Advertisement

شرح شواهد المغني 001




الكتاب: شرح شواهد المغني
المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 ه)
وقف على طبعه وعلق حواشيه: أحمد ظافر كوجان
مذيل وتعليقات: الشيخ محمد محمود ابن التلاميد التركزي الشنقيطي
الناشر: لجنة التراث العربي
الطبعة: بدون، 1386 ه - 1966 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شرح شواهد المغني

تأليف
الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 ه

[الجزء الأول]
(/)

بين يدي الكتاب
عني علماء العربية برواية الشعر وحفظه، واستشهدوا به في كلامهم، واستدلوا على صحة قواعد اللغة وشواذها بالبيت يستشهدون به، كما مثلوا بالمثل يضربونه، وعلى صحة اللفظ بالآية يتلونها، وهم أيضا كما عنوا بحفظ الشعر وروايته عنوا بمعرفة اسم الشاعر، وحددوا عصره، ولذلك فقد قسموا الشعر الى عصور، والشعراء الى طبقات، فكان (1):
1 - الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الاسلام، كامرئ القيس والأعشى ..
2 - الطبقة الثانية: الشعراء المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والاسلام، كلبيد وحسان ...
3 - الطبقة الثالثة: الشعراء المتقدمون - ويقال لهم الاسلاميون - وهم الذين كانوا في صدر الاسلام كجرير والفرزدق ...
4 - الطبقة الرابعة: المولدون - ويقال لهم المحدثون - وهم من بعدهم كبشار وأبي نواس ...
وعلى أساس هذا التقسيم اتفقوا على أن الطبقتين الاوليتين يستشهد بشعرهما إجماعا، وأن الطبقة الثالثة، فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها، وأما الطبقة الرابعة فانه لا يستشهد بكلامها مطلقا.
ثم فيما بعد قسمت الطبقة الاخيرة - أي الرابعة - الى طبقات: طبقة المولدين، وطبقة المحدثين، وطبقة المتأخرين. واختلف فيمن يستشهد من الشعراء بشعرهم من هذه الطبقات. وكان الجلال السيوطي ممن يؤيد الرأي القائل بعدم الاحتجاج بشعر هذه الطبقات الاخيرة، فقد ذكر في الاقتراح: أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين
__________
(1) انظر مقدمة كتاب خزانة الادب للبغدادي.
(1/3)

والمحدثين في اللغة والعربية، وذلك بخلاف الزمخشري صاحب الكشاف، وليس استشهاد سيبويه بشعر بشار مما يؤخذ فيه أو يعتبر حجة على الاستشهاد بأقوال المولدين، لأن أستشهاده كان خوفا من هجاء بشار.
وهم لهذا كله عنوا أيضا بمعرفة قائل الشعر، وصحة نسبة الشعر اليه. فقد تبين من تقسيم الشعراء الى طبقات من يصح الاستشهاد بشعرهم، ومن لا يصح.
وأنه لا يجوز الاحتجاج بشعر وكذا بنثر لا يعرف قائلة (وعلة ذلك مخافة أن ذلك الكلام مصنوعا أو لمولد، أو لمن لا يوثق بكلامه) (1). وما ذلك الا حفظا للغة القرآن الكريم، وليتضح حديث النبي المرسل ومعرفة الدخيل في اللغة من الأصيل، كما وضعت قواعد اللغة وأصل الاعراب لتجنب اللحن كما هو معروف ...
سقنا هذه المقدمة القصيرة لتبيان الغاية التي توخاها الامام الجليل السيوطي في كتابه (شرح شواهد المغني) والذي نقوم على نشره الآن. وقد ألفت في النحو كتب كثيرة وقام على خدمتها رجال أفاضل علماء، كان أبعدهم صيتا واكثرهم ذكرا جمال الدين بن هشام الانصاري المتوفي سنة 761 ه فقد ألف في هذا الباب عدة كتب أشهرها وأعظمها (مغني اللبيب عن كتب الاعاريب) والذي أصبح أهم مرجع في نحو اللغة العربية لا زال يتدارسه أهل العربية حتى زماننا، لذلك وضعت عليه عشرات الحواشي والشروح ليسهل حفظه، وابن هشام من أكثر النحويين استثمار للشواهد وايرادا لها سواء كان من القرآن أو الحديث أو المثل السائر، أو بالشعر والنثر. وقد لاحظ الجلال السيوطي أن اتمام الفائدة وتحقيقا لصحة الاستشهاد ان ينسب كل قول لقائله ويحل ما يشكل من لفظ أو معنى لفظ، وان يعرّف بصاحب الشاهد فكان كتابه هذا (شرح شواهد المغني).
والكتاب على ضخامته ليس للسيوطي فيه الا الجمع والترتيب، وان كان لا يخلو من بدوات أو فقرات يعبر السيوطي عن رأيه فيها. وهو مع هذا كله كلف نفسه جهدا وصبرا ومشقة، اذ لم يكتف بذكر الشاهد واسم قائله، وانما يدرج القصيدة كاملة التي منها الشاهد، وان لم يكن فقسما كبيرا منها، أو اشهر أبيات القصيدة مع تفسير ما أشكل من كلماتها وصعب. وان كان يوجد اختلاف في الرواية فانه يدرج كافة الاختلافات والروايات مع اسناد كل قول الى قائله، وقد أودع كتابه كثيرا مما حوته كتب اللغة والشعر، وبذل مجهودا مشكورا في ترتيب ما نقله ووضعه في محله، وهو مما يدل على سعة اطلاعه واحاطته الشاملة، الى امانة في النقل وذكر المرجع الذي نقل عنه، ولربما نجد احيانا انه يتصرف في العبارة أو يبتر قسما منها، وأنا بذلك لا أتهم السيوطي وانما ارجع السبب الى اختلاف نسخ كتب الأدب أو اللغة التي ينقل عنها السيوطي مما نلاحظه الآن في مخطوطاتنا وان الاصل بذلك تخليط الذي يخط الكتاب أو صعوبة قراءة الخط ...
__________
(1) الانصاف في مسائل الخلاف للانباري.
(1/4)

وهذا الكتاب قد طبع للمرة الاولى بالمطبعة البهية بالقاهرة سنة 1322 ه
وقام على نشره المرحوم أمين افندي الخانجي بتصحيحات العالم العلامة الشيخ محمد أمين الشنقيطي بن التلاميد التركزي وقد حافظنا على هذه التصحيحات مع تعليقاته لما فيها من بعد نظر وفائدة كبيرة تدل على ما
لهذا الرجل الكبير من علم وذكاء وعبقرية كما هو واضح من الاطلاع عليها، وللشيخ تعليقات كثيرة على أكثر كتب الأدب والشعر واللغة كانت منارا لمن أتى من بعده.
وأما عملنا نحن في هذا الكتاب فلم يعد الترتيب والتبويب واصلاح اخطاء الطبعة السابقة مع تقويم اعوجاجها ان أمكن، كما أحلنا إلى المراجع التي استند اليها السيوطي كدواوين الشعراء وكتب الأدب والمعجمات اللغوية، مع تكملة مالا بد من تكملته من عبارة أو قول أو شعر وتحقيق ما يمكن تحقيقه. وقد رأينا ان هناك كثيرا من الالفاظ في حاجة الى شرح لغرابتها أو ندرتها فأثبتنا ذلك تعليقا بحواشي الكتاب مستفيدين في ذلك من امهات كتب اللغة والادب والتي أشار الى أكثرها السيوطي في نقوله.
راجين بهذا العمل ان نكون قد أدينا بعض الواجب تجاه لغتنا الشريفة فان نكن أحسنا فحسب والا فاننا نتمثل بقول الشاعر:
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
* * *

الإمام السيوطي:
هو الامام جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري الاسيوطي.
هذا نسبه كما ذكره هو عن نفسه في كتابه حسن المحاضرة 2/ 140، ولد مستهل رجب سنة تسع واربعين وثمانماية بأسيوط، فنشأ يتيما وحفظ القرآن وهو دون ثمان سنين، وتتلمذ على الشيخ شهاب الدين الشارمساجي ثم من بعده ولده، وعلى شيخ الاسلام شرف الدين المناوي وتقي الدين الشبلي الحنفي ومحي الدين الكافيجي والشيخ سيف الدين الحنفي وغيرهم.
ظل السيوطي طوال عمره مشتغلا بالتدريس والفتيا، متفرغا للعلم والتأليف، وبلغت كتبه ثلاثماية كتاب في التفسير والقراءات والحديث والفقه والاجزاء المفردة والعربية والأداب، كما ذكر في حسن المحاضرة، وعد له بروكلمان 415 مصنفا بين كتب كثيرة ورسائل ومقامات، وقد طبع منها اكثرها وهو مما يدل على علمه الغزير، وسعة اطلاعه وصبره وجلده على التأليف مع عفة نفسه وعلو قدره.
(1/5)

وقد توفي رحمه الله تاسع عشر جمادي الأولى سنة احدى عشرة وتسعماية بعد ان عاش اثنين وستين عاما.
أما صاحب كتاب المغني ابن هشام الأنصاري فاننا نكتفي هنا عن ترجمة حياته بكلمة ابن خلدون: (ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام، انحى من سيبويه) وهى شهادة حق من إمام عدل.
وكلمة اخيرة لا بد منها:
وهي كلمة تقدير واعجاب لشيخنا الجليل محمد محمود ابن التلاميد التركزي الشنقيطي لما له من فضل على المكتبة العربية وتقيدات كانت منارا للعارفين وهداية للمؤمنين بهذه اللغة الشريفة.
ولا يسعنا أيضا في هذه العجالة الا ان نشيد بذكر صاحب الفضل الاول الاستاذ امين الخانجي الذي كان من الرواد الاوائل الذين عنوا بنشر وطبع التراث العربي، وكان أن حفظ له قدره الغرب، بعد ان نسيه ابناء جلدته في الشرق، فأطلق اسمه على احدى قاعات جامعة برلين.
كما اشكر القائمين على لجنة التراث العربي لبذلهم الجهد والمال لاخراج هذا الكتاب الى ابناء العربية، وأخص منهم بالشكر السيد رفيق حمدان لملاحظاته القيمة وعلى ثقته الغالية بتكليفي للاشراف على تصحيحه واخراجه بهذا الشكل الجميل.
أحمد ظافر كوجان.
(1/6)

شرح شواهد المغني
للامام السيوطي وقف على طبعه وعلق حواشيه أحمد ظافر كوجان
(1/7)

[مقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم (ربّ يسّر وأعن)
الحمد لله الذي فتق ألسن العرب العاربة بالفصاحة فكانت تجري بذلك ولا تجارى، ومنحهم الافهام القويمة التي فضلوا بها على من سواهم من اليهود والمجوس والنصارى، وفتح أذهانهم لاستخراج المعاني الدقيقة فلم تكن تخفى عليهم ولا تتوارى، وتمم فخرهم بأن أرسل منهم نبيا، وأنزل عليه كتابا عربيا لا تدانيه الكتب مقدارا. فقمع بسيفه الملحدين، وشرع لأتباعه حدود الدين، ورفع له منارا، صلّى الله وسلم عليه وعلى آله أقرباء وأصهارا، وأصحابه مهاجرا وأنصارا.
وبعد:
فإن لنا حاشية على مغنى اللبيب لابن هشام مسماة بالفتح القريب، أودعتها من الفوائد والفرائد، والغرائب والزوائد، ما لو رامه أحد غيري لم يكن له الى ذلك سبيل ولا فيه نصيب، وكان من جملة ذلك شرح ما فيه من الشواهد على وجه مختصر، مع التعرّض لأمور فيها، لم يذكرها من كتب عليه لاحتياجها الى سعة الاطلاع وكثرة النظر؛ ثم خطر لي أن أفرد الكلام على الشواهد فشرعت في كتاب بسيط وجامع محيط أورد فيه عند كل بيت القصيدة بتمامها، وأتبعها بفوائد ولطائف يبهج الناظر حسن نظامها. فرأيت الأمر في ذلك يطول، والانسان كثير السآمة ملول، بحيث أني قدّرت تمام ذلك في أربع مجلدات، فعدلت الى طريقة وسطى عن تلك الطريقة الأولى، مع ضمان الفوائد التي لا يستطيعها إلا ذو يد طولى، فأورد أولا البيت المستشهد به، ثم أتبعه بتسمية قائله والسبب الذي لأجله قيلت القصيدة، ثم أورد من القصيدة أبياتا أستحسنها إما لكونها مستشهدا بها في مواضع أخر من الكتاب فاوردها ليعلم أن الجميع من قصيدة واحدة، أو لكونها مستشهدا بها في غيره من كتب العربية والبيان، أو لكونها مستعذبة النظر مستحسنة
(1/9)

المعنى لاشتمالها على حكمة أو مثل أو نادرة أو وصف بليغ أو نحو ذلك. وإن كان البيت من مقطوعة وهي ما لم يزد على عشرة أبيات ذكرتها بكمالها، وقد أذكر قصيدة بكمالها لقلة أبياتها وكونها كلها مما يستحسن كقصيدة السموأل التي أوّلها:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه (1)
أو لكون المصنف استشهد بكثير من أبياتها، كقصيدة الأعشى التي أولها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا (2)
ثم أتبع ما أورده من الأبيات بشرح ما اشتملت عليه من الغريب والمشكل، وبيان ما تضمنته من الاستشهادات العربية والنكت الشعرية، وما يتعلق بها من فائدة ونادرة ومواردة، وأتبع ذلك بالتعريف بقائلها وذكر نسبه وقبيلته وعصره، وهل هو جاهلي أو مخضرم أو إسلامي، مراعيا في كل ذلك الطريق الوسط، لا مجحفا في الاختصار ولا مبالغا في الاطناب والاكثار. وقد تتبعت لذلك شروح الدواوين المعتبرة، وكتب الأمالي والشواهد المشتهرة، كشرح ديوان امرئ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني، وطرفة، وعنترة، وعلقمة بن عبدة، وأوس بن حجر، والأعشى، ومالك بن خريم، والحرث بن حلزّة، وفروة بن مسيك، والأفوه، وحسان بن ثابت، وجميل، والأخطل، وجرير، والفرزدق، وليلى الأخيلية، والمقنع الكندي،
__________
(1) صدر بيت وعجزه:
فكل رداء يرتديه جميل
وهو في شعره ص 11 وامالي القالي 1/ 269، وشرح الحماسة للتبريزي 1/ 108، وفي الشعراء 594 منسوب الى دكين، واللسان (سمأل)، ونسبه الى سلمى بنت مجدعة الجهنية ترثى أخاها سعدا، وذكره في (نفض) عن الجوهري منسوبا اليها، ورواه أيضا في (تبع) منسوب اليها.
(2) من قصيدة جيدة عدتها أربعة وعشرون بيتا، وعجزه:
وعاداك ما عاد السليم المسهدا.
وهو في الخزانة 1/ 84، وشعراء الجاهلية 357 - 399.
(1/10)

والنمر بن تولب، وشرح المفضليات لابن الأنباري، وشرح شعر الهذليين لأبي سعيد السكري، والكامل للمبرد، ونوادر ابن الأعرابي، ونوادر أبي عمرو الشيباني، ونوادر أبي زيد، ونوادر اليزيدي، وأمالي ثعلب، وأمالي الزجاجي الكبرى والوسطى والصغرى، وأمالي ابن الأنباري، وأمالي القالي، وشرح الحماسة الطائية للمرزوقي وللتبريزي ولليباري، والحماسة البصرية، وشرح المعلقات السبع، وما ضم اليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، وشرح السبع العاليات للكميت، وشرح القصائد المختارة للتبريزي، وشرح شواهد سيبويه للسيرافي والأعلم والزمخشري، وشرح شواهد الايضاح لابن يسعون، وشرح شواهد إصلاح المنطق لابن السيرافي والتبريزي، وشرح شواهد الجمل للخضراوي، وللبطليوسي وللتدمري، ومنتهى الطلب من أشعار العرب لابن ميمون، وهي تشتمل على أكثر من ألف قصيدة خلا المقاطيع وعدّة ما فيه أربعون ألف بيت، وكتاب النساء الشواعر للحسن بن الطراح، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، والمؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء لأبي القاسم الآمدي، وطبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، ومعاني الشعراء لأبي عثمان الأشنانداني، وأبيات المعاني لابن قتيبة، وأيام العرب المشهورة لأبي عبيدة معمر بن المثنى، مقاتل الفرسان له، تهذيب الخطيب التبريزي، والمرقص لمحمد بن المعلى الأزدي، خارجا عما ظفرت به أثناء ذلك من المجامع والتذكرات وتخاريج المحدّثين وتواريخهم، وأرجو إن تمّ هذا الكتاب أن يكون جامعا في هذا الباب، مغنيا للطلاب عن التطلاب، كافيا في جميع الشواهد العربية وافيا لما يحتاج إليه في أبيات الكتب الأدبية، والى الله الضراعة في التوفيق لاتمامه والاعانة على اختتامه بمنه وإنعامه.
* * *
(1/11)

[الكتاب الأول]
شواهد الخطبة
1 - أنشد:
أشارت كليب بالأكف الأصابع
هذا عجز بيت للفرزدق صدره:
إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة
من قصيدة يهجو بها جريرا ويردّ عليه قصيدة له على هذا الروي وأول هذه القصيدة (1):
ومنّا الّذي اختير الرجال سماحة … وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع
ومنّا الّذي أعطى الرّسول عطيّة … أسارى تميم، والعيون دوامع
ومنّا الذي يعطي المئين ويشتري … العوالي ويعلو فضله من يدافع
الى أن قال:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ومنها:
فوا عجبا حتى كليب تسبّني … كأنّ أباها نهشل أو مجاشع
__________
(1) ديوانه 520، والبيت في الخزانة 3/ 669، وابن عقيل 1/ 246 ويروي:
(أشرت كليب) والاصل فيه (أشارت الى كليب الأكف بالاصابع)، كما سيأتي.
(1/12)

ومنها:
تنحّ عن البطحاء إنّ قديمها … لنا والجبال الرّاسيات الفوارع
ومنها:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم … لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
ومنها:
أتعدل أحسابا لئاما أدقة … بأحسابنا إنّي إلى الله راجع
قوله: (ومنّا الّذي اختير الرجال)، قال ابن الشجريّ في أماليه: هو منصوب بنزع (من) على حد قوله: (واختار موسى قومه) وقد استشهد به سيبويه على ذلك (1). والزعازع، جمع زعزاع، وزعزوع، وزعزع: الرياح الشديدة.
قال الأعلم: وصف قومه بالجود والتكرّم عند اشتداد الزمان وهبوب الرياح. وأراد بذلك زمن الشتاء ووقت الجدب. والعرب تمدح بالقرى في الشتاء لأنه وقت الجدب. وسماحة وجودا، نصب على التمييز أو المفعول له أو الحال من الرجال، قاله المصنف في شواهده. وكونه مفعولا له، قاله من لا يشترط فيه الاتحاد في الفاعل، لأن السماحة ليست فعل الذي اختار، وكونه تمييزا على أنه محوّل من نائب الفاعل، أي أختيرت سماحته. ثم صار اختير هو سماحة. وقوله: (أولئك آبائي) استشهد به أهل المعاني على استعمال الاشارة للتعريض بغباوة السامع، بحيث أنه لا يفهم إلّا المحسوس المشار اليه. وقوله: (فجئني بمثلهم) قال شارح أبيات الايضاح البياني: هو أمر تعجيز، لأنه قد تحقق عنده أن ليس للمخاطب مثل آبائه. قال: وقوله: (يا جرير المجامع) أورده جار الله في أساس البلاغة مستشهدا
__________
(1) في أمالي ابن الشجري 1/ 328: (ومما حذفوا من الحروف الخافضة «من» في قوله: اخترت الرجال زيدا) يريد: من الرجال. وجاء في التنزيل (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) أي من قومه. وقال الفرزدق: ومنا الذين ... البيت.
(فالنصب في الرجال لوصول الفعل بعد حذف الخافض) اه.
(1/13)

به في قوله: (1) جمعتهم جامعة، أي أمر من الأمور التي يجتمع لها. وقوله:
(فواعجبا) قال التدمري في شرح أبيات الجمل: يروى بالتنوين وطرحه. وقوله:
(حتى كليب تسبّني)، استشهد به المصنف في مبحث «حتى» على دخولها على جملة الابتداء. وكليب بن يربوع رهط جرير، جعلهم في الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم. والبطحاء: الموضع الواسع، وأراد هنا ببطحاء مكة. والراسيات: الثابتات. والفوارع، بفاء وراء وعين مهملة: الطوال، وآفاق السماء: نواحيها. وقمراها: الشمس والقمر، من باب التغليب. وقد أورد المصنف هذا البيت في الباب الثامن شاهدا عليه. وقيل:
أراد بالقمرين هنا محمدا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسّلام، وبالنجوم الطوالع: الخلفاء الراشدين. ولئام، جمع لئيم، ضدّ الكريم. وأدقه، جمع دقيق، ضدّ الجليل. وقوله: (أشارت كليب) بالجر على حذف الجار وابقاء عمله، أي إلى كليب. ورواه ابن حبيب بالرفع، وقال: هو على تقدير: هذه كليب. وقال المصنف في شواهده: الأصل،
أشارت الى كليب الأكف بالأصابع، فأسقط الجار وقلب الكلام، فجعل الفاعل مفعولا وعكسه. وقال غيره: يروى (أشرت) بدل أشارت. يريد أشارت إليها بأنها شرّ الناس. يقال: لا تشر فلانا ولا تشنعه، يعني لا تشر اليه بشرّ ولا تذكره بأمر قبيح.

فائدة: [الفرزدق]
الفرزدق اسمه همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم (2) بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، مقدّم شعراء العصر أبو فراس التميمي البصري.
روى عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، والحسين، وابن عمر، وابن سعيد، والطرماح الشاعر، وعنه الكميت الشاعر، ومروان الأصغر، وخالد الحذاء،
__________
(1) اساس البلاغة: (جمع).
(2) وكذا في الشعراء 442، وطبقات ابن سلام 250.
(1/14)

وأشعث بن عبد الملك، والصعق بن ثابت، وابنه لبطة بن الفرزدق، وحفيده أعين بن لبطة.
ووفد على الوليد وسليمان ومدحهما. وذكر الكلبي إنه وفد على معاوية.
قال الذهبي: ولم يصح.
قال ابن دريد: كان غليظ الوجه جهما، فلذلك لقب بالفرزدق، وهو الرغيف الضخم. وذكره الجمحي في الطبقة الاولى من الشعراء الاسلاميين (1).
قال أبو عمرو (2): وكان شعر ثلاثة من شعراء الاسلام يشبّه بشعر ثلاثة من شعراء الجاهلية، الفرزدق بزهير، وجرير بالأعشى، والأخطل بالنابغة. قيل: فهلا شبهوا جريرا بامرئ القيس؟ قال: هو بالأعشى أشبه، كانابازيين يصيدان ما بين الكركي الى العندليب. وشبه شعر الفرزدق بشعر زهير لمتنانتهما واعتسارهما.
والأخطل بالنابغة لقرب مأخذهما وسهولتهما.
قال: وأفضل الثلاثة الأخطل، ولو أدرك من الجاهلية يوما واحدا ما قدمت عليه جاهليا ولا إسلاميا.
وكان يونس يفضل الفرزدق على جرير ويقول: ما تهاجا شاعران قط في جاهلية ولا إسلام إلا غلب أحدهما على صاحبه، غيرهما فإنهما تهاجيا نحوا من ثلاثين سنة فلم يغلب واحد منهما على صاحبه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لم أر بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه غير رؤبة والفرزدق.
وقال ابن شبرمة: كان الفرزدق أشعر الناس.
وقال يونس بن حبيب: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق فأجمع أهل ذلك المجلس على أحدهما.
__________
(1) ص 249 - 250 وما بعد.
(2) أي أبو عمرو بن العلاء.
(1/15)

وقال ابن دابر: الفرزدق أشعر عامّة، وجرير أشعر خاصة.
وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن يونس قال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.
وقال الجاحظ: كان الفرزدق صاحب نساء وزنى، وكان لا يحسن بيتا واحدا في صفاتهن واستمالة أهوائهن ولا في صفة عشق وتباريح حب. وجرير ضده في ارادتهنّ، وخلافه في وصفهن، أحسن خلق الله تشبيبا وأجودهم نسيبا (1).
قال أبو عمرو بن العلاء: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه، فما رأيت أحسن ثقة بالله منه. قال: وذلك في أول سنة عشر ومائة، فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة فاجتمع إليه الناس، فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه. فقلت له في ذلك، فقال: والله أطفأ الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرّب منيتي. ثم رد الى اليمامة فنعي لنا في رمضان من السنة. وقيل إنهما ماتا سنة احدى عشرة ومائة، وقيل سنة أربع عشرة ومائة.
وأخرج ابن عساكر عن أبي الهيثم الغنوي قال: لما مات الفرزدق بكى جرير، فقيل له: أتبكي على رجل يهجوك وتهجوه منذ أربعين سنة؟ قال: إليكم عني، فو الله ما تسابّ رجلان ولا تناطح كبشان، فمات أحدهما إلا تبعه الآخر عن قريب.
فمات بعده بأربعين يوما. وصعصعة جدّ الفرزدق صحابي قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وله رواية، وكان يحيي الموؤدات.
وأخرج ابن مندة وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن مغيرة قال: لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق، وهو الذي أحيا ألف موؤدة، وحمل على ألف فرس، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال:
وجدّي الذي منع الوائدات … وأحيا الوئيد فلم يؤاد
وجدّه محمد بن سفيان أحد من سمى محمدا في الجاهلية.
__________
(1) انظر البيان والتبيين 1/ 179 - 180.
(1/16)

فائدة: [شاعر يكنى أبا الفرزدق]
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: في الشعراء شاعر يكنى أبا الفرزدق، وهو العجير بن عبد الله السلولي، مولى لبني هلال.
2 - وأنشد:
كما عسل الطّريق الثّعلب
هذا بعض بيت لساعدة بن جوية يصف فيه الرمح، وأول القصيدة (1).
هجرت غضوب وحبّ من يتجنب (2) … وعدت عواد دون وليك تشعب
شاب الغراب ولا فؤادك تارك … ذكر الغضوب ولا عتابك يعتب
وقوله:
فتعاوروا ضربا وأشرع بينهم … أسلات ما صاغ القيون وركّبوا
من كلّ أظمى عاتر لا شانه … قصز ولا راشي الكعوب معلّب
خرق من الخطّيّ أغمض حدّه … مثل الشّهاب رفعته يتلهّب
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه … فيه كما عسل الطريق الثّعلب
قوله: (غضوب) هو اسم امرأة، بدليل أنه لم يصرفه، فإدخاله اللام فيه في قوله: (ذكر الغضوب) إما للضرورة كقوله:
باعد أمّ العمرو من أسيرها
أو انها للمح، فإنه منقول من الوصف. وقوله (حب من يتجنب) قال السكري:
أي حب بها إلى متجنبة. وقال أبو نصر: يريد ما أحب إلينا من تتجنبنا، يعني هذه المرأة. وقال أبو عمرو: أي، أحب بها. وعدت عواد: أي صرفت صوارف. وقيل:
__________
(1) انظر الخزانة 1/ 474، وأشعار الهذليين 167 - 191.
(2) ويروى: (يتحبب) كما في ديوان الهذليين.
(1/17)

شغلت شواغل، والمفرد عادية. والولي: القرب. وتشعب، بفتح أوّله والعين المهملة، تصرف. وقيل: لا تجئ على القصد، بل تأتي غير مستقيمة. ويروى: (عن طلابك تشغب) باعجام العين، أي تخالف بك. قوله: (شاب الغراب) أي طال عليك الأمر حتى كان ما لا يكون، لأن شيب الغراب لا يكون. ويروى (شاب القذال) وهو آخر ما يشيب من الرأس. ولا عتابك: يعتب بالبناء للمفعول، أي لا يستقبل بعتبى ولا رجوع. تعاوروا: تداولوا، أي ضرب بعضهم بعضا، هذا مرة وهذا مرة. ويروى (ضبرا) بالمعجمة والموحدة، أي وثوبا (1). واشرع: أورد الطعن كما تشرع الدابة للشرب. والأسل، بفتحتين، الرماح. والقين: الحداد. قال السكرى: وكل صانع قين إلا الكاتب. وأظمى: أسمر. وعاتر، بالمهملة والفوقية وراء، شديد الاضطراب. ويروى (من كل أسمر ذابل). والذابل: ما جف بعض الجفاف، وفيه لين. وشانه: عابه. والراشي: الخوار الضعيف (2). ومعلب، بالمهملة، أي مشدود بالعلباء، وهو عصب العنق. أي لم يشنه قصر فيه ولا شدّ لضعف فيه. وقوله: خرق، بكسر الخاء وسكون الراء، قال السكرى: ضربه مثلا فجعله في الرماح مثل الخرق في الرجال الذي يتخرق في الخير والمال. قال:
ويقال الخرق الذي يتصرّف في الأمور. وقال الجمحي: خرق: ماض من حديد.
وأغمض: ألطف وأرق. والشهاب: السراج. ولدن: أي ناعم، هكذا رواه سيبويه، والباء بمعنى في متعلقة به، أي لدن إذا هز، وإن كان صلبا إذا عجم.
ورواه السكري: لذ، وفسره باللذيذ. وقال المصنف في شواهده: أي مستلذ عند الهز للينه. قال: والباء متعلقة بيعسل، ويعسل بالمهملتين أي يضطرب اضطراب الثعلب في عسلانه. وقال المصنف: العسلان: الاضطراب، وهو في الأصل سير سريع في اضطراب. وقال أبو عبيدة: يقال في الذئب عاسل، ومتنه: ظهره. قال ابن يسعون: شبهه بمتن الثعلب لما وصفه بالعسلان، وهو جريه الذي يضطرب فيه متنه. قال: ويحتمل أن يريد ثعلب الرمح، وهو طرفه الداخل في السنان، أي يضطرب وسطه كما يضطرب طرفه لاعتداله واستوائه. قال: ويجوز أن يكون نبه
__________
(1) في الخزانة 1/ 474 (ضبرا). وفسر الضبر بأنه الوثب.
(2) ويقال ذلك للناقة اذا كانت ضعيفة الظهر.
(1/18)

بالأبعد على الأقرب، لأنه إذا اهتز وسطه فأطرافه أولى وبهذا جزم المصنف. قال السكري: ويروى (يعسل نصله). وقوله: فيه، قال السكري: أراد في كله، يقول: يضطرب نصله كما يضطرب الثعلب في الطريق إذا عدا، فأعاد الضمير على الرمح. وقال ابن يسعون: أي في الهز. وقال المصنف: الضمير للدن أو للهز، وصف رمحا لين المتن، فشبه اضطرابه في نفسه، أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والكاف للتشبيه، وما مصدرية، أي كعسلان الثعلب. وقوله: الطريق أي في الطريق، فأسقط الجار وعدّى الفعل اتساعا. وقد أعاد المصنف هذا البيت في الكتاب الرابع والخامس.

فائدة: [ساعدة بن جوية]
قائل هذه الأبيات ساعدة بن جوية، بضم الجيم وفتح الواو بلا همز، وضبطه المصنف في شواهده بضم الجيم وفتح الهمزة وتشديد الياء، وقيل ابن جوين، بالنون، ابن عبد شمس بن كليب بن كعب بن صبيح بن كاهل بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن معد بن عدنان، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والاسلام، وأسلم. وليست له صحبة. ذكره ابن حجر في الاصابة في القسم الثالث فيمن له إدراك ولا رؤية له (1).
* * *
__________
(1) انظر الخزانة 1/ 267 - 268 (السلفية).
(1/19)

الباب الأول

شواهد الهمزة
3 - أنشد:
أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل
هذا صدر بيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، من معلقته المشهورة، وتمامه:
وإن كنت قد أزمعت صرما فاجملي
وبعده:
وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة … فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي
أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي … وأنّك مهما تأمري القلب يفعل
وقد استشهد المصنف من هذه المعلقة بنحو من عشرين بيتا تأتي في محالها، وسيأتي مطلعها في حرف الفاء. وفاطم، بالفتح، منادى مرخم على لغة الانتظار، وهي فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة العذرية. ومهلا: مصدر أمهل، وأصله امهالا، حذف زائدة وجعل بدلا من التلفظ بالفعل كضربا زيدا، وهو الناصب لبعض. وقيل:
الناصب محذوف تقديره امهلي، وقيل اتركي. والتدلل، بالمهملة، من الدل بالفتح. والازماع بالزاي الاجماع على الشيء وتصميم العزم عليه. قال الكسائي:
يقال أزمعت الأمر، ولا يقال أزمعت عليه. وقال الفرّاء: أزمعته وأزمعت عليه بمعنى. والصرم، بفتح الصاد المهملة، مصدر صرم الشيء قطعه، وبضمها اسم للقطيعة. والاجمال: الاحسان. والبيت استشهد به المصنف على ورود الهمزة لنداء القريب، واستشهد به في التوضيح على أن نداء ما فيه التاء مرخما أكثر من
(1/20)

ندائه تاما. أخرج ابن عساكر عن الاصبغ بن عبد العزيز قال: سألت نصيبا، أي بيت قالت العرب أنسب! فقال قول امرئ القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدّلل ... البيت

فائدة: [امرئ القيس هذا، هو ابن حجر]
امرئ القيس هذا، هو ابن حجر، بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة، ابن الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار ابن عمر بن معاوية ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، يكنى أبا يزيد، ويقال أبو وهب، ويقال أبو الحارث، وبه جزم ابن دريد في الوشاح. وقال العسكري في كتاب التصحيف: سألت ابن دريد عن كنية امرئ القيس واسمه فتوقف، ثم قال: يقال عدي. فسألت عنهما أبا الحسين النسابة فذكر إن اسمه مليكة وكنيته أبو كبشة، وأن أباه كان ينهاه عن قول الشعر ويرفع نفسه وولده عن ذلك، وانه سمع منه شعرا فأمر غلاما له بقتله وأن يأتيه بعينيه، فانطلق الغلام فاستودعه جبلا منيفا، وعلم أن أباه سيندم على قتله، وعمد الى جؤذر كان عنده فنحره وامتلخ عينيه فأتى بهما حجرا حتى همّ بقتل الغلام، فقال له: أبيت اللعن، إني لم أقتله. قال: أين هو؟ قال: استودعته جبل كذا. قال: فائتني به، فأتاه به، فلم يقل بعدها شعرا حتى قتل أبوه.
قال الأصمعي: وكان يقال لامرئ القيس الضّليل، ولجده عمرو الملك المقصور لأنه اقتصر على ملك أبيه. ووقع لامرئ القيس في الملك وقائع مع المنذر ابن ماء السماء وغيره وورد الروم واتبعه بحلة مسمومة فلما لبسها أحس بالموت ومات بانقرة من بلاد الروم.
ومن الأقوال في اسم امرؤ القيس حندج، بضم الحاء والدال المهملتين وسكون النون بينهما وآخره جيم، حكاه ابن يسعون في شرح شواهد الايضاح.
وقال التبريزي في شرح أبيات إصلاح المنطق: النسبة الى امرئ القيس مرقسي، وأشعر المراقسة ابن حجر هذا، وبعده امرؤ القيس الذائد، وهو أوّل من تكلم في نقد الشعر.
(1/21)

وقال العسكري في التصحيف: أئمة الشعر أربعة امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. وفي تاريخ النحويين للمرزباني: قال أبو عمرو: اتفقوا على أن أشعر الشعراء امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. فامرؤ القيس من اليمن، والنابغة وزهير من مضر، والأعشى من ربيعة. قال: وأشعر الأربعة امرؤ القيس ثم النابغة ثم زهير ثم الاعشى، ثم بعدهم جرير والفرزدق والأخطل.
وقال يونس: كان علماء البصرة يقدّمون امرأ القيس، وأهل الكوفة يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيرا والنابغة. وقال ابن سلام (1): مرّ لبيد بالكوفة في بني نهد (2) فسألوه: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليّل. قيل:
ثم من؟ قال: الغلام القتيل، يعني طرفة. قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل الجليل، يعني نفسه. وقال الأصمعي: سألت بشارا من أشعر الناس؟ فقال: أجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفه. وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال:
امرؤ القيس اذا ركب، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب.
وقد ذكر محمد بن سلام الجمحي (3) امرأ القيس في الطبقة الأولى من الشعراء الجاهليين. وقال الفرّاء: كان زهير واضح الكلام مكتفية بيوته، البيت منها بنفسه كاف، وكان جيد المقاطع، وكان النابغة جزل الكلام حسن الابتداء والمقطع، يعرف في شعره قدرته على الشعر، لم يخالطه ضعف الحداثة. وكان امرؤ القيس شاعرهم الذي علم الناس الشعر والمديح والهجاء بسبقه إياهم، وكان لطرفة شيء ليس بالكثير وليس كما يذهب اليه بعض الناس لحداثته، وكان لو منع لبث حتى يكثر معه شعره كان خليقا أن يبلغ المبالغ. وكان الأعشى يضع لسانه من الشعر حيث شاء.
وكان الحطيئة نقي الشعر قليل السقط حسن الكلام مستويه. وكان لبيد وابن مقبل يجريان مجرى واحدا في خشونة الكلام وصعوبته، وليس ذلك بمحمود عند أهل الشعر وأهل العربية، يشتهونه لكثرة عربيته، وليس يجود الشعر عند أهله حتى
__________
(1) الطبقات 45.
(2) أي في محلة بني نهد، وهم من قضاعة.
(3) الطبقات 43 وما بعد.
(1/22)

يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه، فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس وكادا يكونان خاتمي الشعراء. وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولم يكن هجّاء ولا مدّاحا فيرفع، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع أو مدح فرفع، كالحطيئة والأعشى، فإنهما كانا يرفعان ويضعان.
وقال عمر بن شبّة في طبقات الشعراء: للشعر والشعراء الأول لا توقف عليه.
وقد اختلف في ذلك العلماء وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأوّل، ولم يدعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة لأنهم لا يسمون ذلك شعرا. فادّعت اليمانية لامرئ القيس. وبنو أسد لعبيد بن الأبرص. وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الاكبر، وإياد لأبي دواد. قال وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء، وأنه أوّل من قصد القصيد. قال: وهؤلاء النفر المدّعى لهم التقدّم في الشعر متقاربون، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمائة سنة أو نحوها. وقال أبو عمرو:
افتتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى:
الشعراء المتقدّمون، يعني النوابغ، منهم: امرؤ القيس بن حجر، والنابغة زياد بن عمرو، وزهير ابن أبي سلمى، والأعشى رابعهم. وأخرج ابن عساكر عن ابن الكلبي قال: أتى قوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألوه عن أشعر الناس فقال: ائتوا حسان، فأتوه. فقال: ذو القروح، يعني امرأ القيس، لأنه لم يعقب ولدا ذكرا بل أناثا، فرجعوا فأخبروا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: صدق، رفيع في الدنيا خامل في الآخرة، شريف في الدنيا وضيع في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار. وفي المؤتلف للآمدي: ان امرأ القيس كان يلقب ذا القروح لأنه لما لبس الحلة المسمومة تقرّح جلده ومات فقيل له ذا القروح. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من حديث أبي هريرة مرفوعا: امرؤ القبس قائد الشعراء إلى النار، لأنه أوّل من أحكم قوافيه.
وأصل الحديث في الصحيح بدون آخره بلفظ: حامل لواء الشعراء إلى النار. وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو أسامة عن أبي سراعة عن عبادة بن نسى قال:
ذكر الشعراء عند النبي صلّى الله عليه وسلّم، فذكروا امرأ القيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مذكور في الدنيا منكور في الآخرة، حامل لواء الشعراء في جهنم يوم القيامة. قال ابن سلام (1): سبق امرؤ القيس العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها
__________
(1) الطبقات 46.
(1/23)

العرب واتّبعته فيها الشعراء، منها: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار (1)، ورقة التشبيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصى، وقيّد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين التشبيه وبين المعنى. وكان أحسن طبقته تشبيها. وأحسن الاسلاميين تشبيها ذو الرمة.
وقال أبو عمرو ابن العلاء (2): سألت ذا الرمة عن أي قول الشعراء الذين وصفوا الغيث أشعر؟ فقال: قول امرئ القيس:
ديمة هطلاء فيها وطف … طبق الأرض تحرّى وتدرّ
تخرج الودّ إذا ما أشجذت … وتواريه إذا ما تشتكر
وترى الضبّ خفيفا ماهرا … ثانيا برثنه ما ينعفر
وترى الشّجراء في ريّقها … كرؤوس قطّعت فيها الخمر
ساعة، ثم انتحاها وابل … ساقط الأكناف واه منهمر
راح تمريه الصّبا ثم انتحى … فيه شؤبوب جنوب منفجر
ثجّ حتّى ضاق عن آذيّة … عرض خيم فخفاف فيسر
قد غدا يحملني في أنفه … لاحق الإطلين (3) محبوك ممرّ
الديمة: المطر الدائم. والهطلاء: الغزيرة. ووطف: استرخاء. وتحرّى:
تقصد. وتدر: تصب الماء. والودّ: جبل. وأشجذت: أقلعت. وتواريه: تستره.
وتشتكر: يكثر ماؤها. وبرثنه: مخلبه. وينعفر: يلصق بالتراب. والشجراء:
جماعة الشجر. وريقها: أوّلها. والخمر: جمع خمار. وانتحاها: قصدها. ووابل:
أعظم المطر. وأكناف: النواحي. وواه: مسترخ. ومنهمر: سائل. وراح: جاء
__________
(1) انظر الشعراء 82، والخزانة 1/ 507 - 508
(2) الطبقات 78، والشعراء 58، والديوان 89 - 90.
(3) ويروى: (الأيطل)، وهو الخاصرة والكشح.
(1/24)

بالعشي. وتمريه: تستخرج ماءه. وشؤبوب: مخففة. ومنفجر: سائل. وثج:
صبّ. وآذيه: موجه. وعرض: سعة. وخيم بالفتح، وخفاف بالضم، ويسر بضمتين: مواضع. وأنفه: أوّل نباته. والاطلان: الخصران. ومحبوك: قوي.
وممرّ: معتدل الخلق.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع من يدّعي الشعر فنازع التوءم اليشكري (1)، فقال: إن كنت شاعرا فملط (2) انصاف ما أقول فأجزها، فقال: نعم، فقال امرؤ القيس:
كأنّ هزيزه بوراء غيب (3)
فقال التوءم:
عشار واله لاقت عشارا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا لقفا أضاخ (4)
__________
(1) وصوابه انه نازع الحارث ابن التوءم كما سينص عليه في هذه الابيات وهو الذي رواه الرواة الثقاة غير أبي عمرو. أقول: قول السيوطي أن أول ما بدأ به امرؤ القيس في ممالطته المذكورة خلاف الواقع وفيه ارجاع الضمير الى غير مذكور والصواب وهو الحق اليقين وبه الرواية المحفوظة ان الممالطة واقعة بين الحارث ابن التوءم لا التؤم وأول قول إمرئ القيس فيها وهو الدليل القاطع على صحة ما قلناه، قال امرؤ القيس يخاطب الحارث:
أحار ترى بريقا هب وهنا
فقال الحارث:
كنار مجوس تستعر استعارا
الى آخر الشعر المحفوظ ويكون الضمير هزيزه المذكور راجع الى بريق المصغر في قول امرئ القيس اه شنقيطي. قلت: ذكر ابن رشيق ان التوءم اليشكري، اسمه الحارث ابن قتادة، وكذلك ياقوت. وانظر العمدة 1/ 176 و 2/ 87.
(2) في القاموس: (ومالطه: قال نصف بيت وأتمه الآخر كملطه تمليطا). وانظر العمدة 2/ 87.
(3) ويروى: (كأن هزيمه بوراء غيب).
(4) ويروى: (فلما ان علا كتفي أضاخ) و (فلما أن علا شرجي أضاخ). وأضاخ من قرى اليمامة لبني نمير، ذكره ياقوت.
(1/25)

فقال التوءم:
وهت أعجاز ريّقه فحارا
قال أبو حيان: في هذه القصة ردّ على من شرط في الكلام صدوره من ناطق واحد.

فائدة: [المسمون بامرئ القيس غير هذا جماعة]
المسمون بامرئ القيس غير هذا جماعة منهم: امرؤ القيس مهلهل بن ربيعة، وسيأتي الاستشهاد بشعره في لو، وامرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل بن أبي زهير بن جناب بن هبل، وكلاهما كانا في عصر ابن حجر. وامرؤ القيس بن عمرو ابن معاوية بن السمط بن ثور، وامرؤ القيس بن النعمان بن الشقيقة، وامرؤ القيس ابن عانس الكندي، أدرك الاسلام فأسلم وله صحبة، وامرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي، صحابي أيضا. وامرؤ القيس بن بكر الذائد، من كندة جاهلي. وامرؤ القيس بن الفاخر بن الطمّاح الخولاني، صحابي، وامرؤ القيس الكندي الملقب بالجفشيش بالجيم، ويقال بالحاء، ويقال بالخاء، له صحبة. وامرؤ القيس بن عديّ، من بني عليم، أسلم في زمن عمر. وامرؤ القيس بن جبلة السكوني، وامرؤ القيس بن عمرو بن الحارث السكوني، كندي جاهلي. وامرؤ القيس بن بحر الزهيريّ من ولد زهير بن جناب. وامرؤ القيس بن كلام بن رزام العقيلي. وامرؤ القيس بن مالك النميريّ.

فائدة: [القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات]
قال الجاحظ في البيان (1): كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمون تلك القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات، يصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. قال: وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال، ومنها الشواهد والشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات: أوّلهم الفحل الخنذيذ، وهو التام، ودون الخنذيذ، الشاعر المفلق. ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع:
الشّعرور. وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.
__________
(1) البيان والتبيين 2/ 7 باختلاف اللفظ.
(1/26)

4 - وأنشد:
دعاني إليها القلب إني لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها
هذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أوّلها: (1)
أبا الصّرم من أسماء حدّثك الّذي … جرى بيننا يوم استقلّت ركابها
زجرت لها طير الشمال فإن تكن … هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
وقد طفت من أحوالها واردتها … سنين فأخشى بعلها وأهابها
ثلاثة أحوال فلمّا تجرّمت … علينا بهون واستحار شبابها
فقلت لقلبي: يا لك الخير إنّما … يدلّك للموت الجديد حبابها
دعاني إليها القلب إنّي لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها (2)
قال السكري: العرب تتشاءم بطير الشمال. وقوله: (فإن تكن هواك) يعني إن كانت الطير التي زجرها هواه يعني نفسها، يريد إن صدق هذا الطير سيصيبك اجتنابها، أي تنحيها وتباعدها (3). واستقلت: احتملت. والركاب: الابل. وقوله:
زجرت، يروى بفتح التاء وضمها، وفيه التفات على الثاني، وعلى الفتح الالتفات في طفت أو في بيننا. وقوله: من أحوالها: أي حولها، فمن زائدة. والأحوال: جمع حول. وأهابها: أستحى أن أواجهها. وثلاثة أحوال: عطف بيان لسنين أو بدل.
وتجرّمت، بالجيم، انقضت تلك السنون وتكملت. والهون: الهوان. واستحار، بالحاء المهملة، تم واجتمع. ودعاني: جواب لما، ويروى عصاني. قال الأصمعي:
أي جعل لا يقبل منى وذهب إليها سفها. وروى مطيع بدل سميع، وهو ودعاني رواية
__________
(1) سمط اللألي 866، وديوان الهذليين 1/ 70.
(2) ترتيب هذا البيت في ديوان الهذليين قبل البيت السابق. وفيه: (عصاني اليها ..).
(3) في الهذليين: (زجرت لها طير السنيح)، ويروى: (زجرت لها طير السماء).
وبعض العرب تتشاءم بالسنيح، قوله: فإن تصب هواك الذي تهوى، يعني الطير الذي زجره.
(1/27)

أبي عمرو. قال الأصمعي: والمعنى: فما أدرى أرشد أم غيّ، فحذف الغيّ، وهو محل الشاهد، وجوّز بعضهم. وقوله: يا لك الخير، قال السكري: أي يا قلب لك الخير، فهو على حذف المنادى. انتهى.
ويجوز أن يكون (يا) للتنبيه، وهو الأولى في أمثاله عند ابن مالك. قلت:
ويحسنه هنا أن القلب لما اشتغل بحبها فكأنه دخل في غمرة وغفلة فحسن تنبيهه بحرفه.
والموت: الجديد. قال الاخفش: المغافص (1). وقال الباهلي: جديد الموت أوّله.
والحباب: مصدر بمعنى الحب، يقال حابيته حبابا ومحابة.
ومن أبيات هذه القصيدة وهي آخرها:
فأطيب براح الشّأم صرفا وهذه … معتّقة صهباء وهي شيابها
فما إن هما في صحفة بارقية … جديد حديث نحتها واقتضابها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقا … من اللّيل والتفّت عليك ثيابها
رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها … بقرّان إن الخمر شغب صحابها
ولو عثرت عندي إذا ما لحيتها … بعثرتها ولا أسيء جوابها
ولا هرّها كلبي ليبعد نفرها … ولو نبحتها بالشّكاة كلابها
أطيب: صيغة تعجب. والشياب المزاج والخلط. وضمير هي راجع للشهدة، وهمالها وللخمر. والبارقية: نسبة إلى بارق، رجل كان يصنع الصحاف. والجديد والحديث: صفتان بمعنى. والاقتضاب: أخذها من شجرها حديثة. ويجوز أن يكون نحتها لأحد الوصفين، واقتضابها للآخر. فيكون فيه لف ونشر. وفي البيت «من» (2) أنواع البديع: التفضيل، وهو كثير في شعر العرب جدّا، وهو أن ينفي بما ونحوها عن ذي وصف أفعل تفضيل، فناسب لذلك الوصف فعدى بمن إلى ما يراد مدحه أو ذمّه، فتحصل المساواة من الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما،
__________
(1) يريد المفاجئ الآخذ على غرة.
(2) مزيدة.
(1/28)

لأنها نفت الأفضلية. فتبقى المساواة. وقرّان واد (1). وقوله: (ان الخمر ... الخ) هو النوع المسمى في المعاني بالتذييل. وفي البيت الذي يليه شاهد لجواب لو بإذن، ولحيتها: لمتها. وأسى: ماض مبنى للمفعول. قوله: (ولا هرّها. الخ) قال الأصمعي وغيره: هذا مثل، أي لا يأتيها من قبلي أذى ولو أتاني الأذى من قبلها.
والنفر: مصدر نفر. والشكاة، بالفتح والقصر، القول القبيح.

فائدة: [أبو ذؤيب هو خويلد بن خالد بن محرّث]
أبو ذؤيب هو خويلد بن خالد بن محرّث، بالتشديد وكسر الراء، عند ابن دريد، وفتحها غيره، ابن زبيد، مصغر، بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، شاعر مجيد أدرك الجاهلية والاسلام، ورحل الى المدينة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم في مرضه فمات قبل قدومه بليلة، وأدركه وهو مسجى، وصلى عليه وشهد دفنه. وغزا الروم في خلافة عمر ومات بها.
وقيل: مات بطريق أفريقية في غزوتها. وقيل بمصر منصرفا عنها مع ابن الزبير. وقيل في طريق مكة في زمن عثمان. حكى ذلك ابن عبد البرّ في الاستيعاب. وفي الاغاني (2):
قال أبو عمرو ابن العلاء: سئل حسان من أشعر الناس؟ فقال: حيّا أم رجلا؟ قالوا:
حيا، قال: هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب قالوا: وتقدّم أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي أوّلها (3):
أمن المنون وريبها تتوجّع
وقال الجمحي: أبو ذؤيب في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (4). قال: وأخبرني محمد بن معاذ المعمري قال (5): مكتوب في التوراة: أبو ذؤيب مؤلّف زوراء (6) واسم الشاعر بالعبرانية (مؤلف زوراء) أخرجه في الأغاني وذكره ابن عساكر في
__________
(1) في ياقوت أن قران واد قرب الطائف.
(2) الاغاني 6/ 250 و 256 (الثقافة).
(3) سيأتي في بحث شاهد (اذا)، وعجزه: والدهر ليس بمعتب من يجزع. وانظر الأغاني 6/ 251، وديوان الهذليين 1/ 1.
(4) الطبقات 103.
(5) الطبقات 110، والاغاني 6/ 250.
(6) في الطبقات والاغاني (زورا) باهمال الهمزة، وكلام زور ومزور: محسن مثقف.
(1/29)

تاريخه فقال: شاعر مجيد مخضرم كان أشعر هذيل، وهذيل أشعر أحياء العرب.
روى عنه صعصعة والد الهرماس الهذلي، ثم أخرج من طريق الهرماس بن صعصعة عن أبيه قال: حدثني أبو ذؤيب الشاعر قال: بلغنا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليل، وقع ذلك النبأ عن رجل من الحي قدم، فأوجس أهل الحيّ خيفة، فبت بليلة باتت النجوم طويلة الاباء لاينجاب ديجورها ولا يطلع نورها فظلت أقاسي طولها وأقارن عولها، حتى إذا كان دوين السفر وقرب السحر خفت، فهتف الهاتف وهو يقول:
خطب أجلّ أناخ بالإسلام … بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النّبيّ محمد فعيوننا … تبدي الدّموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلّا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب. وعلمت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد قبض، أو هو ميت، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيأ أزجره، فعنّ لي شيهم، يعني القنفذ، قد قبض على صلّ، يعني الحية، فهو يلتوي عليه، والشيهم يقضمه، حتى أكله. فزجرت ذلك وقلت: تلوّى الصل انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم أوّلت أكل الشيهم إياه غلبة القائم على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية زجرت الطائر فأخبرني بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك فتعوّذت من شرّ ما عنّ لي في طريقي، وقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج اذا أهلوا بالاحرام، فقلت: مه، فقيل:
قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا فقلت: أين الناس؟ قيل: هم في سقيفة بني ساعدة، فشهدت مبايعة أبي بكر بها ورجعت فشهدت الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم ودفنه.
قال صعصعة: وأنشد أبو ذؤيب يبكي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم:
لمّا رأيت النّاس في أحوالهم … ما بين ملحود له ومضرّح
(1/30)

فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت … جار الهموم يبيت غير مروّح
كسفت لمصرعه النّجوم وبدرها … وتزعزعت آكام بطن الأبطح
وتحرّكت آجام يثرب كلها … ونخيلها لحلول خطب مفدح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته … بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وزجرت إذ نعب المسحج سانحا … متفائلا فيه بفأل أقبح
قال: ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته فأقام بها.
وأخرج صاحب الأغاني أبو الفرج بن الحسين، وابن عساكر من طريقه، عن أبي عمر وعبد الله بن الحارث الهذلي قال: خرج أبو ذؤيب مع ابنه وابن أخ له يقال له أبو عبيد حتى قدموا على عمر بن الخطاب، فقال له: أيّ العمل أفضل يا أمير المؤمنين؟
قال: الايمان بالله ورسوله. قال: قد فعلت، فأية أفضل بعده. قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ذلك كان عليّ ولا أرجو جنة ولا أخاف نارا. ثم خرج فغزا الروم مع المسلمين، فلما قفلوا أخذه الموت فدفن هناك فليس وراء قبره قبر يعلم للمسلمين.
وقال وهو يجود بنفسه:
أبا عبيد وقع الكتاب … واقترب الموعد والحساب
وعند رجلي جمل نجاب … أحمر في حاركه انصباب
5 - وأنشد:
بدا لي منها معصم حين جمّرت … وكفّ خضيب زيّنت ببنان (1)
فو الله ما أدري وإن كنت داريا … بسبع رمين الجمر أم بثمان
__________
(1) الخزانة 4/ 447، وابن عقيل 2/ 69، وديوانه 556.
(1/31)

هذان من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة قالها في عائشة بنت طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كذا قال الزبير بن بكار، أورد قبلهما:
لقد عرضت لي بالمحصّب من منى … مع الحجّ شمس شبّهت بيمان
وبعدهما:
فلمّا التقينا بالثّنيّة سلّمت … ونازعني البغل اللّعين عناني
فقلت لها: عوجي فقد كان منزلي … خصيب لكم ناء من الحدثان
فعجنا فعاجت ساعة فتكلّمت … فظلّت لها العينان تبتدران
قوله: بدا، بلا همز أي ظهر. والمعصم، بكسر الميم وفتح الصاد، موضع السوار من الساعد. وجمرت، بالفتح وتشديد الميم: رمت الجمار، والمصدر التجمير.
وكف خضيب: خضبت بالحناء ونحوه. والكف الخضيب أيضا نجم. والبنان:
أطراف الأصابع واحدها بنانة بالباء. وقوله: (وان كنت داريا) يحتمل أن تكون إن فيه نافية، أي: وما كنت داريا، فتكون تأكيدا للجملة قبلها. ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، أي وإني كنت قبل ذلك من أهل الدراية والمعرفة حتى بدا لي ما ذكر فسلبت الدراية. وهذا الاحتمال عندي أظهر ويؤيده ما سيأتي. وقوله: بسبع، على حذف همزة الاستفهام، أي أبسبع، وهو محل الاستشهاد. وقوله: رمين، قال البدر الدماميني: ضميره عائد إلى البنان، أو الى المرأة وصواحبها.
قلت: البيت أنشده الزبير بن بكار بلفظ:
فو الله ما أدري وإني لحاسب … بسبع رميت الجمر أم بثمان
بتاء المتكلم في رميت (1) وهذا أوجه بلا شك، فإن الاخبار بذهوله عن فعله يشغل قلبه بما رأى، أبلغ من الاخبار بذهوله عن فعل الغير، وفيه سلامة من التأويل المذكور.
__________
(1) وكذا رواية الديوان.
(1/32)

فائدة: [عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عمر بن المغيرة]
قائل هذه القصيدة عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عمر بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة المخزومي، أبو الخطاب، أحد فحول شعراء الحجاز. كان اسم أبيه بحيرا فسماه النبي صلّى الله عليه وسلّم عبد الله، وولد له في زمن عمر بن الخطاب.
وقيل: بل ليلة قتل فسمي باسمه، وذكر ذلك لابن عباس فقال: أي حق رفع وأي باطل وضع، حكاه الجاحظ في البيان (1)، ووفد على عبد الملك بن مروان فوصله بمال عظيم لشرفه وبلاغة نظمه. ووفد على عمر بن عبد العزيز، وحدّث عن سعيد بن المسيب، روى عنه مصعب بن شيبة وعطاف بن خالد، أخرج ابن عساكر عن عمر بن زيد، كان يقال: من أراد رقة الغزل والنسيب فعليه بشعر عمر بن أبي ربيعة. وأخرج عن الهيثم بن عديّ قال: بعث عبد الملك بن مروان إليه وإلى جميل بن معمر العذري وإلى كثير عزة، وأوقر ناقة ذهبا وفضة، ثم قال: لينشدني كل واحد منكم ثلاثة أبيات فأيكم كان أغزل شعرا فله الناقة وما عليها، فقال عمر (2):
فياليت أنّي حيث تدنو منيّتي … شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كلّه … وليت حنوطي من مشاشك والدّم
وليت سليمى في المنام ضجيعتي … لدى الجنّة الخضراء أو في جهنّم (3)
وقال جميل:
حلفت يمينا يا بثينة صادقا … فإن كنت فيها كاذبا فعميت
حلفت لها بالبدن تدمي نحورها … لقد شقيت نفسي بكم وعييت
ولو أنّ راقي الموت يرقى جنازتي … بمنطقها في النّاطقين حييت
__________
(1) البيان والتبيين 2/ 72.
(2) الخبر في ديوان عمر ص 471 - 472.
(3) في الديوان برواية: (هنالك أم في جنة أم في جهنم).
(1/33)

وقال كثير:
بأبي وأمّي أنت من معشوقة … ظفر العدوّ بها فغيّر حالها
ومشى إليّ ببين عزّة نسوة … جعل المليك خدودهنّ نعالها
ولو أنّ عزّة خاصمت شمس الضّحى … في الحسن عند موفّق لقضى لها
فقال عبد الملك: خذ الناقة وما عليها يا صاحب جهنم.
وأخرج ثعلب وابن عساكر عن محمد بن الحارث قال: دخل ابن أبي ربيعة على عبد الملك فقال: ما بقي من فسقك يا ابن أبي ربيعة؟ قال: بئست تحية الشيخ ابن عمه على بعد المزار (1). وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي عن صالح بن أسلم قال: قال لي عمر بن أبي ربيعة: إني قد أنشدت من الشعر ما قد بلغك، ورب هذه البنية ما حللت إزاري على فرج حرام قط. قال الذهبي: وروى أن عمر بن أبي ربيعة غزا البحر فاحترقت سفينته واحترق رحمه الله. وهو من طبقة جرير والفرزدق وعبيد الله بن قيس الرقيات. وكانت وفاته سنة ثلاث وتسعين.
6 - وأنشد:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا مني، وذو الشّيب يلعب
هذا مطلع قصيدة للكميت يمدح بها أهل البيت عليهم السّلام، وبعده (2):
ولم تلهني دار ولا رسم منزل … ولم يتطربني بنان مخضّب
ولا أنا ممّن يزجر الطّير همه … أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
__________
(1) الشعراء 539 باختلاف الالفاظ.
(2) الهاشميات 15.
(1/34)

ولا السّانحات البارحات عشيّة … أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والتّقى … وخير بني حوّاء والخير يطلب
إلى النّفر البيض الذين بحبّهم … إلى الله فيما نابني أتقرّب
بني هاشم رهط النبيّ وأهله … بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
ومنها:
فمالي إلّا آل أحمد شيعة … ومالي إلّا مذهب الحقّ مذهب
بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة … ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب
وجدنا لكم في آل حم آية … تأوّلها منا تقيّ ومعرب
على أيّ جرم أم بأيّة سيرة … أعنّف في تقريظهم وأكذّب
ومنها:
ألم ترني من حبّ آل محمّد … أروح وأغدو خائفا أترقّب
فطائفة قد أكفرتني بحبّهم … وطائفة قالت: مسيء ومذنب
قوله: طربت، بكسر الراء، والطرب: خفة تصيب الانسان لشدّة سرور أو حزن، وأطربه غيره، وتطربه. وقد استشهد الجوهري بقوله: ولم يتطربني على ذلك. واستشهد أبو حيان بالبيت على تقديم المفعول على عامله، ردّا على من يمنع ذلك، فإن شوقا مفعول له مقدّم على عامله، وهو أطرب. والبيض من النساء: جمع بيضاء.
(1/35)

واللعب واللهو قيل مترادفان، وفرّقت طائفة بينهما بفرق دقيق بينته في أسرار التنزيل. وقوله: وذو الشيب، على حذف همزة الاستفهام الانكاري، وهو محل الاستشهاد (1). ورسم المنزل والدار ما بقي من آثارهما لاصقا بالأرض. وبنان مخضب: قال في الصحاح: شدّد للمبالغة، أي لم أقف على الديار فأتذكر من عهدته بها فأطرب لذلك شوقا إليهنّ، ولم تطربني البنان المخضوبة لأني حبيب اللهو بالنساء. والزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن.
تقول زجرت أن يكون كذا وكذا، وفاعل يزجر: همه، والطير مفعول. والسانح: ما مرّ من مياسرك الى ميامنك من طير أو ظبي. والبارح: ما مرّ من ميامنك الى مياسرك. والعرب تتيمّن بالسانح وتتشاءم بالبارح. وفي المثل: من لي بالسانح بعد البارح، والأعضب، بالعين المهملة والضاد المعجمة والباء الموحدة: المكسور القرن الداخل، وهو المشاش. ويقال المكسور أحد قرنيه. وقوله: ولكن إلى أهل الفضائل:
عطفا على قوله: شوقا الى البيض. وقوله: إلى النفر، بدل من أهل الفضائل.
ورهط الرجل: قومه وقبيلته. وقوله: بهم ولهم، فيه لف ونشر مرتب. فأرضى راجع إلى بهم. وأغضب راجع إلى لهم. وقوله: ومالي ... البيت. استشهد به النحاة على تقديم المستثنى على المستثنى منه. والشيعة: القوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره. يقال شايعه كما يقال والاه، والمشايع أيضا اللاحق. وقوله: أم بأية سنة، استشهد به على تأنيث أي بالتاء.
وقوله: وتحسب، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف مفعولي باب ظن للدليل. وآل حم: اسم للسور السبع التي أوّلها حم، ويقال لها أيضا الحواميم.
والآية التي أشار اليها قوله تعالى في سورة حمسق (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).
وقوله: تقي ومعرب، قال في الصحاح: المعنى الساكت عن التفضيل للتقية، والمفصح بالتفضيل. والجرم: الذنب. والسيرة: الطريقة. والتعنيف: التعيير
__________
(1) قال شارح السبع الهاشميات: وذو الشيب خبر وليس باستفهام.
والمعنى لم أطرب شوقا إلى البيض، ولا طربت لعبا مني، وأنا ذو الشيب. وقد يلعب ذو الشيب ويطرب وإن كان قبيحا به، ولكن طربي، إلى أهل الفضائل والنهى. وتلهني من اللهو، يقال: الهاه يلهيه إلهاء، ولهوت عنه ألهو لهوا.
(1/36)

واللوم. والتقريظ، بظاء معجمة، ويقال بالضاد الساقطة أيضا: المدح. وقيل:
يختص بمدح الأنسان وهو حيّ.

فائدة: [الكميت بن زيد بن خنيس]
الكميت بن زيد بن خنيس (1) بن مجالد، أبو السهيل الأسدي الكوفي، شاعر زمانه. يقال إن شعره أكثر من خمسة آلاف بيت. روى عن الفرزدق، وأبي جعفر الباقر، ومذكور مولي زينب بنت جحش، وعنه والبة بن الحباب
الشاعر، وحفص ابن سليمان القاضوي، وأبان بن ثعلب، وآخرون. وحديثه في البيهقي في نكاح زينب بنت جحش. ووفد على يزيد وهشام ابني عبد الملك.
قال أبو عبيدة: لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم (2). وقال أبو عكرمة الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان، ولا للبيان لسان.
أخرجه ابن عساكر، وأخرج من طريق المبرد عن الزيادي قال: كان عم الكميت رئيس قومه فقال يوما: يا كميت، لم لا تقول الشعر؟ ثم أخذه فأدخله الماء، فقال:
لا أخرجك منه أو تقول الشعر، فمرّت به قنبرة فأنشد متمثلا (3).
يا لك من قنبرة بمعمر … خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري
فقال له عمه ورحمه: قد قلت شعرا، فقال هو: لا أخرج أو أقول لنفسي.
__________
(1) في الخزانة (الأخنس).
(2) الخزانة: 1/ 99 (السلفية).
(3) الأبيات تنسب الى طرفة. ويقال أن أول شعر قاله، أنه خرج مع عمه في سفر، فنصب فخا، فلما أراد الرحيل قال:
يا لك من قبرة بمعمر … خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري … قد رفع الفخ فماذا تحذري
لا بد يوما أن تصادي فاصبري
(1/37)

فما رام حتى عمل قصيدته المشهورة، وهي أوّل شعره، ثم غدا على عمه فقال:
اجمع لي العشيرة ليسمعوا فجمعهم له فأنشد:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
القصيدة الى آخرها.
وأخرج عن محمد بن عقير قال: كانت بنو أسد تقول: فينا فضيلة ليست في العالم ليس منزلا منّا إلا وفيه بركة وراثة الكميت، لأنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم في النوم فقال له: أنشدني: طربت، فأنشده، فقال له: بوركت وبورك قومك. وكان الكميت شيعيا. قال المبرد: وقف الكميت، وهو صبي، على الفرزدق وهو ينشد فلما فرغ قال:
يا غلام: أيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أريد به بدلا، ولكن يسرني أن تكون أمي. فحصر الفرزدق وقال: ما مر بي مثلها! أخرجه ابن عساكر، ويقال: ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت، فمن صحح الكميت نسبه صح، ومن طعن فيه وهن. أخرجه ابن عساكر، وقال بعضهم: كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن، وثبت الجنان، وكان كاتبا حسن الخط، وكان نسابة، وكان جدلا، وهو أول من ناظر في التشيع، وكان راميا لم يكن في بني أسد أرمى منه، وكان فارسا، وكان شجاعا، وكان سخيا دينا، أخرجه ابن عساكر.
وأخرج عن محمد بن سهل قال: قال الكميت: رأيت في النوم، وأنا مختف، رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: مم خوفك؟ قلت: يا رسول الله، من بني أمية.
وأنشدته:
ألم ترني من حبّ آل محمّد ... البيت
فقال: اظهر، فإن الله قد أمّنك في الدنيا والآخرة. وأخرج عن الجاحظ قال:
ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقوله:
فإن هي لم تصلح لحيّ سواهم … فإنّ ذوي القربى أحقّ وأوجب
(1/38)

يقولون لم يورث ولولا تراثه … لقد شركت فيها بكيل وأرحب (1)
وأخرج عن أبي عكرمة الضبي عن أبيه قال: أدركت الناس بالكوفة من لم يرو:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
فليس بهاشميّ، ومن لم يرو:
ذكر القلب إلفه المهجور
فليس بأموي، ومن لم يرو:
وهلّا عرفت منازلا بالأبرق
فليس بمهلبيّ، ومن لم يرو:
طربت وهاجك الشوق الحبيب
فليس بثقفي.
وقال المفضل: ليس الكميت والطرماح وكثير وذو الرمة بحجة. دكره ابن الأعرابي في نوادره. قال ابن عساكر: ولد الكميت سنة ستين ومات سنة ست وعشرين ومائة. قال ابن يسعون: والكميت هذا هو الكميت الآخر، والكميت الأوسط هو الكميت بن معروف بن الكميت الأول ابن ثعلبة بن نوفل بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الأسدي.
7 - وأنشد قول عمر بن أبي ربيعة:
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت بهرا … عدد الرّمل والحصى والتّراب (2)
هذا من قصيدة له كتب بها إلى الثريا بنت عبد الله بن الحارث العبشمية لما صرمته.
كذا أخرجه ابن عساكر عن الزبير بن بكار. وأول القصيدة:
__________
(1) بكيل وارحب: قبيلتان، والبيت مع غيره في الشعراء 564
(2) ديوانه 29 - 32، وهو في الموشح أيضا.
(1/39)

قال لي صاحبي، ليعلم مابي: … أتحبّ القتول أخت الرّباب
قلت: وجدي بها كوجدك بالعذ … ب إذا منعت برد الشّراب (1)
من رسولي إلى الثّريّا بأنّي … ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
أزهقت أم نوفل إذ دعتها … مهجتي ما لقاتلي من متاب
حين قالت: قومي أجيبي، فقالت (2) … من دعاني؟ قالت: أبو الخطّاب
فأجابت عند الدّعاء كما لبّى … رجال يرجون حسن الثّواب
أبرزوها مثل المهاة تهادى … بين خمس كواعب أتراب
فتبدّت، حتّى إذا جنّ قلبي … حال دوني ولا ند بالثّياب
وهي مكنونة تحيّر منها … في أديم الخدّين ماء الشّباب
حين شبّ القبول والعتق منها (3) … حسن لون يرفّ كالزرياب
ذكرتني من بهجة الشمس لما … طلعت في دجنّة وسحاب
دمية عند راهب قسّيس … صوّروها في مذبح المحراب
فارجحنّت في حسن خلق عميم … تتهادى في مشيها كالحباب
ثم قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا … عدد القطر والحصى والتّراب
سلبتني مجاجة المسك عقلي … فسلوها بما يحلّ اغتصابي
__________
(1) في ديوانه: (طعم الشراب).
(2) في ديوانه: (حين قالت لها أجيبي).
(3) رواية الديوان: (حين شب القتول، والجيد منها).
(1/40)

القتول: علم لامرأة منقول من الوصف، يقال: امرأة قتول، أي قاتلة.
والرباب، بالفتح: علم لامرأة منقول من اسم السحاب. والوجد: الشغف.
والعذب: الماء الطيب. ويقال: ضقت بالأمر ذرعا، إذا لم تطقه ولم تقو عليه.
وأصل الذرع بسط اليد كأنك تريد: مددت يدي إليه فلم تنله. وقوله: والكتاب:
قسم. والازهاق: اخراج الروح، يقال زهقت نفسه، خرجت. وأزهقها غيره.
قال المدرج: الزهق بكسر الهاء القاتل. والزهق، بالفتح المقتول. وقوله: مهجتي، تنازع فيه ازهقت ودعتها. ويقال: خرجت مهجته، أي روحه. وأصل المهجة الدم.
وقيل: دم القلب خاصة. والمتاب التوبة. وأبو الخطاب: كنية عمر ابن أبي ربيعة. والمهاة بفتح الميم، البقرة الوحشية، والجمع مها، بالفتح أيضا. وتهادى: مضارع حذف منه احدى التاءين، يقال: تهادت المرأة إذا تمايلت في مشيتها. والكواعب، جمع كاعب، وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود. والأتراب، جمع ترب، بالكسر، يقال: هذه تربة هذه أي لدتها. والولائد، جمع وليدة، وهي الصبية والأمة. وجارية مكنونة: مستورة.
وتخير الماء: اجتمع. وأديم الخدّين: جلدهما. وماء الشباب: رونقه ونضارته.
وشب: أظهر وحسن. والعتق: الكرم والجمال، يقال: ما أبين العتق في وجه فلان.
ورف لونه يرف، بالكسر، برق وتلألأ. الزرياب، بزاي ثم راء تحتية وآخره موحدة، هو الذهب أو ماؤه كما في القاموس. والدجنة، بضم المهملة والجيم وفتح النون المشدّدة، الغيم المطبق والظلمة. والدمية، بضم المهملة، الصورة من العاج.
ومذبح المحراب: من إضافة البيان. قال في الصحاح: المذابح المحاريب سميت بذلك للقرابين. وارجحنت، بجيم ثم حاء مهملة ونون مشددة، مالت واهتزت. والحباب بالضم: الحية. وقوله بهرا، قال في الصحاح أي عجبا، وجزم به ابن مالك في شرح التسهيل، وجعله مصدرا لا فعل له. وأورد البيت شاهدا على نصبه بعامل لازم الاضمار لانه بدل اللفظ بفعل قيل له موضع، وقيل التقدير: أحبها حبا بهرني بهرا، أي غلبني غلبة. وأورد الزبير بن بكار البيت
بلفظ «قلت ضعفي عدد الرمل ... الخ.» وقوله: تحبها، على حذف همزة الاستفهام، وهو محل الاستشهاد وبه جزم أبو حيان. وقال ابن الأعرابي في نوادره: المبهور المكروب وأنشد البيت. وقيل:
(1/41)

معناه جهرا لا أكاتم، من قولهم: القمر الباهر أي الظاهر ضوءه. وقيل معناه: تبا كأنه قال: تبا لهم لما أنكروا عليه حبها، لأن قوله: تحبها على الانكار. والمجاجة، بجيمين، الريق يمج من الفم. والثريا المذكورة، قال إسحق الموصلي: كانت من أكمل النساء وأحسنهم خلقا، فكانت تأخذ جرّة من الماء فتفرغها على رأسها فلا يصيب باطن فخذها قطرة من عظم كفلها، وهي التي قال فيها ابن أبي ربيعة أيضا لما تزوجت سهيل بن عبد الرحمن بن عوف: (1)
أيّها النّاكح الثّريّا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقلّ يماني
8 - وأنشد:
أصطبار لسلمى أم لها جلد (2)
هو لقيس بن الملوح، وتمامه:
إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي؟
أي من الموت كني عنه بذلك تسلية لهذه المرأة، واستشهد به المصنف على دخول الهمزة على النفي. فإن الاستفهام هنا على حقيقته وكذا النفي.
9 - وأنشد:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح (3)
__________
(1) ديوانه 586
(2) ابن عقيل 1/ 154
(3) ديوانه 98، والبيت في الشعراء 349 وطبقات ابن سلام 320 و 349 و 357 و 426 والأغاني 8/ 305.
(1/42)

هذا من قصيدة لجرير يمدح بها عبد الملك بن مروان. قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في أماليه: حدثنا أبي
ثنا أبو محمد عبد الله بن رستم قال: قال يعقوب بن السكيت: حدثني عمارة بن عقيل عن بعض أشياخهم عن جرير الخطفي قال: أوفدني الحجاج إلى عبد الملك بن مروان عاشر عشرة، فدخلت عليه وعنده الأخطل فأنشدته:
أتصحو أم فؤادك غير صاح … عشيّة همّ صحبك بالرّواح
فقال: لا بل فؤادك! ثم مريت في القصيدة الى قولي:
تعزّت أمّ حزرة ثمّ قالت: … رأيت الموردين ذوي لقاح
فقال: لا أروى الله عيمتها (1). وبعد هذا البيت:
تعلّل وهي ساغبة بنيها … بأنفاس من الشّبم القراح
سأمتاح البحور فجنّبيني … أذاة اللّوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك … ومن عند الخليفة بالنّجاح
أغثني، يا فداك أبي وأمّي، … بسيب منك إنك ذو ارتياح
فإنّي قد رأيت عليّ حقّا … زيارتي الخليفة وامتداحي
سأشكر أن رددت عليّ ريشي … وأنبتّ القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
فقال عبد الملك: نحن كذلك!!.
وقوم قد سموت لهم فدانوا … بدهم في ململمة رداح
__________
(1) العيمة: شدة العطش.
(1/43)

أبحت حمى تهامة بعد نجد … وما شيء حميت بمستباح
لكم شمّ الجبال من الرّواسي … وأعظم سيل معتلج البطاح
القصيدة بتمامها. فقال: من كان مادحنا فليمدحنا هكذا، وأمر لي بمائة ناقة وثمانية أرقاء من السبي، وجام فضة. هذا إسناد جيد متصل إلى جرير، أخرجه ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى ابن الأنباري، وأورد القصيدة بتمامها، وأنا انتخبتها. وله طرق أخر استوعبها ابن عساكر في تاريخه. وأم حزرة: زوج جرير وافقت كنيتها كنيته. والموردون: الذين يوردون إبلهم المياه. واللقاح، جمع لقحة، وهي الناقة التي لها لبن. والعيمة، بفتح المهملة، شدة شهوة اللبن. كما أن الغيمة بالمعجمة، شدة شهوة الماء. والأيمة: شدة شهوة النكاح، والقرم: شدة شهوة اللحم.
والساغبة: الجائعة. والانفاس: جرع لا تبلغ غاية الري. والشبم: الماء البارد. والشبم، بفتحها، البرد. والقراح: الماء الخالص الذي لا يخلط به لبن ولا غيره. سأمتاح: سأستقي، وهو مثل. والبحور كناية عن الملوك. والسيب:
العطاء. والارتياح: الخفة للعطاء. والقوادم: عشر ريشات في الجناح، وما فوق ذلك الخوافي. وسموت: ارتقيت. والدهم: الخيل الكثير. والململمة: الكتيبة التي بعضها داخل في بعض. والرداح: الضخمة. وتهامة: الناحية الجنوبية من الحجاز. ونجد: الناحية التي بين الحجاز والعراق. قال الواقدي: الحجاز من المدينة الى تبوك، ومن المدينة الى طريق الكوفة وما وراء ذلك، إلى أن تشارف أرض البصرة، فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطايف نجد، وما كان وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز، قوله:
وما شيء حميت بمستباح
أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا لحذف العائد المنصوب بين جملة الصفة، أي حميته. والبطاح: جمع أبطح، وهو وسط الوادي، يكون فيه رمل وحصا صغار. ومعتلجة: حيث تجمع ويدفع بعضه بعضا. والمطايا: جمع مطية، وهي
(1/44)

الدابة تمطو في مشيها، أي تسرع. وأندى: أسخى. والراح: جمع راحة وهي الكف. قال الزبير في الموفقيات: اجتمع جماعة من العلماء والرواة فتذاكروا المديح فقالوا: أمدح الشعر؟ فقال جعفر بن حسين اللهبي: قول جرير لعبد الملك:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
فقال مسلم بن الزناد: ليس هذا بشيء، قد يرغب الرجل فيمدح. فقال محمد ابن الضحاك بن عثمان: قول الأعور ابن براء الكلابي:
وذي إبل لولا كلاب أراحها … ولكنه مولى كلاب فعذبا
فقال مسلم: إن هذا المديح، وأريد أشرح من هذا. فقال أبو غزية: قول معن ابن أوس المزني لحمزة بن عبد الله بن الزبير:
إنّك فرع من قريش وإنّما … تمج النّدى منها الفروع الشّوارع
غنوا قادة للنّاس بطحاء مكة … لهم سقايات الحجيج الدوافع
فلمّا دعوا للموت لم تبك مثلهم … على حدث الدّهر العيون الدّوامع
فصاح مسلم بن أبي الزناد: الآن حمي الوطيس هكذا يكون المديح.

فائدة: [جرير هو ابن عطية بن الخطفي]
جرير هو ابن عطية بن الخطفي بفتحات، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف ابن كليب بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو حزرة، بالحاء المهملة، التميمي البصري الشاعر المشهور. مدح يزيد بن معاوية، ومن بعده من الأمويين، وإليه المنتهى والى الفرزدق في حسن النظم. وقال بشار بن برد:
كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وقال يونس: كان الفرزدق يتضوّر ويجزع اذا أنشد لجرير، وكان جرير أصبرهما. وقال بشار: أجمع أهل
(1/45)

الشام على جرير والفرزدق والأخطل، والأخطل دونهما، ومن من فضل جرير على الفرزدق ابن هرمة وعبيدة بن هلال. قال يونس: قال الفرزدق لامرأته النوار: أنا أشعر أم ابن المراغة؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك في مرّه. وقال محمد بن سلام:
ذاكرت مروان بن أبي حفصة قال: ذهب الفرزدق بالفخار وانما حلو القريض ومرّه لجرير. وقال الكلبي: مدح أعرابي عبد الملك بن مروان فأحسن، فقال له عبد الملك:
تعرف أهجي بيت في الاسلام قال: قول جرير:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال: أصبت! فهل تعرف أمدح بيت قيل في الاسلام؟ قال: نعم، قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
قال: أصبت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الاسلام؟ قال: نعم، قول جرير:
إنّ العيون الّتي في طرفها مرض … قتّلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به … وهنّ أضعف خلق الله أركانا
قال: أصبت، فهل تعرف جرير؟ قال: لا، وإني الى رؤيته لمشتاق. قال: فهذا جرير وهذا الفرزدق وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول:
فحيّا الإله أبا حزرة … وأرغم أنفك يا أخطل
وجد الفرزدق أنفس به … ودقّ خياشيمه الجندل
فأنشأ الفرزدق يقول:
بل أرغم الله أنفا أنت حامله … يا ذا الخنا ومقال الزّور والخطل
ما أنت بالحكم التّرضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرّأي والجدل
(1/46)

فغضب جرير وقال أبياتا. ثم وثب وقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين، جائزتي له، وكانت كل سنة خمسة عشر ألفا. فقال عبد الملك: وله مثلها مني.
أخرجه ابن عساكر في تاريخه بسنده الى الكلبي. وروينا في طبقات الشعراء عن أبي عمرو بن العلاء قال: دخل أعرابي من أهل البادية فقال له عبد الملك بن مروان:
ألك بالشعر علم؟ قال: نعم، قال: أيّ بيت أهجى؟ قال بيت جرير:
أيا أيّها الغيث الّذي شحّ وابله … كأنّك تحكي راحة ابن هشام
قال: فأي بيت أغزل؟ قال بيت جرير: إن العيون ... البيت، قال: فأي بيت أنعى؟ قال: بيت جرير:
يا أيّها النّاس لا تبكوا على أحد … بعد الّذي بضمير وافق القدرا
فقال جرير: يا أمير المؤمنين، عطائي للأعرابي. فقال عبد الملك: ومثله من مالنا. مات جرير سنة عشر ومائة بعد الفرزدق بشهر. وفي البيان للجاحظ (1): انما سمي جدّ جرير الخطفي لأبيات قالها:
يرفعن باللّيل ما أسدفا … أعناق جنّان وهاما رجّفا
وعنقا باقي الرّسيم خيطفا
أي سريعا كالخطف.
قال (2): وقد سمي بشر كثير بما قالوه في شعرهم كالمرقش عمرو بن سعد بن مالك، غلب عليه مرقش لقوله:
الدّار قفر والرّسوم كما … رقّش في ظهر الأديم قلم
__________
(1) البيان والتبيين 1/ 283
(2) البيان والتبيين 1/ 288.
(1/47)

وعوف بن حصن بن حذيفة بن بدر، غلب عليه عويف القوافي لقوله:
سأكذب من قد كان يزعم أنّني … إذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا
ويزيد بن ضرار الثعلبي، غلب عليه المزرد لقوله:
فقلت تزرّدها عبيد فإنّني … لدرد الموالي في السّنين مزرّد
وسالم بن نهار العبدي (1) غلب عليه الممزق لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
وجرير بن عبد المسيح، غلب عليه المتلمس لقوله:
فهذا أوان العرض حيّ ذبابه (2) … زنابيره والأزرق المتلمّس
وعمر بن رياح السلمي، والد الخنساء، غلب عليه الشريد لقوله:
تولّى إخوتي وبقيت فردا … وحيدا في ديارهم شريدا
وقد عقد ابن دريد بابا في الوشاح لمن لقب من الشعراء ببيت قاله، فذكر فيه جماعة. وستأتي مفرّقة في هذا الكتاب.
10 - وأنشد:
أطربا وأنت قنسريّ … والدّهر بالإنسان دوّاريّ (3)
هذا من أرجوزة للعجاج، وقبله وهو أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ … وإنّما يأتي الصّبا الصّبيّ
__________
(1) اتفقت المصادر على أن اسم الممزق شأس بن نهار وفيّ المرزباني (يزيد) ولم تذكر المصادر ان اسمه (سالم) ولعله خطأ في الاصل. وانظر الشعراء 360، والبيان 1/ 289، وطبقات ابن سلام 232، والاصمعيات 47.
(2) في البيان: (طن ذبابه).
(3) الخزانة 3/ 511، والبيان 1/ 180.
(1/48)

بكيت والمحتزن البكيّ … وإنّما يأتي الصّبا الصّبيّ
قال في الصحاح: احتزن وتحزن بمعنى، وأنشد البيت. والبكيّ: الكثير البكاء بوزن فعيل. والصبا، بكسر أوّله والقصر، التصابي، والميل الى الجهل. وطربا:
نصب بفعل مقدّر أي أتطرّب. قال ابن يسعون: وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعز وأبلغ في المراد، والهمزة
للانكار التوبيخي، وهو محل الاستشهاد. وقد استشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في توبيخ، والمشهور أنه منصوب على أنه مفعول مطلق. وقيل: إنه على الحال المؤكد، أي أتطرّب في حال طرب، حكى ذلك أبو حيان. وقنّسريّ: شيخ كبير، بكسر القاف وفتح النون المشدّدة وسكون السين المهملة وراء وياء مشدّدة. قال الجوهري: ويروى بكسر النون. وقنسري أيضا نسبة الى قنسرين بلد الشام وفي نونه الفتح والكسر.
وفي الصحاح: الدوّاري: الدهر يدور بالانسان أحوالا، وأنشد البيت. ومن أبيات هذه الارجوزة المستشهد بها في كلام أئمة العربية قوله:
كنّا بها إذا الحياة حيّ
الحيّ: مصدر بمعنى الحياة، إذا الحياة حياة غير متكدرة ولا منغصة. وقيل:
حيّ جمع حياة كبدنة وبدن.

فائدة: [العجاج]
العجاج اسمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن عمرو بن حيّ.
وقيل: عميرة بن حني بن ربيعة بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، أبو الشعثاء التميمي والد رؤبة راجز مجيد عدّه الجمحي في الطبقة التاسعة من الشعراء الاسلاميين (1). وقال المرزباني: ولد في الجاهلية وقال فيها أبياتا ومات في أيام الوليد بن عبد الملك، وقد أفلج وأقعد، وهو أوّل من رفع الرجز وشبهه بالقصيد وجعل له أوائل ولقب العجاج ببيت قاله هو:
__________
(1) الطبقات 571.
(1/49)

حتّى يعجّ عندها من عجعجا
قال ابن عساكر: وله رواية حديث عن أبي هريرة وأبي الشعثاء، روى عنه ابنه رؤبة عن الأصمعي قال: قيل للعجاج إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إنّ لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا إلا وهو على الهدم أقدر منه على البناء. وفي البيان للجاحظ (1): قال العجاج: قلت أرجوزتي التي أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ
وأنا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.
11 - وأنشد:
لتقر عنّ عليّ السّنّ من ندم … إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي
هذا آخر قصيدة لتأبط شرّا، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان بن عديّ بن كعب ابن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار ومطلعها (2)
__________
(1) البيان والتبيين 1/ 180.
(2) قول السيوطي: ومطلعها يا عيد. وأنشد بعده:
ولا أقول إذا ما خلة صرمت
لقد ترك ستة أبيات بين البيتين، وقد حرف آخر البيت الرابع بقوله: هذا بين إرقاق. وفسره بقوله: والهذ: الاسراع. وحرف بعده قافية البيت بقوله: بين إرقاق. وفسره بقوله: والارقاق مصدر رقيقه. وكذلك حرف أوّل البيت الخامس بقوله: عاري الطنابيب، بالطاء المهملة. وفسره بقوله جمع مطنب وهو ما بين المنكب والعاتق. وهذا شيء غير منقول وغير معقول فقد حرف الرواية المجمع عليها التي هي الصواب (عاري الظنابيب) بالظاء المشالة أي المعجمة جمع ظنبوب كعصفور وهو ظاهر عظم الساق والصواب في قوله هذا: هدا، بالدال المهملة، وهو الصوت الغليظ.
والارفاق في قول الشاعر: هدا بين إرفاق أو بين ارباق، فالمراد بالارفاق الرفاق، كأنه جمع على تقدير حذف الزوائد والارباق جمع ربق وهي الحلق التي تجعل في الحبل لتربط بها أولاد الغنم الصغار والصواب: أرفاق بالفاء وفتح الهمزة ويروى أرباق بفتح الهمزة واسكان الباء اه. باملاء حضرة الاستاذ محمد محمود الشنقيطى.
قلت: انظر المفضليات 27 - 31 وفيه ما يؤيد اعتراض المرحوم الشنقيطي.
(1/50)

يا عيد مالك من شوق وإيراق … وكرّ طيف على الأهوال طرّاق (1)
ولا أقول إذا ما خلّة صرمت … يا ويح نفسي من شوق وإشفاق
لكنّما عولي إن كنت ذا عول … على بصير بكسب الحمد سبّاق
سبّاق غايات مجد في عشيرته … مرجّع القول هذّا بين إرقاق
عاري الطّنابيب، ممتدّ نواشره … مدلاج أدهم واهي الماء غسّاق
حمّال ألوية، شهّاد أندية … قوّال محكمة جوّاب آفاق
قرع السنّ: ضربها بطرف الأنملة ونحوها. والندم: التأسف. والاخلاق، جمع خلق بضمتين، وقد يسكن: السجية والطبع. والعيد: ما اعتادك من نوم أو غيره. قال:
فالقلب يعتاده من حبّها عيد
والكرّ: الرجوع. والطيف: ما يجيء في النوم. والخلة: الصديقة. وصرمت:
قطعت. والاشفاق: بمعنى الحذر، فيعدّى بمن، نحو أشفقت منه. وبمعنى الشفقة فيعدى بعلى، نحو أشفت عليه. والعول: بكسر المهملة وفتح الواو. قال في الصحاح: يقال: عول عليّ بما شئت أي استغن بي، كأنه يقول: احمل عليّ ما أحببت، وما له في القوم من معول، والاسم العول، وأنشد البيت. وسباق:
صيغة مبالغة من السبق. وترجيع القول: ترديده، والهذ: الاسراع. والارقاق:
مصدر رقيقة بمعنى رفقت به. والطنابيب، جمع مطنب، وهو المنكب والعاتق، يقال: طنب الفرس فهو أطنب، إذا كان طويل القرى. وطنب الفرس، أي طال متنه، وهو عيب. وأراد بقوله عاري الطنابيب: براءته من هذا العيب، كما قال الآخر:
وقد لحقت بأولى القوم تحملني … حمراء لا شنج فيها ولا طنب
__________
(1) في المفضليات: (ومر طيف).
(1/51)

والنواشر: عروق باطن الذراع، جمع ناشرة. وجوّاب: صيغة مبالغة، من جبت البلاد أجوبها إذا قطعتها. والآفاق: النواحي، وهو إما على حقيقته في الأمكنة، أو مجاز في الأقوال. والحكم: بقرينة قوله قوّال محكمة كما قال الآخر:
ملقّن ملهم فيما يحاوله … جمّ خواطره جوّاب آفاق
قال التبريزي (1): سمي تأبط شرّا لأنه أخذ سيفا وخرج، فقيل لأمه أين هو؟
قالت: لا أدري، تأبط شرّا وخرج. وقيل: أخذ سكينا تحت أبطه وخرج إلى نادي قومه فوجأ بعضهم، فقيل تأبط شرّا. وقيل: قالت له أمه يوما: إن الغلمان يجنون لأهلهم الكمأة فهلا فعلت كفعلهم، فأخذ جرابه ومضى فملأه أفاعي وأتى متأبطا به، أي جاعلا له تحت إبطه، فألقاه بين يديها فخرجت الأفاعي منه تسعى فولت هاربة.
فقال لها نساء الحيّ: ماذا الذي كان ابنك متأبطا له؟ فقالت: تأبط شرّا! وقيل:
إنه رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحيّ ثقل عليه الكبش حتى لم يقله، فرمى به، فاذا هو الغول. فقال له قومه: ما كنت متأبطا يا ثابت! قال: الغول. قالوا: لقد تأبطت شرّا، فسمي بذلك.
حكاه في الأغاني (2) وإنه قال في ذلك:
تأبّط شرّا ثم راح أو اغتدى … يوائم غنما أو يشيف على ذحل
قال: وقيل: إنه سمي بهذا البيت. وفي الوشاح لابن دريد: أن كنيته أبو زهير. قال المصنف: وقد وافقه في اسمه واسم أبيه الشنفرى. وفي الأغاني: قال رجل لتأبط شرّا: بم تغلب الرجال وأنت دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شرّا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت.
12 - وأنشد:
يا حكم الوارث عن عبد الملك
__________
(1) شرح حماسة أبي تمام 1/ 75.
(2) الاغاني 21/ 146 (الثقافة).
(1/52)

هذا من أرجوزة لرؤبة، وقد انتحلها أبو نخيلة السعدي لنفسه. أخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى الأصمعي قال: حدّثني عبيد الله بن سالم قال: دخل عليّ أبو نخيلة وأنا في قبة مظلمة، ودخل رؤبة فقعد في ناحية منها، ولا يشعر كل واحد منهما بمكان صاحبه. فقلنا لأبي نخيلة أنشدنا، فأنشد هذه، وانتحلها لنفسه:
هاجك من أروى كمنهاض الفكك … هم إذا لم يعده هم فتك
وقد أرتنا حسنها ذات المسك … شادخة الغرّة زهراء الضّحك
تبلج الزّهراء في جنح الدّلك … يا حكم الوارث عن عبد الملك
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك … أتت بإذن الله إن لم تتّرك
مفتاح حاجات انخناهنّ بك … الذّخر فيها عندنا والأجر لك
قال: ورؤبة يئط ويذحر، فلما فرغ، قال رؤبة: كيف أنت يا أبا نخيلة؟
فقال: يا سوأتاه ألا أراك هنا هذا كبيرنا الذي يعلمنا. فقال له رؤبة: إذا أتيت الشام فخذ منه ما شئت، وما دمت بالعراق فإياك وإياه.
يقال: هاج الشيء يهيج واهتاج وتهيج أي ثار. وهاجه غيره يتعدى ولا يتعدى. وأروى، جمع أروية، وهي الأنثى من الوعول، وبه سميت المرأة. وفي الصحاح: الفكك: انفساخ القدم. وأنشد البيت. وقال الأصمعي: إنما هو الفك من قولك فكه يفكه فكا، فأظهر التضعيف ضرورة. وهم: فاعل هاجك. وفتك:
قتل على غفلة وغيره. والمسك: بفتحتين، اسورة من عاج أو ذبل، واحدها مسكة.
والشادخة: بشين وخاء معجمتين ودال مهملة: الغرّة التي فشت في الوجه من الناصية إلى الأنف ولم تصب العينين. تقول: شدخت الغرّة إذا اتسعت في الوجه.
وزهراء: مشرقة. والضحك: كناية عن التبسم، والوجه. وتبلج الصبح، وانبلج وبلج أضاء. تبلج فلان ضحك، هش. وجنح الليل، بضم الجيم وكسرها، طائفة
(1/53)

منه والدلك: هنا الليل يقال: دلكت الشمس غربت، وحكم (1): هو ابن عبد الملك ابن مروان. قال ابن عساكر في تاريخه: لا عقب له. وأوديت: هلكت. وفي الصحاح: العانك بالنون رملة فيها تعقد لا يقدر البعير على المشي فيها الا أن يحبو، يقال قد اعتنك البعير، ومنه قول رؤبة:
أوديت إن لم تحب حبو المعتنك
يقول: هلكت إن لم تحمل حمالتي بجهد. انتهى.
وقد أورد الفارسي هذا البيت في الشيرازيات وأورد بعده:
ما بعدنا من غاية ولا درك
وقال: الماضي أوديت بمنزلة الآتي بدلالة ايقاع الشرط بعده، ولو كان المراد الماضي لم يصح، إذ لا يقال قمت إن قمت، وإنما أقوم إن قمت، لأن الجزاء إنما يكون بما لم يقع، وأنت مبتدا خبره مفتاح حاجات. وتترك بالتشديد بمعنى تترك المخفف يقال: إترك افتعل بمعنى ترك. وأنخناهنّ أنزلناهنّ مستعار من أناخ الجمل أبركه.

