Advertisement

شرح نقائض جرير والفرزدق 003

الجزء الثالث
(3/752)

وقال الفرزدق لجرير:
سمونا لنجرانَ اليماني وأهلهِ ... ونجرانُ أرضُ لم تُديّثْ مقاولُهْ
قوله سمونا يعني علونا. تُدّيث تُوطأ وتُذلل. مقاوله مُلوكه. قال: ونجران أرض بين مكة واليمن،
وكان أهلها نصارى. فلما قيل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: لا أترك بجزيرة العرب نصرانياً. أخرجهم عمر - رضي الله عنه - منها، وأقطعهم
نجران هذه التي بسواد الكوفة، التي سما لها الأقرع بن حابس، قبيل الإسلام فغنم وظفر. فافتخر
الفرزدق على جرير فقال: سمونا لنجران اليماني وأهله، يعني غزوناهم. قال اليربوعي: وقوله سمونا
لنجران اليماني وأهله، فإن المأمور أخابني الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج،
أغار في بني الحارس بن كعب، على بني دارم، فأصاب امرأتين من بني زرارة بن عدس بن زيد
بن عبد الله بن دارم أمامة وزينب. قال فجمع الأقرع بن حابس بني دارم، ثم سار بهم، فأصاب نعيمة
بنت الصبان بن كعب، وابنتين لأنس بن الديّان، وقد ولدن في بني زرارة، ففخر بيوم الأقرع على
أهل نجران، وهم بنو الحارث بن كعب، وبيوم الكُلاب، وهو يوم لسعد والرباب على بني الحارث
بن كعب، وسائر مذحج، ونهد، وجرم. ففخر جرير على عدي بن الرقّاع العاملي فقال:
خيلي التي وردتْ نجرانَ ثمّ ثنتْ ... يومَ الكُلابِ بوردْ غيرْ محبوسِ
قدْ أفعمتْ واديَيْ نجرانَ مُعلمةً ... بالدار عينَ وبالخيل الكراديسَ
قال: وفخر الفرزدق أيضاً، بيوم لعمرو بن حُدير بن سلمى بن جندل بن
(3/753)

نهشل بن دارم، أغار فيه على بني الحارث بن كعب بنجران، فقتل وسبا.
قال وقتل في هذا اليوم ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل، عمرا،
ويزيد ومالكاً، بني العُزيل الحارثي، قال وفي هذا اليوم يقول ضمرة:
تركتُ بني العُزيل غيرَ فخر ... كأنّ لحاهم ثمغتْ بورسِ
هرقتُ دماءهم فشرعتُ فيها ... بسيفيَ شربَ واردةٍ لخمسِ
قال: وفي هذا اليوم يقول عبد العزيز بن جوّال بن سلامة:
ونعمَ رئيسُ القومِ عمرو يقودهمْ ... بنجرانَ إذْ لاقى لكاكاً منَ الوردِ
فجاءَ يسوقُ السبيَ منهمْ رجالهمْ ... مُغلّلةً أعناقهمْ في عُرى القِدّ
رجع إلى شعر الفرزدق.
بمختلفِ الأصواتِ تسمعُ وسطهُ ... كَرِزّ القطار لا يفقهُ الصوتَ قائلهْ
قوله بمختلف الأصوات، يريد سمونا إلى نجران بجيش فيه أصوات مختلفة، من صهيل ورغاء
وشحيج وكلام الناس، والرز الصوت الذي له دوي لا يُفهم. ورز القطا، يعني أن فرقاً من الناس فيه
ودوياً من أصواتهم.
لنا أمرهُ، لا تُعرفُ البُلقُ وسطهُ ... كثيرُ الوغا من كلّ حيّ قبائلهْ
قوله لنا أمره، يقول نحن أمراءه، وقوله لا تعرف البلق وسطه، يقول لأن البلق أشهر الخيل ألواناً،
فإذا لم تُعرف البلق فيه، فغيرها أجدر أن لا يُعرف، وذلك لكثرة أهله وخيله. قال والوغا، اجتماع
الأصوات، قال ومثل الوغا الوحا والوعا مقصور كله.
كأنّ بناتِ الحارثيينَ وسطهمْ ... ظِباءُ صريم لم تُفرّجْ غياطلهْ
(3/754)

ولم تُفرق يُروى. الصريم الرمل، ينقطع من الرمل الكثير، والغياطل الشجر المجتمع، الواحدة
غيطلة قال وظلم الليل غياطل أيضا. وقوله لم تفرج غياطله، يقول لم يتفرق بعض شجره من بعض.
وشبه بنات الحارثيين بالظباء التي تسكن الرمل.
إذا حانَ منهُ منزلٌ أوقدتْ بهِ ... لأخراهُ في أعلىَ اليفاعِ أوائلهْ
ويروى منزلُ الليل أوقدت واليفاع المشرف من الأرض. وقوله لأخراه، يقول إذا ورد أول الجيش،
فنزلوا منزلا، أوقدوا على شرف من الأرض. وقوله لأخراه، يقول لآخر من ينزل، إنما يفعلون ذلك،
ليهتدي بالنار من يريد النزول من المسافرين، ليعرفوا منزلهم بالنار التي أوقدوها على هذا اليفاع.
تظلُّ بهِ الأرضُ الفضاءُ مُعضلاً ... وتجهرُ أسدامَ المياهِ قوابلهْ
ويروى الأفق. وقوله الفضاء، يريد الأرض الواسعة البعيدة الأقطار. وهي النواحي. وقوله معضلا،
يقول تضيق عنه هذه الأرض الواسعة البعيدة الأقطار. والأسدام المياه المندفنة. قال: وذلك لطول
عهدها بالناس، فقد دفنها التراب مما تسفي الريح التراب على هذه الآبار. يقول فإذا جاء هؤلاء
المسافرون، يريد الجيش، فأظهروا هذه الآبار، فاستقوا منها، أخرجوا مع الماء القليل الذي فيه من
التراب والطين، فيظهر لهم حينئذ، فذلك الجهر، يقال من ذلك بئر جهير، ومجهورة، إذا استُقي منها
الماء فيه الطين.
ترى عافيات الطيرِ قدْ وثّقتْ لها ... بشبع منَ السخل العتاقِ منازلهْ
قوله ترى عافيات الطير، يريد سباع الطير التي تطلب ما تأكل. قال: والسخل أولاد الخيل. يقول
إذا نزلوا منزلا أزلقت فيه الخيل، فطرحت أولادها، فإذا ترحّلوا عنه، أكلت الطير أولاد الخيل التي
أزلقت في
(3/755)

المنازل. عافيات الطير التي تعفو، تُجهض أولادها من شدة السير واللغوب.
إذا فزعوا هزّوا لواءَ ابنِ حابسٍ ... ونادوا كريماً خيمهُ وشمائلهْ
سعى بتراتٍ للعشيرة أدركتْ ... حفيظةُ ذي فضل على منْ يفاضلهْ
فأدركها وازدادَ مجداً ورفعةً ... وخيرا وأحظى الناسِ بالخيرِ فاعلهْ
أرى أهل نجرانَ الكواكبَ بالضحى ... وأدركَ فيهم كلّ وترٍ يحاولهْ
وصبّحَ أهلَ الجوفِ والجوفِ آمنٌ ... بمثلِ الدبا والدهرُ جمّ بلابلهْ
فظلَّ على همدانَ يومٌ أتاهمُ ... بنحسِ نحوسٍ ظهرهُ وأصائلهْ
وأهلَ حبونا من مرادٍ تداركتْ ... وجرماً بوادٍ خالطَ البحرَ ساحلهْ
ويروى وأهلُ بالرفع، وقوله وأهل حبونا من مراد، قال حبونا أرضُ مراد خاصة.
صبحناهمُ الجُردَ الجيادَ كأنها ... قطاً أفزعتهُ يومَ طلّ أجادلهْ
قوله أجادله، الأجادل الصقور، الواحد أجدل. قال وقد جعلوا البازي أجدلا أيضاً. قال: والظل الذي
يقع على الشجر والنبات، وهو من قوله تعالى {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ}. وهو الندى.
يقول فإن لم يصب هذا الشجر والنبات مطر فطل أي فندى.
ألا إنّ ميراثَ الكُليبيّ لابنهِ ... إذا ماتَ رِبقا ثلّةٍ وحبائله
قال: الربق الحبل الذي تُشد به المعزى وغيرها. والثلة الضأن.
(3/756)

فأقبِلْ على ربقيْ أبيكَ فإنّما ... لكلّ امريء ما أورثتهُ أوائلهْ
تسربَل ثوبَ اللومِ في بطنِ أمه ... ذراعاهُ منْ أشهادهِ وأناملهْ
كما شهِدَتْ أيدي المجوسِ عليهمُ ... بأعمالهمْ والحقُ تبدو محاصلهْ
ويروى تُبلى محاصله، محاصله حمله، كما يقال حصل عليه كذا وكذا، أي بقي عليه وصار ملازماً له.
عجبتُ لقومٍ يدّعونَ إلى أبي ... ويهجونني والدهرُ جمّ مجاهله
أتاني على القعساء عادِلَ وطبِه ... برجليَ هجينٍ وأستِ عبد تُعادلهْ
ويروى بخُصييْ لئيم واستَ عبدٍ.
فقلتُ لهُ رُدَ الحمارَ فإنهُ ... أبوكَ لئيمٌ رأسهُ وجحافلهْ
يسيلُ على شدقيْ جريرٍ لُعابهُ ... كشلشالِ وطبٍ ما تجفُ شلاشلهْ
ليغمزَ عزّا قدْ عسا عظمُ رأسه ... قُراسية كالفحلْ يصرفُ بازلُهْ
بناهُ لنا الأعلىَ فطالتْ فُروعهُ ... فأعياكَ واشتدتْ عليكَ أسافلهْ
فلا هو مُسطيعُ أبوكَ أرتقاءهُ ... ولا أنتَ عما قدْ بنى اللهُ عادِلُهْ
عما يريد عن الذي قد بنى الله عز وجل:
فإن كنتَ ترجو أنْ توازِن دارمّا ... فُرمْ حَضَنّا فانظرْ متى أنتَ ناقلُهْ
وأرسلَ يرجو ابنُ المراغةِ صُلحَنا ... فُردّ ولمْ ترجعْ بنُجحٍ رسائلهْ
ولاقى شديدَ الدرء مُستحصدَ القوى ... تَفرّقُ بالعصيانِ عنهُ عواذلهْ
إلى كلّ حيّ قدْ خطبنا بناتهمْ ... بأرعنَ مثل الطودِ جمّ صواهلهْ
قوله بأرعن، يعني جيشا كثير الأهل والسلاح. وإنما شُبه بالجبل، وهو الرعن. ويقال الرعن هو
أنف الجبل، والطود الجبل، أيضا العظيم.
(3/757)

والرعن القطعة منه. ثم قال جمّ أي كثير. وصواهله يعني صهيل الخيل. وجم كثير كما يقال، قد
جمّت البئر وذلك إذا كثُر ماؤها. قال: والمعنى في قوله قد خطبنا بناتهم، يقول غزونا بهذا الجيش
الكثير الأهل، فسبيناهن برماحنا.
إذا ما التقينا أنكحتنا رماحُنا ... منَ الحيِّ أبكاراً كِراماً عقائلُهْ
وعقائله كرائمه، قال وعقيلة القوم كريمتهم.
وبنتِ كريمٍ قد نكحنا ولمْ يكنْ ... لها خاطِبْ إلا السّنانُ وعاملُهْ
قال الأصمعي: عامل الرمح قدر الثلث من أوله.
وأنتمْ عضاريطُ الخميسِ عتادكُمْ ... إذا ما غدا أرباقهُ وحبائلهْ
العضاريط التِّباع الذين يكونون في الجيش، وهو الخميس، وقوله عتادكم يريد أداتكم. الأرباق وهي
الحبال التي تُربق بها الغنم. ينسبهم إلى أنهم رعاة الغنم، يعيرهم بذلك.
وأنّا لمنّاعونَ نحتَ لوائنا ... حمانا إذا ما عاذَ بالسيفِ حاملُهْ
وقالتْ كُليبُ قمّشوا لأخيكمُ ... ففرّوا بهِ إنّ الفرزدقَ أكلهْ
فهلْ أحدٌ يأبنَ المراغةِ هاربُ ... منَ الموتَ إنّ الموتَ لابُدّ نائلُهْ
ويروى: فهل أحد يأين الأتان بوائل من الموت إن الموت لابد قاتله.
بوائل: بناج.
فإنيّ أنا الموتُ الذي هوَ ذاهبٌ ... بنفسكَ فأنظرْ كيفَ أنتَ محاولُهْ
(3/758)

ويروى مُزايله، أي مفارقه. وروى أبو عمرو مُزاوله.
أنا البدرُ يُعشي طرفَ عينيكَ فالتمسْ ... بكفيكَ يا ابنَ الكلبَ هلْ أنتَ نائلهْ
أتحسبُ قلبي خارجاً منْ حجابهِ ... إذا دُفٌ عبّادٍ أرنّتْ جلاجلهْ
ويروى إذا ما ابن منجار أرنّت جلاجله، قال ابن منجار، فرس عبّاد بن الحصين الحبطي. قال وكان
يركبه في فتنة ابن الزبير. قال وكان عبّاد على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي.
فقلتُ ولمْ أملكْ أمالِ بنَ مالكٍ ... لأيّ بني ماء السماء جعائلُهْ
إنما جعله مالك بن مالك، يريد المالكين: مالك بن حنظلة بن مالك، ومالك بن زيد مناة، يقال لهما
المالكان. وقوله أمال بن مالك يريد مالك بن حنظلة. قال والجعائل الرشى الواحد جعالة.
أفي قَمَليّ منْ كُليبٍ هجوتُهُ ... أبو جهضَم تغلي عليّ مراجلُهْ
أبو جهضم عبّاد بن الحصين الحبطي.
أحارثُ داري مرتين هدمتها ... وكنتَ ابنَ أختٍ لا تخافُ غوائلهْ
قوله ابن أخت، أراد أسماء بنت مُخربة أم ول هشامِ بن المغيرة، وهي نهشليّة. وقوله ابن أخت،
يعني الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، أخا عمر بن أبي ربيعة الشاعر. ولدته أسماء
بنت مخربة بن جندل بن نهشل بن دارم، فجعله ابن أخت. قال وذلك لأن أمه من بني نهشل، وأسماء
بنت مخربة هي أم أبي جهل، عمرو بن هشام بن المغيرة. قال: وكان الحارث بن عبد الله أميرا على
البصرة، فلقبه أهل البصرة القباع. قال: وذلك أنه مر بقوم يكيلون بقفيز، فقال: إن قفيزكم لقباع، أي
كبير واسع.
(3/759)

وأنت أمرؤ بطحاء مكةَ لمْ يزلْ ... بها منكمُ مُعطي الجنزيلِ وفاعلهْ
فقلنا لهُ لا تُشمتَنّ عدونا ... ولا تنسَ منْ أصحابنا منْ نواصلهْ
ويروى من أخلاقنا ما نُحامله، أي نُكافيه. قال أبو سعيد: نُجامله، وليس لنُحامله هاهنا معنى.
فقبلكَ ما أعييتُ كاسرَ عينهِ ... زياداً فلمْ تقدرْ عليّ حبائلُهْ
يعني زياد بن أبي سفيان. قال: وكان من خبر زياد، أنه كان ينهى أن يُنهب أحد مال نفسه، وأن
الفرزدق أنهب ماله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلا ليبيعها، فباعها وأخذ ثمنها، فعقد عليه
مطرف خزّ كان عليه، فقال قائل: - ويقال قالت له امرأة - لشدّ ما عقدت على دراهمك هذه، أما
والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل، فحلها ثم أنهبها، وقال: من أخذ شيئا فهو له، قال: وبلغ ذلك
زياداً، فبالغ في طلبه، فهرب فلم يزل زياد في طلبه، قد بلغ منه كل مبلغ، ليعاقبه على ما صنع. وقد
نهى زياد في ذلك ألا يفعله أحد. وكان زياد إذا قال شيئا وفى به، فلم يزل في هربه ذلك، يطوف في
القبائل والبلاد، حتى مات زياد.
فأقسمتُ لا آتيه سبعينَ حجّةً ... ولو نُشرتْ عينُ القباع وكاهلُهْ
ويروى ولو كُسرت. وقوله ولو نُشرت يريد ذهبت.
قال وفد الاحنف بن قيس، وجارية بن قُدامة، من بني ربيعة بن كعب ابن سعد، والجَون بن قُدامة
العبشمي، والحُتات بن يزيد، أبو المنازل، أحد بني حويّ بن سفيان بن مُجاشع، إلى معاوية بن أبي
سفيان - رضي الله عنهما - فأعطى كل رجل منهم مائة ألف درهم، وأعطى
(3/760)

الحُتات سبعين الفا، فلما كانوا في الطريق، سأل بعضهم بعضاً، فأخبروا بجوائزهم، فرجع الحُتات إلى معاوية،
قال: ما ردّك يا ابا مُنازل؟ قال: فضحتني في تميم، أما حسبي بصحيح، أم لست ذا سنّ، أم لست مطاعاً في
عشيرتي؟ قال: بلى، قال: فما بالك أخسست بي دون القوم؟ فقال إني اشتريت من القوم دينهم،
ووكلتك أنت إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وكان عثمانيا فقال له: وأنا
فاشتر مني ديني. فأمر له بتمام الجائزة للقوم، وطُعن في جهازه، فمات، فحبسها معاوية. فقال
الفرزدق في ذلك:.
أبوكَ وعمي يا مُعاويَ أورَثا ... تُراثاً فيحتازُ التراثُ أقاربهْ
فما بالُ ميراثِ الحُتاتِ أخذتَهُ ... وميراثُ حربٍ جامدٌ لكَ ذائبهْ
فلو كان هذا الأمرُ في جاهلية ... علمتَ منِ المرء القليلُ حلائبهْ
ولو كان في دين سوى ذا شنئتمُ ... لنا حقنا أو غصّ بالماء شاربهْ
وقدْ رُمتَ أمرا يا معاوي دونهُ ... خياطِفُ علوَدٍ صِعابٍ مراتبهْ
وما كنتُ أعطي النصفَ عن غيرْ قُدرةٍ ... سواكَ ولو مالتْ عليّ كتائبه
ألستُ أعزّ الناسِ قوماً وأسرةً ... وأمنعهمْ جاراً إذا ضيمَ جانبهْ
وما ولدتْ بعدَ النبيّ وأهلهِ ... كمثلي حصانُ في الرجال يُقاربهْ
أبي غالبُ والمرء صعصعةُ الذي ... إلى دارمٍ ينمي فمن ذا يناسبهْ
(3/761)

وبيتي إلى جنب الثريا فناؤهُ ... ومنْ دونهِ البدرُ المُضيء كواكبهْ
أنا ابنُ الجبال الشمّ في عدد الحصى ... وعِرقَ الثرى عرقي فمن ذا يحاسبهْ
أنا ابنُ الذي أحيى الوئيدَ وضامنٌ ... على الدهرِ إذْ عزّتْ لدهر مكاسبهْ
وكمْ منْ أب لي يا مُعاويَ لمْ يكنْ ... أغرّ يُباري الريحَ ما أزوَرّ جانبهْ
نمتهُ فروعُ المالكينِ ولمْ يزلْ ... أبوكَ الذي منْ عبدِ شمس يُقاربهْ
تراهُ كنصلِ السيفِ يهتزُ للنّدى ... كريماً تلقّى المجدَ ما طرّ شاربهْ
طويلُ نجادِ السيفِ مُذْ كانَ لم يكنْ ... قُصيّ وعبدُ الشمسِ ممنْ يخاطبهْ
فرد ثلاثين ألفاً على ورثته. فكان هذا أيضاً قد أغضب زياداً عليه. قال: فلما استعدت عليه نهشل،
ازداد عليه غيظاً، فطلبه فهرب، فأتى عيسى ابن خصيلة بن مغيث بن نصر بن خالد البهزي، أحد
بني سُليم والحجّاج بن عِلاط بن خالد السّلمي.
قال أبو عبيدة: فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى بن خصيلة، قال: لما اطرّد زياد الفرزدق، جاء
إلى عمي عيسى بن خصيلة ليلا، فقال يا ابا خُصيلة: إن هذا الرجل قد أخافني، وإن صديقي وجميع
من كنت أرجوه، قد لفظوني، وإني أتيتك لتُغيّبني عندك، فقال: مرحبا بك. فكان عنده ثلاث ليال، ثم
قال له: قد بدا لي أن ألحق بالشأم. قال: ما أحببت إن أقمت ففي الرحب والسعة، فإن شخصت فهذه
ناقة أرحبية أمتّعك بها. قال فركب بعد ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت. قال: وأصبح وقد
جاوز مسيرة ثلاث ليال فقال الفرزدق في ذلك:
كفاني بها البهزيٌ حملانَ مَنْ أبيَ ... مِنَ الناس والجاني تخافُ جرائمهْ
(3/762)

فتى الجُودِ عيسى ذو المكارمِ والعُلىَ ... إذا المالُ لمْ ترفعْ بخيلا كرائمهْ
ومَنْ كانَ يا عيسى يُؤنّبُ ضيفَهُ ... فضيفكَ محبورُ هَنيء مطاعمُهْ
وقالَ تعلّمْ أنها أرحبيّةٌ ... وأنّ لها الليلَ الذي أنتَ جاشمُهْ
فأصبحتُ والمُلقى ورائي وحنبلٌ ... وما صدرتْ حتى علا الليلَ عاتمُهْ
تَزاورُ عنْ أهلِ الحُفيرْ كأنها ... ظليمٌ تبارى جُنحَ ليل نعائمُهْ
رأتْ عينُها رُويّةٌ وأنجلىَ لها ... بهِ الصبحُ عنْ صعل أسيلٍ مخاطمُهْ
كأنّ شراعاً فيه مجرى زمامها ... بدجلةَ إلا خطمُهُ وملاغمُهْ
إذا أنا جاوزتُ الغريّينْ فاسلمي ... وأعرضَ منَ فلجٍ ورائي مخارمُهْ
وقال الفرزدق في ذلك أيضاً:
تدارَكني أسبابُ عيسى منَ الردى ... ومنَ يكُ مولاهُ فليسَ بواحدِ
ونعمَ الفتى عيسى إذا البُزلُ حاردتْ ... وجاءتْ بصرّادٍ معَ الليل بارد
(3/763)

نَمتهُ النواصي منَ سُليم إلى العُلى ... وأعراقُ صِدقٍ بين نصرٍ وخالدِ
هما أشرفا فوقَ البُناةِ وأثّلا ... مساعيَ لمْ تُكذبْ مقالةَ حامدِ
بحقكَ تحوي المكرُماتِ ولمْ تجدْ ... أبا لكَ ألا ماجداً وابنَ ماجدِ
وأنت الذي أمستْ نِزارُ تُعدهُ ... لدفع الأعادي والأمورِ الشدائدِ
فدىً لكَ نفسي يا ابنَ نصرْ ووالدي ... وما لي منْ مال طريفٍ وتالدِ
سأثني بما أوليتني وأربهُ ... إذا القومُ عدّوا فضلكمْ في المشاهدِ
نماكَ مُغيثٌ للمكارمِ والعُلى ... إلى خيرِ حيّ منْ سُليم ووالدِ
همُ الغُر والكهفُ الذي يُتقى بهِ ... إذا نزلتْ بالناس إحدى الماودِ
وبلغ زياداً أنه شخص، فبعث عليّ بن زهدم أحد بني موألة بن فُقيم في طلبه. قال أعين: فطلبه في
بيت نصرانية يقال لها ابنة مرّار، من بني قيس بن ثعلبة، تنزل قُصيبة كاظمة. قال فسلّته من كسر
بيتها، فلم يقدر عليه. فقال الفرزدق:
أبيتَ ابنةَ المرّارِ هتّكت تبتغي ... وما يُبتغى تحتَ الثويةِ أمثالي
ولكنْ بُغائي إنْ أردتَ لقاءنا ... فضاء الصحارى لا اختباء بأدغالِ
فإنك لو لاقيتني يا بنَ زهدمٍ ... لا بتَ شُعاعيّا على شرَ تمثالِ
(3/764)

وزعم عصام، أنها رُبيعة بنت المرّار بن سلمة العجلي، وانها أم أبي النجم الراجز، هي التي ألجأت
الفرزدق فأتى ميةَ الضبيةَ في هربه من زياد، فاستحملها فلم تحمله، فأتى عُزيزة من بني ذُهل بن
ثعلبة، فحملته وزودته تعضوضاً، فقال في ذلك:
لأختُ بني ذُهلٍ غداةَ لقيتُها ... عُزيزةُ فينا منكِ يا مَيّ أرغبُ
أتتنا بتعضوضٍ وأفقرنا ابنُها ... مَروحا برجليها تجولُ وتذهبُ
وقالتْ لنا أهلاً وسهلا وزوّدتْ ... جنى النحل أو ما زودتْ هوَ أظيبُ
أبوها ابنُ عمّ الشعثمينْ وحسبُها ... إذا كانَ منَ أشياخِ ذُهلٍ لها أبُ
قال أو عبيدة، قال مسمع بن عبد الملك: فأتى الروحاء، فنزل في بكر بن وائل، فأمن وقال في ذلك:
قدْ ميّلتْ بين المسير فلمْ تجدْ ... لعورتها كالحيّ بكر بنِ وائلِ
أعفّ وأوفى ذمةً يعقدونها ... إذا وازنتْ شُمٌ الذرى بالكواهلِ
فقلتُ لها سيري إليهمْ فإنهمْ ... حِجازُ لمن يخشى مُلمّ الزلازل
فسارتْ إلى الأجفارِ خمساً فأصبحتْ ... مكانَ الثريا منْ يدِ المتناولِ
وما ضرّها إذ جاورتْ في بلادها ... بني الحصن ما كان اختلافُ القبائلِ
يعني بالحصن ثعلبة بن عُكابة الأغر.
(3/765)

بهمْ يحسمُ العِرقُ النعورُ ويُمترى ... بهمْ قادما مخشيّةِ السيء بازِل
ومحبوسةٍ في الحقِ ضامنةِ القِرىَ ... عروفٌ أوابيها حبالَ المعاقل
وقال لهم أيضاً:
إني وإنْ كانتْ تميمٌ عمارتيَ ... وكنتُ إلى القدموسِ منها القُماقمِ
لمُثنٍ على أفناء بكرِ بنِ وائلٍ ... ثناءً يوافي ركبهمْ في المواسمَ
همُ يومَ ذي قارٍ أناخوا فصادموا ... برأس بهِ تُردى صفاةُ المُصادمِ
أقاموا لكسرى يومَ جاشتْ جنودهُ ... وبهراءَ إذ جاءوا وجمعِ الأراقمِ
إذا فرغوا من جانبِ مالَ جانبُ ... فذادوهمُ فيها ذيادَ الحوائمِ
بمخشوبةٍ بيضٍ إذا ما تناولتْ ... ذُرى البيضِ أبدتْ عن فراخِ الجماجمِ
فما برحوا حتى تهادتْ نساؤهمْ ... ببطحاء ذي قارٍ عيابَ اللّطائمِ
كفى بهمِ قومَ امرئ يمنعونهُ ... إذا جُردَتْ أيمانهمْ بالقوائمِ
أُناسُ إذا ما أنكرَ الكلبُ أهلهُ ... أناخوا فعاذوا بالسيوف الصوارمِ
قال: وكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة، نزل الكوفة. وإذا نزل زياد الكوفة، نزل البصرة. وكان
زياد يقيم ها هنا ستة أشهر، وها هنا ستة أشهر. فبلغ زياداً صنيعُ الفرزدق، فكتب إلى عامله على
الكوفة، عبد الرحمن بن عُبيد، إنما الفرزدق فحل الوحوش، يرعى القفار، فإذا ورد عليه الناس ذُعر،
ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع، فاطلبه حيث تظفر به. فقال الفرزدق: فطُلبتُ أشد طلب، حتى جعل
(3/766)

من كان يؤويني يُخرجني من عنده، فضاقت عليّ الأرض، فبينا أنا نائم ملفف رأسي في كسائي على
ظهر طريق، إذ مر بي الذي جاء في طلبي، فلما كان الليل، لم أكن طعمت قبل ذلك طعاماً ثلاثاً،
أتيت بعض أخوالي، بني ضبة، وعندهم عرس، فقلت أتيهم فأصيب من طعامهم، فبينا أنا قاعد إذ
نظرت إلى هادي فرس، وصدر رمح، قد جاوز باب الدار داخلا إلينا، فقاموا إلى حائط قصب
فرفعوه، فخرجت منه وألقوا الحائط مكانه، وقالوا: ما رأيناه. فمكثوا ساعة، ثم خرجوا، فلما أصبحنا
جاءوني فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوارِ زيادٍ لا يظفر بك، ولو ظفروا بك البارحة لأهلكتنا،
وجمعوا لي ثمن راحلتين، وكلموا لي مُقاعساً، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وكان دليلاً يسافر للتجار،
قال: فخرجنا إلى بانقيا، حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تُنزل، فلم يُفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا
إلى جنب الحائط، والليلة مقمرة، فقلت: أرأيت يا مقاعس، إن بعث زياد بعد أن نصبح إلى العتيق
رجالاً، وهو خندق كان للعجم، ما تقول العرب؟ يقولون أمهله يوماً وليلة، ثم أخذه، ارتحل. قال: إني
أخاف السباع. قلت: السباع أهون علي من زياد. فارتحلنا، لا نرى شيئاً إلا خلّفناه، ولزمنا شخص لا
يفارقنا. فقلت يا مقاعس: أترى هذا الشخص، لم نمر بشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يُسايرنا منذ
الليلة. قال: هذا السبع. قال: فكأنه فهم كلامنا، فتقدم حتى ربض على ظهر الطريق، فلما رأينا ذلك
نزلنا، فشددنا ناقتينا. بشاءين، وأخذت قوسي وقلت: يا ثعلب، أتدري من فررنا منه إليك؟ فررنا من
زياد. فحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشي ناقتينا. قال: فقلت أرميه. فقال: لا تهجه، فإنه إذا
أصبح ذهب. قال: فجعل يرعد ويزأرُ، ومقاعس يوعده، حتى انشق الصبح، فلما رآه ولّى وأنشأ
الفرزدق يقول:
ما كنتُ أحسبنُي جباناً بعدَ ما ... لاقيتُ ليلةَ جانب الأنهار
ليثاً كأنّ على يديه رِحالةً ... شَننَ البراثِنِ مُؤجدَ الأظفار
(3/767)

لمّا سمعتُ لهُ زمازمَ أجهشتْ ... نفسي إليّ فقلتُ أينَ فراري
فربطتُ جروتها وقلتُ لها اصبري ... وشددتُ في ضيقِ المقامِ إزاري
فلأنتَ أهونُ من زياد عندنا ... اذهبْ إليكَ مخُرمَ السفّارِ
قال أبو عبيدة، فحدثني أعين بن لبطة قال: حدثني أبي شبث بن ربعي الرياحي قال: فأنشدت زياداً
هذه الأبيات، فكأنه رقّ له وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته. فبلغ ذلك الفرزدق فقال:
تذكّرَ هذا القلبُ منْ شوقهِ ذكرا ... تذكّرَ ذكرى ليسَ ناسيها عصرا
تذكَرَ ظمياءَ التي ليسَ ناسياً ... وأنْ كانَ أدنى عهدها حججاً عشرا
وما مُغزلُ بالغورِ غورِ تهامةٍ ... تُراعي أراكاً في منابتهِ نضرا
منَ الأدمِ حوراء المدامعِ ترتعي ... إلى رشا طفلٍ تخالُ بهِ فترا
أصابتْ بأعلى ولولين حبالةً ... فما أستمسكتْ حتى حسبتَ بها كسرا
بأحسنَ من ظمياء يومَ تعرضَتْ ... ولا مُزنةُ راحت غمامتها قصرا
وكمْ دونها من عاطفٍ في صريمةٍ ... وأعداء قومٍ يندرونَ دمي نذرا
إذا أوعدوني عندَ ظمياء ساءها ... وعيدي وقالتْ لا تقولوا لهُ هُجرا
دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكنْ ... لآتيهُ ما ساقَ ذو حسّب وفرا
(3/768)

وعندَ زيادٍ لو يريدُ عطاءهمْ ... رجالْ كثيرُ قدْ ترىَ بهمِ فقرا
فُعودا لدى الأبوابِ طُلاّبَ حاجة ... عوانٍ منَ الحاجاتِ أو حاجةً بكرا
فلما خشيتُ أن يكونَ عطاؤهُ ... أداهمَ سُودا أو محدرجةً سُمرا
نميتُ إلى حَرفٍ أضرّ بنيّها ... سُرى الليل وأستعراضُها البلدَ القفرا
تنفّسُ في بهوٍ منَ الجوّ واسعِ ... إذا مدّ حيز وما شرا سيفها الضفرا
تراها إذا صامَ النهارُ كأنما ... تُسامى فنيقاً أنْ تخالطهُ خطرا
تخوضُ إذا صلَ الصدى بعدَ هجعةٍ ... منَ الليل مُلتجاً غياطلهُ خُضرا
وأن أعرضتْ زوراء أو شمّرتْ بنا ... فلاةُ ترىَ منها مخارمها غُبرا
تعدّينَ عن قُهبِ الحصى وكأنما ... رضحنَ بهِ منْ كلّ رضراضةٍ جمرا
وكم من عدوّ كاشحٍ قد تجاوزتْ ... مخافتهُ حتى يكونَ لها جسرا
يؤمُ بها الموماةَ من لا يرى لهُ ... إلى أبنِ أبي سفيان جاهاً ولا عُذرا
فلا تُعجلاني صاحبيّ فربما ... سبقتُ بورد الماء غادية كُدرا
وحضنينْ من ظلماء ليل سريتهُ ... بأعيدَ قدْ كانّ النعاسُ لهَ سُكرا
رماهُ الكرى في الرأسِ حتى كأنهُ ... أميمُ جلاميدٍ تركنَ بهِ وقرا
منَ السيرِ والادلاجِ تحسبُ إنما ... سقاة الكرى في كلّ منزلةٍ خمرا
جررنا وفديناهُ حتى كأنما ... يرى بهوادي الصبح قنبلةً شُقرا
(3/769)

قال: ومضينا فقدمت المدينة، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ابن أمية عليها، فكان في
جنازة، فتبعته فوجدته قاعداً والميت يُدفن، حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مقام العائذ من رجل لم
يُصب دما ولا مالا. فقال: قد أجرت، إن لم تكن أصبت دما ولا مالا. من أنت؟ فقلت: أنا همّام بن
غالب بن صعصعة، وقد أثنيت على الأمير ن فإن رأى الأمير أن يأذن لي فأسمعه. قال: هاتِ.
فأنشدته:
وكومٍ تنعمُ الأضيافَ عيناً ... وتُصبحُ في مباركها ثقالا
حتى أتيت إلى آخرها. فقال مروان: قعوداً ينظرون إلى سعيد. فقلت: كلا إنك لقائم يا أبا عبد الملك
قال، فقال كعب بن جعيل: هذا والله الرؤيا التي رأيت البارحة.
قال سعيد: وما رأيت؟ قال: رأيت كأني أمشي في سكة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قترة في
جحر، فكأنه أراد أن يتناولني فاتقيته. قال: فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين، حتى تجاوز إليّ، فقال:
قل ما شئت، فقد أدركت من مضى ولا يُدركك من بقي. وقال لسعيد: هذا والله الشعر لا ما نُعلل به
منذ اليوم قال: فلم يزل بالمدينة مرة، وبمكة مرة. وقال الفرزدق في ذلك:
ألا مَن مُبلغُ عني زياداً ... مُغلغلةً يخبُ بها بريدُ
بأني قد فررتُ إلى سعيدٍ ... ولا يُسطاعُ ما يحمي سعيدُ
فررتُ إليه من ليثِ هزبرٍ ... تفادى من فريستهِ الأسودُ
(3/770)

فإن شئتَ انتسبتُ إلى النصارى ... وإنْ شئتَ أنتسبتُ إلى اليهود
وإنْ شئتَ انتسبتُ إلى فُقيم ... وناسبني وناسبتُ القرودُ
وأبغضهمْ إلىّ .. بنو فقيمٍ ... ولكنْ سوفَ أتيِ ما تريدُ
وقال الفرزدق أيضاً لزياد:
أتاني وعيدٌ من زيادٍ فلمْ أنمْ ... وسيلُ اللوىَ دوني فهضبُ التهائمِ
فبتٌ كأنيّ مُشعرٌ خيبريّةً ... سرتْ في عظامي أو سمامَ الأراقم
زيادَ بنَ حربٍ لو أظنكَ تاركي ... وذا الضغنِ قد خشمتُهُ غير ظالمِ
وقد جاحفتْ مني العراقَ قصيدةٌ ... رجومُ معَ الأقصى رؤوسَ المخارمِ
خفيفةُ أقواهِ الرواةِ ثقيلةٌ ... على قرنها نزّالةٌ بالمواسمِ
وهي طويلة قال: فلم يزل بين مكة والمدينة، حتى كتب زياد إلى معاوية: قد ضبطت لك العراق
بشمالي، ويميني فارغة، فأشغلها بالحجاز. وبعث في ذلك الهيثم بن الأسود النخعي، فكتب له عهده مع
الهيثم فلما بلغ ذلك أهل الحجاز، أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -
فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا عليه الله يكفكموه، واستقبل القبلة، واستقبلوها، فدعوا ودعا، فخرجت
طاعونة على إصبعه، فأرسل إلى شريح، وكان قاضيه، فقال: حدث ما ترى، وقد أمرت بقطعها فأشر
علي. فقال شريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألم على قلبك، وأن يكون الأجل قد
حضر، فتلقى الله، عز وجل، أجذم، ويعيّره ولدك، فتركها. وخرج شريح، فسألوه فأخبرهم ما أشار
به، فلاموه وقالوا: هلاّ أشرت عليه بقطعها، فقال:
(3/771)

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – المستشار مؤتمن. ولم يلبث زياد أن مات.
وقد خرج متوجهاً إلى الحجاز، فدُفن بالثوية، إلى جنب الكوفة. فرثاه
مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عُدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فقال:
رأيتُ زيادةَ الإسلام ولّتْ ... فبانتْ حينَ ودّعنا زيادُ
ولم يكن الفرزدق هجا زياداً حياته، حتى هلك. فلما رثاه مسكين بن عامر، قال الفرزدق مجيباً له:
أمسكينُ أبكى اللهُ عينكَ إنما ... جرىَ في ضلالٍ دمعها فتحدّرا
رثيتَ امرءاً من أهل ميسانَ كافرا ... ككسرىَ على عدّانهِ وكقيصرا
أقولُ لهُ لمّا أتاني نعيهُ ... بهِ لا بظبي في الصرّيمةِ أعفرا
فأجابه مسكين، فقال:
ألا أيها المرء الذي لستُ ناطقاً ... ولا قاعداً في القومِ إلا انبرى ليا
فجئني بعمّ مثل عمّي أو أب ... كمثل أبي أو خال صدق كخاليا
كعمرو بن عمرو أو زُرارةَ والداً ... أو البشر من كلّ فرعتُ الرواسيا
(3/772)

وما برحتْ مثلُ القناةِ وسابحٌ ... وخطّارةٌ عُبر السرىَ من عياليا
فهذا لأيام الحفاظِ وهذهِ ... لرحلي وهذي عدةٌ لارتحاليا
وقال الفرزدق لزياد:
أبلغْ زياداً إذا لاقيتَ مصرعهُ ... إنّ الحمامةَ قدْ طارتْ منَ الحرمِ
طارتْ فما زالَ ينميها قوادمها ... حتى استغاثتْ إلى الأنهارِ والأجمِ
ولما بلغ الفرزدق موت زياد جعل يرتجز وشخص عن المدينة:
كيفَ تراني قالباً مجنّى ... أضربُ أمري ظهرهُ لبطنِ
قدْ قتلَ اللهُ زياداً عني
رجع إلى القصيدة:
فما كانَ شيء كانَ مما نُجنهُ ... منَ الغشَ إلا قد أبانتْ شواكلُهْ
وقلتُ لهمْ صبراً كُليبَ فإنهُ ... مقامُ كظاظٍ لا تتمُّ حواملُهْ
فإن تهدموا داري فإن أرومتي ... لها حسبُ لا ابن المراغة نائلُهْ
أبي حسب عود رفيعْ وصخرةٌ ... إذا قرعت لم تستطعها معاوله
تصاغرتَ يابنَ الكلبَ لما رأيتني ... معَ الشمس في صعب عزيزِ معاقلُهْ
ويروى مناقله. والمنقل أعلى الجبل، وهو العقبة. قال أبو عبد الله: المنقل بفتح الميم الآلة.
(3/773)

وقد مُنيتْ مني كُليبٌ بضيغمٍ ... ثقيلٍ على الحُبلى جريرَ كلاكلُهْ
قوله كلاكله يعني صدره وما يليه. قال: وإنما عيره بقصة صُرد بن جمرة، الذي سُقي مني عبد أبي
سواج، فانتفخ بطنه، وتفسير ذلك في غير هذا الموضع.
شتيمُ المُحيا لا يخاتلُ قرنهُ ... ولكنهُ بالصّحصحان يُنازلُهْ
هزبر هريتُ الشدقَ ريبالُ غابة ... إذا سارَ عزّتهُ يداهُ وكاهلُهْ
قال أبو عبد الله، قال ابن الأعرابي: تربل السبع وتربيل، إذا كان شابا كثير اللحم. قوله هزبر،
يعني قويا شديداً، والهزبر من نعت الأسد، وإنما شبّهه بالأسد في قوته. وهريتُ الشدق أي واسع
الشدق. قال: والريبال أيضاً من نعت الأسد، يعني يصيد وحده، ولا يحتاج إلى من يعاونه على
صيده، يقال من ذلك: خرج القوم يتربلون. قال: وذلك إذا خرجوا للغارة واللصوصية متخففين. قال:
والغابة الأجمة التي يسكنها الأسد. عزته يداه وكاهله، أي كانتا أقوى شيء وأشده، وقوله عزته، أي
قوّته يداه وكاهله التي يغلب بهما ويقهر. قال: ومنه قولهم "من عزّ بزّ"، يريد من غلب قهر وبز
صاحبه، أي سلبه ثيابه وما معه، ومنه قوله عز وجل: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي غلبني، وقوله إذا
سار يريد إذا ساور فريسته فأخذها، يقال سار وساور بمعنى واحد، وقول إذا واثب ووثب، قال أبو
عثمان: سمعت الكسائي وغيره يقول: هو لص بيّن اللصوصية، بفتح اللام، وهو حُرّ بين الحَرورية،
بنصب الحاء، وهو خاص بالأمير بيّن الخصوصية، بنصب الخاء. قال أبو عثمان: وسمعت
الأصمعي، وأبا عبيدة، وغيرهما، يقولون: لم نسمع
(3/774)

شيئاً من النحو على هذا الباب، وعلى هذا الوزن بالفتح، إلا هذه الثلاثة الأحرف،
والباقي من هذا الجنس مضموم الأول كله، قال: وسألت عن ذلك، الأصمعي أبا عبيدة.
عزيزُ منَ اللآئي يُنازلُ قِرنهُ ... وقدْ ثكلتهُ أمهُ مَنْ يُنازلُهْ
ويروى: عزيز متى ما يلقَ بالسيفِ قرنهُ فقده هبلته.
وإنّ كُليباً إذ أتنني بعبدها ... كمن غرّهُ حتى رأى الموتَ باطلُه
رجوا أن يردّوا عنْ جريرٍ بدرعهِ ... نوافذَ ما أرمي وما أنا قائلهْ
عجبتُ لراعي الضانِ في خُطميّةَ ... وفي الدرعِ عبدٌ قدْ أصيبتْ مقاتلُهْ
وهلْ تلبسُ الحُبلى السلاحَ وبطنها ... إذا أنتطقتْ عبْء عليها تُعادلُهْ
ويروى وقد تلبس. ويروى ثقيل تعادله، ويروى عبْء عليها تُزاولهْ.
أفاخَ وألقى الدرعَ عنهُ ولمْ أكن ... لألقيَ درعي منْ كميَ أقاتلُهْ
قوله أفاخ، يقول: تفلّج وفتح فخذية وفسا، وفي مثل يقال: كل بائلة تُفيخ، يقول: من بال خرجت منه
ريح. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل بائلة تفيخ. قال، وقال أبو عبيدة: وقف جرير
بالمربد، وقد لبس درعاً وسلاحاً تاماً، وركب فرساً أعاره إياه أبو جهضم، عبّاد بن حصين الحبطي.
قال: فبلغ ذلك الفرزدق، فلبس ثياب وشي وسواراً، وقام في مقبرة بني حصن، ينشد بجرير، والناس
يسعون فيما بينهما بأشعارهما، فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال: عجبت لراعي
الضأن في حطميّه. قال: ولما بلغ جريراً أن الفرزدق في ثياب وشي، قال:
(3/775)

لبستُ سلاحي والفرزدقُ لُعبة ... عليه وِشاحا كُرّجٍ وجلاجلُه
الكرج لعبة يلعبها المخنثون.
ألم ترَ ما يلقى من استه ... إذا أحتضرتْ حقويْ حريرٍ قوابلُه
يقلنَ لهُ داركْ زحيركَ واسترحْ ... فإلاّ تجيءْ سرحاً فإنكَ قابلُهْ
ملأتُ استهُ ماءً فإلا يفضْ بهِ ... يكنْ ولداً إنْ لم تُضعهُ مهابلُهْ
المهبل متسع الرحم. والمهبل ما بين حلقتي الرحم.
ألستَ تُرى يا ابن المراغةِ صامتاً ... لِما أنتَ في أضعافِ بطنكَ حاملُهْ
يقول: قد كان ينبغي لك كذلك، أن تلزم الصمت والسكوت.
وقدْ علمَ الأقوامُ حولي وحولكُمْ ... بني الكلبِ أني رأسُ عِزّ وكاهلُهْ
ألمْ تعلموا أني ابنَ صاحبِ صوأرٍ ... وعندي حُساما سيفهِ وحمائلُه
ويروى وعندي حسام، وحسام سيفه وحمائله. قوله: حساما سيفه وحمائله، يعني حدّا سيفه، قال:
والحسام من السيوف، القاطع الذي يحسم ما يقع عليه أي يقطعه، وقوله صاحب صوأر، يعني غالب
بن صعصعة. وصوأر ماء لكلب. وهو فوق الكوفة مما يلي الشام قال أبو عبيدة: وكان أعين بن
لبطة، وجهم السليطي، يحكيان عن إياس بن شبّة بن عقال بن صعصعة، قالوا: أجدبت بلاد بني
تميم، وأصاب
(3/776)

بني حنظلة سنة، وذلك في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فبلغهم خصّب
عن بلاد كلب بن وبرة. قال: فانتجعها بنو حنظلة، فنزلوا صوأر. قال، فكانت بنو يربوع قدّام الناس،
فنزلوا أقصى الوادي، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك، غير غالب. فلما نزلوا صوأر، ووردت
إبله، حبس ناقة منها كوماء، يعني عظيمة السنام، قال: فنحرها فأطعمها، قال: فلما وردت إبل سحيم
بن وثيل الرياحي، حبس منها ناقة فنحرها فأطعهما. فقيل لغالب إنما نحر سحيم مواءمة، يعني
مباراتك ومساواتك. قال فضحك غالب، وقال: كلا ولكنه امرؤ كريم وسوف أنظر. فلما وردت أبل
غالب، حبس منها ناقتين فنحرهما وأطعمهما. قال فلما وردت أبل سحيم، نحر ناقتين وأطعمهما، فقال
غالب: الآن علمت أنه يوائمني، فعقر غالب عشراً فأطعمها بني يربوع وغيرهم. فعقر سحيم بعد ذلك
خمسة عشر، أو عشرين. قال: فلما بلغ غالباً ضحك، وكانت إبله ترد لخمس، فلما وردت عقرها كلها
عن آخرها، فالمكثر يقول: كانت أربع مائة، والمقلل يقول كانت مائتين. قال: ثم إن سحيما عقر بعد
ذلك بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير، وذلك في خلافة عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فجعل
الناس يقولون: اللحم اللحم! وخرجوا بالزبل والحبال والجواليف، فرآهم علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - فقال: يا أيها الناس، لا يحل لكم، لأنها أهل بها لغير الله تعالى. قال جهم السليطي: فلم
يُغن هذا عنهم شيئا، لأنه بعد صوأر بزمن، ولم يعقر حيث عاقره غالب.
تركنا جريراً وهو في السوقِ حابسٌ ... عطيّةَ هل يلقى بهِ منْ يُبادلُهْ
فقالوا لهُ رُدّ الحمار فإنهُ ... أبوكَ لئيمٌ رأسهُ وجحافلُهْ
وأنتَ حريسٌ أنْ يكونَ مجاشعٌ ... أباكَ ولكنّ ابنهُ عنكَ شاغلُهْ
وما ألبسوهُ الدرعَ حتى تزيّلتْ ... منَ الخزي دون الجِلدِ منهُ مفاصلُهْ
وهل كانَ إلاّ ثعلبا راضَ نفسهُ ... بموجٍ تسامى كالجبالِ مجاولُهْ
(3/777)

ضغا ضغوة في البحرِ لمّا تغطمطتْ ... عليهِ أعالِي موجهِ وأسافلُه
قوله تغطمطت أي جاشت عليه الأمواج فاضطربت في البحر، فضرب لنفسه مثلا به.
فأصبحَ مطروحاً وراءَ غُثائهِ ... بحيثُ ألتقى من ناجخِ البحرِ ساحلُهْ
ويروى منبوذاً، الناجخ ما ضرب الساحل من الماء، يقال قد نجخ الماء الساحل، أي صربه، وقوله
من ناجخ، يقال من ذلك نجخ الماء، وذلك إذا فاض وسال.
وهلْ أنتَ إنْ فاتتكَ مسعاةُ دارمٍ ... وما قد بنى آت كُليباً فقاتلُهْ
وقالوا لعبادٍ أغثنا وقد رأوا ... شآبيبَ موتٍ يُقطرُ السمّ وابلُه
فخرتَ بشيخٍ لم يلدكَ ودونهُ ... أب لكَ تخفي شخصهُ وتُضائلُهْ
فخرت بشيخ، يعني عتيبة بن الحارث بن شهاب. وقوله تخفي شخصه، يعني عطية، يقول: تُخفيه
لصغره ومحقرته. قال: والضئيل من الرجال، هو القليل الجسم الدقيق. بشيخ يعني يربوعاً، وتُخفي
شخصه يعني كُليباً. قال أبو عبد الله: هذا هو الكلام الصحيح.
فلّله عِرضي إنْ جعلتُ كريمتي ... إلى صاحبِ المعزى الموقّع كاهلُهْ
(3/778)

ويروى المورّم كاهله، قوله الموقّع، قال: هو البعير الذي به آثار الدبر.
جباناً ولم يعقدْ لسيفٍ حمالة ... ولكنْ عصامُ القربتينْ حمائلُهْ
قال: العصام الحبل يُجمع به بين يدي القربة ورجليها، ثم يضعه المُستقي على صدره إذا ملأ قربته.
قال تأبط شراً:
وقِربة أقوامٍ جعلتُ عصامها ... على كاهل مني ذلولٍ مُرحّلِ
يظلّ إليه الجحشُ ينهقُ إنْ علتْ ... بهِ الريحُ منْ عِرفانِ مَنْ لا يُزايلُهْ
يقول: إذا وجد الجحش ريحه، عرفه من كثرة ركوبه أمه، ومُزايلته إياها.
لهُ عانةُ إعفاؤها آلفاتُهُ ... حمولتهُ منها ومنها حلائلُهْ
لعفو الجحش عفو وأعفاء، ويروى له ثلّة.
مُوقّعةٌ أكتافها منْ ركوبهِ ... وتعرفُ بالكاذاتِ منها منازلُهْ
قوله منازله، أي أنه يثب عليها فيُرى إنزاله عليها. قال: والكاذة من الحمار، هي حيث يُكوى من
أعلى فخذ الحمار. قال: وهما الحلقتان اللتان تراهما في فخذي الحمار، يعني الرقمتين، ويروى موقّعة
أكتادها.
(3/779)

ألا تدّعي إن كانَ قومُكَ لمْ تجدْ ... كريماً لهم إلاّ لئيماً أوائلُهْ
ويروى إن كان قومك لم تجد لهم حسبا.
ألا تفتري إذا لمْ تجدْ لكَ مفخراً ... ألا ربما يجري مع التحقِ باطلُه
ويروى:
لهم يومَ بأسٍ أو أباً يحمدونهُ ... كريماً وهلْ يجري معَ الحقّ باطلُهْ
فتحمدَ ما فيهمْ ولوْ كنتَ كاذباً ... فيسمعه يا بنَ المراغةِ جاهلُهْ
ولكنْ تدعّى مَنْ سواهمْ إذا رمى ... إلى الغرضِ الأقصىَ البعيد مُناضلُهْ
فتعلمُ أنْ لوْ كنتَ خيراً عليهم ... كذبت وأخزاكَ الذي أنتَ قائله
تعاطَ مكان النجم إن كنتَ طالباً ... بني دارمٍ فانظرْ متى أنتَ نائلُهْ
فلَلنجمُ أدنىَ منهمُ أنْ تنالهُ ... عليكَ فأصلحْ زربَ ما أنتَ آبلُهْ
ألمْ يكَ مما يُرعَدُ الناسَ أنْ ترى ... كُليباً تغنّى بابنِ ليلىَ تُناضلُهْ
أبي مالكَ ما منْ أب تعرفونهُ ... لكم دونَ أعراقِ الترابِ يُعادلهْ
قوله أبي مالك، يعني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان مالك بن حنظلة لقبه
الغَرف، وهو الذي يقول فيه الأسود بن يعفر:
في آل غَرف لو بغيت ليَ الأسى ... لوجدتِ فيهمْ إسوةَ العَدّادِ
ويروى العُداد. وقوله دون أعراق التراب يعني آدم - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - لأن الله خلقه من تراب.
(3/780)

عجبتُ إلى خلقِ الكُليبيّ عُلّقتْ ... يداهُ ولمْ تشتدّ قبضاً أناملُهْ
فدونكَ هذي فأنتقضْها فإنها ... شديدٌ قُوى أمراسِها مواصلُهْ
فأجابه جرير فقال:
ألمْ ترَ أنّ البهلَ أقصرَ باطِلُهْ ... وأمسى عماء قد تجلّتْ مخايلُهْ
قال: العماء السحاب الرقيق. وقوله مخايله، المخايل السحاب المخيل للمطر. يقال من ذلك: إن لها
لمخيلة حسنة، وذلك إذا تهيأت للمطر. ويروى ألم ترَ أن الدهر.
أجنّ الهوىَ أم طائرُ البينِ شفّني ... بِجُمدِ الصفا تنعابُهُ ومحاجلُهْ
قوله أجنّ الهوى، يعني حركة الهوى الذي يصيبه منها، مثل الجنون: أهو من الهوى؟ أم طائر
البين، ويريد غراب البين. شفّه حزنه، قوله بجُمد الصفا، هو المكان الذي هاج فيه شوقه. قال:
والنعب صياح الغراب، ومحاجله يريد حجله ومشيه.
لعلك محزونْ لِعرفانِ منزِل ... محيلٍ بوادي القريتينْ منازلُهْ
يقول: لعل شوقك هاج إذا عرفت منزلا مُحيلاً، يعني قد أتى عليه حول، فأنت محزون لذلك، لما
عرفت من اجتماع أهله ثم تفرقهم.
فإني ولوْ لامَ العواذلِ مُولع ... بحبِ الغضامِنْ حبِ مَنْ لا يزايلُهْ
وذا مَرجٍ أحببتُ مِنْ حُبِ أهلهِ ... وحيثُ انتهتْ في الروضتينْ مسايلُهْ
(3/781)

قوله انتهت، يريد صادفت موضعاً يحبس الماء فاحتبست.
أتنسى لطولِ العدِ أمْ أنتَ ذاكرُ ... خليلكَ ذا الوصلِ الكريمِ شمائلُهْ
شمائله يعني طبائعه، الخليل الصادق الواصل أخاه.
لحَبّ بنارٍ أوقدتْ بين مخلِب ... وفردةَ لو يدنو منَ الحبلِ واصلُهْ
قوله مُحلب قاع. وفردة اسم قارة، والقارة الجبل الصغير.
وقد كانَ أحياناً بيِ الشوقُ مولعا ... إذا الطرفُ الظعّانُ ردّت حمائلُهْ
قال الطرف الذي يتطرف المرعى. يقول ردّت حمائله من المرعى إلى الحي للارتحال. قال:
والظعّان الذي يُكثر الظعن، وهو الكثير السفر، من قوله تعالى {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}.
فلما التقىَ الحيّانِ ألقيتِ العصي ... وماتَ الهوى لمّا أصيبتْ مقاتلُهْ
ويروى فلما أستقر الحي. قوله ألقيت العصا، يعني استقروا ونزلوا. وقوله ومات الهوى، يقول:
سكن الهوى مني وذهب سورته حين اجتمعنا. قال أبو عثمان، قال الأصمعي: في قوله لما أصيبت
مقاتله، يريد مقاتل الهوى، وإذا أصيبت مقاتل الشيء فقد مات.
لقدْ طالَ كتماني أمامةَ حُبها ... فهذا أوانُ الحبّ تبدو شواكلُهْ
يعني أشباهه ونواحيه.
(3/782)

إذا حُلّيتْ فالحليُ منها بمعقدِ ... مليحٍ وإلاّ لمْ تشنها معاطلهْ
يقول: إن لبست الحلي فهي حسنة، فإن لم تلبس الحلي، لم تشنها معاطل الحلي. يقال من ذلك، امرأة
عاطل، إذا لم يكن عليها حلي، فأضمر ابتداء الجزاء كما قال العبدي في مثل ذلك:
أقيموا بني النعمانِ عنّا صدوركم ... وإلا تُقيموا صاغرينَ رُؤوسا
وقالَ اللواتي كُنّ فيها يلُمنني ... لعلّ الهوى يومَ المُغيزل قاتلُهْ
مغيزل جبل دقيق فيما ذكر الحرمازي. والمغيزل هو اسم مكان معروف.
وقلنَ تَروّحْ لا تكنْ لكَ ضيعةً ... وقلبكَ لا تشغلْ وهُنّ شواغلُهْ
ويومٍ كابهام القَطاةِ مُزيّن ... إليَ صِباهُ غالب ليَ باطلُهْ
قوله كابهام القطاة، يعني قصيراً كقصر إبهام القطاة، وإنما المعنى في قصر اليوم، يقول: كنا في لهو
وسرور، فقصُر يومنا فيه، لانّا لم نشتف من لهونا فيه، فلذلك نسبه إلى القِصر.
لهوتُ بجنّيّ عليهْ سُموطُهُ ... وإنْسُ مجاليهِ وأنسُ شمائلُهْ
السموط عقود اللؤلؤ. قال: والسموط هي القلائد، يقول: هي مُثناة بعضها على بعض. قال: ومجاليه،
ما يحسن أن يبرُز مثل الوجه واليدين.
(3/783)

فما مُغزِل أدماء تحنو لشادِن ... كطوقِ الفتاةِ لمْ تشدّدْ مفاصلُهْ
قوله فما مغزل، يعني ظبية غزالها، وأدماء بيضاء في ظهرها جُدّتان إلى الخضرة. والسواد سوداء
المقلة والمدامع. وتحنو تعطف، وقوله شادن، يقول ولد قد تحرك وقارب الفِطام، وقوله كطوق الفتاة،
يريد في بياضه وتثنيه، وذلك إذا عطف نفسه، قال وهو أحسن ما يكون إذا كان كذلك. ثم قال: لم
تُشدد مفاصله، يقول هو ضعيف بعد، يقول: هذا الخشف صغير لم تُشدد مفاصله.
بأحسن مِنها يومَ قالتْ أناظر ... إلى الليل بعضَ النّيل أم أنتَ عاجلهْ
فلو كانَ هذا الحبّ حُبا سلوتُه ... ولكنه داء تعودُ تقابلُهْ
ولمَ أنسَ يوما بالعقيقِ تخايلتْ ... ضُحاهُ وطابت بالعشيِ أصائلُهْ
رُزقنا به الصيدَ الغزيرَ ولم أكنْ ... كمن نبلُهُ محرومة وحبائلهْ
ثواني أجياد يُودّعنَ مَنْ صحا ... ومَنْ بثّهُ عنْ حاجةِ اللهو شاغلُهْ
فأيهاتَ أيهات العقيقُ ومَنْ بهِ ... وأيهات وصلٌ بالعقيقِ تُواصلُهْ
لنا حاجةُ فانظرْ وراءكَ هلْ تَرى ... بروضِ القَطا الحيّ المُروّحَ جاملهْ
رِعانُ أجاً مثلُ الفوالجِ دونهمْ ... ورملٌ حَبتْ أنقاؤهُ وخمائلُهْ
قوله رعان واحدها رعن وهو أنف الجبل. وأجا جبل. وقوله ورمل حبت، يقول: أشرفت هذه لرّمال
فعلت لارتفاعها. وقوله وخمائله، الخميلة أرض سهلة تُنبت ويخالطها رمل.
رددنا لِشعثاءَ الرسولَ ولا أرىَ ... كيَومئذٍ شيئا تُردّ رسائلُهْ
ويروى وجدنا لَشَعثاء. شَعثاء امرأة من بني كعب بن مالك بن حنظلة.
(3/784)

فلوْ كُنتَ عندي يومَ قَو عَذَرْتَني ... بيوم زَهتني جنّهُ وأخابلُهْ
قوله زهتني يعني استحفّتني. وقو موضع كانوا يجتمعون فيه فيتحدثون ويلهون، وجنّه وأخابله، يريد
جنون الشباب ومرحه، فهذا الذي استخفه حتى لها وطرب. ويروى شمسه وأخابله.
يقُلنَ إذا ما حلّ دَينُكَ عندنا ... وخير الذي يُقضيَ منَ الدّين عاجلُهْ
لكَ الخير لا نقصيكَ إلا نسيئة ... منَ الدين أو عرضا فهل أنتَ قابلهْ
أمنْ ذِكرِ ليلىَ والرسومٍ التي خلتْ ... بنعفِ المُنقّى راجعَ القلب خابلُهْ
يقول: أمن ذِكر ليلى، هذه المرأة وذكر الرسوم التي خلت، يريد التي مضت، قال: والرسوم آثار
الديار وما بقي منها ومن معالمها، هاج شوقك.
عشيّةَ بعنا الحلمْ بالجهلْ وانتحتْ ... بنا أريحياتُ الصّبَى ومجاهله
وذلكَ يومٌ خيرهُ دونَ شرهَ ... تغيّبَ واشيهِ وأقصرَ عاذلُهْ
وخرق منَ الموماةِ أزورَ لا تُرى ... من البُعد إلا بَعدَ خمس مناهلُهْ
قوله وخرق، هي الأرض الواسعة البعيدة الأقطار، وهي النواحي، تتحرق فيه الريح من سعته، قال:
وهي الموماة أيضا. قال: وإنما جاز له أن يأتي بلفظين في معنى واحد، لآن اللفظ إذا اختلف وإن جاء
جميعاً بمعنىً واحد، جاز. فإذا اختلف اللفظ استحسنوه، يعني خرقاً، ويعني موماة، وهما جميعاً
الأرض الواسعة. وقوله أزورَ أي اعوجّ طريقها في جانب، لا تستقيم الطريق إليه. والمنهل الماء.
ازور مال عن القصد.
(3/785)

قطعتُ بشَجعاء الفؤادِ نَجيبَة ... مَروحٍ إذا ما النَسعُ غُرّزَ فاضلُهْ
قوله بشجعاء الفؤاد، يعني ناقة جزلة ماضية، قطعت هذا الطريق الطويل بها. وقوله إذا ما النسع
غُرّز فاضله، يقول: إذا ضمرت قلق نسعها وطال، فيُشد بعروةٍ ثالثة، ثم يُغرّز فضوله بعد، وإنما
أخبرك أنها قد أنضاها السفر، فأضمر جسمها، حتى صارت إلى تلك الحال، وذلك كما قال الممزق
العبدي:
وقدْ ضمرتْ حتى التقى مِنْ نُسوعِها ... عُرى ذي ثلاث لم تكن قبل تلتقي
وقد قلّصتْ عنْ منزل غادرت بهِ ... منَ الليلِ جوناً لمْ تَفرجْ غياطلُهْ
قال: الجون، يريد ها هنا الليل، وغياطله ظلمه. يقول: ارتحلت بليل وتركته، يريد تركت الجون،
ومضت وغادرت، يقول خلّفت الليل إذا أدبر.
وأجلادَ مضعوفٍ، كأنّ عظامهُ ... عُروقُ الرخامىَ لم تُشدّدْ مفاصلُهْ
قوله وأجلاد مضعوف، يعني ولد الناقة حين خدجت به أمه، يريد أزلقت به. يقول: فتركته في
مبيتها، وفي مُعرّسها. قال: والرخامى شجر ينبت في الرخو من الأرضين، له عروق كثيرة بيض
كثيرة الماء تحفر عنه الثيران فتأكلها.
ويَدمى أظلاّها على كُلّ حَرّة ... إذا استعرضتْ منها حزيزا تُناقلهْ
(3/786)

أي هي حاذقة بنفي الحجارة إذا مشت. قال: والحزيز من الأرض، الموضع ينقاد ويطول، كثير
الحصى. وقوله تُناقله، يعني تُحسن المشي، يريد أنها تُحسن نقل يديها ورجليها، يقول كيف تضع
يديها ورجليها لأنها مجربه، لذلك، لكثرة سيرها فيه، ومعرفتها به.
أنخنا فسبّحنا ونوّرت السرى ... بأعرافِ ورد اللونِ بُلق شواكلُهْ
قوله فسبحنا، يريد فصلينا الغداة، والسبحة الصلاة، ويقال السبحة النافلة، وقال الأصمعي: هي
التطوع والفريضة، قال أبو عبد الله: فسبحنا أي استرحنا. قال وينيخُ المعرّسون تلك الساعة، وفي
ذلك الوقت من السحر، وفيه يستريح المسافرون وظهرهم. وقوله بأعراف ورد اللون، يريد الصبح،
وذلك لحمرة الشفق، فلذلك سمّاه ورداء وشواكله يريد جوانبه.
وأنصبُ وجهي للسموم ودونهَا ... شَماطيطُ عَرضيّ تطيرُ رعابلهْ
قوله عرضي يريد بُروداً من بُرود اليمن. ورعابله قطعه المتخرفة، وهي الشماطيط أيضاً. قال:
والمعنى في ذلك، أنه تعمم بذلك البرد فمزقته السموم وأيلته. يقول: هذا البرد الذي تعمم به هو خلق.
لنا إبلْ لمْ تستجِرْ غيرْ قومِها ... وغيرْ القَنا صُما تهُزُ عواملهْ
قال: إنما قال هذا، لأن الفرزدق استجار بكر بن وائل، من زياد بن أبي سفيان، حين هرب عند
إنهابه ماله، فكان يطلبه زياد فأجاروه، قال: وفي ذلك يقول الفرزدق:
(3/787)

لقدْ عَدَلتْ أينَ المسيرُ فلمْ تحِدْ ... لعورتها كالحيّ بكر بن وائلِ
رَعتْ مَنبِتَ الضمران مِنْ سَبَل المِعَى ... إلى صًلبِ أعيارٍ تُرن مساحلِهْ
قوله تُرن مساحله يقول تصيح حميره، قال: وسحيل الحمار صوته، والرنه الصوت العالي. وقوله
منبت الضمران، وهو مكان بعيد من محل الحي. قال وذاك أنّ الضمران يبعد نباته. ويروى من بلد
المعى. قال: والمعى أطراف الرمل حيث انقطع في الصلبة من الأرض، وصلبة جمع صُلب. يقول:
فإبلنا من عزّها ومنعتها ترعى حيث شاءت. قال: ومعي واحد الأمعاء.
سقتها الثُريا ديمَة واستقتْ بِها ... غُروبَ سِماكيّ تهلّلَ وابلُهْ
قوله سقتها الثريا، يقول: مُطروا بنوء الثريا وهو مكروه. كانوا في الجاهلية يقولون: مُطلانا بنوء
كذا وكذا، فلما أتى الإسلام نهوا عن ذلك. وقالوا هو الشرك، لأن الله تعالى هو الممطر، والديمة من
المطر مطر يدوم اليومين والثلاثة. وقوله واستقت غروب سماكي، يقول: وأعان الثريا أيضاً نوء
السّماك وهو نجم، وقوله تهلل، هو صوت من المطر الشديد، له وقع على الأرض يسمع صوته،
ومنه قولهم: قد أهلّ فلان بالحج، وقد أهل الصبي، إذا وقع من بطنِ أمه إذا صاح.
ترى لحبييهِ رَباباً كأنهُ ... غوادي نَعامٍ ينفُضُ الزِفّ جافلهْ
تُراعي مطافيلَ المها ويروعُها ... ذُبابٌ لندى تغريدهُ وصواهلهْ
المها البقر، ومطافيلها ذوات الأولاد منها. وقوله ويروعها ذباب الندى، يقول: يُفزعها قليل الصوت
من فزعها وفرقها.
(3/788)

إذا حاولَ الناسُ الشؤونَ وحاذروا ... زلازلَ أمرٍ لم تَرُعها زَلازِلهْ
يُبيحُ لها عمرو وحنظلةُ الحِمى ... ويدفعُ رُكنُ الفِرزِ عنها وكاهلهْ
الفرز سعد بن زيد مناة. وقوله يبيح، يقول: يُخلّي لها باحة الدار. قال: والباحة الساحة. يقال باحة
وساحة وعرصة بمعنى واحد. وحنظلة ابن مالك بن زيد مناة. والركن ركن القوم وكهفهم. وعمرو بن
تميم.
بَني مالِكِ مَنْ كانَ للحيّ مَعقِلا ... إذا نظرَ المكروبُ أينَ معاقلِهْ
يريد الملجأ الذي يُتحصّن فيه.
بذي نجَبٍ ذُدنا وواكلَ مالكٌ ... أخا لم يكنْ عندَ الطعانِ يُواكلهْ
تفُشّ بنو جوخي الخزيرَ وخيلنا ... تُشظَي قلالَ الحَزنِ يوم تُناقِلهْ
قوله تفش الخزير، يريد تُخرج الجشاء. وخيلنا تُشطي قلال الحزن جمع قلة، وقلة الجبل أعلاه، أي
تُكسّر هذه الحجارة بحوافرها. قال: وقلال الحزن أعاليه، ويروى مما تُناقله.
أقمنا بما بين الشربةِ والمَلا ... تُغنيّ ابن ذي الجَدّينِ فينا سَلاسِلهْ
ويروى أقمنا وسرنا بالشربة. قوله ابن ذي الجدين، يعني بسطام بن قيس. يقول: هو فينا أسير في
القيود. قال أبو عبيدة: وإنما سُمي عبد الله بن همام ذا الجدين، أي هو ذو الحظين. قال: وهو جد
بسطام
(3/789)

بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن همام. قال خِراش: إنما سُمي ذا الجَديْن،
لأن قائلا قال لعبادي: إنه لذو جَدّ، أي بخت وحظ ونصيب من قسم. فقال لهم العبادي: إي والله وذو
جَدّيْن ويروى أقمنا على رأس الشرَبّة.
ونحنُ صَبَحنا الموتَ بِشرا ورهَطَه ... صرُاحاً وجاد ابني هُجيمةَ وابِلهْ
قوله بْشرا، يريد بِشر بن عبد عمرو بن بِشر بن عمرو بن مَرثد. قتله سُويد بن شهاب عم عُتيبة بن
الحارث بن شهاب، وابنا هجيمة قيس والهرماس ابنا عباس، قتلهما عُتيبة بن الحارث. وقوله وابله،
يريد وابل الموت، يقول أمطرهم الموت جَوداً.
ألا تسألونَ الناسَ مَنْ يُنهلُ القَنا ... ومَنْ يمنعُ الثّغرَ المخوفَ تلاتلهْ
قوله يُنهل القنا، يعني يوردها فيسقيها الدماء بالطعن، كما تُنهل الإبل إذا عطشت فتروى من الماء،
فضربه مثلا للدم. وقوله الثغر، هو الموضع الذي يخاف العدو من ناحيته، وتلاتله شدائده.
لنا كُلّ مشبوبٍ يُروى بِكفّه ... جناحا سِنان دَيْلَميّ وعاملهْ
المشبوب الذي إذا دعوته إلى شيء أجابك إليه، وهو المُرتاع والمُرتاح. قال أبو سعيد: هو الذكي
الملتهب، شبهه بنار تلتهب. وجناحا السنان طرفاه.
يُقلّصُ بالفضلين فَضل مفُاضَة ... وفضل نجاد لمْ تُقطعْ حمائلهْ
وعَمّي رئيسُ الدّهم يومَ قُراقرٍ ... فكانَ لنا مرباعهُ ونَوافلهْ
(3/790)

هذا حديث يوم ذي قار
قال أبو عثمان، حدثنا أبو عبيدة، أن يوم قراقر هو يوم ذي قار الأكبر، وهو يوم الحنو، حنو ذي
قار، ويوم حنو قراقر. قال: والحنو مُنثنى الوادي. ويوم الجبايات، ويوم ذات العُجرم، ويوم الغذوان،
ويوم البطحاء، بطحاء ذي قار. قال: وكل هذه المواضع، قد ذكرته الشِّعَراء في أشعارها، وقد أثبتناه
في مواضعه من مواضع الشعر قال أبو عثمان، حدّثنا أبو عبيدة، قال: حدثنا أبو المختار، فراس بن
خندق القيسي، قيس بن ثعلبة، وعدّة من علماء العرب، قد سماهم فراس بن خندق، وأثبت الحديث
الأصمعي، فيما أثبته وعرفه، أن الذي جرّ يوم ذي قار، قتلُ النعمان بن المنذر اللخمي، عدي بن زيد
العبادي. قال: وكان عدي من تراجمة برواز كسرى بن هرمز. قال: فلما قتل النعمان عديا، كان أخو
وابنه زيد عند كسرى، وحرفا كتاب اعتذاره إليه، بشيء غضب منه كسرى، فأمر بقتله. وكان
النعمان لمّا خاف كسرى، استودع هاني بن مسعود بن هاني بن عامر الخصيب قال: والخصيب لقبه
وهو الخصيب بن عمرو المزدلف. والمزدلف لقبه، وهو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان
بن ثعلبة، حلقته ونعمه وسلاحاً غير ذلك. قال: وذلك أن النعمان كان بنّاه بنتين له قال أبو عبيدة، قال
بعضهم: لم يدرك هاني بن مسعود هذا الأمر. قال: وهو أثبت عند أبي عبيدة. قال أبو جعفر: هو
هاني بن قبيصة بن هاني بن مسعود، قال: وهو الثبت عند أبي عبيدة. قال: فلما قتل كسرى النعمان،
استعمل إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة، وما كان عليه.
قال أبو عبيدة، قال عمر: وكان كسرى لمّا هرب من بهرام جوبين يوم هزمه بالنهروان، مر كسرى
باياس فأهدى له فرسا وجزورا، فشكر
(3/791)

ذلك له كسرى، قال: فبعث كسرى - إلى أياس، أين تركة النعمان؟ قال: قد خزنها يريد قد أخرزها،
في بكر بن وائل. قال: فأمر كسرى أن يُضم ما كان للنعمان، ويُبعث به إليه.
قال: فبعث إياس إلى هاني أن أرسل إلي بما استودعك النعمان من الدروع
وغيرها. فالمُقلل يقول: كانت أربعمائة درع. والمكثر يقول: ثمانمائة درع. فأبى هاني أن يُسلم
خفارته. قال: فلما منعها هاني غضب كسرى، فأظهر أنه مُستأصل بكر بن وائل. وعنده النعمان بن
زرعة التغلبي، وهو يحب هلاك بكر، فقال لكسرى: يا خير الملوك، أدلك على عدو يطلبهم، وعلى
غرّة بكر قال: نعم. قال: أمهلنا حتى نقيظ، فإنهم لو قد قاظوا، تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار،
تساقط الفراش في النار. فأخذتهم كيف شئت، وأنا عندك إلى أن أكفيكهم. ومع ذلك فإن مطالبيهم في
ذلك الوقت كثير. وذلك مما يُوهن كيدهم، ويكون أيسر على الملك مُطالبتهم، لمن يشغلهم ممن يطلبهم
بالذحل، فترجموا له قوله تساقط الفراش في النار. فأقرهم حتى إذا قاظوا، جاءت بكر بن وائل،
فنزلت بالحنو، حنو ذي قار، وهو من ذي قار على مسيرة ليلة قال: فأرسل كسرى إليهم النعمان بن
زُرعة، أن اختاروا من ثلاث خصال واحدة: إما أن تُعطوا بأيديكم، فيحكم فيكم الملك بما شاء. وإما
أن تغروا الديار، وإما أن تأذنوا بالحرب، قال: فنزل النعمان على هاني، فقال أنا رسول الملك إليكم،
أخيّركم إحدى ثلاث خصال: إما كذا، وإما كذا، وإما كذا على ما مضى قالوا: فتوامروا بينهم، ثم
اختاروا الحرب. فولّوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وكانوا يتيمّنون به في حروبهم وما
ينوبهم، فقال لهم: إني لا أرى إلا القتال، فلأن يموت الرجل كريماً، خير له من أن يحيى مذموماً،
لأنكم إن أعطيتم بأيديكم، قُتلتم وسُبيت ذراريّكم. وإن هربتم قتلكم العطش، وتلقاكم تميم فتهلككم،
فآذنوا الملك بحرب قال: فبعث كسرى إلى إياس، وإلى الهامرز التستري، وكان مَسْلَحَة بالقُطقطانة، وإلى
(3/792)

خُنابزين، وكان مَسلَحَة أيضاً ببارق. قال: وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد،
ذب الجدين، وكان كسرى استعمله على طَفّ سفوان، أن يُوافوا إياساً فإذا اجتمعوا فاياس على الناس،
قال: وجاءت الفُرس ومعها الجنود، والفُيول عليها الأساورة وقد بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: وقد رقّ أمر الفُرس، وأدبر مُلكهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك اليوم، انتصفت
العرب من العجم بي. قال: فحُفظ ذلك اليوم، فإذا هو يوم الوقعة، قال: فلما دنت جنود الفرس من بكر
بمن معها، انسلّ قيس بن مسعود ليلا، فأتى هانئا فقال: أعطِ قومك سلاح النعمان، فيقوا به أنفسهم.
فإن هلكوا كان تبعا لأنفسهم، وكنت قد أخذت بالحزم، وإن ظهروا ردوه عليك. ففعل، وقسم الدروع
والسلاح في ذي القوة والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر بن وائل، قال لهم هانيء: يا معشر
بكر، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فأركبوه الفلاة، قال: فتسارع الناس إلى
ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيّار فقال له: إنما أردت نجاتنا، فلم تزد على أن ألقيتنا في التهلكة،
فرد عليه الناس فقطع وضُنَ الهوادج، قال: وإنما فعل ذلك لئلا تستطيع بكر أن تسوق بالنساء إن
هربوا، فسمي مُقطّعَ الوضن، قال: ويقال مقطّع البُطن، والبطن حُزُمُ الأقتاب، والوُضُن حُزمُ الرّحال.
قال أبو عثمان: وسمعت أم صُبيح الكلابية، ويقال لها الدّلفاء، وكانت من أفصح الناس، وسألتها عن
النسوع، فقالت: إنا لنضنها معشر النساء. وضرب حنظلة قُبّة على نفسه ببطحاء ذي قار، وإلا أن لا
يفر حتى تفرّ القبة، فمضى من مضى من الناس، ورجع أكثرهم. قال واستقوا ماء لنصف شهر. قال:
فأتتهم العجم، فقاتلتهم بالحنو، حنو قراقر، فجزعت العجم من العطش، فهربت ولم تُقم لمحاصرتهم،
فهربت إلى الجُبايات، قال: فتبعتهم بكر، وعجل، أوائل بكر، فتقدمت عجل، وأبلت يومئذ بلاء حسناً،
قال: واضطمّت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل،
(3/793)

ثم حملت بكر، فوجدت عجلا ثانية تقاتل، وامرأة منهم تقول:
إنْ يظفروا يحرّزوا فينا الغُزلْ ... أيهِ فدىً أبي لكمْ بَني عِجلْ
وتقول أيضاً تُحرّض الناس:
إنْ تهزموا نُعانِقْ ... ونَفرُش النَمارِقْ
أو تهزموا نُفارِقْ ... فِراقَ غيرْ وامِقْ
قال: فقاتلوهم بالجبايات يوماً، ثم عطشت الأعاجم، فمالوا إلى بطحاء ذي قار. قال: وأرسلت إياد
إلى بكر سراً، وكانوا أعواناً على بكر مع إياس بن قبيصة، أي الأمرين أعجب إليكم، أن نطير تحت
ليلنا فنذهب، أو نقيم حتى نفر حين تُلاقون القوم؟ قالوا: بل تقيمون، فإذا التقى الناس انهزمتهم بهم.
فصبّحتهم بكر بن وائل، والظعن واقفة يذمرون الرجال على القتال، ويُحضّضنهم على لقائهم،
والصبر على ذلك. وقال يزيد بن حمار السكوني، وكان حليفا لبني شيبان: أطيعوني وأكمنوا لهم
كميناً. ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم، فكمنوا في مكان من ذي قار يسمى إلى اليوم الخبيء،
قال: فاجتلدوا، وعلى ميمنة هاني بن قبيصة رئيس بكر، يزيد بن مسهر الشيباني. وعلى ميسرته،
حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلي. وجعل الناس يتحاضّون ويرجزون. فقال حنظلة بن ثعلبة:.
قدْ جَدّ أشياعُكُمُ فجِدّوا ... ما عِلّتي وأنا مُؤدٍ جَلْدُ
قال مؤدٍ، أي أنا ذو أداوة من السلاح تامة. يقول فلا عذر لي.
والقوسُ فيها وترُ عردُّ ... مثلُ ذراع البكرِ أو أشدُ
قدْ جعلتْ أخبارُ قومي تبدو ... إنّ المنايا ليسَ منها بُدُ
(3/794)

هذا عُبيدٌ تحتَهُ ألدّ ... يُقدمُهُ ليس لهُ مَرَدُ
حتى يعودُ كالكُميت الوردُ ... خلّوا بني شيبانَ فاستبدّوا
نفسي فدَدتْكُمْ وأبي والجَدّ
وقال حنظلة أيضاً:
يا قومِ طِيبوا بالقِتالِ نَفسا ... أجدرُ يوم أنْ تفلُّوا الفُرسا
وقال يزيد المُكسّر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار - وهو يريد المكسّر لقبه:
مَنْ فَرّ منكمْ فَرّ عَنْ حَريمِهْ ... وجاره وفَرّ عنْ نديمِهْ
أنا ابنُ سيّارٍ على شَكيمهْ ... إنّ الشرّاكَ قُدّ مِنْ أديمهْ
وكُلهم يجري على قَديمِهْ ... مِنْ قارِح الهُجنَةِ أو صميمهْ
قال فراس: ثم صيروا الأمر بعد هاني إلى حنظلة بن ثعلبة بن سيار، فمال إلى مارية ابنته، وهي أم
عشرة نفر، أحدهم جابر بن أبجر، فقطّع وضينها، فوقعت إلى الأرض، وقطّع وُضُنَ النساء، فوقعن
إلى الأرض. ونادت بنت القُرين الشيبانية، حين وقعت النساء إلى الأرض:
وَيها بَني شَيبانَ صفّا بعدَ صفَ ... إنْ تهزَموا يُصبِغوا فينا القُلفْ
فقطع سبعمائة من بني شيبان أقبيتهم من قبل مناكبهم. وذلك لأن
(3/795)

تخف أيديهم لضرب السيوف.
فجالدوهم، ونادى الهامرز مرد ومرد يريد رجل ورجل فقال بُرد بن حارثة اليشكري: ما يقول؟ قالوا:
يدعو إلى البراز رجل ورجل. قال: وأبيكم لقد أنصف. قال: فحمل عليه برد بن حارثة اليشكري
فقتله، ويقال يزيد بن حارثة، فقال سويد بن أبي كاهل في ذلك:.
مِنا يَزيدُ إذْ تحدّى جموعَكمْ ... فلم تُقرِبوهُ المَرزُبانَ المُسوّدا
ويروى المسورا. قال: ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار، يا قوم، لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب،
فحملت ميسرة بكر، وعليها حنظلة على ميمنة الجيش، وقد قتل يزيد رئيسهم الهامرز - ويقال بُريد
- وحملت ميمنة بكر، وعليها يزيد بن مُسهر، على ميسرة الجيش، وعليهم خُنابُزين. قال: وخرج
عليهم الكمين من خبيء ذي قار من ورائهم، وعليهم يزيد بن حمار، فشدّوا على قلب الجيش، قال:
وفيهم إياس بن قبيضة، وولّت إياد منهزمة كما وعدتهم، وانهزمت الفرس قال سليط، فحدثنا أسراؤنا
الذين كانوا فيهم يومئذ، قالوا: فلما التقى الناس، وولت الفرس منهزمة، قلنا يريدون الماء، فلما قطعوا
الوادي، وصاروا من ورائه، وجازوا الماء، قلنا: هي الهزيمة، قال: وذلك في حد الظهيرة، في قائظ
شديد حرّه. قال: فأقبلت كتيبة عجل، كأنهم طنّ قصب، لا يفوت بعضهم بعضا، ولا يُطرّفون لا
يُمعنون هربا، ولا يُخالطون القوم. ثم تذامروا فقتّلوا الفرس ومن معهم، بين بطحاء ذي قار، حتى
بلغوا الراخصة قال فراس: فحُدّثت أنه تبعهم تسعون فارساً، لم ينظروا إلى سلب، ولا إلى شيء،
حتى تعارفوا بأدم، وهو قريب من ذي قار، فوجد منهم ثلاثون فارساً من بني عجل، وستون فارساً
من سائر بكر، وقتلوا خُنابزين. قتله حنظلة بن ثعلبة بن سيار وقال ميمون، أعشى بني قيس بن
ثعلبة، يمدح بني شيبان خاصة في قوله:
(3/796)

... ... وراكبُها يومَ اللقاء وقلّتِ
فدّى لبني ذُهل بن شيبانَ ناقتي ... مقدّمةَ الهامَرزِ حتى تولّتَ
هُمُ ضربوا بالحنو حنوِ قُراقر ... يُثيبُ وإن كانتْ بهِ النّعلُ زلّتِ
وأفلتنا قيسُ وقُلْتُ لعلّهُ
قال: فهذا يدل على أن قيساً شهد ذا قار. وقال بُكير أصم بني الحارث ابن عباد يمدح شيبان:
...... ... فاسقي على كَرم بني همّام
إنْ كُنتِ ساقيةَ المُدامَةِ أهلَها ... سبقا بغايةِ أمجدِ الأيامِ
وأبا ربيعةَ كُلّها ومحُلّماً
...... ... بالمَشرفيّ على مقيلِ الهامِ
ضربوا بني الأحرارِ يومَ لقوهُمُ ... ألفينْ أعجمَ منْ بني الفَدّام
عرَباً ثلاثة ألفً وكتيبة ... ذِكْرا لهُ في مُعرِق وشآمِ
شدّ بنُ قيس شدةً ذهبتْ لها ... فيها ولا غُمرِ ولا بِغُلامِ
عَمرُو وما عَمرُو بقَحْم دالِف
فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة، غضبت اللهازم، فقال أبو كلبة، أحد بني قيس بن
ثعلبة يؤنبهما بذلك:
...... ... حُزّتْ أنوفُكما حَزّا بمِنْشارِ
جُدّعتُما شاعرَيْ قوم ذوي حسب ... فلا أستعانا على سمعِ وإبصارِ
أعني الأصمَّ وأعشانا إذا اجتمعا ... منَ اللهازمِ ما قاظوا بذي قارِ
لولا فوارسُ لا ميلٌ ولا عُزُلٌ ... كما تلَبّس وُرّاد بِصُدّار
نحن أتيناهمُ مِنْ عند أشملهِمْ
(3/797)

قال أبو عمروا بن العلاء: فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة، قال: صدق. وقال الأعشى معتذرا مما
قال:.
متى تقرِنْ أصمّ بحبل أعشى ... يتيها في الضلالِ وفي الخَسارِ
فلستُ بمُبصرِ ما قدْ يراهُ ... وليسَ بسامعِ أبداً حِواري
وقال الأعشى أيضاً في ذلك اليوم:
أتانا عنْ بني الأحرْا ... رِقولٌ لم يكن أممَا
أرادوا نحتَ أثلَتِنا ... وكُنّا نَمنعُ الحَكَما
وقال أيضاً لقيس بن مسعود:
أقَيسَ بنَ مسعودِ بنِ قيسِ بن خالدٍ ... فأنتَ أمرُؤ ترجو شَبابَكَ وائِلُ
أتجمعُ في عام غَزاةً ورِحْلَةً ... ألا ليتَ قيسَا غَرّقتّهُ القَوابل
وقال أعشى أبي ربيعة:
(3/798)

ونحنُ غَداةَ ذي قارٍ أقمنا ... وقدْ شَهدَ القبائلُ محلبينا
وقدْ جاءوا بها جأواء فلْقاً ... مُلَمْلَمَةً كتائبُها طَحونا
لِيَوم كَريهَة حتى تجلّتْ ... ظِلالُ دُجاهُ عنّا مُصلتينا
فَولّونا الدوابِرِ واتَقَوْنا ... بِنُعمانَ بن زُرعَةَ أكتعينا
وذُدنا عارِضَ الأحرارِ وِردا ... كما وَرَدَ القَطا الثّمْدَ المَعينا
وقال أبو النجم العِجليّ في الاسلام، يفخر بيوم ذي قار:
نحنُ أبَحْنا الريّف للمُمْتارِ ... يومَ استَلَبنا راية الجبارِ
بأسفلِ البَطحاء من ذي قارِ
وقال العُديل بن الفرخ العجلي:
ما أوقَدَ الناسُ منْ نارٍ لمَكرُمةٍ ... إلا أصطلينا وكنا مُوقدِي النار
وما يَعدّون مِنْ يوم سمعتُ بهِ ... للناس أفضل مِنْ يوم بذي قارِ
جئنا بأسلابهِمْ والخيلُ عابِسَةَ ... يومَ استلبنا لكِسرى كلَّ إسوارِ
وقال الأخطلُ يفخر على جرير أنهم شهدوا يوم ذي قار:
هلاّ كفيتُمْ مَعَدّا يومَ مُعضلَة ... كما كفينا مَعَدّا يومَ ذي قارِ
جاءتْ كتائبُ كِسرى وهىَ مُغضَبَة ... فاستأصَلوها وأردوا كُلّ جبار
(3/799)

قال أبو عبيدة، وقال عامر ومسمع: قد أدرك الحوفزان بن شريك يوم ذي قار وقاتل، وقال في ذلك الشعر:
لمّا رأيتُ الخيلَ شَكّ نُحورَها ... حِرابٌ ونُشّابٌ صبرتُ جَناحا
جناح اسم فرسه.
على الموتِ حتى أنزلَ اللهُ نصرهُ ... وودّ جناح لوْ قضى فاستراحا
وقال عائذ الله، ويقال بل قالها رجل من بني شيبان. ولم يُدرك الحوفزان ذا قار، وقالها بشر أخو
الحوفزان قال: وأما من شهد يوم ذي قار من تميم، فإن أبا عبيدة حدّثنا، قال: أخبرني سليط، قال: لما
كان يوم ذي قار، وكان في بكر أسراء، قالوا: إنا نخاف أن تهربوا، فتواثقوا بأن لا تفعلوا، فواثقوهم
أن يرجع من لم يُقتل منهم، حتى يضع يده في أيديهم، قال: فخلّوهم فقاتلوا معهم قال أبو عبيدة،
فحدثني بتصديق هذا، مسحل بن زيداء، بنت جرير، قال، أخبرنا جرير، قال: لمّا كان يوم ذي قار،
وكان في بكر أسراء، فقال: خلّونا نقاتل معكم، فإنا نذبّ عن أنفسنا، قال: فواثقوهم ليرجَعُنّ إليهم إن
سلموا، وقالوا لهم: نخاف أن لا تُناصحوا. فقالوا لهم: دعونا فلنُعلِم حتى تروا مكاننا، ويُرى غناؤنا،
قال: فأعلَموا، فذلك قول جرير:.
منا فوارسُ ذي بهدا وذي نَجَب ... والمُعلِمونَ صباحاً يومَ ذي قارٍ
مُسترعفاتٍ بجزء في أوائِلها ... وقَعْنَبٍ وحمُاةٍ غيرْ أغمارِ
قال: وأما زبّان أبو مطرف الصبيري، فزعم أن بني شيبان، وعليهم بسطام، أغار فاستحفّ نعم
رُبيع بن عُتيبة بن الحارث بن شهاب،
(3/800)

فأغار عليهم عُتيبة، فاختبأ في بعض بطون ذي قار، حتى
وردت إبِل بني الحُصين، فأغار عليها، ففي ذلك قول جرير:
ألمْ تَرني أفَأتُ على ربيع ... جِلادا في مَبارِكها وخُورا
ولا أظن جريراً عنى هذا اليوم، قال: وذلك لأني قلت لأبي مطرف الصبيري، أكان معه يومئذ جزء
بن سعد؟ قال: لا، قلت: هل علمتم؟ قال: لا، إنما كانوا فوارس، وكانت سلة يعني كان الأمر على
غفلة - ولم يكونوا تعبّوا للقتال، ولم يلقوا حرباً فيما ظنوا، فيتهيؤا لها. قال: وأما عامر بن عبد
الملك، فزعم أن فارس لمّا غزتهم، تسامعت بذلك العرب، فجاء ثمانون من أهل بيت من بني يربوع،
وناس من بني ضبة، فقالوا: نكون قريباً، فإذا انهزمت بكر، أغرنا فيمن يغير. فبلغ ذلك بكرا فقالوا:
نبدأ بهؤلاء، فوجّهوا إليهم، فقتل يزيد المُكسّر الأضجم الضراري، وأسروا بقية القوم. فلم يزالوا
عندهم، حتى التقوا وفارس، فخلّوهم من وثاقهم، فقاتلوا معهم. قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فلم
تفخر تميم بهذا قال ضِرار بن سلامة العجلي في ذلك:.
كَسَونا الأضجَمَ الضبّيّ لمّا ... أتانا حدّ مَصقولٍ رَقيقِ
وفَرّتْ ضَبّةُ الجَعْراء لمّا ... أجَدّ بهِنّ إتعابُ الوَسَيقِ
أسرنا منهُمُ تسعينَ كَهلا ... نَقودهُمُ إلى وضَحِ الطريقِ
وجالُوا كالنّعامِ وأسلَمونا ... إلى خيلٍ مُسوّومَة ونوِق
تم حديث ذي قار.
(3/801)

