Advertisement

شرح ديوان المتنبي للعكبري 001


الكتاب: شرح ديوان المتنبي
المؤلف: أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري البغدادي محب الدين (المتوفى: 616هـ)
المحقق: مصطفى السقا/إبراهيم الأبياري/عبد الحفيظ شلبي
الناشر: دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء: 4×2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- قد عيب على أبي الطّيب قَوْله: " التائه "، وَالْقَصِيدَة مَهْمُوزَة كلهَا وَاعْتذر لَهُ قوم بِأَنَّهُ لم يرد التصريع، لِأَن الْهَاء فِي القافية أَصْلِيَّة وَقد جعل قوم مِمَّن رتبوا الدِّيوَان على الْحُرُوف هَذِه فِي حرف الْهَاء، لجهلهم بالقوافى وَإِنَّمَا أَبُو الْفَتْح والخطيب جعلاها فِي أول حرف الْهمزَة، فاقتدينا بفعلهما والقوافي خمس يجمعهما سبكرف كل حرف لقافية وَهِي متكاوس ومتدارك ومتراكب ومتواتر ومترادف فالمتكاوس أَربع حركات بَين ساكنين كَقَوْلِه
(قد جبَر الدينَ الإلهُ فَجُبِرْ ... )
والمتراكب ثَلَاث حركات بَين ساكنين كَقَوْل المتنبى
(بِم التَّعللُّ لَا أهلٌ وَلَا وطَنَُ ... )
والمتدارك حركتان بَين ساكنين كَمَا فِي هَذِه القصيدة والمتواتر حَرَكَة وَاحِدَة بَين ساكنين كَقَوْلِه
(صِلةُ الهَجرْ لى وهَجر الوِصَالِ ... )
المترادف اجْتِمَاع ساكنين كَقَوْلِه
(لَا تحسنُ الشعَّرة حَتَّى تُرَى ... مَنْشورَة الضّفرَين يوْمَ القِتالْ)
الْغَرِيب العاذل وَاحِد العذال والعذّل وَجمع عاذلة عواذل والتائه المتحير وسويداء الْقلب الْحبَّة السَّوْدَاء الَّتِى فِي جَوْفه كَأَنَّهَا قِطْعَة كبد وروى قلبى بِالْإِضَافَة وَيكون التائه صفة لَهُ وَلَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ لَا يُقَال تاه الْقلب وَالرِّوَايَة الجيدة قلب التائه بِالْإِضَافَة إِلَى التائه الْمَعْنى يَقُول حبّ الْأَحِبَّة فِي سويداء قلبى لَا يُفَارِقهُ وعذل العواذل خارجّة فاللوم لَا يصل إِلَيْهِ وَفِيه نظر إِلَى قَول عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة
(تَغَلْغَلَ حيثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ ... وَلَا حُزْنٌ وَلم يَبْلُغْ سُرُورُ)
(1/1)

- الْغَرِيب الملام اللوم واللوائم جمع لائمة والبرحاء شدّة الْحَرَارَة الَّتِي فِي الْقلب من الحبّ وَأَصله الشدّة تَقول لقِيت مِنْهُ برحا بارحا أى شدّة وأذى قَالَ الشَّاعِر
(أجِدَّك هَذَا عمرّك اللهَ كلَّما ... دعَاك الهَوَى بَرْحٌ لعينيك بارحُ)
وَلَقِيت مِنْهُ بَنَات برح وَبنى برح وَلَقِيت مِنْهُ البرحين بِضَم الاباء وَكسرهَا أى الشدائد والدواهى الْمَعْنى يَقُول إِن الملام يشكو حرارة الْقلب فَلَا يصل إِلَيْهِ فَيرجع عَن التَّعَرُّض إشفاقا أَن يَحْتَرِق فَيَقُول للوام لَا أصل إِلَيْهِ وَإنَّهُ يعرض عَنى لشدَّة مَا بِهِ من برحاء الْهوى وَالْمعْنَى أَن اللوم لَا يقدر على الْوُصُول إِلَى الْقلب وَقَلبه يعرض عَن اسْتِمَاع اللوم وَهَذَا كُله مجَاز وَتوسع
3 - الْغَرِيب الْملك يُرِيد سيف الدولة وَخرج من النسيب إِلَى ذكر الممدوح وطابق بَين السخط وَالرِّضَا وَقَوله يَا عاذلى وَكَانَ ينبغى أَن يَقُول يَا عاذلتى لِأَنَّهُ ذكر العواذل فِي الأول وَإِنَّمَا أَرَادَ يَا من يعذلنى لِأَن من تقع لإبهامها على الْوَاحِد والاثنين والمذكر والمؤنث وَالْجمع أَو كَأَنَّهُ خَاطب وَاحِدَة من العواذل بخطاب الْمُذكر وَقَالَ يَا عاذلى أَو أَرَادَ إنْسَانا عاذلا وَالْإِنْسَان يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى الْمَعْنى يَقُول لم أسمع فِيهِ عذلا فقد عذلنى من هُوَ أَشد عذلا مِنْك فعصيته وَلم آتٍ غَيره ورضيت خدمته وأسخطت الْخلق فِي رِضَاهُ
(1/2)

- الْإِعْرَاب كَذَّاب مصدر قَالَ الشَّاعِر
(فصدقتُها وكذبتُها ... والمَرْءُ يَنفَعُهُ كذابه)
وَقَرَأَ الكسائى {لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا} بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ مصدر كَقَوْلِك قَاتل قتالا يُقَال كذب كذبا وكذبا فَهُوَ كَاذِب وَكَذَلِكَ كَذَّاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة مثل همزَة وكذبذب مخفف وَقد يشدد قَالَ جريبة بن الأشيم
(وَإِذا سمِعْتَ بأننى قد بِعْتكُمْ ... بوِصالِ غانية فَقل كذُّبْذُبُ)
وَالْكذب جمع كَاذِب مثل رَاكِع وَركع والكذاب جمع كذوب مثل صبور وصبر وَقَرَأَ الْحُسَيْن {وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب} فَجعله نعتا للألسنة الْمَعْنى يَقُول النَّاس يمدحون بِمَا هُوَ حق وباطل ومدحك حق لَيْسَ فِيهِ كذب بل هُوَ حق لَا يشوبه بَاطِل وَهَذَا كَقَوْل حبيب
(لما كَرُمْتَ نَطَقْتُ فِيكَ بمَنْطِقٍ ... حَقّ فَلَمْ آثَمْ وَلمْ أتَحَوّبِ)

(وَإِذا مدحتُ سِواكَ كنتُ مَتى يَضِقْ ... عَنَّى لَهُ صِدْقُ المَقالَةِ أكْذِبِ)

41 - الْمَعْنى يُرِيد إِذا كَانَ لى مِنْك الْمحبَّة فَالْمَال هَين لَيْسَ بشئ الْمحبَّة الأَصْل وكل مَا على وَجه الأَرْض فَأصْلح مِنْهَا يعْنى من التُّرَاب وَيصير إِلَى التُّرَاب
42 - الْغَرِيب المُهَاجر هُوَ الذى يهجر منزله وعشريته وَمِنْه الْمُهَاجِرُونَ هجروا أهلم وعشائرهم وَهَاجرُوا إِلَى الله وَرَسُوله قَالَ تَعَالَى {وَمن يخرج من بَيته مهَاجر إِلَى الله وَرَسُوله} وصحاب جمع صحب كأهب وإهاب الْمَعْنى لَوْلَا أَنْت لَكَانَ كل بلد بلدى وكل أهل أهلى وَلَوْلَا أَنْت لم أقِم بِمصْر فَإِن جَمِيع النَّاس والبلاد فى حقى سَوَاء
(1/3)

- الْإِعْرَاب فومن أحب الْفَاء عاطفة على مَا تقدم وَالْوَاو للقسم وَمن فِي مَوضِع خفض الْمَعْنى يَقُول قسما بِهَذَا المحبوب لَا أَطَعْت فِيهِ عاذلا وَكَيف وَقد أقسم بحسنه وَنور وَجهه
10 - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وَجمع بَين همزتين وهى لُغَة فصيحة وَقد قَرَأَ أهل الْكُوفَة وَابْن ذكْوَان بتحقيق الهمزتين فِي كل الْقُرْآن إِذا كَانَتَا من كلمة وَوَافَقَهُمْ هِشَام إِذا كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ كَقَوْلِه جَاءَ أمرنَا الْمَعْنى يَقُول لَا أجمع بَين حبه وَبَين النهى عَنهُ يُرِيد النهى عَن حبه وَقد نَاقض قَول أَبى الشيص وَأَيْنَ الثرى من الثريا فِي قَوْله
(أجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً ... حُبًّا لذِكْرِكِ فلْيَلُمنى اللُّوّمُ)
وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَن صَاحب الْمَلَامَة وَهُوَ اللائم من أَعدَاء هَذَا الحبيب حَيْثُ ينْهَى عَن حبه وَمن أحب حبيبا عادى عدوه
11 - الْغَرِيب الوشاة جمع واش وَهُوَ الذى يزخرف الْكَذِب وينمقه واللحاة جمع لَاحَ وَهُوَ الذى يزْجر عَن الْأَشْيَاء ويغلظ القَوْل الْمَعْنى يَقُول مَا أرى إِلَّا واشيا أَو لاحيا فاللحاة يَقُولُونَ لَهُ دع الْحبّ الذى ضعفت عَن كِتْمَانه والوشاة يتعجبون من هَذَا القَوْل لأَنهم يكلفونهم مَا لَا يَسْتَطِيع لِأَنَّهُ إِذا ضعف عَن إخفائه فَهُوَ عَن تَركه أَضْعَف
12 - الْإِعْرَاب سوى إِذا قصرته كَسرته وَإِذا مددته فَتحته الْغَرِيب الْخلّ الصّديق وَهُوَ الْخَلِيل أَيْضا الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول لَيْسَ لَك خَلِيل إِلَّا نَفسك وَهُوَ كَقَوْلِه
(خَليلُكَ أنْتَ لَا مَنْ قُلْتَ خِلِّى ... وإنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ والكَلامُ)
قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى مَا الْخلّ إِلَّا من لَا فرق بينى وَبَينه فَإِذا وددت فكأنى أحب بِقَلْبِه وَإِذا نظرت فكأنى أنظر بطرفه الْمَعْنى خَلِيلك من وَافَقَك فِي كل شئ فيود مَا وددت وَيرى مَا ترى وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا وَقَالَ ابْن القطاع مَا خليلى إِلَّا الذى يُبَالغ فِي الْمَوَدَّة فَكَأَنَّهُ يود بقلبى
(1/4)

- الْغَرِيب الصبابة رقة الشوق وَأَرَادَ على ذى الصبابة فَحذف الْمُضَاف والأسى الْحزن والإخاء الْأُخوة الْمَعْنى قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون على الصبابة أى مَعَ مَا أَنا فِيهِ من الصبابة كَقَوْل الْأَعْشَى
(وأصْفَدَنِى على الزَّمانَةِ قائِداً ... )
أى أعطانى مَعَ مَا كنت أقاسيه من الزمانة قائدا وَيكون الْمَعْنى إِن الذى يعين مَعَ مَا أَنا فِيهِ من الصبابة بإيراد الْحزن على باللوم أولى برحمتى فيرق لى ويؤاخينى فيحتال فِي طلب الْخَلَاص لى من ورطة الْهوى وَهَذَا فى عراض قَول أَبى ذَر فِي الأبيات الَّتِى أَمر سيف الدولة أَن يجيزها
(إنْ كنتَ ناصحَة فَداوِ سَقامَه ... )
وَجعل إِيرَاده عَلَيْهِ الْحزن عونا على معنى أَنه لَا مَعُونَة عِنْد إِلَّا هَذَا كَقَوْلِهِم عتابك السَّيْف وحديثك الضَّرْب أى وضعت هَذَا مَوْضِعه
14 - الْمَعْنى يَقُول لعاذله دع العذل فإنى سقيم لَا أحتمله وَهُوَ من جملَة أسقامى لِأَنَّهُ يزيدنى سقما وارفق فَإنَّك ترى ضعف أعضائى وَأَنَّهَا لَا تحْتَمل أَذَى والسمع من جملَة أعضائى فَلَا تورد عَلَيْهِ مَا يضعف عَن استماعه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مجَاز لِأَن السّمع لَيْسَ من الْأَعْضَاء وَلكنه يحمل على أَنه أَرَادَ مَوضِع السّمع من أَعْضَائِهِ أى الْأذن
15 - الْغَرِيب السهاد الأرق وسهد بِالْكَسْرِ يسهد سهدا والسهد بِضَم السِّين وَالْهَاء قَلِيل النّوم قَالَ الشَّاعِر أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ
(فأتَتْ بهِ حُوشَ الجنَانِ مُبَطناً ... سُهُداً إِذا مَا نَام ليلُ الهُوْجَلِ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اجْعَل ملامتك إِيَّاه فِي التذاذكها كالنوم فِي لذته فاطردها عَنهُ وَبِمَا عِنْده من السهاد والبكاء أى لَا تجمع عَلَيْهِ اللوم والسهاد والبكاء أى فَكَمَا أَن السهاد والبكاء قد أزالا الْإِكْرَاه فلتزل ملامتك إِيَّاه ورد عَلَيْهِ الواحدى وَقَالَ هَذَا كَلَام من لم يفهم الْمَعْنى فَظن زَوَال الْكرَى من العاشق وَلَيْسَ كَمَا ظن وَلكنه يَقُول للعاذل هَب أَنَّك تستلذ الْمَلَامَة كاستلذاذك النّوم وَهُوَ مطرود عَنْك بسهاد العاشق وبكائه فَكَذَلِك دع الملام فَإِنَّهُ لَيْسَ بألذ من النّوم فَإِن جَازَ أَن لَا تنام جَازَ أَن لَا تعذل وَذكر ابْن القطاع مَا ذكر أَبُو الْفَتْح
(1/5)

- ويروى لَا تعذل الْغَرِيب جمع الشوق وَهُوَ مصدر على أشواق وَذَلِكَ لاخْتِلَاف أَنْوَاعه الْمَعْنى يَقُول لَا تكن عاذرا للمشتاق فِي شوقه حَتَّى تَجِد مَا يجده فَهَذَا معنى قَوْله فِي أحشائه يُرِيد يكون قَلْبك فِي قلبه أى تحب مثل مَا يحب وَهُوَ من قَول البحترى رَحمَه الله
(إذَا شِئْتَ ألاَّ تعْذُلَ الدهرَ عَاشِقًا ... على كمَدٍ من لَوْعة البَيْن فاعْشَقِ)

17 - ويروى إِن المشوق الْإِعْرَاب مضرجا فِي الْمَوْضِعَيْنِ نصب على الْحَال وَفصل بَين اسْم إِن وخبرها بِالْحَال الْغَرِيب المضرج الملطخ بِالدَّمِ من ضرجت الثَّوْب إِذا صبغته بالحمرة الْمَعْنى إِنَّه جعل جَرَيَان الدمع كجريان الدِّمَاء وَهَذَا لِأَنَّهُ جعل العاشق كالقتيل تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ
18 - الْغَرِيب يعذب يطيب وَمِنْه المَاء العذب والمبتلى العاشق الذى بلَى بالحب والحوباء النَّفس وَجَمعهَا حوباوات الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعِشْق طيب الْقرب يستعذب كقرب الحبيب وَإِن كَانَ ينَال من نفس العاشق أى يهلكها وَالْمعْنَى أَن الْعِشْق قَاتل وَهُوَ مَحْبُوب مَطْلُوب
19 - الْإِعْرَاب بفدائه أى بفدائك إِيَّاه أضَاف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول كَقَوْلِه تَعَالَى {بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه} أى بسؤاله نعجتك وَيجوز إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول لملابسته إِيَّاه الْغَرِيب الدنف الشَّديد الْمَرَض والدنف بِالتَّحْرِيكِ الْمَرَض الملازم وَرجل دنف وَامْرَأَة دنف يستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث والتثنية وَالْجمع فَإِن كسرت النُّون قلت امْرَأَة دنفة وثنيت وجمعت وَقد دنف الْمَرِيض وأدنف إِذا اشْتَدَّ مَرضه وأدنفه الْمَرَض يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى فَهُوَ مدنف ومدنف الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك لَو قلت للدنف لَيْت مابك من برح الصبابة والهوى بى لَغَا من ذَلِك وَوجه غيرته الشُّح على محبوبه وَالْخَوْف أَن يحل أحد مَحَله فَهُوَ على مافيا لَا يسمح لأحد أَن يفْدِيه مِمَّا بِهِ من الْمَشَقَّة
(1/6)

- الْغَرِيب السخى الْكَرِيم والسخاء الْكَرم وَوقى وَقَاه الله أى دَفعه عَنهُ الْمَعْنى أَنه يَدْعُو لَهُ بالسلامة من الْعِشْق الذى لَا يقدر على دَفعه بالبأس وَالْكَرم يُرِيد أَنه أَمر شَدِيد وَإِن كَانَ كل أَمر شَدِيد تَدْفَعهُ ببأسك وكرمك وَمَعَ هَذَا هُوَ لطيف
21 - الْغَرِيب يستأسر يَجعله فِي الْأسر وَهُوَ الوثاق والبطل الشجاع الْمُسْتَتر بسلاحه والبطل هُوَ الذى تبطل عِنْده دِمَاء الْأَعْدَاء الْأَبْطَال لشجاعته وَقيل الكمى الذى يستر مَوَاضِع خلله بسلاحه أَو بجودة ثقافه وحذقه والعزاء الصَّبْر والتجلد الْمَعْنى يَقُول الْهوى يستأسر البطل من أول نظرة ينظرها إِلَى الحبيب فَيملكهُ هَوَاهُ فَلَا يبْقى لَهُ خلاص وَلَا صَبر وَلَا تجلد وَلَا يسمع وَلَا يبصر وَهُوَ من قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
حبك الشئ يعمى ويصم وَمَعْنَاهُ من قَول جرير
(يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبّ حَتَّى لَا حراك بِهِ ... وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ إنْسانا)

22 - الْغَرِيب النوائب جمع نائبة وهى الشدائد والكفء المماثل والنظير الْمَعْنى يَقُول إنى دعوتك لدفع الشدائد عَنى وَأَنت لم تدع إِلَى كُفْء لَك لِأَنَّك لَا نَظِير لَك يَدْعُوك إِلَى قِتَاله ومباهاته وَأَنت فَوق كل أحد
23 - الْغَرِيب المتصلصل الذى لَهُ صلصلة وحفيف وَأَصله الصَّوْت وَمِنْه الصلصال الطين الْيَابِس الذى لَهُ صَوت والأمام قُدَّام وَهُوَ ضد الوراء وطابق بَين الفوق والتحت والقدام وَالْخلف الْمَعْنى يَقُول منعتنى من نَوَائِب الزَّمَان بإحاطتك عَلَيْهِ من جوانبه كالشئ الذى يحاط عَلَيْهِ من جَمِيع أَرْكَانه فَصَارَ مَمْنُوعًا وَالْمعْنَى أَنَّك منعتنى من الزَّمَان وحميتنى مِنْهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(تغَطَّيْتُ منْ دهرى بَظلّ جنَاحه ... فعيِنى تَرى دهْرِى وَلَيْسَ يَرَانِى)
(1/7)

- الْغَرِيب الفرند السَّيْف والخضرة الَّتِى تكون فِيهِ وَالْأَصْل النجار وَالْوَفَاء من الْوَفَاء بالعهد وَغَيره الْإِعْرَاب تكون الضَّمِير للسيوف وَلَيْسَت التَّاء هُنَا لمخاطبة الممدوح وَالتَّقْدِير من للسيوف بِأَن تكون سيف الدولة لِأَنَّهُ سميها الْمَعْنى يَقُول من يكفل للسيوف بِأَن تكون مثل سيف الدولة سميها واستعار اسْم لفرند لما كَانَ يَقع عَلَيْهِ اسْم السَّيْف ثمَّ ذكر الْفضل بَينه وَبَين السيوف المضروبة من الْحَدِيد واستعار الفرند لمكارمه ومحاسنه لِأَنَّهُ أفضل من السيوف وَهُوَ يفعل مَا لَا تَفْعَلهُ السيوف وَالسيف لَوْلَا الضَّارِب لما كَانَ إِلَّا حديدا وَإنَّك شرف وقمر للنَّاس فَكيف لَا تتمنى السيوف أَن يكون لَهَا مثلك سميا وَهُوَ كَقَوْلِه
(تظنّ سُيوفُ الهندِ أصلَكَ أصلَها ... )

25 - الْغَرِيب على سيف الدولة هوه على بن أَبى الهيجاء بن حمدَان التغلبى والمطبوع الْمَصْنُوع وطبعت الشئ صَنعته وجنس وأجناس كنوع وأنواع الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي كَانَ للحديد وَالْخَبَر الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ فِي مَوضِع نصب خبر لَكَانَ وعَلى ابْتِدَاء والمطبوع صفة لَهُ وَمن آبَائِهِ الْخَبَر وَهُوَ فى مَوضِع رفع الْمَعْنى يَقُول الْحَدِيد ينْزع إِلَى أجناسه فَإِن كَانَ جيدا فَهُوَ من جنسه الْجيد وَإِن كَانَ رديئا فَهُوَ من جنسه الردئ وَهَذَا الممدوح على يرجع إِلَى أَصله وشرفه وَشرف آبَائِهِ لِأَنَّهُ شرِيف وَابْن شرِيف فَهُوَ معرق فِي الشّرف وَلَا يأتى من الشريف إِلَّا الشريف فِي غَالب الْأَمر فالحديد مطبوع من أَجنَاس الْحَدِيد كالفولاذ وَغَيره وَهَذَا الممدوح إِنَّمَا هُوَ من جنس وَاحِد جنس طيب شرِيف فَهُوَ لَا نِسْبَة بَينه وَبَين السيوف إِلَّا فى الاسمية لَا فِي الْفِعْل وَلَا فِي الْخلق وَلَا فى المضاء وَقد ذكرنَا هَذِه الْقطعَة فِي أول كتَابنَا وَإِن كَانَ جمَاعَة قد اخْتلفُوا فِيهَا مِمَّن لَا يعرف القوافى وَلَا لَهُ بهَا نِسْبَة وَلَا دراية وَمِنْهُم من جعلهَا فِي حرف الْيَاء وَلم يكن بَينهَا وَبَين الْيَاء نِسْبَة لِأَن الْبَاء الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا هى همزَة وَلَا يجوز أَن تنقط وَإِنَّمَا هى صُورَة همزَة وَرَأَيْت فِي نسختين أَو ثَلَاث من ذكرهَا فِي حرف الْهَاء وَإِنَّمَا اقتدينا بالإمامين الفاضلين صاحبى الشّعْر والقوافى وَالْعرُوض الْعَالمين بالآداب وَكَلَام الْأَعْرَاب اللَّذين يقْتَدى بقولهمَا فى الْآفَاق وهما عُمْدَة أهل الشَّام والحجاز وَالْعراق أَبى الْفَتْح ابْن جنى وَالْإِمَام أَبى زَكَرِيَّا يحيى بن على التبريزى فَإِنَّهُمَا جعلاها فِي أول حرف الْهمزَة فاقتدينا بفعلهما واعتمدنا على قَوْلهمَا فَالله تَعَالَى يعصمنا من ألسن الحساد والأعداء ويسلمنا من انتقاد الجهلاء وَقد رتبت كتابى هَذَا على مَا رتبه الإمامان وتبعت فعلهمَا فِي كل مَكَان وَجَعَلته على حُرُوف الْكِتَابَة ليعين من أَرَادَ القصيدة أَو الْبَيْت فيقصد بَابه وَذكرت فِي أول كل قصيدة من أى بَحر هى وأى قافية ليعرف من أى البحور والقافية وَلم أترك شَيْئا ذكره المتقدمون من الشُّرَّاح إِلَّا أتيت بِهِ فِي غَايَة الْإِيضَاح وَذكرت المآخذ من أَيْن أخدها وَمن أَيْن أَخذهَا من قبله، وَمن أَيْن ابتدعها، وَلم أمل فِي ذَلِك إِلَى تعصب بل إِلَى كل غَرِيب من الْأَقْوَال تطلب وَذكرت قَول كل قَائِل بِالْوَاو وَالْفَاء وَلم أَخْتَصِرهُ بِأَن أتيت بِهِ على الِاسْتِيفَاء
(1/8)

- الْإِعْرَاب همزَة الِاسْتِفْهَام أدخلها على الْفِعْل مُتَعَجِّبا وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِالْفِعْلِ وَصرف إِسْحَاق ضَرُورَة وَحسب يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فالثانى مَحْذُوف تَقْدِيره جَارِيا أَو مأخوذا وَبِه يتَعَلَّق الْجَار الْغَرِيب الإخاء الْمَوَدَّة والأخوة والإناء مَا يَجْعَل فِيهِ المَاء وَغَيره وَهُوَ مَمْدُود وَحسب تفتح عينه وتكسر فِي الْمُسْتَقْبل وَبِه قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَعبد الله بن عَامر بِالْفَتْح الْمَعْنى أتظن مَا هجيت بِهِ من قولى وَلم تميز قَول غيرى من قولى وأتنكر مَا بَيْننَا من الْمَوَدَّة والأخوة واستعار المَاء والإناء
2 - الْإِعْرَاب أأنطق اسْتِفْهَام كَالْأولِ وحرف الْجَرّ الأول مُتَعَلق بِهِ والثانى بِالْمَصْدَرِ الْغَرِيب الهجر الْقَبِيح من الْكَلَام وَالْفُحْش وهجر إِذا هذى وَهُوَ مَا يفر لَهُ المحموم عِنْد الْحمى وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ مرض رَسُول الله
إِن الرجل ليهجر على عَادَة الْعَرَب الْمَعْنى كَيفَ أَقُول فِيك قبيحا وَأَنت عندى خير من تَحت السَّمَاء وَهَذَا مُبَالغَة يُرِيد خير النَّاس فِي زَمَانه
(1/9)

- الْإِعْرَاب وأكره وأمضى معطوفان على خبر إِن فِي الْبَيْت الذى قبله وَهَذَا يُسمى تضمينا وطعما نصب على التَّمْيِيز وحروف الْجَرّ مُتَعَلقَة بأكره وأمضى الْمَعْنى إِنَّك أكره طعما على الْعَدو من طرف السَّيْف وأنفذ فِيمَا تُرِيدُ من الْأُمُور من الْقَضَاء وَهَذَا مُبَالغَة يقصدون بِهِ الْمُبَالغَة لَا التَّحْقِيق واستعار لَهُ الطّعْم
4 - الْإِعْرَاب مَا حرف نفى وحرفا الْجَرّ متعلقان بالفعلين وَكَيف وَقع فى مَوضِع التَّعَجُّب الْغَرِيب أربت زَادَت ومللت سئمت الْمَعْنى كَيفَ أهجوك وَأَنا أعلم بأسك وقدرتك على الْأَعْدَاء وَكَيف أتعرض لهجائك وَأَنا شَاب مَا زَاد سنى على عشْرين فَكيف مللت طول الْبَقَاء وَهَذَا من أعجب العجاب أَنى أتعرض لهجائك حَتَّى أعرض نفسى للهلاك وَهَذَا من أحسن الْمعَانى
5 - الْإِعْرَاب وَمَا عطف على الأول وحرفا الْجَرّ متعلقان بالفعلين وَكَذَلِكَ الْبَاء يُرِيد أَنى مَا استوفيت أوصافك فِي المديح فَكيف أنقصها بالهجاء بل أَنا أولى بإتماتمها من الْأَخْذ فِي الهجاء
6 - الْمَعْنى يُرِيد احسب أننى قلت فِيك هجرا فَكيف أقدر أَن أَقُول وَالنَّاس يعْرفُونَ فضلك وأصلك فكأنى إِذا هجوتك كمن يَقُول فِي النَّهَار هَذَا ليل فَهَل يقدر على ذَلِك أحد لِأَنَّهُ إِذا قَالَ هَذَا أكذبه النَّاس وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الْعَامَّة من يقدر أَن يغطى عين الشَّمْس وَهُوَ من أحسن الْمعَانى
7 - الْإِعْرَاب جعلت فداءه فى مَوضِع الدُّعَاء وَلَيْسَ هُوَ صفة لمرء وَإِنَّمَا يحسن أَن يكون صفة إِذا كَانَ خَبرا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُول على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ وَأَنت مرء مُسْتَحقّ لِأَن أسأَل الله أَن يَجْعَلنِي فداءه كَقَوْل الراجز
(مَا زِلْتُ أسْعَى مَعَهُمُ وأخْتَبِطْ ... حَتَّى إذَا جاءَ الظَّلاَمُ المُخْتَلِط)

(جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رأيْتَ الذّئْبَ قَطّ ... )
كَأَنَّهُ قَالَ بضيح يَقُول من رَآهُ هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ وهم فدائى ابْتِدَاء وَخبر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال وَيجوز أَن تكون لَا مَوضِع لَهَا وَقَالَ قوم وهم عطف على التَّاء من جعلت وَلم يُؤَكد الضَّمِير لطول الْكَلَام وأنشدوا
(بُنَيَّتِى رَيْحانَةٌ أَشَمُّها ... فَدَيْتُ بِنْتِى وَفدَتْنِى أُمُّها)
الْغَرِيب قَوْله مرء يُرِيد امْرُؤ وهى لُغَة مَعْرُوفَة الْمَعْنى أَنه يُنكر عَلَيْهِ أَنه أطَاع الحاسدين ودعا لَهُ أَن يكون المتنبى فداءه وهم فدَاء المتنبى
(1/10)

- الْإِعْرَاب من فَاعل هاجى وَيجوز أَن يكون خبر الِابْتِدَاء الذى هُوَ هاجى وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ الْغَرِيب يُمَيّز يفرق والهراء بِضَم الْهَاء هُوَ الْكَلَام الْخَطَأ قَالَ ابْن السّكيت هرأ الْكَلَام إِذا أَكثر مِنْهُ فِي خطأ ومنطق هراء قَالَ ذُو الرمة
(لهَا بَشرٌ مِثلُ الحَرِيرِ ومَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الحَوَاشى لَا هُرَاءٌ وَلا نَزْرُ)
وَأَصله الْكَلَام الْفَاسِد الذى لَا خير فِيهِ الْمَعْنى يُرِيد هاجى نَفسه من لم يفرق بَين كَلَامهم السَّاقِط وَبَين كلامى فَهَذَا هُوَ الهجولمن لَا يعرف هَذَا فيريد تَركك تَمْيِيز كلامى من كَلَامهم هجاء لنَفسك
9 - الْإِعْرَاب أَن ترانى فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ اسْم إِن تَقْدِيره وَإِن رؤيتك فتعدل بالنصيب عطف على ترانى وَأَقل صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره شَيْئا أقل من الهباء وحرف الْجَرّ الْأَخير مُتَعَلق بِهِ وحرف الْجَرّ الأول مُتَعَلق بِالْمَصْدَرِ الذى هُوَ اسْم إِن الْغَرِيب الهباء شئ يلوح مثل الذَّر فِي شُعَاع الشَّمْس قَالَ أَبُو الجوائز الواسطى
(بَرَانِى الهَوَى بَرْىَ المُدَى وأذَابَنِى ... صُدودُكِ حَتَّى صرْتُ أنحَلَ مِن أمْسِ)

(فَلَسْتُ أرَى حَتَّى أرَاكِ وإنَّمَا ... يَبِينُ هَباءُ الذَّرّ فِي ألَقِ الشَّمْسِ)
الْمَعْنى من الْعجب معرفتك لى ثمَّ إِنَّك تسوى بينى وَبَين خسيس أقل من الهباء يعْنى غَيره من الشُّعَرَاء
(1/11)

- 10 - الْإِعْرَاب اثْبتْ الْألف فِي أَنا للوصل أجراه مجْرى الْوَقْف والكوفيون يرَوْنَ هَذَا وَقَرَأَ نَافِع بإثباتها عِنْد الْهمزَة كَقَوْلِه عز وَجل {أَنا أحيي وأميت} والزناء يمد وَيقصر قَالَ الفرزدق
(أَبَا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرفْ زِناؤُه ... وَمَنْ يشْرَبِ الخُرْطومَ يُصبحُ مُسْكَرا)
وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بطلعت الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعَرَب تَقول إِذا طلع سُهَيْل وَقع الوباء فِي الْبَهَائِم فَجعل نَفسه سهيلا وَجعل أعداءه بهَا ثمَّ يموتون حسدا لَهُ وجعلهم أَوْلَاد زنا كَالْبَهَائِمِ لَا أصل لَهُم
1 - هَذَا من الْكَامِل متفاعلن متفاعلن متفاعلن وَهُوَ ضرب من الْمَقْطُوع الْإِعْرَاب يرْوى أَنْت من الظلام ضِيَاء فَيكون مُبْتَدأ وخبرا وَالرِّوَايَة الْمَشْهُورَة إِذْ حَيْثُ كنت فَيكون ضِيَاء ابْتِدَاء وَخَبره حَيْثُ وَتَقْدِيره الضياء حَيْثُ كنت مُسْتَقر وَهُوَ الْعَامِل فِي حَيْثُ وَإِذا ظرف للأمن تَقْدِيره أمنُوا ذَاك إِذْ كنت بِهَذِهِ الصّفة وَقَالَ الواحدى ضِيَاء ابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره ضِيَاء هُنَاكَ وَكَانَ لَا تحْتَاج إِلَى خبر لِأَنَّهَا فِي معنى حصلت وَوَقعت قَالَ وَلم يُفَسر أحد هَذَا الْبَيْت بِمَا فسرته وَكَانَ بكرا إِلَى هَذَا الْوَقْت انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره ضِيَاء مُبْتَدأ وَحَيْثُ كنت من الظلام خَبره وَإِذ مُضَافَة إِلَى هَذِه الْجُمْلَة وَمن الظلام حَال من حَيْثُ تَقْدِيره إِذْ ضِيَاء بمَكَان كونك وحصولك من الظلام وَيجوز رفع حَيْثُ على الِابْتِدَاء وَنَقله عَن الظَّرْفِيَّة وَهُوَ مبْنى الْغَرِيب الازديار افتعال من الزِّيَارَة والدجى والدجية ظلمَة اللَّيْل والرقباء جمع رَقِيب وَهُوَ الْحَافِظ النَّاظر الحارس كشريف وشرفاء وظريف وظرفاء وفقيه وفقهاء وشهيد وشهداء وكريم وكرماء وسفيه وسفهاء
الْمَعْنى يُرِيد أَن الرقباء قد أمنُوا أَن تزورينى لَيْلًا لِأَنَّك بدل من الضياء فِي اللَّيْل لِأَن نورك يزِيل الظلمَة كَمَا يزيلها نور الصُّبْح وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أَبى نواس
(تَرَى حَيْثُمَا كانَتْ مِنَ البيْتِ مَشْرِقا ... وَمَا لَمْ تَكْنْ فِيه مِنَ البيْتش مَغْرِبا)
(1/12)

- الْإِعْرَاب قلق ابْتِدَاء وَخَبره هتكها ومسيرها عطف عَلَيْهِ وَخَبره مَحْذُوف للْعلم بِهِ يُرِيد ومسيرها فِي اللَّيْل هتك لَهَا والواوان فِي وهى مسك وهى ذكاء للْحَال وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِالْمَصْدَرِ الْغَرِيب ذكاء اسْم للشمس معرفَة لَا ينْصَرف مثل هنيدة وشعوب الْمَعْنى قَالَ ابْن فورجه الهتك مصدر مُتَعَدٍّ وَلَو أَتَى بمصدر لَازم لَكَانَ أقرب إِلَى الْفَهم بِأَن قَالَ انهتاكها وَلكنه رَاعى الْوَزْن وَمثل هَذَا الْمَعْنى كثير فِي شعر الْمُحدثين وَقَوله وهى مسك زِيَادَة على كثير من الشُّعَرَاء إِذْ لم يَجْعَل هتكها من قبل الطّيب الذى استعملته بل جعل الْمسك نَفسهَا فَكَأَنَّهُ من قَول امْرِئ الْقَيْس
(وَجَدْتَ بِها طيِبا وَإنْ لَمْ تَطَيًّبِ ... )
وَقَول آخر:
(درّة كيفَما أُدِِيرَتْ أضاءَتْ ... ومَشَمٌّ مِنْ حيثُما شُمَّ فاحاَ)
وَمثله قَول بشار
(وتَوَقَّ الطِّيبَ لَيْلَتَنا ... إنَّهُ وَاشٍ إذَا سَطَعا)
انْتهى كَلَامه يُرِيد بالقلق حركتها وَهَذَا من قَول البحترى
(وَحاوَلْنَ كِتمانَ التَّرَحُّل فِي الدُّجَى ... فَنَّم بِهِنَّ المِسْكُ لَمَّا تَضَوَّعا)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(وكانَ العَبيرُ بِها وَاشِيا ... وجَرْسُ الحُلِىّ عَلَيْهَا رَقِيباً)
وَقَالَ آخر
(وأخْفَوْا على تلكَ المَطايا مَسِيرَهم ... فَنَمَّ عَليهم فِي الظَّلام التَّبسُّمُ)
وَقَول على بن جبلة
(بِأبى مَنْ زَارَنِى مُكْتَتِما ... حَذِراً مِنْ كُلّ شًىْءْ فَزِعا)

(طارَقُ نَمَّ عَليهِ نُورُهُ ... كَيْفَ يُخْفِى اللَّيلُ بَدراً طلعَا)

(رَصَدَ الخَلْوَة حَتَّى أمْكَنَتْ ... وَرَعَى السَّامِرَ حَتَّى هَجَعَا)

(كابَدَ الأهْوَالَ فِي زَوْرَتِه ... ثُمَّ مَا سَلَّمَ حَتَّى وَدّعا) وَقَالَ أَبُو المطاع بن نَاصِر الدولة وَأحسن
(ثَلاثَةٌ مَنَعَتْها مِنْ زِيارَتِنا ... وقَدْ دَجا الليَّلُ خوْفَ الْكَاشِح الحَنِق)

(ضَوْءُ الجَبينِ وَوَسْوَاسُ الحُلِىّ وَما ... يَفوحُ مِنْ عَرَقٍ كالعَنبر العَبِقِ)

(هَبِ الحَبينَ بفَضْل الكُمّ تَسْتُرُهُ ... والحَلْىَ تَنْزِعه مَا لشأنُ فِي العرَق)
(1/13)

- الْإِعْرَاب خَفَاء ابْتِدَاء تقدم عَلَيْهِ خَبره وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وحرف الْجَرّ الأول يتَعَلَّق بِالْمَصْدَرِ وحرفا الْجَرّ الأخيران متعلقان بِالْمَصْدَرِ الذى هُوَ خَفَاء الْغَرِيب الْمَدّ لَهُ الذى ذهب عقله والأسف الْحزن وأسف يأسف أسفا إِذا حزن الْمَعْنى يَقُول إنى أَحْزَن لذهاب عقلى لما لقِيت فِي هَوَاك من الشدَّة والجهد حَتَّى إننى قد خفى على حزنى وَإِنَّمَا أتأسف على أَنَّك شغلتنى عَن معرفَة الأسف حَتَّى خفى على مَا الأسف لِأَنَّك أذهب عقلى وَإِنَّمَا تعرف الْأَشْيَاء بِالْعقلِ
4 - الْغَرِيب الشكية والشكوى والشكاية بِمَعْنى وهى مصدر اشْتَكَى الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أشتكى عدم السقم لِأَن السقم كَانَ حَيْثُ كَانَت لى أعشاء يحلهَا السقم فأحسه باعضائي وَإِذا ذهبت الْأَعْضَاء بالجهد الذى أصابني فِي هَوَاك لم يبْق مَحل يحله السقم وَالْمعْنَى أَنه يطْلب أعضاءه لَا السقام فَلَمَّا ذهبت أعضاؤه الَّتِى يجد بهَا السقام شكا فَقده لِأَن السقم مَوْجُود والفانى مَعْدُوم وَقد بَين هَذَا أَبُو الْفَتْح البستى بقوله
(وَلَو أبْقى فِرَاقُكَ لى فُؤَاداً ... وجَفْنا كُنْتُ أجْزَعُ مِنْ سُهادى)

(ولَكِنْ لَا رُقادَ بغَيْرِ جَفْنٍ ... كَمَا لَا وَجْدَ إلاَّ بالفُؤّادِ)

5 - الْإِعْرَاب كلتاهما فِي مَوضِع نصب على الْحَال تَقْدِيره فتشابها نجلاوين وَيجوز أَن يكون لَا مَوضِع لَهَا كَقَوْلِه تَعَالَى {سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم} فَهَذِهِ جملَة لَا مَوضِع لَهَا وقلوه فتشابها كَانَ حَقه أَن يكون فتشابهتا وَلَكِن حمل الْجراحَة على الْجرْح وَالْعين على الْعُضْو فَقَالَ تشابها أى الْمَذْكُورَان أَو الشيئان كَقَوْل زِيَاد
(إنّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ ضمُنِّا ... قبراً بمَرْوَ على الطَّرِيقِ الوَاضحِ)
ذهب بالسماحة إِلَى السخاء وبالمروءة إِلَى الْكَرم وَلم يقل نجلاوان لِأَن لفظ كلتا وَاحِد مؤنث كَقَوْلِه تَعَالَى {كلتا الجنتين آتت أكلهَا} الْغَرِيب النجلاء الواسعة وطعنة نجلاء وَاسِعَة الْمَعْنى يَقُول لما نظرت إِلَى صورت فِي قلبى مِثَال عَيْنَيْك جِرَاحَة تشبه عَيْنَيْك فِي السعَة
(1/14)

- الْغَرِيب الصعدة الْقَنَاة الَّتِي نَبتَت معتدلة فَلَا تحْتَاج إِلَى تَقْوِيم والسابرى الدرْع الْعَظِيمَة الَّتِى لَا ينفذها شئ وَقيل السابرى الثَّوْب الرَّقِيق الْمَعْنى يُرِيد أَن عَيْنك نفذت إِلَى قلبى فجرحته وَرُبمَا كَانَ الرمْح لَا يصل إِلَيْهِ ويندق دونه قبل وُصُوله إِلَى كَمَا قَالَ
(طول الردينيات يقصفها دمى ... )
لِأَن هيبته فِي الْقُلُوب تمنع من نُفُوذ الرمْح فِي ثَوْبه وَلِأَن الشجاع موقى هَذَا على تَفْسِير من جعل السابرى الثَّوْب الرَّقِيق وَمن قَالَ إِن السابرى الدرْع الَّتِى لَا ينفذها شئ يكون الْمَعْنى نفذت نظرتك الدرْع إِلَى قلبى وَإِن الدرْع لم يحصنه من نظرتها وهى تحصنه من الرمْح والدرع يذكر وَيُؤَنث وَمن ذكره يُرِيد بِهِ الْحَدِيد وَقد ذكره الراجز بقوله
(كأنَّه فِي الدّرْعِ ذِى التَّغضُّنِ ... )

7 - الْمَعْنى خص صَخْرَة الوادى لصلابتها بِمَا يرد عَلَيْهَا من السُّيُول يُرِيد إننى فِي الشدَّة كشدة الصخر وَفِي علو الْمنطق كالجوزاء يُرِيد إِذا زوحمت لم يقدر على وَلَا على إزالتى عَن موضعى كهذه الصَّخْرَة الَّتِى رسخت فِي المَاء فَلَا تَزُول عَن موضعهَا وَإِذا انْطَلَقت كنت فى علو الْمنطق كالجوزاء وَقيل الْمَعْنى منى تستفاد البراعات ويُقتبس الْفضل كَمَا أَن الجوزاء تُعْطى من يُولد بعطارد فِي بَيت الجوزاء البراعة والمنطق
8 - الْإِعْرَاب أَن فِي مَوضِع نصب على حذف الْخَافِض وَعند الْخَلِيل والكسائى فِي مَوضِع خفض وهى أَن المخففة من الثَّقِيلَة وتكتب مُنْفَصِلَة لَا مُتَّصِلَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا خفى مَكَانَهُ على الغبى وَهُوَ الْجَاهِل الذى لَا يعرف شَيْئا وَلم يعرف قدرى وَلم يقر بفضلى فَأَنا أعذره لِأَن الْجَاهِل كالعمى والمقلة العمياء إِن لم تَرَ فهى فِي عذر لعماها وَكَذَلِكَ الْجَاهِل الذى يجهلنى ويجهل قدرى وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الشَّاعِر
(وَقد بَهَرْتُ فمَا أخْفَى على أحَدٍ ... إِلَّا على أكْمَهْ لَا يعْرِفُ القَمَرَا)
(1/15)

- الْإِعْرَاب أَن فِي مَوضِع رفع خبر الِابْتِدَاء وصدرى يُرِيد أصدرى فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام ضَرُورَة وَدلّ عَلَيْهَا قَوْله أم الْبَيْدَاء قَالَ عمر بن أبي ربيعَة
(فوَاللهِ مَا أدرِى وإنْ كنتُ دارِيا ... بسَبْعٍ رَمَيْن الجَمْر أم بثَمانِ)
يُرِيد أبسبع كَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ الْغَرِيب الْبَيْدَاء الأَرْض الواسعة الْعَظِيمَة وَسميت بيداء لِأَن من سلكها باد والشيمة الْعَادة يُقَال شيمته كَذَا أى عَادَته الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى من عَادَة الليالى أَن توقع لناقتى الشَّك فِي أصدرى أوسع أم الْبَيْدَاء لما ترى من سَعَة صدرى وَبعد مطلبى قَالَ الواحدى وَهَذَا إِنَّمَا يَصح لَو لم يكن فى الْبَيْت بهَا وَإِذا رددت الْكِنَايَة إِلَى الليالى بَطل مَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى صدرى بالليالى وحوادثها وَمَا تورده على من مشقة الْأَسْفَار وَقطع المفاوز أوسع من الْبَيْدَاء وناقتى تشاهد مَا أقاسى من السّفر وصبرى عَلَيْهِ فَيَقَع لَهَا الشَّك فِي أَن صدرى أوسع أم الْبَيْدَاء وعَلى هَذَا أفْضى أفعل كَمَا يُقَال أوسع انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره أفْضى يحْتَمل أَن يكون اسْما وَأَن يكون فعلا فَإِن كَانَ اسْما فَهُوَ على معنى التَّفْضِيل أى أصدرى بهَا أفْضى أم الْبَيْدَاء فَإِن كَانَ فعلا فَمَعْنَاه أصدرى يفضى أى ينتهى بِهَذِهِ النَّاقة إِلَى الفضاء أم الْبَيْدَاء وَبِنَاء أفْضى للْمُبَالَغَة وَإِن كَانَ ماضيه متجاوز الثَّلَاثَة وتشكك أى لَا تدرى هَذِه النَّاقة أصدرى أوسع أم الْبَيْدَاء وتشبيه الصَّدْر بالمفازة فى السعَة عَادَة الشُّعَرَاء قَالَ حبيب
(ورُحْب صَدرْ لَو أنَ الأَرْض واسعةٌ ... كوُسْعِهِ لم يَضِقْ عَنْ أهلِه بَلَدُ)
وَقَالَ البحترى
(كَريمٌ إِذا ضَاقَ الزَّمانُ فإنَّه ... يضلُّ الفضاءُ الرَّحبُ فِي صَدره الرّحبِ)
وَقَالَ قوم الْكِنَايَة تعود على النَّاقة وَمعنى افضى بهَا أى أدّى بهَا إِلَى الهزال صدرى أم الْبَيْدَاء فَمرَّة فَمرَّة تَقول لَوْلَا سَعَة صَدره من حَيْثُ الهمة وَبعد الْمطلب لما أتعبنى السّفر وَمرَّة تَقول الْبَيْدَاء هى الَّتِى تذْهب لحمى وتؤدينى إِلَى الهزال وعَلى هَذَا أفْضى فعل وَيجوز أَن يكون اسْما وَإِن عَادَتْ الْكِنَايَة إِلَى النَّاقة وَالْمعْنَى أَن ناقتى قَوِيَّة نجيبة يضن بِمِثْلِهَا وَلَا تهزل فِي السّفر وهى ترى إتعابى إِيَّاهَا واستنادى عَلَيْهَا فِي الْأَسْفَار فَتَقول صَدره أوسع بى حَيْثُ طابت نَفسه بإهلاكى أم الْبَيْدَاء لَوْلَا أَن لَهُ صَدرا فى السعَة كالبيداء لم تطب نَفسه بإهلاكى وَالْقَوْل هُوَ الأول فِي الْبَيْت وَهُوَ رد الْكِتَابَة إِلَى الليالى كَذَا قَالَ الواحدى قَالَ وَلم يشرحه أحد مثل شرحى لَهُ
(1/16)

- الْإِعْرَاب مسئدا حَال مِنْهَا وإسآدها نصب على الْمصدر والناصب لَهُ مسئدا ومسئدا اسْم فَاعل وفاعله الإنضاء وَتَقْدِير الْبَيْت تبيت هَذِه النَّاقة تسئد مسئدا الإنضاء فِي نيها إسآدا مثل إسآدها فِي المهمه ومسئد أجْرى حَالا على النَّاقة لما تعلق بِهِ من ضميرها الذى فى نيها كَمَا تَقول مَرَرْت بهند وَاقِفًا عِنْدهَا زيد الْغَرِيب الإسآد إسراع السّير فِي اللَّيْل خَاصَّة والنى الشَّحْم والمهمه الأَرْض الواسعة الْبَعِيدَة والإنضاء مصدر أنضاه ينضيه إِذا هزله وَالْمعْنَى أَن المهمه ينضيها كَمَا تنضيه الْمَعْنى أَن هَذِه النَّاقة تبيت تسير سائرا فِي جَسدهَا الهزال سَيرهَا فِي المهمة وَأقَام الإنضاء مقَام الهزال للقافية وَكَانَ الأولى أَن يَجْعَل مَكَان الإنضاء مصدر فعل لَازم ليَكُون أقرب إِلَى الْفَهم وَهَذَا من قَول حبيب
(رَعَتْهُ الفَيافِى بعدَ مَا كانَ حِقْبَةً ... رَعاها وماُ الرَّوْضِ يَنْهَلُ ساكبُهْ)

11 - الْغَرِيب الأنساع سيور وَاحِدهَا نسع يشد بِهِ الرحل والمغط الْمَدّ الْمَعْنى أَنه يُرِيد عظم بطن النَّاقة حِين امتدت أنساعها وطالت وَيُرِيد أَن خفافها مَنْكُوحَة مثقوبة بالحصى وَهُوَ كِنَايَة عَن وعور الطَّرِيق ومنكوحة أى دمية من الْحَصَى واستعار النِّكَاح لوطئها الأَرْض وإدماء الْحَصَى إِيَّاهَا والعذراء الَّتِى لم تفتض وَأَرَادَ أَن طريقها لم يسلكها أحد وَالطَّرِيق تذكر وتؤنث قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن صَالح النحوى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ هَذَا الدِّيوَان وَقد وصلت إِلَى هَذَا الْبَيْت سألنى الْملك الْكَامِل أَو أَبُو المعالى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب ملك الديار المصرية وَالشَّام والحرمين عَن هَذَا الْبَيْت فِي قَوْله
(وطريقها عذراء ... )
فَقلت لَهُ يُرِيد أَنَّهَا صعبة لم تسلك فَقَالَ لى هَذَا يدل على أَن الممدوح لَا يعرف وَلَا لَهُ ذكر وَلَا نائل لِأَن الطَّرِيق إِلَيْهِ عذراء لم تطرق والممدوح إِذا كَانَ لَهُ عَطاء وَذكر ويعرفه القصاد كَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِ لَا تَنْقَطِع وَلَقَد أحسن فى هَذَا النَّقْد
12 - الْغَرِيب الخريت الدَّلِيل وسمى خريتا لاهتدائه فِي الطَّرِيق الْخفية كخرت الإبرة كَأَنَّهُ يعرف كل ثقب فى الصَّحرَاء والتوى الْهَلَاك والحرباء دَابَّة تَدور مَعَ الشَّمْس كَيْفَمَا دارت تتلون فِي الْيَوْم ألوانا كَثِيرَة كَمَا قَالَ ذُو الرمة
(غَدَا أكهْبَ الأعْلى وراحَ كأنَّهُ ... مِن النَّضْحِ لاِستبقباله الشَّمسَ أخضرُ)
الْمَعْنى أَن هَذِه الأَرْض طريقها صعبة يَتلون الدَّلِيل فِيهَا من خوف الْهَلَاك كَمَا تتلون هَذِه الدَّابَّة وَهُوَ مِمَّا يتَغَيَّر لَونه من خوف الْهَلَاك فَهُوَ يَدُور يَمِينا وَشمَالًا لطلب الطَّرِيق وَالْمعْنَى من قَول هدبة يظلّ بهَا الهَادى يُقَلِّب طَرْفَهُ ... مِنَ الوَيْلِ يَدْعُو لَهْفَه وَهُوَ لاهفُ)
وَقَالَ الطرماح
(إذَا اجْتابَها الخِرّيتُ قالَ لنَفْسهِ ... أتاكِ برَحْلِى حائِنٌ كُلٌ حائِنٍ)
(1/17)

- الْإِعْرَاب نصب مِثْلهنَّ على الْحَال لِأَنَّهُ نعت للنكرة المرفوعة فَقدم عَلَيْهَا فنصب على الْحَال كَقَوْلِك فِيهَا قَائِما رجل وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لذى الرمة
(وَنحْتَ العَوَالى فِى القَنا مُسْتَظِلَّةً ... ظِباءٌ أعارَتها العُيُونّ الجآذِرُ)
الْمَعْنى بينى وَبَينه يُرِيد الممدوح جبال مُرْتَفعَة مثله فِي الْعُلُوّ وَالْوَقار ورجاء عَظِيم كهذه الْجبَال يُشبههُ فِي الْحلم وَالْوَقار بالجبال وَجعل رَجَاءَهُ عَظِيما كالجبال
14 - الْإِعْرَاب وعقاب عطف على شم الْجبَال وهى طوالها وَكَيف اسْتِفْهَام فِي الْمَعْنى الإنكارى وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره وَكَيف لى بقطعها أَو أقوم بقطعها أَو كَيفَ الظَّن بقطعها الْمَعْنى لبنان جبل مَعْرُوف من جبال الشَّام يُرِيد كَيفَ الظَّن بقطعها وَالْوَقْت الشتَاء والصيف بهَا مثل الشتَاء وَإِذا كَانَت فى الصَّيف صعبة فَكيف فِي الشتَاء
15 - الْإِعْرَاب بهَا وعَلى متعلقان بِالْفِعْلِ وَالْبَاء فِي بياضها مُتَعَلقَة بِمَعْنى كَأَن من معنى التَّشْبِيه الْمَعْنى يُرِيد أَن الثلوج عَمت على مسالكى وَلبس الشئ ولبسه إِذا عماه قَالَ الله تَعَالَى {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} يَقُول أخْفى هَذَا الثَّلج بِهَذِهِ الْعقَاب طرقى على فَلم أهتد لكثرتها وبياضها وَالْأسود لَا يهتدى فِيهِ فَكَأَنَّهَا لبياضها إِذْ لم يهتد فِيهَا اسودت وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
(1/18)

- الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ مُتَعَلق بأقام وَكَذَا عطف على مَا قبله وَذَلِكَ أَنه لما قَالَ
(فَكَأَنَّهَا ببياضها سَوْدَاء ... )
فَهُوَ نقيض الْعَادة لِأَن الْبيَاض إِذا قَامَ مقَام السوَاد هُوَ خلاف الْعَادة وَكَذَلِكَ الْكَرِيم إِذا أَقَامَ ببلدة يَجْعَل الذَّهَب سَائِلًا وَذَلِكَ أَنه أَتَاهُ فِي الشتَاء وَالْمَاء جامد فَشبه كرمه بسيل الذَّهَب لِكَثْرَة مَا يبذله لمن يَقْصِدهُ وقابله بجمود المَاء وَإِن كَانَ جمود المَاء غير فعله // فَحسن الْعَطف والتشبيه // الْغَرِيب النضار الذَّهَب وَالنضير أَيْضا قَالَ الْأَعْشَى
(إِذا جُرّدت يَوْما حَسِبْتَ خَمِيصَةً ... علَيها وجِرْيال النَّضِير الدُّلامِصا)
وَيجمع على أَنْضَرُ قَالَ الْكُمَيْت
(تَرَى السَّابحَ الخِنْذيذ مِنها كأنَّهُ ... جرى بَين ليتيه إِلَى الخد أَنْضَرُ) وَقيل النضار الْخَالِص من كل شَيْء قَالَت الخرنق بنت هفان الخالطين نحيتهم بنضارهم وذَوِى الغِنَى منهمْ بذِى الفَقْر)
وقدح نضار يتَّخذ من أثل يكون بالغور وَبَنُو النَّضِير حى من يهود خَيْبَر من ولد هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام الْمَعْنى يَقُول إِن الْكَرِيم إِذا أَقَامَ ببلدة أعْطى المَال فَمن كَثْرَة إِعْطَائِهِ كَأَنَّهُ مَاء سَائل فَلَمَّا رأى المَاء كرمه وقف متحيرا جَامِدا وَهُوَ معنى // حسن //
17 - الْإِعْرَاب الأنواء فَاعل رَأَتْهُ وَقَالَ قوم يجوز أَن يرْتَفع الأنواء ببهتت وبتتبجس وعَلى هَذَا يجوز فِي الْكَلَام إِضْمَار قبل الذّكر وَالْأول أحسن وَتَقْدِير الْكَلَام لَو رَأَتْهُ الأنواء كَمَا ترى القطار بهتت وَلم تتبجس وروى كَمَا رأى وَالْأول أوجه لِأَن القطار مُؤَنّثَة وَالْكَاف فِي مَوضِع نصب نعتا لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره رُؤْيَة مثل رُؤْيَة القطار الْغَرِيب القطار جمع قطر وقطر جمع قَطْرَة وهى الْمَطَر وبهتت تحيرت وتتبجس تتفتح والأنواء جمع نوء وَهُوَ سُقُوط النَّجْم فِي الْمغرب وطلوعه فى الْمشرق وهى منَازِل الْقَمَر وَالْعرب تنْسب إِلَيْهَا الأمطار يَقُولُونَ سقينا بِنَوْء كَذَا وَقد نهى
عَن ذَلِك قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَقُول الله {أصبح من عبادى مُؤمن بى كَافِر بالكواكب وَأصْبح من عبادى كَافِر بى مُؤمن بالكواكب} فالذى يَقُول مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بى كَافِر بالكواكب وَمن قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا فَذَلِك كَافِر بى مُؤمن بالكواكب الْمَعْنى يُرِيد أَن القطار لما رَأَتْ كرم هَذَا الممدوح جمدت جعل الثلوج الْمَطَر الجامد وَلَو رَأَتْ الأنواء كَمَا رَأَتْ القطار تحيرت وَلم تتفتح استعظاما لما يَأْتِيهِ وخجلا من جوده
(1/19)

- الْغَرِيب الْأَهْوَاء جمع هوى مَقْصُور وَهُوَ الْمحبَّة وَجمع الْمَمْدُود أهوية الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ يستمد من أهواء النَّاس فهم يحبونَ خطه ويميلون إِلَيْهِ يصفه بِحسن الْخط يَقُول كل من رأى خطه شغف من حسنه وَيجوز أَن يكون كِنَايَة عَن وَصفه بالجود يَقُول لَا يُوقع إِلَّا بالنوال وَالنَّاس يميلون إِلَى خطه وَيجوز أَن يكون كِنَايَة عَن طَاعَة النَّاس لَهُ أى كتبه تقوم مقَام الْكَتَائِب لِأَن النَّاس يميلون إِلَيْهِ وينقادون إِلَيْهِ طبعا
19 - الْإِعْرَاب قُرَّة ابْتِدَاء تقدم خَبره وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْمَصْدَرِ الْغَرِيب المغيب والغيبة بِمَعْنى وَاحِد وقرت عينه أى بردت لِأَن دمع الْفَرح بَارِد وَهُوَ ضد سخنت لِأَن دمع الْحزن الْحَار والأقذاء جمع قذى وَهُوَ مَا يَقع فِي الْعين وفى الشَّرَاب والإقذاء بِكَسْر الْهمزَة مصدر أقذيت عينه إِذا طرحت فِيهَا القذى الْمَعْنى يَقُول كل عين تقر بِقُرْبِهِ وتتأذى بغيبته عَنْهَا فَكَأَنَّهَا تقذى إِذا غَابَ عَنْهَا فَلم تره فَكَأَن غيبته قذى للعيون
20 - الْإِعْرَاب الشُّعَرَاء فَاعل يهتدى وَمن بِمَعْنى الذى وَلَيْسَت استفهاما وَتَقْدِير الْبَيْت الذى يهتدى فِي الْفِعْل إِلَى مَا لَا يهتدى الشُّعَرَاء إِلَيْهِ فِي القَوْل حَتَّى يفعل هُوَ وَمَا بِمَعْنى الَّذِي وموضعها نصب على إِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقْدِيره إِلَى الذى لَا يهتدى إِلَيْهِ الشُّعَرَاء الْمَعْنى هُوَ الذى يهتدى فِيمَا يفعل من المكارم والمساعى الجسيمة إِلَى مَا لَا يهتدى إِلَيْهِ الشُّعَرَاء حَتَّى يفعل هُوَ فيعلموا فَإِذا علمُوا تعلمُوا من فعله فحكوا مَا يَفْعَله بالْقَوْل لأَنهم يَهْتَدُونَ إِلَى مَا يَفْعَله فيحكونه بقَوْلهمْ وَقَالَ الواحدى كَانَ حَقه أَن يَقُول لما لَا يهتدى أَو إِلَى مَا لَا يهتدى لِأَنَّهُ يُقَال اهتديت إِلَيْهِ وَله وَلَا يُقَال اهتديته إِلَّا أَنه عداهُ بِالْمَعْنَى لِأَن الاهتداء إِلَى الشئ معرفَة بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ من يعرف فِي الْفِعْل مَا لَا يهتدى
(1/20)

- الْإِعْرَاب جَوْلَة وإصغاء ابتداءان خبراهما مقدمان عَلَيْهِمَا وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بجولة ولأذنه مُتَعَلق بالمبتدأ الْغَرِيب القافية القصيدة وَسميت قافية لِأَن بَعْضهَا يقفو بَعْضًا أى يتبعهُ وَمِنْه الْكَلَام المقفى لِأَن بعضه يتبع بَعْضًا والقافية أَيْضا الْقَفَا وَفِي الحَدِيث " يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم " والجولة الذّهاب والمجئ وَالنَّاس يجولون أى يَمرونَ ويجيئون والإصغاء الِاسْتِمَاع الْمَعْنى أَنه يمدح كل يَوْم فَلَا يزَال مصغيا حبا للشعر وَإِعْطَاء للشعراء
22 - الْإِعْرَاب إغارة عطف على جَوْلَة وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بإغارة وفى كل بَيت مُتَعَلق بِمَعْنى كَأَن لما فِيهِ من التَّشْبِيه الْغَرِيب الفيلق الكتيبة والشهباء الصافية الْحَدِيد الْمَعْنى يَقُول للقوافى فِيمَا جمعه واقتناه من مَاله إغارة كَأَن كل بَيت من بيُوت الشّعْر كَتِيبَة صَافِيَة الْحَدِيد بالشعر تنهب مَا جمعه واحتواه
23 - الْإِعْرَاب من بِمَعْنى الذى أى هُوَ الذى وَأَن فِي مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ الْغَرِيب اللؤماء جمع لئيم وَهُوَ الذى جمع لؤم الأَصْل وَالنَّفس والأكفاء جمع كُفْء وكفوء مثل عَدو وأعداء الْمَعْنى يَقُول هُوَ الذى يظلم اللؤماء فِي تكليفهم بِأَن يَكُونُوا مثله لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك وَهَذَا غَايَة الظُّلم تَكْلِيف مَا لَا يُسْتَطَاع قَالَ الواحدى وَلَيْسَ هَذَا مدحا وَلَو قَالَ الكرماء لَكَانَ مدحا فَأَما إِذا كَانَ أفضل من اللئام وَلَا يقدرُونَ أَن يَكُونُوا مثله فَهَذَا لَا يَلِيق بمذهبه فِي إيثاره الْمُبَالغَة وروى الْخَوَارِزْمِيّ من نظلم بالنُّون وَقَالَ إِذا كلفنا اللئام أَن يَكُونُوا أكفاء لَهُ فقد ظلمناهم فى تكليفهم مَا لَا يُطِيقُونَ والذى قَالَ الواحدى // نقد حسن // واعتذار الخوارزمى أحسن
(1/21)

- الْمَعْنى نذيمهم نذمهم ولولاهم مَا عرفنَا فَضله لِأَن الْأَشْيَاء إِنَّمَا تتبين بضدها فَلَو كَانَ النَّاس كلهم كراما مثله لم يعرف فَضله قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مَأْخُوذ من قَول المنبجى
(فالوَجْهُ مثلُ الصُّبْحِ مُبْيَضُّ ... والشَّعْرُ مثلُ اللَّيْلِ مُسْوَدُّ)

(ضِدَّان لمَّا اسْتَجْمَعا حَسُنا ... والضّدُّ يُظْهِر حسنَه الضّدُّ)
قَالَ وَهَذَا الْبَيْت مَدْخُول لِأَنَّهُ لَيْسَ كل ضدين إِذا استجمعا حسنا أَلا ترى الْحسن إِذا قرن بالقبيح بَان حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح وَبَيت المتنبى سليم لِأَن الْأَشْيَاء بأضدادها يَتَّضِح أمرهَا هَذَا كَلَامه ولأبى الطّيب أَمْثَال كَثِيرَة كَهَذا الْعَجز أَتَت أعجازا فِي أبياته وسأذكرها هَهُنَا مجتمعة وأتكم عَلَيْهَا فِي موَاضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَمِنْهَا
(إنّ المَعارفَ فِي أهلِ النُّهَى ذِمَمُ ... )
وَقَوله
(أَنا الغَرِيقُ فمَا خَوْفى مِنَ البَلبَلِ ... )
وَقَوله
(وقدْ يُؤْذَى مِنَ المِقَةِ الحَبيبُ ... )
وَقَوله
(ولَكِنْ ربَّمَا خَفَى الصَّوَابُ ... )
وَقَوله
(وكلّ اغتياب جَهْدُ مَنْ لَا لَهُ جَهْدُ ... )
وَقَوله
(ليسَ التَّكَحُّل فِي العَيْنين كالكَحَلِ ... )
وَقَوله
(وتأبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ ... )
وَقَوله
(وفى المَاضِى لِمَنْ بَقىَ اعْتِبارُ ... )
وَقَوله
(ومَنْ وَجَدَ الإحْسانَ قَيْداً تقَيَّداَ ... )
وَقَوله
(ومَنْ لكَ بالحرّ الذى يَحْفظ اليَداَ ... )
وَقَوله
(والمُستغرّ بِمَا لَدَيْهِ الأحمَقُ ... )
وَقَوله
(وفى عُنُق الحَسْناءِ يُسْتَحسن العِقْدُ ... )
وَقَوله
(وليسَ بمُنْكرٍ سَبْق الجَوادِ ... )
وَقَوله
(ولكنّ صَدم الشَّرّ بالشَّرّ أحْزَم ... )
(1/22)

وَقَوله
(قد أُفْسِدَ القَوْلُ حَتَّى أُحمِد الصَّممُ ... )
وَقَوله
(مَصَائِبُ قَوْمٍ عنْدَ قَوْمْ فَوَائِدُ ... )
وَقَوله
(ومُخْطِئٌ مَنْ رَمِيُّهُ القَمَرُ ... )
وَقَوله
(فإنّ فِي الخَمْر معنى ليسَ فِى العِنَبِ ... )
وَقَوله
(ومَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلّ السَّوَاقيا ... )
وَقَوله
(وأيْنَ مِنَ المُشْتاقِ عَنْقاءُ مُغْرِبُ ... )
وَقَوله
(وَلَا يَرُدّ عَلَيْكَ الفائِتَ الحَزَنُ ... )
وَقَوله
(بجَبهة العَيْر يُفْدى حافِرُ الفَرَس ... )
وَقَوله
(الجُوع يرْضى الأُسُودَ بالجِيَفِ ... )
وَقَوله
(إِذا عنّ بَحْر لَا يجُوزُ التَّيَمُّم ... )
وَقَوله
(إنَّا لَنَغْفُلُ والأيَّام فى الطَّلَبِ ... )
وَقَوله
(إنّ النَّفيس نَفِيسٌ حَيْثما كَانَا ... )
وَقَوله
(غيرُ مَدْفُوعٍ عَنِ السَّبق العِرَاب ... )
وَقَوله
(مَا كُلّ دامٍ جَبِينُهُ عابِدْ ... )
وَقَوله
(ومَن يردُّ طَريقَ الْعَارِض الهَطِل ... )
وَقَوله
(ويبَينُ عِتْقُ الخَيْل فِي أصواتِها ... )
وَقَوله
(والشَّيْبُ أوْقَرُ والشَّبيبَةُ أنْرَقُ ... )
وَقَوله
(وَفِي التَّجارِب بْعدَ الغَىّ مَا يَزعُ ... )
وَمعنى الْبَيْت كثير قد قَالَه جمَاعَة من الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو تَمام
(وليسَ يَعْرِفُ طيب الوَصْل صاحبُهُ ... حَتَّى يُصابَ بنَأْىٍ أَو بِهِجْرَان)
وَقَالَ أَيْضا
(والحادِثاتُ وَإنْ أصَابَكَ بُؤْسُها ... فَهُوَ الَّذى أنْباكَ كيْفَ نَعِيمُها)
وَقَالَ أَيْضا
(سَمُجَتْ ونَبَّهْنا على اسْتِسْماجها ... مَا حَوْلَها مِنْ نَضْرَةْ وجمالِ)

(وكَذاكَ لم تُفْرِطْ كآبَةُ عاطِل ... حَتَّى يُجاوِزَها الزَّمانُ الحالى)
وَقَالَ البُحترىّ
(وقدْ زَادَها إفراطُ حُسنٍ جوَارِها ... خَلائِقَ أصْفارٍ مِنَ المجْدِ خيَُّبِ)

(وحُسنُ درَارِىّ الكوَاكب أنْ تُرَى ... طَوَالِعَ فى دَاجٍ مِنَ اللَّيل غَيْهَبِ)
وَقَالَ بشار
(وكُنّ جوارِى الحَىّ مَا دُمتِ فيهِمُ ... قِباحا فلَمَّا غِبْتِ صِرْنَ مِلاحاً)
وَأَبُو الطّيب صرح بِالْمَعْنَى وَبَين أَن مجاورة المضادة هى الَّتِى بيّنت حسن الشئ وقبحه ثمَّ أخفاه فِي مَوضِع آخر فَقَالَ
(ولَوْلا أيادِى الدَّهْرِ فِي الجَمْعِ بيْنَنا ... غَفَلْنا فَلم نشْعُرْ لهُ بذُنُوبِ)
(1/23)

- الْإِعْرَاب من بِمَعْنى الذى وَهُوَ بدل من الأول وحرفا الْجَرّ متعلقان بِالْمَصْدَرِ الْمَعْنى يَقُول إِذا هيج استباح مَال أعدائه وحريمهم فَانْتَفع بذلك وَإِذا ترك استضر بذلك فَلَو فطن أعداؤه لهَذَا مِنْهُ لتركوه فوصولا بذلك إِلَى أذيته فَهُوَ إِذا هيج انْتفع بذلك شوقا إِلَى الْحَرْب وَإِذا لم يهج وَترك لم يجد لَذَّة فَلَو علم الْأَعْدَاء ذَلِك مِنْهُ لقطعوه كى يصلوا بذلك إِلَى مضرته
26 - الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وتفتح السِّين مِنْهَا وتكسر قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع والكسائى فِي سُورَة الْبَقَرَة بِفَتْح السِّين وَقَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر عَن عَاصِم فِي سُورَة مُحَمَّد بِكَسْر السِّين وَقَرَأَ أَبُو بكر فى الْأَنْفَال بِكَسْر السِّين والهيجاء من أَسمَاء الْحَرْب يقصر ويمد
الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى يَأْخُذهُ فِي الْحَرْب يُعْطِيهِ عفاته فِي السّلم لِأَنَّهُ فِي الْحَرْب يَأْخُذ أَمْوَال أعدائه وَفِي السّلم يُعْطِيهَا عفاته وَهَذَا من قَول بَعضهم
(إذّا أسْلَفَتْهُنَّ المَلاحِمُ مَغْنَما ... دعاهنّ مِن كَسْبِ المَكارِم مَغْرَمُ)
وَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ
(إِذا مَا أعارُوا فاحتَوَوْا مالَ مَعْشَر ... أغارَتْ عَلَيْهِم فاحْتَوَتْهُ الصَّنائعُ)
وَبَيت المتنبى أحسن لفظا وسبكا وأصنع لِأَنَّهُ قَابل السّلم بِالْحَرْبِ وَالْكَسْر بالجبر وَهَذَا مِمَّا يدل على براعته
(1/24)

- الْغَرِيب اللهى العطايا وَهُوَ جمع لهوة بِضَم اللَّام وَهُوَ مَا يلقيه الطاحن فِي فَم الرَّحَى فشبهت الْعَطِيَّة بهَا واللهى العطايا دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو غَيرهَا والآراء جمع رأى الْمَعْنى يُرِيد أَنه لِكَثْرَة عطاياه يعْطى الذى يَأْخُذ مِنْهُ لمن سَأَلَهُ فَيصير حِينَئِذٍ سائله مسئولا وَأَنه إِذا نظر الْإِنْسَان إِلَى عقله وجودة رَأْيه تعلم مِنْهَا الآراء لِأَن رَأْيه جزل قوى سديد صائب
28 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِنْسَان وَاحِد قواه مجتمعة غير مُتَفَرِّقَة وَفِيه حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه وَشبهه بالسراء وَالضَّرَّاء فِي لينه وشدته لافتراقهما وَهُوَ معنى // حسن // وَالْمعْنَى للبيد
(مُمْقِرٌ مُرٌّ عَلى أعْدائِهِ ... وعَلى الأدْنَيْنَ حُلْوٌ كالعَسَلْ)
ثمَّ أَخذه الْمسيب بن علس فَقَالَ
(هُمُ الرَّبيعُ على مَنْ صافَ أرْحُلَهم ... وفى العدوّ مَناكيدٌ مَشائِيمُ)
وَقَالَ علاثة
(وكنتُمْ قَديما فِي الحُرُوبِ وغيرِها ... مَيامِينَ للأدْنى لأَعْدائِكمْ نَكْدُ)
وَقَالَ كَعْب
(بنُو رَافعٍ قَوْمٌ مَشائيمُ للعدَى ... مَيامِينُ للمَوْلى وللمتجرِّم)
وَقَالَ النَّابِغَة الجعدى
(فَتى كانَ فِيه مَا يَسُرُّ صَديقَهُ ... على أنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الأعادِيا)
وَأنكر ابْن فورجه قَول أَبى الْفَتْح فِي مُجْتَمع القوى وَقَالَ هُوَ قوى الْعَزْم والآراء
(1/25)

- الْإِعْرَاب مَا فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهَا خبر كَأَن يُرِيد كَأَنَّهُ شئ لَا تشاؤه عداته ومتمثلا مَنْصُوب على الْحَال الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَفد وهم أوفاد ووفد وَالِاسْم الْوِفَادَة وَفد فلَان على الْأَمِير رَسُولا فَهُوَ وَافد وَالْجمع وَفد مثل صَاحب وَصَحب وأوفته أَنا أى أَرْسلتهُ والوافد من الْإِبِل مَا سبق سائرها والإيفاد على الشئ الإشراف الْمَعْنى يُرِيد كَأَنَّهُ صور على مَا يكرههُ الْأَعْدَاء فِي حَال تمثله لوفوده وهم الَّذِي يفدون عَلَيْهِ يرجون نواله كَمَا يشاءون
30 - الْغَرِيب الاستجداء الاستعطاء وَيُرِيد الْمَوْهُوب روحه والجدى والجدوى الْعَطِيَّة وجدوته واجتديته واستجديته بِمَعْنى إِذا طلبت جدواه قَالَ أَبُو النَّجْم
(جِئْنا نُحَيِّكَ ونَسْتَجْدِيكَ ... مِنْ نائِلِ اللهِ الذى يُعْطيكَ)
والجادى السَّائِل وأجداه أعطَاهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن روحه موهوبة لَهُ إِذْ لَيْسَ يطْلبهَا أحد مِنْهُ فَلَو طلبَهَا مِنْهُ طَالب لأعطاه لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن يرد سَائِلًا فَكَأَنَّهُ إِذا لم يسْأَل روحه كَأَنَّهُ وَهبهَا فَترك هَذَا الطّلب مِنْهُ إِعْطَاء لَهُ وَهَذَا من قَول بكر بن النطاح
(وَلَو أنّ مَا فِي كفِّه غير نَفسه ... لَجادَ بهَا فَلْيَتَّقِ اللهَ سائِلُهُ)

31 - الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ الْفَقِير السَّائِل وَهُوَ طَالب الْمَعْرُوف الْمَعْنى يُرِيد اشكر سَائِلك وَقَوله {لافجعت بفقدهم} دُعَاء لَهُ يُرِيد لافجعك الله بفقدهم لِأَنَّهُ يحب الْعَطاء وَالسُّؤَال ويروى لافجعت بحمدهم أى لاقطع الله شكرهم عَنْك وَهَذَا الْبَيْت إتْمَام لِمَعْنى الأول وتأكيد لَهُ وَقَوله لَا فجعت من الحشو الْحسن الْمُخْتَار وَمثله فِي كافور
(نَرى كلَّ مَا فِيهَا وحاشاك فانِيا ... )
(1/26)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى كَثْرَة تحصل عَن قلَّة وَهُوَ قلَّة الْأَحْيَاء يُرِيد إِنَّمَا يكثر الْأَمْوَات إِذا قلت الْأَحْيَاء فكثرتهم كَأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة قلَّة وَقَوله شقيت بك الْأَحْيَاء قَالَ ابْن جنى يُرِيد أَنَّهَا شقيت بفقدك فَحذف الْمُضَاف وَيكون الْمَعْنى على مَا قَالَ لَا تصير الْأَمْوَات أَكثر من الْأَحْيَاء إِلَّا إِذا مَاتَ الممدوح وَصَارَ فِي عَسْكَر الْمَوْتَى كَثْرَة الْأَمْوَات بِهِ لِأَنَّهُ يصير فى جانبهم وَهَذَا فَاسد لشيئين أَحدهمَا أَنه إِذا مَاتَ وَاحِد لَا يكون ذَلِك قلَّة وَالْآخر أَنه لَا يُخَاطب الممدوح بِمثل هَذَا وَلَكِن الْمَعْنى أَنه أَرَادَ بالأموات الْقَتْلَى لَا الَّذين مَاتُوا قبل الممدوح وَالْمعْنَى شقيت بك أى بِغَضَبِك وقتلك إيَّاهُم يَقُول لَا تكْثر الْقَتْلَى إِلَّا إِذا قَاتَلت الْأَحْيَاء وشقوا بِغَضَبِك فَإِذا غضِبت عَلَيْهِم وقاتلتهم قَتلتهمْ كلهم فزدت فِي الْأَمْوَات زِيَادَة ظَاهِرَة ونقصت من الْأَحْيَاء نقصا ظَاهرا وَلم يُفَسر هَذَا الْبَيْت أحد كَمَا فسرته انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى الكوفى فِي أَمَالِيهِ يُرِيد كَثْرَة تقل لَهَا الْأَحْيَاء وَقدر أَبُو الْفَتْح مُضَافا محذوفا وَقَالَ شقيت بفقدك وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء شَقوا بِهِ أى بقتْله إيَّاهُم وَإِن الْأَحْيَاء إِذا شقيت بك كثرت الْأَمْوَات وَتلك الْكَثْرَة تُؤَدّى إِلَى الْقلَّة إِمَّا لِأَن الْأَحْيَاء يقتلُون بِمن يَمُوت مِنْهُم وَإِمَّا لِأَن الْمَيِّت يقل فِي نَفسه وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا قَول أَبى الْفَتْح
(شقيت بفقدك ... )
يخل الْمَعْنى لِأَن الْأَحْيَاء شَقوا بِهِ لِأَنَّهُ قَتلهمْ والذى قَالَ أَبُو الْفَتْح الصَّوَاب وَبِه فسره على بن عِيسَى الربعى قَالَ ذهب إِلَى أَنه نعْمَة على الْأَحْيَاء ففقدهم شقاء لَهُم وَمِمَّا حذف مِنْهُ لفظ الْفَقْد قَوْله المرقش
(لَيسَ على طُولِ الحَياةِ نَدَمْ ... ومِنْ وَرَاءِ المَرْءِ مَا يَعْلَمْ)
يُرِيد على فقد طول الْحَيَاة ولابد من تَقْدِير هَذَا وَقد أظهر هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه وَهُوَ كَون حَيَاته نعْمَة وَمَوته شقاء ونقمة فى قَوْله
(لعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مالٍ ... وَلَا شاةٌ تَمُوتُ وَلا بَعيرُ)

(ولكِنَّ الرَّزِيَّة فَقْدُ شَخْصٍ ... يَمُوتُ لِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيرُ)
وَقد روى الربعى عَن المتنبى أَن أَبَا عَمْرو السلمى قَالَ عدت أَبَا على هَذَا الممدوح بِمصْر فِي علته الَّتِى مَاتَ فِيهَا فاستنشدنى فأشتنشدى فَلَمَّا بلغت هَذَا الْبَيْت استعاده وَجعل يبكى حَتَّى مَاتَ وَإِذا كَانَ المتنبى قد حكى هَذَا فَهَل يجوز إِلَّا مَا قدره أَبُو الْفَتْح انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع وَقد قيل فى هَذَا الْبَيْت أَقْوَال كَثِيرَة مِنْهَا لَا تكْثر الْأَمْوَات فِي الْأَعْدَاء إِلَّا إِذا شقيت بك الْأَحْيَاء من الْأَوْلِيَاء وَقيل لَا تكْثر الْأَمْوَات إِلَّا بك إِذا مت وَقَوله كَثْرَة قلَّة أى كَثْرَة شرف وسؤدد لَا كَثْرَة عدد لِأَنَّك إِن كنت قَلِيلا فى الْعدَد فَأَنت كثير فِي الْقدر وَقد أَخذ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت وَقيل نَاقض قَوْله كَثْرَة قلَّة فَجعل الْكَثْرَة قلَّة وَلَيْسَ كَذَلِك فَهَذَا القَوْل لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ فِي مدح حى وَلَو كَانَ فى الرثاء لجَاز وَقيل إِن الْمَعْنى الذى أَرَادَ المتنبى فِي الْبَيْت أَن الْأَحْيَاء مَرْفُوع بِالْمَصْدَرِ الذى هُوَ قلَّة مَعْنَاهُ لَا يكثر الْأَمْوَات كَثْرَة تقل لَهَا الْأَحْيَاء إِلَّا إِذا بليت بحربك وَلَيْسَ يُرِيد أَن الْكَثْرَة فِي الْحَقِيقَة قلَّة فَيجمع بَين الشئ وضده
(1/27)

- قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد لَا ينصدع قلب أحد حَتَّى يعاديك فيضمر لَك الْعَدَاوَة فَإِذا تَأمل مَا جنى على نَفسه من عداوتك انْشَقَّ قلبه فَمَاتَ خوفًا وجزعا هَذَا كَلَامه وَلم يُفَسر قَوْله عَمَّا تَحْتَهُ وَالْمعْنَى مَا فِيهِ من الغل والحسد أى أَنه وَإِن أضمر لَك الغل والحسد لم ينشق قلبه فَإِذا أضمر لَك الْعَدَاوَة انْشَقَّ قلبه وَبَان أَنه عَدو لَك والشحناء من المشاحنة وهى المعاداة ملئ الْقلب من الشحن
34 - الْغَرِيب اقترعت أى تساهمت وَتسَمى تعرف وَالِاسْم هُوَ السمو وَهُوَ الْعُلُوّ الْمَعْنى يَقُول تقارعت الْأَسْمَاء عَلَيْك فَكل أَرَادَ أَن تسمى بِهِ فخرا بك فَلم تسم بِهَذَا الِاسْم حَتَّى تقارعت السَّمَاء عَلَيْك وَقَالَ المعرى أَرَادَ بِالِاسْمِ الصيت
35 - الْإِعْرَاب واسمك الْوَاو وَاو الْحَال الْمَعْنى قَالَ المعرى يُرِيد بِالِاسْمِ الصيت أى لم يشركك فى صيتك أحد وَإِنَّمَا مَالك النَّاس فِيهِ سَوَاء غنيهم وفقيرهم وَيُقَال فلآن قد ظهر اسْمه فِي النَّاس أى صيته فَذكره لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَقَالَ الواحدى يُرِيد لم يُشَارك اسْمك فِيك لِأَنَّهُ لَا يكون للْإنْسَان أَكثر من اسْم وَاحِد وَالنَّاس كلهم فِي مَالك سَوَاء قد تساووا فِي الْأَخْذ مِنْك لَا تخص أحدا دون غَيره بالعطاء قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ اسْمه الْعلم وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى قَالَ المعرى أَرَادَ الصيت وَلَيْسَ بشئ وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن اسْمك انْفَرد بك دون غَيره من الْأَسْمَاء وَقَول أَبى الْعَلَاء إِن فى النَّاس جمَاعَة يعرفونه بهَارُون لَا يلْزم أَبَا الطّيب وَإِنَّمَا يلْزمه لَو كَانَ قَالَ فَغَدَوْت وَأَنت غير مشارك فى اسْمك فَلم يفرق أَبُو الْعَلَاء بَين أَن يُقَال اسْمك غير مشارك فِيهِ وَبَين أَن يُقَال أَنْت غير مشارك فى اسْمك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن اسْمك انْفَرد بك دون الْأَسْمَاء وَلم يرد أَنَّك انْفَرَدت بِاسْمِك دون النَّاس واللفظان متضادان
(1/28)

- الْغَرِيب اللفاء الحقير الخسيس وَقيل هُوَ الذى دون الْحق الْمَعْنى يَقُول عَم برك فامتلأت المدن وشاع ذكرك حَتَّى مَلأ الْبِلَاد فَلَا مَوضِع إِلَّا وَفِيه مَوْجُود ذكرك وبرك وفت أى سبقت ثَنَاء المثنين عَلَيْك حَتَّى إِنَّه على كثرته لفاء أى حقير دون مَا تستحقه وَهَذَا الْبَيْت يُسمى مصرعا لِأَنَّهُ أَتَى بالقافية فِي وَسطه كَمَا يفعل فى أول القصائد
37 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك قد بلغت فِي الْجُود أقْصَى غَايَته وَطلبت شَيْئا آخر وَرَاءه فَلم تَجِد فكدت تحول أى ترجع عَن آخِره لما انْتَهَيْت فِيهِ إِذْ لَيْسَ من شَأْنك أَن تقف فِي الْكَرم على غَايَة بعد بلوغك غَايَته وَقَوله للمنتهى أى من أجل الْمُنْتَهى وَهُوَ مصدر كالانتهاء وأكد الْمَعْنى بقوله وَمن السرُور بكاء فَهَذَا من أحسن الْكَلَام أى إِذا تناهى الْإِنْسَان فى الْجُود كَاد أَن يعود إِلَى الْبُخْل وَقَوله كَاد يُفِيد أَنه لم يُطلق عَلَيْهِ الْبُخْل
38 - الْإِعْرَاب مِنْك يتَعَلَّق بيعرف وَيجوز أَن يتَعَلَّق ببدئه وَيجوز أَن يكون صفة لشئ ويقبح تعلقه بأبدأت لِاسْتِحَالَة الْمَعْنى الْمَعْنى يَقُول ابتدأت من الْكَرم بشئ لم يعرف ابتداؤه إِلَّا مِنْك لعظم مَا أتيت بِهِ ثمَّ أتبعت ذَلِك من الزِّيَادَة فِيهِ مَا غطى على الأول لِأَنَّك فى كل وَقت تحدث فَنًّا من الْكَرم ينسى بِهِ الأول
39 - الْإِعْرَاب برَاء أى برِئ يَقع على الْجمع وَالْوَاحد والمؤنث والمذكر والاثنين قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ} الْغَرِيب نكب ينكب نكوبا إِذا عدل عَن الطَّرِيق ونكب ينكب على قومه نكابة إِذا كَانَ منكبا لَهُم يعتمدون عَلَيْهِ وَأَرَادَ بناكب أى عَادل الْمَعْنى يَقُول إِن الْفَخر قد أركبك ذروته وأعطاك غَايَته فَلم يقصر بك الْفَخر عَن غَايَته قد أَعْطَاك مقادته وَالْمجد برِئ من أَن يستزيدك لِأَنَّك فِي الْغَايَة مِنْهُ وَالتَّاء فِي تستزاد للمخاطب
(1/29)

- الْغَرِيب وشت نمت ودلت والآلاء النعم والعطايا وَاحِدهَا ألى بِالْفَتْح وَقد تكسر كمعى وأمعاء وَمن فتح كقتب وأقتاب الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تحب نغم السَّائِلين فتحب أَن تسْأَل لَا لِأَنَّك تحوجهم إِلَى السُّؤَال بل لأجل أَن تعرف تَفْصِيل حوائج السَّائِلين أَو تشرفا بسؤالك كَمَا قَالَ حبيب
(مَا زِلْتُ مُنْتَظِراً أعْجوبَةً زَمَنا ... حَتَّى رأيْتُ سُؤَالا يجْتَبى شَرفَا)
وَإِذا حجبت عَن أبصار النَّاس دلّت عَلَيْك صنائعك ونعمك كَمَا قَالَ
(مَنْ كانَ نور جَبِينِه ونَوَالُهُ ... لم يُحْجبا لم يَحْتَجب عَن ناظِرِ)
وَكَقَوْلِه
(مَن كانَ فَوْقَ مَحلْ الشَّمسِ موْضِعُه ... فلَيْسَ يَرْفَعُهُ شَىْءٌ وَلا يَضَعُ)

41 - الْمَعْنى يَقُول بلغت من الرّفْعَة غَايَة لَا يزيدها مدح مادح علوا وَإِنَّمَا تمدح لتجيز المداح وليعد الشَّاعِر فِي جملَة مداحك كالشاكر لله تَعَالَى يثنى عَلَيْهِ ليستحق أجرا ومثوبة لَا أَن الله تَعَالَى مُحْتَاج إِلَى ثنائه
42 - الْغَرِيب الدأماه على وزن فعلاء الْبَحْر قَالَ الأفوه الأودى
(واللّيْلُ كالدَّأْماء مُسْتَشْعِرٌ ... مِنْ دُونه لوْنا كلَوْن السُّدوُس)
والجدب ضد الخصب وَهُوَ الْمحل الْمَعْنى يَقُول الْبَحْر على كَثْرَة مَائه يمطر وَمَا هُوَ بمحتاج إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ الخصيب يمطر وَلَيْسَ هُوَ بمحتاج إِلَيْهِ فَأَنت لست تمطر لإجداب محلك والدأماء مؤنث فَمن روى تمطر بِالتَّاءِ فَهُوَ // حسن //
43 - الْغَرِيب السَّحَاب مَا يحمل مَاء الْمَطَر وَجمعه سحب وسحائب وَقد جَاءَ فِي الْكتاب الْعَزِيز السَّحَاب بِمَعْنى الْجمع قَالَ الله تَعَالَى {حَتَّى إِذا أقلت سحابا ثقالا} يُرِيد جمع سَحَابَة الضَّمِير فى قَوْله سقناه رَاجع إِلَى مَاء السَّحَاب أَو إِلَى الْقطر والمطر وَإِن كَانَا غير مذكورين وَكَقَوْلِه تَعَالَى {فأثرن بِهِ نقعا} يُرِيد بِهِ الوادى وَلم يجر لَهُ ذكر والرحضاء عرق الْحمى الْمَعْنى يَقُول السحابة لم تحك نائلك لِأَنَّهَا لَا تقدر على ذَلِك لِكَثْرَة عطائك المتتابع فَإِنَّهُ أَكثر من مَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ عرق حماها لحسدها لَك فأورثها الْحمى فَمَا ترى من مَائِهَا فَإِنَّهَا لَو عرق حماها حسدا لَك فالذى ينصب من مطرها هُوَ من عرق حماها وَهُوَ أبلغ من قَول أَبى نواس
(إنَّ السَّحابَ لتَسْتَحي إِذا نَظَرَتْ ... إِلَى نَداك فَقاسَته بِمَا فِيها)
والصبيب هُوَ المصبوب يعْنى مطرها المصبوب
(1/30)

- الْمَعْنى يُرِيد لَا حَاجَة إِلَى الشَّمْس مَعَ ضيائك ونورك وَلكنهَا لوقاحتها تطلع عَلَيْك
45 - الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى هَذَا اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار والتعجب وَمَا صلَة بتعجب من بُلُوغه من الْعلَا حَيْثُ لم يبلغهُ أحد مِنْهَا وَإِلَى مُتَعَلق بسعيت وَاللَّام مُتَعَلقَة بحذاء الْمَعْنى يُرِيد الدُّعَاء لَهُ بِأَن يكون الْهلَال نعلا لأخصميه وهما اللهزمتان اللَّتَان تَحت الْقدَم وَالْمعْنَى إِن قدما سعى بهَا إِلَى هَذَا الْمبلغ اسْتحق أَن يكون الْهلَال نعلا لَهَا والأدم جمع أَدِيم وَهُوَ ظَاهر كل شئ والحذاء نعل
46 - الْمَعْنى ليهلك الزَّمَان دون هلكك وليمت الْحمام وَهُوَ الْمَوْت دون موتك وَهَذَا مُبَالغَة فِي الدُّعَاء
47 - الْغَرِيب اللذ لُغَة فِي الذى وَيُرِيد لَو لم تكن من هَذَا الورى الذى كَأَنَّهُ مِنْك لِأَنَّك جماله وشرفه وَأَنت أفضل أَهله لكَانَتْ حَوَّاء فى حكم الْعَقِيم الَّتِى لم تَلد وَلكنهَا صَارَت ذَات ولد بك وَلَوْلَا أَنْت لَكَانَ وَلَدهَا كلا ولد قَالَ بَعضهم نصف الْبَيْت بهى النّظم وَنصفه ردئ
(1/31)

- 1 - الْمَعْنى يَقُول أى شئ يَقُول هَذَا المغنى وَهُوَ اسْتِفْهَام تعجب أى لَا أدرى مَا يَقُول لِأَن قلبى وجوارحى مشتغلة بك وبالنظر إِلَى حسنك عَن حسن غناء هَذَا المغنى وَذَا وذى من أَسمَاء الْإِشَارَة وَإِنَّمَا أسقط مِنْهَا حرفى التَّنْبِيه
5

- 1 - الْمَعْنى يَقُول رسم التهانى إِنَّمَا يجرى بَين الْأَكفاء وَبَيْنك وَبَين من يتَقرَّب إِلَيْك من بعد وَقَوله يدنى من الدنو
2 - الْمَعْنى يُرِيد أَنا مِنْك أشاركك فى كل أحوالك أفرح بفرحك فَهَل رَأَيْت عضوا من جملَة يهنئ سَائِر الْأَعْضَاء وَلَا يكون ذَلِك لاشتراكه مَعهَا وَهَذِه عَادَة أَبى الطّيب يدعى المساهمة والكفاءة لنَفسِهِ ويشركها مَعَ الممدوحين فى كثير من الْمَوَاضِع وَلَيْسَ ذَلِك للشاعر وَإِنَّمَا كَانَ هُوَ يعمله إدلالا عَلَيْهِم
3 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ بدل هَذَا الْآجر وَهُوَ مَا يبْنى بِهِ النُّجُوم لَكُنْت أستقله فى حَقك لعلو قدرك وشرفك
4 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه عطف على الأول أى وَأَنا أستقل هَذَا وَلَو أَن المَاء من فضَّة وبخر من خرير المَاء قَوْله وَلَو أَن حرك السَّاكِن بِنَقْل حَرَكَة همزَة إِلَيْهِ وأسقطها وهى لُغَة جَيِّدَة وَقَرَأَ ورش عَن نَافِع فى كل سَاكن بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَيْهِ مَعَ إِسْقَاطهَا كَقَوْلِه وَمن آحسن وَمن آظلم وكبيت الحماسة
(فَمَنْ أنْتُمْ إنَّا نَسِينا مَنْ آنْتُمُ ... )
وَهَذَا كثير فى أشعار الْعَرَب
(1/32)

- ويروى بِمحل
6 - الْإِعْرَاب محلّة تَمْيِيز وَأَن فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقْدِيره من أَن تهنى بمَكَان مُتَعَلق بِالْمَصْدَرِ الْمُقدر والظرفان متعلقان بالاستقرار الْمَعْنى يَقُول أَنْت أَعلَى قدرا من أَن تهنى بمَكَان والبلاد كلهَا وَالنَّاس ملك لَك وَلَك مُتَعَلق بِملك الْمُقدر أى وَلَك كل مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وهما الغبراء والخضراء فالغبراء الأَرْض والخضراء السَّمَاء وَمِنْه الحَدِيث " مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أَبى ذَر "
7 - الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا نزهتك الْخَيل والرماح والسمهرية منسوبة إِلَى سمهر رجل من الْعَرَب وَامْرَأَته ردينة وَقَالَ قوم جعل القنا على الْخَيل كالحمل على الشّجر فَلهَذَا قَالَ بساتينك يُرِيد هَذِه نزهتك لَا غَيرهَا والسمهر فِي اللُّغَة الشَّديد اسمهر الرجل إِذا كَانَ شَدِيدا فِي أمره
8 - الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ يتَعَلَّق بيفخر وَقَوله يفخر خُرُوج من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة كَقَوْلِه تَعَالَى {حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم} وَمن الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب كَقَوْلِه تَعَالَى فى قِرَاءَة ابْن كثير وأبى عَمْرو {تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم مَا لم تعلمُوا} وَهَذَا كثير الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا فخره بِمَا يبتنى من العلياء لَا بِمَا يبتنى من الدّور والطين كَمَا قَالَ
(بَنَى البُناةُ لَنا مَجْداً ومَكْرُمَةً ... لَا كالْبِناءِ مِنَ الآجُرِّ والطِّينِ)
والعلياء إِذا ضمت الْعين قصرت وَإِذا فتحت مدت
9 - الْإِعْرَاب وبأيامه مَعْطُوف على قَوْله بِمَا يبتنى أى ويفخر بأيامه الَّتِى مَضَت لما كَانَ فِيهَا من المفتوح وَقتل الْأَعْدَاء وَمَا دَاره أى وَلَيْسَ دَاره الْمَعْنى يُرِيد أَن أَبَا الْمسك أى هَذَا الممدوح إِنَّمَا يفخر بالمعالى وبأيامه الْمَعْرُوفَة فِي النَّاس بقتل الأعادى وَلم يكن لَهُ فى هَذِه الْأَيَّام دَار سوى الْحَرْب فِي المعركة وملاقاة الْأَبْطَال
(1/33)

- الْإِعْرَاب عطف على مَا قبله أى ويفخر بمسك وبالمسك خبر لَيْسَ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْمسك الذى يكنى بِهِ هُوَ الْمسك الْمَعْرُوف وَإِنَّمَا هُوَ طيب الثَّنَاء فَهُوَ كِنَايَة عَن طيب الثَّنَاء وَالذكر الْجَمِيل الْحسن والأريج الطّيب فَهُوَ يفخر بِمَا يشنى عَلَيْهِ من الثَّنَاء الْحسن لَا بِمَا يبتنى من الْبناء
12 - الْغَرِيب الرِّيف هُوَ الْمَكَان الخصب الْكثير الخضرة وَالْجمع أرياف وأريفت الْمَاشِيَة أى رعت الرِّيف وأريفنا صرنا إِلَى الرِّيف وَأَرْض ريفة بِالتَّشْدِيدِ كَثِيرَة الخضرة وطباه واطباه إِذا دَعَاهُ واستماله قَالَ كثير
(لَهُ نَعَلٌ لَا يَطًّبى الكَلْبَ رِيحُها ... وإنْ خُلِّيَتْ فِي مجْلِسِ القَوْمِ شُمَّتِ)
يُرِيد أَنَّهَا من جلد مدبوغ طيب الرَّائِحَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يفخر بِمَا يبتنى فى الحواضر والأرياف وَلَا بالمسك الذى يستميل قُلُوب النِّسَاء إِنَّمَا فخره بِمَا يبتنى من العلياء وَبِمَا أثرت صوارمه الْبيض فى الحروب فى جماجم أعدائه وبالمسك الذى هُوَ طيب الثَّنَاء لَهُ عِنْد النَّاس فَهُوَ يفخر بِهِ لَا بِغَيْرِهِ
13 - الْغَرِيب السنا الْمَقْصُور هُوَ الضياء والنور والممدود الْعُلُوّ والرفعة الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الدَّار لما نزلتها نزلت مِنْك فِيمَن هُوَ أحسن مِنْهَا رفْعَة وضُوءًا يُرِيد أَن الدَّار تشرفت وتزينت بك لما نزلتها
15 - الْغَرِيب ذرت الشَّمْس أى بَدَت أول مَا تطلع الْمَعْنى يُرِيد أَنه فى سوَاده مشرق فَهُوَ بإشراقه فى سوَاده يفضح الشَّمْس ويحوز أَن يُرِيد شهرته وَأَنه أشهر من الشَّمْس ذكرا أَو يرد نقاءه من الْعُيُوب والإنارة تعود إِلَى أحد هَذِه الْمَعْنيين أَو يُرِيد بالإنارة الشُّهْرَة لِأَن الْمَشْهُور مُنِير وَقيل للمشهور مُنِير وَإِن لم يكن ثمَّ إنارة وَكَذَلِكَ الْمُنِير نقى من الدَّرن فَقيل للنقى من الْعُيُوب مُنِير وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فى الْبَيْت الذى يَلِيهِ
(1/34)

- الْإِعْرَاب الذى وصلته فى مَوضِع جر صفة للثوب وارتفع الْمجد بِالِابْتِدَاءِ والظرف خَبره وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِالْفِعْلِ الْمَعْنى أخبر أَنه أَرَادَ بإنارته ضِيَاء الْمجد وشهرته ونقاءه مِمَّا يعاب بِهِ وَأَن ذَاك الضياء أتم من كل ضِيَاء
17 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا الْجلد ملبس يلْبسهُ الْإِنْسَان كَالثَّوْبِ والقباء وَلِأَن تكون النَّفس بَيْضَاء نقية من الْعُيُوب خير من أَن يكون الملبس أَبيض
18 - الْإِعْرَاب كرم ابْتِدَاء خَبره مَحْذُوف مقدم عَلَيْهِ تَقْدِيره لَك كرم وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ وحروف الْجَرّ الظروف مُتَعَلقَة بالاستقرار الْمَعْنى لَك كرم فى شجاعة يُرِيد أَنَّك كريم شُجَاع ذكى الطَّبْع بهى المنظر ذُو قدرَة على مَا تُرِيدُ واف بالعهد والموعد وَالْقَوْل فَجمع لَهُ هَذِه الْخِصَال الشَّرِيفَة
19 - الْغَرِيب السحناء الْهَيْئَة يُقَال رَأَيْته وَعَلِيهِ سحناء السّفر الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك الْبيض الألوان يتمنون أَن يبدلوا ألوانهم بلونك وَأَن تكون هيئتهم كهيئتك ثمَّ قَالَ من يكفل لَهُم بِهَذِهِ الأمنية ثمَّ ذكر لم تمنوا ذَلِك فَقَالَ فى الْبَيْت الذى بعده
20 - الْغَرِيب يُقَال عين وعيون وأعين هَذَا فى أَكثر الْكَلَام وَقد جَاءَ أَعْيَان وَهُوَ قَلِيل فَيكون كقيل وأقيال وطير وأطيار الْمَعْنى يَقُول تمنوا هَذَا ليراهم أهل الْحَرْب بالعيون الَّتِى يرونك بهَا وَذَلِكَ أَن الْأسود مهيب فى الْحَرْب لَا يظْهر عَلَيْهِ أثر الْخَوْف فيرتاع أعداؤه مِنْهُ إِذا لَقِيَهُمْ وَيجوز أَن يُرِيد ترتاع الْأَعْدَاء إِذا رَأَوْهُ فى صورته
(1/35)

- الْغَرِيب المفارز جمع مفازة وَأَصلهَا من الْهَلَاك وَمن قَوْلهم فَازَ الرجل إِذا مَاتَ وَلما ضرب عبد الرَّحْمَن بن ملجم عليا عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فزت وَرب الْكَعْبَة فَيحْتَمل مت وَيحْتَمل فزت بِالشَّهَادَةِ وَسميت الْمَفَازَة على سَبِيل الفأل بالسلامة كَمَا قيل للديغ سليم الْمَعْنى يذكر طول الطَّرِيق إِلَيْهِ وَأَن ذَلِك أفنى مركوبه وزاده وَأَنه أَتَاهُ من مَسَافَة بعيدَة
23 - الْغَرِيب الرواء المنظر والشارة وَهُوَ غير مَهْمُوز الْمَعْنى يُرِيد مرنى بِمَا تُرِيدُ فإنى كُفْء للأسد شجاعة وَإِن كنت آدمى الصُّورَة فقلبى قلب أَسد وَقيل كَانَ أَبُو الطّيب يعرض لكافور فى مدحه بِأَن يوليه ولَايَة وَلم يفعل كافور
24 - وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يطْلب أَن يلى لَهُ عملا فَإِنَّهُ يُرِيد إِن كَانَ فى زى شَاعِر فَإِنَّهُ لَهُ قلب الْمُلُوك وعزمهم ورأيهم وشجاعتهم
6

- 1 - الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذَا السَّيْف المرهف وَهُوَ الذى رقت شفاره مدهش الصيقل بجوهره وَهُوَ آلَة كل طاغ عَاتٍ وَقَوله وَلَك السابقات يُرِيد الأيادى السابقات إِلَى بصنائع السيوف
7

- 1 - الْغَرِيب الخيز لى مشْيَة فِيهَا استرخاء من مشْيَة النِّسَاء قَالَ الفرزدق
(قُطُوفُ الخُطا تمشى الضُّحى مُرْجَحِنَّةً ... وتمشِى العشاءَ الخَيزَلى رِخْوَةَ اليَدِ)
والهيدبى مشْيَة فِيهَا سرعَة من مَشى الْإِبِل وَهُوَ من قَوْلهم أهدب الظليم إِذا أسْرع الْمَعْنى يُرِيد فدت كل امْرَأَة تمشى الخيزلى كل نَاقَة تمشى الهيد بى يُرِيد أَنه لَيْسَ من أهل الْغَزل وَلَا يمِيل إِلَى النِّسَاء وَإِنَّمَا هُوَ من أهل السّفر يجب مَشى الْجمال كَقَوْل حبيب
(يَرَى بالكَعابِ الرُّودِ طَلْعَةَ ثائِرٍ ... وبالعِرْمِسِ الوَجْناءِ غُرَّةَ آيِبِ)
وَقَالَ قوم يُقَال الخيز لى والخوزلى والخوزرى والخيزرى وهى مشْيَة فِيهَا تفكك والهيدبى بِالدَّال والذال هُوَ من مَشى الْخَيل والفدا إِذا كَانَ مكسورا جَازَ فِيهِ الْقصر وَالْمدّ وَإِذا كَانَ مَفْتُوحًا قصر وَكَذَلِكَ سوى إِذا فتح مد وَإِن ضم قصر لَا غير وَإِن كسر جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ
(1/36)

- الْإِعْرَاب وكل بالخفض عطفا على الذى قبله من قَوْله فدا كل الْغَرِيب النجَاة يُرِيد النَّاجِية الَّتِى تنجى صَاحبهَا وهى النَّاقة السريعة وبجاوية منسوبة إِلَى بجاوة وهى قَبيلَة من البربر ينْسب إِلَيْهَا النوق البجاويات قَالَ الطرماح
(بُجاويًّةٌ لم تَسْتَدِرْ حَوْلَ مَسْبَرٍ ... وَلم يتَخَوون درّها ضَبُّ آفِن) والنجاة اسْم مُخْتَصّ بِالْأُنْثَى دون الذّكر وَقَوله خنوف يُقَال خنف الْبَعِير يخنف خنافا إِذا سَار فَقلب خف يَده إِلَى وحشيه وناقة خنوف قَالَ الْأَعْشَى
(أجَدَّتْ بِرجْلَيْها النَّجاءَ ورَاجَعَتْ ... يَدَاها خِنافا ليِّنا غَيْر أحْرَدَا)
وَقَالَ الجوهرى خنف الْبَعِير يخنف خنافا إِذا لوى أَنفه من الزِّمَام قَالَ وَمِنْه قَول أَبى وجزة السعدى
(قد قُلْتُ والعيسُ النَّجائب تَغْتَلى ... بالقَوْمِ عاصفَةً خَوَانفَ فى البُرَى)
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الخناف يكون فى الْعُنُق يمليه إِذا مد بزمامها والخانف الذى يشمخ بِأَنْفِهِ من الْكبر يُقَال رَأَيْته خانفا عَنى بِأَنْفِهِ والمشى جمع مشْيَة كسدرة وَسدر الْمَعْنى يَقُول لَا أحب مَشى النِّسَاء وَلَا لى إلَيْهِنَّ ميل وَإِنَّمَا أحب كل نَاقَة سريعة السّير والمشى هَذِه صفتهَا وَإِنَّمَا قَالَ بجاوية خصهم لأَنهم يتطاردون على النوق فى الحروب وَغَيرهَا وَكَانَت النوق تنعطف مَعَهم كَيْفَمَا أَرَادوا فَإِذا وَقعت الحربة فى رمية عطف النَّاقة إِلَيْهَا فَأَخذهَا وَإِن وَقعت فى غير رمية عطفها إِلَيْهَا فَأَخذهَا فَكَانَت نوقهم تنعطف مَعَهم حَيْثُ أَرَادوا فَلهَذَا خصهم
(1/37)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه النوق توصل إِلَى الْحَيَاة وتكيد الْأَعْدَاء وتدفع الْأَذَى أى تزيله لِأَنَّهَا تخرجك من المهالك إِلَى النجَاة فبهن تكَاد الْأَعْدَاء وَيدْفَع شرهم
4 - الْغَرِيب التيه الأَرْض الْبَعِيدَة الَّتِى يتاه فِيهَا لبعدها وَهُوَ هُنَا تيه بنى إِسْرَائِيل وَهُوَ الذى بَين القلزم وأيلة وَيُسمى أَيْضا بطن نخل وَعَلِيهِ أَخذ لما هرب من مصر إِلَى الْعرَاق الْمَعْنى سلكت بِهَذِهِ النَّاقة هَذِه المسالك المخوفة إِمَّا للنجاة وَإِمَّا للمخاف إِمَّا أَن أفوز وأنجو وَإِمَّا أَن أهلك فَأَسْتَرِيح وَالْإِشَارَة إِلَى الْفَوْز والهلاك
5 - الْمَعْنى إِذا فزعت هَذِه النَّاقة تقدمتها الْخَيل الْجِيَاد لأَنهم كَانُوا يجنبون الْخَيل ويركبون الْإِبِل وَإِذا لَا قوا الْأَعْدَاء ركبُوا الْخَيل وَنسب الْفَزع إِلَيْهَا على حذف الْمُضَاف أى فزع راكبها وَقَوله
(بِيض السيوف وَسمر القنا ... )
من الْمُقَابلَة الجيدة يُرِيد الدّفع عَنْهَا بِهَذِهِ السيوف والرماح
6 - الْمَعْنى يُرِيد مرت هَذِه الْإِبِل بنحل وَهُوَ مَاء مَعْرُوف وفى ركبهَا يعْنى ركبانها يُرِيد نَفسه وَأَصْحَابه عَن هَذَا المَاء وَعَن كل من فى الدُّنْيَا غنى لأَنهم اكتفوا بِمَا عِنْدهم من الْجلد والحزامة عَن المَاء وَعَن غَيره
7 - الْإِعْرَاب وادى مفعول تخيرنا وَإِنَّمَا أسكن الْيَاء من الوادى ضَرُورَة وَيجوز أَن يكون بَدَلا من النقاب وَيجوز أَن يكون أسكن على الْموضع فَلَا ضَرُورَة يُرِيد تخيرنا بوادى الْقرى ووادى الْمِيَاه كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(مُعَاوِىَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ ... فَلَسْنا بالجِبالِ وَلا الحَدِيداّ)
فنصب الْحَدِيد على مَوضِع الْجبَال قبل دُخُول الْبَاء وَمثله قِرَاءَة الْقُرَّاء السِّتَّة سوى الْكسَائي مَا لكم من إِلَه غَيره على مَوضِع إِلَه قبل دُخُول حرف الْجَرّ الْمَعْنى إِنَّا لما وصلنا هَذَا الْموضع رَأينَا عِنْده طَرِيقين طَرِيقا إِلَى وادى الْقرى وطريقا إِلَى وادى الْمِيَاه قَدرنَا السّير إِلَى أَحدهمَا فَجعل هَذَا التَّقْدِير كالتخيير من الْإِبِل كَأَن الْإِبِل خيرتهم إِن شِئْتُم سلكتم هَذَا وَإِن شِئْتُم هَذَا وَهَذَا على الْمجَاز والاتساع وَقيل فى التَّخْيِير تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا أَن الهوادي من الْخَيل وَالْإِبِل إِذا وصلت مفرق طَرِيقين تلْتَفت إِلَيْهِمَا لتؤذن بالحث على سلوك إِحْدَاهمَا وَهَذَا كَأَنَّهُ تَخْيِير والثانى أَنه على سَبِيل الْمجَاز كَمَا قَالَ
(يشْكُو إلىَّ جَمَلِى طُولَ السُّرَى ... )
لم يرد حَقِيقَة الشكوى وَإِنَّمَا أَرَادَ صَار إِلَى حَال يشتكى من مثلهَا
(1/38)

- الْإِعْرَاب أَيْن اسْم مبْنى على الْفَتْح وَهُوَ للاستفهام على الْمَوَاضِع وتربان اسْم معرفَة معدول فَلهَذَا لَا ينْصَرف وَقَوله هَا حرف إِشَارَة يُرِيد قَالَت هَا هى هَذِه الأَرْض فَحذف الْجُمْلَة وَأبقى الْحَرْف الذى هُوَ دَال عَلَيْهَا الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى قُلْنَا لِلْإِبِلِ وَنحن بِهَذِهِ الأَرْض الْمُسَمَّاة بتربان وهى من أَرض الْعرَاق فَقَالَت هَا هى هَذِه وَهَذَا كُله مجَاز كالذى قبله
9 - الْإِعْرَاب الْفَاعِل مُضْمر فى هبت يُرِيد الْإِبِل وهبوب ومهب منصوبان على الْمصدر وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بهبت ومستقبلات حَال من الْإِبِل
الْمَعْنى يُرِيد أَنه وَجههَا فِي السّير من الْمغرب إِلَى الْمشرق لِأَن الدبور تهب من جَانب الغرب وَالصبَا من جَانب الشرق وهبوب الْإِبِل هُوَ نشاطها فِي السّير وحسمى مَوضِع فِيهِ مَاء من مَاء الطوفان وَكَانَ المتنبى يصفه بالطيب وَيَقُول هُوَ أطيب بِلَاد الله وَشبه العيس بِالرِّيحِ اسْتِعَارَة لِأَنَّهَا أَقبلت من الْمغرب إِلَى الْمشرق كَمَا يُقَابل الدبور الصِّبَا لِأَن الدبور تهب من الغرب وَالصبَا تقَابلهَا من مطلع الشَّمْس
10 - الْإِعْرَاب روامى حَال وأسكن الْيَاء ضَرُورَة وَهُوَ كثير فى أشعار الْعَرَب وَمِنْه بَيت الحماسة
(أَلا لَا أرَى وَادى المِياه يَثِيبُ ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْإِبِل قواصد هَذِه الْمَوَاضِع وَيَقُول وادى الغضى جَار للبويرة يقربهَا فَهَذِهِ النوق روام بأنفسها هَذِه الْمَوَاضِع
(1/39)

- الْغَرِيب الجوب الْقطع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد} الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْإِبِل قطعت هَذَا الْمَكَان كَمَا يقطع الرِّدَاء وَيُرِيد أَن بسيطة بعيدَة من الْإِنْس لِاجْتِمَاع الْوَحْش بهَا وهى مَكَان مَعْرُوف لَا يدخلهَا ألف وَلَام وَرُبمَا سلكها الْحجَّاج وبسيطة أَيْضا مَوضِع بَين الْكُوفَة وَمَكَّة من أَرض نجد قَالَ الراجز
(إنَّكِ أنْتِ يَا بُسَيْطَةُ الَّتِى ... أنذَرْنِيكِ فى الطَّرِيقِ إخَوَتى)

12 - الْغَرِيب عقدَة الْجوف مَكَان مَعْرُوف وَمَاء الجراوى منهل وَهُوَ الذى ذكره الشَّاعِر
(أَلا لَا أرَى مَاء الجُرَاوِىِّ شافِيا ... صَداىَ وَإنْ رَوَّى غَلِيلَ الرَّكائِب)

الْمَعْنى يَقُول قطعت بسيطة إِلَى هَذِه الْمَوَاضِع حَتَّى شفت عطشا بِهِ
13 - الْمَعْنى يَقُول إِن صور هُوَ مالاح لَهَا مَعَ الصَّباح وَظهر لَهَا شغور مَعَ الضُّحَى وَهُوَ مَوضِع بالعراق تَقول الْعَرَب إِذا وَردت شغورا فقد أعرقت وَقَالَ أَبُو عمر الجرمى إِنَّمَا هُوَ صورى وَيجوز الرّفْع وَالنّصب فى الصَّباح وَالضُّحَى فالرفع عطف على صور وَالنّصب مفعول مَعَه والشغور مُشْتَقّ من قَوْلهم بِلَاد شاغرة إِذا لم يكن لَهَا من يحميها
14 - الْغَرِيب الدئداء والدأدأإة سير أرفع من الخبب ومسى أَتَاهَا مسَاء الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا أَتَت هَذَا الْموضع الجميعى وَقت الْمسَاء وَأَتَتْ الأضارع وَقت الْغَدَاة والجمعى والدنا موضعان
15 - الْإِعْرَاب لَيْلًا نصب على التَّمْيِيز وأحم وخفى صفتان لليلا الْغَرِيب أعكش مَوضِع مَعْرُوف وأحم أسود والصوى أَعْلَام تبنى على الطَّرِيق ليهتدى بهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه متعجب من ليل شَدِيد الظلمَة على هَذَا الْمَكَان حَتَّى اسودت الْبِلَاد وخفيت الْأَعْلَام من سَواد هَذَا اللَّيْل
(1/40)

- الْغَرِيب الرهيمة مَوضِع بِقرب الْكُوفَة قَالَ ابْن جنى يُرِيد بالجوز هَهُنَا صدر اللَّيْل لقَوْله وَبَاقِيه أَكثر وَإِذا كَانَ الباقى أَكثر من الماضى كَانَ الْجَوْز صدر اللَّيْل وَصدر اللَّيْل لَا يُسمى جوز اللَّيْل قَالَ القاضى أَبُو الْحسن أَخطَأ أَبُو الطّيب لما قَالَ فى جوزه ثمَّ قَالَ وَبَاقِيه أَكثر كَيفَ يكون بَاقِيه أَكثر وَقد قَالَ فى جوزه وَقَالَ ابْن فورجة هَذَا خطأ ولحن من القاضى لِأَن الْهَاء فى جوزه لَيست لِليْل وَإِنَّمَا هى لأعكش وَهُوَ مَوضِع وَاسع والرهيمة مَاء وسط أعكش // وَالْكَلَام صَحِيح // انْتهى كَلَامه الْمَعْنى وردنا هَذَا الْمَكَان وسط هَذَا الْمَكَان وَمَا بقى من اللَّيْل أَكْثَرهَا مِمَّا مضى وَقَالَ بَعضهم الرهيمة قَرْيَة عِنْد الْكُوفَة وَهُوَ الصَّحِيح لأنى رَأَيْت بِالْكُوفَةِ جمَاعَة ينسبون إِلَيْهَا وَلكنهَا خربَتْ فى الْأَرْبَع مئة وَقَالَ الْخَطِيب بعض من لَا علم لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ يظنّ أَن هَذَا الْبَيْت مُسْتَحِيل لِأَنَّهُ يُوهم أَنه لما ذكر الْجَوْز وَجب أَن تكون الْقِسْمَة عادلة فى النصفين وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَلكنه جعل ثلث اللَّيْل الثانى كالوسط وَهُوَ الْجَوْز ثمَّ قَالَ وَبَاقِيه كَأَنَّهُ ورد وَالثلث الثانى الذى كالوسط وَهُوَ الْجَوْز قد مضى ربعه وبقى ثَلَاثَة أَرْبَاعه وَأكْثر وَهَذَا أبين وأوضح وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فى بَاقِيه لِليْل أَو للجوز
17 - الْمَعْنى يَقُول لما نزلنَا الْكُوفَة وأنخنا رِكَابنَا وركزنا الرماح كعادة من يتْرك السّفر كَانَت رماحنا مركوزة فَوق مكارمنا وعلانا لما فعلنَا من فِرَاق الْأسود وقتال من قَتَلْنَاهُ فى الطَّرِيق وظفرنا بِمن عَادَانَا فَكل هَذَا مِمَّا يدل على المكارم والعلا فظفرت مكارمنا بِمَا فعلنَا فكأنا نزلنَا على المكارم والعلا
18 - الْمَعْنى ثبنا رَجعْنَا نقبل أسيافنا لِأَنَّهَا أخرجتنا من بِلَاد الْأَعْدَاء ونجتنا من المهالك فحقها أَن تقبل وترفع فَوق الرُّءُوس
19 - الْمَعْنى يُرِيد لتعلم أهل مصر فَحذف الْمُضَاف والعواصم من حلب إِلَى حماة والفتى الرجل الْكَامِل القوى
(1/41)

