Advertisement

شرح شواهد المغني 002


شرح شواهد المغني

تأليف
الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 ه

[الجزء الثاني]
(/)

شواهد كأين
299 - وأنشد:
أطرد اليأس بالرّجا فكأيّن … آلما حمّ يسره بعد عسر
قال العيني: لم يسم قائله. واليأس القنوط. وآلما: بالمد، اسم فاعل من ألم يألم. وحم: قدر، بالبناء للمفعول (1).
300 - وأنشد.
وكائن لنا فضلا عليكم ومنّة … قديما، ولا تدرون ما منّ منعم (2)
__________
(1) في حاشية الامير 1/ 159: قوله: (أطرد) من باب اقتل. ويروي البيت: بمدّ الرجاء وكائن، وقصرهما. وآلما: صاحب: ألم.
وحم: قدر.
(2) وكائن لنا فضلا: هو على وزن فاعل، أحد اللغات السابقة. أنظر الأمير 1/ 159
(2/513)

شواهد كذا
301 - وأنشد:
وأسلمني الزّمان كذا … فلا طرب ولا أنس
302 - وأنشد:
عد النّفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا … كذا وكذا لطفا به نسي الجهد
لم يسم قائله. ونعمى: بضم النون، النعمة. وبؤسى: بضم الموحدة، الشدة، مثل البأساء. والجهد: بضم الجيم، المشقة. ونسي: من النسيان، أو بمعنى الترك. ونعمى: مفعول ثان لعد، بتقدير الباء. وذاكرا حال من الضمير من عد، وكذا مفعول ذاكرا، وكذا الثاني عطف عليه، وهما كناية عن العدد. ولطفا:
تمييز. وجملة (به نسي الجهد) صفة لطفا.
(2/514)

شواهد كأنّ
303 - وأنشد:
فأصبح بطن مكّة مقشعرّا … كأنّ الأرض ليس بها هشام (1)
304 - وأنشد:
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا … قادمة أو قلما محرّفا (2)
هذا للمعاني الراجز، واسمه محمد بن الذؤيب النهشلي النقيمي، يكنى أبا العباس، أحد شعراء الرشيد، من أهل الجزيرة، وقيل: من ديار مضر، وإنما خرج الى عمان فأقام بها مدة ثم عاد. يقال انه عاش مائة وثلاثين سنة (3). وقال الصولي في
__________
(1) هو للحارث بن خالد المخزومي في رثاء هشام بن المغيرة. قوله بطن مكة:
قال الدماميني: يحتمل أنه ما خفي من أرضها، وهو الذي تدفن فيه الأموات، أي انه اقشعر وارتعد من عظمة هشام حيث حل فيه الدفن، ويحتمل أنه سطح أرضها، ومعنى مقشعرا: جدبا محلا لا خصب فيه، ولا يخفاك أن المناسب لكلام المصنف المعنى الثانى، وانظر حاشية الامير 1/ 163
(2) الخزانة 4/ 292، والكامل 867، وشرح التبريزي 2/ 329، والعقد الفريد 5/ 367 واللآلي 367، والموشح 297
(3) ذكره أبو الفرج قال: اسمه محمد بن ذؤيب بن محجن بن قدامة الحنظلي البصري، وإنما قيل له العماني - وليس هو ولا أبوه من عمان - لانه كان شديد صفرة اللون، وكان شاعرا راجزا متوسطا، ليس كأمثاله من شعراء الدولة العباسية.
(2/515)

كتاب الأوراق (1): حدثنا الطيب بن محمد الباهلي: حدثنا محمد بن سعيد بن مسلم قال: كان أبي يقول: كان فهم الرشيد فهم العلماء، أنشده العماني في صفة الفرس:
كأنّ أذنيه إذا تشوّفا … قادمة أو قلما محرّفا
فقال الرشيد دع (كأن) وقل: (تخال أذنيه) حتى يستوي الشعر.
__________
(1) الخبر في الموشح 297 والكامل 867، والعقد الفريد 5/ 367 وفيه:
(والراجز وان كان لحن فانه أصاب التشبيه).
(2/516)

شواهد كل
305 - وأنشد:
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (1)
عزاه صاحب الحماسة البصرية والآمدي (2) للأشهب بن زميلة النهشليّ، بضم الزاي المعجمة، وقيل الراء، وهي
أمه. وأبوه ثور بن أبي حارثة، يكنى أبا ثور.
عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الاسلاميين (3). وعزاه أبو تمام في المختار من أشعار القبائل لحريث بن مخفّض من أبيات أولها:
ألم تر أنّي بعد عمرو ومالك … وعروة وابن الهول لست بخالد
وكانوا بني ساداتنا فكأنّما … تساقوا على لوح دماء الأساود «4»
وما نحن إلّا منهم غير أنّنا … كمنتظر ظمأ وآخر وارد
هم ساعد الدّهر الّذي يتّقى به … وما خير كفّ لا تنوء بساعد
أسود شرى لاقت أسود خفيّة … تساقت على لوح سمام الأساود (4)
__________
(1) الخزانة 2/ 507، والعيني 1/ 482، واللآلي 35 والبيان والتبيين 3/ 254 والبكري (فرج) 1028
(2) المؤتلف والمختلف 32 - 33
(3) الطبقات 495
(4) البيتان هما بيت واحد في أمالي القالي 1/ 8 والكامل 50 و 724 برواية:
أسود شرى لاقت أسود خفيّة … تساقوا على حرد دماء الأساود
(2/517)

قوله: (وان الذي) أصله (الذين) فحذفت النون تخفيفا، وقد أورده سيبويه شاهدا لذلك (1). ويروى (وإن الاولى) (2) وحانت: هلكت، من الحين، وهو الهلاك. وفلج: بفتح الفاء وسكون اللام وجيم، موضع في طريق البصرة. ودماؤهم:
نفوسهم. والأساود: جمع أسودة، وأسودة، جمع سواد، وهو الشخص. وأراد بالأساود: شخوص الموتى (3). وشرى، بفتح المعجمة والراء، طريق في سلمى كثير الأسد، وأسود خفية: مثل قولهم أسود حلية، وهما مأسدتان. والسمام: جمع سم.
306 - وأنشد:
كم قد ذكرتك لو أجزي بذكركم … يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر (4)
هو لعمر بن أبي ربيعة، كما في الاغاني وفي أمالي القالي، وقبله:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم … حبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر
إنّ الثّواء بأرض لا أراك بها … فاستيقنيه ثواء حقّ ذي كدر
وما مللت ولكن زاد حبّكم … ولا ذكرتك إلّا ظلت كالسّدر
ولا جذلت بشيء كان بعدكم … ولا منحت سواك الحبّ من بشر
__________
(1) سيبويه 1/ 96. وفي اللآلي: (قوله: إن الذين حانت بفلج، يريد:
الذين، فأتى بواحد يدل على الجنس كما قال الله عز وجل: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). وقال ابن كيسان:
هذه لغة لربيعة يحذفون النون فيكون الجمع كالواحد لمّا كان الاعراب فيما قبلها ...).
(2) كما في البيان والتبيين.
(3) في الكامل 724: (... فأجراه مجرى الأسماء، نحو (الأصاغر) و (الأكابر) و (الأحامد). وفي 50: (على حرد، يقول: على قصد).
(4) الاغاني 1/ 113 (الدار)، والأمالي 1/ 195، وديوان عمر 222 وهو في ديوان كثير 2/ 196.
(2/518)

أذري الدّموع كذي سقم يخامره … وما يخامرني سقم سوى الذّكر
كم قد ذكرتك لو أجدى تذكّركم … يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر
ونسبه العيني في الكبرى لكثير عزة، وضبط أجزى، بالزاي، مبنيا للمفعول، من الجزاء. وبذكركم: جار ومجرور في موضع المفعول الثاني، وكذا هو في أمالي القالي (1). والذي رأيته في الأغاني (أجدى) بالدال المهملة، من الجدوى، وتذكركم بالمثناة الفوقية مصدر تذكر. والبيت استشهد به ابن مالك على اضافة (كل) الى اسم ظاهر. وخالفه أبو حيان وزعم أن كلا في البيت نعت، مثلها في: (أطعمنا شاة كل شاة). وليست توكيد. أورده المصنف بأن التي ينعت بها دالة على الكمال لا على عموم الأفراد.
307 - وأنشد:
نلبث حولا كاملا كلّه … لا نلتقي إلّا على منهج (2)
هو من قصيدة للعرجى، أولها (3):
عوجي علينا ربّة الهودج … إنّك إن لم تفعلي تحرجي
إنّي أتيحت لي يمانيّة … إحدى بني الحارث من مذحج
نلبث حولا كاملا كلّه … لا نلتقي إلّا على منهج
في الحجّ إن حجّت، وماذا منى … وأهله إن هي لم تحجج
أيسر ما نال محبّ لدى … بين محبّ قوله عرّج
__________
(1) وهذا على رواية البيت: (لو أجزى بذكركم ...)
(2) ديوانه 20، والاغاني 1/ 407 (الدار).
(3) ديوانه 17 - 20 والاغاني 1/ 406 - 408 (الدار).
(2/519)

نقض إليكم حاجة أو نقل … هل لي فيما بي من مخرج
قال وكيع في الغرر: حدثني عبد الله عمرو بن بشر: حدثني إبراهيم بن المنذر:
حدثني حمزة بن عتبة الليثي، عن عبد الوهاب بن مجاهد: إنه أنشده قول العرجى:
إنّي أتيحت لي يمانيّة ... الأبيات الثلاثة
فقال عطاء: بمنى، والله وأهله خير كثير، إذ أغناها الله وإياه عن شعره.

فائدة: [العرجى]
العرجى هو عبد الله بن عمرو ابن الامام عثمان بن عفان رضي الله عنه أبو عثمان (1).
ويقال أبو عمرو، لقب العرجى لأنه كان يسكن عرج الطائف (2). وقيل: لما كان له بالعرج. وكان من شعراء قريش وممن شهر بالغزل، ونحا نحو ابن أبي ربيعة في ذلك وتشبّه به وأجاد، وكان مشغوفا باللهو والصيد حريصا (عليهما) (3)، قليل المحاشاة لأحد (4)، فيهما، فلم يكن له نباهة في أهله. وكان أشقر أزرق جميل الوجه.
وكان من الفرسان المعدودين. وذكر ان حبشيّة كانت بمكة ظريفة، فلما أتاهم موت عمر ابن أبي ربيعة اشتد جزعها وجعلت تبكي وتقول: من لنساء مكة يصف حسنهنّ وجمالهنّ؟ فقيل لها: خفضي عليك، فقد نشأ فتى من ولد عثمان يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه، فقالت: أنشدوني من شعره، فأنشدوها، فقالت: الحمد لله الذي لم يضيّع حرمه. ومسحت عينها.
وقيل: كانت العرب تفضل قريشا في كل شيء الا في الشعر، فلما نجم فيهم عمر ابن أبي ربيعة والعرجى وعبيد الله بن قيس والحارث بن خالد المخزومي وأبو دهبل أقرّت لها العرب بالشعر أيضا. أخرجه في الاغاني عن يعقوب بن اسحاق (5).
__________
(1) الاغاني 1/ 407 (الدار).
(2) عرج الطائف: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، وهي أوّل تهامة وبينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلا، وهي في بلاد هذيل.
(3) مزيدة عن الاغاني.
(4) أي قليل المبالاة والاكتراث بأحد فيهما.
(5) 3/ 98 (ساسي).
(2/520)

وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابراهيم بن عامر قال: واعد العرجى امرأة بغيا بالطائف، فجاء على حمار ومعه غلام له، فجاءت المرأة على أتان معها جارية، فوثب العرجى على المرأة، والغلام على الجارية، والحمار على الأتان. فقال العرجى: هذا يوم غابت عواذله (1).
308 - وأنشد:
يميد إذا مادت عليه دلاؤهم … فيصدر عنها كلّها وهو ناهل (2)
309 - وأنشد:
فلمّا تبيّنا الهدى كان كلّنا … على طاعة الرّحمن والحقّ والتّقى
عزاه المصنف لعليّ بن أبي طالب. وقال المرزباني في تاريخ النحاة: قال يونس (3) ما صح عندنا ولا بلغنا أن عليّ ابن أبي طالب قال شعرا إلا هذين البيتين:
تلكم قريش تمنّتني لتقتلني (4) … فلا وربّك ما برّوا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم … بذات روقين لا يعفو لها أثر (5)
وقال وكيع في الغرر: حدثني ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يصح أن عليا رضي الله عنه قال من الشعر: (تلكم قريش ... فذكر البيتين) وقال: حدثنا أبو عبد الله محمد ابن اسحق، حدثنا عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد الغرري عن إسرائيل بن يونس عن
__________
(1) انظر الاغاني 1/ 395 (الدار).
(2) في حاشية الامير 1/ 165: (قوله: فيصدر عنه: أي عن الماء، وضمير كلها للدلاء. وماد: تحرك. والناهل: الريان والعطشان من أسماء الأضداد).
(3) هما في معجم الشعراء 131
(4) في معجم الشعراء: (تمناني).
(5) في معجم الشعراء: (بذات وقبين) وفي حاشية الامير 1/ 166 كرواية الأصل وقال: (وفي القاموس: داهية ذات روقين، أي عظيمة).
(2/521)

أبي اسحق عن الحارث قال: ذكر علي رضي الله عنه أمورا تكون ثم أتبعها أبيات شعر:
لا يدخل النّار عبد مؤمن أبدا … ولا يقول ذوو الألباب لا قدر
ولا أقول لقوم إنّ رازقهم … غير الإله وإن برّوا وإن فجروا
الله يرزق من يدعو له ولدا … والمشركين ويوم البعث ينتصر
تلكم قريش تمنّتني لتقتلني … فلا وربّك ما برّوا وما ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمّتي لهم … بذات روقين لا يعفو لها أثر
أمّا ثقيف فإنّي لست متّخذا … أهلا ولا شيعة في الدّين إذ كفروا
إن بايعوني فلا يوفوا ببيعتهم … وماكروني والأعداء إذ مكروا
وقلّصوا لي عن حرب مشمّرة … ما لم يلاق أبو بكر ولا عمر
وفي ليالي من شهري ربيعهم … وفي جمادى إذا ما صرّحوا عبر
وسوف يأتيك عن أنباء ملحمة … بالشّام يبيضّ من نكرائها الشّعر
عدوا إذا ما التقى في المرج جمعهم … على قضاعة بل تشقى بها مضر
وسوف يبعث مهديّ بسنّته … فينشر الوحي والدّين الّذي قهروا
وسوف يعمل فيهم بالقصاص كما … كانوا يدينون أهل الحقّ إن قدروا
310 - وأنشد قول أبى بكر:
كلّ امرئ مصبّح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
(2/522)

كذا عزاه المصنف الى أبى بكر وليس هو قوله، وانما أنشده متمثلا به (1).
وعزاه ابن حبيب الى الحكم من بني نهشل، وكان شهد الوقيط فقتل به (2)، فلما أثخن أنشد هذا البيت مفردا. وكذا ذكره أبو عبيدة في كتاب أيام العرب وسماه حكيما وأن أباه رثاه بأبيات أولها:
حكيم فدائي لك يوم الوقيط … إذ حضر الموت، خال وعمّ
وقال فيه عمير بن عمارة التيمي من قصيدة يذكر فيها الوقعة (3):
وغادرنا حكيما في مجال … صريعا قد سلبناه الإزارا
قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول: حدثنا سليمان بن العباس الهاشمي، حدثنا يعقوب بن يوسف الزهري،
حدثنا عبد الله بن وهب، عن يونس عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ما قال أبو بكر ولا عثمان بيت شعر في الجاهلية ولا في الاسلام، ولا شربا خمرا في جاهلية ولا إسلام. وقال: حدثنا الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصي، حدثنا عبد الحميد بن ابراهيم الحضرمي، حدثني عبد الله بن سالم عن محمد بن الوليد الزبيدي، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة:
انها كانت تدعو على من يقول ان أبا بكر قال هذه القصيدة:
تحيا بالسّلامة أمّ بكر … وهل لي بعد قومي من سلام
ثم تقول عائشة: والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا في الاسلام،
__________
(1) الرجز في العقد الفريد 5/ 185 لحكيم النهشلي وفيه 5/ 282 واللآلي 557: (وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول ...). وهو أيضا في شرح التبريزي 2/ 100 منسوب الى رجل.
(2) في البكري 1382: (الوقيظ - بالظاء المعجمة والطاء المهملة، على وزن فعيل) ماء لبني مجاشع بأعلى بلاد بني تميم الى بلاد بني عامر ...
وكانت في هذه المواضع حرب بين تميم وبكر في الاسلام). وانظر خبر يوم الوقيط في العقد الفريد 5/ 182 - 185.
(3) في معجم المرزباني 71 أبيات من هذه القصيدة.
(2/523)

ولقد ترك أبو بكر وعمر وعثمان شرب الحمر في الجاهلية، وما ارتاب أبو بكر في الله منذ أسلم، ولكن كان تزوج امرأة من بني كنانة، فلما هاجر أبو بكر طلقها فتزوّجها ابن عمها هذا الشاعر، فقال هذه القصيدة يرثي بها كفار قريش الذين قتلوا ببدر فنحلها الناس أبا بكر، وانما هو بكر بن شعوب الكناني.
311 - وأنشد:
كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول (1)
هو من قصيدة كعب بن زهير بن أبي سلمى التي أوّلها: (بانت سعاد). (2)
أخرج الحاكم في المستدرك وصححه، والبيهقي في دلائل النبوّة، من طريق إبراهيم بن المنذر، حدثنا الحجاج بن ذو الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير المزني، عن أبيه، عن جدّه: أن أباه كعبا وعمه بجيرا خرجا حتى أتيا أبرق العراق، فقال بجير لكعب اثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأسمع ما يقول. فجاء فأسلم، فبلغ ذلك كعبا فقال (3):
ألا أبلغا عنّي بجيرا رسالة … على أيّ شيء ويب غيرك دلّكا (4)
على خلق لم تلف أمّا ولا أبا … عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
سقاك أبو بكر بكأس رويّة … وأنهلك المأمون منها وعلّكا (5)
__________
(1) ديوان كعب ص 19
(2) ديوانه 3، والشعراء 91 وسيرة ابن هشام 888، والاغاني 17/ 41 (الثقافة).
(3) هذا البيت مركب من صدر بيت وعجز آخر، وهو في الديوان وسيرة ابن هشام 887 - 893 (أوربة) برواية:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة … فهل لك فيما قلت بالحيف هل لكا
وخالفت أسباب الهوى وتبعته … على أي شيء ويب غيرك دلّكا
(4) في الديوان برواية:
شربت مع المأمون كأسا رويّة … فأنهلك المأمون منها وعلّكا
وفي رواية الأحول: (سقاك بها المأمون). وقد روى أيضا برواية:
(سقيت بكأس عند آل محمد). وكانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم المأمون والأمين.
(2/524)

فلما بلغت الأبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، هدر دمه فقال: من لقي كعبا فليقتله. فكتب بذلك بجير، الى أخيه، قال: اعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله الا الله إلا قبل ذلك، فأسلم وقال قصيدته (بانت سعاد). ثم أقبل حتى أناخ بباب المسجد ودخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مكان المائدة من القوم متحلقون حوله، فيلتفت الى هؤلاء مرة فيحدثهم والى هؤلاء مرة فيحدثهم. قال كعب: فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت وقلت: الأمان يا رسول الله، قال: من أنت؟
قلت: أنا كعب. قال: الذي تقول: ثم التفت الى أبي بكر، فأنشده أبو بكر:
سقاك أبو بكر بكأس رويّة … وأنهلك المأمون منها وعلّكا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مأمون والله، ثم أنشد القصيدة كلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيّم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول
وساق الحاكم القصيدة بكمالها.
وأخرج الحاكم والبيهقي والزبير بن بكار في أخبار المدينة من طريق علي بن زيد ابن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد:
(بانت سعاد). وأخرجه في الأغاني بلفظ: (في المسجد الحرام) لا مسجد المدينة.
وأخرج الحاكم والبيهقي عن موسى بن عقبة قال: لما بلغ الى قوله:
إنّ الرّسول لنور يستضاء به … مهنّد من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم … ببطن مكّة، لمّا أسلموا: زولوا
أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الخلق ليسمعوا، وكان بجير كتب الى
(2/525)

أخيه كعب يخوّفه ويدعوه الى الاسلام (1):
من مبلغ كعبا فهل لك في الّتي … تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزّى ولا اللّات وحده … فتنجو إذا كان النّجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت … من النّار إلّا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء باطل … ودين أبي سلمى عليّ محرّم
وذكر ابن اسحق أن ذلك كان بعد قدوم النبي صلّى الله عليه وسلّم من الطائف.
وفي الاغاني: قال عمرو بن شيبة: كان زهير نظارا متوقيا، وانه رأى في منامه آتيا أتاه فحمله الى السماء حتى كاد يمسها بيده، ثم تركه فهوى إلى الأرض. فلما احتضر قصّ رؤياه على ولده وقال: إني لا أشك انه كائن من خبر السماء بعدي شيء، فإن كان فتمسكوا به وسارعوا إليه. فلما بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج إليه بجير فأسلم ثم رجع الى بلاد قومه، فلما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتاه بجير بالمدينة وشهد الفتح.
وقال محمد بن سلام في طبقات الشعر (2): أخبرني محمد بن سليمان عن يحيى ابن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيّب قال: قدم كعب متنكّرا حين بلغه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه توعده. فأتى أبا بكر، فلما صلّى الصبح أتاه وهو متلثّم بعمامته، فقال: يا رسول الله: رجل يبايعك على الاسلام. وبسط يده وحسر عن وجهه، وقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، مكان العائذ بك، أنا كعب ابن زهير. فأمنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنشده مدحته التي يقول فيها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
حتى أتى على آخرها، فكساه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بردة، اشتراها
__________
(1) ديوانه 4، والعيني 888
(2) الطبقات 83، وانظر الشعراء 104.
(2/526)

معاوية بمال كثير. فهي البردة التي تلبسها الخلفاء في العيدين، ذهب الى ذلك ابان البجلي. قال ابن سلام: كان كعب بن زهير فحلا مجيدا، قلت لخلف: بلغني إنك تقول:
كعب أشعر من زهير؟ قال: لولا أبيات مديح لزهير كثر أمرهن إلى أمرهن لقلت ذلك.
قال المصنف في شرح هذه القصيدة: أوّل شيء اشتملت عليه هذه القصيدة النسيب، وهو عند المحققين من أهل الأدب جنس يجمع أربعة أنواع، أحدها ذكر ما في المحبوب من الصفات الحسية والمعنوية، كحمرة الخد، ورشاقة القد، وكالجلالة والخفر، والثاني: ذكر ما في المحب من الصفات أيضا، كالنحول، والذبول، وكالحزن، والشعف. والثالث: ذكر ما يتعلق بهما من هجر ووصل وشكوى واعتذار ووفاء واخلاف. والرابع: ذكر ما يتعلق بغيرهما بسببهما، كالوشاة والرقباء. وبيان النسيب فيها انه ذكر محبوبته وما أصاب قلبه عند ظعنها، ثم وصف محاسنها وشبهها بالظبي، ثم ذكر ثغرها وريقتها وشبهها بخمر ممزوجة بالماء. ثم أنه استطرد من هذا إلى وصف ذلك الماء، ثم من هذا إلى وصف الأبطح الذي أخذ منه ذلك الماء، ثم أنه رجع إلى ذكر صفاتها فوصفها بالصدّ واخلاف الوعد والتلوّن في الود، وضرب لها عرقوبا مثلا، ثم لام نفسه على التعلق بمواعيدها. ثم أشار الى بعد ما بينه وبينها، وأنه لا يبلغه إليها إلّا ناقة من صفتها كيت وكيت. وأطال في وصف تلك الناقة على عادة العرب في ذلك. ثم انه استطرد من ذلك الى أن ذكر الوشاة وأنهم يسعون بجانبي ناقته ويحذرونه القتل، وأن أصدقاءه رفضوه وقطعوا حبل مودّته، وأنه أظهر لهم الجلد واستسلم للقدر. وذكر لهم أن الموت مصير كل ابن أنثى. ثم خرج إلى المقصود الأعظم، وهو مدح سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإلى الاعتذار إليه وطلب العفو منه والتبري مما قيل عنه. وذكر شدّة خوفه من سطوته وما حصل له من مهابته. ثم الى مدح أصحابه المهاجرين. وقد استشهد المصنف من هذه القصيدة بعدّة أبيات يأتي شرحها في محالها.
قوله: بانت أي فارقت. وسعاد: علم امرأة يهواها حقيقة أو ادعاء. والفاء في (فقلبي) لمحض السببية لا للعطف. والقلب هنا الفؤاد. ومتبول: من تبله الحب:
(2/527)

أسقمه وأضناه (1). ومتيّم: من تيمه الحب. وتأمه: بمعنى استبعده وأذله.
والأثر: بكسرة وسكون، ويقال: بفتحتين أيضا، ظرف لمتيم، أو حال من ضميره.
قال المصنف: ولا يحسن تعلقه بمتبول، ولا كونه حالا من ضميره، للبعد اللفظي والمعنوي، وليس بممتنع، وعلى تقديره ظرفا له فيكون الوصفان قد يتنازعانه، ولا يجيء ذلك على تقدير الحالية، لأنهما حينئذ إنما يطلبان الكون المطلق الذي تعلق به لأنه الحال بالحقيقة. وجملة (لم يفد) إما خبر آخر لقلبي، أو صفة لمتيم، أو حال من ضميره. قال المصنف: وهو الظاهر، أو من ضمير متبول. ومكبول:
من كبله، بالتخفيف، وضع في رجله الكبل، بفتح الكاف وقد يكسر، وهو القيد مطلقا. وقيل الضخم، وقيل الأعظم ما يكون من القيود. ويقال أيضا كبّله، بالتشديد، فهو مكبّل. قوله: (وما سعاد) عطف على الفعلية لا على الاسمية، وإن كانت أقرب وأنسب لكونها إسمية، لأن هذه الجملة لا تشارك تلك في التسبب عن البينونة. وفي سعاد إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل: وما هي، وحسنه الفصل بالجمل وكونه في بيت آخر، وإن اسم المحبوب يلتذ باعادته. والغداة:
اسم لمقابل العشيّ، وقد يراد بها مطلق الزمان، كالساعة واليوم. والبين: مصدر بان، وأل فيه لتعريف الحقيقة. واذ: بدل من غداة، كما في قوله تعالى (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ). وضمير (رحلوا) لسعاد مع قومها. وأغنّ: صفة لمحذوف، أي ظبي أغنّ. والأغنّ: الذي في صوته غنّة. وغضيض الطرف: في طرفه كسور وفتور خلقي، فعيل بمعنى مفعول. والطرف: العين، وهو منقول من المصدر، ولذا لا يجمع. ومكحول: اما من الكحل بالضم، أو من الكحل، بفتحتين، وهو الذي يعلو جفون عينيه سواد من غير اكتحال. وقد أورد المصنف هذا البيت في الكتاب الثالث شاهدا لمن، قال: إن الظرف يتعلق بأحرف المعاني، على أن غداة ظرف للنفي، أي انتفى كونها في هذا الوقت، إلا كأغنّ. ثم اختار تعلقه بمعنى التشبيه الذي تضمنه البيت، على أن الأصل (وما كسعاد إلّا ظبي أغنّ) على التشبيه المعكوس للمبالغة، لئلا يكون الظرف متقدما في التقدير على اللفظ الحامل لمعنى التشبيه. قوله: (كل ابن أنثى) يقول: إن كلّ من ولدته أنثى، وإن
__________
(1) في الاساس: (تبلته فلانة) إذا هيّمته، كأنما أصابته بنبل، وقلب مكبول. واستشهد بالبيت. وفي الديوان: متبول: أصيب بتبل، أي تبلت قلبي.
(2/528)

عاش زمانا طويلا سالما من النوائب، فلا بد له من الموت، فمم الجزع، وبم يفرح الشامتون. والآلة هنا النعش ذكره
الجوهري، وأنشد عليه البيت. وقيل: الحالة (1)، جزم به التبريزي وغيره. والحدباء: تأنيث الأحدب، ومعناها هنا، قيل: الصعبة، وقيل: المرتفعة، وقيل إنه من قولهم: ناقة حدباء إذا بدت حراقيقها، لأن الآلة التي يحمل عليها تشبه الناقة الحدباء في ذلك. والظرفان معمولان لخبر كل، وربما توهم أن يوما متعلق بطالت، وهو فاسد في المعنى، وما بين المبتدأ والخبر اعتراض، والواو من (وأن) قال جماعة: واو الحال، قال المصنف: والصواب إنها عاطفة على حال محذوفة معمولة للخبر، والتقدير: محل، لوجهين، أحدهما: ان يكون الأصل محمول على آلة حدباء على كل حال وإن طالت سلامته، فيكون من عطف الخاص على العام. والثاني: أن يكون الأصل إن قصرت مدّة سلامته، وإن طالت، ويجوز وقوع الشرطية حالا. وسوّغ حذف الاولى إذ الثانية أبدا منافية لثبوت الحكم، والأولى مناسبة لثبوته، فاذا ثبت الحكم على تقدير وجود المنافي دل على ثبوته على تقدير المناسب من باب أولى، ودل هذا على المقدر، ومتى سقطت الواو من هذا البيت ونحوه فسد المعنى.

فائدة: [بندار الأصبهاني]
ذكر الزبيّدي في طبقات النحاة: ان بندار الأصبهاني كان يحفظ تسعمائة قصيدة أوّل كل منها (بانت سعاد) على قلة ما اطلعت عليه من ذلك. قال زهير والد كعب (2):
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا … وليت وصلا لنا من حبلها رجعا
وقال ربيعة بن مقروم الضبيّ (3):
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا … وأخلفتك ابنة الحرّ المواعيدا
__________
(1) كما في ديوانه، والشاهد على ذلك قول الخنساء:
سأحمل نفسي على آلة … فإما عليها وإما لها
وقول الراجز:
قد أركب الآلة بعد الآلة … وأترك العاجز بالجداله
وعلى هذا المعنى يكون معنى حدباء: صعبة.
(2) ليس هذا البيت في ديوان زهير.
(3) مطلع المفضلية رقم 42، وهو في الاغاني 19/ 91.
(2/529)

وقال قعنب بن ضمرة:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن … وعلّقت عندها من قلبك الرّهن
وقال النابغة الذبياني (1):
بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما … واحتلّت الشّرع فالأجزاع من أضما
وقال الأعشى ميمون (2):
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا … واحتلّت الظّهر فالجدّين فالفرعا
وقال أيضا (3):
بانت سعاد وأمسى حبلها رأبا … وأحدث النّأي أشواقا وأوصابا
وقال الأخطل:
بأنت سعاد ففي العينين مملول … من حبّها وصحيح الجسم محبول
وقال أيضا:
بانت سعاد ففي العينين تسهيد … واستحقبت لبّه فالقلب معمود
وقال عدي بن الرقاع:
بانت سعاد وأخلفت ميعادها … وتباعدت منّا لتمنع زادها
__________
(1) الاغاني 1/ 60 (الثقافة) وفيه (فاحتلت النور ...) وديوانه ص 101
(2) ديوانه مطلع القطعة 13 وفيه: (الغمر).
(3) ديوانه مطلع القطعة 79
(2/530)

وقال القيس بن الحدادية:
بانت سعاد فأمسى القلب مشتاقا … وأقلقتها نوى الأزماع إقلاقا
312 - وأنشد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل … وكلّ نعيم لا محالة زائل
تقدم شرحه في شواهد أم (1).
313 - وأنشد:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه … فكلّ رداء يرتديه جميل (2)
هو مطلع قصيدة للسموأل بن عادياء الأزديّ، وقيل لابنه شريح حكاه في الأغاني، وقيل لدكين حكاه في الأغاني أيضا (3). وقيل لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثيّ، وقيل للجلاح الحارثيّ، وبعده:
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها … فليس إلى حسن الثّناء سبيل
وقائلة ما بال أسرة غاديا … تنازى وفيها قلّة وخمول
تعيّرنا أنّا قليل عدادنا (4) … فقلت لها: إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا … شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا … عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتلّه من نجيره … منيع يردّ الطّرف وهو كليل
__________
(1) انظر ص 150 و 153 والشاهد رقم 193 ص 392.
(2) شعر السموأل 11، وانظر الحماسة 1/ 108 والأمالي 1/ 269
(3) الاغاني 9/ 253، وكذا في الشعراء 594.
(4) كذا في الاصل، وفي المراجع السابقة (عديدنا).
(2/531)

رسا أصله تحت الثّرى وسما به … إلى النّجم فرع لا ينال طويل
هو الأبلق الفرد الّذي سار ذكره … يعزّ على من رامه ويطول
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة … إذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا … وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيّد حتف أنفه … ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظبّات نفوسنا … وليست على غير الظبّات تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرّنا … إناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظّهور وحطّنا … لوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا … كهام ولا فينا يعدّ بخيل
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم … ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيّد منّا خلا قام سيّد … قؤول لما قال الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارق … ولا ذمّنا في النّازلين نزيل
وأبّا منا مشهورة في عدوّنا … لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب … بها من قراع الدّارعين فلول
معوّدة أن لا تسلّ نصالها … فتغمد حتّى يستباح قبيل
سلي، إن جهلت، النّاس عنّا وعنهم … فليس سواء عالم وجهول
فإنّ بني الدّيّان قطب لقومهم … تدور رحاهم حولهم وتجول
(2/532)

قوله: (اذا المرء ... البيت)، يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلا. واللؤم: اسم لخصال تجتمع، وهي: البخل، واختيار ما تنفيه المروءة، والصبر على الدنيئة، وأصله من الالتئام، وهو الاجتماع، وكذلك الكرم اسم لخصال تضاد خصال اللؤم (1). قوله:
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها
أي يصبرها على مكارهها، وأصل الضيم العدول عن الحق، يقال: ضامه (ضيما، وهو مضيم) «2»، إذا عدل به عن طريق النصفة (واهتضمه، ومنه قيل:
قصد في ضيم الجبل: أي في ناحية تعدل اليه، وكما استعمل الضيم من ضامه كذلك استعمل الهضم واحد أهضام الوادي من هضم) «2» وليس المراد بقوله:
ضيمها ضيم الغير لها، لأن احتمال ضيم الغير ليس مما يتمدح به. وقوله: (تعيرنا أنّا) يقال عيّرته كذا، وهو المختار، وعيرته بكذا. وقوله: (إنّ الكرام قليل) يشتمل على معان كثيرة، وهي ولوع الدهر بهم، واعتيام الموت إياهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم (وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ابتناه أسلافهم) (2)، وكل ذلك يقلل العدد، وقليل وكثير يوصف بهما الواحد والجمع. وشباب: مصدر وصف به الجمع، وليس جمعا لشاب، لأن فاعلا لا يجمع على فعال. وتسامى: أصله تتسامى، من السموّ، وهو العلو. والكهل:
الذي قد وخطه الشيب، ومنه (اكتهل النبات) إذا شمله النّور. قوله:
(وما ضرّنا) يحتمل النفي والاستفهام، أي أيّ شيء ضرنا. والواو في (وجارنا) للحال، وكذا وجار الأكثرين. قال التبريزي (3): وإنما صلح الجمع بين حالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو كانا لذات واحدة لم يصلح. قوله: (لنا جبل) يريد به العز والسمو: أي من دخل في جوارنا امتنع على طلابه. ويحتله: ينزله، من احتلّ إذا نزل. ومنيع:
فعيل، بمعنى: مفعول، أي ممنوع. والطرف: النظر. والكليل:
فعيل، من الكلال، وهو الاعياء، أي أن الجبل شامخ لطوله يرجع طرف الناظر اليه
__________
(1) و (إذا) تتضمن معنى الجزاء، والفاء مع ما بعدها جوابه. وانظر التبريزي 1/ 109.
(2) مزيدة عن التبريزي.
(3) 1/ 110
(2/533)

كليلا. قوله: (وإنّا لقوم ما نرى) على حد قوله (1):
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره
ولو جرى على لفظ قوم لقال: ما يرون. والسّبّة: ما يسبب به، كالخدعة، ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وعامر بن صعصعة وسلول بنو مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان. قوله: (يقرب حب الموت) من إضافة المصدر إلى المفعول، وهو قريب من قول الآخر:
رأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
ويجوز ان يكون من إضافته للفاعل، كقوله (2):
أرى الموت يعتام الكرام
ويؤيد الأول قوله: (وتكرهه آجالهم). قوله: (حتف أنفه). قال التبريزي (3):
أوّل من تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قاله غيره. ووقوعها في هذه القصيدة يدل على أن شاعرها إسلامي. قال التبريزي: وتحقيقه كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، لا دفعة واحدة، وخصّ الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الزمان. ونصبه على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا محتوف. والظبات: السيوف. والنفوس هنا: يحتمل الأرواح والدماء. وغير الظبات، من إقامة الظاهر مقام المضمر. وفي البيت رد العجز على الصدر. قوله:
(صفونا فلم نكدر) أي صفة أنسابنا فلم يشبها كدرة. والسرّ هنا الأصل الجيد.
قوله: (فنحن كماء المزن) شبه صفاء أنسابهم لصفاء المطر، ويجوز أن يعني به الجواد،
__________
(1) صدر بيت ينسب لعلي قاله حين غزوة خيبر وعجزه:
أكيلكم بالسيف كيل السندره
وانظر تاريخ أبي الفداء 1/ 140 والتبريزي 1/ 112.
(2) قطعة من صدر بيت لطرفة وتمامه:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد
(3) 1/ 113، وانظر المجتبى لابن دريد.
(2/534)

أي نحن كالغيث ينفع الناس. ويقال: كهم يكهم وكهم يكهم، فهو كهام وكهيم، يقال ذلك للرجل إذا ضعف، وللسيف إذا كلّ. قوله: (ولا فينا يعد بخيل) أي لا بخيل فينا فيعد على حد قوله تعالى (وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ). قوله:
(وننكر ... البيت) نظيره قول الآخر:
وما يستطيع النّاس عقدا يشدّه … وينقضه منهم وإن كان مبرما
وأجل منهما قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) قوله: (إذا سيد ...
البيت). نظيره قول حاتم:
إذا مات منهم سيّد قام بعده … نظير له يغني غناه ويخلف
والطارق: الذي ينزل ليلا. والنزيل: الضيف. والقراع: الضراب. وأيامنا مشهورة: أي وقائعنا في عدوّنا مشهورة، فهي بين الأيام كالأفراس الغرّ المحجلة بين الخيل. والغرر: جمع غرّة، وهي البياض الذي في جبهة الفرس. الحجول:
بتقديم الحاء على الجيم، جمع حجل، وهو البياض في قوائم الفرس. والدارعين:
أصحاب الدروع. والفلول: بضم الفاء، جمع فل، السيف، وهو كسر في حدّه.
ومعودة: نصب على الحال بما دل عليه الظرف، ويجوز رفعه على إضمار المبتدأ.
والقبيل: بالموحدة، جماعة من آباء شتى. وقوله: (فليس سواء) استشهد به النحاة على تقديم خبر ليس على اسمها. والقطب: الحديد في الطبق الأسفل من الرحا يدور عليه الطبق الأعلى، وبه سمي قطب السماء لما يدور عليه الفلك، وعلى هذا التشبيه قالوا: فلان قطب بني فلان، أي سيدهم الذي يلوذون به، وهو قطب الحرب.

فائدة: [السموأل]
السموأل، بفتح المهملة والميم وسكون الواو وبعدها همزة مفتوحة ولام، اسم عبراني، وقيل عربي مرتجل. وقيل منقول من اسم طائر، واسمه فعوعل ابن غريض ابن عاديا، بالمد والقصر، ابن حبا.
(2/535)

314 - وأنشد:
وكلّ رفيقي كلّ رحل - وإن هما … تعاطى القنا قوماهما - أخوان (1)
هو للفرزدق من شعر يزعم فيه ان الذئب رأى ناره فأتاه وعاهده انه يصاحبه وأوّله:
وأطلس عسّال، وما كان صاحبا، … دعوت لناري موهنا فأتاني
فلمّا أتى قلت: ادن دونك إنّني … وإيّاك في زادي لمشتركان!
وبتّ أقدّ الزّاد بيني وبينه، … على ضوء نار مرّة ودخان
فقلت له، لمّا تكشّر ضاحكا، … وقائم سيفي في يدي بمكان:
تعشّ! فإن عاهدتني لا تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما … أخيّين كانا أرضعا بلبان
ولو غيرنا نبّهت تلتمس القرى … رماك بسهم، أو شبا بسنان
وكلّ رفيقيّ كلّ رحل - وإن هما … تعاطى القنا قوماهما - أخوان
قوله: وأطلس، أي ورب ذئب أغبر اللون. عسال: أي مضطرب في مشيه.
ويروى: (رفعت لناري) وهو من المقلوب، أي رفعت له ناري. وموهنا: بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، ساعة تمضي من الليل. وقوله: (فأتاني) أي فرآها فأتاني. قوله: ادن: أي اقرب. ودونك: أي خذ. وأقد الزاد: أي أشطر واقسمه.
وتكشر: بشين معجمة، من الكشر، وهو بدو الاسنان عند الضحك، أي أبدى أنيابه كأنه يضحك. ولا تخونني: قال البطليوسي: جملة حالية، أي إن عاهدتني غير خائن. وقال بعضهم: هو جواب القسم الذي تضمنه عاهدتني، ويكن: جواب
__________
(1) ديوانه 870
(2/536)

الشرط. وقوله (تعشّ ... البيت) أورده المصنف في الكتاب الثاني (1). وفي البيت شاهد للفصل بين الموصول وصلته بالنداء، ولمراعاة معنى من حيث قال (يصطحبان) وسمي الذئب امرأ، تنزيلا له منزلة العاقل لخطابه إياه. وأخيين: تصغير اخوين.
ولبان: بكسر اللام، يقال: هذا أخوه بلبان أمه. قال ابن السكيت: ولا يقال بلبن أمه، إنما اللبن الذي يشرب. والقرى: بالكسر، الضيافة. والشبا: بفتح المعجمة والموحدة. قوله: (وكل رفيقي كل رحل) قال العيني: اعرابه مشكل، وكذا معناه، وكل: في (كل رحل) زائدة. ورحل: بالحاء المهملة. وتعاطى: أصله تعاطيا فوحد الضمير، لأن الرفيقين ليسا باثنين معينين، ثم حمل على اللفظ إذ قال: قوماهما أخوان. وجملة (هما اخوان) خبر كل. وقوله: (قوماهما) إما بدل اشتمال من القنا، لأن قومهما من سببهما إذ معناه تقاومهما، فحذف الزوائد أو مفعول له، أي تعاطيا القنا لمقاومة كل منهما الآخر. أو مطلق من باب صنع الله، لأن تعاطي القنا يدل على تقاومهما. ومعنى البيت: ان كل الرفقاء في السفر إذا استقروا رفقة رفيقين فهما كالأخوين لاجتماعهما في السفر والصحبة، وإن تعاطي كل منهما مغالبة الآخر، انتهى كلام العيني. وأقول: هذا كله تخليط، ومنشأه أنه ظن أنّ قوما مفرد منصوب، وإنما هو مثنى مرفوع مضاف إلى هما. وتقدير البيت: وكل رفيقين في أي رحل كانا اخوان، وإن هما تعاطى القنا قوماهما فلا يضرهما كون قومهما متعاديين. فاخوان خبر كل، وجملة (وان هما تعاطى القنا قوماهما) معترضة.
وتعاطى مفرد على ظاهره، وفاعله قوماهما. والقناة: مفعول. وقد استشهد ابن مالك بهذا البيت على تثنية قدم.
315 - وأنشد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم … دويهيّة تصفرّ منها الأنامل
تقدم شرحه في شواهد أم (2):
__________
(1) وهو أيضا من شواهد سيبويه 1/ 404 وفيه برواية: (تعال فإن ...).
(2) الشاهد رقم 59 ص 150، والشاهد رقم 200 ص 402
(2/537)

316 - وأنشد:
وكلّ مصيبات الزّمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب (1)
قال ثعلب في أماليه: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب، حدثني الزبير بن بكار، حدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه عن عجوز لهم يقال لها جمال (2) بنت أبي مسافر، قالت: جاورت آل ذريح بقطيع لي، فيه الرائمة اللبون، والحائل، والمتبع (3)، فكان قيس ينظر الى شرف من ذلك القطيع، وينظر إلى ما يلقين فيتعجب، فقلّ ما لبث حتى عزم عليه أبوه بطلاق زوجته لبنى، فكاد يموت، ثم آل أبوه لئن أقامت لا يساكن قيسا، فظعنت فاندفع قيس يقول:
أيا كبدا أطارت صدوعا نوافذا (4) … ويا حسرتا ماذا تغلغل في القلب
فأقسم ما عمش العيون شوارف … روائم بوّحانيات على سقب
تشمّمنه لو يستطعن ارتشفنه … إذا سقنه يزددن نكبا على نكب (5)
رئمن فما ينحاش منهنّ شارف … وحالفن حبسا في المحول وفي الجدب
بأوجد منّي يوم ولّت حمولها … وقد طلعت أولى الرّكاب من النّقب
وكلّ ملمّات الدّهور وجدتها … سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب
إذا افتلتت منك النّوى ذا مودّة … حبيبا بتصداع من البين ذي شعب
__________
(1) ديوانه 66، والاغاني 9/ 182، وابن عساكر 27/ 470، واللسان 1/ 309 و 2/ 270 و 371 و 8/ 210 و 15/ 218 و 18/ 21، ومجالس ثعلب 286، وانظر 78، ويروى (مصيبات الزمان) و (ملمات الدهور). قال إسحاق بن الفضل الهاشمي: (لم يقل الناس في هذا المعنى مثل قول ابن ذريح).
(2) كذا، وفي الأغاني (حمّادة).
(3) رواية الأغاني: (فيه الرائمة، وذات البوّ، والحائل، والمتبع).
وقد أصلحنا في الأصل (المنيع) ب (المتبع) وهو: ذات التبيع، وهو ولد البقرة أوّل سنة، سمىّ بذلك لأنه يتبع أمه.
(4) كذا بالاصل، ورواية الأغاني والديوان (أيا كبدا طارت).
(5) كذا، وفي الاغاني: (إذا سفنه) أي (شممنه).
(2/538)

أذاقتك مرّ العيش أو متّ حسرة … كما مات مسقيّ الضّياح على ألب
أخرجه أبو الفرج في الاغاني من طريق الزبير (1). وأخرج عن اسحق بن الفضل الهاشمي قال: لم يقل الناس في هذا المعنى مثل قيس بن ذريح: وكل مصيبات الزمان البيت ...

فائدة: [قيس بن ذريح]
قيس بن ذريح بن شبة بن حذافة بن طريف الليثي أبو زيد كان يسكن بادية الحجاز. أخرج في الأغاني عن الكلبي (2) إنه كان رضيع الحسين بن علي رضي الله عنه أرضعتهما أم قيس. وأخرج من طرق عدة (3): ان قيسا مر ببعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف فوقف على خيمة للبنى بنت الحباب الكعبية، فاستسقى ماء، فسقته وخرجت إليه به. وكانت امرأة مديدة القامة شهلا حلوة المنظر والكلام. فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب الماء. وقالت له: أتنزل فتبرّد عندنا؟ قال: نعم، فنزل بهم. وجاء أبوها فنحر له وأكرمه. فانصرف قيس وفي
قلبه من لبنى حرّ لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي. ثم أتاها يوما آخر وقد اشتدّ وجده بها، فسلّم وظهرت له وردّت سلامه ولحقت به، فشكى إليها ما يجد من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، وعرف كل واحد منهما ما له عند صاحبه. وانصرف إلى أبيه فأعلمه حاله وسأله أن يزوّجه إياها. فأبى عليه وقال:
يا بني، عليك بإحدى بنات عمك فهي أحقّ بك. وكان ذريح كثير المال موسرا، فأحبّ ألا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به أبوه. فأتى أمّه فشكى ذلك إليها واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب، فأتى الحسين ابن علي رضي الله عنه فشكى إليه ما به وما ردّ عليه أبوه فقال: أنا أكفيك! فمشى معه الى أبي لبنى، فلما بصر به أعظمه ووثب إليه، فقال: يا ابن رسول الله، ما جاء بك؟ ألا بعثت إليّ فآتيتك. فقال: إن الذي جئت فيه يوجب قصدك، قد
__________
(1) 9/ 181 - 182 (الثقافة).
(2) 9/ 175
(3) 9/ 175 - 177
(2/539)

جئتك خاطبا ابنتك لقيس بن ذريح. فقال: يا ابن رسول الله، ما كنّا لنعصي لك أمرا وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحبّ الأمرين إلينا أن يخطبها أبوه علينا وان يكون ذلك عن أمره، فإنّا نخاف ان لم يسع أبوه في هذا ان يكون عارا وسبّة علينا. فأتى الحسين رضي الله عنه ذريحا وقومه وهم مجتمعون، فقاموا إليه إعظاما له، فقال لذريح:
أقسمت عليك إلا خطبت لبنى على قيس. قال: السمع والطاعة لأمرك، فخرج معه في وجوه قومه حتى أتوا حيّ لبنى فخطبها ذريح على ابنه الى أبيها. فأقام معها مدّة، وكان أبرّ الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت أمّه في نفسها وقالت: شغلت هذه المرأة ابني عن برّي، ولم تر للكلام في ذلك موضعا حتى مرض قيس مرضا شديدا. فلما برأ قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يدرك خلفا وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال فيصير مالك الى الكلالة، فزوجّه بغيرها لعل الله أن يرزقه ولدا، وألحّت عليه في ذلك.
فعرض ذلك ذريح على قيس فقال: لست متزوّجا غيرها أبدا. قال: فتسرّ بالاماء، فقال: ولا أسوؤها بشيء أبدا. قال: فإني أفسم عليك الا طلقتها! فأبى، وقال:
الموت عندي أسهل من ذلك. قال: لا أرضى أو تطلقها. وحلف انه لا يكنه سقف أبدا حتى يطلق لبنى. فكان يخرج فيقف في حرّ الشمس فيجيء قيس فيقف الى جانبه فيظله بردائه ويصلي هو بحرّ الشمس حتى يفي الفيء
فينصرف عنه ويدخل الى لبنى فيعانقها ويبكي وتبكي معه. وتقول له: قيس، لا تطع أباك فتهلك وتهلكني.
فقال: ما كنت لأطيع فيك أحدا أبدا. فيقال: إنه مكث كذلك سنة ثم طلقها، فلما بانت لم يلبث حتى استطير عقله وذهب لبه، ولحقه مثل الجنون، وأسف وجعل يبكي، فلما انقضت عدّتها، رحلها قومها فسقط مغشيا لا يعقل ثم أفاق ولم يأخذه بعدها قرار.
وأخرج أيضا عن عمرو بن دينار قال: قال الحسن رضي الله عنه لذريح أبى قيس:
أحل لك أن فرّقت بين قيس ولبنى؟ أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أم مشيت إليهما بالسيف. وروى أيضا: أن الطبيب قال له:
إنما يسليك عنها أن تذكر مساويها ومعائبها وما تعافه العين منها من أقذار بني آدم، فإن
(2/540)

النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها؟ فقال (1):
إذا عبتها شبّهتها البدر طالعا … وحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضّلت لبنى على النّاس مثل ما … على ألف شهر فضّلت ليلة القدر
وأخرج أيضا عن المدائني قال: ماتت لبنى فخرج قيس في جماعة من قومه فوقف على قبرها وقال:
ماتت لبينى فموتها موتي … هل ينفعن حسرة على الموت
فسوف أبكي بكاء مكتئب … قضى حياة واجدا على ميت
ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمى عليه فرفعه أهله وهو لا يعقل، فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب مكلما ثلاثا، ثم مات ودفن إلى جانبها.
317 - وأنشد قول عنترة:
جادت عليه كلّ عين ثرّة … فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
تقدم شرحه في شواهد في (2)، وهو من معلقته المشهورة، وقبله:
وكأنّما نظرت بمقلة شادن … رشأ من الغزلان ليس بتوأم
وكأنّ فأرة تاجر بقسيمة … سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمّن نبتها … غيث قليل الدّمن ليس بمعلم
جادت عليه كلّ عين ثرّة … فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
__________
(1) ديوانه 92، والاغاني 9/ 195 (الدار).
(2) انظر ص 480، والشاهد رقم 268 ص 479.
(2/541)

318 - وأنشد:
من كلّ كوماء كثيرات الوبر
319 - وأنشد:
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه … وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
قال ابن يسعون: هو لأبي الاسود الدؤلي (1) ويقال لمودود العنبري، وقبله:
أمنت على السّرّ امرأ غير حازم … ولكنّه في الودّ غير مريب (2)
أذاع به في النّاس حتّى كأنّه … بعلياء نار أوقدت بثقوب
ثم رأيت ابن أبي الدنيا قال في كتاب الصمت، حدثني محمد بن اسكاب، حدثنا أبي عن المبارك بن سعيد، عن عمر بن عبيد قال: اطلع أبو الاسود الدؤلي مولى له على سرّ له فبثه، فقال أبو الاسود وذكر الابيات الثلاثة وزاد بعدها:
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد … فحقّ له من طاعة بنصيب
وأخرج أبو الفرج الاصبهاني في الاغاني عن ابن عياش قال (3): خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسرّ أمرها الى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها فذهب فتزوّجها، فقال أبو الأسود وذكر الأبيات (4).
__________
(1) ديوان أبي الأسود 98 - 99 والاغاني 12/ 305 (الدار) وانظر الحيوان 5/ 601، والمؤتلف والمختلف 151، والاصابة 2/ 233 والعمدة 2/ 4
(2) في الديوان والاغاني برواية:
أمنيت أمرا في السر لم يك جازما … ولكنه في النصح غير مريب
(3) 12/ 305 (الدار).
(4) رواية الاغاني: (كان يخطبها - وكان لها مال عند أهلها - فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى أهلها الذين مالها عندهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود، وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا ذلك، وضارّوها حتى تزوجت بابن عمها، فقال أبو الأسود الدؤلي في ذلك ...).
(2/542)

فائدة: [أبو الأسود الدؤلي]
أبو الأسود الدؤلي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل، من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدّثيهم. روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فأكثر، واستعمله عمر وعثمان وعلي. قال في الأغاني (1): وذكر أبو عبيدة انه أدرك فحول الاسلام وشهد بدرا مع المسلمين، وما سمعت بذلك عن غيره.
أخرج البخاري في تاريخه عن صالح البراد قال: قال أبو الأسود الدؤلي لولده:
قد أحسنت إليكم قبل أن تولدوا، قالوا: كيف؟ قال: لم أضعكم في موضع تستحون منه.
وأخرج القالي في أماليه عن أبي عبيدة قال (2): جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وبين امرأته كلام في ابن كان لها منه وأراد أخذه منها، فصارا الى زياد، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه اذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى اذا استوفى فصاله وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله (3)، وأمّلت نفعه، ورجوت دفعه، أراد أن يأخذه مني كرها، فآدني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. قالت المرأة:
أصلحك الله، حمله خفّا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها.
فقال له زياد: أردد على المرأة ولدها فهي أحقّ به منك، ود عني من سجعك.
قال القالي: استوعكت: اشتدت. وقولها: فآدني: أي قوّني وأعنّي.
320 - وأنشد:
إخوتي لا تبعدوا أبدا … وبلى والله قد بعدوا (4)
__________
(1) 12/ 297 (الدار).
(2) 2/ 12
(3) في الامالي (استوكعت) أي اشتدت.
(4) الحماسة 2/ 368
(2/543)

كلّ ما حيّ وإن أمروا … واردو الحوض الّذي وردوا
هما لفاطمة بنت الأخرم الخزاعية (1)، وبين هذين البيتين:
لو تملّتهم عشيرتهم … لاقتناء العزّ أو ولدوا
هان من بعض الرّزيّة أو … هان من بعض الّذي أجد
قال شارح الحماسة: يروى إخوتي وإخوتا بقلب الياء ألفا ليمتد الصوت.
وأبدا: ظرف لتبعدوا، وأدخل القسم بين بلى والفعل، ولا يعد ذلك فصلا. لو تملّتهم:
أي لو عاشوا معهم مليّا من الدهر، أي لو طالت أعمارهم فاقتنت عشيرتهم العزبهم، أو كان لهم خلف كان بعض غمي لهم أهون عليّ. و (لاقتناء) متعلق به. وقوله:
(ولدوا) يحتمل أن يكون اسما مفردا كما تقول ابن، وان يكون جملة من فعل وفاعل. و (هان) جواب لو. و (من) عند الأخفش زائدة. وعند غيره لابتداء غاية التحقير والتقليل. و (ما) زائدة. و (حيّ) يحتمل أن يراد به ضد الميت. وجمع الضمير العائد اليه اما تعويلا على معنى كل، أو لارادة الجنس، وأن يراد به القبيلة، فيكون الضمير للفظ حي. وأمروا: أكثروا، وعائد الذي محذوف، أي وردوه.
321 - وأنشد:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي … عليّ ذنبا كلّه لم أصنع (2)
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الحماسة 2/ 366: (فاطمة بنت الأجحم). وفي شرح التبريزي: هو أحجم بن دندنة الخزاعي زوج خالدة بنت هاشم ابن عبد المطلب، وكان أجحم هذا أحد سادات العرب.
(2) ابن الشجري 1/ 7 و 80 و 293، وفيه: (أراد: لم اصنعه)، وسيبويه 1/ 44 والخزانة 1/ 173 مستشهدا به على أن الضمير العائد على المبتدأ من جملة الخبر يجوز حذفه قياسا عند الفراء اذا كان منصوبا مفعولا به، و 1/ 425 استشهد به على ان لم ليست من الحروف المستحقة للصدارة حتى لا يجوز أن يعمل مابعدها فيما قبلها.
لان ما بعدها هنا قد عمل فيما قبلها. وذلك - كما صرح الرضي - لامتزاجها بالفعل بتغييرها معناه الى الماضي فصارت كالجزء منه.
ومثلها في ذلك (لن) و (ولا) بخلاف (ما) و (ان) النافيتين.
والعيني 4/ 224 - 226.
(2/544)

هو مطلع أرجوزة لأبي النجم العجلي، وبعده:
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع … ميّز عنه قنزعا عن قنزع
جذب اللّيالي: أبطئي أو أسرعي … قرنا أشيبيه وقرنا فانزعي
أفناه قيل الله للشّمس: اطلعي! … حتّى إذا داراك أفق فارجعي (1)
حتّى بدا بعد السخام الأقرع … جرّ بكرش الأخرج الهجنّع
يمشي كمشي الأهدء المكنّع … ألم يكن يبيضّ إن لم يصلع
إن لم يصبني قبل ذاك مصرعي … أفناه ما أفنى إيادا فاربعي
يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي … لا تسمعيني منك لوما واسمعي
أيهات أيهات ولا تطلّعي … هي المقادير، فلومي أو دعي
لا تطمعي في فرقتي لا تطمعي … ولا تروّعيني ولا تروّعي
واستشعري اليأس ولا تفجّعي … فذاك خير لك من أن تجزعي
فتحبسي وتشتمي وتوجعي
أم الخيار: زوجة أبي النجم. والأصلع: الذاهب شعر الرأس. والقنزع: شعر حوالي الرأس. وقيل الله: قول الله. والسخام: بضم السين المهملة وبالخاء المعجمة، السواد. والأخرج: بخاء معجمة ثم راء ثم جيم، الذي له لونان من بياض وسواد.
والهجنّع: بتشديد النون، الطويل الضخم. والأهدء: الأحدب. والمكنع: بالنون، من التكنيع وهو التبعيض. قوله: (يا ابنة عما) استشهد به في التوضيح على ابدال
__________
(1) في الخزانة: (حتى إذا واراك).
(2/545)

الألف من ياء المتكلم في النداء، والأصل ابنة عمي. واهجعي: من الهجوع، وهو النوم بالليل خاصة.
322 - وأنشد:
وقولي كلّما جشأت وجاشت: … مكانك تحمدي أو تستريحي! (1)
هذا من أبيات لعمرو بن الأطنابة، وهي أمه. وأبوه: زيد بن مناة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج جاهلي، وقبله:
أبت لي عفّتي وأبى بلائي … وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح
وإقدامي على المكروه نفسي (2) … وضربي هامة البطل المشيح
بأبيض مثل لون الملح صاف … ونفس ما تقرّ على القبيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت: … مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات … وأحمي بعد عن عرض صحيح
أخرج أبو أحمد العسكري في كتاب ربيع الآداب بسنده عن أبي حاتم (3) قال:
قال عبد الملك بن مروان: وجد فرسان العرب في أشعارها ثمانية: اثنان منهم لم يجزعا من الموت، وستة: جزعوا. فمن الستة عمرو بن الأطنابة حيث يقول:
أبت لي عفتي: الأبيات .. فلم تجش نفسه إلا وقد جبن. وعنترة حيث يقول (4):
__________
(1) الخزانة 1/ 423 والامالي 1/ 258، واللآلي 574، وعيون الاخبار 1/ 126، والعيني 4/ 415، وابن أبي حديد 2/ 286، والكامل 1232، والمزهر 2/ 310، والمجتبى لابن دريد 52. واللسان (جشأ).
(2) في الكامل: (وإجشامي ...) وفي المجتبى (وإكراهي). وفي الامالي:
(وإعطائي على الإعدام مالي).
(3) أنظر الخبر في الخزانة برواية عن أبي عبيدة 1/ 422 - 423
(4) من معلقته وقد سبقت ص 479 - 484 والبيتان في ديوانه ص 153
(2/546)

يدعون عنتر والرّماح كأنّها … أشطان بئر في لبان الأدهم
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم … عنها، ولكنّي تضايق مقدمي!
فلم يضق مقدمه إلا وقد جبن، وأبو القيس بن الأسلت حيث يقول:
وقولي كلّما جشأت لنفسي … من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنّك لو سألت حياة يوم … سوى الأجل الّذي لك لم تطاعي
فما جشأت نفسه إلّا وقد جبن. ودريد بن الصمّة حيث يقول:
ولقد أصرفها مدبرة … حين للنّفس من الموت هدير
ولقد أجمع رجليّ بها … حذر الموت وإنّي لوقور
كلّما ذلّل منّي خلق … وبكلّ أنا في الرّوع جدير
فلم يحذر الموت إلا وقد جبن. وعمرو بن معدي كرب حيث يقول:
ولمّا رأيت الخيل زورا.
الأبيات السابقة، فلم تجش نفسه إلا وقد جبن (1). وأما اللذان لم يجزعا الموت فعباس بن مرداس حيث يقول (2):
أكرّ على الكتيبة لا أبالي … أحتفي كان فيها أم سواها
وقيس بن الخطيم حيث يقول (3):
__________
(1) انظر ص 418 الشاهد رقم 217، والأصمعيات ص 129.
(2) العقد الفريد 6/ 150 وفيه: (أشد على الكتيبة).
(3) معجم الشعراء 196 وديوانه 23 وفيه (الحرب الضروس).
وأنظر التبريزي 1/ 181، والخزانة 3/ 168.
(2/547)

وإنّي بالحرب العوان موكّل … بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وأخرج القالي وابن عساكر عن معاوية أنه قال (1): هممت بالفرار يوم صفين، فما منعني إلا قول ابن الأطنابة، وذكر الأبيات.
وقد قيل انها أجود ما قيل في الصبر في مواطن الحروب.
والبطل: الشجاع. والمشيح: المجد في الأمر، من أشاح يشيح. وجشأت: بالجيم والشين المعجمة، يقال: جشأت جشوا نفسي إذا انقضت وجاشت من حزن أو فزع، وهو مهموز. والبيت استشهد به في التوضيح على جزم المضارع، وهو (تحمدي) لوقوعه جواب الطلب باسم فعل، وهو مكانك، فإن معناه اثبتي.
__________
(1) الامالي 1/ 258 والمجتبى لابن دريد 52
(2/548)

شواهد كلا
323 - وأنشد:
إنّ للخير وللشّرّ مدى … وكلا ذلك وجه وقبل (1)
هو من قصيدة لعبد الله بن الزّبعرى قالها في وقعة أحد، وقبله وهو أول القصيدة:
يا غراب البين أسمعت فقل … إنّما تنطق شيئا قد فعل
والعطيّات خساس بينهم … وسواء قبر مثر ومقلّ
كلّ عيش ونعيم زائل (2) … وبنات الدّهر يبغين بكلّ
أبلغا حسّان عنّي آية … فقريض الشّعر يشفي ذا العلل
كم ترى بالجرّ (3) من جمجمة … وأكفّ قد أنزّت ورجل
وسرابيل حسان سريت … عن كماة أهلكوا في المنتزل
كم قتلنا من كريم سيّد … ماجد الجدّين مقدام بطل
صادق النّجدة قرم بارع … غير ملتات لدى وقع الأسل (4)
__________
(1) الاغاني 15/ 137 (الثقافة) وابن أبي حديد 3/ 382، وابن سيد الناس 2/ 32 - 33. وفيه: (وسواه قبر مثر ومقل). وابن عقيل 2/ 13
(2) في الاغاني (كل بؤس) وفي ابن أبي حديد (كل خير). وانظر ابن سلام 198.
(3) في ابن أبي حديد (بالحسر).
(4) في ابن أبي حديد (غير ملطاط).
(2/549)

فسل المهراس ما ساكنه … بين اقحاف وهام كالحجل
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل (1)
حين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل
ثمّ خفّوا عند ذاكم رمضا … رقص الجفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضّعف من أشرافهم … وعدلنا مثل بدر واعتدل (2)
لا ألوم النّفس إلّا أنّنا … لو كررنا لفككنا المعتقل
بسيوف الهند يعلو هامهم … عللا يعلوهم بعد نهل (3)
وقد أجابه حسان:
ذهبت يا ابن الزّبعرى وقعة … كان منّا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم … وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الأسياف في أكتافكم … حيث نهوى عللا بعد نهل
إذ تولّون على أعقابكم … هربا في الشّعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدّة صادقة … فاجأناكم إلى سفح الجبل
بحياطيل كأمذاق الملا … من يلاقوه من النّاس بهل
__________
(1) في ابن ابي حديد: (كثير من الناس يعتقدون ان هذا البيت ليزيد ابن معاوية ... وإنما قاله يزيد متمثلا لما حمل إليه رأس الحسين عليه السلام).
(2) في ابن سلام 200 (وعدلنا ميل بدر ...)!
(3) في ابن أبي حديد: (تبرد الغيظ ويشفين الغلل).
(2/550)

ضاق عنّا الشّعب إذ نجزعه … وملأنا القرط منهم والرجل
برجال لستم أمثالهم … أيّدوا جبريل نصرا فنزل
وعلونا يوم بدر بالتّقى … طاعة الله وتصديق الرّسل
وقتلنا كلّ رأس منهم … وقتلنا كلّ جحجاح رفل
وتركنا في قريش عبرة … يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقّا شاهدا … يوم بدر والتّنابيل الهبل
في قريش من جموع جمعوا … مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أنتم بني أستاهها … نحضر البأس إذا البأس نزل
قوله:
أقمنا يوم بدر فاعتدل
قال القالي (1): يقال اعتدل مثل بدر، أو قتلنا مثلهم يوم أحد.

فائدة: [عبد الله ابن الزّبعرى]
عبد الله ابن الزّبعرى بن قيس بن عديّ بن ربيعة بن سهم أحد شعراء قريش المعدودين، قال هذه القصيدة قبل أن يسلم، ثم أسلم بعد ذلك فقال:
يا رسول المليك، إنّ لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور
__________
(1) 1/ 142، وفيه (ميل بدر).
(2/551)

إذ أجاري الشّيطان في الغيّ … ومن مال ميله مثبور (1)
أمن اللّحم والعظام بما قل … ت فنفسي الفدا وأنت النّذير
324 - وأنشد:
كلا أخي وخليلي واجدي عضدا … في النّائبات وإلمام الملمّات (2)
لم يسم قائله، وعضدا: أي معينا، ونائبات الدهر: مصائبه، جمع نائبة.
والالمام: الاتيان والنزول. وألم به: نزل به، والملمات جمع ملمة، وهي النازلة من نوازل الدهر. والبيت استشهد به على إضافة كلا الى اثنين مفرقين شذوذا (3).
325 - وأنشد:
كلاهما حين جدّ الجري بينهما … قد أقلعا، وكلا أنفيهما رابي (4)
هو للفرزدق، وقبله:
ما بال لومكها وجئت تعتلها … حتّى اقتحمت بها أسكفّة الباب
يقال: عتله: إذا جذبه جذبا عنيفا، قاله ابن دريد. وقال صاحب العين:
إذا أخذ بتلبيبه فجرّه وذهب به. واقتحم المنزل: إذا هجمه. والأسكفة: بضم الهمزة وتشديد الفاء، العتبة السفلى، ووزنها أفعلة. وفي قوله: (كلاهما) التفات، والأصل كلاكما، و (حين) ظرف للخبر، وهو (قد أقلعا) لا خبرا، لأن الزمان
__________
(1) في الاستيعاب 3/ 902 برواية:
إذا جاري الشيطان في سنن الف ... يّ أنا في ذاك خاسر مبثور وفي السيرة: (إذا أباري ..).
(2) ابن عقيل 2/ 13.
(3) الشاهد في قوله: (كلا أخي وخليلي) حيث أضيفت (كلا) الى اثنين متفرقين، وهو شاذ، لان من شروط إضافتها أن يكون المضاف إليه مفهم اثنين بدون تفريق.
(4) ديوانه 34، وفي المغني: (جد السير ...).
(2/552)

لا يخبر به عن الجثة، واسناد جد إلى الجري مجاز. والأصل جد في الجري. والاقلاع عن الشيء: الكف عنه. والواو في وكلا واو الحال، والتثنية في أنفيهما واجبة، وان كان الأرجح جدعت آنافهما، مثل: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) لأن كلا لا تضاف إلا لمفهم اثنين. ورابي: اسم فاعل من ربا يربو، وربو الأنف ارتفاعه عند التعب من جرى ونحوه. ويقال: ربا الفرس، إذا انتفخ من عدو أو فزع. وقد اجتمع في البيت مراعاة معنى كلا ولفظها حيث عاد في أقلعا بضمير التثنيه، وفي راب بالافراد، وفيه شاهد ثان حيث قال: (أنفيهما) ولم يقل: (آنافهما) كما هو الأفصح مثل: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما).
326 - وأنشد: قول الأسود بن يعفر:
إنّ المنيّة والحتوف كلاهما … يوفي المنيّة يرقبان سوادي (1)
هذا من قصيدة للأسود بن يعفر، بفتح الياء، وقيل بضمها، ابن عبد القيس ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي، شاعر متقدم فصيح من شعراء الجاهلية ذكره ابن عبد السلام في الطبقة الثانية (2) وليس بمكثر، أوّلها (3):
نام الخليّ وما أحسّ رقادي … والهمّ محتضر لديّ وسادي
من غير ما سقم ولكن شفّني … همّ أراه قد أصاب فؤادي
__________
(1) المفضليات ص 216، واللآلي 174 و 368، والاغاني 11/ 129
(2) كذا، وعده ابن سلام ص 119 من الطبقة الخامسة.
(3) قال ابن سلام 123: (وله واحدة طويلة رائعة لاحقة بأجود الشعر لو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته وهي: نام الخلي ...).
وهي معدودة من مختار أشعار العرب وحكمها، مفضلة مأثورة.
ولقد تقدم رجل من أهل البصرة من بني دارم ليشهد عند سوار بن عبد الله القاضي، فوجده يتمثل بأبيات منها، فسأله الفاضي:
أيروي هذا الشعر أو يعرف من يقوله؟ فأجاب: أن لا! فقال له:
رجل من قومك له هذه النباهة، وقد قال مثل هذه الحكمة لا ترويها ولا تعرفه!! ثم توقف في قبول شهادته حتى يسأل عنه. ولقد وعد الرشيد من ينشده إياها جائزة عشرة آلاف درهم ... وانظر الاغاني 11/ 129 ومنتهى الطلب 1/ 81 - 82، وشعراء الجاهلية 480 - 483.
(2/553)

وقبل هذا البيت (1):
ولقد علمت سوى الّذي نبّأتني … أنّ السّبيل سبيل ذي الأعواد
وبعده:
لن يرضيا منّي وفاء رهينة … من دون نفسي، طارفي وتلادي
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق … تركوا منازلهم وبعد إياد
جرت الرّياح على محلّ ديارهم … فكأنّما كانوا على ميعاد
ومنها:
أين الّذين بنوا فطال بناؤهم … وتمتّعوا بالأهل والأولاد
فإذا النّعيم وكلّ ما يلهى به … يوما يصير إلى بلى ونفاد
وآخرها:
فإذا وذلك لا نفاد لذكره … والدّهر يعقب صالحا بفساد
قال التبريزي: الخلي: الخالي من الهموم. وما أحس، أي ما أجد. وذو الاعواد:
جد أكثم بن صيفي كان من أعز أهل زمانه، فاتخذت له قبة على سرير فلم يكن يأتيها خائف إلا من، ولا ذليل إلا أعز، ولا جائع إلا أشبع. يقول: لو أغفل الموت أحدا لأغفل ذا الأعواد، وإني لميت مثله. ويقال: إنه أراد بذي الأعواد الميت لأنه حمل على السرير. قوله: (يوفي المخارم) (2) المخرم، منقطع أنف الجبل، يريد أن المنية والحتوف ترقبه وتستشرفه، وعنى بسواده شخصه. قوله: (ان يرضيا مني) يريد
__________
(1) أي بيت الشاهد.
(2) وذلك في رواية الشاهد: (يوفي المخارم يرقبان سوادي) كما في المفضليات.
(2/554)

أن المنية والحتوف لا يقبلان منه فدية، وإنما يطلبان نفسه، ثم فسر الرهينة ما هي فقال: طارفي وتلادي.
327 - وأنشد:
كلانا غنيّ عن أخيه حياته … ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا (1)
هو لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطالبي من شعراء الدولتين يخاطب ابن الحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكانا صديقين ثم تهاجرا، من قصيدة أوّلها:
أرى حبّنا قد كان شيئا ملفّقا … فمحّضه التّكشيف حتّى بداليا (2)
ولست براء عيب ذي الودّ كلّه … ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة … ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة … فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما … بلوتك في الحالين إلّا تماديا
هكذا في الحماسة البصرية، ورأيت في نوادر ابن الأعرابي: قال الأبيرد الرياحيّ لحارثة بن بدر:
كلانا غنيّ عن أخيه حياته … ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
أحارث فالزم فضل برديك إنّما (3) … أجاع وأعرى الله من كنت كاسيا
__________
(1) الاغاني 13/ 127 (الثقافة) منسوب للأبيرد الرياحي، وهو في ذيل اللآلي 73 لسيار بن هيبرة. والكامل 183 لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
(2) في الكامل برواية:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفقا … فكشّفه التمحيص حتى بداليا
(3) في ذيل الامالي 74 برواية:
أخالد فامنع فضل رفدك إنما
(2/555)

وكذا في الأغاني أورده له من قصيدة يهجو بها حارثة بن بدر. والأبيرد بن معد بن عمرو بن قيس شاعر بدوي من شعراء الاسلام، في أوّل دولة بني أمية، وليس بمكثر ولا ممن ورد الى الخلفاء فمدحهم. وقال القالي في أماليه: قرأنا على أبي الحسن على بن سليمان الأخفش، وذكر أنه سمع ذلك من أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وقرأها عليه، وذكر أبو جعفر أنه سمع ذلك مع أبيه من أبي محلم، قال: أنشدني مكورة وأبو محضة وجماعة من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة لسيّار بن هبيرة بن نبطي بن المجر (1)، أحد بني ربيعة بن الجوع (2) بن مالك بن زيد مناة يعاتب خالدا أو زيادا أخويه ويمدح أخاه منجلا (3):
تناس هوى أسماء إمّا نأيتها … وكيف تناسيك الّذي أنت ناسيا
فذكر قصيدة طويلة عدّتها اثنان وثلاثون بيتا، ومنها هذا البيت المستشهد به، وقبله:
وإنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى … سريع إذا لم أرض داري احتماليا
__________
(1) في ذيل الأمالي: (لسيار بن هبيرة بن ربيعة بن المنحوّ). وعلق الشارح انه في بعض نسخ ما يوافق ما ذكره السيوطي.
(2) في ذيل الامالي: (ربيعة الجوع).
(3) في ذيل اللآلي، (منخّلا).
(2/556)

شواهد كيف
328 - وأنشد:
كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت
تقدم شرحه في كى (1).
329 - وأنشد:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة … وبالشّام أخرى كيف يلتقيان
قال العيني في الكبرى: قيل إنه للفرزدق. وقوله: (كيف يلتقيان) بدل من قوله حاجة. وأخرى، كأنه قال أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقاؤهما، هكذا قدره ابن جني. قلت: وجدت البيت في نوادر ابن الأعرابي وأورد بعده:
سأعمل نصّ العيس حتّى يكفني … غنى المال يوما أو غني الحدثان
330 - وأنشد:
إذا قلّ مال المرء لانت قناته … وهان على الأدنى فكيف الأباعد
__________
(1) انظر ص 507 الشاهد رقم 292
(2/557)

حرف اللام
[شواهد «ل»]
331 - وأنشد:
ويوم عقرت للعذارى مطيّتي
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة، وتمامه:
فيا عجبا من رحلها المتحمّل (1)
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها … وشحّم كهدّاب الدّمقس المفتّل
قوله: (ويوم) في موضع جرّ عطفا على يوم في قوله:
ولا سيّما يوم بدارة جلجل
وهو مبني على الفتح لاضافته الى الماضي. وعقرت: نحرت. والعذارى:
الأبكار، جمع عذراء، وهو أحد الألفاظ التي جاءت ممدودة في مفرد، مقصورة فى الجمع، وهي قليلة معدودة، ذكرتها في الأشباه والنظائر النحوية. والمطية: الناقة.
والرحل: معروف. والمتحمل: المحمول على غيرها. ويرتمين: يرمي بعضهنّ الى بعض. والهدّاب: الخيوط. والدمقس: الحرير الأبيض. والمفتل: الشديد الفتل.
__________
(1) ديوانه ص 11 وانظر ص 360 وأبيات من المعلقة في ص 20، الشاهد رقم 3 وص 96 و 97 و 451 و 463
(2/558)

332 - وأنشد:
... عوض لا نتفرّق
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة الأعشى (1).
333 - وأنشد:
وأنت الّذي في رحمة الله أطمع
قيل إنه لمجنون بني عامر (2)، وصدره:
فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن
وقوله: (في رحمة الله) من إقامة الظاهر مقام المضمر. أي في رحمتك.
334 - وأنشد:
إذا قال: قدني، قلت: آليت حلفة … لتغني عنّي ذا إنانك أجمعا (3)
قال ثعلب في أماليه (4): أنشد ابن عنّاب الطائي:
عوى ثمّ نادى هل أحستم قلائصا … وسمن على الأفخاذ بالأمس أربعا (5)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 137 ص 303، وانظر ص 304 - 305، وسقط من ه 1 ص 305 كلمة، وصحة الجملة فيها. (... ولم يذكره السيوطي هناك كاملا) أي البيت الشاهد.
(2) ليس البيت في ديوان المجنون.
(3) الخزانة 4/ 80، وأمالي ثعلب 606، وهو في المغني برواية:
(إذا قلت قدني قال بالله حلفة). وانظر رواية ثعلب فيما يأتي.
(4) 604 - 607، ونقل القصيدة صاحب الخزانة عن ثعلب في 4/ 583 - 584، وذكر أنها في الجزء الحادي عشر من الامالي. وهو ما يوافق ترتيب ثعالب في أماليه.
(5) أحستم، أي أحسستم، كما جاء قول أبي زبيد:
أحسن به فهن إليه شوس
أي أحسسن. وفي اللسان (سما) أنشد البيت (أحصتم) مخرما
(2/559)

غلام قليعيّ يحفّ سباله … ولحيته طارت شعاعا مفزّعا (1)
غلام أضلّته النّبوح فلم يجد … بما بين خبت فالهباءة أجمعا (2)
أناسا سوانا فاستمانا فلا ترى … أخا دلج أهدى بليل وأسمعا (3)
فقلت أجرّا ناقة الضّيف إنّني … جدير بأن تلقى لنائي مترعا
فما برحت سجواء حتّى كأنّما … تغادر بالزّيزاء برسا مقطّعا
كلا قادميها يفضل الكفّ نصفه … كجلد الحباري ريشه قد تزلّعا (4)
دفعت إليه رسل كوماء جلدة … وأغضيت عنها الطّرف حتّى تضلّعا
إذا قال قدني قلت آليت حلفة (5) … لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا
قال ثعلب: احستم يريد احسستم. واستمانا: تصيّدنا. والمستمي المتصيّد. وسجواء: ساكنة عند الحلب. وتغادر: تترك. والزّيزاء: الموضع الصّلب من الأرض. والبرس: القطن، شبه ما سقط من اللبّن به. والرسل:
اللبن. وتضلع: امتلأ ما بين أضلاعه. وقدني: حسبي. وآليت: أي حلفت أن تشرب جميع ما في إنائك. ويروى: لتغنن. وهذا إنما يكون للمرأة، إلا أنه
__________
(1) قليعي: نسبة الى قليع، بضم القاف، وهي قبيلة، أو إلى قليعة.
مصغر قلعة، وهو موضع في طرف الحجاز واسم مواضع أخر.
واصلحنا (يخف سباله) ويحف سباله: يبالغ في قص شاربه.
والشعاع: المتفرق. والمقزع: المفتول.
(2) أراد: أضل هو النبوح لم يجدها. والنبوح: ضجة الحي وأصوات كلابهم. وخبت والهباءة موضعان. والبيت متعلق بما بعده.
(3) في الحزانة وثعلب: (فلم نرى). وأناسا، معمول (يجد) في الذي قبله. وقد رفع الفعل بعد (لم) محلا لها على (ما) كما في قوله:
لولا فوارس من ذهل وأسرتهم … يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
وانظر الخزانة 3/ 626. وفي اللسان: (فلا ترى) كما في الاصل.
(4) انظر اللسان (زلع).
(5) في ثعلب: (إذا قلت قطني)، أي حسبي.
(2/560)

في لغة طئ. ولغة غيرهم: لتغنينّ، انتهى كلام ثعلب.
وقال العيني: هو لحريث بن عنّاب، بتشديد النون، الطائي (1). والكوماء:
الناقة العظيمة السنام. وجلدة: بفتح الجيم وسكون اللام الواحدة، الجلاد، وهي أدسم الابل لبنا (2). وحلفة: مفعول مطلق لآليت، وكذا على رواية بالله، لأن تقديره: أحلف بالله. وقوله: (لتغني) بكسر اللام، للتعليل. واستشهد به الأخفش على اجابة القسم بلام كي. وقال غيره: الجواب محذوف، أي لتشربن لتغني عني. ويروى: لتغنين، بلام مفتوحة ونون مكسورة، هي عين الفعل بعدها نون مفتوحة شددت للتأكد. واستشهد به على أن الياء هي لام الفعل المؤكد بالنون، قد تحذف وتبقى الكسرة دليلا عليها، وهي لغة فزارة، يقولون: ارمن يا زيد وابكن. ولغة الأكثرين: ارمين ولتغنين، بإثبات الياء المفتوحة، وفسر قوله: لتغنى أي لتبعد. وقال بعضهم: هو من قولهم: أغن عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيا عني، أي لا يحتاج إلى رؤيتي. وقوله: (إنائك) أضاف الاناء الى الضيف وإن كان هو للمضيف، لأن الضيف ملابس له بسبب شربه منه، وعلى هذا أورده الزمخشري وابن مالك مستشهدين به. وأجمعا: تأكيد لذا المفعول وفيه شاهد على جواز التأكيد به بدون كل. وأورد ابن مالك البيت شاهدا على إلحاق نون الوقاية لقد، بمعنى حسب. ففي البيت عدة شواهد.
335 - وأنشد:
وابكنّ عيشا تقضّى بعد جدّته … طابت أصائله في ذلك البلد
336 - وأنشد:
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي (3) … إنّ العواذل ليس لي بأمير
__________
(1) انظر ترجمته في الاغاني 13/ 98 - 100، والخزانة 4/ 588
(2) أنظر اللسان (ضلع).
(3) في المغني وحاشية الامير: (لا تردن) بالراء المهملة.
(2/561)

337 - وأنشد:
فما جمع ليغلب جمع قومي … مقاومة ولا فرد لفرد
338 - وأنشد:
فخرّ صريعا لليدين وللفم
هذا المصراع وقع في عدة قصائد لعدة شعراء: فمنها قصيدة لجابر بن جني (1) ابن حارثة بن عمرو بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب التّغلبي، أوّلها (2):
ألا يا لقومي للجديد المصرّم … وللحلم، بعد الزّلّة، المتوهّم
وللمرء يعتاد الصّبابة بعدما … أتى دونها ما فرط حول مجرّم
فيا دار سلمى بالصّريمة فاللّوى … إلى مدفع القيقاء فالمتثلّم
فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا … شرحبيل إذ آلى أليّة مقسم
لينتزعن أرماحنا، فأزاله … أبو حنش عن ظهر شنقاء صلدم (3)
تناوله بالرّمح ثمّ اتّنى له … فخرّ صريعا لليدين وللفم
قال الكلبي: كان المنذر بن ماء السماء يبعث عمرو بن مرثد بن سعيد بن مالك، وقيس بن زهير الجثمي، على أتاوة ربيعة، وكانت ربيعة تحسدهما، فجاء عمرو
__________
(1) كذا بالاصل، وهو خطأ، والصواب جابر بن حنىّ، بضم الحاء وفتح النون وتشديد الياء، وانظر اللآلي 842، والكامل 594 والمفضليات 208 وهو صديق امرئ القيس وانظر ص 375 ومعجم الشعراء 13. وشعراء الجاهلية 188.
(2) المفضلية رقم 42
(3) في المفضليات 212: (شقّاء).
(2/562)

يوما، فقال جلساء الملك حسدا له: إنه يمشي كأنه لا يرى أحدا أفضل منه! فجاء فحيا الملك بتحية، فقال جابر بن جني في ذلك هذه القصيدة.
وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات: الجديد هنا الشباب. والمصرم:
الذاهب، يتعجب من تصرمه ومن حلمه المتوهم بعد الذلة، لأن الحلم إنما يكون قبلها، وأما بعدها فليس بحلم. و (ما) في قوله: (ما فرط) زائدة، ومجرم: تام كامل. والصريمة وما بعده مواضع. والقيقاء: جمع قيقاة بقافين، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع. والى في قوله: (الى مدفع) بمعنى الفاء كما قال المصنف. ويوم الكلاب، بضم الكاف، يوم مشهور من أيام العرب قتل فيه الخلائق. والكلاب الذي كانت الوقعة عنده ما بين الكوفة والبصرة، وقال العسكري في كتاب التصحيف:
الكلاب ماء، وقيل موضع بالدهناء بين اليمامة والبصرة، كان به وقعتان للعرب احداهما بين ملوك كندة الآخرة، والأخرى بين بني الحارث وبين بني تميم، فقيل الكلاب الأول والكلاب الثاني. فأما الكلاب الأول فكان في الجاهلية، واليوم لبني تغلب، ورئيسهم يومئذ سلمة بن حارث الكندي ومعه ناس من بني تميم، منهم عرفجة بن أسعد، وقطع أنفه يومئذ، فلقى سلمة أخاه شرحبيل ومعه بكر بن وائل فقتل شرحبيل وهزم أصحابه. وفي هذا يقول امرؤ القيس (1):
كما لاقى أبي حجر وجدّي … ولا أنسى قتيلا بالكلاب
وأما الكلاب الثاني: فكان لبني سعد والرباب، من الرباب لتيم، ومن بني سعد لمقاعس، وكان رئيسهم في هذا اليوم قيس بن عاصم.
وقال من اللطائف: إن حيان بن بشر المحدث أملى يوما وهو قاض بأصبهان حديث، أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فكسر الكاف، فقال له مستمليه: أيها القاضي، إنما هو بالضم. فغضب وأمر بحبسه، فدخل إليه الناس وقالوا: ما هذا؟ قال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية وامتحنت أنابه في الاسلام انتهى. وشرحبيل المذكور هو الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، كان رأس
__________
(1) ديوانه 100
(2/563)

أحد الطائفتين، ورأس الأخرى سلمة اخوه، وقع بينهما لما مات أبوهما ومشت بينهما الرجال حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع، واقتتلوا قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، فنادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة، فله مائة من الابل.
ونادى منادي سلمة مثل ذلك. وفي القوم أبو حنش، وهو عصيم بن النعمان بن مالك الجشمي، فعرف مكان شرحبيل، فقصده فطعنه بالرمح، ثم نزل إليه فاحتز رأسه فأتى به سلمة فألقاه بين يديه فقال: لو كنت ألقيته القاء رقيقا، فقال: ما صنع به وهو حي شرّا من هذا، وعرف الندامة في وجهه والجزع على أخيه، فهرب أبو حنش وتنحى عنه. والشنقاء: الطويلة من الخيل. والصلدم، بكسر المهملتين، الصلبة. وتناوله بالرمح: طعنه. وأتنى: أصله انثنى، فادغم النون في الثاء، ثم أبدلها تاء.
ومنها قصيدة للعكبر بن حديد بن مالك بن حذيفة بن بكر بن قيس بن منقذ بن طريف، وكان مع علي رضي الله عنه في أبيات، أولها:
ألا ليت شعري هل أشنّنّ غارة … على ابن كدام أو سويد بن أصرم
فيعترفا اليحموم ويعدو بفارس … أخي ثقة يغثى التّألّف معلم
وأشعث قوّام بآيات ربّه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
ضممت إليه بالسّنان قميصه … فخرّ صريعا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا … عليّا ومن لا يتبع الحقّ يندم
يذكّرني حاميم والرّمح دونه … فهلّا تلا حاميم قبل التّقدّم
ويروى:
شككت له بالرّمح حيث قميصه … فخرّ صريعا لليدين وللفم
وأخرج الزبير بن بكار، وابن عساكر عن الضحاك بن عثمان الخزاميّ، قال:
(2/564)

كان هوى محمد بن طلحة بن عبيد الله مع علي بن أبي طالب، فنهى علي عن قتله.
وقال محمد لعائشة: ما تأمريني؟ قالت: أرى أن تكون كخير ابني آدم، ان تكف يدك، فكف يده. فقتله رجل من بني أسد بن خزيمة، يقال له كعب بن مدلج، من بني منقذ بن طريف. ويقال: قتله شدّاد بن معاوية العبسي، ويقال: بل قتله عصام ابن مقشعر البصري، وهو الذي يقول في قتله:
وأشعث قوّام بآيات ربّه ... الأبيات
وقيل: إن القاتل والقائل الأبيات شريح بن أوفى. وقيل: عبد الله بن مكعب حليف لبني أسد، وقيل ابن مكبس الأزدي، وقيل الأشتر.
وقال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف قوله: (على غير شيء) متعلق بشككت، أي خرقت، يعني بلا سبب من الأسباب، (وغير أن) استثناء من شيء لعمومه بالنفي أو بدل، والفتح للبناء، قوله: (يذكرني حاميم) يعني حمعسق، لما فيها من قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ويروى:
(الرمح شاجر) أي طاعن، من شجرته بالرمح طعنته، وقيل معناه: مختلف، فعلى الأول معناه: لو ذكرني حاميم قبل ان أطعنه بالرمح لسلم. وعلى الثاني قبل قيام الحرب وتردّد الرماح.
339 - وأنشد
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (1)
هو من قصيدة لمتمم بن نويرة اليربوعي، يرثي بها أخاه مالكا، وكان قتل في الردّة، قتله خالد بن الوليد بالبطاح في خلافة الصديق، وأوّل القصيدة (2):
__________
(1) المفضليات 267، ومعجم الشعراء 433، والشعراء 297، والاغاني 15/ 47 (الثقافة) والكامل 1237
(2) المفضلية 67
(2/565)

لعمري وما عمري بتأبين هالك … ولا جزعا ممّا أصاب فأوجعا (1)
لقد كفّن المنهال تحت ثيابه … فتى غير مبطان العشيّات أروعا
إلى أن قال:
وكنّا كندماني جذيمة حقبة … من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ولست إذا ما أحدث الدّهر نكبة … ورزءا بزوّار القرائب أخضعا
ولا فرحا إن كنت يوما بغبطة … ولا جزعا إن ناب دهرا فأضلعا
ولكنّني أمضي على ذاك مقدما … إذا بعض من يلقى الخطوب فكعكعا
ومنها:
قعيدك أن لا تسمعيني ملامة … ولا تنكئي قرح الفؤاد فيسمعا
وقصرك إنّي قد جهدت فلم أجد … بكفّي عنهم للمنيّة مدفعا
فلو أنّ ما ألقى يصيب متالعا … أو الرّكن من سلمى إذا لتضعضعا
وما وجد آظآر ثلاث روائم … رأين مجرّا من حوار ومصرعا
__________
(1) في الاغاني والمفضليات: (... وما دهري ... ولا جزع).
(2/566)

يذكّرن ذا البثّ الحزين ببثّه … إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
إذا شارف منهنّ قامت فرجّعت … حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
بأوجد منّي يوم فارقت مالكا … وقام به النّاعي الرّفيع فأسمعا
إلى أن قال:
لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة … عليك من اللّائي يدعنك أجدعا
قوله: (غير مبطان العشيّات). قال في الكامل (1): يقول: كان لا يأكل في آخر نهاره انتظارا للضيف، ويروى أن عمر بن الخطاب سأله: أكذبت في شيء مما قلته لأخيك؟ فإنك ذكرت خصالا قلّ ما تكون في الرجال، فقال:
يا أمير المؤمنين، ما كذبت في حرف واحد، إلا إني أعلم أنّ خصلة واحدة قد قلتها، قال: وما هي؟ قال: قلت: غير مبطان العشيات. وقد علمت أنه كان له بطن، فقال عمر: إن هذه لخصلة يسيرة فيما يقول الشعراء. ذكره أبو عبيدة في مقاتل الفرسان.
والأروع: ذو الروعة والهيبة. وجذيمة: هو الأبرش، كان ملكا، وهو أوّل من أوقد بالشّمع نصب المجانيق للحرب. وندماه مالك وعقيل يضرب بهما المثل لطول ما نادماه حتى قال أبو خراش (2):
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا … خليلا صفاء: مالك وعقيل
قوله: (وما وجد اظآر)، استشهد به الفارسي على أن الظئر مؤنث، لقوله: ثلاث. وعلى ان الظئر يكون من الابل لأنه وصف في البيت نوقا فقدت أولادها في حال صغر فأقبلن على الحنين. وقال المبرد في الكامل (3): اظآر: جمع
__________
(1) ص 1241
(2) انظر الكامل 1240
(3) ص 1239
(2/567)

ظئر، وهي النّوق تعطف على الحوار فتألفه. وروائم: جمع رؤوم، ومعنى ترأمه: (تشمّه) (1). والحوار: ولد الصغير، ويقال له: حيث يسقط من أمّه (سلل) قبل أن يقع عليه الأسماء، فإن كان ذكرا فهو (سقب)، وإن كان أنثى فهو (حائل) وهو في ذلك كله (حوار سفة) «1». وقوله:
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
أورده المصنف في مع مستشهدا به على أن مع تستعمل للجماعة. وسجعن:
تقابلت أصواتهن على طريقة واحدة وتناسب. وقوله: (لعلك يوما ... البيت).
أورده المصنف في لعل شاهدا على اقتران خبرها بأن.

