مُبتغِي الزَّادِ عنِدْها ... وإنْ شاءَ أرخَتْ حولهُ الرَجلَ واليَدا
(2/660)

يقول هي بخيلة بالزاد جواد بالفاحشة. ويروى فويل بها للمبتغي الزاد. ويروى فويل لأم المبتغي
الزاد عندها. وإن شاء أرخت عنده الرجل.
فكيفَ وقَدْ فقَّأتُ عينيكَ تبتغِي ... عِناداً لِنابيْ حيةٍ قَدْ تربَّدا
مِنَ الصُّمِّ تكفِي مرَّةً مِنْ لُعابهِ ... وَمَا عاد إلاَّ كانَ في العودِ أَحمدَا
تَرَى ما يمسُّ الأرضَ مِنهُ إذا سَرَى ... صُدوعاً تفأى بِالدَّكادِكِ صُلَّدا
ويروى تفئين الدكادك عندا. ويروى تفاءى، تفأى تفلق وتشقق. وصلدا: قد يبست وصلبت.
لَئنْ عِبتَ نارَ ابنِ المراغَة إنَّها ... لألأمُ نارٍ مُصطلينَ ومَوْقِدا
إذا أَثقبُوها بالكِدادَةِ لمْ تُضئ ... رَئيساً ولا عِند المُنحنينَ مَرفَدا
ولكِنَّ ظَربى عِندَها يصطلُونَها ... يصُفُّونَ للزَّرْبِ الصَّفِيحَ المُسنَدَّا
ويروى ولكن ظرابى. قال وموضع الظرابى نصب يعني تضيء ظرابى. والزرب حظيرة للغنم
تحبس فيها. قال والجمع منه أزراب. قال والصفيح صخور رقاق عراض. والمسند المبني. يقول
سوند بعضه إلى بعض.
قنافِذُ درَّامُونَ خلفَ جِحاشهِمْ ... لِما كانَ إيَّاهمْ عطيَّةُ عوَّدا
ودارجون أي مشاؤون. قوله درامون يقول يمشون مشيا في سرعة وتقارب خطو.
إذا عسكرتْ أُمُّ الكُليبيِّ حولَهُ ... وطِيفاً لِظُنبُوبٍ النِّعامةِ أَسودا
عمدتَ إلى بدرِ السِّماءِ ودُونهُ ... نَفائفُ تثني الطَّرْفَ أَنْ يتصعَّدا
هجوتَ عُبيداً أَنْ قَضى وهُو صادِقٌ ... وقبلَكَ ما غارَ القضاءُ وأنجدا
(2/661)

يعني عبيدا الراعي. أن قضى أنس أشعر منك.
وقبلَكَ ما أَحمتْ عدِيٌّ دِيارَها ... وأَصْدَرَ راعِيهمِ بِفَلجٍ وأوردا
هُمُ منعُوا يومَ الصُّليعاء سربَهُمْ ... بطعنٍ ترى فِيهِ النَّوافِذَ عُندا
وهُمْ منعُوا منكُمْ إرابَ ظُلامةٍ ... فَلَمْ تبسُطُوا فيها لساناً ولا يَدا
ومِنْ قبْلها عُذْتُم بأسِيافِ مازنٍ ... غَداةَ كسوا شَيبانَ عضْباً مُهَنَّدا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: حدثنا عامر بن عبد الملك، قال لما بلغ الأخطل تهاجي جرير
والفرزدق، قال لابنه مالك انحدر إلى العراق حتى تسمع منها فتأتيني بخبرهما، قال فانحدر مالك
حتى لقيهما، ثم استمع منهما، ثم لقى أباه، فقال وجدت جرير يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق
ينحت من صخر. فقال الأخطل الذي يغرف من بحر أشعرهما. قال: ثم قال الأخطل يفضل جريرا
على الفرزدق:
إني قضيت قضاء غير ذي جنف ... لما سمعت ولما جاءني الخبر
أن الفرزدق قد شالت نعامته ... وعضه حية من قومه ذكر ..
قال أبو عبيدة، ثم إن بشر بن مروان ولي الكوفة، فقدم عليه الأخطل، فبعث اليه محمد بن عمير بن
عطارد بن حاجب بن زرارة بألف درهم، وبغلة، وكسوة، وبخمر، وقال له: لا تعن على شاعرنا
واهج هذا الكلب، الذي يهجو بني دارم، فانك قد كنت قضيت له على صاحبنا، فقل له أبياتا، فاقض
لصاحبنا عليه. فقال في ذلك الأخطل:
اخسأ كليب اليك إن مجاشعا ... وأبا الفوارس نهشلا أخوان
(2/662)

وإذا وضعت أباك في ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك في الميزان
ولقد تجاريتم إلى أحسابكم ... وبعثتم حكماً من السلطان
فإذا كليب ليس تعدل دارما ... حتى توازي حزرما بأبان
أجرير إنك والذي تسمو له ... كعسيفة فخرت بحدج حصان
وكسفيهة يعني هاهنا امرأة. حصان يريد عروسا حصنت بزوج - قال ومثله قول دختنوس بنت
لقيط:
فخر البغى بحدج رب ... تها إذا ما الناس شلوا
تاج الملوك وصهرهم في دارم ... أيام يربوع مع الرعيان
فإذا وردت الماء كان لدارم ... صفواته وسهوله الأعطان
قال أبو عبيدة فبلغ ذلك جريرا، فقال يرد حكمه، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد، ويهجو بني
تغلب في كلمة له طويلة، والكلمة هذه القصيدة.
ولقد علمنا ما أبوك بدارم ... فالحق بأصلك من بني دهمان
ويروى ما أبوك بحاجب. قال وبنو دهمان من بني نصر بن معاوية. قال وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم استعمل عطارد بن حاجب على بعض ما استعمله عليه. قال وأغار عليه مالك بن عوف
النصري، صاحب يوم حنين، فسبى نساء وأخذ مالا، فرمى جرير عمير بن عطارد أبا محمد ابن
عمير أن أمه سبيت يومئذ، فحملت بعمير فجعله من بني دهمان، من بني نصر بن معاوية.
(2/663)

هلا طعنت الخيل يوم لقيتها ... طعن الفوارس من بني عقفان
عقفان بن الحارث بن ييد، وهو الحرام بن يربوع. سمي يزيد الحرام بأمه الحرام بنت العنبر بن
عمرو بن تميم.
ألقوا السلاح إليّ آل عطارد ... وتعاظموا ضرطا على الدكان
يا ذا العباية إن بشرا قد قضى ... ألا تجور حكومة النشوان
فدع الحكومة لستم من أهلها ... إن الحكومة في بني شيبان
قال أبو عبيدة، سمعت أبا العباس ينشد هذا البيت بعقب فدع الحكومة:
قتلوا كليبكم بلقحة جارهم ... يا خزر تغلب لستم بهجان
كذب الأخيطل إن قومي فيهم ... تاج الملوك وراية النعمان
فاقبض يديك فإنني في مشرف ... صعب الذرى متمتع الأركان
قال فرد عليه الفرزدق كلمته التي قال:
إن الأراقم أن ينال قديمَها ... كلبٌ عَوَى متهتِّمُ الأسنان
ما ضر تغلبَ وائلٍ أهجوتَها ... أم بُلت حيث تناطَحَ البحران
قال أبو عبيدة: فلما هجا جرير الأخطل ندم الأخطل وقال، ما أدجلني بين رجلين من بني تميم. قال
فسقط المتعرضون بين جرير والفرزدق، وتكاوح الشر بين الأخطل وجرير والفرزدق - تكاوح أي
استقبل بعضهم بعضا - قال أبو عبيدة ولما بلغ الأخطل قول جرير: فاقبض يديك فإنني في مشرف.
قال الأخطل قبض يدي رماه الله بداء.
(2/664)

وقال الأخطل يقضي عليه في كلمة له:
إن العَرارةَ والنُّبوح لدارم ... والمستخفُّ أخوهم الأثقالا
العرارة الرئاسة. والنبوح الجماعات.
المانِعوك الماء حتى يشربوا ... عفواته ويقسموه سجالا
وبنو المراغةِ حابِسوا أعيارهم ... قذف الغريبَةِ ما يذقن بِلالا
ومانعوا. ويروى وابن المراغة حابس أعياره.
فانعق بضأنك يا جرير فانما ... منَّتْكَ نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تكون كدارم ... أو أن تُوازن حاجباً وعقالا
وإذا وضعت أباك في ميزانِهم ... قفزت حديدته إليكَ فشالا
وقال الأخطل أيضاً:
فاعدل لسانك عن زُرارةَ إنهم ... كلأٌ لما منعوا عليك وخيم
قال أبو عبيدة، وسئل الأخطل عنهم بالكوفة، أيهم أشعر. فقال أما جرير فأغزرنا وأنسبنا، أما
الفرزدق فقال فأفقرنا، وأما أنا فأوصف للخمر وأمدح للملوك.
(2/665)

قال أبو عبيدة فلما بلغ الأخطل قول جرير:
لاقيتَ مطلع الجراء بنابهِ ... روق شبيبته وعمرك فإني
قال الأخطل صدق إنه لشاب ولقد وليت، ولقد أديل نابغة بني جعدة مني حيث عيرته بالكبر. قال
وذلك قوله:
لقد جارى أبو ليلى بِقُحمٍ ... ومنتكث على التقريب واني
إذا ألقى الخبار كبا لفيه ... يخر على الجحافل والجِرانِ
قال أبو عبيدة حدثني أدهم العبدي، وهو ختن لابن الكلبي، وكان عالما بأيام الناس ذا سن وتجربة،
عن رجل أراه من بني سعد. قال كنت مع نوح بن جرير في أصل سدر - أو قال شجرة - فقلت
قبحك الله وقبح أباك، فانه أفنى عمره في مدح عبد ثقيف الحجاج، وأما أنت فانك مدحت قثم بن
العباس، فعجزت أن تمدحه بمآثره ومآثر آبائه، حتى مدحته بقصر بناه أو كلام يشبه هذا. فقال أما
والله لئن سؤتني في هذا الموضع لقد سؤت فيه أبي. إني قلت له يوما وأنا آكل معه، يا أبت أأنت
أشعر أم الأخطل؟ وفي فيه لقمة وفي يده أخرى، فجرض بالتي في فيه، ورمى بالتي في يده. ثم قال
يا بني لقد سررتني وسؤتني، فأما ما سررتني فيه فتعاهدك هذا وشبهه، وأما ما سؤتني فيه فذكرك
رجلا قد مات، يا بني لو أدركت الأخطل وله ناب آخر لأكلني، ولكن أعانني عليه خصلتان: كبر
سنه، وخبث دينه. وقال الأخطل:
لما جرى هو والفرزدق لم يكن ... نزقا ولا عند المَئينِ ضبورا
لاقى لآل مجاشع لما جرى ... ربذا يثير بشدة تغبيرا
(2/666)

يجري به عُدُسٌ وزيد للمدى ... وجرى بصعصعة الوئيد بشيرا
قوله الوئيد يريد الموؤدة وهو فعيل في موضع مفعول يريد قوله:
ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يُوْأَدِ
وقال الأخطل:
هجوت تميما أن هجوا آل دارم ... وأمسكت من يربوعها بالمخنق
فإن يك أقوام أضاعوا فإنني ... وصلت الذي بيني وبين الفرزدق
وقال الأخطل أيضا:
بني الخطفى عُدُّوا أبا مثل دارم ... وعميه أوعدوا أبا مثل مالك
وإلا فهروا دارما إن دارما ... أناخَ بعاديٍّ عريض المبارك
وقال الأخطل أيضا:
وإذا عددتَ بيوتَ قومك لم تجد ... بيتا كبيت عطارد ولبيدِ
وإذا تعاظمت الأمور بدارمٍ ... طأطأتَ رأسك عن قبائلِ صيدِ
وإذا عددتَ قديمهم وقديمكم ... أربَوا عليك بطارف وتليدِ
وقال جرير يهجو الفرزدق والأخطل:
أَجَدَ رَواحُ القوم أَمْ لا تَرَوُّحُ ... نَعَمْ كُلُّ مَنٍْ يُعْنَى بِجُمْلٍ مُتَرَّحُ
(2/667)

ويروى أجد رواح القوم أم لا تروح. يعني لا تروح أنت. ويروى أم لا تروح.
إذا ابتسمتَ أبْدتْ غُرُوباً كأَنَّها ... عَوارِضُ مُزْنٍ تستهِلُّ وتَلمَحُ
قوله غروب، يعني تحزيزاً يكون في الأسنان وذلك لحداثتها، وهو مما يستحب للمرأة وقد ذكرته
الشعراء. وقوله كأنها عوارض مزن الواحد عارض، قال وهي السحابة تراها قد نشأت في الأفق.
وهو من قول الله عز وجل {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} وقوله تستهل تتحلب بالمطر. يقول
لوقع مطرها صوت. ومنه قولهم قد استهل الصبي وذلك إذا صاح، يقول فلهذا المطر صوت أو وقع
شديد من كثرته وشدته. وقوله وتلمح يقول تلمح بالبرق شبه أسنانها لصفائها بالبرق.
لقَدْ هاجَ هَذا الشَّوْقُ عَيْناً مَرِيضَةً ... أَجالَتْ قَذىً ظلَّتْ بِهِ العيْنُ تَمرَحُ
يقال مرحت العين بالدمع، وذلك إذا أدامته بالهملان، وتتابع سيلانها وكثر.
بِمُقْلَةِ أَقْنَى ينفِضٌ الطَّلَّ باكِرٍ ... تجلَّى الدُّجَى عَنْ طَرْفِهِ حينَ يُصْبِحُ
باكر نعت للاقنى، ويروى باكراً. ويروي تجلي الدجى. وقوله أقنى وهو صقر في منقاره حدب
وارتفاع من وسطه. والدجى الظلم الواحدة دجية. ويروى حين يلمح.
وأَعطيتُ عمراً مِنْ أُمامَةَ حُكمهُ ... وللمُشْترِي مِنْهُ أُمامَةَ أرْبحُ
صَحا القلبُ عَنْ سَلْمَى وقَدْ برَّحَتْ بِهِ ... ومَا كانَ يلقَى مِنْ تَماضُر أَبْرَحُ
(2/668)

قوله برحت به يريد شقت عليه. وقوله أبرح يعني أشق. كما تقول هو شديد بل هو أشد، كأنه أراد
بل هو أصعب. وتماضر امرأة شبب بها، وسلمى امرأة جرير.
رأَيْتُ سُلَيْمى لا تُبالي الَّذي بِنا ... وَلا عَرضاً مِنْ حاجَةٍ لا تُسَرَّحُ
إذا سايَرَتْ أسْماءُ سَوْماً ظَعائِناً ... فأَسْماءُ مِنْ تلكَ الظَّعائِن أَمْلَحُ
ظَلَلْنَ حَوالَيْ خِدْرِ أَسْماءَ وانْتَحَى ... بِأَسْماءَ موَّارُ المِلاطيْنِ أَرْوَحُ
قوله انتحى يريد نحا محوها فأرادها. قال والملاطان الجنبان. والموار الذي يكثر الحركة، يريد
بعيرا كثير السير يمور في سيره لا يقر ولا يسكن. قال والأرواح الواسع ما بين القوائم.
تقُولُ سُليمى لَيسَ في الصَّرْم راحَةٌ ... بَلَى إنَّ بعض الصَّرْمِ أَشْفَى وأَرْوحُ
أُحبُّك إنَّ الحبَّ داعيَةُ الهَوَى ... وقَدْ كادَ ما بَيْنِي وبَيْنَكِ يَنْزَحُ
قال الصرم القطيعة، فقال من ذلك صرم فلان فلانا وذلك إذا قطعه ثم قال إن بعض الصرم أشفى
وأروح.
وقوله يُنزح، يقول قد كاد ما بيني وبينك يذهب، وهو من قول الرجل قد نزحت البئر يريد ذهبت
بما فيها.
أَلا تزجُرِينَ القائِلينَ لِيَ الخَنا ... كَما أَنا مَعْنِىٌّ ورَاءِك منْفَحُ
يقول ألا تنهين من يقول مالا يبغي من القول القبيح، ولا يجمل ولا يحسن أن يتكلم به. وقوله منفح،
يقول أنفح عنك مالا ينبغي من القول القبيح، وهو من قولك نفخ فلان دابة فلان إذا ضربه برجله.
(2/669)

أَلمَّا عَلَى سَلْمى فَلَمْ أَرَ مِثْلَها ... خَليلَ مُصافاةٍ يُزارُ ويُمدحُ
وقَدْ كانَ قَلبِي مِنْ هَواها وذَكْرَةٍ ... ذَكرْنا بِها سَلمى عَلى النَّأْيُ يَفْرَحُ
إذا جِئْتُها يَوماً مِنَ الدَّهْرِ زائراً ... تغيَّرَ مِغْيارٌ مِنَ القَوْمِ أكلحُ
فَلِلَّهِ عينٌ لا تزالُ لِذِكرِها ... عَلى كُلِّ حالٍ تستهِلُّ وتسفَحُ
وَما زالَ عَنِّي قائدُ الشَّوْقِ والهَوَى ... إذا جِئُتُ حَتَّى كادَ يبدُو فيفضَحُ
أَصُونُ الهَوىَ مِنْ رَهبَةَ أَنْ تغُرَّها ... عُيُونٌ وأعداءٌ مِنَ القَوْمِ كٌشَّحُ
فَما بَرِحَ الوجدُ الَّذِي قَدْ تلبَّستْ ... بِهِ النَّفسُ حتَّى كادَ للِشَّوْقِ يذْبَحُ
يقول خنقته العبرة عند الشوق، فلم يفض عبرته حتى كان يذبحه الوجد فيختنق بالعبرة. قال ذو
الرمة:
أجل عبرةً كانت لعرفانِ منزلٍ ... لميةَ لو لم تُسْهِلِ الماءَ تَذْبَحُ
لشَتَّانَ يَوْمٌ بيْنَ سِجْفٍ وكلَّةٍ ... ومرُّ المطَايا تغتَدِي وتروَّحُ
أعائِفَنا ماذا تعيفُ وَقَد مَضَتْ ... بوارِحُ قُدَّامَ المطيِّ وسُنَّحُ
نقِيسُ بقيَّاتِ النِّطافِ على الحَصَى ... وهُنَّ عَلى طيِّ الحَيازِيمِ جُنَّحُ
ويومٍ مِنَ الجوزاءُ مُستوقِد الحَصَى ... تكادُ صَياصِي العِينِ مِنْهُ تصيَّحُ
الصياصي واحدتها صيصية وهي القرن. تصيح تشقق. ويروى فيه، أي في اليوم، والعين بقر
الوحش.
شَديدِ اللَّظَى حامِي الودِيقَةِ رِيحُهُ ... أشَدُّ أذىً مِنْ شمسِهِ حينَ تَصْمحُ
الوديقة حين تدق الشمس وهو أشد حر النهار، يقال من ذلك
(2/670)

الشمس تدق ودوقا، وذلك إذا دنت من الأرض. قال الأصمعي وهو مشتق من قول العرب قد ودقت الناقة وغيرها،
إذا دنت شهوتها وقربت من أن يضر بها الفحل. والوادق المشتهية للفحل. فهو مشتق من ذلك.
بِأغبرَ وهَّاجٍ السَّمُومِ تَرى بِهِ ... دفُوفَ المهارَى والذفَّارى تنُتَحُّ
أغبر طريق. ويروى والدفاري تنتح. وفي قوله بأغبر قال الأغبر البلد الذي لا نبات فيه فقد أغبر
من الجدوبة وقلة المطر، وقوله تنتح يقول تسيل عرقا والدفوف الجنوب يريد جنوب الإبل.
نصَبْتُ لَهُ وجْهِي وعنْساً كأنَّها ... مِنْ الجهْدِ الاسآدِ قرُمٌ مُلوَّحُ
قال الأصمعي الاسآد سير الليل والنهار متصلا. قال والعنس الناقة القوية أي جهدها السير
والدؤوب، فهي كالطلح من شدة السير قال والاسآد سير الليل كله. والقرم الفحل. والملوح الكال
المعيى.
ألَمْ تعْلَمِي أَنَّ النَّدَى مِنْ خلِيقتي ... وكُلُّ أرِيبٍ تاجرٍ يتربَّحُ
يقول كل تاجر أريب يتربح أي يربح في بيعه وشراه، وكذا أنا أزداد في الندى والكرم بأربي
ومعرفتي. قال والخليقة والطبيعة والنحيزة والشيمة بمعنى واحد. وهو الأمر الذي جُبل عليه الرجل
فهو لا يقدر أن ينتقل عنه إلى غيره. قال والأريب من الرجال العاقل الداهي المنكر العارف بماله
وما عليه، يقال أنت أريب من الرجال إذا كان كذلك. ويتربح من الربح. قال والندى السخاء والفعال
الجميل.
فَلا تصْرِمِيني أَنْ تَريْ رَبَّ هجمةٍ ... يُريحُ بِذَمٍّ ما أَراحَ ويسرحُ
ويروى فلا تعذليني رب صاحب هجمة. ويروى فلا تعذليني إنه رب هجمة. ويروى فلا تصرميني
إنه رب هجمة. يقول فلا تقطعيني إذ
(2/671)