- الْمَعْنى إنى وفيت لسيف الدولة وأبيت ضيم كافور وَلم أذلّ لمن عصانى
21 - الْغَرِيب سيم من السّوم يُقَال فلَان يسوم فلَانا الذل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يسومونكم سوء الْعَذَاب} الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل قَائِل وافيا وَلَيْسَ كل من كلف ضيما يأباه وَقيل سيم أَكْثَره والخسف الضيم والذل
22 - الْمَعْنى يُرِيد أَن آلَته الْعقل والرأى وَمَا فِيهِ من السجايا الْكَرِيمَة ويصدع صم الصَّفَا يشق الْحِجَارَة القوية وَينفذ فِيهَا
23 - الْغَرِيب التوى الْهَلَاك وَأَصله هَلَاك المَال يُقَال توى المَال إِذا هلك الْمَعْنى يُرِيد من كَانَ لَهُ قلب فى الشجَاعَة وَصِحَّة الْعَزِيمَة كقلبى يشق قلب الْهَلَاك ويخوض شدائده حَتَّى يصل إِلَى الْعِزّ واستعار للقوي قلبا ليقابل بَين قلبه وقلب التوى وَهُوَ مُقَابلَة حَسَنَة واستعارة جَيِّدَة
24 - الْمَعْنى يَقُول كل وَاحِد فى الطَّرِيق الذى يَأْتِيهِ خطاه على قدر رجله فَإِذا طَالَتْ رجله اتسعت خطاه وَهَذَا مثل يُرِيد أَن كل وَاحِد يعْمل على قدر وَسعه وطاقته وَهَذَا كَقَوْلِه
(على قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأتى العَزَائمُ ... )
وَإِنَّمَا خص الرجل من بَين الْأَعْضَاء لذكره الخطا إِذْ بهَا تقع الخطوة وَأَرَادَ صَاحب الرجل وَالْمعْنَى على قدر همة الطَّالِب يكون سَعْيه
25 - الْمَعْنى يُرِيد بالخويدم كافور والعامة تسمى الخصى خَادِمًا وكل من خدم فَهُوَ مُسْتَحقّ لهَذَا الِاسْم فحلا كَانَ أَو خَصيا وَلَكنهُمْ لما رَأَوْا الخصى نَاقِصا عَن رُتْبَة الْفَحْل قصروه على هَذَا الِاسْم لِأَنَّهُ لَا يصلح لغير الْخدمَة يَقُول غفل الخويدم عَن ليلنا الذى خرجنَا فِيهِ من عِنْده وَكَانَ قبل ذَلِك نَائِما غَفلَة وعمى وَلم يكن نَائِما كرى كَمَا قَالَ الآخر
(وخَبَّرَنَى البَوَّابُ أنَّكَ نائمٌ ... وَأَنت إِذا استَيْقَظْتَ أَيْضا فَنائمُ)
(1/42)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه حِين كَانَ قَرِيبا مِنْهُ كَانَ بَينهمَا بعد من جَهله لِأَن الْجَاهِل لَا يزاداد علما بالشئ وَإِن قرب مِنْهُ
28 - الْغَرِيب والنهى جمع نهية وهى الْعُقُول لِأَنَّهَا تنْهى عَن الْقبْح والنهى بِكَسْر النُّون الغدير الْمَعْنى يَقُول كنت أَحسب قبل رُؤْيَة كافور أَن مقرّ الْعقل الدِّمَاغ فَلَمَّا رَأَيْت قلَّة عقله قلت الْعقل فى الخصية لِأَنَّهُ لما خصى ذهب عقله فَعلمت حِينَئِذٍ أَن الْعُقُول فى الخصى
29 - يتعجب مِمَّا رأى بِمصْر من الْعَجَائِب الَّتِى تضحك النَّاس الْعُقَلَاء ثمَّ قَالَ لَكِن ذَلِك الضحك كالبكاء لِأَنَّهُ فِيهِ الفضيحة
30 - الْمَعْنى يُرِيد بالنبطى السوادى وَهُوَ أَبُو الْفضل ابْن حنزابة وَزِير كافور وَقيل بل يُرِيد أَبَا بكر المادرانى النسابة يتعجب مِنْهُ يَقُول لَيْسَ هُوَ من الْعَرَب وَهُوَ يعلم النَّاس أَنْسَاب الْعَرَب
31 - الْمَعْنى يَقُول وبمصر أسود عَظِيم الشّفة يشنون عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ لَهُ أَنْت بدر الدجى والبدر يشْتَمل على النُّور وَالْجمال وَالْأسود الْقَبِيح الْخلقَة الْعَظِيم الشّفة كَيفَ يشبه الْبَدْر جعل لَهُ مشافر لغلظ شَفَتَيْه والمشافر تكون لذوات الْخُف وَإِذا وصف الرجل بالغلظ والجفاء جعلُوا لَهُ مشافر
32 - الْغَرِيب الكركدن هُوَ الْحمار الهندى وَقيل هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كرك وَهُوَ طَائِر عَظِيم وروى ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابى أَن الكركدن دَابَّة عَظِيمَة الْخلق تحمل الْفِيل على قرنها الْمَعْنى أَنه شبهه بالكركدن لعظم خلقه وَقلة مغناه وَالشعر الذى مدحته بِهِ هُوَ شعر من وَجه رقية من وَجه آخر لأنى كنت أرقيه بِهِ لأخذ مَاله يُرِيد أَنه كَانَ يسْتَخْرج مَاله بِنَوْع رقية وحيلة
(1/43)

- 33 - الْمَعْنى يَقُول لم يكن ذَلِك الشّعْر مدحا لَهُ وَلكنه فى الْحَقِيقَة كَانَ هجاء الْخلق كلهم حَيْثُ أحوجونى إِلَى مثله وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا كَانَت طباعه تنافى طباع النَّاس كلهم سفالا ثمَّ مدح فَذَلِك إرغام لَهُم وهجو لِأَن مدح من ينافى طباعهم هجو لَهُم
34 - الْمَعْنى يَقُول الْكفَّار قد ضلوا بأصنامهم وأحبوها فعبدوها من دون الله سفها وضلالة فَأَما أَن يضل أحد بِخلق يشبه زق ريح فَلم أر ذَلِك يعْنى أَنه بانتفاخ خلقه كزق ريح وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الضلال بِهِ حَتَّى يطاع وَيملك وَإِنَّمَا هَذَا يعجب مِمَّن يطيعه وينقاد لَهُ وَشبهه بالزق لسواده
36 - الْمَعْنى يَقُول من أعجب بِنَفسِهِ فَلم يعرف قدر نَفسه إعجابا وذهابا فى شَأْنه خفيت عَلَيْهِ عيوبه فَاسْتحْسن من نَفسه مَا يستقبحه غَيره
1 - الْمَعْنى يَقُول ذكرُوا أَن الْخيام فَوق الْأَمِير سيف الدولة فأبيت ذَلِك أَن أقبله لأنى لَا أسلم أَن شَيْئا فَوْقك وَهُوَ قَوْله
(وَمَا سلمت فَوْقك للثريا ... . . الْبَيْت ... )

2 - الْمَعْنى يَقُول لَا أسلم للثريا بِأَنَّهَا فَوْقك وَلَا للسماء فَكيف أسلم للخيام لِأَن رتبتك فَوق كل شئ فَلَا أسلم أَن شَيْئا فَوْقك فى الْقدر والرتبة
(1/44)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما خرج من الشَّام أوحشها فَكَأَنَّهُ سلبها ثوب الْجمال الذى كَانَ لَهَا بمقامه فِيهَا فَلَمَّا فَارقهَا فَارقهَا جمَالهَا وأنسها
4 - الْمَعْنى يُرِيد تتنفس أَنْت وَهَذِه الْبِلَاد مِنْك مسيرَة عشر لَيَال فَيعرف من بهَا طيب تنفسك فى الْهَوَاء وَهَذَا من قَول أَبى عُيَيْنَة
(تَطَيَّبُ دُنْيانا إِذا مَا تَنَفَّسَتْ ... كأنَّ فَتِيتَ المِسْكِ فى دُورِنا هبَاَّ)
والعواصم ثغور مَعْرُوفَة تعصم أَهلهَا بِمَا مِنْهَا عَلَيْهَا حلب وأنطاكية وَقَالَ الواحدى يُرِيد والعواصم مِنْك عشر أى على مسيرَة عشر فَحذف حَتَّى أخل بِاللَّفْظِ
9

- 1 - الْإِعْرَاب أسامرى منادى مَنْسُوب إِلَى سر من رأى وَإِنَّمَا الْعَامَّة تَقول سامرا والبلد اسْمهَا سر من رأى وَقَالَ الشَّاعِر
(لعَمْرُكَ مَا سُرِرْتُ بسُرَّ مَن رَا ... ولكنى عَدِمْتُ بِها السُّرُورَا)
فَحذف الْهمزَة كَمَا ورد عَن بعض الْعَرَب
(وَمَنْ رَا مِثْلَ مَعْدَان بنِ لَيْلَى ... إذَا مَا السَّبْعُ حالَ عَنِ المَطِيَّهْ)
ولبعض الْمُحدثين
(مَا سُرَّ مَنْ رَا بِسُوَّ مَنْ رَا ... بَلْ هِىَ سُوءٌ لِمَنْ رَآهَا)
وَقد ذكرهَا البحترى على لفظ الْعَامَّة فَقَالَ
(أخْلَيْتُ مِنْهُ البَّدَّ وَهى قَرَارُهُ ... ونصبْتَهُ عَلَما بسامِرَّاءِ)
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يكسر آخِره لِأَن الْجمل إِذا سمى بهَا لَا يُسَلط عَلَيْهَا الْكسر وَلَا ينْسب إِلَيْهَا كتأبط شرا وَأَبُو الطّيب أجراها على مَا اشتهرت بِهِ لِأَنَّهَا فى الأَصْل // غير صَحِيحَة // الْمَعْنى يَقُول يَا سامرى يَا من يضْحك مِنْهُ كل من رَآهُ أعلمت مَا أنشدت وَأَنت أَجْهَل الْجُهَّال يعْنى كَيفَ علمت يَا سامرى يَا من يضْحك مِنْهُ كل من رَآهُ أعلمت مَا أنشدت وَأَنت أَجْهَل الْجُهَّال يعْنى كَيفَ علمت ذَلِك وَأَنت جَاهِل وَذَلِكَ أَن المتنبى لما أنْشد سيف الدولة قَوْله
(واحر قلباه ... )
قَالَ هَذَا السامرى وَقد خرج أَبُو الطّيب ألحقهُ فآخذ لَك رَأسه يُخَاطب سيف الدولة بعد خُرُوج أَبى الطّيب فَقَالَ المتنبى هَذَا يهجوه
(1/45)

- 2 - الْمَعْنى إِنَّك لما كنت حَقِيرًا لاقدر لَك وَقد أمنت أَن تمدح فَقلت أهجى فكأنك مَا صغر قدرك عَن الهجاء
3 - وَهَذَا الْبَيْت يبين الذى قبله يُرِيد مَا هجوت قبلك مثلك وَلَا فَكرت بِهِ وَلَا جعلت بالى إِلَيْهِ لِأَنَّك لاقدر لَك فَأَنا لَا أجرب سيفى فى غير شئ يُوجب التجربة فِيهِ وَهَذَا مثل
1 - الْمَعْنى يَقُول كل يَوْم ترى عينى مِنْك شَيْئا عجيبا نتحير مِنْهُ ثمَّ ذكره بعد ذَلِك فَقَالَ
(حِمالة ذَا الحسام ... . الخ ... )

2 - الْغَرِيب الْحمالَة الَّتِى يحمل بهَا السَّيْف وهى الْمحمل أَيْضا الْمَعْنى يُرِيد سَيْفا حمل سَيْفا وسحاب يمطر على سَحَاب هَذَا هُوَ العجاب فالحسام الأول هُوَ السَّيْف والثانى هُوَ سيف الدولة فَكيف يحمل سيف سَيْفا وَكَيف يمطر سَحَاب سحابا هَذَا هُوَ الْعجب العجيب
3 - الْغَرِيب الربَاب بِالْفَتْح السَّحَاب الْأَبْيَض وَقيل قد يكون الأَرْض وَالْأسود الْوَاحِدَة ربابة وَبِه سميت الْمَرْأَة ربابا الْمَعْنى يَقُول إِنَّك أفضل من السَّحَاب لِأَن الأَرْض تَجف من مَاء السَّحَاب وَتصير ثِيَابهَا الَّتِى أنبتها الْغَيْث خلقانا باليات عِنْد هيجه وعطاؤك يبْقى وَيذكر وَأَرَادَ تَجف الأَرْض من مطر هَذَا السَّحَاب وَلكنه حذف الْمُضَاف
(1/46)

- 4 - الْغَرِيب يُرِيد برطوبة الدَّهْر لينه وسهولته بِخِلَاف القساوة والصلابة الْمَعْنى يطيب عَيْش أهل الأَرْض ويلين فَكَأَن الدَّهْر يلين ويطيب لَهُم وينقاد كَقَوْل البحترى
(أشْرقْن حَتَّى كادَ يَقْتَبِسُ الدُّجَى ... وَرَطُبْنَ حَتَّى كادَ يجرى الجَنْدَل)
فَجعل الصخر يكَاد يجرى للين رُطُوبَة الزَّمَان وفى ضِدّه لبَعْضهِم
(كأنَّ قَلْبَ زَمانِى ... علىَّ صَخْرٌ وصِفْرٌ)
وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أَبُو الطّيب أَن مَاء الْغَيْث يَنْقَطِع وعطاؤك دَائِم لَا يَنْقَطِع وذكرك لَا يَنْقَطِع بِمَا تُعْطى وَبِمَا تجْعَل بعْدك فى سَبِيل الله من الْوُقُوف وَغَيرهَا
5 - الْغَرِيب السوارى السحب السارية فِي اللَّيْل دون النَّهَار لِأَن السرى مَخْصُوص بِاللَّيْلِ والغوادى مَا غَدا من السحب والأحباء جمع حبيب كشريف وأشرفاء والطراب جمع الْوَاحِد طرب وطروب للذى يطرب ويحركه الشوق الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه السحب تسايرك كَمَا يُسَايِر الحبيب حَبِيبه لتتعلم من جودك وَقد بَينه بعده فَقَالَ
(تفِيد الْجُود ... . الخ ... )

6 - الْمَعْنى تفِيد أى تستفيد الْجُود مِنْك فتعلمه لتأتى بِمثلِهِ وَلكنهَا لَا تقدر أَن تأتى بِمثل أخلاقك العذبة لِأَنَّهَا عاجزة عَن الْإِتْيَان بِمثل أخلاقك
1 - الْإِعْرَاب أهْدى اسْم منادى بِإِسْقَاط حرف النداء أفعل إِذا كَانَ للتفضيل فبينه وَبَين أفعل التَّعَجُّب مُنَاسبَة وَذَلِكَ أَنه يُقَال هَذَا أَقُول من هَذَا وَمَا أقوله لَهُ فَتَصِح الْوَاو فِي المثالين وَيمْتَنع أَن يُقَال هَذَا أَحْمَر من هَذَا أى أَشد حمرَة كَمَا يمْتَنع أَن يُقَال مَا أحمره أى مَا أَشد حمرته وَفعل التَّعَجُّب يبْنى من ثَلَاثَة أَفعَال ثلاثية فعل بِفَتْح الْعين وَفعل بِكَسْرِهَا وَفعل بضَمهَا وَلَا يبْنى إِلَّا من فعل قد سمى فَاعله وَلَا يجوز أَن يبْنى من فعل غير مُسَمّى الْفَاعِل فَيُقَال مَا أضْرب أَخَاك لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من ضرب أَخُوك مِم وَقع التَّعَجُّب من كَثْرَة ضربه فَإِذا قلت ضرب أَخُوك لَا يَصح أَن يُقَال مَا أضْرب أَخَاك وَأَنت تُرِيدُ مَا أَشد الضَّرْب الذى ضربه أَخُوك وَأهْدى يجوز أَن يكون من هدى الْوَحْش إِذا تقدم فَيكون سَهْما مَنْصُوبًا على التَّمْيِيز فَيكون أفعل من فعل لَهُ فَاعل وَيكون الْفِعْل للسهم وَيجوز أَن يكون الْفِعْل للمخاطب من قَوْلهم هديته الطَّرِيق فَإِذا حمل على ذَلِك فسهما مَنْصُوب بِفعل مُضْمر يدل عَلَيْهِ أهْدى لِأَن فعل التَّعَجُّب لَا يجوز أَن ينصب مَفْعُولا وَكَذَلِكَ أفعل الذى للتفضيل وعَلى ذَلِك حمل قَوْله
(أكَرُّ وأحْمَى للْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وأضْرَبُ مِنَّا فى اللِّقاءِ القَوانِسا)
فنصب القوانس بِفعل مُضْمر ثمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله وأضرب منا ثمَّ أضمر فعلا نصب بِهِ القوانس تَقْدِيره يضْرب القوانس فَيكون من جنس الْكَلَام وَقَالَ الواحدى أهْدى من هديت هدى فلَان أى قصدت قَصده وَمِنْه الحَدِيث " واهدوا هدى عمار " أى اقصدوا قَصده فَيكون الْمَعْنى يَا أقصد الْعَالمين سَهْما إِلَى قلبى يُرِيد أَن عَيْنَيْهِ تصيب بلحظها وَلَا تخطئه وَيَا أقتل النَّاس لأهل الدروع من غير حَرْب يُرِيد أَنه يقتلهُمْ بلحظه من غير حَرْب وَهَذَا الْمَعْنى كثير للشعراء
(1/47)

- الْغَرِيب يُقَال كذب مثل حمل وَكذب مثل كتف يَقُول حكم الْهوى غير حكم الْأَشْيَاء فَهُوَ مُخَالف الْأَحْكَام لِأَن الْخلف فى الْوَعْد غير جميل وَالْكذب غير مستحسن وَكِلَاهُمَا جميل مستحسن من الحبيب وَمَا أحسن قَول الْقَائِل
(وكُلُّ مَا يفعَلُ المحبُوبُ مَحْبُوبُ ... )

3 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الحبيب يُصِيب مقاتلى فى الْحبّ وَلَا يقدر الْقرن أَن يُصِيب مقاتلي فى الْحَرْب لأنى أقدر على دَفعه عَن نفسى وَلَا أقدر على دفع عَن الحبيب وَهُوَ من قَول حبيب
(كمْ من دَمٍ يَعجِزُ الجيْشُ اللُّهامُ إِذا ... بانُوا تُحَكَّمُ فِيهِ العِرْمِسُ الأُجُدُ)
وَهَذَا من قعقعة المتنبى بالشجاعة وَكم لَهُ من قعقعة كهذه
(1/48)

- 4 - الْمَعْنى يَقُول وَمن خلقت لَهُ عين كعينك ملك الْقُلُوب بِأَهْوَن سعى وَقَوله أصَاب الحدور السهل فى المرتقى الصعب مثل مَعْنَاهُ سهل عَلَيْهِ مَا يشق على غَيره وَيُرِيد أَن المرتقى الصعب لَهُ حدور سهل
1 - الْمَعْنى حزن يحزن وأحزن يحزن بِمَعْنى يُقَال حزنه الْأَمر وأحزنه وَقَرَأَ نَافِع بالرباعى وَقَوله لَا يحزن الله هُوَ دُعَاء لَهُ أَن لَا يحزنهُ الله بِشَيْء لِأَنَّهُ إِذا حزن يحزن مَعَه أَبُو الطّيب لادعائه الْمُشَاركَة على عَادَته مَعَ الممدوح وَغلط الصاحب فى هَذَا الْبَيْت وَظن أَنه خبر وَلم يعلم أَنه دُعَاء فَرَوَاهُ بِرَفْع الْفِعْل وَإِنَّمَا هُوَ مجزوم على الدُّعَاء فَقَالَ لَا أدرى لم لَا يحزن الله الْأَمِير إِذا أَخذ أَبُو الطّيب بِنَصِيب من القلق وَلَيْسَ الْأَمر على مَا توهم وحزن وأحزن لُغَتَانِ وَالرجل حَزِين ومحزون
2 - الْمَعْنى يُرِيد الذى سر جَمِيع النَّاس من السرُور ثمَّ بَكَى لحزن أَصَابَهُ سَاءَ بكاؤه الَّذين سرهم فَكَأَنَّهُ بَكَى بعيونهم وحزن بقلوبهم لما يصيبهم من الأسى والجزع وَالْمعْنَى إِنَّك إِذا بَكَيْت بَكَى النَّاس لبكائك وحزنوا بحزنك فهم يساعدونك على الْبكاء جَزَاء لسرورهم كَمَا قَالَ يزِيد المهلبى
(أشْرَكْتُمُونا جَمِيعا فى سُرُورِكُمُ ... فَلَهْوُنا إذْ حَزِنْتُمْ غيرُ إنْصَافِ)

3 - الْإِعْرَاب حبيب خبر إِن وَأدْخل بَينهمَا جملَة شَرْطِيَّة وَتَقْدِير الْكَلَام وإنى حبيب إِلَى حبيب حبيبى وَإِن كَانَ المدفون حَبِيبه فَهُوَ حبيبى لأجل محبتى لَهُ الْمَعْنى يلزمنى أَن أحب كل من يُحِبهُ فحبيبه حبيبى وَإِن كَانَ المدفون غَرِيبا منى فَهُوَ حبيب إِلَى لأجل سيف الدولة وحبه لَهُ
(1/49)

- الْغَرِيب الجيئة مصدر جَاءَ يجِئ مجيئا وجيئة وَكَذَلِكَ الذهوب الْمَعْنى يَقُول نَحن مسبوقين إِلَى هَذِه الدُّنْيَا فَلَو عَاشَ من كَانَ قبلنَا وَلم يموتوا لضاقت بِنَا وبهم الأَرْض حَتَّى لَا نطيق الذّهاب والمجئ وَإِن الْخيرَة فِيمَا قدر الله تَعَالَى من الْمَوْت على الْعباد وَأمر الدُّنْيَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم بِمَوْت قوم وحياة قوم
6 - الْمَعْنى يُرِيد بالآتى الْوَارِث وبالماضى الْمَوْرُوث يُرِيد أَن الْوَارِث الذى يملك الأَرْض كَأَنَّهُ سالب سلب الْمَوْرُوث مَاله والموروث كَأَنَّهُ سليب سلب مَاله وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم فى الموعظة " إِن مَا فى أَيْدِيكُم أسلاب الهالكين وسيتركها الْبَاقُونَ كَمَا تَركهَا الْأَولونَ وَهَذَا من نهج البلاغة "
7 - الْغَرِيب شعوب من أَسمَاء الْمنية معرفَة لَا يدخلهَا التَّعْرِيف وَسميت شعوبا لِأَنَّهَا تفرق اشتقاقها من الشعبة وهى الْفرْقَة الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْمَوْت لما كَانَ لهَذِهِ الْمعَانى فضل وَذَلِكَ لَو أَن النَّاس أمنُوا الْمَوْت لما كَانَ للشجاع فضل على الجبان لِأَنَّهُ قد أَيقَن بالخلود وَكَذَلِكَ كل الْأَشْيَاء فلولا الْمَوْت لما كَانَ لهَذَا كُله فضل على غَيره واستوى الشجاع والجبان والكريم والبخيل والصابر والجازع
8 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحَيَاة وَإِن طَالَتْ فهى إِلَى انْقِضَاء يَقُول أَو فى عمر أَن يبْقى حَتَّى يشيب ثمَّ يخونه عمره بعد الشيب وقصاراه الْمَوْت وَقَالَ الْخَطِيب يُرِيد أَن الذى يحترم الشَّبَاب لقلَّة الْوَفَاء فَإِذا أبقتهم كَانَ قصاراها أَن تفنيهم فَلَا وَفَاء لَهَا وَلَا رَغْبَة فِيهَا وَقَالَ غَيره إِذا عَاشَ الْمَرْء إِلَى بُلُوغ المشيب وخانته حَيَاته يعْنى فى الْهَرم فقد تناهت فى الْوَفَاء لَهُ وَلَا غَايَة فى الْوَفَاء لَهَا بعد ذَلِك
9 - الْإِعْرَاب اللَّام تدل على قسم مَحْذُوف وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بصبابة الْغَرِيب يماك اسْم مَمْلُوكه وَهُوَ تركى والنجار الأَصْل وجليب مجلوب من بلد إِلَى بلد الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد أبقى فى قلبه ميلًا إِلَى كل من كَانَ من هَذَا الْجِنْس يُرِيد التّرْك والصبابة الرقة
(1/50)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ جَامعا بَين الْيمن والنجابة وَقد يكون الْغُلَام نجيبا وَلَا يكون مُبَارَكًا وَهَذَا كَانَ نجيبا ومباركا
11 - الْإِعْرَاب اللَّام لَام قسم دخلت على حرف الشَّرْط وأنى بِجَوَاب الْقسم وَلم يَأْتِ بِجَوَاب الشَّرْط كَقَوْلِه تَعَالَى {لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فى قُلُوبهم مرض والمرجفون فى الْمَدِينَة لنغرينك بهم} وَمثله كثير فى الْقُرْآن وَالشعر لِأَن الْجَواب للْأولِ وَهُوَ الْقسم الْغَرِيب الكآبة الْحزن والقضيب السَّيْف الْخَفِيف الرَّقِيق الْمَعْنى يُرِيد لَئِن حزن عَلَيْهِ لقد حزنت عَلَيْهِ السيوف لحسن اسْتِعْمَاله لَهَا وَإِذا أثر الْحزن فى الجماد فَكفى بِهِ حزنا فَنحْن أولى بالحزن من السيوف
12 - الْإِعْرَاب الظّرْف مَعْطُوف على الظّرْف الذى قبله وَهُوَ فى حد كل قضيب الْغَرِيب التناضل هُوَ الرمى بِالسِّهَامِ فى الْحَرْب وَغَيرهَا وَذَلِكَ أَن الْقَوْم يتناضلون فى الْحَرْب يرْمى بَعضهم بَعْضًا وفى غير الْحَرْب يتناضلون بسهامهم لينظروا أَيهمْ أحسن رميا فَهُوَ يسْتَعْمل على ضَرْبَيْنِ والطرف الْفرس الْكَرِيم يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى
13 - الْإِعْرَاب أَن يخل فَاعل يعز فَهُوَ فى مَوضِع رفع أى يعظم عَلَيْهِ وَتَدْعُو سكن الْوَاو مِنْهُ ضَرُورَة وَالْوَجْه فتحهَا لِأَنَّهُ عطف على بخل الْمَعْنى يُرِيد أَنه يعظم عَلَيْهِ ويشتد عَلَيْهِ أَن يتْرك عَادَته فى خدمتك وَتَدْعُوهُ وَهُوَ لَا يجيبك
14 - الْإِعْرَاب قَائِما حَال وَاللَّام تتَعَلَّق بهَا وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بنظرت الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد جمع الْأَدَب فى الْخدمَة وَقُوَّة الْأسد عِنْد الْبَأْس فَإِذا نظرت إِلَيْهِ رَأَيْته جَامعا بَين الشجَاعَة وَالْأَدب وَيُرِيد بذى لبدتين الْأسد وهما اللَّتَان على كَتفيهِ من صوف وَقيل الوفرة الَّتِى على الْعُنُق
(1/51)

- الْإِعْرَاب من روى يكن بِالْيَاءِ فتقديره يكن يماك فَهُوَ مُضْمر فِيهِ والعلق مَنْصُوبًا الْخَبَر وَمن روى تكن بِالتَّاءِ على المخاطبة لسيف الدولة والعلق مَنْصُوبًا أَيْضا فتقديره تكن فقدت العلق فَهُوَ مَنْصُوب بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ مَا بعده من قَوْله فقدته فَهُوَ مُفَسّر لَهُ كَقَوْلِك زيدا ضَربته وَكَقَوْلِه تَعَالَى {إِنَّا كل شئ خلقناه بِقدر} أى خلقنَا كل شئ بِقدر وكقراءة أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر {وَالْقَمَر قدرناه} أى قَدرنَا الْقَمَر وكقول الفزارى
(والذّئْبَ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِى وأخْشَى الريّاحَ والمَطَرَا) الْغَرِيب العلق هُوَ الشئ الذى يضن بِهِ وَقيل هُوَ مَا تعلق بِهِ الْفُؤَاد الْمَعْنى يَقُول إِن يكن يماك هُوَ الذى كنت تبخل بِهِ وتضن بِهِ فقدته فَإِنَّمَا فقد من كف متلاف لَا يبْقى على شئ كَانَ نفيسا أَو غير نَفِيس وَإِنَّمَا هُوَ رجل يهب الْأَشْيَاء وَلَا يبالى بهَا
16 - الْغَرِيب الردى هُوَ الْمَوْت وَعَاد أى ظَالِم مُتَعَدٍّ الْمَاجِد الْكَامِل الشّرف الْمَعْنى يَقُول الْمَاجِد إِذا لم يكن لَهُ عوذة من الْعُيُوب كَانَ الردى أسْرع إِلَيْهِ لبراءته من الْعَيْب فيسرع الْهَلَاك فى أَمْوَاله وَهُوَ أظهر من أَن يَجْعَل الْمَاجِد الْغُلَام فَقَالَ إِنَّمَا قَصده الْهَلَاك لبراءته من الْعَيْب والماجد الْكَامِل الشّرف فسيف الدولة بِهَذَا النَّعْت من غَيره سِيمَا وَقد جعله لَا عيب فِيهِ يصرف عَنهُ الْعين وَيكون لَهُ كالعوذة وَهَذَا كَقَوْل الآخر
(شَخَصَ الأنامُ إِلَى كمالكَ فاسْتَعِذْ ... مِنْ شَرّ أعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدٍ)
وَمثله
(قَدْ قُلْتُ حينَ تكامَلَتْ وَغَدَتْ ... أفْعالُهُ زَيْنا مِنَ الزَّيْنِ)

(مَا كانَ أحْوَجَ ذاَ الكمالِ إِلَى ... عَيْبٍ يُوَقيهِ مِنَ العَيْنِ)

17 - الْمَعْنى إِن الدَّهْر تَارَة يحسن وَتارَة يسئ فَلَو لم يحسن إِلَيْنَا بِالْجمعِ بَيْننَا لما شعرنَا بذنوبه فى تفريقنا فبإحسانه عرفنَا إساءته وَهُوَ كالعذر لَهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى ذمه فَقَالَ وللترك
(للإحسان ... . الْبَيْت ... )
(1/52)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر أحسن إِلَيْنَا بالاجتماع وأساء فِيمَا جمع من الْفرْقَة فَترك المحسن إحسانه أجمل بِهِ من أَن يشوبه بالإساءة وتلخيص الْمَعْنى أَن كل محسن لم يتم إحسانه فَتَركه أولى بِهِ فَهُوَ كَقَوْلِه
(أبَداً تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنْيا ... فيا لَيْتَ جُودَها كانَ بُخْلا)

19 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه ملك الْعَرَب بإحسانه إِلَيْهِم فَلَا حَاجَة إِلَى مَمْلُوك تركى وَخص نزارا لِأَنَّهُ أَبُو الْقَبَائِل الْأَشْرَاف كقريش وَغَيرهَا
21 - الْإِعْرَاب الباءان زائدتان وَالضَّمِير فى لمثله لسيف الدولة الْمَعْنى ذكر أَنه يملك الْعَرَب فَقَالَ استرقهم بمصافاته لَهُم وبإحسانه إِلَيْهِم وبإقباله عَلَيْهِم وَمثله إِذا صافى إنْسَانا استرقه بِكَثْرَة الْإِحْسَان وَكفى بذلك رقا
20 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى إِنَّه لِلْأجرِ وَيكون المثاب مصدرا بِمَنْزِلَة الثَّوَاب والمثيب الله تَعَالَى فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن الْأجر أجل ثَوَاب الله الذى هُوَ أجل مثيب وَيجوز أَن يكون الضَّمِير لسيف الدولة وَيكون المثاب مَفْعُولا من الإثابة يعْنى أَنه أجل من أثيب من عِنْد الله تَعَالَى الْمَعْنى إِنَّه يَدْعُو لَهُ أَن يعوضه الله الْأجر من الْمَفْقُود وَالله أجل مثيب
22 - الْإِعْرَاب فَتى فى مَوضِع رفع بدل من سيف الدولة فى الْبَيْت الذى قبله وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف ضنك صفة محذوفة تَقْدِيره فى يَوْم ضنك الْمقَام عصيب الْغَرِيب الضنك الضّيق والعصيب الشَّديد اعصو صب الْيَوْم اشْتَدَّ وَيَوْم عصيب وعصيصب أى شَدِيد والعصيب الرئة تعصب بالأمعاء فتشوى قَالَ حميد ابْن ثَوْر
(أُولَئك لم يَدْرِين مَا سَمَكُ القُرَى ... وَلا عُصَب فِيهَا رِئات العَمارِسِ) وَعصب جمع عصيب والعمارس جمع عمروس وَهُوَ الخروف الْمَعْنى يَقُول إِذا بلت الدِّمَاء نحور الْخَيل فَهُوَ فتاها الذى يُقَاتل ويطاعن فى ضيق الْمقَام الشَّديد أى فى الْيَوْم الضّيق الْمقَام الشَّديد والنجيع الدَّم كُله وَقيل دم الْجوف خَاصَّة
(1/53)

- الْغَرِيب الريط الملاء الْبيض ويعاف يكره الْمَعْنى يُرِيد أَنه يكره الاستظلال بالخيمة المتخذة من الريط إِنَّمَا يستظل بالغبار وخيمه جمع خيمة
24 - الْمَعْنى يُرِيد إِن نفع إسعادنا لَك فى هَذِه الرزية أسعدناك بشق الْقُلُوب لَا بشق الْجُيُوب وَهُوَ كَقَوْل أَبى تَمام
(شقَ جَيْبا مِنْ رِجالٍ لوِ اسْطا ... عُوا لَشَقُّوا مَا وَرَاءَ الجُيُوبِ)
وَمثله وشققت ... جُيُوب بأيدى مأتم وخدود)
25 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمع لَيْسَ بِعلم للحزن فقد يحزن من لَا يبكى وَقد يبكى من لَا يحزن وَأخذ هَذَا الْبَيْت مِمَّا أنْشدهُ أَبُو على فى آخر تَكْمِلَة إيضاحه
(وَما كُلُّ ذى لُبّ بمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... وَما كُلّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ)

26 - الْغَرِيب أَبِيك بِفَتْح الْبَاء لُغَة أثْبته ابْن جنى يُرِيد أَبَوَيْك وهى لُغَة صَحِيحَة مَعْرُوفَة تَقول الْعَرَب أَب وَأَبَان وأبوين وَأبين وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْوَاتنَا ... بَكَيْنَ وَقَدَيَّنْنَا بالأَبِينَا ... ) جمع أَب وَقد قَرَأَ بَعضهم مَا تَعْبدُونَ من بعدى قَالُوا نعْبد إلهك وإله أَبِيك يُرِيد آبَائِك فَجَمعهُمْ على أبين وَأسْقط النُّون للإضافة الْمَعْنى يَقُول تفكر فى مصيبتك بِهَذَا الْمَفْقُود وتسل عَنهُ وَاذْكُر مصيبتك بأبويك فَإنَّك بَكَيْت لفقدهما ثمَّ ضحِكت بعد ذَلِك بِزَمَان قريب كَذَلِك حزنك لأجل هَذِه الْمُصِيبَة سيذهب عَن قرب وَقيل تفكر فى آبَائِك الَّذِي ذَهَبُوا فَكل أحد سيذهب كذهابهم فَلَا يجب الْحزن وفى مَعْنَاهُ
(فَفُضّى اللَّوْمَ عاذِلَتِى فإنى ... سيَكُفِينِى التَّجاربُ وانْتسابى)
يُرِيد لَا أنتسب إِلَّا إِلَى مَفْقُود وَمثله قَول لبيد
(فإنْ أنتَ لم ينفعْكَ عِلْمُكَ فانتسِبْ ... لعلَّكَ تهديكَ القُرُونُ الأوَائِلُ)
وَأحسن مَا قيل فى هَذَا الْمَعْنى مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ
(فإنْ لم تجِدْ مِن دونِ عَدْنانَ وَالِداً ... ودُون مَعَدّ فَلْنَزَعْكَ العَوَاذلُ)
(1/54)

- الْغَرِيب الْمُصَاب هُنَا مصدر كالإصابة والخبث الْجزع هُنَا وَالطّيب الصَّبْر وَترك الْجزع وَمعنى ثنت صرفت وَالْفِعْل للنَّفس وَتَقْدِيره ثنته أى صرفت الْخبث وَقَالَ الْخَطِيب إِذا جزع الْكَرِيم فى أول نزُول الْمُصِيبَة وراجع أمره عَاد إِلَى الصَّبْر وَالتَّسْلِيم وَمن لم يوطن نَفسه على الْمُصِيبَة فى أول الْأَمر صَعب عَلَيْهِ عِنْد وُقُوعهَا وَهَذَا الْبَيْت من الحكم قَالَ الْحَكِيم من علم أَن الْكَوْن وَالْفساد يتعاقبان الْأَشْيَاء لم يحزن لوُرُود الفجائع لعلمه أَنه من كَونهَا فهان عَلَيْهِ ذَلِك لعجز الْكل عَن دفع ذَلِك
28 - الْمَعْنى يَقُول لابد للمحزون من سُكُون إِمَّا أَن يسكن عزاء أَو يسكن إعياء فالعاقل الذى يسكن تعزيا كَمَا قَالَ مَحْمُود الْوراق
(إِذا أنتَ لم تَسْلُ اصْطِباراً وحِسْبَةً ... سَلَوْتَ على الأيَّامِ مِثْلَ البهائمِ)
وكقول حبيب
(أتَصْبِر للبَلْوَى عَزَاءً وَحِسْبَةً ... فتَوُجَرَ أمْ تَسْلُوا سُلُوّ البهائمِ)

29 - الْإِعْرَاب جدا نَصبه على التَّمْيِيز وَكم يكون لشيئين للاستفهام وَالْخَبَر فعلى أى الْوَجْهَيْنِ كَانَت جَازَ النصب فَإِن كَانَت خَبرا فقد فصلت بَينهَا وَبَين معمولها فَبَطل الْخَبَر لِئَلَّا يفصل بَين الْعَامِل ومعموله الْمَعْنى يَقُول كم لَك من أَب وجد لم تره عَيْنك فَلم تبك عَلَيْهِ فَهَب هَذَا مثلهم لِأَنَّهُ غَابَ عَنْك وَالْغَائِب عَن قرب كالغائب الْبعيد عَهده وَقَالَ الْخَطِيب ينبغى أَن تتسلى عَن يماك لِأَنَّهُ قد غَابَ عَن عَيْنك كَمَا لم تحزن لأجدادك الَّذين لم ترهم وَهَذَا الْمَعْنى مَدْخُول لِأَن أجداده لم يرهم وَلم يعرفهُمْ وَهَذَا قد رَآهُ وعرفه ورباه
(1/55)

- 31 - الْإِعْرَاب نورها بدل من الشَّمْس وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بيحسد وأسكن الْيَاء من يأتى ضَرُورَة وَأكْثر مَا يأتى فى الْيَاء وَالْوَاو وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(كأنّ أيْدِيهِنّ فى المُسُوحِ ... )
فأسكن الْيَاء ضَرُورَة الْمَعْنى أَنه ضرب مثلا بالشمس وبحساده يَقُول من يقدر أَن ياتى للشمس بِمثل فليأت فَإِن لم يقدر فليمت غيظا فَكَمَا أَنه لَا مثل للشمس كَذَلِك لَا مثل لَهُ
1 - الْغَرِيب الرّبع الْمنزل فى كل أَوَان والمربع الْمنزل فى الرّبيع الْخَاصَّة الْمَعْنى يَقُول للربع فَدَيْنَاك من الأسواء وَإِن زدتنا وجدا وهيجته لنا فأذكرتنا عهد الْأَحِبَّة حِين كنت مثوى للحبيب فمنك كَانَ يخرج وَإِلَيْك كَانَ يعود وَجعل محبوبه الشَّمْس فَكَانَت إِذا ظَهرت فِيك كنت كالمشرق لَهَا وَإِذا احْتَجَبت احْتَجَبت فِيك كنت كالمغرب لَهَا وَهَذِه من الطَّوِيل فعولن مفاعيل فعولن مفاعيل مرَّتَيْنِ
2 - الْمَعْنى يَقُول كَيفَ عرفنَا رسم دَار من لم تدع لنا قلبا وَلَا عقلا وَهَذَا تعجب مِنْهُ لعرفانه الرسوم ويدع بِالتَّاءِ وَالْيَاء فَمن روى بِالتَّاءِ من فَوْقهَا حمله على الْمَعْنى لِأَن الْمَقْصُود بِمن امْرَأَة فهى كَقِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى {وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله} وَمن روى بِالْيَاءِ فَهُوَ على لفظ من
3 - الْإِعْرَاب اللَّام فى لمن مُتَعَلق بكرامة وَيجوز بنمشى كَرَامَة مصدر فى مَوضِع الْحَال وركبا حَال أَيْضا وَإِن فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ أى كَرَامَة عَن أَن نلم بِهِ ركبانا الْغَرِيب الأكوار جمع كور وَهُوَ رجل النَّاقة الْمَعْنى يَقُول لما أَتَيْنَا هَذَا الرّبع ترجلنا عَن رواحلنا تَعْظِيمًا لَهُ ولسكانه أَن نزوره راكبين وَقد كشف الْمَعْنى السرى الموصلى بقوله
(حُيِّيتَ مِنْ طَلَلِ أجابَ دُثُورُهُ ... يَوْمَ العَقِيقِ سُؤَالَ دَمْعٍ سائِلِ)

(نحفَى وَننْزلُ وهوَ أعْظَمُ حُرْمةً ... مِن أَن يُذاَلَ براكِبٍ أَو ناعِلِ)
(1/56)

- الْغَرِيب الغر الْبيض والسحاب جمع سَحَابَة وَقد قَالَ فى نَعته الغر وَقد جَاءَ فى الْقُرْآن السَّحَاب الثقال وَقيل كل جمع لَيْسَ بَينه وَبَين واحده إِلَّا الْهَاء يجوز أَن يحمل على التَّوْحِيد يُقَال هَذَا تمر طيب وَإِن قيل ثَمَر طيبَة فَحسن الْمَعْنى نذم السَّحَاب لِأَنَّهَا محت آثَار الرّبيع وغيرته وَإِذا طلعت عَلَيْهِ أعرضنا عَنْهَا عتبا عَلَيْهَا لإخلاقها الرسوم والأطلال وَخص الغر لِأَنَّهَا كَثِيرَة المَاء
5 - الْمَعْنى يَقُول من طَالَتْ محبته للدنيا أى ظَاهرهَا وباطنها وأمامها وَخَلفهَا وتقلبت على عينه لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهَا شئ عرف أَن صدقهَا كذب وَأَنَّهَا غرور وأمانى وَيجوز أَن يكون هَذَا التقلب بأحوالها من المسرة والمضرة والشدة والرخاء وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون الْبَيْت مُتَّصِلا بِمَا قبله يُرِيد أَن السَّحَاب تطلب وتشكر وَلَا تذم وَنحن نذمها لما تفعل بِالربعِ وَهَذَا من تقلب الدُّنْيَا وَهَذَا الْبَيْت فِيهِ حِكْمَة لم يذكرهَا الواحدى وَهُوَ من قَول الْحَكِيم لَيْسَ تزداد حركات الْفلك إِلَّا تحيل الكائنات عَن حقائقها وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(إِذا اخْتَبرَ الدُّنْيا لَبيبٌ تكَشَّفَتْ ... لَهُ عَنْ عَدُوّ فِى ثِيابِ صَدِيق)

6 - الْغَرِيب الأصائل جمع أصيل وَهُوَ آخر النَّهَار وَالضُّحَى مَقْصُور يؤنث وَيذكر وَهُوَ حِين تشرق الشَّمْس فَمن أنث ذهب إِلَى أَنه جمع ضحوة وَمن ذكر ذهب إِلَى انه اسْم على فعل مثل صرد ونغر وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل سحر تَقول لَقيته ضحى وَإِن أردْت بِهِ ضحى يَوْمك لم تنونه ثمَّ بعده الضحاء مَفْتُوحًا ممدودا وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى الْمَعْنى يَقُول كَيفَ ألتذ بِهَذِهِ الْأَوْقَات إِذا لم أستنشق ذَلِك النسيم الذى كنت أَجِدهُ من قبل يُرِيد نسيم الحبيب وَيجوز أَن يكون نسيم أَيَّام الشَّبَاب والوصال
(1/57)

- الْمَعْنى ذكرت يعْنى بِالربعِ وصلا قصرت أَيَّامه حَتَّى كَأَنَّهُ لم يكن لسرعة انقضائه وعيشا وشيك الِانْقِطَاع كأنى قطعته بالوثوب وَهُوَ أسْرع من المشى والعدو وَقَالَ الواحدى قَالَ القاضى أَبُو الْحسن المصراع الْأَخير من قَول الهذلى
(عَجِبْتُ لسَعْىِ الدَّهرِ بينى وبينَها ... فلماَّ انقضَى مَا بَيْننَا سَكَن الدَّهرُ)
فَقَالَ جعل أَبُو الطّيب السعى وثبا وَلَيْسَ الْأَمر على مَا ذكره فَإِن بَيت الهذلى بعيد من معنى أَبى الطّيب لِأَن الهذلى يَقُول عجبت كَيفَ سعى الد هر بَيْننَا بالإفساد فَلَمَّا انْقَضى مَا بَيْننَا سكن عَن الْإِصْلَاح وَلم يسع فِيهِ سعية فى الْإِفْسَاد وأى تقَارب لهَذَا الْمَعْنى من معنى أَبى الطّيب وَظن القاضى أَن معنى بَيت الهذلى عجبت لسرعة مضى الدَّهْر بأيام الْوِصَال فَلَمَّا انْقَضى الْوَصْل طَال الدَّهْر حَتَّى كَأَنَّهُ سكن وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد قصر أَوْقَات السرُور وَمن أظرف مَا سَمِعت فِيهِ قَول الْوَلِيد ابْن يزِيد
(لَا أسألُ اللهَ تَغْيِيراً لِمَا صَنَعَتْ ... نامَتْ وَقد أسْهَرَتْ عينىَّ عَيْناها)

(فاللَّيْلُ أطْوَل شَىْءٍ حِينَ أفْقِدُها ... واللَّيْلُ أقْصَرُ شَىْءٍ حٍ ينَ ألْقاها)
وَالشعرَاء أبدا يذكرُونَ قصر أَوْقَات السرُور وَأَيَّام اللَّهْو وَسُرْعَة زَوَالهَا وَهُوَ كثير جدا فَنَذْكُر مِنْهُ الْجيد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَمن أحْسنه قَول بعض الْعَرَب
(لَيْلِى وليْلَى نَفى نوْمى اختلافُهُما ... حَتَّى لقَدْ تركانِى فى الهَوَى مَثَلاً)
(يَجُودُ بالطُّولِ ليْلِى كلما بَخِلَتْ ... بالطوْل ليْلَى وَإِن جَادَتْ بِهِ بِخلاَ)
فَهَذَا ترى فِيهِ من الجناس الذى ترى مَا يعجز عَنهُ وَقَالَ البحترى
(فَلا تَذْكُرَا عَهْدَ التَّصَابِى فإنَّهُ ... تقضَّى وَلم نَشْعُرْ بِهِ ذَلِك العَصْرُ)
وَقَالَ الآخر
(ظَلِلْنا عِنْدَ دَارِ أَبى نُعَيم ... بِيَومٍ مِثْلَ سالِفَةِ الذُّبابِ)
شبه فى الْقصر بعنق الذُّبَاب وَمثله لجرير
(وَيَوْمٍ كإبْهَامِ القَطاةِ مُزَّيَّنٍ ... إلىَّ صِباهُ غالِبٍ لِىَ باطِلُهْ)
وَقَالَ الآخر
(كأنّ زَمانَ الوَصْلِ نوْمٌ معرِّس ... أَلا إنّ أيَّامَ السُّرُورِ قِصَارُ)
وَمَا أحسن قَول الرضى
(يَا لَيْلَةً كادَ مِنْ تَقاصُرِها ... أنْ يَعْتَرِيها العَشِىُّ بالسَّحَر)
وَأحسن مَا قيل فى هَذَا قَول متمم بن نُوَيْرَة
(فَلَمَّا تَفَرَّقْنا كأنى وَمالِكا ... لِطول اجتماعٍ لم نَبِت ليلَةً مَعا)
(1/58)

- الْإِعْرَاب نصب فتانة عطفا على مَعْمُول ذكرت بِهِ عَيْشًا أى وَذكرت بِهِ فتانة وعدى النفح على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ كَأَنَّهُ قَالَ أَصَابَت الْمَعْنى يَقُول ذكرت امْرَأَة تفتن عَيناهَا وَيقتل هَواهَا إِذا شم شيخ روائحها عَاد شبابه والنفح تضوع رَائِحَة الطّيب وَهُوَ مثل قَول الصنوبرى
(بلَفْظٍ لوْ بدَا لِحَليفِ شَيْبٍ ... لَفارَقهُ وعادَ إِلَى شَبابِهِ)

9 - الْغَرِيب الشهب جمع أَشهب يعْنى الدرة وَيجوز أَن يكون عَنى بِالشُّهُبِ جمع أَشهب يعْنى الْكَوْكَب لذكره الْبَدْر وَيجوز أَن يكون جمع شهَاب وَهُوَ النَّجْم قَالَ تَعَالَى {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} الْمَعْنى يُرِيد أَن لَوْنهَا مثل لون الدّرّ الذى قلدت بِهِ وهى بدر فى الْحسن وقلائدها كالكواكب وَلم يكن قبلهَا بدر يُقَلّد الْكَوَاكِب وَهَذَا عجب
10 - الْإِعْرَاب قَوْله ويالى يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ اللَّام الْمَفْتُوحَة الَّتِى للاستغاثة كَأَنَّهُ اسْتَغَاثَ بِنَفسِهِ من النَّوَى وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ اللَّام الْمَكْسُورَة الَّتِى للمستغاث من أَجله كَأَنَّهُ قَالَ يَا قوم اعجبوا لى من النَّوَى وَحذف ياءات الْإِضَافَة تَخْفِيفًا لِأَن الكسرة تدل عَلَيْهَا وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى {وَيَا قوم} وَقد حذف الْيَاء من الْفِعْل الْمُسْتَقْبل وَقفا ووصلا من قَوْله تَعَالَى {يَوْم يَأْتِ لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ} عَاصِم وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وأثبتها وصلا الحرميان والنحويان الْمَعْنى يُرِيد يَا شوقى مَا أبقاك فَلَا تنفذ ويالى من النَّوَى استغاثة كَأَنَّهُ يَقُول يَا من لى يمنعنى من ظلم الْفِرَاق وَيَا دمعى مَا أجراك وَيَا قلبى مَا أصباك وَحذف الْكَاف المنصوبة للمخاطبة بالنداء // وَهَذَا كُله تعجب //
(1/59)

- الْمَعْنى يُرِيد بلعب الْبَين اقتداره عَلَيْهِمَا لِأَن الْقَادِر على الشئ لَا يحْتَاج إِلَى استفراغ أقْصَى وَسعه فى تقليبه على مُرَاده وَقَوله
(مَا زود الضبا ... )
يُقَال إِن الضَّب إِذا خرج من مسربه لم يهتد إِلَيْهِ فَيُقَال هُوَ أحير من ضَب وَقيل بل الضَّب لَا يتزود فى الْمَفَازَة لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى المَاء أبدا فَكَأَنَّهُ لَا يتزود يُرِيد أَن الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق لم يزوده شَيْئا يُرِيد أَنه لم يودع حَبِيبه وفارقه من غير وداع وَلَا التقاء فَيكون التوديع لَهُ زادا على الْبعد كَمَا قَالَ بَعضهم
(زَوّدَ الأحْبابُ للأَحْباب ... ضَمّا والِْزَاما)

(وسُلَيْمَى زَوّدَتْنِى يَوْمَ ... تَوْدِيعِى السَّقاما)
وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد زودنى الضلال عَن وطنى الذى خرجت مِنْهُ فَمَا أوفق إِلَى الْعود إِلَيْهِ والاجتماع مَعَ الحبيب والضب يُوصف بالضلال وَقلة الاهتداء إِلَى جُحْره وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن الضَّب مَكَانَهُ الْمَفَازَة فَلَا يتزود إِذا انْتقل مِنْهَا يَقُول أَنا فى الْبَين مُقيم إِقَامَة الضَّب فى الْمَفَازَة وَلَيْسَ من عَادَة الْمُقِيم أَن يتزود فالسير والبين كَأَنَّهُمَا منزلا لإلفى إيَّاهُمَا
12 - الْمَعْنى يُرِيد من كَانَ ولد الشجعان وَكَانَ جدوده كالأسود الَّتِى تعودت أكل اللحوم يكن اللَّيْل لَهُ نَهَارا لِأَنَّهُ لَا تعوقه الظلمَة عَن إِدْرَاك مَا يُرِيد وَكَانَ مطعمه مِمَّا يغصب من الْأَعْدَاء فَهُوَ يركب اللَّيْل لقَضَاء حاجاته قَالَ أَبُو الْفَتْح قَوْله يكن ليله صبحا من قَول الآخر
(فَبادِرٍ اللَّيْلَى ولَذَّاتهِ ... فإنَّما اللَّيلُ نهارُ الأرِيبْ)

13 - الْغَرِيب التراث هُوَ المَال الْمَوْرُوث قَالَ الله تَعَالَى {وتأكلون التراث أكلا لما} الْمَعْنى يَقُول لَا أبالى بعد أَن أدْرك معالى الْأُمُور بِأَن مَا نلته من الْأَمْوَال وراثة من آبائى أَو كسب أكسبه أى لَا أبالى من أَيهمَا كَانَ بعد أَن يؤدينى إِلَى الْعلَا
(1/60)

- الْغَرِيب الْمجد كَثْرَة المآثر يُقَال مجدت الدَّابَّة إِذا كثرت عَلفهَا ومازح عبد الله بن الْعَبَّاس أَبَا الْأسود الدؤلى فَقَالَ لَو كنت بَعِيرًا كنت ثقالا فَقَالَ لَهُ لَو كنت رَاعى ذَلِك الْبَعِير مَا أمجدته من الْكلأ وَلَا أرويته من المَاء الْمَعْنى يُرِيد رب شَاب قَالَ الواحدى يعْنى نَفسه عود نَفسه الْمجد وَعلمهَا إِيَّاه كتعليم سيف الدولة للدولة الضَّرْب وَقَالَ الْخَطِيب يعْنى أَن الْإِنْسَان يُمكنهُ أَن يعلم نَفسه الْمجد وَإِن لم يكن لَهُ من يُعلمهُ كَمَا علم سيف الدولة أَهلهَا الشجَاعَة
15 - الْغَرِيب استكفت بِهِ حَقه استكفته لِأَنَّهُ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِالْبَاء على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ استعانت بِهِ وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْفِعْلِ الْمَعْنى يُرِيد أَن الضَّرْب لَا يحصل إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء بِالسَّيْفِ والكف وَالْقلب وَيُرِيد بِهَذَا أَن يفضله على سيف الْحَدِيد فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِنَفسِهِ وَلَا يعْمل إِلَّا بضارب وَسيف الدولة يعْمل بِنَفسِهِ وَالْمعْنَى إِن الدولة إِذا استعانت بِهِ فى مهمة كفاها وَكَانَ ضَارِبًا دونهَا بِسَيْفِهِ فَيبلغ مَا يُرِيد وَحده
16 - الْمَعْنى إِنَّه سيف كاسمه وَهُوَ عربى من ولد نزار بن معد بن عدنان فالخوف مِنْهُ أولى من الْخَوْف من سيوف الْحَدِيد وحدائد جمع حَدِيدَة فَإِذا كَانَت هَذِه الحدائد تخَاف وترهب وهى لَا عمل لَهَا إِلَّا بغَيْرهَا فَهَذَا السَّيْف أولى أَن يخَاف وَهُوَ يعْمل بِنَفسِهِ
17 - الْإِعْرَاب وَحده نَصبه على الظروف كَقَوْلِك زيد خَلفك وَبكر أمامك الْمَعْنى يَقُول اللَّيْث يرهب وَيخَاف على وحدته وانفراده فَكيف يكون لَيْث مَعَه جمَاعَة من الليوث يُرِيد سيف الدولة وَأَصْحَابه
18 - الْغَرِيب عباب الْبَحْر هُوَ شدَّة أمواجه وتراكمها وَمِنْه سمى الْفرس الشَّديد الجرى وَالنّهر الشَّديد الجريان يعبوبا الْمَعْنى يَقُول الْبَحْر مخوف وَهُوَ مَكَانَهُ فَكيف بِمن إِذا ماج وتحرك عَم الْبِلَاد وَقَوله عب أى جرى وتدفق
(1/61)

- الْغَرِيب اللغى جمع لُغَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه عَالم بخفيات الديانَات فَهُوَ يعلم مِنْهَا وَمن اللُّغَات مَا لَا يُعلمهُ غَيره وَله خواطر فى الْعلم تفضح الْعلمَاء وكتبهم لأَنهم لم يبلغُوا فى الْعلم مَا يجرى على خاطره
20 - الْغَرِيب الديباج مُعرب وَقد استعملوها فى الْكَلَام الْقَدِيم قَالُوا دبجه الْغَيْث إِذا أظهر فِيهِ ألوانا مُخْتَلفَة والوشى كل مَا كَانَ فِيهِ ألوان مُخْتَلفَة والعصب برود الْيمن وَمِنْه قيل للسحاب اللطخ عصب وبوركت فِيهِ أَربع لُغَات يُقَال بوركت وبورك لَك وبورك فِيك وبورك عَلَيْك وَجَاء فى الْكتاب كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب
(أَن بورك من فِي النَّار ... )
الْمَعْنى يُرِيد بَارك الله فِيك من غيث كَأَن جلودنا تنْبت بذلك الْمَطَر هَذِه الْأَنْوَاع من الثِّيَاب الَّتِى يَجْعَلهَا علينا فكأنك غيث تمطر علينا فتنبت جلودنا هَذِه الثِّيَاب
21 - الْغَرِيب الجزل الْكثير وهلا ينون وَلَا ينون فَمن نونه نكره وَمن لم ينونه أَرَادَ السرعة وَهُوَ زجر للخيل والقصب المعى وَالْجمع أقصاب وَمِنْه الحَدِيث " رَأَيْت عَمْرو بن لحى يجر قصبه فى النَّار " وَهُوَ أول من سيب السوائب الْمَعْنى بوركت من رجل يعْطى الجزيل ويزجر الْخَيل ويهتك الدروع بِسَيْفِهِ وسنانه ويشق الأمعاء فينثرها
22 - الْإِعْرَاب رَأْيك فَاعل فعله هَنِيئًا وَأَصله ثَبت رَأْيك هَنِيئًا لَهُم حذف الْفِعْل وأقيمت الْحَال مقَامه فَعمِلت فِيهِ عمله أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(هَنِيئا لأرْبابِ البُيُوتِ بُيُوتُهمْ ... وللعَزَب المِسْكينِ مَا يَتَلَبَّسُ)
الْمَعْنى يَقُول هَنِيئًا لَهُم حسن رَأْيك فيهم وَأَنَّك حزب الله على النداء الْمُضَاف صرت لَهُم حزبا وناصرا
23 - الْإِعْرَاب وَأَنَّك بِالْفَتْح عطفه على قَوْله
(وَأَنَّك حزب الله ... )
وَالضَّمِير أَن فى فِيهَا وساحتها للْأَرْض وهى غير مَذْكُورَة كَمَا يُقَال مَا عَلَيْهَا أكْرم من زيد وَالْعرب تضمر لغير مَذْكُور قَالَ الله تَعَالَى {فوسطن بِهِ جمعا} أى بالوادى وَهُوَ غير مَذْكُور الْمَعْنى يَقُول قد فعلت فعلا فى الدَّهْر حَتَّى هابك الدَّهْر وصروفه فَإِن شكّ الدَّهْر فى قولى فليحدث بِالْأَرْضِ خطبا لِأَن الأَرْض وَأَهْلهَا آمنون من الدَّهْر وتصاريفه فَلَا يقدر أَن يخيفهم هَيْبَة لَك
(1/62)

- الْإِعْرَاب تطرد بِالتَّاءِ لَا غير يحْتَمل أَن يكون للخيل والممدوح ويطرد بِالْيَاءِ تحتهَا للجود لَا غير هَكَذَا قرأناه على الْمَشَايِخ الْحفاظ
25 - الْغَرِيب تترى متتابعة متواترة قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترى} أى متتابعه ونونها ابْن كثير وَأَبُو عمر ونهبى أى منهوبة وهى فعلى وتترى هُنَا الَّتِى يخلف بَعْضهَا بَعْضًا أى تأتى شَيْئا بعد شئ وَأَصلهَا وَترى من الْوتر فقلبت الْوَاو تَاء كَمَا قلبت فى التَّوْرَاة وَأَصلهَا وورية على فوعلة من ورى الزند والدمستق اسْم لملك الرّوم
26 - الْغَرِيب مرعش حصن بِبَلَد الرّوم من أَعمال ملطية الْمَعْنى أَنه لما أَتَى هَذَا الثغر أَتَاهُ مَسْرُورا بنشاط فالبعيد عَلَيْهِ قريب لنشاطه فَلَمَّا أَقبلت إِلَيْهِ أدبر مُنْهَزِمًا فالقريب عَلَيْهِ بعيد لخوفه وَمَا لحقه من الذعر ففى إقباله أَتَى مَسْرُورا كَأَن الأَرْض تطوى لَهُ فَلَمَّا أدبر طَالَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيق الَّتِى اسْتَقر بهَا وَلَقَد أحسن الْقَائِل النَّاظر إِلَى هَذَا الْمَعْنى
(وَالله مَا جِئْتُكُمْ زَائِراً ... إِلَّا رأيتُ الأرْض تُطْوَى لى)

(وَلا انْثَنى عَزْمَى عَنْ بابِكُمْ ... إلاَّ تَعَثَّرْتُ بأذْيالى)

27 - الْإِعْرَاب كَذَا للتشبيه يُرِيد كَمَا انهزم كَذَا يتْرك أعداءه من كره المطاعنة ويقفل يجوز فِيهِ الْكسر وَالضَّم قفل يقفل ويقفل إِذا رَجَعَ الْمَعْنى كَمَا ولى مُنْهَزِمًا عَنْك كَذَا يتْرك أعداءه من كره المطاعنة وكرجوعه يرجع من لم يغنم سوى الرعب فَلَمَّا رَجَعَ الدمستق مَرْعُوبًا كَانَ الرعب لَهُ بِمَنْزِلَة الْغَنِيمَة لغيره
(1/63)

- الْغَرِيب اللقان ثغر بِبَلَد الرّوم والمطهم الْفرس الذى يحسن مِنْهُ كل شئ على حِدته والعوالى القنا والقب الْخَيل المضمرة والقب جمع أقب وَهُوَ الضامر الْبَطن وَامْرَأَة قبَاء بَيِّنَة القبب أى ضامرة من ضمور الْخَيل الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق كَانَ باللقان مَوضِع بِبَلَد الرّوم فَلَمَّا أقبل سيف الدولة انهزم يَقُول فَهَل أغْنى عَنهُ وُقُوفه وَهل رد عَنهُ الرماح وَالْخَيْل
29 - الْغَرِيب الرماحان يُرِيد رماح الْفَرِيقَيْنِ كَقَوْل أَبى النَّجْم
(بينَ رِماحَىْ مانكٍ ونَهْشَلِ ... )
والهدب أِشفار الْعين يُرِيد أَن الهدبين يَلْتَقِيَانِ إِذا نَام الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول انهزم الْجمع بعد مَا تشاجرت الرماح سَاعَة كَمَا تختلط الْأَهْدَاب الأعالى بالأسافل عِنْد النّوم وَهَذَا مثل قَول مَحْمُود بن الْحُسَيْن
(مَا الْتَقَيْنا بِحَمْدِ رَبّىَ إِلَّا ... مِثْلَ مَا تَلْتَقى جُفُونُ السَّلِيمِ)

30 - الْغَرِيب السُّورَة الِارْتفَاع أَو الحدة الْمَعْنى يَقُول انهزم وللطعن فى أَصْحَابه ارْتِفَاع وحدة إِذا تذكرها لمس جنبه يَقُول هَل أَصَابَهُ شَيْء مِنْهُ وَقيل هرب وبقى من دهشة لَا يدرى مَا يصنع فَكَانَ يلمس جنبه هَل يجد روحه بَين جَنْبَيْهِ من الذهول والفزع وَهُوَ على هَذَا من قَول أَبى نواس
(إذَا تَفَكَّرْتُ فِى هَوَاىَ لَهُ ... مسِسْتُ رأسىِ هَل طارَ عَن بدَنِى)

31 - الْغَرِيب العذارى جمع عذراء وهى الْبكر من النِّسَاء والبطاريق جمع بطرِيق وهم أُمَرَاء الجيوش وفرسانه وشعث النَّصَارَى الرهبان والقرابين خَواص الْمُلُوك واحدهم قرْبَان وَالنَّصَارَى واحدهم نصرانى ونصرانية ونصرانة قَالَ الشَّاعِر
(فكِلْتاهُمَا خَرّتْ قَليلاً وأسْجَدَتْ ... كَما أسْجَدَتْ نَصْرانَة لم تحنَّف)
الْمَعْنى يُرِيد أَنه انهزم وَترك هَؤُلَاءِ وَلم يلْتَفت إِلَيْهِم لهول مَا رأى
(1/64)

- الْغَرِيب المستهام الذى يغلب عَلَيْهِ الْحبّ فيهيم على وَجهه وَمِنْه هام يهيم وَقد استهامه الْحبّ والصبابة رقة الشوق وَنصب الثَّلَاثَة أَسمَاء الْفَاعِل على الْحَال
33 - الْمَعْنى يَقُول إِن الجبان اتَّقى الْحَرْب وَترك الْقِتَال حبا لنَفسِهِ وخوفا على روحه والشجاع إِنَّمَا ورد الْحَرْب دفعا عَن مهجته ومحاماة على نَفسه فَكَأَن فى ذَلِك بَقَاء نَفسه وَقيل الشجاع يرد الْحَرْب إِمَّا لبلاء حسن يشرف ذكره فى حَيَاته وَإِمَّا لقتل فَيكون قد أبقى لَهُ ذكرا يقوم مقَام حَيَاته كَقَوْل حبيب
(سَلَفوا يَرَوْنَ الذّكرَ عَقْبا صَالِحا ... وَمَضَوْا يَعُدُّونَ الثَّناءَ خُلُودَا)
وكما قَالَ الْحصين بن الْحمام المرى وَهُوَ من أَبْيَات الحماسة
(تأخَّرْتُ أسْتَبْقى الحَياةَ فلمْ أجِدْ ... لنَفْسِى حَياةً مثلَ أنْ أتقَدَّما)
وكقول الحنساء
(نُهِينُ النُّفُوسَ وهَوْنُ النَّفُو ... سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقَى لَهَا)
وَمثل هَذَا مَا روى عَن أَبى بكر الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ لخَالِد بن الْوَلِيد وَقد ودعه لِحَرْب أهل الرِّدَّة احرص على الْمَوْت توهب لَك الْحَيَاة وَهَذَا يحْتَمل وُجُوهًا أَحدهَا أَنه إِذا اسْتشْهد صارحيا لقَوْله تَعَالَى {بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين} والثانى أَن ذكره يبْقى بعده كَمَا قَالَ حبيب
(وَمَضَوْوا يَعُدُّونَ الثَّناءَ خُلودا ... )
وَالثَّالِث أَن الشجاع مهيب لَا يهجم عَلَيْهِ أحد وَالْمعْنَى يُرِيد أَبُو الطّيب أَن الشجاع والجبان سَوَاء فى حب النَّفس وَهَذَا الْبَيْت من الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم النَّفس المتجوهرة تأبى مُقَارنَة الذل جدا وَترى فناءها فى طلب الْعِزّ حَيَاتهَا وَالنَّفس الدنية بضد ذَلِك وَمِنْه بَيت أَبى الطّيب هَذَا
34 - الْمَعْنى هَذَا الْبَيْت من أحسن الْمعَانى الَّتِى تميل النَّفس إِلَيْهَا وَلَو لم يكن لَهُ غير هذَيْن الْبَيْتَيْنِ هَذَا والذى قبله لكفياه يُرِيد أَن الرحلين ليفعلان فعلا وَاحِدًا فيرزق أَحدهمَا فِيهِ وَيحرم الآخر حَتَّى كَأَن إِحْسَان المرزوق ذِئْب للمحروم مِثَاله أَن يحضر الْحَرْب رجلَانِ يغنم أَحدهمَا وَيحرم الآخر فالأخذ من الْمَغَانِم ذَنْب للمحروم وَكِلَاهُمَا فعل فعلا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ مسافران سافرا فربح أَحدهمَا وخسر الثانى فيعد السّفر من الرابح إحسانا يحمد عَلَيْهِ وَمن الخاسر ذَنبا يلام عَلَيْهِ وَأَشَارَ بقوله هَذَا وَذَا إِلَى المرزوق والمحروم وَلم يذكرهما وَإِنَّمَا ذكر اخْتِلَاف الرزقين وَهَذَا كَمَا أنْشد ابْن الأعرابى
(يَخِيبُ الفَتى من حيثُ يُرْزَقُ غيرُهُ ... ويُعْطَى المُنى مِن حيثُ يُحرَم صاحبُه)
وَهَذَا يدل على أَنه لَيْسَ لأحد فعل وَلَا قدرَة وَقد يرْزق الْعَاجِز وَيحرم الْحَرِيص الذى لَا يفتر وَمَا أحسن قَول الْقَائِل
(وَمنْ ظَنَّ أنّ الرزْق يأتى بِحِيلةٍ ... لقَدْ كذَبْتهُ نَفْسُهُ وَهُو إِثمُ)

(يفوتُ الغِنى من لَا ينامُ عنِ السُّرَى ... وآخَرُ يأتى رِزْقَهُ وَهُوَ نائمُ)
(1/65)

- الْإِعْرَاب روى ابْن جنى من فَوق بِرَفْع الْقَاف وبدؤه بِالرَّفْع أَيْضا جعل فَوق معرفَة وبناه كقبل وَبعد وَأَرَادَ فَوْقه فَلَمَّا حذف الْهَاء بناه كقبل وَبعد وَرفع بدؤه على الِابْتِدَاء قَالَ الواحدى على رِوَايَة ابْن جنى لَا يَسْتَقِيم لفظ الْبَيْت وَلَا مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يَقُول أضحت هَذِه القلعة يعْنى مرعشا كَأَن سورها من فَوق بدئه أى من أَعلَى ابْتِدَائه قد شقّ الْكَوَاكِب بعلوه فى السَّمَاء وَالتُّرَاب برسوخه فى الأَرْض وَهُوَ كَقَوْل السموءل
(لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَنْ نُجِيرُهُ ... مَنِيعٌ يَرُدّ الطَّرْفَ وهْو كَلِيلُ)

(رَسا أصْلُه تحتَ الثَّرَى وسَما بِهِ ... إِلَى النَّجم فَرْعُ لَا يُرام طويلُ)
انْتهى كَلَامه الْمَعْنى قَالَ الْخَطِيب وَجَمَاعَة مِمَّن شرح الدِّيوَان يُرِيد أَن هَذِه القلعة لعلوها فى الجو كَأَنَّهَا ابتدئ بهَا من الجو فأسست هُنَاكَ فشقت الْكَوْكَب والترب يعْنى الذى ارْتَفع مِنْهَا إِلَى الجو حواليها فَكَأَنَّهَا مَقْلُوبَة رَأسهَا فى السَّمَاء وَأَعْلَى حائطها إِلَى الأَرْض
(1/66)

- الْإِعْرَاب مَخَافَة مفعول من أَجله وعنها مُتَعَلق بتصد وَأَن تلقط فى مَوضِع نصب على حذف حرف الْجَرّ أى من أَن تلقط على أحد المذهبين الْمَعْنى يَقُول إِن الرِّيَاح الهوج وهى جمع هوجاء وهى الَّتِى لَا تستقيم فَتَارَة تأتى من هُنَا وَتارَة تأتى من هُنَا تقصر عَن أَعْلَاهَا خوفًا من أَن تتحير دون الْوُصُول إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ الطير تخَاف أَن ترتقى إِلَيْهَا وَقَالَ القاضى أَبُو الْحسن الجرجانى يُرِيد أَن هَذِه الرِّيَاح لَا تأتيها خوفًا من سياسته وَالطير حذرا من أَن يجرى عَلَيْهَا إِذا التقطت الْحبّ مَا تَوْجِيه حَال جِنَايَة المتناول بِغَيْر إِذن وَقَالَ هَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(فَقَدْ بَثَّ عَبْدُ اللهِ خوْفَ انْتقامهِ ... على اللَّيْلِ حَتَّى مَا تَدِبّ عَقاربُه)
وَهَذَا كَقَوْل الآخر
(وكانَتْ لَا تَطِيرُ الطَّيْرُ فِيها ... وَلا يَسْرِى بِها للْجِنّ سارِى)

37 - الْغَرِيب الجرد الْقصار الشّعْر وَهُوَ من عَلَامَات الْعتْق وتردى من الرديان وَهُوَ ضرب من الْعَدو ترْجم فِيهِ الْجِيَاد الأَرْض بحوافرها والصنبر السَّحَاب الْبَارِد وَقيل هُوَ من أَيَّام الْعَجُوز وهى سَبْعَة أَيَّام وأنشدوا فِيهَا
(ذَهَبَ الشِّتاءُ بسَبْعَةٍ غُبْرِ ... بالصِّنّ والصِّنَّبْر والوَبْرِ)

(وبآمِرٍ وأخِيهِ مُؤْتمِرُ ... ومعَلَّلٌ وبمُطْفئ الجَمْرِ)
وَيُقَال إِن عجوزا كَانَ لَهَا سَبْعَة أَوْلَاد خرج كل وَاحِد مِنْهُم فى يَوْم من هَذِه الْأَيَّام فَقتله الْبرد والعطب الْقطن الْمَعْنى يَقُول خيلك ترْجم الأَرْض بحوافرها فَوق جبال هَذِه القلعة الَّتِى قد امْتَلَأت طرقها بالثلج فَكَأَنَّهَا قطن ندفه السَّحَاب فى أَيَّام الْعَجُوز
38 - الْإِعْرَاب اعْلَم أَن كفى الَّتِى بِمَعْنى أَجْزَأَ أَو وفى تتعدى إِلَى مفعول وَاحِد كَقَوْلِك كفانى دِرْهَم أى أجزأنى وكفانى قرضا أى أغنانى وَهَذِه من هَذَا الْبَاب وَكفى أَيْضا تتعدى إِلَى مفعولين نَحْو قَوْلك كفيت فلَانا شَرّ فلَان منعته وفى الْكتاب الْعَزِيز {فَسَيَكْفِيكَهُم الله} فهما مُخْتَلِفَانِ معنى وَعَملا فَقَوله أَن يعجب فَاعل كفى وعجبا مَفْعُوله وَأَن فى مَوضِع نصب على أحد المذهبين بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ وتبا مصدر وَهُوَ دُعَاء الْغَرِيب التب الْقطع والهلاك والخسران قَالَ عز وَجل {تبت يدا أَبى لَهب وَتب} أى خسرت وَهَلَكت الْمَعْنى يُرِيد كفى من الْعجب أَن يعجب النَّاس مِمَّن بنى هَذِه القلعة وتبا لآرائهم حَيْثُ لم يعلمُوا أَنه يقدر على مَا يقْصد فَكيف يتعجبون من قَادر يبلغ مقدوره
(1/67)

- الْمَعْنى يُرِيد إِذا كَانَ يخَاف مَا يخافه غَيره فأى فرق بَينه وَبَين غَيره وَإِذا صَعب على غَيره فأى تَمْيِيز لَهُ عَن غَيره وَإِنَّمَا يتَمَيَّز عَن غَيره لِأَنَّهُ لَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ أَمر وَلَا يخَاف شَيْئا
40 - الْغَرِيب الصارم السَّيْف الْقَاطِع العضب أَيْضا الْقَاطِع عضبه عضبا أى قطعه وعضبته بلسانى أى شتمته وَرجل عضاب أى شتام الْمَعْنى يُرِيد أَن الْخلَافَة لما سمته دون النَّاس بِسيف دولتها أعدته لأمر من الْأُمُور
41 - الْإِعْرَاب رَحْمَة وحبا مصدران مفعولان من أَجله الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَعْدَاء لم ينهزموا رَحْمَة لَهُ وَلَا أجلوا عَن الشَّام محبَّة لَهُ وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك فرقا مِنْهُ كَقَوْل مَرْوَان بن أَبى حَفْصَة د
(وَمَا أحْجَمَ الأعْداءُ عنكَ بقيَّةً ... عليكَ ولكنْ لم يَرَوْا فِيك مَطْمَعا)
وَبَيت هَذَا أحسن لِأَنَّهُ أَتَى الْمَعْنى فِيهِ وَأَبُو الطّيب بَين عِلّة الانهزام فى الْبَيْت الذى بعده
42 - الْغَرِيب النثا بِتَقْدِيم النُّون مَقْصُور يكون فى الشَّرّ وَالْخَيْر يُقَال نشوت الْكَلَام نشوا إِذا أظهرته وَالثنَاء الْمَمْدُود بِتَقْدِيم الثَّاء يكون فى الْخَيْر وَقَالَ قوم بِالْعَكْسِ الْمَعْنى يُرِيد أَن أَصْحَاب الأسنة نفاهم عَن الشَّام صاغرين أذلاء رجل كريم الحبر يحسن الْخَبَر عَنهُ لم يسب قطّ لِأَنَّهُ غير مُسْتَحقّ لذَلِك لِأَنَّهُ لم يَأْتِ مَا يسْتَحق عَلَيْهِ أَن يسب وَلَا هُوَ سبّ أحدا لِأَنَّهُ أرفع أَن يذكر الْفُحْش والخنا وَقَوله غير كَرِيمَة أى أَصْحَاب الأسنة نفاها هَذَا الْكَرِيم غير كَرِيمَة فَغير حَال الْعَامِل فِيهَا نفاها وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر
(أُعْدُدْ ثَلاثَ خَِصَالٍ قدعُدِدْنَ لَهُ ... هَل سُبّ مِن أحدٍ أَو سَبّ أَو بَخِلا)
(1/68)

- الْإِعْرَاب وجيش عطف على قَوْله كريم وَالضَّمِير فى كَأَنَّهُ عَائِد إِلَى الْجَيْش الْغَرِيب الخريق الرّيح الشَّدِيدَة وَقيل هى اللينة وهى من الأضداد والطود الْجَبَل الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْجَيْش يكَاد يشق الطود وَهُوَ الْجَبَل الْعَظِيم نِصْفَيْنِ لكثرته تسمع صَوته كَالرِّيحِ الشَّدِيدَة إِذا مرت بأغصان رطبَة وَهُوَ من قَول الشَّاعِر
(كأنَّ هُبُوبَها حَفَقانُ رِيحٍ ... خَرِيقٍ بينَ أعْلامٍ طِوَالِ)

44 - الْمَعْنى يَقُول عجاجة هَذَا الْجَيْش حجبت نُجُوم السَّمَاء فَكَأَن النُّجُوم خَافت مغاره فاستترت بالعجاج عَنهُ حَتَّى لَا يَرَاهَا وَهُوَ // معنى حسن // أَخذه الحيص بيص بقوله
(نَفَى واضحَ التَّشرِيق عَن أرْض رَبْعه ... دُخانُ قُدُورٍ أَو عَجاجَةُ مُصْدِمِ)
ومُغاره إغارته وَقَوله حجبا جمع حجاب ككتاب وَكتب وشهاب وشهب
45 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يعْنى من كَانَ لئيما كَافِرًا فى ملكه فَهَذَا كريم مُؤمن يرضى المكارم بجوده وَالله تَعَالَى بجهاده فى سَبيله وَقَالَ الشريف ابْن الشجرى فى أَمَالِيهِ الْإِشَارَة فى هَذَا إِلَى الْملك لَا إِلَى الممدوح لأمرين أَحدهمَا أَنه لَو أَرَادَ الممدوح لقَالَ فَأَنت الذى ترْضى لِأَن الْخطاب فى مثل هَذَا أمدح وَالْآخر أَنه أَشَارَ إِلَى الْملك فَجعل الإرضاء لَهُ لِأَن الإرضاء الأول مُسْند إِلَى الْملك فَوَجَبَ أَن يكون الإرضاء الثانى كَذَلِك لِأَن وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِأَن قَوْله ملكه قد دلّ عَلَيْهِ كَمَا تَوَجَّهت الْإِشَارَة فى الضَّمِير إِلَى الصَّبْر من قَوْله {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك} لدلَالَة صَبر عَلَيْهِ وكما عَاد الضَّمِير إِلَى الْملك من قَول القطامى
(همُ المُلوكُ وَأَبْنَاء المُلوك هُم ... والآخِذونَ بِهِ والسَّاسَةُ الأُوَلُ)
قَالَ وَكَانَ الْوَجْه لأبى الطّيب أَن يَقُول فى الْمُقَابلَة يرضى المكارم وَالْإِيمَان ليقابل بِالْإِيمَان الْكفْر كَمَا قَابل بالمكارم اللؤم وَلَكِن لما اضطرته القافية وضع لَفْظَة الرب مَوضِع الْإِيمَان فَكَانَ ذَلِك فى غَايَة الْحسن لِأَن المُرَاد فى الْحَقِيقَة إرضاء أَهله وإرضاء أَهله تَابع لإرضاء الله تَعَالَى
(1/69)

- 1 - الْإِعْرَاب عاتبا حَال وأمضى السيوف خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ أمضى السيوف مضاربا فى نصبها ثَلَاثَة أوجه تَمْيِيز وبأسقاط حرف الْجَرّ أى فى مضَارب وَقيل مفعول لأَجله وَقد جَاءَ التَّمْيِيز بِالْجمعِ فى قَوْله {الأخسرين أعمالا} الْمَعْنى يَقُول لم غضب وَمَا سَبَب غَضَبه فَمَا أعرف لى ذَنبا أوجب غَضَبه على وَقَوله أمضى السيوف أى لَا سيف أمضى مِنْهُ مضربا
2 - الْغَرِيب التنائف جمع تنوفة وهى الْمَفَازَة والسباسب جمع سبسب وهى الآرض الْبَعِيدَة القفر الْمَعْنى يَقُول مالى بَعيدا عَنهُ إِذا اشْتقت إِلَيْهِ رَأَيْت بينى وَبَينه مفاوز وقفارا بعد مَا كنت قَرِيبا مِنْهُ وَهُوَ قَوْله
(وَقد كَانَ يدنى ... . الْبَيْت ... )

3 - الْمَعْنى أَنه جعل مَجْلِسه كالسماء لعلو قدره وَجعل من حوله كالكواكب وَجعله كالبدر بَينهم وَقَالَ الْخَطِيب شبه مَجْلِسه بالسماء وَجعله بَدْرًا وَحَوله كواكب فَهُوَ كَقَوْلِه أَيْضا
(اُقَلِّبُ مِنْكَ طَرْفِى فِى سَماءٍ ... وإنْ طَلَعَتْ كَوَاكِبُها خِصَالاً)

4 - الْإِعْرَاب المنصوبات كلهَا على الْحَال وَقَالَ الْخَطِيب على التَّمْيِيز وحنانيك كلمة مَوْضُوعَة مَوضِع الْمصدر اسْتعْملت مثناة كَأَنَّهُ حنان بعد حنان أى تحننا بعد تَحَنن وَكَذَلِكَ لبيْك من لب بِهِ إِذا لزمَه هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَقَالَ يُونُس الْيَاء فِيهَا منقلبة عَن ألف أجراها مجْرى على وَإِلَى تبقى مَعَ الْمظهر وتنقلب مَعَ الْمُضمر الْمَعْنى حسبى كفانى وَقَوله حسبى موهوبا أى أَنا أشكر من وهبنى وأنشر ذكره وَكفى بِهِ واهبا أى أشرف الواهبين
(1/70)

- 5 - الْمَعْنى يَقُول إِن كنت صَادِقا فى مديحك فعاملنى مُعَاملَة الصدْق وَإِن كنت كَاذِبًا فَلَيْسَ هَذَا جَزَاء الْكَاذِبين لأنى إِن كذبت فقد تجملت لَك فى القَوْل فتجمل لى أَيْضا فى الْمُعَامَلَة
6 - الْمَعْنى ينظر إِلَى قَول
" التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ " يُرِيد إِن كَانَ ذنبى ذَنبا لَا فَوْقه ذَنْب فالتوبة من الذَّنب محو لَا فَوْقه محو
1 - الْإِعْرَاب وخاضبيه عطف على مَا وَجمع الخاضبين جمع التَّصْحِيح لِأَنَّهُ أَرَادَ من يعقل وَمَا لَا يعقل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه} الْآيَة كَأَنَّهُ خلط الْجمع وكنى عَنْهُم بِمَا يكنى بِهِ عَمَّن يعقل وَذكر الْغَضَب مجَازًا وَأَرَادَ صَاحبه وَقَالَ ابْن فورجة خفض خاضبيه على الْقسم أى وَحقّ خاضبيه وَجعل الْغَضَب خضابا للحديد لِأَنَّهُ يخضبه بِالدَّمِ على سَبِيل التَّوَسُّع وَحسن ذَلِك لِأَن الْغَضَب يحمر مِنْهُ الأنسان وَهَذَا كَقَوْلِك أحسن مَا يخضب الخدود الْحمرَة والخجل لِأَن الخجل يصْبغ الخد أَحْمَر فَلَمَّا كَانَت الْحمرَة تَابِعَة للخجل جمعهَا وَهُوَ يُرِيد الدَّم وَحده وَيكون الْغَضَب تَأْكِيدًا أَتَى بِهِ على القافية وَقد صحت الرِّوَايَة عَن المتنبى وخاضبيه على التَّثْنِيَة كَأَن النجبع خاضب وَالذَّهَب خاضب وأحسنهما الدَّم انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره جعل الْغَضَب فى اللَّفْظ خضابا على أحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون لاشتمال الْغَضَب عَلَيْهِم صَار كالخضاب وَإِمَّا أَن يكون حذف وَأَرَادَ أحسن خضاب الْحَدِيد خضاب الدَّم وأحوال خاضبيه الْغَضَب وَالْهَاء فى بِهِ عَائِدَة على مَا يخضب الْمُقدر بِالْمَصْدَرِ
2 - الْغَرِيب النضار الذَّهَب وَقيل الْخَالِص من كل شئ وَقد بَيناهُ عِنْد قَوْله
(سَالَ النضار ... )
الْمَعْنى لَا تسنه بالإذهاب فَإِنَّهُ إِذا أذهب ذهبت سقايته وهى مَاؤُهُ
(1/71)

- 1 - الغرب رَأْيك أى أفزعك يُقَال أرابه إِذا أوقع بِهِ الرِّيبَة بِلَا شكّ وأراب مَا يُصَرح قريبَة وَقيل رابه وأرابه إِذا أفزعه وأوقع بِهِ شَيْئا يشك فى عاقبته أخيراً نون أم شَره الْمَعْنى أى هَل يدرى الدمل من يريب أى بِمن حل ويريب روى بِضَم الْيَاء وَفتحهَا وروايتى عَن عبد الْمُنعم النحوى بِالضَّمِّ وَعَن الشَّيْخ أَبى الْحرم بِالْفَتْح وَجعله فلكا لعلو قدره ثمَّ قَالَ تَعَجبا وَهل يرقى إِلَيْك شئ وَأَنت عَال كالفلك وَلَيْسَ إِلَيْك مصعد
2 - الْإِعْرَاب الْكِنَايَة فى أقلهَا تعود إِلَى كل دَاء الْمَعْنى يَقُول لَا تطِيق الأدواء أَن تحل بك فَمن الْعجب أَن يقربك أقلهَا أى أقل الأدواء وَجعل للأدواء همة مجَازًا
3 - الْغَرِيب التجميش كلمة مولدة وهى شبه الملاعبة والمغازلة بَين الحبيبين وَقيل هُوَ مرض غير مؤلم وَقيل هُوَ مَأْخُوذ من الجمش وَهُوَ الْحَلب بأصبعين وَالْمرَاد بِهِ مس بِرِفْق الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى أَصَابَك هُوَ لعب من الزَّمَان لحبه لَك لِأَنَّك جماله وأشرف أَهله وَإِن تأذيت فقد يكون من الْأَذَى مَا يكون مقة من المؤذى وَهُوَ للحب والمقة الْمحبَّة وهى محذوفة الْوَاو وَالْأَصْل ومق
4 - الْمَعْنى إِنَّك طَبِيب الدُّنْيَا تنفى الظُّلم عَن أَهلهَا والعيوب وَالْفساد وَتقوم المعوج فَكيف تعلك وَأَنت طبيبها من علتها
5 - الْمَعْنى يتعجب كَيفَ بنوبه الْمَرَض وَهُوَ المستغاث بِهِ لما يَنُوب من الزَّمَان
(1/72)

- الْغَرِيب الصبيب المصبوب وَمَاء صبيب وصب قَالَ الراجز
(يَنْضَحُ ذَفراه بماءٍ صَبيب ... )
والصبيب مَاء ورق السمسم وَالْمقَام بِمَعْنى الْإِقَامَة وَيفتح وَيضم وَبِه قَرَأَ الْقُرَّاء فَقَرَأَ ابْن كثير فى مَرْيَم {خير مقَاما} بِضَم الْمِيم الأولى وَقَرَأَ حَفْص {لَا مقَام لكم} بِالضَّمِّ وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر {إِن الْمُتَّقِينَ فى مقَام أَمِين} بِالضَّمِّ فَهَذِهِ مقامات الْقُرْآن الْمَعْنى يَقُول أَنْت من عادتك الطعان فى الْأَعْدَاء وَسَفك دِمَائِهِمْ فَإِذا أَقمت يَوْمًا وَاحِدًا لم تفعل هَذَا مللت وَطلبت الْخُرُوج إِلَى الْعَدو حَتَّى تصب دِمَاءَهُمْ
7 - الْغَرِيب الحشايا جمع حشية وهى الْفرش المحشوة والحشايا معدولة عَن المحشوة الْمَعْنى إِنَّك رجل إِذا نَام على الْفرش المحشوة وجد ألما لَا لَذَّة لِأَنَّهُ لَا يصلح لَهُ إِلَّا الْحَرْب فَكَأَن هَذِه تمرضه وَهَذِه تشفيه وَهَذَا من الْكَذِب الذى يستحسنه الشُّعَرَاء
8 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى ترَاهَا عَائِد إِلَى الْخَيل وَلم يجر لَهَا ذكر إِلَّا أَنه قد تقدم مَا دلّ عَلَيْهَا من ذكر الْحَرْب والطعان ثمَّ ذكر بعد مَا يدل عَلَيْهَا والعثير الْغُبَار وَأَن ترى فى مَوضِع نصب بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف وَهُوَ حبك الْغَرِيب الجنيب المجنوب الْمَعْنى يَقُول مَا بك من مرض وَلَكِنَّك تحب الملاقاة لِلْعَدو بخيل تثير غبارا وهى تمشى فى ظلّ ذَلِك الْغُبَار وَيجوز أَن يُرِيد أَن الْغُبَار يتبعهَا فهى كَأَنَّهَا تقود ذَلِك الْغُبَار لِأَن الشَّخْص إِذا سَار فى الشَّمْس يتبعهُ ظله فَكَأَنَّهُ يجنبه أى يَقُودهُ وَالْمعْنَى إِذا كنت تحب هَذَا ومنعك عَنهُ الدمل قلقت لذَلِك
9 - الْغَرِيب مجلحة حَال للخيل وهى من صفتهَا وروى الخوارزمى محللة أى قد أحلّت لَهَا أَرض الْأَعْدَاء فَهِيَ تطؤها الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيل مجلحة أى مصممة مَاضِيَة لَهَا أَرض أَلا عادى تطؤها وللسمر يُرِيد القنا مناخرهم جمع منخر وجنوبهم تخرقها بالطعن
(1/73)

- الْغَرِيب قرط الْفَارِس عنان فرسه إِذا أَلْقَاهُ وأرخاه إِلَى الْأذن وهى مَوضِع القرط أَو مد يَده فى الْعَنَان حَتَّى يصل إِلَى ذَلِك الْموضع والقرط فى أَسْفَل الْأذن والشنف أَعْلَاهَا فالتقريط هُنَا أولى من التشنيف الْمَعْنى يَقُول أرخ لَهَا الأعنة حَتَّى ترجع إِلَى بلد الْعَدو فَلَيْسَ بِبَعِيد عَلَيْهَا مَا طلبت لسرعتها فالفارس إِذا أرسل يَده فى الْعَنَان أمكن الْفرس الْعَدو
11 - الْغَرِيب هفا ذهب وهفا الطير بجناحه إِذا خَفق وطار قَالَ الراجز
(وَهْوَ إِذا الحَرْب هَفَتْ عُقابُهُ ... مِنْ حَرّ حَرْبٍ تلتظى حِرابُهُ)
وهفا الشئ فى الْهَوَاء إِذا ذهب والضريب الْمثل والشكل والشبه والضريب الصقيع يَقع على الأَرْض فهى أَرض مَضْرُوبَة وضريب الْمَعْنى قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى وَلَا ابْن فورجة معنى هَذَا الْبَيْت وخبطا فِيهِ فى كِتَابَيْهِمَا لِأَنَّهُ لم يعلم الدَّاء الذى غفل عَنهُ بقراط وَلم يذكرهُ فى طبه وَذَلِكَ أَن الدَّاء الذى ذكره أَبوهُ الطّيب هُوَ أَن يمل أَن يُقيم يَوْمًا من غير حَرْب وَأَن الحشايا تمرضه وَأَن شفاءه الْحَرْب وَذكر أَنه لَيْسَ بِهِ عِلّة غير حب الْحَرْب وَهَذَا لم يذكرهُ بقراط لِأَنَّهُ لَيْسَ فى طبه أَن من مرض من ترك الْحَرْب بأى شئ يداوى فَقَالَ أَبُو الطّيب صَاحب هَذَا الدَّاء لَيْسَ لَهُ ضريب أى شَبيه لِأَنَّهُ لَا يعرف أحد يمرض لترك الْحَرْب انْتهى كَلَامه وَقَالَ جمَاعَة من شرَّاح هَذَا الدِّيوَان أصح مَا يُقَال أذا بِفَتْح الْهمزَة وهى للتقرير أَو للاستفهام الْمَحْض كَأَنَّهُ لما ذكر سيف الدولة وَأَنه أحب الْحَرْب قَالَ أَهَذا الدَّاء الذى الذى لم يعرفهُ بقراط أَو رفع دَاء بِفعل مُضْمر تَقْدِيره إِذا اعضل دَاء ثمَّ فسره بقوله هفا ويروى أذا دَاء وَتَكون الْهمزَة للنداء وَالْمعْنَى يَا ذَا دَاء أى أَنْت يَا سيف الدولة صَاحب دَاء غفل عَنهُ وأعضل بقراط وَقَوله فَلم يعرف يرْوى فَلم يُوجد وَجعل لم فى مَوضِع لَيْسَ لمضارعتها فى النفى لَهَا
12 - الْغَرِيب الوضاء والوضئ المبالغ فى الْوَضَاءَة وهى الْحسن وَهَذَا كُله للْمُبَالَغَة يُقَال كرام وطوال الْمَعْنى يُرِيد أَنه ينظر مِنْهُ إِلَى شمس لَا تغيب لِأَن الشَّمْس تغيب لَيْلًا وَهَذَا شمس مَوْجُودَة لَيْلًا وَنَهَارًا
(1/74)

- 13 - الْإِعْرَاب أَن يشحوا فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ على أحد المذهبين الْمَعْنى يُرِيد أَنى أعذر الحساد فى شحهم أى بخلهم بِالنّظرِ إِلَيْهِ يُقَال شح يشح ويشح من بابى نصر وَضرب // وَكِلَاهُمَا جَائِز // وهما من فعل
15 - الْمَعْنى يُرِيد ان الْقُلُوب تحسد الْعُيُون على نظر هَذَا الممدوح فَإِذا حسده أحد على هَذَا كَانَ مَعْذُورًا
1 - الْإِعْرَاب رَاعيا وصارما حالان وَقيل تمييزان الْمَعْنى يُرِيد إِذا كنت الْحَافِظ للرعية لم يقدر عَلَيْهِم أحد بضر لخوفهم مِنْك وبغيرك يعبث الذئاب فى حَال رعيه وسياسته ويثلم الضراب غَيْرك فى حَال قطعه وَإِذا كنت أَنْت الراعى لم يعبث الذئاب بسوامك وَإِذا كنت أَنْت الصارم لم يثلمك الضَّرْب
2 - الْإِعْرَاب طرا فى نَصبه وَجْهَان قوم يَقُولُونَ على الْمصدر وَقوم يَقُولُونَ على الْحَال الْمَعْنى أَنْت تملك الْجِنّ وَالْإِنْس فَكيف يكون لبنى كلاب أَن تملك نَفسهَا ثمَّ ذكر عذرهمْ فى الْبَيْت الذى بعده
3 - الْإِعْرَاب مَعْصِيّة نصب على الْمصدر لِأَن تركوك فى معنى عصوك وَقيل هى حَال الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك لما طلبتهم انْهَزمُوا خوفًا مِنْك لَا عصيانا والورد هُوَ الْوُرُود وَإِذا كَانَ الشَّرَاب الْمَوْت كره وُرُوده
(1/75)

- الْإِعْرَاب أَن فى مَوضِع نصب بتخوف تَقْدِيره تخوف السَّحَاب تفتيشك لِأَنَّك طلبتهم على كل مياه الْبَادِيَة فخافك السَّحَاب أَن تفتشه لِأَنَّهُ حَامِل المَاء
5 - الْغَرِيب المسومة المعلمة ذَوَات الشيات وتخب تعدو بك فى طَلَبهمْ لَا تعرف النّوم
6 - الْغَرِيب الْعقَاب الطير من سِبَاع طير وَالْعِقَاب أَيْضا الرَّايَة والجيش الْجَمَاعَة وجيش فلَان جمع الجيوش واستجاشة طلب مِنْهُ جَيْشًا الْمَعْنى أَنه شبهه وَهُوَ فى قلب الْجَيْش بعقاب تهز جناحيها وَهُوَ فى وَسطهمْ والجيش يضطرب للسير
7 - الْمَعْنى جعل طلبه لَهُم كالسؤال عَنْهُم وَالظفر بهم كالجواب وهما استعارتان وَلَيْسَ ثمَّ سوال وَلَا جَوَاب // وَهَذَا مجَاز // والفلوات جمع فلاة وهى الأَرْض الواسعة وهى مَأْخُوذَة من فلوته بِالسَّيْفِ إِذا قطعته فَهِيَ على هَذَا تحْتَمل ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن تكون لانقطاعها عَن النَّاس والثانى لِأَنَّهَا تفلى أَي تقطع وَالثَّالِث لِأَنَّهَا تقطع من سَار فِيهَا
8 - الْمَعْنى أَنهم لما فروا وهربوا وظفر بحريمهم حماهم ومنعهم من السبى فقاتل دون حريمهم ندى كفيك وَالنّسب القراب وَهُوَ الْقَرِيب الذى بَيْنك وَبينهمْ وَلم يكن ثمَّ قتال وَإِنَّمَا لما حماهم جعله قتالا عَنْهُم اسْتِعَارَة أى هَذَانِ رداك عَنْهُم
9 - الْمَعْنى يُرِيد وَقَاتل عَنْهُم حفظك فيهم سلفى معد يُرِيد ربيعَة وَمُضر لِأَنَّهُ من ربيعَة وَبَنُو كلاب من مُضر وَرَبِيعَة وَمُضر ابْنا نزار بن معد بن عدنان وهم عشائرك وهم الصحاب بِمَعْنى أَصْحَابك والصحاب جمع صَاحب
(1/76)

- الْغَرِيب تكفكف أى تكف وَالْمعْنَى وَاحِد وَلَفظه مُخْتَلف مثل فكبكبوا أى كبوا والعوالى الرماح وظعنهم جمع ظَعِينَة وهى الْمَرْأَة مَا دَامَت فى الهودج ثمَّ كثر حَتَّى قيل للْمَرْأَة ظَعِينَة وَإِن لم تكن فى هودج وَالْجمع ظعائن وظعن الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تكف عَنْهُم الرماح وَقد امْتَلَأت شعاب الْجبَال بظعنهم
11 - الْغَرِيب الأجنة جمع جَنِين وَهُوَ الْوَلَد فى بطن أمه قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم} والولايا جمع ولية وهى شبه البرذعة تجْعَل على سَنَام الْبَعِير وَقيل هى كسَاء يَجْعَل تَحت البرذعة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(أَو مُعْبَرُ الظَّهرِ يَنْبو عَن وليَّته ... ماحَجّ رَبُّه فى الدُّنيا وَلَا اعْتمَرَا)
وأجهضت أسقطت وَالْولد مجهض وجهيض والحوائل جمع حَائِل وهى الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْإِبِل والسقاب جمع سقب وَهُوَ الذّكر مِنْهَا الْمَعْنى يَقُول لشدَّة خوفهم وَمَا لحقهم من التَّعَب فى هَرَبهمْ أسقطت النِّسَاء فى براذع الْجمال وأسقطت نوقهم أَوْلَادهَا ذكورها وإناثها
12 - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لما انْهَزمُوا تفَرقُوا فَصَارَت عَمْرو وهى قَبيلَة من بنى كلاب عمورا يدعى كل قوم لتفرقهم عمرا وَكَذَلِكَ كَعْب وفى مَعْنَاهُ لكعب بن مَالك
(رأيْتَ الصَّدْعَ مِنْ كعْبٍ وَكَانُوا ... مِن الشَّنآنِ قد صَارُوا كعابا)
وَقَالَ الواحدى عَمْرو ذهبت يَمِينا فَصَارَت عمورا وَكَعب ذهبت شمالا وَتَفَرَّقَتْ فَصَارَت كعابا وَأنْشد بَيت كَعْب
13 - الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْقَبَائِل لما انْهَزمُوا خذل بَعضهم بَعْضًا لتشاغلهم بأرواحهم وَجعل أَبَا بكر قَبيلَة فَلذَلِك أنث وروى قريظ بالظاء وَالضَّاد
(1/77)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى التخاذل التَّأَخُّر وَإِذا تَأَخَّرت الجمجمة والرقبة تَأَخّر الْإِنْسَان أى لما سرت وَرَاءَهُمْ كَأَن رؤوسهم تَأَخَّرت لإدراكك إيَّاهُم وَإِن كَانَت فى الْحَقِيقَة قد أسرعت قَالَ أَبُو الْفضل العروضى مَا أبعد مَا وَقع من الصَّوَاب وتخاذل الجماحم والرقاب هُوَ أَن يضْربهَا بِالسَّيْفِ فيقطعها ويفصل بَينهمَا فتتساقط فَكَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خذل صَاحبه وَقد رَجَعَ أَبُو الْفَتْح إِلَى مثل هَذَا القَوْل فَذكر قَرِيبا من هَذَا الْمَعْنى قَالَ الواحدى والذى عندى فى معنى هَذَا الْبَيْت غير مَا ذكرَاهُ وَهُوَ أَنه يَقُول إِن الرُّءُوس تتبرأ من الْأَعْنَاق والأعناق مِنْهَا خوفًا مِنْك فَلَا يبْقى بَينهمَا تعاون كَمَا قَالَ
(أتاكَ يكادُ الرأسُ يَجحَدُ عُنْقَه ... )
وَهَذَا الْمَعْنى أَرَادَهُ الخوارزمى فَذكره فى ثَلَاثَة أَبْيَات فَقَالَ
(وكنتَ إِذا نَهدتَ لغَزْوِ قَوْمٍ ... وأوْجَبَتِ السِّياسَة أَن يَبيدُوا)

(تَبرَّأتِ الحَياة إلَيْكَ مِنهُمْ ... وجاءَ إلَيْكَ يَعْتَذِرُ الحَديدُ)

(وطَلَّقَتِ الجماجِمُ كلّ قَحْفٍ ... وأنْكَرَ صُحْبَةَ العُنُقِ الوَرِيدُ)
انْتهى كَلَامه وَقَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْعَلَاء أصل التخاذل التَّأَخُّر أى لما لقِيت سيوفك تَأَخَّرت وتخاذلت أى تساقطت لما ضربت بِالسُّيُوفِ وتخاذلت رجلا السَّكْرَان وَالشَّيْخ إِذا ضعفتا
15 - الْغَرِيب الملاب ضرب من الطّيب فارسى مُعرب قَالَ جرير
(تطلَّى وَهْىَ سيِّئة المُعَرَّى ... بصِنِّ الوَبْرِ تحسَبه مَلابا)
الْمَعْنى يُرِيد أَن نسَاء بنى كلاب لما ظفر بهم أَخذ نِسَاءَهُمْ فرجعن مكرمات عَلَيْهِنَّ قلائدهن وطيبهن لم يذهب مِنْهُنَّ شئ وعدن إِلَى أماكنهن مكرمات عَن السبئ
16 - الْمَعْنى أَنَّهُنَّ يشكرنك على مَا أوليتهن من الْإِحْسَان وَأَيْنَ موقع الثَّوَاب مِمَّا تَوْلِيَة لِأَن إحسانك لَا يُقَابل بشئ بل هُوَ أعظم من ذَلِك
(1/78)

- الْمَعْنى يَقُول لاعب يلحقهن فى أخذكهن وصيانتهن لِأَنَّهُنَّ مِنْك وكأنهن عِنْد أهلهن وأزواجهن لِأَنَّهُنَّ مكرمات
18 - الْمَعْنى يَقُول إنَّهُنَّ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ غربَة وَإِن بعدن عَن أَزوَاجهنَّ وأقاربهن إِذا رَأَيْنَاك لِأَنَّهُنَّ من أهلك وعشيرتك فكأنهن عنْدك فى أوطانهن لم يغتربن لمقامهن عنْدك
19 - الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يتم بأسك يتعجب من هَذَا أى لَا يتم بأسك فى قوم إِذا نالهم مَكْرُوه نالك فَلَا ترى أَن تصيبهم بمكروه لأَنهم قَوْمك فَإِذا أصبتهم بمكروه أصبت بِهِ نَفسك وَهَذَا الْمَعْنى كثير وَأول من اخترعه قيس بن زُهَيْر العبسى فَقَالَ
(فإنْ أكُ قدْ بردْتُ بِهم غَليلى ... فَلَمْ أقْطَعْ بِهِمْ إلاَّ بَنانِى)
وَقَالَ الْحَارِث بن وَعلة من أَبْيَات الحماسة
(قَوْمى همُ قَتَلُوا أميمَ أخِى ... فَلئنْ رَمَيْتُ يَصِيبُنِى سَهْمى)

(فَلئنْ عَفَوْتُ الأَعْفُوَنْ جَللاً ... ولئنْ سَطَوْتُ لأُوهِننْ عَظْمِى)
وَقَالَ العديل
(وإنى وإنْ عاديتهم آو جَفَوْتُهم ... لتألْم مِمَّا علّ أكبادَهم كِبْدِى)
وَأحسن فِيهِ على الْجَمِيع النميرى بقوله
(فإنَّكَ حِينَ تَبْلُغهم أذاة ... وإنْ ظَلموا المحترِقُ الضَّميرِ)

20 - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم إِن كَانُوا جنوا وأخطأوا فترفق بهم فَإِن من رفق بِمن جنى عَلَيْهِ كَانَ رفقه عتابا والرفق بالجانى وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ يَجعله عبدا لَك فَهُوَ كَقَوْلِه
(وَما قَتَلَ الأحْرارَ كالعَفْوِ عنهُمُ ... )
(1/79)

- الْغَرِيب الْخَطَأ نقيض الصَّوَاب وَقد يمد يُقَال مِنْهُ أَخْطَأت وتخطأت بِمَعْنى وَاحِد وَلَا يُقَال أخطيب إِلَّا شاذا والخطء بِالْكَسْرِ الذَّنب قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّه خطئا كَبِيرا} نقُول مِنْهُ خطئَ يخطأ خطأ وخطأة على فعلة وَالِاسْم الْخَطِيئَة على فعيلة وَلَك أَن تشدد الْيَاء لِأَن كل يَاء سَاكِنة قبلهَا كسرة أَو وَاو سَاكِنة قبلهَا ضمة وهما زائدتان للمد لَا للإلحاق وَلَا هما من نفس الْكَلِمَة فَإنَّك تقلب الْهمزَة بعد الْوَاو واوا وَبعد الْيَاء يَاء أَو تُدْغَم فَتَقول فى مقروء مقروا وفى خطبئة خطية وَلذَا وقف حَمْزَة على هَذَا وَشبهه دون الْوَصْل وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة خطئَ وَأَخْطَأ بِمَعْنى وَاحِد وهما لُغَتَانِ وَأنْشد لامرئ الْقَيْس
(يَا لَهْفَ هِنْد إِذا خَطِئنَ كاهِلا ... )
هَذَا الْبَيْت لامرئ الْقَيْس وَله قصَّة وَقَبله
(القاتِلِينَ المَلكَ الحُلاحِلا ... )
وَيَا لهف هِنْد هِنْد هَذِه هى امْرَأَة أَبِيه لم تَلد لِأَبِيهِ حجر شَيْئا فخلف عَلَيْهَا امْرأ الْقَيْس وَخرج فى طلب بنى كَاهِل فأوقع بحى من بنى كنَانَة وَهُوَ يظنّ أَنهم من كَاهِل وكاهل بطن من بنى أَسد وَقَالَ الأموى الْمُخطئ من أَرَادَ الصَّوَاب فَصَارَ إِلَى غَيره والخاطئ من تعمد لما لَا ينبغى تخاطأه وتخطأه أى أخطأه قَالَ أوفى بن مطر المازنى
(أَلا أبْلِغا خُلَّتِى جَابِرا ... بأنَّ خَليلك لم يُقْتَلِ)

(تَخَّطأتِ النَّبلُ أحشاءه ... وأُخِّر يَوْمى فَلم يعْجَلِ)
وَجمع الْخَطِيئَة خَطَايَا وَكَانَ الأَصْل خطائىء مثل فعاثل فاجتمعت الهمزتان فقلبت الثَّانِيَة يَاء لِأَن قبلهَا كسرة ثمَّ استثقلت وَالْجمع ثقيل وَهُوَ مَعَ ذَلِك معتل فقلبت الْيَاء ألفا وقلبت الْهمزَة الأولى يَاء لخفائها بَين الْأَلفَيْنِ وَجَمعهَا أَيْضا خطيئات يُقَال خَطِيئَة وخطايا وخطيئات وَقِرَاءَة أَبى عَمْرو فى جَمِيع الْقُرْآن على الْجمع الأول وَقَالَ بَعضهم يُقَال أَخطَأ فى الْحساب وخطئ فى الدّين الْمَعْنى أَنه يعْتَذر لَهُم إِلَى سيف الدولة يَقُول إِن كَانُوا مخطئين فَلَيْسَ هم بِأول من أَخطَأ وَقد تَابُوا وَالتَّوْبَة تجب مَا قبلهَا وهم عبيدك حَيْثُ كَانُوا وَإِذا دعوتهم للْمَوْت أجابوك وَكلهمْ اعتذر إِلَيْك
(1/80)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن حياتهم برضاك عَنْهُم فَإِذا غضِبت عَلَيْهِم غضِبت عَلَيْهِم الْحَيَاة وَلَا عُقُوبَة فَوق هجر الْحَيَاة وَهَذَا من أحسن مَا يكون
24 - يُرِيد أَن هَؤُلَاءِ البوادى مَا جهلوا نعمك بعصيانك والبوادى أهل البدو هُوَ فَاعل جهلت وَلَو كَانَت البوادى صفة للأيادى لَكَانَ حَقّهَا النصب وَسَأَلت شَيخنَا أَبَا مُحَمَّد عبد الْمُنعم النحوى عِنْد قراءتى عَلَيْهِ عَن هَذَا الْبَيْت وَقلت لَهُ يجوز أَن يكون البوادى نعتا للأيادى والبوادى فى نصف الْبَيْت فَكَأَنَّهُ عَنى الْوَقْف وَهُوَ مَوضِع وقف كَقَوْلِك أجب الداعى وَقد يُوقف على قَوْله تَعَالَى {يَوْمئِذٍ يتبعُون الدَّاعِي} بِالسُّكُونِ وَيكون فَاعل جهلت مضمرا فِيهَا فَقَالَ لى أَنْت مقرئ وَقد قست وَمَعَ هَذَا أَنْت حفى فصوب مَا قلت وَيكون البوادى على هَذَا السابقات الَّتِى بَدَت إِلَيْهِم وَقَوله
(ولكِنْ رُبمَا خَفَى الصَّوَابُ ... )
من أحسن مَا قيل وَهُوَ من إعجاز نبوته الَّتِى أعجزت غَيره وَقد ذَكرنَاهَا جملَة عِنْد قَوْله
(وبِضدّها تتَبَيَّنُ الأشْياءُ ... )

25 - الْمَعْنى يَقُول الذَّنب يتَوَلَّد من الدَّلال والبعد يأتى من الْقرب وَذَلِكَ أَن صَاحب الذَّنب يأتى بذنب وَهُوَ يَظُنّهُ دلالا وَقد يكون بعد سَببه الْقرب وَهُوَ من أحسن الْأَشْيَاء وَهُوَ حِكْمَة من أحسن الْكَلَام وَقد جمع فِيهِ معانى
26 - الْإِعْرَاب وجرم مَعْطُوف على ذَنْب تَقْدِيره وَكم جرم وَقيل هُوَ مجرور بِرَبّ الْمقدرَة أى وَرب جرم الْغَرِيب السُّفَهَاء جمع سَفِيه كفقيه وفقهاء وهم الْجُهَّال وَمن لَا عقل لَهُ والجرم الذَّنب يُقَال جرم وأجرم الْمَعْنى يُرِيدكُمْ جرم أَو رب جرم وَهُوَ الذَّنب وَالْجِنَايَة جناه سَفِيه فَنزل الْعَذَاب بِغَيْرِهِ وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَالْحكمَة وَهُوَ مَنْقُول من قَوْله تَعَالَى {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} وَقَالَ الْحجَّاج وَالله لأخذن المحسن بالمسئ والطائع بالعاصى وَقَالَ هَذَا الْمَعْنى جمَاعَة مِنْهُم امْرُؤ الْقَيْس
(وقاهُم جَدُّهم ببَنى أبِيهم ... وبالأشْقيَنَ مَا كانَ العقابُ)
وَقَالَ آخر
(رأيتُ الحرْبَ يَجْنيها رِجالٌ ... ويَصلَى حَرَّها قوْمٌ بَراءُ)
وَقَالَ آخر
(جَنى ابْن عمك ذَنْبا فابْتُلِيْتَ بِهِ ... إنّ الفَتى بِابْن عمّ السَّوْءِ مأخوذُ)
وَقَالَ آخر
(نصدّ حَياءً أَن نَراكَ بأعْيُنٍ ... جَنى الذَّنبَ عاصيها فلِيمَ مُطيعُها)
وَقَالَ النَّابِغَة
(كذى العَرّ يُكْوَى غيرُه وَهُوَ راتعُ ... )
وَقَالَ البحترى
(وَلَا عُذْر إِلَّا أنّ حِلْم حليمِها ... يُسَفَّه فى شرّ جَناهُ خليعُها)
(1/81)

- الْمَعْنى إِن كَانُوا بِسَبَب جرمهم خَافُوا عليا وَهُوَ سيف الدولة فَإِنَّهُ يُرْجَى الْعَفو عِنْده كَمَا يهاب لِأَنَّهُ جواد مهيب 28 - الْمَعْنى يُرِيد إِن كَانَ سيف الدولة لغير دولتهم فَهُوَ ولى نعمتهم لِأَن جُلُودهمْ نَبتَت من إنعامه واكتست من خلعه عَلَيْهِم
29 - الْغَرِيب أثوا تقووا وكثروا يُقَال أث النَّبَات إِذا كثر والتف يئث أَثَاثَة ونبات أثيث وَشعر أثيث ونسوة أثائث كثيرات اللَّحْم قَالَ رؤبة
(ومِن هَواىَ الرّجُحُ الأثائثُ ... تُمِيلُها أعْجازُها الأوَاعِثُ)
والرباب غيم مُتَعَلق بالسحاب من تَحْتَهُ يضْرب إِلَى السوَاد قَالَ الشَّاعِر
(كأنّ الرَّباب دُوَيْن السَّحابِ ... نعامٌ تعلَّقَ بالأرْجُلِ)
الْمَعْنى يَقُول نشئوا وتربوا فى نعْمَته وإحسانه كالنبت لِأَنَّهُ يأتلف وينبت بالسحاب واستعار السَّحَاب للإحسان واستعار للمحسن إِلَيْهِ النَّبَات
(1/82)

- الْمَعْنى يَقُول بنسبتهم إِلَيْهِ وَإِلَى خدمته قهروا الأعادى وذلت لَهُم الْعَرَب الصعبة وانقاد لَهُم من الْعَرَب مَا لَا ينقاد لأحد كل هَذَا بِهِ وبخدمته وأسكن الْيَاء من الأعادى ضَرُورَة أَو لِأَنَّهَا فى نصف المصراع آخِره
31 - الْغَرِيب الضباب جمع ضَبَابَة وهى سَحَابَة تغشى الأَرْض كالدخان يُقَال مِنْهُ أضب نهارنا الْمَعْنى انه كنى بالشموس عَن النِّسَاء وبالضباب عَن الدّفع عَنْهُن لِأَن الضباب يستر الشَّمْس ويحول عَن النّظر إِلَيْهَا قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون هَذَا مثلا مَعْنَاهُ لَو غزاهم غَيره لَكَانَ لَهُ مَا يشْغلهُ بِمَا يلقى قبل الْوُصُول إِلَيْهِم وَمَعْنَاهُ أَنه يستقبله من قليلهم مَا يمنعهُ من الْوُصُول إِلَى الَّذين هم أَكثر مِنْهُم فَجعل الضباب مثلا للرعاع والشموس مثلا السادات وَقَالَ ابْن القطاع قَالَ ابْن الإفليلى فى شرح هَذَا الْبَيْت يُرِيد شموس كل يَوْم يقاتلهم فِيهِ
32 - الْغَرِيب الثاى جمع ثاية وهى حِجَارَة تجْعَل حول الْبَيْت يأوى إِلَيْهَا الراعى لَيْلًا وهى مبارك الْإِبِل ومرابض الْغنم الْمَعْنى يُرِيد لَو غزاهم غَيره لثناه عَنْهُم ولاقى مَعْطُوف على ثناه أى للاقى دون وُصُوله إِلَى هَذِه الْحِجَارَة طعانا تكْثر الْقَتْلَى حَتَّى يلتقى الْغُرَاب عَلَيْهِم وَالذِّئْب فيجتمعان على لُحُوم الْقَتْلَى فَكيف لَهُ بالوصول إِلَى اسْتِبَاحَة حريمهم وَذهب قوم إِلَى أَن الذِّئْب لَا يَأْكُل إِلَّا مَا افترسه بِخِلَاف الضبع وَالْكَلب وأنشدوا فى ذَلِك
(ولكُلّ سَيِّد مَعْشَرٌ مِن قَوْمِه ... دَعَرٌ يدنِّس عِرْضَه ويعيبُ)

(لَوْلا سِوَاهُ تَجزّرَت أوصَالَهُ ... عُرْجُ الضِّباعِ وصَدّ عَنهُ الذيبُ)
(1/83)

- الْإِعْرَاب وخيلا تغتذى عطف على قَوْله طعانا أى ولاقى خيلا الْغَرِيب الموامى وَاحِدهَا موماة وهى الْمَفَازَة قَالَ ابْن السراج كَانَ أَصْلهَا موموة على فعللة وَهُوَ مضاعف قلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا الْمَعْنى وَكَانَ يلاقى خيلا عرابا مضمرة قد تعودت قطع المفاوز على غير علف وَمَاء حَتَّى كَأَن غذاءها الرّيح وماءها السراب وَقَوله
(من المَاء السراب ... )
أى بَدَلا مِنْهُ إِذا رَأَتْ مثل لون المَاء اكتفت بِهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى {لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون} أى بَدَلا مِنْكُم وَقَوله
(يكفيها من المَاء ... إِلَى آخِره ... )
من أحسن الْأَشْيَاء
34 - الْغَرِيب الرب الله تَعَالَى وَلَا يُقَال لغيره إِلَّا بِالْإِضَافَة كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب وَقد قيل فى الْجَاهِلِيَّة بِغَيْر إِضَافَة للْملك قَالَ الْحَارِث بن حلزة
(وَهُوَ الرَّبّ والشَّهيدُ على يوْ ... مِ الحِوَارِين والبَلاء بلاءُ)
وَرب كل شئ مَالِكه وَأسرى يُقَال فى اللَّيْل أسرى وفى النَّهَار سرى وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى {أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} وَقَالَ قوم هما لُغَتَانِ تستعملان لَيْلًا وَنَهَارًا وَقد قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع
(فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل ... )
بوصل الْهمزَة من سرى يسرى الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لم يَنْفَعهُمْ الْحَرْب لأَنهم أدركوا وَلَا يَنْفَعهُمْ الْوُقُوف لَو وقفُوا فى دِيَارهمْ للدفاع والمحاماة لأَنهم لَو وقفُوا قتلوا
35 - الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما سرى خَلفهم لطلبهم تحيروا فَلَا ليل سترهم وَلَا نَهَار وَلَا حملتهم خيل وَلَا إبل فهم لهيبته متحيرون مَا نجاهم نَهَار وَلَا سترهم ليل
36 - الْمَعْنى جعل جَيْشه بحرا من حَدِيد لِكَثْرَة لابسى الْحَدِيد فِيهِ وجعلهم يموجون خَلفهم فى سيرهم كموج الْبَحْر وَهُوَ عبابه
(1/84)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما أَتَاهُم فى الْمسَاء وهم على بسط الْحَرِير آمنون قَتلهمْ فَأَصْبحُوا قَتْلَى على الأَرْض وفرشهم التُّرَاب عوضا عَن الْحَرِير وَقَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْعَلَاء نهبهم فَلم يتْرك لَهُم شَيْئا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ سوى التُّرَاب
38 - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لهيبته خذلوا حَتَّى صَار الرجل مِنْهُم كَالْمَرْأَةِ وَهَذَا // حسن جدا //
39 - الْإِعْرَاب بنوقتلى ارْتَفع على أَنه خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هم بنوقتلى أَبِيك وَمن عطف عَلَيْهِ فَهُوَ مَرْفُوع أَيْضا الْغَرِيب الحراب جمع حَرْبَة وهى أقصر من الرمْح يحملهَا الراجل دون الْفَارِس الْمَعْنى يُرِيد أَن أَبَا الهيجاء والدسيف الدولة قتل من كلاب فى حَرْب وَذَلِكَ أَنه لما هم بِالْحَجِّ وَقع بهم فى أَرض نجد فاقتتل مَعَهم فَجعل أَبُو الطّيب الظفر لَهُ وَقَالَ قوم كَانَ الظفر لبنى كلاب 40 - الْغَرِيب السخاب قلادة تتَّخذ من سك وَغَيره وَلَيْسَ فِيهَا من الْجَوْهَر شئ يلبسهَا الصّبيان وَجَمعهَا سخب الْمَعْنى أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ظَفرت بهم هم بنوقتلى أَبِيك بِنَجْد وَأَنه ظفر بهم وأعتقهم وهم أَطْفَال صغَار يلبسُونَ السخاب
41 - الْمَعْنى يَقُول كلكُمْ فعل فعال أَبِيه فهم فى الْخَطَإِ كآبائهم وَأَنت فى الْعَفو كأبيك وفعلهم عجب كَيفَ عصوك وَلم يعتبروا بآبائهم وفعلك أَنْت أَيْضا عجب فى الْمَنّ عَلَيْهِم والإبقاء لَهُم وَقيل عَفَوْت عَنْهُم كأبيك وخضعوا لَك كخضوع آبَائِهِم لأَبِيك
42 - الْإِعْرَاب كَذَا فى مَوضِع نصب بقوله فليسر وَالْفَاء إِنَّمَا تعطف أَو تكون جَوَابا فَإِذا تقدم الْمَفْعُول أَو الْخَبَر جَاءُوا بهَا ليعلموا أَن الْخَبَر وضع فى غير مَوْضِعه وَبَعض الْكُوفِيّين تَأَول أَخَاك فَاضْرب أَنه مَنْصُوب بِفعل مُضْمر تَقْدِيره اقصد أَخَاك فَاضْرب وَهَذَا يحسن فى الْمَفْعُول وَأما فى الْخَبَر فيبعد
و (مثل سُرَاك ... )
نصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ الْمَعْنى مثل هَذَا الْفِعْل فَلْيفْعَل من يطْلب الأعادى وَليكن طلابه مثل هَذَا السرى الذى سرت حَتَّى بلغت مرادك
(1/85)