رجع إلى شعر جرير:
وكانَ لنا خَرْجٌ مُقيمٌ عليهمُ ... وأسلابُ جبّارِ المُلوكِ وجامِلهْ
قال: قد نُقل حديث هذا البيت، في غير هذا الموضع.
ودَهْم كَجُنحِ الليل زُرْنا بهِ العدَى ... لهُ عِثيرٌ مما تُثير قَنابلهْ
قوله ودهم كجنح الليل، يعني جيشاً كثير العدد، يقال من ذلك، قد دهمهم جمع كثير، وذلك إذا
جاءوهم. وقال كجنح الليل، وذلك لكثرته وجمع أهله وسواده، قال: وإنما شبهه بظل الليل على
الأرض. قال: والعثير الغبار. يقول هذا الجيش من كثرته، أثار الغبار. وقنابله جماعة خيله، الواحدة
قنبلة، وهو ما بين الخمسين من الخيل إلى الستين.
إذا سَوّموا لم تمنع الأرض منهُم ... حَريداً ولمْ تمنع حَريداً مَعاقلهْ
ويروى لم يمنع الأرضَ منهم فضاء. وقوله حريزا، يقول لم تقدِر الأرض أن تُحرز جمعهم،
فتُحصنهم، وقوله إذا سوّموا يعني أعلموا للحرب. ومعاقله وملاجئه وحُصونه واحد. يقول لم تسعهم
الحصون ولم تحط بهم لكثرتهم. والحريد المُتنحّي.
نحوطُ الحِمَى والخيل عاديَة بنا ... كما ضربتْ في يوم طَلّ أجادِلهْ
قوله نحوط الحمى، يقول حمانا لا يقربه أحد ولا يطمع فيه. نحن نحوطه فنمنع الناس منه. يقول
فحِمانا لا يقربه احد ولا يطمع فيه، ذلك لعزّه ومنعته. وأجادله صقوره. والأجدل الصقر، يقول فنحن
نصيد الرجال فنقتلهم، كما تصيد الصقور الطير فتغلب عليها. فضربه مثلا للصقور.
أغرّكَ أنْ قيلَ الفرزدقُ مَرّة ... وذو السّنّ يخصَى بعدما شقّ بازِلهْ
(3/802)

يقول إنما يُخصى الفحل وقد بزل نابه. وبازله سنّه التي تطلع في السّنة التاسعة، ويروى أن قيل
الفرزدق شاعر. ويروى أن قيل الفرزدق ساعة.
فإنكَ قدْ جاريتَ لا مُتكلّفا ... ولا شَنِجاً يومَ الرّهان أباجِلهْ
ويروى يومَ الحفاظ. الأبجل عْرق ينتهي إلى اليد، وجمعه أباجل. شنج يعني مُنقبضاً. والمعنى في
ذلك يقول، هو مستوى اليد واسع الشحوة. وقوله جاريت يعني نفسه، أي أنا مستو على غير تكلف،
بل هو طباع وسجية. يقول أنا سابق غير مسبوق، وإنما ضربه مثلا. أراد بذلك الشرف والكرم،
وصيّره ها هنا قوم الرهان. قال وقد تفعل ذلك العرب كثيراً.
أنا البدرُ يُعشي طَرف عينيكَ فالتَمسْ ... بكفيكَ يابنَ القَينْ هل أنتَ نائِلهْ
لَبستُ أداتي والفرزدقُ لُعبةُ ... عليهِ وِشاحا كُرجٍ وجَلاجِلهْ
الرواية لبست سلاحي، ويروى ردائي.
أعِدّوا معَ الحَليْ المَلابَ فإنما ... جَريرُ لكم بعلٌ وأنتمْ حَلائله
قال أبو عبيدة: وقف جرير بالمربد وقد لبس درعا وسلاحاً تاماً، وحمله أبو جهضم عبّاد بن حُصين
الحبطي على فرس له عتيق يُنشد، فبلغ ذلك الفرزدق، فلبس ثياب وشي وسواراً، وقام في مقبرة بني
وحصن ينشد بجرير، والناس يسعون فيما بينها بأشعارهما، فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح
والدرع، قال:
عَجِبتُ لِراعي الضّأنِ في خُطَميّة ... وفي الدرع عَبدٌ قد أصيبتْ مَقاتلهْ
قال: ولمّا بلغ جريراً أنّ الفرزدق في ثياب وشي لابساً سواراً، قال:
لَبستُ سِلاحي والفرزدقُ لُعبة ... عليه ِشاحا كُرّج وجَلاجلهْ
(3/803)

وأعطوا كما أعطتْ عَوان حَليلَها ... أقرّتْ لبعل بعدَ بعل تُراسلهْ
قال: المُراسل من النساء التي تُطلّق، أو يموت زوجها، فتراسل زوجا غيره فتزوجه. أعطوا أمكنوا
من نفوسكم. يقال أعطت برجلها إذا أمكنت، والعوان النصف من النساء، يقول رضيت ببعل وأقرّت
له بعد بعل كان لها، لان العوان لا تمتنع على الزوج الثاني بعد الأول، وإنما الامتناع من الأبكار
لأنهن لم يُعهدن. يقول ذلوا كما تذل هذه لبعلها.
أنا الدهرُ يُفني الموتَ والدهرُ خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئا يُطاولهْ
أمِنْ سَفَهِ الأحلام جاءوا بِقردهم ... إليّ وما قِرد لقوم يُصاولهْ
ويروى ومن حدث الأيام.
تَغَمّدهُ أذِي بحر فغَمّهُ ... وألقاهُ في في الحُوتِ فالحُوتُ آكلهْ
ويروى ترامى به، أي تقاذف به اللجج، رمت به هذه إلى هذه، وهذه إلى هذه، وبه أي بالقرد.
ويروى ترامى به في لجة البحر زاخر. والزاخر الكثير. في في الحوت، أي في فم الحوت.
فإن كنتَ يا ابنَ القَينْ رائمَ عِزّنا ... فرُمْ حضناً فانْظُرْ متى أنتَ ناقِلهْ
بَنيَ الخَطفى حتى رضينا بناءهُ ... فهلْ أنتَ إنْ لم يُرضكَ القين قاتلهْ
بنينا بناءً لم تنالوا فُروعَهُ ... وهدّمَ أعلىَ ما بنيتُمْ أسافلِهْ
وما بَكَ رَدّ للأوابِد بعدما ... سَبقنَ كسبْقِ السيفِ ما قالَ عاذِله
ويروى تكلفني رد الغرائب بعد ما، قوله ما قال عاذله، إنما أراد مثل ضبّة بن أد، حين قتل الحارث
بن كعب في الحرم، فقيل له الحرم الحرم نصب على إضمار الفعل. فقال: سبق السيف العذل.
فذهبت مثلا، قال أبو عبد الله: تكلفني سبق.
ستلقى ذُبابي طائِفا كانَ يُتّقى ... وتقطعُ أضعافَ المُتونِ أخايِلهْ
(3/804)

ويروى تلاقي ذبابي طائراً. قوله أخايله، الأخيل طائر إذا وقع على متن الفرس قطعه. ويقال إنّ
ذلك الطائر هو الشقراق. قال: وإنما أراد بقوله ذبابي، ذباب السيف، وهو حدّه. يقول ستلقى حدّ
سيفي فيقطعك، كما يقطع هذا الشقراق ظهر هذا الفرس، قال فضربه مثلا للطائر.
وما هجمَ الأقيانُ بيتاً ببيتهِمْ ... ولا القينُ عن دارِ المذلّة ناقِلُهْ
ويروى كبيتها. هجم أي هدم. ويروى ببيتها.
وما نحنُ أعطينا أسيدَةَ حُكمهَا ... لِعان أعضّتْ في الحديدِ سَلاسلهْ
قال أسيدة أم مالك ذي الرقيبة، ومالك الذي أسر حاجب بن زُرارة. قال: وكانت أسيدة سبيّة، وفيها
يقول جرير:
رَدّوا أسيدةَ في جِلبابِ أمّكمُ ... غصبا فأمسى لها دِرع وجِلباب
ولسنا بِذِبْح الجيشِ يومَ أوارَة ... ولمْ يستبحنا عامِر وقنابلهْ
يعني عامر بن مالك أبا براء.
وهذا حديث يوم أوارَة
قال أبو عبيدة: وكان عمرو بن المنذر اللخمي، بنى زُرارة بن عدس ابناً له، يقال له أسعد، فلما
ترعرع، مرت به ناقة كوماء سمينة، فعبث بها، فرمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد، أحد بني عبد
الله بن دارم فقتله، ثم هرب سويد فلحق بمكة، قال: فهم الذين بمكة اليوم، من بني عبد الله بن دارم حلفاء لقريش.
(3/805)

قال أبو عبيدة: وكان عمرو بن المنذر قد غزا قبل ذلك، ومعه زرارة، فأخفق، فلما كان حيال جبلي
طيي، قال له زرارة: إنّ مثلك إذا غزا لم يرجع، ولم يُصب بغارته أحداً، فمل على طيء، فإنك
بحيالها. قال: فمال وقتّل وأسر وغنم، وكانت في صدور طيء على زرارة قال: فلما قتل سويد أسعد،
وزرارة يومئذ عند عمرو بن المنذر، فكتمه قتل ابنه أسعد، قال عمرو بن ملقط الطائي يحضض
عمراً على زُرارة:.
مَنْ مُبْلِغٌ عَمراً بأنّ ... .. المرء لم يخلقْ ضُبارَهّ
وحوادِثُ الأيامِ لا ... تبقى لها إلا الحَجارَهْ
ها إنّ عُجْزَةَ أمّ ه ... بالسفح أسفلَ مِنْ أوارَهْ
تسفي الرياحُ خلالَ كشْ ... حَيْه وقد سلبوا إزارَهْ
فاقتُلْ زُرارةَ لا أرى ... في القومِ أوفَى مِنْ زُرارةَ
فقال عمرو بن المنذر. يا زرارة ما يقول عمرو؟ قال: كذب قد علمت عداوتهم لي فيك. قال:
صدقت: فلما جن عليه الليل، اجلَوّذَ زرارةَ - يعني مضى مسرعاً - فلحق بقومه. قال: ثم لم يلبث أن
مرض.
قال أبو عبيدة، فحدثني درواس، أحد بني معبد بن زرارة، قال: لمّا حضرت زرارة الوفاة، قال يا
حاجب، إليك غلمتي في بني نهشل، ويا عمرو بن عمرو، إليك عمرو بن ملقط الطائي، فإنه حرّض
علي الملك فقال عمرو: لقد أسندت إلي يا عمّاه أبعدهما شُقّة، وأشدهما شوكة فلما مات زرارة، تهيأ
عمرو بن عمرو في جمع، ثم غزا طيئا، فأصاب الطريفين: طريف بن مالك، وطريف بن عمرو،
وأفلته الملاقط، فقال علقمة بن عبدة في ذلك.
ونحنُ جلبنا مِنْ ضرَيّة خَيلَنا ... نُجَنّبُها حدّ الاكامِ قَطائِطا
(3/806)

أصبنَ الطريفَ والطريف بنَ مالكِ ... وكانَ شِفاءً لو أصبْن الملاقطا
أصبن يعني الخيل قال فلما بلغ عمرو بن المنذر موت زرارة، غزا بني دارم، وقد كان حلف ليقتلن
منهم مائة. قال: فجاء رجل من البراجم شاعر ليمدحه، فقتله ليوفي به نذره، وليتم به المائة، ثم قال:
إن الشقي راكب البراجم، فذهب مثلا وقال الأعشى:
وتَكونُ في السّلَفِ المُوا ... زِي مِنقراً وبَني زُرارةَ
أبناء قوم قُتّلوا ... يومَ القُصَيبَةِ أو أوارّهْ
وقال جرير ينعي ذلك عليهم:
أينَ الذينَ بسيف عمرو قُتلوا ... أم أين أسعدَ فيكُم المُسترضَعُ
قال: وأما الطرماح، فانه هجا الفرزدق، فزعم أن عمرو بن المنذر أحرقهم، ولم يكن له بهذا الحديث
علم.
عرفتُمْ بَني عَبسٍ عَشيّةَ أقرنٍ ... فخُلي للحَبشِ اللَواء وحامِلُهْ
هذا تفسير البيت الذي هجا به الفرزدق بني جعفر وقد علمت ميسون، قال: أبو عمرو: ميسون،
امرأة من بني جعفر، وهي أم حنّاءة، من بني أبي بن كلاب، لمّا نفت بني جعفر بنو كلاب في نضرة
غني، خرجوا فنزلوا في بني الحارث بن كعب، فأقاموا فيهم مُجاورين، فدعتهم بنو الحارث للحلف،
فقال مشيختهم وذوو الرأي منهم: إن حالفتموهم في بلادهم لم تزالوا تبعا لهم، وأذناباً إلى يوم القيامة
فرجعوا إلى بني كلاب فقالوا: إنا ننزل على حكم جوّاب، فقال جوّاب: لا أصالحكم إلا على سِلم
مُخزية أو حرب مُجلية، قالوا: قد رضينا بذلك، فقال في ذلك لبيد:
(3/807)

أبَني كِلاب كيفَ تُنفىَ جعفرُ ... وبنو ضبينَةَ حاضِرو الأجبابِ
بنو ضبينة من غَنيّ، والأجباب موضع نفتهم عنه بنو كلاب.
قال أبو عمرو: وكان من حديث سوادة ابن أخي جوّاب، انه أخذ رجلا من بني جعفر، فأوثقه على
بعيره فادعت بنو أبي بكر أنه انكسرت ضلع من أضلاعه، فدفعت إليهم بنو جعفر غلاماً منهم، يقال
له جحوش، فقمطوه، ثم شدوه عل بعير ثم أوضعوا به بعد ما سقوه ملحاً فسلح، قال: وهذا تفسير
البيتين في القصيدة التي هجا بني جعفر: عرفت بأعلى رائس الفاو. وهي ذات الأكارع.
(3/808)

وهذا حديث يوم أقرُنَ
قال أبو عبيدة، حدثنا دراوس، أحد بني معبد بن زرارة، قال: غزا عمرو بن عمرو بن عدس، فأغار
على بني عبس، فأخذ إبلا وسبي، ثم أقبل حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن، نزل فابتنى بجارية من
السبي، ولحقه الطّلب، فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسي عمرا، وانهزمت بنو مالك بن
حنظلة ويقال: إنّ عمرو بن عمرو فارس بني مالك بن حنظلة، فقتلت حنظلة بن عمرو بن عمرو،
وقال بعضهم قُتل في غير هذا اليوم. وارتدّوا ما في أيدي بني مالك. فنعى جرير على بني دارم ذلك
فقال:
هل تذكرونَ على ثَنيّةِ أقْرُنٍ ... أنسَ الفوارس يومَ يهوي الأسلعُ
وكان عمرو أسلع يعني أبرض. وقال جرير أيضاً:
أتنسَوَنَ عَمرا يومَ بُرقَةِ أقْرُنٍ ... وحنظلةَ المقتول إذ هويَا معا
قال: وكانت أم سماعة بن عمرو بن عمرو، من بني عبس، فزاره خاله، فقتل خاله بأبيه، ففي ذلك
يقول المسكين الدارمي:
وقاتلُ خالِهِ بأبيهِ مِنا ... سَماعَةَ لم يَبِعْ حَسَباً بِمالِ
قال الأصمعي: والذي تناهى إلينا من علم ذلك، أنهم أخطأوا الثنية، وأخذوا المهواة، فسقطوا من
الجبل، ففي ذلك يقول عنترة بن شداد العبسي:
(3/809)

كأنّ السرايا بين قَوّ وصارَةٍ ... عَصائِبُ طير ينتَحينَ لمَشربِ
شفى النفسَ مني أو دنا مِنْ شِفائها ... تهورهُمْ مِن حالِق مُتَصَوبّ
وقد كنتُ أخشى أن أموتَ ولمْ تقُمْ ... قَرائِبُ عمروٍ وسطَ نوحِ مُسَلبِ
التسليب لُبس المسوح وترك الزينة.
وعِمرانُ يومَ الأقرَعَينْ كأنما ... أناخَ بذي قُرطَين خُرس خَلاخلُهْ
يعني عمران بن مرّة بن دُبّ بن مرّة بن ذُهل بن شيبان، أسر الأقرع ابن حابس بن عقال بن محمد
بن سفيان مُجاشع.
ولم يبقَ في سيف الفرزدقِ محمَلٌ ... وفي سيف ذَكوانَ بنِ عمرو محَامِلُهْ
قال: ذكوان بن عمرو من بني فُقيم بن جرير بن دارم، قتل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال،
أبا الفرزدق.
هوَ القينْ يُدنيِ الكيرَ مِنْ صَدَإ استِهِ ... وتعرفُ مَسّ الكَلبتينْ أناملُهْ
ويرضعُ مَنْ لاقى وإنْ يلقَ مُقعدَا ... يقودُ بأعمىَ فالفرزدقُ سائِلُهْ
إذا وضع السربالَ قالتْ مجاشِعْ ... لهُ منكبا حوضِ الحمارِ وكاهِلُهْ
وأنتَ ابن ينخوبية من مجاشع ... تخضخضَ مِنْ ماء القيونِ مفاصِلُهْ
على حفرِ السيدانِ لاقيت خِزيَة ... ويومَ الرحا لم يُنق ثوبكَ غاسلُهْ
وقدْ نَوخَتها مِنقَر قدْ عَلِمتمُ ... بمُعتَلج الدأيَينْ شُعر كَلاكلُهْ
يعني رجلاً مأزراً أشعر. ويروى الدأيات.
يفرجُ عِمرانُ بن مرة كينها ... وينزو نزاء العيرِ أعلقَ حابلُه
(3/810)

قال: عمران بن مرة من بني منقر بن عبيد، وهو الذي كذب عليه جرير، ورماه بجعثن أخت
الفرزدق، وكان جرير يستغفر ربه، مما قاله لها، وما رماها به من الكذب. وكانت جعثن إحدى
الصالحات فيما بلغنا عنها.
أصَعْصَعَ ما بال أدعائكَ غالباً ... وقدْ عرفَتْ عيني حُبيرْ قَوابِلُهْ
أصَعْصَعَ أينَ السيفُ عَنْ مُتَشَمسٍ ... غَيور أربتْ بالقُيون حَلائَلُهْ
قوله أبت بالقيون حلائله، أربت يقول أقامت لزمنه لا يبرحنه، عن متشمس، يعني أباه ناجية بن
عقال.
وتزعُمُ ليلى مِنْ جُبيرْ بريئة ... وقدْ ضَهلتْ في رحم ليلى ضَواهلُهْ
وزاوَلَ فيها القَين محبوكَةَ القَفا ... كما زاولَ الكُردوسَ في القدر ناشلُهْ
الكردوس العظم الضخم، والكردوس أيضاً الكتيبة الضخمة.
أحارثُ خُذ من شئتت منا ومنهُمُ ... ودَعنا نقِس مجداً تعدُّ فواضلهْ
الحارث بن أبي ربيعة المخزوميّ.
فما في كتاب اللهِ تهديمُ دارِنا ... بتهديمِ ماخور خبيث مَداخلُهْ
قوله: فما في كتاب الله تهديم دارنا، عنى الحارث بن عبد الله المخزومي، وهو القُباع. وكان ولي
البصرة، وكان متنسكاً. يروى عنه الفقه، قال: فلما تهاجى جرير والفرزدق، فقام جرير بالمربد، وقام
الفرزدق في المقبرة، أرسل الحارث إلى الدارين اللتين كانا ينزلانهما، فشعّث منهما لينتهيا. فقال
الفرزدق:
أحارثُ داري مَرتينْ هَدمتَها ... وأنتَ أبنُ أخت لا تخُافُ غَوائلُهْ
(3/811)

وقد كان القباع أراد هدم دار الفرزدق، في شيء بلغه، ثم إنه كُلم فيه، وهرب الفرزدق، وقال في هربه:
وقبلكَ ما أعيَيتُ كاسرَ عَينهِ ... زياداً فلم تقدرْ عليّ حَبائلُهْ
فآليتُ لا آتيهِ تسعينَ حِجّة ... ولو كُسرتْ عين القُباعِ وكاهِلُهْ
قوله فآليت، يقول فحلفت، يقال آلى فلان وذلك إذا حلف قال: وكان عبّاد بن الحصين، أبو جهضم
الحبطي، على أحداث البصرة، فأعان جريرا على الفرزدق، وهو الذي أعار جريرا الدرع والفرس
لمّا وقفا يتهاجيان، فقال الفرزدق في ذلك:
أفي قَمَليّ مِنْ كُليب هَجَوتهُ ... أبو جَهضمَ تغلى عليّ مُراجلُهْ
وفي مخدعَ منهُ النّوارُ وشربُهُ ... وفي مخدَع أكيارهُ ومَراجلهْ
تميلُ بهِ شربُ الحوانيتِ رائحا ... إذا حرّكتْ أوتارَ صَنْج أناملهْ
ولستَ بذي دَرءٍ ولا ذي أرومَة ... وما تُعط مِنْ ضَيم فإنك قابلهْ
جزعتُم إلى صَنّاجَة هَرَويّةٍ ... على حينِ لا يلقى معَ الجدّ باطلهْ
إذا صقلوا سيفاً ضربنا بِنَصلهِ ... وعادَ إلينا جَفنهُ وحمائلهْ
يقول: هم قيون، فإذا صقلوا السيوف، ضربنا بها، وصارت جفونها إلينا كما قال:
تصفُ السيوفَ وغيركمْ يَعصى بها ... يا أبنَ القُيونِ وذاك فعلُ الصّيقَلِ
وقال جرير للفرزدق والبعيث:
ذكرتُ وِصالَ البيضِ والشّيْبُ شائِع ... ودارُ الصّبا مِنْ عَهدهِن بَلاقعُ
قوله والشيب شائع، يقول: متفرق في الرأس، ومنه قولهم: قد شاع
(3/812)

الحديث، وذلك إذا تفرق وانتشر، وقوله بلاقع، يقول ودار الصبا بلاقع منهن، والبلاقع القفار من الأرض المستوية.
أشَتّ عِمادُ البَينْ واختلفَ الهَوى ... ليقطعَ ما بينْ الفريقينْ قاطعُ
ويروى أشتّت ديار الحي، قوله أشتّ يريد تفرّق، وعماد البين، يقول: لما همّوا بالبين قرّضوا
أبنيتهم.
لعلّكَ يوما أنْ يُساعفَك الهَوى ... فيجمعَ شعبيْ طيّه لكَ جامعُ
الشعب الحي العظيم في المُرتبع، يعني شعبه وشَعبَ التي نأت عنه، يقول لعل الحَيِّين يجتمعان،
والطّيّة المذهب.
أخالدَ ما مِنْ حاجَه تَنبري لنا ... بِذِكراكِ الاّ أرفضّ منيّ المَدامعُ
قوله تنبري لنا تعرض لنا. وقوله ارفض يعني انقطع وتفرّق.
وأقرضتُ ليلى الودّ ثُمّتَ لمْ تُردْ ... لتجزيَ قرضي والقروضُ ودَائعُ
سَمَتْ لكَ مِنها حاجة بين ثَهمَد ... ومَذعى وأعناقُ المَطيّ خَواضِعُ
مذعى ماء لبني جعفر بن كلاب بوضح الحمى، قال أبو عبد الله: ومذعى بفتح الميم، سَمت،
ارتفعت. وخواضع يقول: المطي واضعة رءوسها، مادة اعناقها، وذلك لاعتماد السير.
يسُمنَ كما سامَ المَنيحانِ أقدُحا ... نخَاهُنّ مِنْ شَيبانَ سَمح مخُالعُ
قوله يسمن يريد في سيرهن، قال: والسوم الاستقامة على سنن الطريق. والمنيحان قِدحان يدخلان
في القداح، وذلك لتكثر بهما القِداح، فإذا خرج المنيح رد، حتى يخرج ما له نصيب.
قال: ومعنى سام هاهنا قصد، قال: فشبّه انضمام الركب،
(3/813)

واجتماعهم، باجتماع القِداح، وانضمام بعضها إلى بعض، ومُخالع يريد مُقامراً،
قال أبو الله: مخالع مقامر بخلعته، ولا يقال لكل مقامر مخالع حتى يقامر بخلعته.
فهلاَ اتّقيتِ اللهَ إذْ رُعْتِ محرِما ... سرى ثم ألقى رَحلَهُ فهوَ هاجع
ومِنَ دونه تيهِ كأنّ شِخاصَها ... يحُلْنَ بِأمثالٍ فهُنّ شَوافِعُ
قوله شخاصها يريد الذي يرتفع فيها من جبل وأكمة، وقوله يحلن، يريد يتحركن قوله بأمثال يريد
بمثلهن، فهن شوافع يقول تراهن اثنين اثنين قال: الشفع الزوج، والوتر الفرد وذلك فعل السراب،
ليس ثم تحرّك، وترى الشخص شخصين. أي بينك وبينه تيه، أي قفار مُضلّة.
تحِنُ قَلوصي بعدَ هَدْء وهاجَها ... وَميضٌ على ذاتِ السلاسلِ لامِعُ
يقول: شاقها وميض برق، يعني طربت واستخفت للمطر.
فقلتُ لها حِنّي رُويدا فإنني ... إلى أهلِ نجدٍ مِنْ تهَامَةَ نازِع
تغيّضُ ذِفْراها بجونٍ كأنه ... كُحيلٌ جرى في قُنفُذِ اللّيتِ نابِعُ
ويروى تفيّض بالفاء، أي تسيل، وبالغين أي كأنها تُنقصه من موضعه، وهما روايتان، وقوله تفيّض
ذفراها، يعني تسيل ذفراها، قال: والذفرى ما خلف الأذن من القفا، وقوله بحون، يريد بعرق أسود،
وقوله كُحيل، هو القطران، شبه ما يسيل من ذفراها بالقطران الردي، لأنه أسود، يعني يسيل من
الذفرى، وقوله جرى يعني العرق. قال: وقنفذ الليت، خلف أذنها من قفاها. ونابع قاطر. قال أبو
جعفر، أحمد بن عبيد: القنفذ هو الذفري.
ألا حَيّيا الأعرافَ مِنْ مَنبتِ الغَضا ... وحيث حَبا حولَ الصرّيفِ الأجارعُ
ويروى الطريف، الصريف فوق النباج بفرسخين حبا أشرف،
(3/814)

والأجارع رمال، واحدها أجرع.
سَلمتَ وجادتْك الغُيوثُ الرّوابعُ ... فأنّكَ وادٍ للأحبّةِ جامعُ
فلم أرَيا ابنَ القَرْمِ كاليومِ مَنظَرا ... تجَاوَزَهُ ذو حاجة وهوَ طائعُ
أتنسينْ ما نَسري لحُبّ لقائكمْ ... وتهجيرنَا والبيدُ غُبرٌ خواشِعُ
بَني القَين لاقيتُمْ شُجاعاً بهَضْبةَ ... رَبيبَ حِبال تَتقيهِ الأشاجعُ
قال: الأشاجع جمع أشجعة، وأشجعة جمع شجاع، والشجاع ضرب من الحيّات، شديد الإقدام.
فإنكَ قَينْ وابنُ قَينين فاصْطَبرْ ... لذلكَ إذْ سُدّتْ عليكَ المَطالعُ
ولمّا رَأيتُ الناسَ هرّتْ كلابهُمْ ... تشَيعتُ إذ لم يحمِ إلا المُشايعُ
قال: المشايع الجري المقدم، الذي لا يبالي من لقي، تشنعت تنكّرت.
وجهّزتُ في الآفاق كُلّ قصيدَة ... شَرودٍ ورودٍ كُلّ رَكب تُنازِعُ
قوله شرود، يعني تذهب في الآفاق، كما يشرد البعير الناد على وجهه، ورود يعني ترد المياه على
كل قوم في ناديهم ومحلّتهم، فتملا كل بلد.
يجُزنَ إلى نَجرانَ مَنْ كانَ دونَةُ ... ويظهرنَ في نجد وهُنّ صَوادعُ
قوله وهن صوادع، يقول يشققن وسط الأرض، لا يعدلن يمنة ولا يسرة، قال: وهو مأخوذ من قول
الرجل للرجل الذي يسبح في الماء، مرّ يشق الماء شقا، وذلك إذا مرّ مستقيما، وروى أبو عبيدة:
يخضن إلى.
تَعرّضَ أمثالُ القوافي كأنها ... نجائبُ تعلُو مربداً فتُطالعُ
المربد محبس الإبل الذي تُحبس فيه.
(3/815)

أجئتُمْ تبغّونَ العُرامَ فعِندنا ... عُرامُ لمنْ يبغي العَرامَةَ واسعُ
قال: العرام الشر، والأدنى انه لعارم، مأخوذ من العرامة الكثير الشر.
تَشَمّسُ يربوعُ ورائي بالقَنا ... وعادتُنا الإقدامُ يومَ نُقارِعُ
تشمّس، يقول تأبى أن أضام، وتمنعني أن أنال بمكروه، وكأنه مأخوذ من الفرس الشموس، وهو
الذي يمتنع أن يُمس ويأبى ذلك. وقوله يوم نُقارع، يعني يوم نُجالد ونُضارب ونُقاتل.
لنا جبلٌ صعبٌ عليهِ مَهابةٌ ... مَنيعُ الذرى في الخندفيين فارِعُ
وفي الحيّ يربوع إذا ما تَشَمّسوا ... وفي الهُندُوانيّات للضيم مانعُ
لنا في بني سعد جبالُ حصينةٌ ... ومُنتَفَدٌ في باحة العزّ واسعُ
قوله منتفد يعني متسعا. وقوله في باحة العز، يقال من ذلك باحة وساحة، عرصة، كله بمعنى واحد،
وهي ساحة الدار، والموضع بلا بناء يكون فيه.
وتَبذَخُ مِنْ سَعد قُرومُ بِمفزَع ... بِهم عندَ أبوابِ الملوكِ نُدافِعُ
قوله وتبذخ من سعد قروم، البذخ الصلف والتجبر، يقال من ذلك، ما أبذخ فلاناً، إذا كان متعظماً
متصلفاً، قال: والقرم فحل الإبل الكريم منها، فاستُعير فصُيّر لعظيم القوم وكريمهم ورئيسهم، قال أبو
عبد الله: قروم بمفرع غير معجمة.
لِسَعد ذُرى عادِيّة يهتدى بها ... ودَرء على مَنْ يبتغي الدرء ضالعُ
قوله ضالع، يعني مائلا عليه، ويقال من ذلك ضلع فلان مع فلان، إذا كان ميله معه ونُصرته له.
وإنّ حِمى لم يحمِهِ غيرُ فَرْتَنا ... وغيرُ ابن ذي الكيرين خَزيان ضائعُ
(3/816)

قوله غير فرتنا، يريد ابن أمَة، يريد البعيث، قال: وفرتنا اسم تُسمّى به الإماء، يُعلمه أن أمّه كانت أمَة.
رَأتْ مالِكٌ نبلَ الفرزدقِ قَصرت ... عَنِ المجد إذْ لا يأتلي الغَلوَ نازِعُ
قوله نبل الفرزدق قصّرت، يقول قصّر شعره، فلم يبلغ ما يريد من مطالبته، ولسان الرجل هو
سهمه، ونبله، وسلاحه الذي يُناضل به، ويدفع به عن نفسه، والمجد الشرف، والكرم، والمجد كثرة
فعل الخير
تَعرّض حتى أثبتَتْ بينْ خَطمِهِ ... وبين مخَطّ الحاجبينْ القَوارعُ
أرى الشيبَ في وجه الفرزدق قدْ علا ... لهازمَ قِرد رَنّحتهُ الصواقعُ
قال أبو عبد الله: لغة تميم صواقع، وغيرهم صواعق. ويروى في رأس الفرزدق. قوله رنحته،
يقول أدارت رأسه حتى سقط، قال: وهو مأخوذ من قولهم للشارب، إنه لمُرنّح، وقد ترنّح فلان من
الشراب، وذلك إذا شرب فتمايل في مشيه.
وأنتْ ابنُ قينْ يا فرزدق فازدهر ... بِكيركَ إنّ الكيرَ للقينْ نافعُ
قوله ازدهر، يقول احتفظ، استمسك، وهي كلمة نبطية، سرقها من كلام النبط، لحاجته إليها، يقول
النبطي: ازدهر أي استمسك.
فإنكَ إنْ تنفُخْ بكيركَ تَلقَنا ... نُعد القَنا والخيلَ يومَ نُقارعُ
ويروى نُماصع. وروى غيره حي نُفارع.
إذا مُدّ غَلوُ الجَري طاحَ ابن فرتَنا ... وجَدّ التّجاري فالفرزدقُ ظالعُ
وأما بنو سَعد فلو قُلتَ أنصِتوا ... لتُنشدَ فيهم حَزّ أنفكَ جادعُ
رَأيتكَ إذ لم يغنكَ اللهُ بالغِنى ... لجأتَ إلى قيس وخَدكَ ضارعُ
ويروى رجعت، قال: وذلك أنه كان لجأ إلى الحجاج. وضارع خاضع ذليل.
(3/817)

وما ذاكَ أنْ أعطى الفرزدقُ باستهِ ... بأول ثَعرِ ضَيّعَتهُ مجاشعُ
ألا إنما مجدُ الفرزدق كيرِهُ ... وذُخر لهُ في الجنبتين قَعاقعُ
يريد حديد القين وأداته. قال: والجنبة جلدُ بعير مثل الكنف، يجعل فيه القين ألته، وقعاقع يعني
قعقعة.
يقولُ لليلىَ قينْ صَعْصَعَة اشفَعي ... وفيما وراء الكير للقينْ شافعُ
لَعَمري لقدْ كانتْ قُفَيرةُ بيّنَت ... وشِعْرة في عينيكَ إذ أنتَ يافعُ
تَبَينّ في عينيكَ مِن حمرَة استها ... بُروق ومُصفَر مِنَ اللونِ فاقعُ
ويروى عروق ومصفر. والفاقع الشديد الصفرة، وهو من قوله تعالى: {صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا}
إذا أسفرَتْ يوما نساء مجاشعِ ... بدَتْ سَوءة مما تجنُ البَراقعُ
مَناخرُ شانتها القُيونُ كأنها ... أنوفُ خَنازيرِ السّوادِ القَوابعُ
القوابع صوت، يقال من ذلك قبع الخنزير إذا صوّت، والقبوع صوت الخنزير ويروى سافتها.
مَباشيمُ عَنْ عبّ الخَزيرِ كأنما ... تُصوّتُ في أعفاجهنّ الضفادِع
وقدْ قَوستْ أمّ البَعيثِ وأكرهتْ ... على الزفر حتى شَنّجتها الأخادعُ
صَبور على عَضَ الهَوان إذا شتتْ ... ومغليمُ صيف تبتغي مَنْ تُباضعُ
لقد علمتْ غيرْ الفِياشِ مجاشعِ ... إلى مَنْ تصيرُ الخافقاتُ اللوامعُ
الفياش الجحف، وهو النفخ، وهو أن يفخر الرجل بما ليس عنده، وهو طرف من البذخ بالكذب.
لنا بانيا مجد فبان لنا العُلى ... وحام إذا احمرّ القَنا والأشاجعُ
(3/818)

قوله إذا احمر القنا والأشاجع، يعني من الطعن. قال: والأشاجع العصب على اليد. يقول فقد احمر
القنا والأشاجع من الطعن بالدم.
أتعدلُ أحسابا كراماً حُماتُها ... بأحسابكم إني إلى اللهِ راجعُ
لقومي أحمَى في الحقيقة منكمُ ... وأضربُ للجبارِ والنقعُ ساطعُ
ويروى للحقيقة. قوله للجبار، يعني رئيس القوم، قال الشاعر:
وكنا إذا الجبارُ صعّر خدّهُ ... علينا ضربنا رأسهُ فتقَوّما
والحقيقة ما يلزمك حفظه قال: والنقع الغبار، وهو من قول الله عز وجل: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}.
وأوثَقُ عندَ المُردفاتنِ عشيّة ... لحاقاً إذا ما جرّدَ السيف لامعُ
ويروى المُرهقات، وهي المدركات المُعجلات عن الهرب. يقول: لحقن عند الهرب والنجاء،
وسيجيء حديثه في موضعه.
وأمنعُ جيراناً وأحمدُ في القرىَ ... إذا اغبرّ في المحل النجومُ الطوالعُ
وسامٍ بَدهم غير مُنتفضِ القُوىَ ... رئيس سَلَبنا بَزّهُ وهوَ دارعُ
قوله وسام ورُبّ سام، يعني مرتفع النظر وقوله بدَهم، يعني بجيش كثير العدد. يقال من ذلك: أتانا
فلان في الدّهم، وذلك إذا أتاهم في جمع كثير لا يُحصى. غير منتفض، أي هو مُحكم الأمر.
ندَسنا أبا مَنْدوسةَ القينْ بالقَنا ... ومارَ دَمٌ مَن جارِ بَيْبَةَ ناقعُ
قوله ندسنا، يعني طعنّاه ومار يعني جاء وذهب، كما يقال هاج البحر وذلك إذا اضطربت أمواجه
فجاءت وذهبت. وناقع شافٍ مُرو، وأبو مندوسة، مُرّة بن سفيان بن مجاشع، قتلته بنو يربوع في يوم
(3/819)

الكُلاب الأول، وهو يوم قتل شُرحبيل بن الحارث بن عمرو ابن حُجر، آكل المُرار، وقد كتبنا حديثه
في غير هذا الموضع قال: وجار بيبة هو الصّمّة بن الحارث الجُشمي، قتله ثعلبة بن حصبة، في
جوار الحارث بن بيبة بن قُرط بن سفيان بن مجاشع.
ونحنُ نفرنا حاجباً مجدَ قومهِ ... وما نالَ عمرو مجدَنا والأقارع
قوله نفرنا غلبنا. وقد كتبنا قصة حاجب وعُتيبة بن الحارث ومخاطرتهما على بني يربوع، حين
سار إليهم قابوس وحسّان ابنا المنذر، ليقعوا بهم، فكانت الدائرة على قابوس وحسّان، ومن معهما قال:
وقمر وعتيبة حاجباً مائة من الإبل، كانا تخاطرا عليها. وقوله وما نال عمرو مجدنا، يعني عمرو بن
زيد والأقارع يعني ابن حابس وأخاه فراساً.
ونحنُ صَدَعنا هامةَ ابنِ محُرّق ... فما رقأت تلكَ العيونُ الدوامعُ
قال أبو عبد الله: يروى فلا رقأت. وقوله رقات، يقول: ما احتبست، يقال للرجل إذا دعوا عليه: لا
رقأ دمعك. يقول: لا زال دمعك سائلاً بالمصائب والفجعات فإذا دعوا له قالوا: ما له رقأ دمعه،
والمعنى في ذلك يقول: لا زال فرحاً مسروراً، فدمعه راقيء، يعني محتبس. قال: وابنُ محرّق،
قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر. قال: أسرة طارق ابن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن
يربوع، يوم طخفة، وقد كتبنا حديثه.
وما باتَ قوم ضامنينَ لنا دماً ... فتُوفينا إلاّ دِماء شَوافعُ
قوله شوافع، يقول: لا يوفينا إلا دمان من غيرنا بدم واحد منا.
بِمرُهَفَة بَيض إذا هي جردَتْ ... تَألقُ فيهنّ المَنايا اللوامعُ
قوله بمرهفة، يريد مرقّقة بالمسان، يريد هذه السيوف. وقوله
(3/820)

اللوامع، يقول: هذه السيوف لها بريق ولمعان كالبرق.
لقدْ كانَ يا أولادَ خَجْخَجَ فيكُمُ ... محُوّلُ رَحْلٍ للزُبيرْ ومانعُ
وقدْ كادَ في يوم الحَواري جاركُمْ ... أحاديثُ صمّتْ مِن نَثاها المَسامعُ
وبتُمْ تعشّون الخَزير كأنكمْ ... مُطلّقَةُ حيناً وحيناً تُراجعُ
بُقَبحُ جبريلٌ وجوهَ مجُاشع ... وتنعى الحَواريّ النجومُ الطوالعُ
إذا قيلَ أيُ الناس شرّ قبيلَةً ... وأعظَم عارا قيلَ تلك مجاشع
بَني ضَمْضَمِ السّوءاتِ لمّا أقادَكُمْ ... نُبَيْهُ إستها سُدّتْ عليه المَطالعُ
قوله بني ضمضم وهو بنو مجاشع قال: ونبيه رجل كان يعين الفرزدق على جرير، ويروي هجاء
جرير.
فأصبحَ عَوف في السلاح وأصبحتْ ... تَفُشٌ جُشاءات الخَزيرِ مجاشعُ
قوله فأصبح عوف، يعني عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة، قاتل مزاد، وقد مر حديثه فيما
أمليناه، وقوله تفش، يريد تخرج الجشاء.
وما سَلَمتْ منها حُوَيّ ولا نَجَتْ ... فُروجُ البَغايا ضَمْضَم والصعاصعُ
قوله حوي، هو حوي بن سفيان بن مجاشع. قال: وضمضم بن عقال، والصعاصع صعصعة بن
ناجية وولده.
نَدِمْتَ على يوم السّباقَينْ بعدما ... وهبتَ فلم يوجد لوهيك راقعُ
قال: السباق وادٍ بالدهناء يعني قتل مزاد.
فما أنتمُ بالقوم يوم افتديتُم ... بِهَ عَنوةً والسمهريّ شوارعُ
فأجابه الفرزدق فقال:
(3/821)

منا الذي اختيرَ الرجالَ سَماحةً ... وخيراً إذا هبّ الرياحُ الزعازعُ
ومِنا الذي أعطى الرسولُ عَطيّة ... أسارَى تميمٍ والعُيونُ دَوامِعُ
قال: وذلك أن الأقرع بن حابس كلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحاب الحُجرات،
وهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فرد سبيهم وحمل الأقرع الدماء.
ومنا الذي يُعطي المائينَ ويشتري ... الغوالي ويعلو فضله مَنْ يُدافِع
ومنا خطيب لا يُعابُ وحامِلٌ ... أغرّ إذا التفّت عليهِ المَجامعُ
قوله خطيب، يعني شبّة بن عقال بن صعصعة. قال: والحامل يعني عبد الله بن حكيم بن نافذ من
بني حُوي بن سفيان بن مجاشع، وكان يقال له القرين، والأغر من الرجال، المعروف، كما يُعرف
الفَرس بغرته في الخيل، يقول: فهو معروف في الكرم والجود.
ومنا الذي أحيَى الوئيدَ وغالِبُ ... وعمرو ومنا حاجبُ والأقارعُ
قال: الذي أحيى الوئيد، يعني جده صعصعة بن ناجية بن عقال، وغالب أبوه. قال: وعمرو بن
عمرو بن عدس، قال والأقارع، الأقرع وفراس ابنا حابس بن عقال.
(3/822)

قال اليربوعي، حدثني عقال بن شبة بن عقال بن صعصعة، أنه كان من حديث صعصعة وإحيائه
الوئيد، قال: خرجت باغياً لناقتين عُشراوين فارقين، فرفعت لي نار، فسرت نحوها، وهممت
بالنزول، قال: فجعلت النار تُضيء مرة وتخبو أخرى، فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت: اللهم إن لك
علي إنْ بلّغتني هذه النار الليلة، ألا أجد أهلها يوقدونها لكربة يقدر أن يُفرجها أحد من الناس، إلا
فرّجتها عنهم. فلم أسر إلا قليلاً، حتى انتهيت، فإذا صرم من بني أنمار بن هُجيم بن عمرو بن تميم،
وإذا شيخ حادر أشعر يوقدها في مقدّم بيته، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض، قد جبستهم ثلاث
ليال، فسلمت، فقال لي الشيخ: مَن أنتَ؟ قلت أنا صعصعة بن ناجية. قال: مرحبا بابن سيدنا، ففيم
أنتَ يا ابن أخي؟ قلت: في بغاء ناقتين لي فارقين عمي علي أثرهما. قال: وقد وجدتهما، وقد أحيى
الله بهما أهل بيت من قومك، وقد نتجناهما، وعطفنا إحداهما على الأخرى، وهما تانّك في أدنى
الإبل. قال: قلت لمَ توقد نارك منذ الليلة؟ قال: أوقدها لامرأة ماخض قد جبستنا منذ ثلاث ليال. قال:
وتكلم النساء فقلن: قد جاء، قد جاء، يعنين الولد. قال الشيخ: إن كان غلاماً فوالله ما أدرى ما أصنع
به، وإن كانت جارية فلا أسمعنّ صوتها أقتلنها. قلت يا فل ذرها، فإنها ابنتك، ورزقها على الله،
وقلت: أنشدك الله، قال: إني أراك بهات حفيّا فاشترها مني. قلت: فإني أشتريها منك. قال: ما
تعطيني. قلت أعطيك إحدى ناقتيّ. قال لا قلت: أزيدك الأخرى،
فنظر إلى جملي الذي كان تحتي، فقال: لا، إلا أن تزيدني جملك هذا، فإني أراه حسن اللون، شاب
السن. قلت: هو لك والناقتان على أن تُبلغني عليه أهلي. قال: قد فعلت، فابتعتها منه بلقوحين وجمل،
وأخذت عليه عهد الله وميثاقه، ليُحسنن برها وصلتها ما عاشت، حتى تبين عنه أو يدركها الموت
قال: فلما برزت من عنده، حدّثت نفسي فقلت: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، وقلت: اللهم إن
(3/823)

لك ألا أسمع برجل من العرب يريد أن يئد ابنة له، إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل. قال
وبُعث - النبي صلى الله عليه وسلم - وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعاً، ولم يشركني في ذلك أحد
من العرب، حتى أنزل الله عز وجل تحريم ذلك في القرآن: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ
نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً}
قال اليربوعي: وحدثني أبو شيبة القرشي، ثم الزهري، يرفع الحديث إلى صعصعة، أنه أحيى
ثلاثمائة موءودة إلا أربعاً.
رجع إلى شعر الفرزدق:
ومنا غَداةَ الرّوع فِتيانُ غارة ... إذا مَتعتْ تحتَ الزجاج الأشاجعُ
قوله متعت، يريد ارتفعت بالسيوف بعد الطعان بالرماح، قال: والأشاجع عصب ظاهر الكف.
ومنا الذي قادَ الجيادَ على الوَجا ... لنَجرانَ حتى صبّحتها النزائعُ
قال: وإنما أراد عمرو بن حُدير بن المُجبر، والمجبر هو سلمى بن جندل بن نهشل. قال: والأقرع
بن حابس أغار على أهل نجران، وقد كتبنا حديثهما، والوجا الحفا. والنزائع من الإبل والخيل التي
نُزعت من هاهنا إلى هاهنا فقد تُخيرت.
أولئكَ آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جريرُ المَجامِع
نموني فأشرقتُ العَلايةَ فوقكمْ ... بحُور ومنا حامِلونَ ودافِعُ
والعلاية، يقول أعلو وأقهر الناس، ويروى العلاءة.
(3/824)

بهِمْ أعتلي ما حمّلَتني مجُاشِعُ ... وأصرعُ أقراني الذينَ أصارِعُ
فيا عجبي حتى كُليبُ تسُبّني ... كأنّ أباها نهشلَ أو مجاشِعُ
أتفخرُ أنْ دقّتْ كُليبُ بنهشل ... وما مِنْ كُليبَ نهشل والربائعُ
قال: الربائع ربيعة الكبرى ابن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهم رهط علقمة بن مالك بن زيد، وهم
رهط المغيرة بن حبناء. ورهط أبي بلال مرداس بن أدية، وعروة بن أدية، وربيعة الصغرى، وهو
ربيعة بن مالك بن حنظلة، وهم حنظلة، وهم رهط حنتف بن السجف، وهو قاتل حُبيش بن دلجة
القيني، وكان مروان بعثه إلى أهل المدينة، ليعمل بهم ما عمل بهم مسلم بن عقبة المري، قاتل أهل
الحرة. قال: فكل واحد منهم عم صاحبه.
ولكنْ همُا عمّايَ مِنْ آل مالكِ ... فأقْع فقدْ سدّتْ عليك المطالعُ
قوله فأقع، يقول: اقعد على إستك، كما يُقعي الكلب.
فإنكَ إلا ما اعتصمتَ بنهشل ... لمُستَضعف يا بنَ المَراعَة ضائعُ
إذا أنتَ يا أبن الكلبِ ألقتكَ نهشل ... ولم تكُ في حلْف فما أنتَ صانعُ
ألا تسألونَ الناسَ عنا وعنكمَ ... إذا عظّمتْ عندَ الأمورِ الصناتع
تعالَوا فعُدوا يعلمِ الناس أينا ... لصاحِبهِ في أول الدهر تابعُ
وأيُ القَبيلَينْ الذي في بيوتهِم ... عِظامُ المَساعي واللهَى والدسائعُ
قال: اللهى في مذهب جمع والدسائع العطايا، وأصل اللهوة من الطعام تُلقّمُها الرحا.
(3/825)

وأينَ تُقضي المالِكان أمورهَا ... بحَق وأينَ الخافقاتُ اللوامعُ
المالكان يعني مالك بن زيد بن تميم، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن تميم.
وأينَ الوجوهُ الواضِحاتُ عَشيّة ... على البابِ والأيدي الطّوال النوافعُ
ويروى الواضحات ومنهم الحكومة والأيدي. قال: بعث الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم -
والأقرع ابن حابس حكم العرب في كل موسم، وهو أول من حرّم القمار، وكانت العرب تتيمن به،
ذكر ذلك الأصمعي وأبو عبيدة.
تَنَحّ عن البَطحاء انّ قديمَها ... لنا والجبال الباذَخاتُ الفوارعُ
أخذنا بآفاقِ السماء عليكمُ ... لنا قَمَراها والنجومُ الطوالعُ
قوله لنا قمراها أراد الشمس والقمر، فغلّب المذكر مع حاجته إلى إقامة البيت، وذلك كما قيل الأبوان
للأب والأم.
لنا مًقرَم يعلُو القُرومَ هَديرهُ ... بِذْخ كل فَحلٍ دونهُ مُتَواضعُ
ويروى يعلو الفحول. ويروى كل قرم. وهذا أصح وأقوم. قال: والمقرم الفحل الذي لم يحطم،
يركب، هو كريم على أهله، وذلك الأصل، ثم نُقل إلى أن قيل في الأنس مقرم القوم، وقرمهم
وسيدهم. ويروى يعلو الفحال، وبذخ كلمة تقولها العرب فخراً، كأنه هدر. ويقال بخ، قال ابن
الأعرابي.
هوى الخَطَفى لما اختَطفتُ دماغَهُ ... كما اختَطَفَ البازي الخَشاشَ المُقارعُ
الخشاش من الطير، الذي لا يصيد شيا، وليس هو بسبع من الطير،
(3/826)

والمقارع نعت البازي.
أتعدلُ أحساباً لئاماً أدقّة ... بأحسابِنا إني إلى الله راجِع
ويروى أتعدل أحساب لئام أدقّة.
وكنا إذا الجبارُ صعّرَ خدهُ ... ضربناهُ حتى تستقيمَ الأخادعُ
صعر خده يعني أماله تكبراً وتعظما، والصعّر الميل. قال: وهو من قوله تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ
لِلنَّاسِ}، يقول ولا تلوه عنهم تعظماً وتجبراً، قال: والأخدعان عرقان في صفحتي العنق، يقول
نضربه حتى تستقيم أخادعه، ويذهب صعره وكبره.
ونحنُ جعلنا لابنِ طَيبةَ حُكمَهُ ... مِنَ الرُمح إذْ نقَعُ السنابكِ ساطعُ
قوله لابن طيبة، ملك من ملوك غسان. قال: أغار يوم الترويح في غسان وطوائف من اليمن، على
بني نهشل فهزموا جيشه وقتلوه، قتله أبي بن ضمرة بن جابر بن قن بن نهشل، وقتلوا أبا الهرماس
الغساني فقال الأشهب بن رميلة، يفخر على الفرزدق بقتلهما، وبقتل بني نهشل خليف بن عبد الله
النميري بذي نجب:
ألمْ تسألْ فتُخبرَ يا بنَ قَينْ ... مَساعينا لدى الملكِ الهُمامِ
ومَقتلَنا أبا الهِرماسِ عَمراً ... ومَسقانا بنَ طَيبةَ بالسّمامِ
ونحنُ عشيّةَ الترويح عنكمْ ... رَددنا حَدّ ذي لجَبٍ لهامِ
ونازَلنا المُلوكَ ونازَلَتنا ... على الركَبات في ضيقِ المُقامِ
وغادرنا بذي نجَبٍ خُليقاً ... عليهِ سبائِبُ مثلُ القِرامِ
قوله سبائب، هي طرائق الدم الواحدة سبيبة، والقرام الستر الرفيق
(3/827)

الأحمر ولجب أصوات مختلطة كثيرة. وقوله لهام، يقول هذا الجيش يلتهم كل شيء لكثرته.
وكلُ فَطيم ينتهي لفِطامِهِ ... وكلُ كُليبي وإنْ شابَ راضعُ
الفطيم القطيع من اللبن، والفطم القطع، كأنه راضع للؤمه.
تزيدَ يربوعٌ بهمْ في عدادِهِمْ ... كمل زِيدَ في عَرضِ الأديمِ الأكارِعُ
إذا قيلَ أي الناسِ شرِ قبيلةً ... أشارتْ كُليبٌ بالأكفّ الأصابعُ
ويروى شرٌ قبيلةٍ. ويروى أشرّت. يقول: وكليب. قال: الناس هم شر الناس، وأشرّت أظهرت.
ولمَ تمنَعوا يومَ الهُذيل بنَاتكمْ ... بَني الكلبِ والحامي الحقيقة مانعُ
غَداةَ أتتْ خيلُ الهُذَيلِ وراءَكُمْ ... وسُدّتْ عليكمْ من إرابَ المَطالعُ
إراب موضع.
قال أبو عبيدة: وكان من قصة الهُذيل، وهو الهذيل بن هبيرة أبو حسان التغلبي، أنه أغار على بني
يربوع باراب، فقتل فيهم قتلا ذريعاً، وأصاب نعما كثيراً، وسبى سبياً كثيراً، فيهن زينب بنت
حميري بن الحارث بن همام بن رياح بن يربوع، وهي يومئذ عقيلة نساء بني يربوع، والعقيلة
الكريمة على أهلها المفضّلة فيهم. قال أبو عبيدة، فحدثني أفار بن لقيط العدوي، وهو أبو خيرة، قال:
كان الهذيل يسمى مجدّعاً، وكان بنو تميم يفزعون به ولدانهم، وأسر قعنبا، وسبى كآبة بنت جزء بن
سعد الرياحي، ففداها أبوها جزء بن سعد، وتمنّع بمفاداة زينب بنت حميري، فركب عتيبة بن
الحارث فيها، وفي أسرائهم، حتى فكهم، ثم بلغه أنهم يمرون نعتمه عليهم. وقوله يمرون يجدون قال
أبو عبيدة وأنشدني سليط لعتيبة في ذلك:
(3/828)

أبلِغْ أبا قُرّانَ حيثُ لَقيتَهُ ... وبلِّغْ خِداماً إنْ نأي أو تجنّبا
جلَبنا الجيادَ مِنْ وبالَ فأدركَتْ ... أخاكُمْ بنا في القدّ والمرء قَعنَبا
فما ردّنا حتى حَلَلنا وثاقَهُ ... حديداً وقدّا فوقَ ساقيهِ مجلبا
فقلنا لهُ إفسحْ بعض خَطوِكَ طالَ ما ... جلستَ وقدْ رُمتَ الخُطى يا ابنَ أرنبا
وما كانتِ العَسراء ترجو إيابةُ ... ولا أمهُ مِنْ طولَ ما قدْ تَعتّبا
أي لزم السجن، وقوله قد تعتبا، أراد لزم عتبة البيت لا يبرح، قال: وأبو قرّان، نعيم بن قعنب، وهو
زوج زينب بنت حميري، ولدت له قران بن نعيم. قال: وخدام الذي ذكر، وهو خدام أخو نعيم بن
قعنب ابن أرنب، وهي بنت حرملة بن هرمي، وهي بنت جزء بن سعد.
همْ قارَعوكُم عنْ فُروجِ بناتِكُمْ ... ضُحىً بالعوالي والعوالي شَوارعُ
فبِتنَ بُطوناً للعَضاريطِ بعدما ... لَمعنَ بأيديِهنّ والنقعُ ساطِعُ
العضاريط التِّبّاع، واحدهم عُضروط. والنقع الغبار، وهو من قوله تعالى: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}
إذا استعجلَ العُضروطُ حَلّ فِراشها ... تَوَسّدها قَدْ كَدّحَتها البَلاقِعُ
إليكُمْ فَلمْ تَستَنزلوا مُردَفَاتكُمْ ... ولم تَلْحَقوا إذْ جرّدَ السيفَ لامِعُ
يحُصّنُ عَنهُنّ الهُذَيل فِراشَهُ ... وهُنّ لخُدّام الهُذيل بَراذِعُ
فراشه أي لا يجامعهن، يرفع نفسه عنهن، ويبذلهن للخدام.
إذا حرّكوا أعجازَها صوّتتْ لهمْ ... مُفرّكَةً أعجازُهُنّ المَواقِعُ
المواقعة في الجماع يريد أصواتها، وقوله المواقع، من قولك جمل موقع. قال: وذلك إذا كان به آثار
دبر لكثرة ما يحمل عليه، فيريد أنه قد فُعل بهن مراراً كثيرة. قال الشاعر:
(3/829)

وما مِنكُمْ أفناء بَكرْ بنِ وائلٍ ... لِغارَتنا إلا ذَلولُ مُوقّعُ
بَكَينْ إليكُمْ والرماحُ كأنها ... معَ القومِ أشطانُ الجَرورِ النَوازِعُ
أراد منزوع لها. قال: والجرور البعيدة القعر، التي لا يُستقى عليها إلا بسانية.
دَعَتْ يالَ يربوع وقدْ حالَ دونها ... صُدورُ العوالي والذكورُ القواطعُ
فأيّ لحَاقٍ تَنظُرونَ وقد أتى ... على أمُلِ الدّهنا النساء الرواضِعُ
ويروى المراضع. الأميل رمل يطول بلا عرض كثير، وقوله أمل، واحدها أميل، وهو الرمل
يعرض ويستطيل مسيرة أيام، والدهنا الرمال الكثيرة.
وهُنّ رُدافَى يَلتَفتْنَ إليكُمُ ... لأسوُقِها خَلفَ الرجال قَعاقِعُ
بِعيط إذا مالَتْ بهِنّ خمَيلَة ... مَرَى عَبراتِ الشّوقِ مِنها المدامعُ
قوله بعيط يريد بأعناق عيط، وهي الطوال؛ من قولك ناقة عيطاء، وبعير أعيط. ومرى حلب.
تِخَقٌ الكُلَيْبيّاتُ تحتَ رجالهِمْ ... كما نَقَ في جوف الصرّاة الضفادعُ
الخفيق صوت الفرج. والصراة الماء المتغير في لونه وريحه، قوله تخق الكليبيات تحت رجالهم،
هو النخير عند غشيان الرجال إياهن. يقول: هن ينخرن عند الغشيان من الغُلمة.
فجِئنَ بأولادِ النصارى إليكُمْ ... خَبالى وفي أعناقهنّ المَدارعُ
ترَى للكُليبيّاتِ وسطَ بُيوتهِمْ ... وجوهَ إماء لمْ تَصُنها البَراقِعُ
كأنّ كُليبا حين تشهدُ محفلا ... حُلاقَةُ إسبْ جمّعتها الأصابعُ
الإسب شعر العانة.
(3/830)

وقال جرير للفرزدق، وآل زبرقان بدر البهدليين، ويخص عيّاشاً، وإخوته، وأمهم هنيدة بنت
صعصعة، عمة الفرزدق، وكانت تسمى ذات الخمار. قال: وهو لقولها: من جاء من نساء العرب
بأربعة رجال، يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي، فصرمتي لها: أبي صعصعة، وأخي
غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان بن بدر:
أمِنْ عهدِ ذي عهد تفيضُ مدامعي ... كأنّ قذَى العينينْ مِنْ حَبّ فُلفُلِ
ويروى دموعه. وقوله أمن عهد ذي عهد، أي مكان قد كنت عهدته، ثم أحدثت به عهداً تفيض
مدامعي، وقوله من حبّ فلفل، أي كأن الذي وقع في عيني من القذى، حب فلفل، فهو أكثر لدمعها.
فإن يرَ سلمى الجِنُ يَستَأنسوا بها ... وإنْ يرَ سلمى راهبُ الطُورِ ينزل
مِنَ البِيضِ لم تَظعَنْ بعيداً ولمْ تطأ ... على الأرض إلا نيرَ مرط مُرَحّل
قوله مرحل، يعني معلماً. يقول: لم تلبس إلا مرطاً، وهو إزار من خَزّ معلم، وقال بعضهم: يكون
المرط أيضاً من الصوف معلماً، وهو أيضاً المرحّل، والمرحّل المنقوش على عمل الرحال.
إذا ما مَشتْ لمْ تنتهزْ وتأوّدَتْ ... كما أنآدَ مِنْ خيل وَج غير مُنعَل
تأودت تثنّت في مشيتها من سمنها ونعيمها، كمشي هذا الذي يمشي وهو وج حَفِ، فهو يمشي ويتّقي
على قدميه، لا يطأ عليهما وطئاً شديدا.
كما مالَ فضلُ الجُلّ عَنْ متن عائِذ ... أطافَتْ بِمُهرٍ في رباط مُطَولِ
(3/831)

قوله عائذ جماعها عوذ، وهي التي معها ولدها، يقال للواحد عائذ وعوذ للجميع. وقوله مطول، يريد
هو مشدود بطول، قال: والطول الحَبل.
لهَا مِثل لونِ البَدرِ في ليلةِ الدُجِي ... وريحُ الخُزامىَ في دِماث مُسَيّلِ
الدماث من الأرض السهلة اللينة، قال: وهو مشتق من الدميث، وهو الرمل اللين.
أإنْ سُبّ قَينْ وأبنُ قَينٍ غَضِبْتُمُ ... أبهدَلَ يا أفناء سَعد لبَهدَلِ
قوله يا أفناء سعد لبهدل، كما قال الله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} أي تعجبوا لإيلاف قريش.
أعيّاشُ قَدْ ذاقَ القُيونُ مرارتي ... وأوقدتُ ناري فادنُ دونكَ فاصْطَل
فلما بلغ هذا البيت عياشاً قال: إني إذا لمقرر.
سَأذكُرُ ما قالَ الحُطيئةُ جارُكُمْ ... وأحدثُ وسما فوقَ وسم المُخَبّلِ
يريد المخبل الشاعر، واسمه ربيعة، واسم الحطيئة جرول، وهما جميعاً هجوا الزبرقان بن بدر.
أعيّاشُ ما تُغني قُفيرةُ بعدما ... سَقيتك سماً في مَرارَة حَنظل
أعيّاشُ قدْ آوتْ قُفيرةُ نَسلَها ... إلى بيت لُوم ما لَهُ مِنْ محُوّل
تُذَيّر أبكارَ اللقاح ولم تكنْ ... قُفَيرة تدري ما جناةُ القَرنفُل
قال الذئار بعر رطب يُجعل بين خلف الناقة، وبين خيط الصرار، حتى يقي الخلف. قال: والتذئير
الصرار ببعرة، وذلك إذا أعوز الصرار.
(3/832)

فإن تدّعوا للزّبرقان فإنكُمْ ... بَنو بنت قينِ ذي عَلاة ومرحَلِ
العلاة سندان القين، ومرجل قدر من حديد، فإن كانت من حجارة، فهي البرمة. وقوله بنت قين يريد
هنيدة بنت صعصعة.
وما حافظتْ يومَ الزُبيرْ جاشِع ... بنَو ثيلِ خَوّار يُداوَى بحَرمَل
ولوْ باتَ فينا رَحلُهُ قدْ عَلمتمُ ... لآبَ سليماً والضبّابَةُ تنجلي
ويروى لأب جميعاً أي سيظهر الأمر ويبدو.
فشُدّوا الحُجَى للغدر إنيّ مُشمّر ... إذا ما عَلامَتْنَ المُفاضَةِ محمَلي
المفاضة درع واسعة، وقوله محملي يعني محمل السيف.
ولا تطلُبا يا ابني قُفيرةَ سابقاً ... يدقُ جماحاً كلّ فأس ومِسحَلِ
الفأس، فأس اللجام المنتصب في الفم وهو اللسان. والمسحلان الحديدتان اللتان اكتنفتا اللحيين في
أطرافهما سير العذار. والشكيمة الحديدة المعترضة في وسطها.
كما رامَ منا القين أيام صوءر ... فلاقَى جماحاً مِنْ حمِام مُعَجّل
ضَغا القِردُ لمّا مَسّهُ الجدُّ واشتكيَ ... بَنو القَين منا حَدّ ناب وكَلْكَل
أتمدَحُ سَعدا بعدَ أسلابِ جارِكُمْ ... وجَرّ فَتاةٍ عُقرُها لم يحُلّل
قوله جاركم يعني الزبير، وقاتله ابن جرموز السعدي.
أجعثِنُ قدْ لاقيتْ عِمرانَ شارباً ... على الحبةِ الخضراء ألبانَ أيّلِ
يقول إذا شرب الحبة الخضراء، مع ألبان الأيل هاجت غلمته.
(3/833)

فباتتْ تُنكاكُ الشغزبية بعدما ... دعتْ بنتُ قين الكيرِ لم يتوكلِ
ويروى تُناك الحوزقية، ويروى الجوربية. ويروى بنت قين بات لم يتوقل. ويروى مات لم يتوكل.
والشغزبية أن تضع إحدى رجليها وترفع الأخرى.
لعلكَ ترجو يا ابنَ نافِخ كيرِة ... قُروماً شَبا أنيابِها لم يُفَلّل
قوله قروماً، قال: القرم الفحل من الإبل الكريم على أهله، الذي لم يمسسه حبل ولا حمل، ثم نُقل إلى
الكريم السيد، والأصل في الإبل. وهذا من الحروف المنقولة، تُنقل من موضعها إلى غيرها، وقد
تفعل العرب ذلك كثيراً، وشبا أنيابها حد أنيابها، ولم يُفلل، يريد لم تُفلّ ولم تُكسر، ومنه يقال: المرجل
ما يفل منه شيء. أي لا يؤخذ منه شيء.
تَوجّعُ رَصفَ الركبتينْ وتشتكي ... مَساحِجَ مِنْ رَضراضَة ذاتِ جَندَلِ
والرضراضة الأرض الكثيرة الحصى.
أتعدلُ يربوعاً وأيامَ خَيلِها ... بِأيام مَضفونينَ في الحربِ عُزّل
الضفن ضرب الأست بالرجل من خلف أسته وهو قائم، ويروى وقّافين.
ألا تسألونَ المُردَفاتِ عَشِيّةً ... معَ القومِ لا يخبَأنَ ساقاً لِمُجتَلِ
يعني يوم المروت، يوم منع بنو يربوع سبي بني العنبر، وأسروا بحير ابن عبد الله، وقد مر حديث
المروت.
مَن المانعونَ السبيَ لا تمنعونَهُ ... وأصحابُ أعلالِ الرئيسِ المُكَبّلِ
وفي أيّ يوم لم تُسَلّلْ سيوفنا ... فنَعلو بِها هامَ الجَبابِر مِنْ عَلِ
ويروى فيغلي بها.
(3/834)

فما لُمتُ نفسي في حديثٍ وليتُهُ ... ولا لمتُ فيها قَدّمَ الناسُ أوّلي
فأجابه الفرزدق فقال:
أتنسى بنو سًعدٍ جَدودَ التي بِها ... خذلتم بني سعد على شر مخذل
يعني خذلان بني يربوع بني سعد، حين أدركوا الحوفزان ومن معه، من بكر بن وائل.
قال: وكان الحوفزان قد أغار على بني رُبيع فأغاثتهم بنو سعد. قال: ويومئذ حُفز الحوفزان في أسته
بالرمح واسمه الحارث بن شريك بن عمرو، وعمرو، هو الصلب، وهو لقب لُقب به.
عَسِيّةَ ولّيتُمْ كأنّ سُيوفَكُمْ ... ذآنينُ في أعناقِكُمْ لمْ تُسلّلِ
الذانين نبتة طويلة ضعيفة لها رأس مدور.
وشيبانُ حولَ الحوفَزان بوائِلِ ... مُنيخاً بجيشٍ ذي زوائدَ جَحفل
قوله ذي زوائد، يعني هذا الجيش ذو زوائد، جحفل كثير الأهل والتباع، ويقال الجحفل الكثير الخيل
والسلاح.
دَعَوا يالَ سعد وادّعَوا يالَ وائِل ... وقدْ سُلّ مِنْ أغمادِهِ كل مُنضُل
قبيلَين عند المُحصَناتِ تَصاوَلا ... تَصاوُلَ أعناقِ المصاعيبِ مِنْ عَلِ
عَصَوا بالسيوفِ المَشرفيّهِ فيهمِ ... غَيارى وألقَوا كُلّ جَفنٍ ومَحمَلِ
قوله عصوا بالسيوف، يقول اتخذوا السيوف كالعصي.
حمَتْهُنّ أسيافٌ حِدادُ ظُباتهُا ... ومنْ آلِ سعدٍ دَعوةٌ لم تهُلّلِ
(3/835)

قوله لم تهلل، يقول دعوتهم صدق لم تُكذّب.
دَعَونَ وما يَدرينَ منهُمْ لأيهَمْ ... يكُنْ وما يخفينَ ساقاً لمُجتَل
لعلكَ مِنْ في قاصعائَكَ واجِدٌ ... أباً مثلَ عبدِ اللهِ أو مثلَ نهشل
وآل أبي سُود وعوفِ بنِ مالكِ ... إذا جاء يومٌ بأسهُ غيرُ مُنجل
قوله وآل أبي سود، قال: أبو سود وعوف من بني طُهيّة.
ومُتخَذٌ منا أباً مثلَ غالِبٍ ... وكان أبي يأتي السماكَين مِنْ عَلِ
وأصيدَ ذي تاج صَدَعنا جبينَهُ ... بأسيافنا والنقعُ لمْ يتَزَيّل
ترى خزَراتِ المُلكِ فوقَ جَبينه ... صَوولُ شَبا أنيابِهِ لم يُفَلّل
وما كانَ مِنْ آرِيّ خَيل أمامَكُمْ ... ولا محتبىً عندَ الملوكِ مُبَجّلِ
ويروى محتب، وهو أجود. مبجل معظّم.
ولا أتبعتكُمْ يومَ ظعنِ فلاؤها ... ولا زُجرَتْ فيكُمْ فحالتُها هَل
ولكنّ إعفاء على إثر عانَة ... عليهِنّ أنحاء السّلاء المُعَدّل
الإعفاء واحدها عفو، قال وهو ولد الحمار. وأنحاء جمع نحي وهو زق السمن. وعانة جماعة حمير.
بناتُ ابنِ مَرقومِ الذّراعَين لم يكنْ ... ليذْعَرَ مِنْ صوتِ اللجامِ المُصَلْصِلِ
أرى الليلَ يجلوهُ النهارُ ولا أرى ... عظامَ المخازي عَنْ عَطيّةَ تَنْجَلي
أمِنْ جَزَع أنْ لم يكُن مثلَ غالبٍ ... أبوكَ الذي يمشي بِربْق مُوَصّلِ
ظَللت تُصادي عن عَطيّة قائماً ... لِتَضربَ أعلى رأسِهِ غير مُؤتَلِ
قوله تصادي، يقول تُداري، وتخاتل، وهي المُصاداة.
لكَ الويلُ لا تقتُلْ عَطيّةَ إنهُ ... أبوكَ ولكنْ غيرهُ فتَبَدّل
وبادلْ بهِ مِنْ ثومِ بضعةَ مثلَةُ ... أباً شرّ ذي نعلينْ أو غير مُنعَلِ
فإن همْ أبَوا أنْ يقبَلوهُ ولم تجدْ ... فِراقاً لهُ إلا الذي رُمتَ فافَعلَ
(3/836)

وإنْ تهجُ آلَ الزبرقانِ فإنما ... هَجوتَ الطوالَ الشُمّ مِنْ هَضبِ يَذْبُل
وقدْ ينبح الكلبُ النجومَ ودونها ... فَراسِخُ تنضي العين للمتأمل
يقول: فكما لا يضر النجوم نباح الكلب، كذلك لا يضرنا قولك، وقوله تنصي العين يقول تحسر
الطرف قال أبو عبد الله: ومن كلام العرب، قد ينبح الكلب القمر، يُضرب مثلا للذي يتعرض
للشريف بعيب أو أذى.
فما تمّ في سعد ولا آلِ مالكِ ... غُلامٌ إذا ما قيلَ لمْ يتبهدَل
ويروى في عمرو ولا آل مالك. قوله يتبهدل، يريد ينتسب إلى بهدلة، وهم آل الزبرقان بن بدر،
وبهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة.
لهُمْ وهبَ النعمانُ بُرْدَ محَرّقٍ ... بِمجدِ مَعَدّ والعديدِ المحَصّلِ
ويروى الجبار بدل النعمان.
(3/837)

قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: كان المنذر بن ماء السماء، وأمه بنت عوف بن جشم بن هلال بن
ربيعة النمري، أبرز سريره، وقد اجتمعت عنده وفود العرب، ثم دعا ببردي ابنه محرّق، وهو عمرو
بن هند، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المُرار. قال: وإنما سمي محرقا لأنه كان
يحرّق الرجال بالنار، فمن ثم سمي محرقا. فقال: ليقم أعز العرب قبيلة، وأكثرهم عددا، فليأخذ هذين
البردين قال: فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما، فأتزر بواحد، وارتدى بالآخر. فقال له المنذر بمَ
أنت أعز العرب. وأكثرهم عددا؟ فقال: أيها الملك، العز والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم
في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة. فمن أنكر
هذا من العرب فلينافرني، فسكت الناس، فقال المنذر: عند ذلك فهذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت
في أهل بيتك وبدنك؟ قال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، وخال عشرة، تُعينني الأصاغر
على الأكابر، والأكابر على الأصاغر وأما قولك كيف أنت في بدنك فشاهد العز شاهدي. ثم وضع
قدمه على الأرض، فقال من أزالها من الأرض فله مائة من الإبل. فلم يقمْ إليه أحد من الناس، وذهب
بالبردين، فسميَ ذا البردين قال الزبرقان بن بدر:.
وبُردا ابْن ماء المُزنِ عمي اكتَساهمُا ... بِعِزّ مَعد حينَ عُدّتْ محَاصلُهْ
رآهُ كِرامُ الناس أولاهم بهِ ... ولم يجدوا في عِزّهم مَنْ يُعادلهْ
قال شيبان بن دثار النمري، يمدح بني بهدلة ويخص الزبرقان بن بدر، ويهجو بني قريع بن عوف،
ويخص بني لأي بن أنف الناقة، وهو جعفر بن قريع:
مَنْ يكُ سائلاً عني فإنيّ ... أنا النّمَريُ جارُ الزبرِقانِ
طَريدُ عشيرة وطَريدُ حرب ... بما اجترمَتْ يدي وجَنَى لساني
(3/838)

أبيتُ الليل أرقُبُ كلّ نجمْ ... شَآم قَرّ في بَلَد يَمانِ
كأني إذْ حَللتُ بِهِ طَريداً ... حَللتُ على المُمَنّع مَنْ أبانِ
إلى بيت الأكارمِ مِنْ مَعَدّ ... محَلاّ بَيّناً لمنِ ابتغاني
فخَلّوا عنهم يا آل لاي ... فليسَ لكُمْ بِسعيِهم يَدان
غَداة سعى لهم عمرُو بنُ طَوقِ ... وذو البردَين نَعمَ الساعيانِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وهم لَرسول اللهِ أوفَى مجُيرُهُمْ ... وعّموا بفَضلٍ يومَ بُسر مجُلّل
هَجَوتَ بني عَوف وما في هجائهم ... رَواحُ لعَبد مِنْ كُليب مُغَربَل
أبهدَلَةَ الأخيارَ تهجو ولم يَزَلْ ... لهُمْ أول يَعلو على كُلّ أوّلِ
قال: لما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب عن الإسلام إلا القليل، وأبوا أن
يؤدوا الزكاة وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجالا من أفناء العرب على صدقات
عشائرهم، فلما قُبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهب بعضهم ما في يديه من الصدقة،
وتربص بعضهم، وكان أول من ورد المدينة بالصدقة على أبي بكر - رضي الله عنه - عدي بن
حاتم، ثم الزبرقان بن بدر، وكان مما قوى الله - عز وجل - به الإسلام، قال: وكبّر أهل المدينة
وفرحوا بوفاء الزبرقان، قال: وجهّز أبو بكر - رضي الله عنه - خالد بن الوليد - رضي الله عنه -
إلى أسد وغطفان، وهم على بزاخة قد ارتدوا مع طليحة بن خويلد الفقعسي. ففي ذلك يقول الزبرقان
بن بدر:
وفيتُ بأذْوادِ الرسولِ وقدْ أبتْ ... سُعاة فلمْ يَردُدْ بعيرا مجُيرُها
معاً ومنعناها منَ الناس كلهمْ ... تَراها الأعادي حولنا ما تُضيرُها
وأديتُها مِنَ أنْ تُضامَ بذمتي ... محَانيقَ لم تُدرَس رُكوباً ظُهورُها
أردْتُ بها التقوىَ ومجدَ حَديثها ... إذا عُصبَة سامَي قَبيلي فَخورُها
(3/839)

وإنيّ لَمن قومْ إذا عُدّ سَعيُهُمْ ... أبىَ المُخزِياتِ حَيُها وقَبيرُها
صِغارهُمُ لم يَطبَعوا وكبارُهُمُ ... أصيبتْ مناياها عِفافا صُدورُها
قال وبُسر الذي ذكر بُسر بن أرطاة، أحد بني نزار بن مغيص بن عامر ابن لؤي، بعثه معاوية بن
أبي سفيان - رضي الله عنهما - إلى البادية، ليقتل من كان من شيعة علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه - يومئذ.
فلما انتهى إلى بلاد بني سعد، سار بنو مقاعس، وهم صريم، وعبيد، وربيع بنو الحارث. وهو
مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وعليهم طلبة بن قيس بن عاصم، فتوسّطوا بلادهم،
فجُمعوا لبُسر، فخشيهم أن يُقدم عليهم، وأصاب من بني عوف غرّة، فأصاب فيهم، فطلبه بنو بهدلة
فقاتلوه فهزموه، وأصابوا من أصحابه رجالا ففي هذه الفتنة يقول نابغة بني جعدة بن كعب بن ربيعة
بن عامر لوبر بن أوس بن مغراء القريعي:
لَعَمرُ أبيكَ يا وَبرَ بنَ أوس ... لقدْ أخزيت قَومكَ في الكلامِ
أتتركُ معشرَا قَتَلو هُذيلا ... وتُوعدُني بقَتلي مِنْ جُذامِ
ولمْ تفعلْ كما فَعل ابنُ قيس ... وعِرقُ الصّدْقَ في الأقوامِ نامِ
سرى بمُقاعسِ وتركتَ عَوفاً ... ونمتَ ولم يَنمْ ليلَ التمامِ
فأصبحَ دونهُ بَقَرُ التّناهِي ... وأصبحَ حَولكُم فِرقُ البهامِ
قال هذا الشعر النابغة، لأن بني عوف اتهموا رجلا من بني جعدة، يدعى مزاحماً، وقالوا دلّ بُسرا
على غرتنا فقال وبر بن أوس، يحضض بني عوف على مزاحم:
يُقيمونَ يَرعَونَ النجيلَ وأنتُمُ ... تَنَهّسُ قَتلاكُمْ كِلابُ مُزاحِم
(3/840)

وقال الفرزدق يهجو جريرا ويُعرّض بالبعيث:
وَدَّ جريرُ اللؤمِ لو كان عانياً ... ولم يَدْن مِنْ زأرِ الأسودِ الضرّاغِمِ
ويروى غائبا. وقوله عانياً يعني أسيرا، يقال زأر يزئر، ويزأر زأرا. قال: والضراغم واحدها
ضرغام وضرغامة، وهو القوي الشديد من الأسد. قال: والزأر إنما هو للأسد خاصة.
وليسَ ابن حمراء العِجانِ بِمُفلتي ... ولمْ يَزدجرْ طير النُحوسِ الأشائم
يقول: كيف لم يتعيف فيزجر طير النحوس الأشائم فينتهي عني.
فإن كنتما قَدْ هِجتُماني عليكما ... فلا تجزعا وأستسمعا للمُراجمِ
قوله واستسمعا يعني جريراً والبعيث. قال: والمُراجم يعني نفسه. يقول أنا مساب ومقاذف، أدفع عن
نفسي وعن حسبي. يقول: يجيء من لساني من الهجاء، والقول الشديد، كما يرجم الرجل بالحجارة.
لمِردَى حُروبٍ مِنْ لدُنْ شَدّ أزْرَهُ ... محُام عَنِ الأحْسابِ صَعْبِ المَظالمِ
قوله مردى حروب، الردي الرجم، يقال من ذلك رداه يرديه ردياً شديداً. قال: ومن هذا قول العرب،
قد أنصف القارة من راماها. ويروى من رادها، ومردى مرجمّ بالصخر، قال: والمرداة الصخرة التي
يرمي بها الرجل صاحبه وقوله من لدن شد أزره، يقول: من لدن أنا غلام أحامي عن أحساب قومي،
وأنا صعب القياد لمن ظلمني.
غَموس إلى الغايات يُلفَى عَزيمُهُ ... إذا سَئمَتْ أقرانُهُ غير سائمِ
ويروى سبوق. غموس ماض. إذا سئمت، يقول إذا ملّت الرجالات
(3/841)

من أصحابي، فأنا غير سائم، يقول فأنا غير ملول، لا أنا ضجر من ذلك.
تَسورُ بهِ عندَ المَكارمِ دارِمٌ ... إلى غايةِ المُستَصعَبات الشّداقمِ
قوله تسور به، يقول تثب به فترفعه، يعني نفسه، يعني تفخر بذكري عند المكارم، وتفرح
المستصعبات. يقول: لم تمسسها حبال العمل. قال: والشراقم واحدها شرقم وهو الواسع مشق الشرق.
قال: والميم زائدة، قال: وإنما كان الأصل فيه أن يقال، أشدق، فقالوا شدقم، وذلك كما قالوا للأسته من
الرجال سُتهُم.
رأتنا مَعَدٌّ يومَ شالَتْ قُرومُها ... قِياماً على أقتار إحدى العَظائمِ
ويروى حين. وقوله أقتار يريد نواحي. وقوله يوم شالت قرومها، رفعت هذه القروم أذنابها، وهي
خيار الأبل للايعاد، وإنما يفعل ذلك الفحل إذا أوعد، خطر بذنبه، يضرب به هذه الفخذ مرة، وهذه
الفخذ مرة.
رأونا أحَقّ بني نِزار وغيرهمْ ... بِإصلاح صَدع بينهمْ مُتَفاقم
قوله متفاقم، هو الأمر العظيم الشديد، يقال قد تفاقم الأمر بينهم، إذا اشتد وصعب.
حَقَنّا دِماء المسلمينَ فأصبحتْ ... لنا نِعمَة يُثنى بها في المواسمِ
قوله في المواسم، يقول يُذكر غناؤنا ومناقبنا في المواسم، وهي المجامع التي يجتمع الناس بها
فيتذكرون أيامهم.
عَشيّةَ أعْطَتنا عُمانُ أمورَها ... وقُدْنا مَعَدّا عَنْوَة بالخَزائم
قوله عنوة يعني قهرا. والخزائم الحلق في أنوف الإبل من شعر، فإن كانت من صُفر فهي بُرة. قال:
ويجعلون البُرة خزاماً أيضاً.
(3/842)

ومنا الذي أعطى يديهِ رَهينةً ... لَغارَي مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجمِ
قوله لغاري معد، هما تميم وبكر، وهما الجُفان أيضاً، قال: والذي أعطى يديه رهينة، عبد الله بن
حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، في خبر مسعود بن عمرو بن عدي بن
محارب بن صنيم بن مليح بن سرطان بن معن بن مالك بن فهم.
كفى كُلّ أمّ ما تخافُ على ابنها ... وهُنّ قيامٌ رافعاتُ المعاصِم
عشيّة سالَ المِربدَان كلاهما ... عَجاجَةَ موتٍ بالسيوفِ الصوارِمِ
قال والمربدان، يعني سكة المربد بالبصرة، والسكة التي تليها من ناحية بني تميم، جعلها مربدين،
لأنها تساوي سكة المربد إلى الجبان، كما قالوا الشعثمان، وهما شعثم وعبد شمس، ابنا معاوية وكما
قالوا الأحوصان، وهما الأحوص وعوف بن الأحوص، ومثل هذا كثير في كلامهم.
(3/843)

قال: حدثنا أبو عبيدة بحديث مسعود وقصّته، قال: فكتبنا منها بعض ما يجتزأ به من جملته. وقال
أبو عبيدة: مبدأ حديثه، أن يونس ابن حبيب النحوي، حدثني قال: لمّا قتل عُبيد الله بن زياد الحسين
بن علي - رضي الله عنهما - وبني أبيه، بعث بُرءوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، وحسنت بذلك
منزلة عبيد الله عنده. قال: فلك يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين - رضي الله عنه - فكان
يقول: وما كان عليّ لو احتملت للحسين الأذى، فأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان
في ذلك وكف ووهن في سلطاني، حفظا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورعاية لحقه وقرابته،
لعن الله ابن مرجانة، فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله، ويرجع من حيث أقبل،
أو يأتيني ويضع يده في يدي، أو يلحق بثعر من ثغور المسلمين، حتى يتوفاه الله تعالى فأبى ذلك
وردّه عليه، وقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة فأبغضني، له البر والفاجر،
بما استعظم الناس من قتلي حُسينا. ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله وغضب عليه ثم إن عبيد الله بعث
مولى يقال له أيوب بن حمران إلى الشام، ليأتيه بخبر يزيد. قال: فركب عبيد الله ذات يوم، حتى إذا
كان في رحبة القصابين، إذا هو بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه موت يزيد بن معاوية،
فرجع عبيد الله من مسيره ذلك، فأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن، أحد بني ثعلبة بن يربوع،
فنادى الصلاة جامعة قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدثني قال: الذي بعثه عبيد الله
حمران مولاه، فعاد عبيد الله عبد الله بن نافع أخي زياد لامه، ثم خرج عبيد الله ماشياً من خوخة
كانت في دار نافع، إلى المسجد، فلما كان في صحنه، إذا هو بحمران مولاه أدنى ظلام عند المساء -
قال: وكان حمران رسول عبيد الله إلى معاوية حياته وإلى يزيد حياته - فلما رآه ولم يكن آن له أن
يقدم، قال: مهيم يعني ما وراءك قال: خيرا، أدنو منك. قال: نعم قال: فدنا فأسر إليه موت يزيد،
واختلافا من أهل الشام.
(3/844)

قال: وكان يزيد مات يوم الخميس، النصف من شهر ربيع الأول، سنة أربع وستين قال: فأقبل عبيد
الله من فوره ذلك، فأمر منادياً ينادي الصلاة جامعة. فلما تجمع الناس، صعد المنبر، فنعى يزيد،
وعرّض بثلبه. قال: وإنما فعل ذلك، لقصب يزيد إياه. كان قبل موته حتى خافه عبيد الله. فقال
الأحنف بن قيس لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال أعرض عن ذي قبر،
فأعرض عنه.
ثم قال عبيد الله فذكر اختلافاً من أهل الشام، ثم قال إني قد وليتكم، وما يحصى ديوان مقاتلتكم إلا
أربعين ألفا، ولا ديوان ذراريكم، إلا سبعين ألفا، فقد بلغ ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا، وديوان ذراريكم
مائة وأربعين ألفا، لم أترك لكم ظنة أخافها عليكم، ألا وقد جمعتها في سجني هذا، وأنتم أوسع الناس
بلاداً، وأبعدهم مقاداً، وأكثرهم عديداً وحديداً، لا حاجة بكم إلى أحد من الناس، بل الحاجة للناس
إليكم، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وسلطانكم، حتى تجتمع الناس على خليفة، وأنا أول من
سمع وأطاع، وأعان بماله ونصيحته وقوته، وإن تنسبوني، تجدوا مهاجر والدي إلى البصرة، ومولدي
بها، وأنا رجل منكم.
قال: فقامت الخطباء إلى عبيد الله، لما فرغ من خطبته فقالوا: قد قبلنا ما أشرت به، ولا نرى أحداً
أضبط لهذا الأمر منك، ولا أقوى عليه، فبايعوه على رضى منهم، ومشورة منه، فلما خرجوا من
عنده، جعلوا يمسحون أكفّهم بباب الدار وحيطانه، ويقولون: أظن ابن مرجانة أنّا نوليه أمرنا في
الفرقة، فأقام عبيد الله أميرا غير كثير، حتى جعل سلطانه يضعف، يأمر بالأمر فلا يُقضى، ويرى
الرأي فيُرد عليه رأيه، ويأمر بحبس المُظن أي المتهم فيحال بين أعوانه وبينه قال أبو عبيدة:
فسمعت غيلان بن محمد. يحدث عثمان البتي قال: حدثني عبد
(3/845)

الرحمن بن جوشن، قال: تبعت جنازة، فلما كنت في سوق الإبل، إذا رجل على فرس شهباء متلفع بساج - أي طيلسان –
وفي يده لواء وهو يقول: أيها الناس، إني أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد قبلي، إني أدعوكم إلى العائذ
بالحرم، عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - قال: فتجمع إليه نويس، فجعلوا يصفقون على
يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلما رجعنا، إذا هو قد تأوى إليه أكثر من الأولين، فأخذ بين
دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصلت السلمي، ودار الحارثيين قبل بني تميم، في الطريق التي
تأخذ إليهم وقال: ألا من أرادني، فأنا سلمة بن ذؤيب بن عبد الله بن ملحم بن زيد بن رياح بن يربوع
بن حنظلة. قال فلقيني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عند الرحبة فأخبرته بخير سلمة بعد رجوعي، فأتى
عبد الرحمن عبيد الله فحدثه بالخبر عني، فبعث إلي، فأتيته، فقال: ما هذا الذي خبّرني به عنك أبو
بحر؟ قال: فاقتصصت عليه أول الحديث، حتى أتيت على آخرة، فأمر بالقبض - أي العطا - على
المكان، فنودي الصلاة جامعة. قال: فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقتص أول أمره وأمرهم، وما قد
كان دعاهم إلى من يرضون به، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، ثم إنه بلغني إلى من يرضون به،
فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، ثم إنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان، وباب الدار، وقلتم ما قلتم،
وإني آمر بالأمر فلا يُنفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلمة بن
ذؤيب، يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يُفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيوف.
فقال الأحنف، وهو صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن النزال بن مُرة ابن عبيد بن الحارث بن
كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقال الناس: نحن نجيئك بسلمة. قال: فأتوا باب سلمة، فإذا جمعه
قد كثُف، وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك، قعدوا عن عبيد الله فلم يأتوه.
(3/846)

قال، وقال أبو عبيدة، فحدثني غير واحد، عن ابن الجارود بن أبي سبرة الهُذلي، عن أبيه الجارود،
قال: وكان عبيد الله قد قال في خُطبته: يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخَزّ واليُمنة واللين من
الثياب، حتى لقد أجمته جلودنا، فما نبالي أن نُعقبها الحديد أياماً يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على
ذنب عنز لتكسروه ما كسرتموه قال الجارود: فوالله ما رُمي بجماح حتى هرب فتوارى عند مسعود،
فلما قُتل مسعود لحق بالشام، قال أبو عبد الله: الجماح السهم على رأسه طين.
قال أبو عبيدة، قال يونس: وكان في بيت مال عُبيد الله يوم خطب الناس، قبل خروج سلمة، ثمانية
آلاف ألف أو أقل، قال أبو الحسن المدائني: كان سبعة عشر ألف ألف، فقال للناس: إن هذا فيئكم،
فخذوا أعطياتكم، وأرزاق ذراريكم منه، وأمر الكتبة بتحصيل الناس، وتخريج الأسماء، واستعجل
الكتاب بذلك، حتى وكّل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا لهم الشمع. قال: فلما صنعوا ما
صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان، كف عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى
اليوم تردد في آل زياد، فيكون فيهم العُرس والمأتم، فلا يُرى في قريش، ولا في غيرهم مثلهم في
الغضارة والكسوة قال: فدعا عبيد الله رؤساء بُخارية السلطان، فأرادهم على أن يقاتلوا معه، فأبوا،
فدعا البخارية فأرادهم على مثل ذلك، فقالوا: إن أمرنا قُوّادنا قاتلنا، فقال أخو عبيد الله لعبيد الله: ما
من خليفة فتقاتل معه عنه، فإن هُزمت فئت إليه، وأمدك وقوّاك، وقد علمت أن الحرب دُول، فلا
تدري لعلها تدول عليك، وقد اتخدنا بين أظهر هؤلاء القوم أموالا، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم
تبق لنا باقية. وقال له عبد الله، أخوه لأبيه وأمه مرجانة - وكانت أمة لزياد - لئن قاتلت القوم،
لأعتمدن على ظُبة سيفي حتى يخرج من صُلبي. فلما رأى ذلك، أرسل إلى الحارث بن قيس بن
صُهبان بن عوف بن علاج بن مازن بن
(3/847)

أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فقال له: يا حار، إن أبي حين احتاج إلى الهرب والجوار اختاركم،
وإن نفسي تأبى غيركم فقال الحارث: قد أبلوك في أبيك ما قد علمت، وأبلوه فما وجدوا عندك ولا عنده مكافأة،
وما لك مُنزل إذا اخترتنا، وما أدرى كيف آنى لك، لئن أخرجتك نهاراً إني أخاف أن لا أصل بك إلى قومي،
حتى تُقتل وأقتل معك، ولكني أقيم معك حتى إذا وارى دمساً - يريد حتى إذا وارى الليل الشخص - وهدأت العيون ردفت
خلفي لئلا تُعرف، ثم آخذ بك إلى أخوالي بني ناجية. فقال عبيد الله: نعم ما رأيتَ، فأقامَ حتى إذا قلت
أخوك أم الذئب، حمله خلفه. وقد نقل تلك الأموال فأحرزها، ثم انطلق به يمر به على الناس، قال:
وكانوا يتحارسون مخافة الحرورية والإغارة، قال: فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره، فلما كان في
بني سُليم، قال: سلمنا - إن شاء الله - فلما أتى به بني ناجية قال: أين نحن؟ قال في بني ناجية،
قال: نجونا - إن شاء الله - فقال بنو ناجية: مَن أنت؟ قال: أنا الحارث بن قيس. قالوا: ابن أختكم،
وعرف رجل منهم عبيد الله، فقال: ابن مرجانة، فأرسل عليه سهماً، فوقع في عمامته، ومضى به
الحارث بن قيس حتى ينزله في دار نفسه في الجهاضم. ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدي بن
محارب بن صنيم بن مليح بن سرطان بن معن بن مالك بن فهم، فلما رآه مسعود قال: يا حار قد كان
يتعوذ من شر طوارق الليل، فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به. فقال الحارث: لمَ تقول ذلك؟ لم أطرقك
إلا بخير، وقد علمت أن قومك قد ألجأوا زياداً، فوفوا له، وصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون
بها عليهم، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضا، رضا عن غير مشورة، بعد بيعة أخرى قد كانت في
أعناقكم، قبل هذه البيعة - يعني بيعة الجماعة -. قال: يا حارث أترى نُعادي أهل مصرنا في عبيد
الله، وقد أبليناه في أبيه بما أبليناه، ثم نُكافأ، ولم نُشكر، ما كنت أحسب أن يكون هذا من رأيك. قال
الحارث إنه لا
(3/848)

يُعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تُبلغه مأمنه.
قال أبو عبيدة: وحدّثني مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد، وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذلك
منهم ومن مواليهم، والقوم أعلم بحديثهم، أن الحارث بن قيس لم يُكلم مسعوداً، ولكنه أمر عبيد الله،
فحمل معه مائة ألف درهم، ثم أتى بها أم بسطام، امرأة مسعود، وهي ابنة عمه، ومعه عبيد الله وعبد
الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها الحارث: قد أتيتك بما تسودين به نساءك، وتثبتين به
شرف قومك، وتُعجّلين به غِنا ودُنيا لك خاصة، هذه مائة ألف درهم، خذيها لك وضمي عبيد الله،
قالت: إني أخاف أن لا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله، قال الحارث: ألبسيه ثوباً من ثيابه، وأدخليه
بيتك، وخليّ بيننا وبين مسعود، قال: فقبضت المال وفعلت ما قيل لها، فلما جاء مسعود، أخبرته
الخبر، فأخذ برأسها فخرج عبيد الله والحارث من حجلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتني بنت
عمك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامك في مذاخري، وقد التفّ عليّ بيتك.
قال: وشهد له على ذلك الحارث، وتلطفاً له حتى رضي. قال: فقال مسلمة: وأعطى عبيد الله
الحارث نحوا من خمسين ألف درهم، فلم يزل عبيد الله في منزل مسعود حتى قُتل مسعود.
قال أبو عبيدة: فحدثني يزيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن سعيد الجرمي قال: فلما هرب عبيد
الله، غبر أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم، ثم تراضوا برجلين يختاران لهم
خيرة، فيرضون بذلك إذا أجمعا عليه، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن صهبان الراسبي
- راسب بن جرم بن زبان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا لهم من
يرضيان، فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأمه هند بنت
(3/849)

أبي سفيان بن حرب بن أمية. قال: وكان يلقب ببة، وهو جد سليمان ابن عبد الله. وذكرا عبد الله بن الأسود
الزهري قال: فلما أطبقا عليهما، اتّعدا المربد، وواعدا الناس، وحضرت معهم قارعة المربد - يعني
أعلاه - قال: فجاء قيس بن الهيثم، ثم جاء النعمان بعد، فتجاول قيس والنعمان. قال: فأرى النعمان
قيسا أن هواه في ابن الأسود، ثم قال له: إنّا لا نستطيع أن نتكلم معاً. قال: وأداره النعمان على أن
يجعل الكلام إليه، ففعل قيس، وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان على الناس عهداً ليرضون
بما يختار لهم. قال: ثم أتى النعمان عبد الله بن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه الشرائط، حتى
ظن الناس أنه مبايعه، ثم تركه وأخذ بيد عبد الله بن الحارث فاشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله
وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى عليه، وذكر حق أهل بيته وقرابته، وقال: يأيها الناس،
ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم، وأمه هند بنت أبي سفيان، فإن كان المُلك فيهم، فهو ابن
عمّهم، وإن كان فيهم، فهو ابن أختهم. ثم صفق على يده، ثم قال: ألا إني قد رضيت لكم به، فنادوا قد
رضينا. قال: وأقبلوا بعبد الله بن الحارث، حتى نزل دار الإمارة، وذلك في أول جمادى الآخرة سنة
أربع وستين، واستعمل على شرطته هميان بن عدي السدوسي، ونادي في الناس، أن احضروا البيعة
فحضروا فبايعوه. فقال في ذلك الفرزدق حين بايعه:
وبايعتُ أقواما وَفَيتُ بعهدهمْ ... وبَبّةُ قَدْ بايَعْتُهُ غَيرَ نادمِ
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسمع
الجحدري في الباطنة عند باب عبد الله الأصفهاني، في خط بني جحدر - والخط الطريق - الذي
عند باب المسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، قال: فبينا هو قاعد فيه، وذلك بيسير من إمرة
ببة، قال: وفي الحلقة رجل من بني عبد الله
(3/850)

بن عامر بن كُريز القُرشي، إذا أتته وقعة عبد الله بن خازم بربيعة بهراة، فتنازعوا، فأغلظ لمالك،
فلطم رجل من بكر بن وائل القرشي، فتهايج من ثمّ من مضر وربيعة. قال: وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة.
فنادى رجل: يال تميم، قال: فسمعت الدعوة
عُصبة من بني ضبة بن أدّ كانوا عند القاضي، قال: فأخذوا رماح الحرس، حرس المسجد وترستهم،
ثم شدوا على الربعيين فهزموهم، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلا يُسكّن الناس، وكف بعضهم
عن بعض قال: فمكث الناس شُهيرا أو أقل، فكان رجل من بني يشكر يجالس رجلا من بني ضبّة في
المسجد، فتذاكروا لطمة البكري القرشي، قال: ففخر بها اليشكري وقال: ذهبت ظلفا يعني باطلا،
يقول لم يؤخذ بطائلتها، فذهبت اللطمة باطلا. قال: فأحفظ الصبي، فوجأ عنقه. فوقده الناس في
الجمعة، فحُمل اليشكري ميتاً إلى أهله. قال: فثارت بكر إلى رأسهم أشيم بن شقيق، فقالوا: سر بنا.
قال: بل أبعث إليهم رسولا فإن شنئوا لنا حقنا، وإلا سرنا إليهم. فأبت ذلك بكر - قال أبو عبد الله:
يقال شنيء له بكذا أي خرج له عنه - فأتوا مالك بن مسمع .. وقد كان قبل ذلك مالك بن مسمع،
غلب أشيم على الرئاسة، حتى شخص أشيم إلى يزيد بن معاوية قال: فكتب له إلى عبيد الله بن زياد
أن اردد الرئاسة إلى أشيم، قال: فأبت اللهازم - وهم بنو قيس بن ثعلبة، وحلفاؤها عنزة، وتيم اللات
بن ثعلبة، وحلفاؤها عجل، حتى تواقفوا. والذهلان شيبان، وحلفاؤها يشكر وذُهل بن ثعلبة، وحلفاؤها
ضُبيعة بن ربيعة بن نزار أربع قبائل. وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوبر في الجاهلية،
فلما جاء الإسلام، وكانت حنيفة، بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية، في هذا الحلف،
قال: وذلك أنهم أهل مدر، فدخلوا في الإسلام مع أخيهم عجل فصاروا لهزمة - ثم تراضوا بحكم
عمران بن عصام العنزي أحد بني هميم فردها إلى أشيم. فلما كانت هذه الفتنة، استخفت بكر مالك
بن مسمع، فخفّ وجمع وأعدّ
(3/851)

وطلب إلى الأزد، أن يجدّدوا الحلف الذي كان بينهم قُبيل ذلك في
الجماعة على يزيد بن معاوية. فقال حارثة بن بدر بن حصين بن قطن ابن مجمع ابن مالك بن غُدانة
بن يربوع بن حنظلة في ذلك:
نزعنا وأمّرنا وبكرُ بنُ وائِل ... تجرُ خُصاها تبتغي من تحُالفُ
وما باتَ بَكرِي من الدهرِ ليلةً ... فيُصبحَ إلاّ وهوَ للذّلّ عارِفُ
قال: فبلغ عبيد الله، وهو في رحل مسعود، تباعد ما بين بكر بن وائل وبين تميم، فقال لمسعود: إلق
مالكا فجدد الحلف الأول. قال: فلقيه فتراسا ذلك، وتأبّى عليهما نفر من هؤلاء وأولائك. قال: فبعث
عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطى من أبى المال حتى أنفق في ذلك أكثر من مائتي ألف
درهم، على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه، استوثق من القوم لأهل اليمن. قال: فجددوا الحِلف،
وكتبوا بينهم كتابين آخرين، سوى اللذين كانا كتبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتاباً عند مسعود بن
عمرو. قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود، أنّ أول تسمية مَنْ فيه، الصّلت بن حُريث بن جابر
الجُعفي، ووضعوا كتاباً عند الصلت بن حريث،
أول من فيه أبو رجاء العودي، من عود ابن سود. قال: وقد كان بينهم قبل هذا حلف.
قال أبو عبيدة: وزعم محمد بن حفص، ويونس بن حبيب، وهبيرة بن حدير، وزهير بن هُنيد، أنّ
مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل البصرة، حيث بُصرّت البصرة.
قال: فلما حوّل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من تنخَ من المسلمين إلى البصرة، أقامت
جماعة الأزد ولم يتحولوا، ثم لحقوا بعد ذلك بالبصرة. في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن
معاوية. قال: فلما قدموا، قالت بنو تميم للأحنف: بادر إلى هؤلاء القوم، قبل أن تسبقنا إليهم ربيعة،
فقال الأحنف: إنْ أتوكم فاقبلوهم، ولا تأتوهم، فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعاً. فأتاهم مالك بن
مسمع، ورئيس الأزد
(3/852)

يومئذ مسعود بن عمرو المعنّي - ويقال العتكي - فقال مالك: جددوا حلفنا
وحلف كندة في الجاهلية، وحلف بني ذُهل بن ثعلبة في طيء بن أُدّفي بني ثعل. ففعلوا ذلك. فقال
الأحنف: أما إذ أتوهم فلن يزالوا لهم أذناباً.
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حُدير عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أجيئت بكر إلى نصر الأزد
على مضر - يقول: اضطرت - وجددوا الحلف الأول، فأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير
معكم إلا أن يكون الرئيس منا، فرأسوا مسعوداً عليهم.
قال أبو عبيدة: حدثني مسلمة بن محارب، قال: فقال مسعود لعبيد الله: سر معنا حتى نعيدك في
الدار. فقال: ما أقربني. وأمر برواحله فشدوا، عليها أدواتها وشوارها، وتزمّل في أهبة السفر، وألقوا
له كرسياً على باب مسعود، فقعد عليه، وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلمانا له على الخيل مع
مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحدث فأقول. فإذا كان كذا وكذا، فليأتني بعضكم بالخبر، ولكن لا
يحدثن خبر خير ولا شر، إلا أتاني بعضكم به. فجعل مسعود لا يأتي على سكّة، ولا يجاوز قبيلة، إلا
أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك عبيد الله. وقدم مسعود ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، وأخذا
جميعاً سكة المربد. فجاء مسعود، حتى دخل المسجد فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار
الإمارة. فقيل له: إن مسعوداً وربيعة وأهل اليمن قد ساروا، وسيهيّج بين الناس شر، فلو أصلحت
بينهم، وركبت مع بني تميم إليهم. فقال: أبعدهم الله، والله لا أفسد نفسي في صلاحهم، وجعل رجل
من أصحاب مسعود يقول:
لأنْكِحَنّ بَبّهْ ... جاريَةً في قُبّهْ=تمْشُطُ رَأس لَعبَهْ
قال، فهذا قول الأزد وربيعة، وأما مضر فيقولون: أمهُ هند بنت أبي
(3/853)

سفيان، كانت تُرقّصه وتقول هذا. قال: فلما لم يحُل أحد بين مسعود وبين صعوده المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبة، حتى
علا الجبان من سكة المربد، قال: ثم جعل يمر بعداد دور بني تميم، حتى دخل سكة بني العدوية، من
قبل الجبان، فجعل يُحرّق دورهم للشحناء التي كانت في صدورهم لقتل الضبي اليشكري.
ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة. قال: فبينا هو في ذلك، إذا أتوه فقالوا: قتلوا مسعوداً، وقالوا
سارت بنو تميم إلى مسعود. فأقبل حتى إذا كان عند دار عفّان القيسي، عند مسجد بني قيس في سكة
المربد - وهي اليوم لميّة امرأة معاوية بن عبد المجيد الثقفي - بلغه قتل مسعود فوقف.
قال أبو عبيدة: ولو كان مالك شهد قتل مسعود، لقُتل أو لهرب، كما هرب أشيم بن شقيق وبه طعنة.
قال أبو عبيدة: وحدثني زهير بن هنيد، قال حدثني الوضاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارم،
قال: حدثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون، قال: فأتته بنو
تميم، فقالوا: إنّ مسعوداً قد دخل الرحبة، وأنت سيدنا، قال: لست بسيدكم إنما سيدكم الشيطان. قال:
وأما هبيرة بن حُدير، فحدثني عن إسحاق بن سويد العدوي، قال: أتيت منزل الأحنف في النظارة،
فأتوا الأحنف، فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد دخلوا الرحبة. قال: لست بأحق بالرحبة منهم.
فقالوا قد دخلوا المسجد. قال: لست بأحق بالمسجد منهم. ثم أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار. قال: لست
بأحق بالدار منهم. قال: فتسرّع سلمة بن ذؤيب الرياحي فقال: إليّ يا معشر الفتيان، فإن هذا جبس
يجرّ أذنيه، لا خير لكم عنده. فندب ذؤبان بني تميم، فانتدب معه خمسمائة، فأقبل حتى إذا كان ببعض
الطريق، تلقّاه رئيس الأساورة في أربعمائة، وهو مافروردين، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا:
(3/854)

إياكم أردنا، قال: فتقدموا.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة عن ناشب بن الحسحاس، وحميد بن هلال،
قال: أتينا منزل الأحنف في بني عامر ابن عبيد، قال: وكان نزل منزله الذي كان في مُربعة الأحنف
بحضرة المسجد. قال: فكنا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجمر فقالت: ما لك وللرئاسة عليك بمجمري،
فإنما أنت امرأة. قال: أست المرأة أحق بالمجمر. فذهبت مثلا. قال: ثم أتوه فقالوا: إنّ عليّة بنتَ
ناجية الرياحي، وهي أخت مطر - وقال آخرون عزّة الخز - قد سُلبت، حتى انتُزع خلاخيلها من
ساقيها - وكان منزلها شارعاً في رحبة بني نمير على الميضأة، وهي المطهرة التي فيها الميضأة،
مفعلة من الوضوء - وقالوا: قتلوا الصّبّاغ الذي على طريقك، وقتلوا المُقعد الذي كان على باب
المسجد، وقالوا: إنّ مالك بن مسمع قد دخل سكة بني العدوية من قبل الجبّان، فحرّق دُورا. قال
الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي دون هذا ما يحل به قتالهم. قال: فشهد نفر عنده على ذلك. فقال
الأحنف: أجاد عبّاد؟ - وهو عباد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن أوس بن سيف بن غرم بن حلزّة
بن نيار بن سعد بن الحارث الحبط ابن عمرو بن تميم - فقالوا: لا، ثم مكث غير طويل. فقال: أجاد
عبّاد ابن حصين؟ فقالوا: لا. فقال: أهاهنا عبس بن طلق بن ربيعة بن عامر بن بسطام بن حكم بن
ظالم بن صريم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم. فدعاه فانتزع معجراً في رأسه،
ثم جثى على رُكبتيه، فعقده في رُمح، ثم دفعه إليه وقال سر. فلما ولى، قال: اللهم لا تخزها فيما
مضى - يعني الراية. قال: فسار وصاحت النظارة، هاجت زبراء - وزبراء أمة للأحنف، وإنما كنوا
بها عنه، إجلالا وهيبة لقدره، لأنه كان أحلم العرب، فكرهوا أن ينسبوه إلى الخفّة، فصيّروا ذلك إلى
أمته زبراء. قال: فذهبت مثلا إلى يوم القيامة.
(3/855)

فالناس يقولون عند الشر وهيجان القتال ثارت زبراء
- فلما سار عبس ابن طلق الصريمي، فجاء عبّاد في ستين فارساً، فسأل ما صنع الناس؟ فقالوا:
ساروا، قال ومن عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصريمي. فقال عبّاد: أنا أسير تحت لواء عبس. قال:
فرجع في أولئك الفرسان إلى أهله.
قال أبو عبيدة: فحدثني زهير، قال حدثني أبو ريحانة العريني، قال: كنت يوم قتل مسعود، تحت
بطن فرس الزرد بن عبد الله السعدي أعدوا، حتى بلغنا سويقة القديم. قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا،
فلما بلغوا أفواه السكك، وقفوا، فقال له مافروردين بالفارسية: ما لكم يا معشر الفتيان! فقالوا: تلقّونا
بأسنة رماحهم. فقال لهم: صُكوهم بالفنجكان - يعني بخمس نُشابات في رمية واحدة - قال:
والأساورة أربعمائة، فصكّوهم بألفي نُشابة في دفعة، فأجلوهم عن أفواه السكك، وقاموا على أبواب
المسجد، ودلفت التميمية إليهم، فلما بلغوا الأبواب وقفوا، فسألهم مافروردين فقال: ما لكم؟ فقالوا:
أسندوا إلينا أطراف رماحهم. فقال لهم: ارموهم بألفي نُشابة! فأجلوهم عن الأبواب. فدخلوا المسجد،
فاقتتلوا فيه، ومسعود يخطب على المنبر، ويحضض الناس، فجعل غطفان بن أنيف بن يزيد بن
فهدة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم - وكان يزيد بن فهدة فارساً في الجاهلية - يقاتل ويحض
قومه ويرتجز وهو يقول:
يالَ تميمٍ إنها مَذكوَرهَ ... إنْ فاتَ مَسعود بها مَشهورهْ
فاستمسكوا بجانب المقصورهْ
يقول: لا يهرب مسعود فيفوت. قال: إسحاق بن سويد: فأتوا مسعوداً، فاستنزلوه وهو على المنبر
يحضّ الناس، فقتلوه، وذلك في أول شوال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئا، وانهزموا، وبادر
أشيم بن شقيق القوم باب المقصورة هارباً، طعنه أحدهم، فنجا بها.
(3/856)

ففي ذلك يقول الفرزدق:
لوَ أنّ أشيمَ لمْ يسبقْ أسنّتنا ... أو أخطأ البابَ إذْ نيرانُنا تَقِدُ
إذا لَصاحَبَ مسعوداً وصاحِبَهُ ... وقدْ تماءتْ لهُ الأعفاجُ والكَبِدُ
تماءت على وزن تفاعلت، وقوله تماءت خربت وفسدت، يقال من ذلك مأى بينهم، ومأس بينهم،
سواء بمعنى واحد.
قال أبو عبيدة: فحدثني سلام بن أبي خيرة، قال: سمعته أيضاً من أبي الخنساء كسيب العنبري،
يُحدّث يونس النحوس، وكان علاّمة أهل البصرة، قال: سمعنا الحسن بن أبي الحسن، يقول في
مجلسه في مسجد الأمير، فأقبل مسعود من هاهنا - وأشار بيده إلى منازل الأسد - في أمثال الطير
معلماً بقباء ديباج أصفر معين بسواد، يأمر بالسُّنة، وينهى عن الفتنة - ألا إنّ من السِّنة أن يؤخذ ما
فوق يديك أي يؤخذ ما على يديك - وهم يقولون: القمر القمر، فوالله ما لبثوا إلا ساعة، حتى صار
قُميرا، فأتوه فاستنزلوه وهو على المنبر، قد علم الله فقتلوه. قال سلاّم في حديثه، قال الحسن: وجاء
الناس من هاهنا وهاهنا، وأشار بيده إلى دور بن تميم.
قال أبو عبيدة، فحدّثني مسلمة بن محارب، قال: فأتوا عبيد الله، فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم
يُرم دون الدار بكُثّاب - يعني سهماً بغير ريش - قال: فبينا هو في ذلك يتهيأ ليجيء إلى دار
الإمارة، إذا جاؤوا فقالوا: قُتل مسعود، فاغترز في ركابه، فلحق بالشام. قال: وذلك في أول شوال سنة
أربع وستين.
قال أبو عبيدة: فحدثني ذواد أبو زياد الكعبي قال: فأتى مالك بن
(3/857)

مسمع ناس من مضر، فحصروه في داره وحرّقوا، ففي ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبي في أرجوزة له:
وأصبحَ ابنُ مِسْمَع محصورا ... يحمي قُصوراً دونَهُ ودُورا
حتى شَبَبْنا حولَهُ السّعيرا
قال: ولمّا هرب عبيد الله بن زياد، تبعوه فأعجز الطلب، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول واقد
بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر ابن منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد:
يا رُبّ جَبّار شَديد كَلَبُهْ ... قَدْ صارَ فينا تاجُهُ وسَلَبُهْ
منهُمْ عُبيدُ الله يومَ نسلُبُهْ ... جِيادَهُ وبزّه ونَنْهَبُهْ
يومَ التقَى مقْنَبُنا ومقْنَبُهْ ... لو لمْ يُنجّ ابنَ زياد هربُهْ
منا للاقَى شَعبَ مَوتٍ يَشْعَبُهْ ... نَجّاهُ خَوّارُ العِنانِ مُقرَبُهْ
وقال عرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية، في قتل مسعود في كلمة له طويلة:
ومَسْعودَ بنَ عَمرو أذع أتانا ... صَبَحنا حَدّ مَطرورٍ سَنينا
رَجا التأميرَ مَسعودُ فأضحى ... صَريعاً قدْ أزَرناهُ المَنونا
وقال القُحيف بن حمير العنبري في قتل مسعود:
فِدىً لقوم قتلوا مَسعودا ... واستَلَبوا يَلْمَقَهُ الجَديدا
واستلاموا ولَبِسوا الحديدا
وقال جرير في كلمة له طويلة:
سائلْ ذَوي يَمَن إذا لاقَيْتَهُمْ ... والأزْدَ إذْ نَدبوا لنا مَسعودا
لاقاهُمُ عَشرونَ ألفَ مُدَجّجّ ... مُتَسربلونَ يَلامِقا وحَديدا
(3/858)

فغادَروا مَسْعودَهُم مُتَجَدّلا ... قَدْ أودَعوهُ جَادِلا وصَعيدا
وقال المغيرة بن حبناء في كلمة له طويلة - قال وذلك حين هاجى زياداً الأعجم - يُعير ربيعة
بفرارهم عن مسعود، وفرار مالكٍ وأشيم، ويحقق قتل مسعود في المقصورة:
فلما لَقيناكُمْ بِشَهباء فَيْلَق ... تَزَلْزَلَ منها جمعكم فتَبَدّرا
وطرْنا إلى المَقْصورتينْ عليكُمُ ... بأسيافنا يَفْرينَ دِرعا ومغْفَرا
وأبْتُمْ خَزايا قَدْ سُلِبْتُمْ سلاحَكُمْ ... وأسلَمْتُمُ مَسْعودَكُمْ فتَقَطّرا
وأفْلَتَنَا يسعى مِنَ الموتَ مالِكٌ ... ولو لم يَفِرّ ما رَعَى النّبتَ أخضرَا
وأشيَمُ إذْ ولىّ يَفوقُ بطَعْنَة ... بُبادِرُ بابَ الدار يهرُبُ مُدْبَرا
وقال العجاج في ذلك في أرجوزة له طويلة:
بل لو شهدتَ الناس إذْ تُكُمّوا ... بِفِتْنَةٍ غُمّ بِها وغُمُوا
وهي قصيدة طويلة. الرواية بغمة لو لم تُفرّج غموا. وقال أيضا القلاخ ابن حزن بن جناب، أحد
بني حزن بن منقر بن عبيد في ذلك:
إنّ لنا ضُبارِماً هوّاسا ... ذا لِبَدٍ غَضنْفراً دْرواسا
وهي قصيدة طويلة. ودرواس هو الشديد من نعت الأسد. والهوّاس أيضا الشديد، وهو من نعت
الأسد. وهو الذي يدق كل شيء فيأتي عليه اقتدار. وقال أيضاً القُحيف العنبري:
جاءتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفّا ... بَكْرُ وجمع الأزْدِ حينَ التَفّا
(3/859)

ويروى دغرا لا صفا، وهي طويلة. والدغرى الذين يحملون في دفعة واحدة، لا ينتظر بعضهم
بعضا. وقال سؤر الذئب أحد بني مالك بن سعد:
نحنُ خَبَطْنا الأزْدَ يومَ المَسجدِ ... والحَيّ مِنْ بَكرِ ويَومَ المِربَدِ
إذْ خَرّ مَسعودُ ولمْ يُسوسدِ ... ولم يجُنّ في سَواء المَلْحَدِ
قال وهي أيضاً طويلة. وقال القلاخ أيضاً في ذلك:
لمّا رأينا الأمرَ في مَرْجوسِ ... وهاجِسٍ مِنْ أمرهمْ مَهْجوسِ
وهي طويلة أيضاً. قال: ومن قال في قتل مسعود هذه القصص من شعراء تميم، أكثر من ذلك،
فتركناه اختصارا منا، لما فشا من قول الشعراء في ذلك، قديماً وحديثاً، اختصاراً لأنه أكثر من أن
يحصى. قال: ثم إن أهل اليمن بعد مقتل مسعود من الليل، زمّوا أمرهم ليلتهم، فأجمع أمرهم أن
رأسوا عليهم زياد بن عمرو بن الأشرف بن البختري ابن ذهل بن يزيد بن عكب بن الأشد بن
العتيك. قال: ثم خرجوا من الغد، وخرجت ربيعة بن نزار، عليهم مالك بن مسمع بن شيبان بن
شهاب يطلبون دماء من أصيب منهم، قال: فعبّوا الأزد قلبا، عليهم زياد بن عمرو، وعبّوا عبد القيس
وألفافها من أهل هجر، وعليهم الحكم بن مخربة ميسرة، وعبّوا بكرا وألفافها عنزة بن أسد بن ربيعة،
وبني ضبيعة بن ربيعة، والنمر بن قاسط، وعليهم مالك بن مسمع ميمنة، قال: وذلك في أول شوال
سنة أربع وستين، حتى كانوا بأعلى المربد. قال: وخرجت إليهم مضر، وعليهم الأحنف، وهو صخر
بن قيس، وقد عبّى بني سعد بن زيد مناة وألفافها من الأساورة والأندغان، قوم من العجم كانوا معهم،
وضبّة وعدي بن زيد مناة - قال وليس أحد من الرباب بالبصرة غير ضبة وعدي - وعليهم قبيصة
ابن حُريث بن عمرو بن ضرار الضبي - وهو الهملج، ومات في
(3/860)

الطاعون الجُراف سنة تسع وستين - قال: وعلى جماعة هؤلاء عبس ابن طلق الصريمي، فجعلهم ميمنة بإزاء الأزد.
قال: وعبّا قيس عيلان، وجعل عليهم قيس بن الهيثم بن قيس بن أسماء بن الصلت، فجعلهم بإزاء عبد القيس
وألفافها، وعبّى بني عمرو بن تميم، وجعل عليهم عبّاد بن حُصين، ومعهم بنو حنظلة بن مالك
وألفافها من بني العم، والزّطّ، والسيابجة، وعلى جماعتهم سلمة بن ذؤيب الرياحي، فجعلهم بإزاء بكر
وألفافها. قال: وفي ذلك يقول شاعر بني عمرو بن تميم:
سيَكْفيكَ عَبْسٌ أخو كَهْمَس ... مُقارَعَةَ الأزدْ بالمِربدِ
وتَكْفيكَ قَيسٌ على رِسلها ... لكَيزَ بنَ أفْصَى وما عددَ
ونكفيكَ بَكْرا وألْفافَها ... بضرب يشيبُ له الأمردُ
قال: فكانوا يتغادون فيقتتلون زماناً، ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش، وعمر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مشيا للصلح فيما بينهما، حتى التقى مالك والأحنف
والعمران في الصلح، فجعل الأحنف يخفّ عند المراوضة، ويثقل مالك. فقال القرشيان: يا أبا بحر
مالك تخف وقد ذهب حلمك في الناس، ومالك يرزن. فقال إني أرجع إلى قوم يتأبون عليّ، ويرجع
إلى قوم، إن قال نعم، قالوا نعم. قال: فلم يتفق بينهم صلح، فتغادروا للقتال. ثم إنهم أرسوا الصلح
يقال تراسوا الصلح، يعني أسرّوا ذلك بينهم - على أن يكتبوا قتلاهم، ثم ينظروا في ذلك على ما
يتفق رئيس. قال: فاجتمعت ربيعة وأهل اليمن في دار مشورتهم، دار رفيدة في السوق. واجتمعت
مضر في دار شورهم، وهي الدار التي بنحر الطريق، إذا أقبلت من دار جبلة بن عبد الرحمن، وأنت
تريد السوق أو مسجد بني عدي، والأيسر يأخذ إلى صباغي قنطرة قُرة. قال: فكتبوا، وكتبت الأزد،
واليمن، وربيعة قتلاهم، فلما بلغوا دية مسعود، كتبوها عشر ديات.
(3/861)

قال: وذلك للمُثل التي مُثّلت به، فقالوا: لا تزيدوا على دية رجل من المسلمين، فقالوا: إنكم مثّلتم به
مثُلات، فأبى الأحنف، وكان الأحنف إذا قال لا، لم يقل نعم، إذا ظن أنه قد أنصف، قال: فاضطربوا
بالنعال وبالأيدي، وإنما كانوا جاءوا للصلح، قال: ثم تعاودوا السلاح، فاقتتلوا زُمنياً، ثم إن العُمرين
قالا: إن هؤلاء قد كانوا اصطلحوا فتشاجروا، فلو أتينا الأحنف فكلّمناه، وأتينا القوم أجمعين فعسى أن
يتراجعوا، فبدءا بالأحنف، فعظّما الإسلام، وحق الجيران، وقالا أخوالكم وأصهاركم ويدكم على العدو،
قال: فانطلقا فأعقدا على ما أحببتما، وأبعدا عني العار - قال وذلك بأعين الأزد وربيعة - فلما توجّها
قبل ربيعة واليمن، قال الأحنف لعبس: أما إنهم لن يسمعوا منهما، فاعل عليهم الريح، واستعن عليهم
بالتحكيم، فهو أسلس لهم عما وراء ظهورهم. قال: فلما دنوا، رماهما السفهاء فاتقيا بثيابهما وركضا،
حتى وقفا حيث لا ينالهما النشاب والنبل، قال: وصبّ عبس عليهم الخيل فأجلت عن قتل نفير، قال:
فقال ذوو الحِجَى للسفهاء: رميتم رجلين لم يزالا يمشيان في الصلح، قال: وقد أتيا الآخرين فسمعوا
كلامهما، ولم يفعلوا ما فعلتم، ثم ألووا إليهما - يعني أشاروا إليهما - فجاءا فعظما الإسلام، وقالا لهم
مثل ما قالا للأحنف، فقال: قد كنتم تراضيتم بالصلح، فقالوا: لن نقبل لمسعود دون عشر ديات -
وذلك للمثلة التي كانوا مثّلوا به، فقال عمر بن عبد الرحمن لعمر ابن عبيد الله: إن الأحنف قد أبى
هذا عليهم، هَلُمّ فلنحمل تسع دياب، فقال عمر بن عبيد الله: ولم نحملها كلانا؟ إما أن تحملها أنت وإما
أن أحملها أنا.
قال أبو عبيدة: فزعم محمد بن حفص أنه حملها - يعني عمر بن عبيد الله بن معمر - قال: وأما بنو
مخزوم، فزعمت أنهما احتملاها، قال: فرضي القوم، فأتيا الأحنف برضا القوم للحمالة، فرضي، ثم أتيا
(3/862)

الآخرين فأخبراهم برضا الأحنف، وقالا لهم: ارجعوا، فقالوا إنما يُربّثنا الأحنف، فلما رأى ذلك
عبد الله بن حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أحد القرينين، أتاهم فقال: أنا
في أيديكم رهينة بوفاء الأحنف لكم، فارتهنوه، ورضوا وتراجع الناس، ففي ذلك يقول الفرزدق يفخر
على جرير في كلمته التي قالها:
ومنا الذي أعطى يَدَيه رَهينةً ... لغارَيْ مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجِم
رأتنا مَعَدٌ يومَ شالَتْ قُرومُها ... قياماً على أقتارِ إحدى العَظائمِ
رأونا أحقّ ابني نزار وغيرها ... بِإصلاح صَدع بينهمْ مُتفاقِمِ
حقَنّا دماء المسلمينَ فأصبحتْ ... لنا نعمةُ يُثنَى بها في المواسِمِ
عشيّة أعطَتنا عُمانُ أمورَها ... وقُدْنَا مَعَدّا كُلّها بالخَزائِمِ
فقال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن مبارك بن سعيد بن مسروق، أخي سفيان الثوري، عن
إسحاق بن سويد، قال: فبدأ الأحنف فأتاهم، فحمد الله، ثم قال: وأما بعد يا معشر الأزد وربيعة، فإنكم
إخواننا وأخوالنا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ووالله لأزد
البصرة، أحب إليّ من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إليّ من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم -
يعني هاجت كما يهيج الشرى - وحميت جمرتكم، وأبى حسك صدوركم، ففي أموالنا وأحلامنا سعة
لنا، ولكن قد رضيتم أن نحمل هذه الدماء في بيت المال من أعطياتنا، قالوا قد رضينا يا أبا بحر،
قال: قد رضيتم، قالوا نعم.
قال أبو عبيدة: ألا ترى أن ربيعة والأزد الطالبون، وأن القتلى منهم أكثر، وزعم أبو نعامة العدويّ،
أن مما حُمِل حُمِل، خمسون ألف
(3/863)

درهم لمُثلة مسعود. قال: فقالت الأزد وربيعة لا نرضى إلا أن يقوم
بها رجل، فقال الأحنف: دياتكم إلي، فقالوا: لا، لأنك رأس قومك، فإذا بدا لك ألا تفعل، لم تفعل، وإن
ارتددت بما قبلك أطاعوك، فانظر لنا رجلا غيرك ترضى دينه وشرفه.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن إسحاق ابن سويد، قال: فرجع الأحنف
فمشى غير واحد من وجوه مقاعس - قال: ومقاعس اسم جمع جميع بني عمرو بن كعب بن سعد بن
زيد، وهم بنو عبيد بن الحارث: منقر ومُرة رهط الأحنف، وعامر وسائر بني عبيد، عبد عمرو
وغيرهم من بني عبيد بن الحارث بن كعب، وصريم رهط عبس، وربيع رهط مُرة بن محكان ابنا
الحارث. قال: فعرضها الأحنف عليهم، فهابوها فأبوا - فقلنا لإسحاق: ومن هم يا أبا محمد؟ فقال:
عبد الله بن زيد بن سريع بن مرثد بن عُبادة بن النزال بن مرة بن عبيد، وصعصعة بن معاوية بن
عبادة بن نزال بن مرة بن عبيد، وجزء بن معاوية بن الحصين بن عُبادة بن النزال بن مرة بن
عبيد، قال: وذكر رجالا منهم أيضا هابوها، فأبوا أن يقبلوا ذلك - فعرضها الأحنف على إياس بن
قتادة بن أوفى بن موألة بن عبد الله بن عتبة بن مُلادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة - قال: وأم
إياس من بني نزال بن مرة بن عبيد رهط الأحنف - فأجابه إلى حملها - وأوفى بن موألة كان من
أشراف بني سعد في الجاهلية، وله يقول اليربوعي في يوم طخفة:
يَطُفْنَ بِأوفى أوْ بِعَمرو بنِ خالدِ ... عَباهِلُ لا يَعرِفْنَ أمّا ولا أبا
فعرض الأحنف إياساً على الأزد وربيعة، فقالوا: شريف مسلم رضينا به، قال: فأتاهم فحمل لهم.
(3/864)

قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة عن أبي نعامة، قال: فلما رجع إياس إلى قومه، وقد حمل دماء أولئك
الازد وربيعة قالوا: لا مرحباً، والله لتحملنّ لهم دماءهم ولتطلّن دماؤنا، فأين دماؤنا؟ قال: فأنا أحمل
دماءكم أيضا. فحملها فرضوا، وذلك في أوائل ذي القعدة سنة أربع وستين، وفي ذلك يقول القلاخ بن
حزن:
ثمّ بعثنا لهمْ إياسا ... حمّالَ أثقالٍ بِها قِنْعاسا
إذا أردنا أنْ يَريسَ راسا
يريس يتبختر في مشيته، ولو كان من الرئاسة لكان يرأس. وعمد عمر إلى ما حمل لهم الغد فبعث
به إلى الأزد ولم يُدرك ذلك الزمان، يذكر ما ضوعف من دية مسعود وتعجيلها، ويزعم إنما أدركوا
ذلك بمالك بن مسمع:
قَتلنا بقتلى الأزدْ قتلى وضُوعفَتْ ... دياتٌ وأهدَرنا دماء تميمِ
بعَشر ديات لابنِ عمرو فوُفيّتْ ... عِيانّا ولم تجعل ضمارَ نُجومِ
نَزَلْتُمْ على حُكمْ الأغَرّ بنِ مسمع ... على حُكمِ طلاّبِ التّراثِ غَشومِ
يعني بقوله أهدرنا دماء تميم. يقول: لم يحملها منا ولا من الأزد حامل في أعطياتنا، ولم نقم بها لهم
كما قام إياس لنا، ولم نرهنهم كما ارتهنا منهم. قال: ونُدّم الأحنف فندم وقال: كلمّوا إياس يردها علي
ويجعلها إلي، قال: فأتوا إياساً فكلموه في ردها على الأحنف، فقال: دعوني حتى أرى في ذلك. قال:
فلما أمسى، كتب من تحت الليل إلى العرفاء، ومن كان له عنده اسم من أولياء القتلى برقعة: أن
اغدوا إلى حقّكم بالغداة. قال: فغدا الناس، فأتى بهم بيت المال، فأعطى كل ذي طائلة بطائلته من
الفريقين، قال: والناس مجتمعون بعد على عبد الله بن الحارث الهاشمي، قال: والدليل على ذلك، أن
أهل البصرة إنما كتبوا إلى عبد الله بن الزبير بطاعتهم له، حين سكنت الفتنة في ذي القعدة سنة أربع
وستين، قال: فكتب عبد الله بن الزبير - رضي الله
(3/865)

عنهما - إلى أنس ابن مالك - رضي الله عنه -
أن صَلّ بأهل البصرة وكتب بعهد عمر بن عبيد الله بن معمر على أهل البصرة، في ذي القعدة سنة
أربع وستين، فلقيه رسول بن الزبير في طريق مكة يريد الحج، فرجع فكان على أهل البصرة، في
ذي القعدة سنة أربع وستين، قال: وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. قال: ففي ذلك
يقول إياس بن قتادة، وفي ندم الأحنف بن قيس:
إنّ مِنَ الساداتِ مَنْ لو أطعتَهُ ... دَعاكَ إلى مارٍ يَفورُ سَعيرُها
وقالوا أعرِها خالَكَ اليومَ ذكرها ... وهَلْ مثلَهُ في الناسِ مثلي يُعيرُها
فقلتُ لهمْ لا تَعجلوا إنّ حاجتي ... لأن تعلمَ الآفاقُ كيفَ مصيرُها
إذا ما مضى شهرٌ وعشرٌ فإنّهُ ... بعيدٌ معَ الركبِ العجالِ مسيرُها
فلما مضى غِبُ الحديثِ وبرّزتْ ... تنفُسَها ساداتُها وبُحورُها
وقال رجالُ ليتَها أنها لنا ... وأيُّ رجالٍ بالأمورِ بصيرُها
سأورثُ قيساً بعدَ خندفَ مجدَها ... يكونُ لها بعدي سَناها وخيرُها
تدبّرتْ أذنابَ الحَمالاتِ بعدما ... مضى ذِكرُها لأهلِها وأجورُها
عَقدْتُ لها حبلَ الأمانة بيننا ... وشرُ الحبالِ رَثُها وقصيرُها
وكنتُ متى أحملْ لقومٍ أمانةً ... فإن الوفاء بِرُها وظُهورُها
فرد عليه صعصعة بن معاوية فقال:
لقدْ ضاعَ أمرٌ يا إياسُ وليتَهُ ... وخُطّةُ قومٍ كُنت أنتَ تُديرها
وحُقّ لها مِنْ خُطة إنْ تُدُبّرتْ ... تَضيعُ وإبهامُ الحُبارى سفيرُها
قال أبو عبيدة: إنما قال: وإبهام الحبارى، لأن إياس بن قتادة كان قصيراً من الرجال، فنبزه بإبهام
الحبارى، يعني لقّبه بالقصر، قال: فما لزمه ذلك ولا ضره ما نبزه به.
وللحَمد حَوْماتٌ ترى لكَ دونَها ... مَهابلَ مقطوعاً عليكَ جُسورُها
(3/866)

قال أبو عثمان: فقلت لأبي عبيدة: فهذا الأحنف قد ذكر أن مسعوداً قتله الخوارج، وأقرّ بذلك فقال:
إنما ذلك قول الأحنف: اعلوا عليهم الريح، واستعينوا عليهم بالتحكيم، قال: فقال عامر أو مسمع
أخوه: العجب للأحنف، وهو يُزن بحلم وعقل ساد بهما، يستعين على ربيعة بالتحكيم وهو فيهم. فقال
عامر: والله لوددت أنّا عرمنا عشرة آلاف ألف درهم، وأنّ هذا الرأي خرج منا، فإنه قد أفنى فرساننا
ووجوهنا، وأقل عددنا، وإنه لا يزال فارس منا لا يُسقط الروع رمحه، قد خرج فقتل ضياعا. قال:
وقال عامر في مجلس آخر: العجب لمالك والأحنف، والله ما كان مالك في أمر يبرأ منه هؤلاء التجار
والموالي، والأحنف بإزائه في ذلك الأمر، فلم يضره ذلك عند الناس، فقال له ابن نوح: إنّ الأحنف
كان يتأول الدين، وإنّ مالكاً كان يتغشمر، ألا ترى أنه يوم مسعود لم يستحل حرمه، حتى قامت
البينة، وأنهم قد سفكوا الدماء، وركبوا المحارم. قال أبو عثمان: هذا خبر مسعود قد تم، وإلى هاهنا
سمعناه من الأصمعي وأبي عبيدة لم يجاوزا ذلك.
رجع إلى شعر الفرزدق:
هُنالِكَ لو تَبغي كُلَيباً وجَدتَها ... بَمنزِلَة القِردانِ تحتَ المَناسِم
قوله المناسم، قال: المنسمان ظُفرا خُفي البعير.
وما تجعلُ الظربَى القِصارَ أنوفُها ... إلى الطّمّ مِنْ مَوجِ البحارِ الخضارِمِ
الطم بفتح الطاء في نسخة أبي عثمان، قال أبو عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان: الظربى
جمع، واحده ظربان، قال: وهو دابة فويق السنور، منتن الرائحة قال: والطم العدد الكثير. والخضارم
من الأبار الغزار الكثيرة الماء، ويقال من ذلك بئر خضرم، وذلك إذا كانت غزيرة، قال: ويقال رجل
خضرم. قال: وذلك إذا كان
(3/867)

جواداً يعطي المال سحا، والخضرم البحر، قال: فكأنه مشتق من كثرة
الماء وغزارته، يقال رجل خضرم، إذا كان كثير الإعطاء، مأخوذ من كثرة ماء البئر وغزارتها، قال:
وذلك أن العرب تُشبّه الشيء، بالشيء وإن لم يكن من شكله ولا من طرازه.
لهاميمُ لا يسطيعُ أحمالَ مثلهِمْ ... أنوحٌ ولا جاذٍ قصيرُ القوائِمَ
قوله لهاميم، يقول هم واسعة أجوافهم سادة، يلتهمون كل شيء لا يهولهم أمر شديد وقوله أنوح، وهو
أن يسعل الرجل إذا ثقل حمله وفدحه، يقول: فهم يحملون أثقالهم مُستضعلون لها، ولا يكرثهم ذلك،
كما يكرث غيرهم، فيسعلون من ثقل ما عليهم، وإنما هذا مثل ضربه لهم، لأنهم مستضلعون بما
عليهم من حمل. وقوله ولا جاذ، قال: الجاذي من الخيل، الذي في رُسغه انتصاب، قال: وذلك عيب
في الخيل، وهو أضغف له إذا لم يكن مفروشاً، وفرش الرجل أن ترى فيها كالعوج، ترى ذلك في
الحافر إذا كان الفرس قائماً، وإنما ضرب ذلك مثلا لهم لأنهم براء من كل عيب، الفرش تباعدُ ما بين
العُرقوبين من غير إفراط، فإن أفرطَ صار عقلا، وإذا انتصب رُسغُ الدابة كان أصلبَ له وأقوى،
وهو مدح، ألا ترى أنهم يُشبهونه برسغ الثور في انتصابه، فإذا لان ولم ينتصب كان عيباً.
يقولُ كِرامُ الناسِ إذ جَدّ جدنا ... وبيّن عَنْ أحسابِنا كُلُ عالمِ
عَلامَ تَعَنّى يا جرير ولم تجدِ ... كُلَيباً لها عادِيّةُ في المَكارِمِ
قوله عادية، يقول لم يكن لكليب قديم تُعرف به، فلا تعن في أمر لا تبلغه.
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عينيكَ واجداً ... أباً لكَ إذْ عُدّ المَساعي كَدارِمِ
هوَ الشيخُ وابنُ الشيخِ لا شيخَ مثلَهُ ... أبو كُلّ ذي بيتِ رفيع الدّعائمِ
تعنّى مِنَ المَرّوت يرجو أرومتي ... جَريرٌ على أمّ الجَحاشِ التّوائمِ
(3/868)

قال: المروت واد في بلاد بني كليب. قال: والأرومة الأصل. وقوله أم الجحاش، يعني الأتان. وقوله
التوائم، هو أن تلد المرأة اثنين في بطن واحد، وامرأة متئم وهو أن تلد اثنين في بطن.
وِنْحياكَ بالمَرّوتِ أهونُ ضَيعَةً ... وجَحْشاكَ مِنْ ذي المأزِقِ المُتلاحِمِ
النحي الزق، يعيّره بأنه راع، فالزق معه فيه اللبن لا يفارقه، قال: والمأزق المتلاحم، يريد المتضايق
لشدته، يقول: فأنت بنحيك أعلم منك بالحروب في شدتها، ضيق موضعها في القتال. قال: ومنه يقال
ملحمة، يريدون بالملحمة القتال الشديد المسرف القتل. ملحمة فيها لحمى أي قتلى.
فلو كُنتَ ذا عقل تبيّنت إنّما ... تَضولُ بأيدي الأعجزينَ الألائمِ
وروى أبو عمرو بالملائم، ويروى تنوء أي تنهض.
نماني بنو سعد بن ضَبّةَ فانتسبْ ... إلى مثلهم أخوالِ هاج مُراحِمِ
وضَبّةُ أخوالي همُ الهامةُ التي ... بِها مُصرٌ دَمّاغَة للجَماجمِ
وهلْ مثلُنا يا ابنَ المَراغَة إذ دَعا ... إلى البأس داع أو عِظامِ المَلاحمِ
أي داعٍ يدعو إلى خلافة رجل يجعل خليفة. قال: والملاحم الفتن والقتال.
وما لكَ مِنْ دَلو تُواضِخُني بها ... ولا مًعْلم حام عَنْ الحَيّ صارِم
ويروى حامي الحقيقة. قال: المواضخة في السقي، أن تجذب كما يجذب صاحبك، وتنزع في الدلو
كما ينزع، وقوله ولا مُعلم، لأنه لا يعلم في الحرب إلا الأشداء. يقول: فليس لك فارس يُعرف بذلك.
(3/869)

قال الأصمعي: وإنما يُعلم الفارس، فيلبس ما يُشتهر به نفسه، ليراه الناس فيُعرف مكانه، لأنه لا يفر
عند اللقاء، وقال: إن حمزة - رضي الله عنه - كان معلماً يوم أُحد بريشة نعامة، كانت في صدره
ليُعرف مكانه، فكان أسد الله وأسد رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكان الفارس والراجل يتعجبان
من صنيع حمزة - رضي الله عنه - وهو يفري الفري فمن ثم سمي أسد الله.
وعندَ رسولِ اللهِ قامَ ابنُ حابسٍ ... بخُطّة سَوّار إلى المَجد حازم
لهُ أطلقَ الأسرىَ التي في حِبالهِ ... مَغَلّلَةً أعناقُها في الأداهِمِ
كفى أمهات الخائفينَ عليهم ... عَلاء المُفادي أو سهامَ المُساهمِ
قال أبو عثمان: قال الأصمعي، قال اليربوعي، حدثني الشرقيّ بن القُطامي عن الكْلبي، أنّ الأقرع
بن حابس كلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحاب الحجرات، وهم من بني عمرو بن
جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وقال: يا رسول الله، ارْدُدْ سبايا قومي، وأنا أحمل الدماء، قال:
فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - السبي وحمل الأقرع الدماء عن قومه. قال: ففي ذلك يقول
الفرزدق وهو يفخر على بني نهشل، وبني فُقيم بن دارم، وجرير - وهو فُقيم وقيس ابن مالك
ومعاوية بن مالك، قال: وهما الكُردوسان -:
وعندَ رسولِ الله إذْ شَدّ قَبضَهُ ... ومُلئ مِنْ أسرىَ تميم أداهمُهْ
فككنا عَنِ الأسرىَ الأداهمَ بعدَ ما ... تخَمّطَ واشتَدّتْ عليهمْ شكائمُهْ
مَكارمُ لمْ تُدركْ فُقيمٌ قَديمَها ... ولا نهشَلٌ أحجارُهُ وتَوائِمُهُ
ألمْ تعلما يا ابني رَقاشِ بأنني ... إذا اختارَ حَربي مثلُكُمْ لا أسالمُهْ
قال: وفي ذلك يقول الفرزدق أيضاً:
ومِنّا الذي أعطى الرسولُ عَطِيّة ... أسارَى تمَيم والعُيونُ دَوامِعُ
(3/870)

فإنّكَ والقومَ الذينَ ذَكرْتهُمْ ... رَبيعَةَ أهلَ المُقرَبات الصّلادِم
الصلادم الصلاب الشداد.
بناتُ ابنِ حلابٍ يرُحنَ عَليهِمِ ... إلى أجَمِ الغابِ الطِوالِ الغواشِمِ
قوله بنات ابن حلاّب، قال: حلاب اسم فرس فحل كان لبني تغلب. قال: والغواشم التي تغشم
وتغصب، وأنشد:
وما طَلَبَ الأوتار مثلُ ابنِ حُرّة ... طَلوب لأوتار الرجالِ غَشومِ
أي يتعدى الحق ولا يرضى به حتى يجاوزه. قال: والغاب الرماح، وإنما شبّه كثرة الرماح بكثرة
القصب الذي يكون في الغاب، وهي الأجمة أيضاً.
فلا وأبيكَ الكَلب ما مِنْ مخَافَة ... إلى الشّأم أدّوا خالداً لمْ يُسالمِ
ولكنْ ثَوى فيهمْ عَزيزاً مَكانُهُ ... على أنفِ راض مِنْ مَعَدّ وراغِمِ
قوله أدّوا خالداً لم يُسالمِ، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
قال أبو عثمان: فحدثني أبو الحسن المدائني، قال: سار مُصعب بن الزبير من البصرة يريد قتال
عبد الملك بن مروان سنة سبعين، قال: وخلّف عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي على الصلاة،
وعبّاد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن غنم بن سيف بن حلزة بن أوس بن نزار ابن سعد بن
الحارث - والحارث هو الحبط بن عمرو بن تميم - على شرطته، فمضى فنزل باجمُيرا، وقد أقبل
عبد الملك يريد زُفر بن الحارث بقرقيسيا بالجزيرة، فقال خالد بن عبد الله لعبد الملك: إن مصعباً لم
يدع بالبصرة أحداً من أهل الشرف والنجدة إلا وقد أشخصه
(3/871)

معه، فإن وجهتني إلى البصرة رجوت أن أغلب عليها. فوجهه عبد الملك. قال: فأقبل خالد إلى البصرة،
فنزل على عمرو بن أصمع، ثم تحول عنه فنزل على مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عبّاد بن قلع بن جحدر - ولشيبان بن شهاب يقول الأعشى:
مَنْ مُبْلِغُ شَيبانَ أنّ ... المْ نَكُنْ أهلَ الحَقارَةْ
يدعو إلى عبد الملك بن مروان، وتميم تقاتل عن ابن الزبير، وتدعو إليه ما خلا عبد العزيز بن
بشر، جَدّ نُميلة بن مُرة، وأبا حاضر الأسيدي صبرة بن شريس، قال فاجتمعت ربيعة مع مالك بن
مسمع، والأزد مع خالد بن مالك، قال: فاجتمعوا على جُفرة خالد، فسار إليهم عبّاد بن الحُصين ومن
معه من تميم، فاقتتلوا في جفرة خالد.
قال أبو عثمان: وسمعت أبا الحسن المدائني يقول: اقتتلوا في جُفرة خالد أربعة وعشرين يوماً، قال
ففُقئت عين مالك في بعض الأيام، يقال فقأها عبد بن حُصين، وقال بعضهم: بل فقأهل بعض
الأساورة، وهم الرماة الذين لا يكاد يسقط لهم سهم. فقال في ذلك عرهم بن قيس أحد بني العدوية:
تَقاضَوْكَ عَيناً مَضّةً فقَضَيْتَها ... وفي عَيْنِكَ الأخرى عليكَ خُصومُ
قوله عيناً مضّة يريد شدة الوجع، يقال قد مضّه الجرح إذا أوجعه، وقال أبو عبد الله: أنشدنا محمد
بن يزيد:
تَعَلّمْ أبا غَسّان أنّكَ إنْ تَعُدْ ... تَعُدْ لكَ بالبِيضِ الرّقاقِ تمَيمُ
أجَهْلا إذا ما الأمرُ غَشّاكَ ثَوْبَهُ ... وحِلْماً إذا ما كَدّحَتْكَ كُلومُ
قوله كدّحتك، يريد أثّرت فيك، ومنه يقال لرجل مكدّح، وذلك إذا جرّب الأمور وعرفها، وكلوم
جراح.
(3/872)

فَولّيْتَ رَكْضاً نَحو ثَأج مُوالياً ... وجارُكَ يا بنَ الجَحْدَرِيّ مُقيمُ
قوله وجارك، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فلما بلغ مصعباً خبر خالد، نكص راجعاً إلى البصرة، فلما سمع القوم
ذلك، رَسِّوا بينهم صُلحاً أربعين يوماً، على أنه من شاء من الفريقين منهم أن يرتحل إلى حيث شاء
ارتحل، ومن أقام أقام آمناً. وقال مالك: أدخلوا في كتابكم عبّاد بن الحصين، فإنا وجدناه أشدّكم حرباً،
وأوفاكم سلماً. قال: ففعلوا. ومضى مالك نحو ثأج هارباً. ومضى خالد بن عبد الله إلى الشام. وقدم
مصعب البصرة. فأرسل خداش بن زياد الكوفي، وكان من بني أسد، في أثر مالك فلم يلحقه. وبعث
إلى الرهط الذين حالفوه، فقال عمر بن عبيد الله: إني قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم. فقال مصعب:
يا هذا، قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم، أفامنتهم أن أشتمهم؟ قال: لا. قال: فبعث إليهم، فقال مصعب
لعبد الله بن عامر النّعّار، أحد بني مجاشع بن دارم: إنك إنما تبعث أعرابي قيس - يعني مالك بن
مسمع - لبول أخيه في فرج أختك - قال: وكانت أخت النعار عن أخي مالك بن مسمع - وقال لابن
أبي بكرة: يا ابن الفاعلة، إنما مثل أمك، مثلُ كُليبة وثبت عليها ثلاثة أكلب: كلب أسود، وكلب أحمر،
وكلب أبيض، فجاءت لكل كلب بنجله. وقال لحمران بن أبان: يا ابن الفاعلة، إنما أنت نبطي من
عين التمر، وزعمت أنّ أباك أبان، وإنما هو أبي. وقال لزياد ابن عمرو: يا ابن الكرماني أزعمت
أنك من الأزد، وأنت دهقان ابن علج، قطع أبوك على خشبة من كرمان إلى عمان، وشتم القوم، وعم
الأحنف بن قيس، وصعصعة بن معاوية، وأبا حاضر الأسيدي، وصفوان بن الأهتم، وعمرو بن
اصمع، وعبد العزيز بن بشر، جدّ نميلة بن مرة. فقال الفرزدق فيمن لحق بخالد من بني تميم، وخلع
بن
(3/873)

الزبير:
عَجِبْتُ لاقوامٍ تمَيمٌ أبوهُمُ ... وهمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَباركِ
وكانوا رُؤوسَ الناس قبلَ مَسيرِهمْ ... معَ الأزْد مُصفراً لحاها ومالِكَ
ونحنُ نفينا مالكاً عن بلادنا ... ونحنُ فقأنا عينهُ بالنيازكِ
أبا حاضرِ إنْ تَلْقَهُ الخيلُ تَلْقَهُ ... على لاحِق إبزيمُهُ بالسّنابِكِ
الإبزيم حلقة الحزام، أي من شدة جريه تضرب حوافره بطنه.
فما ظَنّكمْ بابن الحَواريّ مُصعَب ... إذا افْترّ عن أنيابهِ غير ضاحِكِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما سَيرّتْ جاراً لها مِنْ مخَافَة ... إذا حَلّ مِنْ بَكر رُءوسَ الغَلاصمِ
بِأيّ رشاء يا جريرُ وماتِح ... تَدَلّيْتُ في حَوماتِ تلكَ القَماقمِ
قال: الحومة مجمع الماء وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأكثرع قتلا. قال: والقماقم
البحور شبّه السادة بالبحور، قال: والرشاء حبل البئر.
ومالَكَ بيتُ الزّبرقان وظلّهُ ... ومالَكَ بيتٌ عندَ قيسِ بن عاصمِ
قال: يريد قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد. قال: والزبرقان لقب لقب به، واسمه
حصين بن بدر بن امرئ القيس بن خالد بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم،
قال: ولقيس بن عاصم يقول زيد الخيل:
(3/874)

ألا هَلْ أتى غَوثاً ومازنَ أنني ... حَللتُ إلى البيضِ الطوالِ السواعدِ
إلى الواخِدِ الوهّابِ قيسِ بنَ عاصِم ... لهُ قادحا زَندي سنانِ بن خالدِ
ولكن بَدا للذْلّ رأسُكَ قاعداً ... بِقَرقرة بينْ الجداء التّوائم
قوله بقرقرة، هي القاع المستوي من الأرض. وقوله بين الجداء التوائم، يريد التل تلد اثنين في
بطن.
تَلوذُ بأحقِي نهشل مِنْ مجُاشِع ... عياذَ ذَليل عارفاً للمظالمِ
ويروى عارف. وقوله عارفا نصب عارفا على الحال، ويكون على الاستغناء، ويكون على أنه
خارج من الحال. قال: والعارف المقر. يقول أنت مظلوم لا تقدر على أن تنتضر.
قال أبو عثمان: وخبرّنا أبو عبيدة، قال: وزعم خالد بن جبلة وسعيد ابن خالد أن فيها قوله:
ولا نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُهمْ ... إذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِم
فهل ضربَةُ الرُوميّ جاعلةٌ لكمْ ... أباً عن كليب أو أباً مثلَ دارم
فإنكَ كَلْبٌ من كُليب لكَلبَة ... غَذَتْكَ كليب في خَبيثِ المَطاعِم
وليسَ كليبيّ إذا جَنّ لَيلهُ ... إذا لم يجد ريحَ الأتانَ بِنائِم
يقولُ إذا أقلو لى عليها وأقردَتْ ... ألا هل أخو عيشِ لذيذ بدائم
يُعَلقُ لمّا أعجبتهُ أتانُهُ ... بأرآد لحييها حِيادَ الكَمائِم
فأجابه جرير فقال:
لا خيرْ في مُستعجلاتِ المَلاومِ ... ولا في خليل وصلُه غير دائم
(3/875)

قوله الملاوم واحدها ملامة. قال: والمعنى في ذلك، يقول لا خير في العجلة باللوم حتى تتثبت فتعلم
على ما تلوم صاحبك، فلعلك تلومه وأنت له ظالم.
ولا خيرَ في مالٍ عليهِ أليّةٌ ... ولا في يمينٍ غيرَ ذاتِ مخَارِم
قوله ألية يعني يميناً. وقوله مخارم، يعني جمع مخرم وهو طريق يمضي فيه التحليل والاستثناء.
قال: والمعنى في ذلك يقول لا تحلف يميناً ليس لك فيها مخرج ولا خير.
تَركتُ الصّبا مِنْ خَشيَة أنْ يهيجَي ... بِتُوضِحَ رَسمُ المَنزلِ المُتقادِمِ
وقالَ صِحابِي ما لَهُ قُلتُ حاجَة ... تهَيجُ صُدوعَ القَلبِ بينَ الحَيازِمِ
قوله الحيازم، قال: الحيزوم الصدر وما حوله.
تقولُ لنا سَلمَى مَنِ القَوم إذْ رأتْ ... وُجوهاً كِراماً لُوّحَتْ بالسِمائِم
قوله لوّحت، يعني تغيّرا واسودّت من الرحلة في طلب المعالي، والوفادة إلى الملوك فقد غيّرها ذلك.
وقوله وجوهاً عِتاقاً يعني حساناً رقاقاً.
لقدْ لُمتنا يا أمّ غَيْلانَ في السرى ... ونِمْتِ وما ليلُ المَطيّ بنائِم
يريد ما المطي بنائم ليله كلّه في طلب العلى. أم غيلان يعني ابنته. يقول لابنته لا تلومينا في السرى
في ليلتنا ونهارنا.
وأرفَعُ صَدرَ العَنْسِ وهي شِمِلّةٌ ... إذا ما السرى مالَتْ بَلوثِ العَمائم
قوله أرفع صدر العنس يريد في السير، وهي شملة، يقول وهي خفيفة، يريد هذه الناقة التي نسير
عليها، يقول وإن كانت خفيفة فأنا
(3/876)

أرفع في السير صدرها، وإن كانت خفيفة في سيرها. وقوله مالت
بلوث العمائم، يقول: إذا نعس أصحابي وهم يسيرون، ففسد لوث عائمهم، قال: واللوث لف العمامة
على رءوسهم، يقول فإذا كان ذلك رفعت أنا في السير لجلدي، ودلالتي، وطول مقاساتي لذلك. قال
أبو عبد الله: يقال لاث العمامة يلوثها إذا لفها غير متعمل لإصلاحها، فإذا تعمّل لإصلاحها، قيل
رصفها، قال ابن الأعرابي: فإذا تغصّب بها، قيل اقتعطها، فإذا جعلها تحت حلقه قيل التحاها. قال أبو
عبد الله: حكي عن خالد بن عبد الله الصريفيني: ما استوت عمامة عاقل قط.
بأغْبرَ خَفّاقٍ كأنّ قَتامَهُ ... دُخانُ الغَضا يَعلُو فُروجَ المَخارِم
قوله بأغبر خفّاق، يقول: نحن نسير ببلد خفّاق بالسراب. وقتامه غبرته. قال: والمخارم منقطع
الطريق في الجبال، واحدها مخرم، يقول فسيرنا في مثل هذه الأرض.
إذا العُفرُ لاذتْ بالكِناسِ وهَجّجَتْ ... عُيونُ المُهارى مِنْ أجيج السّمائِم
العفر الظباء تعلوها حمرة. وقوله لاذت يقول دخلت العُفر تحت ظل شجرة، وإنما تفعل ذلك من شدة
الحر، قال: ولوذ كل شيء ناحيته، وقوله وهجّجت، يريد غارت عيون هذه المهارى، وهي إبل كرام
نسبها إلى مهرة، وهم قوم من العرب معروفون بنتاج كريم، يقول: فغارت عيون هذه الإبل، ورجعت
إلى الرءوس من الجهد والعطش والتعب.
وإنّ سَوادَ الليلِ لا يستَفزُني ... ولا الجاعلاتُ العاجَ فوقَ المَعاصِم
قوله لا يستفزني، يقول: لا يستخفني سواد الليل ولا يهولني. قال: والعاج الذبل، قال: والمعنى في
ذلك، يقول: إذا رأيت سواد الليل لم أهبه، ثم قال: ومع هذا لا يستخفني الغزل أيضاً ولا الصبا،
(3/877)

فأتحبّس عليه ولا يحبسني ذلك من تزيّن النساء.
ظَلِلْنا بِمُسْتَنّ الحَرورِ كأننا ... لدى فَرسٍ مُستقبلِ الريحِ صائِم
قوله ظَللنا بمُستن الحرور، قال: مُستن الحرور كجرى الريح الحارة. وقوله صائم، يهني قائماً لدى
فرس، يريد عند فرس، يعني بيتاً بناه من برود وغيرها من الثياب يُستظل به.
أغرّ مِنَ البُلقِ العِتاقِ يَشُفُهُ ... أذى البَقّ إلا ما احتمى بالقوائِم
قواله أغرّ، يقول: هذا الفرس في وجهه غرة، وهي البياض.
وظَلّتْ قَراقيرُ الفَلاةِ مُناخَةً ... بأكوارِها مَعكوسةً بالخَزائِم
قوله وظلّت قراقير الفلاة مناخة، يعني الأبل، وشبهها بالقراقير، وهي السفن الكبار، فهي تسير في
البر بما عليها كما تسير السفن الموقرة في الماء. وقوله بأكوارها، يريد أداتها أي وعليها أكوارها لم
تخط عنها. وقوله معكوسة بالخزائم، والعكاس أن يُعلّق الحبل في عنق البعير، ثم على أنفه ثم يشد
إلى فوق ركبتيه من ذراعه فيصار - يعني يمال - البعير، فلا يقدر أن يتحرك.
أنخنَ لتَغْويرٍ وقدْ وقَدَ الحَصَى ... وذابَ لُعابُ الشمسِ فوقَ الجَماجِمِ
قال: التغوير الاستراحة نصف النهار، وهو مثل التعريس في آخر الليل. قال: ولعاب الشمس شدة
حرها، وتوقدها، والتهابها، وهو أشد وقت الحر.
ومنقوشَة نقشَ الدنانيرِ عُوليَتْ ... على عَجل فوقَ العِتاقِ العَياهِم
قوله ومنقوشة، يعني رحالاً تعمل باليمن ينقشونها ويحسنون عملها. وقوله فوق العتاق العياهم، هي
ضخام الإبل.
(3/878)

بَنَتْ ليَ يَربوعُ على الشّرفِ العُلى ... دَعائِم فوقَ ذَرعِ الدّعائمِ
قال الدعائم، دعائم البيت، وإنما ضربه مثلا للشرف. ويروى فوق كل الدعائم، يقول فشرفي يعلو
كل شرف.
فمنْ يستجرنا لا يخَفْ بعدَ عَقدنا ... ومَنْ لا يُصالحْنا يَبِتْ غير نائِمِ
بَني القَين إنّا لن يفوتَ عَدونَا ... بِوترٍ ولا نُعطيهِم بالخَزائِم
ويروى ولا نعطي حذار الجرائم.
وأنيَ مِنَ القومِ الذينَ تَعُدُهُمْ ... تميمٌ حمُاةَ المأزِق المُتلاحِمِ
المأزق معترك الخيل. والمتلاحم المتضايق. التحم بعضهم ببعض.
ترى الصيدَ حولي مِنْ عُبيد وجَعفر ... بُناةً لِعادِيّ رفيع الدعائِم
ويروى دوني. وقوله ترى الصيد هم الأشراف الكرام. وقوله من عبيد وجعفر، يعني عبيد بن ثعلبة
بن يربوع. وعادي قديم.
تَشَمّسُ يربوعٌ ورائيَ بالقَنا ... وتُلقَى حِبالي عُرضَةً للمُراجِم
قوله تشمّس يربوع، يريد تمتنع وتمنعني من ورائي بالقنا. وقوله عرضة، يقول هي قوية على
فعلها. وقوله للمراجم، يريد للمتقاذف، يقال من ذلك راجم فلان فلاناً إذا قاذفه. فقال له ورد عليه.
إذا خَطر حولي رياحُ تَضَمَّنَتْ ... بفوزِ المعالي والثّأى المُتَفاقِم
خطرت ترفع الرماح وتخفضها للطعن، كما يخطر الفحل بذنبه، وهو أن يتبختر في مشيته، وقوله
رياح يريد رياح بن يربوع، المعالي من
(3/879)

الأمور واحدتها معلاة. والباء في قوله بفوز المعالي مقحمة، وأنشد في المعلاة للعجاج:
سامٍ إلى المَعلاة غير حَنبَل
قال: والمعالي جمع المُعلى من السهام، وهو أعلاها كلها، وأوّلها خُروجاً إذا ضرُب بها. قال والثأي
الفتق، والمتفاقم يريد الشديد.
وإنْ حَلّ بيتي في رَقاشِ وَجَدْتني ... إلى تُدْرَء مِنْ حَومِ عِزّ قُماقِم
قوله في رقاش، هي رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد مناة ابن تميم، قال وهي أم كليب
وغدانة ابني يربوع، قال: وقد ولدت لدارم بن مالك نهشلاً وجريراً، وجرير هو فقيم بن دارم -
وقوله إلى تُدرء، يعني إلى دافع يدفع عني. قال: وإنما هو تُفعلُ من درأت، يعني دفعت والتاء زائدة
فيه. قال الراجز في مثل ذلك:
كَمْ ليَ مِنْ ذي تُدْرَء مِذبّ ... يَغْرفُ مِنْ ذي حَدَبٍ لا يُؤبيِ
قوله لا يؤبي، يقول لا ينفد.
وقوله من حوم، حوم الماء كثرته ومعظمه، وإنما يريد به العز والشرف. وقوله قماقم، يعني بحراً
عظيماً كثير الماء. قال: وإنما يريد كثرة العدد، فضربه مثلا للشرف.
رأيتُ قُرومي مِنْ قُرَيبةَ أو طأوا ... حمِاكَ وخيلي تَدعِي يالَ عاصِم
قوله قرومي، قال: القرم فحل الإبل، ثم نُقل فصار في الرجال، فقالو قرم القوم، أي سيدهم المعتمد
عليه، وأصل القرم في الإبل. وقوله من قريبة، قال: قريبة من بني طُهية، وهي أم أزنم بن عبيد،
وأما عاصم
(3/880)

بن عبيد، فأمه الضعيفة بنت ثوب بن عبد الله، من بني عبد الله بن غطفان.
وإنّ لِيربوعِ مِنَ العِزّ باذِخاً ... بعيدَ السّواقي خِندِفّي المَخارِمِ
قوله بعيد السواقي، يعني أن له عروقاً تسقيه من هاهنا وهاهنا. قال: والعرب تقول فلان كريم تسقيه
عروق كرام، وقال: رجل من بني سعد يقال له مزرّد بن عوف:
فلما التقيتا بالرماح عَلمْتُمُ ... بِأنّ لَنا مِنَ الطّعان سَواقيا
أخذْنا يزيداً وأبنَ كَبشَةَ عَنْوَةً ... وما لم تَنالوا مِنْ لهُانا العَظائِم
قوله من لهانا، قال اللهوة القُبضة من الطعام تُلقى في الرحا وغيرها. وإنما ضربه مثلاً للعز
والمنعة.
ونحنُ اغْتَصبنا الحَضرميّ بنَ عامِر ... ومَروانُ مِن أنفالنا في المقاسِمِ
قال: والحضرمي ابن عامر الأسدي، أسره أسيد بن حنّاءة السليطي، ومروان بن زنباع العبسي،
أسرته بنو حميري بن رياح يوم الصرائم. قال: وقد كتبنا حديثه.
ونحنُ تداركْنا بَحيراً ورَهْطَهُ ... ونحنُ مَنَعنا السّبيَ يومَ الأراقِمِ
يعني بحير بن عبد الله القشيري، وقد كتبنا حديثه ومقتله. قال: ومن روى ونحن تداركنا ابن حصن
ورهطه، فإنما يعني عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر، وبني مرة بن عؤف بن سعد بن ذبيان،
أغاروا على التيم، فأصابوا سبيهم، فطلبتهم بنو يربوع، فأدركوهم على حقيل - وحقيل جبل -
فقاتلوهم قتلاً شديداً، واستنفذوا منهم سبي التيم،
(3/881)

وهزموهم، ففي ذلك يقول جرير:
تَدارَكنا عُيَيْنَةَ وابنَ شَمخِ ... وقَدْ مروا بِهنّ علىَ حَقيل
فردّ المُرْدَفاتِ بناتِ تَيمٍ ... ليربوع فَوارِسُ غير ميلِ
قوله ابن شمخ، هو مالك بن حمار بن حزن بن خشين بن لأي بن شمخ، ويقال إنهم من بني جشم
بن معاوية بن بكر. قال مالك بن حمار يوم بُسيان:
ويلُ أمّ قومٍ صَبَحناهُمْ مُسَوّمَةً ... بَينْ الأبارِقِ مِنْ بُسيانَ فالأكَمِ
بسيان والأكم موضعان.
الأقرَبينَ فلمْ تنفَعْ قَرابَتُهُمْ ... والمُوجَعينَ فلمْ يُشفَوا مِنَ الألمِ
طَعَنْتُ بالرمحِ جَسّاساً وقلتُ لهْ ... إني أمرؤ كانَ أصلي مِنْ بني جُشَم
قوله جساساً، يعني جساسا بن مُدلج أخا شيطان بن مُدلج. قال: وكان من فرسانهم. قال: وفرس
شيطان خميرة، وفيها يقول:
جاءتْ بما تَزْبي الدّهَيمُ لأهلها ... خمُيرةُ أو مسرى خمُيرةَ أشأمُ
وبَينا أرَجّي أنْ تَؤوبَ بَمَغْنَم ... أتتني بألفي فارسٍ مُتَلَئّمِ
قال: وذلك أن خميرة كانت وديقاً، ومر جيش لبني أسد، فاستروحت ريح الحصن، فأقبلت نحوها،
فطردها الجيش، فأقبلت إلى أهلها، قال: فأوقعوا بهم. وقوله تزبي، يعني تجلب، يقال من ذلك زبى
الأمر إذا جلبه. قال جرير للتيم:
أتهجُونَ يَربوعاً وقدْ رَدّ سَبْيَكمْ ... فَوارِسُنا والبِيضُ يُلوينَ بالخُمر
(3/882)

خَدَمْنَ بَني غَيظ بنِ مُرّةَ بعدَ ما ... سقَين النّدامَى مِنْ سرَاةِ بني بَدر
إذا ما أستبَوا خمراً نَقَلْتُمْ زِقاقَها ... إليهمْ ولا يَسقُونَ تَيماً مِنَ الخَمرِ
ويروى إذا استبأوا خمرا. ويروى زقاقهم. وأما قوله: ونحن منعنا السبي يوم الأراقم، يعني به يوم
إراب، وقد مر حديثه فيما أمليناه.
ونَحْن صَدَعنا هامةَ ابن خويلد ... على حيثُ تَسْتَسقيهِ أم الجَواثِمِ
قوله ابن خويلد، هو يزيد بن عمرو بن الصعق، وهو خويلد بن نُفيل ابن عمرو بن كلاب. قال:
وذلك أنه أسره أنيف بن الحارث بن حصبة ابن أزنم بن عبيد بن ثعلية بن يربوع، بعد ضربة
بالسيف على رأسه أمّتهُ في يوم ذي نجب، وقد مر حديثه فيما أمليناه. وقوله أم الجواثم يعني الهامة.
قال: والجواثم الدماغ، وإنما يريد قول ذي الإصبع العدواني:
إنّكَ إلا تَدَعْ شَتْمي ومَنْقَصَتي ... أضرْبكَ حيثُ تقولُ الهامةُ أسقوني
قال: وجثوم الفرخ وقوعه وتَمكّنه على الأرض.
ونحنُ تَداركْنا المَجَبّةَ بعدَما ... تجاهَدَ جَريُ المُبقياتِ الصّلادِمِ
قال: يريد المجبّة بن الحارث من بني أبي ربيعة، قتله المنهال بن عصمة، أخو بني حميري بن
رياح في يوم عين التمر. قال: والمنهال ابن عصمة، هو الذي يقول فيه متمم بن نويرة:
لقدْ كفّنَ المِنهالُ تحتَ رِدائِه ... فتىً غير مِبطانِ العَشيَاتِ أروَعا
(3/883)

وقوله جريُ المبقيات، يريد التي فيها بقية جري. قال: والصلادم من الخيل الشداد.
ونحنُ ضربنا هامَةَ ابنِ محُرّقٍ ... كذلكَ نَعصَى بالسيوفِ الصّوارِمِ
قوله هامة ابن محرق، قال: هو قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر، أسره طارق بن حصبة بن
أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، ثم مَنّوا عليه وجزّوا ناصيته، وأطلقوه، وقد مرّ حديث فيما أمليناه.
وقوله نعصى بالسيوف، يقول نضرب بها كما نضرب بالعصي، نتخذ السيوف عصيا لا نضرب إلا
بها.
ونحنُ ضربنا جارَ بَيْبَةَ فانتهى ... إلى خَسْفِ محكوم لهُ الضّيْمُ راغِمِ
قوله جار بيبة، يعني الصمة بن الحارث أبا دريد الجشمي، قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم، وهو أسير
الحارث بن بيبة المجاشعي، وفي جواره وقد مر حديثه.
فوارِسُ أبلَوا في جُعادَةَ مَصدَقا ... وأبكَوا عُيوناً بالدموع السّواحِم
قوله أبلوا في جعادة، قال: هو الجعد بن الشماخ بن شوذب بن عامر ابن صُدي بن مالك بن حنظلة
بن مالك بن زيد مناة.
عَلَوتُ عليكُمْ بالفُروع وتَستَقِي ... دِلائيَ مِنْ حَومِ البِحارِ الخَضارمِ
قال: فرع كل شيء أعلاه، يقول: فأنا أعلو عليكم في شرفي وعزّ قومي. ثم قال: وتستقي دلائي،
قال: والحوم كثرة الماء ومعظمه. قال: والخضارم السادة والخضرم البحر. قال الأصمعي: وإنما
شبّهوا الرجال من السادة بالبحور.
مَدَدنا رِشاء لا يُمَدُ لرِيبَة ... ولا غَدْوَة في السالفِ المتُقادِمِ
الرشاء الحبل، وإنما ضربه مثلا للشرف والعز. يقول: ليس لأحد من
(3/884)

الشرف والعز مالي.
تَعالَوا نُحاكمْكُمْ وفي الحقّ مَقْنَعٌ ... إلى الغُرّ مِنْ آلِ البِطاح الأكارِمِ
تقول هم آل فلان، وأهل بلد كذا. ويدخل أهل على آل، ولا يدخل آل في موضع أهل.
فإن قُريشَ الحَقّ لَنْ تَتبعَ الهوى ... ولنْ يقبَلوا في الله لَومَةَ لائمِ
فإنيّ لَراضٍ عبدَ شَمسٍ وما قَضتْ ... وراضٍ بَحُكم الصيدِ مِنْ آلِ هاشِم
وراضٍ بَني تَيم بن مُرّة إنهمْ ... قُرومُ تَسامى للعُلى والمَكارمِ
وأرضَى المُغيريّينَ في الحُكم إنهمْ ... بُحورٌ وأخوال البُحورِ القَماقِم
وراضٍ بحُكم الحَيّ بَكر بن وائِل ... إذا كانَ في الذُهلَين أو في الهّازمِ
قال: الذهلان شيبان بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة. قال وإليهم تحلّفت الذهلان. قال: وبهم سموا: وهم
شيبان وذهل، ويشكر، وضبيعة ابن ربيعة. هذه الأربع القبائل الذهلان. واللهازم: بنو قيس، وتيم
اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وبيت شيبان في بني مرة بن
ذهل.
فإن شئتَ كانَ اليَشكُريَونَ بَيننا ... بحُكم كَريمٍ بالفَريضَة عالمِ
نُذَكّرُهُمْ بالله مَنْ يُنهلُ القَنا ... ويَفرجُ ضيقَ المَأزق المُتلاحم
ويروى نذكركم. كأنهم قد اجتمعوا فهو يخاطبهم.
ومَنْ يضربُ الجبارَ والخيلُ ترتقي ... أعنّتُها في ساطع النّقْع قاتمِ
ومَنْ يُدرِكُ المُستردَفات عَشيّة ... إذا ولهَتْ عُوذُ النساء الروائِم
أرَدْنا غَداةَ الغبّ ألا تَلومَنا ... تميمٌ وحاذَرْنا حديثَ المواسِم
وكُنتمْ لنَا الأتباعَ في كلّ مُعظَم ... وريشُ الذُنابي تابعٌ للقوادِمِ
وما زادني بُعدُ المدى نَقضَ مرّة ... وما رَقّ عظمى للضرّوسِ العَواجِم
(3/885)

قوله للضروس العواجم، يريد العواض.
تَراني إذا ما الناسُ عَدّوا قديمَهُمْ ... وفَضلَ المَساعِي مُسْفراً غيرَ واجِم
قوله غير واجم غير ساكت. يقول: أبسط لساني في ذكر مساعي قومي، وأفخر بأيامهم.
وإنْ عُدّت الأيامُ أخزيتَ دارماً ... وتخزيك يا ابنَ القَين أيامُ دارمِ
فخَرْتُ بأيام الفوارس فافْخَروا ... بأيامِ قَينَيكُمْ جُبيرٍ وداسم
بأيام قَوم ما لقومكَ مثلُها ... بِها سَهّوا عني خَبارَ الجَراثمِ
قال: الحبار، حجرة الفأر وما أشبهها. قال: والجرائم، ما يجتمع في أصول الشجر من التراب، ومنه
يقال: إن فلاناً في جرثومة من قومه، وذلك إذا كان في عز ومنعة.
أقينْ بنَ قَين لا يَسرُ نساءنا ... بذي نَجَب أنّا أدّعَينا لدارمِ
قال: وقد مرّ حديث ذي نجب، وقد أمليناه.
وَفينا كما أدّتْ ربيعةُ خالداً ... إلى قومهِ حرباً وإنْ لم يُسالِ
يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وقد مر حديثه فيما أمليناه فيما
مضى من الكتاب. ويروى ولما يُسالم.
هو القين وابن القين لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
وفَي مالكُ للجارِ لمّا تحَدّبَتْ ... عليهِ الذُرى من وائل والغَلاصِم
قوله وفي مالك، يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عباد بن قلع بن جحدر، وقد مر حديثه
فيما أمليناه.
ألا إنما كانَ الفرزدقُ ثعلباً ... ضَغا وهوَ في أشداقِ ليثٍ ضُبارمِ
قوله ليث ضبارم، وهو الأسد الشديد الغليظ، يشبه الرجل به، وذلك إذا كان ذا بأس ونجدة.
(3/886)

لقدْ ولَدَتْ أمُ الفرزدقُ فاسقاً ... وجاءتْ بِوَزْواز قصير القوائمِ
الوزواز الكثير النزوان والتحرك، نسبه إلى الطيش والخفة.
جَريتَ بعِرْقٍ مِن قُفَيرةَ مُقرفٍ ... وكَبوةِ عرق في شَظى غير سالمِ
قوله بعرق من قفيرة، قال قفيرة جدّة الفرزدق.
إذا قيلَ مَنْ أمُ الفرزدقِ بَيّنَتْ ... قُفيرةُ منهُ في القفا واللهازِم
قال الأصمعي: قفيرة جدة الفرزدق، وهي أم صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: وكانت سبية من
قُضاعة، سباها سلمى بن جندل يوم الحرجات، فلذلك قال من قِنّ لسلمى بن جندل.
قُفيرةُ مِنْ قِنّ لسلمى بنِ جَندَل ... أبوكَ ابْنُها وابنُ الإماء الخَوادِمِ
وأورثكَ القَينُ العَلاةَ ومرجَلاً ... وإصلاحَ أخرْاتِ الفؤوسِ الكَرازمِ
قوله الكرازم واحدها كرزم، وهي الكرزان أيضاً، وقال قيس بن زهير:
فقلت جعلتْ أكبادُنا تجتويكُمُ ... كما تجتوي سوقُ العضاه الكرازنا
والكرزم والكرزن واحد، وهي الفأس لها رأسان.
وأورثنا آباؤنا مَشرفيّة ... تمُيتُ بأيدينا فُروخَ الجَماجمِ
أتحلُم بالقتلى هُبير بنَ ضَمْضَم ... إذا نمتَ أير في أست أمّ الضّماضِم
لقدْ جنَحَتْ بالسلمِ خرِبانُ مالكٍ ... وتَعلَمُ يا ابنَ القَينِ أن لمْ أسالمِ
قال: وذلك أن هبيرة بن ضمضم المجاشعي، بات ليلة، ثم أصبح فقال: إني رأيتني الليلة قتلت عوف
بن القعقاع بن معبد بن زرارة،
(3/887)

قال: وكان عوف قتل ابن أخيه مزاد بن الأقعس بن ضمضم. وقد مر
حديثه وأمليناه فيما مضى من الكتاب، من قتل عوف مزاداً، وقصة هبيرة. قال: فقعد الأقعس بن
ضمضم لعوف بسهم، فخرج عوف من الليل يبول، فرماه الأقعس بسهم، فأصاب رجله فأسواه -
يقول لم يصب المقتل، يقال من ذلك قد رُمىَ فأشوى، وذلك إذا رُمي فمر السهم بين شواه. والشوى
القوائم - ففي ذلك يقول الفرزدق:
حَسبْتَ أبا قيس حمارَ شريعَة ... قَعَدْتَ لهُ والصبحُ قدْ لاحَ حاجِبُه
فلو كنتَ بالمَعلوبِ سيف ابنِ ظالمِ ... ضرَبتَ لزارَتْ قبرَ عَوف قَرائِبُهْ
ولكنْ رأيتَ النبلَ أهونَ فُوقَةٌ ... عليكَ فقدْ أودى دمٌ أنتَ طالبُهْ
قال: والمضماضم، هبيرة بن ضمضم، وأهل بيته.
وقال الفرزدق:
حَلفْتُ بِرَبّ مَكةَ والمُصَلىّ ... وأعناقِ الهَدِيّ مُقَلّدات
قوله المصلى، يريد المسجد. وقوله مقلدات، يريد الهدي مقلدة بالنعال. قال الأصمعي وذلك لأن البدنة
تُقلد، ليعلم أنها هدية إلى بيت الله الحرام.
لقدْ قلّدْتُ جِلْفَ بَني كُلَيب ... قلائدَ في السّوالفِ باقِياتِ
ويروى خلف. قال: والجلف الجبان، النخب، الجوف، الجافي، الذي لا فؤاد له. قال الأصمعي:
الجلف الدن الفارغ، قال: والمسلوخ أيضاً إذا أخرج بطنه، يقال له جلف أيضاً.
(3/888)

قال: والسوالف صفاح الأعناق، الواحدة سالفة، والسالفة عرض العنق من جانبيه.
قلائدَ ليسَ منْ ذهب ولكنْ ... مَواسمَ منْ جَهنم مُنْضِجاتِ
فكيفَ ترى عَطيّة حينَ يَلقَى ... عِظاماً هامُهُنّ قُراسِياتِ
يريد حين يلقى فحولاً عظاماً هاماتهن. قال: والقراسيات الضخام من الإبل التامات الأسنان.
قُروماً مِنْ بَني سفيان صِيداً ... طوالاتِ الشّقاشِقِ مُصْعَباتِ
قال: القروم المصعبات، والمصاعب، والمقرمات، كلها بمعنى واحد، قال: وهي الفحول التي لم
يصبها حبل، قال: وقوله صيداً، يريد متكبرين، رجع إلى المعنى في الرجال، يريد يميلون رءوسهم
للكبر.
قال الأصمعي. وأصل الصيد، عيب في الإبل، وذلك أنه يأخذ الإبل في رءوسها، فيرم ما حول
أنوفها، وتسيل أنوفها، فتميل لذلك في رءوسها، فيقال حينئذ للبعير قد صيد، فهو يصيد صيدا شديداً
وصاداً. قال: وكذلك كل ما كان خلقة، خرج على الأصل، وذلك مثل قولهم: حول الرجل يحول،
وعور الرجل يعور عوراً، وجيد يجيد جيداً، وذلك إذا طالت عنقه فاستدقت من أعلاها. قال: وقال
بعضهم عارت العين فهي تعار. وقال ابن أحمر:
وسائِلَةٍ بظهرِ الغيبِ عني ... أعارت عَينهُ أمْ لمْ تَعارا
قال: ومثل للعرب في الرجل الذي يُذنب ثم يرجع عليه عيبه. كالكلب عاره ظفره. قال: والمعنى في
ذلك، يقول فقأ الكلب عين نفسه بظفره، كالذي يجني على نفسه، قال: يضرب ذلك مثلاً للرجل، يُذنب
(3/889)

الذنب فترجع عليه بليته. قال: فشُبّه المتكبرون من الرجال بالصيد من الإبل، وذلك أن البعير إذا
أصابه ذلك، رفع رأسه للداء الذي أصابه. فشُبه المتكبر من الرجال بذلك، لأنه يرفع رأسه كأنه شمخ
بأنفه، وسفيان الذي ذكره جد الفرزدق سفيان بن مجاشع.
ترى أعناقَهُنّ وهُنّ صَيدُ ... على أعناقِ قَومكَ سامياتِ
ساميات يعني مُشرفات. قال: وإنما يريد بني سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك.
فرُمْ بِيَدَيكَ هَلْ تَسطيعُ نقلا ... جِبالاً مِنْ تهِامَةَ راسِياتِ
قوله راسيات، يريد ثابتات، يقال من ذلك رسا يرسو رُسُوا ورَسْوا، وذلك إذا ثبت.
أبْصرْ كيفَ تَنبُو بالأعادِي ... مَناكِبُها إذا قُرِعَتْ صَفاتي
يريد وأبصر كيف تنبو بالأعادي صفاتي، إذا قُرعت مناكبها، فقدّم وأخّر. مناكبها نواحيها، تنبو عنها
المعاول فلا تؤثر فيها، وذلك لصلابتها، وإنما هذا مثلٌ ضربة لأصلهم وعزّهم.
وإنكَ واجِدٌ دوني صَعوداً ... جَراثيمَ الأقارِع والحُتاتِ
ويروى فإنك. يريد فرُمهم بيدك، فإنك واجد. والأقارع يريد الأقرع وفراساً ابني حابس. والحتات بن
يزيد بن عامر بن علقمة بن حوي ابن سفيان بن مجاشع. قال أبو عبيدة: واسم الحتات بشر. قال
والحتات نبز - وهو اللقب.
ولستَ بِنائِل بِبَني كُلَيب ... أرومَتَنا إلى يومِ المَماتِ
(3/890)

الأرومة بضم الهمزة لبني تميم، وسائر الناس يفتحها. والأرومة الأصل.
وجدتُ لدارِمِ قومي بُيوتاً ... على بُنيان قَومكَ قاهراتِ
دُعِمْنَ بِحاجَب وابني عِقال ... وبالقَعقاعِ تَيّارِ الفُراتِ
يعني حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، قال: والقعقاع بن معبد بن زرارة،
كان يقال له تيار الفرات من سخائه، والتيار الموج. وابنا عقال، هما ناجية وحابس ابن عقال بن
محمد بن سفيان.
وصَعْصعةَ المُجيرِ على المَنايا ... بِذِمّتهِ وفَكّاكِ العُناة
يريد صعصعة بن ناجية بن عقال.
وصاحِبِ صَوأر وأبي شُريَح ... وسلمى مِنْ دَعائمَ ثابتاتِ
قوله وصاحب صوأر، يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق. وقد مر حديث صوأر فيما أمليناه.
قال: وأبو شريح عمرو بن عمرو بن عدس ابن زيد بن عبد الله دارم. قال: وسلمى بن جندل بن
نهشل. قال: والدعائم، دعائم البيت، وإنما أراد الشرف، والقديم من عز آبائه، فضربه مثلا للدعائم.
بَناها الأقرعُ الباني المعالي ... وهَوْذَةُ في شوامخَ باذِخاتِ
يريد الأقرع بن حابس، ومرّة بن سفيان بن مجاشع. وقوله بواذخ، البواذخ الجبال العالية المتحلقه
في السماء. وإنما أراد الشرف والمجد. وهوذة من بني نهشل بن دارم.
(3/891)