فائدة: [متمم بن نويرة]
متمم بن نويرة بن شداد يكنى أبا نهشل وأخوه مالك يكنى أبا المغوار.
أخرج أبو الفرج في الأغاني (2) عن ابن شهاب ان مالك بن نويرة كان من أكثر الناس شعرا، وان خالدا لما قتله أمر برأسه فصب أنفيه بقدر فنضح ما فيها قبل ان بلغت النار الى شواته. وأخرج عن حبيب بن زيد الطائي: ان المنهال مرّ على أشلاء مالك بن نويرة لما قتله خالد فأخذ ثوبا فكفنه فيه ودفنه، ففيه يقول متمم:
(لقد كفن المنهال ... البيت) (3). وأخرج أيضا من طريق أحمد بن عمار العبدي عن أبيه عن جده قال: صليت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور فقال: من هذا؟ قال: متمم بن نويرة، فاستنشده قوله في
__________
(1) مزيدة.
(2) 15/ 243 (الثقافة) وفيه: (... أمر برأسه فجعل أثفيّة لقدر فنضج ما فيها قبل ان تبلغ النار الى شواته). والشواة: جلدة الرأس.
(3) انظر اللآلي 87
(2/568)

أخيه فانشده: لعمري ... القصيدة بتمامها. فقال عمر: لوددت أني أحسن الشعر فأرني أخي زيدا مثل ما رثيت به
أخاك، فقال متمم: لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي مثل ما عزاني به متمم (1). وقال الدينوري في المجالسة: أخبرنا ابن أبي الدنيا، حدثنا أبي عن هشام عن محمد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يقول: ماهبت الصبا إلا بكيت على أخي زيد، وكان إذا لقى متمم بن نويرة استنشده قصيدته في أخيه: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الايمان عن القاسم بن معين قال: قال عمر بن الخطاب: رحم الله زيدا، يعني أخاه، هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ماهبت الرياح من تلقاء اليمامة الا أتتني برياه، وما ذكرت قول متمم بن نويرة إلا ذكرته وهاج بي شجنا: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد: أن عمر قال لمتمم بن نويرة: لو كنت شاعرا أثنيت على أخي كما أثنيت على أخيك، فقال: لو كان مهلك أخي كمهلك أخيك لتعزيت عنه، فقال عمر: ما رأيت تعزية أحسن من هذه.
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا وكيع بن الجراح، ومحمد بن عبد الله الأسدي عن عبد الله بن لاحق المكي عن أبي مليكة قال: مات عبد الله بن أبي بكر بالحبشة فدفن بمكة، فقدمت عائشة من المدينة فأتت قبره فوقفت عليه فتمثلت بهذين البيتين: وكنا كندماني جزيمة ... الى آخرهما. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن أبي عون وعبد العزيز بن يعقوب الماجشون قالا: قال عمر بن الخطاب لمتمم بن نويرة: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ قال: كانت عيني هذه قد ذهبت.
وأشار إليها، فبكيت بالصحيحة، وأكثرت البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. فقال عمر: ان هذا الحزن شديد ما يحزن هكذا أحد على هالكه، ثم قال عمر: يرحم الله زيد بن الخطاب، إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك، فقال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل يوم اليمامة كما قتل أخوك ما بكيته أبدا. فأبصر عمر وتعزى عن أخيه، وكان قد حزن عليه حزنا شديدا.
__________
(1) انظر الكامل 1242
(2/569)

وكان عمر يقول: ان الصبا لتهب فتأتيني بريح زيد بن الخطاب. قال ابن جعفر فقلت لابن أبي عون: أما كان عمر يقول الشعر؟ فقال: لا، ولا بيتا واحدا.
340 - وأنشد قول جرير:
لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
تقدم شرحه في شواهد حتى ضمن قصيدة جرير (1).
341 - وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا: إنّه لذميم (2)
من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي، وأوّلها:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا: إنّه لذميم
والوجه يشرق في الظّلام كأنّه … بدر منير والنّساء نجوم
وترى اللّبيب محسّدا لم يجترم … شتم الرّجال وعرضه مشتوم
وكذاك من عظمت عليه نعمة … حسّاده سيف عليه صروم
فاترك مجاراة السّفيه فإنّها (3) … ندم وغبّ بعد ذاك وخيم
وإذا جريت مع السّفيه كما جرى … فكلا كما في جريه مذموم
__________
(1) انظر ص 377 من قصيدة الشاهد رقم 185
(2) ديوانه 129 - 132، والخزانة 3/ 617، والبيان 3/ 259
(3) في الديوان (محاورة السفيه).
(2/570)

وإذا عتبت على السّفيه ولمته … في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى … بالعلم منك وينفع التّعليم
ويل الشّجيّ من الخليّ فإنّه … نصب الفؤاد بشجوه مغموم
وترى الخليّ قرير عين لاهيا … وعلى الشّجيّ كآبة وهموم
ويقول: ما لك لا تقول مقالتي … ولسان ذا طلق وذا مكظوم
لا تكلمن عرض ابن عمّك ظالما … فإذا فعلت فعرضك المكلوم
وحريمه أيضا حريمك فاحمه … كي لا يباح لديك منه حريم
وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمة … فكلامه (1) إن عقلت كلوم
وإذا طلبت إلى كريم حاجة … فلقاؤه يكفيك والتّسليم
وإذا رآك مسلّما ذكر الّذي … حمّلته فكأنّه محتوم (2)
ورأى عواقب خلف ذاك مذمّة … للمرء تبقى والعظام رميم
فارج الكريم وإن رأيت جفاءه … فالعتب منه، والفعال كريم
إن كنت مضطرّا وإلّا فاتّخذ … نفقا كأنّك خائف مهزوم
__________
(1) في الديوان (فكلومه).
(2) رواية الديوان: (كلّمته فكأنه ملزوم).
(2/571)

وتفرّ عنه ثمّ تهجر بابه (1) … دهرا وعرضك إن فعلت سليم
والنّاس قد صاروا بهائم كلّهم … ومن البهائم قابل وزعيم (2)
عمي وبكم ليس يرجى نفعهم … وزعيمهم في النّائبات مليم
وإذا طلبت إلى لئيم حاجة … فألحّ في رفق وأنت مديم
والزم قبالة بيته وفنائه … بأشدّ ما لزم الغريم غريم
وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها … والرّزق فيما بينهم مقسوم
والأحمق المرزوق أعجب من أرى … من أهلها والعاقل المحروم
ثمّ انقضى عجبي لعلمي أنّه … قدر مواف وقته معلوم
وقال البيهقي في شعب الايمان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، أخبرنا الحارث بن أبي اسامة وأبو يزيد أحمد بن روح البزازان عبيد الله محمد بن حفص العبسي، أنشدهم في ابنه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالنّاس أضداد له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا: إنّه لذميم
وترى اللّبيب مشتّما لم يحترم … عرض الرّجال وعرضه مشتوم
342 - وأنشد:
وإن يكن الموت أفناهم … فللموت ما تلد الوالده (3)
__________
(1) في الديوان: واتركه واحذر أن تمرّ ببابه.
(2) كذا بالاصل، وفي الخزانة (قائل) وفي الديوان (قائد).
(3) عجز البيت مثل سائر يوجد في أبيات لشتيم بن خويلد الفزاري، وفي أبيات لسماك بن عمرو الباهلي، ولعبد الله بن الزبعري. وانظر ذيل اللآلي 92، وذيل الامالي 195
(2/572)

وأنشد ابن الأعرابي في نوادره لرجل من عاملة يقال له سماك قتلته غسان:
ألا من شجت ليلة عامده … كما أبدا ليلة واحده
فأبلغ قضاعة إن جئتها … وأبلغ شراة بني ساعده
وأبلغ معدّا على بابها … فإنّ الرّماح هي العائده
فأقسم لو قتلوا مالكا … لكنت لهم حيّة راصده
برأس سبيل على مرقب … ويوما على طرق وارده
فأمّ سماك فلا تجزعي … فللموت ما تلد الوالده
وأنشد ابن الأعرابي في قوله:
كما أبدا ليلة واحده
أي هذه الليلة كأنها الدهر أجمع. و (ما) معرفة فنصب أبدا على خروجه من المعرفة. ثم رايت في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد، ما نصه: قال ابن الزبعري (1):
لا يبعد الله ربّ العبا … د والملح ما ولدت خالده
وهم مطعنون صدور الكما … ة والخيل تطرد أو طارده
فإن يكن الموت أفناهم … فللموت ما تلد الوالده
أي الى هذا مصيرهم.
343 - وأنشد:
لله يبقى على الأيّام ذو حيد
__________
(1) البيت الاول في الكامل 437 لآخر.
(2/573)

تقدم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة لساعدة بن جوية ميمية (1)، وقد وقع أيضا في قصيدة لأبي ذؤيب سينية، وتمامه (2):
بمشمخرّ به الظّيّان والآس
وأورده الفارسي في الايضاح بلفظ:
تالله لا تعجز الأيّام ذو حيد
وهو الوعل. والمشمخر: الجبل العالي. والظيان: ياسمين البر. والآس:
المرسين (3).
344 - وأنشد:
فيا لك من ليل كأنّ نجومه … بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل (4)
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة (5)، وقبله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله … عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه … وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي … بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
__________
(1) انظر ص 156 و 157
(2) ليس البيت لأبي ذؤيب، وانما هو لمالك بن خالد الخناعي بلفظ:
والخنس لن يعجز الايام ذو حيد. وانظر ديوان الهذليين 3/ 2
ورواية الاصل، كرواية الخزانة، والتقدير: (لا يبقى) على حذف (لا) بعد القسم. ورواه السكري: (ذو خدم) والخدم بالتحريك، البياض المستدير في قوائم الثور.
(3) وهو ضرب من الرياحين. وأيضا هو نقط من العسل، يقع من النحل عسل على الحجارة فيستدلون به أحيانا.
(4) الخزانة 1/ 559، والديوان 19
(5) انظر الصحائف 20 و 96 و 97 و 451 و 463 و 558
(2/574)

فيا لك من ليل كأنّ نجومه … بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأنّ الثّريّا علّقت في مصامها … بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله: (وليل) على اضمار (رب) أي ورب ليل. والبيت استشهد به المصنف على ذلك في حرف الواو. وقوله: (كموج البحر) بيان لكثافته وظلمته. وسدوله:
ستوره، يقال: سدلت ثوبي إذا أرخيته ولم تضممه. وأنواع الهموم: أي ضروبها (1). قوله: (ليبتلى) أي لينظر ما عندي من الصبر والجزع. وجوزة:
بالجيم والزاي، وسطه. وجوز كل شيء وسطه (2). والأعجاز: بفتح الهمزة، جمع عجز، وهو من استعمال الجمع وإرادة الواحد. وناء: بالنون، نهض. والكلكل:
الصدر. والبيت استشهد به ابن مالك على أن (الواو) لا تدل على الترتيب، لأن البعير ينهض بكلكله، أو لاسم يجوزه. وقوله: (ألا انجلى) الانكشاف. ومعنى:
(وما إلا صباح فيك بأمثل) أنه مغموم، فالليل والنهار عليه سواء.
قوله: (يا لك) استشهد به ابن أم قاسم على فتح لام المستغاث من أجله مع الضمير غير الياء. واستشهد به غيره على جر المستغاث من أجله بمن في قوله من ليل. ومغار الفتل: أي محكم الفتل، يقال: أغرت الحيلة: اغارة، وحبل شديد الغارة: أي شديد الفتل. ويذبل: بفتح التحتية وسكون الذال المعجمة وضم الموحدة ولام اسم جبل. وشدت: خبر كان.
345 - وأنشد:
شباب وشيب وافتقار وثروة … فلله هذا الدّهر كيف تردّدا (3)
__________
(1) بشرح الديوان 18 قال: (شبّه الليل بموج البحر في تراكمه وشدة ظلمته وتتابعه. وسدوله: ستوره، يقول: اشتمل عليه الليل بأنواع الهموم ليختبر ما عنده من الصبر والجزع).
(2) وهذا التفسير على رواية البيت (بجوزه) بدل (بصلبه) كما في الديوان.
(3) ديوانه ص 135
(2/575)

هذا من قصيدة للأعشى ميمون يمدح بها النّبي صلى الله عليه وسلم، وقد أتى اليه بمكة ليسلم فاعترضه بعض كفار قريش فقال: إنه يحرّم الزنا، قال: لا أرب لي فيه، قال: إنه يحرّم الخمر. قال: أرجع فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم، فرجع فمات من عامه ولم يعد. والقصيدة (1):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبتّ كما بات السّليم مسهّدا (2)
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما … تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
ولكن أرى الدّهر الّذي هو خائن (3) … إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة … فلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وفي رواية ابن اسحق:
كهولا وشبّانا فقدت وثروة … فلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وما زلت أبغي المال إذا أنا يافع (4) … وليدا وكهلاحين شبت وأمردا
وإتعابي العيس المراقيل بالضّحى (5) … مسافة ما بين النّجير فصرخدا
فإن تسألي عنّي فيا ربّ سائل … خفيّ عن الأعشى به كيف أصعدا (6)
ألا أيّهذا السّائلي أين أصعدت (7) … فإنّ لها في أهل يثرب موعدا
__________
(1) القطعة رقم 17 في ديوانه.
(2) رواية الديوان: وعاداك ما عاد السليم المسهّدا.
(3) في الديوان: (خاتر). والخاتر: القادر.
(4) في الديوان: (مذ أنا يافع).
(5) رواية الديوان: وابتذل العيس المراقيل تغتلي.
(6) في الديوان: (حيث أصعدا).
(7) في الديوان: (يمّمت).
(2/576)

فأمّا إذا ما أدلجت فترى لها … رقيبين جديا لا يؤوب وفرقدا (1)
وفيها إذا ما هجّرت عجر فيّة … إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا
وأزرت برجليها النّقى وأتبعت (2) … يداها خنافا ليّنا غير أحردا
فآليت لا أرثي لها من كلالة … ولا من حفيّ حتّى تلاقي محمّدا (3)
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم … تراحى وتلقى من فواضله ندا (4)
نبيّ يرى ما لا يرون وذكره … أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائل … وليس عطاء اليوم يمنعه غدا
أجدّك لم تسمع وصاة محمّد … نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى … وأبصرت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون مكانه … فترصد للأمر الّذي كان أرصدا (5)
فإيّاك والميتات لا تقربنّها … ولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه … ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وسبّح على حين العشيّات والضّحى … ولا تحمد المثرين والله فاحمدا
وذا الرّحم القربى فلا تتركنّه … لفاقته ولا الأسير المقيّدا (6)
__________
(1) في الديوان (لا يغيب).
(2) في الديوان: أجدّت برجليها نجاء وراجعت
(3) في الديوان: (حتى تزور محمدا).
(4) رواية الديوان: ترويحي وتلقى من فواضله يدا.
(5) في الديوان برواية:
ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
(6) كذا في الاصل، وفي الديوان:
ولا السائل المحروم لا تتركنّه … لعاقبة ولا الأسير المقيدا
(2/577)

ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة … ولا تحسبنّ المال للمرء مخلّدا
ولا تقربن جارة، إنّ سرّها … عليك حرام، فانكحن أو تأبّدا
قال شارح ديوانه: ألم تغتمض: استفهام تقرير، والخطاب لنفسه تجريدا.
وليلة أرمد: أي ليلة رجل أرمد. والسّليم: اللديغ، من باب الأضداد، ونصبه على أنه خبر كان المقدّرة، أي ومذ كنت وليدا. قال الاصمعي: قالوا اللديغ: سليم، تفاؤلا بأنه سيسلم، كما قالوا: للمهلكة مفازة، وللعطشان ناهل. والمسهد: الذي لا ينام. والخلة: الصداقة. ومهددا: امرأة. قوله: (ولكن أرى الدهر ...
البيت) يقول: إذا اتخذت مالا واصطفيت أخا جاء الدهر فذهب به والثروة الغنى.
قوله: (فلله) تعجب من الدهر كيف يختلف يذهب ويجئ. قوله: (وما زلت ...
البيت). استشهد به المصنف في مذ على إيلائها الجملة الاسمية. واليافع: الغلام الذي قارب الحلم. والوليد: الصبي.
قال الأصمعي: والكهل من أربعين الى خمسين، والأمرد: الذي ليس على وجهه شعر، وأصله من تمريد الغصن وهو تجريده عن ورقه. والعيس: جمع أعيس وعيسا، وهي الابل البيض التي تخالطها حمرة.
والمراقيل: جمع مرقال بكسر الميم، من أرقل البعير إرقالا: أي ارتفع في سيره وصدّ عنقه ونفض رأسه وضرب بمشافره. والنجير: بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية، موضع بحضر موت. وصرخد: بلدة بالشام. السائل: الحفيّ بالحاء المهملة، المكثر أو الملطف. والجدي والفرقد: كوكبان لا يزولان من مكانهما ولا يغيبان. وهجّرت: سارت في الهاجرة نصف النهار. والعجر فية: جهالة ومرح لفضل نشاطها. والحرباء: دويبة تستقبل الشمس حتى تغرب كيفما دارت رافعة يديها ورأسها. والأصيد: البعير الذي به الصيد، وهو داء يأخذ الأبل في رؤوسها فلا تزال رافعة رأسها منه. وأذرت: ألقت. والنقى: ما تنقى من الحصى والتراب.
والخناف: بالفاء، أن تقلب الخفّ الى الجانب الأيمن. والأحرد: بالحاء المهملة، الذي يخبط بيديه اذا سار. وأغار: أتى الغور. وأنجد: أتى نجدا. وإنما يقال؟؟؟ غار لا أغار، وإنما قاله مواخاة لأنجد على حد مأزورات غير مأجورات، والأصل
(2/578)

موزورات. وأجدك: أي مالك، قاله أبو عمرو. وقال المبرد في الكامل (1): معناه:
أجد منك توفيقا، وتقديره في النصب: أتجدّ جدّا. وقوله: (إذا أنت إلى آخر القصيدة)، تفسيره: وصاه محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله:
ولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
أي لا تشرب دما. والنصب: حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عنده لآلتهم.
وقوله: (لا تنسكنّه) أراد لا تنسكن عنده، فعد الفعل إليه، أي لا تذبح ذبيحة تتقرّب بها إلى الاصنام. وقوله (والله فاعبدا) استشهد به المصنف في التوضيح على إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفا في الوقت، إذ أصله: فاعبدن. والسّرّ الجماع. وقوله: (فانكحنّ أو تأبّدا) أي تزوّج أو توحش.
346 - وأنشد:
ومن يك ذا عظم صليب رجا به … ليكسر عود الدّهر فالدّهر كاسره
هو لنصيب الأسود وأنشده الجاحظ في البيان بلفظ (2):
ومن يك ذا عود صليب يعدّه
وقبله:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة … فلا الدّهر مبقيه ولا الشّحّ وافره
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي عز وهذين البيتين الى توبة بن الحمير من أبيات قالها في ليلى الأخيلية وقبلهما:
__________
(1) ص 863
(2) البيان والتبيين 3/ 49
(2/579)

أرى النّاس من ليلاك سقما وقربها … حياء كما الغيث الّذي أنت ناظره
ولو سألت للنّاس يوما بوجهها … سحاب الثّريّا لاستهلّت مواطره
347 - وأنشد:
وملكت ما بين العراق ويثرب … ملكا أجار لمسلم ومعاهد
قال ثعلب في أماليه: قال الزبير: قال ابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أمير المدينة (1):
من كان أخطأه الرّبيع فإنّه … نصر الحجاز بغيث عبد الواحد (2)
إنّ المدينة أصبحت محمودة … لمتوّج حلو الشّمائل ماجد (3)
كالغيث من عرض الفرات تهافتت … سبل إليه بصادر أو وارد
وملكت غير معنّف في ملكه … ما دون مكّة من حصى ومساجد
وملكت ما بين الفرات ويثرب … ملكا أجار لمسلم ومعاهد
ماليهما ودميهما من بعد ما … غشّى الضّعيف شعاع سيف المارد
ولقد رمت قيس وراءك بالحصى … من رام ظلمك من عدوّ جاهد
348 - وأنشد:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل (4)
__________
(1) الاغاني 2/ 326 - 327 (الدار)
(2) نصر: سقي، يقال: نصر الغيث الارض نصرا، أي غاثها وسقاها وأعانها على الخصب والنبات. وقد أورد صاحب اللسان هذا المعنى،
واستشهد عليه بهذا البيت.
(3) في الاغاني: (أصبحت معمورة بمتوج).
(4) سبق ص 65، وقد ورد فيها (تمثل) بفتح اللام خطأ مطبعيا.
(2/580)

هو من قصيدة لكثير عزّة، قال المصنف وهي من غرر قصائده، وأوّلها:
ألا حيّيا ليلى آن رحيلي … وآذن أصحابي غدا بقفول
تبدّت له ليلى لتذهب عقله … وشاقتك أمّ الصّلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
وكم من خليل قال لي: لو سألتها … فقلت له: ليلى أضنّ بخيل (1)
ومنها:
فإن جاءك الواشون عنّي بكذبة … فروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهّمي … بنصح أتى الواشون أم بحبول
ومنها:
وقالوا: نأت فاختر من الصّبر والبكا … فقلت: البكا أشفى إذن لغليلي
ومنها وهو آخرها:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي … إلى اليوم كالمقصى بكلّ سبيل
والقفول: الرجوع. والقافلة: الراجعة من سفر. ورسول يروي بدله:
ورسيل، وكلاهما بمعنى الرسالة (2). وحبول بالحاء المهملة، ويروى بالمعجمة (3).
قال القالي في أماليه (4): قال لنا أبو بكر، يروى عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال:
لقى الفرزدق كثيرا فقال له: أنت يا أبا صخر أنسب العرب حيث تقول:
__________
(1) في الأمالي 2/ 63 (هل سألتها ... أضمن خليل).
(2) أنظر الامالي 2/ 63
(3) وفي الامالي 2/ 66: (الحبول): الدواهمي، واحدتها حبل، بكسر الحاء.
(4) ذيل الامالي 119 - 120 وانظر ص 65
(2/581)

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أشعر العرب حيث تقول:
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا … فإن نحن أو مأنا إلى النّاس وقّفوا
فقال القالي: وهذان البيتان لجميل، سرق أحدهما كثيّر والآخر الفرزدق.
349 - وأنشد:
يا بؤس للحرب الّتي … وضعت أراهط فاستراحوا
هو مطلع قصيدة لسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو جدّ طرفة الشاعر، وبعده (1):
والحرب لا يبقى لجا … حمها التّخيّل والمراح
إلّا الفتى الصّبّار في النّ … جدات والفرس الوقاح
والنّثرة الحصداء وال … بيض المكلّل والرّماح
وتساقط التّنواة والذّنبات … أو جهد الفضاح (2)
والكرّ بعد الفرّ إذ … كره التّقدّم والنّطاح
كشفت لهم عن ساقها … وبدا من الشّرّ الصّراح
فالهمّ بيضات الخدو … ر هناك لا النّعم المراح
__________
(1) حماسة الطائي بشرح التبريزي 2/ 73 - 79، والشاهد في أمالي ابن الشجري.
(2) في الحماسة: الاوشاظ والذنبات، وفي الاصل (التنواة) خطأ، وصحتها: (التنواط).
(2/582)

بئس الخلائف بعدنا … أولاد يشكر واللّقاح
من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح
صبرا بني قيس لها … حتّى تريحوا أو تراحوا
إنّ الموائل خوفها … يعتاقه الأجل المتاح
هيهات هان الموت دو … ن الفوت وانتضي السّلاح
يا ليلة طالت عليّ … (م) تفجّعا فمتى الصّباح
كيف الحياة إذا خلت … منّا الظّواهر والبطاح
أين الأعنّة والأسنّة … عند ذلك والرّماح (1)
قال التبريزي: أراهط: جمع رهط أرهط، جمع رهط، كأنهم قالوا: رهط وأرهط. ثم قالوا أراهط. وسيبويه عنده أن العرب لم تنطق بأرهط (2). وقد حكاه غيره، وإذا نصبت أراهط جعلت الحرب الفاعل، وليس الموضع هنا ضدّ الرفع، وإنما المراد أنها تركتهم فلم تكلفهم القتال فيها، وإنما يعني سعد بن مالك الحارث بن عباد. ومن كان مثله في الأعتزال عن الحرب. ويروى أن الحارث لما حارب مع بني بكر بعد قتل بجير قال لسعد: أتراني ممن وضعته الحرب؟ قال:
لا، ولكن لا محبا لعطر بعد عروس. فهذا يدل على النصب، ومن رفع (أراهط) فالمعنى يابؤس للحرب التي وضعتها أراهط، وهذا اللفظ هو الأصل، لأن قولك:
ترك بنو فلان الحرب، هو واجب الكلام. وقولك: تركت الحرب بني فلان،
__________
(1) في الحماسة برواية: (أين الأعزة ... والسّماح).
(2) قد صرح كثير من العلماء باستعمالهم (الأرهط) جمعا لرهط، ومن ذلك قول الراجز:
هو الذّليل نفرا في أرهطه
وقول الآخر:
وفاضح مفتضح في أرهطه
(2/583)

مجاز. والجاحم: من جحمت النار، إذا اضطرمت، ومنها الجحيم. قال الترمذي:
والتخيل: الخيلاء والتكبر. والمراح، بكسر الميم: اسم من مرح يمرح مرحا، وهو شدة الفرح. قال المصنف: أي انها تشغله عن خيلائه ومرحه. قال البطليوسي:
المراح: النشاط. والفتى بدل من صاحب. والصبّار: مبالغة صابر. والنجدات:
الشدائد. والوقاح، بفتح الواو وتخفيف القاف: الصلب الشديد، ويجمع على وقح. والنّثرة بفتح النون وسكون المثلثة وفتح الراء، الدرع الواسعة. والحصداء:
المحكمة الشديدة. والبيض، بفتح الباء، جمع بيضة، وهي الخودة. أو بكسرها، جمع أبيض، وهو السيف. المكلل: يعني بالمسامير كأنها غشيت وسمرت. قاله التبريزي. وقال التدمريّ: أي المركب على هيئة الاكليل. وتساقط:
عطف على وضعت أراهط. والتنواة (1): بفتح المثناة الفوقية وسكون النون: الاتباع.
والمعنى: وتساقط الدخلاء الذين وطأت أراضيهم العرب، فلم يكونوا منهم.
والذنبات، بفتح المعجمة والنون والموحدة (2). وجهد الفضاح: أي استوت المفاتحة.
قوله:
كشفت لهم عن ساقها
أي شدّتها، كما في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) والصّراح بضم الصاد وكسرها، الخالص. قوله:
فالهمّ بيضات الخدور
أراد بها النساء، لان المرأة تشبه ببيضة النعامة، كأنهنّ بيض مكنون. والخدور:
أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح بضم الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع مكنون. والخدور: أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح: بضم
__________
(1) كذا، وصحتها (التنواط).
(2) قال التبريزي: (الذنبات: التباع والعسفاء، وذكر بعضهم: أن الذنبات لا يقال في الناس، وانما يقال أذناب ....).
(2/584)

الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع الذي تأوى إليه ليلا. وقوله: (أولاد يشكر) هو بكر بن وائل. واللّقاح، بضم اللام (1) يقول إذا خلفنا من لادفاع في حاجتها إلى من يذب عنها. ويروى اللّقاح، بفتح اللام، والمراد به لقب بني حنيفة، وكانوا لا يدينون للملوك فقال حرّ لقاح، بالفتح، إذا لم يدينوا ولم يصبهم شيئا ويكون الكلام على هذا تهكما. قوله: وصدّأ: عرض عن نيرانها، أي الحرب.
قوله: فأنا ابن قيس، أي الذي عرفت بالشجاعة فلا يحتاج إلى البيان. لا براح:
أي ليس لي براح عن موقفي في الحرب. وقد أورد المصنف هذا البيت في شواهد (لا) مستشهدا به على إعمال (لا) عمل (ليس). قال التبريزي: عرض سعد في هذا البيت الحارث بن عباد، وكان من حكام ربيعة وفرسانها، فاعتزل حرب ابني وائل، وتنحى بأهله وولده وحلّ وترقوسه، ونزع سنان رمحه، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. صبرا: أي اصبروا. والموائل: بفتح الميم، جمع موئل، وهو الملجأ.
ويعتاقه: يحبسه ويصرف عنه. والمتاح، بضم الميم وتخفيف المثناة الفوقية، وهو اسم مفعول، أي المقدر، يقال: أتيح له كذا: أي قدر. وقال العيني: هو بفتح الميم وتشديد التاء: الطويل. يقال: ليل متاح، إذا كان طويلا. قلت: وليس
كما قال، ولا يستقيم بذلك الوزن.
350 - وأنشد:
إنّ أباها وأبا أباها
تقدم شرحه في شواهد إنّ ضمن أبيات (2)
341 - وأنشد:
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له … أكيلا فإنّي لست آكله وحدي (3)
__________
(1) أوردها التبريزي (اللّفاح) بفتح اللام وبكسرها.
(2) ص 128، وانظر الشاهد رقم 47 ص 127
(3) الكامل 525 والتبريزي 4/ 205 ولباب الآداب 120، ويروى:
(اذا ما أصبت) ويروى (وضعت)، ويروى كذلك: (لست آكله) و (لست آكله).
(2/585)

هو لحاتم الطائي يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله، كذا قال غير واحد (1). وقال في الأغاني (2): أخبرنا ابن دريد، حدثني عمي عن العباس بن هشام، عن أبيه، عن جدّه، قال: تزوّج قيس بن عاصم المنقري بنفوسة بنت زيد الفوارس الضّبيّ، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: أين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك … ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له … أكيلا فإنّي لسث آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنّني (3) … أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره … خفيف المعابادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل … يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاويا … وما فيّ إلّا تلك من شيم العبد
قال التبريزي: عني بذي البردين عامر بن احيم بن بهذلة (4)، وإنما لقب به لأن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء، فأخرج بردين وقال: ليقم أعر العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر فأخذهما، فقال له المنذر: انت أعز العرب قبيلة؟ قال:
العز والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم.
ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهذلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، فسكت الناس، ثم قال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، ثم وضع قدميه على الأرض، فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الأبل، فلم
__________
(1) وكذا في حماسة الطائي 4/ 205 وفي الكامل منسوب لقيس بن عاصم المنقري. وقال محقق الكامل (هذا هو الصحيح في نسبة هذه الابيات، وأخطا التبريزي في شرح الحماسة، إذ نسبها لحاتم الطائي.
(2) 14/ 65 و 68 - 69 (الثقافة)
(3) رواية الكامل: (قصيّا كريما أو قريبا فإنني).
(4) كذا بالأصل، وفي التبريزي: (عامر بن أحيمر بن بهولة).
(2/586)

يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. والورد: هو بين الكميت والأشقر.
والاكليل: المواكل، كالنديم المنادم. والشريب: المشارب. والجليس: المجالس، ولا يطلق إلا على من تكرّر منه ذلك، لا من وقع ذلك منه مرة. وإنما نكره ولم يقل اكيلي لأنه عرف بمواكلته، عدّه فأراد واحدا منهم، قاله التبريزي والمرزوقي.
وأخا: بدل من إكيلا. والمذمّة: بالفتح، الذم. والثاوي: المقيم (وإلا تلك) استثناء مقدّم، وموضع من شيم العبد رفع إسم ما والخبر في، ومن بيانية، كذا قالاه. والصواب: أن (ما) لا عمل لها لا تتقاضها بالنفي.

فائدة: [قيس بن عاصم]
قيس بن عاصم بن سنان بن خارجة المنقري يكنى أبا علي، صحابي شاعر فارس شجاع، حليم كثير الغارات، مظفر في غزواته. أدرك الجاهلية والاسلام فساد فيهما.
وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم مدة حياته. وروى عدة أحاديث، وعسّر بعده زمانا.
352 - وأنشد:
هذا سراقة للقرآن يدرسه (1)
وتمامه:
والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
ضمير يدرسه راجع إلى الدرس، وهو المصدر، لا إلى القرآن. وقد استشهد به أبو حيان في شرح التسهيل على أن
ضمير المصدر قد يجيء مرادا به التأكيد، وإن ذلك لا يختص بالمصدر، والظاهر على الصحيح.
__________
(1) الخزانة 1/ 227 و 2/ 383، وابن الشجري 1/ 305 وسيبويه 1/ 437 وفي المغنى روى عجز البيت:
يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وهذا العجز ملفق من صدر بيت آخر لحسان بن ثابت يرثى عثمان بن عفان وهو:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
(2/587)

353 - وأنشد قول ليلى:
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم … ولا الله يعطي للعصاة مناها (1)
هو من أبيات لليلى الاخيلية تمدح بها الحجاج. قال القالي في أماليه: والمعافى ابن زكريا معا، حدثنا أبو بكر بن الانباري قال: حدثني أبي، أخبرنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاص إذا دخل على الحجاج، فدخل يوما فدخلت إليهما وليس عند الحجاج أحد غير عنبسة، فأقعدني فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيأ وجاءني به، ثم جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب! فقال له الحجّاج: ادخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجّاج عن نفسها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى، ما أتانا بك؟ فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لها بعد الله الرّفد. فقال: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرّة، والأرض مقشعرّة، والمبرك معتلّ، وذو العيال مختل، والهالك للقل، والناس مسننّون رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعا، ولا ربعا، ولا عافطة (ولا نافطة) (2) أذهبت الأموال، ومزّقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قالت: إني قلت في الأمير قولا فأنشأت تقول:
أحجّاج إنّ الله أعطاك غاية … يقصّر عنها من أراد مداها
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّما ال … منايا بكفّ الله حيث تراها
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم … ولا الله يعطي للعصاة مناها
__________
(1) الاغاني 11/ 248 (الدار)، والامالي 1/ 86، وانظر السمط 279 - 280، ومصارع العشاق 185/ 188
(2) مزيدة.
(2/588)

إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة … تتبّع أقصى دائها وشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بها … غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجاله … دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجّاج زحف كتيبة … أعدّ لها قبل النّزول قراها
أعدّ لها مسمومة فارسيّة … بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله … ببحر ولا أرض يجفّ ثراها
قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج: قاتلها الله. ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت الى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا، ثم التفت إليها فقال لها: حسبك، فقالت: إني قلت أكثر من هذا؟ فقال: ويحك حسبك: ثم قال: يا غلام، اذهب إلى فلان فقل له:
اقطع لسانها. فذهب بها فقال له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك: أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصّلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهمّ بقطع لسانه فقال: أرددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثم أنشأت تقول:
حجّاج أنت الّذي ما فوقه أحد … إلّا الخليفة والمستغفر الصّمد
حجّاج أنت شهاب الحرب إن لقحت … وأنت للنّاس نور في الدّجى يقد
ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، ما رأينا قطّ أحدا أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة ولا أملح وجها، ولا
(2/589)

أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية الذي مات توبة الفاجيّ من حبها.
ثم التفت إليها وقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير فهو الذي يقول (1):
وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها … وقام على قبري النّساء النّوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها … وجادكها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله … بلى كلّ ما قرّت به العين صالح (2)
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت … عليّ ودوني جندل وصفائح (3)
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا … إليها صدى من جانب القبر صائح (4)
فقال: زيدينا من شعره يا ليلى، فقالت: هو الذي يقول (5):
حمامة بطن الواديين ترنّمي … سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما … ولا زلت في خضراء غضّ نضيرها (6)
وأشرف بالأرض اليفاع لعلّني … أرى نار ليلى أو يراني بصيرها (7)
__________
(1) الشعراء 414، واللآلي 120، وشواهد العيني 4/ 453 - 454 والاغاني 11/ 244 (الدار). والحماسة 3/ 267
(2) في الحماسة والاغاني: (ألا كل ما قرت ...) وفي الامالي:
بلى كل ما قرت به العين صالح
(3) في الامالي: (جندل وصفائح).
(4) زقا: صاح. والصدى هنا: طائر كالبومة كانت العرب تزعم أنه يخرج من رأس القتيل ويصيح أسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره.
(5) الامالي 1/ 88 والشعراء 413 - 414، والاغاني 11/ 208 - 209 (الدار).
(6) في الاغاني (دان بريرها).
(7) في الاغاني: (واشرف بالفوز اليفاع) وفي الامالي (بالفور) بالراء المهملة. والقوز: الكثيب من الرمل، والقور: جمع قارة وهو الجبل الصغير. واليفاع: المشرف.
(2/590)

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت … فقد رابنى منها الغداة سفورها
وقلت لعيني لا يضرّك بعدها … بلى كلّ ما شقّ النّفوس يضيرها (1)
بلى قد يضرّ العين أن تكثر البكا … ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر … لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال لها الحجاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيها الأمير، كان يلم بي كثيرا، فأرسل إليّ يوما أني آتيك، وفطن الحيّ فأرصدوا له، فأسفرت فعلم أن ذلك لشرّ فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درّك، فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ فقالت: لا والله والذي أسأله أن يصلحك، غير أنه قال مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها … فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه … وأنت لأخرى فازع وخليل (2)
فلا والذي أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيأ حتى فرّق الموت بيني وبينه، قال: ثم مه! قالت: ثم لم ألبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه إن أتيت الحاضرين من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتنّ ليلة … من الدّهر لا يسري إليّ خيالها
وأنا أقول:
__________
(1) رواية البيت في الامالي:
يقول رجال لا يضير نأيها … بلى كل ما شق النفوس يضيرها
(2) في الاغاني 11/ 207 الدار: (فارغ وجليل).
(2/591)

وعنه عفا ربّي وأحسن حاله … فعزّ علينا حاجة لا ينالها
قال: ثم مه. قالت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة … بماء شؤون العبرة المتجدّد (1)
قال لها أنشدينا، فقالت (2):
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينص … قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسيّ وكان من جلساء الحجاج: من ذا الذي تقول هذه فيه. فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قالت: أيها الأمير، إن هذا القائل لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلّا وهي حامل منه.
قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنت غنيا عنه، ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد ففضل، قال: لك ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال لك ثمانون، قالت:
زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة، واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير:
أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأروى زندا، من أن تجعلها غنما، قال: فما هي ويحك يا ليلى. قالت: مائة من الأبل برعاتها. فأمر لها بها، ثم قال: ألك حاجة بعدها. قالت: تدفع إليّ النابغة الجعدي، قال: فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها،
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الامالي والكامل 1208: (لتبك عليه ... المتحدر) والمعلوم ان القافية رائية وليست دالية، وخفاجة هو ابن عقيل بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
(2) امالي ابن الشجري 1/ 42 وفيه وفي الامالي والكامل والاغاني:
(لم ينخ)، وعجز البيت في ابن الشجري والكامل برواية: ينجد ولم يهبط مع المتغور، والكراكي جمع كركرة، وهي زور البعير الذي اذا برك أصاب الارض وهي ناتئة عن جسمه كالقرصة. (اللسان).
(2/592)

فبلغ النابغة ذلك فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعته الى الشام، فهرب الى قتيبة ابن مسلم بخراسان، فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس، ويقال بحلوان.
قال القالي: قولها: إخلاف النجوم، التي بها يكون المطر، فلم تأت بمطر.
وكلب البرد: شدّته. والرّفد: بالكسر، المعونة، وبالفتح، المصدر. والفجاج:
جمع فج، وهو كل سعة بين نشازين. وقولها: والمبرك معتل: أرادت الأبل، فأقامت المبرك مكانها ليعلم المخاطب إيجازا واختصارا، كما قالوا: نهاره صائم وليله قائم. وقولها: وذو العيال مختل: أي محتاج. والهالك للقلّ: أي من أجل القلّة. ومسنتون: أي مقحطون. والسنون: القحوط. ومجحفة: قاسرة.
ومبلطة: ملزقة بالبلاط، وهي الأرض الملساء. والهبع: ما نتج في الصيف.
والرّبع: ما نتج في الربيع. والعاطفة: الضانية. والنافطة: الماعزة.
وقال أبو القاسم الزجاج في أماليه: حدثنا أبو الحسن عليّ بن سليمان، وأبو اسحق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: ثبتت الرواية والآثار أن ليلى الأخيلية لم تكن امرأة توبة بن الحميّر ولا أخته، ولا كان بينهم نسب شانك، إلا أنهما كانا جميعا من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان يحبها وتحبه فأقاما على حب عفيف دهرا، فتلك السنة الماضية في عشاق بني عذرة وغيرهم إلى أن قتل توبة، وكان سبب قتله أنه كان يطلبه بنو عوف، فأمسوا قدومه من سفر فأتوه طروقا، وبينه وبين الحيّ مسيرة ليلة، ومعه أخوه عبد الله ومولاه قابضا، فهربا وأسلماه، فقتل ففي ذلك تقول (1):
__________
(1) الاغاني 11/ 236 والكامل 1207
(2/593)

دعا قابضا والمرهفات تنوشه … فقبّحت مدعوّا ولبّيك داعيا (1)
فليت عبيد الله حلّ مكانه … فأودى ولم أسمع لتوبة ناعيا (2)
ومن جيد مارثته به قولها (3):
أقسمت أبكي بعد توبة هالكا (4) … وأحفل من دارت عليه الدّوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى … إذا لم تصبه في الحياة المعائر
فلا الحيّ ممّا يحدث الله سالما … ولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شباب أو جديد إلى البلى … وكلّ امرئ يوما إلى الله صائر
فلا يبعدنك الله توبة هالكا … أبا الحرب إن دارت عليه الدّوائر
وأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت … على غصن ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوف فيالهفا به … وما كنت إيّاهم عليه أحاذر
وقال وكيع في الغرر: حدثني إبراهيم بن إسحق الصالحي، أنبأنا عمرو بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه قال: أنشدت ليلى الأخيلية الحجاج بن يوسف:
__________
(1) في الاغاني: (والمرهفات يردنه) وفي الكامل: (ينشنه).
(2) في الكامل:
(... كان مكانه … صريعا ولم أسمع ....)
(3) الاغاني 11/ 234
(4) أي أقسمت لا أبكي ... ولا أحفل، وحذف (لا) في مثل هذا الموضع جائز وكثير.
(2/594)

إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة … تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بها … غلام إذا هزّ القناة سقاها
فقال الحجاج: أفلا قلت موضع غلام: همام.
354 - وأنشد:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا … لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
تقدّم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة امرئ القيس (1).
355 - وأنشد:
فخير نحن عند النّاس منكم … إذا الدّاعي المثوّب قال: يا لا (2)
هذا لزهير بن مسعود الضبّي، وقبله:
ومن يك باديا ويكن أخاه … أبا الضّحّاك ينتسح الشّمالا
وبعده:
ولم تثق العواتق من غيور … بغيرته وخلّين الحجالا
قال المصنف في شواهده: خير مبتدأ، ونحن فاعل، وفيه شذوذان: إعمال الوصف غير معتمد، ورفع اسم التفضيل للظاهر في غير مسئلة الكحل. ولا يكون
__________
(1) ص 342، حين الكلام على الشاهد رقم 158 ص 340 وانظر الشاهد رقم 195 ص 393
(2) الخزانة 1/ 228 برواية: (عند البأس) والعيني 1/ 520 وابن عقيل 1/ 95
(2/595)

خير خبرا مقدما لئلا يلزم الفصل بين اسم التفضيل ومن بالأجنبي، وهو المبتدأ.
وقد يؤول على تقدير خير خبرا لنحن محذوفة، وجعل نحن المذكورة مؤكدة للضمير المستتر في خبر العائد على نحن المحذوفة. والمثوب: الذي يدعو الناس لينتصر بهم دعاء يكرره، ومنه التثويب في الصبح. وقوله: (يا لا) أراد يا لفلان، فحكى صوت الصارخ المستغيث، وخلط اللام بيا وجعلهما كالكلمة. حتى أن الفارسي زعم أن ألف آل يقدّر انقلابها عن الواو على القياس في الالف المتوسطة المجهولة. والعواتق:
اللائي لم يتزوّجن. وتخليتهنّ الحجال من الفزع وعدم الوثوق بأن أباهن وحارسهن يمنعونهن. والحجال: جمع حجل بفتح الحاء وسكون الجيم وهو الخلخال.
356 - وأنشد:
فتولّى غلامهم ثمّ نادى … اظليما أصيدكم أم حمارا
357 - وأنشد:
إذا قالت حذام فصدّقوها (1)
قائله نجيم (2) بن مصعب بن عليّ بن بكر بن وائل، والد حنيفة وعجل ابني سحيم، وحذام امرأته، سميت حذام لأن
ضرّتها حذمت يدها بشفرة، فصبت عليها حذام جمرا فبرشت، فسميت البرشاء، وهي حذام بنت الريان بن خسر بن تميم.
وتمام البيت:
فإنّ القول ما قالت حذام
وحذام في الموضعين بالبناء على الكسر، مع أنه فاعل. وسبب قول هذا البيت: أن عاطس بن الجلاح الحميري صار إلى قومها في جموع فاقتتلوا، ثم رجع الحميري الى معسكره وهرب قومها، فساروا ليلتهم ويومهم الى الغد، ونزلوا
__________
(1) ابن عقيل 1/ 63 واللسان: (رقش) و (حذام) والكامل 414، والعقد 3/ 363
(2) كذا بالاصل، وفي العقد: لجيم بن صعب.
(2/596)

الليلة الثانية، فلما أصبح الحميري ورأى جلاءهم اتبعهم، فانتبه القطا من وقع دوابهم، فمرّت على قوم حذام قطعا قطعا، فخرجت حذام الى قومها فقالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا … فلو ترك القطا ليلا لناما
فقال زوجها:
إذا قالت حذام فصدّقوها
فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا.
358 - وأنشد:
فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي … ولكن يكن للخير منك نصيب
لم يسم قائله. قال العيني: يخاطب الشاعر به ابنه لما تمنى موته. وللخير: خبر يكن. ومنك: حال. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر ضرورة. اذ الاصل:
ليكن.
359 - وأنشد:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من شيء تبالا (1)
قال المبرد: قائلة مجهول. هذا يخاطب النّبى صلّى الله عليه وسلم. ومحمد منادى على حذف حرف النداء. وتفد:
على إظهار الجازم، وهو اللام ضرورة، وفيه الشاهد. وقيل: هو مرفوع حذفت ياؤه ضرورة واكتفى بالكسرة. قال الأعلم:
وهذا أشهر في الضرورة وأقرب. والتبال: بفتح المثناة وتخفيف الموحدة، الفساد.
قاله شارح أبيات المفصل. وقال الأعلم: سواء العاقبة، وهو بمعنى الوبال. قال الأعلم: وكأن التاء بدل من الواو كالتراث والتجاه، أي إذا خفت وبال أمر أعددت
__________
(1) الخزانة 3/ 629 وأمالي ابن الشجري 1/ 338
(2/597)

له. وقال ابن الشجري: والتبال: الإهلاك، من تبلهم الدهر أفناهم. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر من تفد، أصله لتفد.
360 - وأنشد:
دوامي الأيد يخبطن السّريحا (1)
هذا لمضرس بن ربعي الأسدي، وقيل ليزيد بن الطثرية، وأوّله:
فطرت بمنصلي في يعملات
وقبله:
وفتيان شويت لهم شواء … سريع الشّيّ كنت به نجيحا
وبعده:
فقلت لصاحبي: لا تحبسانا … بنزع أصوله وأجدذ شيحا
قال الأعلم: أراد أنه أسرع القيام بسيفه، وهو المنصل من نوق، فعقرهنّ للأضياف، أو لاصحابه مع حاجته اليهن. وذكر أنهن دوامي الأيدي، إشارة إلى أنه في سفر، فقد حفين لا دمان السير، ودميت أخفافهن. واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل. وواحدة السريح سريحة، واشتقاقها من التسريح، كأن الناقة قامت من الحفى، فلما أنعلتها تسرجت وانبعثت. والسرح:
الناقة الخفيفة السريعة. وقال الزمخشري: النجح: المنجح. والسريح: سيور نعال الابل. والشاهد: في حذف الياء من الأيدي ضرورة. واستشهد الجوهري بقوله: لا تحبسانا، على مخاطبة الواحد بصيغة الاثنين. ويروى: (لا تجسنّا) بنون التوكيد الشديدة. والمعنى: لا تجسنّا عن شيّ اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من
قضبانه وعيدانه، وأسرع لنا في الشيّ. وأجدذ: أصله
__________
(1) سيبويه 1/ 9 و 2/ 291، وسر الفصاحة 74
(2/598)

اجتذ، بتاء الافتعال، من جذذت الصوف ونحوه، فقلبت التاء دالا. وقد استشهد به ابن أم قاسم على ذلك. والشيح بكسر الشين المعجمة وتحتية ساكنة وحاء مهملة، نبت مشهور.
361 - وأنشد:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي … لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (1)
هذا لمتمم بن نويرة، وقبله:
وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة … له غاية يجري إليها ومنتهى
والبعوضة هنا: موضع قتل فيه أخو مالك ورجال من قومه بني يربوع، فحض على البكاء عليهم (2). واخمشي بمعنى أخدشي. ويبك: مجزوم على إضمار لام الأمر وفيه الشاهد (3). قال الأعلم: ويجوز أن يكون محمولا على معنى (فاخمشي) لأنه في معنى لتخمشي. قال: وهذا أحسن من الأوّل. ثم رأيت في أيام العرب لأبي عبيدة يوم جوّ البعوضة: وسبب الوقعة فيه أن مالك بن نويرة كان أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عريف بني ثعلبة، فلما قبض النبيّ صلى الله عليه وسلم جمع جمعا وأغار على إبل الصدقة فاقتطع منها ثلثمائة، فارسل إليه أبو بكر سرية عليها خالد بن الوليد فأتوا جوّ البعوضة، وبه بنو يربوع، فبيتوهم وقتل في الوقعة خمسة وأربعون رجلا منهم بشر بن أبي سواد الغمداني، وقتل مالك بن نويرة، فقال أخوه متمم يرثيه:
__________
(1) أمالي ابن الشجري 1/ 338 والبكري (بعوضة) 261
(2) انظر البكري 256 - 257 و 261، والكامل 1242 - 1244
(3) قال ابن الشجري: (أراد: أو ليبك، فحذف اللام. قال أبو بكر:
وقال أبو العباس: لا أرى ذا على ما قالوه، لان عوامل الافعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة، لان الجزم في الافعال نظير الخفض في الاسماء، ولكن بيت متمم يحمل على المعنى، لان قوله: فاخمشي، في موضع: فلتخمشي، فعطف (يبك) على المعنى، فكأنه قال:
(فلتخمشي أو يبك ...).
(2/599)

على مثل يوم بالبعوضة فاخمشي … لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
كهول ومرد من بني عمّ مالك … وأيفاع صدق لو تملّيتهم رضى
مساعير حرب ما يلين شريسهم … إذا ارتدف السّي الحواري والذّرى
على السّيف يبلغ الجوف والحشا … وهوّن وجدي بعد ما كدت أنتحى
عروش أراها من ملوك وسوقة … هوت بعد ما نالوا السّلامة والغنى
وذكر في مقاتل الفرسان القصيدة بطولها، وأوّلها (1):
لعمري وما دهري بتأبين مالك … ولا جزعا والدّهر يعثر بالفتى
وأورده بلفظ:
على مثل أصحاب البعوضة ...
أورده المصنف، وقال: ويروى: (وليبك من بكى).
362 - وأنشد:
قلت لبوّاب لديه دارها … يتذن فإنّي حمّها وجارها
قال العيني (2): لم يسم قائله. ويتذن: بكسر التاء المثناة الفوقية، وهو
__________
(1) في الكامل 1243 برواية:
لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزع والموت يذهب بالغنى
وقد مرت القصيدة العينية لمتمم في رثاء مالك ص 565 الشاهد رقم 339.
(2) 4/ 444، وفيه أن الرجز لمنصور بن مرثد، ورواية عجز البيت كما في المغني:
تأذن فاني حمؤها وجارها.
(2/600)

مقول القول. وأصله: (ليتذن) فحذف اللام وأبقى عملها. قيل: وليس بضرورة لتمكنه من أن يقول ايذن. قال أبو حيان: وليس لقائل أن يقول هذا من تسكين المرفوع اضطرارا، لأنه لو قصد الرفع لتوصل إليه باستغنائه عن الفاء، فكان يقول:
يتذن إني حمها.
363 - وأنشد:
لا نسب اليوم ولا خلّة … اتّسع الخرق على الرّاقع (1)
هو لأنس بن العبّاس بن مرداس. وروى القالي عجزه (2):
اتّسع الفتق على الرّاتق
ويقال أبو عامر جدّ العباس بن مرداس. قال المصنف: وهو الصواب، لأن قبله:
لاصلح بيني فاعلموه ولا … بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنّا بنجد وما … قرقر قمر الوادي بالشّارق (3)
قال المصنف: قوله: (فاعلموه) جملة اعتراض، فصل بها ما بين المتعاطفين وأنث العاتق، والأفصح تذكيره، وفيه التضمين. وهو من عيوب الشعر، فإن قوله:
(سيفي) معمول لحملت، وحذف ياء المنقوص غير المنوّن للضرورة. والراتق:
الذي يلحم الفتق، يقول: إنه أصابته شدة تبرأ منه فيها الولي والصديق، وضرب
__________
(1) ابن عقيل 1/ 151
(2) ذيل الامالي: 72 لبعض اليشكريين البصريين وبرواية:
كنا نداريها فقد مزقت … واتسع الخرق على الراقع
وليست الرواية كما أثبتها السيوطي في الاصل، وانما رواية السيوطي هي الرواية التي ذكرت في ذيل اللآلي 37 وبنسبة الابيات الى أبي عامر جد العباس بن مرداس.
(3) في ذيل اللآلي (قمر الواد بالشاهق).
(2/601)

اتساع الخرق مثلا لتفاقم الأمر، وفيه قطع ألف الوصل في الدرج للضرورة، وحسنه هنا أنها في أوّل الشطر وهو محل ابتداء. وفيه نصب المعطوف مع تكرير لا. وقرقر: صوت. وقمر: جمع أقمر، مثل حمر وأحمر، أو جمع قمري مثل روم ورومى. وقال العيني في الكبرى: البيت بالعين صحيح. وبعده:
كالثّوب إذ أنهج فيه البلى … أعيى على ذي الحيلة الصّانع
قال: وكلا القافيتين مرويتان، فيحتمل أن يكونا لواحد أو لأثنين، ويكون البيت من التوارد أو السرقة.
364 - وأنشد:
لتقم أنت يا ابن خير قريش … فلتقضّ حوائج المسلمينا (1)
365 - وأنشد:
لهنّك من برق عليّ كريم
قال ثعلب في أماليه، ووكيع في الغرر معا (2): حدثني أبو سعيد عبد الله بن شبيب، حدثني هارون بن أبي بكر أخو الزبير، حدثني محمد بن معن الغفاريّ قال: أقحمت السنة المدينة ناسا من الأعراب، فحلّ المذاد (3) منهم صرم، من بني كلاب (4)، فابرقوا ليلة في النجد (5)، وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما، ضيعة ومرضا وضمانة حب، وإذا هو رافع عقيرته بأبيات قد قالها من اللّيل:
__________
(1) الخزانة 3/ 630
(2) مجالس ثعلب 1/ 113 وانظر اللآلي 511
(3) المذاد - كسحاب -، ويقال بالزاي: موضع بالمدينة.
(4) الصرم - بالكسر: الجماعة والفرقة القليلة من الناس.
(5) النجد - بضمتين -: جمع نجد، وهو ما غلظ وأشرف من الارض.
(2/602)

ألا ياسنا برق على قلل الحمى … لهنّك من برق عليّ كريم (1)
لمعت اقتذاء الطّير والقوم هجّع … فهيّجت أسقاما وأنت سليم (2)
فبتّ بحدّ المرفقين أشيمه … كأنّي لبرق بالسّتار حميم (3)
فهل من معير طرف عين جليّة … فإنسان طرف العامريّ كليم (4)
رمى قلبه البرق الملألئ رمية … بذكر الحمى وهنا فبات يهيم (5)
فقلت له: في دون ما بك ما يفحم عن الشّعر، فقال: صدقت، ولكنّ البرق أنطقني. قال: ثم والله ما لبث يومه حتى مات قبل الليل، ما يتّهم عليه غير الوحدة (6). أخرجه الزجاج في أماليه من وجه آخر عن محمد بن معن به نحوه.
وقال القالي في أماليه: حدثني أبو يعقوب ورّاق أبى بكر بن دريد، قال: حدثني محمد بن الحسين عن المفضّل بن محمد بن العلاف قال: لما قدم بغاء بني نمير أسرى، كنت كثيرا ما أذهب اليهم فأسمع منهم وكنت لا أعدم أن ألقى الفصيح منهم، فأتيتهم في عقب مطر، وإذا فتى حسن الوجه قد نهكه المرض ينشد: ألا ياسنا
__________
(1) البيت والذي يليه في اللسان (لهن) و (قذى) ونسبهما الى محمد ابن مسلمة، وفي مجالس ثعلب 113 (علا قلل الحمى) وانظر الامالي 1/ 220 ففيه الخبر بحسب الرواية التي تلي الشعر، وفي الخزانة 4/ 339 قال: (وقد تصفحت أمالي ثعلب مرارا ولم أر فيها هذه الابيات ولعل ثعلب رواها في غير الامالي). وقد روى الخبر عن القالي ابو بكر بن داود في الزهرة 277 مع الابيات، وهي أيضا في مصارع العشاق 288، وفي نثار الأزهار لابن منظور ص 79 شعرا لمحمد بن يزيد بن مسلمة على الوزن وفي مثل المعنى.
(2) اقتذى الطائر، اذا فتح عينه ثم أغمض إغماضة، وقد أكثرت العرب من تشبيه لمع البرق به.
(3) هذا البيت ليس في الامالي. وشام البرق: نظر إليه أين يقصد.
والستار: موضع.
(4) العين الجلية: البصيرة، وفي الاصل: (خلية) بالخاء المعجمة، صحتها عن ثعلب 114
(5) في ثعلب: (فظل يهيم).
(6) كذا، وفي أمالي ثعلب: (غير الوجد).
(2/603)

برق ... فذكر الأبيات، والقصة سواء، غير أن في آخرها ما يتوهم عليه غير الحب.
366 - وأنشد:
فغبرت بعدهم بعيش ناصب … وإخال أنّي لاحق مستتبع
تقدم شرحه في شواهد إذا ضمن قصيدة أبي ذؤيب الهذلي (1).
367 - وأنشد:
إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم … لو لم تمنّوا بوعد غير توديع (2)
368 - وأنشد:
إن الحقّ لا يخفى على ذي بصيرة … وإن هو لم يعدم خلاف معاند
369 - وأنشد:
أمسى أبان ذليلا بعد عزّته … وما أبان لمن أعلاج سودان (3)
370 - وأنشد:
أمّ الحليس لعجوز شهربه (4)
__________
(1) انظر ص 262 من قصيدة الشاهد رقم 125 وص 264
(2) في حاشية الامير 1/ 191: (قوله نحبي: النحب، المدة والوقت، وقضي نحبه مات، والبين: الفراق. وغير توديع: استثناء منقطع.
وفي نسخة: غير مكذوب. وإن - بالبيت - مخففة.
(3) في حاشية الامير 1/ 191: (قوله أبان) اسم رجل يصرف إن كان همزته أصلية كسلام ويمنع ان كانت زائدة. والالف أصلية لوزن الفعل، وعليه المحدثون والنحاة. والأعلاج - جمع علج - وهو الرجل من كفار العجم. والعلج أيضا العير. وسودان: جمع أسود، كعميان جمع أعمى. وقال الفراء: جمع الجمع، أي جمع سود وعمي.
(4) ابن عقيل 1/ 141، والخزانة 4/ 328
(2/604)

نسبه العيني في الكبرى الى رؤبة. ونسبه الصغاني في العباب الى عنترة بن عروس. وتمامه:
ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه
الحليس: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وتحتية ساكنة وسين مهملة.
وشهربه: بشين معجمة. ويقال أيضا: شهبرة، بتقديم الموحدة على الراء، الكبيرة السنّ جدا من النساء. ومن للبدل مثلها في: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) ولو لم يحمل على ذلك لفسد المعنى، لأن العظم ليس من اللحم.
371 - وأنشد:
ولكنّني من حبّها لعميد
قال الأئمة: هذا الشطر لا يعرف له قائل ولا تتمة ولا نظير، وإنما أنشده الكوفيون (1). والعميد والعمود: الذي هدّه العشق. ويروى: لكميد بالكاف، وهو الحزين.
372 - وأنشد:
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها … لكالهائم المقصى بكلّ مراد (2)
قال المصنف في شواهده: لكثير عزة بيت يشبه هذا، وهو قوله:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي … إلى اليوم كالمقصى بكلّ سبيل
قال: فلا أدري من الآخذ من صاحبه، وقد يكون تواردا. قال: والمقصى:
بضم الميم وفتح الصاد المهملة، المبعد. والمراد: بفتح الميم، الذي يذهب فيه
__________
(1) وكذا في حاشية الامير 1/ 192، وفي ابن عقيل 1/ 141 وصدره:
يلومونني في حب ليلى عواذلي
(2) البيت في ابن الشجري 1/ 199 لكثير. وفيه: (بكل مكان).
(2/605)

ويجاء. قال: وفيه استعمال لدن بغير من، ولم يأت في التنزيل إلا مقرونة بها، انتهى.
والبيت استشهد به على دخول لام التأكيد في خبر زال.
373 - وأنشد:
وقد جعلت قلوص بني سهيل … من الأكوار مرتعها قريب (1)
هو من أبيات الحماسة. وقبله:
ولست بنازل إلّا ألمّت … برحلي أو خيالتها الكذوب
وبعده:
كأنّ لها برحل القوم بوّا … وما إن طبّها إلّا اللّغوب
قال التبريزي: يقال: خيال وخياله، وجعلها كذوبا لأنها لا حقيقة لها.
وجعلت ههنا بمعنى طفقت، ولذلك لا يتعدى. ومرتعها قريب من موضع الحال، أي أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الاعياء. قال أبو العلاء: رفع قلوص وجه ردئ، لأن جعل إذا كان للمقاربة تعين أن يكون خبرها فعلا، فالأحسن نصب قلوص ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكورة وليست جعلت في هذا الوجه بمعنى المقاربة، وإنما هي بمعنى صيرت فلا تفتقر إلى فعل، ويكون قوله مرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني، كما يقال: (جعلت أخانا ماله كثيرا) انتهى. وفي شرح المرزوقي: قال أبو الفتح: أوقع الجملة من المبتدأ والخبر موقع الجملة بين الفعل والفاعل، أراد بقرب مرتعها من الأكوار، كما قال:
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي
وفي شرح الحماسة للشلوبين: أن بعضهم أجاز أن يكون جعل بمعنى صير، وحذف منها ضمير الشأن، أي جعلته، أي الشأن، مرتعها قريب. وأن آخر أجاز
__________
(1) الخزانة 1/ 2، والحماسة 1/ 296 لآخر.
(2/606)

أن يكون على الغاء جعلت مع تقدمها. قال المصنف: ويؤيد هذين القولين أنه يروى بنصب قلوص على أنه مفعول
أوّل، والجملة الأسمية الثاني، وفاعل جعلت على هذه الرواية. وعلى رواية الرفع على القولين المذكورين ضمير المرأة السابق في قوله: (إلا ألمت) انتهى. والالمام زيارة لا لبث فيها، وحذف مفعول نازل لفهم المراد، يقول: ما أنزل منزلا الا رأيت هذه المرأة ملمة برحلي، أي متصوّرة بهذه الصورة تشوقا مني، وهذا في حال اليقظة، أو رأيت خيالتها الكذوب قليلة الوفاء إذا نمت. والمعنى: إني لا أخلى منها لا في النوم ولا في اليقظة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس (1):
تنوّرتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عال
قاله المرزوقي. والأكوار: جمع كور، وهو الرحل بأداته. والقلوص الفتية من الإبل. وقال العدوي: القلوص: أوّل ما يركب من اناث الإبل الى أن تثنى، فإذا اثنت فهي ناقة. ومرتعها: مرعاها. والبو: جلد حوار يحشى تبنا ويلقى بين يدي الناقة لتدرّ الأم عليه. وطبها: داؤها. واللغوب: الأعياء، يقول: كان لهذه الناقة ولدا برحل القوم فلا تتباعد عنه وما داؤها إلا التعب.
374 - وأنشد:
؟؟؟ تى صلحت ليقضين لك صالح … ولتجزينّ إذا جزيت جميلا
375 - وأنشد:
غضبت عليّ لئن شربت بجزّة … فلأن غضبت لأشربن بخروف
هو من قصيدة لذي الرّمة هذا أولها أنشده الجاحظ في البيان بلفظ (2):
(فلئن أبيت). وبعده:
__________
(1) ديوانه 31
(2) 3/ 206 ونسبه الى عبد راع. وفي الامالي 1/ 150 نسبه لأعرابي، وليس البيت في ديوان ذي الرمة.
(2/607)

ولئن نطقت لأشربنّ بنعجة … حمراء من آل المذال سجوف
ثم رأيت القالي قال في أماليه (1): حدثني أبو بكر بن دريد قال: أخبرني عبد الرحمن وأبو حاتم عن الأصمعي قال: اشترى أعرابي خمرا بجزّة من صوف فعضبت عليه امرأته فأنشأ يقول:
غضبت عليّ لئن شربت بصوفة … ولئن غضبت لأشربن بخروف
ولئن غضبت لأشربنّ بنعجة … دهشاء مالئة الإناء سجوف (2)
ولئن غضبت لأشربنّ بسابح … هذّاء شمّ المنكبين منيف (3)
ولئن غضبت لأشربنّ بواحد … ولأجعلنّ الصّبر فيه حليفي
ولقد شهدت الخيل تعثر في القنا … وأجبت صوت الصّارخ الملهوف
ولقد شهدت إذ الخصوم تواكلوا … بخصام لا نزق ولا علفوف
قال القالي. الصّفوف: التي تصف بين رجليها عند الحلب.
والسجوف (4): التي لها سجفتان من الشحم، أي طبقات. والعلفوف:
الجافي. وقال المعافي بن زكريا في كتاب الجليس: حدثنا أبو نصر عن الأصمعي قال:
شرب أعرابي بجزة صوف فلامته امرأته وعتبت عليه، فانشأ يقول:
عتبت عليّ لئن شربت بصوفة … فلئن عتبت لأشربن بخروف
ولئن عتبت لأشربنّ بنعجة … ذراء من بعد الخروف سجوف
ولئن عتبت لأشربنّ بلقحة … صهباء مالئة الإناء صفوف
__________
(1) 1/ 150
(2) في الامالي: (دهساء ... سحوف).
(3) رواية الامالي: (نهد أشم).
(4) في الامالي: (سحوف) وانظر الحماسة رقم 4
(2/608)

ولئن عتبت لأشربنّ بصاهل … ما فيه من هجن ولا تقريف
ولئن عتبت لأشربنّ بواحد … ويكون صبري بعد ذاك حليفي
فلقد شربت الخمر في حانوتها … صفراء صافية بأرض الرّيف
ولقد شهدت الخيل تقرع بالقنا … وأجبت صوت الصّارخ الملهوف
قال أبو بكر بن الأنباري: وجدت بغير هذا الاسناد أن امرأته أجابته فقالت:
ما إن عتبت لئن شربت بصوفة … أو أن تلذّ بلقحة وخروف
فاشرب بكلّ نفيسة أوتيتها … وملكتها من تالد وطريف
وارفع بطرفك عن بنيّ فإنّه … من دونه شغب وجدع أنوف
الذراء: في رأسها بياض. والسجوف: السمينة.
376 - وأنشد:
لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى … تباريح من ليلى فللموت أروح (1)
وهو من قصيدة لذي الرّمة وأولها (2):
ألم تعلمي يا ميّ أنّي وبيننا … مها ولطرف العين فيهنّ مطرح
__________
(1) ديوان ذي الرمة ص 86 وفيه: (من مي ...). والكامل 692، والاغاني 5/ 63
(2) الكامل 691، وليس البيت هو أول القصيدة في الديوان، وانما ترتيبه رقم 34 والبيت الذي يليه ترتيبه في القصيدة رقم 11، ورواية البيت الاول كما في الديوان:
اذا قلت تدنو ميّة اغبرّ دونها … فياف لطرف العين فيهن مطرح
(2/609)

ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن … أمام المطايا تشرئبّ وتسنح
وأورده المبرد في الكامل بلفظ:
تباريح من ذكراك للموت أروح
وأورده في الأغاني: (ومهاو: جمع مهواة) وهو الهواء بين الشيئين. ويقال لفلان في داره مطرح إذا وصفها بالسعة، يقول: مطرح بصره مرة كذا ومرة كذا.
والشادن: الذي قد شدن، أي تحرّك. ويقال لمن وقف ينظر كالمتحير: قد اشرأب نحوي. ويقال: هو يسرح في المرعى. والتباريح: الشدائد، يقال برح به.
377 - وأنشد:
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا … أصم في نهار القيظ للشّمس باديا (1)
هو لامرأة من عقيل، وبعده:
وأركب حمارا بين سرج وفروة … وأعر من الخاتام صغرى شماليا
القيظ: بفتح القاف، شدّة الحر. وباديا: من بدا، بلا همز، إذا ظهر، وهو حال. ويروى بدله: (ضاحيا) أي بارزا للشمس. والخاتام: لغة في الخاتم.
والبيت استشهد به على الاكتفاء بجواب الشرط، وهو أصم عن جواب القسم المقدر قبل اللام الموطئة.
378 - وأنشد:
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا (2)
__________
(1) الخزانة 4/ 538.
(2) ديوانه 134، والاغاني 1/ 105 (الدار).
(2/610)

هو لعمر بن أبي ربيعة. أخبرني أبو الفرج في الأغاني: عن مصعب الزّبيري قال: اجتمع نسوة فذكرن عمر ابن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوّقن إليه وتمنّينه، فقالت سكينة: أني لكنّ به، فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصّورين ليلة سمّتها (1)، فوافاهنّ على رواحله، فحدّثهنّ حتى طلع الفجر وحان انصرافهنّ فانصرف الى مكة فقال في ذلك:
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا
قد حلفت ليلة الصّورين جاهدة … وما على المرء إلّا الحلف مجتهدا (2)
لأختها ولأخرى من مناصفها (3) … لقد وجدت به فوق الّذي وجدا
لو يجمع النّاس ثمّ اختير صفوتهم (4) … شخصا من النّاس لم أعدل به أحدا
__________
(1) الصورين: موضع بالمدينة بالبقيع، ذكره ياقوت واستشهد بالبيت.
(2) في الديوان 136: (الا الصبر مجتهدا). وقوله: جاهدة ... الخ، حال من ضمير حلفت، والجهد: ما جهد الانسان من مرض أو أمر شاق، فهو مجهود. وقوله: وما على المرء، بمثابة تسلي للعاشق.
(3) في الديوان: (لتربها). والمصنف. الخادم. والانثى بالهاء، جمعه مناصف.
(4) في الاغاني والديوان (لو جمع).
(2/611)

شواهد لا
379 - وأنشد:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا … وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا
تقدم شرحه في شواهد إذ (1).
380 - وأنشد:
من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح
تقدم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة سعد بن مالك (2).
381 - وأنشد:
تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا … ولا وزر ممّا قضى الله واقيا (3)
لم يسم قائله. وتعز: أمر من العزاء، وهو الصبر والتسلي. والوزر الملجأ، وأصله الجبل.
382 - وأنشد:
نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل … فبوئت حصنا بالكماة حصينا (4)
__________
(1) انظر ص 238 الشاهد رقم 117
(2) انظر ص 582 الشاهد رقم 349 وص 583 والخزانة 1/ 223 و 2/ 90
(3) ابن عقيل 1/ 128
(4) ابن عقيل 1/ 128
(2/612)

قال العيني: أنشده أبو الفتح ولم يعزه إلى أحد. وإذ ظرف، ولا: بمعنى ليس، وصاحب اسمها. وغير خاذل خبرها، وهو من الخذلان، وهو ترك النصر.
وبوّئت: أي سكنت، من بوّأه الله منزلا، أسكنه إياه. وتبوّأت منزلا: إتخذته.
والباءة: المنزل. وحصنا: مفعول ثان، وحصينا: صفة له. وبالكماة: متعلق بنصرتك، كذا قال العيني. وقال: وباؤه تحتمل السببية والاستعانة. والكماة جمع كمى، وهو الشجاع المتكمى سلاحه، المتغطى به.
383 - وأنشد:
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا … سواها، ولا عن حبّها متراخيا (1)
هو من قصيدة للنابغة الجعدي يرثي بها ابنه محاربا وأخاه وحوحا، وقبله:
بدت فعل ذي ودّ فلمّا تبعتها … توّلت وأبقت حاجتي في فؤاديا
وبعده:
أتيحت له والغمّ يحتضر الفتى … ومن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا
فلا هي ترضى دون أمرد ناشئ … ولا أستطيع أن أعيد شبابيا
وقد طال عهدي بالشّباب وظلّه … ولاقيت أيّاما تشيب النّواصيا
أتيحت: قدرت. وبدت: أي ظهرت، وضميره للمحبوبة. ويروى: دنت اي قربت وفعل نصب بنزع الخافض، أي كفعل والمعنى: فعلت معي فعل ذي محبة.
وقوله: وسواد القلب: حبته، ولا بمعنى ليس، وأنا اسمها، وباغيا خبرها.
ومنها (2):
ألم تعلمي أنّي رزئت محاربا … فما لك منه اليوم شيء ولا ليا
__________
(1) ابن عقيل 1/ 129
(2) الامالي 2/ 2، والشعراء 252، والخزانة 2/ 12 - 13، وهي فى الحماسة بشرح التبريزي من مقطوعتين 3/ 19 و 82 - 83
(2/613)

ومن قبله ما قد رزئت بوحوح … وكان ابن أمّي والخليل المصافيا
فتى كان فيه ما يسرّ صديقه … على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
فتى كملت خيراته غير أنّه … جواد فما يبقي من المال باقيا
استشهد سيبويه بهذا البيت على نصب غير على الاستثناء المنقطع، أي ولكنه مع ذلك جواد (1). قال المبرد: هذا القبيل من المدح يسمى الاستشباه.

فائدة: [النابغة الجعدي]
النابغة الجعدي: صحابي اسمه حسان (2) بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس، كذا صححه صاحب الأغاني. وقيل اسمه قيس بن عبد الله (3) بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، قال ابن الأعرابي، يكنى أبا ليلى. قال في الاغاني (4): وانما سمي النابغة لأنه أقام مدّة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله. ثم أخرج عن ابن الاعرابي قال: أقام النابغة ثلاثين سنة لا يتكلّم بالشعر، ثم تكلم به. وقال القحذمي: كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني. وقال ابن سلام (5): كان النابغة الجعدي قديما شاعرا مفلقا طويل البقاء في الجاهلية والاسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:
ومن يك سائلا عنّي، فإنّي … من الفتيان أيّام الختان
أتت مئة لعام ولدت فيه … وعشر بعد ذاك وحجّتان
فقد أبقت صروف الدّهر منّي … كما أبقت من السّيف اليماني
__________
(1) سيبويه 1/ 367
(2) في الاغاني 5/ 3 (الثقافة) ومعجم الشعراء 195: (حيّان).
(3) الشعراء 247، ومعجم الشعراء 195
(4) 5/ 5 (الثقافة) وانظر الموشح 65
(5) طبقات الشعراء 103، والاغاني 5/ 6 (الثقافة)، والمعمرين 164
(2/614)

قال: وعمّر بعد ذلك عمرا طويلا. وأيام الختان: وقعة لهم (1). أدرك النابغة الاسلام فاسلم، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الحارث بن أبى أسامة في مسنده، وأبو الفرج في الاغاني، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن النابغة الجعدي قال:
أنيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنشدته قولي (2):
وإنّا لقوم ما تعوّد خيلنا … إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وننكر يوم الرّوع لو أنّ خيلنا … من الطّعن حتّى نحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّها … صحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا … وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الى أين؟ قلت: الى الجنة. فقال: نعم، ان شاء الله. قال: فلما أنشدته:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له … بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له … أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك. فكان من أحسن الناس ثغرا، وكان اذا سقطت له سنّ نبتت له. قال ابن قتيبة (3): كان عمر النابغة مائتين
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الاغاني والمعمريين (الخنان). والذي في القاموس:
(... والخنان زكام للابل كان في عهد المنذر بن ماء السماء ...
وقال الاصمعي: كان الخنان داء يأخذ الابل في مناخرها وتموت منه فصار ذلك تاريخا لهم). وصدر البيت في المعمرين برواية:
فمن يحرص على كبري فإني
(2) الشعراء 247، والابيات من قصيدة طويلة 76 بيتا في جمهرة اشعار العرب 275 - 281، وانظر تاريخ الطبري 13/ 50
(3) الشعراء 248 - 249
(2/615)

وعشرين سنة ومات باصبهان. قال في الاغاني: وما ذاك بمنكر لانه قال في شعره (1):
لبست أناسا فأفنيتهم … وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم … وكان الإله هو المستآسا
روي أن عمر بن الخطاب سأله: كم لبثت مع كل أهل لك؟ فقال: ستين سنة، فهذه مائة وثمانون سنة. ثم عمر بعده فمكث الى أيام عبد الله بن الزبير وقدم عليه مكة. وقال أبو عبيدة: كان النابغة الجعدي ممن ذكر (2) في الجاهلية، وأنكر الخمر والسّكر، وهجر الأزلام والأوثان، وقال كلمته التي أوّلها (3):
الحمد لله لا شريك له … من لم يقلها فنفسه ظلما
وكان يذكر دين ابراهيم، ويصوم ويستغفر، وشهد مع علي رضي الله عنه صفين.
وقال أبو زيد (4): كان النابغة شاعرا مقدّما، وكان مغلّبا، ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جبيل فغلبوه جميعا. وقال علي بن سليمان الأخفش أوّل من سبق الى الكناية عن اسم من يعنى بغيره في الشعر الجعدي فانه قال:
أكنّي بغير اسمها وقد علم اللّ … ه خفيّات كلّ مكتتم
فسبق الناس جميعا اليه وتبعوه.
384 - وأنشد قول امرئ القيس:
كأنّ دثارا حلّقت بلبونه … عقاب تنوفي لا عقاب القواعل
تقدم شرحه في حرف العين وقد سقت هناك القصيدة بتمامها (5).
__________
(1) انظر الشعراء 254، واللسان 7/ 314، والاغاني 5/ 6 - 8 (الثقافة) والمعمريين 57
(2) في الاغاني: (فكّر).
(3) الاغاني 5/ 9
(4) انظر ابن سلام 105، والعمدة 1/ 188 والموشح 5
(5) انظر ص 440 - 441 والشاهد رقم 234، وهو في الخزانة 4/ 471
(2/616)

385 - وأنشد:
ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (1)
هو لذي الرّمّة. أخرج ابن عساكر من طريق نفطويه، ومحمد بن القاسم الأنباري قال: أنبأنا ثعلب عن أبى زيد، حدثني إسحق بن ابراهيم، حدثني أبو صالح الفزاريّ قال (2): ذكر ذو الرّمّة في مجلس فيه عدّة من الأعراب فقال عصمة بن مالك، شيخ منهم، قد أتى له مائة سنة، فقال: كان من أظرف الناس، كان آدم خفيف العارضين، حسن المضحك، حلو المنطق، وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود وهمام وخرفاس (3)، فكانوا يقولون القصيدة فيزيد فيها الأبيات، فيغلب عليها فتذهب له، فأتى يوما فقال لي: يا عصمة، إن ميّة منقرية، وبنو منقر، أخبث حي وأبصره بأثر، وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقة نزر عليها ميّة؟
فقلت: نعم عندي الجؤذر، قال: عليّ بها، فركبناها جميعا، حتى نشرف على بيوت الحي، فاذا هم خلوف (4) واذا بيت ميّة خال، فملنا إليه فتعرّض النساء نحونا، فطلعت علينا ميّة، فاذا هي جارية أملود واردة الشّعر (5) قلن: أنشدنا يا ذا الرّمّة.
فقال: أنشدهنّ يا عصمة، فانشدتهنّ (6):
وقفت على رسم لميّة ناقتي … فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
__________
(1) ديوانه 206 وابن عقيل 1/ 117 والكامل 126، والموشح 185، والصناعتين 390، والعمدة 2/ 48، ونقد الشعر 158 والجوهري (يا)، والاغاني 5/ 38 و 40 و 16/ 128، والتاج (جرع)، والاشموني شاهد رقم 11 وأوضح المسالك شاهد رقم 82 وذيل الامالي 125 والعقد الفريد 6/ 418، ومجالس ثعلب 42
(2) ذيل اللآلي 123 - 125 والعقد الفريد 6/ 416 - 418 والاغاني 16/ 124 ومجالس ثعلب 39 - 42 ببعض الاختلاف.
(3) في العقد: (مسعود وهشام وأوفى).
(4) الخلوف: جمع خلف، بالفتح، وهم القوم الذين ذهبوا من الحي يستقون وخلفوا أثقالهم. قال ابن الاعرابي: الخلوف: الحي اذا خرج الرجال
وبقي النساء.
(5) أملود: ناعمة مستوية القامة. والشعر الوارد: المسترسل الطويل.
(6) ديوانه 38.
(2/617)

وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه … تكلّمني أحجاره وملاعبه
حتى بلغت الى قوله:
هوى آلف خاف الفراق ولم يحل … حوائلها أسراره ومعائبه (1)
فقالت ظريفة، ممن حضر: فليحل الآن، فنظرت اليها حتى أتيت على قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح … عن القلب آبته جميعا عواز به (2)
فقالت الظريفة منهنّ: قتلته قتلك الله. فقالت ميّ: ما أصحّه وهنيأ له.
فتنفّس ذو الرمة نفسا كان من حرّه يطير شعر وجهه، ومضيت حتى أتيت على قوله:
وقد حلفت بالله ميّة ما الّذي … أقول لها إلّا الّذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرى … ولا زال في داري عدو أحاربه
فقال الظريفة: قتلته قتلك الله! فالتفتت ميّ فقالت: خف عواقب الله يا غيلان، ومضيت حتى أتيت على قوله:
إذا راجعتك القول ميّة أو بدا … لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه
فيالك من خدّ أسيل ومنطق … رخيم ومن خلق تعلّل جاذبه «2»
__________
(1) رواية البيت كما في ديوانه 40:
هوى آلف جاء الفراق فلم تجل … جوائلها أسراره ومعاتبه
وفي ذيل الأمالي، ومجالس ثعلب: (بكى وامق جاء الفراق ولم تجل ...). وفيهما، وكذلك في العقد بدل البيتين الأولين، البيتان:
نظرت الى أظعان مىّ كأنها … ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأوشلت العينان والصدر كاتم … بمغرورق نمّت عليه سواكبه
وهما من نفس القصيدة.
(2) وكذا في الأغاني، وفي المراجع السابقة: (جادبه) بالدال المهملة.
(2/618)

فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك القول، وبدا لك وجهها فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها ميّة فقالت: قاتلك الله، ما أعظم ما تجيبين به.
فتحدثنا ساعة، ثم انصرفنا. فكان يختلف إليها حتى اذا انقضى الربيع ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة، قد ترحلت ميّة ولم يبق إلا الآثار والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر الى آثارهم. فخرجنا حتى انتهينا فوقف وقال:
ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى … ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير ثاو بقفرة … تجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر
قال عصمة: فما ملك عينيه. فقلت: مه، فانتبه وقال: إنّي لجلد وإن كان مني ما ترى، ثم انصرفنا وتفرّقنا. وكان آخر العهد به.
قوله: تعلل جاذبه: أي لم يجد فيه مقالا فهو يتعلل بالشيء يقوله، وليس بعيب.
والبيتان المذكوران مطلع قصيدة طويلة، ومنها:
لها بشر مثل الحرير ومنطق … رخيم الحواشي لاهراء ولا نزر (1)
وعينان قال الله كونا فكانتا … فعولان بالألباب ما يفعل الخمر
ألا: حرف استفتاح. وقوله: يا اسلمى، حرف نداء. والمنادى محذوف، أو حرف تنبيه، واسلمى، فعل دعاء، أي يا هذه سلمك الله على أنك قد بليت. ومىّ مرخم مية. والبلى، بالكسر والقصر، مصدر بلى يبلي، من باب علم يعلم.
ومنهلا، بضم الميم وسكون النون وتشديد اللام، من الانهلال، وهو انسكاب الماء وانصبابه. والجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيأ. والقطر: المطر. وقد عيب على ذي الرمة عجز هذا البيت فإنه أراد أن يدعو لها فدعا عليها بالخراب، وقدم عليه بيت طرفة:
__________
(1) ديوانه 212 - 213، وفيه. (دقيق الحواشي).
(2/619)

فسقى ديارك غير مفسدها … صوب الرّبيع وديمة تهمي
وأجيب بأنه قدم الاحتراس بقوله اسلمى (1). وأجاب ابن عصفور: بأن لا زال تقتضي ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنه عهد دار ميّة في خصب لسقيا المطر لها في أوقات الحاجة إليه، فدعا
لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها وقت الحاجة اليه. قوله: لها بشر: أي جلد. ورخيم الحواشي، بالخاء المعجمة، أي لين نواحي الكلام. وقال ابن فارس:
رخيم أي رقيق، ويقال: الصوت الرخيم هو الشجي الطيب النغمة. والحواشي:
جمع حاشية وهي الناحية. والهراء: بضم الهاء وتخفيف الراء، الكلام الكثير الذي ليس له معنى. والنزر: بفتح النون وسكون الزاي، القليل. ويروى: ولا هذر، بالذال المعجمة، وهو الكثير، ومراده أنه لا كثير بلا فائدة ولا قليل يخل.
386 - وأنشد:
لا بارك الله في الغواني هل … يصبحن إلّا لهنّ مطّلب (2)
هو من قصيدة لعبيد الله بن قيس الرقيات يمدح بها عبد الملك بن مروان، وأولها:
عاد له من كثيرة الطّرب … فعينه بالدّموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتها … لا أمم دارها ولا صقب
والله ما إن صبت إليّ ولا … يعلم بيني وبينها سبب
إلّا الّذي أورثت كثيرة في ال … قلب وللحبّ سورة عجب
__________
(1) انظر الموشح والصناعتين في الصحائف المذكورة في التعليق على الشاهد.
(2) ديوانه 3 (فما يصبحن)، والكامل 735، وسيبويه 2/ 54، والصناعتين 150، والمفصل 184، والصحاح والتاج واللسان:
(غنى).
(2/620)

لا بارك الله في الغواني هل … يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
أبصرن شيبا على الذّؤابة في الرّأ … س حديثا كأنّه العطب
فهنّ ينكرن ما رأين ولا … يعرف من لذّاتي اللّعب
ما ضرّها لو غدا بحاجتنا … غاد كريم أو رائح جنب
لم يأت من ريبة وأجشمه ال … حبّ، فأمسى وقلبه وصب
يا حبّذا يثرب ولذّتها … من قبل أن يهلكوا ويختربوا
وقبل أن يخرج الّذين لهم … فيها الثّناء العظيم والحسب
بغت عليهم بها عشيرتهم … فعوجلوا بالجزاء واطّلبوا
قوم هم الأكثرون قبض حصى … في الحيّ والأكرمون إن نسبوا
ما نقموا من بني أميّة إلّا … أنّهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فما … تصلح إلّا عليهم العرب
إنّ الفنيق الّذي أبوه أبو ال … عاصي، عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبره … جفّت بذاك الأقلام والكتب
يعتدل التّاج فوق مفرقه … على جبين كأنّه الذّهب (1)
تجرّدوا يضربون باطلهم … بالحقّ حتّى تبيّن الكذب
__________
(1) وبعده كما في الديوان 5:
أحفظهم قومهم بباطلهم … حتى اذا حاربوهم حربوا
(2/621)

ليسوا مفاريح عند توبتهم … ولا مجازيع إن هم نكبوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم … والأسد أسد العرين إن ركبوا
لم تنكح الصمّ منهم عربا … وليس يؤذنهم إذا خطبوا
قال ثعلب في أماليه (1): حدثني عبد الله بن شبيب، حدثني زبير، حدثني عبد الله بن النضر قال: لما أحيط بمصعب بن الزبير دعا عبيد الله بن قيس فقال له: خذ من هذا المال ما أطقت وانج بنفسك! قال: ما كنت لأسأل الركبان عنك أبدا، فأقام يقاتل مع مصعب حتى إذا قتل خرج هاربا حتى دخل الكوفة، فوقف على باب فإذا امرأة، فلما نظرت إليه علمت أنه خائف، قالت: ادخل، فدخل فصعد عليّة لها، فأقام أربعة أشهر تعدو وتروح عليه بمصلحته لا تسأله من هو، ولا يسألها من هي، قال: وهي تسمع الجعيلة فيه صباح مساء. فجعل فيه ديته وأهدر دمه. فقال لها:
يا هذه، قد طربت إلى أهلي، قالت: فلا تعجل، فلما كان الليل قالت له: إذا شئت فانزل، فنزل فإذا راحلتان على أحداهما رحل وعلى الأخرى ذاملة وعبدان، قالت:
اركب، هذا دليل وهذا رحال للعبدين، فقال لها: من أنت؟ فو الله ما رأيت أكرم منك؟ قالت: أولا تعرفني؟ قال: لا والله، قالت: أنا التي تقول فيها:
عاد له من كثيرة الطّرب ... الأبيات
ثم مضى حتى دخل المدينة فأتى أهله طروقا، فلما أن دخل عليهم بكوا وقالوا:
ما خرج الطلب من عندنا إلا بالامس، فانج بنفسك. فقدم على عبد الله بن جعفر وقال: جئتك مستجيرا، فركب إلى عبد الملك بن مروان فقال: حاجة يا أمير المؤمنين، فقال: كل حاجة لك الا عبيد الله بن قيس، قال: ما كنت أراك تحجر علىّ شيأ! قال: فكل حاجة لك مطلقة. قال: عبيد الله بن قيس، تهب لي ذنوبه، قال:
قد فعلت، ثم غدا عليه فأنشده القصيدة حتى انتهى الى قوله (2):
__________
(1) الاغاني 5/ 69 - 70 (الثقافة).
(2) انظر الموشح 186 - 187 والكامل 646 - 647
(2/622)

يعتدل التّاج فوق مفرقه … على جبين كأنّه الذّهب
قال: تمدحني بما يمدح به الأعاجم، وتقول في مصعب:
إنّما مصعب شهاب من الله … تجلّت عن وجهه الظّلماء
وكان قد أعدّ له عساسا من خلنج قد ملأها ألبان البخت، يحمل العمل جماعة بحلق حتى وضعت بين يديه، قال: أين هذه من عساس مصعب حين يقول (1):
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي … لبن البخت في عساس الخلنج
قال: لا أين يا أمير المؤمنين، قال: ولما ذاك؟ قال: لو طرحت عساسك كلها في عس من عساس مصعب لتقلقلت داخله، قال: أبيت إلا كرما قاتلك الله، أخرج فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. فخرج من عنده حتى لقى عبد الله بن جعفر فاخبره، فقال: عمر نفسك، فعمر نفسه أربعين سنة، فأعطاه لكل عطاء عطاءين، وقال: لا يخرج لهم عطاء الا أعطيتك مثله، فخرج من عنده وهو يقول (2):
تعدّت بي الشّهباء نحو ابن جعفر … سواء عليها ليلها ونهارها
قال أحمد بن كامل: كثيرة التي قال فيها ابن قيس:
عاد له من كثيرة الطّرب
هي أم عبد الصمد علي بن عبد الله بن عباس. وقال الزمخشري في شرح شواهد الكتاب: حرّك الياء من الغواني للضرورة، والمطلب: التطلب، أي لا يتركن. ويجوز أن يريد أنهن يطلبن من يواصلنه لا تثبت مودتهن لأحد سريعات الصوم. ويروى: (لهن مطلب) بكسر اللام أي يطلبهن. قال ابن السيرافي: وما أحب هذه الرواية لقلة من يرويها وفيه وجه آخر رواه الأصمعي في الغواني وهل ولا ضرورة فيه على هذا، انتهى.
__________
(1) ديوانه 181
(2) ديوانه 92
(2/623)

387 - وأنشد:
لا همّ إن الحارث بن جبله … زنا على أبيه ثمّ قتله
وركّب الشّادخة المحجّله … وكان في جاراته لا عهد له
وأيّ أمر سيّئ لا فعله
قال التبريزي في شرح أبيات الإصلاح: الحارث بن جبلة هو الغساني.
ولا همّ، وأصله: اللهم. وزنا: أي ضيق. والشادخة: الغرّة، يكنى بها عن الأمر اليسير. وكذا المحجلة من التحجيل وهو بياض القوائم. وهم يقولون في الشيء المشهور: هو أغرّ محجل. والجارات: جمع جارة، وهنّ النساء اللاتي يجاورنه. والعهد: الذمام والحرمه. يصفه بالغدر وقلة المعروف، وإنه ضيق على أبيه ثم عدا عليه فقتله وركب الخطة الشنعاء التي تشتهر في الناس اشتهار الغرّة في الوجه، والتحجيل في القوائم. ولم يرع عهد نسائه، بل انتهك حرمتهن ولم يترك أمرا ذميما إلا ارتكبه. وقال ابن يسعون: هذا الرجز لابن العفيف العبدي أو عبد المسيح بن عسلة. قاله في الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج، من بني جبلة.
وكان اذا أعجبته امرأة من قيس أرسل إليها فاغتصبها حتى قال فيه بعض الكلابيين:
يا أيّها الملك المخوف أما ترى … ليلا وصبحا كيف يعتقبان
هل تستطيع الشّمس أن تأتي بها … ليلا، وهل لك بالمليك يدان
اعلم وأيقن أنّ ملكك زائل … واعلم بأنّ كما تدين تدان
وقال ابن الشجري في أماليه: قوله: زنا على أبيه، يروى بتخفيف النون وتشديدها. فمن رآه مخفففا فمعناه زنا بامرأته، ومن رآه مشددا فأصله زناء مهموز. ومعناه ضيق عليه. وهذا القول أوجه، وهي امرأة ابن السكيت (1).
__________
(1) كذا.
(2/624)