رأيت رب هجمة. قال والهجمة من الابل ما بين الخمسين إلى الثمانين.
وقوله يريح بذم ما أراح ويسرح. فهو مذموم غير محمود عند الناس في تعبه وجهده.
يَراها قَليلاً لا تَسُدُّ فُقُورَهُ ... عَلى كُلِّ بَثٍّ حاضِرٍ يتترحُ
يقول يرى إبله قليلة وإن كانت كثيرة، وذلك من بخله وضيق صدره، يقول فهي حينئذ لا تسد فقره
والجمع فقور، يقال فقر وفقور مثل ضرب وضروب. يقول فهو أبدا مغموم ذو بث أي كئيب حزين.
قال أبو عبد الله، أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال يتقرح يتشكى ثم يتترح وهو من الترح،
يقال للرجل إذا دعى عليه ماله ترحه الله، أي أصابه الله بترح، أي بحزن، ومعناه يتحرق، ويقال ما
من فرحة إلا تتبعها ترحة.
رأتْ صِرْمَةً للحنظليِّ كأَنَّها ... شَظِيُّ القَنا مِنْها مُناقٍ ورُزَّحُ
يقول رأت عاذلته صرمة من إبلي، قال أبو عبيدة والصرمة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين.
وقوله للحنظلي يعني نفسه. أي تغنينا عن مكسب النقافين. والنقاف الذي يتبع الأحياء فيسأل فتوهب
له الشاة والفصيل. ثم قال كأنها شظي القنا، يريد كأنها قنا قد تكسر هزالا وضرا، فمنها ما فيه بقية
وبه شيء من نقى وهو المخ. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يقول، تشظى القوم إذا تفرقوا.
قال والرزح الساقطة من الإعياء والجهد والضر.
سيكفِيك وَالأضيافَ إنْ نَزلُوا بِنا ... إذا لَمْ يَكُنْ رَسلٌ شِواءٌ مُلَوَّحُ
ثم قال لعاذلته وان كانت إبلي على هذه الحال، فانا ننحر للأضياف إذا نزلوا بنا، فنطعمهم شواء
ملوحا قد لوحته النار فأنضجته. إذا لم يكن رسل وهو اللبن ويروى شواء مملح.
(2/672)

وجَامِعَةٌ لا يُجعلُ السِّتْرُ دُونَها ... لأَضيافِنا والفائِزُ المُتمنِّحُ
قوله وجامعة، يعني اجتماعهم على القدر. والفائز هو القدح. يقول لا يسترها من الناس أن
يحضروا، فينحر لهم ويطعمهم عند ضرب القداح، ونحر الجزر فأمرنا ظاهر مكشوف.
رَكودٌ تَسامَى بِالمحالِ كأَنَّها ... شَمُوسٌ تذُبُّ القائِدينَ وتضْرحُ
ركود يعني القدر. والمحال الفقر، كل فقرة محالة وطبقة. وشموس فرس تضرب برجليها ويروى
تبذ.
إذا ما تَرامَى الغَليُ في حَجراتِها ... تَرى الزَّورَ في أَرجائِها يتطوَّحُ
أَلَمْ ينْهِ عنِّي النَّاسُ أَنْ لستُ ظالماً ... برياًّ وأنِّي للمُتاحِينَ مِتْيَحُ
المتاحون المتعرضون. متيح عريض.
فمِنْهُمُ رمِيٌّ قَدْ أُصيبَ فُؤادُهُ ... وآخرُ لاقَى صكَّةً فمُرَنَّحُ
بَنِي مالِكٍ أَمسى الفرزدقُ جاحِراً ... سُكيتاً وبذَّتْهُ خناذِيذٌ قُرَّحُ
الخناذيذ الكرام من الفحول، الواحد خنذيذ.
لَقَدْ أَحرزَ الغاياتِ قبلَ مُجاشعٍ ... فَوارِسُ غُرٌّ وابنُ شعرةَ يكدحُ
وَما زالَ فِينا سابِقٌ قَدْ عَلِمْتُمُ ... يُقَلَّدُ قبلَ السَّابقينَ ويمدَحُ
عَلَتْكَ أَواذِيٌّ مِنَ البحرِ فاقتبِضْ ... بِكفَّيْكَ فانْظُرْ أيَّ لُجيَّهْ تقْدَحُ
لقَوْمِي أَوَفى ذِمَّةً مِنْ مُجاشِعٍ ... وخيرٌ إذا شَلَّ السَّوامَ المُصَبِّحُ
تَخِفُّ مَوازِينُ الخناثَى مُجاشِعٍ ... ويثقُلُ مِيزانِي عليْهِم فيَرْجحُ
فخرتُ بِقيسٍ وافتخرتَ بِتغلبٍ ... فسوفَ تَرى أيَّ الفَريقيْن أربحُ
(2/673)

فَأَمَّا النِّصارَى العابِدُونَ صَليبهُمْ ... فخابُوا وأمَّا المُسلُمِونَ فَّافْلحُوا
ألَمْ يأتِهمْ أَنَّ الأخيطَلِ قَدْ هَوَى ... وطُوَّحَ في مَهواةِ قَوْم تطوَّحُوا
تَداركَ مسعاةَ الأخيطِلِ لُؤَمهُ ... وظهرٌ كظَهْر القاسِطيَّة أفطحُ
قال عزاه إلى قاسط بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة. وقوله أفطح يعني عريضا.
لَنا كُلَّ عامٍ جِزْيَةٌ تتَّقِى بِها ... عليكَ ومَا تلقَى مِنَ الذُّلِّ أبرحُ
ومَا زالَ ممنُوعاً لِقَيْسٍ وخِنْدفٍ ... حِمىً تتخَطَّاهُ الخَنازِيرُ أَفيحُ
ويروى لا تخطاه. ويروى لم تخطاه. ويروى لم توطأه.
إذا أخذتْ قيسٌ عليكَ وخِندفٌ ... بِأَقطارِها لَمْ ثَدْر مِنْ أَينَ تسرَحُ
قوله تسرح يعني تغدو بماشيتك إلى الرعي. قال والمسرح بالغداة، والرواح بالعشي. وهو من قوله
تعالى {حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} قال والأقطار النواحي. يقول إذا أخذت قيس عليك الطرق، لك
يكن لك رواح ولا مسرح، يعني انجحرت من خوفها فلم تظهر.
لَقَدْ سُلَّ أَسيافُ الهُذيل عليكُمُ ... رِقاقَ النَّواحِي ليسَ فيهنَّ مِصْفَحُ
يعني الهذيل بن زفر بن الحارث، وهو من بني نفيل بن عمرو بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. ووقائعه ببني تغلب في الإسلام. قال أبو جعفر، مصفح يضرب بعرضه، أي هم يجاذبونكم
القتال ليس عندهم رفق بكم فيضربوكم بعروض السيوف.
(2/674)

وَخاضَتْ حُجُولُ الوردِ بالمرجِ منكُمُ ... دِماءٌ وأفواهُ الخنازِيرِ كُلَّحُ
قوله بالمرج، يعني مرج الكحيل، وهو يوم لقيس على بني تغلب. وقوله وأفواه الخنازير، يعني بني
تغلب وذلك أنهم - يعني قيسا - كانوا يقاتلون ابن مروان مع ابن الزبير.
لقيتُمْ بأْيدِي عامرٍ مَشْرفيَّةً ... تعضُّ بِهامِ الدَّار عِينِ وتجرَحُ
بمُعترِكٍ تَهْوَى لِوَقْعِ ظُباتِها ... خَذارِيفُ هامٍ أَوْ مَعاصِمُ تُطرَحُ
قوله خذاريف قطع مما يقطعها السيوف. قال والمعصم موضع السوار من السواعد. قال فهذه
السيوف. تقطع كل شيء وتقطع الأيدي أيضا.
سَمالَكُمُ الجحَّافُ بِالخَيْلِ عنوَة ... وأَنْتَ بِشَطِّ الزَّابِيين تنوَّحُ
عليْهِمْ مُفاضاةُ الحَدِيدِ كأَنَّها ... أضاً يومَ دجنٍ في أجالِيدَ ضَحْضَحُ
قال يعني الجحاف بن حكيم السلمي. وقوله مفاضاة، يعني دروعا واسعة. وقوله أضا قال والواحدة
أضاة. وجمعها أضا كما تقول حصاة وحصى. قال والضحضح من الأرض، يكون فيه ماء رقيق
يجتمع من أمطار وعيون وغير ذلك، فسمي ضحضحا. قال وجمع أضا إضاء كثيرة ممدود وهو
مكسور الأول. وقال النابغة الذبياني في ذلك تصديقا له:)
طلين بكديون وأشعرن كرة ... فهن إضاء صافيات الغلائل
(2/675)

وقوله أجاليد واحدها جلد، وهو الأرض الصلبة المستوية. يقال أجلاد وأجاليد وجلد للواحد.
وظَلَّ لَكُمْ يوْمٌ بِسنْجارَ فَاضِحٌ ... ويومٌ بأَعطانِ الرَّحُو بَيْن أفضَحُ
قوله يوم بسنجار، كان يوما لقيس على بني تغلب، وذلك في الحرب التي كانت بينهم في الإسلام.
وقوله ويوم بأعطان الرحو بين، يعني يوم البشر، وذلك حين أوقع الجحاف ببني تغلب. قال وأنشد
مؤرج للأخطل بيته في الجحاف وهو قوله:
لقد كان في يوم الرحوب وقيعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
قال أبو عبد الله، الذي أحفظ وقيعة. قال فكأنه يهون هذه الوقعة حتى صغرها. قال والناس يروون:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول
قوله صغرها أي لم يرو البيت الرواية الأخرى.
وضيَّعْتُمُ بالبِشْرِ عَوْراتِ نِسوةٍ ... تكشَّفَ عنهُنَّ العباءُ المُسَيَّحُ
قال العباء المسيح، يريد الكساء المخطط، وهي الأكسية التي فيها سواد وبياض. قال وإنما أخبر أن
لباس نسائهم الأكسية، شبههن بالإماء يهجوهن بذلك ويخبر أن ذلك اللباس لهن.
بِذَلَكِ أَحْمَيْنا البِلادَ عليكُمُ ... فماَلَكَ فِي ساحاتِها مُتَزَحْزَحُ
قوله أحمينا البلاد عليكم، يقول جعلناها حمى فلا تقربونها ولا
(2/676)

تطمعون في ناحية نحميها. ولا يقدرون أن يقربوا ما حمينا، وذلك لعزنا وقوتنا ومنعتنا.
ثم قال فمالك في ساحاتها متزحزح، أي لا تروم ما حفظناه. وقوله أحميناه أي جعلناه حمى. قال وإذا جالد عنها قيل حماها.
أَبا مالكٍ مالَتْ بِرأْسكَ نَشْوَةٌ ... وعرَّدْتَ إذْ كبشُ الكَتيبة أَمْلَحُ
قوله أبا مالك، تريد يا أبا مالك فنصب على الدعاء المضاف. قال أبو مالك هو الأخطل ويكنى أبا
مالك. وقوله وعردت يقول جبنت فلم تقدم، ومنه يقال حمل فلان فأحسن وحمل فلان فعرد، وذلك إذا
جبن فلم يقدم وكَعَّ عن الأقدام. قال والأملح من الكباش الأسود يعلوه بياض فيصير كأنه لون الرماد،
وإنما يريد بذلك أن رئيس القوم في الحديد وهكذا لونه يريد أن رئيسهم مما لا يفارقه الحديد لونه لون
الحديد، وقد تغيرت ريحه من ريح الحديد.
إذا ما رَأَيْتَ اللِّيتَ مِنْ تَغلِبيَّة ... فقُبِّحَ ذاكَ اللِّيتُ والمُتوشَّحُ
كسر اللام، الليت مجرى القرط من العنق.
تَرَى مَحجِراً مِنْها إذا ما تنقَّبَتْ ... قبيحاً ومَا تَحتَ النِّقابينِ أَقبحُ
إذا جُرِّدَتْ لاحَ الصَّلِيبُ عَلَى اسْتِها ... ومِنْ جِلْدِها زَهْمُ الخنازِيرِ ينْفحُ
ويروى ينضح، ويروى ومن عرضها، ويرزى زهم الخنانيص، ويروى ومن عرفها. قوله زهم هو
الشحم والودك، يقول فثيابهن قد تغير ريحها من الودك.
وَلَمْ تَمْسَحِ البَيْتَ العَتِيقَ أَكُفُّها ... ولَكِنْ بِقُرْبانِ الصَّليبِ تَمسَّحُ
(2/677)

ويروى وما تمسح البيت العتيق أكفهم.
يقِئْنَ صُباباتٍ مِنَ الخَمْرِ فوْقَها ... صَهِيرُ خَنازِيرِ السَّوادِ المُمَلَّحُ
ويروى تقيء. وقوله يقئن صبابات يريد صبابات الخمر. والصبابة بقية الشيء. يقول تقيء هؤلاء
النساء من النصارى ما شربن من بقيات الخمر. ويقئن من القيء. وقوله صهير أي مصهور. يقول
هو مذاب يقال قد صهرته الشمس وذلك إذا أحرقته وهو من قوله تعالى {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ}
أي ينضج ما في بطونهم.
زاد أبو جعفر:
فَما لَكَ فِي نجدٍ حَصاةٌ تعُدُّها ... وَلا لَكَ فِي غَورَيْ تِهامَةَ أَبْطَحُ
قال فلما سمعه الأخطل قال ما أبالي والمسيح.
فأجابه الفرزدق فقال:
تَكاثَرُ يَرْبُوعٌ عليكَ ومالِكٌ ... عَلى آلِ يربُوعٍ فمَالَكَ مسرَحُ
ويروى تكثر. قوله فما لك مسرح، يقول أنت ذليل لا تقدر على أن يكون لك مسرح تسرح فيه إبلك
فترعى، وذلك أنك تخاف أن تنتهب.
إذا اقتسَمَ النَّاسُ الفَعالَ وجدْتَنا ... لَنا مِقْدَحا مَجْدٍ وللِنَّاسِ مِقْدَحُ
(2/678)

المقدح المغرفة. وهذا مثل، أي نغرف به المجد، أي نحن أوفرهم نصيبا.
فأَغْضِ بشُفريْكِ الذَّلِيلَيْنِ واجْتَدِحْ ... شَرابَكَ ذا الغَيْلِ الَّذِي كُنْتَ تجدَحُ
قال الشفر منبت شعر العين. قال والشعر هو الهدب والهلب سواء بمعنى واحد. وقوله الذي كنت
تجدح، يريد خض شرابك فاشربه، يقال من ذلك يا غلام اجدح لنا شرابنا، وهو سويق أو غيره،
يجعل في القدح ثم يحرك بخشبة في القدح ليختلط بالماء فذلك الجدح. وقوله فأغض، يريد فغمض
واصبر على الذل والمهانة، والغيل لبن الحبلى.
ورَدَّ عليكُمْ مُردفاتٍ نِساءَكُمْ ... بِنا يَومَ ذِي بَيْضٍ صَلادِمُ قُرَّحُ
قال أبو عبيدة، أخبرنا أبو العباس الأحول، أن عمارة بن عقيل كان يرويها بيض بكسر الباء.
وكُلُّ طَويلِ السَّاعِدَينِ كأنَّهُ ... قرِيعُ هِجانٍ يخبِطُ النَّاسَ شَرْمَحُ
فَأَنزلهُنَّ الضَّرْبُ والطَّعْنُ بالقَنا ... وبَيضٌ بأيمان المُغيرةِ تجرحُ
رَددْنَ عَلى سُودِ الوُجُوه كأنَّهُمْ ... ظَرابِيُّ أَوْهُمْ في القرامِيصِ أَقْبَحُ
إذا سألوهُنَّ العِناقَ منعنهُمْ ... وفدَّيْنَ حَّيي مالِكٍ حينَ أَصْبَحُوا
يقول وجدن بني مالك آثر عندهن من رجالهن.
جَرِيرٌ وقيسٌ مِثلُ كَلبٍ وثُلَّةٍ ... يَبيتُ حواليْها يَطُوفُ وينبحُ
وما هُوَ مِنْها غيرَ أَنَّ نِباحَهُ ... لِيُولِغَ فِي البانِها حِينَ يُصْبِحُ
وَعانَقَ مِنَّا الحوفزانَ فردَّهُ ... إلى الحيِّ ذُو درءٍ عَنِ الأصلِ مُرْزِحُ
(2/679)

يعني الحوفزان بن شريك، أغار على بني يربوع بذي بيض، فسبى وأخذ المال وظفر بهم وملأ
يديه. ذو درء ذو دفع. مرزح ثابت لا يزول.
وقال الفرزدق في هجائه بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قال وذلك أن ذا
الأهدام متوكل بن عياض بن حكم بن طفيل ابن مالك بن جعفر بن كلاب هجاه بقوله:
إن الخيانة والفواحش والخنا ... تحقق فيها نهشل ومجاشع
واللؤم عند بني فقيم شاهد ... لا لؤمهم خاف ولا هو نازع
وتقول ضبة يوم جاء نفيرها ... منا اللئيم وكان منا الراضع
قوله خاف، أي مستخف مستتر، والمختفي المظهر للشيء. وأهل الحجاز يسمون النباش المختفي
لإخراجه ثياب الموتى. فقال الفرزدق يهجو بني جعفر:
عَرفتَ بأَعْلاَ رَائِسِ الفأوِ بَعْدَما ... مَضَتْ سَنةٌ أَيامُها وشُهورُها
قال أبو عمرو، الفأو متسع الوادي، والرائس فم الوادي حين تلقاه داخلا أو تتركه خارجا. وقوله
بأعلا رائس، قال رائس الوادي أعلاه. قال والفأو مطمئن من الوادي يضيق ثم يخرج إلى سعة.
قال أحمد بن عبيد: هذه القصيدة يقال لها ذات الأكارع، وهي من جيد شعره ودمغ بها قيسا.
مَنازِلُ أَعْرتْها جُبيرةُ والتقتْ ... بِها الريح شَرْقيَّاتُها ودَبورهُا
(2/680)

ويروى حلتها جبيرة، ويروى أعرتها جبيرة تلتقي. ويروى مصرياتها ودبورها. قال قوله جبيرة هي
جبيرة بنت أبي بذال، وهو رجل من بني قطن بن نهشل، واسمه بشر بن صبيح بن أربد بن حمزة
ابن قطن بن نهشل. وقوله شرقياتها، يريد مر الصبا والجنوب، وهي التي تهب من ناحية المشرق
وتهب من الدبور. والدبور بين الشمال والجنوب.
كأَنْ لَمْ تُحوِّضْ أَهلُها الثَّورَ يجتني ... بِحافاتِها الخَطمِيَّ غضًّا نَضِيرُها
الثور مجتمع الماء والثور قطعة من الأقط العظيمة، وقوله كأن لم تحوض، يقول يجعلونه حياضا
ويروى كأن لم تخوض بالخاء والأول بالحاء. وأنشد لسلمة بن الخرشب الأنماري يصف مكانا كثير
العشب.
ومختاض تبيض الربد فيه ... تُحُومي نبته فهو العميم
قال وقوله ومختاض، هو بلد هاهنا، يقول يخاض خوضا من كثرة مائه ونباته، فهو ملتف لا يسلك
فيه إلا خوضا، كما يقال يخوض العيش خوضا.
أَناةٌ كَرِئمِ الرَّملِ نوَّامةُ الضُّحَى ... بطِيءٌ عَلَى لَوثِ النِّطاقِ بكُوُرهُا
قوله أناة، يقول هذه المرأة حكيمة رزينة لها ركانة ووقار، ليست بخفيفة ولا نزقة ولا فرفارة وشبهها
برئم الرمل، قال والرئم الذي يسكن الرمل، وهو أحسن لونا من غيره، فشبه تلك المرأة بهذه الرئم
(2/681)

وجعلها نوامة الضحى. يقول لها من يكفيها، يريد كأن الدهن جرى فوقها من صفائه وحسنه وكثرة
مائه، ولونه كلون الرمل. وقال نوامة الضحى لأنها من بنات الملوك. لوث طى لاثه لوثا ولثاه. ومن
لثاه قول العجاج: لاث به الآشاء والعبرى، يريد لائث كما قالوا هار وهائر:
إذا حَسَرتْ عَنْها الجَلابِيب وارتدتْ ... إلى الزَّوجِ ميَّالاً يكادُ يصُورُها
ويروى إذا وضعت من الفرع ميالا، يعني شعرها، يعني يعطفها شعرها من كثرته وكثافته فقال، يكاد
يعطفها إلى الشق الذي تميل إليه من كثرة شعرها، وقوله يصور يقول يكاد يجمعها ويعطفها شعرها
من كثرته، وهو من قول الله تعالى {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} كذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما.
ومُرتجَّةِ الأَرْدافِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ ... مُخَضَّبةِ الأطرافِ بِيضٌ نُحُورُها
قولح مرتجة الأرداف، يقول عجيزتها إذا مشت، يقول اضطربت عجيزتها فذهبت وجاءت من
ضخمها وعظمها، وهو مما تنعته الشعراء. ويحب من المرأة أن تكون ضخمة العجيزة، ومما حُكي
في الحديث، أن عظم عجيزة المرأة نصف الحسن، وبياض المرأة نصف الحسن. قال أبو عبد الله،
أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، قال: قالت عائشة رضي الله عنها لقوم من تيم، إنكم
تعاونوا الرقيق، فعليكم بالبياض والطول فانهما يعتفران نصف الحسن. قال ابن الأعرابي الاعتفار
أخذ الشيء على قهر.
كَأَنَّ نَقاً مِنْ عالجٍ أزرَتْ بِهِ ... بِحيثُ التقتْ أَوْراكُها وخُصُورُها
(2/682)

