Advertisement

شرح ديوان المتنبي للعكبري 003



- 1 الْغَرِيب رويدك تمهل وجليل فعيل من الْجَلالَة وتأى ترفق وامكث وَهِي رِوَايَة ابْن جنى وروى غَيره تأن بالنُّون وَرِوَايَة ابْن جنى بهَا قَرَأت الدِّيوَان وَمَعْنَاهُ تحبس قَالَ الْكُمَيْت
(قِفْ بالدَيارِ وُقُوفَ زَائِرْ ... وَتأىَّ إنَّكَ غَيرُ صَاغِرُ)
الْمَعْنى يَقُول ترفق أَيهَا الْملك فِي رحيلك وتمهل فِي مسيرك وَاجعَل ذَلِك مِمَّا يعْتد بِهِ من نوالك وهباتك للمشتملين بنعمتك وَهَذِه القصيدة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر
2 - الْإِعْرَاب نصب وجودك بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ أولنا جودك وَلَو فعلته قَلِيلا فنصب قَلِيلا على الْحَال أَو يكون التَّقْدِير ولوجدت جودا قَلِيلا وَأقَام الصّفة مقَام الْمَوْصُوف وَالْأَشْبَه أَن يكون قَلِيلا صفة لمصدر مَحْذُوف الْمَعْنى يَقُول جد جودك بالْمقَام وَلَو فعلته قَلِيلا وَلَيْسَ فِيمَا تعطيه قَلِيل لِأَن مَا كَانَ من جهتك فَهُوَ كثير وَهُوَ مَنْقُول من قَول أَشْجَع
(وُقُوفا بالمَطِيّ وَلَوْ قَلِيلاً ... وَهلْفِيما تَجُودُ بِهِ قَلِيلُ)
وكقول ابْن الطثرية
(وَليسَ قَلِيلاً نَظْرَةٌ إنْ نظَرْتُها ... إلَيكِ وكَلاَّ ليسَ مِنْكِ قَلِيلُ)
وكقول إِسْحَاق الْموصِلِي
(إنَّ مَا قَلَّ مِنكَ يكْثُرُ عِنْدِي ... وكَثِيرٌ مِمَّنْ تُحِبُّ القَلِيلُ)
وكقول إِسْحَاق أَيْضا
(وَحَسْبي قَليلٌ مِن جَزِيلِ عطائهِ ... وَهَلْ مِنْ أمِير المُؤْمِنِينَ قَلِيلُ)
وكقول الآخر
(وَإنَّ قَليلاً مِنكِ لَوْ تَبْذُلِينَهُ ... شِفاءٌ وَقُلٌّ لَيسَ مِنكِ قَليلُ)
(3/3)

- الْغَرِيب الكبت الخيبة وَأرى من الورى وَهُوَ إِصَابَة الرئة وَهِي دَاء فِي الْجوف الْمَعْنى يَقُول ترفق فِي رحيلك لأكبت بذلك حَاسِدًا يشبه وداعك وعدوا يشبه رحيلك فَشبه شَيْئَيْنِ بشيئين وَهَذَا من بَاب البديع وَالْمعْنَى أَنه يبغض الْحَاسِد والعدو كَمَا يبغض الْوَدَاع والرحيل وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(قَبُحْتَ وَزِدْتَ فَوْقَ القُبْحِ حَتَّى ... كأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ مِنَ الوَدَاعِ)

4 - الْغَرِيب تغلب قَبيلَة الممدوح وَهِي تغلب بن وَائِل والحيا الْمَطَر والقبيل الْعَشِيرَة وهم من ولد أَب وَاحِد الْمَعْنى يَقُول أقِم بِنَا حَتَّى يسكن الْمَطَر وَكَانَ قد عزم على الرحيل والمطر يسهل كَثْرَة فَأَشَارَ عَلَيْهِ بالْمقَام حَتَّى يسكن الْمَطَر ثمَّ قَالَ قد شككنا فِي كَثْرَة هَذَا الْمَطَر وَهُوَ لم يشك وَإِنَّمَا قَالَه على الْمُبَالغَة فِي وصف السَّحَاب لِكَثْرَة مطره فَقَالَ أبنو تغلب هَذَا السَّحَاب أم مطره قبيلكم لكثرته وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(فَقُلْتُ نَدَى السَّماءِ أمِ ابنُ وَهْبٍ ... تَجَلَّى نُورُهُ أمْ عاشَ وَهْبَ؟)

5 - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع فِي نكته على الدِّيوَان الْهَاء فِي لَهُ عَائِدَة على السَّحَاب والمفسرون بِخِلَاف مَا قَالَ الْمَعْنى يَقُول كنت أعيب من يعذل فِي السماح فَلَمَّا رَأَيْت إفراط سيف الدولة فِي السماح صرت أعذله هَذَا قَول الْجَمَاعَة وَالْمعْنَى من قَول الطَّائِي
(عَطاءٌ لَوِ اسْطاعَ الَّذي يسْتَميحهُ ... لأصْبحَ مِن دونِ الوَرَى وَهْوَ عاذِلُه)
وكقول البحتري
(إِلَى مُسْرِف فِي الْجُود لَو حاتما ... لَدَيْهِ لأضحى حَاتِم هُوَ عاذله)

6 - الْغَرِيب النبو الِارْتفَاع وَمِنْه نبا السَّيْف عَن الضريبة إِذا رَجَعَ الْمَعْنى يَقُول إِنِّي لَا أَخَاف أَن تعجز عَن قطع طَرِيق لِأَنَّك سيف دولة الْإِسْلَام وَسيف الْإِسْلَام لَا يكون إِلَّا مَاضِيا صقيلا قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون رَجَعَ من الْخطاب إِلَى الْخَبَر كَأَنَّهُ قَالَ وَأَنت الْمَاضِي الصَّقِيل وَالْمعْنَى إِنِّي لم أَنْهَك عَن الرحيل فِي الْمَطَر لخوف أَن تعجز عَن الرحيل وصعوبة الطَّرِيق
(3/4)

- الْغَرِيب الشواة جلدَة الرَّأْس وَجَمعهَا شوى قَالَ الله تَعَالَى {نزاعة للشوى} وَقَرَأَ حَفْص بِالنّصب والغطريف السَّيِّد الْكَرِيم فِي قومه الْمَعْنى كل جلدَة رَأس سيد شرِيف تمنى أَن تكون طَرِيقا لسيرك لِأَنَّهُ كريم شرِيف فَلَا يستنكف سيد عَن وطئك جلدَة رَأسه وَإِنَّمَا يعد ذَلِك شرفا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(مَضَى طاهرَ الأثْوَابِ لمْ تَبْقَ بُقْعَةٌ ... غَدَاةَ ثَوَى إلاَّ اشْتَهَتْ أَنَّهَا قَبرُ)

8 - الْإِعْرَاب من رفع مثل العمق ومملوء جعله ابْتِدَاء وخبرا وَمن خفض وَعَلِيهِ الْأَكْثَر جعله عطفا على قَوْله وَمَا أخْشَى نبوك عَن طَرِيق وَقيل العمق وَاد وخفضه بواو رب أَي رب مَكَان مثل العمق الْغَرِيب العمق وَاد عميق وَهُوَ الْفَج من الأَرْض وَجمعه أعماق ومجاريه جمع مجْرى الْمَعْنى يَقُول لَا أخْشَى عَلَيْك من نبوك عَن هَذَا الْوَادي وَلَو أَنه ملئ من دِمَاء وقائعك لمشت بك خيلك فِيهِ فَكيف أخْشَى عَلَيْك سيله
9 - الْغَرِيب المنايا جمع منية وَهِي من أَسمَاء الْمَوْت والوحول جمع وَحل وَهُوَ مَا يبْقى فِي الأَرْض من سيل الْمَعْنى يَقُول إِذا تعود الْإِنْسَان أَن يَخُوض غَمَرَات الْمَوْت فأهون مَا يعانيه خوض المَاء والطين وَهُوَ يُشِير إِلَى أَن الوحل لَا يمنعهُ من السّفر وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول نفوس الْحَيَوَان أغراض لحوادث الزَّمن
10 - الْغَرِيب الْحُصُون جمع حصن وَهُوَ مَا تحصن بِهِ الْإِنْسَان والحزن ضد السهل وَهُوَ مَا خشن من الأَرْض وصعب الْمَعْنى يَقُول من أَطَاعَته الْحُصُون الممتنعة فافتتحتها والقلاع المستصعبة فملكها أطاعه لَا محَالة حزون الطّرق وسهولها وَتمكن لَهُ قريبها وبعيدها وَالْمعْنَى يُرِيد من أطاعه الصعب الشَّديد لم يصعب عَلَيْهِ شئ
(3/5)

- الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام تعجب وَقَوله تنشر يُقَال نشر الله الْمَوْتَى فنشروا وأنشرهم وَفِي الْكتاب الْعَزِيز {وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشرها} من أنشره الله فِي قِرَاءَة ابْن كثير وَنَافِع وَأبي عَمْرو وَفِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر بالزاي الْمُعْجَمَة وَهُوَ من النشز وَهُوَ الِارْتفَاع الْغَرِيب خفرت الرجل خفرا وخفارة أجرته ومنعت عَنهُ يُقَال خفرته أخفره خفرا إِذا كنت لَهُ خفيرا مجيرا وخفرته تخفيرا وَأنْشد الْأَصْمَعِي للهذلي
(ولكنَّنِي جَمْرُ الغَضَى مِنْ وَرَائِهِ ... يُخَفِّرُني سَيْفي إذَا لَمْ أًخَفَّرِ)
وأخفرت الرجل إِذا غَدَرت بِهِ ونقضت عَهده وَيُقَال أَيْضا أخفرته إِذا بعثت مَعَه خفيرا وَالِاسْم الخفرة بِالضَّمِّ وهى الذِّمَّة والخمول السُّقُوط والخامل السَّاقِط الَّذِي لَا نباهة لَهُ وَقد خمل يخمل خمولا الْمَعْنى يَقُول أَنْت تجير من رمته اللَّيَالِي بصروفها وقصدته بخطوبها وتحبي كل من سقط ذكره وَدَفنه خموله فتجير ذَلِك بحمايتك وتحييه بكرامتك تضمه إِلَى إحسانك وتعمه بإنعامك قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا الْبَيْت مَنْقُول من قَول ابْن الرُّومِي
(نشَرْتُكَ مِن دفنِ الخُمولِ بقُدْرَة ... لِمَا هُوَ أدْهَى أوْ علِمْتَ وأنْكَرُ)

12 - الْغَرِيب الحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول ندعوك سَيْفا وَالسيف يعْدم الْحَيَاة وَأَنت تعيدها وَهُوَ يتلفها وَأَنت تهبها فَكيف نسميك سَيْفا وفعلك ضد فعله وقدرك فَوق قدره وَالْمعْنَى أَن من قَتله الْفقر وأذله الزَّمَان حَتَّى أَمَاتَهُ موت الْفَقْرَة تعيشه بجودك
13 - الْإِعْرَاب نصب الْقطع لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مقدم وَمثله قَول الْكُمَيْت
(وَمالي إلاَّ آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَماليَ إلاَّ مَذْهَبَ العَدْلِ مَذْهَبُ)
الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ للسيف فعل إِلَّا الْقطع وَأَنت فِيك الْوَصْل وَالْقطع تقطع الْأَعْدَاء وَتصل الْأَوْلِيَاء وَالْمعْنَى أَنَّك تصل مؤمليك وتقطع أعاديك وتبر قصادك وتحوط رعيتك فتشركه فِي أرفع أَحْوَاله وَهُوَ الْقطع وتنفرد دونه بأرفع أحوالك وَأجل أوصافك
(3/6)

- الْإِعْرَاب صبرا مصدر أَي اصبر صبرا الْمَعْنى يَقُول أَنْت الْفَارِس الثَّابِت النَّفس الرابط الجأش الدَّاعِي إِلَى الصَّبْر إِذا طاشت الْعُقُول وخرست الألسن فَلم تقدر الْأَبْطَال على الْكَلَام وَلَا الْخَيل على الصهيل وَالْمعْنَى أَنَّك تصبر الْأَبْطَال فِي الْحَرْب تَقول اصْبِرُوا على عض الْحَرْب
15 - الْغَرِيب الحيد الرُّجُوع وَالْقَصْد الاسْتقَامَة يُرِيد أَن الرمْح مُسْتَقِيم غير معوج الْمَعْنى يرجع عَنْك الرمْح مَعَ استقامته وَإِذا طعن بِهِ غَيْرك لم يرجع عَنهُ وَيقصر عَنْك فَلَا ينالك مَعَ طوله وَذَلِكَ لشجاعتك وشرفك كَأَن الجماد يعرفك فَلَا يقدم عَلَيْك وَالْمعْنَى أَن الْأَبْطَال تتحاماه فِي الحروب فَلَا تتعاطى مطاعنته وَلَا تتمثل مقاومته وَالْمعْنَى أَن الرمْح إِذا قصد إِلَيْك خذلته يَد الطاعن حَتَّى يرجع عَنْك وَإِذا طَال خذله الطاعن وإقدامه حَتَّى يقصر عَنْك
16 - الْمَعْنى لَا يَقُول لَو أَن للسنان لِسَانا ناطقا لقَالَ أَنا أحيد عَنْك وأقصر مَعَ حلولي عَن طعنك وَهُوَ من قَول الآخر
(إنَّ السِّنانَ وَصَدْرَ السَّيْفِ لوْ نَطَقا ... لَخَبَّرا عَنْكَ يَوْمَ الرَّوْعِ بالعَجَبِ)
وَقَالَ الحصني
(يُشْنِي عليكَ إِذا النُّفُوسُ تَطايَرَتْ ... حَدُّ المُهَنَّدِ والسَّنانُ اللَّهْذَمُ)
وَهَذَا مجَاز أَي لَو كَانَ متكلما لقَالَ وَأَصله قَول عنترة
(لوْ كانَ يعْلَمُ مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكى ... وَلكانَ لوُ عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي)

17 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا جرت عَادَتهَا بإفناء أَهلهَا فَلَا يخلد فِيهَا أحد وَلَو أَنَّهَا خلدت أحدا لتزينها بِهِ وَمَا جمعه الله فِيهِ من الْفَضَائِل لَكُنْت ذَلِك المخلد وَحدك لعلو قدرك وجلالة أَمرك وَلَكِن الدُّنْيَا لَيْسَ لَهَا خَلِيل توافيه وَلَا أحد تتقيه وتصافيه لِأَن طبعها الْغدر وَهُوَ مَنْقُول من قَول عدي بن زيد
(فَلَوْ كانَ حَيٌّ فِي الحْيَاةِ مُخَلَّداً ... لَخُلِّدْتَ لَكِنُ ليسَ حَيٌّ بِخالِد)
وَمثله لمُحَمد بن يزِيد المهلبي
(لوْ خَلَّدَ اللهَ مخْلُوقا لِنَجْدَتِهِ ... لكانَ رَبَّكَ فِي الدُّنْيا مُخَلَّدَهُ)
(3/7)

- 1 الْغَرِيب المشرفية السيوف والعوالي الرماح والمنون الدَّهْر يذكر وَيُؤَنث وَقيل الْمنون الْمَوْت فَمن أَرَادَ بِهِ الدَّهْر ذكره وَمن أَرَادَ الْمنية أنثه الْمَعْنى يَقُول نَحن نعد السيوف والرماح أَي صوارم السيوف وعوالي الرماح لمنازلة الْأَعْدَاء ومدافعة الأقران وَالْمَوْت يخترم نفوسنا دون قتال أَو نزال لَا يمكننا حذارها وَلَا يتهيأ لنا دفاعها قَالَ ابْن وَكِيع عَجزه ينظر إِلَى قَول أَبى زرْعَة
(وَمَنْ لَا سِلاحَ لَهُ يُتَّقَى ... وَإنْ هًوَ قاتَلَ لَمْ يَغْلِبِ)

2 - الْغَرِيب السوابق جمع سَابق وسابقة والمقربات من الْخَيل هِيَ الْكِرَام الَّتِي ترْبط لكرامتها على أَصْحَابهَا أَو لفرط الْحَاجة إِلَيْهَا والخبب عَدو لَا يستفرغ الْجهد الْمَعْنى يَقُول ونرتبط الْخُيُول الْكَرِيمَة الْعتاق وَمَعَ هَذَا لَا تنجينا وَلَا تعصمنا من طلب الدَّهْر لنا وخبب لياليه فِي آثارنا قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول عبد الله بن طَاهِر
(كأنَّنا فِي حُرُوبٍ مِنْ حَوَادِثِهِ ... فنَحنُ مِنْ بَينِ مَجْرُوحٍ ومطًعون)

3 - الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام وروى وصال بالتنكير الْمَعْنى يُرِيد أَن النُّفُوس مجبولة على حب الدُّنْيَا مَعَ التيقن بِسُرْعَة زَوَالهَا والتحقق من امْتنَاع وصالها وَأَن سرورها يعقبه الْحزن وحياتها يعقبها الْمَوْت وَالْمعْنَى يُرِيد من ذَا الَّذِي لم يعشق الدُّنْيَا فِي قديم الدَّهْر فَكل أحد يهواها وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى وصالها أَي إِلَى دوَام وصالها وَكثير من عشاقها واصلها وواصلته وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى دوَام الْوِصَال وَمن روى إِلَى وصال وَهُوَ الْخَوَارِزْمِيّ أَرَادَ إِلَى مواصاة
(3/8)

- الْمَعْنى يَقُول نصيب الْإِنْسَان من وصال حَبِيبه فِي حَيَاته كنصيبه من وصال خياله فِي مَنَامه بِاتِّفَاق الْأَمريْنِ فِي سرعَة انقطاعهما واشتباههما فِي عجلة زوالهما فَإِن الْحَالين كِلَاهُمَا يعْدم فَمَا ظَنك بِحَق يشبه الْبَاطِل ويقظة يشاكلها النّوم فَجعل الْعُمر كالمنام وَالْمَوْت كالانتباه وَأحسن مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول التهامي
(فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ... والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي)
وَقَالَ الطَّائِي
(ثُمَّ انْقَضَتْ تلكَ السِّنُونَ وأهْلُها ... فكأنَّها وكأنَّهُم أحْلامُ)
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى فَمِنْهُ مَا كَانَ عمر بن الْخطاب يتَمَثَّل بِهِ
(نُسَرُّ بِما يَفْنَى وَنفْرَحُ بالمُنَى ... كَمَا سُرَّ باللَّذاتِ فِي النَّوْمِ حالِمُ)
وَقَالَ الآخر
(وَإذا وَدِدْتَ أَبَا كُبَيْشةَ لم يَكُن ... إلاَّ كَلَمْحَةِ حالِمٍ بِخَيالِ)
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(فَكَمْ بادَ مِنْ مَعْشَرٍ أصْبَحُوا ... كأنَّهُمْ حُلُمٌ أوْ خَيالُ)
وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا
(فَنِلْتُ يَقْظانَ مِنْ ضِيافَتِهِ ... مَا نِلْتُهُ نَائِما مِنَ الطَّيْفِ)

5 - الْغَرِيب الارزاء جمع رزء وهى المصيبات والغشاء مَا يعْطى الشَّيْء ويشمله الْمَعْنى يَقُول كثرت مصائب الدَّهْر عِنْدِي لتواليها عَليّ وَقد أَصَابَت قلبِي فجائعها حَتَّى صَار كَأَنَّهُ فِي غشاء من سِهَام الدَّهْر وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر قَصده بفجائعه ورماه بمصائبه وَاعْتمد فُؤَاده بسهامه وَأثبت فِيهِ نصاله قَالَ الشريف هبة الله بن الشجري الْعلوِي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْبَيْت من أحسن مَا قيل وَهُوَ من نَوَادِر أَبى الطّيب وَحكمه
6 - الْغَرِيب النصال جمع نصل وَهُوَ الحديدة الَّتِي فِي السهْم الْمَعْنى يَقُول قد صرت إِذا رماني الدَّهْر بخطب من خطوبه وَصرف من صروفه لم يصل قلبِي لِأَنَّهَا لم تَجِد موضعا للإصابة وكنآ بنصال السهْم عَن اشتداد الخطوب وَأَن بَعْضهَا يكسر بَعْضًا فِي فُؤَاده لتزاحمها فِيهِ وتكاثرها عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن المصائب توالت عَليّ فهانت عِنْدِي وَالْإِنْسَان إِذا كثر عَلَيْهِ الشَّيْء إعتاده وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا يَصح معنى هَذَا الْبَيْت إِلَّا أَن يكون يرْمى من جَنْبَيْهِ فَيبلغ نصل الْجَانِب الْأَيْمن نصل الْجَانِب الْأَيْسَر وَأما أَن يكون الرَّمْي من نَاحيَة وَاحِدَة فَلَا يَصح ذَلِك وَلَو قَالَ كَمَا قَالَ عمر بن الْمُبَارك لصَحَّ
(لَمْ يَنْتَظِرَنْ فَتَسْتَبِيكَ قُلُوبُ ... حَتَّى رَمَيْنَ فَرَشْقُهُنَّ مُصِيبُ)

(نُجْلٌ يُتَبِّعْنَ السَّهامَ بِمِثْلِها ... فَلَهُنَّ مِن تحتِ النُّدوبِ نُدُبُ)
فَهَذَا كَلَام يَصح مثله لِأَن الندوب الْقَدِيمَة يتبعن ندوبا حَدِيثَة وَمثله لأخي ذِي الرمة
(وَلْم يُنْسِى أوْ فَي المَصَائِبِ بَعْدَهُ ... وَلكنَّ نَكْءَ القُرْحِ بالقُرْحِ أوْجَعُ)
(3/9)

- الْإِعْرَاب قَوْله هان أضمر الْفَاعِل لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وَهَان رمي الدَّهْر لدلَالَة قَوْله رماني الدَّهْر الْمَعْنى يَقُول لَا أحفل بمصائب الدَّهْر لِأَنَّهُ لَا ينفع الحذر وَلَا المبالاة وَهَذَا من قَول خِدَاش بن زُهَيْر
(وَبَعْدَ عُيَيْنَةَ الخَيْرِ بْنِ حِصْنٍ ... وَقَدْ بالَيْتُ حَتَّى مَا أُبالي)
وَهُوَ من أَبْيَات الحماسة
(وَقد جعلَتْ نفسِي على البَينِ تَنْطَوِي ... وَعَيْنِي عَلى فَقْدِ الحْبِيبِ تَنامُ)

(وَفارَقْتُ حَتَّى مَا أُبالي مِنَ النَّوَى ... وَإنْ بانَ جِيرَانٌ عَلَّي كِرَامُ)
وكقول الخريمي
(صَبْرتُ فَكانَ الصَّبْرُ خَيرَ شَجِيَّةٍ ... وَهَلْ جَزْعٌ أجْدَى عَلَّى فأجْزَعُ)

8 - الْإِعْرَاب نصب طرا على الْحَال وَيجوز على الْمصدر وَقيل لبَعض الفصحاء كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ أَحْمد الله إِلَيْك وَإِلَى طرة خلقه وروى ابْن جنى ميتَة بِفَتْح الْمِيم أَرَادَ ميتَة فَخفف وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {الأَرْض الْميتَة} وَقد شددها نَافِع وخففها الْبَاقُونَ وَقد شدد الْبَاب كُله نَافِع وَحَمْزَة وَعلي وَحَفْص إِلَّا أَن نَافِعًا انْفَرد بِثَلَاثَة مَوَاضِع قَوْله {أومن كَانَ مَيتا فأحييناه} فِي الْأَنْعَام {وَالْأَرْض الْميتَة} فِي يس وفى الحجرات {يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا} فَشدد الثَّلَاثَة
(3/10)