388 - وأنشد:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا (1)
قال السكري في أشعار هذيل: قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة الهذلي قال: قال أبو خراش وهو يسعى بين الصفا والمروة، وثم شجر يومئذ:
لاهمّ هذا رابع إن تمّا … أتمّه الله وقد أتمّا
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا
وأبو خراش هذا اسمه خويلد بن مرّة القرددي، وقردد هو عمرو بن معاوية بن سعيد بن هذيل، وكذا قال ابن الشجري في أماليه. قال: وقوله:
(لا ألما) أي لم يلم بالذنوب. فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا
وأخرج الترمذي وابن جرير والبزار وغيرهم من طريق زكريا بن أبي اسحق، عن عمرو بن دينار، وعن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال:
هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك لا ألمّا
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
389 - وأنشد:
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها
__________
(1) البيت في الاغاني 4/ 131 و 135 (الثقافة) منسوب لأمية بن أبي الصلت، وليس هو في ديوانه، ولا في ديوان الهذليين.
(2/625)

هو من قصيدة للنابغة الذبياني أوّلها (1):
لقد نهيت بني ذبيان عن أثر (2) … وعن ترّبعهم في كلّ أصفار
وقلت: يا قوم، إنّ اللّيث منقبض … على براثنه، للوثبة الضّاري (3)
لا أعرفن ربربا حورا مدامعها … كأنّ أبكارها نعاج دوّار
ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض … بأوجه منكرات الرّقّ أحرار
أقر: بضم الهمزة والقاف وراء، واد مملوء حمضا ومياها، وكان النعمان ابن الحارث قد حماه فاحتماه الناس، وتربعته بنو ذبيان، فنهاهم النعمان (4) عن ذلك وحذرهم، فأبوا، فأرسل إليهم خيلا فأصابوهم، فقال النعمان «4» هذه القصيدة.
وتربعهم: حلولهم زمن الربيع. وأصفار: جمع صفر. ومنقبض: مجتمع، متهيئ للوثوب. والبراثن: بمثلثة، المخالب. والضاري: صفة الليث، ومعناه المتعوّد أكل الناس. وضرب هذا مثلا للملك الذي حذر قومه. قوله: لا (أعرفن) استشهد به على نهي فعل المتكلم، وهو قليل. والربرب: القطيع من البقر، شبّه النساء من حسن العيون وسكون المشي. والحور: بضم الحاء المهملة، جمع حوراء من الحور، وهو شدّة بياض العين في شدّة سوادها. وقيل: الحور أن تسودّ العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. قاله أبو عمرو. قال: وليس في بني آدم حور وإنما قال للنساء: حور العين لانهنّ شبهن بالظباء والبقر. والمدامع:
العيون، وهي مواضع الدمع. والنعاج: أناث البقر. ودوّار: بضم الدال وتشديد الواو، اسم موضع باليمامة. ويروى بدل هذا الشطر:
مردفات على أعقاب أكوار
__________
(1) ديوانه 55 (دار صادر).
(2) كذا بالاصل، وفي الديوان، وكما سيأتي بالشرح: (أقر).
(3) في الديوان: (لوثبة).
(4) كذا بالاصل، وأرى ان يكون الاسم (النابغة) حتى يستوي الكلام.
(2/626)

والأكوار: جمع كور، بضم الكاف، وهو الرجل بأداته. ومردفات: نصب على الحال من ربرب، قاله العيني. قلت: والأوجه أنه صفة لها لأن ربربا نكرة. قوله (عن عرض) أي عن اعتراض منكرات للرق، أي هن أحرار، فإذا سبين أنكرن الرق، يخاطب بني ذبيان، وكانوا قد أغاروا على بعض أهل الشام فنهاهم عن ذلك، ذكره الزمخشري.
390 - وأنشد:
جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ
قال المبرد في الكامل (1): العرب تختصر التشبيه، وربما أو مأت إليه إيماء. وقال أحمد الرّجّاز:
بتنا بحسّان ومعزاة تئطّ … تلحس أذنيه وحينا تمتخط (2)
ما زلت أسعى بينهم وأختبط (3) … حتّى إذا كاد الظّلام يختلط
جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ
يقول في لون الذئب، واللّبن إذا خلط بالماء: ضرب الى الغبرة انتهى. وحسان: مصروف وممنوع، والمعزي: بكسر الميم، من الغنم خلاف الضأن. وتئط: تصوّت، من الأطيط. وأكثر ما يستعمل في صوت الإبل والرحل. والمذق: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وقاف، اللبن الممزوج بالماء
__________
(1) ص 875 وانظر الخزانة 1/ 275 و 2/ 293 و 482 و 553، وابن عقيل 2/ 57
(2) هذا العجز ليس في الكامل وهو في الخزانة 1/ 277
(3) في الكامل (وألتبط).
(2/627)

فيقل بياضه. وأورده ابن الشجري في أماليه بلفظ: جاؤ بضيج (1). وقال:
الضجيج يضرب لونه الى الخضرة والطلسة. قوله: وهل رأيت الذئب قط، جملة انشائية ظاهرة إنها صفة لمذق، وإنما توصف بالخبرية، فأوّل بإضمار القول أي بمذق. تقول عند رؤيته: هل رأيت. قال التغلبي: وفيه وجه آخر أن التقدير:
جاؤا بمذق يشابه لونه لون الذئب.
391 - وأنشد:
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها
هو من قصيدة للنّمر بن تولب أوّلها (2):
توّحش من أطلال جمرة مأسل … فقد أقفرت منها شراء فيذبل
ودسّت رسولا من بعيد بآية … بأن حيّهم واسألهم ما تموّلوا
فحيّيت عن شحط فخير حديثنا … ولا يأمن الأيّام إلّا المضلّل
لنا فرس من صالح الخيل نبتغي … عليه عطاء الله، والله ينحل
وحمر مدمّاة كأنّ ظهورها … ذرى كثب قد بلّها الطّلّ من عل
الى أن قال في وصفها:
إذا وردت ماء، وإن كان صافيا … حدته على دلو يعلّ وينهل
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها … ولا الضّيف فيها إن أناخ محوّل
__________
(1) في الخزانة (الضيح) بالحاء المهملة وفسره فقال: وهو اللبن الذي قد أكثر عليه الماء.
(2) جمهرة أشعار العرب 191 - 194 والصناعتين 168 - 169 والعيني 2/ 395
(2/628)

ومنها
لعمري، لقد أنكرت نفسي ورابني … مع الشّيب أبدالي الّتي أتبدّل
دعاني العذارى عمّهنّ وخلتني … لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم … تلاقونه حتّى يؤوب المنخّل
فيضحى قريبا غير ذاهب غربة … وأرسل أيماني ولا أتحلّل
وظلعي ولم أكسر، وإنّ ظعينتي … تلفّ بنيها في الأوار وأعزل
وبطئي عن الدّاعي ولست بآخذ … إليه سلاحي مثل ما كنت أفعل
تدارك ما بعد الشّباب وقبله … حوادث أيّام تمرّ وأغفل (1)
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى … فكيف ترى طول السّلامة يفعل؟ (2)
يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة … ينوء إذا رام القيام ويحمل
قوله: (توحش) يروى بدله (تأبد). وهو معناه، يقال: تأبد المنزل، أي أقفر وألفته الوحوش. وجمرة: بجيم وراء، زوجة النمر بن تولب. ومأسل: بفتح الميم والسين المهملة بينهما همزة ساكنة، رملة. وشراء: مثل حزام، موضع.
ويذبل: جبل. قوله: ودست، أي أرسلت رسولهم. وقالت اسألهم ماذا اقتنوا من المال. والآية: العلامة بيننا اذا جاء سائل ليسأل ما اقتنيت من المال. وحييت:
رددت التحية. والتشحط: البعد. وخير حديثنا: أي حالنا حسنة. وكنا لا نأمن تغير الايام ولا يأمن ذلك إلا مضلل جاهل. وينحل: بالحاء المهملة، يعطي. وحمر:
أي ولنا إبل حمر. ومتونها: ظهورها، وذي أعالي. وكثب: جمع كثيب. قد
__________
(1) في اللآلي 532 والصناعتين والجمهرة: تدارك ما قبل الشباب وبعده
(2) وكذا في الاغاني 22/ 293 وفي اللآلي 532: (طول السلامة جاهدا).
(2/629)

بلها: أي لبدها. قوله: (فلا الجارة) أي جارتنا. لا تلحي إبلها: أي لا تشتمها لأنها تصب من لبنها والدنيا القريبة. وقوله: (إن أناخ) أي برك راحلته. ومحول:
من التحويل. وقوله: (تلحينها) استشهد به على دخول نون التأكيد بعد لا النافية، تشبيها لها في اللفظ بلا الناهية. قوله: (ورابني) أي أبصرت ما أنكره، تبدّلت ضعفا بعد قوّة، وبياضا بعد سواد، ومنهما بعد صحة. قوله: (دعاني العذارى) في ديوان النمر، وقول العذارى: وهو معطوف على فاعل رابني وأنشده النحاة بلفظ دعاني. والعذارى: جمع عذراء وهي الجارية التي لم يسمها رجل، وهي البكر. والغواني: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بحسنها عن الزينة، وفيه شاهد على ترك تاء التأنيث للفصل. ويروى: دعا العذارى، مصدر مضاف لفاعله، والمفعول الأول محذوف، أي دعا العذارى إيّاي عمهن، ودعا: نصب بتقدير أنكرت. وروى (دعاني العذارى) على اضافته للمفعول الأول. قوله: (وخلتني) أي خلت نفسي، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب. واستشهدوا به على استعمال خال بمعنى تيقن.
وجملة لي: اسم في موضع المفعول الثاني، وجملة: (وهو أول) حال. قوله:
(وقولي إذا ما أطلقوا) أي اذا أرسلوا بعيرهم، أقول لا يعود أبدا ولا يردّه أحد لما أجد في نفسي من الضعف. وقوله: (تلاقونه) على حذف لا، أي لا تلاقونه.
والمنخل: رجل مضى من غير تجني قيظا فلم يعد، وهو بضم الميم وفتح النون وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة. قوله: فيضحي، أي البعير. وغربة: بعد. وأرسل: أي فإني أي أحلف ولا أستثني. قوله: (وظلعي ولم أكسر) أي أعمر من غير أن يصيبني كسر. قوله: (وإن ظعينتي) أي امرأته تعتزله، أي استخفت به من الكبر.
قوله: (وبطئي عن الداعي) أي المستغيث، وكلها عطف على فاعل رابني. وينوء:
أي ينهض بمشقة.
392 - وأنشد:
يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني، … وأين مكان البعد إلّا مكانيا
(2/630)

هذا من قصيدة لمالك بن الريب يرثي بها نفسه أوّلها (1):
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بجنب الغضا أزجي القلوص النّواجيا
ومنها:
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى … وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا
أقول وقد حالت قوى الكرد دوننا … جزى الله عمرا خير ما كان جازيا
إن الله يرجعني من الغزو ولم أكن … وإن قلّ مالي طالبا من ورائيا
ومنها:
ولمّا تراءت عند مرو منيّتي … وحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي: ارفعوني فإنّني … يقرّ بعيني أن سهيل بداليا
فيا صاحبي رحلي! دنا الموت، فانزلا … برابية، إنّي مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة … ولا تعجلاني قد تبيّن مابيا
وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئآ … لي السّدر والأكفان عند وفاتيا
ولا تحسداني بارك الله فيكما … من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
إلى أن قال:
وقوما على بئر الشّبيك فأسمعا … بها الحيّ والبيض الحسان الرّوانيا
__________
(1) ذيل الامالي 135 - 141 والخزانة 1/ 317 - 319، والجمهرة 143 - 145 وانظر العيني 3/ 165 - 168 والشعراء 313، والاغاني 19/ 162 - 169 ببعض الاختلاف.
(2/631)

بأنّكما خلّفتماني بقفرة … تهيل عليّ الرّيح فيها السّوافيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني … وأين مكان البعد إلّا مكانيا
غداة غد، يا لهف نفسي على غد … إذا أدلجوا عنّي، وأصبحت ثاويا
وأصبح مالي من طريف وتالد … لغيري وكان المال بالأمس ماليا
قال القالي في أماليه (1): قال أبو عبيدة: لما ولّى معاوية سعيد بن عثمان ابن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ
طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب ابن حوط بن قرط بن حلّ بن ربيعة بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو ابن تميم، وكان مالك فيمن ذكروا من أجمل العرب جمالا وأبينهم بيانا، فلما رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك! ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العداء وقطع الطريق؟ فقال: أصلح الله الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان. قال: فإن أغنيتك واستصحبتك أيكفّك ذلك عسا تفعل وتبتغي؟
قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل سعيد، ومكث مالك بخراسان حتى هلك هناك. فقال هذه القصيدة يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غز وسعيد، طعن فسقط وهو بآخر رمق.
وقال بعضهم: بل مات في خان، فرثته الجنّ لما رأت من غربته ووحدته، ووضعت الجنّ القصيدة تحت رأسه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، انتهى.
ثم قال القالي: الغضا شجر ينبت في الرمل ولا يكون غضاء إلا في الرمل (2).
وأزجي: أسوق. والنواجي: السراع. وقوله:
ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى
يقول: بعت ما كنت فيه من الفتك والضلالة بأن سرت في جيش سعيد بن عثمان بن عفان. وقوله: (يقرّ بعيني أن سهيلا) لا يرى بناحية خراسان، فيقول:
ارفعوني لعلي أراه فتقرّ عيني لأنه يراه من بلده. والرواني: النواظر. وتهيل:
__________
(1) الذيل 135، والخزانة 1/ 320 - 321.
(2) انظر الخزانة 1/ 319 - 320.
(2/632)

تثير. والسوافي: ما جازت الريح الى أصول الحيطان. والثاوي: المقيم.
والطريف والطارف: المال المستحدث. والتالد والتليد: العتيق الموروث.
393 - وأنشد:
فلا تشلل يدا فتكت بعمرو … فإنّك لن تذلّ ولن تضاما
قال أبو زيد في نوادره: هذا الرجل من بكر بن وائل جاهلي، وأورده بلفظ:
ولن تلاما. وبعده:
وجدنا آل مرّة حين خفنا … جريرتنا هم الأنف الكراما
ويسرح جارهم من حيث أمسى … كأنّ عليه مؤتنفا حراما
قال الجرمي: يدا لا تشلل. ثم أقبل على صاحب اليد يخاطبه فقال: فانك لن تذل. وقال أبو زيد: أي لا أشلها الله، يقال: شلّت يده، ولا يقال شلت ولكن أشلّت. ويقال فتكت به أفتك فتكا وفتكا إذا وثبت به من غير أن يعلم فقتلته أو قطعت منه شيئا. والجريرة: ما جروا على أنفسهم من الذنوب، وجمعها جرائر.
والأنف الذين يأنفون من احتمال الضيم. ويسرح: أي يرسل ماشيته في المرعى.
وقوله: (من حيث أمسى) أي لأمنه في موضعه. ومؤتنف: من الأنف الذي لم يرع جعل له وحرم على غيره. وقال أبو سعيد السكري: قوله: مؤتنفا حراما، يريد شهرا حراما فلا يهاج فيه، أي هو من الأمن كأنه في شهر حرام. قال: وفي مؤتنفا بكسر النون، فان لم يكن غلطا فإنه أراد كان عليه وهو مؤتنف مستأنف شهرا حراما.
نصب مؤتنفا على الحال، انتهى.
394 - وأنشد:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد … لها أبدا ما دام فيها الجراضم
عزاه المصنف للفرزدق. وقال أبو عبد الله المفجع في كتابه المسمى بالمنقذ:
هو للوليد بن عقبة يعرض بمعاوية، وبعده:
(2/633)

بصير بما في الطّبل بالبقل عالم … جروز لما التفّت عليه اللهازم
أراد بالجراضم معاوية، لأنه كان كثير الأكل جدا. وهو بضم الجيم:
الأكول الواسع البطن، وكذلك الجرضم. والطبل: السلة التي يجعل فيها الطعام.
وجروز: بفتح الجيم وضم الراء، آخره زاي، معناه: آكل لما بين يديه. واللهازم:
جمع لهزمة وهي الأشداق. والبيت استشهد به على جزم فعل المتكلم بلا الناهية، وهو قليل.
395 - وأنشد:
وتلحينني في اللهو أن لا أحبّه … وللهو داع دائب غير غافل
عزاه المبرد في الكامل للأحوص (1)، وقبله.
ألا يا لقومي قد أشطّت عواذلي … ويزعمن أن أودى بحقّي باطلي
396 - وأنشد:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به … نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (2)
قال الزمخشري في أحاجيه: هذا المبنى غامض المعنى وما رأيت أحدا فسره.
وحكي يونس عن أبي عمرو بن العلاء: إنه جرّ البخل بإضافة لا إليه. وقال السخاوي: هذا البيت أورده أبو علي بنصب البخل، وزعم أنه مفعول أبي، وإن (لا) زائدة. وحكي ذلك عن أبي الحسن الأخفش قال: وأما بقية البيت فلم يفسره وهو مشكل جدا. وأقول في معناه: إنه مدح لكريم أبي لجوده أن ينطق بلا التي للبخل، أي التي يقولها البخيل، واستعجلت بجوده لا، أي سبقت نعم لا كما قال:
__________
(1) ص 4 /؟؟؟
(2) اللسان (لا)
(2/634)

واستعجلونا وكانوا من صحابتنا … كما تعجّل فرّاط لورّاد
أي سبقونا وتقدمونا، أي أن نعم استعجلت لا، أي سبقتها، صادرة من فتى لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم، أي قائل نعم يمنع الجود، ثم قال:
وقوله: (لا يمنع الجود قاتله) أراد الجود، وإن قتله لا يمنعه، فقاتله منصوب على الحال، أي لا يمنع الجود في حال قتله إياه لأن الجود يفقره. وقد قال: الفقر هو الموت الأحمر. قال: ويجوز أن ينتصب قاتله على أنه مفعول، أي أنه لا يمنع من يريد أن يقتله الجود بذلك عليه كما قال:
ولو لم يكن في كفّه غير نفسه … لجاد بها، فليتّق الله سائله
قال: ويجوز أن يكون معنى قاتله من قتل، من يكرم عليه لأن فاعل ذلك قاتل له، ومع ذلك فلا يمنعه ذلك أن يجود عليه، وقد قال الله: (فإن قاتِلُوهُمْ). * ولا يصح أن يكون هذان البيتان في شعر واحد، لأن الأوّل مرفوع القافية، والثاني منصوبها، بل يجوز أن يكون الثاني بيتا آخر في شعر آخر وقد وقع ذلك للشعراء كثيرا، انتهى.
397 - وأنشد:
لا وأبيك ابنة العامر … يّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر فيما ذكر أبو عمرو والمفضل وغيرهما (1). وزعم أبو حاتم أنها لرجل من النّمر بن قاسط يقال له ربيعة بن جشم، وأوّلها:
أحار بن عمرو كأنّي خمر … ويعدو على المرء ما يأتمر
لا وأبيك ابنة العامر … يّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ
__________
(1) ديوان امرئ القيس ص 153 - 167 قسم الزيادات. وانظر ص 423 - 425 والخزانة 4/ 489.
(2/635)

تميم بن مرّ وأشياعها … وكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا … تحرّقت الأرض واليوم قرّ
الى أن قال:
وهرّ تصيد قلوب الرّجا … ل وأفلت منها ابن عمر وحجر
رمتني بسهم أصاب الفؤا … د غداة الرّحيل فلم أنتصر
برهرهة رؤدة رخصة … كخرعوبة البانة المنفطر
فتور القيام، قطيع الكلام … تفترّ عن ذي غروب خصر
فبتّ أكابد ليل التّمام … والقلب من خشية مقشعرّ
فلمّا دنوت تسدّيتها … فثوبا نسيت وثوبا أجرّ
ولم يرنا كاليء كاشح … ولم يفش ممّا لدى الباب سرّ
ومنها:
وأركب في الرّوع خيفانة … كسا وجهها سعف منتشر
لها حافر مثل قعب الوليد … ركّب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافي العقاب … أسود يفين إذا تزبئزّ
وساقان كعباهما أصمعان … لحم حانيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسيل … أبرز عنها جحاف مضرّ
(2/636)

لها ذنب مثل ذيل العروس … تسدّ به فرجها من دبر
لها متنتان خظاتا كما … أكبّ على ساعديه النّمر
لها عذر كقرون النّساء … ركّبن في يوم ريح وصرّ
وسالفة كسحوق اللّيان … أضرم فيها الوليد السّعر
لها جبهة كمرآة المجنّ … حذّقة الصّانع المقتدر
لها منخر كوجار السّباع … فمنه تريح إذا تنبهر
وعين لها حدرة بدرة … سقت مآقيهما من أخر
قوله: حار: مرخم حارث. وخمر: بفتح الخاء وكسر الميم، الذي يخالطه داء أو سكر. ويعدو: يرجع. ما يأتمر: ما يريد أن يوقعه بغيره. وقيل: (ما) مصدريه، أي: ويعدو على الرجل ائتماره أمرا ليس برشد، فكأنه يعدو عليه ويهلكه. والواو استئنافية أو للتعليل على رأي من أثبته أي: كأني خامرني داء لأجل عدوان. الائتمار، أمر ليس برشد. وأورد ابن أم قاسم في شرح الألفية هذا المصراع شاهدا على التنوين الغالي بلفظ: ما يأتمرن وكذا خمرن. قوله:
(لا وأبيك): أي وحق أبيك (1). والعامريّ: وهو سلامة بن عبد الله بن عليم.
وتميم: بدل من القوم، أو عطف بيان. وصبر (2): بضمتين، جمع صابر.
واستلأموا: أي لبسوا اللأمة، وهي الدرع. وتحرقت: بحاء مهملة، اشتعلت من شدة الحرب. وقر: أي بارد. وهر: جارية، وهي ابنة العامري. وحجر:
__________
(1) ويروى البيت عن البطليوسي: (فلا وأبيك) وعن أبي سهل:
(لعمر أبيك).
(2) في الديوان: (وروى الاصمعي: اليوم صر، والصر: شدة البرد، قال تعالى ذكره: ريح فيها صرّ وقوله: واليوم قرّ، يقول: ان كان قرا - أي باردا - فان الارض تحرق لشدتهم وجماعتهم وركض الخيل).
(2/637)

أبو امرئ القيس، ضم جيمه اتباعا. وبرهرهة: رقيقة الجلد. وقال الأصمعي:
هي الممتلئة المترجرجة. ورخصة: ناعمة. والرّؤدة: بضم الراء، الشابة الناعمة.
والخرعوبة: بضم الخاء، القضيب الرخص. والبانة: شجر معروف. والمنفطر:
الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون وأشده تثنيا حين يجري فيه الماء، ويورق بعضه. ولم يقل: المنفطر، لأنه ردّه على القضيب. وقوله: (فتور القيام) لثقل عجيرتها. قطيع الكلام: لكثرة حيائها. وتفتر: تبدي أسنانها ضاحكة. وغروب السنّ: حدّها. وخصر: بفتح الخاء وكسر الصاد، بارد. وأكابد: أقاسي.
وليل التّمام: بكسر التاء، أطول الليل (1). ودنوت: قربت. تسدّيتها: علوتها وركبتها. وقوله:
فثوبا نسيت وثوبا أجرّ
يروى: فثوب بالرفع، وقد أورده المصنف في الكتاب الرابع. ويروى صدره:
فأقبلت زحفا على الرّكبتين
قال الزمخشري: يريد أنه اجتهد في الوصول إليها في الليل الطويل، وقاسى شدة من خوف رقبائها فزحف على ركبتيه حتى وصل إليها، ونسي بعض ثيابه عندها، لأنها ذهبت بفؤاده، فلم يدر كيف خرج من عندها. وكاليء: حارس.
وكاشح: عدوّ (2). ويفش: يظهر. والرّوع: الفزع. وخيفانة: أي فرس
__________
(1) في الديوان: (ليل التمام: من أطول ليل في الشتاء) وقال (من لدن اثنتي عشرة الى أن ينتهي في الطول مدتها. ومدبرا حتى يرجع الى اثنتي عشرة ساعة. وقال غيره: ليل التمام، اذا طال على، الساهر المغموم، وان كان أقصر ما يكون).
(2) وفي الديوان: (قال الطواسيّ: الكالئ: المراقب. والكاشح:
المتولي عنك بوده، يقال: كشح عن الماء اذا أدبر عنه فلم يشربه من برد أو غير ذلك، قال الشاعر:
شلو حمار كشحت عنه الحمر
كشحت، أي أدبرت.
(2/638)

خفيفة شبهها بالجرادة. وسعف: بمهملتين وفاء، شعر الناصية، شبهه بسعف النخله، قاله ابن قتيبة. ومنتشر: متفرّق. وقد أورد المصنف هذا البيت في آخر الكتاب الرابع. وقعب: قدر صغير. والوليد: الصبي. والوظيف: بمعجمة، ما فوق الحافر. وعجر: غليظ. وثنن: بمثلثة، ونونين، الشعر الذي حول مؤخر الحافر. والخوافي: ريش في الجناح. ويعنن: بلا همز، يكثرن وتزبئر:
بزاي ثم موحدة وهمزة وراء، تتنفس (1). وأصمعان: صغيران. وقال ابن قتيبة:
الصمع: اللزوق، يريد أنهما ليستا برهلتي المفاصل. وحمانيهما: عضلتا الساقين.
ومنبتر: منقطع من الشدة. وعجز: كفل. وصفاة: الصخرة الملساء. قال ابن قتيبة: يريد أن عجزها ملساء ليس بها فرق، والفرق إشراف إحدى الوركين على الأخرى، وذلك عيب. والمسيل: مجرى السيل. وأبرز: كشف. وجحاف:
بجيم مضمومة ثم حاء مهملة وفاء، سيل عظيم. ومضر: يقلع كل ما يمرّ به.
وقال ابن قتيبة: جحاف: بالكسر، مجاحفة السيل الصخرة. ومضرّ: دان متقارب. والذيل: آخر الثوب. ومتنتان:
جانب الصلب. وحظاتا: بالظاء المعجمة، كثيرتا اللحم. قال ابن قتيبة: وفيه قولان، أحدهما: أنه أراد حظاتان: فحذف نون التثنية، يقال: مت حظاه. والثاني: إنه أراد حظتا أي ارتفعتا، فاضطر فزاد ألفا.
قال: والقول الأول أجود. وقوله: كما أكب: يريد كأن فوق متنها نمرا باركا.
وأكب: برك. وعذر: شعر الناصية. وقال ابن قتيبة: ذوائب وقرون النواصي.
وصرّ: برد. وسالفة: جانب العنق. وسحوق: طويلة. والليان: بكسر اللام وتحتية ونون، النخل، الواحدة، لينة. وأضرم: أوقد. والسعر: النار. وسراة:
ظهر. والمجنّ: الترس، مدحها بسعة الجبهة. وحذّقه: صنعه بحذق. وو جار:
بفتح الواو وكسرها وجيم وراء، حجر، شبه المنخل بحجر السبع لسعته. قال ابن قتيبة: وتريح: تتنفس. وتبتهر: تضيق نفسها. وحدرة: عظيمة. وبدرة: تبدر بالنظر. والمآقي: مؤخر العينين. وأخر: بمعنى آخرهما.
__________
(1) كذا بالاصل. وقد ورد البيت بلفظ: (يفين اذا تزئبر) وفي الديوان:
(يفئن) بالهمز وقال: (يفئن - بالهمز - يعني يرجعن بعد ازبئرارها الى مواضعهن، وازبئرارها أي اقشعرارها ويروى (يفين) بلا همز، من الوفاء).
(2/639)

شواهد لات
398 - وأنشد:
طلبوا صلحنا ولات أوان (1)
هو لأبي زبيد الطائي. واسمه حرملة بن المنذر بن معدي كرب بن حنظلة، كان نصرانيا ومات على دينه بعد خلافه عثمان (2). روى أبو عمرو الشّيباني وابن الأعرابي (3): أن رجلا من بني شيبان نزل من طيّ فأضافه وسقاه، فلما سكر قام إليه بالسيف وهرب، فافتخرت بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد:
خبّرتنا الرّكبان أن قد فرحتم … وفخرتم بضربة المكّاء
ولعمري لعارها كان أدنى … لكم من تقى وحسن وفاء
ظلّ ضيفا أخوكم لأخينا … في صبوح ونعمة وشواء
لم يهب حرمة النّديم ولكن … يا لقومي للسّوأة السّوآء
فاصدقوني وقد خبرتم وقد ثا … بت إليكم جوائب الأنباء
هل علمتم من معشر سافهونا … ثمّ عاشوا صفحا ذوي غلواء
بعثوا حربنا عليهم وكانوا … في مقام لو أبصروا ورخاء
__________
(1) الخزانة 2/ 151
(2) انظر الاغانى 12/ 127 (الدار)
(3) الخزانة 2/ 153، والعيني 2/ 156 وطبقات ابن سلام 510 - 511، وانظر اللآلى 126 والاغانى 12/ 132 (الذر)
(2/640)

طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء (1)
ثمّ لمّا تشذّرت وأنافت … وتصلّوا منها كريه الصّلاء
ولعمري لقد لقوا أهل بأس … يصدقون الطّعان عند اللّقاء
إنّنا معشر شمائلنا الصّب … ر ودفع الأسى بحسن العزاء
ولنا فوق كلّ مجد لواء … فاضل في التّمام كلّ لواء
فإذا ما استطعتم فاقتلونا … من يصب يرتهن بغير فداء
والمكّاء: بضم الميم وتشديد الكاف، اسم الرجل الذي قتل. وضمير عارها للضربة. وجوائب: جمع جائبة، خبر. وهو ما يجوب البلاد، أي يقطعها. والأنباء:
جمع نبأ، وهو الخبر. وغلواء: بضم المعجمة، سرعة الشاب وأوله. وتشذرت:
رفعت الحرب ذنبها. وأنافت: رفعت رأسها. وتصلوا: من تصليت النار إذا اصطليت بها. والصلاء: بالكسر والمدّ، صلاء النار. قوله (طلبوا) أي طلب هؤلاء القوم صلحنا. والحال أن إلا وأن ليس أو ان الصلح فقلنا لهم ليس الحين بقاء الصلح، فحذف اسم ليس وأبقى الخبر. وأن في البيت تفسيرية.
399 - وأنشد:
ألا رجل جزاه الله خيرا
تقدم شرحه في شواهد ألا (2).
__________
(1) البيت في العقد الفريد 3/ 319 من أبيات الى ابن حلزّة اليشكري برواية:
طلبوا صلحنا ولات أوان … إنّ ما يطلبون فوق النجوم
(2) الشاهد رقم 102 ص 214.
(2/641)

شواهد لو
400 - وأنشد:
ولو أنّما أسعى لأدنى معيشة … كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل … وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
هذان من قصيدة لامرئ القيس، وقد مر شرحها في شواهد الباء (1).
401 - وأنشد:
فلو كان حمد يخلد النّاس لم يمت … ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها هرم بن سنان، وأوّلها (2):
غشيت ديارا بالبقيع فثهمد … دوارس قد أقوين من أمّ معبد
ومنها:
إلى هرم هجيرها ووسيحها … تروّح من اللّيل التّمام وتغتدي
الى أن قال:
تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة … بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
__________
(1) انظر ص 342
(2) شرح ديوانه 219 - 236 وانظر ص 267 - 268.
(2/642)

سوى ربع لم يأت فيه مخانة … ولا رهقا من عائذ متهوّد
فلو كان حمد يخلد النّاس لم يمت … ولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
ولكنّ منه باقيات وراثة … فأورث بنيك بعضه وتزوّد
تزوّد إلى يوم الممات فإنّه … ولو كرهته النّفس آخر موعد
وهو آخرها. البقيع وثهمد: موضعان. ودوارس: بالية. وأقوين: أقفرن.
والتّهجير: السير في الحرّ. والتوسيح: سرعة السير (1). والليل التمام: أطول الليل. وتغتدى: تسير بالغدو. والنّهكة: الظلم. والحقلد: السيء الخلق الضيق البخيل. وقد أورد المصنف هذا البيت في الكتاب شاهدا على العطف على
المعنى، فإنه في معنى ليس بمكثر. والربع: ما كان الملوك يأخذونه من الغنائم. والمخانة:
الخيانة. والرهق: الإثم. والعائذ: اللاجيء. والمتهوّد: التائب المطمئن الساكن.
402 - وأنشد:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد … ليسوا من الشّرّ في شيء وإن هانا
تقدم شرحهما في إذا (2).
403 - وأنشد:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا … ومن دون رمسينا من الأرض سبسب (3)
لظلّ صدى صوتي وإن كنت رمّة … لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب
هذان من قصيدة لأبي صخر الهذلي، وهما آخرها، ومطلعها:
__________
(1) رواية الديوان: (تهجيرها ووسيجها) بالجيم المنقوطة.
(2) كذا، انظر ص 68 - 69 والشاهد رقم 17
(3) ديوان المجنون 85، ببعض الاختلاف. وفي الأغاني 2/ 20 (الدار) أبيات من القصيدة.
(2/643)

ألمّ خيال طارق متأوّب … لأمّ حكيم بعد ما نمت موصب
ونسبهما العيني في الكبرى لقيس بن الملّوح المجنون، وليس كذلك. قوله:
موصب: من الوصب. والأصداء: جمع صدى، وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، يقال: صم صداه وأصم الله صداه أي أهلكه. لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا فيجيبه. والرمس: تراب القبر. وسبب:
بمهملتين مفتوحتين وموحدتين، أوّلهما ساكنة، المفازة. والرمّة: بكسر الراء وتشديد الميم، العظام البالية. والجمع: رمم ورمام. يقال: رم العظم يرم أي بلى. ويهش: من الهشاشة، وهي الارتياح والخفة للشيء.
404 - وأنشد:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت … عليّ ودوني جندل وصفائح (1)
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا … إليها صدى من جانب القبر صائح
هذان من قصيدة لتوبة بن الحميّر، وأوّلها:
ألا هل فؤادي من صبا اليوم طافح … وهل ما وأت ليلى به لك ناجح
وهل في غد إن كان في اليوم علّة … سراح لما تلوي النّفوس الشّحائح
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت … عليّ ودوني جندل وصفائح
ولو أنّ ليلى في السّماء لأصعدت … بطرفي إلى ليلى العيون الكواشح
ولو أرسلت وحيا إليّ عرفته … مع الرّيح في نوّارها المتناوح
لأغبط من ليلى بما لا أناله … ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
__________
(1) ابن عقيل 2/ 138 وانظر ص 590 من الشواهد.
(2/644)

سقتني بشرب المستضاف فصرّدت … كما صرّد اللّوح النّطاف الضّحاضح
فهل تبكني ليلى إذا متّ قبلها … وقام على قبري النّساء النّوائح
كما لو أصاب الموت ليلي بكيتها … وجاد لها جار من الدّمع سافح
وفتيان صدق قد وصلت جناحهم … على ظهر مغبرّ التّنوفة نازح
بمائرة الضّبعين معقودة النّسا … أمين القرى في مجفر غير جانح
وما ذكرتي ليلى على نأي دارها … بنجران إلّا التّرّهات الصّحاصح
الجندل: بفتح الجيم وسكون النون، الحجارة. والصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور، وهي جمع صفيحة. وزقا: بالزاي والقاف، يقال زقا الصدى، يزقو: أي صاح. والصدى: بفتح الصاد المهملة، الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها (1). قوله:
ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
قال التبريزي (2): إني قرير العين بأن أذكرها، وهذا القدر نافع.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن المدائني قال (3): أقبلت ليلى الأخيلية من سفر، فمرّت بقبر توبة ومعها زوجها، وهي في هودج لها، فقالت: والله لا أبرح حتى أسلّم على توبة. فصعدت أكمة عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها الى القوم فقالت: ما عرفت له كذبة قط قبل هذه.
قالوا: وكيف؟ قالت: أليس القائل:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت … عليّ ودوني جندل وصفائح
__________
(1) انظر ص 644.
(2) 3/ 267
(3) 11/ 244 (الدار).
(2/645)

فما باله لم يسلّم عليّ كما قال!! وكانت الى جانب القبر بومة كامنة، فلمّا رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر فرمى بليلى على رأسها فماتت من وقتها، فدفنت الى جانبه.
وأخرج المعافي بن زكريا في كتاب الجليس والأنيس، عن إبراهيم بن زيد النيسابوري قال: مرّت ليلى الأخيلية ومعها زوجها، فقال لها: يا ليلى هذا قبر توبة فسلمي عليه، قالت: وما تريد منه؟ قال: أريد تكذيبه، أليس هو الذي يقول:
ولو أن ليلي ... البيتين. فو الله لا برحت أو تسلمي عليه، فقالت: السلام عليك يا توبة! فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب بصدرها، فشهقت شهقة فماتت فدفنت الى جنب قبره، فنبتت على قبرهما شجرتان فطالتا والتفتا.
405 - وأنشد:
لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا … خلق الكرام ولو تكون عديما
لم يسم قائله. ويلفك: بالفاء، من ألفى إذا وجد. والعديم: المعدم الذي لا يملك شيئا (1).
406 - وأنشد:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النّساء ولو باتت بأطهار (2)
هذا آخر قصيدة للأخطل يمدح بها قريشا ويخص آل سفيان بن حرب، وقبله:
إنّي حلفت بربّ الرّاقصات وما … أضحى بمكّة من حجب وأستار
وبالهدايا إذا احمرّت مدارعها … في يوم نسك وتشريق وتنحار
وما بزمزم من شمط محلّقة … وما بيثرب من عون وأبكار
__________
(1) قال الأمير 1/ 209: (في نسخة: (الراجوك) بالجمع، وهو أنسب بوصل أل بالمضاف).
(2) الكامل 236، والاغاني 15/ 81 - 82 (الثقافة).
(2/646)

لا ألجأتني قريش خائفا وجلا … وموّلتني قريش بعد إقتار
المنعمون بنو حرب وقد حدقت … بي المنيّة واستبطأت أنصاري
بهم تكشف عن أحيائها ظلم … حتّى ترفّع عن سمع وأبصار
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النّساء ولو باتت بأطهار
ومطلع القصيدة:
تغيّر الرّسم من سلمى بأجفار … وأقفرت من سليمى دمنة الدّار
407 - وأنشد قول كعب:
أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل (1)
هو من قصيدة كعب بن زهير التي أولها: بانت سعاد (2). وأول البيت:
لقد أقوم مقاما لو يقوم به … أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظلّ يرعد إلّا أن يكون له … من الرّسول بإذن الله تنويل (3)
قال المصنف في شرح القصيدة: في هذا البيت حذف سبعة أمور، أحدها:
جملة قسم، لأن (لقد) لا تكون إلا جواب القسم ملفوظ، نحو: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ). أو مقدر نحو: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). ويروى: إني أقوم مقاما. الثاني: مفعول أرى، أي أرى ما لو يراه الفيل. والثالث والرابع:
ظرفان معمولان لأرى وأسمع، إن قدرا صفتين ثانية وثالثة لمقاما، أي أرى به وأسمع به، فإن قدر أرى حالا من ضمير أقوم، سقط هذان المحذوفان. الخامس والسادس:
جوابا (لو) الثانية و (لو) الثالثة، لأن قوله في البيت: لظل يرعد جواب للأولى، وهو دال على جواب لو الثانية المقدرة في صلة معمول أرى، ولو الثالثة الواقعة
__________
(1) ديوانه 20
(2) انظر الشاهد رقم 311 وص 524 - 529
(3) ويروى:
لظل ترعد من وجد بوادره … إن لم يكن من رسول الله تنويل
(2/647)

في صلة مفعول أسمع. والسابع: مفعول يسمع، وهو عائد ما، وانتصاب مقاما على الظرفية المكانية. والجملة بعده صفة له، فأيهما أعملت أعطيت الآخر ضميره.
وقال الفرّاء: العمل لهما معا. وقال الكسائي: إذا أعملنا الأول أضمرنا في الثاني لأنه إضمار بعد الذكر في الحقيقة، وإذا أعملنا الثاني حذفنا فاعل الأول لأنه لا يجيز ما يراه البصريون من الإضمار قبل الذكر، ولا ما يجيزه الفرّاء من توارد عاملين على معمول واحد، وعلى قوله: ففي البيت حذف. الثامن (1). وبين يقوم ويسمع تنازع في المفعول وهو ما لو يسمع، إذ ليس المراد أرى ما لو يسمع الفيل، بل المراد أرى ما لو يراه الفيل لظل يرعد. وأسمع ما لو سمعه لظل يرعد. وفي البيت تضمين لأن الجواب في أوّل البيت الثاني، واللام في لظل رابطة للجواب الذي بعدها بلو.
وظل بمعنى صار. وأرعد الرجل ويرعد على بناء ما لم يسم فاعله. وقوله: لظل يرعد، مقتضى ثبوت الفعل ودوامه. قال: لا أرعد لم يقتض ذلك، ويرعد مبني للمفعول. يقال: أرعد فلان إذا أخذته الرعدة. ولك في اللام أربعة أوجه: أحدها:
أن تعلقها بيكون، إما على أنها تامة، أو على أنها ناقصة باستقرار محذوف منصوب، إما على الخبرية على تقدير النقصان، أو على الحالية على التمام أو النقصان.
والخبر الثالث: أن تعلقها بتنويل، وإن كان مصدرا لأنه لا ينحل، لأن والفعل، ولهذا قالوا في قوله:
نبّئت أخوالي بني يزيد … ظلما علينا لهم فديد (2)
إن ظلما يجوز أن يكون مفعولا لأجله عامله فديد. وكثير من الناس يذهل عن هذا فيمنع تقديم معمول المصدر مطلقا. وهذه الأوجه في كل من الظرفين، وحيث قدرت أحد الظروف حالا فهو في الأصل صفة لتنويل. والتنويل: العطية، والمراد به هنا الأمان.
408 - وأنشد:
ما كان ضرّك لو مننت وربّما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
__________
(1) ذكر السيوطي ص 647 أن في البيت حذف سبعة أمور. وهنا يذكر الثامن.
(2) سيأتي البيت في الباب الخامس في حذف الموصوف.
(2/648)

قائله قتيلة، وقيل ليلى بنت النّضر بن الحارث، من أبيات حين قتل النبي صلى الله عليه وسلم أباها صبرا عقب بدر، وأوّلها (1):
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة … من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا فإنّ تحيّة … ما إن تزال بها الرّكائب تخفق
منّي إليك وعبرة مسفوحة … جادت بواكفها وأخرى تخفق
فليسمعنّ النّضر إن ناديته … إن كان يسمع ميّت أو ينطق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه … لله أرحام هناك تشقّق
أمحمّد ولأنت نجل نجيبة … من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّما … منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
لو كنت قابل فدية فلتأتين … بأعزّ ما يغلو لديك وينفق
فالنّضر أقرب من أصبت وسيلة … وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن عمر بن شيبة قال (2): بلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته. ويقال أن شعرها أكرم شعر موتورة وأعفه.
قوله: (يا راكبا) منادى غير معين دعت واحدا من الركبان. والأثيل: بضم الهمزة وفتح المثلثة وتحتية ساكنة ولام، موضع فيه قبر النضر (3). والمظنة: المنزل المعلم. ومن صبح خامسة: أي ليلة خامسة لليلة التي يبتدأ منها في المسير إلى
__________
(1) الحماسة 3/ 17 - 18 وسيرة ابن سيد الناس 1/ 29 - 292،
(2) الاغاني 1/ 19 (الدار).
(3) الأثيل: بالصفراء بين ظهراني الأراك، وانظر البكري 109 و 836 والتبريزي 3/ 17
(2/649)

الأثيل. ومن كلامهم: إذا خرجت من هذا المكان فموضع كذا مظنة من عشية يوم كذا. ومفعول بلغ الثاني محذوف، أي تحيتي لدلالة ما بعده عليه. فإن التحيات أبدا تخفق بها الركائب وتبلغ أربابها. وإن زائدة بعد ما. والركوب: جمع ركوبة. والخفق: الإضطراب. ومنّي: متعلق بمضمر دل عليه أبلغ، أي أوصل.
وعبرة: عطف على المفعول المضمر. ومسفوحة: مصبوبة. وجادت لماتحها: أي أجابت داعيها وساعدت
مستقيها. والجملة صفة عبرة، وأصله المائح المستقى.
وأخرى: عطف على عبرة. وتخفق: صفة أخرى، أي وأد إليه عبرة أخرى قد خنقتني وهي في الطريق لم توجد. قولها: (ظلت ... الى آخره) تحسر منها لما جرى على أبيها، تريد صارت سيوف اخوانه تتناوله بعد أن كانت تذب عنه. ثم قالت كالمستعطفة والمتعجبة: لله أرحام وقرابات في ذلك المكان قطعت. والعامل في (هناك) ينفق، وهو في موضع الأرحام. واللام في لله للتعجب، وهم إذا عظموا شيئا نسبوه إليه تفخيما لأمره. ومحمد: منادى نوّن للضرورة. والواو من:
(ولأنت) عاطفة للجملة ومفيدة معنى الحال، وكذا من قولها والفحل. والمعنى:
أنت كريم الطرفين. يقال: هو عريق في الكرم إذا كان متناهيا. والمدعو له قولها:
(ما كان ... البيت) و (ما) تحتمل الإستفهام والنفي. ورب هنا: للتقليل.
والمغيظ: اسم مفعول من غيظ. والمحنق: كذلك من الحنق. والوسيلة: القرابة.
ويعتق: على حذف ان والباء. وكان: تامة، أي وأحقهم إن وقع عتق بأن يعتق.
فحذف الباء أوّلا ثم أن.
409 - وأنشد:
وربّما فات قوما جلّ أمرهم … من التّأنّي، وكان الحزم لو عجلوا
هذا من قصيدة للقطامي يمدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان أوّلها (1):
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل … وإن بليت وإن طالت بك الطّيل
__________
(1) من قصيدة في جمهرة اشعار العرب 288 - 291 عدها من المشوبات.
وليس الشاهد مذكور من ضمنها.
(2/650)

وما هداني لتسليم على دمن … بالغمر، غيرهنّ الأعصر الأول
والنّاس من يلق خيرا قائلون له … ما يشتهي، ولأمّ المخطئ الهبل
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل
وربّما فات قوما بعض أمرهم … من التّأنّي وكان الحزم لو عجلوا
والعيش، لا عيش إلّا من تقرّ له … عين، ولا حال إلّا سوف ينتقل
ومنها:
أمّا قريش فلن تلقاهم أبدا … إلّا وهم خير من يحفى وينتعل
قوم هم أمراء المؤمنين وهم … رهط الرّسول فما من بعده رسل
ومنها:
فقلت للرّكب لمّا أن علا بهم … من عن يمين الحبيّا نظرة قبل
ألمحة من سنا برق رأى بصر … أم وجه عالية اختالت بها الكلل
وقوله: (من عن يمين الحبيا) استشهد به النحاة على مجئ عن إسما، ولذا جرت بمن. والحبيّا: بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وتشديد التحتية مقصور، مصغر لا تكبير له، اسم موضع بالشام. ويقال: نظرة قبل، بفتح القاف والباء، إذا لم يتقدمها نظر. واختالت: بخاء معجمة، تبخرت. والكلل: بكسر الكاف، جمع كلة، ستر رقيق.
410 - وأنشد:
تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا … عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي (1)
__________
(1) الديوان 13، والخزانة 4/ 496
(2/651)

هو من معلقة امرئ القيس المشهورة (1)، وقبله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها … تمتّعت من لهو بها غير معجل
وبعده:
إذا ما الثّريّا في السّماء تعرّضت … تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها … لدى السّتر إلّا لبسة المتفضّل
فقالت: يمين الله ما لك حيلة … وما إن أرى عنك العماية تنجلي
خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا … على أثرينا ذيل مرط مرجّل
البيضة: كناية عن المرأة. وقوله: تجاوزت أحراسا استشهد به سيبويه في شرح الفصيح على أن التفاعل قد يكون من واحد ويكون متعدّيا. وتعرّضت:
انتصبت. والوشاح: القلادة. والمفصل: الذي بين كل لؤلؤتين منه خرزة.
ونضت: خلعت. قال الجوهري: نضى ثوبه إذا خلعه، وأنشد البيت: ولبسة، بكسر اللام، هيئة اللباس. والمتفضل:
اللابس ثوبا واحدا. واستشهد ابن أم قاسم في شرح الألفية بقوله: (وقد نضت) على أن الجملة الحالية إذا كانت ماضية تصدر وقد استشهد المصنف في التوضيح بقوله: لنوم، على أن العلة اذا لم تقارن الفعل تجرّ باللام ولا ينتصب نصب المفعول له، لأن النوم لم يقارن نضو الثياب. وقوله:
خرجت بها ... البيت. أورده المصنف في الباء. قال المبرد في الكامل (2): قد أكثروا في الثريا بمثل قول امرئ القيس:
إذا ما الثّريّا في السّماء تعرّضت … تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
__________
(1) سبق منها أبيات ص 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558
(2) ص 741
(2/652)

وهي لا تقارب معناه ولا سهولة ألفاظه.
ولبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشّفوف (1)
411 - وأنشد: قال ابن عساكر فى تاريخه: قرأت فى كتاب لبعض الشاميين جمعه في الحنين الى الأوطان، قال: أنا أحمد بن محمد البغدادي، حدثنا أبو بكر بن دريد قال: تزوّج معاوية بن أبي سفيان ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد، وحملت إلى دمشق فحنت ذات ليلة الى البادية فأنشأت تقول:
لبيت تخفق الأرواح فيه … أحبّ إليّ من قصر منيف
وكلب ينبح الطّرّاق عنّي … أحبّ إليّ من قطّ ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعب … أحبّ إليّ من بغل زفوف
ولبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وخرق من بني عمّي نحيف … أحبّ إليّ من علج عليف
فلما سمعها معاوية قال: جعلتني علجا. وطلقها وألحقها بأهلها.
الأرواح: جمع ريح. وتخفق: تضطرب. ومنيف: عال. والطرّاق: جمع طارق، وهو الذي يأتي بالليل. وبكر: بفتح الباء، الفتى من الإبل. والأظعان:
جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج. وبغل: زفوف: مسرع، وهو بفتح الزاي وضم الفاء الأولى، من الزفيف، وهو
ضرب من المشي. واللبس واللباس، بمعنى مصدران. وقيل: اللباس جمع لبس. والعباءة: بالمدّ، شملة الصوف ونحوها.
__________
(1) ابن عقيل 1/ 272، والخزانة 3/ 592 وامالي ابن الشجري 1/ 251 وسيبويه 1/ 426
(2/653)

وقال: الحربي كساء مخطط، والجمع عباء. ويقال في المفرد أيضا: عباءة.
وتقرّ: بفتح القاف، من قرّت العين. وأما في المكان فبكسرها. وقيل: هما بالفتح، وروى بالرفع والنصب. فالأول على أن الجملة حالية من فاعل لبس، المقدر: أي لبس عباءة قارّة عيني. والثاني: على إضمار أن بتأويل مصدر معطوف على المصدر المذكور. واشتقاق قرّت العين إما من القرّ بمعنى البرد ضد الحرّ، أو البرد بمعنى النوم. أو من القرار وهو السكون. لأن العين إذا قرّت بشيء سكنت عن الطموح إلى غيره. والشفوف: بضمتين، الثياب الرقاق. قال ابن سيدة: سميت بذلك لأنها تشف عن ماوارته من البدن. وقال ابن يسعون:
عندي إنها سميت بذلك لفضلها وجودتها، من قولهم: لهذا على هذا شف، أي شفوف. وزيادة فضل، وواحد الشفوف شف: بفتح الشين وكسرها. والخرق:
السخيّ من الرجال. والعلج: قيل الصلب، وقيل الصلب الشديد، وقيل ذو اللحية. ولا يقال للغلام إذا كان أمرد علج. يقال: استعلج الرجل اذا خرجت لحيته. والعليف: باللام، السمين. ويروى: (عنيف) بالنون، من العنف ضدّ الرفق. ويروى: غليف، بالغين المعجمة، أي يغلّف لحيته بالغالية. وزاد الدميري في الأبيات:
وأصوات الرّياح بكلّ فجّ … أحبّ إليّ من نقر الدّفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي … أحبّ إليّ من أكل الرّغيف
وزاد بعضهم في الأبيات قولها:
خشونة عيشتي في البدو أشهى … إلى نفسي من العيش الظّريف
فما أبغي سوى وطني بديلا … وحسبي ذاك من وطر شريف
412 - وأنشد:
فلو نبش المقابر عن كليب … فيخبر بالذّنائب أيّ زير (1)
__________
(1) شعراء الجاهلية 168 - 170 وفيه: (ولو تشر المقابر ... لأخبر)
(2/654)

بيوم الشّعثمين لقرّ عينا … وكيف لقاء من تحت القبور؟
هذان من قصيدة لمهلهل يرثي بها أخاه كليبا، وأوّلها:
أليلتنا بذي حسم أنيري … إذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذّنائب طال ليلي … فقد أبكي من اللّيل القصير
وأنقذني بياض الصّبح منها … لقد أنقذت من شرّ كثير
كأنّ كواكب الجوزاء عود … معطّفة على ربع كسير
تلألأ واستقلّ لها سهيل … يلوح كقمّة الجبل الفدير (1)
وتحنو الشّعرتان إلى سهيل … كفعل الطّالب القذف الغيور
كأنّ النّجم إذ ولّى سحيرا … فصال جلن في يوم مطير
ذو حسم: بضم الحاء وفتح السين، اسم موضع (2). وأنيري: من الانارة.
ولا تحوري: من حار إذا رجع. والذّنائب: بفتح الذال المعجمة، ثلاث هضبات بنجد بها قبر كليب المذكور (3) ... ومعنى البيت: ان كان طال ليلي بهذا الموضع لقتل أخي، فقد كنت أستقصر الليل وهو حيّ. والعوذ: الحديثات النتائج، واحدها عائذ. سميت بذلك لأن أولادها تعوذ بها. والربع: ما نتج في الربيع.
بقول: كأن كواكب الجوزاء فوق حديثات النتاج، عطفت على ربع مكسور فهي
__________
(1) في شعراء الجاهلية 17 برواية:
وتحنو الشعريان الى سهيل … يلوح كقمة الجبل الكبير
(2) كذا ضبطه السيوطي، وفي معجم ما استعجم 446 بضم أوله وثانيه واستشهد بالبيت والذي يليه، وكذا ضبط في الاصمعيات 173 والامالي 2/ 130
(3) وكذا ضبطه البكري في معجمه 446 و 615، والبيت في تاج العروس وضبط في الاصمعيات بكسر الذال المشددة. وانظر يوم الذنائيب في العقد الفريد 5/ 218
(2/655)

لا تتركه، وهو لا يقدر على النهوض. والزير: بكسر الزاي، الذي يكثر زيادة النساء. وكان أخوه كليب يعيره
ويقول: إنما أنت زير نساء، فقال ذلك. قال القالي (1): تقديره فيخبر بالذّنائب أيّ زير أنا. والشعثمان: شعث وشعيث ابنا معاوية بن عمرو بن عقل بن تغلب. وقال القالي (2): الشعثمان: موضع معروف.

فائدة: [مهلهل]
مهلهل هذا اسمه امرؤ القيس بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن الحبيب بن عمرو بن ثعلب بن أسد بن ربيعة بن نزار، وإنما سمّي مهلهلا لبيت قاله لزهير بن جناب الكلبيّ (3):
لمّا توّعر في الكراع هجينهم … هلهلت أثأر جابرا أو صنبلا
الكراع: أنف الجرّة، وقيل انما سمى مهلهلا لأنه أوّل من أرق المراثي، حكاه القالي في أماليه. قال (4): واسمه عديّ وفي ذلك يقول:
رفعت رأسها إليّ وقالت … يا عديّا لقد وقتك الأواقي
قال: وهو أوّل من قصد القصائد (5) وفيه، يقول الفرزدق (6):
ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل
ولم يقل أحد قبله عشر أبيات غيره، انتهى. وقال في الأغاني (7): اسمه عدي،
__________
(1) 1/ 24
(2) 2/ 131 وقال البكري في اللآلي: الشعثمان: شعثم وشعيث ابنا عامر بن ذهل بن ثعلبة.
(3) اللآلي 112، والخزانة 2/ 235، والامالي 2/ 129
(4) 2/ 129، وانظر اللآلي 111 /، ونسب الجوهري وابن سيده البيت الى مهلهل، وقال الصاغاني في التكملة: وليس البيت لمهلهل وإنما هو لأخيه عدي، ويروى البيت: (ضربت صدرها ...).
(5) انظر الموشح 74 والشعراء 256، والخزانة 2/ 23 (السلفية).
(6) عجز بيت من قصيدة في ديوانه 720، وهو في الشعراء 256
(7) 4/ 139 (بولاق).
(2/656)

ولقب مهلهلا لطيب شعره ورقته. وقيل: إنه أوّل من قصد القصائد، وقال الغزل، فقيل: هلهل الشعر أي أرقه. وهو أوّل من كذب في شعره، وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي. وقال ابن سلام (1): زعمت العرب أنه كان يتكثر
ويدعي قوله بأكثر من فعله. قال: وكان شعراء الجاهلية في ربيعة أوّلهم المهلهل، والمرقشان، وسعد بن مالك الذي يقول (2):
يا بؤس للحرب الّذي … وضعت أراهط فاستراحوا
413 - وأنشد:
لو غيركم علق الزّبير بحبله … أدّى الجوار إلى بني العوّام (3)
هذا من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق، وأولها (4):
سرت الهموم فبتنا غير نيام … وأخو الهموم يروم كلّ مرام
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأيّام
ومنها:
ولقد أراني والجديد إلى بلى … في موكب طرف الحديث كرام (5)
قوله: يروم كل مرام، أي يطلب كل مطلب. واللوي: بكسر اللام، اسم موضع. وذم: أمر من الذم، وفي ميمه الحركات الثلاث، الفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم للاتباع. وقوله: بعد أولئك الأيام، استشهد به النحاة
__________
(1) ص 33 - 34
(2) امالي ابن الشجري 1/ 247
(3) ديوانه 553، وفيه: (ورحله).
(4) ديوانه 551 - 553
(5) ويروى: (في فتية طرف ...).
(2/657)

منهم المصنف في التوضيح على الإشارة بأولئك لغير العقلاء. وروى بدله: (أولئك الاقوام)، وقيل أنه الصواب، فلا شاهد فيه.
414 - وأنشد:
لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا … جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
لم يسم قائله. ولامه ناهية، والدهر: مفعول، أي حوادث الدهر، أو ظرف، أي لا يأمن في الدهر الحوادث، أو لا يكن ذا أمن في الدهر، ولا حاجة لمفعول. ولو:
بمعنى أن، وما قبلها دليل الجواب. والجملة الأسمية صفة ملكا.
415 - وأنشد:
لو بغير الماء حلقي شرق … كنت كالغصّان بالماء اعتصاري (1)
هذا من أبيات لعدي بن زيد بن حمار التميمي (2)، وقد حبسه النعمان بن المنذر بعد ان كان صديقا له، وهو الذي أشار على كسرى أن يملكه الحيرة، وكره ذلك عدى بن أوس، وكان يريد الملك للأسود بن المنذر، فما زال حتى أوقع بينه وبين النعمان فقيده وحبسه، فقال (3):
أبلغ النّعمان عنّي مألكا … إنّني قد طال حبسي وانتظاري (4)
لو بغير الماء حلقي شرق … كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
نحن كنّا قد علمتم قبلها (5) … عمد البيت وأوتاد الإصار
نحسن الهبأ إذا استهبأتنا … ودفاعا عنك بالأيدي الكبار
__________
(1) الخزانة 3/ 594، والاغاني 2/ 114 (الدار).
(2) انظر ص 469 و 471 و 493
(3) الاغاني 20/ 114 (الدار).
(4) ولعدي بيت آخر صدره هذا البيت وعجزه:
قول من قد خاف ظنا فاعتذر
وانظر الاغاني 2/ 113 (الدار).
(5) في الأغاني 2/ 104: (قبلكم).
(2/658)

فلم يرث له النعمان وألح في سجنه، فكلّم عمير أخو عدي كسرى فأمر النعمان بتخليته، فخاف النعمان أن يكيده إذا خلاه فأرسل إليه من خنقه. وهو أوّل عربي قتل خنقا. فذهب ولد عدي، واسمه زيد، الى كسرى، وكان النعمان عنده فقال له يوما: رأيت رغبتك في النساء وعند آل المنذر ما تشتهيه، إلا أنهم يأبون مصاهرتك! فبعث إلى النعمان
زيد بن عدي واسوار معه يريده على تزويجه بعض بناته أو اخواته، فقال النعمان: أما وجد الملك من مها السواد وفارس ما يكتفي به؟ قال زيد لاسوار: اسمع ما يقول، ثم ورد على كسرى فذكر انه قال: ان للملك في ثغر السواد كفاية. وإنما قال النعمان: المها، وأراد الحسان. فغضب كسرى وكتب الى النعمان أن أقبل فأقبل. فأمر به كسرى فألقي تحت أرجل الفيلة فقتلته.
قوله مألكا: أي رسالة. وشرق: بفتح المعجمة وكسر الراء صفة مشبهة من شرق بريقه إذا غص. والغصّان: بفتح الغين المعجمة وتشديد الصاد المهملة، من غص بالطعام. والإعتصار: الملجأ، قاله أبو عبيدة. والمعى: لو شرقت بغير الماء أسغت شرقى بالماء، فإذا غصصت بالماء فبم أسيغه. وقال الجوهري: الإعتصار أن يغصّ الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء، وهو أن يشربه قليلا قليلا ليسيغه وأنشد البيت (1). وقد وقع فيه إيلاء لو الجملة الأسمية، فقيل هو على ظاهره شذوذا. وقيل على تقدير فعل، أي لو شرق بغير الماء حلقي هو شرق. وقيل: على تقدير كان والجملة خبر كان الثانية.
416 - وأنشد:
لو في طهيّة أحلام لما عرضوا … دون الّذي أنا أرميه ويرميني (2)
هذا من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق، أوّلها:
ما بال جهلك بعد الحلم والدّين … وقد علاك مشيب حين لا حين
__________
(1) قال البغدادي في الخزانة 3/ 596: وتحقيقه ان الاعتصار الالتجاء، كما قاله ابو القاسم على بن حمزة البصري فيما كتبه على النبات لأبي حنيفة الدينوري. وساق البغدادي كلام أبي القاسم هذا بنصه، ثم قال: وقد صار البيت مثلا للتأذي ممن يرجى احسانه.
وقد اورد الميداني المثل: (لو بغير الماء غصصت) وقال: انه يضرب لمن يوثق به ثم يؤتي الواثق من قبله، واستشهد بالبيت.
(2) ديوانه 587
(2/659)

للغانيات وصال لست قاطعه … على مواعد من خلف وتلوين
ومنها:
مجاشع قصب جوف مكاسره … صفر القلوب من الأحلام والدّين
قال شارح ديوان جرير: طهيّة بنت عبد شمس بن سعد، وهي أم عوف وأبي سود ابني مالك بن حنظلة، والبيت في ديوانه:
.... لما اعترضوا … دون الذي كنت ....
417 - وأنشد:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته (1)
هو لذي الرّمة من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي موسى الأشعري. وتمامه:
فقام بفأس بين وصليك جازر
قال البطليوسي في شرح الكامل: ويروى برفع ابن ونصبه، وكلاهما محمول على فعل مضمر، والوجه النصب، لأن سببه منصوب، وهو قوله بلغته. فجرى مجرى قولك: (إذا زيدا رأيته فاكرمه) فكأنه (إذا قال ابن أبي موسى بلالا بلغته). قال: اذا بلغ ابن أبى موسى، ثم فسره بقوله بلغته. وقبل هذا البيت:
أقول لها إذ شمّر اللّيل واستوت … بها البيد واشتدّت عليه الحرائر
ضمير لها للناقة. وشمر: ذهب أكثره. (واستوت بها البيد): أي استوى سيرها في البيد ومضت على قصده. والحرائر: جمع حرور. وأوّل القصيدة (2):
لميّة أطلال بحزوى دواثر … عفتها السّوافي بعدنا والمواطر
حزوى: اسم موضع. وعفتها: محتها. والسوافي: بالفاء، الرياح التي تسفى
__________
(1) ديوانه 253، والخزانة 1/ 450، وامالي ابن الشجري 1/ 28 وسيبويه 1/ 42 والكامل 115 و 1049 والامالي 1/ 58
(2) الديوان 239
(2/660)

التراب. والمواطر: جمع ماطرة. ومن أبيات هذه القصيدة بيت استشهد به على وصف أي في النداء باسم الأشارة موصوف بأل، وهو (1):
ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه … لشيء نحته عن يديه المقادر
418 - وأنشد:
عندي اصطبار، وأمّا أنّني جزع … يوم النّوى فلوجد كان يبريني
لم يسم قائله. وجزع: بفتح الجيم وكسر الزاي، صفة من الجزع بفتحتين، وهو نقيض الصبر. والنوى: البعد والفراق. والوجد: شدّة الشوق. ويبريني: من بريت القلم، إذا نحته، وأصله من البرى وهو القطع. يقال:
برت الأرض إذا هزلت. وقد استشهد المصنف في التوضيح بالبيت على أن المبتدأ إذا كان أن وصلتها يجب تقديم
الخبر خوفا من التباس المكسورة بالمفتوحة، أو من التباس المصدرية بالتي بمعنى لعل، ما لم تكن بعد أما كما في البيت، فإنه يجوز فيه التقديم والتأخير.
419 - وأنشد:
ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجر … تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
هو لتميم ابن أبيّ ابن مقبل (2)، وبعده:
لا يحرز المرء أحجاء البلاد ولا … تبنى له في السّموات السّلاليم
لا ينفع المرء أنصار ورايته … تأبى الهوان إذا عدّ الجراثيم
قال ابن يسعون: هذه الأبيات من الأمثال الحسان السائرات في تمني المرء عند النائبات أن يكون من الجمادات التي لا تتألم للأناث. وإن شدة التوقي والحذر
__________
(1) ديوانه 251
(2) ديوانه 273.
(2/661)

لا يدفع محتوم القدر، ولو اختار من الأرض نفقا، أو استطاع الى السماء مرتقى.
والأحجاء: جمع حجا، وهو الملجأ والمهرب. ويطلق أيضا على الجانب والناحية ومنعرج الوادي. وحجا العين: جانبها. وواحد السلاليم: سلم، وهو المرقاة والدرجة إلى الإرتفاع، مشتق من السلامة تفاؤلا للمرتقى، يذكر ويؤنث. وكان القياس السلالم بغير ياء، إلا أنه زاد الياء ضرورة. والجراثيم: الأشراف.
420 - وأنشد:
ولو أنّها عصفورة لحسبتها … مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما (1)
هو من مقطوعة لجرير قالها في يوم العظالى، وقبله (2):
وفرّ أبو الصّهباء إذ حمي الوغى … وألقى بأبدان السّلاح وسلّما
وأيقن أنّ الخيل إن تلتبس به … تئم عرسه أو تملأ البيت مأتما (3)
ولو أنّها عصفورة لحسبتها … مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
عبيد: بضم العين، وأزنما: قبيلتان من بني يربوع. وحسبتها: بالخطاب، التفاتا من الغيبة. ومسوّمة: أي خيلا مسوّمة. وقوله: ولو أنها عصفورة، قال صاحب كتاب مناقب الشبان: نظيره قول جرير أيضا (4):
ما زلت تحسبهم كلّ شيء بعضهم … خيلا تكرّ عليهم ورجالا
ويروى أن الأخطل لما سمع هذا البيت قال: قد استعان عليه بالقرآن، يعني
__________
(1) ديوان جرير 566، وهو في حماسة البحتري ص 412 للبعيث أو جرير. وفي العقد الفريد 1/ 195 للعوام بن شوذب الشيباني في بسطام وأصحابه.
(2) هذه الأبيات ليست في ديوان جرير وهي في العقد للعوام.
(3) عجز البيت في العقد برواية: يعد غائما أو يملأ البيت مأتما.
(4) ديوانه 451 وفيه: (... تحسب كل شيء بعدهم ... تشد عليكم ...)
(2/662)

قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ). قال صاحب مناقب الشبان: والمعنى في الآية بأجل لفظ وأحسن اختصار. قال: وقريب من البيت وليس مثله قول الآخر (1):
إذا خفق العصفور طار فؤاده … وليث حديد النّاب عند الثّرائد
ووقع في الشواهد الكبرى للعيني نسبة (ولو أنها عصفورة ... البيت).
الى العوام بن الشوذب الشيباني، ولا أدري من أين له ذلك، فانه مع البيتين قبله في ديوان جرير. ثم رأيت أبا عبيدة في كتاب أيام العرب ذكر وقعة العظالي فبسطها وذكر أن هذه الأبيات قالها العوام الشيباني فيها من جملة أبيات كثيرة أوّلها:
إن يك في جيش الغبيط ملامة … فجيش العظالى كان أحرى وألوما (2)
قال: ويوم العظالي يسمى أيضا يوم بطن الإياد ويوم الأفاقة ويوم اعشاش ويوم مليحة (3). قال وإنما سمي يوم العظالي لأنه تعاظل على الرياسة بسطام بن قيس وهاني بن قبيصة ومعروف بن عمرو (4).
421 - وأنشد:
لو أنّ حيّا مدرك الفلاح … أدركه ملاعب الرّماح
هو للبيد بن عامر العامري. والفلاح: الفوز والبقاء والنجاة. وملاعب الرماح:
أراد به أبا عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، الذي يقال له ملاعب الأسنة. وإنما قال ملاعب الرماح للضرورة.
__________
(1) هو حرثان بن عمرو، أو عمرو بن حرثان، وانظر الامالي 2/ 157 واللآلي 779 وعيون الاخبار 1/ 166 وفيه نسب لعبد الملك خطأ.
(2) كذا بالاصل، وفي العقد: (أخزى).
(3) الإياد - بالكسر -: موضع بالحزن لبني يربوع بين الكوفة وفيد.
والأفاقة - بضم الهمزة -: ماء لبني يربوع. وأعشاش. موضع في بلاد بني تميم لبني يربوع بن حنظلة. ومليحة: موضع في بلاد بني تميم. (وانظر البلدان).
(4) في معجم البلدان: (سمي بذلك لان الناس فيه ركب بعضهم. وقيل:
بل ركب الاثنان والثلاثة فيه الدابة الواحدة.
(2/663)

422 - وأنشد:
لو يشا طار به ذو ميعة … لا حق الآطال نهد ذو خصل (1)
عزاه في الحماسة لامرأة من بني الحارث، وقال العيني: هو لعلقمة، وقبله:
فارس ما غادروه ملحما … غير زمّيل ولا نكس وكل
وبعده:
غير أنّ البأس منه شيمة … وصروف الدّهر تجري بالأجل
فارس خبر مبتدأ محذوف، أي هو، و (ما) زائدة لتفخيم شأن المرثى، أي فارس رفيع المحل. وغادروه: تركوه، نعت (2). وملحما: قتيلا طعمة لعوافي السباع والطير (3)، حال من الهاء، وغير: نعت ملحم. والزمّيل، بضم الزاي وفتح الميم المشددة وسكون الياء التحتية ولام، الجبان الضعيف، كأنه زمّل بالعجز كما يزمّل الرجل في الثوب. والنكس: بكسر النون وسكون الكاف ومهملة، المقصر عن غاية النجدة والكرم. وأصله في السهام الذي انكسر فجعل أسفله أعلاه، فلا يزال ضعيفا. والوكل: الجبان الذي يتكل على غيره فيضيع أمره. وقد أورد المصنف هذا البيت شاهدا (في الباب الخامس، على إنه من باب الاشتغال) (4).
ويشا: بحذف الهمزة إما ضرورة، وإما خبر (ما) بلو، وتشبيها لها بأن. وذو: نعت لمحذوف، أي فرس. والميعة: النشاط، أي لو شاء لأنجاه فرس له ذو نشاط.
ولاحق الآطال: أي ضامر الجنبين، وهو بالمدّ جمع أطل بوزن أبل، وهي الخاصرة.
__________
(1) الخزانة 4/ 521، وامالي ابن الشجري 1/ 166 و 299 والحماسة 3/ 121
(2) في ابن الشجري 1/ 300، قولها: فارسا ما غادروه، نصبت (فارسا) بمضمر فسره (غادروه).
(3) وكذا في التبريزي، وفي ابن الشجري: (الملحم: الذي أحيط به في الملحمة، وهو الموضع الذي يلتحم فيه المتحاربون)
(4) بياض بالاصل.
(2/664)

ونهد: بفتح وسكون، غليظ. وذو خصل: أي من الشعر. وقوله:
غير أنّ البأس منه شيمة
قال: على حدّ قوله (1):
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
ومنه نعت لشيمة قدم عليه. وصروف الدهر: مبتدأ خبره تجري، وبالأجل: حال، أي تجري ومعها الأجل، أو مفعول به، والباء معدية، أي تجري للأجل. وقال المرزوقي في المعنى: إنه ثبت ولم ير لنفسه لفرار، لأن الصبر في الشدة والبأس عادة وطبيعة، ولأن صروف الدهر تجري إلى النفوس بآجالها، ولكل حيّ وقت معلوم.
فإذا انتهى به العمر الى ذلك الوقت انقطع. وفي الشواهد الكبرى للعيني: ملحما بالمهملة، اسم مفعول من ألحم الرجل، إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصا.
وألحمه: غيره فيها، ولحم: إذا قتل. قال: وقد ضبطه بعضهم بالجيم. وقد أورده ابن الناظم، فارسا، بالنصب، مستشهدا به على جواز النصب في الاشتغال لعدم وجود الموجب لأحد الامرين. والمرجح للرفع والمسوّي لهما.
423 - وأنشد:
تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت … إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا
تامت: بمعنى تيمت، وقد استشهد به المصنف في شرح بانت سعاد على ذلك.
وقال استشهد به ابن الشجري على أن (لو) قد تجزم، حملا على أن، ولا دليل فيه لاحتمال انه سكنه تخفيفا لتوالي الحركات، كقراءة أبي عمرو (وما يشعركم).
424 - وأنشد:
ولو نعطي الخيار لما افترقنا … ولكن لا خيار مع اللّيالي
__________
(1) انظر ص 349، الشاهد رقم 162.
(2/665)

425 - وأنشد:
أما والّذي لو شاء لم يخلق النّوى … لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
قال القالي في أماليه (1): أنشدنا أبو بكر بن الأنباري، قال أنشدنا أبو بكر السمان قال أنشدنا أبو علي الغز قال أنشدنا مسعود بن بشر:
أما والّذي لو شاء لم يخلق النّوى … لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
يوهّمنيك الشّوق حتّى كأنّما … أناجيك من قرب وإن لم يكن قربي
426 - وأنشد:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة … تدع الحوائم لا يجدن غليلا
هذا من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق، وقبله، وهو أوّل القصيدة (2):
ألم أر مثلك يا أمام خليلا … أنأى بحاجتنا وأحسن قيلا
وبعده:
بالعذب من رصف القلاة مقيلة … قضّ الأباطح لا يزال ظليلا
ومنها:
إنّي تذكّرني الزّبير حمامة … تدعو بمجمع نخلتين هديلا
قالت قريش: ما أذلّ مجاشعا … جارا وأكرم ذا القبيل قبيلا
لو كان يعلم عذر آل مجاشع … يقل الرّجال فأسرع التّحويلا (3)
__________
(1) 2/ 196.
(2) ديوانه 453 - 455
(3) كذا بالاصل، وفي الديوان: (نقل الرحال).
(2/666)

أمام: مرخم أمامة. وأنأى، قال العيني: من أناءه الحمل إذا أثقله. وشئت:
بكسر التاء خطاب لها. ونقع: بالنون والقاف والعين المهملة، من نقعت بالماء إذا رويت، يقال: شرب حتى نقع، أي شفى غليله. ويروى: بمشرب، بدل شربة.
وتدع: تترك. والحائم: الطالب للحاجة، من حام يحوم حوما، وأصله من الحوم حول الماء. ويروى بدله:
الصوادي، أي جمع صادية، من الصدى، وهو العطش.
والغليل: بالغين المعجمة، حرارة العطش. والرصف: بفتح الراء والصاد المهملة، الحجارة. والقلات: جمع قلة، وهي نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، مثل سهم وسهام. والقض: الموضع الخصب، وهو أعذب لمائه، وأصفى. ونخلتان عن يمين بستان بني عامر وشماله، ويقال لهما: النخلة اليمانية والشامية. واستشهد ابن أم قاسم بقوله: لا تجدن، على أنه بضم الجيم، لغة بني عامر، بمعنى تصبن ولهذا اكتفى بمعمول واحد وهو غليلا.
427 - وأنشد:
قالت سلامة: لم يكن لك عادة … أن تترك الأعداء حتّى تعذرا
لو كان قتل يا سلام فراحة … لكن فررت مخافة أن أوسرا
(2/667)

شواهد لولا
428 - وأنشد:
فو الله لولا الله تخشى عواقبه … لزعزع من هذا السّرير جوانبه
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الأشراف، حدثني أبي عن محمد ابن اسحق، عن سليمان بن جبير، مولى ابن عباس، وقد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما زلت أسمع حديث عمر هذا انه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا، فمرّ بامرأة مغلقة عليها بابها، وهي تقول، فاستمع لها عمر:
تطاول هذا اللّيل تسري كواكبه … وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه
فو الله لولا الله لا شيء غيره … لحرّك من هذا السّرير جوانبه
وبتّ ألاهي غير بدع ملعّن … لطيف الحشا لا يحتويه مصاحبه
يلاعبني طورا وطورا كأنّما … بدا قمرا في ظلمة اللّيل حاجبه
يسرّ من كان يلهو بقربه … يعاتبني في حبّه وأعاتبه
ولكنّني أخشى رقيبا موكّلا … بأنفسنا لا يفتر الدّهر كاتبه
ثم تنفست الصعداء، وقالت: لهان على ابن الخطاب وحشتى، في بيتي، وغيبة زوجي عني، وقلة نفقتي؟ فقال عمر: يرحمك الله! فلما أصبح بعث إليها بنفقة
(2/668)

وكسوة وكتب إلى عامله يسرّح إليها زوجها.
وقال مالك بن أنس في الموطأ عن عبد الله بن دينار: ان عمر بن الخطاب خرج من الليل فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه … وأرّقني أن لا خليل ألاعبه
فو الله لولا الله إنّي أراقبه … لزلزل من هذا السّرير جوانبه
فقال عمر بن الخطاب: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت حفصة: ستة أشهر أو أربعة. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيش أكثر من أربعة أشهر.
429 - وأنشد:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم … بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا (1)
هذا من قصيدة طويلة لجرير يردّ بها على الفرزدق، أوّلها (2):
أقمنا وربّتنا الدّيار ولا أرى … كمربعنا بين الحنيّين مربعا
ألا حبّ بالوادي الّذي ربّما نرى … به من جميع الحيّ مرأى ومسمعا
ومنها:
بني مالك إنّ الفرزدق لم يزل … فلوّ المخازي مذ لدن أن تيفّعا
ومنها:
تركت له القينين قيني مجاشع … ولا يأخذان النّصف شتّى ولا معا
__________
(1) ابن عقيل 1/ 143، والخزانة 1/ 461، وهو في ديوان جرير 338.
والكامل 239، وامالي ابن الشجري 1/ 250 وفيه (عقر البيت).
(2) الديوان 333
(2/669)

ورأيت في تفسير ابن المنذر نسبة هذا البيت إلى الأشهب بن رميلة (1). عقر: من عقرت الناقة، إذا عقر قبتها لئلا تبرح لما يرام من نحوها. والنيب: بكسر النون وسكون التحتية وموحدة، جمع ناب، وهي الناقة التي نصف سنها. وقال الجوهري:
هي المسنة من النوق، وأصله فعل بضم الفاء وسكون العين، وإنما كسرت النون لتسلم الميم. قيل: سميت نابا
لطول نابها. والضوطرى: الحمقاء، وزنها فو على كالحوزلى (2). والكميّ: بفتح الكاف وكسر الميم وتشديد التحتية، الشجاع الذي لا يكتم. وقيل: الذي يكمي شجاعته، أي يخفيها. والمقنّع: بضم الميم وفتح القاف وتشديد النون وعين مهملة، الذي عليه مغفر أو بيضة. قال البطليوسي (3):
كان غالب أبو الفرزدق فاخر سحيم بن وثيل الرياحي في نحر الإبل والإطعام، حتى نحر مائة ناقة، فنحر سحيم ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم بها. فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مما أهلّ لغير الله فلا يأكل أحد منها شيأ. فأكلتها السباع والطير والكلاب. وكان الفرزدق يفتخر بذلك في شعره، فقال جرير: ليس الفخر في عقر النوق والجمال، إنما الفخر بقتل الشجعان والأبطال.
430 - وأنشد:
عاف تغيّر إلّا النّؤي والوتد (4)
__________
(1) في الكامل 239: (نسب لجرير، وقيل للأشهب بن رميلة). وفي الخزانة 1/ 463: (بيت الشاهد نسبه ابن الشجري في أماليه للاشهب بن رميلة، وكذا غيره، والصحيح أنه من قصيدة لجرير لاخلاف بين الرواة أنها له). وفي ابن الشجري 1/ 250: (كقول الشاعر: ... عقر البيت).
(2) في الخزانة 1/ 462: (وبنو ضوطري: منادي، قال ابن الأثير في المرصع: بنو ضوطرى، ويقال فيه: أبو ضوطرى: هو ذم وسب. وأنشد البيت، وقال: وضوطرى: هو الرجل الضخم اللئيم الذي لا غناء عنده، وكذلك القنوطر والضيطر. ومثله في سفر السعادة، وزاد ضياطرا، وقال: وجمع ضيطار ضياطره.
وقال حمزة بن الحسين: العرب تقول: يا ابن ضوطر، أي يا ابن الأمة. وقال اللخمي: الضوطر: المرأة الحمقاء).
(3) انظر الخزانة 1/ 462 - 463، وذيل الامالي 52 - 54.
(4) ديوان الاخطل 168، والبيت من قصيدة يمدح عبد الله ويزيد بن معوية، وهي في الديوان 167 - 176 وفيه: (... منها منزل).
(2/670)

هو للأخطل وصدره:
وبالصّريمة منهم منزل خلق
الصريمة: بفتح المهملة وكسر الراء، اسم موضع، وهي في الاصل كل رملة انصرمت من معظم الرمل. وخلق: بفتحتين، بال، يستوي فيه المذكر والمؤنث.
وعاف: دارس. والنؤيّ بضم النون وسكون الهمزة ثم ياء تحتية: حفرة تكون حول الخباء لئلا يدخل ماء المطر، ويجمع على نؤيّ: بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء، وعلى نئيّ: بكسر النون. وقوله: (منهم) حال من منزل (1).
وقيل: من تغير. وخلق وعاف صفتان لمنزل. وكذا تغير صفة له أخرى. وإلا النؤى: استثناء من الضمير في تغير، على طريق الإبدال، وان كان غير موجب، إلا انه في معنى لم يبق على حالة فأجرى مجرى النفي. وقد استشهد المصنف على ذلك.
431 - وأنشد:
ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها … فقلت: بلى، لولا ينازعني شغلي (2)
هذا مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وبعده:
جزيتك ضعف الودّ لمّا اشتكيته (3) … وما إن جزاك الضّعف من أحد قبلي
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم … فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل
فقال صحابي: قد غبنت وخلتني … غبنت، فلا أدري أشكلهم شكلي؟
على أنّها قالت: رأيت خويلدا … تنكّر حتّى عاد أسود كالجذل
__________
(1) قوله: (منهم) جار ومجرور في محل النصب من الحال من منزل.
والتقدير: حال كونه متخلفا منهم، فيكون المتعلق محذوفا. وقد قيل إنه يتعلق بقوله: تغير، وفيه بعد
(2) الخزانة 1/ 498، وديوان الهذليين 1/ 34
(3) كذا بالاصل، وفي الديوان: (لما شكيته)، ويروى (لما استبنته).
(2/671)

فتلك خطوب قد تملّت شبابنا … قديما فتبلينا المنون وما نبلي
وتبلي الأولى يستلئمون على الأولى … تراهنّ يوم الرّوع كالحداء القبل
قال المصنف في شواهده: ينازعني مبتدأ بتقدير أن، ولولا، كلمتان، يعني لو لم. وجواب لولا، أو لو لم، محذوف (1). وقوله: تزعميني ... البيت. أورده المصنف في الكتاب الثاني شاهدا على أن الجملة وقعت مفعولا ثانيا لظنّ. وتزعميني:
تظنيني كنت أجهل في اتباعي لك. وشريت هنا: بمعنى اشتريت. وإنما قالوا له مغبون: في بيعه الجهل بالحلم. لأنهم كانوا معه على الجهل، فقال هو: بل إن الغابن ولا أدري أهم على ما أنا عليه أم لا. والمعنى: أطريقهم طريقي أم غيرها، فحذف أم ومعطوفها كقوله:
فما أدري أرشد طلابها
وخويلد: اسم أبي ذؤيب. وتنكر: تغير. والجدل بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة أصل الشجرة. وقيل: العود اليابس. وخطوب: جمع خطب، وهو الأمر العظيم. وتملت: استمتعت، يقال: تمليت عمري أي استمتعت به. والمنون:
الدهر، لأنه يمن قوى الانسان، أي ينقصها. ويكون بمعنى الموت، لأنه يقطع الحياة، من قوله تعالى: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) * يقول: إن حوادث الدهر أكلت شبابنا قديما، وتمتعت به، وانما تبلينا وما نبليها نحن، وأنها تبلي القوم الذين
__________
(1) في الديوان: (ينازعني: يجاذبني. يقول: لو يخلّيني شغلي وما أريد يشير الى ان جواب (لولا) في البيت الآتي. ولم يشرح السيوطى البيت: (جزيتك ضعف الود). ذكر الأصمعي ان ابا ذؤيب لم يصب في قوله: (ضعف الود) في هذا البيت. وانما كان ينبغى ان يقول: (ضعفي الود) وانما يريد أضعفت لك الود (انظر اللسان مادة ضعف). والوجه في تخطئ الأصمعي لأبي ذؤيب انه اراد بضعف الشيء مثله. فإذا جزاها مثل ودها لم يفعل شيئا. قال في اللسان: الضعف في كلام العرب على ضربين:
احدهما المثل. والآخر أن يكون في تضعيف الشيء. وهذا الاخير هو الذي يستقيم عليه البيت.
(2/672)

يستلئمون، أي يلبسون لأمة الحرب ويركبون على الخيل التي تراها في يوم الفزع، لخفتها في السير وشدة عدوها، كأنها حداء، وهي الطير المعروف، والمفرد حدأة، كعنب وعنبة. والقبل: بضم القاف وسكون الموحدة، التي في عينها قبل، بفتحتين، أي حول، وهو اقبال سواد كل من العينين على الآخر، وذلك لتقلب أعينهنّ من شدة طيرانهنّ وفزعهنّ. وقد استشهد النحاة بالبيت الأخير على استعمال الاولى لجمع المذكر والمؤنث بدليل ما عاد على كل منهما من ضميره. وأورد المصنف قوله:
فإن تزعميني ... البيت، في الكتاب الثاني على أن زعم تنصب مفعولين، واستشهد به ابن مالك وغيره.
شرح شواهد المغني م - 43
(2/673)

شواهد لم
432 - وأنشد:
لولا فوارس من نعم وأسرتهم … يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (1)
قال العيني في الكبرى: لم يسم قائله. والفوارس: جمع فارس على غير قياس.
وقوله: (من نعم) يروى بدله (من ذهل). وأسرة الرجل: بضم الهمزة، رهطة، لأنه يتقوّى بهم. والصليفاء: بضم المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وفاء ومد، اسم موضع، وهو في الأصل تصغير صلفاء، وهي الأرض الصلبة، وقوله:
لم يوفون، جواب لولا. والبيت استشهد به ابن مالك على أن (لم) قد تهمل فلا تجزم بقلة، وخصه غيره بالضرورة، وعليه الفارسي وأبو حيان. وذكر ابن جنى في؟؟؟ الصناعة: ان هذا على تشبيه لم بلا.
433 - وأنشد:
في أيّ يوميّ من الموت أفرّ … أيوم لم يقدّر أم يوم قدر
هذا أول مقطوعة للحارث بن منذر الجرمي وبعده:
إنّ أخوالي من شقرة قد … لبسوا لي عمسا جلد النّمر
نحتوا أثلتنا بغيا ولم … يرهبوا غبّ الوبال المستعر
__________
(1) الخزانة 3/ 626
(2/674)

فلئن طأطأت في قتلهم … لتهاضنّ عظامي عن عفر
ولئن غادرتهم في ورطة … لأصيرن نهزة الذّئب القفر
ولئن أعرضت عنهم بعد ما … أوهنتني لتصيبنّي بقرّ
قوله: لبسوا لي عسسا: أي أبطنوا لي العداوة. وطأطأت: أسرعت. وقوله:
لتهاضنّ عظامي عن عفر
أي عن بعد لأن الأخوال وإن كانوا أقرباء ففيهم بعد، إذ ليسوا كالأعمام. وقوله لتصيبني بقر، أي ليستقرن الأمر قراره. قال ابن الأعرابي: ولا يقال أصابتني بقر إلا فيما يحذر. والبيت استشهد به على النصب بلم في لغة. وخرجه بعضهم على أن الأصل يقدّرن بنون التوكيد الخفيفة حذفت وبقيت الفتحة دالة عليها. وفيه شذوذان: توكيد المنفى بلم، وحذف النون لغير وقف ولا ساكن. وقال ابن جنى:
الأصل يقدّر بالسكون، ثم لما تجاوزت الهمزة المفتوحة والراء الساكنة - وقد أجرى العرب الساكن المجاور للمتحرك مجرى المتحرك، والمتحرك مجرى الساكن إعطاء للجار حكم مجاوره - أبدلوا الهمزة المتحركة ألفا كما تبدل الهمزة الساكنة بعد الفتحة، ولزم حينئذ فتح ما قبلها إذ لا يقع الألف الا بعد فتحة.
434 - وأنشد:
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا (1)
هو من قصيدة لعبد يغوث بن وقاص الحارثي شاعر جاهلي من شعراء قحطان قالها حين أسرته تميم يوم الكلاب الثاني وقبله:
__________
(1) الاغاني 16/ 253 و 258 و 259 (الثقافة) والمفضليات 158 والعقد الفريد 5/ 228 وانظر 3/ 396، والخزانة 1/ 313 - 317، وذيل الامالي 3/ 132 - 133، وشعراء الجاهلية 78 - 79، والبيان والتبيين 2/ 212
(2/675)

أقول وقد شدّوا لساني بنسعة: … أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
وتضحك منّي شيخة عبشميّة … كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
كأنّي لم أركب جوادا ولم أقل … لخيلي كرّي كرّة عن رجاليا
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن … نداماي من نجران أن لا تلاقيا
وأولها:
ألا لا تلوماني كفى اللّوم ما بيا … فما لكما في اللّوم خير ولاليا
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها … قليل، وما لومي أخي من شماليا
قال الجاحظ في البيان (1): ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد وعبد يغوث فإنّا قسنا جودة أشعارهما في وقت إحاطة الموت بهما فلم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية. قال أبو الفرج (2): كان الذي أسر عبد يغوث غلام أهوج من بني عمر بن عبد شمس، فانطلق به الى أهله فقالت له أم الغلام: من أنت؟
قال: أنا سيد القوم! فضحكت وقالت: قبحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج. فقال في جملة قصيدته: وتضحك مني شيخة ... البيت. وقوله:
ألا لا تلوماني كفى اللّوم ما بيا
أي كفى ما ترون من حالي، فلا تحتاجون إلى لومي مع أساري وجهدي.
وقوله: من شماليا، هو واحد الشمائل، وهي الأخلاق والطبائع. والنسع: سير مضفور على هيئة العنان، والقطعة منها نسعة. وعبشمية: منسوبة الى عبد شمس.
وقوله: (كأن لم ترى) قال التدمري: يروى باظهار لفظ التاء على الخطاب، وبالألف على الإخبار عن المؤنثة الغائبة.
قوله: (فيا راكبا ... البيت) استشهد به المصنف في التوضيح على نصب المنادي المفرد النكرة. ويروى: أيا راكبا. وقال أبو عبيدة:
__________
(1) 2/ 212
(2) الاغاني 16/ 258 (الثقافة)
(2/676)

أراد: يا راكباه، للندبة، فحذف الهاء، ولا يجوز أيا راكبا بالتنوين، لأنه قصد راكبا بعينه. وعرضت: أي تعرّضت. قال البعليّ، وقال بعض شراح أبيات المفصل: هو من عرض الرجل اذا أتى العروض، وهي مكة والمدينة وما حولهما.
وقال التدمري: معنى عرضت أي تعرّضت وظهرت، وقيل معناه: بلغت العرض، وهي جبال نجد تعرف بذلك. ونداماي: جمع ندمان من المنادمة على الشراب، ويقال هي مقلوبة من المدامة، وذلك ادمان الشرب. وقيل: كأن الشريبان يكون من أحدهما بعض ما يندم عليه فلذلك سميا نديمين. ونجران: مدينة معروفة.

فائدة: [عبد يغوث بن صلاءة]
عبد يغوث بن صلاءة، وقيل ابن الحارث بن وقاص بن صلاءة بن المعقل، واسمه ربيعة بن كعب، من شعراء الجاهلية، فارس سيد لقومه من بني الحارث بن كعب، وهو كان قائدهم في يوم الكلاب الثاني الى بني تميم وفي ذلك اليوم أسر فقتل.
435 - وأنشد:
أرى عينيّ ما لم ترأياه (1)
أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني من طريق الأعمش عن ابراهيم النخعي قال (2): كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل العراق، فأسره المختار يوم جبّانة السّبيع (3)، فجاء به الذي أسره الى المختار. فقال له: إني أسرت هذا، فقال سراقة: كذب، ما هو أسرني، إنما أسرني غلام أبيض على برذون أبلق، عليه ثياب خضر، وسلمني إليه، وما أراه الآن في عسكرك. فقال المختار: أما ان الرجل قد عاين الملائكة خلوا سبيله لصدقه، فخلوه فهرب وقال (4):
__________
(1) الاغاني 9/ 13 (الثقافة) والعقد الفريد 2/ 171، وعيون الاخبار 1/ 204
(2) 9/ 13.
(3) جبانة السبيع: بالكوفة، وكان بها يوم للمختار بن عبيد. (معجم البلدان).
(4) الأبيات بالمراجع السابقة ببعض الاختلاف.
(2/677)

ألا أبلغ أبا إسحاق عنّي … بأنّ البلق دهم مصمتات
أرى عينيّ ما لم ترأياه … كلانا عالم بالتّرّهات
كفرت بدينكم وجعلت نذرا … عليّ قتالكم حتّى الممات
قال الزجاج: قوله: ترأياه، رده الى أصله، فإن أصل: يرى يرأى. فأسقط الهمزة تخفيفا. وكان المازني يقول: الاختيار عندي أن أرويه ما لم ترياه بغير همز لأن الزحاف أيسر من ردّ هذا الى أصله.