والشامخات المشرفات. قال: وهو من قول العرب: لقد شمخ فلان بأنفه، وذلك إذا تعظم وتكبر.
لَقيطٌ مِنْ دَعائمِها ومنْهُمْ ... زُرارَةُ ذو النّدَى والمَكْرُمات
قال: يريد لقيط بن زرارة، وزرارة بن عدس.
وبالعَمْرَين والضّمْرَين نَبني ... دَعائمَ مجدُهُنّ مُشَيّداتِ
ويروى دعائم مجدهن مشيدات، وهي الرواية الصحيحة بنصب المجد، وبكسر ياء مشيدات. قال:
وقوله وبالعمرين، وهما عمرو وعامر ابنا قطن بن نهشل. قال والضمران ضمرة بن ضمرة من بني
نهشل. يقول نبني دعائم مشيدات مجدهن.
دَعائِمُها أولاكَ وهُمْ بَنوْها ... فمَنْ مِثلُ الدعائِم والبناة
قوله أولاك، يقول أوّلونا من آبائنا بنوا لنا هذا المجد.
أولاكَ، لِدارِم وبَنات عَوْفٍ ... لِخَيراتٍ وأكرَمِ أمّهاتِ
قال الأصمعي: وبنات عوف، يعني تماضر بنت عوف أم الأحجار، وهم: جندل، وجرول، وصخر،
بنو نهشل. قال: وشراف بنت عوف أم سفيان بن مجاشع، وعمرو وهو القداح، ومرثد وهو الأبيض،
والنعمان بن مجاشع. وتماضر بنت علباء بن عوف بن كعب ولدت لسفيان بن مجاشع، محمداً،
ومرة، وحوباً وأنساً. وليلى بنت زنباع بن أحيمر بن بهدلة بن عوف، ولدت لعدس بن زيد بن عبد
الله بن دارم عمراً، وبشراً، وشراحيل.
جَزِعتَ إلى هِجاء بني نُميرْ ... وخَلّيتَ أستَ أمّكَ للرُماةِ
فأبصرِني وأمكَ حينَ أرمي ... مَشّقَ عِجانِها بالنّاقِراتِ
(3/892)

قال: الناقرات يريد الصائبات، يعني المقرطسات.
وتمسي نِسوَةٌ لبَني كُلَيب ... بأفواهِ الأزقّوِ مُقْعياتِ
ويروى تبيتُ نسيّة لبني كليب. قال: والمقعي القاعد على أسته كما يقعي الكلب.
زَوايا سِكّة نَنَتَتْ حَديثاً ... بأخْبَثِ نَبْتَة شرّ النباتِ
ويروى زواني سكة. ويروى بأخبث منبت. ويروى منزل.
بأحراج خَبيثات المَلاقِي ... شَمطْنَ وهُنّ غيرُ مخُتّنانِ
يَبعْنَ فُروجَهُنّ بكُلّ فَلْسٍ ... كَبيعِ السوقِ خُذ مني وهاتِ
تخالُ بُظورَهُنّ إذا أنيختْ ... على رُكَباتهِنّ مخُوّباتِ
أيورَ الخيلِ قَدْ سَقطتْ خُصاها ... بأطرافِ المَفاوزِ لاغباتِ
قوله لاعبات يعني معيبات، وهو من قوله الله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.
كَبرْنَ وهُنّ أزنَى مِنْ قُرودٍ ... وأنجَسُ مِنْ نِساء مُشرِكاتِ
ويروى وأرجس، ويروى وأمجن.
ألا قَبَحَ الإلهُ بني كُليبٍ ... أكَيلبَ ثَلّةٍ مُتعاظِلاتِ
قال الثلة يعني الغنم. وقوله متعاظلات أي متسافدات.
ترى أرباقَهُمْ مُتَقَلّديها ... إذا صدئ الحديد على الكُماة
قوله على الكماة، هم الأشداء الأبطال من الرجال. وقوله أرباقهم الربقة الحبل، وجماعه أرباق، وهو
الحبل الذي تُشد به الجداء.
(3/893)

فما لكَ لا تَعُدُّ بني كُليب ... وتَنْدُبَ غيرهُمْ بالمَأثُراتِ
وفَخْرُكَ يا جريرُ وأنتَ عبدٌ ... لِغير أبيكَ إحدى المُنكراتِ
تعنّي يا جريرُ لغيرِ شيء ... وقدْ ذهبَ القصائدُ للرواةِ
فكيفَ تَرُدُّ ما بعُمانَ منها ... وما بجبالِ مصر مُشَهّراتِ
غَلَبتُكَ بالمُفَقَئ والمُعَنّى ... وبيتِ المُحتَبِي والخافِقاتِ
قوله بالمفقئ، يريد قوله:
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عَينَكَ واجداً ... أباً عنْ كُلَيبٍ أو أباً مثلَ دارِم
ويروى أباً لك إذ عُد المساعى كدارم. وقوله والمعنّى يريد قوله:
وإنكَ إذْ تسعى لِتُدرِكَ دارِماً ... لأنتَ المُعَنّى يا جريرُ المُكلّف
وقوله وبيت المحتبي يريد قوله:
بَيتاً زُرارَةُ محتَبٍ بِفِنائِهِ ... ومجاشِعٌ وأبو الفوارِسِ نهشَلُ
وقوله والخافقات، يريد قوله:
وأينَ تُقَضيّ المالِكانِ أمورَها ... بِحَقّ وأينَ الخافِقاتُ اللوامِعُ
قال: يعني بقوله المالكان، مالك بن زيد مناة، ومالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
(3/894)

فأجابه جرير، وهو يهجو الزبرقان وبني طهية، فقال:
تُعَلّلُنا أمامَةُ بالعِداتِ ... وما تَشفي القُلوبَ الصّادياتِ
فلولا حُبُّها وإله موسِى ... لَوَدّعْتُ الصبا والغانياتِ
وما صبري عن الذّلْفاء إلا ... كصبرِ الحوتِ عن ماء الفراتِ
ويروى وما صبري أمامة عنك إلا كصبر النون. ويروى عن الهيفاء.
إذا رضيتْ رضيتُ وتعتريني ... إذا غضبتْ كَهَيضاتِ السّباتِ
أنا البازي المُطلُّ على نُميَرْ ... على رغْمِ الأنوفِ الرّاغِماتِ
إذا سَمعتْ نُميرٌ مَدّ صوتٍ ... جَسِبْتَهُمُ نِساءَ مُنْصِتاتِ
رَجَوتْمْ يا بَني وَقْبانَ مَوتي ... وأرجو أنْ تطولَ لكمْ حياتي
بنو وقبان هم بنو مجاشع.
إذا اجتمعوا عليّ فخَلّ عنهُمْ ... وعَنْ بازٍ يَصُكُ حُبارَيات
قال أبو عثمان: حدثني الأصمعي، قال: حدثني جعفر بن سليمان بن علي، قال: وقف أعرابي علي.
فقلت: ما بال الأرنب أحبّ إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأنها والله، تكبح سبلته، وتسلح على
وجهه، وهو آمن من الأرنب أن تفعل به ذلك.
إذا طَربَ الحَمامُ حمَامُ نَجْدٍ ... نَعَى جارَ الأقارِعِ والحُتاتِ
قال جار الأقارع يعني الزبير، وقوله نعى، قال: وذلك أنه إذا ذكر شيئاً كان منه فقد نعاه.
إذا ما الليلُ هاجَ صَدىً حزيناً ... بَكَى جَزَعاً عليهِ إلى المَماتِ
(3/895)

ويروى نثا خزياً عليكَ.
أيَفَخَرُ بالمُحمّم قَين ليلى ... وبالكِيرِ المُرَقّعِ والعَلاتِ
وأمكُمُ قُقَيرةُ رَبّبَتْكُمْ ... بِدارِ اللُّؤم في دِمنِ النّباتِ
قال الأصمعي: نبات الدمن لا يرعى، وذلك لأنه نشر خبيث، وداء، حتى تصيبه الأمطار مرات
فتغسله، ويذهب داؤه، فيصير مرعى، كما قال زفر الكلابي:
وقدْ يَنبُتُ المَرعَى على دِمَنِ الثّرى ... وتَبقَى حَزازاتُ النُفوسِ كما هِيا
قال الأصمعي: والمعنى في هذا البيت، يقول: قد يصلح نبات الدمن بعد فساده وخبثه، إذا غسلته
الأمطار، وذهب ما فيه من الوباء. وما في النفس من الحزازات لا يُذهبها شيء. قال أبو العميثل في
النشر:
كَا نَشَأتْ في الحَرّ مُزْنَةُ صَيفٍ ... وضُمّنَتِ الأكوارُ عاقِبَةَ النّشر
غَدَرْتُمْ بالزُبيرِ وخُنْتُموهُ ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ ثَباتِ
ولمْ يَكُ ذو الشّذاةِ يخافُ مني ... فما تَرجو طُهَيّةُ مِنْ شَذاتي
قال: الشذاة الحدّة وسوء الخلق.
كِرامُ الحَيّ إنْ شَهِدوا كَفَوني ... وإنْ وَصّيْتُهُمْ حَفِظوا وَصاتي
وحانَ بَنو قُفَيرةَ إذْ أتوني ... بِقَينٍ مُدْمِنٍ قَرْعَ العَلاتِ
قال: العلاة سندان الحداد. والقين الحداد.
تركتُ القَينَ أطوعَ مِنْ خَصيِّ ... ذَلولٍ في خِزامَتِهِ مُواتِ
أبالقَيْنَينْ والنّخَباتِ تَرجو ... لَيربوع شَقاشِقَ باذِخاتِ
هُمُ حَبَسوا بِذي نَجَبٍ حِفاظاً ... وهُمْ ذادوا الخَميسَ بِوارِداتِ
(3/896)

قد مر حديث يوم ذي نجب فيما أمليناه من الكتاب مفسراً تاماً. وقوله بواردات، قال أبو عبيدة:
واردات على يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، من دون الذنائب عن يسار طخفقة وأنت مُصعد
إلى مكة، وهو لبني عامر بن ربيعة بن عامر.
قال أبو عبيدة: وهو يوم اللوى، أغارت فيه بنو يربوع على بني ثعلبة ابن سعد بن ذبيان، فقتلوا
عارضاً. وقال آخرون: ليس يوم واردات يوم اللوى، وإنما لقوا بواردات أهل اليمن.
وتَرْفَعُنا عليكَ إذا افْتَخَرنا ... لِيربوعٍ بَواذخُ شامخِاتِ
قوله بواذخ شامخات، أي عاليات وإنما ضربه مثلاً للشرف. يقول: شرفي ومنصب قومي قد علا
وشمخ في السماء، لا يناله من فاخرني وأراد أن يباذخني.
هُمُ سَلبوا الجَبابِرَ تاجَ مُلْكٍ ... بِطِخْفَةَ عندَ مُعْتَركِ الكُماةِ
قد مر حديث يوم طخفة في أول الكتاب، وأمليناه تاماً. ومعترك الكماة، هو الموضع الذي تقتتل فيه
الكماة، وهم الأشداء. ومن إذا لاقى لم يفر، والمعترك موضع القتال، وهو موضع الاعتراك، وهو
الاجتلاد. ويقال قد اعترك القوم إذا تجالدوا بالسيوف وغيرها.
فقدْ غَرقَ الفرزدقُ إذْ عَلَتْهُ ... غَوارِبُ يَلْتَطمْنَ مِنَ الفُراتِ
رَأيتُكَ يا فرزدقُ وسطَ سَعدٍ ... إذا بُيّتّ بِئسَ أخو البَياتِ
ويروى إذا ما نمت بئس أخو الفتات.
وما لاقيتَ ويلكَ منْ كريمٍ ... ينامُ كما تنامُ عن التراتِ
نسيتُمْ عُقرَ جِعْثِنَ واحتَبَيْتُمْ ... ألا تباً لفخركَ بالحُباتِ
وقدْ دَمِيَتْ مواقعُ رُكْبَتَيها ... منَ التّبراكِ ليسَ منَ الصّلاتِ
(3/897)

تَبيتُ الليلَ تُسلَقُ إسكَتاها ... كَدَأبِ الترك تلعبُ بالكُراتِ
وحَطّ المِنْقَرِي بها فقَرّتْ ... على أمّ القَفا والليلُ عاتِ
قوله والليل عات، يريد والليل عاتم، يريد اشتدت ظلمته.
تُنادي غالِباً وبَني عِقالٍ ... لقدْ أخْزَيْتِ قَومَك في النّداتِ
أخزيت قومك الرواية. وقوله في الندات، يريد المجالس، الواحد ناد، مثل قاض وقضاة، وساع
وسُعاة، وهو حيث يجتمع القوم فيتحدثون في مجالسهم. وهي أنديتهم.
وَجَدْنا نِسوَةً لبَني عِقالٍ ... بِدارِ الذُلّ أغراضَ الرماةِ
أغراض الرماة جمع غرض، وهو حيث يُرمى به في الأهداف.
غَوانٍ هُنّ أخبَثُ مِنْ حمير ... وأمجنُ مِنْ نساء مُشرِكاتِ
وسَوداء المُجَرّد مِنْ عِقالٍ ... تُبايعُ مَنْ دَنا خُذْها وهاتِ
وأنتُمْ تَنْقُرونَ بِظُفْرِ سَوْء ... وتأبى أنْ تلينَ لكم صَفاتي
يريد وأنتم تنقرون صفاتي بظفر سوء، ثم قال: وتأبى أن تلين لكم صفاتي. والصفاة الصخرة، وإنما
ضربه مثلاً للشرف.
أليسَ الزّبرِقانُ أحَقّ عَيرٍ ... بِرَمي إذْ تَعَرّضَ للرُماةِ
ويروى:
أرى ابنَ الزبرقانِ أحَقّ عَبْد ... بأن يُرمَى تَعَرّض للرماة
تضَمّنَ ما أضَعتَ بَنو قُرَيع ... لجِاركَ أنْ يموتَ مِنَ الخُفاةِ
ويروى إذ يموت، ويروى تضمّن بعد ما علمت قريع بجارك أن. قوله
(3/898)

منَ الخفاة، يريد من الجوع.
يقول لا يجوع من لجأ إليهم، فهو عندهم في رفاهية وكفاية، لا يلقاه جوع ولا شدة. يقول: فقد تضمّن
بنو قريع ما أضعت من جارك فأشبعوه وكفوه وأغنوه.
تَدَلّى بِابْن مُرّةَ قدْ علمتُمْ ... تَدَلّى ثمّ تَنْهَزُ بِالدّلاةِ
قوله بالدلاة يريد الدلو. قا بعضهم: يجعل الدلاة هي الدلو وأداتها كلها. قال: والنهز أن يُجذب الدلو
جذبة بعد جذبة حتى تمتلئ. وقوله بابن مرة، يعني عمران بن مرة المنقري، صاحب جعثن، وهو
الذي يقول فيه جرير:
غمزَ ابنُ مُرّة يا فرزدَقُ كَينَها ... غَمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعْذورِ
الكين لحم الفرج الخارج منه، والباطن يسمى الزرنب.
وقال جرير:
ألا حَيّ أهلَ الجَوفِ قَبلَ العَوائِق ... ومِنْ قَبل رَوعاتِ الحبيبِ المُفارقِ
قوله العوائق، قبل ما يعوق الناس من مُلمات الأمور. قال: والروعات ما يروعه أي يُفزعه.
سَقَى الحاجِزَ المِحْلالَ والباطنَ الذي ... يَشُنّ على القَبرينِ صوتَ الغوادِقِ
وقوله يشن، يريد يصب على القبرين. صوب الغوادق، يعني السحائب الكثيرات الماء.
ولمّا لقينا خيلَ أبجرَ أعلنوا ... بِدعوَي لجُيمٍ غير ميلِ العواتِق
قوله خيل أبجر، يريد أبجر بن جابر العجلي. قال: ولجيم بن صعب
(3/899)

ابن علي بن بكر بن وائل.
صَبرنا لهُمْ والصبرْ مِنا سَجِيّةٌ ... بِأسيافِنا تحتَ الظلالِ الخَوافِقِ
قوله سجية. أي طبيعة. يقال سجية وخليقة وطبيعة بمعنى واحد. يقول: فالصبر منا عند القتال سجية
لا نعرف غيره. وقوله تحت الظلال يعني السيوف.
فلما رأوا ألا هَوادَةَ بيننا ... دَعَوا بعدَ كَرْب يا عَميرَ بنَ طارِقِ
قوله عمير بن طارق، يعني عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وأمه
طيبة بنت بجير العجلي، وهو الذي يقوله فيه جرير للبعيث:
ومِنّا الذي ناجَى فلمْ يخز رَهطَهُ ... بأمر قَويّ محرِزاً والمُثَلّما
ومُبْد لَنا ضِغْناً ولولا رِماحُنا ... بأرضِ العدَى لم يرعَ صوبَ البَوارِقِ
عَرَفْتُمْ لِعَتّاب عليكم ورَهْطِهِ ... نِدامَ المُلوِك وافتراشَ النّمارِق
يعني عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع. قال: وهو أحد أرداف الملوك، قال: والردف الذي يقوم
بعد الملك، المربض للملك.
همُ الداخلونَ البابَ لا تَدخُلونَهُ ... على المَلك والحامونَ عندَ الحَقائِق
وأنتم كِلابُ النارِ تُرمَى وجوهُكُم ... عَنِ الخير لا تغشونَ بابَ السرادِق
مَنَعنا بِجَنْبي ذي طُلوحِ نساءَكُمْ ... ولمْ تمنَعوا يا ثَلْطَ زَبّاءَ فارِق
وإنّا لَنَحميكم إذا ما تَشَنّعتْ ... بنا الخيلُ تردي مِنْ شَنونٍ وزاهقِ
(3/900)

تشنعت أسرعت في العدو. والشنون الذي قد أخذ في السمن. والزاهق السمين. قال: والزباء الناقة
الكثيرة شعر الأذنين. والفارق الناقة التي إذا أرادت النتاج فارقت الإبل، فأخذت في وجه حتى يُدركها
النتاج.
(3/901)

حديث يوم ذي طُلوح
قال أبو عبيدة: وهو يوم الصمد، ويوم أود. وأود واد. وكان من حديث يوم ذي طلوح، أن عميرة بن
طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد ابن ثعلبة بن يربوع، تزوج مُريّة بنت جابر، أخت أبجر بن جابر
العجلي لأبيه وأمه. قال: فخرج عميرة حتى ابنتى بامرأته مرية في بني عجل، وتحت عميرة بنت
النطف بن خيبري السليطي.
قال أبو عبيدة، قال سليط بن سعد: بل هي امرأة من بني طهية، خلّفها في قومه. قال: فأتى أبجر
أخته مرية امرأة عميرة يزورها، فقال لها: إني لأرجو أن آتيك بابنة النطف، امرأة عميرة. وسمعه
عميرة فقال: ما أراك تُبقي علي تحرُبني وتسلبُني. فندم أبجر، فقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك،
ولكني متياسر في هذا الحي من تميم. قال: فغزا أبجر والحوفزان - واسمه الحارث بن شريك -
متساندين: هذا فيمن تبعه من اللهازم، وهذا فيمن تبعه من بني شيبان. قال: ووكّلا بعميرة بن طارق
حُرقصة بن جابر، لئلا يأتي قومه فينذرهم، وتحت أبجر امرأة من بني طُهية، يقال لها سلمى بنت
محصن، فأتاها عميرة فقال لها: كيف أنت لو قد جاء غلمان بكر بن وائل فسبوا نساءك، وإني رجل
موكل بي، فأعينيني على حيلتي. فقالت له سلمى: وأنا أعينك على ما أردت. وهي حبلي مُتّم برافع
بن أبجر. قال: فأصبح الناس ظاعنين يتحملون إلى الكلواذة. فقالت: أما إني ماخض. قال: وسار
عميرة في السلف ساعة، ثم قال لحُرقُصة الموكّل به: لعلي لو قد رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقد
ولدت صاحبتك. فقال حُرقصة: لا أبالي أن تفعل فكرّ عميرة على ناقة له، يقال لها الجنيبة، فلقي
سلمى بنت محصن، امرأة أبجر، قد احتُملت هي وصواحبُها، فأتاها
(3/902)

فوافقته. فقالت له: قد خبأت لك
خبيئة حيث كان فراشي: زادك، وسقاء. قال: فمضى حتى أخذهما، فلم يُفقد حتى تحال الناس عند
المساء، ففقده حُرقصة، فأتى امرأته، فقال أين عميرة؟ فقالت: لقينا ضُحى، فوافقنا، ثم مضى إلى
دورنا، فلم نره بعد. فاستحيى حرقصة أن يذكر أمره لأحد. قال: ومضى عميرة، فمضى يومه وليلته
والغد، حتى إذا لقي أنف الزور من الصحراء، وغربت الشمس، أناخ فقيّد راحلته، ثم نام، حتى إذا
علاه الليل، قام فلم ير ناقته. فقال عميرة: فقمت فسعيت ليلاً طويلاً. قال: فإذا سواد في الليل عظيم،
فظننته الجيش، فبت أراصده مخافة أن أوخذ، حتى أضاء الصبح. فإذا نعام كثير، وإذا ناقتي تخطر
قريباً مني، فقمت غضبان على نفسي، فأجددت السير يومي وليلتي، حتى أرد سفار - وهو ماء لبني
تميم - فوجدت في منزل القوم نسعة، فسقيت بها راحلتي، وطعمت من تمري الذي كان معي،
وشربت من الماء، ثم ركبتها مُسى الثالثة، فأصبحت بالحطامة من ذي كريب، فإذا ناس يعلقون السدر
- يعني يرعونه - فتحرّفت عنهم مخافة أن يأخذوني. فناداني بعضهم إنما نحن صُدّار البيت، فلا
تخف - يعني مكة والصدار الراجعون - فنفذت حتى أصبح طلح، وبها جماعة بني يربوع، فقلت: قد
غزاكم الجيش من بكر بن وائل فشأنكم. قال: فبعث بنو رياح بن يربوع فارسين طليعة، أحدهما غلام
للمشبر أخي بني هرمي بن رياح. وبعث بنو ثعلبة فارسين في وجه آخر، أحدهما المطوّح بن أطيط،
والآخر جراد بن أنيف بن الحارث بن حصبة. قال: ومكثت بنو يربوع يوقدون نيرانهم على صمد
طلح، فكانوا كذلك ثلاثاً، ثم إن فارسي بني ثعلبة جاءا فقالا: لم نحس شيئاً، مخافة أن يكونوا أرادوا
غيرهم، فيكون ما حدّثتهم به باطلاً، وليلة ذهبت ناقتي مخافة أن أوخد، فيقال نام فأخذ فلما تعالى
النهار من اليوم الثالث، طلع فارسا بني يربوع. قال: وإذا العبد لا يُوقّي فرسه خباراً، ولا حجراً، ولا
جُرفاً،
(3/903)

وهو على الخصي فرس بني هرمي بن رياح. فقالا: تركنا القوم حين نزلوا القسوميّة. قال:
فتلببنا، ثم ركبنا، ثم أخذنا طريقاً مختلفاً، حتى وردنا الينسوعة، فوجدنا منزل القوم حين استقوا،
وسقوا، ونثروا التمر، وتخففوا للغارة، واستقبلوا أسفل ذي طلوح. قال: فاتبعناهم، وتحتي فرس
ذريعة العنق، فتقدمت الخيل، فوقفت حتى أدركوني، ثم بعثنا طليعة، فجاءنا فأخبرنا أنهم بالطلحتين
نزول بأسفل ذي طلوح، فمكثنا حتى إذا برق الصبح، ركبنا وركب القوم وهم يريدون الغارة، فكنت
أول فارس طلع فناديت: يا أبجر، هلم. قال: من أنت؟ قلت: عميرة بن طارق. فكذبني، فسفرت عن
وجهي، فعرفني، فنزل عن فرس كان عليها مركباً لابن الغزالة السكوني - قال: وبنو الغزالة في بني
شيبان اليوم - وعلي مُلاءة حمراء، فطرحتها، وجلس عليها. فقال: إني مركّب، فاعلم - قال:
والمركب أن يأخذ الرجل فرس صاحبه، فما أصاب على ظهره فلصاحب الفرس نصفه - قال ثم إنهم
التقوا، فأسر الجيش إلا أقلّهم، فكان ممن انفلت منهم، وابصة أحد بني أسعد بن همام، وأخذ أخوه، فلما
أتى أهله، أتته بنت أخيه تسأله عن أبيها، فقال الشيخ في ذلك:.
تُسائلُني هُنَيْدَةُ عَنْ أبيها ... وما أدري وما عَبَدَتْ تمَيمُ
غَداةَ عَهِدْتهُنّ مُقَلّصاتٍ ... لهُنّ بكلّ محنِيّة نَحيمُ
قوله نحيم، يعني صوتاً، يريد الخيل، والنحيم شبه الزفير.
فما أدري أجُبْناً كانَ دَهري ... أمِ الكُوسَى إذا عُدّ الحَزيمُ
(3/904)

قال: وأخذ حنظلة بن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، الحوفزان. وكان حنظلة
في بني يربوع، وأخذه معه أبو مليل، وأخذه معهما عبد عمرو بن سنان بن وعلة بن عوف بن جارية
بن سليط. قال: واختصموا فيه، ثم حكموا الحوفزان في نفسه، فأعطى الحوفزان أبا مُليل مائة من
الإبل، وأعطى عبد عمرو مائة أيضاً، وجعل ناصيته لحنظلة بن بشر. فقال عبد عمرو للحوفزان: إن
بين بني جارية بن سليط، وبين بني مرة بن همام موادعة، فلا آخذ من مالك شيئاً. وكان أبو مليل
يسمى ما أخذ منه الخباسة. وأخذ سوادة ابن زيد بن بجير، ابن عم أبجر، أسرة عتوة بن أرقم،
فانتزعه ابن طارق منه، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسر أسود، وفلحس، وهما من بني أسعد بن
همام. وأخذ ابن عنمة الشاعر الضبي مع بني شيبان، فافتكه منهم متمم بن نويرة، فيما زعم سليط بن
سعد بن معدان بن عميرة بن طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة. قال: فأما حماد الراوية،
فزعم أن مالك بن نويرة افتكّه. فقال ابن عنمة في ذلك يمدح متمماً:
جَزيَ اللهُ رَبُ الناسِ عني مُتمماً ... بَخَيرِ الجَزاء ما أعفّ وأمجدا
أُجيرَتْ بهِ أبناؤنا ودماؤنا ... وشاركَ في إطلاقِنا وتَفَرّدا
أبا نهشلٍ إني لكُمْ غير كافرٍ ... ولا جاعِلٍ مِنْ دونكَ المالَ مُؤصدا
وقال عميرة بن طارق:
أقِليَ عَليّ اللومَ يا أمّ خِثْرِما ... يكن ذاكَ أدنى للصوابِ وأكرَما
ولا تعذُليني أنْ رَأيتِ مَعاشِراً ... لهمْ نَعَمٌ دَثْرُ وأن كنتُ مُصرما
مَتَى ما نَكُنْ في الناسِ نحنُ وهمْ معاً ... نكنْ منهمُ أكسَى جُنوباً وأطعما
(3/905)

مَناكِ إلهي إذْ كَرهتِ جمَاعَنا ... بمثلِ أبي قُرط إذا الليلُ أظلما
يسوقُ الفِراء لا يحُسّينَ غيرهُ ... كَفيحاً ولا جاراً كريماً ولا ابنَما
فدَعْ ذا ولكن غيرهُ ثدْ أهمّني ... أميرٌ أرادَ أنْ ألاَم وأشتَما
فلا تأمُرَنيّ يا ابنَ أسماء بالّتي ... تجرُ الفتى ذا الطعمِ أنْ يتكلّما
بأنْ تَغْتَزُوا قومي وأقعُدَ فيكُمُ ... وأجعلَ علمي ظَنّ غَيب مُرَجّما
ولمّا رَأيتُ القومَ جَدّ نَفيرُهُم ... دَعَوتُ نَجيّي محرزاً والمُثَلّما
قوله محرزاً والمثلّما، هما رجلان من البراجم أخوالهما من عجل. قال: وكان عميرة بن طارق، لما
أراد أن يسير إلى بني يربوع أعلمهما ذلك، فقال: لا ترجع إلى أرض الجوع.
فأجابه الفرزدو فقال:
إنْ تَكُ كَلْباً مِنْ كُليبٍ فإنّني ... مِنَ الدّارِميينّ الطّوِال الشّقاشق
قال: الشقشقة التي يُخرجها الفحل عند هيجانه من فمه. قال الأصمعي: وسمعت بعض العرب ممن
يُقدّم في علمه منهم يقول: إنها لُهاته وهي التي تسميها العامة الكركرة، قال: وإنما يفعل البعير ذلك إذا
هاج، وإذا أرد الضّراب. من أسماء العامة الشقشقة والكركرة فقط.
نَظَلّ نَدامىَ للملوكِ وأنتُمُ ... تمشونَ بالأرباقِ ميلَ العَواتِقِ
وإنّا لَتروَى بالأكُفّ رِمَاحُنا ... إذا أرْعشَت أيديكُمُ بالمَعالِق
ويروى وإنا لتمضي. وأنا لنروي بالأكف رماحنا.
وإنّ ثيابَ المُلكِ في آلِ دارِمٍ ... هُمُ وَرِثوها لا كُليبُ النّواهِقِ
(3/906)

ثيابُ أبي قابوسَ أورثها ابنَهُ ... وأورثناها عن مُلوكِ المَشارقِ
وإنّا لتجري الخمرُ بين سَراتنا ... وبين أبي قابوسَ فوقَ النّمارِقِ
لَدُنْ غُدوَةً حتى نَروحَ وتاجُهُ ... عليناَ وذاكي المسكِ فوق المَفارِقِ
كُليبٌ وراء الناسِ تُرمَى وُجوهُها ... عنِ المجد لا تَدنو لبابِ السرادِقِ
وإنّ ثيابي مِنْ ثيابِ محُرّقِ ... ولمْ أستَعِرها مِنْ مُعاع وناعِقِ
قوله معاع، قال: المعاعي الراعي، والمعاعاة زجر الغنم، قال: والنعيق مثله.
يظلُ لنا يومانِ يومٌ نُقيمُهُ ... نَدامَى ويومٌ في ظِلالِ الخَوافِقِ
ويروى يظل لنا يومان يوم إقامة.
ولو كنتَ تحتَ الأرضِ شَقّ حَديدَها ... قَوافي عن كَلب مَعَ اللّحد لاصِقَ
ويروى: ولو كنت في لحد من الأرض شقّه. ويروى عن ميت مع اللحد لازق.
خَرَجْنَ كَنِيران الشتاء عَواصِيّا ... إلى أهل دَمخ مِنْ وَراء المَخارِقِ
على شَأوِ أولاهُنّ حتى تَنَازَعَتْ ... بِهنّ رُواةٌ مِنْ تَنوخٍ وغافِقِ
ونحنُ إذا عدّتْ تميمٌ قديمَها ... مكانَ النواصي مِنْ وُجوه السوابِقِ
مَنَعْتُك ميراثَ المُلوكِ وتاجَهُمْ ... وأنتَ لِذَرعي بَيْذَقٌ في البَياذِقِ
وقال الفرزدق:
عَرَفْتَ المَنازِلَ مِنْ مَهْدَدِ ... كَوَحْي الزّبورِ لدى الغَرْقَدِ
(3/907)

قال: الوحي الكتاب. والغرقد ضرب من الشجر تدوم خُضرته في الشتاء والصيف لا يكاد يتغير.
أناختْ بهِ كُلّ رَجّاسَة ... وساكِبَةِ الماء لم تُرْعُدِ
قوله رجّاسة، يعني سحابة راعدة.
فأبْلَتْ أوارِيّ حيثُ استَطافَ ... .. فلوُ الجِياد على المروَد
الفلو المُهر. وأواري يريد أواخي. والمرود حديدة يُشد بها حبل الفرس فيدور حيث استدار.
بَرَى نُؤيَها دارِجاتُ الرياح ... كما يُبْترَى الجَفْنُ بالمِبرد
ويروى ابتُريَ. قال ودارجات الرياح ما درج منها فجرى. والجفن جفن السيف. ترى بين أحجارها
للرماد .. كنفض السحيق من الاثمد يريد الأثافي. والسحيق المسحوق من الإثمد. وروى أبو عمر
كلون السحيق.
وبِيضٍ نَواعِمَ مِثل الدُمى ... كِرامٍ خَرائِدَ مِنْ خُرّد
ويروى وبيض كواعب، وخراعب، وقوله خرائد، هن النساء الحييات. قال: والدمى واحدتها دمية
وهي الصورة. وقوله من خرد، يقول: ولدتهن نساء خرد، أي حييات.
تُقَطّعُ لِلّهْو أعناقَها ... إذا ما تَسَمّعْنَ للمُنشِد
قوله تقطع للهو أعناقها، يقول: تُميّل أعناقها للذي يُنشد الشعر، تفرح بذلك فصيره كاللهو عندها.
ألمْ تَرَ أنّا بَني دارِم ... زُرارةُ مِنّا أبو مَعبَدِ
(3/908)

إنما نصب بني دارم على الفخر والمدح، ولم يجعل ذلك خبراً لأن، وجعل خبر أن في قوله: ألم ترَ
أنّا زرارة منا، وكذلك قال الشاعر:
نحنُ بَني ضَبّةَ أصحابُ الجَمَلْ
فنصب بني ضبة على الفخر والمدح على ذلك المعنى، وقال ذو الرمة:
أبى اللهُ إلاّ أنّنا آل خِنْدفٍ ... بِنا يَسمَعُ الصّوت الأنامُ ويُبصرُ
وقوله زرارة منا يني زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، كذلك فسره أبو عبيدة
والأصمعي.
ومنّا الذي مَنَعَ الوائِدات ... وأحيى الوَئيدَ فلمْ يُوءد
قوله ومنا الذي منع الوائدات، يعني صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، وقد مر حديث الوائدات فيما
أمليناه من الكتاب في موضعه.
وناجيةُ الخَيرِ والأقْرَعان ... وقَبر بِكاظِمَةَ المَوْردِ
ويروى وقبر بكاظمة المورد. رده على كاظمة، وهو موضع معروف على البحر، يريد ناجية بن
عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والأقرعان الأقرع وفراس ابنا حابس بن عقال. والعرب إذا
جمعوا بين اسمين، أحدهما أنبه من الآخر وأخف في اللفظ، جمعوهما به فقالوا: سنة العمرين، يريد
أبا بكر وعمر. وقالوا: الأحوصان يريد الأحوص ابن جعفر وابنه. وقبر بكاظمة، يعني قبر أبيه
غالب. وقوله مورد، قال: إنما أضاف كاظمة إلى المورد، وذلك لأنها مياه تورد كثيراً دائمة الماء،
فأضاف ذلك إليها.
إذا ما أتى قبرهُ غارمُ ... أناخَ إلى القبر بالأسعد
(3/909)

بالأسعد، يعني بنجم يسعد به. والأسعد جمع سعد.
فذاكَ أبي وأبوهُ الذي ... لِمَقعَدِهِ حُرَمُ المَسجِد
ويروى حرم المسجد، أي حرمته كحرمة المسجد، أي يهابه الناس ويتقونه. وقوله فذاك أبي، يعني
غالبا. وقوله حرم المسجد، قال: وذلك لأنه لا ينطق عنده بأمر قبيح، ولا بفحش، ولا خنىً، ولا يؤذى
عنده جليس، ولا يُسفه عليه، وذلك لقدره في قومه، وعند العرب، أي يجلونه كما يجلون المسجد.
ألسنا بِأصحابَ يومِ النّسار ... وأصحابِ ألويَةِ المِربَدِ
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: كان حاجب بن زرارة على بني تميم يوم النسار، ويوم الجفار. قال:
وبينهما سنة. قال والنسار قبل الجفار، وكان بعد جبلة، ولذلك رأسهم حاجب ابن زرارة. قال: وذلك
لأن لقيطاً قُتل يوم جبلة، ولو كان حيا ما تقدّمه حاجب. قال: وإنما نبُهَ أبو عكرشة بعد أبي نهشل،
وكانا قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبع وعشرين سنة. وكان عام جبلة مولد النبي -
صلى الله عليه وسلم - وأركضت كبشة بنت عروة بن عتبة، بعامر بن الطفيل يوم جبلة، وكان
ناجية بن عقال، جد الفرزدق، معه رئي من الجن، فكان يشير على بني تميم يوم النسار. قال: فلذلك
زعم أعين بن لبطة، أن عبد الله ومجاشعاً شيء واحد. وقوله وأصحاب ألوية المربد، يعني القرين
عبد الله بن حكيم بن ناقد بن حوي بن سفيان بن مجاشع، أعطى بيده رهينة في حرب مسعود. قال:
وإنما سمي القرين، لأنه كان لا يفارق رجلاً من بني ضبة. فقال زياد بن أبي سفيان: هذان قرينان لا
يفترقان. قال: وإنما نريد الاختصار، وأن لا نعيد ما مر من الأخبار. قال أبو عمرو: يوم النسار يوم
منعت فيه بنو
(3/910)

ضبة الحارث بن ظالم من الملك.
ألَسنا الذين تَميمٌ بهِمْ ... تَسامَى وتَفخَرُ في المَشْهَد
وقَدْ مَدّ حولي مِنَ المالِكَين ... أواذِيٌ ذي حَدَبٍ مُزْبدِ
قوله أواذي، يريد الأمواج. يقال من ذلك جاش الفرات بأواذيه، يريد بأمواجه. وقوله ذي حدب، أي
ارتفاع. قال: وحدبه أن يرتفع وسطه. قال: وذلك لعلو موجه وكثرته يرتفع وسطه وينحط طرفاه.
إلى هادِراتٍ صِعابِ الرُءوسِ ... ... قَساوِرَ للقَسوَرِ الأصيدِ
صعاب الرؤوس، يقول: هذه الفحول من الإبل تهدر وهي صعاب الرؤوس. والقسور يريد به الرجل
الشديد، وهو مشتق من أسماء الأسد. وقال: هم الرماة. قال: والأصيد الشريف المعظّم المبجّل،
فضرب ذلك مثلاً للفحول.
أيَطْلُبُ مجدَ بني دارِم ... عَطيّةُ كالجُعَل الأسوَد
ومجدُ بني دارِم فَوقَهُ ... مكانَ السّماكَين والفَرقَد
سَأرمي ولوْ جُعلَتْ في اللّئِام ... ... ورُدّتْ إلى دِقّةِ المَحتِدِ
المحتد يريد الأصل، يقال من ذلك: إنه للئيم المحتد، وكريم المحتد.
كُلَيباً فما أوقدتْ نارَها ... لِقِدحِ مُفاضِ ولا مِرفَدِ
قوله لقدح مفاض، يقول مجال مضروب به عند الميسر، يقال من ذلك: أجل قدحك أي اضرب
بقدحك.
ولا دافعوا ليلةَ الصّارِخينَ ... ... لهُمْ صوتَ ذي غُرّة مُوقِد
(3/911)

ويروى ولا رفعوا ليلة. ويروى ضوء ذي العزة الأتلد. والأتلد القديم. وقوله ذي غُرّة، أي فرس له
غرة. وقوله موقد، أي موقد للحرب، فيجتمع إليه الصارخون، يعني المستغيثين.
ولكنّهُمْ يَلْهَدونَ الحمَير ... رُدافَى على الظّهْرِ والقَرْدَدِ
ويروى يُكهدون. قال الأصمعي: اللهد أن يهيَ اللحم من داخل، ولا ينشق الجلد، يقال من ذلك ظل
فلان لهيداً حين سمع ذلك. قال: واللهد عنتُ لحم الجنب من ثقل الحمل. ويروى ولكنهم يُكهدون
الحمير. يعني يسوقونها سوقا شديدا. قال أبو عبد الله: الرواية يكهرون. قال والقردد سيساء الظهر
وارتفاعه. قال: وقد قالوا القُردودة. ويروى ردافى على العجب. وهو أصل الذنب.
على كُلّ قَعْساء محزومَة ... بِقطْعةِ ربْق ولم تُلْبَد
قال: القعس دخول وسط الظهر وطمأنينته. قال: والربق حبل يُمد بين وتدين، فيه حبال قصار تشد
إلى ذلك الحبل الطويل، تُربط فيها العنوق والجداء. وقوله لَ تُلبد، يقول: هي مركوبة بكساء أو
عبادة، وليس تُلبد كإلباد الخيل.
مُوَقّعَة بِبَياضِ الرُكوب ... كَهودِ اليَدَيْن مَعَ المُكْهِدِ
المكهد المتعب بالسوق.
قَرَنْبَى بَسوفُ قَفا مُقْرفٍ ... لَئيم مَآثِرُةُ قُعْددِ
قال: القرنبى ضرب الخنفساء أرقط طويل القوائم، وإنما شبه جريراً وأباه بها. قال: وخُفض قرنبى
على تكرير، أراد مع قرنبى. وقوله قُعدد، يقول: هو لئيم بن لئيم في هذا الموضع والقعدد في غير
هذا الموضع الكريم الآباء. قال أبو عبد الله: هذا جائز، والأكثر قُعدد بضم
(3/912)

الدال الأولى. قال أبو عبد الله: يقال فلان أقعد من فلان، أي أقل عدد آباء إلى الأب الأكبر، وقد يقال للثيم قُعدد.
يَنيكونَهُنّ ويجملنَهُمْ ... وهُنّ طَلائِعُ بالمُرْصَد
تَرَى كُلّ مُصْطَرّة الحافرَيْن ... يُقالُ لها للنّكاح ارْكُدِي
وروي للنزاء. ويروى يقال لها للسباق اركدي. وقوله مصطرة الحافرين، هو المجتمع الضيق ليس
بأرح. والأرح من الحوافر الواسع الكثير الأخذ من الأرض ويروي كل مصرورة الحافرين.
والمصرورة مثل المصطرة، وفي معناه. واركدي اثبتي.
بهِنّ يحُابُونَ أختانهُمْ ... ويَشْفُونَ كلّ دَم مُقْصَدِ
يقال حبا فلان فلاناً، وذلك إذا أعطاه وأكرمه ووصله. وإنما يريد بقوله يحابون أختانهم، يعطون
نساءهم مهورهن الحمير. وقوله مقصد، يقول: مقتول، فدياتهم من الحمير، ليست من الإبل كديات
سائر العرب. وإنما يعيّرهم بذلك. يقول: إنما يرعون الحمير ولا مال لهم غيرها.
يَسوفُ مَناقِعَ أبوالهِا ... إذا أقْرَدَتْ غيرَ مُستَقْرد
فما حاجِبٌ في بَني دارِمٍ ... ولا أسرَةُ الأقرَع الأمجد
يريد حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. قال: والأقرع بن حابس بن عقال بن
محمد بن سفيان بن مجاشع.
ولا آلُ قَيْسٍ بَنو خالِدٍ ... ولا الصيدُ صِيدُ بَني مَرْثَد
(3/913)

قال: يريد قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل بن
شيبان. ومرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
بِأخْيَلَ مِنْهُمْ إذا زَيّنوا ... بِمَغْرَتِمْ حاجِبَيْ مُؤجَد
قوله بأخيل منهم، يعني بأفخر منهم، يعني من الخيلاء. ومؤجد حمار موثّق يهزأ بهم.
حِمارٌ لهُمْ مِنْ بناتِ الكُداد ... يُدَهِمْجُ بالوَطْبِ والمِزْوِدَ
ويروى حصان. الدهمجة القرمطة في السير. قال: والوطب السقاء الذي يكون فيه اللبن شبه
الزكرة. والمزود للطعام.
يَبيعونَ نَزْوَتَهُ بالوَصيفِ ... وكَوْمَيهِ بالنّاشِئ الأمرَدِ
يقول لكرم نتاجهم في الحمير يبيعون نزوة الحمار بالوصيف.
فهذا سِبابي لكُمْ فاصْبرَوا ... على النّاقِراتِ ولمْ أعتَدِ
يقول فإنما سبابي لكم تعييري بالحمير ولم أعتده إلى غيره. قال: والناقرات يريد المصيبات
المقرطسات من السهام. قال: والقاصرات التي لا تبلغ القرطاس. والعاصدات التي تصيب يمنة
الهدف فيجوزه. قال: والحوابي التي تقرب من القرطاس ولم تصب.
قال أبو عبد الله: سهم حاب لا يجوز إلا ... والحوابي بالباء والياء وهو الذي يحبو نحو القرطاس.
قال أبو عبد الله: يقال تحاتن الراميان إذا تساويا، ولم يكن لأحدهما فضل على الآخر. والحتن المثل.
وقوله أعتدي، يعني أتعدّى
(3/914)

المقرطسات إلى غيرها، وإنما أراد بقوله ما قال من هذا كله من إصابة
القرطاس، أي أقول فلا أخطئ بقولي، وأصيب المعنى ولا أكذب فيما أقول.
إذا ما اجتدَعْتُ أنوفَ اللئِامِ ... عَفَرْتُ الخُدودَ إلى الجَدجَدِ
ويروى جدعت الأنوف على الجدجد. ويروى عفرت المناخر بالجدجد. قوله عفرت الخدود، يقول
جررتها على العفر. قال: والعفر التراب.
قال الأصمعي: ومنه قول العرب "ما على عفر الأرض مثله" يكون مدحاً ويكون هجاء، يريد ما على
تراب الأرض مثله، وذلك إذا تعجبوا من خيره أو شره. قال: والجدجد من الأرض الصلب المستوي.
يَغور بِأعْناقِها الغائرونَ ... ... ويخبِطْنَ نَجْداً معَ المُنجِدِ
ويروى تغور المغار بأعناقها. قوله يغور يذهب بها إلى الغور. قال: والغور تهامة وما اطمأن من
الأرض. وقوله ويخبطن نجداً مع المنجد، يقول: يسرنَ في نجد ليلاً. قال والخبط السير بالليل عن
غير هداية. قال: وإنما قال: ويخبطن، لأنه إذا سار بالليل خبط في مشيه وسيره، فلم يبصر في
مسيره. قال: ونجد، يريد ما ارتفع من الأرض وظهر. والمنجد الرجل السائر إلى نجد. يقال من ذلك
اتهموا وأنجدوا، ولا يقال إلا غاروا.
قال الأصمعي: إلا أنه قد جاء حرف عن العرب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وإنما يقاس على الأكثر لا
على الأقل، وهو قولهم في الموسم: أشرق ثبير كيما نغير. أي نسرع الانصراف. وليس هذا من
الغور وأتيانه. والحجة في أغار بيت الأعشى: غار لعمري في البلاد.
(3/915)

ويروى أغار. قال: كانوا يقولون ذلك صبيحة النحر في موقف بجمع. وقولهم أشرق ثبير، أي أشرق
بطلوع الشمس. وهو قول الكميت:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرِقْ ... ثَبيرُ أتى لِدَفعَةِ واقِفينا
قال أبو عبد الله الرواية:
ونحنُ غَداةَ كانَ يُقالُ أشرقْ ... ثَبيرُ أنيَ لِوَقعَةِ دافعينا
يريد بقوله أنى حان ذلك وبلغ إناه - هذا مقصور - وهو من قول الله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}.
يريد وقته ومبلغه. قال أبو عبيدة: وذلك أن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كانوا يدخلون على النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنهم يريدون بلوغ غداة النبي قال: وكان النبي -
صلى الله عليه وسلم - يستحيي منهم أن يقول لهم في ذلك شيئا فأنزل الله تعالى على رسوله - صلى
الله عليه وسلم - يُعلّمهم ويؤدبهم ألا ينتظروا في جلوسهم بلوغ طعامه - صلى الله عليه وسلم -.
وكانَ جريرٌ على قَوْمِهِ ... كَبَكْرِ ثَمودٍ لها الأنْكَد
رَغا رَغْوَةً لِمَناياهُمُ ... فصاروا رَماداً معَ الرّمْدَدِ
كِلابٌ تَعاظَلُ سُودُ الفِقا ... حِ لمْ تحمِ شَيئا ولمْ تَصْطَدِ
قوله تعاظل، يقول تسافد. قال: والمعاظلة سفاد السباع كلها. وقوله سود الفقاح، يقول: هم سود.
(3/916)

وتَرْبُقُ باللومِ أعناقَها ... بِأرْباقِ لُؤمِهِم الأتْلَدِ
ويروى نربط باللؤم. قال: والأتلد بمعنى القديم الذي لم يزل لابائِهم.
إلى مَقْعدٍ كَمَبيتِ الكِلاب ... ... قصيرٍ جَوانبُهُ مُبْلَدِ
قال: وكذلك الكلاب في مبيتها، يجتمع بعضها إلى بعض تستدفئ بالليل، يريد اجتماعهم بالليل.
وقوله مبلد، يقول: لازم للبلد الذي ليس فيه شيء. وقال الأصمعي: قوله مبلد، يقول: ليس بينه وبين
الأرض شيء، إنما هو على بلد الأرض.
يُوارِي كُليبا إذا استَجْمَعَتْ ... ويَعجِزُ عَنْ مجلسِ المُقعَدِ
ويروى إذا جمعت. ويروى يواري كليبا إذا ذنّبت. يقول: دخلت بأعجازِها قبل رءوسها، وهي
مدبرة. قال: وكذلك دخول الكلاب في أمكنتها. والتذنيب أن يرى الضيف، فيزحف، فيدخل البيت
بعجزه، ولا يقوم لئلا يراه الضيف. وأنشد بيت المغيرة بن حبناء يقوله لأخيه:
لحَى اللهُ أدنانا عَنِ الضّيفِ بالقَرى ... وأضعَفَنا عَنْ عِرضِ والدِهِ ذَباً
ويروى وأعجزنا. ويروى لحى الله أدنانا إلى اللوم زلفة.
وأجْدَرَنا أن يَدخُلَ البيتَ بأستهِ ... إذا القُف دَلّى مِنْ مخَارِمهِ ركبا
ويروى إذا الأرض أبدتْ مِن مخارمها.
فأجابه جرير يرد عليه، ويجمع معه البعيث والأخطل:
(3/917)

زارَ الفرزدقُ أهلَ الحِجاز ... فَلمْ يحظَ فيهم ولمْ يحمَدِ
الحجاز ما بين الجُحفة إلى جبلي طي، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد والغور.
وأخزَيتَ قومَكَ عند الحَطيمِ ... وبين البَقيعَين والغَرْقَدِ
ويروى وعند. قال والبقيعان والغرقد بالمدينة. قال: وقد مر حديثه في ذكر المدينة. وهما بقيعان:
بقيع الغرقد، وبقيع الزبير.
وَجَدْنا الفَروزدقَ بالموسمينِ ... خبيثَ المَداخِلِ والمَشهَدِ
نَفاكَ الأغر ابنُ عبد العزيزِ ... بحقّكَ تُنفَى عنِ المسجدِ
هذا يقول للفرزدق، لأن الفرزدق حيث أجّله عمر ثلاثة أيام، ليخرج من المدينة، قال:
أوعَدَني وأجّلَني ثلاثاً ... كما وُعدَتْ لمَهْلكها ثَمودُ
يعني عمر بن عبد العزيز.
وشَبّهْتَ نفسكَ أشقَى ثَمودَ ... فقالوا ضَلِلْتَ ولم تهتَدِ
قوله أشقى ثمود، يعني قُداراً عاقر الناقة.
وقدْ أجلّوا حينَ حَلّ العذابُ ... ثلاثَ ليالٍ إلى المَوعِدِ
وشَبّهْتَ نفسَككَ حُوقَ الحِمارِ ... خَبيثَ الأوارِيّ والمِرْوَدِ
قال: والرواية حوض الحمار. وذلك أن غالباً أبا الفرزدق كان يلقب حوض الحمار.
(3/918)

وَجَدْنا جُبَيراً أبا غالِبٍ ... بَعيدَ القَرابةِ مِنْ مَعْبَدِ
قال: كان جبير قيناً لصعصعة جدّ الفرزدق، فنسب غالباً إليه افتراء عليه. ومعبد بن زرارة بن
عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
أتجعلُ ذا الكِيرِ مِنْ مالِكٍ ... وأينَ سُهيلٌ مِنَ الفَرقَدِ
يريد سهيل يمان. والفرقد شآم. ما أبعد ما بينهما، فضرب ذلك مثلاً للبعد.
وعِرقُ الفَرزدقِ شر العُروقِ ... خبيثُ الثّرَى كابيُ الأزنُدِ
وقال: الثرى الذي فيه العروق من الشجر. قال: والكابي من الزناد الذي لا يُورى، فيقال من ذلك كبا
الزند، وصلد إذا لم يور.
وأوصى جبيرٌ إلى غالَبٍ ... وَصيّةَ ذي الرحمِ المُجْهَدِ
فقالَ ارْفُقضنّ بِلّي الكَتيفِ ... وحَكّ المَشاعِبِ بالمِبرَدِ
قوله بلي الكتيف، الكتيف ضباب الحديد، الواحدة كتيفة، وكتائف جمع الجمع.
وجِعْثِنُ حَطّ بِها المِنْقَريُّ ... كَرَجْع يَدِ الفالجِ الأحرَدِ
قوله حط بها، يقول: أتعبها واعتمد عليها. قال: والمنقري عمران بن مرة. قال: والفالج من الإبل له
سنامان. والأحرد الذي في عصب يده يبس، فهو يضرب بها الأرض شديداً.
تَثاءبُ مِن طُولِ ما أبركَتْ ... تَثاؤبَ ذي الرّقْيةِ الأدْرَد
قال: الأدرد الذي ليس في فمه سن، واذا تثاءب كان أسمح له.
فهلاّ ثأرتَ بِبنتِ القُيونِ ... وتَتركُ شَوقاً إلى مَهْدَدِ
(3/919)

وهَلاّ ثأرْتَ بحَلّ النطاقِ ... ودَقّ الخَلاخيلِ والمِعْضَدِ
فأصبحتَ تَقْفُرُ آثارَهُمْ ... ضُحى مشيَةَ الجادِفِ الأعقَدِ
ويروى مشية الحذف الأعقد. قال: وهي ضرب من الغنم صغار الأجسام. والأعقد من الكلاب
الواضع ذنبه على ظهره مثل الحلقة، وهن قصار الأذناب. والجادف الكلب الذي يجدف خطوه يقارب
بينه.
كَليلاً وَجَدتُمْ بَني مِنقَر ... سِلاحَ قَتيلكُمُ المُسنَدِ
قال: المسند المعلق في القوم ليس منهم.
تقولُ نَوارُ فضحْتَ القُيونَ ... فَليتَ الفَرزدقَ لمْ يُولَدِ
وفاز الفرزدق بالكَلْبَتَين ... وعِدْلٍ مِنَ الحُمَمِ الأسودِ
فرقّعْ لجَدّكَ أكْيارَهُ ... وأصْلحْ مَتاعَكَ لا تُفْسِدِ
وأدْنِ العَلاةَ وأدْنِ القَدومَ ... ووَسّعْ لِكيركَ في المَقعَد
العلاة سندان الحداد. ويروى في المُلحد والمَلحَد.
قَرَنْتُ البَعيثَ إلى ذي الصليبِ ... معَ القَينِ في المَرسَ المُحْصَد
وقَدْ قُرِنوا حينَ جَدّ الرِهانُ ... بِسامٍ إلى الأمدِ الأبعدِ
قوله بسام أي مرتفع، يعني نفسه.
يُقطعُ بالجري أنفاسَهم ... بِثَني العِنانِ ولم يجهَدِ
يقول: سبق وهو ثاني العنان، وعنانه في يده لم يملأه كله. وقوله لم يُجهد، يقول: أتى ولم يتعب،
قبل أن يتعب فرسه كان له السبق.
(3/920)

فإنّا أناسُ نحبُ الوَفاء ... حَذارَ الأحاديثِ في المَشهَد
ولا نَحتَبي عندَ عقدِ الجوارِ ... بغير السيوفِ ولا نرتدي
شَدَدْتُم حُباكُمْ على غَدرَةَ ... بجيشانَ والسيفُ لمْ يُغمدِ
ويروى على خزية. قال: جيشان وادي السباع. يقول: غدرتم بالزبير فيه. وقوله لم يغمد، يعني يوم
الجمل.
فلما احتبيتَ وأنتَ الذليلُ ... قَعَدتَ على أستِ امرئ قُعدُدِ
فبُعدا لقومٍ أجاروا الزبير ... وأما الزبير فلا يبعَدِ
أعبْتَ فوارسَ يومِ الغَبيطِ ... وأيام بِشرِ بني مَرثَدِ
ويوماً ببلقاء يا ابنَ القُيونِ ... شَهدنا الطّعانَ ولم تَشهَدِ
فصَبّحنَ أبجَرَ والحَوفَزانَ ... بِوِردْ مُشيحٍ على الذُوّدِ
قال: وقد مرت أخبار هذه الأيام فيما أمليناه من الكتاب. مشيح حاد سريع محاذر.
ويومَ البَحيرَينِ ألحقَنَنا ... لهُنّ أخاديدُ في القَرْدَدِ
نُعِضُ السيوفَ بهِام المُلوكِ ... ونَشفِي الطّماحَ منَ الأصيدِ
قال: الأصيد الرجل المميل رأسه المتكبر، شبهه بالأصيد من الإبل، وهو الذي يصيبه داء فيرفع
رأسه لذلك. يقول: نضرب رأسه فيقيمه لنا ذُلاّ ورجوعاً إلى الحق.
(3/921)

قال أبو عثمان، وقال أبو عبيدة: كانت النوار بنت أعين بن ضبيعة بن ناجية بن عقال، جعلت
الفرزدق جريّها، أن يُنكحها رجلا كان خطبها. قال: فأشهد عليها بالجراية مُبهماً في تزويجها. قال:
فجاء الخاطب والشهود فخطبها، وأجابه الفرزدق، حتى إذا انتهى إلى موضع الإنكاح، مال إلى نفسه
فتزوجها على عدة ما ذكر الخاطب من المهر. قال: وتفرّق القوم، وأتيت المرأة بالخبر، فأبت وقالت:
ما أنا له بزوجة، إنما أذنت له في تزويجي هذا الرجل فغدر. ولجأت إلى بني قيس بن عاصم، فقال
الفرزدق في ذلك:
بَني عاصِمٍ لا تُلجِئُوها فإنّكُمْ ... مَلاجئ للسّواءات دُسمُ العَمائِمِ
بَني عاصِمِ لو كانَ حَيّا لَدَيكُمُ ... لَلامَ بَنيهِ اليومَ قيسُ بنُ عاصِم
قال: فقالوا للفرزدق لئن زدتَ لنقتلنك. فنافرته إلى عبد الله بن الزبير بمكة. قال: وكان لها ولد من
رجل قبل ذلك، فقالت بيني وبينك ابن الزبير، وطلبت الكراء، فتحاماها الناس، فأكراها رجل من بني
عدي فقال الفرزدق في ذلك:
ولولا أن يقولَ بَنو عَديّ ... أليستْ أمّ حنظلَةَ النّوارُ
أي لولا أن النوار - وهي بنت جل بن عدي من جدات الفرزدق - ولدتكم لهجوتكم.
إذا لأتى بَني مِلكانَ مِنّي ... قَواذِفُ لا تُقَسّمُها التّجارُ
(3/922)

قال: والملكاني الذي شخص بها وقال الفرزدق:
ولولا أنّ أمي مِنْ عَديّ ... وأنيّ كارِهٌ سُخطَ الرّبابِ
إذا لأتَى الدّواهي مِنْ قريبٍ ... بِخزي غيرْ مَصروِف العِقابِ
وقال الفرزدق، يعني الملكاني الذي شخص بها:
سرى بِنَوارٍ عَوْهَجِيّ يَسوقُهُ ... عُبيدٌ قَصيرُ الشّبرِ نائي الأقاربِ
تَؤمٌ بِلادَ الأمنِ دائبةَ السُرى ... إلى خيرِ وال من لُؤي بنِ غالِب
فدونَكَ عِرسي تبتَغي نَقْضَ عُهدتي ... وإبطالَ حقّي بالمُنى والأكاذِبِ
قال: وكان بنو أمّ النُسير تجنبوها، فقال لهم في ذلك:
لَعَمري لقدْ أردَى نَوارَ وساقَها ... إلى الغَورِ أحلامٌ خِفافٌ عُقولهُا
مُعارضَةَ الرُكبانِ في شَهر ناجِرٍ ... على قَتَبٍ يعلو الفَلاةَ دَليلُها
وما خِفْتُها إذْ أنْكَحَتني وأشهدَتْ ... على نفسِها أنْ تَنْتَحيني غُلولهُا
قال أبو عبد الله: ويروى أن تبجس غُولها.
أطاعَتْ بني أمّ النُسيرْ فأصبحتْ ... على شارِف ورقاء صعبٍ ذَلولها
وقدْ سَخطَتْ مني نَوارُ الذي ارتضى ... بهِ قَبلَها الأزواجُ خابَ رَجيلُها
وإنّ أميرَ المؤمنينَ لَعالمِم ... بِتَأويلِ ما وصّى العِبادَ رَسولهُا
أي ما أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - من التزويج: "فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ".
(3/923)

فدونَكَها يا ابنَ الزبيرْ فإنها ... مُوَلّعةٌ يُوهِي الحجارَةَ قيلُها
وما خاصَمَ الأقوامَ من ذي خُصومَة ... كَوَرهاء مشْنوء إليها حَليلُها
تَراها إذا التَجّ الخُصومُ كأنما ... ترى رُفقَةً مِنْ ساعةٍ تَسْتَحيلُها
يقول: هي طامحة الطرف عن زوجها، لا تنظر إليه من بغضة، كأنها تنظر إلى رُفقة من مكان
بعيد. وقال الفرزدق:
هَلُمّ إلى ابْنِ عَمّكِ لا تَكوني ... كمُخْتارٍ على الفَرَس الحِمارا
قال أبو عبيدة: فتجاولا زُميناً، لا يُفصل بينهما، وانقطعت إلى امرأة ابن الزبير، بنت منظور بن
زبّان الفزاري، وانقطع هو إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير، وقال له:
أمسَيتُ قَدْ نَزَلتْ بِحَمزَةَ حاجتي ... إنّ المُنَوّهَ باسمِهِ المَوثوقُ
قال أبو عبد الله: ويروى أصبحت قد نزلت. فلم يصنع في حاجته شيئاً. قال:
أمّا بَنوهُ فلَمْ تُقبلْ شَفاعَتُهمْ ... وشُفّعَتْ بنتُ منظورِ بنِ زَبّانا
ليسَ الشفيعُ الذي يأتيكَ مؤتزِراً ... مثلَ الشفيع الذي يأتيكَ عُريانا
ثم قال لابن الزبير:
تخُاصِمُني النّوارُ وغابَ فيها ... كَرَأس الضّبّ يلتمسُ الجَرادا
(3/924)

فقال له ابن الزبير:
ألا تِلْكُمُ عرْسُ الفرزدقِ جامحِاً ... ولوْ رَضيَتْ رَمحَ أستِهِ لاستَقَرّتِ
قال: فلم يزل بها حتى واقعها، وأقبلت من مكة حبلى، وكانت تُشارهُ، فأراد أن يغيظها، فتزوج عليها
غير واحدة. فتزوج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد
الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذُهل بن شيبان. وولد قيس بن مسعود بساطما وبشراً،
وهو السليل، وعمراً، وهو الأحوص، وبجاداً. وولد بسطام بن قيس الأحوص، وزيقاً، وفريصاً،
وفروة، بني بسطام. فحدراء بنت زيق بن بسطام، والأحوص أخوها. والأحوص الكبير عمها.
فتزوجها الفرزدق على، مائة من الإبل.
قال أبو عبيدة: قال جهم: فقالت للفرزدق النوار: ويلك تزوجت أعرابية دقيقة الساقين، تبول على
عقبيها على مائة بعير. فقال الفرزدق: يفضلها عليها ويعيرها بأمها، وكانت أمَة:
لجاريَةٌ بين السليلِ عُروقُها ... وبَين أبي الصّهباء مِنْ آل خالِدِ
قوله أبي الصهباء، يعني بسطاما. والسليل بن قيس أخو بسطام بن قيس.
أحَقٌ بِإغلاء المُهورِ مِنَ التي ... رَبَتْ وهيَ تَنزو في جُحورِ الوَلائِد
وقال الفرزدق أيضاً:
لو أنّ حَدراء تجزيني كما زَعَمتْ ... أنْ سوفَ تفعلُ مِنْ بذْلٍ وإكرامِ
لَكنتُ أطوَعَ مِنْ ذي حَلْقَة جُعلتْ ... في الأنفِ ذَلَّ بتقواد وتَرسامِ
(3/925)

عَقيلَةُ مِنْ بني شَيبانَ تَرفعُها ... دَعائمُ للعُلى مِنْ آلِ همّامِ
مِنْ آلِ مُرّة بَين المُستضاء بهِمْ ... مِنْ بين صِيد مَصاليت وحُكامِ
بينْ الأحاوصِ مِنْ كَلبٍ مُرَكّبها ... وبين قيسِ بنِ مسعودٍ وبِسطامِ
وقال الفرزدق أيضاً:
لَعَمري لأعرابيةٌ في مِظلّة ... تظلّ بَروقَيْ بَيتها الريحُ تخفقُ
كَأمّ غَزالٍ أو كَدُرّة غائص ... إذا ما بَدَتْ مثلَ الغَمامةِ تُشرقُ
أحَبُّ إلينا مِنْ ضِناك ضِفنّة ... إذا رُفعَتْ عنها المَراوِحُ تَعرقُ
كَبطّيخَة الزّرّاع يُعجبُ لَونُها ... صحيحاً ويبدو داؤها حينَ تُفلَقُ
ويروى إذا وضعت عنها المراوح. فأجابه الباهلي:
أعوذُ باللهِ مِنْ غُولٍ مُغَولةٍ ... كأنّ حافِرَها في حَدّ ظُنْبوبِ
ورُكْبتاها سلاحٌ ما يقومُ لها ... إلا الشياطينُ في تلكَ الأعاريبِ
تَستروِحُ الشاةَ مِنْ ميلٍ إذا ذُبحتْ ... حُبّ اللّحامِ كما يستروحُ الذّيبُ
قال: فلما سمعت النوار بعثت إلى جرير، وقالت للفرزدق: أما والله لأخزينّك يا فاسق، فجاءها
جرير، فقالت له: ألا ترى ما قال لي الفاسق؟ وشكت إليه ما قال لها، فقال لها جرير أنا أكفيكه. فقال
جرير:
ألستُ بمُعطِي الحُكمِ عَنْ شِفّ مَنصبٍ ... ولا عَنْ بناتِ الحَنظَليّينَ راغِبُ
(3/926)

ويروى ولا أنا معطي الحكم عن شف منصب. قال: والشف هاهنا النقصان، وقد يكون الشق الفضل
أيضاً. يقال: هذا أشف من هذا، وهذا يشف على هذا، أي يزيد عليه. وقال أبو عثمان: أنشدني أبو
عبيدة:
بَني يَثربي حَصّنوا أينُقاتكُم ... وأفراسكُمْ عنْ نَزو أحمرَ مُسهَمِ
ولا أعرفَنْ ذا الشّقّ يطلبُ شفّهُ ... يُداويِهِ مِنكُمْ بالأديمِ المُسَلّمِ
قوله حصنوا أينقاتكم وأفراسكم، يعني بناتكم وقرائبكم. عن نزو أحمر، عن برذون، ليس بعربي.
وقوله مسهم بعني يجعل له سهم في الغزو. وقوله يداويه منكم بالأديم المسلم، يقول: يُصحح عيب
نسبه وأديمه بأديمكم الصحيح المسلم إذا انكحتموه.
قال أبو عبد الله: يقال أسهم له إذا جعل له سهماً، وسهمه إذا خرج سهمه على سهمه، فكانت له
الغلبة.
وقوله ذا الشف، قد قال النابغة الجعدي في الشف إذا كان فضلا:
فاستَوتْ لِهْزِمَتا خَدّيهِما ... وجرى الشّفّ سواء فاعْتَدَلْ
قال: والشف هاهنا فضل ما بين الحمار والفرس. قال: جرى الفرس حتى لحق بالحمار، فاستويا
فطعنه الغلام.
أراهُنّ ماءَ المُزن يُشفى بِهِ الصدَى ... وكانتْ مِلاحاً غَيرهُنّ المَشارِبُ
قوله أراهن، يعني بنات الحنظليين. والصدى العطش. يقول أرى المشارب إلا إياهن، فضربهن مثلا
للمشارب.
(3/927)

لقدْ كنتَ أهلا إذْ تَسوقُ دِياتكُمْ ... إلى آل زيقٍ أنْ يَعيبَكَ عائِبُ
قال أبو عبد الله: ويروى أن تسوق. وهو أجود في المعنى. وقوله إذ تسوق دياتكم، يريد المائة من
الإبل التي ساقها الفرزدق إليهم.
وما عَدَلَتْ ذاتُ الصّليبِ ظَعينَةً ... عُتَيبَةُ والرّدفان مِنها وحاجِبُ
قوله ذات الصليب، يريد حدراء. وذلك أن أجدادها كانوا نصارى فعيّره بذلك. وقوله ظعينة، يريد
امرأة. قال وأصل الظعينة المرأة تكون على البعير. قال: ثم استعملت العرب الظعينة، حتى صيّروا
المرأة ظعينة بغير بعير، والأصل في ذلك ما خبرتك. وقوله عتيبة، يريد عتيبة بن الحارث بن
شهاب بن عبد قيس بن كُباس بن جعفر بن ثعلبة ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن
تميم، وقد رأس، وكان فارس مضر في زمانه. وحاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن
دارم. وقوله والردفان، عتّاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، وعوف بن هرمي. قال: والردف الذي
يُربض للملك، فيكون القائم بعد الملك، فهو الردف عند العرب في الجاهلية. قال أبو جعفر: والردف
الذي يردف الملك، يعادله في ركوبه، ويجلس في مجلسه.
ألا رُبما لم نُعطِ زِيفاً بحُكمِهِ ... وأدّى إلينا الحُكمَ والغُلُ لازِبُ
قوله والغل لازب، يعني لازماً. ولازب ولازم سواء بمعنى واحد. والعرب تقول ضربة لازب
ولازم، بمعنى واحد، كذلك كلام العرب.
حَوَينا أبا زِيقٍ وزِيقاً وعَمّهُ ... وجَدّةُ زيقٍ قدْ حَوَتها المَقانبُ
قوله حوينا، يريد أخذنا فصار في أيدينا. قال: وأبو زيق، أسره عتيبة ابن الحارث، وأسر زيقاً
وحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بكل ما أورثه قيس بن مسعود: قال: وجدّةُ زيق أم بسطام، وهي ليلى بنت
(3/928)

الأحوص الكلبي. قال: فأتته أم بسطام بثلثمائة بعير، فقبضها عتيبة وجزّ ناصيته وخلّى سبيله.
قال أبو جعفر: إنما كان بسطام عاب على عتيبة مركب أمّه، فحلف أن لا يطلقه حتى يأتيه بمركب
أمّه مع الفداء الذي فارقه عليه. قال سعدان: وعم زيق، السليل بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد
بن ذي الجدين. أسره قيس بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، في يوم جوف دار. قال
وهي أرض هجر - قال أبو عبد الله: جوف وبال وهي أرض هجر - قال: وفي هذا اليوم يقول
نهشل بن حرّي بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم:
وقاظَ ابنُ ذي الجدَّين وسْطَ قبابِنا ... وكرْشاء في الأغلالِ والحَلَقِ السُمْرِ
قوله كرشاء، هو كرشاء بن المزدلف، وهو عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، أسره في هذا
اليوم المُجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر ابن قطن بن نهشل.
ألمْ تعرِفوا يا آلَ زيقٍ فوارسي ... إذا اغبرّ مِنْ كَرّ الطّرادِ الحَواجِب
حَوَتْ هانئا يومَ الغَبيطَينْ خَيلُنا ... وأدرَكنَ بِسطاماً وهُنّ شَوازبُ
شوازب ضوامر. قال: وهانيء بن قبيصة الشيباني، أسره وديعة بن مرثد، من بني أزنم بن عبيد
بن ثعلبة بن يربوع. وقال اليربوعي: ناصية هانيء اليوم عند رجل من بني مازن، يقال له عطّاف
بن زهير الرزامي - وقال أبو عبد الله: لا أحفظ هذا الاسم.
صَبَحْناهُمُ جُرداً كأنّ غُبارَها ... شَابيبُ صَيفٍ يَزدَهيهِنّ حاصِبُ
قوله يزدهيهن، يعني يستخفهن فيذهب بهن. والحاصب الرياح
(3/929)

الشديدة الهبوب، تحمل الحصباء من شدة هبوبها، وفيها تراب وحصى لشدة هبوبها.
بِكُلّ رُديني تَطارَدَ مَتْنُهُ ... كما اخْتَبّ سيدُ بالمَراضَين لاغِبُ
أي صبحناهم هذا وهذا. وقوله بكل رديني هو رمح نسبه إلى ردينة. قال الأصمعي وردينة امرأة
كانت بالبحرين، ثثقف الرماح في الجاهلية معروفة بالفراهة. وقوله تطارد متنه، يعني يهتز إذا هُز.
وقوله كما اختب، هو افتعل من الخبب.
وحدثنا أبو عثمان سعدان بن المبارك، قال: سألت أبا عبيدة عن قوله بالمراضين. قال: هو موضع
معروف، وهو من أرض المدينة، بينه وبينها مسيرة يومين. وقوله لاغب، يعني معيباً وهو من قول
الله تعالى: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} أي إعياء. قال أبو عثمان، فقلت لأبي عبيدة: هو من المدينة على
يومين منها. فقال إذا كان من عملها، وإن كان على يومين أو ثلاثة أيام فهو منها.
جزَى اللهُ زِيقاً وابنَ زيقٍ مَلامةً ... على أنني في وُدّ شَيبانَ راغِبُ
أأهدَيتَ يا زِيقَ بنَ زِيق غَريبَةً ... إلى شر ما تهدَي إليهِ الغَرائِبُ
ويروى وأنكحت يا. وإلى سر ما. وقوله غريبة، يقول: هي من ربيعة، ليست من تميم، فصيرها
غريبة لذلك.
فأمثَلُ ما في صِهْرِكُمْ أنّ صِهْركُمْ ... مجُيدٌ لكم ليّ الكَتيفِ وشاعِبُ
قال: الكتيفة الضبة من الحديد يُخبر أنه حداد.
عَرَفناكَ مِنْ حوضِ الحمارِ لزِنْيَة ... وكانَ لِضَمّاتٍ مِنَ القَين غالِبُ
بَني مالِكِ أدّوا إلى القَين حَقّهُ ... وللقَينْ حقٌّ في الفرزدقِ واجِبُ
(3/930)

أثائِرَة حَدراء مَنْ جُرّ بالنّقا ... وهل في بَني حَدراء للوِتر غالِب
النقا يريد الموضع الذي قُتل به بسطام، يقال له نقا الحسنين. قال أبو عبد الله: لا أعرف إلا نقا
الحسن. ويروى وهل فيك يا حدراء.
أتَثْأرُ بِسطاماً إذا ابْتلّتِ استُها ... وقَدْ بَولّتْ في مِسمَعَيهِ الثّعالِبُ
يعني بسطام بن قيس، قتله عاصم بن خليقة الضبي.
ذَكَرتَ بَناتِ الشمسِ والشمسُ لمْ تَلد ... وأيهاتَ مِنْ حُوقِ الحِمارِ الكواكبُ
ولوْ كُنتَ حُراً كانَ عشرٌ سَياقَةً ... إلى آلِ زِيقٍ والوصيفُ المُقاربُِ
قوله المقارب، يعني الدون. يقول: ما أقربه من الجيد.
فأجابه الفرزدق فقال:.
تقولُ كُليبٌ حينَ مَثّتْ سِبالهُا ... وأخْصَبَ مِنْ مَرّوِتها كُلُّ جانِبِ
مَثّت سالت من الدسم والخصب، كأنها دهنت بالشحم. ويقال مثّت يعني رشحت دسماً، وذلك من
كثرة شرب اللبن، كما يمثّ نحي السمن إذا روي وظهر منه السمن. يقال: قد مثّ يمث مثّا.
لِسُؤبْان أغنام رَعَتْهُنّ أمُهُ ... إلى أنْ عَلاها الشيبُ فوقَ الذّوائبِ
قوله لسؤبان، قال الأصمعي، وأبو عبيدة، جميعاً: السؤبان الرجل المصلح الحسن القيام على المال،
فيقال من ذلك سؤبان مال، وخال مال، وآئل مال، وخائل مال، وسرسور مال، وصدى مال، وعسل
(3/931)

مال، وعائس مال، وإزاء مال، وصصية مال، وعائل مال، كله بمعنى واحد، وذلك إذا كان الرجل
مصلحاً له بحسن القيام عليه. وقال حميد بن ثور الهلالي في إزاء، يصف امرأة بحسن التأني
للمعاش:.
إزاء مَعاشٍ لا تحلُّ نِطاقَها مِنَ الكيسِ فيها سُؤرةٌ وهيَ قاعِدُ
ويروى سورة. ويروى لا يزول نطاقها. أي لا تحله البتة من الخدمة. وقوله فيها سؤرة، يقول هذه
المرأة فيها فضل من قوة، وفيها بقية لإصلاح معاشها. وهي قاعد يقول: هي قاعد عن الزوج، ليست
بنافقة للأزواج. وقال الجعدي في خائل مال:
حلاّ بِأبْلِيّ وراحَ عليهما ... نَعَمُ القَطينِ وعازِبُ الخُوّال
أبلي اسم واد. والقطين التباع والحشم. قال: والخوّال، هاهنا، هم المصلحون للمال، يقال للواحد
خائل، وخوّال للجميع.
ألَستَ إذا القَعساء أنسَلَ ظَهرُها ... إلى آل بِسطامِ بنِ قيسٍ بِخاطِبِ
قال: والقعساء من النساء الداخلة الصلب، العظيمة البطن. وإنما عنى، ها هنا، أتاناً. وهي في غير
هذا الموضع، امرأة على هذه الصفة من دخول صُلبها وعظَمِ بطنها.
وقوله أنسل ظهرها، يقول: طرّت فسقط وبرها القديم، ونبت وبر جديد، وذلك لسمنها.
لَقُوا ابنَي جِعالٍ والجِحاشُ كأنها ... لهُمْ ثُكَنٌ والقَومُ مِيُل العَصائِبِ
قال: ابنا جعال، عطية وأخوه من بني غُدانة بن يربوع. وقوله ثكن،
(3/932)

يعني جماعات، الواحدة ثكنة. ميل العصائب، يعني العمائم من شدة التعب والسير.
فقالا لهُمْ ما بالُكم في بَرادِكُمْ ... أمِنْ فَزَعٍ أمْ حَولَ رَيّانَ لاعَبِ
قوله في برادكم، البُردة، هاهنا، كساء يُزيّن بالعهن، وهو الصوف المصبوغ ألواناً، واحدها عِهن،
وجميعها عُهون. والبَراد جمع بُردة، وهي أكسية من شعر الأعراب، يأتزرون بها. فقال لبني كليب:
ما بالُكم في برادكم كالفزعين؟ أمن فزع هذا، أم أنتم حول ريّان، أي سكران، يلعب فتزفنون معه؟.
فقالوا سَمِعنا أنّ حَدراء زُوّجَتْ ... على مائَة شُمّ الذّرى والغَوارِبِ
قوله شم الذرى، يعني طوال الأسمنة، قال الأصمعي: ذُروة كل شيء أعلاه. والغوارب جمع غارب،
وهو ما اضطمت عليه الكتفان، وهو مقدّم السنام يلي العنق.
وفينا مِنَ المِعزَى تِلادٌ كَأنها ... ظَفاريّة الجَزع الذي في الترائِبِ
قوله تلاد، التلاد ما كان لآبائهم قديماً. قال والطارف، الذي اتخذوه واستطرفوه. وقوله ظفارية
الجزع، يعني جزع ظفار. وظفار باليمن. قال وفي مثل للعرب "من دخلَ ظفار حمّر" يعني تكلم
بالحميرية. فقال: إن المعزى سود وبُلق. قال: وكذلك الجزع أسود في بياض. والترائب واحدتها
تربية، وهو موضع طرف القلادة من الصدر. والمعنى، يقول: إنها لحسان في أعينهم كالجزع الذي
يُلبس على الترائب - أي المخانق - من حسنها، أي خرجوا يعجبون من إبل تُعطى غيرهم – يعني
نفسه - أي خرجوا يعجبون من ابل تُساقُ في مهر حَدراء.
بهِنّ نَكَحنا غالياتِ نسائِنا ... وكُلُ دَم مِنّا عَلَيهنّ واجِبِ
قوله بهن نكحنا، يريد تزوجنا وحقنّا بهنّ أيضاً الدماء.
(3/933)

فقالا ارجعوا إنّا نخافُ عليكُمُ ... يدي كلّ سام مِنْ رَبيعَةَ شاغِبِ
سام، يعني مرتفع الشأن. ومنه سميت السماء لارتفاعها وسُموها. شاغب، أي أنف ذو شغب وجرأة.
فإلاّ تَعودوا لا تجيئوا ومِنكُمُ ... لهُ مسمعٌ غير القُروح الجَوالِبِ
ويروى فالاّ تَكرّوا. ويروى فإلا تفيئوا. يقول تُجدعون فتُقطّع آذانكم فتُقرّح. قال: والجالب من
القروح، الذي قد يبس جلد قرحته، كما قال النابغة الذبياني:
بهنّ كُلومٌ بَينْ دامٍ وجالِبِ
يقول: إلا تعودوا حتى ترجعوا من حيث جئتم، تكن هذه حالكم. يحذرهم ويخوّفهم، والمعنى يقول:
إنْ ذهبتم تخطبون إلى شيبان كما خطبت أنا، رجعتم مجدّعين. لأنه لا إبل لكم تسوقونها في المهور،
أنتم أصحاب معزى.
فلو كنتَ مِنْ أكفاء حَدراء لمْ تَلُمْ ... على دارِميّ بَين ليلى وغالِبِ
فَنَلْ مِثلَها مِنْ مِثلهِمْ ثُمّ لهُمُ ... بَمالَكَ مِنْ مالٍ مُراحٍ وعازِبِ
ويروى بقومك أو مال مراح وعازب. قال: والمراح الذي أريح على أهله من الرعي ليلاً، فبات عند
أربابه. قال والعازب الذي يبيت في الرعي.
وإنيّ لأخشى إنْ خَطَبتَ إليهمِ ... عليكَ الذي لاقَى يَسارُ الكَواعَب
ويروى لو خطبت، ويروى فإنا لنخشى. قال: وكان من حديث يسار، أنه كان عبداً لبني غدانة،
فأراد مولاته على نفسها، فنهته مرة بعد أخرى، فلما أبى إلا طلبها، أطمعته في نفسها، وواعدته أن
يأتيها
(3/934)

ليلاً، فأخبر بذلك عبداً كان يرعى معه. فقال له صاحبه: يا يسار كل من لحم الحوار، واشرب
لبن الغزار، وإياك وبنات الأحرار. فلم يسمع منه. وأتى مولاته لوعدها، وقد أعدّت له موسى، فلما
دخل عليها، قالت له: إني أريد أن أدَخّنك، فإنك منتن الريح. قال: افعلي ما بدا لك. ثم أدخلت تحته
مجمرة، وقبضت على مذاكيره، فبترتها. فلما وجد حر الحديد قال: "صبراً على مجامرِ الكِرام" فذهبت
مثلاً. قال اليربوعي: إنه لمّا دخل عليها قالت له: إني أريد أن أطيّبك، فإن كنت تجزع، فاخرج عني.
قال: ستجدينني صبوراً. فجدعت أنفه وأذنيه. وقطعت شفتيه. فلما نظر صاحبه إلى ما صنعت به،
قال: ويحك يا يسار، أمقبل أم مدبر. قال: اجعل أنف ليس، وأذنين ليس، وشفتين ليس، بصيص
عينين لا تبصر.
ولوْ قَبِلوا منّي عَطيّةَ سُقتُهُ ... إلى آل زيقٍ مِنْ وَصيفٍ مُقاربِ
هُمُ زَوّجوا قبلي ضِراراً وأنكحوا ... لقيطاً وهمْ أكفاؤنا في المَناسِب
ولو تنكحُ الشمسُ النجومَ بَناتِها ... إذا لَنَكحناهُنّ قبل الكَواكِبِ
يقول: لو أن الشمس زوّجت بناتها من النجوم، لتزوجناهن نحن في شرفنا. وهذا مثل ضربه.
وما استَعْهَدَ الأقوامُ من زوجِ حُرّة ... مِنَ الناسِ إلا منكَ أو مِنْ محُارِب
قوله استعهد اشترط. قال: والعرب تقول استعهد من صاحبك أي اشترط عليه.
لعلكَ في حَدراء لمتَ على الذي ... تخَيرّت المِعزَى على كُلّ حالِبِ
ويروى كأنك في حدراء، أراد كالذي تخيرته المعزى.
عطِيّةَ أوْ ذي بُردَتَينْ كأنهُ ... عطيّةُ زوج للأتان وراكِبِ
رد عطية على الذي. ويروى أو ذي شملتين. وقوله الذي تخيّرت
(3/935)

المعزى على كل حالب، أو على ذي، يريد وعلى رجل ذي بُردتين كأنه عطية زوج للأتان.
وراكب خفضه على نعت رجل. يقول:
كأنك في لومك في تزويجي حدراء، لمت على أبيك أو على نفسك.
ثم إن حدراء ماتت قبل أن يصل إليها الفرزدق، وقد ساق إليها المهر، وهي مملّكة. وقد كان سار
إليها ليبتني بها، فوجدها قد ماتت، فترك المهر لأهلها وانصرف. فقال في ذلك:
عَجِبْتُ لِحادينا المُقَحّمِ سَيرهُ ... بِنا مُزحِفاتٍ مِنْ كَلالٍ وظُلّعا
القصيدة.
وقال جرير في ذلك:
يا زِيقُ أنكَحتَ قَيْناً باستْهِ حمَمٌ ... يا زِيقُ وَيحكَ مَنْ أنْكَحْتَ يا زِيقُ
يا زِيقُ وَيحكَ كانت هَفوةً غَبَناً ... فِتيانُ شَيبانَ أم بارَتْ بكَ السُوقُ
يقول جرير لزيق بن بسطام: لو زوجت بنتك فتيان شيبان. وقوله كانت هفوة غبنا أم بارت بك
السوق، لم يرضها أولاد شيبان، فزوّجتها الفرزدق. وقوله أم بارت بك السوق، يعني كسدت. يقال:
بارت عليه تجارته، وبار بيعه، وكذلك إذا كسد. من قول الله تعالى: {تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}.
غابَ المُثنى فلمْ يشهدْ نَجِيّكُما ... والحَوفَزانُ ولم يَشهدكَ مَفْروقُ
أينْ الألىَ أنزلوا نُعمانَ ضاحِيةً ... أم أينَ أبناء شَيبانَ الغَرانيقُ
يا رُبّ قائِلَةٍ بعدَ البِناء بِها ... لا الصّهرُ راضٍ ولا ابنُ القَين مَعشوقُ
(3/936)

فأجابه الفرزدق، فقال:
إنْ كانَ أنفُكَ قَدْ أعياكَ محمِلُهُ ... فارْكَبْ أتانَكَ ثمّ اخْطُبْ إلى زيقِ
ويروى إن كان أنفك قد أبزاك محمله. يعني أعياك وأثقلك. وأبزاك أجود. أبزاك أي غلبك وأثقلك.
وقال معن لن أوس المزني:
وإنيّ أخوكَ الدائمُ العَهْد لمْ أحُلْ ... أنَ أبزاكَ خَصمٌ أوْ نَبا بِكَ مَنزلُ
قوله أبزاك خصم، يقول أن أعياك خصم فغمّك وأثقلك أمره، فأنا بذلك زعيم.
(3/937)

قال أبو عبيدة: قال أعين بن لبطة: فدخل الفرزدق على الحجاج بن يوسف، فقال له الحجاج:
أتزوجت نصرانية على مائه بعير؟ فقال له عنبسة بن سعيد: إنما ذلك ألفا درهم. فقال الحجاج: ليس
غير يا أبا كعب، أعطه ألفى درهم. قال: فقدم الفضيل العنزي - ويكنى بأبي بكر - بصدقات بكر بن
وائل، وكان له في الفرزدق هوىً، فاشترى منه الفرزدق مائة فريضة بألفين وخمسمائة درهم فقال
للفرزدق: أثبتها لي في أدائي عند أبي كعب. فأتى الفرزدق أبا كعب، فأخبره الخبر. فقال له: أمهل
فإن، هاهنا، خمسمائة درهم، فصَلّ مع الأمير الظهر؛ وأخبره أنك اشتريت من الفضيل مائة فريضة
بألفين وخمسمائة. على أن تُثبتها له في أدائه، فإنه قد نسى. ففعل الفرزدق ذلك. فقال الحجاج: ادعُ يا
سرجس، يعني أبا كعب. قال أعين ابن لبطة: وقال الفرزدق: فرجّبته أن أناديه باسم يكرهه، فسمعها
أبو كعب. وقال: لبيك. وأقبل فقال: أثبت للفضيل ألفين وخمسمائة درهم. وقال فدخل فقلت لأبي
كعب: تعلم والله أنه قد قال لي، فأبيت أن أدعوك. فقال: قد سمعت. وقال بعد: أخزاه الله ما آذاه
للصاحب. وقال الحرمازي: قال له أبو كعب: أصلحك الله، وإنما هي فرائض بألفي درهم. قال:
كذلك! قال: نعم. قال: يا أبا كعب، أعطه ألفي درهم. فاشتريت منه مائة بألفي درهم وخمسمائة درهم،
على أن أثبتها له في الديوان. وإنما أمر له الحجاج بألفي درهم. قال: فصليت معه الظهر، حتى إذا
سلّم، خرجت فوقفت في الدار، فرآني فقال: مهيم. فطالعته فقلت: إنّ الفضيل العنزي قدم بصدقة بكر
بن وائل، فاشتريت منه مائة بألفين وخمسمائة درهم، على أن تُحسب له. فإن رأى الأمير أن يأمر
بإثباتها له. فقال: ادعُ سرجس - وهو اسم أبي كعب - قال: فناديت يا سرجس. فأجاب. فأمره أن
يُثبت للفضيل
(3/938)

ألفين وخمسمائة درهم، ونسي ما كان أمر بي لي. قال الفرزدق: فلما دخلت، اعتذرت
إلى أبي كعب من مناداتي باسمه، ولم أناده بكنيته. فقال: صدقت قد والله تمرّد فأخزى الله صحبته.
قال: فلما جاء بها، أبت النوار أن يسوقها كلها، وألحت عليه، فحبس بعضها، وامتار عليها طعوما
وكسى، وما يحتاج إليه أهل البادية، ثم رمى بها الطريق، ومعه أوفى بن خنزير، أحد بني التيم بن
شيبان بن ثعلبة دليله. وقال غيره: إنم نزل عليه حيث وجدها ماتت.
قال أعين: فلما كان في أدنى الحواء والقباب، رأوا كبشاً مذبوحاً. فقال الفرزدق: يا أوفى، هلكت
والله حدراء - تطير من الكبش الفرزدق -. فقال: هذا سبحان الله ما لك بذلك من علم. قال: فجاء
حتى وقف على أبيها زيق في مجلس قومه، فقال له: انزل فهذا البيت، وأما حدراء فقد هلكت -
وكان أبوها نصرانياً - وقد عرفنا في دينكم الذي يصيبك من ميراثها النصف، فهو لك عندنا. قال: لا
والله لا أرزؤك منه قطميراً، وهذه صدُقتها فاقبضها. فقال: يا بني دارم، والله ما شاركنا أكرم منكم
لأصهاركم في الحياة، ولا أكرم منكم شِركة في الممات. وقال الفرزدق في ذلك:
عَجِبتُ لِحادينا المُقَحّم سَيرهُ ... بِنا مُزحِفاتٍ مِنْ كَلال وظُلّعا
قوله المقحم سيره، هو السائر أشد السير يحملها على كل حزن وسهل. قال: والحزن من الأرض ما
خشُن وغلظ، والسهل ما سهُل ولان، وهان على الإبل، السير فيه. ويقال المقحّم الذي يسير مرحلتين
في مرحلة. قال: والمُزحف من الإبل، الذي قد قام من الإعياء فلا يسير وليست به قوة. والظالع
العاتب، يطلع ويعتب أي يعرج.
لِيُدْنينَنا ممّن إلينا لِقاؤهُ ... حبيب ومن دارٍ أردنا لتجمعَا
(3/939)

ولو نعلمُ العلمَ الذي من أمامنا ... لكرَّ بِنا الحادي الركاب فأسرعا
لقلتُ أرجعنها إنَّ لي من ورائها ... خَذولي صِوارٍ بين قُفّ وأجْزَعا
قال أبو عبد الله: ويروى أرجعاها. وقوله خدولى صوار، يعني بقرتين وحشيتين، وإنما أراد
امرأتين. قال سعدان. والصوار القطيع من بقر الوحش. والقُف ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن
يكون جبلاً. قال: والأجرع رملة سهلة.
مِنَ العُوج أعناقاً عقالُ أبوهمُا ... تَكونان للعينينِ والقلبِ مَقْنَعا
نَوارُ لها يومانِ يومٌ غَريزَةٌ ... ويومٌ كغَرثَى جِروها قد تَيَفّعا
قوله ويوم كغرثى، يعني كلبؤة تيفّع شبّ جروها وكفى نفسه. يقال غلام يفعة، وغلمان أيفاع، وهم
الذين شبّوا وأدركوا.
يقولونَ زُرْ حَدراء والتربُ دونهَا ... وكيف بِشيء وصلُهُ قد تَقَطّعا
ولستُ وإنْ عَزّتْ عليَ بِزائر ... تُراباً على مَرموسَة قد تَضَعْضَعا
قوله مرموسة يعني مدفونة. وتضعضع يقول اطمأن.
وأهونُ مَفقودٍ إذا الموتُ نالَهُ ... على المرء مِنْ أصحابِهِ مَنْ تَقنّعا
قوله وأهون مفقود، أراد هذه المرأة المدفونة. يقول: إذا دفن أهل الميت ميتهم، هان عليهم أمره إذا
طال به الزمن، لأنهم يئسوا منه. يقول: المرأة أهون فقداً من الرجل.
يقولُ ابنُ خِنزير بَكيتَ ولمْ تكُنْ ... على امرأة عيني إخالُ لِتَدْمَعا
ابن خنزير أوفى خنزير الشيباني دليله.
(3/940)