الْغَرِيب الناعون جمع ناع وَأَصله رفع الصَّوْت وإظهاره بالمصيبة يُقَال نعاه نعيا ونعيانا بِالضَّمِّ والنعي على فعيل الناعي الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت قَالَ الْأَصْمَعِي وَأَصله أَن الْعَرَب كَانَت إِذا مَاتَ مِنْهَا ميت لَهُ شرف ركب فَارس فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وهى مَبْنِيَّة على الْكسر مثل دراك بِمَعْنى أدْرك ونزال بِمَعْنى انْزِلْ وفى الحَدِيث يَا نعاء وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(نعاءِ جُذَاما غيرَ مَوْتٍ وَلا قَتْلِ ... وَلَكِنْ فِرَاقا للدعائمِ والأصْلِ)
الْمَعْنى يَقُول هَذَا الناعي أول من نعى امْرَأَة ميتَة فِي شرفها ومفقودة فِي مثل منزلهَا يُرِيد لم يمت قبلهَا أجل مِنْهَا قَالَ ابْن فورجة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة ميتَة بِكَسْر الْمِيم لِأَن الْميتَة بِفَتْح الْمِيم كثر اسْتِعْمَالهَا فِي الجيفة كَقَوْلِه تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} وَلَا يُخَاطب أَبُو الطّيب سيف الدولة بِمثل هَذَا فِي أمه وَإِنَّمَا يُرِيد الْحَالة الَّتِي مَاتَت عَلَيْهَا وَقَالَ الواحدي لَا وَجه لما قَالَ لِأَن أَبَا الطّيب أَرَادَ أول الْأَمْوَات وَلم يرد أول الْأَحْوَال
9 - الْغَرِيب خطر الشَّيْء ببالي يخْطر بِالضَّمِّ وخطر الرجل يخْطر بِالْكَسْرِ وَمَا أحسن قَول الحريري
(فَكَمْ أَخْطِرُ فِي بالِ ... وَلا أخْطُرُ فِي بالِ)
والبال الذِّهْن وَقيل الْقلب الْمَعْنى يَقُول لقد عظمت مصيبتها وَإِنَّهَا أنست المصائب وَبعثت من الْحزن مَا أفقد جميل الصَّبْر وَأوجب شَدِيد الْجزع حَتَّى كَأَن الْمَوْت قبلهَا لم يفجع بِنَفس وَلَا خطر ببال قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول البحتري
(وَلْم أرَ مِثلَ المَوْتِ حَقَّا كأنَّهُ ... إذَا مَا تَخطتْهُ الأمانِيُّ باطِلُ)
وَمن قَول مُحَمَّد بن وهيب
(نُرَاعُ لذِكْرِ المَوْتِ ساعَةَ ذِكْرِهِ ... وَنَعْتَرِضُ الدُّنْيا فَنَلْهُو وَنلْعَبُ)

(يَقِينٌ كَأنَّ الشِّكَّ أغْلَبُ أمْرِهِ ... عَليْهِ وَعِرْفانٌ إِلَى الجّهْلِ يُنْسَبُ)
وَالْمعْنَى بَينهمَا بعيد وَأما بَيت مُحَمَّد بن وهيب الأول فَهُوَ من قَول زين العابدين على ابْن الْحُسَيْن
(نُراعُ إذَا الجَنائِزُ وَاجَهَتْنا ... وَنَلْهُو حِينَ تَغْدُو رَائحاتِ)

(كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لُمغارِ ذِئْبٍ ... فَلْمَّا غابَ عادَتْ رَاتِعاتِ)
(3/11)

- الْغَرِيب الحنوط طيب يسْتَعْمل فِي غسل الْمَيِّت وَالصَّلَاة الترحم وَالدُّعَاء الْمَعْنى يَقُول رَحْمَة الله ومغفرته ورضوانه على الْوَجْه الْجَمِيل وَجعل الْجمال كفنا لوجهها فَكَأَنَّهُ يَقُول رحم الله وَجههَا الْجَمِيل وَقَالَ ابْن الإفليلي رَحْمَة الله ورضوانه حنوط هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي غيبها الْجمال كَمَا غيبها الْكَفَن وسترها كَمَا سترهَا الْقَبْر فَكَانَت مستورة عَن أعين النَّاس وَقَالَ ابْن وَكِيع وَصفه أم الْملك بِالْوَجْهِ الْجَمِيل غير مُخْتَار وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول النميري
(تَحِياتٌ وَمَغُفِرَةٌ وَرَوْحٌ ... عَلى تِلْكَ المَحِلَّةِ والحْلُولِ)

11 - الْغَرِيب اللَّحْد مَا كَانَ فِي جنب الْقَبْر والشق فِي وَسطه وَمِنْه قَوْله
اللَّحْد لنا والشق لغيرنا يُقَال اللَّحْد واللحد بِضَم اللَّام وَفتحهَا ولحدت الْقَبْر لحدا وألحدت لَهُ فَهُوَ ملحد وَأَصله الْعُدُول عَن الشَّيْء ولحد وألحد فِي دين الله حاد عَنهُ وَقَرَأَ حَمْزَة فِي الْأَعْرَاف والنحل والسجدة {يلحدون} بِفَتْح الْيَاء من لحد وَوَافَقَهُ عَليّ فِي النَّحْل وَقَرَأَ الْبَاقُونَ {يلحدون} من ألحد والصون السّتْر والخلال الْخِصَال وأحدها خلة وَالْمعْنَى يَقُول صَلَاة الله على المدفون قبل مَوته بالصون وَقبل أَن يدْفن فِي التُّرَاب بالعفة والستر وَكَانَ مَدْفُونا فِي كرم خصاله الجميلة وَالْمعْنَى أَنَّهَا كَانَت مستورة قبل أَن يَسْتُرهَا التُّرَاب وَكَانَ كرم خصالها يمْنَعهَا مِمَّا يقبح ذكره قبل أَن تحمل إِلَى اللَّحْد فَكَانَت دفينة فِي ستر الصيانة قبل ستر التُّرَاب
12 - الْإِعْرَاب ذَكرْنَاهُ مَرْفُوع بجديد رفع السَّبَب وَوضع الضَّمِير الْمُتَّصِل مَوضِع الضَّمِير الْمُنْفَصِل جَائِز فِي الِاخْتِيَار وَمثله قَوْله تَعَالَى {أنلز مكموها} وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(فقدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطيبُ لضَغْمَةٍ ... لضَغْمِهِماها يَقْرَعُ العَظْمَ نابها)
الْمَعْنى يَقُول إِن شخصها فِي الأَرْض بَال وَذكرنَا إِيَّاه جَدِيد غير بَال وَالْمعْنَى أَنه يبْلى فِي الْقَبْر وَذكره جَدِيد بَاقٍ على الْأَيَّام وَمثله للمغريمى
(وَإنْ تَكُ للْبِلَى أمْسَيْتَ رَهْنا ... فَقَدْ أبْقَيْتَ مْجداً غَيرَ بالى)
(3/12)

- الْمَعْنى يَقُول إِنَّك قد مت فِي الْعِزّ والعفاف فموتك يتمناه من بَقِي من النِّسَاء وَمن مضى مِنْهُنَّ فَهَذَا الَّذِي يسلينا عَنْك لِأَنَّك حزت خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
15 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّك مت وَلم ترى يَوْمًا تكرهينه فِي حياتك وعوفيت من خطوب الدَّهْر فَلم تلقى مَا ينغص عيشك حَتَّى تفرح الرّوح بِفِرَاق الْبدن فِي مثل تِلْكَ الْكَرَاهَة وَقد نقل من قَول مَحْمُود بن الْحسن
(وَهَوَّنَ مِنْ وَجْدِي وَلَيْسَ بِهَيَّنٍ ... سَلامَتُها بالمَوْتِ مِن جَرْعَةِ الشُّكُل)

16 - الْغَرِيب المسبطر الممتد وَيجمع رواق على أروقة الْمَعْنى يَقُول مت ورواق الْعِزّ ممتد عَلَيْك وعَلى ابْنك كَامِل الْملك وَالْمعْنَى أَنَّك لما مت كنت فِي عز مَمْدُود وسلطان كَامِل قَالَ الصاحب ذكره الاسبطرار فِي مرثية النِّسَاء من الخذلان الْبَين قَالَ ابْن فورجة وَلَا خذلان فِيمَا صَحَّ وَاسْتعْمل كثيرا وَمثله قَول عَمْرو بن معدي كرب
(جَدَاوِلُ زَرْعٍ خُلِّيَتْ وَاسْبَطَرَّتْ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي سَمِعت أَبَا بكر الشعراني خَادِم المتنبي يَقُول قدم علينا المتنبي وقرأنا عَلَيْهِ شعره فَأنْكر هَذِه اللَّفْظَة وَقَالَ مستظل قَالَ الْعَرُوضِي وَإِنَّمَا غَيره الصاحب وعابه عَلَيْهِ
17 - الْغَرِيب مثواك يُرِيد حفرتك والغوادي جمع غادية وَهِي السحابة تنشأ صباحا والغادي السَّحَاب يَغْدُو بمطره والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يَدْعُو لَهَا بسقيا تشبه عطاءها من سَحَاب يشبه نوالها وَالْمعْنَى أَن عطاءها كثير فَهُوَ غَايَة مَا يبلغهُ المتمني
18 - الْغَرِيب الساحي القاشر وَمِنْه سميت المسحاة والحفش شدَّة الوقع وحفشت السَّمَاء حفشا إِذا جَاءَت بالمطر وحفشت الأودية سَالَتْ والأجداث الْقُبُور
(3/13)

وأحدها جدث والمخالي جمع مخلاة وَهُوَ وعَاء يَجْعَل فِيهِ التِّبْن وَالشعِير للدابة الْمَعْنى يَدْعُو لقبرها بالسقيا ويصف السَّحَاب بِشدَّة الْمَطَر وَقع على الأَرْض كوقع أَيدي الْخَيل إِذا أَبْصرت العليق فِي المخالي فَإِنَّهَا تحفر بقوائمها لشدَّة مَا تدق الأَرْض حرصا على الْأكل قَالَ أَبُو الْفَتْح الْغَرَض من الد للقبور بالغيث الإنبات وَمَا يَدْعُو النَّاس إِلَى الْحُلُول وَالْإِقَامَة وَهَذَا مَذْهَب الْعَرَب أَلا ترى إِلَى قَول النَّابِغَة
(وَلا زَالَ قَبرٌ بَينَ بُصْرَى وَجاسمٍ ... عَلَيْه مِنَ الوَسْمِيّ سَحّ وَوَابِلُ)

(فَيُنْبِتُ حَوْذانا وَعَوْفا مُنَوِّراً ... سأُتْبِعُهُ مِنْ خَير مَا قالَ قائِلُ)
وَكلما اشْتَدَّ الْمَطَر كَانَ أجم لنباته وأمرع وَقد عَابَ عَلَيْهِ قوم قَوْله كأيدي الْخَيل أَبْصرت المخالي وَقَالُوا هُوَ من الْكَلَام الْبَارِد ودعاؤه بالسقيا قد أكثرت الشُّعَرَاء فِيهِ قَالَ ابْن المعتز
(يَا غَيْثُ سَقِّ مُحَمَداً ... جُوداً عًلًيْهِ كمَا فَعَل)
وَقَالَ الحصني
(سَقَى جَدَثا بعَرْصَةِسُرّ مَرّا ... سَحابٌ ماؤُهُ سَحَ سَكوبُ)

(رَضِينا أنْ يَصُوبَ لَهُ سُحَابٌ ... كَمَا كانَتْ أنامِلُهُ تَصُوبُ)
وَقَالَ الآخر
(سَقَى جَدَثا ثَوَيْتَ بِهِ مُلِثّ ... كَبَعْضِ نَدَاك مُنْسَرَحٌ هَطولُ)

19 - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يَقُول خَالِيا بنصبه على الْحَال كَمَا تَقول عهدي بك شجاعا وشربي السويق ملتوتا وَلكنه أسْكنهُ على قَول من قَالَ رَأَيْت قَاضِي الْمَعْنى يَقُول لم أر مجدا خَالِيا مِنْك أَيَّام حياتك فَأَنا بعد موتك أسائل عَنْك كل مجد وَجعل الْمجد كَأَنَّهُ ربعهَا يسْأَله عَنْهَا يَقُول أَنا أطلب أخبارك من كل مجد لِأَنَّك كنت مُلَازمَة لَهُ وَقَالَ قوم فِي إِعْرَاب قَوْله خَال هُوَ نعت لمجد فَيكون الْمَعْنى لَيْسَ عهد بمجد خَال مِنْك وعَلى هَذَا لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَة
20 - الْغَرِيب الْعَافِي السَّائِل والبكا يمد وَيقصر الْمَعْنى يَقُول إِذا مر السَّائِل بِقَبْر هَذِه الْميتَة يذكر مَا كَانَ يَشْمَلهُ مِنْهَا أذهله الْبكاء والحزن عَن الطّلب وشغله الْبكاء عَن السُّؤَال وَقد نَقله من قَول البحتري
(فلمْ يَدْرِ رَسْمُ الدَّار كَيْفَ يُحيبُنا ... وَلا نحنُ مِن فَرْطِ البُكا كيفَ نَسألُ)
(3/14)

- الْغَرِيب الجدوى الْعَطاء والإفضال الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أَن الْمَوْت حَال بَينهَا وَبَين الْعَطاء لكَانَتْ تُعْطِي السَّائِل قبل السُّؤَال كعادتها فِي الْحَيَاة يُرِيد وَمَا أعلمك وأعرفك بالإفضال عَلَيْهِ
22 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يقسم عَلَيْهَا بحياتها وَيَقُول هَل سلوت عَن النوال وحبه فَإِن قلبِي وَإِن بَعدت عَن أَرْضك غير سَالَ عَن نوالك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة هَذَا مِمَّا وَضعه فِي غير مَوْضِعه وَلَا يجوز أَن يرثى بِمثل هَذَا وَالْمعْنَى هَل سلوت عَن الْحَيَاة فَإِنِّي غير سَالَ عَن الْحزن عَلَيْك أذكرك وَإِن كنت بعيد عَن أَرْضك وأندبك وَإِن كنت منزحا عَن موضعك
23 - الْغَرِيب النعامي الْجنُوب وَهِي الرّيح الْقبلية وَالشمَال الرّيح الَّتِي تهب من نَاحيَة القطب الْمَعْنى يَقُول نزلت على كراهتنا بنزولك فِي مَكَان لَا يصيبك فِيهِ طيب الرِّيَاح بَعدت فِيهِ أَو بِهِ فَحذف للْعلم بِهِ كَقَوْلِه تعلى {وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس} أَي فِيهِ
24 - الْغَرِيب الخزامي نبت طيب الرّيح والطلال جمع طل وَهُوَ الْمَطَر الصغار والأنداء جمع ندى الْمَعْنى يَقُول قد حجب عَنْك طيب الرّيح والرائحة وندى الأمطار لِأَن المقبور لَا يصل الَّذِي ذكر إِلَيْهِ فَذكر أَن الرِّيَاح مَعَ شدَّة هبوبها قصرت أَن تدركك مَعَ سرعَة مسيرها فَدلَّ على أَنَّهَا فِي بطن الأَرْض وَأَشَارَ بِأَحْسَن إِشَارَة إِلَى اللَّحْد ثمَّ أكد ذَلِك بِأَن قَالَ تحجب عَنْك ريح الرياض العبقة وَيمْنَع مِنْك أنداء طلالها الْمُوَافقَة وَأَشَارَ بالخزامي والأنداء إِلَى الرياض
25 - الْغَرِيب المنبت الْمُنْقَطع الْمَعْنى يَقُول كل سَاكن بِهَذِهِ الدَّار وَهِي الْمقْبرَة غَرِيب بعيد عَن أَهله وعشيرته وَطَالَ هجرهم إِيَّاه وَانْقطع وصاله عَنْهُم وَهُوَ من قَول أبي عَطاء
(فإنَّكَ لْم تَبْعَدْ عَلى مُتَعَهِّدٍ ... بَلى كُلُّ من تحتَ التُّرابِ بَعيدُ)
وَمثله لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
(تَبَدَّلَ دَاراٌ غَيرَ دَارِي وَجِيرَةً ... سِوَايَ وأحْداثُ الزَّمانِ تَنُوبُ)

(أقامَ بِها مُسْتَوْطِنا غَيرَ أنَّهُ ... عَلى طُولِ أيَّامِ المُقامِ غَرِيبُ)

26 - الْأَعْرَاب حصان خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الحصان العفيفة المالكة لنَفسهَا الْمَعْنى يَقُول هِيَ امْرَأَة عفيفة مثل مَاء المزن فِي النَّقَاء وَالطَّهَارَة كاتمة السِّرّ صَادِقَة فِي القَوْل
27 - الْغَرِيب النطاسي الحاذق فِي الْأُمُور والشكايا وأحدها شكوى الْمَعْنى يُرِيد بواحدها ابْنهَا الَّذِي هُوَ وَاحِد النَّاس وفردهم يمرضها ويزيل علتها طَبِيب الامراض يَعْنِي فِي مَرضهَا وَابْنهَا طَبِيب الْمَعَالِي يُرِيد انه الْعَالم بأدواء الْمَعَالِي فيزيلها عَنْهَا حَتَّى تصح معاليه فَلَا يكون فِيهَا نقص وَالْمعْنَى يُرِيد أَن هَذِه لشرفها فِي قَومهَا قد ولدت طَبِيب الْمَعَالِي وَوَاحِد الْفَضَائِل
28 - الْغَرِيب الثغر ثغر الْعَدو وَهُوَ الْموضع الَّذِي بِقرب الْعَدو والأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول إِذا ذكرُوا لَهُ عِلّة بثغر شفت من دائها أسنته وَأمنت مخافتها سيوفه وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِقَدرِهِ وَلَا يعتصم مِنْهُ بِمَنْعه وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الاخيلية
(إذَا هَبَطَ الحْجَّاج أرْضّا مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أقْصَى دائها فَشَفاها)

(شَفاها مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذي بهَا ... عُلامٌ إذَا هَزَّ القَناةَ شَقاها)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(وَقَدْ نُكِسَ الثَّغْرُ فابْعَثْ لَهُ ... صُدورً القَنا فِي ابْتِغاءِ الدَّوَاءِ)

29 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا كَانَت مستورة قبل ستر الْقَبْر وَلَيْسَت من اللواتي يعد لَهَا الْقَبْر سترا فَإِنَّهَا كَانَت محجوبة والحجال هُوَ مَا يستر النِّسَاء وَهُوَ الخدر وَهُوَ جمع حجلة وَهُوَ بَيت صَغِير فِي جَوف الْبَيْت
(3/15)

- الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَرْأَة لَيست من السوقة تتبع جنازتها باعة وتجار يَنْفضونَ نعَالهمْ من التُّرَاب إِذا رجعُوا وَإِنَّمَا كَانَت ملكة جليلة الْقدر والجنازة بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَاحِد وَقيل بِالْفَتْح النعش إِذا كَانَ الْمَيِّت فِيهِ وبالكسر النعش
31 - الْغَرِيب قَوْله حوليها يَعْنِي حولهَا تَقول حولك وحوليك وحواليك وحوالك بِمَعْنى وَاحِد والمرو حِجَارَة بيض براقة يكون فِيهَا النَّار والزف صغَار الريش والرئال جمع رأل وَهُوَ ولد النعام الْمَعْنى يَقُول لشرفها وَشرف وَلَدهَا مَشى الْأُمَرَاء حول جنازتها حُفَاة يطئون الْحِجَارَة فَكَأَنَّهَا عِنْدهم لشدَّة الْحزن ريش النعام فَلم يحسوا بخشونة الأَرْض تَحت أَقْدَامهم لما فِي نُفُوسهم من الْحزن قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(لَوْ أفْرَشُوها الجَنْدَلَ المُضَرَّسا ... تحْتَ الجُنُوب حسِبْتَهُ السُّنْدُسا)

32 - النقس المداد وَهُوَ السوَاد والغوالي جمع غَالِيَة وَهُوَ نوع من الطّيب وأصل النقس المداد قَالَ بعض الْعَرَب فِي وصف كَاتب
(قِرْطاسُهُ مِنَ البَياضِ شَمْسُ ... وَنِقْسُهُ لَيْلٌ عَلَيْهِ يَرْسو)
الْمَعْنى يَقُول جواري هَذِه المفقودة خرجن من الْخُدُور وَكن مخبآت لَا تراهن الشَّمْس فأبرزت لأجل مَوتهَا وجعلن السوَاد على وجوههن مَكَان الطّيب وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن المعتز
(قَدْ كانَتِ الأبْكارُ بِيضاً فاغْتَدَتُ ... سُوداً لِفَقْدِكَ أوْجُهُ الأبْكارِ)

(وَهَتَكْنَ أسْتارَ الحْيَاءِ وَطالَمَا ... سُترَتْ مَحَاسِنُهُنَّ بالأسْتار)

(وَظَهَرْنَ لِلأَبْصَارِ بَعْدَ تَسَتُّرِ ... بالحُجْبِ دُونَ لَوَاحِظِ الأبْصَارِ)
وَقد أحسن الْقَائِل الْمَعْنى
(قدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهُ تَسَتُّراً ... فلَان حِينَ بَدَوْنَ لنُّظَّارِ)

33 - الْمَعْنى يَقُول أتهن الْمُصِيبَة على غَفلَة فبيناهن يبْكين دلالا بكين حزنا
(3/17)

فاختلط الدمعان فهن يبدين الدَّلال مَعَ الْحزن والذلة مَعَ الْحسن وَهَذَا من أبدع الْمعَانِي وَلَو لم يكن لَهُ فِي ديوانه إِلَّا هَذَا لكفاه
34 - الْمَعْنى يَقُول لَو أَن نسَاء الْعَالم كهذه المفقودة فِي الْكَمَال والعفاف لفضلن على الرِّجَال قَالَ ابْن وَكِيع ينظر إِلَى قَول عَليّ بن الجهم
(إذَا مَا عُدَّ مِثْلُكُمُ رِجالاً ... فَمَا فَضْلُ الرِّجال عَلى النِّساءِ)

35 - الْإِعْرَاب من روى عيب وفخر بِالرَّفْع جعل مَا تميمية وَمن نصبهما جعلهَا حجازية وَهِي بِمَعْنى لَيْسَ وَجَاء الْقُرْآن بالحجازية فِي قَوْله {مَا هَذَا بشرا} وَفِي قَوْله {مَا هن أمهاتهم} فِي قِرَاءَة الْجَمَاعَة وَقَرَأَ الْأَعْمَش عَن عَاصِم بِالرَّفْع الْمَعْنى يَقُول رب تَأْنِيث يقصر التَّذْكِير عَنهُ وَلَا يبلغ مبلغه وَلَا ينَال مَوْضِعه ثمَّ بَين ذَلِك بِأَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَالْفضل لَهَا وَالْقَمَر مُذَكّر وَلَيْسَ يعدل بهَا احْتج لتفضيل الْمَرْأَة على الرجل بِحجَّة لم يسْبق إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَهِي النُّور الَّذِي يزْعم بعض النَّاس أَنَّهَا تنير فِي السَّمَاء كَمَا تنير فِي الأَرْض وَوصف الْهلَال بالتذكير وَهُوَ كثير التنقل ويصيبه المحاق فَجعل ذَلِك كالنقص فِيهِ وَمثله للْآخر
(والشَّمْسُ لَيْسَ بضَائِرٍ تَأْنِيثُها ... وَتَزيدُ بالنُّور المُنِير عَلى القَمَرْ)

36 - الْمَعْنى يَقُول أعظم المفقودين فجعة وأجلهم مُصِيبَة من فقد مِثَاله قبل فَقده وَعدم نَظِيره قبل مَوته والمفقودة كَذَلِك لِأَنَّهَا لم يماثلها أحد فِي فضائلها مُدَّة حَيَاتهَا فعظمت الفجعة بهَا عِنْد مماتها فَإِن من وجد لَهُ نَظِير يتسلى عَنهُ
37 - الْغَرِيب يُرِيد الْأَوَائِل وَلكنه قلب وَهُوَ كثير فِي أشعارهم أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(تَكادُ أوَالِيها تَفَرَّى جُلُودُها ... وَيَكْتَحِلُ التَّالي بَمُورٍ وَحاصِبِ)
الْمَعْنى ندفن الْأَمْوَات ونمشي على رُؤْسهمْ بعد مَوْتهمْ وَالْمعْنَى أَن الْإِنْسَان مطبوع على المساوة مجبول على الْأَعْرَاض عَن الرزية والحي يدْفن الْمَيِّت وَالْآخر يطَأ قبر الأول فَلَا يَنْفَكّ من فقد وَدفن وَلَا يعْتَبر بِمن يدْفن بل يمشي على قُبُورهم وَهُوَ من قَول قس بن سَاعِدَة
(3/18)

(وَيخْلُفُ قَوْمٌ خِلافا لِقَوْمٍ ... وَيَنْطِقُ لِلأَوَّل الأوَّلُ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول النَّابِغَة
(حَسْبُ الخَلِيلَينِ أنَّ الأرْضَ بينهُما ... هَذَا عَلَيها وَهَذَا تَحٍ تَها بالي)

38 - الْغَرِيب الجنادل جمع جندلة وَهِي الْحِجَارَة والرمال جمع رمل الْمَعْنى يَقُول كم عين كَانَت لعزتها وشرفها تقبل نَوَاحِيهَا فَصَارَت تَحت الأَرْض مكحولة بِالْحِجَارَةِ والرمل
39 - الْغَرِيب المغضى الصابر عَن قدرَة والخطب الْأَمر الْعَظِيم وأصل الإغضاء إطباق الجفون بَعْضهَا على بعض الْمَعْنى يَقُول كم من إِنْسَان قد أغضى للْمَوْت وَكَانَ لَا يغضي للخطوب الشَّدِيدَة وَكم من بَال لَو رأى فِي جِسْمه هزالًا كَانَ يشْتَغل بِهِ ويفكر فِي أمره وَالْمعْنَى كم من إِنْسَان كَانَ يحذر الضير ويتوقعه نزل بِهِ الْمَوْت وأبلاه قبل مَا كَانَ يحذرهُ وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحتري يرثي غُلَاما لَهُ
(وأصْفَحُ لِلْبِلَى عَنْ ضَوْءِ وَجْهٍ ... غَنِيتُ يَرُوعُنِي فِيهِ الشُّحُوبُ)