فائدة: [سراقة بن مرداس]
سراقة بن مرداس الأزدي البارقي، من شعراء العراق، بينه وبين جرير مهاجاة، مات في حدود ثمانين من الهجرة، وهو غير سراقة بن مرداس السلمي، ذاك أخو العباس بن مرداس، شاعر أيضا.
436 - وأنشد:
فذاك ولم إذا نحن أميرانا (1) … تكن في النّاس يدركك المراء
437 - وأنشد:
وأضحت مغانيها قفارا رسومها … كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل (2)
هو من قصيدة لذي الرّمّة أولها:
قف العيس في أطلال ميّة فاسأل … رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل
__________
(1) كذا بالاصل، وفي المغني: (اميرنا).
(2) ديوانه 506، والخزانة 3/ 626. وشرح شواهد العيني 4/ 445 و 446
(2/678)

العيس: بكسر العين، جمع عيساء، وهي الناقة البيضاء التي يخالطها شقرة.
ومغاني: جمع مغنى، بالغين المعجمة، وهو المنزل. ويروى (مباديها) أي حيث تبدو.
القفار: بكسر القاف، جمع قفر وهي الارض الخالية. والرسوم: جمع رسم الدار، وهو ما يعلم به الدار. ويؤهل: من أهل الدار، نزلها من باب ضرب يضرب.
قال محمد بن سلام (1): كان ميّة التي يشبب بها ذو الرّمّة بنت طلية بن قيس بن عامر بن المنقري، وكانت أم ذو الرمة مولاة آل قيس ابن عاصم.
438 - وأنشد:
ظننت فقيرا ذا غني ثمّ نلته … فلم ذا رجاء ألقه غير واهب
__________
(1) الطبقات 475 نقلا عن الاغاني 16/ 144 (ساسي) وفيه: (وكان ذو الرمة يتشبب بمي بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، وكانت كنزة أمة مولدة لآل قيس بن عاصم ..). وفي حاشية الامير 1/ 218 أسماها (ميه بنت طليلة).
(2/679)

شواهد لما
439 - وأنشد:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق (1)
هذا البيت من قصيدة طويلة للممزّق، واسمه شأس بن نهار بن الأسود بن جبريل بن عباس بن حيّ بن عوف بن سود بن عذرة بن منبّه بن بكرة العبدي، ثم البكري. وبهذا البيت سمي الممزق، وهو أوّل القصيدة ومنها بيت استشهد به على استعمال تخذ في اتخذ وهو (2).
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها … نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
الغرز: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء ثم زاي، ركاب الرجل من جلد، فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب. والنسيف: بوزن كريم، بنون ومهملة وفاء، أثر ركض الرجل بجنبي البعير. وأفحوص القطاة: بضم الهمزة، مبيتها.
والمطرق: بفتح الراء، المعدل (3). وقال أبو عبيدة في غريب الحديث، حدثني
__________
(1) الشعراء 360، والاصمعيات 190، والعيني 4/ 590 والمؤتلف 185 واللسان 13/ 21، وجمهرة انساب العرب 299، وطبقات ابن سلام 232، والعقد 3/ 357 و 4/ 310 والاشتقاق 330
(2) الاصمعيات 189، واللسان 11/ 242 و 12/ 93، وهو أيضا في 1/ 293 منسوب للمثقب، والحيوان 5/ 281، والمخصص 1/ 21 و 12/ 272
و 16/ 97 و 17/ 134.
(3) وضبط في الحيوان والمخصص واللسان: بكسر الراء، صفة للقطاة، بمعنى: التي حان خروج بيضها، يقال: طرقت القطاة وهي مطرق، حان خروج بيضها، وهي من الصفات التي تخص الاناث فيستغنى فيها عن علامة التأنيث.
(2/680)

أبو ابراهيم، وكان من أهل العلم، بإسناد لا أحفظه (1): ان عثمان لما حصر كان علي رضي الله عنه يومئذ غائبا في مال له، فكتب إليه عثمان: أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل إليّ، عليّ كنت أم لي:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
قال أبو عبيدة: هذا بيت تمثل به شاعر من عبد القيس جاهلي يقال له الممزّق، وانما سمي ممزقا لبيته هذا. وقال الفرّاء: الممزق أيضا.

فائدة: [الممزّق]
قال الآمدي (2): الممزّق هذا بالفتح، ولهم آخر يقال له الممزق، وهو: عبد الله ابن حذافة السهميّ، أحد شعراء قريش، ولهم الممزّق، بالكسر، حضرمي متأخر.
440 - وأنشد:
وكنت إذ كنت إلهي وحدكا … لم يك شيء يا إلهي قبلكا
هذا لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي. قال الأعلم: استشهد به سيبويه على اثبات الياء في يا إلهي على الأصل، وإن كان الحذف أكثر في الكلام. لان النداء باب حذف وتغيير، والياء تشبه التنوين في الضعف والاتصال، فيحذف كما يحذف التنوين من المنادى المفرد. واستشهد به المصنف هنا حكاية عن ابن مالك على أنّ لم ترد للنفي المنقطع، وقال: إنه خطأ، واستشهد به المصنف في التوضيح على اضافة وحد إلى الكاف الخطاب. وكنت في الموضعين تامة. ويك ناقصة. والخبر قبلكما.
441 - وأنشد:
فجئت قبورهم بدءا ولمّا … فناديت القبور فلم يجبنه (3)
__________
(1) انظر الخبر في العمدة 1/ 227
(2) المؤتلف المختلف 185
(3) سيبويه 1/ 316
(2/681)

تقدم شرحه في شواهد جير ضمن أبيات (1).
442 - وأنشد:
احفظ وديعتك الّتي استودعتها … يوم الأعازب إن وصلت وإن لم (2)
هو لإبراهيم بن هرمة، وهو علي بن محمد بن سلمة بن عامر بن هرمه، بسكون الراء، القرشي الفهري المدني، شهر بالنسبة الى جده، وهو آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم، مات في خلافة الرشيد.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن زكريا بن يحيى بن خلاد قال (3): كان الأصمعي يقول: ختم الشعراء بابن ميّادة، والحكم الخضري (4) وابن هرمة وطفيل الكناني، ودكين العذري (5). قال بعضهم: ولد سنة سبعين (6) ومات بعد الخمسين ومات بقريبا ودفن بالبقيع. قال وكيع في الغرر: زعم زبير عن عبد الملك الماجشون قال: قدم جرير المدينة، فأتاه ابن هرمة وابن أذنية فأنشداه، فقال: القرشي أشعرهما، والعربي أفصحهما (7). ويوم الأعازب يوم معهود بينهم. والبيت استشهد به على حذف مجزوم لم، وقدره أبو حيان: (وإن لم تصل) بالبناء للفاعل. وقدره أبو الفتح البعلي: (وان لم توصل) بالبناء للمفعول. قال العيني: وهو الصواب.
443 - وأنشد:
أقول لعبد الله لمّا سقاؤنا … ونحن بوادي عبد شمس وهاشم
__________
(1) هو مع الشاهد رقم 169 ص 362 من قصيدة واحدة تنسب الى ذي الرمة، وقوله: (ضمن أبيات) خطأ، فان السيوطي لم يدرج سوى الشاهد فقط.
(2) الخزانة 3/ 628
(3) 4/ 373 (الدار). وانظر الشعراء 729
(4) في الاصل: (الحضرمي) وهو تصحيف.
(5) في الشعراء والاغاني: (مكين).
(6) في الاغاني 4/ 397 (الدار): (ولد ابن هرمة سنة تسعين).
(7) الاغاني 4/ 393
(2/682)

444 - وأنشد:
قالت له: بالله يا ذا البردين … لمّا غنثت نفسا أو اثنين (1)
445 - وأنشد:
لمّا رأيت أبا يزيد مقاتلا … أدع القتال وأشهد الهيجاء
__________
(1) في حاشية الامير 1/ 220: (قوله غنث: بمعجمة فنون فمثلثة، (مسند للمخاطب من باب علم أن يشرب ثم يتنفس، وكنّت به عن الجماع).
(2/683)

شواهد لن
446 - وأنشد:
لن تزالوا كذلكم ثمّ لا زل … ت لهم خالدا خلود الجبال
هذا من قصيدة طويلة للأعشى يمدح بها الأسود بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان، أوّلها (1):
ما بكاء الكبير بالأطلال … وسؤالي وما يردّ سؤالي (2)
دمنة قفرة تعاورها الصّي … ف بريحين من صبا وشمال
لات هنّا ذكرى جبيرة أم من … جاء منها بطائف الأهوال
ومنها في وصف ناقته:
وتراها تشكو إليّ وقد … كانت طليحا تحذ صدور الفعال (3)
الى أن قال:
لا تشكّي إليّ من ألم النّس … ع ولا من حفا ولا من كلال
لا تشكّي إليّ وانتجعي الأس … ود أهل النّدى وأهل الفعال
__________
(1) ديوانه 3 ق 1
(2) في الديوان: (فهل ترد سؤالي).
(3) في الديوان: (تحذى صدور النّعال).
(2/684)

فرع جود يهتزّ في غصن المج … د كثير النّدى عظيم الجمال
عنده البرّ والتّقى وأسى الشّ … قّ وحمل المضلّع الأثقال
وصلات الأرحام قد علم النّا … س وفكّ الأسرى من الأغلال
وهوان النّفس الكريمة للذّك … ر إذا ما التقت صدور العوالي
ووفاء إذا أجرت فما عزّ … ت حبال وصلتها بحبال
وعطاء إذا سئلت إذا العذ … رة كانت عطيّة البخّال
أريحيّ صلت يظلّ له القو … م ركودا قيامهم للهلال
إن يعاقب يكن غراما وإن يع … ط جزيلا فإنّه لا يبالي
ومنها:
ربّ رفد هرقته ذلك اليو … م وأسرى من معشر أقيال
وشيوخ حربى بشطّي أريك … ونساء كأنّهنّ السّعالي
وشريكهنّ في كثير من الما … ل وكانا محالفي إقلال
قسما الطّارف المعاد من المل … ك فآبا كلاهما ذو مال (1)
لن يزالوا كذلكم ثمّ لا زل … ت لهم خالدا خلود الجبال
كلّ عام تقود خيلا إلى خي … ل دفاقا غداة غبّ الصّقال
__________
(1) في الديوان: (... الطارف التليد من الغنم).
(2/685)

وهذا آخر القصيدة (1).
قوله: (ما بكاء الكبير) يريد نفسه، وهو استفهام تعجب. والباء بمعنى في.
والأطلال: جمع طلل، وهو ما شخص من أعلام الدار. وقوله: (وما يردّ سؤالي) يعني وأي شيء يجدي على سؤالي الطلل. والعرب تقول للرجل يحزن أو يتأسف:
أي شيء يردّ عليك أسفك. والدمنة: آثار الناس، وما سردوا، وهي مثل الأبعار والسرجين وما أشبهها. والقفرة: التي لا أنيس بها. ويروى (دمنة قفرة) بالرفع على ان (ما) في (وما يردّ سؤالي) نافية لا استفهامية، فهي فاعل يردّو بالنصب مفعول به لسؤالي. وبالجر بدل من الأطلال. وتعاورها الصيف: اختلفت عليها رياحه. ولات هنا: أي ليس
وقت ذكرها. وجبيرة: اسم امرأة. قالوا: وفي البيت استفهام مقدر: أي الجبيرة تذكر أم من جاء منها، يعني طيفها الطارق له في منامه، وطائف الأهوال: هو الخيال، كأنه رآها في النوم وهي غضبى فارتاع لذلك.
قوله: (وقد كانت طليحا) كانت هنا بمعنى صارت. والطليح: المعيبة. والنسع:
السير المضفور من الأدم. وأصل النجعة: طلب الكلأ. والحمال: بفتح المهملة، ما حمل من الأمور. والأسى: مصدر أسوت الجرح. والأريحيّ: الذي يرتاح للندى. والصلت: الواسع الجبين ليس بأغم والغرام الملازم، ومنه: (إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً). قوله: (رب رفد) أي قتلت أشرافا كانت لهم أموال فأخذت أموالهم فكفيت أرفادهم. والرفد: القدح الضخم.
447 - وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتّى أوسّد في التّراب دفينا (2)
هو من قصيدة لأبي طالب قالها في النبيّ صلى الله عليه وسلم.
أخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخس،
__________
(1) آخر القصيدة كما في الديوان، البيت: لن يزالوا ... ، أما البيت:
كل عام ... فهو البيت رقم 62 من القصيدة وعدة أبيات القصيدة في الديوان 75 بيتا.
(2) تاريخ أبي الفداء 1/ 120
(2/686)

أن قريشا أتت أبا طالب فكلمته في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبعث إليه فقال:
يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاؤني فقالوا كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك؟ فظن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن قد بدل العهد فيه، وأنه خاذله ومسلمه، فقال: يا عمّ، لو وضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله فبكى. فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله: يا ابن أخي، امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا. وقال أبو طالب في ذلك:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فامض لأمرك ما عليك غضاضة … أبشر وقرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنّك ناصح (1) … ولقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنّه (2) … من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار سبّة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا
448 - وأنشد:
فلن يحل للعينين بعدك منظر (3)
هو لكثيّر عزة، وصدره:
أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم
قال أبو حيان في النهر: أيادي سبا، اتخذه الناس مثلا مضروبا في التفريق والتمزيق.
__________
(1) في أبي الفداء: ودعوتني وعلمت أنك صادق.
(2) في أبي الفداء: ولقد علمت بأن دين محمد ..
(3) ديوانه 1/ 60، وقوله: فلن يحل، هو من باب علم في المنظر ومن باب غزا في الطعم، ومصدرهما الحلاوة.
(2/687)

449 - وأنشد البيت:
لن يخب الآن من رجائك من … حرّك من دون بابك الحلقه
قال البطليوسي في شرح الكامل: روى الحسن عن إسماعيل، عن سليمان بن موسى، عن جعفر بن محمد قال: بلغني أن أعرابيا دخل المدينة، فبينا هو يجول في أزقتها إذ مر بباب الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما عرف الدار أنشأ يقول:
لن يخب الآن من رجاك ومن … حرّك من دون بابك الحلقه
أنت جواد وأنت معتبر … أبوك مذ كان قاتل الفسقه
لولا الّذي كان من أوائلكم … كانت علينا الجحيم منطبقه
فسمعه الحسين وهو يصلي، فأوجز في صلاته، ثم خرج، فإذا هو بأعرابي في أسمال فقال: رويدا يا أعرابي، ثم نادى: يا قنبر، ما معك من النفقة؟ قال: ألف درهم، قال: فائت بها فقد جاء من هو أحق بها منا، ثم أخذها من قنبر فصيرها في إحدى بردتين كانتا عليه، ثم دفعها للأعرابي من داخل الباب، وقال:
خذها فإنّي إليك معتذر … واعلم بأنّي عليك ذو شفقه
لو كان في سيرنا الغداة عصا … كانت سمانا عليك مندفقه
لكن رأيت الزّمان ذا غير … والكفّ منّا قليلة النّفقه
فأخذها الأعرابي وقال:
مطهّرون نقيّات جيوبهم … تجري الصّلاة عليهم أينما ذكروا
فأنتم أنتم الأعلون إنّ لكم … أمّ الكتاب وما جاءت به السّور
(2/688)

من لم يكن علويّا حين تنسبه … فلن يكون له في النّاس مفتخر
قال البطليوسي: وجزم الأعرابي بلن (1)، وذكر اللحياني أن ذلك لغة لبعض العرب يجزمون بالنواصب وينصبون بالجوازم. وسكن النحويون لام الحلقة وفتحها الأعرابي. قال ابن جني. يقال حلقة حديد، وحلقة من الناس، بسكون اللام، والجمع حلق، بفتح اللام. وحكى عن يونس حلقة وحلق بفتح اللام.
وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في كلامهم حلقة بفتح اللام، إلا في جمع حالق، انتهى.
__________
(1) وكسر باء (يخب) للساكنين.
(2/689)

شواهد ليت
450 - وأنشد:
يا ليت أيّام الصّبا رواجعا (1)
قال الجمحي في طبقات الشعراء (2): هو للعجاج، قال: وهي لغة لهم، سمعت أبا عون الحرمازيّ يقول: ليت أباك منطلقا وليت زيدا قاعدا. فأخبرني (3) أو بلغني أن منشأه بلاد العجاج فأخذها عنهم.
451 - وأنشد:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
تقدم شرحه في شواهد أن ضمن قصيدة النابغة (4).
__________
(1) الخزانة 4/ 290
(2) 65
(3) المقصود كما في الطبقات: (ابو يعلي). الضمير في منشأة يرتد الى أبي عون الحرمازي.
(4) انظر الشاهد رقم 20 وص 74 و 75 و 77، والشاهد رقم 89 ص 200
(2/690)

شواهد لعل
452 - وأنشد:
لعلّ أبي المغوار منك قريب (1)
هذا من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه شبيبا أوّلها (2):
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا … كأنّك يحميك الشّراب طبيب
تتابع أحداث تخرّمن إخوتي … وشيّبن رأسي والخطوب تشيب
__________
(1) ابن عقيل 1/ 236 والخزانة 4/ 370 والامالي 2/ 151 وجمهرة اشعار العرب 250، والاصمعيات 98، واللسان 16/ 24 وهو في كتب الأدب برواية (أبا المغوار) وهو خلاف ما في كتب النحو واللغة كما هنا بالاصل من أنه مجرور بلعل في لغة عقيل.
(2) هذه المرثية احدى مراثي العرب المشهورة، وقال الاصمعي: كعب ابن سعد الغنوي ليس من الفحول إلا في المرثية، فانه ليس في الدنيا مثلها (الموشح 81)، وقال أبو الهلال: (قالوا: ليس للعرب مرثية أجود من قصيدة كعب بن سعد التي يرثي فيها أخاه أبا المغوار) (ديوان المعاني 2/ 178). وهي في الامالي 2/ 147 - 152، وشعراء الجاهلية 746 - 749، وفي الخزانة 4/ 370 - 375، والعقد الفريد 3/ 271، والاصمعيات (الاصمعية رقم 25 و 26). قال الراجكوتي (وفي الاصمعيات قصيدة لغريفة تداخلت في قصيدة كعب تداخلا قبيحا، على أن قصيدة كعب دخل فيها أبيات منحولة) (اللآلي 71)، وهي في جمهرة اشعار العرب 249 - 253 منسوبة لمحمد بن كعب الغنوي، وهو خطأ، ومنها أبيات في ابن سلام 176 - 177، ومعجم الشعراء 228 - 229، وانظر الاصمعيات 95 وما بعد.
(2/691)

لعمري لئن كانت أصابت مصيبة … أخي، والمنايا للرّجال شعوب
لقد كان، أمّا حلمه فمروّح … علينا، وأمّا جهله فعزيب
ومنها:
فإن تكن الأيّام أحسنّ مرّة … إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
الى أن قال:
وداع دعايا من يجيب إلى النّدي … فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت: ادع أخرى وارفع الصّوت دعوة … لعلّ أبي المغوار منك قريب
يجبك كما قد كان يفعل إنّه … تجيب لأبواب العلاء طلوب
أبو المغوار: بكسر الميم وسكون الغين المعجمة. ودعوة: نصب على التعليل.
والبيت استشهد به على الجر بلعل، وروى أبو المغوار بالنصب على أصله. قال القالي في الامالي: بعض الناس يروي هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي، (وبعضهم يرويها بأسرها لسهم الغنوي) (1)، وهو من قومه وليس بأخيه، والمرثيّ بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار واسمه هرم. وبعضهم يقول اسمه شبيب، ويحتج ببيت روي في هذه القصيدة:
أقام وخلّى الظّاعنين شبيب
وهذا البيت مصنوع، والأوّل أصحّ لأنه رواه ثقة، انتهى. ثم قال: ويقال خرمته المنيّة وتخرّمته اذا ذهبت به، وشعوب معرفة به لا ينصرف، اسم من اسماء المنية، سميت شعوب لأنها تشعب، أي تفرّق. وشعوب في الأصل
__________
(1) مزيدة عن الامالي 2/ 148.
(2/692)

صفة ثم سمّي به. ومروّح ومراح واحد. وعزيت وعازب: بعيد.
453 - وأنشد:
وجيران لنا كانوا كرام (1)
هو من قصيدة للفرزدق يمدح بها هشام بن عبد الملك، وقيل سليمان بن عبد الملك، وأوّلها:
هل أنتم عائجون لنا لعنّا … نرى العرصات أو أثر الخيام
فقالوا: أنت فعلت فاغن عنّا … دموعا غير راقئة السّجام
أكفكف عبرة العينين منّا … وما بعد المدامع من ملام
فكيف إذا مررت بدار قوم … وجيران لنا كانوا كرام
عائجون: أي منعطفون علينا بالركاب. وأورده العيني بلفظ (عالجون) باللام.
وقال: أي داخلون في عالج، وهو موضع. ولعنا: لغة في لعلنا. والعرصات: جمع عرصة الدار، وهي وسطها.
والراقئة السجام: بالهمز، من رقأ الدمع إذا سكن.
والسجام: بكسر أوّله، من سجم الدمع. وأكفكف: أكف وأمنع. وكيف:
للتعجب. وجيران: بالجر عطف على قوم. ولنا: خبر كانوا إن لم تكن زائدة، ونعت الجيران إن كانت زائدة، أو تامة بمعنى وجدوا. وكرام: بالجر، صفة لجيران.
454 - وأنشد:
أعد نظرا يا عبد شمس، لعلّما … أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا (2)
__________
(1) سيبويه 1/ 289، والخزانة 4/ 37، وابن عقيل 1/ 122، وديوانه 835.
(2) الاغاني 8/ 61، وديوانه 213، والنقائض 491 وابن سلام 339 وفيه:
(أعد نظرا يا عبد قيس فانما).
(2/693)

هو للفرزدق. قال محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء (1): حدثنا حاجب ابن يزيد بن شيبان (2) قال: قال جرير بالكوفة (3):
لقد قادني من حبّ ماويّة الهوى، … وما كنت إلفا للحبيبة أقودا (4)
أحبّ ثرى نجد، وبالعون حاجة (5) … فغار الهوى، يا عبد قيس، وأنجدا
أقول له: يا عبد قيس، صبابة، … بأيّ ترى مستوقد النّار أوقدا؟
فقال: أراها أرّثت بوقودها … بحيث استفاض الجذع شيحا وغرقدا
فأعجبت الناس وتناشدوها، فقال جرير: أعجبتكم هذه الأبيات؟ قالوا: نعم، قال: كأنّكم بابن القين قد قال:
أعد نظرا يا عبد قيس، لعلما … أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا
فلم يلبثوا أن جاءهم في قول الفرزدق هذا البيت، وبعده:
حمار بمروات السّخامة قاربت … وطيفه حول البيت حتّى تردّدا (6)
__________
(1) 338 - 339
(2) في المراجع السابقة (زيد)
(3) ديوانه 184، والنقائض 479 وما بعدها والمراجع السابقة
(4) كذا، وصحتها:
وما كنت القى للحبيبة أقودا
كما في ابن سلام. والحبيبة: الدابة تشد الى جنب أخرى.
(5) كذا بالاصل، وفي الديوان وابن سلام (بالغور حاجة).
(6) كذا بالاصل، وفي ابن سلام 339:
حمارا بمروّت السّخامة قاربت … وظيفيه حول البيت حتى ترددا
ومروت: اسم موضع في ديار بني تميم. والسخام: الفحم والسواد. والوظيف من كل ذي أربع: ما فوق الرسغ الى مفصل الساق.
(2/694)

كليبيّة، لم يجعل الله وجهها … كريما، ولم يسنح بها الطّير أسعدا
فتناشدها الناس، فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال (1):
وما عبت من نار أضاء وقودها … فراسا وبسطام بن قيس مقيّدا
فإذا هي قد جاءت لجرير (وفيها) (2) هذا البيت ومعه:
وأوقدت للسّيدان نارا ذليلة، … وأشهدت من سوآت جعثن مشهدا
455 - وأنشد:
لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة
تقدم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة متمم بن نويرة (3).
456 - وأنشد:
فقولا لها قولا رقيقا لعلّها … سترحمني من زفرة وعويل
457 - وأنشد:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى (4)
458 - وأنشد
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة … لعلّ منايانا تحوّلن أبؤسا (5)
__________
(1) ديوانه 484، وابن سلام 340، والمراجع السابقة. وفراس هو ابن عبد الله بن عامر بن سلمة بن قشير، وكان قد أسر مع بسطام بن قيس، كما أسرته بنو يربوع.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) انظر ص 567 والشاهد رقم 339 وهو في الخزانة 1/ 433
(4) انظر الشاهد رقم 130 ص 282.
(5) ديوان امرئ القيس 107 ويروى كما عند الطوسي:
فيا لك من نصحى تحولن أبؤسا
وعن ابن النحاس عن أبي عبيدة:
فيالك من نصحى تبدّلت أبؤسا. ولا شاهد فيه على هاتين الروايتين.
(2/695)

عزاه البطليوسي في شرح الكامل لامرئ القيس، وقال: انه من ايراد الممتنع بصورة الممكن، لأن تحوّل المنايا أبؤسا ممتنع. ثم رأيته في ديوان امرئ القيس بن حجر من قصيدة أوّلها (1):
تأوّبني الدّاء القديم فغلّسا … أحاذر أن يرتدّ دائي فأنكسا (2)
ومنها في النساء:
أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله … ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا (3)
قوّس: أي انحنى. وتأوبني: أتاني مع الليل.
459 - وأنشد:
فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي (4)
هذا ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، من قصيدة أوّلها (5):
__________
(1) اول القصيدة في الديوان:
الما على الربع القديم بعسعسا … كأني أنادي أو أكلم أخرسا
(2) البيت هو مطلع القصيدة عند السكري والطوسي وابن النحاس.
وتأوبني دائي: أي جاءني مع الليل، وفغلسا: أي أتاه ليلا في الغلس. وقوله: فأنكسا من نكس المرض وهو الرجوع إليه بعد البرء.
(3) في الديوان: (قوله: أراهن لا يحببن .. الخ هو من رؤية القلب، أي أعلمهن لا يحبن الفقير ولا من شاب وقوّس، أي كبر وانطوى كانطواء
القوس).
(4) الخزانة 1/ 496 و 4/ 490، والامالي 1/ 68، وامالي ابن الشجري 1/ 157 و 263 والاغاني 22/ 295 (الدار).
(5) القصيدة في الخزانة 1/ 496 - 497، وامالي ابن الشجري 1/ 157 والاغاني 12/ 294 - 296 (الدار) والامالي 1/ 68 ببعض الاختلاف والرواية، ومنها أبيات في عيون الاخبار 2/ 11 و 3/ 82 وشواهد العيني 3/ 87، والشعر ليزيد بن الحكم الثقفي وقيل أنه لأخيه عبد ربه وفي الاغاني: قال أبو الزعراء أن بعض أبياتها لطرفة. وأنكر الاصبهاني أشد الانكار هذه النسبة وقال: إن مرذول كلام طرفة فوقه. وانظر اللآلي 237
(2/696)

تكاشرني كرها كأنّك ناصح … وعينك تبدي أنّ صدرك لي دوي
لسانك ماذيّ وعينك علقم … وشرّك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
وكم موطن لولاي طحت كما هوى … بأجرامه من قنّة النّيق منهوي
جمعت وفحشا غيبة ونميمة: … ثلاث خصال لست عنها بمرعوي
تكاشرني: من الكشر، وهو التبسم يبدو منه الأسنان. ودوي: بفتح الدال المهملة وكسر الواو، يقال رجل دوائي: فاسد الجوف من داء. والماذيّ: بفتح الذال المعجمة وتشد الياء: العسل الأبيض. والعلقم: الحنظل. والبيت استشهد به المصنف. وقوله: لولاي، استشهد على جر لولا الضمير. وطحت: بكسر التاء وضمها، من طاح يطيح، ويطوح هلك. وهوى: سقط. ومنهوى: بضم الميم، الهاوي. والأجرام جمع جرم، بالكسر، وجرم الشيء جثته. والنيق: بكسر النون وسكون التحتية وقاف، أرفع موضع في الجبل. والقنة: بضم القاف، وتشديد المعطوف على المعطوف عليه ضرورة. وقيل انه مفعول معه، أي جمعت مع فحش.
ومرعوي: من الارعواء، وهو الكف عن القبيح.
460 - وأنشد:
فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة
قال أبو زيد في نوادره: هو لعدي، وتمامه:
فبتنا على ما حيلت ناعمى بالي
وبعده:
ألم يشفينّك أنّ نومي مسهد … وشوقي إلى ما يعتريني وتسهالي
(2/697)

قال الجرمي: أراد ليتك دفعت، فأضمر اسم ليت، وهو ضعيف رديء، ولا يجوز في الكلام، وقلما جاء في الشعر. وقال السكري: أراد فليت الأمر، فأضمر.
وقوله: (على ما حيلت) من كلام العرب، أي على كل حال، وأدخل النون في ألم يشفينك، ودخولها قبيح في الكلام، ولكنه كثير في الشعر.
461 - وأنشد:
ولو أنّ واش باليمامة داره … وداري بأعلى حضر موت اهتدى ليا (1)
هذا من قصيدة لمجنون ليلى قيس بن الملوح. قال في الاغاني (2): وهي من أشهر أشعاره وبعده:
وماذا لهم لا أحسن الله حظّهم … من الحظّ في تصريم ليلى حباليا
فأنت الّتي إن شئت أشقيت عيشتي … وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
ومنها:
أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها … وأشبهه أو كان منه مدانيا
هي السّحر إلّا أنّ للسّحر رقية … وإنّي لا ألقى لنفسي راقيا
ومنها:
أعدّ اللّيالي ليلة بعد ليلة … وقد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا
أراني إذا صلّيت يمّمت نحوها … بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
وما بي إشراك ولكنّ حبّها … لعظم الشّجا أعيا الطّبيب المداويا
__________
(1) ديوانه 88، والاغاني 2/ 69 (الدار) ببعض الاختلاف، والخزانة 4/ 295
(2) 2/ 68 (الدار).
(2/698)

قضاها لغيري وابتلاني بحبّها … فهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
أخرج في الاغاني عن ابن الكلبي قال: لما قال مجنون بني عامر هذا البيت نودي في الليل: أأنت المتسخّط لقضاء الله والمعترض في أحكامه. فاختلس عقله منذ تلك الليلة وذهب مع الوحش على وجهه.

فائدة: [قيس بن الملوّح]
قيس بن الملوّح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعد بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة العامري، وهو مجنون ليلى المشهور، الشاعر الذي قتله العشق، له أخبار كثيرة. وقيل إنه لا حقيقة له. قال عوانة بن الكلبي: إن المجنون وشعره وضعه فتى من بني أميّة كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر، فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها اليه. وقال أيّوب ابن عناية: سألت بني عامر بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه.
وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى الا نسبوه الى المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى إلّا نسبوه الى قيس بن ذريح. وقال الاسمعي:
أضيف الى المجنون من الشعر أكثر مما قاله هو. قال: ولم يكن مجنونا بل كانت به لوثة أحدثها العشق فيه. وقد قيل: انه اسمه قيس بن معاذ، وقيل: مهدي بن ربيعة ابن الحريش بن جعد بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كانا يرعيان مواشي أهلهما وهما صغيران فعلق كل واحد منهما بصاحبه فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه. أسند ذلك كله صاحب الاغاني (1).
وأخرج عن إبراهيم بن سعد الزهري قال: أتاني رجل من عذرة لحاجة، فجرى ذكر العشق والعشاق فقلت له: أنتم أرق قلوبا أم بنو عامر؟ فقال: إنا لأرقّ الناس قلوبا، ولكن غلبتنا بنو عامر بمجنونها.
وأخرج عن نوفل بن مساحق قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، كان جميل الوجه، أبيض اللون، وقد علاه شحوب.
__________
(1) انظر اغاني الدار 2/ 1 - 6.
(2/699)

462 - وأنشد:
أكلّ امرئ تحسبين امرأ … ونار توقّد باللّيل نارا (1)
هو لأبي دؤاد جويرة بن الحجاج. وقيل جارية بن حسران الحذاقي الإيادي.
وهي آخر قطعة أوّلها:
ودار يقول لها الرّائدو … ن ويلم دار الحذاقيّ داريا
يصف أيام لذته بالتصيد ثم تصيره إلى حال أنكرت عليه امرأته منزلته من السؤدد، فأنبأها بجهلها مكانه، وأنه لا ينبغي أن يغتر بامرئ من غير امتحانه، وكل امرئ مفعول أوّل لتحسبين، وامرأ مفعوله الثاني. ونار يروى
بالجر على تقدير:
وكل نار، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه بحاله، وتحسبين أيضا: فيه مقدر؟؟؟
ونار الثاني مفعول. ويروى: ونار الاولى بالنصب، فرارا من العطف على معمولين.
وتوقد أصله: تتوقد، فحذف احدى التاءين وهو صفة لنار. وقد وقع في الكامل للمبرد نسبة هذا البيت الى عدي بن زيد.
463 - وأنشد:
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
__________
(1) الكامل 147 و 825 وابن عقيل 2/ 20
(2/700)

شواهد لكنّ
464 - وأنشد:
ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (1)
قال الزمخشري والبطليوسي: هو للنجاشي وأوّلها:
وماء قديم العهد بالورد أجن … رضابا أو سلافا من العسل
لقيت عليه الذّئب يعوي كأنّه … ضليع خلا من كلّ مال ومن أهل
فقلت له: يا ذئب هل لك في أخ … يواسي بلا منّ عليك ولا بخل
فقال: هداك الله للرّشد، إنّما … دعوت لما لم يأته سبع قبلي
فلست بآتيه ولا مستطيعه … ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
قال الزمخشري: عرض للنجاشي ذئب في سفر له.
465 - وأنشد:
فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتي … ولكنّ زنجيّ عظيم المشافر (2)
أخرج أبو الفرج عن أبي عبيدة (3) قال: هجا الفرزدق خالدا القسريّ، فكتب
__________
(1) الخزانة 4/ 367
(2) ديوانه 481، والخزانة 4/ 378
(3) الاغاني 21/ 353 - 354 (الثقافة).
(2/701)

خالد الى مالك بن المنذر: أن احبس الفرزدق، فأرسل مالك الى أيوب بن عيسى الضبي: أن ائتني بالفرزدق، فأتاه به فحبسه، فقال يهجو أيوب:
فلو كنت ضبّيّا إذا ما حبستني … ولكنّ زنجيّا غلاظا مشافره
متتّ له بالرّحم بيني وبينه … فألفيته منّي بعيدا أواصره
مع أبيات أخر. وأورد ذلك أيضا محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعر (1)، وأورده بلفظ:
فلو كنت ضبّيّا صفحت قرابتي … ولكن زنجيّا غليظا مشافره
وبعده:
فسوف يرى الزّنجيّ إذا اكتدحت له … يداه إذا ما الشّعر غنّت نواقره
466 - وأنشد:
ولكنّ من لا يلق امرا ينوبه … بعدّته ينزل وهو أعزل (2)
قال الزمخشري: هو لأميّة بن أبي الصّلت.
__________
(1) هذا الخبر ليس في الطبقات.
(2) سيبويه 1/ 439، وديوانه 46 والبيت من قصيدة في عتاب ولديه.
(2/702)

شواهد لكن الساكنة
467 - وأنشد:
إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره … لكن وقائعه في الحرب تنتظر (1)
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وأوّلها:
أبلغ بني نوفل عنّي فقد بلغت … منّي الحفيظة لمّا جاءني الخبر
ابن ورقاء: هو الحارث بن ورقاء الصّيداوي. والبوادر: جمع بادرة وهي الجدة. وروي: بدله: (غوائله) وهي جمع غائلة، وهي ما يكون من شرّ وفساد.
والوقائع: جمع، وقيعة، وهي القتال. والبيت استشهد به على أن لكن حرف ابتداء، وليته: جملة من مبتدأ وخبر. ومن أبيات القصيدة:
أولى لكم ثمّ أولى أن تصيبكم … منّي فواقر لا تبقي ولا تذر
وهذا يستشهد به عند قوله تعالى: (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى). وفواقر: مصيبات (2).
__________
(1) ديوانه 306، وفيه (غوائله).
(2) الفواقر: المصيبات، وهي الدواهي التي تكسر فقاره، وفي الديوان:
(نواقر) ويروى (بواقر) بالباء.
(2/703)

شواهد ليس
468 - وأنشد:
له نافلات ما يغبّ نوالها … وليس عطاء اليوم مانعه غدا (1)
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة الأعشى (2).
469 - وأنشد:
ألا ليس إلّا ما قضى الله كائن … وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرّا
470 - وأنشد:
وما اغترّه الشّيء إلّا اغترارا (3)
471 - وأنشد:
هي الشّفاء لدائي لو ظفرت بها … وليس منها شفاء الدّاء مبذول (4)
هو لهشام بن عقبة أخي ذي الرمة. وبعده كما أورده التدمري في شرح شواهد الجمل:
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت … كأنّه منهل بالرّاح معلول
__________
(1) ديوانه ص 137 برواية (له صدقات ما تغب ونائل)
(2) انظر ص 577 من قصيدة الشاهد رقم 345 وانظر ص 725 و 757.
(3) الخزانة 2/ 31 وفيه (وما اغتره الشيب) كما في المغني، والبيت للأعشى وهو في ديوانه. وصدره:
أحلّ له الشيب اثقاله.
(4) في المغني: (شفاء النفس).
(2/704)

الله يعلم أنّي لم أقل كذبا … والحقّ عند جميع النّاس مقبول
المبذول: ضد الممنوع. وتجلو: تصقل، وهي كناية عن الاستياك بالمسواك.
والعوارض: الثنايا من الأسنان. والظلم: الماء الذي يجري على الاسنان. والمنهل:
مفعل من النهل، هو الشرب في أوّل الورود. والمعلول: مفعول من العلل، وهو الشرب الثاني بعد الأوّل. والراح: من أسماء الخمر. وهذا البيت برمتّه من قصيدة كعب بن زهير التي أوّلها: بانت سعاد. أغار عليه هذا الشاعر (1).
472 - وأنشد:
أين المفرّ والإله الطّالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب
أخرج الواقدي وأبو نعيم في دلائل النبوّة، عن عطاء بن يسار قال: حدثني من كلّم قائد الفيل وسائسه قال لهما: أخبراني خبر الفيل؟ قالا: هو فيل الملك النجاشي الأكبر لم يسر به قطّ إلى جمع إلا هزمهم، فاخترت وصاحبي لجلدنا ومعرفتنا بسياسة الفيل، فلما دنونا من الحرم، جعلنا كلما نوجهه الى الحرم يربض، فتارة نضربه فينهض، وتارة تتركه، فلما انتهى الى المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب وقلت: نجا غيركما. قالا: نعم ليس كلهم أصابه العذاب. وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده، كلما دخلوا أرضا وقع منه عضو حتى انتهى الى بلاد خثعم، وليس عليه غير رأسه فمات.
وأخرجا عن زيد بن أسلم قال: أفلت نفيل الحميري. قال الواقدي: وسمعت انه لما ولى أبرهة مدبرا جعل نفيل يقول:
أين المفرّ والإله الطّالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب
__________
(1) أي البيت: تجلو عوارض. وانظر ديوان كعب ص 7.
(2/705)

وأخرجه ابن هشام في السيرة نحوه. قال نفيل بن حبيب فذكر البيت بلفظ:
(ليس الغالب الأشرم) في اللغة: المشقوق الأنف، وهو لقب أبرهة. والبيت استشهد به الكوفيون على أن ليس تأتي عاطفة بمنزلة لا، والتقدير لا الغالب. وأجيب بأن الغالب اسم ليس، والخبر محذوف، أي ليس الغالب اياه. وقال مالك: هو في الأصل ضمير متصل عائد على الأشرم، أي ليسه الغالب كقول: الصديق كانه زيد، ثم تحذف فتقول: الصديق كان زيد.
(2/706)

حرف الميم شواهد ما
473 - وأنشد:
لما نافع يسعى اللّبيب فلا تكن … لشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا
474 - وأنشد:
ربّما تكره النّفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال (1)
هذا لأميّة بن أبي الصلت، وقبله:
لابراهيم الوافي بالنّذر … احتسابا وحامل الأجزال
بينما يخلع السّراويل عنه … فكّه ربّه بكبش حلال
فخذن ذا فداء ابنك إنّي … للّذي قد فعلتما غير قال
ربّما تجزع النّفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال
ربما تجزع النفوس ... البيت. كذا في تفسير الثعلبي، ونسب هذا البيت الى أمية بن أبي الصلت. ونسبه عمر بن شبّه إلى حنيف بن عمير اليشكري، شاعر مخضرم من أبيات قالها لما قتل محكم بن الطفيل يوم اليمامة، وهو:
__________
(1) ديوان أمية 50، والخزانة 2/ 541، وسيبويه 1/ 270 و 362
(2/707)

يا سعاد الفؤاد بنت أثال … طال ليلي بنفثة الرّجال
إنّ دين الرّسول ديني وفي القو … م رجال ليسوا لنا برجال
ربّما تجزع النّفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال
ربما تجزع النفوس ... البيت. ذكر ذلك ابن حجر في الإصابة. وممن نسبه الى حنيف صاحب الحماسة البصرية،
وقيل: هو لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب.
والمعنى: رب شيء تكرهه أو تجزع منه النفوس من الأمر له انفراج سهل سريع، كحل عقال الدابة. وقد أورده بلفظ: (تجزع) سيبويه في كتابه، وما: نكرة موصوفة بمعنى شيء. وجملة تكره: صفتها، والعائد محذوف. وقد أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية شاهدا لذلك، وفرجة: بالفتح. قال النحاس: الفرجة بالفتح في الأمر، وبالضم فيما يرى من الحائط ونحوه. والعقال: بكسر العين:
الحبل الذي يعقل به البعير.
وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي قال (1): قال أبو عمرو بن العلاء:
هربت من الحجاج فسمعت يوما أعرابيا يقول:
يا قليل العزاء في الأهوال … وكثير الهموم والأوجال
صبّر النّفس عند كلّ ملمّ … إنّ في الصّبر حيلة المحتال
لا تضيقنّ بالأمور فقد … تكشف غمّاؤها بغير احتيال
ربّما تجزع النّفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال
قد يصاب الجبان في آخر الصّ … فّ وينجو مقارع الأبطال
__________
(1) الفرج بعد الشدة 2/ 159
(2/708)

فقلت: ما وراءك يا أعرابي؟ قال: مات الحجاج. فلم أدر بأيهما أفرح، أبموت الحجاج، أو بقوله فرجة، لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً).
475 - وأنشد:
فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم … فحتّام حتّام العناء المطوّل
هو للكميت من قصيدة طويلة أوّلها:
ألا هل عم في رأيه متأمّل … وهل مدبر بعد الإساءة مقبل
وهي احدى السبع الهاشميات، ومن أبياتها:
وعطّلت الأحكام حتّى كأنّنا … على ملّة غير الّتي نتنحّل
كلام النّبيّين الهداة كلامنا … وأفعال أهل الجاهليّة نفعل
الولاة: بضم الواو، جمع وال. والعناء: بفتح العين المهملة وتخفيف النون، المشقة والتعب. وقوله: فتلك، مبتدأ، ولاة السوء خبره. وجملة قد طال مكثهم حالية. وحتام الثانية تأكيد للأولى تأكيدا لفظيا. وقد استشهد به ابن أم القاسم في شرح الألفية على ذلك. والعناء: مبتدأ، والمطوّل صفة، والخبر محذوف أي منهم أو من الناس قاله العيني.
476 - وأنشد:
يا أبا الأسود لم خلّفتني … لهموم طارقات وذكر (1)
477 - وأنشد:
على ما قام يشتمني لئيم … كخنزير تمرّغ في رماد (2)
__________
(1) الخزانة 3/ 197
(2) الخزانة 2/ 537
(2/709)

هو لحسان بن المنذر يهجو بني عائذ بن عمرو بن مخذوم. وغلط من نسبه لجرير، وقبله:
وإن تصلح فإنّك عائذي … وصلح العائذيّ إلى فساد
وإن تفسد فما ألفيت إلّا … بعيد ما علمت من السّداد
وتلقاه على ما كان فيه … من الهفوات أو نوك الفؤاد
على ما قام يشتمني لئيم … كخنزير تمرّغ في رماد
مبين الغيّ لا يعيا عليه … ويعيا بعد عن سبل الرّشاد
فأشهد أنّ أمّك ملبغايا … طوال الدّهر ما نادى المنادي
وقد سارت قواف باقيات … تناشدها الرّواة بكلّ واد
فقبّح عائذ وبنو أبيه … فإنّ معادهم شرّ المعاد
قوله: (على ما قام) فيه اثبات ألف ما الإستفهامية بعد حرف الجرّ. ضرورة، قاله شارح أبيات الايضاح. ويروى (ففيم يقوم يشتمني) ولا ضرورة حينئذ.
قال: وزعم ابن جني إن قام هنا زائدة، وليس كذلك، لأنها تقتضي النهوض بالشتم. وقوله: كخنزير بعد نص بكفره أو قبح منظره. وخبره لأنه قبيح مشوّه الحال للقذر. وقوله: تمرغ في رماد، تتميم لذمه.
478 - وأنشد:
إنّا قتلنا بقتلانا سراتكم … أهل اللّواء ففيما يكثر القيل
(2/710)

479 - وأنشد:
ماذا الوقوف على نار وقد خمدت … يا طالما أوقدت في الحرب نيران
480 - وأنشد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
تقدم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة لبيد (1).
481 - وأنشد:
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم
هذا من قصيدة طويلة لجرير يهجو بها الأخطل أوّلها (2):
بان الخليط ولو طوّعت ما بانا … وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا
حيّ المنازل إذ لا نبتغي بدلا … بالدّار دارا ولا الجيران جيرانا
قد كنت في أثر الأظعان ذا طرب … مروّعا من حذار البين محزانا
يا ربّ مكتئب لو قد نعيت له … باك وآخر مسرور بمنعانا
ومنها:
ما كنت أوّل مشتاق أخا طرب (3) … هاجت له غدوات البين أحزانا
يا أمّ عمرو جزاك الله مغفرة … ردّي عليّ فؤادي كالّذي كانا
__________
(1) انظر ص 150 - 151 والشاهد رقم 95، والبيت في الشعراء 237
(2) ديوانه 593 - 598
(3) كذا بالاصل، وفي الديوان: (أخي طرب).
(2/711)

ألست أحسن من يمشي على قدم … يا أملح النّاس كلّ النّاس إنسانا
ومنها:
قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم … ما كنت أوّل موثوق به خانا
ومنها:
لا بارك الله فيمن كان يحسبكم … إلّا على العهد حتّى كان ما كانا
لا بارك الله في الدّنيا إذا انقطعت … أسباب دنياك من أسباب دنيانا
ومنها:
إنّ العيون الّتي في طرفها حور … قتلننا، ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به … وهنّ أضعف خلق الله أركانا
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم … لاقى مباعدة منكم وحرمانا
أرينه الموت حتّى لا حياة به … قد كنّ دنّك قبل اليوم أديانا
قوله: (في طرفها مرض) أي (1) أي في حركة أجفانها فتور. يقال: طرف يطرف: اذا حرّك أجفانه. ويصرعن: يغلبن. واللب: العقل. والحراك: الحركة.
والغابط: الذي يتمنى مثل ما عندك من الخير دون أن يسلب عنك، والحرمان:
المنع. قال الزمخشري: أي ربّ إنسان يغبطني بمحبتي لك، ويظن أنك تجازيني بها، ولو كان مكاني للاقى ما لا قيته من المباعدة والحرمان. ودنك: عودنك.
وقد أورد المصنف دونه: يا رب غابطنا ... البيت. في الكتاب مستشهدا به.
__________
(1) رواية الاصل: (حور) والشرح هو رواية الديوان.
(2/712)

يا حبّذا جبل الرّيّان من جبل … وحبّذا ساكن الرّيّان من كانا
وحبّذا نفحات من يمانية … تأتيك من قبل الرّيّان أحيانا
هبّت جنوبا فهاجت لي تذكّركم … عند الصّفاة الّتي شرقيّ حورانا (1)
هل يرجعنّ وليس الدّهر مرتجعا … عيش بها طال ما احلولى وما لانا
أزمان يدعونني الشّيطان من غزلي … وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا (2)
النفحات: جمع نفحة، من قولك: نفحت الريح إذا هبت. واليمانية: ريح تهب من قبل اليمن، وهي الجنوب. وقيل: هنا المرأة وضمير هبت للريح. والصفاة:
الصخرة الملساء. وحوران: مدينة بالشام. وقد أورد المصنف قوله حبذا نفحات في الكتاب الخامس. ومنها:
قل للأخيطل لم تبلغ موازنتي … فاجعل لأمّك أير القسّ ميزانا
قال الخليفة والخنزير منهزم … ما كنت أوّل عبد محلب خانا
لاقى الأخيطل بالجولان فاقرة … مثل اجتداع القوافي وبر هزّانا
يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم … لا يستفقن إلى الدّيرين تحنانا
لمّا روين على الخنزير من سكر … نادين يا أعظم القسّين جرّدانا
هل تتركنّ إلى القسّين هجرتكم … ومسحكم صلبكم رحمان رحمانا (3)
لن تدركوا المجدأ وتشروا عباءكم … بالخزّ أو تجعلوا التّنّوم ضمرانا
__________
(1) رواية الديوان: هبت شمالا فذكرى ما ذكرتكم.
(2) في الديوان: (وكن يهوينني)
(3) في الديوان: ومسحهم صلبهم رحمان قربانا
(2/713)

المحلب: المعين. والجولان: من عمل دمشق. والقافرة: عنزة الظهر.
ووبر هزان: جفنة الهزان، أحد عنزة، وكان هاجي جريرا فجعله جرير كالوبر.
ويستفقن: يفقن. والقسين: موضع. والتنوم وضمران: ضربان من الشجر.
482 - وأنشد:
دعي ماذا علمت سأتّقيه … ولكن بالمغيّب نبّئيني
تقدّم شرحه في شواهد اما (1).
483 - وأنشد:
أنورا سرع ماذا يا فروق
قال التبريزي في شرح أبيات اصلاح المنطق هو للباهليّ وتمامه:
وحبل الوصل منتكث حذيق
أنورا: يريد أنفارا. وسرع: أي سرع، فخفف الضمة. وفروق: هذه المرأة لفراقها من الريب. والمنتكث: المتنقض. والحذيق: المقطوع، يقال حدقت الحبل وهو حذيق ومحذوق، ثم وقفت على القصيدة بتمامها في القصائد الأصمعيات، وعزاها لأبي شقيق الباهلي، واسمه جرد بن رباح قالها في يوم ارمام، وهي نيف وعشرون بيتا
وهذا مطلعها، وبعده:
ألا زعمت علاقة أنّ سيفي … يفلّل غربه الرّأس الحليق
ولو شهدت غداة الكوم قالت … هو القصب المهذرمة العتيق
__________
(1) سبق ص 191 وانظر ص 192، وهو في الخزانة 2/ 554 وليس البيت في شعر المثقب العبدي.
(2/714)

484 - وأنشد:
إن العقل في أموالنا لا نضق بها … ذراعا، وإن صبرا فنصبر للصّبر (1)
تقدّم شرحه في شواهد اذا ضمن قصيدة هدبة بن خشرم في أبيات قالها يخاطب بها معاوية.
485 - وأنشد:
فما تك يا ابن عبد الله فينا … فلا ظلما نخاف ولا افتقارا
486 - وأنشد:
وما بأس لو ردّت علينا تحيّة … قليل على من يعرف الحقّ عابها
487 - وأنشد:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب … وإنّي مقيم ما أقام عسيب (2)
أخرج ابن عساكر عن الزيادي قال: لما احتضر امرؤ القيس بأنقرة، نظر الى قبر فسأل عنه، فقالوا قبر امرأة غريبة، فقال:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب … وإنّي مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا … وكلّ غريب للغريب نسيب
قال: وعسيب جبل كان القبر في سنده. ثم رأيت في كتاب مقاتل الفرسان لأبي عبيدة ان صخر بن عمرو بن الشريد أخا الخنساء قال لما أدركه الموت:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب … علينا وكلّ المخطئين مصيب
__________
(1) انظر ص 276، وفيه اختلاف، وشرحه ص 279 مشيرا الى الرواية البيت كما هو هنا.
(2) ديوانه قسم الزيارات ص 357 وفيه: (ان المزار قريب).
(2/715)

أجارتنا لست الغداة بظاعن … وإنّي مقيم ما أقام عسيب
ومات فدفن بقرب عسيب. فلعلهما تواردا.
488 - وأنشد:
منّا الّذي هو ما إن طرّ شاربه … والعانسون ومنّا المرد والشّيب (1)
قال ابن السيرافي: هو لأبي قيس بن رفاعة الأنصاري. وقال البكري: اسمه دينار وهو من شعراء يهود. وقال أبو عبيدة: أحسبه جاهليا. وقال القالي في الأمالي:
هو قيس بن رفاعة الأنصاري. وقال الأصبهاني: هو لأبي قيس بن الاسلت الأوسي في حديث ثعلب، واسمه نفير. قوله: طرّ بالفتح، أي نبت. وأما بالضم. فمعناه:
قطع. وقال: انه بالضم بمعنى نبت أيضا. و (ما) نافية و (ان) زائدة. وقيل:
ما ظرفية وان زائدة. والعانس: من بلغ حدّ التزويج ولم يتزوّج ذكرا كان أو أنثى.
والمرد: جمع أمرد، وهو بمعنى الذي ما طرّ شاربه، وليس مغايرا له. والشيب:
بكسر أوّله، جمع أشيب، وهو المبيض الرأس واللحية. وفي البيت شواهد، أحدها: اطلاق العانس على المذكر وان كان المشهور استعماله في المؤنث. ثانيها:
جمعه بالواو والنون مع فقد شرطه، وهو التأنيث بالتاء فإنه لا يقال عانسة. ثالثها:
زيادة ان بعد ما النافية.
489 - وأنشد:
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته … على السّنّ خيرا لا يزال يزيد
تقدّم شرحه في شواهد إن (2).
490 - وأنشد:
وتالله ما إن شهلة أمّ واحد … بأوجد منّي أن يهان صغيرها
__________
(1) اللآلي 56 و 702 والامالي 2/ 67
(2) انظر الشاهد رقم 24 ص 85 - 86.
(2/716)

491 - وأنشد:
أليس أميري في الأمور بأنتما … بما لستما أهل الخيانة والغدر
لم يسم قائله: والهمزة للتقرير، والباء في بإنتما زائدة. وقوله: بما لستما، يروى بالباء وبالفاء. وما موصول حرفي ووصلت بليس ندورا. وقيل إنها موصول إسمي والعائد محذوف.
492 - وأنشد:
قلّما يبرح اللّبيب إلى ما … يورث المجد داعيا أو مجيبا
493 - وأنشد:
صددت فأطولت الصّدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم (1)
هو للمرّار، وقبله:
صرمت ولم تصرم وأنت صروم … وكيف تصابي من يقال حليم
وبعده:
وليس الغواني للجفاة ولا الّذي … له عن تقاضي دينهنّ هموم
ولكن لمن يستنجز الوعد تابع … مناهنّ حلاف لهنّ أثيم
قال الزمخشري: يخاطب نفسه ويلومها على طول الصدود، أي لا يدوم حال الغواني إلا لمن يلازمهن ويخضع لهن. وقوله: صرمت ولم تصرم: أي صرم اساءة، ولكن صرم دلال. وارتفع وصال بإضمار فعل يفسره الظاهر الذي يدوم. ويروي:
__________
(1) الخزانة 4/ 287
(2/717)

ولا أروي مستشهد ابن الشجري بالبيت على مجيء أطولت مصححا على الاصل كأطيب واستحوذ. وقال الأعلم: أراد: وقلما يدوم وصال، فقدّم وأخر مضطرا لإقامة الوزن. والوصال: على هذا التقدير فاعل مقدّم، والفاعل لا يتقدّم في الكلام إلا أن يبتدأ به، وهو من وضع الشيء غير موضعه. ونظيره قول الزباء:
ما للجمال مشيها وئيدا
أي وئيدا مشيها، فقدّمت وأخرت ضرورة. وفيه تقدير آخر: وهو أن يرتفع بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، فكأنه
قيل: وقل ما يدوم وصال يدوم. وهذا أسهل في الضرورة. والأول أصح معنى، وإن كان أبعد في اللفظ. لأن قلما موضوعة للفعل خاصة، بمنزلة ربما، فلا يليها الاسم. وقد يتجه أن يقدر (ما) في قلما زائدة مؤكدة، فيرتفع الوصال بقل، وهو ضعيف، لأن ما إنما تزاد في قل ورب ليليهما الأفعال ويصيرا من الحروف المخترعة بها. وأجرى أطولت على الأصل ضرورة بشبهه بما استعمل في الكلام على أصله نحو: استحوذ وأقيلت المرأة وأخيلت السماء. وأنشد ابن السيرافي البيت بلفظ:
وصدّت فأطولت الصّدود
وقال: يقول صرمت هذه المرأة من قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال:
وكيف يتصابى من قد كبر وحلم. والتقدير من يقال: هو حليم. وصدت هذه المرأة فأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودّة والمحبة شيء.
وقد قيل إن ما في قلما في هذا البيت هي والفعل الذي بعد ما بمنزلة المصدر اه.
494 - وأنشد:
... وإنّما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (1)
هو للفرزدق من قصيدة يهجو جريرا، أولها:
__________
(1) ديوان الفرزدق 712
(2/718)

ألا استهزأت منّي سويدة أن رأت … أسيرا يداني خطوه حلق الحجل
فإن يك قيدي كان نذرا نذرته … فما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الذّائد الحامي الذّمار وإنّما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
الذائد: بمعجمة أوله ومهملة آخره، من ذاد يذود اذا منع. وقال الجوهري:
الذياد الطرد. وذدته عن كذا: طردته. والحامي: من الحماية، وهي الدفع.
والذمار: بكسر المعجمة وتخفيف الميم، ما لزمك حفظه مما يتعلق بك، لانه يحبب على أهله التذمر له، أي التشمر لدفع العار عنه. ويقال: الذمار العهد. وقال الزوزني: معنى البيت: ما يدافع عن أحساب قوم الا أنا، أو من يماثلني في إحراز الكمالات. والبيت استشهد به على فصل الضمير للقصر بإنما.
495 - وأنشد:
قد علمت سلمى وجاراتها … ما قطر الفارس إلّا أنا
قال شارح أبيات الايضاح البياني، قال صدر الأفاضل: يقال هذا البيت للفرزدق، والظاهر أنه لعمرو بن معدي كرب.
قطره: ألقاه على قطره، أي جانبه. والفارس: الشجاع. وكأنه إنما خص النساء بالعلم بشجاعته استمالة لهن إليه، لأنهن يملن إلى الشجاع والفصيح.
والبيت أنشده الزجاج في شرح أدب الكاتب ولم يسم قائله. وأورده بعده:
خرقت بالسّيف سرابيله
ثم رأيت الزمخشري قال في شرح أبيات سيبويه: إنه لعمرو بن معدي كرب، حمل على مرزبان يوم القادسية فقتله، وهو يرى انه رستم، فقال ذلك وأورد قبله:
ألمم بسلمى قبل أن تطعنا … إنّ لسلمى عندنا ديدنا
(2/719)

شككت بالرّمح حيازيمه … والخيل تعدو زيما بيننا
زيما: متفرقّة. انتهى.
496 - وأنشد:
ربّما أوفيت في علم … يرفعن ثوبي شمالات
تقدم شرحه في شواهد رب (1).
497 - وأنشد:
كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
تقدّم شرحه في شواهد الكاف (2).
498 - وأنشد:
فلئن صرت لا تحير جوابا … فبما قد ترى وأنت خطيب
قال العيني (3): لم يسم قائله. ولا تحير: من أحار يحير، يقال كلمته فلم يحر جوابا، أي يردّه ولم يرجعه. وجوابا مفعول وقيل: يحير أي من حيث الجواب.
وقيل مفعول له، وعلى هذا يكون لا يحير من حار حيرة. وفبما: جواب الشرط.
والباء، الجارة وحملت عليها ما الكافة، وأحدثت فيها معنى التعليل. وترى بالبناء للمفعول انتهى. ثم رأيت في أمالي القالي: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه: أنشدنا أبو العباس ثعلب لمطيع بن إياس الكوفي يرثي يحيى بن زياد الحارثي (4):
__________
(1) انظر الشاهد رقم 196 ص 393
(2) انظر الشاهد رقم 285 ص 502
(3) 3/ 347، وانظر الخزانة 4/ 285
(4) 1/ 271، ونسب الأبيات لصالح بن عبد القدوس باختلاف قليل وانظر اللآلي 599 - 600
(2/720)

وينادونه وقد صمّ عنهم … ثمّ قالوا، وللنّساء نحيب:
ما الّذي غال أن تحير جوابا (1) … أيّها المصقع الخطيب الأديب
فلئن صرت لا تحير جوابا (2) … فبما قد ترى وأنت خطيب
في مقال ولا وعظت بشيء … مثل وعظ بالصّمت إذ لا تجيب
499 - وأنشد:
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة (3)
هو لأبي حية النميري، وتمامه:
على رأسه تلقي اللّسان من الفم
وقبله:
ونحن ضربنا الزّرد بالسّيف ضربة … فلمّا ضربنا الزّرد لم يتكلّم
ورواه بعضهم بلفظ:
وإنّا لممّا نضرب القرن ضربة

فائدة: [أبو حية النميري]
أبو حية النميري، اسمه الهثيم بن الربيع بن زرارة بن كثير بن جناب، شاعر مجيد أدرك الدولتين الأموية والعباسية. وكان فصيحا راجزا من سكان البصرة.
وكان أهوج جبانا بخيلا كذابا. وقيل: إنه كان يصرع، وكان أجبن الناس، دخل
__________
(1) اصلحنا: (قال).
(2) في الأمالي: (فلئن كنت).
(3) الخزانة 4/ 282، وسيأتي برقم شاهد 518 ص 738
(2/721)

ليلة الى بيته كلب فظنه لصا فوقف يزمجر، فخرج الكلب فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.
500 - وأنشد:
وضنّت علينا والضّننين من البخل
صدره:
ألا أصبحت أسماء جازمة الحبل
قال ابن الشجري في أماليه: هذا من تنزيل الأعيان منزلة المصادر، كأنه قال:
والضنين مخلوق من البخل.
501 - وأنشد:
أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما … أفنان رأسك كالثّغام المخلس
هذا للمرار الفقعسي. وعلاقة: منصوب بفعل مضمر، والهمزة للتوبيخ على حدّ قوله:
أطربا وأنت قنسريّ (1)
والأفنان: جمع فنن، وهو الغصن. وأراد هنا ذوائب رأسه استعارة. والثغام:
ضرب من النبت اذا يبس ابيض، ولذلك يشبه به الشيب. والمخلس: رأس الرجل إذا صار فيه شيب. قال يوسف بن السيرافي: وقيل: إن الرواية الصحيحة أم الوليد بالتكبير، ويكون من أحفا (2)، وإنما جعلت الرواية بالتصغير لأنه أحسن في الوزن.
502 - وأنشد:
بينما نحن بالأراك معا … إذ أتى راكب على جمله
__________
(1) انظر الشاهد رقم 10 ص 48.
(2) كذا؟.
(2/722)

تقدّم شرحه في حرف الجيم ضمن قصيدة جميل (1).
503 - وأنشد:
فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة ليس تنصّف (2)
قال ابن الشجري في أماليه: دخلت هند بنت النعمان على المغيرة بن شعبة وهو أمير الكوفة زمن معاوية فسألها عن حالها، فأنشدت:
فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن منهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها … تقلّب تارات بنا وتصرّف
قال ابن الشجري: قولها: (نتنصف) أي نستخدم، انتهى. وفي الحماسة:
أنهما لخرقة بنت النعمان (3). ومعنى البيت: بينا نحن ندبر أمر الناس بما نريد، وطاعتنا واجبة، وأحكامنا واجبة، إذا انقلب الأمر واتضعت الأحوال، وصرنا سوقة نخدم الناس. والسوقة، دون الملك. قولها: (والأمر أمرنا) أي لايد فوق أيدينا، والعامل في (بينا) ما في إذا من معنى المفاجأة. ثم رأيت المعافى بن زكريا قال في كتاب الجليس: حدّثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدّثنا أبو بكر محمد ابن أبي يعقوب الدينوري، حدّثنا حسان بن أبان البعلبكي، قال: لما قدم سعد بن أبي وقاص القادسية أميرا، أتته خرقة بنت النعمان بن المنذر في جوار كلهنّ مثل زيها، تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه قال: أيتكنّ خرقة؟ قلن: هذه، فقال لها:
أنت خرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي، إن الدنيا دار زوال، وأنها لا تدوم على حال، وتنتقل بأهلها انتقالا، وتعقبهم بعد حال حالا، إنّا كنّا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة وزمان الدولة، فلما
__________
(1) انظر ص 366، وهو مع الشاهد رقم 172 ص 365 من قصيدة واحدة.
(2) الخزانة 3/ 178، والحماسة 3/ 187
(3) في الحماسة: (حرقة) بالحاء المهملة. وكذا في البيان والتبيين 2/ 70 و 3/ 97 و 106
(2/723)

أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا، وبقيت ملانا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم
يجره إلا والدهر بعصهم غيره (1). ثم أنشأت تقول:
فبتنا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم سرورها … تقلّب تارات بنا وتصرّف
فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه كان ينظر إليها:
إنّ للدّهر صولة فاحذرنها … لا تبيتنّ قد أمنت الشّرورا
قد يبيت الفتى معافى فيرزى … ولقد كان آمنا مسرورا
فأكرمها سعد وأحسن جائزتها. فلما أرادت فراقه قالت له: حتى أحييك بتحية أملاكنا بعضهم بعضا، لا جعل الله لك الى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم عندك حاجة، ولا نزع عن عبد صالح نعمه، إلا جعلك سببا لردّها عليه. فلما خرجت من عنده تلقاها نساء المصر فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت:
حاط لي ذمّتي وأكرم وجهي … إنّما يكرم الكريم الكريما
أخرجه ابن عساكر في تاريخه.
504 - وأنشد:
لو بأبانين جاء يخطبها … زمّل ما أنف خاطب بدم (2)
قال المبرد في الكامل (3): ابان: جبل، وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان
__________
(1) كذا بالاصل.
(2) الشعراء 258، واللسان 16/ 142 وعيون الاخبار 3/ 91 والاغاني 4/ 146 (بولاق) ومعجم البلدان 1/ 72، ومعجم الشعراء 122 وفيه ان الشعر لعصم بن النعمان.
(3) ص 815 و 816
(2/724)

الأبيض. قال المهلهل - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب ابن عمرو ابن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب: هي من أحيائهم وضيع، فخطبت بنته ومهرت أدما، فلم يقدر على الامتناع، فزوّجها - فقال:
أنكحها فقدها الأراقم في … جنب، وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها … ضرّج ما أنف خاطب بدم
هان على تغلب بما لقيت … أخت بني المالكين من جشم
أصبحت لا منفسا أصبت ولا … أبت كريما حرّا من النّدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا … مغبون من علية ومن عدم
505 - وأنشد:
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم … تراحي وتلقى من فواضله ندا (1)
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة الأعشى (2).
506 - وأنشد:
ربّما ضربة بسيف صقيل … بين بصرى وطعنة نجلاء
تقدم شرحه في شواهد اللام (3).
507 - وأنشد:
وننصر مولانا ونعلم أنّه … كما النّاس مجروم عليه وجارم
تقدم شرحه في شواهد الكاف (4).
__________
(1) ديوان 135 وفيه: (ندا).
(2) انظر الشاهد رقم 345 وص 577 والشاهد رقم 468 ص 704 وص 757
(3) انظر الشاهد رقم 205 ص 404، وهو من شواهد (ربّ).
(4) انظر الشاهد رقم 92 ص 202 والشاهد رقم 283 ص 500 و 501
(2/725)

508 - وأنشد:
نام الخليّ فما أحسّ رقادي … والهمّ محتضر لديّ وسادي
من غير ما سقم ولكن شفّني … همّ أراه قد أصاب فؤادي
تقدّم شرحه (1).
509 - وأنشد:
ولا سيّما يوم بدارة جلجل
تقدّم شرحه في شواهد السين (2).
510 - وأنشد:
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا … إنّا كذلك ما نحفى وننتعل (3)
هو من قصيدة للاعشى، وأوّلها (4):
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل
وقد ذكرت منها أبياتا في آخر الكتاب الثامن.
511 - وأنشد:
سلع مّا ومثله عشر ما … عائل مّا وعالت البيقورا (5)
__________
(1) في شواهد كلا، وانظر الشاهد رقم 326 ص 553 - 555
(2) انظر الشاهد رقم 209 ص 412
(3) ديوانه 59 والخزانة 4/ 545
(4) مطلع القطعة رقم 1 في الديوان وعجزه:
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
(5) انظر ص 305 و 306، وهو في ديوانه 36 - ورسالة النيروز لابن فارس ص 19.
(2/726)

هو لأمية بن أبي الصلت، كذا أورده أبو علي القميّ في كتاب الأمثال وقال: السلع:
نبت مرّ كان أهل الجاهلية اذا أسنتوا علقوه مع العشر بثيران الوحش وحدروها من الجبال وأشعلوا في ذلك السلع والعشر نارا يستمطرون بذلك. وفي استسقائهم في هذا الفعل قال شاعر العرب (1):
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم … يستمطرون لدى الأرنات بالعشر (2)
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة … ذريعة لك بين الله والمطر
512 - وأنشد:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به (3)
هو لعمرو بن معدي كرب، وقبله:
فقال لي، قول ذي رأي ومقدرة … مجرّب عاقل نزه من الرّيب:
قد نلت مجدا، فحاذر أن تدنّسه: … أب كريم وجدّ غير مؤتشب
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب
واترك خلائق قوم لا خلاق لهم … واعمد لأخلاق أهل الفضل والأدب
وإن دعيت لغدر أو أمرت به … فاهرب بنفسك عنه أيد الهرب
قوله: (نزه من الريب) أي مباعد من التهم. والنزه: المتنزه من الأقذار، أي
__________
(1) هو للورك الطائي، وانظر ص 306
(2) ص 306 برواية (الأزمات).
(3) نسب الشعر الى عمرو بن معدي كرب والى أعشى طرود والى العباس بن مرداس ولخفاف بن ندبة ولزرعة بن الاشب، وانظر الخزانة 1/ 166 والمؤتلف ص 17 والكامل 32
(2/727)

المتباعد عنها. وأصله: نزه، بكسر الزاي، ثم خففه لإقامة الوزن. والريب:
واحدها ريبة، وهي التهمة. والمؤتشب: مفتعل من الإشابة، وهم أخلاط الناس وشرارهم. وقوله: (أمرتك الخير) يروي: أمرتك الرشد، ويروى: وذا نشب، بالمعجمة والمهملة معا، والنشب: بالمعجمة، المال بعينه. وقيل: المال الأصيل، كأنه الذي لا يبرح من مكانه، مأخوذ من النشبة. والخلاق: النصيب. وفلان لا خلاق له، أي لا نصيب له في الفضائل. وأيد الهرب: شديده، ووزنه: فيعل، من الأيد والأد وهما: الشدّة والقوّة. ثم رأيت في المؤتلف والمختلف للآمدي قال: وجدت لأعشى طرود في أشعار بني سليم:
يا دار أسماء بين السّفح والرّحب … أقوت وعفّى عليها ذاهب الحقب
الى أن قال:
إنّي حويت على الأقوام مكرمة … قدما، وحذّروني ما يتّقون أبي
وقال لي، قول ذي علم وتجربة … بسالفات أمور الدّهر والحقب:
أمرتك الرّشد فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب
ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري: وهذه الأبيات لأعشى طرود من بني فهم بن عمرو، وقيل لعمرو بن معدي كرب. وقيل لخفاف بن ندبة، وقيل لعباس بن مرداس. ثم رأيت في شرح الكامل لأبي إسحق البطليوسي قال:
هذا البيت لأعشى طرود، واسمه إياس بن موسى بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان، من خلفاء بني الشريد يقوله لابنه. وأنشده أبو علي الهجري في نوادره: أمرتك الخير. وذا نسب: بالسين المهملة، مكان ذا نشب. قال وبعده:
لا تبخلنّ بمال عن مذاهبه … من غير ذلّة إسراف ولا ثغب
فإنّ ورّاثه لن يحمدوك له … إذا أجنّوك بين اللّبن والخشب
(2/728)

الثغب: بالمعجمة، جمع ثغبة وهي السقطة وما يعاب على المرء (1).
513 - وأنشد:
قليل بها الأصوات إلّا بغامها
تقدّم شرحه في شواهد إلّا (2).
514 - وأنشد:
ألف الصّفون، فما يزال كأنّه … ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا
قال ابن الحاجب في أماليه: هذا البيت يوهم أن كسيرا خبر كان في المعنى، ويسبق الى الفهم أنه شبهه لشدّة رفعه احدى قوائمه بكسير. وان قوله: مما يقوم على الثلاث، بسبب تشبيهه به، فكأنه قال: كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث.
ويلزم على هذا أن يكون نصبه كسيرا غير وجيه، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الأعراب، ولا يخل بالمعنى. فنقول: إنما أخبر بقوله: مما يقوم. وما بمعنى الذي، فكأنه قال: كأنه من الخيل الذي يقوم على الثلاث كسيرا، حالا من الضمير في يقوم. وذكر اجراء له على لفظ ما يشبه بالخيل الذي يقوم على الثلاث، في حال كونها مكسورا إحدى قوائمها، فاستقام المعنى المراد على هذا ووجب نصب كسيرا باعتباره على الحال. ولا يستقيم أن يكون كسيرا خبرا ليزال، لأنك إذا جعلته خبرا ليزال فلا يخل، إما أن يكون (ما) في (مما يقوم) مصدرية، كما قدرت أوّلا، أو بمعنى الذي، كما قدرت ثانيا. فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه، احدها: أن كان تبقى بلا خبر، إذ مما يقوم لا يصلح أن يكون خبر الفوات الفائدة فيه. الثاني: أن كان تبقى غير مرتبطة بشيء. الثالث: ما يلزم من انه حكم عليه بالكسر، وليس كذلك. ويجاب عن الثالث بأنه يكون التقدير مشيه، وإن كانت ما بمعنى الذي، فسد
__________
(1) في الخزانة 1/ 166: (تغب) وهو الوسخ والهلاك في الدين، وقال الراجكوتي: (ثغب) لم أقف على هذا المعنى. أي المعنى الذي أورده السيوطي.
(2) انظر الشاهد رقم 104 ص 218 وص 394
(2/729)

لما يؤدى إليه من اختلال المعنى، وذلك أن كسيرا ليكون خبرا ليزال فيكون المعنى:
مما يزال كسيرا على الحقيقة، أو شبه كسير. ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه المشي بشيء آخر، هو على وجه الدلالة على إنما شبهه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلا: كان هذا المقام على الثلاث من الخيل القائمة على ثلاثة لخروج كسيرا عن خبر كان، ودخوله في خبر ما يزال هذا، إن جعلت كسيرا وكأنه خبرا بعد خبر. فأما إن لم تجعله كذلك. لذلك، ويكون كان مع ما في خبرها يخرج عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد.
(2/730)

شواهد من
515 - وأنشد:
تخيّرن من أزمان يوم حليمة … إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب (1)
تقدّم شرحه في شواهد بيد ضمن قصيدة النابغة (2).
516 - وأنشد:
وذلك من نبأ جاءني (3)
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، فيما رواه الأصمعي وأبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة وابن الاعرابي. وقال ابن الكلبي: هي لعمرو بن معدي كرب، ورواه ابن دريد لأمرئ القيس بن عانس، بالنون، الصحابي (4) وأوّل القصيدة:
تطاول ليلك بالأثمد … ونام الخليّ ولم ترقد
__________
(1) ديوانه ص 11
(2) انظر ص 349 الشاهد رقم 162 وص 351 - 352
(3) ديوانه 185
(4) اختلف في هذا الشعر، فرواه الطوسي لامرئ القيس. وقال ابن حبيب: قال ابن الكلبي: هو لعمرو بن معدي كرب، قاله في قتله بني مازن بأخيه عبد الله وإخراجهم عن بلادهم ثم رجعوا بعد ذلك، وندم عمرو على قتالهم. أنظر اللآلي 530، ونقل العيني عن ابن دريد (شرح شواهد الالفية 2/ 131): أن الابيات لامرئ القيس بن عابس ابن المنذر بن امرئ القيس بن السمط بن عمرو بن معاوية بن الحارث ابن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي. وهو في ديوان امرئ القيس 185 - 188
(2/731)

وبات وباتت له ليلة … كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني … وخبّرته عن أبي الأسود
تطاول ليلك: كناية عن السهر. قال المصنف في شرح شواهد: وهو خطاب لنفسه والأصل ليلى (1). والأثمد: بفتح الهمزة وسكون المثلثة وضم الميم ودال مهملة، اسم موضع. والخلي: الخلو من الهموم. والعائر: بمهملة وهمزة، قذى العين، وقيل الرمد. وقال المصنف: والأوّل أولى ليكون أشق للجمع بينهما، أو يحصل الترقي أيضا. النبأ: قال الراغب: خبر، وفائدة عظيمة يحصل به علم، أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن ما ذكر، فهو أخص من مطلق الخبر.
517 - وأنشد:
يغضي حياء ويغضى من مهابته
أخرج ابن عساكر من طرق عن ابن عائشة، وغيره، قالوا: حجّ هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك، أو الوليد، فطاف بالبيت، فجهد أن يصل الى الحجر فيستلمه فلم يقدر عليه، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر الى الناس ومعه أهل الشام، إذ أقبل عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجها، وأطيبهم أرجا، فطاف بالبيت، فكلما بلغ الى الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه الناس من أهل الشام. وكان الفرزدق حاضرا، فقال الفرزدق: لكني أعرفه، فقال الناس: من هو يا أبا فراس؟
قال الفرزدق (2):
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحلّ والحرم
__________
(1) ويروى: تطاول ليلي ولم أرقد
(2) ديوانه 848، وليس البيت الشاهد فيه، وهو في المؤتلف 188 منسوب الى الحزين الكناني. وكذا في الحماسة 4/ 167 - 169
(2/732)

هذا عليّ، رسول الله والده … أمست بنور هداه تهتدي الأمم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم … هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها: … إلى مكارم هذا ينتهي الكرم!
ينمى إلى ذروة العزّ الّتي قصرت … عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفّه خيزران ريحه عبق … من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابته … فلا يكلّم إلّا حين يبتسم
من جدّه دان فضل الأنبياء له … وفضل أمّته دانت له الأمم
ينشقّ نور الهدى عن نور غرّته … كالشّمس ينجاب عن إشراقها العتم
مشتقّة من رسول الله نبعته … طابت عناصره والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدما وفضّله … جرى بذاك له في لوحه القلم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره … يزينه خلّتان: الخلق والكرم
من معشر، حبّهم دين وبغضهم … كفر، وقربهم منجى ومعتصم
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم … في كلّ بدء ومختوم به الكلم
يستدفع السّوء والبلوى بحبّهم … ويستزاد به الإحسان والنّعم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهم … أو قيل من خير خلق الله قيل هم
(2/733)

لا يستطيع جواد بعد غايتهم … ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت … والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم
لا يقبض العسر بسطا من أكفّهم … سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
من يعرف الله يعرف أوّليّته … الدّين من جدّ هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم
وذكر القصيدة بطولها. فغضب وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة. وبلغ ذلك علي بن الحسين رضي الله عنه، فبعث إلى الفرزدق بإثني عشر ألف درهم، وقال: اعذر، أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك.
فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الذي قد قلت إلا غضبا لله عزّ وجل ولرسوله، وما كنت لآخذ عليه شيأ. قال: شكر الله لك، غير أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أمرا لم نعد فيه. فقبلها وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس. وكان مما هجاه به:
أيحبسني بين المدينة والّتي … إليها قلوب النّاس يهوى منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد … وعينا له حولاء باد عيوبها
فبعث له وأخرجه. ثم رأيت الزبير بن بكار أخرج في الموفقيات، عن مصعب ابن عبد الله: أن ابن عبد الملك بن مروان حج فقال له أبوه: إنه سيأتيك بالمدينة الحزين الشاعر، وهو زرب اللسان، فإياك ان تحتجب عنه وأرضه. فلما قدم المدينة أتاه، فلما دخل عليه ورأى جماله وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتا، فامهله عبد الله حتى ظن أنه قد أراح، ثم قال له: السلام رحمك الله أوّلا، فقال:
عليك السلام، وجه الأمير، أصلحك الله، إني قد كنت مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك ورأيت جمالك وبهائك هبتك، فانسيت ما قلت، وقد قلت في مقامي هذا بيتين. قال ما هما؟ فقال:
(2/734)

في كفّه خيزران ريحها عبق … من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته … فلا يكلّم إلّا حين يبتسم
والحزين هذا اسمه عمرو بن عبيد بن وهب بن مالك، حجازي من شعراء الدولة الأموية، يكنى أبا تكتم، ذروة العز أعلاه. ويروى: (عرفان) بالنصب مفعولا له، وبالرفع. وعبق: بفتح المهملة وكسر الموحدة صفة مشبهة من العبق، بفتحتين، مصدر عبق به الطيب، بالكسر، إذا لزق. والأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. والعرنين: بكسر العين، الأنف. وينجاب: ينكشف. والعتم: بفتح المهملة والمثناة الفوقية، الظلام. والخيم: بكسر الخاء المعجمة: السجية والطبع، لا واحد له من لفظه. والشيم: بكسر المعجمة وفتح التحتية، جمع شيمة، وهي الخلق. والأزمة: الشدّة والقحط. والشري: بالمعجمة والقصر، مأوى الاسد.
والبأس: الشدّة في الحرب. ومحتدم: بالمهملة، من احتدمت النار التهبت. والاغضاء:
ادناء الجفون. والمهابة: الهيبة. والبيت استشهد به في التوضيح على إقامة ضمير المصدر مقام الفاعل، أي ويغضي هو، أي الإغضاء، وليس الجار هو النائب، بل هو للتعليل، فهو مفعول له، وحياء: أيضا مفعول له.
518 - وأنشد:
ولم تذق من البقول الفستقا (1)
هو لأبي نخيلة، بالنون والخاء المعجمة، واسمه يعمرو بن حزن بن زائدة، شاعر محسن متقدم. وصدره:
جارية لم تأكل المرقّقا (2)
__________
(1) انظر ص 324، وهو في الشعراء 584، وابن عقيل 2/ 240، واللسان 12/ 183 - 184 والعيني 3/ 276 - 277
(2) ويروى: (بريّة).
(2/735)

المرقق: هو الرغيف الواسع الرقيق. والبقول: يروى بالموحدة، فمن للبدل:
أي بدل البقول. وبالنون فهي للتبعيض، والمراد: وصف الجارية بأنها لم تأكل الفستق وأنها بدوية.
519 - وأنشد:
أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة … ظلما، ويكتب للأمير: أفيلا (1)
هذا من قصيدة للرّاعي نحو تسعين بيتا يمدح بها عبد الملك بن مروان، ويشكو من السعادة. وقبل هذا البيت (2):
أوليّ أمر الله إنّا معشر … حنفاء نسجد بكرة وأصيلا (3)
عرب نرى لله في أموالنا … حقّ الزّكاة منزّلا تنزيلا
قوم على الإسلام لمّا يمنعوا … ما عونهم، ويضيّعوا التّهليلا
فادفع مظالم عيّلت أبناءنا … عنّا، وانقذ شلونا المأكولا
أنت الخليفة حلمه وفعاله … وإذا أردت لظالم تنكيلا
وأبوك ضارب بالمدينة وحده … قوما هم جعلوا الجميع ثكولا (4)
قتلوا ابن عفّان الخليفة محرما … ورعا فلم أر مثله مخذولا
__________
(1) الخزانة 3/ 130، وفي شعر الراعي 142 وجمهرة أشعار العرب 336، برواية:
أخذوا الكرام من العشار ظلامة … منا، ويكتب للأمير أفيلا
(2) القصيدة في جمهرة أشعار العرب 331 - 337، والخزانة 1/ 502 وشعراء الراعي 124 - 146، وفي الكامل أبيات متفرقة من القصيدة.
(3) في جمهرة الاشعار وشعر الراعي برواية: (أخليفة الرحمن).
(4) في الجمهرة وشعر الراعي برواية:
وأبوك ضارب في المدينة وحده … ضربا ترى منه الجموع شلولا
(2/736)

الى أن قال:
إنّ السّعاة عصوك حين بعثتهم … وأتوا دواهي، لو علمت وغولا
إنّ الّذين أمرتهم أن يعدلوا … لم يفعلوا ممّا أمرت فتيلا
قوله: (وأتوا دواهي وغولا) أي أمرا بشعا. والفتيل: ما في شق النواة.
وقيل: ما فتل بين الأصبعين. والمخاض: النوق الحوامل. قال ابن الشجري:
واحدتها خلفة، والفصيل ابنها، لأنه فصل عن أمه. وغلبّة: مصدر غلب بضمتين وتشديد الباء. والأفيل: الفصيل، والأفال أيضا صغار الغنم. وقال: الأفيل، بوزن الكريم، الذي أتت عليه سبعة أشهر من أولاد الإبل، والجمع أفال. ونصب غلبة على الحال من ضمير أخذوا، وكذا ظلما. ويجوز نصبه بغلبة مصدرا معنويا.
ونصب أفيلا بأخذوا مقدرا على رواية (تكتب) مبنيا للمفعول. وروى بالبناء للفاعل. وأخذ بالأفراد للساعي وحده. ومن الفصيل: أي بدله. قال ابن يسعون:
ويجوز أن لا تكون بدلية بل متعلقة بأخذوا، أي انترعوه من أمه. وروى بدله:
(من العشار) فهي بيانية، أي كائنة من العشار، انتهى. وفي كتاب التصحيف للعسكري (1): سأل الرشيد عن قول الراعي:
قتلوا ابن عفّان الخليفة محرما
أيّ إحرام هذا؟ فقال الكسائي: أراد أنه أحرم بالحج. فقال الأصمعي:
والله ما أحرم، ولا عنى الشاعر هذا، ولو قلت: أحرم دخل في الشهر الحرام، كما يقال: أشهر، دخل في الشهر، كان أشبه. قال الكسائي: فما أراد بالإحرام؟ قال:
كل من لم يأت شيأ يستحل به عقوبة، فهو محرم. أخبرني عن قول عدّي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرما … فتولّى لم يمتّع بكفن
__________
(1) انظر الخزانة 1/ 503 - 504، وشرح ديوان زهير ص 11
(2/737)

أيّ إحرام كان لكسرى؟ فسكت الكسائي، فقال الرشيد: يا أصمعي، ما تطاق في الشعر.
520 - وأنشد:
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة … على وجهه تلقي اللّسان من الفم
هو لأبي حية النميري (1).
521 - وأنشد:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
تقدّم شرحه في شواهد حيث من قصيدة زهير (2).
522 - وأنشد:
وينمى لها حبّها عندنا … فما قال من كاشح لم يضر (3)
هذا من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، أوّلها (4):
صحا القلب عن ذكر أمّ البنين … بعد الّذي قد مضى في العصر
وأصبح طاوع عذّاله … وأقصر بعد الإباء الصّبر
__________
(1) انظر الشاهد رقم 499 ص 721.
(2) سبق ص 386، وانظر الشاهد رقم 188 ص 384 وص 389 وسيأتي برقم شاهد 529 ص 743
(3) ديوان عمر ص 299 وفيه: (فمن قال ....).
(4) الديوان 298 - 301
(2/738)

أخيرا وقد راعه لائح … من الشّيب من يعله ينزجر (1)
على أنّ حبّي ابنة المالكي … كالصّدع في الحجر المنفطر
يهيم النّهار ويدنو له … جنان الظّلام بليل سهر
وينمى لها حبّها عندنا … فما قال من كاشح لم يضر
__________
(1) في الديوان: (أحين ... يزدجر).
(2/739)

شواهد من
523 - وأنشد:
ربّ من أنضجت غيظا قلبه … قد تمنّى لي موتا لم يطع (1)
هو من قصيدة لسويد بن أبي كاهل اليشكريّ، أوّلها:
بسطت رابعة الحبل لنا … فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
كيف يرجون سقاطي بعد ما … جلّل الرّأس مشيب وصلع
ربّ من أنضجت غيظا قلبه … قد تمنّى لي موتا لم يطع
ويراني كالشّجا في حلقه … عسرا مخرجه ما ينتزع
ويحيّيني إذا لاقيته … وإذا مكّن من لحمي رتع
ففضلها الأصمعي، وقال: كانت العرب تقدّمها وتعدها من الحكم (2). ثم قال: وسويد شاعر مخضرم، ومنهم من سماه غطيفا (3) عاش في الجاهلية دهرا
__________
(1) الخزانة 2/ 546 وشعراء الجاهلية 426 - 434 والشعراء 385.
والاصابة 3/ 173. والمفضليات 198
(2) هذه القصيدة من أغلى الشعر وأنفسه. وهي المفضلية رقم 40، وقد فضلها الأصمعي وقال: كانت العرب تفضلها وتقدمها، وتعدها من حكمها. وكانت في الجاهلية تسميها (اليتيمة) لما اشتملت عليه من الأمثال. وقال الجمحي: له شعر كثير، ولكن برزت هذه على شعره، وقد تمثل الحجاج بأبيات منها.
(3) في الشعراء 384 قال: هو سويد بن غطيف، من بنى يشكر.
(2/740)

وعمر في الإسلام حتى أدرك الحجاج.
524 - وأنشد:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا … حبّ النّبيّ محمّد إيّانا
تقدّم شرحه في شواهد الباء (1).
525 - وأنشد:
إنّي وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا … كمن بواديه بعد المحل ممطور (2)
هو للفرزدق من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك، وبعده:
وفي يمينك سيف الله قد نصرت … على العدوّ ورزق غير محظور
قال الزمخشري: جعل إني من الأسماء نكرة موصوفا لممطور، وإياك خطاب ليزيد. وحلّت: أي الإبل، نزلت بأرحلنا عندك. أراد إني إذا خططت رحالي إليك كرجل كان واديه محلا ممطرا. والباء في بواديه متصل بممطور، وليس في البيت ما يعود إلى إياك، ونظيره:
فإنّي وجروة لا تزود ولا تعار
أخبر عن جروة ولم يخبر عن نفسه. ويقدر في مثل هذا ما يعود إلى الإسم الآخر، كأنه قال: كإنسان مطر بخيرك وجودك، انتهى.
526 - وأنشد:
ونعم من هو في سرّ وإعلان (3)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 153 ص 337
(2) ديوانه 263
(3) الخزانة 4/ 115
(2/741)

وقبله:
وكيف أرهب أمرا أو أراع له … وقد زكأت إلى بشر بن مروان
ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه … ونعم من هو في سرّ وإعلان
وقد زكأت: بزاي معجمة وهمز، لجأت. ومزكأ: مفعل منه. وبشر: أخو عبد الملك، وليّ أمرا لأخيه، وكان سمحا جوادا ممدحا، ومات سنة خمس وسبعين للهجرة، وعمره نيف وأربعون سنة. وهو أوّل أمير مات بالبصرة.
527 - وأنشد:
يا شاة من قنص لمن حلّت له
تقدّم شرحه ضمن قصيدة عنترة (1). قال الأندلسي في شرح المفصل: أنشده الكسائي شاهدا على زيادة من، وقال: أراد يا شاة قنص. وأنكر ذلك سيبويه وجميع أهل البصرة، وأوّلوها بأنها في البيت موصوفة بالمصدر،
وهو قنص. كما يقول:
رجل كرم، في معنى. أو على حذف المضاف، أي ذي قنص، أي شاة إنسان ذي قنص. أو جعله نفس القنص مبالغة. ورواه البصريون: (يا شاة ما قنص) فتعارضت الروايتان، وبقي الأصل مع البصريين.
528 - وأنشد:
آل الزّبير سنام المجد قد علمت … ذاك القبائل والأثرون من عددا (2)
قال الأندلسي في شرح المفصل: أنشده الكسائي شاهدا على زيادة من.
ويرويه البصريون: (ما عددا).
__________
(1) انظر ص 481 و 483.
(2) الخزانة 2/ 548، ولم يذكر قائله. وفي حاشية الامير 2/ 19:
(قوله: الزبير، هو ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوارية، أول من سل سيفا في سبيل الله، ابن أخي خديجة).
(2/742)

شواهد مهما
529 - وأنشد:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … ولو خالها تخفى على النّاس تعلم
تقدّم شرحه في شواهد حيث ضمن معلقة زهير بن أبي سلمى (1).
530 - وأنشد:
قد أوبيت كلّ ماء فهي ضاوية … مهما تصب أفقا من بارق تشم
تقدّم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة ساعدة بن جوية (2).
531 - وأنشد:
لما نسجتها من جنوب وشمأل
تقدّم شرحه في شواهد الفاء ضمن أبيات من معلقة امرئ القيس (3).
__________
(1) انظر الشاهد رقم 188 ص 384 و 389، والشاهد رقم 519 ص 738
(2) ص 157، وانظر الشاهد رقم 60 ص 156 وص 158 و 159 وقد سبق بلفظ: (فهي صاوية) وفسر السيوطي: (الصاوية) باليابسة، وفي أشعار الهذليين (طاوية) وانظر ه 2 ص 159.
(3) الشاهد رقم 255 ص 463 وانظر الشاهد رقم 3 ص 20 وص 92 و 91 و 97 و 451 و 462 والحماسة 4/ 240.
(2/743)

532 - وأنشد:
وإنّك مهما تعط نفسك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا (1)
قال القالي في أماليه (2): قرأت على أبي بكر بن دريد لحاتم بن عبد الله:
أكفّ يدي عن أن ينال التماسها … أكفّ صحابي حين حاجتنا معا (3)
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا … من الجوع أخشى الذّمّ أن أتضلّعا
وإنّي لأستحيي رفيقي أن يرى … مكان يدي من جانب الزّاد أقرعا
وإنّك إن أعطيت بطنك سؤله … وفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
كذا أورده القالي، فلا شاهد فيه. وأورده صاحب الحماسة بلفظ المصنف (4).
قوله: (أكف يدي) أي أقبضها إذا جلسنا على الطعام إيثارا لهم وخوفا أن يفني الزاد. وقوله: (أبيت هضيم الكشح) يدل على كفه عن الأكل إيثارا للأكل على نفسه. وقوله: (وحاجتنا معا) أي كلنا جائع، فحاجتنا إلى الطعام كحاجة صاحبه.
وحاجتنا: مبتدأ. ومعا: نصب على الحال، وهو سد مسد الخبر. وحين: نصب على الظرف، وعامله أكف. وأقرع: خال من الطعام. وأجمع: مجرور تأكيد للذم. قال التبريزي: وهو أحوج الى التأكيد من قوله: (منتهى) لأنه متناول للجنس والعموم، وما يفيده في الجنس أولى.
533 - وأنشد:
مهما لي اللّيلة مهما ليه … أودى بنعليّ وسرباليه
__________
(1) في المغني: (... تعط بطنك).
(2) 2/ 318.
(3) في الأمالي: (حاجاتنا).
(4) 4/ 240
(2/744)