وأهونُ رُزء لامرِئ غير عاجِزٍ ... رَزيّةُ مُرتَجّ الرّوادِفِ أفرعَا
الروادف يريد العجز وما والاها، والعجز الردف. أفرع طويل الشعر وامرأة فرعاء.
وما ماتَ عندَ ابنِ المَراغَة مثلُها ... ولا تَبِعَتْهُ ظاعِناً حيثُ دَعْدَعا
رواية أبي عمرو ودّعا. قوله دعدعا، يقال من ذلك دعدع الرجل بالبهم، فهو يُدعدع، وذلك إذا دعاها
وصلح بها.
لَعمري لقدْ قالت أمامَةُ إذْ رَأتْ ... جَريراً بِذاتِ الرّقْمتَينْ تَشَنّعا
ويروى ألم ترَ ما قالت. ويروى جريراً لذات الرقمتين. وهو أجود. وذات الرقمتين أتانه. قوله
بالرقمتين هو موضع معروف. وقوله تشنّعا، يعني هَمّ أن يأتي أمراً شنيعاً. قال: وهو ما هَمّ به من
نكاح الأتان. والتشنع الانكماش في السير وغيره. قال: والناقة والعُقاب الشّناع، الجادة السريعة المر.
وأنشدنا الأصمعي في ذلك:
وقَدْ أسلىَ الهُمومَ إذا اعترتْني ... بِحَرفٍ كالمُوَلّعَة الشّناع
أراد الفرزدق أن جريراً ينكح الأتان.
أمُكْتَفِلٌ بالرّقْم إذْ أنتَ واقِفٌ ... أتانَكَ أم ماذا تُريدُ لتَصنَعا
ويروى بالرزن أي الوهدة. والمعنى أنه ينزو عليها ويركب كفلها. وقوله أمكتفل، يعني يجعله كِفلا
ثم يركبه. قال: والكفل كساء يدار حول السنام، يشد بحقب البعير، فيركب به الرائض والأخير.
رأيتُكَ تغشَى كاذَتَيها ولم تكُنْ ... لِتركَبَ إلاَ السّحوج المُوَقّعا
قال: الكاذتانِ أعلى الفخذين حيث يوسم بالحلقتين. وقوله ذا
(3/941)

السحوج الموقع، يعني بظهرها آثار الدبر. زعم أن الأتن حلائله، وإن مركبه الحمر. ويروى:
رأيتكَ تَغشَى السارياتِ ولم تكُنْ ... لِيركَبَ إلا ذا الضلوع المُوَقّعا
يقال: إن الحمير لا تقر بالليل، تسري وترعى.
دَعَتْ يا عُبيدَ بنَ الحَرامِ ألا ترى ... مكانَ الذي أخزَى أباكَ وجَدّعا
أأعيا عليكَ الناس حتى جعلتَ لي ... حليلاً يُعاديني وآتُنَهُ معا
يقول: آتنه ضرائري. والحرام بن يربوع، وإنما لقّب باسم أمه الحرام بنت العنبر بن عمرو بن
تميم. وهو أيضا كان يلقب بالعنبر. والحليل، هاهنا، الحمار أي ينزو على أتانه، وهو ينزو على
أهله.
فأجابه جرير فقال:
أقَمنا ورَبّتْنا الدّيارُ ولا أرَى ... كَمَرْبَعنا بينَ الحَنيّين مَربَعا
ويروى فحيّتنا الديار. يقول كأنها من معرفتها بنا حيّتنا. وقوله وربّتنا الديار، يريد أصلحت حالنا،
يعني ترُبنا تُصلح حالنا. والمربع الموضع الذي أقام فيه القوم في الربيع حتى انقضى. والحنيّان
واديان معروفان، كذلك فسّره الأصمعي وأبو عبيدة.
ألا حَبّ بالوادي الذي ربما نَرى ... بِهِ مِنْ جميع الحَيَ مَرأى ومَسمَعا
ويروى ألا حبذا الوادي. قال: ألا حبّ الوادي فأقحم الباء كما قال الراعي: لا يقرأنَ بالسِّور. يريد لا
يقرأن السور فأقحم الباء لتقويم الوزن.
ألا لا تَلوما القلبَ أنْ يتَخَشّعا ... فقدء هاجَتِ الأحزانُ قلباً مُفَزّعا
(3/942)

وجودا لهِند بالكَرامَة منكما ... وما شئْتُما أنْ تمنعا بَعدُ فامنَعا
وما حَفَلتْ هندٌ تَعَرُّضَ حاجتي ... ولا يومَ عيني الغِشاشَ المُرَوعا
قوله تعرض حاجتي، يريد تعسّرها علي. قال: والغشاش النوم القليل، كقولهم في مثل ذلك: نومهم
كلا ولا، يعني قليلاً.
بِعَينَي مِنْ جارٍ على غَربِة النّوَى ... أرادَ بِسُلْمانِينَ بَيْناً فوَدّعا
ويروى بأهلي من. وقوله على غربة النوى، أراد على بعد النوى. وقوله بسلمانين هو موضع
معروف. قال: والبين الفراق.
لعلّك في شَكَ مِنَ البَينِ بَعدما ... رَأيتَ الحَمامَ الوُرْقَ في الدّارِ وُقّعا
يعني أتشك في البين، وقد احتمل أهل الدار، فوقعت فيها الحمام.
كأنّ غمَامَا في الخُدورِ التي غَدَتْ ... دَنا ثمّ هَزّتْهُ الصبا فترَفّعا
قوله كأن غماماً في الخدور، شبّه النساء في خدورهن بالغمام في بياضه وصفاء لونه وحسنه. وقوله
هزّته يريد استحثته. قال أبو جعفر: هزّته حرّكته. وقوله دنا يريد دنا من الأرض. يقول: هذه الصبا
من الرياح، هزت الغمام فرفعته في السماء.
فليتَ رِكابَ الحَيّ يومَ تحَمّلوا ... بحَومانةِ الدّرّاجِ أصبَحنَ ظُلّعا
ويروى فليت جِمال. قال: الحومانة موضع غليظ منقاد، والجمع حوامين. قال: والدّرّاج قنفذ رمل
من قنافذ الدهناء، وهي القطعة منه.
(3/943)

بَني مالِكٍ إنّ الفرزدقَ لمْ يزَلْ ... فلُو المَخازِي مِن لَدُنْ أنْ تَيَفعّا
ويروى لدن ترعرعا. وقوله تيفّع، يريد تحرك للبلوغ. وقوله فلو المخازي، يقول: تُربيه المخازي.
والفَلُو المهر الصغير ما دام مُرضعاً.
رميتُ ابنَ ذي الكيرَينِ حتى ترَكتُهُ ... قَعودَ القوافي ذا غُلوبٍ مُوَقّعا
قوله قعود القوافي، يقول: ركبته القوافي كما يركب القعود، وتتابعت عليه، حتى أثّرت في جنبيه
كأثر العلوب، وهي آثار الدبر. وقوله موقّعا، قال: الموقّع الذي به آثار دبر في ظهره وجنبيه.
وفَقّأتُ عيني غالِبٍ عَندَ كِيره ... وأقلعْتُ عَنْ أنفِ الفرزدقِ أجدعا
مَدَدتُ لهُ الغاياتِ حتى نَخَسْتُهُ ... جريحَ الذُنابا فانيَ السّنَّ مُقطَعا
قال: إنما هذا مثل ضربه. وجريح الذنابا، يريد العجز، وإنما جعله جريحاً لشدة السَّوق. ومقطع
كبير. يعني قد انقطع ضرابه. قال: يعني لم أزل أنخسه حتى فنيَ سنه وهرم.
ضَغا قِردُكُمْ لمّا اختَطفتُ فؤادَهُ ... ولابن وثيلٍ كانَ خدكَ أضرعَا
قوله ولابن وثيلٍ، يعني بابن وثيل، سحيم بن وثيل الرياحي.
وما غَرّ أولادَ القُيونِ مجُاشِعاً ... بِذي صَولَةٍ يحمي العَرينَ المُمَنّعا
قوله بذي صولة، يعني الأسد. والعرين موضع الأسد.
ويا ليتَ شِعري ما تقولُ مجُاشِعٌ ... ولمْ تترِكْ كَفّاكَ في القَوسِ مَنْزَعا
قال: والمعنى في ذلك يقول: بقيت ليس عندك نفع لنفسك ولا دفع عنها. ويروى:
فيا ليتَ شِعري ما تعنَّى مجاشع ... ولم يَتركْ عُقدانُ في القَوسِ مَنزعَا
(3/944)

وعقدان لقب به الفرزدق، وهو قصير عريض، وأغرق في النزع لم يُبق غاية في الهجاء، فلم
يصنع شيئاً فما تتعنى مجاشع بالمفاخرة، وما تتمنى منها - وكان جرير أيضاً قصيراً دميماً - ويروى
تعنّى وتغنّى جميعاً يعني تُغنّي بهجائي.
وأية أحلامٍ رَدَدْنَ مجُاشِعاً ... يَعُلّونَ ذِيفاناً مِنَ السّمّ مُنْقَعا
قال: الذيفان السم القاتل المعجل الموحّي. قال: والعلل شُرب بعد شُرب.
ألا رُبما باتَ الفرزدقُ قائِماً ... على حَرّ نارٍ تتركُ الوجهَ أسفَعا
ويروى نائماً على خزيات. قوله أسفعا، يعني متغيراً. تقول من ذلك سفعته الشمس، وذلك إذا غيّرت
لونه من حر أو سفر يغير لونه.
وكانَ المخازِي طالَما نَزلتْ بِهِ ... فيُصبحُ منها قاصرَ الطرف أخضعا
وإنّ ذيادَ الليلِ لا تستطيعهُ ... ولا الصبحَ حتى يستنير فيسطعا
تركتُ لكَ القينينِ قيني مجاشِعٍ ... ولا يأخذان النصفَ شتى ولامَعا
ويروى قرنت لك القينين. وقوله القينين، قيني مجاشع، يريد الفرزدق والبعيث. وقوله معاً يعني
جميعاً.
وقدْ وجداني حينَ مُدّتْ حبالُنا ... أشدّ محُاماةً وأبعدَ مَنزَعا
وإني أخو الحربِ التي يُصطلى بها ... إذا حملتهُ فوقَ حالٍ تَشَنّعا
وأدركتُ مَنْ قَدْ كانَ قبلي ولم أدَعْ ... لمن كانَ بعدي في القصائد مَصنَعا
تَفَجّعَ بِسطامٌ وخبرّهُ الصّدَى ... وما يمنعُ الأصداء ألاّ تَفَجّعا
ويروى وما منع الأصداء. وقوله تفجع بسطام، يعني في قبره. يقول: عظُم عليه واستنكر تزوج
الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام. قال:
(3/945)

والصدى طائر. وذلك أن العرب في قديمها في الجاهلية
كانت تقول إذا مات الميت: خرج الصدى من هامة الميت وعظامه. وقول إذا قُتل الرجل مظلوماً:
إنه يخرج الصدى، وهو طائر من هامته، فيقول: اسقوني اسقوني، فلا يزال ذلك الصدى يصيح،
حتى يُدركوا بدمه، ويأخذوا بثأره فإذا أخذوا بثأره سكن الصوت. كذلك قول العرب.
وقالَ أقَيناً باشرَ الكيرَ باستِه ... وأغرلَ رَبّتهُ قُفيرةُ مُسبَعا
ويروى وقال أقين نافخ الكير باسته. وقال: مسبع دعي، يعني مُهملاً تُرضعه داية، ولم يحفظه أحد.
سيتركُ زِيقٌ صِهر آل مجاشِع ... ويَمنَعُ زِيقٌ ما أرادَ ليمنعا
أتعدلُ مَسعوداً وقَيساً وخالداً ... بِأقيانِ ليلى لا نرى لكَ مَقْنَعا
ولّما غَرَتُمْ مِنْ أناسٍ كريمَة ... لَؤمْتُمْ وضِفْتُمْ بالكَرائِم أذْرُعا
فلوْ لم تُلاقُوا قومَ حَدراء قَومَها ... لوسّدَها كيرَ القُيونَ المُرَقّعا
ويروى لوسّدتها. أي لو لم تُلاق قومها رجلاً منعوك أن تصل إليها، لوسّدتها كيرك.
رَأى القَينُ أختانَ الشّناءة قدْ جَنَوا ... مِنَ الحربِ جَرباء المَساعِر سَلْفَعا
قال المساعر يريد به المغابن. وسلفع جريئة منكرة.
وإنّكَ لو راجعت شيبانَ بعدها ... لأبتَ بِمَصلومِ الخَياشيمِ أجدعا
وقوله ساعفت يعني قاربت. ومصلوم يريد مقطوعاً من أصله. وهو قول العرب: اصطلمهم وذلك إذا
أتى عليهم وذهب بهم. ويروى لو عاودت.
إذا فَوّزَتْ عن نهرَبينَ تَقاذَفَتْ ... بحَدراء دارٌ لا تريدُ لتَجمَعا
(3/946)

قوله عن نهربين يريد ديار بني شيبان بالجزيرة. وقوله تقاذفت، يعني تباعدت. يقول: يقذف بها
السائق من أرض إلى أرض ومنه قالت العرب: نوى قذوف، أي بعيدة.
وأصحَتْ رِكابُ القَين مِنْ خَيبةِ السرى ... ونقل حَديدِ القين حسرى وظُلّعا
ويروى وحمل حديد القين. ويروى وحمل حديد العبد.
وحدراء لو لم يُنجِها اللهُ بُرّزَتْ ... إلى شَرّ ذي حَرْثٍ دَمالاً ومَزْرَعا
ويروى لو لم يُنجها الله قُرّبت. وقوله دمالاً، قال الأصمعي وأبو عبيدة: الدمال السرقين.
وقد كانَ نجساً طُهّرتْ مِنْ جمِاعِهِ ... وآبَ إلى شرّ المَضاجِع مَضجَعا
قوله وآب، يعني الفرزدق. يقول رجع الفرزدق إلى شر المضاجع، يعني نوار أنها ضجيعته.
وآبَ إلى خَوّارَةٍ مِنْ مجُاشِع ... هيَ الجَفرُبَلْ كانت مِنَ الجَفرِ أوْسَعا
خوارة ضعيفة. يقول: رجع الفرزدق إلى نوار وسمّاها خوّارة نسبها إلى الضعف والنقص. قال:
والجفر البئر غير المطلوبة. قال: وإنما يريد أنها غير محكمة العقل.
مَتى يَسمَع الجيرانُ قَبْقَبَةَ أستِها ... طُروقاً وضَيفاها الدخيلان يَفزَعا
فإن لكمْ في شأن حَدراءَ ضَيْعَةٌ ... وجارُبَني زَغْدِ أستها كانَ أضيَعا
أي جعلتم ذكركم حدراء، وما فاتكم منها شُغلا لكم كما تشغل الطيعة صاحبها. أصل الزغد قطعة تبدر
من النحي عند دوسه فشبه خروج الفرزدق به، أي بدر كما بدرت الزغدة.
(3/947)

حمُيدَةُ كانَتْ للفرزدق جارَةً ... يُنادِمُ حَوطاً عِندها والمُقَطّعا
قال أبو عبيدة: حُميدة من بني رزام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وكانت امرأة معبد
السليطي، فخرج إلى خراسان، فكان يُحدّث جُلساءه بجمالها، ويتشوق إليها، حتى همّ أن يعصي
ويرجع، حتى وقعت في قلب حوط بن سفيان، فقال لمعبد: قد بدا لي أن ألحق بالبصرة، فكتب معه
معبد إلى حُميدة، فلما قدم أتاها بكتاب زوجها معبد، وقال: لا أدفعه إلا إليها. فبرزت له، فكلمها،
وأوقع إليها شيئاً من أمره الذي يريد من حبه لها، فلم يزل يختلف إليها ويخدعها، حتى هربت
واختبأت في رحله حولا، ثم دُلّ عليها أهلها، وقد حملت. فأتي بها عبد الرحمن بن عبيد العبشمي،
وكان على شُرطة الحجاج، فرجمها في مقبرة بني شيبان. فجعل جرير الفرزدق خدنا لها، وعيّره بها،
لأنها من بني مالك، فقال القائل في ذلك:
رِزاميةٌ كانَ السّليطِيُّ معبدٌ ... بها مُعجباً إذْ لا يخافُ الدّوائرا
قال الأصمعي: وجعل الصبيان يتكلمون بذلك، ويقولون في طرقهم وأفنيتهم:
يا حُميدَ الحُمَدِيّةْ ... لِمْ زَنيتِ يا شَقيّهْ
لَبِثَتْ حَولاً كَريتاً ... في حِجالِ السُنْدُسيّهْ
سأذكر ما لم تذكروا عند منقرٍ ... وأثني بعارٍ من حُميدةِ أشنعا
ويروى سأذكر ما لم تُنكروا.
وجِعْثِنُ نادَتْ بِاستِها يالَ دارِم ... فلمْ تَلقَ حُرا ذا شَكيم مُشجّعا
الشكيم الطبيعة والخليقة الشديدة. قال: الشكيمة الحد، يعني حد السلاح، وقوله مشجعا، قال: الناس
يقولون إنه لشديد، إنه لشجاع، يريد فالناس يشجعونه فيما بينهم، وينسبونه إلى الجُرأة.
(3/948)

تَناوَمتَ إذْ يَسمُو أيبُ بنُ عَسْعَسٍ ... على سَوأة راءى بها ثُمّ سَمّعا
تَعَسّفَتِ السيدانَ تدعُو مجاشعاً ... وجُرّتْ إلى قيس خَشاخشَ أجمعا
ويروى وباتت بذي السيدان تدعو مجاشعاً. وقد قطعت جنبي خشاخش. وقوله خشاخش جبل من
الدهناء إلى الحفر، حفر بني سعد. ويروى وقد جررت.
وقَدْ وَلَدت أمُ الفرزدقِ فَخّةً ... ترى بينْ رِجلَيها مَناحِيَ أربعا
قوله فخة، يعني ضخمة واسعة. قال: والمناحي واحدتها مناة، وهي طرق السانية من البئر إلى
منتهاها.
وقَدْ جَرْجَرَتْهُ الماء حتى كأنها ... تُعالجُ مِنْ أقصى وجارَين أضبعا
ولو حمَلَتْ للفيلِ ثُمّتَ طَرّقَتْ ... بِفيلَين جاءا مِنْ مَثابرِها معا
قوله من مثابرها، قال: المثابر الرحم حيث يجتمع الولد.
ولو دُخّنَتْ بعدَ العِشاء بمجمَر ... لمَا أنصرَفَتْ حتى تَبولَ وتَضفَعا
لقد أولعَتْ بالقَينْ خُورُ مجاشِع ... وكانَ بها قَين العُدَيلَة مُولَعا
تَرَكْتُمْ جُبيرا عندَ ليلى خَليفَةً ... أصَعْصَعَ بئسَ القَين قَينُكَ صَعْصَعا
وما حَفَلَتْ ليلى مَلامَةَ رَهْطها ... ولا حَفِظَتْ سرّ الحَصان المُمَنّعا
دعاكُمْ حواريُّ الرسول فكُنْتُمُ ... عضاريطَ يا خُشب الخلاف المصرعا
قوله حواري الرسول، يعني الزبير حين غدر به ابن جرموز فقتله عمداً، فختم الله له بالشهادة.
أبانَ لكم في غالِبٍ قَدْ عَلمُتُم ... نَجارُ جُبيرْ قبلَ أنْ يتَيفّعا
أغَرّكَ جارٌ ضَلّ قائِمُ سَيفِهِ ... فلا رَجَعَ الكَفين إلا مُكَنّعا
(3/949)

قوله إلا مكنعا، قال: المكنع. قال أبو عبد الله: المكنع المقبّص.
وآبَ ابنُ ذَيّال جميعاً وأنتُمُ ... تَعُدونَ غُنْماً رَحْلَهُ المُتَمَزّعا
جميعاً لم يُفّل ولم يؤخذ منه شيء.
فلا تَدْعُ جاراً مِنْ عِقالٍ تَرى لَهُ ... ضَواغطَ يُلْثِفْنَ الإزارَ وأضرعا
الضواغط جمع ضاغط. وهو، هاهنا، كثرة لحم أصول الفخذين، حتى يضغط أحدهما صاحبه، فيُبلّ
إزاره. شبهه بضاغط البعير. وأضرع شبهه بالمرأة أي له ضرعان كالمرأة. يقال أراد أنه آدر، فشبه
أدرته بضرع.
فلا قَين شرّ مِنْ أبي القَينْ مَنزِلا ... ولا لومَ إلاّ دونَ لومِكَ صَعْصَعا
تَعُدّونَ عَقْرَ النَيبِ أفضَلَ سَعيكُمْ ... بَني ضَوطَرَى هَلاّ الكَمِيّ المُقَنّعا
وتَبكي على ما فاتَ قبلكَ دارماً ... وإنْ تَبكِ لا تتركْ بعَينكَ مَدْمَعا
لَعَمْرُك ما كانتْ حماةُ مجاشِع ... كِراماً ولا حُكّامُ ضَبّةَ مَقْنَعا
قال أبو عبيدة: وذلك أن حكام ضبة أعانوا الفرزدق على جرير. قال: وذلك أنهم كانوا أخوال
الفرزدق. وقوله مقنعا، يعني لم يكونوا رضىً يُقنع بهم.
أتَعْدِلُ يَربوعاً خَناثَي مجاشِع ... إذا هُزّ بالأيدي القَنا فتَزَعْزَعا
ويروى بخور مجاشع. ويروى إذا هزّت الأيدي القنا.
تُلاقِي ليربوعٍ إيادَ أرومَةٍ ... وعِزّا أبَتْ أوتادُهُ أنْ تُنَزّعا
ويروى أرمت ليربوع. الإياد ما استقبلك من الجبل والأجمة أو من الرمل. وأنشد:
(3/950)

مُتّخِذاً منها إياداً هَدَفا
وَجَدْت ليربوعٍ إذا ما عَجَمْتَهُمْ ... مَنابِتَ نَبْعٍ لم يخالِطْنَ خِرْوَعا
هُمُ القومَ لو باتَ الزُّبير إليهِمُ ... لمَا باتَ مَفلولاً ولا مُتَطَلّعا
ويروى هم لو هم. ويروى لو ثاب الزبير.
وقَدْ عَلمَ الأقوامُ أنّ سُيوفَنا ... عَجَمْنَ حديد البَيض حتى تَصَدّعا
ألا رُبّ جَبّارٍ عليه مَهابَةٌ ... سَقَيناهُ كأسَ المَوتِ حتى تَضَلّعا
قوله تضلعا، يعني حتى انتفخت أضلاعه من الري. قال الأصمعي: إنما هذا مثل، وإنما المعنى قتلناه
فانقطع ذكره.
نَقودُ جِياداً لم تقُدها مجاشِعٌ ... تكونُ مِنَ الأعداء مَرأى ومَسمَعا
تَدارَكْنَ بِسطاماً فأنزلَ في الوَغا ... عناقاً ومالَ السرجُ حتى تقعقعا
دَعا هانيء بَكراً وقَدْ عَضّ هانِئاً ... عُرضى الكَبلِ فينا الصيفَ والمُترَبّعا
ويروى القيظ، وقوله دعا هانئ يعني هانئ بن قبيصة الشيباني.
ونَحنُ خَضَبْنا لابنِ كَبْشَةَ تاجَهُ ... ولاقَى امرءاً في ضَمةِ الخَيل مِصقَعا
قوله في ضمة الخيل، أي اجتماع الخيل ومثلها الكبة.
وقابوسَ أعْضَضْنا الحديدَ ابنَ مُنذِر ... وحَسّانَ إذْ لا يَدفَعُ الذُلّ مَدْفَعا
وقد جَعلتْ يوماً بِطخْفَةَ خَيلُنا ... مجَرّا لذي التاج الهُمامِ ومَصرعا
وقد جرّبَ الهِرماسُ أنّ سيوفَنا ... عَضِضْنَ بَرأسِ الكَبشِ حتى تَصَدّعا
عضضن بفتح الضاد وكسرها. قال أبو عبد الله: الرواية وقد جرّب الهرماس وقع سيوفنا.
(3/951)

ونحنُ تَدارَكنا بَحيراً وقدْ حَوى ... نِهابَ العُنابَين الخَميسُ ليربَعا
ويروى الخميس فأسرعا. يريد بحير بن عبد الله بن سلمة بن قُشير. قوله ليربعا، قال: ليأخذ ربع ما
أخذ القوم، فأراد أنّ الرئاسة لنا من دون الناس.
فعايَنَ بالمَرّوتِ أمنَعَ مَعشرَ ... صَريخَ رياحٍ واللواءَ المُزعزَعا
فَوارِسَ لا يدعونَ يالَ مجاشِع ... إذا كانَ يوماً ذا كَواكبَ أشنَعا
ويروى إذا كان يوم ذو كواكب. يرفع اليوم ورفع ذو. ويروى يال مجاشع. هم المانعون السبى أن
يُتمرعا. يريد إذا كان يوم تُرى فيه الكواكب. وهذا مثل. لأن الكواكب لا تُرى بالنهار. وإنما تضربه
العرب مثلاً لليوم الشديد الصعب.
ومِنّا الذي أبلى صُدَيّ بنَ مالِكٍ ... ونَفّرَ طَيرا عَنْ جُعادَةَ وُقّعا
مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة.
فَدَعْ عَنك لَوماً في جُعادَةَ إنما ... وَصَلناهُ إذ لاقَى ابنَ بَيْبَةَ أقْطَعا
ضرَبنا عَميدَ الصّمّتَين فأعوَلَتْ ... جَداعٌ على صَلت المَفارِقِ أنزَعا
أخَيلُكَ أم خَيلي ببلقاءَ أحرَزَتْ ... دَعائِم عَرش الحَيّ أنْ يَتَضَعْضَعا
ولوْ شَهدَتْ يومَ الوَقيطَينِ خيلُنا ... لما قَاطَتِ الأسرى القِطاطَ ولَعْلَعا
قال: القطاط ولعلع واديان معروفان كانت الأسرى فيهما. ويروى القطاط وهو موضع.
رَبَعنا وأردَفنا المُلوكَ فَظلّلوا ... وطابَ الأحاليبِ الثُّمامَ المُنَزّعا
فتِلكَ مُساعٍ لم تَنَلها مجاشِعٌ ... سَبُقتَ فلا تجزع مِنَ الموتِ مجزَعا
قال أبو عبيدة: كان جرير اشترى جارية من زيد بن النجار، ومولى
(3/952)

لبني حنيفة، ففركت جريراً، وجعلت دمعتها لا ترقأ بكاء على زيد، وحباً له.
فقال جرير في ذلك:
إذا ذَكَرتْ زَيداً تَرَقرَقَ دَمعُها ... بِمَطروفَة العينينْ شَوساء طامِحِ
تُبَكّي على زيدٍ ولم تَرَ مثله ... صحيحاً منَ الحُمى شديدَ الجَوانحِ
ويروى ولم تلقَ مثلهُ بريئاً.
أعَزّيكِ عمّا تعلمينَ وقد أرى ... بعينيكِ من زيد قذىً غيرَ بارِحِ
فإن تقصدي فالقَصدُ مني خليقةٌ ... وإنْ تجمحي تلقي لِجامَ الجَوامحِ
فأجابه الفرزدق فقال:
إذا ما العَذارى قُلْنَ عَمّ فَلْيتَني ... إذا كان لي اسماً كُنتُ تحتَ الصفائحِ
دَنَوْنَ وأدناهن لي أن رَأينَني ... أخَذتُ العَصا وابيضً لونُ المَسائِح
ويروى حنيت العصا. يقول: دنون مني حين كبرت وضعفت عما يُردن مني، فلم يكن لهن في
حاجة. قال: والمسائح ما أمررت يدك عليه من جانبي الرأس، إذا تمسّحت للصلاة من القرن إلى
الصدغ.
فقد جعلَ المَفروكُ لا نامَ ليلُهُ ... بِحُبّ حَديثي والغَيورِ المُشائِح
وقدْ كنتُ مما أعرِفُ الوَحيَ ما له ... رسولٌ سوى طَرف مِنَ العينِ لا مِحِ
ويروى سوى طرف العيون اللواح. يقول: أعرف الوحي بعيني ويفهمن ما أريد.
وقُلتُ لِعَمروٍ إذْ مَرَرنَ أقاطعٌ ... بِنا أنْتَ آثارَ الظّبِاء السّوانِج
(3/953)

لَئنْ سَكنتْ بي الوحشُ يوماً لطالما ... ذَعَرْتُ قُلوبَ المُرشِقاتِ المَلائِح
لقد علقَتْ بالعبد زيدٍ وريحِهِ ... حماليقُ عَينيها قَذىً غير بارِحِ
موضع قذى نصب. أراد علقت حماليق عينيها قذى. قال: الحماليق واحدها حملاق، وهو باطن
الجفن. قال: والقذى ما قذفت العين من الرمض.
وقد تركَتْ قَنْفاء زَيدٍ بِقُبِلها ... جُروحاً كآثارِ الفؤوِس الكَوادِح
قال: القنفاء من الآذان، التي يرتفع طرفها إلى فوق. وهي، هاهنا، كمرة.
ومِنْ قَبلِها حَنّتْ عَجوزُك حَنّةً ... وأختُكَ للأدنى حَنينَ النّوائحِ
المنائح جمع مناحة.
تُبَكّي على زيد ولم تَلقَ مِثلَهُ ... بَريئاً منَ الحُمى صحيحَ الجَوانِح
تُبَكّي وقد أعطتكَ أثوابَ حَيضِها ... فقُبّحتَ مِنْ باكٍ عليها ونائِج
قال الأصمعي: ويروى أيضاً تُبكّي وقد غطّتك أثواب حيضها.
ولوْ لَقيتْ زيدَ اليمامةِ أرزَمَتْ ... وأعطَتْ بِرِجلي سَمحَة غيرَ جامِح
قوله أرزمت حنّت، كما ترزم الناقة إذا حنّت تطلب ولدها. وإنما ضربه مثلا، فشبّه حنينها الناقة إذا
أرزمت.
ولو أنها يا ابنَ المَراغَة حُرّةُ ... سَقَتْكَ بكَفيها دِماء الذّرارِح
ولكنّها مملوكَةٌ عافَ أنفُها ... لهُ عرَقاً يهمي بأخبثِ راشِح
قوله عرقاً يهمي يعني يسيل العرق.
(3/954)

لئن أنشدَتْ بي أمُ غَيلانَ أورَوَتْ ... عليّ لَترتَدّنّ مِني بِناطِح
قوله أم غيلان يعني بنت جرير.
وقال جرير:
تُكَلّفُني مَعيشَةَ آل زَيد ... ومَنْ لي بالصّلائِقِ والصّنابِ
ويروى بالمرقق والصناب. قال: والصلائف الرقاق. والصناب الخردل المضروب بالزبيب.
وقالتْ لا تَضُمُ كَضَمّ زَيدٍ ... وما ضَمّي وليسَ معي شَبابي
فقال الفرزدق:
إنْ تَفرَكْكَ عِلجَةُ آلِ زَيد ... ويُعوِزْكَ المُرَقّقُ والصنابُ
فركت المرأة زوجها تفركه فركا إذا أبغضته. وأنشد العنبري:
إذا بَرَكْنَ مَبركاً عَكَوّكا ... أوشَكْنَ أنْ يتركْنَ ذاكَ المَبركا
تَركَ النساء العاجزَ المُفَرّكا
فقدْماً كانَ عَيشُ أبيكَ مُراً ... يَعيشُ بِما تَعيشُ بِهِ الكِلابُ
قال أبو عبد الله: الرواية بعيش ما تعيش به الكلاب.
(3/955)

قال أبو عبد الله، والأصمعي: وقد كان جرير أصابته حمرة، فتورّم، وكان رجل من بني أسيد بن
عمرو بن تميم يقال له الأبلق، يرقي من الحمرة، ويداوي. فأتى ابن الخطفى فقال له: ما تجعل لي إن
داويتك حتى تبرأ. قال جرير: أجعل لك إن أبرأتني من وجعي هذا حكمك. قال: فداواه ورقاه حتى
برئ. فقال له جرير: احتكم، فاحتكم عليه الأبلق أن يزوّجه أم غيلان بنت جرير. قال: فزوّجه إياها
وكان جرير وفياً فقال الفرزدق في ذلك:
لَئِن أمُ غَيلانَ أستَحَلّ حَرامَها ... حِمارُ الغَضا مِنْ تَفْلِ ما كانَ رَيّقا
قوله من تفل، يريد تفل عليها بريقه حين رقاها.
فما نالَ راقٍ مثلَها مِنْ لُعابِه ... عَلِمناهُ ممن سارَ غَرباً وشرَقا
ويروى ولو سار غرباً في البلاد وشرّقا.
رَمَتهُ بِمَجموشٍ كأنّ جَبينَهُ ... صَلايَةُ وَرْسٍ نِصفُها قد تَفَلّقا
قوله بمجموش، يعني بمحلوق بالنورة.
إذا بَرَكَتْ لابن الشغورِ ونَوّخَتْ ... على رُكبتيها للبرُوك وألحقا
الشغور التي ترفع رجله. وقوله وألحقا، يعني أوعبه حتى التقى الإسبان. ويروى وأحنقا أي ضمر.
فما مِنْ دِراك فاعْلَمَنّ لِنادِمٍ ... وإنْ صكّ عَينيهِ الحِمارُ وصَفّقا
قوله فما من دراك، يقول: لا يدرك جرير وإن ندم على ما كان من زلله في ابنته أم غيلان، حيث
زوّجها الأبلق، وفعل الأبلق بها ما فعل. وقوله وإن صكّ عينيه، يعني غمضهما وفتحهما.
(3/956)

وكيفَ ارتدادي أمّ غيلانَ بعدما ... جرى الماء في أرحامها وتَرَقْرَقا
لَعَمْري لقدْ هانَتْ عليكَ ظَعينَةٌ ... فَدَيتَ بِرجلَيها الفُرارَ المُرَبّقا
يقول جعلت مهرها فُرارا. قال: والفرار جمع فرير، والفرير الحمل.
فلوْ كانَ ذو الوَدعِ ابنُ ثَروانَ لالتَوَتْ ... بهِ كَفةٌ أعني يزيدَ الهبَنّقا
يقول: لو كان المُنكح يزيد بن ثروان الهبنقة القيسي، لالتوت كفه بهذا الذي فعلت. يقول: منع ابنته،
ولم يزوجها مثل الأبلق.
لقدْ كانَ في القعساءِ أو في بناتها ... ثَوابٌ لعبد مِنْ أسيدَ أبلَقا
فلَيتَكَ مِنْ مالي رَشَوتَ ولم تكُنْ ... لعَيرِ الغَضا أرجوحة حينَ أحنَقا
ويروى فباتت كدوداة الجواري ورجلها لعير الغضا. قال الدوداة لعبة لصبيان الأعراب. وقوله حين
أحنقا، يقال للرجل قد أحنق، وذلك إذا لحق بطنه بظهره من شدة الشبق، وذلك كما يفعل الفحل القطم.
فليسَ بِمَولودٍ غُلامٌ ولن ترى ... أطَبَّ بِأدواء الحميرِ وأرْفَقا
أي ليس تلد ابنته غلاماً وإنما تلد حماراً.
غُلامٌ أبوهُ ابنُ الشغورِ وجَدّهُ ... عَطيّةُ أدنى للحميرِ وأنهَقا
سَتَعلَمُ مَنْ يخزَى ويَفضَحُ قَومَهُ ... إذا ألصَقَتْ عندَ السّفادِ وألصَقا
أبَيلقُ رَقّاء أسَيّدُ رَهْطُهُ ... إذا هوَ رجلي أم غيلانَ فَرّقا
وقال جرير في تزويج الفرزدق عُصيدة:
وغَرّتنا أمامَةُ فافْتَحَلْنا ... عُصيدَةَ إذْ تُنُخّبَتِ الفُحولُ
(3/957)

إذا ما كانَ فَحلُكَ فَحلَ سَوء ... عَدَلْتَ الفَحْلَ أو لَؤمَ الفَصيلُ
عدلت أي عدلته عن الإبل، فلا يضرب فيها للؤمه، كما قال أبو النجم: وانعدل الفحل وإنْ لم يُعدل.
وذلك إذا جفر من الضراب.
فأجابه جرير فقال:
طَرقَتْ لَميسُ ولَيتَها لم تَطرُقِ ... حتى تَفُكّ حِبالَ عانٍ مُوثَقِ
ويروى ضبيس. قوله عان، هو الأسير. من قوله عنوت أعنو أي خضعت أخضع.
حَيّيْتُ دارَك بالسّلام تحيّةً ... يومَ السلي فما لها لم تَنطِق
وأستنكرَ الفتياتُ شَيبَ المَفْرِقِ ... مِنْ بَعد طولِ صَبابَة وتَشَوقِ
قَدْ كنتُ أتبَعُ حَبلَ قائدةَ الصّبا ... إذْ للشّبابِ بَشاشَةٌ لم تخلَقِ
أقُفَير قد عَلمَ الزبير ورَهطُهُ ... أنْ ليسَ حبلُ مجاشِع بالأوْثَقِ
ذُكرَ البَلاء فلمْ يكن لمُجاشعِ ... حملُ اللواء ولا حمُاةُ المَصدَقِ
نحنُ الحُماةُ بكُلّ ثعرِ يُتّقَى ... وبنا يُفَرّجُ كُلُ بابٍ مُغْلَقِ
وبِنا يُدافَعُ كلُ أمرِ عَظيمَة ... ليستْ كَنَزوكَ في ثيابِ الكُرّقِ
ويروى كل يوم عظيمة. والكرق يريد الكرّج الذي يلعب به المخنثون في حكاياتهم. يعني لبس
الفرزدق ثياباً رقاقاً يوم المربد، وأقبل جرير ذلك اليوم على فرس مُتسحاً. يعني جرير قول نفسه:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة. وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب.
قَدْ أنكرَتْ شَبَهَ الفرزدقِ مالِكٌ ... ونَزَلْتَ مَنْزِلَةَ الذّليلِ المُلْصَقِ
حَوْضُ الحِمارِ أبو الفرزدقِ فاعلموا ... عقدَ الأخادِع وانشِناجَ المِرفَقِ
(3/958)

أي يشبه أباه قصير العنق، ومرفقه متشنج لا يبسط يده إلى خير.
شرٌ الخَليقَة مَنْ عَلمنا منكُمُ ... حَوضُ الحِمارِ وشرٌ مَنْ لمْ يخلَقِ
كَمْ قَدْ أثيرَ عَلَيكمُ مِنْ خزْيَة ... ليسَ الفرزدقُ بعدهَا بفرزدقِ
ذَكوانُ شَد على ظَعائنكُمْ ضُحىً ... وسَقَى أباكَ مِنَ الأمرّ الأعلَقِ
قال: يريد ذكوان بن عمرو الفقيمي حين نفر بأبي الفرزدق. وقد مر حديثه فيما كتبنا.
أمُّ الفرزدقِ عندَ عقرِ بعيرِها ... شُقّ النّطاقُ عَنِ أستِ ضَبّ مُذْلَق
قوله مُذلق، يقال قد أذلق الضب من جحره إذا أخرج من جحره.
هَلاّ طلبتَ بعُقْرِ جعثِنَ مِنْقَراً ... وبِجَرّها وتَرَكْتَ ذِكْرَ الأبْلَقِ
تَرَكوا بأسفَل إسكَتَيها ناطِفاً ... والمأبضين مِنَ الخَزيرِ الأورَقِ
قوله ناطفاً، يعني قاطراً. وإنما عنى، هاهنا، سلحها من بولها وغير ذلك نطف، أي قطر.
وكأنّ جِعثِنَ كُلّفَتْ فَخّارَةً ... يَغلي بِها تَنّورُ جِصّ مُطبَقِ
لا خيرَ في غَضَبِ الفرزدقِ بعدما ... سَلخوا عِجانَك سَلخَ جِلدِ الرُوذَقِ
الروذق الحمل أصله روذه. ويروى مثل جلدة روذق. وقوله الروذق، هو الجلد المسلوخ وأصله
فارسي.
تدعو الفرزدقَ والأشدّ كأنما ... يَكوِي استَها بَعمودِ ساج محرَقِ
قوله الأشد، قال: هو اسم رجل معروف يقال له عمران بن مرة.
سَبعونَ والوُصَفاء مَهْرُ بَناتنا ... إذْ مَهرُ جعثِنَ مثلُ حُرّ البَيذَقِ
لم تَلقَ جِعثنُ حامياً يحمِي استَها ... وبِخَلْجَم زَيدِ المَشافِر تَتّقي
(3/959)

قوله بخلجم يعني فرجاً واسعاً. قال أبو جعفر: الخلجم الطويل.
لمّا قَضَيتِ لمِنْقَرِ حاجاتهِمْ ... فأتَيتِ أهلَكِ كالحُوارِ الأطرَقِ
قال أبو عبيدة: الحوار الأطرق، يريد الضعيف الذي انفدع من لين ركبته. وإنما أخذ من الطريقة،
وهو الضعف. يقال من ذلك: بفلان طريقة وذلك إذا كان ضعيفاً.
مِنْ كُلّ مُقْرفَة إذا ما جُرّدَتْ ... قلقَ البرُى ووِشاحُها لم يقلَقِ
قال أبو عبيدة: كان مخرّق بن شريك بن تمام، من بني ذُهل بن الدول ابن حنيفة، ضلعه مع جرير،
فنهاه الفرزدق مرتين فلم ينته. فقال الفرزدق في ذلك:
ولقدْ نهيتُ مُخرّقاً قتخرّقَتْ ... بِمُخَرّق شُطُنُ الدّلاء شَغورُ
يعني بئراً هوت به. وهذا مثل أي عصى فوقع في هوّة.
ولقدْ نهيتُكَ مرتينْ ولم أكنْ ... أثني إذا حمَقٌ ثَنَى مَغرورُ
حتّى يُداويَ أهلُهُ مَأمومَةً ... في الرأسِ تُدبِرُ مَرّةً وتَثورُ
فأجابه جرير فقال:
سَبّ الفرزدقُ مِنْ حنيفَة سابِقاً ... إنّ السوابِقَ عندَها التّبشيرُ
ولقدْ نهيتُكَ أنْ تسُبّ مُخرّقاً ... وفراشُ أمِكَ كلبتان وكيرُ
يا ليتَ جارَكُم استجارَ مُخرّقاً ... يومَ الخُريبَةِ والعَجاجُ يثورُ
وقال جرير أيضاً يرثي خالدة بنت سعد بن أوس بن معاوية بن خلف ابن بجاد بن معاوية بن أس
بن كليب، وهي أم ابنه حزرة. قال عمارة
(3/960)

بن عقيل: كان جرير يسمي هذه القصيدة الجوساء، وذلك
لذهابها في البلاد. قال أبو عبد الله: ما أعرفها إلا الحوساء، وما أعرفها بالجيم:
لولا الحَياء لعادَني استِعبارُ ... ولَزُرتُ قَبركِ والحبيبُ يُزارُ
ولقدْ نظرتُ وما تمتُّع نظرَة ... في اللحدِ حيثُ تَمكّنَ المِحفارُ
ولهتِ قلبي إذْ عَلَتني كَبرةٌ ... وذَوو التمائِمِ مِنْ بَنيكِ صِغارُ
قوله ولّهت قلبي جعلته والهاً. قال: والوله ذهاب العقل واختلاطه لثكل أو حزن. قال: والتمائم العوذ.
أرعى النجومَ وقد مَضتْ غَورِيةً ... عُصبُ النجومِ كأنهنَّ صُوارُ
قوله وقد مضت غورية، قال: الغورية أن تأخذ نحو الغور للغروب والسقوط. قال: وعصب النجوم
فرقُها، وصوار بكسر الصاد وضمها، هو القطيع من بقر الوحش هاهنا، وهو القطيع من كل شيء.
نِعْمَ القَرينُ وكُنتِ عِلْقَ مَضِنّة ... وارَى بِنَعفِ بُلَيّة الأحجارُ
قوله وارى من المواراة غير مهموز. والمعنى في ذلك يقول: سترها الأحجار. قال: والنعف أسفل
الجبل وأعلى الوادي. وبلية اسم بلد.
عَمرَتْ مُكرّمَةَ المَساكِ وفارَقتْ ... ما مَسّها صَلَفٌ زلا إقتارُ
قوله مكرمة المساك، قال: المساك اسم الإمساك والإقتار العسرة. والصلف بُغض من الزوج، وذلك
لقلة خيره والزهد فيه. يقول: فهي مكرّمة في إمساكها، ما أصابها مع ذلك صلف من زوج، ولا إقتار
من عدم. ويرى ما شفها.
(3/961)

فسَقَى صدَى جَدَثٍ بِبرقَةِ ضاحِك ... هَزِمُ أجَشُ وديمَةٌ مِدرارُ
هزم شديد صوت الرعد. يقال سمعت هزمة الرعد. قال: والصدى جثمان الميت وعظامه. والجدث
القبر. يقال جدف وجدث. وقوله هزم يعني سحاباً متشققاً بالرعد. قال: والأجش الذي في صوته
جُشّة، وهي البحة. وقوله ضاحك، كل نقب في جبل فهو ضاحك. قال وإنما شبهها بالضاحك، لأنها
فرجة مفتوحة في الجبل، فكأنه يضحك وذلك لانفتاحه، كما يفتح الضاحك فمه. وكل نقب في جبل
فهو ضاحك.
هَزِمُ أجَشٌ إذا استَخارَ ببَلدَة ... فكأنها بِجِوائِها الأنهارُ
مُتراكِبُ زجلٌ يُضيِء وَميضُهُ ... كالبُلقَ تحتَ بُطونِها الأمهارُ
ويروى متراكم. وقوله وميضه هو لمع برق السحاب. وقوله زجل يريد صوت الرعد. يقول له
زجل يعني صوتاً. وقوله كالبلق يريد كالخيل البلق.
كانتْ مُكَرّمَةَ العَشيرِ ولم يكُنْ ... يخشى غَؤائِلَ أمّ حَزرَةَ جارُ
ويروى مكارمة العشير. يقول: كانت أم حزرة تُكّرك العشير وهو، هاهنا، الزوج. والعشير في غير
هذا الموضع الصاحب، من قولهم لقد عاشر فلان فلاناً معاشرة حسنة، وذلك إذا صاحبه فأحسن
صحبته ومخالطته.
ولقدْ أراكِ كُسيتِ أجملَ منظَر ... ومعَ الجمالِ سَكينةٌ ووَقارُ
والريحُ طيبةٌ إذا استقبلْتَها ... والعِرضُ لا دَنِسٌ ولا خَوّارُ
ويروى إذا استعرضتها، أي دنوت من عرضها. والريح طيبة إذا استقبلتها، يقول: ريح فمها طيب،
إذا استقبلت فاها شممت رائحة طيبة، ليس هناك شيء تكرهه. والعرض لا نس يقول: والعرض
(3/962)

أيضاً، وهو ريح البدن طيب وحسن الثناء في الناس. يقول: فكل أمرها حسن.
وإذا سَريتُ رأيتُ نارَك نَوّرَتْ ... وجهاً أغرّ يَزينهُ الإسفارُ
صلّى الملائكة الذينَ تخُيرّوا ... والصالحونَ عليكِ والأبرارُ
وعليكِ مِنْ صلواتِ ربكِ كلها ... نَصَبَ الحَجيجُ مُلبدينَ وغاروا
نصب يعني قصد، من قولهم نصب فلان لفلان. ويروى كلما شبح الحجيج، أي رفعوا أيديهم بالتلبية
والدعاء. وقزله نصب، يريد لسير إبلهم حين أنصبوها وجهدوها وأتعبوها في سيرهم، ووخدوا بها،
كما قال ذو الرمة: إذا ما ركبُها نصبوا. يريد أنصبوا إبلهم، أعملوها للسير، فنصبوا فأعيوا وانصبوا
إبلهم فأعيت.
يا نَظرةً لكَ يوم هاجَتْ عَبرةً ... مِنْ أمّ حَزرَةَ بالنُمَيرة دارُ
تحيِي الرّوامسُ ربَعهَا فتُجِدُهُ ... بعدَ البِلَى وتمُيتُهُ الأمطارُ
قوله الروامس، يعني الرياح. يقول تكشف الروامس تُربه وتُبين لك أثره. قال الأصمعي: وإنما
سميت الروامس من الرياح التي يشتد هبوبها، فترمس ما مرّت عليه بهبوبها. يعني تدفنه. قال: ومنه
قد رمسناه، يعنون قد دفناه. وذلك إذا دفنوا ميتهم فواروه في التراب.
وكأنّ مَنزلَةً لها بِجُلاجِل ... وحيُ الزّبورِ تجدُهُ الأحبارُ
ويروى تخطه. وقوله بجلاجل هو مكان معروف. قال: والوحي الكتاب. وإنما أراد أن هذا الموضع
مما مرت به الأمطار فدُرس موضعه، وامحى كالوحي من الكتاب الذي قد دُرس إلا أقلّه. قال:
والأحبار العلماء الذين يكتبون الزبور، فقد انمحى ذلك الكتاب إلا القليل.
لا تُكثَرنّ إذا جعلتَ تلومني ... لا يذهبنّ بحلْمِكَ الإكثارُ
كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا ... مُتبدّلينَ وبالدّيارِ ديِارُ
(3/963)

الخليط هم القوم المختلطون بالمجاورة. قال: فذهبوا.
لا يُلبثُ القُرَناء أن يتفرّقوا ... ليلٌ يَكُرُّ عليهمُ ونهارُ
أفَأمّ حَزرَةَ يا فرزدقُ عبتُمُ ... غَضِبَ المَليكُ عليكُمُ القَهّارُ
كانتْ إذا هَجرَ الحَليلُ فِراشَها ... خُزِنَ الحديثُ وعَفّتِ الأسرارُ
هجره، هاهنا، أن يغيب عنها فيهجر فراشها. فأما إذا أقربت فهي أكرم عليه من أن يهجر فراشها.
وقوله خزن الحديث، يقول: لا تحدّث أحداً بريبة. يقول: وإن هجرها حليلها، وهو زوجها، لم تُظهر
له سراً، وإن غضبت على زوجها عند هجرانه فراشها. قال: والسر هو النكاح بعينه. وهو من قوله
الله عز وجل: {وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً} يعني نكاحاً. والمعنى في ذلك يقول: ليس عندها إلا العفاف.
ليسَتْ كأمّكَ إذْ يعضُ بقُرطِها ... قَين وليسَ على القُرونِ خمِارُ
قال: زعموا أن صائغاً أتى بني ضبّة، فصاغ لامّ الفرزدق حلياً، وهي صبية في أهلها، فعلق قُرطها،
فذهب يعض القرط ليُخرجه، فعض أذنها، فصاحت، فعيره بذلك جرير ولا عار فيه.
سنُثيرُ قَينَكُمُ ولا يُوفي بِها ... قَين بِقارِعَةِ المِقَرّ مُثارُ
المقر جبل بكاظمة وفيه قبر غالب.
وُجِدَ الكَتيفُ ذَخيرَةً في قبرهِ ... والكَلبتانِ جمُعنَ والمِيشارُ
الكتيف ضبّات الحديد. وقوله والميشار، يقال من ذلك مئشار مهموز، وميشار لا همز.
يبكي صَداهُ إذا تهزّمَ مِرجَلٌ ... أو إنْ تثَلّمَ بُرمَةٌ أعشارُ
(3/964)

ويروى إذا تصدع مرجل. أو إن تهزّم برمة. وتفلّق. وقوله يبكي صداه، قال: الصدى، هاهنا، بدن
الميت. وقوله إذا تهزم يعني إذا تصدّع. وقوله مرجل يعني قدراً، هاهنا.
رَجَفَ المِقَرُ وصاحَ في شرقّيِه ... قَين عليهِ دَواخِنٌ وشَرارا
قَتَلتْ أباكَ بنو فُقيم عَنوَةً ... إذ جُرّ ليسَ على أبيكَ إزار
قال أبو عثمان: قد مر حديث هذا البيت فيما أملناه.
عَقروا رَواحِلَهُ فليسَ بقَتلِهِ ... قَتلٌ وليسَ بِعَقْرهِنً عِقار
يقول لا يُدرك به ثأر.
حَدراء أنكرتِ القُيونَ وريحَهُمْ ... والحُرّ يمنعُ ضَيمَهُ الإنكارُ
لمّا رأت صدأ الحديدِ بجِلدِهِ ... فاللونُ أورقُ والبَنانُ قِصار
قوله فاللون أورق، قال: الأورق من الإبل الذي له لون كلون الرماد، يضرب إلى السواد.
قال الفرزدقُ رقّعي أكيارَنا ... قالتْ وكيفَ تُرقّعُ الأكيارُ
رقّعْ مَتاعَكَ إنّ جَدي خالدٌ ... والقَين جَدّكَ لم تَلدكَ نِزارُ
وسَمعتُها اتصلَتْ بِذُهْل إنهم ... ظَلموا بِصِهرهِم القُيونَ وجاروا
ويروى نُبئتها اتصلت بذهل إنهم فضحوا بذكرهم القيون. وسمعتها اتصلت بذهل، أي سمعتها قالت:
يا لذهل.
دَعتِ المُصَوّرَ دَعوةً مَسموعةً ... ومعَ الدعاء تَضرعٌ وحِذارُ
قوله دعت المصور، يريد الله عز وجل. يريد قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ}.
(3/965)

عاذَتْ برَبّكَ أنْ يكونَ قَرينُها ... قَيناً أحَمّ لِفَسوِهِ إعصارُ
قوله أحم أي أسود. وقوله لفسوه إعصار أي غبار من شدة فُسائه.
أوصَتْ بِلائمَة لِزيقِ وابنِه ... إنّ الكَريمَ تَشينُهُ الأصهارُ
ويروى يازيق صهركم اللئيم يشينكم إن الكريم تشينه. وقوله بلائمة أراد أنها تقول: لمَ زوجتموني
مثله.
إنّ الفضيحةَ لو بُليِت بقَينِهِمْ ... ومعَ الفضيحةِ غُربةٌ وضرِارُ
ويروى لو منيت بقينهم. ويروى لو بنيت. أي لو بُني بك. ويروى وصغار. وقوله ضرار، يقول
صرت يا حدراء مع ضرائر. يقول: صرت إلى غربة إذ فارقت أهلك. وصرت إلى هذه الحال.
شُدّوا الحُبَى وبِشارُكُمْ عَرقَ الخُصَى ... بعدَ الزُبيرِ وبعدَ جِعثِنَ عارُ
يقول: لا تحتبوا، وإذا احتبى الرجل عرقت خصيتاه. يقول: فمباشرتكم عرق الخصى عار بعد
الزبير وجعثن. قال: وإنما المعنى في ذلك، يقول: ليس مثلكم يحتبي مع ما بكم من الذحل.
هَلاّ الزبيرَ مَنعْتَ يومَ تَشَمّسَتْ ... حربٌ تضرّم نارُها مِذْكارُ
ويروى تُصرّف نابها. وقوله مذكار، يقول: تلد الذكور وهو شر، وإنما ضربه مثلا في الحرب.
وقوله تشمست، يعني امتنعت كما تمتنع الشموس من الخيل، فلا تنقاد ولا تنساق.
ودعا الزُبير فما تحرّكتِ الحُبَى ... لو سُمْتَهُمْ جُحَفَ الخَزيرِ لَثاروا
قوله فما تحركت الحبى، يقول: فما حُلّت. جحف يعني أكلا شديداً. ويروى جخف بالخاء معجمة.
(3/966)

غَرُوا بِعَقدِهمِ الزبير كأنهمْ ... أثوارُ محرَثَةٍ لهُنّ خُوارُ
قوله أثوار، يعني ثيراناً تحرث عليها. وخوار صوت.
والصّمّتين أجرْتُمُ فغَدرتُمُ ... وابنُ الأصَمّ بحَبل بَيبَةَ جارُ
الصمة قتله ثعلبة بن حصبة بن أزنم وهو أسيره. وابن الأصم، أراد معيّة بن الصمة بن جداعة بن
غزية بن جشم. وقد مر حديث الصمتين في موضعه. وبيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع.
إنّ التي بُعِجَتْ بَفَيشَةِ مِنْقَر ... يا شَبّ ليسَ لشأنها إسرارُ
أراد شبّة بن عقال بن صعصعة بن عقال بن محمد بن سفيان. قال: وكانت جعثن امرأة شبّة.
وَفّتْ لجِعثِنَ دَينَ جِعثِنَ منْقَرٌ ... لا عِلّةٌ بهمِ ولا إعسارُ
قطعوا بِجِعثِنَ ذا الحَماطِ تقَحماً ... وإلى خَشاخِشَ جَريهُا أطوار
خشاخش رمل معروف. أطوار حال بعد حال. ويروى جرّها.
لَقيَتْ صُحارَ بَني سِنان فيهِمِ ... خَدِباً كأعصَلِ ما يكون صُحارُ
أعصل أصلب وأشد. ويروى كأعضل. أي أشد وأقوى. حدب متفلت كأنه مُستروح يُلقي نفسه
عليها. وروى عُمارة خدبا. والخدب الشديد. وقوله صحار، يريد صحار بن زيد بن علقمة بن عصام
بن سنان بن خالد بن منقر، وهو ممن اتهم بجعثن. وخدبا يعني متعظما.
طُعنَتْ بأيرِ مُقاعِسيّ مخْلِج ... فأصيبَ عرْقُ عِجانِها النّعّارُ
ويروى طُعنت بمثل جبين أير مقاعس فاقُتد عرق. مخلج
(3/967)

مجذب. وقوله النعار، هو العرق الذي لا يرقأ.
يقال من ذلك نعر العرق بالدم، وذلك إذا سال بالدم فغلبهم سيلانه.
أخْزاكَ رَهطُ ابن الأشَدّ فأصبَحَت ... أكبادُ قومِكَ ما لهنّ مَرارُ
قوله ابن الأشد، يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما سمي الأشد لشدته، وله يقول جرير:
وبِنا عَدَلتَ بيَ خَضافِ مجُاشِعاً ... وعَدَلتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنانِ
باتتْ تُكلّفُ ما عَلِمتَ ولم تكُنْ ... عُونٌ تُكَلّفُهُ ولا أبكارُ
باتَ الفرزدقُ عائِذاً وكأنها ... قَعوٌ تَعاوَرَهُ السُّقاةُ مُعارُ
قال: القعو بكرة من خشب كلها، فإن كان جنباها حديداً، فهو خطاف، يُستقى عليها باليد.
دُعِيَ الطبيبُ طبيبُ جِعثِنَ بعدما ... عَصَتِ العُروقُ وأدبَرَ المِسبارُ
قال: المسبار الميل الذي يقاس به الجرح، فيُنظر ما غوره وما قدره. ومنه قول العرب: سبرت فلاناً
فعرفت مذهبه. يعني اختبرته فعرفت طريقته.
شَبّهْتُ شِعرَتَها إذا ما أبركتْ ... أذُني أزَبّ يَفُرُهُ السمسارُ
قوله السمسار هو بائع الخيل. قال أبو عبد الله: بائع الحمير.
سَبّوا الحِمارَ فسوفَ أهجو نِسوَةً ... للكيرِ وَسطَ بُيوتِهنّ أوارُ
ويروى الحمير. وقوله أوار، يعني لهب النار وتضرّمها ووقودها. والأوار حرار النار ووهجها.
مِنْ كُلّ مُبْسِقَةِ العِجان كأنها ... جَفرٌ تَغَضّفَ مِنْ جُوَيّةَ هارُ
(3/968)

ويروى من حذنّة. وقوله مبسقة العجان، يعني منتفخة العجان كما يبسق ضرع الشاة، وذلك إذا
اقربت. وقوله تغضّف، يعني تهدّم. وجويّة موضع. وهار منهار. وهو من قول الله عز وجل: {هَارٍ
فَانْهَارَ بِهِ} أي انهار فذهب سيلاناً.
لَخَواء مُزْبِدَةٌ إذا ما قَبقَبَتْ ... هَدرتْ فألْثَقَ ثَوبَها التّهدارُ
لخواء يعني هي عظيمة إحدى شقي البطن. يعيبها بذلك.
تُغلِي المُشاقَةَ تَبتغي دَسمَ أستِها ... فمِنَ المُشاقَةِ عندَها أكرارُ
تَلقَى بَنات أبي الجَلَوَبقِ نُزّعاً ... نحوَ القُيونَ وما بِهنّ نِفارُ
أبو الجلوبق لقب لمجاشع. وقوله بنات أبي الجلوبق، هو نبز نبزهم به، يعيبهم بذلك.
وتخَيرّت ليلى القُيونَ وريحَهُمْ ... ما كانَ في صدأ القُيونِ خِيارُ
حَنّتْ وحَنّ إلى جُبير نسوَةٌ ... خُورٌ يَطُفْنَ بهِ وهُنّ ظُوارُ
تُدعَى لَصَعْصَة الضّلال وأحصنتْ ... للقَين يابنَ قُفيرةَ الأطهارُ
وخَضافِ قدْ وَلَدتْ أباكَ مجاشِعاً ... وبَنيهِ قد ولَدتهمُ النّخوارُ
خضاف نبز لأم مجاشع، وهم يعيرون به في الجاهلية. ويروى وبنوه قد ولدتهم.
يا شَبّ وَيحكَ ما لَقيتَ مِنْ التي ... أخزَتْكَ ليلَةَ نُجّدَ الأستارُ
يا شَبّ وَيحكَ إنها مِنْ نِسوة ... خُورٍ لهُنّ إذا انتشَين خُوارُ
أي هن فواسد. وقوله خور، أي هن ضعاف. وقوله إذا انتشين، يقول: إذا شربن فطابت أنفسهن،
صحن وعلت أصواتهن، كما يخور الثور.
(3/969)

نَثَلَتْ عليك مِنَ الخَزيرِ كأنها ... جَفرٌ تخَرّمَ حافتيهِ جِفارُ
نثلت سلحت من أكل الخزير. أي كانت إلى جانبه جفار، فتخرم بعضها إلى بعض فاتسع.
إنّ الفرزدقَ لن يُزاولَ لُؤمَهُ ... حتى يزولَ عنِ الطريقِ صرِار
فيمَ المِراء وقدْ سبقتُ مجاشعاً ... سبقاً تقطّعُ دونَهُ الأبصارُ
يقول: سبقتهم سبقاً، وتقدّمتهم تقدّما، لا يراني من خلفي.
قَضَتِ الغَطارفُ مِنْ قُريش فأعترَفْ ... يا ابنَ القُيونِ عليكَ والأنصارُ
قوله قضت الغطارف من قريش، قال: الغطارف سادة القوم وسمحاؤهم، الذين يقومون بما ناب
قومهم من شدة ومكروه ونازلة، فهم عتاقهم. قال: والاعتراف الإقرار والرضى بما قُضي عليهم
وألزموهم. يريد فأقر بذلك من فضلنا وقديمنا وفخرنا.
هل في مائينَ وفي مائينَ سَبقتُها ... مَدّ الأعِنّةِ غايَةٌ وحِضارُ
كَذَبَ الفرزدقُ إنّ عُودَ مجاشعِ ... قَصِفٌ وإنّ صَليبهُم خَوّارُ
صليبهم خشبتهم. وقوله قصف، يعني عودهم ضعيف يتقصف من ضعفه. وقوله صليبهم، يريد
سيدهم الذي يعتمدون عليه. يقول هو خوّار ضعيف لا خير عنده، فكيف بمن سواه.
ما كانَ يخلفُ يا بَني زَيدِ أستِها ... منكُمْ مخَيلَةُ باطِلٍ وفَخارُ
وإذا بَطنتَ فأنتَ يا ابنَ مجاشِع ... عندَ الهَوانِ جُنادِفٌ نَثّارُ
الجنادف القصير من الرجال. والقصر عند العرب عيب في الرجال والنساء. وقد عابت الشعراء
القصر في شعرها في الجاهلية والإسلام. وقوله نثّار، يعني أنت كثير الكلام، يريد تنثر كلامك نثراً لا تعرف ما
(3/970)

يرجع عليك منه، مثل الثرثار من الرجال، وهو الكثير الكلام.
سَعدٌ أبَوا لكَ أنْ تَفي بجِوارِهِم ... أو أنْ يَفي لكَ بالجِوار جِوارُ
يريد بقوله سعد أبوا لك، يعني غدرهم بالزبير، حيث أجاروه ثم خذلوه، حتى قتله ابن جُرموز في
بلادهم وديارهم.
تِلكَ التي شَدّخوا بَواطِنَ كَينِها ... أضخَى مُخالِطَ بَولِها الإمغارُ
قوله الأمغار، يعني خروج الدم مع البول. شبّه حمرة الدم بحمرة المغرة. يقول: من كثرة ما نُكحت
صارت كذلك.
قد طالَ قرعُكَ قبلَ ذاكَ صَفاتَنا ... حتى صَممتَ وفُلّلَ المنقارُ
يابنَ القُيونِ وطالَ ما جَرّبتني ... والنّزعُ حيثُ أمِرّتَ الأوتارُ
ما في مُعاوَدَتي الفرزدقَ فاعلَموا ... لمُجاشع ظَفرٌ ولا استبشارُ
إنّ القصائِدَ قدْ جَدَعنَ مجاشِعاً ... بالسّمٌ يُلحَمُ نَسجُها ويُنارُ
قوله قد جدعن مجاشعاً، يقول قد قطعن الآذان والأنوف لما نزل بهم من شدة قولي، وما ذكرت من
مساويهم في شعري، فأصابهم من ذلك ما يصيب من قُطع أنفه وأذنه.
ولَقُوا عَاصي قدْ عَيَيتَ بِنَقضها ... ولقدْ نُقِضتَ فما بكَ استمرارُ
قوله عواصي، يعني هذه القصيدة صعبة، قد مرت على الناس عاصية لمن لامها، لا تقبل منه، ولا
تلتفت إليه، فضربه مثلاً لذلك.
قد كان قَومُكَ يحسبونَك شاعِراً ... حتى غَرِقْتَ وضَمّكَ التيارُ
يقول: لما سمعوا شعري ازدروا شعرك. والتيار الموج فشبه شعره بالبحر بأمواجه فغرّقه.
(3/971)

نَزعَ الفرزدقُ ما يَسرُ مجاشِعاً ... منهُ مُراهَنةٌ ولا مِشوارُ
قوله مشوار إنما يريد مختبر الخيل.
قَصرُتْ يداكَ عنِ السماء فلم يكُنْ ... في الأرضِ للشجرِ الخبيثِ قرارُ
أثنتْ نَوارُ على الفرزدقِ خَزيَةً ... صَدقَتْ وما كذَبتَ عليكَ نَوارُ
إنّ الفرزدقَ لا يزالُ مقنّعاً ... وإليهِ بالعمل الخبيثِ يُشارُ
قوله مقنعاً، يقول: يقنّع رأسه يستحيي مما يأتي من المخازي.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ مجاشعاً ... لو يُنفَخونَ منَ الخؤورِ لَطاروا
إذ يُوسرَونَ فما يُفَكُ أسيرُهُمْ ... ويُقتّلونَ فتَسَلمُ الأوتارُ
يقول: من ضُعفهم لا يفك أسيرهم من بخلهم، ولا يطلبون وتراً فيدركونه.
ويُفايَشونَكَ والعظامُ ضَعيفةٌ ... والمُخُ ممتَخَرُ الهُنانَة رارُ
الهنانة المخ الرقيق. وقوله يفايشونك، يقول يفاخرونك بالكذب بما ليس بهم من الفخر في قديم ولا
حديث. وقوله والعظام ضعيفة، يقول: ليس لهم مآثر يعدونها عند الفخار، فأمرهم ضعيف لا يصدقون
فيما يقولون. قال: وإنما يريد أنه ليس بعظامهم مخ، فهم ضعفاء. والهنانة الشحم والرار المخ الرقيق.
وإنما يريد أنه ليس لعظامهم مخ فنسبهم، إلى الضعف. قال أبي رحمه الله ممتخر منتزع.
شَهِدَ المُهَمّلُ أنّ جيشَ مجاشِع ... رَضَعوا الأيورَ على الخَزيرِ فخاروا
قوله شهد المهمّل، يريد المهمّل بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية، وكان شريفاً، وله يقول الفرزدق:
(3/972)

كما تَعرِف الأضيافُ نارَ المُهَمّل
نظروا إليكَ وقد تقلّبَ هامُهُمْ ... نظرَ الضّباعِ أصابهُنّ دَوارُ
قوله وقد تقلّب هامهم، يعني تقلّبت رءوسهم ودارت.
لا تُغْلَبُنَّ على ارتضاعِ أيورِكُمْ ... أوصى بِذاكَ أبوكُمُ المِهمارُ
ويروى لا تظمئون. وقوله المهمار، يريد الكلام الذي يهمر فيكثر كلامه.
يَسرَ الدُهَيمَ بَنو عَقال بَعدما ... نَكَحوا الدُّهَيمَ فقُبّحَ الأيسارُ
يقول: قامروا على الدهيم، وهو اسم ناقة. والأيسار المقامرون.
وبكى البَعيثُ على الدهيم وقد رَغا ... لأبي البَعيث مِنَ الدُّهَيمِ حُوارُ
وإذا أرادَ مجاشعيّ سَوءة ... نكحَ الدُّهَيمَ وفي استِهِ استيخارُ
قُرنَ الفرزدقُ والبَعيثُ وأمُهُ ... وأبو الفرزدقِ قُبّحَ الإستارُ
إنّ البَعيثَ عِجانُ سَوء قادَهُ ... وسطَ الحَجيج لَيُنحَرَ البَقّارُ
أضحى يُرَمّزُ حاجبيه كأنهُ ... ذِبخٌ لهُ بقَصيمتينِ وجارُ
الذيخ الضبعان، وهو الذكر من الضباع. ووجار جُحر.
أمٌ البَعيثِ كأنّ حمرَةَ بَظْرِها ... رِئةُ المُغِدّ يَبينُها الجَزّارُ
المغد البعير الذي قد أصابته غدة ورئته أشد حمرة من غيرها، وذلك للداء الذي قد أصابه من الغدة.
قال: والعرب إذا دعت على الرجل
(3/973)

قالت: أصابه الله بغدة كغدة البعير. فرئة المغد أشد حمرة من قبل الداء.
وتقولُ إذْ رضِيَتْ وأرضَتْ سَبعَةً ... لا يغْضَبَنّ عليكُمُ البَيْزارُ
البيزار اسم عبد كان لبني جرول تتهم به نساؤهم.
إنْ تَكْفِ أمّكَ يا بَعيثُ فرُبما ... صَدَرتْ ومَرّنَ بَظْرَها الإصْدارُ
يعني رعت فتصدر على قعود. ويروى بطنها.
إذ كانَ يُلعِبُها وأنتَ حَزَوّرُ ... عِلجا ضَبارَةَ بغثَرٌ وشُقارُ
قال: الحزور الغلام الذي قد اشتد وصلُب واستوت قوّته. قال الأصمعي: والحزور في هذا الموضع،
أشد ما يكون من الرجال. وقوله يُلعبها، يحملها على اللعب معه.
قد طالَ رِعيتُها العَواشي بعدما ... سقطَ الجليدُ وهَبّتِ الأصرارُ
أي ترعى العواشي تخرج بالليل للريب. قال: والعواشي الإبل التي تطيل العشاء. والأصرار
واحدها صر، وهي من الرياح الباردة.
ذَهبَ القَعودُ بلَحمِ مَقعَدَةِ استِها ... وكأنّ سائرَ لحمِها الأفهارُ
القعود بكر يركبه الرعاة يقضون عليه حوائجهم.
ليستْ لِقَومي بالكَتيفِ تجارَةُ ... لكنّ قومي بالطّعانِ تجِارُ
الكتيف الضبات من الحديد الواحدة كتيفة، يعيّرهم بذلك أنهم حدّادون.
يحمِى فوارسيَ الذينَ لخَيلِهمْ ... بالثغر قد علمَ العدوُ مُغارُ
(3/974)

الثغر الموضع الذي يُخاف منه العدو، وما يخافون من ناحيته.
تَدمى شَكائِمُها وخيلُ مجاشع ... لم يَندَ مِنْ عَرَقٍ لهُنّ عِذارُ
الشكائم حدائد اللجم الواحدة شكيمة.
إنّا وقَينكُمُ يُرَقّعُ كيرَهُ ... سرِنا لنَغْتَصِبَ المُلوكَ وساروا
أي سرنا إلى الملوك وساروا إلينا.
عَضّتْ سَلاسِلُنا على ابنَي مُنذِر ... حتى أقرّ بحُكمِنا الجَبارُ
قوله على ابني منذر، يعني حين أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة. قال: وقد مر حديث طخفة فيما
أمليناه من الكتاب.
وابنَي هُجَيمَةَ قد تركنا عَنوةً ... لابنَي هُجَيمَةَ في الرّماحِ خُوارُ
قال: ابنا هجيمة، قيس والهرماس من غسان، قتلهما عتيبة بن الحارث، وذلك يوم كنهل.
ورئيسُ مملكة وطِئنَ جَبينَهُ ... يغشى حواجِبَهُ دمٌ وغُبارُ
نحمي مخاطرَةً على أحسابِنا ... كَرُمَ الحُماةُ وعَزّتِ الأخطارُ
وإذا النساءُ خرَجنَ غير تبرّز ... غِرنا وعندَ خُروجِهِنّ نَغارُ
ومجاشِعٌ فَضحوا فوارسَ مالِكِ ... فرَبا الخَزيرُ وضُيَّعَ الأدبارُ
أغمامَ لو شَهدَ الوَقيطَ فوارسي ... ما قَيدَ يُعتَلُ عَثجَلٌ وضِرارُ
قوله عثجل، هو عثجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة بن زرارة بن عدس. وضرار بن القعقاع بن
معبد بن زرارة. وقد مر حديثهما فيما أمليناه من الكتاب، في يوم الوقيط.
يا بنَ القُيونِ وكيفَ تطلُبُ مجدَنا ... وعليكَ مِنْ سِمَةِ القُيونِ نِجارُ
(3/975)

قوله نجار، يعني عليك سمة يُعرفون بها.
فأجابه الفرزدق فقال:
أعَرَفتَ بين رُوَيّتينِ وحنْبَل ... دِمَناً تَلوحُ كأنها الأسطارُ
رويّتين وحنبل موضعان معروفان. والدمن ما دمّن، إذا نزلوا من الرماد والبعر، وما سوّدوا في
مقامهم من طبيخ وغيره. وقوله تلوح، يقول ترى ذلك بيناً. والأسطار الأثر الخفي، قد درسته الأمطار
وطول الزمن. وقال: هي رويّة واحدة فثنّاها. وأنشد:
هل تَذكُرونَ غَداةَ تُطرَدُ سَبيكُمْ ... بالصمد بَين رُوَيّة وطِحالِ
لَعِبَ العَجاجُ بكُلّ معرفَة لها ... ومُلثّةُ غَبَياتُها مِدرارُ
ويروى لعب الرياح. وقوله لعب العجاج يريد اختراق الرياح. والملثة يريد دوام مطرها أياماً. يقال
قد ألثّ المطر، وذلك إذا دام أياماً لا يُقلع. والغبية المطر الشديد ساعة ثم يقلع.
فعَفتْ مَعالِمها وغيّر رَسمَها ... ريحُ تَروّحُ بالحصى مِبكارُ
ويروى درست وغيّرَ كل معرفة لها ريحٌ. قال أحمد بن عبيد: يقال عفا الشيء وعفا غيره. وقوله
فعفت معالمها، يريد عفّته. يقول ذهّبته فخُفف لحال الوزن. قال: والرسم آثار الديار. ثم قال: تروّح
بالحصى، يقول: هذه الرياح تروّح على هذا الرسم بالحصى. مبكار أي هذه الريح تبكر الحصى
فتلقيه على هذه الرسوم فتُعفيه، أي تدرسه بكرة وعشية.
فترى الأثافي والرمادَ كأنهُ ... بَوٌّ عليهِ رَوائِمٌ أظفارُ
(3/976)

قال: الأثافي الحجارة التي توضع تحت القدر إذا اطبخوا. والرماد يكون تحت قدورهم. يقول: فلم
يبق من آثار الديار إلا الأثافي والرماد. ثم شبّه الأثافي والرماد بالبو. والبو جلد فصيل يُحشى ثماماً،
وهو حشيش ينبت في البر، تُعطف عليه الناقة، والناقتان، والثلاث. وأظآر جمع ظئر.
ولقد يحُلُّ بِها الجميعُ وفيهِمُ ... حُورُ العيونِ كأنهُنّ صِوارُ
ويروى ولقد عهدت بها الجميع وفيهم. حور العيون البقر. وإنما قال حور العيون لشدة بياضها، وإنما
سمي الحواري حوارى، لشدة بياضه. وكذلك الحور لشدة بياضها، وشدة سواد الأشفار والحدقة، وذلك
مما يشتد به بياضها. وإنما سمي الحواريون مع عيسى بن مريم عليه السلام لشدة بياض ثيابهم.
ويقال إنهم كانوا قصّارين.
يأنَسنَ عندَ بُعولهِنّ إذا التقَوا ... وإذا همُ بَرزوا فهُنّ خِفارُ
ويروى إذا خلوا. وقوله وإذا هم برزوا فهن خفار، يقول: إذا صرن عند أزواجهن فهن خفار: أي
حييات. يقال للمرأة إنها لخفرة، إذا كانت شديدة الحياء.
شُمُسٌ إذا بلغَ الحديثُ حَياءهُ ... وأوانسٌ بكَريمِهِ أغرارُ
قول أوانس يقول هن غير معبّسات ولا مُكلحات، لهن أخلاق حسنة يأنسن إلى من يثقن به، ولا
يستوحشن منه. وقوله بكريمه، يريد بكريم الحديث لا فُحش فيه. وقوله أغرار، يقال للرجل الذي لا
يعرف الأمور غر، وكذلك يقال للمرأة أيضاً التي لا تدري ما الناس فيه، هي غر، أي لم تجرب
الأمور، ولم تعرف الأشياء. يقول: هن غوافل عن مكر النساء، وما هن فيه من الإرب والدهاء.
وكلامُهُنّ كأنما مرفوعُهُ ... بِحَديثهِنّ إذا التَقَين سِرارُ
(3/977)

يقول: كلامهن فيما بينهن كأنه مسارة، وذلك من شدة الحياء.
رُجُحٌ ولَسنَ مِنَ اللواتي بالضُحَى ... لِذُيولهِنّ على الطريقِ غُبارُ
وإذا خَرجنَ يَعُدنَ أهلَ مُصابَة ... كانَ الخُطا لسرِاعِها الأشبارُ
هُنّ الحَرائِرُ لم يَرِثنَ لمُعرِضٍ ... مالاً وليسَ أبٌ لهُنّ يجُارُ
معرض جد جرير من قبل أمه.
فاطرَحْ بعينكَ هل ترى أحداجَهُمْ ... كالدّومِ حينَ تحُمّلُ الأخدارُ
قوله هل ترى أحداجهم، قال: الأحداج مراكب النساء، الواحد حدج كما ترى. وقوله كالدوم، هو
شجر المقل. ويقال بل هو السدر البري: ويقال هو كل سدر أين كان. والقول هو الأول.
يغشى الإكامَ بهِنّ كُلّ مخُيّس ... قد شاكَ مختلِفاتُهُ مَوّارُ
مختلفاته أنيابه. موار يقول هو واسع الجلد، يمور في مشيه كالمتبختر، لأنه قوي نشيط.
وإذا العيونُ تكارَهتْ أبصارُها ... وجرى بهِنّ معَ السرّابِ قِفارُ
ويروى تطاوحت. وقوله تكارهت أبصارنا، يقول لا تنظر بملء عيونها. قال: وذلك من شدة ترقرق
السراب ووقدان الحر واحتذامه. يقول: فإنما تفتح عيونها على كره ومشقة لذلك.
نَظَرَ الدّلهمَسُ نظرَةً ما ردَّها ... حَوَلٌ بِمُقلَتِهِ ولا عُوّارُ
الدلهمس رجل من بني كليب، كان رفيقاً للفرزدق. وقوله لا عُوار، قال: العوار، قال: العوار قذى
يصيب العين من رمد أو وجع.
فرأى الحُمولَ كأنما أحداجُها ... في الآل حينَ سَما بِها الإظهارُ
(3/978)

ويروى فرأى الشفاء كأنما أظعانها في الدو حين. وقوله سما بها، يريد حزاها الآل فرفعها في
المنظر. قال: وكذلك ترى الشيء في الآل وهو صغير كبيراً. وقوله الإظهار، قال: وذلك حين يُدخل
في الظهيرة. يقول: سارت هذه الإبل في وقت الظهيرة.
نخلُ بَكادُ ذُراهُ مِنْ قِنوانِهِ ... بِذُرَيعَتَين يُميلُهُ الإيقارُ
قوله من قنوانه القنوان، العذوق. وهو من قول الله تعالى: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} قد انتهى حملها ودنا
إنضاجها. قال: والأيقار يريد كثرة الحمل. يقول: قد أثقل هذه النخيل ما عليها، وأوقرها كثرته.
إنّ المَلامَةَ مِثلُ ما بَكَرتْ بِهِ ... مِن تحتِ ليلَتها عليكَ نَوارُ
وتقولُ كيفَ يميلُ مِثلُكَ للصِبَاً ... وعليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم عذارُ
ويروى قالت وكيف. يريد بمسحليه وعارضيه من الشيب، فهو سمة للكبير، والمسالان ما ليس عليه
شعر من الصدغ إلى شحمة الأذن. تقول: كيف يطلب مثلك الصبى، وأنت شيخ، وهو من علامات
الحليم توبّخه بذلك وتعيّره.
والشّيبُ يَنهضُ في السّوادِ كأنّهُ ... ليلٌ يصيحُ بِجانِبيه نهَارُ
يقول: الشيب يعلو السواد حتى يذهب به، كما يُذهب ضوء النهار سواد الليل، فضربه مثلا لليل
والنهار.
إنّ الشبابَ لَرابِحٌ مَنْ باعَهُ ... والشيبُ ليسَ لِبائِعيهِ تجِارُ
قال: إنما ضربه مثلا. يقول: للشباب طالبٌ وليس للشيب طالب.
يا بنَ المراغَةِ أنتَ ألأمُ مَنْ مَشى ... وأذَلُّ مَنْ لِبَنانِهِ أظفارُ
(3/979)

قال: البنان المفاصل العُلى التي فيها أظفار، واحدتها بنانة، والتي دونها البراجم، والتي دونها
الرواجب. والأشاجع عصب ظاهر الكف على كل قصبة أشجع.
وإذا ذَكرتَ أباكَ أو أيّامهُ ... أخزاكَ حيثُ تُقبّلُ الأحجارُ
قوله تقبّلُ الأحجار، يعني الحجر الأسود والبيت الحرام ومقام إبراهيم عليه السلام في الحجر. قال:
والمعنى في ذلك يقول: أخزاك أبوك في هذه المواضع التي يجتمع فيها الناس من كل فج عميق.
يقول: فليس له ما يفخر به إذا افتخر الناس وذكروا أيامهم ومآثرهم.
إنّ المَراغَةَ مَرّغَتْ يَربوعَها ... في اللؤمِ حيثُ تجاهَد المِضمارُ
أنتُمْ قَرارَةُ كلّ مَدفَعِ سَوءَة ... ولِكُلّ دافِعَةٍ تَسيلُ قَرارُ
قوله قرارة، هو مجتمع الماء في مطمئن من الأرض يستقر فيه الماء.
إنّي غَمَمتُكَ بالهِجاء وبالحَصى ... ومَكارِمِ لفَعالهِنّ مَنارُ
وروى سعدان عممتك بالعين غير معجمة. وليس بشيء. والرواية الغين. وقوله إني غممتك بالهجاء،
يقول غممتك من هجائي بما صار في رأسك لازماً كالغمامة. وقوله بالحصى، يريد كثرة العدد. تقول
بنو فلان عددهم كثير كالحصى، وذلك إذا كانوا كثيراً.
ولقد عَطَفتُ عليكَ حَرباً مرة ... إنّ الحُروبَ عَواطِفُ أمرارُ
حَرباً وأمّكَ ليسَ مُنْجيَ هارِبٍ ... منها ولو رَكِبَ النّعامَ فِرارُ
فلأفْخَرَنّ عليكَ فخراً لي بِهِ ... قُحَمُ عليكَ مِنَ الفَخارِ كبارُ
(3/980)

قوله قحم عليك، أي عظائم منه تقحّم عليك، يريد فتغلبك.
إني لَيرفعُني عليكَ لِدارِم ... قَرمٌ لهُمْ ونَجيبَةٌ مِذْكارُ
القرم الفحل من الإبل، ذلك أصله، ثم نُقل فصار قرم القوم سيدهم ورئيسهم. وقوله ونجيبة مذكار،
يريد تلد الذكور. ويقال امرأة مئناث إذا ولدت الإناث. فضربه مثلا للإبل، وإنما يريد الفخر في
الناس.
وإذا نَظرتَ رأيتَ فَوقَكَ دارِماً ... في الجَوّ حيثُ تُقَطّعُ الأبصارُ
إنّي لَيَعْطِفُ للئيمِ إذا رَجا ... مني الرّواحَ مُجإبٌ كَرّارُ
إنيّ لأشتمكُمْ وما في قَومكُمْ ... حَسَبٌ يُعادِلُنا ولا أخطارُ
هل يُعدَلَنّ بقاصِعائكَ مَعشرٌ ... لهمُ السماء عليكَ والأنهارُ
والأكرمونَ إذا يُعدُّ قَديمُهُمْ ... والأكثرونَ إذا يُعدُّ كِثارُ
ويروى الأكرمين، والأكثرين. ويروى كَثار بفتح الكاف، كثرة من الناس. يقال في الدار كثار من
الناس. وقوله إذا يعد كثار، يعني مكاثرة يريد مفاخرة.
ولهمْ عليكَ إذا القُرومُ تخَاطَرتْ ... خمطُ الفُحولَةِ مُصعَبٌ خَطارُ
مصعب لم يُذلل ولم يُرض. وقوله خمط الفحولة، يريد تكبّر الفحولة وتعظّمها في غضب. يقال من
ذلك قد تخمّط فلان فلانا، ولذلك إذا تعسّفه وظلمه. يقال تخمّط فلان إذا تكبّر. قال: لا أعلمه يتعدّى.
ولهمْ عليكَ إذا الفُحولُ تَدافَعتْ ... لجُجٌ يَغُمُّكَ موجُهُنّ غِمارُ
ويروى بحرهن غمار. وبحرها غمّار. ويروى إذا البحور تغامست.
قومُ يُرَدُّ بهِم إذا ما استَلأموا ... غَضبُ المُلوكِ وتمنَعُ الأدبار
(3/981)

منعَ النساء لآلِ ضَبّةَ وَقعَةٌ ... ولآلِ سَعد وَقعَةٌ مِبكارُ
فاسألْ غَداةَ جَدودَ أي فَوارِسٍ ... مَنعوا النساءَ لعِوذِهِنَّ جُوارُ
قال: العوذ النوق التي معها أطفال صغار. وقوله جوار وهو مثل خوار الثور، وهو من قول الله
تعالى: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ} ويروى فاسأل بقاع جدود أيُّ.
والخيلُ عابسَةٌ على أكتافِها ... دُفَعٌ تَبُلُّ صُدورَها وغُبارُ
قال: والخيل عابسة على أكتافها، يعني أنها كريمة المنظر، وهو من قولهم عبس فلان في وجه
فلان، وذلك إذا نظر إليه بتعبّس وكراهة. قال: وهو من قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} وهو من
التعبيس. وقوله دُفع، يعني دُفع الدم من الطعن.
إنّا وأمّكَ ما تَظَلُّ جِيادُنا ... إلاّ شَوازِب لاحَهُنّ غِوارُ
ويروى ما تزال جيادنا. ويروى ما تُرى أفراسنا إلا شوازب. وقوله شوازب، يقول: الخيل ضوامر
مما هن فيه من الجهد، وقوله لاحهن أي غيرّهن. وغوار يعني مغاورة.
قُبّا بِنا وبهِنّ يُدفَعُ والقَنا ... وَغْمُ العَدُوّ وتُنْقَضُ الأوتارُ
ويروى كتّابنا وبهن يمنع والقنا ثغر العدو. قال: والقب اللاصقة البطون بالظهور. وقوله وغم العدو،
يريد ذحل العدو أي تُدرك بالخيل الأوتار. والوتر الذحل أيضاً.
كَمْ كانَ مِنْ مَلك وطِئنَ وسوقَةٍ ... أطلَقْنَهُ وبِساعدَيه إسارُ
كانَ الفِداءَ له صُدورَ رِماحِنا ... والخيلَ إذ رَهجُ الغُبارِ مُثارُ
ولَئنْ سألتَ لتُنبأنّ بأننا ... نسمو بأكرمِ ما تَعُدُ نِزارُ
(3/982)

قال الملائكة الذين تخُيرّوا ... والمُصطَفونَ لِدينه الأخيارُ
أبكى الإلُه على نَبيثَة من بكى ... جَدفا يَنوحُ على صَداهُ حِمارُ
قال أبو عبد الله: لا أعرف نبيثة، وإنما هو بُلية. ويروى أبكى الإله على بلية، وهو موضع دُفنت
فيه أم حزرة. وقوله نبيثة من بكا، قال: والنبيثة التراب الذي يخرج من القبر إذا حفر.
كانتْ مُنافقَةَ الحياةِ وموتهُا ... خزيٌ عَلانيَةٌ عليكَ وعارُ
فلئنْ بكيتَ على الأتان لقد بكى ... جَزعاً غَداةَ فِراقِها الأعيارُ
يَنْهَسنَ أذرُعهُنّ حينَ عَهِدنَها ... ومكانُ جُثوَتِها لهن دُوارُ
ويروى جزعاً وجثوتها لهن. وقوله ومكان جثوتها، يريد مكان قبرها، وهو من قول الله عز وجل:
{فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} أي من قبورهم.
تبكي على امرأةٍ وعندكً مثلُها ... قعساء ليسَ لها عليكَ خِمارُ
ولتَكفينَّك فقدَ زوجِتكَ التي ... هَلَكتْ مُوقّعَةُ الظهورِ قِصارُ
قوله موّقعة الظهور، يعني أتنا. يقول فالأتان تكفيك من بعد زوجتك.
أخواتُ أمّكَ كُلُهُنّ حريصةٌ ... ألاّ يُفوتَكَ عندها الإصهارُ
فأخطُبْ وقُلْ لأبيكَ يَشفَعْ إنّهُ ... سَيَكونُ أو سَيُعينكَ المِقدارُ
قوله لأبيك يشفع جزم، لأنه أمر. أراد قل لأبيك ليشفع.
بِكراً عَسَتْ بَكَ أن تكونَ حَظيّةً ... إن المناكِحَ خَيرها الأبكارُ
(3/983)

إنّ الزيارةَ في الحياة ولا أرى ... ميتاً إذا دَخلَ القُبورَ يُزارُ
ولقد همَمتَ بسَوءة وفَعلتَها ... في اللحدِ حيثُ تمكّنَ المِحفارُ
لمّا رأتْ ضَبُعَي بُليّة أجهشَتْ ... والأرضُ غير ثلاثِهِنّ قِفارُ
لمّا جَننتَ اليومَ منها أعظُماً ... يَبرقْنَ بين فُصوصِهِنّ فَقارُ
أفبَعدَ ما أكلَ الضُباعُ رَحيبَها ... تَذرِي الدُموعَ أهانَكَ القَهّارُ
ورَثَيتَها وفَضَحتَها في قبرِها ... ما مِثلَ ذلكَ تفعلً الأخيارُ
وأكلتَ ما ذَخرتْ لنفسكَ دونهَا ... والجَدْبُ فيهِ تَفاضَلُ الأبرارُ
في الجدب تُختبر الناس.
آثرتَ نفسكَ باللّويّة والتي ... كانتْ لها ولمِثلها الأذخارُ
قال: اللوية طعام تدّخره المرأة، فتوثر به زوجها، وصَبيها، وبعض قرابتها، من والد أو والدة
وغيرهما.
وترى اللئيمَ كَذاكَ دونَ عِيالِهِ ... وعلى قَعيدَتِهِ لهُ اسئثارُ
ويروى قعيدة بيته. وقوله وعلى قعيدته، قال: قعيدة الرجل ربة بيته، وهي امرأته. يقول: يستأثر
عليها في المأكل والمشرب، يعيره بذلك. يقول ليس كذلك يفعل الحر ر يستأثر على امرأته شيئا.
ينسى حَليلتهُ إذا ما أجدَبتْ ... ويهَيجُهُ لِبُكائِها القُسبارُ
ويروى أخصب ذكرها. وقوله القُسبار، هو ذكر الرجل العظيم.
أنَسيتَ صُحبَتَها ومَنْ يَكُ مُقرفاً ... تخرجُ مُغيّبَ سِرّهِ الأخبارُ
لمّا شَبِعتَ ذَكَرتَ ريحَ كِسائِها ... وتَرَكتها وشِتاؤها هَرّارُ
قوله وتركتها، يعني خالدة بنت سعد بن أوس أم حزرة. وقوله وشتاؤها هرّار، يريد شتاؤها شديد
البرد يهر الناس من شدته.
(3/984)