فائدة: [رؤبة بن العجاج]
رؤبة بن العجاج مرّ نسبه في ترجمة أبيه، يكنى أبا الجحاف. وقيل. أبا العجاج من أعراب البصرة. قال ابن عساكر: مخضرم سمع أباه وأبا هريرة وعقيل ابن حنظلة، روى عنه ابنه عبد الله وأبو عبيدة معمر بن المثنى ويحيى بن سعيد
__________
(1) (قلت): قول السيوطي: وحكم هو ابن عبد الملك بن مروان غلط واضح ليس لعبد الملك بن مروان ابن اسمه حكم وانما الصواب المتفق عليه ان حكم هذا في البيت المستشهد به هو ابن عبد الملك بن بشر بن مروان أخو عبد الملك بن مروان لا ابن عبد الملك كما قال السيوطي. انتهى املاء من حضرة الاستاذ.
(1/54)

القطان والنضر بن شميل وأبو زيد سعيد بن أوس وأبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر وعثمان بن الهيثم، ووفد على الوليد وسليمان ابني عبد الملك. وعدّه الجمحي في الطبقة التاسعة من شعراء الاسلام (1) وذكره البردعي في الأسماء المفردة، وذكره ابن عديّ في الكامل وقال: ليس له إلّا حديث واحد في الحداء ولم يكن بروايته بأس. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: دع رؤبة كيف كان. قال: إما إنه لم يكذب. وقال النسائي: رؤبة ليس بالقوي في الحديث. وقال العقيلي: لم يتابع على حديثه. قال ابن عون: كنا نشبه لهجة الحسن بلهجة رؤبة.
وأخرج ابن عساكر من طريق أبي عثمان المازني عن الأصمعي عن خلف الاحمر قال:
سمعت رؤبة يقول: ما في القرآن أعرب من قوله (فأصدع بما تؤمر) وقال الجمحي:
رؤبة أكثر شعرا من أبيه. وقال بعضهم: إنه أفصح من أبيه. قال: وهو أوّل من قال تقصير الاسم وتخفيف النسب:
قد رفع العجاج ذكري فادعني … باسمي إذا الأنساب طالت يكفني
ومن شعره، وقد ذكر فيما أخرجه ابن عساكر عنه، أنه لم يقل من غير الرجز سواه:
أيّها الشّامت المعيّر بالشّيب … أقلن بالشّباب افتخارا
قد لبست الشباب غضّا طريّا … فوجدت الشّباب ثوبا معارا
قال ابن عساكر: مات رؤبة سنة خمس وأربعين ومائة. ورأيت في كتاب مناقب الشبان وتقديمهم على ذوي الأسنان: تقول العرب أرجز الناس بنو عجل، ثم بنو تميم، يريدون الأغلب العجلي، ثم العجاج، ثم بنو عجل، ثم بنو تميم، يريدون أبا النجم العجلي، ثم رؤبة وقيسه (2). كان رؤبة يقول لأبيه: أنا أشعر منك. قال: وكيف؟ قال: لأني شاعر ابن شاعر وأنت شاعر ابن مفحم.
__________
(1) الطبقات 571
(2) كذا بالاصل؟
(1/55)

فائدة: [شاعر آخر يقال له رؤبة بن العجاج بن شدم الباهلي]
لهم شاعر آخر يقال له رؤبة بن العجاج بن شدم الباهلي وأبوه العجاج أيضا شاعر ذكره الآمدي في المختلف وقال: أنشد له ثعلب:
قالت له وقولها أحزان … ذروه والقول له بيان
يا أبتا أرّقني القزان … فالنّوم لا تطعمه العينان
من وخز برغوث له أسنان … وللبعوض فوقه دندان
13 - وأنشد:
يعود الفضل منك على قريش … وتفرج عنهم الكرب الشّدادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى … بأجود منك يا عمر الجوادا
هما من قصيدة لجرير يمدح بها عمر بن عبد العزيز، وأوّل القصيدة (1):
أبت عيناك بالحسن الرّقادا … وأنكر الأصادق والبلادا
لعمرك إنّ نفع سعاد عنّي … لمصروف ونفعي عن سعادا
فلا دية، سقيت، وديت أهلي … ولا قودا بقتلي مستفادا
ألمّا صاحبيّ نزر سعادا … لقرب مزارها وزر البعادا
فيوشك أن تشطّ بنا قذوف … يكلّ نياطها القلص الجلادا
إليك شماتة الأعداء أشكو … وهجرا كان أوّله بعادا
فكيف إذا نأت ونأيت عنها … أعزّي النّفس أو أزع الفؤادا
__________
(1) ديوانه 135. والكامل 651
(1/56)

أتيح لك الظّعائن من مراد … وما خطب أتاح لنا مرادا
إليك رحلت يا عمر بن ليلى … على ثقة أزورك واعتمادا
تعوّد صالح الأخلاق إنّي … رأيت المرء يلزم ما استعادا
أقول وقد أتين على قرورى … وآل البيد يطّرد اطّرادا
عليكم ذا النّدى عمر بن ليلى … جوادا سابقا بذّ الجيادا
إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى … ومروان الذي رفع العمادا
ومن عبد العزيز لقيت بحرا … إذا نقص البحور المدّ زادا
فسدت النّاس قبل سنين عشر … كذاك أبوك قبل العشر سادا
وثبت الفروع فهنّ خضر … ولو لم يجي أصلهم لبادا
تزوّد مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزّاد زاد أبيك زادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى … بأكرم منك يا عمر الجوادا
هنيئا للمدينة إذ أهلّت … بأهل الملك أبدا ثم عادا
يعود الحلم منك على قريش … وتفرج عنهم الكرب الشّدادا
وقد ليّنت وحشهم برفق … وتعيي النّاس وحشك أن تصادا
وتبني المجد يا عمر بن ليلى … وتكفي الممحل السّنة الجمادا
وتدعو الله مجتهدا ليرضى … وتذكّر في رعيّتك المعادا
ونعم أخو الحروب إذا تردّى … على الزّعف المضاعفة النّجادا
وأنت ابن الخضارم من قريش … هم نصروا النّبوّة والجهادا
(1/57)

وقادوا المؤمنين ولم تعوّد … عادة الرّوع خيلهم القيادا
إذا فاضلت مدّك من قريش … بحور عمّ زاخرها الثّمادا
وإن تندب خؤولة آل سعد … تلاق العزّ والسّلف الجعادا
لهم يوم الكلاب ويوم قيس … هراق على مسلّحة المزادا
وقوله: بالحسن، هو موضع في بلاد بني ضبة، سمي الحسن لحسن شجره.
والأصادق: جمع صديق، كأحاديث جمع حديث، وأنشد الفارسي البيت بلفظ الأصادق. والبعاد جمع بعيد. قال: ولا أحفظه. والبلاد (1) ودية بالنصب مفعول وديت مقدّم. وقودا بالنصب معطوف عليه على تقدّم عامل يناسبه على حدّ:
علفتها تبنا وماء باردا
وسقيت: جملة دعائية معترضة، والخطاب فيه وفي وديت بالكسر لسعاد على الالتفات. والالمام: النزول. وفلان يزور بالماما: أي في الأحايين. ويوشك: يقرب.
وتشط: تبعد، يقال: شطت الدار تشط، وتشط بعدت بلده. وقذوف: أي طروح ببعدها، بدال معجمة بوزن صبور، ويكل بضم أوّله يعيى، واللازم كل أي أعيا.
ونياط: المفازة بعد طريقها فكأنها نيطت بمفازة أخرى لا تكاد تنقطع. قال العجاح:
وبلدة بعيدة النّياط
والقلص، جمع قلوص، وهي الفتية من النوق، بمنزلة الجارية من النساء.
والجلاد جمع جلدة بالتسكين، من صفات الابل وهي أدسمها لبنا. وأزع، مضارع وزعت الشيء، كففته بزاي وعين مهملة. وأتيح له الشيء قدّر له.
والظعائن، جمع ظعينة، وأصله الهودج ثم أطلق على الابل التي عليها الهوادج، ثم أطلق على المرأة ما دامت في
الهودج. ومراد: قبيلة من اليمن. وما خطب أي وأيّ خطب. وليلى: جدة عمر بن عبد العزيز أم أبيه، وهي بنت الأصبغ بن زيادة
__________
(1) كذا؟؟
(1/58)

الكلبي. يقال إن أمه أيضا اسمها ليلى، وهي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وقوله: واعتمادا: عطف على محل الجار والمجرور، لأنه في موضع الحال، أي أزورك واثقا بك معتمدا عليك. وقوله:
تعوّد صالح الأخلاق إنّي … رأيت المرء يلزم ما استعادا
فيه حكمة بليغة، وفي معناه ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم النخعي قال: قلّ ما عوّد الانسان الشيطان من نفسه عادة إلا استعادها منه، واستعاد منا: بمعنى تعوّد. وقرورى: موضع. والآل: السراب. وتطرد:
يجري ويتبع بعضه بعضا. وبذا: بتشديد المعجمة غلب. والفاروق: لقب عمر بن الخطاب، وهو جدّ أم عمر كما تقدّم. والمدّ في البحر: الزيادة مع زيادة القمر، وضدّه الجزر. وقوله:
تزوّد مثل زاد أبيك زادا
أورده المصنف في الباب الرابع شاهدا للمبرد على ما أجازه من قولك: نعم الرجل رجلا زيد، وخرجه المصنف على أن زاد معمول لتزود، إمّا مفعول مطلق إن أريد به التزوّد، أو مفعول به إن أريد به الشيء الذي تتزوّده، من أفعال البرّ، وعليهما، فمثل: نعت له تقدّم فصار حالا، والوجهان ذكرهما ابن يسعون.
ونقل عن الفرّاء: ان الزاد مصدر، قال: ويجوز أن يكون تمييزا مثل قولهم: لي مثله رجلا، أي تزوّد مثل زاد أبيك زادا. وكعب بن مامة الايادي من جوده أنه أثر في سفر رفقته بالماء حتى مات عطشا، ومامة أبوه. وابن سعدى بضم السين هو أوس بن حارثة بن لام الطائي، وسعدى أمه. وأهلت أظهرت، يقال: أهلّ الهلال إذا بدا وأبدا. وتفرج بضم الراء. والممحل: الذي أصابه الجدب، يقال أمحل القوم: أجدبوا. قال ابن السكيت: أمحل البلد فهو ما حل، ولم يقولوا ممحل، وربما جاء ذلك في الشعر، قال حسان:
أما ترى رأسي تغيّر لونه … شمطا فأصبح كالثغام الممحل
(1/59)

وسنة: جماد لا مطر فيها. وأرض جماد لم يصبها المطر. والزغف: بفتح الزاي وسكون المعجمة وفتحها وفاء جمع زغفة بالوجهين الدرع اللينة. وقيل:
الواسعة. وقيل: الصغيرة الحلق. والمضاعفة: الدرع نسجت حلقتين حلقتين.
والنجاد، بكسر النون، حمائل السيف، وهو مفعول تردّى، استعاره من لبس الرداء. والخضارم، جمع خضرم، بالكسر وهو الكثير العطية، شبه بالبحر الخضرم، وهو الكثير الماء. قوله: ولم تعوّد الخ .. أراد بالخيل الرجال يقول:
لم تعوّد خيلهم أن تقاد وترأس ولكنها تقود وترأس. ومدك: فعل ماض جواب إذا، ومفعول فاضلت محذوف، وبحور فاعل مدّك. ومحرز آخرا مبتدا جدّا ارتفع. والثماد، والثمد، بالمثلثة: الماء الملح القليل الذي لا مادّة له. والجعاد، جمع جعد، وهو الكرير من الرجال. والكلاب بضم الكاف والتخفيف اسم ماء كانت عنده وقعة للعرب. ويوم الكلاب بالرفع مبتدا خبره لهم. ويوم قيس بالنصب ظرف لهراق. وهو قيس بن عاصم المنقري من بني سعد، وكان غزا بكر ابن وائل بمسلحة، وهي بضم الميم، بين البصرة واليمامة، فلما خاف من قومه أن يجبنوا أطلق أفواه المزاد فهراق الماء، وقال لأصحابه: قاتلوا فالموت بين أيديكم والفلاة وراءكم. فقاتلوا فظفروا بالبكريين وأصابوا إبلا كثيرة.
14 - وأنشدني:
أيا جبلي نعمان بالله خلّيا … نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها (1)
قال صاحب الحماسة البصرية: هو لقيس بن الملّوح، وأورده بلفظ: طريق الصبا، وبعده:
أجد بردها أو تشف منّي صبابة (2) … على كبد لم يبق إلّا صميمها
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت … على نفس مهموم تجلّت همومها
__________
(1) الامالي 2/ 181.
(2) في الامالي: (حرارة).
(1/60)

ألا إنّ أهوائي بليلى قديمة … وأقتل أهواء الرّجال قديمها
وفي الأغاني: أن قيس بن الملّوح، وهو مجنون ليلى خرج به أهله إلى وادي القرى ليمتاروا خوفا عليه من أن يضيع، فمرّوا في طريقهم بجبلي نعمان، فقال له بعض فتيان الحيّ: هذان جبلا نعمان، وقد كانت ليلى تنزل بهما! قال: فأيّ الرياح تأتي من ناحيتهما؟ فقال بعض فتيان الحي: الصبا. قال: فو الله لا أديم هذا الموضع حتى تهب الصبا! فأقام، ومضوا فامتاروا ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبت الصبا، ثم انطلق وأنشأ يقول:
أيا جبلي نعمان .. الأبيات.
ثم رأيت العيني قال في شواهده الكبرى هذه الأبيات صدر قصيدة طويلة لقيس وهو مجنون ليلى. وبعدها:
وإنّي على ليلى لزار وأنّني … على ذاك فيما بيننا مستديمها
وقد استشهد المصنف بهذا البيت في التوضيح على جواز إلحاق نون الوقاية.
ثم رأيت القالي قال في أماليه (1): حدّثنا أبو يعقوب ورّاق ابن دريد، وكان من أهل العلم، قال: أنا مسيح بن حاتم (2)، أنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: تزوج رجل من أهل تهامة امرأة من أهل نجد فأخرجها إلى تهامة، فلما أصابهما حزّ تهامة قالت: ما فعلت ريح كانت تأتينا ونحن بنجد يقال لها الصّبا؟ قال: يحبسها عنك هذان الجبلان، فقالت:
أيا جبلي نعمان بالله خلّيا
الأبيات الثلاثة. ولم يذكر البيت الرابع، وأوردها بلفظ نسيم الصبا، وبلفظ تشومني حرارة.
__________
(1) الامالي 1/ 181
(2) كذا في الأصل. وفي الامالي: (مسبح) بالموحدة.
(1/61)

تنبيه:
وقع في المهمات للشيخ جمال الدين الأسنوي نسبة هذه الابيات الى أبي نصر الأرغياني من الشافعية، من تلامذة إمام الحرمين، وهو وهم ظاهر، ولعله تمثل بها فحسبت له. ثم رأيت في تاريخ الصلاح الصفدي في ترجمة الأرغياني ما نصه: سمع من أبي الحسن الواحدي صاحب التفسير: ونعمان، بفتح أوله، واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات ويقال له نعمان الأراك. والصبا: بفتح المهملة ريح تهب من المشرق. ويخلص: بضم اللام يصل. وضمير نسيمها للنسيم.
الاول مرادا به الريح وبالثاني نفسها الضعيف، كما قال في المحكم: النسيم نفس الريح إذا كان ضعيفا. قلت: ويحتمل أن يكون النسيم الثاني هو عين الأوّل، من إعادة الظاهر مقام الضمير، والضمير للصبا. وجوّز الدماميني عود الضمير للمحبوبة، وهذا لا يتأتى على ما رواه القالي كما لا يخفى، ولا يتجه على نسبتها لقيس أيضا كما بينته في الحاشية. ولا اشكال على رواية طريق الصبا. ورأيته في تاريخ ابن عساكر بلفظ سبيل الصبا. وصميم الشيء
خالصه، وصميم الحرّ وصميم البرد أشده.

فائدة: [المرّية صاحبةعامر بن الطفيل:]
قال القالي أيضا (1): أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لاسماء المرّية صاحبة عامر بن الطفيل:
أيا جبلي وادي عريعرة الّتي … نأت عن نوى قومي وحقّ قدومها
ألا خلّيا مجرى الجنوب لعلّه … يداوي فؤادي من جواه نسيمها
وكيف تداوي الرّيح شوقا مماطلا … وعينا طويلا بالدّموع سجومها
وقولا لركبان تميميّة غدت … إلى البيت ترجو أن تحطّ جرومها
بأنّ بأكناف الرّغام غريبة … مولّهة ثكلى طويلا نئيمها
__________
(1) الامالي 2/ 197 وانظر اللآلي 816 وياقوت (الرغام) و (عريعرة) لامرأة من مرة.
(1/62)

مقطّعة أحشاؤها من جوى الهوى … وتبريح شوق عاكف ما يريمها
قلت: كأن هذه المرأة هي قائلة الأبيات السابقة قالت تلك في الصبا وهذه في الجنوب. وقوله: نسميها: وضميرها للمجنون كما هو واضح. وللعلو بدعواه هناك للصبا كما قدمته. وقولها: هنا مجرى الجنوب، نظير قولها: هناك طريق الصبا.
15 - وأنشد:
فأصاخ يرجو أن يكون حيّا … ويقول من فرح هيا ربا
وقبله:
وحديثها كالغيث يسمعه (1) … راعي سنين تتابعت جدبا
وأورده ثعلب في أماليه بلفظ:
وحديثها كالقطر سرّ به
وقال: يقول حديثها كالغيث والخصب. انتهى (2). والجدب. بفتح الجيم وسكون المهملة، ضدّ الخصب. وأصاخ، بصاد مهملة وخاء معجمة، أمال أذنه للاسماع. والحيا، بالقصر المطر.
16 - وأنشد في اذن:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها … وأمكنني منها إذن لا أقيلها (3)
هو لكثير عزة.
__________
(1) في حاشية الامير: (كالقطر يسمعه).
(2) لم أعثر على هذا الخبر في مجالس ثعلب.
(3) الخزانة 3/ 580، والبيان 2/ 189 (فإن).
(1/63)

قال الجاحظ في كتابه البيان (1): من الجمقى كثير عزة، ومن حمقه أنه دخل على عبد العزيز بن مروان فمدحه بمديح استجاده فقال له: سلني حوائجك؟ قال:
تجعلني في مكان ابن رمانة (2)! قال: ويحك، ذلك رجل كاتب وأنت شاعر! فلما خرج ولم ينل شيئا قال:
عجبت لتركي خطّة الرّشد بعد ما (3) … تبيّن من عبد العزيز قبولها
لئن عاد لي البيت. وبين البيتين قوله:
وأم صعبات الأمور أروضها … وقد أمكنتني يوم ذاك ذلولها
حلفت بربّ الراقصات إلى منى … يغول البلاد نصّها وذميلها (4)
لئن عاد لي البيت:
فهل أنت إن راجعتك القول مرّة … بأحسن منها عائد فمنيلها
خطة الرشد، بضم الخاء المعجمة، خصلة الهداية. ولا أقيلها: من الاقالة، أي لا أتركها. والأمّ، بفتح الهمزة، القصد. وأروضها: أذللها. والذلول:
المنقاد السهل. والراقصات: الابل، لأنها ترقص براكبها. ويغول البلاد، بغين معجمة، يقطعها ويجوبها. والنص والذميل، بالذال المعجمة، ضربان من سير الابل. ومنيلها: معطيها، اسم فاعل من النوال وهو العطاء.

فائدة: [كثير]
كثير بضم الكاف وفتح المثلثة والتحتية المشدّدة، ابن عبد الرحمن بن الأسود
__________
(1) 2/ 189.
(2) في البيان: (ابن زمانه) بالزاي المنقوطة.
(3) رواية البيان:
(عجبت لاخذي خطة الغي ...) وانظر حاشية الامير ص 19، وفيه: (بدا لي من عبد العزيز ..)
(4) في حاشية الأمير: (يغول الفيافي).
(1/64)

ابن عامر بن عويمر بن مخلد بن سبيع بن جعشمة بن سعد بن مليح، بضم الميم، ابن عمرو ابن عامر بن لحى بن قمعة بن الياس بن مضر، أبو صخر الخزاعي الحجازى، أحد الشعراء المشهورين يعرف بابن أبي جمعة، وهو جدّه أبو أمه.
وفد على عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز. روى عنه حماد الرواية.
وكان رافضيا. قال الزبير بن بكار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صالح بني هاشم وفاسدهم بحب كثير، من أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه منهم فهو صالح، لأنه كان خشبيا يرى الرجعة. قال الزبير: وكان يقول بتناسخ الأرواح.
وقال يونس النحوي: كان ابن أبي إسحق يقول: كثير أشعر أهل الاسلام، وكانت له منزلة عند قريش وقدر. وقال طلحة بن عبد الله بن عوف: لقي الفرزدق كثيرا وأنا معه، فقال: أنت يا أبا صخر أنسب العرب حيث تقول (1):
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول (2):
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا … وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقّفوا
قال: وهذان البيتان لجميل، سرق أحدهما كثير والآخر الفرزدق (3) فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، هل كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا، ولكن كان أبي يردها.
قال طلحة: فعجبت من كثير ومن جوابه، وما رأيت أحدا قط أحمق منه، رأيتني وقد دخلت عليه ومعي جماعة من قريش، وكان عليلا، فقلنا: كيف تجدك؟ قال بخير، سمعتم الناس يقولون شيئا! وكان يتشيع، فقلنا: نعم، يقولون إنك الدجال.
قال: والله لئن قلت ذاك إني لأجد ضعفا في عيني هذه منذ أيام. أخرجه ابن عساكر.
وقال الجمحي (4): كان لكثير في النسيب نصيب وافر، وجميل مقدّم عليه في
__________
(1) الامالي 2/ 62 - 56 وطبقات ابن سلام 462، والموشح 147 والاغاني 4/ 58.
(2) ديوانه 567.
(3) انظر الاغاني 7/ 85 والموشح 109، وذيل اللآلي 56
(4) الطبقات 461
(1/65)

النسيب، وله من فنون الشعر ما ليس لجميل. وكان جميل صادق الصبابة والعشق، وكان كثير يقول (1) ولم يكن عاشقا، وكان راوية جميل.
واخرج ابن عساكر من طريق الصولي، حدثنا محمد بن يزيد، حدّثنا ابن عائشة حدّثني أبي حدّثني رجل من بني عامر بن لؤي، ما رأيت بالحجاز أعلم منه، قال: حدّثني كثير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفي جميل أيهما أصدق عشقا، ولم يكونوا يعرفونه بوجهه، ففضلوا جميلا في عشقه؛ قال: فقلت لهم: ظلمتم كثيرا، كيف يكون جميل أصدق عشقا من كثير، وإنما أتاه عن بثينة ما يكره فقال (2):
رمى الله في عيني بثينة بالقذى! … وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح
وكثير أتاه عن عزة ما يكره فقال (3):
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
فما انصرفوا إلّا على تفضيلي.
وأخرج ابن عساكر عن العتبي قال (4): كان عبد الملك بن مروان يحب النظر الى
__________
(1) في الطبقات: (يتقوّل).
(2) الامالي 2/ 109 واللآلي 736، والموشح 199 ومصاع العشاق 61، والخزانة 2/ 379 و 3/ 94.
(3) ديوانه 49، وزهر الآداب 354، والموشح 199.
(4) الخبر في الأمالي 1/ 46 - 47 بلفظ: (.. دخل كثير على عبد الملك ابن مروان رحمه الله، فقال عبد الملك بن مروان: أأنت كثير عزة؟
قال: نعم، قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: يا أمير المؤمنين، كل عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالي السناء، ثم أنشأ يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه … فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقابا … ولم تطل البزاة ولا الصقور
خشاش الطير أكثرها فراخا … وأم الصقر مقلات نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيرا … وأصرمها اللواتي لا تزير
وقد عظم البعير بغير لب … فلم يستغن بالعظم البعير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوي … فلا عرف لديه ولا نكير
يقوّده الصبي بكل أرض … وينحره على الدّرب الصغير
فما عظم الرجال لهم بزين … ولكن زينهم كرم وخير
فقال عبد الملك: لله دره، ما أفصح لسانه، وأضبط جنانه، وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه.
(1/66)

كثير عزة، فلما ورد عليه إذ هو حقير قصير تزدريه العين، فقال عبد الملك:
تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه. فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الذي أقول (1):
وجرّبت الأمور وجرّبتني … وقد أبدت عريكتي الأمور
وما تخفي الرّجال عليّ إنّي … بهم لأخو مثاقبة خبير
ترى الرّجل النّحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد نزير (2)
ويعجبك الطّرير فتبتليه … فيخلف ظنّك الرّجل الطّرير
وما عظم الرّجال لها بزين … ولكن زينها كرم وخير (3)
بغاث الطّير أطولها جسوما … ولم تطل البزاة ولا الصّقور (4)
وقد عظم البعير بغير لبّ … فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثمّ يضرب الهراوي … فلا عرف لديه ولا نكير
يجرّره الصّبيّ بكلّ سهب … ويحبسه على الخسف الجرير
__________
(1) وردت هذه القصيدة في الامالي 1/ 47، وحماسة أبي تمام بشرح التبريزي 3/ 152 باختلاف الألفاظ، كما اختلف في اسم قائله، وقال البكري في سمط اللآلي 190: (اختلف العلماء في عزو هذا الشعر فأنشده أبو تمام لعباس بن مرداس السلمي، ونسبه ابن الاعرابي والرياشي الى معود الحكماء. وقال عمرو بن أبي عمرو النوقاني: وقد نسب الى ربيعة الرقي، والصحيح من هذا والله أعلم أنه لمعود الحكماء). وعند الحصري لكثير.
(2) في الامالي، واللآلي 190 (أسد هصور) وفي الحماسة: (مزير)، أي العاقل الحازم، ويروى: (مرير) أي قوي القلب شديده.
(3) في الحماسة برواية:
فما عظم الرجال لهم بفخر … ولكن فخرهم كرم وخير
(4) رواية البيت كما في الموشح واللسان والحماسة:
بغاث الطير أكثرها فراخا … وأم صقر مقلات نزور
(1/67)

وعود النّبع نبت مستمر … وليس يطول والقصباء خور
فاعتذر اليه عبد الملك ورفع مجلسه. الطرير ذو الرواء والمنظر (1). الهراوي:
العصا. والجرير: الحبل. والنبع: من كريم الشجر تتخذ منه القسيّ. والقصباء:
القصب. والخور بضم الخاء المعجمة، جمع خوار وخوارة من الخور، وهو الضعف.
وقيل لكثير: ما بقي من شعرك؟ قال: ماتت عزة فما أطرب، وذهب الشباب فما أعجب، ومات ابن ليلى فما أرغب، وإنما الشعر بهذه الخلال. أخرجه ابن عساكر وقال: ابن ليلى، عبد العزيز بن مروان. قال الدارقطني وغيره: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس، وذلك سنة خمس ومائة.
17 - وأنشد (2):
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن … عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
هما لرجل من بلعنبر، اسمه قريط، بضم القاف وفتح الراء آخره طاء مهملة، هكذا ذكره البياري في شرحه (3) يعير قومه بتخاذلهم عن نصره، وقد أغارت عليه بنو شيبان واستاقت إبله. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أغار ناس من بني شيبان على رجل من بلعنبر يقال له قريط بن أنيف، فأخذوا له ثلاثين بعيرا فاستنجد قومه فلم ينجدوه، فأتى مازن تميم فركب معه نفر فاطردوا لبني شيبان مائة بعير ودفعوها إليه، فقال الأبيات وبعدها:
قوم إذا الشّرّ أبدى ناجذيه لهم … طاروا إليه زرافات ووحدانا
__________
(1) الطرير: الشاب الناعم ذو الكدنة.
(2) الخزانة 3/ 332 و 3/ 569، والحماسة بشرح التبريزي 1/ 8 - 18.
(3) هو قريط بن انيف من شعراء بلعنبر كما في الحماسة. وانظر المبهج لابن جنى ص 14 وحاشية الامير ص 20.
(1/68)

لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النّائبات على ما قال برهانا
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد … ليسوا من الشّرّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظّلم مغفرة … ومن إساءة أهل السّوء إحسانا
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته … سواهم من جميع النّاس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا … شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا (1)
مازن: بطن من تميم (2)، وخصهم بالذكر لأنه أبلغ فيما أراد من إغاظة قومه بني العنبر حيث تثاقلوا عن نصرته واستنقاذ ماله، إذ هم أقرب نسبا لهم وجوارا من أجل أن الحسد والبغضاء أسرع إلى الأقرباء منه الى البعداء، وكذلك الجيران. واستباح الشيء: وجده، أو جعله مباحا واستأصله، وكل ذلك صحيح هنا. وقال التبريزي في شرح الحماسة (3): الاستباحة، قيل هي «في معنى» (4) الاباحة، وقيل: الاباحة التخلية بين الشيء وبين طالبه. والاستباحة: إتخاذ الشيء مباحا. والأصل في الاجابة: إظهار الشيء للناظر ليتناوله من شاء، من باح بسرّه. وبنو اللقيطة: نسبهم الى أمهم ذما، أراد إنها نبذت فلقطت، فليس لها أصل يعرف. واللام في (لقام) جواب قسم مضمر: أي اذن والله لقام. قال التبريزي (5): وفائدة اذن هو أنه أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ وعلى قول سيبويه: إن إذن جواب وجزاء. يكون البيت جوابا لهذا السائل، وجزاء على فعل المستبيح. ويقال: قام بالأمر: إذا تكفل به. وخشن: جمع أخشن. وقال البياري: جمع خشن. والحفيظة: الغضب في الشيء الذي يجب عليك حفظه.
__________
(1) في الحماسة: (شدوا الإغارة).
(2) الموازن في العرب أربعة: مازن قيس، ومازن اليمن، ومازن ربيعة، ومازن تميم، والمراد في البيت مازن تميم.
(3) الحماسة 1/ 11.
(4) مزيدة عن التبريزي.
(5) الحماسة 1/ 12.
(1/69)

واللوثة بالضم: الضعف، وبالفتح الشدة. فان حمل على الأوّل: فمعنى البيت أنهم يشتدون إذا لان الضعيف، وفيه تعريض بقومه. أو على الثاني: فالمعنى المبالغة، أي يشتدّون إذا لان القوي. وأشار البياري إلى أن المعروف من الرواية الضم، فإن رواية الفتح لم تصح. والناجذ: أقصى الاضراس، كنى بابدائه عن كشف الحال ورفع المجاملة،
واستعمال الناجذ للشرّ استعارة. وطاروا: أسرعوا إلى دفعه ولم يتثاقلوا تثاقل بني العنبر. والزرافات: الجماعات، واحدها زرافة، بالفتح.
ووحدانا: جمع واحد، كصاحب وصحبان. ويندبهم: يدعوهم. والبرهان: فعلان من البره، وهو القطع. وقيل فعلال، وقوله يجزون ... البيتين. استشهد بهما أهل البديع على النوع المسمى إخراج الذم في صورة المدح. وسواهم استثناء مقدم، ولو أخر جاز إعرابه بدلا وصفة. وقوله: (فليت لي بهم) أي بدلهم، استشهد به المصنف في حرف الباء على ورودها للبدلية بمعنى بدل. وشنوا: من شنّ إذا فرق لأنهم يفرقون الاغارة عليهم من جميع جهاتهم. ويروى شدّوا. والاغارة: مصدر أغار على العدّو، والاسم غارة. وفرسانا: جمع فارس. وركبانا: جمع راكب، وهو راكب الابل، وهما حالان. واستشهد بقوله: شنوا الاغارة على نصب المفعول له وهو معرّف باللام.
18 - وأنشد:
لا تتركنّي فيهم شطيرا … إنّي إذن أهلك أو أطيرا (1)
هو رجز لا يعرف قائله، والشطير: البعيد، وقيل الغريب. ونصبه على الحال.
وأهلك: بكسر اللام مضارع هلك بفتحها.
__________
(1) الخزانة 3/ 574.
(1/70)

شواهد إن المكسورة الخفيفة
19 - وأنشد:
شلّت يمينك إن قتلت لمسلما (1)
أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال:
قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي زوجها الزبير بن العوام:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة … يوم اللّقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبّهته لوجدته … لا طائشا رعش البنان ولا اليد
شلّت يمينك إن قتلت لمسلما … حلّت عليك عقوبة المتعمّد
إنّ الزّبير لذو بلاء صادق … سمح سجيّته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه … عنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثله … فيما مضى فيما تروح وتغتدي
وقال ابن سعد في طبقاته: انا أبو عامر العقدي: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سميرة قال: خرج الزبير بن العوام يوم الجمل، وهو يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة، سنة ست وثلاثين، بعد القتال على فرس له
__________
(1) ابن عقيل 1/ 146، والخزانة 4/ 348، واسماء المغتالين 158.
(1/71)

يقال له ذو الخمار، منطلقا يريد الرجوع إلى المدينة، فلقيه رجل من بني تميم يقال له العقد بن زمّام المجاشعي (1)، فقال له: يا حواري رسول الله، إليّ فأنت في ذمّتي أن لا يصل إليك أحد من الناس، فاقبل معه، وأقبل رجل من بني تميم إلى الأحنف بن قيس فقال: هذا الزبير في وادي السباع! فقال: ما أصنع إن كان الزبير لف بين غارين من المسلمين (2)، قتل أحدهما الآخر، ثم هو يريد اللحاق بأهله، فسمعه عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس ونفيع بن كعب، فركبوا في طلبه، فحمل عليه ابن جرموز فطعنه طعنة خفيفة، فحمل عليه الزبير فلحقوه، فقال:
الله الله يا زبير، فكف عنه، ثم سار وأغفى الزبير فطعنه ابن جرموز طعنة أثبته فوقع فأخذ رأسه وسيفه فحمله حتى أتى عليا رضي الله عنه فأخبروه أنه قاتل الزبير، فقال: بشروا قاتل ابن صفيّة بالنار! وأخد عليّ السيف منه وقال: سيف طالما فرج الغماء عن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ودفن الزبير بوادي السباع (3).
فقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تحت الزبير، وكان أهل المدينة يقولون (4): من أراد الشهادة فليتزوّج عاتكة، كانت تحت عبد الله بن أبي بكر الصدّيق فقتل عنها من سهم رميه في الطائف، فتزوّجها زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة، ثم كانت تحت عمر بن الخطاب فقتل عنها، ثم كانت عنده فقتل عنها، فقالت: غدر ابن جرموز ... الأبيات. زاد صاحب الحماسة البصرية: ثم كانت تحت الحسين بن علي فقتل عنها (5).
قولها: بفارس بهمة: في الصحاح: البهمة الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال أيضا للجيش بهمة. ومنه قولهم: فارس بهمة وليث غابة.
قال المصنف: وهو المراد هنا. والمعرد، بالمهملة: الفارّ يقال: عرد الرجل تعريدا:
أي فرّ. والطائش: الخفيف. والرعشة: الارتعاد. ورجل رعش: أي جبان.
ويروى: رعش الجنان أي القلب. وشلت: بفتح المعجمة، وأصله: شللت: بكسر العين، والمضارع يشل بالفتح، والسمح: السهل. والسجية: الخلق والطبيعة.
__________
(1) في اسماء المغتالين 158 والاشتقاق 559: (النعر بن الزمام المجاشعي).
(2) غارين: فريقين.
(3) انظر الخبر في اسماء المغتالين 158 - 159.
(4) انظر حاشية الامير ص 23.
(5) انظر كتاب المردفات من قريش 61 - 64.
(1/72)

والمشهد: محضر الناس. والغمرة، بفتح الغين المعجمة: الشدّة، والجمع، استعارة من الماء الكثير، ولذا قرنت بالخوض. ويقال: ثناه يثنيه إذا صرفه عن حاجته. وطراد الاقران في الحرب: حمل بعضهم على بعض. والفقع بفتح الفاء وسكون القاف وعين مهملة الضراط قال في الصحاح ويشبه به الرجل الذليل يقال هو فقع فدفد لأن الدواب تحمله بأرجلها. والقردد: بقاف وراء ودالين مهملتين، المكان الغليظ المرتفع. ويروى: الفدفد، بفاءين ودالين، وهو الأرض المستوية. وعاتكة المذكورة من الصحابيات المبايعات المهاجرات، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وأبوها الذي تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم بخمس سنين. وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه في الجنة وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده.
تنبيه:
عزا المصنف في شواهده هذا البيت لصفية زوجة الزبير بن العوام، وتبعه عليه طائفة. والأسانيد الصحيحة تردّه.

فائدة: [أعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله]
قال ابن دريد في الوشاح: أعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله ابن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، قتل عمارة وحمزة يوم قديد (1)، وقتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وقتل الزبير عمرو بن جرموز يوم الجمل، وقتل بنو كنانة العوام وقتلت خزاعة خويلدا.

فائدة: [الزبير]
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: الزبير بالضم والموحدة جماعة وبالفتح وكسر الموحدة عبد الله بن الزّبير الأسدي شاعر جيد، ولهم شاعر يقال له زنير بالضم ونون وهو ابن عمر الخثعمي الذي يقال له النذير العريان.
__________
(1) في حاشية الامير: (بدم قديد).
(1/73)

20 - وأنشد:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
هذا صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
والبيت من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، وأولها (1):
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا أسائلها … عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلّا الأواري لأيّاما أبيّنها … والنّوى كالحوض بالمظلومة الجلد
ومنها:
فتلك تبلغني النّعمان أنّ له … فضلا على النّاس في الأدنى وفي البعد
الى أن قال:
الواهب المائة المعكاء زيّنها (2) … سعدان توضح في أوبارها اللّبد
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه … ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلّا سليمان إذ قال المليك له … قم في البريّة فاحددها عن الفند
وخيس الجنّ، إنّي قد أذنت لهم … يبنون تدمر بالصفاح والعمد
__________
(1) ديوانه 24 وما بعد، وانظر الشعراء 119، وحاشية الامير 23.
(2) في الكامل 9: (الأبكار زينها).
(1/74)

فمن أطاعك فانفعه بطاعته … كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة … تنهى الظّلوم، ولا تقعد على ضمد
إلّا لمثلك أو من أنت سابقه … سبق الجواد إذا استولى على الأمد
واحكم بحكم فتاة الحيّ إذ نظرت … إلى حمام شارع وارد الثّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقدي
فحسبوه فألفوه كما زعمت … تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مائة فيها حمامتها … وأسرعت حسبة في ذلك العدد
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني … ولا قرار على زأر من الأسد
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم … وما أثمّر من مال ومن ولّد
فلا لعمر الّذي مسّحت بكعبته … وما هريق على الأنصاب من جسد
لا والذي أمن الغزلان تمسحه … ركبان مكّة بين الغيل والسّند
ما قلت من سيّئ مما أتيت به … إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
إذن فعاقبني ربّي معاقبة … قرّت بها عين من يأتيك بالحسد
كذا أورده صاحب منتهى الطلب. والعلياء: ما ارتفع من الأرض. والسند:
ظهر الجبل. وأقوت: أقفرت وخلت. والسالف: الماضي. والأصيلال باللام آخره، ويروى بالنون. قال في الصحاح: الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، ويجمع على أصلان، ثم يصغر الجمع على أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال، وهو أبدال على غير قياس. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على
(1/75)

ذلك (1). ويروى:
وقفت فيها أصيلا كي تجاوبني
ويروى: طويلا، ونصب جوابا على نزع الباء. والربع: المنزل، وعيت:
لم ترد جوابا. والاواري: محابس الخليل، واحدها أورى أوأر، واللأي: البطء، ونصبه بتقديرلات. قال أبو حيان: وأنشد الفرّاء هذا البيت:
إلّا الأواريّ لا إن ما أبينها
واستدل به على جواز موالاة ثلاثة أحرف للنفي. والنوى: الحفير حول الخباء. والمظلومة: الأرض التي حفرت وليست موضع حفر، وهي أيضا التي تمرّ عليها أعوام لا تمطر. والجلد: الصلب. والبعد: يروى بضمتين وبفتحتين.
والمعكاء: السمان الغلاظ الشداد لا تثنى ولا تجمع. وسعدان: نبت. وتوضح:
موضع. واللبد: المتلبدة: وأرى: بمعنى أعلم وأحاشى: مضارع، بمعنى استثني، وماضيه حاشي. وقد استشهد به المصنف في حاشي ومثله قوله:
منّا الرّسول بخير النّاس كلّهم … ولا نحاشي من الأقوام إنسانا
وسليمان هو النبي عليه السّلام. واحددها: امنعها. والفند: الخطأ والكذب، وكل مالا خير فيه. وخيس: بالخاء المعجمة والمثناة التحتية والسين المهملة. وأخيس:
ذلل. وتدمر: مدينة بالشام. والصفاح: الحجارة العريضة، واحدها صفاحة.
والعمد: بفتحتين أساطين الرخام. والضمد: بالضاد المعجمة، الغيظ، والضيم.
والجواد: الفرس. واستولى: غلب. والأمد الغاية. واحكم: أي كن حكيما مصيب الرأي في أمري ولا تقبل لمن سعى بي إليك، وكن كفتاة الحىّ إذا أصابت ووضعت الأمر موضعه، ولم يرد الحكم في القضاء. والحمام: هنا القطا.
والشراع: بالمعجمة أوله، الداخلة الماء. والثمد: الماء القليل (2). قال ابن الشجري:
__________
(1) رواية حاشية الامير للبيت ص 23:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها … أعيت جوابا وما بالدار من أحد
(2) انظر طبقات ابن سلام 464 والموشح.
(1/76)

يغلطون فيكتبون: واردي الثمد، بالياء، يريدون واردين الثمد، وليس كذلك، بل هو مفرد وصف به الحمام لأنه اسم جنس، كما قال تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وجَرادٌ مُنْتَشِرٌ) وقوله: شارع، وصف به أيضا، كقوله تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) فإن اسم الجنس يجوز وصفه بالواحد والجمع.
والقصة التي أشار اليها: ان زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بقية طسم وجديس، كانت توصف بحدّة النظر قبل، كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام، وكان لها قطاة، فمرّ بها سرب من قطا بين جبلين فقالت:
ليت الحمام ليه … إلى حمامتيه
ونصفه قديه … نمّ الحمام ميه
فنظروا فإذا هي ست وستون. وقوله:
قالت ألا ليتما هذا الحمام ... البيت
أورده المصنف في ليت مستشهدا به على جواز إعمال ليت مع ما، وإهمالها، لأنه روى الحمام بالنصب والرفع، وأورده في (أو)، مع البيت بعده مستشهدا به على ورود (أو) للجمع المطلق، كالواو. وقوله: أو نصفه، قال المصنف في شواهده: هو تابع لقوله هذا، فمن نصب الحمام نصبه ومن رفعه رفعه. قال:
ويجوز فيه الرفع مع نصب الحمام عطفا على الضمير المستتر في لنا، وحسن ذلك لأجل الفصل. ويروى:
ونصفه بالواو، وقد: بمعنى حسب، وهو مبتدأ حذف خبره أي فحسبي ذلك. واستشهد ابن الشجري في أماليه بقوله: فقدي على جواز ترك نون الوقاية من قد مع ياء المتكلم. والحسبة مصدر بمعنى الحساب. وأبو قابوس: كنية النعمان. وأوعدني: هدّدني. والزأر: الصوت. وأثمر: أجمع وهريق: صب (1). والأنصاب: الأصنام. والجسد: الدم. والغيل: بالكسر، والسند بفتح المهملة: نوعان من الشجر. وقال الأصمعي: إنما هو الغيل بالفتح، ما كان يخرج من أبي قبيس. قال: وأما بالكسر، فهو الغيضة وفي ديوان النابغة:
__________
(1) في الشعراء: (أريق).
(1/77)

والمؤمن العائذات الطّير يمسحها … ركبان مكّة بين الغيل والسّند
وقال شارحه: المؤمن، الله أمن الطير وأعاذها. والغيل والسند: أجمتان كانتا منافع ما بين مكة ومنى. وقوله:
ما قلت من سيّئ مما أتيت به
كذا هو في منتهى الطلب. وفي الأشعار الستة ومعه في ديوان النابغة. كما أنشده المصنف:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
والشاهد فيه في زيادة إن بعد ما النافية. ويروى من إن نديت، أي ما سبق اليك مني، يقال: ما ينداه مني شيء منه (1) وقوله:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
توارد عليه جماعة من شعراء العرب وكأنه جرى عندهم مجرى المثل، منهم أنس ابن زنيم الصحابي قال من قصيدة يمدح بها النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أسلم:
ونبي رسول الله إنّي هجوته … إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي

فائدة: [النابغة]
النابغة هذا، اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، بالكسر، ابن جابر بن يربوع بن عيط بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان، بضم الذال وكسرها، ابن بغيض بن ريث ابن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر. أبو أمامة الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، ومن أعيان فحولهم المذكورين. عدّه الجمحيّ في الطبقة الأولى بعد
__________
(1) في الشعراء: (ما إن بدأت بشيء أنت تكرهه).
(1/78)

امرئ القيس (1)، قال ابن دريد في الوشاح، وسمي النابغة بقوله (2):
رحلت في بني القين بن جسر … فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقال الأصمعي: يكنى أبا ثمامة. قال ابن عساكر: والمحفوظ أبو أمامة. وفي الوشاح لابن دريد: إنه يكنى أبا أمامة وأبا عقرب.
وأخرج ابن عساكر بسنده عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أشعر العرب النابغة، وأخرج من وجه آخر عن الشعبي عن ربعي بن خراش قال:
وفدنا الى عمر بن الخطاب فقال: من الذي يقول (3):
حلفت فلم تترك لنفسك ريبة … وليس وراء الله للمرء مذهب
فلست بمستبق أخا لا تلمّه … على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟
قالوا: النابغة! قال: فمن القائل:
إلّا سليمان إذ قال المليك له … قم في البريّة فازجرها على فند
قالوا: النابغة! قال: فمن القائل (4):
أتيتك عاريا خلقا ثيابي … على وجل تظنّ بي الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنها … كذلك كان نوح لا يخون (5)
قالوا: النابغة. قال: فمن القائل:
__________
(1) الطبقات ص 43.
(2) انظر الخزانة 2/ 5 (السلفية).
(3) انظر ديوانه 57 وطبقات الشعراء 47 و 50 والشعراء 124 والخزانة 2/ 6 السلفية.
(4) الشعراء 109، واللسان 19/ 272، والاغاني 11/ 4، والرواية:
(على خوف).
(5) انظر ابن سلام 50.
(1/79)

لست بداخر لغد طعاما … حذار غد لكلّ غد طعام
قالوا: النابغة. قال: النابغة أشعر شعرائكم وأعلم الناس بالشعر. وأخرج الزبير بن بكار والاصبهاني وابن عساكر عن ابن عباس انه سئل من أشعر الناس؟
فقال: الذي يقول (1):
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركى … وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
قالوا: هذا النابغة. وأخرجوا أيضا عن حسان بن ثابت انه سئل: من أشعر الناس؟ قال: أبو أمامة، يعني النابغة الذبياني. وأخرج ابن عساكر من طريق ابن الأنباري عن ثعلب عن عمر بن شبة عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال:
كان أوس بن حجر فحل العرب، فلما أنشأ النابغة طأطأ منه. وأخرج عن الأصمعي قال: ذكر عند أبى عمرو بن العلاء النابغة وزهير فقال أبو عمرو: ما كان زهير يصلح أن يكون أخيذا للنابغة، يعني راويا عنه. وأخرج عن الأصمعي قال: سألت بشارا الأعمى: من أشعر الناس؟ فقال: اختلف الناس في ذلك فأجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفة بن العبد، وأجمع أهل الكوفة على بشر بن أبي خازم والأعشى الهمداني، وأجمع أهل الحجاز على النابغة وزهير، وأجمع أهل الشام على جرير والفرزدق والأخطل؛ وكان الأخطل دونهما. قلت: فجرير أشعر أو الفرزدق؟ فقال:
كان جرير يقول المراثي، ولقد ناحوا على النوار امرأة الفرزدق بشعر جرير. وأخرج عن الأصمعي قال: أول ما تكلم به النابغة من الشعر أنه حضر مع عمه عند رجل، وكان عمه يشاهد به الناس ويخاف أن يكون عييا، فوضع الرجل كأسا في يده وقال:
تطيب كؤوسنا لولا قذاها … ويحتمل الجليس على أذاها
فقال النابغة: رحمى لذلك:
قذاها أنّ صاحبها بخيل … يحاسب نفسه بكم اشتراها
__________
(1) ديوانه 55، والخزانة 2/ 7 (السلفية)، والشعراء 110 و 123 و 303
(1/80)

اجتمع حسان بن ثابت بالنابغة عند النعمان بن المنذر، كما سيأتي ذكره في موضع آخر، فاستفدنا من ذلك، أن النابغة مات في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة.

فائدة: [النوابغ أربعة:]
قال ابن دريد في الوشاح: النوابغ أربعة: الذبياني هذا، والنابغة الجعدي قيس ابن عبد الله الصابي، والنابغة الحارثي زيد بن أبان، والنابغة الشيباني حمل بن سعدانة. ثم رأيت في المؤتلف والمختلف لابي القاسم الآمدي زيادة على هؤلاء:
النابغة الذهليّ المخارق بن عبد الله وهو القائل:
لا تمدحنّ امرءا حتّى تجرّبه … ولا تذمّنّه من غير تجريب
والنابغة ابن لؤي بن مطيع الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة ابن قتال بن يربوع ذبياني أيضا، والنابغة التغلبي الحارث بن عدوان.

فائدة: [زياد]
قال الآمدي: زياد بالزاي جماعة، ولهم شاعر يقال له ذياد، بالذال، ابن عرير ابن الحويرث بن مالك بن واقد.
21 - وأنشد:
فما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا ودولة آخرينا (1)
وهذا لفروة بن مسيك، بضم الميم وفتح السين، ابن الحارث بن سلمة المرادي، صحابي مخضرم. وقبله (2):
__________
(1) الخزانة 2/ 121، والكامل 295.
(2) اختلف في نسبة هذين البيتين، وهما في حماسة ابي تمام للتبريزي 3/ 191 (كلاله)، وعيون الاخبار 3/ 114 (حوادثه) للفرزدق، وفي حماسة البحتري 149 لمالك بن عمرو الأسدي، وفي الشعراء 450 (حوادثه)، والاشتقاق 118، وسمط اللآلي (حوادثه) 39 للعلاء ابن قرظة الضبي خال الفرزدق، وفي امالي المرتضى 1/ 251 (شراشره)، ونقله عنه صاحب الخزانة 2/ 409 لذي الاصبع العدواني. ومعنى البيت الاول كما فسره التبريزي: (يقول: إذا أناخت صروف الدهر على قوم بإزالة نعمهم وتكدير عيشهم، فعادتها والمعهود منها أنها تفعل بغيرهم مثل ذلك).
(1/81)

إذا ما الدّهر جرّ على أناس … كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشّامتين بنا: أفيقوا … سيلقى الشّامتون كما لقينا
وبعده:
كذاك الدّهر دولته سجال … تكرّ صروفه حينا فحينا
ومن يغرر بريب الدّهر يوما … يجد ريب الزّمان له خؤونا
هكذا في الحماسة البصرية. ثم رأيت في ديوان فروة ما نصه: جمعت همدان لمراد جمعا كثيرا وساروا إليهم فالتقوا بالأحرمين، فظفروا بمراد وأصابوا منهم، فقال في ذلك فروة، وتروى لعمرو بن قعاس (1):
إن نهزم فهزّامون قدما … وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكن … منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدّهر دولته سجال … تكرّ صروفه حينا فحينا
فبيناه يسرّ به ويرضى … ولو مكثت غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرّات دهر … فألفى بعد غبطته منونا
ومن يغبط بريب الدّهر يوما … يجد ريب الزّمان له خؤونا
فأفنى ذلكم سروات قومي … كما أفنى القرون الأوّلينا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا … ولو بقي الكرام إذن بقينا
__________
(1) ترجم له المرزباني 59
(1/82)

ثم رأيت ابن سعد قال في طبقاته، أنا الواقدي، ثنا عبد الله بن عمرو بن زهير، عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، مفارقا لملوك كندة ومبايعا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، فكان يحضر مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويتعلم القرآن وفرائض الاسلام وشرائعه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما: يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرّزم (1)؟
فقال: يا رسول الله، ومن ذا يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الرّزم إلا ساءه ذلك! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا، وكان بين مراد وهمدان وقعة أصابت همدان فيها من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك:
إن نغلب فغلّابون قدما … وإن نهزم فغير مهزّمينا
وما إن طبّنا جبن ولكن … منايانا وطعمة آخرينا
فأقام فروة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أقام، ثم استعمله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على مراد وزبيد ومذحج كلها، وكتب معه كتابا إلى الأبناء باليمن يدعوهم إلى الاسلام. فأقام فيهم حتى توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلم (2).
وأخرج ابن سعد من وجه آخر: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أجاز فروة بن مسيك باثنى عشرة أوقية، وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان.
وذكر الواقدي ان عمر بن الخطاب استعمله أيضا على صدقات مذحج. وذكر غيره أنه انتقل إلى الكوفة فسكنها، وله رواية، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وجماعة.

غريب الأبيات:
قال الأعلم: الطب هنا العلة والسبب، أي لم يكن سبب قتلنا الجبن،
__________
(1) الرّزم: بفتح أوّله، وإسكان ثانيه، يوم كان لهمدان على مراد قبيل الاسلام. وانظر البكري ص 649 - 651
(2) انظر عيون الاثر لابن سيد الناس 2/ 241 - 242.
(1/83)

وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الحال عنا والدولة، انتهى.
وفي الصحاح: المراد بالطب هنا العادة. والجبن، بسكون الباء وضمها، ضد الشجاعة. والمنايا جمع منية، وهي الموت لأنها مقدّرة، يقال منى له: أي قدّر.
والدولة، بالفتح، في الحرب: أن يدال لاحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لهم علينا الدولة، والجمع الدول، والدولة بالضم: المال، يقال صار الفيء بينهم دولة يتداولونه، يكون مرة لهذا، ومرة لهذا، والجمع دولات. وقال أبو عبيد:
الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدولة بالفتح الفعل. وقال بعضهم:
الدولة والدولة لغتان بمعنى. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب. وقال عيسى بن عمر: كلتاهما يكون في الحرب والمال. والكلاكل، جمع كلكل، وهو الصدر. وسجال: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي نوب ودول، مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالسجل وهو الدلو.
وصروف الدهر: حدثانه ونوائبه. وتكر: ترجع. وريب الدهر: حوادثه.
والغضارة: طيب العيش. والمنون (1)، والسروات: جمع، وسراة جمع سرى، وهو الشريف والسيد. وفي شرح الشواهد للمصنف: هذا البيت للكميت أو لفروة بن مسيك، فحصل فيه ثلاثة أقوال.
22 - وأنشد:
بني غدانة ما إن أنتم ذهبا … ولا صريفا ولكن أنتم خزف (2)
قال المصنف في شواهده: غدانة بضم المعجمة ودال مهملة، حيّ من يربوع (3) و (ما): نافية. وذهب وصريف بالرفع في رواية الجمهور. (فإن): زائدة كافة، وبالنصب في رواية ابن السكيت (فإن) نافية مؤكدة. والصريف، بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين: الفضة. والخزف: الجر، جمع جرة (4).
__________
(1) كذا بالاصل، ولعله يريد: (والمنون: الموت).
(2) الخزانة: 2/ 124
(3) انظر الاشتقاق 228، وجمهرة ابن حزم 228، وغدانة اسمه أشرس.
(4) في حاشية الأمير (الخزف: الطين المحرق).
(1/84)

23 - وأنشد:
يرجّى المرء ما إن لا يراه … وتعرض دون أدناه الخطوب (1)
قال ابن الأعرابي في نوادره: هو لجابر بن دالان الطائي (2)، ويقال لا ياس بن الأرتّ (3)، وقبله:
إن أمسك فإنّ العيش حلو … إليّ كأنّه عسل مشوب
وبعده:
وما يدّري الحريص علام يلقى … شراشره أيخطئ أم يصيب
قال ابن الأعرابي: وشراشره: محبته ونفسه جميعا. وفي الصحاح: الشراشر يعني بمعجمتين وراءين، الاثقال واحدها شرشرة أي نفسه حرصا ومحبة (4). ويرجّي:
بتشديد الجيم المكسورة. ويعرض: إما من عرض له أمر كذا، أي ظهر، أو من عرضت له القول، بفتح الراء وكسرها، أي تعرّضت له. والخطوب: جمع خطب، بفتح المعجمة، وهو شدة الأمر. والمعنى: أن الانسان تمتدّ أطماعه إلى الأمور المغيبة التي لا يراها ويعترض دون أقربها عنده حصولا الأمور الشديدة التي تقطع رجاءه، فما
ظنك بأبعد تلك الأشياء.
24 - وأنشد:
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته … على السّنّ خيرا لا يزال يزيد
__________
(1) الخزانة 3/ 567.
(2) أحد شعراء الحماسة، واسمه جابر بن رالان، ويهمز فيقال: رألان، وكذلك يروى بالدال المهملة، وهو من بني سنبس، أحد رجال طيء.
(3) أحد شعراء الحماسة، من طئ، ذكره ابن دريد في الاشتقاق ص 394 وانظر اللآلي 208 وذيل اللآلي 24.
(4) في الاساس: (ألقى عليه شراشيره، إذا حرص عليه وأحبه).
(1/85)

قاله المعلوط القريعيّ.
ورجّ: أمر من الترجية من الرجاء. والفتى: الشاب مفعوله. وللخير: مفعول ثان. والسنّ: العمر. وخيرا: مفعول يزيد. والمعنى: إذا رأيت شخصا كلما زاد عمره زاده خيره، فرجّه للخير.
واستشهد النحاة بالبيت على جواز تقديم معمول خبر (لا يزال) عليها.
واستشهد به المصنف على زيادة (ان) بعد (ما) التوقيتية. قال الدمامينيّ: ولا يتعين ذلك الاحتمال أن تكون (أن) شرطية و (ما) زائدة داخلة على الجملة الفعلية. وقد أعاد المصنف هذا البيت في شواهد إن المكسورة المشدّدة.
وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل وقال: خيرا، نصبا على التمييز.
25 - وأنشد:
ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا … أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا
سرى بمعنى سار، وإسناده إلى الليل مجاز. والكئيب: السيء الحال. وتنأى:
تبعد. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير.
وغضوب، بمعجمتين، بوزن صبور، اسم امرأة. ولذا لم يصرفه (1).
26 - وأنشد:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا … جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم!
هذا من قصيدة طويلة للفرزدق يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرا، ويذكر قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين، وقد قتله وكيع بن حسان، وأول القصيدة (2):
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي … حنين عجول تبتغي البوّ رائم
سيدنيك من خير البرّية فاعتدل … تناقل نصّ اليعملات الرّواسم
__________
(1) انظر ص 17.
(2) ديوانه 855، والخزانة 3/ 655، وانظر الموشح 108، والاغاني 13/ 357 و 21/ 350 (الثقافة). والعمدة 2/ 269.
(1/86)

إلى المؤمن الفكاك كلّ مقيّد … يداه وملقي الثّقل عن كلّ غارم
الى أن قال:
إليك وليّ العهد لاقى غروضها … وأحقابها أدراجها بالمناسم
نواهض يحملنّ الهموم الّتي جفت … بناعن حشايا المحصنات الكرائم
ليبلغنّ ملء الأرض عدلا ورحمة … وبرّا لآثار الجروح الكواتم
كما بعث الله النّبيّ محمّدا … على فترة، والنّاس مثل البهائم
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة … عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
ترى التّاج معقودا عليهم كأنّهم … نجوم حوالي بدر ملك قماقم
ومنها:
جزى الله قومي إذ أرادوا خفارتي … قتيبة سعي الأفضلين الأكارم
الى أن قال:
فإن تك قيس في قتيبة أغضبت … فلا عطست إلّا بأجدع راغم
وهل كان إلّا باهليّا مجدّعا … طغى فسقيناه بكأس ابن خازم
لقد شهدت قيس فما كان نصرها … قتيبة إلّا عضّها بالأباهم
فإن تقعدوا تقعد لئام أذلّة … وإن عدتم عدنا بأبيض صارم
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا … جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم
فما منهما إلّا بعثنا برأسه … إلى الشّام فوق الشّاحجات الرّواسم
(1/87)

ومنها:
ألسنا أحقّ النّاس يوم تقايسوا … إلى المجد والمستأثرات الجسائم
إذا ما وزنّا بالجبال رأيتنا … نميل بأطواد الجبال الأضاخم
وما كان هذا النّاس حتّى هداهم … بنا الله إلّا مثل شاء البهائم
وهي طويلة جدا. والاستفهام في البيت للانكار التعجبي. وضمير تغضب، راجع إلى قيس. والحز: القطع. وابن خازم عبد الله بن خازم (1) بمعجمتين، كما ضبطه الدارقطني وغيره، ابن أسماء بن الصلت، أبو صالح السلمي مأير خراسان، وليها سنتين ثم ثار به أهل خراسان فقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الملك بن مروان. وقيل:
ان له صحبة ورواية. وحنّ: من الحنين. والزوراء: سوق المدينة. والعجول، بوزن صبور، التي ألقت ولدها لغير تمام. والبوّ، بفتح الموحدة وتشديد الواو:
جلد حوار يحشى تراه الناقة التي مات ولدها فتسكن. ولاقى: أماج. والغروض، بضم الغين المعجمة والراء وضاد معجمة، جمع غرض بوزن فلس، وهو التصدير، وهو للرجل بمنزلة الحزام للسرج. والأحقاب، جمع حقب، بفتحتين، حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير كيلا يجتذبه التصدير. والادراج: السرعة. والمناسم، جمع منسم، بكسر السين، وهو خف البعير. وجفت: رفعت. وحشايا: جمع حشية.
وقوله: (لا عن كلالة) في الصحاح الكلالة الذي لا ولد له ولا والد، والعرب تقول: لم يرثه كلالة، أي لم يرثه عن عرض، بل عن قرب واستحقاق؛ وأنشد البيت.
وقال ابن الأعرابي: الكلالة، بنو العم الأباعد. ويقال: سيد قماقم بالضم: لكثرة خيره. والخفارة، بضم الخاء المعجمة، الذمّة. يقال: أخفرته، إذا بعثت معه خفيرا، وأخفرته: إذا نقضت عهده. وقوله: (بأجدع) أي بأنف أجدع، أي مقطوع.
والشاحجات، بتقديم الحاء المهملة، على الجيم، البغال. والرواسم: السريعة السير من الرسم، وهو نوع من السير سريع. والمستأثرات: الأمور التي استأثر بها أربابها من الأفعال والأخلاق الحسنة. والجسائم: العظام. والطود: الجبل العظيم.
__________
(1) ويروى بالحاء المهملة. وانظر حاشية الامير ص 24.
(1/88)

والأضاخم، جمع ضخم، وهو الغليظ من كل شيء.
27 - وأنشد:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (1)
تمامه:
ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا
اللئيم: الدنيء الأصل، وإنما ذكر الأم لأنها إذا كانت من الكرام فالأب أولى.
لأن العرب لا يزوّجون من دونهم، وقد يتزوّجون من دونهم. قال ابن جرير في تفسيره: قال: إذا ما انتسبنا و (إذا) يقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني لئيمة، فأخبر عن ماض، وذلك أن الولادة قد مضت وتقدّمت استغناء بعلم السامعين.
28 - وأنشد:
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن … عارا عليك، وربّ قتل عار (2)
هذا لثابت بن قطنة بن كعب العتكي، يكنى أبا العلاء كما في الوشاح، وقبله:
كلّ القبائل بايعوك على الّذي … تدعو إليه، طائعين وساروا (3)
حتّى إذا حمي الوغى وتركتهم (4) … نصب الأسنّة أسلموك وطاروا
__________
(1) قائله زائدة بن صعصعة الفقعسي يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية، وقبله:
رمتني عن قوس العدو وباعدت … عبيدة زاد الله ما بيننا بعدا
وانظر حاشية الأمير ص 25
(2) الخزانة 4/ 184، والاغاني 14/ 262 (الثقافة) والشعراء 613
(3) في الأغاني والشعراء: (وتابعوك).
(4) في الشعراء: (حتى إذا اختلف القنا وجعلتهم). وفي الأغاني:
(جهلتهم).
(1/89)

الوغى، بمعجمة، أصله الصوت والجلبة، ثم أطلق على الحرب لاشتمالها عليه، ويقال: حمى النهار، وحمى التنور، بالكسر، أي اشتدّ حرّه، واستعير منه حمى الوغى وحمى الوطيس. ونصب: إما مفعول ثان لترك، أو حال، يقال: نصبت الشيء نصبا إذا أقمته، وناصبته الحرب مناصبة. الأسنة، جمع سنان: الرمح.
وأسلموك: خذلوك. وطاروا: ذهبوا سراعا. والعار: السبة والعيب. وقوله:
(ورب قتل عار) على تقدير هو عار، وقد أعاد المصنف البيت في رب.
وفي الأغاني (1): هو ثابت بن كعب، ويلقب ثابت قطنة، لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة. وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية.
ثم أخرج من طريق حماد بن إسحق عن أبيه قال: كان ثابت قطنة مع يزيد بن المهلب في يوم العقير، فلما خذله أهل العراق وفرّوا عنه فقتل، قال ثابت قطنة يرثيه (كل القبائل) الأبيات الثلاثة. إلّا أنه قال: (وبعض قتل عار).
وأخرج عن محمد بن يزيد قال: ولي ثابت قطنة عملا من أعمال خراسان، فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر عليه وحصر، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
عسر يسرا، وبعدعيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
وإن لا أكن فيكم خطيبا فإنّني … بسعي إذا جاد الوغى لخطيب
فقال خالد بن صفوان: والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه.
__________
(1) 14/ 247 (الثقافة).
(1/90)

شواهد أن المفتوحة الخفيفة
29 - وأنشد:
لا تقرأن بالسّور (1)
وسيأتي الكلام عليه في حرف الباء.
30 - وأنشد:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا … تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب (2)
هذا من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، أوّلها (3):
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب … لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
فإنّكما إن تنظراني ساعة … من الدّهر تنفعني لدى أمّ جندب
ألم ترياني كلّما جئت طارقا … وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
الى أن قال:
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها … فإنّك ممّا أحدئت بالمجرّب
__________
(1) البيت للراعي، وينسب أيضا للقتال الكلابي وتمامه:
هن الحرائر، لاربات أخمرة … سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وسيأتي في حرف الباء كما ذكر السيوطي.
(2) ديوانه 389 (المعارف) وفيه: (إذا ما ركبنا ..)
(3) ديوانه 40 - 55 (المعارف).
(1/91)

وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل … يسرك وإن يكشف غرامك تدرب (1)
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن … سؤالك نقبا بين حزمي شعبعب
ومنها:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها … وماء النّدى يجري على كلّ مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه … طراد الهوادي كلّ شأو مغرّب
الى أن قال:
فعادى عداء بين ثور ونعجة … وبين شبوب كالقضيمة قرهب
ومنها:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا … وأرجلنا الجزع الّذي لم يثقّب
قال الأصمعي (2): لما هرب امرؤ القيس من المنذر بن ماء السماء صار إلى جبلي طيء: أجار وسلمى، فأجاروه، فتزوّج بها أمّ جندب، فبينما هو ذات ليلة نائم معها إذ قالت له: قم فقد أصبحت! فلم يقم، فكرّرت عليه، فقام، فوجد الفجر لم يطلع بعد، فقال لها: ما حملك على صنعت؟ فسكتت، فألحّ عليها، فقالت: حملني على ذلك أنك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الهراقة، بطيء الافاقة. فعرف من نفسه تصديق قولها، فسكت عنها. فلما أصبح أتاه علقمة بن عبدة التميميّ وهو قاعد في الخيمة وخلفه أم جندب، فتذاكرا الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك، وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فقال: قل وأقول، وتحاكما إلى أم جندب.
فقال امرؤ القيس هذه القصيدة. وقال علقمة قصيدته التي أوّلها:
__________
(1) في ديوانه 42 و 382:
(يسؤك) و (تسؤك) و (يشقك).
(2) الخبر في في ديوانه - مقدمة القصيدة عن الأصمعيّ. وانظر الشعراء 170 و 172.
(1/92)

ذهبت من الهجران في كلّ مذهب
وستأتي الاشارة إليها في الباب الرابع، ففضلته أم جندب على امرئ القيس فقال:
بم فضّلته؟ قالت: فرس ابن عبدة أجرى من فرسك، قال: وبم ذاك؟ قالت:
سمعتك زجرت وضربت وحركت، وهو قوله:
فللسّاق ألهوب وللسّوط درّة … وللزّجر منه وقع أهوج منعب
وأدرك فرس علقمة الطريدة ثانيا من عنانه وهو قوله:
وأقبل يهوي ثانيا من عنانه … يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب
فغضب عليها وطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي علقمة الفحل.
والبيت أورده المصنف مستشهدا به على ان (أن) قد تجزم المضارع. وقد أنكر ذلك الفارسي وقال: الرواية (الى أن يأتي الصيد)، وكذا أورده صاحب منتهى الطلب (1). وأورده ابن الأنباري في شرح المفضليات بلفظ: الى ما يأتنا الصيد، وقال: يجوز أن تجعل (تعالوا) مكتفية، وتجعل (ما) شرطا، والفعل مجزوما بها.
ونحطب جوابها. وقوله (تنظراني) بضم أوّله أي تؤخراني. ويروى: ننظراني، بفتح أوّله أي تنتظراني. والطارق: الآتي بالليل.
قال الزبير بن بكار: أخبرني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (2): حدّثني أبي:
إن امرأة لقيت كثير عزة فأنشدها قوله في عزة (3):
__________
(1) بهذه الرواية لا شاهد في البيت.
(2) انظر تفصيل الخبر في الكامل 840 - 841، والاغاني 14/ 57 (ساسي)، والشعراء 487 - 488، والموشح 150 و 151 - 152، والمحاسن
والأضداد 139 - 140 وفيه أن المرأة هي قطام صاحبة عبد الرحمن ابن ملجم.
(3) البيتان في اللسان 2/ 433 بدون نسبة، وهما في العقد الفريد 5/ 373، ونهاية الأرب 4/ 227، والصناعتين 97 باختلاف بعض الألفاظ.
(1/93)

ما روضة بالحسن ظاهرة الثّوى … يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عرّة موهنا … وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فقالت له: أرأيت حين تذكر طيبها فلو ان زنجية استجمرت بالمندل الرطب لطاب ريحها، ألا قلت، كما قال امرؤ القيس:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب … لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
ألم ترياني كلّما جئت طارقا … وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فقال: الحق والله خير ما قيل، هو والله أنعت لصاحبته مني، أخرجه ابن عساكر.
الجثجاث: بجيمين ومثلثتين، ريحانة طيبة الريح. والعرار: البهار البري.
وتنأ (1): تبعد. وحقبة: نصب على الظرف، والمراد بها الحين. ولا تلاقها: بدل من تنأ، لأن عدم الملاقاة هو النأي. و (فإنك) جواب الشرط. وقوله (بالمجرّب) استشهد به النحاة على زيادة الباء في خبر (إن) وهو بفتح الراء: الذي جرّبته الأمور وأحكمته. وقوله:
وقالت: متى يبخل عليك ... البيت
أورده المصنف في الكتاب الرابع مستشهدا به على أن نائب الفاعل في (يعتلل) ضمير المصدر، أي هو أي الاعتلال. ويعتلل: يعتذر. وتدرب: بالمهملة، تتعوّد. وتبصر: انظر. والظعائن: الهوادج (2). وسوالك: دواخل. والنقب:
الطريق في الجبل. وحزمى، بمهملة وزاي، مثنى حزم، وهو ما غلظ من الارض، أي وعر. وشعبعب: يروى باهمال العينين وإعجمامهما، موضع (3). والألهوب:
الأسم من ألهب الفرس، إذا اضطرم جريه. وللساق درّه: أي استدرار للجري.
__________
(1) يعود هنا السيوطي الى شرح معنى كلمات قصيدة امرئ القيس.
(2) وهي أيضا: النساء في الهوادج.
(3) في شرح ديوانه: اسم ماء، وفي البكري 800: اسم ماء لبني قشير.
(1/94)

والأهوج: الأحمق. ومنعب، بنون وعين مهملة، يحرّك رأسه وعنقه. وأورد ابن قتيبة هذا البيت في كتاب اثبات المعاني بلفظ: وقع أخرج مهذب (1)، وقال: بقول إذا ضرب السوط التهب في جريه، وإذا جرى بالساق درّ. والأخرج: الظليم.
وقوله:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن
توارد عليه جماعة من الشعراء في قصائدهم فقاله زهير بن أبي سلمى مطلع قصيدة، وتمامه:
بمنعرج الوادي فويق أبان (2)
وقاله في قصيدة أخرى، وتمامه:
كما زال في الصّبح الأشاء الحوامل (3)
وقاله الراعي أثناء قصيدة، وتمامه:
بذي النّيق إذ زلّت بهنّ الأباعر
وقاله أيضا مطلع قصيدة، وتمامه:
تحمّلن من وادي العناق وثهمد (4)
__________
(1) أنظر البيت في الموشح 28 و 29، واللسان 2/ 262، وشعراء الجاهلية 25، والموازنة 2/ 37 (المعارف)، والصناعتين 74، وعيار الشعر 91، وصبح الأعشى 2/ 99 و 208 والمعاني الكبير 1/ 81.
(2) مطلع قصيدة يمدح هرما، وهي في ديوانه 358 بلفظ: تبين خليلي ..
وأبان: اسم جبل، وانظر البكري 94.
(3) ديوانه 294، وفيه: (كما زال، أي كما لاح وتحرك. يقول: نظر إلى الأشاء، وهو النخل الصغار، في الصبح وهو يمشي فظن أنها تمشي معه. قال أبو محمد: شبه تحرك الظعائن والإبل بالأشاء إذا حرّكته الريح وزعزعته، والواحدة: اشاءة).
(4) أنظر البكري ص 348.
(1/95)

وقاله مضرس بن ربعي مطلع قصيدة، وتمامه:
إذا ملن من قفّ علون رمالا
وقاله النابغة الجعدي أثناء قصيدة، وتمامه:
رحلن بنصف اللّيل من بطن منعم (1)
وقاله عبيد بن الأبرص أثناء قصيدة، وتمامه:
يمانية قد تغتدي وتروح
وقاله الأسود بن يعفر أثناء قصيدة، وتمامه:
غدون لبين من نوى الحيّ أبين
وقاله طفيل الغنوي أثناء قصيدة، وتمامه:
تحمّلن أمثال النّعاج عقائله
وقد استشهد به النحاة على صرف باب مفاعل للضرورة. وقوله:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها
وقاله أيضا في قصيدته اللامية، وتمامه:
لغيث من الوسميّ رائد خال (2)
أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على الحال التي حكمها حكم الظرف،
__________
(1) منعم: واد في ديار هوزان، والبيت في البكري 1271.
(2) ديوانه 36 من قصيدته:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي … وهل يعمن من كان في العصر الخالي
(1/96)

فإن جملة: والطير في وكناتها، حالية، مع أنها لا تنحل الى مفردين بين هيئة فاعل ولا مفعول، ولا هي مؤكدة. وتخريجها على ما ذكرنا، ولذلك عريت عن ضمير ذي الحال. وهذا الشطر أيضا نصف بيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة، وتمامه فيها (1):
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وهذا يسمى في البديع التفصيل، بصاد مهملة. والوكنات: بضمتين، الأعشاش، جمع وكنة بضمة فسكون. والندى: المطر. والمذنبة: الساقية. ومنجرد: فرس قصير الشعر، وطول الشعر هجنة. ويقال منجرد، ماض غير وان، كما يقال: انجرد في حاجتك. ذكره ابن قتيبة. وقيد الأوابد: ممسك الوحش. قال ابن قتيبة:
يقول: إذا أرسل على الأوابد وهي الوحش، فكأنها في قيد. قال أبو عبيدة:
وأوّل من قيدها امرؤ القيس. ولاحه: طنعفه (2). وطراد: تباع. والهوادي: المتقدمة.
وشأو: طلق. ومغرب: بعيد. وقوله: (فعادى عداء) أي والى ولاء بين ثور ونعجة. وهذا النصف أيضا قاله في معلقته، وتمامه فيها (3):
دراكا فلم ينضح بماء فيغسل
وقال في قصيدته اللامية وتمامه فيها (4):
وكان عداء الوحش منّي على بال
__________
(1) ديوانه 19 (المعارف).
(2) كذا بالأصل. ولعلها: طعنة.
(3) ديوانه 22.
(4) ديوانه 38، ويروى صدر البيت:
وعاديت منه بين ثور ونعجة
كذلك يروى عجزه:
وكان عدائي إذ ركبت على بال
وانظر ديوانه 381 (المعارف).
(1/97)

والشبوب والقرهب كلاهما بمعنى المسن (1). وقوله:
كأنّ عيون الوحش ... البيت
استشهد به أهل البيان على التشبيه. قال المبرد في الكامل (2): هذا من التشبيه العجيب. وأورده صاحب التلخيص في نوع الايغال.
31 - وأنشد:
أحاذر أن تعلم بها فتردّها … فتتركها ثقلا عليّ كماهيا
أنشده الكوفيون، واستشهد به المصنف على الجزم بأن. وقد خرج على أنّ سكونه لأجل الادغام الجائز في الكلام، كما قرأ أبو عمرو في (يحكم بينهم) ونحوه. والمحاذرة: من الحذر، وهو التحرّز، يقال: الحاذر المتأهب، والحذر
الخائف. وثقلا: بكسر أوّله وسكون ثانيه، واحد الأثقال، كحمل وأحمال. وأما الثقل، بفتح القاف، فمصدره ثقل، وهو ضدّ الخفة. والثقل، بفتحتين، متاع المسافر وحشمه. ثم رأيت البيت في ديوان جميل وفيه تغيير.
قال ابن الكلبي: لما زوّجت بثينة أسف جميل وجزع جزعا شديدا، فقطع زيارة بثينة وهجرها، وطالت المدّة في هجرها، ثم شكى لابني عمه روق ومسعد أنه لا يطيق السلو عنها! فقالا له: إبق على نفسك واصبر على بعض ما تكره، وألمم بها المامة، فلعلك تستريح إليها. فمضى معهما فلقى جارية لها فلم يكلمها ولا أعلمها أنه قصد بثينة. وجلس مع ابني عمه مستظلا بشجرة، ومطاياهم معقولة كأنهم يريدون أن يريحوا، فبادرت الأمة إلى بثينة فأخبرتها فجاءت إليه فقالت: أين كنت بعدنا، فقد طال شوقنا إليك؟ فقال: رأيت التباعد مع ما حدث أجمل. فتحدّثا بقية يومهما وليلتهما حتى أصبحا، فقال جميل في ذلك:
__________
(1) في الديوان 52: (تابع هذا الفرس ووالى صيد الوحش، من بين ثور ونعجة، وثور مسن وهو الشبوب، وانما خصه بالذكر ...
لفضله على الثيران والنعاج ولسنه وقوته، وأنه فحلها الذاب عنها ..
والقرهب: المسن أيضا).
(2) الكامل 741.
(1/98)

ألا طال كتماني بثينة حاجة … من الحاج ما تدري بثينة ماهيا
أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها … فتتركها ثقلا عليّ كما هيا
أغرّك أنّي لا نحيل عليكم … ولا مفحش فيما لديك التّقاضيا
أعدّ اللّيالي ليلة بعد ليلة … وقد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا
في أبيات أخر، ولا شاهد في البيت على هذه الرواية.

فائدة: [جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبري]
جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبريّ بن نهيك بن ظبيان، أبو عمرو العذري، الحجازي، الشاعر المشهور صاحب بثينة. حدّث عن أنس بن مالك، ووفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. روى عنه محمد بن راشد الحبطي، وكثير عزة الشاعر. ذكره الجمحي في الطبقة السادسة من الاسلاميين (1).
قال الخطيب: وليس له إلّا حديث واحد وهو: (إن من الشعر حكمة)، وقد أسنده ابن عساكر من طريق الحبطي عنه عن أنس. وأخرج عن المسور بن عبد الملك اليربوعي قال: ماضر من روى شعر جميل وكثير أن لا يكون عنده
مغنيتان مطربتان.
مات جميل بمصر سنة اثنين وثمانين. روى ابن عساكر وغيره من طرق: أن جميلا قدم مصر على عبد العزيز بن مروان يمدحه، فرآه رجل فقال له: ما رأيت في بثينة، فو الله لقد رأيتها ولو ذبح بعرقوبها طائر لا نذبح. فقال له جميل: إنك لم ترها بعيني، ولو نظرت إليها بعيني لأحببت أن تلقى الله وأنت زان. ثم أنه مرض فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه، فقال له جميل: ما تقول في رجل لم يقتل نفسا، ولم يزن قط، ولم يسرق، ولم يشرب خمرا قط، أترجو له؟ قال العباس:
أي والله، فقال جميل: إني لأرجو أن أكون ذلك الرجل. قال العباس: فقلت:
سبحان الله، فأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة. فقال: يا عباس، إني لفي آخر يوم من
__________
(1) الطبقات ص 529
(1/99)

أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد صلّى الله عليه وسلّم إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط. فما برحنا حتى مات.
وبثينة صاحبته ابنة الأسود، ويقال ابنة مالك، ويقال ابنة حيا. ويقال: حيى ابن ربيعة بن ثعلبة بن الهوذ، عذرية أيضا، ويقال: هي ابنة خالد، قيل أنه لما بلغها وفاة جميل جزعت وصاحت وأغمي عليها ساعة، ثم قامت وقالت ترثيه (1):
وإنّ سلوّي عن جميل لساعة … من الدّهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر … إذا متّ بأساء الحياة ولينها
ولم ير أكثر باكيا وباكية من يومئذ. قال المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك ابن مروان فأحدّ النظر إليها ثم قال: يا بثينة، ما رأى فيك جميل حين قال فيك ما قال.
قالت: ما رأى الناس فيك حين ولوك الخلافة؟ فضحك وقضى حاجتها.
32 - وأنشد:
أن تقرآن على أسماء ويحكما … منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا
لم يسم قائله. وقبله:
يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما … وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خفّ محملها … تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
قوله: أن تقرآن، في موضع نصب بدل من حاجة، أو رفع خبر (هي) مقدّرا.
واستشهد به على إهمال إن، فلم تنصب، حملا على ما زعم الكوفيون أنّ (أن) مخففة من الثقيلة، شذ اتصالها بالفعل. ويح: كلمة رحمة، كما أن ويل كلمة عذاب.
__________
(1) الشعراء 409 (من الدهر ما جاءت ..).
(1/100)

33 - وأنشد:
ولا تدفنّني في الفلاة فإنّني … أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
هذا لأبي محجن الثقفي. وقبله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة … تروّي عظامي بعد موتي عروقها
وبعده:
أباكرها عند الشّروق وتارة … يعاجلني عند المساء غبوقها
وللكأس والصّهباء حقّ معظّم … فمن حقّها أن لا تضاع حقوقها
أبو محجن هذا صحابي اسمه مالك. وقيل عبد الله بن حبيب، بالتصغير، ابن عمرو بن عمير بن عوف. وقيل اسمه كنيته. أسلم مع ثقيف وله رواية. وكان شاعرا مطبوعا كريما منهمكا في الشراب لا يكاد يقلع عنه، وجلده عمر مرات ثم نفاه إلى جزيرة في البحر وبعث معه رجلا فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو يحارب الفرس، فكتب عمر إلى سعد أن يحبسه فحبسه.
وقال عبد الرزاق في المصنف: أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سبرين، قال:
كان أبو محجن لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون فكأنه رأى المشركين قد أصابوا في المسلمين فأرسل إلى أم ولد سعد، أو امرأة سعد، يقول لها إن أبا محجن يقول لك إن خليت سبيله وحملتيه على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحا ليكونن، وأوّل من يرجع، إلّا أن بقتل. قال: وأبو محجن يتمثل (1):
كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا … وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا شئت غنّاني الحديد وغلّقت … مصارع من دوني تصمّ المناديا
__________
(1) عيون الأخبار 1/ 187 وانظر أمالي ابن الشجري 1/ 226.
(1/101)

فحلت عنه امرأة سعد قيوده، وحمل على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يعجب ويقول: من ذا الفارس؟ فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى هزمهم الله، فرجع أبو محجن وردّ السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان. فجاء سعد فقالت له امرأته، أو أم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلا على فرس أبلق لولا إني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبى محجن. فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، وقصت عليه قصته. فدعى به فحل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا يدخل لي رأسا أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم فلم يشربها بعد ذلك.
وقال سعيد بن منصور في سننه: ثنا أبو معاوية، ثنا عمرو بن مهاجر، عن إبراهيم ابن محمد بن سعد عن أبيه قال: أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال: كفى حزنا البيت ... ثم قال لامرأة سعد:
أطلقيني ولك عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني. فأطلقته فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدوّ إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء، والطعن طعن أبى محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت زوجة سعد سعدا بما كان من أمره فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحدّ وأطهر منها، فأما الآن فلا والله لا أشربها أبدا.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر: دخل ابن لأبي محجن على معاوية فقال له معاوية:
أبوك الذي يقول: إذا مت فادفني .. البيتين. فقال: لو شئت ذكرت أحسن من هذا! قال: وما ذاك؟ قال قوله:
لا تسألي النّاس عن مالي وكثرته … وسائلي النّاس عن حزمي وعن خلقي
(1/102)

القوم أعلم إنّي من سراتهم … إذا تطيش يد الرّعديد الفرق
قد أركب الهول مسدولا عساكره … وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
قد يعسر المرء حينا وهو ذو كرم … وقد يثوب الغنى للعاجز الحمق
سيكثر المال يوما بعد قلّته … ويكتسي العود بعد اليبس بالورق
وقال ابن عبد البر: حدّث من رأى قبر أبي محجن أنه نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت وهي معرشة على قبره. قال: فجعلت أتعجب وأذكر قوله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة
قلت: هذا من كرامته على الله، رضي الله عنه. وهذه القصة أخرجها صاحب الأغاني عن الهيثم بن عديّ، قال: حدّث من رأى قبر أبى محجن في نواحي أذربيجان أو جرجان فذكرها.
34 - وأنشد:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا … أبشر بطول سلامة يا مربع
هذا من قصيدة لجرير يخاطب بها الفرزدق، وأولها (1):
بان الخليط برامتين فودّعوا … أو كلّما رفعوا لبين تجزع
ومنها:
أعددت للشّعراء كأسا مرّة … عاتدا فخالطها السّمام المنقع
__________
(1) ديوانه 340 - 351، وانظر الشعراء 465 - 466، والنقائض 961 - 981، والبيت في طبقات الشعراء 349، وأمالي ابن الشجري 1/ 225.
(1/103)

ذاق الفرزدق والأخيطل حرّها … والبارقيّ، وذاق منها البلتع
ومنها:
إنّ الرّزيّة من تضمّن قبره … وادي السّباع لكلّ جنب مصرع
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت … سور المدينة والجبال الخشّع (1)
وبكى الزّبير بناته في مأتم … ماذا يردّ بكاء من لا يسمع
وبعد قوله: زعم الفرزدق ... البيت:
إنّ الفرزدق قد تبيّن لؤمه … حيث التقت حششاؤه والأخدع
وآخر القصيدة:
ورأيت نبلك يا فرزدق قصّرت … ورأيت قوسك ليس فيها منزع
قال ابن حبيب: البارقيّ سراقة، والبلتع: المستنير بن عمرو بن بلتعة العنبري.
ومربع: رجل من بني جعفر بن كلاب، كان يروي شعر جرير، فنذر الفرزدق دمه (2).
قال ابن حبيب: ومن شأن هذا البيت أن غضوب أخت بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة كانت ناكحا في بني عوف بن مالك، من بني طهيه فتزوّج زوجها عليها فأولعت بهجوهم فأوعدها رجال منهم مربع فهجتهم فقالت فيه:
يا مربعا يا مربع الضّلال … يا فاجرا مستقبل الشّمال
على بعير غير ذي جلال … يا مربعا هل حان من إقبال
فلما سمع مربع ذلك مشى إليها فقتلها.
__________
(1) الكامل 486 ويروى: (الخضع).
(2) مربع: لقب وعوعة، احد بني أبي بكر بن كلاب، كان راوية لجرير، وكان نفر بأبي الفرزدق، فيقال إنه مات في تلك العلة، فحلف الفرزدق ليقتله، فقال جرير ذلك تكذيبا للفرزدق. وانظر الجمهرة 266.
(1/104)

قوله: بأن الخليط: أي فارق المخالط، وهو المنادم. ورامة: اسم موضع بالبادية. قال في الصحاح: وفيه جاء المثل (تسألني برامتين سلجما) والسمام، بكسر أوّله، جمع سم. والمنقع، بضم أوّله، في الصحاح: سم منقع: أي مربّى.
قال الشاعر:
فيها ذرا ريح وسمّ منقع
ووادي السباع، موضع قتل الزّبير بن العوّام رضي الله عنه. وقوله:
(تواضعت) استشهد به على تأنيث المضاف، فعل المذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه. والخششاء، بضم الخاء وفتح المعجمتين والمدّ، وزنها فعلاء، والخششاوان:
العظمان وراء الأذنين. ويقال أيضا خشاء وزن فعال، وكذلك قوباء وقوباء. قال نفطويه: وليس في الأسماء على
هذا الوزن غيرهما. والأخدع: عرق في موضع المحجمتين، وهو شعبة من الوريد. والنبل: السهام العربية لا واحد لها من لفظها.
والمنزع: بكسر الميم، السهم. قال أبو ذؤيب (1):
ورمى فأنفذ طرّتيه المنزع
35 - وأنشد:
فلو أنّك في يوم الرّخاء سألتني … طلاقك لم أبخل وأنت صديق (2)
لم أر من ذكر قائله. وصف الشاعر نفسه بالجود حتى أن الحبيبة لو سألته الفراق أجابها إلى ذلك كراهة ردّ السائل، وان كان في يوم الرخاء. وإنما خصه بالذكر لأن الانسان ربما يفارق الأحباب في يوم الشدة. والخطاب في البيت لمؤنث، وإنما قال صديق بالمذكر على تأويل أنت بانسان. وفي أمالي ثعلب يقال: صديق
__________
(1) ديوان الهذليين 1/ 15 وفيه:
فرمى لينقذ فرّها فهوى لها … سهم فانفذ طرتيه المنزع
وهو في اللسان (نزع).
(2) ابن عقيل 1/ 146.
(1/105)

ورسول يكون للواحد والجمع وأنشد عليه البيت، وقال: أي أنت من الأصدقاء كما يقال أنتم عم وخال، أي من العمومة والأخوال. وقوله: (لم أبخل) جواب لو، وجملة (وأنت صديق) حالية. ثم رأيت البيت في بعض التفاسير بلفظ فراقك بدل طلاقك، وبعده:
فما ردّ تزويج عليه شهادة … وما ردّ من بعد الحرار عتيق
36 - وأنشد:
بأنّك ربيع وغيث مريع … وأنّك هناك تكون الثّمالا (1)
هو من قصيدة عزاها أبو عمرو بن العلاء لعمرة بنت العجلان بن عامر بن بر الهذلية ترثي بها أخاها عمرا ذا الكلب وقيل اسمها جنوب، وأوّلها (2):
سألت بعمرو أخي صحبه … فأفظعني حين ردّوا السّؤالا
فقالوا: أتيح له نائما … أعزّ السّباع عليه أحالا
أتيح له نمرا أجبل … فنالا لعمرك منه منالا
أتيحا لوقت حمام المنون … فنالا لعمرك منه ونالا
فأقسمت يا عمرو لو نبّهاك … إذن نبّها منك داء عضالا
إذن نبّها ليث عرّيسة … مفيدا مفيتا نفوسا ومالا
هزبرا فروسا لأعدائه … هصورا إذا لقى القرن صالا
هما مع تصّرف ريب المنون … من الأرض ركنا ثبيتا أمالا
__________
(1) الخزانة 4/ 352، وديوان الهذليين 3/ 123 برواية:
بأنك كنت الربيع المريع
(2) ديوان الهذليين 3/ 120 - 123 مع تقديم وتأخير برواية الابيات.
(1/106)

هما يوم حمّ له يومه … وقال أخوفهم بطلا وفالا
وقالوا: قتلناه في غارة … بأية ما إن ورثنا النّبالا
فهلّا إذن قبل ريب المنون … وقد كان رجلا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم عند اللّقاء … بأنّهم لك كانوا نفالا
كأنّهم لم يحسّوا به … فيخلو النّساء له والحجالا
ولم ينزلوا بمحول السّنين … به فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضّيف والمجتدون … إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
وخلّت عن أولادها المرضعات … ولم تر عين لمزن بلالا
بأنّك كنت الرّبيع المغيث … لمن يعتريك وكنت الثّمالا
وخرق تجاوزت مجهوله … بوجناء حرف تشكّى الكلالا
فكنت النّهار به شمسه … وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
وخيل سمت لك فرسانها … فولّوا ولم يستقلّوا قبالا
فحيّا أبحت وحيّا منحت … غداة اللّقاء منايا عجالا
وكلّ قبيل وإن لم تكن … أردتهم منك باتوا وجالا
ووقع في شرح شواهد المصنف تبعا لابن الشجري نسبة البيت إلى كعب بن زهير رضي الله عنه.
قوله: (سألت بعمرو) أي عن عمرو، كقوله تعالى (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) وأخي بدل أو بيان. أفظعني الأمر: أهالني. وأمر
فظيع: شديد شنيع مجاوز المقدار،
(1/107)

وأفظع الرجل بالبناء للمفعول: نزل به أمر عظيم. وأتيح: قدر. ونائما: حال.
وأعز: مرفوع بأتيح. وأحال: حمل عليه فقتله وأكله. وقال العيني: أحال وثب.
ونمرا: تثنية نمر. وأجبل، جمع جبل، وأورده العيني بلفظ جيئل، بفتح الجيم وسكون الياء وفتح الهمزة ولام، وهو الضبع. منالا: للتعظيم أي منالا عظيما.
والحمام بالكسر: قدر الموت. وثالا: بالمثلثة، يقال: ثال عليه القوم إذا علوه بالضرب. وقوله: (نبها منك) فيه تجريد. وداء عضال: شديد أعيا الأطباء.
والليث: الأسد. والعرّيسة، بكسر المهملة وتشديد الراء، مأوى الأسد. وفي (مفيدا) أو (مفيتا) جناس ولف ونشر غير مرتب، فإن نفوسا راجع إلى مفيت، أي مهلك. وراجع إلى مفيد. وضبطه العيني مقيتا بالقاف. قال: وهو المقتدر أو الحافظ. وعندي إن صحت الرواية بالقاف إنه من إعطاء الترب. والهزبر: الأسد.
وفروس فعول من فرس الأسد فريسته يفرسها، أي دق عنقها. والهصور كذلك، من هصره كسره. والقرن: النظير. وصال: وثب واستطال. وريب المنون:
حوادث الدهر. وركنا مفعول أمالا. والتثبيت: الثابت. وحم، بالحاء المهملة، دنى وحان. وفال الرأي بالفاء: ضعف. وفهم: قبيلة. ورجلا: بسكون الجيم مخفف رجل، ويقال بالفاء من قولك انتفل من الشيء انتفى منه وتنصل. قال الأعشى (1):
لئن منيت بنا عن حدّ معركة … لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
والمجتدون، بالجيم، الطالبون الجدا، وهو العطية. ويروى بدله: (والمرملون) من أرمل القوم إذا نفذ زادهم، عام أرمل: قليل المطر. وفاعل هبت: ضمير الريح، وإن لم يجر لها ذكر. وشمالا: حال، وقيل تمييز، وهو بفتح الشين: ريح تهب من ناحية القطب. والمزن: السحاب الأبيض، واحده مزنة. والبلال: بكسر الموحدة الماء. قوله:
بأنّك كنت الرّبيع المغيث
كذا أورده صاحب منتهى الطلب، فلا شاهد فيه. وأورده غيره بلفظ المصنف
__________
(1) ديوانه 63، المقطوعة رقم 6 (عن غبّ ... من دماء ...).
(1/108)

على تخفيف ان. والمريع بفتح الميم وكسر الراء وعين مهملة، الكثير النبات (1).
والثمّال، بكسر المثلثة، الغياث. وهناك: ظرف زمان، وأصله للمكان ولكن اتسع فيه وعامله يكون أو الثمال. والخرق: الأرض الواسعة التي تنخرق فيها الرياح.
وواوه واو (رب). والوجناء، بالجيم، الناقة الشديدة. والحرف: الناقة الضامرة.
وتشكى أصلها تتشكى. والكلال: الاعياء.
قال عمر بن شبّة: كان عمرو بن عاصم، وهو ذو الكلب يغزو فهما فيصيب منهم، فوضعوا له رصدا على الماء فأخذوه فقتلوه. ثم مروا بأخته جنوب فقالوا: طلبنا أخاك، فقالت: لئن طلبتموه لتجدنه منيعا، ولئن ضفتموه تجدنه مريعا، ولئن دعوتموه لتجدنه سريعا: فقالوا: قد أخذناه وقتلناه وهذا نبله. فقالت: والله لئن سلبتموه لا تجدوا ثنته دامية، ولا حزته جافية، ولرب ثدي منكم قد افترشه، ونهب قد اخترشه، وضب قد احترشه. ثم قالت الأبيات المذكورة.

فائدة: [قوله
كأنّهم لم يحسّوا به
]
قوله:
كأنّهم لم يحسّوا به
أورد العيني عجزه بلفظ:
فيجلو نساءهم وأيضا حجالا
فإن صحت هذه الرواية كان فيه شاهد لعربية أيضا. وقد توقف فيها المصنف.
37 - وأنشد (2):
فأقسم أن لو التقينا وأنتم … لكان لكم من الشّرّ مظلم
__________
(1) يشرح هنا السيوطي معنى كلمة (المريع) وذلك على رواية البيت:
(بأنك كنت الربيع المريع).
(2) الخزانة 4/ 224. والجمهرة 1/ 38.
(1/109)

قال الأعلم: يعني، لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل.
واستشهد به سيبويه على إدخال (أن) توكيدا للقسم، بمنزلة اللام. انتهى.
والمصنف استشهد به على تخفيف أن المفتوحة، وأنتم عطف على الضمير المرفوع في التقينا من غير فعل، وهو ضرورة، ولكان جواب لو. ومظلم: صفة يوم.
و (كان) تامة أو ناقصة. ولكم: الخبر. ومن: إما تعليلية، وهو الظاهر، أو تجريدية.
ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري: أن البيت من أبيات للمسيّب بن علس يخاطب بها بني عامر بن ذهل في شيء صنعوه بحلفائهم.
وقبله:
لعمري لئن جدّت عداوة بيننا … لينتحينّ منّي على الوخم ميسم
وبعده:
رأوا نعما سودا فهمّوا بأخذه … إذا التقت من دون الجميع المزنم
ومن دونه طعن كأنّ رشاشه … عزالى مزاد والأسنّة ترذم
ألا تتّقون الله يا آل عامر! … وهل يتّقي الله الأبلّ المصمّم
قال: ويروي:
وأقسم لو أنّا التقينا وأنتم
ولا شاهد فيه على هذا. وقوله: لينتحين، أي ليعتمدن. يعني أنه يهجوه هجوا يسمه به الأبلّ الأبله عاره، وأراد بالوخم عامر بن ذهل؛ انتهى. والمزنم من الناس: المستلحق من قوم ليس منهم، ومن الأبل الذي يقطع شيأ من أذنه ويترك معلقا، وإنما يفعل ذلك بالكرام منها. وترذم: بالذال المعجمة، تسيل.
والأبلّ: الفاجر، قاله في الصحاح واستشهد عليه بالبيت. والمصمم: من أصمه الله فصم، ويقال: أصممته أي وجدته أصم.

فائدة: [ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة]
المسيّب هذا هو ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة
(1/110)

ابن عديّ بن مالك بن جشم بن بلال بن جماعة بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ابن نزار، وهو خال الأعشى (1). وهو أحد المقلين الثلاثة الذين فضلوا في الجاهلية (2).
ذكر ذلك صاحب منتهى الطلب. وفي شرح ديوانه للآمدي: أن المسيّب هذا اسمه زهير ويكنى أبا فضة.
38 - وأنشد:
أما والله أن لو كنت حرّا … وما بالحرّ أنت ولا العتيق
أنشده الفارسي هكذا:
أما والله عالم كلّ غيب … وربّ الحجر والبيت العتيق
لو أنك يا حسين خلقت حرّا … وما بالحرّ أنت ولا الخليق
ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والحرّ: يطلق على ضدّ الرقيق، وعلى الكريم، وكذا العتيق. وجواب (لو) محذوف، أي لقاومتك. ويقال: فلان خليق لكذا أي جدير به. قال أبو علي: في هذا البيت شاهد على نصب خبر (ما) مقدما، لأن الباء لا تدخل إلا عليه. ومن أنكر ذلك يقول إن الباء دخلت على المبتدأ وحمل (ما) على أنها التميمية، ويقوى ان (ما) حجازية إن أنت أخص من الحرّ فهو أولى أن يكون الاسم.
39 - وأنشد:
ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (3)
__________
(1) انظر الخزانة 2/ 364 (السلفية)، والشعراء 126
(2) في الشعراء 630. (قال أبو عبيدة: اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المسيب بن علس، والمتلمس، وحصين بن الحمام المري).
(3) هذا البيت من قصيدة اصمعية رقم 55 منسوبة لعلباء بن أرقم ابن عوف أولها:
ألا تلكما عرسي تصد بوجهها … وتزعم في جاراتها أنّ من ظلم
وهو في الخزانة 4/ 365 لعلباء، ونسبه الأعلم لباعث بن صريم اليشكري، وقيل لأرقم بن علباء، وفي البكري 829 لراشد بن شهاب اليشكري، وليس البيت في مفضلية راشد. ولم ينسبه القالي في أماليه 2/ 210 وهو أيضا في اللسان (قسم). وفي الكامل 75.
(1/111)

هذا لباعث بن صريم اليشكري فيما ذكر النحاس وتبعه المصنف في شواهده، وقيل لأرقم بن علباء اليشكري
يذكر امرأته ويمدحها كذا في المنقد لابي عبد الله المفجع، وبعده:
ويوما تريد ما لنا مع مالها … فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم
ويوما: بالنصب ظرفا. وروي بالجرّ على أن الواو واو رب. والموافاة: المجازاة الحسنة. والمقسّم، بضم الميم وفتح القاف وتشديد المهملة، المحسن من القسام، وهو الحسن. قيل: وأصله من القسمات، بكسر السين، واحدها قسمة، وهي مجاري الدموع في أعالي الوجه، وهو أحسن ما في الوجه. ويقال: رجل قسيم الوجه أي جميله. وكأن: مخففة، واسمها محذوف، والتقدير: كأنها ظبية، هذا على رواية من رفع الظبية، وعلى رواية من نصبها فهي الأسم والخبر تعطو محذوف.
وعلى رواية من جرّها فالتقدير: كظبية، وأن زائدة. وتعطو: أي تتناول أطراف الشجر في الرعي. والوارق: المورق، ومن النوادر، لأن فعله أورق، ومثله أيفع فهو يافع. وقيل: أيضا ورق، وعدّى تعطو بإلى على تضمينه معنى تميل في مرعاها إلى كذا. قال في القاموس: معناه، تتطاول إلى الشجر لتتناول منه. وقال ابن يعيش:
العاطية التي تتناول الشجر مرتعية. والسلم: بفتحتين، شجر معروف واحده سلمة. قال الأعلم: وصف امرأة حسنة الوجه، فشبهها بظبية مخصبة. ويروى:
إلى ناضر السلم. والناضر، بالمعجمة، الحسن. وقال الزمخشري: معنى البيتين انه يستمتع بحسنها يوما وتشغله يوما آخر بطلب ماله، فإن منعها آذته وكلّمته بكلام يمنعه من النوم.
40 - وأنشد:
فأمهله حتّى إذا أن كأنّه … معاطي يد في لجّة الماء غامر
هكذا أنشد المصنف هذا البيت، وفيه تحريف في موضعين، كما ستراه، فإن
(1/112)

البيت لأوس بن حجر من قصيدة فائية أوّلها (1):
تنكّر بعدي من أميمة صائف … فبرك فأعلى تولب فالمخالف
ومنها:
ولو كنت من ديمان تحرس بابه … أراجيل أحبوش وأغضف آلف
إذن لأتتني حيث كنت منيّتي … يخبّ بها هاد لإثري قائف
ومنها:
وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها … لرحلي فيها هزّة وتقاذف
الى أن قال:
كأنّي كسوت الرّحل جأبا مكدما … له بجنوب الشّيّطين مساوف
يقلّب حقباء العجيزة سمحجا … بها ندب من زره ومناسف
وحلّأها حتّى إذا هي أحنقت … وأشرف فوق الحالبين الشّراسف
وأوردها التّقريب والشّدّ منهلا … قطاه معيد كرّة الورد عاطف
فوافى عليه من صباح مدمّرا … لناموسه من الصّفيح سقائف
أزبّ ظهور السّاعدين عظامه … على قدر شثن البنان جنادف
أخو قترات قد تيقّن أنّه … إذا لم يصب لحما من الوحش خاسف
معاود تأكال القنيص شواؤه … من الصّيد قصرى رخصة وطفاطف
صد غائر العينين شقّق لحمه … سمائم قيظ فهو أسود شاسف
__________
(1) القصيدة واختلاف رواية أبياتها في ديوانه 63 - 74.
(1/113)

قصيّ مبيت اللّيل للصّيد مطعم … لأسهمه غار وبار وراصف
فأمهله حتّى إذا أن كأنّه … معاطي يد من جمّة الماء غارف
فيسّر سهما راشه بمناكب … لؤام ظهار فهو أعجف شاسف
فأرسله مستيقن الظّنّ أنّه … مخالط ما تحت الشّراسيف جائف
فمرّ النّضيّ بالذّراع ونحره … وللحتف أحيانا عن النّفس صارف
فعضّ بإبهام اليمين ندامة … ولهّف سرّا أمّه وهو لاهف
قال شارح ديوان أوس: تنكر وتعذر بمعنى واحد. وصائف وبرك، بكسر الموحدة، وتولب والمخالف كلها مواضع. والأراجيل: الجمع من الرجال. وأحبوش:
أسود، والأحبوش: الجماعة. والأغضف: كلب مسترخي الأذنين. ويخب: يسرع.
وقائف: متبع. وأدماء: ناقة بيضاء اللون، والواو: واورب. ومثل الفحل: أي مذكرة الخلقة. وعرضتها: أرحلتها معترضة. وهزة، بكسر الهاء، أي تهتز في السير تسرع فتضطرب. وتقاذف: أي يدافع بعضها بعضا. والجأب هنا: الغليظ من الحمير. والمكدم: المعضض، عضته الحمير مما يقاتل عن اتنه. والشيطين، بتشديد التحتية، موضع. ومساوف، يقول: قد بالت حمره فهو يشم أبوالها، والسوف الشم، ومنه السيافة. ويقلب: أي يصرف أتانا حقباء: أي
بموضع حقيبتها بياض، يقول: عجيزتها مثل الحقب يصرفها حيث يشاء. والسمحج، بحاء مهملة ثم جيم، الطويلة على وجه الأرض. والندب، بفتحتين، الأثر بضم الهمزة، يقال: ندب الجرح. ومناسف: ينسفها بفيه. يقال: زره يزره إذا عضه، وذره بالرمح إذا طعنه.
وقيل: نسفها بنابه، والمناسف: الاحتراق بالأسنان. وحلأها: طردها، وأصله المنع عن الماء، ثم صار كل منع تحلأه. وأحنقت: ضمرت ولزق بطنها بظهرها. وأورد التقريب: أي أوردها الحمار بالتقريب. والشد منهلا: أي أوردها تقريبا. والمنهل:
المشرب. وقال أبو حاتم السجستاني: وجدت في كتابي: وأوردها التقريب بالنصب كقوله:
(1/114)

كما عسل الطّريق الثّعلب (1)
وقوله:
قطاه معيد كرّة الورد عاطف
يقول: لا تأتي مرة هذه وتذهب أخرى. يقول: أوردها منهلا لا يخلو من الماء فهو الدهر يعود قطاه إليه أبدا. فوافى عليه: أي على المنهل. وصباح: غير منصرف قبيلة. ومدمّرا: يدمر ما رمى بقتله. والناموس: القترة، يعني بيت الصائد يعني الرامي للوحش. والصفيح: صخر رقاق يبنى به البيت. وقوله أزب الخ ... يريد أنه صائد ومشغول عن التزين. على قدر أي رجل مقدّر ليس بضخم. والجنادف:
القصير الغليظ المجتمع. والخاسف: المهزول. والتأكال: الأكل. والقنيص والقنص:
الصيد. والقصري: تكبير القصيري، وهي مايلي الكشح. والطفاطف: أطراف الأضلاع. وصد: عطشان. وغائر العينين: من الجهد شقق لحمه أي مزقه. وسمائم قيظ: شدّة الحرّ. قصي: مبيت الليل، يقول: لا يبيت مع أهله إنما يبيت مع الوحش. غار: أي من غراه يغوره إذا طلاه بالغراء. والرصفة: ما يشد على صدر السهم. وقوله: حتى إذا أن كأنه .. أي حتى كأنه، وأن هنا زائدة، أي حتى بلغ الحمار هذا الوقت. والمعاطي: المناول، قال أبو حاتم: وفي كتابي: حتى إذا ان أي حتى اطمأن. وقال أبو عبيدة: حتى ان باب، أي حتى اطمأن وصار في الماء بمنزلة المعاطي الذي يتناول فيه. وقال الأصمعي: حتى إذا كان كذا وكذا فعل. والمناكب:
أربع ريشات يكن على طرف المنكب. واللؤام: القذذ الملتئمة من الريش فيكون بطن قذة إلى ظهري أخرى. والظهار: ما جعل من ظهر الريشة. والشاسف: اليابس. وقال أبو عبيدة: المناكب: ما كان من أعلا الريش وهو خيره من البطنان. واللؤام: ما كان من عمل السهام ملتئما قد براه حتى أعجفه. وقوله: فأرسله ... البيت. استشهد به
البيضاوي في تفسيره على استعمال الظن بمعنى اليقين. وقال شارع الديوان:
يقال ظنّ ظنا يقينا أي مصيبا. وجائف: يصير السهم إلى الجوف حتى تصير الرمية
__________
(1) سبق ص 17، وانظر امالي ابن الشجري 36.
(1/115)

جائفة. والشراسيف: أطراف الأضلاع الرخصة من أطراف الصدر المشرّفة. والنضيّ:
اسم للقدح نفسه إذا لم يرش ولم يجعل له نصل. والحتف: المنية. فمرّ بذراعه ونحره أي لم يصبه. وعض بابهامه كذا: يفعل من فاته شيء يريده. ولهف أي قال يالهف أماه. ورجل لاهف ولهفان. وسرى أي ليلا يسمع الوحش. انتهى ملخصا من شرح الديوان. وتكلم ابن الدماميني في شرح هذا البيت كلام من لم يقف على القصيدة ولا عرف ما قبل البيت ولا ما بعده ولا المعنى الذي سيق له.