ويروى أردافها. يقول كأن عجيزتها نقل من الرمل في ضخمه وعظمه.
فَقَدْ خِفُتُ مِنْ تَذْرافِ عينيَّ إثرَها ... عَلَى بصرى والعينُ يعمى بصِيرُها
تفجَّرَ ماءُ العينِ كُلَّ عشِيَّةٍ ... وللِشَّوْقِ ساعاتٌ تهيجُ ذُكُورُها
وما زِلْتُ أُزجِي الطَّرفَ مِنْ حيثُ يمَّمَتْ ... مِنَ الأَرْضِ حتَّى رَدَّ عَينِي حَسِيرها
يعني حسرت. قال ومعنى حسير أي محسور، قال وهو من قوله تعالى {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا
وَهُوَ حَسِيرٌ} أي كال معي كالمنقطع.
فَردَّ عليَّ العينَ وهْيَ مريضَةٌ ... هذَالِيلُ بَطْنِ الرَّاحتينِ وَقُورُها
قال والهذاليل رمال مستدقة من الرمل، الواحد هذلول. ويروى أهاضيم بطن الراحتين. وقورها
واحدة القور قارة وهي جبال صغار.
تحيَّرَ ذَاوِيهَا إذَا اضَّطرَد السَّفا ... وهاجَتْ لأيَّامِ الثُّرَيَّا حَرُورُها
قال أبو عبد الله، ذاريها بالراء. والسفا شوك البهمى وهو مثل شوك السنبل. وقوله لأيام الثريا يعني
رياح الثريا.
أَتَصْرِفُ أَجْمالَ النَّوَى شاجنيَّةٌ ... أمِ الحفرُ الأعْلَى بِفَلْجٍ مصيرُها
(2/683)

يعني المرأة. وقوله شاجنية، قال وهو ماء يقال له شاجن. قال والمعنى في ذلك يقول انصرفت
فيقول، أتصرف أجمالها إذا ذهب الربيع فتريد شاجن أم تقيم، ومصيرها محضرها أي حيث تصير
إليه.
وَما مِنْهُما إلاَّ بِهِ مِنْ دِيارِها ... مَنازِلُ أَمْسَتْ ما تبِيدُ سُطُورُها
قوله ما تبيد سطورها يريد آثارها ومعالمها.
وَكائِنْ بِها مِنْ عَيْنِ باكٍ وعبَرةٍ ... إذَا امتُرِيَتْ كانتْ سَريعاً دَرُورُها
ويروى إذا استذرفت. ويروى بعبرة. يقول كل من رأى تلك الآثار التي كانت من نعيمهم
واجتماعهم، ذكر ما كانوا فيه من الخير وحزن عليهم وجزع فبكى.
تُرَى قطنٌ أَهلَ الأصارِيمِ إنَّهُ ... غَنِيٌّ إذَا ما كلَّمَتْهُ فَقِيرُها
يعني قطن بن نهشل بن دارم، يريد القبيلة وهم أهل الأصاريم. أنه غنى بكلامها إياه.
تَهادَى إلى بيتِ الصَّلاةِ كأَنَّها ... عَلى الوعثِ ذُو ساقٍ مَهِيضٍ كَسِيرُها
يقول كأنها من ثقلها كجمل مكسور الساق بعد الجبر، فهو يمشي على رمل وعث فهو أثقل له.
كَدُرَّةِ غَوَّاصٍ رَمى في مَهِيبةٍ ... بأَجرامِهِ والنَّفْسُ يخشَى ضَميرُها
في مهيبة، يعني لجة في بحر يهابها من رآها من هولها. وقوله بأجرامه قال الأجرام بدنه كله.
مُوَكَّلةً بالدُّرِّ خَرْساءَ قَدْ بَكَى ... إليْهِ مِنَ الغوَّاصِ مِنْهَا نَذيرُها
(2/684)

قال يريد يخشى ضميرها. موكلة بالدر يعني حية تحفظ الدر في البحر، أي هو في طلب الدرة وقلبه
يخاف الموكلة الخرساء في البحر. نذيرها يريد إنذارها إياه.
فقَالَ أُلاقِي الموتَ أَو أُدْرِكُ الغِنَى ... لِنَفسِيَ والآجالُ جاءَ دهُورُها
وروى أبو عمرو، ألاقي الموت أو أطلب الغنى. يقول: قال الغواص يلقاني الموت في طلب هذه
الدرة أو أدرك الغنى. ثم قال والآجال لابد من لقائها ومجيئها يصبر نفسه.
ولمَّا رأَى ما دُونَها خاطَرَتْ بِهِ ... عَلَى الموتِ نفسٌ لا ينَام فَقِيرُها
يقول النفس وإن استغنت فهي فقيرة أبدا، لا تشبه لحرصها وشرهها.
فَأَهْوَى وَناباهَا حواليْ يَتيمَة ... هيَ الموتُ أَوْ دُنيا يُنادِي بَشِيرُها
قوله وناباها يعني نابي الحية. واليتيمة الدرة، قال وإنما قالوا للدرة يتيمة يريدون ليس لها ثان.
فأَلقَتْ بِكفَّيْهِ المنيَّةُ إذْ دَنا ... بِعضَّةِ أَنْيابٍ سَرِيعُ سُؤورُها
ويروى لوت بذراعيه. وروى أبو عبيدة فلاثت بكفيه. قوله سؤورها، يعني فساورته هذه الحية إذا
دنا الغواص من تلك اللؤلؤة، فهي تسور سؤورا ومساورة. وهي المواثبة: قال ومن همز فقال
سؤورها، همز لتحرك الضمة والواو وشبهها بواوين مثل أقتت. قال
(2/685)

أبو عبد الله، قال الفراء: الواو إذا انضمت همزت وإن كان الأصل غير مهموز.
فَحرَّكَ أَعْلاَ حَبْلِهِ بِحُشاشَةٍ ... ومِنْ فوقِهِ حضراءُ طامٍ بُحورُها
قوله بحشاشة، يقول حرك حبله حين نزل به الموت، ثم قال: ومن فوقه خضراء يعني اللجة.
والطامي الماء الكثير الذي قد طغى، وذلك إذا كثر وجاء بما لا طاقة به من قول الله عز وجب {إِنَّا
لَمَّا طَغَى الْمَاء}.
فَما جاءَ حتَّى مَجَّ والماءُ دُونَهُ ... مِنَ النَّفْسِ ألْواناً عبِيطاً نحيرُها
يقول فما جاء من قعر البحر حتى مج، أي قذف بنفسه فمات، كما يقال للرجل مج ريقه وبصق ريقه
سواء بمعنى واحد. وإنما أراد أنه مات فذهب من لسع الحية إياه.
إذا ما أرادُوا أنْ يُحِير مَدُوفةً ... أبَى مَنْ تقضَّى نفسُهُ لا يحيرُها
ويروى من ترقى نفسه، أي تصعد نفسه، أي تخرج من لهاته. يحيرها يسبغها. وقوله مدوفة يريد
ترياقة تداف. وقوله لا يحيرها يقول يردها إلى جوفه ولا يسيغها من عظم ما به من الوجع. قال ومن
أمثال العرب "أراك بشر ما أجار مشفر". يريد ما رد في الجوف. وقيل لأعرابي كيف أكلك؟ قال إني
لضعيف الأكل، غير أني أكبر القوم لقمة وأصغرهم إحارة أي سرعة ابتلاع.
فلمَّا أَرَوْها أُمَّهُ هانَ وجدُها ... رَجاءَ الغِنَى لمَّا أضاءَ مُنيرُها
يقول فلما أروها أمه، أي لما رأت أم الغواص الدرة، وأخبروها بموته هان وجدها على ابنها، لما
أملت من الغني، لما رأتها قد أضاء البيت
(2/686)

لحسنها وكثرة مائها. وقوله رجاة الغنى، قال إذا قالوا رجاة
بالهاء فهو مقصور، وإذا نزعت الهاء فهو ممدود. كذا قاله الأصمعي وأبو عبيدة جميعا، تقول أتيتك
رجاة خيرك ورجاء خيرك. عن أبي عبيدة عن يونس.
وَظَلَّتْ تغالاهَا التِّجارُ ولا تُرَى ... لهَا سيمَةٌ إلاَّ قَلِيلاً كَثِيرُها
ويروى تغاليها، ويروى ولا ترى لها سيمة، السيمة التي يستام بها.
أَلَمْ تعلمِي أنِّي إذا القِدْرُ حُجِّلَتْ ... وأُلقيَ عَنْ وجهِ الفَتاةِ ستورها
قوله حجلت، يقول سترت كما تحجل المرأة في الحجلة إذا سترت، فهو مشتق من ذلك. يقول سترت
بحجلة كما تستر العروس بحجلتها. قال وألقي عن وجه الفتاة ستورها يريد لاعتمالها وامتهانها نفسها
في الجدب. كما قال:
إذا الحسناء لم ترحض يديها ... ولم يقصر لها بصر بستر
يقول إنما طعامها البقل، وما لا تحتاج أن تغسل يديها منه، يصف شدة الجدب - وقوله البقل خطأ
لأنهم في جهد فأي بقل لهم، والبقل نفس الخصب فهذا التفسير خطأ -
ورَاحتْ تشِلُّ الشَّوْلُ والفحلُ خلفَها ... زَفيفاً إلى نِيرانِها زَمهرِيرُها
(2/687)

أي راحت زمهريرها فيه، رفع الزمهرير، يقول من شدة البرد لا ينحى خطمه عن أسته إنما يهر
حسب.
شآميَةٌ تُغشِي الخفَائِرُ نارُها ... ونَبحُ كِلابِ الحَيِّ فِيها هَرِيرها
قال أبو عبد الله، قال أبو العباس، قولهم يماني القياس فيه يمني، فلما أدخلوا الألف قالوا يمان،
وجعلوه مثل قاض ورام، وتقول في النسبة إلى الشأم شأمى وأنشد:
أو ذي هبات كقرقور البريد غدا ... طابت بمجراته الشامية السهك
إذَا الأُفُقُ الغربيُّ أمسى كأَنهُ ... سَدى أَرجُوانٍ واستقلَّتْ عُبُورُها
قوله واستقلت عبورها يريد عند المغرب، وكذلك العبور تطلع عند المغرب أشد ما يكون من البرد.
تَرَى النِّيبَ مِنْ ضَيفِي إذا ما رأينهُ ... ضُموراً على جرَّاتها ما تُحيرُها
يُحاذِرْنَ مِنْ سَيْفِي إذا ما رأينهُ ... معِي قائِماً حتَّى يكُوسَ عقيُرها
قال أبو عبد الله:
يحاذرن من سيفي إذا ما رأينه ... بوادره حتى يكوس عقيرها
الرواية الجيدة. قوله يكوس يريد يمشي على ثلاث، يقول قد عقره لينحره للضيف. يقال من ذلك
كاس البعير فهو يكوس إذا عقرته فمشى على ثلاث.
وقدْ علمتْ أنَّ القرَى لابنِ غالبٍ ... دُراها إذا لَمْ يُقرِ ضيفاً درُورُها
قوله درورها يعني من الدر وهو اللبن. يقول إذا لم يدر لبنها
(2/688)

للضيف أطعمناه سنامها فقد عودناها ذلك.
شققنَ عنِ الأولادِ بالسَّيفْ بطنها ... ولمَّا تُجلَّدْ وهيَ يحبُو بقيرُها
ويروى عن الأفلاذ وهي الأكباد. يقول نحرنا إبلنا التي قد كثر ولدها في جوقها، حتى شققنا عنه
فخرج ثم أطعمناه الأضياف. وقوله ولما تجلد، يقول لم نذبح ولدها، ولم نحش جلده تبنا، ولم نتركه
لأمه فيكون بواً لها لينتفع بلبنها. وتجلد أيضاً ينزع جلدها عنها. ولم تجلد لم تخلق لها جلود، يريد
شققنا بطونها عنه. وقوله ولما تجلد يقول تسلخ يقول لم ينزع جلدها بعد.
ونُبّئتُ ذا الأهدامِ يَعوِي ودُونَهُ ... مِنَ الشَّأمِ زَرَّاعاتُها وقثصورُها
الأهدام الخلقان. وذو الاهدام لقب متوكل بن عياض بن حكم بن طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب
بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. يقول هو يهذي وبيني وبينه ما ذكر. ويقال ذو الاهدام نافع بن
سوادة الضبابي.
إليَّ ولم أترُكَ على الأرضَ حَيّةً ... ولا نابِحاً إلا استَسَرَّ عَقُورُها
يقول لم أترك أحدا يتكلم إلا استسر عقورها. يقول إلا استخفى عني كل من يتقى شره من مخافتي
ووثوبي عليه.
كِلاباً نَبَحنَ اللّيثَ مِن كلِّ جانب ... فعادَ عُواءً بعدَ نَبحٍ هَرِيرُها
عَوى بِشَقاً لا بنَي بُحيرٍ ودوننا ... نِضادٌ فأعلامُ السِّتارِ فَنيرُها
(2/689)

ويروى ودونه. ويروى فا جبال الستار. قال بحير بن عامر بن مالك ابن جعفر بن كلاب، وأعلام
جبال، والنير أيضاً اسم جبل، ومن قال نضاد ذهب به مذهب قطام وجذام.
ونبِّئتَ كلبَ ابنَي حُميضَةَ قد عوى ... إليَّ ونارُ الحربِ تغلي قُدورهُا
ابنا حميضة، عامر ومنذر ابنا بحير بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. ويقال حاجب وحبيب
ابنا حميضة.
فَوَدَّتْ بأُذنَي رأسِه أُمُّ نافِعٍ ... بجاريَةس عَفلاءَ كانَ زَجيرُها
يريد نافع بن الخنجر بن الحكم بن عقيل بن طفيل بن مالك بن جعفر. يقول ودت أمه أنها ولدت
بدله جارية عفلاء. ويقال نافع بن سوادة.
ووَدَّتْ مكانَ الأنفْ لوَ كانَ نافِعٌ ... لها حَيضَةٌ أو أجهضَتها شُورُها
ويروى:
وودت بجدع الأنف لو أن نافعا ... لها حيضة أو أعجلتها شهورها
مكانَ ابنها إذ هاجَني بِعُوائِهِ ... عليها وكانتْ مُطمئِناً ضَميرُها
لكانَ ابنُها خيراً وأهونَ رَوعَةً ... عليها منَ الجُربِ البَطِيءُ طُرورُها
طرورها خروج وبرها الجديد تحت الوبر القديم، ويروى البيطاء طرورها.
دَوامِغَ قد يُعدِي الصِّحاحَ قِرافُها ... إذا هُنِئَتْ يزدادُ عَرّاً نشورُها
(2/690)

ويروى زحامها. قال العر مفتوح العين هو الجرب. قال والعر مضمون العين قرح سوى الجرب.
يقال نشر الجرب نشراً ونشورا. وقرافها مداناتها إذا قربت منه أعداها. والغرة العذرة.
وكانَ نُفيعٌ إذ هَجاني لأُمِهِ ... كباحِثَةٍ عن مُديَةٍ تَستَثِيرُها
يقول تستشئمه أمه إذ تعرض لي، وصار كهذه العنز التي بحثت عن السكين حتى ذبحت بها.
لئنْ نافِعٌ لم يَرعَ أرحامَ أُمِّهِ ... وكانتْ كدَلوٍ لا يزالُ يُعيرُها
لَبِئسَ دمُ المولودِ مَسَّ ثيابَها ... عَشيَّةَ نادَى بالغُلامِ بَشيرُها
عجوزٌ تُصَلِّي الخمسَ عاذَتْ بغالِبٍ ... فلا والذي عاذَت بهِ لا أضيرُها
ويروى فلا والذي شق استهالا أضيرها. وروى أبو عمرو فلا والذي صلت له لا أضيرها.
فإني على إشفاقِها مِن مخافتي ... وإن عَقَّهابي نافعٌ لمَجيرُها
ولم تأتِ عَيرٌ أهلَها بالذي أتتْ ... بهِ جَعفَراً يومَ الهُضَيباتِ عِيرُها
قال ويوم الهضيبات، يعني يوم طخفة، ويوم عرجة، قال وكانت وقعة بين الضباب وبين بني جعفر،
فكانت للضباب على بني جعفر. فقتلوا من بني جعفر سبعة وعشرين رجلا، فجاءت نساء بني جعفر
فحملن قتلاهن على الإبل فدفنوهن، ففي ذلك يقول الفرزدق:
لولا ارتدافكما الخصي عشية ... يا ابني حميضة جئتما في العير
أتَتهُم بِعيرٍ لم تكن هَجَرِيَّةً ... ولا حِنظَةَ الشأمِ المَزِيتَ خَميرُها
(2/691)

قوله المزيت خميرها، أي جاءت بالزيت مع الحنطة والدقيق. يقول لم تكن العير التي حملت القتلى
هجرية، يريد تحمل التمر من هجر البحرين، ولا عيرا تحمل حنطة الشام، وقوله المزيت خميرها
يعني التي تخبز بالزيت. يقول إنما كانت حمولتهن قتلى حملوهم عليها.
أتَتهُمْ بِعَمرو والدُّهَيمِ وسِتَّةٍ ... وعشرينَ أعدالاً تميلُ أُيورُها
إذا ذَكَرتْ زَوجاً لها جَعفريّةٌ ... ومَصرعَ قتلى لم تُقَتَّلْ ثُؤورُها
تَبيَّنُ أن لم يَبقَ مِن آلِ جعفَرٍ ... مُحامٍ ولا دُونَ النِّساءِ غَيورُها
وقد أنكرتْ أزواجَها إذ رَأتهُمُ ... عُراةً نِساءٌ قد أُحِزَّتْ صُدورُها
رَأتْ كَمَراً مِثلَ الجَلامِيدِ فُتِّحَتْ ... أحالِيلُها لمّا اتمأرَّتْ جُذورُها
اتمأرت امتدت. ويروى اسمأرت واسمعذت وهو مثله. ويقال اتمأرت انتفخت وعظمت. والجذور
الأصول الواحد جذر.
فقُلنَ عَهدناهُم رِجالاً وهذهِ ... أَيُورُ بِغالٍ خالَطتها حَميرُها
وليستْ لِزوجٍ منهُمُ جعفريّةٌ ... مُعاداً بِكفَّيها إليها طُهورُها
أي لا تطهر لزوج بعدها لان أزواجهن قتلوا. وقال غيره لا تزوج جعفرية رجلا، بعدما كان من
أزواجهن من الجبن والفشل.
(2/692)

ولم تَكُ تخشى جعفراً أنْ يُصيبَها ... بأعظَمَ منّي مِن شَقاهَا فُجورُها
ولا يومَ بِريَانٌ تُكسعُ بالقَنا ... ولا النارَ لو يُلقى عليهِم سَعيرُها
أراد ولا يوم تكسع بالقنا بريان، وهو جبل. ويروى إذ يلقى عليهم. أراد أن يحرق قتلاهم حتى لا
تشمت بهم الضباب.
وقد عَلِمَتْ أعداؤُها أنَّ جعفراً ... يَقي جَعفراً حدَّ السيوفِ ظُهورُها
أتَصبِرُ للعادِي ضَغابيسُ جعفَرٍ ... وثورَةِ ذي الأشبالِ حينَ يَسُورُها
الضغبون نبت ضعيف يشبه به الضباب.
سيبلُغُ ما لاقَتْ منَ الشرِّ جعفرٌ ... تِهامَةَ مِنْ رُكبانِها مَنْ يَغُورُها
أراد من يغور بها.
إذا جعفرٌ مرَّتْ على هضبةِ الحَمِى ... تَقنَّعُ إذ صاحتْ إليها قُبورُها
ويروى فقد أخزت الأحياء منها قبورها. يقول تقنع من الحياء مما نزل بهم من الخزي والعار.
لنا مسجد الله الحَرامانِ والهُدى ... وأصبَحتِ الأسماءُ مِنَّا كَبيرُها
يريد مسجد الكعبة ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقوله وأصبحت الأسماء منا
كبيرها يريد محمد النبي صلى الله عليه وسلم فلا اسم أكرم على الله جل وعز منه.
سِوَى الله إنّ الله لا شيءَ مِثلَهُ ... لهُ الأُممُ الأولى يقومُ نُشورُها
(2/693)

إمامُ الهُدى كم مِن أبٍ أو أخٍ لهُ ... وقدْ كانَ للأرضِ العريضَة نُورُها
إذا اجتمعَ الآفاقُ مِن كلِّ جانبٍ ... إلى مَنسِكٍ كانتْ إلينا أُمُورُها
ويروى إذا اجتمع الأقوام من كل موطن على مشهد كانت. قوله إذا اجتمع الآفاق، يعني أهل الآفاق
في الموقف.
بَنَى بيتنا بابي السَّماءِ فنالَها ... وفي الأرضِ مِن بَحري تَفيضُ بُحورُها
ونُبِّئتُ أشقَى جعفرٍ هاجَ شِقوَةً ... عليها كما أشقَى ثَمودَ مُبيرُها
أي مهلكها، يريد قدار بن سالف الذي عقر الناقة.
يصِيحُون يستَسقُونَهُ حينَ أنضَجَتْ ... عليهِمِ مِنَ الشِّعرَى الترابَ حَرُورُها
تَصُدُّ عَنِ الأزواجِ إذ عَدَلتهُمُ ... عُيونٌ حَزيناتٌ سريعٌ دُرورهُا
أي عدلن القتلى على الإبل فحملنها. ويروى تصيف عن الأزواج إذ أبصرتهم عيون حريرات.
ولكنَّ خِرباناً تَنُوسُ لِحاهُمُ ... على قُصُبٍ جُوفٍ تنَاوَحَ خُورُها
يقول من بقي منهم خربان في الجبن والضعف. وقوله على قصب جوف، يريد على أجواف هواء
ليس لها قلوب. وقوله تناوح خورها، يقول يبكي بعضهم إلى بعض. قال وخورها ضعافها، وهو مشتق من
(2/694)