هَلاّ وقد غَمَرتْ فُؤادَكَ كثبةٌ ... والضّأنُ مخصِبَةُ الجَنابِ غِزارُ
ويروى لو كنت إذ غمرت فؤادك. يقول: فهلاّ ذكرتها إذ غمرت فؤادك. يقول إذا غلب على فؤادك.
حبها، فحقها عندك أن لا تنساها. وقوله كثبة، يريد كثبة من لبن قال: وهو الشيء من اللبن لا يبلغ
أن يمتلئ منه الإناء. يقول: غمرت فؤادك علته وغلبت عليه. وقوله والضأن مخصبة، يريد كثرة
اللبن. والجناب الفناء وإنما يريد الخصب وكثرة اللبن.
هَجْهَجتَ حينَ دَعَتكَ إذْ لم تأتِها ... حيثُ السّباعٌ شَوارِعٌ كُشّارُ
ويروى حين دعتك أو لأتيتها أفراً وهن شوارع. يقول: حين دعتك، يريد استغاثت بك. وشوارع
يريد في لحمها. وقوله هجهجت، يعني زجرت السباع عنها. وقوله كشار، يقول إذا السباع فاتحة
أفواهها. يقال كشر في وجهه، وذلك إذا فتح فاه وكلح وعبس.
نهَضتْ لِتُحرِزَ شِلوَها فتَجوّرَتْ ... والمُخ مِنْ قَصَبِ القَوائِمِ رارُ
ويروى فتهورت. قوله شلوها، يعني بقية ما ترك الضبعان من بدنها. وقوله فتجوّرت، يقول سقطت
من الجهد. وقوله رار، يعني مُخها رقيق يذهب ويجيء في العظم، وذلك لشدة الهزال. قال وإذا
سمنت الدابة غلظ عظمها، وجمس مجها، واشتد وصلب.
قالتْ وقد جَنحَت على مملولها ... والنارُ تخبُو مرّةً وتُثارُ
عَجفاء عاريَةُ العظامِ أصابهَا ... حدثُ الزمانِ وجَدّها العَثّارُ
أبَني الحَرامِ فَتاتُكُمْ لا تهزَلَنْ ... إنّ الهُزالَ على الحَرائِرِ عارُ
لا تًتركَنّ ولا يَزالَنْ عِندها ... مِنكُمْ بحَدّ شِتائِها مَيّارُ
وبِحقّها وأبيكَ تهزَلُ ما لها ... مالُ فيَعصِمَهّا ولا أيسارُ
(3/985)

وترى شُيوخَ بَني كُليب بعدما ... شَمِطَ اللّحَى وتَسَعسَعَ الأعمارُ
قوله تسعسع الأعمار، يريد فنيت الأعمار وذهبت. قال الأصمعي: يقال من ذلك قد تسعسع الرجل،
وذلك إذا ذهب لحمه، واضطرب فكأنه مأخوذ من ذلك.
يَتَكلّمونَ معَ الرجالِ تَراهُمُ ... زُبّ اللحَى وقُلوبهُمْ أصفارُ
يقول: قلوبهم صفر خاوية لا عقول لهم.
أعَجِلتَ أم قد راثَ ريحُ شوائِنا ... أم ليسَ للكَمَرِ الكِبارِ قُتارُ
ما امتَلّ مُطبِخٌ كما في قِدرِها ... ست يدصنَ وسابعٌ قَيشارُ
ويروى سبع يدصن وثامن قُسبار.
ونُسَيّةٌ لبَني كُليب عندهُمْ ... مثلُ الخَنافِسِ بَينَهُنّ وبارُ
مُتَقَبضاتَّ عندَ شرّ بُعولَة ... شَمَطَتْ رُءوسُهُمْ وهُمْ أغمارُ
مِنْ كلّ حَنكَلةٍ يُواجِهُ بَعلَها ... بَظرٌ كأنّ لِسانَهُ مِنقارُ
الحنكلة القصيرة السوداء، وقوله من كل حنكلة، هي العجوز الكبيرة. يقال من ذلك امرأة حنكلة إذا
كانت كبيرة، ورجل حنكل إذا كان كبيراً.
أمَةُ اليَدَين لَئيمَةٌ آباؤها ... سَوداء حيثُ يُعلّقُ التّقصارُ
قوله أمة اليدين، يقول أيديهن أيدي الإماء، مشققة من المهنة والعمل بها. يقول:
(3/986)

وهن سود غلاظ، سود حيث يعلّق التقصار، يعني موضع القلادة، وإنما نسبهن إلى العمل والمهنة يعيرهم بذلك.
كانتْ تَطيّبُ بالفُساء ولم يَلِجْ ... بيتاً لها بِذَكِيّةٍ عَطّارُ
ممّنْ يُباكُرُهُ النّشيلُ وعندَهُ ... صفراء من زَبدِ الكُرومِ عُقارُ
ويَبيتُ تُسهرُهُ العُروقُ وما بِهِ ... حمى فتدخُلَهُ ولا أصفارُ
جمع صفر البطن. يقول: قد كظّته البطنة فمن الكظة لا يقدر ينام.
مُتَعالِمُ النّفَرِ الذينَ هُمُ هم ... بالتّبلِ لا غُمُرٌ ولا أفتارُ
جمع فاتر.
فارْبِطْ لأمكَ عن أبيكَ أتانَهُ ... واخسَأ فما بكَ للكرامِ فَخارُ
كم كانَ قبلَكَ مِنْ لَئيم خائِنِ ... تُرِكَتْ مَسامِعُهُ وهُنّ صِغارُ
(3/987)

قال أبو عثمان: أنبأنا الأصمعي وأبو عبيدة قالا: قدم الأخطل، واسمه غياث بن غوث، على بشر بن
مروان بالكوفة، فوجد عنده محمد ابن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. فقال محمد للأخطل: إن
الأمير سيسألك عن الفرزدق وجرير، فأعد لذلك جواباً وانظر ما ماذا أنت قائل، فقد عرفت قرابتنا
والرحم بيننا. فقال: كفيتك. وأم عبد الله ومجاشع ابني دارم الحلال، بنت ظالم بن ذبيان ابن الأشرس
بن كنانة بن زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب. قال: فلما دخل عليه الأخطل، سأله عن الفرزدق
وجرير. فقال له الأخطل: أصلح الله الأمير، أما الفرزدق فأشعر العرب. فقال الفرزدق يذكر تفضيل
الأخطل إياه على الشعراء، يمدح بني تغلب ويهجو جريراً:
يا ابنَ المراغَةِ والهِجاء إذا التَقَتْ ... أعناقُهُ وتماحَكَ الخَصمان
خبر الهجاء إذا التقت، أي الهجاء في هذه الوقت، يريد إذا التقت أعناقه، يريد إذا تناشده القوم، ورد
بعضهم على بعض. وقوله تماحك الخصمان، قال: التماحك اللجاجة. يقال تماحك القوم، وتخاصموا،
واختلفوا، وتنازعوا، كله بمعنى واحد، وذلك إذا تماروا في إنشاد الشعر، فقال بعضهم: هذا أشعر.
وقال آخرون: هذا أشعر. فتلك المماحكة فيه.
ما ضرّ تَغْلِبَ وائِلٍ أهجوتَها ... أم بُلْتَ حيثُ تَناطَحَ البَحرانِ
في رواية أبي عمرو، وابن الأعرابيّ، والحرمازي، ما ضرّ تغلب وائل في آخر القصيدة. قال:
والمعنى في ذلك، يقول الهجاء إذا التقت أعناقه، لا يضر تغلب وائل ما قلت، فيها لما قد سبق في
العرب من فضلها.
يابنَ المَراغَةِ إنّ تَغلِبَ وائل ... رفعوا عِناني فوقَ كل عِنانِ
كانَ الهُذيلُ يقودُ كلّ طِمِرَّةً ... دَهماء مُقرَبَة وكل حِصانِ
قال أبو عبد الله: كلام العرب في هذا، فرس مقرب، وخيل مقربة،
(3/988)

يريد مقرّبة، فخفف لوزن البيت، يعني فيقرّبون أكرم الخيل وأجودها وأسرعها للطلب والهرب.
يقول: فإذا فجئهم العدو، وثبوا عليها، فإما هربوا، وإما طلبوا.
يَصْهِلنَ بالنظرِ البعيد كأنما ... إرْنانهُا بِبَوائن الأشطانِ
ويروى للشبح البعيد. وقوله إرنانها ببوائن، يعني صوتها. والرنة الصوت من البكاء وغيره. قال:
والأشطان الحبل، واحدها شطن. قال الأصمعي: وقوله ببوائن الأشطان، بأبآر بوائن. قال: والبئر
البيون، البائنة التي يصيب حبلها نواحي البئر، فهو يميد فيها. فإذا استُقي منها، قام رجلان يُنحيّان
الدلو بالشّطن - وهو الحبل - عن حائط البئر لئلا ينقطع الحبل. يقول: كأنها تصهل من أبآر بوائن،
لسعة أجوافها، وهو كما قال الجعدي:
وتَصهِلُ في مثلِ جَوفِ الطّويّ ... صَهيلا يُبينُ لِلمُعرِبِ
قال: وهو الرجل الذي يرتبط الخيل العراب. قال: وإنما ضرب ذلك مثلاً لصهيل الخيل، وشدة
أصواتها، وذلك لسعة أجوافها، وهذا مما يُستحب من الخيل. ويكرهون المُخطف الجنبين اللاصق
البطن بالظهر. قال أحمد بن عبيد: إنما أراد غلظ أصواتها، وأن في أصواتها جشّة، وهذا مما يُسحب
في الخيل. وإذا كانت البئر بيوناً، اتخذت لها أشطان، تُنحّي الدلو من عوج البئر لئلا تتخرّق.
يقطَعْنَ كلّ مدىً بعيدٍ غَوْلُهُ ... خَببَ السباعِ يُقَدنَ بالأرسانِ
ويروى تقاد. وقوله كل سدى، يعني كل غاية بعيدة، وهو من قوله تعالى: {أَمَداً بَعِيداً} يعني غاية
بعيدة، يريد مجرى يُنتهى إليه. وغوله يعني بعده.
(3/989)

وكأنّ راياتِ الهُذَيلِ إذا بَدَتْ ... فوقَ الخميسِ كَواسِرُ العِقبانِ
يعني الهذيل بن هبيرة. قال: والخميس الجيش الضخم الكثير الأهل. وقوله كواسر العقبان، يعني
المنحطة من العقبان، وهو أسرع لها. قال وإنما شبه الخيل في سرعتها بسرعة العقبان إذا كسرت،
يعني إذا انحطت للوقوع. قال: وإنما شبه الرايات بالعقبان أيضاً.
وَرَدوا إرابَ بِجَحفَلٍ مِنْ وائِلٍ ... لجبِ العَشيِّ ضُبارِكِ الأركانِ
قوله وردوا إراب، قال: إراب موضع، وهو يوم أغار جزء بن سعد الرياحي ببني يربوع على بكر
بن وائل، وهم خلوف، فأصاب سبيهم وأموالهم. وأغار الهذيل على بني يربوع وهم خلوف، فأصاب
سبيهم وأموالهم. فالتقيا على إراب فاصطلحا على أن خلّى جزء ما في يدية من سبي بكر بن وائل
وأموالهم، وخلّى الهذيل الهذيل ما في يديه من سبي بني يربوع وأموالهم. وخلّوا بين الهذيل وبين
الماء، فسقى خيله وإبله، وشرب هو وأصحابه وفي هذا اليوم وفي غيره يقول جرير:
ونحنُ تَدارَكنا ابنَ حِصنٍ ورَهطَهُ ... ونحنُ منَعنا السبيَ يومَ الأراقِمِ
وقوله بجحفل، يعني جيشاً كثير الخيل. وقوله لجب العشي، يريد الأصوات. وإنما قال بالعشي،
وذلك أن الخيل وأصحابها يريدون النزول للعلف وغير ذلك، فالأصوات في ذلك الوقت كثيرة. وقوله
ضبارك، يقول هذا الجيش العظيم ضخم مثل ضبارم، وهو الغليظ. والأركان النواحي. يقول فأركان
هذا الجيش شديدة ضخمة.
ويَبيتُ فيهِ مِنَ المَهافَةِ عائذاً ... ألفٌ عليهِ قَوانِسُ الأبدانِ
يقول: يعتاذ بهذا الجيش جيش فيه ألف ليمنعه عليهم السلاح. والقوانس أعالي البيض. والأبدان
الدروع غير السوابغ.
(3/990)

تَرَكوا لتَغلبَ إذْ رأوا أرماحهم ... بإرابَ كلّ لَئِيمَة مِدرانِ
قوله مدران، يعني كثيرة الوسخ. قال: والدرن هو الوسخ بعينه. يقول: خلّوا نساءهم وهربوا.
تُدمِي وتغلبُ بَمنَعونَ بَناتِهمْ ... أقدامَهُنّ حِجارَةُ الصّوانِ
قال: وذلك لأنهن يُسقن حفاة على أرجلهنّ إذا سُبين، أي تُدمي أقدامهن حجارة الصوان.
يَمشينَ في أثرِ الهُذيلِ وتارَةً ... يُردَفْنَ خَلفَ أواخِرِ الرُكبان
والحَوفَزانُ أميرهُمْ مُتضائِلُ ... في جمعِ تغلِبَ ضارِبٌ بِجِرانِ
قال الأصمعي، وأبو عبيدة: وكان من خبر الهذيل أنه غزا بلاد بن سعد بن زيد مناة في تغلب، وغزا
الحوفزان - واسمه الحارث بن شريك - في بكر بن وائل. قال: وكلاهما يريد بني سعد، فلما التقى
الجيشان، سار الحوفزان تحت لواء الهذيل، فلا ندري ما فعلا بعد. وذلك أنا لم نسمع لهما جميعاً
بغارة على أحد من الناس. ثم إن الفرزدق قال هذا الشعر وروي عنه.
أحبَبنَ تَغلِبَ إذْ هَبَطنَ بلادهُمْ ... لمّا سَمِنّ وكُنّ غيرَ سِمان
يَمشينَ بالفضَلات وَسطَ شرُوبهِمْ ... يَتْبَعْنَ كُلّ عَقيرَة ودُخانِ
قوله يمشين بالفضلات، يعني بالخمور يسقين الرجال ويخدمنهم. وقوله وسط شروبهم، هم القوم
يشربون الخمر. وقوله يتبعن كل عقيرة، يريد يتسمعن الغناء فيتبعن الصوت فيطلبنه.
يَتبايعونَ إذا انتَشَوا ببَناتِكُمْ ... عندَ الإياب بأوكَسِ الأثمانِ
واسألْ بِتَغلِبَ كيفَ كانَ قديمُها ... وقديمُ قَومِكَ أولَ الأزمانِ
(3/991)

قومُ همُ قَتلوا ابنَ هندٍ عَنوَةً ... عَمرا وهُمْ قَسَطوا على النُعمانِ
قَتَلوا الصنائِعَ والمُلوكَ وأوقَدوا ... نارَينِ قد عَلَتا على النّيرانِ
قال: صنائع الملوك، يعني أنصار الملك الذين يغزون معه، يستعين بهم. قال: والوضائع سائر أهل
المملكة وجماعتهم ممن لا يُعرف. قال أحمد بن عبيد: الوضائع يضع الملك على كل قوم مائة،
وأكثر، وأقل، على قدر قلّتهم وكثرتهم، يغزون معه إذا أرادوا الغزو. والصنائع قوم يصطنعهم الملك
فيلزمون خدمته.
قال: فذكروا أن عمرو بن هند، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر، آكل المُرار، وأبوه
المنذر بن ماء السماء وقال: وماء السماء هي أمه، بنت عوف بن جُشم بن هلال بن ربيعة بن زيد
مناة بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن مالك بن الحارث بن عمرو بن نمارة بن لخم. هذا
نسب أهل اليمن. وأما ما يقول علماؤنا، فيقولون: نصر بن الساطرون بن أسيطرون، ملك الحضر،
وهو جرمقانيّ من أهل الموصل، من رُستاق باجرمي. وكان ملك عمرو بن هند ست عشرة سنة.
فقال ذات يوم لجلسائه: هل تعلمون أن أحداً من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟ فقالوا: لا، ما
خلا عمرو بن كلثوم، فإن أمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، وعمها كليب، وهو وائل بن ربيعة،
وزوجها كلثوم وابنها عمرو. قال: فسكت عمرو على ما في نفسه، ثم بعث عمرو إلى عمرو بن كلثوم
يستزيره، وأن يُزير ليلى هنداً. قال: فقدم عمرو في فرسان بني تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل شاطئ
الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه، قال: فأمر بخيمة، فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل
إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاماً، ثم دعا الناس إليه، فقُرّب إليهم الطعام على باب السرادق،
وهو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق. ولأمه هند في جانب السرادق قُبة، وأم
عمرو بن كلثوم معها في القبة.
(3/992)

وقد قال عمرو بن هند لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق إلا الطُّرف، فنحي خدمك عنك، فإذا
دعوت بالطرف، فاستخدمي ليلى، ومُريها فلتناولك الشيء بعد الشيء يريد طرف الفواكه وغير ذلك
بعد الطعام. قال: ففعلت هند ما أمرها ابنها، حتى إذا دعا بالطرف، قالت هند لليلى: ناوليني ذلك
الطبق. قالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت: ناوليني، وألحت عليها، فقالت ليلى: وا ذُلاّه
يال تغلب. قال: فسمعها عمرو، فثار الدم في وجهه، والقوم يشربون. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو
بن كلثوم.
فعرف الشر في وجهه، وقد سمع قول أمه، وا ذلاه يال تغلب! ونظر إلى سيف عمرو بن هند، وهو
معلّق بالسرادق، ولم يكن بالسرادق سيف غيره. قال: فثار إلى السيف مُصلتا، فضرب به رأس
عمرو بن هند فقتله. ثم خرج فنادى: يال تغلب، فانتهبوا ماله وخيله، وسبوا النساء، ولحقوا
بالجزيرة.
وقد كان مهلهل بن ربيعة، وكلثوم بن عتّاب، وعمرو بن كلثوم، اجتمعوا في بيت كلثوم على شراب.
قال: وعمرو يومئذ غلام، وليلى أم عمرو تسقيهم، فبدأت بأبيها مهلهل، ثم سقت زوجها كلثوم بن
عتاب، ثم ردّت الكأس على أبيها، وابنها عمرو عن يمينها، فغضب عمرو من صنيعها، وقال:
صَدَدْت الكأسَ عَنا أمّ عَمرو ... وكانَ الكأسُ مجراها اليَمينا
وما شرٌ الثلاثة أمّم عَمروٍ ... بِصاحِبِكِ الذي لا تَصحَبينا
ويروى بصاحبك الذي لا تعلمينا. قال: فلطمه أبوه، وقال: يا لُكَعُ! بلى والله شر الثلاثة. أتجترئ أن
تتكلم بهذا الكلام بين يدي. قال: فلما
(3/993)

قتل عمرو بن هند قالت أمه: بأبي أنت وأمي: أنت والله خير
الثلاثة اليوم. وفي ذلك اليوم يقول أفنون التغلبي واسمه صُريم بن معشر. قال: وكان يُشبّبُ بنساء
قومه. فقالت امرأة منهم: لأسمّين نفسي وابنتي اسماً لا يُشبب به صريم. قال: فسمّت بنتاً لها
مضنونة. فقال صريم عند ذلك، ليريها أن ذلك لا ينفعها:
مَنّيِتنا الوُدّ يا مَضنونَ مَضنونا ... زَمانَنا إنّ للشُبّانِ أفنونا
قال فسمى أفنونا بهذا البيت:
لَعَمْرُكَ ما عَمرُو بنُ هِندٍ وقدْ دَعا ... لِتَخْدُمَ ليلى أمّهُ بِمُوفّقِ
فقامَ ابنُ كلثومٍ إلى السيفِ مُصلتاً ... وأمسَكَ مِنْ نَدمانِهِ بالمُخَنّقِ
قال الأصمعي: وأما قوله وأوقدوا نارين قد علتا على النيران. قال: وذلك أنهم كانوا في يوم خزارى،
أسروا خمسين رجلا من بني آكل المُرار، وكان يوم خزازى للمنذر بن ماء السماء. قال: ولبني تغلب
وقضاعة على آكل المُرار من كندة، وعلى بكر بن وائل. ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
ونحنُ غَداةَ أوقدَ في خَزازَى ... رَفَدْنا فوقَ رَفدِ الرّافِدينا
وكُنا الأيمَنينَ إذا التَقَينا ... وكانَ الأيسرَينَ بنو أبينا
فآبوا بالنّهابِ وبالسّبايا ... وأبنا بالملوكِ مُصَفّدينا
(3/994)

قال: وقتلوا شرحبيل بن الحارث بن عمرو بن حجر، يوم الكلاب. وقتلوا غلفاء، وهو معدي كرب
بن الحارث بن عمرو يوم أوارة. ففي ذلك يقول جابر بن حُنيّ أخو بني معاوية بن بكر:
نُعاطِي المُلوكَ الحقّ ما قَصَدوا بنا ... وليسَ علينا قَتلُهُمْ بِمُحَرّم
ويومَ الكُلابِ استنزلَتْ أسلاتُنا ... شَرُحبيلَ إذْ آلا أليّةَ مُقسِمِ
لَيَسْتَلبَنْ أفراسَنا فاستَزَلّهُ ... أبو حَنَشٍ عَنْ سرجِ شَقّاء صلدِم
تَناوَلهُ بالرُمح حتى ثَنى لهُ ... فَخَرّ صريعاً لليَدَينِ وللفَمِ
وعمرُو بنُ هندٍ قدْ صَقَعنا جَبينَهُ ... بِشَنعاء تشفي صَورَةَ المُتَظَلّمِ
لولا فَوارِسُ تغلبَ ابنةِ وائلٍ ... نزلَ العدُوُ عليكَ كلّ مكان
حَبسوا ابنَ قيصرَ وابتَنَوا بِرماحِهِم ... يومَ الكُلابِ كأكرَمِ البُنيانِ
ولقدْ عَلمتُ لَيَذرِفَنْ ذا بطنِهِ ... يَربوعُكُمْ لمُوَقصِ الأقرانِ
إنّ الأراقِمَ لن ينالَ قديمَها ... كلبٌ عَوَى مُتَهَتّمُ الأسنانِ
قومٌ إذا وُزِنوا بَقَوم فُضّلوا ... مِثلي مُوازِنِهمْ على المِيزانِ
فأجابه جرير، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد والأخطل:
لمِن الدّيارُ بِبرُقَةِ الرّوحان ... إذ لا نَبيعُ زمانَنا بِزَمان
إنْ زُرتُ أهلَكِ لم يُبالُوا حاجتي ... وإذا هَجَرتُكِ شَفّني هِجراني
ويروى لم تبالي. شفّني يقول حزنني، يقال من ذلك شَفّ فلاناً كذا وكذا، أي حزنه وبلغ منه.
(3/995)

هل رامَ جَوُّ سُويقَتَين مكانَهُ ... أو حُلّ بعدَ مَحلّنا البردان
قوله هل رام جو سويقتين مكانه، يقول هل زال من مكانه. قال: والبُردان مكانان معروفان، يقال
هما منقعا ماء.
راجَعْتُ بعدَ سُلُوَهِنّ صَبابَةً ... وعَرَفْتُ رَسمَ مَنازِل أبكاني
قال: السلو أن يسلى الرجل الشيء أي ينساه فيذهب من قلبه، والصبابة أن يرق قلب الرجل، فيأخذه
البكاء من عشق أو فقد إلف. قال: ورسم المنازل آثار الديار. يقول: لما رأيت خراب المنازل
ودروسها أبكاني ذلك.
أصبَحْنَ بعدَ نعيم عَيشٍ مُؤنِقٍ ... قَفراً وبعدَ نَواعِم أخدانِ
قال: العيش المؤنق المعجب الذي يعجب من رآه من بهجته. قال: والقفر من الأرضين، التي لا نبت
فيها ولا أحد. قال: والقفر لا أنيس به، ويكون فيه نبت وشجر ووحش وغير ذلك. والمرت لا نبت
فيه ولا شجر ولا شيء.
قد رابَني نَزَعٌ وشَيبٌ شائِعٌ ... بعدَ الشّبابِ وعَصرِه الفَينانِ
شَعَفَ القُلوبَ وما تُقَضّى حاجَةٌ ... مِثلُ المَها بِضرَيمَةِ الحَومان
ويروى بصرائم. الحومان مكان يغلظ وينقاد.
نزلَ المَشيبُ على الشّبابِ فراعَني ... وعَرفتُ مَنزِلَهُ على أخداني
حُورُ العُيون يَمِسنَ غيرٌ جوادِقٍ ... هَزّ الجَنوبِ نَواعِمَ العَيدان
قال: الحور العيون من النساء، ما مان بياض العين أكثر من السواد. ومنه سميت الحوراء، حوراء
لذلك. ومنه سمي الحواري من الدقيق، والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام لبياض ثيابهم. ويقال إنهم
(3/996)

كانوا قصّارين. وقوله يمسن أي يتبخترن. يقال ماس الرجل فهو يميس ميساً، وذلك إذا مشى
فتبختر في مشيه. والجوادف من النساء القصار. والعيدان النخل الطوال الواحدة عيدانة.
وإذا وَعدنَكَ نائلا أخلَفنَه ... وإذا غَنيتَ فهُنّ عنكَ غَوانِ
أصحا فُؤادُكَ أي حينِ أوان ... أم ل يَرُعْكَ تَفَرقُ الجيرانِ
بَكَرتْ حمامَةُ أيكَة محزونَةٌ ... تدعو الهديلَ فهَيّجَتْ أحزاني
لا زلتِ في غَلَل يَسرُّكِ ناقِع ... وظلالِ أخضرِ ناعِمِ الأغصانِ
ولقدْ أبيتُ ضَجيعَ كلّ مخُضّب ... رَخصِ الأنامِلِ طَيّبِ الأردانِ
عَطِر الثيابِ مِنَ العَبيرِ مُذَيّل ... يمشي الهُوينا مَشيَةَ السكرانِ
صَدَعَ الظعائِنُ يومَ بِنّ فُؤادَهُ ... صَدعَ الزجاجَةِ ما لذِاكَ تَدان
قال الأصمعي: الظعائن الإبل التي عليها النساء، فإن لم يكن على الإبل نساء، فلا يقال لها ظعائن،
وذلك قول أبي عبيدة.
هل تُؤنِسان وديرُ أروى بَيننا ... بالأعزَلَين بَواكِرَ الأظعان
قال عمارة: دير أروى بالشأم. والأعزلان واديان بالمروت. وقوله تؤنسان، يريد تبصران. ويروى
دوننا.
رَفّعتُ مائِرَةَ الدُّفوفِ أمَلّها ... طُولُ الوَجيفِ على وجَى الأمران
الأمران واحدها مرن، وهو ما وقّح به الخف - قال أبو عبد الله رقّح بالراء - ولين به، ومرن، أي
لين. قال: وذلك إذا حفي الخف فيُلين بالشحم والبعر، وكل ما وقّح به الخف فهو مرن.
حَرفاً أضرّ بِها السّفارُ كأنها ... جَفنٌ طَويتَ بِهِ نِجادَ يَمان
ويروى أضر بها الوجيف. وقوله حرفاً فنصب، أي رفّعت مائرة الدفوف حرفاً، قال: ودف الناقة
جنبها، يقول: قد أضر بهذه الناقة
(3/997)

سفري وإعمالي إياها في الهواجر. وقوله نجاد يمان، حمائل السيف.
واحداتها حِمالة.
وإذا لقيتَ على زَرودَ مجاشعاً ... تَركوا زَرودَ خَبيثَةَ الأعطان
قَتلوا الزبير وقيلَ إنّ مجاشِعاً ... شَهِدوا بِجَمع ضَياطِر عُزلان
ويروى ضاع الزبير. ويروى قُتل. ويروى غزلان. وهم القُلف. وقال أحمد بن عبيد: واحد
الضياطر ضيطر وضيطرى. وقال سعدان: قوله ضياطر، واحدها ضيطر، وهو رجل منتفخ
الجنبين. ويقال أيضاً الضيطار العبد والتابع. قال سعدان: وأنشدنا الأصمعي وتشقى الرماح
بالضياطرة الحمر. وهم الأتابع الذين يخدمون الناس في العساكر. وقوله عُزلان، الواحد أعزل وهو
من الرجال الذي لا رُمح معه، ولا سلاح، ولو كانت معه عصى ما كان بأعزل.
مِنْ كُلّ مُنتفِخِ الوريدِ كأنهُ ... بَغلُ تَقاعَسَ فَوقَهُ خُرجان
يا مُستجيرَ مجاشِع يخشى الرّدى ... لا تأمنَنّ مجاشِعاً بِأمان
قال: وذلك أنهم غدروا بالزبير، وقد استجار بمجاشع، فخذلوه حتى قُتل بين أظهرهم ولم ينصروه،
فلزمهم عار ذلك أبداً.
إنّ ابنَ شِعرَةَ والقَرينَ وضَوطَرى ... بِئسَ الفَوارِسُ ليلةَ الحَدَثان
يقال ضيطر وضوطر سواء، وهو الرجل المنتفخ الجنبين العريض. وقوله ابن شعرة، يعني محمد
بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة. قال: والقرين، يعني عبد الله بن حكيم بن زياد بن علقمة
بن حوي ابن سفيان بن مجاشع.
تَلّقَى صِفِنّ مجاشِع ذا لحيَة ... ولهُ إذا وضَع الإزارَ حِران
تثنية حر أي هو امرأة. ويروى ضفن أيضاً، والضفن الضخم من
(3/998)

الرجال، الثقيل الذي لا خير عنده ولا قوة.
أبُنَيِّ شعرةَ إنّ سَعداً لم تَلدْ ... قَيناً بِلِيتَيهِ عَصيمُ دُخان
أبِنا عَدَلْتَ بني خَضافِ مجاشِعاً ... وعَدَلْتَ خالَكَ بالأشَدّ سِنان
يعني سنان بن خالد بن منقر. قال: وإنما جعله جرير خاله، لأن أم بدر، كاس بنت شهاب بن حوط
بن عوف بن كليب، وأم كاس جحلة بنت بدل بن خديج بن صخر بن منقر. والعلاء بن قرطة الضبي
خال الفرزدق. قال جرير: أبنا عدلت يا فرزدق خالك العلاء، بخالي الأشد سِنان.
شَهَدتْ عَشيّةَ رَحرَحانَ مجاشِعٌ ... بِمَجارِف جُحَفَ الخَزيرِ بِطان
ويروى بمحارف. قال وكان يوم رحرحان لبني عامر بن صععة على بني دارم، وكانوا أسروا فيه
معبد بن زرارة. قال وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
وَطئتْ سَنابِكُ خيلِ قَيس منكُمُ ... قتلى مُصرّعه على الأعطان
أنَسيتَ وَيلَ أبيكَ غَدر مجاشِع ... ومجَرّ جِعثِنَ ليلةَ السيدان
يعني غدر مجاشع بالزبير. قال: وجعثن بنت غالب أخت الفرزدق.
لمّا لقيتَ فَوارِساً مِنْ عامر ... سَلّوا سُيوفَهُمُ مِنَ الأجفانِ
ملأتُمُ صُفَف السرُوج كأنّكُمْ ... خُورٌ صَواحِبُ قَرمَل وأفان
يقول سلحتم على السروج، كأنكم نوق خور، وهي الغزاة الكثيرة الألبان. وقوله صواحب قرمل،
يقول أكلن قرملا فسلحن. قال والقرمل والأفاني شجر، يقال في مثل: ذليل عاذ بقرملة. والقرملة نبات
ضعيف يضرب ذلك مثلا للرجل الذليل الضعيف، يستجير من هو أضعف منه. قال: والقرمل
والأفاني نبات ضعيف لا قوة له. وقال
(3/999)

أبو النجم في تصداق ذلك:
يخبِطْنَ مُلاّحاً كَذاوِى القَرْمَلِ
لله دَرُّ يَزيدَ يومَ دَعاكُمُ ... والخيلُ مجليَةٌ على حَلَبان
قال: وهذه وقعة لهم.
لاقَوا فَوارِس يَطعُنونَ ظُهورَهُمْ ... نَشطَ البُزاةِ عَواتِقَ الخِربانِ
النشط جذب خفيف. وقوله نشط البُزاة يريد نزع البزاة. قال: وللخربان ذُكرور الحباريات الواحد
خرب، قال: والعاتق المخلف الذي لم يخرج من ريش جناحه العشر، يطعنون ظهورهم. المعنى في
ذلك أنهم قد انهزموا، فولّوهم ظهورهم، فهم يطعنون ظهورهم.
لا يخفَينّ عليكَ أنّ محُمّداً ... مِنْ نَسلِ كلّ صِفِنّةٍ مِبْطانِ
يعني محمد بن عمير بن عطارد. قال: والضفنة من النساء، الضخمة الكثيرة اللحم، المسترخية،
يعيره بذلك.
إنْ رُمْتَ عبدَ بَني أسيدَةَ عِزّنا ... فانقُلْ مَناكِبَ يَذْبُل وذِقان
وأبان أيضاً. نصب عبد، أراد يا عبد، يعني محمد بن عمير. قال: وإنما المعنى في ذلك يقول: إن
أحسابنا كالجبال الراسية، فإن أراد مفاخرتنا، فهل تستطيع أن تنقل جبلا من مكانه، فضربه مثلا
للجبال، يؤيّسه مما أراد من مفاخرته.
إنّا لَنعرفُ ما أبوكَ بِحاجِبِ ... فالحق بأصلِكَ مِنْ بيَ دُهمان
لمّا انهزَمتَ كَفى الثُغورَ مُشَيعٌ ... منا غَداةَ جَبُنتَ غير جَبان
(3/1000)

قال: وإنما عنى عتّاب بن ورقاء. قال وكان محمد بن عمير على أذربيجان، فأغار على أهل موقان
فهزموه، وأخذوا لواءه، فسار إليهم عتاب بن ورقاء الرياحي، فأخذ لواء محمد. ففي ذلك يقول جرير
لعتّاب:
ما كانَ مِنْ مَلك نَراهُ وسُوقَةٍ ... كُنا نَنافِرُهُ على عَتّابِ
أنتَ استلبتَ لنا لواء محُمّد ... وأقمتَ بالجَبلين سُوقَ ضرِابِ
قال: وإنما عنى بذلك قتل عتاب الزبير بن الماحوز بإصبهان، وحرب الأزارقة، وفتحه الري
وطبرستان، وطرده الفرخان، فلحق بجبل الشرز فمات فيه. وفي ذلك يقول أعشى همدان:
أفْلتَ الفَرّخانٌ في جبل الشرّز ... رَكضاً وقدْ أصيبَ بِكَلمِ
قال: وجبل الشرّز في الديلم في مكان منيع أشب.
شَبَثٌ فَخَرتُ بهِ عليكَ ومَعقِلٌ ... وبِمالِكٍ وبِفارِس العَلْهان
قال: يعني شبث بن ربعي الرياحي، ومعقل بن قيس الرياحي، صاحب شرطة علي بن أبي طالب
رضي الله وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. والعلهان عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد بن
ثعلبة بن يربوع، وهو أبو مليل. قال أبو عبيدة: وإنما سمي العلهان في يوم بني غبر بملهم. قال:
فجعل يقتلّهم، فقيل اقتلوه، فإنه رجل علهان لا يعقل. قال: وذلك لأنهم قتلوا أخاه فطلبهم بترته.
هَلا طَعَنتَ الخيلَ يومَ لقيتَها ... طَعْنَ الفَوارِسِ مِنْ بَني عُقفان
قال الأصمعي: خرج نفر من الخوارج على الحجاج بن يوسف، وحوشب بن يزيد على شرطة
الكوفة. قال: فتحصن حوشب في القصر،
(3/1001)

وأخذ الخوارج على أهل الكوفة بأفواه السكك، مما يلي
الحيرة. فقال إياس بن حصين بن زياد بن عقفان: كم عدة الخوارج؟ قالوا: كذا وكذا. فقال لبنيه: يا
بني لا يخرج إليهم إلا عدتهم. قال: فخرجوا إليهم، فجاء كل رجل من بني عقفان برأس من
الخوارج. قال: وبلغ الخبر، فبعث إلى إياس بن حصين فقال: افرضوا في ثلثمائة في السنة، فقال في
ذلك إياس بن حصين:
ما في ثَلاثٍ ما يجُهّزنَ غازياً ... ولا في ثلاثٍ مَنْعَةٌ لِفَقيرِ
فقال الحجاج، حين بلغه شعره: افرضوا له في الشرف. ففرضوا في ألفي درهم، وهي درجة أهل
الشرف.
ألقُوا السلاحَ إليّ آلَ عُطارِد ... وتَعاظَموا ضرطاً على الدُكان
يا ذا العَباءة إن بِشرا قد قضى ... أنْ لا تجوزَ حُكومةُ النّشوانِ
يريد بشر بن مروان بن الحكم. وقوله يا ذا العباءة، يعني الأخطل. قال: والعباءة الكساء، يعيره
بلبس الكساء.
فدَعوا الحكومةَ لَستُمُ مِنْ أهلِها ... إنّ الحكومَةَ في بَني شَيبان
بَكرٌ أحقُ بأن يكونوا مَقنَعاً ... أو أنْ يَفوا بحقيقةِ الجيران
قَتلوا كُلَيبَكُمُ بلَقحَةِ جارِهم ... يا خُزرَ تغلِبَ لَستُمُ بِهجان
كَذَبَ الأخيطلُ إنّ قومي فيهمُ ... تاجُ المُلوكِ ورايَةُ النُعمان
منهُمْ عُتيبَةُ والمُحِلُ وقَعنَبٌ ... والحَنتَفان ومِنهُمُ الرّدفان
يريد عتيبة بن الحارث بن شهاب، والمحل بن قدامة بن أسود بن أبي ابن الحمرة بن جعفر بن ثعلبة
بن يربوع. وقعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو بن همام بن رياح بن يربوع. ويروى في بعض
قول الرواة وطارق والقعنبان، وهو طارق بن حصبة بن أزنم بن عبيد بن
(3/1002)

ثعلبة بن يربوع، أسر قابوس بن المنذر. قال: والحنتفان ابنا أوس بن إهاب بن حميري بن رياح بن يربوع.
قال أبو جعفر: الحنتفان يعني حنتف بن السجف، وأخاه، وهما ثعلبيان.
ومن روى القعنبان، عنى قعنب بن عتاب بن هرمي.
إنيّ لَيُعرَفُ في السرادقِ مَنزلِي ... عندَ المُلوكِ وعندَ كُلّ رِهان
ما زالَ عِيضُ بَني كُليب في حِمّى ... أشِبٍ ألفٍ مَنابِتِ العِيصان
قال: العيص الأصل. والألف الكثير النبت. وإنما ضربه مثلا يريد أن أصلنا لا يُرام منعة.
الضّارِبينَ إذا الكُماةُ تَنازَلوا ... ضرباً يَقُدُ عَواتِقَ الأبدان
الكماة الأبطال الأشداء الذين يُعرف مكانهم في الحرب. والأبدان الدروع، واحدها بدن.
وحمَى الفَوارِسُ مِنْ غُدانَةَ إنهُمْ ... نِعمَ الحُماةُ عَشِيّةَ الإرنان
قال: إنما عنى بذلك وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود، ومن شهدة من بني غُدانة، حين قتل
قتيبة بن مسلم، وغلب على منابر خُراسان، وقد مر حديثه فيما أمليناه من الكتاب. وقوله الإرنان،
يريد عشية تكثر فيها الأصوات، وهي الرنة.
إنّا لَنَستَلِبُ الجَبابِرَ تاجَهُمْ ... قابوسُ يَعلَمُ ذاكَ والجَونان
وقد مر حديث قابوس يوم طخفة.
ولقد شَفَوكَ مِنَ المُكَوّى جَنبُهُ ... واللهُ أنزلَهُ بدارِ هَوانِ
جارَيتَ مُطّلعُ الجِراء بِنابِهِ ... رَوقٌ شَبيبَتُهُ وعُمرُكَ فان
ما زِلتُ مُذ عَظُمَ الخِطارُ مُعاوِداً ... ضَبرَ المِائِينَ وسَبقَ كُلّ رِهان
(3/1003)

قال: الضبر الوثب، يقال من ذلك ما أحسن ضبر الفرس، إذا كان حسن الوثب. وقوله ولقد شفوك
من المكوى جنبه، قال: وذلك أنه لما قتل الجحّاف أهل الرحوب بالبشر، فأرادوا أن يقبروا قتلاهم،
أتاهم الشمرذى، أحد بني الوحيد - قال: والوحيد عوف وكعب ابنا سعد بن زهير بن جشم بن بكر -
فقال لهم الشمرذي: إنكم إن قبرتم أصحابكم فكانوا كثيراً، عُيرتم بها، ما دامت لكم حياة، فحرّقوهم.
فوقع شهاب على جنب الشمرذى فأحرقه ثم قتلته قيس بعد ذلك بالبليخ، قتله رجل من غني. وفي
إحراقهم يقول الجحاف:
لقدْ أوقدَتْ نارُ الشمَرذَى بأرؤسٍ ... عِظامِ اللّحَى مُعرَنزِماتِ اللهازمِ
تحُشُ بِأوصالٍ مِنَ القَومِ بينها ... وبين الرِجالِ المُوقِديها المَحارِمُ
فاقبِضْ يديكَ فإنني في مُشرِفٍ ... صَعْبِ الذُرَى مُتَمَنّعِ الأركانِ
يقول: نسبي عال، يعلو الجبل الذي لا يرام صعوبة. وإنما ضربه مثلاً لنسبه، وأنه لا يدانيه أحد ولا
يبلغه.
ولَقدْ سَبقتُ فما ورائي لاحِقٌ ... بَدءا وخُليّ في الجِراء عِناني
نَزعَ الأخَيطِلُ حينَ جَدّ جِراؤنا ... حَطِمَ الشوَى مُتكسرّ الأسنانِ
ويروى متهتم الأسنان. قوله نزع الأخيطل، يقول: كف لمّا علم أنه مسبوق بالشرف. والشوى ليس
بمقتل، وإنما المقتل أن يصيب خاصرته أو نحوها من جوفه.
قُلْ للمعَرّضِ والمُشَوّر نفسَهُ ... مَنْ شاءَ قاسَ عنانَهُ بِعناني
عَمداً حَزَزتُ أنوفَ تغلِبَ مثلَ ما ... حَزّ المَواسِمُ آنُفَ الأقيانِ
ولقدْ وَسَمتُ مجاشعاً ولَتَغْلبُ ... عِندي محُاضرَةٌ وطولُ هوان
قيسٌ على وَضَحِ الطريقِ وتغلبٌ ... يَتَقاوَدونَ تَقاوُدَ العُميان
ليسَ ابنُ عابِدَةِ الصليبِ بِمُنتَه ... حتى يَذوقَ بِكَأسِ مَنْ عاداني
(3/1004)

إنّ القصائدَ يا أخَيطلُ فاعترَفْ ... قَصَدتْ إليكَ مجُرّةَ الأرسان
وعَلقتَ في قَرَن الثلاثَةِ رابعاً ... مثلَ البِكارِ لُزِزْنَ في الأقرانِ
ما نابَ مِنْ حَدثٍ فَليسَ بِمُسلِمي ... عَمري وحَنظَلَتي ولا السَعدانِ
قال الثلاثة الفرزدق، والبعيث، وعمر بن لجأ. والرابع الأخطل. ويقال في قرن الثلاثة، يعني
الفرزدق والبعيث ومحمد بن عمير، وقوله بمسلمي عمري، يريد عمرو بن تميم، وحنظلة بن مالك بن
زيد ابن تميم. والسعدان يعني سعد بن زيد مناة بن تميم، وسعد بن مالك بن زيد مناة. ويقال سعد بن
ضبة بن أد. هذا في رواية أبي عثمان سعدان.
وإذا بَنو أسَدٍ عليّ تحَدّبوا ... نَصَبَتْ بَنو أسَدٍ لمَنْ راداني
ويروى راماني. يريد أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو عمرو بن إلياس بن مضر. وقوله تحدبوا،
يريد تعطفوا ومنعوني من كل من أرادني بسوء. وراماني بالحجارة خاصة.
والغرُّ مِنْ سَلَفَي كِنانَةَ إنهم ... صِيدُ الرُءوسِ أعِزّةُ السلطان
قوله سلفى كِنانة، يريد كنانة بن خزيمة بن عمرو بن إلياس، وهو مدركة بن إلياس. وقوله صيد
الرؤوس، يقول هم متكبرون يُميلون رءوسهم للكبر. وأصل الصيد داء يأخذ الإبل في رءوسها، فتميل
رءوسها من وجعه، فنقلته العرب إلى الناس، فقالوا: أصيد من ذلك أي متكبر يميل رأسه تعظّماً
وتجبراً. وهذا من الحروف المنقولة، تكون للشيء ثم تُنقل إلى غيره، وقد فعلته العرب فوسّعت بذلك كلامها.
(3/1005)

مالَتْ عليكَ جِمالُ غَورِ تِهامَةٍ ... وغَرِقتَ حيثُ تَناطَحَ البَحران
ولَقيتَ رايَةَ آلِ قَيسِ دونها ... مِثلُ الجِمالِ طُلينَ بالقَران
هَزُوا السُيوفَ فأشرعوها فيكُمُ ... وذَوابِلاً يَخطِرنَ كالأشطان
ويروى هزوا الرماح فأشرعت بظهورهم. هز الرياح عوالي المُران. قال الذوابل الرماح. وقوله
يخطرن، المعنى أن أصحابها يخطرون بها عند القتال والمطاعنة. يقول: هم يتبخترون غير مُكترثين
للحرب، فصير الخطران للرماح، وإنما الفعل لأصحاب الرماح، وقد تفعل العرب ذلك كثيراً. وقوله
كالأشطان، وهي الحبال. شبه القنا بالحبال لطولها.
فترَكنَهُمْ جَزَرَ السّباع وفَلُّكُمْ ... يَتَساقَطونَ تَساقُطَ الحَمنان
ويروى فتركتم. والفل القوم المهزومون. يقال من ذلك هؤلاء فل فلان، يريد هؤلاء الذين هُزموا مع
فلان. وفل القوم إذا هُزموا.
تركَ الهُذَيلُ هُذيلُ قَيس مِنكُمُ ... قتلى يُقَبّحُ روحَها المَلَكان
فاخسأ إليكَ فلا سُليمُ منكم ... والعامِران ولا بَنو ذُبيان
ويروى فاقصر لا سُليماً نلتُم والعامرين. يريد سُليم بن منصور. قال: والعامران عامر بن صعصعة،
وعامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
قومٌ لَقيتَ قَناتهُمْ بِسنانها ... ولَقُوا قَناتَكَ غير ذاتِ سِنانِ
يا عَبدَ خندَفَ لا تَزالُ مُعبّداً ... فاقْعُدْ بِدارِ مَذَلّة وهَوان
والزَمْ بِحلفِكَ في قَضاعَةَ إنما ... قيسٌ عليكَ وخِندفٌ أخَوان
وإنما عنى بذلك حِلف اليمن وربيعة.
أحموا عليكَ فلا تجوزُ بَمنهَل ... ما بين مِصرَ إلى قُصورِ عُمان
(3/1006)

ويروى:
قومُ هُمُ مَلأوا عليكُ بِخَيلهم ... ما بينَ مِصر إلى جُنوبِ عُمان
يقول: صيّروا عليك الدنيا حِمى، فليس لك منها شيء لذلّتك وقلّتك.
والتّغلّبيُّ على الجَوادِ غَنيمَةٌ ... بِئسَ الحُماةُ عَشيّةَ الإرنان
والتغلّبيُّ مُغَلّبٌ قَعَدتْ بِهِ ... مَسعاتُهُ عَبدٌ بِكُلّ مكان
قوله والتغلبي مُغلب، يقول هو أبداً مغلوب لقلّته.
سوقوا النِقادَ فلا يحَلُّ لتَغلِب ... سَهلُ الرّمالِ ومَنبِتُ الضّمران
لَعنَ الإله مَن الصَليبُ إلهُهُ ... واللابِسينَ بَرانِسَ الرُهبان
والذّابِحينَ إذا تقاربَ فِصّحُهمْ ... شُهبَ الجُلودِ خَسيسَةَ الأثمان
قوله إذا تقارب فصحهم يعني عيدهم. قوله شهب الجلود، يعني الخنازير ألوانها شهب.
من كُلّ ساجي الطرفْ أعصَلَ نابُهُ ... في كلّ قائِمَة لَهُ ظلفان
تَغشى الملائكة الكِرامُ وفَاتَنا ... والتغلَبيُّ جَنارَةُ الشيطان
يُعطَى كتابَ حِسابِهِ بشِمالِهِ ... وكتابُنا بأكُفّنا الأيمان
أتُصدّقونَ بِمارِ سرجسَ وابنَهَ ... وتُكذّبونَ محُمّدَ الفُرقان
ما في دِيارِ مُقامِ تغلبَ مَسجدٌ ... وترى مَكاسرَ حَنتَم ودِنان
غَرّ الصليبُ ومارِ سرجسُ تغلباً ... حتى تقاذَفَ تغلبَ الرّجَوان
تلقَى الكِرامَ إذا خُطِبنَ غَوالياً ... والتغلَبيةُ مَهرُها فَلسان
تضعُ الصليبَ على مِشقّ عجانها ... والتغلبيةُ غير جِدّ حَصان
قَبحَ الإلهُ سِبالَ تَغلِبَ إنها ... ضرُبَتْ بكُلّ مخُفْخَف خَنّان
(3/1007)

قال: وقوله بكل مخفخف، يعني خنزيراً مخفخفاً.
قال أبو عثمان: حدثنا أبو عبيدة، عن مقاتل الأحول المرثدي قال: عدي الذي لقبه المهلهل، وكليب
وسالم وفاطمة بنو ربيعة بن الحارث ابن زهير بن جشم. قال وإنما سُمى مهلهلا، لأنه هلهل الشعر،
يعني سلسل بناءه، كما يقال ثوب مهلهل إذا كان خفيفاً. قال: وفاطمة أختهم ولدت امرأ القيس بن
حجر الكندي، وكانت عند كليب بن ربيعة أخت لهمام بن مرة، وجساس أخيه بن مرة بن ذهل بن
شيبان، وأم جساس وهمام ابني مرة، هيلة بنت منقذ بن سلمان بن كعب بن عمر ابن سعد بن زيد
مناة بن تميم. وكانت أخت هيلة البسوس في بني شيبان، ومعها ابن لها وناقة يقال لها السحاب،
ومعها فصيل لها، وزوجها الجرمي. قال: فبينا أخت همام وجساس تغسل رأس زوجها كليب بن
ربيعة وتُسرحه ذات يوم، قال لها كليب: من أعز وائل؟ فضمزت - يعني سكتت - قال: فأعاد عليها
فضمزت. فلما أكثر عليها في سؤاله إياها، مرة بعد أخرى، قالت: أخواي. قال فنزع رأسه من يدها،
وأخذ القوس، فأتى ناقة خالتهم، فرمى فصيلها فأقصده - يعني قتله - قال: فأغمضوا على ما فيها،
وسكتوا. فلما رأى ذلك كليب، لقي زوج البسوس، رب الفصيل، فقال: ما فعل فصيل السحاب؟ فقال:
قتلته فأخليت لنا لبن أمه السحاب. فأغمضوا على ذلك. ثم إن كليباً أعاد على امرأته، فقال: من أعز
وائل؟ قالت أخواي. فأخذ القوس فأتى السحاب، فرمى ضرعها فاختلط لبنها ودمها. قال: وأصابتهم
سماء، فغدا كليب في غبها. يتمطر، فركب عليه جساس، ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل
بن شيبان - وبنو ذهل مرة والحارث، ومحلم وأبو ربيعة بن ذهل. قال: هم عشرة بنو مرة بن ذهل
بن شيبان - قال: فطعن عمرو كليباً، فقصم صُلبه. قال: فلما تداءم الموت كليباً - أي ركبه، يقال قد
تداءمت عليه الأرض إذا
(3/1008)

غيّبته وعلته - قال: يا جساس اسقني. فلم يسقه. وقد قال مهلهل تصداقاً أن عمرو بن الحارث هو الذي قتل كليباً:
قتيلٌ ما قَتيلُ المَرء عَمروٍ ... وجَسّاسِ بنِ مُرّةً ذو ضرَيرِ
قال: وقد قال نابغة بني جعدة أيضاً، يقتص حديث كليب، وما لقي بظلمه، يحذر مثل ذلك عقال بن
خويلد العقيلي، حين أجار بني وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلاً من بني جعدة،
فأجارهم عقال عليهم، فقال النابغة في ذلك:
كُلَيب لَعَمري كانَ أكثرَ ناصرِاً ... وأهونَ جُرماً مِنكَ ضرِّجَ بالدّمِ
رَمى ضرعَ ناب فاستَمرّ بطَعنَة ... كَحاشِيَةِ البَردِ اليَماني المُسهّم
ولا يشعُرُ الرمحُ الاصَمُ كَعوبُهُ ... بَنَزوَةِ أهل الأبْلَخ المُتَظَلّم
تجُيرُ علينا وائِلا بِدِمائِنا ... كأنّك عَما نابَ أشياعَنا عَمِ
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى بدري، فغلبه - أي غلب الجعدي - بهذا الجواب.
وقال لجَسّاسٍ أغثني بِشربَةٍ ... تَفَضّل بها طَولا عَلّ وأنعِمِ
فقال تجاوَزتَ الأحَصّ وماءهُ ... وبَطنَ شُبَيثٍ وهوَ ذو مُترَسّمِ
وقال العباس بن مرداس يحذر كليب بن عهمة أخا بني سليم بن منصور، حيث جحد ولد مرداس
شرك مرداس في القرية، أن يلقى ما لقي كليب بن ربيعة فقال:
(3/1009)

أكُليبُ مالَكَ كلّ يوم ظالماً ... والظُلمُ أنكدُ وَجهُهُ مَلعونُ
افعَلْ بقومكَ ما أرادَ بِوائِل ... يومَ الغَديرِ سَميُّكَ المَطلعونُ
وإخالُ أنكَ سوفَ تلقَى مِثلَها ... في صفحَتَيكَ سنانهُا المَسنونُ
قال أبو عبد الله: سناني المسنون.
قد كانَ قومُكَ يَزعُمونَكَ سيداً ... وإخالُ أنكَ سيدُ مَعيونُ
قال أبو عثمان: وأخبرني أبو عبيدة أن حديثه طويل.
(3/1010)

قال أبو عبيدة، والأصمعي: كانت بنو جعفر بن كلاب، عادوا شبّة بن عقال بن صعصعة بن ناجية
بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، فرشت بنو جعفر ذا الأهدام، نافع بن سوادة الضبابي حتى
هجاهم. قال: فكتب شبة بن عقال إلى الفرزدق، إن كان بك حبض أو نبض من شعر، فإن بني جعفر
قد مزقوا أباك. قال: فقال الفرزدق: والله ما أعرف مثالبهم ولا ما يُهجون به. قال فبينا هو كذلك، إذ
قدم عمر بن لجأ التيمي، فنزل في بني عدي، في موضع دار أعين الطبيب. فقال لابن متويه: -
وهو رواية الفرزدق وكان يكتب شعره - امض بنا إلى هذا التيمي. قال: فخرجنا حتى وقفنا على
الباب الذي هو فيه، فاستأذنا، وعند ابن لجأ فتيان من بني عدي، يكتبون فخره بالرباب، فقيل له
الفرزدق بالباب. فقال: لا تأذنوا لابن القين على ولا كرامة. قال: فوثبت إليه بنو عدي، فقالو: ننشدك
الله، فقد حملت جريراً علينا، فلا تجمعنّ معه الفرزدق، فيمزقا أعراضنا وأعراض الرباب. قال وكان
عمر تائهاً. قال فلم يزالوا به حتى أذن له، وقالوا زده في البشر. فلما دخل الفرزدق، قام إليه عمر بن
لجأ، ثم تنحّى له عن فراشه، فأقعده عليه، وأقبل عليه بوجهه مستبشراً. قال: وغدا فتيان عدي إلى
باب عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهي سوق معروفة بالبصرة، فنقلوا مناقل نبيذهم، فلما أرادوا أن
يشربوا، قال: لغير هذا جئت يا أبا حفص. أنّ عمى شبّه بن عقال، كتب إليّ أن بني جعفر هجوه،
وهو مفحم - والمفحم الذي لا يقول الشعر، ولا يقدر عليه - وقد استغاث بي، ولست أعرف مثالبهم
ولا ما يُهجون به. قال: لكني قد طانبتهم في المحال، وسايرتهم في النجع، وحضرت معهم وبدوت.
فقال الفرزدق: هاتوا لي صحيفة أكتب فيها ما أريد من ذلك. قال: فأتوه بصحيفة، فكتب فيها المثالب
التي هجاهم بها في قوله في القصيدة التي يقول فيها:
(3/1011)

ونُبّئتُ ذا الأهدامِ يعوي ودونَهُ ... مِنَ الشأم زرّاعاتهُا وقُصورُها
إليّ ولم أترُك على الأرض حَيّةً ... ولا نابِحاً لا استَسرّ عَقورُها
عوَى بِشَقاً لابنَي بَحيرٍ ودونَنا ... نَضادٌ فأجبالُ الستارِ فنيرُها
ونُبّئتُ كَلبَ ابنَي حمُيضَةَ قد عَوى ... إليّ ونارُ الحَربِ تَغلي قُدورُها
قال: حاجب وحبيب ابنا حميضة بن بحير بن عامر بن مالك، وهما اللذان أمرا ذا الأهدام بهجاء
شبّة. وقال الفرزدق فيما كان بينه وبين قيس، حين قُتل قتيبة فهجاه جندل بن راعي الإبل، وذو
الأهدام الجعفري، فهجاهما الفرزدق، وهجا جريراً معهما أيضاً فقال:
محَتش الدّيارَ فأذهَبَتْ عَرَصاتهِا ... محوَ الصحيفَةِ بالبلىَ والمُورِ
قال: العرصة وسط الدار، ومثله ساحتها وباحتها كله بمعنى واحد. قال: والمور التراب الذي تأتي به
الريح الشديد الهبوب. قال أبو عبد الله: أول القصيدة: وروائم ولداً.
رِيحان يختلفان في طَرد الحَصا ... طَرداً لهُ بِعَشيّة وبُكورِ
ورَوائِم وَلداً ولم يُنتِجْنَهُ ... قد بِتنَ تحتَ وئيّة لِقُدورِ
قوله روائم، يعني عواطف قد تحنين ولداً، يعني الرماد. يقول تحنّت الأثافي عليه، وهن روائم. قال:
وذلك أنه شبهها بالنوق التي ترأمن أولادهن. وقوله لم يُنتجنه، يعني لم يلدنه، يقول: الأثافي لم تلد
ولداً. قال: والوئية القدر العظيمة الحافظة لما فيها. قال: وذلك يقال للمرأة المصلحة الحافظة لبيتها،
إنها امرأة وئية إذا كانت مصلحة.
وكأنّ حيثُ أصابَ مِنهُنّ الصّلَى ... كَلفٌ بِهنّ وراشِحٌ مِنْ قيرِ
(3/1012)

قال أبو عبد الله: ويروى وراسخاً بالخاء معجمة والسين غير معجمة. وراشح وراشحاً وكلف وكلفاً
بالرفع والنصب. الصلى مفتوح الأول مقصور، فإن كسرته مددته. وقوله كلفاً بهن سواداً، وتغير لون
يضرب إلى السواد. يقال قير وقار لغتان، والقار أفصح اللغتين وهما جائزتان.
وكأنّ فَرخَ حمَامَةٍ رَئمَتْ بِهِ ... باقِي الرّمادِ بِهِنّ بعدَ عُصورِ
يقول: كأن فرخ حمامة رئمت به الحمامة. وقوله باقي الرماد بهن، يريد الأثافي. وقوله بعد عصور،
يريد بعد دهور أتت عليه، يريد على هذا الرماد الذي أوقده النازلون ثم تركوه.
مثلُ الحَمامِ وَقَعنَ حولَ حمَامَةٍ ... ما إنْ يُبينُ رَمادُها لِبَصيرِ
قال أبو عبد الله: مثل الفراخ وقعن. ويروى لأياً يُبين.
يا لَيتَ شعري إنْ عظامي أصبحتْ ... في الأرضِ رَهنَ حَفيرَة وصُخورِ
هل تجعلَنّ بَنو تَميم مِنهُمُ ... رَجُلاً يقومُ لهم بِمثلِ ثُغوري
قال: والثغور جمع ثغر، وهو الفرج الذي يخاف منه العدو أن يأتيهم منه. والعورة التي لا يؤمن أن
يأتي منها الذي يخافون. يقول فمن يقوم لتميم بعدي يدفع عنها مقامي.
إنيّ ضَمنتُ لمن أتاني ما جَنى ... وأبيِ وكانَ وكُنتُ غيرَ غَدورِ
وبِآل سَعد يا ابنَ ألام مَنْ مشى ... سَعدِ السُعودِ غَلبتُ كُلّ فَخورِ
يعني سعد بن زيد بن تميم.
لو كنتَ تعلمُ ما بِرَملِ مُقَيّدٍ ... وقُرَى عُمانَ إلى ذواتِ حُجورِ
رمل مقيد اسم معروف. وحجور اسم بلد ببلادهم. ويقال حي من
(3/1013)

اليمن، أعني حجوراً.
لَعلِمتَ أنّ قبائِلاً وقَبائِلاً ... مِنْ آلِ سَعدٍ لم تَدِنْ لأميرِ
قال: الدين الطاعة، وقوله لم تدن، يقول لم تُطع أميراً لعزة نفوسهم ومنعتهم.
أدّتْ بِهم نُجبٌ حَواصِنُ حملُها ... لأب وأمكَ كانَ غير نَزورِ
ويروى وافت بهم. وقوله حواصن هن العفائف من النساء، الواحدة حاصن. ويقال امرأة حصان
مفتوحة الحاء. وقوله وأمك أقسم بأمه باليمين. وقوله لأب يريد كان الأب غير نزور، يريد تميماً.
يقول: كان كثير الولد ولم يكن بنزور. والنزور القليل الولد. يقول: كان تميم كثير الولد ولم يكن
نزوراً. والنجب من النساء اللاتي تلدن كراماً. يقال قد أنجب الفحل، وذلك إذا ولد كريماً.
لوْ كانَ بالَ بِعامِرٍ ما أصبحوا ... بِشَمامَ تَفضُلُهُمْ عِظامُ جَزورِ
يقول لو كان تميم بال بعامر، يقول ولد عامراً، ما أصبحت تفضلهم عظام جزور يأكلونها، لفضل
عظامها، ولم ينموا لقلتهم. ويروى تُشبعُهم عظام.
وإذا الربابُ تَرَبّبَتْ أحلافُها ... عَظُمت مخُاطرتي وعزّ نصيري
قوله ترببت أحلافها، يعني اجتمعت كالربابة. قال والربابة خرقة تُجمع فيها السهام، إذا اجتمعت
فضُمت فهي ربابة، ثم نُقل فصار لجماعة الناس فقال: لقد اجتمعت، يعني هم كالسهام المجتمعة،
والأصل في السهام.
إنّا وإخوتَنا إذا ما ضَمّنا ... بالأخشَبَينْ مَنازِلُ التَجميرِ
(3/1014)

قال: الأخشبان جبلان بمكة عظيمان معروفان بالضخم.
عَرفَ القبائِلُ أننا أربابهُا ... وأحَقُها بِمَناسِك التَكبيرِ
ويروى أربابهم وأحقهم بمشاعر.
جعلَ الخِلافَةَ والنُبوة ربُّنا ... فينا وحُرمَة بيتِهِ المَعمورِ
قوله فينا، يعني في خندف. وجعل الإله فيها شرف النبوة والخلافة.
ما مثلُهُنّ يُعدُّهُ في قَومِهِ ... أحدٌ سوايَ بمُنجِد ومُغيرِ
هُنّ المَكارِمُ كُلُهنّ معَ الحَصا ... غير لقليلِ لنا ولا المَكثورِ
يقول: هذه المكارم كلها لنا مع الحصى، يريد مع كثرة العدد.
وأبي الذي رَدّ المَنيةَ قَبرهُ ... والسيفُ فوقَ أخادِع المَصبورِ
قوله المصبور، هو المقتول صبرا.
عُرضَتْ لهُ مائةٌ فأطلقَ حَبْلُهُ ... أعناقَها بِكَثيرة جُرجورِ
وإذا أخندِفُ بالمَنازِل مِنْ مِنىً ... طارَ القبائلُ ثم كلّ مَطيرِ
يقول: إذا دعوت يال خندف. بالمنازل يريد في المنازل، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على
بعض، فجاء بالباء، وإنما أراد في، وهذا جائز كثير في القرآن والشعر. قال الله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ
فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}. يقول: فإذا دعوت بخندف طار القبائل كل مطير، يقول أجابوني مختلفين بجمعهم.
فَرقاً وإنّ رِقابهُمْ مملوكَةٌ ... لمُسَلّطٍ مَلكِ اليدين كبيرِ
مِنّا النبيُّ محُمدٌ يجلىَ بِهِ ... عنّا العَمَى بمُصَدّق مَأمورِ
خيرِ الذينَ وراءهُ وأمامهُ ... بالمَكرُماتِ مُبشرِ ونذيرِ
(3/1015)

إنّ النبوةَ والخلافةَ والهُدَى ... فينا وأولَ مَنْ دَعا بِطَهورِ
وإذا بَنو أسد رَمَتْ أيديهِمُ ... دوني ورَجّعَ قَرمُهُمْ بِهَديرِ
خَشَعَ الفِحالَةُ تحتَةُ ورأتْ لهُ ... فضلا على مُتفَضّلينَ كَثيرِ
نَجحَتْ كِلابُ الجنّ لمّا أجحَرَتْ ... فَرَقاً لدى مُتَبَهْنسٍ مَضبورِ
قوله متبهنس يريد متبختر، يقال تبختر الرجل في مشيته وتبهنس، وذلك إذا مشى يتبختر في مشيته.
قال: والبهنسة مشية الأسد. قال: ومشية الأسد تبهنس لا يحسن غيرها. وقوله مضبور، يقول هو
موثّق الخلق مجتمعه. قال الأصمعي: وهو من قولهم، اجعل الكتب إضبارة، يريد اجمع بعضها إلى
بعض.
لمّا رأينَ ضلابَةً في رأسِهِ ... أقعَينْ ثم صَأينَ بعدَ هَريرِ
صَأين مثل صعين. والمُقعي المنتصب على استه كما يُقعي الكلب. يقول فعلوا ذلك فرقاً وفزعاً.
والجَعفَريّةُ غير فارِحَةٍ لها ... أمُّ لها بِغُلامِها المَسرور
قال: المعنى لا تفرح أم جارية منهم تلد غلاماً. والمسرور يريد المقطوع سرره، يقال سر وسرر.
والسرر الذي يُقطع، والسرة الباقية. نسبهم إلى أن أبناءهم يأتون أمهاتهم.
ويِفرُّ حينَ يَشِبُّ عنها إنْ دَعتْ ... ويُريدُ حينَ يموصُ للتِطهيرِ
يقول ابن الجعفرية يفر من أمه حين يشب، إن دعته إلى أن يفجر بها، ويريد إلى احتلم. وقوله حين
يموص، يريد إلى اغتسل وألقى الأذى عنه. وقوله للتطهير، يعنى للغُسل من الجنابة.
سترى مَنِ المُتقَدّمونَ إذا التَقَتْ ... رُكبانُ مُنْخَرقِ الفِجاج قَعيرِ
(3/1016)

قوله الفجاج، هى أفواه الطرق، الواحد فج. وقعير يعني بعيداً، له قعر وبُعد وغور بعيد.
أمُلوكُ خِندفَ أم تُيوسُ حَبَلّق ... يَمذينَ بينَ أكارِع ونُحورِ
قال: الحبلق من الرجال القصير. يقال: التيس نشط، إذا مذى ملأ ما بين يديه ونحره.
يا قَيسُ إنكُمُ وجدتُمْ حَوضَكُمْ ... غالَ القِرَى بمُهَدّم مَفْجورِ
قوله غال القرى، يريد قليل القرى، لا يوجد عنده. قال أحمد بن عبيد: غال القرى، فعل أي ذهب
بما يُقرى فيه. ومن روى غالي فخطأ، لم يدر ما قال. ويشهد على أنه غال على وزن قال، البيت
الذي بعده.
ذَهبَتْ غَوائلُهُ بِما أفرَغْتُمُ ... بِرشاء ضَيّقَةِ الفُروغ قَصير
قوله ذهبت غوائله، هي شقوق في الأرض تغتال ماءه، فيُذهب به في شقوقها. وقوله برشاء ضيقة
الفروغ، هي الدلو، يريد دلوا ضيقة الفروغ. والفروغ ما بين كل عرقوتين، مشدود بها أطراف
العراقي.
إنّ الحِجازَ إذا هَبَطتُمْ دونَهُ ... كُنتمُ غَنيمتَهُ لكُلّ مُغيرِ
ولقد عَجِبتُ إلى هَوازِنَ أصبحَتْ ... مِنّي تَلوذُ بِبَظر أمّ جريرِ
يريد من هوازن، لأن حروف الصفات يدخل بعضها على بعض.
بِئسَ المُدافِعُ عنهُمُ عِلّوذُها ... وابنُ المَراغَةِ كانَ شرّ أجيرِ
ويروى لأذوا بها وابن المراغة. ويروى علودها بالدال غير معجمة. ويقال للبظر إذا غلظ وضخم
علود، وعرود، وعرد.
يا ابنَ الخَليّة إنّ حَربي مُرّة ... فيها مَذاقَةُ حَنظَلٍ وصُبورِ
لو أنّ أمكَ حيثُ أخرجَت أستها ... والحَيضُ بالكعبين كالتّمغير
(3/1017)

الرواية بالعقبين. وقوله كالتمغير، شبه دم حيضها على عقبيها بالمغرة. يقول: لا تتنظف من
حيضها، فهو يجري على عقبيها.
أو عادَ أيرُكَ حيثُ كانت أخرَجَتْ ... لحيَيْكَ مِنْ غُرْمولهِا بِزَحيرِ
قال: الغرمول للرجال والدواب، وهو غلاف الذكر. قال بشر بن أبي خازم في تصداق ذلك:
وخنذيذٍ ترى الغُرمولَ مِنهُ ... كَطَيّ الزّقّ عَلّقَهُ التّجارُ
أو كانَ مثلَ هِجاء أمّكَ نَيكُها ... مثلَين عندَ فَواضِح التعييرِ
قد كانَ في هجر ونَخْلِ محُلّمٍ ... تمرٌ لمُلتَمِس الطعام فَقيرِ
يقول: قد كان في أكلكم تمر هجر، ومحلم، شغل عن هجائي. ومحلم نهر بالبحرين.
وإذا هُمُ جمعوا لهُ مِنْ بُرّهم ... غَلَثوا لهُ في ثَوبِهِ بشَعيرِ
مِنْ كُلّ أجدَعَ خارجٍ غُرضوفُهُ ... بين الحَواجِبِ والسّبالِ قَصيرِ
الغرضوف الحاجز بين السبال والحواجب. ثم عيرهم بالقصر أيضاً.
وأبوكَ حينَ دَعا بآخِر صوتهِ ... يدعُو إلى الغَمراتِ غيرَ وَقورِ
قوله بآخر صوته، يعني عند انقطاع صوته عند الموت.
وبَنو الهُجيم كأنما شَدَخوا بهِ ... هَدمَ المغَارَة مِن ضِباعِ حَفيرِ
قوله وبنو الهجيم، وذلك أن بني الهجيم كانوا ضربوا الراعي في رأسه. قال: فانتقضت به الضربة
فمات منها. وقوله هدم المغارة، قال: المغارة هي موضع الضبع التي تكون فيه. وحفير موضع تكثر
فيه الضباع.
(3/1018)

فرَجعتَ حينَ رَجعتَ ألأمَ ثائِر ... خَزيانَ لا بِدَم ولا بأسيرِ
لو كنتَ مثلَ أخي القصافِ وسيفه ... يومَ الشّباكِ لَكُنتَ غير فَرورِ
ضربَ ابنَ عَبلَةَ ضربَة مَذكورَةً ... أبكى بها وشفى غَليلَ صُدورِ
وبَنى بِها حَسباً وراحَ عَشِيّةً ... بثيابِ لا دَنِسٍ ولا مَوتورِ
قال أبو عثمان: أخبرنا أبو عبيدة أنه كان من حديث أخي القصاف - قال واسم أخي القصاف وكيع
بن مسعود بن أبي سود بن مالك بن حنظلة - أنّ إياس بن عبلة أخا بني جشم بن عدي بن الحارث
بن تيم الله بن ثعلبة، قتل في مقتل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - مسعود ابن القصاف بن عبد
قيس بن حرملة بن مالك بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة. قال: وأبو سود جد بني طهية. قال: وهذا
قول اليربوعي. قال: أسرت بنو تيم الله وكيع بن القصاف، فحبسوه عندهم، فظن بنو حنظلة أنهما قد
قتلا كلاهما، فقال الأحوص، وهو زيد بن عمرو ابن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع،
يرثيهما ويتوعد بني تيم الله:
لتَبْكِ النساء المُرضِعاتُ بِسُحرَة ... وكَيعاً ومَسعوداً قتيلَ الحَناتمِ
كِلا أخوَينا كانَ فَرعاً دَعامَة ... ولا يُلبِثُ العَرشَ انقِضاضُ الدَعائِم
فلا تَرجُ تَيمُ الله أنْ يجعلوهما ... دِياتٍ ولا أن يهزما في الهزائمِ
يقول ليس لهما مترك، لابد أن يطلب بهما. هزم له حقه أي وهبه له. قال: فلما أتى هذا الشعر بني
تيم، عرفوا أن بني حنظلة سيطلبونهم بدم مسعود، فخلّعوا سبيل وكيع. قال فلبث بنو القصاف بذلك
ما شاء الله أن يلبثوا. ثم إن فتية منهم خرجوا من الكوفة في عير لهم، حتى إذا ذنوا من الشباك، لقوا
قوماً فسألوهم: من على الماء؟ فقالوا لهم: بنو حارثة بن لام وناس من بني تيم الله بن ثعلبة. قال: فعقل بنو القصاف
(3/1019)

رواحلهم، وخلّفوا بعضّم فيها، ومضى بعض حتى انتهى إلى ابن عبلة، فقالوا له:
رحمك الله، إن ناقة لنا ضلّت قُبيل، وهي في إبلك فاردُدها علينا. قال: فقال لغلام له انطلق مع القوم،
فادفع إليهم ناقتهم. فانطلق غلام ابن عبلة معهم، فسأل راعيّه عن ناقة القوم، فقال: ما رأيتها. وهذه
الإبل فانظر. قال: فنظر الغلام فلم ير شيئا، فرجع إلى مولاه، ورجع بنو القصاف، فقال لهم ابن
عبلة: ما صنعتم؟ قالوا غيّب راعيك ناقتنا، فقم معنا إليه. فقام معهم ابن عبلة، حتى إذا نحوه عن
الماء، شد عليه رجل من بني القصاف، ثم نادى يا ثأرات مسعود! فقتله وخضب عمامته بدمه. قال:
فغضب بنو حارثة بن لام وقالوا: قتلوا جارنا، ولا تزال العرب تسبنا به إن فاتونا. قال: وطلبوا بني
القصاف، وهم نفير وعلى الماء جماعة من بني حارثة بن لام، قال: فترك بنو القصاف رواحلهم
ومضوا مخضوبة بالدم، حتى أتوا بها بني طهية، فسألوهم عن ركابهم فقالوا: تركناها في أيدي بني
حارثة. فقال الأسلع بن القصاف في ذلك:
فِدىً لامرئ لاقى ابنَ عبلةَ ناقتي ... وراكِبُها والناسُ باقٍ وذاهبُ
عدا ثُمّ أعداهُ على الهَولِ فتيةٌ ... كِرامٌ وأسيافٌ رِقاقٌ قَواضِبُ
ولم يحَفلوا ما أحدثَ الدهرُ بعدها ... وما كشفَ الناسَ الأمورُ الشواعِبُ
ولم نَروَ حتى بَلّ أسيافَنا دَمٌ ... يُداوَى بهِ قَرح القُلوبِ الجَوالِبُ
فما الناسُ أردوهُ ولكنْ أقادَهُ ... يدُ الله والمستنصرُ اللهَ غالِب
شفى سَقماً إنْ كانتِ النفسُ تَشتفي ... قتيلٌ مصابٌ بالشّباكِ وطالِبُ
شفى الدّاء وابيضّتْ وجوهٌ كأنما ... جَلى النفسَ عنها وهيَ سُودٌ كوائِبُ
لعمري لقد ردّتْ عَشيّةُ مثقَب ... غليلاً فساغتْ في الحُلوقِ المشارِبُ
فأبَلغْ بني لامٍ إذا ما لقيتهم ... وما شاهدٌ يُدعى كمن هو غائبُ
فهل أنتمُ إلا أخونا فتحدَبوا ... علينا إذا نابتْ علينا النوائبُ
(3/1020)

ولو أننا كنّا على مثلها لكم ... لابتْ إلى أربابهنّ الرّكائِبُ
لما بَرِحَتْ حتى أنيخَتْ إليكمُ ... جميعاً وحتى حُلّ عنها الحقائبُ
فإن رِحالَ القومِ وسطَ بُيوتِكُمْ ... وللجار معروفٌ منَ الحقّ واجِبُ
فلما أتى بني حارثة هذا الشعر سرهم، وقالوا: مالنا على ركابكم من سبيل، قوم أدركوا بثأرهم، ولهم
جوار، والذي بيننا وبينهم حسن. فردوا على بني القصافر كابهم، وطاح ابن عبلة - يعني ذهب دمه
باطلا - ولم يُدرك بثأر.
رجع إلى شعر الفرزدق
ما بِتّ ليلَكَ يا ابنَ واهِصَة الخُصَى ... رَهناً لمُحمِضَةِ الوطابِ خُبورِ
لمحمضة، كذا رواه سعدان، وهو غلط، وإنما هو لمخمطة الوطاب. يقال قد أخمط الوطب إذا أخذ
طعم الحموضة. وأنشد لابن أحمر:
وما كنتُ أخشى أن تكونَ مَنيتي ... ضرَيبَ جِلاذِ الشّولِ خمطاً وصافيا
يقال أحمض الوطب. وقوله محمضة الوطاب، قال: الوطاب جمع وطب، وهو الذي يكون فيه اللبن.
يقول قد أخذت الوطاب الطعم من الحموضة. وقوله خبور، هي الكرام من الإبل التي خبرها محمود،
وهي الغزار، يريد الكثيرة اللبن، واحدها خبر.
يا بَني حمُيضَةَ إنما أنزاكُما ... في الغَي نَزوةَ شِقوَةٍ وفُجور
ويروى للحين نزوة. ابنا حميضة، يعني حاجباً ونافعاً.
العاوِيانِ إليّ حينَ تَضرّمَتْ ... ناري وقد ملأ البلادَ زَئيري
(3/1021)

قوله العاويان جعلهما الفاعلين، أي هما أنزياهما، والعاويان ليسا بابني حميضة، فيجب لعاويين
النصب. وابنا حميضة من بني عامر ابن مالك مُلاعب الأسنة. والعاويان جندل بن عبيد بن حصين
الراعي، وذو الأهدام، وهو نافع بن سوادة بن مالك بن عامر بن مالك بن جعفر. وابن حميضة حبيب
وحاجب ابنا حميضة بن بحير بن عامر ابن مالك بن جعفر.
حينَ اعتزمتُ ولم يكن في موطني ... سَقَطٌ ولُفّعَ مَفرقي بقَتيرِ
قوله لُفّع يقول لُحف، يقال من ذلك تلفّع الرجل، وذلك إذا لحف رأسه بردائه. قال: والقتير الشيب.
قال: واللفاع الملحفة، وقوله لُفّع مأخوذ منه.
وجَريتُ حينَ جَ رَيتُ جريَ محافظ ... مَرحِ العِنان منَ المائينَ ضَبورِ
قوله من المائين، يعني مائة غلوة يريد البعد. قال والضبور يريد الوثوب، يقال من ذلك ما أحسن
ضبر الفرس، وذلك إذا كان جيّد الوثوب.
ولقدْ حَلفتُ على يمينٍ بَرّة ... بالراقصاتِ إلى منيً وثَبيرِ
قال: الراقصات الإبل التي يسار عليها إلى البيت الحرام. وثبير جبل.
فلتُقرَعَنّ عَصاكُما فاستَسمعا ... لمُجرّبِ الوَقَعاتِ غيرِ عَثورِ
قَبحَ الإلهُ عَصاكُما إذ أنتما ... رِدفان فوقَ أصَكّ كاليَعفورِ
قوله أصك هو الفرس الذي إذا مشى اصطكّت ركبتاه، وهو عيب في الخيل وذلك من ضعف
ركبتيه. قال: واليعفور الظبي تعلوه حمرة. قال الأصمعي: وذلك للزومه الرمل الأحمر فيحمر لونه
لذلك، وفي عنقه قصر.
(3/1022)

لولا ارتدافُكُما الخَصيّ عَشية ... يا بْنَي حمُيضَة جِئتُما في العيرِ
قوله جئتما في العير، يقول قُتلتما فجئتما على بعير، ولكن نجّاكما ارتدافُكما فرساً خصيا. والمعنى
فيه أنه عيّر بني جعفر بما لقوا من الضباب. يقول: يوم عرجة قُتل منهم سبعة وعشرون رجلا،
قتلتهم الضباب، فجاءت نساء بني جعفر فحملن قتلاهم على البعير. يقول: ونجّى ابني حميضة أنهما
ارتدفا الخصي، ولولا ذلك لقتلا.
لَتَعرّفتْ عِرساكما جَسديكُما ... عِدلَينِ فوقَ رِحالَةٍ وبَعيرِ
راخاكُما ولقد دَنتْ نفساكُما ... منهمْ نِقالُ مُقرّب محضيرِ
يقول يحسن نقل قوائمه. وقوله راخاكما، يعني باعدكما منهم يريد من الضباب. وقوله نقال مقرب
محضير، يعني فرساً له تقريب في عدوه. قال: وإذا قرّب الفرس في عدوه كان أبقى لعدوه، ولا يفعل
ذلك من الخيل إلا الجواد النجيب منها. ومحضير شديد العدو وشديد الإحضار.
نَجّاكُما حلبٌ لهُ وقَفِيّةٌ ... دونَ العِيال لهُ بكُلّ سَحورِ
قوله نجاكما حلب له، يعني لبناً حليباً للفرس يُسقاه لكرمه، يؤثر به ويخص دون العيال بالأسحار،
قال والقفية شيء يؤثر به الشيخ والصبي من الطعام والشراب، وجعله، هاهنا، للفرس يحيّي به
الفرس، كما يحيي به الشيخ والصبي.
وبَنو الخَطيمِ مجُرّدو أسيافهِم ... ضرباً بِلاحِقَةِ البُطون ذُكورِ
قَتلوا شُيوخَكُمُ الجَحاجِحَ بعدما ... نَكحوا بَناتِكُمُ بغَيرِ مُهور
(3/1023)

قال: وذلك أن الضباب قتلوا من بني جعفر رجالاً وسبوا النساء. قال: وهي وقعة مشهورة بطخفة
والريان في العرب. قال أبو عبيدة: وفي يوم طخفة يقول الحارث بن رومي بن شريك - كان يسمى
الحارث بن بدر بن جُعثمة بن الهون بن عسير بن ذكوان بن السيد بن مالك بن سعد بن ضبة - وهو
يُحضض بني كلاب على الضباب، وذلك بما صنعوا ببني جعفر، ويعيرهم بذلك:
بَلّغْ كِلاباً عَمرَها ووحيدَها ... وحَيّ أبي بَكر وحِلفَ أبي بكر
عمرو والوحيد وأبو بكر من بني كلاب. ويقال عمرو هو ابن الوحيد.
وحَيّ النُفاثاتِ الذينَ غَناؤهُمْ ... قليلٌ وعاشوا في المَذلّةِ والفَقر
بما لمْتُهم في جعفر إذ أصابهُم ... حوادثُ أيامٍ كَراغِيَةِ البَكرِ
فلم يمنعوهُم من رجالٍ تُريدُهم ... بأسيافِهم وبالرُدَينيّةِ السُمرِ
أقرّوا على ما ساء عيناً فأصبحوا ... أحاديثَ ما بين العراقِ إلى مصرِ
بَني عامرٍ لا تأخذوا من سرَاتِكُم ... دِياتٍ ولا تُغضُنّ عَيناً على وترِ
ولا تتركوا أثآركم ونساؤكم ... أيامى تُنادي كلما طلعَ الفجرُ
قوله نساؤكم أيامى، يعني بلا أزواج. قال: ومثل من أمثال العرب إذا دعوا على رجل قالوا: "ما له
أمَ وعامَ". يريدون بقي بلا امرأة. وقولهم عام يريدون بقي بلا لبن، أي لا تبقى له ماشية ولا ناقة.
تركتُم لأفراسِ الضبابِ نساءكُم ... وما قَتلوا منكم بطخْفَةَ كالجُزرِ
وهُنّ بهم يَعدونَ ما بينَ محدث ... إلى عسعسَ يتركْنَكُم سَوءةَ الدهرِ
فلله عينا مَن رأي مثلَ رُفقَة ... أتيتُمْ بِها ليست بِعيرٍ ولا تجرِ
بِطِخفَةَ مِن قَتلاكُمُ أخواتهُا ... حَواسرُ بيضٌ مِن عَوانٍ ومِن بِكرِ
(3/1024)

قال: لأنهم قُتلوا جميعاً في يوم واحد كالقوم المجتمعين. وقوله أخواتها، يعني أخوات الرفقة القتلى.
حَواسرُ مما قد رأت فعُيونهُا ... تَفيضُ بماء لا قليلٍ ولا نَزرِ
وأفلَتَ مِنهُنّ الحُمَيرِّ بعدما ... قَتلنَ إباساً ثم عُدنَ إلى عَمرِو
ويروى على عمرو. قال الأصمعي: كل هؤلاء جعفريون.
ولم يَنجُ منهنّ الهُريمُ وقد رأى ... بَنو خَلَفٍ منهن قاصمَةَ الظهرِ
في رواية عثمان بن سعدان الهذيم بالذال.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإذا اختَللنَ فأحمِضوا أحراحَها ... كَمَراً بناتِ حميضةَ بنِ بَحيرِ
يريد من الخلة، وذلك لأن الراعية إذا أكلت الخلة، مالت إلى أكل الحمض، وهو ما ملُح من النبت،
فترعى فيه حتى تشتهي الخُلة، فترجع إليها.
قال: وبحير بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.
الوالِداتُ وما لهُنّ بُعولَةٌ ... والقاتلاتُ لهن كل صغيرِ
والمُدلجِاتُ إذا النجومُ تغوّرتْ ... والتابعاتُ دُعاءَ كل صفيرِ
يريد يصفر بهن للريبة.
وإذا المُنى جمحتْ بهن إلى الهوى ... منهن حينَ نَشرنَ كل ضميرِ
مالتْ بهن ضَوارِبٌ أفواهُها ... يخلِجنَ بين فياشِلٍ وأيورِ
والجعفريّةُ حينَ يحتلمُ ابنُها ... لأبيهِ في الخلواتِ شرُ عشيرِ
حتى تُفارقَ زوجها من جعفرٍ ... فيهم كريمةُ عودِها المَعصورِ
إنّ المخازيَ لم تدعْ من جعفرٍ ... حيّاً وقد وردتْ على المقبورِ
(3/1025)

هل تعرفونَ إذا ذكرتم قُرزُلاً ... أيامَ ندّ بفارسٍ مذعورِ
إذ لا يودُ بهِ طُفيلٌ أنه ... بالجوّ فوقَ مدرّبٍ ممطورِ
يقول: لا يتمنى طفيل أنه على صقر قد دُرب للصيد عن فرسه، أي إن فرسه أسرع منه.
إذ هامةُ ابن خويلد مقصومَةٌ ... وجَعارِ قد ذهبت بأيرِ بَحيرِ
جاءت بهِ أصُلاً إلى أولادِها ... تمشي بهِ معها لهم بعشيرِ
قوله تعشير، يريد صوت الضباع، كما يعشّر الحمار، وذلك إذا صاح عشراً. وقوله بعشير بقسم منه.
وقوله فارس قُرزل يعني طفيل بن مالك بن جعفر. قال: وذلك أنه فر من بني يربوع في يوم ذي
نجب على فرسه قرزل. قال: وله يقول أوس بن حجر:
والله لولا قُرزُل إذ نجا ... لكانَ مثوى خدّكَ الأخرَ ما
نَجّاكَ جيّاشٌ هَزيمٌ كما ... أحميتَ وسطَ الوَبرِ المِيسما
قال أبو عبيدة: الأخرم منقطع الكتف في العاتق، يريد لضربت به عنقك، فوقعت على الأخرم. قال:
وقال الأصمعي: بل هو الأخرم من الأرضين، وهو الأرض الغليظة. وقوله جيّاش، هو الشديد
الجري السريع، كأنه مشتق من القدر إذا جاشت بالغلي. يقول: فهذا الفرس يجيش بجريه، كما تجيش
القدر بغليانها. والهزيم كذلك أيضاً. يقول: يجيش ويهزم، يعني يصوّت صوتاً كغلي المرجل. وقوله
كما أحميت وسط الوبر الميسما، يعني به السرعة. يقول: هذا الفرس يلتهب في عدوه كما يلتهب
الميسم، وهي الحديدة تُحمى بالنار حتى تصير كالجمرة، ثم توضع على جلد البعير علامة، والميسم
بالسين
(3/1026)

والشين. قال: والأصمعي يقول: معناه أنه سريع الجري، فسرعة هذا الفرس، كسرعة ممر
هذا الميسم في جلد البعير ووبره. وهو قول أبي عبيدة أيضاً. وقال أوس لطفيل بن مالك في يوم
السوبان:
لَعَمرُكَ ما آسى طُفيلُ بنُ مالكٍ ... بَني عامر إذ ثابتِ الخيلُ تدّعي
وودّعَ إخوانَ الصفاء بِقُرزُلٍ ... يمرُ كمريخِ الوليد المُقَزّعِ
قوله كمريخ الوليد، قال: هو قضيب يجعل الصبي في أعلاه تمرة وطينة تُثقله، ثم يرمي به بغير
ريش، وهو شبيه بالمعراض، لأنه ليس فيه ريش، وكذلك المعراض. وقوله ابن خويلد هو يزيد بن
الصعق - قال: والصعق هو خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب - أسره أنيف بن الحارث بن
حصبة بن أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، بعد ضربة أصابته على رأسه في الحرب، ثم أسر بعد
ذلك. وله يقول أوس بن غلفاء الهجيمي في يوم ذي نجب:
فأجرِ يزيدُ مذموماً وأنزِعْ ... على عَلبٍ بأنفكَ كالخِطامِ
وإنّكَ من هجاء بني تميم ... كمُزدادِ الغرامِ إلى الغرامِ
همُ مَنّوا عليكَ فلم تُثبهُمْ ... فتيلاً غير شَتم أو خصامِ
وهم ضربوكَ ذاتَ الرأسِ حتى ... بدت أمُ الفِراخ منَ العِظامِ
قال: وبحير الذي ذكر، هو بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن
صعصعة. قال أحمد بن عبيد: حميضة ابن بحير بن عامر بن مالك لا شك فيه، وليس بالقشيري.
أمْ يومَ بادَ بنو هِلالٍ إذْ همُ ... بالخيلِ مُكتنفونَ حولَ وُعورِ
قال أبو عبيدة: وذلك لأن بني نهشل قتلوا من بني عامر ثمانين كهلا، وذلك يوم الحبل من الدهناء.
(3/1027)

باتوا بِمُرتَكُم الكَثيبِ كأنهمُ ... بالقومِ يقتسمونَ لحمَ جَزورِ
والعامريَّ على القِرى حينَ القِرى ... والطعنِ بالأسلاتَ غيرُ صبورِ
أبُنَيّ بَروَعَ يا ابنَ ألأم من مشَى ... ما أنتَ حينَ نَبحتني بِعَقورِ
قوله أبني بروع، قال أبو عبد الله: يريد بقوله بروع الناقة التي ذكرها الراعي في قوله: يشلي
العفاس وبروعا.
وإذا اليمامةُ أتمرتْ حِيطانهُا ... وقعدتَ يا بنَ خَضافِ فوقَ سريرِ
قوله يا بن خضاف، يعني مهاجر بن عبد الله الكلابي، وكان على اليمامة، وذلك في خلافة هشام
والوليد، وكان واليها.
لَوّيتَ بي شِدقَيكَ تحسبُ أنني ... أعيا بلَومِكَ يابنَ عبدِ كَثيرِ
ويروى حنكيك. قال: يعني كثير بن الصلت الكندي. ويقال إنه كان سبب المهاجر بن عبد الله إلى
بني أمية حين خلطه بهم.
فأجابه جرير فقال:
سَقياً لنَهى حمامةٍ وحَفيرِ ... بسجالِ مُرتجَزِ الربابَ مَطيرِ
سَقياً لتلكَ مَنازِلاً هَيجَنني ... وكأنّ باقيهُنّ وحيَ زَبورِ
كم قد رأيتُ وليسَ شيءٌ باقياً ... من زائرٍ طَرفِ الهوى ومَزورِ
وجدَ الفرزدقُ في مساعي دارِمٍ ... قِصراً إذا افتخروا وطُولَ أيورِ
لا تفخَرَنّ وفي أديمِ مجاشِعٍ ... حَلَمٌ فليسَ سيورُهُ بسُيورِ
أبُنيّ شِعرَةَ لم نجد لمُجاشِع ... حلماً يُوازِنُ ريشةَ العُصفورَ
إنا لَنعلَمُ ما غدا لمُجاشِع ... وفدٌ وما ملكوا وثاقَ أسيرِ
ماذا رجوتَ منَ العُلالَةِ بعدما ... نُقضَتْ حِبالُكَ واستمرّ مريري
(3/1028)

إن الفرزدقَ حين يدخلُ مسجدا ... رِجسٌ فليسَ طَهورُهُ بطهور
إنّ الفرزدقَ لا يبالي محرما ... ودمَ الهَدِيّ بأذرُعٍ ونُحورِ
أمسى الفرزدقُ في جَلاجِلِ كُرّجِ ... بعدَ الأخيطلِ زوجةً لجريرِ
رَهطُ الفرزدقِ منْ نصارى تغلبٍ ... أو يدّعي كذباً دَعاوَةَ زورِ
حُجُّوا الصليبَ وقَرِبّوا قُربانكم ... وخذوا نصيبكم منَ الخنزيرِ
إني سأخبرُ عن بلاء مجاشع ... مَنْ كانَ بالنّخَباتِ غيرَ خبيرِ
أخزى بني وقبانَ عُقرُ فتاتهم ... واغترّ جارُهمُ بحبلِ غُرورِ
لو كانَ يعلمُ ما استجارَ مجاشعاً ... أستاهَ مماحَةٍ هوارِمَ خُورِ
قالَ الزبيرُ وأسلمتهُ مجاشعٌ ... لا خيرَ في دَنسِ الثيابِ غَدورِ
يا شَبّ قد ذكرت قُريشٌ غدركم ... بينَ لمُحَصّب مِنْ مِنىً وثَبيرِ
وغدا الفرزدقُ حينَ فارقَ منقَراً ... في غيرِ عافيةٍ وغيرِ سُرورِ
غمزَ ابنُ مُرّةَ يا فرزدقُ كَينَها ... غمزَ الطبيبِ نَغانِغَ المَعذورِ
النغانغ واحدتها نُغنغة، وهو لحم أصول الآذان من داخل الحلق، فيصيبها وجع فتغمز. والعُذرة قرحة
تكون في الحلق.
خَزيَ الفرزدقُ بعدَ وقعةِ سَبعة ... كالحُصنِ مِنْ وَلدِ الأشدّ ذُكورِ
تُرضي الغُرابَ وقد عقرتُم نابَهُ ... بنتُ الحُتاتِ بمحبَسٍ وسريرِ
ويروى بنت القرين قال: والقرين عبد الله بن حكيم المجاشعي. قال والغراب، يعني رجلا، وقد مر
حديثه فيما مر من الكتاب.
قالت فَدَتكَ مجاشعٌ فاستَنشَقت ... من مَنخريه عُصارَةَ القَفّورِ
قوله القفور يريد الكافور.
أمّتْ هُنيدةُ خِزيةً لمجاشِع ... إذ أولمت لهمُ بِشرّ جَزورِ
ودَعتْ غَمامةُ بالوَقيطِ مجاشعاً ... فوجدتَ يا وقبانُ غيرَ غَيورِ
كذبَ الفرزدقُ لن يجاريَ عامراً ... يومَ الرهان بِمُقرف مَبهورِ
(3/1029)

فانهَ الفرزدقَ أن يعيبَ فوارِساً ... حملوا أباهُ على أزَبّ نَفورِ
ولقد جهلتَ بِشتمِ قيسٍ بعدما ... ذهبوا بريشِ جناحكَ المكسورِ
قيسٌ وجَدُ أبيكَ في أكيارِه ... قُوّادُ كُلّ كَتيبةٍ جمهورِ
وجد على الخبر لا على القسم:
لن تُدرِكوا غطفانَ لو أجريتُمُ ... يا بنَ القُيونِ ولا بني منصورِ
يريد غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. قال: ومنصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس بن عيلان
بن مضر.
فَخَروا عليكَ بكلّ سامِ مُعلِم ... فافخرْ بصاحِبِ كلبتين وكيرِ
قوله بكل سام، يريد بكل رجل يسمو إلى المعالي ويعلو في طلب الأمور. وقال المعلم، الذي إذا قاتل
أعلم نفسه بعلامة ليُعرف مكانه وبلاؤه.
كم أنجبوا بخليفةٍ وخليفةٍ ... وأميرِ صائِفَتَين وابنِ أميرِ
ويروى وأمير طائفتين. يعني أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك. قال أبو عبد الله: يقال لها ولاّدة،
وهي أم الوليد بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة. وأم الوليد بن يزيد بن عبد
الملك، أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل. يقول: أفخر أنا بهؤلاء، وتفخر أنت
بالكلبتين والكير.
ولدَ الحَواصنُ في قريشٍ منهمُ ... يا رُبّ مكرُمَةٍ ولدنَ وخيرِ
فضلوا بيومِ مكارِمٍ معلومَةٍ ... يومِ أغرّ محجّلٍ مشهورِ
قيسٌ تبيتُ على الثغورِ جيادُهم ... وتبيتُ عندَ صَواحِبِ الماخورِ
هل تذكرونَ بلاءكُمْ يومَ الصفا ... أو تذكُرونَ فَوارسَ المأمورِ
(3/1030)

يوم الصفا يريد يوم شعب جبلة. قال: ويوم المأمور، هو يوم لبني الحارث بن كعب على بني دارم،
أصابوا فيه أمامة وزينب. وفي هذا اليوم يقول جرير:
أزيدَ بنَ عبدِ اللهِ هلاّ منعتُمُ ... أماَمَةَ يومَ الحارِثيّ وزينبا
ووَدّتْ نساء الدارِميّينَ لو نزى ... عُتيبةُ أو عاينّ في الخيلِ قَعنبا
أو دُختنُوسَ غَداةَ جُزّ قُرونهُا ... ودَعتْ بِدعوةِ ذِلّةٍ وثُبورِ
قال: كانت دختنوس بنت لقيط، حين بلغها مهلك أبيها يوم الشعب، جزت قرونها على أبيها، وذلك
قول زوجها عمرو بن عمرو بن عدس، وكانت دخنتوس يومئذ مملكة، لم يكن دخل بها زوجها بعد -
ويقال إن أباها قال هذا الشعر -.
يا ليتَ شعري عنكِ دُختَنُوسُ ... إذا أتاها الخبرُ المُرموسُ
أتحلِقُ القُرونَ أم تمَيسُ ... لا بل تميسُ إنها عَروسُ
وقوله لا بل تميس، يقول: لا بل تتبختر، يقال مرّت المرأة تميس ومر الرجل يميس يتبختر.
إنّ الضباعَ تَباشرت بخُصاكُمُ ... يومَ الصفا وأما عِزِ التسريرِ
التسرير اسم واد معروف قريب من شعب جبلة.
حانَ القُيونُ وقدّموا يومَ الصفا ... وِرداً فغُوّرَ أسوأ التغويرِ
وسَما لقيطٌ يومَ ذاكَ لِعامرٍ ... فاستنزلَوهُ بلَهذَمٍ مطرورِ
قوله بلهذم هو السنان الحاد. والمطرور المجلو المحدد أيضاً.
(3/1031)

وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ معبدٌ ... نكحوا بناتِكُمُ بغيرِ مُهورِ
قال: وقد مر حديث رحرحان فيما أمليناه من الكتاب.
فيما يسوء مجاشِعاً زبدَ أستِها ... حتّى المماتِ تَرَوّحي وبُكورِي
(3/1032)

قال أبو عثمان: حدثنا أبو عبيدة قال: قال أعين بن لبطة وجهم بن حسان: كان جناب بن شريك بن
همام بن صعصعة بن ناجية بن عقال، قد نكح بنت بسطام بن قيس بن أبي بن ضمرة بن ضمرة بن
جابر بن قطن بن نهشل. قال: فقيس والمجشر ابنا أبي، وطارق ابن مالك بن قيس بن أبي. قال:
فنزل جناب بن شريك مع بني قطن بن نهشل بلصاف، ووقع بينه وبينهم كلام، ففاخره حكيم وربعي،
ابنا المجشر بن أبي بن ضمرة بن جابر، فأمهل حتى إذا وردت إبله، وكانت ثمانين، وقعدت
المجالس، وتجمع الناس، وشربت الإبل أمر عبداً له خُراسانياً كان راعيها، فجعل يحبسها عليه، فلما
اجتمعت الإبل، حمل عليها بالسيف فعقرها. قال أبو مُطرف زبّان: فأرادت بنو نهشل أن تعقر كما
عقر. فقال لهم الناس: أتعاقرون آل صعصعة! والله لئن عقرتم مائة، ليعقرن جناب مائة، وليعقرن
الفرزدق مائة بالبصرة، ومائة بالكوفة، ومائة بالمدينة، ومائة بالموسم، ومائة بالشام، فلتكفن بعد ما
تُغلبون وتُحربون، فلا تفعلوا، وإنكم أن تكفوا ولم تُرزأوا، أمثل من أن تكفوا وقد أحربتم. قال: فكفوا
عما أرادوا أن يفعلوا من المعاقرة، وعلموا أن رُشدهم في الكف. قال، فقال أعين: فبينا جناب يشد
على إبله بالسيف، إذ وقعت رجل ناقة منها في أطناب بيت فتاة من بني نهشل، فتهكته. فقالت: لعلك
تظن أن عقرك يُذهب لؤمك؟ فقال: لا أشتم ابنة العم، ولكن دونك فكلي من هذا اللحم. وبلغ الخبر
الفرزدق وهو بالبصرة، فقال الفرزدق:
بني نهشل أبقوا عليكم ولم تَروا ... سَوابِقَ حامٍ للِذّمارِ مُشهّرِ
ويروى أبقوا عليها. ويروى مواقف حام للذمار مشمر.
كريم تشكّى قومهُ مُسرِعاتِهِ ... وأعداؤهُ مُصغُونَ للمُتَسوّرِ
ألانَ إذا هرّتْ معدّ عُلالَتي ... ونابي دموعٍ للمُدلّينَ مُصحِرِ
(3/1033)

بني نهشل لا تحملوني عليكمُ ... على دَبرٍ أندابُهُ لم تقشرِ
وإنّا وإياكم جرينا فأينا ... تقلّدَ حبلَ المُبطيءِ المتأخرِ
ولو كانَ حَرّي بنُ ضمرةَ فيكُمُ ... لقالَ لكم لستم على المُتخيرِ
عَشيّةَ خَلىّ عن رَقاشِ وجَلّحَتْ ... بهِ سَوحَقٌ كالطائِر المًتمطرِ
يُفدّي عُلالاتِ العِبايَةِ إذ دنا ... لهُ فرسُ المِدعاسِ غير المُغمرِ
وأيقنَ أنّ الخيلَ إنْ تلتبِسْ بهِ ... يَقظ عانِياً أو جيفةً بين أنسُرِ
قوله فلو كان حري بن ضمرة فيكم، عنى حين أخذ قيس بن حسان ابن عمرو بن مؤثد - وكان
مجاورا في أخواله بني مجاشع، وأم قيس ابن حسان ماوية بنت حوي بن سفيان بن مجاشع، وأمها
حنة بنت نهشل بن دارم - قلوص عمرو بن عمران الأسدي، وكان جاراً لحري ابن ضمرة. فأخذ
ثلاثين لقحة لقيس، فنادى قيس: يا ثكل أمتاه! فطلبها له الأقرع، وهو فارس المدعاس - قال
والمدعاس اسم فرسه - فاستنصر حري بني نهشل، فقالت لهم بنو مجاشع: أنتم أخوال قيس بن
حسان، كما نحن أخواله، فخذلت بنو نهشل حريا. قال: فردها الأقرع. فقال في ذلك حري:
كنتم بني نهشل قوماً لكم حسبُ ... فنالكم أقرعٌ ضُلُ بنُ سُفيانا
قال أبو عبد الله: أقرعا نصب. الأول قول أحمد بن عبيد. وغيره أقرعاً ضل بن سفيانا.