40 - الْغَرِيب استنجد من النجدة وَهِي الْإِعَانَة أَي اسْتَعِنْ الْمَعْنى يَقُول يَا سيف الدولة اسْتَعِنْ بِالصبرِ فَأَنت أَهله وَأثبت من الْجبَال فَلَا يُوجد مثلك فِي رزانتك وركانتك للجبال
41 - الْغَرِيب السجال الْحَرْب الَّتِي يتداول فِيهَا الْغَلَبَة وَذَلِكَ أدعى إِلَى شدتها وَهِي أَن تكون مرّة على هَؤُلَاءِ وَمرَّة على هَؤُلَاءِ وَمِنْه قَول أبي سُفْيَان لهرقل حِين سَأَلَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيفَ انتم فِي حربه فَقَالَ الْحَرْب بَيْننَا سِجَال الْمَعْنى يَقُول أَنْت أهل العزاء لِأَن العزاء مِنْك يتَعَلَّم والجدير بِالصبرِ لِأَن الصَّبْر إِلَيْك ينْسب وَبِك يَقْتَدِي فِي الْإِقْدَام على الْمَوْت والنفاذ فِي غَمَرَات الْمَوْت والاستقلال بشدائدها وَمثله لديك الْجِنّ
(نَحْنُ نُعَزّيكَ وَمِنْكَ الهُدَى ... مُسْتَخْرَجٌ والنُّورُ مُسْتَقْبَلُ)
(3/19)

- يَقُول تتلون حالات الزَّمَان عَلَيْك فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والشدة والرخاء وحالك وَاحِدَة لَا تخْتَلف فِي كرم نَفسك ونفاذ عزمك وَمَا يتكفل الله بِهِ من جميل الْعَاقِبَة لَك وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَا أُمْسِكُ المَالَ إلاَّ رَيْثَ أُتْلِفُهُ ... وَلا يُغَيّرِني حالٌ إِلَى حَال)

43 - الْغَرِيب غيضت نقصت وَمِنْه وغيض المَاء تَقول غاض المَاء وغضته والجموم الْكثير تَقول بِئْر جموم إِذا كَانَ كثير المَاء وَفرس جموم كثير الجري والعلل هُوَ الشّرْب الثَّانِي بعد النهل والدخال أَن يدْخل بعير قد شرب بَين بَعِيرَيْنِ لم يشربا لِيَزْدَادَ شربا والغرائب جمع غَرِيبَة وَهِي الَّتِي ترد على الْحَوْض وَلَيْسَت لأهل الْحَوْض الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا وَهُوَ دُعَاء لَهُ بدوام عطائه يُرِيد لَا أعدم الله العفاة جزيل عطائك وتتابع إحسانك لِأَنَّك بَحر يتدفق مَعَ كَثْرَة الواردين لَهُ وَيزِيد مَعَ ترادف الشارعين فِيهِ وينال مِنْهُ الْغَرِيب القاصد كَمَا ينَال الْقَرِيب القاطن قَالَ الواحدي روى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر الفرائت والدجال وَقَالَ هُوَ جمع فرات يُرِيد أَنهَار الْفُرَات المتشعبة مِنْهُ والدجال جمع دجلة وَيُرِيد بعللها مَا يُصِيبهَا من النُّقْصَان وَهَذَا تَصْحِيف وَالصَّحِيح الرِّوَايَة الأولى
44 - الْمَعْنى يَقُول بَيَان فضلك على الْمُلُوك كبيان فضل الاسْتقَامَة على الْمحَال وَالْمعْنَى أَنْت تفضلهم كفضل الْمُسْتَقيم على المعوج
45 - الْمَعْنى يَقُول إِن فضلت النَّاس وَأَنت من جُمْلَتهمْ فقد يفضل بعض الشَّيْء الْكل جملَة كالمسك وَهُوَ بعض دم الغزال يفضله فضلا كثيرا وَالْمعْنَى إِن فاق الْأَنَام وَهُوَ مُهِمّ وفضلهم مَعَ مشاركته فِي الْجِنْس لَهُم فآلك من دم الغزلان فِي أَصله وَسَائِر دم الْحَيَوَان يقصر عَنهُ وَرب وَاحِد قد بذ أمة وَبَعض قد فَاتَ جملَة قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّاعِر كَانَ سيف الدولة يسر بِمن يحفظ شعر أبي الطّيب فَأَنْشَدته يَوْمًا
(رأيْتُكَ فِي الذَِّينَ أرَى مُلُوكا ... )
فَقلت وَكَانَ أَبُو الطّيب حَاضرا هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي يتلوه لم يسْبق إِلَيْهِ فَقَالَ سيف الدولة كَذَا حَدثنِي الثِّقَة أَن أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ كَمَا قلت فأعجب المتنبي واهتز فَأَرَدْت أَن أحركه فَقلت إِلَّا أَن فِيهِ عَيْبا فِي الصَّنْعَة فَالْتَفت المتنبي الْتِفَات حنق وَقَالَ مَا هُوَ قلت قَوْلك مُسْتَقِيم فِي محَال والمحال لَيْسَ من ضد الاسْتقَامَة بل ضدها الاعوجاج فَقَالَ الْأَمِير هَب القصيدة جيمية فَكيف تعْمل فِي تَغْيِير قافية الْبَيْت الثَّانِي فَقلت عجلا كرد الطّرف
(فإنَّ البَيْضَ بَعْضُ دَمِ الدَّجاجِ ... )
فَضَحِك ثمَّ ضرب بِيَدِهِ الأَرْض وَقَالَ حسن مَعَ هَذِه السرعة إِلَّا أَنه يصلح أَن يُبَاع فِي سوق الطير لَا مِمَّا يمدح بِهِ أمثالنا يَا أَبَا الْحسن
(3/20)

- 1 الْإِعْرَاب إِلَى من حُرُوف الْجَرّ دخلت على مَا الاستفهامية فبينت بِنَاء كلمة وَاحِدَة وَسَقَطت الْألف من مَا اسْتِخْفَافًا واعتداد بإلى الموصولة بهَا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي بِمَ وفيم وَعم وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِك بِمَا الخبرية وَمن الْعَرَب من يقف على مثل هَذَا بِالْهَاءِ فَيَقُولُونَ إلامه وَعَمه وفيمه ولمه وَقد قَرَأَ البزي عَن ابْن كثير فِي هَذَا كُله بِالْهَاءِ فِي الوفق وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى حذف الْألف من هَذَا كَثْرَة الِاسْتِعْمَال الْغَرِيب طماعية مصدر بِمَعْنى الطمع كالكراهية وَالْعَلَانِيَة الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَتى يطْمع العاذل فِي استماعي كَلَامه وَالْحب يَقع اضطرارا لَا اخْتِيَارا والعاقل لَا يَقع فِي شرك الْحبّ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا معنى للوم فِيهِ لِأَن الْمُحب مغلوب على أمره فَلَا فَائِدَة فِي لومه وَقد نَقله من قَول السَّلمَانِي
(وَما مِنْ فَتَى فِي النَّاسِ يُحْمَدُ عقله ... فَيُوجَدُ إلاَّ وَهْوَ فِي الحَبِّ أحمَقُ)
وَهَذَا الْبَيْت ظَاهره أَن معنى عَجزه غير مُتَعَلق بِمَعْنى صَدره وَأَيْنَ قَوْله فِي ظَاهره وَلَا رَأْي فِي الْحبّ من قَوْله إلام طماعية وَفِي تعلقه بِهِ وُجُوه أَحدهَا يُرِيد إلام يطْمع عذلي فِي إصغائي إِلَى قَوْله والعاقل إِذا أحب لم يبْق لَهُ مَعَ الْحبّ رَأْي يصغى بِهِ إِلَى قَول نَاصح فعذله غير مجد نفعا وَالثَّانِي أَن الْعَاقِل لَا يرتثي فِي الْحبّ فَيَقَع اخْتِيَارا وَإِنَّمَا يَقع فِيهِ اضطرارا فَلَا معنى لعذله وَالثَّالِث أَن الْعَاقِل لَيْسَ من رَأْيه أَن يورط نَفسه فِي الْحبّ وَإِنَّمَا ذَلِك فِي فعل الْجَاهِل وعذل الْجَاهِل أضيع من سراج فِي الشَّمْس وَكَيف يطْمع فِي نزوعه
(3/21)

- الْغَرِيب الطباع والطبيعة بِمَعْنى وَاحِد وَهِي الخليقة الْمَعْنى يَقُول العاذل يُرِيد من قلبِي أَن يسلاكم وَقد جرى حبكم فِيهِ مجْرى الطبيعة وَحل فِيهِ مَحل الخليقة والطبيعة لَا تنقاد لناقلها وَلَا تتأتى لمخالفها وَهَذَا كَقَوْل الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
(لَا تحْسَبِيني عَنْكُمُ مُقَصِّراً ... إنّي عَلى حُبِّكِ مَطْبُوعُ)
وَأَصله من قَول حَاتِم
(وَلا مَا تَرَوْنَ اليَوْمَ إلاَّ طَبائِعا ... فكيفَ بَتر كي يَا ابنَ أُمَّ الطَّبائِعا)
قَالَ ابْن القطاع قد أفسد هَذَا الْبَيْت سَائِر الروَاة فَرَوَوْه وتأبى بِالتَّاءِ وَهُوَ غلط لَا يجوز قَالَ قَالَ لي شَيْخي أَخْبرنِي أَبُو عَليّ بن رشدين قَالَ لما قَرَأت هَذَا الْبَيْت قرأته بِالتَّاءِ فَقَالَ لم أقل هَكَذَا إِلَّا أَن الطَّبْع والطباع والطبيعة وَاحِد والطبع مصدر لَا يثنى وَلَا يجمع والطبيعة مُؤَنّثَة وَجَمعهَا طبائع والطباع وَاحِد مُذَكّر وَجمعه طبع ككتاب وَكتب وَلَيْسَ الطباع جمعا لطبع وَهَذَا الْبَيْت من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم نقل الطباع من رَدِيء الأطماع شَدِيد الِامْتِنَاع
3 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يعشق تحول جِسْمه يأنس باتصال سقمه ويعشق كل تاحل لمشابهته إِيَّاه فِي حَاله وَالْمعْنَى أعشق نحولي لِأَن عشقكم أدّى إِلَيْهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَفِيه معنى قَول أبي الشيص
(أجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً ... حُبَّا لذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ)
وَهُوَ معنى قَول الآخر
(أُحِبُّ لِحُبِّها السُّودانَ حَتَّى ... أُحِبُّ لأجْلِها سُودَ الكِلابِ)

4 - الْمَعْنى يَقُول أحبكم وَأحب حبكم حَتَّى لَو ذهب الْحبّ عني لبكيت على فراقكم فَلَو فارقتموني وَلم أبك على فراقكم سلوا عَنْكُم بَكَيْت على مَا فَاتَ وَزَالَ من حبي لكم استغباطا لذَلِك فِيكُم واستعذابا لما أَلْقَاهُ بكم وَقَوله وَلَو زلتم وتعقبيبه فِي آخر الْبَيْت بالزائل من أَبْوَاب البديع فِي الشّعْر يعرف بالضدين
(3/22)

- الْغَرِيب المسلك السابل الطَّرِيق الجادة الْمَعْنى يَقُول أينكر خدي مَا أسيل عَلَيْهِ من الدمع وَهُوَ يسكن من ذَلِك إِلَى حَال قد عرفهَا وَعَادَة قد ألفها وَيجْرِي مِنْهُ فِي طَرِيق مسلوك وسبيل معمور لَا يُنكر خدي دموعي
6 - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ دمعي بِأول دمع جرى على فقد الْأَحِبَّة وَلَيْسَ حزني بِأول حزن على مفارق بل هَذَا الَّذِي لَا أعرف غَيره وَلَا أود فَقده
7 - الْمَعْنى يَقُول السلو حَظّ اللائم لَا حظي وَعِنْدِي من الشوق شغل شاغل يشغلني عَن اسْتِمَاع اللوم لِأَنِّي قد وهبت اللائم السلو الَّذِي يدعوني إِلَيْهِ والخلو الَّذِي يحضني عَلَيْهِ وَبت من الشوق فِيمَا يشغلني عَن لومه ومزهدني فِي عذله
8 - الْغَرِيب الثاكل الْمَرْأَة الَّتِي تفقد وَلَدهَا يُقَال ثَكْلَى وثاكل وثكول الْمَعْنى يَقُول الجفون كَأَنَّهَا شقَّتْ على مقلتي شبه قلَّة التقاء جفونه على مقلته واشتغاله بِمَا يذريه من عبرته بِثِيَاب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة وَشبه مقلتيه فِي حزنهما بِتِلْكَ الثاكل فِي وجدهَا وتبعيد السهر لما بَين جفونها بتشقيق الثاكل الثِّيَاب حداد وَهَذَا مِمَّا شبه فِيهِ شَيْئَانِ بشيئين وَهُوَ من أرفع وُجُوه البديع وَقد أَخذه الْوَزير أَبُو مُحَمَّد المهلبي فَقَالَ
(تَصَارَمَتِ الأجْفانُ لَمَّا صَرَمْنَِي ... فَمَا تَلْتَقِي إلاَّ عَلى عَبرَةٍ تَجْرِي)

9 - الْغَرِيب أَبُو وَائِل هُوَ تغلب بن دَاوُد وَهُوَ ابْن عَم سيف الدولة الْمَعْنى أَنه خرج إِلَى وصف أبي وَائِل بِأَحْسَن خُرُوج فَقَالَ لَو كنت أَسِيرًا فِي غير الْحبّ ومغلوبا فِي غير سَبِيل الْعِشْق لاحتلت بحيلة أبي وَائِل وضمنت مَالا كَمَا ضمن مَالا حَتَّى أَنْفك من الْأسر
10 - الْغَرِيب النضار الذَّهَب القنا الذابل الرقَاق الْمَعْنى يَقُول ضمن لَهُم الذَّهَب ثمَّ أَعْطَاهُم الرماح يُشِير إِلَى جَيش سيف الدولة فَإِنَّهُ أَتَاهُم سرا فَقتل الْخَارِجِي واستنقذه بِغَيْر مَال
(3/23)

- الْغَرِيب الباسل الشجاع القوى وَالْخَيْل المجنوبة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا فرسَان وَإِنَّمَا تجنب للْحَاجة إِلَيْهَا فَلَا تركب إِلَّا فِي وَقت الْحَرْب لكرمها الْمَعْنى يَقُول أَعْطَاهُم مَا تمنوا وطلبوا وَوَعدهمْ أَن يَقُود لَهُم الْخَيل فِي فدائه فَجَاءَت الْخَيل بالفرسان الشجعان لمحاربة الْخَارِجِي
12 - الْمَعْنى يَقُول كُنَّا بعد أسره فِي ظلمَة فَلَمَّا عَاد إِلَيْنَا كَانَ كمعاودة الْقَمَر بعد أفوله وَوَائِل مُشْتَقّ من وأل إِذا نجا وَوَائِل منون فَلَا يظنّ أَن الْبَيْت مصرع
13 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما دعَاك إِلَى استنقاذه أَجَبْته وَلَو سكت لم تقعد عَنهُ فكم سَاكِت وَهُوَ بعيد عَنْك لست تقعد عَنهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَائِل لَك يَسْأَلك حَاجته وَالْمعْنَى أَنه دعَاك على بعد مَحَله فأجبته على انزاح مستقره وَرب سَاكِت لبعده عَنْك كالمخاطب لَك لما يُوجِبهُ كرمك من اهتمامك بِشَأْنِهِ واعتنائك بأَمْره
14 - الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش وَرجل جحفل أَي عَظِيم الْقدر والجحفلة لذوات الحوافر كالشفة للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول فلبيته إِذْ دعَاك بِنَفسِهِ فِي جَيش عَظِيم ضمنُوا لَهُ استنقاده وتكفلوا لَهُ برده إِلَى مَكَانَهُ ضَامِن يفك أسره كافل بتعجيل نَصره
15 - الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار والعارض السَّحَاب والوابل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يُرِيد أَن خيل سيف الدولة خرجت من الْغُبَار فِيمَا يشبه السَّحَاب وَمن الْعرق الَّذِي أوجبه الركض فِيمَا يشبه الْمَطَر الشَّديد وَهَذَا من بديع الْكَلَام
16 - الْغَرِيب الصَّفَا الصخر والسياط جمع سَوط والماحل الَّذِي لم يمطر الْمَعْنى يَقُول لما نشفت الْخَيل من الْعرق لقِيت السِّيَاط من جلودها بِمثل الْحجر الأملس الَّذِي يكون فِي الْبَلَد الممحل وَهُوَ أبلغ فِي يبسه وَهَذَا من بديع الْكَلَام يُسمى التتميم
(3/24)

- الْغَرِيب الشفون النّظر شفنته اشفته شفونا إِذا نظرت إِلَيْهِ بمؤخر عَيْنك فَأَنا شافن وشفون قَالَ الْقطَامِي
(يُسارِقْنَ الكَلامَ إلَّى لَمَّا ... حَسِسْنَ حِذَارَ مُرْتَقِب شَفُون)
ِ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لم ينزلُوا عَن ظُهُورهَا خمس لَيَال حَتَّى بلغُوا أَبَا وَائِل يَقُول نظرت الْخَيل إِلَى أبي وَائِل الْمَطْلُوب قبل النّظر إِلَى نَازل عَن ظُهُورهَا هَذَا قَول أبي الْفَتْح قَالَ سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ لي هَذَا وَالْمعْنَى أَن فرسَان هَذِه الجيل لم يفتروا فِي الركض حَتَّى أوقعوا بالقوم الَّذين أَسرُّوا أَبَا وَائِل
18 - الْغَرِيب الْبري التُّرَاب قَالَ مدرك بن حُصَيْن
(بفِيكَ مِنْ سارٍ إِلَى القَوْمِ البَرَي ... )
والبرية مِنْهُ لأَنهم من التُّرَاب فَهُوَ على هَذَا غير مَهْمُوز تَقول براه الله يبروه بروا أَي خلقه وَقيل الْبَريَّة الْخلق وَأَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَقَرَأَ البريئة بِالْهَمْزَةِ نَافِع وَابْن ذكْوَان الْمَعْنى يَقُول دَانَتْ فاعلت من الدنو أَي أَن قَوَائِمهَا ساخت فِي التُّرَاب إِلَى مرافقها ثِقَة بَان الدَّم الَّذِي يجريه ركابهَا سيغسلها ويزيل عَنْهَا التُّرَاب وَقَالَ الْخَطِيب مددن أَيْدِيهنَّ فِي الجري حَتَّى دَانَتْ التُّرَاب وأذعن أَن الدَّم سيغسله عَنْهُن
19 - الْغَرِيب الكاذة لحم مُؤخر الْفَخْذ والبائل الَّذِي يتفحج ليبول والمستغير الَّذِي يطْلب الْغَارة الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه الْخَيل لشدَّة الْعَدو تتفحج لكرمها ونشاطها فَلم تَحْتك كاذتاها وَلَا تدانت عراقيبها وَهَذَا يحدث على الْخَيل الْكِرَام عِنْد الركض الشَّديد بل كَانَ مَا بَين كاذتي المغير مِنْهَا كَالَّذي يكون بَين كاذتي البائل لم تستحل عَن خلقهَا وَلَا اضْطَرَبَتْ فِي شئ من أمرهَا قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يعرق فِي عدوه حَتَّى يسيل الْعرق بَين رجلَيْهِ قَالَ وَذكر فِي معنى هَذَا الْبَيْت أَن المنهزم يَبُول فرقا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن المستغير لَا يكون مُنْهَزِمًا
(3/25)

- الْغَرِيب الردينية الرماح نسبت إِلَى ردينة امْرَأَة كَانَت تقوم الرماح والمصبوحة الْفرس الَّتِي تسقى اللَّبن صباحا لكرامتها على أَهلهَا والشائل النَّاقة الَّتِي ابْتَدَأَ حملهَا فخف لَبنهَا قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا فَقلت لَهُ الشائل لَا لبن لَهَا وَإِنَّمَا الَّتِي لَهَا بَقِيَّة من لبن يُقَال لَهَا الشائله بِالْهَاءِ فَقَالَ أردْت الْهَاء وحذفتها كَقَوْل كثير بن عبد الرَّحْمَن
(لَعَمْرِي لَئِنْ أُمُّ الْحَكيمِ تَرحَّلَتْ ... وأخْلَتْ لِخَيْماتِ العُذَيْبِ ظِلالها)
أَرَادَ العذيبة فَحذف الْهَاء وكقول أبي طَالب
(وَحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ كأنَّهُمْ ... لِمُفْضَي سُيولٍ مِنْ إسافٍ وَنائلِ)
أَرَادَ نائلة وهما صمان فَحذف الْهَاء الْمَعْنى يَقُول إِن خيل سيف الدولة بعد جهدها فِي الطّلب وعرقها فِي الركض لقِيت مَعَ الْخَارِجِي أَشد مَا يلقاه الْأَعْرَاب الَّذين يطعنون بِالرِّمَاحِ وتعدو بهم كرائم الْخَيل الَّتِي تسقى اللَّبن عِنْد قلته وَالْحَاجة إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن النوق إِذا شالت قل لَبنهَا واحتيج إِلَيْهِ فَهُوَ يؤثرون بِهِ الْخَيل لكرمها وَقَالَ ابْن القطاع حذف الْهَاء لإِقَامَة الْوَزْن والشائلة الَّتِي مر عَلَيْهَا من وَقت نتاجها سَبْعَة أشهر فخف لَبنهَا وَجَمعهَا شول والشائل بِلَا هَاء الَّتِي تشول بذنبها وَلَا لبن لَهَا وَجَمعهَا شول
21 - الْغَرِيب الإِمَام هُوَ الْخَارِجِي الْمَعْنى يَقُول وَلَقِيت هَذِه الْخَيل جَيش إِمَام إِمَامَته بَاطِلَة قَالَ أَبُو الْفَتْح قد صَحَّ أَن إِمَامَته بَاطِلَة لَا شكّ فِيهَا قَالَ الواحدي بل مَعْنَاهُ أَن إِمَامَته صَحِيحَة فِي الْبَاطِل يُرِيد أَن أَصْحَابه سلمُوا لَهُ الْإِمَامَة فَهُوَ إِمَام المبطلين ورد على أبي الْفَتْح قَوْله قَالَ الْخَطِيب يَقُول إِنَّه ركب جملا وَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه يحثهم على الْقِتَال وَأعْرض عَن ركُوب الْخَيل لتيقنه أَن أَصْحَابهَا يهْلكُونَ دونه وَأَن الْغَلَبَة لَهُ
22 - الْغَرِيب ينحزن ينفعلن من الانحياز يَنْضَم بَعْضهَا إِلَى بعض والعاسل الَّذِي يجمع الْعَسَل من بيُوت النَّحْل الْمَعْنى يَقُول أَقبلت خبل الْخَارِجِي تنفر وتهرب من جَيش سيف الدولة نفور النَّحْل عَن العاسل
(3/26)