قولهم فلان خوار وذلك إذا كان ضعيفا قليل الغناء. وقوله تنوس لحاهم، يقول تدلى لحاهم
فتضرب، يعيرهم بذلك يشبههم بالتيوس.
مَنِعنَ ويَستَحِيينَ بعدَ فرارِهم ... إلى حيثُ للأولاد يُطوى صغيرُها
قوله منعن، يعني النساء منعن أزواجهن أنفسهن - قال وأرحامهن الذي يطوي الصغير أولادهن أي
يضم - استحياء من فرارهن، واستهانة منهن بهم. يقول منعن إلى حيث يُطوى الأولاد.
لعَمرِي لقد لاقتْ مِنَ الشرِّ جعفرٌ ... بطِخفَةَ أياماً طويلاً قصِيرُها
طخفة موضع، كانت لهم فيه وقعة منكرة. ويروى آجالا أتاهم قصيرها. ويروى أنا هم.
بطخفَةَ والرَّيان حيثُ تصَوَّبَتْ ... على جعفرٍ عِقبانُها ونُشُورُها
وقد عَلِمَت أفناءُ جعفرَ أنهُ ... يَقي جعفراً وَقْعَ العَوالي ظُهورُها
قوله يقي جعفراً وقع العوالي ظهورها، يقول إنهم هراب فالطعن يقع في ظهورهم، يعيرهم بذلك.
تَضاغَى وقد ضَمَّتْ ضَغابِيسُ جعفرٍ ... شَباً بينَ أشداقٍ رِحابٍ شُجورُها
ويروى جعاسيس جعفر. شجر الفم مشقه. وقوله ضغابيس وهم الضعفاء من الناس.
شَقا شِقَّتيه جعفرٌ بي وقد أتَتْ ... عليَ لهم سَبعونَ تَمَّتْ شُهورُها
(2/695)

إذا هَدرَ الهَدَّارُ خلفَ أستِ أُمِّهِ ... تلقَّاهُ بالماءِ الحميمِ حَضِيرُها
الحضير الماء الذي يخرج بعد الولادة شبه الدم.
كما نَضَحتْ غَرفيَّةٌ أعصَمَتْ لها ... بِأُخرى إلى نابٍ يَخُبُّ بَعيِرهُا
غرفية مزادة لم تدبغ بالقرظ. أعصمت شدت بعصام وهو ما يربط به من خيط أو سير.
بَنِي جعفرٍ هل تذكرونَ وأنتُم ... تُساقونَ إذ يَعلُو القليلَ كثيرِهُا
وإذ لا طعامٌ غيرَ ما أطعمتكُمُ ... بُطونَ جَوارِي جعفرٍ وظَهورُها
يقول إنما طعامكم من كسب نسائكم أي ما يكسبن عليكم.
وقد عَلِمتَ مَيسونُ أنّ رِماحَكُم ... تَهابُ أبا بَكرٍ جهاراً صُدورُها
ميسون أم حناءة أخي أبي بكر بن كلاب.
عَشيّةَ أعطيتم سَوادَةَ جَحوَشاً ... ولمّا يُفَرَّقُ بالعَوالي نَصيرُها
أقامتْ على الأجبابِ حاضِرَةً بِها ... ضَبِيِنَةُ لم تُهتَكْ لِظَعنٍ كُسورُها
قوله ضبينه هم حي من غنى لهم عدد وقوة. وأنشد: وبنو ضبينة حاضرو الأجباب.
تُريح المَخازي جعفرٌ كُلّ ليلةٍ ... عليها وتغدو حينَ يغدو بُكُورُها
وما ماتَ زوجُ الجعفريةِ ما غَدا ... عليها ابنُها عندَ احتلامٍ يَزورُها
أي يقوم ابنها مقام زوجها ويروى بعد احتلام.
(2/696)

وقد عَلِمَتْ أجسادُها أنّ جعفراً ... مَجُوسِيَّةٌ أجسادُها وأيُورُها
ويروى أحراحها وأيورها، يريد الرجال والنساء.
وما مَنعتْ فَرجاً لها جعفريةٌ ... وما أحسنتْ عنها البنين حُجورُها
ويروى وما منعت زوجا لها جعفرية ولا أحصنت.
فإن تُكَ قيسٌ قد قَدَّمتكَ لِنَصرِهَا ... فقد خَزِيَتْ قيسٌ وذَلَّ نصيرُها
فأجابه جرير يمدح بني جعفر بن كلاب:
أزرْتَ دِيارَ الحَيِّ أم لا تزُورُها ... وأنّى مِنَ الحَيِّ الجِمادُ فَدُورُها
الجماد واحدها جمد، وهو الغلظ في الرمل. والدور دارات في الرمل الواحدة دارة.
وما تنفعُ الدارُ المُحيلَةُ ذا الهَوى ... إذا استَنَّ أعرافا على الدارِ مُورُها
العرف أعلا الرياح. أي أعلا ما يرتفع من الغبار. وقوله إذا استن يعني جرى. وقوله أعرافا
والأعراف يريد أوائل الرياح الواحد عرف. قال والمور من التراب يريد ما رفعت الريح من
التراب. قال أبو عبد الله ذيول الريح أسافلها، وأعرافها أعاليها.
كأنَ دِيارَ الحَيِّ مِنْ قَدَمِ البِلَى ... قَراطيسُ رُهبانٍ أحالَتْ سُطورُها
ويروى أباتت. قوله أحالت سطورها، يعني أتى على هذه
(2/697)

السطور وهي آثار الديار ومعالمها حول.
ويقال أحالت تغيرت، كما يقال حال الرجل عن العهد إذا تغير، وحالت إذا تغيرت عن حالها التي
كانت عليه من الاستواء. أحال أتى عليه حول. وحال تغير.
كما ضَربتْ في مِعصَمٍ حارثيةٌ ... يمانيةٌ بِالوشمْ باقٍ نؤورُها
ويروى كما ضربت في معصمي حارثية يمانية. النؤور دخان الشحم، يقول آثار الديار كالوشم في
معصم المرأة من عمل حارثية، يعني من بني الحارث بن كعب، ولهم لباقة في العمل ولطافة.
تفُوتُ الرُّماةَ الوحشِ وهيَ غرِيرةٌ ... وتَخشى نوارُ مالاَ يضيرُها
لَئنْ زَلَّ يوماً بالفرزدقِ حلمُهُ ... وكانَ لِقيسٍ حاسداً لا يَضيرُها
مِنَ الحَين سُقَتَ الخُورَ خُورَ مُجاشِعٍ ... إلى حَربِ قيسٍ وهيَ حامٍ سعيرُها
كأنكَ يا ابنَ القَينِ واهِبُ سَيفه ... لأعدائِهِ والحربُ تغلى قُدورُها
فلا تأمَننَّ الحيَّ قيساً فانّهُم ... بَنو مُحصَناتٍ لم تُدنّسْ جُحورُها
ميامينُ خطَّارونَ يحمُونَ نسوةً ... مناجِيبَ تغْلو في قُريشٍ مُهورُها
ميامين يقول يتيمن بهم ويتبرك بهم.
أَلا إنَّما قيسٌ نُجومٌ مُضيئةٌ ... يشُقُّ دُجَى الظَّلماءِ باللَّيلِ نُورُها
تعُدُّ لقيسٍ منْ قديمٍ فعالهُمْ ... بُيوتٌ أَواسِيها طِوالٌ وسُورُها
قوله أواسيها قال الأواسي الاساطين، واحدها آسى مشدد، وأنشد للاحوص في ذلك:
إن تريني أقصرت عن تبع الغ ... ي ولاحت شيبا مفارق راسي
فبما قد سموتُ مستبطنَ السي ... ف هدوءا في مشرف ذي أواسي
(2/698)

واحد أواسي آسية وهي الأساطين - ولم يرد الأساطين - يريد الأساس هاهنا يعني سورا، ليس
للأساطين هاهنا معنى.
فَوارِسُ قيسٍ يمنعُونَ حِماهُمُ ... وفيهِمْ جبالُ العَز صعبٌ وعُورُها
قوله وعورها، واحدها وعر ساكنة العين. قال وهو الغلظ من الأرض والخشونة، يقال من ذلك
طريق وعر، وذلك إذا كان خشنا كثير الحصى، قال أبو عبد الله حكي بن الأعرابي وعَر المكان
ووعُر.
وقيسٌ هُمُ قيسُ الأعنَّةِ والقَنا ... وقيسٌ حماةُ الخيلِ تدمى نُحورُها
سُليمٌ وذُبيانٌ وعبسٌ وعامِرٌ ... حُصُونٌ إلى عِزٍّ طوالٌ عُمورُها
ألمْ ترَ قيساً لا يُرامُ لَها حِمىً ... ويقضِي بِسُلطانٍ عليكَ أميرُها
ملوكٌ وأخوالُ المُلوكِ وفيهمُ ... غُيوثُ الحَيا يُحيى البِلادَ مطيرُها
يعني الحجاج بن يوسف كان يتولى العراق، والمهاجر بن عبد الله الكلابي، كان يتولى اليمامة
والبحرين لهشام بن عبد الملك وكان جميلا.
فإن جبالَ العزِّ من آل خندفٍ ... لقيسٍ فقدْ عزَّتْ وعزَّ نصيرُها
ألمْ ترَ قيساً حِينَ خارَتْ مُجاشِعٌ ... تجير ولا تلقَى قبيلاً يُجيرُها
ويروى وما إن تبتغي من يجيرها.
بَنِي دارِمٍ مَنْ رَدَّ خيلاً مُغيرةً ... غَداة الصَّفا لم ينجُ إلاَّ عشورُها
قال أبو عبد الله، تقول العرب ما بلغ معشار ذلك، يراد به العشر ويراد به أيضا القليل.
(2/699)

وردتُمْ عَلَى قيسٍ بخُورِ مُجاشعٍ ... فبُؤتُمْ عَلَى ساقٍ بطئٍ جُبورُها
كأنَّهمُ بالشَّعبِ مالتْ عليهِمُ ... نِضادٌ فأجيالُ السُّتُورِ فغيرُها
لقدْ نظرتْ جدعَ الفرزدقِ جعفرٌ ... إذا حُزَّ أنفُ القينْ حلَّتْ نُذورُها
ذَوُو الحجَراتِ الشُّمُّ مِنْ آل جعفرٍ ... يُسلَّمُ جانِيها ويُعطِى فقيرُها
حياتُهُمْ عِزٌّ وتُبنى لجعفرٍ ... إذا ذَكرتْ مجدَ الحياةِ قُبورُها
ويروى إذا ذكرت بعد البلاء قبورها.
أتنسوْنَ يومَيْ رحرحانَ وأُمُّكُمْ ... جنيبةُ أفراسٍ يخُبُّ بعيرُها
ويروى وأمكم سبية. ويشل يطرد وهو أجود.
وتذكُرُ ما بينَ الضِّبابِ وجعفرٍ ... وتنسونَ قتلَى لم تُقتَّلُ ثُؤُورُها
لقد أكرهتْ زُرقَ الأسنَّة فيكُمُ ... ضُحَى سمهريات قليلٌ فُطورُها
فقلَّ غناءً عنكَ في حربِ جعفرٍ ... تغنيِّكَ زرَّاعاتُها وقُصورُها
قال أبو عبد الله، كان الحكم في زراعاتها وقصورها النصب، ولكنه حكى قول الفرزدق.
إذا لَمْ يكُنْ إلاّ قُيونُ مُجاشِعٍ ... حُماةً عَن الأحسابِ ضاعَتْ ثُغورُها
ألمْ ترَ أن الله أخزَى مُجاشِعاً ... إذا ذُكرتْ بعدَ البلاءِ أمُورُها
بأنَّهُمُ لا محرمٌ يتقَّوُنهُ ... وأنْ لا يفِي يوماً لِجارٍ مُجيرُها
لقدْ بُينتْ يوماً بُيوتُ مُجاشِعِ ... على الخُبثِ حتَى قدْ أُصلَّتْ قُعورُها
(2/700)

أصلت أي أنتنت من النئي.
فكمْ فِيهمُ مِنْ سوءةٍ ذاتِ أفرُخٍ ... تُعدُّ وأخرى قدْ أُتمتْ شُهورُها
إذا طُرِقتْ ينخوبةٌ مِنْ مُجاشِعٍ ... أتى دُونَ رأسِ السَّابِياءِ خَزيرُها
المرأة ينخوبة، وقوله ينخوبة يعني السبة. وقوله إذا طرقت، يعني طرقت بالولد. قال والتطريق أن
يخرج الولد ميسر الولادة مستقيما. والمعضل التي يعترض ولدها في الرحم. وقال الكميت في مثل
ذلك:
وإذا الأمور أهم غب نتاجها ... يسرت كل معضل ومطرق
بَنُو نخباتٍ لا يفُونَ بِذِمةٍ ... ولا جارَةٌ فيهُمْ تُهابُ ستُورُها
ولا تتَّقي غِبَّ الحديثِ مُجاشعٌ ... إذا هِيَ جاعَتْ أوْ أُمدتْ أيورُها
وخبَّث حوضَ الخُورِخُورِ مُجاشعٍ ... رواحُ المخازِى نحوَها وبكُورُها
أفخراً إذا رابتْ وطابُ مُجاشعٍ ... وجاءتْ بتمرٍ مَنْ حوارِينَ عيرُها
بَنو عُشرٍ لا نبعَ فيهِ وخروعٍ ... وزنداهُمُ أثلٌ تناوَحَ خُورُها
قوله تناوح يعني تقابل.، قال والأثل إذا أصابته الريح سمعت له صوتا شديداً فلذلك اختاره على
غيره.
ويكفِى خزيرُ المُرحلينَ مُجاشِعاً ... إذا ما السَّرايا حُثَّ ركضاً مُغيرُها
لقدْ عَلِمَ الأقوامُ أنَّ مُجاشِعاً ... إذا عُرفتْ بالخزي قلَّ نكيرُها
ولا يعصِمُ الجِيرانَ عقدُ مُجاشعٍ ... إذا الحربُ لمْ يرجِعِ بصُلحٍ سفيرُها
قال السفير المصلح بين القوم، يقول لم يقدر السفير أن يصلح بينهم لأن الحرب قد اشتدت وذهب
الصلح بينهم. قال أبو عبد الله إنما سمي السفير سفيرا، لأنه يسفر ما في أنفس القوم بينهم. وسفرت المكان
(2/701)

كنسته. والمكنسة يقال لها المسفرة.
أفيِ كُلِّ يومٍ تستجيرُ مُجاشِعٌ ... تفرَّقَ نبْلُ العبدِ أودَى جفيرُها
قال الجفير الكنانة التي يجعل فيها النبل، مثل الجعبة التي يجعل فيها النشاب. أودى جفيرها هلك.
يقال أودى القوم وباد القوم إذا ذهبوا وهي بمعنى واحد.
تفلَّقَ عَنْ أَنِفْ الفرزدقِ عارِدٌ ... لَهُ فضلاتٌ لَمْ يجدْ منْ يقُورُها
عارد غليظ يعني بظرا. وقوله يقورها يعني من يختنها. وقال له فضلات يريد البظر له فضلات.
يقول لم ينقض ختانها يعيرها بذلك ويهجوها.
وأبرأتُ مِنْ أُمَّ الفرزدقِ ناخِساً ... وقردُ أسْتِها بعدَ المنامِ تثيرها
قال الناخس يعني الجرب في أصل الذنب. وقوله وقرد أستها يريد قردان أستها. يقول من قذرها
ووسخها القراد متعلق بها.
وفقَّا عينيْ غالِبٍ عندَ كيرهِ ... نَوازِي شَرارِ القينِ حينَ يُطيرُها
قوله نوازي وهو ما نزا فشد على الكير من الشرار.
وداويتُ مِنْ عرِّ الفرزدقِ نقبةً ... بنفطٍ فأمستْ لا يُخافُ نُشورُها
النقبة لا تكون إلا على المشفر والأنف. قال والعر مفتوح العين الجرب. والنقبة بقعة من الجرب في
الجلد. والنشور يعني انتشار الجرب في الجسد كله، فضربه مثلا للجرب. يقول كويته فقطعت عنه
الجرب، وقطعت عني كلامه أن يهجوني.
(2/702)

وأنهلتُهُ بالسَّمِّ ثُمَّ عللتُهُ ... بكأسَ مِنَ الذَّيفانِ مُرَّ عصيرُها
وآبَ إلى الأقيانِ آلأمُ وافِدِ ... إذا حُلَّ عَنْ ظهرِ النَّجيبةِ كُورُها
أيوماً لماخُورِ الفرزدقِ خِزيَةً ... ويوماً زَواني بابلٍ وخُمورُها
إذا ما شربتُ البابليَّةَ لَمْ تُبَلْ ... حياءً ولا يُسقَى عَفيفاً عَصِيرُها
تشبَّهُ مِنْ عاداتِ أُمِّكَ سيرةً ... بحبليك والمرقاةُ صعبُ حدورُها
وما زلتَ يا عُقدانُ باني سوءةٍ ... تُناجِي بِها نفساً لئيماً ضميرهُا
رأيتكَ لَمْ تعقِدَ حِفاظاً ولاَ حجَى ... ولكنْ مَواخيراً تُؤدَّى أجُورُها
أثرْتُ عليكَ المخزياتِ ولمْ يكُنْ ... ليعدَم جاني سوءَةٍ منْ يثيرها
وتمدحُ سعداً لا عليتَ ومنقرٌ ... لَدَى حرملِ السِّيدانِ يحبُو عقيرُها
ودرَّتَ عَلَى العُروق ولمْ يكُنْ ... ليسقِي أفواهَ العُروقِ درُورُها
دعتْ أمُّكَ العمياءُ ليلةَ منقرٍ ... ثُبوراً لقدْ ذلَّتْ وطالَ ثُبورُها
أشاعَتْ بنجدٍ للفرزدقِ خزيةٌ ... وغارتْ جِبالُ الغورِ فيمنْ يغُورُها
لعمركَ ما تُنْسَى فتاةُ مُجاشِعٍ ... ولا ذِمَّةٌ غَرَّ الزُّبيرَ غرورُها
يُلجِّجُ أصحابُ السَّفين بغدرِكُمْ ... وخُوضٌ على مرَّانَ تجْري ضُفورها
الضفور النسوع التي تضفر أي تنسج من أدم.
تراغيتُمْ يومَ الزُّبيرِ كأنَّكُمْ ... ضِباعٌ أُصِلَّتْ في مغَارِ جعُورُها
ولَوْ كُنْتَ مِنَّا ما تقسَّمَ جاركُمْ ... سِباعٌ وطيرٌ لَمْ تجدْ مَنْ يُطيرُها
ولوْ نحنُ عاقدْنا الزُّبيرَ لقيتهُ ... مكانَ أنُوقِ ما تُنالُ وُكورُها
تُدافِعُ قِدماً عَنْ تميمٍ فوارِسِي ... إذا الحربُ أبدَى حدَّ نابٍ هريرُها
(2/703)

فَمنْ مُبلغٌ عنِّي تَميماً رِسالةً ... علانيةً والنَّفسُ نُصحٌ ضَميرُها
عطفتُ عليكُمْ وُدّ قيسٍ فَلَمْ يكُنْ ... لهُمْ بدلاً أقيانُ ليلَى وكيرُها
قال اليربوعي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قدم الفرزدق المدينة في إمرة أبان بن
عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قال فإني والفرزدق وكثير عزة، لجلوس في المسجد تتناشد
الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت - أي دقيق - آدم في ثوبين ممصرين. يعني مصبوغين بحمرة
غير شديدة. ثم قصد نحونا حتى انتهى إلينا فلم يسلم. وقال أيكم الفرزدق؟ قال إبراهيم بن محمد،
فقلت له مخافة أن يكون من قريش، أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ قال لو كان كذلك لم أقل له
هذا. فقال له الفرزدق من أنت يا غلام لا أم لك؟ قال رجل من الأنصار، ثم من بنى النجار، ثم أنا
ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تقول إنك أشعر العرب، قال وتزعمه مضر، وقد قال حسان بن
ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، وإلا
فأنت كذاب منتحل. ثم أنشد:
لنا الجفنات الغرُّ يلمعن بالضحى ... وأسيافُنا يقطرن من نجدة دما
متى ما تزنَّا من معد بعصبة ... وغسانَ نمنع حوضنا أن يهدما
أبى فعلنا المعروف أن ننطلق الخنا ... وقائلنا بالعرف إلا تكلما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
قال فأنشده القصيدة إلى آخرها، وقال إني قد أجلتك فيه سنة. ثم انصرف. وقام الفرزدق مغضبا،
يسحب رداءه ما يدري أين طرفه،
(2/704)

حتى خرج من المسجد. وأقبل على كُثيِّر، فقال قاتل الله
الانصاري، ما أفصح لهجته، وأوضح حجته. وأجود شعره. فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري
بقية يومنا، حتى إذا كان من الغد، خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني
كُثيِّر فجلس معي. فأنا لنتذاكر الفرزدق، ونقول ليت شعري ما فعل؟ إذ طلع علينا في حلة أفواف
مخططة، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال ما فعل الأنصاري، فنلنا منه وشتمناه
ووقعنا فيه. نريد بذلك أن نطيب نفس الفرزدق. قال قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل
شعره. ثم قال لهما الفرزدق أني فارقتكما بالأمس، فأتيت منزلي، فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن
من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر، رحلت ناقتي، ثم أخذت
بزمامها فقدت بها حتى أتيت ذُبابا - وهو جبل بالمدينة - ثم ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا
لبيني!. فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مائة
وثلاثة عشر بيتا. فبينما هو ينشدنا، إذ طلع الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم. ثم قال أما إني لم آتك
لأعجلك عن الوقت الذي وقته لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك ما صنعت. فقال أجلس ثم
أنشده:
عزفت بأعشاش وما كنت تعزف ... وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
قال فلما فرغ الفرزدق من إنشاده، قام الأنصاري كئيبا. فلما توارى، طلع أبو الأنصاري، وهو أبو
بكر بن حزم، في مشيخة من الأنصار فسلموا علينا، وقالوا يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا
من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووصيته بنا، وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا تعرض لك،
فنسألك بالله وبحق المصطفى محمد، صلى الله عليه وسلم، لما حفظت
(2/705)

وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووهبتنا له ولم تفضحنا. قال اليربوعي، قال إبراهيم بن محمد بن سعد،
فأقبلت أكلمه أنا وكُثير، فلما أكثرنا عليه قال، اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشي، يعني إبراهيم بن محمد بن سعد.
فقال الفرزدق
عزفتَ بأعشاشٍ ومَا كِدتَ تعزِفُ ... وأنكرتَ منْ حدْراء ما كُنتَ تعرِفُ
يقول عزفت نفسك عما كنت فيه من باطلك.
ولجَّ بِكَ الهِجرانُ حتَّى كأنَّما ... تَرَى الموتَ في البيتِ الَّذي كُنتَ تالَف
تيلف وهي لغة تميم.
لجاجةَ صُرمٍ ليسَ بالوصلِ إنَّما ... أخو الوصلِ منْ يدنُو ومنْ يتلطَف
إذا انتبهَتْ حدْراء مِنْ نومةِ الضُّحَى ... دعتْ وعليْها دِرْعُ خزٍّ ومطرفٌ
بأخضرَ مِنْ نُعمانَ ثُمَّ جلتْ بِهِ ... عِذابَ الثَّنايا طيِّباً حينَ يُرشَفُ
ويروى طيب المترشف، يريد طيبا مترشفة. بأخضر يعني مسواكا. ونعمان ناحية عرفات فيه أراك
كثير، فيقال له نعمان الأراك. يرشف يقبل ويمص.
ومُستنفزاتٍ للقلُوبِ كأنَّها ... مَها حولَ منتُوجاتِهِ يتصرَّفُ
ومستنفزات أي محركات للقلوب كما ينفز السهم إذا حرك،
(2/706)

ومستنفزات للقلوب، يعني يستنفزن القلوب أي يدعونها فتجيب. وقوله مهى،
المها البقر الوحشية، شبه النساء بهن. وقوله يتصرف يعني يذهب ويجيء.
يُشبَّهنَ مِنْ فَرط الحياءِ كأنَّها ... مِراضُ سُلالٍ أو هوالِكُ نُزَّفُ
ويروى تراهن من فرط الحياء. نزف قد ذهب الدم منهن.
إذا هُنَّ ساقَطنَ الحديثَ كأنّهُ ... جَنَى النَّخْلِ أو أبكارُ كرمٍ يُقطَّفُ
موانِعُ للأسرارِ إلاَّ لأهلها ... ويخلفْنَ ما ظنَّ الغُيورُ المشفشفُ
قال الأسرار واحدها سر، وهو النكاح من قوله تعالى {وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} يعني نكاحا والله
أعلم. والمشفشف الذي كأن به رعدة واختلاطا، وذلك من شدة الغيرة والإشفاق على حرمه، قال أبو
عثمان، وقال الأصمعي هو الذي تشف فؤاده الغيرة، وهو السيئ الظن وذلك من إشفاقه على أهله.
قال وإنما أراد المشفف فكرر الشين. كما قالوا دمع مكفكف، وقد تجفجف الشيء من الجفوف، وأصله
تجفف. وهذه ثلاثة أحرف من جنس واحد يكره جمعها، ففرقوا بينهما بحرف من الكلمة وهو فاء
الفعل.
يُحدثْنَ بعدَ اليأسِ مِنْ غيرِ ريبةٍ ... أحادِيثَ تشفَى المُدنفينَ وتشغفُ
ويروى ويبذلن بعد اليأس. قوله تشغف يقول تذهب المرأة
(2/707)

بالقلوب، وتغلب على العقل، وهو من قوله تعالى {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} جميعا يقرأ بهما، وهما في المعنى سواء بالعين والغين،
وهو ذهاب القلب وميله إلى من يحبه ويهواه.
إذا القُنبُضاتُ السُّودُ طوَّفنَ بالضُّحى ... رقدنَ عليهِنَّ الحِجالُ المُسَجَّفُ
قال الحجال المسجف، فذكر كأنه نعت. والقنبضات من النساء القصار القليلات الأجسام.
وإنْ نبَّهتهُّنَ الولائِدُ بعدَما ... تصعد يومُ الصَّيفِ أَوْ كاد ينصُفُ
دعونَ بِقضبانِ الأراكِ التَّي جَنَى ... لهَا الركبُ مِنْ نُعمانَ أيَّامَ عرفَّوا
فمِحنَ بِهِ عذباً رُضاباً غُروبُهُ ... رِقاقٌ وأعْلَى حيثُ رُكِّبنَ أعجفُ
ويروى عذب الرضاب. وقوله فمحن يريد سقين به. قال والرضاب يعني تقطع الريق. وقوله
أعجف يريد اللثة. يقول هذه المرأة قليلة لحم اللثة، وهو ما تنعت به المرأة أن تكون كذلك، وغروبه
تقطع أسنانه وذلك للحداثة.
لبِسْنَ الفرندِ الخُسروانَّي دُونهُ ... مشاعرَ منْ خزِّ العراقِ المُفوَّفُ
ويروى تحته مشاعر، يرددونه من خز العراق، فقدم الهاء قبل مذكورها، مثل قول الشاعر. جزى
ربه عني عدي بن حاتم. وهي مسألة في النحو تلقى على الأدباء، وليس يقوله كثير من النحويين.
(2/708)

ويقولون ليس الشعر حجة في النحو، لأن الشاعر يضبط فيلجئه الاضطرار إلى أن يقول ذلك، يريد
المفوف من خز العراق. مشاعر نصب على الحال. قال والمفوف يريد على صنعة الوشي يعمل
باليمن.
فكيفَ بمحبوسٍ دَعاني ودُونهُ ... دُروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مُشرفٌ
وصُهبٌ لحاهُمْ راكِزونَ رِماحَهِمْ ... لهُمْ درقٌ تحتَ العَواليِ مُصَفَّفُ
قوله لهم درق، يريد جمع الدرقة وهي التي يستتر بها، كما يستتر بالترس في القتال، يقول هم
أصحاب عدة يمنعونني منها.
وضارِيَةٌ ما مَرَّ اقتسمنهُ ... عليهنَّ خوَّاضٌ إلى الطِّنئِ مِخشفُ
قوله وضارية، يعني كلابا ضارية تمنعها من الصهب. وقوله مخشف يقول هو سريع مروره. وقوله
اقتسمنه يعني بالنهس والخدش. وقوله خواض يقول هو جريء. قال الطنئ الريبة والتهمة. قال أبو
عبد الله، يقال للحية نهشت بالشين، وللسبع والكلاب نهست بالسين غير معجمة، ومن ذلك قيل نهس
للنصارى.
يُبلَّغُنا عنْها بغَيْر كلامِها ... الينا مِنَ القصرِ البنَانُ المطرَّفُ
يعني كلابا حول دراها. المطرف المخضوب الأطراف يريد تطاريفها تجزينا من كلامها.
دعوتُ الَّذي سوَّى السَّمواتِ أيدُهُ ... ولله أدنى مِنْ وريدِي وألطف
قوله أيده، يعني قوته وهو من قوله تعالى {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} أي بقوة، ومنه قولهم للرجل إنه لأيد
من الرجال، وذلك إذا كان
(2/709)

شديداً قوياً.
ليشغَلَ عنِّي بعلَها بزمانَةٍ ... تُدلَّهُهُ عنِّي وعنْها فنُسعفُ
قوله تدلهه، يقول يتحير فيبقى دهشا قد تغير عقله، فلا يتفقدها حتى نصل إلى ما نريده.
بِما في فُؤَداينا مِنَ الهمِّ والهَوَى ... فيبرأُ مٌنهاضُ الفُؤادِ المُسقَّفُ
ويروى من الشوق والهوى ويجبر. قوله المسقف هو الذي عليه خشب الجبائر. والجبائر هي
السقائف تشد على الكسر.
فأرسلَ في عينيهِ ماءٌ عَلاهُما ... وقدْ علمُوا أنِّي أطبُّ وأعرِفُ
من روي أطب وأعرف، أراد أطب الناس وأعرفهم بالطب. وأعرف من العرافة، أي أكون عرافا.
وقوله علاهما يريد علا الناظرين الماء فغمرهما. وقوله اعرف يقول أنا عراف، وهو الذي يعرف
الشيء قبل وقوعه.
فداويتُهُ عامينِ وهيَ قريبةٌ ... أراها وتدْنُولي مِراراً فارشُفُ
سُلافَةَ جفنٍ خالطتْها ترِيكةٌ ... على شفتيها والذَّكيُّ المُسوَّفُ
قوله سلافة جفن، قال السلافة أول ما يسيل من العصير، وهو أجوده. وجفن يريد الكرم، وأهل الشام
إنما يسمون ما غادر السيل فتركه باقيا في الصفا تريكة. قال والذكي يريد به المسك. والمسوف
المشمم، ماء السيل عندهم الجفار، والتريكة ما غادر السيل.
(2/710)

فيا ليتنا كُنَّا بعيرينِ لا نرِدْ ... عَلى منهلٍ إلاَّ نُشَلُّ ونقذَفُ
ويروى لا نرى لدى حاضر إلا نشل. قال المنهل ماء في آبار. قال أبو عثمان، قال أبو عمرو،
المنهل ما كان من ماء إلى ماء منهل. ونشل أي نطرد ونقذف بالحجارة. يقول لا ندنو من أحد إلا
فعل بنا ذلك. وهو من قولهم شلوا القوم أي ارموهم بالحجارة.
كِلانا بِهِ عزٌ يخافُ قِرافُهُ ... على النَّاسِ مطليُّ المساعِرِ أخشفُ
العر بفتح العين الجرب. والعر بضم العين قريح ليس بالجرب. وقوله يخاف يعني يتقى لئلا يعرها
بجربه. قال والمساعر أصول الفخذين والابطين، وهي أيضا تسمى المغابن. والمساعر أيضا مساعر
الابل وأرفاغها، لأنها أول ما يستعر فيها الجرب. وقوله أخشف يعني يابس الجلد من الجرب. وقرافة
يعني مقارفته وهو مخالطته، ومنه قولهم قد اقترف فلان ذنبا أي خالطه وفعله.
بأرضٍ خلاءٍ وحدَنا وثِيابُنا ... منَ الرَّبط والدِّيباجِ درعٌ وملحفُ
الريط ثياب تعمل جيدة حسنة. قوله درع وملحف، يقول درع لها تلبسه، وملحف له يعني نفسه.
وَلا زادَ إلاَّ فضلَتان سُلافَةٌ ... وأبيضُ مِنْ ماءِ الغمامةِ قرقفُ
ويروى وأدكن من ماء. وهو أحسن لان ماء السماء فيه كدرة. يقول ليس معنا من الزاد إلا فضلة
من سلافة وهي الخمر. وقوله وابيض من ماء الغمامة هي السحابة. وقوله قرقف والقرقف يعني
السلافة، وهي الخمرة. قال الأصمعي وإنما سميت الخمر قرقفا، لأن من شربها
(2/711)

قرقفته فأدارته وأسكرته فهو مدوخ من السكر. والقرقفة الرعدة، قرقف لأنه يرعد عنها صاحبها من إدمانه إياها.
وأشْلاءُ لحمٍ مِنْ حُبارَى يصِيدُها ... إذا نحنُ شِئْنا صاحِبٌ مُتألفُ
متألف يعني صقرا أو بازيا حسن التأني لصيدها. وأنشد في الشلو للحارث بن حلزة:
وفديناهم بسبعة أملا ... ك ندامى أشلاؤهم أغلاء
قوله متألف، يريد ربيناه وتألفناه وعلمناه الصيد ودربناه عليه. ومنه قوله تعالى {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ
اللهُ} والفرزدق أراد بمتألف صاحبه أو بازيه. وأشلاء لحم هي بقايا واحدها شلو.
لنَا ما تَمنينا مِنَ العَيش ما دَعا ... هَدِيلاَ حَماماتٌ بِنُعمانَ هُتَّفُ
يقول نحن فيما تمنينا من لذيذ العيش وسلوته. ثم قال ما دعا هديلا، يقول العيش لنا دائم ما دام هديل
الحمام بنعمان. وهتف كما يهتف الرجل بصاحبه ويصيح به. وقوله هديل يعني صوتا وهديرا.
وهتف صوائح. قال أبو عبيدة الهديل الفرخ.
إليكَ أميرَ المُؤمنينَ رمَتْ بِنَا ... هُمُومُ المُنَى والهوجلُ المتعسف
قال الهوجل البطن من الأرض الواسع. والمتعسف يعني الطريق المسلوك بلا علم ولا دليل، فالذي
يسير في هذه الأرض كأنه إنما يسير
(2/712)

بالتعسف وهو الظلم ومنه قولهم تعسف فلان الناس، وذلك إذا
ظلمهم وجار عليهم. فهو مشتق من ذلك يقول: فالذي يسلك هذه الأرض هو متعسف لها لا يدري أين
يتوجه. أي أتيناك مؤملين لخيرك على هذه الحال، وأفضالك على هذا الجهد والمشقة، يقول فسلكنا
الأرض بلا علم نراه ولا دليل بالبرية.
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لمْ يدعْ ... مِنَ المالِ إلاَّ مُسحتاً أو مُجرَّفُ
قال سعدان، أخبرنا أبو عبيدة قال: سمعت راوية الفرزدق يروى هذا البيت، لم يدع من المال إلا
مسحت أو مجرف بالرفع. يقول لم يدع من الدعة أي لم يتدع. قال والمسحت الذي لا يدع شيئا إلا
أخذه. قال والمجرف الذي أخذ ما دون الجميع. قال ومن قال إلا مسحتا أو مجرف أراد وهو مجرف.
قال أبو عبيدة قوله لم يدع أي لم يثبت ويستقر من الدعة، إلا مسحت من المال ومجرف. قال فارتفع
مسحت ومجرف بفعلهما. قال وأنشدنا لسويد بن أبي كاهل: أرق العين خيال لم يدع. يقول لم يستقر
وهو من الدعة. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يتكلم في هذا البيت فقال: نصب مسحتا
بوقوع الفعل عليه، وقد وليه الفعل، ولم يل الفعل مجرف فاستؤنف به فرفع.
ومُنجردُ السُّهبانِ أيسرُ ما بِهِ ... سَليبُ صُهار أوْ قُصاعٌ مؤلَّفُ
قال هو بيت مجهول، أنشدنيه المازني، وانشدنيه الأعاريب الذين حملهم بغا إلى الري.
ومائرَةِ الأعضادِ صُهبٍ كأنَّما ... عليْها مِنَ الأينِ الجِسادُ المُدوَّفُ
قوله ومائرة الأعضاد، هي التي تمور بيديها دون رجليها، فتحركها
(2/713)

تحريكا لينا. قال وذلك مما يستحب في الابل، وذلك من سعة آباطها ولين عريكتها. وإنما يريد أن هذه الإبل تمور.
يقول تذهب أعضادها وتجيء، وذلك من سعة آباطها. قال والأين الإعياء والفتور، والجساد العرق، وهو ما اصفر
يضرب إلى الحمرة. قال والمدوف يعني المدوف، يقول إذا دأبت في سيرها عرقت، فصار العرق
على جلودها أحمر.
بدأنَا بِها مِنْ سِيفِ رملِ كُهيلةٍ ... وفِيها نشاطٌ مِنْ مراحٍ وعجرفُ
ويروى نهضن بنا. ويروى ذرعن بنا. ويروى وفيها بقايا من مراح. قوله وعجرف يعني عجرفية
في مشيها تخليط، وذلك من المرح. ومنه قولهم للرجل الذي يخلط في أمره إن فيه عجرفية. يقول
بدأنا بها من موضعنا وهي نشيطة مرحة، فما بلغت إليك حتى تقارب خطوها وبلدت وضعفت، وذلك
من بعد المكان. وكان ذلك عندنا هينا يسيرا في جنب ما أملناه من سيبك. والمناسم: أظفار الإبل،
الواحد منسم، وما تحته الأظل.
فَما برحتْ حتَّى تقارَبَ خطوُها ... وبادَتْ ذُراها والمناسِمُ رُعَّفُ
وروى أبو عمرو، حتى تواكل نهزها. يعني هز رءوسها في السير نشاطا. قال المناسم مثل
الاظلاف. ورعف دامية من الحفا. يقول قد كلت وضعفت وتقارب خطوها، من شدة تعبها، وبعد
مداها، وما ينكبها من الحجارة. وذراها أعالي اسنمتها.
وحتَّى قتلنَا الجهلَ عنْها وغُودِرَتْ ... إذا ما أُنيخَتْ والمدامِعُ ذُرَّفُ
ويروى وغورت. قوله قتلنا الجهل عنها، يقول قتلنا جهلها وهو
(2/714)

مرحها ونشاطها بالكلال. والتغوير نصف النهار. والتعريس آخر الليل.
قال والمدامع ذرف، قال وذلك من الجهد تسيل دموعها.
وحَتَى مَشَى الحادِي البطِيء يُسَوقُها ... لَها بَخَصٌ دامٍ ودأيٌ مجلَّفُ
ويروى حداءها. قال والبخص لحم الخف الذي تطأ عليه. وقوله ودأي يعني فقار الظهر. قال وكل
فقارة دأية. وقوله مجلف يعني مقشورا بالدير. يقول قد كلت وضعفت حتى يسوقها الحادي البطيء،
يقول تقارب خطوها وساقها الحادي من كلالها.
وحتَّ ى بعثناها وما في يدٍ لَها ... إذا حَلَّ عنْها رُمَّةً وهيَ رُسَّفُ
قوله وهي رسف، يعني كما يرسف المقيد في قيده من الجهد والإعياء، كأنها ترسف في قيد.
كذا ما نزلنا قاتَلتْ عنْ ظُهورِنا ... حراجِيجُ أمثالُ الأهلَّةِ شُسَّفُ
قوله حراجيج هي الطول من الابل. قوله شسف، قال هي اليابسة من الجهد والكلال. يقول تقاتل
الغربان عن ظهورها. قال وذلك أنها إذا عريت ظهر دبرها، فتقع الغربان عليها لتأكل دبرها، فالإبل
تقاتل الغربان يريد تدفعها عن دبرها، فهي تدفعها بأفواهها لتطير عنها فذلك قتالها.
إذا ما أريناها الأُزمَّةَ أقبلتْ ... إلينا بحُرَّاتِ الوُجُوهِ تصدَّفُ
قوله تصدف يريد تلاحظها وهي في جانب معرضة.
ذرعنَ بِنا ما بينَ يبريَن عرضَهُ ... إلى الشَّامِ تلْقاها رِعانٌ وصفصفُ
قوله ذرعن بنا يريد في المشي. يقال من ذلك مر فلان يذرع الطريق،
(2/715)

وذلك إذا سار فيه منكمشا.
قال والرعن أنف الجبل والجمع رعان، قال وهي أنوف الجبال. والصفصف المستوى من الأرض.
قال أبو عبيدة الرعن حرفه.
فأفنى مِراحَ الدَّاعرِيَّةِ خوضُها ... بِنا اللَّيلَ إذ نامَ الدَّثُورُ المُلفَّفُ
قال الداعرية، إبل منسوبة إلى فحل يقال له داعر، معروف بالنجابة والكرم. قال والدثور الرجل
المثقل البدن والفؤاد وهو الكسلان.
إذا أغبرَّ آفاقُ السماءِ وكشَّفَتْ ... كُسُورُ بُيوتِ الحيِّ حمراءُ حرجفُ
ويروى وهتكت ستور بيوت. وروى أبو عمرو إذا أحمر آفاق السماء وكشفت. ويروى نكباء. قوله
إذا أغبر آفاق السماء، يعني من المحل وقلة المطر. قال وآفاق السماء جوانبها. قال والكسور واحدها
كسر وهو ما وقع على الأرض من البيت. وبيوت الأعراب إنما هي من الاكسية يتخذونها كالبيوت
يكونون فيها. قال الحرجف الريح الشديدة الهبوب.
وهتَّكتِ الأطنابَ كُلُّ عظيمةٍ ... لهَا تامكٌ مِنْ صادقِ النَّيِّ أعرفُ
ويروى من عاتق الني. ويروى كل ذفرة. قوله لها تامك يعني سناما عظيما. وأعرف طويل العرف.
وذفرة يعني عظيمة الذفرى. إذا أصابها البرد دخلت في الخباء فقطعت الأطناب. قال وإنما تفعل ذلك
من شدة البرد.
وجاءَ قريعُ الشَّولِ قبلَ إفالِها ... يزِفٌ وراحتْ خلفهُ وهيَ زُفَّفُ
ويروى زفيفا وجاءت خلفه. قال الشول الإبل التي قد نقصت ألبانها
(2/716)

وشولت فارتفعت ألبانها. وذلك
كما يشول الميزان شولانا، الواحدة شائلة، فإذا شالت بذنبها للحمل فهي شائل وهن شول. قال وإفالها
صغارها. والقريع الفحل. قال وقوله يزف يعدو. قال والمعنى في ذلك، يقول فراحت إفالها جزعا من
البرد، يقال زفت تزف زفيفا، يريد أن القريع يفر من شدة البرد.
وباشَرَ راعِيها الصَّلَى بلبانِهِ ... وكفَّيه حرَّ النَّارِ ما يتحرَّفُ
الصلى يريد صلى النار، كما يقال اصطلينا إذا اتسخنا. قال إذا فتحت أول الصلى فهو مقصور، وإذا
كسرت أوله فهو ممدود. قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: اللبان موضع اللبب من الفرس. وقوله ما
يتحرف يريد ما ينحرف عن النار، وذلك من شدة البرد لا يفارق النار.
وأوقدتِ الشِّعرَى مَعَ الليلِ نارَها ... وأمست مُحولاً جِلدُها يتَوسَّفُ
جلدها يعني جلد الأرض يتقشر من الجدب وقلة الانداء. وقوله وأوقدت الشعري مع الليل نارها، قال
وذلك لأن الشعرى تطلع في أول الشتاء أول الليل. ونارها يريد شدة ضوئها، يريد وأمست السماء
جلدها. يتوسف يعني يتقشر وإنما يعني قلة السحاب. يريد أن السماء مثل الجلد لها. قال وأنشدنا
للحطيئة:
مساعير حرب لا تخم لحامهم ... إذا أمست الشعري العبور استقلت
وأصبحَ موضُوعُ الصَّقيعِ كأنَّهُ ... على سرواتِ النِّيبِ قُطنٌ مندَّفُ
وروى أبو سعيد بيوت الصقيع. ويروى مبيض الصقيع. وقوله
(2/717)