- 1 - الْإِعْرَاب نصب كِنَايَة على الْمصدر وحرفا الْجَرّ يتعلقان بِالْمَصْدَرِ الْمَعْنى يُرِيد يَا أُخْت سيف الدولة وَيَا بنت أَبى الهيجاء فكنى بهما عَن أشرف النّسَب يُرِيد أَن نَسَبهَا من أشرف الْأَنْسَاب فَإِذا كنيت بهما عرفت لِأَنَّهُمَا خير النَّاس فَإِذا قلت يَا أُخْت خير أَخ وَيَا بنت خير أَب عرفت
2 - الْغَرِيب مؤبنة من التأبين وَهُوَ مدح الْمَيِّت الْمَعْنى يُرِيد أَن قدرك جليل عَظِيم فَأَنا أعظمه عَن أَن أسميك بِاسْمِك وَلَكِن إِذا وصفت مَا قيل فِيك من المحامد الَّتِى لَيست فى غَيْرك عرفت كَمَا قَالَ أَبُو نواس
(فهى إِذا أُنمِيَتْ فقَدْ عُرِفَتْ ... فَيَجْمَعُ الإسْمُ مَعْنَيَيْنِ مَعَا)

3 - الْغَرِيب الطَّرب خفَّة تعرض للْإنْسَان من فرط السرُور أَو الْحزن وَقد طرب يطرب طَربا فَهُوَ طرب قَالَ الجعدى
(وأُرَانِى طَرِبا فِى إثْرِهِمْ ... طَرَبَ الوَالِهِ أَو كالمُخْتَبِل)
الْمَعْنى يُرِيد أَن المحزون يسْبقهُ دمعه وَلسَانه فَلَا يملكهما أى إِذا صَارا فى قَبْضَة الطَّرب لَا يبْقى لَهُ ملك عَلَيْهِمَا والطرب هَا هُنَا مَا يقلقه من الْحزن واستعار للطرب قَبْضَة مجَازًا
(1/86)

- الْغَرِيب اللجب الصَّوْت والجلبة وجيش لجب عَرَمْرَم أى ذُو جلبة وَكَثْرَة وبحر ذُو لجب إِذا سمع صَوت أمواجه وَأَصله كل صَوت عَال الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى يُرِيد غدرت بهَا يَا موت لِأَنَّك كنت تصل بهَا إِلَى إفناء عدد الْأَعْدَاء وإسكات لجبهم لِأَنَّهَا كَانَت فاضلة تغرى الجيوش وتبيد الْأَعْدَاء قَالَ العروضى قَلما تُوصَف الْمَرْأَة بِهَذِهِ الصّفة وعندى أَنه أَرَادَ مَاتَ بموتها بشر كثير وأسكتت أَصْوَاتهم وترددهم فى خدمتها وَيجوز أَن يكون يُرِيد أَنهم سقطوا عَن برهَا وصلتها فكأنهم مَاتُوا انْتهى كَلَامه قَالَ الواحدى شرح هَذَا أَن يُقَال وَجه غدر الْمَوْت أَنه أظهر إهلاك شخص وأضمر فِيهِ إهلاك عَالم كَانَ يحسن إِلَيْهِم فهلكوا بهلاكه هَذَا معنى كم أفنيت من عدد كَقَوْل الآخر
(فمَا كانَ قَيْسٌ هُلْكُه هلكُ واحدٍ ... ولكنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدّمَا)
وكقول ابْن المقفع
(وأنتَ تموتُ وَحدَكَ ليسَ يَدْرِى ... بَموْتِكَ لَا الصَّغيرُ وَلَا الكَبِيرُ)

(وتَقْتُلَنى فتَقْتُلَ بى كَرِيما ... يَمُوتُ بمَوْتِهِ بَشَرٌ كَثيرُ)
وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ أَنه يَقُول غدرت بِسيف الدولة يَا موت حَيْثُ أخذت أُخْته وَأَنت بِهِ تفنى الْعدَد الْكثير وتهلك الجيوش الَّذين لَهُم الْأَصْوَات الْعَالِيَة وَإِذا كَانَ عونك على الإهلاك كَانَ من حَقك أَن لَا تفجعه بأخته
5 - الْمَعْنى سَأَلته أَن يمكنك من اصطلام من أردْت فأجابك وَمثله
(شَرِيكُ المَنايا والنُّفوس غَنيمة ... فكُلّ مُمَات لم يُمِته غُلُولِ)
6 - الْإِعْرَاب خبر فَاعل جاءنى وفى طوى ضمير على شريطة التَّفْسِير عِنْد الْبَصرِيين وفاعله عندنَا خبر وضميره فى جاءنى وَقد بَينا مثل هَذَا من إِعْمَال الْفِعْلَيْنِ وبسطناه فى كتَابنَا الْمَعْرُوف ب الإغراب فى الْإِعْرَاب عِنْد قَوْله تَعَالَى {هاؤم اقْرَءُوا كِتَابيه} الْمَعْنى لما جَاءَ هَذَا الْخَبَر وطوى الجزيرة والجزيرة تسمى بذلك من الْموصل إِلَى الْفُرَات وَالْخَبَر ورد إِلَى حلب فزعت مِنْهُ ورجوت أَن يكون كذبا وتعللت بِهَذَا الرَّجَاء
(1/87)

- الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى هَذَا // معنى حسن // أى صرت بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ كالشئ الذى يشرق بِهِ فى اللطافة والقلة يَقُول حَتَّى إِذا صَحَّ الْخَبَر وَلم يبْق لى أمل فى كَونه كذبا شَرقَتْ بالدمع لغَلَبَة الْبكاء وَكَثْرَة الدُّمُوع حَتَّى كَاد الدمع يشرق بى والشرق بالدمع أَن يقطع الانتحاب النَّفس فَيَجْعَلهُ فى مثل حَال الشرق بالشئ فكاد الدمع لإحاطته بى أَن يكون كَأَنَّهُ شَرق بى
8 - الْغَرِيب الْبرد جمع بريد وَأَصلهَا برد بِضَم الرَّاء وَقوم يسكنونها حملا على كتب ورسل وهى أَعْلَام تنصب فى الطَّرِيق فَإِذا وصل إِلَيْهَا الرَّاكِب نزل وَسلم مَا مَعَه من الْكتب إِلَى غَيره وَنزل فيبرد مَا بِهِ من التَّعَب وَالْحر فى ذَلِك الْموضع وينام فِيهِ وَالنَّوْم يُسمى بردا فَسمى مَا بَين الْمَوْضِعَيْنِ بريدا وَقيل للدابة بريد لِأَنَّهَا يستعان بهَا فِيهِ والبريد للملوك خَاصَّة الْمَعْنى يَقُول لهول هَذَا الْخَبَر لم تقدر الألسن على النُّطْق بِهِ وَلَا الْبَرِيد فى الطّرق على حمله وَلَا الأقلام أَن تكتبه
9 - الْغَرِيب كنى بفعلة عَن اسْمهَا وَاسْمهَا خَوْلَة وَهَذَا كَقَوْلِه {أجل قدرك} يُرِيد ذكر أَيَّام حَيَاتهَا الْمَعْنى يَقُول مَضَت فَكَأَنَّهَا لم تكن الَّتِى مَلَأت جيوشها ديار بكر وَكَانَت تهب وَكَانَت تخلع فانطوى ذَلِك بموتها
10 - الْإِعْرَاب الْبَاء فى قَوْله بِالْوَيْلِ مُتَعَلقَة بداع وَلَو تعلّقت بتغث لَكَانَ هجوا وذما الْمَعْنى كَانَت ترد حَيَاة الملهوف والمظلوم بالإغاثة وَالْإِجَارَة والبذل وتغيث من يدعوها إِذا دَعَاهَا بِالْوَيْلِ وَالْحَرب يُرَاد بِهِ لَفظه الذى نطق بِهِ فَكَأَنَّهُ على الْحِكَايَة وَهُوَ أَن يَقُول يَا ويلى يَا حربى
11 - الْمَعْنى يُرِيد كَيفَ حَال أَخِيهَا فَتى الفتيان إِذا كَانَت لأجل نعيها طَال ليل أهل الْعرَاق وَهَذَا الْبَيْت // مَاله معنى طائل وَفِيه سماجة //
(1/88)

- الْمَعْنى يُرِيد أيظن فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام وَهُوَ يريدها وروى بِالتَّاءِ على الْخطاب وبالياء على الْإِخْبَار عَن سيف الدولة يُرِيد أتظن أَنى غير حَزِين وَلَيْسَ هَذَا مليحا فى حق امْرَأَة أَجْنَبِيَّة أَن يخاطبها بِمثل هَذَا فرواية الْيَاء أحسن وهى روايتى عَن شيخى أَبى الْحرم وأبى مُحَمَّد
13 - الْمَعْنى أَنه يقسم بِحرْمَة من هَذِه صفاتها إنى مكتئب ودمعى منسكب ويروى
(بِحرْمَة الْمجد وَالْإِسْلَام ... )
يُرِيد بلَى وَحُرْمَة هَذِه أَن دمعى منسكب وفؤادى مكتئب
14 - الْغَرِيب النشب المَال جَمِيعه صامته وناطقه الْمَعْنى يُرِيد قد مَضَت وَلم يُوجد مثلهَا بعْدهَا من يتخلق بأفعالها فَلَيْسَ يرتها أحد وَإِن كَانَ مَا تملكه مُبَاحا فخلائقها لَا تورث لأتها تفردت بهَا دون غَيرهَا
15 - الْغَرِيب الأتراب وَاحِدهَا ترب يُقَال هَذِه ترب هَذِه أى لدتها وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فى الْمُؤَنَّث قَالَ الله تَعَالَى {عربا أَتْرَابًا} بَعضهنَّ لدات بعض الْمَعْنى يُرِيد همها مذ نشأت فى جمع الْعلَا وتدبير الْملك وأقرانها همهن فى اللَّهْو واللعب وَهَذَا مثل قَول بَعضهم
(فَهمُّك فِيها جِسامُ الأُمُور ... وَهَمُّ لِدَاتَكَ أنْ يَلْعَبوا)

16 - الْغَرِيب الشنب حِدة فى الْأَسْنَان وَقيل برد وعذوبة وَامْرَأَة شنباء بَيِّنَة الشنب وَقَالَ الجرمى سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول إِنَّه برد الْفَم والأسنان فَقلت لَهُ إِن أَصْحَابنَا يَقُولُونَ هُوَ حدتها حِين تطلع فيراد بذلك حدتها وطراءتها لِأَنَّهَا إِذا أَتَت عَلَيْهَا السنون احتكت فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا بردهَا وَقَول ذى الرمة
(بَيْضَاءُ فى شَفَتَيْها حُوَّة لَعَس ... وفى اللِّثاتِ وفى أنْيابها شَنَبُ)
يقوى قَول الأصمعى لِأَن اللثات لَا يكون فِيهَا حِدة وَقَول الأعرابية
(بأبى أنتِ وفُوكِ الأشْنَبُ ... كَأَنَّمَا ذُرّ عليْه الزَّرْنَبُ)
يُؤَيّد قَول الأصمعى الْمَعْنى يُرِيد أَن أترابها إِذا جئن إِلَيْهَا رأين حسن مبسمها وَلَا يعلم مَا وَرَاء شفتيها إِلَّا الله لِأَنَّهُ لم يذقه أحد قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ المتنبى يتجاسر فى أَلْفَاظه جدا وَلَقَد أَسَاءَ بِذكرِهِ حسن مبسم أُخْت ملك وفى معنى بَيت أَبى الطّيب
(لَا والَّذى تسْجُدُ الجِباهُ لهُ ... مالى بِمَا ضَمّ ثَوْبُها خبرُ)

(وَلا بِفيها وَلا هَمَمْتُ بِها ... مَا كَانَ إِلَّا الحديثُ والنَّظَر)
(1/89)

- الْإِعْرَاب قَالَ ابْن جنى مفرقها مُبْتَدأ وَخَبره مَسَرَّة وحسرة خبر إِمَّا عَن مفرقها أَو عَنْهَا تَقْدِيره الْميتَة حسرة فى قُلُوب الْبيض واليلب قَالَ وَيجوز أَن يكون مَسَرَّة فى قُلُوب الطّيب مفرقها للترف والشرف وحسرة فى قُلُوب الْبيض واليلب لفقدها فَهَذَا خلاف الْمَعْنى الأول أى هى حسرة فى قُلُوب الْبيض لفقدها إِيَّاهَا أى هى تلبس ملابس النِّسَاء قَالَ والأجود أَن يَجْعَل مفرقها خبر المسرة أَو مَسَرَّة خَبره وَالْجُمْلَة خبر مبتدإ مَحْذُوف أى وهى مَسَرَّة فى قُلُوب مفرقها وهى حسرة فى قُلُوب الْبيض واليلب الْغَرِيب اليلب الدروع اليمانية تتَّخذ من الْجُلُود يخرز بَعْضهَا إِلَى بعض وهى اسْم جنس الْوَاحِدَة يلبة قَالَ ابْن كُلْثُوم
(علَينا البَيْضُ واليَلَب اليمانِى ... وأسْيافٌ يُقَمْنَ ويَنْحنينا)
وَيُقَال اليلب مَا كَانَ من جنن الْجُلُود وَلم يكن من الْحَدِيد وَمِنْه قيل للدرق يلب قَالَ الشَّاعِر
(عليهِم كلّ سابِغَة دِلاصٍ ... وفى أيْدِيِهِمُ اليَلَب المُدارُ)
واليلب فى الأَصْل اسْم لذَلِك الْجلد قَالَ أبود هُبل الجُمَحِي
(دِرْعى دلاصُ شكُّها شكّ عجبْ ... وُجُوبهَا القاتر مِن سيَر اليَلَبْ)
جوبها يُرِيد الترس والقاتر هُوَ الوفى الْحسن التَّقْدِير الْمَعْنى يُرِيد أَن الْبيض والدروع يتحسران عَلَيْهَا بِتَرْكِهَا لبسهما لِأَنَّهُمَا من ملابس الرِّجَال الْأَبْطَال وَالطّيب يسر باستعمالها لَهُ واستعار لَهما قلوبا مجَازًا لوصفه لَهما بالمسرة وَالْحَسْرَة
(1/90)

- الْإِعْرَاب رَأس يرْوى بِالرَّفْع وَالنّصب فالرفع فَاعل وَتَقْدِيره إِذا رأى رَأس لابس الْبيض واليلب وَالنّصب أَجود وَتَقْدِير النصب إِذا رأى الْبيض واليلب رَأس لابسه وَالضَّمِير للبيض لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يلبس على الرَّأْس واليلب قيل يلبس تَحت الْبيض الْمَعْنى يُرِيد أَن الْبيض إِذا رأى رَأس لابسه وَرَأى هَذِه الْمَرْأَة تلبس المقانع رأى المقانع الَّتِي تلبسها أَعلَى رُتْبَة من الْبيض فازداد حسرة على تَركهَا لَهُ لِأَن المقانع لبسهَا فى الدُّنْيَا وَعند الْمَوْت فتحسر الْبيض حَيْثُ لم تلبسه
19 - الْمَعْنى يُرِيد إِن كَانَت أُنْثَى الْخلق فهى فى الْعقل والشرف أَعلَى من الرجل
20 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه وَإِن كَانَت من تغلب الغالبين النَّاس لشجاعتهم وعزهم فَإِنَّهَا أفضل مِنْهُم لِأَن الْعِنَب أصل الْخمر وفى الْخمر معَان لَيست فِيهِ وَهَذَا تَفْضِيل لَهَا على قَومهَا وَهُوَ كَقَوْلِه
(فإنّ المِسْكَ بعضُ دمِ الغَزالِ ... )
يُرِيد أَن فِيهَا معانى من الْكَمَال لَيست فى تغلب وَقَالَ الواحدى الغلباء الْغِلَاظ الرّقاب نعتهم بغلظ الرَّقَبَة لأَنهم لَا يذلون لأحد وَلَا ينقادون لَهُ انْتهى كَلَامه // وَعجز هَذَا الْبَيْت من الْكَلَام الْجيد // وَمَا فى القصيدة مثله
21 - الْمَعْنى يُرِيد لَيْت الشَّمْس غَابَتْ وَبقيت هَذِه الْمَرْأَة الَّتِى شبهها بالشمس وَجعلهَا شمسا لِأَن للنَّاس فى حَيَاتهَا مناقع كَثِيرَة فليتنا فَقدنَا الشَّمْس الطالعة وَبقيت الغائبة
22 - الْغَرِيب آب رَجَعَ وَأب بِالتَّشْدِيدِ يؤب أَبَا وأبابة إِذا تهَيَّأ للذهاب وتجهز يُقَال هُوَ فى أبابة قَالَ الْأَعْشَى
(صُرِمتُ وَلم أصرِمكمُ وكَصَارِم ... أخُ قد طوَى كَشحا وأبّ ليذهَبا)
الْمَعْنى يَقُول لَيْت عين الشَّمْس فدَاء عين هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي فَارَقت وَلم تعد
(1/91)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا مثل فى الرِّجَال وَلَا فى النِّسَاء والقضب جمع قضيب وَهُوَ اللَّطِيف الدَّقِيق من السيوف
24 - الْمَعْنى يَقُول لست أودها إِلَّا بِاسْتِحْقَاق لصنائعها فسبب محبتى صنائعها عندى وإحسانها إِلَى وَقَالَ الواحدى روى ابْن جنى
(بِلَا ودَ وَلَا سَبَب ... )
أى لم يكن بكائى لَو ن وَسبب إِلَّا لصنائعها الَّتِى قد أولت وأفعالها الَّتِى لم تُوجد من بعْدهَا فهى تذكرنى فأبكى
25 - الْمَعْنى يَقُول قد كَانَت محجوبة بأوفى حجاب فأحبت الأَرْض أَن تكون مِمَّن يحجبها فانضمت عَلَيْهَا فَكَأَن الأَرْض لم تقنع بِمَا حولهَا من الْحجاب حَتَّى حَجَبتهَا بِنَفسِهَا
26 - الْمَعْنى يُرِيد أَن عُيُون النَّاس لم تدركها فَهَل حسدت يَا أَرض عَلَيْهَا أعين الْكَوَاكِب فحجبتها أَنْت
27 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول للْأَرْض هَل سَمِعت سَلاما لى أَتَاهَا يُرِيد أَن يجْهر إِلَيْهَا السَّلَام وَالدُّعَاء وَيسْأل الأَرْض عَن بُلُوغ سَلَامه إِلَيْهَا ثمَّ قَالَ وَقد أطلت التأبين والمرثية وتجهيز السَّلَام إِلَيْهَا وَلم أسلم عَلَيْهَا من قرب لِأَنَّهَا مَاتَت على بعد عَنهُ وَلم يعرض ابْن جنى معنى هَذَا الْبَيْت فَجعل // الِاسْتِفْهَام فِيهِ إنكارا // وَقَالَ يَقُول قد أطلت السَّلَام عَلَيْهَا وَأَنا بعيد عَنْهَا فَهَل سَمِعت يَا أَرض سلامى قَرِيبا مِنْهَا وَيدل على فَسَاد قَوْله هَذَا الْبَيْت الذى بعده
(وَكَيف يبلغ مَوتَانا ... الخ ... )

28 - الْمَعْنى كَيفَ يبلغ سلامى الْمَوْتَى وَقد يقصر عَن الْأَحْيَاء يعرض بِسيف الدولة وَأَنه يقصر سَلَامه دونه وَقد أنكر ابْن فورجة هَذَا التَّعْرِيض وَقَالَ هُوَ على عُمُومه يُرِيد أَن السَّلَام يقصر عَن الحى الْغَائِب فَكيف عَن الْمَيِّت وَلَيْسَ فى الْكَلَام سيف الدولة
(1/92)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن أولى الْقُلُوب بهَا قلب أَخِيهَا وَالضَّمِير فى صَاحبه يعود على سيف الدولة وَهُوَ أولى الْقُلُوب تَقْدِيره وَقل لسيف الدولة يَا أَنْفَع السحب يُرِيد أَن إعطاءه أهنأ لِأَنَّهُ بِلَا أَذَى والسحاب قد يُؤْذى سيله وتهلك صواعقه وبرده
30 - الْغَرِيب النجب جمع نجيب وَهُوَ الْكَرِيم من كل شئ وَرجل نجيب أى كريم بَين النجابة والنجبة مثل الْهمزَة النجيب يُقَال هُوَ نجبة الْقَوْم إِذا كَانَ النجيب مِنْهُم وأنجب الرجل أى ولد ولدا نجيبا قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْأَعْشَى
(أنجَبَ أزْمانَ وَالديهِ بِهِ ... إذْ نَجلاه فنِعْمَ مَا نَجَلا)
وَامْرَأَة منجبة ومنجاب تَلد النجباء الْمَعْنى يُرِيد أَنه أكْرم النَّاس سوى آبَائِهِ الْكِرَام وَهَذَا لفظ فِيهِ عُمُوم سوى هَؤُلَاءِ فَلَو قَالَ يَا أكْرم النَّاس كلهم حمل على زَمَانه وَلَكنهُمْ سوى آبَائِك فَدخل من تقدم مَعَهم وَهَذَا // لفظ مُنكر // يدْخل فِيهِ الْأَنْبِيَاء وَمن دونهم
31 - الْمَعْنى يُرِيد بالشخصين أختيه الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى لِأَن الْمَوْت أَخذ الصُّغْرَى وَأبقى الْكُبْرَى فَكَانَت الْكُبْرَى كدر فدى بِالذَّهَب فَجعل الْكُبْرَى كالدر لنفاسته وَجعل الصُّغْرَى ذَهَبا
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمَوْت ترك الْكُبْرَى ثمَّ عَاد فَأَخذهَا وَمعنى الْبَيْتَيْنِ من قَول ابْن الْأَعرَابِي
(وقاَسَمنِى دَهْرِى بَنِىَّ مُشاطراً ... فلمَّا تقَضَّى شَطْرُهُ عَاد فى شَطْرى)
وَقَوله
(إِنَّا لنغفل ... الخ ... )
// من أحسن الْكَلَام وأوعظه وَهُوَ كثير فى الْكَلَام //
33 - الْغَرِيب قرب يقرب قرَابَة مثل كتب يكْتب كِتَابَة إِذا صَار إِلَى المَاء وَبَينه وَبَين المَاء ليلتان وَالِاسْم الْقرب قَالَ الأصمعى قلت لأعرابى مَا الْقرب قَالَ سير اللَّيْل لورد الْغَد يُقَال قرب بصباص شَدِيد لَا اضْطِرَاب فِيهِ وَذَلِكَ أَن الْقَوْم يرعون الْإِبِل وهم فى ذَلِك يَسِيرُونَ نَحْو المَاء فَإِذا أبقيت بَينهم وَبَين المَاء عَشِيَّة عجلوا نَحوه فَتلك اللَّيْلَة لَيْلَة الْقرب وَأقرب الْقَوْم إِذا كَانَ إبلهم قوارب
الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ أقصر مَا كَانَ بَينهمَا من الزَّمَان فَكَأَنَّهُ كقصر مَا بَين الْقرب إِلَى الْورْد وَهُوَ لَيْلَة
(1/93)

- الْمَعْنى يَقُول غفر الله لَك أحزانك والحزن مِمَّا يسْتَغْفر مِنْهُ لِأَن الْحزن كالغضب مِمَّن هُوَ تَحْتك إِذا أَصَابَك بِمَا تكره والحزن مِمَّن هُوَ فَوْقك وَالْإِنْسَان إِذا حزن على مُصِيبَة تصيبه فَكَأَنَّهُ يغْضب على الْقدر الْمَقْدُور حَيْثُ لم يجر بمراده وَالْغَضَب على الْمَقْدُور مِمَّا يسْتَغْفر مِنْهُ وَقد جَمعهمَا الله فى قَوْله {وَلما رَجَعَ مُوسَى إِلَى قومه غَضْبَان أسفا} فالغضب على قومه الَّذين عبدُوا الْعجل والأسف بِسَبَب خذلان الله لَهُم
35 - الْإِعْرَاب وزن يسخون يفعلن فالواو لَام الْفِعْل وَالنُّون عَلامَة الْإِضْمَار وَجمع التَّأْنِيث وَالضَّمِير رَاجع إِلَى النُّفُوس وَمثله {إِلَّا أَن يعفون} الْغَرِيب السَّلب مَا يُؤْخَذ من الْقَتِيل من ثِيَاب وَسلَاح وَمِنْه // الحَدِيث الصَّحِيح // " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) وَتقول سلبت الشئ سلبا بِسُكُون اللَّام وَالسَّلب بِالْفَتْح المسلوب وَكَذَلِكَ السليب وَالسَّلب أَيْضا لحاء شجر بِالْيمن تعْمل مِنْهُ الحبال وَهُوَ أجفى من لِيف الْمقل الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم قوم أَصْحَاب شرف وأنفة يُعْطون على الْمَسْأَلَة وَلَا يُعْطون على الْغَلَبَة والقهر وَلَو قَالَ نُفُوسهم لَكَانَ أحسن فى الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا قَالَ على المخاطبة وَهُوَ أمدح فعلى المخاطبة أَرَادَ يكون وَلَا يسخو وَإِنَّمَا أخبر عَنْهَا بالغيبة وَهُوَ // جيد //
37 - الْغَرِيب النبع شجر صلب ينْبت فى رُءُوس الْجبَال تتَّخذ مِنْهُ القسى والشوحط ينْبت فى أَسْفَل الْجبَال والغرب نبت ضَعِيف ينْبت على الْأَنْهَار الْمَعْنى يُرِيد أَنْتُم بَين الْمُلُوك كالقنا على سَائِر الْقصب ففضلكم عَلَيْهِم كفضل القنا على الْقصب ثمَّ دَعَا لَهُ أَن لَا تناله الليالى فَإِنَّهَا إِذا ضربت كسرت القوى بالضعيف وَهَذَا مثل // حسن //
(1/94)

- الْغَرِيب الخرب هُوَ ذكر الْحُبَارَى وَجمعه خربَان والأخرب المشقوق الْأذن مصدره الخرب أَيْضا الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ أَن لَا تعين الليالى من عَادَاهُ فَإِنَّهُنَّ يصدن القوى بالضعيف وَهَذَا مثل // حسن // مثل الْبَيْت الأول
39 - الْمَعْنى يَقُول إِن سرتك الْأَيَّام بمحبوب فجعتك بفقده إِذا استردته وَقد أرينك الْعجب حَيْثُ سررنك ثمَّ فجعنك فهى سَبَب للسرور والفجيعة وَهَذَا عجب أَن يكون شئ وَاحِد سَببا للسرور والفجيعة
40 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يَأْمَن فجعات الدَّهْر يحْسب الْإِنْسَان أَن المحن قد تناهت فيأتيه شئ لم يكن فى حسابه
41 - الْغَرِيب اللبانة الْحَاجة وَأَصله أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يطْلب اللَّبن من غَيره فَيَقُولُونَ أعطَاهُ لبانته أى شَيْئا من لبن ثمَّ كثر حَتَّى صَار كل حَاجَة والأرب الْحَاجة وَفِيه لُغَات أرب وإرب وإربة ومأربة ومأربة وفى الْمثل مأربة لَا حفاوة الْمَعْنى يَقُول لَا تنقضى حَاجَة أحد من الليالى وَذَلِكَ أَن حاجات الْإِنْسَان لَا تنقضى كلما قضى حَاجَة أَتَت أُخْرَى وَلم يرد لم يقْض أحد من الليالى وَلَو أَرَادَ هَذَا لَكَانَ مستحيلا وَيكون إِن أحدا لم يقْض من الليالى حَاجَة وَقد بَين هَذَا فى المصراع الثَّانِي وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(تُموتُ معَ المْرءِ حاجاتُه ... وتَبْقى لهُ حَاجَة مَا بَقِى)

42 - الْغَرِيب الشجب الْهَلَاك والحزن شجب يشجب شجبا أى هلك أَو حزن فَهُوَ شجب وشجب بِالْفَتْح يشجب بِالضَّمِّ شجوبا فَهُوَ شاجب أى هَالك وشجبه الله يشجبه شجبا بِسُكُون الْجِيم أهلكه يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى وشجبه أَيْضا حزنه وشجبه أَيْضا شغله الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّاس يتخالفون فى كل شئ وَالْإِجْمَاع على الْهَلَاك فكلهم يَقُول إِن مُنْتَهى النَّاس وَالْحَيَوَان الْمَوْت فيهلكون ثمَّ تخالفوا فى الْمَوْت فَقَالَ قوم هَل تَمُوت النَّفس بِمَوْت الْجِسْم أم تبقى حَيَّة لقَوْله تَعَالَى {كل شئ هَالك إِلَّا وَجهه} وَقَالَ قوم هَل نبعث إِذا متْنا وَقَالَ قوم إِن دَخَلنَا النَّار أَقَمْنَا فِيهَا سَبْعَة أَيَّام بِقدر عمر الدُّنْيَا وَالْخلف فى الْمَوْت كثير وهم قد أَجمعُوا عَلَيْهِ بِغَيْر خلاف وَالْخلاف فِيهِ كثير وَقد بَينه فِيمَا بعده بقوله
(فَقيل تخلص نفس الْمَرْء ... الْبَيْت ... )
(1/95)

- الْمَعْنى يُرِيد بِالنَّفسِ الرّوح وَاخْتِلَاف النَّاس فى هَلَاك الْأَرْوَاح فالدهرية وَمن يَقُول بقدم الْعَالم يَقُولُونَ إِن الرّوح تفنى كالجسم والمقرون بِالْبَعْثِ يَقُولُونَ الْأَرْوَاح تسلم من الْهَلَاك وَلَا تفنى بِفنَاء الْأَجْسَام
44 - الْمَعْنى يُرِيد بِإِقَامَة الْفِكر بَين الْعَجز والتعب أَنه يتعب تَارَة فى طلب الدُّنْيَا وَتارَة يتْرك طلبَهَا خوفًا على مهجته فَلَا يَنْفَكّ عَن طلب وَعجز فالطالب فى تَعب والقاعد عَاجز وعجزه للخوف على مهجته فَلَو تَيَقّن سَلامَة مهجته مَا قعد عَن الطّلب
19

- 2 - الْإِعْرَاب السّمع والطوع والابتهاج مصَادر دلّت على أفعالها فَكَأَنَّهُ قَالَ سَمِعت أَمرك سمعا وأطعت طَاعَة وابتهجت بكتابك ابتهاجا الْغَرِيب الابتهاج الْفَرح يُقَال بهج بِهِ بِالْكَسْرِ فَهُوَ بهج وبهيج قَالَ الشَّاعِر
(كَانَ الشَّبابُ رِداء قد بهجْتُ بِهِ ... فقد تَطايَرَ مِنهُ للبِلى خِرقُ)
وبهجنى بِالْفَتْح وأبهجنى سرنى الْمَعْنى يَقُول أطعتك وابتهجت بكتابك وَإِن كَانَ فعلى فى طَاعَتك لَا يبلغ مَا يجب وَقيل لَا يسْتَحق أحد أَكثر من السّمع وَالطَّاعَة وَلكنه أيأسه من النهوض إِلَيْهِ وَهُوَ التَّقْصِير الذى ذكره وَهَذِه القصيدة من المتقارب وتقطيعها فعولن فعولن فعولن دخله الْقصر فَصَارَ فعولن فعولن فعولن فعل
(1/96)

- الْمَعْنى يَقُول لم يمنعنى من اللحوق بك إِلَّا خوف الوشاة والوشاية طريقها الْكَذِب إِذا وشى الْإِنْسَان كذب فَخفت كذبهمْ
4 - الْإِعْرَاب مَفْعُولا تَكْثِير وتقليل محذوفان التَّقْدِير تكثيرهم معايبنا وتقليلهم مناقبنا الْغَرِيب الخبب ضرب من الْعَدو يُقَال خب الْفرس يخب بِالضَّمِّ خبا وخببا وخبيبا إِذا راوح بَين قَدَمَيْهِ وَرجلَيْهِ وأخبه صَاحبه وَيُقَال جَاءُوا مخبين وخب النَّبَات إِذا طَال وارتفع الْمَعْنى يُرِيد مَا يَقُول الْأَعْدَاء فيهم وَمَا يعدون بِهِ من النميمة وَالْكذب
5 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يصغى إِلَيْهِم بأذنه وَلَا يُصدقهُمْ بِقَلْبِه لكرم حَسبه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ يسمع مِنْهُم إِلَّا أَن قلبه كَانَ على كل حَال معى وَقَالَ الْخَطِيب ينصرهم بسمعه أى يمِيل إِلَيْهِم ويميل إِلَى بِقَلْبِه
6 - الْمَعْنى يَقُول لم أنقص من مجدك وفضائلك شَيْئا كَمَا ينقص الْبَدْر بِأَن يشبه باللجين وَالشَّمْس بِالذَّهَب وَهَذَا مثل ضربه أى لم أهجك فتنكر على وَهُوَ قَوْله فى الْبَيْت الذى بعده
7 - الْإِعْرَاب نصب فيقلق بِالْفَاءِ جَوَابا للنفى ويغضب عطفا عَلَيْهِ وَالْفَاء تعْمل فى ثَمَانِيَة مَوَاضِع إِذا كَانَت جَوَابا فى الْأَمر والنهى والنفى والاستفهام والتحضيض وَالْعرض والتمنى والترجى الْغَرِيب الأناة الرف والتثبت الْمَعْنى مَا قُلْنَا شَيْئا فيقلق مِنْهُ الْبعيد الأناة الذى لَا يستخف عَن قرب وَلَام التَّعْرِيف فى قَوْله الْبعيد يجوز أَن تكون للْجِنْس فَيكون الْمَعْنى يقلق مِنْهُ كل حَلِيم سيف الدولة وَغَيره وَيجوز أَن تكون للْعهد فَيكون الْبعيد الأناة سيف الدولة
(1/97)

- الْغَرِيب لاقنى يُرِيد مَا أمسكنى وَأَصله اللصوق والإمساك يُقَال هَذَا أَمر لَا يَلِيق بك لَا يمسكك وَلَا يلصق وَلَا يعلق بك وَفُلَان مَا يَلِيق درهما أى مَا يمسك درهما قَالَ
(كَفَّاكَ كَفّ مَا تُليق دِرْهَما ... جُوداً وأُخرى تُعط بِالسَّيْفِ الدَّما)
الْمَعْنى يُرِيد مَا أخذت عوضا عَنْكُم وَلَا أمسكنى بلد بعدكم وَلَا أعجبى ولالى مُسْتَقر إِلَّا عنْدكُمْ وإنى لَا أُصِيب مثلكُمْ وَكَيف آخذ عوضا مِمَّن أنعم على وخاطبه بِالْكَاف وَالْمِيم كَمَا يُخَاطب الْمُلُوك ووقف على الْبَاء وهى مَوضِع نصب ضَرُورَة للقافية كَقَوْل الْأَعْشَى
(إِلَى المرْءِ قَيْس أُطيلُ السُّرَى ... وآخُذ مِن كلّ حَىّ عُصُمْ)
وَلم يقل عصما وخفف الْبَاء أَيْضا وَحكمهَا التَّشْدِيد لِأَن الْحُرُوف الْمُشَدّدَة إِذا وقعن رويا خففن وَالْبَيْت مثل قَوْله
(ومَنْ أعْتاضُ مِنْك إِذا افترَقْنا ... وكُلّ النَّاس زُورٌ مَا خَلاكا)

9 - الْغَرِيب الغبب والغبغب للبقر والديك مَا تدلى تَحت حنكيهما والغبغب أَيْضا المنحر بمنى وَهُوَ جبيل قَالَ الشَّاعِر
(يَا عَام لَو قَدِرَتْ عليكَ رِماحُنا ... والرّاقِصاتَ إِلَى منى فالغَبْغبِ)
والظلف للبقرة وَالشَّاة والظبى وَهُوَ مَا تطَأ بِهِ الأَرْض كالقدم للْإنْسَان والخف للبعير والحافر للْفرس والبغل وَالْحمار واستعاره للأفراس عَمْرو بن معديكرب فَقَالَ
(وَخَيْلا تَطأكُم بأظْلافِها ... )
هَذَا مثل ضربه لمن يلقى بعده من الْمُلُوك وَهَذَا كَقَوْل خِدَاش بن زُهَيْر
(وَلَا أكونُ كَمنْ ألْقَى رِحالتَه ... على الحمارِ وخلَّى صَهْوة الفَرسِ)
وَقَالَ الْخَطِيب ذكر الرّكُوب هُنَا فِيهِ جفَاء وَلَا تخاطب الْمُلُوك بِمثل هَذَا
(1/98)

- الْمَعْنى يُرِيد هُوَ سيف الدولة فَلَو سميتهم سيوفا لَكَانَ هُوَ سَيْفا من الْحَدِيد وَكَانُوا هم من الْخشب وَالْمعْنَى أَن مدحى لَهُ حَقِيقَة ومدحى لَهُم // مجَاز //
12 - الْمَعْنى لَا يُشبههُ أحد فِيمَا ذكرت وَلَا فى غَيره وَهَذَا // اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار //
13 - الْغَرِيب الجرشى بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء وَالتَّشْدِيد النَّفس واللقب مَا ينبز بِهِ الرجل تَقول لقبته بِكَذَا فتلقب بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّعْت فَوضع اللقب مَوْضِعه واللقب منهى عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تنابزوا بِالْأَلْقَابِ} الْمَعْنى يُرِيد أَن اسْمه على وَهُوَ اسْم مبارك يتبرك بِهِ لمَكَان على عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ مُشْتَقّ من الْعُلُوّ والعلو مَحْبُوب مَطْلُوب وَيُرِيد أَنه مَشْهُور اللقب بِسيف الدولة قد اشْتهر بِهِ فى الْآفَاق فَهُوَ أغر والأغر الْوَاضِح الأبلج وشريف النّسَب لِأَنَّهُ من ربيعَة وهم كرام أَشْرَاف
14 - الْمَعْنى الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَخُو الْحَرْب أى قد عرفت بِهِ وَعرف بهَا فَصَارَ لَهَا كالأخ فَإِذا أخدم خَادِمًا فَهُوَ مِمَّا سباياه لَا مِمَّا اشْتَرَاهُ لِأَن مَا لَهُ كُله من سباياخ وَإِذا خلع ثوبا فَهُوَ مِمَّا سلب من أعدائه
15 - الْمَعْنى أَنه إِذا جمع مَالا لَا يسر مِنْهُ إِلَّا بِمَا يهب كَقَوْل البحترى
(لَا يحرِمَنْك كَمَا احتّج البخيلُ وَلَا ... يُحِبّ مِن مَاله إِلَّا الذى يَهَبُ)

16 - الْمَعْنى يُرِيد أَنى إِذا ذكرته دَعَوْت الله لَهُ بِهَذَيْنِ وَقَالَ الْخَطِيب يَقُول أَدْعُو الله بِالصَّلَاةِ والسقيا وَالنَّاس يقصرون الصَّلَاة على الْأَنْبِيَاء وَالشعرَاء يعظمون الممدوح غَايَة مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ كَقَوْل ابْن الرّقاع
(صلَّى الإلهُ على امْرِئ وَدَّعْتُهُ ... وأتمَّ نِعْمتَهُ عليْهِ وزَادَها)
وكقول الراعى
(صَلَّى على عَزَّةَ الرَّحمنُ وابنَتِها ... لَيْلَى وصلَّى على جاراتها الأُخَرِ)
(1/99)

- الْمَعْنى يُرِيد أثنى عَلَيْهِ بنعمه السَّابِقَة إِلَى وَإِلَى غيرى وَأقرب مِنْهُ بالموالاة والمحبة
18 - الْغَرِيب الغدران جمع غَدِير وَهُوَ مَا بقى من السَّيْل بعده وَأَصله من غَادَرَهُ إِذا تَركه وَمِنْه لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة أى لَا يتْرك وغادرته أَيْضا وجدته ونضب المَاء غَار فى الأَرْض وسفل ينضب بِضَم الضَّاد نضوبا وَقَالَ الأصمعى الناضب الْبعيد وَمِنْه قيل للْمَاء إِذا ذهب نضب أى بعد وخرق ناضب بعيد الْمَعْنى يُرِيد أَن عطاياه إِن كَانَت انْقَطَعت عَنى فعندى مِنْهَا كَمَا يبْقى من مَاء الْمَطَر فى الغدران لِأَن أَكثر بره وعطاياه عندى وَقَالَ الْخَطِيب سمى الغدير غديرا لمعنيين أَحدهمَا لِأَن الْغَيْث تَركه والثانى لِأَنَّهُ يغدر بالنازل
19 - الْغَرِيب الشطب جمع شطبة وهى طرائقه الَّتِى فى مَتنه مثل صبرَة وصبر وَقيل فِيهَا شطب بِضَم الشين والطاء وَسيف مشطب فِيهِ طرائق وَكَذَلِكَ الثَّوْب وَقيل الشطب وَاحِد مثل عتق وثعل وتسكين الطَّاء جَائِر فى الْوَجْهَيْنِ وَمن قَالَ شطب بِفَتْح الطَّاء جعله وَاحِدًا مثل نغر وصرد وَيجوز أَن يكون جمعا مثل ظلم وغرف الْمَعْنى يَقُول أَنْت سيف الله لَا سيف النَّاس وَصَاحب المكارم لَا سيف فِيهِ طرائق من سيوف الْحَدِيد يُرِيد لست سَيْفا كالسيوف
20 - الْغَرِيب أبعد وَأعرف وَمَا يأتى بعدهمَا نصب على النداء الْمُضَاف الْمَعْنى قَالَ الواحدى أبعد ذوى الهمم فأوقع الْوَاحِد مَوضِع الْجَمَاعَة كَمَا تَقول هَذَا أول فَارس مقبل وَالْمعْنَى أَنه أَرَادَ أبعد النَّاس همة وأعرفهم بمراتب الرِّجَال لِأَنَّهُ أعلم بهم فَهُوَ يعْطى كل أحد مَا يسْتَحق من الرُّتْبَة
(1/100)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّاس دعوك وَالسُّيُوف فَوق الرُّءُوس بأضرب وبأطعن فَقَالُوا يَا أطعن من طعن بخطية وأضرب من ضرب بحسام فأجبتهم ورءوسهم تَحت سيوف الرّوم
23 - الْغَرِيب الوجيب خفقان الْقلب وَغَارَتْ الْعين غئورا إِذا انخسفت من وجع أَو حزن الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يئسوا من الْحَيَاة فهم فى بكاء وَخَوف حَتَّى أنقذتهم من ذَلِك
24 - الْغَرِيب الوصب الْمَرَض وَقد وصب الرجل يوصب فَهُوَ وصب وأوصبه الله فَهُوَ موصب والموصب بِالتَّشْدِيدِ الْكثير الأوجاع الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا جَاءَهُم الْعَدو لِأَن الْأَعْدَاء أرجفوا بأنك عليل وَأَنَّك لَا تطِيق المجئ إِلَيْهِم لثقل الْمَرَض
26 - الْإِعْرَاب نصب طوَالًا وقصارا على الْحَال وَالضَّمِير فى أَتَاهُم للدمستق الْغَرِيب السبيب شعر الناصية وَالْعرْف والذنب والعسب جمع عسيب وَهُوَ منبت الذَّنب من الْجلد والعظم والعسيب من السعف فَوق الكرب لم ينْبت عَلَيْهِ خوص وعسيب اسْم جبل قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(إنّى مُقِيمٌ مَا أقامَ عَسِيبُ ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ملك الرّوم أَتَاهُم بخيل أوسع من الأَرْض لِأَن أَرضهم ضَاقَتْ بخيله لكثرتها يصف عَسْكَر الرّوم بِالْكَثْرَةِ ويصف خيله وَالْمُسْتَحب فى الْخَيل مَا ذكر أَن يطول شعر الذَّنب وَيقصر عظمه وَقَالَ السبيب وَلم يقل الأسبة جعل الْوَاحِد فى مَوضِع الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى {ثمَّ نخرجكم طفْلا}
(1/101)

- الْمَعْنى يُرِيد الشواهق وهى الْجبَال العاليات تغيب فى جَيش الدمستق لكثرته فَهُوَ يعم الْجبَال فَإِن ظهر مِنْهَا شئ ظهر الْيَسِير لِأَنَّهُ يركب السهْم والجبل لكثرته
28 - الْمَعْنى يُرِيد لِكَثْرَة رماحه وتضايق مَا بَينهمَا أَن الْهَوَاء غص بهَا فَلَا تَجِد الرّيح سَبِيلا إِلَّا أَن تَتَخَطَّى أَو تثب والجو الْهَوَاء ويخط من الخطو غير مَهْمُوز
29 - الْغَرِيب جمع الْمَدِينَة على مدن يدل أَن الْمِيم أَصْلِيَّة مُشْتَقَّة من مدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَقَالَ قوم بل من دَان الْملك الْقَوْم إِذا ملكهم فهى على هَذَا مديونة وينتقض هَذَا القَوْل بهمزهم الْمَدَائِن وَلَو كَانَت من دنت لتعذر فِيهَا الْهَمْز إِلَّا على رأى أَبى الْحسن سعيد بن مسْعدَة واللجب الصَّوْت الشَّديد الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَتَاهُم بجيوش كَثِيرَة عَمت بِلَادهمْ فَكَأَنَّهَا غرقتها وأخفى أَصْوَاتهم بِصَوْت جَيْشه
30 - الْغَرِيب أَخبث فى الْمَوْضِعَيْنِ يُرِيد مَا أخبثه فى الْحَالين وَمثله قَوْله تَعَالَى {أسمع بهم وَأبْصر} أى مَا أسمعهم وَمَا أبصرهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه خَبِيث فى طلبه وهربه
31 - الْمَعْنى يَقُول لما كنت بَعيدا من أهل الثغور أَتَاهُم لِلْقِتَالِ فَلَمَّا جِئْت جعل الْهَرَب مَوضِع الْقِتَال فَكَانَ قِتَاله الْهَرَب
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه افتخر بقصدهم وَعذر فى هربه من بَين يَديك لِأَنَّهُ لَا يقوم بك
33 - الْمَعْنى يَقُول أغثتهم قبل أَن يقتلهُمْ وَقبل أَن يعطبوا وَإِنَّمَا مَنْفَعَة الْغَوْث أَن يكون قل العطب وَإِن كَانَ الْغَوْث بعد العطب فَلَا مَنْفَعَة فِيهِ فأدركتهم قبل أَن يظفر بهم وَهَذَا كَقَوْل حبيب
(وَما نَفْعُ مَن قد ماتَ بالأمْسِ ظامِئا ... إِذا مَا سمَاءُ اليَوْم طالَ انهِمارُها)
وللبحترى مَا يُقَارب هَذَا الْمَعْنى
(واعلَمْ بِأَن الغَيْثَ لَيْسَ بنافعٍ ... للنَّاسِ مَا لم يَأْتِ فى إبَّانِهِ)
(1/102)

- الْغَرِيب الصلب جمع صَلِيب وَهُوَ مَا يَتَّخِذهُ النَّصَارَى فى بُيُوتهم وبيعهم وَهُوَ فعيل كنجيب ونجب وسرير وسرر الْمَعْنى يَقُول لما أغثتهم وهرب الدمستق خروا وسجدوا لله شكرا حِين أتيتهم وَلَو لم تأتهم سجدوا للصلب خوفًا من الرّوم
35 - الْمَعْنى كم طردت ومنعت عَنْهُم الْهَلَاك لمن بغى عَلَيْهِم فأهلكته وكشفت من كرب عَنْهُم بالكرب الَّتِى أنزلتها بعدوهم
36 - الْغَرِيب عَاد إِذا رَجَعَ بعد ذَهَابه فَقَوله يعد مَعَه وَلم يكن مَعَه فى الْمرة الأولى إِنَّمَا جوزه حملا على مَا جَاءَ فِي كَلَام الْعَرَب أَن عَاد يُرَاد بِهِ الِابْتِدَاء فى بعض الْمَوَاضِع قَالَ الشَّاعِر
(فإنْ تكُنِ الأيَّامُ أحْسَنَّ مرّةُ ... إلىَّ فقد عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ)
أى أتتنى فَكَذَا معنى الْبَيْت أى جئ مَعَه الْملك المتوج الْمَعْنى يُرِيد أَن الرّوم زَعَمُوا ان الدمستق يعود وَمَعَهُ الْملك الْأَعْظَم والمعتصب الذى يعتصب التَّاج بِرَأْسِهِ
37 - الْمَعْنى أَنَّهُمَا يعْنى الْملكَيْنِ الدمستق والمتوج يستنصران الْمَسِيح ويسألانه النَّصْر على الْمُسلمين وَعِنْدَهُمَا أَن الْمَسِيح صلبته الْيَهُود وقتلته وَقد أكد بهم الْقُرْآن بقوله تَعَالَى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه} الْآيَة
(1/103)

- الْإِعْرَاب اللَّام فى للرِّجَال مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا لَام الاستغاثة فهى للمستغاث بِهِ وهى مَفْتُوحَة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لقيس بن ذريح
(تكنَّفَنى الوُشاةُ فأزْعَجُونِى ... فياَ للنَّاسِ للْوَاشى المُطاعِ)
وَاللَّام فى لهَذَا لَام التَّعَجُّب وهى مَكْسُورَة الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهُمَا يطلبان من الْمَسِيح أَن يدْفع عَنْهُمَا مَا ناله من الْهَلَاك من قتل الْيَهُود لَهُ فى زعمهم ثمَّ تعجب من هَذَا فَقَالَ كَيفَ يقدر أَن يدْفع عَنْهُمَا الْهَلَاك وَلم يقدر على الدّفع عَن نَفسه فَهَذَا غَايَة الْعجب
39 - الْمَعْنى يَقُول أرى الْفَرِيقَيْنِ مُجْتَمعين قد تهادنوا إِمَّا لعجز وَإِمَّا لخوف
40 - الْمَعْنى يُرِيد أَن هَؤُلَاءِ قد هادنوهم وَأَنت مَعَ الله أى مَعَ أَمر الله بجهادهم وقتالهم فَأَنت الْمُطِيع لله فى جهادهم قد جانبت غَيْرك من المهادنين والموادعين
41 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك كَأَنَّك الموحد لله وَحدك وَغَيْرك من الْبَريَّة يُرِيد الْخَلَائق يدينون دين النَّصَارَى يَقُولُونَ فى الْمَسِيح ابْن وَأب وَقد نطق الْقُرْآن بِهَذَا فى قَوْله تَعَالَى {وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله}
42 - الْمَعْنى يَقُول لَيْت الْحَاسِد الذى يحزن بظفرك بالروم يقتل بسيفك وكئب كآبة حزن وَظهر فِيهِ الانكسار
43 - الْمَعْنى يُرِيد بالشكاة الْمَرَض وَمثله الشكو والشكوى والشكاية ثمَّ عاتبه فى آخر الْبَيْت فَقَالَ ليتك تجزى من أبغضك ببغضه وَمن أحبك بحبه لأنال مِنْك نصيبى من الْجَزَاء بحبى لَك فَلَو فعلت هَذَا لوصلت مِنْك لفرط حبى لَك إِلَى أَضْعَاف مَا وصلت مِنْك لأنى أفرطت فى حبك وَقد بَينه فى الْبَيْت الذى بعده
(1/104)

- 44 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو تناهيت فى جزائك إياى على حبى إياك لَكَانَ ضَعِيفا بِالْإِضَافَة إِلَى قُوَّة حبى لَك قَالَ أَبُو الْفضل العروضى وَهَذَا لَا يَقُوله مَجْنُون لبَعض نظرائه وَلمن هُوَ دونه فَكيف ينْسب المتنبى سيف الدولة إِلَى أَنه لَو احتشد وتكلف فى جَزَائِهِ لم يبلغ كنهه وَهَذَا عتاب يَقُول لَو جزيتنى بحبى لَك وَهُوَ أقوى سَبَب لِأَن حبى لَك أَكثر من حب غيرى لَنِلْت مِنْك الْقَلِيل يشكو إعراضه عَنهُ وَأَنه لَا يُصِيب مِنْهُ حظا مَعَ قُوَّة سَببه
20

- 1 - الْإِعْرَاب يرْوى رائى خطأ مُضَافا وَرَاء خطأ بِالنّصب كَمَا تَقول ضَارب عَمْرو وضارب عمرا إِذا كَانَ فى الْمُسْتَقْبل وَقيل لبَعض النُّحَاة مَا تَقول فى رجل قَالَ زيد قَاتل بكر وَقَالَ آخر عَمْرو قَاتل بكرا أى التَّنْوِين فَقَالَ زيد قتل وَعَمْرو لم يقتل وَقد جَاءَ الْقُرْآن بِخِلَاف هَذَا إِلَّا أَن يتَأَوَّل قَالَ الله تَعَالَى فى الْمُسْتَقْبل {إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا} وَقَالَ فى الماضى {وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} وَقد قَرَأَ ابْن السميفع وَغَيره آتٍ بِالتَّنْوِينِ الرَّحْمَن بِالْفَتْح وَنصب صَوَابا بِفعل مُضْمر وَمن روى رَاء خطأ بِالتَّنْوِينِ وَنصب مَا بعده جعل صَوَابا الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَنَّهُ من الظَّن أَو الْعلم الْمَعْنى يُرِيد يَا أَبَا سعيد وَهُوَ أَبُو سعيد المنبجى من بنى المخيمر قَبيلَة بمنبج من طَيء بعد عَنى عتابك وَلَا تعاتبنى لِأَنَّك ترى الْخَطَأ فى زِيَارَة الْمُلُوك صَوَابا وَهَذَا من الرجز مستفعلن مَحْذُوف مخبون
2 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمُلُوك قد أَكْثرُوا من حجابهم يحجبوا عَنْهُم النَّاس وَأَقَامُوا البواب على أَبْوَابهم ليردوا النَّاس عَن الدُّخُول إِلَيْهِم
3 - الْغَرِيب القرضاب السَّيْف الْقَاطِع يقطع الْعِظَام والقرضاب والقرضوب اللص وَالْجمع القراضبة وَرُبمَا سمى الْفَقِير قرضوبا والذابلات الرماح اللنة والعراب الْخَيل الْعَرَبيَّة الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه ترفع الْحجاب فِيمَا بَيْننَا وَذَلِكَ أَنه يخرج على الْمُلُوك ويتوصل إِلَى قِتَالهمْ بِمَا ذكر وَهَذَا من بعض حمقه فى صباه
(1/105)

- 1 - الْغَرِيب الأكوب جمع كوب وَهُوَ كوز لَا عُرْوَة لَهُ قَالَ عدى بن زيد
(مُتكئا تَصْفِقُ أبُوَابُهُ ... يَسْعَى عليهِ العَبْدُ بالكُوب)
الصافيات جمع صَافِيَة وهى الْخمْرَة والباترات جمع باتر وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه لَا يطرب إِلَّا على صليل السيوف وَهُوَ مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن صباه
22

- 1 - الْإِعْرَاب اللَّام فى لأى زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى {إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون} وَكَقَوْلِه {ردف لكم} و {وَفِيه تعاتب} أضمره قبل الذّكر لعلم السَّامع بِهِ وَقَوله {وأى رزاياه} الرِّوَايَة بِفَتْح الْيَاء وَالْعَامِل فِيهِ نطالب الْمَعْنى أَن صروف الدَّهْر كَثِيرَة فَلَا يُمكن معاتبتها لكثرتها وَالْوتر والترة الْعَدَاوَة وَهَذَا شكوى
(1/106)

- الْمَعْنى يُرِيد النَّاس إِذا اعتزب أى بعد عَنْهُم الصَّبْر فى الشدائد والنوائب بعينهم وَيحسن إِلَيْهِم حَتَّى يصبروا على مَا ينوبهم فَكَأَنَّهُ يعطيهم الصَّبْر وَمن روى يعْطى بِفَتْح الطَّاء فَالْمُرَاد أَنه كَانَ يصبر فى المواطن الَّتِى يصعب فِيهَا الصَّبْر
3 - الْمَعْنى يَقُول إِن الْعَجَاجَة لما ارْتَفَعت فى الْهَوَاء حجبت السَّمَاء فَصَارَت سَمَاء وبدت الأسنة لامعة فِيهَا كالكواكب فَشبه الْعَجَاجَة بالسماء والأسنة بالكواكب وَهُوَ كثير فى أشعارهم قَالَ الشَّاعِر
(نَسَجَتْ حَوَافِرُها سَماءً فَوْقَها ... جَعَلَتْ أسِنَّتَنا نُجُومَ سَمائها)
وَقَالَ بشار بن برد
(خَلَقْنا سَماءً فَوْقَنا بِنُجُومِها ... سُيوفا وَنَقْعا يقْبِضُ الطَّرْفَ أقْتما)
وَقَالَ أَيْضا
(كأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسنا ... وأسْيافَنا لَيْلُ تَهاوَى كَوَاكِبُه)

4 - الْغَرِيب الْمضَارب جمع مضرب بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ حَده وظبته وَبِفَتْحِهَا الْمَكَان الذى يضْرب فِيهِ الْإِنْسَان والضرائب جمع ضريبة وهى الشئ الْمَضْرُوب بِالسَّيْفِ والضرائب أَيْضا الْأَشْبَاه والأشكال الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْعَجَاجَة تنجلى عَنهُ وَقد انفلت سيوفه من كَثْرَة الضَّرْب فَكَأَنَّهَا مضروبات لَا ضاربات فَكَأَن حَدهَا الذى يضْرب بِهِ كَانَ يضْرب عَلَيْهِ وَالْعرب تَفْخَر يفل سيوفها قَالَ السموءل
(وأسْيافُنا فى كلّ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... بِها مِن قِراع الدَّارِعِينَ فُلُولُ)

5 - الْمَعْنى يُرِيد ان سيوفه طلعت شموسا وأغمادها مشارقها فَلَمَّا ضرب بهَا غَابَتْ فى رُءُوس المضربين فَصَارَت لَهَا كالمغارب وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وأبينه فَشبه السيوف بشموس طلعت من مشارقها وغربت فى مغاربها لكنه نَقله من أَبى نواس حَيْثُ يَقُول فى الْخمْرَة
(طالِعاتٌ مَعَ السُّقاةِ عَلَيْنا ... فَإِذا مَا غَرّبن يَغْرُبْنَ فِينا)
(1/107)

- الْغَرِيب شَتَّى متفرقات وقفتها تبعتها قَالَ الله عز وَجل (وقفينا على آثَارهم وَمِنْه الْكَلَام المقفى وَسميت قوافى الشّعْر لِأَن بَعْضهَا يتبع بَعْضًا الْمَعْنى يَقُول لَيست الْمُصِيبَة وَاحِدَة وَإِنَّمَا هى مصائب لعظمها ثمَّ لم يكفنا كثرتها حَتَّى تبعتها مصائب وهى قَول العداة هم شامتون بِهِ وَهَذَا أعظم الْأَشْيَاء اتهامنا بِمَا لم يخْطر لنا ببال
7 - الْمَعْنى يَقُول إِن غَرِيبا أجنيا رثى ابْن أَبينَا أى ابْن عمنَا فأبعدنا عَنهُ وَنحن فى الْحَقِيقَة أَقَاربه بِأَن قَالَ إِنَّا شامتون بِهِ
8 - الْإِعْرَاب عرض أَنا كَانَ حَقه أَن يَقُول بِأَنا إِلَّا أَنه حذف على معنى ذكر أَنا شامتون الْمَعْنى قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون قَوْله وَإِلَّا فزارت من قَول المعرض حكى مَا قَالَ من شماتتهم وَإِلَّا فزارتنى السيوف أى قتلت بهَا إِن لم يكن الْأَمر على مَا ذكرت فَيكون هَذَا تَأْكِيد لما ذكر من شماتتهم وَيجوز أَن يكون من كَلَام الَّذين ينفون الشماتة عَن أنفسهم يَقُول إِن لم يكن الْأَمر على مَا ذكر فَرمى الله عارضيه وهما جَانب لحييْهِ بالقواضب وهى السيوف القواطع فَيكون هَذَا تَأْكِيدًا لنفى الشماتة وَأَن الْأَمر لَيْسَ على مَا ذكر
9 - الْغَرِيب النجل النَّسْل ونسله أَبوهُ أى وَلَده وَيُقَال قبح الله ناجليه أى وَالِديهِ الْمَعْنى يَقُول من الْعجب العجيب أَن تدب عقارب يَهُودِيّ وهى نمائمه بَين بنى أَب وَاحِد فيوقع بَينهم الْعَدَاوَة يُرِيد الذى يمشى بَينهم بالنميمة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ لَيْسَ عجيبا أَن أى أَنه فَحذف الْهَاء ضَرُورَة هُوَ يريدها
(1/108)

- 10 - الْإِعْرَاب أَن لَيْسَ هى المخفقة من الثَّقِيلَة وَلَا تدخل إِلَّا على الِاسْم وَلَا تدخل على الْفِعْل حَتَّى يحجز بَينه وَبَينهَا حاجز لدخولها على الْأَسْمَاء كَقَوْلِه تَعَالَى {ذَلِك أَن لم يكن رَبك مهلك الْقرى} تَقْدِيره أَنه لم يكن رَبك مهلك الْقرى بظُلْم وَكَقَوْلِه تَعَالَى {علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى} تَقْدِيره أَنه سَيكون فلابد من حرف يحجز بَينهَا وَبَين الْفِعْل وَقد دخلت هَا هُنَا على لَيْسَ وَهِي فعل بِلَا حاجز وَذَلِكَ لضعف لَيْسَ عَن الْأَفْعَال وَلِأَنَّهَا غير متصرفة كتصرف الْأَفْعَال وَقد جعلهَا أَبُو على حرف زمَان وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى} فَدخلت بِغَيْر حاجز لِضعْفِهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يغلب جَمِيع النَّاس وَلم يقدر على الِامْتِنَاع من الْمَوْت فَدلَّ ذَلِك على أَنه لَا غَالب لله وَهُوَ من قَول أَبى تَمام
(وكَفَى بقَتْلِ مُحَمَّدٍ لى شاهِداً ... أنَّ العَزِيزَ مَعَ القَضَاءِ ذَلِيلُ)

1 - الْغَرِيب كرب أَن يفعل كَذَا أى كَاد وقارب وكربت الشَّمْس دنت للغروب وكربت حَيَاة النَّار قَارب انطفاؤها قَالَ عبد الْقَيْس بن خفاف البرجمى
(أبُنَىّ إنَّ أباكَ كارِبُ يَوْمه ... فاذَا دُعِيتَ إِلَى المَكارمِ فاعْجلِ)
وَقَوله انى يُرِيد كَيفَ وأنى بِمَعْنى كَيفَ كثير قَالَ الله تَعَالَى {أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا} {أَنى لَك هَذَا} الْمَعْنى يُرِيد أَنه بَكَى فى منَازِل الأحباب بدمع قضى لَهُم مَا وَجب وشفاه من وجده ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك وَقَالَ كَيفَ قضى ذَلِك وَلَا قَارب ذَلِك وَلَا داناه كلا وَلَا قضى الْحق وَلَا شفى الوجد وَذَلِكَ لِكَثْرَة بكائه وَغَلَبَة الوجد عَلَيْهِ ظن أَنه بلغ بذلك قَضَاء حَقهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى نَفسه فَعَاد عَن ذَلِك وَنفى أَن يكون قضى حَقهم أَو قاربه وَهَذَا مَوْجُود فى أشعار القدماء والمحدثين أَن يرجِعوا فى آخر الْبَيْت عَمَّا أوجبوه فى أَوله وَمِنْه قَول زُهَيْر ابْن أَبى سلمى
(قِفْ بالدّيارِ الَّتِى لم يعْفُها القِدَمُ ... بَلى وغَيَّرَها الأرْوَاحُ والدِّيَمُ)
(1/109)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنهم عطفوا رِكَابهمْ على هَذَا الرّبع ليزوره فَأذْهب مَا كَانَ بقى لَهُم من الْعُقُول بتجديده لَهُم ذكر الْأَحِبَّة وَلم يرد مَا كَانَ ذهب من الْعُقُول عِنْد الْفِرَاق
3 - الْإِعْرَاب سوائلا صفة لعبرات وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بسقيته إِن جعلت سوائلا صفة وَإِن جَعلتهَا حَالا تعلق بهَا الْمَعْنى يَقُول سقيت هَذَا الرّبع دموعا ظَنّهَا مَطَرا سَائِلًا من جفون ظَنّهَا سحبا
4 - الْإِعْرَاب الْألف وَاللَّام فى الملم بِمَعْنى الَّتِى تَقْدِيره دَار الَّتِى ألم بهَا طيف وَقَوله دَار أى هَذَا الرّبع دَار الَّتِى ألم وعينى فَاعل صدقت وَقيل يجوز أَن تكون عينى مَفْعُولا وفاعل صدقت طيف مُضْمر فِيهِ وَتَقْدِير الْكَلَام على هَذَا الَّتِى ألم بهَا طيف فَمَا صدقت الطيف عينى وَصدق يتَعَدَّى إِلَى مفعولين قَالَ الله تَعَالَى {لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا} الْمَعْنى يَقُول هَذَا الرّبع الذى ذكرته دَار الَّتِى ألم بهَا طيف أى زار وأوعدنى لَيْلًا فَمَا صدقت عينى مَا رَأَتْ لِأَنَّهَا أرتنى مَا لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلَا أكذب الطيف فى تهددة إياى لِأَنَّهُ أوفى بِمَا أوعد بِهِ من القطيعة والهجر وَالشَّر وكل مَا لَا أُرِيد
5 - الْغَرِيب ناءيته ونأيت عَنهُ نأيا بِمَعْنى أى بَعدت وأنأيته فانتأى أى أبعدته فَبعد وتناءوا تباعدوا والمنتأي الْموضع الْبعيد قَالَ النَّابِغَة
(وإنَّك كاللَّيْلِ الَّذِى هُوَ مُدْرِكى ... وَإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتأى عَنْك وَاسعُ)
نبا ارْتَفع وتجافى وتباعد وأنبيته أَنا دَفعته عَن نفسى وفى الْمثل
(الصدْق ينبى عَنْك لَا الْوَعيد ... )
اى أَن الصدْق يدْفع عَنْك الغائلة فى الْحَرْب دون التهدد ونبا السَّيْف إِذا لم يعْمل فى الضريبة ونبا بصرى عَن الشئ ونبا بِهِ منزله إِذا لم يُوَافقهُ والتجميش المغازلة الْمَعْنى إِنَّه يَقُول هَذَا الطيف على الْمُخَالفَة كلما طلبت مِنْهُ شَيْئا قابلنى بضدة وَهُوَ قريب من قَوْله
(صَدّت وعَلَّمت الصدودَ خيالَهَا)
(1/110)

- الْمَعْنى يَقُول أَبُو الْفَتْح ملكت قلبى بِلَا كلفة وَلَا مشقة فَكَانَت كمن سكن بَيْتا لم يتعب فى إِقَامَته وَلَا مد أطنابه وَقَالَ الواحدى وَأحسن من هَذَا أَن تَقول اتَّخذت بَيْتا من قلبى فنزلته وَالْقلب بَيت بِلَا أطناب وَلَا أوتاد
7 - الْإِعْرَاب مظلومة خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى أَو هَذِه الْمَذْكُورَة مظلومة وَلَو خفضت على النَّعْت لأعرابية جَازَ وَيكون على قِرَاءَة الْحسن وَحميد (فى فئتين التفتا فِئَة تقَاتل فى سَبِيل الله وَأُخْرَى كَافِرَة) الْغَرِيب الضَّرْب بِفَتْح الرَّاء الْعَسَل الْأَبْيَض الغليظ يذكر وَيُؤَنث قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الهذلى فى تأنيثه
(وَما ضَرَبٌ بَيْضاَءُ يأوى مَليكُها ... إِلَى طنُفُ أعْيا بِرَاقٍ وَنازِلِ)
الطنف مَا ينْدر من الْجَبَل والمليك يعسوبها الْمَعْنى يُرِيد أَن من شبهها بالغصن ظلمها وَمن شبه رِيقهَا بالعسل ظلمها لِأَنَّهَا ذَات قوام أعدل وَأحسن من الْغُصْن وَذَات رضاب أحلى من الْعَسَل الْخَالِص
8 - الْإِعْرَاب انتصب مَطْلُوبا على التَّمْيِيز يُرِيد من مَطْلُوب والظرف مُتَعَلق بتطمع الْمَعْنى يَقُول من لين حَدِيثهَا وأنسها يطْمع فِيمَا تَحت ثوبها فَإِذا طلب عز ذَلِك مَطْلُوبا وَبعد كَمَا قَالَ عبد الله بن الْحُسَيْن العلوى
(يُحْسَبْنَ مِنْ لِينِ الحَدِيثِ زَوَانِيا ... وبِهِنّ عَنْ رَفْثِ الرّجالِ نِفارُ)
وَأنْشد عَجزه أَبُو الْفَتْح
(وَيصُدُّهنَّ عنِ الخَنا الإسلامُ)

9 - الْإِعْرَاب حسن تَقْدِيم ضمير الشعاع قبل ذكره لاتصاله بمجرور كَمَا يُقَال أَخذ ثوب غلامة الْأَمِير وَإِن اتَّصل بالفاعل فَيجب تَقْدِيمه على الْمَفْعُول فَلَا يحسن جاءنى غُلَامه الْأَمِير إِلَّا لضَرُورَة كَمَا قَالَ
(جَزَى ربَهُّ عَنِّى عَدِىّ بنَ حاتمٍ)
مقتربا حَال الْمَعْنى أَنه شبهها بشعاع الشَّمْس فى الْقرب من الطّرف وَبعده عَن الْقَبْض عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَبُو عُيَيْنَة
(وقلْتُ لأصحَابى هىَ الشَّمْسُ ضَوْءُها ... قَرِيبٌ وَلَكِنْ فِى تَناوِلُهَا بُعْدُ)
وَقَالَ الطرماح
(هِىَ الشَّمْسُ لَمَّا أَن تغيَّبَ لَيلُها ... وغارَتْ فَمَا تَبْدُو لعَيْنٍ نُجُومُها)

(ترَاهَا عُيون النَّاظِرِينَ إِذا بَدَتْ ... قَرِيبا وَلَا يَسْطيعُها مَنْ يَروُمُها)
وَقَالَ آخر
(هِىَ الشَّمْس مَسْكَنُها فِى السَّماءِ ... فَعَزِّ الفُؤَادَ عَزَاءً جَمِيلاً)

(فَلَنْ تَسْتَطِيعَ إلَيْها الصُّعُودَ ... وَلَنْ تَسْتَطيعَ إلَيْكَ النُّزُولا)
(1/111)

- الْغَرِيب الترب اللدة يُقَال هَذِه ترب هَذِه وَهن أتراب والشادن من الظباء وَغَيرهَا الذى شدن قرنه وقوى وترعرع الْمَعْنى لما مرت بِنَا مَعَ مساوييها فى قُلْنَا من أَيْن شابه هَذَا الظبى الْعَرَب
11 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّا لما قُلْنَا من أَيْن جانس استضحكت أى ضحِكت واستضحك بِمَعْنى ضحك واستعجب بِمَعْنى عجب واستسخر يُرِيد أَنَّهَا قَالَت كالمغيث هُوَ من عجل وَيرى كَأَنَّهُ أَسد وَكَذَا أَنا أرى كالظبى وَأَنا مَعَ ذَلِك عَرَبِيَّة 12 - الْمَعْنى ان هَذِه المراة المحبوبة جَاءَت بِمن هَذِه أَوْصَافه وَقيل جَاءَت هَذِه الْقَبِيلَة الَّتِى هى عجل بِمن هَذِه أَوْصَافه
13 - الْمَعْنى يُرِيد أَن خاطره لتوقده وقوته لَو كَانَ فى زمن لمشى أَو جَاهِل صَار عَالما أَو فى أخرس قدر على النُّطْق الفصيح
(1/112)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا ظهر للنَّاس حجت هيبته عيونهم عَن النّظر إِلَيْهِ لشدَّة هيبته كَمَا قَالَ الفرزدق فى على بن الْحُسَيْن بن زين العابدين
(يُغْضِى حَياءً ويُغْضَى مِنْ مَهابَتهِ ... فَمَا يُكَلَّمُ إلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ)
وَقَالَ أَيْضا
(وَإذَا الرّجالُ رَأوْا يَزِيدَ رأيْتَهُم ... خُضُعَ الرّقابِ نَوَاكِسَ الأبْصاَرِ)
وَقَالَ بعض الْعَرَب
(تُغْضِىِ العُيُونُ إذَا تَبَدّى هَيْبَةً ... ويُنَكِّسُ النُّظُّارُ لَحْظَ النَّاظِر)
وَقَالَ أَبُو نواس
(إنَّ العُيُونَ حُجِبْنَ عَنْكِ لِهَيْبَةٍ ... فإذَا بَدَوْتَ لَهُنَّ نُكِّسَ ناظِرُ)
وَقَوله لَيْسَ يَحْجُبهُ ستر يُرِيد أَن نور وَجهه يغلب الستور فيلوح من وَرَائِهَا كَمَا قَالَ
(أصبحتَ تَأمُر بِالحجاب لِخَلوَةٍ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل تأويلين أَحدهمَا أَن حجابه قريب لما فِيهِ من التَّوَاضُع فَلَيْسَ يقصر أحد أَرَادَهُ دونه وَإِن كَانَ محتجبا وَالْآخر إِن احتجب فَلَيْسَ بمحتجب لشدَّة يقظته ومراعاته الْأُمُور وَقَالَ الْخَطِيب الذى أَرَادَهُ المتنبى إِن حسنه وبهاه لَا يَحْجُبهُ شئ وَالْبَيْت الذى يَلِيهِ يشْهد لَهُ
15 - الْغَرِيب المخشلب والمشخلب لُغَتَانِ وليستا عربيتين وَإِنَّمَا هما لُغَتَانِ للنبط وَهُوَ خرز من حِجَارَة الْبَحْر وَلَيْسَ بدر الْمَعْنى يُرِيد أَن وَجه نوره يغلب نور الشَّمْس وَلَفظه أغْلى من الدّرّ فَإِذا قَابل الشَّمْس أراكها سَوْدَاء وَإِذا نطق رَأَيْت لفظا يصير الدّرّ عِنْده حِجَارَة
16 - الْغَرِيب هِبته حركته واهتزازه والغرار الْحَد والتامور دم الْقلب وتامور النَّفس الْعقل قَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى عَرفته بتامورى أَبى بعقلى والتامور خيس الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِنَّه إِذا مضى عزمه خضب السَّيْف من دم الْأَعْدَاء وروى مختضبا وَهُوَ أمدح لِأَن الْفِعْل يرجع إِلَيْهِ وَمن روى مختضبا رَجَعَ الْفِعْل للسيف
(1/113)

- الْغَرِيب الرهج الْغُبَار وَقد يسكن وأرهج الْغُبَار أثاره والرهوجة ضرب من السّير قَالَ العجاج
(مَياحَة تميحُ مَشْيا رَهْوَجَا ... تُدافع السَّيْلَ إِذا تمعَّجا)
الْمَعْنى يُرِيد إِذا لقى الْعَدو فى غُبَار الْحَرْب قصر عمره حَتَّى يكون أقل من بَقَاء المَال عِنْده إِذا بذل فى الْعَطاء وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَن عمر الْعَدو حِين يلاقيه قريب كَمَا أَن عمر المَال عِنْده قريب حِين يدْخل إِلَيْهِ حَتَّى يَهبهُ وَلَيْسَ يُرِيد أَن عمر الْعَدو أقل من عمر المَال وَإِنَّمَا يُرِيد الْمُسَاوَاة والمقاربة وأنهما لَا يبقيان وَقَوله
(إِذا وهبا ... )
أى إِذا أَرَادَ أَن يهب كَقَوْلِه تَعَالَى {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن} وَكَقَوْلِه {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة}
18 - ويروى {فَإِذا} الْإِعْرَاب تبلوه انتصب بإضمار ان وَهُوَ على مَذْهَبنَا فَإِن أهل الْكُوفَة نصبوا بهَا مقدرَة وأبى ذَلِك البصريون وَحجَّتنَا مَا قَرَأَ بِهِ عبد الله بن مَسْعُود {وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بنى إِسْرَائِيل لَا تعبدوا إِلَّا الله} فأعمل أَن مقدرَة وَحجَّتنَا أَيْضا قَول عَامر بن الطُّفَيْل
(وَنهْنَهْتُ نَفْسِى بَعْدَ مَا كدْتُ أفْعَلَه)
فنصب أَفعلهُ بِأَن الْمقدرَة وَحجَّتنَا أَيْضا أننا أجمعنا نَحن والبصريون على أَنَّهَا تعْمل مَعَ الْحَذف فى جَوَاب التِّسْعَة بِالْفَاءِ الْغَرِيب النشب المَال وَالْعَقار ونشب بِالْكَسْرِ الشئ فى الشئ نشوبا علق فِيهِ ونشبة بِضَم النُّون اسْم رجل وَهُوَ نشبة بن غيظ بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان الْمَعْنى يَقُول احذره أَن تكون عدوا لَهُ فَإِن أردْت اختباره فَكُن عدوه أَو مَالا لَهُ فترى مَا يفعل بك من الإبادة والإفناء قَالَ أَبُو الْفَتْح وفى مَعْنَاهُ قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(تَظَلَّمَ المالُ والأَعْداءُ مِنْ يَدِه ... لَا زَال للْمالِ والأعْدَاءِ ظَلامَّا)
وَمثل قَول أَبى الطّيب قَول أَبى نواس وأتى بِهِ فى أَلْفَاظ قَليلَة
(لَيتَ مَنْ كانَ عَدُوّى ... كانَ لإبْراهيمَ مَالا)
وَقَول الوائلى
(إنْ سُمتَهُ كُفْرَ نُعمَى لَا بَقيِيتَ إِذن ... إلاَّ بَقاءَ لُهَاهُ أَو مُحَارِبه)
(1/114)

- الْمَعْنى يَقُول هُوَ طيب الْأَخْلَاق فَإِذا غضب حَالَتْ وتغيرت فَعَادَت مرّة وَلَو قطرت فى الْبَحْر مَا شرب مَاؤُهُ وَالْبَحْر هُوَ الْمَكَان الْوَاسِع وَمِنْه سمى الْبَحْر بحرا وَأَرَادَ بالبحر هَا هُنَا العذب قَالَ الله تَعَالَى {مرج الْبَحْرين} يُرِيد الْملح والعذب وَأهل مصر والصعيد كلهم يسمون النّيل الْبَحْر الْمَعْنى أَن فِيهِ حلاوة لأوليائه ومرارة لأعدائه وَقد اسْتعَار للمذاقة قصرا اتساعا ومجازا لَو كَانَت مِمَّا يقطر فقطرت فى المَاء لما شرب وَجَاء فى الْبَيْت تصريع وَيحسن اسْتِعْمَاله لِلْخُرُوجِ من قصَّة إِلَى قصَّة
20 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى بِهِ يعود إِلَى حَيْثُ حل وَهُوَ فى مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مفعول تغبط وأيها ركبا قَالَ الواحدى هُوَ مَنْصُوب بركب ونصبه بتحسد أولى لِأَن ركب من صلَة أى والضميران فى مِنْهَا الأول للْأَرْض والثانى للخيل والجاران متعلقان بِالْفِعْلِ وَبِه مُتَعَلق بِحل الْغَرِيب الْغِبْطَة أَن تتمنى مثل حَال المغبوط من غير أَن تُرِيدُ زَوَالهَا وَلَيْسَ بحسد تَقول غبطته بِمَا نَالَ أغبطه غبطا وغبطة فاغتبط هُوَ مثل منعته فَامْتنعَ قَالَ حُرَيْث ابْن جبلة العذرى
(وبَيْنما المَرْءُ فِى الأَحْياءِ مُغْتَبِطٌ ... إِذا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفوه الأَعاصِيرُ)
وغبطت الْكَبْش أغبطه غبطا إِذا جسست أليته لتنظر أبه طرق أم لَا قَالَ الأخطل
(إنّى وأتْيِى ابْنَ غَلاقٍ ليَقْرِينى ... كغابطِ الكَلبِ يبغى الطِّرقَ فى الذَّنبِ)
وَالْغِبْطَة غير الْحَسَد وفى الحَدِيث هَل يضر الْغَبْطُ قَالَ كَمَا يضر الْخبط العضاه أَرَادَ أَن العضاه لَا يحس بخبط الْوَرق كَأَنَّهُ سهل أمره الْمَعْنى يُرِيد أَن الأَرْض يغبط بَعْضهَا بَعْضًا لحلوله فِيهَا وَكَذَلِكَ الْخَيل يحْسد بَعْضهَا بَعْضًا لركوبه وَجعل الْغِبْطَة للْأَرْض والحسد للخيل قَالَ أَبُو الْفَتْح لِأَن الأَرْض وَإِن كثرت بقاعها فهى كالمكان الْوَاحِد لاتصال بَعْضهَا بِبَعْض وَالْخَيْل بِخِلَاف ذَلِك لِأَنَّهَا مُتَفَرِّقَة كالمغايرة وَاسْتعْمل لَهَا الْحَسَد لقبحه وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول الطائى
(مَضَى طاهِرَ الأَثْوَابِ لَمْ تَبْقَ بُقْعَةُ ... غَدَاةَ ثَوى إلاَّ اشْتَهَتْ أنَّها قَبْرُ)
(1/115)

- الْغَرِيب الجحفل هُوَ الْجَيْش الذى فِيهِ خيل واللجب الذى فِيهِ أصوات مُخْتَلفَة كَثِيرَة الْمَعْنى أَنه شُجَاع جواد يرد وَحده الْجَيْش الْعَظِيم وَلَا يقدر أَن يرد سائله
22 - الْإِعْرَاب حذف النُّون من فعل الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ حذف أَن وأعملها على مذْهبه وَقد بَيناهُ فى غير هَذَا الْموضع وَذكرنَا حجتنا على الْبَصرِيين الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا // صَحِيح الْمَعْنى // على مَا فى ظَاهر لَفظه من مُقَارنَة التَّنَاقُض وَذَلِكَ أَنه قد يُمكن أَن يَقع التقاء من غير اصطحاب لِأَن الصُّحْبَة مقرونة بالمواصلة يُرِيد إِنَّمَا يَلْتَقِيَانِ مجتازين لَا مصطحبين وَهَذَا أبلغ من قَول جؤية بن النَّضر
(إنَّا إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْما دَارَاهِمُنا ... ظَلَّتْ إِلَى طُرُق المَعْرُوفِ تَستَبِقُ)
لِأَنَّهُ أثبت لَهَا اجتماعا وَهَذَا نفى عَنْهَا الاصطحاب وَأما بَيت جؤية فَهُوَ أَجود من بَيت المتنبى وأزيد فى الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن أَبَا الطّيب أثبت اجتماعا بقوله
(افْتَرقَا ... )
إِذْ لَا تكون الْفرْقَة إِلَّا بعد اجْتِمَاع ثمَّ إِن جؤية زَاد استباقها إِلَى طرق الْمَعْرُوف وَمثل بَيت المتنبى قَول الآخر
(لَا يأْلَفُ الدرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرّتَنا ... لكنِ يمُرُّ عَليها وَهْوَ مُنْطَلِقُ)
وَقَالَ الواحدى يجوز نصب الدِّينَار وَصَاحبه وَيكون مَعْنَاهُ وَكلما لقى الممدوح الدِّينَار مصاحبا لَهُ
(1/116)

- الْغَرِيب المجتدى السَّائِل يُقَال اجتداه وجداه وعفاه واعتفاه وغراب الْبَين حسنت الْإِضَافَة فِيهِ لِأَنَّهُ اسْم مُشْتَرك يَقع على أَشْيَاء رَأس ورك الْبَعِير وَيُقَال لحد الفأس غراب وَيُقَال لذؤابة الْمَرْأَة غراب وأنشدوا
(وَشَعْشَعَتْ للُغُرُوبِ الخَمْرَ واتَّخذَتْ ... ثَوْبَ الأمِيرِ الَّذِى فِى حُكمِهِ قَعَدَا)
وَذَلِكَ أَن الْمَرْأَة من الْعَرَب كَانَت إِذا مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا حلقت ذوائبها وغسلتها بِالْخمرِ فَعلم أَنَّهَا لَا رَغْبَة لَهَا بعده فى الْأزْوَاج وغرابا الْفرس وَالْبَعِير حدا الْوَرِكَيْنِ وهما حرفاهما الْيُسْرَى واليمنى اللَّذَان فَوق الذَّنب حَيْثُ التقى رَأس الورك قَالَ الراجز
(يَا عَجَبا للعَجَبِ العُجابِ ... خمسةُ غِرْبانٍ على غُرابٍ)
وحد الفأس غراب قَالَ ذُو الرمة يصف رجلا قطع نبعة
(فأنحَى عَلَيْها ذَاتَ حَدٍّ غُرابها ... عَدُوّ لأوساط العضاه مُشارِزُ)
يُرِيد سيء الْخلق وغراب الْبَين يَقع على الْأسود والأبيض قَالَ الشَّاعِر
(وبذَاكَ خبَّرنا الغُرابُ الأسْوَدُ ... )
وَقَالَ عنترة
(وَجَرَى ببَيْنِهِم الغُرَابُ الأبْقَعُ وَجمع غراب غربان وَجمع الْقلَّة أغربة الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى هَذَا // معنى حسن // يُرِيد كَمَا أَن غراب الْبَين لَا يفتر عَن الصياح كَذَلِك هَذَا لَا يفتر عَن الْعَطاء قَالَ العروضى لعمرى إِن الذى قَالَه المتنبى // حسن وَلَكِن تَفْسِيره غير حسن // وَمن الذى قَالَ إِن الْغُرَاب لَا يفتر عَن الصَّباح وَلَكِن مَعْنَاهُ أَن الْعَرَب تَقول غراب الْبَين إِذا صَاح فى ديار قوم تفَرقُوا فَقَالَ المتنبى كَأَن المجتدى إِذا ظهر صَاح فى هَذَا المَال الْغُرَاب فَتفرق وَقَالَ ابْن فورجة فِيمَا رد على ابْن جنى يَقُول كَأَن غراب الْبَين يرقب مَاله فَكلما جَاءَ مجتد نعب فِيهِ فَتفرق شَمله وَقَالَ الواحدى تَلْخِيص الْمَعْنى أَن مَاله رقبه غراب الْبَين فَإِذا جَاءَ السَّائِل فرق الممدوح مَاله فَكَأَن غراب الْبَين نعب فى مَال الممدوح بِالتَّفْرِيقِ وَمَا ذكر من رَقَبَة الْغُرَاب ونعيبه بَيَان وَمِثَال لتفريقه المَال عِنْد مجئ السَّائِل
(1/117)

- الْغَرِيب السمر المسامرة هُوَ الحَدِيث فى اليالى وَأَصله أَنهم كَانُوا يسمرون فى ظلّ الْقَمَر وَقد سمر يسمر فَهُوَ سامر والسامر أَيْضا السمار وهم الْقَوْم يسمرون كَمَا يُقَال للْحَاج حجاج وَأما قَول الشَّاعِر
(وسامرُ طالَ فيهِ اللَّهوُ والسَّمُر ... )
كَأَنَّهُ سمى الْمَكَان الذى يجْتَمع فِيهِ للسمر بذلك وابنا سمير اللَّيْل وَالنَّهَار لِأَنَّهُ يسمر فيهمَا الْمَعْنى يَقُول هُوَ بَحر لَهُ عجائب كَثِيرَة أعجب مِمَّا يذكر من عجائب الأسمار والبحار وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تشاغل النَّاس بالتعجب من فَضَائِل هَذَا الرجل عَن عجائب الأسمار والبحار
25 - الْمَعْنى يَقُول لَا يقنعه نيل الْمنزلَة الَّتِى يشكو طالبها قصوره عَنْهَا مَعَ تَعبه فى طلبَهَا
26 - الْمَعْنى أى حركوا اللِّوَاء باسمه وَالْمعْنَى جَعَلُوهُ سيدهم وأميرهم فَإِذا حركوا رايتهم حركوها باسمه فَصَارَ سيدهم وصاروا بِهِ سادة النَّاس فَهُوَ رَأس بنى عجل وَالنَّاس أَذْنَاب لبنى عجل أى تبع لَهُم
27 - الْإِعْرَاب نصب الناركين على الْمَدْح بإضمار فعل الْمَعْنى يَقُول هم يتركون مَا هان من الْأُمُور وَسَهل وجوده وَيطْلبُونَ مَا صَعب مِنْهَا لعلو همتهم كَمَا قَالَ الطهوى
(وَلا يرْ عُون أكْناف الهُوَيْى ... )

28 - الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى قد جعلُوا مَكَان براقع حديدا على وجوهها ليقيها الْحَدِيد أَن يصل إِلَيْهَا قَالَ أَبُو الْفضل العروضى أَو مثل المتنبى يمدح قوما بِأَن يستروا أوجه خيلهم بحديد وأى شرف ونجدة لفارس إِن فعل ذَلِك وَمَعْنَاهُ أَن سيوفهم مَكَان البراقع لخيلهم فَلَا يصل الْعَدو إِلَى فرسانهم وعنى بالبيض السيوف لَا الْحَدِيد الذى قَالَ وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد أَن سيوفهم تحول دون جيادهم أَن يصل إِلَيْهَا أحد بِضَرْب أَو بطعن إِمَّا لمنازلتهم دونهَا أَو لحذقهم بِالضَّرْبِ فهى تجرى مجْرى البراقع وَقَالَ الواحدى إِنَّهُم يحمونها بِالسُّيُوفِ لَا بالبراقع وَقَوله
(متخذى هام الكماة ... )
أى جعلُوا رُءُوس الكماة وشعورهم لرماحهم بِمَنْزِلَة العذب فَجعل كالعلامة عَلَيْهَا وَمثله قَول جرير
(كأنَّ رْءُوسَ القَوْمِ فَوْقَ رِماحِنا ... غَداةَ الوَغَى تِيجانُ كِسْرَى وَقَيْصَرا)
وَقَول مُسلم بن الْوَلِيد
(يَكْسُو السيُوفَ نُفُوسَ النَّاكِثينَ بِهِ ... وَيَجْعَلُ الهَامَ تِيجانَ القَنا الذُّبُلِ)
وكقول الطائى
(أبْدَلْتَ أرْؤُسَهُمْ يَوْمَ الكَريهَةِ مِنْ ... قَنَا الظُّهُورِ قَنا الخَطِىّ مُدَّعِما)

(مِنْ كُلّ ذِى لِمَّةٍ غَطَّتْ ضَفائِرُها ... صّدْرَ القَناةِ فقدَ كادَتْ تُرَى عَلَما)
(1/118)

- الْغَرِيب خرقاء فزعة متحيرة خرق يخرق إِذا لصق بِالْأَرْضِ من فزع الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى تتهم الْإِقْدَام مَخَافَة الْهَلَاك والهرب مَخَافَة الْعَار وَقَالَ ابْن فورجة لَا تتهم الْهَرَب فى الْعَار فَإِن الْعَار كُله فِيهِ وَلَكِن يهتم الْهَرَب فى الْإِدْرَاك أى تقدر أَنَّهَا إِن هربت وَلَا أدْركْت وَمثله لحبيب
(مِنْ كُلّ أرْوَعَ تَرْتاعُ المَنُونُ لَهُ ... إذَا تَجَرَّدَ لَا نِكْسٌ وَلا جَحِدُ)
وَله أَيْضا
(شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ ... ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْها نَخْفِقُ)

30 - الْمَعْنى يَقُول لَهُم مَرَاتِب عالية علت فى السَّمَاء فَصَارَت أَعلَى من الْكَوَاكِب وَلم يلْحقهَا الْفِكر وَهُوَ على آثَار مَرَاتِبهمْ لم يبلغ إِلَيْهَا
31 - الْغَرِيب آل رَجَعَ يُقَال طبخت الشَّرَاب حَتَّى آل إِلَى قدر كَذَا وَكَذَا وَآل إِلَى هَارِبا رَجَعَ الْمَعْنى قَالَ الواحدى جعل اقْتِضَاء المحامد نظمها بالشعر نزفا وَجعل الشّعْر لكَونه مُقْتَضى منزوفا يَقُول لم تمتلئ هَذِه المحامد من شعرى أى لم تبلغ الْغَايَة الَّتِى تستحقها من شعرى وَلَا شعرى فسنى فَأَنا أبدا أمدحهم وَيزِيد هَذِه الْجُمْلَة وضوحا أَن يَقُول لَهُم محامد استخرجت شعرى لينظم تِلْكَ المحامد كلهَا فَلم تَنْحَصِر بالشعر وَلم يفن الشّعْر يُرِيد كَثِيرَة محامدهم وَكَثْرَة شعره ومدائحه لَهُم وَجعل الشّعْر كَالْمَاءِ ينزف واستغراق محامدهم فى الشّعْر كملئها بِالْمَاءِ وَلما جعل الشّعْر كَالْمَاءِ جعل إفناءه نضوبا
(1/119)

- 33 الْمَعْنى لَك مَكَارِم ومناقب سبقت بهَا الْعَالمين فَلم يقدر أحد يُدْرِكهَا وَمن يقدر على إِدْرَاك أَمر فَائت ثمَّ يَقُول لما أَقمت بأنطاكية وهى بِالْقربِ جاءتنى ركبان العفاة الَّذين قصدوك وَأَنا فى حلب فأتيتك وَهُوَ قَوْله فى الْبَيْت الذى بعده
34 - الْمَعْنى يَقُول لما أتيتنى العفاة سرت أقصدك لَا أعرج على أحد وَلَا أقيم عَلَيْهِ فحملنى راحلتاى الْفقر وَالْأَدب وَلَقَد أحسن فى هَذَا وَلَا ترى الْفقر إِلَّا مَعَ الْأَدَب خذنا وصاحبا
35 - الْغَرِيب الانتحاب رفع الصَّوْت وتردده بالبكاء نحب ينحب بِالْكَسْرِ نحبا والانتحاب مثله ونحب الْبَعِير ينحب بِالْكَسْرِ نحابا بِضَم النُّون إِذا أَخذه السعال الْمَعْنى أَنه أذاقه الدَّهْر من الْفقر والغربة شَيْئا لَو ذاقه الدَّهْر لبكى وانتحب وَلم يصبر عَلَيْهِ
36 - الْغَرِيب عمر الرجل بِالْكَسْرِ يعمر عمرا بِالْفَتْح وَعمر بِالضَّمِّ على غير قِيَاس لِأَن قِيَاس مصدره التحريك أى عَاشَ زَمَانا طَويلا وَمِنْه أَطَالَ الله عمرك وعمرك وهما وَإِن كَانَا مصدرين بِمَعْنى إِلَّا أَنه اسْتعْمل المفتوح فى الْقسم فَإِذا أدخلت عَلَيْهِ اللَّام رفعته بِالِابْتِدَاءِ والام لتوكيد الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره لعمر الله مَا أقسم بِهِ أَو قسمى وَإِذا لم تأت بِاللَّامِ نصبته نصب المصادر ولاسمهرار الصلابة والشدة اسمهر الشوك إِذا صلب ويبس واسمهر الظلام اشْتَدَّ واسمهر الرجل فى الْقِتَال قَالَ رُؤْيَة
(ذُو صَوْلَةٍ تُرْمَى بِهِ المَدَالِثُ ... إذَا اسْمَهَرَ الحَلِسُ المُغالِثُ)
والسمهرية الْقَنَاة الصلبة وَيُقَال هى منسوبة إِلَى رجل اسْمه سمهر كَانَ يقوم الرماح ورمح سمهرى ورماح سمهرية الْمَعْنى أَنه كنى بِهَذِهِ الْقرَابَات عَن مُلَازمَة هَذِه الْمَذْكُورَات يَقُول إِن عِشْت وَطَالَ عمرى لازمت الْحَرْب حَتَّى أدْرك مطلوبى
(1/120)

- الْغَرِيب الْأَشْعَث هُوَ الْمُتَغَيّر من طول السّفر وَبَقَاء الحروب والأرب الْغَرَض والبغية الْمَعْنى يُرِيد أَنى ألازم الْحَرْب بِكُل رجل هَذِه صفته وَمثله لحبيب
(مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأَّنمَا ... بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ ... )
ولحبيب أَيْضا:
(يَسْتَعْذِبُونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمْ ... لَا يَيأسونَ مِنَ الدُّنْيا إِذا قُتِلوا ... )
وَقَالَ البحتري:
(مُتَسَرّعِينَ إِلَى الحُتُوف كأنَّهَا ... وَفْرٌ بِأرْضِ عَدُوِّهِمْ يُتَنَهَّبُ ... )

38 - الْإِعْرَاب: قح فِي مَوضِع خفض لِأَنَّهُ نعت أَشْعَث ومرحا وطربا مصدران وَقعا فِي مَوضِع الْحَال وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بيقذفه الْغَرِيب القح الْخَالِص من كل شَيْء وَمن روى
(صَهِيل الجرد ... )
فالأجرد الْقصير الشّعْر وَقيل الذى يتجرد من الْخَيل ويسبقها الْمَعْنى يَقُول إِذا سمع صَوت الْخَيل استخفه ذَلِك حَتَّى يكَاد يطرحه عَن السرج لما يجد من النشاط والطرب وروى ابْن جنى
(مرحا بالغزو ... )
وَهُوَ أحسن وَأبين وأجود
39 - الْمَعْنى يَقُول الْمَوْت أعذر لى من أَن أَمُوت ذليلا فَإِذا قتلت فِي طلب المعالى قَامَ الْمَوْت بعذري وَالصَّبْر أجمل بى لِأَن الْجزع عَادَة اللئام وَالْبر أوسع لى من منزلى فَأَنا أسافر عَنهُ وَالدُّنْيَا لمن غلب وزاحم لَا لمن لزم الْمنزل وَهَذِه الأبيات الَّتِى أَتَى بهَا فى آخر القصيدة خَارِجَة عَمَّا هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ يمدح رجلا وَيذكر أَنه قد قَصده وَأَن الزَّمَان قد أذاقه بلوى وَشدَّة وَقد جَاءَ يستجدي مِنْهُ ثمَّ يذكر الشجَاعَة مِنْهُ وَطلب الْمُلُوك وَأخذ الْبِلَاد وَأَيْنَ أَبُو الطّيب والملوك رحم الله امْر عرف قدره وَلَقَد أحسن ابْن دُرَيْد الْمقَال فِيمَا قَالَ
(مَنْ لم يَقِفْ عندَ انتهاءقَدْرِه ... تَقاصَرَتْ عَنهَ فَسِيحاتُ الخُطا ... )
(1/121)

- 1 - الْإِعْرَاب رفع الشموس وَمَا بعْدهَا على الِابْتِدَاء تَقْدِيره الشموس بِأبي مفديات وَيجوز أَن يكون خَبرا والابتداء مَحْذُوف كَأَنَّهُ يُرِيد المفديات بأبى الشموس وَيجوز أَن يكون نَائِب فَاعل لما يسم فَاعله محذوفا كانه يُرِيد تفدى بأبى الشموس وَيجوز النصب بِتَقْدِير أفدى بأبى الشموس وكما تَقول بنفسى زيدا إِذا أردْت معنى الْفِدَاء وغواربا حَال وجلاببا مفعول وَأَرَادَ جلابيب لكنه حذف الْيَاء ضَرُورَة وَالْأَصْل جِلْبَاب وجلابيب قَالَ الله تَعَالَى {يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن} الْغَرِيب الجانحات المائلات والجلابيب وَاحِدهَا لجباب وهى الملحفة والمرط والخمار وَمَا يلْبسهُ النِّسَاء الْمَعْنى كنى بالشموس عَن النِّسَاء وكنى بالغروب عَن بعدهن وَقَالَ أَبُو الْفَتْح غبن عَنْك فى الْخُدُور وَقَالَ الواحدى لما سماهن شموسا كنى عَن بعدهن بالغرون لِأَن بعد الشَّمْس عَن عَن الْعُيُون لَا يكون إِلَّا بالغروب وَقد بَين فى آخر الْبَيْت أَن الشموس النِّسَاء الحسان - الْإِعْرَاب من رفع وجناتهن جعلهَا فَاعل المنهبات يُرِيد اللاتى أنهيت وجناتهن عقولنا وقلوبنا يكون قد اقْتصر على ذكر مفعول وَاحِد وَمن نصب جعل الوجنات الْمَفْعُول الأول للمنهبات الْغَرِيب أنهبته المَال جعلته لَهُ نهبى والوجنة هُوَ الْعظم المشرف فِي أَعلَى الخد الْمَعْنى يَقُول أنهبتنا وجناتهن فَلَو نَظرنَا إلَيْهِنَّ نهبن عقولنا وقلوبنا ثمَّ وصف الوجنات بِأَنَّهَا تنهب الناهب أى الرجل الشجاع المغوار وَمن وَقع فى الحروب فأبلى الْبلَاء الْحسن وَنهب نَقله من قَول الطائى
(سَلَبنَ غَطاءَ الحُسْنِ عَن حُرّ أوْجُهْ ... تَظَلُّ لِلُبّ السَّالبِيِها سَوَالبِا ... )
(1/122)

- الْمَعْنى يُرِيد الناعمات اللينات المفاصل القاتلات بالهجر المحييات بالوصل المتدللات على محبيهن بأغرب الدَّلال والدلال أَن يَثِق الْإِنْسَان بمحبة صَاحِبَة فيتجرأ عَلَيْهِ
4 - الْغَرِيب الترائب جمع تريبة وهى مَحل القلادة من الصَّدْر وَقيل مَا ولى الترقوتين من الصَّدْر وَقيل مَا بَين الثديين إِلَى الترقوة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أشرن إِلَى من بعيد وَلم يجهرن بِالسَّلَامِ والتحية خوف الرقباء والوشاة جعل أَبُو الْفَتْح هَذِه الْإِشَارَة تَحِيَّة وتسليما وَقَالَ الواحدي طلبن أَن يقلن نفديك بِأَنْفُسِنَا وخفن الرَّقِيب فنقلن التفدية من القَوْل إِلَى الْإِشَارَة أى أَنْفُسنَا تفديك وَهُوَ أولى من قَول ابْن جنى قَالَ ذكر التفدية فى الْبَيْت وَلم يقل حاولن تسليمى لِأَن الْإِشَارَة بِالسَّلَامِ لَا تكون بِوَضْع الْيَد على الصَّدْر قَالَ وَقَالَ ابْن فورجه وضع الْيَد على الصَّدْر لَا يكون إِشَارَة بِالسَّلَامِ وَإِنَّمَا أَرَادَ وضعن أَيْدِيهنَّ فَوق ترائبهن تسكينا للقلوب من الوجيب وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَصدر الْبَيْت ينْقض مَا قَالَه انْتهى كَلَامه وَمَا أحسن قَول بَعضهم ينظر إِلَى هَذَا الْمَعْنى
(أضْحَى يجانِبُنِى مجَانَبَةَ العِدَا ... وَيَبِيت وَهْوَ إِلَى الصَّباحِ نَدِيمُ ... )

(وَيُمرُّ بِى خَوْفَ الوُشاةِ وَلَفْظُهُ ... شَتْمٌ وَحَشْوُ لِحاظِهِ تَسْلِيمُ ... )

15 - الْمَعْنى شبه أسنانهن لنقائها بالبرد فَذكر الْمُشبه بِهِ وَحذف الْمُشبه يَقُول
(خفت أذيب ثغورهن فذبت أَنا أسفا على فراقهن ... )
وَمثله قَول الآخر
(وَمِنَ العَجائِبِ أنْ يُذِيبَ مَفاصِلى ... مَنْ لَوْ جَرَى نَفَسِى عَلَيْهِ لَذَابا ... )
وَمثله قَول الصنوبري
(
(وَضَاحِكٍ عَنْ بَرْدٍ مُشْرِقٍ ... أباحَنِيهِ دُونَ جُلاَّسِى ... )

(فَكُلَّما قَبَّلْتُهُ خِفْتُ أنْ ... يَذُوبَ مِنْ نِيرانِ أنْفاسِى ... )
(1/123)

- الْغَرِيب الغزالة هى من أَسمَاء الشَّمْس يُرِيد أَنه لثمها فى حَال مَا كَانَت كاعبا
7 - الْإِعْرَاب تخلصا نَصبه بالرجاء وَهُوَ مصدر أى كَيفَ أَرْجُو تخلصا وَإِن كَانَ فِيهِ ألف وَلَام وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَه ... يَخالُ الفرارَ يُراخى الأجَلْ ... )
الْمَعْنى يَقُول كَيفَ الْخَلَاص من هَذِه الخطوب وهى الدواهى وَقد علقن فى مخالب
8 - الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه الخطوب أفردننى عَمَّن أحب وقرننى بالحزن الذى هُوَ وَاحِد الأحزان وَهُوَ حزن الْفِرَاق فجعلنه لى قرينا وصاحبا ملازما لى
9 - الْإِعْرَاب مضاربا تَمْيِيز وَأَرَادَ أَشد مضَارب من السيوف الْغَرِيب الْغَرَض مَا يرْمى فِيهِ وَهُوَ الهدف وَالْغَرَض الْقَصْد تَقول قد فهمت غرضك أى قصدك وَالْغَرَض الضجر والملال قَالَ الْحمام
(لَمَّا رأتْ خَوْلَةُ مِنِّى غَرَضا ... قامَتْ قِياما رَيِّثا لتنهَضَا ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَن الخطوب نصبته هدفا للمحن
10 - الْإِعْرَاب أظمتنى كَانَ الأَصْل أظمأتنى بِالْهَمْزَةِ فأبدل وَحذف الْمُبدل لالتقاء الساكنين وَقد وقف حَمْزَة فِي بعض وجوهه وَإِذا الْمَوَدَّة على وزن الموزة الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا أعطشتنى فَلَمَّا طلبت مِنْهَا المَاء مطرَت على مصائب ومصائب ياؤها عَن وَاو مبدلة فَلَا يجوز همزها لِأَنَّهُ حرف أصلى كمعايش لَا يجوز همزها وَقد همزها خَارِجَة عَن نَافِع وَهُوَ شَاذ لَا يعْتد بروايته عَن نَافِع وَلَا تجوز الْقِرَاءَة بهَا فى الْفَرَائِض
(1/124)

- الْغَرِيب الخوص جمع خوصاء وهى النَّاقة الغائرة الْعَينَيْنِ من الْجهد والإعياء والركاب جمع الابل الْوَاحِدَة رَاحِلَة والدارش ضرب من الْجُلُود وَهُوَ من جلد الضَّأْن الْمَعْنى يَقُول بدلت من خوص الركاب بخف أسود من ردئ الْجُلُود وَأَنا ماش رَاكب وَمن خوص الركاب أى بَدَلا مِنْهَا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة} أى بَدَلا مِنْكُم
12 - الْإِعْرَاب نصب حَالا بِفعل مُضْمر أى أَشْكُو حَالا أَو أَذمّ حَالا وَقَالَ ابْن جنى يجوز على حَال فَهُوَ من جملَة مَا شكاه الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو حَالا لَو علم الممدوح بهَا تَابَ الزَّمَان مِنْهَا إِلَى وَقيل يجوز أَن الممدوح إِذا علمهَا تلافاها بإحسانه فَكَأَن الزَّمَان قد تَابَ مِنْهَا فَجعل إِحْسَان الممدوح إِلَيْهِ تَوْبَة من الزَّمَان وَيجوز لَو علم بِهَذِهِ الْحَال الممدوح لتهدد الزَّمَان فجَاء الزَّمَان إِلَى تَائِبًا مِنْهَا خوفًا مِنْهُ وَمثله لحبيب
(كَثُرَتْ خَطَايَا الدَّهْرِ فِىَّ وَقَدْ يُرَى ... بِنَداكَ وَهْوَ إلىّ مِنْها تائِبُ ... )
ولحبيب أَيْضا
(عَضْبٌ إذَا هَزّه فى وَجْهِ نائِبَةٍ ... جاءَتْ إلَيْهِ صُرُوفُ الدّهْرِ تعْتَذِرُ ... )

13 - الْغَرِيب يتباريان يفعل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يُعَارض بِهِ صَاحبه والبنان جمع بنانة وهى الإصبع وسكبته سكبا فسكب سكوبا وَهُوَ ساكب وَالْعرْف الْمَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول سِنَان رمحه يقطر من رِقَاب الْأَعْدَاء دَمًا وبنان كَفه يسْكب على العفاة مَعْرُوفا فائضا وَهَذَا من أحسن الْأَشْيَاء
14 - الْإِعْرَاب دجلة اسْم معرفَة لَا يدخلهَا ألف وَلَام وهى غير مصروفة وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِالْفِعْلِ الْغَرِيب الْوَفْد الْقَوْم يقصدون الْمُلُوك لحوائجهم الْمَعْنى أَنه يستصغر الشئ الْعَظِيم لقاصده لكرمه ويظن من كرمه وَكَثْرَة عطائه أَن هَذَا النَّهر وَهُوَ من الْأَنْهُر الْكِبَار حَتَّى إِنَّه ليعد مَعَ النّيل والفرات وسيحان وجيحان لَيْسَ يكفى شاربا وَهَذَا مُبَالغَة وَمثله للطائى إِلَّا أَنه زَاد على أَبى الطّيب
(ورأيْتُ أكْثرَ مَا حَبَوْتَ مِنَ اللُّهَا ... نَزْراً وأصْغَرَ مَا شَكَرْتُ جَزِيلاَ ... )
فقصر أَبُو الطّيب عَن ذكر الشُّكْر وَلَقَد أحسن أَبُو تَمام بِذكرِهِ الشُّكْر
(1/125)

- الْإِعْرَاب نصب كرما على الْمصدر أى كرم كرما أَو بِفعل أى ذكرت كرما والمصدر أحسن قَالَ الله تَعَالَى {صنع الله الذى أتقن كل شئ} الْمَعْنى قَالَ الواحدى كرم كرما لوحدثته بعظيم مَا صنعه لكذبك استعظاما لَهُ وَقد أَسَاءَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ جعله يستعظم فعله وبضد هَذَا يمدح وَإِنَّمَا يحسن أَن يستعظم غَيره فعله كَقَوْل حبيب
(تَجاوَزَ غاياتِ العُقُولِ رَغائِبٌ ... تَكادُ بِها نَوْلا العِيانُ تُكَذِّبُ ... )
وكقول البحترى
(وَحَدِيثُ مَجْدٍ عَنْكَ أفْرَطَ حُسْنُهُ ... حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ مَوْضُوعُ ... )

16 - الْإِعْرَاب حذار مبْنى على الْكسر مثل حذام وقطام وَمُسلمًا ومحاربا حالان وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِفعل الْأَمر الْمَعْنى يَقُول اكتف من معرفَة شجاعته بالْخبر عَنْهَا وَلَا تباشرها بِنَفْسِك فتهلك ثمَّ ضرب لهَذَا مثلا بقوله فِي الْبَيْت الذى بعده
17 - الْغَرِيب آب يئوب إيابا إِذا رَجَعَ فَهُوَ آيب وَمِنْه // الحَدِيث الصَّحِيح // كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذا قفل من غَزْو أَو حج قَالَ " آيبون تائبون لربنا حامدون " الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمَوْت إِن عرف بِالْمُشَاهَدَةِ أهلك وَإِن اقْتصر فِيهِ على الصّفة لم يهْلك فَضرب هَذَا مثلا
18 - الْغَرِيب القسطل بِالسِّين وَالصَّاد الْغُبَار والقسطال لُغَة فِيهِ كَأَنَّهُ مَمْدُود مِنْهُ مَعَ قلَّة فعلال فِي غير المضاعف وَأنْشد لأوس بن حجر
(وَلَنِعْمَ رِفْدُ القَوْمِ يَنْتَظِرُونَهُ ... وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرع والسِّربال ... )

(وَلَنِعْمَ مَثْوَى المُسْتَضِيف إِذا دَعا ... والخَيْلُ خارَجَةٌ مِنَ القِسْطال ... )
وَقَالَ آخر
(كأنَّه قِسْطال يوْمِ ذى رَهَجْ ... )
والجحفل الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى أَنه لَا يَنْفَكّ عَن هَذِه الْأَشْيَاء وَهَذِه الْأَحْوَال
(1/126)

- الْمَعْنى إِن أَحْوَال النَّاس مِنْهُ هَذِه فَلَا تلقى إِلَّا هَارِبا من جَيْشه أَو طَالبا رفده أَو رَاغِبًا فى مَسْأَلته أَو رَاهِبًا خَائفًا من بأسه أَو هَالكا مقتولا بِسَيْفِهِ أَو نادبا على قَتِيل لَهُ من الْأُسَارَى الَّذين قد أسرهم وَقَالَ الواحدى أَو رَاهِبًا من الله وهالكا بِمَعْنى مهلك كَقَوْل العجاج
(وَمَهْمَهٍ هالكٍ مَن تَعَرَّجا ... )
ونادب لمن بارزه من النّدب أَو الندبة
20 - الْغَرِيب العواسل الرماح الخطية المضطربة لطولها والقواضب السيوف القواطع والسهول جمع سهل وهى الأَرْض اللينة الْمَعْنى يُرِيد أَن جُنُوده عَمت السهل والجبل فَإِذا نظرت إِلَى الْجبَال رَأَيْتهَا رماحا وسيوفا
21 - الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّاظر إِلَى السهول يَرَاهَا فوارس وجنائب أى قد ملئت بهما
22 - الْمَعْنى يُرِيد أَن بريق الْحَدِيد فى سَواد الْعَجَاجَة كأسنان جمَاعَة زنج تبسمت فبدت أسنانها أَو كثيب القذال وَهُوَ مَا اكتنف فأس الْقَفَا من يَمِين وشمال وَمثله لمحمود الْوراق
(حَتَّى تَبَدَّى الصُّبْحُ يَتْلُو الدُّجَى ... كالحَبَشِىّ افْترّ للضِّحْكِ ... )
وَبَيت المتنبى أحسن سبكا وَأحلى نظما وَقَالَ أَبُو نواس
(لمَّا تَبَدَّى الصُّبْحُ مِنْ حِجابِهِ ... كَطَلْعَةِ الأشْمَطِ مِنْ جِلْبابِهِ ... )
(1/127)

- الْمَعْنى أَنه شبه بَيَاض الْحَدِيد فى ظلمَة الْعَجَاجَة بكواكب فِي ليل فَكَأَنَّمَا النَّهَار ألبس بِتِلْكَ الْعَجَاجَة السَّوْدَاء ظلمَة ليل وَكَأن الرماح أطلعت كواكب أَو طلعت هى كواكب فى تِلْكَ الظلمَة وَهَذَا كَقَوْل مُسلم
(فِى عَسْكَرٍ شَرِقَ الأرْضُ الفَضَاءُ بِهِ ... كاللَّيْلِ أنْجُمُهُ القْضْبانُ والأسَلُ ... )
وَقَول بشار بن برد
(كانَّ مُثار النَّقْع فَوْق رُءوسنا ... وأسْيافُنا لَيلٌ تَهاوَى كَوَاكِبُهْ ... )

24 - الْغَرِيب كتائب جمع كَتِيبَة وهى الْجَمَاعَة من الفرسان الْمَعْنى يَقُول قد تكتبت أى تجمعت المصائب مَعَ هَذِه الْعَجَاجَة لتقع بأعداء الممدوح وَصَارَت الرِّجَال فِيهَا لكثرتهم كتائب
26 - الْإِعْرَاب أَرَادَ عليا فَحذف التَّنْوِين لسكونه وَسُكُون الْألف فى الْحَاجِب وَقد جَاءَ مثله كثيرا كَقِرَاءَة من قَرَأَ {قل هُوَ الله أحد الله} بِغَيْر تَنْوِين أحد حذفه لالتقاء الساكنين وَمثله
(إِذا عُطَيْفُ السَّلمىُّ فَرَّا ... )
الْمَعْنى أَنه فى رُتْبَة عالية لم ينلها غَيره وسمى عليا لعلوه والحاجب لِأَنَّهُ حجب النَّاس عَن نبل هَذِه الْمنزلَة الْعَالِيَة الَّتِى لم يصل إِلَيْهَا غَيره وَمثل هَذَا قَول ابْن الرومى
(كأنَّ أباهُ حسينَ سَمَّاهُ صَاعِداُ ... دَرَى كيْفَ يَرْقَى فِى المَعال وَيَصْعَدُ ... )
(1/128)

- الْمَعْنى إِنَّه مِمَّا يكثر فى إِعْطَاء سائله سمى مبذرا وَمِمَّا يكثر من حب نفوس أعدائه سمى غَاصبا فدعى بِهَذَيْنِ الوصفين فِي النَّاس
28 - الْإِعْرَاب مواهبا وَمَا بعده تَمْيِيز وَقيل على المصادر وَهل فى هَذِه وَقتل قَتِيلا وجرب تجاربا الْمَعْنى إِنَّه أفنى الذَّهَب بالمواهب والأعداء بِالْقَتْلِ وجرب الزَّمَان فَحصل لَهُ من التجربة مَا يعرف بِهِ مَا يَتَأَتَّى فِيمَا يسْتَقْبل فَكَأَنَّهُ أفنى الزَّمَان تجربة لِأَن الزَّمَان لَا يحدث عَلَيْهِ شَيْئا لم يعرفهُ
29 - الْإِعْرَاب ومخيب العذال عطف على مَا قبله وَهُوَ هَذَا الذى والكف يذكر وَيُؤَنث قَالَ الْأَعْشَى
(أرَى رَجُلاً مِنْهُمْ أَسِيفا كَأَنَّمَا ... يَضُمُّ إِلَى كَفَّيْهِ كَفًّا مُخَضَّبا ... )
وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْعُضْو وَلِأَن الْحَقِيقَة فِي الخائب هُوَ صَاحب الْكَفّ فيقوى التَّذْكِير هَهُنَا وَقيل هُوَ على إِرَادَة السَّائِل لَا يرد سَائِلًا
30 - الْإِعْرَاب أَبْصرت يُرِيد نَفسه وأبصرت يُخَاطب غَيره وَمثل الذى يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب فالرفع قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مُبْتَدأ أول والذى مُبْتَدأ ثَان وَمثل خبر الذى وَالْجُمْلَة خبر هَذَا والعائد على هَذَا من الْجُمْلَة الَّتِى هى خبر عَنهُ الْهَاء فى مِنْهُ وَالنّصب بِجعْل هَذَا ابْتِدَاء والذى خَبره وَنصب مثل بأبصرت وَقَالَ الواحدى حَاضرا وغائبا حَال للمخاطب وَابْن جنى يَقُول هما حالان للمدوح وَمَا بعده يدل على خلاف قَوْله الْمَعْنى يَقُول هَذَا إِن حضر أَو غَابَ فَأمره فى كَثْرَة الْعَطاء وَاحِد وَمثله لأبى تَمام
(شَهِدتُ جَسيِماتِ العُلا وَهْوَ غائِبٌ ... وَلَو كَانَ أيْضاً حاضِراً كَانَ غَائِبا ... )
(1/129)

- الْإِعْرَاب الْكَاف فى مَوضِع رفع خبر ابْتِدَاء أى هُوَ مثل الْبَدْر ويهدى فى مَوضِع الْحَال الْمَعْنى هُوَ مثل الْبَدْر حَيْثُمَا كَانَ ترى نوره وَكَذَلِكَ حَيْثُمَا كنت من الْبِلَاد ترى عطاءه قد غمر النَّاس قريبهم وبعيدهم والثاقب المضئ
32 - الْمَعْنى ان عطاءه للقريب والبعيد ونفعه قد عَم النَّاس فَمن أَتَاهُ أَخذ وَمن غَابَ بعث لَهُ
33 - هَذِه الأبيات من أحسن الْكَلَام وَأحسن الْمَدْح وَمَعْنَاهُ وَاحِد يُرِيد أَنه كثير النَّفْع للحاضر وَالْغَائِب وَمثل هَذَا لحبيب
(قَرِيبُ النَّدَى نائى المَحَلِّ كأنَّهُ ... قَرِيبٌ إِلَى العَلْيا قَرِيبٌ مَنازِلُه ... )
وللبحترى
(كالْبَدْرِ أفْرِطَ فِى العُلُوّ وَضَوْءُهُ ... للْعُصْبِةِ السَّارِينَ جِدَّ قَرِيبِ ... )
وَله أَيْضا
(عَطاءٌ كَضَوْءِ الشَّمسِ عَمَّ فمَغْرِبٌ ... يَكُونُ سَوَاءً فِى سَناهُ وَمَشْرِقُ ... )
وللعباس بن الْأَحْنَف
(نِعْمَةٌ كالشَّمْسِ لمَّا طَلَعَتْ ... ثبتَ الإشراقُ فِى كُلّ بَلَدْ ... )

34 - الْإِعْرَاب أمهجن منادى مُضَاف والهمزة من حُرُوف النداء وحروف النداء أى والهمزة وأيا وهيا وَإِسْقَاط حرف النداء كثير كَمَا تَقول رب اغْفِر لى رب ارحمنى وأى للقريب والهمزة للقريب أَيْضا وَيَا للمخاطب وَغَيره وأيا للبعيد الْمُتَوَسّط وهيا للبعيد وكريم فِي مَوضِع الْجمع يُرِيد الكرماء كَأَنَّهُ قَالَ وتارك جَمِيع الكرماء الْغَرِيب يُقَال هجنه إِذا لم يكن أَبوهُ هجينا وأصل الهجانة فى النَّاس وَالْخَيْل إِنَّمَا تكون من قبل الْأُم فَإِذا كَانَ الْأَب عتيقا وَالأُم لَيست كَذَلِك كَانَ الْوَالِد هجينا قَالَ الراجز
(العَبْدُ والهَجِينُ والفَلَنْقَسُ ... ثَلاثَةٌ فأيَّهُم تَلَمَّسُ ... )
والإقراف يكون من قبل الْأَب قَالَت هِنْد
(فَإِن نُتِجَتْ مُهْراً كَرِيما فبالْحَرَى ... وَإنْ يِكُ إقرافٌ فمِنْ قِبَلِ الفَحلِ ... )
وتهجين الْأَمر تقبيحه والمزرى من زريت عَلَيْهِ إِذا قصرت بِهِ وأزريته حقرته وأزريت عَلَيْهِ زراية وتزريت عَلَيْهِ أى عتبت عَلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر
(يأيها الزّارِى على عُمَرٍ ... قدْ قُلتَ فِيهِ غير مَا تعلَمْ ... )
وَقَالَ الآخر
(إنِّى على لَيْلَى لزار وإنَّنِى ... على ذَاكَ فِيما بينَنا مُستديمُها ... )
أى عَاتب ساخط غير رَاض وَقَالَ ابو عَمْرو الزارى على الْإِنْسَان الذى لَا يعده شَيْئا وينكر عَلَيْهِ فعله والإزراء التهاون بالشئ الْمَعْنى يَقُول إِنَّك تهجنهم لنقصانهم عَن بُلُوغ كرمك فهم عاتبون عَلَيْك لما يظْهر للنَّاس من كرمك وَيجوز أَن يكون هم عاتبون على أنفسهم حَيْثُ لم يَفْعَلُوا مَا فعلت وتروك بِمَعْنى تَارِك كَمَا تَقول تركت زيدا ذَا مَال أى جعلته وفعول أبلغ من فَاعل فَلذَلِك أَتَى بِهِ وَقد فسر الْبَيْت بِمَا بعده
(1/130)