- الْمَعْنى يَقُول لما ظَهرت لأَصْحَاب الْخَارِجِي رَأَتْ أسدها جمع أَسد وهم شجعانها وَيجوز أَن تكون الْهَاء فِي أسدها للأصحاب وَيجوز أَن تكون للخيل وَالْمعْنَى رَأَتْ أَسد أَصْحَابه أسدا تأكلها وتفنيها كَمَا كَانَت هِيَ تَأْكُل غَيرهَا وَالْمعْنَى كنت أَشْجَع مِنْهُم
24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الضَّرْب وَإِن كَانَ لإفراطه جورا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عدل لِأَن قل مثلهم عدل وقربة إِلَى الله تَعَالَى وَفِي مَعْنَاهُ لحبيب
(أنْ لَسْتَ نِعْمَ الجارُ للسُّنَنِ الأُلَي ... إلاَّ إذَا مَا كُنْتَ بِئْسَ الجارُ)
يُرِيد للْكفَّار وَقَالَ الْعَرُوضِي الْمَعْنى إِن جَار فِي الضَّرْب فقد عَم بِالْقَتْلِ فعدله أَنه لم ينفلت مِنْهُ أحد إِلَّا أَصَابَهُ من ذَلِك الضَّرْب وَإِن أفرط فِيهِ حَتَّى يصور جائرا فَلهُ فيهم قسْمَة الْعَادِل فِي الْقسم لِأَنَّهُ قطع مَا أصَاب فَجعله نِصْفَيْنِ فَصَارَ الضَّرْب كَأَنَّهُ يقسم بِالسَّوِيَّةِ والإنصاف وَالْمعْنَى انك بدوت لَهُم بِضَرْب عَم جَمَاعَتهمْ وَشَمل جُمْلَتهمْ أبلغ فيهم إبلاغ الجائر وأفرط إفراط المسرف وَسوى بَينهم تسويه الْعَادِل وَقد طابق بَين الْعدْل والجور
25 - الْغَرِيب الشذان المتفرقون والحافل الَّتِي حفل ضرْعهَا وامتلأ لَبَنًا الْمَعْنى يَقُول وبدوت لَهُم بطعن لَا يتَخَلَّص مِنْهُ شَاذ وَلَا نافر بلَى يَجْتَمعُونَ فِيهِ اجْتِمَاع اللَّبن الْكثير فِي الضَّرع وَالْمعْنَى جمع متفرقهم بشدته وحصرهم بمخافته كجمع الضَّرع درته
26 - الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَى فَارس من الْأَعْدَاء لم يقدر أَن يذهب عَنْك بل يضعف خوفًا مِنْك وهيبة وَلَا يقدر أَن يذهب ذهَاب الراجل وَقَالَ الْخَطِيب إِذا نظرت إِلَى الْفَارِس وَهُوَ أقدر على الْفِرَار من الراجل تحير فَلم يقدر أَن يذهب ذهَاب الْوَاحِد من الرجالة
27 - الْغَرِيب اللحى جمع لحية والناصل الَّذِي قد ذهب خضابه وَهُوَ فَاعل بِمَعْنى مفعول كَقَوْلِهِم نَاقَة ضَارب للَّتِي ضربهَا الْفَحْل وَكَقَوْلِه تَعَالَى {عيشة راضية} أَي مرضية
(3/27)

الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة خضب لحاهم بدمائهم غير أَنه لَا يُعِيد الخضاب على من نصل خضابه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الناصل الْمَضْرُوب بالنصل يُرِيد إِذا ضرب إنْسَانا بِسَيْفِهِ لم يبْق فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الضَّرْبَة أَي أَن هَذَا الْفَتى لَا يقْصد بخضابه التزيين وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ الإهلاك فَلَيْسَ يحفل إِذا أهلك النَّفس بِمَا أَخطَأ فِي خضابه من الشّعْر وَهُوَ من قَول طرفَة
(حُسامٌ إذَا مَا قُمْتُ مُنْتَضِيا لَهُ ... كَفى العَوْدَ منهُ البَدءُ ليسَ بِمِعْضَدِ)

28 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مستغن بقوته عَمَّن ينصره فَلَا يستغيث إِلَى نَاصِر وَلَا يستكين من خذل خاذل لِأَنَّهُ وَحده يُغني عَن جَيش بشجاعته
29 - الْغَرِيب الوزع الْكَفّ والطرف الْفرس الْكَرِيم والهائل الْأَمر الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول لَا يكف فرسه عَن مقدم أَو إقدام يَعْنِي أَنه لَا يخَاف شَيْئا لجراءته وإقدامه وَلَا يهوله شئ فَيرد طرفه عَنهُ وَقد جانس بَين الطّرف والطرف
30 - الْغَرِيب التبل الثأر والترة وَلم يشأه لم يفته والماطل الَّذِي يمطل بِالدّينِ وَلم يسهل عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّيه الْمَعْنى يَقُول إِذا طلب ثأرا لم يفته وَإِن كَانَ مُمْتَنعا أمره متعذرا مَوْضِعه وَقَوله وَإِن كَانَ دينا ضربه مثلا وَالْمعْنَى أَنه يدْرك الثأر وَإِن بعد الْعَهْد
31 - الْغَرِيب أَتَاكُم بِمَعْنى جَاءَكُم وَهُوَ مَقْصُور والممدود بِمَعْنى أَعْطَاكُم وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَلَا تفرحوا بِمَا أَتَاكُم بِالْقصرِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَاءَكُم الْمَعْنى أَنه يُرِيد الِاسْتِهْزَاء بهم والتوبيخ لَهُم وَالْمعْنَى خُذُوا مَا جَاءَكُم بِهِ من ضَمَان أبي وَائِل فالغنيمة فِيمَا عجل لكم وَمَا تَأَخّر لَعَلَّه لَا يصل إِلَيْكُم وَالْمعْنَى يُرِيد مَا جَاءَكُم بِهِ من هَذِه الْوَقْعَة
(3/28)

- الْغَرِيب حمص بَلْدَة صَغِيرَة بِالشَّام على ثَلَاث مراحل من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن كُنْتُم قد استقللتم مَا جَاءَكُم بِهِ فِي هَذَا الْعَام من الْقَتْل والأسر والسبي فعودوا إِلَى حمص من الْعَام الْقَابِل فَإِنَّهُ يعود لكم بِمثل هَذِه الْوَقْعَة
33 - الْمَعْنى يَقُول إِن أعجبكم مَا فعل بكم فعودوا فَإِن الحسام الَّذِي خصبه من دمائكم فِي يَد من قتلكم وَهُوَ فِي يَد من قتل جماعتكم وأذل عزكم وأذهب نخوتكم
34 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد يجود على السَّائِل بِمثل ضَمَان أبي وَائِل الَّذِي لم تدركوه وَالْمعْنَى أَنه يجود على سائله بِمثل الَّذِي رمتموه من الضَّمَان فأعجزكم ويسمح لقاصده بِمثل الَّذِي حاولتموه فأهلككم وَلَو سألتموه لعمكم فَضله وَلَو قصدتموه لشملكم عَفوه
35 - الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل وَالْعَامِل صدر الرمْح والزهو الْكبر وَالْفَخْر الْمَعْنى يَقُول هُوَ قُدَّام جَيْشه الَّذِي يفتخرون بِهِ بمَكَان السنان من الرمْح يُرِيد انه يتقدمهم كَمَا يتَقَدَّم السنان الرمْح وَالْإِمَام هُوَ قُدَّام الشَّيْء والوراء من الأضداد يكون بِمَعْنى خلف وَبِمَعْنى قُدَّام قَالَ الله تَعَالَى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك} يَعْنِي قدامهم
36 - الْغَرِيب البازل من الْإِبِل الَّذِي قد ظهر نابه وجمل بازل وناقة بازل بِلَفْظ وَاحِد وَهُوَ الَّذِي فطر نابه فِي السّنة التَّاسِعَة وبزل يبزل بزولا وَرُبمَا بزل فِي السّنة الثَّامِنَة وَالْجمع بزل وبزل وبوازل الْمَعْنى يَقُول أعجب من هَذَا الْخَارِجِي الَّذِي ركب حملا وَيُشِير بكمه يأمل الظفر وَالظفر لَا يَأْتِي بتحريك الْكمّ وركوب الْجمل
37 - الْغَرِيب الْفرس الْحَائِل الَّذِي لم تحمل وَالْجمع حول وَإِذا حَالَتْ الْفرس أَو النَّاقة فَهُوَ أَشد لَهَا والماضي السَّيْف الْمَعْنى يَقُول هَل أوحى الله إِلَيْهِ أَلا تلق جَيش سيف الدولة بِسيف على فرس قوي يُرِيد الله أمره أَلا يَأْخُذ للحرب آلتها ويتأهب فِيهَا بأهبتها وَأَن لَا يلقى الْحَرْب
(3/29)

بِسيف مَاض على فرس كريم حَائِل قيل إِن الْخَارِجِي كَانَ يَقُول لَا آتى إِلَّا بِمَا يَأْمُرنِي الله بِهِ فَكَانَ يَدعِي النُّبُوَّة
38 - الْغَرِيب غناك أَي سَمِعت صَوت رنته والكاهل أَعلَى مُجْتَمع الْكَتِفَيْنِ الْإِعْرَاب إِذا مَا ضربت صفة لقَوْله بماض الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّيْف إِذا ضربت بِهِ رَأس أحد بَرى رَأسه وَوصل إِلَى عظم الْكَاهِل فَجعل ذَلِك الصَّوْت كالغناء وَهُوَ من قَول النمر بن تولب
(تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْتَ بِه ... بُعْدَ الذّرَاعَينِ والسَّاقَينِ وَالْهَادِي)
وَمثله لأبي نواس
(إذّا قامَ غَنَّتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ ... لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الفِناءِ قَصِيرُ)
وَقد نظر إِلَى قَول مزرد
(مِنَ المُلْسِ هِنْديّ مَتى يَعْلُ حَدُّهُ ... ذُرَا البَيْضِ لمْ تَسْلَمْ عليهِ الكوَاهلُ)

39 - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْخَارِجِي بِأول من دَعَتْهُ همته إِلَى مَالا يَنَالهُ يُرِيد أَنه طمع فِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة وَالْمعْنَى لَيْسَ هُوَ بِأول من هم بِمَا يمْتَنع عَلَيْهِ ورام مَا لَا يجد سَبِيلا إِلَيْهِ
40 - الْغَرِيب اللج العميق من الْبَحْر والموج جمع موجة والساحل جَانب الْبَحْر الْمَعْنى يَقُول إِن هَذَا الْخَارِجِي فِيمَا يتعاطاه من مقاومة جَيش سيف الدولة وعجزه عَن أقلهَا وَمَا رامه من التَّعَرُّض لشدَّة عَزَائِمه وهلاكه بأيسرها كمن يُرِيد أَن يَخُوض لجة الْبَحْر ويضعف عَن الْوُقُوف فِي شطه وَيُرِيد اقتحام معظمه والموج يغمره فِي ساحله وَالْمعْنَى أَنه يتَعَرَّض للصعب الْكَبِير وَهُوَ يعجز عَن السهل الحقير قَالَ أَبُو الْفَتْح يشمر للج يُرِيد تمويهه على الْأَعْرَاب واستغواءه إيَّاهُم وادعاءه فيهم النُّبُوَّة قَالَ وَيَعْنِي بالموج عَسْكَر سيف الدولة قَالَ ابْن فورجة أَي تمويه فِي أَن يشمر هَذَا الرجل عَن سَاقه لحوض اللجة وَالَّذِي أَرَادَ أَبُو الطّيب أَنه يدبر فِي ملاقاة مُعظم الْعَسْكَر والتوغل فِيهِ حَتَّى يصل إِلَى سيف الدولة وَيَأْخُذ الأهبة لذَلِك فَهُوَ كالمشمر عَن سَاقه لخوض مَاء وَقد غمره الموج فِي ساحله يُرِيد أَنه قد غرق فِي أَطْرَاف عسكره وَغلب بأوائله فَذهب تَدْبيره بَاطِلا
(3/30)

قَالَ الواحدي وَلقَوْل ابْن جنى وَجه حسن لم يقف عَلَيْهِ ابْن فورجة يَقُول إِن الْخَارِجِي كَانَ قد طمع فِي بَيْضَة الْإِسْلَام حَيْثُ ادّعى النُّبُوَّة فَجعل اللج لَهَا مثلا وَجعل سيف الدولة وَهُوَ قِطْعَة من عساكرنا وَوَاحِد من أمرائنا كالساحل وَقد غرق وَهُوَ فِي السَّاحِل فَكيف يصل إِلَى اللجة
41 - الْغَرِيب الْفَاصِل الْقَاطِع ويروي الْفَاضِل بالضاد وَالْفَاء وَهُوَ من صفة سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول أما للخلافة من يشفق على سيفها أَو يمنعهُ من الحروب فِي الْقِتَال شَفَقَة عَلَيْهِ من أَن تصيبه آفَة فَتبقى الْخلَافَة وَلَا سيف لَهَا وَهَذَا سيفها الَّذِي بَان فَضله وارتضى سَعْيه
42 - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة فَيحْتَاج إِلَى ضَارب وحامل وَإِنَّمَا هُوَ سيف الدولة المحامي عَنْهَا فَهُوَ يقطع الْأَعْدَاء من غير أَن يضْرب بِهِ ويسري إلَيْهِنَّ بِلَا حَامِل الْمَعْنى إِذا افْتقر السَّيْف إِلَى من يضْرب بِهِ كَانَ مُنْفَردا بِفِعْلِهِ وَإِذا التجأ إِلَى من يحملهُ كَانَ مكتفيا بِنَفسِهِ
43 - الْغَرِيب النقا الْكَثِيب من الرمل والجماجم جمع جمجمة والناخل فَاعل من نخل ينخل الْمَعْنى يَقُول تركت جماجم أَصْحَاب الْخَارِجِي وَقد فَارَقت أجسامها فِي الرمل لما أوقعت بهَا من الضَّرْب حَتَّى اخْتلطت بالرمل فَلم يتَخَلَّص لناخلها وَالْمعْنَى دست رُءُوسهم بحوافر الْخَيل حَتَّى لَو نخل الرمل الَّذِي قَتلتهمْ بِهِ لم يحصل من رُءُوسهم شَيْء
44 - الْمَعْنى يَقُول لَو قدرت السبَاع على النُّطْق لأثنت بِمَا شملها من إحسانك بِكَثْرَة الْقَتْلَى فكأنك بِمَا أوليتها من لُحُوم الْقَتْلَى أنبت لَهَا ربيعا وَهَذَا ترشيح للاستعارة بِأَن السبَاع لَا تَأْكُل الْحَشِيش وَلما اسْتعَار الرّبيع اسْتعَار النبت لَهُ وَالْمعْنَى أنبت من أَجْسَادهم ربيع السبَاع فأخصبت فِي لحومها إخصاب السَّائِمَة فِي ربيعها فأثنت بِمَا عَمها من فضلك وشملها من إحسانك وَهَذَا الْبَيْت من أحسن الْكَلَام وَهُوَ مَبْنِيّ على الِاسْتِعَارَة وَمثله قَوْله
(وكانَ بِها مِثْلُ الجُنُونِ فأصْبَحَتْ ... وَمِنْ جُثَثِ القَتْلَى عَليها تَمائِمُ)
(3/31)

- الْغَرِيب حلب مَدِينَة بِالشَّام مَعْرُوفَة كَانَت من ولَايَة سيف الدولة والحلى فِيهِ ثَلَاث لُغَات بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْبَاء وَبهَا قَرَأَ أَكثر السَّبْعَة وبكسر الْحَاء وَاللَّام وَالتَّشْدِيد وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وبفتح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبهَا قَرَأَ يَعْقُوب وَالْحسن والعاطل الَّذِي لَا حلى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول عدت إِلَى حلب مستقرك ظافرا فحليت بعد العطل بعودتك وأنست بعد الوحشة بأوبتك وَالْمعْنَى أَن زِينَة حلب بك
46 - الْغَرِيب الناعل ذُو النَّعْلَيْنِ كَمَا أَن الدراع ذُو الدرْع وَفِي الْمثل أطرى فَإنَّك ناعلة أَي خذي أطرار الطَّرِيق وخشونته فَإنَّك ذَات نَعْلَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مَا فعلته وَأَنت غير متأهب لَهُ يعجز عَنهُ متأهب وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي أَدْرَكته غير حافل بِهِ يعجز عَنهُ غَيْرك إِذا اجْتهد فِيهِ غَايَة الِاجْتِهَاد وكي بالحافي عَن المسترسل وبالناعل عَن الْمُجْتَهد المتأهب للأمور
47 - الْغَرِيب الشية الْعَلامَة تكون من غير اللَّوْن وَهُوَ خلط لون بلون والأبلق من كل لون الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض والجائل الَّذِي يجول بَين الصفين الْمَعْنى يَقُول كم لَك من خبر شَائِع فِي النَّاس بفتوحك وظفرك فَهُوَ مشهر إشهار الأبلق الَّذِي يجول فِي الْخَيل فَلَا يخفي مَكَانَهُ وَالْمعْنَى كم لَك من خبر شَائِع ذكره وَمن فعل جليل قدره وَقد شهره كرمك كَمَا شهر الأبلق الجائل شيته وَتبين علامته وَضرب هَذَا مثلا
48 - الْغَرِيب الردي الْمَوْت والواغل الدَّاخِل على الْقَوْم فِي شرابهم من غير أَن يدعى والوارش الَّذِي يدْخل على الْقَوْم فِي طعامهم قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْما مِنَ اللهِ وَلا وَاغِلِ)
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الوغل الشَّرَاب الَّذِي يشربه الواغل وَأنْشد قَول عَمْرو بن قميئة
(إنْ أكُ مِسْكِيراً فَلا أشْرَبُ الْوَغْلَ ... وَلا يَسْلَمُ مِنِّي البَعيِرْ)
الْمَعْنى يَقُول وَكم لَك من يَوْم أَقمت فِيهِ سوق الْحَرْب وتنازع بنوه شراب الردى
(3/32)

وتعاطوا كؤوس الْمَوْت فأبغض حُضُوره الواغل فِيهِ وَتكره شدته الصالي بِهِ وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة
49 - الْغَرِيب العناة جمع عان وهم الأسرى والعفاة جمع عاف وهم السؤل والعناة يُرِيد بهم الأسرى وَمِنْه الحَدِيث اسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّهُنَّ عوان عنْدكُمْ لِأَن الْمَرْأَة أسيرة فِي يَد الرجل وَيُقَال للخمر عانية لِأَنَّهَا كالأسير فِي المدن إِذا خففت الْيَاء فَإِذا شددتها نسبتها إِلَى عانة بَلْدَة على الْفُرَات بِالْقربِ من رحبة مَالك بن طوق الْمَعْنى أَنْت عادتك هَذِه الْأَشْيَاء تفك الأسرى من أسرهم وتغنى السَّائِلين عَن مَسْأَلَة غَيْرك وَتَعْفُو عَن كل مذنب وَالْمعْنَى بفك الأسرى ببأسك وتغنى السُّؤَال بكرمك وَتغْفر للجاهلين بِحِلْمِك
50 - الْإِعْرَاب معطيكه الْكَاف وَالْهَاء فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وهما مفعولان فِي الْمَعْنى وَتَقْدِيره معطيك إِيَّاه الْغَرِيب الْأَجَل وَقت لَهُ أجل مَحْدُود وَالْأَجَل فِي غير هَذَا من قَوْلهم أجل الشَّرّ إِذا جَرّه وجناه قَالَ خَوات بن جُبَير
(وأهْلِ خِباءٍ صَالحٍ كنْتُ بَينهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عاجِلٍ أَنا آجِلُهْ)
يُرِيد جَانِبه وَبعده قَالَ
(فأقْبَلْتُ فِي الساعيِينَ أسألُ عَنْهُمُ ... سُؤَالكَ بالشَّيءِ الَّذِي أنتَ جاهِلُه)
وَمَعْنَاهُ أَنه مر بصبية يتضاربون فاستعانه بَعضهم على بعض فَضرب صَبيا مِنْهُم فَمَاتَ ثمَّ جَاءَ إِلَى أهل الْمَقْتُول يسألهم عَن الْخَبَر كَأَنَّهُ جَاهِل بِهِ الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِأَن يهنئه الله بالنصر الَّذِي أعطَاهُ وَأَن يرضى سَعْيه فِي الْآخِرَة فعمه فِي هَذَا الدُّعَاء بِخَير الدَّاريْنِ وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وَالْمعْنَى فهناك الله مَا منحك من نَصره وزادك فِيمَا آتاك من فَضله وَوصل مَا وهب لَك من ذَلِك فِي العاجل بِمَا يرضيه من سعيك فِي الْأَجَل
51 - الْغَرِيب المومس والمومسة الْمَرْأَة الْفَاجِرَة والحابل الصَّائِد ذُو الحبالة وَهِي الشّرك والكفة بِالْكَسْرِ كل مستدير وبالضم كل مستطيل وبالفتح الْمرة الْوَاحِدَة من كففته وَقَوْلهمْ لَقيته كفة كفة بِفَتْح الْكَاف أَي استقبلته مُوَاجهَة وهما اسمان جعلا وَاحِدًا وتبينا على الْفَتْح مثل خَمْسَة عشر قَالَ الْأَزْهَرِي وَيُقَال فِي كفة الْمِيزَان بِالْفَتْح وجمعهما كفف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الدُّنْيَا وَهِي الْمشَار إِلَيْهَا بِالدَّار فاجرة خوانة لأصحابها هِيَ كل يَوْم عِنْد وَاحِد وَهِي أخدع من حبالة الصَّائِد وَالْمعْنَى أَنَّهَا أَهْون من الْفَاجِرَة الَّتِي تخلف من وثق بهَا وأخدع من الحبالة الَّتِي تصرع من اطْمَأَن إِلَيْهَا
52 - الْغَرِيب الطائل مَا كَانَ لَهُ قدر وَهُوَ اسْم فَاعل من طَال الشَّيْء إِذا علاهُ وَمِنْه الطول بِفَتْح الطَّاء الْمَعْنى يَقُول الرِّجَال قد تفانوا على حبها وَلم يحصلوا من أمرهَا على طائل لِأَنَّهَا تَأْخُذ مَا تعطيه وتهدم مَا تبينه وتمر بعد حلاوتها وتعوج بعد استقامتها فَمن عرفهَا رفضها وَمن قدرهَا هجرها قَالَ ابْن الشجري الشريف هبة الله الْحسنى مَا عمل فِي ذمّ الدُّنْيَا مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَصدق فِي قَوْله وَبَلغنِي أَن رَسُول الإفرنج دخل على الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَذكر هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ وَحقّ ديني مَا فِي الْإِنْجِيل موعظة أبلغ من هَذِه الموعظة
(3/33)

- 1 هَذِه القصيدة من الْبَسِيط والقافية من المتراكب الْغَرِيب الممالك جمع مملكة وَهِي سُلْطَان الْملك فِي رَعيته والأسل الرماح والقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول أَعلَى الممالك مَا جَاءَ قسرا وَغَلَبَة بالطعن لَا مَا جَاءَ عفوا وَالْمعْنَى أَعلَى الممالك رُتْبَة وأظهرها رفْعَة مَا بنى على الْحَرْب وَدفع عَنهُ بالطعن وَالضَّرْب وَأَشَارَ بالأسل إِلَى هَذِه الْعبارَة وَمَا يكون الطعْن عِنْد محبَّة مَالِكه والقتال عِنْد محبه إِلَّا كالقبل المستعذبة وَاللَّذَّات المغتنمة وَعجز الْبَيْت من قَول الطَّائِي
(يَسْتَعْدِبُونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمُ ... لاييأَسُون مِنَ الدُّنيا إذَا قُتِلُوا)
(3/34)

وَمعنى بَيت من أبي الطّيب أَنهم يستعذبون ويستلذون الطعْن استلذاذ الْقبل وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول عِنْد محبيه لِأَن الطعْن مصدر طعن إِلَّا أَنه جعله جمع طعنة وَكَانَ سَبَب قَول أبي الطّيب هَذِه القصيدة أَن أَحْمد هَذَا قصد الْموصل لقِتَال الْحسن ابْن عبد الله بن حمدَان أخي سيف الدولة فَسَار أَخُوهُ إِلَيْهِ إِلَى الْموصل لنصره فَلَمَّا أحس الديلمى بإقبال سيف الدولة صَالح أَخَاهُ الْحسن على أَن يبْعَث إِلَى السُّلْطَان من خراج الْموصل مَا جرت بِهِ عَادَته فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ورحل عَن الْموصل من غير قتال وَرجع إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة وأنشدها فِي ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة
2 - الْإِعْرَاب نصب دهرا على الظّرْف وَرفع قبل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ لما قطع عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم الْغَرِيب التقلقل ضد السّكُون وَهُوَ الْحَرَكَة العنيفة والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس مَأْخُوذ من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا تقر فِي الممالك حَتَّى تتحرك زَمَانا فِي رُءُوس الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى إِنَّمَا تسكن سيوف فِي دولتها وتسكن فِي مملكتها حَتَّى تكون حركتها فِي ضرب رُءُوس المحالفين وتشتهر آثارها فِي قمع المعترضين فَحِينَئِذٍ تنوب رهبتها عَن استلالها وتغنى هيبتها عَن اسْتِعْمَالهَا وَأَشَارَ بذلك إِلَى انصراف الديلمي عَن الْموصل بِغَيْر حَرْب هَيْبَة لسيف الدولة وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(سأْجْهِد عَزْمي والمَطايا فإنَّنِي ... أرَى العَفْوَ لَا يُمْتاحُ إِلَّا من الجَهْدِ)

3 - الْمَعْنى يَقُول مثل سيف الدولة إِذا طلب أمرا تقربه الرماح والمطايا وَالْمعْنَى يَقُول إِن الْأَمِير لما قصد الْموصل لدفع الديلمي عَنهُ قرب ذَلِك لَهُ طول رماحه فِي وقيعته وإسراع خيله وَإِبِله إِلَى عَادَته وتلخيصه إِذا أَرَادَ أمرا لم يعسر عَلَيْهِ
4 - الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة الْمَعْنى يَقُول وقربها عَزمَة نَافِذَة بعثها مِنْهُ همة عالية يتواضع زحل عَنْهَا كتواضع الأَرْض عَن علو زحل
5 - الْإِعْرَاب لملقى اللَّام لَام الْأَجَل أَي لأجل خُرُوجه عَن حلب
(3/35)