على سروات النيب، يريد على مسان الإبل وهي النيب، قال وسرواتها اسنمتها.
يقول وقع الثلج على اسنمتها كأنه قطن مندف.
وموضوعه ما تساقط منه. والصقيع الجليد.
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عنْ نارِ أهله ... ليربضَ فِيها والصِّلا متكنَّفُ
وجدتَ الثَّرى فينا إذا يبِسَ الثَّرى ... ومنْ هُوَ يرجُو فضلهُ المُتضيفُ
وروى أبو عمر وجدت القرى. قال والثرى يريد الندى، وهذا مثل. يقول يجد عندنا من نزل بنا
خصبا في هذا الوقت، من شدة البرد، وهو أشد الأوقات للضيافة، لذهاب الألبان وذهاب العشب،
فالناس مجهودون. يقول فنحن في هذا الوقت غياث لمن نزل بنا.
ترَى جارَنا فِينا يُجيرُ وإنْ جَنَى ... فَلا هُوَ مِمَّا يُنطِفُ الجارَ ينطُفُ
يقول جارنا يجير لعزنا ومنعتنا. يقول ومع هذا فهو سليم أن يصيبه إلا خير. قال والنطف الدبرة
تدخل في جوفه. قال أبو عمرو الشيباني: النطف أن تصل الدبرة إلى جوف البعير، فيقال قد نطف
البعير. قال وإنما يعني هاهنا الهلاك والأمر الشديد، يقع فيه جارهم. يقول ينطف الجار أي يهلكه.
يقول فهو آمن من أن يبدأه سوء.
ويمنعُ مولانَا وإنْ كانَ نائِياً ... بِنا جارَهُ ممَّا يخافُ ويأنفُ
يقول يمنع مولانا وهو ابن عمنا، ويكون مولانا الذي نعتقه، فهو يمنع من يجيء إليه وصار في
ناحيته، بمنعتنا وإن نأى عنا، أي بعد، من قوله تعالى {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي يبعدون عنه -
(2/718)

يقول فهو يمنع جاره من الضيم مما يخاف من العار، وأن يسب به عقبه من بعده ويأنف من ذلك.
وقَدْ علمَ الجِيرانُ أنَّ قُدُورنا ... ضَوامِنُ للأرزاقِ والريحُ زفزفُ
نُعجِّلُ للضَّيفانِ في المحلِ بالقرَى ... قدُوراً بمعبُوطٍ تُمدُّ وتُغرفُ
قوله المحل، هي السنة الجدبة التي لا مطر فيها. وقوله بمعبوط، يقول ننحر للاضياف من إبلنا
الصحيحات، التي لا عيب بها من مرض ولا غيره. وقوله تمد هذه القدور كلما نفد ما فيها ملئت.
وهو من قول الله تعالى {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} يقول فكلما فني ما في قدورنا ممدناها وغرفنا لضيفنا.
تُفرَّغُ في شِيزي كأنَّ جِفانَها ... حِياضُ جِبىَ مِنْها مِلاءٌ ونُصَّفُ
ويروى حياض الجبى. الشيزي من خشب الشيز. قوله حياض جبى قد جبى فيها الماء فهي ملأى
أبدا.
تَرَى حولهنَّ المُعتفينَ كأنهُمْ ... عَلَى صنمٍ في الجاهليَّةِ عُكَّفُ
قُعُوداً وخلفَ القاعِدينَ سُطورُهمْ ... جُنُوحٌ وأيديِهْمِ جُمُوسٌ ونُطَّفُ
ويروى جنوحاً وفوق الجانحين شطورهم قيام. شطورهم نصفهم.
قوله سطورهم، يقول خلف السطر سطر مثله، جموس يعني جمس عليها من سمنه. وقوله ونطف
يقول يسيل منها الودك، ينطُف نطفاً ونطفاناً. ويروى شطورهم أي مثلهم. يقول من الناس من أكل
(2/719)

فقد جمس الودك على يده، ومن كان يأكل فهو يقطر من يده.
وَما حُلَّ منْ جهْلِ حُبَى حُلَمائِنا ... وَلا قائِلٌ بالعُرفِ فِينا يُعنَّفُ
ومَا قامَ منَّا قائِمٌ في نَديِّنا ... فينطقَ إلاَّ بالتيِ هِيَ أعرفُ
وإنِّى لَمِنْ قومٍ بِهِمْ تُتَّقى العِدَى ... ورأبُ الثَّأي والجانبُ المُتخوفُ
وأضيافِ ليلٍ قدْ نقلنا قِراهُمُ ... إليهِمْ فأتلفنا المَنايا وأتلفُوا
قوله قد نقلنا قراهم، قراهم هاهنا القتل. يقول: إنا أوقعنا بهم وقتلناهم، وذلك قول عمرو بن كلثوم:
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداةً طحونا
المنايا هاهنا الرجال الأشداء. وقوله فأتلفنا المنايا وأتلفوا، يقول صادفنا المنايا متلفة وصادفوها
كذلك، كما تقول أتينا فلانا فأبخلناه، وكذلك فأحمدناه، وذلك إذا صادفناه بخيلا وحميدا.
قريناهُمُ المأثورةَ البِيضَ قبلَها ... يُثجُّ العُروُقَ الأزنيُّ المُثقَّفُ
قوله يثج أي يسيل. والازأني الرماح، نسب إلى سيف بن ذي يزن. قال والمثقف المقوم بالثقاف،
وهو خشبة تسوى بها الرماح، حتى يستوي عوجها ويستقيم. قال أبو عبد الله الأيزني. قال والمأثورة
يريد السيوف التي صقلت، حتى ظهر أثرها أي فرندها وحسنها الذي تراه في السيف، كأنه أرجل
نمل، كذلك فسره الأصمعي وأبو عبيدة.
قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن ذلك وأبا عبيدة مرة أخرى فقال لي هو كما أعلمناك.
(2/720)

ومسرُوحةً مِثلَ الجرادِ يسُوقُها ... مُمرٌّ قُواهُ والسَّراءُ المُعطَّفُ
يعني النبل، شبهها بالجراد. ممر يعني وتر القوس. قواه طاقاته، كل طاقة قوة، والسراء شجر تتخذ
منه القسي.
فأصبحَ في حيثُ التقينَا شريدُهُمْ ... طِليقٌ ومكتُوفُ اليدينْ ومزعفُ
قوله ومزعف، قال هو أن ينزع للموت مما به من الجراحات، ويكيد بنفسه.
وكُنَّا إذا ما استكرَهَ الضَّيفُ بالقرَى ... أتتْهُ العوالي وهيَ بالسَّمِّ ترعفُ
يقول إذا أراد أن نقريه كرها، لقيناه بالرماح تقطر دما. والسَّم والسُّم واحد.
ولا نستجُّم الخيلَ حتَّى نُعيدها ... غوانِمَ مِنْ أعدائِنا وهيَ زُحَّفُ
يقول لا نتركها جامة إذا رجعت من غزو، حتى نعيدها لغزو آخر. ويروى فيعرفها أعداؤنا. وهي
عطف رواجع قد عطفت عليهم وكرت.
كذلكَ كانتْ خيلُنا مرَّةً تُرَى ... سماناً وأحياناً تُقادُ فتعجفُ
عليهنَّ منَّا الناقِضونَ ذُحولهُمْ ... فهُنَّ بأعباءِ المنيَّةِ كُتَّفُ
أعباء المنية أحمال المنية، يعني فرسان الخيل. كتف تكتف المشي، إذا مشت رفعت كتفا ووضعت
كتفا.
مداليقُ حتَّى تأتِيَ الصَّارخَ الَّذي ... دَعَا وهوَ بالثَّغرِ الَّذِي هُو أخوفُ
قوله مداليق، يقول تسرع إلى الغارات وطلب الذحول، وهو مثل
(2/721)

قولك قد اندلق السيف من غمده،
وذلك إذا خرج خروجا سريعا. قال والصارخ المستغيث. يقول فنحن إذا سمعنا الصوت أسرعنا إليه
مجيبين، لا يثنينا عن ذلك شيء. قال والسيف الدلوق السلس الدخول والخروج من الغمد، يقول فهذه
الخيل سراع إلى المستغيث على كل حال.
وكُنَّا إذا نامتْ كُليبٌ عنِ القرَى ... إلى الضَّيفِ نمشِي بالعَبيطِ ونلحَفُ
قوله بالعبيط اللحم الطري. قوله ونلحف يريد نلبسه اللحف فندفئه من البرد. قال وإنما هذا مثل
ضربه. يقول نحن نكفيه كل ما نابه، حتى يذهب من عندنا الضيف وهو لنا حامد.
وقِدرٍ فثأنا غليْها بعدَ ما غلتْ ... وأُخرَى حششْنَا بالعَواليِ تؤثَّفُ
قوله وقدر فثأنا غليها، يقول سكنا غليها. قال والمعنى في ذلك، رب حرب قاتلنا فيها حتى ظفرنا
بعدونا فسكنت وانقضت. ثم قال: وأخرى حششنا، قال الحش إدخال الحطي تحت القدر، فضربه مثلا
للحرب وإنما يريد أنا نستقبل حربا أخرى. وقوله تؤثف يقول تجعل لها أثافي. قال وإنما هذا كله مثل
ضربه للحرب.
وكُلُّ قِرَى الأضيافِ نقرِى مِنَ القَنا ... ومُعتبطٍ فِيهِ السنَّامُ المُسَدَّفُ
ويروى ومعتبطا. قال المسدف المقطع سدائف أي شققا. قال والسديف قطعة من سنام.
ولوْ تشربُ الكلبَة المراضُ دِماءنا ... شَفتها وذُو الدَّاءِ الذي هو أدنف
(2/722)

قوله الكلبى هم الذين بهم الكلب، وهو عض الكلب. الكلب يقال إذا شرب الذي يعضه دم ملك برئ.
يقول نحن ملوك. في دمائنا شفاء للكلبى وذلك كما قال البعيث:
من الدارميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنَّة والخبل
مِنَ الفائقِ المحبُوسِ عنهُ لسانُهُ ... يفوقُ وفيهِ الميِّتُ المُتكنَّفُ
ويروى من الفائق المحجوب. الفائق المحبوس الذي عند الموت يأخذه الفواق.
وجدنا أعزَّ النَّاسِ أكثرهُمْ حصَىً ... وأكرمهُمْ مَنْ بالمكارِمِ يُعرَفُ
وكلتاهُما فِينا إلى حيثُ تلتقِي ... عصائِبُ لاقَى بينهُنَّ المُعرّفُ
ويروى فينا لنا. ويروى حين تلتقي. يقول هاتان الخصلتان فينا: كثرة العدد وبذل المعروف. وقد
شرطهما في البيت الأول. لاقى بينهن جمع بينهن يعرفون ذاك لنا.
منازِيل عنْ ظهرِ القليلِ كثيرُنا ... إذا ما دَعا في المجلسِ المُتردَّفُ
ويروى ذو الثورة المتردف. يقول نحن كثير ننزل عن منزلة القليل، لانا لسنا بقليل. فنحن نغيث
من استغاث بنا أغثناه بكثرة. قال الأصمعي قوله منازيل عن ظهر القليل كثيرنا، يقول لنا نزل وإن
كان قليلاً فهو خير من كثير غيرنا. قال أبو عبيدة: يقول نحن وإن كنا كثيراً، لنا عز ومنعة ننزل
لذي القلة عن حقه، يحفظنا إياه، إن قل وذل، لا تمنعنا كثرتنا وعزنا من إنصافه والرفق به كراهة
البغي، إذ كنا كذلك. قال أبو عبد الله كان أبو العباس يقول مثل ذلك. هذا يعني قول أبي عبيدة. قال
والمتردف الذي يردفه من الشر شيء بعد شيء. يقال ردفه خير، وردفه شر.
(2/723)

قلفْنَا الحصَى عَنهُ الَّذي فوقَ ظهرِهِ ... بأحلامِ جُهَّالٍ إذا ما تغضَّفُوا
قلفنا القاف مقدمة، قوله قلفنا يريد ألقينا. وقوله بأحلام جهال يريد بحلم حلماء وبهم جهل عليهم.
وقوله تغضفوا يقول ما لوا عليه بالتعطف والنظر.
عَلى سورةٍ حتَّى كأنَّ عزيزَها ... تَرامَى بِهِ مِنْ بين نيقينِ نفنفُ
ويروى على ثورة. قال نيقان جبلان. قال الأصمعي النفنف ما بين أعلى الجبلين إلى أسفلهما.
ويروى ما بين نيقين.
وجهلٍ بحلمٍ قدْ دَفعنا جُنونهُ ... ومَا كانَ لَوْلا حِلمُنا يتزحلَفُ
قوله يتزحلف يعني يتنحى ويتباعد. قال أبو عبد الله يقال تزحلف وتزلحف.
رجحْنا بِهمْ حتَّى استثابُوا حُلُومهُم ... بِنا بعدَ ما كادَ القنا يتقصَّفُ
ويروى بعد ما كان. يقول كانت حلومهم عازبة عليهم فاستثابوها، يعني ردوها فثابت إليهم يعني
رجعت إليهم.
ومدَّتْ بأيديها النِّساءُ ولَمْ يكُنْ ... لذي حسبٍ عنْ قومِهِ مُتخلِّفُ
يقول مدت بأيديها النساء إلى الرجال، ليستغثن بهم ويناشدنهم ألا يهربوا ويدعوهن. يقول ولا يحسن
بالرجل الحسيب، أن يتخلف عن نصر أهله، وذلك إذا بلغ الأمر أشده واستغاث بالرجال النساء.
(2/724)

كفيناهُمُ ما نابهُمْ بحُلُومِنا ... وأموالِنا والقومُ بالنَّبلِ دُلَّفُ
قوله دلف جمع دالف، قال الدالف الرجل يمشي مشيا فيه إبطاء، يقال من ذلك قد دلف القوم بعضهم
إلى بعض، وذلك إذا مشوا مشياً على تؤدة وتمكن ورفق.
وقدْ أرشدُوا الأوتارَ أفُواقَ نبلِهِمْ ... وأنْيابُ نوكاهُمْ مِنَ الحردِ تصرِفُ
ويروى وقد سدد الأوتار أفواق، قوله قد أرشدوا الأوتار، يقول شدوا الأوتار. والأفواق على الأوتار.
قال وفوق السهم ما بين شرخيه، وهو موضع الوتر إذا فوقه. قال والحرد الغيظ وشدة الغضب. وقوله
تصرف يقول تحرق كما يصرف البعير، وذلك إذا حرك نابيه فسمعت لهما صوتا.
فَما أحدُ في النَّاسِ يعدلُ درأنا ... بعزٍّ ولا عزٌّ لهُ حينَ نجنفُ
ويروى يعدل درأنا بدرء ولا عز له. درؤنا دفعنا ومنه {فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ}
تثاقلُ أركانٌ عليهِ ثقيلةٌ ... كأركانِ سلمَى أو أعزُّ وأكثفُ
ويروى تثقل. قوله أكثف يعني أغلظ وأشد وأكثر جمعاً. أركان جوانب. سلمى أحد جبلي طييء.
سيعلمُ منْ سَلمى تميماً إذا هوتْ ... قوائمُهُ في البحرِ منْ يتخلَّفُ
(2/725)

فَسعدٌ جِبالُ العِزِّ والبحرُ مالكٌ ... فلاَ حضَنٌ يُبلى ولا البحرُ يُنزفُ
لَنَا العِزَّةُ الغلباءُ والعددُ الَّذي ... عليهِ إذا عُدَّ الحَصَى يتحلف
ويروى لنا العزة القعساء، يريد الممنعة، والغلباء الغليظة العنق وهذا مثل وقوله يتحلف يريد من
الحلف واليمين. يقول يحلف على أنه ليس لأحد مثل عددنا وعزنا، أي يتحالف الناس علينا
ويجتمعون.
ولا عِزَّ إلاَّ عزُّنا قاهرٌ لَهُ ... ويسئلُنا النِّصفَ الذَّليلُ فيُنصفُ
ومِنَّ الَّذي لا ينطِقُ النَّاسُ عندهُ ... ولكِنْ هُوَ المُستأذنُ المُتنصَفُ
قوله المتنصف يعني المخدوم - قال والمنصف الخادم - يعني بذلك أمير المؤمنين. يقول هو منا
فلنا عزه وسلطانه دون الناس، فلا يقدر أحد أن يفاخرنا.
تراهُمُ قُعُوداً حولهُ وعيونهم ... مُكسَّرةٌ أبصارُها مَا تصرَّفُ
قوله ما تصرف، يقول ما تنظر يمنة ولا يسرة من مهابته وجلالته، فذلك الفخر لنا دون غيرنا.
وبيتانِ: بيتُ الله نحنُ وُلاتُهُ ... وبيتٌ بأعلا إيلياءَ مُشرَّفُ
قوله بأعلا إيلياء، يريد بيت المقدس وهو مشرف معظم. يقول فلنا الكعبة وبيت المقدس.
لَنا حيثُ آفاقُ البريَّةِ تلتقي ... عميدُ الحَصَى والقسوريُّ المُخندفُ
(2/726)

ويروى عديد الحصى. وقوله عميد الحصى يريد بالحصى العدد الكثير. والقسورى: الكبير الرئيس.
قال والمخندف يقول ينتمي في نسبه إلى خندف. قال وعميد القوم سيدهم.
إذا هبطَ النَّاسُ المُحصَّبَ مِنْ مِنىً ... عشيَّةَ يومِ النَّحرِ مِنْ حيثُ عرَّفُوا
ترَى النَّاسَ ما سِرنَا يسيرُونَ خلفنَا ... وإنْ نحنُ أومأنَا إلى الناسِ وقَّفُوا
أُلوفُ أُلوُفٍ مِنْ دُروعٍ ومنْ قَناً ... وخيلٌ كريعانِ الجرادِ وحرشفُ
ريعان كل شيء أوله ومقدمه خيل يريد الفرسان، والحرشف الرجالة.
وإن نكثُوا يوماً ضربْنا رِقابهُمْ ... عَلى الدِّينِ حتَّى يُقبِلَ المُتألَّفُ
ويروى وإن فتنوا يوما ضربنا رءوسهم. ويروى حتى يرجع.
فإنَّكَ إنْ تسعَى لِتُدرِكَ دارِماً ... لأَنتَ المُعنَّى يا جرِيرُ المُكلَّفُ
أتطلُبُ مِنْ عِندَ النُّجومِ وفوقَها ... بربقٍ وعيرٍ ظهرُهُ متقرفُ
ويروى عند المساء مكانه. ويروى يتقرف. الربق حبل تشد به الجداء. والعنوق متقرف من آثار
الدبر.
وشيخين قَدْ ناكا ثَمانِينَ حِجَّةً ... أتانِيهما هَذا كبيرٌ وأعجفُ
ويروى قد كاما. ويروى هذا ملح ومجرف. شيخين يعني عطية والخطفي.
أبَى لجريرٍ رهطُ سُوءٍ أذلَّةٌ ... وعرضٌ لئيمٌ للمخازِي مُوقَّفُ
(2/727)

وأُمٌّ أقرَّتْ مِنْ عطيَّةَ رحْمُها ... بأخبَث ما كانتْ لهُ الرحمُ تنشفُ
إذا سلخَتْ عنْها أُمامةُ درعَها ... وأعجبَها رابٍ إلى البطنِ مُهدِفُ
قال أمامة امرأة جرير. وقوله مهدف أي مستند. قال والهدف السند من الأرض مثل الحائط، يواري
ما وراءه. وجاء في الحديث، أحب شيء كان إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يتغوط فيه
هدف أو حائش نخل.
قصيرٌ كأنَّ التُّركَ منهُ جباهُها ... حنُوقٌ لأعناقِ الجرادينِ أكشفُ
ويروى كأن الترك فيه وجوههم. قصير يعني فرج المرأة أكشف لا شعر فيه، كجبهة الترك.
الجرادين جمع جردان وهو الاير.
تقُولَ وصكَّتْ حُرَّ خدَّي مغيظةٍ ... على البعلِ غيري ما تزالُ تلهَّفُ
ويروى حري. ويروى على الزوج. ويروى عبري.
أمَا مِنْ كُليبي إذا لمْ تكُنْ لهُ ... أتانانِ يستغني ولا يتعففُ
إذا ذهبتَ مِنِّي بزوجي حِمارةٌ ... فليسَ على ريحِ الكُليبيِّ مأسفُ
قال لما بلغ عمارة إلى هاهنا قال يا ابن الفاعلة!
عَلى ريحِ عبدٍ ما أتَى مثلَ ما أتى ... مُصلِّ ولا مِنْ أهلِ ميسانَ أقلفُ
تقول لا آسف على ريح عبد، لم يأت أحد مثل الذي أتى به، لا مؤمن ولا كافر.
إذا ما احتبتْ لِي دارمٌ عندَ غايةٍ ... جريتُ إليها جريَ منْ يتغطرَفُ
(2/728)