فائدة: [أوس بن حجر]
قائل هذه القصيدة أوس بن حجر، بفتحتين، بن معبد بن حزن بن خلف بن نمير ابن أسيد بن عمرو بن تميم بن مر التميمي، كذا في ديوانه. وفي منتهى الطلب: أوس ابن حجر بن عتاب بن عبد الله بن عديّ بن خلف ... الخ؛ شاعر جاهلي. وفي الأغاني:
ذكره أبو عبيدة من الطبقة الثالثة وقرنه بالحطيئة ونابغة بني جعدة. وأخرج عن أبي عمرو وقال: كان أوس بن حجر شاعر بني تميم في الجاهلية غير مدافع، وكان فحل العرب فلما أنشأ النابغة طأطأ منه.
41 - وأنشد:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (1)
هذا من أبيات للعبّاس بن مرداس السّلميّ الصحابيّ رضي الله عنه يخاطب بها خفاف بن ندبة، وهو أبو خراشة، بضم الخاء، وبعده:
السّلم تأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
أبو خراشة شاعر صحابي. وقوله: أما أنت ... قال المصنف في شواهده:
الأصل إلا أن كنت ذا نفر فخرت، فحذفت همزة الانكار ولام التعليل ومتعلق اللام، وهو فخرت إذ لا يتعلق بما بعد الفاء، لأن الفاء وإن. والمعنى ما بين ذلك والفاء على
__________
(1) الخزانة 2/ 80 - 82 والاشتقاق 313 واللسان 8/ 183 و 10/ 86، والشعراء 300، وابن عقيل 1/ 124 وسيبويه 1/ 148، وامالي ابن الشجري 1/ 28 و 318.
(1/116)

هذا قيل زائدة. والصواب: إنها رابطة لما بعدها بالأمر المستفاد من النداء السابق أي تنبه فإن قومي، ثم حذفت كان فانفصل الضمير فصار أنت، وعوض من كان المحذوفة ما فأدغمت نون ان فيها. قال شارح أبيات الايضاح: ورواه أبو حنيفة:
إما كنت، وعلى هذا انه لا شاهد فيه. قال المصنف: وكذا رواه ابن دريد في جمهرته، فما زائدة لتأكيد الشرط. قال: وهو يريد قول الكوفيين في رواية الفتح انها ان الشرطية، زعموا أن المفتوحة قد يجازى بها. قال: ويؤيده أيضا مجيء الفاء بعدها واستغناء الكلام عن تقدير. والنفر في الأصل اسم لما دون العشرة والتنكير فيه للتكثير. والضبع السنة المجدبة استعيرت من اسم الحيوان لانه متتابع الفساد.
والمعنى ان افتخرت بكثرة قومك ففي قومي كثرة إذ لم تهلكهم السنون. وقال ابن الأعرابي: انما الضبع الحيوان، ولكنهم إذا أجدبوا ضعفوا فعاثت فيهم الضباع.
والمعنى: أن قومي ليسوا ضعافا عن الانبعاث فتعيث فيهم الضباع. وزعم الفارسي في الايضاح أن الضبع اسم للسنة المجدبة حقيقة لا استعارة واستشهد له بالبيت.
والسلم بكسر السين وفتحها، الصلح يذكر ويؤنث، والحرب مؤنثة. وقد استشهد البيضاوي في تفسيره بهذا البيت على أن السلم مؤنثة كالحرب لقوله: منها. واستشهد به ابن السكيت في الاصلاح. والجرع: جمع جرعة وهي ملء الفم. ويقال أكرع في في الاناء نفسا أو نفسين أي أشرب منه جرعة أو جرعتين. قال التبريزي: يعلمه أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد، فإذا جاءت الحرب قطعته عن ارادته وشغلته بنفسه. وقد أعاد المصنف هذا البيت في شواهد أمّا بالفتح والتشديد، وقال: ليس من أقسام أما الواقعة فيه بل هي كلمتان كما تقدّم تقريره.

فائدة: [العباس بن مرداس]
العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن بهثة بن سليم السلمي، أبو الفضل، وقيل أبو الهيثم، شاعر مجيد أسلم قبل فتح
(1/117)

مكة بيسير، وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم. قال أبو عبيدة (1):
وأمه هي الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة، وله منها أيضا اخوة: سراقة وجزء وعمرو، بنو مرداس، وكلهم شاعر، وعباس أشهرهم وأشعرهم وأفرسهم وأسودهم.
وكان عباس ممن ذم الخمر في الجاهلية، وكذلك أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وقيس بن عاصم، وحرّمها قبل هؤلاء عبد المطلب بن هاشم، وعبد الله بن جدعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وعامر بن الظرب، ويقال إنه أول من حرّمها على نفسه. ويقال بل عفيف بن معدي كرب. وكان عباس هذا ينزل البادية بناحية البصرة وله ولدة جماعة وله صحبة أيضا ورواية.
42 - وأنشد:
إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلا … فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (2)
قال المصنف: الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية، قلت: البيت أنشده المبرد شاهدا على قوله: إذا أتيت بأما، وأما فافتح الهمزة مع الأسماء واكسرها مع الأفعال، كذا حكاه عنه الأزهري. وأورده بلفظ فالله يحفظ وهو معنى يكلأها كلأه الله كلاءة بالكسر حفظه وحرسه. وتأتي: تفعل. وتذر: تترك. وفي البيت إذا تأمّلت أربع
__________
(1) قول أبي عبيدة: وأمه الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة خطأ محض، والصواب الذي لا محيد عنه ابن عباس بن مرداس رضي الله عنه أمه سوداء زنجية وافتخر بذلك رباح بن سنيح الزنجي مولى بني ناجية على جرير حين بلغه قوله:
لا تطلبن خؤلة في تغلب … فالزنج أكرم منهم أخوالا
فغضب رباح بن سنيح الزنجي وقال في قصيدته المشهورة:
فالزنج أن لاقيتهم في صفهم … لاقيت ثم جحاجحا ابطالا
فذكر فيها رجالا أشرافا من شجعان العرب الأبطال منهم عباس بن مرداس السلمي وابن عمه خفاف بن ندبة وغيرهم، وذكر أن أمهاتهم زنجيات انتهى أملاء من حضرة الاستاذ الشيخ أحمد محمود الشنقيطي.
قلت: ذكر في الخزانة 1/ 105 (السلفية) أن أمه الخنساء الصحابية الشاعرة. وانظر الاصمعيات ص 236.
(2) الخزانة 2/ 82
(1/118)

طبقات بين إما المكسورة، وأما المفتوحة، وبين أقمت ومرتحلا، وبين الجملة الفعلية والاسمية، وبين تأتي وتذر.
43 - وأنشد:
نزلتم منزل الأضياف منّا … فعجّلنا القرى أن تشتمونا (1)
هذا من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم التغلبي، وهي إحدى المعلقات، وأوّلها:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا
ومنها:
إليكم يا بني بكر إليكم … ألمّا تعلموا منّا اليقينا
علينا البيض واليلب اليماني … وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كلّ سابغة دلاص … ترى تحت النجاد لها غضونا
ومنها:
وقد علم القبائل من معدّ … إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا … وأنّا المهلكون إذا أتينا
وأنّا الشّاربون الماء صفوا … ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وأنّا المانعون لما يلينا … إذا ما البيض قابلت الجفونا
ألا أبلغ بني الطّمّاح عنّا … ودعميّا فكيف وجدتمونا
نزلتم البيت ... وبعده:
__________
(1) شرح التبريزي 235، وأمالي المرتضى 2/ 49
(1/119)

قريناكم فعجّلنا قراكم … قبيل الصّبح مرداة طحونا
على آثارنا بيض كرام … نحاذر أن تقسم أو تهونا
ظعائن من بني جشم بن بكر … خلطن بميسم حسبا ودينا
أخذن على بعولتهنّ عهدا … إذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبنّ أبدانا وبيضا … وأسرى في الحديد مقرّنينا
وبهذه الأبيات علم أن القرى في البيت استعارة عن القتل. قال شارح المعلقات:
يقول نزلتم منا منزلا قريبا كمنزل الأضياف فعجلنا لكم القتل قبل أن تقتلونا. ومن آخر القصيدة:
إذا ما الملك رام النّاس خسفا … أبينا أن نقرّ الخسف فينا
ملأنا البرّ حتّى ضاق عنّا … وبحر الأرض نملؤه سفينا
لنا الدّنيا وما أضحى عليها … ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظلمنا … ولكنّا سنبدأ ظالمينا
إذا بلغ الرّضيع لنا فطاما … تخرّ له الجبابر ساجدينا
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال شارح المعلقات: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم في سنة أصابتهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم، فرجعوا إلى الفلاة فمات منهم سبعون رجلا عطشا، فاجتمعت بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت فدعا بعضهم بعضا الى الصلح، فتحاكموا في ذلك الى الملك عمرو بن هند، وهو ابن المنذر وهند أمّه، فجمع الفريقين وأصلح بينهم، وأنشد
(1/120)

عمرو بن كلثوم سيد تغلب في مجلسه هذه القصيدة إرتجالا يذكر فيها أيام بني تغلب ويفتخر بهم، وأنشد الحرث بن حلّزّة قصيدته التي أوّلها:
آذنتنا ببينها أسماء
قال معاوية بن أبي سفيان: قصيدتا عمرو بن كلثوم والحرث بن حلّزّة من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا.
وعمرو بن كلثوم بن عتاب بن مالك بن ربيعة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب. قال ابن دريد في الوشاح: كنيته أبو الاسود. قوله:
هبي أي انتبهي من نومك. والصحن: الكأس. ويقال جام عريض قصير الجدار.
وأصبحينا: أسقينا. الصبوح: وهو شرب الغداة. والغبوق: شرب العشيّ.
والأندرين: قرية بالشام، وهو معدن الخمر. والبيض بالفتح جمع بيضة وهي المغفر.
واليلب: الترس من الجلود. والسابغة: الدرع الواسعة. والدلاص: الدروع الملساء التي ليس لحلقها حجم. والغضون: ما تثنى منها، يعني أنها واسعة. وبنو الطماح قبيلة من بني أسد، ودعمى من عبد القيس. وتشتمونا بكسر العين وضمها في المضارع والماضي بالفتح. والمرداة ما يردى به الشجر أي يرمى ليخبط ورقه.
والطحون: الذي يطحن كل شيء، وهو في البيت كناية عن الكتيبة، أي عجلنا لكم كتيبة تعرككم كما تعرك الرحى الحب. والظعائن: النساء في الهوادج. والميسم:
الحسن والجمال. والملك بسكون اللام لغة في الملك بكسرها. وسام: كلف.
والخسف: الظلم. وقوله: فنجهل. استشهد به النحاة على نصب المضارع بعد الفاء في جواب النهي.
* * *
(1/121)

شواهد إنّ المكسورة المشدّدة
44 - وأنشد:
إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن … خطاك خفافا إنّ حرّاسنا أسدا
هو لعمر بن أبي ربيعة. والجنح، بضم الجيم وكسرها، طائفة من الليل.
والخطى، بالضم، جمع خطوة وهي ما بين القدمين. وخفافا: جمع خفيفة. والحرّاس:
جمع حارس. وأسند، بإسكان السين، جمع أسد. قال الجوهري: وهو مخفف من أسد بضمتين. والبيت استشهد به طائفة على أن (إن) تنصب الجزئين في لغة.
وخرّجه الأكثرون على أن أسدا منصوب على الحالية أي تلقاهم أسدا. وفي البيت شاهد على أمر المضارع المبدوء بتاء المخاطب باللام.
45 - وأنشد:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما … يلق فيها جآذرا وظباء (1)
هو للأخطل وبعده:
مالت النّفس نحوها إذ رأتها … فهي ريح وصار جسمي هباء
ليت كانت كنيسة الروم إذ … ذاك علينا قطيفة وخباء
الكنيسة: معبد النصارى (2)، وكان الأخطل نصرانيا. والجآذر: أولاد البقر
__________
(1) الخزانة 1/ 219 و 2/ 463، وأمالي ابن الشجري 1/ 264.
(2) في الخزانة: (الكنيسة هنا متعبد النصارى، وأصله متعبد اليهود، معرب كنشت بالفارسية).
(1/122)

واحدها جؤذر بجيم مضمومة وهمزة ساكنة وذال معجمة مفتوحة ومضمومة، وكنى بذلك عن النساء اللاتي رآهنّ في الكنيسة. والهباء: الغبار الرقيق. وقيل: ما يدخل على الكوى مع الشمس. والقطيفة: كساء ذو خمل عظيم.
واسم إن في البيت ضمير الشأن محذوفا، ولا يصح جعله من لأن الشرط له الصدر فلا يعمل فيه ما قبله.
والجملة من وجزآها في موضع الخبر.

فائدة: [الأخطل]
الأخطل: هو غياث بن غوث، ويقال: ابن غويث، ويقال: ابن مغيث بن الصلت ابن طارقة، أبو مالك التغلبي النصراني (1) .. قال له كعب بن جعيل: إنك لأخطل يا غلام، أي سفيه فلقب به. وقيل لخطل لسانه، وقيل لطول أذنيه، وقيل لبيت قاله (2). وكان نصرانيا ومات على نصرانيته. وكان مقدّما عند خلفاء بني أمية لمدحه لهم، وانقطاعه إليهم. ومدح يزيد بن معاوية وهجا الأنصار بسببه فلعنه الله وأخزاه.
وعمّر عمرا طويلا إلى أن مات لا رحمه الله ولا خفّف عنه. وكان أبو عمرو بن العلاء ويونس وحماد يقدّمونه في الشعر على جرير والفرزدق.
وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قلت لجرير:
خبرني ما عندكم في الشعراء؟ قال: أما أنا فمدينة الشعر، والفرزدق يروم مني مالا ينال، وابن النصرانية أرمانا للفرائص، وأمدحنا للملوك، وأقلنا اجتزاء بالقليل، وأوصفنا للخمر، والحمر، يعني النساء البيض. قلت: فذو الرمّة؟ قال ليس بشيء، أبعار ظباء ونقط عروس (3). قال: وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وابن المراغة إذا هجا، وابن النصرانية إذا امتدح.
__________
(1) الشعراء 455.
(2) لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جعيل احتكما اليه مع امهما فقال:
لعمرك إنني وابني جعيل … وأمهما لأستار لئيم
فقيل إنه لأخطل، فلزمه هذا اللقب. انظر الخزانة 1/ 309 (السنلفية).
(3) انظر طبقات ابن سلام 467 والموشح 171 و 362 والأغاني 16/ 111
(1/123)

وأخرج عن محمد بن اسحق الوشاء النحوي قال: قال بعض الرواة: ذهب كثير بالنسيب، وذهب جرير بالهجاء، وذهب الأخطل بالمديح، وذهب الفرزدق بالفخار.
وأخرج عن أبي الغرّاف قال: من مدح الأخطل لعبد الملك من قصيدة (1):
شمس العداوة حتّى يستقاد لهم … وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
مثل الناس بينه وبين بيت جرير.
ألستم خير من ركب المطايا (2)
وأخرج عن سلمة بن عيّاش قال (3): تذاكرنا جريرا والفرزدق والأخطل، فقال قائل: من مثل الأخطل؟ ان في كل بيت له بيتين يقول (4):
ولقد علمت إذا الرّياح تناوحت … مدح الرّئال ثلثهنّ شمالا
أنّا نعجّل بالعبيط لضيفنا … قبل العيال، ونقتل الأبطالا
ولو شاء لقال:
ولقد علمت إذا الرّياح … تزوّجت صدح الرّئال
أنّا نعجّل بالعبيط … لضيفنا قبل العيال
وكان هذا شعرا، وكان على غير ذلك الوزن.
وأخرج عن ابن الأعرابي، قال (5): قيل لجرير: أيما أشعر أنت في قولك:
__________
(1) الأغاني 8/ 305، وطبقات ابن سلام 425 - 426
(2) وعجزه:
وأندى العالمين بطون راح
وهو في ديوانه 98 وطبقات ابن سلام 320 و 426
(3) طبقات ابن سلام 420 - 421 والاغاني 8/ 284
(4) ديوانه 42، ونقائض جرير والأخطل باختلاف اللفظ.
(5) انظر الموشح 131، والبيان والتبيين 3/ 271 - 272.
(1/124)

حيّ الغداة برامة الأطلالا … رسما تحمّل أهله فأحالا
أم الأخطل في جوابها:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظّلام من الرّباب خيالا
قال: هو أشعر مني، إلا أني قلت في قصيدتي بيتا لو أن الأفاعي نهشتهم في استاههم ما حكوها حيث أقول:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى … حكّ استه وتمثّل الأمثالا
وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال (1): سألت بشارا عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه.
وأخرج من طريق عمر بن شبة عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: قال الأخطل:
ما رأيت أعجب من قصتي وقصة جرير، هجوته بأجود هجاء يكون، وهجاني بأرذل شعر فنفق وصار علما، قلت فيه:
ما زال فينا رباط الخيل معلمة … وفي كليب رباط الذّلّ والعار
النّازلين بدار الهون ما خلقوا … والماكثين على رغم وإصغار
قوم، إذا استسبح الأضياف كلبهم … قالوا لأمّهم: بولي على النّار (2)
وهجاني جرير بأن قال:
والتّغلبي إذا تنحنح للقرى … حكّ استه وتمثّل الأمثالا
__________
(1) الطبقات 315.
(2) ديوانه 225، والنقائض 134. وطبقات ابن سلام 428. وتاج العروس 2/ 336، واللسان 3/ 429، والكامل 1209.
(1/125)

فانظر كم بين الشعرين.
وأخرج عن يحيى بن معين قال: هذا البيت للأخطل (1).
وإذا افتقرت إلى الذّحائر لم تجد … ذخرا يكون كصالح الأعمال
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن العتبي: أن سليمان بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز: أجرير أشعر أم الأخطل؟ فقال: اعفني. قال: لا والله لا أعفيك، قال:
إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا وسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل حيث رأيت. فقال له سليمان: فضلت والله الأخطل.
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي: المسمون بالأخطل من الشعراء جماعة، هذا، والأخطل الضبي، ولأخطل
المجاشعي أخو الفرزدق، والأخطل بن حماد بن الأخطل ابن ربيعة بن النمر بن تولب.
46 - وأنشد:
ويقلن شيب قد علاك … وقد كبرت فقلت إنّه (2)
هو لعبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله:
بكرت عليّ عواذلي … يلحينني وألومهنّه
وبعده:
ولقد عصيت النّاهيات … النّاشرات جيوبهنّه
__________
(1) الاغاني 8/ 310، وطبقات ابن سلام 425، وهو في الكامل 359 منسوب إلى الخليل بن احمد خطأ، ونسبه الطبري في تاريخه 7/ 201 الى ابن مقبل وهو أيضا خطأ، والبيت للأخطل كما في الأصل وبعده:
والناس همهم الحياة وما أرى … طول الحياة يزيد غير خيال
(2) الخزانة 4/ 485، وديوانه 66 والاغاني 1/ 28 (الثقافة) و 4/ 196 - 297 وأمالي ابن الشجري 1/ 289.
(1/126)

حتّى ارعويت إلى الرّشاد … وما ارعويت لنسيهنّه
وفي الأغاني زيادة بعد: ويقلن ... البيت:
لا بدّ من شيب فدعن … ولا تطلن ملامكنّه
وقدره في الصحاح: انه قد كان، كما يقلن (بكر) بالتخفيف جاء بكرة بخلاف بكّر بالتشديد، فانه للمبادرة، أي وقت كان. ومنه بكروا بصلاة المغرب، أي صلوها عند سقوط القرص. قال في الصحاح: ولحاه يلحاه لأمه، والهاء في ألومهنه للسكت. وفي إنه قبل، كذلك وإن بمعنى نعم. وقيل: ضمير اسم ان، والخبر محذوف: أي كذلك. وكبرت بكسر الباء.

فائدة: [عبيد الله بن قيس]
عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة العامري، من أهل الحجاز، لقب بالرقيّات لانه تشبب بثلاث نسوة كل منهنّ تسمى رقية. وقال الجمحي (1): لأن جدّات له توالين يسميّن رقية، مشهور بالجودة في الشعر. مدح مصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان.
أخرج ابن عساكر عن خالد بن عطاء بن مقدم قال: قال لي حماد الراوية: إذا أردت ان تقول الشعر فارو شعر ابن قيس الرقيّات فانه أرق الناس حواشي شعر.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب: أنه سأل نوفل بن مساحق من أشعر، ابن قيس الرقيات أم ابن أبي ربيعة؟ فقال: ابن أبي ربيعة أشهر بالغزل، وابن قيس أكثر أفانين شعر! قال: صدقت.
47 - وأنشد:
قد بلغا في المجد غايتاها (2)
__________
(1) الطبقات 529.
(2) الخزانة 3/ 337، وابن عقيل 1/ 41.
(1/127)

قال ابن الأعرابي في النوادر: من لغة من يجري المثنى بالألف قوله:
شالوا عليهنّ فشل علاها … واشدد بمثنا حقب حقواها
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
وقال أبو زيد الأنصاري في نوادره: قال المفضل: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
أيّ قلوص راكب تراها … شالوا علاهن فشل علاها
واشدد بمثنا حقب حقواها … ناجية وناجيا أباها
ان أباها ... البيت.
ثم قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليهنّ هذا من صنعة المفضل. القلوص: الناقة الشابة. ويقال: شال الشيء يشول إذا ارتفع، فالأمر شل بالضم، ويتعدى بالهمزة وبالباء، فيقال أشلته وشلت به. فقول العامة:
شلته بالكسر لحن من وجهين، قاله المصنف في شواهده. والمفعول محذوف، أي برحالهم وبرحلك. وقوله، علاهن وعلاها، قال أبو زيد: أصله عليهنّ وعليها بالياء.
ولكن بلحرث يقلبون الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا. وقال المصنف: الصواب أن يقال انهم يلتزمون ألف المثنى وألف على ولدى والى. ومعنى البيت: ان الركب قد رفعوا رحالهم على قلصهم فارفع رحلك على قلوصك واشدد حقويها بمثنا حقب، وهو حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير، والحقو: الخاصرة ومشدّ الازار.
والناجية: السريعة. ونصبها بأمدح محذوفا، وأباها فاعل بناج على لغة القصر، أو هو مثنى عليه أيضا، وحذفت نونه للاضافة، ولا يمكن ذلك في قوله:
إنّ أباها وأبا أباها
لقوله قد بلغا ولم يقل بلغن، قاله المصنف في شواهده. وقيل إن الرجز لرؤبة
(1/128)

وعزاه الجوهري لابي النجم.
وأنشد قبله:
واها لريّا ثمّ واها واها … هي المنى لو أنّنا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها … بثمن نرضي به أباها
ان أباها ... الخ. وقد أورد المصنف قوله: واها ... البيت، في حرف (وا) شاهدا على ورود (وا) للتعجب، والمجد والكرم. قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد إذا كان له آباء متقدّمون في الشرف.
قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل نفسه، وإن لم يكن له آباء لهم الشرف.
شرح شواهد المغني م - 9
(1/129)

شواهد أم
48 - وأنشد:
وما أدري وسوف إخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء
هذا من قصيدة لزهير بن أبي سلمى وأوّلها (1):
عفا من آل فاطمة الجواء … فيمن فالقوادم فالحساء
ومنها:
أرونا خطّة لاضيم فيها (2) … يسوّى بيننا فيها السّواء
فإن ترك السّواء فليس بيني … وبينكم بني حصن بقاء
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث … يمين أو نفار أو جلاء
فذلكم مقاطع كلّ حقّ … ثلاث كلّهنّ له شفاء
عفا: درس. والجواء وما بعده: مواضع ببلاد غطفان. وأرونا: أعطونا.
والخطة: بالضم، الأمر والقصد (3). والضيم: الظلم. والسواء: النصف والعدل، ومنه «قوله عزّ وجل» (إلى كلمة سواء). وبقاء: لا يبقى بعضنا على بعض.
__________
(1) شرح ديوانه 55 - 86، والبيت في امالي ابن الشجري 1/ 238.
(2) في شرح ديوانه 84:
أرونا سنة لا عيب فيها
(3) قال الأصمعي: جيئوا سنّة لا عيب فيها حتى نبرأ أو تبرءوا.
(1/130)

والمقطع: الأمر الذي ينقطع به. والنفار: المنافرة، وهو أن يتفاخر الرجلان فيحتاجان لحاكم يحكم لأحدهما من الفضل بأكثر من المنافرة. والجلاء: الأمر الواضح البيّن (1). وإخال، بكسر الهمزة، وقد تفتح، بمعنى أظنّ. والقوم: الرجال لا نساء فيهم، وقد استشهد الجوهري بالبيت على ذلك لمقابلة القوم فيه بالنساء، واستشهد به المصنف هنا على أن الهمزة فيه طلب بها وبأم التعيين، خلافا لابن الشجري، حيث ظن الهمزة فيه للتسوية. وأعاده في حرف السين مستشهدا به على الفصل بالفعل الملغى بين سوف ومدخولها، وأعاده في الكتاب الثاني مستشهدا به على وقوع الجملة المعترضة بين حرف التنفيس والفعل، واستشهد به أهل البديع على النوع المسمى تجاهل العارف.

فائدة: [زهير بن أبي سلمى]
زهير بن أبي سلمى بضم السين، قال في الصحاح: وليس في العرب سلمى بالضم غيره، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح، بكسر الراء، ثم تحتية، بن مرة بن الحارث من بني مزينة، أحد فحول الشعراء. كان عمر بن الخطاب لا يقدم عليه أحدا ويقول: أشعر الناس الذي يقول ومن، يشير إلى الأبيات الآتية. وولده كعب الصحابي صاحب بانت سعاد. وفي الوشاح لابن دريد أن كنية زهير أبو بجير، وذكر غيره أنه مات قبل المبعث.
وأخرج ثعلب في شرح ديوان زهير بسنده عن ابن عباس قال (2): قال لي عمر:
أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قيل: بم كان ذاك؟ قال: كان لا يعاظل بين
الكلام (3)، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل
__________
(1) روى في اللسان (جلا) بفتح الجيم، من الجلاء بالفتح والمد وهو الأمر الجلى. وكتب عليه مصححه: كذا أورده الجوهري بفتح الجيم، وقال: الرواية بالكسر لا غير من المجالدة. والبيت في الشعراء 89.
(2) انظر الاغاني 9/ 140 والشعراء 86 و 93.
(3) في اللسان: (كل شيء ركب شيئا فقد عاظله، والمعنى: ولم يحمل بعض الكلام على بعض، ولم يتكلم بالرجيع من القول، ولم يكرر اللفظ والمعنى).
(1/131)

بما لا يكون في الرجال. قال: فأنشدته حتى برق الصبح. أخرجه في الأغاني.
وقال ثعلب: أخبرني أبو قيس العنبري، عن عكرمة بن جرير، قال: قلت لأبي:
من أشعر الناس؟ قال: زهير أشعر أهل الجاهلية. قلت: فالاسلام؟ قال: الفرزدق ينعق بالشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر.
قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني، فإني نحرت الشعر نحرا. أخرجه في الأغاني (1) وأخرج عن سعيد بن المسيب قال (2): كان عمر جالسامع قوم يتذاكرون أشعار العرب اذ أقبل ابن عباس، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بالشعر، فلما جلس قال:
يا ابن عباس، من أشعر العرب؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فهل تنشد من قوله شيأ تستدل به على ما قلت، قال: نعم، امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:
لو كان يقعد فوق الشّمس من أحد … قوم لأوّلهم يوما إذا قعدوا (3)
محسّدون على ما كان من نعم … لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
وأخرجه من وجه آخر موصولا من طريق محمد بن إسحق، عن محمد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس مثله. قال ثعلب: من قدّم زهيرا قال: كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى، في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره. قال:
وقال الأحنف بن قيس لبعض الأمراء: إن زهيرا ألقى عن المادحين فضول الكلام قال (4):
ما يك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل
__________
(1) الأغاني 10/ 299 (الثقافة)، والشعراء 87 - 88.
(2) انظر شرح ديوان زهير 279 - 283.
(3) رواية الديوان 282:
لو كان يخلد أقوام بمجدهم … أو ما تقدّم من أيّامهم خلدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كرم … قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
(4) شرح ديوانه 115.
(1/132)

قال ثعلب: ولما مات زهير قالت أخته خنساء ترثيه (1):
لا يغني توقّي المرء شيئا … ولا عقد التّميم ولا الغضار
إذا لاقى منيّته فأمسى … يساق به وقد حقّ الحذار
ولا قام من الأيّام يوم … كما من قبل لم يخلد قدار
الغضار: كان أحدهم اذا خشي على نفسه علق عليه خزفا أخضر (2):
ومن محاسن قول زهير (3):
ولا تكثر على ذي الضّغن عتبا … ولا ذكر التّجرّم للذّنوب
ولا تسأله عمّا سوف يبدي … ولا عن عيبه لك بالمغيب
متى تك في صديق أو عدوّ … تخبّرك الوجوه عن القلوب
وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن المدائني قال: قال الأخطل: أشعر الناس قبيلة بنو قيس، وأشعر الناس بيتا آل أبي سلمى، وأشعر الناس رجلا رجل في قميصي.
وفي الأغاني عن ابن الأعرابي قال: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرا وهو شاعر وخاله شاعر وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة.
وأخرج عن ابراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري: ان رسول الله صلّى الله عليه وسلم نظر إلى زهير بن أبى سلمى وله مائة سنة فقال: اللهم أعذني من شيطانه، فمالاك بيتا حتى مات.
__________
(1) شرح ديوانه 366.
(2) وفي شرح الديوان: (قال: كان اذا خشي أحدهم المرض علق على نفسه خزفا من الخزف الأخضر فلا يدنو منه المرض. والتميمة:
العوذة).
(3) شرح ديوانه 332.
(1/133)

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن محجن الخزاعي قال: كان معاوية يفضل مزينة في الشعر ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وكان أشعر أهل الاسلام ابنه كعب ومعن بن أوس.
49 - وأنشد:
ولست أبالي بعد فقدي مالكا … أموتي ناء أم هو الآن واقع (1)
لم يسمّ قائله. والنائي: البعيد. والآن: نصب على الظرف، وهو مبتدأ و (واقع) خبره.
50 - وأنشد:
فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني … فقلت: أهي سرت أم عادني حلم (2)
هذا من قصيدة لزياد بن حمل، وقيل لزياد بن منقذ، وقيل للمرّار بن منقذ.
وفي الأغاني (3) انها لبدر أخي المرار بن سعيد (4) أوّلها:
لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد … ولا شعوب هوى منّي ولا نقم
ولن أحبّ بلادا قد رأيت بها … عنسا ولا بلدا حلّت به قدم
__________
(1) منهج السالك للأشموني 421.
(2) الأشموني 421، والخزانة 2/ 391، والحماسة 3/ 330، وياقوت (صنعاء).
(3) الاغاني 10/ 329 - 330 (الثقافة).
(4) في الحماسة 3/ 324: (زياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث) قال التبريزي: (ويقال زياد بن منقذ، وهو أحد بلعدويّة من بني تميم وأتى اليمن فنزع الى وطنه ببطن الرمة). ونسبها البكري في اللآلي 70 الى زياد بن حمل. ونقل صاحب الخزانة عن الأغاني أنه نسبها للمرار ابن سعيد وهو وهم. وعند الحصري 4/ 195 لزياد بن منقذ الحنظلي، وهو المرار العدوي. وكذا ياقوت في معجمه (أشيّ، الأمليح، صنعاء)، ونسبها المرزباني في معجمه 338 الى المرار، وأضاف: ورويت لأخيه.
وفي الشعراء 678 - 679 للمرار بن منقذ.
(1/134)

إذا سقى الله أرضا صوب غادية … فلا سقاهنّ إلّا النّار تضطرم
وحبّذا حين تمسي الرّيح باردة … وادي أشيّ وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جرّ غيرهم … على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطعمون إذا هبّت شآميّة … وباكر الحيّ من صرّادها صرم
هم البحور عطاء حين تسألهم … وفي اللّقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها … فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهم (1) … إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
كم من فتى حلو شمائله … جمّ الرّماد إذا ما أخمد البرم
زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا … لدى نواحل في أرساغها الخدم
إلى أن قال: فقمت للطيف ... البيت
وكان عهدي بها والمشي يبهظها … من القريب ومنها الأين والسّأم
وبالتّكاليف تأتي بيت جارتها … تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم
سود ذوائبها، بيض ترائبها … درم مرافقها، في خلقها عمم
شعوب، بضم الشين المعجمة والعين المهملة، ونقم، بضم النون والقاف، وهما وصنعاء بلاد كرهها هذا الشاعر حين أتى اليمن وحنّ الى وطنه. وقوله:
(ولا شعوب هوى مني) أي ليست هوى، أي لا أهواها ولا أحنّ اليها. وعنس،
__________
(1) في المرزباني 338: والاغاني والشعراء 679:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
(1/135)

بمهملتين بينهما نون، وقدم، بضمتين، حيّان من اليمن. والصوب: المطر.
والغادية: السحابة التي تمطر بالغداة (1). وتضطرم: في موضع الحال (للنار) (2).
وأشىّ، بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة، أكمة ببلاد تميم تصرف ولا تصرف.
وهضم، بضمتين، جمع هضوم، وهو الطاوي الكشح، كذا قاله المصنف في شواهده.
وقال شرّاح الحماسة، وتبعهم العيني: هو المنفاق في المشتاء (3). والواسعون: من الوسع، وهو الطاقة.
والمطعمون: حذف مفعوله وضمير هبت، للريح. وشآمية:
حال. وصرّادها، بضم المهملة وتشديد الراء، السحاب البارد. والصرم: بكسر الصاد وفتح الراء، القطع، وأصله في اقطاع البلاد فاستعاره (4). وعطاء: تميز (5).
وتلقى: حذف مفعوله أي الأعداء. وفي (بهم بهم) جناس. والبهم بضم الموحدة وفتح الهاء، جمع بهمة بضم فسكون، الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدّة بأسه. والكواثب، جمع كاثبة بالمثلثة: وهو أعلى الظهر من الدابة. والميل، جمع أميل، وهو الذي يعرض عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: الذي لا يثبت على ظهر الدابة. والقزم، بضم القاف والزاي، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (6). وجم الرماد: كثير الأضياف. والبرم، بفتح الموحدة والراء، الذي لا يدخل الميسر مع القوم. ومفعول أخمد، محذوف، أي أخمد النار لبخله. قوله:
(لم ألق ... البيت) كذا في الحماسة، وفي منتهى الطلب. ويروي بدله:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
__________
(1) وفي شرح التبريزي: (السحابة التي تغدو نهارا).
(2) مزيدة.
(3) قال التبريزي: (هضم. جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء، سألت الرقي عن قوله (هضم) ما معناه؟ فقال: جمع أهضم، وهو الضامر البطن، فقلت له: قد ذكر لي أبو العلاء شيئا غير هذا، فقال: ما هو؟ قلت: قال هضم. يعني أنهم يهضمون المال: أي يكسرونه وينفقونه، فأنشد:
إذا قالت حزام فصدقوها … فان القول ما قالت حزام
(4) قال التبريزي: أصله في اقطاع الإبل فاستعاره.
(5) ويجوز أن يكون مفعولا له.
(6) أصلحت في الاصل (جالوا) ب (حالوا)، قال التبريزي: (حال في ظهر دابته، اذا ركبها).
(1/136)

كذا أورده ابن مالك، وزعم أبو حيان انه تحريف منه، وردّه المصنف بأن ابن قتيبة رواه كذلك في طبقات الشعراء (1). وكذلك المبرّد الا أنه قال فما بالفاء. وقد استشهد به النحاة على وقوع الضمير المنفصل موقع المتصل في الضرورة، وأورده المصنف في شواهده على. ومعنى البيت: انه ما يصاحب من بعد قومه قوما فيذكر قومه إلا يزيد أولئك القوم قومه حبا اليه، إمّا لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأوّل بالقلب وعلى الثاني باللسان.
ويؤيد الأول رواية (فأخبرهم) ويجوز في (فأذكرهم) و (فأخبرهم) الرفع عطفا على (أصاحب) والنصب في جواب النفي. وهم: فاعل يزيد، وكان الأصل، لو وصل، أن يقول لا يزيدونهم حبا اليّ، وقد قيل إن الشاعر كان متمكنا من أن يقول:
إلّا يزيدونهم حبّا إليّ هم
ويكون الضمير المنفصل توكيدا للفاعل فلا يكون الفصل ضرورة. وقال المصنف في شواهده: يحتمل عندي أن فاعل يزيد ضمير راجع إلى الذكر ويكون (هم) المنفصل توكيد (لهم) المتصل، لأنه يجوز أن يؤكد بالمرفوع المنفصل كل متصل. قوله:
(زارت رويقة) أي في المنام، وهي امرأة شعثا أي قوما غبرا. لدي نواحل: أي ابل ضوامر مهازيل. وارساغها والخدم: سيور القدّ. فقمت للطيف: أي الخيال الزائر.
ويروى: للزور. مرتاعا: أي فزعا، وهو حال. فأرّقني: أقلقني. وعادني: اعتادني.
ومعنى البيت: قمت من مضجعي للطيف الزائر، وطار النوم عني وأخذني القلق، ووساوس النفس، فمثلت الفكر بين شيئين: زيارتها بنفسها، وحلم نائم اعتادني، فأرانيها وصرت أراجع نفسي، وأقول: كيف يجوز مجيئها، وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة يشق عليها ويملها ويتعبها، وإنها إذا أتت بيت جارتها لقضاء ذمام أوأداء حق حصل لها كلفة ومشقة، مع كونها تمشي بهوينا ورفق. واستشهد بقوله: (أهي) على سكون هاء (هي) بعد ألف الاستفهام، إجراء لها مجرى واو العطف وفائه، و (أم) هذه هي المعادلة، أي أيّ الأمرين كان. والحلم، بضمتين، ما يراه النائم في نومه. والواو في قوله (وكان عهدي) حالية. ويبهظ، بموحدة وظاء معجمة،
__________
(1) انظر ح 1 ص 135.
(1/137)

يثقل ويشق. والهوينا: تصغير الهونا تأنيث الأهون، وموضعها نصب على المصدر.
وقوله: (وما تبدو لها قدم) أي تجرّ أذيالها على عادة العرب. وفي قوله:
سود ذوائبها، بيض ترائبها
طباق. والترائب: عظام الصدر. والدرم، بضم المهملة وسكون الراء، التي لا حجم لها لكثرة اللحم عليها. والعمم: الطول، بفتح المهملة والميم.
51 - وأنشد:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا … شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
هذا للأسود بن يعفر بن عبد القيس بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي، يكنى أبا نهشل، كما في الوشاح. وقال ابن يسعون:
كنيته أبو الجراح، وهو جاهلي أعمى. ويعفر، بفتح الياء، وقيل بضمها، حكاهما في الأغاني (1). وقال: شاعر متقدّم من شعراء الجاهلية، ليس بالمكثر. وجعله ابن سلام في الطبقة الثامنة مع خداش بن زهير والمخبّل السعدي والنمر بن تولب، وهو من العشي (2). قال الأعلم: شعيث حي من تميم ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم هنا حيّ من قيس. واستشهد سيبويه بالبيت على حذف همزة الاستفهام، لأن المعنى: أشعيث، وهو بالمثلثة وصحف من رواه بالموحدة. قال العسكري في التصحيف: ولعمرك مبتدأ خبره محذوف أي قسمي، ومفعول ما أدرى جملة قوله شعيث، أو تقديره أشعيث بن سهم، وشعيث مبتدأ وابن سهم خبره، وكذا في الموضع الثاني فأين فيهما خبر لاصفة، وإنما حذف التنوين من شعيث للضرورة أو لمنع الصرف لأنه اسم للقبيلة.
__________
(1) الاغاني 13/ 14 (الثقافة).
(2) كذا بالأصل، وهو خطأ، فان ابن سلام جعل الأسود في الطبقة الخامسة مع خداش بن زهير والمخبل، وتميم بن أبيّ بن مقبل ص 119، أما النمر بن تولب فهو في الطبقة الثامنة مع عمرو بن قميئة وأوس بن غلفاء وعوف بن عطية ص 133.
(1/138)

فائدة: [شعيث]
في المؤتلف للآمدي: شعيث بالمثلثة آخره، ابن ثواب أحد بني حرامة بن لوزان ابن ثعلبة بن عديّ بن فزارة شاعر فصيح.
52 - وأنشد (1):
تقول عجوز مدرجي متروّحا … على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة … أراك لها بالبصرة اليوم ثاويا
فقلت لها: لا إنّ أهلي جيرة … لأكثبة الدّهنا جميعا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة … أراجع فيها يا ابنة القوم قاضيا
هذه الأبيات من قصيدة لذي الرّمة. والمدرج: بفتح الميم، مصدر من درج الرجل إذا مشى، وهو مبتدأ. والمتروّح:
اسم فاعل من تروّح، إذا ذهب في الزمن المسمى بالروح، وهو من زوال الشمس إلى الليل، ونصبه على الحال، وخبر المبتدأ:
على بابها، والجملة صفة عجوز و (من عند) متعلق بمتروّح. وغاديا: عطف على متروّحا، وهو من غدا إذا ذهب أوّل النهار (2). وذو: خبر أنت مقدّرا، وفي قوله:
(زوجة) بالتاء شاهد على من أنكر ذلك، وإن كان الأشهر في المرأة زوجا بلا تاء.
والعام: نصب على الظرف (3). وثاويا: حال إن كانت (أراك) بصرية، وإلا فمفعول
__________
(1) ديوانه 653 والكامل 397، والأبيات من قصيدة رقم 87 في ديوانه يمدح بلال بن أبي بردة مطلعها:
ألا حيّ بالزرق الرسوم الخواليا … وإن لم تكن رميما يواليا
(2) في الكامل (على بيتها من عند). وفي درة الغواص 190 (الى بيتها مذ رأتني رائحا)، وفي الديوان: (المعنى: تقول عجوز ومدرجى على بابها من عند رحلي متروّحا وغاديا، أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة، ومدرجه طريقه، أي تقول لي من طول ما اختلف ما امرك ألك ها هنا امرأة ما الذي أتى بك أمر جئت في خصومة.
(3) أي قوله: (.. بالبصرة العام ثاويا) وهي رواية الديوان والكامل.
وفي المزهر: (اليوم) كرواية الأصل.
(1/139)

ثان. وهو بالمثلثة المقيم. ولا ردّ لما توهمته من وقوع أحد الأمرين لا جواب لسؤالها.
والجيرة: بكسر الجيم، جمع قلة للجار. والأكثبة: جمع كثيب، بالمثلثة، وهو الرمل المجتمع كالكوم. والدهناء: موضع ببلاد تميم، يمدّ ويقصر، وهو في البيت مقصور (1). ومن أبيات هذه القصيدة (2):
وكنت أرى من وجه ميّة لمحة … فأبرق مغشيّا عليّ مكانيا
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها … أثنتين صلّيت العشا أم ثمانيا (3)
وإن سرت في أرض الفضاء حسبتني … أداري رحلي أن تميل حباليا
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن … شمالا يحاديني الهوى عن شماليا
هي السّحر إلّا أنّ للسّحر رقية … وأنّي لا ألقى لما بي راقيا
هي الدّار إذ ميّ لأهلك جيرة … ليالي لا أمثالهنّ لياليا

فائدة: [ذو الرمّة]
ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة بن مسعود (4) بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن
__________
(1) البيت في اللسان وتاج العروس (دهن) وفي الديوان والكامل (... لجيرة). قال المبرد: (قوله: لا، لحن وهذا اللحن راجع على المرأة لأن لا لاتقع إلا في جواب (أو). وإنما سألته «بأم» وهي لم يستقر عندها علم). وفي ديوانه: (أي قلت للعجوز: لا زوجة لي هاهنا، ولم أجئ في خصومة، ان أهلي ومالي لجيرة لأكثبة الدهنا، أي ثم منزلي ومالي).
(2) الأبيات الآتية في ديوانه على اختلاف الترتيب فقد وردت أرقامها على التوالي: 19 و 22 و 23 و 24 و 26 و 8.
(3) في الديوان 652: (صليت الضحى ..) وفيه: (يريد أثنتين أم ثمان، يريد انه كان يعقد بأصابعه فيستفتح من غفلته وينبسط فيظنها ثمانيا).
(4) كذا بالاصل وفي الشعراء 506، والمشتبه للذهبي 58، والقاموس (بهش): بهيش، بضم الباء الموحدة وآخره شين معجمة. وفي الأغاني واللآلي وابن خلكان: نهيش، بالنون والمهملة.
(1/140)

ملكان بن عديّ بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار العدوي، أبو الحارث، لقب ذو الرمّة لأنه أتى مية صاحبته، وعلى كتفه قطعة حبل، وهي الرمّة، واستقساها فقالت: اشرب يا ذا الرمّة. فلقب به. وقيل لقوله:
أشعث باقي رمّة التّقليد (1)
وقيل: كان يصيبه الفزع في صغره فكتبت له تميمة فكانت تعلق عليه بحبل.
له رواية في الحديث، حدّث عن ابن عباس، روى عنه أبو عمرو بن العلاء.
أخرج ابن عساكر من طريق إسحق بن سيار النصيبي عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمّة عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: إن من الشعر حكمة. وبسنده عن ابن عباس في قوله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال:
الفارغ. قال النصيبي: لذي الرمّة غير هذين الحديثين، وعدّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الاسلام (2).
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن نافع: أن الفرزدق دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا. قال: أتعلم أحدا أشعر منك. قال:
لا، إلا أن غلاما من بني عديّ يركب اعجاز الابل وينعت الفلوات، ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك. ثم أتاه ذو
الرمّة فقال له: ويحك، أنت أشعر الناس.
قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم لكن الروحيات (3)، يقول وحشيا من الشعر لا نقدر أن نقول مثله.
وأخرج من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: ليس يقدّم أهل البادية على ذي الرمّة أحدا، قال: وقال لي الشافعي: لقي رجل رجلا من أهل اليمن فقال لليماني: من أشعر الناس؟ فقال: ذو الرمّة. فقلت له: فأين امرؤ القيس
__________
(1) ديوانه 155، والشعراء 508، وطبقات ابن سلام 182 وصدر البيت كما في الديوان:
وغير موضوخ القفا موتود
وقبله:
والدّهر يبلى جدة الجديد … لم يبق غير مثّل ركود
على ثلاث باقيات سود … وغير باقي ملعب الوليد
(2) الطبقات 451 - 452.
(3) هكذا بالنسخ التي بأيدينا وصوابه: (يسكن الدوّ) اه. محمد محمود الشنقيطي.
(1/141)

لأحميه بذلك، لأنه يماني. فقال: لو أن امرأ القيس كلف أن ينشد شعر ذي الرّمّة ما أحسنه.
وأخرج عن أبي عبيدة قال: لقى جرير ذا الرمّة فقال له: هل لك في المهاجاة؟
قال ذو الرمّة: لا. قال جرير: كأنك هبتني! قال: لا والله. قال: فلم لا تفعل؟ قال:
لأن حرمك قد هتكهنّ السفلة وما ترك الشعراء في نسواتك مرقعا.
مات ذو الرمّة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة.
قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمّة. وقال الأصمعي: مات ذو الرمّة عطشانا، وأتي بالماء وبه رمق فلم ينتفع به وكان آخر ما تكلم به قوله (1):
يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرت … وفارج الكرب زحزحني عن النّار
أخرجه ابن عساكر.
53 - وأنشد:
دعاني إليها القلب إنّي لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (2).
54 - وأنشد:
__________
(1) ديونه 667، والأغاني 16/ 126 و 128، واللسان (زح) وتاج العروس (روح) وقبله:
يا رب قد أشرفت نفسي وقد علمت … علما يقينا لقد أحصيت آثاري
ويروى البيت: (يا مخرج الروح من جسمي ...).
(2) انظر ص 27 والكامل 611.
(1/142)

كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظّلام من الرّباب خيالا (1)
هذا مطلع قصيدة للأخطل يهجو جريرا، وبعده:
وتعرّضت لك بالأبالخ بعد ما … قطعت بأبرق خلّة ووصالا
وتغوّلت لتروعنا جنّية … والغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هنواتهنّ إلى الصّبا … سببا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكرهنّ إذا جرى … فينا ولا كحبالهنّ حبالا
المهديات لمن هوين مسبّة … والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا … وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
وإذا وعدنك نائلا أخلفنه … ووجدت عند عداتهنّ مطالا
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه … نسب يزيدك عندهنّ خبالا
ومنها:
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا … خلعا الملوك وفكّكا الأغلالا
وأخوهما السّفّاح ظمّأ خيله … حتّى وردن جبى الكلاب نهالا
ومنها:
فانعق بضأنك يا جرير، فإنّما … منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
__________
(1) من قصيدة في الديوان 41 - 51. والبيت في الخزانة 4/ 452، والكامل 611.
(1/143)

قوله: (كذبت عينك) استشهد به بعضهم على حذف همزة الاستفهام، أي أكذبتك. وقوله (أم رأيت) أورده المصنف على أن أبا عبيدة قال: ان (أم) فيه بمعنى الاستفهام المجرّد، أي هل رأيت. وفي تفسير ابن جرير في قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) ليست (أم) هنا على الشك، قاله ليقبح صنيعهم كقول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... البيت
وواسط: بلد بالعراق اختطها الحجاج وهو مصروف. والغلس: ظلمة آخر الليل. والرباب: اسم امرأة منقول من اسم السحاب. والأبالخ: جمع بليخ، وهو نهر بالرقة. وتغوّلت: تهوّلت. والغانيات: جمع غانية، وهي التي غنيت بجمالها عن التزين. والسبب: الحبل. والطوال: بضم الطاء، الطويل. قوله: (أبني كليب ... البيت)، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف النون من اللذان تخفيفا، وفيه شاهد على النداء بالهمزة. واللذا: خبر أنّ، والأغلال: جمع غل. وفككاها: أي عن الأسارى. وعماه: الأخنس قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المرار يوم الكلاب، وعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند (1). والسفاح: لقب رجل من رؤساء العرب، واسمه سلمة ابن خالد، سفح ماءه يوم الكلاب الأوّل. والجبى: بفتح الجيم والموحدة مقصور، ما حول البئر والحوض، وبكسر الجيم ما اجتمع في البئر من الماء وهو المراد.
والكلاب بضم الكاف وتخفيف اللام اسم ماء. ونهال: بكسر النون وتخفيف الهاء، جمع نهل، الذي هو جمع ناهل، وأراد به هنا العطاش. قال جرير: ما غلبني الأخطل الا في هذه القصيدة:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
55 - وأنشد:
أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم … أم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
__________
(1) في الشعراء 187: (ويعني بعميه: عمرا ومرة ابني كلثوم) وفيه:
(قتلا الملوك) والبيت في ابن سلام 428 برواية (يا ابن المراغة ...
قتلا ...) وانظر الاشتقاق 203، والجهرة 288، والخزانة 2/ 500 والعقد 5/ 223.
(1/144)

أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به … رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
هذان آخر مقطوعة لأفنون التغلبي، وأوّلها (1):
أبلغ حبيبا وخلّل في سراتهم … أنّ الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهل … من ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
فالوا عليّ ولم أملك فيالتهم … حتّى انتحيت على الأرساغ والثّنن
لو أنّني كنت من عاد ومن إرم … ربّيت فيهم ولقمان ومن جدن
لما فدوا بأخيهم من مهوّلة … أخا السّكون ولا جاروا على السّنن
سألت قومي وقد سدّت أباعرهم … ما بين رحبة ذات العيص والعدن
إذ قرّبوا لابن سوّار أباعرهم … لله درّ عطاء كان ذا غبن
إنى جزوا ... البيتين.
قوله: خلّل في سراتهم: أي خصهم بالبلاغ، أي اجعل بلاغك يتخللهم. والسراة:
السادة (2). قوله: (قد كنت أسبق من جاروا) هو مثل، أي كنت أناضل عنهم وأدفع وأسبق من جاراهم وفاخرهم. وقوله: (ما لم يخلعوا رسني) مثل أيضا، أي ما لم يبتزوا مني ويرغبوا عني. والرسن: الحبل الذي يشدّ به الدابة في رأسها.
وفالوا، بالفاء، أخطأوا، ومصدره: فيوله. والفيال بالكسر: الاسم فيه. وانتحيت، بالمهملة، اعتمدت. والأرساغ، بسين مهملة وعين معجمة، جمع رسغ، وهو من الدواب الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والثّنن:
__________
(1) القصيدة هي المفضلية رقم 66 وهي في المفضليات 261 - 263، والخزانة 4/ 455 - 456، وشعراء الجاهلية 193، وانظر الامالي 2/ 51، وامالي ابن الشجري 1/ 37، والبيان والتبيين 1/ 23.
(2) وحبيب، بالتصغير، قبيلة الشاعر أفنون، وهم بنو حبيب بن عمرو ابن غنم بن تغلب.
(1/145)

جمع ثنة، بالمثلثة، وهو الشعر في مؤخر رسغ الدابة (1). وذرجدن، بفتح الجيم والدال المهملة، قيل من أقيال حمير. والسكون، بالفتح، حيّ من اليمن. والرحبة، بالسكون: فضاء بين أفنية القوم والمسجد، ويقال بالفتح أيضا، قاله الأزهري.
والعيص: الشجر الكثير الملتف. والغبن، بفتح الباء، في الرأي، واما بالسكون ففي البيع، يقال: غبن رأيه بالكسر،
إذا نقصه، فهو غبين، أي ضعيف الرأي.
وغبنه في البيع، بالفتح، أي خدعه فهو مغبون. وأنى: اسم استفهام. والسوأى:
مؤنث الأسوأ، كالحسنى مؤنث الأحسن. والعلوق، بالفتح، الناقة تعطف على غير ولدها فلا ترأمه، وإنما تسد بأنفها وتمنع لبنها، قاله في الصحاح. ورئمان، بكسر الراء وهمزة ساكنة. قال الجاحظ في البيان (2): أصله الرقة والرحمة، فالرؤوم أرق من الرؤوف. وقوله (رئمان أنف): كأنها تئر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن. وقال في الصحاح: رئمت الناقة ولدها رئمانا إذا أحبته وحنت عليه. ويقال للبوّ: رأم، والناقة رؤوم ورائمة. وقال القالي في أماليه (3): العلوق: التي ترأم بأنفها وتمنع درّها، يقول: أنتم تحسنون القول ولا تعطون شيئا فكيف ينفعني ذلك.

فائدة: [صريم بن معشر]
قال المفضل: أفنون هذا لقب، واسمه صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب - مصغر - ابن عمرو بن غنم بن تغلب. لقى كاهنا في الجاهلية فقال له انك تموت بمكان يقال له (إلاهة) فمكث ما شاء الله، ثم إنه سافر في ركب من قومه إلى الشام، فضلوا الطريق فقال لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا فإذا رأيتم مكان كذا وكذا حيي لكم الطريق ورأيتم إلاهة، فلما رأوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل، فبينا ناقته ترعى إذ لدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية معلقة بمشفرها فلدغته في ساقه فمات منها. وفي الوشاح لابن دريد أنه لقب أفنونا لقوله:
منّيتنا الودّ يا مضنون مضنونا … أزماننا إن للشّبّان أفنونا
__________
(1) في الخزانة: (ضربهما مثلا لأسافل الناس، يريد: لما اخطؤوا في أمري وأصروا قصدت أراذل الناس).
(2) 1/ 23.
(3) 2/ 51.
(1/146)

وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه ظالم.
56 - وأنشد:
ما تنقم الحرب العوان منّي … بازل عامين حديث سنّ
لمثل هذا ولدتني أمّي
هو لأبي جهل في وقعة بدر.
وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دفعت إلى أبى جهل يوم بدر وهو يقول (1):
ما تنقم الحرب العوان منّي … بازل عامين سديس سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
فدنوت منه فضربته فقتله الله. وأخرجه ابن إسحق في مغازيه بلفظ حديث سنّي.
وذكره المبرد في الكامل بلفظ: حديث سنّ، بالاضافة، كما أورده المصنّف (2).
قوله: تنقم، بكسر القاف، مضارع نقم، بفتحها أي تكره. والعوان من الحروب:
التي قوتل فيها مرّة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. والبازل: اسم فاعل، من بزل البعير يبزل بزولا، أي انشق نابه، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة. والمراد في البيت: وصفه بالقوّة والجلادة، تشبيها بالبعير البازل، لأنه يكون في هذا السنّ كامل القوة شديد الصلابة. والحديث السنّ الشاب وأما سديس فمن قولهم أسدس البعير اذا ألقى السنّ بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة (3). وأما السدس، بالتحريك، فالسنّ قبل البازل. قال في الصحاح:
الأثاث في أسنان الابل كلها بالهاء إلّا السدس. والسديس والبازل فيستوى فيها
__________
(1) إنباه الرواة 2/ 371 وسيرة ابن هشام 1/ 71 واللسان (بزل) و (نقم) (وعون)، وأمالي ابن الشجري 1/ 247.
(2) الكامل 810.
(3) انظر اللسان (بزل)، وتعليق العلامة المرصفي على الكامل ص 810.
(1/147)

المذكر والمؤنث، وجمع السديس: سدس، بضمتين، كرغيف ورغف، وجمع السدس: سدس، بضمة فسكون، كأسد وأسد، انتهى. وقد أعاد المصنف هذا الرجز في الكتاب الثامن. ثم رأيت ابن عساكر أخرج في تاريخه من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت عليّ بن أبي طالب بارز يوم بدر، فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:
بازل عامين حديث سنّي … سنحنح اللّيل كأنّي جنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
قال: فما رجع حتى خضب سيفه دما.
57 - وأنشد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنّك لم تجزع على ابن طريف (1)
هذا من أبيات ليلى بنت طريف التغلبية، ترثي أخاها الوليد، وقيل اسمها سلمى (2) وأوّلها:
بتلّ نباتا رسم قبر كأنّه … على علم فوق الجبال منيف (3)
تضمّن جودا حاتميّا ونائلا … وسورة مقدام وقلب حصيف
__________
(1) حماسة البحتري 435. والامالي 2/ 274، واللآلي 913، وشرح التبريزي على حماسة أبي تمام 3/ 70 و 108، والأغاني 12/ 92 و 96 (دار الكتب).
(2) اختلف في اسمها فقيل (ليلى) و (سلمى) و (الفارعة) أو (فاطمة).
(3) اختلف في رسم هذا الموضع، ففي حماسة البحتري (تل تباثا)، وفي الأغاني (نباثا)، وفي ابن خلكان (نهاكى) وزاد ابن خلكان فقال:
(وتل نهاكى أظنه في بلد نصيبين، وهو موقع الواقعة المذكورة).
ومثله في الكامل لابن الأثير 6/ 98 وأظنه انا (نباتى) وهو موقع في رأس العين، وانظر البكري 986 و 1291.
(1/148)

ألا قاتل الله الجثا حيث أضمرت … فتى كان للمعروف غير عيوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا … وليس على أعدائه بخفيف
أيا شجر الخابور ... البيت:
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى … ولا المال إلّا من قنا وسيوف
حليف النّدى ما عاش يرضى به النّدى … فإن مات لم يرض النّدى بحليف
فقدناه فقدان الرّبيع وليتنا … فديناه من ساداتنا بألوف
وما زال حتّى أزهق الموت نفسه … شجى لعدوّ أو لجا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى … وللأرض همّت بعده برجوف
ألا يا لقومي للنّوائب والرّدى … ودهر ملحّ بالكرام منيف (1)
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد … فربّ زحوف لفّها بزحوف
عليك سلام الله وفقا فإنّني (2) … أرى الموت وقّاعا بكلّ شريف
وفي تاريخ الذهبي: حين قتل الوليد بن طرفى (3) الخارجي في سنة تسع وسبعين ومائة، وكان قد اشتدت البلية به وكثر جيشه، فسيّر إليه الخليفة هرون الرشيد يزيد بن مزيد الشّيباني، فراوغه يوم التقاه يزيد على غرّة بقرب هيت فظفر به فقتله. وفي ذلك تقول الفارغة أخت الوليد ... فذكر الأبيات. السورة: السطو.
المقدام: الكثير الاقدام على العدوّ. والحصيف، بمهملتين، وفاء المحكم العقل.
والجثاء، بجيم ومثلثة، جمع جثوة، بتثليث الجيم، وهي الحجارة المجموعة (4).
__________
(1) في المراجع السابقة: (عنيف).
(2) في المراجع السابقة برواية: (فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني).
(3) كذا بالاصل، صحتها (طريف).
(4) وفي حديث عامر: (رأيت قبور الشهداء جثا) يعني أتربة مجموعة.
(1/149)

وعيوف: من عاف الشيء أي كرهه (1). والخابور، قال في الصحاح: موضع بناحية الشام. وقال غيره: الصواب إنه نهر بالجزيرة، وكذا في القاموس. والقنا: جمع قناة، وهي الرمح. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. واللجاء بالتحريك، الملجأ، وترك همزه في البيت للضرورة.
58 - وأنشد:
في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه (2)
وأنشده ابن الأعرابي، وصدره:
يا ويحه من جمل ما أشقاه
59 - وأنشد:
دويهية تصفرّ منها الأنامل
هو من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي رضي الله عنه أوّلها (3):
ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
أرى النّاس لا يدرون ما قدر أمرهم … بلى كلّ ذي لبّ إلى الله واسل
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل … وكلّ نعيم لا محالة زائل
وكلّ أناس سوف يدخل بينهم … دويهيّة تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرئ يوما سيعلم غيبه … إذا حصلت عند الإله المحاصل
__________
(1) وفي الأغاني: (عفيف).
(2) اللسان (ليل).
(3) الخزانة 2/ 561، والشعراء 237
(1/150)

إذا المرء أسرى ليلة خال أنّه … قضى عملا، والمرء مادام عامل
فقولا له، إن كان يقسم أمره: … ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدا … ودون معدّ فلتزعك العواذل
وهي أكثر من خمسين بيتا يمدح بها النعمان، والبيت الأوّل استشهد به المصنف في (ماذا) على أن (ما) استفهام مبتدأ و (اذا) بعدها موصولة، ويحاول صلتها، والعائد محذوف، وهو من حاولت الشيء أردته. والنحب، بفتح النون وسكون الحاء المهملة، المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. والمعنى: هلا تسأل المرء ماذا يطلب باجتهاده في الدنيا وتتبعه إياها، أنذرا وجب على نفسه أن لا ينفك عن طلبه، فهو يسعى لقضائه؟ أم هو في ضلال وباطل.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس: ان نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) قال: أجله الذي قدّر له. قال: وهل قالت العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: ألا تسألان المرء ... البيت.
ونحب: بدل من ما بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، ويقضي منصوب بالتقدير، لأنه جواب الاستفهام. وتسألان:
خطاب للاثنين، وأراد به الواحد، لأن من عادة العرب أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين كما في: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ)، وكأنهم يريدون بها التكرار للتأكيد، فكان المعنى الاتسأل. والبيت الثالث أورده المصنف في حرف (الخاء) مستدلا به على تعين النصب بخلا، إذا تقدمها ما. وأورده في (كل) مستشهدا به على مراعاة معناها إذا أضيفت إلى نكرة، واستدل النحويون به على الاعتراض بالاستثناء بين المبتدأ والخبر. قال شيخ ابن الخباز: ليس هذا باستثناء بل ما زائدة وخلا الله صفة لكل أو لشيء. والمعنى: كل شيء غير الله باطل، والباطل في الأصل غير الحق، والمراد به
هنا الهالك. ولا محالة: بالفتح، أي لا بد. وقيل لا حيلة. والبيت الرابع استشهد به
(1/151)

لمصنف هنا وفي (رب) كالكوفيين، على أن التصغير يرد للتعظيم إذ المعنى داهية عظيمة. وقد أجيب عنه بأنها صغرت لدقتها وخفائها فهو راجع إلى معنى التقليل.
وفي المحكم: انه خويخية بمعجمتين بمعنى دويهية. وقوله (أرى الناس ... البيت).
أي إن الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، وأن كل ذي عقل متوسل إلى الله بصالح عمل. وقوله: واسل، معناه ذو وسيلة، مثل: لابن وتامر.
وألمّا: هي لمّا الجازمة، دخلت عليها همزة التوبيخ. وأمّك هابل: مبتدأ وخبر.
وقوله: فان أنت، أصله فإن إياك، ثم أبان المرفوع عن المنصوب، كقراءة الحسن (إياك نعبد) وقد أورده ابن قاسم في شرح الألفية شاهدا لذلك. وقيل: أصله، كأن ضللت لم ينفعك علمك. فاضمر الفعل لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، ولعل للتعليل. والقرون: جمع قرن. قال الجوهري: والقرن من الناس أهل زمان واحد. ومعنى البيت والذي يليه: أن غاية الانسان الموت، فينبغي له أن يتعظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان أو معدّ، فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء باقيا فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عما هو عليه. وقوله: فلتزعك، بالزاي، يقال: وزعه يزعه إذا كفه. والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره. وإسناد العذل إليها مجاز، ونصب (دون) بالعطف على محل من دون، لأن معنى: إن لم تجد من دون عدنان، وإن لم تجد دون عدنان واحد، قاله المصنف في شواهده.
وقد استشهد المصنف بهذا البيت في الكتاب الرابع على انه لا يختص مراعاة الموضع في العطف أن يكون العامل في اللفظ زائدا.

فائدة: [لبيد بن ربيعة]
لبيد بن ربيعة بن مالك ابن جعفر بن كلاب، يكنى أبا عقيل. قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وفد بني كلاب فأسلم، ثم رجع الى بلاده وقطن الكوفة، ومات بها ليلة نزل معاوية النخيلة لمصالحة الحسن بن عليّ، وعاش مائة وأربعين سنة.
ذكره ابن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (1). وكان شريفا في الجاهلية والاسلام. وقيل انه مات في خلافة عثمان، وقيل في خلافة معاوية.
أخرج ابن اسحق في مغازيه قال: حدّثني صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن
__________
(1) الطبقات 103
(1/152)

عوف، عمن حدّثه، عن عثمان عن مظعون (1): أنه مرّ بمجلس من قريش في صدر الاسلام ولبيد بن ربيعة ينشدهم:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبدا. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم. فقال رجل: إن هذا سفيه من سفاء معدّ، قد فارقوا ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخصرها، فقال الوليد بن المغيرة لعثمان:
إن كانت عينك عما أصابها لغنية، فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.
وأخرج السلفي في المشيخة البغدادية من طريق هاشم عن يعلى عن ابن جراد قال:
أنشد لبيد النبي صلّى الله عليه وسلّم قوله:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال له: صدقت، فقال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال له: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول.
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
__________
(1) الخبر في الاغاني 15/ 301 - 302 (الثقافة) والخزانة 2/ 78 (السلفية) والموشح 72.
(1/153)

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة، أن ادع من قبلك من الشعراء فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والاسلام، ثم اكتب بذلك إليّ. فدعاهم المغيرة فقال
للبيد بن ربيعة:
أنشدني ما قلت من الشعر في الجاهلية والاسلام، قال: قد أبدلني الله بذلك سورة البقرة وآل عمران. وقال للأغلب العجلي أنشدني؛ فقال:
أرجزا تريد أم قصيدا … لقد سألت هيّنا موجودا
فكتب بذلك المغيرة إلى عمر، فكتب اليه عمر أن أنقص الأغلب خمسمائة من عطائه وردّها في عطاء لبيد، فرحل إليه الأغلب فقال: أتنقصني أن أطعتك؟ فكتب عمر إلى المغيرة أن ردّ على الأغلب الخمسمائة التي نقصته، وأقرّها زيادة في عطاء لبيد (1).
وأخرج ابن سعد، أنا هشام، عن جعفر بن كلاب، عن أشياخه: أن لبيدا لما حضره الموت دخل عليه أشياخ بني جعفر وشبانهم فقال: ابكوا عليّ حتى أسمع، فقال شاب منهم:
لتبك لبيدا كلّ قدر وجفنة … وتبكي الصّبا من باد وهو حميد
قال: أحسنت يا ابن أخي، فزدني، قال: ما عندي غير هذا البيت. قال:
ما أسرع ما أكديت.
وفي شرح الشواهد للمصنف (2): قيل إن لبيدا لم يقل في الاسلام سوى قوله:
__________
(1) انظر الاغاني 15/ 297 - 298 (الثقافة).
(2) المعمرين 66، والاغاني 15/ 297، والشعراء 232 وينسب البيت كما في الاستيعاب 235 لقردة بن نفاثة السلولي وذكره السجستاني في المعمرين مع آخر لقردة، ثم قال: (ويزعمون أن البيت الأول للبيد).
(1/154)

الحمد لله الّذي لم يأتني أجلي … حتّى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقوله (1):
ما عاتب الحرّ الكريم كنفسه … والمرء ينفعه القرين الصّالح
قلت: البيت الأوّل ليس له فقد نسبه ابن سعد في طبقاته لقردة بن نفاثة من الصحابة من أبيات، أوّلها:
بان الشّباب فلم أحفل به بالا … وأقبل الشّيب والإسلام إقبالا
وقد أروّي نديمي من مشعشعة … وقد أقلّب أوراكا وأكفالا
الحمد لله ... البيت. ثم رأيت الحافظ أبا الفتح اليعمري نبه على الذي قلته، وقد روينا بسند صحيح: أن لبيد بن ربيعة
وعديّ بن حاتم هما اللذان سميا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قدما عليه من العراق. وقد وردت القصة في تاريخ الخلفاء.
وأخرج ابن عساكر عن الحسين بن حفص المخزومي: أن لبيدا جعل على نفسه أن يطعم ما هبّت الصبا. فألحت عليه زمن الوليد بن عقبة، فصعد الوليد المنبر فقال:
أعينوا أخاكم، وبعث إليه بثلاثين جزورا (2). وكان لبيد قد ترك الشعر في الاسلام، فقال لابنته: أجيبي الأمير، فأجابت:
إذا هبّت رياح أبي عقيل … ذكرنا عند هبتها الوليدا
وفي رواية: دعونا:
أبا وهب جزاك الله خيرا … نحرناها وأطعمنا الثّريدا
__________
(1) الشعراء 13 و 232 برواية:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه … والمرء يصلحه الجليس الصالح
(2) وروى بعض الرواة: بعث اليه بمائة ناقة كوماء سوداء اه. محمد محمود الشنقيطي. قلت: وكذا في الأغاني 15/ 298 (الثقافة).
(1/155)

طويل الباع أبيض عبشميّ … أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا … عليها من بني حام قعودا
فعد إنّ الكريم له معاد … وظنّي بابن أروى أن يعودا
فقال (لها) (1) لبيد: أحسنت لولا انك سألت، قالت: إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم، قال: وأنت في هذا أشعر.
60 - وأنشد:
يا ليت شعري ولا منجى من الهرم … أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم
هذا مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها من أصيب يوم معيط، وبعده (2):
أم هل ترى أصلات العيش نافعة … أم في الخلود ولا بالله من عشم (3)
إنّ الشّباب رداء من يزن تره … يكسي الجمال ويفند غير محتشم
والشّيب داء نجيس لا شفاء له … للمرء كان صحيحا صائب القحم
وسنان ليس بقاض نومة أبدا … لولا غداة يسير النّاس لم يقم
في منكبيه وفي الأصلاب واهنة … وفي مفاصله غمز من العسم
ومنها:
تالله يبقى على الأيّام ذو حيد … أدفى صلود من الأوعال ذو خدم
__________
(1) مزيدة.
(2) اشعار الهذليين 1/ 191.
(3) هذا البيت والذي يليه ليسا في ديوان الهذليين.
(1/156)

يأوي إلى مشمخرّات مصعّدة … شمّ بهنّ فروع القان والنّشم
ومنها:
ولا صوار مذرّاة مناسجها … مثل الفريد الذي يجري من النّظم
ظلّت صوافن بالأرزان صاوية … في ماحق من نهار الصّيف محتدم
قد أوبيت كلّ ماء فهي صاوية … مهما تصب أفقا من بارق تشم
ومنها:
هل اقتنى حدثان الدّهر من أحد … كانوا بمعيط لا وخش ولا قزم
وهي طويلة جدّا. قال السكري: يروى ألا منجى: أي هل ينجو أحد من أحد من الهرم، أم هل يندم إنسان على العيش بعد الشيب. وأصلات: جمع أصلة، وهو اتصال العيش. وعشم: بعين مهملة وشين معجمة مفتوحتين، طمع.
ويفند: أي يأتي بالقبيح وبالحمق، ومالا خير فيه: لا يحتشم من ذلك، بخلاف الشيخ. والداء النجيس: بفتح النون وكسر الجيم، الذي لا يكاد يبرأ. وصائب القحم: أي مصيب في ما يقتحم من سير أو كلام أو غير ذلك. قال الجمحي: ولغة الشاعر المرء، بكسر الميم. قوله: وسنان، هو بالرفع خبر مبتدأ مقدّر دلّ عليه الشيب، وبالنصب، يقول: الكبير لا تراه أبدا إلا وسنان كأنه نائم ولا يكاد يقوم من الاسترخاء والفترة الا أن يقوم للارتحال فلولا مسير الناس لم يزل نائما. وواهنة:
ضعف ووجع. والغمز: النسج. العسم، بفتح المهملتين، اليبس في اليد (1).
وقوله: (تالله يبقى) على حذف لا، أي لا يبقى. ويروى: (لله) وكذلك أورده المصنف في حذف اللام مستشهدا به
على ورود اللام للقسم والتعجب معا. والحيد، بكسر المهملة وفتح التحتية ودال مهملة، كعوب في القرن، الواحد حيد كضرب (2).
__________
(1) ويروى البيت: (في مرفقيه).
(2) في اللسان (قرن ذو حيد، أي ذو أنابيب ملتوية).
(1/157)

والأدفى: الذي ينحني قرناه إلى ظهره. وقيل: الذي عشى في شق. والصّلود:
الذي يقرع بظلفه الصخر فيسمع له صوت، وقيل المنفرد وحده (1)، وقيل الذي يصعد في الجبل إذا فزع. والخدم: خطوط في موضع الخلخال (2). والمشخرّات:
الذاهبة في السماء. ومصعّدة: مرتفعة. وشم: طوال. والقان والنّشم، بفتح النون والمعجمة: شجر يتّخذ منه القسيّ العربية. قوله: ولا صوار، أي ولا يبقى صوار، وهو بكسر المهملة وضمها، البقر الوحشي. ومناسج: جمع منسج، وهو بفتح الميم وكسرها، وفتح السين، أسفل من الحارك (3). ومذراة: أي تذريها الريح فتنتصب شعراتها (4). والفريد: اللؤلؤ من الفضة. شبه به الصوار في بياضه وحسنه. ومتى بمعنى (من) قاله الجمحي. والنظم، بضمتين، جمع نظام، وهو الخيط الذي ينظم فيه (5). وصوافن: قائمة على أطراف يديها، وقيل: رافعة إحدى قوائمها (6). والأرزان: جمع رزن، بكسر الراء وسكون الزاي، وهو مكان مرتفع صلب (7). وصاوية: يابسة، فهي حال من الأرزان. وقيل: عطاش، فهي
__________
(1) وكذا في لسان العرب.
(2) قال محقق ديوان الهذليين 1/ 193: (في كتب اللغة أن الأعصم من الوعول ما في يديه بياض أو في احداهما. والمخدّم منها: ما أبيضت أوظفته دون تخصيص ليديه أو رجليه. فيعلم من هذا أن المخدّم أعم من الأعصم).
(3) منسج الدابة (بكسر الميم وفتح السين، أو فتح الميم وكسر السين):
ما بين مغرز العنق الى منقطع الحارك في الصلب. وقيل: ما شخص من فروع الكتفين الى أصل العنق.
(4) روى هذا البيت في اللسان (درى) بالدال المهملة (مدرّاة)، وقال:
كأنها هيئت بالمدرى (أي بالمشط) من طول شعرها، وكذلك أورده في مادة (ذرى) بالمعجمة ولم يفسره.
(5) ومعنى البيت كما في ديوان الهذليين 1/ 197: (يقول: كأن مناسجها ذرّيت بالمذرى، أي ضربتها الريح كما يذرى الشعير بالمذاري. مثل
الفريد، أي كأنها فريد من فضة من بياضها، يصف أجسادها.
والفريد: شيء يعمل مدوّر من فضة ويجعل في الحليّ).
(6) الصوافن: القائمات على ثلاث قوائم، ثانية سنبك يدها الرابعة.
(7) في ديوان الهذليين (الأرزان الأمكنة الصلبة، واحدها رزن). وفي اللسان: (الرزن: نقر في حجر أو غلظ في الأرض. وقيل: هو مكان مرتفع يكون فيه الماء). وأنشد البيت.
(1/158)

خبر ثان لظلت، أو حال من اسمها (1). وما حق: شدّة الحرّ، لأنه يمحق بلة النبت.
ومحتدم: باهمال الحاء والدال، محترق من شدّة الحرّ. وأوبيت: منعت. وطاوية، ويروى صاوية وفيه القولان السابقان (2). وقوله: (مهما تصب) أي متى ترى بارقا، أي سحابا فيه برق من أفق من الآفاق تشمه، أي تقدر أين موقعه. وقد أورد المصنف هذا البيت في مبحث (مهما) مستشهدا به على أن مهما عند أبي يسعون حرف، إذ لا يكون مبتدأ لعدم رابط من الخبر، وهو فعل الشرط، ولا مفعولا، لاستيفاء فعل الشرط مفعوله، ولا سبيل إلى غيرهما، فتعين انها لا موضع لها.
وأجيب بأنها مفعول تصب. وأفقا: ظرف. ومن بارق: تفسير لها، أو يتعلق بتصب.
فمعناها التبعيض. والمعنى: أي شيء تصب أفق من البوارق تشم. وقوله (هل اقتنى) قال السكري: هو جواب لقوله: (ليت شعري) في مطلع القصيدة، يقول:
لو كان الزمان يقتني أحدا بقي هؤلاء. وقال الأخفش: يقول، هل تركهم وأعفاهم من آفاته، أي لم يفعل ذلك، فالاستفهام بمعنى النفي. وروي: (هلا اقتنى) ومعيط: موضع غير مصروف. ووخش المتاع: رذاله، بمعجمتين. والقزم:
بفتح القاف والزاي، اللئام.
61 - وأنشد:
ذاك خليلي وذو يواصلني … يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
قال المصنف في شواهده: زعم بعضهم أن الواو في (وذو) زائدة، وكأنه توهم أن (ذو) صفة لخليلي، والصفة لا تعطف على الموصوف، وهذا غير لازم لجواز أن يكون خبرا ثانيا، فيكون كقولك: زيد الكاتب والشاعر. والسلمة، بكسر اللام، واحدة السّلام، بكسر السين، وهي الحجارة وفي البيت شاهد على أمرين: أحدهما استعمال (ذو) بمعنى الذي. والثاني: استعمال أم بمعنى أل انتهى. وقال العيني:
__________
(1) في أشعار الهذليين برواية (صادية) بالدال المهملة، وفسرها: (الذابل).
وأضاف: ومن قال (طاوية) فإنه يريد خماصا. وفي الاساس: نخلة صاوية: يابسة، وهو ما يطابق تفسير ورواية السيوطي.
(2) طاوية: أي ضامرة، وهي رواية ديوان الهذليين.
(1/159)

البيت قاله بجير بن غنمة أحد بني بولان الطائي شاعر جاهلي مقل. وقد وقع فيه تركيب صدر بيت على عجز آخر، فإن الرواية فيه:
وإنّ مولاي ذو يعيرني … لا إحنة بيننا ولا جرمة
ينصرني منك غير معتذر … يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
وفي البيت شاهد ثالث، فإن الجوهري استشهد به على السلمة.
* * *
(1/160)

شواهد أل
62 - وأنشد:
من لا يزال شاكرا على المعه … فهو حر بعيشة ذات سعه (1)
ولم يسم قائله. و (من) مبتدأ والخبر (فهو حر)، ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. والمعه: تقديره الذي معه. وصل أل الموصولة بمع شذوذا.
والحر: بفتح الحاء وكسر الراء منوّنا أي جدير، يقال: حر وحرىّ وحرى، كلها بمعنى، فالمخفف لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بخلاف المشدّد فيقال: حريان وحريون واحريات وحرية وحريات وحرايا قاله ابن فارس.
63 - وأنشد:
من القوم الرّسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معدّ (2)
لم يسم قائله. وقد قيل إن أصله من القوم الذين رسول الله منهم، فأبقى الألف واللام من الذين وحذف الباقي للضرورة، فليس من وصل ان الموصولة الاسمية.
ودانت: خضعت وذلت. وبنو معد (3) قريش وهاشم. ومعدّ: بفتح الميم، ابن
__________
(1) ابن عقيل 1/ 84، والخزانة 1/ 20 (السلفية).
(2) ابن عقيل 1/ 84.
(3) قوله: وبنو معدّ قريش وهاشم، قول من ليس عالم بأنساب العرب، لأن بني معدّ كثيرون من ذرية نزار بن معدّ وأولاده أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار، وكل واحد من هؤلاء الأربعة انتشرت منه قبائل كثيرة، وقريش وهاشم من جملة ذرّية مضر، وليس بنو معدّ محصورين في قريش وهاشم كما يعلم ذلك أهل العلم. اه. محمد محمود الشنقيطي.
(1/161)

عدنان بن أدّ بن أدد بن هميسع بن نبت بن قيذار بن إسمعيل بن ابراهيم عليهما السّلام.
64 - وأنشد:
صوت الحمار اليجدّع (1)
هو لذي الخرق الطهوي، واسمه دينار بن هلال. وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه قرط، شاعر جاهلي، سمي بذلك لقوله (2):
جاءت عجافا عليها الرّيش والخرق
من أبيات أولها:
أتاني كلام الثّعلبيّ بن ديسق … ففي أيّ هذا ويله يتسرّع
يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا … إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع
ويستخرج اليربوع من نافقائه … ومن جحره بالشيحة اليتقصّع
قال المصنف في شواهده: ديسق: بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة، علم منقول من الديسق، وهو بياض السراب وترقوقه. ويقال تنزع إليه وتسرع بمعنى، ورويا في البيت. وأبغض العجم، تقديره وأبغض أصوات العجم، بدليل الاخبار عنه لصوت الحمار. وأفعل بعض ما يضاف إليه. وناطقا، حال من العجم، شبه صوته إذ يقول الخنى في بشاعته بصوت الحمار إذ تقطع أذناه. وصوت الحمار شنيع في غير تلك الحال، فما الظنّ به فيها، ووصفه أخيرا بالخديعة والمكر. والشيحة: واحدة
__________
(1) الخزانة 1/ 14. وتاج العروس (جدع).
(2) عجز بيت وصدره: لما رأت إبلي جاءت حمولة. ويروى (غرثى عجافا) والشعر من أبيات في الخزانة منسوبة الى ذي الخرق، خليفة بن
حمل ابن عامر ... وليس لقرط.
(1/162)

الشيح، وهو النبات المعروف. قال المصنف: الظاهر أن المقتضى لعدوله عن المجدع والمتقصع كراهية الأقواء، فإن قافية الأوّل مرفوعة. واليتقصع صفة لجحره، أي ومن جحره الذي يتقصع فيه، أي يدخل. والنافقاء والقاصعاء من جحرة اليربوع.
والفرق بينهما أن النافقاء يكتمها، والقاصعاء يظهرها، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب برأسه النافقاء فانتفق أي خرج، ومنه اشتقاق اسم المنافق، لأنه أظهر الايمان وكتم الكفر. ووقع في حاشية الدماميني: أن اليجدع من جدعت الحمار، سجنته، فإن الحمار إذا حبس كثر تصويته، قال: وإذا جعل من الجدع الذي هو قطع الأنف أو الأذن لم يظهر له معنى. وليس كما قال لما تقدّم، فإن صوت الحمار حالة تقطع أذنه أكثر وأقبح لما يقاسيه من الألم، وكأنه ظن أن المراد صوته بعد سبق التجديع، وليس كذلك، بل المراد حالة التجديع والقطع. وفي شواهد العيني: قيل إن الحمار إذا كان مقطوع الأذن يكون صوته أرفع، والخنى: بفتح المعجمة ونون مقصور، الفاحش من الكلام. والعجم: جمع أعجم. واليربوع: دويبة تحفر الأرض. ويروى:
بالشيخة وذي الشيخة. ويروى: الشيخة، بالخاء المعجمة، وهي رملة بيضاء، ذكره الصغاني، والذي ذكره أبو عمر الزاهد انه بالحاء المهملة نبت معروف. وقال:
الخمل: يربوع أسحه عند جحره (1).
65 - وأنشد:
باعد أمّ العمرو من أسيرها … حرّاس أبواب على قصورها (2)
أنشده الأصمعي شاهدا على زيادة أل في العلم، ولم ينسبه الى أحد. وأنشد ابن الأعرابي على ذلك أيضا:
يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي
يريد أم عمرو، والحرّاس: جمع الحرسى، نسبة إلى الحرس، وهم حرس السلطان. والقصور: جمع قصر.
__________
(1) كذا .. ؟
(2) انظر ص 17.
(1/163)

66 - وأنشد:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله (1)
هذا من قصيدة لابن ميّادة، واسمه الرمّاح بن أبرد، يمدح بها الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، وأولها:
ألا تسأل الرّبع الذي ليس ناطقا … وإنّي على أن لا يبين لسائله
كم العام منه أو متى عهد أهله … وهل يرجعن لهو الشّباب وعاطله
وقبل هذا البيت وهو أوّل المديح:
هممت بقول صادق أن أقوله … وإنّي على رغم العداة لقائله
وبعده:
أضاء سراج الملك فوق جبينه … غداة تناجى بالنّجاة قوابله
وأورده في منتهى الطلب، بلفظ: وجدت، بدل رأيت. وأحناء، بدل أعباء.
ورأيت: علميّة أو بصرية، والأعباء: جمع عبء، بكسر المهملة وسكون الموحدة ثم همزة، كل ثقل. والأحناء جمع حنو، بكسر الحاء المهملة وسكون النون، وهو حنو السرج. والقتب، كنى به عن أمور الخلافة الشاقة. والكاهل: ما بين الكتفين، وهو مرفوع بشديد، وفي البيت شواهد: أحدها زيادة الألف واللام في العلم وهو اليزيد، والثاني دخول (أل) للمح الصفة في العلم المنقول من الوصف، وهو الوليد. والثالث صرف مالا ينصرف إذا دخلته أل ولو كانت زائدة، كما في اليزيد. وقد استشهد به المصنف في التوضيح لذلك، والرابع نصب رأيت، بمعنى علمت، مفعولين، والثاني قوله مباركا، فإن كانت بصرية فهو حال. والخامس
__________
(1) الخزانة 1/ 327
(1/164)

تعدّد الخبر لأن جزئي باب علم أصلهما المبتدأ والخبر، وهو هنا في شديدا.
والسادس اعمال فعيل لاعتماده على خبر ذي خبر. والسابع الفصل بين فعيل ومعموله بالجار والمجرور. والثامن الاستعارة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس، ويصح أن يكون استعارة بالكناية. شبّه أمور الخلافة الشاقة بالجسم الذي يثقل حمله وإضافتها الى الخلافة توشيح، وذكر الكاهل تخييل.