الْغَرِيب الأعاصير جمع إعصار وَهِي الرّيح تلتف بالغبار وَتَعْلُو مستطيله وَفِي الْمثل
(إنْ كُنْتَ رِيحا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصَاراً ... )
والمقتبل الَّذِي تناهى شبابه وَلَيْسَ عَلَيْهِ للكبر أثر وَقَالَ الواحدي المقتبل الَّذِي تقبله الْعُيُون وحلب مَدِينَة مَعْرُوفَة والفرات نهر كَبِير مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول إِن على الْفُرَات غبرات تثيرها كتائب سيف الدولة وَفِي حلب دَار مُسْتَقِرَّة وَحْشَة لملك قد عوده الله الظفر على أعدائه ولقاه النَّصْر فِي مقاصده مقتبلا فِي شبيبته متناهيا فِي قوته وَقَالَ الواحدي على الْفُرَات ريَاح فِيهَا غُبَار لمَكَان جَيش أَخِيك نَاصِر الدولة وَفِي حلب وَحْشَة لِأَنَّك بَعدت عَنْهَا وَيُرِيد بملقى النَّصْر سيف الدولة لِأَنَّهُ يلقى النَّصْر من حَيْثُ قصد
6 - الْمَعْنى أَنه ينذر أعداءه بكتبه أَولا فَإِن لم يطيعوه قصدهم بجيشه فَجعل خيله بَدَلا من رسله يُرِيد أَن كتبه لَيست لاستصلاح وَلَا إعتاب إِنَّمَا هِيَ للإعلام بِأَنَّهُ مُتَوَجّه إِلَيْهِم وَالْمعْنَى أَنه لَا يحب الظفر اغتيالا لشجاعته وقوته فأسنته أبدا تالية لكتبه وَهُوَ من قَول مُسلم
(مَنْ كانَ يَخْتِلُ قِرْنا عِندَ مَوْقِفِهِ ... فإنَّ قِرْنَ عَلىّ غَيْرُ مُخْتَتَلِ)
وَمن قَول البحتري
(وَحتى اكْتَفَى بالرُّسْلٍ دُونَ الكَتائبِ ... )

7 - الْغَرِيب الجزر الشَّاة الَّتِي أعدت للذبح وأجزرت الْقَوْم إِذا أعطيهم شَاة يذبحونا نعجة أَو كَبْشًا أَو عَنْزًا وَلَا يكون إِلَّا من الْغنم وَلَا يُقَال أجزرتهم نَاقَة لِأَنَّهَا قد تصلح لغير الذّبْح وجزر السبَاع اللَّحْم الَّذِي تَأْكُله وَيُقَال تركوهم جزرا بِالتَّحْرِيكِ إِذا قتلوهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقى الْمُلُوك إِذا خالفته فَلَا يلقى إِلَّا جزر سيوفه وَمَا أعدوه من سِلَاحهمْ وآلاتهم فَلَا يلقى إِلَّا غَنَائِم جيوشه لما عوده الله من الظفر والظهور عَلَيْهِم وإيقاعه بهم
8 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مهجته لسيف الدولة لِأَن الضَّمِير إِذا عَاد على الْخَلِيفَة كَانَ إزراء بالممدوح لِأَنَّهُ من جملَته الْغَرِيب الْهِنْدِيّ السَّيْف الْكَرِيم مَنْسُوب إِلَى الْحَدِيد الْهِنْدِيّ والخلل أغشية الإعماد وَاحِدهَا خلة وَهِي جُلُود أغشية الإعماد
(3/36)

الْمَعْنى يَقُول لما علم الْخَلِيفَة أَن سَيْفه الَّذِي يَسْطُو بِهِ صانه وَحفظه بالأبطال الَّذين أثبتهم فِي رسمه والحماة الَّذين اخْتَارَهُمْ لحفظه كَمَا يصان السَّيْف الْكَرِيم بالأغماد الَّتِي يَتَخَلَّل فِيهَا والجفون الَّتِي يحفظ بهَا وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْخَلِيفَة شرفه بتلقيبه بِسيف الدولة
9 - الْإِعْرَاب من روى الْفِعْل بِالنّصب أَرَادَ يفعل الْفِعْل وَيَقُول القَوْل لِأَن أسم الْفَاعِل يعْمل عمل الْفِعْل وَمن روى بِالْجَرِّ جعله مُضَافا كَقَوْلِه تَعَالَى {والمقيمي الصَّلَاة} الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يفعل الْأَفْعَال بديعة غَرِيبَة مَا عرفهَا قبله أحد فيفعلها وبتركها على علم وَيَقُول من القَوْل مَا لم يُعلمهُ غَيره وَقَالَ الْخَطِيب أَفعَال سيف الدولة يَتْرُكهَا النَّاس لصعوبتها عَلَيْهِم وينطق بالحكمة الَّتِي لَا يصل إِلَيْهَا سواهُ وَقَوله {لم يتْرك} أَي لم يتْرك الْقَائِلُونَ طلبه وَلما لم يصلوا إِلَيْهِ كَانَ كَأَنَّهُ لم يقل وَقَالَ ابْن الأفليلي يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون لِشِدَّتِهِ وَعظم شَأْنه فِي حَقِيقَته وَيَقُول القَوْل الَّذِي عجز عَنهُ الْقَائِلُونَ قبله فَلم يقدروا على مثله وَلَا قصدُوا إِلَى تَركه وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح كل أحد يطْلب معاليك إِلَّا أَنه لَا يُدْرِكهَا وَلَيْسَ هَذَا من معنى الْبَيْت فِي شَيْء وَلَكِن الْمَعْنى هُوَ يفعل مَا لم يَفْعَله أحد لصعوبته على من طلبه فَهُوَ أَتَى بِهِ بكرا وَيكون أَبَا عذرة ذَلِك الْفِعْل وَكَذَا قَالَ ابْن فورجة يفعل أفعالا مبتكرة تجتنب لشدتها وَيَقُول أقوالا لم تعرف فَلم تقل وَإِذا كَانَت لم تعرف لم تتْرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتْرك مَا يعرف مَوْضِعه قَالَ وَلم يصب فِي تَفْسِير المصراع الثَّانِي حر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول مَا لم يقلهُ أحد فِي بلاغته وجزالته وَلم يتْرك أَيْضا لِأَن كل بليغ يُرِيد أَن يَأْتِي بِمثلِهِ وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم طلبُوا أَفعاله فَلم يدركوها وطلبوا أَقْوَاله فَلم يقدروا عَلَيْهَا فكأنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقُولُوا حِين قصروا عَنْهَا وَالْمعْنَى أَنه يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون وَيَقُول القَوْل الَّذِي قصر عَنهُ الْقَائِلُونَ قَالَ فَمن لم يفهم مَعْنَاهُ قَالَ قد نَاقض بقوله لم يتْرك وَلم يقل وَلَيْسَ كَذَلِك
10 - الْغَرِيب غاله يغوله إِذا انتقصه وَأَصله الإهلاك وَمِنْه الغول والطفل وَقت غرُوب الشَّمْس وَالظّهْر وَقت الظهيرة وَهُوَ عِنْد قيام الشَّمْس للزوال الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يبْعَث الْجَيْش الشَّديد بأسه الْكثير عدده الَّذِي تذْهب عجاجته بضوء الشَّمْس وتطمس إشراقها حَتَّى تصير فِي وَقت الظهيرة على مثل حَالهَا عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة جَيْشه
(3/37)

- الْغَرِيب الجو الفضاء والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول مَا بعد من الْهَوَاء أضيق بساطع هَذَا الْغُبَار مِمَّا قرب لِأَنَّهُ فِيهِ تَجْتَمِع جملَته وتتراقى كثرته وَمَا قرب فَإِنَّمَا يردهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء فينجلي مِنْهُ وَلَا يجْتَمع وَعين الشَّمْس أحير الْعُيُون بقربها من مستقره ودنوها من مجتمعه وَالْمعْنَى الجو على سَعَة أرجائه أضيق شَيْء لقِيه سَاطِع هَذِه الْعَجَاجَة
12 - الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة ينَال أبعد من الشَّمْس وَهِي ترى ذَلِك فَمَا تقابله إِلَّا على خوف من أَن ينالها لَو قَصدهَا لِأَنَّهُ يرى أَنه مَنْصُور مظفر يدْرك مَا يَقْصِدهُ وَقَالَ ابْن الإفليلي يُرِيد أَن هَذَا العجاج بتتابعه واتصاله وترادفه يَعْلُو على الشَّمْس مَعَ ارْتِفَاع موضعهَا وَهِي ناظرة إِلَيْهِ غير مُسَاوِيَة فِي الْعُلُوّ لَهُ فنقابله وَجلة من ذَهَابه بنورها وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها وَهَذَا كُله يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وكثرته
13 - الْغَرِيب ظَاهر الحزم جعل بعضه فَوق بعض كَمَا يظاهر الرجل بَين درعين وَأَصله المعاونة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَإِن تظاهرا عَلَيْهِ} والغيل جمع غيلَة وَهِي قتل الخديعة وَمِنْه قبل فلَان فلَانا غيلَة أَي اغتيالا وأصل الغيل الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول قد عرض السَّيْف دون مَا ينزل بِهِ وجرده فِيمَا يحدث عَلَيْهِ واستعان بالحزم فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه وأقامه حاجزا بَينهمَا وَالْمعْنَى أَنه تحصن بحزمه كَمَا يتحصن بالدرع وَجعل حزمه كالدرع الواقية لَهُ وَقد لبس الحزم فَوق الدرْع فَجعله بَين النَّفس والهلاك
14 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكل صَادِق ظَنّه بِمَا يطويه النَّاس من أهل السهل والجبل دونه فَعلم مَا أسروه وانكشف لَهُ مَا أضمروه وَكَذَلِكَ الألمعي وَهُوَ الحاذق بالأمور يُصِيب بظنه حَتَّى كَأَنَّهُ مبصر لما غَابَ عَنهُ وَيعلم بتقديره حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد لما بعد مِنْهُ
15 - الْإِعْرَاب الْبُخْل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الْخَاء
(3/38)

الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يتَجَنَّب الْبُخْل كَمَا يتَجَنَّب الشجاع الْجُبْن ويتجنب الْجُبْن كَمَا يتَجَنَّب الْكَرِيم الْبُخْل قد جمع الشجَاعَة وَالْكَرم وَقَالَ أَبُو الْفضل لَيْسَ كَمَا ذهب إِلَيْهِ وَلكنه يَقُول الشجاع يعد الْبُخْل جبنا لِأَن الْبُخْل مَعْنَاهُ خوف الْفقر وَالْخَوْف جبن والشجاع لَا بجبن والجواد يعد الْجُبْن بخلا لِأَن معنى الْجُبْن وَحَقِيقَته الْبُخْل بِالروحِ والجواد لَا يبخل فَإِذا هُوَ شُجَاع غير بخيل وجواد غير جبان قَالَ وَقد أَخذه من قَول أبي تَمام
(فإذَا رأيْتَ أَبَا يَزيدٍ فِي نَدّى ... وَوَغّى وَمُبْديَ غارَةٍ وَمُعيداً)

(يَقْرِى مُرَجِّيَه حُشاشَةَ مالِهِ ... وَشَبا الأسِنَّةِ ثَغْرَةً وَوَرِيداً)

(أيْقَنْتَ أنَّ مِنَ السَّماحِ شَجاعَةً ... تُدمي وأنَّ مِنَ الشَّجاعَةِ جوداً)
وَهَذَا الَّذِي ذكره أَبُو الْفضل من قَول حبيب فَلَقَد بَين حبيب وَفسّر وأجمل أَبُو الطّيب وَاخْتصرَ وَقَالَ ابْن الأفليلي يُرِيد أَنه الشجاع المتناهي الشجَاعَة فالبخل عِنْده بَاب من الْجُبْن لِأَن من سمح بِنَفسِهِ لم يبخل بكرام مَاله وَهُوَ الْجواد المتناهي الْجُود والجود بِالنَّفسِ غَايَة الْجُود وَمن جاد بِنَفسِهِ لم يجبن عَن عدوه وَمن كَانَ كَذَلِك فالجبن عِنْده بَاب من الْبُخْل فَدلَّ على أَن الشجَاعَة والجود من طَرِيق وَاحِد وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر
(إِلَى جَوَادٍ يَعُدُّ الجُبنَ مِنْ بَخَلٍ ... وَباسِلٍ بُخْلُهُ يَعْتدُّهُ جُبُنا)

(يَلقى العُفاةَ بِما يَرْجونَ مِنْ أمَلٍ ... قَبْلَ السُّؤَالِ وَلا يَبْغي بِه ثَمَنا)
وَقد بَين مُسلم أَن الشجَاعَة جود بِالنَّفسِ فِي قَوْله
(يَجُودُ بالنَّفْسِ إذَ ضَنَّ البَخيلُ بهَا ... والجُودُ بالنَّفْسِ أقصَى غايةِ الْجُود)

16 - الْغَرِيب يعود أَي يرجع والإغذاذ الْإِسْرَاع فِي السّير والمغاذ من الْإِبِل العيوف يعاف المَاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفتح الْفتُوح الْعَظِيمَة فَلَا يفخر بهَا ويسرع إِلَيْهَا وَلَا يحتفل لَهَا اسْتِقْلَالا لعظم مَا يَفْعَله وارتفاعا عَن نهب من يَقْصِدهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَإِن قيل كَيفَ يكون مغذا غير محتفل فَالْمَعْنى أَنه غير محتفل عِنْد نَفسه وَإِن كَانَ محتفلاً عِنْد غَيره لِأَن كَبِير الْأَشْيَاء عِنْد غَيره صَغِير عِنْده وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا فحرفا
17 - الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة قد قرنه الله بالنصر وأمده من عوض بِمَا لَا يمنعهُ
(3/39)

الدَّهْر مَعَه من بغيته وَلَا يجير عَلَيْهِ من اعْتقد لَهُ مَعْصِيَته وَلَا يحصن الدرْع مِنْهُ مهجة من خَالفه وَلَا يعصمه من الْهَلَاك إِذا أَرَادَهُ
18 - الْغَرِيب الْحلَل جمع حلَّة وَقَالَ أَبُو عبيد الْحلَل برود الْيمن والحلة إِزَار ورداء أَو لَا يُسمى حلَّة حَتَّى يكون ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يَقُول إِذا خلعت عَلَيْهِ حلَّة من شعري وألبسته ثوبا من مدحي وجدت تِلْكَ الْحلَّة قد تزينت بفضله وَذَاكَ الْمَدْح متشرفا بِقَدرِهِ فَهُوَ يرفع الشّعْر فَوق رفعته لَهُ ويزين الْمَدْح أَكثر من تزينه بِهِ وَالْمعْنَى أَن عرضه أحسن من الْحلَل وَأَن الْمَدْح يتزين بِهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول اللطائي
(وَلْم أمْدَحْكَ تَفْخِيما لشِعْرِي ... وَلَكِنِّي مَدَحْتُ بِكَ المَدِيحا)
وروى ابْن جنى فِي بعض رواياته جعلت بَدَلا من خلعت وَفِيه نظر إِلَى قَول الْحَكِيم إِذا تجردت الطَّائِف من الشكوك كست الصُّورَة رونقا والرونق الْحسن
19 - الْغَرِيب الغبي الْجَاهِل غَنِي يغبى غبا وغباوة والجعل دويبة مَعْرُوفَة تأوى فِي النَّجَاسَات الْمَعْنى يَقُول إِذا أنْشد شعري بعد على فهم الْجَاهِل وَأثر ذَلِك فِي نَفسه وانكشف لَهُ قدر تَقْصِيره واستضر بِحسن قولي وبديع شعري كَمَا يستضر الْجعل برياح الْورْد الَّتِي تؤذيه وتقتله لمضادته لَهَا وَالْمعْنَى إِنَّمَا يعرف شعري وجودته وجوهره من هُوَ صَحِيح الْفِكر وَإِن كَانَ ضد ذَلِك إِنَّمَا نَالَ مِنْهُ كَمَا ينَال الْجعل من الْورْد إِن كَانَ مستلذا فِي الْحَقِيقَة فَشبه شعره بالورد وحاسده بالجعل وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْأَلْفَاظ المنطقية مضرَّة بذوي الْجَهْل لنبو إحساسهم عَنْهَا
20 - الْغَرِيب تَقول زيد خير الرِّجَال وَهِنْد خيرة النِّسَاء قَالَ الله تَعَالَى {فِيهِنَّ خيرات} قيل هُوَ جمع خير وَقيل بل هُوَ جمع خيرة والدول جمع دولة الْمَعْنى يَقُول لقد رَأَتْ كل عين من جمالك مَا بهرها وَمن جلالك مَا ملأها وجربت خيرة الدول أَي أفضل الدول مِنْك أفضل السيوف
21 - الْمَعْنى يَقُول لَا تمل من حَرْب وَلَا تزل فِي رَأْي يَقُول مَا تكشف الْأَعْدَاء مِنْك بطول ممارستها مللا فِي حربها وَلَا أبدت الآراء مِنْك زللا مَعَ تزاحمها
(3/40)

- الْمَعْنى يَقُول كم رجال بِلَا أَرض لكثرتهم وازدحامهم عَلَيْهَا فقد ضَاقَتْ بهم أفنيتهم حَتَّى أخليت أَرضهم مِنْهُم فَصَارَت قفرا بِلَا رجل وَالْمعْنَى كم جمع جمعه الْأَعْدَاء لَك تغيب الأَرْض من كَثْرَة رِجَاله وتخفى عَن الْأَبْصَار بتزاحم جموعه حَتَّى كَأَنَّهُمْ رجال بِلَا أَرض قَتلتهمْ فَتركت جموعهم أَرضًا بِلَا رجل وَفِيه نظر لِكَثْرَة الْجَيْش إِلَى قَول حبيب فِي صفة الْجَيْش
(مَلأَ المَلا عُصَبا فَكادَ بأنْ يُرَى ... لَا خَلْفَ فِيْهِ وَلا لَهُ قُدَّامُ)

23 - الْغَرِيب الطّرف الْفرس الْكَرِيم والثمل والثامل بِمَعْنى وَهُوَ السَّكْرَان وثمل ثملا إِذا أَخذ فِيهِ الشَّرَاب فَهُوَ ثمل الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ فرسك يَخُوض فِي دِمَائِهِمْ ويعثر بالقتلى حَتَّى مَشى بك مَشى السَّكْرَان متعثرا يُرِيد أَن حَرَكَة الدَّم بكثرته أمالته عَن سنَن جريه فَمشى مَشى السَّكْرَان وَالْمعْنَى أَن فرسك مازال يطَأ فِي دِمَائِهِمْ ويقتحم معركتهم حَتَّى أزلقته الدِّمَاء بكثرتها فَمشى مشي السَّكْرَان الَّذِي لَا يثبت بِنَفسِهِ وَلَا يطمئن فِي مَشْيه
24 - الْغَرِيب الجذل الْفرج وجذل بِالْكَسْرِ يجذل فَهُوَ جذلان وأجذله غَيره أَي أفرحه واجتذل أَي ابتهج الْإِعْرَاب يرْوى الناظرين على التَّثْنِيَة ويروى بِفَتْح النُّون لجَماعَة النظار إِلَيْهِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَهُ تحكم عَيناهُ فِيمَا تريانه وَله يحكم قلبه فِي الجذل وَهُوَ الْفَرح وَقَالَ الْخَطِيب يَعْنِي بالناظرين ناظري الممدوح فِيمَا يرَاهُ وَحكم الْقلب الْفَرح فَإِذا تمنى قلبه شَيْئا وصل إِلَيْهِ وَمن روى الناظرين يُرِيد أَنهم المنجمون وَله معنى وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الأول لِأَن قَوْله حكم الْقلب يشْهد أَن الناظرين عينا الممدوح وَقَالَ ابْن الأفليلي وَله حكم ناظريه أَن لَا يريهما الله إِلَّا مَا يسره وَحكم نَفسه أَلا يعرفهُ الله إِلَّا مَا يفرحها من نصر وظفر بالأعداء وَقَالَ الواحدي الحكم هَاهُنَا اسْم للْمَفْعُول لَا للْفِعْل فَإِن النَّاس مسنتوون فِي أَفعَال نواظرهم وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَحْكُوم بِهِ يَقُول مَا حكم بِهِ ناظرك اسْتِحْسَانًا فَهُوَ لَك لَا يعارضك فِيهِ مَانع وَكَذَلِكَ الحكم فِيمَا يسره
(3/41)

- الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالتوفيق مُقيما وراحلا أَي أَنْت موفق مَسْعُود فِيمَا تَفْعَلهُ إِن أَقمت أَو ارتحلت وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى ارتحال الديلمي عَن الْموصل وَقَالَ إِن الَّذِي فعله الله لَك من الْمُوَادَعَة الَّتِي اخْتَارَهَا محاربك قد جعل لَك فِيهِ السَّعَادَة وَقرن لَك بِهِ الْخيرَة
26 - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وقلب الْوَاو يَاء هُنَا شَاذ فِي الْقيَاس دون الِاسْتِعْمَال وَيُقَال خيل جِيَاد وأجاويد وأخلاقك عاداتك وخصالك الْمَعْنى يَقُول عاود الْحَرْب ودع السّلم على مَا كنت عَلَيْهِ فِي الأول وَأجر خيلك على مَا كنت مجريها من قتل الْأَعْدَاء وَالسير إِلَيْهِم وَالْمعْنَى قَاتل الْأَعْدَاء وَلَا تهادنهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة كَانَ قد ترك الْحَرْب مُدَّة فَقَالَ لَهُ أجر خيلك على مَا كنت مجريها أَولا من غَزْو الرّوم وحماية الثغور فقد كفك الله مَا كنت تحذره على أَخِيك من الديلمي وَخذ بِنَفْسِك فِيمَا تقدم من أخلاقك وشغر من مذاهبك واعدل عَن السّلم إِلَى الْحَرْب وَعَن الدعة إِلَى الْجِهَاد
27 - الْغَرِيب الاحجة جمع حجاج وَهُوَ الْغَار الَّذِي فِيهِ الْعين والفوارس جمع فَارس والعسالة الرماح الطوَال الَّتِي تهتز والذبل جمع ذابل وَهُوَ الْيَابِس وَعسل الرمْح يعسل عسلانا إِذا اضْطربَ الْمَعْنى يَقُول إِن خيلك تنظر من عُيُون قد أدْمى حجاجها قرع الرماح الطَّوِيلَة المضطربة لَهَا حِين الطراد وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا حضه عَلَيْهِ من غَزْو الرّوم وحماية الثغور وَإِن خيلك قد ألفت ذَلِك
28 - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالْمعْنَى لَا وصلت بهَا إِلَّا إِلَى مَا تَأمله من ظفر وغنيمة وَلَا هجمت بهَا إِلَّا على عَدو تظفر بِهِ وتسبى جريمة وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وأبلغه وأخصره وأحكمه وأتمه
(3/42)

- 1 الْمَعْنى يَقُول بِنَا مِنْك أَي من حزنك وَالْغَم عَلَيْك فَحذف الْمُضَاف كَقَوْل زُهَيْر بن أبي سلمى
(أمِنْ أُمّ أوْفَي دِمِنَةٌ لْم تَكَلَّمِ ... )
أَرَادَ أَمن دمن أم أوفي دمنة وَالْمعْنَى بِنَا مِنْك وَنحن فَوق الرمل يُرِيد الأَرْض مَا بك وَأَنت تحتهَا يُرِيد إِنَّا أموات حزنا عَلَيْك ونبلى كَمَا أَنْت ميت تحتهَا تبلى وَفسّر المصراع الأول بِالثَّانِي فَقَالَ الْحزن يهزل ويبلى كَمَا يبْلى الْمَوْت وَقد نَقله من قَول يَعْقُوب بن الرّبيع يرثى جَارِيَة لَهُ تسمى ملكا
(يَا مَلْكُ إِن كُنتِ تحتَ الأرْضِ بالِيَةً ... فإنَّنِي فَوْقَها بالٍ مِنَ الْحَزَنِ)