قوله يتغطرف يعني يسود ويطلب السؤود، والغطريف السيد.
كِلانَا لهُ قومٌ هِمُ يُحلبُونهُ ... بأحسابِهِمْ حتَّى يُرى منْ يُخلَّفُ
ويروى من تخلفوا. يحلبونه يعينونه وينصرونه. يقال جاءهم مدد من الرجال، وجاءهم حلب من
الرجال أي من يعينهم. ومن ثم يقال قد أحلب عليه جموعا بعد جموع، يريد من يعين عليه.
إلى أمدٍ حتَّى يُزايلَ بينهُمْ ... ويُوجِعَ مِنَّا النَّخسُ منْ هُوَ مُقرفُ
ويروى يزيل وبيننا. ويروى ويوجع بالنخس الذي هو أقرف. قوله أقرف يريد الهجين المقرف ليس
بعربي، وهو الذي أحد أبويه برذون كما قالت هند:
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى ... وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
عطفتُ عليكَ الحربَ إنِّ إذا ونَى ... أخُو الحربِ كرَّارُ على القرنِ معطفُ
تُبكي على سعدٍ وسعدٌ مُقيمةٌ ... بيبرينِ منهُمْ مَنْ يزيدُ ويُضعفُ
ويروى قد كادت على الناس تضعف.
عَلى مَنْ وراءَ الرَّدمِ لَوْ دُكَّ عنهُمْ ... لماجُوا كَما ماجَ الجرادُ وطوَّفُوا
ويروى وسعد كأهل الردم لوفض عنهم. ويروى لو دك دكة. قوله لو دك عنهم، يعني لو دق الردم
الذي بيننا وبينهم، يريد السد الذي سده ذو القرنين. يقول ماجوا في الأرض أي ملؤوها. وقوله
وطوفوا يقول خرجوا مثل الطوفان فملؤوها كما ملأ الطوفان الأرض.
فهُمْ يعدلُونَ الأرضَ لوْلاهُمْ استوتْ ... على النَّاسِ أوْ كادتْ تسيرُ فتُنسفُ
ولوْ أنَّ سعدا أقبلتْ مِنْ بلادِها ... لجاءتْ بيبرينَ اللَّيالي تزحَّفُ
(2/729)

هذا مقلوب، أراد لجاءت يبرين بالليالي، أي بجيش مثل الليالي تزجف. وقوله فتنسف يريد فتقلع
شبههم بالجبال.
يقول لجاءت يبرين بعدد من سعد، مثل عدد رمل يبرين. وقوله الليالي تزحف يريد جاء السيل
والليل في كثرتهم وجمعهم، كالليل يملأ كل شيء سواده، يقول فكذلك تملأ كل شيء عددا.
فأجابه جرير فقال
ألا أيُّها القلبُ الطَّروبُ المُكلَّفُ ... أفِقْ رُبَّما ينأى هُواكَ ويُسعفُ
قوله ينأى أي يبعد ويسعف يقرب. يقال قد أسعفه بحاجته أي قارب أن يقضيها له. ويروى ربما
ينأى هواك وتسعف.
ظلِلْتَ وقدْ خبَّرتَ أنْ لستَ جازِعاً ... لربعٍ بِسلمانينِ عينُكَ تذرِفُ
وتزعُمُ أنَّ البينَ لا يشعفُ الفَتى ... بلىَ مِثلُ بيني يوم لُبنانَ يشعفُ
قوله يشعف يعني يغلب على الغلب، وهو من قوله تعالى {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} وقد شغفها حبا بالعين
والغين، قد قرأ القراء بهما جميعا ومعناهما واحد، وهو أن يغلب على القلب الحب ولا يعقل غيره.
وطالَ حِذاري غُربةَ البينْ والنوَّى ... وأحدوثةً مِنْ كاشحٍ يتقوَّفُ
قوله من كاشح يعني عدوا مطالبا، وقوله يتقوف. يقول يعني بأمري ويقفو أثري ويكذب علي.
ولوْ علمتْ علمي أُمامةُ كذَّبتْ ... مقالةَ منْ يَنعى عليَّ ويعنُفُ
(2/730)

ويروى من يبغي عليَّ ويعنف. ينعي علي أو يخبر الناس أخباري وقوله من يبغي علي ويعنف من
يتقول علي ويعنف في القول ويتجنى عليَّ الباطل.
بأهلِي أهلُ الدَّارِ إذْ يسكُنُونها ... وجادكِ مِنْ دارٍ ربيعٌ وصيِّفُ
قولج وجادك، يقول مطرت مطر الجود هو كثرته. وقوله ربيع وصيف يريد مطر الربيع، ومطر
الصيف قبل القيظ، وفيه المنفعة. ومطر القيظ لا منفعة له، فلذلك قال ربيع وصيف.
سمعتُ الحمامَ الورقَ في رونقِ الضُّحَى ... بذي السِّدرِ مِنْ وادِي المراضَين تهتفُ #نظرتُ ورائِي#
نظرةُ قادَها الهَوى=وألحَى المهارَى يومَ عُسفانَ ترجُفُ
ويروى نظرت أمامي نظرة. ترجف أي تضطرب في الأرض.
تَرَى العرمسَ الوجناءَ يدمَى أظلُّها ... وتُحذى نِعالاً والمناسِمُ رُعَّفُ
الأظل ما تحت المنسم من الخف، الوجناء العظيمة الوجنات، قال والعرمس من الإبل الصلبة
الشديدة. وقال الأصمعي العرمس الصخرة، وإنما شبهت الناقة بها إذا كانت صلبة قوية على السفر.
مَددْنا لِذاتِ البغِي حتَّى تقطَّعتْ ... أزابيُّها والشَّدقميُّ المُعلَّفُ
قوله أزابيها يعني جنوبها ونشاطها، الواحدة أزبية. يقول سرنا عليها حتى ذهب مرحها ونشاطها
بعدما كانت ذات بغي أي نشاط.
صرحنَ حَصَى المعزاءِ حتَّى عُيونُها ... مُهجِّجَةٌ أبصارُهُنَّ وذُرَّف
(2/731)

قوله صرحن يعني ضربن بأرجلهن الحصى لصلابة أخفافها، وقوله مهججة يقول عيونها غائرة، أي
داخلة في الرأس، وذلك للجهد والضمر.
كأنَّ دِياراً بينَ أسنُمةِ النَّقا ... وبينَ هذالِيلِ النَّحيزَةِ مُصحفُ
فلستُ بِناسٍ ما تغنَّتْ حمامةٌ ... وَلا ما ثَوَى بينَ الجناحينِ رفرفُ
ويروى بين الخبيبين. ويروى بين الجنابين رفرف. قال وهو موضع.
دِياراً مِنَ الحَيِّ الَّذِينَ نُحبُّهُمْ ... زَمان القِرَى والصَّارِخُ المُتلهِّفُ
هُمُ الحيُّ يربُوعٌ تعادَى جيادُهُمْ ... عَلى الثَّغْر والكافُونَ ما يُتخَوَّفُ
عليهِم مِنَ الماذيِّ كُلُّ مُفاضَةٍ ... دِلاصٍ لَها ذَيلٌ حصِينٌ ورفرفُ
ولا يستوِي عقرُ الكرُومِ بِصوأرٍ ... وذُو التَّاجِ تحتَ الرايةٍ المُتسيَّفُ
المتسيف الذي معه سيفه، والكزوم الناقة المسنة الضعيفة. والمتسيف الذي يقتل تحت الراية بالسيف.
ومولَى تميمٍ حينَ يأوي اليهِم ... وإنْ كانَ فيهِمْ ثروةُ العزِّ مُنصَفُ
قوله مولي تميم، يريد ابن عمهم. وهو من قوله تعالى {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} وهم بنو
العم. وقوله منصف غير مظلوم، وهذا مثل قول الفرزدق: منازيل عن ظهر القليل كثيرنا.
بَنِي مالِكٍ جاءَ القُيونُ بمُقرِفٍ ... إلى سابِقٍ يجرى ولاَ يتكلَّف
المقرف الهجين يعني الفرزدق. والسابق يعني نفسه.
(2/732)

ومَا شَهِدَتْ يومَ الأيادِ مُجاشِعٌ ... وذَا نجبٍ يومَ الأسِنَّةِ ترعفُ
ويروى يوم العبيط. قال وكان من حديث الاياد، حدثنا أبو عثمان قال، قال أبو عبيدة:

يوم الاياد
هو يوم العُظالى، ويوم الإفاقة، ويوم أعشاش، ويوم مليحة، وإنما سمى يوم العظالى، لأنه تعاظل
على الرئاسة بسطام، وهانئ بن قبيصة، ومفروق بن عمرو، والحوفزان يوم العظالى. قال وكانت
بكر تحت يد كسرى وفارس. قال فكانوا يقوونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في
ثلاثمائة متقابلين - يعني متساندين - يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن، وكانوا يتشتون جفافا،
فإذا كان انقطاع الشتاء انحدروا إلى الحزن. قال فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من بني
سليط أول الحي، حتى أسهلوا ببطن نجفة مليحة. قال فطالعت بنو زبيد في الحزن حتى حلوا الحديقة
بالأفاقة. وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد، قال ويقبل الجيش حتى ينزلوا الهضبة، هضبة
الخصي، ثم بعثوا ربيئتهم، فأشرف الخصي وهو في قلة الحزن، فرأى السواد في الحديقة، وتمر إبل
فيها غلام شاب من بني عبيد بالجيش - قال هبيرة يقال له قرط بن أضبط - فعرفه بسطام، وكان
عرف عامة غلمان بني ثعلبة حين أسر - وقال سليط لا، بل هو المطوح بن قرواش - فقال له
بسطام إيه يا مطوح، أخبرني خبر حيك، أين هم من السواد الذي بالحديقة؟ قال هم بنو زبيد. قال
أفيهم أسيد بن حناءة؟ قال نعم. قال كم هم من بيت؟ قال خمسون بيتا. قال
(2/733)

فأين بنو عتيبة وأين بنو أزنم؟ قال نزلوا روضة الثمد. قال فأين سائر الناس؟ قال محتجزون بجفاف - وجفاف موضع
معروف - قال فمن هناك من بني عاصم، أين الأحيمر؟ قال فيهم. قال أيم معدان وقعنب ابنا عصمة.
قال هما فيهم. قال فأين وديعة بن الأوس الأزنمي؟ قال فيهم. قال فمن فيهم من بني الحارث بن
عاصم؟ قال حصين بن عبد الله وعفاق بن عبد الله. فقال بسطام أتطيعونني، أرى لكم أن تميلوا على
هذا الحي الحريد - يعني المتنحي - من بني زبيد، فتصبحوا غدا غانمين بالفيفاء سالمين. فقالوا وما
تغني بنو زبيد عنا لا يردون رحلتنا. قال إن السلامة إحدى الغنيمتين. قالوا إن عتيبة قد مات. وقال
مفروق قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء. وقال هانئ أجبناً. فقال لهم إن أسيدا لم يكن يظله بيت شاتيا
ولا قائظا، يبيت القفر متوسدا طول الشقراء، لم تبت عنه نفسا - أي لم تكن متباعدة عنه منذ كان -
فإذا أحس بكم تسفد الشقراء - يعني علاها - قال وهو مأخوذ من أن يسفد الذكر الأنثى إذا علاها. -
والشقراء اسم فرسه - فركض حتى يشرف مليحة، فينادي يال يربوع، فيركب فيتلقاكم طعن ينسيكم
الغنيمة، ولم يصر أحد مصرع صاحبه، وقد جبّنتموني فأنا تابعكم. ثم قال لهم وستعلمون ما أنتم
لاقون غدا. قالوا نقبل فنتلقط بني زبيد، ثم بني عبيد، وبني عتيبة كما تتلقط الكمأة، ونبعث فارسين
فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين يربوع. فبعثوا بفارسين فوقفا في ليلة أضحيان - يعني
مقمرة - حيث أمرا - يقال إضحيان وأضحيان بكسر الألف وضمها. قال أبو عبد الله الضم شاذ -
قال فلما أحست الشقراء بوئيد الخيل - أي بوقع حوافرها - وقد أغاروا ثم أقبلوا. بحثت بيدها فحال
أسيد في متنها - يقال حال في متن فرسه. قال أبو النجم:
(2/734)

فحال والسربال في أحشائه -
قال فابتدروه الفارسان فطعنه أحدهما فألقى نفسه في شق فأخطأه ثم كر راجعاً فقال تالله نتكاذب الليلة
فمن أنتم قالوا بسطام ومفروق وهانئ، فقال أسيد يا سوء صباحاه ثم ولي حتى أشرف مليحة ثم نادى
يا سوء صباحاه يا آل يربوع فقال وديعة بن أوس فكاني أنظر إلى ضوء الفجر بين منسج الشقراء
واسته - قال وكان قلعا - فلم يتودع من أهل مليحة أحد قال فلم يرتفع الضحى حتى تلاحقوا بغبيط
الفردوس فقال أسيد: لبث قليلا تلحق الحلائب.
فقال بسطام:
صباح سوء لكم النواعب
قال وبعدت على معدان وأخيه قعنب ابني عصمة، والأحيمر، ونهيك ابن عبد الله، وعفاق بن أبي
مليل، ووديعة بن أوس، ودراج بن النحار، وعمارة والحليس ابني عتيبة، خيولهم فركبوا آخر الناس،
فلم يأخذوا مأخذ مالك بن نويرة، وصرد بن جمرة، وقعنب بن سمير، وجزء بن سعد على الإفاقة،
فلما طلعوا على الثنية، رأوا أم درداء السليطية عريانة تعدو، قال فألقى قعنب بن عصمة، عصابة
كانت فوق بيضته عليها، وهو على فرسه البيضاء، وقالوا ارفعوا خيولكم. فالتقى الذين أخذوا بطن
الافاقة والحديقة، والذين جاءوا من الثنية، فالتفتوا فعرف بسطام الأحيمر، فقال أحيمر هو؟ قال نعم.
قال لقد عهدتك بطلا محدودا، وإني لأنفسك على الموت، فأعط بيدك لا تقتل، فقال أبعد بحير ومالك
ابن حطان تؤبسني - قال هو تؤشبني - على الحياة أي تحرضني. في نسخة ابن سعدان أبعد بجير.
قال أحمد بن عبيد، ثم رماه بفرسه
(2/735)

الشقراء. قال وزعمت بنو ثعلبة أن الأحيمر لم يطعن برمح قط إلا
انكسر. قال فكان يقال له مكسر الرماح. فلما أهوى ليطعنه ولى بسطام فانهزم. ولقى فُقحل الشيباني
عمارة بن عتيبة فقتله. ويحمله قعنب على فقحل فقتله. وقتل الدعاء عفاق بن أبي مليل - وقال آخر
بل قتله الضريس بن مسلمة، أخو بني أبي ربيعة - ولم يقتل من بني يربوع يومئذ غيرهما فيما
زعم. وأسر بشر بن حثمة السليطي الدعاء. وعميرة ابن طارق خال الدعاء. فلم يقتله بشر لذلك وأخذ
فداءه ثم خلاه. وأسر وديعة بن أوس بن مرثد هاني بن قبيصة، ففاداه فقال في ذلك جرير:
رجعن بهانئ وأصبن بشرا ... وبسطاما تعض به القيود
ويروى يعض به الحديد. قال أبو عبيدة، وزعم سليط أن قعنب بن عصمة قتل مفروقا فدفن بثينة من
أرضنا يقال لها إلى اليوم ثنية مفروق.
وأسر لأم بن سلمة رجلا من بني شيبان، يقال له ابن المقعاس، قتل يوم حومل عصمة بن النحار،
فادعى بشر بن حثمة السليطي فيه، فاشترى بنو أزنم نصيبه بتسع من الإبل. وقالوا للأم بعنا نصيبك
منه، فانه ثأرنا. قال أبيعكموه بمائة من الإبل. فقالوا لا نبالي ألا تبيعناه، نقطع نصيبنا منه فنذهب به
إلى أهلنا، وتذهب أنت بنصيبك إلى أهلك. قال كذبتم والله لا تقتلون أسيري. فلما رأى الشر باعهم
نصيبه بتسعة ابعرة، كما باعهم صاحبه فقتلوه بعصمة بن النحار. وقتل حصين بن عبد الله الثعلبي
زهير بن الحزور الشيباني. قال أبو عثمان قال الأصمعي: وزعم جهم أن أحيمر أسر عميرة بن الحزور
(2/736)

الشيباني، فدفعه إلى أبي مليل فقتله. وقتلوا أيضا الهيش بن المقعاس. وقتلوا عمير بن
الوداك. وقتلوا أخا فقحل بن مسعدة. وقتلوا كرشاء. وأسر ابنا العوام يزيد وشنيف. وقال آخرون بل
ظن أبوهما أنهما قد قتلا وأسرا، ثم أتياه بعد. وأما بسطام فألح عليه فرسان من بني يربوع. قال وكان
دارعا وكان على ذات النسوع فرسه، فكانت إذا أجدت لم يتعلق بها شيء من خيلهم. فإذا أوعثت
كادوا يلحقونها، فلما رأى ذلك بسطام نثل درعه، فوضعها بين يديه على قربوس السرج، وكره أن
يرمى بها، وخاف أن يلحق في الوعث، فلم يزل ذلك ديدنه وديدن القوم، حتى حميت الشمس عليهم
فخاف اللحاق فمر بوجار ضبع، فرمى بالدرع فيه، فمد بعضها بعضا حتى غابت في الوجار - قال
والوجار جحر من جحرة الضبع - قال فلما خفت عنها، امغطت ففاتت الطلب، فكان آخر من أتى
قومه بعد ما ظنوا أنه قد قتل. قال أبو جعفر: قوله امغطت امتدت وأسرعت لا تلوي على شيء. فقال
متمم بن نويرة في أسيد بن حناءة:
لعمري لنعم الحي أسمعَ غدوةً ... أسيدٌ وقد جد الصراخ المصدق
فأسمع فتيانا كجنة عبقر ... لهم رَيِّق عند الطعان ومصدق
أخذن به جنبي أفاق وبطنها ... فما رجعوا حتى أرقوا وأعتقوا
رأوا غارة تحوي السوام كأنها ... جرادٌ ضُحِيّا سارح متورق
وقال العوام الشيباني في بسطام وأصحابه:
إن يك في يوم الغبيط ملامة ... فيوم العظالى كان أخزى وألوما
أناخوا يريدون الصباح فصبحوا ... وكانوا على الغازين دعوة اشأما
(2/737)

فررتم ولم تُلووا على مجحريكم ... لو الحارث الحراب يدعى لأقدما
وما يجمع الغزو السريع نفيره ... وأن يحرموا يوم اللقاء القنا الدما
ولو أن بسطاما أطيع بأمره ... لأدى إلى الأحياء بالحنو مغنما
ولكن مفروق القفا وابن خاله ... ألاما فليما يوم ذاك وشوِّما
ففر أبو الصهباء إذ حمس الوغى ... وألقى بابدان السلاح وسلما
وأيقن أن الخيل إن تلتبس به ... يقظ عانيا أو يملأ البيت مأتما
ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما
أبى لك قيد بالغبيط لقاءهم ... ويوم العظالى إذ نجوت مكلما
فأفلت بسطام جريضا بنفسه ... وغادرن في كرشاء لَدنا مقوَّما
وقاظ أسيرا هانئ وكأنما ... مفارق مفروق تغشَّين عندمَا
وقال العوام يلوم أصحاب بسطام، حين آبوا ولم يؤب معهم، وفي ابنيه يزيد وشنيف:
لو كنت في الجيش إذمال الغبيط بهم ... ما أبت قبل أبي زيق ولم يؤب
أبو زيق بسطام وزيق ابنه:
أعزز علي ولم أشهد فأمنعه ... مَدعى يزيد شنيفاً ثم لن يجب
ما يبتغي لرداف بعدُ سلهبةً ... قرواء مرخية التقريب والخبب
(2/738)

وقال أيضا:
قبح الإله عصابة من وائل ... يوم الإفاقة أسلموا بسطاما
ورأى أبو الصهباء دون سوامهم ... عركا يسلي نفسه وزحاما
كنتم أسودا في الرخا فوجدتُم ... يوم الإفاقة بالغبيط نعاما
ويروى في الرخاء وفي الوغا أيضاً. قال فلما ألح عوام في ذلك، أخذ بسطام إبله، فقالت أمه
أرى كل ذي شِعْرٍ أصاب بشعره ... سوى أن عوَّاما بما قال عيَّلا
فلا تنطقن شعرا يكون حواره ... كما شعر عوام أعام وأرجلا
ويروى جوازه، وقال قطبة بن سيار بن منذر بن ثعلبة بن حصبة ابن أزنم في هذا اليوم:
ألم تر جثمان الحمار بلاءَنا ... غداة العُظالى والوجوه بواسر
غداة دعا الداعي أسيد صباحه ... وللقوم في صم العوالي جوائر
فطرنا إلى الوجوه جياد كأنها ... جراد تبارى وجهة الريح باكر
ونجت أبا الصهباء كبداء نهدة ... غدائتذ وأنساته المقادر
إذا شام فيها رجله جنات له ... كما جنات في الجو فتخاء كاسر
يجيش بطوفان من الشد جريها ... كماسح شؤبوب من الوبل ماطر
يقول له الدعاء راخ عنانها ... أتتك حياض الموت أمك غابر
قال أبو عبد الله، يقال جنئ يجنأ في الخلقة، وجنأ عليه أي عطف
(2/739)

عليه، قال أبو عبد الله ويروى
عابر بالعين غير معجمة وبالغين معجمة. فبالغين معجمة الباقية، وبالعين مهملة من العبرة قال أحمد
ابن عبيد، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من أهل العلم، الغابر الباقي، ليس بينهم في ذلك
اختلاف، تفسير الغابر الباقي لقوله "يستأصلون غابرهم" قدمناه وهو مؤخر. قال أبو عبيدة: هو بسطام
ابن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل
بن شيبان. وهو بيت ربيعة. وهانئ بن قبيصة بن هانئ ابن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي
ربيعة بن ذهل بن شيبان. ومفروق بن عمرو بن قيس بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل
ابن شيبان. وهمام البيت الثاني. وقيس خال مفروق وبسطام خال هانئ.