فائدة: [الرمّاح،]
الرمّاح، بفتح الراء وتشديد الميم، ابن ابرد بن ثريان بن سراقة أبو شرحبيل، وقيل أبو سراحيل، المرّي المعروف بابن ميادة، من الشعراء المكثرين، وميادة أمه، وهي أم ولد بربرية، وقيل فارسية (1). أدرك الدولتين، وذكره ابن سلام في الطبقة السابعة (2). مات في صدر خلافة المنصور.
67 - وأنشد:
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم (3)
قال المبرد في الكامل (4): قال رجل من طيّ، وكان رجل منهم، يقال له زيد، من ولد عروة بن زيد الخيل، قتل رجلا من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به (بعد) (5):
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم … بأبيض مشحوذ الغرار يمان
__________
(1) انظر الخزانة 1/ 76 - 77.
(2) لم يذكره ابن سلام في طبقاته، والطبقة السابعة تضم المتوكل الليثي، وابن مفرغ الحميري، وزياد الاعجم وعدي بن الرقاع، وليس من بينهم ابن مياده.
(3) الخزانة 1/ 327 و 2/ 161
(4) الكامل 884 - 885.
(5) زيادة عن الكامل.
(1/165)

فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّما … أقادكم السّلطان بعد زمان
ورواه غيره بلفظ: يوم النّقى، وبلفظ يوم الحمى، وبلفظ:
بأبيض ماضي الشّفرتين يمان (1)
قال الزمخشري: وأجرى زيدا مجرى النكرات فأضافه. وقال غيره: الأصل زيد صاحبنا وزيد صاحبكم، فحذف الصفة وجعل الموصوف خلفا عنهما في الاضافة.
ويوم النقى، بنون وقاف: أي يوم الحرب عند النقى، وهو الكثيب من الرمل.
والأبيض: السيف. وماضي الشفرتين: بفتح الشين، نافذ الحدّين. ومشحوذ بشين وذال معجمتين وحاء مهملة، من شحذت السيف حددته. والغرار، بكسر الغين المعجمة، قال في الصحاح: الغرار أن شفرتا السيف وكل شيء له حدّ فحدّه غراره، والجمع أغرّه. واليمان: نسبة إلى اليمن، والالف فيها عوض من ياء النسب فلا يجتمعان.
68 - وأنشد:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا … ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
أنشده أبو زيد ولم يسم قائله. قال المصنف: أصل جنيتك، جنيت لك، أي تناولت لك، فحذف الجار توسعا، وقال ابن الدماميني: يحتمل أنه ضمن جنى معنى أعطى، فعداه الى إثنين.
قلت: ويحتمل أن يكون الحذف مناسبة لقوله: نهيتك، في المصراع الثاني، وهو نوع من البديع يسمى الموازنة. والاكمؤ: جمع كماء. كفلس، والكمأ واحد الكمأة على العكس، من باب تمر وتمرة. والعساقل: ضرب من الكمأة وأصله عساقيل، لأن واحدها عسقول، كعصفور فحذف المدّة للضرورة. وبنات أوبر:
كماة صغار على لون التراب يضرب بها المثل في الرداءة والقلة فيقال إن بني فلان بنات أوبر، ان يظنّ بهم خير فلا يوجد.
__________
(1) وبلفظ: بأبيض من ماء الحديد يمان. كما ذكر المبرد في الكامل.
(1/166)

69 - وأنشد:
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس (1)
هذا من قصيدة لجرير يهجو فيها عمر بن لجا التيمي، وأوّلها:
حيّ الهدملة من ذات المواعيس … فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
حيّ الدّيار الّتي شبهتها خللا … أو منهجا من يمان مح ملبوس
ومنها:
قد كنت خدنا لنا يا هند فاعتبري … ماذا يريبك من شيبي وتقويسي
والهدملة من الرمل: ما استدق وطال. والمواعيس من الرمل: ما وطئ، واحدها موعس. والوعس: الوطئ. والخلل، بكسر أوّله، جفون السيوف. والمنهج:
المخلق. والمح: البالي. والخدن: الترب. ومعنى البيت: قد كنت تربا فشبت كما شبت فما تنكرين مني. وابن اللبون: ماله ثلاث سنين. وإدخال اللام فيه لتعرف به الأوّل لأنه اسم جنس نكرة، بمنزلة ابن رجل، ولم يجعل علما بمنزلة ابن آوى وغيره، فلذلك خالفه في دخول اللام على ما أضيف إليه. قاله الأعلم. ولز: شدّ.
والقرن، بفتحتين، الحبل يشدّ به البعيران فيقرنان معا. والصولة: الوثوب.
والبزل: جمع بازل، وهو من الأبل ما طلع نابه. والقناعيس: الشداد، واحده قنعاس. قال الأعلم: ضرب هذا مثلا نفسه، ولئن رام مقاومته في الشعر والفخر لابن اللبون، وهو الفصيل الذي تنجت أمّه غيره، فصارت لبونا إذا لز في قرن، وهو الحبل يبازل من الجمال قويّ لم يستطع صولته ولا قاومه في سيره.
ومن أبيات القصيدة قوله:
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني … صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
__________
(1) ديوانه 322، وطبقات الشعراء 325 و 354، والموشح 49 والاغاني 9/ 307.
(1/167)

استشهد به الفارسي في الايضاح على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث، لأنه إنما أراد صوت الديكة خاصة، والديران موضع قرب دمشق (1). ومنها:
هل من حلوم لأقوام فتنذرهم … ما جرّب النّاس من عضّي وتضريسي
إنّي جعلت فما ترجى مقاسرتي … نكلا بمستصعب الشّيطان عرّيس
المقاسرة: المقاهرة. قال صاحب منتهى الطلب: قيل إن هذه القصيدة في شعر جرير.
70 - وأنشد:
فإن ترفقي يا هند فالرّفق أيمن … وإن تحرقي يا هند فالحرق أشأم (2)
فأنت طلاق، والطّلاق عزيمة … ثلاث، ومن يحرق أعقّ وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقة … وما لامرئ بعد الثّلاث مقدّم
الرفق: ضدّ العنف. يقال: رفق، بفتح الفاء، يرفق بضمها. والحرق: بالضم وسكون الراء، الاسم من حرق، بالكسر، الحرق بالفتح حرقا، بفتح الحاء والراء، وهو ضد الرفق. وفي القاموس: ان ماضيه بالكسر كفرح وبالضم ككرم. وأيمن:
من اليمن، وهو البركة. وأشأم: من الشؤم، وهو ضدّ اليمن. وذكر ابن يعيش:
إن في البيت الثاني حذف الفاء، والمبتدأ أي فهو أعق. والبينونة: الفراق. وضميرها للثلاث. وأن تعليلية واللام مقدّرة، أي: لأجل كونك غير رفيقة. والمقدم: مصدر ميمي من قدم بمعنى تقدّم، أي ليس لأحد تقدم إلى العشرة والالفة بعد إيقاع الثلاث إذ بها تمام الفرقة.
__________
(1) انظر الشعراء 453 وطبقات الشعراء ص 393.
(2) الخزانة 2/ 69 - 75
(1/168)

شواهد أما بالفتح والتخفيف
71 - وأنشد:
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي … أمات وأحيا والّذي أمره الأمر (1)
هو من قصيدة لأبي صخر عبد الله بن سلمة الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، أوّلها:
لليلى بذات البين دار عرفتها … وأخرى بذات الجيش آياتها سفر
كأنّهما ملآن لم يتغيّرا … وقد مرّ بالدّارين من بعدنا عصر
الى أن قال:
إذا قلت: هذا حين أسلو، يهيجني … نسيم الصبا من حيث يطّلع الفجر
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها … كما انتفض العصفور بلّله القطر
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي … أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى … أليفين منها لا يروعهما الذّعر
وصلتك حتّى قلت: لا يعرف القلى! … وزرتك حتّى قلت: ليس له صبر!
صدقت، أنا الصّبّ المصاب الّذي به … تباريح حبّ خامر القلب أو سحر
__________
(1) الحماسة بشرح التبريزي 3/ 208 والشعراء 545، وفيه ان هذا الشعر لأبي صخر نحلوه للمجنون .. انظر الامالي 1/ 148 - 150 والأغاني 21/ 97 - 98، وكتاب الزهرة 277 والخزانة 1/ 553 وما بعد.
(1/169)

فيا حبّذا الأحياء ما دمت حيّة … ويا حبّذا الأموات ما ضمّك القبر
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها … وينبت من أطرافها ورق خضر
الى أن قال:
فيا هجر ليلى قد بلغت بنا المدى … وزدت على ما لم يكن يبلغ الهجر
ويا حبّها زدني جوى كلّ ليلة … ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
فليست عشيّات الحمى برواجع … لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزّمان الّذي مضى … تباركت ما تقدر يقع فلك الشّكر
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها … فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر
قوله: ملآن، أصله من ألان، فحذف تخفيفا. قوله: (إذا قلت هذا حين أسلو ..
البيت). أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على جواز بناء الظرف المضاف إلى المضارع. والصبا: ريح تهب من تلقاء الفجر مقابل الكعبة، وتسمى القبول.
قوله: (لقد تركتني) جواب القسم. وأحسد الوحش: في موضع الحال. وأن أرى بدل من الوحش، وهو من رؤية اليقين. ولا يروعهما: صفة لأليفين، أي لا يخيفهما.
والذعر: بضم الذال المعجمة، الخوف. والجوى: داء في الجوف. وقوله (ما يقدّر يقع) استشهد به المفسرون عند قوله تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وقوله:
(عجبت .. الخ). قال شرّاح الحماسة: يجوز أن يريد به سرعة تقصّي الأوقات مدة الوصال بينهما وأنه لما انقضى الوصل عاد الزمان إلى حاله في السكون والبطء، على عادتهم في استقصار أيام السرور واستطالة أيام الفراق. ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعي أهله بالوشايات، فلما وقع الهجر بينهما سكنوا.
72 - وأنشد (1):
أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا
__________
(1) الأصمعيات 231، والطبقات 233، واللسان 12/ 175، واللآلي 125 ويروى: (ألم تر أن ...)
(1/170)

هو مطلع للمفضّل السّكريّ من عبد القيس، واسمه عامر بن معشر بن أسحم، وإنما سمي مفضّلا لهذه القصيدة، وتسمى هذه القصيدة المنصفة (1).
وقال صاحب الحماسة البصرية: هو لعامر بن أسحم بن عدي الكندي، شاعر جاهلي، وتمامه:
فنيّتنا ونيّتهم فريق
وبعده:
فدمعي لؤلؤ سلس عراه … يخرّ على المهاوي ما يليق
على الزبلات إذ سخطت سليمى … وأنت بذكرها طرب تشوق (2)
فودّعها وإن كانت أناة … مبتّلة لها خلق أنيق
قال المصنف في شواهده: قوله: أحقا نصب على الظرفية عند سيبويه والجمهور، وهو ظرف مجازى. والأصل في حق هذا الأمر: أي هذا الأمر معدود من الحق وثابت فيه. ويؤيده أنهم ربما نطقوا بفي داخلة عليه، قال:
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم
__________
(1) المنصفات هي القصائد التي انصف قائلوها فيها أعداءهم، وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلوه من حر اللقاء، وفيما وصفوه من أحوالهم من إمحاض الإخاء. ويروى ان أول من أنصف في شعره مهلهل بن ربيعة حيث قال:
كانا غدوة وبني أبينا … بجنب عنيزة رحيا مدير
ومن المنصفات قول الفضل بن العباس بن أبي لهب:
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم … وإن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
وانظر الخزانة 520 - 521.
(2) رواية البيت في الاصمعيات:
عدت ما رمت إذ شحطت سليمى … وأنت لذكرها طرب مشوق
(1/171)

وإن وما بعدها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مبتدأ خبره الظرف، والتقدير:
أفي حق استقلال جيرتنا، ولا يجوز كسرها لأن الظرف لا يتقدّم على إن المكسورة، لانقطاعها عما قبلها. والثاني: وهو الأوجه، أن يكون فاعلا بالظرف لاعتماده كما في (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) وقال المبرّد: انتصاب حقا على المصدرية، والتقدير: أحق حقا، ثم أنيب المصدر عن الفعل وارتفاع ان وما بعدها عنده على الفاعلية. والجيرة: بكسر الجيم جمع جار. واستقلوا: نهضوا مرتفعين. والنية: الجهة التي ينوونها، يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع ورجوعهم إلى محاضرهم. قال الأعلم في شرح هذا البيت: والفريق يقع للواحد والمذكر وغيره، كصديق وعدوّ. وقال المصنف في شواهده: إنما فريق هنا بمعنى متفرّقة، وعراه: خروقه. ويخرّ: يسقط. والمهاوي:
ما بين العين إلى الصدر، واحدها مهواة. وما يليق: ما يثبت وما يستمسك. والأناة:
بفتح الهمزة، وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأنّ. وامرأة مبتلة: بضم الميم وفتح الباء الموحدة والمثناة المشدّدة، تامّة الخلق لم يركب لحمها بعضه بعضا ولا يوصف به الرجل. وأنيق: حسن معجب، والبيت استشهد به ابن مالك على فتح أن بعد حقا. وقد أنشده صاحب الحماسة البصرية بلفظ:
ألم تر أنّ جيرتنا استقلّوا
فلا شاهد فيه.
73 - وأنشد (1):
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم
هذا لعابد بن المنذر العسيري، وتمامه:
وأنّك لا خلّ هواك ولا خمر
وقبله:
__________
(1) الحماسة بشرح التبريزي 3/ 235 ولم ينسبه. وانظر ص 171.
(1/172)

هل الوجد إلّا أنّ قلبي لو دنا … من الجمر قيد الرّمح لاحترق الجمر
وبعده:
فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا … وإن كنت مسحورا فلا برئ السّحر
قال التبريزي: قوله: هل الوجد، استفهام بمعنى النفي. وقيد: نصب على الظرف. وقوله: أفي الحق: أي لا يدخل في الحق، ووجوهه أن يكون حبي لك غراما وحتى لا يرجع إلى معلوم. والمغرم: الذي لزمه الحب. والهائم: المتحير، والهيام:
كالجنون من العشق. ويقال: ما هو بخل ولا خمر أي: ليس بشيء يخلص ويتبين، والمراد ليس عندك محض نفار يقع به اليأس، ولا محض إقبال يقع به الرجاء، بل حالك متردد مضطرب. والمطبوب: المسحور، والطب السحر والعلم جميعا. يقول: ان كان الذي بي داء معلوما يعرف دواؤه فلا فارقني فإني ألتذ به، وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو فلا فارقني أيضا، ولا يجوز أن يكون مطبوبا هنا بمعنى مسحورا، لأنه يصير الصدر والعجز بمعنى واحد.
74 - وأنشد:
ما ترى الدّهر قد أباد معدّا … وأباد السّراة من عدنان
أورده جماعة ولم يعزوه إلى قائله. و (ما) أصلها: أما حذفت منها الهمزة. وأباد:
أهلك وأذهب. ومعدّ بن عدنان أبو العرب. والسراة: بفتح السين، جمع سرىّ، وهم الخيار والسادات، ولم يجمع فعيل على فعلة غيره. ومن ثم قال في القاموس:
إنه اسم جمع، لا جمع. وأنكر السهيلي في الروض الآنف أيضا لكونه جمعا.
(1/173)

شواهد أمّا بالفتح والتشديد
75 - وأنشد:
رأت رجلا أما إذا الشّمس عارضت … فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر (1)
هذا من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة: أوّلها (2):
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر … غداة غد أو رائح فمهجّر
بحاجة نفس لم تقل في جوابها … فتبلغ عذرا والمقالة تعذر
نهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع … ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع … ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر
ومنها:
على أنّها قالت غداة لقيتها … بمدفع أكنان أهذا المشهّر
قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه … أهذا المغيريّ الذي كان يذكر
أهذا الّذي أطريت نعتا فلم أكد … وعيشك أنساه إلى يوم أقبر
__________
(1) الخزانة 4/ 552 والاغاني 1/ 72 و 73 و 80 و 132 (دار الكتب).
والكامل 66 و 252 و 614 و 966.
(2) ديوانه 181 - 192 والكامل 613 - 618
(1/174)

لئن كان إيّاه لقد حال بعدنا … عن العهد والإنسان قد يتغيّر
فقالت: نعم، لا شكّ غيّر لونه … سرى اللّيل يحيي نصّه والتّهجّر
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت … فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت … به فلوات فهو أشعث أغبر
قليل على ظهر المطيّة ظلّه … سوى ما يقي عنه الرّداء المحبّر
ومنها:
وقلن: أهذا دأبك الدّهر سادرا؟ … أما تستحي أو ترعوي أو تفكّر؟
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا … لكي يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
في الكامل للمبرّد (1): أن ابن عباس دخل عليه عمر بن أبي ربيعة وهو غلام، وعنده نافع بن الأزرق، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شعرا من شعرك (2)؟
فأنشده هذه القصيدة حتى أتمها، وهي ثمانون بيتا. فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! أتضرب إليك أكباد الابل، نسألك عن الدّين، ويأتيك غلام من قريش، فينشدك سفها فتسمعه؟ فقال: تالله ما سمعت سفها. فقال: أما أنشدك:
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت … فيخزى وأمّا بالعشيّ فيخسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال:
فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
__________
(1) الكامل 966، والديوان 192
(2) في الكامل: (شيئا من شعرك).
(1/175)

قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه، ولو شئت أن أردّها لرددتها. قال: فارددها. فأنشده إياها كلها. فقال له نافع: ما رأيت أروى منك.
أخرج هذه القصة أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني بسنده من طرق (1)، وفي بعضها: أن ابن عباس أنشدها من أوّلها الى آخرها، ثم أنشدها من آخرها الى أوّلها مقلوبة وما سمعها قط الا (تلك المرة صفحا!) (2). فقال له بعضهم: ما رأينا أذكى منك. فقال: ما سمعت شيئا قط فنسيته، واني لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. وفي بعض طرقه أن ابن عباس قال لابن أبي ربيعة حين أنشدها: أنت شاعر يا ابن أخي فقل إذا شئت (3). وأخرج عن ابن الكلبي قال:
أنشد ابن أبي ربيعة هذه القصيدة طلحة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو راكب فوقف وما زال شانقا ناقته حتى كتبت له. وفي طبقات النحاة للمرزباني، قال الأصمعي:
أحسن ما قيل في السفر قول ابن أبي ربيعة:
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت
الأبيات الثلاثة.
نعم، بضم النون وسكون المهملة، اسم امرأة من قريش. قال في الأغاني:
وتكنى أم بكر.
وأخرج عن بشر بن المفضل قال: بلغ عمر بن أبي ربيعة أن نعما اغتسلت في غدير، فأتاه فأقام، فلم يزل يشرب منه حتى جف. ومهجّر: بتشديد الجيم، من التهجر، وهو السير في الهاجرة. وقوله: (والمقالة تعذر) من الاعذار. واكنان: جمع كنّ وهو السترة. والمغيري: نسبة إلى جدّه المغيرة بن مخزوم، يقال: بضم الميم وكسرها.
وروي بالوجهين. قوله: (لئن كان اياه)، أي لئن كان هذا الرجل هو الرجل الذي رأيناه قبل، لقد حال أي تغير عن العهد أي الذي كنا نعهده من الشبية الى الشيب، وهكذا الانسان يتغير من حال الى حال. وقد أورد المصنف هذا البيت في التوضيح
__________
(1) الأغاني 1/ 72 - 73 (دار الكتب).
(2) بياض بالأصل، والتكملة عن الأغاني.
(3) الأغاني 1/ 81.
(1/176)

شاهدا على الفصل فيما اذا اجتمع ضميران في باب كان. والنص: السير الشديد ومعارضة الشمس: اعتراضها في الأفق وارتفاعها بحيث تغيب حيال الرأس. ويضحى:
أي يظهر للشمس، يقول: يسير نهارا وإذا جاء الليل خصر، بخاء معجمة وصاد مهملة، يقال: خصر الرجل بالكسر اذا آلمه البرد في أطرافه. وفي مسائل نافع بن الأزرق، تخريج الطستي بسنده عن أبن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) قال: لا تعرق فيها من شدّة حرّ الشمس.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر:
رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت … فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
والجوّاب: بالتشديد، من جاب يجوب إذا خرق وقطع. وتقاذفت: من التقاذف وهو الترامي. والسادر، بمهملات، الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع.
وقوله: (إذا جئت فامنح ... البيت) أورده المصنف في حرف الكاف على وجه آخر، بلفظ:
وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنه … كيما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
مستشهدا به على أن الكاف تعليلية، كفت بما، ونصب الفعل بها لشبهها بكي في المعنى. ونقل هناك عن صاحب نزهة الأديب: ان انشاد البيت هكذا تخريف من أبى علي. وان الصواب فيه: (إذا جئت فامنح ... الخ) كما أوردناه في القصيدة، وقد وجدته في قصيدة أخرى لجميل وستأتي هناك.
76 - وأنشد (1):
فأمّا القتال لا قتال لديكم
قال أبو الفرج في الأغاني (2): هذا مما هجى به قديما بنو أسيد بن أبي العيص
__________
(1) الخزانة 1/ 217، وابن عقيل 2/ 141، والشعر للحارث بن خالد المخزومي.
(2) الأغاني 1/ 38 (دار الكتب).
(1/177)

ابن أميّة، وتمامه:
ولكنّ سيرا في عراض المواكب
وقبله:
فضحتم قريشا بالفرار وأنتم … قمدّون سودان عظام المناكب
القمدّ: بضم القاف والميم وتشديد الدال، القويّ الشديد، والأنثى قمدّة.
وقوله: (ولكن سيرا) إما على حذف خبر لكن، وسيرا اسمها، أي ولكن لكم سيرا، وإما على حذف اسمها وسيرا نصب على المصدر بفعل مقدّر، أي ولكنكم تسيرون سيرا، قاله شارح أبيات الايضاح: وعراض المواكب، بالعين المهملة والضاد المعجمة:
ناحيتها وشقتها، وصحف من جعله بالصاد المهملة وفسره بعرصة الدار. والمواكب:
جمع موكب، وهم القوم الركوب على الأبل للزينة، وكذلك جماعة الفرسان.
77 - وأنشد (1):
من يفعل الحسنات الله يشكرها
هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضي الله عنه، وقيل: لكعب بن مالك، وتمامه:
والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
وقبله:
فإنّما هذه الدّنيا وزهرتها … كالزّاد لا بدّ يوما أنّه فاني
وقوله: (الله يشكرها) جملة اسمية وقعت جواب الشرط، وحذفت منها الفاء
__________
(1) أمالي ابن الشجري 1/ 71، وسيأتي ص 286
(1/178)

ضرورة. وزعم المبرد: ان الرواية:
من يفعل الخير فالرّحمن يشكره
78 - وأنشد:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
تقدّم شرحه في شواهد أن المفتوحة الخفيفة (1).
* * *
__________
(1) انظر ص 116، الشاهد 41.
(1/179)

شواهد إمّا المكسورة المشددة
79 - وأنشد:
سقته الرّواعد من صيف … وإن من خريف فلن يعدما (1)
هذا من قصيدة من المتقارب للنمر بن تولب، وأوّلها:
سلا عن تذكره تكتّما … وكان رهينا بها مغرما
وأقصر عنها وآياتها … تذكّره داءه الأقدما
فأوصى الفتى بأبناء العلا … وأن لا يخونا ولا يأثما
ويلبس للدّهر إجلاله … فلن يبني النّاس ما هدّما
وإن أنت لاقيت في نجدة … فلا يتهيبك أن تقدما
فإنّ المنيّة من يخشها … فسوف تصادفه أينما
فإن تخطّاك أسبابها … فإنّ قصاراك أن تهرما
وأحبب حبيبك حبّا رويدا … فقد لا يعولك أن تصرما
__________
(1) الخزانة 4/ 434، وفي الأغاني 22/ 297 ثلاث أبيات من القصيدة باختلاف الألفاظ.
(1/180)

فتظلم بالودّ من وصله … رقيق فتسفه أن تندما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا … إذا أنت حاولت أن تحكما
فلو أنّ من حتفه ناجيا … لكان هو الصّدع الأعصما
بإسبيل ألقت به أمّه … على رأس ذي حبك أيهما
إذا شاء طالع مسجورة … ترى حولها النّبع والسّاسما
يكون لأعدائه مجهلا … مضلّا وكانت له معلما
أتاح له الدّهر ذا وفضة … يقلّب في كفّه أسهما
فراقبه وهو في فترة … وما كان يرهب أن يكلما
فأرسل سهما له أهزعا … فشكّ نواهقه والفما
فظلّ يشيب كان الولوع … كان بصحّته مغرما
أتى حصنه ما أتى تبّعا … وأبرهة الملك الأعظما
لقيم بن لقمان من أخته … فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت … إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه … فجاءت به رجلا محكما
وهذا جميع أبياتها. والنمر بن تولب هذا عكلي جاهلي صحابي، يكنى أبا ربيعة. قال ابن عبد البر: أدرك الاسلام وهو كبير، وكان جوادا فصيحا، شاعرا جريئا على المنطق. وقال صاحب منتهى الطلب: هو النمر بن تولب بن زهير بن أقيش بن عبيد بن وائل بن كعب بن الحارث بن عوف، وعوف هو عكل. وقال
(1/181)

ابن الكلبي: هو النمر بن تولب بن أقيش بن عبد بن كعب بن عديّ بن عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر. قال الأصمعي، كان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس من حسن شعره (1). قال وكان جاهليا، ويقال أنه
أدرك الاسلام وانه عني بقوله (2):
إنّا أتيناك وقد طال السّفر
النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقال في الأغاني (3): شاعر مخضرم، أدرك الاسلام فأسلم فحسن اسلامه، ووفد الى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكتب له كتابا وروى عنه حديثا، وكان أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم. ثم أخرج عن الأصمعي قال: وكان أبو عمرو يشبه شعر النمر بن تولب بشعر حاتم الطائي. وأخرج عن مصعب الزبيري قال (4): بلغني أن صالح بن حسان قال يوما لجلسائه: أيّ الشعراء
__________
(1) طبقات الشعراء 134، والأغاني 22/ 287 (الثقافة)، والشعراء 268
(2) قال في الأغاني: لما وفد النمر بن تولب على النبي صلّى الله عليه وسلّم أنشده:
يا قوم إني رجل عندي خبر … الله من آياته هذا القمر
والشمس والشعرى وآيات أخر … من يتسام بالهدى فالخبث شر
إنّا أتيناك وقد طال السفر … أقود خيلا رجعا فيها ضرر
أطعمها اللحم إذا عز الشجر
(3) الاغاني 22/ 287
(4) قلت: نسبة السيوطي، ومن روى عنه هذا البيت لعمر بن أبي ربيعة أوّلا ونسبته ثانيا للنمر بن تولب خطأ محض لا أصل له، والصواب وهو الحق المتفق عليه أن هذا البيت لنصيب الأسود كما حققه المرزباني في الموشح في نقد الشعر قال في ترجمة نصيب في أثناء سنده:
أخبرنا عمر بن شبة قال: يروى أن الأقيشر دخل على عبد الملك بن مروان، فذكر بيت نصيب:
أهيم بدعد ما حييت فان أمت … فواحزنا من ذا يهيم بها بعدي
فقال: والله لقد أساء قائل هذا البيت. فقال له عبد الملك: فما كنت قائلا لو كنت مكانه؟ قال: كنت أقول:
تحبكم نفسي حياتي فان أمت … او كل بدعد من يهيم بها بعدي
فقال عبد الملك: فأنت والله أسوأ قولا، وأقل بصرا حين توكل بها بعدك! قيل: فما كنت أنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبكم نفسي حياتي فان أمت … فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي
-
(1/182)

أفتى؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة، وقالوا: جميل، وأكثروا القول، فقال: أفتاهم النمر بن تولب حيث يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت … فيا حزنا من ذا يهيم بها بعدي؟
وأخرج عن حماد بن ربيعة قال: أظرف الناس النمر بن تولب حيث يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت … أوكل بدعد من يهيم بها بعدي
وأخرج عن أبى عمرو قال (1): أدرك النمر بن تولب النبي صلّى الله عليه وسلّم وحسن إسلامه، وعمّر (فطال عمره) (2)، وكان جوادا واسع القرى، كثير الأضياف، وهّابا لماله، فلما كبر خرف، فكان، هجّيراه: أصبحوا الركب، أعينوا الركب، أقروا وانحروا للضيف، أعطوا السائل، تحمّلوا لهذا في حمالته كذا وكذا - لعادته بذلك - فلم يهذي بهذا وشبهه مدّة حتى مات. وخرفت امرأة من حيّ كرام،
__________
- فقال من حضر: والله لأنت أجود الثلاثة قولا، وأحسنهم بالشعر علما يا أمير المؤمنين. وأخبرني محمد بن أبي الازهري قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: لم نجد الرواة ومن يفهموا جواهر الكلام لبيت نصيب هذا مذهبا حسنا. قال: وقد ذكر عبد الملك ذلك لجلسائه فكل عابه، فقال عبد الملك: فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟
فقال رجل منهم: كنت أقول البيت الأوسط الذي آخره:
فواحزنا من ذا يهيم بها بعدي
فقال عبد الملك: ما قلت والله أسوأ مما قال. فقيل له: فكيف كنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ وذكر باقيه الى آخره. وبهذا تعلموا بطلان ما قاله السيوطي ومن روى عنه، وأن البيت لنصيب لا للنمر بن تولب والله أعلم اه. محمد محمود الشنقيطي.
والخبر الذي ذكره العلامة الشنقيطي منقول عن الموشح ص 189 - 190، والبيت لنصيب مذكور في الموشح مع خبر آخر ص 159 - 160. وهو في الصناعتين 113، والعقد الفريد 2/ 362 والشعراء 373، والكامل 156 و 503 والعمدة 2/ 118، وفي الشعراء 269 نسب البيت الى النمر بن تولب وقال: (والناس يروون البيت لنصيب) وكذا في الاغاني 19/ 160 وقال: (والناس يروون هذا البيت لنصيب، وهو خطأ). وانظر الاغاني 22/ 292 و 294 (الثقافة).
(1) انظر الاغاني 22/ 295 (الثقافة).
(2) مزيدة.
(1/183)

فكان، هجّيراها: زوّجوني، قولوا لزوجي يدخل، مهّدوا لي جانب زوجي. فقال عمر بن الخطاب: ما لهج به النمر بن تولب في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم! ثم ترحم عليه. قوله: (سلا) أمر من السؤال لاثنين وشرحه شارح ديوانه على أنه ماض من السلو. وتكتم، بتاءين فوقيتين، أولاهما مضموم، علم لامرأة، وهو
منصوب بتذكره المصدر المضاف لفاعله والآيات: الآثار والعلامات.
ومعنى صدر البيت الرابع: إنه يتهيأ ويستعدّ لكل حال على ما ينبغي. ومعنى عجزه:
انه إذا ضيع مجده لم يتنبه له الناس. والنجدة: القتال. وقوله (فلا يتهيبك) أورده المصنف في آخر الباب الثامن (1)، وقال: انه من باب القلب أي لا تتهيبا. ورأيته في منتهى الطلب بلفظ (فلا تتكأدك) وهو بمعناه. وقوله: (فسوف تصادفه أينما) فيه اكتفاء، وهو حذف فعل الشرط وجوابه، والاقتصار على الاداة، أي أينما ذهب أو توجه. وقد استشهد به ابن جرير في تفسيره على ذلك. وقصاراك: غايتك.
وقوله: (واحبب حبيبك ... الخ) مأخوذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: احبب حبيبك هونا مّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وابغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما مّا. أخرجه الترمذي من حديث أبى هريرة والطبراني، كأن النمر هذا سمعه من النبي صلّى الله عليه وسلّم فعقده في نظمه، فيكون من شواهد العقد، والا اني لم أقف عليه من حديثه. ويعولك: يشق عليك. وتسفه: تجهل وتظلم، تضع ودّك في غير موضعه. وتحكم: أي تكون حكيما. والصدع: مهمل الحروف مفتوحها، الوعل الذي بين الجسيم والضئيل. والعصمة: بياض في اليد.
وإسبيل: بوزن قنديل، بلد. قال (2):
لا أرض إلّا إسبيل … وكلّ أرض تضليل
والحبك: الطرائق. الأيهم بالياء التحتية، الذي لا يهتدي له. ومسجورة: بالجيم، مملوءة. والساسم: طالع أتى، يقال: فلان يطالع قرينه، أي يأتيها، بهمزة ومهملتين
__________
(1) ولم يذكره هنا السيوطي في الباب الثامن.
(2) هذا الشعر أنشده خلف الأحمر لبعض اليمانيين. وهو في البكري 147، وقال: أسبيل: بلد باليمن، وفيه أيضا: جبل باليمن، وأنشد بيتي النمر بن تولب: ولا أن ... الخ.
(1/184)

مفتوحتين، الأبنوس. والنبع، بفتح النون وسكون الموحدة، آخره مهملة، شجر يتخذ منه القسيّ. وأعداء الوعل: الناس. ومجهل: بفتح ثالثه. ومضل: بكسر ثانيه، وأوّلهما مفتوح. ومعلم: بفتح الميم واللام، أي هي مجهل لأعدائه ومعلم له.
وضمير سقته ويعدم للصدع. وفي ديوان النمر ومنتهى الطلب: سقتها، فالضمير لمسجورة. والرواعد: جمع راعدة، وهي السحابة الماطرة. والصيف: بالتشديد، المطر: الذي يجيء في الصيف. وقوله: (وإن) أصله (وإن ما)
حذف ما وأبقى إن.
وقيل: إن شرطية، والفاء جوابها، أي وإن سقته من خريف فلن يعدم الري. وقيل ان زائدة. وأتاح: قدّر. والوفضة: الكنانة. ويكلم: يجرح. وأهزع: واحد، يقال ما في كنانته أهزع، أي سهم واحد. والنواهق: العمارة في الوجه، في مجرى اندمع. ويشيب: يرفع يده ويقفز. والولوع: القدر والحين والدهر الذي يولع بالأشياء. وضمير حصنه للصدع. وتبع: ملك اليمن. وأبرهة: ملك الحبشة.
ولقمان: هو ابن عاد، غير الحكيم. كانت أخته تحت رجل أحمق فولدت له وأحمقت، فأحبت أن يكون لها ولد كأخيها فرغبت إلى امرأة أخيها أن تتركها تنام في مرقدها ليقع عليها، فعسى أن تلد ولدا نجيبا، فأجابتها وأسكرتاه وضاجعته، فغشيها فأتت منه بولد سمته لقيما، بضم اللام. وكان أحزم الناس. ولقيم مبتدأ ومن أخته خبره. وفي قوله:
فكان ابن أخت له وابنما
دليل على جواز تعاطف الخبرين المستقل كل منهما بنفسه. وابنم: ابن زيدت عليه الميم. وحمق: غيب عقله، بالكسر. قال المصنف: والمفضل يرويه: حمق، بفتحتين. وزعم إنه يقال حمق إذا شرب الخمر. والخمر يقال لها الحمق. واستحصنت:
أتته كما تأتي المرأة الحصان زوجها. ومظلم، بكسر اللام، في ظلمة. ونابه:
مذكور مرتفع الذكر. ومحكم: ليس بضعيف.
قال شارح ديوانه عند قوله لقيم بن لقمان: ترك ما كان فيه وسلك طريقا آخر قلت: وهذا المسمى في البديع بالاقتضاب وهو الانتقال إلى غير ملائم خلاف
(1/185)

حسن التخلص وهو طريقة العرب والأقدمين.
80 - وأنشد (1):
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنّة أيما إلى نار
قال ثعلب في أماليه: قال أبو رزمة الفزاري: كانت امرأة من عبد القيس لها ابن يقال له سعد بن قرط بن سيّار (2) يلقب النحيت الحدري، يعقها، وكان شرّيرا فقال يهجوها:
يا ليتما ... البيت.
وبعده:
تلتهم الوسق مشدودا أشظّته … كأنّما وجهها قد سفع بالنّار
ليست بشبعى وإن أوردتها هجرا … ولا بريّا ولو حلّت بذي قار
خرقاء بالخير لا تهدى لوجهته … وهي صناع الأذى في الأهل والجار
فكانت أمه كثيرا ما تعظه فلا يزيدها إلّا شرّا، فنشأ له ابن فكان شرّا من أبيه، فكان يعظه ويقول:
حذار بنيّ البغي لا تقربنّه … حذار فإنّ البغي وخم مراتعه
وعرضك لا تمذل بعرضك إنّني … وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
__________
(1) الخزانة 4/ 431، وأمالي ثعلب 2/ 808 نقلا عن المغني، والعققة والبررة 364 - 365، والحماسة بشرح التبريزي 4/ 354.
(2) في الحماسة 4/ 352: (سعد بن قرط أحد بني جذيمة) وفيه 4/ 354:
(سعد، وليس من الكتاب). وفي العققة والبررة: (معبد بن قرط العبدي).
(1/186)

وكم قد رأيت الدّهر غادر باغيا … بمنزلة ضاقت عليه مطالعه
فلم يزل به الحين الى أن وثب على ابن عم له أشرا وبطرا، فأخذ ابن عمه فحطأ به الأرض حطأة دق عنقه فمات، فبلغها فقالت كالشامتة:
ما زال شيبان شديدا هبصه … يطلب من يقهره ويهصه
ظلما وبغيا والبلايا تنشصه … حتّى أتاه قرنه فيقصه
فعاد عنه خاله وعرصه
قوله: (أمّنا) ضبط بالنصب إسم ليت. وشالت نعامتها: كناية عن موتها، فإن النعامة باطن القدم. وشالت: ارتفعت. ومن هلك ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامة قدمه. وقوله: (أيما ... الخ) فيه شاهد لابدال الميم الأولى من إما المكسورة ياء، وفتح همزتها، وبحذف واو العطف من الثانية. وتلتهم: تبتلع.
واللهم: بسكون الهاء، الابتلاع. والسفعة في الوجه: السواد في خدّي المرأة الشاحبة. والقار: الزفت (1). وهجر: قرية بالحجاز معروفة بكثرة التمر (2).
وذوقار: موضع (3) والخرقاء: التي لا تحسن صنعة. وامرأة صنّاع: بفتح الصاد،
__________
(1) قوله: (القار: الزفت). يشير هنا الى الرواية الثانية للبيت، وهي رواية الحماسة، وفيها:
(كأنما وجهها قد طلي بالقار)
الوسق، بالفتح والكسر: حمل البعير. الأشظة: جمع شظاظ، بالكسر، وهو العود الذي يدخل في عروة الجوالق.
(2) قوله: قرية بالحجاز معروفة بكثرة التمر غير صحيح، بل هجر التي بالحجاز معروفة بالقلال لا بالتمر، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلم في تشبيه نبق سدرة المنتهى: نبقها كقلال هجر. وأما هجر ذات التمر فقرية لعبد القيس وفيها المثل: كمستبضع التمر إلى هجر، وهي بناحية البحرين. اه. محمد محمود الشنقيطي.
قلت: ذكر ياقوت أنها قصبة البحرين.
(3) ماء لبكر بين الكوفة وواسط. ويروى كما في الحماسة: (ولو قاظت بذي قار).
(1/187)

حاذقة ماهرة تعمل بيديها جميعا. ورجل مذل: يبذل ما عنده من مال أو شيء ولا يقدر على ضبط نفسه، يقال: مذلت بالكسر أمذل بالفتح (1). والملحى: الملوم، من لحيته إذا لمته. وحطأ به الأرض: صرعه. والهبص: النشاط. والوهص: كسر الشيء الرخو. والوقص: كسر العنق. وأورد في الصحاح البيت بلفظ: (فوقصه):
وقال إنه أراد فوقصه، فلما وقف نقل ضمة الهاء الى الصاد. والعرص، بالتحريك:
النشاط وهو أيضا خبث الريح.
81 - وأنشد:
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا (2)
وهو للنعمان بن المنذر ملك العرب. وذلك ان بني جعفر بن كلاب قد وفدوا على النعمان بن المنذر، ورئيسهم يومئذ أبو براء عامر بن مالك، ملاعب الأسنة، عم لبيد.
وكان الربيع بن زياد العبسيّ جليسه وسميره، فاتهموه بالسعي عليهم عنده. وكان بنو جعفر له أعداء، وكان لبيد غلاما في جملتهم متخلف في رحالهم، فأخبروه فقال:
هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره بكلام لا يلتفت إليه النعمان بعد ذلك أبدا. فقالوا: نعم. فكسوه حلة وعدوا به على النعمان، فوجدوه يتغدى مع الربيع، فقال لبيد:
يا واهب الخير الجزيل من سعه … نحن بنو أمّ البنين الأربعه
سيوف جنّ وجفان مترعه … ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه
__________
(1) في الاصل وردت في البيت: (لا يمدك) وصوابه (لا تذل) كما هو في الشرح، واللسان (مزل).
(2) الخزانة 2/ 79، وابن عقيل 1/ 123 والاغاني 15/ 294 (الثقافة).
وتختلف الروايات اختلافا بينا.
(1/188)

الضّاربون الهام وسط الخيضعه … إليك جاوزنا بلاد مسبعه
تخبّر عن هذا خبيرا فاسمعه … مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه
إنّ استه من برص ملمّعه … وإنّه يولج فيها أصبعه
فالتفت النعمان الى الربيع وقال: كذاك أنت يا ربيع؟ قال: لا والله، لقد كذب ابن الأحمق اللئيم. فقال النعمان: أف لهذا طعاما، لقد خبثت عليّ. وقام الربيع وانصرف إلى منزله، وأمره النعمان بالانصراف فلحق بأهله، وأرسل الى النعمان بأبيات يعتذر فيها. فأجابه النعمان بقوله:
شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا … تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا
فقد ذكرت به الرّكب حامله … ما جاور النّيل أهل الشّام والنّيلا (1)
فما انتفاؤك منه بعد ما قطعت … هوج المطيّ به أكناف شمليلا
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا … فما اعتذارك من قول إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة … فانشربها الطّرف إن عرضا وإن طولا
شرّد: فرّق وبدّد، والأقاويل، جمع أقوال. والأقوال، جمع قول. والهوج، بضم الهاء وسكون الواو وجيم جمع هوجاء: وهي الناقة التي كأن بها هوجا لسرعتها.
وشمليل، بكسر المعجمة: الناقة الخفيفة (2). والنعمان: هو ابن المنذر بن المنذر بن
__________
(1) في الأغاني: (ما جاروت مصر)، وفي الخزانة: (ما جاور السيل).
(2) في الخزانة: (وقوله شمليلا)، قال البكري في معجم ما استعجم:
هو بكسر أوله واسكان ثانيه بعده لام مكسورة على وزن فعليل: بلد، وأنشد هذا البيت. ومن العجائب تفسير العيني إياه بالناقة الخفيفة، وكأنه يكتب من غير أن يتصور المعنى).
وانظر البكري 809، وفيه:
(.. بعد ما جزعت … عوج المطيّ به أبراق شمليلا)
(1/189)

ماء السماء، كنيته أبو قابوس، وهو الذي تنصر وملك الحيرة اثنتين وعشرين سنة، وقتله كسرى أبرويز، وكانت أم المنذر يقال لها ماء السماء لحسنها. واشتهر المنذر بأمه، واسمها ماوية بنت عوف بنت جشم.
82 - وأنشد:
فإمّا أن تكون أخي بصدق … فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطّرحني واتّخذني … عدوّا أتّقيك وتتّقيني
هذان من قصيدة للمثقب العبديّ واسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة بن وائلة ابن عدي بن حرب بن دهن بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى، بالفاء، ابن عبد القيس، وسمي المثقب بكسر القاف وقيل بفتحها لقوله (1):
ظهرن بكلّة وسدلن أخرى … وثقّبن الوصاوص للعيون
يعني، عيون البرقع. قاله ابن دريد في الوشاح وهو بالثاء المثلثة وضبطه ابن الدماميني. وأوّل هذه القصيدة (2):
أفاطم قبل بينك متّعيني … ومنعك ما سألت كأن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات … تمرّ بها رياح الصّيف دوني
__________
(1) اختلف في رواية صدر البيت فهو في الشعراء 356 (رددن تحية وكننّ أخرى). وهو البيت رقم 11 من المفضلية 76 وابن سلام 229 وسمط اللآلي 113، والخزانة 4/ 431.
(2) المفضلية 76، وانظر الخزانة 3/ 352 و 4/ 429، ومنتهى الطلب 1/ 299 - 301 وشعراء الجاهلية 405 - 409، والشعراء وحماسة البحتري 59 والمرزباني.
(1/190)

فإنّي لو تخالفني شمالي … لما أتبعتها أبدا يميني (1)
إذن لقطعتها ولقلت بيني … كذلك أجتوي من يجتويني
ومنها:
دعي ماذا علمت سأتّقيه … ولكن بالمغيّب نبّئيني
ومنها في ذكر ناقته:
فسلّ الهمّ عنك بذات لوث … عذافرة كمطرقة القيون
الى أن قال:
إذا ما قمت أرحلها بليل … تأوّه آهة الرّجل الحزين
تقول إذا درأت لها وضيني … أهذا دينه أبدا وديني
أكلّ الدّهر حلّ وارتحال … أما يبقي عليّ وما يقيني
ثنيت زمامها ووضعت رحلي … ونمرقة رودت بها يميني (2)
فرحت بها تعارض مسبطرّا … على صحصاحه وعلى المتون
إلى عمرو وفي عمرو أتتني … أخي النّجدات والحلم الرّصين
فإمّا أن تكون أخي بصدق … فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطّرحني واتّخذني … عدوّا أتّقيك وتتّقيني
وما أدري إذ وجّهت وجها … أريد الخير أيّهما يليني
__________
(1) في المفضليات: خلافك ما وصلت بها يميني.
(2) في المفضليات: (رفدت بها ..).
(1/191)

أألخير الّذي أنا أبتغيه … أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني
قال المصنف في شواهد معنى البيت الأوّل: اخبريني قبل فراقك على أن منعك ما أطلبه منك بمنزلة فراقك. وأجتوي: أكره. قوله: (دعي ماذا علمت .. البيت) أورده المصنف في (ماذا) شاهدا على أنها موصول بمعنى الذي، أو اسم جنس بمعنى شيء. وعلمت: ضبطه النحاس بكسر التاء عن الاخفش، وبضمها عن أبى اسحق. وقوله: (بذات لوث) في الصحاح، يقال: ناقة ذات لوثة، بضم اللام، أي كثيرة اللحم والشحم. ويقال: ذات معوج. واللوث: بالفتح، القوّة. قال الشاعر:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت
والعذافرة: العظيمة الشديدة. والمطرقة والقيون: جمع قين، وهو الحداد.
وأرحلها: بفتح الهمزة، أشدّ عليها الرحل. وتأوّه: أصله تتأوّه، وآهة بالمدّ، ويروى بالقصر وتشديد الهاء، وهما نائبان عن التأوّه. ودرأت: بالمهملة، دفعت. ويروى بالمعجمة أي ألقيت. وقال ابن قتيبة: إنه تصحيف. والوضين:
بالمعجمة، للهودج، كالحزام للسرج، والتصدير للرحل، والبطان للقتب، وهو سير مضفور، وجمعه وصن بضمتين. والاستفهام في (أهذا) للتعجب. والدين: العادة. والهمزة في (أكل) للأنكار، وكل: ظرف. وحل: فاعل به، ويجوز كونه مبتدأ، والظرف خبره، وهو بفتح الحاء، مصدر حللت بالمكان. ويبقي عليّ: يرحمني، والمصدر الأبقاء. والأسم البقيا بالضم والبقوى بالفتح. ويقيني: يصونني ويحفظني.
وضمير الفعلين إلى صاحب الناقة الراجع إليه (أهذا دينه). هذا هو الظاهر. وذكر العيني في شرح الشواهد أنه راجع إلى الدهر وليس بواضح. والنمرقة: بضم النون وتكسر في لغة: وسادة صغيرة. والمسبطر: الجمل الطويل. والرصين: المحكم الثابت. والغث: الرديء. والسمين: الجيد. ويقال: غث اللحم يغث ويغث غثاثة، فهو غث وغيث إذا كان مهزولا. وأغث إذا ردئ وفسد. وقوله: (فاعرف) بالنصب عطفا على تكون. وقوله: (والا) هنا نائبه مناب أما. قوله: (أألخير ... البيت):
(1/192)

استشهد به أبو حيان في البحر على أن التقى قد يستعمل في طلب الخير، وإن كان أصله أن لا يستعمل إلا في طلب الفساد. وفيه شاهد آخر على تسهيل همز أل مع الاستفهام.
83 - وأنشد (1):
نلمّ بدار قد تقادم عهدها … وإمّا بأموات ألمّ خيالها
هو لذي الرمّة، وقبله:
وكيف بنفس كلّما قيل أشرفت … على البرء من حوصاء هيض اندمالها
ويروى: تهاض، من هاض العظم: كسره بعد الجبر. وكل وجع على وجع فهو هيض. والباء: قيل ظرفية. والمعنى: عكس وتفرّق إما ما بدار تخرب، وإما بموت أموات. وألم: من الألمام، وهو النزول. وفي البيت حذف أما الأولى كما تبين وحوصاء: من الحوص بالتحريك، وهو ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص.
* * *
__________
(1) ديوانه 76.
(1/193)

شواهد أو
84 - وأنشد:
نحن أو أنتم الأولى ألفوا الحقّ، … فبعدا للمبطلين وسحقا
لم يسم قائله، وهو من بحر الخفيف. وسحقا: بمعنى بعدا، فعطفه عليه على حدّ قوله:
وألفى قولها كذبا ومينا
والأولى: بمعنى الدين.
85 - وأنشد:
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر … لنفسي تقاها أو عليها فجورها
هذا من قصيدة لتوبة بن الحميّر وأوّلها (1):
نأتك بليلى دارها لا تزورها … وشطّت نواها واستمرّ مريرها
تقول رجال لا يضيرك نأيها … بلى، كلّ ما شفّ النّفوس يضيرها
__________
(1) الشعراء 414 - 415، والاغاني 11/ 208 (دار الكتب). وانظر سمط اللآلي 281.
(1/194)

أليس يضير العين أن يكثر البكا … ويمنع منها نومها وسرورها
لكلّ لقاء نلتقيه بشاشة … وإن كان حولا كلّ يوم نزورها
ومنها:
حمامة بطن الواديين ترنّمي … سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت … فقد رابني منها الغداة سفورها
ليلى هي: الأخيلية. وشطت الدار: بعدت. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر، قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير. ويقال: (استمرّ مريره) أي استحكم أمره. والباء في (بأني) زائدة. وتاء تقي بدل بدل من الواو، كما في تراث واو بمعنى الواو، أي وعليها، وهو محل الاستشهاد. وشف الجسم: نحل. وشفه الهمّ: هزله.
أخرج في الأغاني عن أنيس بن عمرو العامري (1) قال: كان توبة يتعشّق ليلى الأخيلية ويقول فيها الشعر، فخطبها الى أبيها فأبى وزوّجها غيره، فجاء يوما كما كان يجيء لزيارتها فإذا هي سافرة ولم ير منها بشاشة، فانصرف وقال هذه القصيدة.

فائدة: [توبة بن الحميّر]
توبة بن الحميّر بن سفيان بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، يكنى أبا حرب، فارس شاعر إسلامي، وهو صاحب ليلى الأخيلية. وفي الشعراء آخر يقال له توبة بن مضرس تميمي، ذكره
الآمدي.
__________
(1) الأغاني 11/ 204
(1/195)

86 - وأنشد (1):
جاء الخلافة أو كانت له قدرا … كما أتى ربّه موسى على قدر
هو لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز. أخرج المعافى بن زكرياء وابن عساكر في تاريخه، بسند متصل عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك، وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مرّ بهم عديّ بن ارطاة، فقال له جرير:
يا أيّها الرّجل المرخي عمامته … هذا زمانك إنّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة … قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عديّ على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وسهامهم مسمومة، وأقوالهم نافذة. قال: ويحك يا عديّ، مالي وللشعراء! قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله صلّى الله عليه وسلم إسوة. قال: كيف؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس فأعطاه حلة قطع بها لسانه. قال: من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل. قال: أليس هذا القائل كذا، وهذا القائل كذا، ذكر لكل واحد منهم أبياتا تشعر برقة الدين، والله لا يدخل عليّ أحد منهم، فهل سوى من ذكرت؟ قال: نعم، جرير. قال أما أنه الذي يقول (2):
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا … حين الزّيارة فارجعي بسلام
فإن كان لا بد، فهو. فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
__________
(1) ديوانه 275، وابن عقيل 2/ 70.
(2) ديوانه 551، والشعراء 149، والوساطة 204، والعمدة 2/ 120 (وقت الزيارة) والعقد الفريد 5/ 346 والاغاني 8/ 37 (الثقافة).
(1/196)

إنّ الّذي بعث النّبيّ محمّدا … جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه … حتّى ارعوى وأقام ميل المائل
إنّي لأرجو منك خيرا عاجلا … والنّفس مولعة بحبّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضة … لابن السّبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير، إتق الله ولا تقل إلا حقا، فأنشأ جرير يقول:
أأذكر الجهد والبلوى الّتي نزلت … أم قد كفى ما بلّغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصّوت والنّظر
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به … خبلا من الجنّ أو مسّا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرون بنا … لسنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في همّ يؤرّقني … قد طال في الحيّ إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا … ولا يعود لنا باد على حضر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا … من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا … كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر
الخير ما دمت حيّا لا يفارقنا … بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ههنا حقا. قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن
(1/197)

سبيل ومنقطع بي. فأعطاه من صلب ماله مائة درهم. وقال: ويحك يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية. فأخذها وقال: والله لهي أحب ما اكتسبت اليّ. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشأ يقول:
رأيت رقى الشّيطان لا يستفزّه … وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
قوله: نال الخلافة، كذا وقع في هذه الرواية، وكذا أورد جماعة من النحاة، ورواه طائفة بلفظ جاء الخلافة. وقوله: إذ كانت، كذا في هذه الرواية، وكذا رواه جماعة منهم ولا شاهد فيه. وإذ فيه بمعنى، أو للتعليل. ورواه جماعة بلفظ:
أو على انها بمعنى الواو والكاف للتشبيه. وما: مصدرية ومحلها نصب صفة لمصدر محذوف، وربه مفعول أتى، وضميره راجع الى موسى، وان كان مؤخرا في اللفظ، لأنه مقدم في الرتبة إذ هو فاعل. وقد استشهد به المصنف في التوضيح لذلك.
87 - وأنشد:
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما … أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح (1)
هذا من قصيدة لابي ذؤيب، أوّلها (2):
نام الخليّ وبتّ اللّيل مشتجرا … كأنّ عيني فيها الصّاب مذبوح
قال ابن يسعون: ووهم من نسبه للنبيت، رجل من النمر بن قاسط. قال ابن يسعون: قوله: سيان: مثلان. ويسرحوا: يرسلوا للمرعى نهارا، ولا تستعمل في الليل. النعم: الأبل وسائر الماشية، ويقال: ماله سارح ولا رائح. والرائح:
الراجع من المرعى. وقوله: (بها) يعني في السنة المجدبة التي دلت الحال عليها.
__________
(1) الخزانة 2/ 342 وقال إن البيت ملفق من بيتين، وانظر اللسان (سرح).
(2) ديوان الهذليين 1/ 104.
(1/198)

ويحتمل أن يريد التي وصفها بالجدب. والباء: بمعنى في. وأغبرت البقعة:
اسودّت في عين من يراها، أو أكثر فيها الغبار لعدم الأمطار. ويروى بدله (وابيضت).
والسوح: جمع ساحة، وهي فضاء يكون بين دور الحيّ. والواو: في (واغبرت) للحال. قال ابن يسعون: وقد كان ينبغي أن ينصب سيان، لأن المعرفة أولى بأن تكون اسم كان. قال: وكأنه كره اجتماع ثلاث ياآت فعدل إلى الألف، كما قالوا:
طائي، أو على لغة بالحرث، أو قدر في مكان ضمير الشأن للمبتدأ، وهو ورفعه على الخبر لأن لا يسرحوا واو بمعنى الواو وفيه الشاهد. وقد ذكرت سرّ ذلك في الحاشية قال: ويروى:
وقال رائدهم سيّان سيركم … وأن تقيموا به واغبرّت السّوح
ولا شاهد فيه على ذلك (1). قلت: كذا هو في أشعار هذيل وبعده:
وكان مثلين أن لا يسرحوا نعما … حيث استرادت مواشيهم وتسريح
فكأنه اختلط صدر البيت الثاني وعجز الأوّل، فروى على التركيب وهما. ثم رأيت صاحب المصباح في شرح أبيات الايضاح قال مثل ذلك، وزاد أن أبا حنيفة أورده كما في ديوان أشعار هذيل.
88 - وأنشد:
إنّ بها أكتل أو رزاما … خوير بين ينقفان الهاما
قال ابن الشجري في أماليه: احتجوا على ورود أو بمعنى الواو يقول الأسدي:
خلّ الطّريق واجتنب أرماما … إنّ بها أكتل أو رزاما
خوير بين ينقفان الهاما … لم يدعا لسارح مقاما (2)
__________
(1) في اشعار الهذليين 1/ 107 (وقال ماشيهم).
(2) ويروى: (لم يتركا لمسلم طعاما). وإرمام: موضع في ديار طيء، ويقال واد لبني أسد، وانظر البكري 141.
(1/199)

قالوا: أراد أكتل ورزاما، وهما لصان كانا يقطعان الطريق بأرمام، فلذلك قال:
(خويربين) ولو كانت أو على بابها لقال (خويربا) وهو تصغير خارب، والخارب: لص الأبل. وأبطل البصريون ذلك بقول الخليل انه نصب على الذم، كقوله: حمّالة الحطب. انتهى. وقال غيره: اكتل بمثناة فوقية، ورزام بكسر الراء ثم زاي. والنقف: كسر الهامة عن الدماغ. والهام: الرؤس، بتخفيف الميم، واحدها هامة. وقال المبرد في الكامل (1): نصب (خويربين) على (أعني) (لا يكون غير ذلك) (2) لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله (أو) قال: وقوله ينقفان الهام، مثل يضرب في المبالغة في الشر. انهما يكاد ان يكسرانه.
89 - وأنشد:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فحسّبوه، فألفوه كما ذكرت … تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
هذان من قصيدة للنابغة، وقد تقدّم شرحهما في شواهد إن (3).
وأخرج الطستيّ في مسائله بسنده عن ابن عباس: أن نافع الأزرق سأله عن قوله تعالى: (ما أَلْفَيْنا) قال يعني: وجدنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
نعم أما سمعت قول نابغة بني ذبيان:
فحسّبوه فألفوه كما زعمت … تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
90 - وأنشد (4):
قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم … ما بين ملجم مهره أو سافع
__________
(1) الكامل 755، وفيه: (إيت الطريق ...).
(2) مزيده من الكامل.
(3) انظر ص 75 و 77 والخزانة 4/ 297.
(4) ديوانه 111 (من بين ملجم). وسيرة ابن هشام، وشواهد العيني 4/ 146.
(1/200)

هو لحميد بن ثور الهلاليّ الصحابي رضي الله عنه.
قوم: خبرهم مقدرا. والصريخ: صوت المستصرخ (1). ورأيتهم: جواب الشرط. وملجم: من ألجمت الفرس. وسافع: من سفعت بناصيته، أي أخذت.
وقد استشهد ابن هشام في السيرة بالبيت على ذلك في تفسير قوله تعالى: (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ). وأورده بلفظ (الصراخ) وبلفظ (من بين). قال ابن الدماميني: و (من) فيه للابتداء. والمعنى: إنّ رؤيتك إياهم تقدمت من بين هذين القسمين، لا يخرجون عنهما. و (أو) بمعنى الواو ضرورة اقتضاء بين الاضافة الى متعدد.

فائدة: [حميد]
حميد: هو ابن ثور بن حزن بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن نهيك بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلالي، أبو المثنى. وقيل: أبو الأخضر. وقيل: أبو خالد، ذكره الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الاسلاميين (2). وقال المرزباني (3): كان أحد الشعراء الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه. وقد وفد على النبيّ صلّى الله وسلم، وعاش الى خلافة عثمان، وهو القائل (4):
فلا يبعد الله الشّباب وقولنا … إذا ما صبونا صبوة: سنتوب
91 - وأنشده (5):
ماذا ترى من عيال قد برمت بهم … لم أحص عدّتهم إلّا بعدّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية … لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي
__________
(1) وفي الديوان: (الصريخ: المستغيث. وهو الناصر أيضا. وفي المثل:
عبد صريخه أمه. أي ناصره أذل منه وأضعف. والصريخ أيضا:
المغيث، فهو من المصادر التي تستعمل في الأضداد. وفي السيرة (الصراخ) بدل (الصريخ)، وهو في معناه).
(2) الطبقات ص 495.
(3) نقلا عنه في الاصابة 2/ 39، وتهذيب ابن عساكر 4/ 460.
(4) ديوانه 52.
(5) ديوانه 156، وابن عقيل 2/ 70.
(1/201)

هما لجربر من قصيدة يمدح بها معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهما آخر القصيدة، وقبلهما:
سيروا فإنّ أمير المؤمنين لكم … غيث مغيث بنبت غير مجحاد
وأول القصيدة:
قد قرّب الحى إذ هاجوا لإصعاد … بزلا مخيّسة إرمام أفناد
ومنها:
من يهده الله يهتد لا مضلّ له … ومن أضلّ فما يهديه من هاد
ومنها:
إلى معاوية المنصور إنّ له … دينا وثيقا وقلبا غير حيّاد
من آل مروان ما ارتدّت بصائرهم … من خوف قوم ولا همّوا بإلحاد
مخيسة: مذللة. والأرمام، جمع رمة: وهي قطعة من حبل خلق. وغير حياد:
لا يحيد. ومجحاد: قليل الخير. والعيال: جمع عيّل، بتشديد الياء، من عاله غيره يعوله، إذا أنفق عليه وقام بمصالحه. وبرمت: من برم به، بالكسر، إذا سئمه وضجر منه. وترى: من الرأي في الأمر، فلا يتعدّى إلّا إلى واحد وهو (ماذا) فمحله نصب. وجملة (قد برمت) صفة لعيال. والعدّاد: بفتح العين. ولم أحص: حال.
والاستثناء مفرغ أي لم أحصر عدّتهم إلا في حال كوني مستعينا بعدّاد، وهو كناية عن الكثرة المفرطة.
92 - وأنشد:
كما النّاس مجروم عليه وجارم
(1/202)

سيأتي شرحه مستوفى في حرف الكاف (1).
93 - وأنشد (2):
فقالوا: لنا ثنتان لا بدّ منهما … صدور رماح أشرعت أو سلاسل
هذا من قصيدة لجعفر بن علبة الحارثي، وقبله:
ألهفا بقرّى سحبل حين أحلبت … علينا الولايا والعدوّ المباسل
فقالوا: لنا ثنتان لا بدّ منهما … صدور رماح أشرعت أو سلاسل
وبعده:
فقلنا لهم تلكم إذن بعد كرّة … تغادر صرعى نوؤها متخاذل
قوله: ألهفا: هو منادي. قال المرزوقي: ويحتمل أن يكون مفردا ومضافا، قلبت ياؤه ألفا. واللهف: التأسف على الشيء بعد الأشراف عليه (3). وقرى سحبل موضع. وقال البياري: قرى: ماء، وسحبل: كل واد واسع (4). وأحلبت:
بالمهملة، أعانت. قال المرزوقي: وأصله الأعانة في الحلب خاصة، ثم استمرّ في
__________
(1) هو الشاهد الثاني في حرف الكاف وستشير اليه هنا حين الكلام عليه
(2) الحماسة بشرح التبريزي 1/ 43 - 49 وفيه: (فقالوا: ...).
والاغاني 13/ 47 (الثقافة).
(3) قال التبريزي: (التهلف: التوجع على الفائت بعد الاشراف عليه.
و (ألهفا) يجوز أن يكون منادى مفردا، ويجوز أن يكون منادي مضافا، فإذا جعله مضافا فإن أصله ألهفى، أو ألهف، فاذا قال ألهفا فكأنه فر من الكسرة وبعدها ياء الى الفتحة فانقلبت ألفا ...
وأذا كان ألهفا مفردا تكون الألف قد زيدت لامتداد الصوت به، ليكون أدل على التحسر).
(4) قرى: موضع ببلاد بني الحارث، وقيل ماءة قريبة من تباله، وقد أضافة جعفر بن علبة الحارثي الى سجل فدل أنهما متصلان.
(البكري 1062، وانظر 727).
(1/203)

الاعانات كلها (1). وقال: وقد يكون الشيء مختصا في الأصل، ثم يصير في العرف عاما، كما يكون عاما في الأصل ثم يصير به مختصا. والولايا: جمع وليّة، وهي البرذعة. وهي في البيت كناية عن النساء والضعفاء. وقيل: الولايا العشائر والقبائل، كأن ولية تأنيث وليّ، وهو القريب. ويروى: الموالي، وهم أبناء العم (2).
والمباسل: من البسالة، وهي الشجاعة. وثنتان: أي خصلتان، وتفسيرهما قوله:
(صدور ... الخ) وخص الصّدور لأن المقاتلة بها تقع، أو من ذكر البعض وارادة الكل، و (أو) في قوله (أو سلاسل). وقال التبريزي: أو على بابها من التخيير، لأن السلاسل كني بها عن الأسر (3). ومعنى قوله: (لا بد منهما) على سبيل المتعاقب .. الخ. أي لا بد من أحدهما أو المراد لا بد منهما جميعا، فصدور الرماح لمن يقتل والسلاسل لمن يؤسر، أي يكون بعضنا كذا وبعضنا كذا. فلما جعلهم صنفين صح دخول (أو) للتقسيم. وأشرعت: هيئت للطعن. وقوله: (تلكم اذن بعد كرّة) أي تلكم التخييرية، تكون بعد عطفه. تترك بيننا قوما مصرعين يخذلهم النهوض. ومتخاذل: هذا البناء يختص بما يحدث شيئا بعد شيء، ومنه تداعى البناء كأن أجزاء النهوض يخذل بعضها بعضا. والنوء: قد يكون السقوط أيضا.

فائدة: [جعفر بن علبة]
جعفر بن علبة بن ربيعة، بن عبد يغوث الشاعر أسير يوم الكلاب، ابن معاوية، يكنى ابن عارم، شاعر مقل غزل فارس. أدرك الدولة الأموية والعباسية، قتل رجلا من بني عقيل فاستعدوا عليه عامل مكة السريّ بن عبد الله الهاشمي فأقاد منه، فأقاد في أيام جعفر المنصور. ذكر ذلك الأغاني (4). وله في ذلك أبيات مذكورة في
__________
(1) وكذا في التبريزي 1/ 45.
(2) كذا في الأصل، ولعل صحة الجملة: (كأن ولية تأنيث ولي، والموالي:
وهم ابناء العم. ويروى: أجلبت). وأصل الجلبة رفع الاصوات.
(3) كذا في الاصل، وقول التبريزي 1/ 46 - 47 (وأراد بالثنتين خصلتين، ثم فسرهما صدور الرماح، وخص الصدور لان المقاتلة بها تقع، ويجوز أن يكون ذكر الصدور وان المراد الكل، كما قال:
الواطئين على صدور نعالهم
وان كان الوطء للصدور والاعجاز، وكنى عن الأسر بالسلاسل ...
(4) الاغاني 13/ 44 و 48 (الثقافة).
(1/204)

شواهد التلخيص.
94 - وأنشد (1):
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
قاله زياد الأعجم. قال شارح أبيات الايضاح: كذا نسب في كتاب سيبويه، وكذا رووه منصوبا، فتبعه عليه الناس، واستشهدوا به على النصب باضمار ان بعد الواو (2). قال: وقد وقع هذا البيت في قصيدة لزياد الأعجم مرفوعة القوافي، وفيها أبيات مجرورة، وأول القصيدة:
ألم تر أنّني أوترت قوسي … لأبقع من كلاب بني تميم
عوى فرميته بسهام موت … كذاك يردّ ذو الحمق اللّئيم
فلست بسابقي هربا ولمّا … تمرّ على نواجذك القدوم
فحاول كيف تنجو من وقاع … فإنّك بعد ثالثة رميم
يهجو بهذه القصيدة المغيرة بن حبناء (3). غمزت: من غمزت الشيء بيدي عصرته. والقناة: الرمح. وكعوبه: النواشز في أطراف الأنابيب. وقوله: (كسرت) إشارة إلى شدّة الغمز والتثقيف، ان لم تستقم على التليين والتلطيف. والمعنى:
أردت كسر كعوبها إلّا أن تستقيم من شدة العوج، وهذا إشارة إلى ما عليه المهجو من الاضطراب والهوج، فهو من باب: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) أي أردت القراءة.
قاله شارح أبيات الايضاح. وقال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: معنى البيت:
__________
(1) سيبويه 1/ 428، وابن عقيل 4/ 123، وطبقات الشعراء 558، والاغاني 11/ 160 واللسان (غمز).
(2) أي: إلا أن تستقيم. والبيت من قصيدة أكثرها مرفوع القافية، وفيها أبيات إقواء بالكسر، ولكنهم اعتذروا لسيبويه بأنه هكذا سمعه من العرب، فكان انشاده حجة.
(3) انظر الاغاني 13/ 86 - 89 (الثقافة).
(1/205)

كنت إذا هجوت قوما أبيدهم بالهجاء إلا أن يتركوا هجائي. قال: وأبيات القصيدة غير منصوبة، وإنما أنشده سيبويه منصوبا لانه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله، وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب، فإن أنشد بيت واحد منها أنشد على حقه من الأعراب، وإن أنشدت جميعا أنشدت على الوقف انتهى.

فائدة: [زياد الأعجم بن سليم]
زياد الأعجم بن سليم (العبدي)، يكنى أبا أمامة، مولى عبد القيس، ولقب الأعجم لعجمة كانت في لسانه. أدرك أبا
موسى الاشعري وعثمان بن أبي العاص وشهد معهما فتح اصطخر، ووفد على هشام بن عبد الملك، وشهد وفاته بالرصافة. وذكره الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الاسلام (1).
وأخرج ابن عساكر عن أبي بركة الأشجعي قال: حضرت امرأة من نمير الوفاة، فقيل لها أوصي. فقالت: نعم خبروني عن القائل:
لعمرك ما رماح بني نمير … بطائشة الصّدور ولا قصار
فقيل لها: لزياد الأعجم. قالت: فأشهدكم أن له ثلث مالي. فحمل له من ثلثها أربعة آلاف درهم.
95 - وأنشد:
لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى
لم يسم قائله وتمامه:
فما انقادت الآمال إلّا لصابر
يقال: استسهل أمره: أي عدّة سهلا. والمنى: بالضم، جمع المنية، اسم لما يتمناه الانسان. والآمال: بالمدّ جمع أمل، وهو الرجاء. وانقيادها: موافقتها للمراد ومجيئها على حسبه.
__________
(1) الطبقات 551
(1/206)

شواهد الا المفتوحة الخفيفة
96 - وأنشد:
أما والّذي لا يعلم الغيب غيره
هو لحاتم الطائي، وتمامه:
ويحيي العظام البيض وهي رميم
وجواب القسم قوله بعد ذلك:
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا … محاذرة من أن يقال لئيم (1)
والرميم: البالي، من رمّ العظم يرم بلى. وفعيل: يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، قاله في الصحاح. وقال الزمخشري: الرميم اسم لما بلي من العظام، كالرمة والرفات، فلذا لم يؤنث. والقرى: الاحسان إلى الضيف.
والحشا: ما انضمت إليه الضلوع. والطاوي: الجائع. والمحاذرة: الخوف. واللئيم: الدنيء الأصل
__________
(1) الشعر في حماسة التبريزي 4/ 240 - 241، وفي ذيل الامالي والنوادر 27 نسبه عن الأصمعي لاعرابي، بلفظ:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره … ومن هو يحيي العظم وهي رميم
لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهى … محافظة من أن يقال لئيم
وإنّي لاستحيي أكيلي ودونه … ودون يدي داجي الظلام بهيم
وفي ذيل سمط اللآلي 15 نسب الشعر لحاتم نقلا عن الحماسة والسيوطي، وزاد: (وفي ديوان حاتم رواية ابن الكلبي زيادة بعد الأوّليين):
وما كان بي ما كان والليل ملبس … رواق له فوق الإكام بهيم
الف بحلسي الزاد من دون صحبتي … وقد آب نجم واستقلّ نجوم
(1/207)

الشحيح النفس (1).

فائدة: [حاتم الطائي]
حاتم الطائي هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ الجواد المشهور (2) شاعر جاهلي يكنى أبا سفانة بابنته، وابنه عديّ بن حاتم الصحابي المشهور.
أخرج أحمد عن عديّ ابن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا. فقال: إن أباك أراد أمرا فأدركه، يعني الذكر.
وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن عمر قال: ذكر حاتم طي عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ذاك رجل أراد أمرا فأدركه.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن علي قال: لما جاء بسبايا طيّ وقعت جارية حمراء العشاء، دلفاء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين، فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت:
يا محمد، إن رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وأن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضعيف، ويطعم الطعام، ويفشي السّلام، ولم يردّ طالب
حاجة قط، أنا ابنة حاتم طي. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها،
__________
(1) قال التبريزي: انتصب (محافظة) على انه مفعول له، و (طاوي الحشا) انتصب على الحال، ويروي: (محاذرة)، وإذا رويت (القرى) فالمراد به قرى الضيف، والمعنى: إني أقري الضيف وأنا طاوي الحشا لأني أوثره على نفسي، ويروى: (القوى)، ويفسرونه بالجوع وقلة الزاد، وهو راجع الى قولهم: أقوى القوم، إذا فني زادهم، ومنه قول الشاعر:
سواء إذا لم يجن امرء دنية … عليّ تقاوى ليلة ونعيمها
وكان أحدهم ربما أطفأ النار وأمسك عن الأكل وأوهم الضيف أنه يأكل ليشبع الضيف، وهذا معنى قوله: وإني لأستحيي ... الخ).
(2) انظر الشعراء 193، وشعراء الجاهلية 98 - 134
(1/208)

فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق.
وأخرج ابن عساكر عن عديّ بن حاتم قال: كان أبي يقول لنا في الجاهلية:
إذا كان الشيء يكفيكه تركه فاتركه.
وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر عن ابن الأعرابي قال: كان حاتم الطائي أسيرا في عنزة، فقالت له امرأة يوما: قم، فافصد لنا هذه الناقة! وكان الفصد عندهم أن يقطع عرقا من عروق الناقة، ثم يجمع الدم فيشوى. فقام حاتم إلى الناقة فنحرها، فلطمته المرأة. فقال حاتم: (لو غيرت ذات سوار لطمتني). فذهب قوله مثلا. وقال له النسوة: إنما قلنا لك فصدها! فقال: هكذا فزدي. ان قوله (فزدي) فصدي، اشم الصاد زايا، وأدخل هاء السكت على أنا.
وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال: لما بلغ حاتم طيّ قول المتلمس (1):
قليل المال يصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال خير من فناء … وعسف في البلاد بغير زاد
فقال: قطع الله لسانه، حمل الناس على البخل، فهلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل ذهابه … ولا البخل في مال الشّحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتّر … لكلّ غد رزق يعود جديد
وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر من طريق ملحان بن عركي بن عديّ بن حاتم
__________
(1) في الشعراء 136 برواية:
وأعلم علم حقّ غير ظن … وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه … وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه … ولا يبقى الكثير على الفساد
وانظر الاغاني 21/ 136 و 137، وحماسة البحتري 216، وعيون الاخبار 2/ 195. وسيأتي ص 266.
(1/209)

عن أبيه عن جدّه قال: شهدت حاتما وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أي بني، إني أعهدك من نفسي ثلاث خلال: والله ما خاتلت جارة لي لريبة قط، ولا أؤتمنت على أمانة إلّا أدّيتها، ولا أتى أحد قطّ من قبلي بسوء.
97 - وأنشد:
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي … أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
تقدم شرحه في شواهد أما (1).
98 - وأنشد:
ألا طعان ألا فرسان عادية … إلّا تجشّؤكم حول التّنانير (2)
هذا من قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله عنه يهجو (بني) (3) الحارث بن كعب المجاشي (4) من بني عبد المدان. (وأول القصيدة) (5):
حار بن كعب ألا أحلام تزجركم … عنّا، وأنتم من الجوف الجماخير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم … جسم البغال وأحلام العصافير
ألا طعان ألا فرسان عادية … إلّا تجشّؤكم حول التّنانير
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحا … إنّ الرّجال ذوو عصب وتذكير
__________
(1) انظر ص 169 الشاهد رقم 71.
(2) ديوانه 123. والخزانة 2/ 103، وسيبويه 1/ 358 وقيل ان البيت لخداش بن زهير
(3) مزيدة.
(4) كذا في الاصل، وفي الخزانة: (المذحجي).
(5) مزيدة من الخزانة.
(1/210)

حار: منادي الحارث، مرخم (1). والأحلام: العقول جمع حلم. وقوله: (عنا) أي: عن هجائنا، لأنه كان هجا بني النجار من الأنصار فشكوا ذلك الى حسان فقال هذه. ثم قال: ألقوها إلى صبيان المكاتب. ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان فأوثقوا الحارث (2) وأتوا به إلى حسان وحكّموه فيه، فأمر بالناس فحضروا، وجلس على سرير وأحضره موثقا، فنظر إليه مليا ثم قال لابنه عبد الرحمن: هات الدراهم التي بقيت من صلة معاوية، وائتني ببغلة. ففعل، ففك وثاقه وأعطاه الدراهم وأركبه البغلة، فشكره الناس. والجوف: جمع أجوف، وهو العظم الجوف.
والجماخير: بجيم وخاء، جمع جمخور، وهو العظيم الجسم القليل العقل والقوّة.
وجسم: يروى بالرفع والنصب (3).
قال المصنف: روي أن بني عبد المدان كانوا يفتخرون بعظم أجسامهم حتى قال فيهم حسان هذا الشعر فتركوا ذلك. ويروى (ولا فرسان) بدل (ألا فرسان).
وطعان: مصدر طاعن. وفرسان: جمع فارس. وعادية: يروى، بالعين المهملة، من العدو، أو العدوان. وبالمعجمة: من الغدو ضدّ الرواح. ويروى بالنصب: نعت أو حال، وخبر (لا) محذوف وبالرفع خبر (لا). وتجشؤكم: ويروى بالرفع والنصب، وبالجيم من الجشاء: تنفس المعدة بالحاء المهملة، من الاحتساء والاستثناء منقطع. والمعنى: ألا طعان عندكم ولا فرسان فيكم تعدو على أعدائهم، أي لستم بأهل حرب، وإنما أنتم أهل أكل وشرب، كما قال الآخر:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم … أن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا
__________
(1) وبه استشهد الزجاجي في جمله.
(2) هو النجاشي من بني الحارث كما في الخزانة وليس الحارث كما جاء بالاصل.
(3) ويروى البيت: (لا عيب بالقوم ..). و (لا بأس بالقوم)، يريد:
أن أجسامهم لا تعاب، وهي طويلة عظيمة، ولكنها كأجسام البغال لا عقول لها. هكذا رواه الناس، ورواه الزمخشري: (جسم الجمال وأحلام ..) عند قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) على أنّ الجمل مثل في عظم الجرم ..). وانظر الخزانة.
(1/211)

وقال (1):
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
والتنانير: جمع تنور. والتخاجؤ: بجيم وهمز، مشية فيها تبختر، ومشية سحجا: أي سهلة، حسنة، بسين مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة. والعصب: شدّة الخلق، يقال: رجل معصوب، أي قوي شديد. هكذا ذكر جماعة من المتأخرين هذا البيت من الأبيات المذكورة لحسان. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري البيتين الأوّلين لحسان. وقوله: (ألا طعان ... البيت) لخداش بن زهير يخاطب بها بني العرقة، من بني تيم بن غالب، من أجل مسابقة كانت بينهم وبين رهط خداش.
وأول القصيدة (2):
أبلغ أبا كنف إمّا عرضت له … والأبجرين ووهبا وابن منظور
ألا طعان ألا فرسان عادية … إلّا تجشّؤكم حول التّنانير
ثمّ احضرونا إذا ما احمرّ أعيننا … في كلّ يوم يزيل الهمّ مذكور
تلقوا فوارس لاميلا ولا عزلا … ولا هلابيج روّاغين في الدّور
في أبيات أخر.
99 - وأنشد (3):
ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته … وآذنت بمشيب بعده هرم
الارعواء: الانكفاف، مصدر ارعوى عن الشيء، أي الانكفاف عن القبيح.
__________
(1) هو الحطيئة. وانظر طبقات ابن سلام 98
(2) انظر الخزانة 2/ 107 فقد وردت الابيات باختلاف الألفاظ.
(3) ابن عقيل 1/ 154
(1/212)

و (لمن) خبر. وولت: أدبرت وذهبت. وآذنت: عطف على ولت، أي أعلمت وأنذرت. وجملة (بعده هرم) صفة لمشيب. والشبيبة: الشباب. والمشيب:
الشيب. وقال الأصمعي: المشيب بالميم: دخول الرجل في حدّ الشيب من الرجال.
والشيب بدون ميم: بياض من الشعر. والهرم: كبر السن.
100 - وأنشد (1):
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه … فيرأب ما أثأت يد الغفلات
لم يسم قائله. (ألا) للتمني. وعمر: اسمها. وولى: صفته. ومستطاع رجوعه: جملة اسمية قدّم خبرها، وهي صفة أخرى، فمحلهما نصب. ويجوز عند المازني والمبرد أن يكون محلهما رفعا. وكون الأسمية خبرا، وكون مستطاع صفة على الموضع أو خبرا. ورجوعه: مرفوع به على الوجهين، لانهما يجريان (ألا) التي للتمني مجرى (ألا) التي للانكار والتوبيخ، ولا يجوز ذلك عند سيبويه، لأنه لا يجيز مراعاة المحل اسمها، أجرى الهاء مجرى ليت، وليس لها عنده خبر، لا لفظا ولا تقديرا، بل هي ومتلوها كلام تام مركب من اسم وحرف كما في (يا زيد) عند أبى علي. وسوّغ ذلك الحمل على المعنى، لأن معناه أتمنى كذا. وقوله: (فيرأب) منصوب في جواب التمني، أي يصلح. يقال: رأبت الاناء إذا شعبته وأصلحته، ومادته راء وهمزة وباء. قال المصنف: والمحفوظ بناؤه للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول وما موصولة. وأثأت: بمثلثة بعدها همزة، أفسدت، منقول بالهمزة من ثأى، بالكسر، يثأى، بالفتح، فسد. واستعار للغفلات التي هي جمع غفلة. يدا تشبيها بمن يكتسب أشياء بيده. ويد فاعل أثأت والعائد محذوف: أي أثأته.
101 - وأنشد:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (2).
__________
(1) ابن عقيل 1/ 154
(2) انظر ص 42، الشاهد رقم 8.
(1/213)

102 - وأنشد
ألا رجلا جزاه الله خيرا … يدلّ على محصّلة تبيت (1)
هو من أبيات الكتاب، وبعده:
ترجّل لمّتي وتقمّ بيتي … وأعطيها الإتاوة إن رضيت
وقال الأزهري: هما لأعرابي أراد أن يتزوّج امرأة بمتعة. قال المصنف:
قوله (ألا رجل) فيه ثلاث روايات: الرفع، وبه جزم الجوهري على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره يدل. أو مبتدأ تخصّص بالاستفهام، ويدل خبره. والجر على اضمار من، وفيه ضعف لاعمال الجار محذوفا، ويزيده ضعفا كونه زائدا. ونظيره في الضعف قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
على قول سيبويه أن التقدير ان أفعله، لأن أن وان كانت غير زائدة، لكن دخولها في خبر كاد قليل. والثالثة النصب وهي المشهورة، فقال الخليل وسيبويه (ألا) للعرض، والفعل مقدّر، أي ألا تروني رجلا. وقال يونس: (ألا) للتمنّي ورجلا اسمها، ونوّن للضرورة. وقال بعضهم: (ألا) للاستفتاح، ورجلا منصوب بمضمر يفسره جزى، ويدل على رواية النصب صفة رجلا. ومحصّلة، بكسر الصاد:
امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن وتخلصه منه. وقوله: (تبيت) قال الأعلم.
أي تبيت تفعل ذلك أي الفاحشة. وقال السيرافي: انما الرواية تبيث بمثلثة آخره، من الاستباثة، وهي الاستخراج أي يستخرج الذهب من ترابه. قال المصنف:
وكلاهما كلام من لم يقف على ما بعد البيت، وهو (ترجل .. الخ) بالقافية تاء مثناة وترجل ... الخ خبر باب، والبيت متعلق بما قبله ففيه تضمنين وهو من عيوب الشعر. والبيتوتة للترجيل والقم كما ذكر لا لشيء آخر. وقال بعضهم: يبيت بضم أوله، أي يجعل لي بيتا أي امرأة بنكاح.
__________
(1) الخزانة 1/ 459 و 2/ 11 و 151 وسيبويه 1/ 359 (بولاق).
(1/214)

قلت: وهذا عندي أحسن ويندفع به التضمين (1). والترجيل: تسريح الشعر.
واللمّة، بكسر اللام وتشديد الميم: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة. والأتاوة، بكسر الهمزة: الخراج. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري قال: البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن قنعاس المرادي (2) أوّلها:
ألا يا بيت بالعلياء بيت … ولولا حبّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني … كأنّي كلّ ذنبهم جنيت
ألا بكر العواذل فاستميت … وهل من راشد إمّا غويت (3)
إذا ما فاتني لحم غريض … ضربت ذراع بكري فاشتويت
وكنت متى أرى رقا مريضا … يصاح على جنازته بكيت
أمشّي في سراة بني غطيف … إذا ما ساءني ضيم أبيت (4)
أرّجل لمّتي وأجرّ ذيلي … وتحمل بزّتي أفق كميت
وبيت ليس من شعر وصوف … على ظهر المطيّة قد بنيت
ألا رجلا جزاه الله خيرا … يدلّ على محصّلة تبيت
__________
(1) اضاف صاحب الخزانة 1/ 460: (لكني لم أجد أبات بهذا المعنى في كتب اللغة).
(2) هو عمرو بن مقاس، ويقال ابن قنعاس، ابن عبد يغوث بن مخدش ابن عصر بن غنم بن مالك ... بن مراد، المرادي المذحجي وترجم له المرزباني 59، والخزانة 1/ 461 وسمط اللآلي 164.
(3) وكذا في الخزانة، وأصلحها الشنقيطي: (لي أن غويت)، كما هو في شرح البيت بالخزانة.
(4) في الخزانة وسمط اللآلي: (إذا ما سامني ..) وهي الرواية الصحيحة.
(1/215)

شواهد إلّا المكسورة المشددة
103 - (وأنشد) (1):
وكلّ أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدان (2)
هذا لحضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة بن همام بن ضب بن كعب بن قين بن مالك بن ثعلبة بن دودان أسد، الأسدي، وقيل لعمرو بن معدي كرب من أبيات، أوّلها:
ألا عجبت عميرة أمس لمّا … رأت شيب الذّؤابة قد علاني
تقول أرى أبي قد شاب بعدي … وأقصر عن مطالبة الغواني
إلى أن قال:
وذي فجع عزفت النّفس عنه … حذار الشّامتين وقد شجاني
أخي ثقة إذا ما اللّيل أفضى … إليّ بمؤيد حبلى كفاني
قطعت قرينتي عنه فأغنى … غناه فلن أراه ولن يراني
__________
(1) مزيدة.
(2) الكامل 1240 والكتاب 1/ 371 لعمرو بن معدي كرب. وهو أيضا في المؤتلف والمختلف 116 لحضرمي، والخزانة 2/ 52 و 55، واللسان (إلا).
(1/216)

وكلّ قرينة قرنت بأخرى … ولو ضنّت بها سيفترقان
وكلّ أخ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدان
فكان إجابتي إيّاه إنّي … عطفت إليه خوّار العنان
الذؤّابة من الشعر، والجمع ذوائب. وعزفت، بمهملة وزاي وفاء، صرفت.
والفجع: من الفجيعة، وهي الرزيئة. وشجاني: أحزنني. والمؤيد: بوزن المؤمن، الأمر العظيم والداهية. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب. وكل قرينة: أي كل نفس مقرون بأخرى ستفارقها.

فائدة: [حضرميّ]
حضرميّ هذا صحابي. قال المرزباني: يكنى أبا كدام.
أخرج ابن شاهين عن أبي هريرة قال: وفد بنو أسد بن خزيمة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتعلم حضرميّ بن عامر سورة عبس وتولى، فقرأها فزاد فيها: (وهو الذي أنعم على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى) فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: لا تزد فيها. وأخرجه من وجه آخر. وفيه: ان السورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى).
وروى أبو علي القالي من طريق ابن الكلبي قال (1): كان حضرميّ بن عامر عاشر عشرة من اخوته فماتوا فورثهم، فقال فيه ابن عم له يقال له جزء بن مالك:
يا حضرمي، من مثلك، ورثت تسعة اخوة فأصبحت ناعما! فقال حضرمي في أبيات (2):
إن كنت ازننتني بها كذبا … جزء فلاقيت مثلها عجلا
__________
(1) الامالي 1/ 67
(2) البيان والتبيين 3/ 190
(1/217)

فجلس جزء على شفير بئر هو واخوته، وهم أيضا تسعة، فانخسفت بهم، فلم ينج منهم غير جزء، فبلغ ذلك حضرمي فقال: كلمة، وافقت قدرا وأبقت حقدا.
ولم أقف لحضرمي على غير حديث واحد.
أخرج أبو يعلي وابن قانع من طريق محفوظ بن علقمة عنه: ان رسول صلّى الله عليه وسلم قال: إذا بال أحدكم فلا
يستقبل الريح ولا يستنجى بيمينه.
104 - وأنشد (1):
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة … قليل بها الأصوات إلّا بغامها
أنيخت: أبركت. والبلدة: الصدر، يقال فلان واسع البلدة، أي واسع الصدر. والبلدة أيضا: الأرض، تقول: أبركت هذه الناقة فألقت صدرها على الأرض، ففيه جناس تام، و (قليل بها الأصوات) صفة لبلدة المجرورة. وبغام الناقة، بضم الباء الموحدة وبالغين المعجمة، صوت لا يفصح به (2).
105 - وأنشد (3):
لو كان غيري سليمى الدّهر غيّره … وقع الحوادث إلّا الصّارم الذّكر
هو للبيد، وقبله:
قالت غداة أنتجينا عند جارتها: … أنت الّذي كنت لولا الشّيب والكبر
فقلت: ليس بياض الرّأس عن كبر … لو تعلمين، وعند العالم الخبر
لو كان ... البيت.
انتجينا بالجيم، قال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: غيري:
__________
(1) الشعر لذي الرمة وهو في ديوانه 638، والخزانة 2/ 51، والتاج (بلد).
(2) في شرح الديوان: (البلدة الاولى: كركرة الصدور، والبلدة الثانية:
الأرض، يقول: ألقت كركرتها على الارض، والبغام صوت الناقة تقطعه (تقصعه) ولا تمدّ فيه، يقول: الا بغامها نعتا للأصوات كما قال تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) معناه: لو كان فيها آلهة غير الله، فقول: إلا الله، نعت لآلهة يقوم مقام غيره).
(3) الكتاب 1/ 370.
(1/218)

اسم كان. سلمى: منداة وغيره خبر كان. وقوله: (إلا الصارم) وصف لغيري. ومعناه: انه لو كان غيره من الاشياء في موضعه لغيرته الحوادث إلا السيف فانه لا يتغير، فأنا مثل السيف في أني لا أتغير. ويجوز أن يريد: لو كان غيري من الأشياء لتغير كتغيري، إلا السيف. يريد أن كل شيء يتغير بمرور الأوقات عليه إلا السيف الصارم إنتهى. وقال غيره: الدهر، إما خبر كان، أي لو كان غيري موجودا في هذا الدهر الصعب، وصحّ الاخبار به عن الجثة
كما في قولك: نحن في يوم طيب. وإما مفعول بفعل محذوف، أي يقاسي. ووقع الحوادث: سقوطها، وهي جمع حادثة، وهي ما يطرق من الوقائع والنوائب. والصارم: السيف القاطع.
والذكر من السيوف: ما كان ذا ماء ورونق.
106 - وأنشد (1):
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة … على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
هو لذي الرمّة. حراجيج: جمع حرجوج، بضم الحاء، وهي الناقة الضامر أو الطويلة، بحاء مهملة في الأوّل وجيمين بينهما ياء. والخسف: النقصان، يقال رضي فلان بالخسف أي بالنقيصة. وبات على الخسف أي جائعا. وربطت الدابة على الخسف أي على غير علف. والبلد: هنا مطلق الأرض. والقفر: المفازة التي لا نبات فيها ولا ماء. قال ابن الشجري في أماليه: وليس دخول إلا في هذا البيت خطأ كما توهم بعضهم، لان بعض النحاة قدر في ينفك التمام، ونصب مناخة على الحال، فتنفك هنا مثل منفكين حتى تأتيهم البينة. فالمعنى: ما ينفصل عن جهد ومشقة إلا في حال اناختها على الخسف، ورمى البلد القفر بها، أي تنتقل من شدة الى شدة.
107 - وأنشد (2):
وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله
__________
(1) ديوانه 173، والخزانة 4/ 49 و 53 واللسان (فك).
(2) الخزانة 2/ 96.
(1/219)

قال ابن جنى (في ذا القد) (1): قائله بعض بني سعد، وتمامه:
وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا
المنجنون، بفتح الميم، الدولاب الذي يستقى عليه، وجمعه مناجين، وهو مؤنث، أي: وما الزمان إلا يدور دوران منجنون، تارة يرفع وتارة يضع. فنصبه نصب المصدر. وقيل: بفعل محذوف، أي يشبه منجنونا. وزعم ابن بابشاذ أن أصله إلا كمنجنون، ثم حذف الجار فانتصب. ورواه المازني بلفظ:
أرى الدّهر إلّا منجنونا بأهله
ثم حكم بزيادة إلا، وخرجه غيره على إضمار لا كقوله: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا) والدليل عليه الاستثناء المفرغ.
* * *
__________
(1) في هامش الخزانة: (ذا القد: كتاب جمعه ابن جني من كلام شيخه أبي علي رحمهما الله تعالى).
(1/220)

شواهد ألّا المفتوحة المشدّدة
108 - وأنشد:
ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة … إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها
هذا لقيس بن الملّوح، ويقال لابن الدمينة، ويقال للصمة بن عبد الله القشيري (1)، وبعده:
أأكرم من ليلى عليّ فتبتغي … به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
استشهد النحاة بالبيت على تعدي نبّأ إلى ثلاثة مفاعيل، فالأول النائب عن الفاعل (2)، والثاني ليلى، والثالث جملة أرسلت. واستشهد به المصنف وغيره على وقوع الجملة الابتدائية بعد (هلّا) فيقدر كان الثانية، أي فهلا كان الشأن نفس ليلى شفيعها. والجملة المذكورة في محل نصب خبر كان. وقال أبو حيان: قد تأوّل أصحابنا هذا البيت، على أن نفسا فاعل بفعل محذوف تقديره: فهلا شفعت نفس ليلى. وشفيعها خبر لمبتدأ محذوف، أي هي، أي نفسها شفيعها. وقوله:
(بشفاعة) قاله المرزوقي والتبريزي. والاستفهام في (أأكرم) للانكار، أنكر منها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت إليه. وخبر (أكرم) محذوف، أي
__________
(1) انظر ديوان ابن الدمينة 206 و 262 - 263، والخزانة 1/ 463.
وشواهد العيني 3/ 416، والوفيات 1/ 29 لابراهيم بن العباس الصولي، والزهرة 127 - 129 لبعض الأعراب، والحماسة بشرح التبريزي 3/ 200 - 202 لآخر.
(2) وهو التاء.
(1/221)

موجودا وفي الدنيا. و (أم) متصلة أي: أيّ هذين توهمت طلب إنسان أكرم عليّ منها، أم اتهامها لطاعتي.
وقد أورد المصنف البيت الثاني في الكتاب الخامس على اشتراط الصفة لما وطئ به من خبر أو صفة أو حال. وفي أمالي ابن الشجري في البيت اعادة ضمير من أطيعها ضمير متكلم وفاقا لكنت، ولم يعد ضمير غائب وفاقا لامرئ، على حدّ (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ).
قال أبو رياش: كان من خبر هذه الأبيات، أن الصمّة بن عبد الله كان يهوى ابنة عمّ له، تسمى ريّا، فخطبها إلى عمه فزوّجه على خمسين من الابل، فجاء إلى أبيه فسأله فساق عنه تسعا وأربعين، فقال: أكملها، فقال: هو عمّك وما يناظرك في ناقة. فقال: والله ما قال هذا الا استخفافا بابنتي، والله لا أقبلها إلا كملا، فلجّ عمه ولجّ أبوه، فقال: والله ما رأيت ألأم منكما، وأنا ألأم منكما إن أقمت معكما.
فرحل إلى الشام فلقي الخليفة فكلمه، فأعجب به وفرض له فرضا، وألحقه بالفرسان.
فكان يتشوّق الى نجد، وقال هذا الشعر.
* * *
(1/222)

شواهد ألى
109 - وأنشد (1):
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني … إلى النّاس مطليّ به القار أجرب
هذا من أبيات للنابغة الذبياني يخاطب بها النعمان بن المنذر، وأوّلها:
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني … وتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب
فبتّ كأنّ العائدات فرسنني … هراسا به يعلى فراشي ويهشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة … وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة … لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنّني كنت امرأ لي جانب … من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم … أحكّم في أموالهم وأقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم … فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني … إلى النّاس مطليّ به القار أجرب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة … ترى كلّ ملك حولها يتذبذب
فإنّك شمس والملوك كواكب … إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
__________
(1) الخزانة 4/ 137
(1/223)

ولست بمستبق أخا لا تلمّه … على شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته … وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب
هذا آخر القصيدة فيما رأيته في ديوانه، رواية الأصمعي. وأوردها صاحب منتهى الطلب بتقديم وتأخير وزيادة. فجعل البيت المصدر به آخر القصيدة بعد قوله:
(فمثلك يعتب)، وجعل قوله: (ولست بمستبق) قبل قوله (ألم تر أن الله)، وجعل مطلع القصيدة:
أرسما جديدا من سعاد تجنّب … عفت روضة الأجداد منها فيثقب
عفا آية ريح الجنوب مع الصبا … وأسحم دان مزنه متصوّب
وبعد ثمانية أبيات. ثم قوله: (حلفت .. الخ) وأسقطت قوله: (فبت .. البيت) قوله: أبيت اللعن. هي تحية الملوك الجاهلية. وأنصب: أتعب. والعائدات:
الزائرات في المرض. وهراسا: شوكا. ويهشب: يجرّد. وقوله: (حلفت ...
الأبيات) استشهد بها أهل البديع على النوع المسمى عندهم بالمذهب الكلامي، وهو إيراد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام. وريبة: شك. ومذهب: طريق.
قال شارح ديوانه: أي لا يحلف بأعظم منه. والواشي: النمام. و. جانب: ناحية.
والمستراد: التصرف بالمجيء. والذهاب: من راد يرود. واصطنعتهم: أحسنت إليهم. وقوله:
فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
في زيارتك والوفادة إليك وترك بلادهم وملوكهم. والوعيد: التهديد. ومطلي:
مدهون. والقار: القطران ونحوه، مما يدهن به الأبل. وأجرب: ذو جرب، وهو داء معروف. والمعنى: كأنني في الناس جمل أجرب جعل عليه القار. وأورد التغلبي في تفسيره البيت شاهدا على وردد (الى) بمعنى (مع). وقال: أي مع الناس.
وقوله: (أعطاك سورة)، استشهد به أهل التفسير على أن السورة بلا همز، المنزلة
(1/224)

الرفيعة. واستشهدوا بعجزه على أن (الملك) بسكون اللام لغة في (الملك) بكسرها.
ويتذبذب: بمعجمتين، يضطرب. وقوله: (فانك شمس ... البيت) قال المبرد في الكامل (1): هذا من أعجب التشبيه. وقد سلكه البوصيري في البردة حيث قال في النبي صلّى الله عليه وسلّم والنبيين:
فإنّه شمس فضل هم كواكبها … يظهرن أنوارها للنّاس في الظّلم
والشعث: الفساد. ويقال اللهم ألمم شعثنا: أي أصلح أمرنا واجمعه. والمهذب:
المنقى من العيوب. وقوله: أي الرجال المهذب، اشتشهد به أهل المعاني على النوع المسمى عندهم بالتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة تؤكد معناه تجري مجرى المثل (2).
والعتبى: المراجعة. ويعتب: يراجع. ورسم جديد من جد الأثر: أي درس. ويثقب:
جبل أو مكان (3). وأسحم: سحاب أسود. ودان: قريب من الأرض.
110 - وأنشد (4):
تقول وقد عاليت بالكور فوقها: … أيسقى فلا يروى إليّ ابن أحمرا
__________
(1) الكامل 741.
(2) انظر الموشح 33 و 261 - 262، والصناعتين 36، والعمدة 2/ 80، وابن الشجري 239.
(3) قال ياقوت: (يثقب: موضع بالبادية). وقد روى البكري البيت في (يثقب) ص 1390، وقال: روضة الاجداد: موضع معروف، نسب الى أجداد هناك، جمع جد، وهي آبار مما حوت عاد ..).
(4) هذا البيت لابن أحمر الباهلي. وخرج من هذه النسخة شرحه هنا، وقول الشارح: هذا من قصيدة لابي كبير، بالموحدة، شرح لبيت غير هذا البيت انتهى، محمد محمود الشنقيطي. وفي حاشية الأمير: (قوله تقول: أي الناقة، بلسان الحال. والكور: الرحل والسقي) بمعنى الركوب مجازا.
(1/225)

111 - (وأنشد:
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره … أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل) (1)
هذا من قصيدة لأبي كبير بالموحدة وهو عامر بن الحليس، بمهملة مصغر، وقيل ابن جمرة، بالجيم والراء، هذلي جاهلي. وقبله، وهو مطلعها (2):
أزهير هل عن شيبة من معدل … أم لا سبيل إلى الشّباب الأوّل
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره … أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
وبعده:
ذهب الشّباب وفات منّي ما مضى … ونضا زهير كريهتي وتبطّلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهى … عمري وأنكرت الغداة تقتّلي
أزهير إن يشب القذال فإنّه … رب هيضل لجب لففت بهيضل (3)
ولقد سريت على الظّلام بمغشم … جلد من الفتيان غير مهبّل
__________
(1) مزيدة من المغني وحاشية الأمير 71، وهو في اشعار الهذليين 2/ 89
(2) أشعار الهذليين 2/ 88 - 100، وانظر الحماسة بشرح التبريزي 1/ 82 - 89.
(3) في أشعار الهذليين 2/ 89:
(... فإنني … رب هيضل مرس لففت ..)
وقال: ويروى لجب. وبعده:
فلففت بينهم لغير هوادة … إلا لسفك للدماء محلل
حتى رأيت دماءهم تغشاهم … ويغل سيف بينهم لم يسلل
أزهير إن يصبح أبوك مقصرا … طفلا ينوء اذا مشى للكلكل
يهدي العمود له الطريق اذا هم … ظعنوا ويعمد للطريق الأسهل
سجراء نفسي غير جمع أشابة … حشدا ولا هلك المفارش عزّل
لا يجفلون عن المصاب ولو رأوا … أولى الوعاوع كالغطاط المقبل
يتعطفون على البطئ تعطف ال … عوذ المطافل في مناخ المعقل
(1/226)

ممّن حملن به وهنّ عواقد … حبك الثّياب فشبّ غير مثقّل
حملت به في ليلة مزؤودة … كرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا … سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل
فإذا نبذت له الحصاة رأيته … ينزو لوقعتها طمور الأجدل
وإذا يهبّ من المنام رأيته … كرتوب كعب السّاق ليس بزمّل (1)
ما إن يمسّ الأرض إلّا منكب … منه وحرف السّاق طيّ المحمل
وإذا رميت به الفجاج رأيته … يهوى مخارمها هويّ الأجدل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلّل
زهير: بالفتح، منادى مرخم، يريد زهيرة ابنته (2). والرحيق: السهل. وقيل:
الخمر. والسلسل: سلس الدخول في الحلق، وقيل البارد اللين. وقيل العذب.
وقال أبو نصر: واليّ، بمعنى عندي. وعلى ذلك أورده المصنف، وتعقبه ابن الدمامينيّ بأن معنى أشهى إليّ: أحب إليّ. وقد عرّف أن إلى المتعلقة مما يفهم حبا أو بغضا، من فعل تعجب، أو اسم تفضيل. معناها البيتين، فعلى هذا يكون في البيت (على) بأنها مبنية أن عليه مجرورها وليست قسما آخر. ونضا: ذهب. وكريهتي: شجاعتي وشدتي. وتبطلي كذلك. وصحوت: كففت. والغواني: الشواب، ويقال اللواتي
__________
(1) هذا البيت ترتيبه في أشعار الهذليين، بعد البيت الأخير: (وإذا نظرت ...).
(2) وقوله: هل عن شيبة من معول، يقول: هل عن شيبة من مصرف، أم لا سبيل الى شبابي الذي مضى.
(1/227)

قد غنين بأزواجهن، الواحدة غانية. والتقتل: التضرّع لهن (1). والقذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، وهو أبطأ الرأس شيبا. ورب: بضم الراء وفتح الباء مخففة، لغة في رب. وقد استشهد الفارسي بالبيت على ذلك، وقال: القياس إنه إذا حذف المدغم فيه يبقى المدغم على السكون، إلا أنه لما لحقه الحذف والتأنيث أشبه الأسماء فحرّك آخره كما حرّك الآخر من ضرب. والهيضلة: الجماعة يغزى بهم، والجمع هيضل. وقال أبو عمر: والهيضل الشديد. واللجب: الشديد الصوت.
يقول: لففتهم بأعدائهم في القتال. وعلى الظلام: أي في الظلام. قال السكري: أقام حرفا عن حرف. قال التبريزي (2): وموضعه نصب على الظرف أو الحال، أي وأنا على الظلام الضخم (3). وضمير حملن: للنسوة (4) ولم يجر لهنّ ذكر. وقد أورد المصنف هذين البيتين في الكتاب الثامن، مستدلا على تضمين (حمل) معنى على ذي، عدي بالباء، ولولا ذلك لعدى بنفسه، مثل: (حملته أمّه كرها) استشهد به ابن مالك على إعمال إسم الفاعل مجموعا جمع تكسير، لأن حبك منصوب بقواعد.
والمغشم، بكسر الميم وسكون الغين وفتح الشين المعجمتين: الذي لا يتجأجأ عن شيء. الجلد: الصلب القوي. والمهبل: الضخم، الكثير اللحم راكب له. والحبك:
الخيط الذي يشدّ به الثياب. قال الأصمعي: كان النساء ينتطقن بخيط أوتكة.
وقال غيره: الحبكة: الحجزة، يقول إنها حملت به وإزارها عليها لم تخلعه، أي أنها لم تكن من نفسها، وكان يقال: إذا حملت المرأة وهي مذعورة فأذكرت، جاءت به
__________
(1) وفي أشعار الهذليين: (وانتهى عمري، يقول: بلغ عمري نهايته.
تقتلي، أي تكسري وتغنجي.
(2) الحاسة 1/ 83.
(3) كذا بالاصل، وفي الحماسة: (أي وأنا على الظلام: أي راكب له، والمغشم: مفعل من الغشم وهو الظلم ... وقال أبو رياش:
المغشم الذي يغشم الأمور ويخلطها من غير تمييز، وقيل: المغشم ههنا من إذا خفي عليه الطريق اعتسف). والمهبل: الكثير اللحم، والمتورد الوجه. ويروى: (غير مثقل).
(4) وفي التبريزي: (... ولكن لما كان المراد مفهوما جاز إضمارها).
(1/228)

ما لا يطاق. وقيل: إنه يأتي شبه أبيه. وغير مثقل: أي حسن القبول محبب إلى القلوب (1).
ومزؤدة: ذات فزع من الزؤد، وهو الذعر، وهو بالخبر صفة ليلة مجازا، وبالنصب حال من ضمير حملت، ككرها، وبالرفع صفة أقيمت مقام الموصوف (2). وحوش الفؤاد:
بضم المهملة وآخره معجمة، حديد الفؤاد، كأنه وحشيّ من الذكاء والشهومة.
ونصبه على الحال. وقد أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على أن اضافة الوصف لا تفيد التعريف. ومبطّنا: خميص البطن ضامرا، حال أيضا (3). وسهدا:
بضمتين، لا ينام (4). والهوجل: الثقيل الكسلان، وقيل: الأحمق. والاسناد في (نام ليل الهوجل) مجازي، أي نام الهوجل فيه. ومبرّأ: يروى بالجرّ عطفا على جلد. وبالنصب عطفا على غبّر. وغبّر: بقية. وحيضة، بكسر الحاء، للحالة التي لم تحمل به في بقية الحيض، ولا حملت عليه في الرضاع، فيفسد رضاعه.
والمغيل: بوزن مكرم بالكسر، من الغيل، بفتح المعجمة وسكون التحتية، وهو أن
__________
(1) ويروى البيت (حبك النطاق).
(2) في أشعار الهذليين 2/ 92: (كان أبو عبيدة ينصب مزءود، والأصمعي يجرّها، يجعل الزؤد لليلة. ومزءودة: فزعة. يقول: أكرهت فلم تحل نطاقها، قال الاصمعي: وحدثني عيسى بن عمر قال: أنشدت هذا البيت خير بن حبيب فقال: قاتله الله، يغشمها - أي يغصبها - قبل أن تحل نطاقها).
(3) وكذا في التبريزي، وفي أشعار الهذليين زيدت كلمة (غير) بحيث أصبح المعنى: إذا كان غير خميص البطن. وعلق عليها محققوا الشعر بما يلي: (لم ترد هذه الكلمة في الاصل، والصواب زيادتها. فقد ورد في كتب اللغة ان المبطان هو الضخم البطن من كثرة الأكل). وفي الاساس: (... وقد بطن فلان إذا اعتل بطنه، وهو مبطون وبطين ومبطان ومبطن أي عليل البطن وعظيمه وأكول وخميص)، وفي فقه اللغة
للثعالبي 141: (مبطون: يشتكي بطنه).
(4) في أشعار الهذليين: (وقوله: سهدا، يقول: لا ينام الليل كله، وهو يقظان).
(1/229)

ترضعه وهي حامل (1). وينزو: يثب من النشاط. والأخيل طائر (2). ورتوب الكعب، بضم الراء والمثناة الفوقية آخره موحدة، انتصابه وقيامه. والزمّل، بضم الزاي وتشديد الميم: الضعيف النؤم. قوله (طيّ المحمل) نصب على المصدر، على حدّ له صوت صوت حمار. قال سيبويه: صار ما إن يمس الارض بمنزلة له
__________
(1) وفي التبريزي: (والمغيل: من الغيل، وهو أن تغشى المرأة وهي ترضع، فذلك اللبن الغيل، ومنه حديث النبي صلّى الله عليه وسلم: (لهممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكر لي أن فارس والروم يفعلونه فلا يضرهم شيئا) وسئل شيخ من العرب عنها، فقال: إنها لتدرك الفارس فتصرعه عن فرسه، ويروى: (وداء معضل) وهو الذي لا دواء له، كأنه أعضل الاطباء وأعياهم، وأصل العضل المنع، ومنه عضّلت المرأة، إذا نشب ولدها في بطنها فلم يخرج، وعضلتها وعضّلتها: منعتها التزويج ظلما، ومعناه: أنها حملت به وهي طاهر ليس بها بقية حيض، ووضعته ولا داء به استصحبه من بطنها فلا يقبل علاجا، لأن داء البطن لا يفارق، ولم ترضعه أمه غيلا، وكانت العرب تقول: إذا حملت المرأة في قبل الطهر أول الشهر عند طلوع الفجر ثم أذكرت جاءت بما لا يطاق، وجمع الشاعر هذه المعاني فقال:
لقحت في الهلال من قبل الطهر وقد لاح للصباح بشير).
(2) في أشعار الهذليين: (فاذا طرحت ... طمور الأخيل). وقال:
(يريد أنه حديد القلب لا يستثقل في نومه. والأخيل: طائر أخضر يتشاءم به. طمور: نزو). وفي التبريزي: «يقال: نبذت الشيء من يدي، إذا طرحته، وتوسعوا فيه فقيل: صبى منبوذ، ونابذت فلانا. إذا فارقته عن قلي، والشاعر إنما يحكي ما رآه منه، والمعنى:
إنك اذا رميته بحصاة وهو نائم وجدته ينتبه انتباه من سمع بوقعتها هدّة عظيمة فيطمر طمور الأخيل، وهو الشقراق». ويروى: (فزعا لوقعتها طمور الأخيل) وانتصب طمورا بما دل عليه قوله: (فزعا لوقعتها) كأنه قال: رأيته يطمر طموره لأن الخائف المتيقظ يفعل ذلك، والطمور: الوثب، ومنه قيل: فرس طمر: أي وثاب، وقيل:
إن الطّمرّ في صفة الفرس هو المشرف، ومنه قيل للموضع العالي:
طمار، وابنا طمار: جبلان، و (فزعا) انتصابه على الحال، وجواب إذا قوله (رأيته). وقال بعضهم: الأخيل الشاهين، ومنه قيل:
تخيّل الرجل، إذا جبن عند القتال فلم يتثبت، والتخيل: المضيّ والسرعة والتلوّن».
وفي الحيوان للدميري 1/ 19: (الأخيل: طائر أخضر فيه على أجنحته لمع تخالف لونه، وسمي بذلك لخيلان فيه. وقيل الأخيل، الشقراق، وهو مشئوم ...).
(1/230)

طي. والمحمل: حمالة السيف (1). والفجاج: الطرق. والمخارم: بالخاء المعجمة، منقطع أنف الجبل. والهويّ: السقوط. والأجدل: الصقر. وأسرّة وجهه:
الطرق التي في الوجه. والمتهلل: الذي يتهلل بالبرق، أي يضيء.
قال التبريزي (2): سبب قول أبي كبير هذه الأبيات أنه تزوّج أمّ تأبط شرّا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه يكثر الدخول على أمه تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع، فقال أبو كبير لأمه: قد رابني أمر هذا الغلام، ولا آمنه، فلا أقربك، قالت: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن نغزو؟
قال: امض، فخرجا غازيين ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد، حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فقصد به أبو كبير قوما كانوا له أعداء، فلما رأى نارهم من بعيد قال له أبو كبير: ويحك!! قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار فالتمست منها لنا شيئا، قال: ويحك!! وأيّ وقت جوع هذا؟ قال: أنا قد جعت فاطلب لي، فمضى تأبط شرا فوجد على النار رجلين من ألصّ ما يكون من العرب، وإنما أرسله أبو كبير إليهما على معرفة، فلما رأياه قد غشى نارهما وثبا عليه، وكرّ ساعيا، واتبعاه فلما كان أحدهما أقرب إليه من الآخر عطف عليه فرماه فقتله، ورجع إلى الآخر فقتله، ثم جاء إلى نارهما وأخذ الخبز منها وجاء به إلى أبى كبير، فقال: كل لا أشبع الله بطنك. ولم يأكل هو، فقال: أخبرني كيف كانت قصتك قال: وما سؤالك عن هذا؟ كل ودع المسئلة. فدخلت أبا كبير منه خيفة، وأهمته نفسه، ثم سأله بالصحبة إلّا حدّثه كيف عمل، فأخبره فازداد له خوفا، ثم مضيا في غزاتهما، وأصابا إبلا ومكث به أبو كبير ثلاث ليال يقول له كل ليلة:
اختر أيّ نصف الليلة شئت تحرس فيه وأنام، وتنام النصف الآخر وأحرس، فقال:
ذلك إليك اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا ينام أبو كبير أيضا لا يحرس شيئا، حتى استوفى الثلاث، فلما كان
__________
(1) في أشعار الهذليين: (يقول: إذا أضجع لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه لانه خميص البطن، فلا يصيب بطنه الارض). وفي شرح التبريزي: (والمعنى إنه اذا نام لا ينبسط على الارض ولا يتمكن منها بأعضائه كلها حتى لا يكاد يتشمر عند الانتباه بسرعة).
(2) الحماسة 1/ 89. وانظر أشعار الهذليين 2/ 88.
(1/231)