تقدّم شرحه في شواهد الباء (1).
534 - وأنشد:
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب … جهارا فكن في الغيب أحفظ للودّ (2)
لم يسم قائله، وبعده:
وألغ أحاديث الوشاة فقلّما … يحاول واش غير إفساد ذي عهد (3)
قوله: (جهارا): بكسر الجيم، أي عيانا. والود: المحبة. والوشاة: بضم الواو، جمع واش، كقضاة وقاض، من وشى يشي وشاية إذا نمّ عليه وسعى به وأصله استخراج الحديث باللطف والسؤال. والبيت استشهد به على إعمال الثاني من المتنازعين، وهو: يرضيك في صاحب فاعلا، وإضمار المفعول في الأول ضرورة.
والقياس أن لا يضمر بل يحذف.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 149 ص 330
(2) ابن عقيل 1/ 192 برواية: (احفظ للعهد).
(3) في ابن عقيل: (غير هجران ذي ود).
(2/745)

شواهد مع
535 - وأنشد:
أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معا (1)
هو من أبيات الحماسة، وأوّلها (2):
إن كنت لا أرمي وترمى كنانتي … تصب جائحات النّبل كشحي ومنكبي
فقل لبني عمّي فقد وأبيهم … منوا بهريت الشّدق أشوس أغلب
أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معا … وأرحامنا موصولة لم تقضّب
ولا تبعثوها بعد شدّ عقالها … ذميمة ذكر الغبّ للمتعقّب
قال التبريزي: يقال ان هذا الشعر لجندل بن عمرو. والجائحات: الجانحات.
وضرب الكنانة مثلا، يقول: إذا تعرّض لمن يليني فقد تعرّض لي، وأكون بمنزلة من ترمي كنانته، وهي عليه لا يؤمن أن يصيبه ما يطيش من النبل. وقوله:
(لم تقضب) أي لم تقطع. وتبعثوها: أي الحرب. وذميمة: أي لما يحصل فيها من القتل وتعقبت الأمر وتعيبه وعبه.
536 - وأنشد:
كنت ويحيى كيدي واحد … نرمي جميعا ونرامى معا
__________
(1) الحماسة 1/ 298 (بني حزن).
(2) 1/ 297 - 299
(2/746)

قال القالي في أماليه (1): حدثنا أبو الحسن وابن درستويه قال: حدثنا السكري، حدثنا المعمري قال: أخبرنا عبد الله بن إبراهيم الجمحي قال: نشأ في قريش ناشئان: رجل، من بني مخزوم، ورجل، من بني جمح، فبلغا في الوداد ما لم يبلغ بالغ، حتى اذا كان رؤي أحدهما فكأن قد رئيا جمعا، ثم دخلت وحشة بينهما عن غير شيء يعرفانه فتغيرا. فلما كان ليلة من الليالي، استيقظ المخزوميّ ففكّر ما الذي شجر بينهما، وكان المخزومي يقال له محمد، والجمحي يحيى، فنزل من سطحه وخرج حتى دخل عليه بابه، فاستنزله فنزل إليه، فقال:
ما جاء بك هذه الساعة؟ فقال: جئتك لهذا الذي حدث بيننا ما أصله؟ وما هو؟
فقال: والله ما أعرف أصلا له! فبكيا حتى كادا يصبحان، ثم عاد كل واحد إلى منزله، فأصبح المخزومي، فقال (2):
كنت ويحيى كيدي واحد … نرمي جميعا ونرامى معا
يسرّني الدّهر إذا سرّه … وإن أسئنا بالأذى أوجعا
حتّى إذا ما الشّيب في مفرقي … لاح وفي عارضه أسرعا
وشى وشاة طبن بيننا … فكاد حبل الوصل أن يقطعا
فلم يضن يحيى على وصله … ولم أقل خان ولا ضيّعا
537 - وأنشد:
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة متمم بن نويرة (3).
__________
(1) ذيل الامالي 15
(2) هذا الشعر لمطيع بن اياس في يحيى بن زياد الحارثي وقد وهم القالي في نسبته الى الرجل المخزومي وهو في الاغاني 13/ 308 (الدار)، والكامل 1253
(3) انظر ص 567 والشاهد رقم 339 ص 565.
(2/747)

538 - وأنشد:
وأفنى رجالي فبادوا معا … فأصبح قلبي بهم مستفزا
تقدّم شرحه في شواهد إذ، ضمن قصيدة الخنساء (1).
__________
(1) أنظر ص 250 والشاهد رقم 122 ص 249 و 252
(2/748)

شواهد متى
539 - وأنشد:
متى أضع العمامة تعرفوني
تقدّم شرحه (1).
540 - وأنشد:
أخيل برقا متى حاب له زجل
هو لساعدة (2).
__________
(1) انظر الشاهد رقم 251 ص 459 و 460
(2) لساعدة بن جويّة، وهو في ديوان الهذليين 2/ 209 وعجزه:
إذا يفتر من توماضه حلجا.
وهو في اللسان (صلح) و (ومض).
(2/749)

شاهد منذ ومذ
541 - وأنشد:
وربع عفت آثاره منذ أزمان
تقدّم شرحه في شواهد (حتى) ضمن قصيدة امرئ القيس (1).
542 - وأنشد:
أقوين مذحجج ومذ دهر (2)
هذا من قصيدة ابن أبي سلمى، يمدح بها هرم بن سنان، وأوّلها:
لمن الدّيار بقنّة الحجر … أقوين مذ حجج ومذ دهر
لعب الزّمان بها وغيّرها … بعدي سوافي المور والقطر
قفرا بمندفع النّحائت من … ضفوى أولات الضّال والسّدر
دع ذا وعدّ القول في هرم … خير البداة وسيّد الحضر
تالله قد علمت سراة بني … ذبيان عام الحبس والأصر
__________
(1) انظر الشاهد رقم 183 ص 374 و 375
(2) ديوان زهير 86 والخزانة 4/ 126.
(2/750)

أن نعم معترك الجياد إذا … خبّ السّعير وسابئ الخمر
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا … دعيت نزال ولجّ في الذّعر
حامي الذّمار على محافظة ال … جلّى أمين مغيّب الصّدر
حدب على المولى الضّعيف إذا … نابت عليه نوائب الدّهر
ومرهّق النّيران يحمد في ال … لأواء غير ملعّن القدر
ويقيك ما وقّى الأكارم من … حوب تسبّ به ومن غدر
وإذا برزت به برزت إلى … صافي الخليقة طيّب الخبر
متصرّف للحمد معترف … للنّائبات يراح للذّكر
جلد يحثّ على الجميع إذا … كره الظّنون جوامع الأمر
فلأنت تفري ما خلقت وبع … ض القوم يخلق ثمّ لا يفري
ولأنت أشجع حين تتّجه ال … أبطال من ليث أبى أجر
ورد عراض السّاعدين حدي … د النّاب بين ضراغم غثر
يصطاد أحدان الرجال فما … تنفكّ أجريه على ذخر
والسّتر دون الفاحشات وما … يلقاك دون الخير من ستر
أثني عليك بما علمت وما … سلّفت في النّجدات والذّكر
لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المنوّر ليلة البدر
(2/751)

القنّة: بضم القاف وتشديد النون، أعلى الجبل. والحجر: بكسر الحاء وسكون الجيم، قال أبو عمرو: ولا أعرف إلا حجر ثمود، ولا أدري هل هو ذاك أم لا؟ وحجر اليمامة: غير ذاك، مفتوح. وأقوين: خلين. وحجج: جمع حجة (1).
وسوافي: بالمهملة، جمع سافية، من سفت الرياح تسفى. والمور: بضم الميم وآخره راء، التراب. والقطر: المطر. والمندفع: حيث يندفع الماء. والنحائت:
بنون وحاء مهملة، آبار في موضع معروف يقال لها النحائت، وليس كل آبار تسمى النحائت. وضفوى: بالضاد المعجمة، وسكون الفاء، موضع بأرض غطفان. والضال: بالمعجمة ولام خفيفة، السدر البري. قوله: (دع ذا) خطاب لنفسه. قال المفضل: جرت عادة الشعراء أن يقدموا قبل المدح تشبيبا ووصف إبل ونحو ذلك، فكان زهير همّ بذلك ثم قال لنفسه: دع هذا الذي هممت به واصرف قولك الى مدح هرم. والبداة: أهل البادية. والحضر: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد، أهل الحاضرة (2). والحبس والأصر، بمعنى (3). ومعترك الجياد:
مزدحمهم (4). وسابيء الخمر: بالهمزة، مشتريها (5). ولجّ: من اللجاجة.
والذعر: بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة، الخوف والفزع (6). والجلي:
بضم الجيم وتشديد اللام، العظمى (7). و (أمين مغيب الصدر): أي لا يضمر إلا
__________
(1) ويروى: (من حجج ومن دهر) كما في الديوان ورواية أبي عمرو:
(من حجج ومن شهر) وأبي عبيدة: (مذ حجج ومذ شهر).
(2) وفي الديوان: (خير الكهول).
(3) رواية الديوان:
تالله ذا قسما لقد علمت ... ذبيان).
(4) رواية الديوان: (معترك الجياع)، ويروى أيضا:
(إذا حبّ القتار)
(5) وبعد هذا البيت كما في الديوان:
ولنعم مأوى القوم قد علموا … ان عضهم جل من الأمر
(6) وقد ورد البيت في الاصل:
دعيت نزال ولج الخمر في الذعر
ويروى البيت أيضا بلفظ:
ولأنت أشجع من أسامة إذا دعيت ....
وروى أبو عمرو بعده هذا البيت:
ولنعم كافي من كفيت ومن … تحمل له يحمل على ظهر
(7) في شرح الديوان: (قال الأصمعي: الجلى: الخصلة العظمى، والجمع جلل. وقال غيره: الجلي: جماعة العشيرة، ويقال:
هي البلية النازلة العظيمة).
(2/752)

الخير. وحدب: بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين، مشفق. والضعيف:
يروى بدله (الضّريك) أي المحتاج. ومرهق النيران: تغشى نيرانه، ويدنى منها. واللواء: الشدة. وغير ملعّن القدر: بمعنى لا يسب قدره لأنه يطعم.
والأكارم: الكرام. والحوب: بضم المهملة، الإثم. ومتصرف الحمد: يتصرف في كل خير يحمد عليه. ومعترف للنائبات: صابر لها. ويراح للذكر: يستخف لأن يفعل شيأ يذكر به. و (جلد يحث على الجميع): على التآلف والإجتماع. والظنون الذي ليس يوثق بما عنده. وجوامع الأمر: الذي يجمع الناس عليه. فرى وتفرى، بالفاء، من الفرى، وهو القطع. وخلقت: أي قدرت. وأجر: جمع جرو.
والضراغم: جمع ضرغام، وهو الأسد. وغثر: بضم المعجمة وسكون المثلثة، جمع اغثر، وهو الأغبر. وأحدان: جمع واحد، وأصله وحدان، أبدل الواو همزه، والنجدات: جمع نجدة، وهي الشدة. في البيان للجاحظ (1): قال المهدي لرجل من بني عبد الرحمن بن سمرة: أنشدني قصيدة زهير التي أولها:
لمن الدّيار بقنّة الحجر
فأنشده، فقال المهدي: ذهب من يقول مثل هذا! فقال السّمري: وذهب والله من يقال فيه مثل هذا؟
وفي الدلائل لأبي نعيم: كان عمر بن الخطاب كثيرا ما ينشد قول زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المنوّر ليلة البدر (2)
ويقول: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم.
تنبيه:
قال بعض الشارحين لأبيات الجمل: زعم بعض النقلة أن هذا البيت ليس لزهير، لأنه لم يعرف في بلاد العرب موضع يقال له: (الحجر) بالألف واللام، وإنما هو
__________
(1) 2/ 202 - 203
(2) في الديوان: (كنت المنير لليلة).
(2/753)

حجر، وهي قصبة اليمامة، اسم علم لا تدخله الألف واللام، إلا ان يقول قائل إن زهيرا انما أراد بقنة حجر، ثم زاد الألف واللام، وهو يريد سقوطها على حدّ قوله:
يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي
وقال البطليوسي: الأبيات الثلاثة التي في أوّل هذه القصيدة لم يصح أنها لزهير.
وقد روى أن هرون الرشيد قال للمفضل بن محمد: كيف بدأ زهير بقوله:
دع ذا وعدّ القول في هرم
ولم يتقدم قبل ذلك شيء ينصرف عنه. فقال المفضل: قد جرت عادة الشعراء بأن يقدموا قبل المديح نسيبا، ووصف إبل وركوب فلوات، ونحو ذلك. فكان زهيرا همّ بذلك، ثم قال لنفسه: دع هذا الذي هممت به مما جرت به العادة، واصرف قولك إلى مدح هرم، فهو أولى من صرف إليه القول ونظم، وأحق من بدئ بذكره الكلام وختم؛ فاستحسن الرشيد قوله. وكان حماد الراوية حاضرا، فقال:
يا أمير المؤمنين، ليس هذا أوّل الشعر، ولكن قبله:
لمن الدّيار بقنّة الحجر
وذكر الأبيات الثلاثة. فالتفت الرشيد الى المفضل وقال: ألم تقل إن (دع ذا ...)، أوّل الشعر، فقال: ما سمعت بهذه الزيادة إلا يومي، ويوشك أن تكون مصنوعة.
فقال الرشيد لحماد: أصدقني، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا زدت فيه هذه الأبيات.
فقال الرشيد: من أراد الثقة والرواية الصحيحة فعليه بالمفضل، ومن أراد الاستكثار والتوسع فعليه بحماد. وقال وكيع في الغرر: حدثني الحارث بن محمد، حدثني أبو الحسن المدائني قال: دخلت بنت زهير بن أبي سلمى على عائشة، وعندها بنت هرم بن سنان، فسألت بنت زهير، فقالت بنت هرم: من أنت؟ قالت: أنا بنت زهير، قالت: أو ما أعطى أبي أباك ما أغناكم؟ قالت: إن أباك أعطى أبي ما فنى، وإن أبي أعطى أباك ما بقي. وأنشدت بنت زهير:
(2/754)

وإنّك إن أعطيتني ثمن الغنى … حمدت الّذي أعطيت من ثمن الشّكر
وإن يفن ما تعطيه في اليوم أوغد … فإنّ الّذي أعطيك يبقى على الدّهر
543 - وأنشد:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره (1)
وتمامه:
فسما فأدرك خمسة الأشبار
هو للفرزدق من قصيدة يمدح بها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقبله:
وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم … خضع الرّقاب نواكس الأبصار
وإذا الرّجال جشأن طامن جشأها … ثقة له بحماية الأوثار
ما زال مذ عقدت يداه إزاره … فسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني كتائب من كتائب تلتقي … للطّعن يوم تجاول وغوار
ويروى:
يدني خوافق من خوافق تلتقي … في ظلّ مغتبط الغبار مثار
الخضع: جمع خضوع، وهو الاستحذاء والانقياد. وجشأن: أي نهضن وارتفعن، يقال جشأت نفسه، أي نهضت للخروج، ارتفعت. وطامن جشأها: أي سكّنه
__________
(1) ديوان الفرزدق 378.
(2/755)

وقرّره. والإزار: المئزر. وسما: ارتفع. والكتائب: الجيوش. والتجاول:
الجولان في القتال والخوض في حومته. والغوار: المغاورة. والخوافق: الرايات، جمع خافقة. ومغتبط الغبار: يعني موضعا لم يقاتل عليه ولم يثر فيه غبار قبل ذلك حتى أثاره ذلك الممدوح. يقال من ذلك: اغتبط الأرض، إذا حفرت منها موضعا لم يحفر فيها قبل ذلك. والمثار: المهيج المجرى. وقوله: فأدرك خمسة الاشبار، قال بعض الشارحين لأبيات الجمل: يقال للرجل الكامل الذي قد بلغ الغاية في الفضائل:
أدرك خمسة الاشبار، وهو مثل. وسما: علا. وأدرك: نال، فكأنه يقول: ما زال كاملا فاضلا مذ عقدت يداه إزاره، يعني بإزاره مجده وفخره. وخمسة الاشبار:
مفعول على هذا بأدرك، وكأنهم إنما قالوا للكامل: أدرك خمسة الأشبار عندهم، تخيلوا فيه الخير والشرّ. وقال الأعلم: هذا باطل لا يعرف، وإنما أراد الشاعر: أنه مذ ترعرع وانتهى مدة خمسة أشبار، وهي ثلثا قامة الرجل، توسم فيه الخير وتبينت فيه النجابة والفضل، ولذلك قال:
مذ عقدت يداه إزاره ... فسما
لأن الطفل الصغير جدا لا يأتزر ولا يحسن عقد إزاره إن حاوله. ومعنى سما:
نما جسمه واشتد. وقد قيل: أراد بقوله خمسة الاشبار، طول السيف، لأنه منتهى طوله في الاكثر. وقال البطليوسي: معنى سما: ارتفع وشب. ومعنى فأدرك خمسة الاشبار: ارتفع وتجاوز حدّ الصبي، لأن الفلاسفة زعموا ان المولود إذا ولد لتمام مدة الحمل، ولم تعتره آفة في الرحم، فإنه يكون مدة ثمانية أشبار، من شبر نفسه، فإذا تجاوز الصبي أربعة أشبار فقد أخذ في الترقي الى غاية الكمال. وزعم قوم إنه أراد الخيزرانة التي كانت الخلفاء يحبسونها بأيديهم. وخبر ما زال قوله (يدني) كدائب، انتهى. وفي شرح شواهد الإيضاح لابن يسعون: والإزار هنا قيل على حقيقته، أي لم يزل مذ بلغ من السنّ والقدر الى احسان عقد الإزار أمير كتائب.
ويعمل عوامل وقواضب، وقيل: كني بعقد الإزار عن شدّة لما يحتوي عليه من اكتساب المجد. قال ابن يسعون: والأول أصح. وخمسة الأشبار نصب بأدرك،
(2/756)

أي بلغ قدر خمسة الاشبار المعلومة، لمنتهى حدّ الصغار. ومن كلام بعض الخلفاء:
أيما غلام بلغ خمسة أشبار فالهمته قبيلته. وقال ابن دريد: غلام خماسي قد أيفع.
قال ابن يسعون: ويجوز نصبه نصب الظرف، لقوله فسما: أي فعلا مقدار خمسة الاشبار، وقيل: يعني بخمسة الاشبار، السيف، لأنه الأغلب في السيوف الموصوفة بالكمال. وقيل: هي عبارة عن خلال المجد الخمسة: العقل
والعفة والعدل والشجاعة والوفاء، وكانت معروفة عندهم هذا العدد. وعلى هذين القولين لا يكون خمسة إلا مفعولا به لأدرك، وعلى السيف لابد من تقدير ذي، أي بلغ أعمال ذي خمسة الأشبار، ويجوز نصب خمسة نعتا لإزاره أو بدلا منه أو عطف بيان، انتهى.
وزعم كثير أن معنى البيت: لم يزل منذ نشأ مهيبا فائزا بالمعالي حتى مات فأقبر في لحد هو خمسة أشبار. وهو بعيد من الخمسة المقصودة.
والبيت استشهد به المصنف هنا على ايلاء مذ الجملة الفعلية. واستشهد في التوضيح بعجزه على إنه إذا أضيف العدد الى ما فيه أل جرّد المضاف منها، خلافا لما أجازه الكوفيون من قولهم الخمسة الأشبار والثلاثة الأبواب.
544 - وأنشد:
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة الأعشى (1).
__________
(1) انظر ص 577 من قصيدة الشاهد رقم 345 وص 577 الشاهد رقم 268 وص 704.
(2/757)

حرف النون
545 - وأنشد:
أقائلنّ أحضروا الشّهودا (1)
قال السكري: قاله رجل من هذيل، وقبله:
أرأيت إن جاءت به أملودا … مرجّلا ويلبس البرودا
ولا يرى مالا له معدودا … أقائلنّ أعجلوا الشّهودا
فظلّت في شرّ من اللّذّ كيدا … كاللّذ تزبى صائدا فاصطيدا
يقول: أرأيت ان ولدت هذه المرأة ولدا هذه صفته، فيقال لها: أقيمي البينة إنك لم تأت به من غيره. والأملود: الأملس.
ولا يرى مالا له معدودا
أي لجوده. وتزبى: بالزاي، حفر زبية، انتهى. وقد وقع في شواهد العيني نسبة هذا الرجز لرؤبة. ورأيت أصله: أرأيت. والأملود: بضم الهمزة، الناعم.
والمرجل، بالجيم، المزين. من رجلت شعره إذا سرّحته. وقيل بالحاء المهملة، وهو برد يصور عليه الرجال. وقوله: أقائلن: كذا أورده المصنف وغيره، وهو بضم اللام، خطاب لجماعة، كما يؤخذ من كلام العيني. وقد أورده السكري بلفظ
__________
(1) الخزانة 4/ 574
(2/758)

(إما يكون كما تراه) فلا شاهد فيه على دخول نون التوكيد في اسم الفاعل. وقال ابن دريد في أماليه: أخبرنا أبو عثمان عن النوري عن أبي عبيدة قال: أتى رجل من العرب أمة له، فلما حبلت جحدها، فأنشأت تقول:
أرأيت إن جئت به أملودا … مرجّلا ويلبس البرودا
أقائلنّ أحضر الشّهودا … فظلّت في شرّ من اللّذّكيدا
كاللّذ تزبى صائدا فاصطيدا
546 - وأنشد:
فأنزلن سكينة علينا
تقدم شرحه في شواهد إذا ضمن رجز عبد الله بن رواحة (1).
547 - وأنشد:
فأحر به بطول فقر وأحريا (2)
صدره:
ومستبدل من بعد غضبى صريمة
قال المصنف: اختلف الناس في إنشاد هذا البيت في موضعين، في (غضبى) وفي (أحريا) بالمثناة التحتية، فقيل: غضبى بالباء الموحدة، وفي أحريا. وعليه صاحب الصحاح. قال في باب الباء الموحدة: غضبى اسم مائة من الإبل، وهي معرفة
__________
(1) انظر ص 287، والشاهد 133 ص 286
(2) ابن عقيل 2/ 43، وفيه: (من طول ....).
(2/759)

لا تنوّن ولا يدخلها أل، وأنشد البيت. ثم قال: أراد النون الخفيفة فوقف.
وقيل: غضيا بالمثناة التحتية. وأحربا، بالموحدة، وعليه صاحب المحكم وابن السكيت في اصلاحه. وقال ابن السيرافي في شرحه: أراد ربّ إنسان كان ما له قليلا بعد ان كان كثيرا فأحربه، تعجب. كما تقول: أكرم به، يريد ما أحراه أن يطول فقره. وقوله: واحربا، تعجب، من قولهم حرب الرجل، إذا ذهب ماله وإذا قلّ.
قال المصنف: وعلى هذا فلا تأكيد ولا نون، وضعت البيت من أيدينا (1). ثم قال: لم يذكر في الصحاح حرب بالكسر إلا بمعنى اشتد غضبه. وأما حرب بمعنى أخذ فبالفتح، وقد حرب ماله أي سلبه، انتهى. وصريمة: تصغير صرمة، بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، قطعة من الإبل نحو الثلاثين، صغرها للتقليل ويقال:
فلان حرى أن يفعل كذا، أي جدير ولائق.
548 - وأنشد:
دامنّ سعدك لو رحمت متميّا … لولاك لم يك للصّبابة جانحا
قال العيني في شواهده الكبرى: لم أقف على إسم قائله. وسعدك: بالكسر، خطاب لمحبوبته. والمتيم: من تيمه الحب إذا عبّده بالتشديد. والصبابة: المحبة والعشق. والجانح: من جنح إذا مال. وجواب (لو) دل عليه الجملة قبلها، وهي دعائية. والبيت أورده المصنف شاهدا لدخول نون التوكيد في الماضي شذودا وقال: إن الذي سهله كونه بمعنى الأمر، وفيه شاهدان على إيلاء لا ضمير الجر، وثالث على حذف نون يكن لاجتماع شروطه.
549 - وأنشد:
لم يوفون بالجار
تقدم شرحه في شواهد لم (2).
__________
(1) كذا ... ؟
(2) انظر الشاهد رقم 432 ص 674.
(2/760)

550 - وأنشد:
ومن عضة ما ينبتنّ شكيرها
قال ابن يعيش: الشكير ما ينبت حول الشجرة من أصلها: واستشهد بالبيت (1).
__________
(1) وصدر البيت:
اذا مات منهم سيد سرق ابنه
وقائل البيت مجهول. وهو في سيبويه 2/ 153، والخزانة 1/ 234 والعضة: شجرة. وفي حاشية الامير 2/ 23: فان دخلت أن على (ما) كان التأكيد قريبا من الوجوب، وان دخلت عليها رب كان التأكيد قليلا، كقوله:
ربما أوفيت في علم … ترفعن ثوبى شمالات
ومن القليل أيضا التوكيد بعد (لا) النافية.
ويروى المصراع:
في عضة ما ينبت العود
والبيت يضرب مثلا في مشابهة الرجل أباه.
(2/761)

شواهد التنوين
551 - وأنشد:
وقولي إن أصبت لقد أصابن (1)
هذا من قصيدة طويلة لجرير تزيد على مائة وعشرين بيتا. قال ابن سلام في طبقات الشعراء (2): حدثني أبو الغرّاف: إن الراعي كان يسئل عن جرير والفرزدق، فيقول: الفرزدق أكرمهما وأشعرهما. فلقيه جرير فاستعذره من نفسه، وطلب إليه أن لا يدخل بينهما وقال: أنا كنت أولى بعونك، إني لأمدحكم، وإنه ليهجوكم، قال: أجل، ولست، لمساءتك بعائد. ثم بلغ جريرا أنه قد عاد في تفضيل الفرزدق عليه، فلقيه بالبصرة وجرير على بغلة، فعاتبه فقال: استعذرتك فزعمت أنّك غير داخل بيني وبين يحيى (3)، قال: والراعي يعتذر إليه، اذ أقبل ابنه جندل، وكان فيه خطل وعجب، فقال لأبيه: لأراك تعتذر الى ابن الاماء، نعم، والله لنفضلنّ عليك، ولنروينّ هجاءك، ولنهجونّك من تلقاء أنفسنا.
وضرب مقلعة (4) وقال:
ألم تر أنّ كلب بني كليب … أراد حياض دجلة ثمّ هابا
__________
(1) ديوان جرير 64، والخزانة 1/ 34، وابن عقيل 1/ 23 وطبقات الشعراء 374، والنقائض 432
(2) ص 373، وانظر الاغاني 20/ 171 (يولاق).
(3) كذا بالاصل وصحتها: (ابن عمي) كما في طبقات الشعراء.
(4) كذا بالاصل، وصحتها: (وضرب وجه بغلته) كما في الطبقات.
(2/762)

فانصرف جرير مغضبا. وكان جرير يومئذ بالبصرة نازلا على امرأة من بني كليب، فبات في علّيّة لها، وهي في سفل دارها، فقالت المرأة: فبات نيلته لا ينام، يتردّد في البيت، حتى ظننت أنه قد عرض له (جنّي، أو سنح له بلاء) (1) حتى فتح له:
أقلّي اللّوم عاذل والعتابا … وقولي، إن أصبت، لقد أصابا
(حتى قال) (2):
إذا غضبت عليّ بنو تميم (3) … حسبت النّاس كلّهم غضابا
ثم أصبح في المربد فقال: يا بني تميم، قيّدوا: أي اكتبوا، فلم يجب الراعي ولم يهجه جرير بغيرها.
فقال بعض رواة قيس وعلمائهم: كان الراعي فحل مضر، فضغمه الليث، يعني جريرا، وبعد البيت الأول:
أجدّك لا تذكّر عهد نجد … وحيّا طال ما انتظروا الإيابا
أقلى: أمر من الإقلال، ومن القلة. واللوم: بالفتح، العذل. وعاذل:
منادى مرخم عاذلة. ولقد أصابا: مقول القول. وأجدك: أي يجد منك هذا، فنصبه على نزع الباء، قاله الأصمعي. وقال أبو عمرو: معناه مالك أجد منك، ونصبه على المصدر. قال ثعلب: ما أتاك من الشعر من قولك أجدك فهو بكسر الجيم. وإذا قال بالواو، وجدك فهو بفتحها. وقال الجوهري: أجدك وأوجدك بمعنى، ولا يتكلم به إلا مضافا. والأياب، بكسر الهمزة، الرجوع. والبيت شاهد لدخول تنوين الترنم في الفعل والإسم المعرّف باللام.
__________
(1) مزيدة، وانظر الخبر بالاغاني 8/ 30 - 31 و 20/ 169 وطبقات الشعراء 374
(2) مزيدة.
(3) في الطبقات: (عليك بنو تميم).
(2/763)

552 - وأنشد:
لمّا تزل برحالنا وكأن قدن
تقدم شرحه في شواهد قد (1).
553 - وأنشد:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق (2)
هو أول أرجوزة لرؤبة، وبعده:
مشتبه الأعلام لمّاع الخفق … يكلّ وفد الرّيح من حيث انخرق
تنشّطته كلّ مغلاة الوهق … [فيها خطوط من سواد وبلق
كأنّه في الجلد توليع البهق]
ومنها:
لواحق الأقراب فيها كالمقق … تكاد أيديهنّ تهوي في الزّهق
يحسبن شاما أو رقاع من بنق
الواو في (وقاتم) واورب (3). وقد أعاده المصنف في حرف الواو شاهدا لذلك. والقاتم: بالقاف والمثناة الفوقية المغبر. والقتام الغبار، وهو صفة لمحذوف
__________
(1) انظر الشاهد رقم 276 ص 490
(2) الخزانة 1/ 38، واراجيز العرب 22، والشعراء 5، وديوان رؤبة في مجموع اشعار العرب 3/ 104 - 108 والعقد 5/ 506 والمحاسن والمساوئ 1/ 255 و 256.
(3) وهي عاطفة لاجارة.
(2/764)

أي ورب بلد قاتم. قال ابن السكيت يقال أسود قاتم وقاتن (1). والأعماق:
بالمهملة، جمع عمق بضم العين وفتحها، ما بعد من أطراف المفاوز، مستعار من عمق البئر. والخاوي: بمعجمة، الخالي. والمخترق: بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة والراء، الممرّ لأن المار يخترقه. والأعلام: جمع علم، بفتحتين، وهي الجبال وكل ما يهتدى به، يريد ان أعلامه يشبه بعضها بعضا، فلا بحصل الاهتداء بها للسالكين. والخفق: الاضطراب، وهو في الأصل بسكون الفاء، وإنما حرك للضرورة، يريد أنه يلمع فيه السراب
ويضطرب. ووفد الريح:
أولها، مثل وفد القوم. وهذا تمثيل. وإذا اتسع الموضع فسرت فيه الريح وإذا ضاق اشتدت. قال ابن يسعون: استعار الكلام للريح وإن لم تكن ذات روح، لأن المعنى عملها وفتر. قال: ويروى (يكل وفدا) بضم الياء ونصب وفد، كالضمير لقاتم. وبفتح الياء ورفع وفد، وفيه على هذا حذف، أي فيه، لأن جملة يكل صفة لقاتم. وقوله: (من حيث انخرق) أي من أي جهة أتت الريح لا تصل من قطع هذه المفازة الى ما قلت. وقوله: (تنشطته) جواب رب، أي تناولته بحسن الصد في السير وسرعة تقليب يديها، والهاء ضمير قاتم. والمغلاة (من النوق) (2): التي تبعد الخطو في السير. والوهق: المباراة في السير. والتوليع:
ألوان شتى. والبهق: بياض يخرج في عنق الإنسان وصدره. قال أبو عبيدة:
قلت لرؤبة: إن أردت بقولك: كأنه كأن الخطوط، فقل: كأنها، أو كأن السواد والبلق، فقل كأنهما. فقال: أردت كأن ذلك. وقد أورد المصنف هذا البيت مع هذه الحكاية في آخر الكتاب الثامن. والشام: التي تكون في الجسد، جمع شامة.
والرقاع: رقعة. والبنق: بكسر الموحدة وفتح النون، جمع بنيقة، وهي دخاريص القميص. ولواحق الأقراب: أي ضوامر البطون، يقال: لحق لحوقا إذا ضمر. والأقراب: جمع قرب، بضم القاف والراء وموحدة، وهو من الشاقلة الى مراق البطن. ولواحق: خبر مقدم. والمقق: بفتح الميم، الطول. وقد
__________
(1) وفي الخزانة: (قال الأصمعي في شرح ديوان رؤبة: القتمة، الغبرة إلى الحمرة، والقتمة مصدر الأقتم. وقال ابن السكيت في كتاب القلب والابدال: يقال أسود قاتم وقاتن، بالميم والنون، وفعله من بابي ضرب وعلم، وهو صفة لموصوف محذوف، أي رب بلد قاتم).
(2) مزيدة.
(2/765)

استشهد النحاة به على زيادة الكاف، فإن تقديره فيها المقق. وتهوى: تسقط، من باب ضرب يضرب. والزهق: بفتح الزاي والهاء، التقديم.
554 - وأنشد:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة (1)
هو من معلقة امرئ القيس، وتمامه:
فقالت لك الويلات إنّك مرجلي … تقول وقد مال الغبيط بنا معا
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل … فقلت لها سيري وأرخي زمامه
ولا تبعديني من جناك المعلّل … فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول
الخدر: كل ما ستر من قبة أو هودج أو ستر أو بيت. والويلات: التعسات، دعاء عليه، إنما هو مثل قولهم: قاتله الله ما أشعره. ومرجلي: أي مصيري راجلة إذا عقرت بعيري. والغبيط: مركب من مراكب النساء، ويقال هو قبة الهودج.
والجنا: ما يصيبه الجاني من الثمار، قال تعالى: (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ) شبه به ما يصيبه من حديثها وملاعبتها. ويقال: الجني، شور العسل. والمعلل: الذي يتناول مرة بعد أخرى، وهو الشرب الثاني. والشاهد في قوله: (عنيزة) حيث نوّنه للضرورة، وهو بضم العين المهملة وفتح النون وتحتية ساكنة وزاي، اسم امرأة.
555 - وأنشد:
سلام الله يا مطر عليها (2)
__________
(1) ديوانه 11، وانظر الصحائف 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652.
(2) الخزانة 1/ 294، وابن عقيل 2/ 82، وامالي ابن الشجري 1/ 307 وسيبويه 1/ 313، وابن سلام 541
(2/766)

هو للأحوص من قصيدة أولها:
لأن نادى هديلا، يوم فلج … مع الإشراق، في فنن حمام
ظللت كإنّ دمعك درّ سلك … هوى نسقا وأسلمه النّظام
كأنّك من تذكّر أمّ حفص … وحبل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه … تموت لها المفاصل والعظام
وأنّى من بلادك أمّ حفص؟ … سقى بلدا تحلّ به الغمام!
سلام الله يا مطر عليها، … وليس عليك يا مطر السّلام
فإن يكن النّكاح أحلّ شيئا (1) … فإنّ نكاحها مطرا حرام
فطلّقها فلست لها بكفء … وإلّا يعل مفرقك الحسام
فلا غفر الإله لمنكحيها … ذنوبهم وإن صلّوا وصاموا (2)
هديل: بفتح الهاء، الذكر من الحمام. يقال: إنه فرخ كان على عهد نوح عليه السلام فصاده جارح. قالوا: فليس من
حمامة إلا وهي تبكي عليه. وهو مفعول والفاعل حمام. وفلج: بفتح الفاء وسكون اللام، موضع بين البصرة والضرية.
وفنن: بفتحنين، الغصن. وهي سقط من الضعف. ونسق: أي منظم. وأسلمه:
خذله. وأم حفص: أخت زوجة الأحوص. والخلق بفتحتين، والرمام: بالكسر، البالي المتقطع. والصريع: المصروع. والمدامة: الخمر. ومطر: سلف الأحوص، وكان من أقبح الناس صورة. وقوله: (يا مطر) يروى بالرفع والنصب (3).
وقوله: (فإن نكاحها مطر) برفع مطر ونصبه وجره. فالرفع على أنه فاعل
__________
(1) اصلحنا (شيء) وانظر الطبقات، وفيه (مطر) بالرفع.
(2) بعد هذا البيت، أثبت البيتان الاول والثاني، وقد حذفناهما لتكرارهما.
(3) انظر الخزانة 1/ 294
(2/767)

المصدر، وهو نكاحها، والمصدر أضيف الى المفعول، والنصب على انه مفعوله، وهو مضاف الى الفاعل. والجرّ على أنه مضاف اليه. ووقع الفصل بين المتضايفين بضمير الفاعل أو المفعول. وقد أورده المصنف في التوضيح شاهدا لذلك. قوله:
(وإلّا يعل) فيه حذف فعل الشرط، أي وان لم تطلقها. وقد أورده المصنف شاهدا لذلك. ومفرق الرأس: ما يتفرق الشعر في مقدمه. والحسام: بضم الحاء، السيف القاطع.

فائدة: [الأحوص]
الأحوص اسمه عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت بن قيس بن عصمة الأنصاري الأوسي، يكنى أبا عاصم. قال أبو عمثان: شاعر مجيد من شعراء الدولة الأموية من أهل المدينة. قال الآمدي (1): وهو القائل:
إنّي إذا خفي الرّجال وجدتني … كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان
وكان أحوص العينين. والحوص: ضيق في مؤخر العين. ذكره الجمحي في الطبقة السادسة من الإسلاميين (2). وعاصم جدّه الصحابي حميّ الدّبر (3).
وأخرج ابن عساكر عن ابن الأعرابي: أن الأحوص كان له جارية تسمى بشرة، وكان شديد الإعجاب بها، وهي أيضا تحبه، قدم بها دمشق فمرض بها وحضرته الوفاة، فبكت، فقال الأحوص:
ما لجديد الموت يا بشر لذّة … وكلّ جديد تستلذّ طرائفه
__________
(1) المؤتلف والمختلف 47 والبيت في الشعراء 503، برواية: (خفي اللئام ...).
(2) ص 529
(3) الدبر - بفتح الدال وسكون الباء -: النحل والزنابير. وسمي عاصم:
(حميّ الدبر) لأن النحل حمته من المشركين أن يمثلوا به بعد قتله. وانظر الاصابة 4/ 3 وابن هشام 639، والاغاني 4/ 224 (الدار).
(2/768)

ثم مات من يومه، فجزعت عليه بشرة ولم تزل تبكي عليه وتندبه إلى أن شهقت شهقة فماتت فدفنت الى جنبه. قلت: ونظير هذه الحكاية ما أخرجه البيهقي في دلائل النبوّة عن أبي عصام المزني عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد، فأدركناه يسوق ظعائن، فقلنا له: أسلم، قال: وما الإسلام؟ فأخبرناه فإذا هو لا يعرفه. قال: أفرأيتم إن لم نفعل ما أنتم صانعون؟ قلنا: نقتلك. قال:
هل أنتم منتظري حتى أدرك الظعائن؟ قلنا: نعم. فأدرك الظعائن، فقال:
اسلمي حبيش، قبل نفاذ العيش. فقالت الاخرى: اسلم عشرا وتسعا وترا، وثمانيا تترى. ثم قال:
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشق … تكلّف إدلاج السّرى والودائق
انثنى بوصل قبل أن يشحط النّوى … وينأى الأسير بالحبيب المفارق
ثم رجع الينا فقال: شأنكم، فقدّمناه فضربنا عنقه. فانهدت المرأة من هودجها فجاءت عليه، فما زالت حتى ماتت.
وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عباس مثله، وفيه: فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: أما كان فيكم رجل رحيم؟ وللقصة طريق ثالث من حديث أبي الدرداء أخرجها ابن اسحق والبيهقي (1)

فائدة: [شاعر ثالث يقال له الأحوص بن ثعلبة]
لهم شاعر ثالث يقال له الأحوص بن ثعلبة بن محيصة بن مسعود، ذكره الآمدي أيضا.
556 - وأنشد:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
تقدّم شرحه في حرف القاف (2).
__________
(1) يلاحظ ان هذا الخبر فيه اضطراب، وغير مذكور فيه اسم الشخص القتيل.
(2) انظر الشاهد رقم 273 ص 488.
(2/769)

557 - وأنشد:
أمسلمني إلى قومي شراحي
هو ليزيد بن مخزم الحارثي. قال أبو محمد: ذكر الفرّاء هذا البيت على هذا النمط ليجعله بابا من النحو، والصواب:
وغاب خلايلي وبقيت فردا … أماصعهم ونهضك بالجناح
فما أدري وظنّي كلّ ظنّ … أيسلمني بني البدء اللّقاح
فيقتلني بنو خمر بذهل … ولدت أكون من قتلى الرّياح
قوله: أماصعهم: بصاد وعين مهملتين، أي أقاتلهم. واللقاح: بفتح اللام وتخفيف القاف، يقال: حي لقاح للذين لا يدينون للملوك، أو لم يصبهم في الجاهلية سبا. وبنو خمر بفتح الخاء المعجمة وسكون الميم وراء، بطن من كندة. وشراحي:
أصله شراحيل، اسم رجل لحقه الترخيم. وقوله: (وظني كل ظنّ) إما صلة أو جملة من مبتدأ وخبر معترضة، أو الواو بمعنى مع، وكل ظن تأكيد لظني.
(1) انظر الشاهد رقم 237 ص 488
(2/770)

حرف الهاء شواهد هل (1)
558 - وأنشد:
ليت شعري هل ثمّ هل آتينهم (2)
هو للكميت بن معروف، وتمامه:
أم يحولنّ دون ذاك حمام
ويروى بدله:
أو يحولنّ من دون ذاك الرّدى
والحمام: بكسر المهملة، الموت. والردى: الهلاك. وأم في البيت منقطعة لأنها مسبوقة بغير الهمزة. ويجوز أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين، كائن على سبيل التقدير لحصول العلم بكون أحدهما. وآتينهم: بنون التأكيد الخفيفة. والبيت استشهد به ابن أم قاسم على التأكيد اللفظي بتكرار هل مع الفصل بينهما بحرف ثمّ.
__________
(1) هذا العنوان ليس بالاصل.
(2) الهاشميات 13.
(2/771)

559 - وأنشد:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم (1)
هو للفرزدق يهجو بها جريرا، وقبله:
فإنّك كلب من كليب لكلبة … غذتك كليب من بحيث المطاعم
وليس كليبيّ إذا جنّ ليلة … إذا لم يذق طعم الأتان بناعم
يقول إذا اقلولى عليها وأقردت … ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
اقلولي: ارتفع. وأقردت: بالقاف، لصقت بالأرض وسكنت. ومعناه: يرميه بإتيان الأتان، قال العيني: ولم يقف بعضهم على الابيات قبله، فصرفه الى معنى حسن، لكنه ليس مراد الشاعر. وهو ان الجنازة تقول بلسان الحال اذا ارتفع عليها الميت، والحال أنها أقردت، أي سكنت. ألاهل صاحب عيش لذيذ يدوم في عيشه.
وفي البيت شاهد على زيادة الباء في خبر المبتدأ الذي دخلت عليه هل لشبهها بالنفي.
وعلى ذلك أورده ابن مالك. وروى بلفظ:
ألا ليت ذا العيش اللّذيذ بدائم
وكذلك أورده ابن مالك في التوضيح مستشهدا به على زيادة الباء في خبر ليت.
560 - وأنشد:
وإنّ شفائي عبرة مهراقة … وهل عند رسم دارس من معوّل؟
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة (2).
561 - وأنشد:
سائل فوارس يربوع بشدّتنا … أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
__________
(1) ديوانه 863
(2) انظر الصحائف 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652 و 766 و 782 و 857 و 863
(2/772)

هو من قصيدة لزيد الخيل. ويروى: فهل.
562 - وأنشد:
ولا للما بهم أبدا دواء
تقدّم شرحه في شواهد اللام (1).
__________
(1) انظر الشاهد رقم 290 ص 505.
(2/773)

حرف الواو
563 - وأنشد:
فأصبح لا يسألنه عن بما به (1)
والبيت قال العيني: لم يسم قائله. وتمامه:
أصعّد في علوّ الهوى أم تصوّبا
أصعد: أي ارتقى. أم تصوّبا: أي أم نزل. والبيت استشهد به على تأكيد عن بالباء تأكيدا لفظيا لأنهما يستعملان في معنى واحد، فيقال: سألت به وسألت عنه.
564 - وأنشد:
على ربعين مسلوب وبال
هو لابن ميادة وأوّله:
أمن طلل بمدفع ذي طلال … أمحى جديده قدم اللّيالي
بكيت وما بكا رجل حزين … على ربعين مسلوب وبالي
قال الزمخشري: ذو طلال: واد بأعلى السربة. أمحى: أبلى. المسلوب:
__________
(1) الخزانة 4/ 162، والبيت في المغني من شواهد هل.
(2/774)

الذي قوّضت أخبيته وابتزت عمده. والبالي الذي ذهبت آثاره. ومسلوب وبال:
بدل من ربعين. ويروى (وما بكا رجل نزيع) أي منتزع وبال كالمسلوب.
565 - وأنشد:
[إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها … فقدان مثل محمّد ومحمّد] (1)
قال المبرد في الكامل (2): كان الحجاج رأى في منامه أن عينيه قلعتا فطلّق الهندين: هندا بنت المهلّب، وهندا بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعيّ أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنّا لله وإنّا اليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد:
حسبي بقاء الله من كلّ ميّت … وحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضيا … فإنّ شفاء النّفس فيما هنالك
وقال: من يقول شعرا يسليني به؟ فقال الفرزدق:
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها … فقدان مثل محمّد ومحمّد
ملكان قد خلت المنابر منهما … أخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني! فقال الفرزدق:
إنّي لباك على ابني يوسف جزعا … ومثل فقدهما للدّين يبكيني
ما سدّ ميت ولا حيّ مسدّهما … إلّا الخلائف من بعد النّبيّين (3)
566 - وأنشد:
وزجّجن الحواجب والعيونا (4)
هذا من قصيدة للراعي وصدره:
__________
(1) مزيدة. والشعر للفرزدق وهو في ديوانه ص 190.
(2) ص 449.
(3) في الكامل: (ما سد حيّ ولا ميت).
(4) الخزانة 3/ 73 وشعر الراعي 156، والعيني 3/ 91.
(2/775)

وهزّه نسوة من حيّ صدق
وقيل صدره:
إذا ما الغانيات برزن يوما
وبعده:
أنحن جمالهنّ بذات غسل … سراة اليوم يمهدن الكدونا (1)
ومطلع القصيدة:
أبت آيات حبّي أن تبينا … لنا خبرا وأبكين الحزينا (2)
الغانيات: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بجمالها عن الحليّ. وبرزن: ظهرن.
وزججن: بزاي وجيمين، يقال: زججت المرأة حاجبها دققته، وطوّلته. والزجج:
دفة في الحاجبين وطول. والرجل أزج. وذات غسل: بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة ولام، اسم موضع (3). وقيل: إنه قرية بين اليمامة والساج (4).
وسراة اليوم. وسطه، وسراة كل شيء: وسطه. وكدون بالضم، جمع كدن، وهو ما توطأ به المرأة مركبها من كساء ونحوه.
567 - وأنشد:
وألفى قولها كذبا ومينا
قال محمد بن سلام الجمحي (5): هو لعدي بن زيد، وأوّلها:
ففاجأها، وقد جمعت فيوجا … على أبواب حصن مصلتينا
__________
(1) معجم ما استعجم 998 والبلدان 3/ 802 و 4/ 204 واللسان (كدن)
(2) ليس هذا البيت في شعر الراعي، والقطعة فيه من ثلاث أبيات أولها:
وأظعان طلبت بذات لوث … يزيد رسيمها سرعا ولينا
(3) في البكري: موضع ديار بني اسد.
(4) كذا، ولعلها: (النباج).
(5) الطبقات 62 - 63.
(2/776)

فقدّمت الأديم لراهشيه … وألفى قولها كذبا ومينا
قال: وفي قافيته الإسناد. وقال المفضل: في روايته (كذبا مبينا): فرارا من الاسناد، والرواية هي الاولى. انتهى.
568 - وأنشد:
عليك ورحمة الله السّلام (1)
قال البطليوسي: لا أعلم قائله. قال: ونسبه قوم للأحوص، وصدره:
ألا يا نخلة من ذات عرق
قال التدمري: وبعده:
سألت النّاس عنك فأخبروني … هنا من ذاك يكرهه الكرام
وليس بما أحلّ الله بأس … إذا هو لم يخالطه الحرام
قال التدمري: ويروى بدله قوله:
عليك ورحمة الله السّلام … برود الظّلّ شاعكم السّلام (2)
أي ملاكم السلام. وذات عرق: موضع بالحجاز. والنخلة هنا: كناية عن المرأة، كما كنى عنها الآخر بالسرحة وهي الشجرة في قوله:
أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك
__________
(1) الخزانة 1/ 192 و 312
(2) كذا، وفي الخزانة 1/ 192 وامالي ثعلب 239:
الا يا نخلة من ذات عرق … برود الظل شاعكم السلام
(2/777)

569 - وأنشد:
كما النّاس مجروم عليه وجارم
تقدّم شرحه في شواهد الكاف (1).
570 - وأنشد:
وقالوا: نأت فاختر من الصّبر والبكا … فقلت: البكا أشفى إذا لغليلي
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة كثير (2).
571 - وأنشد:
على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى … قضيّته أن لا يجور ويقصد (3)
572 - وأنشد:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم … ولم تكثر القتلى بها حين سلّت
هو للفرزدق (4). قال المبرد في الكامل (5): هذا بيت طريف جدّا عند أصحاب المعاني، وتأويله لم يشموا: لم يغمدوا، ولم تكثر القتلى، أي لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى بها حين سلّت (6).
573 - وأنشد:
ولبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
__________
(1) انظر الشاهد رقم 92 ص 202 والشاهد رقم 283 ص 500 - 501
(2) انظر 581، وفي المغني: (فاختر لها ...)
(3) البيت لأبي اللحام التغلبي كما في الخزانة 3/ 613
(4) ديوانه 139
(5) ص 265
(6) يريد ان الواو في قوله: (ولم تكثر القتلى) للحال، فمعناه لم يغمدوها والقتلى بها لم تكثر، وانما يغمدونها بعد أن تكثر القتلى بها.
(2/778)

تقدّم شرحه في شواهد لو (1).
574 - وأنشد:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم (2)
المشهور أنّ هذا البيت لأبي الاسود الدؤلي، وقد تقدمت القصيدة التي هو منها بتمامها في حرف اللام (3). وقد وقع
في قصيدة للمتوكل بن عبد الله اللّيثي، فعزاه بعضهم إليه. فأما أن يكون من توارد الخواطر، أو سرقة منه، فإنه متأخر عنه، كان في عهد يزيد بن معاوية، والقصيدة المذكورة أوّلها (4):
للغانيات بذي المجاز رسوم … فببطن مكّة عهدهنّ قديم (5)
ومنها:
لا تتّبع سبل السّفاهة والخنا … إنّ السّفيه معنّف مشتوم
وأقم لمن صافيت وجها واحدا … وحليفة إنّ الكريم يؤوم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
وإذا رأيت المرء يعير نفسه … والمحصنات فما لذاك حريم
ومعيّري بالفقر قلت له اقتصد … إنّي أمامك في الزّمان قديم
قد يكثر النّكس المقصّر همّه … ويقلّ مال المرء وهو كريم
__________
(1) انظر الشاهد رقم 411 ص 653.
(2) الخزانة 3/ 617، وابن عقيل 2/ 126، وحماسة البحتري 173، والاغاني 12/ 160 (الدار).
(3) انظر الشاهد رقم 341 ص 570 - 572.
(4) انظر الاغاني 12/ 160 (الدار).
(5) ذو المجاز: موضنع سوق بعرفة، وماء لهذيل بعرفة.
(2/779)

تريك أمكنة إذا لم أرضها … حمّال أضغان بهنّ غشوم
ومنها:
تلقى الدّنيّ يذمّ من ينوي العلا … جهلا ومتن قناته موصوم
فعل المنافق ظلّ يأبن ذا النّهى … في دينه ونفاقه معلوم
وقال شارع أبيات الايضاح: اختلف في هذا البيت اختلافا كثيرا، فنسب لأبي الاسود الدؤلي. وقيل: هو لأبي جهينة المتوكل بن نهشل بن مسافع الليثي. ورأيت في تاريخ ابن عساكر بسنده الى ابن رواحة: إنه للطّرّماح. وفي شواهد من للزمخشري: إنه لحسان. وقيل: للأخطل، ونسبه الحاتمي لسابق البربري. وبه جزم الآمدي في المؤتلف والمختلف. قال الشارح المذكور: والصحيح عندي كونه لأبي الأسود وللمتوكل. وقد رأيته في قصيدة
كل منهما. قال الحاتمي: هذا البيت أشرف بيت في تجنب إتيان ما ينهى عنه. وقوله: (عار) خبر مبتدأ مقدر، أي ذلك عار و (عليك) صفة عار. وعظيم: نعت بعد نعت، والعامل في إذا إما متعلق الجار أو عظيم.
575 - وأنشد:
وو الله لولا تمره ما حببته (1)
وتمامه:
وكان أدنى من عبيد ومشرق
وقبله:
أحبّ أبا مروان من أجل ماله … وأعلم أنّ الرّفق بالمرء أرفق
__________
(1) البيت في اللسان (حبب) منسوب لعيلان بن شجاع.
(2/780)

قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: كذا أنشده الجوهري وغيره على الإقواء.
ورواه المبرد:
وكان عياض منه أدنى ومشرق
بغير إقواء. وكل رواه أبو الحسن الاخفش. وقال: عياض ومشرق رجلان.
ومشرق بضم الميم وكسر الراء، بزنة اسم الفاعل. وقال السخاوي: أنشده ابن الأعرابي بلفظ: (وأقسم لولا غيره).
576 - وأنشد:
وما بال من أسعى لأجبر عظمه … حفاظا وينوي من سفاهته كسري
قال ثعلب في أماليه (1): زعم عثمان بن حفص الثقفي أنّ خلفا الأحمر أخبره عن مروان بن أبي حفصة أنّ هذا الشعر لابن الذئبة الثّقفي (2) وبعده:
أعود على ذي الذّنب والجهل منهم … بحلميّ، ولو عاقبت غرّقهم بحري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا … فما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر (3)
أظنّ صروف الدّهر والجهل منهم … ستحملهم منّي على مركب وعر
ألم تعلموا أنّي تخاف عزائمي … وأنّ قناتي لا تلين على القسر
وإنّي وإيّاهم كمن نبّه القطا … ولو تنبّه باتت الطّير لا تسري
__________
(1) ص 173، وانظر المزهر 1/ 152، والتنبه للبكري 24، وهو في الشعراء 712 منسوب للأجرد الثقفي، وفي حماسة البحتري 104 الى عامر بن مجنون الجرمي، وانظر أيضا الكامل 235
(2) ترجم له في المؤتلف 120، وكتاب من نسب الى أمه من الشعراء.
(3) البيت والابيات التي بعده في اللآلي 750 منسوبة الى الحارث بن وعلة، وذكر الراجكوتي الخلاف الطويل في نسبتها.
(2/781)

ثم رأيت في المؤتلف والمختلف لأبي القاسم الآمدي نسبة ذلك الى وعلة بن الحارث الجرمي، شاعر جاهلي.
577 - وأنشد:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
هو من معلقة امرئ القيس، وتقدّم شرحه في شواهد اللام (1).
578 - وأنشد:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
تقدم شرحه في شواهد التنوين (2).
579 - وأنشد:
... وإذ ما مثلهم بشر
تقدم شرحه في شواهد إذ (3).
580 - وأنشد:
شربت بها والدّيك يدعو صباحه … إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا (4)
هو للنابغة الجعدي، وقبله:
ومولى جفت عنه الموالي كأنّما … يرى وهو مطليّ به القار أجرب
وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه … تصفّق في راووقها ثمّ تقطب
__________
(1) انظر الصحائف 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652 و 766 و 772 و 857
(2) انظر الشاهد رقم 553 ص 764 وشرح التبريزي 3/ 187.
(3) انظر الشاهد رقم 116 ص 237.
(4) الخزانة 3/ 421
(2/782)

شربت بها والدّيك يدعو صباحه … إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
وبيضاء مثل الرّيم لو شئت قد صبت … إليّ وفيها للمخاضر ملعب
تجنّبتها إنّي امرؤ في شبيبتي … وتلعابتي عن ريبة الجار أنكب
وخرق مروراة يحاربها القطا … يردّد فيه همّه أين يذهب
قطعت بهوجاء النّجاء كأنّها … مهاة يراعيها بحربة ربرب
قال الزمخشري: قوله: (لا تخفي القذى) أي لا تسره لصفائها، وهي دونه.
يريد: أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء رآه الرائي في الموضع الذي هو فيه.
والخمر أقرب إلى الرائي من القذى، وهي ما بين الرائي وبين القذى. يريد أنه يرى ما وراءها. وتصفق: تدار من إناء الى إناء. يدعو صباحه: أي في وقت صباحه.
وقال ابن الدهان، في الغرّة: شذ. قوله: دنوا فتصوّبوا، لأنه أجرى بنو نعش مجرى من يعقل، وعزا البيت لجرير.
581 - وأنشد:
يلومونني في اشتراء النّخيل … أهلي فكلّهم ألوم (1)
قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وقوله: ألوم، أفعل تفضيل من اللوم.
ويروى: فكلهم يعذل. قلت: عزاه السخاوي في المفصل الى أحيحة بن الجلاح وأورده بلفظ: (قومي فكلهم يعذل). وقال ابن الدهان في الغرّة: يرويه الفرّاء بالميم: ألوم. والبصري يرويه باللام يعذل.
582 - وأنشد:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى … وجدت مرارة الكلإ الوبيل (2)
__________
(1) امالي ابن الشجري 1/ 116
(2) امالي ابن الشجري 1/ 118
(2/783)

قال أبو الفرج في الأغاني (1): اخبرنا ابن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عقيل علقمة (2) قد طرد بنيه، فتفرّقوا عنه في البلاد وبقى وحده. ثم إن رجلا من بني صرمة، يقال له، بجيل - وكان كثير المال والماشية - حطم بيوت، عقيل بماشيته، ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلّا لقى شرّا، فطردت أمة له الماشية، فضربها بجيل بعصا كانت معه فشجعها. فخرج إليه عقيل وحده - وقد هرم يومئذ وكبرت سنه - فزجره وضربه بجيل بعصاه واحتقره، فجعل عقيل يصيح: يا علقمة (3)، يا عملّس، بأسماء أولاده مستغيثا بهم، فقال ارطاة بن سهيه:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّى … وجدت مرارة الكلإ الوبيل
ولو كان الألى غابوا شهودا … منعت فناء بيتك من بجيل
وبلغ خبر عقيل ابنه العملس وهو بالشام، فأقبل الى أبيه حتى نزل إليه، ثم عدا الى بجيل فضربه ضربا مبرحا، وعقر عدة من إبله وأوثقه، وجاء به حتى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته وعاد من وقته الى الشام ولم يطعم له طعاما ولم يشرب له شرابا.
قال ابن الشجري: قوله: أكل الضبّ: معناه أكل الضب أولاده، لأن الضباب تأكل أولادها إلا القليل، فجعل تعديه على بنيه وظلمه لهم كأن الضب ولده مبالغة في وصفه بالبغي عليهم والظلم لهم.
583 - وأنشد:
وقد أسلماه مبعد وحميم (4)
__________
(1) 12/ 269 (الدار).
(2) كذا بالاصل، وصحتها: عقيل بن علفة كما في الاغاني وابن الشجري.
(3) في الاغاني: (يا علّفة).
(4) ابن عقيل 1/ 169 وديوانه 196 وشرح شواهد العيني 2/ 461
وانظر ص 790 - 791 والشاهد رقم 594.
(2/784)

هو لعبد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام، وقبله:
لقد أورث المصرين خزيا وذلّة (1) … قتيل بدير الجاثليق مقيم
تولّى قتال المارقين بنفسه … وقد أسلماه مبعد وحميم
أراد بالمصرين: البصرة والكوفة. ودير الجاثليق: بجيم ومثلثة مفتوحة ولام مكسورة وتحتية وقاف، موضع على شاطئ نهر دجلة بالعراق قتل به مصعب سنة احدى وسبعين. وأسلماه: خذلاه ولم ينصراه، والمبعد: بفتح العين، الرجل الأجنبي. والحميم: الصاحب الذي يهتم بصاحبه.
584 - وأنشد:
من حوثما سلكوا أدنو فأنظور (2)
وقال ابن جنى في سرّ الصناعة: أنشدني أبو علي:
الله يعلم أنّا في تلفّتنا … يوم الفراق إلى أحبابنا صور (3)
وأنّني حيثما يثني الهوى بصري … من حوثما سلكوا أدنو فأنظور
يريد: فأنظر، فاشبع ضمة الظاء، فنشأت عنها واو، انتهى.
585 - وأنشد:
سقيت الغيث أيّتها الخيام
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة جرير (4).
__________
(1) اصلحنا (حزنا).
(2) الخزانة 1/ 58 وسر الصناعة 30
(3) الصور، جمع أصور، وهو المائل من الشوق من صار يصور صورا، بالتحريك، مال.
(4) انظر الشاهد رقم 139 ص 311 وهو في المغني بلفظ: (الخيامو).
(2/785)

شواهد وا
586 - وأنشد:
وا، بأبي أنت وفوك الأشنب … كأنّما ذرّ عليه الزّرنب
هو لبعض بني تميم وبعده:
أو زنجبيل وهو عندي أطيب
أي أفديك بأبي. والتعجب للإستحسان. وأنت: مبتدأ، وبأبي: خبره قدّم عليه. وفوك: مبتدأ، والأشنب: صفته، من الشنب، بفتحتين، وهو حدّة في الأسنان. ويقال: برد وعذوبة، وخبره كأنما الخ .... وذر: بالمعجمة، من ذررت الحب ونحوه. والزرنب: نبت طيب الرائحة.
587 - وأنشد:
واها لسلمى ثمّ واها واها
تقدم شرحه في شواهد إنّ المشددة المكسورة (1).
588 - وأنشد:
ويكأن من يكن له نشب يح … بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ (2)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 47 وص 127 - 129.
(2) البيان والتبيين 1/ 199 و 3/ 84 وعيون الاخبار 1/ 242 والخزانة 3/ 97 ونسب قريش 404
(2/786)

هو من أبيات لسعيد بن زيد الصحابي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، في حديث وضعه أهل السنة:
تلك عرساي تنطقان على عمد … إلى اليوم قول زور وهتر
سألتاني الطّلاق أن رأتا ما … لي قليلا؟ قد جئتماني بنكر
فلعلّي أن يكثر المال عن … دي ويعرى من المغارم ظهري
وترى أعبد قنّ وإماء … ومناصيف من خوادم عشر
ونجرّ الأذيال في نعمة زول … تقولان: ضع عصاك لدهر
ويجنّب سرّ النّجيّ ولكن … أخا المال محضر كلّ سرّ
وفي الأغاني (1) نسبة هذه الأبيات الى نبيه بن الحجاج بن عامر السهمي من شعراء قريش، قتل يوم بدر. وفي شرح أبيات الكتاب للزمخشري عن ابن الأعرابي نسبتها الى زيد بن عمرو بن نفيل (2). قال: وي: كلمة تقال عند استعظام الشيء والتعجب منه. وكأن: مخففة من كان. والنكر: المنكر. والمغارم: الديون.
والمناصيف: الخدم، واحدهم منصف وناصف. ونعمة ذول: حسنة.
589 - وأنشد:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها … قول الفوارس: ويك عنتر أقدم
تقدم شرحه في شواهد في ضمن قصيدة عنترة (3).
__________
(1) 17/ 205 (الثقافة) ببعض الاختلاف.
(2) كما في عيون الاخبار.
(3) انظر الشاهد رقم 268 ص 479 - 484.
(2/787)

590 - وأنشد:
كأنّني حين أمسي لا تكلّمني … متيّم يشتهي ما ليس موجودا (1)
هو لعمر بن أبي ربيعة. أخرج في الأغاني عن عوانة بن الحكم (2): أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أيّ بيت قالته العرب أغزل؟
فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها … ويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنّني حين أمسي لا تكلّمني … ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا
فقال الوليد: حسبك والله بهذا. وقيل هذا البيت وهو أول القصيدة:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا … إذا أقول صحا من غيّه عيدا
أجري على موعد منها فتخلفني … فما أملّ ولا توفي المواعيدا
وقال في موضع آخر من الأغاني (3): هذه القصيدة ليزيد بن الحكم. ومن الناس من ينسبها الى عمر بن أبي ربيعة وذلك خطأ. ثم أخرج بسنده عن الحزامي، قال (4): دعاني الحجاج فقال لي: أنشدني بعض شعرك؟ وإنما أراد أن ينشده مديحا له، فأنشده قصيدة يفخر بها، ويقول:
وأبي الّذي سلب ابن كسرى راية … بيضاء تخفق كالعقاب الطّائر
فلما سمع الحجّاج فخره نهض مغضبا، وخرج يزيد من غير أن يودّعه،
__________
(1) ديوانه 143، والاغاني 1/ 114 و 6/ 321 و 328 و 12/ 288 (الدار).
(2) 1/ 114 الدار.
(3) 12/ 288 الدار.
(4) 12/ 287 - 288 (الدار).
(2/788)

فقال الحجّاج لحاجبه: ارتجع منه العهد، فاذا رده فقل: أيهما خير لك: ما ورثك أبوك أم هذا؟ فردّ على الحاجب العهد وقال: قل له:
ورثت جدّي مجده وفعاله … وورثت جدّك خربة بالطّائف (1)
وخرج مغضبا، فلحق سليمان بن عبد الملك وقال هذه القصيدة يمدحه وفيها يقول:
سمّيت باسم امرئ أشبهت شيمته … عدلا وفضلا: سليمان بن داودا
__________
(1) في الاغاني: (.... اعنزا بالطائف).
(2/789)

حرف الالف
591 - وأنشد:
أقبلت من عند زياد كالخرف (1) … تخطّ رجلاي بخطّ مختلف (2)
تكتبان في الطّريق لام ألف (3)
هو لأبي النجم.
592 - وأنشد:
ألفيتا عيناك عند القفا
تقدم شرحه في شواهد عند (4)
593 - وأنشد:
وقد أسلماه مبعد وحميم
__________
(1) الخزانة 1/ 48، والموشح 177، وسيبويه 2/ 34
(2) الخرف: صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا - من باب تعب - فسد عقله لكبره. وخط على الارض خطا: أعلم علامة. وخط بيده خطا: كتب.
(3) في الخزانة: (على أن مقصود الشاعر: اللام والهمزة، لا صورة (لا) فيكون معناه أنه تارة يمشي مستقيما فتخط رجلاه خطا شبيها بالألف، وتارة يمشي معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام ...).
وكتب: يقال بالتخفيف والتثقيل، والتثقيل هنا لتكثير الفعل.
(4) هو من قصيدة الشاهد رقم 149 ص 330، وانظر ص 331 حرف.
الباء المفردة، ولم يشرح في شواهد عند، ولم يورده ابن هشام في (عند).
(2/790)

تقدم شرحه في شواهد الواو (1).
594 - وأنشد:
بينا تعانقه الكماة وروغه … يوما أتيح له جريء سلفع
تقدم شرحه في شواهد إذا ضمن قصيدة أبي ذؤيب (2).
595 - وأنشد:
يا يزيدا لآمل نيل عزّ … وغنى بعد فاقة وهوان
الفاقة: الفقر. والهوان: الذل والصغار. واللام في لآمل مكسورة، لأنه المستغاث من أجله. وحذف اللام من المستغاث، وهو يزيد، لأجل الالف في آخره.
ونيل: مفعول أمل.
596 - وأنشد:
يا عجبا لهذه الفليقه
تمامه:
هل تذهبنّ القوباء الرّيقه
قال ابن السيرافي: عجب هذا الشاعر من تفل الناس على القوباء، ورقيتها لتذهب. وقال: كيف يغلب الريق القوباء. قال: ومن روى القوباء بالرفع فقد أفسد المعنى. والفليقة: الداهية. وعلى ذلك استشهد بالبيت. وقال التبريزي:
الفليقة: العجب والمنكر. والقوباء: نوع من البشر. والريقة: ريق الإنسان.
قال: ورواية الرفع على القلب، كقول الشاعر:
وصار الخمر مثل ترابها
__________
(1) انظر الشاهد رقم 584 ص 784 - 785.
(2) انظر ص 263 و 265، وهو من قصيدة الشاهد رقم 125 ص 262 وانظر الخزانة 3/ 183
(2/791)

أي صار ترابها مثل الخمر. وقال البطليوسي: هذا البيت لأعرابي أصابته قوباء، فقيل له: اجعل عليها من ريقك وتعهدها بذلك فانها تذهب؟ فتعجب من ذلك واستغربه. أو يقال: إنه سمع قائلا يقول: ان الريقة لا تبرئها، فأنكر ذلك منه وتعجب منه. وقال التدمري: هو على جهة المفاعلة، وكأن القوباء والريقة يتغالبان، وكل من غالب شيأ فقد غالبه ذلك الشيء. فكل واحد في المعنى فاعل ومفعول.
597 - وأنشد:
حمّلت أمرا عظيما فاضطلعت له … وقمت فيه بأمر الله يا عمرا (1)
هو من ثلاثة أبيات لجرير يرثي بها عمر بن عبد العزيز، وقبله وهو الأوّل:
نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا … يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
وبعده، وهو الثالث:
فالشّمس طالعة ليست بكاسفة … تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
قال المبرد في الكامل: يجوز نصب نجوم الليل والقمر بكاسفة، يعني إنما تكسف النجوم والقمر بإفراط ضيائها، فإذا كانت من الحزن عليه قد ذهب ضياؤها ظهرت الكواكب اه. ورأيت البيت في ديوان جرير بلفظ:
فالشّمس كاسفة ليست بطالعة
وقال شارحه: أراد أن الشمس كاسفة تبكي عليه الدهر والشهر، فنجوم والقمر منصوبان على الظرفية. والمراد بالنجوم الدهر وبالقمر الشهر. وقد حكاه المبرد أيضا فقال (2): ويجوز أن يريد الظرف أي يبكي عليك مدة نجوم الليل
__________
(1) انظر ديوانه 304 والكامل 652، وفيهما (فاصطبرت له) كما في المغني.
(2) ص 653
(2/792)

والقمر. قال: ويجوز أن يكون التقدير: تبكي عليك النجوم، كقولك: أبكيت زيدا على فلان. قال: ويجوز أن يكون النجوم فاعلا والقمر مفعولا معه، والواو بمعنى مع، وحملت بالبناء للمفعول، وأمرا مفعول ثان، ويا عمرا: مندوب أصله يا عمراه، فحذفت الهاء للقافية. والنعاة: بضم النون، جمع ناع، وهو الذي يأتي بخبر الموت. واضلعت به: من قولهم فلان مضطلع بهذا الأمر، أي قوي عليه، وهو مفعل من الضلاعة.
598 - وأنشد:
ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
تقدم شرحه في حرف اللام ضمن قصيدة الاعشى (1).
599 - وأنشد:
من طلل كالأتحميّ انهجا (2)
هو للعجّاج وصدره:
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا
وبعده:
أمسى لها في الرّاسيات مدرجا (3) … واتّخذته النّائجات منأجا
منازل هيّجن من تهيّجا … من آل ليلى قد عفون حججا
والشّحط قطّاع رجاء من رجا … أزمان أبدت واضحا مفلّجا
__________
(1) انظر ص 577 وهو من قصيدة الشاهد رقم 345 ص 575.
(2) اراجيز العرب 71
(3) في اراجيز العرب: (أمسى لعا في الراسيات ...)
(2/793)

أغرّ برّاقا وطرفا أبرجا … وجبهة وحاجبا مزجّجا
وفاحما ومرسنا مسرّجا … وكفلا وغثّا إذا ترجرجا
ذميمة هالك من تفرّجا … هائلة أهواله من أدلجا
كأنّ تحتي ذات شغب سمحجا … قوداء لا تحمل إلّا مخدجا
جاء بأثري بلية مجحجحا
أدلج: سار ليلا. شغب: بمعجمتين وموحدة، شدة النفس. سمحج:
منطوية البطن. قوداء: طويلة العنق. مخدج: ناقص. الحوجبا: بالجيم وموحدة، الغليظ من حمر الوحش، يهمز ولا يهمز. حجج: مدد. ما: استفهام مبتدأ.
وفاعل هاج: ضمير ما. وهاج: يتعدى ولا يتعدى، يقول: هاج الحزن وهاجه التذكار. والمعنى: أن هيج الأحزان. والجملة خبر ما. والشجو: بشين معجمة وجيم، الحزن. والطلل: ما شخص من آثار الدار، والجمع أطلال وطلول.
والأتحمي: بهمزة مفتوحة وتاء مثناة فوقية ساكنة وحاء مهملة مفتوحة، برد يمني، تشبه به الأطلال من أجل الخطوط التي فيه. وأنهج الثوب: بالنون والجيم، أخذ في البلى. والمدرج: الطريق. والنائجات: من نأجت الريح تنأج نئيجا تحركت. والواضح: الثغر الأبيض. والمفلج: المتفرق الأسنان. والأبرج: شديد بياض البياض وسواد السواد. وقال الأصمعي: الواسع. والمزجج بالأثمد:
المطول به. والفاحم: بفاء ومهملة، الشعر الأسود. والمرسن: الأنف. والمسرج:
الحسن المليح. والوغث: هو المكان السهل الذي تغيب فيه الأقدام. وامرأة وغثة:
كثيرة اللحم. وترجرج: اضطرب.
(2/794)

600 - وأنشد:
أعوذ بالله من العقراب
تمامه:
الشّائلات عقد الأذناب
وأنشده الدهان في الغّرة بلفظ:
من عقربات شوّل الأذناب
(2/795)

حرف الياء
601 - وأنشد:
ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال
هو للشماخ، وبعده:
وقبل منايا قد حضرن وأوجال … وقبل اختلاف القوم من بين سالب
وآخر مسلوب هوى بين أبطال
قال الزمخشري: المنادى محذوف. وسنجال: موضع بناحية اذربيجان، أو اسم رجل كان من بني ليث بن عبد مناة أصيب باذربيجان، وكان مع سعيد بن العاص، أو مع الأشعث بن قيس الكندي. ولم يرد اسقياني قبل مقتل هذا الرجل، وإنما أراد اسقياني قبل أن أقتل هذا الرجل. وأورده الزمخشري في المفصل بلفظ:
ألا يا أصيحابي قبل غارة سنجال
قال الاندلسي في شرحه: سنجال: بكسر السين المهملة، قرية من قرى اذربيجان. قال القارى على المصنف: صحفت أصحابي بأصيحابي فقال: هذا كتصحيف أبي حاتم السجستاني قوله: ودعوتني وزعمت، إلى وعزرتني وزعمت.
602 - وأنشد:
يا لعنة الله والأقوام كلّهم … والصّالحين على سمعان من جار (1)
__________
(1) امالي ابن الشجري 1/ 292، وسيبويه 1/ 320
(2/796)

هذا من أبيات الكتاب. والشاهد في لعنة الله حيث حذف المنادي: أي يا قوم.
قال: يحتمل أن يكون ثم منادي محذوف. والمراد: يا قوم أو يا هؤلاء لعنة الله على سمعان. والآخر: أن يكون لمجرد التنبيه كأنه نبه الحاضرين على سبيل الاستعطاف لاستماع دعائه. ولعنة الله رفع على الابتداء. وعلى سمعان الخبر.
ولو كانت اللعنة مناداة نصبها لأنها مضافة. قال سيبويه: فيالغير اللعنة يشير الى أن المنادى محذوف وهو غير اللعنة. ويروى: و (الصالحون) و (الصالحين) مرفوعا ومخفوضا، فالخفض أمره ظاهر وهو العطف على لفظ اسم الله. ومن رفع فعلى وجهين، أحدهما: أن يكون محمولا على معنى اسم الله تعالى إذ كان فاعلا في المعنى والفاعل مرفوع ومثله، قوله:
طلب المغصب حقّه المظلوم
برفع المظلوم على الصفة للمغضب على المعنى. والوجه الآخر: أن يكون معطوفا على المبتدأ الذي هو لعنة الله، أي ولعنة الصالحين. ثم حذف المضاف وأعرب المضاف إليه باعرابه على حد (واسئل القرية) وسمعان هذا قد روى بفتح السين وكسرها. والفتح أكثر، وكلاهما قياس. فمن كسر كان كعمران وحطان.
ومن فتح كان كقحطان ومروان، انتهى كلام ابن يعيش. وقال ابن الحاجب في أماليه:
من في قوله (من جار) للبيان متعلق بمحذوف، وتقديره: على سمعان الحاصل بين الجيران، أو حاصلا من الجيران.
(2/797)

الكتاب الثاني
603 - وأنشد:
فبينا نحن نرقبه أتانا (1)
قال الزمخشري: هو لرجل من قيس عيلان، وتمامه:
معلّق وفضة وزناد راعي
قال: (عطف وزناد) على محل. وفضة: وهي خريطة تكون مع الرعاة للزاد، وعلى ذلك استشهد به سيبويه. واستشهد به الزمخشري في المفصل على استعمال بينا بغير إذ. قال ابن يعيش: وهو الأفصح. وقال الأندلسي في شرح المفصل: هذا البيت لنصيّب. وزناد: بالنصب حملا على المعنى. والوفضة: الجعبة التي يجعل فيها السهام، وأراد بها في البيت شبه خريطة أو نحوها تكون مع الفقراء.
604 - وأنشد:
... أهي سرت أم عاد لي حلم؟
تقدم شرحه في شواهد أم. (2)
__________
(1) سيبويه 1/ 87 (نطلبه).
(2) انظر ص 134 والشاهد رقم 50.
(2/798)

605 - وأنشد:
بين ذراعي وجبهة الأسد (1)
هو للفرزدق، وصدره:
يا من رأى عارضا أسرّ به
العارض: السحاب. وأسر: من السرور. وذراعا الأسد: الكوكبان الدالان على المطر، وكذا جبهة الأسد. والذراعان والجبهة من منازل القمر. والبيت استشهد به على حذف المضاف إليه وإبقاء الأول بحاله، فكونه عطف عليه مضاف إلى مثل المحذوف.
606 - وأنشد:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتم … كراما، وأنتم ما أقام ألائم (2)
هو للفرزدق وبعده:
تحدّث ركبان الحجيج بلومكم … وتقري به الضّيف اللّقاح العواتم
وأسود العين: اسم جبل. وضمير ما أقام إليه، يقول: لا تكونون كراما حتى يغيب هذا الجبل، وهو لا يغيب من مكانه أبدا. وغلط من ظنه اسم رجل. وألائم:
جمع ألأم، بمعنى اللئيم، مجردا عن معنى التفضيل. وقوله: وتقرى به الضيف قال القالي في أماليه: يعني ان أهل الأندية يتشاغلون بذكر لؤمكم عن حلب لقاحهم حتى عصوا، فإذا طرقهم الضيف صادف الألبان بحالها لم تحلب، فنال حاجته. فكان لؤمكم قرى الأضياف والاشتغال بوصفه.
__________
(1) ديوانه 215، سيبويه 1/ 92، والخزانة 1/ 369 و 2/ 246
(2) ليس البيت في ديوان الفرزدق، وهو في الامالي 1/ 171 واللآلي 430 والخزانة 3/ 500، والعيني 4/ 57، واللسان (عتم).
(2/799)

607 - وأنشد:
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه (1)
تقدم شرحه في شواهد ألا.
608 - وأنشد:
زعم العواذل أنّني في غمرة … صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي
609 - وأنشد:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى (2)
هو لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة، وأولها (3):
لخولة أطلال ببرقة ثهمد … وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد (4)
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم … يقولون لا تهلك أسى وتجلّد
ومنها:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنّني … عنيت، فلم أكسل ولم أتبلّد
ولست بحلّال التّلاع مخافة … ولكن متى يسترفد القوم أرفد
__________
(1) انظر ص 213 والشاهد رقم 100.
(2) شرح القصائد 192 وابن الشجري 1/ 70 والخزانة 1/ 58 وابن عقيل 2/ 128
(3) شرح القصائد السبع الطوال 132، وجمهرة اشعار العرب 149
(4) في شرح القصائد: (ظللت بها ...) وروى الاصمعي عجز البيت:
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
(2/800)

ومنها:
رأيت بني غبراء لا ينكرونني … ولا أهل هذاك الطّراف الممدّد
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى … وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي (1)
فإن كنت لا تستطيع دفع منيّتي … فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى … وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة (2) … كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا … كسيد الغضا نبّهته المتورّد
وتقصير يوم الذّجن والدّجن معجب … ببهكنة تحت الطّراف المعمّد (3)
ومنها:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدّد
ومنها:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهنّد
ومنها:
أنا الرّجل الضّرب الّذي تعرفونه … خشاش كرأس الحيّة المتوقّد (4)
ومنها:
فإن متّ فانعيني بما أنا أهله … وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
__________
(1) في شرح القصائد:
ألا أيهذا اللائمي أشهد الوغى … وأن أحضر اللذات هل انت مخلدي
(2) في شرح القصائد: (فمنهن سبق ..)
(3) في شرح القصائد: (تحت الخباء ..).
(4) في شرح القصائد (الجعد).
(2/801)

ومنها وهو آخرها:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد (1)
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له … بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
أرى الموت إعداد النّفوس ولا أرى … بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد
خولة: امرأة من كلب. والبرقة: بضم الباء، رابية فيها رمل وطين، أو طين وحجارة يختلطان. والجمع: برق. وثهمد: بالمثلثة، موضع. والبيت الثاني توارد فيه مع امرئ القيس في بيت من معلقته فانه قال فيها (2):
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم … يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وكان أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين ينكر المواردة، حتى وارد غيره في قوله:
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة … ومسن غصونا والتفتن جآذرا
فاعترف بها. قال المتنبي: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر. ونصب: (وقوفا) على المصدر، أو الحال على أنه جمع واقف. وتجلّد: تصبّر. قوله: (ولست بحلال التّلاع) أي لست أحل بحيث يخفى مكاني خشية السؤال، بل أنزل المكان الظاهر. ومتى يسألني القوم أعطهم. وحلّال:
بالمهملة والتشديد، فعّال، من حل يحل بالضم، إذا نزل. وروى: (بمحلال) بالميم، من قولهم: مكان محلال، اذ كان يحلّ به الناس كثيرا. وضبطه بعضهم (بجلال) بالجيم، أي لست ممن يستره التلاع
__________
(1) هذا البيت في الشعراء 146 ونسبه ابن قتيبة لغير طرفة، وهو في اللسان 2/ 312 غير منسوب.
(2) ديوان امرئ القيس ص 9 وشرح القصائد 23
(2/802)

مخافة الضيف. والتّلاع (1): بكسر التاء، جمع تلعة (2)، وهي مجرى الماء من الأودية الى الرياض، أو مسايل الماء من الجبل الى الأودية. والرفد: العطية. وقيل المعونة. وقد أورد المصنف هذا البيت في الكتاب الخامس. واستشهد به ابن مالك على جزم متى الشرطية فعلين. وبنو غبراء: الفقراء. والغبراء: الأرض، نسبهم الى التراب لأنهم يجلسون عليه. وقيل: الغبراء السنة المجدبة. والطّراف: بكسر المهملة وراء، بيت من أدم، ولا يكون ذلك الا للملوك والاغنياء وهم أهله.
ومعنى البيت: أنه يعرفه الفقراء لأنه يرفدهم، والأغنياء والملوك لأنه يجالسهم وينادمهم. وقيل: أراد ببني غبراء الأضياف. وقال المبرد: اللصوص. وقال غيره:
أراد بهم أهل الأرض لأن الغبراء من أسماء الأرض. وقد استشهد النحاة بهذا البيت على دخول هاء التنبيه على اسم الاشارة المقرون بالكاف المجرّد من اللام.
و (أهل) مرفوع بالعطف على فاعل ينكرونني، للفصل بينهما. والزاجري:
اللائمي. وقوله: (أحضر) أي عن أن احضر، حذف الجار ثم أن. وقوله:
فذرني أبادرها بما ملكت يدي
أي أبادر قبل حلولها بالتمتع في مالي بلذات نفسي، وإنفاق ما ملكت يدي.
وقوله: (فلولا ثلاث) أي خصال من عيشة الفتى، أي لذته. وجدّك: قسم، و (لم أحفل) لم أبال متى قام عوّدي، أي في المأتم والنوح عليه. (فمنهنّ) أي من الخصال سبقى العاذلات بشربة، أي أغدو على شرب الخمر قبل أن تلمني اللائمات. وكميت: من أسماء الخمر. وتعل بالماء: تصب وتمزج. وتزبد:
يصير على رأسها كالزبد، وهي الفقاعات. وكرّى: أي عطفى. والمضاف:
المستغيث. وقيل: الذي أضافته النجوم ونزلت به. والمحنّب: الذي في قوائمه وضلوعه انحناء وعوج. والسيد:
الذئب. والغضا: شجر. ويقال: ذئب الغضا أخبث الذئاب. ونبهته: هيجته. والمتورّد: المتقدم على قرنه. وقيل: الذي يرد الماء، وهو صفة لسيد. و (تقصير يوم الدّجن) أي المطر، أي اقصره باللهو.
__________
(1) وروى الاصمعي: (ولست بولّاج التلاع)
(2) وروى الطوسي: (ولست بحلّال التلاع ببيته).
(2/803)

والبهكنة: التامة الخلق الحديثة السن. ويقال: البيضاء، تقدم تفسيره. والمعمّد:
المرفوع بالعماد. وهذه تمام الخصال الثلاث. يقول: لولا هذه الثلاث لم أبال أي وقت جاءني الموت، وهي شرب الخمر والحرب والتمتع بالنساء. قوله: يعتام:
بعين مهملة، أي ينتقي ويختار. وعقيلة كل شيء: كريمته وخياره. ويقال للمرأة الخيرة العفيفة: هي عقيلة قومها. والفاحش: السيء الخلق. والمتشدّد: المتمسك.
والمضاضة: ألم المصيبة. والضرب: الخفيف اللحم (1). والمتوقد: الزكي الخفيف الروح. والخشاش: الخفيف غير البليد، وأراد خفة الرجولية والصرامة، لا خفة العجلة والطيش. وإنما قال: كرأس الحية، لأنها فيما يقال شديدة التيقظ. وقيل:
الضّرب: الصلب الخشن الثابت في الأمور. ويقال: كل خشاش في الكلام مكسور الأخشاش، الطير. وانعيني: اندبيني. والجيب: القميص. وقد أوردت الفقهاء هذا البيت ممثلين به للنوح الذي يعذب عليه الميت لإيصائه به. وتبع: بمعنى تشتر. والبتات: بموحدة ومثناتين، الزاد والمتاع. وقوله: (ستبدي لك الأيام ... البيت) هو من الأبيات التي اشتهرت وصارت مثلا شائعا (2).
وأخرج أحمد في مسنده بسند صحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل ببيت طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال (3): كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا. إلا البيت طرفة:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
__________
(1) وكذا (الجعد) كما في رواية شرح القصائد العشر ص 212
(2) انظر ص 268 و 271
(3) انظر معجم الشعراء 6 والشعراء 141
(2/804)

فجعل يقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فقال أبو بكر: ليس هكذا، قال: إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي.
فائدة:
طرفة هو ابن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أحد شعراء الجاهلية. وخاله المتلمس الشاعر، تقدمت قصتهما مع عمرو بن هند التي قتل فيها طرفة في ترجمة المتلمس في شواهد إذا (1). قال ابن دريد في الوشاح: اسم طرفة، عمرو (2)، وإنما سمى طرفة لقوله:
لا تعجلا بالبكاء اليوم مطّرفا … ولا أميريكما بالدّار إذ وقفا (3)
وقال في باب الكنى: منه كنية طرفة أبو عمرو، فإن ثبت اتحد اسمه وكنيته (4).
قتل وهو ابن عشرين سنة، ولذلك قيل له ابن عشرين. ورأيت له ترجمة في كتاب (فضل الشبان وتقديمهم على ذوي الأسنان) وهو كتاب ذكر مؤلفه في خطبته انه ألفه للخليفة جعفر المقتدر، لأنه تولى الخلافة وسنه ثلاث عشرة سنه، ولم يل الخلافة قبله أصغر سنا منه، نقل فيه عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم نجد أحدا من الشعراء تعجل في حداثة السن إلا طرفة، فإنه قال الشعر حدثا، وشهر في سنوات، وقتل وهو ابن بضع وعشرين سنة. ولذا لم يذكر في شعره الشيب ولا بكى عليه.
وسئل حسان: من أشعر الناس؟ فقال: قبيلة أم قصيدة؟ قيل: كلاهما، قال:
أما أشعرهم قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة.
وسئل جرير: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: ستبدي لك الأيام ...
البيت. وقال بعضهم: اتفقت العرب على أن أشعر الشعراء في الجاهلية طرفة
__________
(1) ص 394 - 395.
(2) معجم الشعراء 5.
(3) المزهر 2/ 441 والقاب الشعراء 321، وقيل ان البيت الذي لقب به طرفة هو:
اذا نحن قلنا اسمعينا انبرت لنا … على رسلها مطروقة لم تشدد
(4) في كنى الشعراء 288 ان كنيته (أبو اسحاق).
(2/805)

وبعده الحارث بن حلّزّة وعمرو بن كلثوم. وقال القالي في أماليه (1): حدّثنا أبو بكر الأنباري، نبأنا أبو حاتم، نبأنا عمارة بن عقيل، نبأنا أبي، يعني عقيل بن بلال سمعت أبي، يعني بلال بن جرير، يقول: دخلت على بعض خلفاء بني أميّة فقال:
ألا تحدّثني عن الشعراء؟ قلت: بلى، قال: فمن أشعر الناس؟ قلت: ابن العشرين، يعني طرفة. قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه، قال: فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت:
اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف يشاء. قال: فما تقول في ذي الرّمّة؟ قلت:
قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضا عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيأ! قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحا ما سبّحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فاظرفت، وهجوت فاذريت - يعني أسقطت - ومدحت فأسنيت، ورملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروبا من الشعر لم يقلها أحد قبلي.

فائدة: [المسمون طرفة جماعة]
المسمون طرفة جماعة (2): هذا، وطرفة بن ألاءة النهشلي، وطرفة أحد بني جذيمة، وطرفة أخو بني عامر بن ربيعة. قاله الآمدي في المؤتلف والمختلف.
610 - وأنشد:
شجاك أظنّ ربع الظّاعنينا
تمامه:
ولم تعبأ بعذل العاذلينا
__________
(1) 2/ 179 - 180
(2) انظر الآمدي 146 - 147 والخزانة 1/ 417
(2/806)

شجاك: أحزنك. والشجو: الحزن. والربع: الدار. والظاعن: بالظاء المعجمة والعين المهملة، من ظعن، إذا سار. ولم تعبأ: لم تلتفت. يقال: ما عبأت بفلان عبأ، أي ما باليت به. وكان يونس لا يهمزه. وأظن: معترض بين الفاعل والمفعول، ألغي عن العمل لتوسطه. ومنهم من نصب الرفع فاعمله، فهو مفعول أول.
وجملة شجاك الثاني ذكره المصنف في شواهده.
611 - وأنشد:
فقد أدركتني والحوادث جمّة … أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل
قال ابن الأعرابي في نوادره: هذا من أبيات لرجل من بني دارم أسرته بني عجل فلما أنشدهم إياها أطلقوه.
وقبله:
وقائلة ما باله لا يزورنا … وقد كنت عن تلك الزّيارة في شغل
وبعده:
لعلّهم إن يمطروني بنعمة … كما صاب ماء المزن في البلد المحل
فقد ينعش الله الفتى بعد عثرة … وتصطنع الحسنى سراة بني عجل
وقال ابن حبيب: أسر حنظلة بن العجلى جويرية بن زيد أخا بني عبد الله بن دارم فلم يزل في الوثاق حتى قعدوا شربا فأنشأ يتغنى، وذكر الأبيات الأربعة فاطلقوه. ثم رأيت في كتاب أيام العرب لأبي عبيدة مثل ذلك. ولكن سماه حويرثة ابن بدر، وسمى الذي أسره حنظلة بن عمارة. وزاد بيتا خامسا بعد قوله:
ولا عزل:
وهو سراع إلى الجلّى بطاء من الخنا … بدار إلى النّداء في غير ما جهل
(2/807)

612 - وأنشد:
ألم يأتيك والأنباء تنمي … بما لاقت لبون بني زياد
تقدم شرحه في شواهد الباء (1).
613 - وأنشد:
وبدّلت، والدّهر ذو تبدّل … هيفا دبورا، بالصّبا والشّمأل
تقدم شرحه في شواهد: عل، ضمن أرجوزة أبي النجم (2).
614 - وأنشد:
وفيهنّ، والأيّام يعثرن بالفتى، … نوادب لا يمللنه ونوائح (3)
هو لمعن بن أوس، وقبله:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم … وفيهنّ - لا تكذب - نساء صوالح
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن العتبي قال: كان معن بن أوس مئناثا (4)، وكان يحسن صحبة بناته وتربيتهنّ، فولد لبعض عشيرته بنت فكرهها وأظهر جزعا من ذلك، فقال معن وذكر البيتين.