وهذا حديث يوم ذي نجب
خبرنا سعدان، قال حدثنا أبو عبيدة قال، وكان من حديث يوم ذي نجب، وكان على قرن العام التابع
من يوم جبلة، أن بني عامر بن صعصعة لما قتلوا من قتلوا يوم جبلة من بني حنظلة، رجوا أن
يستأصلوا غابرهم، فأتوا حسان بن كبشة الكندي، وكان ملكا من ملوك اليمن، فدعوه إلى أن يغزو
معهم بني حنظلة، وأخبروه أنهم قد قتلوا فرسانهم ورؤساءهم. قال فأقبل معهم بصنائعه ومن كان معه،
فلما أتى بني حنظلة مسيره إليهم، قال عمرو بن عمرو بن عدس - قال أبو عبد الله يقال في تميم
عُدُس بضم الدال، وهو ينصرف، وسائر
(2/740)

العرب عدَس بفتح الدال - يا بني مالك، لا طاقة لكم بهذا
الملك وما معه من العدد، فخفوا من مكانكم هذا، وكانوا يومئذ في أعلا الوادي، مما يلي مجيء القوم.
وكانت بنو يربوع في أسفله، فتحولت بنو مالك حتى نزلت خلف بني يربوع، وصارت بنو يربوع
يلون القوم والملك. فلما رأت بنو يربوع ما صنعت بنو مالك، استعدوا وتقدموا قدام الحي مما يلي
مجيء ابن كبشة. فلما كان في وجه الصبح سند اليهم ابن كبشة، وقد استعد القوم فاقتتلوا مليا،
فضرب حشيش بن نمران الرياحي ابن كبشة على رأسه فصرعه، فخر ميتا. وضرب الحارث بن
حصبة وطارق بن حصبة يزيد بن الصعق على رأسه. وقتل عبيد بن مالك بن جعفر. وانهزم طفيل
بن مالك على فرسه قرزل. قال أبو عبد الله أخبرنا أحمد بن يحيى، أن القُرذُل ضرب من المشطة
تمتشطها المرأة، تكون على ناحية من الرأس. وأسر عامر بن كعب الهصان أحد بني أبي بكر ابن
كلاب، دريد بن ثعلبة بن الحارث بن حصبة. وقتل عمرو بن الأحوص، وكان رئيسهم، قتله يومئذ
خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل. قال وقد كان قال له بعض أصحابه يومئذ، يا
خالد اقتل بأبيك. قال خالد فلما ضربته جعل يتحاوص إلى شعاع السيف. وكان يقال له ولأبيه
الاحوصان. وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبشة.
فقال أوس بن حجر:
كان بنو الأبرص أقرانَكم ... فأدركوا الأحدَثَ والأقدما
إذ قال عمرو لبني مالك ... لا تعجلوا المرَّةَ أن تُحكما
والله لولا قُرزُلُ إذ نجا ... لكان مأوى خدك الأخرما
(2/741)

ويروى إذ جرى. قال والأخرم الجبل وهو منقطع أنفه. قال والمعنى في ذلك يقول لثوى خدك في
الأرض. قال والأخرم أيضا موضع الكتف. يقول إذا لسقط رأسك على الموضع. وقال الأصمعي
الأخرم يعني أخرم الجبل، وهو منقطع أنفه. يقول لثوى خدك في الأرض.
نجاك جياش هزيم كما ... أحميت وسط الوبر الميسما
وقال جرير، يذكر خذلان بني مالك إياهم وانتقالهم من موضعهم الذي كانوا فيه:
ونحن الذائدون إذا ظعنتم ... عن الحي المصبح والسوام
ونازلنا ابن كبشة قد علمتم ... وذا القرنين وابن أبي قطام
وقال جرير أيضاً يذكر يوم ذي نجب:
بذي نجب ذُدْنا وواكل مالك ... أخاً لم يكن عند الحفاظ يواكله
وقال جرير أيضاً:
ونازلنا الملوك بذات كهف ... وقد خُضِبت من العَلَق العوالي
نعد المقربات بكل ثغر ... ونصدق عند معترك النزال
لقد ضَربَ ابنَ كبشةَ إذ لحقنا ... حُشيشٌ حيث تفليه الفوالي
وقال سحيم بن وثيل الرياحي:
ونحن صدعنا هامة ابن خويلد ... يزيد وضرجنا عبيدة بالدم
(2/742)

رأى غمرات الموت دون ابن أمه ... وأزنم بالوادي ورهط متمم
بذي نجب إذ نحن دون حريمنا ... على كل جياش الاجاري مِرجم
إذ الخيل يحدوها حشيش وحنتف ... بمعترك الأبطال عند ابن شعثم
وقال الفرزدق يذكر عمرو بن الأحوص:
وعمرا أخا عوف تركنا بملتقى ... من الخليل في كاب من النقع قاتمِ
رجع إلى شعر جرير:
فَوارِسُنا الحُوَّاطُ والسَّرحُ دُونهُمْ ... وأردافُنا المحُبُّو والمُتنصفُ
ويروى الغوار والسرح دونهم. والثغر أيضا رواية. قال المحبو الذي تحبوه الملوك. والمتنصف
الذي يعطي النصفة ويخضع له.
لقدْ مُدَّ للقينِ الرِّهانُ فردَّهُ ... عَنِ المجدِ عِرقٌ مِنْ قُفيرةَ مُقْرِفُ
ويروى عن المجد كاب. قال الأصمعي المقرف من الدواب، الذي أحد أبويه برذون. وإنما ضربه
مثلا هاهنا يريد أن أحد أبويه ليس بعربي، والأصل للدواب فاستعاره للناس. قال والعرب تفعل هذا.
لَحَى اللهُ مَنْ ينبُو الحُسامُ بِكَفِّهِ ... ومنْ يلجُ الماخُورَ في الحجلِ يرسُفُ
يقال مر فلان يرسف في قيده، إذا مشى فيه وهو الرسفان.
ترفَّقتَ بالكيرينِ قينَ مُجاشع ... وأنتَ بهزِّ المشرفيَّةِ أعنفُ
(2/743)

قوله أعنف، يقال أعنف للرجل والمرأة سواء في المذكر والمؤنث، وفي الجميع أيضا أعنف. القين
أصله الحداد، ثم نقل فسمى به كل صانع يعمل بيده، حتى قالوا للمغنية قينة.
وتُنكِرُ هزَّ المشرفيِّ يمينهُ ... ويعرفُ كفَّيِه الإناءُ المُكتَّفُ
قوله المكتف يعني المضبب. قال والكتيفة الضبة من الحديد.
ولَوْ كُنتَ منَّا يا ابنَ شِعرةَ ما نَبا ... بكفَّيكَ مصقُولُ الحديدةِ مُرهفُ
قوله مصقول الحديدة، يعني نبو السيف بيد الفرزدق عن عنق الأسير بين يدي سليمان بن عبد
الملك. ومرهف محدد مرقق بالمسان. يعيره بذلك، يقول كيف نبا هذا السيف في حدته ورقة حديدة
بيدك، لولا انك لم تعتد أن تضرب بالسيف، يهجوه بذلك.
عرفتُمْ لَنا الغُرَّ السَّوابِقَ قبلكُمْ ... وكانَ لقينيكَ السُّكيتُ المُخلَّفُ
نُعِضُّ المُلُوكَ الدَّارِ عينَ سُيوفَنا ... ودفُّكَ مِنْ نَفَّاخهِ الكير أجنفُ
ألمْ ترَ أنَّ الله أخزَى مُجاشِعاً ... إذا ضَمَّ أفواجَ الحجيجِ المعرَّف
ويومَ مِنىً نادتْ قُريشٌ بغدرِهِمْ ... ويومَ الهَدايا في المشاعِرِ عُكَّفُ
ويُبغِضُ سِترُ البيتِ آل مُجاشعٍ ... وحُجَّابُهُ والعابِدُ المُتطوِّفُ
وكانَ حديثَ الرَّكبِ غدرُ مُجاشِعٍ ... إذا انحدُروا مِنْ نخلتين وأوجفُوا
وإنَّ الحوارِيَّ الَّذي غرَّ حبلُكُمْ ... لَهُ البدرُ كابٍ والكواكبُ كُسَّفُ
ولَوْ فِي بَني سعْدٍ نزلتَ لمَا عصَتْ ... عوانِدُ فِي جوفِ الحوارِي نُزَّفُ
ويروى ولو في بني سعد يحل. قوله لما عصت يعني عروقا، لا ترقأ ولا ينقطع دمها حتى يموت
صاحبها، ويقال عروق عواند وذلك أن يجري دمها في جانب. ويقال للعرق الذي لا يرقأ عاند،
وعاص، وناعر.
(2/744)

قال الشاعر:
وعواص الجوف تنشخب
فهلاَّ نهيتُمْ يا بَنِي زَبدِ اسْتِها ... نُسوراً رَأتْ أوصالَهُ فهيَ عُكَّفُ
ويروى علت أوصاله فهي دفف. من دف الطائر إذا طار على وجه الأرض.
فلسْتَ بِوافٍ بالزُّبيرِ ورحلِهِ ... وَلا أنتَ بالسِّيدانِ بِالحقِّ تُنصِفُ
ويروى فلست بموف. ويروى ولا أنت بالسيدان في الحي منصف. ويروى في الحكم تنصف.
بَنُو مِنقرٍ جرُّوا فتاةَ مُجاشِع ... وشَدَّ ابنُ ذَيَّالٍ وخيلُكَ وُقَّفُ
وهُمْ رجعُوها مُسحرينَ كأنَّما ... بجعثنَ مِنْ حُمَّى المدينةِ قفقفُ
ويروى قرقف. يعني رعدة مسحرين، يعني أنهم فجروا بها حتى دخلوا في السحر.
وقدْ علِمَ الأقيانُ أنَّ فتاتهُمْ ... أُذِلَّت رِدافا كُلَّ حالٍ تُصرَّفُ
فباتَتْ تُنادِي غالِباً وكأنَّها ... على الرَّضفِ مِنْ جمرِ الكوانين تُرضَفُ
وتحلِفُ ما أدْمَوا لجعثِنَ مثبِراً ... ويشهدُ حُوقُ المنقرِيِّ المُجوَّفُ
ويروى ما دموا. ويروى حوق المنقري المقرف. ويروى المحرف. قوله ما أدموا، يريد افعلوا من
الدم مثل قولهم اقتضوا. قال والمثبر الموضع الذي تنتج فيه الناقة، يعني يقع فيه دمها وسلاها، فهي
لا تكاد تنساه، يقال مرت الناقة على مثبرها، وذلك إذا مرت عليه وشمته،
(2/745)

فهي تذكره. قال والحوق الكمرة وهو موضع الختان.
وقدْ سلخُوا بالدَّعسِ جلدِ عِجانِها ... فَما كادَ قرحٌ بأستِها يتقرَّفُ
لجعثِنَ بالسِّيدانِ قَدْ تعلمُونهُ ... مساحِجُ مِنْها لا تَبِيدُ ومزحفُ
عَلى حفرِ السيِّدانِ باتتْ كأنَّها ... سفينةُ ملاَّحِ تُقادُ وتُجدفُ
وما قصدتْ في عُقرِ جعثنَ منقرٌ ... ولكِنْ تعدَّوا فِي النَّكاح وأَسرفُوا
وقدْ كانَ فِيما سالَ مِنْ عرقِ استِها ... بيانٌ ورضفُ الرُّكبتينِ المُجلَّف
وقدْ تركُوا بِنتَ القيونِ كأنَّما ... بقيَّةُ ما أبقَوْا وجارٌ مُجوَّفُ
بَنِي مالكٍ أمْسَى الفرزدقُ عائِذاً ... وجعثِنُ باتَتْ بالنَّآطِلِ تَدلفُ
وباتَتْ رُدافى مِنقرٍ يركبُونَها ... فضُيِّعَ فِيها عُقرُها المُتردَّفُ
وهُمْ كلَّفوها الرَّملَ رَملَ مُعبِّرٍ ... تقولُ أهذا مشْيُ حُردٍ تلقَّفُ
معبر حبل من رمل الدهناء ن وإنما سمى معبرا لأن من ورد الماء جازه، ومن صدر جازه لقلة
عشبه، فلا ينزل به أحد. والحرد جمع أحرد وهو الذي أضر العقال بعرقوبه، فهو يخبط الأرض
بيده. والتلقف أن لا يمكن البعير يديه من الأرض.
لحَى اللهُ ليلَى عِرْسَ صعصعةَ ... الَّتِي تُحبُّ بِشارَ القينِ والقينُ مُغدِفُ
ويروى تريد. وبشار مصدر باشرته.
وإنِّي لتبتزُّ المُلوكَ فَوارِسِي ... إذا غرَّكُمْ ذُو المِرجلِ المُتجخِّفُ
المتجخف المتكبر. المرجل قال الأصمعي كل قدر تسميها العرب مرجلا.
ألمْ ترَ تيمٌ يرمِي مُجاشِعاً ... شَديدُ حِبالِ المنجنيقين مِقذَفُ
عَجِبتُ لصِهرٍ ساقكُمْ آل دِرْهم ... إلى صهرٍ أقوامٍ يلامُ ويُصلَف
(2/746)

يقال صلفت المرأة وذلك، إذا لم تحظ عند زوجها. ويقال رب صلف تحت الراعدة. قال وذلك إذا
كان رعد بلا مطر، ويضرب مثلا للذي يتكلم بلا فعل، ويقال أرض صلفاء ومكان أصلف، وذلك إذا
كان غليظاً لا نبات فيه. وما كان هذا المكان صلفاً ولقد صلف، إذا كان كذلك. ومثل أصلف من
جوزتين في غرارة.
لَئِيمان هذِي يدَّعِهيا ابنُ دِرَهمٍ ... وهَذا ابنُ قينِ جلدُهُ يتوسَّفُ
قوله يتوسف أي يتقشر. قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة، قال أعين ابن لبطة، وأمه النوار بنت أعين
بن ضبيعة بن ناجية: كان الفرزدق تزوج على النوار مضارة لها: رهيمة بنت غنيم بن درهم، وهم
من اليرابيع قوم من النمر بن قاسط في بني عباد، وأمها الخميصة من بني الحارث بن عباد فنافرته
رهيمة، واستعدت عليه فدعا عليها الفرزدق، وهو بين يدي العامل. فقال الفرزدق ما هي بامرأتي
وأنا منها بريء وقال في ذلك:
إن الخميصة كانت لي ولابنتها ... مثل الهراسة بين النعل والقدم
إن فات بيتك من بيتي مطلقة ... فلن تردي عليها زفرة الندم
وقال الفرزدق للنوار حيث كان تزوجها:
سوف يريكِ النجم والشمس حية ... زحامُ بنات الحارث بن عُباد
نساء أبوهن الأغر ولم تكن ... من الحُتِّ في أجبالها وهَداد
أبوها الذي أدنى النعامةَ بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تماد
أقمت بها مَيْل النوار فأصبحت ... مقاربة لي بعد طول بعاد
(2/747)

قال وسعى رجل من بني مازن. على أصهار الفرزدق بني درهم، فظلمهم لقحتين لهم، فقال الفرزدق
في ذلك:
تخطيتها أنعام بكر بن وائل ... إلى لقحتي راعي غنيم بن درهم
ومن يحتلب سيئاتهم في إنائه ... يجد طعم صاب في الإناء وعلقم
علام بنت بنت اليرابيع بيتها ... علي، وقالت لي بليلٍ تعمَّم
إذا أنا لم أجعل مكان لبونها ... لبونا وأفقأ ناظر المتظلم
رجع إلى شعر جرير:
ومَا منعَ الأقيانُ عقرَ فَتاتهمْ ... ولا جارهُمْ والحُرُّ منْ ذاكَ يأْنَفُ
أتمدحُ سعداً حينَ أخزتْ مُجاشِعاً ... عقيرةُ سعدٍ والخباءُ مُكشَّفُ
نفاكَ حجِيجُ البيتِ عنْ كُلِّ مشعرٍ ... كمَا رُدَّ ذُو النُّميتينِ المُزيَّفُ
قال أهل الحجاز يسمون هذه الصنجات النمامي. قال وذلك لأنه من حديد، النمي يريد الفلس الردي.
قال ابن الحميم الأسدي:
يجور علينا عامدا في قضائه ... بنمية ميزانها غير قائم
وما زِلْتَ موقوفاً عَلى بابِ سوءةٍ ... وأنتَ بدارِ المُخزياتِ مُوقَّفُ
ألؤْماً وإقراراً على كُلِّ سوءةٍ ... فمَا للِمَخازِي عنْ قُفيرةَ مصرِفُ
ويروى ألؤما وإسكانا على كل خزية.
ألمْ نَر أنَّ النَّبع يصلُبُ عُودُهُ ... ولا يستَوي والخزوعُ المُتقصِّفُ
وما يحمدُ الأضيافُ رِفدَ مُجاشعٍ ... إذا روَّحتْ حنَّانةُ الرِّيح حرجفُ
(2/748)

إذا الشَّوْلُ راحتْ والقريعُ أمامَها ... وهُنَّ ضَئيلاتُ العرائِكِ شسَّفُ
ضئيلات قد هزلهن السفر وذهب بلحمهن. والقريع فحل الإبل. ويقال لرئيس القوم وسيدهم، والذاب
عنهم، والقائم بأمرهم، والمنظور إليه من بينهم، قريع قومه. والعريكة أصل السنام موضع يجسه
الجزار فإذا وجده لينا فهو سمين، ومنه قيل فلان لين العريكة. قال وواحدة الشول شائلة، وهي التي
ارتفع لبنها، فإذا رفعت ذنبها لحمل فهي شائل، والجمع الشول. قال أبو النجم:
كان من أذنابهن الشُّوَّل ... من عبس الصيفِ قرونَ الأيِّلِ
قال لأنها في الصيف تأكل الحمض، وقوله شسف يعني يابسة. والعرائك الأسنمة، ومن ذلك قولهم
رجل لين العريكة، وجمل لين العريكة أي ذلول.
وأنتُمْ بَنِي الخوَّارِ يُعرفُ ضربكُمْ ... وأُمُّكمُ فخٌّ قذامُ وخيضفُ
الفخ الجفر. وقذام واسع الفم كثير الماء، يعني فرجها قذم. يقال من ذلك هو يقذم بالماء قذما. قال
وخيضف ضروط. ويروى وأماتكم فتخ القدام وخيضف. أي عراض الأقدام، قال الأصمعي والعرب
تقول للرجل السخي الكثير الإعطاء والبذل لما في يديه إنه ليقذم بالمال قذما، وذلك إذا كان لا يرد
أحدا، ولا يفتر من البذل لما عنده، فكأنه مشتق من ذلك.
(2/749)

وقائلَةٍ ما للفرزدق لا يُرى ... عَلى السنِّ يستغني ولا يتعفَّفُ
يقُولونَ كلاَّ ليسَ للقينِ غالِبٌ ... بَلى إنَّ ضربَ القينِ بالقينِ يُعرفُ
ولمَّا رأوْا عيني جُبيرٍ لِغالبٍ ... أبانَ جُبيرُ الريبةَ المتقرف
ويروى أبان جبير الزنية المتعرف. جبير قين كان لصعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد. يريد
أبان جبير المتقرف الريبة، فحذف التنوين في جبير وذلك لالتقاء الساكنين. وذلك كما قال عبد الله بن
قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
فحذف التنوين. قال أبو عثمان وإنما سمي بن الرقيات باسم جداته.
أخُو اللُّؤُمِ ما دامِ الغَضا عجلَزٍ ... ومَا زالَ يُسعى في رمَادانَ أحقفُ
إذا ذُقْتَ مِنِّي طعمَ حربٍ مريرَةٍ ... عطفتُ عليكَ الحربَ والحربُ تُعطفُ
تروغُ وقدْ أخزوكَ في كلِّ موطِنٍ ... كما راغَ قردُ الحرَّةِ المُتخذِّفُ
أتعدِلُ كهفاً لا تُرامُ حُصُونهُ ... بهارِ المراقِي جُولهُ يتقصفُ
أرادا بجول هائر. وقوله بهار يريد هائرا كما ينهار الرمل. وجول البئر ما حولها، وإنما يريد أنك لا
تقدر على أن تكون مثلي. أنا جبل، وهو الكهف، وأنت كالرمل الذي ينهار، فأين أنت مني.
تحُوطُ تميمٌ منْ يحوطُ حماهُمُ ... ويحمِي تميماً منْ لهُ ذاكَ يُعرفُ
أنا ابنُ أبِي سعدٍ وعمروٍ ومالكٍ ... أنا ابنُ صميمٍ لا وشيظٍ تخلَّفُوا
(2/750)

وشيظ قطعة من عود. تحلفوا تجمعوا.
إذا خطرتْ عمروٌ ورائِي وأصبحتْ ... قُرُومُ بنِي بدرٍ تسامَى وتصرفُ
تسامى تسابق الشرف، ويريد أن يعلو ذكرها. وتصرف يريد تغيظ وتطلب بوترها، كما يصرف
البعير، وذلك إذا حرك نابيه، وصرف بهما. ويفعل ذلك من شدة وجهد، فضربه مثلا.
ولَمْ أنْسَ مِنْ سعدٍ بقُصوانَ مشهداً ... وبالأدمَى ما دامتِ العينُ تطرِفُ
وسعدٌ إذا صاحَ العدوُّ بسرحِهِمْ ... أبوا أنْ يهدُّوا للِصِّياحِ فأرجفُوا
قوله فأرجفوا، أراد أقاموا فلم يبرحوا لعزهم ومنعتهم، وأنهم لا يهولهم صياح العدو. ويروى
فأوجفوا.
إذا نزلتْ أسلافُ سعدٍ بلادَها ... وأثقالُ سعدٍ ظلَّتِ الأرضُ ترجُفُ
ديارُ بَنِي سعدٍ ولا سعدَ بعدهُمْ ... عفتْ غيرَ أنقاءٍ بيبرينَ تعزِفُ
قوله ديار بني سعد ولا سعد بعدهم، يقول ليس بعدهم سعد من السعود. قال الأصمعي إنما العزف في
الرمال لتهدمها، وليس كما يقول بعض الناس إنه أصوات الجن.
ويروى إذا ركبت سلاف سعد خيولهم. ويروى إذا تركت سلاف سعد بلادها.
(2/751)