في الليلة الرابعة ظن أبو كبير أن النعاس قد غلب على الغلام، فنام أوّل الليل إلى نصفه وحرسه تأبط شرا، فلما نام
الغلام ظن أنه قد استثقل نوما فأخذ حصاة فرمى بها، فقام الغلام كأنه كعب، فقال: ما هذه الوجبة؟ قال: لا أدري والله صوت سمعته في عرض الأبل، فقام يعسّ فلم ير شيئا، فعاد فنام، ففعل أبو كبير مثل ذلك ثانيا وثالثا فقام إليه تأبط شرا وقال له: يا هذا، قد رابني أمرك، والله لئن عدت أسمع شيئا من هذا إلا قتلتك، فقال أبو كبير: فبتّ والله أحرسه خوفا أن يتحرّك شيء من الأبل فيقتلني، فلما رجعا إلى حيهما قال أبو كبير: إن أم هذا لامرأة لا أقربها أبدا، فقال الأبيات.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، والخطيب، وابن عساكر: بسند حسن عن عائشة، قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي صلّى الله عليه وسلّم يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبهت، فقال: مالك بهت؟ قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم انك أحق بشعره حيث يقول:
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضة … وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه … برقت بروق العارض المتهلّل
فائدة: مطلع هذه القصيدة أورده ناظمها في عدة قصائد مغيرا منه الرويّ فقط، فقال أول قصيدة رائية (1):
أزهير هل عن شيبة من مقصر … أم لا سبيل إلى الشّباب المدبر
فقد الشّباب أبوك إلّا ذكره … فاعجب لذلك ذكر دهر واهكر
__________
(1) أشعار الهذليين 2/ 100 وانظر الشعراء 652 وقد اورد ابن قتيبة أبياتا من قصيدة الشاهد ص 653 - 654.
(1/232)

الهكر: أشد العجب.
وقال أول أخرى فائية (1):
أزهير هل عن شيبة من مصرف … أم لا خلود لباذل متكلّف
وقال أخرى ميممة (2):
أزهير هل عن شيبة من معكم … أم لا خلود لباذل متكرّم
معكم: مرجع. وهذا يسمى في علم البديع التفصيل، بصاد مهملة (3).
* * *
__________
(1) اشعار الهذليين 2/ 104
(2) اشعار الهذليين 2/ 111
(3) في أشعار الهذليين: (قال أبو سعيد: قوله: معكم، أي مرجع.
يقال: مضى فما عكم أي ما رجع. والباذل: الذي يبذل ماله.
يقول: (ماله خلود). وعبارة اللسان نقلا عن الجوهري: (معكم:
معدل ومصرف).
(1/233)

شواهد أي بالفتح والسكون
122 - وأنشد:
ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى … بكاء حمامات لهنّ هدير
هو لكثير عزة، وبعده:
بكين فهيّجن اشتياقي ولوعتي … وقد مرّ من عهد اللّقاء دهور
عبد: ترخيم عبده، اسم امرأة. ورونق الضحى: إشراقه وضوؤه. ويروى:
(في ريق الضحى) وريقه: أوله وعنفوانه، والضحى: حين تشرق الشمس. قال في الصحاح: هو مقطور، يذكر ويؤنث. فمن أنث ذهب إلى انه جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فعل، مثل صرد ونغر. والهدير: صوت الحمام.
واللوعة: حرقة قلب الحزين. والبيت أورده المصنف على أي للنداء: وقال الدماميني:
ليس في البيت ما يعين حال المنادي من قرب أو بعد أو توسط.
113 - وأنشد (1):
وترمينني بالطّرف، أي أنت مذنب … وتقلينني، لكنّ إيّاك لا أقلي
ترمينني: تشيرين إليّ. والطرف: البصر. وتقلينني: تبغضينني، يقال: قلاه يقليه قلى وقلا. ويقال في لغة طي: قلاه يقلاه. وقوله: (لكنّ اياك) قال الزمخشري:
__________
(1) الخزانة 4/ 490.
(1/234)

لكن أنا، فحذف الهمزة وألقى حركتها على النون، فتلاقي النون فادغم. وإياك:
مفعول أقلى قدّم عليه لرعاية القافية. والمعنى: لكن أنا لا أقليك. والبيت استشهد به المصنف على وقوع أي تفسيرا للجمل. وقد استشهد ابن الشجري وغيره بالبيت على انه يقال قلى يقلي بالكسر.
* * *
(1/235)

شواهد أيّ المشددة
114 - وأنشد (1):
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما … عليّ من الغيث استهلّت مواطره
تنظرت: انتظرت في مهلة. ونصر: اسم رجل. والسماكين: كوكبان، يقال لأحدهما الأعزل، وهو من منازل القمر. ويقال للآخر السماك الرامح، وليس من المنازل. وأيهما: مخفف أيهما، وهو محل الاستشهاد. واستهلت: صبت.
والمواطر: جمع ماطرة، صفة للسحائب، أي صبت سحائبه المواطر. وضمير أيهما عائد إلى الأمرين المذكورين، أحدهما نصر والآخر السماكان، والبيت أورده ابن مالك في شرح الكافية شاهدا على حذف أل من العلم بالغلبة دون نداء إضافة قليلا.
وأورده بلفظ:
انتظرت نصرا والسّماكين أيهما … عليه من الغيث استقلّت مواطره
115 - وأنشد (2):
إذا ما لقيت بني مالك … فسلّم على أيّهم أفضل
قال المصنف في شواهده: هو لرجل من غسان وفيه روايتان: إعراب (أي) وبناؤها على الضم، ولم يزد على ذلك. وقال العيني في شواهده: قاله غسان بن وعلة بن مرة، أحد بني مرة بن عباد. و (ما) زائدة، والفاء جواب إذا، لما فيها من معنى الشرط. وهذا البيت حجة على ثعلب في زعمه أن (أي) لا تكون الا استفهاما ما أوجزأ.
__________
(1) البيت للفرزدق في نصر بن سيار، وانظر ديوانه 347.
(2) الخزانة 2/ 522، وابن عقيل 1/ 85
(1/236)

شواهد إذ
116 - وأنشد (1):
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
هو من قصيدة للفرزدق يمدح بها عمر بن عبد العزيز، أوّلها:
تقول لمّا رأتني وهي طيّبة … على الفراش ومنها الدّلّ والخفر
أصدر همومك لا يقتلك واردها … فكلّ واردة يوما لها صدر
الى أن قال:
إذا رجى الرّكب تعريسا ذكرت لهم … غيثا يكون على الأيدي له درر (2)
سيروا فإنّ ابن ليلى عن أمامكم … وبادروه فإنّ العرف يبتدر (3)
__________
(1) ديوانه 223، والخزانة 2/ 130.
(2) ويروى: (عيشأ) كما في الخزانة.
(3) قال المعلق على الخزانة 4/ 101 (السلفية): (وهكذا جاءت الرواية في السيوطي 84، والرواية في الديوان 15 بيروت (من امامكم)، وفي العيني 3/ 626: (فإن أبا ليلى أمامكم) ولا تصح هذه الرواية، فان الممدوح بهذه القصيدة عمر بن عبد العزيز، وأمه هي ليلى بنت عاصم ابن عمر بن الخطاب، كما ان أم أبيه عبد العزيز هي ليلى بنت الاصبغ ابن زياد الكلبي، وبعد هذا البيت:
وبادروا بابن ليلى الموت إن له … كفين ما فيهما نجل ولا حصد
(1/237)

فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
ولن يزال إمام منهم ملك … إليه يشخص فوق المنبر البصر
إن عاقبوا فالمنايا في عقوبتهم (1) … وإن عفوا فذوو الأحلام إن قدروا
الدل: الغنج والشكل، يقال: دلت المرأة تدل بالكسر، وتدللت، وهي حسنة الدل والدلال. وجارية خفرة ومتخفرة. والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل. والدرر، بالكسر، جمع درة، يقال للسحاب درة أي صب. وابتدر الشيء:
بادر إلى أخذه، أي تسارع. وفي البيت شواهد، أحدها: استعمال أصبح بمعنى صار. ثانيها: اقتران جملة الحال الماضية بقد، فإن جملة قد أعاد أعربت حالا.
الثالث ورود (إذا) للتعليل. الرابع: نصب خبر (ما) مع تقدمة على اسمها، وهو نادر. وقيل: انه من غلط الفرزدق، لأنه تميمي، وليس لغته نصب الخبر، فقصد أن يتكلم باللغة الحجازية ولم يعلم شرطها فغلط. وقيل إن مثلهم نصب
على الحال لأنه صفة ليس وصف النكرة وإذا تقدمت عليها نصبت على الحال، والتقدير: وإذا ما في الدنيا بشر حال كونه مثلهم. وقيل: نصب على الظرف، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي في مثل حالهم.
117 - وأنشد (2):
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا … وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا
هو مطلع قصيدة للأعشى، وبعده:
وقد رحلت المطيّ منتخلا … أزجي ثقالا وقلقلا وقلا
__________
(1) في الخزانة: (.. من عقوبتهم).
(2) ديوانه 233، القطعة رقم 35، والاغاني 9/ 121 (الثقافة)، وامالي ابن الشجري 288، وسيأتي في شواهد (لا).
ويروى: (ما مضى) كما في ديوانه، و (من مضى) كما في الاغاني.
(1/238)

بسير من يقطع المفاوز وال … بعد إلى من يثيبه الإبلا
يكرمها ما ثوت لديه ويج … زيها بما كان خفّها عملا
أبلج لا يرهب الهزال ولا … يقطع رحما ولا يخون إلا (1)
استأثر الله بالوفاء وبال … عدل وولّى الملامة الرّجلا
قد علمت فارس وحمير وال … أعراب بالدّشت أيّهم نزلا (2)
ليث لدى الحرب أو تدوخ له … قسرا وبذّ الملوك ما فعلا
والسفر: بفتح السين وسكون الفاء، جماعة، واحدها سافر، كصاحب وصحب، وراكب وركب. والسافر الذي خرج للسفر. والمهل: بفتح الميم والهاء، التؤدة وعدم العجلة. وأزجى: أسوق. وقلقل: فرس سريع. وقلا: بالكسر، إذا أحسن الدخول بين الجبال.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن سماك بن حرب قال (3): قال الأعشى: أتيت سلامة ذا فابش فأطلت المقام ببابه حتى وصلت اليه بعد مدة، فأنشدته:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا … وإنّ في شعر من مضى مثلا
استأثر الله بالوفاء وبال … عدل وولّى الملامة الرّجلا
الشّعر قلّدته سلامة ذا … فايش والشّيء حيث ما جعلا
قال: صدقت، الشيء حيث ما جعل، وأمر لي بمائة من الابل وكساني حللا وأعطاني كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا فبعتها في الحيرة بثلاثمائة ناقة حمرا.
__________
(1) في ديوانه: (أبيض لا يرهب ..).
(2) الدشت: الصحراء، فارسية معربة.
(3) الأغاني 9/ 121 (الثقافة).
(1/239)

فائدة: [الأعشى]
الأعشى: اسمه ميمون (1) بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يكنى أبا بصير.
امتدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقصيدة وقدم ليسلم، فرآه كفار مكة، كما سيأتي ذكر قصته في حرف اللام عند شرح القصيدة المذكورة (2). قال الآمدي في شرح ديوان الأعشى: كان الأعشى جاهليا كبير السن، وعاش حتى أدرك الاسلام في آخر عمره، ورحل الى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من اليمامة ليسلم، فقيل له: إنه يحرّم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم، فمات قبل ذلك بقرية من قرى اليمامة. وقيل إن خروجه الى النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في عام الحديبية، فمرّ بأبي سفيان بن حرب فسأله عن وجهه الذي قدم منه فعرّفه، ثم سأله: أين يقصد؟
فقال: أريد محمدا. فقال: انه يحرّم عليك الزنا والخمر والقمار. فقال له: أمّا الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منه وطرا، وأما القمار فلعلي أن أصيب منه خلفا. قال: فهل لك الى خير؟ قال: وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر أتيته، وإن ظهرنا كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. قال: لا أبالي. فانطلق به أبو سفيان الى منزله وجمع له أصحابه وقال: يا معشر قريش، هذا أعشى بني قيس بن ثعلبة، وقد عرفتم شعره، ولئن وصل الى محمد ليضربن عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه فمات (3).
وكان الأعشى يلقب صناجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره (4). وكان
__________
(1) وبعده كما في الاغاني 9/ 104: (ثعلبة الحصن بن عكابة بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار).
(2) لم يشرح القصيدة السيوطي في حرف اللام، وذكر الشاهد في (لا) وقال: (تقدم شرحه في شواهد إذ).
(3) انظر الاغاني 9/ 122 - 123
(4) في الشعراء 213: (ويسمى صناجة العرب، لانه اول من ذكر الصنج في شعره فقال:
ومستجيب لصوت الصنج تسمعه … اذا ترجّع فيه القينة الفضل
(1/240)

الأعشى يفد على ملوك العرب وملوك فارس، فلذلك كثرت الفارسية في شعره.
قال: وكان أبو كلبة هجا الأعشى وهجا الأصم بن معبد فقال فيهما:
فتحتما شاعري حيّ ذوي حسب … وحزّ أنفاكما حزّا بمنشار
أعني الأصمّ وأعشانا إذا ابتدرا … إلّا استعانا على سمع وإبصار
فامسك عنه الأعشى فلم يجبه بشيء، وقال للأصم: أنت من بيت مشهور، وأبو كلبة رجل مرذول فلا تجبه فترفع عن قدره (1).
قالوا: والأعشى ممن أقرّ بالملكين الكاتبين في شعره، فقال في قصيدة يمتدح بها النعمان (2):
فلا تحسبنّي كافرا لك نعمة … عليّ شاهدي يا شاهد الله فاشهد (3)
وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسمعيل، إذا حلفت تقول: وحق الملكين.
فكان الأعشى ممن أقام على دين إسمعيل والقول بالأنبياء. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:
استأثر الله بالوفاء ... البيت
وسلك الأعشى في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس ممن تقدم من فحول الشعراء أحد أكثر شعرا منه.
__________
(1) انظر الاغاني 23/ 237 - 241. فقد روى شعر للاعشى وأبى كلبة هذا وبكير الأصم، في يوم ذي قار.
(2) ديوانه 193.
(3) في ديوانه برواية: (عليّ شهيد شاهد الله فاشهد).
(1/241)

قالوا: وكانت العرب لا تعدّ الشاعر فحلا، حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره فلم يعدّوا امرأ القيس فحلا حتى قال (1):
والله أنجح ما طلبت به … والبرّ خير حقيبة الرّجل
وكانوا لا يعدّون النابغة فحلا حتى قال (2):
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني … ولا قرار على زأر من الأسد
وكانوا لا يعدّون زهيرا فحلا حتى قال (3):
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … ولو خالها تخفى على النّاس تعلم
وكانوا لا يعدّون الأعشى فحلا حتى قال:
قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا … فايش، والشّيء حيث ما جعلا
وقال أبو عبيد (4): الأعشى هو رابع الشعراء المتقدمين، امرئ القيس والنابغة وزهير. قال: وكان الاعشى يقدم على طرفة لأنه أكثر عدد طوال جياد، وأوصف للخمر والحمر، وأمدح وأهجى، وأكثر أعاريض. وطرفة يوضع مع أصحابه، وهم أصحاب الوحدات، فمنهم: الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وسويد بن أبي كاهل اليشكري، قال: وإنما فضل الأعشى على هؤلاء لأنه سلك أساليب لم
__________
(1) ديوانه 238 (المعارف) والعقد الثمين 94، والشعراء 61 وشعراء الجاهلية 57 والموشح 33. وهذا البيت من أصدق وأشرف ما قاله العرب.
(2) من قصيدته: (يا دارمية ...) وقد سبقت ص 71 - 75، والبيت مع غيره في الشعراء 119.
(3) ديوانه 32 (وان خالها ...) والكامل 698
(4) انظر الشعراء 219
(1/242)

يسلكوها، فجعله الناس رابعا للأوائل بآخرة. واتفقوا على أن أشعر الشعراء واحدة في الجاهلية: طرفة والحارث بن حلّزة، وعمر بن كلثوم. ثم اختلفوا فيهم، ونظيرهم في الاسلام سويد بن أبي كاهل اليشكري. واتفقوا على أن أشعر شعراء الاسلام الفرزدق وجرير والأخطل، ثم اختلفوا فيهم. واتفقوا على أنّ الشعر في الاسلام في تميم وتغلب. وأن أشعر أهل المدر: أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف. وأشعر هؤلاء المدريين: حسان بن ثابت.
قال أبو عبيدة: وتقدم عبد الملك بن مروان الى الهيثم بن صالح مؤدّب ولده فقال: علمهم شعر الأعشى، فإني شبهته بالبازي يصيد ما بين الكركي الى العندليب.
قال الآمدي: ولشعر الأعشى طلاوة ليست لغيره من الشعر القديم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يفخم منه ويعظم محله ويقول: شاعر مجيد كثير الأعاريض والافتنان، وإذا سئل عنه وعن لبيد قال: لبيد رجل صالح، والأعشى رجل شاعر.
وأخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أبي هريرة: رخص لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شعر جاهلي، إلا قصيدتين للأعشى زعم انه أشرك فيهما احداهما في أهل بدر، والأخرى في عامر وعلقمة.

فائدة: [العشي من الشعراء ستة عشر:]
العشي من الشعراء ستة عشر: هذا، وأعشى بني باهلة اسمه عامر، وأعشى بني نهشل الأسود بن يعفر، وفي الاسلام أعشى بني أبي ربيعة من بني شيبان، وأعشى همدان اسمه عبد الرحمن، وأعشى طرود من سليم، وأعشى بني مازن من تميم، وأعشى بني أسد، وأعشى ابن معروف اسمه خيثمة، وأعشى عكل اسمه كهمس، وأعشى بني عقيل اسمه معاذ، وأعشى بني مالك بن سعد، والأعشى التغلبي اسمه النعمان، وأعشى بني عوف بن همام واسمه ضابئ، وأعشى بني ضورة اسمه عبد الله، وأعشى بني جلان اسمه سلمة. نقلت ذلك من شرح الشواهد الكبير للعيني. ثم رأيت أبا القاسم الآمدي ذكر في المؤتلف والمختلف: العشى سبعة عشر، هؤلاء المذكورون، وقال في الرابع: أعشى بني ربيعة بن ذهل بن شيبان
(1/243)

واسمه عبد الله بن خارجة. وقال في أعشى بني أسد انه جاهلي، وهو ابن نجرة بن قيس. وقال في أعشى ابن معروف: اسمه طلحة، والسابع عشر الذي زاده: الأعشى ابن النباش بن زرارة التميمي.
118 - وأنشد (1):
استقدر الله خيرا وارضيّن به … فبينما العسر إذ دارت مياسير
أخرج أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري بسنده الى هشام بن الكلبي، قال:
عاش عبيد بن شريّة الجرهمي ثلاثمائة سنة وأدرك الاسلام، ودخل على معاوية، وهو خليفة، فقال: حدثني بأعجب ما رأيت؟ فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنّك من أسماء مغرور … فاذكر وهل ينفعنّك اليوم تذكير
قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحد … حتّى جرت بك إطلاقا محاضير
تبغي أمورا فما تدري أعاجلها … أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير (2)
فاستقدر الله خيرا وارضينّ به … فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط (3) … إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه … وذو قرابته في الحيّ مسرور
حتّى كأن لم يكن إلّا تذكّره … والدّهر أينما حال دهارير
__________
(1) عيون الاخبار، 2/ 305 (فاستقدر) ودرة الغواص 33 (الجوائب) وحاشية الامير 1/ 77 والمعمرين 40.
(2) في عيون الاخبار برواية:
تجري أمور ولا تدري أوائلها … خير لنفسك أم ما فيه تأخير
وفي درة الغواص:
تجري أمور وما تدري أعاجلها … أدنى لرشدك ...
(3) عيون الاخبار: (مغتبطا) بالنصب.
(1/244)

فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا البيت؟ قلت: لا، قال: إن قائله هو الذي دفنّاه الساعة، وأنت الغريب تبكي عليه ليس تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمسّ الناس رحما به، وأسرّهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا.
فمن الميت؟ قال: عتير بن لبيد العذري، انتهى.
أخرجه ابن عساكر من طريق أخرى، وفيه أن صاحب الجنازة والأبيات رجل من بني عذرة يقال له حريث بن جبلة (1)، وبذلك جزم الزمخشري في شرح شواهد سيبويه. اطلاق: جمع طلق، بفتحتين، يقال: جرى الفرس طلقا أو طلقين، أي شوطا أو شوطين. والمحاضير: جمع محضير بكسر الميم، وهو الفرس الكثير العدو.
واستقدر: طلب تقدير الخير. والمياسير: جمع ميسور، بمعنى اليسر. ويغتبط:
مسرور. والرمس: القبر. وتعفوه: تزيل أثره. والأعاصير: جمع اعصار، وهي ريح.
ثم رأيت الزبير بن بكار أخرج في الموفقيات عن الكلبي قال: لما هلك حنظلة بن نهد بن زيد (2) لم يدفن ثلاثة أيام حتى أتاه من كل أوب، وأتاه من كل حي وجوههم، فقامت الخطباء بالتعزية، وقيلت فيه الأشعار حتى عدّ ذلك اليوم
من بعض مواسم العرب. فلما ووري في حفرته قام جديلة بن أسد بن ربيعة (3) فقال: أيها الناس، هذا حنظلة بن نهد فكّاك الأسير، وطارد العسير، فهل منكم اليوم مجاز بفعله، أو حامل عنه من ثقله، كلا وأجل، إن مع كل جرعة لكم شرقا، وفي كل أكلة لكم غصصا، لا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجد لذة زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيى له أثر إلا مات أثر، ان في هذا لعبرا ومزدجرا لمن نظر، لو كان أصاب أحد إلى البقاء سلما ووجد الى المرحل عن الفناء سبيلا، لكان ابن داود المقرون له النبوة بملك الجن والانس، ثم أنشأ يقول:
__________
(1) وكذا في المعمرين 40.
(2) حاكم العرب، وانظر البيان والتبيين 1/ 281 وجمهرة الانساب 446، والمقتضب 136، 137.
(3) انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم 293 و 295 والاشتقاق 320 و 324 وأمالي ابن الشجري 196 والى جديلة بن أسد، تنسب جديلة ربيعة.
(1/245)

وهذا صاحب الملكين أضحى … تخرّق في مصانعه المنون
فكان عليه للأيّام دين … فقد قضيت عن المرء الدّيون
وخانته العصا من بعد ما قد … أتى ميتا له حين فحين
على الكرسيّ معتمدا عليه … يرفّ الخدّ منه والجبين
يسير بشرجع لا شيء فيه … تحار الشّمس فيه والعيون
وتضحى الجنّ عاكفة عليه … كما عكفت على الأسد العرين
وسخرت العيون له جميعا … عليه الطّير عاكفة عرين
فلم أر مثله حيّا وميتا … على الأيّام كان ولا يكون
فدان له الخلائق ثمّ هبّوا … ودان فيما قد يدين
بنى صرحا له دون الثّريّا … وأجري تحته الماء المعين
تراه متقنا لا عيب فيه … يخال بصرحه الذّهن الذّهين
وقد ملك الملوك وكلّ شيء … تدين له السّهولة والحزون
فأفنى ملكه مرّ اللّيالي … وخون الدّهر فيما قد يخون
وكلّ أخي مكاثرة وعزّ … إلى ريب الحوادث مستكين
كذاك الدّهر يفني كلّ حيّ … ويعقب بعد قوّته اليقين
ثم قام ابن كثير بن عذرة بن سعد بن تميم فقال: أيها الناس هذا حنظلة بن نهد معدن الحكماء، وعز الضعفاء، ومعطي اليانع، ومطعم الجائع، فهل منكم له مانع؟
(1/246)

أو لما حل به دافع! أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيئا، وسنعود الى ذلك. أن العواري اليوم والهبات غدا. ورثنا من قبلنا ولنا وارثون، ولا بد من رحيل عن محل نازل، ألا وقد تقارب سلب فاحسن أو اهبط أجوى، وقد أصبحتم في منزل لا يستتب فيه سرور بيسر إلا تبعه حصير عسر، ولا تطول فيه حياة مرجوّة إلا اخترمها موت مخوف، ولا يوثق فيه بخلف باق إلا ويستتبعه سابق ماض، فأنتم أعوان للحتوف على أنفسكم، لها بكل سبسب منكم صريع مجتزر، معازب منتظر، فهذه أنفسكم تسوقكم الى الفناء، فلم تطلبون البقاء! اطلبوا الخير ووليه، واحذروا الشرّ وموليه، واعلموا أن خيرا من الخير معطيه، وأن شرا من الشر فاعله، ثم أنشأ يقول:
يا قلب إنّك من أسماء مغرور ... الأبيات
119 - وأنشد «1»:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا … والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
قال الدماميني: الأفنان، إما جمع فنّ، وهو الغصن الملتف، أو جمع فنّ، وهو الحال والنوع. ونصبه على الحال من ليال، وإن كان نكرة لتخصصها. وعامل (إذ) منقلب، واسم الاشارة الأول أشير به الى العيش باعتبار حاله، والثاني المحذوف أشير به الى حال الأفنان، والجملة المقترنة بالواو حال من ضمير مضين. والمعنى:
هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها، أو حال كونها ذات فنون من الحسن وضروب شتى من اللذة، وهذه الليالي هي اللاتي مضين في حال إن عيشنا منقلب من طور الى طور، إذ حال ذلك العيش مثل حال تلك الاغصان في الرونق والبهجة، أو مثل تلك الفنون المختالة في الحسن، انتهى كلام الدماميني.
ثم رأيت في الاغاني ما يدل على ان هذا البيت لعبد الله بن المعتز وأورد عجزه بلفظ (1):
__________
(1) الاغاني 10/ 289
(1/247)

والدّار جامعة أزمان أزمانا
فالبيت اذا ليس من شرط هذا الكتاب (1).
120 - وأنشد:
كانت منازل ألّاف عهدتهم … إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا
قال ابن الشجري في أماليه (2): هو للاخطل. قال: وخبر المبتدأين اللذين هم:
(نحن وذاك) محذوفان. أراد عهدتهم إخوانا إذ نحن متآلفون، أو متآخون. يدل على التقدير الأول، ذكر الألّاف، وعلى الثاني، ذكر الأخوان. وأراد: إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون (إذ ذاك) خبر نحن، لأن ظروف الزمان لا يصح الاخبار بها عن الأعيان (فلو قلت: زيد أمس، لم يحصل بذلك فائدة) (3). و (إذا) الاولى ظرف لعهدتهم، وأما الثانية، فيعمل فيها الخبر المقدر، الذي هو متآلفون أو متآخون. وأما قوله:
دون الناس، فيحتمل أن يكون العامل فيه (عهدتهم)، ويحتمل أن تعلقه بالخبر المقدر (4)، كأنك قلت متألفون دون الناس، ويجوز تعلقه بمحذوف غير الخبر المقدر، على أن يكون في الأصل صفة لاخوان، كأنه قال: عهدتهم إخوانا دون الناس، أي متصافين دون الناس، فلما قدم على الموصوف، صار حالا. وجاز جعله وصفا لعين، وحالا منه، لأنه ظرف مكاني. (فأن قيل): إلام توجهت الاشارة بذلك؟ (فالجواب): إلى التجاور الذي دل عليه ذكر المنازل، انتهى كلام ابن الشجري.
__________
(1) لا يستشهد بشعر عبد الله بن المعتز لتأخر زمانه قتل عام 296 ه.
(2) 1/ 178.
(3) مزيدة عن أمالي ابن الشجري.
(4) في ابن الشجري: (المضمر).
(1/248)

121 - وأنشد (1):
لميّة موحش طلل
هو لكثير عزّة، وتمامه:
يلوح كأنّه خلل
ميّة: بفتح الميم وتشديد المثناة التحتية، اسم امرأة. والطلل: ما شخص من أثار الدار. والموحش: المنزل الذي
صار وحشا، أي قفرا لا أنيس به. ويلوح يلمع. وخلل: بكسر الخاء المعجمة، جمع خلّة بالكسر أيضا، بطان كانت يغشى بها أجفان السيوف، منقوشة بالذهب وغيره. وجعله الدماميني بالجيم، وفسره بالحقير، وهو تصحيف منه. وجملة (يلوح) صفة طلل. والبيت استشهد به المصنف على تقدم الحال على صاحبها النكرة. وقيل: إنه ليس منه، وان الحال هنا من الضمير في الخبر، لا من النكرة (2). ورأيت الزمخشري في شواهد سيبويه أنشد المصراع هكذا:
لغيره موحشا طلل قديم (3)
122 - وأنشد:
كأن لم يكونوا حمى يتّقى … إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
__________
(1) الخزانة 1/ 531 - 533 ويروى: لعزّة موحشا طلل قديم. وفي الخزانة قال: وهذا البيت من روى أوله: (لعزة موحشا .. الخ).
قال: هو لكثير عزّة، منهم أبو علي في التذكرة القصرية. ومن روى (لمية موحشا) قال: إنه لذي الرمّة. فان عزّة اسم محبوبة كثير، وميّة اسم محبوبة ذي الرمّة. والشاهد المشهور في هذا المعنى هو:
لميّة موحشا طلل … يلوح كانه خلل
وقد قيل: إنه لكثير عزّة.
(2) في الخزانة 1/ 532: (قال ابن الحاجب في أماليه على أبيات المفصل:
يجوز أن يكون موحشا حالا من الضمير في لميّة، فجعل الحال من المعرفة أولى من جعلها من النكرة متقدّمة عليها، لان هذا هو الكثير الشائع. وذلك قليل، فكان أولى).
(3) كذا، ولعله: (لعزّة).
(1/249)

هذا من أبيات للخنساء ترثي بها أخويها وزوجها، وأوّلها:
تعرّقني الدّهر نهسا وحزّا … وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا
وأفنى رجالي فبادوا معا … فغودر قلبي بهم مستفزّا (1)
لذكر الّذين بهم في الهيا … ج للمستضيف إذا خاف عزّا
وهم في القديم سراة الأدي … م والكائنون من الخوف حرزا (2)
كأن لم يكونوا حمى يتّقي … إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
وكانوا سراة بني مالك … وفخر العشيرة مجدا وعزّا (3)
وهم منعوا جارهم والنّسا … ء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
غداة لقوهم بملمومة … رداح تغادر للأرض ركزا
وخيل تكدّس بالدّارعين … تحت العجاجة يجمزن جمزا
ببيض الصّفاح وسمر الرّماح … فبالبيض ضربا وبالسّمر وخزا
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب … بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
نعفّ ونعرف حقّ القرى (4) … ونتّخذ الحمد ذخرا وكنزا
وقال المبرّد في الكامل (5): كان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشّريد أخى الخنساء: أنه جمع جمعا وأغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به، فالتقوا
__________
(1) ويروى كما في الكامل 1223، وأمالي ابن الشجري 1/ 215: (فأصبح قلبي ..).
(2) هذا البيت ترتيبه في الكامل، وأمالي ابن الشجري 1/ 215 بعد البيت:
(وكانوا سراة .. الخ).
(3) في الكامل: (وزين العشيرة ..).
(4) وكذا في الكامل. وفي ابن الشجري: (.. حق الجوار).
(5) ص 1224
(1/250)

فاقتتلوا قتالا شديدا، فارفضّ أصحاب صخر عنه، وطعن طعنة في جنبه فاشتغل بها (1)، فلمّا صار إلى أهله يتعالج منها، فنتأ من الجرح كمثل اليد، فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلا يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم؟ فقالت:
لا ميّت فينعى، ولا صحيح فيرجى، فعلم صخر أنها قد برمت به، فقطع ذلك الموضع فمات (2).
قال ابن الشجري في أماليه، شارحا هذه الأبيات: (3)
قولها: تعرّقني الدهر، (البيت، العظيم بما عليه من اللحم، وجمعه عراق، وهو أحد الأسماء التي جاء جمعها على فعال بضم الفاء عن ابن السكيت) (4)، يقال: تعرّقت العظم، إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذي أخذ لحمه:
العراق. والنهس، بالمهملة، القبض على اللحم بالأسنان، ومثله النهش، بالمعجمة.
وقيل بل النهس بمقدم الفم، والحز: قطع غير نافذ (5). والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف (6). والغمز:
غمزك الشيء اللين بيدك. وأرادت أن الدهر
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الكامل: (وطعنه ابو ثور طعنة في جنبه استقلّ بها).
(2) في الكامل: ... فعلم أنها برمت به، ورأى تحرق أمه عليه فقال:
أرى أمّ صخر ما تجف دموعها … وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة … عليك ومن يغتر بالحدثان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أنبهت من كان نائما … وأسمعت من كانت له آذان
فأيّ امرئ ساوى بأم حليلة … فلا عاش إلّا في شقى وهوان
ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فبكاها فقال:
أيا جارتا إنّ الخطوب قريب … من الناس، كلّ المخطئين تصيب
أيا جارتا إنّا غريبان ههنا … وكلّ غريب للغريب نسيب
كأني وقد أدنوا إليّ شفارهم … من الأدم مصقول السراة نكيب
وانظر الاغاني 15/ 63 - 64 (الثقافة)، والشعراء 303 - 304
(3) ص 1/ 215 - 224.
(4) مزيدة عن ابن الشجري.
(5) وبعده كما في ابن الشجري: (.. ومثله القرض، ويكون نافذا لقولهم:
حزة من بطيخ، وحزة من كبد).
(6) والمقارعة بالسيوف (ابن الشجري).
(1/251)

أوجعها بكبار نوائبه وصغارها. ونصب (نهسا وحزا) على المصدر لفعل مضمر، أي نهسني وحزني، أو على الحال، أو على حذف الجار، أي بنهس وحزأ، وعلى التمييز لأن التعرق لما احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنهس، وأن يكون بالحزأ والكشط أو غير ذلك، كأن ذكر كل واحد منها تبيينا. والأوجه الأربعة، تأتّى في نص قرعا وغمزا. وأعادت لفظ الدهر ولم تضمره تعظيما للأمر. قولها:
وأفنى رجالي فبادوا معا
أورده المصنف في حرف الميم شاهدا على نصب (مع) على الحال. قولها:
مستفزا: أي مستخفا. قولها:
هم في القديم سراة الأديم
فيه الترصيع، وسراة الشيء: ظاهره. والحمى: نقيض المباح. وعز هنا معناه: غلب، من قول الله: (وعزني في الخطاب). وبز معناه: سلب، ومن في البيت، موصول رفع بالابتداء، وبزخبرها، والعائد إلى الناس محذوف، أي من عزّ منهم. ولا يجوز أن يكون إذ ذاك خبرا عن الناس، لأن ظروف الزمان لا يخبر بها عن الأشخاص، بل هو متعلق ببز، ولا يجوز أن يكون (من) شرطا، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله، و (ذاك) في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي إذ ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز ان يكون في محل خبر، لأن إذ لا تضاف إلا الى جملة. وسراة القوم: سادتهم ذوو السخاء والمروءة، واحدهم سري. ونصب (مجدا وعزا) على التمييز. والحفز، بحاء مهملة وفاء وزاي، الدفع (1): وملمومة: الكتيبة التي كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب. والرداح: الكثيرة الفرسان (2). والركز الصوت الخفي. والتكدس:
__________
(1) في هامش الكامل 1224: (المهبلي: أصل الحفز حثّك الشيء من خلفه وغير سوق، والرجل يتحفز في جلوسه: يريد القيام والبطش بشيء).
(2) في هامش الكامل: (كتيبة رداح كثيرة الفرسان. وملمومة وململمة:
مجتمعة).
(1/252)

مشي الفرس مثقلا. والجمز من السير: أشد من العنق. والصفاح: جمع صفيحة، وهو السيف العريض. وإنما وصفوا الرماح بالسمرة لأن القنا اذا بقي حتى يسمر في منابته، دل على نضجه وشدته. والباء في الصفاح متعلقة بحال من المضمر في يغادر، أي يغادر الملمومة الأرض ركزا ملتبسة ببيض الصفاح، والباء في (فبالبيض) متعلقة بالفعل الناصب للمصدر، أي فيضربون بالبيض ضربا، ويخزون بالسمر وخزا، والوخز: الطعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذا. ويجوز في يصاب النصب على أنّ (أن) مصدرية، والرفع أنها مخففة من الثقيلة، انتهى كلام ابن الشجري ملخصا (1).
ومما يتعلق بشرح البيت: ان قولها (من عزّ بز) مثل مشهور (2). قال الميداني في الأمثال: أي من غلب سلب. قال المفضل: أول من قال ذلك رجل من طيّ، يقال له جابر بن رالان، أحد بني ثعل، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن النعمان يوم يركب فيه، فلا يلقى فيه أحدا إلا قتله، فلقى
في ذلك اليوم جابرا وصاحبيه، فأخذتهم الخيل، فأتى بهم المنذر فقال: اقترعوا، فأيكم قرع خليت سبيله، وقتلت الباقيين.
فاقترعوا فقرعهم جابر فخلى سبيله وقتل صاحبيه. فلما رآهما يقادان قال. من عزّ بز، فأرسلها مثلا.

فائدة: [الخنساء بنت عمرو]
الخنساء بنت عمرو بن الشّريد بن رياح بن ثعلبة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمية، الشاعرة الصحابية، اسمها تماضر، وخنساء لقب، وهي أم العباس بن مرداس السلمى الصحابي (3).
__________
(1) يلاحظ أن السيوطي يتصرف هنا كثيرا في شرح ابن الشجري مع تقديم وتأخير.
(2) انظر الكامل 793.
(3) قوله أم العباس بن مرداس السلمي خطأ عظيم والصواب انها ليست أمه وان أم العباس بن مرداس سوداء فهو أحد أغربة العرب أي سودانهم الذين أمهاتهم أماء سود اه. محمد محمود الشنقيطي.
وانظر ص 118، والخزانة 1/ 208.
(1/253)

قال ابن عبد البر: قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع قومها فأسلمت. وذكر أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يستنشدها ويعجبه شعرها، ويقول:
هيه يا خناس.
وأجمع أهل العلم بالشعر على أنه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.
وكان أول أمرها تقول البيتين والثلاثة حتى قتل أخوها معاوية ثم أخوها صخر فأكثرت من الشعر وأجادت، انتهى.
وقال أبو تمام: الخنساء هي المقدمة من النساء في الشعر. وكان بشار يقول:
ليس لشعر النساء من المتانة ما للرجال، قيل له: وكذلك تقول في الخنساء؟ قال:
أما الخنساء فكان لها سبع خصيّ. وفي الاستيعاب: حضرت الخنساء حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم، من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وو الله الذي لا إله الا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما انكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ
الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم فاغدوا الى قتال عدوّكم مستنصرين بالله، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها، فغدا بنوها للقتال فقتلوا عن آخرهم. فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.
وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الاربعة حتى توفى، انتهى.
قلت: رأيته مسندا في الموفقيات للزبير بن بكار بأبسط من ذلك.
ومن قول الخنساء ترثي أخاها (1):
ألا يا صخر إن أبكيت عيني … لقد أضحكتني دهرا طويلا
بكيتك في نساء معولات … وكنت أحقّ من أبدى العويلا
__________
(1) الكامل 1223.
(1/254)

دفعت بك الجليل وأنت حيّ … فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل … رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وفي الأغاني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد (1): أن الخنساء سوّمت (2) هودجها براية في الموسم، وعاظمت العرب بمصيبتها، بابنها عمرو وبأخويها صخر ومعاوية، وجعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك، وأن هند ابنة عتبة لما قتل ببدر أبوها وعمها شيبة وأخوها الوليد فعلت كذلك وقالت: أقرنوا جملي بجمل الخنساء. فصارا يبكيان ويتناشدان.
ورأيت في مناقب الشبان، قال روي الأصمعي (3): ان النابغة كان تضرب له قبّة بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض أشعارها عليه، فأتاه الأعشى فأنشده، ثم أتاه حسان فأنشده:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرّق … فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة: لولا أن أبا بصير، يعني الأعشى، أنشدني لقلت أنك أشعر الجن والأنس، فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومن أبيك ومنها؟ فقال له النابغة:
يا بني، إنك لا تحسن أن تقول (4):
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي … وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
قال: ويروى أن النابغة قال له: أقللت أسيافك ولمعت جفانك، يريد قوله:
الغر. والغرّة: البياض في الجبهة، ولو قال البيض، فجعلها بيضا كان أحسن،
__________
(1) الاغاني 4/ 213 - 214 (الثقافة)، والشعراء 305.
(2) سوّم الشيء: جعل له سومة وعلامة ليعرف بها ويتميز.
(3) انظر الاغاني 9/ 333 - 334 و 11/ 6 - 7، والشعراء 302 - 303
(4) الكامل 741، وفيه: (من أعجب التشبيه قول النابغة: ...).
(1/255)

إلا أن الغرّ أجل لفظا. ويقال: فرس أغرّ: قلّ البياض فيه أو كثر. وذكر ابن قتيبة: أن النابغة قال له: إنك شاعر، إلا أنك قلت: (جفنات وأسياف ويقطرن) ولم تقل (جفان وسيوف ويجرين) وقلت (يلمعن بالضحى) ولو قلت (يبرقن في الدجى) كان أمدح، لأن الضيف بالليل أكثر. وقلت (الغرّ) ولم تقل (البيض) والغرة يسيرة. وقلت (يلمعن) ولم تقل (يشرقن). ورأيت في شرح ديوان الأعشى أن الخنساء هي التي نقدت عليه ذلك. قال الآمدي: لما أجمعت العرب على فضل النابغة الذبياني وسألته أن يضرب قبة بعكاظ فيقضي بين الناس في أشعارهم لبصره بمعاني الشعر، فضرب القبة وأتته وفود الشعراء من كل أوب، فكان يستجيد الجيد من أشعارهم، ويرذل، فيكون قوله مسموعا فيهما جميعا ومأخوذا به. فكان فيمن دخل عليه الأعشى وحسان بن ثابت والخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، فأنشده الأعشى قصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال
فقال: أحسنت وأجدت. ثم أنشده حسان قصيدته (1):
ألم تسأل الرّبع الجديد التّكلّما
فقال: إنك لشاعر، ثم أنشدته الخنساء قولها (2):
قذى بعينيك أم بالعين عوّار
فاقبل عليها كالمستجيد لقولها، فلما فرغت من إنشادها قال: أنت أشعر ذات مثانة (3): فقالت: وذي خصية أبا امامة، فقال: وذي خصية. فغضب حسان، وقال: أنا أشعر منك ومنها. فقال: ليس الأمر كما ظننت، ثم التفت الى الخنساء
__________
(1) وعجزه: (بين الجوابي فالبضيع فحومل)، وسيأتي.
(2) وعجزه: أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار.
(3) أراد هنا بالمثانة: موضع الولد من الانثى، وهو احد معانيها، بل هو الصحيح عند بعضهم.
(1/256)

فقال: يا خناس، خاطبيه! فالتفتت إليه فقالت: ما أجود بيت في قصيدتك هذه فقال: قولي:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقالت: ضعفت افتخارك، وأنزرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا، قال:
وكيف؟ قالت: قلت: لنا الجفنات، والجفنات مادون العشر، ولو قلت: البيض، لكان أكثر اتساعا (1). وقلت: يلمع، واللمع شيء يأتي بعد شيء، ولو قلت:
يشرقن (2) لكان أكثر، لأن الاشراق أدوم من اللمعان. وقلت: بالضحى، ولو قلت: بالدجى، لكان أكثر طراقا. وقلت: وأسيافنا، والأسياف ما دون العشرة، ولو قلت: سيوفنا، كان أكثر. وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن (3) لكان أكثر.
وقلت: من نجدة، والنجدات أكثر من نجدة. وقلت: دما، والدماء أكثر من الدم.
فلم يجب حسان جوابا. وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه طعن في صحة هذه الحكاية. وكذا نقل أبو حيان في شرح التسهيل، وقال ابن يسعون مجيبا عن حسان: الجمع في الجفنات نظير قوله تعالى (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ)، وأما الغر، فليس بجمع غرة، بل جمع غراء، وهي البيض المشرقات من كثرة الشحوم وبياض اللحوم.
وقوله: يلمعن، هو المستعمل في هذا النحو، يقال لمع السراب ولمع البرق. وقوله:
في الضحى، لأنه أراد أن طعامهم موصول، وقراهم في كل وقت مبذول. وقد وصف قبل هذا قراهم بالليل حيث قال:
وإنّا لنقري الضّيف إن جاء طارقا … من اللّحم ما أضحى صحيحا مسلّما
وأما قوله: يقطرن، فهو المستعمل في مثل هذا، يقال: سيفه يقطر دما. ولم تجر العادة بأن يقال: سيفه يسيل دما، أو يجري دما، مع أن يقطرن أمدح، لأنه
__________
(1) كذا بالاصل، وصحتها:
(ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت الغر، ولا قلت البيض ..).
(2) في الاغاني (يبرقن).
(3) في الاغاني (يجرين).
(1/257)

يدل على مضاء السيف وسرعة خروجه عن الضريبة، حتى لا يكاد يعلق به دم.
وفي الأغاني بسنده عن حسان بن ثابت قال: جئت نابغة بني ذبيان، فوجدت الخنساء حين قلبت من عنده، فأنشدته، فقال لي: إنك لشاعر، وإن أخت بني سليم لبكاءة.
وأخرج في الأغاني عن المفضل الضبي قال: سألني المهدي عن أفخر بيت قالته العرب، قلت: بيت الخنساء (1):
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به … كأنّه علم في رأسه نار
123 - وأنشد:
نحن الألى فاجمع جموعك … ثمّ وجّههم إلينا
هو من قصيدة لعبيد بن الأبرص يخاطب بها امرأ القيس بن حجر، أوّلها:
يا ذا المخوّفنا بقت … ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتل … ت سراتنا كذبا ومينا
لولا على حجر ابن أمّ … قطام تبكي لا علينا
إنّا إذا عضّ الثّقا … ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا وبع … ض القوم يسقط بين بينا
هلّا سألت جموع كن … دة إذ تولّوا: أين أينا!
__________
(1) ابن سلام 174 وفي الشعراء 305:
أشم أبلج تأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
وانظر ديوانها 73 - 85، والكامل 859
(1/258)

ومنها:
لا يبلغ الباني ولو … رفع الدّعائم ما بنينا
كم من رئيس قد قتل … ناه وضيم قد أبينا
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة قال (1): قتلت بنو أسد حجر بن عمرو، واجتمعوا إلى ابنه امرئ القيس على أن يعطوه ألف بعير دية أبيه. أو يقيدونه (2) من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولا، فقال: أما الدّية فما ظننت انكم تعرضونها على مثلي، وأما القود فلو قيد لي ألف من بني أسد ما رضيت ولا رأيتهم كفؤا لحجر، وأما النظرة فلكم، ثم إنكم ستعرفوني في فرسان قحطان، أحكّم فيكم ظبى السيوف وشبا الأسنّة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثاري. فقال عبيد في ذلك هذه القصيدة.
قوله: يا ذا المخوّفنا، استشهد به على إضافة الوصف المعرّف بأل الى الضمير، وقوله: حينا: أي هلاكا. والسراة: بفتح المهملتين، جمع سرى، وهو جمع عزيز، أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره. وسراة القوم: أكابرهم وساداتهم. والمين: الكذب. والثقاف: بكسر المثلثة وتخفيف القاف وفاء، ما يسوي الرماح. والصعدة: بفتح الصاد وسكون العين وفتح الدال المهملات، القناة المستوية، تنبت كذلك لا تحتاج الى تثقيف. ولوينا: من لوي الرجل رأسه، أمال وأعرض. والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، يقال: فلان عامي الحقيقة.
وقوله (بين بينا) وقد أورد المصنف هذا البيت في شرح الشذور شاهدا على تركيب الظروف وبنائها. وقوله (ونحن الأولى) مبتدأ وخبر، والأولى بمعنى الذين، والصلة محذوفة لدلالة ما بعده عليه، أي نحن الذين جمعنا جموعنا، فأجمع أنت جموعك. وقال أبو عبيد: الذين، هنا، لا صلة لها. وقال بعضهم: تقديره، نحن
__________
(1) الاغاني 23/ 406 - 407 (الثقافة)، وانظر الشعراء 224 - 225 والخزانة 1/ 228 و 2/ 53 (السلفية).
(2) في الاغاني: (يقيدوه).
(1/259)

الأولى عرفوا بالشجاعة. وقد استشهد بالبيت على استعمال الأولى بمعنى الذين، وعلى حذف الصلة.

فائدة: [عبيد]
عبيد، بفتح العين وكسر الموحدة، ابن الأبرص بن جشم بن عامر بن زهير ابن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي (1).
شاعر مفلق من فحول شعراء الجاهلية من طبقة امرئ القيس. وجعله ابن سلام من الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة وعديّ بن زيد (2). قتله المنذر بن ماء السماء في يوم بؤسه، فصده حتى مات.

فائدة: [عبيد بالموحدة جماعة]
عبيد بالموحدة جماعة، وأما عتيد، بالمثناة الفوقية، فهو ابن ضرار بن سلامان ابن جشم بن ربيعة الكلبي، ذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف.
124 - وأنشد:
نهيتك عن طلابك أمّ عمرو … بعاقبة وأنت إذ صحيح (3)
هذا من مقطوعة لأبي ذؤيب الهذلي، وقبله، وهو أولها:
جمالك أيّها القلب القريح … ستلقى من تحبّ فتستريح (4)
__________
(1) وكذا في الاغاني 23/ 404 (الثقافة).
(2) الطبقات ص 115
(3) ديوان الهذليين 1/ 68 والخزانة 3/ 147، واللسان (إذا).
(4) وبعد البيت: نهيتك ... :
فقلت: تجنّبن سخط ابن عم … ومطلب شلّة ونوى طروح
وما إن فضلة من أذرعات … كعين الديك أحصنها الصّروح
مصفّقة مصفاة عنقار … شآمية إذا جلبت مروح
إذا فضّت خواتمها وفكت … يقال لها: دم الودج الذبيح
ولا متحير باتت عليه … ببلقعة يمانية تفوح
خلاف مصاب بارقة هطول … مخالط مائها خصر وريح
بأطيب من مقبّلها إذا ما … دنا العيّوق واكتتم النّبوح
وفي حاشية الامير ص 1/ 79 رواية البيت الاول:
حنانك أيها القلب القريح … فتلقى من تحب فتستريح
(1/260)

الطلاب: بمعنى الطلب. وبعاقبة: حال من الكاف الأولى والثانية، والأسمية حال ثانية. والبيت استشهد به الاخفش على أن إذ معربة لعدم إضافة زمان إليها.
وقد كثرت وأجيب بأن الأصل، وأنت حينئذ، ثم حذف المضاف وبقي الجر (1).
__________
(1) في مغنى اللبيب واللسان (بعافية). وقال الشيخ محمد الامير:
(قوله: بعافية، بالفاء والمثناة، ورواه الشمني بالقاف والموحدة، أي بتذكيري لك العافية). وذكر الدماميني في تفسير هذه الرواية أن الجار والمجرور حال من الكاف في (نهيتك) أو الكاف في (طلابك)، أي نهيتك حال كونك بعافية، وفي اللسان (شلل)، بعاقبة، كما في الأصل. وذكر المرزوقي في تفسير قوله: (بعافية) عدّة وجوه، منها أن المعنى نهيتك بعقب ما طلبتها، أي لما طلبتها زجرتك عن قريب.
قال: وهذا أقرب الوجوه في نفسي. والعرب تقول: تغير فلان بعاقبة، أي عن قريب. وفسرها بعضهم بأنه يريد آخر الشأن. وانظر الخزانة 3/ 150 - 151.
(1/261)

شواهد إذا
125 - وأنشد:
والنّفس راغبة إذا رغّبتها … وإذا تردّ إلى قليل تقنع (1)
هذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي يرثي بها أولادا له خمسة ماتوا بالطاعون، وأوّلها (2).
أمن المنون وريبه تتوجّع … والدّهر ليس بمعتب من يجزع
الى أن قال:
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة (3) … بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع
سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم … فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
وبقيت بعدهم بعيش ناصب (4) … وإخال أنّي لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم … فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
__________
(1) انظر ص 29، وديوان الهذليين 1/ 3، والشعراء 10 والمفضليات 422 والخزانة 1/ 202، والاستيعاب 667، واللآلي 844.
(2) ديوان الهذليين 1/ 1 - 21، وفي الاغاني 6/ 256 (الثقافة) بعض أبيات منها، والمفضلية 126. وانظر الخزانة 1/ 202.
(3) ويروي: (وأعقبوني غصة)، و (وأودعوني حسرة).
(4) ويروي: (فغبرت بعدهم).
(1/262)

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها … ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأنّ حداقها … سملت بشوك فهي عور تدمع
حتّى كأنّي للحوادث مروة … بلوى المشقّر كلّ يوم تقرع
وتجلّدي للشّامتين أريهم … أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
والنّفس راغبة إذا رغّبتها … وإذا تردّ إلى قليل تقنع
كم من جميع الشّمل ملتئم القوى … كانوا بعيش قبلنا فتصدّعوا
والدّهر لا يبقى على حدثانه … جون السّراة له جدائد أربع
(إلى أن قال) «1»:
حميت عليه الدّرع حتّى وجهه … من حرّها يوم الكريهة أسفع
تعدو به خوصاء يفصم جريها … حلق الرّحالة فهي رخو تمزع
(ومنها) (1):
بينا تعانقه الكماة وروغه … يوما أتيح له جريء سلفع
قال شارع أبيات الايضاح: يروى وريبه، فالتذكير على معنى الموت، والتأنيث على معنى المنية. والمنون. قيل: جمع لا واحد له، وعليه الأخفش.
وقيل: واحد لا جمع له وعليه الأصمعي. وقال الفارسي: سميت منونا لأخذها منن الأشياء، أي قواها: فمنون بمعنى مان، كضروب بمعنى ضارب (2): والريب:
الاعتراض. وريب الدهر: ما يأتي به من المصائب. والأعتاب: ترك ما عتب عليه (3). وقوله: (أودي بنيّ) استشهد به المصنف في التوضيح على قلب واو الجمع ياء، وادغامها في ياء الاضافة. وأودى بمعنى هلك. وقوله: (سبقوا
__________
(1) مزيدة.
(2) قال الضبي: المنون الدهر، سمي منونا لانه يذهب بالمنة، بضم الميم وتشديد النون، أي القوة. وقيل: المنون هي المنية.
وعلى التفسير الاول روي: (وريبه) بتذكير الضمير، وعلى الثاني روي: (وريبها).
(3) أي راجع عما تكره الى ما تحب. والعتبى: المراجعة.
(1/263)

هويّ) استشهد به النحاة على قلب ألف المقصور ياء عند الاضافة، إلى ياء المتكلم، في لغة هذيل (1). وأعنقوا: أي ساروا سير العنق. وتخرّموا: بالبناء للمفعول، أصيبوا واحدا واحدا لا جملة. ثم قال كالمسلي نفسه من الجزع: أن المتقدم والمتأخر لا بد له من مصرع، ولكل جنب مصرع، أي كل انسان يموت.
وعيش ناصب: أي متعب، والمراد صاحبه على حد: (عِيشَةٍ راضِيَةٍ) *. وقوله:
وإخال أنّي لاحق مستتبع
أورده المصنف في حرف اللام، شاهدا على تعليق لام الابتداء فعل القلب، مع إضمارها، والأصل: اني للاحق. وأخال: بمعنى أظن. ومستتبع: مستلحق (2).
وقوله:
فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع
أي غير مدفوعة. وقد استشهد به الفرّاء على تراخي الفعل مع (إذا) الفجائية، وان الأكثر فيها التوافق. وقوله: وإذا المنية ... البيت. استشهد به أهل البيان على الاستعارة المكنية التخيلية، وهي أن يذكر المشبه، ويحذف المشبه به، ويدل عليه بشيء من لوازمه، وذلك أنه يشبه المنية بالسبع، فحذف السبع، ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو الأظفار. وألقيت: وجدت. والتميمة: العوذة، يعني لا تنفع الرقي والتعويذات إذا جاءت المنية. قوله: (فالعين بعدهم). استشهد به الفارسي في الايضاح على أن المعرّف بلام الجنس يعامل في المعنى معاملة الجمع، فلذا قال: كأن حداقها فهي عور، وليس للعين الا حدقة واحدة، لكنه أراد العيون، يعني عينه وعين من يبكي بنيه معه، من أمهم وسائر أهله. وقال بعضهم: يجوز أن يجعل قوله: كأن حداقها، مثل قولهم: جمل غليظ المشافر، ورجل ذو مناكب، وإنما للجمل مشفران، وللرجل منكبان. وقال الزجاج: جعل كل قطعة منها حدقة،
__________
(1) أي هواي، وهي لغة هذيل في كل اسم مقصور يضاف الى ياء المتكلم، فيقولون: فتّى وعصّى، أي فتاي وعصاي. يقول: أي ماتوا قبلي وكنت أحب أن أموت قبلهم، وانظر أمالي المرتضى 1/ 293
(2) يقول: أنا مذهوب بي وصائر إلى ما صاروا اليه.
(1/264)

كما يقال بعير ذو عثانين، وانما له عثنون. وقوله: عور، مردود على الحداق.
ورده الفارسي: بأن كل خصلة تكون عثنونا، وليس كل جزء من الحدقة حدقة.
والمراد بالحدقة في ظاهر العين: سوادها المستدير. وفي الباطن: خرزتها، وتجمع أيضا على حدق وأحداق. وسلمت: فقئت. وقيل: غرزت بشوك. والعور: جمع أعور وعوراء. والمروة: الحجارة البيض (1) والمشقر: حصن بالبحرين (2).
وأتضعضع أتكسر. قوله: (والنفس راغبة ... البيت) استشهد به المصنف على إضافة إذا الى الماضي، والى
المضارع. وظهر كل شيء: سراته. وأعلى الظهر:
السراة. وجدائد، بالجيم، جمع جدود، وهي الأتان التي لا لبن لها. والجون من الخيل والابل: الأدهم الشديد السواد. والسفعة: سواد في الوجه (3) والسلفع، بالفاء، من الرجال: الجسور. وقوله: (بينا تعانقه ... البيت) أورده المصنف في حرف الألف (4).

فائدة: [أبرع بيت قالته العرب]
قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: أبرع بيت قالته العرب قول أبو ذؤيب (5):
__________
(1) المروة: حجر أبيض براق تقدح منه النار، واحد المرو.
(2) ويروى: (بصفا المشرّق) والمشرق: مسجد الخيف بمنى، وانما خصه لكثرة الناس به، فهم يقرعون حجارته بمرورهم. والمشقر:
قال أبو عبيدة هي سوق بالطائف. وفي البكري 1232 - 1233:
المشقر: قصر بالبحرين، وقيل هي مدينة هجر.
(3) لم يشرح السيوطي البيت: (تعدوا به خوصاء). وفي ديوان الهذليين: (تعدو به: بالمستشعر. خوصاء: فرس غائرة العينين.
وحلق الرّحالة، يعني الإبزيم. والرّحالة: سرج من جلود. فهي رخو تمزع: تسرع في عدوها. ويروى: فهي رهو تمزع).
(4) وفي ديوان الهذليين: (يقول: هذا المستشعر بين تعنّقه الكماة وبين روغانه، أي بين أن يقبل ويراوغ إذ قتل. أتيح له: أي قدر له رجل جريء. سلفع: جرئ الصدر - سلفع يقال للذكر والانثى على السواء، ويقال أيضا في المؤنث: سلفعة، إلا أنه بلا هاء أكثر - تعنّق يتعنّق تعنّقا).
(5) القصيدة هي في الذروة العليا من الشعر. قال الاصمعي وأبو عمرو وغيرهما: (أبرع بيت قالته العرب قول أبي ذؤيب: والنفس راغبة ...
وقالوا أيضا: أحسن ما قيل في الصبر قوله: وتجلدي للشامتين).
وانظر المفضليات ص 420. وفي الشعراء 10: (حدثني الرياشي من الأصمعي، قال هذا أبدع بيت قالته العرب).
(1/265)

والنّفس راغبة إذا رغّبتها … وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وأحسن ما قيل في الاستعفاف قول عبيد بن الأبرص (1):
من يسأل النّاس يحرموه … وسائل الله لا يخيب
وأحسن ما قيل في حفظ المال قول المتلمس (2):
قليل المال تصلحه فيبقى … ولا يبقى الكثير مع الفساد
وأحسن ما قيل في الكبر قول الآخر (3):
أرى بصري قد رابني بعد صحّة … وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وأحسن المراثي ابتداء قول أوس بن حجر (4):
أيّتها النّفس أجملي جزعا … إنّ الّذي تحذرين قد وقعا
__________
(1) الشعراء 226
(2) عيون الاخبار 2/ 195، ونهاية الأرب 3/ 64. وفي الشعراء 136، والاغاني 23/ 570 نقلا عن ابن قتيبة: (ويتمثل من شعره بقوله:
واعلم علم حق غير ظن … وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه … وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه … ولا يبقى الكثير على الفساد
وفي نهاية الارب: (مع الفساد) والبيت الثاني والثالث في حماسة البحتري 343. وانظر ص 209.
(3) هو حميد بن ثور، والبيت من قصيدة في ديوانه 7، أولها:
سل الربع أني يمّمت أمّ سالم … وهل عادة للربع أن يتكلما
وفيه: (يريد أن الصحة والسلامة تؤديه الى الهرم). ورواه: (بعد حدة). وقال صانع الديوان: والبيت في معنى المثل أو الحديث:
كفى بالسلامة داء. وهو في الشعراء 10 وقال ابن قتيبة: (ولم يقل في الكبر شيء أحسن منه). و 349، والكامل 187 و 852 وفيه:
(وفي شعر حميد ... ما هو أحكم مما ذكرنا وأوعظ، وأحرى أن يتمثّل به الاشراف، وتسوّد به الصحف، وهو قوله:
أرى بصري قد رأبني بعد صحة … وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولا يلبث العصران يوم وليلة … إذا طلبا أن يدركا ما يتيمما)
وانظر اللآلي 532، وعيون الاخبار 2/ 191.
(4) ديوانه 53، والشعراء 9، وفيه: (لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن -
(1/266)

وأرثى بيت قول عبدة (1):
فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنّه بنيان قوم تهدّما
وأمدح بيت قالته العرب قول الآخر (2):
تراه إذا ما جئته متهلّلا … كأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
وأحسن ما قيل في الصبر قول أبي ذؤيب:
وتجلّدي للشّامتين أريهم … أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
حتّى كأنّي للحوادث مروة … بلوى المشقّر كلّ يوم تقرع
وأفخر ما قيل قول امرئ القيس (3):
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني ولم أطلب قليل من المال
__________
- من هذا). وص 160 وقال: (قال الاصمعي: ولم أسمع قط ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته: أيتها ..). وعيون الاخبار 2/ 192، وذيل اللآلي 34، والإعجاز والايجاز 38، والاغاني 11/ 74 (الدار)، والعقد الفريد 3/ 265، والكامل 1205، وشرح التبريزي 3/ 87، والعمدة 1/ 192، وفي الصناعتين 433: (وأحسن مرنية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر: ..) وشعراء الجاهلية 492
(1) الشعراء 707 (فلم يك ..). وفي شرح المفضليات 134: (قال أبو عمرو بن العلاء: هذا البيت أرثى بيت قيل. وقال ابن الاعرابي:
هو قائم بنفسه، ما له نظير في الجاهلية ولا الاسلام). وهو في أمالي المرتضى 1/ 114، وحماسة الطائي بشرح التبريزي 2/ 286.
(2) هو زهير كما في الشعراء 88، وهو في ديوانه 142، وفي الشعراء:
قال عبد الملك لقوم من الشعراء: أيّ بيت أمدح؟ فاتفقوا على بيت زهير: تراه ...).
(3) ديوانه 39، وشعراء الجاهلية 60، والعقد الثمين 60، ونقد الشعر 19 و 20، والعمدة 2/ 35، والخزانة: الشاهد 49، وصبح الاعشى 2/ 218، والإنصاف 1/ 84 و 92، وسيبويه 1/ 56، والموشح 27، وفيه: (وقال رؤبة: ما رأيت أفخر من قول امرئ القيس: ...).
(1/267)

ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل … وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وأصدق ما قالته العرب قول الحطيئة (1):
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه … لا يذهب العرف بين الله والنّاس
والأم ما قالته العرب قول الآخر:
تلقي بكلّ بلاد إن أقمت بها … أهلا بأهل وجيرانا بجيران
وأحسن ما قيل في وصف امرأة عجزاء خميصة قول أبي وجزة السعدي:
أدماء في وضح يكاد رداؤها … يعرى ويصنع ما أحبّ إزارها
وأجود بيت قيل في الغيث، قول الهذلي (2):
لتلقحه ريح الجنوب وتقبل الشّ … مال نتاجا والصّبا حالبة تمري
وأخنث بيت قالته العرب قول الأعشى (3):
قالت هريرة لمّا جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل
__________
(1) الكامل 537، وفي الأغاني 2/ 145 (الثقافة): (قال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه … لا يذهب العرف بين الله والناس
فقيل له: فقول طرفة:
ستبدي لك الايام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالاخبار من لم تزود
فقال: من يأتيك بها ممن زوّدت أكثر. وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن إلا قول الحطيئة: من يفعل الخير ... البيت.
(2) في الكامل 774 نسب البيت: لآخر في وصف سحابة، وهو برواية:
لتلقيحها هيج الجنوب وتقبل الش … مال نتاجا والصّبا حالب يمري
(3) ديوانه 57 ق 6، والأغاني 9/ 109 (الثقافة)، والموشح 51، وفيه (.. تناظر ربعي ومضري في الأعشى والنابغة، فقال المضري للربعي: شاعركم أخنث الناس حين يقول:
قالت هريرة لما جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل
فقال الربعي: أفعلى صاحبكم تعول حيث يقول:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد
لا والله ما أحسن هذه الإشارة إلا مخنث).
(1/268)

وفي البيان للجاحظ (1): قال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة، فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلاليّ.
وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال الثاني: بل قول أبي خراش الهذلي (2).
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
وقال الثالث: بل قول أبي ذؤيب:
وإذا تردّ إلى قليل تقنع
فرد عليه أن الشطر نصف بيت مستغن بنفسه، ونصف أبي ذؤيب لا يستغني بنفسه، لأن السامع لا يفهم معناه حتى يسمع النصف الأول، وإلا فيقول من هذه التي تردّ الى قليل فتقنع؟ والصواب أن يقال قوله:
والدّهر ليس بمعتب من يجزع
وأخرج ابن عساكر عن أبي الحسن المدائني قال: قال الحجاج لابن القرية:
اخبرني بأصدق بيت قاله شاعر؟ قال:
وما حملت من ناقة فوق رحلها … أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
قال: فاخبرني باشكل بيت؟ قال:
حبّذا رجعها يديها إليها … في يدي درعها تحلّ الإزارا
__________
(1) البيان والتبيين 1/ 140، مختصرا.
(2) عجز بيت وصدره:
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنما
وانظر ديوان الهذليين 2/ 158
(1/269)

قال: فأخبرني بأسير بيت؟ قال (1):
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن لقيط (2): قال قتيبة بن مسلم لأعرابيّ من غنيّ: أيّ بيت قالته العرب أعف؟ قال: قول طفيل الغنوي:
ولا أكون كالزّاد أحبسه (3) … لقد علمت بأنّ الزّاد مأكول
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الحرب أجود؟ قال قول الطفيل:
يجيء إذا قيل اركبوا لم يقل لهم … عواوير يخشون الرّدى أين نركب (4)
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الصبر أجود؟ قال: قول نافع بن خليفة (الغنوي):
ومن خير ما فينا من الأمر أنّنا … متى ما نواف موطن الصّبر نصبر
126 - وأنشد: (5)
إذا باهليّ تحته حنظليّة … له ولد منها فذاك المذرّع
وهو من قصيدة للفرزدق، وفيه: تقدير كان بعد إذا، لأنها لا يليها إلا الجملة الفعلية. والباهليّ: نسبة إلى باهلة، قبيلة من قيس بن عيلان. والحنظلية: نسبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة في تميم. وجملة: (له ولد) صفة له ويجوز أن تكون حالية، وفذاك جواب إذا. والمذرّع بضم الميم وفتح الذال المعجمة وتشديد الراء وعين مهملة، الذي أمه أشرف من أبيه، سمى مذرّعا من الرقتين في ذراع البغل،
__________
(1) انظر ح رقم 1 ص 268، والبيت في عيون الاخبار 2/ 191.
(2) الأغاني 15/ 281 (الثقافة).
(3) في الأغاني: (وكاء المزاد ..).
(4) عواوير، جمع عوار: الجبان.
(5) ديوانه 514
(1/270)

وإنما صار باقية من قبل الحمار. وكثر في أشعار العرب ذم الانتساب إلى باهلة، فقال رجل من عبد قيس:
ولو قيل للكلب يا باهليّ … عوى الكلب من لؤم هذا النّسب
وقال آخر:
فما سأل الله عبد له … فخاب ولو كان من باهله (1)
127 - وأنشد:
استغن ما أغناك ربّك بالغنى … وإذا تصبك خصاصة فتجمّل
هذا من قصيدة لعبد قيس بن خفاف بن عمرو بن حنظلة، من البراجم، إسلامي (2). وكلها حكم ووصايا، وهي بضعة عشر بيتا، فلنذكرها جميعا، قال
__________
(1) وبعده كما في حاشية الامير 858: (وأصل باهلة، اسم امرأة من همدان، كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، فنسب ولده إليها. حدث ابن دريد عن أبي سالم قال: قال الأصمعي: لقيت صبيا من الأعراب في فلاة ما أظنه ناهز الاحتلام، فحاورته. فاذا هو من أفصح الناس، فقلت متعنتا: هل تقول الشعر؟ فقال: وأبيك إني لأقوله وأنا دون الفصال، أي الفطام، فأخرجت درهما وقلت:
أمدحني وخذه، فقال: من أي العرب أنت؟ فقلت: من باهلة.
فقال: سوأة لي، أمدح باهليا! فقلت: فاهجني وخذه! فقال:
إني والله إليه لمحتاج، وقد كلفتني شططا، ولكن زدني معرفة، فقلت:
أنا الأصمعي، فأنشد:
ألا قل لباغي اللؤم حيث لقيته … عليك عليك الباهلي بن أصمعا
متى تلق يوما أصمعيا تجد له … من اللؤم سر بالا جديدا وبرقعا
أقذف الدرهم فإني لآخذه من يد لئيم. فقذفته، فأخذه).
(2) كذا في الاصل، وقال شارحا المفضليات 383: «هو من بني عمرو بن حنظلة من البراجم، كما قال الأنباري، ولم يرفع نسبه. ولم نجد شيئا من ترجمته، قال أبو الفرج في الأغاني 7/ 145: (وأما عبد قيس بن خفاف البرجمي فإني لم أجد له خبرا أذكره إلا ما أخبرني به جعفر بن قدامة) فذكر قصة في أنه حمل دماء عن قومه فأسلموه فيها، وأنه أتى حاتما الطائي ومدحه، فحملها عنه. وهي أيضا في الأمالي 3/ 21. وأشار اليها المرزباني في الشعراء 325 -
(1/271)

يوصي ابنه (1):
أجبيل إنّ أباك كارب يومه … فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل (2)
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح … طبن بريب الدّهر غير مغفّل
الله فاتّقه وأوف بنذره … فإذا حلفت مماريا فتحلّل (3)
والضّيف أكرمه فإنّ مبيته … حقّ، ولا تك لعنة للنّزّل
واعلم بأنّ الضّيف مخبر أهله … بمبيت ليلته وإن لم يسأل (4)
ودع القوارص للصّديق وغيره … كيلا يروك من اللّئام العذّل
وصل المواصل ما صفا لك ودّه … واحذر حبال الخائن المتبدّل
واترك محلّ السّوء لا تحلل به (5) … وإذا نبا بك منزل فتحوّل
__________
- معجم الشعراء 201 - . وقد ذكر ابن قتيبة في الشعراء 76 - الشعراء 117 - هجو النابغة للنعمان بن المنذر ثم قال: (ويقال إن هذا الشعر والذي قبله لم يقله النابغة، وانما قاله على لسان قوم حسدوه، منهم عبد قيس بن خفاف الرجمي). ونحو ذلك في الأغاني 9/ 158. وهذا يدل على خطأ السيوطي في شواهد المغني 95 إذ زعم أنه إسلامي، فإنه لم يزعم هذا أحد غيره، ولم يأت هو عليه بدليل).
(1) المفضلية رقم 116 ص 383 - 385، والاصمعية رقم 87 ص 268 - 269، وانظر اللسان 2/ 206 - 207 وحاشية الامير 1/ 85، وانظر الامالي
2/ 292 واللآلي 937 والمرتضى 1/ 383.
(2) في المفضليات والاصمعيات: (إلى العظائم).
(3) هذا البيت من أمالي المرتضى مع غيره منسوب الى حارثة بن بدر، وصدره فيه برواية:
فاصدق إذا حدثت تكتب صادقا
معنى (تكتب صادقا)، أي تكون عند الله صادقا، وقوله: (فتحلّل) أي استغن.
(4) في الأصمعيات: (يخبر أهله).
(5) في حاشية الامير والاصمعيات: (تنزل به). والبيت والذي يليه في حماسة البحتري. وهو في الأغاني 7/ 140 مع ثلاثة أبيات أخر. -
(1/272)

دار الهوان لمن رآها داره … أفراحل عنها كمن لم يرحل
وإذا هممت بأمر شرّ فاتّئد … وإذا هممت بأمر خير فافعل (1)
وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعا … ترجو الفواضل عند غير المفضل (2)
وإذا رأيت القوم فاضرب فيهم … حتّى يروك طلاء أجرب مهمل
واستغن ما أغناك ربّك بالغنى … وإذا تصبك خصاصة فتجمّل
واستأن حلمك في أمورك كلّها … وإذا عزمت على الهوى فتوكّل (3)
وإذا تشاجر في فؤادك مرّة … أمران فاعمد للأعزّ الأجمل (4)
وإذا لقيت الباهشين إلى النّدى … غبرا أكفّهم بقاع ممحل
فأعنهم وايسر بما يسروا به (5) … وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
ورأيت في تاريخ ابن عساكر بسنده هذه الأبيات إلى حارثة بن بدر الغداني التميمي، وأورد الشاهد بلفظ: وإذا تكون خاصة؛ ولا شاهد فيه على هذا.
__________
- عن اسحق منسوبة لعنترة، واستدرك أبو الفرج بأنه لم ير هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة، ثم أغرب فجزم بأن الابيات الثلاثة لعبد قيس وان البيت الأخير، يعني البيت: وأترك ..
لعنترة صحيح لا يشك به. وقال شارحا المفضليات: (والذي لا شك فيه أن هذا خطأ منه، وأن البيت لقيس لا لعنترة).
(1) وبعده كما في المفضليات 385:
وإذا أتتك من العدوّ قوارص … فاقرص كذاك ولا تقل لم أفعل
(2) البيت في أمالي المرتضى منسوب لحارثة، والبيت والذي بعده ليسا في حاشية الامير.
(3) هذا البيت ليس في الاصمعية.
(4) في المفضليات والاصمعيات: (للأعف الأجمل).
(5) أصلحنا (بما يسرّ وأنه)، كذا.
(1/273)

وحارثة هذا يكنى أبا العبهسي (1) أدرك عليا.
قال الحاكم: وذكره بعضهم في الصحابة، وتوفي بنيسابور، وقيل مات غريقا بالأهواز في ولاية المهلب.
قوله: أجبيل، يروى بدله: أبني (2). وكارب يومه: يريد دنو أجله، من كرب الشيء يكرب دنى وقرب (3). وطبن: بفتح الطاء المهملة وكسر الموحدة ونون، حاذق، يقال: رجل طبن تبن: إذا كان عاقلا بصيرا. ولعنة: بضم اللام وسكون العين، يلعنه الناس. وبفتح العين، يلعن هو الناس. والنزل: جمع نازل.
والقوارص: بقاف ومهملة، المثالب (4). ونبا: ارتفع (5). واتئد: تأنّ ولا تستعجل.
ومهمل: متروك (6). والخصاصة: الحاجة والشدة (7). واستأن: من الأناة.
والباهش: الفرح الطالب العطاء. والقاع: الصلب. وممحل: مجدب. وأيسر:
أسرع إجابتهم. والضنك: الضيق، أي أعنهم في ضيقهم.
والبيت الأول استشهد به المصنف في التوضيح على استعمال اسم الفاعل من كرب.
128 - وأنشد:
وبعد غد، يا لهف نفسي من غد، … إذا راح أصحابي ولست برائح (8)
__________
(1) كذا في الاصل، وهو خطأ، صحتها: (أبو العنبس) كما في الإشتقاق 229، وفي حاشية الامير: (العنبسي) بالياء المثناة في آخره.
(2) كما في حاشية الامير 1/ 85.
(3) أو كارب يومه، بوزن اسم الفاعل، أي قريب. واستهشد به المصنف في التوضيح على فاعل كرب، كما سيأتي.
(4) القوارص: الكلام القبيح. العزل: جمع عازل، قد اعتزل الناس.
(5) وقوله: (دار الهوان .. الخ) يقول: من أقام في دار الهوان فهي داره، وليس من لم يقم فيها وأنف كمن احتمل الضيم وأقام.
(6) يريد: حتى يتقوك ويتحاموك كما يتحامون الأجرب طلاءه.
(7) والتجمل: التجلد وتكلف الصبر.
(8) أمالي ابن الشجري 1/ 247 و 256 و 268، وشرح التبريزي 2/ 52 و 3/ 235.
(1/274)

عزاه جماعة إلى هدبة بن خشرم، وعزاه صاحب الحماسة إلى أبي الطّمحان شرقي بن حنظلة القينيّ من مخضرميّ الجاهلية والاسلام، ترب الزّبير ابن عبد المطلب (1) ولهدبة روى المبرد في الكامل (2). وأبو الفرج في الأغاني (3)، وابن عساكر في تاريخه، من طرق، عن محمد بن سليمان النّوفلي والأصمعي وغيرهما، دخل حديث بعضهم في بعض: أن زيادة بن زيد العذريّ قال في فاطمة أخت هدبة بن خشرم (4):
عوجي علينا واربعي يا فاطما … أما ترين الدّمع منّي ساجما
فقال هدبة بن خشرم في أم قاسم، أخت زيادة:
متى تقول: القلص الرّواسما … يحملن أمّ قاسم وقاسما (5)
فبيّت زيادة هدبة فضربه على ساعده وشجّ أباه خشرما، وقال:
شججنا خشرما في الرّأس عشرا … ووقّفنا هديبة إذ أتانا (6)
__________
(1) نسبه أبو تمام إلى أبي الطمحان القيني، وقال التبريزي 3/ 233:
(واسمه حنظلة بن الشرقي، وقيل: ربيعة بن عوف بن غنم بن كنانة بن جسر). وفي شرح التبريزي 2/ 44، عن أبي رياش ذكر قصة هدية بن خشرم، والأبيات.
(2) الكامل 1246 - 1249
(3) 21/ 277 - 297 (الثقافة)، وانظر الشعراء 671 - 676، والخزانة 4/ 81 - 87، وشرح التبريزي 2/ 43 - 52، وأسماء المغتالين 256 - 262، وسمط اللآلي 249
(4) في الشعراء برواية:
عوجي علينا واربعي يا فاطما … ما دون ان يرى البعير قائما
ألا ترين الدمع مني ساجما … حذار دار منك أن تلائما
وفي أسماء المغتالين روى البيت الثاني بلفظ:
فعوّجت مطردا عراهما … رسلا يبذ القلص الرواسما
وفي شرح التبريزي والاغاني بلفظ:
فعرّجت مطردا عراهما … فعما يبذّ القطف الروّاسما
(5) في الشعراء: (متى تظن ... يبلغن: ..). وللبيت فيه صلة.
(6) قال ابن قتيبة: وقّفنا من التوقيف في اليدين والرجلين، وهو سواد وبياض يكون فيهما وانظر الشرح. وفي شرح التبريزي (في الرأس سبعا وخذ عنا ...). وفي جمع المراجع السابقة: (... هدببة إذ هجانا).
(1/275)

فبيّت هدبة زيادة فقتله، فرفع إلى سعيد بن العاصي، وكان أمير المدينة، رفعه عبد الرحمن، أخو زيادة، فكره سعيد الحكم بينهما فأرسلهما إلى معاوية، فلما صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي! فقال معاوية: يا هدبة، قل. قال: إن شئت أن أقصّ عليك كلاما أو شعرا؟
قال: لا بل شعر. فقال ارتجالا:
ألا يا لقومي للنّوائب والدّهر … وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمّأت … عليه فوارته بلمّاعة قفر
فلا ذا جلال هبنه لجلاله … ولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر
الى أن قال:
فلمّا رأيت أنّما هي ضربة … من السّيف أو إغضاء عين على وتر
عمدت لأمر لا يعيّر والدي … خرايته ولا يسبّ به قبري
رمينا فرامينا فصادف سهمنا … منيّة نفس في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لنا … وراءك من معد ولا عنك من قصر
فإن تك في أموالنا لا نضق بها … ذراعا وإن صبر فنصبر للصّبر
فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! فقال له عبد الرحمن: أقدني، فكره ذلك معاوية وضنّ بهدبة عن القتل، فقال: ألزيادة ولد؟ قال: نعم. قال:
أصغير أم كبير؟ قال: بل صغير. قال: يحبس هدبة إلى أن يبلغ ابن زيادة. فارسله إلى المدينة فحبس بها سبع سنين، وقيل ثلاث سنين، فلما بلغ ابن زيادة عرض عليه عشر ديات فأبى إلّا القود، وكان ممن عرض عليه الديات: الحسين (1) بن علي
__________
(1) أصلحنا (الحسن) وانظر الكامل، وشرح التبريزي.
(1/276)

ابن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم. ولما دنى قتله قال:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان … ويأتي أهله النّائي الغريب
ولما ذهب به إلى الحرة ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان فقال له: أنشدني؟
فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني … ولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتبغّى الشّرّ والشّرّ تاركي … ولكن متى أحمل على الشّرّ أركب
وحرّ بني مولاي حتّى خشيته … متى يحرّبك ابن عمّك تحرب (1)
ولما جئ به ليقتل قال:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائح … وقبل ارتقاء النّفس فوق الجوانح
وقبل غد، يا لهف نفسي من غد، … إذا راح أصحابي ولست برائح
إذا راح أصحابي تفيض عيونهم … وغودرت في لحد عليّ صفائح
يقولون: هل أصلحتم لأخيكم؟ … وما القبر في الأرض الفضاء بصالح
ونظر الى امرأته فقال، وكان أنفه جدع في حرب:
فإن يك أنفي بان منه جماله … فما حسبي في الصّالحين بأجدعا
__________
(1) في الكامل:
(.. حتى غشيته … متى ما يحزّبك ..).
(1/277)

أقلّي عليّ اللّوم يا أمّ بوزعا … ولا تجزعي ممّا أصاب فأوجعا
ولا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا … أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا بلحييه على عظم زوره … إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
فسألت القوم أن يمهلوه قليلا، ثم أتت جزارا فأخذت منه مدية فجدعت أنفها، ثم أتته مجدوعة الأنف، فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة؟ فقال: الآن طاب الموت. ثم التفت إلى أبويه وهما يبكيان فقال:
أبلياني اليوم صبرا منكما … إنّ حزنا منكما اليوم يسرّ (1)
ما أظنّ الموت إلّا هيّنا … إنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإنّي صابر … كلّ حيّ لفناء وقدر
ثم قال:
أذا العرش إنّي عائذ بك مؤمن … مقرّ بزلّاتي إليك فقير
وإنّي وإن قالوا أمير مسلّط … وحجّاب أبواب لهنّ صرير
لأعلم أنّ الأمر أمرك إن تدن … فربّ وإن تغفر فأنت غفور
ثم أقبل على ابن زيادة فقال: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيرا، وأرملت أمّك شابّة! وسأل فكّ قيوده، ففكت فذاك حيث يقول:
فإن تقتلوني في الحديد فإنّني … قتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد
ثم ضربت عنقه. قال ابن دريدة هو أول من أقيد بالحجاز.
__________
(1) في الكامل: (بكما اليوم لشر)، وفي المغتالين: (عاجل ضر). وأبلاه صبرا: أداه إليه واجتهد فيه، كما يقال أبلاه عذرا.
(1/278)

وأخرج الدارقطني وابن عساكر عن ابن المنكدر أن هدبة العذري أصاب دما فأرسل إلى أم سلمة، زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، أن استغفري لي. فقالت:
إن قتل استغفرت له. قال ابن عساكر: وهو هدبة، بضم الهاء وسكون الدال المهملة، ابن خشرم، بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين، ابن كرز بن أبي حيّة، بالمهملة والتحتية المشددة، ابن الكاهن، وهو سلمة بن الاشحم (1). شاعر فصيح متقدم من شعراء بادية الحجاز، روي عن الحطيئة، و (2) روي عنه جميل بن عبد الله العذري. قال الدارقطني: وهو ابن عم زيادة الذي قتله.
قوله: (متى تقول) استشهد به النحاة عن إجراء القول مجرى الظن، في نصب المفعولين بعد الاستفهام. والقلص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. والرواسم:
جمع راسمة، من رسمت، بالفتح، إذا سارت فوق الزميل. ووقفتا: من التوقيف، وهو سواد وبياض يكون في اليدين والرجلين. وفي (يردي ويدري): جناس مقلوب. وتلمأت عليه الأرض: وارته. وذا جلال: نصب بمضمر على شريطة التفسير وقوله: (فإن تك في أموالنا ... البيت) أورده المصنف في (ما) مستشهدا به على حذف فعل الشرط، أي وإن تصبر صبرا. وضمير (تك) للدية لأنها معلومة.
والصبر: الحبس. وروى: (وأن العقل في أموالنا ..). وقوله: (عسى الكرب ...
البيت) أورده المصنف في (عسى) شاهدا لوقوع خبرها مضارعا مجرّدا. والعاني:
بمهملة، الأسير. والنائي: البعيد. قوله (ولا تنكحي ... البيت) قال المبرد: لم يأمرها أن تتزوج الأنزع القليل شعر القفا (3)، وانما أذكرها جمال نفسه ليزهذها في غيره. والغمم: أن يسيل الشعر حتى يضيق الجبهة أو القفا. والأنزع: الذي انحسر
__________
(1) كذا في الأصل، بالشين المعجمة، وفي الاغاني ومعجم الشعراء 460 (أسحم) بالسين المهملة. وفي هامش المرزباني ما يلي: (هدبة ليس من ولد الكاهن، والكاهن هو سلمة ابن أبي حية، والصواب أن هدبة من ولد كرز بن أبي حية، وأبو حية هو ابن الاسحم بن عامر بن ثعلبة ابن قرة بن خنيش بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان).
(2) مزيدة.
(3) قوله الأنزع القليل شعر القفا خطأ، والصواب: أن النزع إنما يكون في مقدم الرأس لا قفاه، وهو انحسار الشعر عن جانبي الجبهة اه.
محمد محمود الشنقيطي. قلت: إن السيوطي شرح معنى الكلمة وفق شرح الشيخ الشنقيطي، وخالف شرح المبرّد.
(1/279)

الشعر من جانبي جبهته. قيل: ولا يوصف به إلا الكريم. قوله: (قبل نوح النوائح) (1) يروى: (قبل صدح النوائح) والصدح: شدة صوت الديك أو الغراب وغيرهما. والجوانح: ضلوح الصدر، وارتقاء النفس فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. قوله: (وبعد غد) الذي في الحماسة وفي الروايات السابقة بأسانيدها:
وقبل غد. وقوله: (من غد) يروي بدله: (على غد). وقوله: (إذا راح ..) قال التبريزي: يجوز كونه بدلا من غد على رأي المبرد، من جواز وقوعها في موضع جر، وكونه بدلا من موضع، فيكون في موضع نصب لأن محله نصب على المفعول، مما دل عليه قوله: يا لهف نفسي، أي أتلهف من غد، وعلى ذلك أورده المصنف.
وقال المرزوقي: يجوز كونها بدلا من المجرور، وإن لم يجز وقوعها مجرورة، لأن البدل ليس من شرطه أن يحل محل المبدل منه (2). وتفيض: تسيل. وغودرت:
تركت.
129 - وأنشد (3):
وندمان يزيد الكأس طيبا … سقيت إذا تغوّرت النّجوم
قال العسكري في كتاب تصحيف الشعر: هذا للبّرج، بموحدة وراء وجيم، ابن مسهر، من شعراء طيّ، أحد المعمّرين، وفد إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم.
هذه عبارته ولم أر أحد ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الاسلام ابن حجر مع تتبعه وذكره كل من ذكر، ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرما، وقد فاته هذا، وهو على شرطه لا محالة. وهو من أبيات الحماسة، وبعده:
دفعت برأسه وكشفت عنه … بمعرقة ملامة من يلوم (4)
__________
(1) في البيت: (ألا عللاني قبل نوح النوائح ...).
(2) قال التبريزي 3/ 235: (يجوز أن يكون، إذا، في موضع الجر بدلا من غد، وأبو العباس قد جوّز وقوع، إذا، في موضع المجرور والمرفوع، ويجوز أن يكون نصبا وبدلا من، غد، أو من موضع، على غد، العامل والمعمول فيه جميعا، لان موضعها نصب على المعقول بما دل عليه قوله: يا لهف نفسي، وهو تلهف من غد).
(3) الحماسة 3/ 239 والاغاني 14/ 12 (وقد تغورت).
(4) في الحماسة والأغاني: (رفعت).
(1/280)

ومنها:
نطوّف ما نطوّف ثمّ يأوي … ذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوف … وأعلاهنّ صفّاح مقيم
وقال في الأغاني (1): أخبرني ابن دريد: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:
كان البرج بن الجلاء بن الطائي (2) خليلا للحصين بن الحمام ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج: وذكر الأبيات. ولم يذكر ما يدل على إسلام البرج، بل ذكر أنه وقع على أخت له وهو سكران فافتضها، فلما أفاق ندم واستكتم ذلك قومه، ثم أنه وقع بينه وبين الحصين فعيره بذلك في أبيات، وجرت بينهما الحرب فأسره الحصين ثم منّ عليه لتقدم صداقته، فلحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر الى الآن. وقال ابن الكلبي: بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته، ثم ذكر عن أبي عبيدة أن الحصين بن الحمام أدرك الاسلام.
الواو: واورب. وندمان: النديم، وهو من ينادم على الشراب. ويزيد الكأس طيبا: أي يحسن عشرته. وتغوّرت
النجوم، ويروى: تعرّضت، أي أبدت عرضها للمغيب. ووقعت برأسه: نبهته من منامه (3)، وأزالت عنه ما كان يداخله من الغم.
يلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب، فان سقيته، معرقة، أي صرفا من الخمر، وهي القليلة المزاج. يقال: تعرّقت الخمر إذا مزجتها. وأعرقه الساقي: سقاه معرقا.
نطوّف ما نطوّف: أي مدة تطوافنا: أي يكثر الواحد منا الطواف على اللذات والبطالات، وليس مآل الجميع الغنيّ منا والفقير، إلا إلى حفر، يعني القبور.
ثم وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها، نصبت عليها حجارة كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبدا. وقوله: نطوف ... البيتين، أوردهما المصنف في الباب
__________
(1) 14/ 12 (الثقافة).
(2) كذا بالاصل، وفي الاغاني: (ابن حلاس الطائي).
(3) كذا، والبيت بالاصل برواية (دفعت) وفي الاغاني والحماسة (رفعت) كما أشرنا أعلاه.
(1/281)

الخامس. وحكى أن بعضهم جوّز كون (ذوو) فاعلا بفعل محذوف.
130 - وأنشد (1):
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وأولها (2):
ألا ليت شعري هل يرى النّاس ما أرى … من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
بدا لي أنّ النّاس تفنى نفوسهم … وأموالهم ولا أرى الدّهر فانيا
وأنّي متى أهبط من الأرض تلعة … أجد أثرا قبلي جديدا وعافيا
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى … فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا (3)
إلى حفرة أهوي إليها مصمة (4) … يحثّ إليها سائق من ورائيا
كأنّي وقد خلّفت تسعين حجّة … خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
بدا لي أنّي عشت تسعين حجّة … تباعا وعشرا عشتها وثمانيا
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
وما إن أرى نفسي تقيها عزيمتي … وما إن تقي نفسي كرائم ماليا (5)
__________
(1) ديوانه 287، والخزانة 3/ 665 وسيأتي أيضا.
(2) الديوان 283 - 292.
(3) في الديوان برواية: (أراني اذا ما بت بت ... فثم اذا أصبحت أصبحت ..) كما سيأتي.
(4) في الديوان: (مقيمة).
(5) في الديوان: (.. تقيها كريمتي .. نفسي كريمة ماليا). وقال ويروى:
كريهتي.
(1/282)

ألا لا أرى على الحوادث باقيا … ولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا
وإلّا السّماء والبلاد وربّنا … وأيّامنا معدودة واللّياليا
أراني إذا ما شئت لاقيت آية … تذكّرني بعض الّذي كنت ناسيا
ألم تر أنّ الله أهلك تبّعا … وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى … وفرعون جبّار معا والنّجاشيا (1)
ألا لا أرى إذا إمّة أصبحت به … فتتركه الأيّام وهي كما هيا
ألم تر للنّعمان كان بنجوة … من الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا (2)
فغيّر عنه رشد عشرين حجّة … من الدّهر يوم واحد كان غاويا
فلم أر مسلوبا له مثل ملكه … أقلّ صديقا صافيا ومواليا (3)
فأين الّذين كان يعطي جياده … بأرسانهنّ والحسان الحواليا
وأين الّذين كان يعطيهم القرى … بغلّاتهنّ والمئين الغواليا
وأين الّذين يحضرون جفانه … إذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم … منيّته لمّا رأوا أنّها هيا
خلا أنّ حيّا من رواحة حافظوا … وكانوا أناسا يتّقون المخازيا (4)
__________
(1) في الديوان: (وفرعون أردى جنده).
(2) في الديوان: (من العيش ..).
(3) في الديوان:
.. مثل قرضه … أقل صديقا معطيا ومواسيا
ويروى أيضا: (بازلا ومواسيا).
(4) في الديوان:
(أقبوا … وكانوا قديما يتقون)
(1/283)

يسيرون حتّى حبّسوا عند بابه … ثقال الرّوايا والهجان المتاليا
فقال لهم: خيرا وأثنى عليهم … وودّعهم وداع أن لا تلاقيا
وأجمع أمرا كان ما بعده له … وكان إذا ما احلولج الأمر ماضيا
قال ثعلب في شرح ديوان زهير: أنكر الأصمعي كون هذه القصيدة لزهير (1).
قوله:
أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى … فثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
يقول: إن له حاجة لا تنقضي أبدا (2). وقد أورد المصنف هذا البيت في (ثم) مستشهدا به على دخول العاطف عليها. وقال السيرافي: الأجود، فثم، بفتح الثاء، لكراهة دخول عاطف على عاطف. قوله: كأني وقد خلفت .. البيت. يقول: لا أجد مسّ شيء قد مضى. قوله:
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
أورده المصنف شاهدا على إبطال قول من قال إن ناصب (إذا) ما في جوابها من فعل وشبهة، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيا فلا أسبقه. ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئا وقت مجيئه، لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه. وأورده غيره شاهدا على جر المعطوف، لتوهم دخول الباء في المعطوف عليه، وهو خبر ليس.
__________
(1) في ديوان زهير 284: (وزعم بعض الناس انها لصرمة بن أبي أنس الأنصاري) وفي هامشه: (قال الأصمعي: وليست لزهير) قال أبو رياش: هي لأنس بن صرمة الانصاري. وصوابه لصرمة بن أنس. وفي الاعلم: وقال الاصمعي: ليست لزهير، ويقال هي لصرمة الانصاري ولا تشبه كلام زهير. وانظر عن صرمة الاصابة والاستيعاب.
(2) في الديوان: (بت على هوى: على أمر أريده، فاذا أصبحت جاء أمر غير ما بتّ عليه من موت وغير ذلك. يريد: أن حاجتي لا تنقضي، ومثله:
ومن حاجة الانسان ما ليس قاضيا
(1/284)

ورأيته في شرح ثعلب بلفظ: ولا سابقي شيء (1). ولا شاهد فيه على هذا. وتلعة:
بفتح المثناة والعين المهملة بينهما لام ساكنة، اسم ما علي من مسيل الوادي، وما سفل.
وعاديا: هو أبو السموأل، كان له حصنين أحدهما يقال له الأبلق، ونجوة: بالجيم، أي ارتفاع. والمئين الغواليا: الأبل الغالية الأثمان. ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء: أي نشأ لي فيه رأي (2). وألقوا عليها المراسيا: أي ثبتوا عليها وأكلوا مثل المرسى للسفينة. وقوله: لم يشركوا .. البيت (3): أي لم يواسوه في الموت.
والمتالي: التي يتبعها أولادها. واخلولج الأمر: التوى ولم يستقم على جهة لاختلاف الآراء فيه.
قال ثعلب: سبب قول زهير هذه القصيدة، أن كسرى طلب النعمان بن المنذر ليقتله، ففرّ فأتى طيّا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا، فلقيه بنو رواحة، من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: لا طاقة لكم بكسرى. وأثنى عليهم خيرا.
فائدة: قوله: كأني وقد خلعت ... البيت. أورده عليه عمرو بن قمئة فقال في قصيدة لسميّه:
كأنّي وقد جاوزت تسعين حجّة … خلعت بها يوما عذار لجام
131 - وأنشد (4):
متى تردن يوما سفار تجد بها … أديهم يرمي المستجيز المعوّرا
__________
(1) كما في ديوان زهير.
(2) يلاحظ هنا ان السيوطي شرح الابيات على خلاف الترتيب الوارد في القصيدة، فانظر.
(3) أي في البيت: (رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم).
(4) ديوانه 355 (متى ما ترد يوما ..). والمؤتلف والمختلف 32، وانظر هامش البكري ص 739 - 740.
(1/285)

هو للفرزدق. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف (1): وأديهم المذكور، هو أديهم بن مرداس، وأخو عتبة بن مرداس (2) أحد بني كعب بن عمرو بن تميم بن مرّ. كان أديهم شاعرا خبيثا. والمستجيز الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء ولبنا، وسفار ماء لهم (3). اه. والبيت: أورده المصنف على أن يوما ظرف ثان لترد، ولا يجوز
كونه ظرفا لتجد، لئلا ينتقل ترد من معموله، وهو سفار بالاجنبي، ولا بدلا من (متى) لعدم اقترانه بحرف الشرط. وأورده في الصحاح بلفظ (متى ما ترد) وقال:
سفار مثل قطام، اسم بئر. وقال في فصل العين: قال أبو عبيدة: يقال للمستجيزي الذي يطلب الماء، إذا لم يسقه: قد عورت شربه، وأورد البيت. والمستجيز، بالجيم والزاي، والمعوّر، بالمهملة وفتح الواو المشددة، اسم مفعول.
132 - وأنشد:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تقدم شرحه في شواهد من (4).
133 - وأنشد:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
هو من رجز لعبد الله بن رواحة الصحابي رضي الله عنه، كان حدا به في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتمثّل به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وأخرج مسلم والبيهقي في الدلائل، وابن سعد في طبقاته، واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: لما خرج عامر بن الأكوع إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب النبي
__________
(1) ص 32
(2) انظر الشعراء 329
(3) انظر البكري 739
(4) كذا في الاصل، خطأ، فقد ورد الشعر في شواهم (أمّا) المفتوحة والمشددة، وانظر ص 178، الشاهد رقم 77.
(1/286)

صلّى الله عليه وسلّم يسوق به الركاب، وهو يقول (1):
تالله لولا الله ما اهتدينا … وما تصدّقنا وما صلّينا
الكافرون قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا … فثبّت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر
صدره، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة، يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلّينا
الأبيات ...
وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة: لو حرّكت الركاب؟ فقال: لقد تركت قولي. فقال له عمر: اسمع وأطع، فقال:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... الأبيات
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهم ارحمه. فقال عمر: وجبت.