- الْغَرِيب شادوا بنوا وَرفعُوا والشيد بِكَسْر الشين كل شئ طليت بِهِ الْحَائِط من جص أَو غَيره وبالفتح الْمصدر شاده يشيده شيدا جصصه والمشيد الْمَعْمُول بالشيد والمشيد بِالتَّشْدِيدِ المطول والإشادة رفع الصَّوْت بالشئ وأشاد بِذكرِهِ رفع قدره وَقَالَ أَبُو عمر وأشدت بالشئ عَرفته والمثالب المخازى والمعايب الْمَعْنى يُرِيد أَنهم رفعوا مناقبهم وَرفعت مناقبك فَلَمَّا ظَهرت مناقبل للنَّاس صَارَت مناقبهم كالمخازى لفضل مناقبك عَلَيْهَا وَمثله لحبيب
(محاسِنُ مِنْ مَجْدٍ مَتى يَقْرِنُوا بِها ... مَحاسِنَ أقْوَامٍ تَكُنْ كالمَعايبِ ... )
(1/131)

- الْإِعْرَاب غيظ الحاسدين انتصب على النداء الْمُضَاف وَقَالَ ابْن القطاع على الإغراء أى الزم غيظ الحاسدين أَو على الْمَفْعُول من أَجله أى أَقُول لَك لبيْك من أجل غيظ الحاسدين الْمَعْنى قَالَ الواحدى أظهر الْإِجَابَة إِشَارَة إِلَى أَنه بِنِدَاء منادى والراتب الْمُقِيم قَالَ الْخَطِيب صرع الْبَيْت لانتقاله من الْمَدْح إِلَى الْإِجَابَة
37 - الْغَرِيب الحنك جمع حنكة وهى التجربة وجودة الرأى وَرجل محتنك ومحنك إِذا عضته الْأُمُور وجربها والغر بضده أى الذى لم يجرب الْأُمُور وَلَا يفكر فى العواقب الْمَعْنى يَقُول لَك تَدْبِير ذى حنك وارتفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ مَحْذُوف أى لَك تَدْبِير ذى عقل وَرَأى مجرب للأمور مفكر فى العواقب لكنه إِذا هجم فى الوغى هجم هجوم الغر يُرِيد أَنه جمع بَين الضدين بتدبير الْملك تَدْبِير مجرب مفكر فى العواقب وإقدامه إقدام غر وَمثله لحبيب
(مَلكٌ لَهُ فِى كُلّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ ... إقْدَامُ غِرّ وَاعْتِزَامُ مجرّبِ ... )
وَله أَيْضا
(كَهْلُ الأناةِ فتَى الشَّذاةِ إذَا عَدا ... للْحَرْبِ كانَ المساجِدَ الغِطْرِيفا ... )
وَله
(وَمُجَرَّبُونَ سَقاهُمُ مِنْ بأْسِهِ ... وإذَا لُقُوا فكأنهُمْ أغمارُ ... )

38 - الْمَعْنى يَقُول لَو يجاوزك طَالب يطْلب عطاءك لأنفقت مَالك فى طلب من تعطيه المَال
39 - الْإِعْرَاب الأَصْل أستطيعه فأدغم التَّاء فِي الطَّاء كَقِرَاءَة حَمْزَة {فَمَا اسطاعوا أَن يظهروه} بتَشْديد الطَّاء وَغَيره بِحَذْف تَاء الافتعال الْغَرِيب الثَّنَاء يكون فى الْخَيْر وَحكى ابْن الأعرابى أَنه يسْتَعْمل فى الْخَيْر وَالشَّر وأنشدنا
(أثْنِى عَلىَّ بِما عَلِمْتَ فانَّنِى ... أُثْنِى عَلَيكِ بِمِثلِ رِيحِ الجَورَبِ ... )
قصره أَبُو الطّيب ضَرُورَة وَحكى ابْن سعد عَن أَبى الطّيب وَهُوَ على بن سعد وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّد بن سعد صَاحب الطَّبَقَات لِأَن ذَلِك قديم الْوَفَاة توفى بعد المئتين وَأَبُو الطّيب ولد سنة إِحْدَى وَقيل أَربع وَثَلَاث مئة وَالصَّحِيح سنة ثَلَاث وَثَلَاث مئه قَالَ سَمِعت أَبَا الطّيب يَقُول مَا قصرت ممدودا فى شعرى إِلَّا هَذَا الْموضع
(خُذ من ثناى ... )
وَذَلِكَ أَنه رأى بِخَط أَبى الْفَتْح
(وَقد فارَقت دَارك واصْطِفَاك ... )
بِكَسْر الطَّاء الْمَعْنى يَقُول لَا تلزمنى الْوَاجِب فى ثنائك لأنى لَا أقدر عَلَيْهِ بل سامحنى بِمَا أَسْتَطِيع فَخذ منى الذى أقدر عَلَيْهِ وَإِذا ألزمتنى الْوَاجِب عجزت عَنهُ وَلَا أقدر أَن أقوم بِقدر استحقاقك ثمَّ ذكر عذره
(1/132)

- الْغَرِيب دهش فَهُوَ دهش إِذا تحير وأدهشه غَيره وروى أَبُو الْفَتْح وَلَقَد دهشت وَقَالَ دهش فَهُوَ مدهوش وَمثله حم وأحمه الله وزكم وأزكمه الله ودهش مثل شده فَهُوَ مشدوه وَقَالَ الْخَطِيب دهشت فجَاء بِهِ ثلاثيا ويدهش فجَاء بِهِ على أدهش وَهَذَا أحد مَا يدل على انْفِرَاد مَا لم يسم فَاعله بِفعل مُخْتَصّ بِهِ كَمَا يخْتَص فعل الفاعلين بِأَفْعَال لَا يذكر مَعهَا الْمَفْعُول نَحْو قَامَ زيد وَقعد وبرحجك وأبره الله لَهُ نَظَائِر الْمَعْنى يَقُول قد تحيرت فى أفعالك فَلَا أقدر أَن أصفها وَلَا أقدر أَن أثنى عَلَيْك بهَا فأقلها الذى أرى وَهُوَ مِمَّا يدهش الْملك الْمُوكل بك لِأَنَّهُ لم يرد مثله من بنى آدم ولكثرته يعجز عَن كِتَابَته
25

- 1 - هَذِه الْقطعَة مضطربة الْوَزْن وهى من الرمل لِأَنَّهُ جعل الْعرُوض فاعلاتن وَهُوَ أَصْلهَا فى الدائرة وَإِنَّمَا تسْتَعْمل محذوفة السَّبَب وَزنهَا فاعلن قَالَ عبيد
(مثلُ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكِ الْقَطْرُ ... مَغْناهُ وتْأوِيبُ الشَّمال ... )
وَبَيت ابى الطّيب مصرع فتبعت عروضه ضربه الْمَعْنى يُرِيد أَن السَّحَاب فِيهَا المَاء وَالْبرد وَالصَّوَاعِق وَهَذَا فِيهِ خير لأوليائه وعقاب لأعدائه
(1/133)

- جعله هَذِه الْأَشْيَاء لِكَثْرَة وجودهَا مِنْهُ كَقَوْل الْعَرَب الشّعْر زُهَيْر وَالْكَرم حَاتِم وكقول الخنساء
(تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذا ذكرَت ... فَإِنَّمَا هى هِىَ إقْبالٌ وَإدْبارُ ... )
الْمَعْنى يصف وَحْشَة تطلب وَلَدهَا مقبلة ومدبرة فَجَعلهَا إقبالا وإدبارا لكثرتهما مِنْهَا
3 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَا يُحَرك بَصَره إِلَّا على إِحْسَان وإساءة تحمده الْأَيْدِي لِأَنَّهُ يملؤها بالعطاء وتذمه الرّقاب لِأَنَّهُ يوسعها ضربا والجهد والجهد لُغَتَانِ كالشهد والشهد وَفصل قوم بَينهمَا فَقَالُوا بِالْفَتْح الْمَشَقَّة وبالضم الطَّاقَة وَقد جَاءَ الْقُرْآن فى معنى الطَّاقَة بِالضَّمِّ فى قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ}
4 - الْمَعْنى يُرِيد مَا يقتل أعاديه ليستريح مِنْهُم لِأَنَّهُ قد أَمنهم لقُصُور عزمهم عَنهُ وَلكنه قد عوذ الذئاب عَادَة من إطعامه إِيَّاهَا لُحُوم الْقَتْلَى فَيكْرَه أَن يخلفها مَا عودهَا وَهَذَا كَقَوْل مُسلم
(قد عَوّد الطَّيرَ عاداتٍ وَثِقْن بِها ... فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ فِى كُلّ مُرْتَحلَ ... )

5 - الْمَعْنى أَنه يخَاف من لَا يُرْجَى صفحه فَإِذا نظر إِلَى جوده وسعة نَفسه كَانَ بِمَنْزِلَة من لَا يهاب بل يُرْجَى فَهُوَ مهيب شَدِيد الهيبة وجواد فى غَايَة الْجواد
6 - الْغَرِيب الشزر من الطعْن مَا أدبر عَن الصَّدْر وَقيل هُوَ على غير الاسْتوَاء الْمَعْنى يُرِيد أَنه حاذق بالطعن فى الأحداق إِذا أظلم الْمَكَان وَصَارَ الْغُبَار نقايا للشمس فَهُوَ عَارِف بمواقع الطعْن وَقد رده بقوله يضع السنان
(1/134)

- الْغَرِيب الإياب الرُّجُوع الْمَعْنى أَنه يحمل نَفسه على ركُوب الْأَمر الصعب الذى لَيْسَ لمن وَقع فِيهِ خلاص
8 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد أَن رِيحه أطيب من ريح النرجس وَحَدِيثه ألذ من الشَّرَاب وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يمدح بِهِ الرِّجَال وَهَذَا الْبَيْت من الأبيات الَّتِى قبله بعيد البون كَعبد مَا بَين الثريا وَالثَّرَى
9 - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يُقَال غير مدفوعة عَن السَّبق العراب كَمَا تَقول هِنْد غير مصروفة وَذكر ضَرُورَة كَأَنَّهُ أَرَادَ العراب جنس غير مَدْفُوع قَالَ ابْن جنى كَانَ يجوز أَن يَقُول غير هَذَا وَيَقُول
(لَا تدفع عَن السَّبق العراب ... )
بِالتَّاءِ وَالْيَاء فأجري غير مجْرى لَا وأجرى مَدْفُوع مجْرى يدْفع ضَرُورَة وَقد يتزن الْبَيْت بِأَن يَقُول
(قطّ لَا يُدْفعُ عَن سَبْقٍ عِرابُ ... )

26

- 1 - الْمَعْنى يُرِيد لَا عجب وَلَا مُنكر أَن سبقت النَّاس إِلَى مَرَاتِب لم يصلوا إِلَيْهَا لِأَنَّك من أَهلهَا فَلَا تدفع عَن نيلها كَمَا أَن العراب من الْخَيل وهى الْمُضْمرَات المعدات للسبق لَا تدفع عَن السَّبق
2 - الْمَعْنى يَقُول الأَرْض من عطشها تَشْكُو إِلَى السَّحَاب غيبته عَنْهَا وتمص مَاءَهُ كَمَا يمص الحبيب ريق المحبوب وأصل الرشف أَن تستقصى مَا فى الْإِنَاء حَتَّى لَا تدع فِيهِ شَيْئا
(1/135)

- الشطرنج مُعرب والأجود أَن تكسر مِنْهُ الشين ليَكُون على وزن فعلل مثل جرد حل وَهُوَ الضخم من الْإِبِل وَلَيْسَ فى كَلَام الْعَرَب فعلل وَهُوَ مُعرب من سدرنج يعْنى أَن من اشْتغل بِهِ ذهب عناؤه بَاطِلا الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أتأمل فى حسن معانيك لَا فى الشطرنج وانتصابى جَالِسا لأرَاك لَا للشطرنج واللعب وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه الْقطعَة لم أقرأها عَلَيْهِ وشعره عندى أَجود مِنْهَا وَقَالَ غَيره هى مقروءة عَلَيْهِ بِمصْر وبغداد
4 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يغيب عَنهُ لَيْلَة ثمَّ يعود إِلَيْهِ
27

- 1 - الْغَرِيب المعالى جمع معلاة مفعلة من الْعُلُوّ والْعَلَاء
2 - الْمَعْنى يُرِيد بِكُل مسئلة يعجز النَّاس عَن بَيَانهَا وَالْجَوَاب عَنْهَا حَتَّى لَو سُئِلَ عَنْهَا غَيره انْقَطع
3 - الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه اللعبة وقفت ثمَّ قابلتك تَدور أَو رفعت رجلهَا وَهَذِه كلهَا أَبْيَات // رَدِيئَة // عَملهَا ارتجالا فى معَان نَاقِصَة
(1/136)

- 1 - الْإِعْرَاب ضروبا قيل هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ النَّاس عشاق مُخْتَلفين فى عشقهم والأجود أَن يكون مَنْصُوبًا بِوُقُوع الْفِعْل عَلَيْهِ وَهُوَ الْعِشْق أى ضروب النَّاس يعشقون ضروبا فأعذرهم هُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم عذر الرجل عذرا وأعذر إِذا أَتَى بِعُذْر يُقَال عذر من نَفسه وأعذر إِذا بَين عذرا أَو فعلا يعْذر بِهِ من أَسَاءَ إِلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يكون مأخوذا من عذرت الرجل فَهُوَ مَعْذُور لِأَنَّهُ إِذا حمل على هَذَا كَانَ أفعل الذى للتفضيل قد بنى من فعل لم يسم فَاعله وَذَلِكَ مُمْتَنع الْمَعْنى يَقُول أَنْوَاع النَّاس على اخْتلَافهمْ يحبونَ أَنْوَاع المحبوبات على اختلافها فأحقهم بالعذر فى الْعِشْق والمحبة من كَانَ محبوبه أفضل وأشف والشف الْفضل
2 - الْغَرِيب السكن الصاحب وَمن تسكن إِلَيْهِ وتحبه وتهواه وفلانة سكن لفُلَان الْمَعْنى يَقُول أَنا أعشق وأسكن إِلَى قتل الأعادى فَهَل من زورة إِلَيْهَا أشفى بهَا قلبى كَمَا يشفى الْمُحب قلبه بزيارة محبوبه ويلتذ بزورته فَأَنا ألتذ بقتل الأعادى
3 - الْغَرِيب الصرصرة صَوت الطير والنسر والبازى وَغَيره والنعيب صَوت الْغُرَاب الْمَعْنى يُرِيد هَل من زورة إِلَى الأعادى فيكثر الْقَتْل حَتَّى يظل الطير وَهُوَ اسْم جنس يُرِيد جمَاعَة الطير مُجْتَمعين إِلَيْهِ وَجعل أصوات الطير كالصرصرة والْحَدِيث بَين قوم مُجْتَمعين وَقَالَ الْخَطِيب الصرصرة صَوت النسْر والبازى لَا يَقع إِلَّا على الْقَتْلَى وَإِنَّمَا يُرِيد وقْعَة يكثر فِيهَا الْقَتْلَى فيجتمع عَلَيْهَا الطير فيصرصر النسْر وينعب الْغُرَاب
4 - الْغَرِيب الْحداد ثِيَاب الْحزن تصبغ سَوْدَاء وتلبس عِنْد الْمُصِيبَة وأصل الْحداد الْمَرْأَة تلبس ثِيَاب الْحزن وَقد يجوز أَن تكون غير مصبوغة بل تكون من خشن الملبس وفى الصَّحِيحَيْنِ " لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا الْمَرْأَة على زَوجهَا وَمَعْنَاهُ أَن تحزن وتترك الطّيب والدهن الْمَعْنى أَن هَذِه الطير لبست دِمَاء الْقَتْلَى أى تلطخت بهَا مِنْهُم وجفت عَلَيْهَا فَصَارَت كالحداد وهى الثِّيَاب السود وَلم تشق لَهَا جيوبا لِأَنَّهَا لَيست محزونة وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون لم تشق لَهَا جيوبا لِأَنَّهُ غير مخيط فَكَأَنَّهُ إحداد بِغَيْر مخيط قَالَ وَقد روى دِمَاؤُهُمْ بِالرَّفْع يُرِيد أَن الدِّمَاء اسودت على الْقَتْلَى فَكَأَنَّهَا لبست ثوبا غير مَا كَانَت تلبس من الْحمرَة
(1/137)

- الْغَرِيب أدمنا جَمعنَا وخلطنا وَمِنْه قيل للمتزوجين فى الدُّعَاء أَدَم الله بَينهمَا وَقيل بل قَوْله أدمنا من الدَّوَام والكعوب من كعوب الرمْح وهى أَطْرَاف النواشر عِنْد الأنابيب والكعوبأيضا مصدر كعبت الْجَارِيَة تكعب بِالضَّمِّ كعوبا إِذا خرحت نهودها وهى الكعاب بِالْفَتْح والكاعب وَالْجمع كواعب قَالَ الله تَعَالَى {كواعب أَتْرَابًا} الْمَعْنى يَقُول خلطنا الضَّرْب بالطعن إِلَى أَن جعلنَا كعوب القنا فى عظامهم وَإِن كَانَ من إدامة الشئ فَالْمَعْنى لم نزل نطعنهم حَتَّى كسرنا كعوب الرماح فيهم فاختلطت أبدانهم بعظامهم
6 - الْمَعْنى يُرِيد أَن خيولهم لم تنفر مِنْهُم كَأَنَّهَا كَانَت فى صغرها تسقى فى قحوف رؤوسهم اللَّبن يعْنى قحوف رُؤُوس الْأَعْدَاء وَالْعرب من عَادَتهَا أَن تسقى كرام خيولها اللَّبن وقحف الرَّأْس مَا انْضَمَّ على أم الدِّمَاغ والجمجمة الْعظم الذى فِيهِ الدِّمَاغ الْمَعْنى أَن خيولهم وطِئت رُءُوسهم وصدورهم وَلم تنفر عَنْهُم فَكَأَنَّهَا قد ألفتهم
7 - الْغَرِيب التريب والتريبة وَاحِدَة الترائب وَهُوَ مَوضِع القلادة والشوى من الْفرس قوائمه لِأَنَّهُ يُقَال عبل الشوى والشوى جمع شواة وهى جلدَة الرَّأْس والشوى اليدان وَالرجلَانِ وَالرَّأْس من الادميين وكل مَا لَيْسَ مقتلا يُقَال رَمَاه فأشواه إِذا لم يصب المقتل قَالَ الهذلى
(فإنَّ مِنَ القَوْلِ الَّتِى لَا شَوَى لَهَا ... إِذا زَالَ عَن ظهرِ اللِّسان انْفِلاتها ... )
يَقُول إِن من القَوْل كلمة لَا تشوى وَلَكِن تقتل الْمَعْنى يَقُول يقدم هَذِه الْخَيل وَقد خضبت قَوَائِمهَا بِالدَّمِ فَتى قد ألف الحروب يقذفه حَرْب إِلَى حَرْب قَالَ الواحدى وَقد روى خضبت جعل الْفِعْل للخيل
(1/138)

- الْغَرِيب أصل الخنزوانة ذُبَابَة تقع فى أنف الْبَعِير فيشمخ لَهَا بِأَنْفِهِ فاستعيرت للكبر فَقيل بفلان خنزوانة وتنمر صَار كالنمر فى الْغَضَب الْمَعْنى أَنه إِذا غضب على الْعَدو وأقدم عَلَيْهِم فَلَا يبالى أقتل أم قتل وَأصَاب أَرَادَ الِاسْتِفْهَام فَحذف حرفه وأعمله
10 - الْغَرِيب يفرق يخَاف ويفزع ويثوب يرجع الْغَرِيب قَالَ الواحدى قَالَ ابْن فورجة أَرَادَ لعظم مَا عزمت عَلَيْهِ ولشدة مَا أَنا عَلَيْهِ من الْأَمر الذى قُمْت بِهِ كَأَن الصُّبْح يفرق من عزمى ويخشى أَن يُصِيبهُ بمكروه فَهُوَ يتَأَخَّر وَلَا يئوب وَقَالَ العروضى يُخَاطب عزمه انْظُر يَا عزمى عل علم الصُّبْح بِمَا أعزم عَلَيْهِ من الاقتحام فخشى أَن يكون من جملَة أعدائى
11 - الْغَرِيب الدجنة الظلمَة والدجنة من الْغَيْم المطبق المظلم الذى لَيْسَ فِيهِ مطر يُقَال يَوْم دجن وَلَيْلَة دجنة بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَقَالَ الجوهرى الدجنة بِالتَّخْفِيفِ الظلمَة وَالْجمع دجن ودجنات بِالتَّخْفِيفِ فيهمَا والدجنة فى ألوان الْإِبِل أقبح السوَاد الْمَعْنى أَنه يصف طول ليله فَشبه الْفجْر بحبيب طلب مِنْهُ الزِّيَارَة وَهُوَ يُرَاعى من ظلمَة اللَّيْل رقيبا فتتأخر زيارته من خوف الرَّقِيب فَشبه طول اللَّيْل وإبطاء الْفجْر بحبيب يخَاف رقيبا
12 - الْغَرِيب الجبوب وَجه الأَرْض وَقيل الأَرْض الغليظة وَلَا يجمع والحلى مَا لبس من ذهب وَفِضة فِيهِ لُغَات حلى وحلى وحلى وَقد قرئَ الْقُرْآن باللغات الثَّلَاث فَقَرَأَ بِكَسْر الْحَاء مَعَ التَّشْدِيد حَمْزَة والكسائى وَقَرَأَ بِالْفَتْح فى الْحَاء وَسُكُون اللَّام يَعْقُوب وَقَرَأَ بِضَم الْحَاء مَعَ التَّشْدِيد الْبَاقُونَ الْمَعْنى جعل النُّجُوم حليا لِليْل وَجعل الأَرْض قيدا لَهُ أَو نعلا فَقَالَ كَأَن الأَرْض صَارَت نعلا لَهُ فَهُوَ لَا يقدر على المشى لثقل الأَرْض على قوائمه
13 - الْغَرِيب الشحوب تغير اللَّوْن والهزال الْمَعْنى يَقُول كَأَن الْهوى كابد مَا أكابد من طول الوجد فاسود لَونه فَصَارَ سوَاده كالشحوب وَهُوَ تغير اللَّوْن أى كَانَ اللَّيْل أسود لِأَنَّهُ دفع إِلَى مَا دفعت إِلَيْهِ فَصَارَ السوَاد بِمَنْزِلَة الشحوب
(1/139)

- الْغَرِيب الدجى جمع دجية وهى قترة الصَّائِد الْمَعْنى يُرِيد سهادى لَا يغيب عَنى كَذَلِك اللَّيْل لَا يغيب عَنى لتَعلق السهاد بِهِ بطول ظلمَة اللَّيْل وَطول سهاده فَكَأَن السهاد يجذب الدجى فَلَيْسَ يغيب الدجى إِلَّا أَن يغيب السهاد
15 - الْمَعْنى يُرِيد كَمَا أَن ذنُوب الدَّهْر لَا تفنى كَذَلِك أجفانى لَا تفتر وَقَالَ الواحدى لِكَثْرَة تقليبى إِيَّاهَا كأنى أعد على الدَّهْر ذنُوبه كَمَا أَن ذنُوب الدَّهْر كَثِيرَة لَا تفنى كَذَلِك تقليبى لأجفانى كثير لَا يفنى فَلَا نوم هُنَاكَ
16 - الْغَرِيب المشيب والمشوب الْمُخْتَلط الْمَعْنى يَقُول إِن طَال ليلى فَلَيْسَ هُوَ بأطول من نَهَار أنظر فِيهِ إِلَى حسادى وأعدائى
17 - الْمَعْنى يَقُول إِذا شاركنى أعدائى فى الْحَيَاة وعاشوا كَمَا أعيش وَلم أقتلهم فَلَيْسَ الْمَوْت بأبغض إِلَى من تِلْكَ الْحَيَاة الَّتِى لم أخل عَن مُشَاركَة الْأَعْدَاء فِيهَا
18 - الْغَرِيب الْحدثَان هُوَ مَا يحدث من نَوَائِب الدَّهْر والنقيب هُوَ الذى يعرف الْقَوْم وَمِنْه نقيب الْأَشْرَاف وَهُوَ الذى يرأسهم وَيحكم فيهم الْمَعْنى يُرِيد أَن النوائب أَصَابَته كثيرا فَصَارَ عَارِفًا لَهَا حَتَّى لَو أَن لَهَا أنسابا لَكُنْت نسابها لمعرفتى بهَا
19 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لفقره وَقلة ذَات يَده لما عزت عَلَيْهِ الْإِبِل وفقدها لفقره أدته المحن والشدائد إِلَى الممدوح فَكَأَنَّهَا كَانَت مطايا لَهُ وَهَذَا بعد قَوْله
(ومَا سُكْنى سوَى قتلُ الأعادِى ... )
وَذكره الجيوش وَكَثْرَتهَا والأبطال وقود الْجِيَاد العراب ثمَّ رَجَعَ إِلَى الطّلب من الممدوح مدح نَفسه أَولا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مدح الممدوح آخرا وَأما أحسن مَا ذكر بعض الْمُلُوك فى أَنه دخل عَلَيْهِ شَاعِر يمدحه وَكَانَ على شكل المتنبى فَلَمَّا افْتتح بالإنشاد وَالْملك يسمع وَإِذا المديح لنَفسِهِ فَلَمَّا مضى على أَكثر القصيدة رَجَعَ إِلَى مدح الْملك فَقَالَ لَهُ الْملك يَا هَذَا مَا قصرت أسمعنا مدحك
(1/140)

- الْغَرِيب رتعت الْإِبِل ترتع رتوعا أكلت مَا شَاءَت ونرتع وَنَلْعَب ننعم ونلهو وإبل رتاع بِكَسْر الرَّاء جمع راتع وأرتع الْغَيْث وَأنْبت مَا ترتع فِيهِ الْإِبِل والجدب ضد الخصب وَمَكَان جَدب وجديب اى لَا نَبَات فِيهِ الْمَعْنى يُرِيد بالمطايا الْحَوَادِث لِأَن أحدا لَا يطْلب ركُوبهَا وهى لَا ترعى نبتا إِنَّمَا ترعانا فَلم أفارقها إِلَّا مجدبا كالمكان الجدب وَهُوَ الذى لَيْسَ فِيهِ نَبَات يُرِيد أَن الْحَوَادِث رعته فَلم تتْرك مِنْهُ شَيْئا
22 - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يَقُول فلولا هُوَ وَيجوز لولاه وَقيل الذى قَالَ أَبُو الطّيب فلولا هُوَ بِإِسْكَان الْوَاو وهى لُغَة مَعْرُوفَة الْغَرِيب الشيمة الْخلق وَجَمعهَا شيم وشعف غلب على قلبه الْحبّ وبالغين الْمُعْجَمَة وصل إِلَى شغَاف قلبه والنسيب التشبيب بِالنسَاء فى الشّعْر وَالْفِعْل نسب ينْسب بِالْكَسْرِ الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا أَن خلق الممدوح أحسن من خلقه لَقلت النسيب بخلقه وَيجوز لَوْلَا أَنى أحتشمه لَقلت الْغَزل فى شيمته
23 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى هَواهَا رَاجع إِلَى الشيمة للغريب الرشأ بِالتَّحْرِيكِ على فعل هُوَ ولد الظبية الذى قد تحرّك وَمَشى والربيب والمربوب هُوَ المربى الْمَعْنى يُرِيد أَن شيمته كل أحد يعشقها كعشقى لَهَا وَإِن كَانَت لَا تشبه الرشأ المربى لِأَنَّهَا خلق لاشبه لَهَا
(1/141)

- الْإِعْرَاب عَجِيب خبر الِابْتِدَاء وعجيبا خبر المشبهة بليس وهى الحجازية الْمَعْنى يُرِيد هُوَ عَجِيب فى الزَّمَان وَلَيْسَ يستنكر أَن يأتى من آل سيار عجب العجاب لأَنهم الْغَايَة وَالنِّهَايَة فى الْمجد والسخاء
25 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه شيخ فى شبابه لعقله وكماله ورأيه وَإِن كَانَ شَابًّا فى سنه وَكم من إِنْسَان قد بلغ حد الشيخوخة وَلم يسْتَحق أَن يُسمى شَيخا لنقصه
26 - الْمَعْنى أَنه قسا وصلب على الْأَعْدَاء ولان على الْأَوْلِيَاء ويروى وتفزع من يَدَيْهِ وَمعنى الْبَيْت قسا قلبا فالأسود نَخَاف من هيبته ورق طبعا وكرما فَنحْن نَخَاف أَن يذوب لرقته علينا وَقيل نَحن نَخَاف لرقته وَحسن خلقه وَمن روى قواه فَهُوَ جمع قُوَّة قَالَ
(أَشد من الرِّيَاح ... . ... الْبَيْت ... )

27 - الْإِعْرَاب بطشا وهبوبا مصدران وَقعا موقع الْحَال وَقَالَ قوم نصبا على التَّمْيِيز وحرفا الْجَرّ يتعلقان بأشد وأسرع الْغَرِيب الهوج جمع هوجاء وهى الَّتِى لَا تَسْتَقِر على سنَن وَاحِد والبطش الْأَخْذ بِقُوَّة الْمَعْنى يُرِيد أَنه فى بطشه أَشد من الرِّيَاح الشديدات وأسرع مِنْهَا فى الْعَطاء
28 - الْغَرِيب الْغَرَض الهدف الْمَعْنى يَقُول إِن النَّاس يَقُولُونَ هُوَ أرمى من أبصرنا يرْمى السهْم فَقلت لَهُم رَأَيْتُمُوهُ يرْمى الْغَرَض الْقَرِيب مِنْهُ فَلَو رَأَيْتُمُوهُ يرْمى غَرضا
29 - الْغَرِيب الرمايا جمع رمية وهى كل مَا يرْمى من غَرَض أَو صيد الْمَعْنى يَقُول إِن أصَاب رميته بِسَهْم فَلَا عجب فَإِنَّهُ لَا يُخطئ بِسَهْم ظَنّه الْغَائِب عَنهُ يُرِيد أَنه صائب الْفِكر لَا يفوتهُ شئ
(1/142)

- الْغَرِيب نكبت قلبت على رَأسهَا وَكَذَا نثلت والكنانة الجعبة الَّتِى يَجْعَل فِيهَا السِّهَام وَالْجمع كنائن والندوب جمع ندب وهى آثَار الْجرْح الْإِعْرَاب الْوَجْه أَنه يُقَال بأفوقها لأنصلها ندوبا وَإِلَّا فمحال أَن يتقابل النصال وَالْبَيْت الذى بعده يبين صِحَة قَوْلنَا قَالَ ابْن دُرَيْد نكبت الشئ نكبا إِذا ألقيت مَا فِيهِ وَلَا يكون إِلَّا للشئ الْيَابِس للسَّائِل الْمَعْنى إِذا ألْقى مَا فى كِنَانَته رَأينَا لنصوله آثارا فى نصوله لِأَنَّهُ يرميها على طَريقَة وَاحِدَة فتصيب النصول بَعْضهَا بَعْضًا قَالَ
(يُصِيب بِبَعْضِهَا أفواق ... . ... الْبَيْت ... )

31 - الْغَرِيب الفوق من السهْم مَوضِع الْوتر وَالْجمع أفواق وَفَوق تَقول فقت السهْم فانفاق أى كسرت فَوْقه فانكسر وفوقته جعلت لَهُ فوقا والأفواق السهْم المكسور الفوق وَرجع فلَان بأفوق ناصل أى بِسَهْم منكسر لَا نصل فِيهِ وأفقت السهْم جعلت فَوْقه فى الْوتر وأوفقته أَيْضا وَلَا يُقَال أفوقت وَهُوَ من النَّوَادِر الْمَعْنى يُرِيد أَنه حسن الرمى وَأَنه يُصِيب بِبَعْض نصوله أفواق السِّهَام الَّتِى رَمَاهَا وَأَنه لَوْلَا كسر السِّهَام لَا تصلت حَتَّى تصير قَضِيبًا مستويا أى غصنا
32 - الْإِعْرَاب بِكُل مقوم هُوَ بدل من قَوْله بِبَعْضِهَا وَالْبَاء مُتَعَلقَة بيصيب الْفِعْل الذى فِيمَا قبله الْمَعْنى أَنه عَنى بالمقوم سَهْما مستويا لَا يعصيه فِيمَا يَأْمُرهُ من الْإِصَابَة حَتَّى ظنناه لبيبا عَاقِلا
32 - الْغَرِيب النزع جذب الْوتر للرمى وَمِنْه الضَّمِير للمقوم الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا جذب الْوتر للرمى يُرِيك حفيف السهْم إِذا خرج من الْقوس اللهيب من سرعته وَالْعرب إِذا وصفت شَيْئا بالسرعة شبهته بالنَّار وَمِنْه قَول العجاج يصف سرعَة مَشى الْحمار والأتان
(كَأَنَّمَا يَسْتَضرِمان العَرْفجا ... )
وَقَالَ الواحدى حفيف السهْم فى سرعته يشبه حفيف النَّار
(1/143)

- الْغَرِيب الألى بِمَعْنى الَّذين وسعدوا من السَّعَادَة تَقول سعد الرجل فَهُوَ سعيد كسلم فَهُوَ سليم وَسعد فَهُوَ مَسْعُود وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة والكسائى وَحَفْص عَن عَاصِم بِضَم السِّين والنجيب الْكَرِيم الْمَعْنى يَقُول أَلَسْت اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّقْرِير كَقَوْل جرير
(ألَسْتُمْ خيرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأنْدَى العالَمينَ بُطُونَ رَاحِ ... )
يُرِيد الَّذين سعدوا بِمَا طلبُوا وَكَانُوا نجباء سادة الْمَعْنى أَنْت ابْن أُولَئِكَ
35 - الْإِعْرَاب نالوا عطف على قَوْله وسادوا ودبيبا حَال الْمَعْنى يُرِيد أَنهم أدركوا مَا طلبُوا على هون ورفق فأدركوا الصعب بِأَهْوَن سعى وَذَلِكَ لحزمهم وَحسن سياستهم وتأنيهم وَذكر الْوَحْش والنمل مثلا لحزمهم ورفقهم فى الْأُمُور
36 - الْمَعْنى يَقُول ريح الرياض وهى جمع رَوْضَة لَيست لَهَا فى الْحَقِيقَة وَلَكِن استفادته وأخذته من دفن آبَائِهِ فى التُّرَاب وَهُوَ مَنْقُول من قولى الطائى
(أرَادُوا لِيُخْفُوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوّهِ ... فَطِيبُ تُرابِ القَبْرِ دَلَّ على القَبْرِ ... )

37 - الْغَرِيب القشيب الْجَدِيد وَسيف قشيب حَدِيث عهد بالجلاء وَرجل قشب خشب بِكَسْر الْعين إِذا كَانَ لَا خير فِيهِ والقشيب أَيْضا السم وَجمعه أقشاب وقشبه قشبا سقَاهُ السم وقشب طَعَامه سمه وقشبه ذكره بالسوء وَقَالَ الْفراء قشب بِالْفَتْح واقتشب إِذا اكْتسب حمدا وذما وقشبنى رِيحه تقشيبا آذانى الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمجد انْتقل إِلَيْهِ فَهُوَ للممدوح على الْحَقِيقَة وَقيل التَّقْدِير يَا من عَاد بِهِ روح الْمجد فى الْمجد يُرِيد بِهِ أَن الْمجد كَانَ مَيتا فعا حَيا وَعَاد الزَّمَان الذى كَانَ بَالِيًا بِهِ جَدِيدا وَنظر إِلَى هَذَا القَوْل الآخر بَعضهم فَقَالَ
(سألْتُ النَّدَى والمجْدَ حَيَّانِ أنّما ... وَهَلْ عِشْتُما مِن بعدِ آلِ مُحَمَّد ... )

(فَقالا نَعَمْ مِتْنا جمِيعا وَضَمَّنا ... ضرِيحٌ وأحْيانا دَبيسُ بنُ مَزْيَدِ ... )
(1/144)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى فى كِتَابه سَمِعت الشَّيْخ كريم بن الْفضل قَالَ سَمِعت والدى أَبَا بشر قاضى الْقُضَاة قَالَ أنشدنى أَبُو الْحُسَيْن الشامى الملقب بالمشوق قَالَ كنت عِنْد المتنبى فَجَاءَهُ هَذَا الْوَكِيل فأنشده
(فُؤَادَدِى قَدِ انْقَطَعْ ... وضِرْسَسِى قَدِ انْقَلَعْ ... )

(فِى حُبَّ ظَبْىٍ غَنِجَ ... كالبَدْرِ لَمَّا أِنْ طَلَعْ ... )

(رأيتُهُ فى بَيْتِهِ ... مِن كَوَّةٍ قَدِ اطَّلَعَ ... )

(فَقلت تِهْ تِهْ تِهْ وتِهْ ... فَقَالَ لى مُرَّ يَا لُكَعْ ... )

(هاتِ قِطَعْ ثمَّ قِطَعْ ... ثمَّ قِطَعْ ثمَّ قِطَعْ ... )
فَهَذَا الذى عناه أَبُو الطّيب بقوله
(وأنشَدنِى مِن الشِّعرِ الغَرِيبا ... )

39 - الْغَرِيب أجره الله يأجره أجرا وآجره يؤاجره مؤاجرة وَإِجَارَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه جعل الْوَكِيل عليلا وَجعل نَفسه الْمَسِيح وَلَا حَاجَة للمسيح إِلَى طَبِيب فَإِنَّهُ يحيى الْمَوْتَى وَيُبرئ الأكمه والأبرص وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ الطَّبِيب عليلا
40 - الْغَرِيب قَالَ الْخَطِيب حكى أَن الْوَكِيل لما سمع قَوْله أديبا قَالَ جعلنى وَالله أديبا والهدايا جمع هَدِيَّة الْمَعْنى يَقُول لم أنكر هداياك وَلَكِن هَذِه الْمرة زدتنى فِيهَا أديبا فِيهَا أديبا أهديته إِلَى مَعَ هديتك
41 - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ أَن لَا يَمُوت لِأَنَّهُ جعله شمسا وكنى عَن الْمَوْت بالغروب ودعا لدياره أَلا تزَال مشرقة بنوره لِأَنَّهُ شمس لَهَا
42 - الْإِعْرَاب لَام كى مُتَعَلقَة بقوله
(لَا دانيت الْغُرُوب ... لأصبح ... )
الْمَعْنى يُرِيد كَمَا أَنى آمن أَن لَا يصيبك عيب أُرِيد أَن آمن أَن لَا أصَاب فِيك بمصيبة
(1/145)

- 1 - الْمَعْنى يَقُول هما وَإِن كَانَ قد ميز بَينهمَا يتقابلان وكل وَاحِد مِنْهُمَا قد أحسن الْأَدَب مَعَ صَاحبه وَذكر الْأَدَب فَقَالَ إِذا صعدت يُرِيد إِذا صعدت إِلَى أَحدهمَا فَجَلَست عَلَيْهِ مَال الآخر هَيْبَة حِين هجرته
3 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يبصر أمرا عجبا من شأنيهما ويروى فعلَيْهِمَا يُرِيد إِذا كَانَ مَا لَا عقل لَهُ وَلَا حس يهابك فَكيف بِمن لَهُ عقل وفطنة لَا يخَاف على نَفسه
30

- 2 - الْمَعْنى يُرِيد أَن السَّحَاب أمسك عَن الانسكاب لِئَلَّا يخجل من جوده لتَقْصِيره عَنهُ
31

- 1 - الْمَعْنى يُرِيد أَن قرب الْأَمِير مِنْهُ يُغْنِيه عَن كل طيب وَبِه بنى الله المعالى كَمَا بكم يَا آل مُحَمَّد يغْفر الذُّنُوب لِأَن مُحَمَّدًا
يَوْم الْقِيَامَة هُوَ الشَّفِيع المشفع يشفع فى أهل الْكَبَائِر من أمته
(1/146)

- 1 - الْغَرِيب صغر فعل التَّعَجُّب للحاقه بالأسماء لعدم تصرفه وَمعنى التصغير هُنَا الْمُبَالغَة فى الِاسْتِحْسَان
2 - الْإِعْرَاب خلوفية خبر ابْتِدَاء أى هَذِه المقلة خلوفية فى لَوْنهَا الخلوفى حبه سَوْدَاء من عِنَب الثَّعْلَب يُرِيد لون مقلتها وَمَا فِيهَا من السوَاد
3 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الباز لحسن عينه إِذا نظر إِلَى جَانِبه كسته حدقته شعاعا على مَنْكِبه
33

- 1 - وهى من الطَّوِيل فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن مرَّتَيْنِ وعروضها مَقْبُوض قَالَ الواحدى كَانَ سَبَب مدح المتنبى لأبى الْقَاسِم أَن الْأَمِير أَبَا مُحَمَّد الْحُسَيْن بن طغج لم يزل يسْأَل أَبَا الطّيب أَن يمدح طَاهِر بن الْحُسَيْن بقصيدة وَأَبُو الطّيب يمْتَنع وَيَقُول مَا قصدت سوى الْأَمِير وَلَا أمدح سواهُ فَقَالَ لَهُ الْأَمِير قد كنت عزمت أَن أَسأَلك قصيدة أُخْرَى فى فاعملها فى أَبى الْقَاسِم وَضمن لَهُ عِنْده كثيرا من المَال فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَقَامَ الْأَمِير وَأَبُو الطّيب فى جمَاعَة حَتَّى دخلُوا على طَاهِر وَعِنْده جمَاعَة من أَشْرَاف النَّاس فَنزل أَبُو الْقَاسِم طَاهِر عَن سَرِيره وتلقاه وَسلم عَلَيْهِ ثمَّ أَخذ بِيَدِهِ وَأَجْلسهُ على الْمرتبَة الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا وَجلسَ بَين يدى أَبى الطّيب حَتَّى أنْشدهُ القصيدة الْغَرِيب الكواعب جمع كاعب وهى الْجَارِيَة الَّتِى قد علا نهدها والحبائب جمع حَبِيبَة الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى ردوا الحبائب والكواعب ليرْجع صباحى وَأبْصر أمرى وَيرجع نومى إِذا نظرت إلَيْهِنَّ وَقَالَ ابْن فورجة دهرى ليلى كُله وَلَا صباح لى إِلَّا وجوههن وليلى سهر كُله وَلَا رقاد لى حَتَّى أراهن
(1/147)

- الْغَرِيب المدلهم الشَّديد الظلمَة والغياهب جمع غيهب وهى الظلمَة الشَّدِيدَة وَفرس أدهم غيهب إِذا اشْتَدَّ سوَاده والغهب بِالتَّحْرِيكِ الْغَفْلَة وَقد غهب بِالْكَسْرِ الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يهتدى إِلَى شئ من مَصَالِحه فَلهَذَا جعل نَهَاره لَيْلًا وَقد عمى لحيرته وَقَالَ الواحدى يُرِيد أَن جفونه مختومة بعدهن لم تفتح وَإِذا انطبقت الجفون فالنهار ليل وَقَالَ الْخَطِيب هَذَا معنى الْبَيْت الأول أى غَابَ عَنى الكواعب فَغَاب صباحى بعدهن لِأَن الدُّنْيَا تظلم فى عين المحزون فَردُّوا رقادى فقد كنت أَرَاهُم فى نومى فقد فقدتهم مُنْذُ فقدت الرقاد وَالْعرب إِذا وصفت الْأَمر الشَّديد شبهت النَّهَار بِاللَّيْلِ لإظلام الْأَمر
3 - الْإِعْرَاب من روى بعيدَة بِالرَّفْع فهى خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى بعيدَة وَمن روى بِالْجَرِّ فهى بدل من مقلة الْغَرِيب روى ابْن جنى هدب وَهُوَ الشّعْر الذى على حرف الْعين الْمَعْنى قَالَ الواحدى إِذا حمل قَوْله كل هدب على الْعُمُوم فالحاجب هَهُنَا بِمَعْنى الْمَانِع لأَنا إِذا حملنَا الْحَاجِب على الْمَعْهُود كَانَ مغمضا لِأَن هدب الجفن الْأَسْفَل إِذا عقد بالحاجب حصل التغميض وَإِذا جعلنَا الْحَاجِب بِمَعْنى الْمَانِع صَحَّ الْكَلَام وَإِن جعلنَا الْحَاجِب الْمَعْهُود حملنَا قَوْله كل هدب على التَّخْصِيص وَإِن كَانَ اللَّفْظ عَاما فَنَقُول أَرَادَ هدب الجفن الْأَعْلَى وَهَذَا مثل قَول الآخر
(ورأسِىَ مَرْفوعٌ إِلَى النَّجم كَأَنَّمَا ... قفاىَ إِلَى صُلْبى بخَيْطٍ مخيَّط ... )
وَمثل معنى الْبَيْت لبشار بن برد
(جَفَتْ عَيْنِى عَنِ التَّغْمِيضِ حَتَّى ... كأنَّ جُفُونَها عَنْها قِصَارُ ... )

4 - الْمَعْنى يَقُول إِن الدَّهْر يخالفنى فى كل مَا أردْت حَتَّى أَحْبَبْت فراقكم لواصلتمونى وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول لفارقتنى وَلكنه قلبه لِأَن من فارقك فقد فارقته وَهَذَا من بَاب الْقلب وَكَانَ حَقه أَن يَقُول أَخبث الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ أَرَادَ أَخبث من يصحب وَإِذا كَانَ اسْم الْفَاعِل فى مثل هَذَا يجوز فِيهِ الْإِفْرَاد وَالْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ} أى أول من يكفر وَأنْشد الْفراء
(وَإِذا هُمُ طَعموا فأَلأَمُ طاعِمٍ ... وَإِذا هم جاعُوا فشَرُّ جِياعِ ... )
فَأتى بالأمرين جَمِيعًا والمتنبى أَشَارَ إِلَى أَن من أهواه ينأى عَنى وَمن أبغضه يقرب منى لصحبة الدَّهْر إياى وَهَذَا كَقَوْل لطف الله بن الْمعَافى
(أرَى مَا أشْتَهِيهِ يَفِرُّ مِنِّى ... وَما لَا أشْتَهِيهِ إلىَّ يَأْتِى ... )

(وَمَنْ أهْوَاهُ يُبْغِضُنِى عِناداً ... وَمَنْ أشْناهُ شِصٌّ فِى لَهَاتِى ... )

(كأنَّ الدَّهْرَ يَطْلُبُنِى بثَأْرٍ ... فَلَيْسَ تَسُرُّهُ إلاَّ وَفاتِى ... )
(1/148)

- الْمَعْنى يَقُول لَيْت أحبائى واصلونى مُوَاصلَة المصائب إياى وليت المصائب بَعدت عَنى بعدهمْ وَهُوَ كَقَوْلِه أَيْضا
(ليتَ الحبيبَ الهاجِرِى هَجْر الكَرَى ... )

6 - الْغَرِيب السلك الْخَيط والترائب مَحل القلادة من الصَّدْر وهى جمع تريبة الْمَعْنى هَذَا شكوى مِنْهُ يُرِيد أَن ميلك إِلَى مشاقى حملك على منافرة شكلى حَتَّى عقت السلك عَن مس ترائبك بالدر لمشابهته إياى فى الدقة يَقُول لَعَلَّك حسبت السلك فى دقته جسمى فعقته عَن مُبَاشرَة ترائبك بِأَن سلكته فى الدّرّ وَهَذَا من نَوَادِر أَبى الطّيب الَّتِى لَا تماثل
7 - الْمَعْنى إِن هَذَا من الْمُبَالغَة وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فى هَذَا الْمَعْنى جدا وَمِنْه قَول الآخر
(ذُبْتُ مِنَ الوَجْدِ فَلَوْ زُجّ بِى ... فِى مُقْلَةِ الوَسْنانِ لَمْ يَنْتَبِهْ ... )
ولبعضهم وَلَقَد أحسن
(فاسْتَبْقِ مَا أبْقَيْتَ لى فَلَعَلَّنِى ... يَوْما أقِيكَ بِهِ مِنَ الأعْدَاءِ ... )

(مِنْ مُهْجَةٍ ذابَتْ أسًى فَلَوَ أنَّهَا ... فِى العَيْنِ لمْ يَمْنَعْ مِنَ الإغْفاءِ ... )
(1/149)

- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تخوفنى الْهَلَاك وَهُوَ عندى دون الْعَار الذى أمرتنى بارتكابه وَقَالَ الواحدى الذى أمرت بِهِ ترك السّفر وملازمة الْبَيْت أى تخوفنى بِالْهَلَاكِ وَهُوَ دون مَا أمرت بِهِ من مُلَازمَة الْبَيْت وَفِيه الْعَار والعار شَرّ من النوائب
9 - الْغَرِيب الْيَوْم الْأَغَر الْمَشْهُور وَأَصله الْبيَاض والمحجل اسْتِعَارَة وَهُوَ من صِفَات الْخَيل والأغر صَاحب الْغرَّة فى وَجهه والمحجل الذى فى يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ بَيَاض وَيكون لَونه مُخَالفا لَهَا الْمَعْنى يُرِيد يَوْمًا مَشْهُورا يتَمَيَّز على غَيره من الْأَيَّام بِأَن تكْثر فِيهِ الْقَتْلَى من أعدائه ثمَّ يسمع بعدهمْ صياح النوادب عَلَيْهِم فَيطول حِينَئِذٍ استماعه النوادب عَلَيْهِم على الْأَعْدَاء
10 - الْغَرِيب العوالى الرماح الطوَال والقواضب السيوف القواطع وَوُقُوع العوالى أى حُلُول العوالى كَمَا يُقَال هَذَا يَقع موقع هَذَا أى يحل مَحَله الْمَعْنى يُرِيد أَن مثله إِذا طلب حَاجَة لَا يبالى أَن يكون دون الْوُصُول إِلَيْهَا رماح وسيوف يُرِيد أَنه يتَوَصَّل إِلَيْهَا وَلَو كَانَ بَينه وَبَينهَا حروب شَدِيدَة لِأَنَّهُ يهون عَلَيْهِ إنْشَاء الحروب فى بُلُوغ مُرَاده
11 - هَذَا من أحسن الْكَلَام يحث على الشجَاعَة وَينْهى عَن الْجُبْن الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَت الْحَيَاة لَا تبقى وَإِن كَانَت طَوِيلَة فأى معنى للجبن لِأَن كل دَائِم إِلَى فنَاء وَهَذَا من كَلَام الْحُكَمَاء قَالَ الْحَكِيم وَآخر حركات الْفلك كأوائلها وناشئ الْعَالم كلاشيه فى الْحَقِيقَة لافى الْحس وَقَالَ ابْن الرومى
(رأيْتُ طَوِيلَ العُمْرِ مِثْلَ قَصِيرِهِ ... إِذا كَانَ مُفْضَاهُ إِلَى غايَةٍ تُرَى ... )

12 - الْغَرِيب إِلَيْك كلمة تحذير وتبعيد أى تباعدى عَنى والأفاعى جمع أَفْعَى وَهُوَ الْعظم من الْحَيَّات الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى يَقُول لست مِمَّن إِذا تخوف عَظِيمَة صَبر على مذلة وهوان فَشبه الأفاعى بالعظيمة والعقارب بالذل وَقَالَ الواحدى جعل عض الأفاعى لكَونه قَاتلا مثلا للهلاك وَجعل لسع العقارب مثلا للعار لِأَنَّهُ لَا يقتل وَقَالَ ابْن فورجة من بَات فَوق العقارب أدته بِكَثْرَة لسعها إِلَى الْهَلَاك كَمَا لَو نهشته الأفعى وَإِنَّمَا يُرِيد الْعَار أَيْضا يُؤدى الْإِنْسَان ذَا الْمجد إِلَى الْهَلَاك لتعيير النَّاس إِيَّاه بل هُوَ أَشد لِأَنَّهُ عَذَاب يتَكَرَّر والهلاك دفْعَة وَاحِدَة فَجعل الأفاعى مثلا للهلاك والعقارب مثلا للعار
(1/150)

- الْغَرِيب الأدعياء جمع دعى وَأَرَادَ بهم هَهُنَا الَّذين يدعونَ الشّرف وَأَنَّهُمْ من أَوْلَاد على وَالْعَبَّاس وَكفر عاقب مَوضِع بالشأم قَرْيَة من أَعمال حلب والدعى أَيْضا من يَدعِيهِ أَبوهُ أَو يدعى هُوَ إِلَى أَب شريفا كَانَ أَو غير شرِيف قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا جعل أدعياءكم أبناءكم} وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قبل الْإِسْلَام يدعى الرجل ابْن غَيره ابْنا لَهُ وَقد تبنى رَسُول الله
زيد بن حَارِثَة ابْنا حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَادّعى أَبُو حُذَيْفَة سالما وَكَانَ الْمِقْدَاد بن عَمْرو قد ادَّعَاهُ الْأسود بن عبد يَغُوث حَتَّى كَاد يعرف بِهِ فَيُقَال الْمِقْدَاد بن الْأسود الْمَعْنى يُرِيد ان قوما أدعياء يدعونَ أَنهم من ولد على عَلَيْهِ السَّلَام أَرَادوا بِهِ سوءا واجتمعوا لَهُ فى كفر عاقب وَأَعدُّوا لَهُ عبيدا ليقتلوه وَأَنه لم يخفهم وَقد بَينه فِيمَا بعده بقوله {وَلَو صدقُوا فى جدهم ... الخ ... }

14 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانُوا صَادِقين فى نسبهم لحذرتهم وَلَكنهُمْ أدعياء يكذبُون فى نسبهم فَلذَلِك ادعوا مَا لَا أصل لَهُ على وتهددونى بِمَا لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَلَو صدق نسبهم فى جدهم لحذرت صدقهم فى وعيدى وَكنت أحذرهم لاحْتِمَال صدقهم لكِنهمْ كاذبون فى نسبهم فَعلمت أَنهم لَا يصدقون وَلم يكذبوا على وحدى بل قَوْلهم كَاذِب فى وفى غيرى
15 - الْإِعْرَاب لعمرى هُوَ مصدر وَهُوَ قسم يقسم بِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعَجَائِب تعجب منى فهن يقصدننى ليعجبن منى يعظم نَفسه ويصف كَثْرَة مصائبه
16 - الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى لم أدع موضعا من الأَرْض إِلَّا جولت فِيهِ إِمَّا متغزلا أَو غازيا قَالَ ابْن فورجة لَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل أَنه وَطئه غازيا فَكيف قصره على الْغَزْو ووجوه السّفر كَثِيرَة
(1/151)

- الْغَرِيب كورى الكور بِضَم الْكَاف الرحل بأداته وَالْجمع أكوار وكيران والكور أَيْضا بِالضَّمِّ كور الْحداد وَمثله كور الزنابير الْمَعْنى يُرِيد أَن مواهبه لم تدع مَكَانا إِلَّا أَتَتْهُ كَذَلِك أَنا لم أترك مَكَانا إِلَّا أَتَيْته فكأنى امتطيت مواهبه وَهَذَا من أحسن مخالصه وَسَنذكر مخالصه ومخالص غَيره عِنْد قَوْله لِابْنِ صَالح
(من يوازى ... )

18 - الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وورود المشارب مصدر يردن وَالتَّقْدِير مواهبه يردن وُرُود النَّاس المشارب وَالضَّمِير فى فنائه عَائِد على لفظ خلق وَهن ضمير للمواهب الْمَعْنى لم يبْق أحد من النَّاس إِلَّا ومواهب الممدوح يردن فناءه والمواهب شرب لِلْخلقِ فهى ترد إِلَيْهِم بِخِلَاف الْعَادة لِأَن من الْعَادة أَن يرد النَّاس الشّرْب فَهَذِهِ ترد إِلَيْهِم وَالْمعْنَى هَذِه الْمَوَاهِب مَنْفَعَة أى لِلْخلقِ الذى ترد إِلَيْهِ كَمَا ينفع المَاء وارده قَالَ الْخَطِيب كأنهن قد وردن عَلَيْهِ وُرُود النَّاس المشارب لينتفعوا بهَا وفى مَعْنَاهُ
(إِذا سألُوا شَكَرْتُهم عَلَيْهِ ... وإنْ سَكتوا سألتهمُ السؤالا ... )

19 - الْغَرِيب القراع وُقُوع الشئ على الشئ يَابسا على مثله والرغائب جمع رغيبة وَهِي الْعَطِيَّة الَّتِى يرغب فِيهَا وَأَصلهَا السعَة وَفرس رغيب الخطوة أى واسعها الْمَعْنى إِن شجاعته وسماحته موروثتان من آبَائِهِ فهما فِيهِ غريزتان
20 - الْغَرِيب الشهاد جمع شَاهد وَهُوَ الْحَاضِر الْمَعْنى يُرِيد أَنه غيب عَن وَطنه من كَانَ حَاضرا لَيْسَ من عَادَته السّفر فَلَمَّا سمع بعطائه سَافر إِلَيْهِ ورد إِلَى الأوطان كل غَائِب كَانَ عِنْده أعطَاهُ وأغناه عَن السّفر إِلَى أحد من النَّاس
21 - ويروى فى أكفهم الْغَرِيب الفاطميون هم أَوْلَاد فَاطِمَة عَلَيْهَا السَّلَام من ولديها الْحسن وَالْحُسَيْن فَكل فاطمى هُوَ من ولد الْحسن وَالْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام وَأما العلويون فهم من ولد على يدْخل فيهم الفاطميون وَغَيرهم كأولاد الْعَبَّاس بن على وَعمر بن على وَمُحَمّد ابْن على بن الْحَنَفِيَّة والبنان الْأَصَابِع والرواجب وَاحِدهَا راجبة وهى مفاصل الْأَصَابِع الَّتِى تلى الأنامل ثمَّ البراجم ثمَّ الأشاجع اللاتى تلى الْكَفّ وَقَالَ قوم هى بطُون الْأَصَابِع وظهورها وَقَالَ قوم الأنامل من أَطْرَاف الْأَصَابِع إِلَى العقد الأولى وَمن العقد الأولى إِلَى الثَّانِيَة الرواجب وَمن الرواجب إِلَى العقد الْأُخْرَى البراجم وَقيل البراجم هى نفس العقد الْأَخِيرَة وَقَوله كَذَا كلمة تسْتَعْمل اسْتِعْمَال الْمثل وَالْمعْنَى كَذَا الْوَصْف الذى أصفه والتشبيه رَاجع إِلَى مَا تقدم من قَوْله غيب الشهاد ورد الغياب كَذَا عَادَة الفاطميين الْمَعْنى يُرِيد أَن هَؤُلَاءِ الفاطميين الندى لَازم لأكفهم فَلَا يفارقها كَمَا أَن خطوط الرواجب لَا يُفَارق أكفهم
(1/152)

- الْغَرِيب السلاهب جمع سلهب وَهُوَ الطَّوِيل من الْخَيل وَرُبمَا جَاءَ بالصَّاد وَوصف أعرابى فرسا فَقَالَ إِذا عدا اسلهب وَإِذا قيد اجلعب وَإِذا انتصب اتلأب فاسلهب امْتَدَّ واجعلب انبسط وَلم ينقبض واتلأب أَقَامَ صَدره وَرَأسه الْمَعْنى يُرِيد انهم لإقدامهم فى الْحَرْب لَا يفكرون فى ملاقاة الْأَعْدَاء فَكَأَن سلَاح الْأَعْدَاء عِنْدهم غُبَار خيولهم وَخص السلاهب لِأَنَّهَا أسْرع وغبارها أدق وألطف وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون السلاهب خيل الممدوحين
23 - الْإِعْرَاب دوامى حَال وأسكن الْيَاء ضَرُورَة وَإِن كَانَت مُضَافَة قَرَأَ إِبْرَاهِيم ابْن أَبى عبلة وحيوة انْقَلب على وَجهه خاسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْغَرِيب القسى جمع قَوس والهوادى الْأَعْنَاق والنواصى جمع نَاصِيَة وَهُوَ مقدم شعر الرَّأْس وَمِنْه قَول عَائِشَة رضى الله عَنْهَا " مَا لكم تنصون ميتكم أى تمدون ناصيته " كَأَنَّهَا كرهت تَسْرِيح رَأس الْمَيِّت والناصاة الناصية فى لُغَة طَيئ قَالَ حُرَيْث ابْن عتاب الطائى
(لَقَدْ آذَنَتْ أهْلَ اليمامَةِ طَِيِّئ ... بِحَرْب كَناصَاة الحِصَان المُشَهَّرِ ... )
ونواصى النَّاس أَشْرَافهم قَالَت أم قيس الضبية
(وَمَشْهَدٍ قدْ كفيت الغائبين بِهِ ... فِى مَجْمَعٍ مِن نَوَاصِى النَّاسِ مَشْهود ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَنهم رموا بنواصى خيلهم وهم الممدوحون القسى الَّتِى يرْمى بهَا يُرِيد أَنهم استقبلوا بِوُجُوه خيلهم الرُّمَاة من العدى قَالَ الْجَمَاعَة أبدع فى هَذَا لِأَن القسى هى الَّتِى يرْمى بهَا فَجَعلهَا يرْمى إِلَيْهَا وَأَرَادَ سالمات الجوانب أى الأعجاز والجنوب داميات الْأَعْنَاق لِأَنَّهَا لَا تنحرف وَلَا تعرف إِلَّا التصميم فى الْإِقْدَام فأعناقها دامية وأعطافها وأعجازها سَالِمَة وَمثله قَول الآخر
(شكَرَتْك خيلُكَ عِند طِيبِ مَقِيلها ... فى الحَرّ بينَ براقعٍ وجِلالِ ... )

(فجزَتْك صَبراً فى الوَغَى حَتَّى انثنَتْ ... جَرْحَى الصُدُورِ سَوَالمَ الأكْفالِ ... )
(1/153)

- الْغَرِيب الشبائب جمع شبيبة الْمَعْنى يَقُول هم فى الْقُلُوب أحلى موقعا من الْحَيَاة فى النُّفُوس إِذا أُعِيدَت وَذكرهمْ على الْأَلْسِنَة أَكثر من ذكر أَيَّام الشَّبَاب وَلَقَد أحسن
25 - الْغَرِيب البواتر جمع باتر وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع وَالْمُضَارب جمع مضرب وَهُوَ نَحْو شبر من طرفه وَكَذَلِكَ مضرب السَّيْف والمضرب أَيْضا الْعظم الذى فِيهِ مخ يُقَال للشاة إِذا كَانَت مَهْزُولَة مَا برم مِنْهَا مضرب أى إِذا كسر عظم من عظامها لم يصب فِيهِ مخ الْمَعْنى يُرِيد أَنه من أَوْلَاد على عَلَيْهِ السَّلَام وَأَنه قد فعل مَكَارِم دلّت على كرم أَبِيه فَكَأَنَّهُ نَصره بأفعاله الْحَسَنَة فى النَّاس فَكَانَت مثل النصير لِأَبِيهِ واستعار البواتر للأفعال الْحَسَنَة
26 - الْغَرِيب التهامى نِسْبَة إِلَى تهَامَة وَسميت تهَامَة لشدَّة حرهَا وانخفاض أرْضهَا والتهم كَذَلِك فى اللُّغَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد أَكثر النَّاس القَوْل فى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ فى الْجُمْلَة شنيع الظَّاهِر فأضربت عَن ذكره وَقد كَانَ يتعسف فى الِاحْتِجَاج لَهُ والاعتذار بِمَا لست أرَاهُ مقنعا وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَتْ الاعتقادات والآراء فى الدّين مِمَّا يقْدَح فى جودة الشّعْر ورداءته انْتهى كَلَامه وَقَالَ الواحدى قَالَ أَبُو الْفضل العروضى فِيمَا أملاه على هَذَا بَين حسن الْمَعْنى مُسْتَقِيم اللَّفْظ حَتَّى لَو قلت إِنَّه أمدح بَيت فى الشّعْر لم أبعد عَن الصَّوَاب وَلَا ذَنْب لَهُ إِذا جهل النَّاس غَرَضه واشتبه عَلَيْهِم وَأما مَعْنَاهُ فَإِن قُريْشًا أَعدَاء النبى
يَقُولُونَ إِن مُحَمَّدًا صنبور أَبتر لَا عقب لَهُ الصنبور الْمُنْفَرد فَإِذا مَاتَ اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَأنْزل الله تَعَالَى {إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر} أى الْعدَد الْكثير وَلست بالأبتر الذى قَالُوهُ {إِن شانئك هُوَ الأبتر} فَقَالَ المتنبى أَنْتُم من معجزات النَّبِي
وَآيَة لتصديقه وَتَحْقِيق لقَوْل الله تَعَالَى وَذَلِكَ أجدى بِالْجِيم مَا لكم من مَنَاقِب فَإِن قيل الْأَنْسَاب تَنْعَقِد بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاء لَا بالأمهات وَالْبَنَات كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(بنونا بَنو أبْنائنا وبناتُنا ... بنوهنّ أبْناء الرّجال الأباعدِ ... )
قُلْنَا هَذَا خلاف حكم الْقُرْآن الْعَزِيز قَالَ الله تَعَالَى {وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان} إِلَى قَوْله {وَيحيى وَعِيسَى} فَجعل عِيسَى من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلَا خلاف أَن عِيسَى من غير أَب وَأما قَوْله التهامى فَإِن الله أنزل فى التَّوْرَاة على مُوسَى إنى باعث نَبيا من تهَامَة من ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام فى آخر الزَّمَان وَأمر مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمته أَن يُؤمنُوا بِهِ إِذا بعث وَدلّ عَلَيْهِ بعلامات أخر فَأنْكر الْيَهُود نبوته فَقَالَ
" أَنا النبى التهامى الأمى الأبطحى " فَلَا أدرى كَيفَ نقموا على المتنبى لَفْظَة افتخر النبى
بهَا وَلما رووا إِحْدَى مَا لكم بِالْحَاء اضْطربَ عَلَيْهِم الْمَعْنى وأقرأنا أَبُو الْحسن الرخجى أَولا والشعرانى ثَانِيًا والخوارزمى ثَالِثا وأجدى بِالْجِيم فاستقام الْمَعْنى وَاللَّفْظ وتشنيع أَبى الْفَتْح عَلَيْهِ وَغَيره بَاطِل قَالَ الواحدى وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى فَاسِدا وَإِن روى بِالْحَاء لِأَنَّهُ يَقُول كَون النبى التهامى أَبَا لكم إِحْدَى مناقبكم أى لكم مَنَاقِب كَثِيرَة وإحداها أَنكُمْ تنسبون إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن فورجة روى بَعضهم
(وأكبرُ آياتِ التِّهامىّ آيَةً ... أَبوك ... ... . . ... )
يعْنى بِهِ على بن أَبى طَالب عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ آيَة من آيَات رَسُول الله
(1/154)

- الْغَرِيب النسيب الشريف الأَصْل وَهُوَ ذُو النّسَب الطَّاهِر والمناصب جمع منصب وَهُوَ الأَصْل الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْقرب والبعد بِالنّسَبِ إِنَّمَا هُوَ بِالْفِعْلِ فَإِذا كَانَ الشريف شريفا صَادِقا وَلم يفعل فعل آبَائِهِ فَلَيْسَ لَهُ بشرفه فَخر لِأَن كرم الْأُصُول لَا يغنى مَعَ لؤم النَّفس كَمَا قَالَ أَبُو يَعْقُوب الخزيمى
(إِذا أنْتَ لَمْ تَحْمِ القَدِيمَ بِحادِثٍ ... مِن المَجدِ لمْ ينفَعْك مَا كَانَ مِن قبْلُ ... )
وكقول البحترى
(وَلَسْتُ أعْتَدُّ لِلْفَتى حَسَبا ... حَتَّى يُرى فِى فَعالِهِ حَسَبُه وكقول الآخر
(وَما يَنْفَعُ الأصْلُ مِنْ هاشِمٍ ... إِذا كانَتِ النَّفْسُ مِنْ باهِلَهْ ... )
(1/155)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى لم أجد فى هَذَا الْبَيْت بَيَانا شافيا وَلَا تَفْسِيرا مقنعا وكل تَفْسِير لَا يساعده لفظ الْبَيْت لم يكن تَفْسِيرا للبيت والذى يَصح فى تَفْسِيره أَنه يَقُول الْأَشْبَاه من الأباعد لَا يقرب بَعضهم من بعض لِأَن الشّبَه لَا يحصل الْقرب فى النّسَب والأشباه من الْأَقَارِب لَا يبعد بَعضهم من بعض لِأَن الشّبَه يُؤَكد قرب النّسَب هَذَا إِذا جعلنَا الْأَشْبَاه الَّذين يشبه بَعضهم بَعْضًا كَقَوْلِه
(النَّاسُ مَا لم يَرَوْكَ أشْباهُ ... )
فَإِن جعلنَا الْأَشْبَاه جمع الشّبَه من قَوْلهم بَينهمَا شبه فَمَعْنَى الْبَيْت لم يقرب شبه قوم أباعد أى لَا يتقاربون فى الشّبَه وَلَا يشبه بَعضهم بَعْضًا وَلَا يبعد شبه قوم أقَارِب يُرِيد أَنهم إِذا تقاربوا فى النّسَب تقاربوا فى الشّبَه
29 - الْغَرِيب العلوى هُوَ من ولد على بن أَبى طَالب عَلَيْهِ السَّلَام والنواصب جمع ناصب وهم الْخَوَارِج الَّذين نصبوا الْعَدَاوَة لعلى بن أَبى طَالب الْمَعْنى يُرِيد أَن العلوى إِذا لم يكن تقيا ورعا مثل طَاهِر هَذَا كَانَ حجَّة الْأَعْدَاء على على عَلَيْهِ السَّلَام يَقُولُونَ هَذَا مثل أَبِيه إِن كَانَ نَاقِصا فناقص وَهَذَا من قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " الْوَلَد سر أَبِيه " وفى الْمثل من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم وَمعنى الْبَيْت من قَول بَعضهم
(شرِيفٌ أصْلُه أصلٌ شرِيفُ ... ولكِنْ فعْلُه غيرُ الحَميدِ ... )

(كأنَّ اللهَ لم يَخْلُقْه إِلَّا ... لتنعطف القلوبُ على يزِيد ... )

30 - الْإِعْرَاب تَأْثِير الْكَوَاكِب مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر تَقْدِيره تَأْثِير الْكَوَاكِب حق وَصدق أَو كَائِن وَيجوز أَن يكون الْخَبَر فى الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ الأجود يعْنى أَن النَّاس يَقُولُونَ تَأْثِير الْكَوَاكِب فى الورى فَمَا لهَذَا تَأْثِيره فى الْكَوَاكِب الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى هَذَا تَعْظِيم لشأنه يُرِيد أَن الْكَوَاكِب تبع لَهُ فِيمَا أَرَادَهُ لبلوغه وَقَالَ الواحدى كَلَام ابْن جنى هَذَا يحْتَاج إِلَى شرح وَهُوَ أَن الممدوح يَجْعَل النحوس بِحكم النُّجُوم صَاحب سَعَادَة بِأَن يُغْنِيه وَيَرْفَعهُ ويزيل عَنهُ حكم النحوسة وَيقدر على الضِّدّ من هَذَا فَهَذَا تَأْثِيره فى الْكَوَاكِب وَكَونهَا تبعا لَهُ وَقَالَ ابْن فورجة تَأْثِيره فى الْكَوَاكِب إثارته الْغُبَار حَتَّى لَا تظهر وَحَتَّى يَزُول ضوء الشَّمْس وَتظهر الْكَوَاكِب بِالنَّهَارِ وَهَذَا أظهر مِمَّا قَالَه ابْن جنى
(1/156)

- الْإِعْرَاب من روى علا فعلا مَاضِيا نصب بِهِ كتد الدُّنْيَا وَمن خفض كتد بعلى الجارة فهى مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره ركب على كتد الْغَرِيب الكتد والكتد لُغَتَانِ وهما أصل الْعُنُق والذلول المنقادة الَّتِى تذل لراكبها وَقيل إِن الكتد مُجْتَمع رُؤُوس الْكَتِفَيْنِ من الْفرس وَجمعه أكتاد الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا قد أَطَاعَته وانقادت لَهُ انقياد الدَّابَّة الذلول لراكبها تسير بِهِ إِلَى كل غَايَة أَرَادَ
32 - الْمَعْنى حقيق لَهُ أَن يتَقَدَّم النَّاس بِمَا لَهُ من الْفضل من غير مشقة وَيدْرك من غير طلب مَا لم يدركوه هم يُرِيد تميزه على النَّاس وَبَيَان فَضله عَلَيْهِم
33 - الْغَرِيب العرانين جمع عرنين وهى الأنوف وعرنين كل شئ أَوله أى يَجْعَل عرانين الْمُلُوك نعلا لَهُ فَإِذا وَطئهَا كَانَت فى أجل الْمَرَاتِب الْمَعْنى يَقُول عرانين الْمُلُوك نعل لقدميه وَإِذا لبسهَا وَوَطئهَا كَانَت فى أجل الْمَرَاتِب من قَدَمَيْهِ والمراتب جمع مرتبَة وهى الْمنزلَة الْعَالِيَة
34 - الْمَعْنى هَذَا الْبَيْت مَنْقُول من قَول حبيب فى أَبى دلف الْقَاسِم بن عِيسَى العجلى
(إِذا العيسً لاقَتْ بى أَبَا دُلَفٍ فقَدْ ... تَقَطَّعَ مَا بَيْنِى وبينَ النَّوَائِبِ ... )
(1/157)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى وَصِيّه عَائِد على رَسُول الله
الْمَعْنى يُرِيد أَن الممدوح هُوَ ابْن رَسُول الله وَابْن وصّى رَسُول الله على بن أَبى طَالب وبمثلهما شبهت بعد تجربتى واختبارى إِيَّاه
36 - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن جنى مَا الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة بِمَعْنى الذى وَاسم إِن مُضْمر فِيهَا وَقَالَ ابْن القطاع قَالَ المتنبى مَا الأولى بِمَعْنى لَيْسَ وَالثَّانيَِة بِمَعْنى الذى الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَا الذى بَان مِنْك لضارب بأقتل من الذى بَان لعائب يعيبك يُرِيد أَن الْعَيْب أَشد من الْقَتْل وَهَذَا من قَول حبيب
(فَتَى لَا يَرَى أنَّ الفَريصة مَقْتَلٌ ... ولكنْ يَرَى أنّ العُيُوبَ المَقاتِلُ ... )

37 - الْغَرِيب أباده أهلكه والكتائب جمع كَتِيبَة وهى الْجَمَاعَة من الْخَيل يُقَال كتب فلَان الْكَتَائِب تكتيبا إِذا جمعهَا كَتِيبَة كَتِيبَة الْمَعْنى يَقُول يأيها المَال الذى هلك تعز فَلَيْسَ يفعل هَذَا بك وَحدك بل يَفْعَله بأعدائه يُفَرِّقهُمْ قتلا وسبيا وأسرا فَمَا أَنْت وَحدك هَالك على يَده بل كل الْأَعْدَاء هلكى
38 - الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّك يَا مَال شغلته فى وَقت مَا عَن أَن يجود أَو كثرت جَيش الْمُحَاربين لَهُ
39 - الْإِعْرَاب فصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بالمفعول كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(فَزَجَجْته بِمزَجَّة ... زَجَّ القَلوصِ أَبى مَزَادَهُ ... )
وكقول الآخر
(كَمَا خُطّ الكِتاب بِكف يَوْما ... يهودىّ يقاربُ أَو يُزِيلُ ... )
وكقول الآخر
(همَا أخَوَا فى الحَرْبِ مَنْ لَا أَخا لَهُ ... )
وكقول الطرماح
(يَطُفْنَ بِحُوزِىّ المَراتع لم تَرُعْ ... بِوَاديه مِنْ قَرْع القِسِىِّ الكَنائِنُ ... )
الْغَرِيب الحديقة هى الرَّوْضَة الَّتِى قد أحدق بهَا حاجز وهى ذَات النّخل وَالزَّرْع وَجَمعهَا حدائق والحجا الْعقل الْمَعْنى أَنه جعل القصيدة حديقة لما فِيهَا من الْمعَانى كَمَا يكون فى الرَّوْضَة من الزهر والنبات وَجعل الْعقل ساقيا لَهَا لِأَن الْمعَانى الَّتِى فِيهَا إِنَّمَا تحسن بِالْعقلِ فَجعل الْعقل سَاقيهَا كَمَا تسقى الرياض السَّحَاب وهى جمع سَحَابَة
(1/158)

- 40 - الْإِعْرَاب خير ابْن قيل هُوَ نِدَاء مُضَاف تَقْدِيره يَا خير ابْن وَقيل يجوز نَصبه على الْحَال وَالْوَجْه الأجود أَن يُقَال إِنَّه مفعول حييت خير ابْن لخير أَب وَبهَا يجوز أَن يكون بالقصيدة وَيجوز أَن يكون بِالْأَرْضِ وَلم تذكر // وَهَذَا جَائِز // فى كَلَام الْعَرَب قَالَ الْخَطِيب إِذا كَانَ الضَّمِير للْأَرْض كَانَ أمدح الْمَعْنى يُرِيد حييت بالقصيدة خير ابْن وَهُوَ الممدوح لخير أَب يُرِيد النبى
وأشرف بَيت فى لؤى بن غَالب يُرِيد هَاشم بن عبد منَاف لأَنهم أشرف ولد لؤى بن غَالب وأشرف ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام
1 - الْغَرِيب الجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية والأعاريب جمع عرب يُقَال عرب وأعرب وأعاريب وَكله اسْم جنس وَلَيْسَ الْأَعْرَاب جمعا لعرب كالأنباط جمعا لنبط وَإِنَّمَا الْعَرَب والأعراب اسْما جنس وَأول من تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ يعرب بن قحطان والجلابيب الملاحف وَالْوَاحد جِلْبَاب قَالَت امْرَأَة من هُذَيْل ترثى قَتِيلا
(تَمْشِى النُّسُورُ إلَيْهِ وَهْى لاهيَةٌ ... مَشْىَ العَذَارَى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ ... )
الْإِعْرَاب من هُوَ سُؤال واستفهام يَقُول من هَذِه النسْوَة اللاتى كأنهن أَوْلَاد بقر الْوَحْش وَهن فى زى الأعاريب وشبههن بالجآذر لحسن عيونهن وَقَوله
(حمر الحلى ... )
أى متحليات بِالذَّهَب الْأَحْمَر وحمر المطايا وَهُوَ أحسن ألوان الْإِبِل وحمر الملاحفة يُرِيد أَنَّهُنَّ عَلَيْهِنَّ ثِيَاب الْمُلُوك وَهن شواب وَقيل حمر الحلى جمع حلَّة فَيكون على هَذَا ثيابهن حمر أَو ملاحفهن حمر
(1/159)

- الْمَعْنى يُخَاطب نَفسه فى الثانى فَقَالَ كَيفَ تسْأَل عَنْهُن وَهن بلونك بالتسهيد والتعذيب وَإِن كنت تسْأَل عَنْهُن فى معرفهن فَمن سهدك وعذبك حَتَّى صرت متيما وَإِنَّمَا استفهم لما رآهن جآذر لَا نسَاء استفهم عَن الجآذر كَمَا قَالَ ذُو الرمة
(أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بينَ جَلاجِلٍ ... وبينَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِم ... )

3 - الْإِعْرَاب تجزنى مجزوم بِالدُّعَاءِ وَهُوَ بِلَفْظ النهى فَحكمه فى الْجَزْم حكم النهى كَقَوْل الآخر
(فَلا تَشْلَلْ يَدٌ فَتَكَتْ بعَمْرٍ و ... فإنَّكَ لَنْ تَذِلّ ولَنْ تُضَاما ... )
وَقَوله بعْدهَا أى بعد فراقها فَحذف الْمُضَاف وَقَوله بى صفة لضنى وَالْيَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره وَاقع أَو كَائِن وَبعد يحْتَمل انتصابه على وَجْهَيْن لَا يجوز إِعْمَال الْمصدر الذى هُوَ ضنى وإعمال الْبَاء الَّتِى فى بى لِأَن الظّرْف وحرف الْخَفْض إِذا تعلقا بِمَحْذُوف عملا فى الظّرْف وفى الْحَال كَقَوْلِك زيد فى الدَّار الْيَوْم وَهُوَ عِنْد جَعْفَر غَدا وَالْهَاء فى بعْدهَا رَاجِعَة إِلَى قَوْله بقر وَإِن كَانَت مُتَأَخِّرَة وَجَاز ذَلِك لِأَنَّهَا فَاعل وَالْفَاعِل رتبته التَّقْدِيم فَإِذا أخر جَازَ تَقْدِيم الضَّمِير الْعَائِد عَلَيْهِ لِأَن النِّيَّة بِهِ التَّقْدِيم وَمثله وَمثله {فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى} وفى الْكَلَام حذف تَقْدِيره لَا تجزنى بضنى بى ضنى يَقع بهَا فَحذف ذَلِك للْعلم وَقَوله مسكوبا لَا يجوز أَن ينصب حَالا من دموعى لِأَن الْوَاحِد الْمَذْكُور لَا يكون حَالا من جمَاعَة لَا يُقَال طلعت الْخَيل مترادفا وَلَكِن مترادفة وَلَو قلت مترادفات كَانَ أحسن كَمَا جَاءَ فى الْقُرْآن {إِلَى الطير فَوْقهم صافات} وَلَو قَالَ مسكوبة لجَاز أَن يكون حَالا وَإِذا لم ينْتَصب على الْحَال نصب على الْبَدَل من الدُّمُوع كَأَنَّهُ قَالَ تجزى دموعى مسكوبا مِنْهَا بمسكوب من دموعها فَحذف الجارين والمجرورين وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى تَقْدِير مِنْهَا لِأَن بدل الْبَعْض وَبدل الاشتمال لابد أَن يتَّصل بهما ضمير يعود على الْمُبدل مِنْهُ كَقَوْلِك ضربت زيدا رَأسه وأعجبنى زيد علمه وَمن بدل الاشتمال الْمَحْذُوف الضَّمِير مِنْهُ قَول الْأَعْشَى
(لقَدْ كانَ فِى حَوْلٍ ثواءٍ ثويتُه ... تَقَضِّ لُبانات ويُسأم سائم ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهُنَّ لَا ينالهن بعدى ضنى يورثهن الْفِرَاق بعدى الضنى فَهُوَ يَدْعُو لَهُنَّ وَيَقُول
(لَا ضنيت هَذِه الْبَقَرَة وَهن النِّسَاء كَمَا ضنيت وَلَا جرت دُمُوعهنَّ كَمَا جرت دموعى ... )
لِأَنَّهُ بَكَى عِنْد الْفِرَاق فبكين فجزين دمعه بدمع فَدَعَا لَهُنَّ أَن لَا يجزين ضناه بضنى كَمَا جزينه بالدمع دمعا وَقد اسْتَوْفَيْنَا فى هَذَا الْبَيْت الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى مَا لم يَأْتِ بِهِ أحد من الشُّرَّاح كَامِلا
(1/160)

- الْإِعْرَاب - سوائر خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف يُرِيد هن سوائر منيعة حَال والظرف مُتَعَلق بِهِ الْغَرِيب الهوادج جمع هودج وَهُوَ مركب النِّسَاء على الْإِبِل الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهُنَّ سائرات عزيزات ممنوعات بالطعن وَالضَّرْب فَلَا يُوصل إلَيْهِنَّ قَالَ
(وَرُبمَا وخدت ... الخ ... )

5 - الْغَرِيب الوخد ضرب من السّير قيل هُوَ سير لين وَبعده الزميل وَبعده الإعناق وَبعده النَّص وَقيل غير ذَلِك الْمَعْنى يُرِيد لعزتهن ومنعتهن فَلَا تسير مطاياهن إِلَّا على دم مصبوب من الفرسان لِأَن دونهن ضرابا وطعانا وقتلا
6 - الْإِعْرَاب أدهى يُرِيد أدهى من زورة الذِّئْب ففصل بِالْجُمْلَةِ وَلَيْسَ هَذَا بممتنع لِأَن الْوَاو وَمَا بعْدهَا فى مَوضِع نصب بأدهى فَلم يفصل بأجنبى وَإِذا جَازَ تَقْدِيم من على الْفِعْل كَانَ الْفَصْل بِغَيْر الأجنبى أجوز وخافية بِمَعْنى خُفْيَة الْمَعْنى أَنه يُخَاطب نَفسه ويذكرها شجاعته وَيَقُول كم قد زرتهن زِيَارَة لم يعلم بهَا أحد كزيارة الذِّئْب الْغنم والحافظون لَهُنَّ قد رقدوا فَوَقَعت بِهن كَمَا يَقع الذِّئْب بالغنم والراعى رَاقِد وزورة الذِّئْب تضرب مثلا فى الْخبث قَالَ
(أزورهم وَسَوَاد الخ ... )

7 - قَالَ صَاحب الْيَتِيمَة هَذَا الْبَيْت أَمِير شعره وَفِيه تطبيق بديع // وَلَفظ حسن // وَمعنى بديع جيد وَهَذَا الْبَيْت قد جمع بَين الزِّيَارَة والانثناء والانصراف وَبَين السوَاد وَالْبَيَاض وَاللَّيْل وَالصُّبْح والشفاعة والإغراء وَبَين لى وبى وَمعنى الْمُطَابقَة أَن تجمع بَين متضادين كَهَذا وَقد أجمع الحذاق بِمَعْرِِفَة الشّعْر والنقاد أَن لأبى الطّيب نَوَادِر لم تأت فى شعر غَيره وهى مِمَّا تخرق الْعُقُول مِنْهَا هَذَا الْبَيْت وَمِنْهَا
(أتَتْهُنَّ المَصَائِبُ غافِلاتٍ ... )
وَمِنْهَا فى كافور
(فجاءَتْ بِنا إنْسانَ عينِ زَمانِه ... )
مَا مدح أسود بِأَحْسَن من هَذَا وَمِنْهَا
(فَذِى الدارُ أخَوَنُ مِن مُومِس ... )
والذى بعده
(1/161)

وَمِنْهَا
(إنْ كانَ سرَّكم مَا قالَ حاسِدُنا ... )
وَمِنْهَا
(أرْجو نَداكَ وَلَا أخشَى المِطال بِهِ ... )

(هَذَا من أبلغ الْوَصْف بالجود وَمِنْهَا
(وَذَاكَ أنَّ الفُحول البِيض عاجزَة ... )
هَذَا أَشد مَا هجى بِهِ أسود وَمِنْهَا
(إِذا مَا سِرْتَ فى آثارِ قَوْمٍ ... تَخاذَلَتِ الجَماجِمُ والرّقاب ... )
قَالَ ابْن نباتة نحسن أَن نقُول وَلَكِن مثل هَذَا لَا نقُول وَمِنْهَا
(إِذا غَزَتْه أعادِيه بِمَسْئَلة ... )
وَبعده
(كأنَّ كُلّ سُؤَالٍ فى مَسامعه ... )
وَمِنْهَا
(تأتى خَلائقُك الَّتِى شَرُفتَ بهَا ... )
والذى بعده من أرق الْمَدْح وأظرفه وَمِنْهَا
(وجُرمٍ جرَهّ سُفَهاء قَوْمٍ ... )
وَمِنْهَا
(وَمَا الحُسْن فى وَجه الفَىّ شَرَفا لَهُ ... )
وَمِنْهَا
(وإنَّ قليلَ الحبّ بالعَقل صَالح ... )
وَمِنْهَا
(إِذا رأيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَة ... )
وَمِنْهَا فى القصيدة
(أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْك صَادقةً ... )
وَمِنْهَا فِيهَا
(وَمَا انْتِفاع أخى الدُّنيا بناظِرِهِ ... )
وَمِنْهَا
(خُذ مَا ترَاهُ ودَعْ شَيْئا سمِعتَ بِهِ ... )
وَمِنْهَا
(لعلّ عَتْبَكَ محمودٌ عَوَاقبُه ... )
وَمِنْهَا
(وَإِذا الشَّيخ قَالَ أفّ فَمَا ملّ حَيَاة ... )
وَمِنْهَا
(آلَةُ العَيْشِ صحَّةٌ وشَبابُ ... )
وفيهَا
(أبَداً تسترِدّ مَا تهب الدُّنْيا ... )
وَمِنْهَا
(وَما الدَّهْرُ أهلٌ أَن تُؤمِّل عندَهُ ... )
وَمِنْهَا
(إِذا مَا النَّاس جرّبهم لَبِيبُ ... )
والذى بعده
(1/162)

وَمِنْهَا
(فَمَا تُرَجِّى النُّفوس من زَمن ... أحمدُ حالَيْه غيرُ مَحمودِ ... )
وَمِنْهَا
(أبَى خُلُقُ الدُّنْيا حَبِيبا تُديمُه ... )
وَمِنْهَا
(وأسرَعُ مفعولٍ فعلت تغَيُّرا ... )
وَمِنْهَا
(إِذا ساءَ فِعلُ المرْء ساءت ظُنونه ... )
والذى بعده وَمِنْهَا
(وكلّ امْرِئ يُولى الجميلَ مُحبَّب ... )
وَمِنْهَا
(مَا كلّ مَا يتَمَنَّى المَرْءُ يُدرِكه ... )
وَمِنْهَا
(ومُرادُ النُّفوس أصغرُ مِن أَن ... نتعادَى فِيهِ وأنْ نَتَفانَى ... )
وفيهَا
(غيرَ أنَّ الفَتى يُلاقى المَنايا ... )
وفيهَا
(ولَوَ أنَّ الحيَاة ... . ... )
وفيهَا
(وَإِذا لم يُكنْ مِن المَوْتِ بُدّ ... )
وَمِنْهَا
(لما صارَ ودّ النَّاس خَبا ... جَزَيتُ على ابْتسامٍ بابتسامِ ... )
وفيهَا
(وصِرْتُ أشُكّ ... . . ... )
وفيهَا
(وآنف مِنْ أخى ... . . ... )
وفيهَا
(وَلم أر فى عُيوبِ النَّاس شَيئا ... )
وَمِنْهَا
(إِذا مَا عدمتَ العَقل والأصْلَ والنَّدَى ... فَما لِحَياةٍ فى جنابك طيِبُ ... )
وفيهَا
(وَلوْلا المَشقَّة سادَ النَّاسُ كلهم ... الجُودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ ... )
وفيهَا
(إنَّا لفى زَمَنٍ ... ... . ... )
وفيهَا
(ذِكْرُ الفَتى عُمْرُهُ ... . ... )
وَمِنْهَا
(إنى لأخشَى مِن فراقِ أحبَّتِى ... وَتحُسُّ نفسِى بالحمام فأشجُعُ ... )
إِلَى قَوْله
(1/163)

(ولمَنْ يُغالط فى الحَقيقة ... ...)
وَمِنْهَا
(توهم النَّاس أَن العَجز قرّبنا ... وفى التقرّب مَا يَدْعُو إِلَى التُّهَمِ ... )
وفيهَا
(وَلم تَزَلْ قلَّة الإنصافِ ... ...)
وفيهَا
(هَوْن عَلىّ بصبر ... . ... )
وفيهَا
(وكَنْ على حَذرَ ... . ... )
وفيهَا
(غاضَ الوَفاءُ ... ... . ... )
وفيهَا
(أَتَى الزَّمانَ ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(ترِيدين لُقْيان المعالِى ... . ... )
وَمِنْهَا
(نحنُ بَنو المَوْتى فمَا بالُنا ... نعافُ مَا لابُدّ من شُرْبه ... )
إِلَى قَوْله
(يَمُوتُ رَاعى الضَّأْن ... . ... )
وَمِنْهَا
(فَلَا يَغْرُرْك ألْسِنةُ المَوالى ... )
إِلَى قَوْله
(وإنَّ الماءَ يخْرُجُ مِنْ جَمادٍ ... وإنَّ النَّارَ تخْرُجُ مِنْ زِنادِ ... )
وَمِنْهَا
(على ذَا مَضَى النَّاسُ اجتماعا وَفُرْقةً ... ومَيْتٍ وَمَوْلُودٍ وقالٍ وامقٍ ... )
وَبعده
(1/164)

(تغير حالى ... ... . . ... )
وَمِنْهَا
(فُؤَاد مَا تسليه المُدامُ ... )
وفيهَا
(ودَهْرُ ناسُهُ ... ... ... )
وفيهَا
(وَما أَنا مِنْهُم ... ... ... )
وفيهَا
(خليلُكَ ... ... . ... )
وفيهَا
(وَلَو حِيزَ الحِفاظُ ... . ... )
وفيهَا
(وشِبه الشَّىْءِ ... ... . ... )
وفيهَا
(ولوْ لم يَعْلُ ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(أنْكَرتَ طارِقة الحَوَادث ... )
وَمِنْهَا
(ومَكايِد السُّفَهاء ... . . ... )
وفيهَا
(لعنت مُقارَنة اللَّئيم ... )
وَمِنْهَا
(واحتمالُ الأذَى ورُؤْية جانِيهِ غذَاء تَضْوَى بِهِ الأجسامُ ... )
وفيهَا
(ذلّ من يغبِطُ ... ... . ... )
وفيهَا
(كلّ حُلْمٍ ... ... ... . ... )
وفيهَا
(من يَهُنْ يَسْهلِ ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(أفاضِلُ النَّاس أغراضٌ لذا الزَّمن ... يخْلو من الهَمّ أخلاهم مِن الفِطَنِ ... )
وفيهَا
(وَإِنَّمَا نحنُ فى جِيلٍ ... )
وفيهَا
(حوْلى بكلّ مكانٍ ... ... . ... )
وفيهَا
(فقرُ الجَهولِ ... ... . ... )
وفيهَا
(لَا يُعْجِبَنّ ... ... ... ...)
وَمِنْهَا
(عرفتُ اللَّيالى قبل مَا صنعتْ بِنَا ... فلمَّا دهَتنى لم تَزِدْنى بهَا عِلْمَا ... )
وفيهَا
(وَمَا الجَمْعُ بينَ المَاء والنَّار ... ...)
وفيهَا
(وإنى لِمن قَوْمٍ ... ... . ... )
وفيهَا
(فَلَا عَبرتْ بى ساعةٌ ... ...)
وَمِنْهَا
(وَأَنا الذى اجتلبَ المنيَّةَ طرفُهُ ... فمَن المُطالَبُ والقَتيلُ القاتلُ ... )
وفيهَا
(مَا نالَ أهل الجاهليَّة ... . ... )
وفيهَا
(وَإِذا أتَتك مذمَّتى ... . . ... )
وَمِنْهَا
(وَلا تَحْسَبَنَّ المَجْدَ زِقاًّ وقَيْنَةً ... وَمَا المَجْدُ إِلَّا السَّيفُ والفَتْكَةُ البِكْرُ ... )
وَمِنْهَا
(وَمن يُنفق السَّاعاتِ ... ... ... )
وَمِنْهَا
(وَمَا زِلتُ ... ... . ... )
والذى بعده
(1/165)

وَمِنْهَا
(فمَا فى سَجاياكم مُنازَعةُ العُلا ... وَلَا فى طباع التربة المسكُ والنَّدُّ ... )
وفيهَا
(وَإِن يكُ سيَّارُ بن مكرِمٍ ... . ... )
وَمِنْهَا
(تخيَّل لى أَن البلادَ مَسامِعِى ... )
وَمِنْهَا
(إِذا غامرْتَ فى شَرَفٍ مَرُومٍ ... فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دون النُّجومِ ... )
وفيهَا
(فطَعْمُ المَوْتِ ... ... . ... )
وفيهَا
(ترَى الحَسْناء ... ... ... )
وَمِنْهَا
(والظُّلمُ من شِيَم النُّفوسِ فَإِن تَجِدْ ... ذَا عِفَّةٍ فلعِلَّة لَا يَظْلِم ... )
وفيهَا
(والذلّ ... ... . ... )
وفيهَا
(ومِن البليَّة ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(كَلام أَكثر مَن تلقى وَمنظَرُهُ ... مِمَّا يشُقُّ على الآذانِ والحّدَقِ ... )
وَمِنْهَا
(مُشِبُّ الذى يَبكى الشَّبابَ مُشيبُه ... فكيفَ تَوَقِّيهِ وبانيهِ هادِمُهُ ... )
وفيهَا
(وتكمِلة العَيْش ... ... ... )
وفيهَا
(وَمَا خَضَبَ النَّاسُ ... . ... )
وَمِنْهَا
(يُدَفِّنُ بَعُضُنا بَعْضاً وَيمْشِى ... أوَاخِرُنا على هامِ الأوالِى ... )
وفيهَا
(فكمْ عَيْنٍ ... ... . . ... )
وَمِنْهَا
(ومغض كَانَ ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(وَمَا الموْتُ إِلَّا سارقٌ دَقَّ شَخْصُه ... يصُولُ بِلَا كَفّ ويسعَى بِلَا رِجْلِ ... )
وفيهَا
(يردّ أَبُو الشبل ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(أرى كلَّنا يبغى الْحَيَاة ... ... . ... )
وفيهَا
(فحُبّ الجبان النَّفسَ ... ... . ... )
وفيهَا
(وَيخْتَلف الرّزقان ... . . ... )
وَمِنْهَا
(إِذا مَا لبستَ الدَّهر مستمتعا بِهِ ... تخرَّقتَ والمَلْبوسُ لم يتخرّق ... )
وفيهَا
(وإطراقُ طرف الْعين ... . ... )
وفيهَا
(وَمَا ينصر الْفضل ... ... . ... )
وَمِنْهَا
(ربّ أمْرٍ أتاكَ لَا تحمد الْفَعَّال فِيهِ وتحمدُ الأفْعالا ... )
وفيهَا
(وَإذا مَا خَلا الجَبانُ بأرْضٍ ... )
وفيهَا
(مَن أطَاق ... ... . ... )
وفيهَا
(كلّ غادٍ لحاجةٍ ... ... . . ... )
وَمِنْهَا
(إِذا أنتَ أكرَمتَ الكرِيم ملَكته ... وَإِن أنتَ أكرَمتَ اللَّئيم تمرّدا ... )
وفيهَا
(ووضْعُ النَّدى ... ... . ... )
فَهَذَا الذى لم يَأْتِ شَاعِر بِمثلِهِ وَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ مُجملا ليسهل أَخذه وَحفظه وَلَو تصفحت دواوين المجيدي المولدين والمحدثين لم تَجِد لأحد مِنْهُم بعض هَذَا نَادرا وَلَكِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء وَيُؤْتى الْحِكْمَة من يَشَاء
(1/166)

- الْغَرِيب التقويض حط الْخيام وَأَصله من قوضت الْبناء إِذا نقضته من غير هدم وتقوضت الْخلق والصفوف تَفَرَّقت الْمَعْنى يَقُول هم يسكنون البدو فيهم يجرونَ مجْرى الْوَحْش فى حلولها المراتع وهم كَذَلِك إِلَّا أَنهم لَهُم خيام يحطونها وينصبونها يُرِيد فى الرحيل وفى الْإِقَامَة والوحش لَا خيام لَهَا فقد خالفوها فى هَذَا
(1/167)

- الْإِعْرَاب الْجوَار لَهَا المجاورين سماهم باسم الْمصدر الْغَرِيب الأصاحيب جمع أَصْحَاب وَأَصْحَاب جمع أصحب وَجمعه أَصْحَاب أَيْضا الْمَعْنى يَقُول هم جيران الوحوش وهم شَرّ المجاورين أَو شَرّ أهل الْجوَار كَمَا قَالَه ابْن جنى حذف الْمُضَاف لأَنهم يصيدونها ويذبحونها قَالَ
(فؤاد كل محب ... الخ ... )

10 - الْغَرِيب المحروب الذى ذهبت حريبته والحريبة المَال الْمَعْنى يُرِيد أَن فيهم الْجمال والشجاعة فنساؤهم ينهبن الْقُلُوب ورجالهم ينهبون الْأَمْوَال وَقَالَ الْخَطِيب ملكوا قُلُوب الرِّجَال وأموال الْأَعْدَاء
11 - الْغَرِيب الرعابيب جمع رعبوبة وهى الْمَرْأَة الممتلئة الْبَيْضَاء الْمَعْنى يُرِيد أَن نسَاء الْعَرَب البدويات أحسن من نسَاء الْحَضَر ثمَّ بَين الْعلَّة بقوله
(حسن الحضارة ... الخ ... )

12 - الْغَرِيب الحضارة قَالَ الأصمعى الحضارة والبداوة بِالْفَتْح وَقَالَ أَبُو يزِيد بِالْكَسْرِ والحضارة الْإِقَامَة فى الْحَضَر والبداوة الْإِقَامَة فى البدو وَالْمرَاد حسن أهل الحضارة وَأهل البداوة فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى يَقُول حسن الحضريات مجلوب بالاحتيال وَحسن البدويات طبع طبعن عَلَيْهِ ثمَّ ذكر لَهُنَّ مثلا فَقَالَ
(أَيْن المعيز من الآرام ... الخ ... )

13 - الْإِعْرَاب ناظرة نصب على التَّمْيِيز وَلَيْسَت اسْم فَاعل وَالتَّقْدِير من الآرام عيُونا وَيجوز أَن يكون حَالا وَيكون اسْم فَاعل وَذَلِكَ فى حَال نظرهن وامتداد أعناقهن كَمَا قَالَ الأصمعى إِذا ذكر الشَّاعِر الْبَقر فَإِنَّمَا يُرِيد حسن الْعُيُون وَإِذا ذكر الظباء فَإِنَّمَا يُرِيد الْأَعْنَاق وَمن الآرام مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره أَيْن المعيز من حسن الآرام وَكَذَلِكَ فى الْحسن مُتَعَلق بِمَحْذُوف تَقْدِيره بعد مَا بَينهمَا فى الْحسن وَالطّيب الْغَرِيب المعيز اسْم للمعزى وَهُوَ خلاف الضَّأْن وَهُوَ اسْم جنس تَقول الْمعز والمعيز والأمعوز وَوَاحِد الْمعز مَا عز مثل صَاحب وصحيب وَالْأُنْثَى مَا عزة وهى العنز وَالْجمع مواعز والمعز بِالْفَتْح والمعز بِسُكُون الْعين لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ أهل الْكُوفَة وَنَافِع بِسُكُون الْعين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ معزى منون مَصْرُوف لِأَن الْألف للإلحاق لَا للتأنيث وَهُوَ مُلْحق بدرهم على فعلل لِأَن الْألف الملحقة تجرى مجْرى مَا هُوَ من نفس الْكَلِمَة يدل على ذَلِك قَوْلهم معيز وأريط فى تَصْغِير معزى وأرطى فى قَول من نوان فكسروا مَا بعد يَاء التصغير كَمَا قَالُوا دريهم وَلَو كَانَت للتأنيث لم يقلبوا الْألف يَاء كَمَا لم يقلبوها فى تَصْغِير حُبْلَى وَأُخْرَى وَقَالَ الْفراء المعزى مُؤَنّثَة وَقَالَ بَعضهم مذكرة وَحكى أَبُو عبيد أَن الْعَرَب كلهَا تنون المعزى فى النكرَة الْمَعْنى أَنه جعل نسَاء الْعَرَب كالظباء وَنسَاء الْحَضَر كالمعز يُرِيد أَيْن موقع الْمعز من الظباء الظباء أحسن عيُونا وأعضاء
(1/168)

- الْإِعْرَاب من كسر الصَّاد من صبغ أَرَادَ الِاسْم وَمن فَتحه أَرَادَ الْمصدر والحواجيب جمع حَاجِب أشْبع الكسرة فتولدت مِنْهَا يَاء كَمَا جَاءَ
(نَفْى الدَّراهيم تَنقادُ الصَّيارِيفِ ... )
الْمَعْنى يُرِيد بظباء الفلاة نسَاء الْعَرَب وأنهن فصيحات لَا يمضغن الْكَلَام وَلَا يصبغن حواجبهن كعادة نسَاء الْحَضَر فَهُوَ يُرِيد تَفْضِيل العربيات
15 - الْغَرِيب العراقيب جمع عرقوب وَهُوَ مَا يكون عِنْد الكعب يُرِيد أَن حسنهنَّ بِغَيْر تطرية وَلَا تصنع وَلَا دُخُول حمام بل هُوَ خلقَة فِيهِنَّ
16 - الْإِعْرَاب من هوى مُتَعَلق بتركت تَقْدِيره من حبى كل امْرَأَة لَا تموه تركت تمويهى التمويه شبه التلبيس والتدليس الْمَعْنى يَقُول من حبى كل امْرَأَة حسنها بِغَيْر تصنع وَلَا تكلّف لم أخضب شعرى يزِيد هن لم يموهن فَأَنا كَذَلِك لم أموه
(1/169)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عَادَته رَاجع إِلَى الصدْق وَمن هوى مُتَعَلق مثل الأول برغبت الْمَعْنى يُرِيد أَنه من حبى الصدْق فى كل شئ تركت الشّعْر المكذوب فى وجهى وَهُوَ الذى اسود بالخضاب
18 - الْغَرِيب الْحَوَادِث جمع حَادِثَة وهى مَا يحدث الزَّمَان من النوائب الْمَعْنى يَقُول إِن الْحَوَادِث أخذت منى شبابى وأعطتنى الْحلم والتجربة فليتها أَعْطَتْ مَا أخذت منى بِمَا أَعْطَتْ وَهُوَ من قَول على بن جبلة
(وأرَى اللَّيالى مَا طَوَتْ مِنْ قُوّتى ... زادَتْهُ فى عَقْلى وفى أفْهامى ... )
وَقَول ابْن المعتز
(وَمَا يُنْتَقَصُ مِنْ شَبابِ الرّجالِ ... يَزِدْ فى نُهاها وألْبابها ... )

19 - الْغَرِيب الحداثة يُرِيد الشَّبَاب وحداثة السن الْمَعْنى يَقُول قد كنت قبل تحليم الْحَوَادِث حَلِيمًا فَإِن الشَّبَاب لَا يمْنَع من الْحلم فقد يكون الشَّاب حَلِيمًا كَمَا قَالَ حبيب
(حَلَّمَتنى زَعَمْتُمُ وأُرَانى ... قبلَ هَذَا التَّحليم كنتُ حَليما ... )

20 - الْغَرِيب الْأُسْتَاذ كلمة لَيست بعربية وَإِنَّمَا تقال لصَاحب صناعَة كالفقيه والمقرئ والمعلم وهى لُغَة أهل الْعرَاق وَلم أَجدهَا فى كَلَام الْعَرَب وَأهل الشَّام والجزيرة يسمون الخصى أستاذا الْمَعْنى هُوَ الذى ذكره قبل هَذَا فى معنى الْحلم وَالْعقل جعل هَذَا تَأْكِيدًا لذَلِك وَالْمعْنَى يُرِيد أَن كافورا شب وارتفع مكتهلا فى حلم الكهول قبل أَن يكتهل وأدبيا قبل أَن يُؤَدب يعْنى أَنه طبع على الْحلم وَالْأَدب وَلم يستفدهما من مر الليالى
(1/170)

- الْإِعْرَاب مجربا ومهذبا حالان وفهما وكرما مصدران وَيجوز أَن ينتصبا على الْمَفْعُول لَهُ الْمَعْنى يَقُول ترعرع وشب مجربا قبل أَن يجرب لما طبع عَلَيْهِ من الْفَهم ومهذبا قبل أَن يهذب بِمَا طبع عَلَيْهِ من الْكَرم
22 - الْغَرِيب التشبيب ذكر أَيَّام الشَّبَاب وَاللَّهْو والغزل وَهُوَ يكون فى ابْتِدَاء قصائد الشُّعَرَاء هَذَا هُوَ الأَصْل ثمَّ سمى ابْتِدَاء كل أَمر تشبيبا وَإِن لم يكن فِيهِ ذكر أَيَّام الشَّبَاب الْمَعْنى يَقُول أصَاب كافور نِهَايَة الدُّنْيَا وَهُوَ الْملك لِأَنَّهُ لَا شئ إِلَّا وَالْملك فَوْقه وَلم يبلغ بعد نِهَايَة همته وهمته مَعَ إِصَابَة الْملك فى ابتدائها وَأول أمرهَا فهمته عالية لَا يقنعها شئ لشرفها
23 - الْمَعْنى يُرِيد سَعَة ملكه وولايته وَأَنه يدبر هَذِه المملكة على تبَاعد مَا بَينهَا وَبَين مصر وعدن وهى مَدِينَة بِالْيمن على ثَلَاثَة أشهر وَبَين عدن وَبَين الْعرَاق ثَلَاثَة أشهر وَبَين مصر وَأول بِلَاد الرّوم شَهْرَان وَبَين مصر وَبَين أَرض النّوبَة ثَلَاثَة أشهر فَكَانَ يدبر هَذَا على سعته وَلم يملكهُ كافور وَلَا أستاذه وَإِنَّمَا ملك كافور مصر وأعمالها والذى ذكره أَبُو الطّيب لم يملكهُ وَمَا تامر فِيهِ سوى الْملك الْكَامِل أَبى المعالى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب فَإِنَّهُ ملك الْيمن كُله وَملك مصر وأعمالها وَالشَّام وأعمالها وخطب لَهُ بالموصل وَهُوَ أول أَعمال الْعرَاق وَكَانَ أمره فِيهَا ويدبرها وَملك آمد وهى أول أَعمال الرّوم
24 - الْغَرِيب النكب جمع نكباء وهى الرّيح تهب فى غير اسْتِوَاء هى العادلة عَن المهب الْمَعْنى يَقُول هَذِه الرّيح إِذا هبت بِغَيْر بِلَاده هبت غير مستوية فَإِذا أَتَت بِلَاده لم تهب إِلَّا باستواء وترتيب إعظاما لَهُ وَقَالَ الْخَطِيب يعظم أمره وسياسته وَلم يرد الرِّيَاح بِعَينهَا بل يُرِيد أَن النَّاس لَهُ هائبون حَتَّى الرِّيَاح إِذا هبت هبت بترتيب واستواء هَيْبَة لَهُ
25 - الْغَرِيب شَرقَتْ الشَّمْس إِذا طلعت وأشرقت إِذا اسْتَوَت وأضاءت وتجاوزها الضَّمِير لمصر
(1/171)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن أمره مُطَاع فى هَذِه الْبِلَاد ويؤثر أمره بمكتوب ختمة وَإِن انمحى الْمَكْتُوب يُرَاعى حكمه إعظاما لَهُ وَيُقَال خَاتم وَخَاتم وخيتام وخاتام وَقَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين بِفَتْح التَّاء
27 - الْإِعْرَاب حامله فَاعل يحط وَالضَّمِير فى حامله يرجع على الْخَاتم الْغَرِيب اليعبوب الْفرس السَّرِيع الجرى ويحط ينزل الْمَعْنى يَقُول إِن خَاتمه إِذا رَآهُ مَعَ حامله الْفَارِس الطَّوِيل الرمْح البطل نزل من سرج فرسه وخر لَهُ سَاجِدا قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى هَذَا فَقَالَ مرّة يقتل حَامِل خَاتمه كل فَارس فينزله عَن سرج فرسه وَمرَّة يحط حَامِل كِتَابه أعداءه عَن سروجهم وَلَيْسَ الْبَيْت من الْقَتْل وَلَا من إِنْزَال الْأَعْدَاء فى شئ وَالْمعْنَى يُرِيد نَفاذ أمره واتساع قدرته وَقَالَ ابْن القطاع حامله الْهَاء يعود على كافور أى إِذا رَآهُ الْأَبْطَال انحطوا
28 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى يفرح إِذا سمع بسؤال السَّائِل فَرح يَعْقُوب بقميص يُوسُف كرما وسخاء وَقيل يسمع كل سُؤال وَلَا يغْفل عَنهُ فالسؤال يفتح سَمعه
29 - الْمَعْنى يُرِيد إِذا غزته بالسؤال فقد غزته بِجَيْش لَا يغلب لِأَنَّهُ لَا يرد السَّائِل وَهَذَا البيتان من أحسن الْكَلَام وأظرفه وَمن أحسن الْمعَانى
30 - الْغَرِيب التجبيب الْهَرَب تَقول جبب الرجل إِذا ولى هَارِبا الْمَعْنى يَقُول إِن أَتَاهُ الْأَعْدَاء محاربين لم ينجوا من إِرَادَته فيهم بالإقدام وَلَا بالهرب وَلَا بالشجاعة والتقدمة التَّقْدِيم وَالْمعْنَى لَا يَنْفَعهُمْ مِنْهُ إقدام وَلَا هرب
31 - الْغَرِيب أَضرت عودت وألزمت وَيُرِيد بأقصى كِتَابه الْجُبَنَاء الْمَعْنى يَقُول عود أَصْحَابه الْمُحَاربَة ودربهم على الْمَوْت فَلَا يخَافُونَ الْمَوْت لأَنهم قد تعودوا الْقِتَال وضرى بالشئ اعتاده وَمِنْه كلب ضار
(1/172)

- الْغَرِيب الشآبيب جمع شؤبوب وهى الدفعة من الْمَطَر الشَّديد الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى يَقُول تركت الْقَلِيل من ندى غَيره إِلَى الْكثير من نداه قَالَ ابْن فورجة هَذَا مُحْتَمل لكنه أَرَادَ أَن مصر لَا تمطر فَقَالَ لامنى النَّاس فى هجرى بِلَاد الْغَيْث فقد تعوضت عَنْهَا غيوث يَدَيْهِ وَقَالَ غَيره هَذَا يعرض بِسيف الدولة غيثا وَجعله غيوثا
33 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه ملك كريم يهب الدولات وَهَذَا مدح عَظِيم وتعريض بِسيف الدولة
34 - الْغَرِيب راعه يروعه إِذا خَوفه والموفور الذى لم يصب فى مَاله وَلم يُؤْخَذ مِنْهُ شئ والمنكوب الذى أَصَابَته نكبة فى مَاله أَو عزة الْمَعْنى يَقُول لَا يغدر بِأحد من أَصْحَابه ليروع بِهِ أحدا غَيره وَلَا ينكب أحدا بظُلْم وَأخذ مَال ليفزع بِهِ موفورا لم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا يُرِيد أَنه حسن السِّيرَة فى رَعيته لَا يظلم أحدا بِحَال
35 - الْإِعْرَاب ذَا مثله صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره يروع ذَا جَيش مثله أى مثل جَيْشه وبلى حرف يَقع جَوَابا بعد النفى فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يروع بمغدور وَلَا يفزع ثمَّ أضْرب عَن ذَلِك وَقَالَ بلَى وهى حرف ممال لمشابهته الْأَفْعَال بِعَدَد حُرُوفه وأماله حَمْزَة والكسائى وفى رِوَايَة أَبى بكر عَن عَاصِم الْغَرِيب يجد لَهُ يصرعه وَيُلْقِيه على الجدالة وهى وَجه الأَرْض والأحم الْأسود وَكَذَلِكَ الغربيب وَالنَّقْع الْغُبَار الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا يخوف صَاحب جَيش مثل جَيْشه فيصرعه ذَا قُوَّة وَكَثْرَة ليعتبر بِهِ غَيره فيخافه ويطيعه وَقَالَ ابْن جنى إِذا رَآهُ ملك وَقد صنع بِملك آخر مَا صنع فَإِنَّهُ يخافه ويحذره
36 - الْغَرِيب السوابق جمع سَابق وهى الْخَيل والتقريب ضرب من عَدو الْخَيل قرب الْفرس إِذا رفع يَدَيْهِ معاو وضعهما مَعًا فى الْعَدو وَهُوَ دون الْحَضَر وَله تقريبان أَعلَى وَأدنى الْمَعْنى أَنه جعل جرى الْخَيل وعدوها أَنْفَع مَال ادخره لِأَنَّهَا أخرجته من بَين الغادرين بِهِ إِلَى الممدوح
(1/173)

- الْغَرِيب صم الأنابيب الرماح الْمَعْنى يَقُول لما غدر بى الزَّمَان وفت بى الْخَيل فأوصلتنى إِلَى مَا أُرِيد الْمَعْنى أَنه يشْكر الْخَيل والقنا على إيصاله إِلَى مصر
38 - الْغَرِيب الجرد الْخَيل الْمُضْمرَات الَّتِى لَيْسَ عَلَيْهَا شعر والسراحيب جمع سرحوب وهى الْفرس الطَّوِيلَة وتوصف بِهِ الْإِنَاث دون الذُّكُور الْمَعْنى قَالَ بَان جنى ضجت المفاوز وهى المهالك من سرعَة خيلى وقوتها وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَن خلينا قطعت المفاوز حَتَّى لَو كَانَ لَهَا قَائِل لقَالَ مَاذَا لَقينَا من هَذِه الْخَيل فى تذليلها لنا وقطعها الْبعد فى سرعَة وَقَالَ ابْن فورجة إِذا أطلقت المهالك لم يفهم مِنْهَا المفاوز وَإِنَّمَا تفهم الْأُمُور الْمهْلكَة يعْنى إِن هَذِه الْخَيل لم يعلق بهَا شئ من الْهَلَاك حَتَّى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامتها مِنْهَا هَذَا كَلَامه وَآخر الْبَيْت يدل على مَا قَالَ ابْن جنى قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فى الْقَائِل عَائِدًا على السوابق أى قَالَ قَائِل سوابق يعْنى الَّتِى يمدحها وَيَقُول إِنَّهَا تجتنى ماذ لَقينَا وَهَذَا اسْتِفْهَام تعجب
39 - الْغَرِيب المنجرد الرجل الماضى فى الْأُمُور الجاد فِيهَا لَا يردهُ شئ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيل تسرع بِرَجُل مَاض فى أُمُوره لَيْسَ مذْهبه وهمه إِلَّا فى جمع المعالى لَا يقنع بالملبوس والمأكول كَقَوْل الراجز
(وَلَيْسَ فَتى الفِتْيان مَنْ رَاح واغْتَدَى ... لشُرْبِ صَبوح أَو لشُرْب غَبُوقِ ... )

(ولكنْ فَتى الفِتْيان مَنْ رَاح واغتدى ... لضرّ عَدوّ أَو لِنَفْع صدِيقِ ... )
وكقول حَاتِم
(لَحَى الله صُعْلُوكا مُناهُ وَهمُّهُ ... مِنَ الدَّهْرِ أَن يَلْقَى لبوسا ومَطْعَما ... )
وَقَالَ خفاف بن إِيمَاء البرمجى
(وَلَو أنَّ مَا أسعَى لنَفْسىَ وَحْدَها ... لزادٍ يَسير أَو ثيابٍ على جِلْدِى ... )

(لَهانا عَلى نَفْسىِ وبَلَغ حاجَتِى ... مِن المالِ مالٌ دون بعضِ الذى عندى ... )

(ولكنَّما أسْعَى لمجدٍ مُؤَثَّلٍ ... كأنّ أَبى نالَ المَكارمَ من جدّى ... )
وَكلهمْ تبع امْرأ الْقَيْس فى قَوْله
(وَلَو أنَّ مَا أسْعَى لأَدْنى مَعِيشَةٍ ... كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال)
وَقد يُدْرِكُ المجدَ المُؤَثَّل أمُثالى ... )
وَمعنى قَوْله لَيست مذاهبه أى أسفارها لهَذَا
(1/174)

- الْغَرِيب سلبت الشئ سلبا وَالسَّلب بِالتَّحْرِيكِ الشئ المسلوب وَكَذَلِكَ السليب وَالسَّلب أَيْضا لحاء شجر مَعْرُوف بِالْيمن تعْمل مِنْهُ الحبال أجفى من لِيف الْمقل الْمَعْنى يَقُول إِذا نظر إِلَى النُّجُوم نظر إِلَيْهَا بِعَين من يطْلبهَا ويطمع فى دركها حَتَّى كَأَنَّهَا شئ سلب مِنْهُ والمسلوب ينظر إِلَى مَا يسلب مِنْهُ نظر من يطْمع فى رُجُوعه إِلَيْهِ قَالَ الْخَطِيب يسلب بعد مطلبه ينظر إِلَى النُّجُوم نظر من لَو قدر عَلَيْهَا لأخذها وَالْأول أحسن وَأبين للمعنى
41 - الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ محتجبا عَن النَّاس والاحتجاب من عَادَة الْمُلُوك وهم يوصفون بالحجاب فعطاؤه قريب من النَّاس غير محتجب عَنْهُم وَيجوز أَن يُرِيد بِالنَّفسِ همته وَأَنَّهَا محتجبة عَن النَّاس لَا يبلغهَا كل أحد لِأَنَّهُ قَالَ بعده فى جسم أروع وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول حبيب
(لَيْسَ الحِجابُ بمقُْصٍ عَنْك لى أمَلاً ... إنَّ السَّماءَ لَتْرْجَىَ حِينَ تَحْتَجِبُ ... )

42 - الْغَرِيب الأروع هُنَا الذكى الْقلب وفى غير هَذَا هُوَ الذى يروعك حسنه والأعاجيب جمع أعجوبة الْمَعْنى يُرِيد أَنه ذكى الْقلب كَأَنَّهُ مرتاع لذكائه إِذا نظر إِلَى أَفعَال النَّاس ضحك مِنْهَا تَعَجبا مِنْهُم هزؤا واستصغارا لَهُم
(1/175)

- 43 - الْغَرِيب الإدلاج سير أول اللَّيْل والادلاج بِالتَّشْدِيدِ سير آخر اللَّيْل والتأويب سير النَّهَار الْمَعْنى يَقُول أَنا أحمدك وَأحمد خيلى ورماحى وسيرى إِذْ بلغتنى إِلَيْك لِأَنَّك أَنْت الْمَقْصُود
45 - الْغَرِيب الْملك الغانى المستغنى يُقَال غنى بِكَذَا وَاسْتغْنى بِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد اسْتَغْنَيْت بِذكر اسْمك عَن وصف ولقب لِأَنَّك قد عرفت فى الْآفَاق بِهِ وَحكى أَن رؤبة بن العجاج أَتَى البكرى النسابة فَقَالَ من أَنْت فَقَالَ أَنا رؤبة ابْن العجاج فَقَالَ قصرت وَعرفت فَقَالَ رؤبة مفتخرا بذلك
(قد رَفَعَ العَجَّاجُ باسمى فادْعُنى ... باسمى إذِ الأَنْساب طالَتْ يَكْفِنى ... )

46 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى قَوْله بِهِ رَاجع إِلَى الحبيب وَلَو أمكنه أَن يردهُ إِلَى الْخطاب لَكَانَ أحسن وَهَذَا أبلغ الْمَعْنى يقو أَنا محبك وَأَنت مَحْبُوب لى وَأَعُوذ بك من أَن لَا تحبنى فَإِن أَشْقَى الشقاوة أَن تحب من لَا يحبك كَمَا قَالَ
(ومِنَ الشَّقاوَةِ أَن تُحِبَّ ... وَلَا يُحِبُّكَ مَنْ تَحِبُّه ... )