فائدة: [معن بن أوس]
معن بن أوس بن نصر بن زياد المزني، شاعر مجيد فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام. وفد الى عمر بن الخطاب. وعمّر الى أيام ابن الزبير، وله مدائح في الصحابة.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 148 ص 328 - 330، وهو في الانصاف 1/ 17
(2) انظر الشاهد رقم 243 ص 449 - 451
(3) الامالي 2/ 190 (عوائد) والخزانة 3/ 258، وانظر اللآلي 804، والاغاني 12/ 55 (الدار).
(4) رجل مئناث: من عادته أن يلد الاناث، وكذلك امرأة مئناث.
(2/808)

615 - وأنشد:
نحن بنات طارق … نمشي على النّمارق (1)
أخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عن الزبير ابن العوام قال: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقمت فقلت: أنا، فاعرض عني ثم أعاد القول، فقام أبو دجانة، سماك بن خرشة فقال: أنا آخذه بحقه، فما حقه؟ قال: ألا تقتل به مسلما، ولا تفرّ به عن كافر، فدفعه إليه. وكان إذا أراد القتال أعلم بمصابه. قلت:
لأنظرن إليه اليوم كيف يصنع؟ فجعل لا يرتفع إليه شيء الا هتكه حتى انتهى إلى نسوة في سفح الجبل معهن دفوف لهن، فيهن امرأة، وهي تقول:
نحن بنات طارق … نمشي على النّمارق
والمسك في المفارق … والدّرّ في المخانق
إن تقبلوا نعانق … ونبسط النّمارق
أو تدبروا نفارق … فراق غير وامق
فأهوى بالسيف الى المرأة ليضربها، ثم كف عنها، فلما انكشف قلت له: كل عملك قد رأيت، ما خلا رفعك السيف عن المرأة لم تضربها. قال: إني والله أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة. وعزى ابن قتيبة هذا الرجز الى هند بنت عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس أم معاوية. وقال: أرادت بالطارق: النجم، شبهت أباها بالنجم في علوه وشهرة مكانه. وقيل للنجم طارق، لأنه يطلع ليلا. وكل آت ليلا فهو طارق. ورأيت بخط الحافظ شرف الدين الدمياطي قيل: طارق في الرجز، النجم. أي نحن شريفات رفيعات كالنجم. وقيل الرجز: لهند بنت طارق بن بياضة
__________
(1) سيرة ابن هشام، وابن سيد الناس 2/ 25 وطبقات ابن سعد.
(2/809)

الإيادية قالته في حرب الفرس لإياد، فتمثلت به المرأة في وقعة أحد (1). ماتت هند أمّ معاوية في خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد بكر.
616 - وأنشد:
وإنّي لرام نظرة قبل الّتي … لعليّ وإن شطّت نواها أزورها (2)
617 - وأنشد:
لعلّك والموعود حقّ لقاؤه … بدا لك في تلك القلوص بداء (3)
وبعده:
فإنّ الّذي ألقى إذا قال قائل … من النّاس هل أحسستها لعناء
__________
(1) في سيرة ابن سيد الناس 2/ 25: (روى هذا الشعر لهند بنت عتبة، كما قال ابن اسحاق، والشعر ليس لها، وانما هو لهند بنت بياضة بن طارق بن رياح بن طارق الايادي، قالت حين لقيت إياد جيش الفرس بجزيرة الموصل، وكان رئيس اياد بياضة بن طارق.
ووقع في شعر ابي دؤاد الإيادي. وذكر أبو رياش وغيره: ان بكر ابن وائل لما لقيت تغلب يوم قضة، ويسمى يوم التحليق، أقبل الفند الزماني
ومعه ابنتان، وكانت احداهما تقول:
نحن بنات طارق
فطارق على رواية من رواه لهند بنت عتبة، أو لبنت الفند الزماني تمثيل واستعارة لا حقيقة، شبهت أباها بالنجم الطارق في شرفه وعلوه، وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة حقيقة لا استعارة، لانه اسم جدها. قال البطليوسي: والأظهر انه لبنت بياضة، وانما قاله غيرها متمثلا. وقال أبو القاسم السهيلي: على قول من قال ارادت به النجم لعلوه، وهذا التأويل عندي بعيد، لان طارقا وصف للنجم لطروقه، فلو أرادته لقالت: بنات طارق، فعلى تقدير الاستعارة يكون (بنات) مرفوعا، وعلى تقدير ان يكون الشعر لابنة بياضة بن طارق، يكون منصوبا على المدح والاختصاص نحو:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
(2) هو للفرزدق، وليس في ديوانه، وانظر الخزانة 2/ 481 و 559
(3) الامالي 2/ 71، واللآلي 705. والاغاني 14/ 151 (بولاق)، والخزانة 4/ 37
(2/810)

أقول الّتي تنبي الشّمات وإنّها … عليّ وإشمات العدوّ سواء
دعوت وقد أخلفتني الوأي دعوة … لزيد فلم يضلل هناك دعاء
بأبيض مثل البدر عظّم حقّه … رجال من آل المصطفى ونساء
قال القالي: هذا رجل كان وعد رجلا قلوصا فأخلفه، فقال الموعود له: إذا سئلت أقول التي تنبي الشّمات عني، أي أقول: نعم قد أخذتها، أي أكذب.
ثم قال: وكذبي وإشمات العدو سواء. وقال الزبير بن بكار: هذه الأبيات لمحمد بن بشير الخارجي، وكان رجلا وعده قلوصا فمطله بها. وزيد الذي مدحه هو زيد ابن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكذا أخرجه صاحب الأغاني عن سليمان بن عياش، وزاد في آخره: فبلغت الأبيات زيد بن الحسن، فبعث إليه بقلوص من خيار إبله. ومحمد بن بشير عدواني يكنى أبا سليمان، شاعر حجازي من شعراء الدولة الأموية (1).
618 - وأنشد:
بآية يقدمون الخيل شعثا (2)
تمامه:
كأنّ على سبائكها مداما (3)
619 - وأنشد:
يا ليت شعري والمنى لا تنفع! … هل أغدون يوما وأمري مجمع! (4)
__________
(1) انظر معجم الشعراء 343، والاغاني 16/ 61 (الثقافة).
(2) سيبويه 1/ 460، والخزانة 3/ 135 - 137، ونسب البيت الى الأعشى، ومنهم من نسبه ليزيد بن عمرو بن الصعق، وقدم السيوطي الشاهد عن مكانه في المغني.
(3) كذا بالاصل، ويروى: (على سنابكها) وهو الصحيح.
(4) امالي المرتضى 1/ 559.
(2/811)

هو من الرجز، أنشده أبو زيد، وبعده:
وتحت رجلي صيلتان ميلع (1) … حوف إذا ما زجرت تبوّع (2)
يقول: إن المنى لا ينال بها المتمني ما يحبه. والمنى: جمع منية. وهي مبتدأ، ولا تنفع خبره. والجملة اعتراض بين شعري وما تعلق به. وأمري مجمع: جملة حالية من الضمير في أغدون. وتحت رجلي صيلتان: جملة حالية أيضا معطوفة على الجملة قبلها. والصيلتان: الشديد. والميلع: السريع. وهما صفتا جمل. واستشهد ابن السكيت بالبيت على أنه يقال: أجمع أمره، إذا عزم عليه.
620 - وأنشد:
إنّي وأسطار سطرن سطرا … لقائل يا نصر نصر نصرا (3)
عزاه الجرمي في الفرج لرؤبة، وخبر (أن) لقائل، واسطار: قسم مجرور بالواو، وهي بفتح الهمزة، جمع سطر، وهو الخط والكتابة. وسطرن: مبنى للمفعول، صفة أسطار. وسطرا مفعول مطلق. قال ابن يسعون في شرح أبيات الايضاح: في نصر الثاني: الرفع، والنصب عطف بيان، النصر الأوّل على اللفظ وعلى الموضع.
وروي بالضم، بلا تنوين، على البدل من الأوّل، وفيه زحاف الخبر. وقال بعضهم:
نصرا بالنصب على المصدر. والثالث: توكيد له، أي أنصر نصرا. وقال أبو عبيدة:
نصر المنادى، نصر بن سيار أمير خراسان. ونصر الثاني حاجبه، ونصبه على الاغراء، يريد: يا نصر عليك نصرا. وقال الزجاج: نصر الذي هو الحاجب بالضاد المعجمة.
وقال الجرمي: النصر: العطية، فيريد يا نصر عطية عطية. وقال ابن يعيش في شرح المفصل: قد أنشدوا البيت على ثلاثة أوجه: يا نصر نصر نصرا. وهو اختيار أبي عمرو. ويا نصر نصرا نصرا، تجري منصوبين مجرى
صفتين منصوبتين بمنزلة يا زيد العاقل اللبيب. وكان المازني يقول: يا نصر نصرا نصرا، ينصبهما على الإغراء، لأن هذا نصر حاجب نصر بن سيار، وكان حجب رؤبة ومنعه من الدخول، فقال:
__________
(1) رواية المرتضى: (وتحت رحلي زفيان ميلع) وقال: الزّفيان:
الناقة الخفيفة، والميلع: السريعة. وشبّه رجع يديها في السير لنشاطها وبعده:
كأنها نائحة تفجّع … تبكي لميت وسواها الموجع
(2) ليس هذا الشطر في أمالي المرتضى.
(3) الخزانة 1/ 325، وحاشية الامير 2/ 51، وسيبويه 1/ 304
(2/812)

اضرب نصرا أو آلمه. ويروى يا نصر نصر نصر. وقال ابن الدهان في الغرّة: منهم من ينشده يا نصر نصر على اللفظ، رفعا على الموضع، ونصبا، ومنهم من يرويه بالضم: نصر نصرا على البدل. ونصر الثالث: إما عطف بيان، وإما اغراء. قال الأصمعي: معنى هذا: ان قوله يا نصر نصرا نصرا، إنما يريد به المصدر، أي انصرني نصرا. وكان أبو عبيدة يقول هذا تصحيف، إنما قال لنصر بن سيار: يا نصر نصرا نصرا، أي عليك نصرا. وقال السخاوي: يجوز أن يكون نصرا الثاني تأكيدا للأوّل، ونصر الثالث بمعنى انصرني نصرا، أو عطف بيان. والثالث أيضا كذلك هذا عطف بيان على اللفظ، وهذا على الموضع. وقال أبو عبيدة: هما بالضاد المعجمة، أي إنه نادى نصر بن سيار، وأغراه بنصر حاجبه. فيكون نصرا مكرّرا للتأكيد (1).
621 - وأنشد:
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما … تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما … تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
هما من قصيدة لكثيّر عزة أوّلها (2):
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا … قلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا … وما موجعات القلب حتّى تولّت
وما أنصفت أمّا النّساء فبغّضت … إلينا، وأمّا بالنّوال فضنّت
__________
(1) وملخص ما ذكر: أن نصرا الأول روي فيه وجهان: ضمه ونصبه.
والثاني روي فيه أربعة أوجه: ضمة ورفعه ونصبه وجره. والثالث روي فيه وجه واحد وهو النصب.
(2) الخزانة 2/ 379، والامالي 2/ 107، والخفاجي 186 وانظر الاغاني 8/ 37 (بولاق) والشعراء 404.
(2/813)

إلى أن قال:
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة … إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
فإن سأل الواشون فيم صرمتها … فقل: نفس حرّ سلّيت فتسلّت
ومنها:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت
ومنها:
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وو الله ما قاربت إلّا تباعدت … بصرم ولا أكثرت إلّا استقلّت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة … لدينا ولا مقليّة إن تقلّت
قال الأئمة: هذه القصيدة من منتخبات قصائد كثيّر، وهي لزومية التزم في أكثرها اللام المشدّدة قبل حرف الروي. قوله: فاعقلا قلوصيكما: أي شدّاهما.
قوله: (وما كنت أدري ... البيت) استشهد به المصنف في التوضيح على نصب موجعات عطفا على محل مفعول أدرى المعلق بالإستفهام، لأن المعلق أبطل عليه لفظا لا محلا. وتولت: أعرضت وأدبرت. وقوله: (وكنت كذى رجلين ... البيت) استشهد به ابن أم قاسم في باب البدل على ابدال المفصل من المجمل، فإن رجل ورجل بدلان من رجلين بزيادة صفة. وقد اختلف في معنى البيت، فقال الأعلم:
تمنى ان تشلّ إحدى رجليه، وهو عندها حتى لا يرحل عنها. وقال ابن سيده:
لما خانته عزة العهد وتولت عن عهده، وثبت على عهدها صار كذى رجلين، رجل صحيحه، وهو ثباته، وأخرى مريضة وهو زللها. وقال عبد الدائم: معنى البيت
(2/814)

إنه بين خوف ورجاء وقرب وتناء. وقال بعضهم: تمنى أن يضيع قلوصه فيبقى في في عزة. فيكون ببقائه في حيها كذى رجل صحيحة، ويكون في فقد قلوصه كذى رجل عليلة. قال اللخمي: وهذا القول هو المختار المعوّل
عليه، وهو الذي يدل عليه ما قبل البيت. والتهيام: بفتح أوله، مصدر للمبالغة من الهيام، والهيام كالجنون من العشق. وقال القالي في أماليه (1): حدّثنا أبو بكر بن دريد، عن الرياشي، عن ابن سلام، عن عزيز بن طلحة بن عبد الله (2)، عن عمه هند بن عبد الله، قال: بينا أنا مع أبي بسوق المدينة إذ أقبل كثير، فقال له أبي: هل قلت بعدي شيئا يا أبا صخر؟ قال هند: فأقبل عليّ، وقال: احفظ هذه الأبيات، وأنشدني:
وكنّا سلكنا في صعود من الهوى … فلمّا توافينا ثبتّ وزلّت
وكنّا عقدنا عقدة الوصل بيننا … فلمّا توافينا شددت وحلّت (3)
فواعجبا للقلب كيف اعترافه … وللنّفس لمّا وطّنت كيف ذلّت
وللعين أسراب إذا ما ذكرتها … وللقلب وسواس إذا العين ملّت
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما … تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلّما … تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
فإن سأل الواشون: فيم هجرتها … فقل: نفس حرّ سلّيت فتسلّت
وقال أبو الحسن بن طباطبا في كتاب عيار الشعر (4): قال العلماء: لو أن كثيرا جعل قوله: (فقلت لها يا عز كل مصيبة ...) في وصف حرب لكان أشعر الناس. ولو جعل قوله: (أسيئي بنا ... البيت) في وصف الدنيا كان أشعر الناس.
__________
(1) 1/ 65 - 66
(2) في الامالي: (غرير).
(3) في الامالي: (فلما تواثقنا).
(4) ص 85، وانظر الموشح 146
(2/815)

622 - وأنشد:
لعمري وما عمري عليّ بهيّن … لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع
هذا من قصيدة للنابغة الذبياني، أوّلها (1):
عفا ذو حسى من فرتنا فالفوارع … فجبنا أريك فالتّلاع الدّوافع
ومنها:
فكفكفت منّي عبرة فرددتها … على النّحر منها مستهلّ ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصّبا … وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع؟
أتاني، أبيت اللّعن، أنّك لمتني … وتلك الّتي تستكّ منها المسامع
ومنها:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه … أتاني، ودوني راكس فالضّواجع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة … من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
ومنها:
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي … وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
عفا: اندرس. وذو حسي: بضم الحاء وبالسين المهملتين، موضع. وفرتنا:
اسم امرأة. والفوارع: بالفاء، مواضع مرتفعة. وأريك: بفتح الهمزة وكسر الراء، اسم موضع. والتلاع: بكسر المثناة الفوقية، مجاري الماء، واحدها تلعة.
والدوافع: التي تدفع الوادي. ومستهل: بضم الميم، سايل منصب. ودامع:
__________
(1) ديوانه 78 - 82 (صادر).
(2/816)

مترقرق العين. وقوله: (وما عمري عليّ بهين) أي فاقسم لعمري. والبطل:
الباطل. والأقارع: بني قريع بن عوف بن كلاب الذين كانوا سعوا به الى النعمان.
وقوله: (على حين عاتبت) استشهد به المصنف في الكتاب الرابع على بناء حين لإضافتها الى جملة صدرها فعل مبني. وقوله: (ألما أصح) استشهد به على الجزم بلما بعد همزة الاستفهام. وأصح: من الصحو، وهو خلاف السكر. ووازع:
بزاي وعين مهملة، من وزعت الرجل عن الأمر كففته. وقوله: (أتاني أبيت اللعن ... البيتين) أوردهما المصنف في الكتاب الرابع. وقوله: من غير كنهه، أي في غير قدره وحقيقته، أي لم أكن بلغت ما يوجب ذلك. وراكس: براء وسين مهملة، اسم واد. والضواجع: جمع ضاجعة، وهو منحنى الوادي ومنعطفه.
قوله: ساورتني، من ساوره إذا واثبه، وضئيلة: بفتح الضاد المعجمة وكسر الهمزة وفتح اللام، الحية الدقيقة.
والرقش: بضم الراء وسكون القاف وشين معجمه، جمع رقشاء، حية فيها نقط سود وبيض. وناقع: بالنون والقاف، يقال: سم ناقع، أي بالغ. والبيت استشهد به ابن الطراوة على جواز وصف المعرفة بالنكرة إذا كان الوصف خاصا لا يوصف به إلا ذلك الموصوف، فإنّ ناقعا نكرة، والسم معرفة، وردّ بأنه ليس بوصف، بل خبر ثان بعد الإخبار بالمجرور السابق. قوله:
(فإنك كالليل ... البيت) قال المبرد في الكامل (1): هذا من أعجب التشبيه.
623 - وأنشد:
ذاك الّذي وأبيك يعرف مالك (2)
هذا من مقطوعة لجرير يخاطب بها يحيى بن عقبة الطهوي والفرزدق، وهي:
مست طهيّة كالبكار أفزّها … بعد الكشيش هدير قوم بازل (3)
ايحيى هل لك في حياتك حاجة … من قبل فاقرة وموت عاجل
__________
(1) ص 741، وانظر الشعراء 109 - 110 و 123 و 302 - 303
(2) ديوانه 430
(3) في الديوان: (قرم بازل).
(2/817)

أخزيت أمّك أن كشفت عن استها … وتركتها غرضا لكلّ مناضل
حلّت طهيّة من سفاهة رأيها … منّي على سنن الملحّ الوابل
أطهيّ قد غرق الفرزدق فاعلموا … في اليمّ ثمّ رمى به في السّاحل
من كان يمنع يا طهيّ نساءكم … أم من يكرّ وراء سرح الجامل
ذاك الّذي وأبيك يعرف مالك … والحقّ يدمغ ترّهات الباطل
إنّا تزيد على الحلوم حلومنا … فضلا ونجهل فوق جهل الجاهل
أفزها: فرّقها. والكشيش: كشيش البكر قبل أن تنبت شقشقته هدر.
والفاقرة: التي تقطع فقار الظهر. والجامل: الإبل.
624 - وأنشد:
كأنّ وقد أتى حول كميل … أثافيها حمامات مثول
هو لأبي الغول الطهويّ وقبله:
أتنسى لا هداك الله سلمى … وعهد شبابها الحسن الجميل
وبعده:
أما تنفكّ تركبني بلومي … لهجت بها كما لهج الفصيل
قال الفارسي في التذكرة: في قوله: (كأن ... الخ) لا يجوز على هذا أن يقول إن وقولي حق زيدا قائم، لأن أن لما لم تغير الكلام عن معناه صرت. كأنك ابتدأت بحرف العطف، لا يجوز بخلاف كأن. والأثافي، وأصله التشديد.
والتخفيف مسموع أيضا والبيت منه. واللومي: مصدر مؤنث بمعنى اللوم، يمد ويقصر. وقد استشهد الفارسي بالبيت على ذلك: ولهج بالشيء يلهج: ولع به
(2/818)

واعتاده، فهو لهج. ويقال أيضا: ألهج به فهو ملهج، واللهجة: طرف اللسان.
ولهج الفصيل بإمه: اذا تناول ضرعها ولزمه. والفصيل: المفصول عن الرضاع من أولاد النوق، والأنثى فصيلة، والجمع فصال، وفصلان، وأصله الاسم لكنه استعمل استعمال الصفات قدر فيه الانفصال عن الأم.
625 - وأنشد:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا … لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
تقدّم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة امرئ القيس (1).
626 - وأنشد:
ليت، وهل ينفع شيئا ليت … ليت شبابا بوع فاشتريت (2)
أنشده الكسائي في صفة دلو، وقبله:
مالي إذ أجذبها صأيت … أكبر قد غالني أم بيت
صأيت: بالمهملة، اصخت. يقال صأى يصيئ صئيا، كصفى يصفى صفيا.
والمراد بالبيت المرأة. وقال الفراء في المصادر: البيت: التزويج، وأنشده بلفظ:
مالي إذا نزعتها صأيت … أكبر غيّرني أم بيت
وجملة: (وهل ينفع شيأ ليت) معترضة بين ليت الأولى وليت الثانية المؤكدة لها، وهما حرفان. وليت الثانية: اسم مرفوع بينفع، والمراد بها اللفظة، وهو أحد الشواهد على الاسناد اللفظي. وبوع: لغة في بيع. وقد استشهد النحاة بالبيت
__________
(1) انظر ص 342 والشاهد رقم 158 ص 340 و 344.
(2) ابن عقيل 1/ 177
(2/819)

على ذلك. وفي شرح العيني: ان البيت لرؤبة. وذكر المصنف في شواهده: ان هل بمعنى النفي. وان الكسائي أنشده بلفظ: (وما ينفع شيأ ليت).
627 - وأنشد:
وما أدري وسوف إخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء
تقدّم شرحه في شواهد أم (1).
628 - وأنشد:
أخالد قد والله أوطأت عشوة
تقدّم شرحه في شواهد قد (2).
629 - وأنشد:
ولا أراها تزال ظالمة … تحدث لي نكبة وتنكؤها
يأتي شرحه قريبا ضمن قصيدة ابن هرمة (3).
630 - وأنشد:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة … على قومها ما قيل للزّند قادح (4)
قال ابن الدهان في الغرة: أنشده الفراء عن بعضهم، أي مازالت، فحذف ما.
631 - وأنشد:
أراني - ولا كفران لله - آيّة … لنفسي قد طالبت غير منيل (5)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 48 ص 130.
(2) انظر الشاهد رقم 274 ص 488.
(3) انظر ص 826 من قصيدة الشاهد رقم 635.
(4) الخزانة 4/ 45
(5) هو في ديوان ابن الدمينة 86، وانظر اختلاف رواية البيت فيه.
(2/820)

632 - وأنشد:
لعمرك والخطوب مغيّرات … وفي طول المعاشرة التّقالي
لقد باليت مظعن أمّ أوفى … ولكن أمّ أوفى لا تبالي
هما لزهير بن أبي سلمى من أبيات قالها حين طلق امرأته أم أوفى، وبعدهما (1):
فأمّا إذ نأيت فلا تقولي … لذي صهر أذلت ولم تذالي
أصبت بنيّ منك ونلت منّي … من اللّذّات والحلل الغوالي
الخطوب: الأمور، واحدها خطب. والتقالي: من القلي، وهو البغض.
ونأيت: تباعدت. وأذلت: أهنت.
633 - وأنشد:
إنّ الثّمانين - وبلّغتها - (2)
قال القالي في أماليه: أنبأنا أبو معاذ عبدان قال: دخل عوف بن محلّم على عبد الله بن طاهر فسلم عليه عبد الله فلم يسمع، فأعلم بذلك، فأنشد مرتجلا:
يا ابن الّذي دان له المشرقان … طرّا وقد دان له المغربان
إنّ الثّمانين - وبلّغتها - … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
__________
(1) ديوانه 342
(2) امالي ابن الشجري 1/ 192 وفوات الوفيات 2/ 235 وامالي القالي 1/ 50، وطبقات ابن المعتز 188، والايجاز والاعجاز 61، ونثار الازهار 76 و 81، ومعاهد التنصيص 1/ 124 و 127
(2/821)

وبدّلتني بالشّطاط الخنا … وهمّتي همّ الجبان الهدان (1)
وقاربت منّي خطا لم تكن … مقاربات وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورى … عنانة من غير نسج العنان (2)
فقمت بالأوطان وجدا بها … لا بالغواني، أين منّي الغوان
ولم تدع فيّ لمستمتع … إلّا لساني وبحسبي اللّسان
أدعو به الله وأثني به … على الأمير المصعبيّ الهجان (3)
فقرّباني بأبي أنتما … من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة … أوطانها حرّان والرّقّتان
وفي تاريخ الصلاح الصفدي (4): عوف بن محلّم الخزاعي، أبو المنهال، أحد العلماء الأدباء، الرواة الفهماء، الندماء الظرفاء، الشعراء الفصحاء. كان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس. واختصه طاهر بن الحسين بن مصعب لمنادمته ومسامرته، فلا يسافر إلا وهو معه. وكان سبب اتصاله به أنه نادى على
__________
(1) في الامالي وابن المعتز:
وبدلتني بالشطاط انحنا … وكنت كالصعدة تحت السنان
وبدلتني من زماع الفتى … وهمتي هم الجبان الهدان
والشطاط: حسن القوام والاعتدال. والصعدة: القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج الى تثقيف. والزماع: المضاء في الأمر والعزم عليه. والهدان: الاحمق الجافي الوخم الثقيل في الحرب.
(2) العنان - بفتح العين -: السحاب. واحدته عنانة، يشير بهذا الى ضعف بصره وأنه لا يرى الورى الا من وراء سحابة.
(3) الهجان: الكريم.
(4) فوات الوفيات 2/ 235، وانظر الادباء، وشذرات الذهب 2/ 32، وتاريخ بغداد 9/ 481 ترجمة عبد الله بن طاهر.
(2/822)

الجسر بهذه الأبيات وطاهر منحدر في حراقة له بدجلة (1):
عجبت لحرّاقة ابن الحسي … ن كيف تعوم ولا تغرق
وبحران: من تختها واحد … وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها … وقد مسّها كيف لا تورق
وأصله من حران، وبقي مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، كلما استأذنه في الإنصراف إلى أهله ووطنه لا يؤذن له. فلما مات ظن أنه قد تخلص وأنه يلحق بأهله، فقرّبه عبد الله بن طاهر وأفضل عليه وتلطف بجهده أن يأذن في العود فاتفق أن خرج عبد الله من بغداد إلى خراسان فجعل عوفا عديله، فلما شارف الري سمع صوت عندليب يغرّد باحسن تغريد، فأعجب ذلك عبد الله والتفت الى عوف وقال: يا ابن محلم، هل سمعت أشجى من هذا؟ فقال: لا
والله، فقال عبد الله: قاتل الله أبا كبير حيث يقول (2):
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر … وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء، فإنّني … بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطّت غربة دار زينب … فها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد، أنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعرا ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، وأخذ يصفه. فقال له عبد الله: أقسمت عليك الا أجزت قوله؟ فقال: قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كلما
__________
(1) تنوزع في نسبة هذه الابيات بين عوف ومقدس بن صيفي الخلوقي ودعبل وأبي الشمعمق، وعلي بن جبلة، وانظر بالاضافة الى المراجع السابقة اللآلي 198
(2) نسب البكري هذا الشعر في اللآلي 372 الى عوف ولم يذكر في ديوان الهذليين بشعر أبي كبير، وانظر الكامل 848 بالاضافة الى المراجع السابقة.
(2/823)

كنت أعرف! فقال عبد الله: بحق طاهر ألا فعلت؟ فابتدر عوف وقال:
أفي كلّ عام غربة ونزوح … أما للنّوى من وثبة فتريح (1)
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي (2) … فهل أرينّ البين وهو طليح
وأرّقني بالرّيّ نوح حمامة … فنحت وذو البثّ الغريب ينوح (3)
على أنّها ناحت ولم تذر دمعة … ونحت وأسراب الدّموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما … ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر … وغصنك ميّاد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النّوى … فتلقى عصا التّطواف وهي طريح (4)
فإنّ الغنى يدني الفتى من صديقه … وعدم الغنى بالمقترين طروح (5)
فاستعبر عبد الله ورقّ له وجرت دموعه وقال له: والله إني لضنين بمفارقتك، شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعملت معي خفا ولا حافرا إلا راجعا إلى أهلك. وأمر له بثلاثين ألف درهم، فقال عوف:
يا ابن الّذي دان له المشرقان … وألبس الأمن به المغربان (6)
إنّ الثّمانين - وبلّغتها - … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدّلتني بالشّطاط انحنا … وكنت كالصّعدة تحت السّنان
__________
(1) في الامالي 1/ 130 (من ونية).
(2) ويروى: (البيت القذوف).
(3) في الامالي: (وذو الشجو الحزين).
(4) في الامالي: (فتضحى عصا التّسيار).
(5) كذا بالاصل، وفي الامالي: (وعدم الفتى ... نزوح).
(6) في الامالي 1/ 50 (طرّا وقد دان له المغربان).
(2/824)

وعوّضتني من زماع الفتى … وهمّتي هم الهجان الهدان
وقاربت منّي خطا لم تكن … مقاربات وثنت من عناني
وأنشأت بيني وبين الورى … عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع فيّ لمستمتع … إلّا لساني وبحسبي اللّسان (1)
أدعو به الله وأثني به … على الأمير المصعبيّ الهجان
وهمت بالأوطان وجدا بها … لا بالغواني، أين منّي الغوان
فقرّباني بأبي أنتما … من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة … أوطانها حرّان والرّقّتان
سقى قصور السّاذياج الحيا … من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها … أن تتخطّاها صروف الزّمان
وسار راجعا الى أهله فلم يصل اليهم. ومات في حدود العشرين ومائتين. ومن شعر عوف بن محلّم (2):
وكنت إذا صحبت رجال قومي … صحبتهم وزينتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم … وأجتنب الإساءة إن أساؤوا
وأبصر ما يريبهم بعين … عليها من عيونهم غطاء
__________
(1) في الامالي: (وبحسبي لسان).
(2) طبقات ابن المعتز 191 وشذرات الذهب 2/ 33 وقد نسبت هذه الابيات الى ابراهيم بن العباس.
(2/825)

634 - وأنشد:
إنّ سليمى والله يكلؤها … ضنّت بشيء ما كان يزؤها (1)
هذا مطلع قصيدة لإبراهيم بن هرمة. وقد قيل له إن قريشا لا تهمز، فقال:
لأقولنّ قصيدة أهمزها كلها بلسان قريش. وبعده:
وعوّدتني فيما تعوّدني … أظماء ورد ما كنت أجزؤها
ولا أراها تزال ظالمة … تحدث لي نكبة وتنكؤها
وتزدهيني من غير فاحشة … أشياء عنها بالغيب أنبؤها
لو تهنّى العاشقين ما وعدت … وكان خير العداة أهنؤها
شبّت وشبّ العفاف يتبعها … فلم يعب خدنها ومنشؤها
وبوّأت في صميم معشرها … فنمّ في قومها مبوّؤها
خود تعاطيك بعد رقدتها … إذا تلاها العيون مهدؤها
كأسا بفيها صهباء معرقة … يغلو بأيدي التّجار مسبؤها
قال التدمري: سليمى، تصغير سلمى. ويكلؤها: يحرسها ويحفظها.
وضنت: بخلت. ويزرؤها: ينقصها. والاظماء: جمع ظمأ. والمعنى: إنها تصله مرة وتقطعه أخرى. وأجزؤها: أي أجتزى فيها كما تجتزي الظباء بأكل الرطب من الكلأ عن الماء أياما، فلا تشرب ماء. وقوله: (ولا أراها تزال ظالمة) أي أراها لا تزال ظالمة فقدم لا. وتنكؤها: أي تقشرها. والمعنى: تحدث لي جرحا وتنكؤه بآخر. والخود: الفتاة الشابة. وتعاطيك: تساقيك. وهدء العين: منامها وسكونها. والصهباء: الخمر. ومسبؤها: أي اشتراؤها.
__________
(1) ابن الشجري 1/ 192 واللسان (كلا) وقد سبق ص 820 الشاهد رقم 630 من هذه القصيدة.
(2/826)

635 - وأنشد:
فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى … لصوت أن ينادي داعيان (1)
قال ابن يعيش: هو للحطيئة. وقال الزمخشري: هو لربيعة بن جشم.
وقال ابن بري: هو لدثار بن شيبان النمري حين هجا الحطيئة الزبرقان، وحبسه عمر، يعارض الحطيئة ويمدح
الزبرقان. وقال بعضهم: هو للأعشى، وأولها:
دعاني الأثبجان ابنا بغيض … وأهلي بالعلاة فمنّياني (2)
الى أن قال:
تقول حليلتي لمّا اشتكينا … سيدركنا بنو القوم الهجان (3)
سيدركنا بنو القمرين بدر (4) … سراج اللّيل للشّمس الحصان
فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى … لصوت أن ينادي داعيان
فمن يك سائلا عنّي فإنّي … أنا النّمريّ جار الزّبرقان
أندى: أفعل تفضيل من الندى، بفتح النون والدال المقصورة، وهو بعد ذهاب الصوت. يقال: فلان أندى صوتا من فلان، إذا كان بعيد الصوت. وقوله:
(وادعو) بالنصب بأن مضمرة بعد واو الجمع في جواب الأمر. وقد استشهد به
__________
(1) ابن عقيل 2/ 126 والامالي 2/ 90 للفرزدق واللآلي 726 لدثار والاغاني 2/ 190 (الشاعر النمري) وهو في سيبويه 1/ 426 منسوب للاعشى.
(2) الاثبجان: مثنى اثبج وهو الاحدب. ويقال: على الناتئ الصدر، وعلى العظيم الجوف، وعلى الناتئ الثبج، وهو ما بين الكتفين والكاهل. وذكر في اللسان أن بيت النمري هذا فسر بهذه المعانى كلها. والعلاة: جبل في ديار النمر بن قاسط. وفي اللسان (ثبج):
بالعراق.
(3) في الاغاني: (القرم).
(4) في الاغاني: (بنو القمر بن بدر).
(2/827)

المصنف في التوضيح على ذلك. ولصوت: صفة أندى. وان ينادي: خبر أن.
ويروى: (وادع على الأمر) بخلاف اللام.
636 - وأنشد:
واعلم فعلم المرء ينفعه … أن سوف يأتي كلّ ما قدرا (1)
قال العيني: لم يسم قائله. وقوله: (فعلم المرء ينفعه) جملة معترضة بين أعلم ومفعوله. والفاء فيه هي الفاء التي تميز الجملة العالية. وإن مخففة من الثقيلة في محل نصب، وهي وجزاؤها سدت مسد مفعولي اعلم. ووقع
الخبر فيها جملة فعليه فعلها متصرف ليس بدعاء مفعولا بحرف التنفيس.
637 - وأنشد:
وترمينني بالطّرف أي أنت مذنب (2)
638 - وأنشد:
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي (3)
قال المصنف في شواهده: هذا البيت نسب للبيد، ولم أجده في ديوانه وتمامه:
إنّ المنايا لا تطيش سهامها
قلت: معلقة لبيد على هذا الوزن والروي. وقد تقدمت في شواهد كلا.
فلعل هذا البيت منها في بعض الروايات. قال: وعلمت فيه محتملة لوجهين، أحدهما:
أن تكون معلقة واللام جواب قسم مقدر، وجملتا القسم والجواب في موضع نصب بالفعل المعلق. والثاني: أن تكون أجريت لافادتها تحقيق الشيء وتأكيده مجرى
__________
(1) ابن عقيل 1/ 147
(2) سبق الشاهد رقم 113 ص 234
(3) انظر الخزانة 4/ 13 وحاشية الامير 2/ 57
(2/828)

القسم، فتخرج حينئذ عن طلب المفعولين ويتلقى بما يتلقى به القسم. وعلى هذا فلا قسم مقدر. والجملة لا محل لها كسائر الجمل التي يجاب بها القسم. وطاش السهم: إذا عدل عن الرمية، أي انها لا تخطئ من حضر أجله. وجاء ببيت يشبه هذا هو:
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي … لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وقال العيني: من أبيات معلقة لبيد في صفة بقرة صادفتها الذئاب (1):
صادفن منها غرّة فأصبنه … إنّ المنايا لا تطيش سهامها
639 - وأنشد:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن
تمامه:
ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا (2)
640 - وأنشد:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته
تقدم شرحه في شواهد الفاء (3).
641 - وأنشد:
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
__________
(1) شرح القصائد السبع الطوال ص 557
(2) الخزانة 3/ 640 وحاشية الامير 2/ 58 والبيت لهشام المري.
(3) انظر الشاهد رقم 263 ص 472 وص 473
(2/829)

تقدم شرحه في شواهد كل (1).
642 - وأنشد:
جشأت فقلت اللّذّ خشيت لكائن
تمامه:
ولئن أتاك فلات حين مناص (2)
643 - وأنشد:
ولو انّ ما عالجت لين فؤادها … فقسا استلين به للان الجندل
644 - وأنشد:
إذا قلت قدني قال بالله حلفة
تقدم شرحه (3).
645 - وأنشد:
فسلّم على أيّهم أفضل
تقدم شرحه في شواهد أي المشددة (4).
646 - وأنشد:
فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا (5)
__________
(1) انظر ص 536 والشاهد رقم 314
(2) رواية البيت كما في المغني وحاشية الامير 2/ 60:
جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين … واذا أتاك فلات حين مناص
(3) وذلك بحرف اللام، انظر الشاهد رقم 334 ص 559 وفيه: (اذا قال ... قلت ...) وفي المغني: (اذا قال ... قال ...)
(4) الشاهد رقم 115 ص 236
(5) ابن عقيل 1/ 4 و 80، والحماسة 3/ 155، وانظر ذيل سمط اللآلي 105
(2/830)

هو لمنظور بن سحيم الفقعسي، شاعر إسلامي، وقبله:
ولست بهاج في القرى أهل منزل … على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإمّا كرام موسرون أثبتهم … فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
وإمّا كرام معسرون عذرتهم … وإمّا لئام قال حزت حيائيا (1)
وعرضي أبقى ما ادّخرت ذخيرة … وبطني أطويه كطيّ ردائيا
ومعنى الأبيات: التمدح بالقناعة والكف عن أعراض الناس. يقول: الناس ثلاثة أنواع، موسرون كرام، فاكتفى منهم بقدر كفايتي. ومعسرون كرام فاعذرهم.
وموسرون لئام فاكف عن ذمهم حياء. والقرى: بكسر القاف، طعام الضيف.
و (في) سببية وذكر تمثيل. والمعنى: أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان أسف من يبكي ويبكي غيره. وقوله: فإما، هي كلمة التفضيل الواقعة في نحو: إما زيد، وإما عمرو. فكرام خبر مبتدأ مقدر، أي فالناس إمّا كرام. وقيل: هي ان الشرطية، وما الزائدة. وكرام: مرفوع بفعل مقدر دل عليه الفعل بعده، أي نقصد كرام.
فحسبي جواب الشرط. والقول الأول هو الذي جزم به المصنف واستدل له بقوله:
(وإمّا لئام). وليس بعده فعل يفسر المحذوف. والقول الثاني: هو الذي جزم به التبريزي في شرح الحماسة، ووقع في شرح الشواهد للعيني إنه جعل إمّا للتفضيل. وكرام مرفوع بمضمر، وفحسبي جواب الشرط. وهو تخليط منه دخل عليه قول في قول. وآتيتهم وعذرتهم صفتان. وقوله: فحسبي مبتدأ، وما كفانيا خبر، أي لكافي من عطائهم من يكفيني لحاجتي، أي لا يبغي منهم زيادة على الحاجة. ولولا هذا التأويل لفسد لاتحاد المبتدأ والخبر.
وذي: يروى بالواو (2)، وهي مبنية بمعنى الذي، وبالياء معربة في لغة. وذكر المرزوقي: إن ذي هنا بمعنى صاحب، ورده المصنف باستلزامه خفض عندهم بالإضافة. وذكر بعضهم:
__________
(1) كذا في الاصل، وفي الحماسة: (واما لئام فادّكرت ...).
(2) كما في الحماسة.
(2/831)

إنها زائدة، أي من عندهم، يقول: هذا ذو زيد، أي هذا زيد، من إضافة المسمى الى الاسم. قال الكميت:
إليكم ذوي آل النّبيّ تطلّعت
وقال الأعشى (1):
فكذّبوها بما قالت فصبّحهم … ذو آل حسّان يزجي الموت والشّرعا
647 - وأنشد:
نحن اللّذون صبّحوا الصّباحا (2)
هو لرجل جاهلي من بني عقيل اسمه أبو حرب الأعلم، كذا قاله أبو زيد وابن الأعرابي. وقيل: قاله رؤبة. وقال الصغاني: قالته ليلى الأخيلية، وتمامه:
يوم النّخيل غارة ملحاحا
وبعده:
نحن قتلنا الملك الجحجاحا … دهرا فهيّجنا به أنواحا
ولم ندع لسارح مراحا … إلّا ديارا أو دما مفاحا
نحن بنو خويلد صراحا … لا كذب اليوم ولا مزاحا
قوله: نحن اللذون: استشهد به النحاة على وقوع الذين بالواو حالة الرفع.
وصبّحوا: بالتشديد، أتوا في الصباح. وغارة: مفعولة. وصباحا: يروى بالتنكير، وهو مصدر محذوف الزوائد كما في (كلمته كلاما) لا ظرف كما في
__________
(1) ديوانه ص 103 وشرح التبريزي 3/ 155
(2) ابن عقيل 1/ 78
(2/832)

(جئتك صباحا) لأن الظرف لا يكون هو كذا. ويروى بالتعريف، أي الصباح الذي عرف. واشتهر فيكون مصدرا نوعيا. والنخيل: بضم النون وفتح المعجمة، اسم موضع. قال المصنف: وكثير يقولونه بفتح النون وكسر الخاء، وهو تحريف. وغارة: مفعول له أو حال أي مغيرين. والملحاح: بمهملتين، الكثير الإلحاح. والصفة التي على مفعال لا تؤنث فلهذا أجري على غارة. والجحجاح:
بجيم ثم مهملة ثم جيم ثم مهملة، السيد. ودهرا: عطف بيان أو بدل. والأنواح:
جمع نوح. والسارح: المال السائم. والمزاح: بضم الميم، صفة الإبل. ومفاح:
بالفاء، مهراق، يقال: فاح دمه وأفاح. قال أبو زيد: وأو بمعنى الواو، ورواه الصغاني. ودما: بالواو. والصراح: بالكسر، جمع صريح، وهو الخالص النسب. والمزاح: بكسر الميم عند أبي حاتم وبضمها عند غيره، لأنه أزيح عن طريق الجدّ، أي نحى عنها.
648 - وأنشد:
هم اللّاؤن فكّوا الغلّ عنّي
649 - وأنشد:
صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (1)
650 - وأنشد:
رجلان من مكّة أخبرانا … إنّا رأينا رجلا عريانا
651 - وأنشد:
ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة … بكيت فنادتي هنيدة ماليا
__________
(1) عجز بيت لكعب بن زهير، وصدره:
شجّت بذي شبم من ماء محنية
وهو من قصيدته المشهورة: بانت سعاد، والتي سبقت ص 524 - 529
(2/833)

هذا مطلع قصيدة للفرزدق يهجو بها جريرا، وهي أول قصيدة هجاه بها، وبعده (1):
فقلت لها إنّ البكاء لراحة … به يشتفي من ظنّ أنّ لا تلاقيا
قفي ودّعينا يا هنيد فإنّني … أرى الحيّ قد شاموا العقيق اليمانيا
652 - وأنشد:
يدعون عنتر والرّماح كأنّها … أشطان بئر في لبان الأدهم
هو من معلقة عنترة المشهوره وقد تقدم شرحه في شواهد في (2).
653 - وأنشد:
قالت له، وهو بعيش ضنك … لا تكثري لومي وخلّي عنك
654 - وأنشد:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم
تقدم شرحه في شواهد لولا (3).
655 - وأنشد:
ستعلم ليلى أيّ دين تداينت … وأيّ غريم للتّقاضي غريمها
656 - وأنشد:
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا
__________
(1) ديوانه 895
(2) انظر الشاهد رقم 268 وص 479 - 484
(3) ص 671، والشاهد رقم 431
(2/834)

تقدم شرحه قريبا من هذا الباب (1).
657 - وأنشد:
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلا عن سواد بن قارب (2)
658 - وأنشد:
بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا (3)
هو لعمرو بن شأس بن عبيد بن ثعلبة الأسدي وصدره:
ألكني إلى قومي السّلام رسالة
وبعده:
ولاسيء زيّ إذا ما تلبسوا … إلى حاجة يوما مخيّسة بزلا
قال المصنف في شواهده: ألك فعل أمر من ألاك يليك، ومعناه بلغ عني.
ورسالة: مفعول به، كما يقول بلغ عني الى فلان رسالة. قال: وينبغي أن يكون ألكني على حذف الجار، أي ألك عني. والآية: العلامة: والعزل: بضم المهملة وسكون الزاي، الذين لا سلاح معهم، واحدهم أعزل. وتلبسوا: ركبوا ومشوا.
ومخيّسة: بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والياء المشددة وبالسين المهملة، مذللة بالركوب: يعني الرواحل. والبزل: بضم الموحدة وسكون الزاي، الحسنة، واحدها بازل. وهو جمع غريب، قاله المصنف. وقال غيره: سيئ جمع سيئ من السوء. والزيّ: بكسر الزاي وتشديد الياء، اللباس والهيئة. ويروى: ولا سيئ رأي. وقد استشهد ابن مالك بالبيت الثاني على جواز حسن وجه بالإضافة وبتجريد المضاف من أل لقوله سيئ زي.
__________
(1) انظر ص 813 من قصيدة الشاهد رقم 621.
(2) البيت لسواد بن قارب السدوسي الصحابي، وهو في ابن عقيل 1/ 128
(3) سيبويه 1/ 101
(2/835)

659 - وأنشد:
بآية ما يحبّون الطّعاما (1)
660 - وأنشد:
لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم … فلايك منكم للخلاف جنوح
661 - وأنشد:
خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة … من العرصات الذّاكرات عهودا (2)
662 - وأنشد:
من لدن شولا (3)
تمامه:
فإلى أتلائها
الشول: بفتح المعجمة، ومادته تدل على الارتفاع. واختلف في المراد هنا فقيل: مصدر شالت الناقة بذنبها أي رفعته للضراب، فهي شائل بغير تاء، والجمع شول، مثل راكع وركع. والتقدير: من لدن شالت شولا. فالبيت من حذف عامل المصدر المؤكد. وقيل: اسم جمع. تائلة: بالتاء، وهي الناقة التي ارتفع لبنها وضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. والتقدير: من لدن كانت شولا، فالبيت من حذف كان واسمها وبقاء خبرها. قال المصنف: وقد يرجح الأول بأن يروى:
__________
(1) عجز بيت وصدره:
ألا أبلغ لديك بني تميم. ويروى العجز أيضا بلفظ:
بأية ذكرهم حب الطعام
ولا شاهد فيه حينئذ. والبيت ليزيد بن الصّعق، وهو في الشعراء 618، والكامل 147 والخزانة 3/ 138 - 142.
(2) في المغني: (المذكرات).
(3) الخزانة 2/ 84، وابن عقيل 1/ 124، وسيبويه 1/ 34 واللسان:
(شول).
(2/836)

من لدشول
بالجر، ولا يقال:
من لدن النّوق فإلى أتلائها
قال: ويجاب بأن التقدير من لد شولان شول أو زمان شول. قال: وقد يرجح الثاني برواية الجرمي: من لدشولا، بغير تنوين على أن أصله شولاء، بالمد، فقصره للضرورة. ولكن هذه الرواية يقتضي أن المحدث عنه ناقة واحدة لا نوق.
وزعم بعضهم: أن نصبه على التمييز أو التشبيه بالمفعول به، كانتصاب غدوه بعدها، في لدن غدوة. وإنه لا تقدير في البيت. ورد باختصاص هذا الحكم بغدوة إتفاقا.
وبلدن الثابتة النون إذ لم يسمع نصب غدوة بعد لد. والإتلاء: بكسر الهمزة وسكون المثناة الفوقية، مصدر أتلت
الناقة إذا تبعها ولدها، فهي متلية. والولد تلو، والأنثى تلوة، والجمع أتلاء، بفتح الهمزة.
663 - وأنشد:
قول يا للرّجال ينهض منّا … مسرعين الكهول والشّبّانا
664 - وأنشد:
وأجبت قائل: كيف أنت بصالح … حتّى مللت وملّني عوّادي
لم يسم قائله. ومللت: من الملالة، وهي السآمة. والعوّاد: بضم العين، جمع عائد المريض. وجملة: (كيف أنت) مضاف إليها قائل. وبصالح: متعلق بأجبت، وهو مرفوع على الحكاية، وفيه حذف. أي بقولي أنا صالح. وقد أورده ابن مالك في باب الحكاية شاهدا لذلك. وروى بصالح، بالجر، على قصد حكاية الإسم المفرد، أي أجبت بهذه اللفظة.
(2/837)

665 - وأنشد:
وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول لا غائب مالي ولا حرم (1)
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها هرم بن سنان أولها (2):
قف بالدّيار الّتي لم يعفها القدم … بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
لا الدّار غيّرها بعدي الأنيس ولا … بالدّار لو كلّمت ذا حاجة صمم
إنّ البخيل ملوم حيث كان ول … كنّ الجواد على علّاته هرم
هو الجواد الّذي يعطيك نائله … عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم
وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول لا غائب مالي ولا حرم
ومنها:
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا … لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا
قوله: (لم يعفها) أي لم يدرسها. قوله: بلى الخ. استشهد به أهل البديع على النوع المسمى بالرجوع. والأرواح: جمع ريح. والدّيم: جمع ديمة، بكسر الدال، وهي المطر الدائم. قوله: (إن البخيل ... البيت) استشهد به أهل البديع على حسن التخلص. ونائله: عطاؤه. عفوا: سهلا بلا مطل ولا تعب.
وقوله: فيظلم، أي يحتمل الظلم. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على أن أصله يظطلم، ينتقل من الظلم، قلبت التاء طاء لمجاورتها الظاء، ثم قلبت الطاء ظاء، وأدغمت في الظاء. ومنهم من يقلب الظاء طاء ويدغمها في
الطاء. وقد روي:
فيطّلم، بالمهملة المشددة على هذه اللغة. وروي: فيظطلم، بالإظهار، فهذه ثلاثة
__________
(1) ديوان زهير 153 وابن عقيل 2/ 132، ويروي (يوم مسغبة)
(2) الديوان 145
(2/838)

أوجه. قوله: (خليل) أي فقير. ويوم مسألة يروى بدله يوم مسغبة، أي مجاعة.
وحرم: بفتح الحاء وكسر الراء، ممنوع. والبيت استشهد به على رفع المضارع الواقع جزاء الشرط إذا كان فعل الشرط ماضيا. وقال ابن قتيبة: في أبيات قوله:
(ويظلم أحيانا فيظلم) أي يطلب إليه في غير موضع الطلب، فيحمل ذلك لهم.
وأصل الظلم كله وضع الشيء في غير موضعه. ومنه: من أشبه أباه فما ظلم.
وحبيك البيض: طرائقه. واستلحموا: أدركوا. وحموا: غضبوا.
666 - وأنشد:
فأبلوني بليّتكم لعلّي … أصالحكم واستدرج نؤيا
هو لأبي دؤاد فيما عزاه الثعلبي في تفسيره.
667 - وأنشد:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة
تقدم شرحه (1).
668 - وأنشد:
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا
قال العيني: لم يسم قائله. وتمامه:
وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما
والبيت استشهد به على إبدال الجملة من الجملة، فإن جملة (لا تقيمن عندنا) بدل من جملة (ارحل). والثانية أظهر في إفادة المقصود.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 329 ص 557
(2/839)

669 - وأنشد:
ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا … وقد نهلت منّا المثقّفة السّمر (1)
هو لأبي عطاء السندي من شعراء الحماسة، واسمه أفلح بن يسار (2) مولى بني أسد، نشأ بالكوفة، وهو من مخضرمي الدولتين. وبعده:
فو الله ما أدري وإنّي لصادق … أداء عراني من حبابك أم سحر
فإن كان سحرا فاعذريني على الهوى … وإن كان داء غيره فلك العذر
الخطى: الرمح. وقد نهلت منا: أي من دمائنا. قال التبريزي: النّهل من الأضداد يقع على الريّ والعطش. قال: وكأن حقيقته أوّل السقي، والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع، فلذلك استعمل في الريّ والعطش. والذكر هنا ذكر القلب.
ومصدره بضم الذال، ونبه بهذا الكلام على قلة مبالاته بالحرب واشتياقه الى محبوبته في حال اختلاف الرمح بينهم بالطعن. والحباب: بكسر المهملة، الحب، كأنه مصدر حاببته، ويجوز أن يكون جمع الحب. وإنما جمعه لاختلاف أحواله فيه. ويروى: (جنابك) بالجيم والنون، أي من ناحيتك. ومعنى البيت الاخير:
أن كان مابي سحر فلي عذر في هواك، لأن من يسحر بحبك فلا ذنب له. وإن كان داء غير السحر فالعذر لك، لأني وقعت فيه لتعرّضي لك وتفكري في محاسنك.
والدلالة على أن (فاعذريني) في موضع (فلي عذر) ما قابله به من قوله: فلك العذر.
670 - وأنشد:
وما راعني إلّا يسير بشرطة
قال العيني: لم يسم قائله، وتمامه:
وعهدي به قينا يفش بكير
__________
(1) الحماسة 1/ 59.
(2) وكذا في الاغاني 16/ 78 واللآلي 602، وفي الشعراء 742:
(مرزوق).
(2/840)

قوله: وما راعني ويسير فعل مضارع من السير، ووقع فاعلا لراعني بتقدير أن المصدرية، أي: وما راعني الا أن يسير، أي سيره. وبشرطة: متعلق به وهو بضم الشين وسكون الراء وفتح الطاء المهملة، بمعنى الشرطي. والقين: الحداد، ونصبه على الحال. ويفش: من فش الكير نفسه، إذا أخرج ما فيه من الريح.
والكير: بكسر الكاف، كير الحداد، وهو زق أو جلد غليظ. المعنى: أتعجب منه، وقد كان أمس حدادا ينفخ بالكير واليوم رأيته صار والى الشرطة.
671 - وأنشد:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني
تقدم شرحه في شواهد الباء الموحدة (1).
672 - وأنشد:
ولولا بنوها حولها لخبطتها
هو للزّبير بن العوّام رضي الله عنه، وتمامه:
كخبطة عصفور ولم أتلعثم
وبهذا عرف أن الصواب لخبطتها بتقديم الباء على الطاء من الخبط. وحرّف من رواه لخطبتها، بتقديم الطاء، من الخطبة. والضمير في بنوها لزوجته بنت الصدّيق رضي الله عنها. وكان الزّبير ضرابا للنساء، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها. ويقال: خبطت الشجرة إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها. وتلعثم في الأمر: تمكث فيه وتأنى، بعين مهملة وتاء مثلثة.
673 - وأنشد:
مضى زمن والنّاس يستشفعون بي (2)
__________
(1) سبق ص 310، الشاهد رقم 138
(2) ديوان قيس بن ذريح 113، وانظر الامالي 1/ 136 والاغاني 9/ 214، والتنبيه 52، وقد اختلف في نسبة هذه القصيدة، فقد نسبت الى ابن ذريح والمجنون وجميل وعمرو بن حكيم التميمي، وللضحاك ابن عمارة ... الخ.
(2/841)

هو لقيس بن ذريح، وأول القصيدة:
سقى طلل الدّار الّتي أنتم بها … حنائم بها منها صيّف وربيع (1)
مضى زمن والنّاس يستشفعون بي … فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
ومنها:
يقولون: صبّ بالنّساء موكّل … وهل ذاك من فعل الرّجال بديع
674 - وأنشد:
وقائلة تجنّى عليّ أظنّه … سيودي به ترحاله وحوائله (2)
__________
(1) كذا بالاصل، وهو تحريف، وصحته كما في الديوان والاغاني:
حيا ثم وبل صيّف وربيع
وليس هذا البيت أول القصيدة وانما أولها كما في الديوان.
سأصرم لبني حبل وصلك مجملا … وان كان صرم الحبل منك يروع
(2) في المغني وحاشية الامير 2/ 74 (وجعائله) وقال: سيودي به: أي يهلكه، والرحل: التنقل في الاسفار. وجعائل: جمع جعالة، كسحابة، أو جعيلة بمعنى الجعل على الفعل. وقال الدماميني:
يحتمل أن جملة سيودي أو أظنه على أنه بالهاء، ليس مقولا لقائله، بل لمحذوف، أي تقول سيودي، أو أظنه سيودي ... الخ.
(2/842)

الكتاب الثالث
675 - وأنشد:
وإنّ لساني شهدة يشتفى بها … وهوّ على من صبّه الله علقم (1)
قال المصنف في شواهده: هذا البيت أورده الفارسي في التذكرة عن قطرب والبغداديين. وفيه أربع شواهد، أحدها تشديد واو هوّ وذلك لغة همدان.
والثاني: تعليق الجار بالجامد لتأوله بالمشتق، وذلك لأن قوله: (هو علقم) مبتدأ وخبر. والعلقم: نبت كريه الطعم. وليس المراد هنا، بل المراد أنه شديد أو صعب، فلذلك علق به على المذكورة. والثالث: جواز تقديم الجامد المؤول بالمشتق إذا كان ظرفا. والرابع: جواز حذف العائد المجرور بالحرف، مع اختلاف المتعلق، إذ التقدير: وهو علقم على من صبه الله عليه. فعلى المذكورة متعلقة بعلقم، والمحذوفة متعلقة بصبه.
676 - وأنشد:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
677 - وأنشد:
أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر (2)
نسب في الإيضاح لبعض السعديين. وقال في العباب: قائله فدكي بن أعبد
__________
(1) الخزانة 2/ 400 وحاشية الامير 2/ 75، وقال: الشاعر من همدان، ولغتهم تشديد واو هو وياء هي.
(2) اللسان: نقر.
(2/843)

المنقري. وقال الجوهري: هو لعبيد الله بن ماوية الطائي. وتمامه:
وجاءت الخيل أثابيّ زمر
قوله: جد النقر: أي تحقق واشتد. وهو بفتح النون وضم القاف، وأراد النقر، بسكون القاف، فالقى حركة الراء على القاف. وقد استشهد به الفارسي في الإيضاح على ذلك، والمصنف في التوضيح. والنقر: صوت باللسان، فإن طرفه مخرج النون، ثم يصوت به، يسكن به الفرس إذا اضطرب بفارسه. وقد يصوّت به للدابة لتسير. وقال: كراع النقر أيضا أن تحتفر بحوافرها. قال ابن يسعون:
والبيت يحتمل فيه الثلاثة. قال: وماوية امرأة. ويحتمل أن يكون لقبا لها تنبيها على نقاء عرضها وكرم أصلها، لأن الماوية المرآة الصافية. ويروى: النفر، بفتح النون والفاء، والأثابي والزمر: الجماعات من الناس، واحدها زمرة، وأثبيه، على مثال أمنيه. والبيت استشهد به المصنف هنا.
678 - وأنشد:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
تقدم شرحه في شواهد كل ضمن قصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه (1).
679 - وأنشد:
تغيّرنا أنّنا عالة … ونحن صعاليك وأنتم ملوكا
680 - وأنشد:
ألّا يجاورنا إلّاك ديّار (2)
__________
(1) انظر ص 524 - 531، والشاهد رقم 311 والشاهد رقم 401 ص 647 - 648
(2) ابن عقيل 1/ 59. والخزانة 2/ 405
(2/844)

صدره:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا
قال العيني: أنشده الفراء ولم يعزه لأحد. والمبالاة بالشيء: الإكتراث به.
ويروى: (علا) بإبدال الهمزة عينا. والجملة: في محل نصب مفعول نبالي. وإن مصدرية. وما زائدة أو مصدرية. وديار: بمعنى أحد، وأصله ديرار. ويختص بوقوعه في النفي. وقوله: إلاك، فيه وقوع المتصل موقع المنفصل ضرورة. ورأيت في الكافي للنحاس: أن المبرد أنشده بلفظ: (سواك) فلا ضرورة إذن ولا شاهد.
681 - وأنشد:
نحن نفوس الوديّ أعلمنا … منّا بركض الجياد في السدف (1)
قاله: سعد القرقرة. وعزاه ابن عصفور إلى قيس بن الخطيم. نحن مبتدأ واعلمنا خبره. وفيه جمع بين الإضافة ومن أفعل التفضيل. وقد استشهد به على ذلك. وأجيب بأن تقديره: أعلم منا، والمضاف إليه في نية الطرح. وخرجه ابن جني على أن (نا) في أعلمنا مرفوع مؤكد للضمير في أعلم، وهو نائب عن نحن.
وهذا البيت أشكل على أبي على حتى جعله من تخليط الأعراب. والوديّ: بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ودية، وهي النخلة الصغيرة. والجياد:
جمع جواد، وهو الفرس. والسدف: بفتح المهملتين وفاء، الصبح وإقباله. وفي شرح الأمثال للبكري أن النعمان أتى بحمار وحش، فدعى سعد القرقرة فقال:
احملوه على يحموم، وأعطوه مطردا، وخلوا عن هذا الحمار. وركض الفرس فالقى المطرد وتعلق بمعرفة الفرس، فضحك به النعمان، ثم أدرك فانزل. فقال سعد في ذلك:
نحن نفوس الوديّ أعلمنا … منّا بركض الجياد في السّدف
__________
(1) كذا في الاصل، وفي المغني وذيل ديوان قيس بن الخطيم ص 80 (نحن بغرس الودي). ويروى (بغرس الورد).
(2/845)

يا لهف نفسي وكيف أطعنه … مستمسكا واليدان في العرف
قد كنت أدركته فأدركني … للصّيد عرف من معشر عنف
682 - وأنشد:
فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع (1)
هو من قصيدة لجميل أولها:
أهاجك أم لا بالمداخل مربع … ودار بأجراع الغديرين بلقع
إلى الله أشكولا إلى النّاس حبّها … ولا بدّ من شكوى حبيب يروّع
إلى أن قال:
ألا تتّقين الله فيمن قتلته … فأمسى إليكم خاشعا يتضرّع
فإن يك جثماني بأرض سواكم … فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع
إذا قلت هذا حين أسلو وأجتري … على نفسها ظلّت لها النّفس تشفع
ألا تتّقين الله في قتل عاشق … له كبد حرّى عليك تقطّع
غريب مشوق مولع بادّكاركم … وكلّ غريب الدّار بالشّوق مولع
فأصبحت ممّا أحدث الدّهر موجعا … وكنت لريب الدّهر لا أتخشّع
فيا ربّ، حبّبني إليها وأعطني ال … مودّة منها، أنت تعطي وتمنع
__________
(1) الخزانة 1/ 190
(2/846)

المداخل: بفتح الميم، موضع. والمربع: منزل القوم في الربيع خاصة.
والأجراع: جمع جرع، بفتح الجيم والراء، رملة مستوية لا تنبت شيأ. وكذلك الأجرع والجرعاء. وبلقع: بفتح الموحدة، الأرض القفراء التي لا شيء فيها.
والجثمان: بضم الجيم، الشخص، وإنما يستعمل في بدن الانسان. وسواكم:
على حذف مضاف،، أي سوى أرضكم.
683 - وأنشد:
بمسعاته هلك الفتى أو نجاته
684 - وأنشد:
فخير نحن عند النّاس منكم … إذا الدّاعي المثوّب قال يا لا
تقدم شرحه في شواهد اللام (1).
685 - وأنشد:
لك العزّ إن مولاك عزّ، وإن يهن … فأنت لدى بحبوحة الهون كائن (2)
لم يسم قائله. ويهن: بالبناء للمفعول. وبحبوحة: بضم الموحدتين وبمهملتين.
وبحبوحة الدار: وسطها. وبحيح: تمكن. والهون: بضم الهاء، الذل والهوان.
686 - وأنشد:
كلّ أمر مباعد أو مدان … فمنوط بحكمة المتعالي
__________
(1) انظر الشاهد رقم 355 ص 595
(2) ابن عقيل 1/ 102
(2/847)

الكتاب الرابع
687 - وأنشد:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا (1)
تمامه:
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد
أصله: بنو أبنائنا مثل أبنائنا، فقدم وأخر، وترك كلمة مثل للعلم بقصد التشبيه. وان المراد تشبيه أبناء الابناء لا العكس. قال المصنف: وقد يقال أن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وأنه جاء على عكس التشبيه مبالغة كقوله:
ورمل كأوراك العذارى قطعته
وقال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والبيانيون على عكس التشبيه، والفقهاء والفرضيون على دخول أبناء الابناء في الميراث والوصية والوقف، وعلى أن الانتساب الى الأباء. ولم أر أحدا
منهم عزاه الى قائله اه.
__________
(1) ابن عقيل 1/ 108. والخزانة 1/ 213 وقال: وهذا البيت لا يعرف قائله مع شهرته في كتب النحاة وغيرهم. قال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الابناء في الميراث، وان الانتساب الى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه. ولم أر أحدا منهم عزاه الى قائله. ورأيت في شرح الكرماني في شواهد شرح الكافية للخبيصي أنه قال: هذا البيت قائله أبو فراس همام الفرزدق بن غالب. قلت: والبيت في ديوان الفرزدق 217
(2/848)

688 - وأنشد:
ولا يك موقف منك الوداعا (1)
هو للقطامي عمير بن شييم التغلبي، وصدره:
قفي قبل التّفرّق يا ضباعا
وبعده:
قفي فادّي أسيرك إنّ قومي … وقومك لا أرى لهم اجتماعا
وكيف تجامع مع ما استحلّا … من الحرم العظام وما أضاعا
ضباع: مرخم ضباعة، وهي بنت زفر بن الحارث الممدوح بهذه القصيدة.
ويروى: (ولا يك موقفي) بياء الإضافة. والوداع: بفتح الواو وكسرها.
والحرم: كل ما لا يحل انتهاكه، واحدها حرمة. وقد استشهد ابن مالك بقوله:
(يا ضباعا) على أن المرخم يبدل من هائه لألف في الوقف إن لم تعد هي. ومن أبيات القصيدة قوله:
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي … وبعد عطائك المائة الرّتاعا
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على اعمال المصدر، وهو عطاء، عمل المصدر وهو الاعطاء، فأضيف الى الفاعل ونصب المائة مفعولا.
689 - وأنشد:
كأنّ خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء (2)
__________
(1) الخزانة 1/ 391، وانظر الاغاني 20/ 118 - 131
(2) الخزانة 4/ 40
(2/849)

فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه، وينصره سواء (1)
هذان من قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وأولها:
عفت ذات الأصابع فالجواء … إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر … تعفّيها الرّوامس والسّماء
وكانت لا يزال بها أنيس … خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف … يؤرّقني إذا ذهب العشاء
لشعثاء الّتي قد تيّمته … فليس لقلبه منها شفا
كأنّ خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو طعم غضّ … من التّفّاح هصّره الجناء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما … فهنّ لطيّب الرّاح الفداء
نولّيها الملامة إن ألمنا … إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء
عدمنا خيلنا إن لم تردها … تثير النّقع موعدها كداء
يبارين الأسنّة مصغيات … على أكتافها الأسل الظّماء
تظلّ جيادنا متمطّرات … تلطّمهنّ بالخمر النّساء
فإمّا تعرضوا عنّا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطا
__________
(1) في العقد الفريد 5/ 295 برواية:
أمن يهجو ... ويطريه ويمدحه سواء
(2/850)

وإلّا فاصبروا لجلاد يوم … يعين الله فيه من يشاء
وقال الله قد يسّرت جندا … هم الأنصار عرضتها اللّقاء
لنا في كلّ يوم من معدّ … قتال أو سباب أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدّماء
وقال الله قد أرسلت عبدا … يقول الحقّ إن نفع البلاء
شهدت به وقومي صدّقوه … فقلتم ما نجيب وما نشاء
وجبريل أمين الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي … مغلغلة فقد برح الخفاء (1)
بأنّ سيوفنا تركتك عبدا … وعبد الدّار سادتها الإماء
هجوت محمّدا، فأجبت عنه، … وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء؟ (2) … فشرّكما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه، وينصره سواء
فإنّ أبي ووالده وعرضي … لعرض محمّد منكم وقاء
فإمّا تثقفنّ بنو لؤيّ … جذيمة إنّ قتلهم شفاء
أولئك معشر نصروا علينا … ففي أظفارنا منهم دماء
وحلف الحارث بن أبي ضرار … وحلف قريظة منّا براء
__________
(1) ويروى الشطر بلفظ:
فأنت مجوّف نخب هواء
(2) ويروى (بند) كما في العقد 5/ 295، والشعراء 267
(2/851)

لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدّره الدّلاء
عذرا: موضع على بريدين من دمشق (1). والحسحاس: من بني مالك بن عدي بن النجار (2). والروامس: الرياح. وتيمته: ولهته وأذهبت عقله. وبيت رأس: بالاردن (3). وهصره: أماله. والجنا: الثمرة بعينها. والمغث:
القتال. واللحاء: السباب. والنقع: الغبار. وكداء: الثنية العلياء بمكة. ومباراة الخيل الأسنة: هو أن يضجع الرجل رمحه فكأن الفرس يريد أن يسبق السنان.
والمصغيات: الموائل المنحرفات إلى الطعن. والأسل: الرماح. والمتمطرات:
الخوارج من جمهور الخيل. ويسرت: هيأت. ورجل عرضة للقتال: قوي عليه.
ونحكم: نمنع. والنخب: الجبان.
أخرج مسلم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل. وأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل الى حسان، فلما دخل قال: مدان لكم أن ترسلوا إلي هذا الأسد الضاري بذنبه، ثم أولع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم به فري الأديم! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحسان: إنّ روح القدس لا
يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله، فقال حسان: وذكر هذه القصيدة. فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: هجاهم حسان فشفى وأشفى. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: لما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر فتبسم، وقال: يا أبا بكر، كيف قال حسان؟
__________
(1) وفي البكري 926 أنه اسم لدمشق. وفيه أيضا 161 أنه قرية من قرى دمشق، وذات الاصابع: موضع بالشام. وأنشد البيت.
(2) في جمهرة أنساب العرب 194: (الحسحاس بن هند بن سفيان بن غضاف بن كعب بن سعد بن عمرو بن مالك بن ثعلبة، وعبدهم كان سحيم الشاعر).
(3) في البكري 288: (بيت رأس) وهو حصن بالاردن، سمي بذلك لانه في رأس جبل، وأنشد البيت، وفيه: (كأن سبيئة ...)
(2/852)

فأنشده:
عدمت ثنيّتي إن تزرها … تثير النّقع مطلعها كداء
ينازعن الأعنّة مسرعات … يلطّمهنّ بالخمر النّساء
فقال صلّى الله عليه وسلم: ادخلوها من حيث قال حسان. وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن عباد عن أبيه قال: لما أنشد حسان بن ثابت النبي صلّى الله عليه وسلّم:
عفت ذات الأصابع فالجواء
فانتهى الى قوله:
هجوت محمّدا، فأجبت عنه، … وعند الله في ذاك الجزاء
فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: جزاؤك على الله الجنة يا حسان (1).
690 - وأنشد:
لقد أذهلتني أمّ عمرو بكلمة … أتصبر يوم البين أم لست تصبر؟
691 - وأنشد:
رويد بني شيبان بعض وعيدكم … تلاقوا غدا خيلي على سفوان (2)
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى … إذا ما غدت في المأزق المتداني
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم … على ما جنت فيهم يد الحدثان
__________
(1) انظر اللآلي 353
(2) الحماسة 1/ 122 - 124
(2/853)

قاله: ودّاك بن ثميل: وقيل ابن سنان بن ثميل المازني من شعراء الحماسة.
وبين البيت الثاني والثالث:
عليها الكماة الغرّ من آل مازن … ليوث طعان عند كلّ طعان
وبعد الثالث:
مقاديم وصّالون في الرّوع خطوهم … بكلّ رقيق الشّفرتين يماني
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم … لأيّة حرب أم لأيّ مكان
قوله: رويد بني: روي (رويدا بني). قال التبريزي: وهو الأكثر. ونصب بعض بفعل مضمر دل عليه رويد، أي كفوا بعض وعيدكم. وتلاقوا: جواب ذلك المضمر. وسفوان: بفتح المهملة والفاء، ماء على أميال من البصرة. وتلاقوا الثاني بدل من الأول. وتحيد: من الحيد وهو الميل. والوغي: أصله الجلبة والصوت، سميت به الحرب. والمأزق: المضيق، مفعل من الأزق، وهو الضيق في الحرب. تلاقوهم فتعرفوا: أي تلاقوا من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم. على ما جنت: أي على جناية، وموضعه نصب على الحال، وعامله تعرفوا. ويد الحدثان: مثل، وليس للحدثان يد. وإنما استعار ذلك لأن أكثر الجناية تكون باليد. ورقيق الشفرتين: أي الحدين. والاستنجاد: الإستنصار، يقول قولا يحرّضهم على الحرب إذا استصرخهم صارخ ودعاهم الى الحرب، لم يطلبوا علة يتأخرون بها.
692 - وأنشد:
يا زيد زيد اليعملات (1)
__________
(1) سيبويه 315/ 1 والكامل 952 وابن عقيل 2/ 84، والخزانة 1/ 362 وانظر ص 433
(2/854)

هو لعبد الله بن رواحة يخاطب زيد بن أرقم.
أخرج ابن عساكر من طريق إسحق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال:
سار عبد الله بن رواحة، وكان زيد بن أرقم يتيما في حجره، فحمله على حقبة رحله، وخرج به غازيا إلى مؤته، ولزيد بن أرقم يقول عبد الله بن رواحة:
يا زيد زيد اليعملات الذّبّل … تطاول اللّيل - هديت - فانزل
يرتجز يقول: انزل فشق بالقوم مسيرك. وأخرجه من وجه آخر عن ابن اسحق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما في حجر عبد الله بن رواحة فقال يرتجز: فذكر البيت. اليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القوية الحمولة. والذبّل: بضم الذال المعجمة وتشديد الموحدة، جمع ذابل بمعنى الضامر. وقال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: هذا رجز لعبد الله بن رواحة قاله في توجه جيش المسلمين الى مؤتة:
يا زيد زيد اليعملات الذّبّل … وزيد داري الفلاة المجهل
تطاول اللّيل - هديت - فانزل … فانقضّ زيد كانقضاض الأجدل
أضيف زيد وهو ابن أرقم الى اليعملات، لأنه يحدو بها وهو قوي على ضبطها. وذكر في المفصل وتبعه ابن يعيش أن هذا البيت لبعض ولد جرير. وقال السخاوي في شرحه: ذكر المبرد وغيره أنه لعبد الله بن رواحة صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم (1). وفي قول سيبويه: إنه لبعض أولاد جرير.
693 - وأنشد:
يا تيم تيم عديّ لا أبالكم (2)
__________
(1) في الكامل 952 نسبه لعمر بن لجأ.
(2) الكامل 952، والخزانة 1/ 360، وابن عقيل 2/ 84، وديوان جرير 285، والموشح 128 والعمدة 2/ 160 والاغاني 8/ 18 و 8/ 82 (الثقافة) والنقائض 487 و 488، وسيبويه 1/ 26 و 314
(2/855)

وتمامه:
لا يوقعنّكم في سوأة عمر
وبعده:
أحين كنت سماما، يا بني لجأ، … وخاطرت بي في أحسابها مضر!
هو لجرير يهجو بها عمرو بن لجاء التيمي أوّلها:
هاج الهوى وضمير الحاجة الذّكر … واستعجم اليوم من سلّامة الخبر
ومنها:
خلّ الطّريق لمن يبني المنار به … وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
برزة: هي أم عمرو بن لجاء، ومنها:
إنّ الكرام إذا مدّوا حبالهم … أذرى بحبلك ضعف العقد والقصر
ومنها:
ما التّيم إلّا ذباب لا جناح له … قد كان منّ عليهم مرّة نمر
نمر: هو ابن مرة الحماني من بني تيم.
قد خفت يا ابن الّتي ماتت منافقة … من خبث برزة أن لا ينزل المطر
أضاف التيم إلى عدي ليفرق بينها وبين تيم مرّة في قريش، وتيم غالب بن فهر في قريش أيضا، وتيم قيس بن ثعلبة، وتيم شيبان، وتيم ضبة. وعدي الذي
(2/856)

أضاف تيما إليه هو أخوه، وهما تيم وعدي ابنا عبد مناف بن ادّ بن طابخة بن الياس بن مضر. قوله: (لا أبالكم) هي كلمة تستعمل عند الغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب الى غير أب معلوم شتما له واحتقارا، ثم كثر في الإستعمال حتى صار يقال في كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب.
وحكى أبو الحسن الأخضر: أن العرب كانت تستحسن لا أبا لك، وتستقبح لا أم لك. لأن الأم مشفقة حنينة، والأب جائر مالك. قوله: (لا يوقعنكم) يروى بدله: (لا يلقينكم) بالقاف من الالقاء. والسوأة: الفعلة القبيحة، يخاطب قوم عمر بن لجاء، ويقول لهم: انهوه عن شتمي ولا تدعوه يوقعنكم في سوأة من هجوي إياكم. والمنار: بفتح الميم وتخفيف النون، ما يبني على الطريق ليهتدي به المسافر.
وقوله: (خل الطريق) استشهد به في التوضيح على إظهار الفعل الناصب عند الإفراد فإنه حسن بخلاف ما لو كرّر فقيل الطريق الطريق، فإنه لا يحسن إظهار الفعل، لأن أحد الإسمين قام مقامه. قال الزمخشري: أي خل الطريق التعالى واتركه لمن يفعل أفعالا مشهورة كأنها الأعلام المنصوبة على الطريق، وابرز بأمك عن جملة الناس، وصر إلى موضع يمكنك أن تكون فيه لما قضي عليك (1). قال البطليوسي: وقد أجابه عمر بن لجاء فقال (2):
لقد كذبت، وشرّ القول أكذبه … ما خاطرت بك في أحسابها مضر
ألست نزوة خوّار على أمة … لا يسبق الحلبات اللّؤم والخور
ما قلت من مرّة إلّا ما أنقصها، … يا ابن الأتان، بمثلي تنقض المرر
مع أبيات أخر.
694 - وأنشد:
فظلّ طهاة اللّحم ما بين منضج … صفيف شواء أو قدير معجّل (3)
__________
(1) وهو أيضا من شواهد سيبويه 1/ 128
(2)،
(3) الاغاني 8/ 71، والنقائض 488، وابن سلام 365، والخزانة 1/ 361 وشرح القصائد السبع الطوال 96 والديوان ص 22 وانظر من المعلقة الصحائف 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652 و 766 و 772 و 782 و 863.
(2/857)

هو من معلقة امرئ القيس. وطهاة: بضم الطاء المهملة، جمع طاه وهو الطباخ. وصفيف: بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء، وهو الذي فرق على الجمر وهو شواء الأغراب (1). والقدير: بالراء آخره، ما طبخ في قدر. قال الأعلم:
انما جعله معجلا لأنهم كانوا يستحبون تعجيل ما كان من الصيد ويستظرفونه ولهذا يصفونه في أشعارهم. والبيت استشهد به على أن أو بمعنى الواو. قال الأعلم:
والمعنى من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير.
695 - وأنشد:
من صديق أو أخي ثقة … أو عدوّ شاحط دارا
هو لعديّ بن زيد بن حمار التميمي، شاعر جاهلي، وقبله:
إنّني رمت الخطوب فتى … فوجدت العيش أطوارا
ليس يغني عيشه أحد … لا يلاقي فيه أمعارا
من حبيب أو أخي ثقة ... البيت، قال الزمخشري: يعاتب النعمان، يريد أن الناس لابد أن يلاقوا في أعمارهم الشدّة إن وليا وإن عدوّا. وقوله: (رمت الخطوب) أي طلبت معرفة أحوال الزمان. فتى: حال، أي في حال الحداثة.
أطوارا: أحوالا مختلفة. الأمعار: الفقر والشدة. وشاحط: من الشحط، وهو البعد. وانتصب دارا بشاحط لتمامه
بالتنوين كحسن وجها. والبيت استشهد به على ورود الصفة المشبهة على وزن فاعل وهو شاحط.
696 - وأنشد:
إنّما الميت من يعيش كئيبا … كاسفا باله قليل الرّجاء
__________
(1) فسره الأنباري (المرمق).
(2/858)

تقدّم شرحه في شواهد رب ضمن قصيدة عدي بن الرعلاء (1).
697 - وأنشد:
عليّ إذا ما زرت ليلى بخفية … زيارة بيت الله رجلان حافيا
أورده ابن الأعرابي في نوادره شاهدا على أنه يقال رجل ورجلان بلفظ:
شكور الرّبى حين أبصرت وجهها … ورؤيتها قد تسقني السّمّ صافيا
698 - وأنشد:
وهذا تحملين طليق (2)
هو ليزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرّغ، بالفاء والغين المعجمة، الحميري، البصري، حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العاص، ذكره الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الإسلام (3)، يكنى أبا عثمان، وإنما لقب جدّه مفرغا لأنه راهن على شرب سقاء لبن، فشربه حتى فرغه. وكان يزيد هجّاء فهجا عبّاد بن زياد بن أمية، وملأ البلاد من هجوه فظفر به فسجنه، فكلموا فيه معاوية فوجه بريدا يقال له حمحام فأخرجه، وقدّمت له فرس من خيل البريد فنفرت، فقال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق
وإنّ الّذي نجّى من الكرب بعد ما … تلاحم بي كرب عليك مضيق
أتاك بحمحام فأنجاك فالحقي … بأرضك لا تحبس عليك طريق
__________
(1) انظر الشاهد رقم 205 ص 404 وص 405
(2) الخزانة 2/ 515، والاغاني 18/ 196 (الثقافة). والشعراء 324، واللسان 8/ 7 - 8.
(3) الطبقات 551 و 554.
(2/859)

لعمري لقد أنجاك من هوّة الرّدى … إمام وحبل للإمام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمة … ومثلي بشكر المنعمين حقيق
عدس بمهملات، مفتوح الأول والثاني ساكن الأخير، صوت يزجر به البغل.
وعن الخليل: أن عدس رجل كان يقف على الدواب أيام سليمان عليه السلام، وأنها كانت اذا سمعت باسمه طارت فرقا منه، فلهج الناس باسمه حتى سموا البغل عدس.
قال ابن سيدة: وهذا لا يعرف في اللغة. وإمارة: بكسر الهمزة، إمرة. وطليق.
مطلق من الحبس. وتلاحم: التصق. وحمحام: بمهملتين اسم البريد. والهوّة:
بضم الهاء وتشديد الواو، الوهدة العميقة. والردي: الهلاك.
699 - وأنشد:
رددت بمثل السّيد نهد مقلّص … كميش إذا عطفاه ماء تحلّبا (1)
هذا من قصيدة لربيعة بن مقروم بن قيس الضبيّ، أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم، وقبله:
وواردة كأنّها عصب القطا … تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا
وأول القصيدة (2):
تذكّرت، والذّكرى تهيجك، زينبا … وأصبح باقي وصلها قد تقضّبا
تذكرت: بفتح التاء، يخاطب نفسه. وتقضب: تقطع. وواردة: أراد بها القطع من الخيل، وهي مجرورة بواو رب. وقوله: (كأنها عصب القطا) أي
__________
(1) المفضليات 376 والشعراء 279
(2) المفضلية رقم 113
(2/860)

جماعات القطا. والعصب: جمع عصبة، شبه الخيل في سرعتها بالقطا في سرعته.
وتثير: من الإثارة. وعجاجا: بفتح المهملة وتخفيف الجيم، الغبار. والسنابك:
جمع سنبك، بضم السين، طرف مقدم الحافر، والباء متعلقة بتثير. وأصهب:
من الصهبة، وهي لون الغبار. قوله: (رددت) جواب رب المضمرة. ويروى:
(وزعت) بمعنى كففت. وبمثلي: متعلق برددت، أي بفرس مثل السيد.
والسيد: بكسر المهملة وتحتية ساكنة ثم دال مهملة، الذئب. ونهد: صفة لفرس.
المقدر: أي ضخم. ومقلص: بكسر اللام، طويل القوائم، ليست برهلة.
وكميش: بفتح الكاف وكسر الميم وآخره شين معجمة، أي حاد في عدوه منكمش مسرع، شبه فرسه بالذئب في سرعته. وعطفاه: جانباه. وتحلبا: سالا. وماء:
تمييز. والبيت استشهد به على تقديم التمييز على عامله الفعل المتصرف. ورد بأن عطفاه مرفوع بفعل مضمر يفسره المذكور على حد (إذا السماء انشقت) لأن إذا لا يليها إلا الأفعال، والعامل في التمييز هو ذلك المضمر لا المذكور.
700 - وأنشد:
وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا (1)
صدره:
ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا
الحزم: أخذ الأمور بالاتقان. قال الجوهري: الحزم ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة. ويقال: ارعوى عن فعل القبيح، إذا رجع عنه رجوعا حسنا.
وثلاثية رعا يرعو أي كف عن الأمور. واشتعلا: بعين مهملة، من اشتعال النار، وهو اضطرامها. شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر، وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ. واستشهد بالبيت على تقدم التمييز على عامله.
__________
(1) ابن عقيل 1/ 235
(2/861)

701 - وأنشد:
أنفسا تطيب بنيل المنى … وداعي المنون ينادي جهارا
المنى: بضم الميم، جمع منية. والمنون: بفتح الميم، المنية لانها تقطع المدد وتنقص العدد. قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمعا. والبيت استشهد به على تقديم الضمير على عامله.
702 - وأنشد:
يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف
703 - وأنشد:
تزوّد مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزّاد زاد أبيك زادا
تقدم شرحه في شواهد الهمزة (1).
704 - وأنشد:
نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت … ردّ التّحيّة نطقا أو بإيماء
لم يسم قائله. وفتاة: حال مؤكدة. وهند: المخصوص بالمدح. ونطقا: قال العيني تمييز. وقوله: أو بإيماء عطف عليه. قلت: الصواب نصبه على نزع الخافض للتصريح به في المعطوف، أو على الحال، أو المصدر النوعي لبذلت.
705 - وأنشد:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها
__________
(1) انظر ص 57 و 59 والبيت في ديوان جرير 135 والخزانة 4/ 108
(2/862)

تقدم شرحه في شواهد أن المفتوحة الخفيفة، وفي شواهد عل (1).
706 - وأنشد:
قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى (2)
وتمامه:
وأبيّ مالك ذو المجاز بدار
قال المصنف في شواهده: هذا هو المعروف من رواية البيت، وقد أنشد بلفظ:
ذو النخيل (3). قلت: أنشده بلفظ ذو النخيل في الموضعين ثعلب في أماليه. وبعده:
إلّا كداركم بذي نفر الحمى … هيهات ذو نفر من المزدار (4)
707 - وأنشد:
عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا؟
708 - وأنشد:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا … محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق (5)
لم يسم قائله. قال المصنف: سرينا من السرى. وربما صحف بالمعجمة من الشراب. وأضاء: أنار. وبدا: ظهر ولاح. ومحياك: وجهك. والشارق: النجم، وكل مضيء.
__________
(1) انظر ص 857 ه رقم 3 وص 772 ه رقم 2.
(2) الخزانة 2/ 272، واللسان (قدر) و (بخل) ومجالس ثعلب 544
(3) في ثعلب: (ذو النجيل) بالجيم المعجمة، ويروى: (ذو النخيل).
وقوله: (وقد أنشد) أي الكسائي.
(4) في ثعلب: (بذي بقر).
(5) ابن عقيل 1/ 104
(2/863)

709 - وأنشد:
الذّئب يطرقها في الدّهر واحدة … وكلّ يوم تراني مدية بيدي (1)
وقبله:
تركت ضأني تودّ الذّئب راعيها … وأنّها لا تراني آخر الأبد
قوله: (مدية) يروى بالرفع على الابتداء، والنصب مفعول لمحذوف، أي حاملا أو آخذا، أو بدل من الياء. وقال التبريزي: تود متعد لإثنين اجراء له مجرى أفعال الشك واليقين، أو لواحد. وراعيا: حال. وواحدة: نصب على الظرف، أي مرة واحدة. أو صفة لمصدر محذوف، أي طرفة واحدة وكل يوم ظرف لقوله تراني. ومدية بيدي: نصب على الحال، أي تراني حاملا مدية لها. أو بدل من الضمير في تراني بدل اشتمال، أي ترى مدية بيدي. ووجه الرفع أن الضمير في (بيدي) كما يعلق في تذكرته مغن عن الواو، لأن الضمير يعلق العاطف. وقال ابن الصائغ في تذكرته: روى مدية بالنصب والرفع، فالنصب على الحال بتقدير جاعلا مدية بيدي، كما جاء في كلمته فوه إلى فيه بالنصب على معنى جاعلا فاه الى فيّ.
والرفع على أنه مبتدأ. وساغ الإبتداء بالنكرة لأن في الأخبار عنها فائدة كذا.
قال ابن السراج فيما نقل عنه ابن ابان: ويجوز أن يكون المسوغ لذلك كون هذه الجملة حالية وهي على تقدير الوالد. وقد أجازوا الإبتداء بالنكرة إذا كانت بعد واو الحال كقولك: نجم قد أضاء. وقول: وبرمة على النار. وقد نقل لي بعض أصحابنا عن الجزولية الكبرى، وقد وقف عليها: إن فيها من المسوّغات للإبتداء بالنكرة وقوعها بعد واو الحال ظاهرة أو مقدرة على أنه يجوز أن يكون الخبر محذوفا. وبيدي صفة لمدية والتقدير: مدية بيدي أذبح بها، انتهى.
__________
(1) الحماسة 4/ 130 منسوب لآخر.
(2/864)

710 - وأنشد:
عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها … علينا وتبريح من الوجد خانقه (1)
هو لعبد الله بن الدّمينة الخثعميّ، وقبله:
ولمّا لحقنا بالحمول ودونها … خميص الحشا توهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين يعلم أنّه … هو الموت إن لم تصرعنّا بوائقه
عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها … علينا وتبريح من الوجد خانقه
فسايرته مقدار ميل وليتني … بكرهي له ما دام حيّا أرافقه
أراد بالحمول: حمول الظعائن وأثقالها. وبخميص الحشا: قيم المرأة التي شبب بها، أي لطيف طيّ البطن. والعاتق: موضع نجاد السيف من الكتف، وصفه بقلة اللحم لأن ذلك مما يمدح به الرجل، يريد: ان القميص لا يقع من عاتقه على وطئ لأن عظامه غير مكسوّة باللحم. وقليل قذى العينين: وصفه بحدّة النظر، وأنه ليس بعينيه غمص، فهو أحدّ لنظره، وأراد بذلك مراعاة أهله لشدة الغيرة، فنحن نخاف من صولته ان لم تصرف عنا بوائقه. واستعمل تصر في معنى تصرف. وقال المرزوقي: هو كناية عن قلة صبره على دون العار، يقال: فلان لا يغضي على قذى، إذا لم يحتمل ضيما. وقوله: (هو الموت) يصفه بشدة الحمية عند غضبه. والبوائق: الدواهي. وعرضنا: جواب لما. وكارها: أي لقربنا إذ كان يغار على نسائه، ونصبه على الحال. والتبريح: التشديد والوجد، يروى بدله الغيظ، وهو أشد الكرب. وخانقه: يريد أنه امتلأ صدره من الغيظ فارتقى إلى ما فوقه حتى خنقه. وسايرته: صاحبته في السير. ونصب مقدار على الظرف. قاله التبريزي والمرزوقي. وبكر هي في موضع الحال، وعامله: أرافقه وهو خبر ليت.
__________
(1) ديوان أبن الدمينة 53، والشعراء 710، والحماسة 3/ 232، والامالي 1/ 156
(2/865)

711 - وأنشد:
فأقبلت زحفا على الرّكبتين … فثوب نسيت وثوب أجرّ
تقدم شرحه في شواهد (لا) ضمن قصيدة امرئ القيس (1).
712 - وأنشد:
تمرّون الدّيار ولم تعوجوا
تقدم شرحه (2).
713 - وأنشد:
فإن لم تجد من دون عدنان والدا … ودون معدّ فلتزعك العواذل
تقدم شرحه في شواهد ألم (3).
714 - وأنشد:
خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما … وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
أنشده ثعلب ولم يسم قائله. خليلي: منادى حذف منه حرف النداء. والطب مثلث الطاء، وهو مبتدأ حذف خبره، أي موجود. والدنف: بفتح الدال وكسر النون، الذي لازمه المرض، وهو صفة تثنى وتجمع، فإن فتحت النون فهو المرض الملازم نفسه، فلا يثنى ولا يجمع. ويقال: باح بسرّه، إذا أظهره. وقوله:
(فاني) حذف خبره، أي دنف. وقوله: دنفان خبر أنتما.
__________
(1) انظر ص 636 وهو من قصيدة الشاهد رقم 397 ص 635، وانظر ص 638
(2) في شواهد الباء المفردة وانظر الشاهد رقم 139 ص 311.
(3) ص 151
(2/866)

715 - وأنشد:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإنّي وقيّار بها لغريب (1)
قال ابن حبيب: كان ضابيء بن الحارث بن أرطاة بن شهاب بن شراحيل البرجمي رجلا يقتنص الوحش، فاستعار من بني عبد الله بن هوذة كلبا لهم، يقال له قرحان، فكان يصيد به البقر والظباء والضباع، فلما بلغهم ذلك حسدوه فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته: اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء والضباع، فإن عافوا بعضا وأكلوا بعضا تركوا كلبك لك، وإن هم لم يعرفوا بعضه من بعض فلا كلب لك! فلما أطعمهم أكلوه كله ولم يعرفوا بعضه من بعض، ثم أخذوا كلبهم. فقال ضابئ في ذلك:
تجشّم دوني وفد قرحان شقّة … تظلّ بها الوجناء وهي حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنّما … حباهم ببيت المرزبان أمير (2)
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن … أمامة عنّي، والأمور تدور (3)
فإنّك لا مستضعف عن عناية … ولكن كريم ما استطاع فخور
__________
(1) الخزانة 4/ 323، والشعراء 311، والكامل 276، وسيبويه 1/ 38 واللسان 6/ 438، وهو أول الاصمعية رقم 64 ص 212
(2) في الشعراء: (بتاج الهرمزان).
(3) فيا راكبا: بالتنوين على النداء، وكان الاصمعي ينشده بلا تنوين، قال ابو عبيدة: أراد فياركباه، للندبة، فحذف الهاء. عرضت:
أتيت العروض - بفتح العين - وهي مكة والمدينة وما حولهما، وقيل واليمن أيضا. وهذا الصدر:
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ..
تداوله الشعراء، فهو صدر بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي في المفضلية 30، ولمالك بن الريب في الخزانة 1/ 313، ولدريد بن الصمة في الاصمعية رقم 29 ولكعب بن زهير في الخزانة 4/ 151 ولمخارق بن شهاب في الحيوان 6/ 369 فصار كالمثل، وأقدمهم فيما نعلم عبد يغوث.
(2/867)

فأمّكم لا تسلموها لكلبكم … فإنّ عقوق الوالدات كبير
وإنّك كلب قد ضريت بما ترى … سميع بما فوق الفراش بصير
إذا عثّنت من آخر اللّيل دخنة … يبيت لها فوق الفراش هدير
فاستعدى عليه بنو عبد الله بن هوذة عثمان بن عفّان، فأرسل إليه فأقدمه، فأنشدوه الشعر الذي قال في أمهم فقال له عثمان: ما أعرف في العرب رجلا أفحش ولا ألأم منك، فإني لأظن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لو كان حيّا
لنزل فيك قرآن، فقال ضابيء:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإنّي وقيّار بها لغريب
وما عاجلات الطّير يدنين بالفتى … رشادا ولا عن ريشهنّ نجيب (1)
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة … وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه … على نائبات الدّهر حين تنوب
وفي الشّكّ تفريط وفي الحزم قوّة … ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقا ولا أخا … إذا لم تعدّ الشّيء وهو يريب
فقضى عثمان لبني هوذة على ضابيء بجز شعره وخمس إبله، فانحازوا به من المدينة إلى الصاف، فحبسوه عند أمهم الرباب بنت قرط. ضابيء: بالمعجمة والموحدة وهمزة. وقيّار: بفتح القاف وتشديد التحتية، قيل اسم رجل، وقال الخليل: اسم فرسه. وقال ابو زيد: اسم جملة.
__________
(1) في الاصمعيات والكامل:
(... تدني من الفتى .... … رشادا ولا عن ريشهن يخيب)
وفي الكامل: (نجاحا).
(2/868)