2 - الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت والثكل فقد الحبيب الْعَزِيز الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّك أَبْصرت الَّذِي أبقاه من الْحزن عَلَيْك وأقاسيه من الوجد بك وَعلمت أَن الدُّنْيَا مجبولة على فقد الْأَحِبَّة وإعدام الأعزة فآثرت الْمَوْت على الثكل واخترت الْمَوْت على الْحزن وَقَوله وقزله وَخِفته يدل على تَعْظِيم مَا هُوَ فِيهِ وترجيحه على الْمَوْت
3 - الْغَرِيب الغانيات جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن التحسين وَقيل هِيَ الَّتِي غنيت بزوجها قَالَ جميل
(أُحِبُّ الأَيامَى إذَا بُشَيْنَةُ أيّمُ ... وأحْبَبْتُ لَمَّا أنْ غَنِيْتِ الغَوَانيا)
وَالْعين النجلاء الواسعة الْحَسَنَة وَالْجمع نجل الْمَعْنى يَقُول تركت خدود الغانيات من نوادبك والمنعمات والمنعمات من بواكيك وفوقها جموع مسفوحة عَلَيْك منهملة بمصابك كَأَنَّهَا تذيب الْحسن بفيضها وَوجه إذابة الدمع أَنه يفْسد الْعين بِكَثْرَة الْبكاء كَقَوْل الآخر
(أليسَ يَضرُّ العَينَ أنْ يَكثُرَ البُكا ... ويُمْتَعَ عَنْها نَوْمُها وَهُجودُها)
(3/43)

وَقَالَ تذيب وَلم يقل تزيل لِأَن الدمع لما كَانَ يذهب بالْحسنِ شَيْئا فَشَيْئًا كَانَ اسْتِعَارَة الإذابة لمثله أحسن وَأَيْضًا لما كَانَ الذوب فِي معنى السيلان وَالْجمع سَائل كَانَ كَأَن الْحسن سَالَ مَعَه وَقيل إِن الْحسن عرض لَا يقبل الإذابة فَقَالَ إِن الدُّمُوع تذيب مَالا يقبل الإذابة فَمَا ظَنك بِمَا يقبلهَا كَيفَ لَا تذيبه
4 - الْغَرِيب الجثل الشّعْر الْكثير الملتف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الدُّمُوع تصل إِلَى الأَرْض سُودًا لَا متزاجها بالمسك وَحده لِأَن الْجَوَارِي لَا يكتحلن إِلَّا بِهِ وَقد استعملن الْمسك قبل الْمُصِيبَة فَيبقى فِي شعورهن وَهَذِه الدُّمُوع قطرت وَهِي حمر لَا متزاجها بِالدَّمِ ثمَّ غلب عَلَيْهَا سَواد الْمسك فَصَارَت سُودًا وقطرت على الشّعْر لِأَنَّهُنَّ نشرن الشُّعُور وفيهَا مسك فمرت الدُّمُوع بهَا فاسودت من مسكها وَقد نَقله من قَول أبي نواس
(وَقدْ غَلَبَتْها عَبْرَةٌ فَدُمُوعُها ... على خَدَها حُمْرٌ وَفِي نَحْرِها صُفْرُ)
يُرِيد أَنَّهَا اخْتلطت بالطيب وَفِيه زعفران وَأَشَارَ إِلَى أَن بوَاكِيهِ فِي النعم والرفعة مَعَ مَا هن بسبيله من حر الْمُصِيبَة
5 - الْغَرِيب الأسى الْحزن والطفل الصَّغِير الْمَعْنى يَقُول إِن كنت فِي قبر قد تضمنك ولحد قد سترك فَإِن مثالك فِي الْقلب سَاكن ومحلك فِي الحشى لطيف وَإِن تَكُ طفْلا فِي سنك وصغيرا فِيمَا انصرم من عمرك فَإِن الرزء بك لَيْسَ بالصغير والحزن عَلَيْك لَيْسَ باليسير وَقد نَقله من قَول الآخر
(إنْ تَكُنْ مُتَّ صَغِيراً ... فالأَسَى غَيْرُ صَغِيرِ)
وَمن قَول حبيب
(لَهَا مَنْزِلٌ تَحْتَ الثَّرى وَعَهِدْتُها ... لَهَا مَنْزِلٌ بَينَ الجَوَانِحِ والقَلْبِ)

6 - الْغَرِيب المخيلة: الحسابة الَّتِي يتَأَكَّد الرَّجَاء فِي مطرها، وَالدّلَالَة بالشئ الصَّادِق مخيلة، وَأَرَادَ بالمخيلة هَا هُنَا: الفراسة الْمَعْنى: يَقُول مثلك لَا يبكي عَلَيْهِ بِقدر سنه لِأَنَّك لم تبلغ مبلغ الرِّجَال فَيُوجب فرط الْبكاء عَلَيْك وَلَكِنَّك يبكى عَلَيْك على قدر أصلك لِأَنَّك من أصل كَبِير
(3/44)

ويبكى عَلَيْك على قدر الفراسة فِيك لأَنا نتفرس فِيك الْملك فَلهَذَا يكثر الْبكاء عَلَيْك لِأَنَّك جدير بالبكاء عَلَيْك لشرف أصلك
7 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح الَّذِي وَقَالَ أَرَادَ الَّذين فَحذف النُّون تَخْفِيفًا لطول الِاسْم وَقَالَ هُوَ مَوضِع خفض نعت للْقَوْم قَالَ وَيجوز أَن يكون ابْتِدَاء وَمن رماحهم صلَة ونداهم خبر الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال لِأَن الْجمل تكون أحوالا من المعارف وصفات للنكرات الْمَعْنى أَلَسْت يُخَاطب الْمَيِّت من الْقَوْم الَّذين كرمهم من سِلَاحهمْ ونداهم من رماحهم وَالْبخل من قتلاهم فهم يسطون على الْأَعْدَاء بِمَا يرهبونهم بِهِ من الْفضل ويتملكونهم بِمَا يسمعُونَ فيهم من الْأَنْعَام والجود واستعار للبخل مهجة وَالْمعْنَى مَأْخُوذ من قَول الطَّائِي
(فإنْ أزَماتُ الدَّهْرِ حَلَّتْ بِمَعْشَرٍ ... أُرِيقَتْ دِماءُ المَحْلِ فِيها فطُلَّتِ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ابْن الرُّومِي
(وَما فِي الأرْضِ أسْمَحُ مِنْ شُجاعِ ... وَإنْ أعْطَى القَلِيلَ مِنَ النَّوَالِ)

(وَذَاكَ لأَنَّهُ يُعْطِيكَ مِمَّا ... تُفِيءُ عَلَيْهِ أطْرافُ العَوَاليَ)

8 - الْغَرِيب الأعطاف جمع عطف وَهُوَ الْجَانِب من رَأسه إِلَى وركه الْمَعْنى يَقُول مَوْلُود هَؤُلَاءِ الْقَوْم كَغَيْرِهِ من الصّبيان لَا ينْطق لِأَن الصَّبِي لَا لَا يقدر على الْمنطق لصغره وَلَكِن الْفضل والجود والشجاعة تتفرس فِيهِ فَكَأَنَّهُ نَاطِق لظُهُوره فِيهِ فالفضل فِي أعطافه وشمائله يقوم مقَام النُّطْق وَالْمعْنَى مولودهم إِذا منعته من الْكَلَام الطفولية نطقت السِّيَادَة من أعطافه منطق فضل وَشهِدت لَهُ مخايل الْكَرم شَهَادَة عدل ويروى منطق الْفَصْل بالصَّاد الْمُهْملَة يُرِيد قَوْلهم أما بعد فِي صدر الْكَلَام ويروى صمت بِالْفَتْح وَالضَّم فِي الصَّاد مصدران
9 - الْغَرِيب العلياء من ضم قصر وَمن مد فتح الْعين والمصاب والمصيبة مصدران وَقيل بل الْمصدر الْمُصَاب والشغل بِضَم الْغَيْن وسكونها لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ بِسُكُون الْغَيْن ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَمْرو الْمَعْنى يَقُول الْكَرم يسليهم عَن مصابهم وَيُوجب لَهُم الصَّبْر فِي فجائعهم ويشغلهم كسب الثَّنَاء عَن الشّغل بِغَيْرِهِ وَأَرَادَ بِغَيْرِهِ فَحَذفهُ لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ
(3/45)

وَالْمعْنَى معاليهم تذْهب عَنْهُم حزن الْمُصِيبَة لِأَن الْجزع من أَخْلَاق اللئام وَمن علت همته علا قدره وَلم يجزع لما أَصَابَهُ بل يسْتَقلّ بكسب المحامد عَن كل شغل لِأَن كسب الثَّنَاء يشغلهم عَن غَيره
10 - الْإِعْرَاب رفع أقل على خبر الِابْتِدَاء أَي هم أقل وَقَوله وأقدم يُرِيد وَأَشد إقداما وَإِنَّمَا أَخذه من قدم يقدم وَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْإِقْدَام لِأَن الْإِقْدَام على الشَّيْء قرب مِنْهُ وَهُوَ مَوْجُود فِي الْقدوم وَقد قَالَ حسان بن ثَابت
(كِلْتاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فعاطِني ... بزُجاجَةٍ أرْخاهَما للْمَفْصَلِ)
أَرَادَ أَشد إرخاء وَقد قَالَ ذُو الرمة
(بأضْيَعَ مِنْ عَيْنَيْكَ للدَّمْعِ كُلَّما ... تَوَهَّمْتَ رَبْعا أوْ تذكَّرتَ مَنزِلاً)
الْغَرِيب الرزايا جمع رزية وَهِي مَا يرزأ بِهِ الْإِنْسَان موت وَغَيره والجحفل الْعَسْكَر الْعَظِيم والنبل جمع نبلة وَهِي السِّهَام الْمَعْنى يَقُول إِن رَهْط سيف الدولة أقل بالرزايا مبالاة من الرماح المتوقعة وأقعد بَين الجيشين المتقابلين من السِّهَام الْمُرْسلَة وَالْمعْنَى لَا يبالون بِمَا يصيبهم كَمَا لَا يُبَالِي بهَا من لَا يعرفهَا وَقَوله من القنا لِأَنَّهُ جماد لَا يعرف الرزايا فشبههم لجراءة أنفسهم وجلدهم على الرزايا إِذا طرقهم بِالرِّمَاحِ والسهام الَّتِي تصيب وَلَا تصاب وتهاب وَلَا تهاب
11 - الْإِعْرَاب نصيب عزاءك بِفعل مُضْمر تَقْدِيره تعز عزاءك وَقيل على الإغراء الزم عزاءك والمقتدي بِهِ فِي مَوضِع نصب نعتا للعزاء وَالضَّمِير فِي بِهِ للعزاء الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف الْمَعْنى يَقُول الزم عزاءك الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ النَّاس فَأَنت الأسوة فِي غَيْرك والأوحد فِي فضلك وَأَنت سيف والشدائد إِنَّمَا تلقي السَّيْف يكشفها بحدته وَينفذ فِيهَا بصرامته وَهُوَ يلقى شدَّة الْحَدِيد من الدروع والجواشن وَالْمعْنَى اصبر وَلَا تجزع فَأَنت تعلم النَّاس الصَّبْر
12 - الْإِعْرَاب رفع مُقيم على خبر الِابْتِدَاء يُرِيد أَنْت مُقيم وَيجوز أَن يكون نعتا لنصل
(3/46)

الْغَرِيب الهيجاء تمد وتقصر وَهِي من أَسمَاء الْحَرْب والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْمَعْنى يُرِيد أَنْت مُقيم فِي كل منزل من منَازِل الْحَرْب تأنس بهَا وَلَا تستوحش لَهَا حَتَّى كَأَن صوارمها أهلك وأسلحتها رهطك تنصرك وَلَا تخذلك وتظفرك وَلَا يظفر بك فكأنك إِذا كنت بَين السيوف كنت فِي أهلك وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(لِتَعْلَمَ أنَّ الغُرَّ مِنْ آلِ مُصْعَبٍ ... غَداةَ الوَغَى آلُ الوَغى وأقارِبُهْ)
وَمثل قَوْله أَيْضا قَالَ ابْن وَكِيع
(حَنَّ إِلَى المَوْتِ حَتَّى ظَنَّ جاهِلُهُ ... بأنَّهُ حَنَّ مُشْتاقا إِلَى الوَطَنِ)

13 - الْغَرِيب أصل الْعبْرَة تردد الْبكاء فِي الصَّدْر وَتردد الدُّمُوع فِي الْعين وَامْرَأَة عَابِر بِغَيْر هَاء إِذا تهيأت للبكاء الْمَعْنى يَقُول لم أر أحدا لَا يُطِيع دمعه الْحزن سواهُ وَإنَّهُ أثبت النَّاس عقلا إِذا أذهب الْخَوْف عقول الرِّجَال عِنْد الْحَرْب يُشِير بذلك إِلَى استسهاله لأمرها واستقلاله بحملها وَالْمعْنَى أَنه صابر عِنْد الشدائد ثَبت فِي الحروب
14 - الْغَرِيب السَّلِيل الْوَلَد وَالْأُنْثَى سليلة قَالَت هِنْد بنت النُّعْمَان
(وَما هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلة أفْراسٍ تَجَلَّلَها نَغْلُ)
والنغل الخسيس من النَّاس وَالدَّوَاب وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي بغل بالغين قَالَ عبد الله بن بَرى فِيمَا أَخذ عَلَيْهِ هُوَ تَصْحِيف لِأَن الْبَغْل لانسل لَهُ والفوارس جمع فَارس وَالرجل جمع راجل يُقَال رجل وراجل ورجلة ورجالة وَرِجَال وَرِجَال ورجالي وأراجل وأراجيل وَقَوله تَعَالَى {فرجالا أَو ركبانا} جمع راجل الْمَعْنى يَقُول مُتَعَجِّبا بأَمْره ومنبها على جلالة قدره إِن الْمَوْت حتم من الله على جَمِيع خلقه تخَالفه المنايا فتخترم نفس ابْنه وتخون عَهده فِي وَلَده وتنصره فِي حربه وَتُطِيعهُ عِنْد مواقعته لعَدوه وَفِي هَذَا شَاهد على أَن الْمَوْت لَا يدْفع بِقُوَّة وَلَا يمْتَنع مِنْهُ برفعة وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(أَلْم تَعْجَبْ لَهُ أنَّ المَنايا ... فَتَكْنَ بِهِ وَهُنَّ لهُ جُنُودُ)

15 - الْغَرِيب الْحَوَادِث جمع حَادِثَة وَهِي مَا يحدث الدَّهْر على الْإِنْسَان والفرند جَوْهَر السَّيْف وماؤه ويبدو يظْهر
(3/47)

الْمَعْنى يَقُول إِن الْحَوَادِث لَا تذْهب بصبره وَلَا تخل بجلده وَلكنهَا تبقى ذَلِك وتظهره كَمَا يُبْدِي فرند السَّيْف صقله وَيظْهر بجلاله فَضله وَالْمعْنَى أَنه إِذا ابتلى بالحوادث ظهر صبره وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(بالقَتلَ أظْهَرَ صَقْلَ سَيفٍ أثُرَهُ ... فَبَدَا وَهَذَّبَتِ القُلوبَ هُمومُها)

16 - الْمَعْنى يَقُول من كَانَ ذَا نفس وَذَا طبيعة كطبيعتك وكريمتك فَفِي جلالته مَا يُغني نَفسه عَن كل حميم يفقده وَفِي كرم نَفسه مَا يسليه عَن كل مُهِمّ يطرقه لِأَنَّهُ يعرف أَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث وَمن عرف هَذَا وَطن نَفسه على فقد الْأَحِبَّة
17 - الْمَعْنى يَقُول مثل الْمَوْت وإتلافه الْأَرْوَاح كالسارق الَّذِي لَا يُمكن الاحتراس مِنْهُ لدقة شخصه كَذَلِك الْمَوْت لَا يدْرِي كَيفَ يَأْتِي وَلَا كَيفَ يسرق الْأَرْوَاح عَن الأجساد وَالْمعْنَى يُرِيد أَن الْمَوْت كسارق خَفِي شخصه شَدِيد أمره يصول دون كف يظهرها وَيسْعَى دون رجل ينقلها وَذَلِكَ أَشد لبطشه وأسرع لسعيه
18 - الْغَرِيب الشبل ولد السَّبع الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا لقِيَام سيف الدولة بجليل الْأُمُور وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يدْفع الْمَوْت عَن وَلَده وَالْمعْنَى أَنه يعجز عَن المخاتلة من لَا يعجز عَن المبارزة فَدلَّ بِهَذَا على أَن حوادث الدَّهْر لَا يمْتَنع مِنْهَا بِقُوَّة وَلَا بِدفع محتومها بِشدَّة يرد الْأسد الْجَيْش عَن ابْنه ويسلمه لأدنى النَّمْل عِنْد وِلَادَته فيحميه من الْعَظِيم الْكثير ويسلمه إِلَى الحقير الْيَسِير وَيُقَال إِن النَّمْل إِذا اجْتمع على ولد الْأسد أكله وأهلكه
19 - الْإِعْرَاب وليد خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره المفدي بنفسي وليد وَيجوز رَفعه على مالم يسم فَاعله تَقْدِيره يفدى بنفسي وليد وَهَذَا خبر فِيهِ معنى التَّمَنِّي الْغَرِيب التطريق بِالْحملِ هُوَ أَن يخرج من الْوَلَد بعضه وَيبقى بعضه فِي الرَّحِم وطرقت النَّاقة بِوَلَدِهَا إِذا نشب فِي رَحمهَا وناقة مطرقة وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة لأوس بن حجر
(لَهَا صَرْخَةٌ ثُمَّ إسْكاتَةٌ ... كمَا طَرَّقَتْ بِنفاسٍ بِكُرْ)
(3/48)

الْمَعْنى يَقُول بنفسي هَذَا الْمَوْلُود الَّذِي صَار بعد حمل الْأُم إِيَّاه إِلَى بطن أم يُرِيد الأَرْض لَا يعسر عَلَيْهَا خُرُوج من ضمته قَالَ الواحدي وَإِنَّمَا قَالَ لَا تطرق لِأَنَّهَا جماد لَا يُوصف بالتطريق وَإِن كَانَت تسمى أما إِمَّا نَكُون الْأَمْوَات فِي بَطنهَا وَإِمَّا لِأَن الله تَعَالَى قَادر على إِخْرَاج الْمَوْتَى من بَطنهَا بِسُرْعَة وسهولة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة فَإِذا هم بالساهرة} وَفسّر قوم هَذَا الْبَيْت بالضد وَقَالُوا معنى لَا تطرق لَا تخرج الْوَلَد من بَطنهَا والتطريق إِظْهَار الطَّرِيق من قَوْلهم طرق طرق أَي خل الطَّرِيق وَقَالُوا إِن المتنبي كَانَ لَا يَقُول بِالْبَعْثِ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى إِلَى بطن أم يُرِيد أَن الأَرْض مِنْهَا مبدأ جَمِيع الْخَلَائق لقَوْله تَعَالَى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم} فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا بَنو آدم جعلت لَهُم أما
20 - الْإِعْرَاب لَا يُقَال وعدته بِالْخَيرِ وَلَا يكون الْبَاء إِلَّا مَعَ أوعدته بِالشَّرِّ وَكَانَ الْوَجْه وعد السحابة للروى كَمَا تَقول عجبت من ضرب زيد لعَمْرو الْغَرِيب الروى المَاء الْكثير وَالْغلَّة الْعَطش وَمَاء روى ورواء كثير وَمَاء رواء بِالْفَتْح وَالْمدّ وروى بِالْكَسْرِ وَالْقصر الْمَعْنى يَقُول بدا هَذَا الْوَلِيد وشواهد الْكَرم بادية عَلَيْهِ ومخايله ظَاهِرَة فِيهِ فوعد من فَضله بِمثل مَا يعد السَّحَاب من ويله ثمَّ صد باخترام الْمَوْت فأبقى بِأَنْفُسِنَا مثل غلَّة الْبَلَد الْمحل إِذا منع من السَّحَاب الممطر
21 - الْغَرِيب الْخَيل الْعتاق الْكِرَام والركاب مَا يكون فِي سرج الدَّابَّة الْمَعْنى يَقُول مدت الْخَيل الْكِرَام عيونها إِلَيْهِ وتنافست عتاقها فِيهِ وارتقبت أَن يصير من السن إِلَى حَال يتعوض فِيهَا بالركاب من النَّعْل وبركوب الْخَيل عَن الْمَشْي
22 - الْغَرِيب جَاشَتْ الْقدر إِذا غلت وهاجت والضروس الشَّدِيدَة العض الْمَعْنى يَقُول إِن الْأَعْدَاء خافوه وَهُوَ صبي فَكَأَن الْحَرْب قَامَت على سَاق وَقَوله وَمَا تغلى تَنْبِيه على أَن الْحَرْب قَامَت معنى لَا صُورَة وَالْمعْنَى هُوَ الْخَوْف وروى تغلى يُرِيد الْحَرْب وروى بِالْيَاءِ يُرِيد الطِّفْل وروى تفلى بِالْفَاءِ من فليت رَأسه بِالسَّيْفِ وروى تفلى بِالْقَافِ يُرِيد لم تبلغ حد البغض
(3/49)

وَالْمعْنَى أَن الصَّبِي هُوَ فِي المهد ارتاع لَهُ جَيش الْأَعْدَاء واستعار للحرب جَاشَتْ من الغليان للقدر لِأَن الْحَرْب إِذا قَامَت على سَاق تغلى بالْكلَام
23 - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ الْغَرِيب الْفِطَام الفصال عَن الثدي وَهُوَ منع الصَّبِي من الرَّضَاع والتوارب لُغَة فِي التُّرَاب وَفِيه لُغَات تُرَاب وتوارب وتورب وتيرب وترب وتربة وترباء وتيراب وتريب وَجمع التُّرَاب أتربة وتربان والترباء الأَرْض نَفسهَا الْمَعْنى يَقُول أيفطمه التُّرَاب باشتماله عَلَيْهِ قبل بُلُوغه إِلَى أكل الطَّعَام وَيَأْكُل جِسْمه بإبلائه قبل بُلُوغه سنّ الْأكل وَهُوَ من قَول السّلمِيّ
(فَطَمَتْكَ المَنُونُ قَبْلَ الفِطامِ ... وَاحْتَوَاكَ النُقْصَانُ قَبْلَ التَّمامِ)

24 - الْإِعْرَاب أَرَادَ قبل أَن يرى فحذفها وأعملها على رِوَايَة من روى وَيسمع بِالنّصب وَهُوَ مذْهبه لِأَنَّهُ كُوفِي وَقد ذكرنَا حجنا وَحجَّة أهل الْبَصْرَة فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب وَأَرَادَ من جوده مَا رَأَيْته من جودك فَحذف للْعلم بِهِ الْمَعْنى قبل أَن يرى من كرم جوده مَا رَأَيْته وَيشْهد من كثرته مَا شهدته وَيسمع من العذل فِيهِ كَالَّذي سَمِعت ويعرض عَنهُ كَمَا أَعرَضت وَدلّ بِكَثْرَة العذل على قلَّة إصغائه إِلَيْهِ
25 - الْإِعْرَاب من روى فِي الْبَيْت وَقبل يرى وَيسمع بِالنّصب يكون يمسى فِي مَوضِع نصب إِلَّا أَنه سكنها ضَرُورَة الْغَرِيب السّلم المسالمة وَالسّلم الصُّلْح يذكر وَيُؤَنث وَيفتح وَيكسر وَقَرَأَ الحرميان وَعلي بن حَمْزَة ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة بِفَتْح السِّين وَقيل مَعْنَاهُ الْإِسْلَام وَالسّلم لُغَة فِي السَّلَام قَالَ الشَّاعِر
(وَقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ... فَما كَانَ إلاَّ وَمْؤُها بالحَوَاجِبِ)
والوغى الْحَرْب والمليك وَالْملك وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى {عِنْد مليك مقتدر} الْمَعْنى يُرِيد قبل أَن يلقى كَالَّذي تَلقاهُ من عَظِيم سلطانك وارتفاع شَأْنك فِي السّلم وجلالة قدرك وشهود ظفرك فِي الْحَرْب وَيصير ملكا لَا يماثل فِي حَالَة ملكه وسلطان لَا يعْتَرض أمره
(3/50)