فائدة: [عبد الله بن رواحة]
عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، أبو محمد،
__________
(1) انظر سير اعلام النبلاء للذهبي 1/ 170، وسيرة ابن سيد الناس 2/ 130، وطبقات ابن سعد 3/ 1: 79، وحاشية الامير 1/ 91.
(1/287)

ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو (1) شهد بدرا والعقبة. وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مؤتة، واستشهد به سنة سبع. قاله ابن عساكر، وله رواية، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار، ولم يدركه أحد منهم، فهو أحد من أسند من الصحابة الذين ماتوا في حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلم.
أخرج ابن عساكر من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن رواحة قال:
نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أن يطرق الرجل أهله ليلا.
وأخرج من طريق عكرمة عن عبد الله بن رواحة قال: نهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب.
قال ابن سعد: عبد الله بن رواحة في الطبقة الأولى من أهل بدر، وليس له عقب، وهو خال النعمان بن بشير، وكان يكتب في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء، واستخلفه القضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة حين خرج إلى بدر الصغرى، وبعثه سرية في ثلاثين راكبا الى أسير زارم اليهودي (2) بخيبر فقتله. وبعثه الى خيبر خارصا فلم يزل يخرص عليهم الى أن قتل
بمؤتة (3). وقال أبو نعيم: روى عنه ابن عباس وأنس وأسامة.
وقال قتيبة: كان ابن رواحة أخا أبى الدرداء لأمه.
ومن مناقبه ما أخرجه ابن عساكر عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: نعم عبد الله بن رواحة.
__________
(1) في كنى الشعراء لابن حبيب 289: (أبو عمرو)، وفي سير أعلام النبلاء 1/ 166: (أبو عمرو الانصاري الخزرجي) وقال: ويكنى أبا محمد وأبا رواحة ..).
(2) كذا في الأصل، خطأ، والصحيح: (أسير بن رزام اليهودي، ويقال:
اليسير بن رزام) وانظر ابن سعد، وابن سيد الناس 2/ 111، وأعلام النبلاء 1/ 166.
(3) الخرص: تقدير ما على الشجر من الثمار بالظن لا بالاحاطة. وانظر مسند الامام أحمد 3/ 367، وابن سلام 187، وكتب السيرة.
(1/288)

وأخرج عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: رحم الله ابن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ.
وأخرج عن أنس قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأمرنا أن نصلي على ظهور رواحلنا ففعلنا، ونزل ابن رواحة فصلّى في الأرض، فسعى به رجل من القوم، فبعث إليه فقال: ليأتينكم وقد لقن حجته. فأتاه، فقال له: أمرت الناس أن يصلوا على ظهور رواحلهم، فنزلت وصلّيت في الأرض. فقال: يا رسول الله، لأنك تسعى في فك رقبة قد فكها الله، وأنا إنما نزلت لأسعى في رقبة لم تفك. فقال: ألم أقل لكم انه سيلقن حجته.
وأخرج ابن عساكر، بسند فيه الكريمي، عن حسن بن علي، قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟ قال: شيء يختلج في صدر الرجل، فيخرجه على لسانه شعرا.
وأخرج عن هشام بن حسان قال: قال عبد الله بن رواحة للنبي صلّى الله عليه وسلم (1):
فثبّت الله ما أتاك من حسن … كالمرسلين ونصرا كالّذي نصروا
فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: وإياك يا سيد الشعراء (2).
وأخرج عن محمد بن سيرين: كان شعراء أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم:
عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك.
وأخرج أبو يعلي عن أنس قال: دخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
__________
(1) وكذا في حاشية الامير 1/ 91، وفي طبقات ابن سلام 188 وسير اعلام النبلاء 1/ 169:
تثبيت موسى، ونصرا كالذي نصروا
وفي ابن هشام 4/ 16 والمؤتلف والمختلف للآمدي 126: (في المرسلين ...).
(2) في أعلام النبلاء 1/ 169: (فأقبل صلّى الله عليه وسلّم بوجهه مستبشرا وقال: وإياك فثبّت الله).
(1/289)

مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول (1):
خلّوا بني الكفّار عن سبيله، … اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله (2)
فقال عمر: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: خلّ عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل.
وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن أخي الماجشون قال (3): بلغنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرّها سرّا عن أهله، فبصرت به امرأته يوما قد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرّتك؟ فجاحدها ذلك. قالت: فإن كنت صادقا فاقرأ آية من القرآن، فقال:
شهدت بأنّ وعد الله حقّ … وأنّ النّار مثوى الكافرينا
فقالت: زدني في آية أخرى. فقال:
__________
(1) الرجز روي بزيادة واختلاف، فهو في ابن هشام 4/ 13
وفي ابن اسلام برواية:
خلّوا بني الكفار عن سبيله، … خلّوا، فكل الخير مع رسوله
نحن ضربناكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مغيله … ويذهل الخليل عن خليله
وفي سير اعلام النبلاء 1/ 169:
خلّوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله
وفي ابن سعد 3/ 2: 80: (خلوا فإن الخير مع رسوله).
وفي ابن سيد الناس 2/ 149:
خلوا بني الكفار عن سبيله … قد أنزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله
وقال ابن هشام «نحن قتلناكم على تأويله» الى آخر الابيات، لعمار بن ياسر في هذا اليوم، كذا. وانظر رجز عمار بن ياسر في كتاب وقعة صفين: 286.
(2) الهام: جمع هامة، وهي الرأس. ومقيل الرأس: مغرزه بين الكتفين.
(3) انظر الخبر في أعلام النبلاء 1/ 171.
(1/290)

وأنّ العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش ربّ العالمينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال:
وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مقرّبينا
فقالت: آمنت بالله وكذّبت البصر. فأتى ابن رواحة رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحدّثه، فضحك ولم يغير عليه (1).
وأخرج ابن عساكر عن عكرمة، مولى ابن عباس: أن عبد الله بن رواحة كان مضجعا الى جنب امرأته، فخرج الى الحجرة فواقع جارية له، فاستيقظت المرأة ولم تره، فخرجت، فإذا هو على بطن الجارية فرجعت، فأخذت الشفرة، فلقيها ومعها الشفرة فقال لها: مهيم مهيم، فقالت: مهيم، أما أني لو وجدتك حيث كنت لوجأتك بها: قال: وأين كنت؟ قالت: على بطن الجارية. قال: ما كنت؟ قالت: بلى، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، فقالت: اقرأه.
فقال:
أتانا رسول الله يتلو كتابه … كما لاح مشهور من الصّبح ساطع
أتانا بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا اشتعلت بالكافرين المضاجع
قالت: آمنت بالله وكذبت بصري. قال: فغدوت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه.
وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكروا أن عبد الله بن رواحة ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته وقد بلغها، فقالت، له ذات يوم، وبلغها انه كان عندها:
__________
(1) كذا في الاصل، وفي اعلام النبلاء: (ولم ينكر عليه). وفي حاشية الامير 1/ 92: (ولم يعير عليه).
(1/291)

إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية. فقال لها: ما فعلت. قالت: بلى، وقد بلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلّا جنبا، فإن كنت صادقا فاقرأ آيات من القرآن.
فقال:
شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... الأبيات
قالت: أما إذا قرأت القرآن فإني قد عرفت انه مكذوب عليك. قال: فافتقدته ذات ليلة فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى رأته في ناحية الدار فقالت:
الآن صدقت ما بلغني، فجحدها. فقالت: إقرأ آيات من القرآن إن كنت صادقا، فقال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه … إدا انشقّ معروف من الصّبح ساطع
الأبيات ... فحدث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك فضحك حتى ردّ يده على فيه وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا ابن رواحة، ان خياركم خيركم لنسائه، فأخبرني ما الذي ردّت عليك حيث قلت ما قلت، قال:
قالت لي: أما اذا قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لقد وجدتها ذات فقه في الدين.
وأخرج (1) ... عن أبي هريرة أنه قال في قصصه، وهو يذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ان أخا لكم لا يقول الرفث، يعني بذلك عبد الله بن رواحة، حيث يقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... الأبيات
وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عروة، قالت لما نزلت: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله اني منهم. فأنزل الله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...) (2) حتى ختم الآية.
__________
(1) هنا بياض بالاصل، كما في النسخ التي بأيدينا.
(2) الشعراء 26، الآية 224.
(1/292)

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال «1»: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فقال لها: تدرين لم تزوجتك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله بن رواحة في بيته. فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبدا.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (1): أنّ عبد الله بن رواحة أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ذات يوم وهو يخطب، فسمعه يقول:
اجلسوا. فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من خطبته. فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله.
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال (2):
ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرا من عبد الله بن رواحة يوم يقول له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قل شعرا تقتضيه الساعة وأنا أنظر اليك، ثم أبدّه بصره، فانبعث عبد الله بن رواحة يقول:
إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه … والله يعلم ما إن خانني بصر (3)
أنت النّبيّ ومن يحرم شفاعته … يوم الحساب فقد أرزى به القدر
فثبّت الله ما أتاك من حسن … كالمرسلين، ونصرا كالّذي نصروا
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وأنت فثبتك الله.
قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن ثبات، فقتل شهيدا، وفتحت له الجنة فدخلها.
__________
(1) سير أعلام النبلاء 1/ 167
(2) انظر الهامش 1 و 2 ص 289.
(3) في ابن سلام واعلام النبلاء:
فراسة خالفتهم في الذي نظروا
(1/293)

134 - وأنشد:
ألا إنّ قرطا على آلة … ألا إنّني كيده ما أكيد (1)
هذا للأخرم السنبسي، وبعده:
بعيد الولاء بعيد المحل … من ينأ عنك فذاك السّعيد
وعز المحل لنا بائن … بناه الإله ومجد تليد
ومأثرة المجد كانت لنا … وأورثناها أبونا لبيد
قرط: رجل من سنبس، والآلة: الحالة، ولا يقال بغيرها. و (ما) زائدة، لا نافية، لأن (ما) خبرها لا يعمل فيما قبلها، ولا موصولة ولا مصدرية، لئلا يتقدم الصلة على الموصول. والمعنى: اني أكيد كيده كما يكيدني لأكون خيرا منه (2).
وبعيد الولاء: خبر هو مقدر. وقوله: (من ينأ عنك) على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وبائن: ظاهر. وبناه: خبر ثان، أو حال من ضمير بائن. ومجد:
عطف على فاعل بناه، أو مستأنف، أو لنا مجد تليد. والمآثر: المكارم، لأنها تؤثر، أي تروى وتنقل.
135 - وأنشد:
آليت حبّ العراق أطعمه (3)
هو للمتلمّس، وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر بن شبّة قال (4):
__________
(1) رواية ابن هشام، وفي حاشية الأمير: (لا أكيد).
(2) في حاشية الامير معلقا على شرح السيوطي معنى البيت: (ورحم الله السيوطي، فإن هذا لا يلائم استشهاد المصنف، ولم ينبه على ذلك).
(3) الكتاب 1/ 17، والشعراء 135 (أكله)، وأمالي ابن الشجري 1/ 329، والاغاني 23/ 545 و 553 (الثقافة).
(4) القصة في الشعراء 134 - 135، والاغاني 21/ 125 - 127، والخزانة 1/ 446 و 3/ 77 وانظر الاغاني 23/ 539 وما بعد (الثقافة).
و 542 - 545.
(1/294)

كان طرفة بن العبد وخاله المتلمّس وفدا على عمرو بن هند، فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم أنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فأشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال:
ما ترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، وانّ أعجب منّي لمن يحمل حتفه بيده وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه.
ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه الى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: اذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيّا.
فأقبل على طرفة فقال: تعلم والله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت الى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وقال:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم … أمّا فيصدقهم بذاك الأنفس
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما … ونجا، حذار حبائه المتلمّس
أطريفة بن العبد إنّك حائن … أبساحة الملك الهمام تمرّس
ألق الصّحيفة، لا أبالك، إنّه … يخشى عليك من الحباء النّقرس
ومضى طرفة بكتابه إلى صاحب البحرين فقتله، فقال المتلمس:
عصاني، فما لاقى رشادا وإنّما … يبين من الأمر الغويّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة … يمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
وهرب المتلمس فلحق بالشام، وقال يهجو عمرو بن هند (1):
إنّ العراق وأهله كانوا الهوى … فإذا نبا بي أهله فليبعد
__________
(1) الاغاني 23/ 555، باختلاف الرواية واللفظ.
(1/295)

فلتركبن منهم بليل يا فتى … تدع السّماك وتهتدي بالفرقد (1)
لبلاد قوم لا يرام هديّهم … وهديّ قوم آخرين هو الرّدي
كطريفة بن العبد كان هديّهم … ضربوا صميم قذاله بمهنّد (2)
إنّ الخيانة والمغالة والخنا … والغدر اتركه ببلدة مفسد
ملكا يلاعب أمّه وقطينها … رخو المفاصل أيره كالمرود (3)
بالباب يرصد كلّ طالب حاجة … فإذا خلا فإلمرء غير مسدّد
فبلغ شعره عمرا فآلى إن وجده بالعراق ليقتله، فقال المتلمس:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه … والحبّ يأكله في القرية السّوس
لم تدر بصرى بما آليت من قسم … ولا دمشق إذا ديس الكداديس
يال بكر ألا لله أمّكم … طال الثّواء وثوب العجز ملبوس
أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم … واستحمقوا في مراس القوم أو كيسوا
شدّوا الرّحال على بزل مخيّسة … والضّيم ينكره القوم المكاييس (4)
__________
(1) في الاغاني قال: (فإن السماك يمان والفرقد شاميّ).
(2) في الاغاني: (الهديّ: الجار هنا، والهديّ أيضا: الأسير، يقول:
إن جار غسان لا يضام ولا يرام بسوء).
(3) في الأغاني: (ملك يلاعب أمه وقطينه) وقال: (يريد عمرو بن هند. والقطين: الحشم، رماه بالمجوسية ونكاح الامهات، ويقال:
بل أراد ان به تأسفا).
(4) في الاغاني برواية:
ردّوا عليهم جمال الحيّ فارتحلوا … والظلم ينكره القوم الأكاييس
وقال: ويروى:
شدوا الجمال بأكوار على عجل … والضيم ينكره القوم المكاييس
(1/296)

وأخرج ... (1) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب لعيينة بن حصن كتابا، فقال:
يا محمد، أتراني حاملا الى قومي كتابا كصحيفة المتلمّس. قال الخطابي: يقول:
لا أحمل الى قومي كتابا لا علم لي بما فيه.
وقال الفرزدق (2):
يا مرو، إنّ مطيّتي محبوسة … ترجو الحباء وربّها لم ييأس
وحبوتني بصحيفة مختومة … يخشى عليّ بها حباء النّقرس
ألق الصّحيفة يا فرزدق لا تكن … نكداء مثل صحيفة المتلمّس
قوله: آليت، أي حلفت على حبّ العراق لا آكله، مع أن الحب متيسر، فحذف الجار ونصب، وهو محل الاستشهاد. والسوس: قمل القمح ونحوه. قال الكسائي:
ساس الطعام يساس، وأساس يسيس سوسا، بالفتح، والاسم بالضم. قال العيني:
وقد اختلف في قوله: آليت، هل بضم التاء أو بفتحها، فكلام العسكري يقتضي أنه بالضم، وكذا الرواية السابقة. وقال: وصرح غيره من العلماء بالشعر واللغة بأنه بالفتح، وكذا ضبطوه في كتاب سيبويه، وقالوا: انه يخاطب بذلك عمرو بن هند، لأنه لما هجاه، حلف عمرو أنه لا يطعم المتلمس بعدها حبّ العراق، أي انه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق، فلا سبيل له الى أكل حبها. فقال المتلمس ذلك. أي حلفت يا عمرو، لا تتركني بالعراق والطعام لا يبقى وان استبقيته، بل يسرع إليه الفساد ويأكله السوس، فالبخل به قبيح. وقوله: (لم تدر بصري ... البيت) أي لم تعلم بصرى أنك حلفت، فأنا آكل من طعامها، وكذلك دمشق، فانا أكون في موضع لا أمر لك فيه، فلا أخافك على نفسي، وأنا في خصب وخير. والدهر: نصب على الظرف، وأطعمه على حذف (لا) النافية، أي لا أطعمه. وبصرى، بضم الموحدة، مدينة بالشام. والكداديس: أكداس الطعام، ولا واحد لها من لفظها، قاله النحاس.
__________
(1) بياض بالاصل.
(2) انظر الاغاني 23/ 546 - 549 (الثقافة).
(1/297)

وقال الجوهري: واحدها كدس بالضم (1).

فائدة: [المتلمس]
المتلمس اسمه جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن ريد بن دوفن بن أوس بن حرب ابن وهب بن جليّ بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الضبعي، شاعر مشهور جاهلي؛ ذكره الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية، وقال: محكم مفلق، في أشعاره قلة، وهو خال طرفة بن العبد. وإنما سمي المتلمس لقوله (2):
فهذا أوان العرض جنّ ذبابه … زنابيره والأزرق المتلمّس
وأخرج ابن عساكر من طريق أبى العيناء عن الأصمعي قال: قال الخليل بن أحمد:
أحسن ما قاله المتلمس (3):
وأعلم علم حقّ غير ظنّ … لتقوى الله خير في المعاد
وحفظ المال خير من فناه … وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه … ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال أبو عبيدة (4): اتفقوا على أنّ أشعر المقلّين في الجاهليّة ثلاث: المسيّب ابن علس والحصين بن الحمام والمتلمّس.
__________
(1) في الاغاني 23/ 553 «يقول: لم تدر بلاد الشام بيمينك فتبرّها وتمنعني حبها كما منعتني حب العراق. والكداديس: جمع كدس، على غير قياس. ويروى: (إذا ديس الفراديس)، والفراديس درب يقال له درب الفراديس. وقال ابن النحاس: الفراديس: موضع بدمشق، أي إذا درست الزروع التي عند الفراديس. وقال الأصمعي:
الفراديس: البساتين، واحدها فردوس، أي لم تبلغ الشام يمينك لهوانك عليها، يهزأ به. وقوله: (والحب يأكله في القرية السوس)، لكثرته عندهم».
(2) انظر ص 48.
(3) انظر ص 209 و 266.
(4) الشعراء 630.
(1/298)

شواهد أيمن
136 - أنشد:
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم: … نعم، وفريق ليمن الله لا ندري
هو لنصيب بن رباح البدوي. قال القالي في أماليه (1)، ثنا أبو بكر بن الأنباريّ، ثنا ثعلب عن الزّبير، عن شيخ قال: ثنا، رجل من الخضر بالسّعد، وهو موضع (2) قال: جاءنا نصيب إلى مسجدنا فاستنشدناه، فأنشدنا:
ألا يا عقاب الوكر وكر ضريّة … سقيت الغوادي من عقاب ومن وكر (3)
تمرّ اللّيالي والشّهور ولا أرى (4) … مرور اللّيالي منسياتي ابنة العمر
تقول صلينا واهجرينا وقد ترى … إذا هجرت أن لا وصال مع الهجر
__________
(1) 2/ 206 - 207
(2) كذا في الأصل، وفي الامالي (الخضر بالسغد) بالسين المهملة المشددة، والغين المعجمة، و (السّعد) بالمهملة: ماء على طريق المدينة، وهو لبني ثعلبة بن جحاش بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان (البكري 829).
وفي الاغاني 1/ 350 (دار الكتب): (الجفر) وهو موضع بناحية ضريّة من نواحي المدينة. وفي القصيدة بيت ذكر في الاغاني والامالي يذكر فيه (الجفر) وذكر في الأصل ص 300: (الغمر) وهو:
لقد زادني للجفر حبا وأهله … ليال أقامتهنّ ليلى على الجفر
(3) وكذا في اللسان (ضرا)، وفي الاغاني والامالي: (سقتك الغوادي).
وضرية: قرية عامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة ونجد.
(4) في الاغاني: (تمر الليالي ما مررن).
(1/299)

فلم أرض ما قالت ولم أبد سخطة … وضاق بما جمجمت من حبّها صدري
ظللت بذي ودّان أنشد بكرتي … ومالي عليها من قلوص ولا بكر
وما أنشد الرّعيان إلّا تعلّة … لواضحة الأنياب طيّبة النّشر (1)
فقال لي الرّعيان: لم تلتبس بنا … فقلت: بلى، قد كنت منها على ذكر
وقد ذكرن لي بالكثيب مؤالفا (2) … قلاص عديّ أو قلاص بني وبر
فقال فريق القوم لمّا نشدتهم: … نعم، وفريق ليمن الله لا ندري (3)
أما والّذي حجّ الملبّون بيته … وعلّم أيّام الذّبائح والنّحر (4)
لقد زادني للغمر حبّا وأهله … ليال أقامتهنّ ليلى على الغمر (5)
فهل يأثمنّي الله في أن ذكرتها … وعلّلت أصحابي بها ليلة النّفر
وسكّنت مابي من ملال ومن كرى … وما بالمطايا من جنوح ومن فتر (6)
أخرجه أبو الفرج في الأغاني قال (7): أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، أنبأنا
__________
(1) في الامالي والاغاني: (بواضحة ..).
(2) في الأمالي: (وقد ذكرت لي ..).
(3) رواية الشاهد، أي البيت، كما في الامالي:
فقال فريق القوم: لا، وفريقهم نعم: وفريق قال: ويلك ما ندري ثم زاد فقال: (قال ابو علي: أنشدنا أبو بكر بن دريد بعض هذه الأبيات:
فقال فريق القوم: لا وفريقهم نعم … وفريق: أيمن الله ما ندري. . الخ)
(4) في الامالي: (عظم). ورواية البيت كما في الاغاني:
أما والذي نادى من الطّور عبده … وعلّم أيام المناسك والنحر
(5) في الامالي والاغاني (الجفر) وانظر الحاشية رقم 2 ص 299.
(6) في الامالي: (.. من سأم ... ولا فتر)، وانظر اللآلي 825 - 826، وفي اللسان (نفر): (من كلال ..).
(7) ليس هذا النص في الاغاني وانظر 1/ 350 (دار الكتب).
(1/300)

الزّبير بن بكّار إجازة عن هرون بن عبد الله الزّبيري عن شيخ من الخضر (1):
والدّان موضع معروف، فذو زائدة. ويروى: (بذي دوران). وأنشد بكرتي: أطلب ناقتي.
والبكرة: الفتاة من الأبل. والرعيان: جمع راع. والتعلة: العذر والتعلل.
وواضحة الأنياب: أي جارية بيضاء الأسنان. والنشر: الرائحة. وذكر: بضم الذال وكسرها، أي تذكر، أي ذكر لي أنها هناك بالكثيب، وهو المجتمع من الرمل.
وموالفا: أي مصاحبة لقلاصي. عديّ وبني وبر: وهما قبيلتان. واليمن: لغة في أيمن، وهي كلمة قسم. قال التدمريّ: ويروى (أيمن الله) باليمن. والغمر: بغين معجمة، موضع معروف (2). وليلة النّفر: من ليالي الحج المعروفة. والكرى:
النعاس. والجنوح: الميل والتكاسل من شدة البين. والفتور: ضد النشاط.

فائدة: [نصيب بن رباح]
نصيب بن رباح، أبو محجن (3). وقيل: أبو الحجناء مولى عبد العزيز بن مروان، من الطبقة السادسة من شعراء الاسلام (4). كان عبدا أسودا، وكان عفيفا لم يتشبب قط إلا بامرأته. وكان أهل البادية يدعونه النصيب، تفخيما له (5).
وفي الأغاني (6): انه كان شاعرا فحلا فصيحا مقدّما في النّسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء. وقال (7): وحمله عبد العزيز بن مروان بمقطّم مصر على
__________
(1) كما في الامالي والاغاني، وفيهما: (وقفت ..) وانظر البكري 561
(2) انظر البكري 1002 - 1003
(3) وكذا في كنى الشعراء 290، وفي الاغاني 1/ 352: (أبو الححناء).
(4) طبقات الشعراء لابن سلام 529، وعد من طبقته: عبيد الله بن قيس الرقيات، والأحوص، وجميل.
(5) الاغاني 1/ 320 (دار الكتب).
(6) الاغاني 1/ 324 (دار الكتب).
(7) الاغاني 1/ 338 (دار الكتب).
(1/301)

بختيّ قد رحله بغبيط فوقه (1) وألبسه مقطّعات وشي (2)، ثم أمره أن ينشده، فاجتمع حوله السّودان وفرحوا به، فقال لهم: أسررتكم؟ قالوا: أي والله، قال: والله لما يسؤكم من أهل جلدتكم أكثر. قال (3): وقيل له مرة: أنت لا تحسن الهجاء، قال: بلى والله، أتراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله! قيل: فإنّ فلانا قد مدحته فحرمك فاهجه، قال: لا والله، ما ينبغي لي أن أهجوه، إنما ينبغي أن أهجو نفسي حيث مدحته. فقيل: هذا والله أشد من الهجاء. قال (4):
ودخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما حاجتك؟ قال: بنيّات لي نفصت عليهنّ سوادي فكسدن أرغب بهنّ عن السوّدان، ويرغب عنهنّ البيضان، قال: فتريد ماذا؟ قال: تفرض لهنّ، ففعل. وقيل لنصيب (5): هرم شعرك، قال:
لا والله ماهرم، لكن العطاء هرم.
ونصيب هذا هو الأكبر، ولهم نصيب الأصغر، شاعر مولى المهدي بن المنصور.
__________
(1) الغبيط: الرحل، وهو للنساء يشد عليه الهودج، والجمع: غبط.
(2) المقطعات من الثياب: شبه الجباب ونحوها من الخز وغيره، ومنه قوله تعالى: (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ) أي خيطت وسوّبت وجعلت لبوسا لهم. والمقطعات: واحدها مقطعة، وقيل لا واحد لها، فلا يقال للجبة مقطعة ولا للقميص مقطع، وإنما يقال لجملة الثياب مقطعات وللواحد ثوب.
(3) الاغاني 1/ 344 و 355 - 356 (دار الكتب).
(4) الاغاني 1/ 347 (دار الكتب).
(5) الاغاني 1/ 366 (دار الكتب).
(1/302)

حرف الباء
شواهد الباء المفردة
137 - وأنشد:
وبات على النّار النّدى والمحلّق
هو للأعشى من قصيدة يمدح بها المحلّق (1)، وصدره:
تشبّ لمقرورين يصطليانها
وقبله:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة … إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
وبعده:
رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسما (2) … بأسحم داج عوض لا نتفرّق
يداك يدا صدق فكفّ مفيدة … وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق
وأول القصيدة:
أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق … وما بي من سقم وما بي معشق
__________
(1) ديوانه 217، ق 33، والاغاني 9/ 110 - 111 (الثقافة)
(2) في الديوان والاغاني: (أم تحالفا).
(1/303)

ولكن أراني لا أزال بحادث … أغادى بما لم يمس عندي وأطرق
ومنها:
ولا الملك النّعمان يوم لقيته … بنعمته يعطي القطوط ويأفق (1)
ومنها:
تريك القذى من دونها وهي دونه … إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
قوله: أرقت، الأرق: هو السهر، وقيل: هو سهر أول الليل خاصة. وقيل:
ان كسرى لما أنشد هذا البيت قال: هذا يريد أن يسرق (2) يريد: لما نفى أن سهره لم يكن لمرض ولا عشق.
والمحلق: اسم الممدوح. وفي الأغاني (3): قال المفضل:
اسمه عبد العزيز بن خيثمة بن شدّاد، وإنما سمي محلّقا لأن حصانا له عضّة في وجنته فحلّق فيها حلقة. والمراد بالنار، نار القرى، وهي إحدى نيران العرب.
قال العسكري في الأوائل: كان هذا البيت يستحسن في صفة نار القرى، حتى قال الحطيئة (4):
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد
فعفى على الاول هكذا. قالوا: قال: وعندي أنّ الأوّل أحسن وأعرب.
وقوله: (رضيعي لبان ... البيت) قال ابن قتيبة: يقول: حالف الجود أن لا يفارقه وهما في الرحم، وهو أسحم داج. وعوض: الدهر، أراد: لا تتفرّق أبدا. وقال شارح اللباب: رضيعي، حال من الندى، والمحلق وثدي أم، على تقدير من. واللبان:
__________
(1) في الديوان والاغاني: (بأمّته - يعطي ...).
(2) في الاغاني: (وأنشد الاعشى قصيدته هذه كسرى، ففسرت له، فلما سمعها قال: إن كان هذا سهر لغير سقم ولا عشق، فما هو إلا لص).
وانظر الشعراء 214، والخزانة 1/ 551 - 552
(3) 9/ 112 (الثقافة).
(4) الامالي 1/ 115، واللآلي 345، والاغاني 2/ 200 (دار الكتب) والخزانة 3/ 661، والبيان والتبيين 2/ 22 وسيأتي الخبر والشعر.
(1/304)

بالكسر، لبن المرأة خاصة. واسحم داج: قيل: الليل. والباء: ظرفية، أي تحالفا في ليل شديد السواد. وقيل: هو الرحم، أي تحالفا في ظلمة الأحشاء قبل الولادة.
وقيل: هو الرماد، أي تحالفا عند الرماد. وقيل: زق الخمر، وللعرب عادة في التعاقد عند الشراب بذلك. وقال الدمامينيّ: الأظهر، أن المراد به الليل، لأنه زمن ايقاد النار للأضياف. وهذا البيت أورده المصنف في عوض (1).

فائدة: [نيران العرب]
قال العسكري (2): نيران العرب بضع عشرة نار: نار القرى، توقد للأضياف ليهتدي الطارقون إلى المنزل. ونار الاستمطار: كانوا اذا احتبس المطر عنهم يجمعون البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السّلع والعشر (3) ويصعدون بها في الجبل الوعر (4) ويشعلون فيها النار. ويزعمون ان ذلك من أسباب المطر. قال أميّة بن أبي
الصلت (5):
سلع ما ومثله عشر ما … عائل ما وعالت البيقورا (6)
__________
(1) أورده ابن هشام في باب (عوض) ولم يذكره السيوطي هناك كاملا.
(2) انظر الحيوان 4/ 461 وما بعد.
(3) السّلع - بالتحريك، والعشر - بضم ففتح: ضربان من الشجر، كان العرب يأخذون حطبها ويشعلون فيها النار.
(4) وروى عكسه، أي انهم كانوا يحدرونها من الجبال.
(5) من قصيدة ذكرها الجاحظ في الحيوان 4/ 466 - 467، وهي:
سنة أزمة تخيّل بالنّا … س ترى للعضاه فيها صريرا
إذ يسفّون بالدّقيق وكانوا … قبل لا يأكلون شيئا فطيرا
ويسوقون باقرا يطرد السّهل … مهازيل خشية أن يبورا
عاقدين النيران في شكر الأذ … ناب عمدا كيما تهيج البحورا
فاشتوت كلها فهاج عليهم … ثم هاجت إلى صبير صبيرا
فرآها الإله ترشم بالقط … ر وأمسى جنابهم ممطورا
فسقاها نشاصه واكف الغي … ث منه إذا رادعوه الكبيرا
سلع ما ومثله عشر ما … عائل ما وعالت البنقورا
(6) في الحيوان: (هكذا كان الاصمعي ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي البيقور، مأخوذ من البقر). وقال الاستاذ هارون محقق الحيوان: «والرواية: (البيقورا) بمعنى البقر، كما نبه وكما في اللسان (بقر، عيل) والديوان. يقال عال الشيء فلانا: -
(1/305)

وقال الودك الطائي (1):
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم … يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة … ذريعة لك بين الله والمطر (2)
ونار التحالف: كانوا يعقدون حلفهم عندها، ويذكرون منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها، على من ينقض العهد، ويهوّلون بها على من يخاف منه الغدر، وخصّوا النار بذلك دون غيرها من المنافع لأن منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها الحيوان. قال أوس بن حجر (3):
إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجهه … كما حيد عن نار المهوّل حالف (4)
__________
- ثقل عليه. القاموس. يقول: أثقلت البقر بما حملته من السلع والعشر. انظر اللسان (عيل) وأنشد البيت صاحب اللسان مرة ثالثه في (على) بعد أن قال: (وعال عليّ: أي احمل) فكأنه جعل (عالت) مرة أخرى من المعالاة، والبيت استشهد به ابن هشام في المغني على زيادة (ما) ثلاث مرات. وقد نقل السيوطي في المزهر 2/ 223 ما كتبه الجاحظ هنا عن تصحيف الأصمعي، وفيه (النيقورا). وليس احد التصحيفين بأولى من الإثبات من صاحبه، ونقل الألوسي في بلوغ الأرب 2/ 301 أن تصحيف الأصمعي هو: (وغالت البيقورا) بالغين المعجمة».
(1) كذا في الاصل، وفي الحيوان 4/ 468: (وأنشد القحذمي للو. ر. ل الطائي). وكذا في اللسان (بقر) نقلا عن الجوهري، حيث أنشد البيتين. وفي اللسان (سلع): الورك، بالراء المهملة. والقحذمي هو الوليد بن هشام القحذمي، وانظر البيان 1/ 67 و 205 و 2/ 198 ولسان الميزان 6/ 228.
(2) مسلعة: وضع في أذنابها وبين عراقيبها السلع.
(3) ديوانه 69، وهو من قصيدة مضت ص 112 - 114، الشاهد 40، واللسان والتاج، والاساس (هول)، والبيان 3/ 6، والخزانة 3/ 214، ومعجم مقاييس اللغة 6/ 20، والفائق 3/ 44 والمعاني الكبير 434.
(4) في المعاني الكبير: (كانوا يحلفون بالنار، وكانت لهم نار يقال إنها كانت بأشراف اليمن له سدنة، فإذا تفاقم الأمر بين القوم فحلف بها انقطع بينهم، وكان اسمها هولة والمهولة. وكان سادنها إذا أتى برجل هيبه من الحلف بها. ولها قيم يطرح فيها الملح والكبريت فإذا وقع فيها استشاطت وتنفضت فيقول: هذه النار قد تهددك، فان كان -
(1/306)

ونار الطرد: كانوا يوقدونها خلف من يمضي، ولا يشتهون رجوعه. قال شاعر قديم:
وجمّة أقوام حملت ولم تكن … لتوقد نارا خلفهم للتّندم
ونار الأهبة للحرب: كانوا اذا أرادوا حربا أوقدوا نارا على جبل ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم، قال عمرو بن كلثوم (1):
ونحن غداة أوقد في خزاز … رفدنا فوق رفد الرّافدينا
فاذا جدّ الأمر أوقدوا نارين، قال الفرزدق (2):
لولا فوارس تغلب ابنة وائل … نزل العدوّ عليك كلّ مكان
ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوا … نارين أشرقتا على النّيران (3)
ونار الصيد: توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها، ويطلب بها بيض النّعام، قال طفيل (4):
__________
- مريبا نكل وإن كان بريئا حلف). وفي الاساس (هول) 489:
(وإنه لهولة من الهول: للقبيح المنظر، وأصلها النار التي كانت توقد في بئر ويطرح فيها ملح وكبريت فإذا انتفضت واستشاطت، قال المهوّل، وهو الطارح للمستحلف عندها: هذه النار قد تهددتك فينكل عن اليمين) وأورد البيت.
(1) الحيوان 4/ 475، والبكري 496، وخزاز جبل لغني، ويوم خزاز من ايام العرب، وهو يوم طخفة، وهو أيضا يوم ذات كهف، وانظر عنه العمدة 2/ 191 - 192، والبكري 496 - 497، والعقد 3/ 365
(2) من قصيدة يهجو بها جريرا، وهي في الديوان 882 - 883، والخزانة 3/ 214، ومحاضرات الراغب 2/ 278، والحيوان 4/ 475.
(3) في المراجع السابقة البيت الاول في الحيوان: (سدّ العدو عليك).
ورواية البيت الثاني (نارين أشرفتا) بالفاء، وفي الديوان (قتلوا الصنائع ..).
(4) الامالي 2/ 83، واللآلي 717، والحيوان 4/ 348 و 484.
(1/307)

عوازب لم تسمع نبوح مقامة … ولم تر نارا تمّ حول مجرّم
سوى نار بيض أو غزال بقفرة … أغنّ من الخنس المناضر توأم
ونار الأسد: كانوا يوقدونها إذا خافوه، وهو إذا رأى النار استهالها فتشغله عن السابلة.
ونار السليم: توقد للملدوغ والمجروح إذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضّه الكلب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤدّيهم الى الهلكة. قال الأعشى في نار المجروح (1):
أبا ثابت إنّا إذا يسبقوننا … سنركب خيل أو ينبّه نائم
بدامية يغشى الفراش رشاشها (2) … يبيت لها ضوء من النّار جاحم
ونار الفداء: كان الملوك إذا سبوا القبيلة خرجت إليهم السادة للفداء والاستيهاب، فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، أو في الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون لأنفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن. قال الأعشى (3):
ومنّا الّذي أعطاه بالجمع ربّه … على فاقة وللملوك هباتها
نساء بني شيبان يوم أوارة (4) … على النّار إذ تجلى له فتياتها
ونار الوسم: يقال للرجال: ما نارك؟ أي ما سمة إبلك (5).
__________
(1) ديوانه 81 من قصيدته المشهورة: هريرة ودعها وإن لام لائم، وفيه برواية: (.. إذا تسبقنا سيرعد سرح).
(2) في الديوان: بمشعلة يغشى.
(3) ديوانه 87 من المقطوعة 10 وفيه (.. في الجمع ربه ..).
(4) في الديوان (سبايا بني شيبان).
(5) الوسم: التعليم على الإبل بالميسم، وهو المكواة.
(1/308)

قرّب بعض اللصوص إبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه. وإنما يسأل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كلّ قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال (1):
تسألني الباعة أين نارها … إذا زعزعوها فسحت أبصارها (2)
كلّ تجار إبل تجارها … وكلّ دار لأناس دارها
وكلّ نار العالمين نارها
وقال الآخر (3):
يسقون آبالهم بالنّار … والنّار قد تشفي من الأوار
يقول: لما رأوا نارها خلوا لها المنهل، فشربت لعز أصحابها.
ونار الحرب مثل لا حقيقة لها. ونار الحباحب: كل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح بين نعال الدواب وغيرها. قال أبو حيّة:
وأوقدن نيران الحباحب والتقى … غضّى نتراقى بينهنّ ولاوله
ونار اليراعة وهو طائر صغير، إذا طار بالليل حسبته شهابا، وضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبته شرارة.
ونار البرق: العرب يسمون البرق نارا (4).
__________
(1) الخزانة 3/ 213 والحيوان 4/ 492، ومحاضرات الراغب 2/ 290، وأمثال الميداني 2/ 74.
كذا في الاصل، ورواية الحيوان:
(2)
تسألني الباعة ما نجارها … إذ زعزعوها فسمت أبصارها
وكذا في الخزانة وبرواية: (إذ زعزعتها).
(3) سيأتي ص 316، الشاهد رقم 141.
(4) في الحيوان 4/ 487: (وقال الأعرابي، وذكر البرق:
نار تعود به للعود جدّته … والنار تشعل نيرانا فتحترق
-
(1/309)

ونار الحرّتين: كانت في بلاد عبس، تخرج من الأرض فتؤذي من مرّ بها، وهي التي دفنها خالد بن سنان النبي عليه الصلاة والسّلام. قال خليد:
كنار الحرّتين لها زفير … تصمّ مسامع الرّجل السّميع
ونار السعالى: شيء يقع للمتغرّب والمتقفر. قال عبيد بن أيوب (1):
ولله درّ الغول أيّ رفيقة … لصاحب ودّ خائف متقفر
أرنّت للحن بعد لحن وأوقدت … حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر
والنار التي توقد بالمزدلفة، حتى يراها من دفع من عرفة، فهي توقد إلى الآن.
وأوّل من أوقدها قصيّ. انتهى كلام العسكري ملخصا.
وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس، عن نافع بن الأزرق، سأله عن قوله تعالى: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) قال: القط الجزاء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
نعم، أما سمعت قول الأعشى:
ولا الملك النّعمان يوم لقيته … بنعمته يعطي القطوط ويطلق
138 - وأنشد:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني (2)
قاله رجل من بني سلول، وتمامه:
فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
__________
- يقول: كل نار في الدنيا فهي تحرق العيدان وتبطلها وتهلكها، إلا (نار البرق)، فإنها تجيء بالغيث، وإذا غيثت الارض ومطرت أحدث الله للعيدان جدّة، وللأشجار أغصانا لم تكن).
(1) عبيد بن أيوب شاعر بني العنبر، وترجم له في الشعراء 758 - 761، واللآلي 383 - 384 والبيتان في الخزانة 3/ 213، واللآلي 384 والحيوان 4/ 483 و 6/ 165، والشعراء 759.
(2) الخزانة 1/ 173 و 2/ 161 و 166 و 293 و 497، وابن عقيل 2/ 57.
(1/310)

وبعده:
غضبان ممتلئا عليّ إهابه … إنّي وربّك سخطه يرضيني (1)
اللئيم: الدنيء الأصل. وجملة (يسبّني) صفة لأن اللام فيه جنسية. وقيل:
حال. و (يعنيني) بمعنى يقصدني. وقوله: فمضيت: بمضى أمضى. قال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف: وانما عبر بلفظ الماضي تحقيقا لمعنى الاغضاء والاعراض. واستشهد ابن مالك في شرح التسهيل به على أن المضارع المعطوف عليه ماض يكون ماضي. المعنى: فامرّ ماضي، المعنى لعطف مضيت عليه. وثمّت:
حرف عطف لحقتها الثاء. قال الشيخ سعد الدين: وذلك في عطف الجمل خاصة (2).
139 - وأنشد:
تمرّون الدّيار ولم تعوجوا (3)
هو لجرير من قصيدة أولها:
متى كان الخيام بذي طلوح … سقيت الغيث أيّتها الخيام
تنكّر من معالمها ومالت … دعائمها وقد بلي الثّمام
أقول لصحبتي وقد ارتحلنا … ودمع العين منهمل سجام
تمرّون الدّيار ولم تعوجوا … كلامكم عليّ إذن حرام
__________
(1) في الخزانة 1/ 173: (وحقّك سخطه ..).
(2) وبعده شرح البيت الثاني كما في الخزانة: (وغضبان بالنصب: حال من اللئيم، أو بالرفع: خبر مبتدأ محذوف. وممتلئا: حال سببية من ضمير غضبان. وإهابه: فاعل ممتلئا، وهو في الاصل الجلد الذي لم يدبغ، وقد استعير هنا لجلد الانسان. والسخط بالضم: اسم مصدر، والمصدر بفتحتين بمعنى الغضب، والفعل من باب تعب.
وروى الأصمعي بيتين في هذا المعنى، وهما: -
(1/311)

قال المصنف في شواهده: هكذا أنشده الكوفيون، وأنشده بعضهم (1):
أتمضون الرّسوم ولا تحيّا
وفيه أيضا: حذف الجار والتقدير: (أتمضون عن الرّسوم).
قلت: وكذا رأيته في ديوانه. وقال شارحه: هو بمعنى أتتركون. وقال النحاس:
سمعت علي بن سليمان، يعني الأخفش الصغير، يقول: حدثني محمد بن يزيد، يعني المبرّد قال: حدثني عمارة بن بلال بن جرير قال: إنما قال: (2)
جدّي مررتم بالدّيار
وعلى هذا فلا شاهد فيه.
والثّمام، بضم المثلثة، جمع ثمامة، وهو نبت. وذو طلوح: بضم الطاء، اسم
__________
=
لا يغضب الحرّ على سفلة … والحرّ لا يغضبه النذل
إذا لئيم سبّني جهده … أقول: زدني فلي الفضل
وأنشد سيبويه البيت الشاهد، على أن (مرّ) قد وضع موضع مررت، وجاز أمرّ في معنى مررت، لأنه لم يرد ماضيا منقطعا، وإنما أراد أن هذا أمره ودأبه، فجعله كالفعل الدائم. وقيل: معنى (ولقد أمر): ربما أمرّ، فالفعل على هذا في موضعه).
(1) ديوانه 512، والكامل 1/ 33، وابن عقيل 1/ 188، والخزانة 3/ 671.
(2) وهي رواية الديوان، ورواية المبرد، كرواية الشاهد بالاصل، وقال المبرد 1/ 34: ورواية بعضهم له (اتمضون الدّيار) فليسا بشيء. والسماع الصحيح، والقياس المطرد، لا تعترض عليه الرواية الشاذة. أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
مررتم بالدّيار ولم تعوجوا
فهذا يدلك على أن الرواية مغيّرة.
قلت: وبهذه الرواية لا شاهد فيه على حذف الجار.
وانظر بعض أبيات من القصيدة في الأمالي 1/ 120 واللآلي 355 والكامل 635 - 636 وطبقات الشعراء 353، وأمالي المرتضى 1/ 541 و 2/ 256، وهي في الديوان 512 - 515.
(1/312)

موضع (1). وسجام، بكسر أوله، مصدر، سجم الدمع: أي سال. وتعوجوا:
من العوج، وهو عطف رأس البعير بالزمام، أي لم تميلوا الينا. وبعد هذا البيت:
أقيموا إنّما يوم كيوم … ولكنّ الرّفيق له ذمام
بنفسي من تجنّبه عزيز … عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه … ويطرقني إذا هجع النّيام
قال في شرح ديوان زهير قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح
أي كانه لم يكن بذي طلوح خيام قط (2). ومن أبيات هذه القصيدة بيت استشهد به على ترك التاء من الفعل المسند إلى المؤنث، للفصل بينهما بالمفعول:
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء … على باب استها صلب وشام
صلب: بضمتين، جمع صليب. وشام: جمع شامة.
__________
(1) ذو طلوح، ذكره البكري 893 عن عمارة بن عقيل أنه واد في أود يصب في رقمة فلج، والرقمة في أرض بني العنبر .. ، وأنشد البيت.
(2) في شرح ديوان زهير (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 87 أدب)، قال (زهير) يمدح هرم بن سنان ابن أبي حارثة:
كم للمنازل من عام ومن زمن … لآل أسماء بالقفّين فالرّكن
ساءه دروس هذه المنازل فقال: كم لها ليت شعري من الأعوام حتى صارت إلى هذا. وهذا كقول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح … سقيت الغيث أيتها الغمام
اشتد حزنه على أهلها فقال: متى كان الخيام، أي كأن لم يكن بذي طلوح خيام قط. وانظر شرح ديوان زهير ص 116.
(1/313)

140 - وأنشد:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم … قطينا لهم حتّى إذا نبت البقل (1)
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها سنان بن أبي حارثة، وأولها (2):
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو … وأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل
وقبل هذا البيت:
إذا السّنة الشّهباء بالنّاس أجحفت … ونال كرام المال في الجحرة الأكل (3)
وبعده:
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا … وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
وفيهم مقامات حسان وجوهها … وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حقّ من يعتريهم … وعند المقلّين السّماحة والبذل
وما بك من خير أتوه فإنّما … توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجه … وتغرس إلّا في منابتها النّخل
والتّعانيق والثّقل: موضعان (4). والجحرة: بتقديم الجيم المفتوحة، السنة
__________
(1) ديوانه 111، وفيه (أنبت البقل).
(2) القصيدة في الديوان 96 - 115 وفيه (وقال أيضا في هرم بن سنان ابن أبي حارثة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري). وفي بعض نسخ الديوان والأعلم (وقال أيضا لسنان بن أبي حارثة).
(3) في الديوان: (في السنة الأكل).
(4) التعانيق: موضع ببلاد غطفان، وأنشد البيت: (فالثجل)، والثجل:
موضع في شق العالية، ذكره ياقوت، وأنشد البيت. وهو في اللسان: -
(1/314)

الشديدة. والبيت أورده في الصحاح شاهدا على ذلك (1). و (رأيت) جواب (اذا) ويروى: بضم التاء وفتحها. قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: والقطين: الحشم والأهل. يقول: يلزمونهم حتى يسمنون. والجمع: قطن. زاد ثعلب: والقطن:
الساكن النازل في الدار. وقوله: نبت البقل: أي أخصب الناس (2) وقوله:
(يستخبلوا) قال ابن قتيبة، قال الاصمعي، قال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف الاستخبال، وأراه قال (يستخولوا). والاستخوال: أن يملكوهم إياهم. وقال أبو عبيدة: أنشدنا أبو عمرو: (يستخولوا المال يخولوا) وقال: لم أسمع يستخبلوا.
وقال يونس: بلى، قد سمعه، ولكنه نسى. وقال غير الأصمعي: الاستخبال، أن يستعير الرجل من الرجل إبلا فيشرب من ألبانها وينتفع بأوبارها، فاذا أخصب ردها (3).
وقوله: ييسروا، من الميسر، أي يغلوا في الميسر، أي يأخذون سمان الأبل لا ينحرون إلا غالية. والمقامات: المجالس. قال ثعلب: وإنما سمّيت مقامات، لأن الرجل كان يقوم في المجلس فيحضّ على الخير ويصلح بين الناس. والأندية:
جمع ندي، وهو المجلس. و (ينتابها القول والفعل)، أي يقال فيها الجميل ويفعل به. ومكثريهم: مياسيرهم. ويعتريهم: يطلب منهم. والخطّي، بفتح الخاء المعجمة: الرمح، نسبة الى الخطّ، وهو سيف البحر عند عمان والبحرين.
ووشيجه، بالمعجمة والجيم، أصله. قال في الصحاح: الوشيجة عرق الشجرة (4).
ومعنى البيت: لا تنبت القناة إلا القناة، يعني أنهم كرام لا يولد الكريم إلا في موضع
__________
- (الثقل). وصحا القلب: يريد قلبي، فجعل الالف واللام بدلا من الاضافة. وصحا: أفاق. يقول: أفاق القلب عن حب سلمى بعدها منه، وقد كاد لا يسلو أي لا يفيق لشدة تعلقه بها.
(1) في الديوان 110: (الشهباء: البيضاء من الجدب لكثرة الثلج ليس فيها نبات. والأكل: لا يجدون لبنا فينحرون الإبل. والجحرة:
السنة الشديدة لانها أجحرت الناس وأجحفت بأموالهم. ويروى:
(في الأزمة).
(2) يريد: إذا أجدب الناس رأيت ذوي الحاجات، يعني الفقراء المحتاجين قطينا لهم يلزمون بيوتهم، يعيشون من أموالهم حتى يخصب الناس وينبت البقل.
(3) انظر اللسان: (خبل) و (خول).
(4) في الديوان: (والوشيج: القنا، واحدها وشيجة. والوشوج:
دخول الشيء بعضه في بعض).
(1/315)

كرمه. وقد استشهد المصنف بهذا البيت في التوضيح على تقدم المفعول على الفاعل لأجل الحصر.
وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس: أن نافع بن الازرق سأله عن قوله تعالى: (والمعتر) هو الذي يعتر من الأبواب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
نعم، أما سمعت قول الشاعر:
على مكثريهم حقّ من يعتريهم … وعند المقلّين السّماحة والبذل (1)
141 - وأنشد:
قد سقيت آبالهم بالنّار (2)
هذا أنشده العسكري في كتاب الاوائل هكذا:
يسقون آبالهم بالنّار … والنّار قد تشفي من الأوار
والمراد بالنار: نار الوسم، كما تقدّم شرحه قريبا، يعني انها إذا وردت المنهل ورأوا وسمها عرفوا أصحابها، فخلوا لها المنهل لتشرب، تكريما لأصحابها، فكانت النار التي هي آلة الوسم سببا لشربها. والآبال، بالمد، جمع إبل. والأوار بضم الهمزة وتخفيف الواو: حرارة العطش.
142 - وأنشد:
وليت لي بهم قوما إذا ركبوا … شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
تقدم شرحه في شواهد إذن (3).
__________
(1) ويروي: (على مكثريهم رزق من يعتريهم). يريد: أن مياسيرهم يقومون بحق فقرائهم، كما أن فقراءهم يسمحون ويبذلون بمقدار جهدهم وطاقتهم.
(2) سبق ص 309.
(3) انظر ص 68 - 70
(1/316)

143 - وأنشد:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه … لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
هو لراشد بن عبد ربه السلّمي الصحابي رضي الله عنه.
أخرج أبو نعيم في دلائل النبوّة من طريق حكيم بن عطاء السّلمي، ولد راشد ابن عبد ربه، عن أبيه، عن جدّه، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة بين رهاط تدين له هذيل، وبنو ظفر من سليم (1)، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع، قال راشد: فالفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام، وحرست السما، ورمينا بالشهب، العجب كل العجب. ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضمار، وكان يعبد: خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصلات للأرحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف:
إنّ الّذي ورث النّبوّة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتدي
نبيّ يخبر بما سبق وما يكون في غد
قال راشد: فالفيت عند سواعا مع الفجر ثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعرجان عليه ببولهما. فعند ذلك يقول راشد:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه … لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
وذلك عند مخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الى المدينة. فخرج راشد حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة. ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما اسمك؟ قال: راشد.
__________
(1) انظر الاصنام لابن الكلبي 9 - 10
(1/317)

قال: وما اسم كلبك؟ قال: ظالم. فضحك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وبايع النبي صلّى الله عليه وسلم وأقام معه، ثم طلب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطيعة برهاط، ووصفها له. فاقطعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شأو الفرس، ورمية ثلاث مرات بحجر، وأعطاه ارواة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له: فرغها في أعلى القطيعة، ولا تمنع الناس فضولها، ففعل. فجاء الماء معينا فجمه الى اليوم، فغرس عليها النخل.
ويقال: ان رهاط كلها تشرب منه، وسماه الناس ماء الرسول. وأهل رهاط يغتسلون منه ويستسقون به. وغدا راشد على سواع فكسره. هذا أخرجه بطوله وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: انه كان عند الصنم يوما، إذ أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم، وكان سادنه غاوي بن ظالم، فأنشد:
أربّ يبول الثّعلبان ... البيت
ثم كسر الصنم، وأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له: أنت راشد بن عبد الله.
وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان اسمه غويا، فسماه النبي صلّى الله عليه وسلّم راشدا. وقال المدائني: راشد هذا هو صاحب البيت المشهور (1):
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وفي طبقات ابن سعد: كان اسمه غاوي بن عبد العزي (2)، فسماه النبي صلّى الله عليه وسلم راشد بن عبد ربه.
وفيها: أن قدومه وإسلامه كان عام الفتح، وأنه شهد الفتح مع النبي صلّى الله عليه وسلّم. وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي:
الثّعلبان في البيت بضم المثلثة واللام وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. وقال بعضهم: انه وهم، وأن أبا حاتم الرازي رواه بفتح الثاء واللام وكسر النون على انه تثنية ثعلب.
144 - وأنشد:
شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت (3)
__________
(1) البيت في الاشتقاق 181 (استقر) ومعجم الشعراء 90 منسوب الى معقر بن اوس البارقي، وهو في عيون الأخبار 2/ 259 بدون نسبة.
(2) انظر الإصابة 2/ 185.
(3) ديوان الهذليين 1/ 51
(1/318)

هو من قصيدة لابي ذؤيب الهذلي وتمامه:
متى لجج خضر لهنّ نئيج
وقبله:
سقى أمّ عمرو كلّ آخر لبلة … حناتم سود ماؤهنّ ثجيج
وأول القصيدة (1):
صحا قلبه بل لجّ وهو لجوج … وزالت له بالأنعمين حدوج
الأنعمان: اسم موضع (2). وحدوج، بضم الحاء المهملة، جمع حدج: وهي مراكب النساء. وحناتم، بالحاء المهملة، الجرار الخضر. جمع حنتمة. شبه السحاب بها (3). وثجيج، من الثج، وهو السيلان. وترفعت: توسعت. ولجج بضم اللام، جمع لجة، وهي معظم الماء. ونئيج، بفتح النون وكسر الهمزة بعدها تحتية ساكنة وجيم، يقال: نأجت الريح تنأج نئيجا تحركت، فهي نؤج، ولها نئيج، أي مرّ سريع مع صوت. والبيت استشهد به المصنف هنا على ورود الباء بمعنى:
(من التبعيضية) واستشهد في التوضيح بعجزه على ورود (متى) حرف جر، بمعنى (من) وقد روي بلفظ (4):
تروّت بماء البحر ثمّ تنصبّت … على حبشيّات لهنّ نئيج
__________
(1) في الديوان 1/ 50 برواية: (صبا صبوة بل لج وهو لجوج، وزالت لها ..)
(2) الانعمان - تثنية أنعم -: موضع بناحية عمان، وهو وادي التّنعيم (البكري 200)، وقد ذكرها ياقوت ولم يعين موضعها.
(3) في ديوان الهذليين: (حناتم: يعني السحاب في سواده. والحنتم:
الجرّة الخضراء).
وقال السكري: (الحناتم: السحاب الأسود. والأخضر عند العرب الأسود، ويقال للسحاب إذا كان ريان (أسود كأنه حنتم). والبيت في اللسان (ثجج وحنتم) وفيه (سحم) بدل (سود).
(4) وهي رواية الديوان.
(1/319)

فلا شاهد فيه على واحد من الأمرين.
145 - وأنشد:
شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج (1)
هو من أبيات عزاها بعضهم لعبيد بن أوس الطائي، وصاحب الصحاح لجميل، وقد رأيتها في ديوانه. ووقفت عليها مسندة من وجه آخر لعمر بن أبي ربيعة في قصة طويلة. أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني (2) وابن عساكر في تاريخه من طريقه، أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، حدثني أبو علي الأسديّ، بشر بن موسى بن صالح، حدثني أبي عن أبي بكر القرشي قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في كساء بمضربه (3) وغلمانه حوله إذ أقبلت امرأة برزة (4) عليها أثر النعمة.
فسلّمت وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: ها أنا هو. قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمهنّ خلقا، وأكملهنّ أدبا، وأشرفهنّ حسبا. قال:
ما أحبّ ذلك اليّ. قالت: علي شرط، قال: قولي، قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك حتى إذا وصلت الموضع الذي أريد حللت الشدّ ثم أفعل ذلك (بك) (5) عند عودك، قال: شأنك، ففعلت. فقال: قال عمر: فلما انتهت بي الى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي فإذا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست، فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: نعم،
__________
(1) ديوان عمر 120، والاغاني 1/ 190 (دار الكتب)، واللسان (حشرج)، ونسب الى جميل كما في ديوانه 41 و 42 ووفيات الاعيان 1/ 161 - 164، وقال ابن برى إنها لجميل وليست لعمر، وفي الكامل 350 - 251:
وأنشدني أبو العالية: (قيل إن الشعر لعروة بن أذينة. وفي شرح العيني بهامش الخزانة 3/ 279 - 282: (أن قائل هذا الشعر هو عمر بن أبي ربيعة، وقيل هو جميل وهو الأصح وكذا قاله الجوهري).
وفي الحماسة البصرية قائله عبيد بن أوس الطائي في أخت عدي بن أوس الطائي.
(2) 1/ 190 - 192، وديوانه 116 - 123.
(3) كذا في الاصل. وفي الأغاني والديوان: (فناء مضربه).
(4) البرزة من النساء: (البارزة الجمال، أو التي تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون معها).
(5) مزيدة.
(1/320)

قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك؟ جعلني الله فداك، قالت: ألست القائل:
قالت: وعيش أخي وحرمة والدي … لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج (1)
فخرجت خوف يمينها فتبسّمت … فعلمت أنّ يمينها لم تحرج (2)
فتناولت رأسي لتعلم مسّه … بمخضّب الأطراف غير مشنّج
فلثمت فاها آخذا بقرونها … شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
قم فاخرج. ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عينيّ ثمّ أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي وانصرفت. فحللت عينيّ وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم به، وبتّ ليلتي، فلما أصبحت اذا أنابها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، فشدّت عينيّ حتى انتهت بي الى الموضع، وإذا بتلك الفتاة على كرسي فقالت: أيها يا فضّاح الحرائر! فقلت: بماذا؟ جعلني الله فداءك. قالت: بقولك (3):
وناهدة الثّديين قلت لها اتّكي … على الرّمل من جبّانة لم توسّد
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة … وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتني … فقم غير مطرود، وإن شئت فازدد
قم فاخرج عنّي، فخرجت ثم رددت، فقالت: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك. هات
__________
(1) في ديوان عمر: (وعيش أبي وحرمة أخوتي) وفي العيني: (وعيش أبي وعدة إخوتي). وفي الاغاني: (ونعمة والدي). وفي الكامل:
(وعيش أبي وأكبر أخوتي).
(2) لم تحرج: لم تضق ولم تكن جادة. ويروى (لم تلجج). وانظر اختلاف رواية ألفاظ البيت في المراجع السابقة.
(3) ديوانه 154
(1/321)

الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء، ثم نهضت، فإذا أنا بتور فيه خلوق (1)، فأدخلت يدي فيه، ثم خبأتها في ردني، ثم جاءت العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ثم صرت الى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم، فنهضت معه فإذا أنا بكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فأخذت في أهبة الرّحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرّحم أن لا تفضحني، ويحك، ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك (2).
فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت فاطمة، فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت ووجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك (3):
ضاق الغداة بحاجتي صدري … ويئست بعد تقارب الأمر
وذكرت فاطمة الّتي علّقتها … عرضا فيا لحوادث الدّهر
__________
(1) التور: إناء صغير، وسمّي بذلك لانه يتعاور ويردّد، أو سمي بالتور وهو الرسول الذي يتردّد ويدور بين العشاق. والخلوق: نوع من الطيب.
(2) هذه الواو ينصب بعدها الفعل، والشرط فيها أن يتقدم الواو نفي أو طلب كقوا، تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، وكقول القائل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
وسمّى الكوفيون هذه الواو واو الصرف وذلك لانها لا يستقيم عطف ما بعدها على ما قبلها. وانظر المغني وشواهد حرف الواو المفردة من هذا الكتاب واللسان مادة (وا).
وقوله: تشيط بدمه، أي أهدره وعرض نفسه للقتل.
(3) ديوانه 268 - 270
(1/322)

ممكورة ردع العبير بها … جمّ العظام لطيفة الخصر
وكأنّ فاها بعد ما رقدت … يجري عليه سلافة الخمر
وبجيد آدم شادن خرق … يرعى الرّياض ببلدة قفر
لمّا رأيت مطيّها حزقا … خفق الفؤاد وكنت ذا صبر
فتبادرت عيناي بعد همّ … وانهلّ مدمعها على الصّدر
ولقد عصيت ذوي أقاربها (1) … طرّا وأهل الودّ والصّهر
حتّى إذا قالوا وما كذبوا … أجننت أم بك داخل السّحر
قوله: غير مشنّج، بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد النون وجيم، والتشنج: تقبض في الجلد. واللثم: بمثلثة، القبلة. قال في الصحاح: وقد لثمت فاها بالكسر، إذا قبلتها، وربما جاء بالفتح. قال ابن كيسان: سمعت المبرّد ينشد قول جميل (2):
فلثمت فاها آخذا بقرونها
بالفتح انتهى. والقرون: ضفائر شعر الرأس. والنزيف: بزاي وفاء فعيل، بمعنى مفعول: أي منزوف ماؤه، وأراد به المنزوف من الخمر، نزف من إنائه ومزج بالماء البارد. والحشرج: بفتح المهملة والراء بينهما شين معجمة ساكنة آخره جيم، قال ابن السكيت: وحشرج، ماء يكون فيه حصى. وقال غيره: هو ماء تنشقه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابته أمسكته فتحفر عنه الأرض فستخرج. وقوله شرب النزيف، بالنصب، صفة مصدر محذوف، وتقديره:
فلثمت فاها ومصصت ريقها وشربتها شربا مثل:
شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
__________
(1) كذا في الاصل والاضافة فيه غير صحيحة، وفي الديوان: ذوي القرابة فيكم).
(2) الكامل 251، وفيه ان الشعر لعروة بن أذينة، ونسبه ابن عساكر في تاريخه الى جميل.
(1/323)

فشرب مصدر مضافا لفاعله، وبرد مفعول، والباء فيه زائدة، وفي: بقرونها للتبعيض. وقوله:
فقالت على اسم الله أمرك طاعة
أورده المصنف في الكتاب الخامس شاهدا على أن لمحذوف في نحو قوله تعالى (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) المبتدأ، أي أمرنا للتصريح به في البيت.
146 - وأنشد:
كنواح ريش حمامة نجديّة … ومسحت باللّثّتين عصف الإثمد (1)
هذا لخفاف بن ندبة. قال الأعلم: أراد، كنواحي، فحذف الياء ضرورة.
وقد استشهد به سيبويه على ذلك. ووصف في البيت شفتي امرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها ولطافتها وحزنها، وخص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوّق كالقطا وغيره. وإنما قصده منها إلى الحمام الورق، وهي تألف الجبال والحزون. والنجد: ما ارتفع من الأرض، ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا ونحوه. قال: والرواية الصحيحة: ومسحت، بكسر التاء، وأراد أن لثاتها تضرب الى السمرة، فكأنها مسحت بالأثمد. وعصف الأثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح، إذا هبت بشدة فسحقت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر، أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق. ويروى: بضم الثاء، ومعناه قبلتها، مسحت عصف الاثمد في لثمها، انتهى. وقال الزمخشري: البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا. وأراد بالحمامة النجدية: الفاختة لأنها لا تسكن الغور وتهامة وما والاهما، وإنما تسكن في نجد. والعصف: ورق الزرع، وليس الأثمد بشيء ينبت فيكون له ورق، لأنه حجارة ولكنه من الأشياء التي لا تكون ببلاد العرب، فلا يقفون على حقيقته كقوله:
ولم تذق من البقول الفستقا
شبه سواد لثة المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة. وأراد مسحت اللثتين بعصف الأثمد، فقلب لعدم الألتباس. وقال بعضهم: عصف الأثمد: سحيقه، وهم يجعلون
__________
(1) سيبويه 1/ 9، والانصاف 546، والعمدة 2/ 255 والموشح 94.
(1/324)

الأثمد على اللثة شبه الوشم في اليد، انتهى. واللّثة، بكسر اللام ومثلثة مخففة، ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها لثي، والهاء عوضا من الياء. والأثمد، بكسر الهمزة والميم، حجر الكحل.

فائدة: [خفاف]
خفاف هذا، هو: ابن عمير بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، يكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء. وندبة أمّه، بنون مفتوحة، وقد تضم، ودال ساكنة، وقد تفتح. صحابي شاعر مشهور، وشهد الفتح ومعه لواء لبني سليم، وشهد حنينا وثبت على إسلامه في الردّة. وله شعر يمدح فيه أبا بكر الصدّيق، وبقي إلى زمن عمر، وكان أسود حالكا (1).
147 - وأنشد:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا (2)
هذا عجز مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس، وصدره:
عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا
وبعده:
جنونا بها فيما اعترتنا علاقة (3) … علاقة حبّ مستسرّا وباديا
ليالي تصطاد الرّجال بفاحم … نداه أثيثا ناعم النّبت عافيا (4)
وجيد كجيد الرّيم ليس بعاطل … من الدّرّ والياقوت أصبح حاليا (5)
__________
(1) انظر الشعراء 300 - 301 وتحفة الأبيه فيمن نسب الى غير أبيه 104
(2) ديوانه 16، والخزانة 1/ 273 والكامل 585 وابن سلام 156
(3) في ديوانه 17: (فيما اعتشرنا علالة).
(4) كذا في الاصل، وفي ديوانه:
ليالي تصطاد القلوب بفاحم … تراه أثيثا ناعم النبت عافيا
(5) في الديوان: (.. الشّذر حاليا).
(1/325)

كأنّ الثّريّا علّقت فوق نحرها … وحجر غضا هبّت له الرّيح ذاكيا (1)
فما بيضة بات الظّليم يحفّها … ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ومنها:
بأحسن منها يوم قالت أرائح … مع الرّكب أم ثاو لدينا لياليا
وهي ثمانية وخمسون بيتا (2). قال صاحب منتهى الطلب: كان ابن الأعرابي يسمي هذه القصيدة الديباج الخسرواني.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن سعد في طبقاته، والمرزباني في معجم الشعراء (3). والأصبهاني في الأغاني عن الحسن البصري (4): أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:
كفى الإسلام والشّيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألا قال الشاعر:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
فأعاده كالأول. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (ما علمك الشّعر وما ينبغي لك) (5). وفي الاصابة لابن حجر: سحيم، بمهملة، مصغر، عبد بني الحسحاس، بمهملات، شاعر مشهور مخضرم. أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم وتمثل النبي صلّى الله عليه وسلّم بشيء من شعره.
روى أبو الفرج عن أبي عبيدة. قال: كان سحيم عبدا أسود أعجميا.
__________
(1) في الديوان: (وجمر غضى).
(2) في تزيين الاسواق 142 أنها تزيد على مائة بيت، وهي في رواية الاحول 61 بيتا، وفي الديوان 91 بيتا.
(3) انظر الخزانة 1/ 273
(4) الاغاني 20/ 2
(5) كذا في الاصل، وفي الخزانة حسب رواية الآية الكريمة:
(وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ).
(1/326)

وأخرج عمر بن شبّة والأصبهاني في الأغاني عن ابن سيرين قال: قدم سحيم على عمر بن الخطاب فأنشده قصيدته، فقال له عمر: لو قدّمت الاسلام على الشيب لأجزتك.
وقال ابن حبيب: أنشد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قول سحيم (1):
الحمد لله حمدا لا انقطاع له … فليس إحسانه عنّا بمقطوع
فقال: أحسن وصدق، فان الله ليشكر مثل هذا، وإن سدّد وقارب إنه لمن أهل الجنّة.
وقد قيل إن سحيما قتل في خلافة عثمان (2).
وعميرة، منصوب بودع (3). غاديا: بالغين المعجمة، من الغدو. وذاكيا: بالذال المعجمة، من ذكى يذكي، من باب فتح يفتح، إذا فاح. والظليم، بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام: ذكر النعام. والجؤجؤ: الصدر. وثاو: من ثوى إذا قام.
وفي الأغاني عن أبي بكر الهذلي: أن اسم عبد بني الحساس حميمة، وأنه قال
__________
(1) ديوانه 68، وعده من الشعر المنحول. والبيت في الاصابة 3664 والخزانة 1/ 273 مع الخبر.
(2) في الخزانة 1/ 273: (وقتل سحيم في خلافة عثمان. قال ابن حجر في الاصابة - رقم 3664 - : يقال: إن سبب قتله أن امرأة من بني الحسحاس أسرها بعض اليهود واستخصها لنفسه وجعلها في حصن له، فبلغ ذلك سحيما فأخذته الغيرة، فما زال يتحيّل له حتى تسوّر على اليهودي حصنه فقتله، وخلّص المرأة فأوصلها إلى قومها، فلقيته يوما فقالت له: يا سحيم، والله لوددت أني قدرت على مكافأتك على تخليصي من اليهودي! فقال لها: والله إنك لقادرة على ذلك - عرّض لها بنفسها - فاستحيت وذهبت، ثم لقيته مرة أخرى فعرّض لها بذلك فأطاعته، فهويها وطفق يتغزّل فيها ففطنوا له فقتلوه خشية العار). وانظر خبرا آخر عن مقتله في أسماء المغتالين ص 272 - 273.
(3) في ديوانه: (عميرة: تصغير عمره، مؤنث عمر، واحد العمور:
أصول الاسنان والأضراس. قال أبو عبيدة: كانت صاحبته التي شغف بها تسمّى غالية، وهي من أشراف تميم بن مرّة، ولم يتجاسر على ذكر اسمها).
(1/327)

في نفسه (1):
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له … عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما … أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
وفي الأغاني عن محمّد بن سلام، وأبي عبيدة: أنشد عبد بني الحسحاس عمر رضي الله عنه:
توسّدني كفّا وتثني بمعصم … عليّ وتحمي رجلها من ورائيا
فقال عمر: ويلك، إنك لمقتول.
وروى في الأغاني من طرق: أنه شبب بنساء قومه، ثم ببنت سيده فقتله سيده وأعانه قومه.
ومن قوله في أخت مولاه وكانت عليلة (2):
ماذا يريد السّقام من قمر … كلّ جمال لوجهه تبع
ما يرتجى! خاب من محاسنها … أما له في القباح متّسع (3)
لو كان يبغي الفداء قلت له … ها أنا دون الحبيب يا وجع
148 - وأنشد:
ألم يأتيك والأنباء تنمي … بما لاقت لبون بني زياد (4)
__________
(1) ديوانه 55. والبيت الثاني في الخزانة 1/ 273.
(2) ديوانه 54
(3) في ديوانه:
ما يبتغي! جار في محاسنها … أما له في القباح متّسع
وبعده:
غيّر من لونها وصغّرها … فزيد فيه الجمال والبدع
(4) الكتاب 2/ 59، والخزانة 3/ 534، وأمالي ابن الشجري 1/ 72 و 192، والاغاني 17/ 131 (الثقافة) وشرح التبريزي 4/ 342 صدر البيت.
(1/328)

هو مطلع قصيدة بضعة عشر بيتا لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، شاعر جاهلي. وبعده:
ومحبسها على القرشيّ تشرى … بأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدر … وإخوته على ذات الإصاد
قال ابن حبيب: ساوم الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي درعا كانت عنده، فلما نظر اليها وهو راكب وضعها بين يديه، ثم ركض بها فلم يردها على قيس، فعرض قيس لأم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضلّ حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدا وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا. فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا، وحسبك من شرّ سماعه (1).
فأرسلتها مثلا. فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها واطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان وقال في ذلك:
ألم يبلغك والأنباء تنمي .. الأبيات
الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر. وتنمي: بفتح المثناة الفوقية، من نميت الحديث أنميه بالتخفيف إذا بلغته على وجه الاصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الافساد والتهمة قلت نميّته بالتشديد. قاله أبو عبيد وابن قتيبة. واللبون: جماعة الابل ذات اللبن. ويروى بدله، قلوص، وهي الناقة الشابة. وبنو زياد هم الربيع وأخوته. قوله: ومحبسها، أي محبس قلوص بني زياد، أراد حبسها. والقرشي:
عبد الله بن جدعان. وتشرى: تباع. والأدراع: جمع درع. والأسياف: جمع سيف. وحداد: جمع حديد، من حدّ السيف يحد حدة، أي صار حادّا. وذات الأصاد: بكسر الهمزة موضع، كانت فيه غاية في الرهان بين داحس فرس قيس بن زهير والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وبسببهما كانت الواقعة المشهورة في العرب بداحس والغبراء، دامت بينهم أربعين سنة. والأصاد: جمع أكمة كثيرة
__________
(1) انظر مجمع الأمثال 1/ 194 رقم 1026.
(1/329)

الحجارة بين أجبل (1). وفي قوله: (ألم يأتيك ... البيت) شاهد على اثبات حرف العلة مع الجازم ضرورة، وعلى ذلك أورده المصنف في التوضيح (2). وعلى زيادة الياء في الفاعل، وعلى ذلك أورده هنا، فإن (ما) فاعل يأتيك، وجملة الأنباء تنمى، معترضة (3). وقال بعضهم: يحتمل أن يأتي وتنمي تنازعا في ما فاعمل الثاني وأضمر في الأول فلا اعتراض ولا زيادة. وقيل: فاعل يأتيك مضمر دل عليه الأنباء، أي ألم يأتك النبأ بما لاقيت، فالباء ومجرورها في محب نصب. وقيل الفاعل لبون، وفي لاقت ضميرها، أي ألم يأتك لبون بني زياد، أي خبرها بما لاقت هي (4). وفي سرّ الصناعة: روى بعض أصحابنا البيت، ألم يأتك، على ظاهر الجزم فلا ضرورة. وروى أيضا بلفظ:
أهل أتاك والأنباء تنمي
ففيه شاهد على الجمع بين الهمزة وهل.
149 - وأنشد:
مهما لي اللّيلة مهما ليه … أودى بنعليّ وسرباليه (5)
هذا مطلع أبيات لعمرو بن ملقط الطائي، وهو جاهلي، وبعده:
__________
(1) انظر البكري 161 - 162.
(2) في ابن الشجري 1/ 73: (قوله: ألم يأتيك، أثبت الياء في موضع الجزم لإقامة الوزن، كما أثبت الآخر الواو في قوله:
هجوت زبّان ثم جئت معتذرا … من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع
ووجه ذلك أنهما نزلا الواو والياء منزلة الحرف الصحيح، فقدرا فيهما الحركة فكأن الجازم دخل ولفظ الفعل يأتيك وتهجو، بضم لاميهما ...)
(3) في ابن الشجري: (وقيل: إن الباء في قوله: بمالاقت، زائدة، وما هي بفاعل، كما زيدت الباء مع الفاعل من، كفى بالله، ومع المبتدأ في قولهم، بحسبك قول السوء، ومع المفعول في نحو، لا يقرأن بالسّور).
(4) في ابن الشجري: (وفي فاعل يأتيك قولان، قيل: إنه مضمر مقدر، كما حكي عن سيبويه، إذا كان غدا فأتني، أي إذا كان ما نحن فيه من الرخاء والبلاء غدا فأتني، وتقديره: ألم يأتيك النبأ. ودل على ذلك قوله: والأنباء تنمي).
(5) الخزانة 3/ 631.
(1/330)

إنّك قد يكفيك بغي الفتى … وزرأه أن تركض العاليه
بطعنة يجري لها عاند … كالماء من غاية الجابيه
لو أنالتك أرماحنا … كنت كمن يهوي إلى الهاويه
ألفيتا عيناك عند القفا … أولى فأولى لك ذا واقيه (1)
ذاك سنان محلب نصره … كالجمل الأوطف بالرّاويه
يا أيّها النّاصر أخواله … أأنت خير أم بنو جاريه
أأختكم أفضل أم أختنا … أم أختنا عن نصرنا وانيه
والخيل قد تجشّم أربابها الشّقّ … وقد تعتسف لداويه
يأبى لي الثّعلبتان الّذي … قال ضراط الأمّة الرّاعية
ظلّت بواد تجتني صمغه … واحتلبت لقحتها الآنيه
ثمّ غدت تنبض أحرادها … إن متفناه وإن حاديه
مهما: استفهام مبتدأ، ولي خبره. والليلة نصب على الظرف وأعيدت الجملة تاكيدا. وقيل: مه، اسم فعل بمعنى اكفف. وما وحدها استفهام. وأودى هلك.
ويركض: يدفع. والعالية: أعلى الرمح. وقيل اسم مرسلة على جهة واحدة. والغاية بمعجمة. وعاند: بمهملتين ونون، العرق الذي يخرج دمه. والجابية بجيم الحوض.
وغايتها: ما انتقب وانخرق منها. ويهوي، بكسر الواو، يسقط. وقوله: الفيتا، أورده المصنف في حرف الألف، الهاوي شاهدا على إلحاق الفعل المسند للظاهر علامة التثنية. ومعنى البيت: وصفه بالهرب، فهو يلتفت إلى ورائه في حال انهزامه فتلفى عيناه عند قفاه. وأولى: كلمة تهديد ووعيد. قال الأصمعي: معناه قاربه فأهلكه.
__________
(1) صدر البيت سيأتي في شواهد الألف، وقد نسبه هناك خطأ لابي النجم، وأخطأ أيضا حين قال تقدم شرحه في شواهد عند.
(1/331)

وذا واقية أي وقاية، مصدر على فاعلة. وسنان: اسم رجل. ومحلب بحاء مهملة، معين، والأوطف: كثير شعر العينين والأذنين. والوانية: من ونى إذا فتر. وتجشم أربابها: تحملهم على المشقة. والشق: بالفتح، المشقة. والثعلبتان: ثعلبة بن جدعان، وثعلبة بن رومان. وقوله: ضراط الأمة، ليكون أحشركم. والآنية: قال أبو زيد:
المبطئة. وقال غيره: المدركة. وتنبض: تضطرب. واحرادها: امعاؤها، وإن قال الجرمي وأبو حاتم معناه: إما متغناة وإما حادية، ومتغناة متغنية،
150 - وأنشد:
نضرب بالسّيف ونرجوا بالفرج (1)
أورده شاهدا على زيادة الباء في المفعول، وهي الثانية. وأما الاولى فللاستعانة.
151 - وأنشد:
تبلت فؤادك في المنام خريدة … تسقي الضّجيع ببارد بسّام (2)
هذا مطلع قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله عنه يذكر فيها الحارث بن هشام وهزيمته يوم بدر، وبعده:
كالمسك تخلطه بماء سحابة … أو عاتق كدم الذّبيح مدام
أمّا النّهار فلا افتر ذكرها … واللّيل توزعني به أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها … حتّى تغيّب في الضّريح عظامي
بل من لعاذلة تلوم سفاهة … ولقد عصيت على الهوى لوّامي
إن كنت كاذبة الّذي حدّثتني … فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم … ونجا برأس تمرّة ولجام
__________
(1) رجز لم يذكر قائله. وصدره:
نحن بني ضبّة أصحاب الفلح
وهو في الخزانة 4/ 159
(2) ديوانه 362، والاغاني 4/ 137، وسيرة ابن سيد الناس 1/ 290.
(1/332)

تبلت: بمثناة فوقية ثم موحدة، أي أفسدت. قال: تبّله الحب: أي أسقمه وأفسده. والفؤاد: القلب على المشهور. وقيل: باطن القلب. وقيل: غشاؤه.
والخريدة. من النساء: الحيية، وقيل العذراء. وخاؤها معجمة ودالها مهملة.
والضجيع الذي يضاجعها الى جنبها. والمراد بالبارد: البسام الثغر. ويروى: تسقى، وتشفى. والعاتق: الخمر. طمرّة: بكسرتين وتشديد الراء. قال في الصحاح:
فرس تمرّ بتشديد الراء وهو المستعد للوثب والعدو (1).

فائدة: [حسّان بن ثابت]
حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا الوليد، وقيل أبا الحسام، وقيل: أبا عبد الرحمن.
شاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، له رواية، روى عنه ابنه عبد الرحمن والبراء بن عازب وسعيد بن المسيّب.
قال ابن سعد: عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الاسلام (2)، وكذلك أبوه وجده. وكان قديم الاسلام، ولم يشهد مع النبي صلّى الله عليه وسلّم مشهدا لأنه كان يجبن (3).
وأخرج أحمد وغيره عن ابن المسيب قال: مرّ عمر بحسان، وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبى هريرة فقال: أنشدك بالله، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: أجب عنيّ، أيدك الله بروح القدس! قال: نعم. وأخرج أبو يعلي عن عائشة قالت:
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد ينشد عليه قائما، ينافح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ان الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وأخرج ابن منده، وأبو الفرج الأصبهاني، في الأغاني،
__________
(1) (وطمر) بدل (تمرة) في المراجع السابقة، وهو الفرس المستفز للوثب والعدو. وقال أبو عبيدة: هو المشمر الخلق.
(2) انظر الاغاني 4/ 140، والشعراء 264
(3) الشعراء 264.
(1/333)

وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم الأحزاب وردّ الله المشركين بغيظهم لم ينالوا خيرا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يحمي أعراض المسلمين؟
قال كعب بن مالك: أنا. وقال ابن رواحة: أنا يا رسول الله، قال: إنك لحسن الشعر، وقال حسان: أنا يا رسول الله. قال: نعم، اهجهم أنت وسيعينك عليهم روح القدس.
وأخرج ابن عساكر عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فهجته قريش، وهجوا الأنصار معه، فأتى المسلمون كعب بن مالك فقالوا: أجب عنا، فقال: استأذنوا لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ادعوه، فأتى حسان فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إني أخاف أن تصيبني معهم تهجو من بني عمي.
فقال حسان: لأسلنّك منهم سلّ الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أن لي به مقول أحد من العرب، وأنه ليفري ما لا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه فضرب به أنفه كأنه لسان حية بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه، فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عروة: أن حسان ذكر عند عائشة فقالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. وأخرج ابن عساكر وأبو الفرج الأصبهاني (1) عن ابن بريدة قال: أعان جبريل عليه السّلام حسان بن ثابت عند مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتا. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة (2) قال:
اتّفقت العرب على أن أشعر أهل المدن يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدن حسان بن ثابت. وأخرج ابن عساكر عن أبي عربة قال: حسان شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى، وأفضل ذلك كله هو شاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير مدافع (3). وأخرج ابن عساكر عن ابن الكلبي: ان حسان بن ثابت كان لسنا شجاعا، فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا يشهده. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس: أن رسول الله
__________
(1) الاغاني 4/ 147 (الثقافة).
(2) الاغاني 4/ 141 (الثقافة).
(3) في الاغاني عن أبي عبيدة: (فضل حسان بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي صلّى الله عليه وسلّم في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الاسلام).
(1/334)

صلّى الله عليه وسلّم خرج وقد فرش حسان فناء أطمه، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماطين وبينهم جارية لحسان يقال لها شرين ومعها مزهر تغنيهم، وهي تقول في غنائها:
هل عليّ ويحكم … إن لهوت من حرج
فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال: لا حرج.
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي وجزة السعدي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ليس شعر حسان بن ثابت، ولا كعب بن مالك، ولا عبد الله ابن رواحة شعرا، ولكنه حكمة. وأخرج البخاري في تاريخه عن محمد بن سيرين قال: كان أشعر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حسان بن ثابت، وكعب ابن مالك، وعبد الله بن رواحة. وأخرج ابن عساكر من طريق أبى اسحق عن سعد ابن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: مرّ حسان بن ثابت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه الحارث المري، فقال حسان للحارث (1).
يا حار من يغدر بذمّة جاره … منكم فإنّ محمّدا لا يغدر
وأمانة المرّيّ حيث لقيته … مثل الزّجاجة صدعها لم يجبر
إن تغدروا فالغدر منكم عادة … والغدر ينبت في أصول السّخبر
فقال الحارث للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إني أعوذ بالله وبك من هذا، ان شعر هذا لو مزج بماء البحر لمزجه. وأخرج ابن عساكر من طريق موسى بن علي بن رباح قال: حدثني شيخ صار بأفريقية من أهل المدينة، قال: سمعت حسان بن ثابت في جوف الليل وهو ينوّه باسمائه ويقول: أنا حسان بن ثابت، أنا ابن الفريعة، أنا الحسام. فلما أصبحت غدوت عليه فقلت له: سمعتك البارحة تنوّه باسمائك، فما الذي أعجبك؟ قال: عالجت بيتا من الشعر، فلما أحكمته نوّهت باسمائى!
__________
(1) الاغاني 4/ 159 (الثقافة) مع الخبر.
(1/335)

فقلت: وما البيت؟ قال: قلت (1):
وإنّ امرءا يمسي ويصبح سالما … من النّاس إلّا ما جنى لسعيد
فلما مات حسان، قال عبد الرحمن بن حسان بعد موت أبيه: أوقد نارا حتى اجتمع إليه الحي، ثم قال: أنا عبد الرحمن بن حسان، وقد قلت بيتا، فخفت أن يسقط بحدث يحدث عليّ، فجمعتكم لتسمعوه فأنشدهم:
وإنّ امرءا نال الغنى ثمّ لم ينل … صديقا ولا ذا حاجة لزهيد
فلما مات عبد الرحمن فعل ابنه سعيد مثل ذلك، وأنشدهم:
وإنّ امرءا لاحى الرّجال على الغنى … ولم يسأل الله الغنى لحسود
وأخرج ابن عساكر عن معن بن عيسى قال: قام حسان من جوف الليل فصاح:
يا آل الخزرج، فجاؤه وقد فزعوا، فقالوا: مالك؟ قال: بيت قلته فخشيت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة خذوه عني، قالوا: وما قلت؟ قال: قلت:
ربّ حلم أضاعه عدم الما … ل وجهل غطّى عليه النّعيم
قال ابن اسحق: مات حسان سنة أربع وخمسين وقد كف بصره.
152 - وأنشد:
سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (2)
هذا من قصيدة للراعي، واسمه عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل بن قطن ابن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، يكنى أبا جندل،
__________
(1) ديوانه 141 - 142 وهو في الشعراء 267.
(2) انظر ص 91 وه 3 ص 330.
(1/336)

ولقب الرّاعي لكثرة وصفه الابل. شاعر مشهور، وفد على عبد الملك بن مروان وذكره الجمحي في الطبقة الأولى من الشعراء الاسلاميين (1)، وقبله:
صلّى على عزّة الرّحمن وابنتها … ليلى وصلّى على جاراتها الأخر
هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة … سود المحاجر لا يقرأن بالسّور
وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن قحافة المرّي قال: دخل الأخطل على بشر بن مروان، وعنده الراعي فقال له بشر: أأنت أشعر أم هذا؟ قال: أنا أشعر منه وأكرم.
فقال للراعي: ما يقول؟ قال: أما أشعر مني فعسى، وأما أكرم فإن كان في أمّهاته من ولدت مثل الأمير فنعم. فلما خرج الأخطل قيل له: أتقول لخال الامير أنا أكرم منك.
153 - وأنشد:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا … حبّ النّبيّ محمّد إيّانا (2)
هو لكعب بن مالك الصحابي رضي الله عنه، وقيل لحسان بن ثابت، وقيل لبشير ابن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. والباء في بناء زائدة في الفاعل، وقيل في المفعول.
وحبّ النبي بالرفع، فاعل على الثاني، وبدل اشتمال على المحل، على الأوّل.
وفضلا تمييز. ويروى شرفا، وعلى يتعلق به. وقبله:
نصروا نبيّهم بنصر وليّه … فالله عزّ بنصره سمّانا
يعني أن الله عزّ وجلّ سماهم الأنصار لأنهم نصروا النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومن والاه، والباء في بنصر وليه، بمعنى مع. قال التدمري: يروي قوله: (على من غيرنا) برفع غير وكسرها، فالرفع على تقدير: (على من هو غيرنا)، فمن موصولة، والعائد محذوف، على حدّ قوله تعالى: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) في قراءة من رفع أحسن، والجر على أن من نكرة موصوفة بغير، أي على انسان غيرنا أو قوم غيرنا.
__________
(1) الطبقات 250.
(2) الخزانة 2/ 545
(1/337)

وقال الكسائي: على ان من زائدة، وعلى ذلك أورده ابن قاسم في شرح الألفية.
محمد: عطف بيان، وإيّانا: متعد جر المصدر المضاف الى فاعله.
154 - وأنشد:
أليس عجيبا بأنّ الفتى … يصاب ببعض ما في يديه (1)
قال الجاحظ في البيان (2): هو لمحمود النحاس وأورده بلفظ ببعض الذي في يديه (3). وبعده:
فمن بين باك له موجع … وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشّيب شرخ الشّباب … فليس يعزّيه خلق عليه
155 - وأنشد:
ومنعكها بشيء يستطاع (4)
هو لرجل من تميم قاله وقد سأله بعض الملوك فرسا يقال لها سكاب فقال:
أبيت اللّعن إنّ سكاب علق … نفيس لا تعار ولا تباع
مفدّاة مكرّمة علينا … تجاع لها العيال ولا تجاع
سليلة سابقين تناجلاها … إذا نسبا يضمّهما الكراع
فلا تطمع أبيت اللّعن فيها … ومنعكها بشيء يستطاع
__________
(1) الكامل 521 والبيان والتبيين 3/ 128 (الذي في يديه).
(2) 3/ 128.
(3) وكذا في البيان ونسبه الى محمود الوراق، وعلى هذا فالشاهد لا يتمثل به لان قائله من المحدثين.
(4) الخزانة 2/ 413، والحماسة 1/ 208.
(1/338)

وقيل هو لقحيف العجلي.
وأبيت: من الاباء، وهو الامتناع. واللّعن: الطرد، أي انه من أسباب اللّعن.
وكانت هذه تحية الملوك في الجاهلية. وسكاب: علم لفرس مبني على الكسر، كحذام. قال المصنف: هذا هو المحفوظ، والصواب فتحه إعرابا، لأن الشاعر تميمي، وتميم تعرب هذا الباب ممنوع الصرف، واشتقاقه من السكب وهو الصب.
يقال: من صفة الفرس هو بحر سكب (1). والعلق: النفيس. فالجمع بينهما للتوكيد كقوله تعالى: (سُبُلًا فِجاجاً) كذا قاله المصنف. وقال التبريزي: علق نفيس: مال يبخل به. وتعار وتباع: بالتذكير والتأنيث، الأول باعتبار نفيس. والثاني باعتبار الفرس (2). وسليلة سابقين: يعني أنها متولدة من فرسين سابقين. والتناجل:
التناسل. وضمير نسبا: للسابقين. والكراع: علم لفحل مشهور. والواو في (ومنعكها) للحال. ويروى بالفاء، المتسبب عن النهي. واستشهد به النحاة على جواز الوصل فيما اجتمع ضميران، أوّلهما أعرف، ومجروران كان الفصل فيه أرجح، وبشيء متعلق بما قبله، أو بما بعده، وعليهما. فالمعنى بشيء ما. ويستطاع:
خبر، أو بشيء خبر، ويستطاع صفة، والياء زائدة.
156 - وأنشد:
فما رجعت بخائبة ركاب … حكيم بن المسيّب منتهاها (3)
الخيبة: حرمان المطلوب. والركاب: الابل التي يسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحد لها من لفظها. والمسيّب، هذا بالفتح لا غير، وكذا كل مسيب إلا والد
__________
(1) قال التبريزي 1/ 208: (وسكاب إذا أعربته منعته من الصرف، لأنه علم، فلحصول التعريف فيه والتأنيث مع كثرة الحروف يمنع الصرف، والشاعر تميمي، وهذا لغة قومه، وإذا بنيته على الكسر أجريته مجرى حزام، لأنه مؤنث، وهذه اللغة حجازية، واشتقاق سكاب من سكبت إذا صببت، ويقال في صفة الفرس: هو بحر، وسكب).
(2) وقال التبريزي في شرح معنى البيت الثاني: (أي: تغدى من كرمها وعتقها وتؤثر على العيال فتشبع ويجاع العيال، والعرب تؤثر الخيل على الأنفس والاولاد، فتشبعها وتجيعهم، قال مالك بن نويرة:
جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتى … إذا بات أطواء بني الاصاغر)
(3) الشعر للقحيف العقيلي، وهو في الخزانة 4/ 249.
(1/339)

سعيد بن المسيّب، فإن فيه الوجهين الفتح والكسر.
157 - وأنشد:
فما انبعثت بمزؤد ولا وكل
صدره:
كائن دعيت إلى بأساء داهمة
كائن: بمعنى كم. والبأساء: الشدة. وداهمة: آتية على بغيه. وانبعثت:
أسرعت. والمزؤد: المذعور الخائف. والوكل: بفتح الواو والكاف، العاجز الذي يكل أمره الى غيره.
158 - وأنشد:
وليس بذي سيف وليس بنبّال (1)
هذا هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، وأوّلها (2):
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي … وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلّا سعيد مخلّد … قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وهل يعمن من كان أحدث عهده … ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
ديار لسلمى عافيات بذي الخال … ألحّ عليها كلّ أسحم هطّال
ومنها:
ألا زعمت بساسة اليوم أنني … كبرت، وألّا يشهد اللهو أمثالي
__________
(1) ديوانه 33، وانظر الشاهد 195 ص 393.
(2) ديوانه 27 - 54، والعقد الثمين 101، والخزانة 1/ 37 - 48، (السلفية)، وشعراء الجاهلية 58، ورجال المعلقات العشر 63، وانظر الشعر والشعراء 54.
(1/340)

فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة … بآنسة كأنّها خطّ تمثال
يضيء الفراش وجهها لضجيعها … كمصباح زيت في قناديل ذبّال
الى أن قال:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عال
نظرت إليها والنّجوم كأنّها … مصابيح رهبان تشبّ لقفّال
سموت إليها بعد ما نام أهلها … سموّ حباب الماء حالا على حال
فقالت: سباك الله إنّك فاضحي … ألست ترى السّمّار والنّاس أحوالي!
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا … ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي
فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت … هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا … ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال
حلفت لها بالله حلفة فاجر … لناموا فما إن من حديث ولا صال
وأصبحت معشوقا وأصبح زوجها … عليه القتام كاسف الظّنّ والبال
يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه … ليقتلني والمرء ليس بقتّال
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي … ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي سيف فيقتلني به … وليس بذي رمح وليس بنبّال
ومنها:
كأنّي بفتخاء الجناحين لقوة … على عجل منها أطأطئ شيّمالي
(1/341)

تخطّف خزّاز الأنيعم بالضّحى … وقد جحرت منها ثعالب أورال
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا … لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل … وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
عم: أصله أنعم، حذف منه الألف والنون تخفيفا، ويجوز في العين الفتح والكسر، من أنعم، مفتوح العين ومكسورها، وكانت تحية الجاهلية. ويقال: إنه من وعم بعم، على فعال وعد يعد، أو على مثال ومق يمق. يقولون في الغداة عم صباحا، وفي العشية عم مساء، وفي الليل عم ظلاما. وصباحا: نصب على الظرف، أي أنعم في صباحك. ويجوز كونه تمييزا منقولا نحو: (اشتعل الرأس شيبا). وعن أبي عمرو: انه من نعم المطر إذا كثر، ونعم الشجر إذا كثر زبده، كأنه دعا بالسقيا وكثرة الخير. وقال الاصمعي: مودعا بالنعيم. وهل يعمن: استفهام إنكار، وأصله ينعمن، وفيه شاهد على ورود هل في الاستفهام الانكاري، وعلى تأكيد المضارع بالنون بعد الاستفهام، و (من) فاعل، وقد استعمله في غير العقلاء، وأورده المصنف في التوضيح شاهدا لذلك. والعصر: بضمتين، بمعنى العصر بالفتح فالسكون وهو الدهر والزمان. والأوجال: جمع وجل، وهو الخوف. وعافيات: دارسات. وذو الخال:
جبل مما يلي نجد. والأسحم: الأسود، وهو أغزر ما يكون من الغيم. وهطّال:
سيّال دائم. وبسباسة: بموحدتين ومهملتين، امرأة من بني أسد. وآنسة: ذات أنس من غير ريبة. والتمثال: الصورة. وخطها: نقشها. والذبّال: بضم الذال المعجمة وتشديد الموحدة، جمع ذبالة، وهي الفتيلة. والمعنى: في ذبال قناديل.
وقوله: تنوّرتها، أي نظرت إلى نارها، وانما أراد بقلبه لا بعينه، يقال: تنوّرت النار من بعيد، أي أبصرتها، فكأنه من فرط الشوق يرى نارها. وأذرعات: بلدة بالشام. وقد أورد النحاة، ومنهم المصنف في التوضيح هذا البيت على أن نحو أذرعات يجوز فيه الكسر في النصب منوّنا وغير منوّن. والاعراب كغير المنصرف، فإن البيت روي بالأوجه الثلاثة. ويثرب: المدينة النبوية. والواو في (وأهلها) حالية.
(1/342)

وقوله: (وأدني دارها نظر عالي) يقول: كيف أراها وأدني دارها نظر مرتفع. وقيل معناه: أقرب دارها منا بعيد،
فكيف بها ودونها نظر عالي. وتشب: توقد. وقفّال، بضم القاف وتشديد الفاء، جمع قافل، وهو الذي قد رجع من غزوة. وسموت:
نهضت. والحباب، بفتح الحاء المهملة وتخفيف الموحدة، الطرائق التي في الماء كأنها الوشي. وسباك الله: أبعدك وأذهبك الى غربة. وقيل: لعنك. وقال أبو حاتم:
معناه سلط عليك من يسبيك. وأوصال: جمع وصل، وهي المفاصل. ويمين الله:
مبتدأ وخبره محذوف، أي على وأبرح على حذف لا، أي لا أبرح. وقد أورده المصنف في التوضيح شاهدا لذلك. وأسمحت: سهلت ولانت. وهصرت بغصن:
ثنيت غصنا، والباء زائدة ورضت: من راض يريض. وقوله: (حلفت ... البيت) والفاجر: اللازب. وصال: المصطلي بالنار. والقتام، وكاشف البال: سيئ الخاطر.
ويغط: أي يرى له غطيط من الغيظ، كما يرى للبكر إذا خنق فشدّت الأنشوطة في عنقه. والبكر: بفتح الباء، الفتي من الابل. وليس بقتال: أي ليس بصاحب قتل.
والمشرفي: بفتح الميم، السيف المنسوب إلى مشارف الشام، وهي قرى للعرب تدنو من الروم. ومسنونه: محددة بالمسنّ، وأراد بها المشاقص. والأغوال: الشياطين، وأراد به التهويل. قال المبرد (1): لم يخبر صادق أنه رأى الغول. قوله: وليس بذي رمح: أي بفارس. والنبّال: الرامي بالنبل. وقد قال الرياشيّ: النبّال هنا ليس بجيد، لأن النبّال هو الذي يعمل النبل أو يبيعها، والذي يرمي بها يقال له نابل.
وقال أبو حاتم مثل هذا، كقولهم سياف أي يضرب بالسيف. وقد استشهد المصنف بهذا البيت على ان فعالا يأتي بمعنى صاحب. كذا، فإن نبالا بمعنى صاحب نبل استغنى به عن ياء النسب. قوله: بفتخاء الجناحين، أي لينة الجناحين، والفتح اللين.
واللقوة: بكسر اللام، العقاب. وشيمّالي، بالتشديد، أصله: شيمالي، ومعناه شيمالي زيدت فيه الياء. وروي شئمالي بالهمز، ومعناه سريعة، يقال: ناقة شملال أي سريعة. ويقال فلان يطاطئ في ماله: أي يسرع. وتخطف: أي تخطف هذه العقاب التي شبه بها فرسه. والخزّار: بكسر الخاء وتشديد الزاي المعجمتين، جمع خزر، وهو الذكر من الأرانب. وجحرت: توارت. وأورال: موضع. يقول:
__________
(1) الكامل 822، وأورد البيت، باختلاف اللفظ.
(1/343)

ثعالب ذلك الموضع لا ترعى من خوف هذه العقاب. والحشف: أردأ التمر. والبالي:
العتيق. ومجد مؤثل: قديم. وقوله: (كأن قلوب الطير ... البيت). استشهد به المصنف في التوضيح على أن رطبا ويابسا حالان متضمنان معنى الفعل، فلذا وجب تأخيرهما. واستشهد به أهل البيان على التشبيه الملفوف، وهو أن يؤتى بمشبهين ثم المشبه بهما، فإن العناب راجع إلى رطب، والحشف راجع الى يابس. قال المبرد في الكامل (1): هذا البيت أحسن ما جاء في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفين بشيئين مختلفين.
وقال ابن عساكر في تاريخه: يقال أن لبيدا قدم المدينة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من أشعر الناس؟ فقال: يا حسان، أعلمه. فقال حسان:
الذي يقول: كأن قلوب الطير ... البيت. فقال: هذا امرؤ القيس. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو أدركته لنفعته، ثم قال: معه لواء الشعر يوم القيامة حتى يتدهدأ بهم في النار.
وأخرج ابن عساكر من طرق عن عفيف بن معدي كرب: ان النبي صلّى الله عليه وسلم ذكر عنده امرؤ القيس فقال: ذاك رجل مذكور في الدنيا منسيّ في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار.
__________
(1) الكامل 740، وقال ابن قتيبة في الشعراء 57: (ويستجاد من تشبيهه قوله: كأن قلوب ... البيت).
(1/344)

شواهد بجل
159 - وأنشد:
ألا بجلي من ذا الشّراب الأبجل
هو من قصيدة لطرفة بن العبد أولها:
لخولة بالأجزاع من إضم ظلل (1) … وبالسّفح من قوّ مقام ومحتمل
فلا زال غيث من ربيع وصيّف … على دارها حيث استقرّت له زجل
ومنها:
لها كبد ملساء ذات أسرّة … وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل
إذا قلت: هل يسلو اللّبانة عاشق … تمرّ شؤون الحبّ من خولة الأول
متى تر يوما عرصة في ديارها … ولو فرط حول تسجم العين أو تهلّ
فقل لخيال الحنظليّة ينقلب … إليها، فإنّي واصل حبل من وصل
ألا إنّما أبكي ليوم لقيته … بجرثم قاس كلّ ما بعده جلل
إذا لا جاء ما لا بدّ منه فمرحبا (2) … به حتّى يأتي لا كذاب ولا علل
ألا إنّني شربت أسود حالكا … ألا بجلي من الشّراب الأبجل
__________
(1) في البكري 166 (أضم): (بالأجراع من إضم طلل) بالطاء المهملة.
(2) كذا في الاصل، ويروى: (إذا جاء) كما في ديوان طرفة (صادر).
(1/345)

فلا أعرفنّي إن نشدتك ذمّتي … كداعي هديل لا يجاب ولا يمل
الأجزاع: جمع جزع بكسر الجيم وسكون الزاي، وهو منعطف الوادي.
وإضم: بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة، واد لأشجع وجهينة. والسفح: موضع.
وقوّ: بفتح القاف وتشديد الواو، واد. والمقام بضم الميم، بمعنى الاقامة، والمحتمل: الارتحال. والصيّف: بتشديد الياء. وزجل: بفتح الزاي والجيم، صوت ورعد. قوله: (لها) أي لخولة، وأراد بالكبد بطنها ووسطها. والأسرّة:
العكن والطرائق، وهي الخطوط التي تكون على البطن، كما يكون في الكف والجبهة، واحدها سرر، بكسر السين وفتح الراء، وجمع الجمع: أسارير. والملساء: تأنيث أملس، وهو اللين من الملاسة، وهي ضدّ الخشونة. والكشحان: ما انضمت عليه الأضلاع من الجبين، ويقال هما الخصران. وقوله: لم ينقض طواءهما، بالضاد المعجمة، يعني هي خميصة البطن ليست بمفاضة، من قولهم: رجل طاو إذا كان ضامر البطن. ومد الطواء للضرورة، وهو مقصور. وقد استشهد ابن أم قاسم بالبيت على ذلك. والحبل: الامتلاء. ويسلو اللبانة: أي عن اللبانة، فأسقط الجار وعدى الفعل. والسلوان: يطيب النفس لترك الشيء. وتمرّ تشتد وتقوى. والشؤن:
الأمور، واحدها شأن. والعرصة: الساحة ليس فيها بناء. وتسجم العين: يسيل دمعها. وتهل: تقطر دمعها. والحنظلية: من بني حنظلة بن مالك. وجرثم: موضع.
والقاسي: الشديد، وهو صفة ليوم. والجلل: بفتح الجيم واللام الصغير هنا، ويأتي بمعنى الكبير، وهو من الاضداد. والكذاب: بالكسر بمعنى الكذب.
والعلل: جمع علة. وأسود حالكا: أراد به كأس المنية، وقيل السم، وهل مثل ضربه لفساد ما بينه وبينها. والحالك: الشديد السواد. وبجل: يأتي حرف جواب بمعنى نعم. واسم فعل بمعنى يكفي. واسما مرادفا لحسب، وهو المراد هنا، فعليه يقال:
بجلى. وعلى اسم الفعل يقال بجلنى، بنون الوقاية. وقوله: الأبجل: تأكيد للأول.
وقال العيني: الثاني في البيت حرف بمعنى نعم. ونشدتك ذمّتي: سألتك إياها وطلبتها منك. الهديل: بفتح الهاء، فرخ ضل على عهد نوح عليه السّلام، والحمام يبكي عليه كما تزعمه العرب. وقوله: ولا يمل، أي لا يمل الدعاء أبدا.
(1/346)