716 - وأنشد:
قد كنت داينت بها حسّانا … مخافة الإفلاس واللّيانا (1)
هو لزياد العنبري، وقيل لرؤبة وبعده:
يحسن بيع الأصل والقيانا
داينت: من المداينة. وحسّان: اسم رجل. ومخافة: مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف. والليانا: معطوف على موضع المفعول. ويجوز أن يعطف على مخافة، أي ومخافة الليان، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قاله شارح أبيات الإيضاح: قال: ويجوز أن ينصب على المفعول معه، أي مع الليان، وهو بفتح اللام وكسرها والياء مشددة والكسر، أقيس مصدر وقيل صفة.
ومعناه: الذي يلوى بالحق، أي يمطل به. قال الأعلم: هذا المثال في المصادر قليل لم يسمع إلا في هذا وفي شنيته
شناتا فيمن سكن النون. ويقال: أفلس إذا صار ذا فلوس بعد الدراهم، وفلس: إذا صار عديما. والقيان: جمع قينة، وهي الأمة، سميت بذلك لأنها تصلح من شأن أهلها.
717 - وأنشد:
ما الحازم الشّهم مقداما ولا بطل … إن لم يكن للهوى بالحقّ غلابا
718 - وأنشد:
وما كنت ذا نيرب فيهم … ولا منمش فيهم منمل
أنشده ابن الأعرابي في نوادره، وبعده:
__________
(1) ابن عقيل 2/ 27
(2/869)

أنمش بينهم دائبا … أدب وذو النّملة الموغل
ولكنّني رائب صدعهم … رقوء لما بينهم مشمل
يقال: انمش بينهم ونمش. ورقأ ما بينهم يرقأ إذا أصلح.
719 - وأنشد:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1)
هو لعقبة بن الحارث الأسدي (2) يخاطب معاوية بن أبي سفيان، وصدره:
معاوي، إنّنا بشر فاسجح
وبعده:
أكلتم أرضنا فجردتموها … فهل من قائم أو من حصيد
ذروا خون الخلافة، واستقيموا، … وتأمير الأراذل والعبيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا … فليس لنا ولا لك من خلود
فهبنا أمّة هلكت ضياعا … يزيد أميرها وأبو يزيد
قال التدمري في شرح أبيات الجمل: وقد بان بهذه الأبيات أن الصواب رواية ولا الحديد بالجر، ولكن سيبويه رواه بالنصب فتبعه الزجاج. ومعاوي: ترخيم معاوية. وأسجح: بسين مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة، ارفق من السجاحة، وهي السهولة. وجردتموها: قشرتموها كما يجرد اللحم من العظم. وقوله:
__________
(1) الخزانة 1/ 343 و 2/ 143، وسيبويه 1/ 34 و 352 و 375 و 448
(2) في الخزانة: (عقيبة بن هبيرة الاسدي، شاعر جاهلي اسلامي).
(2/870)

فهل من قائم أو من حصيد
كقوله تعالى: (مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ) يعني القرى التي أهلكت منها قائم قد بقيت حيطانه، ومنها حصيد قد محى أثره. والخون: الخيانة. والتأمير: تفعيل من الأمارة. والأراذل: الخساس من الرذالة، وهي الخساسة، وأصله من رذال المال. ويزيد: هو ابن معاوية.
720 - وأنشد:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلّا ببين غرابها (1)
هو للأحوص اليربوعي، وقال الجاحظ وابن يسعون (2): للرياحي يهجو قوما.
ووقع في شرح أبيات الايضاح عزوه لأبي ذؤيب، وقبله:
فليس بيربوع إلى العقل حاجة … ولا دنس تسودّ منه ثيابها (3)
فليس بنو كى إن كفرتم لهم … هذه أم كيف بعد سبابها (4)
قال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: قصة القصيدة أن حربا وقعت في بني يربوع وبني دارم، فقتل من بني غدانة رجل، يقال له أبو بدر، فقالت بنو يربوع:
لا نبرح حتى نأخذ ثأرنا! ولم يعلم القاتل، فاقبلوا يتفاوضون في أمر الديّة، فقال الأحوص ذلك.
مشائيم: جمع مشؤم (5). والعشيرة: بنو العم ومن يخالطهم. والناعب:
__________
(1) الخزانة 2/ 140، والكامل 342، وسيبويه 1/ 83 و 154 و 418، والحيوان 3/ 133 لابي خولة الرياحي والبيان والتبيين 2/ 204
(2) في البيان 2/ 204 لابي الاحوص الرياحي.
(3) كذا بالاصل، وفي الخزانة والبيان:
سوى دنس تسود منه ثيابها.
(4) في الخزانة والبيان:
فكيف بنوكي مالك ان كفرتم … لهم هذه أو كيف بعد خطابها
(5) وبعده كما في الخزانة: (كمقصور، قال في الصحاح: وقد شأم -
(2/871)

المصوت، وأكثر ما يستعمل في أصوات الغربان. وإذا ذكر في الإبل فإنما يراد به السير والسرعة، لا الصوت. قاله ابن السيرافي. قال: وإنما ذكر هذا البيت على طريق المثل، وإن لم يكن لهم غراب، كما يقال فلان مشؤم الطائر. ويقال: طائر الله لا طائرك. وقال التبريزي: وصف القوم بالشؤم وأنه لا يصلح على أيديهم أمر، وذكر الغراب لأنه عندهم لا ينعب الا بتفريقهم وتقويض خيامهم. وقال ابن يسعون:
يروى (ولا ناعبا) بالنصب، عطفا على مصلحين. وبالرفع على القطع، أي ولا غرابها ناعب إلا ببين. وبالجر على توهم الباء في مصلحين، انتهى.
721 - وأنشد:
غير أنّا لم تأتنا بيقين … فنرجّي ونكثر التّأميلا (1)
722 - وأنشد:
فلقد تركت صبيّة مرحومة … لم تدر ما جزع عليك فتجزع (2)
723 - وأنشد:
وإنّ شفائي عبرة مهراقة … وهل عند رسم دارس من معوّل
تقدم شرحه في شواهده «2».
724 - وأنشد: (3)
تناغى غزالا عند باب ابن عامر … وكحّل مآقيك الحسان بإثمد
__________
= فلان قومه يشأمهم فهو شائم: اذا جر عليهم الشؤم. وقد شيئم عليهم فهو مشئوم: اذا صار شؤما عليهم، وقوم مشائيم، وأنشد البيت.
وقال السيد المرتضى - رحمه الله تعالى -: إن العرب لا تعرف هذا، وانما هو من كلام أهل الامصار، وانما تسمّي العرب من لحقه الشؤم مشئوما، كما في قول علقمة بن عبدة:
ومن تعرّض للغربان يزجرها … على سلامته لابدّ مشئوم
(1) الخزانة 3/ 606
(2) الخزانة 3/ 604، والبيت لمويلك المزموم.
(3) في شواهد هل وانظر ص 772 الشاهد رقم 560
(2/872)

725 - وأنشد:
فناغ لدى الأبواب حورا نواعما … وكحّل مآقيك الحسان بإثمد
هذا من قصيدة لحسان بن ثابت رضي الله عنه وأوّلها:
لعمر أبيك الخير يا شعث ما نبا … عليّ لساني في الخطوب ولا يدي
لساني وسيفي صارمان كلاهما … ويبلغ ما لا يبلغ السّيف مذودي
قوله: شعث: مرخم شعثا. ومذوده: لسانه لأنه يدفع به عن نفسه.
726 - وأنشد:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
تقدم شرحه في شواهد أنّ (1).
727 - وأنشد:
عاضها الله غلاما بعد ما … شابت الأصداغ والضّرس نقد
قال ابن السيرافي: عاضها: عوّضها ممن مات من أولادها غلاما ولدته بعد ما أسنت وشاب رأسها وتكسرت أسنانها، فأحبته أشد محبة لأنها قد يئست أن تلد غيره. والنقد: بالفتح، أكل في الضرس. والفعل نقد بالكسر. وقد استشهد به ابن السكيت على هذه اللفظة.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 261 ص 468
(2/873)

728 - وأنشد:
هوّن عليك فإنّ الأمو … ر بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها … ولا قاصر عنك مأمورها
تقدم شرحهما (1).
729 - وأنشد:
جفوني ولم أجف الأخلّاء إنّني … لغير جميل من خليليّ مهمل
لم يسم قائله. والجفا: خلاف البر، يقال: جفوت الرجل أجفوه. ولا يقال جفيته. والأخلاء: جمع خليل. والجميل: الشيء الحسن، من الجمال وهو الحسن.
ومهمل: اسم فاعل من الإهمال، وهو الترك. يقال: أهملت الشيء إذا خليت بينه وبين نفسه. والهمل: السدى. وقوله: (لغير جميل) متعلق بمهمل الذي هو خبر إن، ومن خليلي صفة لغير جميل، أي كائن من خليلي.
730 - وأنشد:
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا … تميما بجوّ الشّام أم متساكر (2)
731 - وأنشد:
ربّه فتية دعوت إلى ما … يورث المجد دائبا فأجابوا
لم يسم قائله. ودائبا: دائما. وفتية: تمييز، وقد جاء الضمير في ربه مفردا مع كون مميزه جمعا.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 224 ص 427 - 428
(2) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه 481، والخزانة 4/ 65 برواية:
(بجوف الشام).
(2/874)

732 - وأنشد:
ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا … من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما (1)
هو لحسان بن ثابت الأنصاري يرثي بها المطعم بن عدي، والد جبير بن مطعم.
مات ولم يسلم. والدهر: هنا جمع الزمان، وهو منصوب بأخلد وما بقي. وأول الأبيات كما في رواية ابن اسحق:
أعين، ألا ابكي سيّد النّاس واسفحي … بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدّما
وبكى عظيم المشعرين كليهما … على النّاس معروفا له ما تكلّما
فلو كان مجدا يخلد الدّهر واحدا … من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا … عبيدك ما لبّى مهلّ وأحرما
وكان مطعم أجار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قدم الطائف لما دعا ثقيفا الى الاسلام، وهو أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب.
733 - وأنشد:
كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد … ورقّى نداه ذا النّدى في ذرا المجد (2)
لم يسم قائله. والمعنى: كسا حلم الممدوح صاحب الحلم ثياب السيادة، وأعطى عطاه صاحب العطا في أعلا مراتب المجد. وسؤدد: بضم المهملة السيادة.
ورقّى: بتشديد القاف، من الرقى، وهو الصعود والإرتفاع. والندى: بفتح النون العطاء. وذرا: بضم المعجمة جمع ذروة بكسرها. وذروة كل شيء أعلاه.
734 - وأنشد:
وكائن بالأباطح من صديق … يراني لو أصبت هو المصابا (3)
__________
(1) ابن عقيل 1/ 175
(2) ابن عقيل 1/ 175
(3) الخزانة 2/ 454 وديوان جرير 17
(2/875)

هذا من قصيدة لجرير يمدح بها الحجاج بن يوسف، وأولها:
سئمت من المواصلة العتابا … وأمسى الشّيب قد ورث الشّبابا
وبعده:
ومسرور، بأوبتنا إليه … وآخر لا يحبّ لنا إيابا
ومنها.
إذا سعر الخليفة نار حرب … رأى الحجّاج أثقبها شهابا
735 - وأنشد:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء … نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
هو لسواد بن عدي (1).
736 - وأنشد:
فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا (2)
قال الزبير بن بكّار في الموفقيات: حدثني موسى بن زهير بن منظور الفزاري، قال (3): كان رماح بن أبرد المعروف بابن ميادة يتشبب بأم جحدر بنت حسّان المرّية إحدى نساء بني جذيمة بن غيظ، فحلف أبوها ليخرجنّها الى رجل من
__________
(1) الخزانة 1/ 183 و 2/ 534 وامالي ابن الشجري 1/ 217 وسيبويه 1/ 30، والبيت لعدي بن زيد. وقيل لابنه سوادة بن عدي، والصحيح انه لعدي.
(2) الاغاني 2/ 27 (الدار)، وسيبويه 1/ 193
(3) الاغاني 2/ 270 - 272 (الدار).
(2/876)

عشيرته ولا يزوّجها بنجد، فقدم عليه رجل منهم بالشام فزوّجه إياها، فلقى عليها ابن ميّادة شدّة، فرأيته ما لقي عليها، فلما خرج بها زوجها نحو بلاده اندفع يقول:
ألا ليت شعري هل إلى أمّ جحدر … سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا
وهل تأتينّي الرّيح تدرج موهنا … بريّاك يعروري بها دنفا ضرّا (1)
ألمّا على تيماء يسأل يهودها … فإنّ على تيماء من ركبها خبرا (2)
وبالغمر قد جازت وجاز مطيّها … فأهلك روضات ببطن اللّوى خضرا (3)
تدرج: تمضي. وموهنا: بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، نحو من نصف الليل. وبطن اللوى: بكسر اللام، موضع.
737 - وأنشد:
وما شيء حميت بمستباح
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (4).
738 - وأنشد:
فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن … وأنت الّذي في رحمة الله أطمع
__________
(1) في الاغاني: (بها جرعا عقرا). وتعروري: تركب، يقال: اعروري الفرس أو البعير أي ركبه عريا. الخبر - بالضم والكسر -: العلم بالشيء.
(2) هذا البيت ركب فيه صدر بيت على عجز بيت آخر، وصحته كما
(3) في الاغاني:
وبالغمر قد جازت وجاز مطيها … عليه فسل عن ذلك نيان فالعمرا
ويا ليت شعري هل يحلن أهلها … وأهلك روضات ببطن اللوى خضر
(4) انظر ص 44، وهو مع الشاهد رقم 9 ص 42 من قصيدة واحدة لجرير.
(2/877)

تقدّم شرحه (1).
739 - وأنشد:
نصف النّهار الماء غامره … ورفيقه بالغيب ما يدري (2)
هو من قصيدة للمسيب بن علس بن مالك الضبعي (3)، خال الأعشى، أولها:
أصرمت حبل الودّ من فتر … وهجرتها ورضيت بالهجر
ومنها، وهو مخلص المديح:
وإليك أعملت المطيّة من … سهل العراق وأنت بالعهر
قيسا فإنّ الله فضّله … بمناقب معروفة عشر
أنت الرّئيس، إذا هم نزلوا … وتواجهوا كالأسد والنّمر
لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المنوّر ليلة البدر (4)
ولأنت أجود بالعطاء من الرّي … ان لمّا جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ … دعيت نزال ولجّ في الذّعر (5)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 333 ص 559
(2) الخزانة 1/ 542
(3) ينسب الى الاعشى كما في الخزانة يمدح قيس بن معد بكرب.
وليس في ديوان الاعشى.
(4) هذا البيت لزهير، كما في الشعراء 88، وفيه انه للمسيب ص 129، وهو في شرح ديوان زهير 95
(5) البيت ببعض الاختلاف في الخزانة 1/ 545 وهو في الشعراء 88 ينسب الى زهير.
(2/878)

ولأنت أخبأ من مخبّأة … عذراء تقطن جانب الخدر (1)
ولأنت أنطق حين تنطق من … لقمان لمّا عيّ بالفكر
وله جفان يدلجون بها … للمعتفين وللّذي يسر
740 - وأنشد:
لقد كان في حول ثواء ثويته … نقضّي لبانات ويسأم سائم (2)
هذا للأعشى ميمون وقبله وهو مطلع القصيدة:
هريرة ودّعها وإن لام لائم … غداة غد أم أنت للبين واحم
وبعده:
مبتّلة هيفاء رود شبابها … لها مقلتا ريم وأسود فاحم
ووجه نقيّ اللّون صاف يزينه … مع الجيد لبّات لها ومعاصم
وتضحك عن غرّ الثّنايا كأنّها … جنى أقحوان ننبته متناعم
هي العيش لا تدنو ولا يستطيعها … من العيس إلّا المرقلات الرّواسم
قال التدمري: تروى (هريرة) بالرفع والنصب. وهو اسم امرأة. والبين:
الفراق. والواجم: الحزين الكئيب. والحول: السنة. وثواء: ثويته، أي اقامة أقمتها. ويروى: ثويتها، بفتح الثاء، على الخطاب، وضمها على التكلم. وفي الأغاني: عن يونس قال: كان عمرو بن العلاء يضعف قول الأعشى:
__________
(1) في الخزانة:
(ولأنت أحيا ... جانب الكسر).
(2) ديوان الاعشى 77 ق 9
(2/879)

لقد كان في حول ثواء ثويته
جدا، ويقول: ما أعرف له معنى ولا وجها يصح. وقال أبو عبيدة: معناه في ثواء حول ثويته. واللّبانات: الحاجات،
واحدها لبانة. ويسأم سائم، أي يمل ملول من السآمة، وهي الملالة. والمبتلة: التامة الأعضاء. والهيفاء: الرقيقة الخصرين. ورود: رطب. والوردة والرادة: الناعمة. والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض والسواد. والجيد: العنق. واللبات: واحدها اللبة، يعني النحر، وهو موضع القلادة من العنق. والمعاصم: جمع معصم، وهو موضع السوار من اليد، وأسفل من ذلك قليلا.
741 - وأنشد:
كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
تقدّم شرحه (1).
742 - وأنشد:
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا
تقدّم شرحه في شواهد إلى (2).
743 - وأنشد:
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم … لاقى مباعدة منكم وحرمانا
تقدّم شرحه في شواهد حرف الميم ضمن قصيدة جرير (3).
__________
(1) انظر ص 642، الشاهد رقم 400
(2) انظر ص 227 وهو مع الشاهد رقم 113 ص 226 من قصيدة واحدة.
(3) انظر ص 712.
(2/880)

744 - وأنشد:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى … وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
قال العيني (1): قيل أن قائله من المولدين، فعلى هذا ليس من شرط شواهد الكتاب.
745 - وأنشد:
طول اللّيالي أسرعت في نقضي … نقضن كلّي ونقضن بعضي (2)
قال الجاحظ في البيان (3): رأى معاوية هزاله وهو متعر فقال:
أرى الّليالي أسرعت في نقضي … أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وطوين عرضي … أقعدنني من بعد طول النّهض
وقال العيني في الكبرى (4): البيتان للأغلب العجلي، وكان من المعمرين.
وأورد الأوّل بلفظ المصنف، والثاني:
حنين طولي وطوين عرضي (5)
والبيت استشهد به المصنف على تأنيث أسرعت مع عوده إلى طول، وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف اليه. وعلى رواية الجاحظ: (أرى الليالي) لا شاهد فيه.
وفي شرح سيبويه للزمخشري: هذا الرجز للأغلب، وقيل للعجاج، وأوّله:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضي … منفّها أروح مثل النّقض (6)
طول اللّيالي أسرعت في نقضي … طوين طولي وحنين عرضي
__________
(1) 3/ 396
(2) الخزانة 2/ 168 وسيبويه 1/ 26 والمعمرين رقم 106 والمخصص 17/ 78.
(3) 3/ 257 وفيه: (وتركن عرضي ..)
(4) 3/ 395
(5) يلاحظ أن هذه الرواية هي الرواية التي انشدها السيوطي عن الجاحظ، وهذا خطأ، وصحة رواية الجاحظ: (... وتركن عرضي).
(6) المنفه: الضعيف. والنقض: البعير أعياه السير واهزله.
(2/881)

ثمّ انتحين عن عظامي مخضي … أقعدنني من بعد طول نهضي
وفي الأغاني (1): هذا الرجز للأغلب العجلي، وهو الأغلب بن جشم، أحد المعمرين، عمّر في الجاهلية عمرا طويلا وأدرك الاسلام فأسلم، وحسن إسلامه.
وهاجر وتوجه الى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، واستشهد في وقعة نهاوند، يقال إنه أوّل من رجز الأراجيز فجعلها قصائد وتبعه الناس.
746 - وأنشد:
وتشرق بالقول الّذي قد أذعته … كما شرقت صدر القناة من الدّم (2)
هو للأعشى من قصيدة أولها (3):
ألا قل لتيّا قبل بينتها اسلمي (4) … تحيّة مشتاق إليها متيّم
تيا: تصغير (تا) من أسماء الاشارة. ويشرق: من شرق بريقه إذا غص: وهو من باب علم يعلم. وأذعته، بالذال المعجمة والعين المهملة، من الإذاعة، وهي الإفشاء. والقناة: الرمح. وأنث شرقت، وإن كان مسندا الى صدر وهو مذكر، لأنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه.
747 - وأنشد:
ستعلم ليلى أيّ دين تداينت … وأيّ غريم للتّقاضي غريمها
تقدّم شرحه (5).
__________
(1) 18/ 164
(2) ديوان الاعشى 123
(3) ديوانه ص 119 ق 15
(4) في الديوان (مرّتها ...)
(5) انظر الشاهد 655 ص 834
(2/882)

748 - وأنشد:
كأنّ ثبيرا في عرانين وبله … كبير أناس في بجاد مزمّل
هو من معلقة امرئ القيس المشهورة (1). وثبير: جبل. وعرانين: جمع عرنين، وهو الأنف.
749 - وأنشد:
وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل … يسؤك، وإن يكشف غرامك تدرب
تقدّم شرحه في شواهد أن المفتوحة الخفيفة ضمن قصيدة امرئ القيس (2).
750 - وأنشد:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا … وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع
تقدّم شرحه في الكتاب الثاني (3).
751 - وأنشد:
لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما … على حين يستصبين كلّ حليم
التحلّم: بتشديد اللام، تكلف الحلم، بكسر الحاء، وهو الأناة، ونصبه على الحال بمعنى متحلمها، أو المفعول له. واستصبيت فلانا: جعلته في عداد الصبيان.
والبيت استشهد به على بناء حين لأضافته الى المضارع المبني.
752 - وأنشد:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني … نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر
__________
(1) وهو في شرح القصائد السبع الطوال ص 106 وانظر الصحائف:
20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652 و 772 و 782 و 857 و 863 و 901.
(2) انظر ص 92
(3) انظر ص 816
(2/883)

تقدّم شرحه في شواهد أما المخففة (1).
753 - وأنشد:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني … كريم على حين الكرام قليل
وأنّي لا أخزى إذا قيل مملق … سخيّ وأخزى أن يقال بخيل
هما لموبال بن جهم المدحجي، وقيل لمبشّر بن الهذيل الفزاري، وبعدهما (2):
وإن لا يكن عظمي طويلا فإنّني … له بالخصال الصّالحات وصول
إذا كنت في القوم الطّوال فضلتهم … بعارفة حتّى يقال طويل
ولا خير في حسن الجسوم وطولها … إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
وكم قد رأينا من فروع طويلة … تموت إذا لم يحيهنّ أصول
ولم أر كالمعروف، أمّا مذاقه … فحلو وأمّا وجهه فجميل
عمرك الله: من عمر الرجل، بالكسر، يعمر، وعمرا: بفتح العين وضمها، أي عاش زمانا طويلا، استعمل في القسم بأنفسهم. أحدهما: وهو المفتوح، فإذا أدخل عليه اللام رفع على الإبتداء، والخبر محذوف. وإن لم يدخل عليه نصب
نصب المصادر، فيقال: عمر الله ما فعلت كذا. وعمرك الله ما فعلت. ومعنى لعمر الله وعمر الله: أحلف ببقاء الله ودوامه. ومعنى عمر الله: أحلف بتعميرك الله، أي باقرارك له بالبقاء. ويأتي بمعنى سألت الله أن يطيل عمرك، من غير ارادة للقسم، وهو المراد هنا (3). ويا: هنا للتنبيه، وللنداء. والمنادى محذوف. والبيت
__________
(1) انظر ص 169 - 170 وهو مع الشاهد رقم 71 من قصيدة واحدة.
(2) معجم الشعراء 446
(3) قال الدماميني:
يا عمرك: يا تنبيهية، أو المنادى محذوف، وعمرك منصوب بمحذوف، أي أعمر عمرك بالله، أي أعمر قلبك بتذكير الله. وقال الامير في حاشيته 2/ 115: ويروى برفع اسم الجلالة على أن فاعل والمصدر مضاف للمفعول.
(2/884)

استشهد به على إعراب حين لإضافته إلى جملة صدرها معرب. وروى (حين) بالفتح على البناء، وهو قليل.
754 - وأنشد:
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني … وتلك الّتي تستكّ منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله … وذلك، من تلقاء مثلك، رائع
تقدّم شرحهما في الكتاب الثاني (1).
755 - وأنشد:
ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدى (2)
756 - وأنشد:
قد جعل النّعاس يغرنديني … أطرده عنّي ويسرنديني (3)
757 - وأنشد:
كما عسل الطّريق الثّعلب
تقدّم شرحه في شواهد الخطبة (4).
758 - وأنشد:
وما زرت ليلى أن تكون حبيبة … إليّ، ولا دين بها أنا طالبه (5)
__________
(1) انظر الشاهد رقم 622 ص 816
(2) عجز بيت وصدره:
اذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ...
وينسب لعدي بن زيد. وقبله:
عن المرء لا تسال وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي
وانظر حاشية الامير 2/ 115.
(3) قوله: يغرنديني بالغين المعجمة يعلوني ويغلبني وبمعناه يسرنديني (الشنقيطي) وهو منقول عن المغني.
(4) انظر الشاهد رقم 2 ص 17
(5) ديوان الفرزدق 1/ 93
(2/885)

هو للفرزدق من قصيدة يمدح بها المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، أوّلها:
تقول ابنة الغوثاء: مالك ههنا … وأنت تميميّ مع الشّرق جانبه
فقلت لها: الحاجات يطرحن بالفتى … وهمّ تعناني معنى ركائبه
وبعده البيت:
ولكن أتينا خندفيّا كأنّه … هلال غيوم زال عنه سحائبه
قوله: ولادين: بالجر عطف على أن، لأنه في تقدير لأن. وقوله: (بها) متعلق بطالبه. والباء بمعنى من. وجملة أنا طالبه صفة لدين.
759 - وأنشد:
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن كرم عجاف
قال المبرد في الكامل (1): من ظريف أخبار الخوارج (2) قول قطريّ بن الفجاءة المازني لأبي خالد (القنانيّ) «3» وكان من (قعد) (3) الخوارج:
أبا خالد إنفر فلست بخالد … وما جعل الرّحمن عذرا لقاعد
أتزعم أنّ الخارجيّ على الهدى … وأنت مقيم بين لصّ وجاحد
فكتب اليه أبو خالد:
لقد زاد الحياة إليّ حبّا … بناتي، إنّهنّ من الضّعاف
__________
(1) ص 894 - 895
(2) في الكامل: (من طريف) بالطاء المهملة.
(3) مزيدة من الكامل.
(2/886)

أحاذر أن يرين الفقر بعدي … وأن يشربن زيفا بعد صاف (1)
وأن يعرين إن كسي الجواري … فتنبو العين عن كرم عجاف (2)
ولولا ذاك قد سوّمت مهري … وفي الرّحمن للضّعفاء كاف
وزاد بعضهم فيه:
أبانا من لنا إن غبت عنّا … وصار الحيّ بعدك في اختلاف
قال المبرد: وهذا خلاف ما قاله عمران بن حطّان، وكان رأس القعدة من الصّفرية لما قتل أبو بلال مرداس ابن أدّية:
لقد زاد الحياة إليّ بغضا … وحبّا للخروج أبو بلال
أحاذر أن أموت على فراشي … وأرجو الموت تحت ذرى العوالي (3)
فمن يك همّه الدّنيا فإنّي … لها والله ربّ العرش قالي (4)
وأوردها صاحب الحماسة البصرية بلفظ:
مخافة أن يرين البؤس بعدي
وبلفظ:
فيبدي الضّرّ عن رئم عجاف
وزاد بعد هذا البيت:
__________
(1) كذا بالاصل، وفي الكامل: (رنقا) والرنق بالكدر.
(2) العجاف - جمع عجفاء -، وهو جمع شاذ، والعجفاء: الهزيلة التي ذهب سمنها.
(3) وبعده كما في الكامل 896:
ولو انّى علمت بأن حتفي … كحتف أبي بلال لم ابال
(4) في الكامل برؤية: (رب البيت).
(2/887)

وأن يضطرّهنّ الدّهر بعدي … إلى فجّ غليظ القلب جاف
وقال: هي لعمران بن حطّان. وذكر المدائني: إنه لعيسى الخطمي.
760 - وأنشد:
وأركب في الرّوع خيفانة … كسا وجهها سعف منتشر
تقدّم شرحه في شواهد لا (1).
__________
(1) انظر ص 636 وهو مع الشاهد رقم 397 ص 635 من قصيدة واحدة
(2/888)

الكتاب الخامس
761 - وأنشد:
لا يبعد الله التّلبّب وال … غارات إذ قال الخميس نعم (1)
هو من قصيدة للمرقش الأكبر، واسمه عمرو وقيل عوف بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن ثعلبة. وأول القصيدة (2):
هل بالدّيار أن تجيب صمم … لو كان رسما ناطقا كلّم
الدّار قفر والرّسوم كما … رقّش في ظهر الأديم قلم
وبهذا البيت سمي مرقشا (3). ومنها:
النّشر مسك والوجوه دنا … نير وأطراف الأكفّ عنم (4)
ومنها:
ليس على طول الحياة ندم … ومن وراء المرء ما يعلم
يهلك والد ويخلف مو … لود وكلّ ذي أب يلتم (5)
__________
(1) المفضليات 240
(2) المفضلية رقم 54
(3) انظر الشعراء 162 واللسان 8/ 195
(4) اصلحنا: (الشعر مسك)، وفي المفضليات (اطراف البنان عنم).
(5) في المفضليات (ييتم) بيائين.
(2/889)

وبعده البيت (1):
والعدو بين المجلسين إذا … ولّى العشيّ وقد تنادى العمّ
فائدة:
قال الأموي: المرقش هذا هو الأكبر، وأما المرقش الأصغر فهو ابن أخي المرقش الأكبر، اسمه ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
والمرقش الأصغر عم طرفة بن العبد. ولهم مرقس، بفتح الميم والقاف وسين مهملة، طائي أحد بني معن بن عبود، واسمه عبد الرحمن. ولهم يرقش، بالياء، شاعر تميمي مدح العباس.
762 - وأنشد:
تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة … بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
تقدّم شرحه في شواهد لو (2).
763 - وأنشد:
يبسط للأضياف وجها رحبا … بسط ذراعيه بعظم كلبا (3)
764 - وأنشد:
تركت بنا لوحا ولو شئت جاءنا … بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح (4)
هذا من قصيدة لجرير يمدح بها عبد العزيز بن مروان، أولها (5):
__________
(1) اي بعد بيت الشاهد.
(2) انظر ص 642، وهو مع الشاهد رقم 401 من قصيدة واحدة.
(3) في المغني: (لعظم كلبا).
(4) ديوانه 100 وفيه: (ولو شئت جادنا) كما في المغني.
(5) الديوان 99 - 103
(2/890)

أربّت بعينيك الدّموع السّوافح … فلا العهد منسيّ ولا الرّبع نازح (1)
وقبل هذا البيت:
منعت شفاء النّفس ممّن تركته … به كالجوى ممّا تجنّ الجوانح
وبعده:
رأيت مثيل البرق تحسب أنّه (2) … قريب وأدنى صوبه منك نازح
ومنها:
مدحناك يا عبد العزيز وطالما … مدحت فلم يبلغ فعالك مادح
تفدّيك بالآباء في كلّ موطن … شباب قريش والكهول الجحاجح
والأرباب: الاقامة. واللزوم: للشيء. واللوح: العطش، يقال: لاح يلوح لوحا بالفتح، إذا عطش، وأمّا لاح بمعنى لمع ظهر فمصدره لواح، شبه ثغرها لبياضه بالثلج. وناصح: خالص البياض ناصح. وأضافه إلى كرمان لأنها بلاد ثلج.
765 - وأنشد:
أفنى تلادي وما جمّعت من نشب … قرع القوارير أفواه الأباريق (3)
هذا للأقيشر، واسمه المغيرة بن الأسود الأسدي (4). وقبله:
أقول والكأس في كفّى أقلّبها … أخاطب الصّيد أبناء العماليق
__________
(1) في الديوان: (بارح).
(2) في الاصل: (رأيتك مثل البرق لم يحسب أنه) كذا.
(3) المؤتلف والمختلف 56 والشعراء 543، والعيني 3/ 508 - 509، والخزانة 2/ 282، والاغاني 11/ 276 (الدار)، واللسان 7/ 263 ورسالة الغفران 53.
(4) وكذا في الشعراء 541 وخالفه صاحب الاغاني.
(2/891)

لا تشربن أبدا راحا مسوّدة … إلّا مع الشّمّ أبناء البطاريق (1)
الصيد: بالكسر، جمع أصيد، وهو الملك الذي لا يلتفت الى غيره. والراح:
الخمر. والمسودة: المتوالية. والشم: جمع أشم، مأخوذ من الشمم في الأنف.
ويروى بدله: (الغرّ) جمع أغرّ، والبطاريق: كبار الروم، الواحد بطريق.
والتلاد: المال القديم. والنشب: بالمعجمة، المال الأصيل. والقوارير: جمع قارورة. ويروى: القواقيز، بقافين وزاي جمع قاقوزة، وهي أوان يشرب بها (2).
وأفواه: يروى بالرفع فاعلا، وبالنصب مفعولا، لأن من قرعك فقد قرعته.
والأباريق: جمع ابريق. والبيت استشهد به على إضافة المصدر الى مفعوله على الأولى، والى فاعله على الثانية.
766 - وأنشد:
أظلوم؟ إنّ مصابكم رجلا … أهدى السّلام تحيّة ظلم (3)
هو للعرجى، كذا قال الحريري في درة الغواص وغيره. وقال العيني (4):
الصحيح انه للحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، وكذا في الاغاني من قصيدة أوّلها:
__________
(1) في الاغاني: لا أشربن أبدا راحا مسارقة، وفي حاشية الامير (مسودة) وفسرها: المتوالية كما هو هنا في الشرح.
(2) القواقيز: ضرب من الرواطيم وهو الكؤوس الصغيرة، واضافة القرع الى القواقيز من اضافة المصدر الى فاعله، وأفواه الاباريق مفعوله. ويروى برفع الافواه، فيكون المصدر مضافا الى مفعوله، والافواه فاعله. وفي الاصل (القواقير) بقافين وراء، وهو خطأ لا يصح، أو تحريف.
(3) ذيل ديوان العرجي ص 193 (اظليم)، وامالي ابن الشجري 1/ 93 بدون نسبة. ومعجم ما استعجم 504 للحارث بن خالد، وكرواية ذيل الديوان والاغاني 8/ 132 (ساسي).
(4) 3/ 502
(2/892)

أقوى من آل ظليمة الحرم … فالعيرتان فأوحش الحطم (1)
وبعد هذا البيت:
أقصيته وأردت سلمكم (2) … فليهنه إذ جاءك السّلم
ومنها:
لفّاء ممكور مخلخلها … عجراء ليس لعظمها حجم (3)
خمصانة قلق مرشّحها (4) … رود الشّباب علابها عظم
أقوى: خلا. وظليمة: تصغير ظلمة (5)، وهي أم عمران زوجة عبد الله بن مطيع. وكان الحارث يتشبب بها ولما مات زوجها تزوّجها بعده. والحرم: بضم الحاء، موضع. وكذا العيرتان بفتح العين المهملة وسكون التحتية. والحطم:
بضم الحاء وسكون الطاء المهملتين كلاهما موضعان. ولفاء: ضخمة الفخذين مكتنزة. ومخلخلها: موضع خلخالها، وهو الساق. يقال: امرأة ممكورة الساقين أي حدلاء. وعجراء، بمهملة وجيم وراء، سمينة، كذا قاله العيني. ورأيته في الأغاني بالزاي. وخمصانة: بضم الخاء المعجمة ضامرة البطن. ورود الشباب:
حسنته. والرادة: الشابة الناعمة. والعلاب، بكسر المهملة، وسم في طول العنق.
__________
(1) كذا بالاصل، وصحتها كما في ذيل ديوان العرجي:
أقوى من آل ظليمة الحزم … فالغمرتان فأوحش الخطم
وفي معجم ما استعجم روى (الحزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، وفيه (الخطم)، وهو موضع بقرب المدينة، والحزم:
أمام الخطم على يسار طريق نخلة. وفي تاج العروس للزبيدي، عن الزبير بن بكار: العيرة: الجبل الذي عند الميل، على يمين الذاهب الى منى. العير: الجبل الذي يقابله، فهما العيرتان، وأياهما عنى الحارث بن خالد المخزومي في قوله ...).
(2) في اللسان: (أقصدته ... إذ جاءه فلينفع). وفي ذيل الديوان 194 (وأراد).
(3) رواية ذيل الديوان. (هيفاء مملوء مخلخلها - عجزاء).
(4) رواية ذيل الديوان (موشّحها).
(5) في اللسان: (تصغير ظلوم أو ظليم).
(2/893)

ويقال: علب اللحم، اذا اشتدّ. قوله: أظلوم، يروى: (أظليم) وهو الصحيح، وهو مرخم ظليمة. ومصابكم: مصدر ميمي بمعنى أصابتكم، وقد عمل عمل الفعل فأضيف الى فاعله. ورجلا: مفعول. والبيت استشهد به المصنف على ذلك.
ومصابكم، اسم إن والخبر ظلم. وجملة: أهدى السلام، صفة رجلا، وتحية مصدر أهدى السلام من باب قعدت
جلوسا.
قال الصولي في كتاب الأوراق: حدّثنا القاسم بن إبراهيم وعون بن محمد وعبد الواحد بن عباس والطيب بن محمد بن يزيد، بعضهم عن بعض، قالوا: حدّثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق لي أن مخارقا غنى في مجلسه:
أظليم إنّ مصابكم رجلا … أهدى السّلام إليكم ظلم
فقال مخارق: (رجل) فتابعه بعض من حضر وخالفه الباقون، فسأل الواثق عمن بقي من النحويين فذكرت له، فأمر بحملي، فلما دخلت إليه وسلمت عليه قال لي:
ممن الرجل؟ فقلت: من بني مازن. قال: من مازن تميم أم مازن قيس أم مازن يمن. قلت: من مازن ربيعة. قال لي: ما اسبك. وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت، على القياس: أبي بكر. فضحك وقال: اجلس، واطمئن فسألني عن البيت فأنشدته:
إنّ مصابكم رجلا. فقال: أين خبر أن. قلت: ظلم الحرف الذي في آخر البيت. أما ترى يا أمير المؤمنين أن البيت كله مغلق لا معنى له حتى يتم بهذا الحرف، إذا قال:
أظليم إنّ مصابكم رجلا … أهدى السّلام إليكم ...
فكأنه ما أفاد شيأ حتى يقول ظلم. قال: صدقت، قال: ألك ولد؟ قلت: بنية لا غير. قال: فما قالت حين ودّعتها؟ قلت: أنشدت شعر الأعشى (1):
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيل … وإنّا سواء ومن قد يتم (2)
__________
(1) ديوانه ص 41 من رقم 4
(2) ديوانه ص 41 من القطعة 4.
(2/894)

أبانا فلا رمت من عندنا … فإنّا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلا … د نجفى وتقطع منّا الرّحم
قال: فما قلت لها. قلت: ما قال جرير:
ثقي بالله ليس له شريك … ومن عند الخليفة بالنّجاح
قال: ثق بالنجاح إن شاء الله، إن ههنا قوما يختلفون الى أولادنا فامتحنهم، فمن كان عالما ينتفع به ألزمناه إياهم،
ومن كان بغير هذه الصفة قطعناه عنهم، فاجمعوا اليّ، فامتحنتهم، فما وجدت طائلا فحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد. فلما رجعت، قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقون في غيرها، وكل يحتاج إليه. فقال: إني خاطبت منهم واحدا فكان على غاية الجهل في خطابه! قلت: يا أمير المؤمنين، أكثر من تقدّم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدت فيهم:
إنّ المعلّم لا يزال مضعّفا … ولو اعتلى فوق السّما بلواء
من علّم الصّبيان أصبوا عقله … حتّى بني الخلفاء والأمراء
فأعجبه ذلك وأمر لي بألف دينار. أخرجه في الأغاني من طريق الصولي.
767 - وأنشد:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه … بضاحي غداة أمره وهو ضامر (2)
هو للشماخ، وقبله:
كأنّ قتودي فوق جائب مطرد … من الحقب لاحته الجداد العواذر
طوى ظمئها في جمرة القيظ بعد ما … جرت في عنان الشّعرتين الأماغر
(1) ديوانه 98، وانظر حاشية الامير 2/ 119.
__________
(2) كذا بالاصل، وفي المغني: (يضاحي غداة أمره وهو ضامز) ويلاحظ قافية البيت برواية ابن هشام الزاي فيما يورد السيوطي أبيات من القصيدة على قافية الراء المهملة.
(2/895)

فظلّت بأعراف كأنّ عيونها … إلى الشّمس هل تدنو ركىّ نواكر
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه … بضاحي عداة أمره وهو ضامر
فلمّا رأين الورد منه عزيمة … مضين ولاقاهنّ خلّ مجاور
القتود: أداة الرحل وأعواده. والجائب: الحمار الغليظ. والمطرد: مفعل من الطرد، وهو مطاردة الصائد اياه. والحقب: جمع أحقب، وهو الحمار الأبيض الحقوين. ولاحته: غيرته. والجداد: اليابسات اللبن، واحدها جدود. والعواذر:
القليلات اللبن، واحدها عاذر. والظمؤ: مدّة بقاء الحمار بلا شرب. وجمرة القيظ:
أحرّ القيظ وأشدّه. والقيظ: صميم الحرّ. وعنان الشعرتين أوّل حرّهما.
والشعرتان: كوكبان، يقال لاحدهما العميصاء، وللأخرى اليمانية، وهي العبور.
والأماغر: جمع أمغر، وهي الأرض الغليظة ذات الحجارة. وجرى الأماغر ههنا سيلانها، وهو كناية عن السراب. وظلت: أقامت. والأعراف: ظهور الرمال، واحدها عرف. والركى الآبار، واحدها ركية. والنواكر: الغوائر التي جف أكثر مائها. والضاحي: البارز من الأرض للضحى، وهو الشمس. والعداة: الأرض الكريمة الطيبة. والضامر: الساكت. والورد: طلب الماء. والخل: الطريق في الرمل. والمجاور: النافذ الى غيره.
فائدة:
الشماخ، اسمه معقل، وقيل الهشيم بن ضرار بن سنان. وقيل ابن حرملة الذبياني، صحابي. وهو وأخوه مزرد شاعر أيضا، وكذا أخوه جزء. قال الحطيئة في وصيته: أبلغوا الشماخ أنه أشعر غطفان (1).
768 - وأنشد:
أتقرح أكباد المحبّين كالّذي … أرى كبدي من حبّ بثنة يقرح
هو من قصيدة لجميل أوّلها:
__________
(1) انظر ص 475
(2/896)

أمن آل ليلى تغتدي أم تروّح … وللمغتدي أمضى هموما وأسرح
ومنها:
إذا أنت لم تظفر بشيء طلبته … فبعض التّأنّي في اللّبانة أنجح
فو الله ما يدري جميل بن معمر … أليلى بقوّ أم بثينة أنزح
وكلتاهما أمست ومن دون أهلها … لعوج المطايا والقصائد مسبح
سلوا الواحدين المخبرين عن الهوى … وذو البثّ أحيانا يبوح فيصرح
أتقرح أكباد المحبّين كالّذي … أرى كبدي من حبّ بثنة يقرح
أسرح: أعجل. والتأبي: الرفق. واللبانة: الحاجة. والعوج: الضوامر.
ومسبح: مذهب (1) بعيد.
769 - وأنشد:
إذا شاؤوا أضرّوا من أرادوا … ولا يألوهم أحد ضرارا (2)
770 - وأنشد:
إنّك إن يصرع أخوك تصرع (3)
__________
(1) وفي حاشية الامير 2/ 128: القرح: الجرح والضعف، أي كالقرح الذي ارى كبدي، على أن يقرح بالتحتية.
(2) في المغني برواية: (اذا ما شاء ضروا ...) وبرواية السيوطي لا شاهد فيه، اذ أن الشاهد فيه هو حذف واو الجماعة وبقاء الضمة في (شاء).
(3) ابن عقيل 2/ 132 وسيبويه 1/ 436 وامالي ابن الشجري 1/ 71 ولم ينسبه.
(2/897)

هو لجرير بن عبد الله البجلي. وقال الصغاني: هو لعمرو بن جثارم العجلي (1) وصدره:
يا أقرع بن حابس يا أقرع
والبيت استشهد به على رفع جزاء الشرط مع كون فعل الشرط مضارعا، وخرج على انه ليس بالجواب بل خبر إن. وجملة الشرط وقعت حشوا بين أن وخبرها، والجواب محذوف لدلالة الخبر عليه.
771 - وأنشد:
خليليّ ما واف بعهدي أنتما
لم يسم قائله. وتمامه:
إذا لم تكونا لي على من أقاطع
قوله: أقاطع من قاطع أخاه وقطعه.
772 - وأنشد:
وحبّذا نفحات من يمانية
تقدّم شرحه في حرف الميم ضمن قصيدة جرير (2).
773 - وأنشد:
ألا حبّذا لولا الحياء وربّما … منحت الهوى ما ليس بالمتقارب (3)
__________
(1) في معجم الشعراء 60 (الخثارم) بالخاء الفوقية من بني عشيرة، جاهلي.
(2) انظر ص 713، وهو مع الشاهد رقم 481 ص 711 من قصيدة واحدة.
(3) الحماسة 3/ 340، وفيه: (لو ما الحياء ...).
(2/898)

هو لمرّار بن همّاس الطائي، ويقال لمرداس بن همّاس (1). وقبله:
هويتك حتّى كاد يقتلني الهوى … وزرتك حتّى لا مني كلّ صاحب
وحتّى رأى منّي أعاديك رقّة … عليك، ولولا أنت مالان جانبي
قال أبو العلاء: تقدير البيت: ألا حبذا ذكر هذه النساء لولا أنني أستحيي أن أذكرهنّ. فألا: للتنبيه. وحبذا: كلمة المدح. وقوله: (وربما .. الخ) أي وربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوّه. ويروى: من ليس، أي ربما أحببت من لا ينصفني ولا مطمع فيه، فما أو من موصولة مفعول ثان لمنحت، وجملة ليس بالمتقارب صلتها. والبيت استشهد به على حذف المخصوص بالمدح كما تقدّم تقريره.
774 - وأنشد:
وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن … بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل (2)
هذا من قصيدة للشنفرى الأزدي وأوّلها (3):
أقيموا بني عمّي صدور مطيّكم … فإنّي إلى أهل سواكم لأميل
فقد حمّت الحاجات واللّيل مقمر … وشدّت لطيّات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى … وفيها لمن خاف القلى متحوّل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ … سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
__________
(1) في الحماسة: (ابن همام) والبيتان التاليان في معجم الشعراء 445 وسماه المرزباني: (مرار بن ميّاس).
(2) ابن عقيل 1/ 128
(3) ذيل الامالي 203 - 206
(2/899)

حمت الحاجات: أي قدّرت. والطيات: جمع طية، وهي الحاجة. والمطايا:
جمع مطية. والأرحل: جمع رحل البيت. ومنأى: مفعل من النأي، وهو البعد.
والقلى: بكسر القاف، البغض والعداوة. والأجشع: بجيم وشين معجمة وعين مهملة، أفعل من الجشع، وهو الحرص على الأكل، وفعله جشع بالكسر. ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
لئن كان من جنّ لأبرح طارقا … وإن يك إنسا ماكها الإنس تفعل (1)
وقد استشهد به النحاة على جر الكاف الضمير شذوذا.
775 - وأنشد:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا … فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد
قال ابن يسعون في شرح شواهد الايضاح: العصا هنا: الجماعة. ضرب انشقاق العصا مثلا في اختلاف الأقوام لهول المقام، وإن الضحاك فيه أعني حسام، وإنما ضرب المثل بها لقلة جدائها عند افتراق أجزائها. قال: والبيت استشهد به الفارسي على مدّ الهيجاء. قال: ويروى الضحاك بالرفع والنصب والجر. فالرفع على انه مبتدأ خبره سيف وخبر حسبك محذوف لدلالة الكلام عليه، لأنه في معنى الأمر، أي فلتكثر ولتشق، والضحاك سيفك الأوثق. والنصب على أنه مفعول معه مبتدأ وسيف خبره. والمعنى: كافيك سيف مع صحبة الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه. والجر على أن الواو واو قسم أو عطفا على الكاف في حسبك. قال: وكلاهما مخالف للمعنى، لأن القصد الإخبار بأن الضحاك نفسه هو السيف الكافي لا الاخبار بأن المخاطب يكفيه ويكفي الضحاك سيف.
__________
(1) في ذيل الامالي 206: (فإن يك من ...)
(2/900)

776 - وأنشد:
ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له (1)
777 - وأنشد:
خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا
هو من معلقة امرئ القيس، وقد تقدّم شرحه في شواهد لو (2).
778 - وأنشد:
عهدت سعاد ذات هوى معنّى … فزدت، وعاد سلوانا هواها
لم يسم قائله. والمعنّى: الأسير في الحب، من عناه يعنيه. والعاني: الأسير.
وسلوان: بضم السين، بمعنى السلوة. قال الأصمعي: يقول الرجل لصاحبه سقيتني سلوة وسلوانا، أي طيبت
نفسي عنك. ويقال: السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو. ومعنى البيت: أنه لما كان مغرما بها كانت خالية، فلما زاد سلوانا زادت هي غراما. وقوله: ذات هوى: حال من المفعول، وهو سعاد. ومعنى: حال من الفاعل في عهدت.
779 - وأنشد:
ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه (3)
لم يسم قائله. وتمامه:
ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
نؤوه: من آواه يؤويه ايواء. والهضم: الظلم، وقوله: ويخضع بالنصب
__________
(1) صدر بيت وعجزه:
وطع فطاعة مهد نصحه رشد
وقائله مجهول.
(2) انظر ص 652، وانظر من المعلقة ص 20 و 96 و 97 و 360 و 451 و 463 و 558 و 652 و 772 و 782 و 857 و 863 و 883.
(3) ابن عقيل 2/ 134
(2/901)

بإضمار أن بعد الواو العاطفة على الشرط قبل الجواب.
780 - وأنشد:
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما (1)
هو للبيد من أبيات قالها قرب وفاته وتمامه:
وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر … فقوما فقولا بالّذي تعلمانه
ولا تخمشا وجها وتحلقا شعر … وقولا هو المرء الّذي لا صديقه
أضاع ولا خان الخليل ولا غدر … إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
قوله: الى الحول متعلق بقولا. وقوله: ثم اسم السلام عليكما، كناية عن الأمر بترك ما كان قد أمرهما به من القول والبكاء. ولفظ اسم مقحمة. والمعنى:
ثم السلام. وقد استشهد به البيضاوي في تفسيره، وابن أم قاسم في شرحه على ذلك.
781 - وأنشد:
من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
تقدم شرحه في الكتاب الثاني ضمن قصيدة النابغة (2).
782 - وأنشد:
ولست بالأكثر منهم حصى … وإنّما العزّة للكاثر (3)
__________
(1) الخزانة 2/ 219 و 4/ 454. وانظر شرح القصائد العشر 513 وفيه:
(تخاف ابنتاي ...).
(2) انظر ص 816، وهو مع الشاهد رقم 622 من قصيدة واحدة.
(3) الخزانة 3/ 489، وابن عقيل 2/ 51
(2/902)

هذا من قصيدة للأعشى ميمون يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل، وأوّلها (1):
شاقتك من نبلة أطلالها … بالشّطّ فالوتر إلى حاجر
فركز مهراس إلى مادر … فقاع منفوحة ذي الحائر
دار لها غيّر آياتها … كلّ ملثّ صوبه ماطر
وقد رآها وسط أترابها … في الحيّ ذي البهجة والسّامر
إذ هي مثل الغصن ميّالة … تروق عيني ذي الحجى الزّائر
كبيعة صوّر محرابها … مذهّب ذي مرمر مائر
أو بيضة في الدّعص مكنونة … أو درّة سيقت لدى تاجر
قد حجم الثّدي على صدرها … في مشرق ذي بهجة نائر
يشفي غليل الصّدر لاه بها … حوراء تصبي نظر النّاظر
ليست بسوداء ولا عنفص … تسارق الطّرف إلى الدّاعر
عهدي بها في الحيّ قد سربلت … صفراء مثل المهرة الضّامر
عبهرة الخلق لباخيّة … تزّينه بالخلق الطّاهر
لو أسندت ميتا إلى نحرها … عاش ولم ينقل إلى قابر
حتّى يقول النّاس ممّا رأوا … يا عجبا للميّت النّاشر
__________
(1) ديوانه ص 139 ق 18 باختلاف الترتيب والالفاظ.
(2/903)

دعها فقد أعذرت في ذكرها … واذكر خنا علقمة الخاتر
أسفها أم عدت يا ابن استها … لست على الأعداء بالقادر
يحلف بالله لئن جاءه … عنّي ثنا من سامع خابر
ليجعلنيّ ضحكة بعدها … جدّعت يا علقم من ناذر
ليأتينه منطق فاحش … مستوثق للسّامع الآثر
عضّ بما أبقى المواسي له … من أمّه في الزّمن الغابر
وكنّ قد أبقين منه أذى … عند الملاقي وافر الشّافر
لا تحسبنّي عنكم غافلا … فلست بالواني ولا الفاتر
فارغم فإنّي طبن عالم … أقطع من شقشقة الهادر
حولي ذوو الآكال من وائل … كاللّيل من باد ومن حاضر
المطعمون الضّيف لمّا شتوا … والجاعلو القوّة على الياسر
من كلّ كوماء سجوف إذا … جفّت من اللّحم مدى الجازر
هم يطردون الفقر عن جارهم … حتّى يرى كالغصن الزّاهر
كم فيهم من شطبة خيفق … وسابح ذي ميعة ضامر
وكلّ جوب مترص صنعه … وصادق أكعبه حادر
وكلّ مرنان لها أزمل … وصارم ذي هبّة باتر
وفيلق شهباء ملمومة … تقصف بالدّارع والحاسر
(2/904)

باسلة الوقع سرابيلها … بيض إلى أقربها الطّاهر
فانظر إلى كفّ وأسرارها … هل أنت إن أوعدتني ضائر
إنّي رأيت الحرب إذ شمّرت … دارت بك الحرب مع الدّائر
يا عجبا للدّهر إذ سويّا … كم ضاحك منكم وكم ساخر
إنّ الّذي فيه تماروننا … بيّن للسّامع والنّاظر
ما جعل الجدّ الظّنون الّذي … جنّب غيث اللّجب السّاطر (1)
مثل الفراتيّ إذا ما طما … يقذف بالنّوصيّ والماهر (2)
أقول لمّا جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاجر
علقم لا تسفه ولا تجعلن … عرضك للوارد والصّادر
أؤوّل الحكم على وجهه … ليس قضائي بالهوى الجائر
حكّمتموه فقضى بينكم … أبلج مثل القمر الزّاهر
لا يأخذ الرّشوة في حكمه … ولا يبالي غبن الخاسر
لا يرهب المنكر منكم ولا … يرجوكم الأتقى الآمر
كم قد قضى شعري في مثله … فسار لي في منطق سائر
إن ترجع الحكم إلى أهله … فلست بالمسدي ولا النّائر
__________
(1) في الديوان برواية:
ما يجعل الجد الظنون الذي … جنب صوب اللجب الزاخر
(2) كذا في الاصل، وفي الديوان (البوصي) وهو السفين، وكذلك الملاح.
(2/905)

ولست في السّلم بدي نائل … ولست في الهيجاء بالجاسر
ولست بالأكثر منهم حصى … وإنّما العزّة للكاثر
ولست في الأثرين من مالك … ولا إلى بكر ذوي النّاصر
هم هامة الحيّ إذا ما دعوا … ومالك في السّؤدد القاهر
ساد وألفى قومه سادة … وكابرا سادوك عن كابر
فاقن حياء أنت ضيّعته … مالك بعد الجهل من عاذر
علقم ما أنت إلى عاصر … النّاقض الأوتار والواتر
واللّابس الخيل بخيل إذا … ثار الغبار الكبّة الثّائر
إن تسد الخوص فلم تعدهم … وعامر ساد بني عامر (1)
قد قلت شعري فمضى فيكما … واعترف المنفور للنّافر (2)
لقد أسلّي النّفس حين اعترى … بجسرة دوسرة عاقر
زنّافة كالفحل خطّارة … تلوي بشرجي مثبت فاتر
شتّان ما يومي على كورها … ويوم حيّان أخي جابر
أرمي بها البيد إذا أعرضت … وأنت بين القور والعاصر
في مجدك شيّد بنيانه … يزلّ عنه ظفر الطّائر
__________
(1) في الديوان:
(سدت بني الاحوص فلم تعدهم) ...
(2) في الديوان:
(قد قلت قولا فقضى بينكم).
(2/906)

قال شارح ديوان الأعشى: لما قال الأعشى هذه القصيدة هدر علقمة بن علاثة دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فاتفق الأمر أن الأعشى يريد وجها ومعه دليل، فأخطأ به الطريق فألقاه في ديار عامر بن صعصعة، فأخذه رهط علقمة بن علاثة فأتوه به، فقال له علقمة: الحمد لله الذي أمكنني منك. فقال الأعشى (1):
أعلقم قد صيّرتني الأمو … ر إليك وما أنت لي منقص
فهبط نفسي فدتك النّفو (2) … س ولا زلت تنمي ولا تنقص
فقال قوم علقمة: اقتله وأرحنا منه والعرب من شرّ لسانه، فقال علقمة:
إذن تطلبوا بدمه ولا ينغسل عني ما قاله، ولا يعرف فضلي عند القدرة. فأمر به فحلّ وثاقه وألقى عليه حلة وحمله على ناقة وأحسن عطاءه، وقال: انج حيث شئت.
وأخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه، فقال الأعشى بعد ذلك:
علقم يا خير بني عامر … للضّيف والصّاحب والزّائر
والضّاحك السّنّ على همّه … والغافر العثرة للعاثر
وعلقمة بن علاثة صحابي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ فأسلم وبايع، انتهى. وروى حديثا واحدا.
وأخرج ابن مندة وابن عساكر من طريق الأعمش عن أبي صالح، حدثني علقمة بن علاثة قال: أكلت مع النبي صلّى الله عليه وسلم رؤسا. واستعمله عمر ابن الخطاب على حوران فمات بها.
وأخرج أبو نعيم والخطيب وابن عساكر عن محمد بن سلمة قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده حسان فقال: يا حسان، أنشدنا من شعر الجاهلية ما عفا الله لنا فيه، فأنشده حسان قصيدة الأعشى في علقمة بن
علاثة:
__________
(1) ديوانه 369 ق 81
(2) كذا في الاصل، وفي الديوان: (فهب لي ذنوبي فدتك ...)
(2/907)

ما أنت إلى عامر … النّاقض الأوتار والواتر
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنشدني بعد اليوم يا حسان، فقال حسان:
يا رسول الله، تمنعني من رجل مشرك هو عند قيصر أن أذكر هجاء له. فقال:
يا حسان، إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان بن حرب وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فلم يترك فيّ، وأما علقمة فحسن القول، وانه لا يشكر الله من لا يشكر الناس. وأخرجه ابن عساكر من وجه آخر وفيه: فقال حسان: اعرض عن ذكر علقمة فان أبا سفيان ذكرني عند هرقل فشعّث (1) مني فردّ عليه علقمة، فقال حسان: يا رسول الله، من نالك شكره وجب علينا شكره.
783 - وأنشد:
على أنّني بعد ما قد مضى … ثلاثون للهجر حولا كميلا (2)
هو للعباس بن مرداس السلمي، وبعده:
يذكّرنيك حنين العجول … ونوح الحمامة تدعو هديلا
قال: فصل بين ثلاثين وبين مميزها (3)، شبهها بالضرورة. وكميل: بمعنى كامل.
ويذكرنيك: متعلق على. والعجول: بفتح العين المعجمة وضم الجيم، الناقة التي فقدت ولدها. وقيل: التي ألقته قبل أن ينم بشهر أو شهرين. والحنين: مدّ الصوت اشتياقا الى إلف أو وطن أو ولد، وأصله في الإبل. ونوح الحمامة: صوت تستقبل به صاحبها، لأن أصل النوح التقابل. والهديل: عظيم صوت الحمام.
وقيل: ذكره، وقيل: فرخه. تزعم الأعراب أنّ جارحا صاده في سفينة نوح فالحمام تبكيه الى يوم القيامة. فنصبه على الأول على المصدر لتدعو لأنه بمعنى تهدل، أو لفعل دل عليه تدعو. ومفعول تدعو محذوف، أو على الحال، أي هؤلاء. وعلى
__________
(1) في الاساس: شعّث مني فلان: اذا غضّ منك.
(2) الخزانة 1/ 573، وانظر سيبويه 1/ 292
(3) وهو (حولا).
(2/908)

الآخرين على المفعول به لتدعو. قال الجاحظ (1): يقال في الحمام: هدل يهدل باللام، وربما قالوا بالراء. وقال أبو زيد: الجمل يهدر، ولا يقال باللام.
784 - وأنشد:
له حاجب من كلّ أمر يشينه
عزاه القالي في أماليه لمروان بن أبي حفصة (2)، وتمامه:
وليس له عن طالب العرف حاجب
وقبله:
يصمّ عن الفحشاء حتّى كأنّه … إذا ذكرت في مجلس القوم غائب
785 - وأنشد:
فارسا ما غادروه ملحما
تقدم شرحه في شواهد لو (3).
786 - وأنشد:
دعوني فيا لبّى إذ هدرت لهم (4)
تمامه:
شقاشق أقوام فاسكتها هدري
__________
(1) في الحيوان للجاحظ 3/ 74: (وأما أصحابنا فيقولون ان الجمل يهدر، ولا يكون باللام. والحمام يهدل، وربما كان بالراء).
(2) الامالي 1/ 238، وفيه: (وأنشدنا أيضا، قال أنشدني أبي).
ولم يعزو البيت الى أحد. وذكر الشاهد برواية:
له حاجب عن كل ما يصم. الفتى
(3) انظر ص 664
(4) انظر الخزانة 1/ 269.
(2/909)

787 - وأنشد:
لقلت لبّيه لمن يدعوني (1)
لم يسم قائله، وصدره:
إنّك لو دعوتني ودوني … زوراء ذات مترع بيون
زوراء: بفتح الزاي وسكون الواو والمدّ، البئر البعيد القعر، والأرض البعيدة أيضا. ومترع: قيل بالمثناة الفوقية والراء، من قولهم حوض ترع بالتحريك، إذا كان ممتلئا. وقيل: بالنون والزاي، من قولهم بئر نزوع إذا كانت قريبة القعر ينزع منها باليد، والأول أصح وأقرب. وبيون: بفتح الموحدة وضم التحتية المخففة ونون، البئر البعيدة القعر الواسعة. والبيت استشهد به على إضافة لبى إلى ضمير الغيبة شذوذا.
788 - وأنشد:
فلبّى؛ فلبّى يدي مسور (2)
قاله أعرابي من بني أسد وصدره:
دعوت لما نابني مسورا
لما نابني: أي لما أصابني من النائبة، فاللام جارة ولا موصولة له. قوله:
(فلبى) أي قال لبيك: والأصل فلباني، فحذف المفعول. قوله (فلبى يدي مسور) أي فأجابة له مني بعد إجابة إذا سألني في أمر نابه جزاء لصنعه، وخص يديه بالذكر لأنهما اللتان أعطتاه المال. وقيل: ذكر اليدين على سبيل الإقحام والتأكيد. والفاء:
في (فلبى) الأولى للعطف المؤذن بالتعقيب. والثانية سببية. والبيت استشهد به
__________
(1) ابن عقيل 2/ 9، واللسان (بين).
(2) ابن عقيل 2/ 9، والخزانة 1/ 268، واللسان (لبى)، وسيبويه 1/ 176.
(2/910)

على إضافة لبى إلى الظاهر، وهو شاذ وعلى أنه ليس إسما مفردا، وإلا لم تقلب ألفه عند الإضافة الى الظاهر ياء كما يقال (على يد زيد). وذكر بعضهم أن لبى الأولى تكتب بالألف والثانية بالياء، ليعرف أن الاولى فعل والثانية
مصدر منصوب بالياء.
وقال الفارسي: لا حجة في البيت على ما ذكر لأنه يجوز في نحو هذه الألف التي تطرفت أي تقلب ياء في الوقف، فيقال في هذه: أفعى أفعى، بقلب الألف ياء. ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف. فيمكن أن يكون فلبي يدي مسور من ذلك. قال أبو حيان: وهذا الذي قاله الفارسي ممكن لو سمع من كلامهم (لبّى زيد).
789 - وأنشد:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني … ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل (1)
هو لأبي حية النميري، واسمه المشمر بن الربيع بن زرارة. وقيل هو للحكم ابن عبدل الأعرج الأسدي من شعراء الدولة الأموية. وقيل انه وقع في البيت تحريف، وإنما هو هكذا:
وقد جعلت إذا ما قمت يرجعني … ظهري فأنهض نهض الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجليّ معتدلا … فصرت أمشي على أخرى من الشّجر
وفي البيان للجاحظ (2): قال أبو ضبة في رجله:
وقد جعلت إذا ما نمت يرجعني (3) … ظهري وقمت قيام الشّارب الظّهر
قد كنت أمشي ... البيت
__________
(1) الخزانة 4/ 93، وفيه انه لعمرو بن أحمر الباهلي
(2) 3/ 53.
(3) في البيان: (... اوجعني ... قيام الشارف الظهر)
(2/911)

790 - وأنشد:
نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي … ذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوف … وأعلاهنّ صفّاح مقيم
تقدم شرحهما في شواهد إذا ضمن قصيدة البرج (1).
791 - وأنشد:
ما للجمال مشيها وئيدا (2)
هو للزباء، ونسبه العيني للخنساء. وفي الأغاني قيل إنه مصنوع (3). وبعده:
أجندلا يحملن أم حديدا … أم صرفانا باردا شديدا
أم الرّجال قمّصا قعودا
الجمال: جمع جمل. ووئيد: بفتح الواو وكسر الهمزة ودال مهملة، صوت شدة الوطء على الأرض يسمع كالدوي من بعده. والجندل: بفتح الجيم ودال مهملة بينهما نون ساكنة، الحجر. والصرفان: بفتح المهملتين وفاء. قال ثعلب في أماليه:
وقد أنشد البيت، وزعم قوم انه الرصاص. وبارد: ثابت. وقال أبو عبيدة: هو جنس من التمر، لم يكن يهدي لها شيء كان أحب إليها منه من التمر. وقمصا:
بضم القاف وتشديد الميم وصاد مهملة، من قمص الفرس، أي استن، وهو أن يطرح يديه ويرفعهما معا ويعجز رجليه. ويروى بدله (جثما) وهو جاثم من جثم: تلبد بالأرض. واستدل الكوفيون بقوله: (مشيها وئيدا) على جواز تقديم الفاعل.
__________
(1) انظر ص 281
(2) انظر ص 718 وهو في الاساس (وأد).
(3) 15/ 256
(2/912)

وخرّجه البصريون على أنه مبتدأ حذف خبره وبقي معموله، أي مشيها يكون وئيدا ويوجد وئيدا. وقال أبو علي: مشيها بدل من الضمير في للجمال، أو مبتدأ. رويدا:
حال سدّت مسد الخبر. ويروى (مشيها) بالنصب على المصدر أي يمشي مشيها.
وبالجرّ بدل اشتمال من الجمال.
792 - وأنشد:
فإن لا مال أعطيه فإنّي … صديق من غدوّ أو رواح
793 - وأنشد:
بربّك هل ضممت إليك ليلى (1)
عزى لقيس المجنون.
أخرج في الأغاني عن الهيثم بن عدي قال (2): مرّ المجنون ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، فوقف عليه، ثم أنشأ يقول:
بربّك هل ضممت إليك ليلى … قبيل الصّبح أو قبّلت فاها (3)
وهل زفّت عليك قرون ليلى … زفيف الأقحوانة في نداها (4)
فقال: اللهم إذ حلّفتني فنعم! فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر،
__________
(1) الخزانة 4/ 210 (بدينك). والاغاني 2/ 24 (الدار).
(2) 2/ 24 (الدار).
(3) في الخزانة:
(وهل قبلت قبل الصبح فاها)
(4) في الاغاني والخزانة (رفت) بالراء المهملة. قال البغدادي 4/ 213:
رفت بفتح الراء المهملة من رف لونه يرف بالكسر رفيفا ورفا اذا برق وتلألأ، أراد شدة سواد شعرها، وصحفه ابن الملا في شرح المغني بجعل المهملة معجمة فقال: الزفيف: اهداء العروس ألى بعلها، وغفل عن عقله: (رفيف الأقحوانة وهي البابونج) والقرون: الذوائب، جمع قرن بفتح القاف وسكون الراء.
(2/913)

فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجبا منه.
794 - وأنشد:
وكوني بالمكارم ذكّريني … ودلّي دلّ ماجدة صناع (1)
أنشده أبو زيد، وقبله:
ألا يا أمّ فارغي لا تلومي … على شيء رفعت به سماعي
المعنى: لا تلوميني على ما يرتفع به صيتي وذكري، وذكريني: كوني مذكرة لي بالمكارم (2).
795 - وأنشد:
إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم … لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
796 - وأنشد:
إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه … واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
هناك أوصيني ولا توصي بيه
هو من أبيات الحماسة (3). وبعد المصراع الثاني:
وشدّ فوق بعضهم بالأردية (4)
__________
(1) الخزانة 4/ 57، وحاشية الامير 2/ 147، وهو لبعض بني نهشل كاهلي.
(2) وقوله: (ودلي) بفتح الدال، من باب خجل، الخفر.
(3) 2/ 202
(4) في الحماسة: (بالأروية) وفسرها فقال: جمع رواء، وهو الحبل.
(2/914)

قال التبريزي: خبر (إن) في قوله: (أوصيني). والمعنى: إني أهل لأن يوصى إليّ حينئذ غيري، ولا يوصى غيري بي. و (ما) في ما القوم زائدة.
وأنجيه: جمع نجي. والمعنى: صاروا فرقا لما حربهم (1) من الشر يتناجون ويتشاورون. واضطرب القوم: أي لجزعهم لم يثبتوا على الخيل. والأرشية:
الدلاء، جمع رشا، بكسر الراء، وشد فوق بعضهم: أي خوف السقوط لضعف الاستمساك عند غلبة النعاس، أو لأنهم أسروا.
797 - وأنشد:
أأكرم من ليلى عليّ فتبتغي … به الجاه أم كنت امرا لا أطيعها
تقدم شرحه (2).
798 - وأنشد:
نعم الفتى المرّيّ أنت إذا هم … حضروا لدى الحجرات نار الموقد (3)
هو لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المرّي، وأوّلها:
لمن الدّيار غشيتها بالفدفد … كالوحي في حجر المسيل المخلد
وقبل هذا البيت:
وإلى سنان سيرها ووسيجها … حتّى تلاقيها بطلق الأسعد
الفدفد: المكان المرتفع فيه صلابة وحجارة. ويقال: هي أرض مستوية. وقوله:
__________
(1) في الحماسة: (حزبهم) بالزاي المنقوطة.
(2) انظر ص 221 وهو مع الشاهد رقم 108 من قصيدة واحدة.
(3) شرح ديوان زهير 275، والخزانة 4/ 112
(2/915)

كالوحي: أي كالكتاب. وإنما جعل في حجر المسيل لأنه أصل له (1). والمخلد:
المقيم، من أخلد، إذا أقام. والوسيج: بالجيم، ضرب من السّير. والطلق:
اليوم الطيب لا برد فيه ولا أذى. الأسعد: اليمن، من السعود. والحجرات:
جمع حجرة، وهي شدة الشتاء. والمرّيّ: نسبة الى مرّة، وهو نعت للفتى.
والبيت استشهد به على نعت فاعل نعم. وأنت المخصوص بالمدح.
799 - وأنشد:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم … ولن ترى طاردا للحرّ كاليأس
هو من قصيدة للحطيئة يخاطب بها الزبرقان بن بدر. وقبله (2).
لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم … ولم يكن لجراحي منكم آسي
وبعده:
جارا لقوم أطالوا هون منزله … وغادروه مقيما بين أرماس
ملّوا قراه وهرّته كلابهم … وجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه … لا يذهب العرف بين الله والنّاس
أخرج الجمحي وابن عساكر عن يونس النحوي قال (3): كان سبب هجاء الحطيئة الزبرقان انه قدم المدينة، فقال: وددت أنّي أصبت رجلا يحملني وأصفيه مديحتي وأقتصر عليه. فقال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإنّي على أثرك. وأرسل الى امرأته أن أكرمي مثواه. وكان مع الحطيئة ابنة جميلة، فكرهت امرأته مكانها
__________
(1) كذا بالاصل، وفي شرح الديوان: (وانما جعله في حجر المسيل لانه أصلب له).
(2) الاغاني 2/ 184 - 185 (الدار) والشعراء 286 - 287
(3) الطبقات 96.
(2/916)

فأظهرت لهم جفوة، فأخذه بغيض بن عامر، وهو يومئذ ينازع الزبرقان الشرف، فبنى عليه قبّة، ونحر له فأكرمه كل الإكرام، فعمل الحطيئة هذه القصيدة فاستعداه الزبرقان الى عمر وادّعى عليه أنه هجاه فقال له: ما قال لك؟ فأنشده القصيدة فقال:
ما أسمع هجاء انما اسمع معاتبة. فقال: وما تبلغ مروءتي الى أن آكل وأشرب؟
فسأل عمر حسان ولبيد: أترونه هجاه؟ قالا: نعم، فحبسه.
وأخرج الزبير بن بكار وأبو الفرج وابن عساكر وغيرهم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حبس عمر الحطيئة، كلمه عمرو بن العاص وغيره فيه فأخرجه من السجن فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ … زغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟ (1)
غادرت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر، هداك مليك النّاس يا عمر
أنت الإمام الّذي من بعد صاحبه … ألقت إليك مقاليد النّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها … لكن لأنفسهم كانت بك الخير
فامنن على صبية بالرّمل مسكنهم … بين الأباطح يغشاهم بها القرر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم … من عرض داوية تعمى بها الخبر
فبكى عمر، ثم قال: أشيروا عليّ في الشاعر فانه يقول الهجو، ويشبب بالنساء، ويمدح الناس، ويرميهم بغير ما فيهم، ما أراني إلا قاطع لسانه. ثم قال: عليّ بالطست، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالمخصف، لا بل عليّ بالسكين، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالموسى، فهي أوجى. فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين! قال: النجاء أذهب. فلما أدبر قال: يا حطيئة، فرجع إليه فقال: كأني بك قد دعاك فتى من قريش
__________
(1) رواية الطبقات 98: (... بذي مرخ - حمر الحواصل ....) وفي ياقوت (مرخ): الرواية المشهورة (بذي أمر) وذو أمر موضع بنجد من ديار غطفان. وانظر الاغاني 2/ 186 (الدار).
(2/917)

فبسط لك نمرقة، وكسر لك أخرى، ثم قال لك: غننا يا حطيئة، فطفقت تغنيه بأعراض المسلمين. قال: فو الله ما ذهبت الليالي حتى رأيت الحطيئة عند عبد الله بن عمر بن الخطاب قد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة! فغناه، فقلت:
يا حطيئة، أما تذكر قول عمر لك، ففزع ثم قال: يرحم الله ذلك المرء، أما لو كان حيا ما فعلنا هذا. وقلت لعبد الله: سمعت أباك يذكر كذا وكذا فكنت ذلك الرجل.
وفي البيان للجاحظ (1): كان عمر أعلم الناس بالشعر، ولكنه لما ابتلي بالحكم بين الحطيئة والزبرقان كره أن يتعرّض له بنفسه، فاستشهد حسان وأمثاله ثم حكم بما يعلم. وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن أبي عمرو بن العلاء قال (2): لم تقل العرب قط بيتا أصدق من بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
وأخرج عن كعب الأخبار أنه سمع رجلا ينشد هذا البيت فقال: والذي نفسي بيده، إن هذا البيت لمكتوب في التوراة.
800 - وأنشد:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما … يلق فيها جآذرا وظباء
تقدم شرحه (3).
801 - وأنشد:
أظبي كان أمّك أم حمار (4)
هو لخداش بن زهير، صدره:
__________
(1) 1/ 202
(2) 2/ 173، وانظر ص 268 من الشواهد.
(3) في شواهد ان المكسورة المشددة ص 122 الشاهد رقم 45
(4) الخزانة 3/ 230 وسيبويه 1/ 23
(2/918)

فإنّك لا تبالي بعد حول
وقد استشهد به سيبويه على الإخبار في باب كان بالمعرفة عن النكرة ضرورة.
وقد أشكل على كثيرين فقالوا: إنما أخبر عن معرفة بمعرفة إذ اسم كان ضمير، وأجيب بأنه لا ضمير في كان بل
ظبي اسمها قدم للضرورة. وكان الأصل أظبيا كان أمّك؟ بنصب الظبي ورفع الأم. ثم عكس الإعراب وترك الظبي في موضعه لانه خبر في المعنى، وإن كان مرفوعا. ورفع حمار لأنه تابع. وقيل: ليس ظبي اسما لكان المذكورة بل لكان مذكورة تفسرها المذكورة. والتقدير: أكان ظبي أمك.
فالبيت من باب الاشتغال. ومعنى البيت: إن الإنسان إذا استغنى بنفسه لا يبالي عن من انتسب إليه من شريف أو وضيع. وضرب الظبي والحمار لهما مثلا. وذكر الحول لأن هذين يستغنيان بأنفسهما بعده. ثم أشار إلى أن الزمان لعدم جريه على مقتضى القياس قد التحق فيه الوضيع بالشريف، في قوله بعد هذا البيت:
فقد لحق الأسافل بالأعالي … وماج القوم واختلط النّجار
وعاد الفند مثل أبي قبيس … وصار مع المعلهجة العشار
المعلهج: الهجين.
802 - وأنشد:
وربّ السّموات العلى وبروجها … والأرض وما فيها: المقدّر كائن
803 - وأنشد:
حنّت نوار ولات هنّا حنّت (1)
__________
(1) الخزانة 2/ 156 و 480. والشعراء 43 والمؤتلف والمختلف 84.
وشرح التبريزي 3/ 35
(2/919)

هو لشبيب بن جعيل الثّعلبي. كان بنو قتيبة بن معين (1)، أسروه في حرب فأنشد ذلك يخاطب أمّه نوار بنت عمرو بن كلثوم، وتمامه:
وبدا الّذي كانت نوار أجنّت … لما رأت ذات السّلا شربا لها (2)
والفرت يعصر في الإناء أرنّت
حنت: من الحنين، وهو الشوق. ونوار: علم امرأة من باب حذام (3).
والواو في (ولات) للحال. قال المصنف في شواهده: وكذا وجدتها حيث وقعت قبل لات. ولات عند الفارسي مهملة. وهنا خبر. وحنت مبتدأ بإضمار ان مثل:
(ومن آياته يريكم البرق) وعند ابن عصفور معملة. وحنت: بتقدير وفت، وحنت وهو الخبر. وعند الخباز إنها
مهملة وهنا مضافة الى حنت. قال المصنف: ويرده ان اسم الاشارة لا يضاف. وذهب بعضهم الى أن هنا خبر لات واسمها محذوف، تقديره ليس الحيا حين حنينها. وبدا: بمعنى ظهر. وأجنت: بجيم، سترت.
والسلا: بالقصر، الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. وأرنت: صاحت.
والبيت استشهد به ابن مالك على الاشارة بهنّا للزمان، وهي بضم الهاء وتشديد النون، لغة في هنا. وذكر أبو عبيدة: أنّ هذين البيتين لحجل بن نضلة.
804 - وأنشد:
مضت سنة لعام ولدت فيه … وعشر قبل ذاك وحجّتان (4)
هو للنابغة الجعدي، وقبله:
__________
(1) في الخزانة: (قنينة) بالنون، وأراها محرفة عن قتيبة، وهو قتيبة بن مع لا (معين) بن مالك بن أعصر الباهلي، وانظر جمهرة أنساب العرب 245، والاشتقاق 271.
(2) كذا بالاصل، وفي المراجع السابقة:
(لما رأت ماء السلا مشروبا)
(3) في الخزانة: (ونوار فاعل حنّت مبني على الكسر في لغة الجمهور، وعند تميم معرب لا ينصرف).
(4) انظر ص 614 و 615
(2/920)

ومن يك سائلا عنّي فإنّي … من الفتيان أيّام الختان
وبعده:
فقد أبقت صروف الدّهر عنّي … كما أبقت من السّيف اليماني
قال ابن حبيب: أيام الختان وقعة لهم. قال قائل منهم: وقد لقوا عدوّهم أختنوهم بالرماح فسمى ذلك العام عام الختان (1).
805 - وأنشد:
هذا وجدّكم الصّغار بعينه (2)
قال سيبويه: هو لرجل من مذحج. وقال أبو رياش: هو لهمّام أخى حسان ابن مرّة (3). وقال الأصفهاني: هو
لضمرة بن ضمرة. وقال الآمدي في المؤتلف:
هو لابن أحمر من بني الحارث بن مرّة بن عبد مناة، باهلي. قال المصنف:
ويشكل عليه نداؤه في ضمرة في أول القصيدة. وقال: وقد يكون نادى آخر اسمه كاسمه. وقال الحاتمي: هو لابن أحمر. وقال ابن الأعرابي: لرجل من بني عبد مناة قبل الاسلام بخمسمائة سنة يخاطب أبويه وأهله، وكانوا يؤثرون عليه أخاه جندبا، وأوّل القصيدة:
يا ضمر أخبرني ولست بكاذب … وأخوك نافعك الّذي لا يكذب
أمن السّويّة أن إذا استغنيتم … وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشّدائد بالشّدائد مرّة … أشجتكم فأنا الحبيب الأقرب
__________
(1) انظر ح 1 ص 615
(2) سيبويه 1/ 352 وابن عقيل 1/ 152 وحماسة البحتري 109 وفيه (الهوأن). ونسبه الى عامر بن جوين الطائي، وقال: وقد رويت لمنقذ بن مرة الكناني. وشرح التبريزي 2/ 382 والمؤتلف والمختلف 38، واللسان 7/ 362. وذيل الامالي 84، وذيل اللآلي 41 - 42 ومعجم الشعراء 471 - 472
(3) لعله (جساس بن مرة).
(2/921)

ولجندب سهل البلاد وعذبها … ولي الملاح وحزنهنّ المجدب
وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا لعمركم الصّغار بعينه … لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتي … فيكم على تلك القضيّة أعجب
ضمر: مرخم ضمرة. وجملة: (ولست بكاذب) حالية، أو مستأنفة. فهي توصية له بالصدق على الأوّل، وثناء عليه به على الثاني. والسوية: العدل. والأجنب:
يروى بالجيم والنون، من الجنابة، وهو البعد، وبالخاء المعجمة والياء، من الخيبة.
وأشجتكم: من أشجاه إذا أغضبه. والملاح: بكسر الميم، جمع مليح وهو المالح.
وضبطه العيني بضم الميم، وهو نبات الحمض، وأصده بتشديد اللام فخفف للضرورة.
وقيل تخفيفه لغة، انتهى. والحزن: ما غلظ من الارض. والكريهة: القصة المكروهة، وأنثت بالتاء لغلبة الإسمية، كالنطيحة. يطلق على الحرب. والحيس: طعام فاضل عندهم يتخذ من تمر وسمن وأقط. وجندب: بفتح الدال
وضمها. والصغار:
بفتح الصاد، الذل والهوان. وفي البيت الإعتراض بين المبتدأ والخبر بالقسم. وبين المتعاطفين بالشرط. وزيادة الباء في كلمة العين المؤكدة بها. وقيل: ان بعينه في موضع الحال أي هذا الصغار. وقوله: لا أم لي، أي إنه لقيط لا يعرف له أب ولا أم إن رضي بهذا الصغار. وكان تامة، واستشهد به على رفع اسم الثاني مع تكرير لا مع فتح الأول، أما على الغاء الثانية ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، أو على إعمال الثانية عمل ليس. وعجبا: مصدر ثابت من أعجب. ويروى بالرفع على الابتداء. وإن كان نكرة لتضمنه معنى التعجب، أو لأنه مصدر في الأصل، وإنما عدل الى رفعه لافادة معنى الثبوت.
806 - وأنشد:
زعمتني شيخا ولست بشيخ … إنّما الشّيخ من يدبّ دبيبا
(2/922)

هذا لأبي أميّة أوس الحنفي، وبعده:
إنّما الشّيخ من يستره الحيّ … ويمشي في بيته محجوبا
إن أراد الخروج خوّف بالذّئ … ب وإن كان لا يرى الحي ذيبا
كيف يدعى شيخا أخو مضلّعات … ليس يثني تقلّبا وركوبا
يدب: بكسر الدال، يدرج في المشي رويدا. ومضلعات: من الأضلاع، وهو الإمالة. ويقال: حمل مضلع، أي مثقل. وقوله: (ولست بشيخ) جملة حالية.
والبيت أورده المصنف في التوضيح شاهدا على نصب زعم مفعولين.
807 - وأنشد:
تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها (1)
هو لزياد بن سيّار (2) بن عمرو بن جابر، من أقران النابغة وتمامه:
فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
وقد استشهد به النحاة، منهم المصنف في التوضيح على أن تعلم بمعنى أعلم بنصب مفعولين.
808 - وأنشد:
فقلت: أجرني أبا خالد … وإلّا فهبني امرأ هالكا (3)
هو لابن همّام السلولي. قال المصنف: قوله: (امرأ) مفعول ثان موطئ لقوله: هالكا. وهالكا صفة له، وهو المقصود بالمفعولية. ونظيره في باب الخبر:
__________
(1) ابن عقيل 1/ 156
(2) كذا، ولعلها (يسار).
(3) ابن عقيل 1/ 158 ويروى: (أبا مالك).
(2/923)

(بل أنتم قوم تجهلون). وفي باب الحال: (أقبل زيد رجلا وراكبا). وفعل الشرط محذوف، أي وإن لا تجرني. ودخلت الفاء في الجواب لأنه انشاء ولأنه جامد. وقد استشهد بالبيت على تعدية هب بمعنى اعتقد الى مفعولين.
809 - وأنشد:
لا نسب اليوم ولا خلّة
تقدّم شرحه في شواهد لا (1).
810 - وأنشد:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده … وهاج أحزانك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات بها … وكلّ حيران سار ماؤه خضل
811 - وأنشد:
إنّ من لام في بني ابنة حسّ … ان ألمه وأعصه في الخطوب (2)
هو للأعشى ميمون. وبعده:
إنّ قيسا قيس الفعول وآل الأش … عث أمست أمداده لشعوب (3)
كلّ عام يمدّني يحموم (4) عن … د وضع العنان أو بنجيب
تلك حبلى منه وتلك ركابي (5) … هنّ صفر أولادها كالزّبيب
قال شارع أبيات الايضاح: حذف الهاء التي هي ضمير الشأن للضرورة، ولولا تقديرها ما جزم بمن، ولذلك جزم المد لأن الشرط لا يعمل فيه ما قبله الإبتداء.
__________
(1) الشاهد رقم 363 ص 601
(2) ديوان الاعشى 335 ق 68 والخزانة 2/ 463
(3) رواية الديوان: (... الفعال ... امست اعداؤه)
(4) كذا بالاصل، وفي الديوان: (بجموم) وفسره: فرس جموم (موفور النشاط).
(5) في الديوان: تلك خيلي.
(2/924)

812 - [وأنشد:
فلم أعط شيئا ولم أمنع] (1)
أخرج مسلم في صحيحه والبيهقي في دلائل النبوّة عن رافع بن خديج: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الإبل، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطي الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطي مالك بن عوف النضري مائة، وأعطي العباس بن مرداس ثمانين، فأنشأ يقول (2):
أتجعل نهي ونهب العبي … د بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرء … فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهم … ومن تضع اليوم لا يرفع
فأتمّ له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مائة. وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قالا: قال العباس بن مرداس السلمي حين رأى رسول الله صلّي الله عليه وسلّم يقسم الغنائم:
وكانت نهابا تلافيتها … وكرّي على المهر بالأجرع
وإيقاظي الحيّ أن يوقدوا … وإذ هجع النّاس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
الأبيات بعده، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال: أنت القائل:
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟
__________
(1) مزيدة.
(2) الشعراء 259 - 260 و 724
(2/925)

فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك ولا والله، ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت برواية. قال: فكيف؟ فأنشده أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هما سواء ما يضرّك بأيهما بدأت بالأقرع أم بعيينة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا عني لسانه، ففزع منها، وانما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطعوه بالعطية. العبيد اسم فرس له. وأورد ابن اسحق الأبيات، وزاد بعد قوله:
فلم أعط شيئا ولم أمنع … إلّا أنا قليلا عطيتها
عديد قوائمه الأربع
نهبى: بفتح النون وسكون الهاء، هو الغنيمة ويجمع على نهاب. والعبيد:
بضم العين، اسم فرس للعباس بن مرداس. وذا تدرء: عدة وقوّة على دفع الأعداء، بضم المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره همزة، من الدرء، والتاء فيه زائدة. قوله: فلم أعط شيأ: أي طائلا، فحذف الصفة بدليل قوله: ولم أمنع. وقوله: يفوقان مرداس، استشهد به ابن مالك وغيره على منعه الصرف وهو مصروف للضرورة.
813 - وأنشد:
وليست دارنا هاتا بدار (1)
هو لعمران بن حطّان الخارجي، وصدره:
وليس لعيشنا هذا مهاه
وبعده:
لنا إلّا ليال باقيات … وبلغتنا بأيّام قصار
ولا تبقى ولا نبقي عليها … ولا في الأمر نأخذ بالخيار
__________
(1) الكامل 843
(2/926)

وما أموالنا إلّا عوار … سيأخذها المعير من المعار
مهاه: وزنها فعال، ولامه هاء، أي صفاء ورونق ومنظر جميل، يقال: وجه له مهاه، هذا قول النحويين. وقال الأصمعي: مهاة، بالتاء، بوزن فعلة كحصاة.
والمهاة: البلق والبقرة الوحشية. وقيل: إنه أيضا بمعنى الصفاء والرونق. ويروى:
وليست دارنا الدّنيا بدار
والبيت أورده المصنف شاهدا على الإشارة بهاتا. ولنا في البيت بعده في صلة البيت الأول. والبلغة: بمعنى البلوغ الى الوقت الذي هو الأجل.

فائدة: [عمران بن حطّان]
عمران بن حطّان السّدوسيّ الخارجي، أحد بني عمر بن شيبان، كان رأس الصّفرية وخطيبهم وشاعرهم، قالت له امرأته (1): أما زعمت إنك لم تكذب في شعر قط؟ قال: أو فعلت! قالت: أنت القائل:
فهناك مجزأة بن ثو … ر كان أشجع من أسامه
فيكون رجل أشجع من الأسد؟ فقال: أما رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة.
814 - وأنشد:
لهفي عليك للهفة من خائف … يبغي جوارك حين ليس مجير
هو لشمردل اللّيثي من قصيدة يرثي بها منصور بن زياد، وبعده:
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس … بجوار قبرك والدّيار قبور
__________
(1) الكامل 560 و 854 ولباب الآداب 186 - 187
(2/927)

عمّت فواضله فعمّ مصابه … فالنّاس فيهم كلّه مأجور
يثني عليك لسان من لم توله … خيرا لأنّك بالثّناء جدير
ردّت صنائعه إليه حياته … فكأنّه من نشرها منشور
والنّاس مأتمهم عليه واحد … في كلّ دار رنّة وزفير
عجبا لأربع أذرع في خمسة … في جوفها جبل أشمّ كبير
لهفى: مبتدأ، وعليك خبره. واللهفة: متعلق بما دل عليه لهفى. وحين ظرف ليبغي، ويبغي صفة لخائف، وخبر
ليس محذوف، أي في الدنيا أو ينعشه أو نحو ذلك. وبناحين لإضافته الى ليس. والمعنى: بي كآبة وحسرة شديدة من أجل حسرة رجل نابه حوادث الدهر ما أخافه، طلب جوارك وقت لا مجير له، ثم لا يجدك. والجوار: بكسر الجيم، الأمان. وقوله: من نشرها، أي من نشر الناس لها وذكرها، فأضيف المصدر للمفعول. ومنشور: من نشر الله الميت.
وأصل المأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله هنا المصيبة نفسها. والرنة:
الفعلة من الرنين. وأذرع: بلا تاء مؤنثة. وخمسة: أي أشبار، والشبر مذكر.
والأشم: الطويل الرأس العالي المرتفع. قال العيني: وصحف بعضهم البيت فقال:
لهفي عليك كلهفة، بالكاف، وهو خطأ. والبيت أورده المصنف في التوضيح بلفظ حين لا فحين، مستشهد به على إهمال لات لعدم دخولها على الزمان.

فائدة: [الشمردل بن عبد الله]
الشمردل بن عبد الله بن رؤبة بن سلمة شاعر إسلامي، في أيام جرير والفرزدق (1).
815 - وأنشد:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة
تقدم شرحه في شواهد الباء (2).
__________
(1) في الاغاني 13/ 351 (الدار): الشمردل بن شريك بن عبد الملك بن رؤبة. وانظر الشعراء 685.
(2) انظر ص 321، وهو في الشاهد رقم 145 ص 320 من قصيدة واحدة.
(2/928)

816 - وأنشد:
علفتها تبنا وماء باردا (1)
قال العيني في الكبرى: هذا رجز مشهور بين القوم لم أر أحدا عزاه الى راجزه، وتمامه:
حتّى شتت همّالة عيناها (2)
شتت: يروى بدله بدت. ومعناهما واحد. وهمّالة: من هملت العين، يعني صبت دمعها. ونصبه على التمييز. وقوله: ماء، على تقدير: وسقيتها، لا معطوف على التبن، لأن التبن ليس مما يعلف. وقال ابن عصفور: هو تضمين الفعل الأوّل معنى يتسلط به على الإسمين، أي اطعمتها، لأن التبن يطعم والماء أيضا مطعوم.
قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي). ويقال: أطعمته ماء فكأنه قال: أطعمتها تبنا وماء.
817 - وأنشد:
لها سبب ترعى به الماء والشّجر (3) هو لطرفة، وصدره:
أعمر بن هند ما ترى رأي صرمة
الهمزة: للنداء. وصرمة: بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وفتح الميم، القطيع من الإبل نحو الثلاثين. والبيت استشهد به على مثل ما تقدم في علفتها تبنا وماء باردا.
__________
(1) ابن عقيل 1/ 210، والخزانة 1/ 330 و 499، والعيني 4/ 181، وأمالي المرتضى 2/ 259
(2) وجعله آخرون عجزا، وصدره:
لما حططت الرحل عنها واردا
(3) الخزانة 1/ 499
(2/929)

818 - وأنشد:
وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة (1)
قاله زفر بن الحارث بن معان بن يزيد الكلابي يوم مرج راهط، وهو موضع كانت فيه وقعة بالشام وفيها قتل الضحاك بن قيس الفهري، وتمامه:
ليالي لاقينا جذام وحميرا
وبعده:
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع بعضه … ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
ولمّا التقينا عصبة تغلبيّة (2) … يقودون جردا للمنيّة ضمّرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها … ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا
قوله: وكنا حسبنا: أي كنا نطمع في أمر فوجدناه على خلاف ما كنا نظن، وهو من قولهم في المثل: ما كل بيضاء شحمة، وما كل سوداء تمرة.
والنّبع: شجر صلب ينبت في الجبال، تعمل منه القسي. ومن أمثالهم: النبع يقرع بعضه بعضا، فضربه مثلا لهم
ولأعدائهم، وشهد لهم بالصبر في قوله:
.. أبت عيدانه أن تكسّرا
وتغلبية: بالغين المعجمة، بنو تغلب بن علوان (3). وجرد: جمع أجرد، وهو الفرس إذا رقت شعرته. وللمنية: متعلق بيقودون، أو بضمر، وهو جمع ضامر، من ضمر الفرس ضمورا خفّ لحمه. وقوله: أصبرا: أي أصبر منا، شهد لأعدائه أيضا بالغلبة. قال التبريزي: وبعضهم تأوّل البيت على أنه أراد أن القتل كان
__________
(1) الحماسة 1/ 150
(2) في الحماسة: (ولما لقينا).
(3) كذا بالاصل، وفي الحماسة 1/ 152: (تغلب بن حلوان بن عمران ابن إلحاف بن قضاعة).
(2/930)

فيهم أكثر. وهو فاسد لأن الخبر مشهور، وأن قوم زفر هزموا.