1 - الْغَرِيب الْأَغْلَب الرجل الشَّديد الْغَلَبَة وَالْأَصْل فِيهِ الغليظ الرّقية وَرجل أغلب بَين الْغَلَبَة وغلبه غلبا وغلبا وَغَلَبَة قَالَ الله تَعَالَى {وهم من بعد غلبهم} وَهُوَ من المصادر الْمَفْتُوحَة الْعين مثل الطّلب وَقَالَ الْفراء هَذَا يحْتَمل أَن يكون غَلَبَة فَحذف الْهَاء عِنْد الْإِضَافَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(إنَّ الخَليطَ أجدّوا البَيْنَ فانجرَدُوا ... وأخْلَفُوكَ عِدَى الْأَمر الذى وَعدُوا ... )
أَرَادَ عدَّة الْأَمر فَحَذفهُ للإضافة الْمَعْنى يُرِيد أَن بَينه وَبَين الشوق مغالبة لَكِن الشوق أغلب مِنْهُ لَهُ لِأَن الشوق يغلب صبره وَقَالَ الواحدى الْأَغْلَب الغليظ الرَّقَبَة الذى لَا يُطَاق وَلَا يغالب فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن الشوق صَعب شَدِيد مُمْتَنع وأعجب من هَذَا الهجر لتماديه وَطوله
(1/176)

- الْغَرِيب تنائى تفَاعل من النأى وَهُوَ الْبعد أنأيت الرجل ونأيته أبعدته الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَيَّام مولعة بادناء من أبْغض وإبعاد من أحب فَمَا تغلط مرّة بتقريب الحبيب وإبعاد البغيض فَلَو غَلطت مرّة وَفعلت هَذَا وَجعله غَلطا من الدَّهْر لِأَنَّهُ خلاف مَا يَفْعَله الدَّهْر كَمَا قيل فى بخيل
(يَا عَجبا مِن خالدٍ كيفَ لَا ... يَغْلَطُ فِينَا مَرَّةً بالصَّوَابِ ... )
وأصل هَذَا الْمَعْنى الذى ذكره أَبُو الطّيب للمضرس
(لعمْرُكَ إنى بالخليلِ الذى لهُ ... علىّ دَلالٌ واجبٌ لَمُفَجَّعُ ... )

(وإنَى بالمَوْلى الذى لَيْسَ نافِعى ... وَلَا ضائِرى فِقدانُه لممتَّع ... )
وَمثله للطرماح
(يفرّق منَّا مَنْ نحِبُّ اجتماعَهُ ... ويجمعُ مِنَّا بَين أهْلِ الضَّغائنِ ... )
وَقَالَ آخر
(عَجِبْتُ لتَطْويح النَّوَى مَنْ تُحبُّه ... وإدْناءَ مَنْ لَا يُسْتَلَذُّ لَهُ قُرْبُ ... )
وكقول لطف الله ابْن الْمعَافى
(وَمَنْ أهْوَاهُ يُبْغِضُنِى عِناداً ... ومَنْ أشْناه شْصٌّ فى لَهَاتِى ... )

3 - الْإِعْرَاب الحدالى ابْتِدَاء وشرقي فى مَوضِع نصب على الظّرْف وحذفت الْإِضَافَة مِنْهُ لالتقاء الساكنين وَيجوز أَن يكون الحدا لى خَبرا وشرقى مُبْتَدأ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون ظرفا وَغير ظرف قَالَ جرير
(هبَّتْ جنوبا فذِكَرى مَا ذكرتكم ... عنْدَ الصَّفاة الَّتِى شرقّى حَورانا ... )
وَوجه النصب وَالرَّفْع جَائِز على تَقْدِير الَّتِى هى شرقى الْغَرِيب الحدالى بِفَتْح الْحَاء وَضمّهَا مَوضِع بِالشَّام وَقيل جبل وَغرب جبل هُنَاكَ مَعْرُوف قَالَ الشَّاعِر
(أَلا يَا طُولَ لَيْلى بالحَدَالَى ... فأعْتاد الأشَقّ إِلَى رعالى ... )

(أبِيتُ اللَّيْلَ مُكْتَئِبا حَزِينا ... وتَسْألُنِى العَوَائد كيفَ حالى ... )
وَقَوله تئية التئية التلبث والتمكث قَالَ الشَّاعِر
(قِفْ بالديّارِ وُقُوفَ زَائِرْ ... وَتأىّ إنَّك غيرُ صاغِرْ ... )
الْمَعْنى يَقُول مَا أسْرع سيرى وأقتل تلبثى عَشِيَّة كَانَ هَذَا ن الموضعان على جَانب الشرقى
(1/177)

- الْغَرِيب أحفى أبلغ النَّاس مَسْأَلَة عَنى والحفاوة بِالْفَتْح الْمُبَالغَة فى السُّؤَال عَن الرجل والعناسة فى أمره يُقَال مِنْهُ حفيت بِالْكَسْرِ حفاوة وتحفيت بِهِ بالغت فى إكرامه وإلطافه والحفى المستقصى فى السُّؤَال قَالَ الْأَعْشَى
(فإنْ تَسألى عَنى فيَا رُبَّ سائِلٍ ... حَفِىّ عَن الأعْشَى بِهِ حيثُ أصعدا ... )
الْمَعْنى يُرِيد بأحفى النَّاس سيف الدولة يَقُول هُوَ ألطف النَّاس بى فجفوته بِتَرْكِهِ إِلَى غَيره وَكَانَ أهْدى الطَّرِيقَيْنِ أَن أَعُود إِلَيْهِ إِلَّا أَنى هجرته وَأخذت الطَّرِيق إِلَى مصر قَالَ ابْن جنى كَانَ يتْرك الْقَصْد ويتعسف خوفًا على نَفسه
5 - الْغَرِيب المانوية قوم ينسبون إِلَى مانى وَهُوَ رجل يَقُول الْخَيْر من النَّهَار وَالشَّر من اللَّيْل وَانْتَحَلَ هَذَا الْمَذْهَب فَرد عَلَيْهِ المتنبى فَقَالَ كم نعْمَة للظلمة عندى تبين أَن هَؤُلَاءِ المانوية الَّذِي نسبوا إِلَى الظلمَة الشَّرّ كاذبون وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ
(1/178)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى فِيهِ لِليْل وَكَذَا الضَّمِير فى وقاك الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى وقاك ظلام اللَّيْل الْعَدو تسرى عَلَيْهِم فَلَا يبصرونك وزارك فِيهِ طيف من تحبه وَقَالَ ابْن فورجة الطيف قد يزور نَهَارا فَيكون كَقَوْل ابْن المعتز
(لَا تَلْقَ إلاَّ بلَيْلٍ مَنْ تُوَاصِلُهُ ... فالشَّمْسُ نَمَّامَةٌ وَاللَّيلُ قَوَّادُ ... )

7 - الْمَعْنى يَقُول رب يَوْم طَال على كَمَا يطول ليل العاشقين اختفيت فِيهِ خوفًا على نفسى أراقب حِين تغرب الشَّمْس حَتَّى أَسِير إِلَيْكُم كمنته اختفيت وَقَعَدت بالكمين وأيان بِمَعْنى مَتى
8 - الْمَعْنى أَنه كَانَ ينظر إِلَى أذنى فرسه وَذَلِكَ أَن الْفرس أبْصر شئ فاذا حس بشخص من بعيد نصب أُذُنَيْهِ نَحوه فَيعلم الْفَارِس أَنه أبْصر شَيْئا ثمَّ وصف فرسه فَقَالَ كَأَنَّهُ قِطْعَة ليل فى وَجهه كَوْكَب قَالَ العروضى فى وَجهه كَوْكَب من كواكب اللَّيْل قد بقى بَين عَيْنَيْهِ وَهَذَا من قَول أَبى دواد
(وَلَها جَبْهَةٌ تَلأْلأُ كالشِّعْرى ... أضاءتْ وغُمّ مِنْهَا النُّجوم ... )

9 - الْغَرِيب الإهاب الْجلد مَا لم يدبغ وَالْجمع أهب بِفتْحَتَيْنِ مثل أَدَم على غير قِيَاس وَقد قَالُوا أهب بِالضَّمِّ وَهُوَ قِيَاس الْمَعْنى أَنه وصف فرسه بسعة الْجلد وَإِذا اتَّسع الْجلد اشْتَدَّ الْعَدو لِأَن سَعَة خطوه على قدر سَعَة إهابه وَلَيْسَ للحمار عَدو لضيق إهابه عَن مد يَده وَالْمعْنَى أَن فى جلده فضلَة عَن جِسْمه تِلْكَ الفضلة على صَدره الرحيب تجئ وَتذهب وَقَالَ صدر رحيب لِأَنَّهُ يسْتَحبّ سَعَة الصَّدْر فى الْفرس
10 - الْمَعْنى يَقُول سققت ظلام اللَّيْل بِهَذَا الْفرس فَكنت إِذا جذبت عنانه إِلَى وثب وطغى مرحا وانبساطا وَإِذا أرخيت عنانه يلْعَب بِرَأْسِهِ
(1/179)

- الْغَرِيب قفيته تلوته وَمِنْه {وقفينا على آثَارهم} الْمَعْنى يَقُول إِذا طردت بِهِ وحشا لحقته فصرعته وَإِذا نزلت عَنهُ بعد الصَّيْد والطرد كَانَ مثله حِين أركبه يُرِيد لم يلْحقهُ تَعب وَلم يكل لعزة نَفسه وَلم ينقص من عدوه شئ كَقَوْل ابْن المعتز
(تَخالُ آخِرَهُ فى الشَّدّ أوّله ... وَفِيه عَدْوٌ وَرَاء السَّبْق مَذْخُورُ ... )

12 - الْمَعْنى يَقُول الْخَيل قَليلَة كقلة الصّديق وَإِن كَانَت كَثِيرَة فى الْعدَد وَكَذَلِكَ الصّديق كثير عَددهمْ وَلَكنهُمْ عِنْد التَّحْصِيل وَالتَّحْقِيق قَلِيلُونَ لِأَن الصّديق الذى يعْتَمد عَلَيْهِ فى الشدائد قَلِيل وَكَذَلِكَ الْخَيل الَّتِى تلْحق فرسانها بالطلبات قَليلَة وَمن لم يجرب الْخَيل ويعرفها يَرَاهَا فى الدُّنْيَا كَثِيرَة وَكَذَلِكَ من لم يجرب الأصدقاء ويختبرهم عِنْد شدته يراهم كثيرين وَالْمعْنَى أَن الْخَيل الْأَصْلِيَّة المجربة قَليلَة وَالصديق الذى يصلح لصديقه فى شدته قَلِيل وَلِهَذَا قيل لَا يعرف الْأَخ إِلَّا عِنْد الْحَاجة
13 - الْغَرِيب الشيات جمع شية وهى اللَّوْن الْمَعْنى يَقُول إِذا لم تَرَ من حسن الْخَيل غير حسن الألوان والأعضاء فَلم تَرَ حسنها إِنَّمَا حسنها فى الْعَدو والجرى
14 - الْإِعْرَاب منَاخًا نصب على التَّمْيِيز قَالَ ابْن جنى وَيجوز على الْحَال الْغَرِيب لحا الله دُعَاء عَلَيْهَا وَأَصله من لحوت الْعود إِذا قشرته ولحوت الْعَصَا ألحوها لحوا قشرتها وَكَذَلِكَ لحيت الْعَصَا ألحى لحيا قَالَ الشَّاعِر
(لحيتهمُ لحىَ العَصا فطرَدُتهم ... إِلَى سَنَة قردانها لم تُحلَّم ... )
وَقَوْلهمْ لحاه الله قبحه ولعنه وفى الْمثل من لاحاك فقد عاداك الْمَعْنى أَنه يذم الدُّنْيَا يَقُول هى بئس الْمنزل هى تعذب أَصْحَاب الهمم الْعَالِيَة
(1/180)

- الْمَعْنى لَيْت شعرى لَيْت علمى وَمِنْه سمى الشَّاعِر لفطنته أى ليتنى أعلم هَل تَخْلُو قصيدة لى من شكوى أَشْكُو الدَّهْر فِيهَا وأعاتبه بِأَن يبلغنى المُرَاد وأنال مِنْهُ مَا أطلب وأدع الشكوى
16 - الْإِعْرَاب أَقَله فَاعل يذود وَهُوَ من صلَة مَا تَقْدِيره الذى يذود الشّعْر عَنى أَقَله الْغَرِيب يذود يطرد وَيمْنَع قَالَ الله تَعَالَى {وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان} أى تمنعان وتطردان وَكسر الْمِيم فى دونهم أَبُو عَمْرو وَحده لالتقاء الساكنين وضمه الْجَمَاعَة الْمَعْنى يَقُول بى من هموم الدَّهْر ونوائبه وصروفه مَا أَقَله يمْنَع الشّعْر عَنى وَلَكِن قلبى قلب جيد التقلب يُقَال رجل قلب حول إِذا كَانَ جيد الْحِيلَة فى الْأُمُور متصرفا وروى أَن مُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان قَالَ فى مَرضه الذى مَاتَ فِيهِ لابنتيه إنَّكُمَا لتبكيان حولا قلبا إِن سلم من هول المطلع وَقَوله
(يَا نبة الْقَوْم ... )
على عَادَة الْعَرَب يخاطبون النِّسَاء وَأَرَادَ بابنة الْقَوْم كَثْرَة أَهلهَا وعشيرتها وَقَالَ ابو الْفَتْح يُرِيد بابنة الْقَوْم ابْنة الْكِرَام على مَا اسْتعْملت الْعَرَب
17 - الْمَعْنى يُرِيد أَن أخلاقه تعرب عَن كرمه فهى تملى على لَهُ فضائله وأمدحه شِئْت أَو أَبيت فَلَا أحتاج إِلَى جلب معنى ومنقبة إِلَيْهِ لِأَن أخلاقه تعيننى على مدحه أَخذ الصاحب بن عباد هَذَا فَقَالَ
(وَما هذهِ إِلَّا وَليدةُ لَيْلةٍ ... يَغور لَهَا شعَرُ الْوَلِيد ويَنْضُبُ ... )

(على أَنَّهَا إمْلاء مَجْدك لَيْسَ لى ... سوى أنَّه يُملى علىّ وأكْتُبُ ... )

18 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا قَصده إِنْسَان لم يتغرب وَإِنَّمَا هُوَ عِنْده كَمَا هُوَ فى أَهله وعشائره لِأَنَّهُ يؤنسه بعطائه وَهَذَا من قَول الطائى
(هُمْ رَهْطُ مَنْ أمْسَى بَعيدا رهطُه ... وَبَنُو أَبى رجل لغير بَنى أبِ ... )
وَهَذَا من قَول الآخر
(نَزَلْتُ على آل المُهَلَّب شاتيا ... غَرِيبا عَن الأوْطان فى زمن المَحْلِ ... )

(فَمَا زَالَ بِى إكْرامُهم وافْتِقادُهم ... وبرُّهمُ حَتَّى حسبتُهمُ أهْلى ... )
(1/181)

- الْإِعْرَاب انتصب رَأيا وَمَا بعده على التَّمْيِيز وروى ابْن جنى بادرة بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَعْنى يَقُول هُوَ فى حالتى الرِّضَا وَالْغَضَب أَفعاله مَمْلُوءَة حِكْمَة وعقلا ونادرة فَمن نظر إِلَى أَفعاله اسْتدلَّ بهَا على عقله وإصابة رَأْيه وَقَوله نادرة أى أَفعاله غَرِيبَة لَا تُوجد إِلَّا مِنْهُ وفى رِوَايَة ابْن جنى بادرة أى بديهة
20 - الْمَعْنى يُرِيد أَن سَيْفه يعْمل بكفه لَا بِنَفسِهِ فَإِذا نظرت إِلَى أثر سَيْفه عِنْد ضربه علمت أَن السَّيْف يعْمل بكفه يُرِيد أَن الضَّرْبَة الشَّدِيدَة إِنَّمَا تحصل بِقُوَّة الْكَفّ لَا بجودة السَّيْف لِأَن السَّيْف الماضى فى يَد الضَّعِيف لَا يعْمل شَيْئا قَالَ البخترى
(فَلا تُغْلينْ بالسَّيف كُلّ غِلائه ... ليمْضِى فإنّ الكَفَّ لَا السيفَ يَقْطَعُ ... )

21 - الْغَرِيب اللّّبْث الْمكْث الْمَعْنى يَقُول إِن تَأَخَّرت عطاياه فَإِنَّهَا تزداد كَثْرَة لِأَنَّهُ يعْطى الجزيل وَإِن أَبْطَأَ إِعْطَاؤُهُ وَالْمَاء إِذا طَال مكثه نضب أى فنى على خلاف عطاياه
22 - الْمَعْنى إِنَّه تَعْرِيض بالاستبطاء وَجعل مدحه غناء يَقُول أَنا كالمغنى بمدائحى وَأَنت كالشارب تلتذ بِسَمَاع مديحى وتحرمنى الشّرْب فَأَنا أمدحك بالمديح كَمَا يطرب الْغناء الشَّارِب فَهَل فى الكأس فضلَة أشربها وَهَذَا كُله تَعْرِيض لإبطاء الْعَطاء
23 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّك أعطيتنى على قدر الزَّمَان وَأَنا أطلب مَا يُوجِبهُ كرمك
24 - الْغَرِيب تنط من النوط وَهُوَ التَّعْلِيق والضيعة الْبَلدة والقرية قيل هى الْعقار وَالْجمع ضيَاع بِكَسْر الضَّاد وضيع مثل بدرة وَبدر وتصغير الضَّيْعَة ضييعة وَلَا يجوز ضويعة وأضاع الرجل إِذا فَشَتْ ضيَاعه وَأنْشد الْمبرد
(فإنْ كُنْتَ ذَا زرع وَنحْلٍ وهجْمَةٍ ... فإنى أَنا المْثْرِى المُضيعُ المُسَوّدُ ... )
الْمَعْنى إِذا لم تقطعنى ضَيْعَة فجودك يكسونى وشغلك عَنى يذهب عَنى تِلْكَ الْكسْوَة أَي يسلبها عَنى
(1/182)

- الْغَرِيب حذائى أى مقابلى وأندب ندب الْمَيِّت إِذا عدد محاسنه يندبه ندبا وَالِاسْم الندبة بِالضَّمِّ الْمَعْنى يَقُول أرى كلا من النَّاس فى الْعِيد فَرحا مرحا يضاحك من يُحِبهُ وَأَنا أبكى على من أحب لأَنهم بعيدون عَنى وكل هَذَا إيقاظ لَهُ
26 - الْغَرِيب عنقاء مغرب يُقَال على الْوَصْف وَالْإِضَافَة يُقَال هُوَ من قَوْلهم أغرب فى الْبِلَاد وَغرب إِذا أبعد وَذهب وعنقاء اسْم للذّكر وَالْأُنْثَى فَلهَذَا لم يَقُولُوا مغربة بِالْهَاءِ كالدابة والحية فَمن وصف فعلى الإتباع وَمن أضَاف فَهُوَ من بَاب الْإِضَافَة إِلَى النَّعْت كَقَوْلِهِم مَسْجِد الْجَامِع وعنقاء مغرب مثل كَانَت طائرا عَظِيما اختطفت صَبيا وَجَارِيَة وطاربت بهما فَدَعَا عَلَيْهَا حَنْظَلَة بن صَفْوَان وَكَانَ نبى ذَلِك الزَّمَان فغابت إِلَى الْيَوْم فَقيل لكل من فقد طارت بِهِ عنقاء مغرب وَقد قَالَت الْعَرَب العنقاء المغربة بالتعريف على الإتباع وَقد أضافها قوم من الْعَرَب قَالَ
(ولَوْلا سَلَيمانُ الخَلِيفَةُ حَلَّقتْ ... بِهِ فى يَد الحجَّاج عنقاءُ مُغْربِ ... )
وَالْأَكْثَر على الِاتِّبَاع وَقَالَ الْكُمَيْت
(محَاسِن من دين وَدُنْيا كَأَنَّمَا ... بِهِ حلقت بالْأَمْس عنقاء مغرب)
الْمَعْنى يُرِيد أَنه مشتاق إِلَى أَهله وَقد حَال بَينهم وَبَينه الْبعد فَيَقُول اشتياقى إِلَيْهِم كمن اشتاق إِلَى عنقاء مغرب فَأَيْنَ هى مِنْهُ لبعدها عَن النَّاس
27 - الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يجْتَمع لقاؤك ولقاؤهم فَأَنت أحلى عندى يُرِيد أَنى أوثرك عَلَيْهِم
28 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الممدوح يوليه الْجَمِيل وَيُحِبهُ فَهُوَ عِنْده طيب يختاره على أَهله قَالَ ابْن جنى كل من حصل فى خدمتك علا قدره وَمِثَال الْبَيْت قَول البحترى
(وأحبُّ أوْطان البِلاد إِلَى الفَتى ... أرْضٌ يُنالُ بهَا كَريمُ المَطْلَبِ ... )
(1/183)

- الْغَرِيب المذرب المحدد والذرب الحاد من كل شئ ولسان ذرب وَفِيه ذرابة أى حِدة وَسيف ذرب وَامْرَأَة ذربة صخابة وَيُقَال ذربة مثل فِرْيَة قَالَ
(يَا سَيِّدَ النَّاسِ وديَّانَ العَرَبْ ... إليكَ أشْكُو ذِرْبةً مِن الذِّربْ ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَن الحساد لَا ينالون مِنْك مَا يطلبونه فَإِن الله يدْفع مَا يريدونه وَالسُّيُوف والرماح
3 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح دون مَا يُرِيدُونَ من السوء الْمَوْت الذى لَو تخلصوا مِنْهُ إِلَى الشيب لشاب طفلهم وَلَكنهُمْ لَا يتخلصون من الْمَوْت إِلَى الشيب بل يقتلهُمْ وَكَذَا نَقله ابْن القطاع حرفا فحرفا وَقَالَ الواحدى دون الذى يطْلب الحساد من زَوَال ملكك وَفَسَاد أَمرك الْمَوْت وَهُوَ قَوْله مَا لَو تخلصوا مِنْهُ أى الْمَوْت أى أَنهم يموتون قبل أَن يرَوا فِيك مَا يطلبونه وَلَو لم يموتوا عِشْت أَنْت وشاب طفلهم لشدَّة مَا يرونه وصعوبة مَا يلحقهم وَمَا يقاسون مِنْك
31 - الْمَعْنى إِن يطلبوا عطاءك أَعطيتهم مَا حكمُوا وَإِن طلبُوا مَا فِيك من الْفضل لم يدركوه قَالَ ابْن جنى إِن راموا فضلك منعتهم مِنْهُ قَالَ ابْن فورجة كَيفَ يقدر الْإِنْسَان أَن يمْنَع آخر من أَن يكون فى مثل فَضله وَإِنَّمَا الله الْقَادِر على ذَلِك وَقد أَتَى بِهِ المتنبى على مَا لم يسم فَاعله // فَأحْسن //
32 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَت الْعلَا موهوبة وهبتها بل من الْأَشْيَاء مَا لَا يُوهب كالعلا والشرف وَالْفضل وَمَا أشبه هَذَا وَهَذَا من قَول حبيب
(وانْفَحْ لَنا مِن طيبِ خِيمك نفحَةً ... إنْ كانَتِ الأخْلاق ممَّا يُوهَبُ ... )
وَأَصله من قَول جَابر
(وإنْ يَقْتَسِمْ مالى بَنىّ ونِسْوَتى ... فَلَنْ يَقْسِموا خُلقى الكريمَ وَلَا فَضْلي ... )
(1/184)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن أَشد الظُّلم وأقبحه حسد الْمُنعم عَلَيْك يُرِيد من بَات فى نعْمَة رجل ثمَّ بَات حَاسِدًا لَهُ فَهُوَ أظلم الظَّالِمين يُرِيد أَن الحاسدين يحسدونه وَهُوَ ولى نعمتهم وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم أقبح الظُّلم حسد عَبدك الذى تنعم عَلَيْهِ لَك
34 - الْمَعْنى يُرِيد أَن صَاحب مصر مولى كافور مَاتَ وَخلف ولدا صَغِيرا فرباه كافور وَقَامَ دونه بِحِفْظ الْملك فَقَوله ربيت ذَا الْملك أى صَاحب هَذَا الْملك وَلَو قَالَ وَأَنت الذى ربى لَكَانَ أحسن وَلكنه قَالَ ربيت كَمَا قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن
(وأنتِ الَّتِى حببتِ كلّ قَصيرَة ... إلىّ وَما تَدْرى بِذَاكَ القَصائرُ ... )

35 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك كنت للْملك كالليث لأشباله والعريبن الأجمة وَلما جعله ليثا اسْتعَار لَهُ مخلبا فَجعله السَّيْف الهندى والهندوانى وَهُوَ نسب إِلَى الْهِنْد
36 - الْغَرِيب الهيجا من أَسمَاء الْحَرْب وهى تمد وتقصر الْمَعْنى يُرِيد أَنه يهرب من الْعَار إِلَى الْمَوْت لِأَنَّهُ يختاره على الْعَار يَقُول حاميت على الْملك ودافعت عَنهُ هَارِبا من الْعَار إِلَى الْمَوْت
37 - الْمَعْنى يَقُول قد ينجو من الْمَوْت من يطْرَح نَفسه فى المهالك وَقد يُصِيب الْمَوْت من يحترس مِنْهُ وَهَذَا من أحسن الْمعَانى لِأَنَّهُ قد ينجو من الْمَوْت من يُوقع نَفسه فى كل مهلكة وَيَقَع فِيهِ من يحذرهُ ويخافه ويخترم أى ينفذ
38 - الْإِعْرَاب الْكَاف من اللاقوك فى مَوضِع نصب أَو جر وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مَكَانهَا هَاء أَو يَاء الْمَعْنى يُرِيد أَن الَّذين لاقوك محاربين لم يعدموا شجاعة وَشدَّة إقدام يُرِيد أَنهم كَانُوا شجعانا أشداء وَلَكِن أَصْحَابك كَانُوا أَشد وأنجب وَمثله يزفر
(سَقَيْناهُمُ كأسا سَقَوْنا بِمِثْلِهَا ... وَلَكنهُمْ كَانُوا على الْمَوْت أصبرا ... )
(1/185)

- الْغَرِيب الْبيض جمع أَبيض وَهُوَ السَّيْف وَالْبيض جمع بَيْضَة وَهُوَ مَا يَجْعَل على الرَّأْس من الْحَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَنهم هزموا وَأَنه صرفهم عَمَّا أَرَادَ وبرق السيوف صَادِق لِأَنَّهُ تبعه سيلان الدَّم وبرق الْبيض خلب لِأَنَّهَا تبرق وَلَا تسيل الدَّم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن لمع السيوف صَادِق لِأَن السَّيْف إِذا ضرب بِهِ قطع وَبلغ الْبيض وبرق الْبيض لَا يصدق على السيوف لِأَنَّهُ لَا فعل للمع الْبيض فى السيوف فَشبه بالبرق الخلب الذى لَا مطر فِيهِ وَالْأول تَأْثِيره كالبرق الصَّادِق الذى فِيهِ الْمَطَر
40 - الْمَعْنى يُرِيد أَن سيوفك تعلم الخطباء الْخطْبَة بِاسْمِك فى الدُّعَاء يُرِيد أَنَّك أخذت الْبِلَاد بسيفك فَصَارَ كل خطيب بلد يخْطب بِاسْمِك وَقَالَ ابْن جنى لما رأى النَّاس مَا صنعت سيوفك بأعدائك أذغنوا بِالطَّاعَةِ فدعوا لَك على منابرهم رَغْبَة وَرَهْبَة
41 - الْمَعْنى يَقُول يُغْنِيك عَن نِسْبَة النَّاس إِلَى قبائلهم وعشائرهم أَن المكرمات انْتَهَت إِلَيْك وَنسب إِلَيْك وَإِن لم يكن لَك نسب فى الْعَرَب فَأَنت أصل فى المكارم وَهَذَا من قَول أَبى طَاهِر
(خَلائقُه للمَكْرُمات مَناسبُ ... تَناهَى إِلَيْهَا كلُّ مَجْدٍ مُوَثَّلِ ... )
وَقَالَ الْخَطِيب لَيْسَ هَذَا مِمَّا يمدح بِهِ وَلَا سِيمَا الْمُلُوك لِأَنَّهُ أشبه بنفى النّسَب عَنهُ ثمَّ أَتَى بقول لَا يَصح مَعْنَاهُ يَقُول أى قبيل يسْتَحق أَن تنْسب إِلَيْهِ وَأَنت فَوق كل أحد
42 - الْمَعْنى يُرِيد أى أسرة تسْتَحقّ أَن تنْسب إِلَيْهَا وَأَنت فَوق كل أحد قَالَ الْخَطِيب هَذَا تهزؤ مِنْهُ وَقد كَانَ يَقُول لَو قلبت مدحى فِيهِ كَانَ هجاء
43 - الْإِعْرَاب فأطرب لم يكن فى مَوضِع عطف وَلَو كَانَ مَعْطُوفًا لفسد الْمَعْنى وَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب تَقْدِيره كنت أَتَمَنَّى أَن أَرَاك فَأَفْرَح برؤيتك وأطرب الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا الْبَيْت يشبه الِاسْتِهْزَاء لِأَنَّهُ يَقُول طربت على رؤيتك كَمَا يطرب الْإِنْسَان على رُؤْيَة القرد وَمَا يستملحه مِمَّا يضْحك مِنْهُ قَالَ أَبُو الْفَتْح لما قَرَأت عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْت قلت لَهُ جعلت الرجل أَبَا زنة وهى كنية القرد فَضَحِك
(1/186)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى المصراع الأول هجاء صَرِيح لَوْلَا الثانى يَقُول كأنى أذنبت ذَنبا بمدح غَيْرك والقوافى تعذلنى تَقول لم لم تقصر مدحك عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ همتى تلومنى فى مدح غَيْرك وَهَذَا من قَول حبيب
(وهَلْ كُنْتُ إِلَّا مُذْنِبا يَِوْمَ أنْتَحى ... سِوَاكَ بآمالى فجِئْتُك تَائِبًا ... )
وَقَالَ الْخَطِيب لَيْسَ فى الْبَيْت هجاء وَمَعْنَاهُ أَن همته عذلته كَيفَ قنع بِغَيْرِهِ والقوافى لم صرفهَا فى مدح غَيره وَشهد لَهُ بذلك بَقِيَّة الْبَيْت
45 - الْمَعْنى أَنه يعْتَذر إِلَيْهِ فى مدحه غَيره وَلكنه يَقُول بعد الطَّرِيق بَيْننَا وَلم أزل يطْلب منى الشّعْر وأتكلف المديح وينهب كلامى
46 - الْمَعْنى يَقُول بلغ كلامى أقْصَى الشرق وأقصى الغرب يُرِيد أَنه انْتهى إِلَى حَيْثُ لَا شَرق لَهُ وَكَذَلِكَ فى الغرب وَهُوَ من قَول حبيب
(فغرّبتُ حَتَّى لم أجِدْ ذِكْرَ مَشْرقٍ ... وشرّقتُ حَتَّى قد نَسِيت المَغاربا ... )

47 - الْمَعْنى يَقُول إِذا قلت شعرًا لم يمْتَنع من وُصُوله إِلَيْهِ مدر وَلَا وبر فالجدار الْمُعَلَّى لأهل الْحَضَر والخباء لأهل الْوَبر يُرِيد أَن شعره قد سَار فى البدو والحضر وَأَنه قد عَم الأَرْض كَقَوْلِه
(قَوَافٍ إِذا سِرْنَ مِنْ مِقولى ... وثَبن الجبالَ وخُضْنَ البِحارَا ... )
(1/187)

- 1 - الْغَرِيب المنى جمع منية والقرون الذوائب وَاحِدهَا قرن وَمِنْه قَول قيس
(وَهل مالَتْ عَلَيْك قُرون لَيْلى ... كمَيْلِ الأُقْحُوَانَةِ فى نداها ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يتَمَنَّى الشيب قَدِيما ليخفى شبابه بابيضاض شعره لِأَنَّهُ أوقر وَأجل فى الْعين وسمى الْبيَاض بالشيب خضابا لإخفاء السوَاد بِهِ كَمَا أَن السوَاد الذى يخفى الْبيَاض يُسمى خضابا الْإِعْرَاب منى نكرَة وهى مُبْتَدأ وَقد يُفِيد الِابْتِدَاء بالنكرة إِذا أخْبرت عَنْهَا بجملة تَتَضَمَّن أَسمَاء معرفَة كَقَوْلِك امْرَأَة خاطبتنى وَكَذَلِكَ إِن أخْبرت بظرف مُضَاف إِلَى معرفَة كَقَوْلِك رجل خَلفك قَالَ الْهُذيْل بن مجاشع
(ونار الْقرى فوقَ اليَفاع ونارُهم ... مُخَبَّأةٌ نصب عَلَيْهَا وبرنس ... )
وَإِنَّمَا منع الِابْتِدَاء بالنكرة لِأَن النَّفس تنتبه بالمعرفة على طلب الْفَائِدَة وَإِذا كَانَ الْمخبر عَنهُ مَجْهُولا كَانَ الْمخبر حَقِيقا باطراح الإصغاء إِلَى خَبره لِأَنَّهُ لَا يعرف من أخبر عَنهُ وَشرط الْكَلَام إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ نكرَة أَن يتَضَمَّن الْخَبَر اسْما مُعَرفا أَو أَن يتَقَدَّم الْخَبَر كَقَوْلِك لزيد مَال لِأَن الْغَرَض فى كل خبر أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ بالمعرفة ويصدر الْكَلَام بهَا وَهَذَا مَوْجُود هَهُنَا لِأَنَّك وضعت زيدا مجرورا لِتُخْبِرَ عَنهُ بِأَن لَهُ مَالا قد اسْتَقر فقولك لزيد مَال فى تَقْدِير زيد ذُو مَال فالمبتدأ الذى هُوَ مَال هُوَ الْخَبَر فى الْحَقِيقَة ولزيد هُوَ الْمُبْتَدَأ فى الْمَعْنى وَقَوله
(كن لى مُفِيد ... )
لِأَن فى ضمن الْخَبَر ضمير الْمُتَكَلّم وَهُوَ أعرف المعارف وَلَو قَالَ منى كن لرجل لم يحصل بذلك فَائِدَة لخلوه من اسْم معرف وَقَوله إِن الْبيَاض يحْتَمل الرّفْع وَالنّصب فالرفع على إِضْمَار ابْتِدَاء كَأَنَّهُ قَالَ أحدثهن أَن الْبيَاض لِأَنَّهُ قد أخبر أَن ذَلِك أَيَّام شبيبته بقوله
(ليالى عِنْد الْبيض ... )
وَأما النصب فعلى إِضْمَار تمنيت لدلَالَة منى عَلَيْهِ كَمَا أَضمر نتبع فى قَوْله تَعَالَى {قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم} وَإِذا قيل إِن التمنى مِمَّا لم يثبت كالرجاء والطمع فَلَا يَقع على أَن الثَّقِيلَة لِأَنَّهَا للتحقيق فهى أشبه بِالْيَقِينِ وَإِنَّمَا يَقع التمنى وَمَا شاكله على أَن الْخَفِيفَة لِأَنَّهَا تخلص الْفِعْل للاستقبال فهى أشبه بالطمع والرجاء والتمنى من حَيْثُ تعلّقت هَذِه الْمعَانى بِمَا يتَوَقَّع وَمِنْه قَول لبيد
(تَمَنّى ابْنَتَاىَ أنْ يَعيش أبُوهما ... وهَلْ أَنا إِلَّا مِن رَبيعة أَو مُضَرْ)
قيل لَا يمْتَنع وُقُوع التمنى على أَن الثَّقِيلَة كَمَا لم يمْتَنع وُقُوع {وددت} عَلَيْهَا ووددت وتمنيت بِمَعْنى وَاحِد وفى التَّنْزِيل {وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة} الْآيَة وَيجوز أَن يكون منى مَنْصُوبَة نصب الظروف وَالْجُمْلَة الَّتِى هى كن وَأَن وَاسْمهَا وخبرها نعت لَهَا فتتعلق أَن بِمَا قبلهَا كَأَنَّهُ قَالَ فى منى كن لى أى فى جملَة منى كَمَا قَالُوا أحقا أَنَّك ذَاهِب وأكبر ظنى أَنَّك مُقيم يُرِيدُونَ فى حق وفى أكبر وَإِذا أردْت معنى الظَّرْفِيَّة فى منى فلك فى أَن مذهبان فمذهب سِيبَوَيْهٍ والأخفش والكوفيين رفع أَن بالظرف وكل اسْم حدث يتقدمه ظرف يرْتَفع عِنْد سِيبَوَيْهٍ بالظرف ارْتِفَاع الْفَاعِل وَقد مثل ذَلِك بقوله
(غَدا الرحيل ... وَالْحق أَنَّك ذَاهِب)
قَالَ حملوه على فى حق أَنَّك ذَاهِب وَإِذا كَانَ هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَمن مَعَه فالمنية تقَارب الظَّن فَيحسن أَن تَقول أكبر مناى أَنَّك ذَاهِب فتنصب أكبر بِتَقْدِير فى وَأنْشد
(أحَقًّا بَنى أبْناء سَلْمى بن جَنْدل ... تَهدُّدُكم إيَّاىَ وَسْط المَحافِلِ)
وَالْمذهب الآخر مَذْهَب الْخَلِيل وَذَلِكَ أَنه يرفع أَسمَاء الْحَدث بِالِابْتِدَاءِ ويخبر عَنهُ بالظرف الْمُتَقَدّم حَكَاهُ عَنهُ سِيبَوَيْهٍ قَالَ وَزعم الْخَلِيل أَن التهدد هُنَا بِمَنْزِلَة الرحيل فى غَدا وَأَن بِمَنْزِلَتِهِ وموضعها كموضعه
(1/188)

- الْإِعْرَاب ليالى نصب بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ منى كَأَنَّهُ قَالَ تمنيت ذَلِك ليالى فوداى عِنْد النِّسَاء فتْنَة الْغَرِيب الفودان جانبا الرَّأْس يَمِينا وَشمَالًا الْمَعْنى يَقُول تمنيت ذَلِك ليالى كَانَ شعرى عِنْد النِّسَاء فتْنَة لسواده وَحسنه وَكن يفتخرن بوصلى وَذَلِكَ الْوَصْل عندى عيب لأنى أعف عَنْهُن وأزهد فِيهِنَّ وَإِنَّمَا أَتَمَنَّى الشيب لِأَن الشَّبَاب بادرة وَقَالَ
(فَكيف أَذمّ ... . الخ ... )

3 - الْمَعْنى يَقُول كَيفَ أَذمّ الشيب وَقد كنت أشتهيه وَكَيف أَدْعُو بِمَا إِذا أجبْت إِلَيْهِ شكوته وَالْمعْنَى لَا أَشْكُو الشيب انْتِهَاء وَقد دَعوته ابْتِدَاء وَقد احتذى فى هَذَا قَول ابْن الرومى
(هىَ الأعينُ النُّجلْ الَّتِى كنتَ تَشْتكى ... مَوَاقِعَها فى الْقلب والرأسُ أسْوَدُ)

(فَمَا لكَ تأسَى الآنَ لَمَّا رأيْتَها ... وَقد جَعلتْ تَرْمى سِواك تعمَّدُ)
فَنقل نظر الْأَعْين إِلَى ذكر المشيب والشباب
(1/189)

- الْإِعْرَاب ارْتَفع اللَّوْن لِأَنَّهُ فَاعل كَمَا تَقول جلا الْقَوْم عَن مَنَازِلهمْ أى ارتحل الْقَوْم فيريد ارتحل الشَّبَاب بمجئ الشيب وَإِن شِئْت جعلت جلا بِمَعْنى كشف وَظهر وَيجوز نَصبه على أَن تجْعَل فى جلا ضميرا عَائِدًا على الشيب تَقْدِيره جلا الشيب اللَّوْن الْأسود وَقَوله
(عَن لون ... )
أى من أجل لون كَمَا تَقول رَحل الْقَوْم عَن ضيقَة أى من أجل ضيقَة الْغَرِيب انجاب انْكَشَفَ وانجابت السحابة انكشفت والضباب مَا يصعد من الأَرْض إِلَى السَّمَاء مثل الدُّخان الْوَاحِد ضَبَابَة وَالْجمع الضباب وأضب يَوْمنَا صعد فِيهِ الضباب الْمَعْنى يُرِيد أَن الشيب كَانَ كامنا فى الشَّبَاب فَلَمَّا انْكَشَفَ عَنهُ بدا أى زَالَ وانكشف وَهدى كل مَسْلَك يعْنى لون الشيب فَإِنَّهُ يهدى صَاحبه إِلَى كل مَسْلَك من الرشد وَالْخَيْر وَشبه زَوَال سَواد الشَّبَاب عَن بَيَاض المشيب بارتفاع الضباب عَن ضوء النَّهَار
5 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يتَمَنَّى الشيب والشيب فِيهِ الضعْف وَالْعجز فَذكر أَن همته وعزيمته لَا تشيب وَلَا يُدْرِكهَا الْعَجز والضعف بشيب رَأسه وَلَو كَانَت الشعرات الْبيض الَّتِى فى وَجهه حرابا وَهَذَا من أحسن الْمعَانى وتلخيص الْكَلَام أَن همتى قَوِيَّة لَا تضعف
6 - الْإِعْرَاب أعده فى مَوضِع جزم جَوَاب الشَّرْط وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهٍ فى المضاعف الرّفْع فى مَوضِع الْجَزْم وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر {لَا يضركم كيدهم شَيْئا} وَهُوَ فى مَوضِع جزم هَكَذَا فى جَوَاب الشَّرْط الْمَعْنى يُرِيد أَن كل ظفرى فقوة نفسى أعدهَا وَكَذَلِكَ نابها إِذا لم يبْق فى فمى نَاب وهما // استعارتان جيدتان //
7 - الْغَرِيب الكعاب بِفَتْح الْكَاف الْجَارِيَة حِين يَبْدُو الثدى لَهَا للنهود وَقد كعبت تكعب بِالضَّمِّ كعوبا وكعبت أَيْضا بِالتَّشْدِيدِ الْمَعْنى يَقُول إِن نفسى شَابة أبدا لَا يغيرها شئ وَإِن تغير جسمى
(1/190)

- الْمَعْنى يَقُول إِذا خفيت الطَّرِيق على أصحابى فى ليل لاستتار النُّجُوم بالسحاب كنت لَهُم نجما يَهْتَدُونَ بى يُرِيد أَنه عليم بطرق الفلوات ويروى تهتدى صحبتى بِهِ
9 - الْغَرِيب يستفزنى أى يستخفنى ويحركنى والإياب الرُّجُوع الْمَعْنى إِنَّه كل الْبِلَاد عِنْده سَوَاء فَإِذا سَافر عَن وَطن لَا يشوقه الإياب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مستغن بِالسَّفرِ عَنهُ
10 - الْإِعْرَاب جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف للْعلم بِهِ تَقْدِيره سرت وَركبت وَالْفَاء فى قَوْله ففى جَوَاب الشَّرْط الْمُقدر تَقْدِيره وَإِن لم تسَامح ففى أكوارهن الْغَرِيب الذملان والذميل ضرب من السّير وَإِذا ارْتَفع السّير عَن الْعُنُق قَلِيلا فَهُوَ التزيد وَإِذا ارْتَفع قَلِيلا فَهُوَ الذميل ثمَّ الرسيم ذمل يذمل ويذمل بِضَم الْمِيم وَكسرهَا ذميلا وذملانا الْمَعْنى يَقُول أَنا غنى عَن سير الْإِبِل فَإِن سامحت بالسير سرت عَلَيْهَا وَإِلَّا فَأَنا كالعقاب الْمَعْنى لَا حَاجَة لَهُ إِلَى أَن يحمل يُرِيد أَنى أقطع المفاوز على قدمى
11 - الْغَرِيب اليعملات النوق الَّتِى يعْمل عَلَيْهَا فى الْأَسْفَار وَلَا يُقَال فى الذُّكُور ولعاب الشَّمْس مَا يتدلى مِنْهَا فى الْحر يرَاهُ الرجل مثل الْخَيط وَالْمُسَافر يرى الشَّمْس فى الظهيرة قد دنت من رَأسه وتدلت لَهَا خيوط فَوق رَأسه قَالَ الراجز
(وذَابَ للشَّمْس لُعابٌ فَنزَلْ ... )
وَقَالَ الْكُمَيْت
(يُصَافحْن خَدّ الشَّمس كلَّ ظهيرةٍ ... إِذا الشَّمسُ فوْقَ البيد ذاب لُعابُها)
الْمَعْنى يُرِيد أَنه يعطش وَلَا يطْلب المَاء تصبرا وحزما حِين يحمى حر الشَّمْس كَقَوْلِه
(وأصْبر عَنْهَا مثل مَا تصبر الرُّبُد ... )
وَمعنى الْبَيْت من قَول الطائى
(جديرٌ أَن يَكرَّ الطرَّف شزْرا ... إِلَى بعض الموَارِد وَهْوَ صادِى)
(1/191)

- الْغَرِيب يفضى يُقَال أفْضى يُفْضِي إِذا وصل إِلَى الشئ قَالَ الله تَعَالَى {وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض} الْمَعْنى يُرِيد أَنه يكتم السِّرّ فيضعه بِحَيْثُ لَا يبلغهُ النديم وَلَا يصل إِلَيْهِ الشَّرَاب مَعَ تغلغله فى الْبدن وَمثله قَول الشَّاعِر
(تغَلغَل حُبُّ عَثْمَة فى فُؤادى ... فَبادِيه مَع الخافى يَسيرُ)

(تغَلغَل حيثُ لم يَبْلُغْ شَرابٌ ... وَلَا حُزْنٌ وَلم يبلُغْ سُرُور)

13 - الْغَرِيب الخود الْجَارِيَة الناعمة الْجمع خود مثل لدن ولدن فى الرماح وتجاب تقطع والفلاة الأَرْض المنقطعة الْبَعِيدَة عَن المَاء وَالْجمع فلوات الْمَعْنى يُرِيد أَنه يصحب الْمَرْأَة الْحَسَنَة مُدَّة يسيرَة ثمَّ يُسَافر عَنْهَا يقطع فلاة إِلَى غَيرهَا لَا إِلَيْهَا
14 - الْغَرِيب الْغرَّة الاغترار وَهُوَ مصدر والغرور والغر الذى لم يجرب الْأُمُور وَيَقَع على الْمُذكر والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد وَجَارِيَة غرَّة وغريرة بَيِّنَة الغرارة وَلَيْسَ من الدَّلال الْمَعْنى يَقُول الْعِشْق اغترار وخداع وطمع فى الْوَصْل وَيُرِيد أَن الْقلب يشتهى أَولا وتتبعه النَّفس إِذا جعلت النَّفس غير الْقلب وَإِن جعلت النَّفس هى الْقلب قلت فيصاب بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا وَالْمعْنَى أَن الْقلب يُوقع نَفسه فى الْبلَاء بتعرضه لذَلِك
15 - الْغَرِيب الغوانى جمع غانية قيل هى الَّتِى تقيم فى بَيت أَبِيهَا من غنى بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وَقيل الَّتِى غنيت بجمالها عَن التجمل بالحلى وغبره وَقيل الَّتِى غنيت بزوجها عَن غَيره وَقيل هى الشَّابَّة والرمية هى الطريدة الَّتِى ترمى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد لست مِمَّن يصبو إِلَى الغوانى واللعب بالشطرنج لِأَنَّهُ روى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة جمع رخ وَقَالَ ابْن فورجة رادا عَلَيْهِ البنان ركاب الْقدح وَأما الرخ فالبنان راكبة لَهُ فى حَال حمله وَأَيْضًا فَإِنَّهُ كلمة أَعْجَمِيَّة لم تستعملها الْعَرَب القدماء وَلَا الفصحاء والتنزه عَن شرب الْخمر أليق بالتنزه عَن الْغَزل من اللّعب بالشطرنج وَقَالَ غَيره قلبى لَا تصيبه النسوان بسيوف ألحاظهن لأنى لَا أميل إلَيْهِنَّ فإنى لست غزلا زيرا أَنا عزهاة عزوف النَّفس عَنْهُن وَلَا أحب الْخمر ومعاقرتها فبنانى لَا يركبهَا الزّجاج لأنى لَا أحمل كأس الْخمر بيدى
(1/192)

- الْغَرِيب اللعاب الملاعبة يُقَال لعب يلْعَب ملاعبة وَلَعِبًا ولعابا وَرجل تلعابة كثير اللّعب بِكَسْر التَّاء والتلعاب بِالْفَتْح الْمصدر الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد قصر نَفسه على الْجد فى طعان الْأَعْدَاء فَيَقُول
(تركنَا مَا تشتهيه النُّفُوس من الملاهى ... ولهونا بالطعن بِالرِّمَاحِ عَن كل لَذَّة)

17 - الْغَرِيب نصرفه يُرِيد القنا أى ننقله من حَال إِلَى حَال والحواذر الَّتِى تحذر الطعْن وَقيل لَا تحذر هَذِه الطعْن لِأَنَّهَا معودة هَذِه رِوَايَة ابْن جنى وَهَذَا قَوْله قَالَ الواحدى وروى على بن حَمْزَة خوادر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة كَأَنَّهَا أَصَابَهَا الخدر لما يلْحقهَا من التَّعَب والجراحات قَالَ // وَرِوَايَة ابْن جنى ضَعِيفَة // لِأَنَّهُ قَالَ فى آخر الْبَيْت قد انقصفت وَكَيف يصفها بالحذر وَقد وصفهَا بانكسار الرماح فِيهَا وروى الواحدى حوادر وَقَالَ خيل غِلَاظ سمان والكعاب والكعوب هى النواشز فى أَطْرَاف الأنابيب الْمَعْنى يُرِيد إننا ننقل القنا من حَال إِلَى حَال فَوق خيوط غِلَاظ سمان على رِوَايَة من روى بِالدَّال الْمُهْملَة أَو على خُيُول حواذر من الطعْن لِأَنَّهَا قد تعودت الطعْن وَقد تَكَسَّرَتْ الرماح فِيهَا وَمن روى بِالْخَاءِ يُرِيد قد تعبت من كَثْرَة الطعْن وَيجوز على رِوَايَة ابْن جنى أَن يكون حواذر تميل عَن الطعْن وتحذره بِكَثْرَة مَا قد طوعن عَلَيْهَا فقد عرفت كَيفَ تحيد عَن الطعْن وَقَوله قد انقصفت فِيهِنَّ من الطعْن كعاب يجوز أَن يكون فى أول مَا طوعن عَلَيْهَا وهى فى غرَّة من الطعْن فَلَمَّا كثر الطعان عَلَيْهَا وألفته صَارَت تحذره وتبطله بميلها عَنهُ وَيجوز أَن يكون تحذر الطعْن وتحيد عَنهُ وَمن كَثْرَة الفرسان الَّذين يقاتلونها يُصِيبهَا من الطعْن قَلِيل وتسلم لحذرها من طعن كثير
18 - الْغَرِيب الدنئ جمع دنيا والسابح من الْخَيل الشَّديد الجرى فَكَأَنَّهُ يسبح فى جريه الْمَعْنى أَنه جعل السرج أعز مَكَان لِأَنَّهُ يبلغ عَلَيْهِ مَا يُرِيد من لِقَاء الْمُلُوك وَمن محاربة الْأَعْدَاء ويهرب عَلَيْهِ من الضيم وَاحْتِمَال الْأَذَى فِيهِ فَيدْفَع عَن نَفسه الشَّرّ وَعَلِيهِ يصل إِلَى الْخَيْر وَأما الْكتاب فانه يقص عَلَيْهِ أنباء الماضين وَلَا يحْتَاج لَهُ إِلَى تكلّف وَلَا يحْتَاج أَن يتحفظ مِنْهُ سرا وَغَيره وَهَذَا كَقَوْل أَبى الْحسن بن عبد الْعَزِيز
(مَا تَطَعَّمْتُ لَذَّةَ العَيْشِ حَتَّى ... صِرْتُ فى وَحدتى لكُتْبى جَلِيسا)
(1/193)

- الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح وبحر خفضا عطفه على جليس أى خير جليس وَخير بَحر وَمن رَفعه عطفه على كتاب أى خير جليس الْكتاب وَهَذَا الممنوح وَقيل بل هُوَ خبر مقدم على الْمُبْتَدَأ تَقْدِيره أَبُو الْمسك الخضم بَحر الْغَرِيب الخضم الْكثير المَاء والزخر تراكب المَاء وعباب الْبَحْر شدته وقوته وَقيل تراكم أمواجه وَقيل لجته ومعظمه الْمَعْنى يُرِيد وَخير جليس أَو خير من يقْصد إِلَيْهِ أَبُو الْمسك الْبَحْر الذى أوفى على كل بَحر جودا لِأَنَّهُ بَحر خضم كثير الْعَطاء كَقَوْل بشار
(دَعانى إِلَى عُمَرٍ جُودُه ... وقَوْلُ العَشِيرَةِ بَحْرٌ خِضَمّ)

20 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ أجل من كل من يثنى عَلَيْهِ فَإِذا بولغ فى حسن الثَّنَاء عَلَيْهِ اسْتحق قدره فَوق ذَلِك فَيصير ذَلِك الثَّنَاء الْحسن كَأَنَّهُ عيب لقصوره عَن اسْتِحْقَاقه فى قدره ورتبته فَهَذَا كَقَوْل البحترى
(جَلّ عَن مَذْهب المَديح فقد كَا ... د يكون المَدِيحُ فِيهِ هِجاءَ)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا من الْمَدْح الذى كَاد أَن يَنْقَلِب لإفراطه هجوا وَهَذَا ضد قَول أَبى نواس
(وكلُّهم أثْنوا وَلم يعلمُوا ... علَيكَ عندى بالَّذى عابُوا)
وَالْبَيْت من أحسن الْمَدْح وَهُوَ نقل بَيت أبي عبَادَة البحتري
21 - الْغَرِيب عنوا خضعوا وذلوا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وعنت الْوُجُوه للحي القيوم} الْمَعْنى شبهه بِالسُّيُوفِ وأعداءه بالرقاب وَأَرَادَ أَنهم لم يَجدوا طَرِيقا إِلَى غلبته فخضعوا لَهُ وانقادوا كَمَا غالبت الرّقاب السيوف
22 - الْإِعْرَاب إِلَّا الْحَدِيد اسْتثِْنَاء مقدم كَقَوْل الْكُمَيْت
(وَمالىَ إِلَّا آلَ أحمدَ شيعةٌ ... ومالىَ إِلَّا مذهبَ الحقّ مذهَبُ)
وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ هَذَا على مَا توهمه العروضى وَلَيْسَ المصون الْحَدِيد وَإِنَّمَا انتصب على أَنه مفعول يصن على تَقْدِير مَحْذُوف وَهُوَ إِذا لم يصن الْأَبدَان ثِيَاب إِلَّا الْحَدِيد فَلَمَّا قدم الْمُسْتَثْنى نَصبه الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا لبست الْأَبْطَال الثباب فَوق الْحَدِيد خشيَة واستظهارا فَذَلِك الْوَقْت أَشد مَا يكون تبذلا لِلطَّعْنِ فَجعل الثِّيَاب تصون الْحَدِيد فَرد عَلَيْهِ العروضى وَقَالَ أَظن أَبَا الْفَتْح يَقُول قبل أَن يتدبر وَإِنَّمَا المتنبى جعل الصون للحديد لَا للثياب يُرِيد إِذا لم يصن الْأَبدَان ثِيَاب إِلَّا الْحَدِيد يعْنى الدروع وَإِنَّمَا يُرِيد النفى لِأَنَّهُ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَأَشد بَين الْكُمَيْت الذى أنشدناه وَمعنى الْبَيْت أَكثر مَا يلقى هَذَا الممدوح فى الْحَرْب باذلا نَفسه لم يحصنها بدرع كَمَا تفعل الْأَبْطَال وَذَلِكَ لشجاعته وإقدامه فَهُوَ لَا يتوقى الْحَرْب بالدرع كَقَوْل الْأَعْشَى
(وَإِذا تكونُ كَتِيبة ملْمومة ... شَهْباء يخْشَى الرّائدون نِهالها)

(كنتَ المقدَّم غيرَ لابس جُنَّة ... بالسَّيْف تضرب مُعْلِما أبطالها)
(1/194)

- الْإِعْرَاب انتصب الْأَمَام على الظّرْف وصدرا انتصب على التَّمْيِيز وَقَوله رماء مصدر راميته رماء الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أوسع مَا يكون صدر إِذا تقدم فى أول الكتيبة يضْرب بِالسَّيْفِ وَأَصْحَابه من وَرَائه بَين طَاعن ورام قَالَ ابْن فورجة جعل أَبُو الْفَتْح الرُّمَاة من أَصْحَاب الممدوح وَلَيْسَ فى هَذَا مدح لِأَن كل أحد إِذا كَانَ خَلفه من يرْمى ويطعن من أَصْحَابه فصدره وَاسع وَقَلبه مطمئن وَإِنَّمَا أَرَادَ خَلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه وَالْمعْنَى إِذا كَانَ فى مضيق الْحَرْب وَقد أحَاط بِهِ الْعَدو من كل جَانب لم يضجر وَلم يضق صَدره
24 - الْمَعْنى يُرِيد إِذا أَرَادَ أمرا يغْضب الْمُلُوك فَحِينَئِذٍ أمره أنفذ مَا يكون لطاعتهم لَهُ فَلَا يمْتَنع حكمه من النَّفاذ لأَنهم لَا يقدرُونَ على خِلَافه فأنفذ مَا يكون حكمه فِيمَا خَالف فِيهِ الْمُلُوك فَإِن قيل فَهَل يكون أمره فى وَقت أنفذ من وَقت قيل إِنَّمَا يتَبَيَّن نَفاذ الْأَمر فى هَذِه المواطن فَلذَلِك قَالَ هَذَا
25 - الْمَعْنى يُرِيد لَو لم يطعه النَّاس رَغْبَة وَرَهْبَة لأطاعوه محبَّة لما فِيهِ من الْفضل لأَنهم يطيعونه لاستحقاقه الطَّاعَة لفضله لَا لرجاء جوده وَلَا لخوف عِقَابه
(1/195)

- الْإِعْرَاب أيا أسدا هُوَ نِدَاء مُنكر ينْتَصب بِفعل مُضْمر وَلَو رفع وَنون لَكَانَ أَجود لِأَنَّهُ خصصه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(يَا مطر ... )
والنكرات إِذا خصصت كَانَ حكمهَا فى النداء كَحكم الْمُفْرد الْعلم قَالَ الله تَعَالَى {يَا جبال أوبي مَعَه} فَلَمَّا خصصها بالنداء كَانَ حكمهَا حكم الْعلم الْمُفْرد وَالطير من رَفعه جعله عطفا على الْجبَال وَمن نَصبه وَهُوَ الْمَشْهُور فَلهُ ثَلَاثَة أوجه الأول أَن يكون عطفا على مَوضِع الْجبَال لِأَنَّهَا فى مَوضِع نصب الثانى أَن يكون الْوَاو بِمَعْنى مَعَ الثَّالِث أَن يكون مَفْعُولا عطفا على مَا قبله وَهُوَ قَوْله {آتَيْنَا دَاوُد منا فضلا} وَآتَيْنَاهُ الطير وَاخْتلف البصريون وأصحابنا الْكُوفِيُّونَ فى المنادى فَقَالَ البصريون هُوَ مبْنى على الضَّم وموضعه النصب لِأَنَّهُ مفعول وَقَالَ أَصْحَابنَا بل هُوَ مُعرب مَرْفُوع بِغَيْر تَنْوِين وَحجَّتنَا أَنا وَجَدْنَاهُ لَا يَصْحَبهُ ناصب وَلَا رَافع وَلَا خافض ووجدناه مَفْعُولا فى الْمَعْنى وَلم نخفضه لِئَلَّا يشْتَبه بالمضاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَلم ننصبه لِئَلَّا يشبه مَا لَا ينْصَرف فرفعناه بِغَيْر تَنْوِين ليَكُون بَينه وَبَين مَا هُوَ مَرْفُوع برافع صَحِيح فرق وَأما الْمُضَاف فنصبناه لأَنا وجدنَا أَكثر الْكَلَام مَنْصُوبًا فحملناه على وَجه من النصب لِأَنَّهُ أَكثر اسْتِعْمَالا من غَيره وَحجَّة الْبَصرِيين على أَنه لَيْسَ بمعرب بل هُوَ مبْنى وَإِن كَانَ يجب فى الأَصْل أَن يكون معربا أَنه أشبه كَاف الْخطاب وهى مَبْنِيَّة فَكَذَلِك مَا أشبههَا من هَذِه الْأَوْجه فَوَجَبَ أَن يكون مَبْنِيا وَوجه آخر وَهُوَ أَنه وَقع موقع اسْم الْخطاب لِأَن الأَصْل فى قَوْلك يَا زيد يَا إياك وَيَا أَنْت لِأَن منادى لما كَانَ مُخَاطبا كَانَ ينبغى أَن يسْتَغْنى عَن ذكر اسْمه وَيُؤْتى باسم الْخطاب فَيَقُول يَا إياك وَيَا أَنْت فَلَمَّا وَقع الِاسْم المنادى موقع الْخطاب وَجب أَن يكون مَبْنِيا كَمَا أَن اسْم الْخطاب مبْنى قَالُوا وبنيناه على الضَّم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه لَا يخلوا إِمَّا أَن يبنئ على الْفَتْح أَو الْكسر أَو الضَّم بَطل أَن يبْنى على الْفَتْح لِأَنَّهُ كَانَ يلتبس بِمَا لَا ينْصَرف وَبَطل أَن يبْنى على الْكسر لِأَنَّهُ كَانَ يلتبس بالمضاف إِلَى النَّفس وَإِذا بَطل أَن يبْنى على الْفَتْح وَالْكَسْر وَجب أَن يبْنى على الضَّم وَالْوَجْه الآخر أَنه يبْنى على الضَّم فرقا بَينه وَبَين الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُضَافا إِلَى النَّفس كَانَ مكسورا وَإِن كَانَ مُضَافا إِلَى غَيرهَا كَانَ مَنْصُوبًا فَبنى على الضَّم لِئَلَّا يلتبس بالمضاف وَقُلْنَا إِنَّه مفعول لِأَنَّهُ فى مَوضِع نصب لِأَن تَقْدِير يَا زيد أَدْعُو زيدا وأنادى زيدا فَلَمَّا قَامَت يَا مقَام أدعوا عملت عمله فدلت على أَنَّهَا قَامَت مقَامه من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنَّهَا تدْخلهَا الإمالة نَحْو يَا زيد والإمالة لَا تدخل الْحُرُوف وَإِنَّمَا تدخل الِاسْم وَالْفِعْل والثانى أَن لَام الْجَرّ تعلق بهَا نَحْو يَا لزيد وَيَا لعَمْرو فَإِن هَذِه اللَّام لَام الاستغاثة وهى حرف جر فَلَو لم تكن قد قَامَت مقَام الْفِعْل لما جَازَ أَن يتَعَلَّق بهَا حرف الْجَرّ لِأَن الْحَرْف لَا يتَعَلَّق بالحرف وَقَوله {أرواحهن كلاب} يُرِيد أَرْوَاح كلاب فَحذف الْمُضَاف الْغَرِيب الضيغم من أَسمَاء الْأسد وأصل الضيغم العض وضغمه عضه الْمَعْنى يَقُول أَنْت أَسد وهمتك همة الْأسود والأسد يُوصف بعلو الهمة لِأَنَّهُ لَا يَأْكُل إِلَّا من فريسته وَلَا يَأْكُل مِمَّا افترس غَيره وَقد قَالَ الشَّاعِر
(وكانُوا كأنْفِ اللَّيْث لَا مَاشَمّ مرَعما ... وَلَا نَالَ قطُّ الصَّيدَ حَتَّى يُعفِّرا)
يعْنى أَنه لَا يطعم إِلَّا مَا صَاده بِنَفسِهِ وَقَوله
(وَكم أَسد أرواحهن ... )
يُرِيد كم من أَسد خَبِيث دنئ النَّفس وَأَنت أَسد من كل الْوُجُوه لِأَنَّك رفيع الهمة طيب النَّفس شُجَاع وَهَذَا مثل ضربه لسَائِر الْمُلُوك وَأَنت أَعلَى الْمُلُوك همتك عالية كهمة الْأسود
(1/196)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر لَا يقدر على أَن ينقصهُ حَقه لِأَنَّهُ يغلبه وَيحكم عَلَيْهِ وَمثل هَذَا الممدوح يهاب وَيُعْطى حَقه قَالَ
(لنا عِنْد هَذَا الدَّهْر ... . الخ ... )

28 - الْغَرِيب يلطه يجحده ويمطله وَأَصله لططت حَقه إِذا جحدته وَقَالُوا فِيهِ تلطيت لأَنهم كَرهُوا فِيهِ اجْتِمَاع ثَلَاث طا آتٍ فأبدوا من الطَّاء الْأَخِيرَة يَاء كَمَا قَالُوا من اللعاع وألطه على أى أَعَانَهُ أَو حمله على أَن يلط حقى يُقَال مَالك تعينه على لططه الْمَعْنى يَقُول لنا عِنْد هَذَا الزَّمَان حق يدافعنا ويمطلنا وَلَا يَقْضِيه وَقد طَال العتاب مَعَه فَلم يعتب وَلم يرض بِقَضَاء الْحق
29 - الْغَرِيب الشيمة الْعَادة واليباب الخراب الذى لَيْسَ بِهِ أحد وَأنْشد أَبُو زيد
(قد أصبحَتْ وحوْضُها يَبابُ ... كأنَّها ليسَ لهاَ أرْبابُ)
الْمَعْنى يَقُول إِن الْأَيَّام قد تتْرك عَادَتهَا عنْدك من قصد ذوى الفضول لحصولهم فى ذِمَّتك وجوارك والأوقاف تصير لَهُم عامرة بمطلوبهم عنْدك وَالْمعْنَى إِن أظفرتنى الْأَيَّام بمطلوبى عنْدك فَلَا عجب فَإِن الْأَيَّام تحدث عَادَة غير عَادَتهَا خوفًا مِنْك وهيبة فَلَا تقصد الْأَيَّام عنْدك مساءتى
30 - الْغَرِيب القراب قرَاب السَّيْف والسكين وَهُوَ الغشاء الذى يكون فِيهِ الْمَعْنى يَقُول أَنْت الْملك وَالْملك سَوَاء فَحَيْثُ كنت فَأَنت ملك لِأَن نَفسك تعلو همتها فتقضى بتملكك وَالْملك زِيَادَة بعد ذكرنَا لَك وَجعله كالنصل وَالْملك لَهُ كالقراب يُرِيد قد تغشاك وضمك الْملك
(1/197)

- الْغَرِيب الشوب الْخَلْط شبت الشئ أشوبه فَهُوَ مشوب أَي مخلوط الْمَعْنى يَقُول عينى قريرة بقربى مِنْك لحُصُول مرادى وَإِن كَانَ هَذَا الْقرب مخلوطا بالبعاد عَن الأحباب والأوطان
32 - الْمَعْنى يَقُول لَا ينفعنى وصولى إِلَيْك غير مُمْتَنع من الحجابة والذى أؤمله مِنْك مَحْجُوب عَنى وَهَذَا كُله يَقْتَضِيهِ بالعطاء
33 - الْإِعْرَاب انتصب حب لِأَنَّهُ مفعول لَهُ وَهُوَ مصدر كَأَنَّهُ يَقُول الْحبّ مَا خف أى لإيثارى التَّخْفِيف وروى يكون بِالنّصب وَالرَّفْع فالنصب على إِعْمَال كى وَالرَّفْع على ترك إعمالها وَمن نصب فقد أعمل كَقِرَاءَة الْحَرَمَيْنِ وَعَاصِم وَابْن عَامر {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة والكسائى بِرَفْع يكون جعلوها المخففة من الثَّقِيلَة وَدخلت لَا بَينهمَا وَبَين الْفِعْل عوضا الْمَعْنى إنى أقل السَّلَام وآخذ مَا خف أى مَا يحب وأسكت حى لَا أكلفكم جَوَابا أى حَتَّى لَا تحتاجون إِلَى الْإِجَابَة وَيُقَال جاوبته جَوَابا وَإجَابَة وجيبة ومجوبة
34 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يتَرَدَّد فى نفسى حاجات لَا أذكرها وَأَنت فطن ففطنتك تدلك عَلَيْهَا وسكوتى عَنْهَا يقوم مقَام الْبَيَان عَنْهَا كَمَا قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت
(أأذكُرُ حاجتى أم قد كَفانى ... حياؤك إنَّ شِيمتَك الحَياءُ)

(إِذا أثْنى عليْكَ المرْءُ يَوْما ... كَفاهُ مِنْ تعرُّضه الثَّناءُ)
وكقول أَبى بكر الخوارزمى 1
(وَإِذا طلبت إِلَى كرِيمٍ حاجَةً ... فلِقاؤُه يَكْفِيكَ والتَّسْلِيمُ)

(فَإِذا رآك مُسَلِّما عَرَف الَّذى ... حَمَّلته فكأنَّه مَلْزوم)
وَقَالَ حبيب
(وَإِذا الجُودُ كَانَ عَوْنى على المَرْ ... ءِ تقاضَيته بترْكِ التَّقاضى)
(1/198)

- الْغَرِيب الرِّشْوَة بِضَم الرَّاء وَكسرهَا 1 وَهِي مَا يوخذ على حكم معِين وَجَمعهَا رشا ورشا ورشاه رشوا وارتشى أَخذ الرِّشْوَة واسترشى طلب الرِّشْوَة وهى سَبَب لِأَن الأَصْل الرشاء وَهُوَ الْحَبل لِأَنَّهَا سَبَب يتَعَلَّق بِهِ ويلتزم بِهِ عِنْد الْآخِذ لَهَا الْمَعْنى أَنه استدرك على نَفسه هَذَا العتاب فَقَالَ مَا أطلب مِنْك رشوة على حبى لَك لِأَن الْحبّ الذى يطْلب عَلَيْهِ ثَوَاب ضَعِيف ثمَّ ذكر فى الْبَيْت الذى بعده مَا أَزَال بِهِ عَنهُ الظنة وَذكر سَبَب طلبه
36 - الْمَعْنى يُرِيد لم أطلب مَا طلبت إِلَّا أَنى أُرِيد أَن أذلّ عواذ لى اللاتى عذلننى فِيك وفى قصدى إِلَيْك أننى كنت مصيبا وَأَنَّك تحسن إِلَى وتقضى حق زيارتى
37 - الْمَعْنى وَأَرَدْت أَن أعلم قوما طلبُوا مُلُوك الشرق وغربت أَنا فى قصدك طلبت الغرب إِلَيْك أَنى قد ظَفرت وَبَلغت آمالى مِنْك وَقد خابوا بقصدهم سواك وَهَذَا من قَول البحترى
(وأشْهَدُ أنِّى فى اختياريك دونهمْ ... مُؤدِّى إِلَى حَظِّى ومتَّبع رُشْدى)

38 - الْمَعْنى يَقُول الْخلف جَار فى كل شئ إِلَّا فى انفرادك عَن الأقران والأشكال أَنَّك أَسد والملوك ذئاب وَهَذَا من قَول الطائى
(لَوْ أنَّ إجماعَنا فى فَضْلِ سُؤْدُده ... فى الدّين لم يَخْتَلِف فى المِلَّة اثْنان)
وَقَالَ البحترى
(وأرَى النَّاسَ مُجْمِعِينَ عَلى فَضْلكَ ... مِنْ بينِ سَيِّدٍ وَمَسُودِ)

39 - الْمَعْنى يَقُول إِذا قَالَ الْقَارئ والملوك ذئاب مَا أَخطَأ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى وهم كَذَلِك يُرِيد جرى الْخلف إِلَّا فى انفرادك وَأَنَّك إِن قويست بغيرك من الْمُلُوك حَتَّى لَو صحف الْقَارئ مَا وصفت بِهِ الْمُلُوك وَهُوَ أَنهم عنْدك كالذئاب عِنْد الْأسد فَقَالَ ذُبَاب لم يُخطئ فى تصحيفه لِأَن الْأَمر كَذَلِك
(1/199)

- الْإِعْرَاب كَذَّاب مصدر قَالَ الشَّاعِر
(فصدقتُها وكذبتُها ... والمَرْءُ يَنفَعُهُ كذابه)
وَقَرَأَ الكسائى {لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا} بِالتَّخْفِيفِ وَهُوَ مصدر كَقَوْلِك قَاتل قتالا يُقَال كذب كذبا وكذبا فَهُوَ كَاذِب وَكَذَلِكَ كَذَّاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة مثل همزَة وكذبذب مخفف وَقد يشدد قَالَ جريبة بن الأشيم
(وَإِذا سمِعْتَ بأننى قد بِعْتكُمْ ... بوِصالِ غانية فَقل كذُّبْذُبُ)
وَالْكذب جمع كَاذِب مثل رَاكِع وَركع وَالْكذب جمع كذوب مثل صبور وصبر وَقَرَأَ الْحُسَيْن {وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب} فَجعله نعتا للألسنة الْمَعْنى يَقُول النَّاس يمدحون بِمَا هُوَ حق وباطل ومدحك حق لَيْسَ فِيهِ كذب بل هُوَ حق لَا يشوبه بَاطِل وَهَذَا كَقَوْل حبيب
(لما كَرُمْتَ نَطَقْتُ فِيكَ بمَنْطِقٍ ... حَقّ فَلَمْ آثَمْ وَلمْ أتَحَوّبِ)

(وَإِذا مدحتُ سِواكَ كنتُ مَتى يَضِقْ ... عَنَّى لَهُ صِدْقُ المَقالَةِ أكْذِبِ)

41 - الْمَعْنى يُرِيد إِذا كَانَ لى مِنْك الْمحبَّة فَالْمَال هَين لَيْسَ بشئ الْمحبَّة الأَصْل وكل مَا على وَجه الأَرْض فأصلحه مِنْهَا يعْنى من التُّرَاب وَيصير إِلَى التُّرَاب
42 - الْغَرِيب المُهَاجر هُوَ الذى يهجر منزله وعشريته وَمِنْه الْمُهَاجِرُونَ هجروا أهلهم وعشائرهم وَهَاجرُوا إِلَى الله وَرَسُوله قَالَ تَعَالَى {وَمن يخرج من بَيته مهَاجر إِلَى الله وَرَسُوله} وصحاب جمع صحب كأهب وإهاب الْمَعْنى لَوْلَا أَنْت لَكَانَ كل بلد بلدى وكل أهل أهلى وَلَوْلَا أَنْت لم أقِم بِمصْر فَإِن جَمِيع النَّاس والبلاد فى حقى سَوَاء
(1/200)

- الْإِعْرَاب حَبِيبَة مُبْتَدأ وَالْجَار وَالْمَجْرُور الْمُقدم عَلَيْهِ خَبره وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هى لى حَبِيبَة الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك السُّلْطَان وَالسُّلْطَان هُوَ الدُّنْيَا يُرِيد أَنْت جَمِيع الدُّنْيَا فَإِن ذهبت عَنْك عدت إِلَيْك فَإِن الحى لابد لَهُ من الدُّنْيَا
(1/201)

- 1 - الْغَرِيب الجرذ الذّكر من الفأر والمستغير الذى يطْلب الْغَارة على مَا فى الْبيُوت الْمَعْنى يَقُول لقد أصبح هَذَا الجرذ الذى كَانَ يُغير على مَا فى الْبيُوت من المطعوم وَغَيره قد أسرته المنايا وصرعه العطب والهلاك
2 - الْغَرِيب تلاه صرعاه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا أسلما وتله للجبين} الْمَعْنى يُرِيد أَن هذَيْن الرجلَيْن صاداه وقتلاه وهما من عَامر بن لؤى وَالْآخر من بنى كنَانَة فعلا بِهِ كَمَا تفعل الْعَرَب بالقتيل
3 - الْإِعْرَاب ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن كلا وكلتا فيهمَا تَثْنِيَة لفظية ومعنوية فَأصل كلا كل فخففت اللَّام وزيدت الْألف للتثنية وزيدت التَّاء فى كلتا للتأنيث وَالْألف فيهمَا كالألف فى قَوْلك الزيدان وحذفت نون التَّثْنِيَة مِنْهُمَا للزومهما الْإِضَافَة وَذهب البصريون إِلَى أَن فيهمَا إفرادا لفظيا وتثنية معنوية وَالْألف فيهمَا كألف رَحا وعصا وَحجَّتنَا النَّقْل وَالْقِيَاس فالنقل قَول الشَّاعِر
(فى كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلامى واحده ... كِلْتاهُما مَقْرونة بزائده)
فإفراده كلت يدل على أَن كلتا تَثْنِيَة وَالْقِيَاس أَنَّهَا تنْقَلب إِلَى الْيَاء جرا ونصبا إِذا أضيفت إِلَى الْمُضمر نَحْو رَأَيْت الرجلَيْن كليهمَا وَرَأَيْت الْمَرْأَتَيْنِ كلتيهما ومررت بكلتيهما فَلَو كَانَت الْألف فى آخرهَا كألف عَصا ورحا لم تنْقَلب كَمَا لم تنْقَلب ألفاهما نَحْو رَأَيْت عصاهما ومررت برحاهما فَلَمَّا انقلبت الْألف فيهمَا انقلاب ألف الزيدان دلّ على أَن تثنيتهما لفظية ومعنوية وَحجَّة الْبَصرِيين أَنَّهَا تَارَة يرد إِلَيْهَا مُفردا حملا على اللَّفْظ وَتارَة مثنى حملا على الْمَعْنى فَرد الضَّمِير مُفردا قَوْله تَعَالَى {كلتا الجنتين آتت أكلهَا} وَقَالَ الشَّاعِر
(كِلا أخَوَيْنا ذُو رِجالٍ كَأَنَّهُمْ ... أسُودُ الشَّرى من كلّ أغلب ضَيغمِ)
فَقَالَ ذُو بِالْإِفْرَادِ حملا على اللَّفْظ وَقَالَ الآخر
(كلا يومَى أُمامَة يوْم صدّ ... وإنْ لَمْ نَأْتِها إِلَّا لِمَاما)
فَقَالَ يَوْم بِالْإِفْرَادِ وَأما رد الضَّمِير مثنى حملا على الْمَعْنى فكقول الشَّاعِر
(كِلاهما حينَ جدّ الجرىُ بَينهمَا ... قدْ أقْلَعا وكِلا أنْفيهما رَابِى)
فَقَالَ فقد أقلعا حملا على الْمَعْنى وَقَالُوا الدَّلِيل على أَن فيهمَا إفرادا لفظيا أَنَّك تضيفهما إِلَى التَّثْنِيَة فَتَقول جاءنى كل أخويك وَرَأَيْت كليهمَا وَكَذَلِكَ حكم كلتا فى الْمُضمر والمظهر فَلَو كَانَت التتثنية فيهمَا لفطية لما جَازَ إضافتهما إِلَى التَّثْنِيَة لِأَن الشئ لَا يُضَاف إِلَى نَفسه وَيدل على أَن الْألف لَا تكون فيهمَا للتثنية أَنَّهَا تمال فى قِرَاءَة حَمْزَة والكسائى وَقد اسْتَوْفَيْنَا هَذَا بأبسط مِنْهُ فى كتَابنَا الموسوم بتزهة الْعين فى اخْتِلَاف المذهبين الْمَعْنى يَقُول كِلَاهُمَا تولى قَتله يُرِيد اشتركتما فى قَتله فأيكما انْفَرد بسلبه وَهُوَ أَن الْمَقْتُول إِذا قتل كَانَ سلبه لقاتله وَمِنْه فى // الحَدِيث الصَّحِيح // " من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه " وحره جيده وغل من الْغلُول وهى الْخِيَانَة فى الْمَغَانِم وَهَذَا كُله يَقُوله استهزاء بهما
(1/202)

- وَهَذَا كُله من بَاب الضحك عَلَيْهِمَا والاستهزاء
(1/203)

- 1 - هَذَا الْوَزْن يُسمى المجتث وَهُوَ مستفعلن فاعلاتن ثمَّ يجوز فى زحافه مفاعلن فعلاتن الْغَرِيب ضبة اسْم الرجل المهجى يجوز أَن يكون اشتقاقه من الضبة وهى الطلعة قبل أَن تنفتح أَو من ضبة الْحَدِيد أَو يكون سمى بانثى الضَّب أَو من ضَب لثته إِذا سَالَ لعابه والطرطبة القصيرة الضخمة وَقيل المسترخية الثديين وَقيل هى الطَّوِيلَة الثدى قَالَ الشَّاعِر
(ليستْ بقتانة سَبَهْللة ... وَلَا بطُرْطُبَّة لَهَا هُلْبُ)
الْمَعْنى يُرِيد فى قصَّة هَذَا الرجل أَن قوما من الْعَرَب قتلوا أَبَاهُ يزِيد ونكحوا أمه وَكَانَ ضبة غدارا بِكُل من نزل بِهِ واجتاز أَبُو الطّيب بِهِ فَامْتنعَ مِنْهُ بحصن لَهُ وَكَانَ يُجَاهر بشتمه وَشتم من مَعَه وَأَرَادُوا أَن يُجِيبُوهُ بألفاظه القبيحة وسألوا ذَلِك أَبَا الطّيب فتكلفه لَهُم على كَرَاهِيَة مِنْهُ وَمعنى لم ينصفوه إِذْ فعلوا بِأَبِيهِ وَأمه مَا فعلوا
2 - الْغَرِيب البوك روى ابْن جنى باكوا بِالْبَاء يُقَال باك الْحمار الأتان يبوكها بوكا إِذا نزا عَلَيْهَا
3 - الْمَعْنى أَنه جعلهم كالحمير فى غشيانها بفحش وَالْغَلَبَة هى المغالبة وَمِنْه قَول الراعى ة
(أخَذُوا المخاضَ مِن القِلاص غُلَبَّةً ... منَّا وتُكْتَبُ للأمِير أفِيلا)
(1/204)

- الْمَعْنى يُرِيد لَا فَخر لَهُ بِأَبِيهِ وَلَا يرغب بِأُمِّهِ أَيْضا عَمَّا فعل بهَا من قَوْلهم أَنا أَرغب عَن هَذَا وَيَقُول مَا قلت مَا أنصف الْقَوْم ضبة إِلَّا رَحْمَة لَا محبَّة لَهُ
5 - الْغَرِيب تيبه تشعر وَهُوَ من قَوْلهم مَا وبهت لَهُ أى مَا لبيته وَلَا شَعرت بِهِ على لُغَة من قَالَ تيجل وتيجع وروى الخوارزمى لَو كنت تنبه أى تستيقظ
8 - الْمَعْنى يُرِيد بقوله هَذَا الِاسْتِهْزَاء والاستهجال أى لَا يلزمك من قتل أَبِيك عَار وَإِنَّمَا هى ضَرْبَة وَقعت بِرَأْسِهِ فَمَاتَ والغدر سبة تسب بِهِ فَمَا عَلَيْك مِنْهُ
9 - الْإِعْرَاب أَن يكون فى مَوضِع رفع
11 - الْغَرِيب العجان بِكَسْر الْعين مَا بَين الخصية والفقحة والعجن ورم يُصِيب النَّاقة بَين حيائها ودبرها الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا عَجُوز كَبِيرَة مَهْزُولَة وَلَا لحم عَلَيْهَا تصيب بعجانها مَتَاع من أَتَاهَا فهى تضر بِذكر الرجل والزب من أَسمَاء الذّكر
(1/205)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه سمح القياد لمن رواده فَهُوَ لين الرّكْبَة للبروك عَلَيْهَا
15 - الْغَرِيب الجعبة إِنَاء تجْعَل فِيهِ السِّهَام الْمَعْنى يُرِيد بالفعول كِنَايَة عَن الَّذِي يَفْعَلُونَ بهَا فَجَعلهَا تصونهم وتجمعهم كَمَا تضم الجعبة السِّهَام
16 - الْغَرِيب الهلوك هى الْفَاجِرَة البغى الْمَعْنى يَقُول الَّذين يَفْعَلُونَ بهَا كالأطبة وَمن كَانَ بِهِ دَاء فَلَيْسَ عَلَيْهِ عَار من لِقَاء الأطبة لأَنهم يداوونه وَلَيْسَ بَين القحبة الْفَاجِرَة وَبَين الْحرَّة المخطوبة إِلَى أَهلهَا إِلَّا الْخطْبَة يُرِيد الاستحلال بهَا
18 - الْغَرِيب الضيح لبن يمزج بِالْمَاءِ وَيُقَال فِيهِ أَيْضا الضياح قَالَ الراجز
(امتحضَا وسَقَيانى الضَّيْحا ... وَقد كَفَيتُ صاحبَىَّ المَيْحا 2)
وضيحت اللَّبن تضييحا مزجته حَتَّى صَار ضيحا وضيحت الرجل سقيته الضيح والعلبة قدح من جُلُود يشرب فِيهِ وَيُسمى المحلب وَجمعه علب وعلاب والمعلب الذى يتَّخذ العلبة قَالَ الْكُمَيْت يصف خيلا
(سقَتنا دماءَ القوْم طوْراً وَتارَة ... صَبوحا لهُ آقْتارَ الجُلود المعلِّبُ)
يُقَال اقتار واقتور وقور إِذا قطع العلبة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَنه إِذا نزل بِهِ ضيف ضَعِيف قَتله وَأخذ مَا مَعَه قَالَ ابْن فورجة لَو كَانَ المُرَاد أَخذ مَا مَعَه لسلبه دون أَن يقْتله وَلَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل على أَنه يَأْخُذ مَا مَعَه وَالْمعْنَى أَنه بخيل يقتل الضَّعِيف الْقَلِيل الْمُؤْنَة لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى قراه قَالَ الواحدى وعَلى هَذَا مَا قَالَه ابْن فورجة لِأَنَّهُ يصفه بالغدر يُرِيد أَنه يقتل ضيفا يشبعه قَلِيل ضيح فى علبة لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى سقيه ذَلِك الْقدر وَقَالَ الْخَطِيب يَقُول إِنَّك تقتل الضيوف وَلم يزودوا مِنْك إِلَّا ذَلِك الْقدر الْيَسِير من الضيح فَكيف لَو احتفلت لَهُم
(1/206)

- الْإِعْرَاب وَخَوف كل رَفِيق هُوَ عطف على قَوْله يَا قَائِلا أى وَيَا خوف كل رَفِيق الْغَرِيب يُقَال بَات يفعل كَذَا إِذا فعله لَيْلًا وظل يفعل كَذَا إِذا فعله نَهَارا وأباتك الله بِخَير الْمَعْنى يَقُول وَأَنت خوف كل رَفِيق جَاءَ بِهِ اللَّيْل إِلَى بَيْتك فَأَنت تقتله غدرا بِهِ وبخلا أَن يَأْكُل من ضيحك
20 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك طبعت على الْغدر فَمَا هُوَ شئ تكلفه
22 - الْغَرِيب السربة هى الْقطعَة من الْخَيل والظباء وحمر الْوَحْش قَالَ ذُو الرمة
(سِوَى مَا أصابَ الذئبُ مِنْهُ وسُرْبة ... أطافَتْ بِهِ مِن أمُهَّات الجوازل)
الجوازل فراخ الْحمام وَيُقَال فلَان بعيد السربة أى الْمَذْهَب قَالَ الشنفرى
(غَدَوْنا من الوادى الذى بَين مشْعَلٍ ... وَبَين الجبا 1 هَيْهَات أنْسأتُ سُرْبَتى)

- 23 - الْغَرِيب السنبة الْقطعَة من الزَّمَان يُقَال مَا رَأَيْته مُنْذُ سنبة أى مُنْذُ زمن وَقَوله فعولها كِنَايَة عَن غرمولها
(1/207)

- الْغَرِيب الأحيراح تَصْغِير أحراح وَهُوَ جمع حر وَأَصله حرح
25 - الْغَرِيب الغرمول الأير من الْإِنْسَان وَغَيره والقنب وعَاء الْقَضِيب من ذَوَات الْحَافِر والقنب جماعات من النَّاس والمقنب مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين من الْخَيل والمقنب شئ يكون مَعَ الصَّائِد يَجْعَل فِيهِ مَا يصيده
26 - الْإِعْرَاب ضَب ترخيم بِسُقُوط آخِره وَهَذَا جَائِز عندنَا وَعند الْبَصرِيين لِأَنَّهُ اسْم على أَرْبَعَة أحرف لِأَن الْبَاء الَّتِى فِيهِ مُشَدّدَة واختلفنا نَحن وهم على ترخيم الِاسْم الثلاثى المتحرك الْوسط وَسَنذكر الِاخْتِلَاف وَحجَّتنَا وحجتهم عِنْد قَول أَبى الطّيب فى مدح عَمْرو بن سُلَيْمَان فى حرف الْمِيم فى القصيدة الَّتِى أَولهَا
(نرَى عُظْما بالصدّ والبَينُ أعظَمُ ... )
الْغَرِيب الْعجب الْإِعْجَاب وَكَذَلِكَ العجاب والأعجوبة وَعجب عاجب توكيد كَقَوْلِهِم ليل لَا ئل وأعجبنى الشئ وَقد أعجب فلَان بِنَفسِهِ فَهُوَ معجب بِرَأْيهِ وَالِاسْم الْعجب بِالضَّمِّ وَقيل جمع عَجِيب عجائب مثل أفيل وأفائل وأعاجيب جمع أعجوبة مثل أحدوثة وَأَحَادِيث يُرِيد أَيْن ذهب عجبك وإعجابك لِأَنَّهُ كَانَ لَا يفارقك
27 - قَالَ الواحدى إِن خانك الْعجب فكثير من المعجبين بِأَنْفسِهِم لم يبْق مَعَهم الْعجب وأذلهم الزَّمَان وروى ابْن جنى وَإِن يجبك من الْإِجَابَة قَالَ ابْن فورجة صحف فى الرِّوَايَة لما رأى فسل ظن أَن الذى يتعقبه يجبك
29 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى فِيهِ وفى عَنهُ راجعان إِلَى الْعجب الْمَعْنى يُرِيد كَيفَ تُرِيدُ الْعجب وَقد علمت شؤمه وَكنت كالذباب يقتل وَقَالَ ابْن جنى يُرِيد بقيت بِلَا قلب قَالَ ابْن فورجة ظن أَن الْهَاء فى قَوْله عَنهُ رَاجِعَة إِلَى الْقلب وَذَلِكَ // بَاطِل // وَالْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْعجب
(1/208)

- الْمَعْنى إِذا رحلنا عَنْك عاودك الْعجب وحملت السِّلَاح وَهَذَا مثل قَوْله
(وَإِذا مَا خَلا الجَبانُ بأرْضٍ ... طلَبَ الطَّعن وَحدَه والنِّزالا)

32 - الْغَرِيب الجرد من الْخَيل الَّتِى لَا شعر على جَسدهَا والشطبة الطَّوِيلَة وَمِنْه جَارِيَة شطبة أى طَوِيلَة وأصل الشطبة السعفة الخضراء الرّطبَة
35 - قَالَ أَبُو الْفَتْح الْمَعْنى يَقُول أَنْت مَعَ مَا أوضحته من هجائك غير عَارِف بِهِ لجهلك فَإِذا عرفت أَنه هجاء زَالَت عَنْك كربَة لمعرفتك إِيَّاه قَالَ الواحدى هَذَا كَلَام من لم يعرف معنى الْبَيْت وَلَيْسَ المُرَاد مَا ذكره وَلكنه يَقُول مرادى أَن أذكر مَا فِيك من الْبُخْل والغدر بالضيف فَإِن عرفت مرادى سررت بِمَا قلته لِأَنَّهُ لَا يقصدك أحد بعد مَا بيّنت من صفاتك بسؤال وَلَا طلب قرى
36 - الْمَعْنى يَقُول الْجَهْل يحكم عَلَيْك وَهُوَ أليق بك
(1/209)

- 1 - الْمَعْنى يَقُول هَذَا الذى أثر فى قلبه من الْمُصِيبَة هُوَ آخر مَا يعزى بِهِ وَهَذَا لفظ مَعْنَاهُ الدُّعَاء وَلَفظه الْخَبَر وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يُصِيبهُ بعد هَذَا مصاب
2 - الْإِعْرَاب جزعا مصدر وَتَقْدِيره لم يجزع جزعا وَقيل هُوَ مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ أثر فى قلبه تَقْدِيره لم يُؤثر جزعا وَالْأنف الحمية الْمَعْنى يَقُول لم يُؤثر هَذَا الْمُصَاب فى قلبه وَإِنَّمَا دخله الأنفة من أجل أَن قدر الدَّهْر على اغتصابه واستباحة حريمه
3 - الْمَعْنى يَقُول لَو علمت الدُّنْيَا بِمَا عِنْده من الْفضل لأخذها الْحيَاء من عَتبه عَلَيْهَا ولكفت عَنهُ أذاها وَقَالَ الْخَطِيب لَعَلَّ الْأَيَّام لم تعلم من غَابَ عَن حَضرته من أَهله وأسرته وَلَو علمت لما عرضت لشئ من أَسبَابه فَلهَذَا قَالَ فى الْبَيْت الذى بعده
(لَعَلَّهَا تحسب ... )

4 - الْمَعْنى هَذِه المتوفاة هى عمته توفيت على الْبعد مِنْهُ فَلَعَلَّ الْأَيَّام ظنت أَن كل من لم يكن عِنْده من عشيرته وَقَومه لَيْسَ من حزبه أى أَهله فَلذَلِك أخذت هَذِه
5 - الْغَرِيب الذرى الْكَهْف والكنف والعضب السَّيْف وبغداد فِيهَا لُغَات بِالدَّال الْمُهْملَة فى الأول وفى الآخر الإعجام وبالمهملتين وبالمعجمتين وبالنون فى الآخر الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَيَّام لَعَلَّهَا ظنت أَن عَمَّتك لما كَانَت فى بَغْدَاد وَلم تكن فى حضرتك لم تكن فى كنف سَيْفك وَمِمَّنْ يحميه سَيْفك فَلذَلِك تعرضت لَهَا
6 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى صلبه رَاجع إِلَى الْمَرْء الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ الْأَيَّام ظنت أَن هَذِه المتوفاة لما لم تكن عنْدك فى بلدك لم تكن من صلب جدك فَلهَذَا اجترأت عَلَيْهَا الْمنية وظنت أَنه لَا نِسْبَة بَيْنكُمَا فَلهَذَا أقدمت عَلَيْهَا وظنت أَن أَقَاربه الَّذين يساكنونك فى الوطن هم عشائره وَأَن من بعد عَن وَطنه لَا يكون من عشريته وأسرته وَمن روى بِالْحَاء فَالْمَعْنى أَن حريمه وَطنه فَمن لم يكن مستوطنا مَعَه لم يكن من عشيرته
(1/210)

- الْغَرِيب أجفل الْقَوْم أَسْرعُوا والجافل المنزعج وَجَاءُوا بأجفلهم وأزفلتهم أى بجماعتهم الْمَعْنى يَقُول لَو فطن أعداؤه أَن الْأَيَّام تتجنب من قرب دَاره لأسرعوا من شدَّة خوفهم إِلَى قربه ليحصلوا فى ذمَّته ويشتملوا بعزته وسعادته ويحصلوا فى حَضرته طلبا للسلامة من الْأَيَّام
8 - الْمَعْنى يَقُول لابد للْإنْسَان من اضطجاع فى الْقَبْر يبْقى بِتِلْكَ الضجعة إِلَى يَوْم الْبَعْث لَا يقلبه ذَلِك الِاضْطِجَاع
9 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى بهَا رَاجع إِلَى الضجعة وَمَا أذاق عطف على الضَّمِير فى بهَا وَيجوز أَن يكون عطفا على مَا كَانَ فَيكون فى مَوضِع نصب الْمَعْنى يَقُول إِذا نزل فى الْقَبْر نسى الْإِعْجَاب وَمَا ذاق من كرب الْمَوْت لِأَن الْمَيِّت إِذا نزل فى قَبره نسى مَا كَانَ لقى من شدَّة وَغَيرهَا
10 - الْمَعْنى نَحن بَنو الْمَوْتَى أى كل من ولد من الْآبَاء مضى وَمثل هَذَا قَول الآخر
(فإنْ لم تَجِدْ مِنْ دونِ عَدنان وَالِدًا ... وَدون معَدّ فلتزعك العواذِل)
وَالْمعْنَى نَحن بَنو الْأَمْوَات وَالْمَوْت كأس مدارة علينا ولابد لنا من شربهَا فَمَا بالنا نكْرههَا فَكَمَا مَاتَ آبَاؤُنَا فَنحْن على إثرهم وروى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى بعض أَصْحَابه يعزيه فى أَبِيه أما بعد فَإنَّا أَنا من أهل الْآخِرَة سكنا فى الدُّنْيَا أَمْوَاتًا آبَاء أموات أَبنَاء أموات فالعجب لمَيت يكْتب إِلَى ميت يعزيه عَن ميت وَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة
(فَعَدَدْتُ آبائى إِلَى عِرْقِ الثَّرَى ... فَدَعَوْتهُم فعَلِمتُ أنْ لم يسْمَعوا)

(وَلَقَدْ عَلِمْتُ وَلا مَحَالَة أنَّنِى ... للْحادِثاتِ فهَلْ تُرانِى أجْزَعُ)
وَقَالَ أَبُو نواس
(أَلا يَا ابْنَ الَّذِينَ فَنُوا وَبادُوا ... أما وَاللهِ مَا بادُوا لتَبْقَى)
(1/211)

- الْمَعْنى يَقُول تبخل أَيْدِينَا بأرواحنا وَتمسك بهَا بخلا بهَا على الزَّمَان والأرواح مِمَّا أكسبه الزَّمَان وَهَذَا الْكَلَام من كَلَام الْحَكِيم قَالَ إِذا كَانَ تناشؤ الْأَرْوَاح من كروز الْأَيَّام فَمَا لنا نعاف رُجُوعهَا إِلَى أماكنها
12 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْإِنْسَان مركب من هذَيْن من جَوْهَر لطيف وجوهر كثيف فالأرواح من الجو والأجسام من الأَرْض فَجعل اللَّطِيف من الْهَوَاء والكثيف من التُّرَاب وَهَذَا من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول اللطائف سَمَاوِيَّة والكثائف أرضية وكل عنصر عَائِد إِلَى عنصر
13 - الْمَعْنى يُرِيد أَن العاشق للشئ المستهام بِهِ لَو تفكر فى مُنْتَهى حسن المعشوق وَأَنه يصير إِلَى زَوَال لم يعشقه وَلم يملك الْعِشْق قلبه وَهَذَا يطرد فى كل شئ لَو فكر الْحَرِيص الذى يعدو وَيقتل فى نَفسه ويعادى على جمع المَال أَن آخِره إِلَى زَوَال أَو أَنه يَمُوت عَنهُ لما حرص على جمعه وَهَذَا الْبَيْت // من أحسن الْكَلَام // الذى يعجز عَن مثله المجيدون وَهُوَ من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول النّظر فى عواقب الْأَشْيَاء يزِيد فى حقائقها والعشق عمى الْحس عَن دَرك رُؤْيَة المعشوق
14 - الْغَرِيب قرن الشَّمْس أول مَا يَبْدُو مِنْهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه لابد من الفناء وَهَذَا مثل يُرِيد أَن الشَّمْس من رَآهَا طالعة عرفهَا غاربة كَذَلِك الْحَوَادِث مُنْتَهَاهَا إِلَى الزَّوَال لِأَن الْحُدُوث سَبَب الزَّوَال
(1/212)

- الْغَرِيب قَوْله رَاعى الضَّأْن هُوَ أَحْقَر الْقَوْم وأجهلهم وَبِه يضْرب الْمثل فى الْجَهْل الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمَوْت لم يسلم مِنْهُ الشريف وَلَا الوضيع وَلَا الطَّبِيب وَلَا المطبوب وَلَا الْعَاقِل وَلَا الْجَاهِل فالجاهل يَمُوت كَمَا يَمُوت اللبيب الحاذق وَهَذَا // من أحسن الْكَلَام // وألطفه وأبينه
16 - الْغَرِيب السرب هُنَا النَّفس وَقد روى بِفَتْح السِّين وَهُوَ المَال الراعى وَلَا معنى لَهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن رَاعى الضَّأْن رُبمَا زَاد عمرا على جالينوس وَكَانَ آمنا نفسا وَولدا على جَهله وَقلة عمله وَهَذَا كُله يُرِيد أَن الْمَوْت حتم على جَمِيع الْخلق
17 - الْغَرِيب يُقَال أفرط فى الْأَمر أى جَاوز فِيهِ الْحَد وَالِاسْم مِنْهُ الفرط بِسُكُون الرَّاء يُقَال إياك والفرط فى الْأَمر الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى أفرط فى السّلم كالذى أفرط فى الْحَرْب يُرِيد أَن اكل إِلَى فنَاء فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا عذر لمن يجزع وَهَذَا // من أحسن الْكَلَام // وَهَذَا من قَول الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول آخر إفراط التوقى أول موارد الْخَوْف
18 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى رعبه للفؤاد الْغَرِيب الرعب الْخَوْف تَقول رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا تقل أرعبته والترعابة الذى يفزع الْمَعْنى يُرِيد بِهِ من خَافَ الْمَوْت لَا أدْرك حَاجته وَهَذَا دُعَاء عَلَيْهِ يُرِيد إِذا كَانَ الْهَلَاك متيقنا فَلم يخَاف الْإِنْسَان من الْمَوْت ويجزع فَزعًا مِنْهُ
19 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى كَانَ غَايَة ذَنبه إسرافه فى الْعَطاء والإسراف اقْتَرَف وَورد النهى عَن الْإِسْرَاف فَلهَذَا قَالَ أسْتَغْفر الله وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنه لَا ذَنْب عَلَيْهِ بعد الْإِحْسَان فَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا كرمه فَلَا ذَنْب إِذا لَهُ
(1/213)

- الْمَعْنى يُرِيد انه كَانَ يكره أَن تحصى فواضله تناسيا للمعروف ليتخلص من الْمَنّ فَكَانَ الذى يعدد إحسانه قد بَالغ فى سبه
21 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يحب الْحَيَاة ليكسب المعالى لَا لحب الْحَيَاة
22 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى قد دَفنه يظنّ أَنه دفن شخصا وَاحِدًا وَإِنَّمَا قد دفن مَعَه الْمجد والعفاف وَالْبر والسخاء
23 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا كَانَت فى الْمَعْنى ذكرا تفعل فعل الرِّجَال من الصَّنَائِع الجميلة من إِيثَار الْمَعْرُوف فيغلب الْمَعْنى فى ذكرهَا على الظَّاهِر فَتذكر بِلَفْظ التَّذْكِير وَيتْرك لفظ التَّأْنِيث وَيجوز أَن يكون تفعل فعل الْخَيْر من الصّلاح وَالْأَمَانَة وَالْعَدَالَة الَّتِى هى مُخْتَصَّة بِالرِّجَالِ وَيسْتر التَّأْنِيث فى حجبه أى هى أُنْثَى على الْحَقِيقَة ولصونها وعفتها إِذا حلت فى حجبها لَا يَرَاهَا أحد إِلَّا ذُو محرم فهى تُعْطى التَّأْنِيث حَقه من السّتْر والعفاف
24 - الْإِعْرَاب أُخْت خبر لمبتدإ مَحْذُوف تَقْدِيره هى أُخْت أَبى خير أَمِير الْمَعْنى يَقُول هى أُخْت أَبى الممدوح والممدوح خير أَمِير دَعَا إِلَى نَفسه فَقَالَ الْجَيْش للرماح أجيبيه وَيجوز أَن يكون دَعَاهُ جَيش فَقَالَ الممدوح للقنا لب الْجَيْش يُرِيد أَنه يُجيب الصَّارِخ وَصرح بعد الْكِنَايَة لما قَالَ أسْتَغْفر الله لشخص ثمَّ قَالَ أُخْت أَبى خير أَمِير وكنى عَن الممدوح ثمَّ صرح بِهِ بعد
25 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعقل اللب وَالْعقل زبن الْقلب وَكَذَلِكَ أَنْت زين أَبِيك فَضله على أَبِيه وَضرب لَهما الْمثل باللب وَالْقلب فَجعل اللب مثلا لَهُ وَالْقلب مثلا لِأَبِيهِ واللب أشرف من الْقلب فَأَنت أشرف من أَبِيك قَالَ أَبُو الْفَتْح لَوْلَا حذقه لما جسر على هَذَا الْمَوْضُوع
(1/214)

- الْغَرِيب النُّور بِفَتْح النُّون هُوَ الزهر يُقَال نورت الشَّجَرَة وأنارت أخرجت نورها الْمَعْنى أَنه جعل أَوْلَاده زينا لِآبَائِهِ وَلم يجعلهم زينا لَهُ ذَهَابًا إِلَى استغنائه بمزية علائه عَن أَن يتزين بأبنائه وهم يزينون أجدادهم كَمَا يزين النُّور قضبه جمع قضيب
27 - الْإِعْرَاب انتصب فخرا على الْمصدر وَقيل بل بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره جعلت فخرا أَو صرت فخرا الْغَرِيب المنجب الذى يلد النجباء الْمَعْنى يُرِيد جعلك الله فخرا لدهر صرت من أَهله لِأَن الدَّهْر يفتخر بِهِ إِذْ هُوَ من أَهله وَأَبوهُ لما وَلَده نجيبا افتخر بِهِ وعقب الرجل أَوْلَاده الَّذين يأْتونَ من بعده قَالَ الله تَعَالَى {وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه}
28 - الْغَرِيب الأسى الْحزن وَهُوَ مَقْصُور مَفْتُوح وَمثله المدواة والعلاج والإساء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الدَّوَاء بِعَيْنِه وَمثله الأطبة جمع آس مثل رَاع ورعاء والقرن من قارنك وماثلك فى السن والقرن من النَّاس أهل زمَان وَاحِد قَالَ الشَّاعِر
(إِذا ذَهَبَ القَرْن الذى أنتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ فى قَرْن فأنْتَ غَرِيبُ)
والقرن ثَمَانُون سنة وَقيل ثَلَاثُونَ سنة ونبا السَّيْف إِذا لم يقطع وَيعْمل فى الضريبة ونبا بصرى عَن الشئ أى كل ونبا بزيد منزله إِذا لم يُوَافقهُ وَكَذَلِكَ فرَاشه الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقرن هُوَ المغالب والحزن هُوَ قرن لَك فَلَا تحيه بإعانته على نَفسك وصبرك الذى تغالب بِهِ الْحزن بِمَنْزِلَة السَّيْف فَلَا تَجْعَلهُ نابيا كليلا وَهَذَا استعارات حَسَنَة
29 - الْغَرِيب الشهب جمع شهَاب وهى الْكَوَاكِب والشهاب شعلة من نَار وَفُلَان شهَاب حَرْب إِذا كَانَ مَاضِيا فِيهَا وَالْجمع شهب وشهبان مثل حسب وحسبان الْمَعْنى أَنه جعله بَدْرًا وَجعل أَهله حوله نجوما فَيَقُول إِذا كنت بَدْرًا وهم الْكَوَاكِب فَلَا ينبغى أَن تستوحش لفقد أحدهم لِأَن الْبَدْر يسْتَغْنى بنوره عَن الْكَوَاكِب
(1/215)

- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح السائر الذى حمل إِلَيْهِ الْكتاب بوفاتها يَقُول إِذا كَانَ هَذَا قد أطَاق حمل ذكر وفاتها فَحكم قَلْبك أَن يكون أَشد طَاقَة لَهُ وَهَذِه مغالطة وَإِنَّمَا أَرَادَ تسكينه فتوصل إِلَيْهِ بِكُل وَجه وَكَذَا نَقله الواحدى حرفا حرفا
31 - الْمَعْنى إِنَّك حمول صبور على تحمل الشدائد فَلَا تعجز عَن حمل هَذِه الرزية فَأَنت حملت الثقيل وَقَوله عَن سحبه أى جَرّه لِأَن حَامِل الثقيل إِذا عجز عَن حمله جَرّه على الأَرْض كَمَا قَالَ عتاب بن وَرْقَاء
(وجَرّهُ إذْ كلّ عنْ حَمْله ... ونفسُهُ مِنْ حتْفِهِ على شَفا)

32 - الْغَرِيب ثلبه ثلبا إِذا صرح بِالْعَيْبِ فِيهِ وتنقصه قَالَ الراجز
(لَا يحسنُ التَّعريضُ إِلَّا ثَلْبا ... )
والمثالب الْعُيُوب الْوَاحِد مثلبة والأثلب فتات الْحِجَارَة وَالتُّرَاب يُقَال بِفِيهِ الأثلب والثلب بِالْكَسْرِ الْجمل الذى انْكَسَرت أنيابه من الْهَرم والإشفاق الْخَوْف والجزع يحسن عِنْده الصَّبْر ليرغب فِيهِ ويقبح الْجزع ليحذره لِأَن الصَّبْر يعد من الْمَدْح والجوزع يعد من الْعَيْب
33 - الْغَرِيب الْغُرُوب مجارى الدمع وللعين غربان مقدمها ومؤخرها قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال بِعَيْنِه غرب إِذا كَانَ يسيل وَلَا يَنْقَطِع دموعها والغروب الدُّمُوع قَالَ الراجز
(مَالك لَا تذكرُ أمّ عَمْرْو ... أما لعَيْنيك غروبُ تَجْرِى)
والغروب حِدة الْأَسْنَان وماؤها وَاحِدهَا غرب قَالَ عنترة
(إذْ تَسْتبيكَ بذى غَروب وَاضح ... عَذْبٍ مقبَّلُه لذيذِ المَطعَم)
والصوب الْقَصْد والإصابة والصوب أَيْضا النُّزُول الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تقدر على دفع الْحزن عَن قَصده وتغلبه بِالصبرِ وَترد الدمع إِلَى قراره وَمَجْرَاهُ بِأَن تصرفه على المجرى وَكَيف لَا تفعل هَذَا وَأَنت لَا شبه لَك
(1/216)

- الْإِعْرَاب يُرِيد إِمَّا أنْشد ثَعْلَب قَالَ
(يَا لَيْتما أمُّنا سالَت نعامتها ... أيْما إِلَى جنَّة أيْما إِلَى نارِ)
الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك إِذا فعلت مَا قلت لَك إِمَّا لتبقى فَلَا تهْلك بالجزع وَإِمَّا لتسلم الْأَمر إِلَى الله فَإِن الْأَمر لَهُ فِيمَا شَاءَ فى عباده
35 - الْإِعْرَاب مثلك ابْتِدَاء مَحْذُوف الْخَبَر وهى صلَة فى الْبَيْت وَقد تأتى فى الْكَلَام وَلَا يُرَاد بهَا النظير كَقَوْلِه تَعَالَى {لَيْسَ كمثله شئ} الْمَعْنى يُرِيد لم أقل مثلك وَهُوَ قَول مثلك يثنى الْحزن أعنى بِهِ سواك وَكَيف أَقُول هَذَا وَأَنت الذى لَا مثل لَهُ فى زَمَانه وَإِنَّمَا أردْت نَفسك لَا غَيْرك
(1/217)

- 1 - الْإِعْرَاب الْعَامِل فى الظّرْف قَوْله سميت فى الْبَيْت الثانى تَقْدِيره لما نسبت وَلم يعرف لَك أَب سميت بالذهبى وَالذَّهَب مَعْطُوف على ذهَاب تَقْدِيره مُشْتَقَّة من ذهَاب عقلك لَا من الذَّهَب الْمَعْرُوف ويروى وَكنت بِالْوَاو وبالفاء الْمَعْنى يُرِيد لما لم يكن لَك أَب تعرف بِهِ وَلَا أدب ترجع إِلَيْهِ سميت بالذهبى نِسْبَة محدثة لَك لم تكن لَك موروثة فَقيل لَك الذهبى لذهاب عقلك لَا لِأَنَّك مَنْسُوب إِلَى الذَّهَب
2 - الْإِعْرَاب ويك كلمة مَعْنَاهَا التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَقيل مَعْنَاهَا ألم تعلم وهى فى هَذَا الْبَيْت على غير هَذَا الْمَعْنى وَلم تأت فى الْكَلَام الفصيح إِلَّا وَمَعَهَا أَن مُخَفّفَة أَو مثقلة كَقَوْلِه {ويك أَن الله} و {ويك إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ} ووقف الكسائى بِالْيَاءِ فيهمَا دون الْقُرَّاء فَكَأَنَّهُ جعلهَا للتعجب وَكَأن للتشبيه وَقد استعملها أَبُو الطّيب على غير هَذَا الْمَعْنى وَقَالَ الْفراء ويك مَعْنَاهُ وَيلك فَحذف اللَّام تَخْفِيفًا وهى كلمة للإنكار وويح للتلطف والتوجع والترحم قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية الْمَعْنى يَقُول لقبك يكرهك استصغارا لَك واحتقارا فَكَأَنَّهُ هُوَ الملقب وَلست أَنْت الملقب بِهِ لبغضه لَك وَهُوَ معكوس من قَول الطائى
(شِعارُها إِذْ عُدَت مَناقِبها ... إِذْ اسْم حاسدك الْأَدْنَى لَهَا لقبُ)
(1/218)

- 1 - الْغَرِيب لحا الله فلَانا أى قبحه ولعنه ولحيت الرجل لمته فَهُوَ ملحى ولاحيته ملاحاة ولحاء إِذا نازعته وفى الْمثل من لاحاك فقد عاداك وتلاحوا إِذا تنازعوا الْمَعْنى إِن بَنَات وردان وهى الدُّود تَأْكُل الْعذرَة فَلَا تفاق الاسمين جعله كالخنزير لِأَنَّهُ يَأْكُل الْعذرَة وَجعل لَهُ خرطوما لِأَنَّهُ كَبِير الْأنف والفم ناتئ الْوَجْه فوجهه كخرطوم الثَّعْلَب
2 - الْمَعْنى يَقُول غدره بى دلَالَة على أَن أمة غدرت بِأَبِيهِ فَجَاءَت بِهِ لغير رشدة هَذَا قَول أَبى الْفَتْح والخطيب وَقَالَ الواحدى غدره بى دلَالَة على أَنه ورث الْغدر من أمه وَأَبِيهِ يعْنى أَنَّهُمَا كَانَا غادرين والغدر موروث لَهُ لَا عَن كَلَالَة
3 - الْغَرِيب الهن كِنَايَة عَن الْفرج الْمَعْنى أَنه جعله يَأْكُل عَن خدر امْرَأَته وَأَنه ديوث لَا غيرَة لَهُ وَأَنه يَقُود إِلَى امْرَأَته وَجعل مَا يُؤْتى كسبا لَهُ
4 - الْإِعْرَاب اللذيا تَصْغِير الذى وهى لُغَة مستعملة كَمَا جَاءَ فى تَصْغِير الَّتِى للتيا الْمَعْنى يَقُول تجاهلا واستهزاء أَهَذا الذى تنْسب إِلَيْهِ هَذِه الدودة الذميمة الحقيرة لِأَنَّهَا هى وَهُوَ يطلبان الرزق من شَرّ الْمطلب هى تطلبه من الحشوش وَهُوَ يَطْلُبهُ من هن عرسه وَهُوَ مَحل النَّجس وَمِنْه يخرج النَّجس فكلاهما يَطْلُبهُ من جِهَة خبيثة
(1/219)

صدق أى من أصل صدق والتوس الطبيعة والخيم الْمَعْنى قَالَ الواحدى كنت أَقُول إِن طيئا لَا تغدر وَلم تكن آباؤهم غدارين فَلَا تعذلانى إِن غدر هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من الأَصْل الذى يدعى إِلَيْهِ طَيئ وَقَوله رب صدق مكذب يُرِيد رب صدق يكذبهُ النَّاس يعْنى كنت صَادِقا فى نفى الْغدر عَنْهُم وَإِن كذبنى النَّاس لأجل وردان بادعائه أَن من طَيئ يُرِيد أَنى صَادِق ووردان لَيْسَ من طَيئ قَالَ وَلم يعرف ابْن جنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ رَجَعَ عَن نفى الْغدر عَنْهُم وَلَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل على رُجُوعه
(1/220)

- 1 - الْإِعْرَاب همه ابْتِدَاء وَخَبره ممات وَاللَّام فى لنا مُتَعَلق بالاستقرار وَملك مُبْتَدأ وَالْجَار وَالْمَجْرُور خَبره مقدم عَلَيْهِ واللامان فى لحى وميت متعلقان بالمصدرين الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يشْتَغل بِالنَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا يغْفل ويلهو وَإِنَّمَا همته إحْيَاء أوليائه وَمَوْت أعدائه فبالحرب يفنى أعداءه وبالنوال والإعطاء يحيى أولياءه
2 - الْإِعْرَاب أَن فى مَوضِع نصب بِإِسْقَاط الْخَافِض تَقْدِيره عَن أَن تقذى على أحد المذهبين الْغَرِيب الْخلَّة بِالْفَتْح الْحَاجة والفقر والخلة أَيْضا الْخصْلَة والخلة ابْن مَخَاض يستوى فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى وَيُقَال للْمَيت اللَّهُمَّ اسدد خلته أى الثلمة الَّتِى ترك والخلة الْخمْرَة الحامضة قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(عُقار كَمَاء النئ لَيست بخَمطة ... وَلَا خلَّة يكوى الشروبَ شهابُها)
يُرِيد أَنَّهَا فى لون اللَّحْم النئ لَيست كالخمطة الَّتِى لم تدْرك بعد وَلَا كالخلة الَّتِى جَاوَزت الْقدر حَتَّى كَادَت تصير خلا الْمَعْنى يرد بِهَذَا على من قَالَ فَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ يُرِيد أَنه كبر وَعظم عَن أَن يتَأَذَّى بشئ وَهُوَ أرفع من أَن تقذى عَيناهُ بشئ بل إِذا رَأَتْهُ الْخلَّة فرت وهربت والأشياء تصغر عِنْد كبر همته فَمَا خَالف إِرَادَته لَا يثبت حَتَّى ينظر فِيهِ
(1/221)

- الْإِعْرَاب حذف مفعول جزى للْعلم بِهِ وَالْمَفْعُول كثيرا مَا يحذف من الْكَلَام الْغَرِيب الْغمر المَاء الْكثير وغمره المَاء يغمره علاهُ والغمر الرجل الْجواد وَكَذَلِكَ الْفرس الْجواد وَرجل غمر الرِّدَاء إِذا كَانَ سخيا والغمرة الشدَّة وَجَمعهَا غمر والغمر بِالضَّمِّ الرجل الذى لم يجرب الْأُمُور والغمر بِالْكَسْرِ الحقد والغل والغمر أَيْضا الْعَطش وَجمعه أغمار وَقَالَ العجاج
(حَتَّى إِذا مَا بلت الأغمارا ... ريا وَلَّما يَقْصَع الأصرارا)
الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة هُوَ سيفى أصُول بِهِ على أعدائى وَهُوَ دولتى الَّتِى أصُول بهَا
(1/222)

- 1 - الْغَرِيب المكبوت من الكبت وَهُوَ الصّرْف والإذلال كبت الله الْعَدو صرفه وأذله وكبته بِوَجْهِهِ صرعه الْمَعْنى يُرِيد انصر بعطاياك قصائدى الَّتِى مدحتك بهَا وَيُرِيد أَنه يُعْطِيهِ حَتَّى يزِيدهُ مِنْهَا مدحا
2 - الْغَرِيب قَوْله نظرتك بِمَعْنى انْتَظَرْتُك والمرتحل الارتحال وحان قرب وَكَذَلِكَ آن الْمَعْنى يَقُول انتظرت عطاياك حَتَّى قرب ارتحالى وَهَذَا الْوَدَاع فَكُن لما شِئْت أَهلا إِمَّا للجود فتعطنى أَو للحرمان وَقَرِيب من مَعْنَاهُ قَول الآخر
(حانَ الرَّحِيلُ فَقَدْ أوْلَيْتَنا حَسنا ... والآن أحْوَجُ مَا كُنَّا إِلَى زَاد)
(1/223)

- 1 - الْغَرِيب المسومات المعلمات بعلامات تعرف بهَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {مسومين} بِالْفَتْح أى معلمين ففى قِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَنَافِع وَابْن عَامر {وَالْخَيْل مسومة} هى المرعية المعلمة أَيْضا الْمَعْنى أَنه يُرِيد فدتك الْخَيل وَالسُّيُوف الْبيض الْهِنْدِيَّة الْمُجَرَّدَة حَتَّى تفنى وَتبقى أَنْت فَإِذا بقيت لنا بقى لنا الْخَيْر
2 - الْإِعْرَاب جَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف للْعلم بِهِ وَقد وَقع مُعْتَرضًا بَين الْفِعْل وفاعله وَتَقْدِير الْكَلَام وصفتك فى قواف وَإِن كثرت القوافى فَمَا استوقيت وصفك وَقد بقيت صِفَات لم أذكرها الْمَعْنى يُرِيد إنى لم أبلغ آخر وصفك وَلَا أقدر على ذَلِك وَإِن كثرت أشعارى فِيك فَمَا استوفيت بعض صفاتك لِأَن قصائدى لَا تحيط بصفاتك
3 - الْغَرِيب الْفِعْل الِاسْم من فعل يفعل وَالْفِعْل بِالْفَتْح الْمصدر وَالِاسْم الْفِعْل بِالْكَسْرِ وَجمعه الفعال وجمعهما الأفاعيل والشية من الألوان مَا خَالف معظمه كالغرة فى الأدهم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فعالك تلوح لشهرتها كَمَا تلوح الشية فى الأدهم وَقَالَ غَيره النَّاس من قبلك سود بِالْقِيَاسِ إِلَى فعلك وفعلك يتَمَيَّز من أفعالهم كَمَا تتَمَيَّز الشية من لون الأدهم وَقيل بل تزين أفعالك أفعالهم كَمَا يتزين الأدهم بالغرة والتحجيل كَقَوْل حبيب
(قَوْمٌ إِذا اسْوَدّ الزَمانُ تَوَاضَحُوا ... فِيهِ وَغُودِرَ وَهْوَ مِنْهُمْ أبْلَقُ)
وَمعنى الْبَيْت مَنْقُول من قَول حبيب أَيْضا
(حَتَّى لَو انّ اللَّيالى صُوّرَتْ لَغَدَتْ ... أفْعالُهُ الغُرُّ فى آذانها شُنُفا)
(1/224)