شواهد بل
160 - وأنشد:
بل بلد ملء الفجاج قتمه (1)
هو لرؤبة من أرجوزة طويلة أولها:
قلت لزير لم تصله مريمه … هل تعرف الرّبع المحيل أرسمه
عفت عوافيه وطال قدمه … بل بلد ملء الفجاج قتمه
لا يشترى كتّانه وجهرمه … يجتاب ضحضاح التّراب أكمه
كالحوت لا يرويه شيء يلهمه … يصبح ضمآن وفي البحر فمه
قطّعت أمّا قاصدا تيمّمه … إلى ابن مجد لم يخرّق أدمه
قوله: لزير، بكسر الزاي، الذي يكثر زيارة النساء وخلطتهن. قوله: بل بلد، أي بل رب بلد، فأضمر رب وخبريها. والبيت استشهد به ابن مالك على ذلك.
والفجاج: الطرق. والقتم: الغبار. والكتان: هنا السبايب، وهي جمع سبيبة، شقة محتمان رقيقة. والجهرمية: بسط شعر، نسبة الى جهرم قرية بفارس، فالجهرم هنا جمع جهرمي أضيف الى الضمير. قال الفارسي: وأورده في الايضاح شاهدا على ذلك. وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر، والجمع جهارم. قال شارع أبيات الايضاح: فلا شاهد فيه لما قال الفارسي على هذا، يجتاب يلبس.
__________
(1) ابن عقيل 1/ 245.
(1/347)

والضحضاح: ماء قريب القعر. ويلهمه: يبتلعه، من اللهام، فعال، من لهمت الشيء ألهمه، إذا ابتلعته. وقطعت: جواب رب. وأما: أي قصدا لم أتعرّض لغيره.
وقاصدا: صفة أما. وتيممه: قصده، وهو مرفوع بقاصد، وأضافه الى الحوت مجازا، وهو يريد صاحبه. وابن
مجد: هو السفاح أو المنصور. لم يخرق أدمه:
أي لم يقدح في عرضه. وقوله: وفي البحر فمه: استشهد به ابن أم قاسم في شرح الألفية على أبيات الميم في أنعم، حالة الاضافة خلافا لمن أنكره. وقوله:
قلت لزير لم تصله مريمه
استشهد به البيضاوي في تفسيره على معنى مريم.
161 - وأنشد:
وما هجرتك، لا بل زادني شغفا … هجر وبعد تراخى لا إلى الأجل
الشغف: بفتح المعجمتين، مصدر شغفه الحب، إذا خرق، شغفان قلبه حتى وصل الى الفؤاد. والشغاف: حجاب القلب. وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب.
(1/348)

شواهد بيد
162 - وأنشد:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب (1)
هو من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح بها النعمان بن الحارث (2)، أوّلها:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتّى قلت ليس بمنقض … وليس الّذي يرعى النّجوم بآيب
ومنها:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم … من النّاس، والأحلام غير عوازب
مجلّتهم ذات الإله، ودينهم … قويم، فما يرجون غير العواقب
وبعد قوله ولا عيب ... البيت:
تخيّرن من أزمان يوم حليمة … إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب
__________
(1) سيبويه 1/ 367، والخزانة 1/ 370 و 2/ 9، والكامل 48 و 300، والاغاني 11/ 15 و 17 (الثقافة).
(2) في الخزانة 2/ 9 (وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني، مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر ابن الحارث الاعرج ابن الحارث الاكبر، من
ملوك الشام الغسانيين، وذلك لما هرب من النعمان بن المنذر اللخمي، من ملوك الحيرة. وليس الممدوح بها النعمان بن الحارث - كما وهم شارح شواهد المغني - لتصريح الممدوح بها في القصيدة). ولبيت هو: -
(1/349)

فهم يتساقون المنيّة بينهم … بأيديهم بيض رقاق المضارب
ومنها:
فلا يحسبون الخير لا شرّ بعده … ولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب
قوله: كليني: أي دعيني. وأميمة: اسم امرأة، وضبط في ديوانه بنصب التاء.
وقال شارحه، ذكر أبو عمرو والفراء: أن العرب تقول يا أميم، ويا طلح، ثم يلحقون الهاء، فينصبون على نية القائها، وعلى ذلك أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية مستشهدا به. وقال بعضهم: للناس في تخريج ذلك أقوال، أحدها أن الفتحة إعراب، ولم ينوّن لأنه غير منصرف. والثاني أنها بناء، لأن منهم من يبني المنادى المفرد على الفتح، كباب لا رجل، الثالث وعليه الأكثر أنه يرخم، أصله يا أميم، ثم أدخلت الهاء غير معتدّ بها، وفتحت لأنها وقعت موقع ما يستحق الفتح، وهو ما قبل تاء التأنيث، ولا شيء. على هنا قولان: أحدهما أن الهاء زائدة، ففتحت اتباعا لحركة الميم.
والثاني أنها دخلت بين الميم وفتحها فالفتحة التي في الهاء هي فتحة الميم اتباعا لحركة الهاء (1) وناصب صفة لهم على حدّ: (شعر شاعر وعيشة راضية). وإنما الناصب صاحبه، والنصب: التعب. وحمله سيبويه على النسب أي ذي نصب. وأقاسيه:
أكابده. وقوله: (وليل) بالجر، عطفا على لهمّ. وقوله: أقاسيه وبطئ الكواكب صفتان لليل. وقدّم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد. وإضافة بطئ لفظية لانها صفة مشبهة. ويراعي: يراقب. وآيب: راجع. قال شارحه: شبه طول الليل ومراعاته لكواكبه التي لا تبرح براعي إبل لا تريح إبله، ولا يرجع إلى أهله.
والشيمة: الطبيعة. والعواذب: جمع عاذبة، وهي الغائبة. ومجلتهم: يروى بالجيم، وهو الكتاب، أي كتابهم كتاب الله. وبالحاء: أي محلهم ببيت الله، يريد بيت المقدس والشام. ويروى مخافتهم. والفلول: كسور في حدّ السيف، واحدها فل،
__________
-
علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة … لوالده ليست بذات عقارب
وقال من القصيدة يمدح والد الممدوح:
وللحارث الجفنيّ سيد قومه … ليلتمسن بالجمع أرض المحارب
(1) وهذا قول أبي علي الفارسي، كما في الخزانة 1/ 370.
(1/350)

بالفتح. والقراع بالكسر، الضراب. والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجيش.
والبيت بين تأكيد المدح بالشبه الذم، ونظيره قول الآخر:
ولا عيب فيه غير ما خوف قومه … على نفسه أن لا يطول بقاؤها
وقول الآخر:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر … كرام وإنّا لا نخطّ على النّمل
قال أبو عمرو: اذا كان الرجل أمه أخته ثم خط على النملة، وهي قريحة تظهر في ظهر الكف، لم يلبث أن يجف، وهذا إنما يوجد في نكاح المجوس. فعرّض الشاعر برجل أخواله مجوس فقال لست أنا كأولئك. ومن ذلك أيضا قول العطائي:
ولا عيب فيهم غير أنّ قدورهم … على المال أمثال السّنين الحواطم
وقوله: (تخيرن ... البيت). أورده المصنف في شواهد (من) على وقوعها لابتداء الغاية في الزمان. وقيل التقدير: من مضي الأزمان. وأورده في الكتاب:
(وتخيرن) بالبناء للمفعول. وحليمة: امرأة من غسان كانوا اذا أحسن الرجل منهم القتال طيبته حليمة. واليوم المذكور يوم أخذت الملك من الضجاعم (1). وذلك أن رجلا من غسان، يقال له جذع، أتاه الضجعمي يسأله الخراج، فأعطاه دينارا.
فقال: هات آخر، وشدّد عليه، فدخل جذع منزله فأخذ سيفه فضرب عنق الضجعمي، ثم قاتلوهم فأخذوا الملك منهم. فيقال في المثل: خذ من جذع ما أعطاك. ويقال أيضا: ما يوم حليمة بسر. قال المبرّد في الكامل (2). ويقال إن الغبار يوم حليمة سدّ عين الشمس فظهرت الكواكب المتباعدة عن مطلع الشمس. قال: وأظن قول القائل من العرب (لأرينّك الكواكب ظهرا) أخذ من يوم حليمة. وكل التجارب:
__________
(1) (قوله يوم حليمة) هو اليوم الذي أخذ الملك من الضجاعم غير صحيح بل متباين هو ويوم حليمة، يعلم ذلك أهل العلم والتاريخ اه. محمد
محمود الشنقيطي. قلت: انظر يوم حليمة: الخزانة 2/ 11 وثمار القلوب للثعالبي وأمثال الميداني. والعسكري في التصحيف، والكامل 653، وأورد البيت، والكنايات للجرجاني 105 ونهاية الارب 3/ 51
(2) الكامل 653
(1/351)

نصب على المصدر. والبيض: السيوف. والمضارب: الأطراف. واللازب:
اللازم.
163 - وأنشد:
عمدا فعلت ذاك بيد أنّي … أخاف إن هلكت أن ترنّي (1)
أنشده يوسف بن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق بلفظ:
أخال إن هلكت لم ترنّي
ولم يسم قائله. وقال: إخال أظن، بكسر الهمزة وفتحها. وترني: من الرنين، وهو الصوت. يقال: أرن يرنّ إرنانا، إذا صوّت. والارنان: صوت مع توجع، إنما أظن أني إن هلكت لم تبك عليّ ولم تنوحي. يزعم أنها تبغضه انتهى. وقال التبريزي في شرحه: عمدا أي تعمدا، وبيد بمعنى غير. وإخال: أحسب. وترني:
من الرنين وهو الصوت بالبكاء. قال: والبيت أنشده الاصمعي، انتهى. وأنشده الجوهري في الصحاح شاهدا على أنه يقال أرنت بمعنى صاحت.
__________
(1) اللسان (رنن) برواية (لم ترني)، وهو أيضا في الصحاح للجوهري (لا ترني).
(1/352)

شواهد بله
164 - وأنشد:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكفّ كأنّها لم تخلق
هو لكعب بن مالك الصحابي رضي الله عنه من قصيدة قالها في يوم الخندق.
وأوّلها (1):
من سرّه ضرب يمعمع بعضه … بعضا كمعمعة الأباء المحرق
فليأت مأسدة تسنّ سيوفها … بين المذاد وبين جزع الخندق
دربوا بضرب المعلنين وأسلموا … مهجات أنفسهم لربّ المشرق
في عصبة نصر الإله نبيّه … بهم وكان بعبده ذا مرفق
في كلّ سابغة تخطّ فضولها … كالنهى هبّت ريحه المترقرق
بيضاء محكمة كأنّ قتيرها … حدق الجنادب ذات سكّ مولق
جدلاء يحفزها نجاد مهنّد … صافي الحديدة صارم ذي رونق
تلكم مع التّقوى تكون لباسها … يوم الهياج وكلّ ساعة مصدق
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام 705 - 706 والاغاني 16/ 163 (الثقافة) والبكري 482 و 668 ومعجم البلدان والكامل 678 وفي جميع هذه المراجع برواية (ضرب يرعبل).
(1/353)

نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا … قدما، ونلحقها إذا لم تلحق
فترى الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكفّ كأنّها لم تخلق
نلقى العدوّ بفخمة ملمومة … تنفي الجموع كقصد رأس المشرق
ويعدّ للأعداء كلّ مقلّص … ورد ومحجول القوائم أبلق
تردى بفرسان كأنّ كماتهم … عند الهياج أسود طلّ ملثق
صدق يعاطون الكماة حتوفهم … تحت العماية بالوشيج المزهق
أمر الإله بربطها لعدوّه … في الحرب إنّ الله خير موفّق
ليكون غيظا للعدوّ وحيطا … للدّار إن دلفت خيول البرق
ويعيننا الله العزيز بقوّة … منه وصدق الصّبّ ساعة نلتقي
ونطيع أمر نبيّنا ونجيبه … وإذا دعا لكريهة لم يسبق
ومتى ينادي للشّدائد نأتها … ومتى يرى الحومات فيها يعبق
من يتّبع قول النّبيّ فإنّه … فينا مطاع الأمر حقّ مصدّق
فبذاك ينصرنا ويظهر عزّنا … ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق
إنّ الّذين يكذّبون محمّدا … كفروا وضلّوا عن سبيل المتّقي
أخرج ابن عساكر عن يزيد بن عياض بن جعدبة (1): أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: ردّعنّي.
__________
(1) الخبر في طبقات ابن سلام 180 - 181
(1/354)

فذهب في قديمهم وأوّلهم، ولم يصنع في الهجاء شيأ. فأمر كعب بن مالك فقال (1):
نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا … قدما، ونلحقها إذا لم تلحق
ولم يصنع في الهجاء شيأ. فدعا حسّان فقال: اهجهم، وائت أبا بكر يخبرك بمعايب القوم. فأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره، وقال: والله يا رسول الله، ما أحب أن لي به مقولا في العرب، فصب على قريش منه شآبيب شرّ. فقال رسول الله: اهجهم، كأنك تنضحهم بالنبل.
قال في الصحاح: المعمعة صوت الحريق في القصب ونحوه، وصوت الابطال في الحرب، وأنشد (من سرّه ... البيت). وأرض مأسدة: ذات أسد. المذاد، باعجام الذال الأولى، وإهمال الثانية، أطم بالمدينة. والجزع، بكسر الجيم، منعطف الوادي. والمرفق من الأمر: ما ارتفقت به وانتفعت. والسابغة: الدرع الواسعة. والمترقرق: اللامع. والقتير: رؤس المسامير في الدروع. والجنادب: جمع جندب، وهو ضرب من الجراد. والجدلاء من الدروع: المنسوجة. والنجاد:
بكسر النون، حمائل السيف. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند. ويوم الهياج: يوم القتال. ومصدق: بالفتح، صادق الحلة. ومعنى قدما، بضمتين:
تقدم. ولم يعرج: ولم ينثن. والجماجم: جمع جمجمة، وهي اما القبيلة التي تجمع البطون، وإما عظم الرأس المشتمل على الدماغ. وضاحيا: بارزا ظاهرا. والهامات:
الرؤس، جمع هامة. قال الدمامينيّ: والمعنى على رواية الرفع، أن تلك السيوف تترك قبائل العرب الكبيرة بارزة الرؤس للأبطال، كأنها لم تخلق في محالها من تلك الأجسام، أو تترك تلك العظام المستورة مكشوفة ظاهرة، فكيف الأكف، أي إذا كانت حالة الرؤس هذه مع عزة الوصول إليها، فكيف حالة الأيدي التي توصل إليها
__________
(1) البيت في ابن سلام 181 والاغاني 16/ 171 (الثقافة) وابن هشام 705 - 706، والكامل 101، والبيان والتبيين 3/ 19 والخزانة 3/ 22. ونسبه ابن قتيبة في الشعراء 279 الى ربيعة بن مقروم، وقال: (أخذه من قيس بن الخطيم، أو أخذه قيس منه. قال قيس:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها … خطانا إلى أعدائنا فنضارب)
قلت: وهذا خطأ فإن البيت لكعب بن مالك وليس لابن مقروم.
(1/355)

بسهولة. وعلى رواية النصب: أنها تترك الجماجم على تلك الحالة، دع الأكف، فإن أمرها أيسر وأسهل. وعلى رواية الجرّ: أنها تترك الجماجم ترك الأكف منفصلة عن محالها، كأنها لم تخلق متصلة بها. وملمومة: الكتيبة التي كثر عددها واجتمع فيها المقنب الى المقنب. وفرس مقلّص، بكسر اللام: مشرف مشمر، طويل القوائم.
وفرس ورد، بفتح الواو، ما بين الكميت والأشقر. والملثق: بمثلثة، البلل.
ويعبق: يلذق.

فائدة: [كعب بن مالك]
كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، شاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يكنى أبا عبد الرحمن. وقيل:
أبو عبد الله، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، ولم يشهد بدرا وشهد أحدا، وجرح بها بضعة عشر جرحا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ما خلا تبوك فإنه أحد الثلاثة الذين تخلفوا من غير عذر ولم يعتذروا ويستغفر لهم، كما فعل غيرهم. فأرجأ أمرهم خمسين يوما وليلة، ونهى الناس عن كلامهم حتى نزلت توبتهم في قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا .. الآية). وكان قد ذهب بصره ومات سنة خمسين وهو ابن أربع وسبعين سنة.
أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتى كعب ابن مالك على جمل فقال: أين هو؟ فجاء فقال: هيه، فأنشده، فقال: لهو أشدّ عليهم من وقع النبل.
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن عبد الأعلى القرشي قال (1): قال معاوية لجلسائه:
أخبروني بأشجع قول وصف به رجل قومه؟ فقال روح بن زنباع: قول كعب بن مالك:
نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا … قدما، ونلحقها إذا لم تلحق
فقال معاوية رضي الله عنه: صدقت.
__________
(1) الاغاني 16/ 171 (الثقافة).
(1/356)

حرف التاء
165 - أنشد:
إلى ملك، ما أمّه من محارب، … أبوه، ولا كانت كليب تصاهره (1)
هو من قصيدة للفرزدق يمدح بها الوليد بن عبد الملك وقبله وهو أولها:
رأوني فنادوني أسوق مطيّتي … بأصوات هلّاك سغاب حرائره
وبعده:
ولكن أبوها من رواحة ترتقي … بأيّامه قيس على من تفاخره
فقالوا: أغثنا إن بلغت بدعوة … لنا عند خير النّاس إنّك زائره
فقلت لهم: إن يبلغ الله ناقتي … وإيّاي أثني بالّذي أنا خابره
أغث مضرا إنّ السّنين تتابعت … علينا بحزّ يكسر العظم جابره
قوله: الى ملك، متعلق بقوله أسوق، وأراد به الوليد، وأبوه مبتدأ وخبره جملة (ما أمه من محارب). وقال البعليّ: أبوه مبتدأ وأمه مبتدأ ثان، ومن محارب خبره، والجملة خبر الأول. والتقدير: ما أم أبيه من محارب. وقد استشهد ابن عقيل بالبيت على جواز تقدم الخبر على المبتدأ إذا كان جملة. ومحارب: اسم قبيلة.
__________
(1) ديوانه 312، والاغاني 21/ 333 (الثقافة) وطبقات ابن سلام 310، وابن عقيل 1/ 107
(1/357)

حرف الثاء
شواهد ثم
166 - وأنشد:
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى … فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
تقدم شرحه في شواهد إذا (1).
167 - وأنشد:
كهزّ الرّدينيّ تحت العجاج … جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب (2)
هذا من قصيدة لأبي دؤاد، جارية بن الحجاج الايادي، يصف فيها الفرس، وقبله:
وهاد تقدّم لا عيب في … ه كالجزع شذّب عنه الكرب
إذا قيد قحّم من قاده … وولّت علابيّه واجلعب (3)
كهزّ الرّدينيّ تحت العجاج … جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب
وأول القصيدة:
وقد أغتدي في بياض الصّباح … وأعجاز ليل مولّى الذّنب
__________
(1) انظر ص 282 و 284، والبيت في ديوان زهير 285، والخزانة 3/ 588.
(2) من بائيته، وهو مع القصيدة في ديوان حميد بن ثور 42 - 46.
وفيه: (بين الأكف).
(3) في ديوان حميد 43: (وبانت علايبه ...).
(1/358)

بطرف ينازعني مرسنا … سلوف المقادة محض النّسب
أعجاز الليل: أواخره. والذنب أيضا آخره. وطرف: بكسر الطاء وسكون الراء المهملتين: وفاء الفرس الكريم. والمرسن: بفتح الميم وسكون الراء وكسر السين، الأنف. وإنما قال: ينازعني مرسنا، لأن الحبل ونحوه يقع على مرسنه.
وسلوف المقادة: متقدم، طويل العنق. ومحض النسب: خالصه، لم تعارف الهجنة. والرديني: الرمح، نسبة الى امرأة تسمى ردينة، كانت وزوجها سمهر يقوّمان القنا بخط هجر. والعجاج: الغبار. والأنابيب: جمع انبوبة، وهي ما بين كل عقدتين من القصب. قال ابن قتيبة: يقول إذا هززت الرمح جرت تلك الهزة فيه حتى يضطرب كله، فكذلك هذا الفرس، ليس فيه عضو إلا وهو يعين مايليه، ولم يرد الاضطراب ولا الرعدة.

فائدة: [أبو دؤاد جارية]
أبو دؤاد جارية، ويقال: جويرية بن الحجاج بن يحمر بن عصام بن منبه بن حذاقة (1) بن زهر بن اياد بن نزار بن معدّ، شاعر قديم من شعراء الجاهلية، وكان وصافا للخيل، وأكثر أشعاره في وصفها.
وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن الاصمعي قال (2): ثلاثة كانوا يصفون الخيل لا يقاربهم أحد: طفيل، وأبو دؤاد، والجعديّ. فأما أبو دؤاد، فإنه كان على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر، وأما طفيل فإنه كان يركبها، وأما الجعديّ فإنه سمع من الشعراء فأخذ عنهم.
وأخرج عن أبى عبيدة قال: أبو دؤاد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والاسلام، وبعده طفيل الغنوي والنابغة
الجعديّ.
وأخرج عن يحيى بن سعيد قال: كانت إياد تفتخر على العرب، تقول: منا أجود الناس كعب بن مامة، ومنا أشعر الناس أبو دؤاد، ومنا أنكح الناس ابن الغز.
__________
(1) لعلها (حذاق) وهي قبيلة من إياد.
(2) 15/ 91 - 96، وانظر الشعراء 190.
(1/359)

وأخرج عن أبي عبيدة قال (1): سئل الحطيئة من أشعر الناس؟ قال الذي يقول (2):
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن … فقد من قد رزئته الإعدام
وهو لأبي دؤاد الأيادي. قالوا: ثم من؟ قال: عبيد بن الأبرص. قالوا: ثم من؟ قال: كفاكم والله بي، إذا أخذتني رغبة أو رهبة، ثم عويت في أثر القوافي عواء الفصيل في أثر أمّه.
__________
(1) الشعراء 190
(2) هو البيت رقم 15 من الأصمعية رقم 65، وهو في الشعراء 190، والأغاني 15/ 17 و 24 و 94، والخزانة 4/ 190.
(1/360)

حرف الجيم
شواهد جير
167 - وأنشد:
أجل جير إن كانت رواء أسافله (1)
هو لطفيل بن عوف الغنوي. وصدره:
وقلن ألا البرديّ أوّل مشرب … تحاثثن واستعملن كلّ مواشك
بلومته لم يعد أن شقّ بازله
وأوّل القصيدة:
صحا قلبه وأقصر اليوم باطله … وأنكره ممّا استعاذ حلائله
البرذيّ، بالفتح، نبات معروف (2). والرواء: بالفتح والمد، الماء العذب، فإذا كسرت راؤه قصر، فيقال: ماء روي.
ويقال هو الذي فيه للواردة ري. وقوم رواء من الماء، بالكسر والمد. والبيت استشهد به على التأكيد اللفظي بالمرداف، فإن أجل وجير بمعنى.
__________
(1) البكري 241 وقال: (اهتدمه كعب بن زهير، فقال:
وقد قلن بالبردي أول مشرب … أجل جير إن كان سقته بوارقه)
(2) في البكري: (غدير لبني كلاب). وانظر الخزانة 4/ 235.
(1/361)

فائدة: للمضرّس بن ربعي بيت يشبه هذا، وهو:
تحلّ من ذات التّنانير أهلها … وقلّص عن نهي الدّفينة حاضرة
وقلن على الفردوس أوّل مشرب … أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره
ذات التنانير: عقبة بحذاء زباله (1). وقلص: ارتفع. والنهى: بكسر النون وسكون الهاء، والدفينة: موضع. وحاضره: المقيم به. والفردوس: روضة باليمامة. ودعاثره: جمع دعثور، وهو الحوض المتثلم، وضميره للفردوس.

فائدة: [طفيل بن عوف]
طفيل بن عوف بن كعب بن خلف بن ضبيس من بني غنى بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان. قال الأصمعي: كان أحد نعات الخيل، وكان أكبر من النابغة.
وكان ليس في قيس فحل أقدم من طفيل. وكان معاوية يقول: خلوا لي طفيلا، وقولوا ما شئتم في غيره من الشعراء. وكان يسمى طفيل الخيل لكثرة وصفه اياها، والمخبر لحسن وصفه لها.
168 - وأنشد:
إذا تقول: لا، ابنة العجير … تصدق، لا إذا تقول جير
169 - وأنشد:
وقائلة: أسيت، فقلت: جير … واسيّ إنّني من ذاك إنّه (2)
أسيت: أي حزنت، من الأسى، بالقصر، الحزن.
__________
(1) في البكري 320: (أرض بين الكوفة وبلاد غطفان).
(2) في الخزانة 4/ 238، وينسب لذي الرمة، وليس في ديوانه.
(1/362)

شواهد جلل
170 - وأنشد:
قومي هم قتلوا، أميم، أخي … وإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا … ولئن سطوت لأوهنن عظمي
هذا من قصيدة للحارث بن وعلة بن الحارث بن ذهل بن شيبان الذهلي (1) أولها:
لمن الدّيار بجانب الرّضم … فمدافع الترتاع فالرّخم
ومنها: (2)
لا تأمنن قوما ظلمتهم … وبدأتهم بالشّتم والرّغم
أن يأبروا نخلا لغيرهم … والشّيء تحقره وقد ينمي
وزعمتم أن لا حلوم لنا … إنّ العصا قرعت لذي الحلم
يقول: قومي هم الذين فجعوني بأخي، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عزّ الرجل بعشيرته، فإن تركت طلب الانتقام صفحت عن أمر عظيم، وإذا انتقمت منهم أوهنت عظمي. والسطو: الأخذ بعنف. والجلل من الأضداد يكون للحقير وللعظيم، وهو المراد هنا. وفي كل من المصراعين (يمين)
__________
(1) الامالي 1/ 262، واللآلي 305 و 584، والحماسة 1/ 199
(2) أنظر نسبه في الاغاني 19/ 139 واللآلي 585.
(1/363)

مقدرة. واللام في الموضعين موطئة للقسم. وأخي: مفعول قتلوا. وأميم: منادى حذف منه حرف النداء، وهو مرخم أميمة، على لغة الانتظار. والرّضم: (بفتح أوله، واسكان ثانيه: موضع في ديار بني تميم باليمامة) (1) والرغم: مصدر رغمت فلانا، إذا قلت له رغما، أو فعلت به ما يرغم أنفه ويذله. وموضع (ان يأبروا) نصب بدل من قوما، أي لا تأمنن أبرقوم ظلمتهم نخلا لغيرهم. والابر: الالقاح. قال أبو العلاء: اختلف في معنى هذا البيت فقيل أراد أنه يفارقهم ويهبط هو وقومه أرضا ذات نخل فيأبرونه، فكأنه يتهدّدهم بترحله عنهم، لأن ذلك يؤديهم الى الذل،
واستدلوا على هذا الوجه بقوله في القصيدة:
قوّض خيامك والتمس بلدا … ينأى عن الغاشيك بالظّلم
وقيل: أراد أنه يحاربهم فيصلحهم لغيره، كالنخل التي قد أبرت، إذ كان عدوّه ينال غرضه منهم إذا أعانه عليهم. وقيل: بل أراد أنه يسبي نسائهم فتوطأ فيكون ذلك كالأبار الذي هو تلقيح النخل. قال التبريزي (2): وهذا الوجه أشبه بمذهب العرب مما تقدم، لأنهم يكنون عن المرأة بالنخلة كما قال:
ألا يا نخلة من ذات عرق (3)
قوله: (وزعمتم ... البيت) يقول: إن كان الأمر على ما زعمتم منا أنه لا حلوم لنا فنبهونا أنتم، فإن عامر بن الظرب كانت تقرع له العصا فيتنبه لما كان يزيغ في الحكم لكبر سنه. وهذا تهكم منه (4).
171 - وأنشد:
ألا كلّ شيء سواه جلل
__________
(1) مزيدة من البكري 655.
(2) 1/ 201
(3) صدر بيت وعجزه: (عليك ورحمة الله السّلام)، وانظر التبريزي
(4) انظر التبريزي 1/ 201 - 204
(1/364)

هو لامرئ القيس بن حجر، وصدره:
بقتل بني أسد ربّهم (1)
172 - وأنشد:
رسم دار وقفت في طلله … كدت أقضي الحياة من جلله (2)
هو مطلع مقطوعة لجميل، وبعده:
موحشا ما ترى به أحدا … تنسج الرّيح ترب معتدله
وصريعا من الثّمام ترى … عارمات المدبّ في أسله
بين علياء وابش وبليّ … فالغميم الّذي إلى جبله (3)
واقفا في رباع أمّ حسين … من ضحى يومه إلى أصله (4)
يا خليليّ إنّ أمّ حسين … حين يدنى الضّجيع من غلله
روضة ذات حنوة أتف (5) … جاد فيها الرّبيع من سبله
__________
(1) القصيدة في ديوانه 261، وهي:
عجبت لبرق بليل أهل … يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذّبته … وأمر تزعزع منه القلل
لقتل بني أسد ربّها … ألا كل شيء سواه جلل
فأين ربيعة عن ربّهم … وأين السّكون وأين الخول
ألا يحضرون لدى بابه … كما يحضرون اذا ما أكل
(2) الامالي 1/ 246 واللآلي 557، والاغاني 7/ 74 والخزانة 4/ 199 وسيأتي ص 403 الشاهد رقم 203
(3) وابش: واد، وجبل بين وادي القرى والشام. وبلي: تل قصير أسفل ماذة بينها وبين ذات عرق. والفميم: موضع بالحجاز.
(4) في الاغاني: (في ديار أم جسير) وفي اللآلي (أم جبير). وأم حسير أخت بثينة صاحبة جميل.
(5) كذا في الاصل. وفي الاغاني: (حنوة وخزامى).
(1/365)

بينما هنّ بالأراك معا … إذ أتى راكب على جمله
فتأطّرن ثمّ قلن لها … أكرميه حيّيت في نزله
فظللنا بنعمة فاتّكأنا … وشربنا الحلال من قلله
قد أصون الحديث دون أخ (1) … لا أخاف الأذاة من قبله
وخليل صافيت مرتضيا (2) … وخليل فارقت من ملله
غير بغض له ولا ملق (3) … غير أنّي ألحت من وجله
قوله: (رسم دار) استشهد به ابن مالك على انه قد يجرّ برب مضمرة من غير شيء يتقدمها، من واو وغيرها. ورسم الدار: ما كان لاصقا بالأرض من آثار الدار، كالرماد ونحوه. والطلل: ما شخص من آثار الدار، مثل الوتد والاناآء.
في قوله: (كدت أقضي الحياة) رواه الأصمعي بلفظ: أقضي الغداة. ومن جلله:
قيل من أجله. وقيل من عظمه في عيني؛ وهو محل الاستشهاد هنا. والترب:
بالضم، التراب. وتنسج: يروى بدله: تمسح. يقال: مسحته الريح، غيرته.
ومعتدله: ما استوى منه. والثمام: بضم المثلثة، نبت ضعيف له خوص. وعارمات:
بالعين والراء والميم، كذا رأيته في ديوان جميل، وضبطه العيني في الكبرى بالزاي والفاء، وقال: من عزف الرياح، وهو أصواتها. والمدب: مجرى السيل. والأسل:
بفتح الهمزة والسين المهملة، شجر. ويقال: كل شوك طويل فشوكة أسل. والأصل:
بضمتين، جميل أصيل، وهو الوقت بعد العصر. وغلله: بفتح. قال العيني:
الغين المعجمة واللام: الماء بين الأشجار. وذات حوّة: كذا في ديوانه، وضبطه
__________
(1) في الاغاني: (دون خليل).
(2) في الاغاني: (صاقبت) أي قاربت. وهذا البيت متأخر بالترتيب على البيت الذي يليه.
(3) في الاغاني برواية: غير ما بغضة ولا لاجتناب.
(1/366)

العيني حنوة، بفتح المهملة، والموحدة: المطر. قوله: (بينما هن) كذا في ديوانه.
ورأيته بخط العيني: بينما نحن. وقد أورده كذلك المصنف في (ما) شاهدا على اتصال (ما) ب (بين). والأراك: بفتح الهمزة، شجر. قوله: فاتكأنا، قال ابن قتيبة: أي طعمنا من قوله تعالى: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً)، أي طعاما. والقلل: جمع قلة.
والحث: حاذرت وأشفقت.
(1/367)

حرف الحاء
شواهد حاشا
173 - وأنشد:
رأيت النّاس ما حاشا قريشا … فإنّا نحن أفضلهم فعالا (1)
هو من قصيدة للأخطل، ورأى من الرأي، فلهذا اكتفت بمفعول واحد. والفاء في فإنّا على توهم دخول أما في أول الكلام. ويروى: (فأما الناس)، وفي البيت ادخال (ما) على (حاشا). وفعالا بفتح الفاء، تمييز، أي لفضلهم كرما.
174 - أنشد:
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه … ولا أحاشي من الأقوام من أحد
هذا من قصيدة للنابغة الذبياني، تقدمت في أن الخفيفة المكسورة (2).
175 وأنشد:
حاشا أبا ثوبان إنّ به … ضنّا على الملحاة والشّتم (3)
هو من قصيدة للجميح، واسمه المنقذ بن الطمّاح الأسدي، جاهلي من الفرسان المعدودين (4)، وهو الذي أغار على إبل المنذر بن ماء السماء، والبيت وقع فيه
__________
(1) الخزانة 2/ 36، وابن عقيل 1/ 220، والعيني 3/ 136
(2) انظر ص 74، وهو في الخزانة 2/ 44
(3) من المفضلية 109، والاصمعية 80.
(4) معجم الشعراء 329
(1/368)

تركيب صدر بيت على عجز آخر كما ستراه، وأول القصيدة:
يا جار نضلة قد أنى لك أن … تسعى لجارك في بني هدم (1)
متنظّمين جوار نضلة يا … شاه الوجوه لذلك النّظم
وبنو رواحة ينظرون إذا … نظر النّديّ بآنف خثم
حاشا أبا ثوبان إنّ أبا … ثوبان ليس ببكمة فدم
عمرو بن عبد الله إنّ به … ضنّا على الملحاة والشّتم (2)
يروى قوله: حاشا أبا ثوبان، وأبى ثوبان، بالنصب والجر، فحاشا: فعل على الأوّل، وحرف على الثاني. والبكمة: بضم الموحدة وسكون الكاف، من البكم، وهو الخرس. والفدم: بفتح الفاء وسكون الدال المهملة، العيى الثقيل. والضنّ:
بكسر المعجمة، البخل. والملحات: بفتح الميم، مصدر ميمي، كالملاحات، وهي المنازعة. ونضلة أراد به نضلة بن الأشتر، وكان جارا لبني فقعس فقتلوه، فقال هذه القصيدة في ذلك. وأنى حال. ومتنظمين: من النظم، وهو نظمهم أيديهم بالرمح. والمعنى ههنا: في سلك واحدهم معه. وقوله: (يا شاه الوجوه) أي يا هؤلاء، شاهت الوجوه لنظمهم، أي قبحت. والندى: بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء، مجلس القوم ومتحدثهم. وآنف: بالمد وضم النون، جمع أنف.
وخثم: بضم الخاء المعجمة وسكون المثلثة، جمع أخثم، من الخثم، بفتحتين وهو عرض في الأنف.
__________
(1) في المفضليات 366، والاصمعيات 29: (بجارك).
(2) في الاصمعيات والمفضليات: (عن الملحاة ...). وبعده:
لا تسقني إن لم أزر سمرا … غطفان موكب جحفل دهم
لجب إذا ايتدّوا قنابله … كنشاص يوم المرزم السّجم
مجر يغصّ به الفضاء، له … سلف يمور عجاجه، فخم
ينعون نضلة بالرّماح على … جرد تكدّس مشية المعصم
من كلّ مشترف ومدمجة … كالكرّ من كمت ومن دهم
حتى أجازي بالذي اجترمت … عبس بأسواء ذلك الجرم
يا نضل للضيف الغريب ولل … جار المضيم وحامل الغرم
أو من لأشعث بعل أرملة … مثل البليّة سملة الهدم
(1/369)

شواهد حتى
176 - وأنشد:
أتت حتّاك تقصد كلّ فجّ … ترجّى منك أنها لا تخيب
الفج: الطريق الواسع بين جبلين، أو الواسع مطلقا. وفي البيت شاهدان على خبر حتى المضمر، وعلى مجيء اسم ان المخففة ضميرا مذكورا لا محذوفا.
177 - وأنشد:
عيّنت ليلة فما زلت حتّى … نصفها راجيا فعدت يؤوسا
قبله:
إنّ سلمى من بعد يأسي همّت … بوصال لو صحّ لم يبق بؤسا
البؤس: بضم الموحدة، الشدة. وضمير عينت راجع إلى سلمى. وليلة مفعول به لا ظرف. وقوله: حتى نصفها، استدل به ابن مالك على أنه لا يشترط في مجرور حتى كونه آخر الجزء. ويؤوسا: حال من ضمير، فعدت من اليأس، وهو القنوط، خلاف الرجاء.
178 - وأنشد:
ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله … والزّاد حتّى نعله ألقاها (1)
قال شارح أبيات الجمل: هذا للملتمس، جرير بن عبد المسيح الضبعي. قال:
__________
(1) سيبويه 1/ 50، والخزانة 1/ 445، وشرح شواهد القطر رقم 141.
(1/370)

وصحيفة المتلمس وصفتها معروفة وبعد هذا البيت:
ومضى يظنّ بريد عمرو خلفه … خوفا، وفارق أرضه وقلاها
والبريد: الرسول. وعمرو: هو ابن هند اللخمي ملك الحيرة. وقلاها:
أبغضها. وقال المصنف: هذا البيت ينسب للمتلمس ولأبى مروان النحوي. قال في قصة المتلمس نقله الفارسي عن أبي الحسن عن عيسى بن عمرو (1): كان المتلمس وطرفة بن العبد هجوا عمرو بن هند، فبلغه ذلك، فلم يظهر لهما شيأ، ثم مدحاه فكتب لكل منهما كتابا الى عامله بالحيرة، وأوهم أنه كتب لهما فيه بصلة. فلما وصلا الحيرة، قال المتلمس لطرفة: إنا هجوناه، ولعله اطلع على ذلك، ولو أراد أن يصلنا لأعطانا؟ فهلمّ ندفع الكتابين الى من يقرؤهما، فإن كان خيرا والا ندرنا. فامتنع طرفة، ونظر المتلمس إلى غلام قد خرج من المكتب فقال: أتحسن القراءة؟ قال: نعم.
فأعطاه الكتاب ففتحه، فإذا فيه قتله. ففرّ المتلمس الى الشام وهجا عمروا هجاء قذعا. وأتى طرفة الى عامل الحيرة بالكتاب فقتله. ويروى الصحيفة الخشبية، وهو ما يركب عليه الراكب. والحقيبة: وهو الخرج يحمل فيه الرجل متاعه. والرحل للناقة كالسرج للفرس، والبردعة للحمار. ويروى: نعله بالرفع والنصب والجر.
فالرفع على الابتداء، وألقاها الخبر، وحتى حرف ابتداء. والجر على انها حرف جر.
والنصب على الاشتغال، فحتى ابتدائية أو العطف على فهي عاطفة، وضمير ألقاها على الرفع للنعل. وعلى النصب والجر، أما للنعل أو للصحيفة. وألقاها على الثاني توكيدا لألقى في أوّل البيت.
179 - وأنشد:
سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت … لهم فلا زال عنها الخير مجدودا
الحيا: بالقصر، المطر. وعزيت: بالبناء للمفعول، نسبت. قال الدمامينيّ:
ومجدودا: بجيم ودالين مهملتين أو معجمتين، مقطوعا. قال: ولا أعلم الرواية في
__________
(1) انظر ص 294 - 295.
(1/371)

البيت، هل بالاهمال أو بالاعجام؟ قال: وقرينة الدعاء عليه عليها يقتضي عدم دخولها في الأرض المدعوّ لها بالسقيا.
180 - وأنشد:
ليس العطاء من الفضول سماحة … حتّى تجود وما لديك قليل (1)
هذا آخر ثلاثة أبيات للمقنّع الكندي، واسمه محمد بن صفر بن عمير (2) بن أبي شمر بن فرغان بن قيس بن الأسود بن عبد الله بن الحارث، وقبله:
ذهب الشّباب فأين تذهب بعده … نزل المشيب وحان منك رحيل (3)
كان الشّباب خفيفة أيّامه … والشّيب محمله عليك ثقيل
الفضول: جمع فضل، وهو الزيادة في المال وما لا يحتاج إليه منه، والسماحة.
قوله: وما لديك قليل، قال التبريزي: يجوز كون (ما) موصولة، وكونها نافية، والمعنى على النفي: حتى تجود بكل شيء لك فلا يبقى قليلك أيضا. قال في الاغاني (4):
كان المقنع أجمل الناس وجها، وكان اذا أسفر اللثام عن وجهه أصابته العين فمرض فكان لا يمشي الا متقنعا فلذا قيل له المقنع.
وهو شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية، وكان له محل كبير وشرف وسؤدد في كنده.
181 - وأنشد:
والله لا يذهب شيخي باطلا (5)
__________
(1) الحماسة 4/ 254
(2) في الاغاني 15/ 151 (محمد بن ظفر بن عمير) وفي الشعراء 715:
(محمد بن عمير) وفي اللآلي 651: (محمد بن عميرة).
(3) في الحماسة برواية:
نزل المشيب فأين تذهب بعده … وقد ارعويت وحان منك رحيل
(4) 17/ 60 (الثقافة) باختلاف اللفظ. وانظر الشعراء واللآلي.
(5) ديوانه 134 وانظر فيه ص 418 والاغاني 9/ 87 (الثقافة): (تالله) ومع تقديم وتأخير.
(1/372)

حتّى أبير مالكا وكاهلا
هذا صدر أبيات قالها امرؤ القيس بن حجر حين بلغه ان بني أسد قتلت أباه، وبعده:
القاتلين الملك الحلاحلا … خير معدّ حسبا ونائلا
وخيرهم قد علموا فواضلا … يا لهف هند إذ خطئن كاهلا
نحن جلبنا القرّح القوافلا … يحملننا والأسل النّواهلا
مستفرمات بالحصى جوافلا … تستثفر الأواخر الأوائلا
قوله: شيخي: يعني أباه. وأبير: أهلك. ومالك وكاهل: قبيلتان. والحلاحل:
السيد. وحسبا: شرفا. ونائلا: عطاء. وهند: أخت امرئ القيس.
والقرّح: الخيل المسنة. والقوافل: الضامرة. والأسل: الرماح. والنواهل:
العطاش. ومستفرمات: تضرب فروجها بالحصى من شدّة المسير وسرعته. وجوافل:
سريعة: وتستثفر: تضرب بالحصى أثفارها.
182 - وأنشد:
قهرناكم حتّى الكماة، فأنتم … تهابوننا حتّى بنينا الأصاغرا
الكماة: جمع كمي، وهو الشجاع. قال الجوهري: كأنهم جمعوا كاميا، مثل قاض وقضاة، وهو غاية لما قبله في القوّة. والأصاغر: غاية لما قبله في الضعف.
(1/373)

183 - وأنشد:
سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم … وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (1)
هذا من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، وأوّلها (2):
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان … ورسم عفت آياته منذ أزمان
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت … كخطّ زبور في مصاحف رهبان
ذكرت بها الحيّ الجميع فهيّجت … عقابيل سقم من ضمير وأشجان
فسحّت دموعي في الرّداء كأنّها … كلى من شعيب ذات سحّ وتهتان
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه … فليس على شيء سواه بخزّان
فإمّا تريني في رحالة جابر … على حرج كالقرّ تخفق أكفاني
فيا ربّ مكروب كررت وراءه … وعان فككت الحبل عنه ففدّاني (3)
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة … فقاموا جميعا بين عاث وسكران (4)
وخرق بعيد قد قطعت نياطه … على ذات لوث سهلة الشّدّ مذعان (5)
وغيث كألوان ألفنا قد هبطته … تعاور فيه كلّ أوطف حنّان
على هيكل يعطيك قبل سؤاله … أفانين جري غير كزّ ولا وان
__________
(1) اللسان (غزا) و (مطا) وديوانه 93.
(2) ديوانه 89 - 93
(3) ويروى: (فككت الغل عنه) و (فككت الكبل عنه).
(4) ويروى (نشوان) كما في الديوان.
(5) رواية الديوان: (سهرة المشي مذعان).
(1/374)

كتيس الظّباء الأعفر انضرجت له … عقاب تدلّت من شماريخ ثهلان
وخرق كجوف العير قفر مضلّة … قطعت بسام ساهم الوجه حسّان
يدافع أعطاف المطايا بركنه … كما مال غصن ناعم بين أغصان
ومجر كغلّان الأنيعم بالغ … ديار العدوّ ذي زهاء وأركان
مطوت بهم حتّى تكلّ غزاتهم … وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان
وحتّى ترى الجون الّذي كان بادنا … عليه عواف من نسور وعقبان
ثياب بني عوف طهارى نقيّة … وأوجههم عند الشّدائد غرّان (1)
هم بلغوا الحيّ المضلل أهلهم … وساروا بهم بين العراق ونجران
فلقد أصبحوا والله أصفاهم به … أبرّ لأيمان وأوفى لجيران
قوله: قفا، خطاب لاثنين، والمراد واحد، ومن عادتهم أنهم يخاطب الواحد بصيغة الاثنين، كما في قوله تعالى (أَلْقِيا
فِي جَهَنَّمَ)
ويراد به التكرير كأنه قال: قف قف، وألق آلق. ويقال: الألف فيه ليست للتثنية، وإنما هي مبدلة من نون التوكيد، وأصله قفن. وعرفان: أي معرفة. ورسم: أثر. وعفت: درس. وآياته: علاماته.
وحجج: سنون. وزبور: كتاب. والجميع: المجتمع. وعقابيل: بقايا، ولا واحد لها من لفظها. واشجان: أحزان. وسحت: جرت. وشعيب: بوزن عظيم، الرواية. وسح: صب. وتهتان: سيلان. وجابر: رجل (2). وحرج: نعش.
__________
(1) قوله: ثياب بني عوف، والبيتان بعده، لسن من هذه القصيدة في شيء، وانما هما من قصيدة أخرى له.
قلت: وليست الابيات الثلاثة في ديوانه.
(2) قوله: (فأما تريني في رحالة جابر، الرحالة هنا: خشبات كان يحمل عليها امرؤ القيس وكان مريضا، وهي الحرج. وجابر هذا من بني تغلب، وكان هو وعمرو بن قميئة يحملانه.
(1/375)

والقرّ: مركب للنساء. وتخفق: تضطرب. وكررت: رجعت. وعان: أسير.
وفككت: نزعت. والكبل: القيد (1). وفداني: دعا لي بالفداء. وبسحرة: السحر الاعلا. وعاث: مفسد: ونياطه: وسطه. ولوث: قوة. ومذعان: مطاوعة.
والفنا: عنب الثعلب. وتعاور: تداول. وأوطف: سحاب قريب. وحنّان: يصوت بالرعد. وهيكل: فرس ضخم. وأفانين: أنواع. وكز: منقبض. وان: فاتر والأعفر: الاحمر. وانضرجت، بالجيم: انقضت. وشماريخ: أعالي. وثهلان:
جبل. وسام: فرس مشرف. وساهم: متغير الوجه. وحسان: بضم الحاء، حسن الخلق. واعطاف: نواحي. والمطايا: الأبل. وبركنه: جانبه. ومجر: عسكر.
وغلّان: نبات. والأنيعم: واد. وزها: مقدار كثير. وأركان: جوانب.
ومطوت: مددت في السير. والجون: الفرس الأشهب (2). وبادنا: سمينا.
وقوله: (ثياب بني عوف .. الابيات الثلاثة) سقطت من رواية الاصمعي وذكرها ابن ميمون في منتهى الطلب (3). وقوله: مطوت بهم ... البيت. يروى:
سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم
كما رواه المصنف، أي حملتهم على سير الليل. فالباء في (بهم) للتعدية. أي أسريتهم وأمطيتهم. والمعنى: حملتهم على السرى وعلى المطو، وهو مدّ السير وأبعاد السفر. والغزاة: جمع غاز. وحتى هنا حرف غاية يقع بعدها
الجمل المستأنفة، لا عاطفة لمصاحبتها لواو العطف، ولا جارة لرفع الجياد بعدها. وهو مبتدأ خبره جملة ما يقدن. وزعم الجرمي: أنها في البيت عاطفة، وان أقرنت بالواو كما يقترن لكن بالواو، وهي عاطفة. وتكل بفتح أوّله وكسر الكاف تتعب وتعيى. والأرسان:
جمع رسن، وهو الحبل. وبأرسان متعلق بيقدن. ويجوز كون الباء للحال متعلق
__________
(1) وهذا على رواية: (الكبل) وليس (الحبل) كما في ذكر البيت، وانظر الحاشية رقم 3 ص 374.
(2) قوله: والجون: الفرس الاشهب، خطأ. لان الجون من الأضداد، يقال للأسود والابيض.
(3) قوله: ثياب بني عوف، الأبيات الثلاثة سقطت من رواية الأصمعي غير صحيح لأنها ليست من تلك القصيدة، وإنما رويها مضموم وروى تلك مخفوض اه. شنقيطي.
(1/376)

بمحذوف تقديره مستعملات. والمعنى: انها تساق معطلات دون حبال لبعد الغزو وافراط الكلال. وقد أورده المصنف مطلع القصيدة في منذ بلفظ:
وربع عفت آثاره منذ أزمان
شاهدا على جر (منذ) للماضي.
184 - وأنشد:
جود يمناك فاض في الخلق حتّى … بائس دان بالإساءة دينا
البائس: الذي أصابه بؤس، أي شدّة. ودان بالاساءة: تعبد بها، بمعنى أنه اتخذها طريقا وتجارة، يلزمها كالدين الذي يتعبد به الانسان والمعنى: ان جوده عمّ من أساء ومن لم يسئ.
185 - وأنشد:
فما زالت القتلى تمجّ دماءها … بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل (1)
هذا من قصيدة لجرير يهجو بها الأخطل، أوّلها (2):
أجدّك لا يصحو الفؤاد المعلّل … وقد لاح من شيب عذار ومسحل
ألا ليت أنّ الظّاعنين بذي الغضا … أقاموا وبعض الآخرين تحمّلوا
فيوما يجاريني الهوى غير ما صبا … ويوما نرى منهنّ غولا تغوّلوا
وبعد هذا البيت:
فإلّا تعلّق من قريش بذمّة … فليس على أسياف قيس نعوّل
لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أجدّك: يقول: أحقا منك هذا. ويروى: الفؤاد المعذل: أي الملوم.
__________
(1) ديوانه 457، والخزانة 4/ 142، واللسان (شكل).
(2) ديوانه 455 - 457.
(1/377)

والعذاران: العارضان. والمسحل: ما تحت الذقن. وغير ما صبا: أي من غير صبا إليّ. والتغوّل: التلوّن. وتمج: تقذف. ورأيت في ديوان جرير بدله: تمور دماؤها، أي تجري. والباء في (بدجلة) ظرفية، وهو نهر العراق. وفي الدال الفتح والكسر. والأشكل الذي يخالطه حمرة. والبيت استشهد به المصنف على دخول حتى على الجملة الابتدائية وأعاده. وأورد البيت الاخير في اللام مستشهدا به على ورود اللام بمعنى (من) وقوله: فإلّا تعلق ... البيت، يقول: ان لم تتعلق بجوارهم حتى تأمن فليس لك عندهم جوار ولا بقيا.
186 - وأنشد:
فواعجبا حتّى كليب تسبّني
تقدم شرحه في شواهد الخطبة (1).
187 - وأنشد:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل (2)
هذا من قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أوّلها:
أسألت رسم الدّار أم لم تسأل … بين الجوابي فالبضيع فحومل
لله درّ عصابة نادمتهم … يوما بجلّق في الزّمان الأوّل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
__________
(1) انظر ص 12
(2) الاغاني 9/ 280 و 17/ 111 و 112 والبكري 477 - 458 (حوض).
(1/378)

بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
إنّ الّتي ناولتني فرددتها … قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطني … بزجاجة أرخاهما للمفصل
نسبي أصيل في الكرام ومذودي … تكوي مواسمه جنوب المصطلي
أخرج ابن عساكر عن هشام بن الكلبي قال: قال حسان بن ثابت: خرجت أريد عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما كنت في بعض الطريق وقفت على السعلاة صاحبة النابغة، وأخت المعلاة صاحبة علقمة بن عبدة (1) واني مقترحة عليك بيتا، فإن أنت أجزته شفعت لك إلى أختى، وان لم تجزه قتلتك. فقتلت: هات.
فقالت:
إذا ما ترعرع فينا الغلام … فما أن يقال له من هوه
قال: فتبعتها من ساعتي، فقلت:
فإن لم يسد قبل شدّ الإزار … فذلك فينا الّذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشّيصبان … فحينا أقول وحينا هوه
فقالت: أولى لك، نجوت، فاسمع مقالتي واحفظها عليك بمدارسة الشعر، فإنه أشرف الآداب وأكرمها وأنورها، به يسخو الرجل، وبه يتظرف، وبه يجالس الملوك، وبه يخدم، وبتركه يتضع. ثم قالت: إنّك إذا وردت على الملك وجدت عنده النابغة، وسأصرف عنك معرّته، وعلقمة بن عبدة، وسأكلم المعلاة حتى تردّ عنك سورته. قال حسان: فقدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص عليّ الوصول إليه فقلت للحاجب، بعد مدة: إن أنت أذنت لي عليه، والا هجوت اليمن كلها. ثم
__________
(1) كذا بالاصل، ولعل صحة الجملة: (فقالت: وإني ...)
(1/379)

انتقلت عنها. فأذن لي عليه، فلما وقفت بين يديه وجدت النابغة جالسا عن يمينه، وعلقمة جالسا عن يساره، فقال
لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصك (1) ونسبك في غسان، فارجع فإني باعث إليك بصلة سنية، ولا أحتاج الى الشعر، فإني أخاف عليك هذين السبعين أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي، وأنت اليوم لا تحسن أن تقول (2):
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم … يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب (3)
فقلت: لا بد منه. فقال: ذاك إلى عميك، فقلت: أسألكما بحق الملك، الجواب:
ألا ما قدمتماني عليكما؟ فقالا: قد فعلنا. فقال: هات، فأنشأت أقول والقلب وجل (4):
أسألت رسم الدّار أم لم تسأل … بين الجوابي فالبضيع فحومل
حتى أتيت على آخرها. فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل (5) عن مجلسه سرورا حتى شاطر البيت، وهو يقول: هذه والله البتارة التي قد بترت المدائح، هذا وأبيك الشعر، لا ما تعلّلاني به منذ اليوم. يا غلام، ألف دينار مرجوحة (6) فأعطيت ألف دينار، في كل دينار عشرة دنانير. ثم قال: لك عليّ مثلها في كل سنة، (ثم أقبل على النابغة فقال) (7): قم يا زياد بني زبيان فهات الثناء المسجوع، فقام النابغة فقال:
__________
(1) عيصك: أي أصلك.
(2) من قصيدته: (كليني لهم يا أميمة ...) وقد سبقت ص 121، وانظر الاغاني 15/ 123
(3) الحجزات: جمع حجزة، وهي حيث ثني طرف الإزار، ويكنى هنا بطيب الحجزات عن عفتهم. ويوم السباسب: هو يوم السعانين (أو الشعانين) الأحد السابق لأحد الفصح عند النصارى. وانظر اللسان (سبسب) و (حجز).
(4) الاغاني 15/ 123، والبكري 477.
(5) يرحل: يتنحى.
(6) في حاشية الامير 1/ 115 (مزموحة)، وفي بعض نسخ الاغاني:
(مرموحة) و (مرحوجة) وانظر 1/ 124 (الثقافة).
(7) مزيدة من الاغاني.
(1/380)

ألا أنعم صباحا أيّها الملك المبارك، السّماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالداي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم حماؤك، والحكماء وزراؤك، والعلماء جلساؤك، والمقاول سمّارك (1)، والعقل شعارك، والحلم دثارك، والصّدق رداؤك، واليمن حذاؤك، والبرّ فراشك، وأشرف الآباء آباؤك، وأطهر الأمّهات أمّهاتك، وأفخر الشّبّان
أبناؤك، وأعفّ النّساء حلائلك، وأعلى البنيّات بنيّاتك، وأكرم الأجداد أجدادك، وأفضل الأخوال أخوالك، وأنزه الحدائق حدائقك، وأعذب المياه مياهك، وحالف الإضريج عاتقك (2)، ولاءم المسك مسكك (3)، وجاور العنبر ترائبك، العسجد قواريرك، واللّجين صحافك، والشّهد إدامك، والخرطوم شرابك (4)، والأبكار مستراحك، والعبير بنواسك، والخير بفنائك، والشرّ في ساحة أعدائك، والذّهب عطاؤك، وألف دينار مرجوحة إيماؤك، وألف دينار مرهوجة إيتاؤك، والنّصر منوط بلوائك، زين قولك فعلك، وطحطح عدوّك غضبك (5)، وهزم مقانبهم مشهدك (6)، وسار في النّاس عدلك، وسكّن تباريح البلاد
__________
(1) في الاغاني: (والمداره) والمقاول: الفصاح.
(2) الإضريج: كساء أصفر، أو الخز الأحمر.
(3) المسك - بفتح ثم سكون -: الجلد.
(4) الخرطوم: الخمر السريعة الاسكار.
(5) طحطح: بدد وأهلك.
(6) المقانب: جماعة الخيل.
(1/381)

ظفرك (1) أيفاخرك ابن المنذر اللخميّ؟ فو الله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمّك خير من أبيه، ولخدمك خير من علية قومه. فهب لي أسارى قومي، واسترهن بذلك شكري، فإنك من أشراف قحطان وأنا من سروات عدنان (2).
فرفع عمرو بن الحارث رأسه الى جارية كانت على رأسه قائمة، فقال: مثل ابن الفريعة فليمدح الملوك، ومثل ابن زياد فليثن على الملوك (3).
وأخرج ابن عساكر عن الأصمعي: أنه سأل ما أراد حسان بقوله:
أولاد جفنة عند قبر أبيهم
ما في هذا ما يمدحهم به؟ قال: أراد أنهم ملوك حلول في موضع واحد، وهم أهل مدر، وليسوا بأهل عمد ينتقلون. وقال غيره معناه: أنهم آمنون لا يبرحون ولا يخافون كما تخاف العرب، وهم مخصبون لا ينتجعون، ومارية أمهم. والفضيل:
الذي يفضل ما ملك. وقوله: (يغشون) يعني أن منازلهم لا تخلو من الأضياف والطراق والعفاة، فكلابهم لا تهرّ
على من يقصد منازلهم، كما قال حاتم الطائي
فإنّ كلابي قد أقرّت وعوّدت … قليل على من يعتريني هريرها
وقوله:
لا يسألون عن السّواد المقبل
__________
(1) في الأغاني (وسكّن قوارع الأعداء ظفرك).
(2) أي من ساداتهم.
(3) انظر الاغاني 15/ 123 - 125، وحاشية الامير 1/ 115، فقد وردت ببعض تقديم وتأخير، واختلاف الالفاظ.
(1/382)

أي هم في سعة لا يبالون كم نزل بهم من الناس، ولا يهولهم الجمع الكثير، وهو السواد إذا قصدوا نحوهم. والبريص: موضع بدمشق. وبردى: نهر بدمشق. ويروى بردا: أي ثلجا. ويصفق: يمزج. والرحيق: الخمر البيضاء.
والسلسل: السهلة في الحلق. وهذا البيت استشهد به النحاة. وشم الأنوف: يعني أصحاب كبر وتيه والأشم المرتفع، وإنما خص الأنف بذلك لأن الأنفة والحمية والغضب فيه. وقوله: من الطراز الأول: يعني أنهم الأشراف المتقدمين الذين لا يشبه خلائقهم وأفعالهم هذه الافعال المحدثة. وقوله: قتلت أي صب فيها الماء فمزجت فهاتها صرفا غير ممزوجة. وقوله: كلتاهما حلب العصير، يعني الخمر والماء. وأرخاهما للمفصل: يعني الصرف. والمفصل: بكسر الميم، اللسان. والمفصل: واحد المفاصل.
ومذودي: لساني. يقول: من اصطلى بناري، أي من تعرّض لي وسمت جنبه بلساني، أي بهجائي. قال اليزيدي: قصيدة حسان هذه من المختارات.
(1/383)

شواهد حيث
188 - وأنشد:
لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
هو من معلقة زهير بن أبي سلمى المشهورة، وأوّلها (1):
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم … بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم
ومنها:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن … تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم
ومنها:
فمن مبلغ الأحلاف عنّي رسالة … وذبيان هل أقسمتم كلّ مقسم
فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم … ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر … ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم … وما هو عنها بالحديث المرجّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة … وتضر إذا ضرّيتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرّحى بشفالها … وتلقح كشافا ثمّ تحمل فتتئم
__________
(1) ديوانه 4 - 32، والخزانة 3/ 157
(1/384)

فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم … كأحمر عاد ثمّ ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها … قرى بالعراق من قفيز ودرهم
لعمري لنعم الحيّ جرّ عليهم … بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحا على مستكنّة … فلا هو أبداها ولم يتجمجم
وقال: سأقضي حاجتي ثمّ أتّقي … عدوّي بألف من ورائي ملجم
فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرة … لدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف … له لبد أظفاره لم تقلّم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه … سريعا وإلّا يبد بالظّلم يظلم (1)
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين حولا - لا أبالك - يسأم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب … تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وأعلم علم اليوم والأمس قبله (2) … ولكنّني عن علم ما في غد عم
ومن لا يصانع عن أمور كثيرة (3) … يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
__________
(1) وبعده كما في الديوان 24 - 28:
فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا … الى كلا مستوبل متوخم
رعوا ما رعوا من ظمئهم ثم أوردوا … غمارا تفرّى بالسلاح وبالدم
لعمرك ما جرّت عليهم رماحهم … دم ابن نهيك أو قتيل المثلّم
ولا شاركت في الموت في دم نوفل … ولا وهب منها ولا ابن المحزّم
فكلّا أراهم أصبحوا يعقلونه … علالة الف بعد الف مصتّم
تساق الى قوم لقوم غرامة … صحيحات مال طالعات لمخرم
لحيّ حلال يعصم الناس أمرهم … إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
كرام فلاذو التّبل مدرك تبله … لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم
(2) في الديوان: (واعلم ما في اليوم ..).
(3) في الديوان: (في أمور ..).
(1/385)

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله (1) … على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه … يهدّم ومن لا يظلم النّاس يظلم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السّماء بسلّم
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنّه … يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه … إلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم
ومن يغترب يحسب عدوّا صديقه … ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … ولو خالها تخفى على النّاس تعلم
ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسه … ولا يعفها يوما من الدّهر يسأم (2)
دمنة، بكسر الدال، هي: الكناسة، وتقدير الكلام: أمن منازل أم أوفى،
__________
(1) في الديوان: (ويبخل بفضله)، وفي شرح الأعلم: (ومن يك ذا مال فيبخل بماله).
(2) ويروى:
ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه … ولا يعفها يوما من الذل يندم
وفي الديوان 32.
ولم يغنها يوما من الناس يسأم
وروى الأصمعي:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه … ولا يغنها يوما من الدهر يسأم
وفي الديوان قال: (زاد هذا البيت أبو زيد. وسمعت المازني يقول قال أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو منذ أربعين سنة فقال: لم أسمع هذا البيت إلا منك، يعني أبا زيد). وفي التبريزي:
(.. قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو بن العلاء فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة فلم أسمع هذا البيت إلا منك).
(1/386)

وهي امرأة زهير (1). وتكلم: أصله تتكلم، حذف منه احدى التاءين (2) وحومان:
بفتح الحاء المهملة، ما كان من فوق الرمل أو دونه حين يصعده أو يهبطه (3).
والدرّاج: بفتح الدال، وقال أبو عمرو: بضمها، مكان. وقيل: هو ماء لبني فزارة. وكذا المتثلم والعلياء بلد. وجرثم بضم الجيم والمثلثة وسكون الراء بينهما، ماء لبني أسد. قوله: (فمن مبلغ الأحلاف .. البيت) أورده المصنف في: هل (4).
والأحلاف: قبائل تحالفت. قال ثعلب: هم أسد وغطفان وذبيان قبيلة (5). وكل مقسم: أي كل الاقسام. والمرجم: المظنون. تقول: ما هو برجم بظهر الغيب، قد جرّبتموها وذقتموها. وذميمة: مذمومة، أي لا يحمدون أمرها. وتضر: أي تعوّد، يقال: ضري يضري ضراوة إذا درب. اذا ضرّيتموها أي عوّدتموها، يعني الحرب. والعراك: الطحن. والثفال: جلد أو كساء يوضع تحت الرحى ليكون الدقيق يقع عليها. والباء للحال، أي عرك الرحى. ولها ثفال: أي طاحنة. قاله ثعلب. و (تلقح كشافا) أي تدارككم الحرب. يقال: لقحت الناقة كشافا
__________
(1) في شرح ديوانه: (يريد: أدمنة من منازل أمّ أو في لم تكلم، وهذا توجع، كما قال الهذلي - أبو ذؤيب -.
أمنك برق أبيت الليل أرقبه … كأنه في عراض الشام مصباح
والدمنة: آثار الدار وما سوّدوا. وقال التبريزي: (الدمنة:
آثار الناس وماسودوا بالرماد وغيره، فاذا أسود المكان قيل: قد دمن). وقال الأعلم الشنتمري: (إنما جعل الدمنة بالحومانة لانهم كانوا يتحررون النزول فيما غلظ من الارض وصلب ليكونوا بمعزل من السيل وليمكنهم حفر النؤى وضرب أوتاد الخباء ونحو ذلك).
(2) قال التبريزي: (لم تكلم، أي لم تبين، والعرب تقول لكل ما بيّن من أثر وغيره تكلّم، أي ميز فصار بمنزلة المتكلم).
(3) في البكري 476 - 477: (حومان وحومانة: قال ابن دريد:
الحومان: موضع في طريق اليمامة من البصرة ... وورد في شعر زهير: حومانة الدّرّاج. وفي شعر ذي الرمة: حومانة الزرق.
والحومانة: القطعة الغليظة من الارض، أضيفت الى هذين الموضعين قال زهير: أمن أم أو في ... البيت. قال أبو سعيد: ويروى:
الدرّاج، بضم الدال، والمتثلم: موضع هناك).
(4) ولم يذكره السيوطي في شواهد (هل)
(5) في شرح الديوان: (الأحلاف: أسد وغطفان)، وفي شرح الأعلم:
(الأحلاف، أسد وغطفان وطئ).
(1/387)

اذا حمل عليها في دمها (1). (فتتئم) تأتيكم باثنين توأمين، بمنزلة المرأة التي تأتي بتوأمين في بطن. وإنما يفظّع بهذا أمر الحرب. فتنتج لكم: يعني الحرب، غلمان أشأم، أي شؤم كأحمر عاد، أي ثمود، وهو قدار عاقر الناقة. وقوله: عاد غلط (2). ثم ترضع فتفطم: نريد أنه يتمّ أمر الحرب، لان المرأة اذا أرضعت ثم فطمت فقد تمّمت. وقوله: (فتغلل لكم ... البيت) تهكم واستهزاء (3). ويقال طوى كشحه على كذا: أي لم يظهره. ومستكنة: أمر أكنّه في نفسه، ولم يتجمجم:
أي لم يدع التقدم على ما أضمر (4). ولم يفزع بيوت: أي لم يعلم قوم بفعله (5).
وأم قشعم: هي الحرب، ويقال المنيّة. وقال أبو عبيدة: هي العنكبوت. أي شدّ عليه بمضيعة فقتله. حيث ألقت رحلها: حيث كان شدة الأمر. وشاكي السلاح:
أي سلاحه ذو شوكة. ومقذف: غليط اللحم. واللبد: لشعر المتراكب على زبرة الأسد اذا أسنّ. أظفاره لم تقلم: أي تام السلاح حديده. يريد الجيش، واللفظ على الأسد. وخبط عشواء: معشو لا تقصد، يقال عشا يعشو إذا جاء على غير بصر، وعشي يعشى إذا أصابه العشا. وقوله: (وأعلم .. البيت) استدل به على انحصار الازمنة في الحال والماضي والمستقبل. والمنسم للبعير بمنزلة الظفر
__________
(1) أي حمل عليها إثر نتاجها وهي في دمها.
(2) غلط لأنه أراد أحمر ثمود عاقر الناقة، وقال بعضهم: (لم يغلط، ولكنه جعل عادا مكان ثمود اتساعا ومجازا إذ قد عرف المعنى مع تقارب ما بين عاد وثمود في الزمن والأخلاق). وفي التبريزي:
(وقال أبو العباس محمد بن يزيد: هذا ليس بغلط لأن ثمود يقال لها عاد الأخيرة، ويقال لقوم هود عاد الاولى. والدليل قوله تعالى (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى).
وقال الشنقيطي: (قوله: عاد غلط، قال الاصمعي ليس بغلط لان العرب تسمى ثمود بعاد وقد وصف الله تعالى قوم هود بعاد. اه)
(3) في التبريزي: (قال الاصمعي: يريد أنها تغل لهم دما وما يكرهون، وليست تغل لهم ما تغل قرى العراق من قفيز ودرهم. وقال يعقوب:
هذا تهكم وهزء. يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من الطعام والدراهم لكن غلة هذا عليكم ما تكرهون).
(4) وفي الديوان برواية: (ولم يتقدّم) أي لم يتقدّم في الحرب.
وقال: (ويروى: ولم يتجمجم، أي لم يدع التقدّم على ما أضمر).
(5) في الديوان: (ويروى: ولم ينظر بيوتا كثيرة. ولم ينظر: لم يؤخر، يقال: أنظرني، أي لا تعجلني. ولم يفزع: لم يهجها ولكنه أدرك بغيته).
(1/388)

للانسان. وقوله: (ويذمم) استشهد به على فك المضارع المجزوم. ويفره: يصبه وافرا. ومن لا يذد أي لا يدفع. قوله: (ومن يعص أطراف الزجاج) يعني من عصى الأمر الصغير صار إلى الأمر الكبير. (وكل لهذم) على حذف في، أي: في كل لهذم.
واللهذم: السنان الماضي. وقوله: (ومهما يكن ... البيت) والخليقة: الطبيعة.
ومن لا يزل يستحمل الناس أي يثقل على الناس يسأمونه.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن ابن عباس (1) انه سأل الحطيئة من أشعر الناس فقال: يا ابن عم رسول الله، الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
ولكن الرضاعة (2) أفسدته كما أفسدت جرول. يعني نفسه.
189 - وأنشد:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم … ببيض المواضي حيث ليّ العمائم (3)
قال العيني: قيل أنه للفرزدق من قصيدته التي أولها (4):
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي
قال: ولم أجده فيها من ديوانه. والقصيدة المذكورة تقدمت في شواهد أن المفتوحة الخفيفة. ويقال: طعنه بالرمح يطعنه، بضم العين في المضارع، وكذا كل ما هو حسي. وأما المعنوي: كيطعن في النسب فبفتح العين. والحبا، بضم المهملة، وقيل بكسرها، وقيل بالوجهين وتخفيف الموحدة والقصر، وجمع حبوة. وأراد به أوساطهم بعد ضربهم بالسيوف الماضية في رؤسهم. وبيض: بكسر أوله، جمع أبيض وهو السيف. والمواضي: الحادّة. والاضافة فيه من باب إضافة الموصوف إلى
__________
(1) 2/ 162، وانظر ص 140 (الثقافة).
(2) كذا في الاصل، وصحتها (الضراعة) كما في الاغاني.
(3) الخزانة 3/ 152، والموفي في النحو الكوني 106.
(4) انظر ص 86 وما بعد، الشاهد رقم 26.
(1/389)

الصفة. قال العيني: وفي قوله: (حيث ليّ العمائم) إضافة (حيث) إلى المفرد، فيكون معربا، ومحل حيث نصب على الحال. قلت: بل على الظرف لضرب، فإنها ظرف مكان، كما أن تحت، ظرف مكان لنطعنهم.
190 - وأنشد:
إذا ريدة من حيث ما نفحت له … أتاه بريّاها خليل يواصله
قاله أبو حية النميري، بالياء التحتية، واسمه المشمر (1) بن الربيع بن زرارة، شاعر مجيد أدرك الدولة الأموية والعباسية. الريدة: بفتح الراء وسكون التحتية وفتح الدال المهملة، ريح لينة الهبوب. ويقال أيضا: رادة. ونفحت: هبت.
ويقال: نفح الطيب إذا فاح. وريّا: بفتح الراء وتشديد التحتية، الرائحة.
وريدة: مرفوع بنفحت مضمر، يفسره الظاهر، لأن (إذا) لا يليها إلا الأفعال. وحيث مقطوعة عن الاضافة إذ المضاف إليه لا يعمل في قبل المضاف، فلا يفسر عاملا فيه.
وأتاه جواب إذا.
191 - وأنشد: (2)
أما ترى حيث سهيل طالعا
لم يسم قائله، وتمامه:
نجما يضيء كالشّهاب لامعا
ترى: بصرية. وطالعا: مفعولها. وحيث: ظرف، وهو مضاف إلى المفرد ندورا.
وقيل: الى جملة تقديرا على أن سهيلا مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي مستقرا وظاهرا في حال طلوعه. قال العيني: وعلى الاول تكون حيث معربة إذا لم تضف الى جملة، فهي منصوبة على الظرفية أو المفعولية إن كانت ترى قلبية، أو بصرية. وطالعا:
__________
(1) في الاغاني 16/ 236 (الثقافة): (الهيثم بن الربيع).
(2) ابن عقيل 2/ 11
(1/390)

حال. وقيل: إنها مبنية وإن أضيفت الى المفرد كما في لدن.
192 - وأنشد:
حيثما تستقم يقدّر لك الله … نجاحا في غابر الأزمان (1)
لم يسم قائله. والنجاح: الفوز. والغابر: بغين معجمة وموحدة وراء، الزمن الباقي. ويطلق على الماضي أيضا، من الاضداد. وفي البيت جزم حيثما فعلين (2).
__________
(1) ابن عقيل 2/ 132
(2) وهما تستقم ويقدر، بالسكون فيهما. ومعنى البيت: اذا اتقيت الله وأنت في أي مكان، وسلكت سبيل الهدى، فان الله يوفقك، ويجعل النجاح حليفك.
(1/391)

حرف الخاء
193 - وأنشد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل … وكلّ نعيم لا محالة زائل
تقدم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة لبيد (1).
__________
(1) سبق من ضمن قصيدة لبيد ص 150، الشاهد 59، وانظر ص 153 و 154.
(1/392)

حرف الراء
شواهد ربّ
194 - وأنشد:
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن … عارا عليك، وربّ قتل عار
تقدم شرحه في شواهد إن المكسورة الخفيفة (1).
195 - وأنشد:
فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة … بآنسة كأنّها خطّ تمثال
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة امرئ القيس (2).
196 - وأنشد:
ربّما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات (3)
هذا لجذيمة بن مالك بن فهم الأزدي، المعروف بالأبرش. قال شارح أبيات الايضاح: وغلط ابن حزم فنسبه لتأبط شرّا. والعلم: الجبل. والشمالات: جمع
__________
(1) سبق ص 89، الشاهد رقم 28.
(2) انظر ص 340، الشاهد رقم 158، وص 341.
(3) الاغاني 15/ 257 وانظر 250 (الثقافة) والخزانة 4/ 567 وهامشها 3/ 344.
(1/393)

الشمال، من الرياح. قال الأعلم: وصف نفسه أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل إذا خافوا من عدوّ فيكون طليعة لهم. والعرب تفخر بهذا لأنه دال على شهامة النفس وحدّة النظر، وخص الشمال بالذكر لأنها تهب بشدة، وجعلها ترفع ثوبه لاشراف الرقبة التي يربأ فيها لأصحابه انتهى. واستشهد سيبويه في هذا البيت على إدخال النون في ترفعن ضرورة (1). واستشهد به أبو علي الفارسي على وقوع الماضي بعد (ربّ) إذا كفت بما قال، وهذا الموضع اللائق به التكثير، لأنه المناسب للمدح.
وقال صاحب المصباح في شرح أبيات الايضاح: يحتمل بقاء رب هنا على معناها من التقليل، لأن جزيمة ملك جليل، لا يحتاج مثله الى أن يبتذل في الطلائع، لكنه قد يطرأ على الملوك خلاف العادة فيفخرون بما ظهر منهم عند ذلك من الصبر والجلادة.
قال: وقوله: (ترفعن) كلام منقطع عما قبله، كأنه استأنف الحديث. وليس في موضع حال، لأن هذه النون لا تدخل على الحال. قال الفارسي وغيره: ووجه دخولها هنا أنه شبه (ما) في ربما (بما) النافية تشبيها لفظيا، فصار ترفعن وإن كان موجبا كأنه منفى. وقيل: إنما ذلك لأن ربّ للتعليل. والتعليل يضارع النفي، كما قال الآخر (2):
قليل بها الأصوات إلّا بغامها
أي ليس بها صوت إلا بغامها. قال في المصباح: والأكثرون رووا البيت هكذا ورواه أبو الفرج الاصبهاني بلفظ:
ترفع أثوابي شمالات
وهي رواية حسنة جدا، ورواه ابن حزم بلفظ:
ربّ ليل قد سريت به
فغير صدره، قال: وفي قوله (ترفعن أثوابي) إشارة إلى أن قميصه لا يلصق بجلده لخمصه. وهذا عندهم مدح، لا سيما من كان مثله من أهل النعمة. وقال ابن الاعرابي: يقال: أوفيت رأس الجبل، ووافيت فلانا بمكان كذا. قال ابن
__________
(1) سيبويه 2/ 153.
(2) انظر ص 218، الشاهد رقم 104.
(1/394)

يسعون: فعلى هذا في البيت حذف المفعول، تقديره: ربما أوفيت مرقبة أو شرفا في رأس علم. وبعد هذا البيت (1):
في فتوّ أنا رابئهم … في كلال غزوة ماتوا
ليت شعري ما أماتهم … نحن أذلجنا وهم باتوا
ثمّ أبنا غانمين وكم … من أناس قبلنا فاتوا
فتوّ: شباب. ورابئهم: بموحدة ثم همزة، من ربأت القوم بأرقبتهم، وكنت لهم طليعة فوق شرف.
197 - وأنشد:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
هذا من قصيدة لأبي طالب يمدح بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويصف تمالأ قريش عليه، وأولها (2):
ولمّا رأيت القوم لا ودّ فيهم … وقد قطعوا كلّ العرى والوسائل
ومنها:
كذبتم وبيت الله نبزي محمّدا (3) … ولمّا نطاعن حوله ونناضل
__________
(1) رواية الابيات كما في الاغاني:
ربما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات
في شباب أنا رائبهم … هم لدى العورة صمّات
ليت شعري ما أطاف بهم … نحن أدلجنا وهم باتوا
ثم أبنا غانمين وكم … من أناس قبلنا ماتوا
(2) وقيل أن أولها:
خليليّ ما آذني لأوّل عاذل … بصغواء في حق ولا عند باطل
(3) في الاصل (نبرى) بالراء المهملة وصحتها عن اللسان (بزا) وفيه:
(كذبتم وحق الله يبزى محمد) أي: يقهر ويستذل، وهو على تقدير النفي.
(1/395)

ونسلمه حتّى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
الى أن قال:
وما ترك قوم لا أبالك سيّدا … يحوط الذّمار في مكرّ ونائل
وأبيض ... البيت. وقد علم بذلك أن قوله: وأبيض، منصوب بالعطف على قوله: (سيدا) لا مجرورا بواو رب، فلا شاهد فيه على هذا. وممن نبه على ذلك الدمامينيّ ثم ابن حجر في شرح البخاري عند شرحه البيت. وثمال: بكسر المثلثة وتخفيف الميم، العماد، والملجأ، والمغيث، والمعين، والكافي. وعصمة للأرامل:
يمنعهم مما يضرّهم. والأرامل: جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها. ويحوط:
يكلأ ويرعى. والذمار: بكسر الذال المعجمة، ما يحق على الانسان حمايته.

فائدة: [أبو طالب عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم]
أبو طالب عم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اسمه عبد مناف، وقيل شيبة بن عبد المطلب بن هاشم. قال ابن عساكر في تاريخه: قيل إنه أسلم ولا يصح إسلامه، وله رواية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ثم أخرج هو والخطيب من طريق أحمد بن الحسن المعروف بدبيس، عن محمد بن إسماعيل العلوي، عن آبائه، عن الحسين، عن أبيه علي قال: سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد بن أخي، قلت له: بما بعثت يا محمد؟ قال: بصلة الأرحام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وأخرجاه من طريق آخر فيه مجاهيل عن أبي رافع: سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد، ان الله أمره بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده، ولا يعبد معه أحد.
وأخرج الزّبير بن بكار وابن عساكر عن إسحق بن عيسى قال: سمعت بعض المشيخة يقول: لم يكن أحد يسود في الجاهلية إلا بمال، إلا أبو طالب وعتبة بن ربيعة. وقال الزبير: كان أبو طالب شفيقا على النبي صلّى الله عليه وسلّم
يمنعه من مشركي قريش، جاؤه يوما بعمارة بن الوليد فقالوا له: قد عرفت حال عمارة، ونحن ندفعه إليك مكان محمد وادفعه إلينا. قال: ما أنصفتموني، أعطيكم ابن أخي تقتلونه، وتعطوني ابن أخيكم أغذوه لكم.
(1/396)

وأخرج ابن عساكر من طريق المعتمر بن سليمان قال: حدّثني أبي قال: مشت قريش إلى أبي طالب فقالوا له: أنت أفضل قريش اليوم حلما، وأكبرهم سنا، وأعظمهم شرفا، وقد رأيت صنع ابن أخيك، فرّق كلمتنا، وأفسد جماعتنا، وقطع أرحامنا، فادفعه إلينا نقتله ونعطيك ديته. قال: لا تطيب بذلك نفسي أن أرى قاتل ابن أخي يمشي بمكة، وقد أكلت ديته. قالوا: فإنا ندفعه الى بعض العرب فهو يقتله وندفع إليك ديته ونعطيك أيّ أبنائنا شئت فيكون لك ولدا مكان هذا. فقال لهم: ما أنصفتموني، تقتلون ولدي وأغذوا أولادكم؟ أفلا تعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لم تحنّ الى غيره، ولكن أمر هو أجمع لكم مما أراكم تخوضون فيه، تجمعون شباب قريش، من كان منهم بسن محمد فتقتلونهم جميعا، وتقتلون معهم محمدا.
قالوا: لا لعمر أبيك، لا نقتل أبنائنا واخواننا من أجل هذا الصابئ، ولكن سنقتله سرّا أو علانية. فعند ذلك يقول:
لمّا رأيت القوم لا ودّ فيهم
القصيدة كلها. قال الواقدي: توفي أبو طالب في النصف من شهر شوّال السنة العاشرة من حين تنبأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو ابن بضع وثمانين سنة.
وأخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل بسند فيه من يجهل عن ابن عباس قال:
لما أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا طالب في مرضه قال له: أي عمّ، قل لا إله الا الله أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فقال: والله لولا ان يروا أني قلتها جزعا حين نزل بي الموت لقلتها، فلما ثقل أبو طالب رؤي يحرّك شفتيه، فأصغى اليه العباس ليسمع قوله، فرفع العباس فقال: يا رسول الله، قد والله قال الكلمة التي سألته! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لم أسمع.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس: ان النبي صلّى الله عليه وسلّم عارض جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحما، جزيت خيرا يا عم.
وأخرج البيهقي عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ما زالت قريش كاتمه عني حتى توفي أبو طالب.
(1/397)

وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: ربما ذكرت قول أبي طالب وأنا أنظر الى وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر يستسقى فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وأخرج البيهقي في دلائل النبوّة عن أنس: ان أعرابيا جاء فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير ينط، ولا صبي يصيح. فصعد المنبر ثم رفع يديه فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا، غدقا طبقا، عاجلا غير رابث، نافعا غير ضار. فما ردّ يديه في نحره حتى ألقت السماء بأردافها، وجاؤا يضجون: الغرق الغرق. فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله درّ أبي طالب لو كان حيا قرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي، فقال: يا رسول الله، كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل
198 - وأنشد:
ألا ربّ مولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده أبوان (1)
وذي شامة سوداء في حرّ وجهه … مجلّلة لا تنجلي لزمان (2)
ويكمل في تسع وخمس شبابه … ويهرم في سبع مضت وثمان (3)
__________
(1) الخزانة 1/ 397، والكامل 906، وسيبويه 1/ 241.
(2) في الخزانة برواية:
مخلّدة لا تنقضي لأوان
(3) في الخزانة 1/ 397:
ويكمل في خمس وتسع شبابه … ويهرم في سبع معا وثمان
(1/398)

قال ابن يسعون: هذه الأبيات لرجل من أزد السراة (1). وقيل هي لعمرو الجنبيّ (2) وأراد: بالأول عيسى، وبالثاني آدم، وبالثالث القمر (3). وحرّ الوجه:
ما بدا من الوجنة. ومجللة: من التجليل، وهو التغطية. وقوله: (لا تنجلي لزمان) أي وإن تطاول زمانها. وقوله: لم يلده، الأصل يلده، فسكن الأمر للضرورة، فالتقى ساكنان، فحرّك الثاني بالفتح، لأنه أخف. قال اللخمي: الصواب في الرواية (عجبت لمولود) (4) وجملة (وليس له أب) حالية، أو صفة. والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وفي الكامل للمبرد (5): كل مكسور أو مضموم إذا لم يكن من حركات الاعراب يجوز فيه التسكين، وأنشد البيت. قال: ولا يجوز ذلك في المفتوح لخفة الفتحة (6).
199 - وأنشد:
فويق جبيل شامخ لن تناله … بقنّته حتّى تكلّ وتعملا (7)
هذا من قصيدة لأوس بن حجر، بفتحتين. وأولها (8):
صحا قلبه عن سكره وتأمّلا … وكان بذكرى أمّ عمرو موكّلا
__________
(1) أزد السراة: حي من اليمن. والسراة: أعظم جبال العرب. وانظر الخزانة 1/ 399، والبكري 8 و 9 و 730.
(2) نسبة الى جنب، قبيلة من اليمن. وفي الاشتقاق 212: (بطن من العرب ليسوا منسوبين إلى أب ولا أم).
(3) أضاف صاحب الخزانة: (وقيل: أراد بذي الولد البيضة، وقيل:
أراد به القوس وولدها السهم لم يلده أبوان، لانه لا تتخذ القوس إلا من شجرة واحدة مخصوصة. وهذان القولان من الخرافات، فان البيضة متولدة من أنثى وذكر، والقوس لا تتصف بالولادة حقيقة، وان أراد بها التولّد، وهو حصول شيء من شيء فليست مما ينسب اليه الوالدان).
(4) كما في الخزانة والكامل.
(5) انظر ص 905
(6) انظر ص 906
(7) ديوانه 87، واللآلي 492، وامالي ابن الشجري 1/ 21، اللسان (قلزم)، وكنايات الجرجاني 45، وشرح شواهد الشافية 1/ 192.
(8) ديوانه 82 - 92.
(1/399)

وكان له الحين المتاح حمولها (1) … وكلّ امرئ رهن بما قد تحمّلا
ألا أعتب ابن العمّ إن كان جاهلا (2) … وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
وإن قال لي: ماذا ترى يستشيرني … يجدني ابن عمّ مخلط الأمر مزيلا
أقيم بدار الحزم ما قام حزمها (3) … وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا (4)
وإنّي امرؤ أعددت للحرب بعد ما … رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا
أصمّ ردينيّا كأنّ كعوبه … نوى القسب عرّاصا مزجّا منصّلا (5)
الى أن قال:
فقال لها: هل تذكرنّ مخبّرا (6) … يدلّ على غنم ويقصر معملا
على خير ما أبصرتها من بضاعة … لملتمس بيعا بها وتبكّلا
فويق جبيل شاهق الرّأس لم يكن … ليبلغه حتّى يكلّ ويعملا
ومنها، وهو آخرها:
وإنّي وجدت النّاس إلّا أقلّهم … خفاف العقول يكثرون التّنقّلا (7)
__________
(1) في الديوان: (حمولة).
(2) في الديوان: (ظالما). وانظر عيون الاخبار 1/ 34.
(3) في ديوانه: (مادام حزمها)، وفي حماسة البحتري 120 (ما كان حزمها).
(4) وبعده كما في الديوان:
واستبدل الأمر القوي بغيره … إذا عقد مأفون الرجال تحلّلا
(5) انظر اختلاف رواية البيت في الجمهرة 1/ 51، التنبيه 68 واللسان (روى) و (زجج) والتاج (زجج) وشروح سقط الزند 195.
(6) كذا، وفي الديوان (فقال له).
(7) انظر البيت واختلاف اللفظ فيه في ديوانه 91، والشعر والشعراء 161 ومعاهد التنصيص 1/ 135 وكنايات الجرجاني 118.
(1/400)

بني أمّ ذي المال الكثير يرونه … وإن كان عبدا سيّد الأمر جحفلا (1)
وهم لمقلّ المال أولاد علّة … وإن كان محضا في العشوة (2) مخولا
وليس أخوك الدّائم العهد بالّذي … يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النّائي ما كنت آمنا … وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
قال شارح ديوانه: قيل للأصمعي: هل يجوز في سكرة، بضم السين؟ فقال:
لم يرد السكر، إنما أراد السكرة من الغم، مثل قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ). وتأمّل: تثبت في أمره. والحمول: الهوادج، كانت له حينا اذا مرّت به.
وقوله: (ألا أعتب) معناه: ألا اني أنا أعتب، ولم يرد الاستفهام. وقوله: مخلط الامر مزيلا، أي أخالط بأمري في موضع المخالطة، وأزايل في موضع المزايلة، أي أخلط وأميز ما ينبغي أن أميزه. وقوله: أقيم، أي ما كانت الاقامة جزما، وأحر:
أي أخلق إذا تغيرت بأن أتحوّل عنها (3). والرديني: الرمح منسوب الى ردينة (4).
وشبهه بنوى القسب (5)، لأن نواه ضامر غير منتشر. وعرّاص: كثير الاضطراب، إذا هز. ومزج: منصل معمول له زج ونصل قد ركبا فيه. وقوله: (هل تذكرنّ) أي هل تعرف رجلا يدلني على غنم تهون المؤنة فيه. وقوله:
على خير ما أبصرتها من بضاعة
__________
(1) في اللسان (جحفل): (سيد القوم).
(2) كذا، وفي الديوان (في العمومة)، وفي الجمهرة (في العشيرة).
(3) لم يشرح السيوطي البيت: (وإني امرؤ أعددت ..). ففي شرح شواهد الشافية: (قوله: واني امرؤ أعددت، أي هيأت عدة، وأعصل، بمهملتين، أعوج). وقال ابن السكيت: (يقول: هي حرب قدمت وأسنت فهو أشد لها).
(4) وهي امرأة كانت تقوم الرماح، وكان زوجها سمهر أيضا يقوم الرماح يقال لرماحه السمهرية. وانظر ص 359 حين الكلام على بيت أبي دؤاد (كهز الرديني).
(5) القسب: تمر يابس، نواه مر صلب.
(1/401)

من بضائع الناس، ان أراد بها بيعا أو أراد بها غنما. والتبكل: الغنيمة، يقال تبكل، أي تغنم. وشامخ شاهق، واحد (1). يقال: هو طويل في السماء، قليل العرص، فصغره لهذا. وهو أشد لصعوده إذا دق وهب في السماء وقل عرضه.
وجحفل: كثير الشأن والاتباع، وأصله الجيش العظيم فضربه له مثلا. ويروى:
وهم لقليل المال (2). وأولاد علة: لأمهات متفرّقات. والمحض: الخالص النسب.
والمخول: الكريم الأخوال. والنائي: بالنصب، أي وأخوك الذي هو أخوك الذي ينأى عنك نائيا إذا أمنت وإذا نابتك نائبة جاءك فأعانك بنفسه. وقال: مرة، صير المصدر في موضع الصفة. قال أبو حاتم: ويجوز عندي النائي ممدود كالقاضي، فحذف الياء. قال: وأظنّ هذا البيت مصنوعا. وأعضل الأمر: اشتد. والأمر المعضل: الشديد. انتهى ملخصا من شرح الديوان.
200 - وأنشد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم … دويهية تصفرّ منها الأنامل
تقدّم شرحه في شواهد أم (3).
201 - وأنشد:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع … فألهيتها عن ذي تمائم محول (4)
هذا من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة، وبعده:
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له … بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل
طرقت: أتيتها ليلا. فألهيتها: شغلتها. عن ذي: أي ولد ذي. وتمائم، جمع تميمة، وهي التعويذه التي تعلق على الصبي. ومحول: أتى عليه حول، وكان قياسه محيل بالاعلال، كمقيم. إلا أنه جاء على الأصل كاستحوذ. ويروى:
__________
(1) أي لم تكن لتبلغ رأسه. وانظر أمالي ابن الشجري 218.
(2) أي البيت. (وهم لمقل المال أولاد علة). وانظر شرح شواهد الشافية، وفيه: أي يبغضون من لامال له وان كان شريفا).
(3) سبق ص 150 وما بعد، وهو الشاهد 59، وهو أيضا في أمالي ابن الشجري 1/ 21
(4) ديوانه 12
(1/402)

انصرفت، بدل انحرفت. ويحلحل: بدل يحول. أي لم يحرّك. والبيت استشهد به على إضمار رب بعد الفاء (1).
202 - وأنشد:
بل بلد ذي صعد وآكام
أورده الفارسي بلفظ: ذي صعد وأصاب. والصعد، بضم المهملة:
العقبات، جمع صعود، بفتح الصاد. والآكام: بالمد، جمع آكمة، وهي التل المرتفع:
203 - وأنشد:
رسم دار وقفت في طلله … كدت أقضي الحياة من جلله
هذا البيت تقدّم شرحه في حرف الجيم (2).
204 - وأنشد:
وسنّ كسنّيق سناء وسنّما … زعرت بمدلاج الهجير نهوض (3)
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر، وقيل لأبي دؤاد الأيادي، أوّلها (4):
أعنّي على برق أراه وميض … يضيء حبيّا في شماريخ بيض
__________
(1) روى البيت في الديوان:
تمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا … فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
وشرحه فقال: (من نصب، مثلك، فعلى قوله: طرقت، ومن خفضه فعلى معنى: ربّ. والتمائم: معاذات تعلّق على الصبى.
والمغيل: المرضع وأمه حبلى، أو الذي يرضع وأمه تجامع، وإنما أراد أن ينفي عن نفسه الفرك، وهو بغض النساء للرجال، فأخبر أن المراضع والحبالي معجبات به، وخصهن دون الأبكار، لان البكر أشد محبة للرجال وأبعدهن عن الفرك).
(2) سبق ص 365، وانظر ص 366.
(3) ديوانه 76
(4) ديوانه 72 - 77، وانظر 394 - 396
(1/403)

ومنها:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها … بمنجرد عبل اليدين قبيض
وآخرها:
كأنّ الفتى لم يغن في النّاس ساعة … إذا اختلف اللّحيان عند الجريض
ومض البرق يمض ومضا ووميضا: لمع لمعانا خفيا. والحبىّ: السحاب.
والشماريخ: جمع شمراخ: وهو رأس الجبل. وبيض: لانبات بها. قوله: (وقد اغتدى ... البيت) نظير قوله في المعلقة المشهورة (1):
وقد أغتدي والطّير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
ومنجرد: فرس. وعبل اليدين: ضخمهما. وقبيض: بقاف وموحدة، سريع نقل القوائم. والجريض: بجيم وراء، الغصة بالريق عند الموت، يقال: جرض بريقه يجرض وهو يجرض بنفسه أي يكاد يقضي. والبيض: أورده الجوهري في الصحاح شاهدا على ذلك. وسنّ: الواو واو رب، والسن هنا الثور. وسنّيق:
بضم المهملة وتشديد النون وتحتية ساكنة، جبل. وسناء: ارتفاعا، ونصبه على الحال. والمعنى: أن هذا الثور لهذا الرجل طولا أي مرتفعا، وسمنا: عطف على موضع سن، لأنه في المعنى مفعول زعرت. والسنم: البقرة الوحشية. وقيل إنه اسم جبل. ومن زعم أنه عطف على سنأ فقد غلّطوه. ومدلاج: أي فرس كثير السير. والهجير: القائلة. ونهوض: بضم النون، كثير النهوض.
205 - وأنشد:
ربّما ضربة بسيف صقيل … بين بصرى وطعنة نجلاء (2)
__________
(1) انظر ص 96 - 97
(2) الخزانة 4/ 187، ومعجم الشعراء 86، والاصمعيات 170، الأصمعية رقم 51، وشرح شواهد العيني 3/ 342. وقد نسبت بعض ابيات القصيدة الى صالح بن عبد القدوس في معجم الادباء وحماسة البحتري 340 وانظر سمط اللآلي ص 8، هامش 5.
(1/404)

هو من قصيدة لعديّ بن الرعلاء الغسّاني شاعر مجيد. والرعلاء اسم أمه، وقبله:
كم تركنا بالعين عين أباغ … من ملوك وسوقة ألقاء
فرّقت بينهم وبين نعيم … ضربة من صفيحة نجلاء
ليس من مات فاستراح بميت … إنّما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا … كاسفا باله قليل الرّجاء
فأناس يمصّصون ثمارا … وأناس حلوقهم في الماء
وعموس تضلّ فيها يد الأ … سي وأعيت طبيبها بالشّفاء
رفعوا راية الضّراب وقالوا … ليذودنّ سامر الملحاء
فدفعنا العقاب للطّير حتّى … جرت الخيل بينهم في الدّماء
ربّما ضربة بسيف صقيل … بين بصرى وطعنة نجلاء
عين أباغ: بضم الهمزة وآخره غين معجمة، موضع بين الكوفة والرقة، كانت فيه وقعة للعرب، قتل فيها المنذر بن ماء السماء. وكاسفا باله: سيئا حاله. وقوله:
البيت، أورده المصنف. والبيت استشهد به على اعمال رب مع ما. وقوله: بين بصرى: أي بين جهات بصرى، فأضاف بين إلى المفرد لاشتماله على أمكنة. ويروى:
دون بصرى. وبصرى بضم الباء، بلد بالشام. وطعنة: عطف على ضربة. ونجلاء:
بفتح النون وسكون الجيم، صفة طعنة، أي واسعة. ويقال: أمر عموس، أي شديد مظلم لا يدري من أين يؤته له (1). والآسي: الطبيب.
206 - وأنشد:
ربّما الجامل المؤبّل فيهم … وعناجيج بينهنّ المهار (2)
__________
(1) وفي المراجع السابقة: (غموس) بالغين المعجمة، وهي الطفة النجلاء
(2) الواسعة.
الخزانة 4/ 188، وابن عقيل 1/ 245
(1/405)

هو من قصيدة لابي دؤاد جارية بن الحجاج الايادي، وأوّلها:
أوحشت من سروب قومي تعار … فأروم فشابة فالسّتار (1)
بعد ما كان سرب قومي حينا … لهم النّخل كلّها والبحار
فقد أمست ديارهم بطن فلج … ومصير بصيفهم تعشار
ربّما الجامل المؤبّل فيهم … وعناجيج بينهنّ المهار
ورجال من الأقارب بانوا … من حذوق هم الرّؤس الخيار
أوحشت: أقفرت. والسروب: جمع سرب، وهو المال السارح. وتعار بفتح المثناة الفوقية (2). وأروم: بفتح الهمزة وضم الراء. وشابة: بالشين المعجمة وفتح الباء الموحدة الخفيفة. والستار بكسر السين المهملة كلها مواضع. وكذلك بطن فلج موضع، وهو بفتح الفاء وسكون اللام وجيم، وكذا تعشار اسم موضع، وهو بكسر المثناة الفوقية وسكون العين المهملة وبالشين المعجمة. والجامل: بالجيم، جماعة من الابل لا واحد له من لفظه. وقيل: القطيع من الابل مع رعاته وأربابه. والمؤبل:
الميم وفتح الهمزة وتشديد الموحدة، يقال إبل مؤبلة إذا كانت للقنية. والعناجيج:
جمع عنجوج بضم العين المهملة وجيمين، وهي الخيل الطويلة الأعناق. والمهار:
بكسر الميم، جمع مهر، وهو ولد الفرس. وفي البيت: كف (ربّ) بما، ودخولها على الجملة الأسمية. وقال الفارسي: يجب أن يقدر (ما) اسما مجرور المعنى شيء، والجامل خبر ضمير محذوف، وتكون الجملة صفة (ما) والتقدير: رب شيء هو الجامل.
__________
(1) البيت في البكري 142 برسم (أروم) برواية: (أقفرت من سروب ..)
(2) قوله وتعار بفتح المثناة خطأ والصواب كسرها. قلت: انظر البكري 142.
(1/406)

207 - وأنشد:
فإن أهلك فربّ فتى سيبكي … عليّ مهذّب رخص البنان
أخرج المعافيّ بن زكريا، وابن عساكر في تاريخه، بسند متصل عن ابن لأعرابي قال (1): بلغني أنه كان رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك، فتاكا شجاعا، قد أغار على أهل حجر وناحيتها، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فكتب إلى عامله باليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به ويأمره بالاجتهاد في طلبه. فلما وصل اليه الكتاب أرسل إلى فتية من بني يربوع، فجعل لهم جعلا عظيما إن هم قتلوا جحدرا أو أتوا به أسيرا. فانطلقوا حتى اذا كانوا قريبا منه أرسلوا اليه أنهم يريدون الانقطاع اليه والتحرز به، فاطمأن اليهم ووثق بهم، فلما أصابوا منه غرة شدوه كتافا، وقدموا به على العامل، فوجه به معهم الى الحجاج. فلما أدخل على الحجاج قال له:
من أنت؟ قال: أنا جحدر بن مالك. قال: ما حملك على ما كان منك؟ قال:
جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان. قال: وما الذي جرى منك، فجرأ جنانك؟ قال: لو بلاني الأمير، أكرمه الله، لوجدني من صالحي الأعوان، وبهم الفرسان. ولوجدني من أنصح رعيته. وذلك أني ما لقيت فارسا قط إلا وكنت عليه في نفسي مقتدرا. قال له الحجاج: إنا قاذفون بك في حائر، فيه أسد عاقر ضار، فإن هو قتلك كفانا مؤنتك، وإن أنت قتلته خلينا سبيلك. قال: أصلح الله الأمير، عظمت المنة وقويت المحنة. قال الحجاج: فإنّا لسنا بتاركيك تقاتله إلا وأنت مكبل بالحديد. فأمر به الحجاج فغلت يمينه الى عنقه وأرسل به إلى السجن، فقال جحدر لبعض من يخرج إلى اليمن: تحمل عني شعرا؟ وأنشأ يقول:
تأوّبني فبتّ لها كنيعا … هموم لا تفارقني حواني
هي العوّاد لا عوّاد قومي … أطلن عيادتي في ذا المكان
إذا ما قلت قد أجلين عنّي … ثنى ريعانهنّ عليّ ثاني
__________
(1) ابن عساكر 3/ 63 وانظر البلدان (حجر) والخزانة 4/ 483 والامالي 1/ 281 - 282 والبلوىّ 2/ 501 مع تقديم وتأخير في رواية أبيات القصيدة.
(1/407)

فإنّ مقرّ منزلهنّ قلبي … فقد أنفهنه فالقلب آن (1)
أليس الله يعلم أنّ قلبي … يحبّك أيّها البرق اليماني
وأهوى أن أعيد إليك طرفي … على عدواء من شغل وشان (2)
ألا قد هاجني فازددت شوقا (3) … بكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بلحن أعجميّ … على غصنين من غرب وبان (4)
فقلت لصاحبيّ، وكنت أحزو … ببعض الطّير ماذا تحزوان
فقال: الدّار جامعة قريب … فقلت: بل أنتما متمنّيان
فكان البان أن بانت سليمى … وفي الغرب اغتراب غير داني
أليس الله يجمع أمّ عمرو … وإيّانا، فذاك لنا تداني (5)
بلى، وترى الهلال كما أراه … ويعلوها النّهار كما علاني
فما بين التّفرّق غير سبع … بقين من المحرّم أو ثماني
فيا أخويّ من جشم بن سعد … أقلّا اللّوم إن لم تنفعاني
__________
(1) في الامالي: (وكان ... الهم آني).
(2) في الامالي
(... أن أردّ إليك ... من شغلي وشأني)
والعدواء - كغلواء -: الشغل يصرفك عن الشيء.
(3) في الامالي: (ومما هاجني).
(4) البيت والذي يليه في عيون الاخبار 2/ 194 الى المعلوط السعدي.
(5) البيت الذي سبق الاخير في العيون 1941 بدون نسبة، وهما في الشعراء 410 للمعلوط، وفي الخزانة: (والبيتان أبرد ما قيل في باب القناعة من لقاء الاحباب). وانظر نهاية الأرب 2/ 258، واللآلي 617 و 961.
(1/408)

إذا جاوزتما سعفات حجر … وأودية اليمامة فانعياني
إلى قوم إذا سمعوا بنعيي … بكى شبّانهم وبكى الغواني
وقولا: جحدر أمسى رهينا … يحاذر وقع مصقول يماني
يحاذر صولة الحجّاج ظلما … وما الحجّاج ظلّاما لجاني
ألم ترني عديت أخا حروب … إذا لم أجن كنت مجن جان
فإن أهلك فربّ فتى سيبكي … عليّ مهذّب رخص البنان
ولم أك ما قضيت ديون نفسي … ولا حقّ المهنّد والسّنان
قال: وكتب الحجاج الى عامله بكسكران يوجه إليه بأسد ضارعات (1) يجرّ على عجل، فأرسل به، فلما ورد الأسد
على الحجاج أمر به فجعل في حائر (2)، وأجيع ثلاثة أيام، وأرسل الى جحدر فأتي به من السجن ويده اليمنى مغلولة الى عنقه، وأعطي سيفا، والحجاج وجلساؤه في منظرة لهم، فلما نظر جحدر الى الأسد أنشأ يقول:
ليث وليث في مجال ضنك … كلاهما ذو أنف ومحكّ
وشدّة في نفسه وفتك … إن يكشف الله قناع الشّكّ
فهو أحقّ منزل بترك
فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة، وتمطى وأقبل نحوه، فلما صار منه على قدر رمح وثب وثبة شديدة، فتلقاها جحدر بالسيف، فضربه ضربة حتى خالط ذياب
__________
(1) كذا بالاصل، ولعله (الاضارع).
(2) الحائر: شبه حوض يتحيّر فيه ماء المطر.
(1/409)

السيف لهواته، فخرّ الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، وسقط جحدر على ظهره من شدة وثبة الأسد وموضع الكبول. فكبّر الحجاج والناس جميعا، وأكرم جحدرا وأحسن جائزته. أخرجه ابن بكار في الموفقيات بطوله من طريق آخر عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر.
قوله تأوّبني: أي أتاني ليلا. وكنيعا: من كنع الرجل، إذا خضع ولان.
وحوان: من الحين بالفتح، وهو الهلاك (1). والنفهة: بالفاء، من نفهت نفسه بالكسر، أعيت وكلت. وأنفهها فلان أكلها. وآن: انتهى حرّه. والعدواء: بضم العين وفتح الدال المهملتين والمد. وقال في الصحاح: العدواء: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه. وعدواء الشغل أيضا: موانعه. والعدواء أيضا: بعد الدار. والغرب:
بفتح الغين المعجمة والراء ضرب من الشجر. والحزو: الكهان. والمهذب: المطهر الأخلاق. والرخص: الناعم. والبنان: أطراف الاصابع.
208 - وأنشد:
يا ربّ قائلة غدا … يا لهف أمّ معاويه
هو لهند زوج أبي سفيان، أم معاوية، من أبيات قالتها في وقعة بدر، أوّلها:
لله عينا من رأى … هلكا كهلك رجاليه
يا ربّ باك لي غدا … في النّائبات وباكيه
غودروا يوم القلي … ب غداة تلك الواعية
من كلّ غيث في السّن … ين إذ الكواكب خاويه
قد كنت أحذر ما أرى … فاليوم حقّ حذاريه
قد كنت أحذر ما أرى … فأنا الغداة مراميه
__________
(1) قوله: وحوان من الحين وهو الهلاك، غلط محض، والصواب:
ان حوان جمع حانية من الأنحاء لا من الحين.
(1/410)

بل ربّ قائلة غدا … يا ويح أمّ معاويه
قوله: خاوية، قال في الصحاح: خوت النجوم تخوى خيا. أمحلت، وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها. والبيت استدل به ابن مالك على انه لا يلزم من وصف المجرور برب. قال ابن الدماميني: وقد يقال: الموصوف محذوف، أي يا رب امرأة قائلة.
(1/411)

حرف السين
209 - وأنشد:
وما أدري وسوف إخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء
تقدم شرحه في شواهد أم (1).
210 - وأنشد:
فيا ربّ إن لم تقسم الحبّ بيني وبينها … سواءين فاجعلني على حبّها جلدا (2)
الجلد: بفتح الجيم وإسكان اللام، الشديد الصلب، يقال: جلد الرجل بالضم جلدا بالفتح وجلادة، أي صلب فهو جلد.
211 - وأنشد:
ولا سيّما يوم بدارة جلجل (3)
هو من معلقة امرئ القيس المشهورة وصدره:
ألا ربّ يوم لك منهنّ صالح
ودارة جلجل: بجيمين اسم لغدير.
__________
(1) الشاهد رقم 48 ص 130.
(2) وهو في اللسان (سوا) منسوب الى قيس بن معاذ.
(3) ديوانه 10، والخزانة 2/ 63 وإعجاز القرآن 249 والبكري 389 وفيه: (موضع بديار كنده، يقال له الحمى). وللبيت خبر في ديوانه وهو من معلقته وانظر ص 97 و 404.
(1/412)

212 - وأنشد:
فه بالعقود وبالأيمان، لا سيّما … عقد وفاء به من أعظم القرب
قوله فه: أمر من الوفاء (1). وقوله: لا سيما، فيه شاهد على حذف الواو وتخفيف الياء معا.
* * *
__________
(1) في حاشية الامير 1/ 123: (فه: تكتب هاء السكت ولا ينطق بها في الوصل إلا إذا أجرى مجرى الوقف).
(1/413)

حرف العين
شواهد على
213 - وأنشد:
تحنّ فتبدي ما بها من صبابة … وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني
هذا من قصيدة لعروة بن حزام العذري، وقبله (1):
فمن يك لم يغرض فإنّي وناقتي … بحجر إلى أهل الحمى غرضان
وأوّل القصيدة:
خليليّ من عليا هلال بن عامر … بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ومنها:
على كبدي من حرّ عفراء لوعة … وعيناي من وجد بها تكفان
فياليت كلّ اثنين بينهما هوى … من النّاس والأنعام يأتلفان
ومنها:
تحمّلت من عفراء ما ليس لي به، … ولا للجبال الرّاسيات يدان
__________
(1) شعر عروة بن حزام (مجلة كلية الآداب)، والاغاني 23/ 307 و 310 و 313 (الثقافة). وذيل الامالي 158 وحاشية الامير 1/ 125.
(1/414)

كأنّ قطاة علّقت بجناحها … على كبدي من شدّة الخفقان!
ومنها:
ألا لعن الله الوشاة وقولهم … فلانة أضحت خلّة لفلان
إذا ما جلسنا مجلسا نستلذّه … تواشوا بنا حتّى أملّ مكاني
تكنّفني الواشون من كلّ جانب … ولو كان واش واحد لكفاني
ولو كان واش باليمامة داره … وداري بأعلا حضرموت أتاني
ومنها:
وإنّي لأهوى الحشر إذ قيل إنّني … وعفراء يوم الحشر نلتقيان
تحنّ: من الحنان، وهو الرحمة والحنو، وضميره للناقة. والأسى بضم الهمزة، جمع أسوة فعلة، من التأسي وهو الاقتداء. قال ابن هشام: ومن ظنه بفتح الهمزة أخطأ لأن ذلك بمعنى الحزن، ولا مدخل له هنا من حيث المعنى. وقوله: لقضاني.
أصله لقضى عليّ، فحذف الجار وعدي الفعل الى الضمير. وقد قيل أنه ضمن قضى معنى قتلني أو أهلكني، فعداه بنفسه. ويغرض: بمعجمتين بينهما راء، يقال غرض إلى كذا أي اشتاق. وهو من باب علم يعلم. وقوله: غرضان، بفتح الغين وكسر الراء، تثنية غرض، صفة مشبهة من الفعل المذكور. والحر: بفتح الحاء، اسم موضع. وعفراء، بفتح المهملة وسكون الفاء، اسم محبوبته.