- الْمَعْنى أَنه طابق بَين الْأَطْرَاف والأوساط وَالْولَايَة والعزل وَالْمعْنَى توليه رماحه قَوَاعِد الْبِلَاد ووسائط الأَرْض بتغلبه عَلَيْهَا وتمنعه أَطْرَاف الرماح رهبة الْأَعْدَاء لَهَا من أَن يعْزل وَالْمعْنَى أَنه يتولاها قسرا لَا من جِهَة غَيره فيعزل عَنْهَا
27 - الْغَرِيب الموهب الْعَطاء والجزل الْكثير الْمَعْنى يَقُول نبكي على مَوتَانا ونحزن لَهُم ونكثر الأسف لفراقهم وَنحن نتيقن أَنهم لَا يفوتهُمْ من الدُّنْيَا مَا يرغب فِي مثله وَلَا يمْنَعُونَ مِنْهَا مَا يجب أَن يتنافس فِي نيله لِأَن الدُّنْيَا بجملتها غرور وتمتع من بَقِي فِيهَا بصحبتها يسير وَالْمعْنَى أَن من فَارق الدُّنْيَا لم يفته بفراقها شَيْء لَهُ قدر
28 - الْمَعْنى إِذا مَا تَأَمَّلت تصاريف الزَّمَان وتدبرت الدَّهْر وخطوبه تيقنت أَن مَا حتم على الْإِنْسَان من الْمَوْت كَالَّذي يتوقعه من الْقَتْل لِأَن الْأَمريْنِ متساويان فِي مكروههما متماثلان فِيمَا يُشَاهد من عدم الْحَيَاة لَهما فَمَا ظَنك بِشَيْء يكون آخر مصيره إِلَى أكره مَا يحذر من أُمُوره وَهَذَا يُوجب الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَيَدْعُو إِلَى الْإِعْرَاض عَنْهَا وَقلة الأسف عَلَيْهَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول عنترة
(فاقْنَيْ حَياءَكِ لَا أَبَا لَكِ وَاعْلَمي ... أَني امْرُؤٌ سأَمُوتُ إنْ لَمْ أُقْتَل)
وَمثله للْآخر
(إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظِنَّ أنَّهُ ... نَجا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذي هُوَ قاتِلُهْ)
وَقَالَ البحتري
(رأى بعضُهُمْ بَعْضاً عَلى الحُبّ أسْوَةً ... فماتُوا وَموْتُ الحبَ ضَرْبٌ مِن القَتْلِ)
يُرِيد أَن قتل الْحبّ إيَّاهُم كَقَتل السَّيْف
29 - الْغَرِيب التعلة التعلل والحسناء يُرِيد الْمَرْأَة الْحَسَنَة الْمَعْنى يَقُول السرُور بِالْوَلَدِ المحبوب لَا يَدُوم وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيل إِلَى وَقت وَكَذَلِكَ إِذا خلت الْحَسْنَاء مَعَ محبها أدّى ذَلِك إِلَى تأذيه بهَا إِمَّا لِأَنَّهُ يشْتَغل قلبه عَمَّا سواهَا
(3/51)

أَو لغير ذَلِك من المضار الَّتِي تلْحق مواصل الغواني وَهَذَا كُله تَسْلِيَة لَهُ عَن وَلَده هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا الْمَعْنى أَنه نَهَاهُ عَن الْخلْوَة بامرأته لِئَلَّا تَلد فَقَالَ خلوتك بامرأتك أَذَى لَك فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا تجلب لَك ولدا تغم من أَجله وتتأذى بتربيته وَلَعَلَّ الْعَاقِبَة إِلَى الثكل
30 - الْغَرِيب الْحَلْوَاء مَعْرُوفَة وَهِي تسْتَعْمل لكل مَا يستحلى الْمَعْنى يَقُول جربت حلاوة الْأَوْلَاد وَقت صباي فَوجدت الْأَمر على مَا قلته وَيجوز أَن يكون على الصِّبَا رَاجعا إِلَى الْبَنِينَ أَي على صبا الْبَنِينَ قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى يَقُول لست أسليك إِلَّا عَمَّا قد فجعت بِهِ فَرَأَيْت الصَّبْر عَلَيْهِ أحزم من الأسى عَلَيْهِ وَهَذَا بعيد لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم هَذَا الْبَيْت مَا يدل على مَا قَالَه إِنَّمَا نقدم مَا ذَكرْنَاهُ انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى يُرِيد ذقت حلاوتهم فِي حَال صبوتي وعرفتهم حَقِيقَة الْمعرفَة ثمَّ لحظتهم بِعَين التيقن بعد تجربتي لأمرهم وإحاطتي بعلمهم فَلَا تَظنن أَن ذممتهم عَن غير معرفَة وزهدت فيهم دون تجربة
31 - الْغَرِيب الْأَزْمَان جمع زمن وزمان وَيجمع على أزمنة وأزمن ولقيته ذَات الزمين تُرِيدُ بذلك تراخي الْوَقْت الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكد مَا قدمه من إحاطته بالأمور وَمَا حث عَلَيْهِ من الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَقلة الأسف على الْوَلَد أَي مَا تسع الْأَزْمَان مَا أعلمهُ من أمرهَا واتيقنه من شدَّة نكدها يُرِيد أَنَّهَا تضيق عَن علمه وتعجز عَن الاشتمال عَلَيْهِ وَأَن الْأَيَّام لَا تحسن أَن تكْتب مَا أمليه وتضبط مَا أعده وَالْمعْنَى أَن الْأَيَّام الَّتِي تَأتي بالحوادث لَا تحسن أَن تكْتب مَا أمليه من الْحِكْمَة وَالْكَلَام النَّادِر فَكيف تعلمه
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر مَذْمُوم أمره شَدِيد مكره فَلَا تؤمل عِنْده حَيَاة وَلَا هُوَ مِمَّن يشتاق فِيهِ إِلَى نسل لِأَن مآل الْحَيَاة فِيهِ إِلَى الْمَوْت ومآل النَّسْل إِلَى الْقَبْر بعد طول الشّغل وَالنّصب ومعاناة الكد وللطلب وَمَا كَانَ كَذَلِك فالسرور يسير بِوُجُودِهِ والحزن غير وَاجِب عِنْد فَقده وَقَالَ الواحدي لِأَن الْوَلَد إِذا عَاشَ بعد لَقِي من مكاره الدَّهْر مَا ينغص عَلَيْهِ عيشه ويسأم مَعَه الْحَيَاة وَلِأَنَّهُ أَيْضا لَا يبْقى الْوَلَد بل يفجع بِهِ الْوَالِد
(3/52)

- 1 الْغَرِيب الْحلم النّوم والزيال المزايلة والزوال يُقَال زَالَ الشَّيْء زوالا وزالت الْخَيل بفرسانها زوالا وزيالا فقلبت الْوَاو يَاء للكسرة الَّتِي قبلهَا الْإِعْرَاب لَا بِمَعْنى لَيْسَ وَيجوز أَن تكون على وَجههَا وهم يستعملون لَا فعل مَوضِع لم يفعل وَمِنْه {فَلَا صدق وَلَا صلى} يُرِيد لم يصدق وَلم يصل والضميران فِي المصراع الأول والضميران فِي المصراع الثَّانِي الْجمع للحبيب وَإِن لم يجر لَهُ ذكر للْعلم بِهِ عِنْد السَّامع الْمَعْنى قَالَ الواحدي يصف شدَّة هجر الحبيب وَأَنه لَا يَأْتِيهِ فِي النّوم أَيْضا وهم إِذا وصفو الخيال بالامتناع من الزِّيَارَة فِي النّوم أَرَادوا بِهِ شدَّة هجر الحبيب كَقَوْل حبيب
(صَدَّتْ وعَلَّمَتِ الصُدُودَ خَيالَها ... )
وَلَا يتَصَوَّر تَعْلِيم الخيال للصدود وَلَكنهُمْ كَمَا يصفونَ الحبيب بِشدَّة الهجر يجْعَلُونَ هجر الخيال نوعا من صدوده يَقُول لم يزره الحبيب فِي النّوم يُرِيد أَن مُوجب رُؤْيَة الخيال فِي النّوم اسْتِدَامَة ذكر الْوَدَاع والفراق وَلَوْلَا أَنِّي أطلت تذكر وداعه ومفارقته وواصلت الْفِكر فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا لما جَاءَنِي خياله وَالْمعْنَى تذكري فِي الْيَقَظَة الْوَدَاع والفراق أَرَانِي خياله وَلَو غفلت عَن ذكره لم أره فِي النّوم وَالْمعْنَى أَن مُوجب رُؤْيَة الخيال اسْتِدَامَة ذكر الْوَدَاع والفراق وجود الْحلم بالحبيب وجوده بمثاله وَجعل ذَلِك أَبُو الطّيب شَيْئَيْنِ ظنا مِنْهُ أَنه يرى الحبيب فِي النّوم وَيرى خياله ورؤية الحبيب فِي النّوم رُؤْيَة خياله لَا رُؤْيَة شخصه بِعَيْنِه وَهَذَا كَلَام مَنْقُول من كَلَام أبي الْفَتْح وَالْمعْنَى أَن الأحلام لم تكن فِي قدرتها أَن تجود بِمن أحبه فتقر بِهِ وَلَا بِمَا يُشبههُ فتمثله لَوْلَا مَا يَدْعُو إِلَى ذَلِك من التَّذَكُّر بوداعه عِنْد فرقته وزياله عِنْد رحيله وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(نَمْ فَمَا زَارَكَ الخَيالُ وَلَكِنَّكَ ... بالفِكْرِ زُرْتَ طَيْفَ الخَيالِ)

2 - الْإِعْرَاب رفع الْمَنَام بِفِعْلِهِ وَالتَّقْدِير الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله وَنصب خيال لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَلَيْسَ هُوَ مفعول إِعَادَته وَأقَام الْمصدر مقَام الْمَفْعُول لِأَنَّهُ يُرِيد بِالْإِعَادَةِ الشَّيْء الْمعَاد كوقوع الْخلق موقع الْمَخْلُوق
(3/53)

الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول إِن الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله فأراناه فِي النّوم كَانَ ذَلِك الَّذِي أرانا خيال خياله يَعْنِي أَنا كُنَّا نصور لأنفسنا فِي الْيَقَظَة خياله فَالَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي النّوم كَانَ خيال ذَلِك الَّذِي يتَصَوَّر لنا فَهُوَ خيال الخيال وَهَذَا الْبَيْت تَأْكِيد لما قبله من أَنه يداوم على ذكر الحبيب وَذكر حَال الْفِرَاق والوداع وَابْن جنى يَقُول إِنَّمَا رَأينَا الْآن فِي النّوم شَيْئا كَمَا رَأَيْنَاهُ فِي النّوم قبل فَصَارَ مَا رؤى ثَانِيًا خيال مَا رَأَيْنَاهُ أَولا وَالَّذِي رؤى أَولا هُوَ خياله فَصَارَ الثَّانِي خيال الخيال وَهَذَا كَلَامه وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ إِذا رَآهُ ثَالِثا صَار خيال خيال خياله، وَكَذَا فِي الرَّابِع وَهَذَا لَا يَنْقَطِع وَقَوله المعيد لنا الْمَنَام خياله يجوز أَنه يُرِيد بِهِ الِابْتِدَاء فَسَماهُ إِعَادَة وَإِن لم يحلم بِهِ قبل وَالْعود قد يُطلق على الِابْتِدَاء وَمِنْه قَول الآخر
(وَماءٌ كَلَوْنِ الزَّيْتِ قَدْ عادَ آجِنا ... )
يُرِيد صَار آجنا وَيجوز أَن يُرِيد الْإِعَادَة على حَقِيقَتهَا وَقَوله كَانَت إِعَادَته أَي وَقعت وحصلت وَلَا يحْتَاج فِي الْكَوْن إِذا كَانَ بِمَعْنى الْوُقُوع إِلَى الْخَبَر وَنصب خياله بِالْإِعَادَةِ لَا بِخَبَر كَانَ انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَن الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله كَانَت تِلْكَ الْإِعَادَة لخفة وقعتها وتقاصر مدَّتهَا من ذَلِك الخيال كالخيال الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا شِفَاء للعاشق بِهِ
3 - الْمَعْنى أَنه وصف حَاله عِنْد زِيَارَة الطيف لَهُ وَمَا قرب لَهُ بذلك من الْبعيد وَأمكنهُ من العسير فَقَالَ إِنَّه بَات يتَنَاوَل المدام من كف محبوبه وَذَلِكَ المحبوب لَا يخْطر بِبَالِهِ رُؤْيَته لَهُ لتباعده عَنهُ وَلَا يتوهمها لانفصاله بالمسافة المتراخية مِنْهُ والشاعر يَجْعَل مَا يرَاهُ فِي النّوم كَأَنَّهُ يرَاهُ فِي الْيَقَظَة وَمثله للبحتري
(أُردُّ دُونَكِ يَقْظانا وَيأْذَنُ لي ... عليكِ سُكْرُ الكَرَى إِن جِئتُ وَسْنانا)
وَمن قَول قيس بن الخطيم
(مَا تَمْنَعي يَقْظَي فَقَدْ تُؤْتِينَهُ ... فِي النَّوْم غَيْرَ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبِ)
وللبحتري أَيْضا
(جَذْلانَ يسْمَحُ فِي الكَرَى بعِناقِهِ ... وَيَضِنُّ فِي غَيرِ الكَرَى بسَلامِهِ)
وَلأبي نواس
(إذَا الْتَقَى فِي النَّوْمِ طَيْفانا ... عادَا إِلَى الْكرَى الْوَصْل كَما كَانَا)

(يَا قُرَّةَ العَينِ فَمَا بالُنا ... نَشُقَى وَيَلْتَذُّ خَيالانا)

(لَوْ شِئْتِ إذْ أحْسِنْتِ لي نَائِما ... أتْمَمْتِ إحْسَانَكِ يَقْظانا)
(3/54)

- الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق الْمَعْنى شبه مَا فِي قلادته من الدّرّ بالكواكب وخلخاله بِعَين الشَّمْس يُرِيد لمعان خلخاله وَذكر أَنه يجنى الْكَوَاكِب من تِلْكَ القلائد بتناوله لَهَا وينال عين الشَّمْس من تِلْكَ الخلاخل بلمسه إِيَّاهَا فأحرز قصبات التَّشْبِيه فِيمَا شبه بِهِ مِمَّا لَا زِيَادَة عَلَيْهِ فِي حسن النّظر وَأَشَارَ إِلَى المعانقة وَالْمُلَامَسَة بِأَحْسَن إِشَارَة وَعبر عَنْهَا بِأَحْسَن عبارَة فَجعل مد يَده إِلَى تِلْكَ الفرائد جنيا للكواكب وَإِلَى الخلخال نيلا لعين الشَّمْس قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون التَّشْبِيه فِي الْبعد لَا فِي الصُّورَة أَي مَا كُنَّا نظن أَن نرَاهُ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ صَبرنَا نرى بقلائده الْكَوَاكِب وبخلخاله الشَّمْس وَالْمعْنَى أَنه رأى فِي الْمَنَام مَا لم يصل إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة
5 - الْإِعْرَاب اسْتعْمل الْهَاء الْأَصْلِيَّة فِي الواله وصلا وَهِي لَام الْكَلِمَة وَهِي جَائِزَة الْغَرِيب الوله التحير وَهُوَ ذهَاب الْعقل بِشدَّة الْحبّ ويروى ظن الْفُؤَاد بالظاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون يُرِيد فِي ظَنِّي وفكري ويروى طي الْفُؤَاد وَهُوَ ضد النشر ويروى ظن الْفُؤَاد وَلَيْسَ بِشَيْء الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما ذكر قبل ارتحلتم عَن مرأى الْعين الَّتِي قرحت بِكَثْرَة الْبكاء لبينكم وسكنتم ظن الْفُؤَاد الواله بحبكم المشغول بذكركم الْمَقْصُور على مثلكُمْ فالقلب لَا يَخْلُو من ذكراكم وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(فقُلْتُ لَمْ تَبْعُدْ نَوَى غائِبٍ ... غابَ عَنِ العَينِ إِلَى القَلْبِ)
وَمن قَول ابْن المعتز
(إنَّا عَلى الْبِعادِ والتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِي بالذّكرِ إنْ لَمْ نلْتَقِ)
وَمن قَول الآخر
(لَئِنْ بَعُدَتْ عني لَقَدْ سَكَنَتْ قَلبي ... مشِيَّانَ عِنْدِي غايَةُ البُعْدِ والقُرْبِ)

6 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقلب استدناكم بفكره فالدنو من قبله وسمحتم بالزيارة لِكَثْرَة فكره فِيكُم فَكَانَ السماح على الْحَقِيقَة مِنْهُ لَا مِنْكُم فلوخلا الْقلب مِنْكُم لم يحصل هَذَا الدنو والضميران فِي عِنْده وَمَاله للقلب أَو للعاشق وَلما ذكر السماح ذكر مَعَه المَال لتجانس الصَّنْعَة وأجراه على طَرِيق الِاسْتِعَارَة
(3/55)

- الْغَرِيب الطيف الخيال يُقَال طيف وطائف وَقَرَأَ الْقُرَّاء بهما فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ طيف بِغَيْر ألف وَالْبَاقُونَ بِأَلف وَيُقَال طَاف الخيال يطِيف طيفا ومطافا قَالَ كَعْب بن زُهَيْر
(أنَّي ألَّم بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ... وَمَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ يبغض طيف محبوبه مَعَ كلفه بِهِ ويكرهه مَعَ ارتياحه لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يهجره فِي زمن الْوَصْل وَلَا يطرقه مَعَ التئام الشمل فَيَقُول رؤيتي الطيف عنوان الهجر قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا يُسمى الإكذاب لِأَنَّهُ قَالَ فِي الأول لَا الْحلم جاد بِهِ فَزعم أَن النّوم لَا يصل إِلَى أَن يرِيه الخيال ثمَّ ذكر أَنه يبغض طيفه وَقَالَ الواحدي كَانَ من حَقه أَن يَقُول إِذْ كَانَ يواصلني زمَان الهجر لِأَن هجران الطيف زمَان الْوِصَال لَا يُوجب بغضا لَهُ إِذْ لَا حَاجَة بِهِ إِلَى طيف أَيَّام الْوِصَال وَلكنه قلب الْكَلَام على معنى أَن هجرانه زمَان الْوِصَال يُوجب وصاله زمَان الهجران
8 - الْإِعْرَاب نصب مثل بِفعل مُضْمر تَقْدِيره أبغضه مثل وَيجوز أَن يكون بيهجرنا أَي يهجرنا مثل هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي حدثت من ترحال الحبيب وَالْمعْنَى لما فَارَقت من أحبه حدثت هَذِه الْأَشْيَاء بفرقته وعدمته فشكوتهن بعد رحيله وَكَذَلِكَ الطيف إِنَّمَا زار زمن الهجر وطرق عِنْد امْتنَاع الْوَصْل
9 - الْغَرِيب استقدت اقتصصت وَهُوَ استفعلت من الْقود وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل إِذا قتل الآخر يُقَاد الْقَاتِل إِلَى أهل الْمَقْتُول فَرُبمَا قَتَلُوهُ وَرُبمَا عفوا عَنهُ والبلبال الهموم والحزن الْمَعْنى يُرِيد قدرت من الْهوى على مَا أردْت فعففت عَنهُ واقتصصت بذلك من الْهوى وَجَعَلته جَزَاء لفعله وَالْمعْنَى إِن كَانَ الْهوى قد لَحِقَنِي مِنْهُ حزن وهموم فقد استقدت مِنْهُ وأذقته من عفتي مَا هُوَ جَزَاء لَهُ قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل هُنَا وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون الْعرض فَيكون هَذَا من مُبَالغَة الشّعْر الَّتِي لَيست لَهَا حَقِيقَة وَالْآخر أَن يُرِيد الْمَرْأَة الَّتِي شَبَّبَ بهَا فَيكون على حذف الْمُضَاف أَي ذَات الْهوى وَالْمعْنَى أذقته من الأسف بالعفة الَّتِي سهلت على خلابه كَمَا أذاقني
(3/56)

- الْغَرِيب الإستجفال الْهَرَب بعجلة وَسُرْعَة والضرغام من أَسمَاء الْأسد وكنى بالساعة عَن قصر الْمدَّة والأشبال وَاحِدهَا شبْل وَهُوَ ولد الْأسد الْمَعْنى يَقُول أَعدَدْت لافتتاح كل أَرض فَحذف الْمُضَاف للْعلم بِهِ وقتا صعبا يضْطَر الْأسد فِيهِ إِلَى ترك أَوْلَاده والهرب عَنْهَا خوفًا على نَفسه تحمله لشدتها على الْفِرَار عَن أَوْلَاده
11 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للساعة الْمَذْكُورَة وَيجوز أَن يكون للْأَرْض الْغَرِيب الأجوال النواحي الْوَاحِد جول الْمَعْنى أَنه وصف السَّاعَة فَقَالَ إِن وُجُوه الْأَبْطَال الَّذين لَا ينكصون يلقى بَعْضهَا بَعْضًا وَبَينهَا ضرب شَدِيد وجلاد وَكيد يكثر فِيهِ الْمَوْت ويجول فِي نواحيه وجانس بقوله نجول وأجواله لِأَن حُرُوف يجول والأجوال وَاحِد وَالْمعْنَى فِي الْكَلِمَتَيْنِ مُخْتَلف وَهَذَا فِي الْكَلَام هُوَ التَّجْنِيس
12 - الْغَرِيب السلاف هُوَ أول مَا يجْرِي من مَاء الْعِنَب من غير عصر وَهُوَ أَجود وَهُوَ أصفر وَهُوَ سلاف وسلافة الجريال صبغ أَحْمَر وَمَا اشتدت حمرته من الْخمر يُسمى جريالا على المشابهة الْمَعْنى يَقُول يُرِيد أَنه خبأ من الْكَلَام أسهله وأفضله وَمَا هُوَ فِيهِ كالسلاف فِي ضروب الْخمر وَأظْهر فِيهِ مَالا يدْفع فَضله وَلَا يُنكر حسنه كالجريال فِي أَنْوَاعهَا إِلَّا أَن الَّذِي أظهره دون الَّذِي كتمه وَالْمعْنَى أَنه يُشِير بِهَذَا إِلَى قدرته على الْكَلَام وإحاطته بِهِ وَقَوله وسقيت من نادمت أَي لم أخرج إِلَيْهِ مُخْتَار شعري وكلامي
13 - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على السماع لَا على الْقيَاس الْمَعْنى يَقُول إِذا بعد سهل الْكَلَام على أهل الْإِحْسَان وصعب انقياده لَهُم لصعوبة المقامات الَّتِي توجب ذَلِك برزت هُنَاكَ غير مقصر فِي غوامض القَوْل وَلَا متعثر فِي بَدَائِع الشّعْر وكني بالسهل عَمَّا قرب من الْكَلَام وبالجياد عَن أهل الْإِحْسَان فاستعار هَذِه الألقاب أحسن اسْتِعَارَة وَأَشَارَ إِلَى إحسانه أبدع إِشَارَة وَهَذَا من بديع الْكَلَام وَالْمعْنَى إِذا لم يقدروا على السهل الْمُسْتَعْمل كنت قَادِرًا على الْغَرِيب المهمل فَجعل الْجِيَاد مثلا للبلغاء
(3/57)

- الْإِعْرَاب الضمائر تعود على العراء الْغَرِيب العراء الأَرْض الفضاء الواسعة وَقيل ظهر الأَرْض وَقيل لَهُ عراء لِأَنَّهُ لَا شجر فِيهِ كَأَنَّهُ عرى مِنْهُ والناعج الْأَبْيَض الْكَرِيم من الْإِبِل والنعج ضرب من سير الْإِبِل والمعتاد من الْعَادة والمجتاب الْقَاطِع وَهُوَ الَّذِي يقطع الأَرْض بالسير والمغتال الَّذِي يَسْتَوْفِي غَايَته الْمَعْنى يَقُول إِنَّه قد اقتدر على القفر العراء بجمل مُعْتَاد السّير فِيهِ مستضلع للْقطع لَهُ مُسْتَقل ببلوغ غَايَته فَحكم فِي القفر بركوب هَذَا الْجمل الْمَوْصُوف المغتال المهلك يُرِيد الَّذِي أفناه بالسير
15 - الْغَرِيب الْمطِي جمع مَطِيَّة والجموم من الْخَيل كلما ذهب مِنْهُ جرى جَاءَهُ جرى آخر قَالَ النمر بن تولب
(جَمُومُ الشَّدَ شائِلَةُ الذُّناتي ... تخالُ بَياضَ غُرَّتِها سِرَاجا)
وَأَصله جم المَاء يجم جموما إِذا كثر وكللت من الْمَشْي أكل كلالا وكلالة وَكَذَلِكَ الْبَعِير إِذا أعيا وكل السَّيْف وَالرمْح والطرف وَاللِّسَان يكل كلة وكلا وَسيف كليل الْحَد وَرجل كليل اللِّسَان وكليل الطّرف الْمَعْنى يَقُول هَذَا الناعج يسْبق عَدو الْإِبِل مَاشِيا وَيزِيد عَلَيْهَا عِنْد كَثْرَة جريها إِذا كَانَ كالا فَمَا ظَنك بِهِ إِذا تَسَاوَت بِهِ الْحَال وَذهب عَنهُ الكلال وَالْمعْنَى إِذا كَانَ مُقَيّدا يسْبق الْإِبِل مُطلقَة فَتَصِير وَرَاءه
16 - الْغَرِيب تراع تفزع والمتجفل المسرع والعقال حَبل يشد بِهِ يَد الْجمل إِلَى عضده الْمَعْنى يَقُول تراع الْمطِي حول هَذَا الْجمل وَكلهَا لاعقال عَلَيْهَا وَهُوَ مَعْقُول بَينهَا فتفر مسرعة وتصد مولية ويفر هَذَا الْجمل لفرارها فيفوتها مسرعة بعقاله وَهِي مُطلقَة ويتقدمها برباطه وَهِي مجتهده
17 - الْغَرِيب أخفافه جمع خف وَهُوَ خف الْبَعِير والمراح النشاط والإرقال ضرب من السّير وَهُوَ الخبب وَقد أرقل الْبَعِير وناقة مرقل ومرقال إِذا كَانَت كَثِيرَة الإرقال
(3/58)