- 1 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى موصوفاتها عَائِد على الصِّفَات وذواتها إِضَافَة ذُو وَذَوَات إِلَى الضَّمِير لَا يجيزها البصريون وَإِنَّمَا أجازها الْمبرد وسرب خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هواى سرب الْغَرِيب السرب بِالْكَسْرِ الْقطعَة من الظباء والوحش والقطا والسربة بِالضَّمِّ الْقطعَة من هَؤُلَاءِ الْمَعْنى يَقُول هواى سرب حرمته أى حيل بينى وَبَينه وَهُوَ دانى الصِّفَات لِأَن وَصفه قَول وَأَنا قَادر عَلَيْهِ مَتى شِئْت إِلَّا أَن الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصّفة وَهُوَ السرب وَيُرِيد بِهِ الْجَمَاعَة من النِّسَاء بعيد عَنى فَالْمَعْنى هَذَا السرب بعيد منى وَذكره حَاضر فَمَتَى مَا طلبت ذكره حضر
2 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عبراتها للمقلة وَقَالَ الواحدى يجوز للبشر وَيُرِيد بالعبرات عرقهن الذى يسيل مِنْهُنَّ الْغَرِيب روى الخوارزمى نشزا بالنُّون والزاى الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض والنشور الِارْتفَاع وَمِنْه {وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشزها} فى قِرَاءَة أهل الشَّام وَأهل الْكُوفَة نرفع بَعْضهَا إِلَى بعض وَقَوله أوفى أى أشرف من مَكَان عَال والبشر جمع بشرة وَهُوَ ظَاهر الْجلد الْمَعْنى يَقُول أشرف على هَذَا السرب من مَكَان عَال وَيجوز أَن يكن أشرفن عَلَيْهِ من هوادجهن فَيَقُول إِذا وَقع بصرى على بَشرَتهَا رَأَيْت أرق وألطف من عبرات المقلة قَالَ الواحدى على رِوَايَة الخوارزمى إِذا نظرت إِلَى النشز الذى أوفى السرب عَلَيْهِ رَأَيْته لطول الْبعد فى صُورَة السراب والسراب أرق من العبرات
3 - الْغَرِيب يُقَال سَاقه استاقه والحداة جمع حاد كقاض وقضاة وهم الَّذين يسرقون الْإِبِل ويحدونها يرتجزون لَهَا وهى تسير الْمَعْنى يَقُول الْإِبِل تظن كلما أننت وبدت زفراتى أَنَّهَا لشدتها أصوات الحداة فتسرع فى السّير فسائقها أنينى وزفراتى لَا أصوات الحداة
(1/225)

- الْمَعْنى يُرِيد بِهَذَا عَادَة الْعَرَب فى تشبيهها الْإِبِل المرحلة عَلَيْهَا هوادجها بِالنَّخْلِ وَالشَّجر والسفن يُرِيد فَكَأَن هَذِه العيس شجر بدا أى ظهر وَقد جنيت المر من ثمره يُرِيد أَنَّهَا لما سَارَتْ بالأحبة كَانَت سَبَب فراقهن وَهُوَ المر الذى جناه مِنْهَا وَهُوَ من قَول أَبى نواس
(لَا أذُودُ الطَّير عَن شَجر ... قَدْ جَنَيْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ)

5 - الْإِعْرَاب قَوْله لَو انى حرك الْوَاو الساكنة من لَو بحركة الْهمزَة وحذفها وَهُوَ كثير مُسْتَعْمل فى أشعارهم كبيت الحماسة
(فَمنْ أنتمُ إنَّا نَسينا مَنَ انتمُ ... )
وَعَلِيهِ قِرَاءَة ورش عَن نَافِع حَيْثُ جَاءَ مثل هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَو أَنا كتبنَا عَلَيْهِم} و {أَن أرضعيه} {وَمن أحسن قولا} {وَمن أصدق} وحرارة مدمعى قَالَ ابْن جنى يُرِيد ذى مدمعى بِحَذْف الْمُضَاف يعْنى الدمع لِأَن المدمع مجْرى الدمع فى الْعين وَاللَّام فى لمحت جَوَاب لَو الْغَرِيب سماتها جمع سمة وهى الْعَلامَة الَّتِى تكون فى الْإِبِل الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَو كَانَ فَوْقهَا لمحت حرارة دُمُوعه علائمها لِأَن دمع الْحزن حَار ودمع السرُور بَارِد وَمِنْه فى الدُّعَاء على الْإِنْسَان أسخن الله عينه أى أبكاه وجدا وحزنا ثمَّ دَعَا عَلَيْهَا فَقَالَ {لاسرت من إبل} لِأَنَّهَا فرقت بَينه وَبَين من يحب
6 - الْمَعْنى كل هَذَا دُعَاء على الْإِبِل يَقُول حملت مَا حملت من حسراتها وحملت أَنا مَا حملت من هَذِه المها وَهن بقر الْوَحْش شبههن بالمها لحسن عيونهن
7 - الْغَرِيب الْخمر جمع خمار وَهُوَ مَا تختمر بِهِ الْمَرْأَة أى تغطى بِهِ رَأسهَا وَأَصله التغطية مِنْهُ سميت الْخمر لِأَنَّهَا تستر الْعقل وتغطيه قَالَ الله تَعَالَى {وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ} والسراويل وَاحِد السراويلات وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث قَالَ سِيبَوَيْهٍ سَرَاوِيل وَاحِدَة وهى أَعْجَمِيَّة عربت فَأَشْبَهت من كَلَامهم مَالا ينْصَرف فى معرفَة وَلَا نكرَة فهى مصروفة فى النكرَة وَإِن سميت بهَا رجلا لم تصرفها وَكَذَلِكَ إِن حقرتها 1 اسْم رجل لِأَنَّهَا مؤنث على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف مثل عنَاق وَمن النَّحْوِيين من لَا يصرفهَا أَيْضا فى النكرَة وَيَزْعُم أَنَّهَا جمع سروال وسروالة وينشد
(علَيْهِ مِنَ اللُّؤْم سِرْوَالةٌ ... فلَيْس يرِقّ لمستَعطِفِ)
ويحتج فى ترك صرفهَا بقول ابْن مقبل
(أَتَى دُونها ذَب الرّيادِ كأنَّهُ ... فَتَى فارِسىّ فى سراويلَ رامحُ)
الْمَعْنى قَالَ الصاحب ابْن عباد كَانَت الشُّعَرَاء تصل المآزر تَنْزِيها لألفاظها عَمَّا يستشنع حَتَّى تخطى هَذَا الشَّاعِر المطبوع إِلَى التَّصْرِيح وَكثير من العهر عندى أحسن من هَذَا العفاف قَالَ الواحدى قَالَ العروضى سَمِعت أَبَا بكر الشعرانى يَقُول هَذَا مِمَّا عابه الصاحب ابْن عباد على المتنبى وَإِنَّمَا قَالَ المتنبى
(عَمَّا فى سرابيلاتها ... )
وَهُوَ جمع سربال وَهُوَ الْقَمِيص وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الخوارزمى يُرِيد أَنى مَعَ حبى لَو جودههن أعف عَن أبدانهن وَمثله لنفطويه
(أهْوَى النِّساءَ وأهوَى أَن أُجالسها ... وَلَيْسَ لى فى خَنًا مَا بَيْننا وَطرُ)
(1/226)

- الْإِعْرَاب من روى الفتوة وَمَا بعْدهَا بِالرَّفْع جعل الْفِعْل للفتوة وَمَا بعْدهَا وكل مليحة مفعول ترى وَمن روى بِنصب الفتوة وَمَا بعْدهَا وَرفع كل مليحة جعل الْفِعْل لكل مليحة يُرِيد أَن كل مليحة ترى فى هَذِه الْخِصَال الَّتِى تمنعنى الْخلْوَة بِهن ضراتها وَتَكون ضراتها فى مَوضِع الْحَال الْغَرِيب الْفَتى الْكَرِيم يُقَال هُوَ فَتى بَين الفتوة وَقد تفتى وتفاتى وَالْجمع فتية وفتيان وفتو على فعول وفتى مثل عصى والأبوة الْآبَاء كالعمومة والخئولة قَالَ أَبُو ذويب
(لَو كانَ مِدحةُ حىّ أنشرتْ أحدا ... أحْيا أبوّتك الشمَّ الأماديحُ)
والمروءة الإنسانية وَمن الْعَرَب من يشددها قَالَ أَبُو زيد مرؤ الرجل صَار ذَا مُرُوءَة فَهُوَ مرئ على فعيل وتمرأ تكلّف الْمُرُوءَة وَقَالَ ابْن السّكيت فلَان يتمرأ بِنَا أى يطْلب الْمُرُوءَة بنقصنا وعيبنا الْمَعْنى يَقُول يمنعنى من الْخلْوَة بِهن الفتوة والأبوة والمروءة وَقد فسر الْبَيْت بِمَا بعده
9 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الفتوة وَمَا ذكر هن الثَّلَاث الَّتِى تَمنعهُ لَا الْخَوْف من تبعاتها قَالَ الْخَطِيب هَذَا سرف نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَهَذَا نَقله أَبُو الطّيب من كَلَام الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول النُّفُوس المتجوهرة تركت الشَّهَوَات البهيمية طبعا لَا خوفًا فنقله نقلا
(1/227)

- الْإِعْرَاب رب حرف جر خفض قَوْله ومطالب بتقديره هَذَا عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا أَن رب اسْم وَقد حملناها على كم لِأَن كم للعدد والتكثير وَرب للعدد والتقليل فَكَمَا أَن كم اسْم فَهَذِهِ اسْم وَلَيْسَت بِحرف جر لِأَنَّهَا خَالَفت حُرُوف الْجَرّ فى أَرْبَعَة أَشْيَاء الأول أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا فى صدر الْكَلَام وحروف الْجَرّ تقع متوسطة لِأَنَّهَا دخلت رابطة بَين الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والثانى وَالثَّالِث أَنَّهَا لَا تعْمل إِلَّا فى نكرَة مَوْصُوفَة وحروف الْجَرّ تعْمل فى معرفَة ونكرة مَوْصُوفَة وَغير مَوْصُوفَة وَالرَّابِع أَنه لَا يجوز عندنَا وَلَا عِنْدهم إِظْهَار الْفِعْل الذى تتَعَلَّق بِهِ وَهَذَا على خلاف الْحُرُوف وَيدل على أَنَّهَا لَيست بِحرف أَنَّهَا يدخلهَا الْحَذف قَالَ الله تَعَالَى {رُبمَا يود الَّذين كفرُوا} فَقَرَأَ عَاصِم وَنَافِع رُبمَا بِالتَّخْفِيفِ وَقد حذف مِنْهَا حرف فى قرَاءَتهَا وَاحْتج البصريون بِأَنَّهَا لَا يحسن فِيهَا عَلَامَات الْأَسْمَاء وَلَا الْأَفْعَال وَإِنَّمَا جَاءَت لِمَعْنى فى غَيرهَا كالحروف الْغَرِيب الْجنان النَّفس وَالْقلب وَيُقَال مَا على جنان إِلَّا مَا ترى أى مَا على ثوب يوارينى وجنان اللَّيْل ادلهمامه قَالَ 1 خفاف بن ندبة
(ولَوْلاء جَنان اللَّيْل أدْرَك رَكْضُنا ... بذى الرَّمثِ والأرْطَى عِيَاض بَن ناشِبِ)
الْمَعْنى أَنه يصف نَفسه بالشجاعة وَأَنه لَا يفزع من شئ يَقُول قلبى وَقد أتيتها كَهُوَ وَإِن لم آتِهَا لقُوته وشدته وشجاعته
11 - الْغَرِيب المقانب الْوَاحِد مقنب وَهُوَ الْجَمَاعَة من الْخَيل مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين الْمَعْنى يَقُول الْجَيْش الْعَظِيم تركته قوتا للوحش بعد مَا كَانَت الوحوش قوتا لَهُ يصيدها ويذبحها ويأكلها وَجمع الْوَحْش على عَادَة الْعَرَب فى أكلهم ماب ودرج
12 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أقبلتها للمقانب وأقبلته الشئ إِذا وجهته إِلَيْهِ الْمَعْنى أَقبلت المقانب غرر الْخَيل الْجِيَاد جَعلتهَا قبالتها قَالَ الواحدى عَنى بالأيدى النعم وَجَرت الْعَادة فى جمع يَد النِّعْمَة بالأيادى وفى الْعُضْو الأيدى وَاسْتعْمل أَبُو الطّيب هَذِه مَكَان هَذِه فى موضِعين أَحدهمَا فى هَذَا الْبَيْت والثانى فى قَوْله {فتل الأيادى} وبياضا النِّعْمَة // مجَاز // والشاعر يُورد موارد الْحَقِيقَة وَهَذَا المخلص من جيد المخالص وأحسنها
(1/228)

- الْإِعْرَاب فروسة تَمْيِيز والثابتين فى مَوضِع خفض على النَّعْت أَو الْبَدَل من بنى عمرَان وَيجوز أَن يكون فى مَوضِع نصب على الْمَدْح وَمن روى والطعن بِالرَّفْع فالواو وَاو الْحَال أى يثبتون فى حَال الطعْن فى صدورها وَمن رَوَاهُ بالخفض فَمَعْنَاه يثبتون فى ظُهُورهَا ثُبُوت الطعْن تَقْدِيره كجلودها وكالطعن الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يثبتون فى ظُهُور خيلهم كثبوت جلودها عَلَيْهَا فى حَال كَون الطعْن فى صدورها يصفهم بالإقدام والشجاعة وَقَالَ ابْن القطاع فى قَوْله
(أقبلتها غُرر الْجِيَاد ... )
يَقُول جَعلتهَا تقبل غرر جيادها الَّتِى أوصلتهم إِلَى أعدائهم وشفت صُدُورهمْ مِنْهُم كَأَنَّهَا أيدى بنى عمرَان الْمُعْتَادَة التَّقْبِيل وَأَقْبَلت الرجل يَد فلَان جعلته يقبلهَا
14 - الْإِعْرَاب الراكبين جدودهم يحْتَمل أَن يكون على قَول من قَالَ أكلونى البراغيث أى الَّذين ركبُوا جدودهم أمهاتها وَالْوَجْه أَن يكون الرَّاكِب جدودهم لَو اتزن لَهُ وَمَعْنَاهُ الَّذين ركب جدودهم كَمَا تَقول مَرَرْت بالقوم الْمَيِّت أخوفهم أى الَّذين مَاتَ أخوهم وَقَول أماتها يُقَال أمات فِيمَا لَا يعقل وَقد يُقَال بِالْعَكْسِ فيهمَا الْمَعْنى قَالَ الواحدى فِي معنى الْبَيْت إِن هَذِه الْخَيل تعرفهم ويعرفونها لِأَنَّهَا من نتائجها تناسلت عِنْدهم فجدودهم كَانُوا يركبون أُمَّهَات هَذِه الْخَيل وَسِيَاق الأبيات قبله يدل على أَنه يصف خيل نَفسه لَا خيل بنى عمرَان وَهُوَ قَوْله أقبلتها وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يستقم هَذَا الْمَعْنى إِلَّا أَن يدع مُدع أَنه قَاتل على خيل الممدوح فَإِنَّهُم يقودون الْخَيل إِلَى الشُّعَرَاء قَالَ ابو فورجة والذى عندى أَنه يصف معرفتهم بِالْخَيْلِ وَلَا يعرفهَا إِلَّا من طَالَتْ ممارسته لَهَا وَالْخَيْل تعرفهم أَيْضا لانهم فرسَان وَهَذَا كَلَامه وَلم يُوضح مَا وَقع بِهِ الْإِشْكَال وَإِنَّمَا يَزُول الْإِشْكَال بِأَن يُقَال الْجِيَاد اسْم جنس ففى قَوْله غرر الْجِيَاد أَرَادَ جِيَاد نَفسه وَفِيمَا بعده أَرَادَ جِيَاد بنى عمرَان والجياد تعم الخيلين جَمِيعًا فَقَوله
(والراكبين جدودهم ... )
مَعْنَاهُ أَنهم كَانُوا من ركاب الْخَيل فيريد أَنهم عريقون فى الفروسية طالما ركبُوا الْخَيل فَهَذِهِ الْخَيل مِمَّا ركب جدودهم أمهاتها وَيُشبه هَذَا الْمَعْنى قَول أَبى الْعَلَاء المعرى
(يَابْنَ الأُلى غيرَ زَجْر الخَيْلِ مَا عَرَفُوا ... إذْ تَعْرِفُ العُرْبُ زجرْ الشاءِ والعَكَرِ 1)
(1/229)

- الْغَرِيب الصهوة مقْعد الْفَارِس ونتجت النَّاقة على مَا لم يسم فَاعله تنْتج نتاجا وَقد نتجها أَهلهَا نتاجا قَالَ الْكُمَيْت
(وَقَالَ المُذمِّر للناتجِين ... مَتى ذُمِّرت قَبْلىَ الأرْجُلُ)
المذمر الذى يدْخل يَده فى حَيَاء النَّاقة لينْظر أذكر جَنِينهَا أم أُنْثَى سمى بذلك لِأَنَّهُ يضع يَده فى ذَلِك الْموضع فيعرفه يَقُول إِن التذمير فى الْأَعْنَاق لَا فى الأرجل وأنتجت الْفرس إِذا حَال نتاجها وَقَالَ يَعْقُوب إِذا استبان حملهَا وَكَذَلِكَ النَّاقة فهى نتوج وَلَا يُقَال منتج الْمَعْنى يُرِيد أَنه لشدَّة إلفهم للفروسية وَطول مراسهم تكون الْخَيل كَأَنَّهَا ولدت تَحْتهم وَكَأَنَّهُم ولدُوا عَلَيْهَا
16 - الْمَعْنى يَقُول الْكِرَام من الْخَيل إِذا لم يكن عَلَيْهَا فرسَان من هَؤُلَاءِ الممدوحين كالقلب إِذا لم يكن فِيهِ سويداء
17 - الْمَعْنى يَقُول هم يغلبُونَ النَّاس على الْعلَا ويغلبهم الْمجد فيحول بَينهم وَبَين مَا يشتهون من الشَّهَوَات المركبة فى بنى آدم مِمَّا يشين ويعيب
18 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى نباتها يعود على المنابت وَالْبَاء فى قَوْله بيدى مُتَعَلق بسقيت الْمَعْنى يرْوى بيدى وبندى بالنُّون لما جعلهَا منابت دَعَا لَهَا بالسقيا وَجعل أَبَا أَيُّوب الممدوح خير نباتها يُرِيد أَن نَفسه أشرف النُّفُوس الْمَذْكُورَة وَجعل النَّبَات يسقى المنابت إغرابا فى الصَّنْعَة وتغلغلا وَقَلْبًا للْعَادَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَا أَزَال الله ظله عَن أَهله وَذَوِيهِ وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ الْغَرَض أَن يَدْعُو لِقَوْمِهِ بإفضاله عَلَيْهِم وَلَكِن الْغَرَض تَعْظِيم شَأْنه وعطائه كَأَنَّهُ لَو دَعَا أَن يسقيهم الْغَيْث كَانَ دون سقيا ندى أَبى أَيُّوب وَلما جعل قومه منابت دَعَا لَهُم بالسقيا لِأَن المنابت محتاجة إِلَى السقيا وَمثل هَذَا اسْتِعَارَة
19 - الْمَعْنى يَقُول لسنا نتعجب من كَثْرَة عطاياه وَإِنَّمَا نتعجب كَيفَ سلمت من بذله وتفريقه إِلَى وَقت مَا وَهبهَا يُرِيد أَنه لَيْسَ من عَادَته إمْسَاك شئ من مَاله
(1/230)

- الْمَعْنى يُرِيد حفظ الْعَنَان بِالْإِضَافَة ويروى حفظ على الماضى يتعجب مِنْهُ عجبا كَيفَ حفظ الْعَنَان بأنمل مَا عَادَتهَا تحفظ شَيْئا
21 - الْمَعْنى يصفه بالفروسية وَأَن فرسه يطاوعه على مَا كلفه وَخص الميمات دون الغينات والعينات والفاءات والقافات مِمَّا لَهُ شكل لِأَن الْمِيم أشبه بحافر الْفرس من حُرُوف المعجم فَذكر الْمِيم من سَائِر الْحُرُوف تَشْبِيه جَاءَ بِهِ مُعْتَرضًا وَهُوَ من أحسن التَّشْبِيه وَقَالَ الْخَطِيب لَيْسَ يُرِيد التَّشْبِيه وَإِنَّمَا يصفه بالفروسية
22 - الْمَعْنى من روى مجاولا مفاعلا فَمن الجولان وَمن روى محاولا بِالْحَاء فَمن المحاولة وهى الطّلب وَهَذَا وصف لَهُ بالحذق والثقافة فى الطعْن يَقُول من حذفه بالطعن يقدر أَن يضع السنان فى ثقب الْأذن
23 - الْإِعْرَاب من آلاتها الْهَاء عَائِدَة على وَرَاءَك ووراء من الأضداد بِمَعْنى خَلفك وَبِمَعْنى أمامك قَالَ الله تَعَالَى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك} أى أمامهم الْغَرِيب الْقرح جمع قارح وَجمع قارحة قوارح وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ خمس سِنِين وَهُوَ عِنْدهَا يستكمل قوته وشدته والوراء يذكر وَيُؤَنث وتأنيثه أَكثر وتصغيره وريئة بِالْهَاءِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو تبعتك هَذِه الْقرح لكبت وَرَاءَك وَلم تحملهَا قَوَائِمهَا لصعوبة مسالكك وَقَالَ الواحدى يجوز أَن تكون الْهَاء عَائِدَة إِلَى الْقرح أى أَنَّهَا إِذا تبعتك لم تعنها قَوَائِمهَا فَلَيْسَتْ من آلاتها وَهَذَا مثل يُرِيد أَن الْكِبَار والفحول إِذا راموا لحاقك فى مدى الْكَرم عثروا وكبوا وَلم يلحقوك وَالْمعْنَى أَن سَبِيلك فى الْعلَا يخفى على من تبعك فيعثر وَإِن كَانَ قَوِيا كالقارح من الْخَيل وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى لَيست قَوَائِم هَذِه الْخَيل من الْآلَات وَرَاءَك أى لَيست مِمَّا يكون خَلفك فتطردك
(1/231)

- الْغَرِيب الرَّعْد جمع رعدة والعسلان الِاضْطِرَاب والقنوات جمع قناة الْمَعْنى يُرِيد أَن الارتعاد فى أبدان الفوارس من خوفك أظهر وأجرى من الاهتزاز فى رماحهم
25 - الْإِعْرَاب قَوْله
(لَا خلق ... )
ذهب البصريون إِلَى أَن الكنكرة الَّتِى مَعَ لَا مَبْنِيَّة على الْفَتْح كَقَوْلِك لَا رجل فى الدَّار وَتَقْدِيره لَا من رجل فَلَمَّا حذفت من من اللَّفْظ وَركبت مَعَ لَا تَضَمَّنت معنى الْحَرْف فَوَجَبَ أَن يبْنى وبنيت على حَرَكَة لِأَن لَهَا حَالَة تمكن قبل الْبناء وبنيت على الْفَتْح لِأَنَّهُ أخف الحركات وَذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنَّهَا نكرَة معربة مَنْصُوبَة بِلَا وَحجَّتنَا أَنه اكْتفى بهَا عَن الْفِعْل لِأَن التَّقْدِير فى قَوْلك لَا رجل فى الدَّار أى لَا أجد رجلا فاكتفوا بِلَا من الْفِعْل الْعَامِل كَقَوْلِك إِن قُمْت قُمْت وَإِلَّا فَلَا تَقْدِيره وَإِن لم تقم فَلَا أقوم فَلَمَّا اكتفوا بِلَا من الْفِعْل الْعَامِل نصبوا النكرَة بِهِ وحذفوا التَّنْوِين بِنَاء على الْإِضَافَة وَوجه آخر أَن لَا تكون بِمَعْنى غير كَقَوْلِك زيد لَا عَاقل وَلَا جَاهِل أى غير عَاقل وَغير جَاهِل فَلَمَّا جَاءَت هُنَا بِمَعْنى لَيْسَ نصبوا بهَا ليخرجوها من معنى غير إِلَى معنى لَيْسَ وَوجه آخر إِنَّمَا أعملوها النصب لأَنهم لما أولوها بالنكرة وَمن شَأْن النكرَة أَن يكون خَبَرهَا قبلهَا نصبوا بهَا من غير تَنْوِين لما حدث فِيهَا من التَّغْيِير كَمَا رفعوا المنادى بِغَيْر تَنْوِين لما حدث فِيهِ من التَّغْيِير وَرَاء مقلوب رأى كَمَا يُقَال ناء ونأى وَمثله
(عَليل راءَ رُؤْيا فَهُوَ يَهْذِى ... بِمَا قَدْ رَاء مِنْهَا فى المنامِ)
وهات كلمة تسْتَعْمل فى الْأَمر فهى على فَاعل فى الماضى يُقَال هاتى يهاتى فَهُوَ مهات والمصدر المهاتاة مثل المعاداة فَيُقَال هَات كَمَا يُقَال عَاد من عاديت وللاثنين هاتيا وللجمع هاتوا وللمرأة هاتى بِإِثْبَات الْيَاء وللمرأتين هاتيا وللجمع هَاتين الْمَعْنى يَقُول لَا أحد أسمح مِنْك إِلَّا رجلا رآك فعرفك فَلم يَسْأَلك بِأَن تهب لَهُ نَفسك وَمثله
(وَلَو لم يكُن فى كفِّهِ غير نَفسه ... لجادَ بهَا فلْيَتَّقِ الله سائلُهْ)

26 - الْغَرِيب يُقَال غلت فى الْحساب الْخَاصَّة وَهُوَ مثل غلط وهما من مخرج وَاحِد والعشور أعشار الْقُرْآن والترتيل التَّبْيِين والتحسين وَحسب يحْسب بِالضَّمِّ من الْحساب وَحسب يحْسب من الظَّن بِفَتْح الْمُسْتَقْبل وكسره وَكسر الماضى لَا غير وَقَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة يحْسب فى جَمِيع الْقُرْآن بِالْفَتْح الْمَعْنى يَقُول تجويدك التِّلَاوَة إِحْدَى آياتها فالذى يحْسب الْقُرْآن معْجزَة وَاحِدَة غلط فَمن سمع ترتيلك الْقِرَاءَة وَحسن بيانك وَلم يعده آيَة فَهُوَ غالط بِآيَة لِأَن ترتيلك فى الإعجاز مثلهَا فَوَجَبَ إِلْحَاقه بِهِ حَتَّى يُقَال فى الْقُرْآن معجز وترتيلك معجز فهما معجزتان
(1/232)

- الْغَرِيب الْعتْق الْكَرم وعتقت فرس فلَان تعْتق عتقا إِذا سبقت فنجت وأعتقها هُوَ أعجلها وأنجاها وَفُلَان معتاق الوسيقة إِذا طرد طريدة أنجاها وَسبق بهَا قَالَ الْهُذلِيّ
(حامى الحَقيقة نَسَّال الوَديقة مِعتاق ... الوَسيقة لَا نِكْسٌ وَلَا وانِى)
الْمَعْنى يَقُول إِذا سمع أحد كلامك عرف كرمك كَمَا أَن الْفرس الْكَرِيم إِذا صَهل عرف عتقه بصهيله وَيُرِيد أَن كلامك أَمر بالعطاء ووعد بِالْإِحْسَانِ وَمَا أشبه هَذَا وَهُوَ مِمَّا يدل على كرمه
28 - الْغَرِيب الهالة الدائرة الَّتِى حول الْقَمَر وَجمع الْقَمَر وَإِن كَانَ فى الْمَعْنى وَاحِدًا وَذَلِكَ أَن لكل شهر قمرا يصير فِيهِ الْهلَال قمرا وبدرا فَحسن الْجمع وَيجوز أَن يكون لما كَانَ فى كل فصل من الْفُصُول الْأَرْبَعَة يخرج الْهلَال فى برج غير الذى يخرج فِيهِ فى الْفَصْل الآخر فَحسن الْجمع الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك لَا تَزُول عَن شرفك ومحلك كَمَا أَن الْقَمَر يخرج عَن هالته فَضرب مثلا وَأحسن فى التَّشْبِيه وأبدع لتشبيهه فى علو الْمنزلَة والشرف بالقمر
29 - الْإِعْرَاب الرِّجَال مَنْصُوب بشائق وَهُوَ اسْم فَاعل يعْمل عمل الْفِعْل وَالْمعْنَى أَنَّك تشوق الرِّجَال إِلَى زيارتك وَتَشَوُّقِ علاتها مَعهَا وَالتَّقْدِير أَنْت شائق الرِّجَال وعلاتها مَعَهم الْمَعْنى شائق أَنْت إِلَى كل شئ وَيُقَال شاقه إِذا حمله على الشوق فَأَنت شائق إِلَى كل أحد فالمرض إِذا أَصَابَك غير ملوم فى إصابتك لِأَن كل النَّاس يشتاقون إِلَى زيارتك لما يسمعُونَ من أَعَاجِيب أخبارك فتشوق الرِّجَال إِلَى قصدك وَتَشَوُّقِ أمراضها مَعهَا فقد شقَّتْ الْمَرَض حَتَّى زارك فَلَا ينبغى لنا أَن نشكوه ونعذله لِأَنَّهُ اشتاق إِلَى زيارتك وَذَلِكَ أَنه كَانَ مرض وَدخل عَلَيْهِ يمدحه بِهَذِهِ القصدة وَالْبَيْت قلق السبك
(1/233)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى سبقتها ومضافها وحالاتها رَاجع إِلَى الرِّجَال الْمَعْنى يَقُول إِذا أَرَادَ الرِّجَال سفرا إِلَيْك سبقتها بِإِضَافَة أحوالها قبل إضافتك إِيَّاهَا وَإِنَّمَا يُرِيد إِقَامَة الْعذر للمرض الذى نزل بِهِ قَالَ ابْن فورجة النَّاس يروون سبقتها بِالتَّاءِ وَالصَّوَاب بالنُّون لِأَن الْمَعْنى إِذا نَوَت الرِّجَال السّفر إِلَيْك سبقت العلات الرِّجَال وجاءتك قبلهَا وَيصِح بِالتَّاءِ على تمحل وَهُوَ أَن يُقَال سبقت إضافتها بِإِضَافَة حالاتها فَيكون من بَاب حذف الْمُضَاف وَيُرِيد بالحالات حالات مرضهم الذى ذكره وَقَالَ ابْن القطاع مَعْنَاهُ إِذا نَوَت الرِّجَال سفرا إِلَيْك أَعدَدْت لَهَا أمورا فكأنك ضيقت أحوالها قبل نُزُولهَا بك
31 - يُقَال حمى وحمة وَالْمعْنَى يُرِيد أَن جسمك خير الْأَجْسَام فَلَا عذر للحمى فى تَركه وَهُوَ أفضل الْأَجْسَام وهى محلهَا الْأَجْسَام
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحمى لما رَأَتْ فِيك الشّرف وَالْكَرم والخصال المحمودة أعجبتها فأقامت فى بدنك لتأمل أعضائك الْمُشْتَملَة على تِلْكَ الْخِصَال المحمودة لَا لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَن تؤذيك والأذاة مصدر أَذَى يأذى أذا وأذاة
33 - الْمَعْنى يَقُول مَا من شئ عشقته إِلَّا بذلته حَتَّى بذلت جسمك لهَذِهِ الْعلَّة يُرِيد أَنَّك لَا تمسك شَيْئا بل تبذل كل شئ تحبه
34 - الْمَعْنى يُرِيد حق النُّجُوم أَن تزورك من علو أى من فَوْقك لِأَنَّك مضاهيها فى الْعُلُوّ والشرف وَكَذَلِكَ الآساد لِأَنَّهَا تشبهك فى الشجَاعَة
35 - الْإِعْرَاب الْجِنّ رفع لعطفه على الآساد وَرَوَاهُ بَعضهم بالخفض فَيكون عطفا على الْكَوَاكِب الْغَرِيب السترات جمع ستْرَة والوكنات جمع وكنة وهى اسْم لكل عش ووكر وهى مَوَاضِع الطير والوكن بِالْفَتْح عش الطَّائِر فى جبل أَو جِدَار والوكر مثله وَقَالَ الأصمعى الوكن مأوى الطَّائِر فى غير عش والوكر بالراء مَا كَانَ فى عش وَقَالَ أَبُو عَمْرو الوكنة والأكنة بِالضَّمِّ مواقع الطير حَيْثُمَا وَقعت وَالْجمع وكنات ووكنات ووكن كركبة وَركب ووكن الطَّائِر بيضه يكنه وَكُنَّا أى حضنه وتوكن أى تمكن الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَجْنَاس كلهَا من الْحَيَوَان تتألم لألمك لعُمُوم نفعك لَهَا فَلَو أَنَّهَا تقدر على المجئ إِلَى زيارتك لجاءتك عَائِدَة لَك
(1/234)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأَنَام كلهم إِذا ذكرت مناقبهم مَعَ مناقبكم كَانَت مناقبكم تزين الدَّهْر وَأَهله كَمَا أَن الْبَيْت البديع فى القصدة يزينها وَهُوَ مثل هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ بَيت بديع فى حسنه وَمَعْنَاهُ
37 - الْإِعْرَاب تَدور صفة لأمثلة وحياتها ابْتِدَاء وَالْكَاف فى قَوْله كمماتها فى مَوضِع رفع لِأَنَّهُ خبر الْمُبْتَدَأ الْغَرِيب أَمْثِلَة جمع مِثَال الْمَعْنى يُرِيد أَنهم أشبه النَّاس وَلَيْسوا بناس وَلَا خير فيهم فَلَا فرق بَين حياتهم ومماتهم وَقَوله تَدور تنْتَقل من حَال إِلَى حَال
38 - الْمَعْنى يَقُول خفت أَن أَتزوّج وألتمس الْأَوْلَاد فأرزق نَسْلًا مثل هَؤُلَاءِ الْأَمْثَال المذمومة فَتركت النِّسَاء وَلم أتزوجهن فَبَقيت الْبَنَات مَعَ أمهاتهن
39 - الْغَرِيب الْبَريَّة الْخلق وَأَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَقد همز البريئة نَافِع وَابْن ذكْوَان فى رِوَايَة عَن ابْن عَامر وَقَالَ الْفراء الْبَريَّة إِن أخذت من البرى وَهُوَ التُّرَاب فأصله غير الْهَمْز تَقول براه الله يبروه بروا أى خلقه والهبات جمع هبة الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَت الْبَريَّة كلهَا مملوكين لَهُ ثمَّ وهبهم لاستقل هباتها وَمن روى وهب الْبَريَّة يُرِيد أَنه لوعم الْبَريَّة بالعطايا لاستقلها
(1/235)

- الْإِعْرَاب مسترخص خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَنظر فَاعل مسترخص وَيجوز أَن يكون نظر ابْتِدَاء وَخَبره مسترخص وَيكون التَّقْدِير نظر الْبَريَّة إِلَيْهِ مسترخص بأعينها وَبِمَا بِهِ مُتَعَلق بمسترخص الْمَعْنى يُرِيد لَو اشترت الْبَريَّة وهى الْخَلَائق نظرا إِلَيْهَا بأعينها لَكَانَ رخيصا فالنظر إِلَيْهِ رخيص بالأعين الَّتِى تنظر بهَا وَلَو فديت عَثْرَة رجله بديات الْبَريَّة لَكَانَ دِيَة عَثْرَة رجله أَكثر من ديات الْبَريَّة ويروى عثير رجله أى غُبَار رجله
(1/236)

- 1 - الْغَرِيب الأريج والأرج الرّيح الطّيبَة والأجيج تلهب النَّار وَقد أجت تؤج أجيجا وأججتها فتأججت واثتجت افتعلت والأجوج المضئ قَالَه أَبُو عَمْرو وَأنْشد لأبى ذُؤَيْب يصف برقا
(أغَرّ كمصباح الْيَهُود أجوجُ ... )
الْمَعْنى يَقُول إِنَّه سَيكون لهَذَا الْيَوْم الذى سرت فِيهِ أَخْبَار طيبَة تنشر فى النَّاس وكنى بالنَّار عَن تلهب الْحَرْب قَالَ أَبُو الْفَتْح يأتى خبر طيب يسر الْمُسلمين ويسوء الْمُشْركين
2 - الْإِعْرَاب من روى تبيت بِهِ فَالضَّمِير للْفِعْل أَو الأجيج وَمن روى بهَا أَرَادَ الفعلة أَو النَّار وَمن روى وتسلم بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا أَرَادَ جماعات الْحجَّاج وَمن روى بِالْيَاءِ ذكر على اللَّفْظ وأنث الضَّمِير للمعنى أَرَادَ الْجَمَاعَات الْغَرِيب الحواصن العفائف من النِّسَاء وَمن روى الحواضر أَرَادَ نسَاء أهل الْحَضَر وروى الحواضن بالنُّون وَهن اللاتى فى حضَانَة أَوْلَادهنَّ والحجيج الْحجَّاج وَهُوَ جمع الْحَاج كَمَا يُقَال فى وَاحِد الْغُزَاة غزى والعادين على أَقْدَامهم عدى الْمَعْنى يَقُول العفائف من النِّسَاء قد أَمن من السبى وَهن الحواصن جمع حاصنة وَالْحجاج سَالِمُونَ فى مسالكهم يحربك للْكفَّار ونصرك عَلَيْهِم
3 - الْغَرِيب المهيج هُوَ الذى هاجه غَيره الْمَعْنى أَنه لما ذكر الْأسد اسْتعَار لَهُ الفريسة فَقَالَ لَا زَالَت عداتك أَيهَا الْأسد فرائس لَك حَيْثُ كَانَت من الْبِلَاد
(1/237)

- الْغَرِيب عبأت الْجَيْش بِالْهَمْزَةِ عَن أَبى زيد وَابْن الأعرابى وعبيت الْجَيْش بِغَيْر همز وَقَوله لَا تعيج أى مَا تبالى يُقَال مَا عجت بِكَلَامِهِ أى مَا بَالَتْ وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ مَا أَعْوَج بِكَلَامِهِ أى مَا ألتفت إِلَيْهِ أَخَذُوهُ من عجت النَّاقة وَقَالَ ابْن الأنبارى مَا عجت بالشئ أى لم أَرض بِهِ وَفُلَان مَا يعوج على الشئ أى مَا يرجع الْمَعْنى أَنه كَانَ مَعَ سيف الدولة فى بلد الرّوم فَالْتَفت فَرَأى سيف الدولة خَارِجا من الصُّفُوف يُدِير رمحه فَعرفهُ وَيُرِيد أَنَّك لَا تعبأ بِغَيْر سَيْفك أى لَا تعتمد إِلَّا سَيْفك وَلَا تبالى غَيْرك وَلَا تكترب بِهِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى قلَّة حفلة بجُنُوده وتعبيته قَالَ الواحدى وَقد روى النَّاس
(وَأَنت بِغَيْر سيرك ... )
وَهُوَ تَصْحِيف لَا وَجه لَهُ وَلَا معنى
5 - الْغَرِيب يسجو يسكن ويدوم وَقَوله {وَاللَّيْل إِذا سجى} أى إِذا دَامَ وَسكن وَمِنْه الْبَحْر الساجى قَالَ الْأَعْشَى
(فمَا ذَنبنا إِن جاش بَحْرُ ابْن عمكم ... وَبحْرك سَاج لَا يوارى الدَّعامِصَا)
وطرف سَاج أى سَاكن وسجيت الْمَيِّت تسجية إِذا طرحت عَلَيْهِ ثوبا الْمَعْنى يُرِيد أَن الْبَحْر يعرف إِذا كَانَ سَاكِنا فَكيف إِذا ماج وتحرك وَضرب هَذَا لَهُ مثلا لما رَآهُ وَهُوَ يُدِير رمحه فَجعله كالبحر المائج
6 - الْغَرِيب الأشواط جمع شوط وَهُوَ الطلق من الْعَدو والفروج مَا بَين القوائم الْمَعْنى يُرِيد بأرضى وَاسِعَة يتلاشى فِيهَا السّير وَإِن كَانَت شَدِيدَة تملأ مَا بَين القوائم عدوا
7 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى فِيهَا عَائِد إِلَى الأَرْض الْغَرِيب العلوج جمع علج وَهُوَ الرجل من كفار الْعَجم وَجمعه علوج وأعلاج وعلجة ومعلوجاء والعلج العير الْمَعْنى تُرِيدُ أَن تَأْخُذ نفس ملك الرّوم فتفديه أَصْحَابه العلوج فتقتلهم وتستأصلهم
(1/238)

- الْغَرِيب الغمرات الشدائد وَاحِدهَا غمرة واستعار البروج لما ذكر النُّجُوم والبروج اثْنَا عشر برجا أَولهَا الْحمل ثمَّ الثور ثمَّ الجوزاء ثمَّ السرطان ثمَّ الْأسد ثمَّ السنبلة ثمَّ الْمِيزَان ثمَّ الْعَقْرَب ثمَّ الْقوس ثمَّ الجدى ثمَّ الدَّلْو ثمَّ الْحُوت والنجوم السيارة سَبْعَة لكل نجم برجان إِلَّا الشَّمْس وَالْقَمَر فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا برج وَاحِد للمريخ الْحمل وَالْعَقْرَب وللزهرة الثور وَالْمِيزَان ولعطارد الجوزاء والسنبلة وللقمر السرطان وللشمس الْأسد وللمشترى الْقوس والحوت ولزحل الجدى والدلو الْمَعْنى يُرِيد أننا فى الحروب بِمَنْزِلَة هَذِه النُّجُوم فى أبراجها لَا ننفك عَنْهَا لِأَنَّهَا لنا كالبيوت كَمَا أَن هَذِه الْمنَازل بيُوت لهَذِهِ النُّجُوم وَقَالَ الواحدى تهددنا النَّصَارَى بالحروب وَنحن أبناؤها لَا ننفك عَنْهَا كَالنُّجُومِ لَا تنفك عَن منازلها
9 - الْمَعْنى يُرِيد بِالسَّيْفِ سيف الدولة عرفه بلام التَّعْرِيف يَقُول إِذا حمل صدق فى حَملته وَلم يتَأَخَّر لشجاعته وَإِذا أغار لجت بِهِ غارته ودامت فَلَا يرجع حَتَّى يَسْتَأْصِلهُمْ
10 - الْإِعْرَاب بَأْسا انتصب لِأَنَّهُ مفعول لأَجله وَيجوز نصبسه على الْمصدر أى يخَاف عَلَيْهِ خوفًا قَالَ ابْن جنى بَأْسا من قَوْلهم لَا بَأْس عَلَيْك أى لَا خوف وَقَالَ ابْن فورجة يكون الْبَأْس هُنَا للشدة والشجاعة فَيكون مَفْعُولا كَمَا يُقَال نَعُوذ بِاللَّه حسنا أى لحسنه الْمَعْنى نعيذه بِاللَّه خوفًا عَلَيْهِ من الْعُيُون والأعيان أَرَادَ بهَا هَا هُنَا جمع عين قَالَ يزِيد بن عبد المدان
(ولكنَّنِى أغْدو علىّ مُفاضيةٌ ... دِلاص 1 كأعيان الجَرَاد المُنَظَّمِ)

11 - الْإِعْرَاب الدمستق عطف على الضَّمِير بِغَيْر توكيد وَهُوَ // جَائِز // عندنَا وَحجَّتنَا مَا جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز وفى أشعار الْعَرَب فمما جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز قَوْله تَعَالَى {ذُو مرّة فَاسْتَوَى وَهُوَ بالأفق} فَاسْتَوَى جِبْرِيل وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فعطف على الضَّمِير المستكن فى اسْتَوَى فَدلَّ على جَوَازه وَقَالَ الشَّاعِر
(قلت إذْ أقْبلت وزُهر تهادَى ... كنِعاج الفَلا تعسَّفن رَمْلاَ)
فعطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع فى أَقبلت وَقَالَ الآخر
(ورَجا الأُخيَطلُ من سَفاهة رَأْيه ... مَا لم يكن وأبٌ لهُ لِينالاَ)
فعطف وَأب على الضَّمِير الْمَرْفُوع فى يكون فَدلَّ على جَوَازه وَحجَّة الْبَصرِيين مَا قَالُوا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُقَدرا فى الْفِعْل أَو ملفوظا بِهِ فَإِن كَانَ مُقَدرا نَحْو قَامَ وَزيد فَكَأَنَّهُ عطف اسْما على فعل وَإِن كَانَ ملفوظا بِهِ نَحْو قُمْت وَزيد فالتاء تنزل منزلَة الْجُزْء من الْفِعْل فَصَارَ كعطف الِاسْم على جُزْء الْفِعْل قَالَ ابْن جنى أعمل الثانى وَهُوَ اسْم الْفَاعِل رَاض وَلَو أعمل الأول لقَالَ غير رَاض بِهِ الْغَرِيب القواضب جمع قاضب وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع والوشيج شجر الرماح وشجت الْعُرُوق والأغصان اشتبكت والوشيجة الرَّحِم المشتبكة وَقد وشجت بِهِ قرَابَة فلَان وَالِاسْم الوشيج والوشيجة لِيف يفتل ثمَّ يشد بَين خشبتين ينْقل عَلَيْهَا السنبل المحصود الْمَعْنى يَقُول رَضِينَا نَحن بِحكم السيوف والرماح وَلم يرض الدمستق بذلك لِأَنَّهَا حكمت عَلَيْهِ بالهزيمة والدبرة وحكمت لنا بالغلبة وَالظفر فرضينا بذلك وَلم يرض هُوَ
(1/239)

- الْغَرِيب سمندو هى من بِلَاد الرّوم فى أَولهَا والخليج نهر قسطنطينية قَالَ ابْن جنى سَأَلته لم لم تعرب سمندو فَقَالَ لَو أعربتها لم تعرف الْمَعْنى يَقُول إِن قدم علينا واستقبلنا بِالْحَرْبِ فقد قصدنا بِلَاده وَإِن أحجم أى تَأَخّر وهرب لحقناه بالخليج وَهُوَ أقْصَى بِلَاده
(1/240)

- 1 - الْغَرِيب القرائح جمع قريحة وهى الطبيعة وَفُلَان جيد الطبيعة إِذا كَانَ ذكى الطَّبْع وجيد القريحة إِذا كَانَ لَهُ نظر وَفهم وَمَعْرِفَة والجوارح جمع جارحة وَهَذِه الْقطعَة من الطَّوِيل الثانى والقافية متدارك الْمَعْنى يَقُول إِذا ابتسمت إِلَى إِنْسَان انْشَرَحَ صَدره وحيى طبعه وقويت جوارحه وَإِن كَانَ ضَعِيف الْجِسْم لِأَنَّهُ يَنَالهُ فَرح والفرح يقوى الْجِسْم وَالْقلب وَقيل القريحة خَالص الغريزة من قَوْلهم مَاء قراح أى خَالص وقريحة الْبِئْر أول مَا يخرج من مَائِهَا وَرجل قرحان إِذا لم يصبهُ جدرى وَلَا طاعون يُرِيد خَالص الْجَسَد والجوارح اليدان وَالرجلَانِ والعينان والفم وَالْأُذن لِأَن أصل الْجرْح الِاكْتِسَاب والاكتساب يَقع بِهَذِهِ الْجَوَارِح من مآثم وَغَيرهَا والجوارح الكواسر الَّتِى تجرح الصَّيْد وَغَيره وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح}
2 - الْمَعْنى يَقُول لَا يقدر أحد على الْقيام بحقوقك لِأَنَّهَا كَثِيرَة على النَّاس وَمن ذَا الذى يرضيك بِقَضَاء حقوقك غير من تسامحه وتساهله
3 - الْإِعْرَاب تكرما مفعول من أَجله وواقفا حَال الْمَعْنى يُرِيد إِنَّك لكرمك تقبل الْعذر فَمَا بَال عذرى وَهُوَ وَاضح وَاقِفًا لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَهَذَا من الِاعْتِذَار الْجيد
4 - الْإِعْرَاب جعل اسْم إِن نكرَة للضَّرُورَة لِأَنَّهَا تدخل على المبتدإ وَالْخَبَر وَلَا يجوز أَن يكون الْمُبْتَدَأ نكرَة إِلَّا فى مَوَاضِع مَعْرُوفَة لَيست هَذِه مِنْهَا الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ عيشنا بك وحياتنا بحياتك فَمن الْمحَال أَن تعتل وَلَا نشاركك فى علتك لِأَنَّك أَنْت الْحَيَاة لنا والعيش وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(وَإنْ يَجِدْ عِلَّةً نُعَمُّ بِها ... حَتَّى تَرَانَا نُعادُ فى مَرَضِه)

5 - الْمَعْنى يَقُول مَا تركت الشّعْر وتأخرت عَن مدحه إِلَّا لِأَن المديح فِيهِ وَإِن كثر يقصر عَن بعض وَصفه فَلهَذَا تركت المديح يعْتَذر إِلَيْهِ من تَأَخره عَن مدحه
(1/241)

- 1 - الْغَرِيب المسود الذى جعله النَّاس مسودا يسودهم فَهُوَ سيد قومه والجحجاح السَّيِّد الْعَظِيم وَالْجمع الجحاجيح وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح الْجمع جحاجح وَأنْشد
(مَاذَا ببَدْر فالْعَقَنْقَل من مرَازبةٍ جَحاجحْ)
قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النحوى فى رده على الجوهرى بل الْجمع الجحاجيح وَإِنَّمَا حذف الشَّاعِر الْيَاء من الجحاجيح ضَرُورَة وَقَالَ الجوهرى جمع الجحجاح جحاجح وَإِن شِئْت جحاجيح وَإِن شِئْت جحاجحة وَالْهَاء عوض من الْيَاء المحذوفة ولابد مِنْهَا أَو من الْيَاء وَلَا يَجْتَمِعَانِ الْمَعْنى يُرِيد أثارتنى سفهاؤكم وأغضبتنى وَلما سماهم كلابا سمى كَلَامهم نباحا ويروى هجنتنى من الهجنة أى نسبتنى إِلَى الهجنة وَيدل على هَذِه الرِّوَايَة قَوْله بعده
(أَيكُون الهجان ... الخ ... )

2 - الْغَرِيب الهجان من الْإِبِل الْبيض قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
(ذِراعىْ عَيْطَلٍ أدماءَ بكْرٍ ... هِجانِ اللَّوْن لم تَقْرأ 1 جَنِينا)
ويستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع يُقَال بعير هجان وناقة هجان وإبل هجان وَرُبمَا قَالُوا هجائن قَالَ ابْن أَحْمَر
(كأنّ على الْجمال أوانَ خَفَّتْ ... هَجائِنَ مِن نِعاج أوار 2 عينا)
وَأَرْض هجان طيبَة الترب وَامْرَأَة هجان كَرِيمَة قَالَ الشَّاعِر
(وَإِذا قِيلَ مَنْ هِجانُ قُرَيْشٍ ... كُنْتَ أنْتَ الفَتى وأنتَ الهِجانُ)
الْمَعْنى يَقُول كريم النّسَب لَا يكون غير كريم النّسَب وَغير خَالص النّسَب يُرِيد بذلك أَن هجو الهاجى لَا يُؤثر فِيهِ لِأَنَّهُ ذكر فى الْبَيْت الأول شكواه من السُّفَهَاء واللئام وَذكر فى هَذَا الْبَيْت أَن سفههم وبهتهم لَا يقْدَح فى نسبه وَلَا يُغَيِّرهُ
3 - الْمَعْنى يُرِيد بِهَذَا التهديد لَهُم يَقُول هم جهلونى وجهلوا قدرى وأصلى فَإِن عِشْت لَهُم عرفتنى لَهُم الرماح أى الرماح تعرفهم نسبى وَقَالَ الواحدى يحْتَمل أَنه أَرَادَ إِذا طاعنتهم وَرَأَوا حسن بلائى استدلوا بذلك على كرم نسبى
(1/242)

- 1 - الْإِعْرَاب فليك حذف النُّون لسكونها وَسُكُون التَّاء فى التبريج وَلم يكن حذفهَا كحذفها من قَوْله
(وَلم تَكُ شَيْئا ... )
وَقَوله
(لم يكُ شَىْءٌ يَا إلهى قبلَكا)
لِأَنَّهَا قد ضارعت بالمخرج والسكون والغنة حُرُوف الْمَدّ فحذفت كَمَا تحذفن وهى هُنَا فى قَول المتنبى قَوِيَّة بالحركة لِأَن سَبِيلهَا أَن تحرّك فَكَانَ ينبغى أَن لَا يحذفها لكنه لم يعْتد بالحركة فى النُّون لما كَانَت غير لَازِمَة ضَرُورَة وَمثله 1
(لم يَكُ الحَقّ سِوَى أنْ هاجَه ... رَسْم دارٍ قد تعفت بالسِّرِرْ 2)
وَقد حذف النُّون من لَكِن فى الشّعْر ضَرُورَة أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(فلَسْتُ بآتِيه وَلَا أسْتَطِيعُه ... ولاكِ اسْقنى أنْ كَانَ ماؤُك ذَا فَضْل)
وَإِذا جَازَ حذف النُّون من لَكِن وَقد حذف مِنْهَا نون أُخْرَى جَازَ أَن تحذف من قَوْله فليك التبريح وَفِيه قبح من وَجه آخر وَهُوَ أَنه حذف النُّون مَعَ الْإِدْغَام وَهُوَ // غَرِيب جدا // لِأَن من قَالَ فى بنى الْحَارِث بلحارث لم يقل فى بنى النجار بنجار وجللا خبر كَانَ مقدم عَلَيْهَا الْغَرِيب التبريح الشدَّة يُقَال برح بى الْأَمر وَيُقَال لقِيت مِنْهُ برحا بريحا أى شدَّة وأذى قَالَ الشَّاعِر
(أجدّك هَذَا عَمْرَك اللهَ كلَّما ... دعَاك الهوَى برْحٌ لعَيْنيك بارحُ)
وَلَقِيت مِنْهُ بَنَات برح وَبنى برح وَلَقِيت مِنْهُ البرحين والبرحين بِضَم الْبَاء وَكسرهَا أى الشدائد والدواهى والجلل الْأَمر الْعَظِيم يَقع على الْكَبِير وَالصَّغِير لِأَنَّهُ من الأضداد وَهُوَ هَا هُنَا الْأَمر الْعَظِيم والرشأ ولد الظبية والأغن الذى فى صَوته غنة وَهُوَ صَوت من الخيشوم والأغن الذى يتَكَلَّم من قبل خياشيمه وواد أغن كثير العشب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ كَذَلِك أَلفه الذُّبَاب وفى أصواته غنة وَمِنْه قيل للقرية الْكَثِيرَة الْأَهْل والعشب غناء وَأما قَوْلهم وَاد مغن فَهُوَ الذى صَار فِيهِ صَوت الذُّبَاب وَلَا يكون الذُّبَاب إِلَّا فى وَاد مخصب معشب وأغن السقاء إِذا امْتَلَأَ مَاء وأغن الوادى فَهُوَ مغن
(1/243)

الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه من كَانَ فى شدَّة فَلْيَكُن كَمَا أَنا عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لما هُوَ فِيهِ من الشدَّة وَتمّ الْكَلَام هَا هُنَا ثمَّ اسْتَأْنف قولا آخر مُتَعَجِّبا من حسن الْمُشبه أى كَأَنَّهُ ظبى فى حسنه وَوَقع الشَّك لوُقُوع الِاشْتِبَاه كَقَوْل قيس
(فعَيْناكِ عَيْناها وَجِيدُكِ جِيدُها ... ولكنَّ عَظْمَ السَّاق منكِ دقيقُ)
وَقَوله أغذاء هُوَ اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار يُرِيد أَن الرشأ الذى يهواه إنسى وَلَا وحشى فيغذى بالشيح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح المصراعان متباينان فَلذَلِك أفرد كل وَاحِد بِمَعْنى وَقَالَ أَصْحَاب الْمعَانى قد يفعل الشَّاعِر مثل هَذَا فى التشبيب خَاصَّة ليدل بِهِ على ولهه وشغله عَن تَقْوِيم خطابه كَقَوْل جران الْعود 1
(يَوْمَ ارتحلْتُ برَحْلى قبل برْذَعتى ... والعقلُ مدَّلِهٌ والقلْبُ مَشْغولُ)

(ثمَّ انصرفت إِلَى نِضوى لِأبعثه ... إِثْر الحُدوج الغوادى وَهُوَ مَعْقُول)
يُرِيد أَنه لشغل قلبه لم يدر كَيفَ يرحل وَلم يدر أَن بعيره مَعْقُول وفى كَلَامه مَا يدل على ولهه مِمَّا ذكر من حَاله وعَلى هَذَا يحمل قَول زُهَيْر
(قِفْ بالدّيارِ الَّتِى لم يعْفُها الْقدَم)
ثمَّ قَالَ
(بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح والديم)
وَقَالَ القَاضِي بَين المصراعين اتِّصَال لطيف وَهُوَ أَنه لما أخبر عَن عظم تبريحه بَين أَن لاذى أورثه ذَلِك هُوَ الرشأ الذى شكله على شكل الغزلان فِي غذائه وزاده ابْن فورجة بَيَانا فَقَالَ يُرِيد مَا غذَاء هَذَا الرشأ إِلَّا القاوب وأبدان العشاق يهزلها ويمرضها ويبرح بهَا وَقد صرح بَعضهم بِهَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(يَرْعَى القُلُوبَ وتَرْتَعِى الْغِزْلانُ ... فى البَيْداءِ 2 شيحَه)
وَكَأن أَبَا الطّيب قَالَ ليكن تبريح الْهوى عَظِيما مثل مَا حل بى أتظنون من فعل بى هَذَا الْفِعْل غذاؤه الشيح مَا غذاؤه إِلَّا قُلُوب العشاق
(1/244)

- الْغَرِيب الشُّمُول الْخمر سميت بذلك لِأَنَّهَا تَشْمَل برائحتها وَقيل شبهت بالشمال من الرّيح لِأَنَّهَا تعطف باللب كَمَا تعطف بالشمال وَرجل مشمول الْخَلَائق أى محمودها ومشمول الْخَلَائق مذمومها مَأْخُوذ من الشمَال من الرّيح لأَنهم لَا يحمدونهم لِأَنَّهَا تفرق السَّحَاب والصنم وَاحِد الْأَصْنَام يُقَال إِنَّه مُعرب شمن وَهُوَ الوثن الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه يتمايل كمشية السَّكْرَان وغيرت الْخمر مشيته وزادت فى حسنه كَأَنَّهُ صنم لَوْلَا أَنه ذُو روح وجردت عَنهُ ثِيَابه أى أزالت لِبَاسه عَنهُ قَالَه الْخَطِيب وَقَالَ غَيره جردته من شبه النَّاس حَتَّى أشبه الصَّنَم وَنظر فِيهِ إِلَى قَول ديك الْجِنّ
(ظَلِلْنا بأيْدِينا نُتَعْتِعُ رُوحَها ... فتأْخُذُ مِنْ أقْدَامِنا الخَمْرُ ثارَها)

3 - الْغَرِيب تضرجت احْمَرَّتْ خجلا وَأَصله من انضرج إِذا انْشَقَّ كَأَنَّهُ قد انضرج أى انْشَقَّ جلده فَظهر الدَّم الْمَعْنى يَقُول فؤادى هُوَ الْمَجْرُوح فَمَا بَال هَذَا الرشأ لما نظرته تضرجت بِالدَّمِ وجناته وَلم يجرحها شئ وَإِنَّمَا الْمَجْرُوح فؤادى وَهُوَ من قَول كشاجم
(أرَاهُ يُدَمَّى خَدُّهُ وَهْو جارِحى ... بعينَيْهِ والمجْرُوحُ أوْلى بأنْ يَدْمَى)

4 - الْغَرِيب صاب السهْم يصوب صيبوبة أى قصد وصاب السهْم القرطاس يصبهُ صيبا لُغَة فى أَصَابَهُ وفى الْمثل مَعَ الخواطئ سهم صائب الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَصَابَهُ بِعَيْنيهِ وَلم يصبهُ بِيَدِهِ وَقَوله
(رمتا يَدَاهُ)
الْوَجْه أَن يَقُول رمت يَدَاهُ وَلكنه على لُغَة من قَالَ قاما أَخَوَاك وَمثل هَذَا قِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى {إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا}
وَالْمعْنَى أَنه يُرِيد أَن عَيْنَيْهِ رمتا وَلم ترم يَدَاهُ سَهْما يعذب وَمن عَادَة السهْم أَن يقتل فيريح الْمَقْتُول وَهَذَا السهْم لم يرح وَإِنَّمَا يعذب الذى أَصَابَهُ فَهُوَ لاميت وَلَا حى بل هُوَ معذب
5 - الْغَرِيب الْجنان الْقلب وَيُقَال مَا على جنان إِلَّا مَا ترى أى ثوب وجنان اللَّيْل ادلهمامه قَالَ خفاف بن ندبة
(ولوْلا جَنان اللَّيْل أدْرك رَكضُنا ... بذى الرّمْثِ والأرْطى عياضَ بنَ ناشبِ)
الْمَعْنى يَقُول نلتقى بالقلوب لَا بالأجسام وَإِن قرب المزار فَلَا مَزَار على الْحَقِيقَة وَيَغْدُو الْجنان أى يَغْدُو الْقلب إِلَيْهِ وَيروح أى يتَذَكَّر فيتصور فى الْقلب فكأنا قد الْتَقَيْنَا وَهَذَا من قَول ابْن المعتز
(إنَّا عَلى البِعادِ والتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِى بالذّكْرِ إنْ لَمْ نَلْتَقِ)
وَمثل هَذَا لرؤبة
(إنى وَإِن لم ترَنى كأنَّنى ... أرَاكَ بالغَيْب وَإِن لم ترَنى)
وَأحسن فى هَذَا الْمَعْنى أَبُو الطّيب على من قبله بقوله
(لَنا ولأهْلِه أبدا قُلُوبٌ ... تلاقى فى فى جُسومٍ مَا تلاقى)

6 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ظَهرت سرائرنا وشفنا نقصنا يُرِيد لما عرضنَا لَك بهواك قَامَ مقَام التَّصْرِيح منا لَك وَيجوز عرضنَا لَك عودتك فصرحت بالهجر وَيجوز لما جهدنا بالتعريض اسْتَرَحْنَا إِلَى التَّصْرِيح فانهتك السّتْر وَهُوَ أقوى الِاحْتِمَالَات انْتهى كَلَامه قَالَ الواحدى لم يقف أَبُو الْفَتْح على حَقِيقَة الْمَعْنى وَقد ذكر فى هَذَا أوجها فَاسِدَة وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمَعْنى كتماننا نقصنا وهزلنا فَصَارَ النحول صَرِيح الْمقَال يُرِيد أَنه اسْتدلَّ بالتحول على مَا فى الْقلب من الْحبّ فَقَامَ ذَلِك مقَام التَّصْرِيح لَو صرحنا
7 - الْغَرِيب الحمول الْأَحْمَال على الْإِبِل وَيُرِيد بهَا الْإِبِل الَّتِى حملتها والطلوح جمع طلح وَقيل جمع طَلْحَة الْأَحْمَال مثل بدرة وبدور والأسى الْحزن الْمَعْنى يَقُول لما تَفَرَّقت الحمول سائرة تقطعت نفسى وجدا وحزنا وَشبههَا بالأشجار وَمن عَادَة الْعَرَب أَن تشبه الْإِبِل وَعَلَيْهَا الهوادج بالأشجار وَقَالَ الخوارزمى الطلح شجر أَسْفَله دَقِيق وَأَعلاهُ كالقبة فتشبه الحمول بذلك
8 - الْإِعْرَاب أَدخل بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر جملَة فعلية وَالتَّقْدِير حسن العزاء قَبِيح وَقد جبلين أى المحاسن الْمَعْنى يُرِيد أَن الْوَدَاع كشف محَاسِن الحبيب الَّتِى يُمكن أَن تظهر حَتَّى قبح الصَّبْر عِنْدهَا وَهَذَا كَقَوْل العتبى
(والصَّبْرُ يُحْمَدُ فى المَوَاطِنِ كلِّها ... إلاَّ عَلَيْكَ فإنَّهُ مَذْمُومُ)
وَقَالَ يحيى بن مَالك
(أحَقا فمَا وَجدِى عليكَ بهَيِّن ... وَلَا الصَّبرُ إِن أعطيتَه بجَميل)
وكقول حبيب
(وَقد كَانَ يُدعَى لابسُ الصَّبر حازما ... فَأصْبح يُدعَى حازما حِين يَجْزعُ)
وَأحسن وَزَاد على الْجَمَاعَة أَبُو الطّيب بقوله
(أجِدُ الجَفاءَ على سواك مُرُوّة ... والصبرَ إِلَّا عَن نوَاك جميلا)
(1/245)

- الْغَرِيب أَرَادَ بالمدمع الدمع يَقُول لَو تَرَانَا عِنْد الْوَدَاع وَنحن فى حَال لرحمتنا الْيَد تُشِير بِالسَّلَامِ والطرف شاخص إِلَى وَجه الْمُودع وَالْقلب ذائب حزنا من ألم الْفِرَاق والدمع مصبوب وَهَذَا // تَقْسِيم حسن //
10 - الْغَرِيب انبرى انْدفع وَاعْترض وَأخذ الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحمام عِنْد فقد إلفه لَو وجد كوجدى لأخذ شجر الْأَرَاك يساعده على النوح والبكاء رَحْمَة لَهُ ورقة وإعانة على النواح لكنه لم يجد كوجدى
11 - الْغَرِيب الأمق الْمَكَان الطَّوِيل وَفرس أمق أى طَوِيل والوخد ضرب من السّير وَيُرِيد هُنَا أسرعت والطليح وَهُوَ المعيى وطلح الْبَعِير أعيا فَهُوَ طليح وأطلحته أَنا وطلحته حسرته وناقة طليح أسفار إِذا أجهدها السّير وهزلها وإبل طلح وطلائح والطلح بِالْكَسْرِ المعيى من الْإِبِل وَغَيرهَا يستوى فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع أطلاح قَالَ الحطيئة يصف إبِلا وراعيها
(إِذا نَام طِلْحٌ أشعَثُ الرأسِ خَلْفَها ... هداه لَهَا أنفاسُها وزَفيرُها)
(1/247)

الْمَعْنى يَقُول فى وصف بلد طَوِيل لَو أسرعت ريَاح الشمَال فى ذَلِك الْبَلَد وَعَلَيْهَا رَاكب لأناخ الرَّاكِب وَالشمَال طليح أى معية وَهَذَا من بَاب الْمُبَالغَة فَإِذا كَانَت الرّيح تعيا فِيهِ فَكيف الْإِنْسَان وَذكر الْعرض ليدل على السعَة لِأَنَّهُ أقل فى الْعرف من الطول وَهُوَ فى كل شئ كَقَوْلِه تَعَالَى {عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض}
12 - الْإِعْرَاب ركبهَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ التَّسْبِيح والثقدير وركبها مسبحون وَالضَّمِير عَائِد إِلَى القلص وَخَوف الْهَلَاك مفعول لأَجله أَو فى مَوضِع الْحَال وحداهم التَّسْبِيح مُبْتَدأ وَخبر الْغَرِيب قلص الركاب هى الْفتية من الْإِبِل الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى نازعته أخذت مِنْهُ بقطعى إِيَّاه وأعطيته مَا نَالَ من الركاب قَالَ الواحدى وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا قَالَ لِأَن الْمُتَنَازع فِيهَا هى القلص فالبلد يفنيها وَيَأْخُذ مِنْهَا وَهُوَ يستبقيها وَالْمعْنَى إنى أحب إبقاءها والبلد يحب إفناءها بالمنازعة فِيهَا كَقَوْل الْأَعْشَى
(نازعتُهم قُضُب الرَّيحانِ متَّكئا)
أى أخذت مِنْهُم وأعطيتهم وهم أخذُوا منى وأعطونى وَمعنى الْبَيْت إِنَّهُم من خوفهم كَانُوا يسبحون الله من هول الطَّرِيق ومشقتها وَكَانَ التَّسْبِيح بدل الحداء يتبركون بالتسبيح ويرجون بِهِ النجَاة
13 - الْإِعْرَاب لَوْلَا الْأَمِير الْأَمِير مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا أَن الِاسْم مَرْفُوع بهَا لِأَنَّهَا نائبة عَن الْفِعْل الذى لَو ذكر لرفع الِاسْم كَمَا تَقول لَوْلَا زيد لجئت تَقْدِيره لَو لم يمنعنى إِلَّا أَنهم خذفوا الْفِعْل تَخْفِيفًا وَزَادُوا لَا على لَو فَصَارَ بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد كَقَوْلِهِم أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك تَقْدِيره أَن كنت مُنْطَلقًا انْطَلَقت مَعَك قَالَ الشَّاعِر
(أَبَا خُرَاشة أمَّا أنتَ ذَا نَفَرٍ ... فإنّ قَوْمَى لم تأكُلْهُمُ الضُّبُعُ)
أى أَن كنت ذَا نفر فَحذف الْفِعْل وَزَاد مَا عوضا عَنهُ والذى يدل على أَنَّهَا عوض عَن الْفِعْل أَنه لَا يجوز ذكر الْفِعْل مَعهَا لِئَلَّا يجمع بَين الْعِوَض والمعوض وكقولهم إمالا فافعل هَذَا تَقْدِيره إِن لم تفعل مَا يلزمك فافعل هَذَا فَحذف الْفِعْل لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وزيدت مَا على أَن عوضا عَنهُ فصارتا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد وَيجوز إمالتها لِأَنَّهَا صَارَت عوضا عَن الْفِعْل كَمَا أمالوا بلَى وَيَا فى النداء والشواهد كَثِيرَة على أَن الْفِعْل بعْدهَا مَحْذُوف وَاكْتفى الإسم بلولا وَيدل على أَن زيدا منعنى قَالَ الله تَعَالَى {فلولا أَنه كَانَ من المسبحين} وَلَو كَانَت فى مَوضِع الِابْتِدَاء لوَجَبَ أَن تكسر فَلَمَّا فتحت دلّ على صِحَة قَوْلنَا وَحجَّة الْبَصرِيين على أَنه يرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ دون لَوْلَا أَن الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وَلَوْلَا لَا يخْتَص بالإسم دون الْفِعْل وَقد يخْتَص بِالْفِعْلِ وَالِاسْم قَالَ الشَّاعِر
(لَا درّ درّك إنى قد حَمِدُتهم 1 ... لَوْلَا حُدِدْت وَمَا عُذْرَىِ لمَحْدودِ)
وَنحن نقُول إِن هَذَا الْبَيْت على معنى لَوْلَا أَنى حددت فَصَارَت مُخْتَصَّة بِالِاسْمِ دون الْفِعْل وَقَوله جشمت فِيهِ ضمير يعود على الركاب الْغَرِيب جشمت كلفت جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته الْأَمر تجشيما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَقَالَ الشَّاعِر عبد الْمطلب 2
(مهما تُجَشِّمْنى فإِنىَ جاشمُ ... )
الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا الممدوح مَا كلفت الْإِبِل خطرا أى خطر المفاوز وَلَا رددت الناصح الذى ينْهَى عَن ركُوب المفاوز لهولها وَبعدهَا
(1/248)

- الْغَرِيب ونت قصرت وفترت وَأمّهَا قَصدهَا وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى مقصودها وتاح لَهُ الشئ وأتيح أى قدر لَهُ وأتاح الله لَهُ الشئ أى قدره لَهُ وَرجل متيح يعْتَرض فِيمَا لَا يعنيه قَالَ الراعى
(أفى أثَر الأظْعان عينُك تَلْمَحُ ... نَعَمْ لاتَ هَنَّا إنّ قلبكَ مِتْيَحُ)
الْمَعْنى يَقُول إِن فترت وَأَنت قَصدهَا فالموت فَهُوَ خير لنا ولى من أَن نتخلف عَنْك أَو إِذا افترت هَذِه الركاب فَقدر الله لَهَا ولى الْمَوْت فَهُوَ خير لنا
15 - الْغَرِيب نقُول شمت الْبَرْق إِذا نظرت إِلَى سحابه أَيْن تمطر وشمت مخايل الشئ إِذا تطلعت نَحْوهَا ببصرك وحرى أى حقيق وخليق ومرته استدرته الْمَعْنى يَقُول شمنا بروقه أى رجونا عطاءه وَلم تحجب بروقه السَّمَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بغيم فيسترها وَإِنَّمَا يُرِيد مخايل عطائه وَهُوَ خليق بِأَن يجود وَلم تمره الرّيح وَهَذَا يُرِيد تفضيله على السَّحَاب لِأَن السَّحَاب لَا يجود حَتَّى تستدره الرّيح ويحجب حسن السَّمَاء وَهَذَا يجود وَلَا يحجب السَّمَاء وَلم تمره الرّيح
(1/249)

- الْغَرِيب مغبوق هُوَ الذى يسقى عِنْد الغبوق وَهُوَ آخر النَّهَار والمصبوح هُوَ الذى يسقى عِنْد الصَّباح وَالْمرَاد أَنه يسقى بكأس محامد فَحذف الْبَاء وأضاف المغبوق إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ الْمَعْنى يُرِيد إِنَّه مرجو للنفع مخوف الآذى يحمد فى كل وَقت من هَذِه الْأَوْقَات فَكَأَنَّهُ يسقى بكأس المحامد غبوقا وصبوحا
17 - الْإِعْرَاب حنق مبدل من قَوْله مرجو وَهُوَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ مرجو الْغَرِيب بدر جمع بدرة كسدرة وسدرا واللجين الْفضة وَهَذَا بَيت // جيد حسن الْمَعْنى // وَالْجمع بَين الْإِسَاءَة والصفح من الطباق الْجيد
18 - الْإِعْرَاب من روى الْكَرم بِالنّصب فَالضَّمِير فى فرق للممدوح وَمن روى بِالرَّفْع فالفعل للكرم وحرفا الْجَرّ يتعلقان بالفعلين الْغَرِيب الشحيح الْبَخِيل وشححت بِالْكَسْرِ تشح وشححت بِالْفَتْح تشح وتشح وَرجل شحيح وَقوم شحاح وأشحة وتشاح الرّجلَانِ على الْأَمر لَا يُريدَان أَن يفوتهما والشحاح بِالْفَتْح الشحيح وَالشح الْبُخْل مَعَ حرص الْمَعْنى يَقُول لَو فرق فى النَّاس كرمه الذى يفرق مَاله لَكَانَ النَّاس كلهم أسخياء وَهَذَا من قَول بَعضهم
(أقُولُ إذْ سألوِنى عَنْ سَماحتِهِ ... ولستُ ممَّن يُطيلُ القَوْل إِن مَدَحا)

(لَوْ أنَّ مَا فيهِ مِنْ جُودٍ تَقَسَّمه ... أولادُ آدمَ عادُوا كلهم سُمَحَا)
وَمِنْه قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(لَوْ قَسَّمَ اللهُ جُزْءاً مِن محاسنه ... فى النَّاسِ طُرَا لَتمَّ الحُسْن فى النَّاسِ)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(لَوْ اقْتُسِمتْ أخلاقُه الغُرُّ لَمْ تجِد ... مَعِيبا وَلَا خَلقا من النَّاس عائِبا)

19 - الْغَرِيب من روى ألغت فَهُوَ من اللَّغْو أى تركت وَمن روى ألفت فَهُوَ من الألفة أى اعتادته والسمة الْعَلامَة تكون على أنف الْبَعِير وَالشَّاة وَغَيرهمَا من الدَّوَابّ الْمَعْنى يَقُول أسقطت آذانه كَلَام العذل وألفته فَلَا تعبأ بِهِ وروى ابْن جني ألفت أى اعتادت كَلَامهم فَلم تلْتَفت إِلَيْهِ وأهملته من كَثْرَة مَا يلومونه أى اعتادت مسامعه اللوم وألفته فَهُوَ يعْصى اللوام وَغَيره يطيعهم فَيرى عَلَيْهِم أثر اللوم ظَاهرا كَمَا ترى السمة على الْأنف 20 - الْغَرِيب خلت مَضَت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى قد خلت من قبلكُمْ سنَن} والقرون جمع قرن من النَّاس وَقيل الْقرن مَا بَين الْأَرْبَعين إِلَى الْخمسين وَقيل المئة الْإِعْرَاب قَالَ ذكره وَحَدِيثه وَلم يقل مشروحان وَذَلِكَ لِأَن الذّكر والْحَدِيث وَاحِد وَقيل هما جملتان حذفت الأولى لدلَالَة الثَّانِيَة عَلَيْهَا وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى {وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه} وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَأنْشد
(نحنُ بِمَا عنْدَنا وأنْتَ بِمَا ... عندكَ راضٍ والرأىُ مختلِفُ)
وَمذهب الْمبرد أَن فى الْكَلَام تَقْدِيمًا وتأخيرا وَتَقْدِيره وَالله أَحَق أَن يرضوه وَرَسُوله وَقَالَ قوم بل الضَّمِير عَائِد على الْمَذْكُور كَقَوْل رؤبة
(فِيهَا خُطُوطٌ مِن سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كأنَّه فى الجلْد تَوْليعُ البَهَقْ)
أى كَأَن الْمَذْكُور الْمَعْنى قَالَ الواحدى لم يعرف ابْن جنى الْبَيْت فَلم يفسره وَفَسرهُ ابْن دوست بِخِلَاف الْمَعْنى وَقَالَ إِن الله بشر بِهِ فى كتب الماضين وَهَذَا كذب صَرِيح لِأَن الله تَعَالَى لَا يبشر بِغَيْر نبى أَو لم يسمع قَول أَبى الطّيب
(إِلَى سَيِّدٍ لَوْ بَشَّرَ الله أمَّة ... بِغَيْر نبِىّ بَشَّرَتْنا بِهِ الرُّسْلُ)
الْمَعْنى أَن الْكتب مشحونة بِذكر الْكَرم ونعت الْكِرَام وَهُوَ الْمَعْنى بذلك إِذْ الْحَقِيقَة مِنْهَا لَهُ فَذكره إِذن فى الْكتب مشروح وَيجوز أَن يُرِيد أَنه المهدى الذى ذكر فى الْكتب خُرُوجه انْتهى كَلَامه وَقَالَ غَيره الْمَعْنى أَنْت الذى إِذا خلت الْقُرُون بقى ذكر كرمك وسيرتك بالكتب مشروحا إِلَى أَن تقوم الدُّنْيَا
(1/250)

- الْغَرِيب ألبابنا جمع لب وَهُوَ الْعقل مبهورة متحيرة الْمَعْنى يُرِيد أَن عقولنا مغلوبة بجماله فَنحْن متحيرون فى جماله فَلم نرقى النَّاس مثله ونواله زَائِد على أمطار السَّحَاب حَتَّى لقد فَضَح نواله السَّحَاب
22 - الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَقيل جمع كام كقاض وقضاة والكمى الشجاع المتكمى فى سلاحه لِأَنَّهُ كمى نَفسه أى سترهَا بالدرع والبيضة الْمَعْنى يُرِيد أَنه إِذا غشى الحروب فَلَا ترجع قناته مَكْسُورَة إِلَّا بعد أَن لَا يبْقى مِنْهُم صَحِيح وَقَوله مَكْسُورَة حَشْو زَاده ليطابق بَينه وَبَين الصَّحِيح وَلَا فَخر فى أَن ترجع الْقَنَاة مَكْسُورَة وَمعنى الْبَيْت من قَول الفرزدق
(بأيْدى رِجالٍ لم يَشيمُوا سُيوفَهُمْ ... وَلم تَكْثُر القَتْلَى بهَا حينَ سُلتِ)
أى لم يغمدوها إِلَّا بعد أَن كثرت الْقَتْلَى بهَا
23 - الْغَرِيب المجاسد جمع مجسد وَهُوَ الْمَصْبُوغ بالزعفران وَقيل هُوَ المشبع صبغه وَهُوَ الْأَحْمَر الشَّديد اللَّوْن وَيُقَال للزعفران الجساد والمسوح مَا يعْمل من الشّعْر الْأسود الْمَعْنى يُرِيد أَن الأَرْض لبست من دِمَائِهِمْ ثيابًا حمرا وَالسَّمَاء لبست من العجاج مسوحا سُودًا وَقَالَ الواحدى لِكَثْرَة مَا يسفك من الدَّم صبغ الأَرْض حَتَّى كَأَن عَلَيْهَا مجاسد واسودت السَّمَاء بالغبار حَتَّى كَأَن عَلَيْهَا مسوحا
24 - الْإِعْرَاب رب الْجواد فَاعل يخطو وأمامه وَخَلفه منصوبان على الظّرْف الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقَتْلَى كثرت حَتَّى امْتَلَأت المعركة فالفارس على الْفرس الْجواد يخطو من قَتِيل إِلَى قَتِيل ويخلف خَلفه فَارِسًا مبطوحا أى مطروحا على وَجهه قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون رب الْجواد الممدوح
(1/252)

- الْغَرِيب المقيل المستقر وَمِنْه
(ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... )
ومقيل الْحبّ هُوَ الْقلب وَكَذَلِكَ الغيظ والمقروح الْمَجْرُوح الْمَعْنى يُرِيد أَن قلب محبه فَرح بِهِ وقلب عدوه مقروح بِهِ
26 - الْمَعْنى يُرِيد أَن عدوه يخفى عداوته لَهُ خوفًا مِنْهُ وهى لَا تخفى لِأَن نظر الْعَدو إِلَى من يعاديه يظْهر مَا فى قلبه من الْعَدَاوَة كَمَا قَالَ ابْن الرومى
(تُخَبّرُنِى العَيْنانِ مَا القَلْبُ كاتِمٌ ... وَما جَنَّ بالبَغْضاءِ والنَّظَر الشَّزْرِ)
وَقَالَ الآخر
(تُكاشِرُنِى كَرْها كأنَّكَ ناصِحٌ ... وعَيْنُكَ تُبْدى أَن صَدْرَكَ لى دَوِى)
وَقَالَ الآخر
(خَليلىّ للْبَغْضاءِ عَيْنٌ مُبِينَةٌ ... وللْحُبّ آيَات تُرَى وَمَعارِفُ)

27 - الْإِعْرَاب شرفا نصب على الْمصدر وَقيل على التَّمْيِيز الْغَرِيب الضريح هُوَ الْقَبْر وَقيل الضريح هُوَ الشق فى وسط الْقَبْر واللحد فى جَانِبه والضريح أَيْضا الْبعيد وأضرحه عَنْك أبعده الْمَعْنى يَقُول أَنْت ابْن من لم تشْتَمل برد على أحد فى الشّرف كابنه وَهُوَ الممدوح وَلَا ضم قبر أحدا فى الشّرف كجده الْمَعْنى لَيْسَ فى الْأَحْيَاء مثلك شرفا وَلَا فى الْأَمْوَات مثل جد أَبِيك فى الشّرف
28 - الْإِعْرَاب هول صفة لسيل وَقَوله اختلطا الْوَجْه أَن يَقُول اخْتَلَط لكنه جَاءَ بِهِ على اللُّغَة الْأُخْرَى كَقِرَاءَة حَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى {إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا} الْغَرِيب الْمَسِيح الْعرق الذى مسح عَن الْجَسَد فَكَأَنَّهُ فعيل فى معنى مفعول قَالَ الراجز
(ناديتها وَقد بدا مَسِيِحى ... وابتّل ثوباى من النضيح)
والمسيح الْقطعَة من الْفضة وَالدِّرْهَم الأطلس مسيح والمسيح عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام والمسيح الدَّجَّال الْمَعْنى يُرِيد إِنَّك عِنْد الْعَطاء سيل وَعند الحروب هول تهول أعداءك فهم خائفون مِنْك
(1/253)

- الْغَرِيب اللَّوْح الْهَوَاء مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَأَرَادَ بالغيث السَّحَاب الذى فِيهِ مطر الْمَعْنى يُرِيد لَو كنت بحرا مَا كَانَ لَك سَاحل لعظمتك أى مَا كَانَ يرى لَك سَاحل والساحل مورد الْبَحْر يُرِيد كنت أخْشَى على النَّاس الْغَرق فَلَا يَجدونَ ساحلا يلجئون إِلَيْهِ وَلَو كنت سحابا لم يسعك الْهَوَاء لعظمتك
30 - الْإِعْرَاب وخشيت عطف على قَوْله ضَاقَ عَنْك أى وخشيت الْغَرق على الْبِلَاد أى كنت أخْشَى على أهل الْبِلَاد والبلاد الْغَرق وَهُوَ الذى أنذر بِهِ نوح قومه وَأَرَادَ الطوفان
31 - الْإِعْرَاب عجز ابْتِدَاء وَقد تفِيد النكرَة وَخَبره فاقة فالباء مُتَعَلقَة بفاقة وَيجوز أَن تكون فاقة ابْتِدَاء وَالْخَبَر عجز مقدم عَلَيْهِ وَتَقْدِيره فاقة بَحر عجز فعلى هَذَا تكون النكرَة قد تقدم عَلَيْهَا خَبَرهَا وَقيل بل عجز خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى تَقْدِيره الْقعُود عَن قصدك عجز بَحر وفاقة ابْتِدَاء ثَان خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره بِهِ فاقة الْغَرِيب الْفَاقَة الْفقر ووراءه قدامه قَالَ الله تَعَالَى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك} أى قدامهم وهى من الأضداد الْمَعْنى يُرِيد إِن من الْعَجز أَن يقاسى الْحر فاقة وهى الْفقر وَلَا يطْلب الرزق من الله ويقصد بابك الذى لَا يحجب عَنهُ أحد لِأَن الله تَعَالَى قد وسع بك الرزق على النَّاس فَمن لم يقصدك طَالبا للرزق فَذَلِك لعَجزه وَهُوَ من قَول الآخر
(وعَجْز بذى أدّب أَن يَضيقَ ... بعيشته وُسْعُ هذى البلادِ)
وكقول أَبى تَمام الطائى
(خابَ امْرُؤٌ بَخَسَ الحَوَادِثُ رِزْقَهُ ... فأقامَ عَنْكَ وأنْتَ سَعْدُ الأسْعُدِ)
(1/254)

- الْإِعْرَاب سواك إِذا فتحت مدت وَإِن كسرت قصرت وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِخَبَر ثَان الْغَرِيب الشجى الحزين والغضبان والقريض الشّعْر وَيُقَال قرضت الشّعْر أقْرضهُ إِذا قلته فالشعر قريض وَمِنْه قَول عبيد بن الأبرص حَال الجريض دون القريض والجريض مَا يردهُ الْبَعِير من جرته الْمَعْنى يَقُول القريض عَائِذ بك من أَن يمدح بِهِ غَيْرك لِأَنَّك مُسْتَحقّ الْمَدْح
33 - الْغَرِيب الرياض جمع رَوْضَة يُقَال رَوْضَة ورياض وَروض وَالرَّوْضَة مَا يكون من العشب والبقل وَالرَّوْض نَحْو من نصف الْقرْبَة مَاء وفى الْحَوْض رَوْضَة من مَاء إِذا غطى أَسْفَله وَأنْشد أَبُو عَمْرو والحيا مَقْصُورا الْمَطَر والخطب وَإِذا ثنيت قلت حييان فَتبين الْيَاء لِأَن الْحَرَكَة غير لَازِمَة وَالْحيَاء الْمَمْدُود الاستحياء الْمَعْنى يُرِيد أَن رَائِحَة الرياض كلا م مِنْهَا يُرِيد معنى الْكَلَام لَهَا لَو أَنَّهَا تَتَكَلَّم كَانَت تثنى على الْمَطَر الذى أَحْيَاهَا فرائحتها تفوح بِمَنْزِلَة الثَّنَاء على الْمَطَر وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن الرومى
(شَكَرَتْ نِعْمَةَ الوَلِىّ عَلى الوَسْمِىّ ... ثُمَّ العِهادِ بَعْدَ الْعِهادِ)

(فَهْىَ تُثْنِى عَلى السَّماءِ ثَناءً ... طَيِّبَ النَّشْرِ شائِعا فِى البِلادِ)

(مِنْ نِسِمٍ كأنَّ مَسْرَاةُ فى الخَيْشُوم ... مَسْرَى الأرْوَاحِ فى الأجْسادِ)
وَأَخذه السرى الموصلى فَقَالَ
(وكْنْتَ كَرَوْضَةٍ سُقِيَتْ سَحابا ... فأَثْنَتْ بالنَّسِيمِ عَلى السَّحابِ)

34 - الْغَرِيب الْجهد والجهد بِالْفَتْح وَالضَّم وَقَالَ الْفراء بِالضَّمِّ الطَّاقَة وحجته قِرَاءَة الْجُمْهُور وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ والجهد بِالْفَتْح من قَوْلهم اجهد جهدك فى الْأَمر أى ابلغ غايتك وَلَا يُقَال اجهد جهدك بِالضَّمِّ والجهد بِالْفَتْح الْمَشَقَّة يُقَال جهد دَابَّته وأجهدها إِذا حمل عَلَيْهَا فى السّير فَوق طاقتها وأجهد فى كَذَا أى جد فِيهِ وَبَالغ الْمَعْنى يُرِيد أَن الرَّائِحَة من الرياض جهد الْمقل لِأَنَّهَا لَا تقدر على الْكَلَام وَلَا تقدر أَن تشكر السَّحَاب إِلَّا بِمَا يفوح مِنْهَا من طيب الرَّائِحَة فَكيف ظَنك بشاعر فصيح اللِّسَان يعْنى نَفسه إِذا أَحْسَنت إِلَيْهِ وَله لِسَان فصيح وقدرة على الثَّنَاء فَهُوَ إِذا أَحْسَنت إِلَيْهِ أَو أوليته إحسانا لم يتْرك الشُّكْر لَك مَعَ الْأَوْقَات
(1/255)

- 1 - الْإِعْرَاب جَارِيَة ابْتِدَاء وروح اسْم مَا المشبهة بليس وَالْجَار وَالْمَجْرُور الْخَبَر وَقَوله تباريح ابْتِدَاء خَبره الْمُقدم عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بالاستقرار وَمن حبها يتَعَلَّق بِالِابْتِدَاءِ الْغَرِيب التباريح شدَّة الْحبّ وبرح بِهِ الْأَمر تبريحا أى أجهده وتباريح الشوق توهجه وَهَذَا الْأَمر أَبْرَح من هَذَا أى أَشد الْمَعْنى يَقُول الْقُلُوب تحبها لحسن صورتهَا
2 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا أطيب الْأَشْيَاء رَائِحَة وَالطّيب كُله يَأْخُذ من طيبها
3 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه يشرب الكأس كرها ودمعه يسيل على خَدّه لَا يقدر على مخالفتها وَلَا يُمكنهُ إِلَّا امْتِثَال الْإِشَارَة
(1/256)

- 1 - الْإِعْرَاب منصرفى يُرِيد انصرافى وَإِذا زَاد الْفِعْل على الثلاثى اسْتَوَى فِيهِ الْمصدر وَاسم الزَّمَان وَالْمَكَان وَإِذا كَانَ مُتَعَدٍّ يَا ساوت هَذِه الْأَشْيَاء لفظ الْمَفْعُول فالمنصرف يَقع على الْمصدر والموضع الذى ينْصَرف عَنهُ وعَلى الْوَقْف الذى يَقع فِيهِ ذَلِك وَانْصَرف فعل لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول فلوبنى مثل هَذِه الْأَشْيَاء من مثل اجتذب وَنَحْوه مِمَّا هُوَ على أَرْبَعَة أَو أَكثر اسْتَوَت فِيهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَالْمَفْعُول يُقَال حَبل مجتذب وَعَجِبت من مجتذبي حبك أى اجتذاب وَهَذَا مجتذب حبلك أى الْموضع الذى يجتذب فِيهِ وَالْوَقْت الذى كَانَ فِيهِ الاجتذاب الْمَعْنى يُرِيد أَنه يتنازع هُوَ وَاللَّيْل فالليل يَأْمُرهُ بالانصراف وَهُوَ لَا يطيعه فَيَقُول إِذا انصرفت فقد مكنت اللَّيْل من مناقشته عَلَيْك إياى فالليل يمنعنى من لُزُوم مجلسك لافتقارى إِلَى النّوم ويخفينى عَنْك فَإِذا انصرفت عَنْك فقد أَعْطَيْت اللَّيْل مَا أَرَادَ فكأنى قد أَعْطيته أقوى سلَاح لَهُ يقاتلنى بِهِ
2 - الْإِعْرَاب من رفع بَين يجوز أَن يكون فَاعِلا بِبَعِيد كَقَوْل الشَّاعِر
(كأنَّ رِماحَهم أشْطانُ بِئرٍ ... بعِيدٌ بينَ جالَيها جَرُورِ 1)
فَأخْرجهُ عَن الظَّرْفِيَّة وورفعه كَقِرَاءَة ابْن كثير وأبى عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَحَمْزَة وأبى بكر فى قَوْله تَعَالَى {لقد تقطع بَيْنكُم} بِالرَّفْع وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون ابْتِدَاء وَخَبره بعيد وَوجه النصب أَن يكون على الظَّرْفِيَّة كَقِرَاءَة نَافِع والكسائى وَحَفْص عَن عَاصِم وَيجوز على إِضْمَار مَا تَقْدِيره بعيد مَا بَين جفونى كَقِرَاءَة الْأَعْمَش وَعبد الله بن مَسْعُود فى رِوَايَة عَنهُ
(لقد تقطع مَا بينَكم ... )
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بإضمار فعل أى يبعد بَين جفونى الْمَعْنى يُرِيد أَنى إِذا فارقتك وَلم أرك طَال ليلى على فَبعد مَا بَين جفونى والصباح قَالَ الواحدى وَلَو قَالَ بَين عينى والصباح لَكَانَ أظهر لِأَن الصَّباح إِنَّمَا يرى بِالْعينِ لَا بالجفن وتلخيص الْمَعْنى إنى أحبك فَلَا أقدر أَن أُفَارِقك وَإِذا فارقتك طَال ليلى وسهرت إِلَى الصَّباح شوقا إِلَى لقائك
(1/257)

- 1 - الْإِعْرَاب أباعث كل منادى مُضَاف وَهَذِه الْهمزَة من حُرُوف النداء الْخَمْسَة الْغَرِيب الطموح الشاخص الْبَصَر تكبرا وضربه هُنَا مثلا للْمُبَالَغَة وأطمح زيد بَصَره إِذا رَفعه وطمح أبعد فى الطّلب وطامحات الدَّهْر شدائده وكل مُرْتَفع طامح وَرجل طماح شَره والسلهبة الطَّوِيلَة من الْخَيل وكل طَوِيل سلهب والسبوح الذى كَأَنَّهُ يسبح فى جريه يُقَال فرس سابح وسبوح وباعث يُرِيد هَا هُنَا محيى من قَوْله تَعَالَى {يَوْم يبْعَث الله الرُّسُل} أى يحييهم الْمَعْنى يُرِيد إِنَّك تحيى كل مكرمَة تمْتَنع عَن غَيْرك وَإنَّك فَارس الْخَيل السلاهب الشديدات الجرى لطولهن
2 - الْغَرِيب النجلاء الواسعة الَّتِى تغمس صَاحبهَا فى الدَّم فهى غموس الْمَعْنى يُرِيد إِنَّك طعان فى الْأَبْطَال فطعنتك وَاسِعَة غموس تغمس صَاحبهَا فى الدَّم حَتَّى تغيبه فِيهِ وَإنَّك تعصى كل من عذلك فى الْجُود أَو فى الشجَاعَة
3 - الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْقُرْآن من غير اخْتِلَاف قَالَ الله تَعَالَى {وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا} وَقَالَ الله تَعَالَى {وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا} وَاخْتلف الْقُرَّاء فى قَوْله تَعَالَى {نسقيكم} فى الْمَوْضِعَيْنِ فَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر بِالْفَتْح فيهمَا وضمهما الْبَاقُونَ الْمَعْنى يُرِيد أمكننى الله من الْأَعْدَاء حَتَّى أهريق دِمَاءَهُمْ وَالْعرب تَقول شربنا دم بنى فلَان يُرِيد قتلناهم وأسلنا دِمَاءَهُمْ على الأَرْض كَالْمَاءِ يفتخر بذلك
(1/258)

- 1 - الْإِعْرَاب من رفع زجل يكون الْكَلَام تَاما فى النّصْف الأول ويرتفع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار وَقَالَ الواحدى من نَصبه نَصبه على الْحَال إِذا جعل المنايا البازى لِأَنَّهُ سَبَب منايا الطير الْغَرِيب تتبعها يُقَال تَبعته وَاتبعهُ وتتبعته 1 تبِعت الْقَوْم إِذا كنت خَلفهم ومروا بك فمضيت مَعَهم وَاتَّبَعتهمْ وَهُوَ افتعلت وَبهَا قَرَأَ الحرميان وَأَبُو عَمْرو فى الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة فى سُورَة الْكَهْف بوصل الْألف وأتبعت الْقَوْم على أفعلت إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم وَبهَا قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَعبد الله بن عَامر بِقطع الْألف وأتبعت غيرى يُقَال أنبعته الشئ فَتَبِعَهُ وَقَالَ الْأَخْفَش تَبعته وأتبعته بِمَعْنى مثل ردفته وأرفته والزجل الصَّوْت وزجل الْجنَاح الذى يضْرب بجناحه إِذا طَار وَمِنْه الحَدِيث
(لَهَا زجل بالتسبيح ... )

(وسحاب زجل ... )
ذُو رعد الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الحجلة أتبعتها المنايا بازيا زجل الْجنَاح إِذا طَار يسمع صوب جنَاحه لقُوَّة طيرانه فَأَخذهَا فَكَانَ سَبَب منيتها
2 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى مِنْهُ يعود على زجل الْجنَاح وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار وفى سِهَام يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره ظهر فى سِهَام وعَلى جَسَد فى مَوضِع الصّفة وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار وَمن ريَاح مُتَعَلق بتجسم الْمَعْنى شبه ريشه بِالسِّهَامِ للسرعة أَو لِأَنَّهَا سَبَب الْقَتْل للطير كَمَا أَن السِّهَام سَبَب الْقَتْل للطير وَقَالَ الواحدى جعل قصب ريشه سهاما إِمَّا لصحتها واستوائها وَإِمَّا لسرعة مرورها وَجعل جِسْمه من ريَاح لسرعة اقتداره على الطير
3 - الْغَرِيب الجؤجؤ صدر الطير الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح غلاظا بِالنّصب على النَّعْت لرءوس وَهُوَ أحسن وأجود لِأَن الْقَلَم قد يكون دَقِيقًا وَرَأسه غليظ وَقد يكون غليظا وَرَأسه دَقِيق وروى الصِّحَاح بِفَتْح الصَّاد على النَّعْت للجؤجؤ أَو للريش على اللَّفْظ لَا الْمَعْنى والصحاح جمع صَحِيح الْمَعْنى يُرِيد نقش صَدره فَشبه سَواد صَدره برءوس أَقْلَام غِلَاظ مَسَحْنَ فى ثوب أَبيض وَهُوَ // تَشْبِيه حسن //
4 - الْغَرِيب القعص دق الْعُنُق وَهُوَ الْمَوْت السَّرِيع يُقَال أقعصه إِذا قَتله مَكَانَهُ وَمَات فلَان قعصا إِذا أَصَابَته ضَرْبَة أَو رمية فَمَاتَ مَكَانَهُ والقعاص دَاء يَأْخُذ الْغنم فَلَا يلبثها أَن تَمُوت وَمِنْه الحَدِيث " وموتا يكون فى النَّاس كقعاص الْغنم " والحجن بِالتَّحْرِيكِ الاعوجاج وصقر أحجن المخالب أى معوجا والمحجن كالصولجان وحجن جمع أحجن والأسنة جمع سِنَان وَهُوَ مَا يكون فى رَأس الرمْح من الْحَدِيد والرماح جمع رمح وَهُوَ الذى يكون فِيهِ السنان من القنا وَغَيره وَجمع بَينهمَا لِأَن الْفِعْل لَهما فلولا الرمْح لم يعْمل السنان وَلَوْلَا السنان مَا عمل الرمْح شَيْئا وَأَرَادَ بالصقر أَصَابِعه وبالحجن مخالبه وَالْمعْنَى يُرِيد أَن البازى قتل هَذِه الحجلة قتلا سَرِيعا فدق عُنُقهَا
5 - الْغَرِيب الْفَلاح الْبَقَاء والفوز والنجاة والفلاح السّحُور
(وَمِنْه حَتَّى خفنا أَن يفوتنا الْفَلاح ... )
أى السّحُور لِأَن بِهِ بَقَاء الصَّوْم وحى على الْفَلاح أى أقبل على النجَاة الْمَعْنى يُرِيد لَو حرص الْخلق على الْبَقَاء لم يدركوا ذَلِك لِأَن كل حى يصير إِلَى موت ويروى
(يَوْم سوء ... )
// وَهَذَا من أحسن الْكَلَام // وَهُوَ مَأْخُوذ من الْآيَة {كل شئ هَالك إِلَّا وَجهه} {وكل من عَلَيْهَا فان} {وكل نفس ذائقة الْمَوْت}
(1/259)

- 1 - الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح بمورود وَغَيره بمولود والمورود هُوَ المحموم فى لُغَة أهل الْيمن كَأَن الْحمى وردته وَقيل المورود من الْورْد وَهُوَ يَوْم الْحمى وَمِنْه قَول ذى الرمة
(كأنَّنِى مِن حِذار البَين موْرُود ... )
وسدكت لَزِمت وسدك الشئ بالشئ لزمَه الْمَعْنى يَقُول مَا لَزِمت عِلّة مولودا ومورودا أكْرم من هَذَا الرجل
2 - الْغَرِيب أنف يأنف يكره ويعاف ويستنكف وأنف يأنف أَنَفَة وأنفا وَمَا رَأَيْت آنف من فلَان وأنف الْبَعِير اشْتَكَى أَنفه من الْبرة الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ شجاعا فَأَنف أى استنكف عَن موتَة الْفراش وَهُوَ أَن يَمُوت حتف أَنفه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يَمُوت فى الْحَرْب لشجاعته فَحل بِهِ أصدق المواعيد وَهُوَ الْمَوْت الذى أنف مِنْهُ أَن يُصِيبهُ على فرَاشه وَقد نظر إِلَى قَول حبيب
(لَوْ لمْ يَمُتْ بينَ أطْرَافِ إذَنْ ... لَمَاتَ إذْ لَمْ يَمُتْ مِنْ شدَّةِ الحَزَنِ ...
3 - الْغَرِيب السوابح جمع سابحة أَو سابح وَهُوَ الشَّديد الجرى كَأَنَّهُ يسبح فى جريه والقود الطوَال من الْخَيل وَفرس أَقُود أَي طَوِيل الظّهْر والعنق وناقة قوداء وخيل قَود والقياديد الطوَال من الْإِبِل الْوَاحِد قيدود قَالَ ذُو الرمة
(رَاحَتْ يُقَحِّمها ذُو أزْمَلٍ وُسِقَتْ ... لَهْ الفَرَائِشُ والقُبُّ 1 القَيادِيد)
الْمَعْنى يُرِيد متل هَذَا الرجل لشجاعته يُنكر الْمَوْت على غير السُّرُوج فى الْحَرْب لِأَنَّهُ قد مارس الحروب ولقى الْأَبْطَال وَمَا أحسن قَول خَالِد بن الْوَلِيد المخزومى عِنْد الْمَوْت " لَا نَامَتْ أعين الْجُبَنَاء وَالله مَا فى جسدى مَوضِع شبر إِلَّا وَفِيه ضَرْبَة أَو طعنة وَهَا أناذا أَمُوت موتَة الْحمار "
(1/261)

- الْغَرِيب الصناديد السَّادة الْوَاحِد صنديد وَجمع راس على أرؤس كدار وأدؤر الْمَعْنى يَقُول من كَانَت صفته هَكَذَا فَهُوَ يأنف ويتكبر عَن موتَة الْفراش بعد مَا كَانَت الرماح تعثر بصدره فى الْحَرْب وَبعد ضربه رُءُوس السَّادة الْأَبْطَال وَقَالَ الواحدى معنى تعثر القنا بصدره أصابتها إِيَّاه إِشَارَة إِلَى أَن قرنه يخَاف جَانِبه فيقاتله بِالرُّمْحِ وَجعله ضَارِبًا إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يخَاف أَن يدنو من قرنه
5 - الْغَرِيب الذمر الشجاع والرعديد الجبان والغمر أصعب مَوَاضِع الحروب الْمَعْنى وَمن بعد خوضه أصعب الْأَشْيَاء فى الحروب إِذا خاضها الشجاع البطل خَافَ فِيهَا خوف الجبان لهلكتها وشدتها
6 - الْمَعْنى يُرِيد إِن صَبرنَا فالصبر سجيتنا وَإِن بكينا فلعظم جزعنا وَإِن الْبكاء لَا يرد علينا أى لَا يعاب بِهِ لاستحقاقه ذَلِك لِأَنَّهُ مِمَّن يبكى على فَقده ولشدة الفجعية وَقَالَ الواحدى فَغير مَرْدُود علينا الْمَيِّت فَلَا نفع فى الْبكاء
7 - الْمَعْنى يَقُول الجزر يكون فِيمَا دون الْبَحْر فَإِذا جزر الْبَحْر فَذَلِك أَمر عَظِيم فَشبه مَوته بجزر الْبَحْر وَهُوَ رُجُوع مَائه إِلَى خلف ونضوبه الْمَعْنى إِن المصائب قد تقع وَلَكِن لم يعْهَد مثل هَذِه الْمُصِيبَة وَهُوَ من قَول أعشى باهلة
(فإنْ جَزِعنا فمثلُ الشَّرّ أجْزَعنا ... وَإِن صَبرنا فإنَّا معشَر صُبُرُ)
وَأَخذه حبيب فَقَالَ
(فلئنْ صَبرت فأنتَ كَوْكَب معشر ... صَبَرُوا وَإِن تَجزع فَغير مُفَنَّدِ)
وَأَخذه الآخر فَقَالَ
(فَلَو شِئْتُ أَن أبكى دَما لبكَيْته ... عليكَ وَلَكِن ساحةُ الصَّبر أوسعُ)
8 - الْغَرِيب الزرافات الْجَمَاعَات والمواحيد جمع موحد وَهُوَ الْوَاحِد والهبات جمع هبة وهى الْعَطِيَّة الْمَعْنى يُرِيد إِن الْعَطاء انْقَطع بِمَوْتِهِ وفنى مَا كَانَ يعْطى الْأَفْرَاد وَالْجَمَاعَات فن هباته
(1/262)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الذى يبْقى بعد الْأَحِبَّة سالما إِنَّمَا يسلم للحزن على فقدهم لَا أَنه يخلد وَإِنَّمَا يتبعهُم وَإِن تَأَخّر أَجله عَن آجالهم فالصديق إِذا بقى بعد صديقه إِنَّمَا يسلم للحزن عَلَيْهِ لِأَن كلا ميت لَا محَالة
10 - الْمَعْنى يستفهم وَمَعْنَاهُ الْإِنْكَار وَالْمعْنَى لَا رَجَاء عِنْد زمَان أَحْمد حاليه الْبَقَاء وَهُوَ غير مَحْمُود لِأَن معجله بلَاء ومؤجله فنَاء قَالَ الواحدى وَإِن شِئْت قلت أَحْمد حاليه الْبَقَاء وَمن بقى شَاب والشيب مُنكر ومذموم فَهُوَ كَمَا قَالَ مَحْمُود الْوراق
(يَهْوَى البَقاءَ وَإنْ مُدَّ الْبَقَاء لَهُ ... وَساعَدَتْ نَفْسَهُ فِيها أمانِيها)

(أبْقَى البَقاءُ لهُ فى نَفْسِهِ شُغُلاً ... ممَّا يُرَى مِن تَصَارِيفِ البِلَى فِيهَا)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَحْمد حاليه أَن يبْقى بعد صديقه وَذَلِكَ غير مَحْمُود لتعجل الْحزن
11 - الْغَرِيب الْعَجم العض وعجمت الْعود أعجمه بِالضَّمِّ إِذا عضضته لتعلم أَصْلَب هُوَ والعواجم الْأَسْنَان وعجمت عوده بلوت أمره قَالَ الشَّاعِر
(أَبى عُودُك المَعجوم إِلَّا صلابةً ... وكفَّاك إِلَّا نائلا حِين تُسأل)
الْمَعْنى يُرِيد أَن الزَّمَان قد عرفه وَجَربه وَعرف صلابته وشدته على نوائبه
12 - الْغَرِيب الخطوب جمع خطب وهى الشدَّة تلقى الْإِنْسَان والمصيبة إِذا عظمت قيل مُصِيبَة سَوْدَاء الْإِعْرَاب وَمَا آنسنى يجوز أَن تكون مَا هَذِه تَعَجبا وَمَا الأولى بِمَعْنى الذى وهى فى مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ الْمَعْنى يَقُول فى من الْجلد وَالْقُوَّة وَالصَّبْر مَا يقارع الخطوب ويدافعها وَمَا يؤنسنى بالمصائب إِذا جَعلتهَا معطوفة على مَا الأولى وَقَالَ الواحدى فى مَا يقارع الخطوب ويؤنسنى بالمصائب الْعِظَام وَهُوَ علمه بِثَوَاب المصابين كَمَا قَالَ رَسُول الله
" ليودن أهل الْعَافِيَة يَوْم الْقِيَامَة لَو أَن جُلُودهمْ قرضت بِالْمَقَارِيضِ لما يرَوْنَ من ثَوَاب أهل الْبلَاء " والذى آنسه بالمصائب رَأْيه الذى يرِيه الْمخْرج مِنْهَا
(1/263)

- الْغَرِيب غمدت السَّيْف وأغمدته إِذا أدخلته الغمد وَهُوَ قرَابه الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما كَانَ فى أسر بنى كلاب فاستغاثك فأغثته واستنقدته من أَيْديهم لم تكن مغمودا عَنهُ الْمَعْنى لم تقعد عَنهُ بل أَخَذته من أيدى بنى كلاب
14 - الْغَرِيب الصَّيْد جمع أصيد وَهُوَ المتكبر وأصل الصَّيْد دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فى عُنُقه فَيُقَال صَاد الْبَعِير وصيد وأصيد وَاسْتعْمل فى الرجل صَاحب النخوة وأصيد الصَّيْد هُنَا بِمَعْنى ملك الْمُلُوك وَلَا يكون هُنَا أعظمهم صيدا لِأَن ذَلِك يفتح كَمَا يفتح أَعور العور أى أَشَّدهم عورا لِأَن الْخلق والعاهات لَا يسْتَعْمل فِيهَا أفعل وَلَا مَا أَفعلهُ الْمَعْنى إِنَّه يُنَادِيه ويخاطبه بِهَذِهِ النعوت الْعَظِيمَة الَّتِى لَا يُنَادى بهَا إِلَّا من لَهُ الأتباع الْعَظِيمَة الْعدَد
15 - الْغَرِيب أنشره أَحْيَاهُ وَمِنْه
(ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره ... )
واللغاديد جمع لغدود وهى لحمات عِنْد اللهوات فى بَاطِن الْحلق الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَاتَ قبل هَذِه الموتة وهى لما كَانَ فى أسر بنى كلاب كَانَ كالميت فأحييته بِالرِّمَاحِ تطعن بهَا فى حلوق الْأَعْدَاء واستنقذته مِنْهُم
16 - الْإِعْرَاب ورميك بِالرَّفْع مَعْطُوف على قَوْله
(وَقع القنا ... )
وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بِالْمَصْدَرِ وَقَوله
(بتسهيد ... )
مُتَعَلق برميت الْمَعْنى وسيرك بِاللَّيْلِ حَتَّى استنقذته مِنْهُم وهم سهد خوفًا مِنْك وَمن هجومك عَلَيْهِم فكأنك رميت أجفانهم بالتسهيد ورميت اللَّيْل بالجنود إِذْ سرت فِيهِ بجنودك
17 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى
(رِعالها ... )
يعود على الْخَيل وهى غير مَذْكُورَة الْغَرِيب الرعال الْخَيل وهى جمع رعلة والشزب جمع شازب وَهُوَ الضامر من الْخَيل العوالى والثبات جمع ثبة وهى الْجَمَاعَة المجتمعة وَمِنْه
(انفروا ثبات ... )
وعباديد متفرقون الْمَعْنى أَتَتْهُم عِنْد الصَّباح جمَاعَة من خيلك وهى جماعات فى تَفْرِقَة فاحتاطوا بهم وأخذوهم وَلما ذكر الْجنُود أضمر ذكر الْخَيل فَدلَّ بِذكر الْجنُود على الْخَيل فَقَالَ رعالها لِأَن الْجنُود لابد لَهَا من الْخَيل
(1/264)

- الْغَرِيب الأخاديد جمع أخدُود وَهُوَ الشق فى الأَرْض وَمِنْه
(قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَن السيوف تحمل لَهُم الْفِدَاء وأضمر السيوف لدلَالَة الأغماد عَلَيْهَا فَجعل السَّيْف فى الغمد فدَاء الْأَسير لِأَنَّهُ استنقذ بِهِ وسمى الضَّرْب بهَا انتقادا كَمَا تنتقد الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَالْمعْنَى أخذُوا فدَاء ضربا يُؤثر فيهم تَأْثِير الْأُخْدُود فى الأَرْض وَهَذِه اسْتِعَارَة يُرِيد ضمن لَهُم فدَاء أَبى وَائِل الْوَرق وَالدَّنَانِير فَلم يقعوا على شئ سوى الضَّرْب بِالسُّيُوفِ
19 - الْغَرِيب الْفراش جمع فراشة وهى عِظَام رقاق تلى قحف الرَّأْس والفراشة كل عظم رَقِيق والفراشة الَّتِى تطير وتهافت فى النَّار وَالسَّيِّد الذِّئْب وَجمعه السيدان يُقَال سيد رمل وَالْأُنْثَى سيدة وَرُبمَا سمى بِهِ الْأسد قَالَ
(كالسيِّد ذى اللِّبدة المُستأسد الضَّارى ... )
الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك أَعطيتهم ضربا يَقع فى عِظَام رُءُوسهم فتصرعهم قَتْلَى فالذئاب تستنشق من هَذَا رَائِحَة تدل على أَنهم قَتْلَى
20 - الْإِعْرَاب شاكرا حَال الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك لما استخلصته وهبت لَهُ عمره وأفناه شاكرا لَك تِلْكَ الْيَد لِأَنَّك وهبت لَهُ الْحَيَاة وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون التسويد إِقْرَاره بسيادتك شاكرا لَك أى أفناها شاكرا لَك
21 - الْإِعْرَاب سقيم وَمَا بعده بدل من شاكرا وَقيل بل بإضمار كَانَ وَلم يجر لَهَا ذكر فى أول الْبَيْت الأول وَلَا فى آخِره وَهَذَا // غير جَائِز // الْغَرِيب المنجود المكروب واستنجدنى فأنجدته أى اسْتَعَانَ بى فأعنته واستنجد فلَان أى قوى بعد ضعف واستنجد على فلَان إِذا اجترأ عَلَيْهِ بعد هَيْبَة الْمَعْنى يُرِيد سقيم جسم لجراحة أَصَابَته فبقى فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ فَهُوَ مغموم للجراحة الَّتِى لحقته وَكَانَ غياث المكروبين مَعَ مَا كَانَ مغموما من جراحته وَمَا ناله فى الْأسر فَكَانَ مغموما مِمَّا ناله وَذَلِكَ بعد تخلصه لِأَنَّهُ تخلص مَرِيضا
22 - الْغَرِيب المصفود الْمُقَيد صفده يصفده صفدا أى شده وأوثقه وَكَذَلِكَ التصفيد والصفد بِالتَّحْرِيكِ الْعَطاء والصفد أَيْضا الوثاق وأصفدته إصفادا أَعْطيته مَالا أَو وهبت لَهُ عبدا والصفاد مَا يوثق بِهِ الْأَسير من قد وَقيد وغل والأصفاد الْقُيُود الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما تخلص من أسر الْعَدو غَدا أَسِير الْمَوْت وَمن قيد بِالْمَوْتِ لم يخلص من أسره وروى قده بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر الْحمام وَالْجُمْلَة فى مَوضِع نصب كَأَنَّهُ قَالَ ثمَّ غَدا هُوَ
23 - الْمَعْنى يَقُول إِذا هلك هَالك من عدد على مِنْهُ يعْنى سيف الدولة لم ينتقص ذَلِك الْعدَد لِأَن البيد تضيق عَن على وَكَرمه وَكَثْرَة جيشة وَقيل إِذا سلم لم نسل بعد بِمن مَاتَ قَالَ الواحدى إِذا هلك من هلك من عشيرتك لم ينتقص بِهِ عددك لِأَنَّك تملأ البيد بأتباعك وَمن مَعَك من الجيوش
24 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى ظهرهَا للبيد الْغَرِيب تهب تمر وتجئ والمواريد للرياح تجئ وَتذهب قَالَ ذُو الرمة
(يَا دارَ ميَّة لم يتركْ بهَا عَلَما ... تَقادُمُ العَهْد والهوجُ المرَاويدُ)
الْمَعْنى يُرِيد أَن جيوشه وكتائبه غير وانية وَلَا مسترخية جعل كتائبه لسرعة مضيها رياحا وهى غير وانية وَلَا مسترخية
25 - الْغَرِيب الجلاميد جمع الجلمود وهى الْحِجَارَة الْمَعْنى إِن اسْمه على فَأول حرف حكت الْخَيل بسنابكها الْعين لِأَن الْحَافِر يشق فى الأَرْض صُورَة الْعين
26 - الْإِعْرَاب الْأَمِير رفع لِأَنَّهُ صفة للفتى وَهُوَ نَائِب فَاعل ليعز المبنى لما لم يسم فَاعله وَمن روى يعز بِكَسْر الزاى فالفتى فَاعل والأمير مَنْصُوب بِوُقُوع العزاء عَلَيْهِ وَتَقْدِيره مهما يعز معز الْأَمِير وَالضَّمِير فى بِهِ للْمَيت الْمَعْنى يُرِيد إِذا عزاهُ معز بِهَذَا الْمَيِّت فَلَا عزاهُ بجوده وَلَا بشجاعته أى لافقدهما
27 - الْمَعْنى يَقُول أمنيتنا الَّتِى نتمنى بَقَاءَهُ دَائِما حَتَّى يعزى بِكُل من ولد يتقدمونه وَيبقى هُوَ فيعزى بهم قَالَ أَبُو الْفَتْح وَهَذَا دُعَاء حسن كَمَا يُقَال للمعزى جعلك الله وَارِث الْجَمَاعَة وَهُوَ أَجود فى الْمَعْنى من قَوْلهم لَا أعَاد الله إِلَيْك مُصِيبَة أبدا
(1/265)

- 1 - الْغَرِيب العواذل جمع عاذلة والخود الْمَرْأَة الْحَسَنَة الْخلق الناعمة وَجَمعهَا خود مثل رمح لدن ولدن جمعه والماجد الْكثير الشّرف وَجمعه مجده الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا يحْسد العواذل ذَات الْخَال فعذلهن لَهَا حسد لَهَا على وَقَالَ الواحدى اللواتى يعذلن هَذِه الْمَرْأَة الَّتِى هى صَاحِبَة الْخَال على خدها فى لأجل محبتها إياى حواسد لَهَا يحسدنها لِأَنَّهَا ظَفرت منى بضجيع ماجد
2 - الْمَعْنى لَو قدر على أَن يَقُول مَوضِع قَادر يقظان أَو مستيقظ لَكَانَ أَجود فى الصِّنَاعَة وَلكنه لم يقدر يصف نَفسه بالنزاهة وَقَالَ أَبُو الْفضل العروضى // هَذَا النَّقْد غير جيد // وَذَلِكَ أَنه لَو قَالَ يقظان أَو ساهر لم يزدْ على معنى وَاحِد وَهُوَ الْكَفّ فى حَالَة النّوم واليقظة وَإِذا قَالَ قَادر زَاد فى الْمَعْنى أَنه تَركهَا صلف نفس وَحفظ مُرُوءَة لَا عَن عجز وَرَهْبَة وَلَو أَن رجلا ترك الْمَحَارِم من غير قدرَة لم يَأْثَم وَلم يُؤجر وَإِذا تَركهَا مَعَ الْقُدْرَة صَار مأجورا قَالَ وَالْعجب من أَبى الْفَتْح يقصر فِيمَا فرض على نَفسه من التَّفْسِير ويخطئ ثمَّ يتَكَلَّف النَّقْد وَقَالَ فى قَوْله
(وَهُوَ رَاقِد ... )
إِن الراقد قَادر أَيْضا يَتَحَرَّك فى نَومه ويصيح وَلَيْسَ هَذَا بشئ وَلم يقلهُ أحد وَالْقُدْرَة على الشئ أَن يَفْعَله مَتى شَاءَ فَإِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك والنائم لَا يُوصف بِهَذَا وَلَا المغشى عَلَيْهِ وَلَا يُقَال للنائم إِنَّه مستطيع وَلَا قَادر وَلَا مُرِيد وَأما عصيانه الْهوى فى طيفها فَلَيْسَ بِاخْتِيَار مِنْهُ فى النّوم وَلكنه يَقُول لشدَّة مَا ثَبت فى طبعى وغريزتى صرت فى الْيَوْم كالجارى على عادتى انْتهى كَلَامه يَقُول إِنَّه مَعَ الْقُدْرَة لَا يمد يَده إِلَى إزَارهَا وَإِذا رأى خيالها فى الْمَنَام امْتنع عَنهُ كَمَا يمْتَنع عَنْهَا فى الْيَقَظَة إِذا قدر عَلَيْهَا فَيَقُول إِذا حلم بهَا لم يطع الْهوى فيمَ يَأْمُرهُ يصف نَفسه ببعد همته عَن مغازلة النِّسَاء وَأَنه عفيف النَّفس وَهَذَا كَمَا قَالَ هدبة
(وإنّى لأُخْلِى للْفَتَاةِ فِرَشَها ... وأصْرِمُ ذاتَ الدلّ والقَلْبُ آلِفُ)

3 - الْغَرِيب اللاعج الشَّديد الحرق وَهُوَ لاعج لحرقة الْفُؤَاد ولعجه الضَّرْب أحرقه وآلمه قَالَ عبد منَاف بن ربع الهذلى
(إِذا تأوّبَ نَوْحٌ قامَتا معَهُ ... ضرْبا أَلِيمًا بسِبْتٍ يَلْعَجُ الجِلِدَا)
احْتَاجَ إِلَى حَرَكَة اللَّام من الْجلد فَكَسرهُ الْمَعْنى مَتى يجد الشَّقَاء من شدَّة شوقه محب لهَذِهِ المحبوبة إِذا قرب مِنْهَا بشخصه تبَاعد عَنْهَا بالعفاف وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد مَتى تشفى مِمَّا بك وَأَنت كلما قدرت امْتنعت
4 - الْغَرِيب الخرائد جمع خريدة وهى الْجَارِيَة الناعمة قَالَ الواحدى اسْتعْمل تصبى بِمَعْنى أصبى وَهُوَ بعيد الْمَعْنى يُنكر على نَفسه صبوته على الحسان إِذْ كَانَ يخْشَى الْعَار على نَفسه فى الْخلْوَة يهن فَيَقُول إِذا كنت فى الْخلْوَة تبعد عَنْهُن وَلَا تميل إلَيْهِنَّ فَلم تميل إلَيْهِنَّ بقليك
5 - الْغَرِيب الإلحاح مثل الإلحاف يُقَال ألح عَلَيْهِ بِالْمَسْأَلَة وَأَصله الدَّوَام وألح السَّحَاب دَامَ مطره وألح الْجمل حرن الْمَعْنى يَقُول السقم قد دَامَ على فَهُوَ لَا يفارقنى حَتَّى قد ألفته وَقد ملنى لشدَّة مَا بى من السقم طبيبى وعوائدى الْغَرِيب الحمحمة دون الصهيل والجواد الْفرس الذّكر وَالْأُنْثَى وشجاه يشجوه إِذا أحزنه وأشجاه إِذا غصه والمعاهد جمع معهد وَهُوَ الذى يعْهَد بِهِ شَيْئا تسمى ديار الْأَحِبَّة معاهد لِأَنَّهُ كَانَ يعهدهم بهَا أَيَّام قربه بهم الْمَعْنى يَقُول لما مَرَرْت بِهَذِهِ الدَّار عرفتها جوادى فحمحمت فَكَأَنَّهَا محزونة لذكر أَيَّامهَا ثمَّ تعجب من ذَلِك فَقَالَ وَهل تشجو الديار مُتَعَجِّبا من عرفان فرسه الديار الَّتِى عهد بهَا أحبته وَأخذ أَبُو الْحسن التهامى هَذَا وَزَاد عَلَيْهِ فَقَالَ
(بكَيْتُ فحنَّتْ ناقتى فأجابها ... صَهيلُ جيادى حينَ لاحَتْ ديارُها)
وَقَالَ آخر وَهُوَ التهامى أَيْضا
(وَقَفْت بِها أبكى وَتَرْزِم ناقَتَى ... وتَصْهَلُ أفْراسى ويَدْعو حَمامُها)
(1/268)