قصة عمرو بن عِمران الصيداوي مع حَريّ
وقد كان عمرو بن عمران الصيداوي جاراً لحري بن ضمرة، فأخذ قيس بن حسان بكراً من إبل
الصيداوي، فشكا عمرو ذلك إلى حري
(3/1034)

بن ضمرة، فانطلق حري إلى قيس بن حسان فضربه ضربة
بالسيف، فقطعت أحد زنديه، وأخذ من إبله ثلاثين بعيراً، فدفعها إلى عمرو بن عمران جاره. وقال
حري في ذلك:
وعمرو بنَ عمرانٍ حَبوتُ بهجمَةٍ ... فآب ولم يُقرف بعَوراء جاريا
وقلتُ لهُ خُذها هَنيئا فإنها ... ستكفيكَ يوماً أن تمنّى الأمانيا
ولستُ بمُبتاعٍ بقومي عشيرةً ... إذا القومُ هزوا للقاء العَواليا
وقال حري أيضاً:
عمرو بنَ عِمرانٍ حبوتُ بهجمةٍ ... مكانَ قَلوصٍ رازحِ أن أعيرّا
فأوفَيتُهُ منها ثلاثين جِلّةَ ... ولم يكُ نصري الجارَ أن أتدبرا
مخافةَ يوم أن أسبّ بمثلها ... إذا أظهرَ السبّ الذي كانَ مضمرا
بنو نهشل قومي ومن يكُ فاخراً ... بأيامِ قومي نهشلٍ يعلُ مفخرا
همُ خيرُ من ساقَ المطيّ عُصارَةً ... وأعرفُ معروفاً وأنكرُ مُنكرا
بنو نهشلٍ قُرسانُ كلّ قبيلةٍ ... إذا الأفقُ أمسى كابيَ اللونِ أغبرا
يقال: إن أمه ماوية بنت نهشل بن دارم، فانطلق قيس بن حسان إلى بني مجاشع أخواله، فخبّرهم
الخبر، فغضبت له بنو مجاشع، ومشوا إلى بني نهشل، فقالوا: أغار صاحبكم على ابن أختنا وجرحه،
وأخذ إبله، فإنا والله لا نخذله، وإن كنا أخواله، فأنتم أخواله. فكلم بنو نهشل حري بن ضمرة أن يرد
على قيس إبله، فأبى. فقالت بنو مجاشع لبني مهشل: إما أن تردوا على قيس إبله، وإما أن تجعلوا
حرياً خليعاً. فجعلوه خليعاً. فأخذوه فضربوه بأضاخ، وأخذوا من إبله ثلاثين بعيراً، أخذها له الأقرع
بن سفيان - وهو فارس المدعاس - فدفعها إلى قيس، فأتى حري بني نهشل فاستصرخهم، فقالوا: لا
ننصرك، فإنك قد ظلمت وقطعت القرابة، ففي ذلك يقول حري بن ضمرة:
(3/1035)

أعطيتُ ما عَلموا عندي وما جهِلوا ... إذ لم أجد لفُضولِ القومِ أقرانا
كانت بنو نهشل قوماً ذوي حسبٍ ... فنالهم أقرعٌ ضُلٌ بنُ سفيانا
شفى الغليلَ ونجزي العامدينَ لها ... بالظلمِ ظلماً وبالعدوانِ عُدوانا
لحَاكمُ اللهُ لحيا لا كفاء لهُ ... إني بدأتكمُ كُفراً وطُغيانا
ما كانَ من جندلٍ فاعلم ولا قَطنٍ ... لا بني نُويرَةَ جارُ يومَ فيحانا
وفي ذلك يقول شمّاس الطهوي:
يا ويحَ حريّ علينا ورهطهِ ... ببطنِ أضاخَ إذ يجرُ ويُسحبُ
قضاءً لنَواسٍ بما الحقُ عيرهُ ... كذلكَ يخزوكَ العزيزُ المُدرب
فأدّ إلى قيسِ بنِ حسانَ ذَودَهُ ... وما نيلَ منكَ التمرُ أو هوَ أطيبُ
فإلاّ تصل رحمَ ابنِ عمرو بنِ مرثدٍ ... يُعلّمكَ وصلَ الرحمِ نِسعُ مُقضّب
فإنكَ لولا حَفرُكَ العِزّ حلّقتْ ... بما نِلتَ من قيسٍ عُقابُ تقلّبُ
فصرتَ ذليلاً في الجِمارِ ودارِمٍ ... ولو خرشتْ ما تحتَ خُصيَيكَ عقربُ
الجمار يريد الجمرات. قال أبو عبيدة: وجمرات العرب في الجاهلية ثلاث: بنو ضبّة بن أد، وبنو
الحارث، وبنو نمير بن عامر. فطفئت منهم جمرتان، وبقيت واحدة. طفئت ضبة، لأنها حالفت
فصارت ربة من الرباب. وطفئت بنو الحارث، لأنها حالفت مذحج، وبقيت نمير لم تطفأ لأنها لم
تحالف.
أغرّكَ يوماً أن يُقالَ ابنُ دارِمٍ ... وتُقضى كما يُقضى منَ البركِ أجرَبُ
فأجابه حري بن ضمرة فقال:
يا ويحَ شماسٍ علينا ورهطهِ ... إذا الناسُ عدّوا قبصهُمُ وتحزّبوا
ولاذَ الدليلُ بالعزيز فلم يكن ... إلى رهطِ شماسٍ منَ الذُلّ مهربُ
فأنتَ على ما كانَ من شَحطِ بيننا ... كما قيلَ للواشي أغشُ وأكذبُ
(3/1036)

بكفّي حُسامٌ ما نبا عن ضريبةٍ ... ونبعيّةُ مما تجوّدَ عُليبُ
أمرٌ لها مربوعُ متنٍ كأنهُ ... مَرِيء قَطاةٍ لمّهُ المُتعقّبُ
وزُرقٌ قِرانٌ يَقلسُ السم حدُها ... يُذَرُ عليها سمها وتُذَرّبُ
زرق نصال. وقران على قرن واحد.
لنا رأسُ رِبعيّ منَ المجدِ لم يَزل ... لدُنْ أنْ أقامتْ في تهامَةَ كَبكبُ
أبى اللهُ ما دامتْ ذُؤابةُ دارمٍ ... ليَ الدهرَ عمُّ يحرِثُ المجدَ أو أبُ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما تركتْ منكم رماحُ مجاشعٍ ... وفُرسانهُا إلا أكولَةَ منسرِ
عشيةَ روّحنا عليكم خناذداً ... منَ الخيلِ إذ أنتم قعودٌ بقرقرِ
ويروى كفقع بقرقر. قال: وهو القاع المستوي من الأرض. الحر الطين. قال: والخناذيذ من الخيل،
الفحولة الكرام المعروفة بالنجابة. واحدها خنذيذ. ويقال للشاعر المفلق في شعره، إنه لخنذيذ من
الشعراء، يريد أنه لفحل من الشعراء.
أبا معقلٍ لولا حَواجِزُ بيننا ... وقُربى ذَكرناها لآلَ المُجبّرِ
أبو عبد الله، المجبر بالفتح. قال: والمجبر هو سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم. قال: وأم سلمى
خماعة بنت مجاشع بن دارم. قال: وإنما سمي مجبرا لأنه أصاب الناس جهد شديد ست سنين، فقال:
لا يحقنن أحد لبنا، وجعل على كل قبيلة رجلا منهم، فإن حقن إنسان لبناً، أتاه سلمى فاستفاء ماله -
أي جعله فيئاً، وهو استفعل من الفيء ويكون افتعل من السفي، وهو سفي الريح، يريد يحمله فيذهب
به. واستشفى من سفي الريح التراب - قال: وأبو معقل هو مسروق بن
(3/1037)

مسعود، أخو بني يزيد بن مسعود من بني سلمى المجبر. يقول: ذكرنا القرابة التي كانت بيننا وبين المجبر.
إذا لركبنا العامَ حدّ ظُهورِهم ... على وقرٍ أندابُهُ لم تَغفّر
أندابه جروحه. وقوله لم تغفر، يقول: هي طرية لم تيبس، فتُجلب فتُقشر.
فما بكَ منْ هذا وقد كنتَ تجتني ... جَنى شجرٍ مُرّ العواقبِ ممقرِ
وهم بين بيتِ الأكثرينَ مجاشعٍ ... وسلمى وربعيّ بن سلمى ومُنذرِ
ولستُ بهاجِ جندلا إنّ جندلاً ... بنونا وهم أولادُ سلمى المجبرِ
ولا جابِراً والحين يُورِدُ أهلهُ ... مَواردَ أحياناً إلى غيرِ مصدرِ
قال: يعني جابر بن قطن بن نهشل. فيقول لا أهجوهم وإن كنت منهم، ولكن أهجوكم خاصة دون
غيركم، وذلك لما أوليتموني من هجائكم إياي.
ولا التّوأمينْ المانعين حِماهمُا ... إذا كانَ يومٌ ذو عَجاج مُثوّرِ
قال: التوأمان هما عمرو وعامر ابنا جابر بن قطن، وهما العامران، ويقال العَمران.
أنا ابنُ عِقالٍ وابنُ ليلى وغالِبٍ ... وفَكاكِ أغلالِ الأسيرِ المُكفّرِ
يعني عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. وقوله وابن ليلى، وليلى أم غالب. وقوله وفكّاك أغلال،
يريد ناجية بن عقال.
وكانَ لنا شيخانِ ذو القبرِ منهُما ... وشيخٌ أجارَ الناسَ من كل مقبرِ
ذو القبر، يعني غالباً، وذلك أن العرب كانت تستجير بقبره، وكان المستجير به يصير إلى مجنته،
وتقضى حاجته، وكان هو علماً في ذلك، ولم تعرف الناس الاستجارة بالقبر إلا بقبر غالب، فذهب له الاسم
(3/1038)

بذلك أبداً. قال والذي أحيى الوئيد صعصعة بن ناجية بن عقال.
على حينِ لا تحيا البناتُ وإذ همُ ... عُكوفُ على الأنصابِ حولَ المُدوّرِ
المدور صنم يدورون حوله، وقال عامر بن الطفيل:
ألا يا ليتَ أخوالي غَنيّا ... لهم في كل ثالثةٍ دَوارُ
قال أبو عبد الله: في كل نائبة. والدوار عيد يطوفون فيه، يقول: فيه الشرف القديم والحديث.
أنا ابنُ الذي رَدّ المنيةَ فضلهُ ... وما حسبُ دافعتُ عنهُ بمُعورِ
أبي أحدُ الغيثين صعصعةُ الذي ... متى تخلفِ الجوزاء والنجمُ يُمطرِ
ويروى والدلو. يقول: إذا أجدب الزمان، قام أبي مقام الخصب، فأعطى الأموال، أي أبي غيث
الأرض. هما غيثان: غيث السماء المطر، وأبي غيث الأرض إذا لم يكن مطر.
أجارَ بناتِ الوائدينَ ومن يجُرْ ... على الفقرِ يعلمْ أنهُ غير مخفرِ
وفارقِ ليلٍ من نساء أتت أبي ... تُعالجُ ريحاً ليلُها غير مُقمرِ
ويروى تمارس ريحاً. وقوله وفارق، يعني امرأة فارقاً، وإنما شبهها بالفارق من الإبل، وهي الناقة
يضربها المخاض، فتفارق الإبل، فتمضي على وجهها حتى تضع. تفعل ذلك لما يصيبها من الجهد.
وأصل الفارق من الإبل، ثم نُقل إلى النساء. وشبه المرأة بالناقة الفارق لانفرادها.
فقالت أجرْ لي ما ولدتُ فإنني ... أتيتك من هَزلى الحَمولَةِ مُقترِ
هِجَفّ منَ العُثوِ الرؤوسِ إذا ضغتْ ... لهُ ابنةُ عامٍ يحطمُ العظمَ مُنكرِ
(3/1039)

قوله هجف يعني جافي الخلقة. وقوله من العثور، قال: والأعثى الكثير الشعر، والأنثى عثواء. قال:
والضبع يقال لها عثواء، بينة العثا - مقصور.
رأى الأرضَ منها راحةً فرمى بِها ... إلى خُدَد منها وفي شرّ محفرِ
خدد حفر كالقبر. ويروى إلى شر.
فقالَ لها نامي فإني بذمتي ... لِبِنْيِكِ جارٌ منْ أبيها القَنَوّرِ
ويروى فيئي. قوله القنور، هو الضيق الصدر، السيء الخلق. يقول: أنا جار لها من أبيها.
فما كانَ ذنبي أنْ جَنابٌ سَما بهِ ... حِفاظٌ وشيطانٌ بطيء التعذّرِ
ومَسجونَة قالتْ وقد سَدّ زوجُها ... عليها خَصاصَ البيتِ منْ كلّ منظر
لَعمري لقد أروى جَنابٌ لِقاحَهُ ... وأنهلَ في لَزنٍ منَ الماء مُنكرِ
ويروى جناب لبونه. في لزن من الماء، يعني قلة من الماء وضيقاً.
فإنكَ قدْ أشبعتَ أبرامَ نهشلٍ ... وأبرزتَ منهم كلّ عذراء مُعصرِ
قال: الأبرام الذين لا يدخلون مع الأيسار في الجزور، ولا نصيب لهم، وإنما ينتظرون أن يطعمهم
الناس، زلا يشترون لحماً، إنما يتّكلون على أن يُطعموا. والمعصر من النساء التي قد أدركت
وحاضت. يقول: خرجن من الجهد يلتمسن فضلك.
ولو كنتَ حُراما طَعمتَ لحُومَها ... ولا قُمتَ عندَ الفرثِ يا بنَ المُجَشّرِ
إلمْ تعلما يابنَ المُجشرِ أنها ... إلى السيفِ تُستبكى إذا لم تُعقّر
مَنا عيشُ للمولىَ مَرائيبُ للثأي ... مَعاقيرُ في يومِ الشتاء المُذكّرِ
وما جَبرتْ إلا على عتبٍ بها ... عَراقيبُها مُذ عُقّرتْ يومَ صَوءَرِ
(3/1040)

ويروى على عطب وعنت. قوله على عتب، وهي الناقة تمشي على ثلاث. وقوله يوم صوءر، هو
يوم معاقرة سحيم بن وثيل الرياحي غالباً.
وإنّ لها بين المقَرّينِ ذائِداً ... وسيفَ عِقالٍ في يدى غيرِ جَيدَرِ
جيدر قصير. ويروى وسيف خبال، يريد سيفاً لا يُبقي على شيء لا يمر بشيء إلا ذهب به. وقوله
بين المقرين ذائداً، يعني أباه غالباً دُفن ثَمّ.
إذا رُوّحَتْ يوماً عليهِ رأيتَها ... بُروكاً مَتاليها على كل مجزَر
وكائنْ لها منْ محبسٍ أنهبَتْ بهِ ... بجَمعٍ وبالبَطحاء عندَ المُشَعّرِ
وما إبلٌ أدعَى إلى فرع قَومِها ... وخيرُ قِرى للطارِقِ المُتنَوّرِ
قال: الطارق الذي يطرق القوم ليلا يريد القِرى. قال: والمتنور الذي يطلب نار الحي، فإن الذين
يقرون الأضياف نارهم بالليل ظاهرة، ليُغشوا، ومن لا يقرى فلا نار له. يقول: فالطارق يطلب النار
للقرى. قال أبو عبيدة: لا يكون الطارق إلا ليلا، ولا يقال للذي يأتيهم بالنهار طارق. وذلك قول
الأصمعي.
وأعرفُ بالمعروف منها إذا التَقَتْ ... عَصائِبُ شَتى بالمقَامِ المُطَهّرِ
وما أفُقُ إلا بهِ منْ حَديثِها ... لها أثرٌ يَنمي إلى كلّ مَفخَرِ
قال: فأجابه جرير عن بني نهشل:
لقد سرّني ألاّ تعُدُّ مجُاشِعٌ ... منَ الفخرِ إلاّ عَقرَ نابٍ بِصَوأرِ
أنابُكَ أمْ قَومٌ تَفُضُ سُيوفُهُم ... على الهامِ ثنيَيْ بيضَةِ المُتَجَبّرِ
ويروى تقدّ سيوفهم على الهام. ويروى فرخي بيضة، يريد الدماغ. يقول: فخرك بنابك خير أم
فخري بقوم تفض سيوفهم هام الرجال،
(3/1041)

وتقطع بيضهم الذي على رءوسهم. ويروى أقومك أم قوم.
لَعَمري لَنعمَ المُستَجارونَ نهشلٌ ... وحيُّ القِرى للطارقِ المُتنَوّرِ
فَوارِسُ لا يَدعونَ يالَ مجاشِعٍ ... إذا برزتْ ذاتُ العريشِ المُخَدّرِ
قوله ذات العريش يعني البناء. والمخدر المستور بالثياب. يقول: تبرز المخدرات من الجهد مما نزل
بهن.
وتَدعونَ سلمى يا بَني زَبَد أستِها ... وضَمرَةَ لليومِ العَماسِ المُذكّر
قوله يا بني زبد استها، يريد أن يُصغر به ويُهينه. قال: واليوم العباس، يريد بذلك اليوم الكريه
الشديد الصعب.
أولئكَ خيرٌ مَصدَقاً منْ مجاشعِ ... إذا الخيلُ جالتْ في القَنا المُتكسّرِ
لَعمري لقد أردى هِلالَ بنَ عامِر ... بِتَنهِيَةِ المِرباع رَهطُ المُجشّرِ
ويروى لعمري لقد لاقت هلال. وقوله لقد أردى هلال بن عامر، يعني قتل المشيخة الثمانين الذين
قتلهم بنو نهشل، وهو رهط المجشر.
وما زلتَ مُذلمْ تستجيبْ لكَ نهشلٌ ... تُلاقي صرُاحِيّا منَ الذُلِّ فأصبرِ
وعافتْ بَنو شَيبانَ حوضَ مجاشع ... وشَيبانُ أهلُ الصفو غيرِ لمُكدّرِ
ولو غَضبتْ في شأنِ حَدراء نهشلٌ ... سَموها بِدَهم أو غَزوها بأنسُرِ
مَعازيلُ أكفالٌ كأنّ خُصاكُمُ ... قَناديلُ قَسّ الحيرةِ المُتنَصّرِ
قال أبو عبيدة: وأما الأغر فحدثني أن جناباً إنما عقر ناقتين، فلما رأى ذلك ربعي وحكيم، أحالا على
سائرها فعقرا قطيعه أجمع. ففي ذلك يقول المحل بن كعب النهشلي:
فِدىً للغُلامِ النهشلي الذي ابترَى ... عَراقيبَها ضرباً بسيفِ المُجَشرِ
وقد سرّني ألا تعُدَّ مجاشعٌ ... منَ المجدِ إلا عقرَ نابٍ بصوءَرِ
(3/1042)

وأنتم قُيونٌ تَصقُلونَ سُيوفَنا ... ونَعصى بها في كل يومٍ مُشهّرِ
قوله ونعصى بها في كل يوم مذكر. يقول: نضرب بسيوفنا ونتخذها عصيا.
فوارِسُ كَرّارونَ في حَومةِ الوَغا ... إذا خرجتْ ذاتُ العَريشِ المُخدّرِ
حومة الوغا أشد موضع في الحرب، وحومة الماء الكثير. وذات العريش، يقول برز النساء
المخدرات.
فقال الفرزدق مجيباً له:
بين إذا نَزلتْ عليكَ مجاشعٌ ... أو نهشلٌ تلعاتِكُم ما تصنعُ
تلعاتكم جمع تلعة، وهو مسيل الماء والتلعة، الموضع المرتفع أيضاً. ويروى تلغى بكم.
في جَحفلٍ لجبٍ كأن زُهاءهُ ... شرقيٌّ رُكنِ عَمايتَين الأرْفَعُ
الجحفل الجيش الكثير. واللجب الكثير الأصوات. وزهاؤه عدده واجتماعه. وعمايتين جبل. وشرقيه
ما وليّ الشمس منه إذا طلعت عليه الشمس، وذلك أنه شبه الجيش في جمعه وكثرته، بالجبل في
انبساطه وسعته.
وإذا طُهَيّةُ منْ ورائي أصبحتْ ... أجَمُ الرماحِ عليهمِ يَتزَعزَعُ
قال: يعني بني طهية، وهم عوف، وأبو سود، وحشيش. أمهم طهية
(3/1043)

بنت عبد الشمس بن سعد بن زيد بن تميم. وأبوهم مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة.
وقوله أجم الرماح، قال: إنما شبه كثرة
الرماح واجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض، بأجم القصب في كثرته في منابته.
حوضيِ بَنو عُدُسٍ على مِسقاتِهِ ... وبَنو شرَافِ منَ المكارِمِ مُترعُ
يريد عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. وبنو عدس زرارة، وعمرو، ومسعد، وسري وشراحيل.
وبنو شراف محمد، وقرط، وحوي، بنو سفيان بن مجاشع، وشراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب بن
سعد. والمترع المملو.
إنْ كانَ قد أعياكَ نقضُ قصائدي ... فانظُرْ جريرُ إذا تلاقى المَجمعُ
وتهادَروا بِشقاشِقٍ أعناقُها ... غُلبُ الرِقابِ قُرومُها لا تُوزَعُ
قوله بشقاشق، قال: الشقشقة التي تخرج من فم البعير إذا هدر مثل الدلو. قال: والأغلب من الرجال،
الغليظ الرقبة. وقوله لا توزع لا تكف عما تريد. والقرم فحل الإبل، نقل فصُير للرجال الكرام
الأشداء الأبطال.
هل تأتينّ بمثلِ قومِكَ دارِماً ... قوماً زثرارةُ منهُمُ والأقرعُ
قال أبو عبد الله: يروى هل تنقضن. ويروى هل تفخرن. أي هل تفخر دارما، أي تكون أفخر منهم
من قولهم، فاخرته ففخرته.
وعُطارِدٌ وأبوهُ منهم حاجِبُ ... والشيخُ ناجيَةُ الخضَمُّ المِصقَعُ
يريد ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. والخضم السيد من الرجال. والمصقع الخطيب
من الرجال، البين الكلام، المتكلم عن أصحابه، يأخذ في كل صقع. والخضم سخي معظم.
(3/1044)

ورئيسُ يومِ نَطاعِ صَعصَعَةُ الذي ... حيناً يضرُ وكانَ حيناً ينفعُ
يعني صعصعة بن ناجية بن عقال. قال: ونطاع مكان أغارت فيه بنو سعد على لطيمة الملك، وقد
أملينا حديثه فيما أمليناه من الكتاب تاماً مفسراً.
واسألْ بِنا وبكم إذا وردتْ مِنىً ... أطرافُ كل قبيلةٍ منْ يسمعُ
قوله أطراف كل قبيلة، يعني سادة كل قبيلة والمعروفين منهم. والطرف الرجل السيد. قال أبو
عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان للفرس الكريم الرائع، إنه لكريم الطرفين، يعني الأبوين.
تقول العرب للرجل الضعيف العقل ما يدري أي طرفيه أطول، يعني لا يدري أي أبويه أكرم.
والطرف أيضاً الفرس الرائع الكريم النسب، المعروف بالنجابة، ويقال أيضاً الطرف السيد من
الرجال. قال الأعشى:.
همُ الطّرَفُ النّاكي العَدُوّ وأنتمُ ... بَقُصوى ثلاثٍ تأكلونَ الوَقائِصا
ويروى هم الطرف الناكو العدو. قال الأصمعي: وقد يروى الطُّرُف، وهم الذين كثرت آباؤهم
وأنجبوا وشرفوا. قال: وإذا كان الرجل كذلك، كان أكرم من القُعدد.
صوتي وصوتكَ يخبروكَ مَنِ الذي ... عن كلّ مَكرُمةٍ لخندِفَ يدفعُ
وإذا أخذتُ بِقاصِعائِكَ لم تجدْ ... أحداً يُعينُكَ غير منْ يتقصعُ
هذا البيت أول القطعة. القاصعاء جحر اليربوع. يروى يغيثك. وقوله غير من يتقصع، يريد غير
من يصيد اليرابيع.
(3/1045)

فأجابه جرير فقال يهجوه جميع الشعراء:
بانَ الخليطُ بِرامَتَينْ فوَدّعوا ... أوَ كلما رفعوا لِبَين تجزعُ
الخليط الجيران المخالطون في المنزل والمال.
رَدوا الجِمالَ بذي طُلوحٍ بعدما ... هاجَ المَصيفُ وقد تولى المَربَعُ
قوله ردوا الجمال، يعني ردوها من موضع رعيها إلى الحي، حين أرادوا التحمل. قوله بعد ما هاج
المصيف، أي جاء الصيف، واحتدم الحر، واشتد وهجه، ويبس العُشب من الرعي، ورجع كل قوم
إلى مواضعهم. قال: وذو طلوح موضع يجمعهم.
إنّ الشّواحِجَ بالضُحى هَيّجنّني ... في دارِ زينبَ والحَمامُ الوُقّعُ
قوله إن الشواحج، يريد صياح الغربان. هيجنني يقول ذكرنني اجتماع الحي وتفرقهم. وقوله والحمام
الوقع يعني الحمام التي تقع فتعتلف بعدما ترحّل الناس.
نَعبَ الغُرابُ فقلتُ بَينٌ عاجِلٌ ... وجَرى بهِ الصرُدُ الغَداةَ الألمعُ
الصرد الألمع لأن فيه خضرة وسواداً فقال الألمع.
إنّ الجميعَ تفرّقتْ أهواؤهُم ... إنّ النوى بهوى الأحبةِ تَفجَعُ
قال الأصمعي: النوى هو الموضع الذي ينوي الرجل أن يأتيه، وهو النوى والنية، وذلك أنهم تفرقوا
فقصد كل قوم منهم حيث ينوون، فلذلك تشاءمت العرب بالنوى، لتفرقهم بعد اجتماعهم.
(3/1046)

كيفَ العَزاءُ ولم أجد مُذْ بِنْتُمُ ... قلباً يَقِرُ ولا شراباً ينقعُ
قوله ولا شراباً ينقع، يعني يُروي. ويقال الشراب ينقع نقعاً ونقوعاً، وذلك إذا روي منه صاحبه،
وهو الماء الذي ينقع المال ويوافقه.
ولقد صَدقتُكِ في الهوى وكذبتني ... وخَلَبتني بمواعدٍ لا تنفعُ
قد خفتُ عندكمُ الوشاةَ ولم يكنْ ... لِيُنالَ عندي سرُكِ المُستودعُ
كانت إذا نظرت لعيدٍ زينةً ... هَشّ الفؤادُ وليسَ فيها مطمعُ
أي ارتاح وأحب النظر إليها ولا مطمع فيها.
تركتْ حَوائِمَ صادِيات هُيّماً ... مُنعَ الشِفاء وطابَ هذا المَشرعُ
الحوائم التي تدور حول الماء لتقع على الماء، ثم تمتنع من الوقوع. قال: والصادي العطشان. قال
الأصمعي: إذا اختلف اللفظ والمعنى واحد، استحسنت العرب إعادة الألفاظ، وذلك أنه قال صاديات ثم
هُيّما وهما جميعاً من العطش. قال أبو عبد الله: يقال الهيام ينال الإبل فتشرب الماء فلا تروى منه.
وقوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} يقال بعير أهيم وناقة هيماء.
أيامَ زينبُ لا خفيفُ حِلمُها ... همشَى الحديثِ ولا رَوادٌ سَلفَعُ
قوله همشى الحديث، يقول مختلطة الحديث من الحياء. وقوله ولا رواد، يقول ليست هي بطوافة.
وخفف روادوا لوزن الشعر، وقد تفعل العرب ذلك. والسلفع الجريئة البذية من النساء. قال: جندل في
قوله همشى تصديقاً له:
إنْ سَمعوا عَوراء أصغَوا في أذَنْ ... وهمَشوا بكَلِمٍ غيرِ حَسنْ
قوله همشوا يعني خلطوا. يقال همشى الحديث، يعني مختلطة
(3/1047)

الكلام. وإنما عنى بذلك أن هذه المرأة منعها الحياء من الكلام.
وقوله همشى، يقال ليست بهشة الحدث مختلطته، ولكنها كما قال الآخر: إن
تخاطبك تبلت. أي تقصر، أي ليست بمهذارة.
بانَ الشبابُ حميدةً أيامُهُ ... ولوَ أنّ ذلكَ يُشترى أو يَرجِعُ
رَجفَ العِظامُ منَ البِلىَ وتقادَمتْ ... سِنّي وفي لمُصلِحٍ مُستَمتَعُ
وتقولُ بَوزعُ قد دَببتَ على العصا ... هَلاّ هَزِئتِ بغيرنا يا بَوزَعُ
قوله هلا هزئت بغيرنا، يقول قد عهدتني شاباً، فقد كبرتِ كما كبرتُ، فاهزئي بنفسك أيضاً.
ولقد رأيتُكِ في العَذارى مَرّةً ... ورأيتِ رأسي وهوَ داجٍ أفرَعُ
قوله وهو داج، يقول كان شعري وأنا شاب أسود. وأفرع أي طويل. ويقال الداجي الكثير النبات.
الأسود يريد شعره.
كيفَ الزيارَةُ والمَخاوِفُ دونكُمْ ... ولكم أميرُ شَناءة لا يَربَعُ
قوله شناءة، يعني بغضاً. يقال فلان يشنأ فلاناً إذا أبغضه. وشنان قوم بغض قوم. يربع يكف.
يا أثلَ كابَةَ لا حُرِمتِ ثَرى الندا ... هَلُ رامَ بَعدي ساجِرٌ فالأجرَعُ
قوله يا أثل كابة، هو موضع دعا له بالندى. قال: الثرى الندا المُبتل. قال: والندى من الطل
والمطر.
وسقى الغَمامُ مُنَيزِلاً بِعُنَيزَةٍ ... إمّا تُصافُ جَدى وإما تُربَعُ
قال: الجدى المطر الواسع. يقول إما أن يصيبها مطر الصيف، لقوله إما تصاف، وإما أن يصيبها
مطر الربيع، لقوله وإما تربع. قال:
(3/1048)

والغمام السحاب. وعنيزة موضع.
حَيوا الدّيارَ وسائِلوا أطلالهَا ... هل ترجِعُ الخبرَ الديارُ البَلقعُ
قال: الأطلال ما شخص من آثار الديار. وطلل الإنسان شخصه. والعرب تقول للرجل حيّا الله
طللك، يعنون شخصك. وقال أبو عبيدة: الأطلال الشخوص، نحو الوتد، والأثفية، وما شخص من
الأرض. والبلقع من الأرضين القفر التي ليس فيها أحد.
ولقد حبستُ بها المَطي فلم يكن ... إلا السلامُ ووكفُ عينٍ تدمعُ
لمّا رأى صحبي الدموعَ كأنها ... سَحُّ الرذاذِ على الرداء استرجعوا
قوله سح الرذاذ، قال الرذاذ من المطر الخفيف الصغار القطر. والسح الدائم في سكون ولين.
قالوا تعزّ فقلتُ لستُ بكائنٍ ... مني العَزاء وصدعُ قلبي يُقرعُ
فسَقاكِ حيثُ حَللتِ غير فقيدةٍ ... هَزِجُ الرواح ودِيمَةٌ لا تُقلِعُ
قوله هزج الرواح، يريد غيما يأتي فيكثر ماؤه. قال: والديمة المطر الساكن، يمطر ساعة، ويقلع
أخرى، ويدوم مطره في لين.
فلقدْ يُطاعُ بنا الشفيعُ لديكُمُ ... ونُطيعُ فيكِ مودةً مَنْ يشفَعُ
هل تذكرينَ زماننا بِعُنيزةٍ ... والأبرقين وذاكِ ما لا يرجعُ
قال: الأبرق من الأرض الذي فيه حصى ورمل. والأبرق الحبل فيه حصى ورمل. والحبل هو
الرمل بعينه. ويقال فيه أيضاً حصى وطين. وعنيزة أكمة سوداء.
إنّ الأعاديَ قد لَقُوا لي هضبَةً ... تُنبِي مَعاوِلهُمْ إذا ما تُقرَعُ
قوله هضبة يعني جبلا. تنبي معاولهم يقول ترد المعاول لصلابتها،
(3/1049)

فلا تؤثر فيها. تُقرع يريد تُضرب، وإنما ضربه مثلاً لشرفه، وأنه لا يقدر أحد أن يفخر عليه بنسب وحسب.
ما كُنتُ أقذِفُ مِنْ عشيرةَ ظالمٍ ... إلاّ تركتُ صَفاهُمُ يتصدّعُ
قال أبو عبد الله: ويروى صفاتهم تتصدع. يقول وما قصدت أحداً من الشعراء إلا تركت صفاهم.
والصفا الحجارة، أي وإن كان شعرهم مثل الصفا، تصدع من جودة شعري.
أعددتُ للشعراء كأساً مُرّةً ... عندي مخُالطُها السمامُ المُنقَعُ
هلاّ نَهاهُم تسعةٌ قَتلتُهُم ... أو أربعونَ حَدَوتهُم فاستجمعوا
حدوتهم يقول سُقتهم. فاستجمعوا يقول فاستوسقوا واستجابوا لحدائي، وهو من قوله الله عز وجل:
{وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} يريد اجتمع والله أعلم.
خَصّيتُ بعضهم وبعضُ جُدّعوا ... فشكا الهَوانَ إلى الخَصِى الأجدَعُ
قال أبو عبد الله: هذا فعل مكرر يريد خصيت واحداً بعد واحد. وقوله خصّيت يريد خصيت فثقله
لوزن الشعر. ويروى فخصيت بالتخفيف.
كانوا كمُشتركينَ لمّا بايعوا ... خَسِروا وشُفّ عليهمِ فاستُوضِعوا
قوله شف عليهم، يقول رُبح عليهم. والشف الفضل. والشف أيضاً: النقصان. وهو من الأضداد.
وهي حروف تأتي بمعنيين مختلفين، مثل السدف وهو الضوء، والسدف الظلمة، ومثل القشيب وهو
الجديد من الثياب، والقشيب الخلق، وهي حروف معروفة.
أفَيَنتهونَ وقد قضيتُ قضاءهُم ... أم يصطَلونَ حريقَ نارٍ تسفَعُ
(3/1050)

قوله تسفع، يقول هذه النار تُغير لون الوجه فتصيره إلى السواد والحمرة. وإنما أراد أن شعره كالنار
يغير وجوههم، لما يسمعون من هجائي إياهم، وذكري مثالبهم.
ذاقَ الفرزدقُ والأخيطلُ حَرّها ... والبارِقيُّ وذاقَ مِنها البَلتَعُ
قوله البارقي يعني سُراقة. والبلتع يعني المستنير بن أبي بلتعة العنبري.
ولقد قسمتُ لذي الرِقّاعِ هديةً ... وتركتُ فيهِ وَهيّةً لا تُرقَعُ
ويروى وتركت فيه وهية. قوله لذي الرقاع هو عدي بن الرقاع. وقوله وهية هي فعلية من الوهي
والضعف. تقول من ذلك وهي الأديم فهو يهي، وذلك إذا تخرّق.
ولقد صَككتُ بَني الفَدوكَس صَكّةً ... فلقوا كما لَقيَ القُرَيدُ الأصلَعُ
ويروى ولقد دققت بني فدوكس دقة. قوله فدوكس. هو جد الأخطل. والقريد الأصلع يريد الفرزدق.
قال أبو عبيدة، والأصمعي: كان الفرزق أصلع.
وَهنَ الفرزدقُ يومَ جَرّبَ سَيفَهُ ... قَينٌ بهِ حمُمُ وآمٍ أربعُ
ويروى خزي. ويروى وهن. وقوله جرّب سيفه، يريد يوم الأسير بين يدي سليمان بن عبد الملك.
وقد أملينا حديثه فيما مضى من الكتاب. وقوله آم أربع، يريد ولده أربع إماء، يعيره بذلك.
أخزيتَ قومكَ في مقامٍ قُمتهُ ... ووجدتَ سيفَ مجاشعٍ لا يقطعُ
لا يُعجبنّكَ أنْ ترى لمجاشع ... جَلدَ الرجالِ ففي القلوبِ الخَولَعُ
ففي القلوب الخولع، يقول: هم جبناء، يريد كأن أفئدتهم مخلوعة من الفزع.
(3/1051)

ويَريبُ مَنْ رجعَ الفِراسةَ فيهمُ ... رَهلُ الطفاطِفِ والعِظامُ تخرّعُ
قوله والعظام تخرع، الخراعة الضعف. يقال من ذلك عظم خريع أي متكسر. وقوله رهل الطفاطف،
يريد كثرة اللحم واسترخاءه. والطفاطف لحم الخاصرتين. يقول: من أعاد الفراسة فيهم ارتاب بهم،
لأنهم لا يُشبهون العرب.
بَذَرتْ خَصافِ لهم بِماء مجاشعِ ... خَبُثَ الحَصادُ حصادُهم والمَزرَعُ
بذرت يعني ولدت. وخضاف ضروط.
إنّا لَنعرِفُ مِنْ نِجارِ مجاشع ... هَدّ الحَفيفِ كما يحفُ الخِروَعُ
يقول: قلوبهم جوف لا عقول لهم، وإنما شبههم بالخروع لأنه مجوف ضعيف العود.
أيُفايِشونَ وقد رأوا حُفاثَهُم ... قد عضّهُ فقضى عليهِ الأشجَعُ
قوله أيفايشون، قال: المفايشة المفاخرة بلا حقيقة. وقوله حفاثهم، قال: الحفاث حية لا سم لها، تأكل
الفأر وما أشبهه. والأشجع يريد الشجاع من الحيّات القاتل، ومنه سمي الرجل شجاعاً.
هلاّ سألتَ مجاشعاً زَبدَ أستِها ... أينَ الزبير ورَحلُهُ المُتمَزّعُ
ويروى المتوزع. قوله المتمزع، يقال من ذلك تمزع القوم إذا تفرقوا.
أجحفتُمُ جُحفَ الخَزيرِ ونمتُمُ ... وبَنو صَفيةَ ليلُهُم لا يهجعُ
صفية هي صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام. والخزير دقيق يُعصد تأكله الأعراب.
ويروى أجخفتم، الخاء معجمة.
وُضِعَ الخَزيرُ فقيلَ أينَ مجاشعٌ ... فشَحا جَحافِلَهُ حُرافٌ هِبلَعُ
(3/1052)

قوله فشحا يعني فتح جحافله، وهي شفتاه. وقوله جراف، يقول يجرف كل شيء إذا أكل. وقوله
هبلع، يقول: هو واسع الجوف. يقول إنما طعام بني مجاشع الخزير، يعيرهم بذلك.
ومجاشعٌ قَصبٌ هَوتْ أجوافُهُ ... غَرّوا الزبير فأيّ جارٍ ضَيّعوا
إنّ الرزيةَ مَنْ تضمّنَ قبرُهُ ... وادي السباعِ لكل جَنبٍ مَصرعُ
لمّا أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشّعُ
رفع الجبال بالخشع، وجعل الخشع خبراً. قال أبو عبد الله: المعنى والجبال خشع لذلك، ثم ادخل
الألف واللام على النعت، ودخول الألف واللام على النعت أفخم.
وبكى الزبيرَ بناتُهُ في مأتم ... ماذا يُرَدُّ بُكاء من لا يسمعُ
ويروى دعاء. ويروى ماذا يرد عليك من لا يسمع.
قالَ النّوائِحُ منْ قريشٍ إنما ... غَدرَ الحُتاتُ ولينُ والأقرعُ
لين يعني غالب بن صعصعة كان يلقب به. ويروى وغالب والأقرع.
تَركَ الزبيرُ على مِنىً لمجاشع ... سُوء الثناء إذا تقضّى المجمعُ
قتلَ الأجاربُ يا فرزدقُ جارَكُم ... فكُلوا مَزاوِدَ جارِكُم فتمتعوا
قوله قتل الأجارب، قال: الأجارب خمس قبائل من بني سعد، وهم: ربيعة، ومالك، والحارث - وهو
الأعرج - وعبد العُزى - وهو حمان - والحرام، بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قال أبو
عبيدة: وإنما سُموا الأجارب لأنهم نحروا جملاً جرباً، فأكلوا لحمه، وغمسوا أيديهم في دمه، وتحالفوا
وهم ولد كعب بن سعد. قال: وقاتل الزبير عمرو بن جرموز، أحد بني ربيعة بن كعب من الأجارب.
أحُبارَياتِ شَقائِقٍ مَوليّةٍ ... بالصيفِ صَعْصَعَهُنّ بازٍ أسفَعُ
(3/1053)

ويروى مولية بالخبت. الشقائق واحدتها شقيقة. قال والشقيقة ما غلظ بين حبلى رمل. وقوله مولية،
يقول مُطرت الولي. قال: والولي، المطر بعد مطر كان قبله. وقوله صعصعهن يريد فرّقهن. وقوله
باز أسفع، يعني في ريشه حمرة إلى السواد، وهو لون البازي.
لو حَلّ جارُكُم إليّ مَنعتُهُ ... بالخيلِ تَنحِطُ والقَنا يَتزَعزَعُ
قوله بالخيل تنحط، يعني تُحضر وتصهل، يريد تزفر، وتنحط تحيطاً من الجهد. وقوله والقنا
يتزعزع، يريد يتحرك للطعن. قال أبو عبد الله: كان أبو العباس يقول: ذلك تفعل مخافة الطعن.
لحَمَى فوارِسُ يحسرِونَ دُروعَهُم ... خلفَ المَرافِق حينَ تَدمى الأذرُعُ
فاسألْ مَعاقِلَ بالمدينةِ عندهُم ... نورُ الحكومةِ والقضاء المَقنَعُ
قال: المعاقل القوم الذين يُلجأ إليهم، فيمنعون كل من لجأ إليهم.
مَنْ كانَ يذكُرُ ما يُقالُ ضُحى غَد ... عندَ الأسنّةِ والنفوسُ تطلّعُ
كذبَ الفرزدقُ إنّ قومي قبلَهُم ... ذادوا العدوَّ عنِ الحِمى فاستوسعوا
منعوا الثغورَ بعارِض ذي كوكبٍ ... لولا تقدُمنا لضاقَ المَطلَعُ
قوله بعارض، يعني جيشاً كثير العدد. قال والعارض السحاب، وهو من قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ
عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ} شبه الجيش بالسحاب لعظمه وكثر أهله. وقوله ذي كوكب، يعني هذا الجيش كثير
السلاح يبرق سلاحه كما يبرق الكوكب لكثرة السلاح.
إنّ الفوارِسَ يا فرزدقُ قد حمَوا ... حَسباً أشَمّ ونَبْعَةً لا تُقْطَعُ
قوله حسباً أشم، يعني حسباً عالياً لا يُعادله أحد في الشرف.
(3/1054)

عَمداً عمدتُ لما يسوء مجاشِعاً ... وأقولُ ما عَلمتْ تميمٌ فاسمعوا
لا تُتبَعُ النّخَباتُ يوم عظيمةٍ ... بُلغَتْ عَزائمُهُ ولكن تَتبَعُ
قوله بلغت عزائمه، يقول انتُهي لما عزموا عليه فيه.
هَلاّ سألتْ بني تميم أيُنا ... يحمي الذّمارَ ويُستجارُ فيمنعُ
مَنْ كانَ يستلِبُ الجبابِرَ تاجَهُم ... ويضَرُّ إذ رُفعَ الحديثُ وينفعُ
الرواية من يستلب المنابر أهلها. يعني منابر غلبت عليها بنو يربوع، منها منابر خراسان، غلب
عليها وكيع بن أبي سود الغداني، وقتل قتيبة ابن مسلم الباهلي. قال: ومنبر الكوفة غلب عليه مطر
بن ناجية الرياحي، وطرد أميرها عبد الرحمن الحضرمي، عامل الحجاج بن يوسف. والأسود بن
نعيم بن قعنب أخذ منبر المدينة. ومنبر البصرة غلب عليه سلمه بن ذؤيب الرياحي، وقتل مسعود بن
عمرو الأزدي، في فتنة عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان، حين هلك يزيد بن معاوية. قال: وقد أملينا
حديث مسعود بن عمرو الأزدي في رواية أبي عبيدة.
أيُفايِشونَ ولم تَزِنْ أيامُهُم ... أيامَنا ولَنا اليَفاعُ الأرفَعَ
ويروى الأفرع. قوله ولنا اليفاع الأرفع، يقول لنا الشرف المترفع، الذي لا يبلغه مفاخر، ولا يقاربه
مباذخ، فضربه مثلاً لليفاع.
مِنّا الفوارِسُ قد علمتَ ورائِسٌ ... تهدِي قنابِلَهُ عُقابٌ تلمعُ
رائس رئيس. والقنابل الجماعات، الواحدة قنبلة، يريد جماعةً بعد جماعةٍ. والعقاب يريد الراية.
وتلمع أي هي ظاهرة مشهور مكانها ثابتة لا تنهزم.
ولَنا عليكَ إذا الجُباةُ تَفارَطوا ... جابٍ لهُ مَددٌ وحَوضٌ مُترعُ
(3/1055)

قوله إذا الجباة، هم السقاة الذين يملأون الحياض، حتى ترد الإبل وتشرع فيها. وقوله تفارطوا، يريد
تقدموا للاستقاء قبل أن تردَ الإبل. قال: والفرط الرجل يقدم أولاداً صغاراً، فهم له شافعون يوم
القيامة. وقوله جاب له مدد، يقول له مستق من الماء الكثير. قال: وإنما هذا مثل ضربه، يقول لنا
سادة ذادة كثير خيرهم.
هَلاّ عَدَدتَ فَوارِساً كَفوارِسي ... يومَ ابنُ كَبشَةَ في الحديدَ مُقنّعُ
يعني يوم ذي نجب. قال: وقد أملينا حديث يوم ذي نجب، فيما أمليناه من الكتاب.
خَضَبوا الأسنّةَ والأعنّةَ إنهم ... نالوا مَكارِمَ لم ينَلها تُبّعُ
وابنَ الرِبابِ بذاتِ كَهفٍ قارَعوا ... إذ فَضّ بيضَتَهُ حُسامٌ مِصدَعُ
قوله وأبن الرباب، يريد الأسود بن المنذر، وأم الأسود أمامة بنت جلهم، من تيم الرباب. قال: ولذلك
قال ابن الرباب.
واستنزَلوا حَسّانَ وابنَى مُنذِرٍ ... أيامَ طِخفَةَ والسروجُ تَقَعقَعُ
يريد حسان بن معاوية الكندي، وقد أملينا حديثه فيما أمليناه من الكتاب.
تلكَ المكارِمُ لم تجد أيامَها ... لمُجاشعٍ فقفوا ثُعالَةَ فارضَعوا
لا تظمَأونَ وفي نُحَيحٍ عمّكُمْ ... مَروىً وعندً بني سُويدٍ مَشبَعُ
قوله في نحيح، هو نحيح بن عبد الله بن مجاشع. وثعالة عبد لهم. وقد أملينا حديثه فيما أمليناه من
الكتاب.
نزفَ العُروقَ إذا رَضعتُم عمّكُم ... أنفٌ بهِ خَثَمٌ ولحيٌ مُقنَعُ
قتلَ الخِيارُ بَنو المُعلبِ عَنوَةً ... فخُذوا القَلائِدَ بعدهُ وتَقنّعوا
وُطِيء الخِيارُ ولا تخافُ مجاشِعٌ ... حتى تحطّمَ في حَشاهُ الأضلُعُ
(3/1056)

ودَعا الخِيارُ بَني عِقالٍ دَعوةً ... جَزعاً وليسَ إلى عقالٍ مجزَعُ
يريد الخيار بن سبرة، وهو من بني مجاشع، قتله بنو المهلب في فتنة يزيد بن المهلب. قال: وكان
الخيار أميراً على عمان، وكان أمره عدي ابن أرطاة الفزاري، وكان عدي عاملاً لعمر بن عبد العزيز
على البصرة.
لو كانَ فاعترَفوا وَكيعٌ منكُمُ ... فَزعَتْ عُمانُ فما لكم لم تَفزعوا
هَتفَ الخيارُ غَداةَ أدرِكَ رُوحُهُ ... بمجاشع وأخو حُتاتٍ يسمعُ
لا يفزَعنً بنو المُهلبِ إنهُ ... لا يُدرِكُ الترّةَ الذليلُ الأخضَعُ
هذا كما تركوا مَزاداً مُسلَماً ... فكأنما ذُبحَ الخروفُ الأبقَعُ
قال: وقد أملينا حديث مزاد. قال وذلك أنه قتل عوف بن القعقاع مزاداً. يقول فهدر دمه، هدر دم
الخروف.
زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتُلُ مَربعاً ... أبشر بِطولِ سلامةٍ يا مَربعُ
مربع هو لقب لُقب به، واسمه وعوعة، رواية لجرير. وكان نفر بأبي الفرزدق وضربه، فيقال إنه
مات في تلك العلة، فحلف الفرزدق ليقتلنه، فقال جرير حينئذ لمربع: أبشر بطول سلامة يا مربع،
تكذيباً للفرزدق في مقالته ليقتلن مربعاً، أي أنك لا تموت إلا ميتة نفسك. وهو وعوعة أحد بني أبي
بكر بن كلاب.
إنّ الفرزدقَ قد تبينّ لُؤمهُ ... حيثُ التقتْ حُشَشاؤهُ والأخدَعُ
قال: الحششاء العظم الناتيء خلف الأذن. والأخدع عرق في صفح العنق، يحتجم عليه المحتجم.
حُوقُ الحِمارِ أبوكَ فاعلَمْ عِلمَهُ ... ونَفاك صَعصعَةُ الدّعِي المُسبَعُ
المسبع المهمل المتروك الذي قد خلاّه أهله ونفوه وذلك لخبثه.
(3/1057)

وزَعمتَ أمكمُ حَصاناً حُرّةً ... كَذباً قُفَيرةُ أمكُم والقَوبَعُ
وبَنو قُفيرةَ قد أجابوا نهشَلاً ... باسمِ العُبودَةِ قبلَ أن يتَصعصَعوا
هذي الصحيفةُ مِنْ قُفيرةَ فاقرأوا ... عُنوانهَا وبشر طينٍ تُطبَعُ
كانت قُفيرةُ بالقَعودِ مُربّةً ... تبكي إذا أخذَ الفصيلَ الروبَعُ
القعود البعير يقتعده صاحبه فيركبه في حوائجه. وقوله مربة، يقول لازقة به لا تفارقه. قال:
والروبع داء يصيب الفصلان فتضعف لذلك الفصلان وتسترخي.
تَلقى نِساء مجاشعٍ مِنْ ريحِهِم ... مَرضى وهُنّ إلى جُبيرٍ نُزّعُ
جبير كان عبداً لصعصعة، فنسب جرير غالباً أبا الفرزدق إلى جبير، وكان قيناً يعيّره بذلك.
ليلى التي زَفرتْ وقالت حَبذا ... عَرقُ القِيانَة مِنْ جُبيرٍ يَنبُعُ
ليلى الذي غيرتُمُ أنْ قُلتُمُ ... هذا لَعمرُ أبيكَ قَين مُولَعُ
ويروى طير مولع. الرواية أفكان ما غيّرتم أن قلتم.
بئسَ الفوارِسُ يا نَوارُ مجاشِعٌ ... خُورٌ إذا أكلوا خَزيراً ضَفدَعوا
قوله ضفدعوا يعني سلحوا. ويروى الخزيرة. ضفدعوا أي ضرطوا.
يَغدون قد نفخَ الخَزيرُ بُطونهُم ... رَغداً وضَيفُ بني عِقالٍ يخفَعُ
يُصرع ويُغشى عليه من الجوع.
أينَ الذينَ بِسيفِ عمروٍ قُتّلوا ... أم أينَ أسعدُ فيكُمُ المُسترضَعُ
(3/1058)

يعني عمرو بن هند. قال: وذلك أنه كان أغار على بني دارم يوم أوارة، فأصاب فيهم. وقد أملينا
حديثه فيما أمليناه، وحديث أسعد بن عمرو.
حَرّبتُمُ عَمراً فلما استوقَدتْ ... نارُ الحروبِ بغُرّبٍ لم تمنعوا
قوله بغرب هو اسم جبل كانت فيه الوقعة.
وبأبرَقي ضَحيان لاقوا خِزيَة ... تلكَ المَذلّةُ والرِقابُ الخُضّعُ
خورٌ لهم زَبدٌ إذا ما استَأمنوا ... وإذا تتابَعَ في الزمانِ الأمرُعُ
هل تعرِفونَ على ثَنيّةِ أقرُن ... أنَسَ الفَوارِسِ يومَ شُكّ الأسلَعُ
قوله الأسلع يعني الأبرض، يريد عمرو بن عمرو بن عدس ابن زيد. قال: وكان أبرص. قال:
وقوله أنس الفوارس، عنى أنس بن زياد العبسي.
وزَعمتَ وَيلَ أبيكَ أنّ مجاشِعاً ... لو يسمعون دعاء عَمروٍ وَرّعوا
ورعوا حبسوا خيلهم عليه. يقال ورّع الرجل إذا وقف في الحرب.
لم يخفَ غدرُكُمُ بِغَورِ تهامَةٍ ... ومجر جِعثنَ والسماعُ الأشنَعُ
أختُ الفرزدقِ مِنْ أبيهِ وأمّهِ ... باتت وسيرتهُا الوَجيفُ الأرفَعُ
قال: الوجيف سير في عجلة وحركة شديدة. يقال قد أوجف القوم، وذلك إذا أسرعوا في سيرهم.
قد تعلمُ النخَباتُ أنّ فَتاتهُمْ ... وُطئتْ كما وُطئ الطريقُ المَهيَعُ
هلاّ غضبتَ على قُرومِ مُقاعِسٍ ... إذ عجّلوا لكمُ الهوانَ فأسرعوا
نُبئتُ جعثنَ دافعتهُم باستَها ... إذ لم تجد لمجاشع من يدفعُ
أمدَحتَ ويحكَ مِنقَراً أن ألزَقوا ... بالحارقَين فأرسلوها تظلَعُ
(3/1059)

باتت بكلِ محُرّفٍ حامي القَفا ... حابِي الضلوعِ مُقاعِسيّ تُكسَعُ
قوله مقاعسي، يعني مقاعس، وهم عبيد، وصريم، وربيع، بنو الحارث ابن عمرو بن عوف بن
سعد.
يا ليتَ جعثنَ عندَ حجرةِ أمّهِا ... إذ تستديرُ بها البلادُ فتُصرعُ
قال الفرزدقُ وابنُ مُرّةَ جامِحٌ ... كيفَ الحياةُ وفيكِ هذا أجمعُ
جُرّتْ فتاةُ مجاشِعٍ في مِنقَرٍ ... غير المِراء كما يجُر الميكَعُ
قوله الميكع هو السقاء، يُدنى فمه من الغدير ومن الحوض، فيُملأ ثم يجر فيُنحّى.
يبكي الفرزدقُ والدماء على استِها ... قُبحاً لتلكَ غُروبَ عينٍ تدمعُ
أوقدتَ نارَكَ فاستضأتَ بخزيَةٍ ... ومنَ الشهودِ خَشاخِشٌ والأجرَعُ
خشاخش والأجرع موضعان.
تبا لجِعثنَ إذ لقيتَ مُقاعساً ... مُتخَشعاً ولأيّ شَكرِ تخشَعُ
الشكر الجماع. قال عمارة في روايته: أنسيت جعثن.
هذا الفرزدقُ ساجداً لمُقاعِسٍ ... والقينُ أجزل بالصفاح موقّع
جَدعتْ مسامِعكَ التي لم تحمِها ... سعدٌ فلين بنابتٍ لك مسمع
سعدُ بنُ زيدِ مَناةَ عِزّ فاضِلُ ... جمع السعود وكل خير يجمع
ويروى فضلوا السعود وكل خير يجمع.
يكفي بني سعدٍ إذا ما حارَبوا ... عِزٌ قُراسِيَةٌ وجَدُّ مِدفَعُ
القراسية العظيم الجسم. وجد مدفع يقول يدفع عنه الأعداء لعزه.
الذائدونَ فلا يهُدّمُ حوضُهُم ... والوارِدونَ فوِردُهُم لا يُقدَعُ
(3/1060)

قوله لا يقدع، يقول لا يرد ولا يكف. يقال قدعه عن ذاك وكفه بمعنى واحد.
ما كانَ يضلَعُ مِنْ أخي عِمّيّةٍ ... إلا عليهِ دُروء سعدٍ أضلَعُ
قوله يضلع أي يميل ويتقي. وعميّة ضلالة والدُّروء شماريخ تنتأ من الجبل، وهذا مثل.
فاعلمْ بأنّ لاِلَ سعدِ عندنا ... عهداً وحَبلَ وثيقَةٍ لا يُقطعُ
يعتادُ مخدَعهُ الفرزدقُ زانياً ... أفَلا يهُدّمُ يا نَوارُ المخدعُ
عرفوا لنا السلفَ القديمَ وشاعراً ... تركَ القصائدَ ليسَ فيها مصنعُ
ورأيتَ نبلكَ يا فرزدقُ قَصرّتْ ... ووجدتَ قوسكَ ليسَ فيها منزَعُ
هذا مثل. أي ليس عندك غناء.
وقال الفرزدق لخالد بن عبد الله ويهجو جريراً:
ألا مَنْ لمُعتادٍ منَ الحُزنِ عائِدِ ... وهَمّ أتى دونَ الشراسيفِ عامِدي
الشراسيف منقطع ضلوع الجنبين. والمعنى في ذلك يقول: هذا الهم الذي أصابني قد دخل هذا
المدخل.
وكم مِن أخٍ لي ساهرِ الليلِ لم يَنمْ ... ومُستثقَلٍ عني منَ النومِ راقِدِ
وما الشمسُ ضوء المشرقينِ إذا انجلتْ ... ولكن ضوء المشرقينِ بخالد
ستعلمُ ما أثنى عليكَ إذا انتهتْ ... إلى حضرموتَ جامحاتُ القصائِدِ
ألم ترَ كفّي خالِدٍ قد أفادتا ... على الناسِ رِزقاً مِن كثيرِ الروافِدِ
(3/1061)

أسالَ لهُ النهرَ المباركَ فارتمَى ... بمِثلِ الزوابيِ المُزبداتِ الحَواشِد
ويروى فإن له النهر المبارك. وروى أبو عمرو:
وكانَ لهُ النهرُ المباركُ فارتمى ... بهِنّ إليهِ مُزبداتِ الحواشِدِ
ويروى على الراسيات العاليات الحواشد. قوله المزبدات الحواشد، قال: حواشد الماء حوالبه التي
تصب فيه.
فزِدْ خالداً مثلَ الذي في يمينِهِ ... تجدهُ عَن الإسلامِ مِن خيرِ ذائِدِ
قوله فزد خالداً، يقول يا رب زد خالداً من الخير يدعو له.
فإني ولا ظُلماً أخافُ لخالدِ ... منَ الخوفِ أسقَى مِنْ سِمامِ الأساوِدِ
وإني لأرجو خالداً أن يفُكّني ... ويُطلقَ عني مُقفَلاتِ الحَدائدِ
تكشّفَت الظلماءُ عن نورِ وجههِ ... لضوء شِهابٍ ضَوؤهُ غيرُ خامِدِ
ألا تذكُرونَ الرحمَ أو تُقرضونَني ... لكم خُلقاً من واسِع الخُلقِ ماجِدِ
يقول خلقكم واسع. ويروى لكم حلباً، يعني بلاء يُحلب.
لهُ مِثلُ كَفّي خالِدٍ حينَ يشتَري ... بكل طَريفٍ كل حمدٍ وتالدِ
فإن يكُ قيدي ردّ همي فربما ... تناولتُ أطرافَ الهمومِ الأباعِدِ
ويروى:
فإن يكُ قيدي أدهمَين فربما ... ترامَى بهِ رامِي الهمومِ الأباعدِ
(3/1062)

منَ الحامِلاتِ الحَمدَ لمّا تَكمّشتْ ... ذَلاذِلهُا واستورأت للمُناشِدِ
قوله لما تكمشت، يعني ارتفعت. وذلاذلها علائقها. وقوله واستورأت، يقول نفرت ومضت. والمناشد
الذي ينشد - يريد يطلب - ضالة فهو ينشدها.
فهل لابنِ عبدِ اللهِ في شاكرٍ لهُ ... بمعروفٍ أنْ أطلقتَ قيديهِ حامدِ
بمعروف منون، وحامد مردود على شاكر. يريد بمعروف حامد، إن أطلقت قيديه حامد لك. قال:
ففرق بين المضاف والمضاف إليه، وهذه حجة في النحو.
وما من بلاء غيرَ كل عَشيةٍ ... وكل صباحٍ زائرٍ غير عائدِ
يقولُ ليَ الحدادُ هل أنتَ قائمُ ... وما أنا إلا مثلُ آخرَ قاعدِ
كأني حَرورِيُّ لهُ فوقَ كعبه ... ثلاثون قيداً من صريمٍ وكابِدِ
قوله صريم، يعني صريم بن الحارث وهو مقاعس. قال: وكانوا خوارج. كابد حي من اليمن.
وإما بدَينٍ ظاهَروا فوقَ ساقِهِ ... فقد عَلِموا أنْ ليسَ دَيني بناقِدِ
وراوٍ عليّ الشعرَ ما أنا قُلتهُ ... كمعتَرضٍ للرمحِ بين الطرائِدِ
الطرائد التي تُطرد، والطريدة ما طُرد من الصيد.
(3/1063)

فناكَ الذي يروي عليَ التي مشتْ ... بهِ بين حَقوَي بطنِها والقلائِدِ
بأيرِ ابنِها إنْ لم تجئ حينَ تلتقي ... على زورِ ما قالوا عليّ بشاهِدِ
قال فأجابه جرير ويمدح خالد بن عبد الله، فقال:
لعلّ فِراقَ الحيّ للبين عامِدي ... عشيةَ قاراتِ الرحيلِ الفَواردِ
يقال عمد سنام البعير يعمد عمداً، إذا خرجت فيه دبرة فأفسدته. وإنما هو مثلٌ. والقارات الجبال
الصغار. والرحيل من البصرة على فرسخين، وهو منزل معروف.
لَعمرُ الغَوانيِ ما جَزينَ صَبابتي ... بهنّ ولا تحبيرَ حوكِ القصائِدِ
قوله تحبير يريد تحسين، يقال من ذلك قد حبّرَ الشاعر شعره، وذلك إذا حسّنه وجوّده. قال أبو
عبيدة: وكأنه مأخوذ من الحبرة، وحبر اليمن المخطط.
رأيتُ الغواني مُولَعاتٍ بذي الهوى ... بحُسن المُنى والخُلفِ عندَ المَواعِد
لقد طالَ ما صِدنَ القُلوبَ بأعينٌ ... إلى قَصَبٍ زين البُرى والمَعاضِدِ
قال: البرى الخلاخيل. والمعاضد يعني الدماليج. ويروى والمعاقد.
وكم من صديقٍ واصِلٍ قد قطعنَهُ ... وأفتَن مِنْ مُستحكِمِ الدينِ عابدِ
(3/1064)

أتُعذَرُ أنْ أبديتَ بعدَ تجلُّد ... شَواكِلَ مِنْ حُبٍّ طريفٍ وتالدِ
فإن التي يومَ الحَمامةِ قد صَبا ... لها قلبُ تَوّابٍ إلى اللهِ ساجدِ
قوله يوم الحمامة، يعني حمامة داود عليه السلام. وقوله لها قلب، يعني قلب داود، على نبينا وعليه
الصلاة والسلام.
ونطلُبُ وُدا منكِ لو نَستفيدُهُ ... لكانَ إلينا مِنْ أحَبِّ الفَوائدِ
ويروى ومطلب ديناً ولو يستفيده لكان إليه.
فلا تجمعي ذِكرَ الذنوبِ لتبخلي ... علينا وهجرانَ المُدِلّ المُباعدِ
إذا أنتَ زًرتَ الغانياتِ على العَصا ... تمنّيتَ أن تُسقى سِمامَ الأساود
أعِفُّ عَنِ الجارِ القريبِ مَزارُهُ ... وأطلُبُ أشطانَ الهُمومِ الأباعدِ
قال: الأشطان في غير هذا الموضع الحبال، وهي، ها هنا، الأسباب.
لقد كانَ داءٌ بالعراقِ فما لَقُوا ... طبيباً شَفى أدواءَهم مثلَ خالدِ
يعني خالد بن عبد الله القسري.
شَفاهُم بحلمِ خالَطَ الدِينَ والتُقا ... ورأفةَ مهدِيّ إلى الحق قاصدِ
فإن أميرَ المؤمنينَ حَباكُمُ ... بمُستبصرِ في الدين زَين المَساجدِ
وإنّ ابنَ عبدِ اللهِ قد عُرفَت لهُ ... مواطنُ لا تخزيهِ عندَ المَشاهِدِ
وأبلى أميرَ المؤمنينَ أمانَةً ... وأبلاهُ صِدقاً في الأمورِ الشدائدِ
إذا ما أراد الناسُ منهُ ظُلامَةً ... أبى الضيمَ واستعصى على كلِ قائدِ
فكيفَ يرومُ الناسُ شيئاً مَنعتَهُ ... لهاً بين أنيابِ الليوثِ الحَوارِد
(3/1065)

قال أحمد بن عبيد: هو منعنه، يعني اللَّها فقدّم وجمع. أي الذي تمنعه أنت كأنه في لهاة بين أنياب
ليث، فمن يقدر على استخراجه.
إذا ما لقيتَ القِرنَ في حارة الوغا ... تنفّسَ من جيّاشَةٍ ذاتِ عانِدِ
قوله جياشة، يقول هذه الطعنة تجيش بالدم، كما تجيش القدر بما فيها من شدة الغليان. وقوله ذات
عاند، يقول الدم الذي يسيل من هذه الطعنة عاند، يريد يأخذ غير الطريق من كثرته، يذهب الدم يمنة
ويسرة، وهو من قولهم: قد عَنَد فلان عن الطريق، إذا ذهب مذهب الباطل والظلم، فكأنه مشتق من
ذلك، قال أبو جعفر: عاند لا يجيب راقياً من سعة مخرجه من الطعنة.
وإنْ فَتنَ الشيطانُ أهلَ ضلالَةٍ ... لَقُوا منكَ حرباً حميُها غيرُ بارِدِ
إذا كانَ أمنٌ كانَ قلبُكَ مؤمنا ... وإنْ كانَ حوفٌ كنتَ أحكمَ ذائدِ
قوله كنت أحكم ذائد، كنت أحكم من يدفع عن حريمه. يقال فلان يذود الناس، وذلك إذا دفع عنهم.
حميتَ ثغورَ المسلمينَ فلم تُضعْ ... وما زِلتَ رأساً قائدا وابنَ قائدِ
تُعدُ سرابيلَ الحديدِ معَ القَنا ... وشُعثَ النواصيِ كالضراء الطواردِ
قوله كالضراء الطوارد، يعني الكلاب الضارية، الواحد ضرو، والأنثى ضروة.
وإنكَ قد أعطيتَ نصراً على العِدى ... ولُقيتَ صبرا واحتسابَ المُجاهد
إذا جمعَ الأعداءُ أمرَ مكيدةٍ ... لِغدرٍ كفاكَ اللهُ كيدَ المُكايدِ
(3/1066)

وإنّا لنرجو أن توافقَ عُصبةً ... يكونونَ للفردوسِ أولَ وارِد
تمكنتَ في حيي مَعدَ مِنَ الذُرى ... وفي اليَمنِ الأعلى كريمَ الموالِد
يعني كريم الآباء والأمهات.
فُروعٍ وأصلٍ من بجيلَةَ في الذُرى ... إلى ابنِ نزارٍ كانَ عماً ووالدِ
وما زِلتَ تسمو للمكارمِ والعُلى ... وتعمُرُ عزاً مُستنيرَ الموارِدِ
إذا عُدّ أيامُ المكارمِ فافتخرْ ... بآبائكَ الشُم الطوالِ السواعدِ
قوله الشم الطوال المرتفعة، وهذا مثلٌ ضربه للشرف والكرم. أي أن حسبهم لا يبلغه من يُفاخره.
وكم لكَ مِنْ بانٍ رفيعٍ بِناؤهُ ... وفي آلِ صَعبٍ مِنْ خطيبٍ ووافدِ
يريد صعب بن علي بن بكر بن وائل. ويروى وكم من أبٍ صعب رفيع بناؤه.
يَسركَ أيامَ المُحصّبِ ذَكرُهم ... ويومَ مقامِ الهَدي ذاتِ القلائدِ
ويروى يُشرف أيام المحصب. المعنى في ذلك، يقول إذا اجتمع الناس من كل فج عميق، تذاكروا
آباءهم قديماً وحديثاً يتفاخرون. يقول: إذا تفاخر الناس في تلك الأيام، سرك ما سمعت من ذكر آبائك،
وما تقدم من فعلهم.
(3/1067)

بَنيتَ المَنارَ المُستنيرَ على الهُدى ... فأصبحتَ نوراً ضَوؤهُ غيرُ خامدِ
بنيتَ بناء لم يرَ الناسُ مثلهُ ... يكادَ يُوازي سُورهُ بالفَراقد
وأعطيتَ ما أعيى القُرونَ التي مضتْ ... فنَحمدُ مولانا وليّ المَحامِد
لقد كانَ في أنهارِ دجلةَ نعمةٌ ... وحُظوةُ جَدّ للخليفةِ صاعدِ
عطاء الذي أعطى الخليفةَ مُلكهُ ... ويكفيهِ تزفارَ النفوسِ الحواسِدِ
فإن الذي أنفقتَ حَزماً وقوةً ... يجيء بإضعافٍ منَ الربحِ زائِد
ويروى فكان. و: فأبشر بأضعاف قال: يعني ما أنفقه على المبارك، نهر كان احتفره خالد.
جَرتْ لكَ أنهارٌ بيُمنٍ وأسعُدٍ ... إلى زينةٍ في صحصَحان الأجالدِ
يُنَبّتْنَ أعناباً ونخلاً مباركاً ... وحباً حصيداً من كريم الحصائِد
ويروى وأنقاء بُر في جرون الحصائد.
إذا ما بعثنا رائداً يطلبُ الندَى ... أتانا بحمدِ اللهِ أحمدَ رائِد
ويروى إذا ما أردنا رائداً. و: أتانا بحمد الله من خير رائد. الرائد الذي يطلب الكلأ. ومثلٌ من أمثال
العرب في الصدق: "الرائد لا يكذبُ أهله". يقول هو يصدقهم.
(3/1068)

فهل لكَ في عانٍ وليسَ بشاكرٍ ... فتُطلِقَهُ من طولِ عَضّ الحدائِدِ
هذا يقوله لخالد في الفرزدق، أي إن أطلقته لم يشكرك.
يعودُ وكانَ الخُبثُ منهُ طبيعةً ... وإنْ قال إني مُتعبٌ غيرُ عائِد
فلا تقبلوا ضربَ الفرزدقِ إنهُ ... هوَ الزيفُ ينفي ضربهُ كلُ ناقِدِ
نَدِمتَ وما تُغني الندامةُ بعدما ... تطوّحتَ مَنْ صَكّ البُزاةِ الصوائدِ
تطوحت أي سقطت من أعلى إلى أسفل.
وكيفَ نجاةٌ للفرزدقِ بعدما ... ضَغا وهوَ في أشداقِ أغلبَ حارِدِ
قوله في أشداق أغلب، يعني في شدق أسد غليظ الرقبة. وإنما ضرب الأسد مثلاً لنفسه، شبّه نفسه
بالأسد.
يُلوّي أستَهُ مما يخافُ ولم يزل ... بهِ الحَينُ حتى صارَ في كَفّ صائِدِ
بَني مالك إنّ الفرزدقَ لم يزل ... كَسوباً لعار المُخزياتِ الخوالِدِ
وإنّا وجدنا إذْ وفَدنا عليكمُ ... صُدورَ القَنا والخيلَ أنجحَ وافدِ
ألم ترَ يربوعاً إذا ما ذكرتهُا ... وأيامها شَدّوا مُتونَ القصائدِ
فمن لك إنْ عَدّدتَ مثلَ فوارسي ... حَووا حَكماً والحضرمي بنَ خالدِ
يعني الحضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة بن خالد بن ضب بن القين بن مالك بن ثعلبة بن
دودان بن أسد بن خزيمة. والحكم بن مروان بن زنباع بن جذيمة العبسي، أسرتهما بنو يربوع.
وقال جرير يمدح هلال بن أحوز المازني، ويفخر بأبناء إسماعيل وإسحاق، ويهجو الفرزدق وبني
طهية:
(3/1069)

لمن رَبعُ دارهَم أنْ يتغيرا ... تَراوحَهُ الأرواحُ والقطرُ أعصرُا
ويروى رسم دار. وقوله تراوحه الأرواح، يعني تعاوره الأرواح هذه مرة وهذه مرة. وقوله أعصرا،
يعني دُهورا، وواحد الأعصر عصر.
وكُنا عَهِدنا الدارَ والدارُ مَرّةً ... هيَ الدارُ إذ حلّت بها أم يَعمُرا
ذكَرنا بها عَهداً على الهجرِ والبِلى ... ولابُد للمَشعوفِ أنْ يتذكّرا
ويروى ذكرت. و: على النأي.
أجِنّ الهوىَ ما أنسَ لا أنسَ مَوقِفا ... عَشيّةَ جَرعاء الصريفِ ومَنظَرا
عَشيّةَ تَسبي القلبَ من غيرِ ريبَةٍ ... إذا سفرت عن واضِح اللون أزهرا
أزهر أبيض. وقوله عشية جرعاء، قال: الجرعاء الرابية من الرمل. قال الأصمعي: قد جاء في
الحديث، إن ليلة الجمعة ليلة غراء، ويومها يوم أزهر. والأزهر الأبيض.
أتى دونَ هذا النومِ همٌّ فأسهَرا ... أراعي نُجوماً تالياتٍ وغُوّرا
قوله تاليات يعني نجوم آخر الليل. وقوله غورا، يعني بدأن بالمغيب.
أقولُ لها من ليلةٍ ليسَ طُولهُا ... كَطُولِ الليالي ليتَ صُبحَككَ نَوّرا
حذاراً على نفسِ ابنِ أحوزَ إنهُ ... جَلا كلّ وجهٍ من مَعَدّ فأسفرا
أخافُ عليه إنهُ قد شفى جَوىً ... وأبلى بَلاء ذا حُجولٍ مُشهّرا
قال: الجوى الداء الباطن، الذي لا يقدر الطبيب على أن يراه بعينه، فعلاجه شديد.
(3/1070)

وإنما أراد أنه قد شفى قلوباً من داء شديد بإدراك الذحل. ثم قال: وأبلى بلاء ذا حجول مشهرا. يقول
فعل فعلا اشتهر به وعُرف، كما عُرف هذا الفرس المشهور، وهو الأبلق من الخيل.
ألا رُبّ سامي الطرفِ من آلِ مازِنٍ ... إذا شمّرتْ عن ساقِها الحربُ شَمّرا
أتنسونَ شَدّاتِ ابنِ أحوزَ مُعلِماً ... إذا الموتُ بالموتِ ارتدى وتأزّرا
تقول أعلم الرجل في الحرب، إذا لبس خرقة حمراء، أو صفراء، أو شيئاً يُعرف به.
فأدركَ ثأرَ المِسمَعين بسيفهِ ... وأغضبَ في يومِ الخيار فنَكّرا
قوله فأدرك ثأر المسمعين، قال: المسمعان مالك وعبد الملك ابنا مسمع. والخيار هو ابن سبرة
المجاشعي.
جعلتَ بقبرٍ للخيارِ ومالكٍ ... وقبر عَدِيّ في المقابرِ أقبُرا
شفيتَ منَ الأثآرِ خولةَ بعدما ... دعتْ لهفها واستُعجِلَتْ أن تخمّرا
هي خولة بنت عطية بن عمار، من بني وائل باهلة. وكانت امرأة عدي ابن أرطاة، فقُتل زوجها،
فيقول شفيتها ممن قتل زوجها.
وغرّقتَ حِيتانَ المَزونِ وقد رأوا ... تميماً وعِزا ذا مناكبَ مِدسرَا
قوله مدسر هو الرجل الشديد المدافعة، يقال دسر دسراً أي دفعه دفعاً شديداً.
فلم تُبقِ منهم رايةً يرفعونهَا ... ولم تُبقِ من آلِ المُهلّبِ عَسكرا
وأطفأتَ نيرانَ النفاقِ وأهلِها ... وقد سارعوا في فتنةٍ أن تسعّرا
(3/1071)

فإن لأنصارِ الخلافةِ ناصِراً ... عزيزاً إذا طاغِ طغى وتجبرا
فذو العرشِ أعطانا على الكُره والرِضا ... إمامَ الهُدى ذا الحِكمةِ المُتخيرا
وإنّ الذي أعطى الخلافةَ أهلَها ... بنى ليَ في قيسٍ وخندفَ مفخرا
فأمستْ رواسي المُلكَ في مُستقرِها ... بمُنتجَبٍ من آلِ مراونَ أزهرا
مَنابرُ مُلك كلها خِندفيّةٌ ... يُصليّ عليها من أعرناهُ منبرا
أنا ابنُ الثرى أدعوا قُضاعةَ ناصراً ... وآلَ نزارٍ ما أعف وأكثرا
عديداً مَعدّيا لهُ ثروةُ الحَصى ... وعزا قُضاعِيا وعزّا تَنَزّرا
نِزارٌ إلى كلبٍ وكلبٌ إليهمُ ... أحقُّ وأدنى مِن صُداء وحمِيرَا
فأيُّ مَعَدّيّ يخافُ وقد رأى ... جِبالَ مَعَدّ والعديدَ المُجمهرا
المجمهر يريد العديد الكثير المعظم.
أبونا خليلُ اللهِ واللهُ رَبُنا ... رضينا بما أعطى المَليكُ وقدّرا
بنى قِبلَةَ اللهِ التي يهتدى بها ... فأورثَنا عِزا ومُلكاً مُعمّرا
أبونا أبو إسحاق يجمعُ بيننا ... أبٌ كانَ مهدياً نبيا مُطهرا
فيجمعُنا والغُر أبناء سارةٍ ... أبُ لا نُبالي بعدهُ من تغدّرا
ومنا سليمانُ النبيُّ الذي دعا ... فأعطيَ تبياناً ومُلكاً مُسخّرا
ويعقوبُ منا زادَهُ اللهُ حكمةً ... وكانَ ابنُ يعقوبٍ نبياً مُصدّرا
(3/1072)

وعيسى وموسى والذي خرّ ساجداً ... فنَبّتَ زَرعاً دمعُ عينيهِ أخضرا
وأبناءُ إسحاق الليوثُ إذا ارتدوا ... محَامِلَ موتٍ لابسينَ السنوّرا
السنور يعني الدروع والسلاح.
ترى منهمُ مُستبشرينَ إلى الهُدى ... وذا التاج يُضحي مَرزُباناً مُسوّرا
قوله مرزبانا مسورا، يعني أن العجم من بني إسحاق بن إبراهيم، عليهما السلام.
أغرّ شبيهاً بالفَنيقِ إذا ارتدى ... على القُبطُريّ الفارسيّ المُزرّرا
الفنيق الفحل من الإبل.
فيَوماً سرابيلُ الحديدِ عليهمُ ... ويوماً ترى خزّا وعصباً مُنيرّا
إذا افتخروا عدّوا الصبَهبَذَ منهمُ ... وكسرى وآلَ الهُرمُزانِ وقيصرا
وكانَ كتابٌ فيهمُ ونبوةٌ ... وكانوا بإصطخرَ الملوكَ وتُسترا
أي كان الملوك ينزلون إصطخر وتُستر.
وقد جاهدَ الوضّاحُ في الدِين مُعلِماً ... فأورثَ مجداً باقياً آل بَربَرا
لَشَتّانَ من يحمي تميماً منَ العِدى ... ومن يعمرُ الماخورَ فيمن تمخّرا
فبُؤ بالمخازي يا فرزدقُ لم يبتْ ... أديمُككَ إلا واهياً غيرَ أوفرا
ألا قبحَ اللهُ الفرزدقَ كلما ... أهلّ مهلٌّ بالصلاة وكَبرّا
فإنكَ لو تعطي الفرزدقَ دِرهماً ... على دينِ نصرانيةِ لتنَصرا
فلا يقربنً المَروتينِ ولا الصفا ... ولا مسجدَ اللهِ الحرامَ المُطهّرا
(3/1073)

يبّين في وجه الفرزدقِ لؤمهُ ... وألأمُ منسوبٍ قَفا حينَ أدبرا
وتعرفُ منهُ لؤمهُ فوقَ أنفهِ ... فقُبّحَ ذاكَ الأنفُ أنفاً ومشفَرا
لحا اللهُ ماء من عُروقٍ خَبيثةٍ ... سَقت سابياء جاء فيها مخُمّرا
السابياء الذي يخرج من الولد، وهو لفافة الولد.
فما كانَ من فحلينِ شرُّ عُصارةً ... وألأمُ من حُوقِ الحمارِ وكَيمرا
قُفيرةُ لم تُرضِعْ كريماً بثديهَا ... وما أحسنتْ من حيضَةٍ أن تطهّرا
وما حملتْ إلا عِراضاً لخبثَةٍ ... وما سيقَ منها من سياقٍ فتمهَرا
أتعدِلُ نجلاً من قُفيرةَ مُقرِفاً ... بسام إذا اصطَكّ الأضاميمُ أصدَرا
ويروى صدّرا. والأضاميم الجماعات.
عشيّةَ لاقى القِردُ قردُ مجاشعٍ ... هَريتاً أبا شبلَين في الغِيلِ قَسورا
قال أبو عبد الله، أخبرنا أمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: يقال فلان أهرت من فلان، يريد أوسع
فماً للكلام.
منَ المُحمياتِ الغينَ غينَ خَفيّةٍ ... ترى بين لحييهِ الفريسَ المُعقرا
أشاعت قريشٌ للرزدقِ خزيَةً ... وتلكَ الوفودُ النازلونَ المُوقرا
وقالت قريشٌ للحَواريّ جارِكُم ... أرغوانَ تدعو للوفاء وضَوطَرا
قال رغوان مجاشع. وقال سعدان: رغوان رجل من بني مجاشع،
(3/1074)

وضوطر منهم أيضاً. ينسبهم إلى قلة الوفاء، ونقض العهد.
تراغيتُمُ يومَ الزبير كأنكم ... ضباعُ مغاراتٍ تعاظَمنَ أجعُرا
فإن عِقالاً والحُتاتَ كليهما ... تردّى بثوبي غَدرةٍ وتأزرا
وما كان جيرانُ الزبيرِ مجاشعٌ ... بالأمَ من جيرانِ وهبٍ وأغدرا
أتنعونَ وهباً يا بني زَبدِ استَها ... وقد كنتمُ جيرانَ وهبٍ بن ابجرا
إلم تحبسوا وهباً تمُنُّونهَ المُنى ... وكانَ أخاهم طريداً مُسيرّا
فلا تأمنِ الأعداء أسيافَ مازنٍ ... ولكنّ رأي ابني قُفيرةَ قَصرّا
وإنّككَ لو ضُمنتَ من مازنِ دماً ... لما كانَ يابن القينِ أن يتخيرا
ولو أنّ وهباً كانَ حَلّ رِحالَهُ ... بحَجرٍ للاقى ناصرينَ وعُنصرا
روى سعدان حلّى رجاله. وليس بشيء. الرواية حل رحاله. وقوله حلى رجاله، يعني ألبسهم
السلاح. والعنصر الأصل.
ولو ضافَ أحياء بِحَزمِ مُليحَةَ ... للاقَى جِواراً صافياً غير أكدرا
ويروى بحزم سويقة. ويروى بنعف مليحة. وقوله بحزم، فالحزم ما أشرف من الأرض. ومليحة
جبل بقلة بني يربوع، معروف ذلك عندهم.
ولو حلّ فينا عاينَ القومُ دونهُ ... عَوابِسَ يَعلُكنَ الشكائِمَ ضُمّرا
الشكائم حدائد اللجام. ومنه قيل للرجل إنه لصلب الشكيمة.
إذا لسمعتَ الخيلَ والخيلُ تدّعي ... رياحاً وتدعو العاصمين وجعفرا
(3/1075)