فائدة: [زفر بن الحارث]
زفر بن الحارث بن عبد عمرو بن معان بن يزيد بن عمرو بن الصعق أبو الهديل (1). ويقال: أبو عبد الله الكلابي سيد قيس في زمانه. ذكره أبو عروبة في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة. سمع عائشة ومعاوية، وروى عنه ثابت ابن الحجاج، وشهد وقعة صفين أميرا على أهل قنسرين. وشهد وقعة مرج راهط مع الضحاك بن قيس، ثم هرب ولحق بالجزيرة فتحصن بها ومات في أيام عبد الملك بن مروان. لخصته من تاريخ ابن عساكر.
819 - وأنشد:
فإن شئت آليت بين المقا … م والرّكن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي … أمدّ به أمد السّرمد
820 - وأنشد:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم … يلاقونه حتّى يؤوب المنخّل
تقدم شرحه في شواهد لا ضمن قصيدة النمر بن تولب (2).
821 - وأنشد:
فو الله ما نلتم ولا نيل منكم … بمعتدل وفق ولا متقارب
822 - وأنشد:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
هو لبعض الطائبين يصف مظلمة همّ بها ثم صرف نفسه عنها. وقال العيني:
__________
(1) انظر الخزانة 1/ 499، والحماسة 1/ 150، والمؤتلف 129
(2) انظر ص 629 وهو مع الشاهد رقم 391 ص 628 من قصيدة واحدة.
(2/931)

هو لعامر بن جرير الطائي (1) وصدره:
فلم أر مثلها حباسة واحد
الحباسة: بالحاء والسين المهملتين والباء الموحدة، كالظلامة وزنا ومعنى.
ورجل حبوس: أي ظلوم. وضبطه العيني بالخاء المعجمة. وقال: قال الجوهري:
الحباسة: المغنم. ونهنهت: كففت. وأفعلة: قيل أصله أفعلها بضم اللام، فحذف الألف التي بعد الهاء وجعل فتحة الهاء على اللام كما في: (والكرامة ذات أكرمكم الله به) وهي لغة محكية عن الطائيين. وقيل: الأصل أفعلنه، حذف منه نون التأكيد.
قال المصنف في شواهده: وهذا والقول الأوّل ضعيفان، والأرجح الثاني، لان ذلك قد عرف من لغة قبيلة، ولأن الضمير راجع الى الحباسة وهي مؤنث. فإذا قلنا أصله أفعلها كان جاريا على القياس والظاهر لا يعدل عنه، انتهى. ثم رأيت في الأغاني قال عامر بن جوين:
فكم للسّعيد من هجان مؤبّله … تسير صحاحا ذات قيد ومرسله
أردت بها فتكا فلم أرتمض له (2) … ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
823 - وأنشد:
يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي … وصحابتيك إخال ذاك قليل
824 - وأنشد:
فلا وأبي لنأتيها جميعا … ولو كانت بها عرب وروم
هو لعبد الله بن رواحة من أبيات قالها في غزوة مؤتة أوّلها:
حملنا الخيل من آجام قرح … يعدّ من الحشيش لها العكوم
__________
(1) كذا بالاصل، وصحتها (عامر بن جوين) كما في الاغاني 9/ 93 (الثقافة).
(2) في الاغاني: (فكم بالصعيد ...).
(2/932)

حدوناها (1) من الصّوّان سبتا … أزلّ كأنّ صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان … فأعقب بعد فترتها حموم
فرحنا بالجياد مسوّمات … تنفّس من مناخرها السّموم
فلا وأبي لنأتيها جميعا … ولو كانت بها عرب وروم
وفقّأ الله أعينهم فجاءت … عوابس والغبار لها يزيم
بذي لجب كأنّ البيض فيه … إذا برزت فوارسها النّجوم
أوردها ابن اسحق في سيرته وابن عساكر في تاريخه.
825 - وأنشد:
اضرب عنك الهموم طارقها … ضربك بالسّيف قونس الفرس
قيل: قاله طرفة بن العبد، وقال ابن بري: انه مصنوع عليه. واضرب: من الضرب، بالضاد المعجمة والموحدة، وضبطه بعضهم: اصرف، بالصاد المهملة وبالفاء، من الصرف. قال العيني: وليس بصحيح. وأصله اضربن بنون التأكيد الخفيفة حذفت للضرورة وبقيت الفتحة. والهموم: مفعول. وطارقها بدل منه. وهو من طرق الرجل اذا أتى أهله ليلا. وضربك: مصدر نوعي مضاف إلى فاعله. وأصله:
كضربك. وقونس: مفعول المصدر، وهو بفتح القاف والنون بينهما واو ساكنة وآخره سين مهملة، العظم الناتئ بين أذني الفرس.
826 - وأنشد:
فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلّا قليلا (2)
__________
(1) كذا بالاصل، وفي حاشية الامير: (حذوناها) بالذاي المنقوطة.
(2) ابن الشجري 1/ 346 والخزانة 4/ 554، والاغاني 12/ 310 (الدار) واللسان 1/ 578 و 11/ 447 وسيبويه 1/ 85، وانظر ديوان أبي الاسود
122 - 123
(2/933)

هو لأبي الأسود الدؤلي. أخرج أبو الفرج في الاغاني عن عوانة قال: كان أبو الأسود يجلس الى فناء امرأة بالبصرة فيتحدث إليها، وكانت برزة جميلة، فقالت له: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوّجك. فاني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور، قال: نعم، فجمعت أهلها وتزوّجته، فوجدها على خلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدّت يدها الى خيانته، وأفشت سرّه، فغدا على من كان حضر تزويجه اياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أريت أمرا كنت لم أبله … أتاني فقال اتّخذني خليلا (1)
فخاللته ثمّ أكرمته … فلم أستفد من لديه فتيلا (2)
وألفيته حين جرّبته … كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكّرته ثمّ عاتبته … عتابا رقيقا وقولا جميلا
وألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلّا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه … وإتباع ذلك صرما طويلا؟
فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود. قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، فانصرفت معهم.
استشهد سيبويه بالبيت على حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده.
قال الاعلم: وفيه وجهان: إما التشبيه بحذف النون الخفيفة لملاقاة ساكن نحو اضرب الرجل. وإما التشبيه بما حذف تنوينه من الأعلام الموصوفة بابن مضاف إلى علم. قال: والأحسن أن يكون حذف التنوين للضرورة.
__________
(1) أريت: أصله أرأيت، يقولون: أرأيتك - بفتح التاء - بمعنى أخبرني.
وبلاه يبلوه: اختبره وامتحنه.
(2) في الاغاني (من لدنه).
(2/934)

827 - وأنشد:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ، وإنّ أخاكم لم يثأر (1)
هو لعامر بن الطّفيل، وهكذا أنشده وأنشده شارح أبيات الايضاح على وجه آخر فقال: قال ابن الطّفيل:
فلأبغينّكم قنا وعوارضا (2) … ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
والخيل تردى بالكماة كأنّها … حدّ تتابع في الطّريق الأقصد (3)
في ناشئ من عامر ومجرّب … ماض إذا انفلت العنان من اليد (4)
فلأثأرنّ بمالك وبمالك … وأخي المروءات الّذي لم يسند (5)
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ، وإنّ أخاهم لم يقصد
يقال: بغيته: طلبته باجتهاد. وقنا: اسم جبل. وعوارض: من أرض بني أسد.
وضرغد: بمعجمتين، أرض في ناحية غطفان. واللابة: الحرّة، وهي أرض ذات حجارة سود. والأصل: لأقبلن الخيل إلى اللابة، فحذف الى، وعدّى الفعل الى المفعول الثاني. وقد استشهد الفارسي في الايضاح بالبيت على ذلك. وقال:
اقبل أيضا غير متعدّ، تقول: أقبلت بوجهي عليه، فحذف الشاعر حرفي عامل واحد. وقال شارح أبياته: قد حكى أبو زيد في نوادره: قبلت الماشية الوادي، وأقبلتها اياه، أنا أقبلت بها نحوه، فاذا ثبت ذلك كان متعديا بنفسه.
__________
(1) الخزانة 4/ 216 والمفضليات ص 364، المفضلية رقم 107، والاصمعيات ص 252 رقم 78 وفي جميع هذه المراجع برواية:
فرع وإن أخاهم لم يقصد.
(2) في المفضليات برواية: فلأنعينّكم الملا وعوارضا ولأهبطنّ.
(3) كذا بالاصل، وفي المراجع السابقة:
بالخيل تعثر في القصيد كأنها … حدأ تتابع في الطريق الأقصد
(4) ليس هذا البيت في المراجع السابقة.
(5) في المفضليات: (وأخي المروراة) وهو أخوه الحكم بن الطفيل.
(2/935)

828 - وأنشد:
فطلّقها فلست لها بكفء … وإلّا يعل مفرقك الحسام
تقدم شرحه في شواهد التنوين (1):
829 - وأنشد:
قالوا: أخفت؟ فقلت: إنّ، وخيفتي … ما إن تزال منوطة برجاء
830 - وأنشد:
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإن … كان فقيرا معدما؟ قالت: وإن (2)
قيل هو لرؤبة، وقبله:
قالت سليمى: ليت لي بعلا يمن … يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمن … ميسورة قضاء منّه ومن
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإن … كان فقيرا معدما؟ قالت: وإن
سلمى وسليمى: واحد. ويمن: تخفيف النون، وأصله بالتشديد، لأنه من المنة، ومحله نصب صفة بعلا. والتقدير: يمن على. وجملة: يغسل، الخ، كاشفة كلمة يمن. وحاجة بالنصب عطفا على بعلا. والتقدير: يمن على، وهي قضاء الشهوة.
وما نافية. وان زائدة. وميسور: صفة حاجة. ومن: أصله ومنى حذفت الياء والتشديد ضرورة. والمقدّم وجواب الشرط الأوّل محذوف، أي ترضى. وفيه شاهد آخر على دخول التنوين الغالي في أن، أورده كذلك المصنف في التوضيح بلفظ (وانن) في الموضعين.
__________
(1) انظر الشاهد رقم 555 ص 766 و 767.
(2) الخزانة 3/ 630
(2/936)

831 - وأنشد:
إن يكن طبّك الدّلال فلو في … سالف الدّهر والسّنين الخوالي
هو لعبيد بن الأبرص من أبيات أوّلها (1):
تلك عرسي غضبى تريد زيا … لي، ألبين تريد أم الدّلال
إن يكن طبّك الفراق فلا … أحفل أن تعطفي صدور الجمال
إن يكن طبّك الدّلال فلو في … سالف الدّهر واللّيالي الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذ … آتيك نشوان مرخيا أذيالي
فاتركي خطّ حاجبيك وعيشي … معنا بالرّجا أو التّأمالي
زعمت أنّني كبرت وأنّي … قلّ مالي وضنّ عنّي الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا … لا يواتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغيّر الرّأس منّي … وعلا الشّيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مه … ضومة الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثمّ مالت … ميلان الكثيب بين الرّمال
ثمّ قالت: فداء لنفسك نفسي … وفداء المال أهلك مالي
الطب: بكسر الطاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، العادة. والدلال: بفتح الدال المهملة وتخفيف اللام، التحاشي والتمانع على المحب، وفعله دل يدل من
__________
(1) انظر ديوانه 104 - 111، والعيني 4/ 461، والاغاني 19/ 90، وشعراء الجاهلية 605 واللسان 13/ 233 و 11/ 22 و 9/ 107 والبيان 1/ 199 - 200 وليس البيت هو اول القصيدة، وإنما أولها:
ليس رسم على الدفين ببالي … فلوى ذروة فجنبي أثال
(2/937)

باب ضرب يضرب. والخوالي: المواضي، جمع خالية، يقول: ان كان عادتك الدلال فلو كان هذا فيما مضى لاحتملناه. والبيت استشهد به ابن مالك على حذف فعل لو الشرطية شرطها وجوابها، فإن تقديره: فلو كان ذلك في سالف الدهر لاحتملناه.
832 - وأنشد:
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت … غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد (1)
هذا من قصيدة لدريد بن الصّمة الجشمي، يرثي أخاه عبد الله، وأوّلها:
أرثّ جديد الحبل من أمّ معبد … بعاقبة، وأخلفت كلّ موعد
أعاذل مهلا بعض لومك واقصدي … وإن كان علم الغيب عندك فارشدي
ومنها:
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج … سراتهم في الفارسيّ المسرّد
ارث: بالمثلثة، من أرث الثوب، أخلق. وظنوا: بمعنى أيقنوا. والمدجج:
التام السلاح، من الدجة، بفتح الجيم، وهي شدة الظلمة، لأن كل من الظلمة والسلاح ساتر. وقيل: من الدج، وهو من المشي الرويد، لأن التام السلاح لا يسرع في مشيه. أو أراد بالفارسي المسرّد الدرع. ومن أبيات القصيدة:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه … فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على زيادة الباء في ثاني مفعولي وجد
__________
(1) الخزانة 4/ 513، والاصمعيات 112 (وما أنا ...) وجمهرة أشعار العرب 212، وشعراء الجاهلية 756، والاغاني 9/ 4 - 5، والعيني 2/ 121 والحماسة 2/ 306، والشعراء 726، وحماسة البحتري 108 واللسان 19/ 377 - 378
(2/938)

لتقدم النفي. والقعدد: بضم القاف والدال الاولى، الضعيف المتأخر.

فائدة: [دريد بن الصّمة]
دريد بن الصّمة، اسمه معاوية بن الحارث بن بكر بن علقمة، فارس شجاع فحل جعله الجمحي أوّل الشعراء الفرسان (1). وأدرك الاسلام فلم يسلم. وحضر حنين مظاهرا للمشركين فقتل على شركه، ذكره في الأغاني (2). وابنه سلمة شاعر أيضا، وهو الذي رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب ركبته.
__________
(1) لم يذكره الجمحي في الطبقات، وهذا دليل على أن الطبقات التي وصلتنا من الكتاب غير تامة.
(2) 9/ 2 - 19 (بولاق).
(2/939)

الكتاب السادس
833 - وأنشد:
بكرت عليه بكرة فوجدته … قعودا لديه بالصّريم عواذله (1)
هذا من قصيدة لزهير بن أبي سلمى أوّلها (2):
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله … وعرّي أفراس الصّبا ورواحله
وقبل هذا البيت:
وأبيض فيّاض يداه غمامة … على معتفيه ما تغبّ نوافله
وبعده:
يفدّينه طورا وطورا يلمنه … وأعيا فما يدرين أين مخاتله
أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله … ولكنّه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلا … كأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابه … كما وردت ماء الكلاب هوامله (3)
__________
(1) ديوان زهير 140 برواية (عليه غدوة) ويروي: (فرأيته) بدل (فوجدته)، والشعراء 100
(2) ديوانه 124 - 144 يمدح حصن بن حذيفة الفزاري.
(3) البيت وما بعده ليس من القصيدة في صلب الديوان، وقد وردت في هامش الصفحة 142
(2/940)

إذا ما أتوا به قال مرحبا … لجوا الباب حتّى يأتي الجوع قاتله
فلو لم يكن في كفّه غير نفسه … لجاد بها فليتّق الله سائله (1)
قوله: صحا القلب، أي انكشف عنه ما كان به من سكر الباطل. وأقصر:
كف. وعرى أفراس الصبا: مثل ضربه، أي تركت الصبا فلا أركبه. والصبا:
الميل الى الباطل. والأبيض: السيد (2). وفياض: سخى. والمعتفون: الذين يأتونه فيطلبون ما عنده. وما تغب: أي انها دائمة لا تنقطع، لا يكون غاية في كل يوم. ونوافله: عطاياه (3). والصريم: قال ابن قتيبة: جمع صريمة، وهي القطعة من الرمل تنقطع من معظمه. قال أبو عبيدة: الصريم: الليل. وأراد أنه غدا عليه في بقية من الليل. ويقال الصريم: الصبح، لأنه يصرم بين الليل والنهار.
وعواذله: يعذلنه على انفاق ماله. وقوله: يدرين: أي لا يدرين أين الأمر الذي يختلنه فيه أي كيف يخدعنه. وأخو ثقة: أي يوثق به. وقوله: لا يذهب الخمر ماله: لا يفنى ماله في اللذات لكن في المكارم. والنائل: النوال والعطاء.
ومتهلل: ضاحك. والجند: الفرسان. والأعراب: الرجالة. والكلاب: بضم الكاف، ماء بأرض بني عامر. والهوامل: الإبل بلا راع. ولجوّا: ادخلوا. وقاتل الجوع:
القرى. ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
فقلت تعلّم أنّ للصّيد غرّة … وإلّا تضيّعها فإنّك قاتله
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على وقوع تعلم على أنّ وصلتها.
__________
(1) من الغريب أن ينسب هذا البيت لزهير، وهو مشهور وسائر لأبي تمام من قصيدته في مدح المعتصم بالله التي أولها:
أجل أيها الربع الذي حف أهله … لقد أدركت فيك النوى ما تحاول
وهو في ديوان أبي تمام 3/ 29 وترتيبه في القصيدة رقم 37
(2) الأبيض: يريد به النقي من العيب. والعرب اذا وصفوا بالبياض لا يريدون به بياض اللون، وانما يريدون المدح بالكرم ونقاء العرض من الدنس والعيوب.
(3) ويروى: (وفواضله) بدل (نوافله).
(2/941)

834 - وأنشد:
ولكنّما أهلي بواد أنيسه … ذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد (1)
هذا من قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها ابنه أبا سفيان، وأوّلها (2):
ألا بات من حولي نياما ورقّدا … وعاودني حزني الّذي يتجدّد
وعاودني ديني فبثّ كأنّما … خلال ضلوع الصّدر شرع ممدّد
بأوب يدي صنّاجة عند مدمن … غوىّ إذا ما ينتشي يتغرّد
ولو أنّه إذ كان ما حمّ واقعا … بجانب من يحفى ومن يتودّد
ولكنّما أهلي بواد أنيسه … ذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد
أرى الدّهر لا يبقى على حدثانه … أبود بأطراف المناعة جلعد
قوله: ديني: أي حالي. وخلال: بين. وشرع: بكسر المعجمة وسكون الراء آخره مهملة، الوتر الذي في الملاهي. والمعنى: كأن حنيني ضرب عود في أضلاعي. وأوب: رجوع وترديد في الضرب. ومدمن: أي للخمر. وينتشي:
يسكر. ويتغرّد: يتغنى ويطرب. وحم: قدر. ويحفى: يكرم. ويرفق: يقول:
لو كان ابني اذ أصابه ما قدرّ له من الموت بجانب من يودّه ويكرمه لكان أهون لما بي، ولكنه بواد ليس له أنيس مع الذئاب والوحش. وأورد المصنف البيت مستشهدا به على استعمال مثنى وموحد نعتين لذئاب، أو خبرين لمبتدأ محذوف، أي بعضهم مثنى وبعضهم موحد. وقيل: هما بدلان من ذئاب. ورده أبو حيان بقلة ولائهما العوامل. والإبدال انما يكون بالأسماء التي بابها ان تلي العوامل.
__________
(1) ديوان الهذليين 1/ 237 وفيه: (سباع تبغى ....).
(2) ديوان الهذليين 1/ 236 - 242 وفيه: يرثي ابن أبي سفيان.
(2/942)

وتبغي أصله تبتغي، فحذف إحدى التاءين. يقال: تبغيته إذا طلبته وبغيته.
والأبود: الأبد المتوحش. والمناعة: بلدة. وجلعد: غليظ.
835 - وأنشد:
ولا أرض أبقل إبقالها (1)
هو لرجل طائي، وهو عامر بن جوين بالتصغير، وصدره:
فلا مزنة ودقت ودقها
ومزنة: مبتدأ وأسم لا على إلغائها أو إعمالها عمل ليس. وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض. ويقال للمطر: حب المزن. قال المصنف: وهمّ ابن يسعون فقال: إنه المطر نفسه. ويردد قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ). والودق:
بالدال المهملة، المطر. ودقت تدق: قطرت. والجملة خبر المبتدأ، أو خبره، أو نعت لمزنة. والخبر محذوف أي موجودة. وودقها وابقالها مصدر ان تشبيهان.
وأرض: اسم للبرية المزنة. وأبقل: خبرها، فمحله الرفع، أو نعت لاسمها، فمحله النصب والرفع. ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل: أبقل، وقد يقال: بقل بقلا وبقولا. ولوجه الغلام أول ما ينبت فيه الشعر: بقل، لا غير. وأنكر جماعة واستشهد بقوله: بقل، على حذف التاء من الفعل المسند الى ضمير المؤنث المجازي منهم الأصمعي بقل في المكان، وادّعوا أن باقلا من الشواذ، كأعشب فهو عاشب، ضرورة. قال المصنف: وكأنه لما اضطر حمل الأرض على الموضع. وزعم ابن كيسان: ان ذلك جائز في النثر، وأن البيت بضرورة لتمكنه من أن يقول أبقلت ابقالها، بنقل كسرة الهمزة الى التاء، فتحذف الهمزة. وأجاب السيرافي: بأنه يجوز أن يكون هذا الشاعر ليس من لغته تخفيف الهمزة. وذكر ابن يسعون: أن بعضهم رواه بالتاء وبالنقل المذكور. قال المصنف: فإن صحت الرواية وصح أن القائل ذلك هو الذي قال: (ولا أرض أبقل) بالتذكير، صح لابن كيسان مدّعاه، وإلا
__________
(1) الخزانة 1/ 21 وابن عقيل 1/ 172
(2/943)

فقد كانت العرب ينشد بعضهم قول بعض، وكل يتكلم على مقتضى لغته التي فطر عليها، ومن هنا تكثرت
الروايات في بعض الأبيات. وذكر ابن الغواص في شرح ألفية ابن معطي: أنه روى ابقالها، فلا شاهد فيه حينئذ. وزعم بعضهم أنه لا شاهد فيه على رواية النصب أيضا ذات، وان التقدير: ولا مكان أرض. فحذف المضاف وقال: أبقل، على اعتبار المحذوف. وقال: ابقالها على اعتبار المذكور.
836 - وأنشد:
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا: القوم إخوان (1)
عسى الأيّام أن يرجع … ن قوما كالّذى كانوا
هما من قصيدة للفند الزّمّاني قالها في حرب البسوس، وأولها:
أقيدوا القوم إنّ الظّل … م لا يرضاه ديّان
وإنّ النّار قد تص … بح يوما وهي نيران
وفي العدوان للعدوا … ن توهين وإقران
وفي القوم معا للقو … م عند البأس أقران
وبعض الحلم يوم الجه … ل للذّلّة إذعان!
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا القوم إخوان
عسى الأيّام أن يرجع … ن قوما كالّذى كانوا
فلمّا صرّح الشّ … رّ بدا والشّرّ عريان (2)
__________
(1) الخزانة 2/ 57، والحماسة 1/ 21.
(2) في الحماسة والخزانة: (فأمسى وهو عريان).
(2/944)

ولم يبق سوى العدوا … ن دنّاهم كما دانوا
أناس أصلنا منهم … ودنّا كالّذى دانوا
وكنّا معهم نرمي … فنحن اليوم أخدان
وفي الطّاعة للجا … هل عند الحرّ عصيان
فلمّا أن أبوا صلحا … وفي ذلك خذلان
شددنا شدّة اللّيث … غدا واللّيث غضبان (1)
بضرب فيه تأميم … وتفجيع وإرنان (2)
بطعن كفم الزّقّ … غذا والزّقّ ملآن

فائدة: [الفند]
الفند هذا اسمه شهل، بالمعجمة، ابن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصى بن دعمي بن جذيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، من شعراء الجاهلية. وسمي فندا لأن بكر بن وائل بعثوا الى بني حنيفة في حرب البسوس يستنصرونهم فأمدّوهم به، فلما أتى بكرا، وهو مسنّ جدا، قالوا: وما يغني هذا عنا؟ قال: أما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه. والفند: القطعة العظيمة من الجبل. قوله: صفحنا: أي عفونا عن جرمهم، وأما أصفحت عنه فمعناه أضربت عنه. يرجعن قوما، يرونهم الى الصلة بعد القطيعة. ورجع: مصدر متعد، قال تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ) قوله: كالذي كانوا، قال التبريزي: يحتمل أن يكون معناه: كالذي كانوه قبل من الإلفة والاتفاق. ويحتمل أن يكون المراد: كانوا، فحذف النون تخفيفا. والفرق بينهما
__________
(1) في المراجع السابقة: (مشينا مشية الليث).
(2) في المراجع السابقة: بضرب فيه توهين وتخضيع واقرأن
(2/945)

أنه أمل في الوجه الأول أن ترد الأيام أحوالهم كما كانت. وفي الثاني: أن ترجع الأيام أنفسها كما عهدت. وصرّح الشر: خلص فلم يشبه خير شبه باللبن الصريح، وهو الذي ذهبت رغوته، وإذا ذهبت الرغوة فاللبن عريان. وقيل: صرح بمعنى تبين. ويروى:
فأمسى وهو عريان
وأمسى: بمعنى صار، ويروى فأضحى. قال البياري: وهي وأخواتها قد يوصفن في الشعر توسعا موضع منازعة. والعدوان: الظلم والبغي، يقول: لما أصرّوا على البغي والظلم والقطيعة وأبوا أن يرعووا لم يبق الا أن نقاتلهم كما اعتدوا، ودناهم كما دانوا: أي حكمنا عليهم كما حكموا علينا، وجازيناهم كما اعتدوا علينا. وأطلق على فعلهم المجازاة من باب المشاكلة كقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) وفي المثل: كما تدين تدان. شددنا: حملنا. وغدا:
بالمعجمة، وخص الغدوّ لأنه أشد لصولته ذاهبا لمطلبه لما عنده من سورة الجوع.
ويروى: بالمهملة، أي عدا على فريسته. وكرّر الليث: ولم يأت بضميره تفخيما، وهم يفعلون ذلك في أسماء
الاجناس والأعلام. وبضرب متعلق بشددنا. وغذا:
بمعجمتين، أي سال، وهو في موضع الحال. قوله: (وفي العدوان ... البيت) أي في اعتدائنا عليهم بالجزاء قمع لعدوانهم وردع، وهو كقولهم: بالشر ترد عادية الشر.
واقران: أي اطاقة، من أقرن له اقرانا أي أطاقه أي بمثل العدوان فيدفع شره.
قال البياري: وأجود منه أن يجعل الاقران هنا اللين والخشوع، أي لا تذله وتقهره إلّا أن تقاتله بمثله، من قولهم: أقرن الجبن، واستقرن: إذا نضج. وقوله: (وبعض الحلم ... البيت) أي ارتكاب الحلم عند الجهل، دخول تحت الذل. وإذعان:
أي انقياد له. وتوهين: تضعيف للمضروب. وتخضيع: تذلل. وارنان: رنة وتأوه منه لشدته. ويروى: تأميم وتفجيع، أي يصير النساء أيامى، أي فاقدات الأزواج لقلتهم، وتفجع الرجل بابنه وأخيه بقتله. وقوله:
بطعن كفم الزّقّ
(2/946)

شبه الطعن ونجيع الدم بفم الزق إذا سال عن ملء. وقوله: والزّق ملآن: تتميم جاء بعد تمام المعنى، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر.
837 - وأنشد:
إذ النّاس ناس والزّمان زمان
أنشده صاحب الحماسة البصرية هكذا:
ألا هل إلى أجبال سلمي بذى اللّوى … لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا ونحن نحبّها … إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
لم يسم قائله. وقال في الأغاني (1): هما لرجل من عاد فيما ذكر. ثم أخرج عن حماد الرواية قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد قال: وليت صدقات قوم من العرب فقال لي رجل منهم: ألا أريك عجبا؟ فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد قد نشب في ذروة من الجبل عليه مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمح إلى اللّوى … من الرّمل يوما للنّفوس معاد
بلاد بها كنّا وكنّا من اهلها … إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
ثم أخرجني الى ساحل البحر فإذا أنا بحجر عليه مكتوب: يا ابن آدم! يا عبد ربه، اتق الله ولا تعجل في أمرك فانك لن تسبق رزقك، ولا ترزق ما ليس لك.
838 - وأنشد:
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى (2)
__________
(1) 21/ 105
(2) الخزانة 1/ 211، والكامل 42 والاغاني 22/ 371 (الثقافة).
(2/947)

أخرج أبو الفرج في الأغاني عن الأصمعي قال: قال أبو النجم للعديل بن الفرخ: أرأيت قولك:
فإن تك من شيبان أمّي فإنّني … لأبيض عجليّ شديد المفارق
أكنت شاكا في نسبك حتى قلت هذا؟ فقال له العديل: أفشككت أنت في نفسك وشعرك حيث قلت:
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى … لله درّى ما يجنّ صدرى (1)
فأمسك أبو النجم واستحيا.
839 - وأنشد:
كادت النّفس أن تفيض عليه … مذ ثوى حشو ريطة وبرود (2)
لم يسم قائله (3). وتفيظ: بالظاء المعجمة، يقال: فاظ الليث، بالظاء، وفاضت نفسه، بالضاد. قال الزجاج: وفاظت نفسه بالظاء جائز عند الجميع إلا
__________
(1) في الخزانة: (... ما أجن صدري)
وبعده:
من كلمات باقيات الحرّ … تنام عيني وفؤادي يسري
مع العفاريت بأرض قفر
وفي الكامل 42: (أنا أبو النجم وشعري شعري: أي شعري كما بلغك وكما كنت تعهد، وكذلك قولهم: الناس الناس، أي الناس كما كنت تعهدهم).
وفي الخزانة: (على أن عدم مغايرة الخبر للمبتدأ انما هو للدلالة على الشهرة، أي شعري الآن هو شعري المشهور المعروف بنفسه لا شيء آخر).
والدّر في الاصل اللبن، يقال في المدح لله درّه أي عمله. وقوله:
ما أجنّ صدري، هو صيغة تعجب من الجنون، قال في الصحاح:
وقولهم: ما أجنّه - في المجنون - شاذ لا يقاس عليه.
(2) ابن عقيل 1/ 132 وفيه: (إذا غدا حشو).
(3) قال العلامة الشنقيطي: هو لمحمد بن مبادر شاعر البصرة، وقبله:
ليت شعري وهل درى حاملوه … ما الذي يحملون من عفاف وجود =
(2/948)

الأصمعي، فإنه لا يجمع بين الظاء والنفس، بل يقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد. وقال ابن بري: الذي يجوز فاظت نفسه بالظاء. يحتج بهذا البيت، وضمير عليه للميت المرثي. والريطة: بفتح الراء وسكون التحتية وفتح الطاء المهملة، الملائة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن ذات لفقين. والبرود: جمع برد. والبيت استشهد به المصنف في التوضيح على دخول إن في كاد.
__________
= قلت: ليس اسمه ابن مبادر - بالباء المنقوطة -، وانما هو (مناذر) والبيت من قصيدة طويلة يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي وهي في الكامل 1225 - 1228، وطبقات ابن المعتز 122 - 124 ونهاية الأرب 3/ 83 ونسبت فيه خطأ لابن ميادة، ومنها أبيات متفرقة في الاغاني والزهرة 367 والموشح، وقد روي البيت الذي ذكره العلامة الشنقيطي بلفظ:
ما دري نعشه ولا حاملوه … ما على النعش من عفاف وجود
(2/949)

الكتاب السابع
840 - وأنشد:
ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم المودّة والإخاء؟ (1)
هذا من قصيدة للحطيئة أولها:
ألا قالت أمامة هل تعزّى؟ … فقلت أمام، قد غلب العزاء
إذا ما العين فاض الدّمع منها … أقول بها قذى وهو البكاء
لعمرك ما رأيت المرء تبقى … طريقته وإن طال البقاء
على ريب المنون تداولته … فأفنته وليس له فناء
إذا ذهب الشّباب فبان منه … فليس لما مضى منه لقاء (2)
ومنها:
ألا أبلغ بني عوف بن كعب … فهل قوم على خلق سواء
ألم أك نائيا فدعوتموني … فجاء بي المواعد والرّجاء
ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم المودّة والإخاء
__________
(1) ابن عقيل 2/ 126، وسيبويه 1/ 425، وانظر الكامل 541
(2) ويروى (بقاء) كما في اللآلي 459
(2/950)

وإنّي قد علقت بحبل قوم … أعانهم على الحسب الثراء
هم القوم الّذين إذا ألمّت … من الأيّام مظلمة أضاؤوا
هم القوم الّذين علمتموهم … لوى الدّاعي إذا رفع اللّواء
والبيت فيه شواهد، أحدها: ورود همزة الإستفهام للتقرير. والثاني: حذف نون أكن لاجتماع الشروط. والثالث: نصب المضارع بأن مقدرة بعد الواو لوقوعه بعد الإستفهام. وعلى ذلك أورده ابن مالك.
841 - وأنشد:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم … ولن تستطيع الحلم حتّى تحلّما (1)
هذا من قصيدة لحاتم الطائي الجواد، وأوّلها:
أتعرف أطلالا ونؤيا مهدّما … كخطّك في رقّ كتابا منمنما
أذاعت به الأرواح بعد أنيسه … شهورا وأيّاما وحولا محرّما
ونفسك فاكرمها فإنّك إن تهن … عليك فلن تلقى لها الدّهر مكرما
أهن للّذي تهوى التّلاد، فإنّه … إذا متّ صار المال نهبا مقسّما
ولا تشقين فيه فيسعد وارث … به حين تخشى أغبر الجوف مظلما
يقسّمه غنما ويشري كرامة … وقد سرت في خطّ من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنّك وارث … إذا اختار ممّا كنت تجمع مغنما
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم … ولن تستطيع الحلم حتّى تحلّما
__________
(1) سيبويه 2/ 240، وأساس البلاغة (حلم) والقصيدة في الخزانة 1/ 492 - 493 ببعض الاختلاف وهي تتعلق بالكرم ومكارم الاخلاق.
(2/951)

متى ترق أظعان العشيرة بالأنا … وترك الأذى يحسم لك الدّاء محسما
وما تغشّتني في هواي لجاجة … إذا لم أجد ما في أمامي مقدّما
إذا شئت نازيت امرأ السّوء ما نزا … إليك ولاطمت اللّئيم الملطّما
وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر … وذي أود قوّمته فتقوّما
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره … وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما
ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا … ولا أشتم ابن العمّ إن كان مفحما
ولا زادني عنه غناي تباعدا … وإن كان ذا نقص من المال معدما
قال ابن يسعون: هذه الأبيات من أحسن ما قيل في مداراة الأقارب.
842 - وأنشد:
فإنّ نكاحها مطر حرام
تقدم شرحه في شواهد التنوين ضمن قصيدة الأحوص (1).
__________
(1) انظر 767 من قصيدة الشاهد رقم 552 ص 766 ويروى (مطر) بالرفع والنصب والجر.
(2/952)

الكتاب الثامن
843 - وأنشد:
فتى هو حقّا غير ملغ قوله (1) … ولا تتّخذ يوما سواه خليلا
844 - وأنشد:
إنّ امرأ خصّني يوما مودّته … على التّنائي لعندي غير مكفور
هو لأبي زبيد الطائي يمدح أخاه لأمه وليد بن عقبة عامل الكوفة في خلافة عمثان رضي الله عنه. وسبب ذلك أن بني تغلب أخواله كانوا قد أخذوا له إبلا فاقتلعها منهم وليد المذكور، وبعده:
أرعى وأروى وأدناني وأظهرني … على العدوّ بنصر غير تعذير
أرعى: جعل إبله ترعى. وأروى: سقاها. والتعذير التقصير (2).
845 - وأنشد:
أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب (3)
هو لعامر بن الطّفيل، وصدره:
فما سوّدتني عامر عن وراثة
__________
(1) كذا بالاصل، وصحتها كما في المغني (توله).
(2) ورد هذا النص بالحرف الواحد في حاشية الامير 2/ 189
(3) الخزانة 3/ 527 والعيني 1/ 242 والشعراء 295 والكامل 140
(2/953)

قال الصولي: حدثني الحسن بن اسمعيل قال: سمعت المعتضد يقول:
لا فخر أفخر من قول عامر بن الطفيل:
وإنّي وإن كنت ابن سيّد عامر … وفارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة … أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها، وأتّقي … أذاها، وأرمي من رماها بمنكبي
هذا والله السؤدد أن يشرف بنفسه، يزيد بذلك شرفه بآبائه، فإن نقص عنهم كان ذلك لاحقا به لا بهم. والأبيات المذكورة من قصيدة، أولها:
تقول ابنة العمريّ مالك بعد ما … أراك صحيحا كالسّليم المعذّب
السليم: اللديغ. وسوّدتني: من السيادة. وأسمو: من السمو، وهو العلو والارتفاع. والمنكب: بكسر الكاف وفتح الميم، رأس العرفاء في النكاية، وهي العرافة. وقيل أعوان العرفاء. والمعنى: وأرمي من رماها بجماعة رؤساء من الفوارس. وعامر بن الطفيل العامري، ورد على النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يسلم وتهدّده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ اكفنيه بما شئت (1)! فأخذه الطاعون كما ثبت ذلك في كتاب المعجزات. وفي شرح شواهد الإيضاح أنه يكنى أبا الجزاز، بزائين. وقيل أبا جزيز بالتصغير. وأنه لما قدم كان له بضع وثمانون سنة، وكان أعور.
846 - وأنشد:
إذا رضيت عليّ بنو قشير
تقدم شرحه في شواهد على (2).
__________
(1) في الشعراء 294: (اللهم اكفني عامرا واهد بني عامر).
(2) الشاهد رقم 215 ص 416
(2/954)

847 - وأنشد:
فيها خطوط من سواد وبلق … كأنّه في الجلد توليع البهق
تقدم شرحه في شواهد التنوين (1).
848 - وأنشد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … كاليوم هانئ أينق جرب (2)
قال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو عامر (3) عن أبي عبيدة قال:
خرجت تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد، وهي الخنساء، وهي في زود لها جرّب، ثم نضت عنها ثيابها واغتسلت، ودريد بن الصّمّة يراها لا تراه، فقال دريد:
حيّوا تماضر واربعوا صحبي … وقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … كاليوم هانئ أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه … يضع الهناء مواضع النّقب
متحسّرا نضخ الهناء به … نضخ العبير بريطة الهضب (4)
أخناس قد هام الفؤاد بكم … واعتاده داء من الحبّ
فسليهم عنّى خناس إذا … غضّ الجميع هناك ما خطبي (5)
__________
(1) انظر ص 764 والشاهد رقم 553
(2) الامالي 2/ 161، والاغاني 10/ 22 (الدار) برواية:
(... به كاليوم طالي أنيق جرب)، وانظر حاشية الامير 2/ 190
(3) كذا بالاصل، وفي الامالي (أبو حاتم).
(4) كذا بالاصل، وفي الامالي والاغاني: (العصب).
ويروي: (العطب) بالضم وبضمتين، وهو القطن.
وأصلحنا في الاصل (البصير) بالعبير، كما في المراجع السابقة.
وكذا في الامالي، وفي الاغاني:
(5)
غضّ الجميع الخطب ما خطبي
(2/955)

قال القالي: النّقب، بكسر القاف، ويقال أيضا بفتحها، القطع المتفرّقة من الجرب في جانب البعير، والواحدة نقبة (1). وغضّ: من الغضاضة واللّين.
وخناس: هي الخنساء الشاعرة المشهورة وأسمها تماضر. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة وابن الأعرابي وابن الكلبي مثل هذه القصة. وزاد: فلما أصبح غدا على أبيها يخطبها، فدخل عليها أبوها فقال: يا خنساء، أتاك فارس هوزان وسيّد جشم دريد بن الصّمّة يخطبك! فقالت: أنظرني حتى أشاور نفسي، ثم بعثت وليدة لها فقالت: انظري دريدا إذا بال، فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقية، وإن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه.
فاتّبعته وليدتها ثم عادت اليها فقالت: قد وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض.
فعاودها أبوها فقالت: يا أبه، أتراني تاركة بني عمّي مثل عوالي الرمّاح وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد! فصرف دريد.
849 - وأنشد:
لما أغفلت شكرك فاصطنعني … فكيف ومن عطائك جلّ مالي
850 - وأنشد:
يا ليت حظّي من نداك الصّافي … والفضل أن تتركني كفاف (2)
هذا من رجز لرؤبة يخاطب به أباه العجّاج وقد سرق، أعني أباه، قصيدة له وأنشدها سليمان بن عبد الملك فأجازه عشرة آلاف درهم، فطلب منه ابنه نصيبا منها لكونه أجيز بشعره فأبى. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سعيد السّيرافي عن أبي بكر بن السراج عن أبي العباس المبرد عن الرياشي عن الأصمعي قال (3): قال رؤبة:
خرجت مع أبي أريد (4) سليمان بن عبد الملك، فلما صرنا ببعض
__________
(1) النقب: بضم النون وتسكين القاف أو فتحها. ولم يذكر القالي انها بكسر القاف. وفيه: (في جلد البعير).
(2) في المغني: (من جداك الصافي)، وهو في الخزانة 1/ 245 بلفظ:
فليت حظي من جداك الضافي … والنفع ان تتركني كفاف
(3) انظر الخزانة 1/ 246.
(4) في الخزانة (يريد).
(2/956)

الطريق قال لي: أبوك راجز وجدّك راجز وأنت مفحم. قلت: أفأقول؟ قال:
نعم، قلت:
كم قد حسرنا من علاة عبس
ثم أنشدته إياها فقال: اسكت فضّ الله فاك. فلما انتهينا الى سليمان قال له: ما قلت؟ فأنشده أرجوزتي، فأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما خرجنا من عنده قلت: أتسكتني وتنشد أرجوزتي؟ فقال: اسكت ويلك! فإنك أرجز الناس. قال:
فالتمست منه أن يعطيني نصيبا مما أخذه بشعري (فأبى) (1) فنابذته فقال (2):
لطالما أجرى أبو الجحّاف … لبدته بعيدة الإتحاف (3)
يأتي عن الأهلين والألّاف … سر هفته ما شئت من سرهاف (4)
حتّى إذا ما آض ذا أعراف … كالكردن السّرود بالإكاف (5)
قال: الّذي عندك لي صراف (6) … من غير ما كسب ولا اعتراف (7)
__________
(1) مزيدة.
(2) انظر بالاضافة الى الخزانة اللآلي 788
(3) في الخزانة: (لهيئة بعيدة الاطراف). وفي اللآلي: (لفرقة طويلة التجافي).
(4) وفي اللالي: (سرعفته)، أي أحسنت غذاءه، وكذلك سرهفته.
(5) كذا بالاصل، وصحتها (كالكودن) كما في الخزانة واللالي، والامالي 2/ 166 والكودن: الهجين ولا يشد الإكاف الّا على القوي منها،
وقوله: آض ذا أعراف، هذا مثل، يقول: صار مثل البرذون.
والإكاف: البرذعة. وهذه صفات ذم له، يريد أنه حتى صار رجلا ذا لحية.
(6) في اللآلي برواية: (قال: الذي جمّعت لي صواف). وصراف اسم فعل أمر بمعنى اصرف. وصواف - على رواية اللآلي - أي خوالص دون ولدك.
(7) في الخزانة: (ولا احتراف) بالحاء المهملة.
(2/957)

فقال رؤبة يجيبه:
إنّك لم تنصف أبا الجحّاف … وكان يرضى منك بالإنصاف
ظلمتني غيّك ذو الإسراف … يا ليت حظّي من نداك الصّافي
والفضل أن تتركني كفاف
أبو الجحاف: بجيم ثم حاء مهملة وفاء، كنية رؤبة. وروى صاحب كتاب (مناقب الشبّان وتقديمهم على ذوي الأسنان) من طريق محمد بن سلام، عن أبي يحيى الضبي قال: كان رؤبة يرعى إبل أبيه حتى بلغ وهو لا يقرض الشعر، فتزوّج أبوه امرأة يقال لها عقرب، فعادت رؤبة، وكانت تقسم إبله على أولادها الصغار، فقال رؤبة: ما هم بأحق مني لها!، إني لأقاتل عنها السنين، وأنتجع بها الغيث. فقالت عقرب للعجّاج: اسمع هذا وأنت حي! فكيف بنا بعدك؟ فخرج فزبره وصاح به وقال له اتبع إبلك، (ثم قال) (1).
لطالما أجرى أبو الجحّاف … وكان يرضى منك بالإنصاف
لمّا رآني أرعشت أطرافي … استعجل الدّهر وفيه كاف
يخترف الإلف عن الألّاف (2)
في أبيات، فأنشد رؤبة يجيبه:
إنّك لم تنصف أبا الجحّاف … وهو عليك دائم التّعطاف
وكان يرضى منك بالإنصاف
قال صاحب مناقب الشبان: قوله:
__________
(1) مزيدة.
(2) كذا بالاصل، وفي الخزانة: (يخترم الالف ..).
(2/958)

استعجل الدّهر وفيه كاف
كقول الآخر:
يعين عليّ الدّهر والدّهر مكتف
وقول كسرى:
إذا أدبر الدّهر عن قوم كفى عدوّهم
851 - وأنشد:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري … إنّي امرؤ قتلي عليك حرام (1)
هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر قوافيها كلها مجرورة سوى هذا البيت فإنه وقع في الإقواء، وأولها (2):
لمن الدّيار غشيتها بسحام … فعمايتين فهضب ذي أقدام
دار لهند والرّباب وفرتنى … ولميس قبل حوادث الأيّام
عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا … نبكي الدّيار كما بكى ابن جذام
ومنها:
ومجدّة نسّأتها فتكمّشت … رتك النّعامة في طريق حام
تخدي على العلّات سام رأسها … روعاء منسمها رثيم دام
__________
(1) ديوان امرئ القيس 116 وفيه (إني امرؤ صرعي)، وفي المغني بلفظ (جاءت لتصرعني)، وهو خطأ.
(2) ديوانه 114 - 118
(2/959)

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري … إنّي امرؤ قتلي عليك حرام
فجزيت خير جزاء ناقة واحد … ورجعت سالمة القرى بسلام
سحام، بمهملتين مضموم الأول. وذى أقدام: موضعان. وعمايتان:
بمهملة، جبلان. وهضب وهند والرباب وفرتنا ولميس أسماء نساء (1). وعوجا:
اعطفا. والمحيل: المتغير. ولأنّنا: لغة في لعلّنا. وقد استشهد بالبيت على ذلك.
وابن جذام: شاعر قديم (2). ومجدة: ناقة سريعة. والواو واورب. ونسأتها:
زجرتها. وتكمشت: أسرعت. ورتك: سرعة. وحام: حار من الشمس. وتحدى:
تسرع. والعلاة: المشاد. وسام: مرتفع. وروعاء: نشيطة. والمنسم: طرف الخف.
ورثيم: مجروح. ودام: نفر دمه. وجالت: اضطربت. وتصرعني: تسقطني واقصري: كفي. والبيت في ديوان امرئ القيس بلفظ:
صرعي عليك حرام
والقرى: بالقاف الظهر.
852 - وأنشد:
طلبوا صلحنا ولات أوان
تقدم شرحه في شواهد لات (3).
853 - وأنشد:
ما تنقم الحرب العوان منّي
__________
(1) في الديوان: الهضب جمع هضبة، وهي قطعة من الجبل مرتفعة.
(2) كذا، والمعروف انه ابن خذام، ويروى ابن حذام وابن حمام. وهو رجل من طئ لم يسمع شعره الذي بكى فيه ولا شعر ذكر فيه غير هذا البيت الذي ذكر امرؤ القيس، وانظر ابن سلام 33، والمؤتلف 11 و 129، والعمدة 1/ 70
(3) الشاهد رقم 398 ص 640.
(2/960)

تقدم شرحه في شواهد أم (1).
854 - وأنشد:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا
هو من أبيات أولها (2):
حوراء لو نظرت يوما إلى حجر … لأثّرت سقما في ذلك الحجر
يزداد توريد خدّيها إذا لحظت … كما يزيد نبات الأرض بالمطر
فالورد وجنتها والخمر ريقتها … وضوء بهجتها أضوا من القمر
يا من رأى الخمر في غير الكروم ومن … هذا رأى نبت ورد في سوى الشّجر
__________
(1) الشاهد رقم 56 ص 147
(2) القصيدة في ذيل ديوان العرجي 180 - 183، وعلق محققا الديوان على القصيدة بما يلي: (عن الخزانة 1/ 46 - 47 وفي المعاهد 3/ 167 ذكر الاختلاف في نسبته للمجنون أو لذي الرمة أو للعرجي أو للحسين بن عبدان الغزي، قال: والأكثرون على انه للعرجي، ونقل عن البغدادي والزهرة لابن داود: أن بعض الاعراب قال:
يا سرحة الحي! أين الروح؟ واكبدي! … لهفا تذوب - وبيت الله - من حسر
ما أنت عجماء عما قد سئلت، فما … بال المنازل لم تنطق ولم تحر؟
يا قاتل الله غادات قرعن لنا … حب القلوب بما استودعن من حور
عنت لنا وعيون من يرامقها … مكنونة مقل الغزلان والبقر
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا … من هؤليائكن الضال والسحر
وذكر الباخرزي في الدمية ص 27 - 29: في قوله: انسانة الحي:
البيت أنه أول أبيات لرجل بدوي اسمه كامل الثقفي، والمظنون ان النسبة محرفة، فقد ذكر الباخرزي انه سمع هذه الابيات من رجل بدوي من زعماء المنتفق اسمه كامل البغدادي. وفي الخزانة: ان العيني ذكر المطلع وقال: هو من قصيدة للعرجي، قال: وجعل الصاغاني الابيات: بالله يا ظبيات، وما بعده، للحسين بن عبد الرحمن العربني، ولعله المذكور في المعاهد باسم الحسين بن عبد الله الغزي، ثم ذكر ان السخاوي قال في شرح المفصل: والنحاة ينشدون: يا ما أميلح ... البيت، ظنا منهم بأنه شعر قديم، وانما هو لعلي بن محمد العربني، وهو متأخر، وكان يروم التشبيه بطريقة العرب في الشعر. والشاهد أيضا في (الموفي في النحو الكوفي) ص 85 والانصاف 1/ 74.
(2/961)

كادت ترفّ عليها الطّير من طرب … لمّا تغنّت بتغريد على وتر
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا … ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا … من هؤ ليّائكنّ الضّال والسّمر
هكذا رأيته بخط المصنف في بعض تعاليقه. ورأيت في الدمية للباخرزي: قوله:
(بالله يا ظبيات القاع) بعد قوله: (يا ما أمليح)، وبعدهما قوله:
إنسانة الحيّ؟ أم أدمانة السّمر؟ … بالنّهي، رقّصها لحن من الوتر!
ولم يذكر غير هذه الثلاثة. وقال: إنها من مترنمات كامل الثقفي. قال:
ولكامل هذا شعر بدوي، وصيت له بين الشعراء روي. والبيت: استشهد به المصنف كالنحاة على تصغير فعل التعجب. واستشهد غيره بعجزه على تصغير اسم الإشارة، وعلى اقترانه بالهاء. وقوله: بالله يا ظبيات القاع ... البيت. استشهد به أهل البديع على النوع المسمى تجاهل العارف. واستشهد به المصنف في التوضيح على تحريك ياء ظبية في الجمع بألف وتاء. وفي شواهد العيني: نسبة هذه الأبيات للعرجي. وأميلح: تصغير أملح، من ملح الشيء ملاحة. وشدنّ: بتشديد النون، جمع مؤنث من شدن الظبي شدونا، إذا صلح جسمه وإذا قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه فهو شادن. والضال: بمعجمة ولام خفيفة، السدر البري، واحده ضالة بالتخفيف أيضا. والسمر: بضم الميم، ضرب من شجر الطلح، الواحدة سمرة.
وظبيات جمع ظبية. والقاع: المستوى من الأرض.
855 - وأنشد:
يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم … أن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب
856 - وأنشد:
لحب المؤقدين إليّ مؤسى … وجعدة إذ أضاءهما الوقود
(2/962)

هو من قصيدة لجرير يمدح بها هشام بن عبد الملك. أولها (1):
عفا النّسران بعدك فالوحيد … ولا يبقى لجدّته جديد
نظرنا نار جعدة هل نراها … أبعد غال ضوءك أم همود
لحبّ المؤقدين إليّ مؤسى … وجعدة إذ أضاءهما الوقود
تعرّضت الهموم لنا فقالت … جعادة: أيّ مرتحل تريد
فقلت: لها الخليفة غير شكّ … هو المهديّ والحكم الرّشيد
ومنها:
هشام الملك والحكم المصفّى … يطيب إذا نزلت به الصّعيد
يعمّ على البريّة منه فضل … وتطرق من مخافته الأسود
وإن أهل الضّلالة خالفوكم … أصابهم كما لقيت ثمود
وأمّا من أطاعكم فيرضى … وذو الأضغان يخضع مستقيد
النسران: انقاء بالدهناء، واحدها نقا، وهو كثيب من الرمل. والوحيد وموسى ابنه. وجعدة: ابنته. وهما عطفان بيان للموقدين، كانا يوقدان نار القرى. وإذ أضاءهما: بدل اشتمال منهما. واللام في لحب للقسم. وحب: فعل ماض بضم الحاء وفتحها من أحب وحب. والمعنى: حبّب الله إليّ اضاءة وقودهما إياهما.
857 - وأنشد:
ممّا حملن به وهنّ عواقد … حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل
__________
(1) ديوانه 146 - 151
(2/963)

حملت به في ليلة مزؤودة … كرها وعقد نطاقها لم يحلل
تقدم شرحه في شواهد الى (1).
858 - وأنشد:
كيف تراني قالبا مجنّي … قد قتل الله زيادا عنّي (2)
859 - وأنشد:
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
تقدم شرحه في شواهد الخطبة (3).
860 - وأنشد:
إلى ملك كاد الجبال لفقده … تزول وزال الرّاسيات من الصّخر
861 - وأنشد:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم
تقدم شرحه (4).
862 - وأنشد:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى … ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند
__________
(1) انظر ص 227 وهما مع الشاهد رقم 113 من قصيدة واحدة.
(2) هو للفرزدق والبيت في ديوانه 881، وزياد هو زياد بن أبيه.
(3) انظر ص 13، وهو مع الشاهد رقم 1 ص 12 من قصيدة واحدة.
(4) في شواهد حتى، الشاهد رقم 187 ص 378
(2/964)

863 - وأنشد:
حتّى يكون عزيزا من نفوسهم … أو أن يبين جميعا وهو مختار (1)
864 - وأنشد:
إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا … عنّي وما سمعوا من صالح دفنوا (2)
قاله قعنب بن أم صاحب من شعراء الحماسة، وبعده:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به … وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا من عدوّهم … لبئست الخلّتان الجهل والجبن
قوله: سبة: هي ما يسب به (3). وفرحا: مفعول له. ومعنى طاروا بها:
كثروها في الناس وأذاعوها. وعنى بدل مني: أي من جهتي. وصم: خبره مقدرا.
وأذنوا: بكسر المعجمة، استمعوا. وجهلا وجبنا: مصدران لعله، أي تجمعوا جهلا على الأقارب وجبنا على الأعداء. والجبن: ضد الشجاعة. بضم الباء وسكونها لغتان وقعا في البيت. وفيه من أنواع البديع التوشيح، وهو ختم الكلام بمثنى فسر بمفردين.
865 - وأنشد:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون، فإنّا معشر نزل (4)
__________
(1) حماسة أبي تمام 1/ 290 ونسبه ليزيد بن حمار السكوني، قاله من قصيدة يوم ذي قار وهو في المؤتلف 128 منسوب لعدي بن زيد.
(2) الحماسة 4/ 24
(3) وفي الحماسة برواية: (ريبة).
(4) ديوان الاعشى ص 63 من القطعة 6 وفيه برواية:
(قالوا الركوب! فقلنا عاداتنا ...) ولا شاهد فيه بهذه الرواية وانظر ص 968.
(2/965)

هو من قصيدة للأعشى ميمون أولها:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
وقبل هذا البيت:
لئن منيت بنا عن غبّ معركة … لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
قوله: ودّع، استشهد به أهل البديع على نوع من التجريد، وهو خطاب الإنسان نفسه. ومنيت: ابتليت، أي قد قدرت لنا وقدرنا لك. وعن: بمعنى بعد.
وقد استشهد ابن مالك بالبيت على ذلك بالفاء بأحد النفل. قال المصنف: الكثيرون يروونه بالقاف وهو تصحيف. ومن أبيات هذه القصيدة ما استشهد به في البديع وهو:
ما روضة من رياض الحزن معشبة … خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشّمس منها كوكب شرق … مؤزّر بعميم النّبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة … ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
والحزن: بالفتح وزاي، اسم موضع، وهو في الأصل ضدّ السهل. ومسيل:
سائل. وهطل: متتابع. ويضاحك: يميل معها حيث مالت. وكوكب: معظم الزهر، وكوكب كل شيء: معظمه. وشرق: ريان. وعميم: طويل. ومكتهل:
ظاهر النور. والأصل جمع أصيل، وهو العشي. وبعد هذه الأبيات قوله:
علّقتها عرضا، وعلّقت رجلا … غيري، وعلّق أخرى ذلك الرّجل
وهذا البيت استشهد به المصنف في التوضيح على بناء الفعل للمجهول في الافعال الثلاثة لإقامة النظم. والعلاقة: بالفتح، الحب. وعرضا: بالعين المهملة، من عرض له كذا أتاه على غير قصد. وبعد هذا:
فكلّنا مغرم يهذي بصاحبه … ناء ودان ومحبول ومحتبل
(2/966)

قالت هريرة لمّا جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل
قال المصنف في شواهده: هذا أخنث بيت قالته العرب (1). ومنها:
كناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
استشهد النحاة بهذا البيت على إعمال اسم الفاعل إذا اعتمد على موصوف مقدر، لأن التقدير: كوعل ناطح. ومنها:
أتنتهون (2) ولن ينهى ذوي شطط … كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل
استشهد به النحاة على وقوع الكاف اسما، فإنها في قوله: (كالطعن) اسم مرفوع على أنه فاعل ينهى. وقوله: يذهب فيه الزيت والفتل أي إنه يعالج بذلك.
والفتل جمع فتيلة. ومنها:
إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا … إنّا كذلك ما نحفى وننتعل
وقد استشهد المصنف بهذا البيت في حرف الميم.
أخرج أبو الفرج عن الشعبي قال (3): الأعشى أغزل الناس في بيت، وأخنث الناس في بيت، وأشجع الناس في بيت، فأغزل في بيت قوله:
غرّاء فرعاء مصقول عوارضها … تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل
وأخنث بيت قوله:
قالت هريرة لمّا جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل
وأشجع بيت قوله:
__________
(1) انظر ص 268
(2) في الديوان: (هل تنتهون؟ ولا ..)
(3) 9/ 108 - 109 (الثقافة).
(2/967)

قالوا الطّراد! فقلنا تلك عادتنا … أو ينزلون، فإنّا معشر نزل (1)
فائدة: في شرح ديوان الأعشى للآمدي، قال أبو الحرة: وجدت على ظهر كتاب المجاز لأبي عبيدة بخط أبي غسان، رفيع بن سلمة المعروف بديار صاحب أبي عبيدة، وحدثنا به السكري بعد حديثا يرفع إلى الأعشى أنه قال: لما خرجت أريد ابن قيس بن معدي كرب بحضرموت أضللت في أوائل أرض اليمن، لأنني لم أكن سلكت ذلك الطريق، فلما أضللت أصابني مطر، فرميت ببصري كل مرمى، أطلب لنفسي مكانا ألجأ اليه، فوقعت عيني على خباء من شعر، فقصدت نحوه فإذا أنا بشيخ على باب الخباء، فسلمت فردّ السلام، وأدخل ناقتي إلى بيت، الى جانب البيت الذي كان جالسا على بابه، وقال: احطط رحلك واسترح! قال: فحططت رحلي، وجاءني بشيء فجلست عليه. قال: من تكون وأين تقصد؟ قلت: أريد قيس بن معدي كرب، قال: أظنك قد مدحته بشعر؟ قلت: نعم. قال: أنشدنيه،
فابتدأت أنشده قولي:
رحلت سميّة غدوة أجمالها … غضبى عليك فما تقول بدا لها
فقال: حسبك! أهذه القصيدة لك؟ قلت: نعم، ولم أكن أنشدته منها إلّا بيتا واحدا، فقال: من سميّة التي شببت بها؟ فقلت: لا أعرفها، ولكنه اسم ألقى في روعي فاستحسنته فتشببت. فنادى: يا سمية، اخرجي. فإذا جارية خماسية قد خرجت فوقفت وقالت: ما تشاء يا أبة، فقال: أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معدي كرب وتشببت بك في أوّلها، فاندفعت فأنشأتها من أوّلها الى آخرها ما حرّفت منها حرفا واحدا، فلما أتمتها قال: انصرفي، فانصرفت.
ثم قال: هل قلت شيأ غير هذه؟ قلت: نعم، كان بيني وبين ابن عم لي يقال له يزيد ابن مسهر، ويكنى أبا ثابت، كما يكون بين بني العم، فهجاني وهجوته فأفحمته، قال: وما قلت فيه؟ قال: قلت قصيدة أوّلها:
__________
(1) في الديوان 63 برواية: (قالوا الركوب ... أو تنزلون ...) وانظر ه 4 ص 965
(2/968)

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل (1)
فأنشدته بيتا فقال: حسبك، ثم قال: من هريرة التي شببت بها؟ قلت: لا أعرفها، وسبيلها سبيل التي قبلها، أعني سمية، فنادى: يا هريرة! فإذا جارية قريبة السن من الأولى فقال: أنشدي عمك قصيدتي التي هجوت بها أبا ثابت يزيد بن مسهر، فأنشدتها من أوّلها الى آخرها ما حرّفت منها حرفا واحدا، فسقط في يدي وتحيرت وتغشتني رعدة، فلما رأى ما نزل بي قال: ليفرّج روعك أبا بصير، أنا هاجسك مسحل بن أوثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر، فسكنت نفسي ورجعت إليّ وسكن المطر، فقلت له: أدللني على الطريق، فدلني عليه وأراني سمت مقصدي، وقال: لا تعج يمينا ولا شمالا حتى تقع ببلاد قيس.
866 - وأنشد:
فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها … أخاك مصاب القلب جمّ بلابله (2)
هو من أبيات الكتاب ولم يسم قائله. قوله: تلحني: أي تلمني، من لحاه يلحاه إذا لامه وعذله. وضمير فيها للمحبوبة. وجمّ، بفتح الجيم وتشد الميم، أي عظيم. وكثير بلا بله: أي وساوسه، جمع بلبلة، وهي الوسوسة. قوله: بحبها متعلق بمصاب، فهو معمول خبر أن قدم على اسمها.
867 - وأنشد:
أبعد بعد تقول الدّار جامعة
لم يسم قائله. وتمامه:
شملي بهم أم يقول البعد محتوما
__________
(1) ديوانه 27 ق 3
(2) الخزانة 3/ 572، وابن عقيل 1/ 137، وسيبويه 1/ 280
(2/969)

الشمل: الاجتماع. وجمع الله شملهم: اذا دعى لهم بتآلف. ومحتوما: بحاء مهملة، أي واجبا من الحتم، وهو الوجوب. والهمزة أوّل البيت للاستفهام. وبعد:
ظرف. وبعد: ضد القرب. ويقول: بمعنى يظن. وهو عامل عمله لاجتماع شروطه، والمنصوبان بعده مفعولاه. ووقع الفصل بينه وبين الاستفهام بالظرف للتوسع فيه.
868 - وأنشد:
إذن والله نرميهم بحرب
قيل انه لحسان، وتمامه:
يشيب الطّفل من قبل المشيب
والبيت استشهد به على إعمال إذن مع الفصل بينها وبين الفعل بالقسم.
869 - وأنشد:
وما كلّ من وافى مني أنا عارف
هو من قصيدة لمزاحم بن الحارث، أوّلها:
أشاقك بالهزين دارة بدت … من الحيّ واستلّت عليها العواصف
صبا وشمالا نيرخا تعتضيهما … عثانين ثوبات الجنوب الرّفارف
ومنها:
وقالوا تعرّفها المنازل من منى … وما كلّ من وافى منى أنا عارف
ولم أنس منها ليلة الجذع إذ مشت … إليّ وأصحابي منيح وواقف
تعرّفها: أمر من تعرّف يتعرّف، من قولهم: تعرفت ما عند فلان، أي تطلبته
(2/970)

حتى عرفته. أراد أنه اجتمع بمحبوبته في الحج ثم فقدها فسأل عنها فقالوا له تعرفها، يعني تطلبها وسل عنها في منازل الحجاج من منى. فقال: أنا لا أعرف كل من وافى منى حتى أسال.

فائدة: [مزاحم بن الحارث]
قائل هذه القصيدة مزاحم بن الحارث بن مصرّف بن الأعلم بن خويلد بن عوف ابن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العقيلي، شاعر إسلامي (1).
سئل جرير: من أشعر الناس؟ قال: غلام بناصفة، يأكل لحوم الوحش، يعني مزاحما.
870 - وأنشد:
ومهمه مغبرّة أرجاؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه
هو برؤبة: والمهمه: المفازة، والجمع المهامه. ومغبرة: من أغبر الشيء إذا تلون بالغبرة. وأرجاؤه: أطرافه، جمع رجا، بالقصر، وهي رفع بمغبرة قوله: كأن لون أرضه: أراد كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه. فقلب التشبيه للمبالغة، وهو محل الاستشهاد هنا. واستشهد به المصنف في التوضيح على ثبوت صلة الضمير في (أرجاؤه وسماؤه)، وهو الواو بعد في الوقف ضرورة. ومن هذه الارجوزة قوله:
وصيّحت في ليلة أصداؤه … داع دعا لم أدر ما دعاؤه
871 - وأنشد:
ولا تهيّبني الموماة أركبها … إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر
هو لابن مقبل.
872 - وأنشد:
وقد تلفّع بالقور العساقيل (2)
__________
(1) انظر الأغاني 19/ 27 (الثقافة) وفيه (مزاحم بن عمرو بن الحارث).
(2) عجز بيت وصدره: (كأن أوب ذراعيها وقد عرفت) وهو من لامية كعب (بانت سعاد) وانظر ديوانه 16.
(2/971)

873 - وأنشد:
فديت بنفسه نفسي ومالي … وما آلوك إلّا ما أطيق
هو لعروة بن الورد (1). والآلو: تقصير، يقال آلا في الأمر يألو. ثم تضمن معنى منع فتعدّى تعديته، يقول: أفديك بنفسي ومالي وما أمنعك إلا ما أطيق منعه، يعني: لا أقدر أن أمنعك فداء نفسي ومالي لأني مجبول عليه.
874 - وأنشد:
فلمّا أن جرى سمن عليها … كما طيّنت بالفدن السّياعا
هو للقطامي يصف ناقته بالسمن. وفي رواية (بطنت) بدل (طينت) وكذا أورده جار الله في أساس البلاغة (2). يقال: سيع الجدار، أطلاه بالسياع، وهو الطين أو الجص. والفدن: القصر، شبّه جريان السمن في أعضائها على السريمة، وأخذ كل عضو منه بنصيبه بتطيين الفدن بالسياع. وجعل السياع للقصر كالبطانة للثوب. وفيه تشبيه الناقة بالقصر في العلو والارتفاع وجواب لما قوله بعده:
أمرت بها الرّجال ليأخذوها … ونحن نظنّ أن لن تستطاعا
875 - وأنشد:
إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءة … فلست لشرّي بعده بحمول (3)
876 - وأنشد:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت … نجران أو بلغت سوآتهم هجر
__________
(1) ليس البيت في ديوان عروة ولا يوجد لعروة في ديوانه قصائد على حرف القاف.
(2) مادة (فدن).
(3) في المغنى برواية: فلست لشري فعله بحمول. وقال ابن هشام:
أي فلست لشر فعليه.
(2/972)

هو للاخطل من قصيدة يهجو بها جريرا، وقبله:
أمّا كليب بن يربوع فليس لها … عند التّفاخر إيراد ولا صدر
يخالفون ويعصي النّاس أمرهم … وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
877 - وأنشد:
قد سالم الحيّات منه القدما (1)
هو من أرجوزة لأبي حيّان الفقعسي، وقيل لمساور بن هند العبسي. وبه جزم الترمذي والبطليوسي. وقيل للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري. وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس. وأوّل الأرجوزة:
عبسيّة لم ترع قفّا أدرما … ولم يفحم عرفطيّا معجما
كأنّ صوت شخبها إذا همى … بين أكفّ الحالبين كلّما
شدّ عليهنّ البنان المحكما … سحيف أفعى في حشيّ أعشما
مثل قنافير ملئن هشيما (2) … وقد وطئن حيث كانت قيما
مشي الوطاب والوطاب الذمما … وقمعا يكسى ثمالا قشعما
يحسبه الجاهل ما لم يعلما … شيخا، على كرسيّه معمّما
لو أنّه أبان أو تكلّما … لكان إيّاه، ولكن أعجما
أبغت ذا ضغة ملوما … عبد كرام لم يكن مكرما
عذّبه الله بها وأعرما … وليدا حتّى إذا عسا واعرنزما
__________
(1) الخزانة 4/ 570.
(2) كذا بالاصل، ولم أهتد لصحة ضبط وزن البيت.
(2/973)

قد سالم الحيّات منه القدما … الأفعوان والشّجاع الشّجعما
وذات قرنين ضموز ضرزما
عبسية: ابل بيض. والقف: بضم القاف وتشديد الفاء، ما غلظ من الأرض.
والادرم: الذي لا نبات عليه. والعرفط: بضم المهملة والفاء وسكون الراء بينهما، ضرب من النبات. والشخب: بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين وموحده، خروج اللبن من الضرع. وهمى: سال. والسحيف: بفتح السين وكسر الحاء المهملتين وتحتية، وفاء الصوت. والحشيّ: بوزن فعيل، بحاء مهملة وشين معجمة وتشديد الياء، اليابس. والأعشم: من العشم، وهو الخبز اليابس.
والقنافير: بقاف ثم نون ثم فاء آخره راء، جمع قنفور، وهو ثقب الفقحة.
والهشيم: فرخ العقاب. والوطاب: جمع وطبه، وهو الزق الذي يجعل فيه اللبن.
والذمم: المذمومة. والقمع: ما على التمرة من القمع. والثمالي: بضم المثلثة، جمع ثمالة، وهي الرغوة. والقشعم:
من النسور والرجال: المسنّ. وعسا: من عسا الشيخ يعسو إذا ولى كبرا. واعرنزم: اجتمع. والأفعوان: بضم الهمزة، ذكر الأفاعي. والشجاع: الحية. وكذا الشجعم والميم فيه زائدة. وقال التدمري:
الشجاع ذكر الحيات. والشجعم: الجريء المسلط. وقيل: الطويل. قال:
وذات قرنين صفة الحية. وضموز: بفتح الضاد المعجمة وضم الميم وزاي، من ضمز اذا سكت. والضرزم: بكسر المعجمة وسكون الراء وفتح الزاي، يقال:
أفعى ضرزم شديدة النهش. وقال البطليوسي يصف رجلا بغلظ القدمين وصلابتهما لطول الحفا، فذكر أنه يطأ على الحيات والعقارب فيقتلها، فقد سالمت قدميه كذلك.
والبيت استشهد به على نصب الفاعل في لغة، وهو القدم. والحيان منصوب على المفعولية بالإصالة. وقيل أصله القدمان، مثنى مرفوع بالألف، فحذف النون ضرور.
وقال ابن جني: الرواية الصحيحة برفع الحيات فاعلا ونصب القدم مفعولا ونصب الأفعوان وما بعده الذي، هو يدل على الرواية الأولى بفعل مضمر دل عليه سالم على هذه: أي سالمت القدم الأفعوان. وقوله يحبسه الجاهل .. البيت: استشهد به
(2/974)

في التوضيح على تأكيد المنفي بلم بالنون شذوذا. قال الأعلم يصف الشاعر به جبلا قد عمه الخصب وحفه النبات. وقال ابن هشام اللخميّ: ليس كذلك، وانما شبه اللبن في القعب لما عليه من الرغوة حين امتلأ بشيخ معمم فوق كرسي. هو وما قبله من الأبيات يدل على ذلك (1).
878 - وأنشد:
هما خطّتا إمّا إسار ومنّة (2)
هو من قصيدة لتأبط شرّا أوّلها:
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه … أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخا الحزم الّذي ليس نازلا (3) … به الخطب إلّا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدّهر ما عاش حولا … إذا سدّ منه منخر جاش منخر
أقول للحيان وقد صفرت لهم … وطابي ويومي ضيّق الحجر معور
هما خطّتا إمّا إسار ومنّة … وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر
قال في الأغاني: كان تأبط شرّا يشتار عسلا من جبل ليس له غير طريق واحد، فأخذ لحيان عليه ذلك الموضع، وخيروه النزول على حكمهم أو إلقاء نفسه من الموضع الذي ظنوا أنه لا يسلم. فصب العسل الذي معه على الصفا وشد صدره على الزق ثم لصق على العسل، فلم يبرح ينزلق عليه حتى نزل سالما وجعل يكلمهم، وكان بينهم وبين الموضع الذي استقرّ به على الطريق مسيرة ثلاثة أيام. قوله: وقد جد جده: أي ازداد جدا وأضاع ضيعا. وقاسى أمره، أي شفي به وهو مول.
والحزم: الشدة والضبط. وأخو الحزم: صاحبه الذي يستعدّ للأمر قبل نزوله،
__________
(1) البيت من شواهد سيبويه 2/ 152 وهو في أمالي ابن الشجري 1/ 347 وقال: (وقال آخر في وصف وطب مملوء لبنا ملفوف في غشاء: يحسبه ... البيت. أراد: يحسبه الجاهل به.
(2) الخزانة 3/ 356، واللسان (خطط)، والاغاني 21/ 158 - 159
(3) في الاغاني: (ولكن أخو ..).
(2/975)

فذاك إشارة الى أخى الحزم. وقريع الدهر: يحتمل وجهين، أن يكون في معنى يختار الدهر، من قرعته أي اخترته بقرعتي. وأن يكون من قرعه بنو أبيه حتى جرب وبصر، وهو في الوجهين فعيل بمعنى. والحول: المتحوّل، من حال الى حال.
قوله: اذا سدّ منه منخر: مثل للمكروب المضيق عليه. وجاش: من الجيش، وهو الحركة والاضطراب، أي لافتنانه في الحيل، لا يؤخذ عليه طريق الا أخذ في آخر. قوله: أقول للحبان، يعني مخاطبته اياهم على الحبل وقد صفرت لهم وطابى، أي خليت الأوعية من العسل الذي صبه. ومعور: من أعور الشيء، بدت عورته.
وخطتا: تثنية خطة، وهي القصة والحالة. وحذفت النون لإضافتها الى اسار ودم، واغتفر الفضل بين المضاف والمضاف اليه بما. (ويروى) (1): إما فداء ومنة، ولا شاهد فيه على هذا. ومن أبيات القصيدة:
فأبت إلى فهم وما كدت آيبا … وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
879 - وأنشد:
إنّ من صاد عقعقا لمشوم … كيف من صاد عقعقان وبوم (2)
__________
(1) مزيدة.
(2) قال الدماميني: (يحتمل أنه على قصر المثني، وبوم محذوف الخبر، أي ومعهما بوم، والبوم والبومة طائر كلاهما للذكر والأنثى). وأنظر حاشية الامير 2/ 202. والعقعق: طائر كالغراب.
(2/976)

فهرس مراجع التحقيق
1 - أخبار أبي تمام للصولي:/ تحقيق خليل محمود عساكر ورفقاه/ مطبعة لجنة التأليف - القاهرة
2 - أدب الكاتب لابن قتيبة:/ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد/ المكتبة التجارية 1355 ه
3 - أراجيز العرب:/ محمد توفيق البكري/ المكتبة الادبية 1346 ه
4 - الاستيعاب لابي عمر بن عبد البر:/ تحقيق علي محمد البيجاوي/ مطبعة نهضة مصر 1380 ه - 1960 م
5 - أسد الغابة في معرفة الصحابة: لابن الاثير الجزري/ مطبعة القاهرة 1286 ه
6 - أسماء المغتالين من الاشراف في الجاهلية والاسلام وأسماء من قتل من الشعراء: لابن حبيب تحقيق عبد السلام محمد هارون/ مطبعة السنة المحمدية 1378 ه 1958 م
سلسلة نوادر المخطوطات
7 - الاشتقاق لابن دريد:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ مطابع السنة المحمدية 1378 ه 1958 م
8 - الاصابة في تمييز أسماء الصحابة لابن حجر: - / المكتبة التجارية - القاهرة 1939
9 - الاصمعيات:/ تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون/ دار المعارف 1370 ه 1955 م
10 - الاصنام لابن الكلبي:/ تحقيق احمد زكي باشا/ دار الكتب المصرية 1343 ه 1924 م
11 - اعجاز القرآن للباقلاني:/ تحقيق احمد صقر/ دار المعارف 1374 ه 1954 م
- سلسلة ذخائر العرب -
12 - الاغاني لابي الفرج الاصبهاني: - / مطابع التقدم 1323 ه
13 - الاغاني لابي الفرج الاصبهاني: - / مطابع دار الكتب المصرية 1 - 13
1345 ه - 1927 م
14 - الاغاني لابي الفرج الاصبهاني:/ تحقيق عبد الستار احمد فراج/ دار الثقافة - بيروت 1955 - 1961
15 - القاب الشعراء لابن حبيب:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ من سلسلة نوادر المخطوطات
مطابع لجنة التاليف 1374 ه - 1955 م
16 - الف باء للبلوي:// مطبعة الوهبية 1287 ه
17 - الامالي للزجاجي:// مطبعة السعادة 1324 ه
18 - الامالي لابن الشجري ج 1:// مطبعة الامانة - القاهرة 1930 م
19 - الامالي للقالي:// دار الكتب المصرية 1344 ه
20 - الامالي للمرتضى:/ تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم/ مطابع دار احياء الكتب المصرية 1373 ه - 1954 م
21 - انباه الرواة للقفطي:/ تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم 1 - 3 / مطابع دار الكتب المصرية/ 1950 م
22 - الانصاف في مسائل الخلاف للانباري:/ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد/ المكتبة التجارية 1374 ه - 1955 م
(2/1038)

23 - أوضح المسالك لابن هشام:/ شرح محمد محي الدين عبد الحميد/ مطبعة النصر - القاهرة 1956 م
24 - الايجاز والاعجاز للثعالبي:// مطبعة الجوائب القسطنطينية 1301
25 - البيان والتبيين للجاحظ 1 - 3:/ تحقيق حسن السندوبي/ مطبعة الرحمانية - القاهرة 1351 ه - 1932 م
26 - تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي:// المطبعة الوهبية 1278 ه 1307 ه
27 - تاريخ أبي الغداء:/ المختصر في اخبار البشر 1 - 4 / مطبعة الحسينية المصرية 1325 ه
28 - تاريخ الطبري - الرسل والملوك:// طبعة أوربا
مطبعة لجنة التاليف 1370 ه 1951 م
29 - تحفة الأبية، فيمن نسب الى غير أبيه للفيروزأبادي:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ سلسلة نوادر المخطوطات
30 - تذكرة ابن حمدون:// مكتبة الخانجي 1345 ه 1927 م الرسائل النادرة
31 - التفصيل في شرح وأعراب شواهد ابن عقيل 1 - 2:/ لمحمد سيد كيلاني/ مطبعة البابي بمصر 1378 ه - 1958 م
32 - التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه:/ لأبي عبيد الله البكري/ مطابع دار الكتب المصرية 1342 ه
33 - ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي:// مطابع لظاهر
34 - جمع الجواهر للحصري:/ تحقيق البيجاوي/ مطبعة الحلبي 1372 ه
35 - جمهرة أشعار العرب:/ لأبي زيد القرشي/ دار صادر بيروت 1383 ه 1963 م
36 - جمهرة انساب العرب لابن حزم:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ سلسلة ذخائر العرب دار المعارف 1382 ه - 1962 م
37 - حاشية الامير على المغني على هامش مغني اللبيب:/ للشيخ محمد الامير/ مطابع دار احياء الكتب العربية بلا تاريخ
38 - حماسة أبي تمام شرح التبريزي:/ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد 1 - 4 / المطبعة التجارية 1357 ه - 1918 م
39 - حماسة أبي تمام شرح المرزوقي:/ تحقيق أحمد أمين وعبد السلام محمد هارون/ لجنة التأليف 1371 ه
40 - حماسة البحتري:/ ضبط كمال مصطفى/ مطبعة الرحمانية 1929 م
41 - الحيوان للجاحظ:/ بتحقيق عبد السلام محمد هارون/ مطبعة الحلبي 1938 م
42 - خزانة الأدب للبغدادي:// مطبعة بولاق بمصر 1929 م
43 - خزانة الأدب للبغدادي:// مطبعة السلفية 1 - 4، 1347 ه
44 - دمية القصر للباخرزي:/ راغب الطباخ/ مطبعة العلمية بحلب 1930 م
45 - ديوان أبي الاسود الدؤلي:/ تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين/ مطبعة المعارف بغداد 1384 ه 1964 م
46 - ديوان امرئ القيس:/ تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم/ سلسلة ذخائر العرب مطبعة دار المعارف 1384 ه -
1964 م
47 - ديوان امرئ القيس:/ جمع حسن السندوبي/ مطبعة الرحمانية بمصر 1349 ه 1930 م
48 - ديوان أمية بن أبي الصلت:/ جمع بشير يموت/ المكتبة الاهلية بيروت 1934 م
49 - ديوان أوس بن حجر:/ تحقيق محمد يوسف نجم/ دار صادر بيروت 1380 ه 1960 م
50 - ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي:/ تحقيق محمد عبده عزام 1 - 3 / سلسلة ذخائر العرب 1951
(2/1039)

51 - ديوان جميل بثينة:/ تحقيق حسين نصار/ دار مصر للطباعة بلا تاريخ
52 - ديوان حاتم الطائي:// دار صادر بيروت 1953 م
53 - ديوان حسان بن ثابت:/ تحقيق عبد الرحمن البرقوقي/ القاهرة 1929
54 - ديوان حميد بن ثور:/ عبد العزيز الميمني/ دار الكتب المصرية 1371 ه 1951 م
55 - ديوان ابن الدمينة:/ جمع ثعلب تحقيق احمد راتب النفاخ/ مكتبة دار العروبة القاهرة 1378 ه - 1959 م
56 - ديوان ذي الرمة:/ نشر مكارتني - كلية كمبرج/ 1337 ه - 1919 م
57 - ديوان سحيم عبد بني الحسحاس:/ تحقيق عبد العزيز الميمني/ 1369 ه - 1950 م
58 - ديوان طرفة بن العبد:// دار صادر بيروت 1961
59 - ديوان عبيد بن الابرص:/ تحقيق حسين نصار/ مطبعة الحلبي 1377 ه - 1957 م
60 - ديوان الله بن قيس الرقيات:/ تحقيق محمد يوسف نجم/ دار صادر بيروت 1378 ه - 1958 م
61 - ديوان العرجي لابن جني:/ تحقيق خضر الطائي ورشيد العبيدي/ الشركة الاسلامية للطباعة بغداد 1375 ه - 1956 م
62 - ديوان عروة بن الورد:/ تحقيق كرم البستاني/ دار صادر بيروت 1953
63 - ديوان عمر بن أبي ربيعة:/ شرح محمد العناني/ مطبعة السعادة - مصر 1330 ه
64 - ديوان قيس بن الخطيم:/ حققه ابراهيم السامرائي واحمد مطلوب/ مطبعة العاني - بغداد 1381 ه 1962 م
65 - قيس بن ذريح - قيس ولبنى شعر ودراسة:/ تحقيق دكتور حسين نصار/ دار مصر للطباعة 1379 ه - 1960 م
66 - ديوان مجنون ليلى للوالبي:/ تحقيق الدكتور زكي مبارك/ مطبعة الحلبي بمصر
67 - ديوان ابن مقبل:/ تحقيق عزة حسن/ مطبعة الترقي بدمشق 1962
68 - ديوان النابغة الذبياني:/ كرم بستاني/ دار صادر بيروت 1953
69 - ديوان الهذليين:/ دار الكتب المصرية/ مصورة الدار القومية بمصر 1385 ه - 1965 م
70 - ذيل الامالي للقالي:// دار الكتب المصرية 1344 ه
71 - ذيل سمط اللالي:/ عبد العزيز الميمني/ لجنة التأليف والترجمة 1936 م
72 - رسالة الغفران للمعري:/ تحقيق بنت الشاطئ/ سلسلة ذخائر العرب دار المعارف 1957 م
73 - زهر الآداب وثمر الالباب للحصري:/ نشره زكي مبارك/ القاهرة 1925 م
74 - الزهرة لابن داود:/ تحقيق نيكل وابراهيم طوقان/ بيروت 1932 م
75 - سر الفصاحة للخفاجي:// القاهرة 1932 م
76 - سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة:// مطبعة بولاق 1378 ه
77 - سير اعلام النبلاء للذهبي:/ سلسلة ذخائر العرب/ دار المعارف 1957 م
78 - السير النبوية لابن هشام// طبعة أوربا
79 - سمط اللالى لابي عبيد البكري:/ عبد العزيز الميمني/ لجنة التأليف والترجمة والنشر 1936 م
80 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد:// القاهرة 1350 ه
81 - شرح أدب الكاتب للجواليقي:// مكتبة القدسي - القاهرة 1350 ه
شرح شواهد المغنى م 66
(2/1040)

82 - شرح ديوان جرير:/ محمد اسماعيل الصاوي/ مصورة مكتبة الحياة بيروت بلا تاريخ
83 - شرح ديوان زهير:// دار الكتب المصرية 1944 م
84 - شرح ديوان عنترة:/ تحقيق الشلبي/ المكتبة التجارية بلا تاريخ
85 - شرح ديوان الفرزدق:/ محمد اسماعيل الصاوي/ مطبعة الصادي بمصر 1936 م
86 - شرح ديوان كعب بن زهير:// دار الكتب المصرية 1950 م
87 - شرح ديوان المتنبي للعكبري:// مطبعة بولاق 1278 ه
88 - شرح شواهد ابن عقيل:/ للجرجاجي والعدوي/ البابي الحلبي - مصر بلا تاريخ
89 - شرح القصائد السبع الطوال للانباري:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ دار المعارف 1963 م
90 - شرح مقامات الحريري للشريشي:// مطبعة بولاق 1300 ه
91 - شذور الذهب لابن هشام:/ محمد محي الدين عبد الحميد/ مطبعة السعادة بالقاهرة 1953 م
92 - شعر الاخطل:/ الاب انطون صالحاني/ المطبعة الكاثوليكية بيروت 1891 م
93 - شعر الراعي النميري وأخباره:/ ناصر الحاني/ مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق 1383 ه - 1964 م
94 - شعر عروة بن حزام:/ تحقيق ابراهيم السامرائي واحمد مطلوب/ مجلة كلية الآداب بغداد 1961
95 - شعر المثقب العبدي:/ تحقيق الشيخ محمد حسين آل ياسين/ مطبعة المعارف بغداد 1375 ه 1956 م
96 - شعراء الجاهلية:/ المسمى خطأ بشعراء النصرانية/ الكاثوليكية - بيروت
97 - الشعر والشعراء لابن قتيبة:/ تحقيق أحمد محمد شاكر/ دار احياء الكتب العربية 1364 - 1366 ه
98 - الشواهد الكبرى للعيني:// بولاق 1299 ه على هامش خزانة العرب
99 - شواهد الكتاب:/ جمع محمد عبد المنعم خفاجي/ المطبعة النموذجية 1368 ه - 1949 م
100 - صبح الاعشى للقلقشندي// المطبعة الميرية بالقاهرة 1331 ه 1913 م
101 - الصحاح للجوهري:/ تحقيق عبد الغفور العطار/ مطابع دار الكتاب العربي 1376 - 1377 ه
102 - الصناعتين للعسكري: تحقيق البيجاوي وابو الفضل ابراهيم/ مطبعة البابي الحلبي 1952 م
103 - طبقات الشعراء لابن المعتز:/ تحقيق عبد الستار احمد فراح/ سلسلة ذخائر العرب دار المعارف 1956
104 - طبقات فحول الشعراء لابن سلام:/ تحقيق محمود محمد شاكر/ سلسلة ذخائر العرب دار المعارف 1956
105 - الطبقات الكبرى لابن سعد:// دار المعارف 1371 ه 1952 م
106 - الطرائف الادبية:/ عبد العزيز الميمني/ لجنة التأليف 1937 م
107 - العقد الثمين في دواوين الشعراء الستة الجاهليين:/ نشرة أهلورد/ طبعة لندن 1870 م
108 - العقد الفريد لابن عبد ربه:/ تحقيق احمد امين ورفقاؤه/ لجنة التأليف 1370 ه
109 - العمدة لابن رشيق:/ تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد/ المكتبة التجارية 1374 ه
110 - عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير:/ لابن سيد الناس/ مكتبة القدسي بالقاهرة 1356 ه
111 - عيون الاخبار - لابن قتيبة:// دار الكتب المصرية 1343 ه
112 - عيار الشعر لابن طباطبا العلوي:// تحقيق طه الحاجري
113 - الفرج بعد الشدة:/ للمحسن التنوخي/
114 - فوات الوفيات لابن شاكر:/ تصحيح محمد محي الدين عبد الحميد/ مطبعة السعادة بلا تاريخ
(2/1041)

115 - قاموس المحيط للفيروزأبادي:// شركة فن الطباعة بمصر 1954
116 - القرآن الكريم://
117 - القصائد الهاشميات للكميت:// مطبعة الموسوعات بمصر 1321 ه
118 - الكامل للمبرد:/ تحقيق زكي مبارك واحمد محمد شاكر/ مطبعة الحلبي 1356 ه - 1937 م
119 - كتاب سيبويه:// مطبعة بولاق 1316 ه
120 - كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه:/ لابن حبيب تحقيق عبد السلام محمد هارون/
سلسلة نوادر المخطوطات
لجنة التاليف 1374 ه - 1955 م
121 - لباب الاداب: اسامة بن منقذ:/ تحقيق احمد محمد شاكر/ المطبعة الرحمانية بمصر 1354 ه
122 - لسان العرب: ابن منظور:// مطبعة بولاق 1208 ه
123 - لسان الميزان: ابن حجر:// حيدرأباد
124 - المؤتلف والمختلف: الآمدي:/ تحقيق كرينكو/ مكتبة القدسي بمصر 1354 ه
125 - المبهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة:// مطبعة الترقي بدمشق 1348 ه
126 - مجالس ثعلب:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ سلسلة ذخائر العرب دار المعارف 1948 م
127 - المجتبى لابن دريد:// حيدراباد 1362 ه
128 - مجلة المجمع العلمي العربي:// دمشق
129 - مجمع الامثال:/ الميداني/ مصر 1352 ه
130 - المحاسن والمساوئ: البيهقي:/ تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم/ مطبعة نهضة مصر 1380 ه 1961 م
131 - محاضرات الابرار:/ الراغب الاصبهاني/ مصر 1326 ه
132 - المخصص: ابن سيدة:// مطبعة بولاق 1319 ه
133 - المردفات من قريش: المدائني:/ تحقيق عبد السلام هارون/ سلسلة نوادر المخطوطات لجنة التأليف 1370 ه 1951 م
134 - المزهر: السيوطي:/ تحقيق جاد المولى وابراهيم البيجاوي/ مطبعة الباني الحلبي - بلا تاريخ
135 - مصارغ العشاق: ابن سراج:// مطبعة الجوائب 1301 ه
136 - معاهد التنصيص: العباسي:/ تصحيح محمد محي الدين عبد الحميد/ مطبعة السعادة بمصر 1947 م
137 - معجم الادباء:/ ياقوت الحموي/ دار المامون بمصر 1323 ه
138 - معجم البلدان:/ ياقوت الحموي/ مطبعة السعادة 1323 ه
139 - معجم الشعراء: المرزباني:/ تحقيق عبد الستار احمد فراج/ البابي الحلبي بمصر 1960 م
140 - معجم ما استعجم: للبكري:/ تحقيق مصطفى السقا/ لجنة التأليف 1366 ه 1947 م
141 - معجم مقاييس اللغة:/ ابن فارس تحقيق عبد السلام هارون/ دار احياء الكتب العربية 1366 ه
142 - المعمرين من العرب:/ السجستاني/ المطبعة المحمودية التجارية بمصر بلا تاريخ
143 - المفضليات:/ تحقيق شاكر وهارون/ دار المعارف 1361 ه
144 - الموازنة: الآمدي:/ تحقيق احمد صقر/ دار المعارف - سلسلة ذخائر العرب
145 - الموشح:/ المرزباني/ المطبعة السلفية بمصر 1323 ه
146 - الموفي في النحو الكوفي:/ صدر الدين النغراوي الاستانبولي تحقيق محمد بهجة البيطار/ مطبوعات المجمع العلمي العربي دمشق 1370 ه 1950 م
147 - نثار الازهار:/ ابن منظور/ مطبعة الجوائب 1298 ه
148 - نسب قريش: الزبيري:/ تحقيق بروفنسال/ سلسلة ذخائر العرب - دار المعارف
(2/1042)

149 - نقائض جرير والاخطل:// بيروت 1922 م
150 - نقائض جرير والفرزدق:// بريل 1908
151 - نقد الشعر: قدامة بن جعفر:/ تحقيق كمال مصطفى/ مطبعة السعادة 1963 م
152 - نهاية الارب: للنويري:// دار الكتب المصرية 1342 ه
153 - النوادر: ابو علي القالي:// دار الكتب المصرية 1344 ه
154 - النيروز: احمد بن فارس: تحقيق عبد السلام محمد هارون/ سلسلة نوادر المخطوطات لجنة التأليف 1373 ه 1954 م
155 - وفيات الاعيان: ابن خلكان:// دار المأمون بمصر
156 - وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري:/ تحقيق عبد السلام محمد هارون/ دار احياء الكتب العربية 1365 ه
* * *
(2/1043)