- الْغَرِيب الرَّسْم الْأَثر والضريب اللَّبن الخائر الذى حلب بعضه على بعض والشول النوق الَّتِى قلت أَلْبَانهَا الْوَاحِدَة شَائِلَة وَقَالَ أَبُو عبيد لَا وَاحِد لَهَا والولائد جمع وليدة وهى الْجَارِيَة الَّتِى تخْدم الْمَعْنى أَنه نفى التَّعَجُّب وَرجع عَنهُ وَقَالَ كَيفَ تنكر جوادى الْمَكَان الذى ربيت فِيهِ وَكَانَت الولائد تسقيها فِيهِ لبن الشول وَقَالَ الواحدى وَمَا هَهُنَا نفى وَقَالَ غَيره بل هى استفهامية وَالتَّقْدِير وأى شئ تنكر الدهماء من رسم منزل ألفته وربيت فِيهِ
8 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أطلب أمرا والليالى تحو بينى وَبَينه فَأَنا بطلبى وقصدى لَهُ أطردها عَن منعهَا إياى من مطلب ذَلِك الْأَمر فَكَأَنَّهَا تطردنى وَأَنا أطردها
9 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح وحيد بِالرَّفْع على تَقْدِير أَنا وحيد فَهُوَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وروى غَيره وحيدا بِالنّصب على تَقْدِير أهم وحيدا فَهُوَ حَال الْغَرِيب الخلان جمع خَلِيل كرغيف ورغفان وَهُوَ الصاحب وَالصديق الْمَعْنى يَقُول أَنا وحيد مالى مساعد على مَا أطلب وَذَلِكَ لعظم مطلبى وَإِذا عظم الْمَطْلُوب قل من يساعد عَلَيْهِ
10 - الْغَرِيب الغمرة الشدَّة وَالْجمع غَمَرَات الْمَوْت أى شدائده والسبوح الْفرس الشَّديد الجرى الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُعينهُ على شَدَائِد الجرى فرس كريم يشْهد بكرمه خِصَال لَهُ شَوَاهِد يَرَاهَا النَّاظر إِلَيْهَا فَيعرف بهَا أَنه كريم الأَصْل
11 - الْغَرِيب المراود جمع مرود وَهُوَ حَدِيدَة تَدور فى اللجام وَهُوَ من راد يرود إِذا ذهب وَجَاء والمرود الْميل والمحور فى البكرة إِذا كَانَ من حَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه السبوح وهى فرسه تلين للين مفاصلها مَعَ الرمْح كَيْفَمَا مَال شبه مفاصلها لسرعة استدراتها إِذا لوى عنانها عِنْد الطعان بمسمار المرود يدو مَعَ حلقته كَيْفَمَا أديرت وَهُوَ كَقَوْل كشاجم
(وَإِذا عَطَفْتَ بِهِ عَلى مورودِه ... لِتُدِيرَهُ فَكأنَّهُ بِيْكارُ)
قَالَ الواحدى أَخطَأ القاضى فى هَذَا الْبَيْت وَزعم أَن هَذَا من المقلوب وَقَالَ إِنَّمَا يَصح الْمَعْنى لَو قَالَ كَأَنَّمَا الرماح تَحت مفاصلها مراود وَعِنْده أَن المرود ميل المكحلة شبه الرماح فى مفاصلها بالميل فى الجفن يفعل فِيهَا كَمَا يفعل الْميل فى الْعين وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ يخص المفاصل وَلَيْسَ كل الطعْن فى المفاصل لِأَنَّهُ قَالَ تثنى على قدر الطعان وَإِذا كَانَت الرماح ومفاصلها كالميل فى الجفن فَلَا حَاجَة إِلَى تثنيها
13 - الْإِعْرَاب الْوَاو فى والمهند وَاو الْحَال وَهُوَ ابْتِدَاء خَبره الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار وروى والمهند بِالنّصب بِمَعْنى مَعَ المهند الْغَرِيب المهند السَّيْف المشحوذ قَالَ ابْن السّكيت سَمِعت الشيبانى يَقُول التهنيد شحذ السَّيْف الْمَعْنى يَقُول أورد نفسى وفى يدى السَّيْف مهالك لَا يصدرن واردها حَيا إِذا لم يجالد وَيُقَاتل وَقَالَ أَبُو الْفَتْح من وقف مثل موقفى فى الْحَرْب وَلم يكن شجاعا جلدا هلك
14 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا لم يكن الْقلب هُوَ الذى يحمل الْكَفّ لم يحمل الساعد الْكَفّ وَقَالَ الواحدى قُوَّة الضَّرْب إِنَّمَا تكون بِالْقَلْبِ لَا بالكف فَإِذا لم يقو الْكَفّ بِقُوَّة الْقلب لم يَقُول الْكَفّ بِقُوَّة الساعد وَهَذَا معنى // جيد حسن //
15 - الْمَعْنى يَقُول كل وَاحِد من الشُّعَرَاء يدعى الشّعْر والقصائد تصدر عَنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ فكم مِنْهُم الدَّعْوَى وَمنى القصائد لَكَانَ أحسن وَأَشد مُبَالغَة لِأَنَّهَا تدل على كَثْرَة فعلهم وَقَالَ الواحدى يُرِيد كَثْرَة من يرى من الشُّعَرَاء المدعين وَأَن لَهُ التَّحْقِيق باسم الشَّاعِر لِأَنَّهُ هُوَ الذى يأتى بالقصائد لاهم
16 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه فى الشُّعَرَاء أوحد كسيف الدولة أوحد لِأَن الْأَسْمَاء تجمع السيوف كَذَلِك اسْم الشُّعَرَاء وَلَكِن لَا سيف كسيف الدولة وَلَا شَاعِر مثلى فالسيوف لَهَا اسْم السيوف وَلَيْسوا كسيف الدولة وَكَذَلِكَ أَنا كَقَوْل الفرزدق
(فقد تلْتقى الأسماءُ فى النَّاس والكُنَى ... كثيرا ولَكنْ فُرِّقوا فى الْخَلَائق)
وَهَذَا من المخالص المحمودة الْحَسَنَة
17 - الْغَرِيب انتضيت السَّيْف سللته وجردته ونضا سَيْفه أَيْضا ونضوت الْبِلَاد قطعتها قَالَ تأبط شرا
(ولكنَّنى أرْوى مِن الْخمر هامَتى ... وأنضُو الفَلا بالشَّاحب المُتَشَلْشِل)
ونضا الخضاب نصل الْمَعْنى يَقُول كرم طبعه ينضيه فى الْحَرْب ويغمده مَا تعود من الْعَفو وَالْإِحْسَان فَلَيْسَ كسيوف الْحَدِيد الَّتِى تنتضى وتغمد
18 - الْمَعْنى يَقُول لما رَأَيْت النَّاس كلهم فى الْمحل والرتبة وَالْقدر دونه علمت أَن الدَّهْر ناقد للنَّاس يعْطى كل وَاحِد على قدر مَحَله واستحقاقه وَهَذَا على خلاف مَا يفعل الدَّهْر لِأَن الدَّهْر يرفع من لَا يسْتَحق ويحط من يسْتَحق فَهُوَ بعكس مَا قَالَ أَبُو الطّيب
19 - الْغَرِيب الطلى الرّقاب الْوَاحِدَة طلية وَقَالَ أَبُو عَمْرو وَالْفراء طلاة وأطلى الرجل مَالَتْ عُنُقه للْمَوْت والطلاء بِالْكَسْرِ مَا طبخ من عصير الْعِنَب حَتَّى يذهب ثُلُثَاهُ والطلى بِالْفَتْح الشَّخْص المطلى بالقطران وَهُوَ أَيْضا الْوَلَد من ذَوَات الظلْف وَأنْشد الأصمعى لزهير
(بهَا العِينُ والآرام يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأطْلاؤُها ينهضْن من كلَّ مَجْمَّمِ)
الْمَعْنى يَقُول أَحَق النَّاس بِأَن يُسمى سَيْفا أَو يكون صَاحب سيف وَولَايَة من لَا يخَاف الشدائد وَيضْرب الْأَعْنَاق وأحقهم بالإمارة من حَاله هَذِه وروى بالأمن يعْنى من الْأَعْدَاء وَقيل لَا يسْتَحق أَن يحمل سَيْفا إِلَّا من يضْرب بِهِ الْأَعْنَاق
(1/270)

- الْإِعْرَاب بِهَذَا الْإِشَارَة إِلَى مَا تَفْعَلهُ بهم وأنث الْعَائِد إِلَى مَا لِأَن المُرَاد بِمَا نَاحيَة فَحمل على الْمَعْنى لَا على اللَّفْظ الْمَعْنى يَقُول إِن الرّوم مَعَ فعلك بهم معترفون بشجاعتك وفضلك لظُهُوره وَكَثْرَة أدلته عِنْدهم يرَوْنَ آثَار شجاعته وَكَثْرَة غاراته وَخُرُوجه قَالَ أَبُو الطّيب هُوَ فى معنى قَول الآخر
(فخَيْرٌ نَحن عندَ النَّاس منكُمُ ... إِذا الدّاعى المثوِّب قَالَ يالاَ)

21 - الْغَرِيب الغارات جمع غَارة والفرنجة قَرْيَة بأقصى بِلَاد الرّوم وَشن الْغَارة فرقها عَلَيْهِم من كل وَجه قَالَت ليلى الأخيلية
(شنَنَّا عَلَيْهِم كلَّ جرْداءَ شَطْبَةٍ ... لَجُوجٍ تبارى كل أجردَ شَرْجَبِ) الْمَعْنى يَقُول لما فرقت الْغَارة على بِلَاد الرّوم وَلم ينم مِنْهُم أحد خوفًا مِنْك وَإِن كَانَ على الْبعد مِنْك فالقريب يخافك والبعيد يخافك فَهُوَ ساهد أى ساهر لَا ينَام من خوفك
22 - الْإِعْرَاب مخضبة من رَفعه جعله خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَمن نَصبه جعله حَالا من الضَّمِير فى تركتهَا وَهُوَ ضمير الْجَمَاعَة الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى الْبِلَاد مخضبة بِدَم الْقَتْلَى فَكَأَنَّهَا مَسَاجِد مخلقة وهم كالسجد فِيهَا لانكبابهم على وُجُوههم وروى
(الْقَوْم صرعى ... )
وروى غَيره
(وَالْخَيْل ... )
وَقَالَ هى متلطخة بِالدَّمِ وَأَهْلهَا مقتولون مصروعون فَكَأَنَّهَا مَسَاجِد طليت بالخلوق وَكَأَنَّهُم سجد وَإِن لم يَكُونُوا يَسْجُدُونَ حَقِيقَة
23 - الْمَعْنى جعل خيلهم كالجبال لَهُم يتحصنون بهَا وَجعل تنكيسهم عَنْهَا إنزاله لَهُم من الْجبَال للْقَتْل والأسر وَجعل مكايده فيهم كالرماح تقوم مقَام الرماح الَّتِى تطعنهم بهَا جعله يحتال عَلَيْهِم ويكيدهم وَقَالَ الواحدى تطعنهم برماح من كيدك وتنزلهم عَن خيولهم منكوسين
(1/273)

- الْغَرِيب الهبر قطع اللَّحْم وَهُوَ جمع هبرة والكدى جمع كدية وهى الصلبة من الأَرْض وَأَصلهَا فى الْبِئْر يصل إِلَيْهَا الْحَافِر فيقف عِنْدهَا لصلابتها فَيُقَال أكدى أى انْقَطع قَالَ الله تَعَالَى {وَأعْطى قَلِيلا وأكدى} والأساود ضرب من الْحَيَّات الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك تضربهم ضربا يقطع لحمهم فَيَجْعَلهُ هبرا وَقد هربوا مِنْك وحفروا مطامير تَحت الأَرْض ليسكنوها كَمَا تسكن الْحَيَّات فى التُّرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح وَقد جمع معنى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فى بَيت وَاحِد وَهُوَ قَوْله
(فمَا ترَكْنَ بهَا خُلْدا لَهُ بصر ... تَحت التُّرَاب وَلَا بازاً لَهُ قدم)

25 - الْغَرِيب المشمخر العالى وَمِنْه بِنَاء مشمخر والذرى أعالى الْجبَال الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد الْحُصُون العاليات من الْجبَال تحيط بهَا خيلك إحاطة القلائد بالأعناق ويروى القلائد بالتعريف وهى رِوَايَة أَبى الْفَتْح
26 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى عصفن للخيل الْغَرِيب اللقان حصن للروم وَكَذَلِكَ هنزيط وآمد بلد مَعْرُوف وَهُوَ أول بِلَاد الرّوم وَهُوَ مَا بَينهَا وَبَين ديار بكر الْمَعْنى يَقُول خيلك أهلكتهم يَوْم أغرت عَلَيْهِم بِهَذَا الْمَكَان وساقتهم أُسَارَى إِلَى الْموضع الآخر حَتَّى ابيض بلد آمد من كَثْرَة الغلمان والجوارى لحُصُول من حصل فِيهَا من الْأُسَارَى وَقَوله ابيض من أحسن الْكَلَام
27 - الْإِعْرَاب وألحقن عطف على عصفن وَالضَّمِير فيهمَا للخيل الْغَرِيب يُقَال هوى وانهوى بِمَعْنى قَالَ الواحدى هُوَ غَرِيب فى الْقيَاس لِأَن انفعل إِنَّمَا يبْنى مِمَّا الثلاثى مِنْهُ مُتَعَدٍّ وَهَذَا غير مُتَعَدٍّ وانهوى سقط وفى الفصيح من الْكَلَام هوى قَالَ الله تَعَالَى {والنجم إِذا هوى} الْمَعْنى يُرِيد أَن سَابُور والصفصاف حصنان منيعان للروم وَقد ألحقت الثانى فى التخريب بِالْأولِ حَتَّى سقط كسقوطه وذاق الْمَوْت أهل الحصنين وحجارتهما لِأَنَّك أحرقت الحصنين بالنَّار فطحن بعض الصخر بَعْضًا من كَثْرَة الرمى فَصَارَت الْأَحْجَار مَعَ الأخشاب وَغَيرهَا رَمَادا فاستعار لَهَا الْمَوْت لذهابها
28 - الْغَرِيب الْغَلَس ظلمَة آخر اللَّيْل يُرِيد سَار غلسا والمشيع الجرئ الْمِقْدَام واللثامان المُرَاد بهما اللثام الذى يستر بِهِ الْوَجْه من الْحر وَالْبرد وَمَا يُرْسِلهُ على الْوَجْه من حلق المغفر الْمَعْنى يَقُول أَخذهم فى آخر اللَّيْل بِالْخَيْلِ جرئ مِقْدَام مبارك عَابِد لله يُرِيد سيف الدولة وَالْعرب من عاداتها اللثام فى أسفارها
29 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يشتهى طول الْبِلَاد وَالزَّمَان ليظْهر مَا عِنْده من الْفضل والكمال وَهُوَ مَعَ ذَلِك تضيق بِهِ أوقاته ومقاصده أى تضيق عَن همته وَقَالَ الواحدى أى يتَمَنَّى أَن تكون الْبِلَاد أوسع مِمَّا هى فِيهِ وَالزَّمَان أطول وأوسع لِأَن الْأَوْقَات تضيق عَمَّا يُرِيد من الْأُمُور ومقاصده فى الْبِلَاد تضيق عَن حيله وَهُوَ كَقَوْلِه
(تَجَمَّعَتْ فِى فُؤَادِهِ هِمَمٌ ... مِلءُ فُؤَادِ الزَّمانِ إحْدَاها)

(فإنْ أَتَى حظُّها بأزْمِنَة ... أوْسَعَ مِنْ فُؤَادِ الزَّمانِ أبْدَاها)

30 - الْغَرِيب يُقَال غب وأغب وَهُوَ التَّأْخِير يُقَال غب الزِّيَارَة إِذا أَخّرهَا يَوْمًا بعد يَوْم وَسُبْحَان بَحر يجِئ من بلد الرّوم وَلَيْسَ يُرِيد سيحون وجيحون اللَّذين بخراسان الْمَعْنى يَقُول غَزَوَاته لَا تفتر وَلَا تَنْقَطِع إِلَّا عِنْد جمود سيحان هَذَا النَّهر الذى يجمد فى الشتَاء فَلَا تفتر سيوفه عَن رقابهم إِلَّا وَقت الشتَاء وَقت جمود وَادِيهمْ وَذَلِكَ أَنه يقطعهُ عَن غزوهم الشتَاء
31 - الْغَرِيب الظبا جمع الظبة وهى حد السَّيْف وطرفه واللمى سَمُرَة تكون فى الشّفة والثدى جمع ثدى والنواهد الْمُرْتَفع وهى جمع ناهد الْمَعْنى يَقُول لم يبْق الْقَتْل مِنْهُم إِلَّا كل امْرَأَة حماها من السيوف حسنها وَهُوَ لمى شفتيها أى سمرتهما وارتفاع ثديها يعْنى الجوارى وَأخذ هَذَا الْمَعْنى السرى فَقَالَ
(فمَا أبْقَيْتَ إلاَّ مُخْطَفاتٍ ... حَمَى الإخْطافُ مِنها والنُّهودُ)
والإخطاف الضمور وَهُوَ ضد الانتفاخ
(1/274)

- الْغَرِيب البطاريق جمع بطرِيق وهم خَواص الْملك وَهُوَ مُعرب وَجمعه بطاريق وبطارقة الْمَعْنى يُرِيد أَنه أسر بَنَات البطارقة من الرّوم فهم يَبْكُونَ عَلَيْهِنَّ لَيْلًا وَهن عندنَا فى دَار الْإِسْلَام ذليلات لَا يرغب فِيهِنَّ
33 - الْمَعْنى يُرِيد أَن عَادَة الْأَيَّام سرُور قوم بإساءة آخَرين وَمَا حدث فى الدُّنْيَا شئ إِلَّا سربه قوم وسئ بِهِ آخَرُونَ وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الْحَارِث بن حلزة
(رُبَمَا قَرّتْ عُيُونٌ بِشَجا ... مُرْمَضٍ قَدْ سَخِنَتْ منهُ عُيُونُ)
وَقَالَ الطائى
(مَا إنْ تَرَى شَيْئا لشَْىءٍ مُحْيِياً ... حَتَّى تُلاقِيَهُ لآخَر قاتِلاً)
وسبكه المتنبى فى نصف بَيت وَأحسن فِيهِ
34 - الْغَرِيب موموق مَحْبُوب والمقة الْمحبَّة والشاكد الْمُعْطى والشكد الْعَطِيَّة ابْتِدَاء والإقدام الشجَاعَة الْمَعْنى يَقُول أَنْت تقتلهم وَمَعَ هَذَا يحبونك كَأَنَّك تعطيهم شَيْئا وَهَذَا من شرف الشجَاعَة لِأَن الشجاع مَحْبُوب حَتَّى عِنْد من يقْتله فهم يحبونك لشجاعتك وشرفك وبأسك
35 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّم الذى أجريته يفخر بك والفؤاد الذى رعته يحمدك وَذَلِكَ لشرفك وشجاعتك وَهُوَ مثل الآخر
(فانْ أكُ مَقْتُولاً فكُنْ أنْتَ قاتِلى ... فبَعْضُ مَنايا القَوْمِ أشْرَفُ منْ بعْضِ)

36 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك مطبوع على الشجَاعَة والندى وَأَنت مجبول عَلَيْهِمَا وكل أحد يراهما وَيعرف طريقهما وَلَكِن لَا يسْلك طريقهما إِلَّا من قادته نَفسه إِلَيْهِمَا وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وأجله وأدقه معنى
(1/276)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدى هَذَا من أحسن مَا مدح بِهِ ملك وَهُوَ مديح موجه ذُو وَجْهَيْن وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مدح فى المصراع الأول بالشجاعة وَكَثْرَة قتل الْأَعْدَاء فَقَالَ نهبت من أَعمار الْأَعْدَاء بِقَتْلِهِم مَا لَو عشته لكَانَتْ الدُّنْيَا مهنأة ببقائك فِيهَا خَالِدا وَهَذَا الْوَجْه الثانى من المديح جعله جمالا للدنيا فتهنأ الدُّنْيَا بِبَقَائِهِ فِيهَا وَلَو قَالَ
(مَا لَو عشته لبقيت خَالِدا ... )
لم يكن الْمَدْح موجها انْتهى كَلَامه وَقَالَ الصاحب إِسْمَاعِيل بن عباد هَذَا الْمَدْح موجه كَمَا قَالَ الواحدى وَقَالَ الربعى الْمَدْح فى هَذَا من وُجُوه أَحدهَا أَنه وَصفه بِنَهْب الْأَعْمَار لَا الْأَمْوَال الثانى أَنه كثر قتلاه بِحَيْثُ لَو ورث أعمارهم خلد فى الدُّنْيَا وَالثَّالِث أَنه جعل خلوده صلاحا لأهل الدُّنْيَا بقوله
(لهنئت الدُّنْيَا ... )
الرَّابِع أَن قتلاه لم يكن ظَالِما فى قَتلهمْ لِأَنَّهُ لم يقْصد بذلك إِلَّا صَلَاح الدُّنْيَا وَأَهْلهَا فهم مسرورون بِبَقَائِهِ فَلذَلِك قَالَ لهنئت الدُّنْيَا أى أهل الدُّنْيَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم يمدحه إِلَّا بِهَذَا الْبَيْت لَكَانَ قد أبقى لَهُ مَالا يمحوه الزَّمَان
38 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك للْملك بِمَنْزِلَة الحسام لَكِن الضَّارِب بِهِ الله جلّ جَلَاله وَأَنت للدّين لِوَاء وَالله عَاقد لَا غَيره
39 - الْغَرِيب الهيجاء تمد وتقصر وهى من أَسمَاء الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول يَا بن أَبى الهيجاء أَنْت أَبُو الهيجاء بن حمدَان يعْنى صِحَة شبهه بِأَبِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ هوهو وَهُوَ معنى قَوْله
(تشابه مَوْلُود ... )

40 - الْإِعْرَاب ترك صرف حمدون وحارث ضَرُورَة وَهُوَ // جَائِز عندنَا غير جَائِز // عِنْد بعض الْبَصرِيين ووافقنا الْأَخْفَش وَابْن برهَان والفارسى وَحجَّتنَا إجماعنا على جَوَاز صرف مَالا ينْصَرف فى الشّعْر ضَرُورَة فَلذَلِك جَوَّزنَا ترك صرف مَا ينْصَرف فى الشّعْر وَقد جَاءَ كثيرا فى أشعارهم وَقَالَ الأخطل
(طلب الأزارق بالكتائبِ إِذْ هَوَتْ ... بشَبيبَ غائلةُ الثُّغور غَدورُ)
فَترك صرف شبيب وَهُوَ منصرف وَقَالَ حسان بن ثَابت
(نَصَرُوا نبِيَّهُمُ وشدّوا أزْرَهُ ... بحنينَ يوْمَ تَواكُلِ الأبْطالِ)
فَلم يصرف حنينا وَهُوَ مَصْرُوف وَقَالَ الفرزدق 1
(إِذا قالَ يوْما مِن تًنُوخَ قصيدةً ... بهَا جَرَبٌ عَدّت علىّ بزوبَرَا)
فَترك صرف زوبر وَهُوَ منصرف وَقَالَ الآخر
(وَإِلَى ابْن أمّ أُناسَ أَرْحَلُ ناقتى ... عَمْرٍ وفَتُبْلِغ حاجتى أَو تُزْحِفُ)
فَترك صرف أنَاس وَهُوَ منصر ف وَأم أنَاس هى بنت ذهل بن شَيبَان وَعَمْرو هُوَ ابْن حجر الكندى وَقَالَ الآخر
(أُؤَمل أَن أعيشَ وأنّ يوْمى ... بأوّلَ أَو بأهونَ أَو جُبارِ)

(أَو التالى دُبارَ فَإِن أفُتْه ... فمؤْنسَ أَو عروبةَ أوشِيارِ)
فَترك صرف مؤنس ودبار وهما مصروفان فَهَذِهِ أَسمَاء الْأَيَّام فى الْجَاهِلِيَّة أول الْأَحَد وأهون الِاثْنَيْنِ وجبار الثُّلَاثَاء ودبار الْأَرْبَعَاء ومؤنس الْخَمِيس وعروبة الْجُمُعَة وشيار السبت وَقَول الآخر
(قَالَت أُمَيْمة مَا لثابتَ شاخطاً ... عارِى الأشاجع ناحلاً كالمُنصُلِ)
فَترك صرف ثَابت وَهُوَ مَصْرُوف وَقَول الْعَبَّاس بن مرداس السلمى
(فمَا كَانَ حِصْن وَلَا حابِسٌ ... يَفوقانَ مِرْداسَ فى مَجْمَعِ)
وبهذه الرِّوَايَة جَاءَ فى الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ بعد الصَّحِيحَيْنِ شئ يرجع إِلَيْهِ وَقَول الآخر
(وقائلَةٍ مَا بالُ دَوْسَرَ بَعدنَا ... صَحا قلبُه عَن آل ليلى وَعَن هِنْدِ)
فَترك صرف دوسر وشواهدنا كَثِيرَة وَأما الْقيَاس فَإِذا جَازَ حذف الْوَاو المتحركة للضَّرُورَة كبيت الْكتاب 2
(فبيناهُ يَشْرِى رَحُلَه قَالَ قائلٌ ... لمنُ جَمَلُ رِخْوُ المِلاط نجيبُ)
فجواز حذف التَّنْوِين للضَّرُورَة أولى وَالْوَاو من هُوَ متحركة والتنوين سَاكن وَلَا خلاف أَن حذف السَّاكِن أسهل من حذف المتحرك وَلِهَذَا الذى ذَكرْنَاهُ وَصِحَّته وَافَقنَا أَبُو على وَأَبُو الْقَاسِم بن برهَان وَلم يُنكره أَبُو بكر بن السراج وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الأَصْل فى الْأَسْمَاء الصّرْف فَلَو جَوَّزنَا لَأَدَّى ذَلِك إِلَى رده عَن الأَصْل إِلَى غير الأَصْل والتبس مَا ينْصَرف بِمَا لَا ينْصَرف الْمَعْنى قَالَ الواحدى كل من آبَائِك يشبه أَبَاهُ قَالَ وتهزأ الصاحب من هَذَا الْبَيْت فَقَالَ لم يزل يستحسن جمع الأسامى فى الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر
(إنْ يقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ ... بقُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ)
وَقَول دُرَيْد بن الصمَّة
(قَتَلْنا بعَبْد الله خَِيْرَ لِداته ... ذُؤابَ بن أَسمَاء بن زيد بن قَارب)
واحتذى هَذَا الْفَاضِل على طرقهم فَقَالَ وَأَنت أَبُو الهيجاء وَمَا بعده وَهَذَا من الْحِكْمَة الَّتِى ذخرها أفلاطون وأرسطاطا لَيْسَ لهَذَا الْخلف الصَّالح انْتهى كَلَامه الْمَعْنى قَالَ ابْن فورجة أما سبك الْبَيْت فَأحْسن سبك يُرِيد أَنْت تشبه أَبَاك وَأَبُوك كَانَ يشبه أَبَاهُ وَأَبوهُ أَبَاهُ فَأَنت أَبوك إِذا كَانَ فِيك أخلاقه وَأَبُوك أَبوهُ إِلَى آخر الْآبَاء فليت شعرى مَا الذى استقبحه فَإِن استقبح قَوْله وحمدان حمدون فَلَيْسَ فى حمدَان مَا يستقبح من حَيْثُ اللَّفْظ بل وَالْمعْنَى كَيفَ يصنع وَالرجل اسْمه هَكَذَا وَهَكَذَا آباؤه وَهَذَا على نَحْو مَا قَالَ الطائى
(عَبْدُ المليكِ بن صَالح بنِ عَلى بْنَ ... قَسِيمِ النَّبِىّ فى حَسَبِه)
والبحترى حَيْثُ يَقُول
(علىّ بن عيسَى ابنٌ لمُوسَى بن طَلْحَة بنِ ... سائبةَ بن مالكٍ حينَ يَنْطِق)
وكقول أَبى بكر بن دُرَيْد
(فنِعْمَ فَتى الجُلَّى ومُستنبِط النَّدَى ... ومَلْجأ مْحروب ومَفْزَع لاهثِ)

(عباد بن عَمرِو بن الجليس بن جَابر ... بنِ زيد بن مَنْظُور بن زيد بن وارثِ)

41 - الْغَرِيب الزَّوَائِد هى الرواويل الَّتِى تنْبت وَرَاء الْأَسْنَان واحدتها راوول الْمَعْنى يُرِيد أَن هَؤُلَاءِ الَّذين ذكرهم كَانُوا للخلافة بِمَنْزِلَة الناب بهم تمْتَنع الْخلَافَة امْتنَاع السَّبع بنابه وَسَائِر الْمُلُوك زَوَائِد لَا حَاجَة للخلافة بهم
(1/277)

- الْغَرِيب السها نجم خفى صَغِير يكون فَوق النَّجْم الْأَوْسَط من بَنَات نعش الْمَعْنى قَالَ الواحدى جعله فِيمَا بَين الْمُلُوك كَالشَّمْسِ والبدر وَغَيره من الْمُلُوك كَالنُّجُومِ الْخفية يَقُول أَنا أميل إِلَيْك بهواى وَلَو لامنى فى ذَلِك من لَا يبلغ منزلتك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح جعله بِالنِّسْبَةِ إِلَى أعدائه كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر إِلَى السها والفرقدين
43 - الْغَرِيب الباهر البارع الظَّاهِر قَالَ ذُو الرمة
(وقدْ بَهَرْتَ فَلا نَخْفَى عَلى أحَدٍ ... إلاَّ عَلى أكْمَهٍ لَا يَعْرِفُ القَمَرَا)
وبهرت هِنْد النِّسَاء غلبهن حسنا وبهر الْقَمَر ضاء حَتَّى غلب ضوءه ضوء الْكَوَاكِب وقمر باهر الْمَعْنى يَقُول حبى لَك لظُهُور فضلك على غَيْرك لَا لطلب الْعَيْش عنْدك فقد يطْلب الْعَيْش عِنْد غَيْرك وَلَكِن لَيْسَ لَهُ فضل كفضلك الظَّاهِر فَلَا يسْتَحق الْحبّ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح محبتى لَك لفضلك لَا للخير الذى أصيبه عنْدك
44 - الْمَعْنى يُرِيد أَنا أحبك بعقل فينتفع بى وغيرى يحبك بِجَهْل فَلَا ينْتَفع بِهِ وَلَو قَالَ بِالْعلمِ صَالح لَكَانَ أمدح وَأحسن فى صناعَة الشّعْر لِأَن الْجَهْل ضد الْعلم وَالْعقل ضد الْحمق وَهَذَا مِمَّا نَقله أَبُو الطّيب من كَلَام الْحَكِيم إِلَى الْمحبَّة قَالَ الْحَكِيم يسير من ضِيَاء الْحسن خير من كثير من حفظ الْحِكْمَة
(1/280)

- 1 - الْمَعْنى كل امْرِئ يعْمل بعادته وَمَا تعوده وتربى عَلَيْهِ لَا يتكلفه وَعَادَة هَذَا الممدوح أَن يَغْزُو أعداءه ويقتلهم ويطعنهم برمحه وَجعله سَيْفا وَوَصفه بالطعن فَكَأَنَّهُ جعله سَيْفا ورمحا وَهُوَ مَنْقُول من قَول حَاتِم
(وكل امرئٍ جارٍ على مَا تعوّدا)
وَقَالَ الْخَطِيئَة
(جَار على مَا عَوّدوه وَإِنَّهُم ... على عَادَة والمرء مِمَّا تعوّدا)

2 - الْإِعْرَاب سكن الْيَاء من يمسى ضَرُورَة وَهُوَ من الضرورات المستحسنة الْمَعْنى يُرِيد أَن أعداءه يرجفون وَهُوَ يكذب إرجافهم بضد مَا يَقُولُونَ فهم يرجفون بقصوره وَهُوَ يكذبهم بوفوره ويرجفون بهزيمته وَهُوَ يكذبهم بظفره وهم ينوون معارضته فيتحرشون بِهِ فَيصير بذلك أسعد لِأَنَّهُ يظفر عَلَيْهِم فَيَأْخُذ مَا يملكُونَ وَمن روى تحوى أَرَادَ أَنه أملك لما فى أَيْديهم مِنْهُم لِأَنَّهُ مَتى أَرَادَ احتواه واستحقه
3 - الْإِعْرَاب ضره مصدر أى مُرِيد ضره وضر نَفسه فعل مَاض وَأهْدى فعل مَاض الْمَعْنى رب قَاصد أَن يضر فَعَاد الضَّرَر عَلَيْهِ وَرب هاد أى قَائِد إِلَيْهِ الْجَيْش ليهديه الطَّرِيق فأضله بِقَصْدِهِ لَهُ فَصَارَ مهديا إِلَيْهِ من الْهَدِيَّة لِأَنَّهُ يغنم الْجَيْش فَيكون غنيمَة لَهُ فَيكون الهادى مضلا ومهديا إِلَيْهِ ليغنمه
4 - الْمَعْنى يَقُول رب متكبر عَن الْإِيمَان بِاللَّه رَآهُ وسيفه فى كَفه فَآمن وأتى بِالشَّهَادَتَيْنِ قَالَ الواحدى آمن إِمَّا خوفًا مِنْهُ وَإِمَّا علما بِأَن دينه الْحق حِين رأى نور وَجهه وَكَمَال وَصفه
(1/281)

- الْمَعْنى ضرب لَهُ الْمثل بالبحر وَيَقُول الْبَحْر يسلم رَاكِبه إِذا كَانَ سَاكِنا فَإِذا ماج وتحرك كَانَ مخوفا كَذَلِك هَذَا ائته مسالما وَلَا تأته مُحَاربًا وَقَالَ الْخَطِيب لَا تأته وَهُوَ غَضْبَان
6 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَيْسَ إغناء الْبَحْر من يُغْنِيه عَن قصد وَهَذَا يغنى من يُغْنِيه عَن تعمد قَالَ ويعثر قد يأتى فى الْخَيْر وَالشَّر قَالَ الواحدى هَذَا كَلَامه وَفِيه خطأ من وَجْهَيْن لِأَنَّهُ لَا تَقول الْعَرَب عثر الدَّهْر بفلان إِلَّا إِذا أَصَابَهُ بنكبة وَمعنى يعثر بالفتى يهلكه من غير قصد لِأَن العثر بالشئ لَا يكون عَن قصد فَهُوَ يَقُول الْبَحْر يغرق عَن غير قصد وَهَذَا يهْلك أعداءه عَن قصد وتعمد وَلَيْسَ يُمكن أَن تحمل عَثْرَة الْبَحْر بالفتى على إغنائه وَهَذَا الْبَيْت قريب الْمَعْنى من قَوْله
(ويُخْشَى عُبابُ البَحْرِ وَهْوَ مَكانَهُ ... فكَيْفَ بِمَنْ يغْشَى البلادَ إِذا عبا)

7 - الْمَعْنى إِذا فارقته أهلكها وَإِذا أَتَتْهُ خضعت وسجدت لَهُ وَقَالَ الواحدى من فَارقه وَخَالفهُ هلك وَمن أَتَاهُ خضع وَسجد
8 - الْغَرِيب الجدا الْعَطاء والجدوى أَيْضا الْمَعْنى يُرِيد أَنه يَأْخُذ بشجاعته وإقدامه وبضربه وطعنه مَال الْأَعْدَاء ثمَّ يفنيه بالعطاء عِنْد التبسم والنشاط إِذا جَاءَهُ السُّؤَال كَقَوْل أَبى تَمام
(إِذا مَا أغارُوا فاحْتَوَوْا مَال مَعْشَرٍ ... أغارَت عَلَيْهِ واحْتَوَتْهُ الصَّنائعُ)

9 - الْإِعْرَاب التظنى هُوَ التظنن قلبت النُّون الثَّانِيَة يَاء كَقَوْل الهذلى
(تقضّى البازِى إِذا البازى كَسَرْ ... )
الْغَرِيب الطليعة الذى يطلع الْقَوْم على الْعَدو فَإِذا جاءسهم الْعَدو أَنْذرهُمْ الْمَعْنى يَقُول هُوَ لصِحَّة ذكائه ولصحة ظَنّه إِذا ظن شَيْئا رَآهُ بِعَيْنِه لَا محَالة كَمَا قَالَ أَوْس
(الألَمِعىُّ الذى يظنّ بكَ الظَّنّ ... كأنْ قَدْ رأى وَقَدْ سَمِعا)
قَالَ الواحدى هُوَ ذكى ظَنّه يرى الشئ قبل أَن ترَاهُ عَيناهُ كالطليعة تتقدم أَمَام الْقَوْم والمصراع الثانى تَفْسِير للْأولِ يَقُول قلبه يَظُنّهُ يرى فى يَوْمه مَا ترى عينه فى غَد
10 - الْإِعْرَاب وُصُول بدل من ذكى وهما خَبرا ابْتِدَاء مَحْذُوف وَقيل الْمُبْتَدَأ قَوْله وَهَذَا الذى يأتى وذكى ووصول بدلان من خبر الِابْتِدَاء الْمَعْنى يُرِيد أَنه يصل إِلَى كل مَالا يصل إِلَيْهِ من المهالك بِسَيْفِهِ لشجاعته فَلَو كَانَ قرن الشَّمْس مَاء لقدر أَن يُورِدهُ خيله شجاعة وإقداما وَهَذَا من الْمُبَالغَة
11 - الْإِعْرَاب اللَّام مُتَعَلق بِمَا ذكر من وَصفه أى لأجل هَذَا الْوَصْف وَالضَّمِير فى سَمَّاهُ لليوم الْمَعْنى يَقُول لما أسرت ابْن الدمستق يئس من الْحَيَاة فَسمى يَوْمه مماتا لما يعلم من بأسك وَسَماهُ أَبوهُ حَيَاة لِأَنَّهُ فر وَنَجَا فَصَارَ كَيَوْم وَلدته أمه فَكَانَ ذَلِك الْيَوْم مماتا للِابْن حَيَاة للْأَب وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
12 - الْإِعْرَاب ثَلَاثًا نصب على الظّرْف تَقْدِيره فى ثَلَاث لَيَال وَقيل مفعول لسريت الْغَرِيب جيحان نهر بِبِلَاد الرّوم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أدناك سيرك إِلَى النَّهر وأبعدك من آمد قَالَ الواحدى وَهَذَا لَا يُفِيد معنى لِأَن كل من سَار هَذَا وَصفه وَلكنه يُرِيد وصلت إِلَى جيحان بسيرك ثَلَاثًا من أَرض آمد وَهَذِه مَسَافَة لَا يقطعهَا أحد يسير فى ثَلَاثَة أَيَّام وَيفهم من هَذَا أَنَّك وصلت إِلَى هَذَا النَّهر من آمد فى ثَلَاث ليالى على مَا بَينهمَا من الْبعد
13 - الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا أَعْطَاك قسرا لَا اخْتِيَارا لِأَنَّهُ انهزم وَترك ابْنه وجيوشه فِي يدك وَلم يكن ذَاك إِعْطَاء يسْتَحق عَلَيْهِ الْحَمد إِذا كَانَ ذَلِك قهرا 14 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لما رآك لم تسع عينه غَيْرك لعظمك فِي نَفسه وحلت بَينه وَبَين حَيَاته فَصَارَ كالميت فِي بطلَان حواسه وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا 15 - الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهُوَ الزج الذى فى أَسْفَل الرمْح وَقَالَ زرق لِأَن الْحَدِيد الصافى يُوصف بالزرقة والخضرة وقسطنطين هُوَ ولد الدمستق الْمَعْنى يَقُول لم تطلب الرماح غير الدمستق وَلكنه انهزم فَصَارَ ابْنه كالفداء لَهُ لِأَن الْجَيْش اشْتغل بالأسر وَالْأَخْذ فَانْهَزَمَ هُوَ وَنَجَا
16 - الْغَرِيب يجتاب المسوح جمع مسح وَهُوَ مَا ينسج من الشّعْر أى يقطعهَا وَيدخل فِيهَا من خَوفه مِنْك والدلاص الدروع الصافية البارقة يُقَال درع دلاص وأدرع دلاص والمسرد المنظوم المنسوج بعضه فى بعض الْمَعْنى يُرِيد أَنه انهزم من خَوفه وَترك الْحَرْب وترهب وَلبس المسوح كعادة الرهبان بعد لبس الدروع الصافية البراقة
17 - الْغَرِيب العكاز عَصا فى طرفها زج وَأَصله تعكز إِلَى تقبض وَكَأن الشَّيْخ يتقبض عَلَيْهَا ويجتمع وَجَمعهَا عكاكيز وَالدّين معبد النَّصَارَى والأشقر من الْخَيل يُوصف بالسرعة فَلهَذَا خصّه الْمَعْنى إِنَّه لما خافك ترهب وَتَابَ وَأخذ عَصا مَشى عَلَيْهَا بعد أَن كَانَ لَا يرضى بمشى الْخَيل السراع وَذَلِكَ لما لحقه من الْهم ضعف حَتَّى صَار لَا يقدر أَن يمشى إِلَّا على عكازة
18 - الْغَرِيب غادر ترك قَالَ الله تَعَالَى {لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة} وَالنَّقْع الْغُبَار الْمَعْنى يُرِيد مَا ترك الْحَرْب وَتَابَ إِلَّا بعد مَا أبقى الْكر بالطعن وَالضَّرْب وَجهه جريحا ورمدت عينه من غُبَار الْجَيْش وَلم يفعل هَذَا حَتَّى أكره وألجئ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِكَثْرَة مَا أَصَابَهُ من الْجراح
(1/282)

- الْإِعْرَاب ترهبت فى مَوضِع جزم جَوَابا للشّرط ومثنى وموحد حالان الْمَعْنى يَقُول لَا تنجيبه تَوْبَته وترهبه من على يعْنى سيف الدولة وَلَو كَانَ منجيا لَهُ لترهبت الْأَمْلَاك وَهُوَ جمع ملك اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وواحدا وَاحِدًا
20 - الْإِعْرَاب لَيْسَ كل هُنَا على الْعُمُوم وَالتَّقْدِير كل من يُخَالِفهُ وَبعدهَا الضَّمِير فِيهِ لفعلة الدمستق وَمن روى بعده كَانَ الضَّمِير لَهُ الْمَعْنى يُرِيد وترهب كل امْرِئ فى الشرق والغرب فَمن يخافه يلبس المسوح وَيَتُوب إِن كَانَ هَذَا ينجيه من بَأْس سيف الدولة
21 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح ارْتَفع الْعِيد بِفعل مَحْذُوف وَأَصله ثَبت الْعِيد هَنِيئًا لَك فَحذف الْفِعْل وَأقَام الْحَال مقَامه فَرفعت الْعِيد كَمَا يرفعهُ الْفِعْل وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وانتصب هَنِيئًا عِنْد قوم على مَذْهَب قَوْلهم ثَبت لَك هَنِيئًا وَقيل بل هُوَ اسْم وضع مَوضِع الْمصدر كَأَنَّهُ قيل هَنَّأَك هَنِيئًا وَرُبمَا وضعُوا اسْم الْفَاعِل فى هَذَا الْموضع كَمَا روى عَن بعض نسَاء الْعَرَب وهى ترقص ابْنا لَهَا
(قُمْ قائِما قُمْ قائِما ... لَقِيتَ عَبْداً نائِما)

(وَعُشَرَاءَ رائِما وأمَةً مُرَاغِما ( ... يُرِيد قُم قيَاما انْتهى الْمَعْنى يَقُول الْعِيد فَرح يعود على النَّاس يفرحون بِهِ وَأَنت عيد لكل النَّاس يفرحون بسلامتك وَكَذَلِكَ الْعِيد يفرح بوصوله إِلَيْك فَأَنت عيده أى تحل فِيهِ مَحل الْعِيد وَأَنت عيد أى فَرح لكل من سمى الله يُرِيد ذكر الله فى الْإِحْرَام وَذبح أضحيته وتلخيص الْكَلَام وَأَنت عيد لكل مُسلم يفرح بك كالعيد
21 - الْغَرِيب الأعياد جمع عيد ككبد وأكباد وَإِنَّمَا جمع بِالْيَاءِ وَأَصله الْوَاو للُزُوم الْيَاء فى الْوَاحِد وَقيل للْفرق بَين أَعْوَاد الْخشب وَبَينه وعيدوا شهدُوا الْعِيد وسمى عيدا لِأَنَّهُ يعود وَقيل لعود الْفَرح فِيهِ والعيد مَا اعتادك من فَرح أَو هم أَو غير ذَلِك قَالَ الشَّاعِر
(وَالْقلب يعتاده من حبها عِيدُ ... )
وَقَالَ يزِيد بن الحكم الثقفى وَقيل بله هُوَ لعمر بن أَبى ربيعَة
(أَمْسَى بأسماء هَذَا القَلْب مَعْمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعْتاده عِيدَا)

(أجرِى على موعدٍ منا فتُخْلِفُنِى ... فَلَا أمَلُّ وَلَا تُوفِى المواعِيدا)
سَأَلت شيخى أَبَا مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن صَالح التيمى النحوى عَن قَوْله يعتاده عيدا علام نَصبه فَقَالَ هُوَ فى مَوضِع الْحَال تَقْدِيره يعتاده السكر عَائِدًا ففى يعتاده ضمير السكر ده عَلَيْهِ قَوْله صَحا الْمَعْنى يَقُول لَا زلت تلبس الأعياد المتكررة عَلَيْك فى الأعوام فَإِذا مضى عيد جَاءَك بعده عيد جَدِيد فَصَارَ الماضى خلقا والقادم جَدِيدا وَلما ذكر اللّبْس اسْتعَار لَهُ الْخلق والجديد
23 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فى الْبَيْت نظر وَهُوَ أَنه خص الْعِيد وَحده دون الْأَيَّام بِمَا ذكره من الشّرف وَكَانَ ينبغى أَن تكون أَيَّامه كلهَا كَذَلِك لِأَن جَمِيعهَا مُشْتَمل عَلَيْهِ الْجَواب أَن الْعِيد قد اجْتمع فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا وَهُوَ الْأَظْهر اشتماله على سيف الدولة وَالْآخر كَونه عيدا فَصَارَ لَهُ مزية على غَيره مِمَّا لَيْسَ بعيد انْتهى كَلَامه وَيجوز أَن يُقَال إِنَّمَا جعله فى الشّرف كَيَوْم النَّحْر لِأَنَّهُ من أشرف الْأَيَّام وَقَالَ أهل التَّفْسِير فى قَوْله {يَوْم الْحَج الْأَكْبَر} قيل يَوْم النَّحْر وَمِنْه الحَدِيث " أَن يَهُودِيّا قَالَ لعمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ لَو علينا معشر الْيَهُود نزلت الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ " لاتخذناه عيدا فَقَالَ عمر إنى لأعْلم أى يَوْم نزلت وفى أى سَاعَة نزلت يَوْم النَّحْر وَهُوَ عندنَا من أشرف الْأَيَّام فَلهَذَا خص المتنبى هَذَا الْيَوْم بالشرف فى الْأَيَّام كشرفه فى الورى وَالْمعْنَى من قَول حبيب
(وَيَضْحَكُ الدّهْرَ مِنْهَمْ عَن غَطارِفةٍ ... كأنَّ أيامَهُمْ مِنْ حُسْنِها جُمَعُ)

24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد التَّنْبِيه على اخْتِلَاف حظوظ أهل الدُّنْيَا فقد يبلغ من حكم الْجد أَن تفضل الْعين أُخْتهَا وَإِن كَانَت سَوَاء ويفضل الْيَوْم الْيَوْم وَكِلَاهُمَا ضوء الشَّمْس وَقَالَ غَيره جعل الْيَوْمَيْنِ والعينين مثلا لكل متساويين فيجد أَحدهمَا فيريد أَن الْجد يُؤثر فى كل شئ حَتَّى إِن الْعَينَيْنِ تصح إِحْدَاهمَا وتسقم الْأُخْرَى ويسود الْيَوْم الْيَوْم وَكِلَاهُمَا ضوء الشَّمْس فيريد أَن سَائِر الْأَيَّام كَيَوْم الْعِيد إِلَّا أَن الْحَظ شهره من سَائِر الْأَيَّام فَجعله يَوْم فَرح وسرور فَلهُ فضل على الْأَيَّام كفضل الْيَد الْيُمْنَى على الشمَال وَالْعين الْيُمْنَى على الشمَال فالحظ يعْمل فى كل شئ وفى مَعْنَاهُ لحبيب
(وَإِذا تأمَّلْتَ البِِلادَ رَأَيْتهَا ... تُثْرِى كَمَا تُثْرى الرِّجَال وتُعْدِمُ)

(حَظّ تَعاوَرَهُ البَقاع لوقْته ... وَادٍ بِهِ صَفِرٌ وآخَرُ مُفْعَمْ)

25 - الْإِعْرَاب الدائل اسْم فَاعل من دَال يدول وَيُرِيد بِهِ هُنَا صَاحب الدولة أخرجه مخرج لِابْنِ وتامر وشفرتا السَّيْف حداه الْمَعْنى يتعجب من عَظِيم همة الدولة إِذْ تقلدته والدولة فى الْحَقِيقَة الْخَلِيفَة وفى هَذَا تَفْضِيل لَهُ على الْخَلِيفَة بِالْقُوَّةِ وَضرب لهَذَا مثلا قَالَ ابْن القطاع صحف هَذَا الْبَيْت فروى دائل بِالدَّال الْمُهْملَة من الدولة وَلَا معنى للدولة فِيهِ وَالصَّحِيح بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الرجل المتقلد سَيْفه المتبختر فى مشيته والذائل السَّيْف الطَّوِيل أَيْضا وَكَذَلِكَ الْفرس الطَّوِيل الذَّنب فَإِن كَانَ قَصِيرا وذنبه طَوِيل قيل ذَيَّال الذَّنب الدرْع الطَّوِيلَة قَالَ النَّابِغَة
(وكلّ صموت نثلة تُبَّعِيَّة ... ونَسج سُليمٍ كلّ قَضَّاء ذائل والذائل الطَّوِيل من كل شئ
26 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قلت لَهُ جعلت من شرطا صَرِيحًا فَهَلا جَعلتهَا بِمَنْزِلَة الذى وَلم تضمن الصِّلَة معنى الشَّرْط حَتَّى لَا تركب الضَّرُورَة كَقَوْلِه تَعَالَى {الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم} الْآيَة فَقَالَ هَذَا يرجع إِلَى معنى الشَّرْط وَالْجَزَاء وَأَنا جِئْت بِلَفْظ الشَّرْط لِأَنَّهُ أبلغ وَأَرَدْت الْفَاء فى يصيره ثمَّ حذفهَا والذى قَالَه // جَائِز // وَالْوَجْه الذى قلت لَهُ أولى وسيبويه يرى فى هَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فتقديره على مذْهبه يصير الضرغام من يَجعله بازا فِيمَا تصيده وَاكْتفى بِهَذَا القَوْل عَن وجوب الشَّرْط وَمثله
(يَا أقْرَعُ بنَ حَابِس يَا أقْرَعُ ... إنَّك إِن يصرعْ أَخُوك تُصَرعُ)
وَالتَّقْدِير إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك انْتهى كَلَامه وَأما قَول المتنبى أردْت الْفَاء ثمَّ حذفتها // فَجَائِز حسن // قد جَاءَ فى الْكَلَام الفصيح وَمِنْه حَدِيث النبى
فى حَدِيث سعد بن مَالك وَهُوَ حَدِيث الصَّحِيحَيْنِ والموطأ وَالسّنَن قَالَ " مَرضت عَام الْفَتْح فعادنى رَسُول الله
فَقلت يَا رَسُول الله إِن لى مَالا وَلَيْسَ لى من يرثنى إِلَّا ابْنة لى فأتصدق بِنصْف مالى قَالَ لَا فقت فَالثُّلُث قَالَ الثُّلُث وَالثلث كثير إِنَّك إِن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تذرهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس " التَّقْدِير فَهُوَ خير فَحذف الْفَاء الْغَرِيب الضرغام الْأسد وضرغم الْأَبْطَال بَعضهم بَعْضًا فى الْحَرْب وَأَصله الضرغامة الْمَعْنى أَنَّك فَوق من تصف إِلَيْهِ لِأَن من اتخذ أسدا ضاريا صيد بِهِ أى غَلبه الْأسد فصاده مثله قَول دعبل فى الْفضل وَكَانَ قد خرجه وأدبه فَبَلغهُ أَنه يعِيبهُ فَقَالَ
(فَكَانَ كالكلبِ ضرّاهُ مُكَلِّبُهُ ... لِصَيْدِهِ فغَدا يصطاد كَلاَّبَه)

27 - الْمَعْنى يَقُول حلمك عَن قدرَة وَلَو شِئْت لم تحلم ولكان بدل الْحلم الْقَتْل بِالسَّيْفِ فَأَنت خَالص الْحلم فى خَالص قدرَة عَن الْعَجز
28 - الْمَعْنى يَقُول من عَفا عَن حر صَار كَأَنَّهُ قَتله لِأَنَّهُ يسترقه بِالْعَفو عَنهُ فيذل لَهُ وينقاد وَهَذَا من قَول بَعضهم غل يدا مُطلقهَا واسترق رَقَبَة معتقها وَالْمعْنَى من لَك بِالْحرِّ الذى يحفظ النِّعْمَة ويراعى حَقّهَا وَمن روى يعرف اليدا فَمَعْنَاه قدر الْعَفو عَنهُ وَمَا أحسن هَذَا حثه فى أول بَيت على الْعَفو ثمَّ ذكر قلَّة وجود من يسْتَحق ذَلِك ثمَّ أكد هَذَا بقوله
(إِذا أَنْت ... الخ ... )

29 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْكَرِيم يعرف قدر الْإِكْرَام فَيصير كالمملوك لَك إِذا أكرمته واللئيم إِذا أكرمته يزِيد عتوا وجراءة عَلَيْك
30 - الْمَعْنى كل يجازى ويعامل على اسْتِحْقَاقه فمستحق الْعَطاء لم يسْتَعْمل مَعَه السَّيْف وَمن اسْتحق السَّيْف لم يكرم بالعطاء وَإِذا فعل ذَلِك أحد أضرّ بعلاه وَالْبَاء مُتَعَلقَة بمضر وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحِكْمَة قَالَ الْحَكِيم من جعل الْفِكر فى مَوضِع البديهة فقد أضرّ بخاطره وَكَذَلِكَ من جعل البديهة فى مَوضِع الْفِكر
(1/285)

- الْغَرِيب تفوق تصير فَوْقهم والمحتد الأَصْل الْمَعْنى يَقُول أَنْت فَوق كل أحد بِالْعقلِ والإصابة فى الْأُمُور كَمَا أَنْت فَوْقهم بِكُل شئ لم ينالوه فَأَنت أعرف بمواقع الْإِسَاءَة وَالْإِحْسَان وَأَنت فَوق النَّاس بحالك لِأَنَّك ملك مَالك وبالنفس لِأَنَّك أَعلَى النَّاس همة وبالإحسان لِأَنَّك ذُو أصل شرِيف ومنصب كريم
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَن مَا تبتدعه من المكارم يخفى على أفكار الشُّعَرَاء فَيذكرُونَ مَا ظهر مِنْهَا ويتركون مَا خفى قَالَ الواحدى إِن المقتدين بك فى المكارم يَأْخُذُونَ مَا ظهر مِنْك ويتركون مَا خفى وَلَو أَرَادَ ذَلِك لما أَتَى بالأفكار ولقال يدق على الْكَرم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْبَيْت مثل قَول عمار الكلابى
(مَا كلُّ قَوْلَى مَشْرُوحا لكُمْ فَخُذُوا ... مَا تَعْرِفُونَ وَمَا لم تَعْرِفُوا فَدَعُوا)
قَالَ ابْن فورجة عمار الكلابى رجل مُحدث لحنة وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لَهُ وهى قَوْله
(مَاذَا لَقِيتُ مِنَ المُستَعربينَ وَمِنْ ... قِياسِ نَحْوِهِمُ هذاَ الذى ابْتَدَعُوا)

(إِن قُلْتُ قافِيَةً بِكْراًٍ يَكُونُ لَهَا ... مَعْنًى خلافَ الذى قاسُوهُ أَو ذرَعُوا)

(قَالُوا لَحَنْتَ وَهَذَا الحَرْفُ مُنْخَفِضٌ ... وَذاكَ نَصْبٌ وَهَذَا ليْسَ يَرْتَفِعُ)

(وحَرَّضُوا بينَ عَبْد اللهِ واجْتَهَدُوا ... وبينَ زَيْد فَطالَ الضَّرْبُ والوَجَعُ)

(كمْ بينَ قوْمٍ قد احْتالوا بِمَنْطِقِهِمْ ... وبينَ قَوْمٍ على إعْرابِهِمْ طُبِعُوا)

(فَقُلْتُ وَاحِدَةً فِيها جَوَابُهُمُ ... وكَثْرَةُ القَوْلِ بالإِيجازِ تَنْقَطِعُ)

(مَا كلُّ قَوْلىَ مَشْرُوحا لَكُمْ فَخُذُوا ... مَا تَعْرِفُونَ وَما لم تَعْرِفُوا فَدَعُوا)

(حَتَّى يصِيرَ إِلَى القَوْمِ الَذِينَ غُذُوا ... بِما غُذيِتُ بِهِ والقَوْلُ يَجْتَمعُ)

(لأنّ أرْضِىَ أرْضٌ لَا تُشَبُّ بِهَا ... نارُ المَجُوسِ وَلاَ تُبْنَى بِها البِيَعُ)

33 - الْغَرِيب الكبت الصّرْف والإذلال يُقَال كبت الله الْعَدو أى صرفه وأذله وكبته لوجهه صرعه الْمَعْنى يَقُول صرت محسودا بِالنعَم الَّتِى أَنْعَمت بهَا على فَظهر لى حساد يحسدوننى فصاروا يقصدوننى بالسوء فاكفنى شرهم بِأَن تصرفهم وتخزيهم بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُم وَمثل قَول أَبى الجويرية العبدى
(وَمَا زِلْتَ تُعْطينى وَمالىَ حاسِدٌ ... مِنَ النَّاسِ حَتَّى صرْتُ أُرْجَى أُحسدُ)
وَأَخذه بشار فَقَالَ
(صحبته فى المُلك أَو سُوقةً ...
(1/289)

فَزَادَ فى كثرَةِ حسادى)
وَقَالَ أَبُو نواس
(دَعْنِي اكسر حاسديك برحلة ... إِلَى بلد فِيهِ الخصيب أَمِير)
وَقَالَ أَبُو عبَادَة الْوَلِيد البحتري
(وألبسني النعمى الَّتِي غيرت أخى ... على فأضحى نازح الود أجنبا)
34 - الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف مَا لم يكن لَهَا هَا مقبض فَإِذا صَار لَهَا مقبض فهى سيف وَلذَلِك أضافت الشُّعَرَاء النصل إِلَى السَّيْف الْمَعْنى يَقُول إِذا قوى ساعدى بِحسن رَأْيك قطع نصلى هام الْأَعْدَاء وَإِن ضربت بِهِ وَهُوَ فى غمده وَيُرِيد إِنَّك إِذا كنت حسن الرأى فى فَمَا أبالى بالحساد والقليل من إنكارك عَلَيْهِم يكفينى وَالْمعْنَى من قَول حبيب
(يَسُوء الذى يَسْطو بِهِ وَهُوَ مُغْمَد ... ويفضح من يَسطو بِهِ غيرَ مُغْمَدِ)

35 - الْغَرِيب السمهرى الرمْح مَنْسُوب إِلَى سمهر اسْم رجل كَانَ يقوم الرماح وَالْأَصْل الصلابة اسمهر الْأَمر إِذا اشْتَدَّ الْمَعْنى يَقُول أَنا لَك كالرمح الذى إِن حَملته بِالْعرضِ زانك وَكَانَ زينا لَك وَإِن حَملته مُسَددًا مُهَيَّأ لطعن أعدائك راعهم يُرِيد أَنا لَك زين فى السّلم ورمح فى عَدوك أنافح عَنْك بلسانى
36 - الْمَعْنى إِن أهل الدَّهْر يروون شعرى وَأخرج اللَّفْظ على الدَّهْر تَعْظِيمًا لشعره وَالْمرَاد أهل الدَّهْر وَجعل شعره فى الْحسن كالقلائد الَّتِى يتقلد بهَا
(1/290)

- الْغَرِيب المغرد المطرب والتغريد رفع الصَّوْت للتطريب بِحسن الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول إِذا سمع شعرى الكسلان نشطه فَصَارَ على سَمَاعه مشمرا والذى لَا يغنى إِذا سَمعه طرب فغنى بِهِ مغردا وَذَلِكَ أَنه يستحسنه كل أحد
38 - الْغَرِيب أجزنى من الْجَائِزَة وأصل الْجَائِزَة أَن بعض الْمُلُوك كَانَ فى حَرْب وَبَينه وَبَين قوم نهر فَقَالَ من جَازَ إِلَى الْجَانِب الآخر كَانَ لَهُ كَذَا فَكَانَ إِذا جَازَ الرجل أعطَاهُ عطاءه فَقيل مد جازه وَقيل إِنَّمَا سميت جَائِزَة لِأَنَّهَا تجوز لصَاحِبهَا من قَوْلك هَذَا يجوز وَهَذَا يمْتَنع الْمَعْنى يُرِيد إِذا أنْشدك شَاءَ شعرًا يمدحك فأعطنى فَإِن الذى أنشدته شعرى يردده المادحون ويكررونه عَلَيْك وَذَلِكَ لأَنهم يَأْخُذُونَ معانى أشعارى فِيك وألفاظى فيأتونك بهَا وَهَذَا كَقَوْل بشار
(إذَا أَنْشَدَ حَمَّادٌ ... فَقُلْ أحْسَنَ بَشَّارُ)
وكقول أَبى هفان
(إذَا أنْشَدْتُكمْ شِعْراً ... فَقُولُوا أحْسَنَ النَّاسُ)
وَأَخذه أَبُو تَمام فى غير هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(فمَهْما تكُنْ مِن وَقْعَةٍ بعدُ لَا تكُنْ ... سِوَى حَسَن مِمَّا فَعَلْتَ مُرَدَّدِ)

39 - الْغَرِيب الصدى الصَّوْت الذى يسمع من الْجَبَل كَأَنَّهُ يحْكى قَوْلك أَو صياحك وَهَذَا مثل يَقُول شعرى هُوَ الأَصْل وَغَيره كالصدى الذى يكون حِكَايَة لصوت الصائح وَلَيْسَ بِأَصْل أى لَا تلْتَفت إِلَى شعر غيرى فَإِنَّهُ لَيْسَ بشئ وَالْأَصْل شعرى
40 - الْغَرِيب العسجد الذَّهَب الْمَعْنى يُرِيد إنى أَتَّخِذ لخيلى نعالا من ذهب من نعماك على وَتركت السرى لغيرى من القترين المقلين ليسيروا إِلَيْك كَمَا سرت إِلَيْك فَأَنا قد بلغت بك إِلَى كل مَا طلبت من الآمال وَالْمَال
(1/291)

- الْمَعْنى يَقُول أَقمت عنْدك حبا لَك وَبَين سَبَب الْإِقَامَة بالمصراع الْأَخير وَأَن إحسانه إِلَيْهِ هُوَ الذى قَيده وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى
(وَتَرْكى سُرْعَةَ الصَّدَرِ اغْتِباطا ... يَدُلُّ عَلى مُوَافَقَةِ الوُرُودِ)
وَكَقَوْلِه
(هِمَمِى مُعَلَّقَةٌ عَلَيْكَ رِقابُها ... مَغْلُولَةٌ إنَّ الوَفاءَ إسارُها)

42 - الْمَعْنى يَقُول إِذا طلب طَالب من الدَّهْر وشكا إِلَيْهِ واقترح عَلَيْهِ الْغنى وَكنت بَعيدا عَن بلادك جعلتك موعدا لى بالغنى لَا الدَّهْر وَقَالَ الواحدى الدَّهْر يحِيل عَلَيْك فَمن اقترح عَلَيْهِ الْغنى يُشِير عَلَيْهِ بإتيانك كَمَا قَالَ أَبُو تَمام
(شَكَوْتُ إِلَى الزَّمان نُحُول حالى ... فأرْشَدنى إِلَى عَبْدِ الحَميد)
(1/292)

- 1 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَذَى بعثنى على مفارقتكم فَصَارَ الْأَذَى يدا لِأَنَّهُ كَانَ سَببا للفرقة وَنَقله الواحدى
2 - الْمَعْنى يُرِيد مَا بينى وَبَيْنكُم من الْحَال لَا من الْبعد فى الأوطان قَالَ الواحدى إِن الْجفَاء أعَان قلبى على الشوق فَلَا يغلبه شوق إِلَيْكُم أى لَا أشتاق إِلَيْكُم إِذا تذكرت مَا كَانَ بَيْننَا قبل الْفِرَاق قَالَ والذى ذَكرْنَاهُ قَول ابْن جنى وَعَلِيهِ أَكثر النَّاس وَقَالَ العروضى هَذَا غلط وَلَا يرَاهُ قَوْله
(أعَان قلبى ... )
وَمن تخلص من بلية لم يتداركه شوق إِلَيْهَا وَمعنى الْبَيْت الأول مَا كنت أَحْسبهُ عنْدكُمْ أَذَى كَانَ إحسانا إِلَى جنب مَا أَلْقَاهُ من غَيْركُمْ كَمَا قَالَ الآخر
(عَتَبْتُ عَلى سَلْمَى فَلَمَّا هَجضرْتُها ... وَجَرَّتُ أقْوَاما بكَيْتُ عَلى سَلْمَى)
ثمَّ قَالَ إِذا تذكرت مَا بينى وَبَيْنكُم من صفاء الْمَوَدَّة أعاننى ذَلِك على مقاومة الشوق إِذا علمت أَنكُمْ على الْعَهْد وَالْوَفَاء بالمودة قَالَ الواحدى وَقَول أَبى الْفَتْح أظهر
(1/293)

(تمّ تَعْدِيل أرقام الأبيات من قبل أَحْمد)
62

- 1 - الْإِعْرَاب قَوْله أَهلا بمضمر تَقْدِيره جعل الله أَهلا بِتِلْكَ الدَّار فَتكون مأهولة وَهُوَ فى الْحَقِيقَة دُعَاء لَهَا بالسقيا وَقَالَ ابْن القطاع قَالَ بَعضهم هُوَ نصب على مَذْهَب الِاسْتِفْهَام بإضمار الظَّن أى أتظن أَهلا بدار وَكَيف يظنّ ذَلِك وَهُوَ يَرَاهَا خَالِيَة قفارا وَإِنَّمَا نصب على مَذْهَب الدُّعَاء لِأَن عَادَة الشِّرَاء إِذا وقفُوا على ديار أحبابهم حيوها بِالسَّلَامِ ودعوا لَهَا بالسقيا وَرُجُوع الْأَهْل كَقَوْل امْرِئ الْقَيْس
(أَلا عِمْ صباحا أيُّها الطَّللُ البالى ... )
وكقول جرير
(سقَى الرّملَ جَوْنٌ مستهلُّ رَبَابُهُ ... وَمَا ذَاك إِلَّا حُبَّ من حَلَّ بالرملِ)
أى من أجل حب من حل بالرمل وَلكنه مَنْصُوب على مَذْهَب الدُّعَاء أى أعَاد الله أَهلا بدار وَأهل الله أَهلا بدر ثمَّ رَجَعَ إِلَى نَفسه فَقَالَ أبعد مَا بَان عَنْك خروها وَلم تزودك عِنْد رحيلك زادا تَدْعُو لَهَا انْتهى كَلَامه وَقَالَ من روى أبعد بِسُكُون الْبَاء فقد حكى مَاضِيَة لَهُ مَعهَا بقوله ظلت ويضمر حِينَئِذٍ عِنْد تَمام الْبَيْت قَائِلا أَو تَقول يَا حاديى وَتَكون الأبيات إِلَى قَوْله بانوا بخرعوبة حِكَايَة للْحَال وَمن روى أبعد بِفَتْح الْبَاء فَمَعْنَاه عشقتها لِكَثْرَة مَا سَمِعت من حسن وصفهَا وَلَا يحْتَاج إِلَى إِضْمَار وَهَذِه الْمُبَالغَة على هَذَا الْوَجْه وَإِن كَانَت بعيدَة فى الرُّجُوع قَالَ الواحدى وفى أبعد رِوَايَات والذى عَلَيْهِ الْأَكْثَر هُوَ الِاسْتِفْهَام وَفِيه ضَرْبَان من الْفساد أَحدهمَا فى اللَّفْظ وَهُوَ أَن تَمام الْكَلَام يكون فى الْبَيْت الذى بعده وَهُوَ عيب فى الشّعْر يُسمى المضمن والمبتور وَمثله
(لَا صلْحَ بيْنى فاعلَموه وَلَا ... بَيْنَكُمُ مَا حمَلتْ عاتقَى)

(سَيْفى وَمَا أنَّا بِنَجْدٍ وَمَا ... قرْقرَ قمر الوادِ بالشَّاهق)
والثانى فى الْمَعْنى وَهُوَ أَنه إِذا قَالَ أبعد فراقهم نهيم وتحزن كَانَ محالا من الْكَلَام وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة أبعد مابان أى أبعد شئ فارقك جوارى هَذِه الدَّار وروى قوم أبعد بِالنّصب على أَنه حَال من الأغيد وَالْعَامِل فى الْحَال سباك يُرِيد سباك أبعد مَا بَان عَنْك وَهَذَا من الْعجب أَن السبى يسئ وَهُوَ بعيد يُرِيد أَنه أسرك بحبه وَهُوَ على الْبعد مِنْك الْغَرِيب الأغيد الناعم وَجمعه غيد وَذكر اللَّفْظ على إِرَادَة الشَّخْص أَو الْإِنْسَان وَالْإِنْسَان يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى والخرد جمع خريدة وهى الْبكر الَّتِى لم تمس وَيُقَال فى جمعه خرد بِالتَّخْفِيفِ وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فى الغيد الْعتْق الْمَعْنى أَنه لما دَعَا للدَّار بالسقيا وَرُجُوع الْأَهْل إِلَيْهَا بَكَى وَقَالَ هَذِه الدَّار أبعد شئ فارقك وَبَان عَنْك جواريها الناعمات الْأَبْكَار
2 - الْإِعْرَاب ظلت أَصله ظللت فَحذف إِحْدَى اللامين تَخْفِيفًا كَقَوْلِه تَعَالَى {فظلتم تفكهون} ويدها ارْتَفَعت بنضيجة وهى اسْم فَاعل يعْمل عمل الْفِعْل كَمَا تَقول مَرَرْت بِامْرَأَة كَرِيمَة جاريتها وَيجوز أَن تكون النضيجة من صفة الكبد وترتفع الْيَد بِالِابْتِدَاءِ عِنْد الْبَصرِيين وَعِنْدنَا بِخَبَر الصّفة وَعند سعيد بن مسْعدَة بالاستقرار وَإِذا كَانَت نضيجة عاملة فى الْيَد كَانَ أبلغ الْغَرِيب الخلب قيل غشاء الكبد وَقيل غشاء الْقلب رَقِيق وَقيل الخلب مَا بَين الزِّيَادَة والكبد وَجعل الْيَد نضيجة وأضافها إِلَى الكبد لِأَنَّهَا دَامَ وَضعهَا على الكبد فأنضجتها بِمَا فِيهَا من الْحَرَارَة فَلهَذَا جَازَ إضافتها إِلَى الكبد وَالْعرب تسمى الشئ باسم غَيره إِذا طَالَتْ صحبته إِيَّاه كَمَا قَالُوا لفناء الدَّار الْعذرَة وَإِذا جَازَ تَسْمِيَته باسم مَا يَصْحَبهُ كَانَت بالإضافه أَهْون الْمَعْنى يَقُول وقفت بِتِلْكَ الدَّار وَاضِعا يدى على كبدى والمحزون يفعل ذَلِك كثيرا لما يجده فى كبده من حرارة الشوق والوجد حَتَّى يخَاف على كبده أَن تَنْشَق كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(عَشِيَّةَ أَثْنِى البُرْدَ ثُمَّ ألوثُهُ ... على كَبِدِى مِنْ خَشْيَةٍ أنْ تَقطَّعا))
وكبيت الحماسة قَول الصمَّة القشيرى
(وأذْكُرُ أيَّامَ الحِمَى ثُمّ أنْثَنى ... عَلى كَبِدِى مِنْ خَشْيَةٍ أنْ تَصَدَّعا)
وكقول الآخر
(لَمَّا رأوْهُمْ لَمْ يُحِسُّوا مُدْرِكا ... وَضَعُوا أنامِلَهُمْ عَلى الأكْبادِ)
قَالَ الواحدى وَقد ذكره أَبُو الطّيب بقوله
(فِيهِ أيْديكما على الظَّفَر الحُلْو ... وأيدى قومٍ على الأكْبادِ)
(1/294)

- الْإِعْرَاب نَادَى الحاديين وَحذف مَا ناداهما لَهُ وَذكره فِيمَا بعد الْبَيْت وَهَذَا مِمَّا يُسمى الاعترض اعْتِرَاض لَهُ كَلَام آخر هُوَ من شَأْنه وقصته وَلَو كَانَ كلَاما لَيْسَ من قصَّته وشأنه فسد وَإِذا كَانَ من كَانَ // جَائِزا // كَقَوْل الآخر
(وَقد أدركَتنى والحوادث جمَّة ... أسِنَّة قوم لَا ضِعافٌ وَلَا عُزْل)
ففصل بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل بِمَا هُوَ من قصَّته لِأَن إِدْرَاك الأسنة من جملَة الْحَوَادِث وَكَذَلِكَ قَول أَبى الطّيب لَيْسَ بأجنبى عَمَّا هُوَ فِيهِ من الْقِصَّة وَأَرَادَ قبيل أَن أفقدها فَلَمَّا حذف أَن رفع الْفِعْل كبيت الْكتاب فى رِوَايَة الْبَصرِيين
(أَلا أيهذا الزّاجرى أحضرُ الوَغَى)
الْغَرِيب العير الْإِبِل الَّتِى تحمل الْميرَة وَيجوز جمعه على عيرات ذكره الجوهرى هَكَذَا الْمَعْنى يُرِيد يَا حاديى أبلها أَظن أَنى أَمُوت قبيل أَن أفقدها وَبَين مَا دعاهما لَهُ بقوله
(قفا قَلِيلا ... الخ ... )

4 - الْإِعْرَاب من روى أقل بِالرَّفْع جعل لَا بِمَنْزِلَة لَيْسَ كبيت الْكتاب
(من صَدّ عَن نيرَانها ... فَأَنا ابْن قيسٍ لَا براحُ)
يُرِيد أَنه لَيْسَ عندى براح وَالضَّمِير فى بهَا يعود على المحبوبة وَإِن شِئْت فعلى العير الْمَعْنى يُرِيد يَا حاديى عيرها قفا بهَا على قَلِيلا أتعلل بنظرة كَثِيرَة والنظرة للمحب وَلَا سِيمَا عِنْد الْوَدَاع وفى هَذَا نظر إِلَى قَول ذى الرمة
(وَإنْ لم يَكُنْ إلاَّ تَعَلُّلُ ساعَةٍ ... قَليلٌ فإنى نافعٌ لى قليلُها)

5 - الْغَرِيب الْجَحِيم النَّار الشَّدِيدَة التوقد الْعَظِيمَة وكل نَار عَظِيمَة فهى جحيم قَالَ تَعَالَى {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بنيانا فألقوه فِي الْجَحِيم} والجاحم الْمَكَان الشَّديد الْحر قَالَ الْأَعْشَى
(يُعِدُون للهَيْجاء قبلَ لِقائها ... غَدَاة احتضار الْبَأْس والموتُ جاحِم)
وجحمت النَّار كثر جمرها ولهبها وتوقدها فهى جحيم وجاحمة الْمَعْنى يَقُول فى فؤاد الْمُحب يعْنى نَفسه نَار شَدِيدَة التوقد أحر نَار شَدِيدَة أبرد من نَار الْهوى يُرِيد أَن الْهوى أَشد من نَار الْجَحِيم حرارة أعاذنا الله مِنْهُمَا
(1/296)

- الْغَرِيب اللمة الشّعْر الذى يلم بالمنكب وَالْجمع لمَم ولمام وَيُسمى الشّعْر الْقَلِيل فى الرَّأْس وفرة فَإِذا كثر عَن ذَلِك قيل جمة فَإِذا ألم بالمنكب قيل لمة وَالْفرق حَيْثُ يفرق الشّعْر والدمسق الْحَرِير الْأَبْيَض وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(فظَلّ العَذاَرَى يرتمين بلَحْمها ... وشحم كهُدّاب الدّمَقْس المُفَتَّل)
وَيُقَال فِيهِ مدقس ودمقاس أنْشد الأصمعى
(سَمِين أعْشار الأدِيم كاسِى ... مِنْ ثَلَّةٍ كَهُدُبِ الدِّمْقاس)
وأسودها مسودها الْمَعْنى يُرِيد لعظم مَا أَصَابَهُ من الْفِرَاق شَاب رَأسه حَتَّى صَار مسود لمته أَبيض وَذَلِكَ من هجر الحبيب وَبعده عَنهُ يصف مَا صَار إِلَيْهِ بعده 7 - الْغَرِيب الخرعوبة والخرعبة أَيْضا الْمَرْأَة الشَّابَّة اللينة الطَّوِيلَة الطرية وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(بَرَهْرَهَة رُأْدَة رَخْصةٌ ... كخُرْعُوبة البانَة المُنفطِر)
وَقَالَ الجوهرى الخرعوبة والخرعبة الدقيقة الْعِظَام الناعمة والغصن الخرعوب المتثنى الْمَعْنى يَقُول بانوا بِامْرَأَة ناعمة لَهَا كفل وَهُوَ الردف يكَاد إِذا قَامَت يقعدها لِكَثْرَة مَا عَلَيْهِ من اللَّحْم وَالْمَرْأَة تُوصَف بثقل العجيزة وَقَوله يكَاد يُرِيد قرب من ذَلِك وَكَاد فعل وضع لمقاربة الْفِعْل وإثباته نفى فى الْمَعْنى فَأَرَادَ قرب من ذَلِك وَلم يفعل وَهَذَا مَنْقُول من قَول أَبى دلامة
(وقَدْ حاوَلَتْ نَحْوِى القيامَ لحاجَةٍ ... فأثْقَلها عَن ذَلِك الكفل النهد وَمثله لآبي الْعَتَاهِيَة
(بَدَت بَين حور قصار الخطا ... تُجَاهِد بالمشى أكفالها)
وَأَصله لعمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي
(تنوء بأخراها فتأبى قِيَامهَا ... وتمشي الهوينى عَن قريب فتبهر)
8 - الْغَرِيب الربحلة اللحمية الطَّوِيلَة الْعَظِيمَة وَرجل ربحل وَكَذَلِكَ السبحلة وَرجل سبحل قَالَت امْرَأَة تصف بِنْتا لَهَا
(رِبْحلة سِبَحْله ... تَنْمِى نماءَ النَّخْله)
والمقبل مَوضِع التَّقْبِيل وَهُوَ الشّفة ويوصف بالسمرة قَالَ ذُو الرمة
(لَمْياءُ فى شفَتَيْها حُوَّةٌ لعَسٌ ... )
والمجرد مَا تعرى من الثَّوْب وَهُوَ الْأَطْرَاف وَالْمعْنَى وَقَالَ
(أَبيض الْمُجَرّد ... )
وَهُوَ الذى يُصِيبهُ الرّيح وَالشَّمْس وَهُوَ الظَّاهِر لمن يرَاهُ قَالَ فعلى هَذَا أَن سَائِر جَسدهَا الذى لم يره الناظرون أَشد بَيَاضًا من الْمُجَرّد فقد وصفهَا بسمرة الشّفة وَبَيَاض اللَّوْن يَقُول سَارُوا بِهَذِهِ الْمَرْأَة الَّتِى هَذِه صفتهَا
7 - الْغَرِيب الفئة الْجَمَاعَة من النَّاس وَيُرِيد بهم العشاق الْمَعْنى يَقُول لمن يعذله فى الْمحبَّة دع عَنى عذلك كَيفَ تعذل من أضلّهُ الله فى الْهوى حَتَّى استولى عَلَيْهِ وثلب عقله كَيفَ تفعل هَذَا أَتُرِيدُ رشاده وَقد أضلّهُ الله لَا تقدر على هَذَا قَالَ الواحدى إِنَّهُم لَا يصغون إِلَى عذلك لما بهم من ضلال الْعِشْق ثمَّ ذكر قلَّة نفع لومه
8 - الْغَرِيب يُقَال حاك وأحاك إِذا أثر الْمَعْنى يَقُول ليسى يُؤثر لومك فِي همم أقرب الهمم مِنْك أبعدها عَنْك فى الْحَقِيقَة وَقَالَ الواحدى أقربها فى تقديرك أبعدها عَنْك فى الْحَقِيقَة أى الذى تظنه ينجع فِيهِ لومك هُوَ الْأَبْعَد مِمَّا تظن
11 - الْإِعْرَاب الْمَقْصُود بالذم مَحْذُوف وَهُوَ نكرَة مَوْصُوفَة بسهرت والعائد إِلَيْهِ من صفته مَحْذُوف أَيْضا وَالتَّقْدِير لَيَال سهرت فِيهَا وَمثله فى الْكتاب الْعَزِيز {وَمن آيَاته يريكم} تَقْدِيره آيَة تَقْدِيره آيَة يريكم بهَا الْبَرْق خوفًا وَقد جَاءَ فى الشّعْر حذف النكرَة المجرورة الموصوفة بِالْجُمْلَةِ فى قَول الراجز
(مالكَ عندى غيرُ سَهْمٍ وحَجَرْ ... وغيرُ كَبْدَاءَ شديدةِ الوَتَرْ)

(ترمى بكَفَّىْ كَانَ من أرمَى البَشَرْ ... )
(1/297)

يُرِيد بكفى رجل فَحَذفهُ وَهُوَ بنويه وَقَوله من طربى مفعول لَهُ وَهُوَ بِمَعْنى اللَّام كَمَا تَقول جِئْت من أَجلك ولأجلك وأكرمته لمخافة شَره وَمن مَخَافَة شَره وشوقا يحْتَمل أَن يكون مَفْعُولا لأَجله عمل فِيهِ طربى فَيكون الشوق عِلّة للطرب والطرب عِلّة للسهر وَلَا يعْمل سهرت فى قَوْله شوقا لانه قد تعدى إِلَى عِلّة فَلَا يتَعَدَّى إِلَى أُخْرَى إِلَّا بعاطف كَقَوْلِك أَقمت سهرا وخوفا وسرت طَربا وشوقا وَيحْتَمل أَن ينصب بِمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ شقَّتْ شوقا وشاقنى التَّذَكُّر شوقا وَشقت فعل مَا لم بِسم فَاعله كَمَا يَقُول الْمَمْلُوك قد بِعْت أى باعنى مالكى وكقول الْجَارِيَة وَقد سُئِلت عَن الْمَطَر غثنا مَا شِئْنَا أى أغاثنا الله وَقَوله إِلَى الله وَقَوله إِلَى من يتَعَلَّق بالشوق لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهَا وَإِن شِئْت علقته بالطرب إِذا نصبت شوقا بالطرب وَإِن نصبته بالمحذوف لم تعلقه بالطرب لِأَنَّك تفصل بشوق وَهُوَ أجنبى من الطَّرب وصلته وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول يرقد فِيهَا كَمَا تَقول يَوْم الْجُمُعَة خرجت فِيهِ وَلَا تَقول خرجته إِلَّا على سَبِيل التَّوَسُّع فى الظّرْف فَجعله مَفْعُولا بِهِ على السعَة كَقَوْلِه
(ويْوما شَهِدناه سُلَيما وعامرا ... )
ففى الْبَيْت أَرْبَعَة حذوف حذف الْمَقْصُود بالذم وَهُوَ لَيَال وَحذف من سهرت فِيهَا وَحذف الضَّمِير من سهرت وَكَانَ يَقُول سهرتها وَالرَّابِع حذف من يرقد فِيهَا وروى سهرت وسهدت بالراء وَالدَّال وَقد فرق أهل اللُّغَة بَينهمَا فَقَالُوا السهر بالراء فى كل شئ وبالدال للديغ والعاشق وَاسْتَدَلُّوا بقول النَّابِغَة
(ويَسْهَد فى ليَل التِّمام سليمها ... )
وَبقول الْأَعْشَى
(وَبِتَّ كَمَا باتَ السَّليمُ مُسَهَّدا ... )
وَقَوله بئس اخْتلف أَصْحَابنَا والبصريون فى نعم وَبئسَ فَقَالَ أَصْحَابنَا هما اسمان وَقَالَ البصريون بل هما فعلان ماضيان لَا يتصرفان وَوَافَقَهُمْ من أَصْحَابنَا على بن حَمْزَة الْمُقْرِئ حجتنا على أَنَّهُمَا اسمان أَن حرف الْجَرّ يدْخل عَلَيْهِمَا لما قد جَاءَ عَن الْعَرَب أَنَّهَا تَقول مَا زيد بنعم الرجل قَالَ حسان بن ثَابت الأنصارى
(ألَسْتَ بِنعْمَ الجارُ يُؤْلَفُ بيْتُه ... أَخا قِلَة أَو مُعدِمَ المَال مُصْرِما)
وَحكى عَن بعض فصحاء الْعَرَب أَنه قَالَ نعم السّير على بئس العير وَقَالَ الْفراء إِن أَعْرَابِيًا بشر بمولودة فَقيل لَهُ نعم المولودة مولودتك فَقَالَ وَالله مَا هى بنعم الْوَلَد نصرتها بكاء وبرها سَرقَة فدخول حرف الْجَرّ عَلَيْهِمَا دلّ على أَنَّهُمَا اسمان وَحجَّة أُخْرَى أَن حرف النداء يدْخل عَلَيْهِمَا وَهُوَ لَا يدْخل إِلَّا على الْأَسْمَاء فى قَوْلهم يَا نعم الْمولى وَيَا نعم نصير وَلَا يجوز أَن يُقَال الْمَقْصُود بالنداء مَحْذُوف للْعلم بِهِ وَالتَّقْدِير فِيهِ يَا ألله نعم الْمولى فَحذف المنادى لدلَالَة حرف النداء عَلَيْهِ كَمَا يحذف حرف النداء لدلَالَة المنادى عَلَيْهِ فَإِن قيل ذَلِك فجوابنا أَن المنادى إِنَّمَا يقدر محذوفا إِذا ولى حرف النداء فعل أَمر وَمَا جرى مجْرَاه كَقِرَاءَة على بن حَمْزَة وَالْحسن وَيَعْقُوب والأعرج {أَلا يَا اسجدوا} تَقْدِيره يَا هَؤُلَاءِ اسجدوا وكقول ذى الرمة
(1/299)

(أَلا يَا اسْلَمى يَا دارَ مَىّ على البِلى ... وَلَا زَالَ مُنْهَلاّ بِجَرْعائِكِ القَطْرُ)
وكقول المرقش
(أَلا يَا اسْلَمى لَا صُرْمَ لى اليوْم فاطِما ... وَلَا أبدا مَا دَامَ وصلك دائِما)
وكقول الآخر
(أمَسْلَمَ يَا اسَمْع يَابْنَ كُلّ خليفَة ... وَيَا سائسَ الدُّنْيا وَيَا جَبَل الأرْض)
أَرَادَ يَا هَذَا وشواهده كَثِيرَة وَإِنَّمَا اخْتصَّ هَذَا دون الْخَبَر بِفعل الْأَمر لِأَن المنادى مُخَاطب والمأمور أَيْضا مُخَاطب فحذفوا الأول من المخاطبين اكْتِفَاء بالثانى وَلَا خلاف أَن نعم الْمولى خبر فَيجب أَن لَا يقدر المنادى محذوفا فَدلَّ على أَن النداء لَا يكَاد يَنْفَكّ عَن الْأَمر أَو مَا جرى مجْرَاه من الطّلب والنهى وَلذَلِك لَا يكَاد يُوجد فى كتاب الله نِدَاء يَنْفَكّ عَن أَمر أَو نهى وَلِهَذَا لما جَاءَ الْخَبَر فى قَوْله
(يَا أَيهَا النَّاس ضرب مثل فَاسْتَمعُوا لَهُ ... )
شفعه الْأَمر وَهُوَ اسْتَمعُوا لَهُ فَلَمَّا كَانَ الْأَمر والنداء جملتى خطاب جَازَ أَن يحذف المنادى من الْجُمْلَة الأولى وَلَيْسَ كَذَلِك يَا نعم الْمولى لِأَن نعم خبر فَلَا يجوز أَن يقدر المنادى محذوفا وَدَلِيل آخر على أَنَّهُمَا اسمان لَا يحسن اقتران الزَّمَان بهما كَسَائِر الْأَفْعَال لِأَنَّك لَا تَقول نعم الرجل غَدا وَلَا أمس وَلَا بئس الرجل غَدا وَلَا أمس وَدَلِيل آخر أَنَّهُمَا غير متصرفين وَالتَّصَرُّف من خَصَائِص الْأَفْعَال وَدَلِيل آخر أَنَّهُمَا لم يَكُونَا فعلين ماضيين لِأَنَّهُ يجوز دُخُول اللَّام عَلَيْهِمَا فى خبر إِن تَقول إِن زيدا لنعم الرجل وعمرا لبئس الْغُلَام وَهَذِه اللَّام لَا تدخل على الماضى وهى تدخل على الِاسْم وعَلى الْفِعْل الْمُضَارع فَدلَّ على أَنَّهُمَا اسمان وَدَلِيل آخر أَنه قد جَاءَ عَن الْعَرَب نعيم الرجل وَلَيْسَ فى أَفعَال الْعَرَب فعيل فَدلَّ على أَنَّهُمَا اسمان وَحجَّة الْبَصرِيين اتِّصَال الضَّمِير الْمَرْفُوع بهما على حد اتِّصَاله بِالْفِعْلِ الْمُتَصَرف وَحجَّة أُخْرَى اتصالهما بتاء التَّأْنِيث الساكنة الَّتِى لَا يقلبها أحد فى الْوَقْف هَاء كَمَا قلبوها فى رَحْمَة وشجرة وَذَلِكَ قَوْلهم نعمت الْجَارِيَة وَهَذِه التَّاء يخْتَص بهَا الْفِعْل الماضى الْمَعْنى يُرِيد ذمّ الليالى الَّتِى سهر فِيهَا وَلم ينم لما أَخذه من القلق وخفة الشوق إِلَى من يحب وَهُوَ كَانَ يرقد الليالى لِأَنَّهُ كَانَ خَالِيا من الشوق لَا يجد من أَسبَاب امْتنَاع الرقاد مَا يجده العاشق وَأَيْنَ الخلى من الشجى وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(شَكَوْنا إِلَى أحْبابِنا طُولَ لَيْلِنا ... فَقالُوا لَنا مَا أقْصَرَ اللَّيْلَ عِنْدَنا)
(1/300)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أحييتها وينجدها لليالى وَالضَّمِير فى شؤونها للدموع الْغَرِيب إحْيَاء اللَّيْل سهره وَترك النّوم فِيهِ وأنجدت الرجل أعنته والشؤون جمع الْوَاحِد شَأْن وهى مجارى الدمع الْمَعْنى قَالَ الواحدى فلَان يحيى اللَّيْل أى يسهر فِيهِ وَفُلَان يُمِيت اللَّيْل أى ينَام اللَّيْل لِأَن النّوم أَخُو الْمَوْت واليقظة أُخْت الْحَيَاة يَقُول كَانَ للدموع من الشؤون إمداد ولليالى من الظلام أَمْدَاد وَالْمعْنَى أَن تِلْكَ الليالى طَالَتْ وَطَالَ الْبكاء فِيهَا قَالَ وَيجوز أَن تعود الْكِنَايَة فى ينجدها إِلَى الشؤون وَذَلِكَ أَن من شَأْن الظلام أَن يجمع الهموم على العاشق وفى اجتماعها عون للشؤون على تَكْثِير الدمع بَين هَذَا قَول الشَّاعِر
(يَضُمُّ إلىّ اللَّيْلُ أبْناءَ 1 حُبِّها ... كمَا ضَمَّ أزْرارَ القَميص البنائِقُ)

11 - الْغَرِيب الرديف هُوَ مَا يرتدف خلف الرَّاكِب والرهان السباق وأجهدت الدَّابَّة وجهدتها إِذا طلبت أقْصَى مَا عِنْدهَا من السّير والناقة هُنَا نَعله الْمَعْنى أَنه يُرِيد بناقته نَعله فَلَا يقدر أَن يردف عَلَيْهَا كَمَا يردف على النياق وَلَا يقدر أَن يضْربهَا بِسَوْطِهِ فَإِذا رَاهن للسباق لَا يقدر أَن يضْربهَا وَلَا يجدهَا وَهَذَا من قَول أَبى نواس
(إلَيكَ أَبَا العَبَّاس مِنْ بينِ مَنْ مَشَى ... علَيها امْتَطَيْنا الحَضْرَمِىَّ المُلَسَّنا)

(قلائصَ لم تَعْرِفْ حَنِينا إِلَى طَلاً 2 ... وَلم تَدْرِ مَا قَرْعُ الفَنيق وَلَا الهنا)
وَمثله قَول الآخر
(رَوَاحِلنا سِتّ ونحْنُ ثَلاثَةٌ ... نُجَنِّبُهُنَّ المَاءَ فى كلّ مَنْهَلِ)
لِأَنَّهُ لَا يخافض بالنعل المَاء قَالَ الواحدى وَقد قيل مثل هَذَا فى بَيت عنترة
(فَيكون مَرْكبَكِ القعودُ ورحلُه ... وَابْن النُّعامة يوْمَ ذَلِك مَركبى)
ابْن النعامة عرق فى بَاطِن الْقدَم يعْنى أَنه رَاكب أَخْمُصُهُ
(1/301)

- الْمَعْنى جعل شِرَاك نَعله بمنزله الكور للناقة والمشفر مَا يَقع على ظهر الرجل من مقدم الشرَاك جعل ذَلِك بِمَنْزِلَة الزِّمَام للناقة والشسوع الَّتِى تكون فى الْأَصَابِع بِمَنْزِلَة المقود للناقة وَهُوَ الْحَبل الذى يُقَاد بِهِ سوى الزِّمَام
13 - الْغَرِيب عصف الرِّيَاح شدَّة هبوبها وَمن روى بِضَم الْعين فَهُوَ جمع عصوف يُقَال ريح عاصف وعصوف بِمَعْنى وَالْجمع عصف وَمعنى تأييدها تأنيها وثلبثها وَقَالَ ابْن القطاع يُقَال آد الشئ يئيد أيدا إِذا قوى قَالَ وَلَو قَالَ تأودها لَكَانَ قد بَالغ وآد الشئ يئود أودا إِذا أثقل وفى كَلَام الْعَرَب مَا آدك فَهُوَ لى آئد أى مَا أثقلك فَهُوَ لى مثقل فَيكون الْمَعْنى أَشد عصف الرِّيَاح يسْبقهُ ثقل سَيرهَا وَهَذَا غَايَة الْمُبَالغَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ تأودها لَكَانَ أَيْضا قد بَالغ التوؤد والوئيد الترفق يُقَال يُقَال وأد يئد وأدا وَالتَّاء فى التؤدة مبدلة من وَاو مثل تخمة فَيكون الْمَعْنى أَشد عصف الرِّيَاح يسْبقهُ ترفق سَيرهَا وَهَذَا هُوَ الْمُبَالغَة وَقيل إِن التأيد فى بعض اللُّغَات الرِّفْق وَأنْشد الْخَلِيل فى ذَلِك
(تأيَّدْ علىَّ هداك المَليك ... فإنّ لكلّ مقامٍ مَقالا)
أى ترفق وَهَذِه كلهَا ضروب من السّير وَقَالَ الواحدى أَهْون سير ناقتى يسْبق أَشد سير الرّيح وَهُوَ فى الْحَقِيقَة وصف لشدَّة عدوه متنعلا والتأيد نَفْعل من الأيد وَهُوَ التَّقْوَى وَلَيْسَ الْمَعْنى عَن هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ التفعل من الاتئاد وَهُوَ الترفق واللين وَلم يحسن بِنَاء التفعل مِنْهُ وَحقه تأودها
14 - الْإِعْرَاب الظّرْف مُتَعَلق بِمَا فى الْبَيْت الأول تَقْدِيره يسبقها تأيدها فى مثل ظهر الْمِجَن ومتصل يرْوى بالخفض وَالرَّفْع وَالرَّفْع أقوى لِأَنَّهُ خبر مبتدإ مؤخرى وَهُوَ قرددها الْغَرِيب الْمِجَن الترس والقردد أَرض فِيهَا نجاد ووهاد وَقيل القردد وَقَالَ أَبُو الْفَتْح شبه الأَرْض بِظهْر الْمِجَن لما كَانَت خَالِيَة من النَّبَات وَظهر الْمِجَن ناتئ وبطنه لاطئ فَهُوَ كالصعود والحدور الْمَعْنى يُرِيد أَنه يسبقها فى مفازة مثل ظهر الْمِجَن مُتَّصِل قرددها بِمثل بطن الْمِجَن فأرضها الصلبة تتصل بمفازة أُخْرَى مثل بطن الْمِجَن
(1/302)

- الْإِعْرَاب من روى مرتميات بِالرَّفْع قَالَ الأعلم فى شرح هَذَا الْبَيْت غيطانها وفدفدها مرفوعان بمرتميات على لُغَة من قَالَ أكلونى البراغيث وهى لُغَة ضَعِيفَة وَقَالَ ابْن القطاع وَلَا حَاجَة إِلَيْهَا لِضعْفِهَا إِذا كَانَ الْكَلَام يَصح دونهَا وَالْمعْنَى أَن غيطانها مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ ومرتميات خبر مقدم وَالضَّمِير فى غيطانها وفدفدها يعود على الأَرْض الَّتِى تقدم ذكرهَا بقوله
(فى مثل ظهر الْمِجَن ... )
يُرِيد غيطان هَذِه الأَرْض وفدفدها مرتميات بِنَا وَمن روى مرتميات بِالنّصب فَإِنَّهُ أَرَادَ غيطانها وفدفدها لَا تزَال مرتميات وأضمر لَا تزَال لدلَالَة الْمَعْنى وَهُوَ كثير فى كَلَام الْعَرَب لَا يحْتَاج إِلَى شَاهد قَالَ الواحدى مرتيات بِالنّصب على رِوَايَته من صفة الْمَحْذُوف فِي الْبَيْت الَّذِي تقدم على تَقْدِيره فِي مفازة مرتميات وَجمع المرتميات حملا على لفظ الغيظان كَمَا قَالَ
(أيا لَيْلَة خرس الدَّجَاج طَوِيلَة ... بِبَغْدَاد مَا كَادَت عَن الْفجْر تنجلى)
وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول خرساء الدَّجَاج وَلكنه حمله على الْمَعْنى من لفظ الدَّجَاج حَيْثُ كَا جمع دجَاجَة وَيجوز أَن يقدر الْمَحْذُوف على لفظ الْجمع فَيصح مرتميات كَأَنَّهُ قَالَ فى مفاوز مثل ظهر الْمِجَن مرتميات بِنَا قَالَ وارتفع الفدفد والغيطان بمرتميات الْغَرِيب الْغِيطَان جمع غَائِط وَهُوَ المطمئن من الأَرْض والفدفد الأَرْض الغليظة المرتفعة الْمَعْنى يُرِيد لَا تزَال هَذِه المفاوز ترمينا إِلَى الممدوح بقطعنا إِيَّاهَا بالسير فَكَأَنَّهَا تلقينا إِلَيْهِ
16 - الْإِعْرَاب إِلَى فَتى بدل من ابْن عبيد الله وَمن روى موردها بِضَم الْمِيم كَانَ أَجود وَهُوَ الممدوح فَاعل أنهلها الْغَرِيب أنهلها سَقَاهَا وَهُوَ الشّرْب الأول والعلل الشّرْب الثانى ويصدر الرماح أى يَنْزِعهَا بعد الطعْن من المطعون الْمَعْنى يَقُول يصدر رماحه عون الْحَرْب يرجعها ويردها وَقد سَقَاهَا دم الْقُلُوب وَقَالَ الواحدى يرجعها ويردها وَقد سَقَاهَا بِموضع وُرُودهَا فى قُلُوب الْأَعْدَاء دِمَاءَهُمْ وَيجوز أَن يكون المورد بِمَعْنى الْمصدر فَيكون الْمَعْنى سَقَاهَا فى الْقُلُوب وُرُودهَا يُرِيد أَنَّهَا وَردت فى قُلُوب الْأَعْدَاء
(1/303)

- الْإِعْرَاب إِلَى لامن صلَة لفظ الأيادى بل هى من صلَة مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يُقَال لَك عندى وَلَا يُقَال لَك إِلَى يَد وَلَكِن لما كَانَ معنى الأيادى الْإِحْسَان وَصلهَا بإلى وَالْعرب تصل الْفِعْل بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ قَالَ الله تَعَالَى {فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره} أى يخرجُون عَن أمره وَقَالَ تَعَالَى فى قصَّة يُوسُف {وَقد أحسن بى إِذا أخرجنى من السجْن} وَالْمعْنَى لطف بى وَيجوز أَن يكون من صلَة السَّبق أَو السلوف الْغَرِيب الأيادى جمع يَد وهى النِّعْمَة وَيجمع على أياد والجارحة على أيد الْمَعْنى يَقُول لَهُ عندى نعم كَثِيرَة أَنا بعض نعمه قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنا بَعْضهَا كَمَا قَالَ الحماسى
(لَا تَنْتِفَنّى بعْدَ أنْ رِشْتَنِى ... فإنَّنى بَعْضَ أيادِيكا)
يُرِيد أَنه وهب لَهُ نَفسه قَالَ الواحدى وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ فى الْبَيْت مَا يدل عَلَيْهِ وَلَا فِيهِ مَا يدل على أَنه خلصه من بلية أَو أعفاة من قصاص وَجب عَلَيْهِ لكنه يَقُول أَنا غذى نعْمَته وربيب إحسانه فنفسى من جملَة نعمه فَأَنا أعد مِنْهَا وَمن روى أعد كَانَ الْمَعْنى أَنه يعد بعض أياديه وَلَا يأتى على جَمِيعهَا بالعد لكثرتها وَهُوَ قَوْله وَلَا أعددها كَأَن هَذَا من قَوْله تَعَالَى {وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها} أى لَا تعدوا جَمِيعهَا وَمن قَوْله تَعَالَى {وأحصى كل شئ عددا}
18 - الْغَرِيب فَلَا مطله يُرِيد فَلَا مطله بهَا فَلَمَّا فصل بالأجنبى بَين الْمصدر وَالْبَاء أضمر الْعَامِل من لَفظه تَقْدِيره لَا يمطل بهَا بعد قَوْله يكدرها مثله قَوْله تَعَالَى {إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى السرائر} وَالتَّقْدِير على رجعه يَوْم تبلى السرائر لقادر فَلَمَّا فصل خبر إِن بَين الْمصدر وَبَين الظّرْف بَطل عمله وَلزِمَ إِضْمَار ناصب من لفظ الرجع فَكَأَنَّهُ قَالَ يرجعه يَوْم تبلى السرائر والضمائر تعود على الأيادى الْمَعْنى يَقُول لَهُ أياد لَا يكدرها مطل وَلَا يكدرها من وَلم يرد أَن لَهُ مطلا لَا يكدرها وَمنا لَا ينكدها وَإِنَّمَا أَرَادَ انْتِفَاء المطل والمن عَنهُ الْبَتَّةَ وَمن هَذَا قَول امْرِئ الْقَيْس
(على لاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بمَنارِهِ ... )
لم يرد أَن فِيهِ منارا لَا يهتدى بِهِ وَلكنه نفى أَن يكون بِهِ منار وَالْمعْنَى لَا منار بِهِ يهتدى بِهِ وَمثله قَول الآخر فى وصف مفازة
(لَا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوَالُهَا ... وَلا تَرَى الضبَّ بهَا يَنْجَحِرْ)
لم يرد أَن بهَا أرنبا لم يفزع وَلَا ضبا وَلكنه نفى أَن يكون فِيهَا حَيَوَان وَقَالَ الواحدى تَقْدِير الْبَيْت يعْطى فَلَا مطله بالأيادى يكدرها يُرِيد أَنه لَا يمطل إِذا وعد إحسانا وَلَا يمن بِمَا يعْطى فينكده أى ينغصه ويقلل خَيره وَكَانَ يُقَال الْمِنَّة تهدم الصنيعة وَلِهَذَا مدح الله قوما فَقَالَ تَعَالَى {ثمَّ لَا يتبعُون مَا أَنْفقُوا منا وَلَا أَذَى} وَقَالَ الشَّاعِر
(أفْسَدْتَ بالمَنّ مَا أسْدَيتَ من حَسَنٍ ... لَيْسَ الكَرِيمُ إِذا أعْطَى بِمَنَّانِ)

19 - الْإِعْرَاب أَبَا نصب على التَّمْيِيز ونائلا كَذَلِك الْغَرِيب أمجدها من الْمجد أى وَخَيرهَا مجدا وَالْمجد الْكَرم والمجيد الْكَرِيم وَقد مجد بِالضَّمِّ فَهُوَ مجيد وماجد وَالْمجد والشرف يكونَانِ بِالْآبَاءِ يُقَال رجل شرِيف ماجد لَهُ آبَاء متقدمون فى الشّرف وَالْمجد والحسب وَالْكَرم يكونَانِ فى الرجل وَإِن لم تكن لَهُ آبَاء لَهُم شرف ومجدته أمجده أى غلبته بالمجد الْمَعْنى يَقُول إِن أَبَاهُ خير قُرَيْش لِأَنَّهُ ابْن رَسُول الله
فَهُوَ خَيرهمْ أَبَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فى قُرَيْش أشرف من أَبِيه وقريش الْقَبِيلَة فَلذَلِك قَالَ أمجدها وأجودها أى أَجود قُرَيْش أى أكرمها وَقَالَ الواحدى أَجودهَا يجوز أَن يكون مُبَالغَة من الْجُود أى الْكَرم وَمن الْجُود الذى هُوَ الْمَطَر والجودة
20 - الْغَرِيب الجحجاح السَّيِّد الْعَظِيم وَالْجمع الجحاجح قَالَ الشَّاعِر
(مَاذَا ببَدر فالعَقِنْقل من مَرازبةٍ جَحاجِحْ ... )
وَإِن شِئْت جحاجحة وَإِن شِئْت جحاجيح وَالْهَاء عوض من الْيَاء المحذوفة ولابد مِنْهَا أَو من الْيَاء وَلَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النحوى فى رده على الجوهرى جمع جحجاح جحاجيح وَإِنَّمَا حذفهَا الشَّارِع من الْبَيْت ضَرُورَة والمسود الذى سوده قومه فَهُوَ يسودهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه أطعن قُرَيْش وأضربها يُرِيد أَنه أشجعها وعظيمها وسيدها وَذكره مَعَ الطعْن وَالضَّرْب الْقَنَاة وَالسيف للتَّأْكِيد كَقَوْلِه تَعَالَى {يطير بجناحيه} كَمَا يُقَال مشيت برجلى وكلمته بفمى ورأيته بعينى وَقيل إِنَّمَا ذكر مَعَ الطعْن وَالضَّرْب الْقَنَاة وَالسيف لِأَنَّهُمَا يستعملان فِيمَا لَا يكون بِالرُّمْحِ وَالسيف كَقَوْلِهِم طعن فى السن وَضرب فى الأَرْض
21 - الْإِعْرَاب فَارِسًا حَال كَمَا تَقول زيد أكْرم النَّاس أى فى هَذِه الْحَالة وباعا تَمْيِيز وَلَا يجوز أَن يكون فَارِسًا تمييزا فَلَمَّا قَالَ أفرسها قَالَ فَارِسًا أى فى هَذِه الْحَالة إِذا ركب فرسه لِأَن أَفرس يكون من الْفرس والفراسة الْغَرِيب طَوِيل الباع يُرِيد الْكَرِيم وَهُوَ مِمَّا يمدح بِهِ الْكِرَام يُقَال فلَان طَوِيل الباع إِذا امتدت يَده بِالْكَرمِ وَيُقَال للئيم ضيق الباع والمغوار الْكثير الْغَارة الْمَعْنى يَقُول هُوَ أَفرس قُرَيْش إِذا ركب فرسه وَأكْرمهمْ وأكثرها غَارة وسيدها فَلَيْسَ فى قُرَيْش فى زَمَانه أحد يضاهيه
22 - الْإِعْرَاب لَهَا أَتَى بهَا ليقيم الْوَزْن وسما فرعها // كَلَام تَامّ حسن // وَيجوز أَن بِكَوْن أَتَى بِهِ ليؤكد الْإِضَافَة الْغَرِيب لؤى بن غَالب هُوَ أَبُو قُرَيْش وسما علا وارتفع والمحتد الأَصْل قيل هُوَ من حتد بِالْمَكَانِ أى أَقَامَ بِهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ تاجهم فَهُوَ لَهُم بِمَنْزِلَة التَّاج يتزينون بِهِ ويتشرفون وَبِه ارْتَفع فرعهم وأصلهم يُرِيد الْآبَاء وَالْأَوْلَاد
23 - الْغَرِيب قَالَ ابْن جنى التقاصير جمع تقصار وهى القلادة القصيرة لَا تنزل على الصَّدْر وَقَالَ الواحدى لَيْسَ هَذَا من الْقصر إِنَّمَا هُوَ من القصيرى وهى أصل الْعُنُق والتقصار مَا يعلق على القصيرى والزبرجد قَالَ الجوهرى هُوَ جَوْهَر مَعْرُوف وَقَالَ فى مَوضِع آخر الزمرد الزبرجد الْمَعْنى يُرِيد أَنه فى قُرَيْش كَالشَّمْسِ فى النَّهَار وكالقمر فى اللَّيْل والدر والزبرجد فى القلادة فَهُوَ أفضلهم وأشرفهم وَبِه زينتهم وفخرهم وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أحْسنهم لِأَن الشَّمْس أَكثر مَا يكون نورها وحسنها عِنْد الضُّحَى وهلال لياليها لأَنهم يعتمدون عَلَيْهِ ويتطلعون إِلَيْهِ كَمَا يتطلع إِلَى الْهلَال لية يستهل فِيهَا يُرِيد أَن أعين النَّاس تنظر إِلَيْهِ إِذا ركب وَخرج إِلَى النَّاس كَمَا تنظر إِلَى الْهلَال عِنْد بدوه
(1/304)

- الْإِعْرَاب قَوْله ضَرْبَة اسْم لَيْت وَالْمَجْرُور خَبَرهَا وحرفا الْجَرّ متعلقان بالفعلين الْغَرِيب أتاح الله لَهُ أى قدر الْمَعْنى يَقُول يَا لَيْت بى يتَمَنَّى أَن تكون الضَّرْبَة الَّتِى فى وَجه الممدوح الَّتِى قدرت لَهُ قدرت لى ففديته بنفسى وَوَقعت بى دونه قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الممدوح أتاح وَجهه للضربة حَيْثُ أقبل للحروب وَثَبت حَتَّى جرح فتمنى أَبُو الطّيب رتبته فى الشجَاعَة وأضاف مُحَمَّدًا إِلَى الضَّرْبَة إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا كسته الْحَمد فَأَكْثَرت حَتَّى صَار هُوَ مُحَمَّدًا بهَا انْتهى كَلَامه كَانَ مُحَمَّد بن عبيد الله هَذَا الممدوح قد وَاقع قوما من الْعَرَب بِظَاهِر الْكُوفَة وَهُوَ شَاب دون الْعشْرين سنة فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وجرح فى وَجهه فكسته الضَّرْبَة حسنا فتمنى أَبُو الطّيب مثل ضَربته فَهَذَا سمعته من جمَاعَة من مشيخة بلدنا
25 - الْغَرِيب المهند المشحوذ وَسيف مهند مشحود والتهنيد شحذ الْحَدِيد الْمَعْنى أثر فِيهَا هُوَ اسْتِعَارَة ومجاز لِأَن الضَّرْبَة عرض لَا يَصح فِيهِ التَّأْثِير وَالْمعْنَى يُرِيد أَن الضَّرْبَة قصد الضَّارِب بهَا إزهاق روحه وإهلاكه فَرده عَن قَصده فَهَذَا تَأْثِير فِيهَا وَمَا أثر فى وَجهه مهندها أى حِدة السَّيْف الذى ضربهَا أى مَا شان وَجهه وَلَا أثر فِيهِ أثرا قبيحا لِأَن الضَّرْبَة كسته حسنا إِلَى حسنه وجمالا إِلَى جماله وَأَيْضًا فَإِن الضَّرْبَة على الْوَجْه شعار الشجاع والمقدام وَالْعرب تفتخر بِالضَّرْبِ فى الْوَجْه كَمَا قَالَ الْحصين ابْن الْحمام
(فَلَسْنا عَلى الأَعْقابِ تَدْمَى كَلُومُنا ... وَلَكِنْ عَلى أقْدَامِنا تَقْطُرُ الدَّما)
وكقول جَابر بن رالان
(وَلَكِنَّما يَخْزَى امْرُؤٌ يَكْلِمُ اسْتَهُ ... قَنا قَوْمِهِ إِذا الرّماحُ هَوَيْنا)

26 - الْغَرِيب الْغِبْطَة أَن يتَمَنَّى مثل حَال المغبوط من غير أَن يُرِيد زَوَالهَا عَنهُ وَلَيْسَ بحسد تَقول مِنْهُ غبطته بِمَا نَالَ أغبطه غبطا وغبطة فاغتبط وَهُوَ كَمَا تَقول منعته فَامْتنعَ وحبسته فاحتبس قَالَ حُرَيْث بن جبلة العذرى
(وبينما المَرْءُ فى الأحياءِ مُغْتَبطٌ ... إِذا هُوَ الرَّمْسُ تعْفُوه الأعاصيرُ)

(يَبكى عليهِ غَرِيبٌ لَيْسَ يعْرِفُهُ ... وذُوا قرابَتِه فى الحَىّ مَسْرُور)
مغتبط بِكَسْر الْبَاء أى مغبوط وَالِاسْم الْغِبْطَة وَهُوَ حسن الْحَال الْمَعْنى قَالَ الواحدى اغتبطت الضَّرْبَة لما رَأَتْ تزينها بالممدوح حِين حصلت على وَجهه وحسدتها الْجراح لِأَنَّهَا لم تصادف شرف محلهَا والاغتباط يكون لَازِما ومتعديا وَمعنى بِمثلِهِ بِهِ والمثل صلَة تَقول مثلى لَا يفعل هَذَا أى أَنا لَا أَفعلهُ قَالَ الشَّاعِر
(يَا عاذلى دَعْنىَ مِن عَذْلِكا ... مثْلىَ لَا يقْبَلُ مِنْ مِثْلِكا)
مَعْنَاهُ أَنا لَا أقبل مِنْك وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ كمثله شئ} انْتهى كَلَامه
27 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى قلبه للزارع وَيكون الْمَعْنى سيحصد مَا فعل فى قلبه بالمكر يُرِيد أَنه يجازيه بِمَا فعل ضَرْبَة فى قلبه يقْتله بهَا والضربة فى الْقلب لَا تخطئ المقتل هَذَا ذكره الواحدى وفى قلبه على هَذَا القَوْل من صلَة الحصد وَيجوز أَن يكون من صلَة الْمَكْر وَيكون الْمَعْنى أَن الزَّارِع بالمكر الذى أضمره فى قلب نَفسه الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه الضَّرْبَة مرك بهَا عدوه وَلَو واجهه لما قدر عَلَيْهِ وَقد علم النَّاس يَقِينا أَن الذى مكره بِهَذِهِ الضَّرْبَة زارع سيحصد زرع مَا زرع أى يجازيه بِهِ هَذَا الممدوح
28 - الْإِعْرَاب وأنفسهم الْوَاو وَاو الْحَال يُرِيد أصبح حساده وَحَال أنفسهم أَن خَوفه يهبطهم ويصعدهم الْمَعْنى يُرِيد أقلقهم خَوفه حَتَّى أقامهم وأقعدهم وأحدرهم وأصعدهم فَلَا يستقرون خوفًا قَالَ الواحدى وَهَذَا كَمَا قَالَ
(أبْدَى العُداةُ بك السُّرورَ كأنهمْ ... فَرِحوا وعندَهم المُقِيم المُقْعِدُ)

29 - الْغَرِيب الغمود جمع غمد وَهُوَ مَا يغمد فِيهِ السَّيْف الْمَعْنى يَقُول إِذا أنذرها بتجريدها تبكى عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا ترجع إِلَيْهَا لمقامها فى الرّقاب فَلَا تنفك لذَلِك وَقد ذكره بعد
(1/307)

- الْمَعْنى يَقُول لعلم الغمود أَنه يغمس السيوف فى دِمَاء الْأَعْدَاء حَتَّى تتلطخ بهَا وَتصير كَأَنَّهَا دم لخفاء لَوْنهَا بلون الدَّم وَأَنه يتَّخذ لَهَا من رِقَاب الْأَعْدَاء أغمادا أى أَنَّهَا لَا تعود إِلَى الغمود فَلذَلِك تبكى عَلَيْهَا وَالْمعْنَى من قَول عنترة
(وَمَا تدرِى خُزَيمةُ أنَّ نَبْلِى ... يكونُ جَفيرَها البطلُ النَّجيدُ)
وَمثله فى الْمَعْنى
(وَنحن إِذا مَا نَضَيْنا السُّيوفَ ... جَعَلْنا الجَماجِم أغْمادَها)
وَقَول الحماسى
(مَنابِرَهُنّ بُطُونُ الأكُفّ ... وأغْمادهنّ رُءُوس الْمُلُوك)
وَقَول ابْن الرومى
(كفَى من العزّ أَن هَزّوا مَناصِلَهم ... فَلم يكُن غيرَ هام الصَّيد أجْفانُ)

31 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح من جزع حَشْو حسن يُرِيد أَنه أطلق الأنصل فذمها الْعَدو خوفًا مِنْهَا وحمدها الصّديق لحسن بلائها وقابل بَين الذَّم وَالْحَمْد وَيجوز أَن يكون أطلق شفارها وَأطلق الضَّرْب بهَا وذمها الْعَدو خوفًا لَا أَنَّهَا تسْتَحقّ الذَّم
32 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا صَار السَّيْف إِلَى الأَرْض قدح النَّار لشدَّة الضَّرْب وَإِذا انصب عَلَيْهِ الدَّم أَحْمد النَّار وقابل بَين الانقداح والخمد فَكَانَ الانقداح ضراما
33 - الْإِعْرَاب يرْوى فأطرافهن بِالنّصب ينشدها بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا يُرِيد أَن الْهمام ينشد مهجته فى أطرافهن وَنصب أطرافهن ينشد مُؤَخرا كَمَا تَقول زيدا ضَربته ويروى منشدها وَهُوَ مَوضِع الطّلب الْمَعْنى يَقُول إِن الْهمام إِذا أضلّ مهجته وَهُوَ أَن يقتل فَلَا يدرى قَاتله إِنَّمَا يطْلب مهجته من أَطْرَاف سيوف الممدوح والإنشاد هُوَ تَعْرِيف الضَّالة لِأَن سيوف الممدوح قواتل الْمُلُوك
(1/309)

- الْغَرِيب الْخَلِيفَة هم الْخَلَائق والخلق وَقد قرئَ فى الشاذ
(إنى جَاعل فى الأَرْض خَلِيقَة ... )
وَالْمعْنَى يَقُول الْخَلَائق قد أَجمعُوا موافقين لى أَنَّك أوحدهم فضلا ونسبا وشجاعة وكرما قَالَ الواحدى يجوز أَن يكون على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أى أوحدهما لى أى أوحدها إِلَى إحسانا وإفضالا وَلَا يكون فى هَذَا كثير مدح وَيجوز أَن يكون أَجمعت فَقَالَت لى وَالْقَوْل يضمر كثيرا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل رَبنَا تقبل منا} أى ويقولان رَبنَا تقبل وَكَقَوْلِه تَعَالَى {وَالْمَلَائِكَة يدْخلُونَ عَلَيْهِم من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم} أى وَيَقُولُونَ سَلام عَلَيْكُم
35 - الْإِعْرَاب وَأَنَّك أَرَادَ أَنَّك بِالتَّشْدِيدِ فَخفف ضَرُورَة مَعَ الضَّمِير كَقَوْل الآخر
(فلوْ أنْكِ فى يوْمِ الرَّخاءِ سألْتنِى ... طَلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديقُ)
وَإِنَّمَا يحسن التَّخْفِيف مَعَ الْمظهر كَقَوْلِه
(وصَدْرٍ مُشْرِقِ النَّحْرِ ... كأنْ ثَدْياهُ حُقَّانِ)
لِأَن الضمائر ترد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا وَإِذا خففت مَعَ الْمظهر فتعلمها فى مُقَدّر وَهُوَ ضمير الشَّأْن وترفع بعْدهَا الْجُمْلَة خَبرا عَنْهَا تَقول علمت أَن زيدا قَائِم وَمِنْه {وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين} و {أَن لعنة الله} فى قِرَاءَة نَافِع وَعَاصِم وأبى عَمْرو وقنبل وَإِذا وَليهَا الْفِعْل لم يجمعوا عَلَيْهَا مَعَ النَّقْص الذى دَخلهَا وَحذف اسْمهَا لِأَن يَليهَا مَا يجوز أَن يَليهَا وهى مثقلة فَكَانَ الْأَحْسَن أَن يفصل بَينهَا وَبَينه بِأحد أَرْبَعَة أحرف السِّين وسوف وَلَا وَقد فَتَقول علمت أَن سيقوم وسوف يقوم وَأَن لَا يقوم وَقد يقوم قَالَ تَعَالَى {علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى} قَالَ جرير
(زَعَمَ الفَرَزْدقُ أَن سيقتلُ مِرْبعا ... أبْشِرْ بطُولِ سَلامة يَا مِرْبَعُ)
قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت
(وَقد عَلِمْنا لَو انَّ العِلَمَ يَنْفَعُنا ... أَن سَوف يُتْبَعُ أُولانا بأُخْرَانا)
وَأما قَوْله تَعَالَى {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى} جَاءَ بِغَيْر حرف من هَذِه الْحُرُوف الْأَرْبَع فَذَلِك لِأَن لَيْسَ ضَعِيفَة فى الفعلية لعدم تصرفها وَقد جعلهَا أَبُو على حرفا زَمَانا ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك وَقَوله محتلما حَال وَالْعَامِل فى الْحَال كَانَ
(1/310)