فائدة: [عروة بن حزام]
عروة بن حزام بن مهاجر العذري، شاعر إسلامي، أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى (1). قال في الاغاني: ولا يعرف له شعر إلا في عفراء بنت عمه عقال بن مهاجر،
__________
(1) انظر الشعراء 604 - 610 والاغاني 20/ 152 - 158 وذيل الامالي 157 - 162، وذيل اللآلي 73 - 74، والخزانة 1/ 533 - 536.
(1/415)

وكان هويها وهويته، فخطبها إلى عمه فأبت أمها عليه لفقره، وزوجوها برجل من الشام ذي مال، فاشتد ضنى عروة ومات رحمه الله. فجزعت عفراء عليه جزعا شديدا، وماتت بعده بأيام قلائل، وبلغ معاوية بن أبي سفيان الخبر فقال: لو علمت بحال هذين لجمعت بينهما.
وأخرج أبو الفرج من طريق الكلبي عن أبي صالح قال: كنت مع ابن عباس بعرفة، فحمل إليه فتى لم يبق إلا خياله فقالوا: ادع له، قال: وما به؟ قالوا: الحب، ثم خفق في أيديهم فإذا هو قد مات. فما رأيت ابن عباس في عشية سأل الله الا العافية مما ابتلي به ذلك الفتى، وسألت عنه فقيل هذا عروة بن حزام.
214 - وأنشد:
وبات على النّار النّدى والمحلّق
تقدم شرحه (1).
215 - وأنشد:
إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها (2)
هو للقحيف بن خمير العقيلي، شاعر مقل من شعراء الاسلام، شبب بخرقاء التي شبب بها ذو الرّمّة، وبعده
ولا تنبو سيوف بني قشير … ولا تمضي الأسنّة في صفاها
قال الجوهري: ربما قالوا: رضيت عليه، في معنى رضيت عنه، وأنشد البيت.
وقال غيره: ضمن رضى معنى عطف. وقال المبرد في الكامل (3): بنو كعب بن ربيعة يقولون: (رضي الله عليك). وقال الكسائي: حمل رضي الله على نقيضه، وهو سخط. وبنو قشير، بضم: قبيلة. وخبر لعمر الله محذوف، أي يمنيني. وأعجبني
__________
(1) سبق ص 303، الشاهد رقم 137.
(2) الخزانة 4/ 247، وابن عقيل 1/ 242، والكامل 538.
(3) ص 538
(1/416)

جواب إذا. وضمير رضاها عائد إلى بني قشير، وأنثه باعتبار القبيلة. وقد ذكر الجمحي القحيف هذا في الطبقة
العاشرة من شعراء الاسلام وسمّى أباه سليما (1).
216 - وأنشد:
في ليلة لا ترى بها أحدا … يحكي علينا، إلّا كواكبها (2)
هذا لعدي بن زيد، قاله سيبويه. وقيل: لبعض الأنصار، حكاه الزمخشري في شرح أبيات الكتاب. قال الأعلم: وصف انه خلا بمن يحب في ليلة لا يطلع فيها عليهما ويخبر بجمالهما الا الكواكب، لو كانت ممن يخبر ويملي. وقد استشهد سيبويه بهذا البيت على رفع الكواكب بدلا من الضمير الفاعل في يحكى، لانه في المعنى منفي، ولو نصب على البدل من أحد لكان أحسن، لان أحدا منفي في اللفظ والمعنى، فالبدل منه أقوى. وقبل البيت:
يشتاق قلبي إلى مليكة لو … أمست قريبا لمن يطالبها
ما أحسن الجيد من مليكة وال … لّمبّات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة هجع الن … ناس ورام الكلاب صاحبها
في ليلة لا ترى بها أحدا … يحكي علينا، إلّا كواكبها
وبذلك عرف ان القافية مرفوعة. ثم رأيت صاحب الاغاني قال (3): ان هذه الأبيات لأحيحة بن الجلاح بن الجريش الأوسي، يكنى أبا عمرو. وزاد بعدها:
لتبكني قينة ومزمرها (4) … ولتبكني قهوة وشاربها
__________
(1) الطبقات 583
(2) الخزانة 2/ 18 وسيبويه: 2/ 361، والاغاني 15/ 31 و 95 (الثقافة) وفيه (في ليلة لا يرى ... يسعى علينا) وابن الشجري 1/ 61.
(3) 15/ 31 (الثقافة).
(4) في الأغاني 15/ 34 (ومزهرها).
(1/417)

ولتبكني ناقة إذا رحلت … وغاب في سربخ مناكبها (1)
ولتبكني عصبة إذا اجتمعت … لم يعلم النّاس ما عواقبها
217 - وأنشد:
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي … إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت (2)
هذا من قصيدة لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقبله:
ولمّا رأيت الخيل زورا، كأنّها … جداول زرع أرسلت فاسبطرّت
هتفت بخيل من زبيد فداعست … إذا طردت جالت قليلا فكرّت (3)
فجاشت إليّ النّفس أوّل مرّة … فردّت على مكروهها فاستقرّت
زور: بضم الزاي، جمع أزور، وهو المعوج الزّور. والجدول: النهر الصغير.
واسبطرت: امتدت. قال التبريزي: والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار.
وجاشت النفس: ارتفعت (من الفزع) (4)، والفاء في: فجاشت، يحتمل زيادتها.
والفعل جواب لما (5). ويحتمل أن يكون الجواب محذوفا، أي طعنت أو أبليت، كذا قال. وأنت ترى الجواب مصرحا به في قوله: هتفت. وعلام: حرف الجر، دخل على ما الاستفهامية، حذف ألفها. والرمح: يروى بالرفع (6)، وبالنصب، على جعل تقول كتظن، قاله التبريزي. وكذا أورده المصنف في التوضيح شاهدا على إعمال
__________
(1) في الأغاني: (في سروح مناكبها).
(2) الخزانة 1/ 422 والحماسة 1/ 158
(3) البيت في الخزانة برواية: هتفت فجاءت من زبيد عصابة.
(4) مزيدة من الخزانة، واضاف: (وهذا ليس لكونه جبانا، بل هذا بيان حال النفس)، وانظر الحماسة 1/ 157.
(5) تكون الفاء زائدة في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش. وانظر التبريزي 1/ 157.
(6) فعلى ظاهر الأمر.
(1/418)

تقول عمل تظن. والمعنى: بأي حجة أحمل السلاح إذا لم أقاتل عند كرّ الخيل.
ويروى: ساعدي، بدل: عاتقي. وقوله: إذا أنا لم أطعن، أي: لم يثقل ساعدي بالرمح في وقت تركي الطعن بزمان كرّ الخيل. فاذا الأول ظرف (ليثقل) والثاني ظرف لقوله (لم أطعن). وكرّت: من الكرّ وهو الرجوع.

فائدة: [عمرو بن معدي كرب]
عمرو بن معدي كرب بن عبد الله بن عاصم بن زبيد الأصغر، وهو منبه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن زبيد الأكبر بن الحارث بن صعب ابن سعد العشيرة بن منحج الزّبيدي المذحجي (1) يكنى أبا ثور. قدم على
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وفد زبيد فأسلم سنة تسع أو عشر. وأقام بالمدينة برهة ثم شهد عامة الفتوح بالعراق. وكان شاعرا محسنا مشهورا بالشجاعة، قتل يوم القادسية، وقيل مات عطشا يومئذ، وقيل جرح في وقعة نهاوند فحمل فمات بقرية من قراها يقال لها رودة سنة احدى وعشرين.
218 - وأنشد:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل … إن لم يجد يوما على من يتّكل (2)
وقبله:
إنّي لساقيها وإنّي لكسل … وشارب من مائها ومغتسل
219 - وأنشد:
ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث … إلّا أخوثقة، فانظر بمن تثق (3)
__________
(1) في نسب عمرو بن معد يكرب خلاف وارتباك، وانظر الاغاني 14/ 24، والاصابة رقم 5970، والخزانة 1/ 425.
(2) الخزانة 4/ 252
(3) المؤتلف والمختلف 197 برواية: (ولا يواسيك).
(1/419)

أورده ثعلب في أماليه، وقبله:
يا أيّها المتحلّي غير شيمته … ومن خليقته الإفراط والملق
عليك بالقصد فيما أنت قائله … إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق
وبعده:
يا جمل إن يبل سربال الشّباب فما … يبقى جديد على الدّنيا ولا خلق
وإنّما النّاس والدّنيا على سفر … فناظر أجلا منهم ومنطلق
ورأيت في المؤتلف والمختلف للآمدي عزو ذلك إلى سالم بن وابصة بن عبيدة ابن قيس الأسدي، من شعراء عبد الملك بن مروان، قوله: (ولا يواتيك) أي يعاطيك ويعاملك بما ترضاه. فيما ناب: أي أصاب من حدث، أي نازلة من نوازل الدهر.
220 - وأنشد:
أبي الله إلّا أنّ سرحة مالك … على كلّ أفنان العضاه تروق (1)
هذا من قصيدة لحميد بن ثور الهلالي الصحابي رضي الله عنه، أوّلها:
نأت أمّ عمرو فالفؤاد مشوق … يحنّ إليها نازعا ويتوق (2)
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن محمد بن أبي فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب أن لا يشيب رجل بامرأة إلا جلده، فقال حميد بن ثور، وكانت له صحبة، فذكر شعرا فيه:
__________
(1) ديوانه 41، والاغاني 4/ 358 (الثقافة) و 4/ 357 (الدار) واساس البلاغة (روق).
(2) في الديوان والاغاني: (والها ويتوق).
(1/420)

أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك … على كلّ أفنان العضاه تروق
وهل أنا إن علّلت نفسي بسرحة … من السّرح مأخوذ عليّ طريق
قال ثعلب في أماليه: كنى بالسرحة عن امرأة، وأصلها الشجرة العظيمة الطويلة.
والأفنان: الغصون الملتفة، جمع فنن. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، واحدها عضاهة (1).
221 - وأنشد: (2)
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته … بجانب قوسى ما بقيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّما … نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
هذان من أبيات لأبي خراش، خويلد بن مرّة الهذلي.
قال أبو عبيدة (3): أغارت ثمالة بقوسي، فقتلوا عروة أخا أبي خراش، وأسروا
__________
(1) قال شارح ديوانه: (سرحة مالك: امرأته. والبيت في الاصلاح 1/ 321 والاساس، روق، والمخصص 14/ 70، والافنان هنا:
الانواع واحدها فنّ. وتروق هنا: تفوق. يريد أنها تزيد عليها بحسنها وبهائها، من قولهم: راق فلان على فلان، إذا زاد عليه فضلا، قال الشاعر - ابن الرقيّات -:
رأقت على البيض الحسا … ن بحسنها وبهائها
عن اللسان (روق).
قال في الاقتضاب: وقد يجوز ان يقدر في البيت محذوف، كأنه قال: أبي الله إلا أن أفنان سرحة مالك. وقد يكون قوله: على كل أفنان العضاه،
في موضع خبر أن. كما تقول: أبى الله إلا أن فضل زيد على كل فضل، أي ظاهر على كل فضل، ويكون، تروق، خبرا ثانيا. فالأفنان على هذا القول جمع فنن وهو الغصن. وتررق:
تعجب.
وقد أورد ابن قتيبة في (أدب الكاتب) هذا البيت على أن (على) في قوله (على كل أفنان العضاه) زائدة، لان راق يروق لا يحتاج في تعديّه إلى حرف جر. وإنما يقال: راقني الشيء يروقني. فالمعنى يروق كل أفنان العضاه).
(2) ديوان الهذليين 2/ 158، ومعجم البكري 1102، والتاج وانظر الخزانة 2/ 460. والحماسة 2/ 282 - 283، والشعراء 647، والاصابة 2/ 148 - 149 والاستيعاب وأسد الغابة.
(3) الاغاني 21/ 63، والخزانة 2/ 458 - 463، والحماسة 2/ 280 - 281
(1/421)

ابنه خراشا فيمن أسروا. فوقع لرجل منهم فجهد به أن يخبره من هو فلم يفعل.
فبينا الآسر وخراش في ماشية أضافه ابن عم له قد عرف خراشا، فقال له: أتعرف مكان أهلك؟ قال: نعم. فألقى عليه ثوبه مجيرا له. فأقبل الآسر بالسيف صلتا فقال:
أسيري أسيري!! فقال: كذبت، قد أجرته. فكف عنه ولحق خراش بأبيه، فقال:
من أجارك؟ فأخبره. قال: فمن الرجل؟ قال: ما أتيته. فمدحه أبو خراش وهو لا يعرفه. قال أبو عبيدة: وكان يقال: لم نعلم شاعرا مدح رجلا لا يعرفه إلا أبا خراش فقال (1):
حمدت الهي بعد عروة إذ نجا … خراش وبعض الشّرّ أهون من بعض
كأنّهم يشّبّثون بطائر … خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب اللّيل وهو مهابذ … يحثّ الجناح بالتّبسّط والقبض
ولم يك مثلوج الفؤاد مهبّجا … أضاع الشّباب في الرّبيدة والخفض
ولكنّه قد نازعته مخامص … على أنّه ذو مرّة صادق النّهض
ولم أدر من ألقى عليه رداءه … سوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته … بجانب قوسى ما بقيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّما … نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
قوله: (كأنهم) يعني الذين يعدون خلف خراش. والمشاش: رؤس العظام.
ويقال لكل من استخف، خفيف المشاش. والنحض: بفتح النون وسكون الحاء المهملة، اللحم. ومهابذ: بالمعجمة،
سريع. قال الأصمعي: أراد مهاذب، فقلبه.
يقال: من هذب إذا عدا عدوا شديدا. وقال غيره: إنما هو مهابذ، بالمهملة، أي جاد.
__________
(1) الابيات في ديوان الهذليين على الترتيب التالي: 1 و 7 و 8 و 5 و 6 و 4 و 2 و 3.
(1/422)

قال العسكري: وهذا تصحيف، والقول ما قال الأصمعي. وقال الباهلي: أهبذ وأهذب أي أسرع واجتهد (1). ومثلوج الفؤاد: بارد ضعيف لا حرارة له ولا ذكاء.
ومهبج كثير اللحم، ثقيل منفوخ الوجه (2). والربيدة: النعمة والخصب والدعة (3).
والخفض: الاقامة. ونازعته: تناولته: ومخامص: جمع مخمصة. وذو مرة:
ذو قوّة. وصادق النّهض: صاحب نهضات في الأمور صائبات. ورزئته: أي أصبت به، صفة قتيلا. وبجانب متعلق بقتيل. وقوسى: بفتح القاف، موضع (4).
و (على أنها تعفو) في محل نصب على الحال، وعامله لا أنسى. والتقدير: أنا على عفاء كلوم، أي أذكره عافيا كلمى. وتعفو: تذهب وتبرأ. والكلوم: الجراحات.
قال التبريزي: وعنى بها الحزن عند ابتداء الفجعة. وقال العسكري: انما يحزن لما يمسي حديثا وينسى ما مضى وإن جل، كما قال الآخر:
ما شيء يعولك والاقدام تنساه
وإن هو جل. والماجد: الكريم. ويروى: (على أنه قد سلّ) والمعنى: لا أعرف اسمه ونسبه، إلا أنه ولد كريم بما ظهر من فعله. والبيت: استشهد به المصنف على ورود على للاستدراك. وهكذا أورده صاحب الحماسة. والذي أورده العسكري في أشعار هذيل: (بلى انه) وعلى هذا فلا شاهد فيه.

فائدة: [أبو خراش]
أبو خراش، خويلد بن مرّة الهذلي الشاعر المشهور. قال المرزباني (5):
__________
(1) في ديوان الهذليين: (فهو مهابذ) يعني الطائر، فهو جاد ناج، وأصله (من مرّ يهذب). وانظر اللسان: (جنح) و (هبذ) و (هذب).
(2) في ديوان الهذليين ورد البيت برواية: (مهبجا) بالباء الموحدة، وشرحه فقال: (مثقل).
(3) في ديوان الهذليين ورد البيت برواية: (الربيلة) وشرحها بمعنى:
(كثرة اللحم وتمامه).
(4) قوسى: بفتح أوله، وضمه معا، كما في البكري والخزانة، على وزن (فعلى) موضع ببلاد هذيل، وفي التاج (موضع ببلاد السراة من الحجاز). وانظر اللآلي 901
(5) انظر الاصابة 2/ 148، والخزانة 3/ 232.
(1/423)

أدرك الاسلام شيخا كبيرا ووفد على عمر. وقال أبو الفرج الأصفهاني (1): كان أحد الفصحاء، أدرك الجاهلية والاسلام، ومات في أيام عمر. ثم روى من طريق الأصمعي قال:
دخل أبو خراش الهذلي مكة في الجاهلية، وللوليد بن المغيرة فرسان يريد أن يرسلهما في الجاهلية، فقال: ما تجعل لي ان سبقتهما عدوا؟ قال: إن فعلت فهما لك، فسبقهما.
وقال ابن الكلبي والأصمعي وغيرهما: مر على أبى خراش، وكان قد أسلم فحسن اسلامه، نفر من اليمن حجاجا فنزلوا عليه فقال: ما أمسى عندي ماء؟ ولكن هذه برمة وشاة وقربة، فردوا الماء فانه غير بعيد، ثم اطبخوا الشاة، وذروا البرمة والقربة عند الماء حتى نأخذهما فامتنعوا، وقالوا: لا نبرح. فأخذ أبو خراش القربة وسعى نحو الماء تحت الليل فاستقى ثم أقبل، فنهشته حية، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، ولم يعلمهم ما أصابه. فباتوا يأكلون، فلما أصبحوا وجدوه في الموت، فأقاموا حتى دفنوه. فبلغ عمر خبره فقال: والله لولا أن يكون لأمرت أن لا يضاف يماني بعدها.
ثم كتب إلى عامله أن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرمهم ديته.
وقال وكيع في الغرر: أنبأنا عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى قال: قلت لأبي مشكل:
إني أستحسن أبيات أبي خراش الهذلي:
دعوت إلهي بعد عروة إذ نجا … خراش وبعض الشّرّ أهون من بعض
فآليت لا أنسى قتيلا رزئته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
بلى، إنّها تعفو الكلوم وإنّما … توكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
قال أبو مكلم، أحمد بن هشام التميمي، هذه سرقها من القلب العنبري، وأنشدني:
للقلب بنتا لدى عنز تربضها … من أن يكون فراقها جهرا
والقلب هذا من أصحاب النبيّ.
__________
(1) 21/ 47 - 48
(1/424)

222 - وأنشد:
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا … يملّ وأنّ النّأي يشفي من الوجد (1)
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا … على أنّ قرب الدّار خير من البعد
على أنّ قرب الدّار ليس بنافع … إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
هذه الأبيات من قصيدة لعبد الله من الدمينة الخثعمي، أوّلها:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد؟ … لقد زادني مسراك وجدا على وجدي
رأيت في أمالي القالي (2): حدثنا الرياحي قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب ليزيد بن الطثرية، فذكر القصيدة وهي نحو عشرين بيتا، وفيها الأبيات الثلاثة المستشهد بها ومطلعها عنده:
ألا هل من البين المفرّق من بدّ … ولا لليال قد تسلّفن من ردّ

فائدة: [ابن الدّمينة]
ابن الدّمينة إسمه عبد الله بن عبيد الله، أحد بني عامر بن تيم الله. والدّمينة اسم أمه، وهي بنت حذيفة السلولية، يكنى أبا السري. شاعر إسلامي. وكان بلغه أن رجلا من أخواله من سلول يأتي امرأته ليلا، فرصده حتى أتاها فقتله، ثم قتلها بعده، ثم اغتالته سلول بعد ذلك فقتلته.
223 - وأنشد:
غدت من عليه بعد ماتمّ ظمؤها (3)
__________
(1) ديوانه 82، والاغاني 15/ 149، والحماسة 3/ 257، ومعاهد التنصيص 1/ 160 والحيوان 3/ 258 - 209، وجمع الجواهر 22 ونهاية الارب 2/ 158
(2) ذيل الامالي 104
(3) الخزانة 4/ 253، وابن عقيل 1/ 243، وشرح أدب الكاتب للجواليقي 349
(1/425)

قال ابن يسعون: هو لمزاحم بن عمرو العقيلي. وقال البطليوسي والتدمري:
هو مزاحم بن الحارث. قال ابن سيدة: هو جاهلي. وقال أبو حاتم وأبو الفرج الأصبهاني: هو إسلامي. قال ابن يسعون: وأظنه أدرك الجاهلية والاسلام. وذكره الجمحي في الطبقة العاشرة من الشعراء الاسلاميين (1) وتمامه:
تصلّ وعن قيض ببيداء مجهل
وقبله:
قطعت بشوشاة كأنّ قتودها … على خاضب يعلو الأماعز هيكل
أذلك أم كدرية ظلّ فرخها … لقى بشرورى كاليتيم المعيّل
وبعده:
غدوا طوى يومين عند انطلاقها … كميلين من سير القطا غير مؤتل
الشوشاة: بمعجمتين، الناقة الخفيفة. والقتود، بضم القاف والفوقية، آخره دال مهملة، أداة الرحل وعيدانه، الواحد قتد. والخاضب: بمعجمتين وموحدة هنا، ولد النعامة، وهو الذي أكل الربيع فاحمرّ ظنبوباه وأطراف ريشه. والظنبوب:
مقدم عظم الساق. وقيل: الخاضب الذي قد خضب قوائمه في الربيع. والأماعز:
جمع أمعز، وهي الأرض الغليظة ذات الحجارة. والهيكل: الضخم. ويروى بدله (مجفل) أي سريع الذهاب، وذلك إشارة الى الخاضب. وهو مبتدأ خبره محذوف لدلالة الحال. والمعنى: أذلك الخاضب يشبه ناقتي في خفتها وسرعتها أم كدرية.
والكدرية: القطاة التي في لونها كدرة. والقطا نوعان: كدري وجوني، فالكدري:
أغبر اللون. والجوني: أسود اللون. واللقي: بالفتح، الشيء المطروح لهوانه.
وشروري: موضع، وقيل جبل (2). والمعيل: مفعل، من قولك: عالني الشيء يعيلني،
__________
(1) الطبقات 583
(2) في البكري 794: (شرورى: جبل بين العمق والمعدن، في طريق مكة الى الكوفة، وهي بين بني أسد وبني عامر).
(1/426)

إذا أعجزك. وأصله من العيلة، وهي الحاجة. وقد عال الرجل يعيل عيلا إذا افتقر.
وقوله: (غدت من عليه) أي صارت من فوقه، يعني من فوق الفرخ. فعلى هنا اسم.
وقيل: معناه من عنده، فيكون (على) هنا بمعنى عند، قاله التدمري في شرح أبيات الجمل. قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف؟ قال: غدت من عليه. والقطا: انما يذهب إلى الماء ليلا لا غدوة، فقال لم يرد الغدو، وانما: هذا الجنس مثل للتعجيل.
والظمء: بكسر المعجمة، مدة بقاء الابل والطير بلا شرب، ويروى: (خمسها) (1).
وتصل: بكسر الصاد المهملة، تصوّت أحشاؤها من العطش، مأخوذ من الصليل، وهو صوت الحديد ونحوه. ويروى بدله: (تذل) أي تذهب كل مذهب من شدة سرعتها. والقيض: بقاف وتحتية ومعجمة، قشر البيض. والبيداء: المفازة. ويروى بدله (بزيزاء) بكسر الزاي الأولى وفتحها. وهي الأرض الغليظة الصلبة. وقيل:
المفازة التي لا أعلام فيها، لأن وزن المكسورة فعلال كقرطاس، ووزن المفتوحة فعلاء كحمراء. وقال ابن يسعون: الزيز: القطا المذكر، وهمزته للالحاق، وفتح زائه لغة هذيل والمفرد زيزاة. والمجهل: بفتح الميم والهاء، القفر الذي لا أعلام فيه يهتدي بها.
والمؤتل: المقصر في قوله تعالى (وَلا يَأْتَلِ) أي لا يقصر. ومطلع هذه القصيدة:
خليليّ عوجا بي على الرّبع نسأل … متى عهده بالظّاعن المتحمّل
224 - وأنشد:
هوّن عليك، فإنّ الأمو … ر بكفّ الإله مقاديرها (2)
فليس بآتيك منهيّها … ولا قاصرا عنك مأمورها
هما للأعور الشنيّ، كذا في الحماسة البصرية، وفي شرح أبيات الكتاب للزمخشري. وقال في:
ولا قاصرا عنك مأمورها
__________
(1) في شرح أدب الكاتب 450: (أي غدت القطاة من فوق فرخها، وكانت تحضنه). والظمء: ما بين الشربتين. ويروى: بعد ما تم خمسها.
والخمس سير أربع ليال تصل، أي يسمع لجوفها صوت من العطش.
(2) سيبويه 1/ 31.
(1/427)

ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون مأمورها مبتدأ وقاصر خبره، ثم تكون الجملة بأسرها معطوفة على الجملة الأولى، كقولك: ما زيد قائما ولا عمرو منطلق. الثاني:
ان تنصب قاصرا وتعطف على محل بآتيك، كأنه قال: فليس منهيها آتيا لك، ولا مأمورها قاصرا عنك. والعامل في الاسمين الأولين والمعطوف عليهما عامل واحد، وهو ليس، كقولك: ليس زيد قائما ولا عمرو منطلقا. الثالث: أن تجر قاصر او تعطفه على آتيك، ثم لا يخلو اما أن يكون مأمورها بمنزلة منهيها، محمولا على ليس، وهو من باب العطف على عاملين، لأنك أنبت الواو مناب ليس، والباء في بآتيك زائدة، واما أن تجعله من قولنا: ليس أمة الله بذاهبة ولا قائم أخوها، بعطف قائم على ذاهبة، وأخوها رفع بقائم، فيخبر عن أمة الله بذهابها وبقيام أخيها، فتكون قد عطفت خبرا على خبر، فكذلك قاصر معطوف على بآتيك، ومأمورها رفع بقاصر، وتكون قد أخبرت عن منهيها بقصور المأمور. وكان القياس على هذا مأموره. الا أن المنهى لما كان بعض الأمور أنث فعله كذهبت بعض أصحابه. ومعنى إضافة المأمور الذي يكون مع المنهى ويذكر معه ويقرن به، لأن الاضافة تكون بأدنى سبب. وفي هذا الوجه الثالث تعسف. وقاصر عنك: مقصر عن اتيانك، انتهى. ثم رأيت البيهقي قال في كتاب الأسماء والصفات مانصه: وأما قوله: في كف الرحمن، فمعناه عند أهل النظر، في ملكه وسلطانه. ومنه قول عمر بن الخطاب إن صح فيما أخبرنا أبو نصر بن قتادة قال أبو العباس محمد بن اسحق الضبعي، حدّثنا الحسين بن علي بن زياد، حدثنا إسمعيل بن أبي أوس، حدثني محمد بن عتبة الخراز عن حماد بن عمرو الاسدي، عن حماد بن ثلج، عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب كثيرا ما يخطب ويقول على المنبر:
خفّض عليك فإنّ الأمو … ر بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها … ولا قاصر عنك مأمورها
أي في مالك الأله وقدرته، إنتهى.
225 - وأنشد:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم … إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
(1/428)

تقدم شرحه في شواهد (أم) في ضمن قصيدة زياد بن حمل (1).
226 - وأنشد:
قد بتّ أحرسه وحدي ويمنعني … صوت السّباع به يضبحن والهام
هذا من قصيدة للنمر بن تولب، أوّلها:
شطّت بجمرة دار بعد إلمام … نأي وطول تعاد بين أقوام
حلّتّ بتيماء في حيّ إذا احتملوا … في الصّبح نادى مناديهم بأشآم
الى أن قال:
ومنهل لا ينام القوم حضرته … من المخافة أجن ماؤه طامي
قد بتّ أحرسه وحدي ويمنعني … صوت السّباع به يضبحن والهام
قوله: شطت: أي بعدت. وجمرة: بجيم وراء زوجته، وهي من بني أسد.
وإلمام وتعاد، يقول: قومها وقومي متعادون فلا أقدر عليها. وتيماء: موضع بالشام. والاشآم: الأخذ نحو الشام. ومنهل: أي رب منهل لا ينام القوم فيه، بل يستوحشون من السباع ويفرقون. وأحرسه: أي أحترس فيه. ويضبحن:
بضاد معجمة وباء موحدة وحاء مهملة، يصوّتن. والهام: طير الليل، الواحد هامة.
وأورده الزمخشري:
قد بتّ أحرسه ليلا ويسهرني
__________
(1) انظر ص 135 - 137
(1/429)

شواهد عن
227 - وأنشد:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب … عنّي، ولا أنت ديّاني فتخزوني (1)
هو لذي الأصبع واسمه حرثان بن السموأل (2) وقيل ابن محارب العدواني، وأوّل القصيدة (3):
يا من لقلب شديد الهمّ محزون … أمسى تذكّر ريّا أمّ هرون
أمسى تذكّرها من بعد ما شحطت … والدّهر ذو غلظة حينا وذولين
فإن يكن حبّها أضحى لنا شجنا … وأصبح الوأي منها لا يؤاتيني
فقد غنينا وشمل الدّار يجمعنا … نطيع ريّا وريّا لا تعاصيني
نرمي الوشاة فلا نخطي مقاتلهم … بخالص من صفاء الودّ مكنون
__________
(1) الاغاني 3/ 104 (الدار) و 3/ 99 (الثقافة)، والخزانة 3/ 222، وابن عقيل 1/ 242، والامالي 1/ 93 واللآلي 289. والاساس (خزي).
والمؤتلف والمختلف 118 وابن الشجري 1/ 363.
(2) وكذا في اللآلي 289، وفي الكامل 18 و 326 وامالي المرتضى 1/ 244 (حرثان بن الحارث بن محرّث)
(3) القصيدة في الاغاني 3/ 104 - 106 (الدار)، والخزانة 3/ 222 - 230، والامالي 1/ 254 - 257 وانظر الشعراء 689، وأمالي المرتضى 1/ 251 - 252، وهي المفضلية رقم 31، وانظر المفضليات ص 159 - 164 والعقد 2/ 328 و 363.
(1/430)

ولي ابن عمّ على ما كان من خلق … مختلفان فأرميه ويرميني
أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا … فخالني دونه إذ خلته دوني
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب … عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة … ولا بنفسك في الضّرّاء تكفيني (1)
فإن ترد عرض الدّنيا بمنقصتي … فإنّ ذلك ممّا ليس يشجيني
ولا ترى فيّ غير الصّرم منقصة (2) … وما سواه فإنّ الله يكفيني
لولا أواصر قربى لست تحفظها … ورهبة الله فيمن لا يعاديني
إذا بريتك بريا لا انجبار له … إنّي رأيتك لا تنفكّ تبريني
إنّ الّذي يقبض الدّنيا ويبسطها … إن كان أغناك عنّي سوف يغنيني
الله يعلمني والله يعلمكم … والله يجزيكم عنّي ويجزيني
ماذا عليّ وإن كنتم ذوي رحمي … أن لا أحبّكم إذ لم تحبّوني
لو تشربون دمي لم يرو شاربكم … ولا دماؤكم جمعا تروّيني
ولي ابن عمّ لو انّ النّاس في كبد … لظلّ محتجزا بالنّبل يرميني
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي … أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
كلّ امرئ صائر يوما لشيمته … وإن تخلّق أخلاقا إلى حين (3)
__________
(1) في المفضليات والأمالي واللآلي .. (في العزّاء).
(2) في المفضليات: (الصبر).
(3) في الكامل 18 برواية: (كل امرئ راجع ... وإن تمتع أخلاقا ..).
(1/431)

إنّي لعمرك ما بابي بمنغلق … على الصّديق ولا خيري بممنون (1)
ولا لساني على الأدنى بمنطلق … بالمنكرات، ولا فتكي بمأمون
لا يخرج القسر منّي غير مغضبة (2) … ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
وأنتم معشر زيد على مائة … فأجمعوا أمركم شتّى فكيدوني (3)
فإن علمتم سبيل الرّشد فانطلقوا … وإن جهلتم طريق الرّشد فأتوني
يا ربّ ثوب حواشيه كأوسطه … لا عيب في الثّوب من حسن ومن لين
يوما شددت على فوهاء فاهقة … يوما من الدّهر تارات تؤاتيني (4)
قد كنت أعطيكم مالي وأمنحكم … ودّي على مثبت في الصّدر مكنون
يا ربّ حيّ شديد الشّغب ذي لجب … ذعرت من راهن منكم ومرهون (5)
رددت باطلهم من رأس قائلهم … حتّى يظلّوا خصوما ذا أفانين
يا صاح لو كنت لي ألفيتني يسرا (6) … سمحا كريما أجازي من يجازيني
قوله مختلفان: قال المصنف في بعض تعاليقه: لما قال: لي ابن عم، علم أنهما اثنان، فقال مختلفان، أي نحن. وأزرى: قصر. وقوله: (شالت نعامتنا) أي تفرّق أمرنا. وقوله: (لاه ابن عمك). أصله: لله درّ ابن عمك، فحذف المضاف وأناب عنه المضاف إليه، وحذف من لله لام الجر، واللام التي بعدها. و (عنّي) بمعنى عليّ
__________
(1) في المفضليات: (ما بابي بذي غلق عن الصديق).
(2) في المفضليات: (غير مأبية).
(3) في الكامل 450 (فاجمعوا كيدكم طرا).
(4) رواية المفضليات:
(على فرغاء فاهقة … تارات تماريني)
(5) رواية المفضليات: (بل يا رب ... دعوتهم راهن منهم ومرهون)
(6) رواية المفضليات: (يا عمرو لو لنت لي ألفيتني يسرا).
(1/432)

وفيه الشاهد (1) وأنشده في الاغاني فقال: (شيأ) بدل (عنّي) فلا شاهد فيه على هذا. والديان: القائم بالأمر. وتخزوني: تسوسني، يقال: خزاه يخزوه خزوا، أي ساسه، وقهره. فأما من الخزي، وهو الهوان والذل، فإنما يقال خزي يخزي.
قوله: (حيث تقول الهامة اسقوني) قال القالي: يعني رأسه، لأن العرب تزعم أن القتيل يخرج من هامته طائر، يسمى الهامة، فلا يزال يصيح على قبره: اسقوني اسقوني، حتى يقتل قاتله.

فائدة: [ذي الأصبع]
ذي الأصبع، اسمه حرثان بن الحارث بن عمرو بن عبادة بن يشكر بن عدوان العدواني، شاعر فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية. وسمي ذا الأصبع، لأنه نهشته حية في أصبعه فيبست. وقال الآمدي (2): لأن أفعى ضربت إبهام رجله فقطعها.
وهو أحد الحكماء الشعراء.
228 - وأنشد:
ومنهل وردته عن منهل
قال ابن الأعرابي في نوادره، أنشدني بكير بن عبد الربعي:
أزيد زيد اليعملات الذّبّل (3) … خوائفا في كلّ سهب مجهل
معصّبات باللّغام الأشكل … ينفضنه عن سبطات هذّل
على خشاش وذفار همّل … إذ بدر السّراب فوق الأعيل
ليس بذي شرب ولا ذي مأكل … يمنين منه بغلام قلقل
__________
(1) في حاشية امالي المرتضى 1/ 252: (الأحسن ان يقدر هاهنا فعل يتعلق (عن) به، هكذا هو عند المحققين).
(2) المؤتلف والمختلف 118.
(3) سيأتي هذا الشطر في الباب الرابع من قصيدة منسوبة الى عبد الله بن وكذا في سيرة ابن سيد الناس 2/ 154 وفي شواهد سيبويه الى أحد أولاد جرير وفي الكامل 952 لعمرو بن لجأ.
(1/433)

ليس بعذّال ولا معذل … حمّال أثقال الرّفيق معطل
متى تمنّى الخير منه يقبل … في غير لا منّ ولا تعلّل
ومنهل وردته عن منهل … فقرية الأعطان لم تسهل
عليه نسج العنكبوت المرمل … طال فلم يقطع ولم يوصل
قردانه هزلى كحبّ الحنظل … يا زيد هل عندك من معوّل
من صاحب يدنو وإن قلت ارحل … قد خفت أن أرعل إن لم أقتل
ينبت رأس العظم دون المفصل … وإن يرد ذلك لا يخصل
قال ابن الاعرابي: الأعبل. حجارة بيض، ويقال: ضربه ضربة واحدة فأقنبه، إذا قطعه. لا يخصل: لا يجعله قطعا.
229 - وأنشد:
وآس سراة القوم حيث لقيتهم … ولا تك عن حمل الرّباعة وانيا
هذا من قصيدة للاعشى ميمون، ومطلعها (1):
ذريني لك الويلات آتي الغوانيا … متى كنت زرّاعا أسوق السّوانيا (2)
سأوصي بصيرا إن دنوت من البلى … وكلّ امرئ يوما سيصبح فانيا
__________
(1) رويت هذه القصيدة عن طريق أبي عمرو الشيباني، وقطع شارح ديوان الأعشى على أنها ليست لاعشى ميمون وانها لاعشى آخر، وهي في ديوانه 328 - 331 القطعة 66، ويروى (سراة الحيّ).
(2) وبعده كما في الديوان:
ترجى شراء من سياس ومثلها … ومن قبلها ما كنت للمال راجيا
(1/434)

بأن لا تبغي الودّ من متباعد (1) … ولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا
وذو السّوء فاشنأه وذو الودّ فاجزه (2) … على ودّه أو زد عليه الغلانيا
وآس سراة القوم حيث لقيتهم … ولا تك عن حمل الرّباعة وانيا
وإن بشر يوما أحال بوجهه … عليك فحل عنه وإن كنت دانيا (3)
وإنّ تقى الرّحمن لا شيء مثله … فصبرا إذا تلقى السّحاق الغراثيا
وربّك لا تشرك به إنّ شركه … يحطّ من الخيرات تلك البواقيا
بل الله فاعبد لا شريك لوجهه … يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا
وإيّاك والميتات لا تقربنّها … كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا
ولا تعدنّ النّاس ما لست منجزا … ولا تشتمن جارا لطيفا مصافيا
ولا تزهدن في وصل أهل قرابة … ولا تك سبعا في العشيرة عاديا
وإن امرؤ أسدى إليك أمانة … فأوف بها إن متّ سمّيت وافيا (4)
ولا تحسد المولى وإن كان ذا غنى (5) … ولا تجفه إن كنت في المال غانيا
ولا تخذلنّ القوم إن ناب مغرم … فإنّك لا تعدم إلى المجد داعيا
__________
(1) في الديوان: (بأن لا تأنّ الود).
(2) رواية الديوان: فذا الشّن فاشنأه وذا الود ..
(3) في الديوان (وان كان دانيا).
(4) وبعد هذا البيت في الديوان البيت الاخير من القصيدة حسب ترتيب السيوطي وهو (وجارة جنب).
(5) في الديوان: ولا تحسدن مولاك إن كان ذا غنى.
(1/435)

وكن من وراء الجار حصنا ممنّعا … وأوقد شهابا يسفع النّاس حاميا (1)
وجارة جنب البيت لا تبغ سرّها … فإنّك لا تخفى من الله خافيا
الغواني: جمع غانية، الجواري الشابات. والسواني: جمع سانية، وهي البعير الذي يستقى عليه. والتأني: الترفق والتلطف. والشنؤ: مثل الشنع، العداوة والبغض. والغلانية: بالمعجمة، الاسراف في الامر والافراط فيه، وفعله غلوت.
وآس سراة القوم: أي أنلهم من مالك واجعلهم فيه إسوة، يقال آساه بماله مؤاساة.
ورباعة الرجل: بكسر الراء، فخذه الذي هو منها. قوله: (ولا تك ... الخ) يقول: إذا حملوا فاحمل معهم. وأحال بوجهه: ولاه وصرفه. وعليك، بمعنى عنك.
والسحاق: البعاد (2). وتكدح: تعمل وتسعى. وراعيا: حافظا. وأسدى: ألقى.
والشهاب: النار. ويسفع: يحرق. وحاميا: شديد الحر. وسرّها: نكاحها.
230 - وأنشد:
أتجزع أن نفس أتاها حمامها … فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع (3)
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: هذا لزيد بن رزين بن الملوّح، أخو بني مرّ ابن بكر، شاعر فارس، وهو القائل:
إنّ أخا المكاره الورد وارد … وإنّك مرأى من أخيك ومسمع
وإنّك لا تدري أبا لمكث تبتغي … نجاح الّذي حاولت أم تتسرّع
وإنّك لا تدري أشيء تحبّه … أم اخر، ممّا تكره النّفس، أنفع
أتجزع أن نفس أتاها حمامها … فهل أنت عمّا بين جنبيك تدفع
__________
(1) في الديوان: (يسفع الوجه).
(2) والغراث - كما في البيت: جمع غرثان، وهو الجائع.
(3) شرح التبريزي 1/ 378 وذيل الأمالي 105 وانظر ذيل اللآلي 49.
(1/436)

هكذا أنشده ولا شاهد فيه على هذا. والحمام: بكسر الحاء، الموت. ثم رأيت في أمالي القالي، قال الرياشيّ، قال العتبى (1): قال رجل من محارب يعزّي ابن عم له على ولده:
وإنّ أخاك الكاره الورد وارد … وإنّك مرأى من أخيك ومسمع
وإنّك لا تدري بأيّة بلدة … صداك ولا عن أيّ جنبيك تصرع
أتجزع إن نفس أتاها حمامها … فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع
231 - وأنشد:
أعن ترسّمت من خرقاء منزلة … ماء الصّبابة من عينيك مسجوم (2)
هو لذي الرّمّة. أخرج ابن عساكر عن الأصمعي قال (3): كان سبب تشبيب ذي الرّمة بخرقاء، أنه مرّ في بعض أسفاره ببعض البوادي، فإذا خرقاء خارجة من خباء، فنظر إليها (لها) (4)، فوقعت في قلبه، فخرّق إداوته ودنا منها يستطعم بذلك كلامها، فقال لها: إنّي رجل على ظهر سفر، وقد تخرّقت إداوتي فأصلحيها، فقالت: والله لا أحسن العمل، وإني لخرقاء (5) وفيها يقول:
أعن ترسّمت من خرقاء منزلة … ماء الصّبابة من عينيك مسجوم
تثني الخمار على عرنين أرنبة (6) … شمّاء مارنها بالمسك مرثوم
هام الفؤاد بذكراها وخامره … منها على عدواء النّأي تسقيم (7)
__________
(1) ذيل اللآلي 105
(2) الخزانة 4/ 314 وديوانه 567، واللسان والتاج (عن) و (رسم)، والاغاني 16/ 118.
(3) انظر الخزانة، والشعراء 509 - 510.
(4) مزيدة.
(5) الخرقاء: التي لا تعمل بيدها شيئا لكرامتها على أهلها.
(6) في ديوانه (تثني النقاب).
(7) في ديوانه: (عدواء الدار).
(1/437)

تعتادني زفرات حين أذكرها … تكاد تنقضّ منهنّ الحيازيم (1)
ترسمت: تبينت ونظرت هل ترى منزل خرقاء. وماء الصبابة: الدمع. وسجمت العين: قطر دمعها وسال. وخرقاء: امرأة من بني عامر بن ربيعة، وفيها يقول أيضا (2).
تمام الحجّ أن تقف المطايا … على خرقاء واضعة اللّثام
والصبابة: الشوق. ومسجوم: سائل.
ومن أبيات القصيدة بيت يستدلون به على (هنّا) بفتح الهاء وتشديد النون، وهو (3).
هنّا وهنّا ومن هنّ لهنّ بها … ذات الشّمائل والأيمان هينوم
وهينوم مبتدأ خبره لهنّ. وذات ظرف له. والأيمان: تقديره: وذات الأيمان.
وهو من الهيمنة، وهو الصوت الخفي. ومن أبياتها بيت يستدلون به على ورود قد مع المضارع للتكثير، لأن فيه افتخارا وهو (4):
قد أعسف النّازح المجهول معسفه … في ظلّ أخضر يدعو هامه البوم
العسف: المشي على غير بصيرة في الطريق. والنازح: البعيد. والمجهول:
الذي لا يكاد يسلكه الناس. والظل: الستر. والأخضر: أراد به الليل الأسود، لأن الخضرة إذا اشتدّت صارت سوادا.
232 - وأنشد:
فلقد أراني للرّماح دريئة … من عن يميني مرّة وأمامي (5)
__________
(1) في الديوان: (.. من تذكرها ... تنفض).
(2) ديوانه 673.
(3) ديوانه: ص 576، واللسان (هنم) و (هنا).
(4) ديوانه 574 وفيه: (في ظل أغضف). واللسان (هوم) و (خضر) و (ظلل) و (عمق)، والتاج: أهيم) و (غضف) واساس البلاغة:
(عسف).
(5) الخزانة 4/ 258، وابن عقيل 1/ 243، والامالي 2/ 190 والحماسة 1/ 131
(1/438)

هذا من قصيدة لقطري بن الفجاءة المازني التميمي، يكنى أبا نعامة من الشجعان المشاهير، وقبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام … يوم الوغى متخوّفا لحمام
وبعده:
حتّى خضبت بما تحدّر من دمي … أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثمّ انصرفت وقد أصبت ولم أصب … جذع البصيرة قارح الإقدام
ركن إلى الشيء: مال إليه. ويركن: بفتح الكاف في الماضي، وكسرها في المضارع، وعكسه وبالفتح فيهما، على التداخل. والاحجام: النكوص. والاجحام: بتقديم الجيم، مثله أيضا، وهو مقلوب. وقالوا أيضا أجحم، إذا أقدم، بتقديم الجيم.
وأحجم بتأخيرها: اذا نكص. والاحجام: مطاوع حجمت، أي كففت ومنعت.
والوغى: الحرب. والمتخوف: الخائف شيأ بعد شيء؛ ونصبه على الحال من أحد، وان كان نكرة، لوقوعه في سياق النهي. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على ذلك. والحمام: الموت. والدريئة: بدال مهملة، وهمز، وتركه، فعيلة من الدرء، وهو الدفع. ومن الدّري، وهو الختل، وبهذا سمي البعير الذي يسيب فتألفه الوحش ولا تنفر منه فيجيء صاحبه يستتر به فيرمي الوحش (فيصطاد) (1). والحلقة التي يتعلم عليها الطعن: (درية) «1». قال التبريزي (2): ويمكن حملها في البيت عليهما معا، فان أريد الحلقة المذكورة فالمراد أن الطعن يقع فيه كما يقع في تلك، وإن أراد الدابة التي يستتر بها فالمراد انه يتّقى به فيصير سترة لغيره من الطعن، كما تكون تلك الدابة سترة للصائد، وعلى هذا يكون معنى (للرماح) من أجل الرماح. وقوله:
(من عن) متعلق بأراني ونحوه، مقدرا و (عن) هنا اسم، والمعنى من جانب عيني انتهى. وقال في موضع آخر: قال أبو زيد: ان درية الصيد خاصة غير مهموز و (أو) في البيت الأخير ليست للشك بل للتقسيم، أي تارة هذا وتارة هذا بحسب، وقع
__________
(1) مزيدة.
(2) 1/ 131
(1/439)

الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. وقوله:
جذع البصيرة، أي فتى الاستبصار، أي وأنا على بصيرتي الاولى. وقارح الاقدام:
أى مقرّح الاقدام.
وقطري هذا كان خارجيا، سلّم عليه بالخلافة ثلاث عشرة سنة، حتى قتله عسكر عبد الملك بن مروان سنة تسع وسبعين.
233 - وأنشد:
على عن يميني مرّت الطّير سنّحا
وتمامه:
وكيف سنوح واليمين قطيع
سنّحا: بضم السين وتشديد النون، جمع سانح. تقول: سنح الطير يسنح سنوحا، إذا مرّ من مياسرك إلى ميامنك. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشاءم بالبارح، قاله الجوهري. وقال غيره: للعرب في ذلك طريقان، فأهل نجد يتيمنون بالسانح دون البارح، وأهل الحجاز بعكس ذلك. وقوله: (على): متعلّق بمرّت، وسنّحاحال و (عن) في البيت اسم لدخول على عليها. والمعروف عند كونها اسما أن تجر (عن) ولا يحفظ جرّها (بعلى) سوى في هذا البيت خاصة.
234 - وأنشد:
دع عنك نهبا صيح في حجراته
هو مطلع أبيات لامرئ القيس بن حجر الكندي، قالها حين أغارت عليه بنو جذيلة، فذهبت بإبله، فلحق بهم جار لهم، يقال له خالد، فردّها، ثم انتقل هو فنزل في بني ثعل وتمامه (1):
ولكن حديثا ما حديث الرّواحل
__________
(1) انظر ديوانه 94 - 96
(1/440)

كأنّ دثارا حلّقت بلبونه … عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
تلعّب باعث بذمّة خالد … وأودى عصام في الخطوب الأوائل
وأعجبني مشي الحزقّة خالد … كمشي أتان حلّئت بالمناهل
أبت أجأ أن تسلم العام جارها … فمن شاء فلينهض لها من مقاتل
تبيت لبوني بالقريّة أمّنا … وأسرحها غبّا بأكناف حائل
بنو ثعل جيرانها وحماتها … وتمنع من رماة سعد ونائل
تلاعب أولاد الوعول رباعها … دوين السّماء في رؤوس المجادل
مظلّلة حمراء ذات أسرّة … لها حبك كأنّها من وصائل
قوله: نهبا: ما يغار عليه. وحجراته: بفتح الحاء والجيم، نواحيه. والرواحل:
الابل. ودثار بن فقعس بن طريف من بني أسد، راعي امرئ القيس. وحلقت:
من التحليق. واللبون: الابل ذات اللبن. والعقاب: الطائر المعروف. وتنوفي:
بفتح المثناة الفوقية وضم النون وفاء، جبل عال. والقواعل: جبال صغار. وفي أمالي ثعلب (1): القوعلة والقيعلة: الأكمة، والجمع قواعل. وأنشد البيت. قال ابن الكلبي: أخبث العقبان ما أرى في الجبال المشرفة. وهذا مثل، أراد كأن دثارا ذهبت بلبونه ذاهبة، أي آفة. وأراد: أنه أغير عليه من قبل تنوفى. والبيت استشهد به المصنف في التوضيح على جواز العطف (بلا) على معمول الفعل الماضي، خلافا لمن منعه. وباعث، وخالد، وعصام: رجال. والخطوب: الأمور. والحزقّة: بضم الحاء المهملة وتشديد القاف، القصير. وإتان: حمارة. وحلئت: طردت عن الماء.
وأجأ: جبل. والقرية: موضع. أمّنا: آمنة. وغبّا: أحيانا. وأكناف: نواحي.
وحائل: موضع. وسعد ونائل: قبيلتان. والوعول: غنم الجبال. ورباعها:
أولادها التي ولدت في الربيع، الواحد ربع. والمجادل: الجبال العالية. ومظللة:
مغطاة (2). وأسرّة: طرائق، وكذا حبك. ووصائل: ثياب حمر مخططة.
__________
(1) ص 465 - 466.
(2) في الديوان: (مكللة).
(1/441)

شواهد عوض
235 - وأنشد:
حلفت بمائرات حول عوض … وأنصاب تركن لدى السّعير (1)
مائرات: صفة لمحذوف، أي بدماء مائرات، أي متموّجات. والأنصاب:
ما نصب ليعبد من دون الله. والسعير: اسم صنم كان لعنزة.
__________
(1) سعير - بضم أوله وفتح ثانيه بعده ياء ساكنة وآخره راء مهملة -:
صنم لعنزة، كما في الاصنام 41، وقال محقق الاصنام: (نص ياقوت على أنه بلفظ التصغير وآخره راء مهملة. واما العلامة:
Wellhausen فأورده أيضا على وزن أمير. وكأني به قد اعتمد على طابع (لسان العرب) فإنه كتبه (سعير) ولكن صاحب لسان العرب نفسه لم ينبه على ذلك ولم يضبطه بالحروف، وعبارة الصحاح توهم هذا الوهم أيضا. قال في التاج: وغلط من ضبطه كأمير. نبه عليه صاحب العباب).
وفي الهامش 2 ص 42 من الاصنام: (في الصحاح): السّعير:
النار، والسّعير من قول الشاعر:
حلفت بمائرات حول عوض … وأنصاب تركن لدى السعير
قال ابن الكلبي: هو اسم صنم كان لعنزة خاصة.
(1/442)

شواهد عسى
236 - وأنشد:
يا أبتا علّك أو عساكا (1)
هو لرؤبة وصدره:
تقول بنتي قد أنى أناكا
أي حان وقت رحيلك، يقال: أنى يأنى إنى، أي حان. وأناك: بفتح الهمزة وتخفيف النون. ومعنى البيت: انها قالت: قد جاء زمن سفرك علك تجد رزقا.
وفي البيت شواهد، أحدها: وهو الذي أورده المصنف له، وقوع المضمر المنصوب المتصل بعد عسى. الثاني: دخول تنوين الترنم في عسى، كذا ذكره بعض شراح الايضاح. الثالث: الجمع بين العوض والمعوّض في أبتا، لأن الألف والتاء عوضان من ياء المتكلم، وعلى ذلك أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية. الرابع: استعمال على بمعنى
لعل.
237 - وأنشد:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب (2)
__________
(1) الخزانة 2/ 441.
(2) سبق ص 277 وهو في الخزانة 4/ 81، وابن عقيل 1/ 132 بالاضافة الى المراجع السابقة.
(1/443)

هذا من قصيدة لهدبة بن خشرم بن كرز بن حجير بن أسحم بن عامر العذري، قالها وهو مسجون بسبب القتيل الذي قتله، وقد تقدّمت قصته في شواهد إذا، أوّلها:
طربت وأنت أحيانا طروب … وكيف وقد تغشّاك المشيب
يجدّ النّأي ذكرك في فؤادي … إذا ذهلت عن النّائي القلوب
يؤرّقني اكتئاب أبي نمير … فقلبي من كآبته كئيب
عسى الكرب الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
فقلت له: هداك الله مهلا … وخير القول ذو اللّبّ المصيب
فيأمن خائف ويفكّ عان … ويأتي أهله الرّجل الغريب
الكرب: أشد من الغم. وأمسيت: دخلت في المساء. ويروى بضم التاء وفتحها، و (فيه) متعلق به في موضع نصب على الظرف. قال ابن يسعون: ويجوز ان يكون أمسيت بمعنى صرت، و (فيه) في موضع نصب على الخبر متعلقا بمحذوف، ويكون خبر عسى وهي تامّة لاخبر لها. ووراءه: ظرف متعلق بها، أي خلفه وأمامه، ويجد النأي: أي يحقق ويجدّد. والنأي: البعد. ويؤرّقني: يسهرني. والاكتئاب:
الحزن. وأبو نمير: صديق له زاره في السجن. واللب: العقل. والعاني: الأسير.
وآخر أبيات هذه القصيدة:
وإن يك صدر هذا اليوم ولّى … فإنّ غدا لناظره قريب
238 - وأنشد:
أكثرت في العذل ملحّا دائما … لا تكثرن إنّي عسيت صائما
(1) الخزانة 4/ 77، وابن عقيل 1/ 131، ويروى:
(أكثرت في اللوم ...).
(1/444)

لا يعرف له قائل. كما قاله عبد الواحد الطراح في كتابه بغية الامل، وتبعه أبو حيان والمصنف. وقال العيني: وقيل إن قائله رؤبة. ويروى: (لا تلحني) بدل (لا تكثرن) وهو بفتح الحاء، يقال لحيته ألحاه لحيا، إذا لمته. والعذل: بالذال المعجمة، الملامة. وملحا: اسم فاعل من ألح يلح إلحاحا، وهو نصب على الحال.
239 - وأنشد:
عسى طيّئ من طيّئ بعد هذه … ستطفئ غلّات الكلى والجوانح (1)
قائله قسام بن رواحة السّنبسيّ من شعراء الحماسة (2) وقبله:
لبئس نصيب القوم من أخويهم … طراد الحواشي واستراق النّواضح
وما زال من قتلى رزاح بعالج … دم ناقع أو جاسد غير ماصح
دعا الطّير حتّى أقبلت من ضريّة … دواعي دم مهراقة غير بارح
عسى طيّئ من طيّئ بعد هذه … ستطفئ غلّات الكلى والجوانح
قال المرزوقي: يريد بأخويهم صاحبيهم. والعرب تقول: يا أخا بكر، يريد واحدا منهم. والحواشي: صغار الابل ورذالها. والنواضح: التي يستقى عليها الماء.
واحدتها ناضحة، وسميت بذلك لأنها تنضح الزرع والنخل. يقول: مذموم في انصباء القوم من صاحبيهم طرد الابل وسوقها وسرقة البعران التي يستقى عليها.
وإنما جعل الطرائد حواشي الابل ونواضحها ازراء بهما، والقصد بالبيت التعريض بمن وجب عليه أن يطلب دم صاحبيه، فاقتصر على الاغارة عليهم وسرقة الابل منهم.
وفيه جر وبعث على طلب الدم. وقتلى: جمع قتيل. ورزاح: براء ثم زاي وحاء
__________
(1) الخزانة 4/ 87، وشرح الحماسة للتبريزي 3/ 12 والمؤتلف والمختلف 127.
(2) اختلف في اسمه، فقيل قسام، وقسامة، وقسّام بتشديد السين المهملة، وانظر الحماسة 3/ 12 ومعجم الشعراء 225 والمؤتلف والمختلف 127 واللسان (قسام). والخزانة
(1/445)

مهملة، قبيلة. وعالج: اسم مكان (1). والناقع: الثابت، ومصدره النقوع.
والماصح: بميم وصاد وحاء مهملتين، الزائل الدارس. وضرية: اسم بلاد تشتمل على جبال (2). ودواعي: فاعل دعا. ومهراقة: مصبوبة. وغير بارح: أي زائل.
والقصد بالبيتين التذكير بدماء المقتولين، وفيهما بعث شديد وحض بليغ على طلب الدم، لما فيهما من تصوير مصرع القوم بما يأتيه من عوافي الطير، فتأكل من جيف القتلى. وقوله بعد هذه: إشارة الى الحالة الحاضرة الجامعة لكل ما ذكره، وأدخل السين في خبر عسى بدلا عن (انى) لاشتراكهما في الدلالة على الاستقبال. وغلات:
جمع غلة، بضم الغين المعجمة، وهي حرارة العطش. والكلي: جمع كلية.
والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع القصار. والمعنى: المطموع فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل وإن كانوا أخّروه الى هذه الغاية، فلتسكن نفوس ولتبرد قلوب.
240 - وأنشد:
يا ابن الزّبير طال ما عصيكا (3)
هو لرجل من حمير يخاطب عبد الله بن الزّبير، وبعده:
وطال ما عنّيتنا إليكا … لنضربن بسيفنا قفيكا
قوله: عصيكا: أراد عصيت، فأبدل من التاء كافا، لأنها أختها في الهمس.
وقد استشهد به المصنف لذلك. وعنيتنا أتعبتنا.
241 - وأنشد:
فقلت عساها نار كأس وعلّها … تشكّى فآتي نحوها فأعودها (4)
__________
(1) انظر البكرى 913.
(2) قال التبريزي: (قرية على طريق البصرة الى مكة). وانظر تفصيلا البكري 859 - 878، وشرح التبريزي 3/ 12.
(3) الخزانة 2/ 257 واللسان (قضا).
(4) الاغاني 23/ 42 (الثقافة)، وفيه (فأمضي).
(1/446)

هو لصخر بن جعد الخضري، من قصيدة: أوّلها (1):
تذكّرت كأسا إذ سمعت حمامة … بكت في ذرى نخل طوال جريدها
دعت ساق حرّ فاستحنّت لصوتها … مولّهة لم يبق إلّا شريدها
فيا نفس صبرا كلّ أسباب واصل … ستملى لها أسباب صرم تبيدها (2)
وليل بدت للعين نار كأنّها … سنا كوكب لا يستبين خمودها
فقلت عساها نار كأس وعلّها … تشكّى فآتي نحوها فأزورها
فتسمع قولي قبل حتف يصيبني … تسرّ به أو قبل حتف يصيدها
كأس: اسم امرأة، كان صخر مغرما بها، وهي بنت بجير بن جندب. والذرى:
جمع ذروة. وصرم: بكسر الصاد، القطع. والسنا: بالقصر، الضوء. وتشكي:
أصله تتشكى.

فائدة: [صخر بن جعد الخضري، والخضر ولد مالك بن طريف]
قال في الأغاني (3): صخر بن جعد الخضري، والخضر ولد مالك بن طريف سموا الخضر لشدّة سوادهم. شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية.
__________
(1) الاغاني 22/ 40 - 42 (الثقافة).
(2) رواية الاغاني:
فيا نفس صبرا كل أسباب وصل … ستنمي لها أسباب هجر تبيدها
(3) 22 - 38 (الثقافة).
(1/447)

شواهد عل
242 - وأنشد:
يا ربّ يوم لي لا أظلّله … أرمض من تحت وأضحي من عله
أقول: رأيت في أمالي ثعلب، قال أبو الهجنجل (1):
ظلّت وظلّ يومها حوب حلى … وظلّ يوم لأبي الهجنجل
ضاحي المقيل دائم التّبذّل … ما أنا يوم الورد بالمظلّل
عنّي ولا بالزّائل المنعل (2) … بين عمودين ولا مبذل
أرمض من تحت وأضحى من عل
وقال: يقال حوب حلي بالرفع والنصب والخفض في حوب. وقال العيني في الكبرى: البيت لأبي ثروان. وأظلله: على صيغة لجهول من الظل. والمعنى:
رب يوم لا أجعل في ظل فيه أصير كذا وكذا. وأرمض: على صيغة المجهول من رمضت قدمه، إذا احترقت من شدة الرمضاء، وهي الأرض التي يقع عليها شدّة حرارة الشمس. وأضحى: كذلك، من ضحيت الشمس بالكسر ضحاء، بالمدّ، إذا برزت. وقوله: لا أظلله، أي لا أظلل فيه. وقوله: من (عله) قال أبو علي: الهاء فيه مشكلة، لأنها كانت ضميرا فالواجب أن يقال من عله بالجر، لأن الظرف لا يبنى
__________
(1) أمالي ثعلب 498 واللسان (حوب).
(2) كذا، ولعلها (غني) بالغين المعجمة.
(1/448)

في حال الاضافة، أو هاء السكت فهي لا تدخل فيما بني على حركة لا تدوم. وقال ابن الخشاب: الهاء هنا بدل من الواو، وأصله علو، فأبدلت الواو هاء في (يا هناه) والأصل (يا هنا) ولأنه فعال من هنوك. وكذا الهاء في عاملته وسانهته، بدل من الواو، لأن لام سنة واو لقولهم سنوات.
243 - وأنشد:
أقبّ من تحت عربض من عل (1)
هو من أرجوزة لأبي النّجم العجلي يصف فيها أشياء كثيرة، أوّلها (2):
الحمد لله العليّ الأجلل … الواسع الفضل الوهوب المجزل
أعطى فلم يبخل ولم يبخّل … كوم الدّرى من خول المخوّل
تبقّلت من أوّل التّبقّل … بين أقاحي مالك ونهشل (3)
ومنها:
وقد جعلنا في وضين الأحبل … جوز خفاف قلبه، مثقّل
أحزم لا قوق ولا حزنبل … موثّق الأعلى أمين الأسفل
أقبّ من تحت عريض من عل … معاود كرّة أدبر أقبل
__________
(1) الخزانة 1/ 401، وابن عقيل 2/ 19
(2) من أرجوزة طويلة نادرة عدة أشطارها 191 شطرا، وكان رؤبة يسميها أم الرجز. وقال القتبي 586: (وهي أجود أرجوزة للعرب) وهي في الطرائف الأدبية للراجكوتي 55 - 71، ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق 8/ 472 - 479 سنة 1928، ومنها أبيات متفرقة في الخزانة 1/ 401 والطبري 8/ 125، وابن سلام 576، وانظر الشعراء 586 والموشح 214 و 241. والكامل 76 و 819 و 1231، ومجالس ثعلب 230 واللآلي 857.
(3) ويروى (بين رماحي مالك ..) كما في الخزانة واللآلي 581 و 856 والأمالي 2/ 233 والأغاني 10/ 151 (الدار).
(1/449)

تمشي من الردّة مشي الحفّل … مشي الرّوايا بالمزاد الأثقل
تثير أيديها عجاج القسطل … إذ عصبت بالعطن المغربل
تدافع الشّيب ولم تقتّل … في لجّة أمسك فلانا عن فل
ومنها
وبدّلت والدّهر ذو تبدّل … هيفا دبورا، بالصّبا والشّمأل
تفلي له الشّعر ولمّا يفتلي … لمّة قفر كشعاع السّنبل
يأتي لها من أيمن وأشمل
قال الزمخشري والتدمري: الدرى: سع عريض كالحزام يعمل من أدم (1).
خفاف: خفيف، أي شددن في الوضين وسط بعير خفيف القلب، ذكر مع ثقل بدنه وضخامته، يريد بعير السانية. أحزم: عظيم، موضع الحزام. قوق: طويل مضطرب.
حزنبل: قصير. الأعلى: ظهره. الأسفل: قوائمه، أي هو شديد القوائم. أقب من تحت: يعني أن خصره ضامر، والخصر تحت المتن. عريض من عل، يعني: أن متنه عريض. كرة أدبر أقبل: أي تكرر عليه هذا القول، أي يقال له مرارا أقبل أدبر، أي أدبر عن البئر اذا امتلأت الدلو، وأقبل إليها اذا تفرّغت. والقسطل: الغبار.
والعجاج: ما ارتفع منه. عصبت: اجتمعت. بالمعطن: وهو مبرك الابل. المغربل:
المنخول، أي ان تراب المعطن كأنه منخول لكثرة ما انسحق منه بشدة الحركة.
والشيب: جمع أشيب، أي شربت الشربة الأولى فسكنت فهي تدافع كالشيوخ ذوي الحلم. لم تقتل: أي لا تزدحم. تقتل: أصله تتقتل، فادغمت التاء الاولى في الثانية وكسرت القاف لسكونها وسكون التاء الاولى، وكسرت التاء اتباعا لكسرة القاف.
في لجة: أي في اختلاط الأصوات، يعني أصوات الذادة إذا اقتتل منهم اثنان صاح
__________
(1) وفي الخزانة (الذرا) بالمعجمة، وقال: (ذرا الشيء أعاليه). والكوم جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام.
(1/450)

الباقون أمسك فلانا عن فلان، وحذف نون فلان، والألف الزائدة قبلها، وبناه على حرفين، وهذا إنما يكون في النداء، وحملته الضرورة على ذلك. وقال البطليوسي:
شبه مزاحمة الابل ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة، وضربهم بعضهم بعضا، فيقال: إمسك فلانا عن فلان. والمعنى: في لجة يقال فيها، فاضمر القول. قوله:
تفلى له: أي الريح تهب على رأسه فتفرّق شعره فكأنها تقلبه، ولم يفتل شعره هو لشعثه وقلة تعهده نفسه. قفر: أي قفر فخفف، وهو اليابس الجسم لا يدهن ولا يغسل.
الشعاع: بالفتح، المتفرق، شبه انتفاش شعره برؤس السنبل. يأتي لها أي للأبل يدور حولها. وأيمن وأشمل: جمع يمين وشمال، جعلهما نكرتين فنوّنهما.
تنبيه: استشهد المصنف بالبيت على بناء (عل) على الضم اذا أريد به المعرفة تشبيها بالغايات، وقد علمت انه مجرور. والأرجوزة كلها مجرورة، وذكر انه في وصف الفرس، وقد تقدم عن الزمخشري انه في وصف البعير، ففي كلام المصنف انتقاد من وجهين. وقوله: (وبدلت ... البيت) أورده المصنف في الكتاب الثاني.

فائدة: [أبو النجم]
أبو النجم (1)، اسمه الفضل بن قدامة بن عبيد بن محمد بن عبيد بن عبد الله ابن عبدة بن الحارث بن أبان بن عوف بن ربيعة بن مالك بن ربيعة بن عجل العجلي.
ذكره الجمحي في الطبقة التاسعة من شعراء الاسلام (2).
244 - وأنشد:
كجلمود صخر حطّه السّيل من عل (3)
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر وصدره:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا
وقبله:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
__________
(1) انظر الاغاني 10/ 187 (الثقافة) و 10/ 150 (الدار).
(2) ابن سلام 517
(3) ديوانه 19 وانظر ص 20 و 92 و 96 و 97 و 463.
(1/451)

أغتدى: أي أبكر. والوكنات: الأعشاش. ومنجرد: فرس قصير الشعر.
والهيكل: الضخم. مكرّ: بكسر الميم، يصلح للكر، وهو الاقدام. ومفرّ:
بكسرها أيضا، يصلح للفرار. مقبل في مباشرة الحرب مدبر في التنحي عن الموت.
والجلمود: الحجر العظيم. وحطّه: أنزله من فوق إلى تحت. يقول: هذا الفرس معتاد للحرب، صالح لجميع أحوالها، من طلب وهرب وكرّ وفرّ، ثم شبهه في انملاس فخذيه بالصخرة المحطوطة بالسيل، لأنه يملسها، قاله التبريزيّ. وقد أورد المصنف، قوله:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها
في الكتاب الرابع مستشهدا به على (الحال) (1) ويروى: وكراتها. قال الزمخشري:
وهي الاوكار، واحدها في القياس وكر، ولم يسمع.
__________
(1) مزيدة
(1/452)

شواهد عل
245 - وأنشد:
لا تهين الفقير علّك أن … تركع يوما والدّهر قد رفعه (1)
عزاه ابن الأعرابي في نوادره للأضبط بن قريع من أبيات، وهي (2):
لكلّ ضيق من الأمور سعه … والمسي والصّبح لا بقاء معه
لا تهين الفقير علّك أن … تركع يوما والدّهر قد رفعه
وصل حبال البعيد إن وصل ال … حبل وأقص القريب إن قطعه
واقبل من الدّهر ما أتاك به … من قرّ عينا بعيشه نفعه
قد يجمع المال غير آكله … ويأكل المال غير من جمعه
ما بال من غيّه مصيبك لا … تملك شيئا من أمره فدعه
حتّى إذا ما انجلت عمايته … أقبل يلحى وغيّه فجعه
__________
(1) الخزانة 4/ 588، وابن عقيل 2/ 103، والشعراء 343، وفيه:
(تخشع يوما). والبيان والتبيين 3/ 204، وتذكرة ابن حمدون 20 وفيهما (لا تحقرنّ الفقير).
(2) انظر المعمرين 8، والامالي 1/ 107 - 108 واللآلي 326، بالاضافة الى المراجع السابقة مع اختلاف بينهم في الرواية.
(1/453)

أذود عن نفسه ويخدعني … يا قوم من عاذري من الخدعه
قيل إن هذه الأبيات قيلت قبل الاسلام بدهر طويل. وقال في الحماسة البصرية:
هي للأضبط بن قريع السّعديّ من شعراء الدولة الأموية.
ولا تهين: أصله لا تهينن، بتوكيد الخفيفة، حذفت لملاقاة الساكن وبقيت الفتحة.
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على ذلك. وأورده الجاحظ في البيان بلفظ:
(لا تحقرن الفقير) وأورده غيره بلفظ: (لا تعادي الفقير) ولا شاهد فيهما. وعلك:
لغة في لعلك، وعلى ذلك أورد البيت هنا. وتركع: من الركوع، وهو الانحناء والميل، من ركعت النخلة إذا انحنت ومالت، وأراد به الانحطاط من المرتبة والسقوط من المنزلة.
246 - وأنشد:
علّ صروف الدّهر أو دولاتها … يدلننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النّفس من زفراتها
أنشده الفرّاء ولم يعزه الى أحد. وعل: أصله لعل. وصروف الدهر: حوادثه ونوائبه، واحدها صرف، بفتح المهملة. والدولات: بضم الدال، جمع دولة، وهي اسم الشيء الذي يتداول. ويدلننا الله: من أدالنا الله من عدونا إدالة، وهي الغلبة.
يقال: أدلني على فلان وانصرني عليه. واللمة: بفتح اللام وتشديد الميم الشدة، والجمع لمات. وزفرات: بفتح الزاي وسكون الفاء، جمع زفرة وهي الشدّة.
وحق الجمع زفرات، بفتح الفاء، وإنما سكنت للضرورة. والرجز فيه شواهد:
أحدها هذا، والثاني استعمال عل في لعل. والثالث نصب المضارع بأن بعد الفاء في جواب الترجي، وعلى ذلك أورده ابن مالك.
247 - وأنشد:
لعلّ التفاتا منك نحوي مقدّر … يمل بك من بعد القساوة للرّحم
الرّحم: بضم الراء، الرحمة.
(1/454)

شواهد عند
248 - وأنشد:
لدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب (1)
هو للقطامي، وصدره:
صريع غوان راقهنّ ورقنه
وقبله:
كأنّ فضيضا من غريض غمامة … على ظمأ جادت به أمّ غالب
لمستهلك قد كاد من شدّة الهوى … يموت ومن طول العدات الكواذب
وبعده:
قديديمة التّجريب والحلم أنني … أرى غفلات العيش قبل التّجارب (2)
وأوّل القصيدة:
نأتك بليلى نأية لم تقارب … وما حبّ ليلى من فؤادي بذاهب
الفضيض: الماء العذب الذي ينفض من السحاب، أي يسقط ويتفرّق. والغريض:
__________
(1) اللآلي 132 والاغاني 23/ 176 (الثقافة) والخزانة 1/ 393 و 3/ 188
(2) البيت في الاساس (قدم) منسوب الى علقمة، وفيه: (قديديمة ذاك أي قبيله).
(1/455)

الطّري، وهو كناية عن ريق المحبوبة. والظمأ: العطش. وأم غالب: محبوبته.
والمستهلك: الذي يعرّض نفسه للهلاك. والعداة: جمع عدة، وهي الموعد.
والصريع: المصروعة. والغواني: جمع غانية، وهي الشابة التي غنيت بجمالها عن التصنع والزينة. وقيل المتزوّجة، كأنها غنيت بزوجها عن غيره. وقيل: هي التي غنيت في بيت أبويها فلم تتزوّج. وقيل: إن القطامى أوّل من سمي صريع الغواني لقوله هذا البيت. وراقهنّ ورقنه: أعجبهن وأعجبته. لدن شب: أي من عند وقت شبابه إلى أن شاب وشاخ. والذوائب: الضفائر من الشعر، واحدها ذؤابة. والبيت استشهد به على اضافة لدن إلى الجملة.

فائدة: [القطامي]
القطاميّ اسمه عمرو (1)، ويقال عمير بن شييم بن عمر بن عباد بن بكر بن عامر ابن أسامة بن مالك بن جشم الثّعلبي، من فحول الشعراء. كان نصرانيا فأسلم، ومدح الوليد بن عبد الملك. ذكره الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الاسلام (2).
أخرج عن الأصمعي قال: قال بلال بن أبي بردة، لجلسائه ذات ليلة: خبروني بسابق الشعراء والمصلى، والثالث والرابع؟ فسكتوا: فقال: سابق الشعراء قول المرقش (3).
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
والمصلى قول طرفة (4):
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
والثالث قول النابغة (5):
__________
(1) انظر المرزباني 47، والشعراء 701 والمزهر 2/ 422
(2) الطبقات 452
(3) البيت رقم 22 من المفضلية رقم 56 وهو في الشعراء 168 وحماسة البحتري 236 والاغاني 5/ 184 - 185 ومعجم الشعراء 5، ونسبه في أمالي المرتضى 1/ 361 الى قعنب الفزاري.
(4) انظر ص 268 و 270 وهو أيضا في أمالي المرتضى 1/ 361.
(5) انظر ص 97، والمزهر 2/ 481.
(1/456)

ولست بمستبق أخا لا تلمّه … على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟
والرابع قول القطامي (1):
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل
__________
(1) الشعراء 704
(1/457)

حرف الغين
249 - وأنشد:
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصون ذات أو قال (1)
هو لأبي قيس بن رفاعة من الأنصار، كذا في شرح أبيات الكتاب للزمخشري (2) وقبله:
ثمّ ارعويت وقد طال الوقوف بنا … فيها، فصرت إلى وجناء شملال
تعطيك مشيا وإرقالا ودأدأة … إذا تسربلت الآكام بالآل
قال الزمخشري: يريد أنه أطال الوقوف على الدار، ثم ارعوى عنها، أي رجع فصار إلى راحلته. والدأدأة: ضرب من العدو. والأوقال: جمع وقل، وهو شجر المقل. وضمير (منها) للناقة، أي لم يمنعها أن تشرب، إلا أنها سمعت صوت حمامة فنفرت، يريد حدة نفسها، انتهى. والوجناء: الناقة الشديدة، وقيل العظيمة الوجنتين. والشملال: الخفيفة السريعة.
250 - وأنشد:
لذ بقيس حين يأبى غيره … تلفه بحرا مفيضا خيره
لم يسم قائله، ولذ، أمر: من لاذ يلوذ. وتلفه: بالفاء، من ألفى إذا وجد.
ومفيضا: من أفاض، وثلاثيه فاض. يقال: فاض الماء إذا كثر حتى سال على ضفة
__________
(1) الخزانة 2/ 45، واللسان (وقل) وفيه: (سحوق ...)
(2) وهو أبو قيس بن الاسلت من بني عمرو بن عوف، وانظر ابن سلام 179
(1/458)

الوادي. وغيره: فاعل يأبى، وهو مبني على الفتح لاضافته الى مبنى، وخبره مفعول لقوله مفيضا.
251 - وأنشد:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا … متى أضع العمامة تعرفوني (1)
هذا مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الرّياحي، وبعده:
وإنّ مكاننا من حميريّ … مكان اللّيث من وسط العرين
وإنّي لن يعود إليّ قرني … غداة الغبّ إلّا في قرين
لذي لبد يصدّ الرّكب عنه … ولا تؤتى فريسته لحين
عذرت البزل إن هي خاطرتني … فما بالي وبال ابني لبون
وماذا تبتغي الشّعراء منّي … وقد جاوزت حدّ الأربعين
أخو الخمسين مجتمع أشدّي … ونجّذني مداورة الشّؤون
فإنّ علالتي وجراء حولي … لذو شقّ على الضّرع الظّنون (2)
كريم الخال من سلفي رياح … كنصل السّيف وضّاح الجبين
متى أحلل إلى قطن وزيد … وسلمى تكثر الأصوات دوني (3)
__________
(1) البيت أوّل الأصمعية رقم 1 وهو في الخزانة 1/ 123، وابن سلام 492، وحماسة البحتري 13 والاصابة 3/ 464 واللآلي 558، وشرح شواهد العيني 1/ 193 و 4/ 356 والبيان والتبيين 2/ 246 والأمالي 1/ 246 والاشتقاق 224 والشعراء 626.
(2) وبعده كما في الاصمعيات:
سأحيى ما حييت وإنّ ظهري … لمستند إلى نضد أمين
(3) البيت والبيتان اللذان يلينه ليست في الاصمعية رقم 1 وليست هي أيضا من مفضلية المثقب العبدي رقم 76 والتي خلط بعض الرواة بينها وبين هذه القصيدة.
(1/459)

وهمّام متى أحلل عليه … يحلّ اللّيث في عيص أمين
ألف الجانبين به أسود … منطقة بأصلاب الجفون
وإنّ قناتنا مشظ شظاها … شديد مدّها عنق القرين
قوله:
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا
مبالغة طالع. والثنايا: جمع الثنية، وهي السن المعروفة. ويقال: رجل طلّاع الثنايا، اذا كان ساميا لمعالي الأمور، كذا قال ابن قتيبة في أبيات المعاني. قوله:
(وطلّاع الثنايا) أي يطلع على الثنايا، وهي ما علا من الأرض وغلظ. ومثله قولهم:
فلان طلاع أنجد. وهو جمع نجد، انتهى. والعرين: مأوى الأسد الذي يألفه، وأصله جماعة الشجر. والقرن: بالفتح، النظير. قوله:
وقد جاوزت حدّ الأربعين
استشهد به النحاة على كسر نون الجمع لغة أو ضرورة (1). والأشد: القوّة، وهو مفرد، كالآنك للرصاص، ولا ثالث لهما، قاله المصنف في شواهده. وقيل:
جمع لا واحد له، وقيل: جمع شدة، كنعمة وأنعم. ونجذني: بالجيم والذال المعجمة، هذبني وأحكمني. ومداورة: معالجة. والشؤون: الأمور، جمع شأن.
والشظا: ما تشظى من العصاء. قال الأصمعي: اذا مسست شيئا خشنا فدخل في يدك قيل مشظت يدي.

فائدة: [سحيم بن وثيل]
سحيم بن وثيل، بالمثلثة مصغرا، ابن أعيقر بن أبي عمرو بن إهاب بن حميري
__________
(1) انظر بالاضافة الى المراجع السابقة: الكامل 450 وابن سلام 59، والموشح 22 و 24 و 132
(1/460)

ابن رياح بن يربوع الرياحي، بالتحتية، شاعر مخضرم. قال ابن دريد (1): عاش في الجاهلية أربعين سنة وفي الاسلام ستين سنة. وذكر ابن سلام (2) انه الذي تفاخر هو وغالب بن صعصعة والد الفرزدق، فتناحرا الابل فبلغ عليا فقال: لا تأكلوا منه شيأ فإنه أهلّ بها لغير الله. قال ابن سلام: سحيم بن وثيل شاعر خنذيذ شريف مشهور الذكر في الجاهلية والاسلام، جيّد الموضع في قومه، وعدّه في الطبقة الثالثة من شعراء الاسلام (3).
252 - وأنشد:
ترمي بكفّي كان من أرمى البشر
هذا، وقبله:
ما لك عندي غير سوط وحجر … وغير كبداء شديدة الوتر
كبداء: بفتح الكاف وسكون الموحدة، قوس واسعة المقبض. وترمي: يروى بدله: جادت، أي أحسنت. وبكفي: مضاف إلى محذوف، أي بكفي رجل. وجملة كان ومعموليها صفة رجل محذوف.
253 - وأنشد:
أتانا فلم نعدل سواه بغيره … نبيّ بدا في ظلمة اللّيل هاديا (4)
قال الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب (عمل من طب لمن حب) ومن خطه نقلت: ان قيل سواه غيره فكأنه قال فلم تعدل غيره بغيره، فالجواب أن الهاء في بغيره للسوى، فكأنه قال لم نعدل سواه بغير السوى، وغير سواه: هو نفسه، فالمعنى: فلم نعدل سواه به. هكذا حله شيخنا محمد بن هشام، ولا حاجة إلى هذا، فإن سوى
__________
(1) الاشتقاق ص 224.
(2) الطبقات 489
(3) انظر الطبقات 489 والخزانة 1/ 128، والشعراء ج 1 ص 626.
(4) البيت ينسب الى حسان كما ذكر ابن هشام، وليس هو في ديوانه.
(1/461)

في هذا البيت بمعنى نفسه، نص على ذلك الأزهري في التهذيب، وأنشد عليه البيت.
ونقله عنه الشيخ جمال الدين بن مالك في كتاب المقصور والممدود، وأقرّه عليه انتهى. قلت: وقد ذكر مثل ذلك أبو عبيدة في الغريب، قال المصنف: سوى الشيء غيره وسواؤه هو نفسه (1).
__________
(1) وفي حاشية الامير 1/ 138 (قوله: ظلمة الليل، استعارها لكفر.
قال الشارح: يحمل السوي على العدل، وهنا معنى لغوي، فلا إشكال، قال الشحنيّ: وعليه فيقدر مضاف، أي لم نعدل عدله بعدل غيره، ولك أن تقول: لم تعدل عدله بغيره من أنواع العدل، ولا حذف).
(1/462)

حرف [ف]
[شواهد] الفاء
254 - وأنشد:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
تقدم شرحه في شواهد رب (1).
255 - وأنشد:
بين الدّخول فحومل
هو من معلقة امرئ القيس المشهورة، وأولها (2):
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها … لما نسجتها من جنوب وشمأل
وسقط اللّوى: بكسر السين المهملة وسكون القاف، منقطع الرمل. واللّوى:
بكسر اللام، حيث يلتوي الرمل ويرق، وإنما خص منقطع الرمل وملتواه لأنهم كانوا لا ينزلون إلا في صلابة من الأرض، ليكون ذلك أثبت لأوتاد الأبنية، وأمكن لحفر النوى. والدخول وحومل والمقراة وتوضح: مواضع. و (من) في قوله:
(من ذكرى) للتعليل. وقوله: (بسقط اللّوى) في موضع الصفة لمنزل، كائن في سقط اللّوى. وبين الدخول صفة لسقط اللّوى، أي الكائن بين الدخول. وقد
__________
(1) انظر ص 402، الشاهد رقم 201.
(2) ديوانه 8 والبكري 548، والخزانة 4/ 397، وانظر ص 20 الشاهد رقم 3 وص 92 و 96 و 97 و 451.
(1/463)

استشهد النحاة بقوله: (قفا) على خطاب الواحد بصيغة الاثنين، كما في قوله تعالى (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ) وبقوله (نبك) على جزم المضارع لوقوعه في جواب الأمر. والجنوب:
ريح تأتي من قبل اليمن وتسمى الأرنب، وإذا أتت من الشام فهي شمأل، وهي مقابلة الجنوب. والتي تأتي من تلقاء الفجر، تلقاء القبلة الصّبا وتسمى القبول. والتي تجيء من دبر الكعبة الدّبور. قال المبرد في الكامل (1): يقال جنبت الرّيح جنوبا، وشملت شمولا، ودبرت دبورا، وصبت صبوا، وسمت سموا، وحرّت حرورا، مضمومات الأول، فإذا أردت الأسماء فتحت أولها، فقلت: جنوب وسموم ودبور وحرور. ولم يأت من المصادر مفتوح الأوّل إلا اليسير كوضوء وطهور وولوع وقبول. وفي الشّمال ست لغات: شمال وشمأل وشمل وشمل وشاملّ، بلا
همز، وشأمل بالهمز. وقد أورد المصنف قوله:
لما نسجتها من جنوب وشمأل
في مهما مستشهدا به على أن (من) تفسير.
256 - وأنشد:
يا أحسن النّاس ما قرنا إلى قدم
قال الأنباري في كتاب الوقف والابتداء: أنشده الفراء. وتمامه:
ولا حبال محبّ واصل تصل
قال الفرّاء: أراد ما بين قرن الى قدم. والقرن: الخصلة من الشعر.
257 - وأنشد:
وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا … إليّ وأوطاني بلاد سواهما (2)
__________
(1) ص 777 وانظر ص 772
(2) الحماسة بشرح التبريزي 3/ 249 - 250 لكثير، وهي في ديوانه 1/ 84 - 85، وديوان جميل 197، وفي البكري 230 (بدا) لكثير.
(1/464)

حللت بهذا حلّة ثمّ حلّة … بهذا، فطاب الواديان كلاهما
هما لكثيّر عزّة. ورأيت في الموفقيات للزّبير بن بكار نسبتهما الى جميل.
وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين وموحدة، وبدا: بموحدة ودال مهملة مقصورة موضعان (1)، يقول: إنه كما آثرها على أهله آثر بلادها على بلاده.
والبيت الثاني في الحماسة بلفظ:
وحلّت بهذا حلّة، ثمّ أصبحت
قال المرزوقي: ففيه التفات من الخطاب الى الغيبة، وفي بعض نسخها بين البيتين بيت آخر وهو:
إذا ذرفت عيناي أعتلّ بالقذى … وعزّة لو، يدري الطّبيب، قذاهما
فلذا حسن بعده وحلّت بالعدول عن الخطاب. وجملة (لو يدري الطبيب) معترضة بين المبتدأ والخبر.
258 - وأنشد:
يا لهف زيّابة للحارث … الصّابح فالغانم فالآيب (2)
هذا لابن زيّابة، وإسمه سلمة بن ذهل، وزيابة أمه (3) وبعده:
__________
(1) في البكري: (بدا: موضع بين طريق مصر والشام. وشغب: منهل بين طريق مصر والشام أيضا).
(2) الخزانة 2/ 331، والحماسة بشرح التبريزي 1/ 142، واللآلي 504
(3) في شرح التبريزي 1/ 142 (قال أبو هلال: زيّابة أبوه). ثم أضاف:
(وقال أبو العلاء: يا لهف زيّابة كقولهم: يا لهف أمي، لان زيابة أمة).
وفي ألقاب الشعراء 320 أن زيّابة بنت شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وانظر الخزانة 2/ 333 واللآلي 504
(1/465)

والله لو لاقيته خاليا … لآب سيفانا مع الغالب
أنا ابن زيّابة إن تدعني … آتك والظّنّ على الكاذب
هذه الأبيات أجاب بها الحارث بن همّام الشيباني حين قال له:
أيا ابن زيّابة إن تلقني … لا تلقني في النّعم العازب
وتلقني يشتدّبي أجرد … مستقدم البركة كالرّاكب
قال التبريزي في شرح الحماسة: معناه انه لهف أمه أن لا يلحقه في بعض غزواته فيقتله أو يأسره. وقال النميري: وصفه بالفتك والظفر وحسن العاقبة، وكيف يذكره بذلك وهو عدوّه، وإنما يتأسف على الفائت من قتله وأسره، ولما كانت هذه الصفة متراخية حسن إدخال الفاء، لأن الصابح قبل الغانم، امام الآيب. ويقبح أن تدخل الفاء إذا كانت الصفات مجتمعة في الموصوف، فلا يحسن أن تقول: عجبت من فلان الأزرق العين، فالأشم الأنف، فالشديد الساعد. وقوله:
... إن تدعني … آتك والظّنّ على الكاذب
يحتمل وجهين، أحدهما: انك إن دعوتني علمت حقيقة ما أقول، فلا تدعني وأخلص من الظن، لأنك تظنّ بي العجز عن لقائك والظن من شأن الكاذب. والآخر ان معناه يكون عونا عليه مع الأعداء.
259 - وأنشد:
فإن أهلك فذي لهب لظاه … عليّ يكاد يلتهب التهابا (1)
هو لربيعة بن مقروم الضبي، وقبله:
أخوك أخوك من تدنو وترجو … مودّته وإن دعي استجابا
__________
(1) الخزانة 4/ 201.
(1/466)

إذا حاربت حارب من تعادي … وزاد سلاحه منك اقترابا
وكنت إذا قريني جاذبته … حبالي مات أو تبع الجذابا
فإن أهلك فذي لهب لظاه … عليّ يكاد يلتهب التهابا
مخضت بدلوه حتّى تحسّى … ذنوب الشّرّ ملأى أو قرابا
أخوك: مبتدأ، وأخوك الثاني خبر، وما بعده بدل منه أو بدل تأكيد، وما بعده الخبر. واقترابا: تمييز، أي زاد اقتراب سلاحه منك. ويجوز كونه مفعولا به، لأن زاد يتعدى ولا يتعدى. وقوله: (فذي) هو بالجر على اضمار رب، وهو في موضع جواب الشرط، والتقدير: فإن أهلك أترك أعداء. ولظاه: مبتدأ، ويكاد: خبره، والجملة ذي حنق. وقوله: (فذي .. الخ) جواب الجزاء، والتقدير: إن أهلك فالأمر والشأن رب ذي حنق. واسم يكاد ضمير لظاه، وعلى متعلق بيلتهب. والتهابا مصدر مؤكد. ومخضت: جواب رب، أو مستأنف. وملأى وقرابا: حالان من الذنوب. والقراب: أن تقارب الامتلاء.

فائدة: [ربيعة بن مقروم]
ربيعة بن مقروم بن قيس بن جابر بن خالد بن عمرو الضبّي، أحد المخضرمين.
قال المرزباني: كان أحد شعراء مضر في الجاهلية والاسلام. وقال البكري في شرح الأمالي (1): كان جاهليا اسلاميا. شهد القادسية وغيرها من الفتوح، وعاش مائة سنة وهو القائل:
ولقد أتت مائة عليّ أعدّها … حولا فحولا إن تلاها ومل
وقال أبو الفرج (2): وفد على كسرى في الجاهلية، ثم عاش الى أن أسلم وبقي
__________
(1) اللآلي 37
(2) 22/ 87 (الثقافة) وفيه: (وكان ممن أصفق عليه كسرى، ثم عاش في الاسلام زمانا). وانظر الاصابة.
(1/467)

زمانا. وفي المؤتلف للآمدي: ربيع، بفتح الراء وكسر الباء كثير، وأما ربيّعة، بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء
المثناة التحتية فهو ابن عبيد بن سعد بن جذيمة، شاعر من شعراء بني أسد، له أبيات مذكورة في شواهد التلخيص.
260 - وأنشد:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تقدم شرحه في شواهد أما (1).
261 - وأنشد:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم (2)
قال العيني: قائله مجهول لا يعرف، وتمامه:
وأكرومة الحيّين خلو كماهيا
قال جماعة: التقدير، هؤلاء خولان فانكح، فعطف بالفاء جملة فعلية على جملة ابتدائية، والواو في (وقائلة) واو رب. وخولان: اسم قبيلة. قال شارح أبيات الايضاح: والاكرومة: الكرم، ولا يكون خلو خبرا عنه إلا بتقدير مضاف، أي وذات الاكرومة. وقال غيره: الاكرومة، بالضم، من الكرم، كالاعجوبة من العجب.
وأراد بالحيّين: حيّ أبيها وحيّ أمها. يعني: انها كريمة الطرفين. والخلو: الخلية، أو الخالي من زوج. وقوله: (كما هيا) الكاف متعلقة بمحذوف صفة لخلو، أي كائنة، فهي كعهدها من بكارتها. فحذف المضاف الى الهاء. ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتصل جعل مكانه المنفصل فصار كهى، ثم زادوا (ما) عوضا من المحذوف، ومثله كن كما أنت، أي كعهدك وحالك. وفي شرح الشواهد الكبرى للعيني: قد قيل إن في هذا البيت عشرة أمور، أحدها: حذف رب وبقاء علها بعد الواو. الثاني:
__________
(1) انظر ص 178 الشاهد رقم 77 وص 286 الشاهد رقم 132
(2) الخزانة 1/ 153 و 218، وسيبويه 1/ 70
(1/468)

استعمال مجرور رب غير موصوف و