قوله وتدعو العاصمين، قال العاصمان عاصم وأزنم ابنا عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وجعفر بن ثعلبة.
فوارسُ لا يدعونَ يالَ مجاشع ... إذا كانَ ما تذري السنابكُ عِثيرَا
همُ ضربوا هامَ المُلوكِ وعَجّلوا ... بورد غَداةَ الحوفزان فنكّرا
وقد جرّبَ الهِرماسُ وقعَ سُيوفنا ... وقطعنَ عن رأسِ ابنِ كبشَةَ مغفَرا
وقد جعلتْ يوماً بطخفةَ خيلُنا ... لآلِ أبي قابوسَ يوماً مُذَكّرا
فنوردُ يومَ الروع خيلاً مُغيرةً ... وتوردُ ناباً تحملَ الكيرَ صَوأرا
سُبقتَ بأيامِ الفعالِ فلم تجد ... لقومكَ إلا عقرَ نابكَ مفخرا
لقيتَ القُرومَ الخاطِرات فلم يكن ... نكيرُكَ إلا أنْ تَكِشّ وتَبعَرا
ويروى وتيعرا، وهو تصحيف ظاهر لا يصلح مع الكشيش. قال: والكشيش هدر البكارة، وهو هدر
ضعيف لا يكاد يتبين من ضعفه. وقوله تيعرا، اليعر صياح المعز، والثؤاج صوت الضأن. والقروم
الفحول، والأصل في القروم يقال لفحل الإبل الذي لم يمسه الحبل. وإنما هو للضراب لكرمه، لا
يُحمل عليه ولا يُذلل، فنُقل إلى القرم من الرجال، وهو سيد القوم والمنظور إليه منهم. قال:
والخاطرات اللواتي تضرب بأذنابها، كأنها توعد في ذلك وتُحذر من أنفسها، وإنما يفعل ذلك القرم
لقوته وشدته ونشاطه، وإنما ضرب ذلك مثلا للحرب. يقال فرجالي كهذه القروم الخاطرات بأذنابها.
ولاقيتَ خيراً من أبيكَ فوارِساً ... وأكرمَ أياماً سُحيماً وجَحدَرا
(3/1076)

قوله سحيماً وجحدرا، هما ابنا وثيل. وذلك أن سحيماً كان عاقر غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
قال أبو عبيدة: المعاقرة أن يضرب هذا إبله بالسيف فيعقرها، ويضرب هذا إبله بالسيف فيعقرها،
فهذه المعاقرة حتى يعجز أحدهما، فتكون الغلبة حينئذ للآخر. قال: وكانت المعاقرة بصوءر، وهو
موضع اجتمعا فيه. قال فغمره غالب فقهره. قال: فساق سحيم إبله إلى الكوفة، وجمع إليها غيرها
فعقرها بالكناسة. قال وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالكوفة. قال: فأمر علي - رضي الله
عنه - منادياً فنادى في الناس، لا تأكلوها فإنه أهل بها لغير الله. فلم يطيعوه، وجعلوا ينتهبون لحومها
فيطبخونها.
همُ تركوا عَمراً وقيساً كِلاهمُا ... يَمُجُّ نَجيعاً من دمِ الجوفِ أحمرا
يعني عمرو بن كبشة، الذي أسر في يوم ذي نجب. قال: وقيس الذي ذكر، هاهنا، هو قيس أخو
الهرماس، وهما ابنا هجيمة من غسان، بارزهما عتيبة بن الحارث فعادى بينهما عداء يوم كنهل،
وهو يوم غول.
وسارَ لبكرٍ نَخبةٌ من مجاشع ... فلما رأى شيبانَ والخيلَ عفّرا
قوله نخبة، هو لقب، وهو الفقحة. وقوله عفرا، يقول لما رأى الخيل سقط على الأرض، فتترب.
والعرب تقول للرجل الصالح والطالح ما على عفر الأرض مثله. وهو التراب يكون ذلك هجاء
ومدحاً.
وفي أيّ يوم لم تكونوا غنيمةً ... وجارُكُمُ فَقعٌ يحالِفُ قَرقرا
قال: الفقع أردأ الكمأة. يقول إذ توطؤون فلا تمتنعون، كما لا تمتنع الكمأة ممن أخذها. والقرقر القاع
المستوى من الأرض.
(3/1077)

فلا تعرِفونَ الشر حتى يُصيبكُم ... ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تَدبُّرا
وعَوفٌ يَعافُ الضيم في آلِ مالكٍ ... وكُنتم بني جوخَي على الضيم أصبرا
لقد كنتُ يابنَ القَينِ ذا خُبرٍ بِكُم ... وعَوفٌ أبو قيس بكم كانَ أخبرَا
يريد عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله ابن دارم.
تركتُم مَزاداً عندَ عوفٍ رَهينةً ... فأطعمهُ عوفٌ ضِباعاً وأنسرُا
وصالحتُمُ عَوفاً على ما يُريبكُم ... كما لم تَقاضوا عُقرَ جِعثنَ منقرا
فما ظنُّكم بالقُعسِ من آلِ مِنقَرٍ ... وقد باتَ فيهِم ليلُها مُتَسحّرَا
تَناومتَ يا بنَ القَينِ إذ يخلجِونها ... كخَلج الصواري السفينَ المُقَيرّا
الصواريون الملاّحون. قال: والخلج أراد النكاح. وقوله بالقعس، قال الأقعس من الرجال، الذي قد
دخل ظهره وخرج صدره. قال: والخلج أن يجذبوها إليهم، بعد إدخالهم متاعهم فيها، فشبه ذلك
بالنكاح.
وباتتْ تُنادي غالِباً وكأنما ... يَشُقّونَ زِقاً مَسّهُ القارُ أشعَرا
وعِمرانُ ألقى فوقَ جِعثنَ كَلكَلاّ ... وأوردَ أمّ الغُولِ فيها وأصدرا
أم الغول الفيشة والكمرة.
رأى غالبٌ آثارَ فَيشَلِ مِنقَرٍ ... فما زالَ منها غالبٌ بعدُ مُهترَا
بكى غالبٌ لمّا رأى نُطفا بِها ... منَ الذُلّ إذ ألقى على النارِ أيصرَا
الأيصر الحشيش اليابس يستضيء به، فينظر ما شأن جعثن، أي حالها.
(3/1078)

جزى اللهُ ليلى عن جُبيرٍ مَلامةً ... وقَبّحَ قَيناً بالمِقَرينِ أعورا
إذا ذكرتْ ليلى جُبيراً تعَصرّتْ ... وليسَ بشافِ داءها أن تعصرّا
جبير عبد قين كان لهم. وليلى أم غالب تعصرت من البلل مما تنزّل من مائها، إذا ذكرته من
شهوته.
تزورُ جبيراً مَرةً ويزورها ... وتتركُ أعمى ذا خميلٍ مُدثّرا
تَسوفُ صُنانَ القينِ من ربّةٍ بهِ ... ليجعلَ في ثَقبِ المَحالةِ محورَا
يُزلولُ فيها القين مَحبوكةَ القَفا ... كأنّ بها لوناً منَ الوَرسِ أصفرا
فهل لكمُ في حَنثَرٍ يابنَ حنثرِ ... ولمّا تُصبْ تلكَ الصواعقُ حنقرا
حنثر وربيع والمشيّع كلهم من بني طهية. وقوله يا بن حنثر، يعني أبا حنثر بن فلان بن حنثر.
فإن ربيعاً والمُشيّعَ فاعلَموا ... على موطنٍ لم يَدريا كيفَ قدّرا
ألا رُبّ أعشى ظالمِ مُتخمّطٍ ... جعلتُ لعينيهِ جِلاء فأبصرا
وقد كنتُ ناراً يتقي الناسُ حرّها ... وسَماً على الأعداء أصبحَ ممِقرا
يعني شدة المرارة بقوله ممقرا.
ألم أكُ زادَ المُرملينَ ووالجِاً ... إذا دفعَ البابُ الغريبَ المُعوّرا
قال: والمعور يريد المردود عن الباب، المدفوع عنه، فلا يؤذن له.
نُعَدُّ لأيامٍ تُعَدُّ لمِثلها ... فَوارِسُ قيسٍ دارِعينَ وحُسرّا
(3/1079)

وما كنتَ يابنَ القَينِ تلقى جِيادَهُم ... وقوفاً ولا مُستنكراً أن تُعقّرا
أتنسونَ يومَي رَحرحانَ وقد بدا ... فوارسُ قيسٍ لابسينَ السّنَوّرا
تركتُم بوادي رَحرحانَ نِساءكُم ... ويومَ الصفا لاقيتُمُ الشِعبَ أوعرا
قوله بوادي رحرحان، هو موضع كانت فيه وقعة كثيرة القتل. وقد أملينا خبر رحرحان فيما مضى
من الكتاب. وقوله يوم الصفا، يعني يوم جبلة، وهو يوم الشعب.
سَمعتُم بني مجدٍ دَعوا يالَ عامرِ ... فكنتُم نَعاماً بالحَزيزِ مُنَفّرا
قوله بني مجد، وهي مجد ابنة تيم الأدرم بن غالب أخي لؤي.
وأسلمتُمُ لابنَي أسيدَةَ حاجِباً ... ولاقى لقيطٌ حتفهُ فتَقطّرا
قال: أسيدة، هي أم مالك ذي الرقيبة القشيري. وقوله ولاقى لقيط حتفه فتقطرا، يقول لقي منيته
فتقطر، يريد فقطّره الرمح، أي صرعه، فسقط إلى الأرض. وذلك يوم جبلة، وهو يوم أوثب فرسه
الجرف، فسقط فتقطر، فيقول لقي حتفه، وهو منيته. يقال قطّره بالرمح إذا صرعه. ويقال تقطر به
فرسه أيضاً إذا ألقاه فرسه. والأمر في ذلك سواء، قريب بعضهما من بعض. وجدّله إذا ألقاه على
الجدالة، وهي الأرض. وتجدّل هو سقط على الأرض، سقط على أحد قطريه، وهما جانباه.
وأسلَمتِ القَلحاء للقومِ معبَداً ... يجُاذِبُ مخموساً منَ القِدّ أسمَرا
وقال الفرزدق يمدح هشام بن عبد الملك، ويهجو جريراً وبني كليب:
(3/1080)

ألستُم عائِجينَ بِنا لَعَنّا ... نرى العَرصاتِ أو أثرَ الخِيامِ
عائجين يعني عاطفين. لعنا في معنى لعلنا. العرصات واحدها عرصة، وكل متسع حوله ربو، ليس
فيه بناء، يقال له عرصة، وباحة، وساحة، وبالة، كل ذلك من الأبنية. حدثنا الأصمعي، قال: حدثني
عيسى بن عمر قال: سمعت أبا النجم يقول: أغد لعنا، يريد لعلنا. قال: وفيها لغات. يقول بعض
العرب لَعَلّني، وبعضهم لَعلنّي، ويقول آخرون عليّ، ولعنّي. ويقول آخرون لأنني، وآخرون لأني
مهموز.
فقالوا إنْ عَرضتَ فأغن عَنا ... دُموعاً غير راقِئَةِ السَجام
يقال رقأ الدمع إذا احتبس، إذا انقطع سيلانه وقطره. سجام سيلان.
وكيف إذا رأيتً دِيارَ قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كِرام
قال: وهذا على معنى وديار جيران كرام كانوا لنا فيما مضى.
أكَفكِفُ عَبرةَ العينينِ مِنّي ... وما بعدَ المَدامِحِ من كلامِ
وبِيضٍ كالدُمى قد بِتُّ أسرِي ... بِهنّ إلى الخَلاء عنِ النّيامِ
يقول أنحيهن عن القوم النيام، لئلا ينتبهوا بحسّنا، إلى موضع خال ليس به أحد.
ثلاثٌ واثنتانِ فهُنّ خمسٌ ... وسادسةٌ تميلُ إلى الشمامِ
السادسة هي خاصته. والشمام هي القبل والرشف.
ظِباءٌ بَدّلَتهُنّ الليالي ... مكانَ قُرونهِنّ ذُرى جمِامِ
(3/1081)

جمع جمة من شعر. ذرى أعالي وذروة كل شيء أعلاه.
ترى قُضُبَ الأراكِ وهُنّ خُضرٌ ... يَمِحنَ بها وعِيدانَ البَشامِ
ويروى وهن خور يمحن بها أي يستكن فيشربن ماء الأراك، وماء عيدان البشام، وهو أخضر.
والبشام شجر يستاك به طيب الريج. أي كما يميح المُستقي من البئر، أي يغترف بيده، وذلك إذا قل
ماء البئر نزل إليها، ففعل بها ذلك.
ذُرى بَرَدٍ بَكَرنَ عليهِ عَذبٍ ... وليسَ بُكورُهُنّ على الطعامِ
ويروى بكرن بها على برد عذاب.
ولو أنّ امرئ القيسِ بنَ حُجرٍ ... بِدارَةِ جُلجُلٍ لَرأى غَرامي
ويروى: ولو أن امرأ القيس بن حجر. ودارته معي لرأى غرامي. يريد قول امرئ القيس بن حجر.
ولاسيما يوم بدارة جلجل. قال: والدارة كل متسع من الأرض حوله جبال. غرامي وجدي بهن.
لهُ منهُنّ إذ يَبكينَ ألاّ ... يَبِتنَ بلَيلَةٍ هيَ نصفُ عامِ
يقول لامرئ القيس، منهن أي من النساء إذا يبكين ألا يبين بليلة معه، هي نصف عام في طولها
ليستمتعن به، في ليل طويل، وإنما يبكين من قصر الليل.
سَيُبلغُهُنّ وَحيَ القولِ مِني ... ويُدخِلُ رأسَهُ تحتَ القِرام
وحي القول، ما أوحي إليه من كلام أو رسالة. والقرام الستر الرقيق. فيقول سيبلغهن شعري ووجدي
بهن، ويُدخل زوجها رأسه للذي أصابه. ويروى سيبلغهن وحي القول مني.
(3/1082)

أسَيّدُ ذو خُريّطةٍ بهَيمٌ ... منَ المُتلَقّطي فَردَ القُمامِ
ويروى ذو خُريطة نهارا. أسيد يعني زوجها. خُريطة أي له خُريطة يلتقط فيها قرد القمام، وهو قطع
الصوف المتلبد. والقمامة الكناسة والكساحة. ويقال أسيد أي رسول أرسله إليها في هذه الحالة التي
وصف، لئلا يؤبة له.
فقُلنَ لهُ نُواعِدُكَ الثُريّا ... وذاكَ إليهِ مُرتفَعُ الرِجام
ويروى الزحام. أي للرسول، أي نواعد الفرزدق وقت طلوع الثريا. يقول وذاك الوقت عنده لمرتفع
الزحام، أي انقشاعه وذهابه. والمعنى الآخر، يقول ذاك الوعد كأنه أخرج من الرجام، وهي القبور
سرورا به.
فجئِنَ إليه حينَ لَبِسنَ ليلاً ... وهُنّ خُوائفٌ قدرَ الحِمامِ
مَشَين إلي لم يُطمَثنَ قبلي ... وهُنّ أصَحُّ من بَيضِ النّعامِ
تقول العرب للبعير المحرم: ما طمثه حبل قط. فأراد أنهن ما مسهن رجل قبلي.
وبتنَ جَنابَتي مُصرّعاتٍ ... وبِتُ أفُضُ أغلاقَ الخِتامِ
فأعجَلنا العَمودُ ونحنُ نشفي ... غليلاً من مُدوّرَةٍ جِهامِ
العمود الصبح. والغليل حرارة في الجوف. ومدورة أحراح. جهام واحدها جهم، وهو الركب الضخم.
والجهام سحاب قد هراق ماءه.
كأنّ مَقالقَ الرُمانَ فيها ... وجمرَ غَضىً قَعدنَ عليهِ حامِ
فما تدري إذا قعدَتْ عليهِ ... أسَعدُ اللهِ أكثرُ أم جُذامِ
كأنّ تريكةً من ماء مُزنٍ ... وداريّ الذّكيّ منَ المُدامِ
(3/1083)

التريكة ماء غادره السيل، فتركه في نقرة الجبل. داري منسوب إلى دارين، وهي فُرضة البحرين.
أتى نفسي بِها نفسٌ ضعيفٌ ... لهُنّ قُبيلَ مُنقلبِ الكلامِ
بها للتريكة. نفس ضعيف، يقول لما كلمنني تحيرت فبقيت مبهوتاً، فانقلب كلامي.
سَقينَ فمي بِها ونَقعنَ مني ... منَ الأحشاء صادِيَةَ الأورامِ
نقعن أروين. صادية عطشى. والأوام واللواب والحُرار العطش. وصادية عطشى. وهو مثل قوله
تعالى: {حَقُّ الْيَقِينِ}.
وكُنّ كأنهنّ شِفاء داء ... يُقالُ هوَ السلالُ معَ الهُيامِ
ويروى وهن كأنهن شفاء داء يقال له. السلال جمع سِل. والهيام داء يأخذ الإبل فتشرب عليه الماء
ولا تروى، حتى تموت، ويأخذها هذا الداء في رءوسها.
فهُنّ إليّ مثلُ محُلآتٍ ... مُنعنَ الماء في لهَبانِ حامِ
رآني الغانِياتُ فقُلنَ هذا ... أبونا جاء من تحتِ الرجام
الرجام القبر. أي كأنه مات ثم نشر. ويروى السلام. وهي صخور، واحدتها سلمة.
فإن يسخرنَ أو يهزأنَ مني ... فإني كنتُ مِرقاصَ الخِدامِ
ويروى فإن يضحكن أو يسخرن مني. الخدام كل ما تشد المرأة في رجلها من خرز، أو صوف
مُلون، أو سير أو غير ذلك.
(3/1084)

ولو جَدّاتهِنّ سألنَ عني ... قَرأنَ عليَ أضعافَ السلامِ
رأينَ شروخَهُنّ مُؤزّرات ... وشرخُ لديّ أسنانُ الهِرامِ
شرخ الشباب أوله وطراته. مؤزرات منظمات مستويات. والهرام جمع هرم، وهو الشيخ الكبير.
لدي الواحد لدة.
رَمتني بالثمانينَ الليالي ... وسَهمُ الدهرِ أصوبُ سهمِ رامِ
وغيرّ لونَ راحلتي ولوني ... تَردّيّ الهَواجرَ واعتمامي
وإقبالي المَطيةَ كلّ يومٍ ... منَ الجوزاء مُلتهبِ الضرّامِ
الجوزاء من نجوم القيظ. والضرام تضرم النار، وهو أيضا ما دق من الحطب.
وإدلاجي إذا الظلماء حازتْ ... إلى طردِ النهارِ دُجى الظلامِ
دجى جمع، واحدته دُجية، وهو إباس الظلام، واجتماعه، واشتماله على كل شيء.
يقولُ بَنيّ هل بكَ من رحيلٍ ... تُقوّمُ منكَ غير ذوي سَوام
السوام كل شيء رعى من إبل، وغنم، وخيل، وهي السائمة أي الراعية.
فتنهضُ نهضَةً لبَنيكَ فيها ... غنىً لهمُ منَ المَلكِ الشّآمي
فقلتُ لهم فكيفَ ولستُ أمشي ... على قدمَيّ ويحكمُ مرامي
وهل لي حيلةٌ لكمُ بشيء ... إذا رجلايَ أسلمتا قيامي
أقولُ لناقَتي لمّا ترامَتْ ... بنا بيدٌ مُسربلَةُ القَتامِ
(3/1085)

بيد أرض مستوية قفر. القتام الغبار.
أغيثي مَنْ وراءكِ مِنْ ربيع ... أمامكِ مُرسلٍ بيَدَي هِشامِ
أغيثي اطلبي الغيث لمن وراءك ممن قدامك. مرسل يريد المطر. فيقول ربيع أمامك، وذلك الربيع
بيدي هشام.
يَدَي خيرِ الذينَ بَقُوا وماتوا ... إمامٍ وابنِ أملاكٍ عظامِ
بهِ يحيي البلادَ ومَن عليها ... منَ النعمِ البَهائِمِ والأنامِ
منَ الوَسميّ مُبتَرِكٌ بُعاقٌ ... يَسُحُّ سِجالَ مُرتجِزٍ رُكام
الوسمي أول مطر الخريف، وسمي وسمياً لأنه يسم الأرض. مبترك دائم المطر. بعاق من أشد
المطر يشقّ الأرض. مُرتجز أي بالرعد.
فإن تُبلِغكِ أربَعكِ اللواتي ... بهِنّ إليه نرجع كل عامِ
فكوني مثلَ مَيتَةٍ فحَيّتْ ... وقد بُلّت بتَنضاح السّجام
ويروى تكوني. وقد بليت. بُلّت سمنت، أي قد صار فيها نبات.
قدِ استَبطأتُ ناجِيَةً ذَمولاً ... وإنّ الهَمّ بي وبِها لَسام
الناجية الناقة السريعة التي تنجو في سيرها. ذمول تسير الذميل. والذميل أسرع المشي، وأرفع ما
يكون من العنق وأفسحه. يقال ذملت الناقة تذمل ذميلاً. قال الأصمعي: لا يذمل بعير يوماً وليلة إلا
مهري.
أقولُ لها إذا ضَجِرَتْ وعَضّت ... بمَورِكَةِ الوِراكِ معَ الزِمامِ
(3/1086)

ويروى إذا عطفت. الموركة والمورك الموضع الذي يثني الرجل عليه رجله قُدّام واسطة الرحل، إذا
ملّ من الركوب، وهو الوراك يتورّك عليه الرجل، يكون تحت القتب، وهو النمرق الذي يُلبس مقدم
الرحل، ثم يثنى تحته.
إلامَ تَلفّتينَ وأنتِ تحتي ... وخيرُ الناسِ كلهمُ أمامي
متى ترِدي الرصافةَ تستريحي ... منَ التهجيرَ والدّبرِ الدوامِ
وتُلقِي الرحلَ عنكِ وتستغيثي ... بغيثِ اللهِ والمَلك الهُمام
كأنّ أراقِماً عَلقتْ بُراها ... مُعلّقةً إلى عمدِ الرخام
شبه الزمام بالحية، وشبه طول عنقها بأساطين الرخام.
تَزِفُّ إذا العُرَى قَلقتْ عليها ... زَفيفَ الهادِجاتِ منَ النّعام
الزفيف دون الذميل، وفوق المشي المرتفع. العُرى عرى الأزمة، وهي أزرارها. والعرى والبرى
والخشاش، والبُرة والعروة من صُفر، والخشاش والعِران من خشب. وهي الخشبة في أنف البعير، أو
الحلقة.
إذا رَضراضَةٌ وَطِئتْ عليها ... خَبَطنَ صُدورَ مُنعَلَةٍ رِثام
رضراضة أرض ذات حجارة وحصى. رثام سائلة بالدم، يعني أن مناسمها قد أدمتها الحجارة.
وإنْ شرَكُ الطريقِ تجَشّمتهُ ... عَسِكنَ بحَيّةٍ حذرَ الإكامِ
(3/1087)

شرك الطريق جادته. ويروى ترسّمته أي تتبعت آثاره. عسكن لزقن. بحية بزمام. ويروى الكلام
وهو نخس. ويروى عسكن بحية أي بما حيّ من الطريق، لأن ما حيي منه يُذلله الوطء.
كأنّ العنكبوتَ تَبيتُ تَبني ... على الأشداقِ من زَبَدِ اللّغامِ
تُثيرُ قَعاقِعَ الألحى إذا ما ... تلاقتَ وارِدَ العَرَقِ النّيام
قعاقع صوت أسنانها. العرق الصف من القطا، وما صف من الطير.
وصاديَةِ الصُدورِ نَضحتُ ليلاً ... لهنّ سِجالَ مُترعَةٍ طَوامِ
صادية إبل عطاش. نضحت أي سقيتهن. سجال دلاء. طوام أبار ممتلئة. ويروى آجنة طوام. أي
مياه صفر متغيرة اللون والريح والطعم.
كأنّ نِصال يثرِب ساقَطتها ... على الأرجاء مِن ريشِ الحَمامِ
شبه الريش على الماء بسهام يثرب.
عَمَدتُ إليكَ خير الناسِ حيّا ... لتَنعشَ أو يكونَ بكَ اعتصامي
إلى ملكِ المُلوكِ جمعَتُ همي ... على المُتردّفاتِ منَ السّمامِ
المتردفات الإبل، شبه الإبل بالسمام لسرعة مرّها وخفتها. والسمام طير تشبه النوق بها.
منَ السّنَةِ التي لم تُبقِ شيئاً ... منَ الأنعامِ باليَةَ الثُمامِ
إليك طَويتُ عرضَ الأرضِ طَيا ... بخاضِعَةٍ مُقطّعَةِ الخِدامِ
(3/1088)

رَجوفِ الليل قد نَقبَتْ وكَلّت ... منَ الإدآبِ فاترَة البُغامِ
لتَدنوَ منْ بِلادكَ أو لتَلقَى ... سِجالاً منْ فَواضِلكَ السِجامِ
على سُفُنِ الفَلاةِ مُردّفاتٍ ... جُناةَ الحَربِ بالذّكرِ الحُسامِ
قَطعنَ بنا مخاوفَ كل أرضٍ ... إليككَ على الوُهونِ منَ العظام
فما بَلّغننا إلا جريضاً ... بنِقي في العظامِ وفي السّنام
جريض بقية النفس.
كأنّ العِيسَ حينَ أتحِنَ هجراً ... مُفَقّأةٌ نَواظِرُها سَوامي
هجراً أي نصف النهار، وهي الهاجرة. سوام غاثرة الأعين، وقد ارتفعت أعينها في رؤوسها، وتكون
أيضا مرتفعة النظر، ويقال رافعة رؤوسها من الإعياء.
وحَبلُ اللهِ حبلُك مَن يَنللهُ ... فما لعُرى يديه مِنِ انفصام
يداكَ يدٌ ربيعُ الناسِ فيها ... وفي الأخرى الشهورُ منَ الحَرامِ
الشهور من الحرام، أي من رعاية الذمام كما تقول: لا يقاتل في الأشهر الحرام.
وإنّ الناسَ لولا أنتَ كانوا ... حصى خَرَزٍ تحَدّر من نظامِ
وليسَ الناسُ مجتمعينَ إلا ... لخِندِفَ في المشُورةِ والخِصامِ
يعني أن الخلافة في خندف، فالناس يجتمعون إلى الخلفاء.
وبَشرّتِ لسماء الأرضَ لما ... تحدّثنا بإقبالِ الإمامِ
إلى أهلِ العراقِ وإنما هُم ... بقايا مثلُ أشلاء الرِمام
(3/1089)

ويروى مثل أشلاء وهام. وهام موتى. وأشلاء بقايا، وشلو الشيء بقيته.
أتانا زائِرٌ كانت علينا ... زيارتهُ منَ النعَمِ العِظامِ
أميرَ المؤمنينَ بكم نُعِشنا ... وَجُذّ حِبالُ آصارِ الأثامِ
آصار أثقال الواحد إصر. والأثام جمع إثم. ويروى أمير المؤمنين به نُعشنا.
فجاءَ بسُنّةِ العُمَرينِ فيها ... شِفاءٌ للصُدورِ منَ السقامِ
رَآكَ اللهُ أولى الناسِ طُرا ... بِأعوادَ الخلافةِ والسلامِ
الأعواد المنابر. والسلام بالخلافة.
إذا ما سارَ في أرضٍ تراها ... مُظَلّلةً عليهِ منَ الغَمامِ
رأيتك قد ملأتَ الأرضَ عَدلاً ... وضوءا وهيَ مُسبلَةٌ الظلام
رأيتُ الظُلمَ لمّا قُمتَ جُذّتْ ... عُراهُ بشَفرتي ذكر حُسام
ويروى هُذام. وهو القاطع.
تَعَنّ فلستَ مُدرِكَ ما تعَنّى ... إليهِ بساعدَي جُعلِ الرغامِ
يعني جريراً. والرغام رمل خشن فيه دقة.
ستخزى إنْ لقيتَ بغَورِ نَجدٍ ... عَطيّةَ بين زَمزمَ والمَقامِ
عطيةُ فارسُ القعساء يوماً ... ويوماً وهيَ راكِدَةُ الصيامِ
القعساء أتان في ظهرها همز وتطامن وخروج بطنها.
(3/1090)

إذا الخَطفَى لقيتَ بهش مُعَيداً ... فأيهُما تُضَمّرُ للِضّمامِ
فأجابه جرير، ويهجو البعيث، والأخطل، وسُراقة البارقي، وعبيد الله ابن العباس الكندي:
عرفتُ الدارَ بعدَ بِلى الخِيامِ ... سُقيتِ نَجِيّ مُرتجزٍ رُكام
النجو ما خرج من السحاب، وإنما سمي نجواً لخروجه من السحاب. قال الأصمعي: النجي واحد
النجاء من السحاب. وقال غيره: نجاة واحدة النجي، وفيه ماء لأنه ينجوه فيخرجه. وقال غيرهما:
النجو الذي لا ماء فيه. مرتجز مصوّت بالرعد. ركام مرتكم غليظ من السحاب بعضه على بعض.
الخيام ما يبنونه من الشجر يظللونه بالثمام.
كأنّ أخا اليهودِ يخُظُّ وَحياً ... بِكافٍ في مَنازِلها ولامِ
وحي كتاب، وحي يحي وحياً كتب.
وقاطَعتُ الغَوانيَ بعدَ وصلٍ ... فقد نزعَ الغَيور عنِ اتهامي
تُنازعُنا بجِدّتهِا حِبالاً ... فَنينَ بِلىً وصرِنَ إلى رِمامِ
وقد خُبرتهُنّ يقُلنَ فإن ... ألا ينظُرنَ من خَللِ القِرامِ
إذا حَدّثتُهُنّ هَزِئنَ مني ... ولا يغشَين رَحلي في المنامِ
فقد أقصرتُ عن طلبِ الغواني ... وقد آذَنّ حَبلي بانصِرامِ
وعاوٍ قد تعرّضَ لي مُتاح ... فدَقّ جبينهُ حجرُ المُرامي
ضَغا الشعراء حينَ لَقُوا هِزَبراً ... إذا مُدّ الأعنّةُ ذا اعتِزامِ
(3/1091)

فلما قتّلَ الشعراء غَما ... أضرّ بهِم وأمسكَ بالكِظامِ
قتلتَ التّغلَبي وطاحَ قِردٌ ... هوى بين الحَوالِقِ والحَوامي
واحد الحوالق حالق، يعني الجبل الطويل في السماء. وحواميها أصولها ونواحيها.
ولابنِ البارِقيّ قَدرتُ حَتفاً ... وأقصَدتُ البَعيثَ بسهمِ رامِ
ابن البارقي سُراقة. أي قدرت حتفه في نفسي كما قال الشاعر:
هتكتُ مجامِعَ الأوصالِ منهُ ... بنافِذةٍ على دَهشٍ وذعرِ
فإن يبرأ فلم أنفُثْ عليهِ ... وإنْ يهلِكْ فذلكَ كانَ قدري
أي ما قدرت. وأقصدت قتلت.
وأطلَعتُ القصائِدَ طودَ سلمى ... وجَدّعَ صاحبي شُعَبَى انتقامي
يعني الأعور النبهاني وكان منزله سلمى، أحد جبلي طيء، وذلك قول جرير:
وأعورَ مِن نبهانَ يعوي وحولهُ ... منَ الليلِ بابا ظُلمةٍ وسُتورُ
وصاحبا شعبى، عبيد الله بن العباس الكندي، وابنه، هجاهما وكان حليفاً في فزارة، فكان ينزل
شعبى، وهو اسم موضع.
ستخزى ما حييتَ ولا يحُيّا ... إذا ما مِتّ قَبركَ بالسلامِ
ولو أني أموتُ لشدّ قبري ... بمسمومٍ مضارِبُهُ حُسامِ
ويروى ولو متنا لشد عليك.
(3/1092)

لقد رحلَ ابنُ شِعرَةَ نابَ سَوء ... تَعضُّ على المَواركِ والزمامِ
ابن شعرة نبر يصغره به ويحقره. والمورك واحدتها موركة، وهي التي يتورك عليها الراكب، يضع
ساقه قدام شعبة الرحل.
تَلفّتُ أنها تحتَ ابنِ قين ... حليفِ الكيرِ والفأسِ الكَهام
متى تَرد الرصافةَ تخزَ فيها ... كخزيكَ في المواسمِ كل عام
لقد نزلَ الفرزدقُ دارَ سعدٍ ... لياليَ لا يَعفُ ولا يُحامي
إذا ما رُمتَ ويلَ أبيكَ سَعداً ... لقيتَ صِيالَ مُقرمَةٍ سَوامِ
مقرمة فحول. سوام مشرفات رافعات رءوسها وأعناقها.
همُ جَرُّوا بناتِ أبيكَ غَصباً ... وما تركوا لجاركَ من ذِمامِ
وهم قتلوا الزبير فلم تغيرَّ ... ودقُوا حوضَ جِعثنَ في الزحامِ
وهم شَدخوا بواطِنَ اسكَتَيها ... بمثل فَراسِن الجَملِ الشآمي
أضيئوا للفرزدقِ نارَ ذُلّ ... لينظُرَ في مشاعرِها الدوامي
وحَجزَةُ لو تبينَ ما رأيتمُ ... بِعضرَطها لمات منَ الفُحامِ
حجزة اسم رجل. والفحام السواد.
وإنّ صدى المِقرّ بهِ مُقيمٌ ... يُنادي الذُلّ بعدَ كَرى النيامِ
الصدى عظام الميت. المقر موضع قبر غالب فيه، وهو من بلاد بني سعد.
(3/1093)

لأعظَمِ غَدرةٍ نَفشوا لُحاهُمْ ... غداةَ العرقِ أسفلَ مِنْ سَنامِ
يَلومُكمُ العُصاةُ وآلُ حربٍ ... ورَهطُ محمدٍ وبَنو هِشام
العصاة هم بنو العاصي. قال أبو الحسن: هم ولد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم: العاصي، وأبو
العاصي، والعيص، وأبو العيص. أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فهم
الأعياص. قال النابغة الجعدي:
وشارَكنا قُريشاً في تُقاها ... وفي أحسابهِا شركَ العِنانِ
بما وَلدتْ نساء بَني هِلالٍ ... وما ولدتْ نساء بني أبانِ
وقوله وآل حرب، يريد حرباً وأبا حرب، وسفيان وأبا سفيان. وبنو هشام يعني هشام بن المغيرة
المخزومي.
ولو حلّ الزبيرُ بنا لجَلّى ... وجوهُ فوارسي رَهجَ القَتامِ
لخافوا أن تَلومهمُ قريشٌ ... فرَدوا الخيلَ داميةَ الكلامِ
سقى جدفَ الزبيرِ ولا سقاكُم ... نَجِيُّ الوَدقِ مُرتجزُ الغَمام
ويروى بعيج الودق منهمر الغمام.
وإنكَ لو سألتَ بنا بَحيراً ... وأصحابَ المَجَبّةِ عن عِصامِ
بحير بن عبد الله القشيري. المجبة بن الحارث الشيباني من بني أبي ربيعة. وعصام بن المنهال
الرياحي.
ونازَلنا ابنَ كبشَةَ قد علمتُم ... وذا القرنين وابنَ أبي قَطامِ
(3/1094)

ابن كبشة حسان بن معاوية الكندي. وإنما كبشة أمه. قتله حشيش ابن نمران الرياحي في يوم ذي
نجب. وذو القرنين عمرو بن المنذر اللخمي، وأمه هند. ويقال ذو القرنين المنذر بن ماء السماء.
وابن أبي قطام حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار.
وللهِرماسِ قد تركوا مجَراً ... لطيرِ يعتفينَ دمَ اللحامِ
الهرماس بن هجيمة الغساني، وأخوه قيس بن هجيمة. بارزهما عتبة بن الحارث يوم غول، فقتلهما
جميعاً.
وساقَ ابنَي هجيمةَ يومَ غَولٍ ... إلى أسيافِنا قَدرُ الحِمام
فقتّلنا جَبابرةً مُلوكاً ... وأطلقنا الملوكَ على احتكامِ
يعني يوم طخفة، وهو لبني يربوع على المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، أسروا فيه ابنيه، قابوس
وحسان.
وذا الجَدّين أرهقَتِ العَوالي ... بكُلّ مُقلّصٍ قلقِ الحِزامِ
ذو الجدين بسام بن قيس، أسره عتيبة بن الحارث. العوالي واحدتها عالية، وهي أعلى الرمح.
مقلص فرس. قلق الحزام ضامر.
رَجعنَ بهانِئ وأصَبنَ بِشراً ... ويومُ الجُمدِ يومُ لهُى عِظامِ
هانئ بن قبيصة الشيباني، أسره وديعة بن مرثد، أحد بني عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وبشر بن عبد
عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد، قتله سويد بن شهاب بن عبد قيس. اللهى العطايا الضخام. وأصل
اللهوة قبضة من طعام تطرح في الرحا. ويوم الجمد هو يوم الصمد، ويوم الغبيط، وهو يوم لبني
يربوع على عجل وشيبان،
(3/1095)

أسروا فيه أبجر بن جابر العجلي، والحوفزان بن شريك.
ألسنا نحنُ قد عَلِمَتْ تمَيمٌ ... نَمُدُّ مَقادَةَ اللّجِبِ اللُّهام
اللجب الجيش الكثير الأصواب من كثرة أهله. لهام يلتهم كل شيء يبتلعه.
نُقيمُ على ثُغورِ بني تميمٍ ... ونَصدَعُ بيضَةَ المَلكِ الهُمامِ
وكنتم تأمنونَ إذا أقمنا ... وإنْ نظعن فما لكَ من مُقامِ
وكنا الذائدينَ إذا جلوتُم ... عنِ السبي المُصبَّح والسّوام
ويروى ونحن الذائدون إذا أقمتم. الذائدون الدافعون الحامون. ويروى هربتم السلوم كل مال يرعى
من إبل وغيرها.
تُفَدّينا نِساؤكمُ إذا ما ... رَقصنَ وقد رَفعنَ عن الخِدامِ
الخدام خرز يُجعل مكان الخلخال. والخلخال البرة والجمع بُرون.
تَسوفونَ العِلابَ ولم تُعدّوا ... ليوم الروعِ صَلصلة اللجامِ
ويومَ الشّيّطَين حُبارَياتٌ ... وأشردُ بالوقيطِ منَ النعامِ
يوم الشيطين، يوم لبكر بن وائل ولبنى تميم لم يكن فيه كبير قتال. قال أبو عبيدة: وكان الشّيّطان
لبكر بن وائل، فلما ظهر الإسلام من غير أن يكون أهل نجد والعراق أسلموا، سارت بكر بن وائل
قبل السواد، وبقي مقاس بن عمرو حليف بني شيبان، وجاءت تميم حتى نزلوا الشّيّطين، فاستوبأت
بكر السواد ومواشيهم. فزعم غير أبي عبيدة، أنهم أصابهم الطاعون، طاعون شيرويه.
(3/1096)

قال أبو عبيدة: فانجلوا هاربين، فأقبلوا حتى نزلوا لعلع، وهي مجدية، وقد أخصب الشيطان، فكان
مقاس يقول: ليت بكراً في هذا الخصب. وكان أكتل بن حيان العجلي طالب حاجة في بني نهشل بن
دارم، فلم يقضوها له، فرجع من الشيّطين إلى قومه بلعلع، فأخبرهم بخصب أرضهم الشيّطين،
فأجمعت بكر على الإغارة على بني تميم. قالوا إن في دين عبد المطلب، أن من قتل نفساً، قُتل بها،
فنغير هذه الغارة ثم نُسلم عليها. فارتحلوا بالذراري والأموال، ورئيسهم بشر بن مسعود بن قيس بن
خالد، فأتوا الشيطين في أربع، وما بينهم مسيرة أيام ثمانية فسبقوا كل خبر حتى صبّحوهم وهم لا
يشعرون فقاتلوهم فهزمت تميم. فقال رشيد بن رميض العنزي:
وما كانَ بين الشّيّطَين ولَعلَعٍ ... لِنِسوَتنا إلا مناقِلُ أربعُ
فجئنا بجمعٍ لم يرَ الناسُ مثلةُ ... يكادُ لهُ ظهرُ الوريعةِ يَظلَع
بأرعَنَ دَهمٍ تُنشَدُ البُلقُ وسطَهُ ... لهُ عارِضٌ فيهِ المَنيةُ تَلمع
إذا حانَ منهُ منزلُ القومِ أوقدتْ ... لأخراهُ أولاهُ سَناً وتَيَفّعوا
رفعوا نارهم على يفاع من الأرض لتُبصر نارهم.
صَبحنا بهِ سَعداً وعَمراً ومالِكاً ... فظلّ لهم يومٌ منَ الشر أشنع
وذي حَسبٍ من آلِ ضَبّةَ غادَروا ... يجُرُّ كما جُرّ الفَصيلُ المُقرّع
المقرع الذي به القرع، وهو جُدري فيجر في السباخ ليتفقأ ما به.
تَقَصّعَ يربوعٌ بِسرّةِ أرضِنا ... وليسَ ليربوعٍ بها مُتَقصّعُ
وقلتُ ليربوعٍ أسرُّ نَصيحَةً ... ولو أنّ يربوعاً إذا امتارَ يرفعُ
(3/1097)

يخلو لنا صَحنُ العراقِ فإنهُ ... حِمىً منهمُ لا يُستطاعُ ممُنّعُ
فأجابه محرز بن المكعبر الضبي فقال:
فَخرتُمْ بيومِ الشّيّطين وغيركُمْ ... يضرُ بيومِ الشّيّطَين وينفعُ
وجئتُم بها مَذمومةً عنَزيّة ... تكادُ منَ اللومِ المُبينِ تظلَعُ
فإن بكُ أقوامٌ أصيبوا بغِرّةٍ ... فأنتم منَ الغاراتِ أخزى وأوجَعُ
فريقانِ منهمْ مَن أتى البحرُ دونه ... ومُودٍ كما أودَت ثمودُ وتُبّعُ
وما منكمُ أفناء بكرِ بن وائلٍ ... لغارتنا إلا ذَلولُ مُوقّعُ
وقال مقاس بن عمرو العائذي، واسمه مسهر، ومقاس لقب:
تمنّيتُ بَكراً بالعراقِ مُقيمةً ... وأنى لنا بكرٌ بأكاف عَرعر
نهيتُ تميماً أن ترُبّ نِحاءها ... وتطويَ أحناء الركيّ المُعوّرِ
حَلفتُ لهم باللهِ حَلفَةَ صادقٍ ... يميناً ومَن لا يتقِ اللهِ يفجُرِ
ليَختَلِطَنّ العامَ راعٍ مجُنّبُ ... إذا ما تلاقَينا بِراعٍ مُعشرِ
المجنب الذي لا لبن في إبله. والمعشر الذي قد نتجت إبله فصارت عِشرا. يقولف: نحن لا لبن لنا،
فنأخذ إبلهم ورُعاتها، فنخلطها بابلنا التي لا لبن لها.
فأعجلنَ ضَبا بالوَريعَة خُدعةً ... ويَربوعُها يَنفَقنَ في كُلّ محجَرِ
ضَبّاً يعني بني ضبة يقول: أعجلنها أن تخدع فتلزم الجُحر، وإنما هذا مثل، يقول: أغرنا عليهم قبل
أن ينذروا بنا.
وما كانَ رَوضا طيّئ غير شربَةٍ ... ولكنما كانا لنا شرِبَ أشهُرِ
(3/1098)

وقال كبد الحصاة، وهو قيس بن عمرو العجلي في ذلك:
صَبَحنا غَداةَ الشّيّطَين تمُيّماً ... بذي لجَبٍ تَبيضُّ منهُ الذوائبُ
فيا رُبّ داعي جَوعةٍ من شُعاعِها ... وقد أشرفتْ فوقَ الحَزيزِ الكَتائِبُ
أسرّكمُ أن يهدِمَ الدينُ ما مضى ... وفيكُم كُلومٌ مُستَكِنٌ وجالِبُ
فقالوا: إن بكراً أتاهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا على ما في أيديهم وقول جرير
خباريات أي جبناء. وقوله وأشرد بالوقيط من النعام، والوقيط لبكر بن وائل على بني دارم، ولم
تشهده يربوع.
رجع إلى شعر جرير:
وخالي أبنُ الأشَدّ سَما بسَعدٍ ... فحازُوا يومَ ثَيتَلَ وهوَ سامِ
ابن الأشد سنان بن خالد بن منقر، وله حديث في يوم النباج وثيتل
قال أبو عبيدة: غزا قيس بن عاصم المنقري بمقاعس، وهو رئيس عليها. والأجارب حمان،
وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ومقاعس صريم، وعبيد، وربيع،
بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد فغزوا بكر بن وائل، فوجدوا اللهازم وبني ذهل بن ثعلبة بن
عكابة - واللهازم بنو قيس، وتيم اللات ابنا ثعلبة - وعجل بن لجيم، وعنزة بن أسد بن ربيعة بن
نزار، بالنباج وثيتل، وبينهما روحة، فتنازع قيس وسلامة في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس
على أهل النباج، ويغير سلامة على أهل ثيتل فبعث قيس الأهتم، وهو سنان بن سمي شيّفة - أي
طليعة - له فلقي رجلاً من بني بكر بن وائل، فتعاقدا أن لا يتكاتما. فقال الأهتم: من
(3/1099)

أنت، أذكر؟ قال: أنا فلان بن فلان، ونحن بجوف الماء حضور، فمن أنت؟ قال الأهتم: أنا سنان بن سمي، وهو
لا يعرف إلا بالأهتم، فغفّل نفسه له، فقال: أنا سنان بن سمي في الجيش وفي الحي. فرجع البكري
فأخبر قومه عنه، ورجع الأهتم فأخبر فيساً الخبر وقال: يا أبا علي، هل بالوادي طرفاء؟ فقال قيس:
بل به نَعم. وعرف أنهم بكر، فكتمهم أصحابه فلما أصبح سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال
لأصحابه: قاتلوا، فالموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صُبحا، سمعوا ساقياً من
بكر يقول لصاحب له: يا قيس أورد. فتفاءلوا به الظفر، فأغاروا على أهل النباج قبيل الصبح،
فقاتلوهم قتالاً شديداً، ثم إن بكراً انهزمت. وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن
مرثد وأسر فدكي بن أعبد المنقري جثامة الذهلي. فأصابوا غنائم كثيرة فقال قيس لأصحابه: لا نقيل
دون إخوتنا بثيتل. قال: ولم يُغر بعد سلامة وأصحابه على من بثيتل، فأغار قيس عليهم، فقاتلوهم، ثم
انهزموا، فأصابوا إبلا كثيرة، وجاء سلامة فقال: أغرتم على ما كان إلي. فتلاجوا، حتى كاد الأمر
يفقم ثم إنهم سلّوا له غنائم ثيتل. وفي ذلك يقول ربيعة بن طريف بن تميم، حيث رثى قيساً:
فلا يُبعِدَنكَ اللهُ قيسَ بنَ عاصِمٍ ... فأنتَ لنا عِزٌ عزيزٌ ومَعقِلُ
وأنتَ الذي حَربتَ بكرَ بنَ وائلٍ ... وقد عَضّلتْ منهاغ النّباجُ وثيتلُ
غَداةَ دَعتْ يا آلَ شَيبانَ إذ رأتْ ... كَراديسَ يهديهنّ وَردٌ محُجّلُ
وظَلّت عُقابُ الموتِ تهفُوا عليممُ ... وشُعثُ النواصيِ لجمهُنّ تُصَلصِلُ
فما منكمُ أفناء بكرِ بنِ وائلِ ... لِغارَتِه إلا رَكوبٌ مُذَللُ
(3/1100)

وقال جرير:
لهم يومُ الكُلابِ ويومُ قيسٍ ... هَراقَ على مُسلّحةَ المَزادا
رجع إلى شعر جرير:
فأورَدهُم مُسلّحتَي تِياسٍ ... حَظيظٌ بالرياسَةِ والزعامِ
(3/1101)

حديث يوم تياسٍ
قال أبو عبيدة: كانت قبائل بني سعد بن زيد مناة، وقبائل بي عمرو بن تميم، التقت بتياس، فقطع
غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم، رجل الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة، فسمي الأعرج
فطلبوا القصاص، فأقسم غيلان ألا يعقلها، ولا يقصها، حتى تحشى عيناي تراباً، وقال:
لا نعقِلُ الرجلَ ولا نَديها ... حتى تُرى داهيةٌ تُنسيها
فالتقوا، فاقتتلوا، فخرجوا غيلان، حتى ظنوا أنهم قتلوه. ورئيس عمرو كعب بن عمرو، ولواؤه مع
ابنه ذؤيب، فجعل غيلان يخل البوغاء في عينيه ويقول: تحلل غيل، حتى مات فقال ذؤيب بن كعب
لأبيه كعب:
يا كعبُ إنّ أخاكَ مُنحَمِقٌ ... إنْ لم تَكُن بكَ مرّةٌ كعبُ
أتجودُ بالدمِ ذي المَضنّةِ في ... الجُلّى وتُلوى النابُ والسقبُ
فلان إذ أخذتْ مآخذَها ... وتباعدَ الأنسابُ والقُرَبُ
أنشأتَ تطلبُ خُطّةً غَبناً ... وتَركتَها ومَسدُها رَأبُ
جانيكَ مَن يجني عليكَ وقد ... تُعدِي الصحاحَ مَبارِكَ الجُربُ
والحربُ قد تضطرُ جانيَها ... إلى المَضيقِ ودونها الرُحب
قال أبو عبيدة، أنشدني داءوذ أحد بني ذؤيب، وغيره: الصحاح مبارك الجرب، فرفعوا مبارك
وجرّوا الجرب وذلك إقواء وقال أبو الخطاب: إن عامة أهل البدو ليست تفهم ما يريد الشاعر، ولا
(3/1102)

يُحسنون التفسير، وإنما أتى أقواء هذا، من قلة فهم الذين رووه، وإنما عنى الشاعر وقد يُعدي
الأجرب الصحيح مبركاً، فلما وجدوه مقدماً ومؤخراً، لم يحسنوا تلخيصه، ووجدوا مبارك لا
ينصرف، فأظلم المعنى عليهم. وإنما أراد وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب.
أصَعصَعَ بعضَ لَومكَ إنّ ليلى ... رَوادُ الليلِ مُطلَقًةُ الكِمامِ
صعصعة بن ناجية أبو غالب أبي الفرزدق. يريد بعض لومك بني مجاشع. ويروى إن أمِّكَ بعد
ليلى.
أصَعصَعَ قالَ قَينُكَ أردفينى ... وكوني دونَ واسطةٍ أمامي
تُفدّي عامَ بِيعَ لها جُبيرُ ... وتزعمُ أنّ ذلكَ خيرُ عامِ
بيع اشتري. جبير عبد كان لصعصعة.
بِها شَبهُ الزّبابَةِ في بَنيها ... وعِرقٌ من قُفيرةَ غير نامِ
الزبابة الفأرة، نبز بها أم الفرزدق لينة بنت قرطة. وقفيرة جدة الفرزدق.
قُفيرةُ وهيَ ألأمُ أمّ قَومٍ ... تُوفّي في الفرزدقِ سَبعَ آمِ
فإن مجاشعاً فتَبيّنوهُم ... بَنو جَوخَى وجَخجخَ والقُذام
جوخى، وجخجخ، والقذام، إماء كلهن.
وأمهمُ خَضافِ تَداركَتهُم ... بِدَخلٍ في القلوبِ وفي العِظام
(3/1103)

وقال الفرزدق يهجو أصم باهلة، واسمه عبد الله بن الحجاج بن عبد الله بن كلثوم، من بني ذبيان بن
جنادة:
إخالُ الباهليّ يظنُ أنيّ ... سَأقعُدُ لا يجاوزُهُ سِبابيِ
فأمي أمهُ إنْ لم يجاوِزْ ... إلى كعب ورابِيَتَي كِلابِ
ويروى فإني مثله إن لم يجاوز. كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكلاب ابن ربيعة أخوه.
أأجعلُ دارِماً كأبني دُخان ... وكانا في الغنيمةِ كالرِكاب
ابنا دخان غني وباهلة. وكانوا يسبون بذلك في الجاهلية. قال الخطل:
تعوذُ هَوازِنٌ بابنَي دُخانٍ ... لَعمرُكَ إنّ ذا لهُوَ الشّنارُ
وسَوّدَ حاتِماً أنْ ليسَ فيهِم ... إذا ما شُبّتٍ النيرانُ نارُ
وما أحدٌ منَ الأقوامِ عَدُوا ... فُروعَ الأكرمينَ إلى الترابِ
أباهِلَ أينَ مَلجَؤكُم إذا ما ... لجَقنا بالمُلوكِ وبالقِبابِ
تهامَةَ والأباطِح إذ سَددنا ... عليكم من تَهامةَ كل بابِ
إذا سَعدُ بنُ زيدِ مَناةَ سالَتْ ... بإكثرَ في العديدِ منَ الترابِ
(3/1104)

فإن الأرضَ تعجِزُ عن تميمٍ ... وهم مِثلُ المُعبّدةِ الجِرابِ
وجدتُ لهم على الأقوامِ فضلاً ... بِتَوطاء المَناخِرِ والرقابِ
لقد هَتكَ المحارِمَ بأهلي ... يجُسُ لأختهِ ركبَ الحَقابِ
تَبيتُ فقاحُكم يَركَبنَ مِنها ... فُروجاً غير طيّبةِ الخِضابِ
ولو سيرتُم فيمن أصابتْ ... على القسماتِ أظفاري ونابي
إذا لرأيتُمُ عِظةً وزَجراً ... أشدّ منَ المُصمّمةِ العِضابِ
بمَحتفظَينَ إن فضّلتُمونا ... عليهم في القديمِ ولا غِضاب
ولو رَفعَ السماء إليه قوماً ... لحقنا بالسماء على السحابِ
وهل لأبيكَ من حَسبٍ يُسامِي ... مُلوكَ المالكين ألي الحجابِ
يعني مالك بن حنظلة ومالك بن زيد مناة.
قال فعجز الباهلي عن نقيصتها، فأجابه جرير، فقال:
ألا حَيّ المَنازِلَ بالجِنابِ ... فقد ذكّرنَ عهدَكَ بالشبابِ
أجِدّكَ ما تذكرُ أهلُ دارِ ... كأنّ رُسومَها ورقُ الكتابِ
يريد أبجد منك، فلما طرح الباء نصب. الرسم الأثر في الدار بلا شخص. ويروى أما تنفك تذكر
عهد دارٍ كأن.
(3/1105)

لعمرُ أبي الغَواني ما سُلَيمَى ... بِشملالٍ تَراحُ إلى الشبابِ
شملال خفيفة سريعة. تراح ترتاح، وتريده وتسرع إليه.
تُكَنُ على النواظِرِ ثم تبدو ... بُدوّ الشمسِ من خللِ السحابِ
لياليَ تَرتميكَ بنبل جنّ ... صَموتُ الحِجلِ قانئةُ الخِضابِ
كأنكَ تستعيرُ كلى شَعيبٍ ... وَهتْ من ناضِح سرَبِ الطباب
الشعيب المزادة من أديمين يُشعب بينهما كل راوية شعيبان. الكلى واحدتها كلية، وهي رقعة أسفل
عروة المزادة. وههت سالت. ناضح سقاء ينضح سرب سائل. الطباب جلدة مستطيلة تضرب على
أسفل المزادة. شبه دمعه بهذه المزادة.
وما بالَيتُ يومَ أكُف صَحبي ... مخَافَةَ أن يُفنّدَني صِحابي
تَباعَدَ من مَزارِكَ أهلُ نجدٍ ... إذا مرّت بذي خُشُبٍ رِكابي
غريبا عن ديارِ بني تَميمٍ ... ولا يخزي عشيرتي اغترابي
لقد عَلمَ الفرزدقُ أنّ قومي ... يُعدّونَ المَكارِمَ للسبابِ
يحُشّونَ الحروبَ بمُقرَباتٍ ... وداؤوديّةٍ كأضا الحَبابِ
يحشون يوقدون. بمقربات مكرمات. داؤودية دروع من صنعة داءود عليه السلام الأضا الغدران،
واحدتها أضاة. والحباب الطرائف على الماء، مثل الوشى، شبه الدروع به.
إذا آباؤنا وأبوكَ عُدوا ... أبان المُقرفاتُ منَ العِرابِ
(3/1106)

أبان استبان. المقرفات الهُجن من الخيل.
فأورَثكَ العَلاةَ وأورَثونا ... رِباطَ الخيلِ أفنيةَ القبابِ
وأن عَدّتْ مكارِمَها تميمٌ ... فَخَرتَ بمرجَلٍ وبعقر نابِ
ألسنا بالمكارمِ نحنُ أولى ... وأكرمُ عندَ مُعترَكِ الضرّابِ
وأحمدُ حينَ يحمدُ بالمقَقاري ... وحالَ المُربِعاتُ منَ السحابِ
المربعات السحائب التي تمطر في الربيع.
وأوفَى للمُجاورِ إن أجَرنا ... وأعطى للنّفيساتِ الرّعابِ
صبرنا يومَ طِخفةَ قد علمتُم ... صُدورَ الخيلِ تخطُ في الجرابِ
وَطِئنَ مجاشعاً وأخذنَ غَصباً ... بَني الجَبّار في رَهج الضبابِ
يعني قابوس وحسان ابني المنذر، أسرتهما بنو يربوع يوم طخفة.
ويَربوعٌ هُمُ أخذوا قديماً ... عليكَ منَ المَكارم كل بابِ
فلا تفخرْ وأنتَ مجاشعيٌّ ... نَخيبُ القَلبِ مُنخرِقُ الحِجابِ
فلا صًفوٌ جَوازُكَ عندَ سَعدٍ ... ولا عَفُ الخليقةِ في الرّبابِ
جوازك سقيك الماء إياه، وأن يجاز من منهل، وماء إلى ماء.
وقد أخزاكَ في نَدواتِ قيس ... وفي سعد عِياذُكَ من زَبِابِ
ندوات جمع ناد. قيس بن ثعلبة، وسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
ألم ترَ مَن هجاني كيفَ يَلقى ... إذا غَب الحديثُ منَ العَذابِ
يَسُبُهُمُ بسَبّي كلُ قومٍ ... إذا ابتدرَتْ مَحُاوَرةُ الجواب
(3/1107)

فكُلّهمُ سقيتُ نَقيعَ سَمّ ... بِنابي مخدِر ضرَمِ اللُعابِ
لقد جارَيتَني فعَرفتْ أني ... على حظّ المُراهن غير كابِ
سبقتُ فجاء وجهي لم يُغير ... وقد حطّ الشكيمةَ عَضُ نابِ
فما بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ ... كمبلغ عاصِم وبَني شِهابِ
عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع جد قعنب. وعتيبة بن الحارث بن شهاب بن عبد قيس بن
الكباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع.
ولا بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ ... تخَيرُيَ المَضارِبَ وانتجابي
أنا أبنُ الخالدَين وآل صَخرٍ ... أحَلُوني الفُروعَ منَ الرّوابي
الخالدان خالد بن منقر، وخالد بن غنم أخو جشم بن سعد. وصخر ابن منقر. الروابي الإكام
المشرفة. يقول: جعلوا لي عزاً مشرفاً.
وسيفُ أبي الفرزدقِ قد علمتُمْ ... قَدومٌ غير ثابتَه القِرابِ
أجيرانَ الزبيرِ غَرَرتمُوهُ ... كما أغترّ المُشبّهُ بالسرابِ
ولو سارَ الزبير فحَلّ فينا ... لما يَئسَ الزبير منَ الإيابِ
لأصبحَ دونهُ رَقَماتُ فَلج ... وغُبرُ اللامعاتِ منَ الحِدابِ
وما باتَ النّوائِحُ من قُريشٍ ... يُراوجنَ التّفجُعَ بانتحابِ
على غيرِ السواء مَدحتَ سَعداً ... فزِدهُم ما استطعتَ منَ الثوابِ
(3/1108)

همُ قَتلوا الزبير فلم تُنَكّرْ ... وعَزوا عُقرَ جِعثن في الخِطابِ
فداوِ كُلومَ جِعثنَ إنّ سعداً ... ذَوو عادِيّةٍ ولهُى رِعابِ
كلوم جراجات. عادية عز قديم، لهى عطايا عظام الواحدة لهوة، رغاب واسعة.
سأذكُرُ من قُفيرةَ ما علمتُم ... وأرفعُ شأنَ جِعثنَ والربابِ
جعثن أخت الفرزدق. والرباب بنت الحتات المجاشعي.
وعاراً مِنْ حمُيدَةَ يومَ حَوطٍ ... ورَضخاً مِن جَنادِلها الصلابِ
فأصبح غالياً فتَقسّموهُ ... عليكم لحمُ راحلَةِ الغُرابِ
تحَكّكْ بالعَدان فإن قيساً ... نَفَوكُم عن ضرَيّةَ والهِضابِ
كَجعثنَ حينَ أسبلَ ناطِفاها ... عَفرتُم ثوبَ جِعثنَ في الترابِ
فشُدّي مِن صَلاكِ على الرُدافَى ... ولا تَدعي فإنكِ لن تجُابي
لنا قيسٌ عليكَ وأيُ قوم ... إذا ما احمرّ أجنحةُ العُقابِ
احمر يعني من دم القتلى. والعقاب الراية.
أتعدِلُ في الشكيرِ أبا جُبير ... إلى كَعبٍ ورابيتي كِلابِ
الرواية أتعدل فش كير أبي جبير إلى
وجدتَ حَصى هَوازِنَ ذا فُضولٍ ... وبَحراً أبنَ شِعرَةَ ذا عُبابِ
وفي غَطفانَ فأجتنيوا حماهُم ... لُيوثُ الغيلِ في أجم وغابِ
ألم تسمع بخيلِ بني رِياحٍ ... إذا ركَبتْ وخيلِ بني الحُبابِ
(3/1109)

رياح بن يربوع. وبنو الحباب يريد عمير بن الحباب بن أياس بن جعد بن حزابة ابن محارب بن
هلال بن فالج بن ذكوان بن بهثة بن سليم.
همُ جَذُوا بيَ جُشمَ بن بكرٍ ... بِلُبّي بعدَ يومِ قُرى الزوابي
جذواب قطعوا أصلهم. لبى مكان بالجزيرة بين بلد والعقيق من أرض الموصل. فالتقوا وعلى قيس
عمير بن الحباب، وعلى بني جشم زياد بن هوبر، فانهزمت تغلب. وفي ذلك يقول نفيع بن سالم بن
شبّة بن الأشيم بن ظفر بن مالك بن غم بن طريف ابن خلف بن محارب بن خصفة بن قيس بن
عيلان بن مضر:
فإن بماكِسينَ ودَيرِ لُبّى ... مَلاحِمَ ذِكرُها خِزيٌ وعارُ
حماةُ ذِمار تغلبَ في مَكرّ ... تطوفُ بِها الجَيائِل والنّسارُ
الجيائل جمع حيال، وهي الضبع. والأخيل طائر يرتبع على الجيف، ويقال إنه الغراب.
جعلتُم ناركُم لهُمُ قُبوراً ... لهَا منهُم إذا شُبّت قُتارُ
وذاك أن القتلى أنتنت وتطرّقت عليها السابلة، فتأذت براحتها، فأرتأت بنو تغلب، فاجتمع رأيهم على
أن يحرقوهم بالنار، وولي ذلك الشمرذي التغلبي.
أردتُم أن تجُنّوها فتَخفى ... نِيارُكُم إذا أحترقَ الشّنارُ
وحَيُ محارِبِ الأبطالِ قِدماً ... أولُو بأسٍ وأحلامٍ رِعابِ
خُطاهُم في الحُروبِ إلى الأعادي ... يَصلنَ سُيوفَهُم يومَ الضرابِ
(3/1110)

وقال جرير يقضي بين الأصم الباهلي وبين الفرزدق:
سأحكمُ بين قَين بَني عِقالٍ ... وبين أصمّ باهِلَةَ المُرادي
فأما القَين قَين بني عقالٍ ... فذو الكيرَين والبرُمِ الجيادِ
وأما الباهليُ فسُمُ أفعى ... على أحناء حيةِ كلّ وادي
وقال الفرزدق لجرير:
يَمُتُ بحَبل مِن عُتيبةَ إذ رأى ... أنامِلَهُ رُكّبنَ في شرّ ساعِدِ
ومِن قَعنبٍ هيهاتَ ما حَلّ قَعنبٌ ... منَ الخَطفى بالمنزل المُتباعِدِ
ومِنْ آلِ عَتّابَ الرديفِ ولم يكن ... لذلكَ أبوابَ المُلوكِ بشاهِدِ
فخرتَ بما تبني رِياحٌ وجعفرٌ ... ولستَ لما تبني كُليبٌ بحامدِ
فأجابه جرير فقال:
أنا أبنَ أبي سعد وعمرو ومالك ... وضَبةُ عبدٌ واحدٌ وابنُ واحدِ
أجئتَ تَسوقُ السيدَ خُضراً جُلودُها ... إلى الصيدِ من خالي صخرٍ وخالدِ
ألم ترَ أنّ الضبّ يهدِمَ جُحرَهُ ... وترأسهُ بالليلِ صُمُ الأساودِ
فإنّا وجدنا إذع وَفَدنا إليكُمُ ... صدورَ القَنا والخيلَ من خير وافِدِ
وأبليتُمُ في شأن جِعثنَ سَوءةً ... وبانَ ابنُ عَوّامٍ لكم غير حامدِ
فيا ليتهُ يدعو عُبيداً وجعفراً ... وشُماً رِياحِيّينَ شُعرَ السواعِدِ
(3/1111)

وقال جرير حين هلك الأخطل:
زارَ القُبورَ أبو مالكِ ... فأصبحَ أهونَ زُوّارِها
لِتَبكِ عليهِ دَرومُ العِشاء ... خبيثٌ تَنسمُ أسحارِها
وتُكثَرُ في مُستقرّ الجَنينِ ... منَ الثُوم في قُبلِ أطهارِها
وقد شَبرتْ أيرَ قَسّ القُسوسِ ... فكانَ ثلاثة أشبارِها
وتبكي بناتُ أبي مالِكٍ ... ببوقِ النصارى ومِزمارِها
لقد سرني وقعُ خيل الهُذيلِ ... وتَرغيمُ تغلِبَ في دارِها
وفاتَ الهُذيل بني تغلِبٍ ... وجَحّافُ قيسٍ بأزفارِها
تحُضّونَ قيساً ولا تَضبِرونَ ... لِزَبن الحروبِ وإضرارِها
فأجابه الفرزدق فقال:
زارَ القُبورَ أبو مالكٍ ... برغمِ العُداةِ وأوتارِها
وأوصى الفرزدقُ عندَ المماتِ ... بأمّ جريرٍ وأعيارِها
قُبيلَةٌ كأديم الكراعِ ... تعجِزُ عن نقضِ أمرارِها
همُ يُظلَمونَ ولا يَظلمونَ ... إذا العيسُ شُدّتْ بأكوارِها
ولا يمنعونَ نُسيّاتهِم ... إذا الحربُ صالت بأظفارِها
ولكن عضاريط مُستأخِرونَ ... زعانفَةٌ خلفَ أدبارِها
كَسعتُ كُليباً فما أنكرتْ ... كحَسعَ المَخاضِ بأغبارِها
(3/1112)

الكسع أن يضرب الحالب مؤخر الناقة والشاة، وإذا فرغ من حلبها لتتنحى عنه، ويقدّم أخرى
فيحلبها. أغبارها بقايا لبن في ضروعها، يتركونها ولا يُجهدون حلبها، ليكون أقوى لها ولولدها في
العام المقبل. ويقال لذلك داعي اللبن. وجاء في الحديث: "إذا حلبتَ فدع داعي اللبن".
(3/1113)

قال حدثنا أبو عبيدة، قال: لقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فنظر إليها نظراً شديداً، فقالت: ما لك
تنظر إلي، والله لو كان لي ألف حر، ما أطمعت واحداً فيك. قال: ولمَ يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح
المنظر، سيئ المخبر فيما أرى. قال: أما والله لو خبرتيني، لعفّى خُبري على منظري. ثم تكشّف عن
مثل ذراع البكر، فتضبّعت له عن مثل سنام الناب، فواثبها فقالت له: أنكاحاً بالنسيّة، هذا سوء
القضية. قال: ويحك ما معي إلا جُبتي أفتقولينك سالبتها. قالت: فاعطني العقال الذي في حقويك.
فأعطاها إياه ثم تسنّمها وقال في ذلك:
لمّا اعتركنا بالفضاء القَفرِ ... حينَ عَلَتنا عالياتُ البُهرِ
ودَبّحَتْ فأضطجعتْ للظهرِ ... أولجتُ فيها كذِراعِ البَكرِ
مُدَملكَ الرأس شديدَ الأسرِ ... زادَ على شِبر ونصفِ شِبرِ
كأنني أولجتهُ في جمرِ ... يُطيرُ عنهُ نفيانَ الشَّعرِ
نفيَ شُعورِ الناس يومَ النحرِ ... تَلّهفتْ حينَ نزحتُ بَحري
وأنسلُ منها مُستهلُ القَطرِ ... تدعُو بِوَيلٍ وبحَرّ صَدرِ
قلتُ لها مَهلا فما من عَكرِ ... جئتُ فلن أرجِعَ طولَ الدهرِ
فحملت منه، فماتت بجُمع بعد ذلك، فقال فيها الفرزدق يبكّيها، ويبكي ولدها:
وغمد سلاح قد رُزئتُ فلم أنُحْ ... عليهِ ولم أبعَي عليه البَواكيا
وفي جوفهِ من دارِم ذو حَفيظةٍ ... لو أنّ المنايا أنسأتهُ لَياليا
ولكنّ رَيبَ الدهرِ يعثرُ الفَتى ... ولا يستطيعُ ردّ ما كانَ جائِيا
وكم مثلهِ في مِثلِها قد وضعتهُ ... وما زِلتُ وَيّاباً أجرُ المُخازيا
ولكن وقاني ذو الجلالِ بقُدرةٍ ... شرورَ زواني الناس إذ كنتُ زانيا
(3/1114)

فقال جرير يعيره بذلك:
وكم لكَ يا ابنَ القَين قد جاء سائلاً ... من ابنِ قَصيرِ الباع مثلُكَ حاملُهْ
أتيتَ بهِ بعدَ العِشاء مُلَفّفاً ... فألقيتَهُ للذئبِ فالذئبْ آكِلُهْ
وآخرك لا تَشعُرْ بهِ قد أضعتَهُ ... وأودعتَهُ رِحما كثيراً غَوائِلُهْ
(3/1115)

قال، وحدثنا أبو عبيدة قال: نكح الفرزدق ظبية بنت دلم بن الهثهاث، من بني مجاشع، بعد نوار،
وبعد ما أسن وكبر، فتركها عند أمها بالبادية، ثم خرج إليها وأنشأ يقول:
لقد طالَ ما أودَعتُ ظبيةَ أمها ... فهذا أوانٌ فيهِ الودائِعُ
وقال الفرزدق حين أتاهم:
لَعَمرُكَ إنْ ربيّ أتاني على البِلَى ... بظبيةَ إنّ اللهَ بي لرحيمُ
بمَمكورَة الساقين خَفّاقَةِ الحَشا ... إلى الزادِ لأياً في الظلامِ تقومُ
وقال حين أراد أن يبني بها:
أبادِرُ شَوّالاً بظبيةَ إنني ... أتتني بها الأهواء من كل جانبِ
بمالئَةِ الحِجلَين لو أنّ ميتاً ... وإنْ كانَ في الأكفانِ تحتَ النصائبِ
دَعتهُ لألقَى التربَ عنهُ انتفاضُهُ ... ولو كانَ تحتَ الراسياتِ الرواسِبِ
فأبتنى بها الفرزدق، فعجز عنها، فأنشأ يقول:
يا لهفَ نفسي على نَعظٍ فُجِعتُ بهِ ... حينَ التقى الركبُ المَحلوقُ والركبُ
فقال له رجل من بني كور: أعجزت أبا فراس، فوالله إني لأحمل على ذكري جزة صوف. فقال
الفرزدق:
لنِعمَ الأيرُ أيرُكَ يابنَ كُوزٍ ... يُقِلُ جُفالَةَ الكَبشِ الجَزيز
(3/1116)

فقال الكوزي: نشدتك الله، وجرير شاهد ذلك، فقال جرير يعيره:
وتقولُ ظبيةُ إذا رأتكَ محُوقِلاً ... حُوقَ الحمارِ منَ الخَبال الخابِلِ
إنّ البليةَ وهوَ كُلُ بليّةٍ ... شَيخٌ يُعلّلُ عِرسَهُ بالباطِلِ
لو قد علقتُ منَ المُهاجر سُلّماً ... لَنجوتُ منهُ بالقضاء الفاصِلِ
فقال المهاجر: والله لو أتتني بالملائكة لقضيت للفرزدق عليها.
وحدثنا أبو عبيدة، قال: مر شيخ من بني العنبر بعد تزوج الفرزدق بظبية، بجرير بن الخطفي، فقال
له جرير: أين تريد؟ قال: البصرة. قال: فبّلغ هذه الأبيات الفرزدق:
إنّ الرزيةَ لا رَزيةَ مِثلَها ... شيخٌ يُعللُ نفسهُ بالباطلِ
أعجَزتَ عنها إذ أتتكَ بكعثَبٍ ... كالحُقّ أو ضرعٍ المُربّ الحائِلِ
لو كانَ غيركَ يا فرزدقُ أعوَلتْ ... مِن حَرّ طَعنتِهِ بعَولٍ عائِلِ
فأتى بها الفرزدق الشيخ، فقال أبلغه عني:
لو أنّ أمكَ يا جريرُ سألتهَا ... عندَ العِراكِ لَبيّنتْ للسائِل
لأتتكَ تحملُ فوقَ صدرِ ثيابهِا ... ولداً وقد دخلتْ بِرجلي حائِلِ
(3/1117)

قال أبو عبيدة: فلم يزل الفرزدق وجرير يتهاجيان حتى هلك الفرزدق قال أبو عبيدة: فحدثني أيوب
بن كسيب، أخو مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفي، وأمه زيداء بنت جرير، قال:
بينا جرير ابن الخطفي في مجلس بفناء بيته بحجر، إذا نبأ راكب، فلما دنا قال له جرير: من زين
وضح الراكب؟ قال: من العراق. قال: فهل كان من حدث. قال: لا، وإلا أني يوم شخصت، رأيت
جنازة الفرزدق، وسمعت الناس يقولون: هذا النعش نعش الفرزدق. فقال جرير:
هلكَ الفرزدقُ بعدَ ما جَدّعتُهُ ... ليتَ الفرزدقُ كان عاشَ قليلا
ثم أسكت ساعة مطرقاً، فظنناه يقرض، فدمعت عيناه، فقال القوم: سبحان الله يا أبا حزرة، ما يبكيك؟
قال: بكيت لنفسي، والله إن بقائي خلافه لقليل، إنه قل ما كان اثنان قرينان، أو مصطحبان، أو
زوجان، إلا كان أمد بينهما قريباً ثم أنشأ يرثي الفرزدق، يقول:
فُجعنا بحَمّال الدّياتِ ابنِ غالِبٍ ... وحامِي تميمٍ عِرضِها والمُراجِمِ
بَكيناكَ حدثانَ الفِراقَ وإنما ... بَكيناكَ إذ نابتْ أمورُ العَظائِم
فلا حملت بعدَ ابنِ ليلى مَهيرَةٌ ... ولا شُدّ أنساعُ المَطيّ الرواسِمِ
وقال أيضاً يرثيه:
لا حمَلتْ بعدَ الفرزدقِ حاملٌ ... ولا ذاتُ بَعلٍ مِن نفاسٍ تَعَلّتِ
هوَ الوافِدُ المَحبُوُ والراتقُ الثأي ... إذا النعلُ يوماً بالعشيرةِ زَلّتِ
(3/1118)

وعن غير أبي عبيدة، قال جرير يرثي الفرزدق:
لعمري لقد أشجى تميماً وهَدّها ... على نكباتِ الدهرِ موتُ الفرزدقِ
عَشيّةَ راحوا للفراقِ بنَعشِهِ ... إلى جَدث في هُوّةِ الأرضِ مُعمَقِ
لقد غادروا في اللحدِ مَن كانَ ينتمي ... إلى كل نجمٍ في السماء مُحلّقِ
ثوى حامِلُ الأثقال عن كلّ مُغرَمٍ ... ودامِغُ شَيطانِ الغشومِ السملّقِ
عِمادُ تميمٍ كُلها ولِسانهُا ... وناطَقُها البذّاخُ في كل منطِقِ
فمن لذوي الأرحامِ بعدَ ابنِ غالِبٍ ... لجِارٍ وعانٍ في السلاسلِ مُوثقِ
ومَن ليتيمٍ بعدَ موتِ ابنِ غالِبٍ ... وأمّ عيالٍ ساغِبينَ ودَردَقِ
ومَن يُطلِقُ الأسرى ومَن يحقِنُ الدّما ... يَداهُ ويشفي صدرَ حَرّانَ محنَقِ
وكم مِن دَمٍ غالٍ تحمّل ثِقلَهُ ... وكانَ حمولاً في وفاء ومَصدَقِ
وكم حِصنِ جَبّارٍ همُامٍ وسُوقَةٍ ... إذا ما أتى أبوابَهُ لم تُغلّقِ
تُفتّحُ أبوابُ المُلوكِ لوجههِ ... بغير حِجابٍ دونَةُ أو تملّقِ
لتَبك عليه الأنسُ والجِنُ إذ ثوى ... فتى مُضرٍ في كل غَربٍ ومشرقِ
فتىً عاشَ يبني المجدَ تسعينَ حِجةً ... وكانَ إلى الخيراتِ والمجد يرتقي
فما ماتَ حتى لم يخُلّفْ وراءهُ ... لحَيّةِ وادٍ صَولَةً غير مُصعَقِ
قال أبو عبيدة: فما غبر جرير بعد الفرزدق إلا قليلاً حتى هلك.
وحدثنا أبو عبيدة قال: حدثني أبو بسطام العدوي من بلعدوية قال: سمعت الفرزدق يقول لمضارب:
أتتني من الخبيث هدية فأنشدنيها. فأنشده فجعل يكني عن بعض ذلك، فقال الفرزدق: ويلك أنشدني
وأوجع، فإني أريد أن أنقض عليه. فأنشده وأوجعه، فاستلقى طويلاً ثم قال: ما له أخزاه الله ما أشعره،
نغترف من بحر واحد، ثم تضطرب ولاؤه عند النهز.
(3/1119)

قال، وحدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أن بعض الرواة كان يوماً عند جرير، فإذا شيخ
قصير أفحج، قد أقبل حتى اعتقل عنزاً، فشرب لبنها، فقال جرير للرجل: أتدري من هذا؟ قال: لا.
قال: هذا عطية فكيف برجل يريد أن يسامي بني دارم بهذا.
قال: وحدثنا أبو عبيدة، قال: حُدثت أن عطية بن الخطفي بن بدر، لما أنشد قول الفرزدق:
فكيفَ ترى عطيّة حينَ يَلقى ... رِغاباً هامُهُنّ قُراسِيات
قال: لا! كيف والله! فقال له جرير: اسكت لأحملنك على الذرى منها قال: وحدثنا الأصمعي: أن أم
جرير قالت لجرير عرضتني لهؤلاء الكلاب. قال: اسكتي، قد ارتبطت أعقرهن وحدثنا عمارة بن
عقيل، قال: سمعت أبي يقول: دخل جرير على بعض الخلفاء فقال: ألا تخبرني عن الشعراء؟ قال:
بلى يا أمير المؤمنين، قال: فمن أشعر الناس؟ قال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابني أبي سلمى؟
قال: نيري الشعر يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرئ القيس بن جحر؟ قال: كأن الخبيث اتخذ
الشعر نعلين. وأقسم بالله يا أمير المؤمنين أن لو لحقته لرفعت ذلاذله. قال: فما رأيك في ذي الرمة؟
قال قدر من طريق الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟
قال: ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر فقط، حتى مات. قال: فما تقول في
الفرزدق؟ قال: في يديه والله نبعة الشعر قابضاً عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً. قال: بلى، والله يا
أمير المؤمنين إني لأنا مدينة الشعر، التي يخرج منها، ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحاً، ما
سبّحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قال: نسبت فأطريت. وهجوت فأرديت. ومدحت فأسنيت وأرملت
فأغزرت. ورجزت فأنجزت. فأنا قلت ضروب الشعر كله.
(3/1120)

قال: وأخبرنا أبو الحسن المدائني، قال: أخبرنا محمد بن عبيد الله القرشي قال: لمّا قدم الفرزدق
المدينة، نزل على الأحوص بن محمد الأنصاري، فقال ما تحب أن يكون قراك؟ قال: شواء رشراش،
ونبيذ سعير، وغناء حسن. قال: ذاك لك. فأدخله على قينة بالمدينة، فأكل وشرب ثم غنته:
ألا حَيّ الديارَ بسُعدَ إني ... أحبُ لحُبّ فاطمَةَ الديارا
أرادَ الظاعنونَ ليَحزُنوني ... فهاجُوا صَدعَ قلبي فاستطارا
فقال: قاتلكم الله يا أهل المدينة ما أرق أشعاركم، وأحسن مناسبكم. فقيل له: هذا شعر جرير في
هجائك. فقال: قاتل الله ابن المراغة، ما أحوجه مع عفته إلى جزالة شعري، وما أحوجني مع فجوري
إلى رقة شعره.
قال، وقال أبو عبيدة: كان المخبّل القريعي أهجى العرب، بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
وإنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده، ثم كان بعده حسان بن ثابت رضي الله عنه ثم
الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل، هؤلاء الستة، الغاية في الهجاء، وفي غيره. لم يكن في
الجاهلية، ولا في الإسلام، لهم نظير. وكان جرير أشدهم تكوّما، لم يمدح أحداً فهجاه. ولم يهج أحداً
قط فمدحه. وكان الفرزدق يمدح الرجل ثم يهجوه. وكان حريصاً، شرها، خسعاً مدح بني منقر، ثم
هجاهم. وهم رهط قيس بن عاصم فأما الهجاء فقوله:
وأهونُ عَيبِ المنقَريّةِ أنها ... شديدٌ ببطنِ الحَنظليّ لُصوقُها
(3/1121)

وهجا بني نهشل فقال:
إذا تَمّ أيرُ النهشليّ لأمه ... ثلاثة أشبارٍ فقد رَقّ دينُها
وكان يفتخر بهم حيث يقول:
بيتاً زُرارةُ محتَبٍ بِفنائِهِ ... ومجاشِعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
وهجا بني ضبة وهم أخواله ومدحهم.
قال أبو عبيدة: كان راوية الفرزدق رجلا من بني ربيعة بن مالك، وهم الذين يقال لهم ربيعة الجوع.
وله أيضاً راوية يقال له عبيد، كان يروي ما يقول في جرير وغيره، فنحروا جروراً، فسألهم
الفرزدق نسيباً، وكانوا قسموها على ثلاثة أنصبة بدرهم، فأبوا أن يعطوه منها نصيباً، فهجاهم فقال:
إذا ذُكرتْ رَبيعةُ فهيَ خِزيٌ ... لِذكراها بمَجد وأفتِخارِ
فكان عبيد راويته غائباً، فلما قدم، أهدى له ملء صحفة من لحم جزور، فأنشأ يمدحهم فقال:
ربيعةُ خير الناس إنْ عُدّ خَيرهُم ... لهم حَسبٌ زاكٍ وخير فَعالِ
قال أبو عبيدة: وهما بئس الشيخان، وما خلق الله أشأم منهما على قومها، إنهما أخرجا مثالب بني
تميم وعيوبهم، وكانا أعلم الناس بعيوب الناس، والناس يختلفون فيهما، وإنما يتكلمون بالأهواء.
قال أبو عبيدة: إما الرواة، فيقولون الفرزدق أشعرهما. وإما الشعراء، فيقولون جرير أشعرهما. قال أبو عبيدة: وهذا هو عندي
(3/1122)

القول.
قال: وكان جرير والفرزدق تحاكما إلى الصلتان العبدي، ففضل الفرزدق بقومه، وفضل جريراً
بشعره، وهو حيث يقول:
أتَتني تميمٌ حيثُ ضلّتْ حُلومُها ... لأحكم فيها بالذي أنا سامعُ
فيا شاعراً لا شاعرَ اليومَ مثلُهُ ... جريرٌ ولكنْ في كُليب تواضُعُ
ويرفعُ من شعر الفرزدقِ أنه ... يَنوء ببيتٍ للخَسيسَة رافعِ
فإن يكُ بحرُ الحَنظليّينَ زاخِرا ... فما تستوي حيتانُهُ والضفادعُ
فغضب جرير حين فضل بني مجاشع على بني كليب، ورضي الفرزدق بذلك.
قال أبو عبيدة: وإنما أحبّت قيس جريراً لأنه يفخر بهم، وإنما أحب الفرزدق بنو تميم، لأنه كان
يفخر بهم، ويذكر ما لا يُعرف، فأحبوه لذلك. وقال الفرزدق:
أنا ابنُ خِندف والحامي حَقيقَتها ... قد جَعلوا في يميني الشمسَ والقمرا
ولم يجعل الله ذلك لأحد وقال وهو يفخر:
إنّ السماء التي مِن دارِم خُلقَت ... والأرضَ كانا لنا دونَ الأعزّاء
(3/1123)

وقال أيضاً يفخر بالكذب:
فلو أن أمّ الناسِ حَوّاء حارَبت ... تميمَ بنَ مُرّ لم تجدْ مَنْ يجُيرُها
وأي جار أعز من الله عز وجل، إذا كانوا هكذا.
قال أبو عبيدة: ومن لؤمه أنه كان يتزوج الزنجيات، وكان للفرزدق ابنة يقال لها مكية، وكانت
زنجية وهي التي يقول فيها:
بِدارميّ أمهُ ضَبِيّه ... صَمَحمَح مثل أبي مَكيّهْ
وهي التي يقول فيها:
يا رُبَ خَوْد مِنْ الزنج ... تمشي بتَنّور شديدِ الوَهج
أخَثَمَ مثل القَدح الخَلَنج ... يزدادُ طِيباً بعدَ طُول الهَرج
وقال أبو عبيدة حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لما ... قيل له قل لا إله الله قال: قاتل الله الشماخ
حين يقول:
(3/1124)

فظلت بمئود كأنّ عُيونا ... إلى الشمسِ هل تدنُو رَكيٌ نَؤاكزُ
... فتخر ... .........
...... ... وقُلتُ لهُ لا تخشَ شيئا ورَائيا
وإنما له ... الفرزدق بالزنا وهو ابن ثمانين سنة، وهو سيد تميم من ذلك قوله:
هما دَلّتاني مِن ثمانينَ قامَةً ... كما أنقَضّ بازٍ أقتَمُ الرّيشِ كاسرِهُ
برجل من بني تميم كان على شرطة البصرة، فلم يزل يُراصده حتى مر إلى مجلسه ثم لم
يزل ... على باب دارها، ومعها جارية لها، وعليه ثوب وشي فقالت الجارية: ... البرد على هذا
الأعرابي ما أحسنه فقال لها الفرزدق: هل لك أن أقبل مولاتك قُبلة ... الجارية لمولاتها، وما عليك
من هذا الأعرابي الأحمق، فلما تابعته على ذلك قبّلها ودفع ... اسقيني ماء فاتته بماء في قدح زجاج،
فلما وضعته في يده ألقاه فانكسر، ثم قعد ... فلما أتى أبصره ببايه فقال: ما يقعدك هاهنا يا أبا فراس،
الك حاجة؟ قال: لا ولكنّي استسقيت ... فانكسر، فأخذوا بُردي رهناً، فدخل الرجل قشتم أهله، ثم قال:
رُدوا الفرزدق بُرده ... مالك بن عمرو بن تميم وهي على فرش لها قاعدة: فقال لها: أما والله لوددتُ
أني أقيل على ... تقيل على كمرة حارة فأخجلته * قال وكان الفرزدق أصلع، فمر بجارية فقالت: ...
برز عن ذكره وقال: الطستُ مع الإبريق بدرهم. قال: وأتى مولى لباهلة ... يدبغ فيها وكان تُعجبه
الخزيرة فاستطعمه قدحاً من شحم الدباغين فأطعمه إياه فقال:
(3/1125)

الأقوامِ قيل لهم ... عند التساول ايتوا المرء دينارا
... ومُفتَخرٌ ... يزينه لا تراهُ يعرفُ العارا
شحم فلم يجده عنده فقال:
...... ... فالعبد عبد وما عبدٌ كأحرار
غدانة بن يربوع فأتاه عطية بن جعال، فطلب إليه فيهم فقال في ذلك:
أبَني غُدانَةَ إنني حَررتُكُم ... فوَهبتُكُم لعَطيّةَ بنِ جِعالِ
لولا عطيّةُ لاجتَدَعتُ أنوفكُمْ ... مِن بينِ ألأمِ أنُفٍ وسِبالِ
قلو كان أشد الناس بأسا، كان يزيدهم على هذا. قال واتى الفرزدق عمر بن يزيد ... بعلف، فأمر له
بوقر، فغضب فقال:
يا ليتَ بُستانَكَ المُهتَزّ ناعِمُهُ ... أمسَى أيورَ بِغال في البَساتينِ
كَيما تخَيرّ مَنهُ كل فَيشَلَة ... كَبساء خارِجَةٍ من أوسَطِ الغينِ
يا عُمرَ بنَ يزيدَ إنني رَجُلٌ ... أكوي مِنَ المَسّ أقفاء المجانينِ
قال وزعمت بنو كليب، أنهم لم يُهجوا بشيء أشد عليهم، من قول البعيث:
ألستَ كُليبيّا إذا سيمَ خُطّةً ... أقرّ كإقرار الحَليلَةِ للبَعَلِ
وكلُ كُليبيّ صَفيحةُ وَجههِ ... أذَلُ لأقدامِ الرجالِ منَ النّعل
وكلُ كُليبيّ يقودُ أتانَهُ ... لهُ حاجةٌ من حيثُ تُثفَرُ بالحبلِ
وزعمت بنو مجاشع، أنهم لم يهجوا بشيء أشد عليهم، من قول جرير:
(3/1126)

وبِرَحرَحانَ غَداةَ كُبّلَ مَعبدٌ ... نُكِحَتْ نِساؤكمُ بغيرِ مُهورِ
وقال جرير: ما هُجينا قط بشيء أشد علينا من قول الأخطل:
ما زال فينا رباطُ الخيلِ مُعلَمةً ... وفي كُليبٍ رِباطُ الذُلَ والعارِ
قومٌ إذا أستنبحَ الأضيافُ كَلبَهُمُ ... قالوا لأمهِمُ بولي على النّارِ
قال جرير لأمه: هجانا من وجوه شتى، أما أحدها فإنه جعل أمنا خادمنا. وأما الثاني فأمرنا إياها ...
من ضيف يتنور بها. والثالث أن تفتح فرجها. والرابع بخل بالقرى وزعم الفرزدق أنه لم يُهج بشيء
قط أشد عليه من قول جرير:
وَدّتْ سُكينَةُ أنّ مسجِدَ قَومِها ... كانت سَؤاريهِ أيورِ بِغالِ
قال الفرزدق: فوالله ما دخلت مسجداً قط، إلا ذكرت هذا من قوله، إذا نظرت إلى سؤاريه. قال
الفرزدق: ... إلا ذكرت قول جرير:
ترى بَرصاً بأسفَلِ إسكتَيها ... كَعَنفَقَةٍ الفرزدقِ حينَ شابا
وكانا يتباريان في أشعارهما، فإذا قال هذا بيتاً سائراً، قال هذا مثله. قال وذُكر أن ... بشر بن مروان
وهو بالكوفة، فلما نظر إليه بشر استرجع، فقال: أصلح الله الأمير ممَّ تسترجع؟ ... وأنا منك بين
شرّين إما أن أعطيك مالي، وإما عِرضي، ثم اعتذر إليه وأمر له بثا ...
(3/1127)

ومَنْ يجعَلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرضِهِ ... يَفرهُ ومَنْ لا يتّقَ الشّتمَ يُشتَمِ
فقال بشر بن مروان أترونه خرج ساخطاً. قالوا: لو كان ساخطاً ما قبلها ثم دخل ... بشر استرجع،
فقال كقول الفرزدق. فرد عليه بشر مثل رده على الفرزدق ... الفرزدق وأجازه كجائزة الفرزدق،
فولّى وهو يتمثل بقول الشاعر:
ومَنْ يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّقِ الشتم يشتم
قصته وتمثله فعجبت من اتفاقكما. قال وما ... الأمير ... فقرتنا وأتتنا بشراب، فلما دب النبيذ في
الفرزدق ... فقال إليك عني، فوالله لئن عُدت لأصيحن بالحي. فلما كان ... إليها فصاحت وخرج
مبادراً وأنا معه، فركب راحلته ... ضحك ثم قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه ينظر إليّ حيث يقول:
وكُنتَ إذا نظلتَ بِدارِ قوم ... رَحلتَ بِخزيَةٍ وتركتَ عارا
تم كتاب النقائض، نقائض جرير والفرزدق، رواية أبي عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، عن
الحسن بن الحسين السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، رحمهم الله
أجمعين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد ... وسلم وتم نساخته بتاريخ اليوم
السابع والعشرين من شهر رجب الفرد الحرام سنة 971 بلغ مقابلة، والله أعلم، والحمد لله رب
العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ... وسلم ... مع تحريفه وتصحيفه والله أعلم.
(3/1128)