قَالَ أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة من أهل الصِّنَاعَة من جعل كَانَ لَا تعْمل فى الْأَحْوَال فَغير مَأْخُوذ بِكَلَامِهِ لِأَن الْحَال فضلَة فى الْخَبَر منكورة فرائحة الْفِعْل تعْمل فِيهَا فَمَا ظَنك بكان وهى فعل متصرف يعْمل الرّفْع وَالنّصب فى الِاسْم الظَّاهِر والمضمر وَلَيْسَت كَانَ فى نصبها الْأَحْوَال بِأَسْوَأ حَالا من حُرُوف التَّنْبِيه وَالْإِشَارَة قَالَ الشريف بن الشجرى قَالَ المعرى كَانَ لَا تعْمل فى الْحَال وَيجْعَل الْعَامِل فى الْحَال وَأَنَّك بالْأَمْس أى الْفِعْل الْمُضمر الذى عمل فى قَوْله وَأَنَّك بالْأَمْس قَالَ وَهَذَا سَهْو من قَائِله لِأَنَّك إِذا علقت قَوْله بالْأَمْس بِمَحْذُوف فلابد أَن يكون بالْأَمْس خَبرا لِأَن أَو لَكَانَ لِأَن الظّرْف لَا يتَعَلَّق بِمَحْذُوف إِلَّا أَن يكون خَبرا أَو صفة أَو حَالا أَو صلَة وَلَا يجوز أَن يكون خَبرا لِأَن وَلَا لَكَانَ لِأَن ظروف الزَّمَان لَا تكون أَخْبَارًا عَن الجثث وَلَا صِفَات لَهَا وَلَا صلات وَلَا أحوالا لَهَا فَإِذا اسْتَحَالَ أَن يتَعَلَّق بالْأَمْس بِمَحْذُوف علقته بكان وأعملت كَانَ فى محتلما وَقَوله شيخ معد خبر كَانَ الْمَعْنى يَقُول كنت فى حَال احتلامك وَأمر دينك شيخ معد يرجعُونَ إِلَى رَأْيك وعقلك فَكيف الْيَوْم مَعَ علو سنك وَقد جربت الْأُمُور وَعرفت الْأَشْيَاء وَلَقِيت الحروب وَقَوله وَأَنت أمردها عطف على الْحَال أى محتلما أَمْرَد
36 - الْإِعْرَاب نعْمَة رويت نصبا وجرا فَمن نصب أَرَادَ الِاسْتِفْهَام وَمن جر أَرَادَ الْخَبَر وَهُوَ الأولى لِأَنَّهُ أَرَادَ الْخَبَر عَن كَثْرَة مَاله الْغَرِيب المجللة الْعَظِيمَة الْمَعْنى يُرِيد كم نعْمَة لَك عندى فَلم تكن وَاحِدَة فتنسى على طول الْعَهْد وَإِنَّمَا هى كَثِيرَة لَا تحصى وربيتها قرنتها بأمثالها
37 - الْإِعْرَاب يجوز فى حَاجَة مَا جَازَ فى نعْمَة وَالْبَاء تتَعَلَّق بسمحت وحرفا الْجَرّ يتعلقان بأقرب الْمَعْنى أقرب قَالَ الْخَطِيب هُوَ من كَلَام الصُّوفِيَّة وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ متصرفا فى أفانين الْكَلَام وَقَالَ الواحدى سمحت بقضائها فَحذف الْمُضَاف وَيُرِيد قضيها لى وَكَذَلِكَ موعدها أى موعد قَضَائهَا وَهَذَا إِخْبَار عَن قصر الْوَعْد وقربه من الإيجاز وَلَا شئ أقرب مِنْك إِلَيْك فَإِذا قرب موعد الإنجاز صَارَت الْحَاجة عَن قريب مقضية
(1/311)

- الْإِعْرَاب مكرمات عطف على حَاجَة وعَلى مُتَعَلق بمشت وَإِلَى مُتَعَلق بترددها ويروى ترددها على الْمصدر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح على قدم الْبر اسْتِعَارَة من أحسن الْكَلَام فى غَايَة الظّرْف والمكرمة مَا يكرم بِهِ الْإِنْسَان من بر ولطف وَأَرَادَ بهَا ثيابًا أهداها لَهُ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله أقرّ جلدى قَالَ الواحدى على قدم الْبر يُرِيد أَن حاملها إِلَيْهِ كَانَ من جملَة الْعَطِيَّة الَّتِى أَعْطَاهَا يُرِيد أَنه كَانَ غُلَاما من جملَة الْهَدِيَّة وَالْبر وَيجوز أَن تكون مكرمات على إِثْر مكرمات وَقَوله ترددها أى تعيدها إِلَى وتكررها على
39 - الْإِعْرَاب قَوْله حَتَّى الْمَمَات يُرِيد إِلَى الْمَمَات كَقَوْلِه تَعَالَى {حَتَّى مطلع الْفجْر} أى إِلَى مطلع الْفجْر وَحَتَّى هى عندنَا حرف ينصب الْفِعْل الْمُسْتَقْبل من غير تَقْدِير أَن وهى حرف جر يجر الِاسْم من غير تَقْدِير خافض كَمَا تَقول وعدته حَتَّى الصَّيف وَقَالَ الكسائى تخْفض الِاسْم بإلى مضمرة أَو مظهرة وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا حرف جر يجر الِاسْم وَينصب الْفِعْل باضمار أَن حجتنا إِن كَانَت بِمَعْنى كى كَمَا فى قَوْلك أطع الله حَتَّى تدخل الْجنَّة فقد قَامَت مقَامهَا وكى تنصب بِنَفسِهَا وَكَذَا مَا قَامَ مقَامهَا وَصَارَت كواو الْقسم لِأَنَّهَا قَامَت مقَام الْبَاء وعملت عَملهَا وَكَذَا وَاو رب وتخفض الِاسْم لِأَنَّهَا قَامَت مقَام إِلَى وَإِلَى تخْفض بِنَفسِهَا وَحجَّة الْبَصرِيين إجماعنا على حَتَّى أَنَّهَا من عوامل الْأَسْمَاء فَلَا يجوز أَن تجْعَل من عوامل الْأَفْعَال فَوَجَبَ أَن يكون الْفِعْل مَنْصُوبًا بِأَن مقدرَة دون غَيرهَا لِأَن أَن مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر الذى يدْخل عَلَيْهِ حرف الْجَرّ وَيدل على أَن الْفِعْل مَنْصُوب بعد حَتَّى بِأَن لَا بحتى قَول الشَّاعِر
(داويت عين أَبى الدُّهَيق بمطله ... حَتَّى المصيف ويَغْلُو القِعْدّان} فالمصيف مجرور بحتى ويغلو عطف عَلَيْهِ فَلَو كَانَت هى الناصبة لوَجَبَ أَن لَا يجِئ الْفِعْل هَهُنَا مَنْصُوبًا بعد مجئ الْجَرّ لِأَن حَتَّى لَا تكون فى آن وَاحِد جَارة وناصبة الْمَعْنى يَقُول لَا أقدر أجحد نعمك لِأَن جلدى قد أقربها وَهُوَ ظُهُور الْخلْع واللباس للناظرين فَكَأَنَّهُ يلبسهَا مقرّ نَاطِق كَقَوْل النَّاشِئ الْأَكْبَر
(ولوْ لم يَبُح بالشُّكر لفظى لَخَبَّرَتْ ... يمينى بِمَا أوْلَيتَنِى وشِمالي)

40 - الْغَرِيب الصلات جمع صلَة وهى الْعَطِيَّة الْمَعْنى يطْلب مِنْهُ إِعَادَة الْعَطِيَّة وَيَقُول لَهُ إِن خير مَا وصل بِهِ الْكَرِيم أَكْثَره عودا
(1/312)

- 1 - الْإِعْرَاب لم كلمة مَوْضُوعَة للعدد وَذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنَّهَا مركبة وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا مُفْردَة حجتنا أَن أَصْلهَا مَا زيدت عَلَيْهَا الْكَاف لِأَن الْعَرَب تصل الْحَرْف فى أَوله وَآخره فَمَا وصلته من أَوله نَحْو هَذَا وَمِمَّا وصلته فى آخِره نَحْو {إِمَّا تريني مَا يوعدون} فَكَذَلِك كم زادوا الْكَاف على مَا فصارتا كلمة وَاحِدَة وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال فى كم مَالك كَمَا مَالك إِلَّا أَنه حذف الْألف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَنَظِير كم لم لِأَن الأَصْل فى لم مَا فزيدت عَلَيْهَا اللَّام فصارتا كلمة وَاحِدَة وحذفت الْألف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وسكنت الْمِيم فَقَالَ لم فعلت وَزِيَادَة الْكَاف كَثِيرَة قَالَ الله تَعَالَى {لَيْسَ كمثله شئ} أى لَيْسَ مثله وَحكى عَن بعض الْعَرَب أَنه قيل لَهُ كَيفَ تَصْنَعُونَ الأقط قَالَ كهين قَالَ الراجز
(لوَاحقُ الأقْراب فِيهَا كالمَقَقْ ... )
أى المقق وَهُوَ الطول وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الأَصْل هُوَ الْإِفْرَاد والتركيب فرع وَمن تمسك بِالْأَصْلِ خرج عَن عُهْدَة الْمُطَالبَة بِالدَّلِيلِ وَمن عدل عَن الأَصْل افْتقر إِلَى إِقَامَة الدَّلِيل لعدوله عَن الأَصْل واستصحاب الْحَال أحد الْأَدِلَّة الْمُعْتَبرَة الْغَرِيب الطلى الْأَعْنَاق الْمَعْنى يَقُول كم قَتِيل مثلى شَهِيد قتل كَمَا قتلت ببياض الْأَعْنَاق وتورد خدودهن وَقَالَ الواحدى جعل قَتِيل الْحبّ شَهِيدا لما روى فى الحَدِيث " إِن من عشق وعف وكتم فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدا " ويروى لبياض الطلى يعْنى كم قَتِيل لَهُ وَتَقْدِير الْكَلَام كم قتل قتل كقتلى
2 - الْإِعْرَاب وعيون المها عطف على مَا قبله
(ببياض الطلى وَورد الخدود ... )
الْغَرِيب المها جمع مهاة وهى بقر الْوَحْش تشبه أعين النِّسَاء بعيونها لحسنها وسعتها وفتكت قتلت بَغْتَة والمتيم الْمُذَلل المدله الذى قَتله الْحبّ وأذله واستعبده وتيم اللات عبد اللات والمعمود الذى قد هده الشوق وَأَصله شدَّة الْمَرَض يُقَال عمده وأعمده الْمَعْنى يَقُول كم قَتِيل قتل بعيون المها أى المشابهة لعيون المها وَلَيْسَت تِلْكَ الْعُيُون الَّتِى قتلته كالعيون الَّتِى قتلتنى وفتكت بى وعنى بالمعمود نَفسه
3 - الْإِعْرَاب من روى بدار أثلة فَهُوَ مُضَاف إِلَى نكرَة وَمن رَوَاهُ بلام التَّعْرِيف فَهُوَ أَجود وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة فأضافه إِلَى معرفَة وَوَصله بِإِسْقَاط الْهمزَة كَقِرَاءَة ورش {ولدار الْآخِرَة} الْغَرِيب در در الصِّبَا أصل الدّرّ فى اللَّبن وَهُوَ مُسَمّى بِالْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ يُقَال در الضَّرع درا ثمَّ كثر حَتَّى قَالُوا لمن يحمدونه لله دره أى لله اللَّبن الذى أرضعه وَقَالُوا لمن ذموه لَا در دره وَللَّه در زيد فِيهِ معنى التَّعَجُّب وذيول جمع ذيل وَدَار الأثلة مَوضِع بِظَاهِر الْكُوفَة والأثل شجر من جنس الطرفاء إِذا حركته الرّيح ترنح وَسمع لَهُ صَوت حنين الْمَعْنى من روى أَيَّام بالنداء فَهُوَ يُخَاطب أَيَّام الصِّبَا تَقْدِيره يَا أَيَّام الْهوى وجر الذيول كِنَايَة عَن النشاط وَاللَّهْو لِأَن النشيط والنشوان يجر ذيله وَلَا يرفعهُ قَالَ أَبُو الْفَتْح در دره أى اتَّصل مَا تعهد من أَيَّام الصِّبَا قَالَ الواحدى وَهَذَا قَول فَاسد وَمن روى وَأَيَّام فقد عطف على در در الصِّبَا وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف وَعَلِيهِ الرِّوَايَة
(1/313)


- الْإِعْرَاب عمرك الله مصدر يُقَال أَطَالَ الله عمرك وعمرك بِالضَّمِّ وَالْفَتْح وهما وَإِن كَانَا مصدرين بِمَعْنى إِلَّا أَنه اسْتعْمل أَحدهمَا فى الْقسم وَهُوَ المفتوح فَإِذا أدخلت عَلَيْهِ اللَّام رفعته بِالِابْتِدَاءِ قلت لعمر الله والام لتوكيد الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لعمر الله قسمى فَإِن لم تأت بِاللَّامِ نصبته نصب المصادر وَقلت عمر الله مَا فعلت كَذَا وعمرك الله مَا فعلت كَذَا وَمعنى لعمر الله وَعمر الله أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه وَإِذا قلت عمرك الله فكأنك قلت بتعميرك أى بإقرارك لَهُ بِالْبَقَاءِ وَقَول عمر بن أَبى ربيعَة
(أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً ... عَمْرَكَ اللهُ كيفَ يَلْتَقِيانِ)
يُرِيد سَأَلت الله أَن يُطِيل عمرك لِأَنَّهُ لم يرد الْقسم بذلك وَسُهيْل تورية وَكَذَلِكَ الثريا وهما رجل وَامْرَأَة وَلم يرد النجمين وَهُوَ فى قَول أَبى الطّيب مصدر مَعْنَاهُ سَأَلت الله أَن يعمرك تعميرا الْغَرِيب البراقع شَيْء تَجْعَلهُ نسَاء الْعَرَب على وجوههن شَبيه بالنقاب إِلَّا أَنه يغطى الْوَجْه وَيفتح فِيهِ موضعان على قدر الْعَينَيْنِ والعقود وَاحِدهَا عقد وَهُوَ الْجَوْهَر الْمَعْنى يُخَاطب صَاحبه وَيَقُول سَأَلت الله أَن يعمرك هَل رَأَيْت بدورا تلبس البراقع طلعت عَلَيْهَا وَمن روى قبلهَا أى قبل تِلْكَ الْأَيَّام الَّتِى كُنَّا فِيهَا بدار الأثلة
5 - الْإِعْرَاب راميات صفة لبدور وَالْجَار مُتَعَلق بهَا الْغَرِيب الهدب هُوَ الشّعْر الذى على الأجفان الْمَعْنى يُرِيد بالأسهم الْأَعْين وَلما سَمَّاهَا أسهما جعل ريشا لِأَن الريش يقوى السِّهَام كَذَلِك لحظاتهن إِنَّمَا تصل إِلَى الْقُلُوب بِحسن أشفارهن وأهدابهن وتنفذ إِلَى الْقُلُوب أى تصل إِلَى الْقُلُوب فتنفذ فِيهَا قبل الْجُلُود وَالْبَيْت مَنْقُول من قَول كثير
(وَما صائبٌ مِن نابلٍ قَذَفَتْ بِهِ ... يَدٌ ومُمَرُّ العُقْدتين وَثيقُ)

(بأوشكَ قتلا منكِ يومَ رَميتنى ... نوافِذَ لم يُعلم لهنّ خُرُوقُ)
(1/314)

- الْغَرِيب رشفت الرِّيق وترشفته إِذا مصصته الْمَعْنى قَالَ الواحدى كن يمصصن ريقى لحبهن إياى فَكَانَت الرشفات فى فمى أحلى من كلمة التَّوْحِيد وهى لَا إِلَه إِلَّا الله وَهَذَا إفراط وَتجَاوز حد انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع ذهب كثير من النَّاس إِلَى أَن لَفْظَة أفعل من كَذَا توجب تَفْضِيل الأول على الثانى فى جَمِيع الْمَوَاضِع وَذَلِكَ غلط وَالصَّحِيح أَن أفعل يجِئ فى كَلَام الْعَرَب على خَمْسَة أوجه أَحدهَا أَن يكون الأول من جنس الثانى وَلم يظْهر لأَحَدهمَا حكم يزِيد على الأول بِهِ زِيَادَة يقوم عَلَيْهَا دَلِيل من قبل التَّفْضِيل فَهَذَا يكون حَقِيقَة فى الْفضل لَا مجَازًا وَذَلِكَ كَقَوْلِك زيد أفضل من عَمْرو وَهَذَا السَّيْف أَصْرَم من هَذَا والثانى أَن يكون الأول من جنس الثانى ومحتملا للحاق بِهِ وَقد سبق للثانى حكم أوجب لَهُ الزِّيَادَة بِالدَّلِيلِ الْوَاضِح فَهَذَا يكون على المقاربة فى التَّشْبِيه لَا التَّفْضِيل نَحْو قَوْلك الْأَمِير أكْرم من حَاتِم وَأَشْجَع من عَمْرو وَبَيت المتنبى من هَذَا الْقَبِيل أى يترشفن من فمى رشفات هن قريب من التَّوْحِيد وَالثَّالِث أَن يكون الأول من جنس الثانى أَو قَرِيبا مِنْهُ والثانى دون الأول فَهَذَا يكون على الْإِخْبَار الْمَحْض نَحْو قَوْلك الشَّمْس أَضْوَأ من الْقَمَر والأسد أجرأ من النمر وَالرَّابِع أَن يكون الأول من غير جنس الثانى وَقد سبق للثانى حكم أوجد لَهُ الزِّيَادَة واشتهر للْأولِ من جنسه بالفضيلة فَيكون هَذَا على سَبِيل التَّشْبِيه الْمَحْض وَالْغَرَض أَن يحصل للْأولِ بعض مَا يحصل للثانى نَحْو قَوْلك زيد أَشْجَع من الْأسد وأمضى من السَّيْف وَالْخَامِس أَن يكون الأول من غير جنس الثانى وَالْأول دون الثانى فى الصّفة جدا فَيكون هَذَا على الْمُبَالغَة الْمَحْضَة نَحْو قامته أتم من الرمْح وَوَجهه أَضْوَأ من الشَّمْس وَجَاء فى الحَدِيث " مَا أقلت الغبراء وَلَا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أَبى ذَر " ذهب من لَا يعرف معانى الْكَلَام إِلَى أَن أَبَا ذَر أصدق الْعَالم أجمع وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا نفى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن يكون أحد أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة فى الصدْق وَلم ينف أَن يكون فى النَّاس مثله فى الصدْق وَلَو أَرَادَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لقَالَ أَبُو ذَر أصدق من كل من أظلت وأقلت وروى الْأَكْثَر أحلى من التَّوْحِيد وَمن روى حلاوة التَّوْحِيد أَرَادَ هى عندى مثل حلاوة التَّوْحِيد فَحذف الْمُضَاف وَرفع قَالَ أَبُو الْفَتْح يرْوى أَنه أنْشدهُ حلاوة التَّوْحِيد
(1/315)

- الْإِعْرَاب كل يجوز فِيهِ الرّفْع على الْبَدَل من الضَّمِير فى يترشفن وعَلى هَذَا يرفع أرق حملا على كل وَيجوز نَصبه وَهُوَ فى مَوضِع خفض نعتا الخمصانة وَيجوز نصب كل حملا على النَّعْت لبدورا فَيكون بدل تَبْيِين الْغَرِيب الخمصانة الضامرة وَيُقَال للذّكر خمصان بِضَم الْخَاء وَيجوز بِفَتْحِهَا والجلمود الْحِجَارَة وَيُقَال الجلمد والجلمود وهى الصخر والجلمد الْإِبِل الْكَثِيرَة وَذَات الجلاميد مَوضِع الْمَعْنى يَقُول كل خمصانة أى ضامرة الْبَطن وعنى برقتها نعومتها وصفاء لَوْنهَا وَقَوله بقلب أى هى مَعَ رقتها ونعومتها متلبسة بقلب أى مَعَ قلب أَصْلَب من الصخر وتلخيص الْمَعْنى هن ناعمات الْأَجْسَام قاسيات الْقُلُوب
8 - الْغَرِيب الْفَرْع شعر الرَّأْس والعنبر طيب مَعْرُوف الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد أَن شعرهَا طيب الرَّائِحَة فَكَأَنَّهُ خلط بِهَذِهِ الْأَنْوَاع من الطّيب وَيُقَال إِن الْعود إِنَّمَا تفوح رَائِحَته عِنْد الاحتراق وَلَا يطيب رَائِحَة الشّعْر إِذا خلط بِالْعودِ قيل أَرَادَ ضرب العنبر فِيهِ بِمَاء ورد ودخن بِعُود وَحذف الْفِعْل الثانى كَقَوْلِه
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
وكقول الآخر
(ورأيتِ بعلَكِ فى الوَغَى ... متقَلِّداً سيْفًا وَرُمْحاً) انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشريف بن الشجرى فى أَمَالِيهِ يُرِيد ودخان عود لِأَن الْعود لَا مَاء لَهُ وَكَذَلِكَ قَوْله
(أُحادث مِنْهَا بدرَها فالكواكبا ... )
فَإِن جعل الْكَوَاكِب خصالها فلابد من فعل ينصب الْكَوَاكِب لِأَن الْخِصَال لَا تُوصَف بالمحادثة وَتَقْدِيره واستضئ وَمثله قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين تبوء وَالدَّار وَالْإِيمَان} أى وأحبوا الْإِيمَان
(1/316)

- الْإِعْرَاب حالك صفة لفرع الْغَرِيب الحالك الشَّديد السوَاد والغداف هُوَ الْغُرَاب الْأسود والجثل الْكثير النَّبَات يُقَال هُوَ جثل بَين الجثولة والأثيث مثل الجثل والدجوجى مثل الحالك الْمَعْنى يَقُول ذَات فرع حالك كثير النَّبَات جعد خلق جَعدًا من غير أَن يجعد
10 - الْغَرِيب الغدائر وَاحِدهَا غديرة وهى الذؤابة والشتيت الثغر المتفرق على اسْتِوَاء قَالَ الشَّاعِر
(وشَتِيتٍ كالأُقْحوان جلاه الطَّلْلُ ... فيهِ عُذوبةٌ واتِّساقُ)
والبرود الْبَارِد الْمَعْنى يرْوى غدائره يُرِيد غدائر الْفَرْع الْمَعْنى أَنَّهَا طيبَة الرّيح فَكَأَن الرّيح إِذا مرت بهَا تحمل الْمسك من غدائرها وتفتر تضحك عَن ثغر شتيت متفرق فى اسْتِوَاء
11 - الْمَعْنى يَقُول قد جمعت بَين جسمى والسقام وَأحمد هُوَ أَبُو الطّيب وَبَين جفونى والسهاد
12 - الْإِعْرَاب إِن جعل هَذِه إِشَارَة فلديك يتَعَلَّق بِمَعْنى الْإِشَارَة وَإِن جعلهَا نِدَاء بِحَذْف النداء كَانَ مُتَعَلقا بالاستقرار الْغَرِيب الْحِين بِفَتْح الْحَاء الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول سلمت الْأَمر إِلَيْهَا وَبِذَلِك روحى لَهَا لهلاكى وَقلت إِن شِئْت فانقصى من عَذَابهَا بوصل وَإِن شِئْت زيديها عذَابا بهجر والمهجة دم الْقلب وَمَوْضِع الرّوح لِأَن النَّفس لَا تبقى دونهَا
13 - الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع مَعْنَاهُ أَنا أهل مابى وحقيق بِهِ وَأَنا بَطل صيد الْغَرِيب الطرة تصفيف الشّعْر والبطل الشجاع والجيد الْعُنُق الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى أهل ابْتِدَاء وَخَبره بَطل وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَنا أهل ذَلِك وحقيق بِحسن مَا رَأَيْت أَو أَنا بَطل صيد بتصفيف طرة وجيد هَذَا كَلَامه وَهُوَ على بعده مُحْتَمل انْتهى يَقُول فى الْبَيْت الذى قبله هَذِه مهجتى افعلى فِيهَا مَا شِئْت فَأَنا أهل لذَلِك ومستحق لَهُ لِأَن البطل إِذا صادته امْرَأَة بطرة مصفوفة وجيد وَهُوَ مقدم عُنُقهَا فَهُوَ أهل لما حل بِهِ وَيجوز أَن يكون إِنَّمَا قَالَ هَذَا كالمتشفى من نَفسه والعاذل لَهَا على الْعِشْق يَقُول أَنا أهل لما بى من الضنى
14 - الْإِعْرَاب إِذا قلت جَاءَ الْقَوْم مَا خلا زيدا فَلَيْسَ إِلَّا النصب وَإِذا قلت جَاءَ الْقَوْم خلا زيد كَانَ الْجَرّ لَا غير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا أسقطت مَا جررت وَكَانَ أقوى من النصب لاحْتِمَاله إِيَّاه الْمَعْنى يُرِيد بِدَم العنقود الْخمر وَهَذَا حرَام بِلَا خلاف لِأَنَّهَا لَا تحل إِلَّا أَن يكون أَرَادَ دم العنقود وعنى الْمَطْبُوخ الذى لَا يسكر وسماها دَمًا لِأَنَّهَا تسيل من العنقود كَمَا يسيل دم الْمَقْتُول
15 - الْإِعْرَاب أنث الضَّمِير فى اسقنيها لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّمِ الْخمر وَذكر ضمير عَيْنَيْك وَالْأَفْعَال بعد لقَوْله من غزال على لَفظه لَا مَعْنَاهُ لِأَن المُرَاد بالغزال المعشوقة وَتَقْدِير الْكَلَام فدى لعينيك من غزال نفسى وطارفى وتليدى الْغَرِيب الطريف والطارف والمطرف والمستطرف مَا استحدث عنْدك من مَال والتليد والتالد والمتلد والتلاد مَا كَانَ عَن إِرْث من الْآبَاء وَقَوله من غزال تَخْصِيص لَهُ بِالْفِدَاءِ من جملَة الغزلان الْمَعْنى يَقُول اسقنى الْخمْرَة فَأَنا أفديك بنفسى وَمَا أملك
16 - الْإِعْرَاب شيب رأسى مُبْتَدأ وَمَا بعده عطف عَلَيْهِ وَخَبره شهودى وَالْجَار وَالْمَجْرُور يتَعَلَّق بالْخبر الْمَعْنى روى هَوَاك بِالْفَتْح على خطاب فاسقنيها فَذكر الضَّمِير وَالْمعْنَى لَا أقدر أَن أكتم هَوَاك فَإِذا كتمته شهد على ذلى ونحول جسدى وفيض دموعى وشيب رأسى قبل أَوَانه وكل هَذَا يكون من الْفِكر والهم بالمحبوب وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر
(أَوَمَا كَفاكِ تغَيُّرِى ... ونحولُ جسْمى شَاهدا)
(1/317)

- الْإِعْرَاب أى نصب وَهُوَ اسْتِفْهَام خرج مخرج النفى كَمَا تَقول لمن يدعى أَنه أكرمك أى يَوْم أكرمتنى قطّ كَمَا قَالَ الهذلى
(اذهبْ فأىّ فَتىً فى الناسِ أَحرزَهُ ... من حَتْفهِ ظُلَمٌ دُعْجٌ وَلَا جَبَلُ)
وَلَا يجوز أَن تكون أى شَرْطِيَّة تتَعَلَّق الْجُمْلَة بِالْجُمْلَةِ تعلق الْجَزَاء بِالشّرطِ وَإِذا حَملته على الشَّرْط كَانَ ذَلِك مناقضا للمعنى الذى أَرَادَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُول إِن سررتى يَوْمًا بوصالك فقد أمنتنى ثَلَاثَة أَيَّام من صدودك وَهَذَا عكس مُرَاده الْغَرِيب رعت فلَانا وروعته فارتاع أى أفزعته فَفَزعَ وتروع تفزع وَقَوْلهمْ لَا ترع مَعْنَاهُ لَا تخف قَالَ أَبُو خرَاش
(رَفَوْنى وَقَالُوا يَا خُوَيلدُ لَا تُرَعْ ... فَقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ)
الْمَعْنى يَقُول أى يَوْم سررتنى بوصال لم يفزعنى بِثَلَاثَة أَيَّام صدودك
18 - الْغَرِيب دَار نَخْلَة على ثَلَاثَة أَمْيَال من بعلبك وهى قَرْيَة لبنى كلب 1 وَالْمقَام بِمَعْنى الْإِقَامَة الْمَعْنى يَقُول إقامتى فى هَذِه الْقرْيَة كإقامة عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَين الْيَهُود يعْنى أَن أهل هَذِه الْقرْيَة أَعدَاء لَهُ كَمَا كَانَت الْيَهُود أَعدَاء عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ الواحدى فى تَفْسِيره وَبِهَذَا الْبَيْت لقب بالمتنبى لتشبيهه نَفسه بِعِيسَى فى هَذَا الْبَيْت وَفِيمَا بعده بِصَالح
19 - الْإِعْرَاب مفرشى إِلَى آخِره فى مَوضِع الْحَال الْغَرِيب المفرش مَوضِع الْفراش والصهوة مقْعد الْفَارِس من ظهر الْفرس والحصان الْفرس الْفَحْل والمسرودة المنسوجة من الْحَدِيد وهى الدروع الْمَعْنى يَقُول أَنا بِهَذِهِ الْقرْيَة على هَذِه الْحَال لَا أُفَارِق ظهر فرسى يُرِيد أَنى شُجَاع لَا أُفَارِق ظهر الْفرس وملبوسى الدروع وَقَالَ ابْن جنى أَنا بِهَذِهِ الْقرْيَة على هَذِه الْحَال تأهبا وتيقظا
(1/319)

- الْإِعْرَاب لأمة بُد ل من قَوْله مسرودة الْغَرِيب اللأمة المتئلمة الصَّنْعَة والفاضة السابغة وأضاة صَافِيَة شبهها بالغدير لبياضها وصفائها والدلاص البراقة والدليص أَيْضا الْبراق اللين وَدرع دلاص وأدرع دلاص الْوَاحِد وَالْجمع على لفظ وَاحِد وَقد دلصت الدرْع بِالْفَتْح تدلص ودلصتها أَنا تدليصا والدلاص الْبراق الْمَعْنى يَقُول قميصى لأمة محكمَة النسج من صنع دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ أول من عمل الدروع قَالَ الله تَعَالَى {وألنا لَهُ الْحَدِيد}
21 - الْمَعْنى يَقُول إِذا قنعت من الدَّهْر بعيش قد عجل لى نكده وَأخر عَنى خَيره فَأَيْنَ فضلى فَإِذا لَا فضل لى فَكَأَن فضلى قد خفى فَلَيْسَ يرى
22 - الْمَعْنى يَقُول تعبت فى طلب الرزق وسعيت فِيهِ وَلم يحصل فقد ضقت صَدرا لِكَثْرَة مَا قُمْت فى طلبه وسعيت ونصبت وَطَالَ فِيهِ سفرى وَقل عَنهُ قعودى عَن السّفر
23 - الْمَعْنى يَقُول أسافر أبدا فى طلب الرزق وحظى منحوس وهمتى عالية يُرِيد أَن همته مُرْتَفعَة وحظه مخفوض وَهُوَ كَقَوْل حبيب
(همَّةٌ تنطَح النُّجومَ وَجَدٌّ ... آلِفٌ للحَضِيض فَهُوَ حَضيضُ)
وكقول الآخر
(ولى همَّةٌ فوقَ نَجم السَّماء ... ولكنّ حالى تحتَ الثَّرَى)

(فَلَو ساعدت همَّتِى حالتى ... لكنتَ ترَى غيرَ مَا قد ترَى)

24 - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بأبلغ وَتَقْدِيره فلعلى بَالغ بلطف الله وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بمؤمل الْمَعْنى يَقُول لعلى راج بعض مَا أؤمله بلطف الله وَقَالَ الواحدى وَفِيه وَجه آخر وَهُوَ ان المرجو مَحْبُوب وَالْمَكْرُوه لَا يكون مرجوا بل يكون محذورا فَهُوَ يَقُول لعلى راج بعض مَا أبلغه وأدركه من فضل الله أى لَيْسَ جَمِيع مَا أبلغه مَكْرُوها بل بعضه مرجو ومحبوب
25 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اللَّام تحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون التَّقْدِير اعجبوا لسرى وَالْآخر أَن تكون مُتَعَلقَة باللطف أى باللطف من الله سُبْحَانَهُ لسرى هَذِه صفته الْغَرِيب مروى مرو هى ثِيَاب رقاق تنسج بمرو الْمَعْنى يَقُول اعجبوا لسرى أَو لعلى أُؤَمِّل باللطف لسرى لِبَاسه ردئ وَالْعرب تتمدح بخشونة الملبس وتعيب النِّعْمَة والترفه أى لبسى خشن الْقطن ومروى مرو وهى الثِّيَاب الرقيقة لبس اللئام قَالَ ابْن القطاع أَخذ عَلَيْهِ قَوْله {فلعلى مُؤَمل ... الخ} وَقَالَ كَيفَ يؤمل بعض مَا يبلغ وَإِنَّمَا وَجه الْكَلَام أَن يَقُول ولعلى أبلغ بعض مَا أومل وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمَعْنى ولعلى أبلغ آمالى وأزيد عَلَيْهَا حَتَّى يكون مَا أؤمله بعض مَا أبلغه وَقيل مَعْنَاهُ أَنا أُؤَمِّل أَكثر مَا أطلب فلعلى بَالغ بعض مَا أؤمله لِأَن مَا أؤمله بعض مَا أبلغه أَو لِأَن مَا أؤمله لَا يبلغ إِلَيْهِ أحد
26 - الْغَرِيب البنود جمع بند وهى الْأَعْلَام الْكِبَار وخفق البنود اضطرابها الْمَعْنى يُرِيد إِمَّا أَن تعيش عَزِيزًا مُمْتَنعا من الْأَعْدَاء أَو تَمُوت موت الْكِرَام فى الْحَرْب لِأَن الْقَتْل فى الْحَرْب يدل على شجاعة الْمَقْتُول وَالْقَتْل خير من الْعَيْش فى الذل
27 - الْإِعْرَاب تَقول ذهبت بالغيظ وَلَا تَقول ذهبته بل أذهبته وَالْوَجْه أَن يَقُول أَشد إذهاب للغيظ لِأَن أفعل لَا يبْنى من الإفعال إِلَّا فى ضَرُورَة الشّعْر وَلكنه جَاءَ على حذف الزَّوَائِد وَلَو قَالَ بالغيظ لاستغنى الْمَعْنى يُرِيد أَن إذهاب الغيظ بِالرِّمَاحِ أَكثر من إذهابه بالسلم وأشفى لغل صدر الحقود من أعدائه ويروى صدر الحسود والحقود أحسن فى الْمَعْنى
28 - الْغَرِيب يُقَال حيى يحيا حَيَاة وَيُقَال حى بِالْإِدْغَامِ فى الماضى وَلَا يدغم فى الْمُسْتَقْبل وحيى عين الْفِعْل مِنْهُ يَاء مَكْسُورَة وَكَذَلِكَ لامه يَاء وَالْيَاء أُخْت الكسرة فَكَأَنَّهُ اجْتمع ثَلَاث كسرات فحذفت كسرة الْعين وأدغمت فى اللَّام وَقَرَأَ بِالْإِدْغَامِ أَكثر الْقُرَّاء ابْن كثير وَابْن عَام وَحَفْص وَحَمْزَة والكسائى وقنبل وَقَرَأَ بالإظهار نَافِع وَأَبُو بكر والبزى وَابْن كثير الْمَعْنى إِنَّه يُخَاطب نَفسه يَقُول عش عَزِيزًا أومت فى الْحَرْب حميدا وَلَا تكن كَمَا قد عِشْت إِلَى هَذَا الْوَقْت غير مَحْمُودًا فِيمَا بَين النَّاس وَإِذا مت على فراشك مت غير مَفْقُود لِأَن النَّاس يَجدونَ مثلك كثيرا فيستغنون عَنْك وَلَا يبالون بموتك وَلَا يذكرونك بعد موتك وَإِنَّمَا يذكر من لَهُ إقدام وشجاعة وفعلات يذكر بهَا الْغَرِيب لظى من أَسمَاء جَهَنَّم وهى معرفَة لَا تَنْصَرِف والتظاء النَّار التهابها وَكَذَلِكَ تلظيها الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعِزّ مَطْلُوب فاطلبه وَإِن كَانَ فى جَهَنَّم وَلَا تطلب الذى وَلَو أَنه فى جنان الخلود وَهَذَا كُله من الْمُبَالغَة فى طلب الْعِزّ والبعد من الذل قَالَ الواحدى وَهَذَا كُله مُبَالغَة وَإِلَّا فَلَا عز فى جَهَنَّم وَلَا ذل فى الْجنَّة
(1/320)

- الْغَرِيب البخنق مَا يَجْعَل على رَأس الصبى وتلبسه الْمَرْأَة أَيْضا عِنْد ادهان رَأسهَا الْمَعْنى يَقُول لَا تجبن وتحرص على الْحَيَاة يَقُول الجبان الْعَاجِز قد يقتل عَاجِزا وَالْعجز والجبن لم يَكُونَا من سَبَب الْبَقَاء ولاهما منجيان من كَانَا فِيهِ من الْمَوْت وَغَيره وَقد كرر هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ معنى // حسن // كَقَوْلِه
(فمِنَ العجْزِ أَن تكونَ جَبانا)
وَقد بَين فِيمَا بعده تَمام الْغَرَض وَأَن الْعَاجِز يقتل وَيسلم الشجاع الْمِقْدَام بقوله
(ويوفى ... الخ ... )

31 - الْغَرِيب المخش الرجل الجرئ على اللَّيْل والصنديد السَّيِّد الْكَرِيم وَقيل المخش الرجل الدخال فى الْأُمُور وَالْحَرب ويوقى يُقَال وَقَاه الله السوء ووقاه فَهُوَ مرقى وخوض أَكثر فى الْخَوْض الْمَعْنى يَقُول قد يسلم الشجاع وَيهْلك الجبان والشجاع قد دخل فى أَشد الْأَحْوَال وأخوفها وكل هَذَا حث على الشجَاعَة والإقدام
32 - الْمَعْنى يَقُول شرفت بنفسى لَا بقومى وَهَذَا كَقَوْل الشَّاعِر
(نفْسُ عِصامٍ سوّدَتْ عِصامًا ... وعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقْدَاماَ)
وأصل هَذَا كَقَوْل عَامر بن الطُّفَيْل
(فمَا سَوَّدَتْنِى عامِرٌ عَنْ وَرِثَةٍ ... أَبى اللهُ أنْ أسْمُو بِأُمّ وَلا أبِ)

(وَلكِنَّنِى أحْمِى حِماها وأتَّقِى ... أذَاها وأرْمى مَن رَماها بِمقْنَبِ)
وَقَالَ الآخر
(قد قالَ قوْمٌ أعْطِهِ لقديمه ... جهلوا ولكنْ أعْطِنى لِتَقَدُّمى)

(فَأَنا ابنُ نفسى لَا بعرضى أحْتَذى ... بالسَّيف لَا بِتُرَاب تِلْكَ الْأَعْظَم)
قَالَ الواحدى لَو اقْتصر أَبُو الطّيب على هَذَا الْبَيْت لَكَانَ ألأم النَّاس نسبا لكنه قَالَ
(وبهم ... الخ ... )

33 - الْغَرِيب عوذ الجانى أى يعوذون بهم وغوث الطريد أى المطرود يستغيثهم وَهُوَ الذى يطرد وينفى فإليهم يلجأ الْمَعْنى يَقُول هم أفْصح الْعَرَب لِأَن الضَّاد لم ينْطَلق بهَا إِلَّا الْعَرَب أى هم فَخر لكل الْعَرَب وَإِذا جنى جَان وَخَافَ على نَفسه عاذ بهم ولاذ بهم ليأمن على نَفسه والمطرود إِذا طرد وَنفى اسْتَغَاثَ بهم ولجأ إِلَيْهِم فيمنعونه
34 - الْغَرِيب المعجب الذى يعجب بِنَفسِهِ والعجيب الذى يعجب غَيره وَقيل هما بِمَعْنى كالمبدع والبديع الْمَعْنى يَقُول إِذا عجبت بنفسى فَإِن عجبى عَجِيب لِأَن امْرُؤ لَا يرى فَوق نَفسه من مزِيد فى الشّرف فَلَيْسَ عجبى بمنكر بل هُوَ ظَاهر لَا يُنكره أحد
35 - الْغَرِيب الترب ترب الْإِنْسَان وَهُوَ الذى ولد مَعَه فى وَقت وربيا والقوافى جمع قافية وَتسَمى القصيدة أَيْضا قافية وسمام جمع سم الْمَعْنى يَقُول أَنا أَخُو الْجُود وَأَنا صَاحب القصائد ومنشئ القوافى لأنى لم أسبق إِلَى مثلهَا وَأَنا أقتل الْأَعْدَاء فكأنى لَهُم سم فأقتلهم كَمَا يقتل السم فَأَنا سَبَب غيظ الحساد فهم يتمنون موضعى فَلَا يدركونه فَلهَذَا يغتاظون فَأَنا سَبَب غيظهم
(1/322)

- الْمَعْنى يَقُول أَنا غَرِيب فى هَذِه الْأمة لَا يعْرفُونَ قدرى قَالَ أَبُو الْفَتْح بِهَذَا الْبَيْت سمى المتنبى وَأما قَوْله {تداركها الله} فَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّعَاء عَلَيْهِم أى تداركهم بالانتقام أَو الاستئصال حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحد وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الدُّعَاء لَهُم أى تداركهم الله بالإصلاح ونجاهم من لؤمهم وشحهم وجهلهم وَهَذَا من قَول حبيب
(كانَ الخليفةُ يومَ ذَلِك صَالحا ... فيهم وَكَانَ المُشركونَ ثمودا)
وَثَمُود اسْم من الْقُرَّاء من صرفه وَمِنْهُم من لم يصرفهُ فَمن صرفه مِنْهُم صرفه فى حَال النصب وَمِنْهُم من صرفه وَهُوَ الكسائى فى حَال الْجَرّ فى قَوْله تَعَالَى {أَلا بعد الثمود} وَترك صرفه نصبا وجرا حَمْزَة وَحَفْص عَن عَاصِم وَوَافَقَهُمَا أَبُو بكر فى قَوْله تَعَالَى {وَثَمُود فَمَا أبقى} فى {النَّجْم}
(1/324)

- 1 - 2 الْغَرِيب قصر عَن الشئ إِذا عجز وأقصر إِذا كف عَنهُ مَعَ الْقُدْرَة وَقصر فِيهِ إِذا لم يُبَالغ والود الْمحبَّة والمدى الْغَايَة والبعد الْمَعْنى يَقُول كف عَن الْبر وَأمْسك عَنهُ فَإنَّك لَا تزيدنى بذلك ودا لِأَن ودى إياك قد انْتهى وَعبر حَده وَصَارَ ودا لَا يقدر لَهُ على زِيَادَة فَلَا أُطِيق الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَمثله قَول ذى الرمة
(فَما زالَ يعْلُو حُبُّ ميَّة عندَنا ... ويزدادُ حَتَّى لم نجد مَا يزيدُها)
الْمَعْنى أرْسلت الْآنِية وهى الْجَام الذى كَانَ فِيهِ الْحَلْوَاء مملوءا من كرمك فرددتها أَنا إِلَيْك مَمْلُوءَة حمدا من حمدى إياك وشكرى وَيُرِيد بِهِ مَا كتب إِلَيْهِ على جوانبها 3 - الْغَرِيب طفح الشَّيْء امْتَلَأَ وفاض الْإِعْرَاب تطفح من مَوضِع الْحَال تَقْدِيره طافحة فَرد الْحَال إِلَى الِاسْتِقْبَال كَقَوْلِه تَعَالَى ثمَّ جاءوك يحلفُونَ بِاللَّه وَالضَّمِير فِي قَوْله بِهِ عَائِد على الشّعْر الْمَكْتُوب على جوانبها الْمَعْنى يُرِيد أَن جاءتك مثنى بِالْحَمْد يُرِيد بالأبيات الَّتِى عَلَيْهَا وهى فارغة فَأَنت تظنها فَردا وهى مثنى وتظنها لَا شئ مَعهَا وهى مَمْلُوءَة بحمدى وشكرى
4 - الْإِعْرَاب قَوْله {أَن لَا تحن} أَن هَا هُنَا هِيَ المخففة من الثَّقِيلَة وَدخلت {لَا} لتفصل بَينهَا وَبَين الْفِعْل فَلهَذَا رفع تحن وتذكر وَمثله قِرَاءَة أَبى عَمْرو وَحَمْزَة والكسائى فى قَوْله تَعَالَى {وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة} بِالرَّفْع وروى جمَاعَة هَذَا الْحَرْف {أَن لَا تحن وتذكر} بِالنّصب كَقِرَاءَة ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر وَعَاصِم وَجعلُوا أَن هى الناصبة وَلم يعتدوا بِلَا الْغَرِيب الْخَلَائق جمع خَلِيقَة وهى مَا خلق عَلَيْهِ الْإِنْسَان كالطبيعة وهى مَا طبع عَلَيْهِ الْإِنْسَان وحن يحن إِلَيْهِ حنينا فَهُوَ حَان أى اشتاق والحنان الرَّحْمَة وَمِنْه
(وَحَنَانًا من لدنا ... )
الْمَعْنى يَقُول تأبى عَلَيْك طباعك الْكَرِيمَة الشَّرِيفَة أَن لَا تشتاق إِلَى أحبائك وأوليائك وتذكر الْعَهْد الذى لَك عِنْدهم فطباعك تأبى عَلَيْك أَن تنساهم
(1/325)

- الْغَرِيب الْعَصْر الدَّهْر وَفِيه لُغَتَانِ أخريان وهما عصر بِضَم الْعين وَالصَّاد وعصر بِضَم الْعين وَسُكُون الصَّاد مثل عسر وعسر قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(أَلا عِمْ صَباحا أيُّها الطَّلل البالى ... وَهل يَعِمَنْ من كَانَ فى العُصُر الخالى)
وَالْجمع عصور وَقَالَ الْحجَّاج
(إِذْ نَحن فِي ضَبَابَة التسكيرا ... وَالْعصر قبل هَذِه العصور)
والعصران اللَّيْل وَالنَّهَار قَالَ حميد بن ثَوْر
(وَلنْ يلْبَثَ العصران يوْمٌ وليلةٌ ... إِذا طَلَبا أنْ يُدركا مَا تيمَمَّا)
الْمَعْنى يَقُول لَو كنت دهرا ينْبت زهرا والأزهار جمع زهر وَهُوَ مَا ينبته الرّبيع من الْأَنْوَار لَكُنْت دهر الرّبيع ينْبت الزهر وَكَانَت أخلاقك الْورْد فَجعله أفضل وَقت وَجعل أخلاقه أفضل زهر وَنور لِأَن الْورْد أشرف الأزهار وأطيبها ريحًا
(1/326)

- 1 - الْإِعْرَاب نصب الْيَوْم على الظّرْف تَقْدِيره عهدكم فى هَذَا الْيَوْم وَالْيَوْم خبر لَيْسَ فَهُوَ فى مَوضِع نصب الْغَرِيب الْعَهْد اللِّقَاء وَأَيْنَ سُؤال عَن الْمَكَان وَمَتى سُؤال عَن الزَّمَان فَلَو قَالَ مَتى الْموعد لَكَانَ أَجود وَلَو قَالَ الْوَعْد كَانَ أليق وهيهات كلمة تبعيد قَالَ جرير
(فهيهات هَيْهَات العقيقُ ومَن بِهِ ... وهيهات خِلّ بالعَقيق نُحاولُه)
وَالتَّاء مَفْتُوحَة مثل كَيفَ وَأَصلهَا هَيْهَات وَلذَلِك وقف عَلَيْهَا أَحْمد البزى عَن ابْن كثير والكسائى بِالْهَاءِ ردهَا إِلَى الأَصْل وَقد كسرهَا جمَاعَة من الْعَرَب قَالَ حميد الأرقط يصف إبِلا قطعت بلادا حَتَّى صَارَت فى القفار
(يُصْبحن بالقَفْر أتاوِيَّاتِ ... هَيْهَات مِن مُصْبَحِها هَيهاتِ) وَقد أبدلوا الْهَاء الأولى مِنْهَا همزَة فَقَالُوا أيهات كهراق وأراق قَالَ الشَّاعِر
(أيْهاتَ منكَ الحياةُ أيهاتا ... )
وَقَالَ الجوهرى فى صحاحه قَالَ الكسائى من كسر التَّاء وقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَمن فتحهَا وقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ وَإِن شَاءَ بِالْهَاءِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النحوى فى أَخذه على الجوهرى قَالَ أَبُو على الفارسى من فتح التَّاء وقف بِالْهَاءِ لِأَنَّهُ اسْم مُفْرد وَمن كسر وقف عَلَيْهَا بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ جمع لهيهات الْمَفْتُوحَة وَقَالَ الْأَخْفَش يجوز فى هَيْهَات أَن تكون جمَاعَة فَتكون التَّاء الَّتِى فِيهَا تَاء الْجمع الَّتِى للتأنيث وَلَا يجوز ذَلِك فى اللات والعزى لِأَن لات وَكَيْت لَا يكون مثلهمَا جمَاعَة لِأَن التَّاء لَا تزاد فى الْجَمَاعَة إِلَّا مَعَ الْألف فَإِن جعلت الْألف وَالتَّاء زائدتين بقى الِاسْم على حرف وَاحِد الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذَا الْيَوْم هُوَ عهد لقائكم فَمَتَى مَوْعدكُمْ باللقاء وَهُوَ يَوْم وداعهم ثمَّ الْتفت إِلَى نَفسه وَقَالَ هَيْهَات وَهُوَ الْتِفَات حسن لِأَنَّهُ استفهم ثمَّ سَأَلَ عَن الْموعد فَالْتَفت حِينَئِذٍ إِلَى يأس نَفسه من الْموعد فَقَالَ لَيْسَ ليَوْم مَوْعدكُمْ غَد لِأَن الْمَوْت أقرب إِلَى من أَن أدْرك غَدَاة غَد بل أَمُوت فى يومى هَذَا أسفا يُرِيد وداعهم وَهَذَا الْبَيْت من أحسن مَا قيل فى الْوَدَاع وَالْمعْنَى هَيْهَات أى بعد مَا أطلب لَا أعيش بعدكم
(1/327)

- الْإِعْرَاب مخلبا تَمْيِيز وحرفا الْجَرّ متعلقان بأقرب وَأبْعد وهما اسْما تَفْضِيل بِمَعْنى الْفَاعِل الْغَرِيب مخلبا هُوَ جارحة لما يفترس من سِبَاع الطير وَمن الْهَوَام واستعاره للْمَوْت لِأَنَّهُ يهْلك الْخَلَائق كلهَا فَكَأَنَّهُ بإهلاكه يفترسهم وَلَا تبعدوا من روى بِفَتْح الْعين كَانَ من الْهَلَاك بعد يبعد أى هلك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود} وَمن روى بِضَم الْعين كَانَ من الْبعد والبين الْفِرَاق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَمُوت قبل أَن تفارقونى خوفًا من الْبَين وَإِذا بعدتم كَانَ الْعَيْش أبعد مِنْكُم لِأَنَّهُ لَا يعْدم الْبَتَّةَ وَأَنْتُم موجودون وَلَا تبعدوا دُعَاء لَهُم بِأَن لَا يهْلكُوا وَكَذَا نَقله الواحدى وَقَالَ يرْوى مطلبا وَمَعْنَاهُ أطلب الْمَوْت قبل فراقكم أى لَو خيرت بَينهمَا لطلبت الْمَوْت وَلم أطلب فراقكم وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى مخلب الْمَوْت أقرب إِلَى من فراقكم الذى يَقع غَدا
3 - الْغَرِيب سفكت الدمع وَالدَّم أسفكه سفكا أى هرقته والسفاك السفاح وَهُوَ أَيْضا الْقَادِر على الْكَلَام وتقلدت الْأَمر أَخَذته فى عنقى وَأَصله من القلادة وَمِنْه تَقْلِيد الْقُضَاة الْقَضَاء جعله فى أَعْنَاقهم وَكَذَلِكَ تَقْلِيد الْوُلَاة وَالْفُقَهَاء الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَرْأَة الَّتِى نظرت إِلَى قتلتنى بنظرها وَلَيْسَت تدرى أَنَّهَا قد باءت بإثم قَتْلَى وَأَن دمى فى عُنُقهَا
4 - الْإِعْرَاب يجوز أَن يكون قَالَت خبر أَن وَهُوَ مُتَعَلق بِمَا قبله وَيكون عجز الْبَيْت الأول جملَة فى مَوضِع نصب على الْحَال وَيجوز أَن يكون جَوَابا لظرف مَحْذُوف أى لما رَأَتْ اصفرارى قَالَت وَمن بِهِ الضَّمِير عَائِد عَلَيْهِ والمتنهد مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره الْفَاعِل بى هَذَا المتنهد أَو قاتلى المتنهد الْغَرِيب التنهد شدَّة التنفس والزفرات الْمَعْنى يَقُول لما رَأَتْ تغير وجهى واصفراره قَالَت من بِهِ أى من قَتله أَو من فعل بِهِ هَذَا الَّذِي أرَاهُ ثمَّ تنهدت فعلا صدرها اشدة تنفسها وزفرت استعظاما لما رَأَتْ فأجبتها عَن سؤالها المتنهد المطالب بقتلى أَو الفاعلى بى هَذَا
(1/328)

- الْغَرِيب يجوز أَن يكون لونى مَفْعُولا ثَانِيًا كَمَا تَقول صبغت الثَّوْب أَحْمَر أى جعلته كَذَلِك وَلِأَنَّهُ فِيهِ معنى الإحالة أى حَال الْحيَاء بياضها لونى وَيجوز أَن يكون على حذف مُضَاف تَقْدِيره صبغ الْحيَاء بياضها أصفر مثل اصفرار لونى الْغَرِيب اللجين الْفضة والعسجد الذَّهَب واللون وَاحِد الألوان كالبياضا والسواد والاحمرار وَغير ذَلِك من الألوان واللون النَّوْع واللون دقل التَّمْر 1 الْمَعْنى لما سَمِعت كلامى مَضَت على استحياء وَقَالَ قوم الْحيَاء يُورث حمرَة فى الْوَجْه لَا صفرَة وَإِنَّمَا اصفر لَوْنهَا لِأَنَّهُ حَيَاء خالطه خوف لِأَنَّهَا خَافت الفضيحة على نَفسهَا أَو أَن تطالب بدمه أَو خَافت الرَّقِيب فغلب هَذَا الْخَوْف على سُلْطَان الْحيَاء فأورث صفرَة وَمعنى الْبَيْت من قَول ذى الرمة
(كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ ... )

6 - الْإِعْرَاب متأودا حَال من قرن الشَّمْس وَالْعَامِل فى الْحَال رَأَيْت وغصن يجوز أَن يكون مُبْتَدأ لِأَنَّهُ نكرَة مَوْصُوفَة وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الْقرن على وُجُوه كَثِيرَة وَأَرَادَ هُنَا بقرن الشَّمْس أول مَا يَبْدُو مِنْهَا وفى الحَدِيث " نهى عَن الصَّلَاة عِنْد طُلُوع الشَّمْس لِأَنَّهَا تطلع بَين قرنى الشَّيْطَان " فَأَرَادَ يخرج قرنها بَين قرنى الشَّيْطَان والمتأود المتمايل الْمَعْنى يُرِيد أَن لَوْنهَا قمر وعارض الصُّفْرَة فِيهَا قرن الشَّمْس وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قد جمعت حسن الشَّمْس وَالْقَمَر وَجعل قامتها غصنا متمايلا شَبِيها بالقضيب لاعتداله وتمايله وتثنيه وَهُوَ // معنى حسن // جمع الْبَيْت تَشْبِيها جيدا يُرِيد كَانَت كَالْقَمَرِ فى بياضها فَلَمَّا اصْفَرَّتْ خجلا صَارَت الصُّفْرَة فى بياضها كقرن الشَّمْس فى الْقَمَر وَقَالَ ابْن القطاع غُصْن مَرْفُوع بِالْحَال وَالضَّمِير فِي بِهِ يرجع لغصن وَيتَعَلَّق بقوله يتأود أى يتمايل قده بِهِ
7 - الْإِعْرَاب عدوية خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى عدوية أَو قاتلتى عدوية وَقيل بل هى رفع على خبر إِن فى قَوْله
(إِن الَّتِى سفكت دمى عدوية ... )
وسلب النُّفُوس ابْتِدَاء خبْرَة مقدم عَلَيْهِ الْغَرِيب عدوية منسوبة إِلَى عدى وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ عدوى تَقول فى على علوى وبدوية منسوبة إِلَى بدا وَهُوَ بِمَعْنى البدو والبادية وَالنِّسْبَة إِلَى البدو بدوى بجزم الدَّال وَإِلَى الْبَادِيَة بادى وبدوى بِفَتْح الدَّال والبداوة بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا الْإِقَامَة فى الْبَادِيَة وهى خلاف الحضارة قَالَ تقلب ثَعْلَب لَا أعرف البداوة بِالْفَتْح إِلَّا عَن أَبى زيد وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا بداوى الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه المحبوبة منيعة لَا يقدر أحد عَلَيْهَا لمنعة قَومهَا فدون الْوُصُول إِلَيْهَا سلب النُّفُوس وَهُوَ قتل طالبيها وتوقد نيران الْحَرْب
(1/329)

- الْإِعْرَاب هواجل وَمَا بعده عطف على نَار حَرْب فى الْبَيْت الأول الْغَرِيب الهواجل جمع هوجل وهى الأَرْض الواسعة والصواهل الْخُيُول والمناصل السيوف والذوابل الرماح والهواجل أَيْضا النوق وَيجوز أَن يُرِيد بهَا النوق قَالُوا ليَكُون أليق بِالْبَيْتِ لِأَن ذكر النوق مَعَ الْخَيل أشبه من ذكر الأَرْض مَعَ الْخَيل الْمَعْنى يَقُول دون الْوُصُول إِلَيْهَا هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لمنعتها وعزتها وَعزة قَومهَا
9 - الْمَعْنى يرْوى
(مودتنا الليالى عِنْدهَا ... )
يُرِيد أبلاها بعد الْعَهْد وأنساها مودتها إيانا وَقَوله
(وَمَشى عَلَيْهَا ... )
مُبَالغَة فى الإبادة أى وَطئهَا وطأ ثقيلا كَوَطْء الْمُقَيد لَا يقدر على خفَّة الْوَطْء وَرفع الرجلَيْن فَهُوَ يطَأ وطأ ثقيلا كَقَوْلِه
(وطْءَ المَقيَّد يَابِس الهَرْمِ 1 ... )
قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى هَذَا مثل واستعارة وَذَلِكَ أَن الْمُقَيد يتقارب خطوه فيريد أَن الدَّهْر دب إِلَيْهَا فغيرها والذى قَالَه يفْسد بقوله عَلَيْهَا وَلَو أَرَادَ مَا قَالَ لقَالَ إِلَيْهَا كَمَا قَالَ حبيب
(فَيا حُسْنَ الرُّسُومِ ومَا تَمَشَّى ... إِلَيْهَا الدَّهْرُ فى صْوِرَ البِعادِ)

10 - الْغَرِيب أَبْرَح بِهِ وبرح بِهِ أى اشْتَدَّ عَلَيْهِ والبرح والبرحاء الشدَّة الْمَعْنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى أبرحت تجاوزت الْحَد وعنى بالممرض جفنها وَمرض الطَّبِيب وَعِيد الْعود مثل أى تجاوزت يَا مرض الجفون الْحَد حَتَّى أحوجت إِلَى طَبِيب وعود يُبَالغ فى شدَّة مرض جفنها وَقَالَ ابْن فورجة أَبْرَح أَبُو الْفَتْح فى التعسف وَمن الذى جعل مرض الجفون متناهيا وَإِنَّمَا يستحسن من مرض الجفون مَا كَانَ غير مبرح كَقَوْل أَبى نواس
(ضعيفةُ كَرّ اللَّحظ تحسبُ أَنَّهَا ... قرِبةَ عَهْدٍ بالإفاقة من سُقْمِ)
وَلَو أَرَادَ تناهية لقَالَ تحسبها فى برسام أَو نزع روح وَإِنَّمَا عَنى بالممرض نَفسه وَأَنه أَبْرَح بِهِ حبه لذَلِك الجفن الْمَرِيض وَأَنه بلغ إبراحه بِهِ إِلَى أَن أمرض طبيبه وَعِيد عوده رَحْمَة لَهُ على طريقهم فى التناهى بالشكوى هَذَا كَلَامه وَهُوَ على مَا قَالَ وَقَوله مرض الطَّبِيب لَهُ أى لأَجله مرض حَتَّى هاله مَرضه وَالدَّلِيل على كَون الممرض هُوَ المتنبى قَوْله
(فَلهُ بَنو عبد الْعَزِيز بن الرِّضَا ... )
وَقيل أبرحت بِهِ أى صرت بِهِ إِلَى البرح وَهُوَ الْأَمر الشَّديد الشاق وَقَالَ الْخَطِيب جعل مرض الجفون لِأَنَّهُ يحملهَا على الْبكاء والسهو ويروى يَا مرض الجفون بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ قَلِيل فى الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا يَقُولُونَ فلَان مَرِيض وَالْقِيَاس لَا يمْنَع من قَوْلك رجل مرض كسقم قَالَ الْأَعْشَى
(يقضِى بهَا المَرْء حاجاته ... ويشفى عَلَيْهَا الفُؤاد السَّقِم)
(1/330)

- الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض الَّتِى يخالط لَوْنهَا شئ من الصُّفْرَة الْوَاحِد أعيس وَالْأُنْثَى عيساء والفدفد الأَرْض المستوية الْمَعْنى فَلهُ أى للْمَرِيض الْمَذْكُور وَهُوَ المتنبى هَؤُلَاءِ الْقَوْم بَنو عبد الْعَزِيز يُرِيد أَنه قصدهم وَبلغ بهم آماله فهم لَهُ وَحده ولسائر الْمُسَافِرين الراكبين من النَّاس غَيرهم الْإِبِل والمفازة لَا يحصلون من سفرهم على شئ سوى التَّعَب وَقطع الطَّرِيق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَنه اخْتَارَهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم دون النَّاس وَترك الْمَقَاصِد لمن يريدها من الركْبَان وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم يجودون على كل أحد فكأنهم يُعْطون لكل ركب رِكَابهمْ وأرضهم
12 - الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار الْغَرِيب الشأم يُقَال فِيهِ بالتذكير والتأنيث فشاهد التَّذْكِير قَول الشَّاعِر
(يقولونَ إنَّ الشأمَ يقتلُ أهْلَه ... فمَنْ لى إنْ لم آته بخلُود)
وَشَاهد التَّأْنِيث قَول جواس بن القعطل
(جِئتم مِن البَلَدِ البَعيد نِياطُهُ ... والشَّأمُ تُنْكَرُ كهلُها وفَتاها)
وَرجل شأمى وشآم على فعال وشآمى أَيْضا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَلَا تقل شأم وَمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر فَمَحْمُول على أَنه اقْتصر من النِّسْبَة على ذكر الْبَلَد وَامْرَأَة شآمية بتَخْفِيف الْيَاء الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ فِي الْخلق من يقْصد بمدح سوى شُجَاع قَالَ الواحدي لَا تقل من فِيك يَا شأم أَي لَا تخصها بِهَذَا الْكَلَام فَإِنَّهُ لَيْسَ أوحدها فَقَط بل هُوَ أوحد جَمِيع الْخلق قَالَ أَبُو الْفَتْح من فى الْأَنَام من يقْصد وَلَا تقل يَا شأم أى مَا فِيك كريم غَيره وَتَقْدِيره من فى الْأَنَام من الْكِرَام يقْصد سوى شُجَاع وَلَا تقل يَا شأم من فِيك فَإِنَّهُ أوحد الدُّنْيَا كلهَا لَا وَاحِد الشأم قَالَ وَوجه آخر أَن مَعْنَاهُ الِاسْتِفْهَام وَقد حذف مِنْهُ الْفِعْل كَأَنَّهُ قَالَ قل يَا سامع من الْكِرَام وَلَا تقل ذَلِك للشأم لِأَنَّهُ قد علم أَنه لَيْسَ إِلَّا هَذَا الممدوح
(1/331)

- الْإِعْرَاب مَا بِمَعْنى الذى وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أى المقتنى لجوده والولادة لسيفه الْغَرِيب يقتنى من الْقنية والإدخار وسطا قهر والسطو الْقَهْر بالبطش يُقَال سَطَا بِهِ والسطوة الْمرة المواحدة وَالْجمع السطوات وسطا وسطا الراعى على النَّاقة إِذا أَدخل يَده فى رَحمهَا ليخرج مَا فِيهَا من الوثر بِالْفَتْح وَهُوَ مَاء الْفَحْل قَالَ أَبُو الْفَتْح ظَاهره وباطنه هجاء بِمَعْنى المصراع الثانى وَأحسن مِنْهُ قَول حبيب
(لم تبقَ مشركةٌ إِلَّا وَقد علمت ... إنْ لم تَتُبْ أنَّه للسَّيف مَا تلدُ)
فَجعله على المشركة وَمَا ولدت واحتاط بِأَن قَالَ إِن إِن لم تتب وَأَبُو الطّيب قَالَه على الْإِطْلَاق على الْعلمَاء والإشراف والملوك فَكَأَنَّهُ هجا الرجل وَجعله يقتل من صَادف بِلَا معنى يُوجب الْقَتْل وَقَالَ الواحدى لما أَخذ فى الْعَطاء أَكثر حَتَّى قلت فى نفسى إِنَّه يعْطى جَمِيع مَا يقتضى النَّاس وَلما سَطَا على الْأَعْدَاء أَكثر الْقَتْل حَتَّى قلت إِنَّه سيقتل كل مَوْلُود قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أعْطى فَقلت لجوده مُخَاطبا لَا يقتنى أحد مَالا لأَنهم يستغنون بك عَن الْجمع والادخار وسطا فَقلت لسيفه انْقَطع النَّسْل فقد أفنيت الْعباد وَوجه آخر أَعلَى فَقلت جَمِيع مَا يقتنى النَّاس من جوده وهباته وسطا فَقلت لسيفه مَا يُولد بعد هَذَا يُشِير إِلَى إبقائه على من أبقى مَعَ اقتداره على الإفناء فجعلهم طلقاءه وعتقاءه
(1/332)

- الْمَعْنى يَقُول تحيرت فى الممدوح أَوْصَاف المادحين فَلَا يقدرُونَ على إحصاء فضائله لِأَنَّهَا وجدت خلائقه وطرائقه الَّتِى تحمد بعيدَة على الصِّفَات لَا تبلغها وَلَا تدركها فقد وقفت لَا تقدر على ممر وَلَا مجئ إِلَّا حائرة
15 - الْإِعْرَاب كلى استداء تقدم خَبره وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار والأسنة فَاعل تحمد وَمَا بِمَعْنى الذى والعائد مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صلَة وَمَا فى مَوضِع نصب مفعول يذممن الْغَرِيب المعترك مَوضِع الْحَرْب وَقَوله مفرية مشقوقة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الكلى تذمه لجودة الشق وَهُوَ الذى تحمده الأسنة وَقَالَ الواحدى النَّاس يرَوْنَ الكلى مشقوقة فيذمونه إِذْ لَا رَحْمَة لَهُ ويرون الأسنة منكسرة فيحمدونه لشجاعته فأضاف الْحَمد والذم إِلَى الكلى والأسنة لِأَنَّهُمَا السَّبَب
16 - الْإِعْرَاب نقم خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَمن روى نصبها جَازَ أَن تكون خطابا وَيكون نعم على هَذَا خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هى وَإِن جَعلتهَا للتأنيث كَانَت نعم فاعلة لَهَا وَمن روى بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا فَالضَّمِير للممدوح وَنعم خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَيْضا الْغَرِيب انتقم الله مِنْهُ عاقبه وَالِاسْم مِنْهُ النقمَة وَالْجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم وَإِن شِئْت سكنت الْقَاف ونقلت حركتها إِلَى النُّون فَقلت نعْمَة وَالْجمع نقم مثل نعْمَة وَنعم الْمَعْنى يَقُول نقم على نقم الزَّمَان يصبهَا الممدوح على الْأَعْدَاء وهى فى أوليائه نعم لَا تجحد لِأَنَّهَا مَا لم تكبح الْأَعْدَاء لم تفد الْأَوْلِيَاء وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هى نعم على أوليائه ونقم على أعدائه
17 - الْإِعْرَاب رفع عجب على الِابْتِدَاء وَخَبره مقدم عَلَيْهِ مُتَعَلق بالاستقرار وَاللَّام تتَعَلَّق بِالِابْتِدَاءِ الْغَرِيب فى شانه أَحْوَاله وجنانه قلبه وعقله الْمَعْنى يُرِيد فى أَحْوَاله كلهَا إِذا تفقدتها عجب لِأَنَّهَا لم تكمل فى أحد سواهُ فأى خصاله رَأَيْت حمدتها
(1/333)

- الْإِعْرَاب أَسد خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَدم الْأسد مُبْتَدأ وخضابه الْخَبَر وحرف الْجَرّ مُتَعَلق بترعد وَهُوَ خبر المبتدإ الثانى الْغَرِيب فريص جمع فريصة وهى لحمات عِنْد الْكَتف تضطرب عِنْد الْخَوْف والهزبر الشَّديد الْغَلَبَة الْمَعْنى يَقُول هُوَ أَسد شُجَاع يتلطخ بِدَم الْأسد حَتَّى يصير لَهُ كالخضاب وَهُوَ موت لأعدائه يخَاف الْمَوْت فترتعد فرائصه من خَوفه
19 - الْمَعْنى مَا هَذِه الْبَلدة وهى بَلْدَة من أَرض الشَّام قريبَة إِلَى الْفُرَات على مرحلَتَيْنِ من حلب إِلَّا كالمقلة الساهدة ووجهك بِمَنْزِلَة نولها والكحل والأثمد هُوَ كحل أسود وَجَاء فى الحَدِيث " إِذا اكتحلتم فَعَلَيْكُم بالإثمد " والكحل وَالنَّوْم هما يصلحان الْعين فصلاح الْعَينَيْنِ بهما فَإِذا فارقاهما هلكتا
(وكانتْ وليسَ الصُّبْحُ فِيهَا بأبْيَضٍ ... وأضحَتْ وليْسَ اللَّيلُ فِيهَا بأسوَدِ)

20 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْبَلدة لما قدمتها ابيض بنورك لَيْلهَا واسود صباحها مذ خرجت عَنْهَا وَهَذَا مَنْقُول من قَول الطائى
(وكانتْ وليسَ الصُّبْحُ فِيهَا بأبْيَضٍ ... وأضحَتْ وليْسَ اللَّيلُ فِيهَا بأسوَدِ)

21 - الْغَرِيب الفرقد هُوَ نجم ومقابلة نجم آخر وهما فرقدان لَا يفترقان قَالَ الشَّاعِر
(وكلّ أخٍ مُفارقهُ أخُوه ... لعمر أبيكَ إِلَّا الفرقدانِ)
الْمَعْنى يَقُول تعلو رفْعَة أى لم تزل تقرب من هَذِه الْبَلدة وهى تزداد عزة ورفعة لقربك مِنْهَا حَتَّى علت على النُّجُوم فَصَارَت فَوق الفرقدين
22 - الْإِعْرَاب أَرض خبر ابْتِدَاء أى هى وسواها ابْتِدَاء خَبره مثلهَا وسواها فى مَوضِع جر بالظرف الْمَعْنى هى أَرض لَهَا شرف بك وسواها مثلهَا فى الشّرف يُرِيد أَرض سوى منبج لَهَا شرف مثل شرف منبج لَو وجد فِيهَا مثلك وَإِنَّمَا شرفها بحلولك فِيهَا فَلَو وجد مثلك فى غَيرهَا لكَانَتْ تساويها فى الشّرف هَذَا قَول أَبى الْفَتْح
23 - الْإِعْرَاب الْمُقِيم المقعد هُوَ الْأَمر الْعَظِيم الذى يُقَام لَهُ وَيقْعد وَهُوَ الْأَمر المزعج الْمَعْنى أظهر الْأَعْدَاء السرُور بقدومك خوفًا مِنْك لَا فَرحا وَعِنْدهم من الْحَسَد وَالْخَوْف مَا يزعجهم ويقلقهم
24 - الْإِعْرَاب حسدا تَمْيِيز وَمَا بهم فى مَوضِع نصب مفعول أَرَاهُم الْمَعْنى يَقُول حسدوك فماتوا بِشدَّة حسدهم حَتَّى كَأَنَّك قطعتهم حَتَّى تقطعوا حسدا لمن لَا يحْسد أحدا لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد فَوْقه فيحسده أَو لِأَن الْحَسَد لَيْسَ من أخلاقه وَقَوله أَرَاهُم مَا بهم أى أَرَاهُم الْحَسَد مَا بهم من التَّقْصِير عَنْك وَالنَّقْص دُونك أى كشف لَهُم عَن أَحْوَالهم قَالَ الواحدى وَقَول من قَالَ مَا بهم من قَوْلهم فلَان لما بِهِ إِذا أشرف على الْمَوْت لَيْسَ بشئ وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ
25 - الْإِعْرَاب وَلَو آن حرك السَّاكِن وَأسْقط الْهمزَة كَقِرَاءَة ورش من آظلم الْمَعْنى يَقُول انصرفوا عَنْك وَعَن مباهاتك عَالمين بتقصيرهم وفى قُلُوبهم من حرارة الْحَسَد والغيظ مَا لَو كَانَ فى هاجرة وهى الأَرْض الشَّدِيدَة من حرارة الشَّمْس لذاب الجلمد وَهُوَ الصخر واستعارها قلبا لما ذكر قُلُوبهم وَقَوله لذاب من الْمُبَالغَة
26 - الْغَرِيب العلوج جمع علج وَهُوَ الغليظ الْجِسْم من الرّوم والأعجام وَالسَّيِّد الشريف الْعَظِيم الذى سوده قومه الْمَعْنى يَقُول لما نظرُوا إِلَيْك وَرَأَوا هيبتك وجموك وَأَنَّك سيد الْقَوْم لم يرَوا من حَولهمْ يُرِيد من ساداتهم وَلم يخْطر سيد لَهُم ببالهم فَقَالُوا هَذَا هُوَ السَّيِّد وَقد شغلوا بِالنّظرِ إِلَيْك عَن النّظر إِلَى غَيْرك فصاروا كَأَنَّهُمْ لَا يرَوْنَ أحدا سواك من الْقَوْم الَّذين حَولهمْ وَرَأَوا مِنْك مَا دلهم على سيادتك فَقَالُوا هَذَا هُوَ السَّيِّد والعلوج عَنى بهم قادة الرّوم وهم الْأُمَرَاء وحجاب الْمُلُوك
(1/334)

- الْمَعْنى يَقُول بقيت بَينهم مُفردا إِذْ لم يعتقدوا سيدا سواك لأَنهم لم ينْظرُوا إِلَّا إِلَيْك قَالَ أَبُو الْفَتْح كنت وَحدك مثلهم كلهم لِأَن أَبْصَارهم لم تقع إِلَّا عَلَيْك وشغلت وَحدك أَبْصَارهم فَقُمْت مقَام الْجَمَاعَة وَقَالَ الواحدى الْمَعْنى أَنهم لصغرهم فى جَنْبك كَأَنَّهُمْ لَا وجود لَهُم وَإِذا فقدوا كنت أَنْت كل من بذلك الْمَكَان ثمَّ حقق هَذَا الْمَعْنى بالمصراع الثانى وأتى بكاف التَّشْبِيه دلَالَة على أَن هَذَا تَمْثِيل لَا حَقِيقَة وَمعنى لَا وجودا هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى أَنَّك مُفردا مثلهم كلهم وَمثله لأبى نواس
(لَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكِرٍ ... أَن يَجْمع العالمَ فى واحِدِ)

28 - الْإِعْرَاب لهفان حَال الْعَامِل فِيهِ بقيت ويستوبى يستفعل من الوباء وَأَصله الْهمزَة لكنه أبدل من الْهمزَة يَاء ضَرُورَة وَلَيْسَ تَخْفِيفًا قِيَاسا وَالْوَجْه يستوبى بِالْهَمْزَةِ وَبِك مُتَعَلق بيستوبى الْغَرِيب اللهف حرارة فى الْجوف من شدَّة كرب وَرجل لهفان وَامْرَأَة لهفى وَقوم لهاف والوباء هُوَ الْهَلَاك وَإِذا وَقع فى أَرض أهلك من فِيهَا وَنهى رَسُول الله
إِذا وَقع بِأَرْض أَن لَا يخرجُوا مِنْهَا وَإِذا سمع بِهِ فى أَرض فَلَا يقدم إِلَيْهَا وينهنهك أى يردك ويثنيك والحجا الْعقل والسودد السِّيَادَة والحلم الْمَعْنى يَقُول بقيت لهفان حَتَّى كَاد يهْلك الْغَضَب الذى بك الورى فيهلكهم لَوْلَا أَن يردك عقلك وحلمك وسيادتك فالغضب الذى بك كَانُوا يجدونه وباء لَهُم أى مهْلكا لَهُم لَوْلَا عقلك يردك عَن إهلاكهم
29 - الْمَعْنى يَقُول كن فى أى مَوضِع شِئْت من الْبِلَاد فَإنَّا نقصدك وَإِن بَعدت الْمسَافَة فَإِن الأَرْض وَاحِدَة وَأَنت أوحدها فَأَنت الذى تزار وتقصد دون غَيْرك قَالَ الواحدى قَالَ ابْن جنى فالأرض وَاحِدَة أى لَيْسَ علينا للسَّفر مشقة لإلفنا إِيَّاه قَالَ العروضى لَيْت شعرى أى مدح للممدوح فى أَن يألف المتنبى السّفر وَلَكِن الْمَعْنى يَقُول الأَرْض الَّتِى نرَاهَا لَيْسَ أَرض غَيرهَا وَأَنت أوحدها لَا نَظِير لَك فى جَمِيع الأَرْض وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يبعد السّفر إِلَيْك وَإِن طَال لعدم غَيْرك مِمَّن يقْصد ويزار
(1/336)

- الْغَرِيب صن اسْتُرْ وَلَا تذله تبتذله وأذاله أهانه والإذالة الإهانة يُقَال أذال فرسه وَغُلَامه إِذا أهانهما فى الحَدِيث " نهى عَن إذالة الْخَيل " وَهُوَ امتهانها بِالْعَمَلِ وَالْحمل عَلَيْهَا وفى الْمثل أخيل من مذالة وهى الْأمة لِأَنَّهَا تهان وهى تتبختر والجماجم جمع جمجمة وهى قحف الرَّأْس الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى صنه فَإِنَّهُ بُد يدْرك الثأر وتحمى بِهِ الذمار قَالَ ابْن فورجة كَيفَ أَمن أَن يَقُول مَا أذلته إِلَّا لإدراك الثأر وإحماء الذمار وَهَذَا تَعْلِيل لَو سكت عَنهُ كَانَ أحب إِلَى أَبى الطّيب وَإِنَّمَا الْمَعْنى أكثرت الْقَتْل فحسبك وأغمد سَيْفك فَقَالَ صن سَيْفك وَإِنَّمَا يُرِيد أغمده
31 - الْغَرِيب النجيع الدَّم الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّم الجامد عَلَيْهِ عَلَيْهِ صَار كالغمد فَهُوَ مُجَرّد وَهُوَ مغمد وَهَذَا من قَول البحترى
(سُلِبُوا وأشْرَقَتِ الدّماءُ عَلَيْهِمُ ... مُحَمَرَّةً فَكأنَّهُمْ لَمْ يُسْلَبُوا)
وَمن قَول الآخر
(وَفَرَّقْتُ بينَ ابنى هُشَيمٍ بطَعْنَةٍ ... لَهَا عائدٌ يكْسو السَّليبَ إزاراَ)

32 - الْإِعْرَاب رَيَّان فى رِوَايَة النصب حَال 1 الْعَامِل فِيهِ يبس وَاللَّام فى لجرى جَوَاب لَو وَمن رفع رَيَّان كَانَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْمَعْنى يَقُول سَيْفك رَيَّان فلوقاء الذى سقيته لجرى مِنْهُ بَحر ذُو زبد يُرِيد قد أكثرت بِهِ الْقَتْل
33 - الْغَرِيب الْمنية من أَسمَاء الْمَوْت لِأَنَّهَا مقدرَة وَجَمعهَا المنايا وشفرته حَده الْمَعْنى يَقُول لم تشارك الْمنية سَيْفه فى سفك دِمَاء إِلَّا استعانت بِسَيْفِهِ وَكَانَ كَالْيَدِ للمنايا واستعار للمنية وَالسيف الْيَد لِأَن بهَا يحصل الْعَمَل من كل أحد وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يعْنى أَن لسيفه الْأَمر الْعَظِيم الْأَظْهر الْأَقْوَى على الْقَتْل
(1/337)

- الْمَعْنى فى طيى ثَلَاثَة أوجه طَيء بِوَزْن طيع وبوزن طيع وَهُوَ مخفف من طيع كهين وهين وميت وميت وطى على قلب الْهمزَة وإدغامها فى الْيَاء وَمن صرفه أَرَادَ الحى وَمن لم يصرفهُ أَرَادَ الْقَبِيلَة وَكَانَ الأَصْل فِيهِ فى النّسَب طيئى على وزن طيعى فقلبوا الْيَاء الأولى ألفا وحذفوا الثَّانِيَة وَهُوَ طَيء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ طائى على غير قِيَاس والرزايا جمع رزية وهى الْمُصِيبَة والغور مَا انخفض من الأَرْض ونجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وغور إِذا أَتَى الْغَوْر وأنجد إِذا أَتَى نجدا الْمَعْنى يَقُول هم رزايا الْأَعْدَاء وعطايا الْأَوْلِيَاء وهم حلفاء هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِى ذكرهَا لَا تفارقهم فهم أَصْحَابهَا وَهُوَ من قَول الطائى
(فإنَّ المَنايا والصَّوَارِمَ والقَنَا ... أقارِبُهُمٍ فِى البأْسِ دُونَ الأقارِبِ)

35 - الْإِعْرَاب اللَّام الْمَفْتُوحَة لَام الاستغاثة وَالْعرب تَقول إِذا استغاثت فى الْحَرْب يَا لفُلَان الْغَرِيب جلهمة اسْم طَيئ وطيئ لقب لَهُ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا صحت بهم تحدق بك السيوف والرماح فتغطي عَيْنَيْك كَمَا تغطيها الأشفار وَقَالَ ابْن فورجة إِذا صحت بهم اجْتمعت إِلَيْك فهابك كل أحد حَتَّى كَأَنَّك إِذا نظرت إِلَى رجل بِعَيْنَيْك أشرعت إِلَيْهِ رماحا وسلك عَلَيْهِ سيوفا وَتَحْقِيق الْكَلَام أَنهم يسرعون إِلَيْك لطاعتهم لَك ويحفون بك فَتَصِير مهيبا تقوم أشفار عَيْنَيْك مقَام الذابل والمهند وَقَالَ الواحدى كَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر يَقُول يُرِيد أَنهم يتسارعون إِلَيْك ويمثلون الدُّنْيَا عَلَيْك رماحا وسيوفا هَذَا كَلَامه وتحقيقه حَيْثُمَا يَقع بَصرك رَأَيْت الرماح وَالسُّيُوف فتملأ من كثرتها عَيْنَيْك وتحيط بِعَيْنَيْك إحاطة الأشفار بهَا اه وَالْمعْنَى من قَول بَعضهم
(وَإِذا دُعوا لِنزالِ يَوْم كَرِيهَة ... ستروا شُعاعَ الشمسِ بالخُرْصانِ)

36 - الْإِعْرَاب قلبا نصب على التَّمْيِيز وأجود مَرْفُوع بإضمار مبتدإ تَقْدِيره وَهُوَ أجوز وَقد روى أكبر بِالرَّفْع فرفعه على مَا ذكرنَا الْغَرِيب تهَامَة بلد وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا تهامى وتهام أَيْضا إِذا فتحت التَّاء لم تشدد كَمَا قَالُوا رجل يمَان وشآم إِلَّا أَن الْألف فى تهام من لَفظهَا وَالْألف فى يمَان وشآم عوض من ياءى النِّسْبَة قَالَ ابْن أَحْمَر
(وكنَّا وهُمْ كابنى سُباتٍ تفَرّقا ... سِوًى ثمَّ كَانَا منجدا وتِهاميا)

(فألْقَى التِّهامىّ مِنْهُمَا بلَطاته ... وأحْلط هَذَا لَا أرِيم مَكانيا)
فى اللِّسَان فى مَادَّة جلط وأحلط هَذَا لَا أَعُود ورائيا وَقوم تهامون كَمَا قَالُوا يمانون وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ من النَّاس من يَقُول تهامى ويمانى وشآمى بِالْفَتْح مَعَ التَّشْدِيد والغوادى جمع غادية وهى السحابة الَّتِى تطلع صباحا والجود الْمَطَر الغزير تَقول جاد الْمَطَر يجود جودا فَهُوَ جائد وَالْجمع جود مثل صَاحب وَصَحب وَقد جيدت الأَرْض فهى مجودة قَالَ الراجز
(أرعيتُها أكرمَ عُودَا ... الصَّلَّ والصّفْصِلَّ واليَعْضِيدا)

(والخازِباِز السَّنَمِ المُجودا ... بِحَيْثُ يدعُو عامرٌ مسعودَا)
وجاد الرجل بِمَالِه يجود جودا بِضَم الْجِيم لَا غير الْمَعْنى يَقُول إِذا صحت بالجلهمة أَتَاك قوم من كل أكبر فَمن مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف قلبا من جبال تهَامَة يعْنى فى الْقُوَّة والشدة لَا فى الْقدر أَجود من جود السَّحَاب فوصفهم بالشجاعة وَالْكَرم وهما غَايَة الْمَدْح
37 - الْإِعْرَاب يجوز تعلق الْبَاء بِالْفِعْلِ وبالحال وَمن دم صفته أَحْمَر وبخضرته مُتَعَلق بذهبت الْغَرِيب خضرَة السَّيْف يُرِيد خضرَة جوهره وَالْحَدِيد يُوصف بالخضرة والطلى الْأَعْنَاق واحدتها طلاة فى قَول أَبى عَمْرو وَالْفراء وَقَالَ الأصمعى طلية والأكبد جمع كبد وَقيل هُوَ على هَذَا الْجمع جمع كبد كَعبد وأعبد وَجمع كبد بِكَسْر الْبَاء أكباد وكبود كوتد وأوتاد الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقاك كل وَاحِد مِنْهُم متقلد السَّيْف قد احمر من الدَّم وزالت خضرَة جوهره بدماء الْأَعْنَاق والأكباد فَكَأَنَّهُ أبدل من الخضرة حمرَة من دم الْأَعْنَاق والأكباد وَهَذَا // معنى حسن //
38 - الْغَرِيب روى ابْن جنى وَجَمَاعَة حَتَّى وروى العروضى حى والأعبد جمع عبد يُقَال عبيد وأعبد وَعباد وعبدان وعبدان وعبدى وَقد بَينا هَذَا الْجمع وَمَا قيل فِيهِ فى كتَابنَا المرسوم بأنفس الاتخاذ فى إِعْرَاب الشاذ فى سُورَة الْمَائِدَة الْمَعْنى فى رِوَايَة ابْن جنى مَعْنَاهُ حَتَّى يُشِير إِلَيْك النَّاس هَذَا مَوْلَاهُم أى سيدهم أى سيد جلهمة 1 وهم سادة الْخلق والخلق عبيد لَهُم وفى رِوَايَة أَبى الْفضل هم حَتَّى يشار إِلَيْك يعْنى هم حى أَنْت سيدهم يُشِير الْخلق إِلَيْك بأنك سيدهم وهم سادوا النَّاس
39 - الْإِعْرَاب فى هَذَا تعسف لِأَنَّهُ فصل بَين المتبدإ وَالْخَبَر بجملة ابتدائية أَجْنَبِيَّة وَتَقْدِير الْبَيْت كَيفَ يكون آدم أَبَا الْبَريَّة وَأَبُوك مُحَمَّد والثقلان أَنْت يُرِيد أَنْت جَمِيع الْإِنْس وَالْجِنّ الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يكون آدم أَبَا الْبَريَّة وَأَنت ابْن مُحَمَّد وَالْجِنّ وَالْإِنْس أَنْت يعْنى أَنَّك تقوم مقامهما بِفَضْلِك وكرمك وَقيل إِن أَبَا تَمام لما اعتذر إِلَى أَحْمد بن أَبى دواد وَقَالَ لَهُ أَنْت جَمِيع النَّاس وَلَا طَاقَة لى بغضب جَمِيع النَّاس قَالَ لَهُ أَحْمد مَا أحسن هَذَا فَمن أَيْن أَخَذته قَالَ من قَول أَبى نواس
(ولَيْسَ عَلى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَعَ العالمَ فِى وَاحِدِ)

40 - الْغَرِيب ينْفد يفنى وَمِنْه لنفد الْبَحْر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول مَا يفنى بِمَا لَا يفنى أَو مَا ينْفد بِمَا لَا ينْفد لَكَانَ أحسن فى صناعَة الشّعْر وَقد أَتَى بِالْمَعْنَى مَعَ اخْتِلَاف اللَّفْظ وَهُوَ // حسن جيد // لِأَن ينْفد بِمَعْنى يفنى وَالْمعْنَى الشّعْر يفنى وَيَنْقَطِع ووصفكم لَا يفنى وَكَيف يُحِيط مَا يفنى بِمَا لَا يفنى وَهَذَا مُبَالغَة فى الْمَدْح
(1/338)

- 1 - الْإِعْرَاب أيا من حُرُوف النداء والمنادى مَحْذُوف تَقْدِيره أيا قوم أَو أيا هَؤُلَاءِ الْغَرِيب خدد شقق والتخديد التشقيق وَأَصله الشق فى الأَرْض والحفرة قَالَ الله تَعَالَى {قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود} وَهُوَ الْحفر الذى وضع فِيهِ النَّار وَقَوله قد قطع وجانس بَين الْأَلْفَاظ الْمَعْنى أَنه دَعَا على ورد الخدود أَن يشققه الله ويزيل حسنه وَأَن يقطع القدود الحسان وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ دُعَاء على التَّعَجُّب وَالِاسْتِحْسَان كَقَوْل جميل
(رَمى اللهُ فى عَيْنَىْ بُثَيْنَةَ بالْقَذَى ... وفِى الغُرّ مِنْ أنْيابِها بالقَوَادحِ)
قَالَ الواحدى وَهَذَا الْمَذْهَب بعيد من قَول أَبى الطّيب لِأَنَّهُ أخرجه فى معرض المجازاة لما ذكر فِيمَا بعد يُرِيد جازاهن الله جَزَاء بِمَا صنعن بى بالتخديد وَالْقد قَالَ وَهنا مَذْهَب ثَالِث وَهُوَ أَنه إِنَّمَا دَعَا على تِلْكَ المحاسن لِأَنَّهَا تيمته فَإِذا زَالَت زَالَ وجده بهَا وحصلت لَهُ السلوة كَمَا قَالَ أَبُو حَفْص الشهرزورى
(دعَوْتُ على ثغْره بالقَلَحْ ... وفى شَعر طُرَّته بالجَلَحْ)

(لَعَلَّ غرامى بِهِ أَن يَقِلَّ ... فقدْ بَرَّحتْ بِىَ تلكَ المُلَخْ)
والذى ذكره أَبُو الْفَتْح أحسن لِأَن الْمُحب لَا يَدْعُو على محبوبه أبدا والذى أنْشدهُ الواحدى للشهرزورى لَيْسَ هُوَ مِمَّا صدر عَن محب لِأَن الْمُحب الصَّادِق يقف عِنْد الْمعَانى لَا عِنْد المحاسن
2 - الْإِعْرَاب دَمًا مفعول ثَان وَقيل بل هُوَ تَمْيِيز مقدم وَهَذَا جَائِز عندنَا وَعند المازنى والمبرد من الْبَصرِيين وَمنعه باقيهم كَقَوْلِك تصبب عرقا زيد يجوز تَقْدِيمه إِذا كَانَ الْعَامِل فِيهِ فعلا متصرفا فحجتنا نقل وَقِيَاس أما النَّقْل فَقَوْل الشَّاعِر
(أتهجرُ سَلْمى بالفراق حبيبها ... وَمَا كَانَ نفسا بالفِراق تَطيبُ)
تَقْدِيره فَمَا كَانَ الشَّأْن والقصة تطيب سلمى نفسا فَدلَّ على جَوَازه وَأما الْقيَاس فَإِن هَذَا الْعَامِل فعل متصرف فَجَاز تَقْدِيم معموله عَلَيْهِ كَسَائِر الْأَفْعَال المتصرفة أَلا ترى أَن الْفِعْل إِذا كَانَ متصرفا نَحْو ضرب زيد عمرا يجوز تَقْدِيم معموله عَلَيْهِ فَتَقول عمرا ضرب زيد حجَّة الْبَصرِيين أَنه لَا يجوز تَقْدِيمه على الْعَامِل فِيهِ وَذَلِكَ أَنه فَاعل فى الْمَعْنى فَإِذا قلت تصبب زيد عرقا فالمنتصب هُوَ الْعرق وَكَذَلِكَ لَو قلت حسن زيد غُلَاما لم يكن لزيد حَظّ فى الْفِعْل من جِهَة الْمَعْنى بل الْفَاعِل فى الْمَعْنى هُوَ الْغُلَام فَلَمَّا كَانَ هُوَ الْفَاعِل فى الْمَعْنى لم يجز تَقْدِيمه الْمَعْنى يَقُول الحسان القدود هن أسلن مقلتى دَمًا وَهن عذبننى بِنَار الصدود وَهُوَ أَشد الْعَذَاب
3 - الْإِعْرَاب كمل اسْم وَهُوَ اسْم مركب عندنَا وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا مُفْردَة للعدد وَقد تقدم الْكَلَام على اخْتِلَاف المذهبين فِيمَا تقدم من هَذَا الْكتاب الْغَرِيب الْفَتى هُوَ الشَّاب والفتاة الشَّابَّة وَقد فَتى بِالْكَسْرِ يُفْتى فَهُوَ فَتى والدنف بِالتَّحْرِيكِ الْمَرَض الملازم وَرجل دنف أَيْضا وَامْرَأَة دنف وَقوم دنف يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْوَاحد والمثنى وَالْجمع فَإِن قلت رجل دنف بِكَسْر النُّون أنثت وثنيت وجمعت وَقد دنف الْمَرِيض بِالْكَسْرِ ثقل وأدنف بِالْألف مثله وأدنفه الْمَرَض يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى فَهُوَ مدنف ومدنف الْمَعْنى يَقُول كم للهوى من فَتى شَاب مَرِيض شَدِيد الْمَرَض وَكم للفراق من قَتِيل شَهِيد والشهيد الْمَقْتُول ويناله الْأجر ويريدكم لَهُ من قَتِيل قد عف عَن الْخَنَا فموته شَهَادَة
4 - الْمَعْنى إِنَّه يتحسر ويتعجب من مرَارَة الْفِرَاق فَيَقُول مَا أَمر الْفِرَاق وَمَا أعلق نيرانه بالكبود وهى جمع كبد وَلَقَد صدق فَلَا يكون شئ أَمر من الْفِرَاق وَقد قيل فى قَول سُلَيْمَان صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ {لأعذبنه عذَابا شَدِيدا} أى لأفرقن بَينه وَبَين إلفه وَهُوَ أَشد الْعَذَاب
5 - الْغَرِيب يُقَال أغرى بالشئ إِذا أولع بِهِ والعميد المعمود الذى قد هده الْعِشْق الْمَعْنى يَقُول مَا أولع الصباية بهم يعْنى بالمحبين فهى قاتلة لَهُم
6 - الْغَرِيب لهج بالشئ يلهج بِهِ لهجا أى ولع بِهِ والخنا الْفُحْش وَكَلَام خن وَكلمَة خنية وَقد خنى عَلَيْهِ بِالْكَسْرِ وأخنى عَلَيْهِ فى مَنْطِقه إِذا أفحش قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الهذلى
(فَلَا تُخْنُوا علىَّ وَلَا تُشِطوا ... بقولِ الْفَخر إِن الفخرَ حُوبُ)
واللمى سَمُرَة الشّفة والنهود جمع نهد وَهُوَ ثدى الْجَارِيَة الْمَعْنى يَقُول مَا أولع نفسى بحب ذَوَات هَذِه الصِّفَات
(1/341)

- الْإِعْرَاب حذف خبر كَانَت لدلَالَة الثانى عَلَيْهِ تَقْدِيره فَكَانَت نفسى فدَاء الْأَمِير وَكن فدَاء الْأَمِير وَالضَّمِير لنفسى الْمَذْكُورَة فى الْبَيْت الأول والظرف مُتَعَلق بِلَا زَالَ الْمَعْنى هُوَ دُعَاء للممدوح وَيُرِيد وَكَانَت نَفسِي فدَاء الْأَمِير والحسان القدود فدَاء الْأَمِير
8 - الْإِعْرَاب الْبَاء والظرف متعلقان بِحَال الْغَرِيب حَال حجب وججز وَفرق والوعيد التهدد والوعود جمع وعد وأوعد فى الشَّرّ لَا غير ووعد فى الْخَيْر وَالشَّر قَالَ الله تَعَالَى {بشر من ذَلِكُم النَّار وعدها الله الَّذين كفرُوا} قَالَ الشَّاعِر
(وإنى إِذا أوْعَدته أَو وَعدته ... لمخلفُ إيعادى ومنجزُ مَوْعدِى)
الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد اسْتغنى بِالسَّيْفِ عَن التهدد وبالعطاء عَن الْوَعْد يَقُول لَا وعد عِنْده وَلَا عيد أى لَا وَعِيد للأعداء وَلَا وعد للأولياء فَهُوَ يعْمل مَا ينوى فعله فسيفه حجز بَينه وَبَين الْوَعيد وسيبه بَينه وَبَين الْوَعْد علما مِنْهُ بِمَا تؤول إِلَيْهِ الْأُمُور وإقداما مِنْهُ على مطالبه
9 - الْمَعْنى يُرِيد أَن أَمْوَاله فى النحوس لتفريقه لَهَا وتباعدها مِنْهُ وسؤاله فى سَعَادَة ونعيم لإكرامهم ولإعطائهم مَا يتمنون عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطائى
(طَلَعْتَ على الأمَوالِ أنحَس مَطْلع ... وغَدَتْ على الآمالِ وَهْىَ سُعُودُ)
وَبَيت الطائى أحسن مُقَابلَة وجناسا
10 - الْمَعْنى يُرِيد أَنى لم اخف عَلَيْهِ أعداءه لأنى قد أمنتهم عَلَيْهِ لَا يقدرُونَ أَن يصلوا إِلَيْهِ بِسوء وَإِنَّمَا أَخَاف عَلَيْهِ الدَّهْر وحوادثه الَّتِى لَا يسلم مِنْهَا أحد وَهَذَا من أحسن الْمعَانى قَالَ الواحدى رَوَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر عين أعدائه وَقَالَ إِنَّمَا أَخَاف عَلَيْهِ أَن تصيبه أعداوه بِالْعينِ وَهَذَا لَيْسَ بشئ لِأَن الْإِصَابَة بِالْعينِ قد تكون من جِهَة الولى
(1/343)

- الْغَرِيب الصَّعِيد التُّرَاب وَقَالَ ثَعْلَب وَجه الأَرْض وكل مَا كَانَ على وَجه الأَرْض كالتراب والرمل والسبخ وَالْملح وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة يجوز التَّيَمُّم بِهَذَا وَقَالَ الشافعى لَا يجوز التَّيَمُّم إِلَّا بِالتُّرَابِ الذى لَا يخالطه رمل وَهُوَ عِنْده الصَّعِيد وبسمر يُرِيد الرماح الْمَعْنى يُرِيد أَنه وَجه إِلَى حلب عسكرا ورماحا تريق دِمَاء الْأَعْدَاء على وَجه الأَرْض وفى رِوَايَة نواصى الْجِيَاد
12 - الْإِعْرَاب وبيض عطف على قَوْله وَسمر الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد كَثْرَة انتقالها من الرّقاب إِلَى الغمود وَمن الغمود إِلَى الرّقاب وَذَلِكَ لِكَثْرَة حروبه وغزواته فَلَيْسَتْ لَهَا إِقَامَة فى شئ مِمَّا ذكره فَهَذَا جعلهَا مسافرة وَلَيْسَ يُرِيد بمسافرتها مسافرة الممدوح وَأَنَّهَا مَعَه فى أَسْفَاره لِأَنَّهُ نفى إِقَامَتهَا فى الرّقاب وفى الغمود فمسافرتها تكون بَين الرّقاب وَبَين الغمود كَمَا يُقَال فلَان مُسَافر أبدا مَا يُقيم بمرو وَلَا بنيسابور فَذكر البلدين دَلِيل على أَنه مُسَافر بَينهمَا وَلَيْسَ يُرِيد انتقالها من رَقَبَة إِلَى رَقَبَة كَمَا قَالَ ابْن جنى وَغَيره وَلَا من غمود إِلَى غمود بل يُرِيد أَنَّهَا مستعملة فى الحروب فَتَارَة تكون فى الرّقاب غير مُقِيمَة لِأَن الْحَرْب لَا تدوم ثمَّ تنْتَقل مِنْهَا إِلَى الغمود وَلَا تقيم فِيهَا أَيْضا لما يعرض من الْحَرْب
13 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يقدن لما ذكر من الرماح والجياد وَالسُّيُوف الْغَرِيب الْجَيْش الْعَسْكَر الْعَظِيم وجيش فلَان الجيوش إِذا جمع العساكر الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَذْكُورَات سَبَب فنَاء أعدائه وَإِن كَثُرُوا فهى تفنيهم
14 - الْغَرِيب الخرشنى نِسْبَة إِلَى خرشنة بَلْدَة من بِلَاد الرّوم والأشياع الأتباع المطيعون وَالشَّاء جمع شَاة وَإِنَّمَا قَالَ أحس على لَفظه لَا مَعْنَاهُ فلفظه لفظ الْوَاحِد وزأر الْأسد صَوته والإحساس الْعلم بالشئ الْمَعْنى ولى إِذا أدبر باشياعه أى وَمَعَهُ جُنُوده كَمَا تَقول خرج بثيابه وَركب بسلاحه أَي وعه ثِيَابه وسلاحه كالغنم إِذا سَمِعت صَوت الْأسد ولت هاربة لَا نَدْرِي غلى ايْنَ ذهب الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي يرَوْنَ للخرشني وَأَتْبَاعه ويرون الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِضَم الْيَاء من الظَّن لِأَن مَا ذكره ظن وَلَيْسَ بِعلم وَقَالَ الواحدي من رُوِيَ بِفَتْح الْيَاء فَهُوَ غالط الْغَرِيب الذعر الْخَوْف والفزع وذعرته أذعره ذعرا أفزعته وَالِاسْم الذعر بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور وَامْرَأَة ذعور تذْعَر من الربية وناقة ذعور إِذا مس ضرْعهَا غارت الْمَعْنى يَقُول الخرشنى وَأَتْبَاعه لما هربوا من الممدوح كَانُوا يظنون من خوفهم صَوت الرِّيَاح صَهِيل الْخُيُول وخفق البنود وهى الْأَعْلَام وَهَذَا من قَول جرير
(مَا زِلت تحسَب كلّ شئ بعدهمْ ... خَيْلا تكرُّ عليكمُ ورِجالا)

16 - الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار أى لَا أحد مثله الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كالأمير أحد فى النَّاس وَلَا كآبائه وأجداده وَقَالَ ابْن بنت الْأَمِير لِأَن جده لأمه كَانَ أَمِيرا كَبِيرا فَلهَذَا نسبه إِلَيْهِ لشرف أمه كَقَوْل أَبى نواس
(أَصبَحت يَا بن زُبيدةَ ابنةِ جعفرٍ ... )

17 - الْغَرِيب المعالى جمع عَلَاء وَهُوَ الِارْتفَاع يُقَال علا فى الْمَكَان يَعْلُو علوا وعَلى فى الشّرف بِالْكَسْرِ يعلى عَلَاء وَيُقَال أَيْضا علا بِالْفَتْح يعلى وصبية جمع صبى والمهود جمع مهد وَهُوَ السرير الذى يوضع فِيهِ الطِّفْل الْمَعْنى يَقُول ورثوا السِّيَادَة عَن آبَائِهِم فَحكم لَهُم بالجود والسيادة وهم أَطْفَال على مَا عهد من أجدادهم وآبائهم
18 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح وَمن شَأْنه جعله جارا ومجرورا فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون خبر مُبْتَدأ تقدم عَلَيْهِ وَمن رَوَاهُ وَمن بِفَتْح الْمِيم جعله اسْما بِمَعْنى الذى وَيكون مَوْضِعه نصبا مَعْنَاهُ وأدعو الذى شَأْنه وَيكون هبات على هَذَا خبر شَأْنه الْغَرِيب عتق وَضعه فى مَوضِع الْإِعْتَاق لِأَنَّهُ إِذا أعتق حصل الْعتْق يُقَال عتق العَبْد يعْتق عتاقة وَهَذَا من قَوْله تَعَالَى {يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان} فى قِرَاءَة الْجَمَاعَة سوى نَافِع وأبى عَمْرو فَإِنَّهُمَا بنياه لما لم يسم فَاعله وَالْجَمَاعَة جعلُوا لَهما الْخُرُوج وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لما أخرجَا خرجا فَقَالَ يخرج الْمَعْنى يَقُول يَا من ملك نفسى عبودية وَيَا من شَأْنه أَن يهب الْفضة وَيعتق العبيد دعوتك
(1/344)

- الْغَرِيب حَبل الوريد هُوَ عرق فى الْعُنُق مُتَّصِل بالفؤاد إِذا قطع مَاتَ الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول دعوتك يَا مَالك رقى لما انْقَطع الرَّجَاء من غَيْرك وَقرب منى الْمَوْت فَكَانَ أقرب إِلَى من حَبل الوريد وَهَذَا مُبَالغَة
20 - الْغَرِيب أوهن أَضْعَف والبلى الفناء وبرانى آذانى وأنحلنى الْمَعْنى يَقُول دعوتك لما أنحلنى البلى وضعفت عَن الْقيام من ثقل الْحَدِيد ومقاساته فقد أضعفنى
21 - الْمَعْنى وَقد كَانَ مَشى رجلى فى النِّعَال وهى تتعب مِنْهَا فَكيف وَقد صَار مشيهما فى الْقُيُود
22 - الْمَعْنى يُرِيد أَنى كنت فى جمَاعَة من النَّاس وَالْيَوْم أَنا فى جمَاعَة من القرود وعنى بهم أهل الْحَبْس لِأَن مَعَه اللُّصُوص وَأَصْحَاب الْجِنَايَات وَالْمعْنَى كنت أجالس أهل الْفضل فصرت أجالس أوباش النَّاس
23 - الْإِعْرَاب تعجل يُرِيد أتعجل بالاستفهام فَحذف همزَة الِاسْتِفْهَام ويروى تعجل بِضَم اللَّام وَوُجُوب بِالنّصب فَيكون الضَّمِير للمدوح وَوُجُوب مَفْعُوله الْمَعْنى يَقُول تعجل أى جاءنى قبل وقته وَإِنَّمَا تجب الْحُدُود على الْبَالِغ وَأَنا صبى لم تجب على الصَّلَاة فَكيف أحد وَلَيْسَ يُرِيد فى الْحَقِيقَة أَنه صبى غير بَالغ وَإِنَّمَا يصغر أَمر نَفسه عِنْد الْأَمِير أَلا ترى أَن من كَانَ صَبيا لَا يظنّ بِهِ اجْتِمَاع النَّاس إِلَيْهِ للشقاق وَالْخلاف هَذَا كَلَام ابْن جنى قَالَ الواحدى قَالَ ابْن فورجة مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب إِلَّا مَا منع أَبُو الْفَتْح يُرِيد إنى صبى لم أبلغ الْحلم فَيجب على السُّجُود فَكيف تجب على الْحُدُود قَالَ وَالْقَوْل مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح
24 - الْغَرِيب عدوت من الْعدوان والولاد الْولادَة
(1/346)

الْمَعْنى يَقُول قد ادّعى على أَنى ظَالِم ظلمت الْخلق وَخرجت عَلَيْهِم وَذَلِكَ حِين ولدتنى أمى وَقبل أَن أستوى قَاعِدا وكل هَذَا يدْفع عَن نَفسه مَا قَالُوا
25 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّهَادَة على قدر الشَّاهِد إِن كَانَ صَادِقا قبلت وَإِلَّا ردَّتْ وَأَنا فقد شهدُوا على بالزور فَلم قبلته فَكَمَا ان الشُّهُود سفلَة سقاط فَكَذَلِك شهاداتهم
26 - الْغَرِيب الْكَاشِح الْعَدو يضمر الْعَدَاوَة فى كشحه ومحك الْيَهُود عداوتهم ويروى مَحل بِاللَّامِ وَهُوَ السّعَايَة الْمَعْنى يَقُول شَهَادَة الْعَدو لَا تقبل فى الشَّرْع أى لَا تسمع من قَول أعدائى وَقَالَ ابْن جنى جعل أعداءه يهودا وَلم يَكُونُوا فى الْحَقِيقَة يهودا وَقَالَ ابْن فورجة هَذَا نفى مَا أثْبته قَائِل الشّعْر وَلَا يقبل إِلَّا بِحجَّة من نفس الشّعْر
27 - الْغَرِيب الشأو الطلق والشوط الْمَعْنى يَقُول بَين دَعْوَى أردْت ودعو على فعلت بون وشوط بعيد فافرق بَينهمَا لأَنهم إِنَّمَا ادعوا على أَنى أردْت أَن أفعل وَلم يدعوا أَنى فعلت وَبَين هَذَا وَهَذَا فرق ظَاهر فقرق بَينهمَا بِرَأْيِك لِأَن الْحَد لَا يجب على مُعْتَقد فعل الْحَرَام حبى يَفْعَله فَإِذا فعله وَجب عَلَيْهِ الْحَد وَإِن لم يَفْعَله فَلَا حد عَلَيْهِ
28 - الْإِعْرَاب مَا جدت مَا مَصْدَرِيَّة وموضعها رفع على الِابْتِدَاء الْمَعْنى يَقُول فى جود كفيك جود بنفسى بإطلاقك لى من الْحَبْس وَلَو كنت أَشْقَى ثَمُود أَرَادَ قدارا عَاقِر النَّاقة
(1/347)

- 1 - الْمَعْنى يَقُول إِن الشّعْر الذى أنشدته لم ينمك وَإِنَّمَا محقك حَتَّى صرت شَيْئا لَا يُوجد فَنمت على الإنشاد
2 - الْمَعْنى يَقُول مَا سَمِعت مِنْهَا بأذنك مر قد شربته بفيك
68

- 1 - الْمَعْنى يَقُول يَا مُحَمَّد إِذا فَقدنَا عطاءك فَمَا نرى أحدا يعْطى قبل أَن يعد الْوَعْد إِلَّا أَنْت فَإنَّك تُعْطى قبل أَن تعد وَقبل أَن تسْأَل فَإِذا فقدت فَقدنَا من يعْطى قبل الْوَعْد وَالسُّؤَال
2 - الْغَرِيب الشسوع الْبعد ونفد فنى والترحال الرحيل الْمَعْنى يَقُول قد قصدتك عِنْد بعد دارى وَقرب رحيلى ونفاد زادى
3 - الْغَرِيب تهمى تدفق وتسح والوابل أَشد الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول خل كفك تهمى وتهمى فى مَوضِع الْحَال أى أطلق كفك هامية أى سَائِلَة بالعطاء واصرف عَنى عظم مطرها إِذا اكتفيت يُرِيد أَن فى قَلِيل إعطائها كِفَايَة وَلَا حَاجَة إِلَى كَثِيره الذى هُوَ كالوابل الْمَعْرُوف المغرق للبلد
(1/348)

- 1 - الْغَرِيب الكمد الْحزن مَعَ هم والاقناع مثل القناعة الْمَعْنى يَقُول شوقى إِلَى الْأَحِبَّة لَا يقنع منى بِهَذَا الْحزن الذى أَنا فِيهِ حَتَّى يخرق كبدى ويوله عَقْلِي فأصير مَجْنُونا ذَاهِب لِلْعَقْلِ الْمَعْنى قَالَ ابْن جني للم يبْق فِي فضل للشكوى وَلَا فِي الديار أَيْضا فضل للشكوى لِأَن الزَّمَان أبلاها قَالَ ابْن فورجة ذهب أَبُو الْفَتْح إِلَى أَن تَقْدِير الْكَلَام وَلَا الديار تَشْكُو إِلَى وَقد علم أَن الديار كلما كَانَت أَشد دثورا وبلى كَانَت أشكى لما تلاقى من الوحشة بِفِرَاق الْأَحِبَّة فَكيف جعل الديار لَا فضل فِيهَا للشكوى وشكواها لَيست بحقيقية وَإِنَّمَا هى مجازية وَإِنَّمَا تكون على مَا ذكر لَو أَن شكواها حَقِيقَة وَكَانَت تقصر عَنهُ لِضعْفِهَا وبلاها كَمَا يَصح ذَلِك فى العاشق كَقَوْل الببغاء
(لم يبْقَ لى رَمَق أشْكو إِلَيْك بهِ ... وَإِنَّمَا يَتَشَكَّى من بِهِ رَمَقُ)
وَأَيْضًا لَو كَانَ كَمَا ادّعى لم يكن لعطف هَذِه الْجُمْلَة على قَوْله
(مَا الشوق مقتنعا ... )
معنى وَلما عطفها عَلَيْهَا دلّ على أَنَّهَا مِنْهَا وَإِنَّمَا يعْنى لَا الشوق يقنع منى بِهَذَا الكمد وَلَا الديار تقنع منى بِهِ وَتمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله
(كَانَ الحبيب بهَا ... )
ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ هَذِه الديار تَشْكُو إِلَى وحشتها بِفِرَاق أَهلهَا وَأَنا لَا أَشْكُو إِلَى أحد إِمَّا لجلدى وَإِمَّا لأنى كتوم لأسرارى يكون قد نظر إِلَى قَول الْقَائِل
(فإنّى مِثْلُ مَا تَجدين وجْدى ... ولكنِّى أُسِرُّ وتُعْلِنينا)
قَالَ الواحدى يُمكن تَوْجِيه الْمَعْنى من غير أَن يتم الْكَلَام فى المصراع الأول وَهُوَ أَن يكون وَلَا تقنع الديار الَّتِى كَانَ الحبيب بهَا يشكو ألى أى يطلعنى على أمره وَأَنا لَا أفشى سرى على رِوَايَة يشكو بِالْيَاءِ وَمن روى بِالتَّاءِ كَانَت الديار الشاكية يُرِيد بِلِسَان الْحَال مَا دفعت إِلَيْهِ من الوحشة والخلاء فتشكو يُرِيد بِهِ الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال وَلَا أَشْكُو إِلَى أحد لِأَنَّهُ لَيْسَ بهَا غيرى
3 - الْغَرِيب هزيم الودق أَرَادَ سحابا هزيم الودق وَهُوَ الذى لَا يسْتَمْسك كَأَنَّهُ مُنْهَزِم عَن مَائه وَيُقَال غيث هزيم ومنهزم وَأكْثر مَا يستعملان فى صفة السَّحَاب وَهُوَ الذى لرعده صَوت يُقَال سَمِعت هزيمَة الرَّعْد وَلَا يسْتَعْمل فى صفة الودق الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَت كَثْرَة الأمطار تنْحَل هَذِه الديار أى تدرسها كَمَا ينحلنى السقام حَتَّى صَارَت حاكية جسدى فى النحول والدروس وَهَذَا من قَول الشَّاعِر
(يَا منزِلاً ضَنَّ بالسَّلامِ ... سُقِيتَ صَوْبا مِن الغَمامِ)

(مَا ترَك المُزْنُ مِنكَ إلاَّ ... مَا ترَك السُّقْمُ مِن عظامى)
وَمثله للبحترى
(حَمَلَتْ مَعالِمُهُنَّ أعْباء البِلَى ... حَتَّى كأنَّ نُحُولَهُن نُحُول)

4 - الْغَرِيب غاض نقص والمصطبر الاصطبار الْمَعْنى يَقُول كَأَن دمعى جَار من جلدى لأنى كلما بَكَيْت نقص صبرى فَكَأَن دمعى من صبرى
5 - الْإِعْرَاب من زافراتى يتَعَلَّق بِمَعْنى أَيْن تَقْدِيره أبعيد حبيبتى من زفراتى أم قريب الْمَعْنى يَقُول أَيْن محبوبى من معرفَة زفراتى وَمَا بى من الشوق وَالْحَسْرَة على فِرَاقه وَأَيْنَ تقع نَفسك أَيهَا الممدوح من صولة الْأسد فَمَا صولتك إِلَّا فَوق صولة الْأسد وَهَذَا يُنكر أَن يعرف الحبيب حَاله وَأَن تكون صولة الْأسد كصولة الممدوح وَهَذَا من المخالص الجيدة
6 - الْمَعْنى قَالَ الواحدى لما رجحت كفتك وَقد وضعت الدُّنْيَا وَأَهْلهَا فى الكفة الثَّانِيَة علمت أَن الرزانة للمعانى لَا للأشخاص أى إِذا رجح الْوَاحِد على الْكثير كَانَ ذَلِك الْكثير قَلِيلا بِالْإِضَافَة إِلَى ذَلِك الْوَاحِد الرَّاجِح وَقد قَالَ البحترى
(ولمْ أرَ أمُثالَ الرّجالِ تَفاوَتَتْ ... لَدَى المَجْدِ حَتَّى عُدَّ ألْفٌ بِوَاحِدِ)

7 - الْغَرِيب الْخلد البال والروع يُقَال مَا وَقع فى بالى وَلَا فى روعى الْمَعْنى يَقُول لم يَقع فى قلب الْأَيَّام أَن تسرنى حَتَّى وَقعت أَنْت فى قلبى أَن أقصدك وأمدحك وَمَعْنَاهُ مَا أَقبلت على الدُّنْيَا حَتَّى أملتك وقصدتك وَهَذَا من قَول الشَّاعِر
(إِن دَهْراً يَلف شَمْلِى بسَلْمَى ... لزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسانِ)

8 - الْمَعْنى يُرِيد أَن خزائنه إِذا امْتَلَأت بِالْمَالِ فرق بَينهَا وَبَينه فتثكل المَال كَمَا تثكل الوالدة وَلَدهَا قَالَ الواحدى جعل الحزائن كالأم وَالْمَال كَالْوَلَدِ وَهُوَ من قَول أَبى نواس
(إِلَى فَتَّى أُمُّ مَا لِه أبَداً ... تَسْعَى بجَيْبٍ فى النَّاسِ مَشْقُوق)

9 - الْإِعْرَاب ماضى خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَو هُوَ بدل من ملك فى الْبَيْت الأول الْمَعْنى يَقُول هُوَ ماضى الْجنان أى الْقلب يُرِيد أَنه ذكي حزمه فى الْأُمُور يرِيه بِقَلْبِه مَا ترَاهُ وَبعد غَد وَمَعْنَاهُ أَنه يفْطن بالكائنات قبل حدوثها كَمَا قَالَ أَوْس
(الألَمعِىُّ الذىِ يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ... كأنْ قَدْ رأى وَقَدْ سَمِعا)
وَقَالَ الطائى
(وَلِذَاكَ قِيلَ مِنَ الظُّنُونِ جَلِيَّةٌ ... عِلْمٌ وفِى بَعْضِ القُلُوبِ عُيُونُ)
وَالْمرَاد بِهَذَا كُله صِحَة الحدس وجودة الظَّن
10 - الْإِعْرَاب مَا هى النافية وسماح من رَوَاهُ بِالنّصب جعله خَبرا لما وهى مشبهة بليس وَمن رَفعه فَهُوَ على التميمية وَالْجُمْلَة فى مَوضِع رفع صفة السماح الْغَرِيب الْبَهَاء الْحسن وَمِنْه بهى بِالْكَسْرِ وبهو بِالضَّمِّ فَهُوَ بهى الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول أَنا أجل من أَن يكون بشرا فَإِن مَا نشاهده فِيك من الْجمال والنور لَا يكون فى بشر وَلَيْسَ سماحك سماح يَد بل هُوَ سماح غيث وبحر وفى مَعْنَاهُ
(يَجِلُّ عَنِ التَّشْبِيهِ لَا الكَفُّ لُجَّةٌ ... وَلَا هُوَ ضِرْغامٌ وَلَا الرأىُ مُخْذَمُ)

11 - الْإِعْرَاب مَا فى مَا أنْفق مَصْدَرِيَّة وَقد وَقعت الْجُمْلَة موقع الْحَال وَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْغَيْث وَالْيَد الْمَعْنى يَقُول أى كف تبارى الْغَيْث توَافق وتشاكل فى حَال اتِّفَاقهمَا مَا طرين
(1/349)

لَكِن هَذِه الْيَد إِذا افْتَرَقت هى والغيث عَادَتْ إِلَى عَادَتهَا بالعطاء والبذل وَلم يعد الْغَيْث يُرِيد أَن الْغَيْث يمطر ثمَّ يَنْقَطِع وَهَذِه الْكَفّ تجود وَلَا يَنْقَطِع جودها فهى تزيد على الْغَيْث لِأَنَّهَا تعود إِلَى الْجُود وَلَا يعود الْغَيْث بِسُرْعَة عوده لِأَن الْمَطَر قد يَنْقَطِع زَمَانا طَويلا وعطاؤها لَا يَنْقَطِع إِلَّا الْيَسِير من الزَّمَان فَهُوَ أَعلَى وأوفى من الْمَطَر
12 - الْغَرِيب مُضر بن نزار بن معد بن عدنان هُوَ أَبُو الْعَرَب وأدد هُوَ أَبُو الْيمن وَهُوَ ابْن قحطان يَقُول كنت أَحسب الْمجد مضريا حَتَّى تبحتر الْيَوْم يُرِيد أَنه انتسب إِلَى بحتر الْيَوْم يُرِيد أَن الممدوح نَقله إِلَى بحتر فقد تبحتر بِهِ فقد صَار بحتريا أدديا فِي نُسْخَة يَوْمًا بدل موتا الْغَرِيب يُقَال مطرَت وأمطرت يُرِيد