الْمَعْنى يَقُول بسيره أبلغ مَا أطلب من النجاح فالنجاح فِي قوائمه وَهُوَ نشيط الْعَدو فالنشاط فِي إرقاله فاقتران الظفر بسيره والفوز وَالْغِبْطَة بِسَفَرِهِ
18 - الْغَرِيب خيس أجمة الْأسد والريبال الْأسد الْمَعْنى يُرِيد أَنه صَار مشاركا للخلافة فِي سيف الدولة يُرِيد أَنه سَيْفه كَمَا هُوَ سيف دولة هَاشم ووصلت إِلَى أَسد الْملك بشق الخيس إِلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن نظام أَمْرِي من عطاياه كَمَا أَن نظام دولة هَاشم من رَأْيه وَالْمعْنَى أَنِّي شركت دولة هَاشم فِي رئيسها أَو سيفها أخترته لقصدي كَمَا اخْتَارَهُ الْخَلِيفَة لنَفسِهِ ووصلت إِلَى دَار سُلْطَانه ورفيع مَكَانَهُ
19 - الْإِعْرَاب من روى خَوفه فالمصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَمن روى خوفها فالمصدر مُضَاف إِلَى الْفَاعِل لِأَن الفريسة هِيَ الخائفة الْغَرِيب الليوث جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأسد إِذا افترس فريسة ذعرها وأفزعها وَهَذَا مَعَ أَنه يقتل أعداءه بحياته لَا ينفرون عَنهُ لكماله وجماله وَيُرِيد أَنه حرم الليوث كَمَاله لِأَنَّهُ يشركها ببأسه ويفوتها بحسنه وجماله فَهِيَ منسوبة إِلَى الْقبْح وَهُوَ لحسنه ينسى فريسته خَوفه بِجَمَال وَجهه ويشغلها ببهائه عَمَّا تتوقعه من بأسه
20 - الْغَرِيب الآكال جمع أكل وَأكل بِالضَّمِّ وبضمتين الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لِشِدَّتِهِ وارتفاع رتبته تتواضع الْأُمَرَاء حول سَرِيره وتعتصم بالخضوع لَهُ ويظهرون لَهُ الْمحبَّة وَلَيْسَت من أشكاله وتتودده وَهِي من آكاله أَي من أرزاقه وأقواته يَعْنِي أَنه مَحْبُوب إِلَى كل أحد
21 - الْغَرِيب البشاشة الاستبشار والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُمِيت بهيبته قبل أَن يُقَاتل ويبش للسَّائِل قبل أَن يُعْطِيهِ وَيُعْطِيه قبل أَن يسْأَله
22 - الْغَرِيب مقبلها أَولهَا وَهُوَ مَا يسْتَقْبل مِنْهَا الْمَعْنى أَنه ضرب هَذَا مثلا مؤكدا لما قبله أَي هُوَ غير مُحْتَاج إِلَى محرك لَهُ فِي السؤدد
(3/59)

وَالْفضل كَمَا أَن الرِّيَاح إِذا رَأَيْتهَا مقبلة إِلَيْك لم تحتج إِلَى استعجالها لسرعتها فَكَأَنَّهَا جدواه قَالَ أَبُو الْفَتْح جَارِيَته فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ هَذَا وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة مقبلها بِفَتْح الْبَاء يُرِيد إقبالها
23 - الْغَرِيب الإفضال الْعَطاء وَهُوَ أَن يفضل عَلَيْهِم من جوده الْمَعْنى يَقُول أعْطى واقتدر فَعم بفضله واقتدر على الْمُلُوك المترفعين عَن تقبل الْعَطاء فَمن عَلَيْهِم بعفوه وَكَانَ صفحة عَنْهُم من أوفر الْعَطاء عِنْدهم فتساوى الْمُلُوك والسوقة فِيمَا شملهم من الْعَطاء وتماثلوا فِيمَا أحَاط بهم من الْإِحْسَان وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(عَمَّتْ صَنائِعُهُ البَرِيَّة كُلَّها ... فَعَدا المُقِلُّ على الغَنِيّ المُكْثِرِ)

24 - الْمَعْنى يَقُول أغْنى النَّاس مِمَّا يعطيهم فهم لَا يسألونه مُتَابعَة وَالْمعْنَى إِذا أغْنى كرمه عَن مسئلته وابتداؤه للعطاء عَن تحريكه وَإِلَى ذَلِك وَأَعَادَهُ وواصله من غير أَن تطلب الْإِعَادَة
25 - الْغَرِيب الجدوى الْعَطِيَّة والإقلال مصدر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ أردْت إفراطه فِي الْجُود حَتَّى كَأَنَّهُ يطْلب أَن يكون مقلا كسائله فَهُوَ يفرط فِي إِعْطَائِهِ طلبا للإقلال فَكَأَنَّهُ لِكَثْرَة إِعْطَائِهِ يحْسد على الْفقر والقلة حَتَّى يصير فَقِيرا
26 - الْغَرِيب الهمة والهموم وَاحِد الْمَعْنى يَقُول همته بلغت أقْصَى من مغارب النُّجُوم وتطلع من مشارقها وَهِي دون مَا ناله بهمته يُرِيد أَن النُّجُوم تغرب ومطالعها أقرب من مبلغ همته وإرادته وَالْمعْنَى أَن النُّجُوم مَعَ ارْتِفَاع موَاضعهَا وانتزاح مغاربها ومطالعها تغرب مقصرة عَمَّا تبلغه همته وتطلع متواضعة عَمَّا يُدْرِكهُ تنَاوله وَقَالَ الواحدي يُرِيد ان الممدوح أبعد من مطلع الشَّمْس لَا يَنَالهُ أعداؤه وَلَا يبلغون إِلَيْهِ وَلَا يبلغون مناله
(3/60)

- الْغَرِيب الْجد الْحَظ والآل أَصله أهل فأبدل من الْهَاء همزَة فَاجْتمع همزتان فأبدل من الثَّانِيَة ألف وَخص بِهِ الْأَكْثَر فالأكثر نَحْو آل مُوسَى وَآل إِبْرَاهِيم وَآل مُحَمَّد الْمَعْنى يَقُول جدد الله لَهُ كل يَوْم سَعَادَة تزيد من أعدائه فِي أوليائه الَّذين يوالونه بالمحبة وَالْمعْنَى الله يمده فِي كل يَوْم بكرامة وسعادة يجدد مَاله ويظفره بِمن ناوأه ويظهره على من عَادَاهُ ويجعلهم بعد الْعَدَاوَة أَتبَاع أمره وأنصارا لحزبه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يدْخل أعداءه فِي صَحبه إِمَّا رَغْبَة وَإِمَّا رهبة
28 - الْمَعْنى يَقُول لَو لم يكن يقتل أعداءه بِسَيْفِهِ مَاتُوا هم بِقُوَّة جده وإقباله فَكَانَ سيف إقباله يقتلهُمْ واستعار للإقبال جثة يجْرِي عَلَيْهَا دِمَاؤُهُمْ وَالْمعْنَى لَو لم يُهْلِكهُمْ بوقائعه وتجري مهجاتهم على سيوفه لتكفل لَهُ بذلك إقبال جده وَمَا أظهر الله من تمكنه وسعده
29 - الْغَرِيب العرمرم الْجَيْش الْكثير والأقتال الْأَعْدَاء وَاحِدهَا قتل بِكَسْر الْقَاف وَالْجمع أقتال قَالَ عبيد الله بن قيس الرقيات
(وَاغْتِرابي عَنْ عامِرِ بْنِ لُؤِيّ ... فِي بِلادٍ كَثِيرَة الأقْتَالِ)
اصل العرمرم فعلعل من العرام وَهُوَ الشدَّة والانفصام الْكسر من غير انْفِصَال والانقصام بِالْقَافِ الْبَائِن الْمُنْفَصِل وفصمته فانقصم فال ذُو الرمة
(كأنَّهُ دُمْلُجٌ مِنْ فِضَّة نَبَهٌ ... فِي مَلْعَبٍ مِن جواري الحَيّ مَقصُومُ)
هَذَا يشبه غزالا بدملج فَقَالَ كَأَنَّهُ دملج مقصوم يُرِيد لتثنيه وانحنائه إِذا نَام الْمَعْنى يَقُول لمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أَنْفسهَا وسلمت طاعتها إعظاما لقدره واعترافا بفضله وبمثله من أهل الحزامة والمتقدمين فِي الرياسة انفصمت عرا أعدائه وانحل عقدهم ونبا حَدهمْ
30 - الْغَرِيب الوغى الْحَرْب والسربال الثَّوْب وَالْجمع سرابيل قَالَ الله تَعَالَى {سرابيلهم من قطران} وسربلته فتسربل} الْمَعْنى يُرِيد أَنه ظهر على الْأَعْدَاء فَقَتلهُمْ وَبلغ مُرَاده مِنْهُم وَلم يتْركُوا عَلَيْهِ
(3/61)

للحرب أثرا يظهرونه وَشَاهدا يتكلفه لاستغنائه عَن ذَلِك ببلوغ الهمة والبغية إِلَّا مَا فِي ثَوْبه من الدِّمَاء الَّتِي سفكتها مِنْهُم صوارمه وأجرتها قوائمه قَالَ ابْن الأفليلي هَذَا بَاب من البديع يعرف بِالِاسْتِثْنَاءِ
31 - الْغَرِيب المباهي المشاكل والمضاهي والأشكال جمع شكل وَهُوَ الشّبَه الْمَعْنى يَقُول للقمر لَا تسمع الْكَذِب وَلَا تكذبن على نَفسك فَإنَّك لست تشاكله هُوَ أبهى مِنْك وَأحسن وأضوأ وأنور وَله فِي الْبَأْس وَالْكَرم رُتْبَة لَا تبلغها ومنازل لَا تستحقها فلست مِمَّن يشاكله ويضاهيه ويساويه وَجعل الْقَمَر مباهيا لوجهه لِأَنَّهُ بحسنه وزيادته كل لَيْلَة كَأَنَّمَا يباهي وَجهه
32 - الْغَرِيب طما الْبَحْر طموا إِذا ارْتَفع يطمو ويطمي طميا فَهُوَ طام وَمِنْه طمت الْمَرْأَة بزوجها إِذا ارْتَفَعت وطما يطمي مثل طم يطم إِذا مر مسرعا الْمَعْنى قل للبحر إِذا ارْتَفع دع مَا تظهره فكرم الممدوح يغمرك ومواهبه تحقرك وَأَنت عَاجز عَن رتبته ومقصر عَن جلالته ورفعته وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(قدْ قُلْتُ للْغَيْثِ الرُّكامِ وَلَجَّ فِي ... إبْرَاقِهِ وألَحَّ فِي إرْعادِهِ)

(لَا تَعْرِضَنَّ لِجَعْفَرٍ مُتَشَبها ... بنَدَى يَديْه فلسْتَ مِن أنْدَادِهِ)

33 - الْإِعْرَاب نصب الجدود بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقول ورثت زيدا مَالا أَي من زيد وَتقول ورثت أُمِّي مَالا تُرِيدُ من أُمِّي فَتسقط حرف الْجَرّ وتعمل الْفِعْل وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(وَرِثْتُ أبي أخْلاقَهُ عاجِلَ القِرَى ... وَعَبْط المَهارِي كُومُها وشَنُونُها)
وَلَا فِي معنى غير وَالضَّمِير فِي أَفعاله يعود على الابْن الْغَرِيب رَأْي بِمَعْنى رَضِي وَاخْتَارَ كَقَوْلِك رأى فلَان كَذَا أَي رضيه وَفُلَان يرى كَذَا مَعْنَاهُ يرضاه وَيُشِير بِهِ الْمَعْنى يَقُول وهب مَا ورث من المَال والمآثر فوهب المَال للعفاة والمفاخر لِقَوْمِهِ لِأَنَّهُ لَا يرى الافتخار إِلَّا بِفِعْلِهِ وَأَنه رأى أَفعَال آبَائِهِ لَا ترفعه وَلَا تَنْفَعهُ حَتَّى يفعل مثلهَا وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة لسعة فَضله وَعُمُوم جوده وهب الَّذِي وَرثهُ من جدوده اسْتغْنَاء بِكَسْبِهِ وَلم يقنع بِمَا خَلفه آباؤه من الْمجد وأسلفوه من الْجُود دون أَن يتلوهم
(3/62)

بِفِعْلِهِ ويماثلهم بفضله وَرَأى أَن أَفعَال الْآبَاء لَا تشرف الابْن حَتَّى تشرفه أَفعاله وترفعه أَحْوَاله وَمثله قَول اللَّيْثِيّ
(لَسْنا وإنْ أحْسابُنا كَرُمَتْ ... يَوْما عَلى الأحْساب نَتَّكِلُ)
وَمثله قَول الآخر
(وَإِذا افْتَخَرْتَ بأعْظُمِ مقْبُورَة ... فالنَّاسُ بَينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ)

(فأقمْ لنفسِكَ فِي اكتِسابكَ شاهِداً ... بحَدِيثِ مَجْدٍ للْحَدِيثِ مُحَقَّقِ)
وَأَخذه الرضى الموسوي فَقَالَ
(فَخَرْتُ بنَفسِي لَا بقَوْمي مُوَفِّراً ... عَلى ناقِصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي)

34 - الْغَرِيب التراث المَال الْمَوْرُوث قَالَ الله تَعَالَى {وتأكلون التراث أكلا لما} وأصل التَّاء فِيهِ وَاو وَالْمِيرَاث أَصله موراث فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا الْمَعْنى يَقُول فِي مَا وَرثهُ من أَمْوَالهم سوى الْعلَا لِأَنَّهُ شحيح بهَا أَن يُعْطِيهَا أحدا فَالْمَال يفنى بالإعطاء والمعالي لَا تفنى وَذكرهَا بَاقٍ مَعَ الْأَيَّام وَالْمعْنَى حَتَّى إِذا أفنى تراثه واستوعب طارفه وتالده وَلم يبْق من ذَلِك إِلَّا الْعلَا الَّتِي خلدها والمكارم الَّتِي شيدها طلب المَال مغالبة فقصد الْأَعْدَاء بطول رماحه وَاسْتعْمل فيهم صوارم سيوفه
35 - الْغَرِيب الأرعن الْجَيْش الْعَظِيم المضطرب مَأْخُوذ من رعن الْجَبَل وَهُوَ أَنفه الْمُتَقَدّم وَالْجمع رعون ورعان وَمِنْه سميت الْبَصْرَة رعناء قَالَ أَبُو دُرَيْد وَأنْشد للفرزدق
(لوْلا ابنُ عُتْبَةَ عَمرٌ ووالرَّجاءُ لَهُ ... مَا كانَتِ البصْرَةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا)
الْمَعْنى وَقصد الْعَدو بأرعن أَي بِجَيْش عَظِيم قد لبس فَوق مَا عَلَيْهِ من الْحَدِيد دروعا من العجاج وجر من أذياله الضَّمِير يحْتَمل أَن يكون للعجاج وللحديد وَالْمعْنَى يَقُول قصد أعداءه بِجَيْش عَظِيم لَهُ رعون وفضول يلبس مَا يثيره من العجاج فَوق مَا يلبس فرسانه من السِّلَاح ويجر أذياله لكثرته ووفوره ويسحبها إِلَى الْعَدو فِي مسيره
36 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي نقعه يعود على الْجَيْش وَعنهُ وإجلاله الضميران يعودان أَيْضا على الْجَيْش وَيجوز أَن يعودا على سيف الدولة وَهُوَ أمدح الْغَرِيب قذى القذى مَا يدْخل فِي الْعين فيمنعها النّظر والنفع الْغُبَار
(3/63)

وغض الطّرف كَسره وخفضه والإجلال مصدر أَجله الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّهَار وَهُوَ عين الشَّمْس غطاها الْغُبَار فَصَارَ كالقذى فِيهَا أَو كَأَن النَّهَار خفض طرفه إجلالا لَهُ وَالْمعْنَى أَن العجاج غلب ضوء الشَّمْس وغطاه بتكاثفه فَكَأَنَّهُ قذى بالغبار أَو خفض طرفه إجلالا للممدوح الْمُخْتَار
37 - الْغَرِيب الْقلب قلب الْجَيْش وَهُوَ وَسطه وَكَذَا يَمِينه وشماله مَا يكون من الْجمع فيهمَا الْمَعْنى يَقُول الْجَيْش فِي الْحَقِيقَة جيشك وكل جَيش سواهُ فَلَيْسَ بِجَيْش وَهُوَ جيشك يمتثل أَمرك ويتصرف على رَأْيك وَأَنت فِي الْحَقِيقَة جَيْشه لِأَنَّهُ يتشجع بشجاعتك وَيقدم بإقدامك وتهابه الشجعان من أَجلك فَهَذِهِ حَاله فِي قلبه وَيَمِينه وشماله وَإِذا امْتنع الْمُلُوك بجيوشهم فَأَنت تمنع جيشك وَإِذا احتموا بجموعهم فَأَنت تحمى جمعك
38 - الْإِعْرَاب الضميران فِي فرسانه وأبطاله يعودان على الْجَيْش الْمَعْنى يُرِيد بِهَذَا أَنه يُفَسر مَا قَالَ أَولا فَيَقُول أَنْت جَيْشه ترد الطعان المر قبلهم وتسبق إِلَى مبارزة الْأَبْطَال دونهم فتصلى حره فَأَنت فِي نَفسك وَحدهَا جَيش وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(لوْ لمْ يَقُدْ جَحْفلاً يوْمَ الوَغَى لغَداً ... مِنْ نَفْسِهِ وَحْدَها فِي جَحْفَلٍ لَجِبِ)

39 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمُلُوك سواك يطْلبُونَ عَسْكَرهمْ وجنودهم ليدفعوا عَنْهُم ويجمعونهم على أعدائهم ليسلموا وَأَنت تُرِيدُ رجالك أَن يبقوا ويسلموا وتدافع عَنْهُم وَهَذَا غَايَة الْكَرم والشجاعة وَقد بنى الْبَيْت على حِكَايَة تذكر عَن سيف الدولة مَعَ الإخشيد وَذَلِكَ أَنه جمع جَيْشًا عَظِيما وأتى إِلَيْهِ ليتغلب فَوجه إِلَيْهِ سيف الدولة يَقُول لَهُ قد جمعت هَذَا الْجَيْش وَجئْت إِلَى بلادي ابرز إِلَى وَلَا تقتل النَّاس بيني وَبَيْنك فأينا غلب أَخذ الْبِلَاد وَملك أَهلهَا فَوجه إِلَى سيف الدولة يَقُول مَا رَأَيْت أعجب مِنْك إِنَّمَا جمعت هَذَا الْجَيْش الْعَظِيم لأقي بِهِ نَفسِي أفتريد أَن أبارزك إِن هَذَا لجهل وَقد روى مثل هَذَا عَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه بعث إِلَى مُعَاوِيَة وهما بصفين قد فنى النَّاس بيني وَبَيْنك فابرز إِلَى فأينا قتل صَاحبه ملك النَّاس فَقَالَ عَمْرو لمعاوية قد قَالَ لَك حَقًا وأتاك بالإنصاف فَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو أعلمت أَن عليا برز إِلَيْهِ أحد فَرجع سالما وَالله لَا برز إِلَيْهِ سواك فَحَمله حَتَّى برز إِلَى عَليّ فَلَمَّا تقاربا كشف عَن سوأته فَتَركه عَليّ وَرجع إِلَى أَصْحَابه بِغَيْر قتال فأنشدوا فِي الْمَعْنى
(وَلا خَيَر فِي دَفْعِ الرَّدَى بِمَذَلَّةٍ ... كَمَا رَدَّها يَوْما بسَوْءتِهِ عَمْرُو)

40 - الْمَعْنى يَقُول دون حلاوة الظفر وَلَذَّة بُلُوغ الأمل مرَارَة من الْغرَر ومشقة من الْخطر لَا تتجاوز تِلْكَ المرارة إِلَّا بمقارعة أهوال الزَّمَان وشدتها والتعرض لمحنها وصعوبتها وَضرب هَذَا مثلا لما قدمه وَقَوله على أهواله يتَضَمَّن معنى الرّكُوب وَالْمعْنَى تركب إِلَى الْحَلَاوَة أهوال الزَّمَان للوصول إِلَيْهَا كَمَا يُقَال لَا تَنْقَطِع الفلاة إِلَّا على الْإِبِل وَلَا يتَوَصَّل إِلَى حلاوة الزَّمَان إِلَّا بعد ذوق مرارته
41 - الْغَرِيب جاوزها قطعهَا وَعلي هُوَ سيف الدولة إسمه عَليّ والمنصل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول لهَذَا انْفَرد عَليّ وَحده بِجَوَاز تِلْكَ المرارة وسعى بِسَيْفِهِ إِلَى تِلْكَ الصعوبة وَقدر بِسَيْفِهِ على اتِّصَاله إِلَى بُلُوغ آماله فَإِذا طلب شَيْئا أدْركهُ
(3/64)

- 1 الْغَرِيب السَّيْف الأول سيف الدولة وَالثَّانِي الْحَدِيد الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْملك الَّذِي يُسمى بِالسَّيْفِ يبلغ كل مَا يُريدهُ ويؤمله وينويه ويعتقده فَلَا يفعل السَّيْف فِي ذَلِك فعله وَلَا يفعل فِي إِدْرَاكه شأوه لِأَنَّهُ أعظم من السَّيْف فعلا
2 - الْغَرِيب المهمه الْمَفَازَة الْبَعِيدَة وَالْجمع المهامه عَم الشَّيْء يعم عُمُوما شَمل وطاله علاهُ الْمَعْنى إِذا سَار فِي الأَرْض السهلة عَمها بجُنُوده وَإِن سَار فِي الْجَبَل علاهُ فَصَارَ فَوْقه وَلَيْسَت هَذِه الصّفة من أَعمال السَّيْف
3 - الْغَرِيب نلتنا من النّيل وَهُوَ الْعَطاء يُقَال نَالَ ينول إِذا أعْطى وأناله ينيله إنالة إِذا أعطَاهُ وثمر مَاله إِذا أحسن الْقيام عَلَيْهِ وَأَصله فِي الشّجر الَّذِي يُثمر الْمَعْنى يَقُول أَنْت بِمَا نلتنا بِهِ من فعلك وتابعته لدينا من بذلك مَالك تثمر مَالك بِمَالك وتحوط ملكك بملكك لأننا لَك فِي وقوعنا تَحت أَمرك وَمَا يُحِيط بِنَا من ملكك كَالْمَالِ الَّذِي تحويه وتضبطه وتحوزه وتملكه
4 - الْغَرِيب الضيغم الْأسد ويرشح الترشيح التغذية وَهُوَ أَن ترشح الْأُم وَلَدهَا بِاللَّبنِ الْقَلِيل تَجْعَلهُ فِي فِيهِ شَيْئا بعد شَيْء إِلَى أَن يقوى على المص وَفُلَان يرشح للوزارة أَي يربى لَهَا ورشحت الظبية وَلَدهَا إِذا عَلمته الْمَشْي وَهُوَ راشح قَالَ
(كأنَّ فِي جانِبَيْهِ جِلَّهً نُتِجَتْ ... فِي آخِرِ الصَّيْفِ قَدْ هَمَّتْ بإرْشاحِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِيمَا سبقتنا إِلَيْهِ من مقارعة الْأَبْطَال وَمَا تنفرد بِهِ دُوننَا من منازلة الأقران أَسد ينهج لأشباله مَا يَفْعَله ويضربها على مَا يَأْتِيهِ ويمتثله وَالْمعْنَى أَنْت تضرينا على الْحَرْب وتعودنا الْقِتَال كَمَا يرشح الْأسد أشباله للْفرس
(3/65)

- 1 الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وَالْمعْنَى أينفع فِي سُقُوطهَا عذل العذل فَحذف الْمُضَاف وروى الْخَوَارِزْمِيّ أيقدح وَهِي رِوَايَة جَيِّدَة فَلَا يقدر فِيهَا مَحْذُوف الْغَرِيب العذل جمع عاذلة يُقَال عذل وعواذل والعاذل اللائم والعذل اسْم الْعرق الَّذِي يسيل مِنْهُ دم الِاسْتِحَاضَة وَشَمل الشَّيْء غطاه وَعَمه الْمَعْنى يَقُول لَا ينفع فِي هَذِه الْخَيْمَة أَن تعذل على سُقُوطهَا فعذرها بَين والموجب لفعلها ظَاهر وَكَيف لَهَا أَن تَشْمَل من يَشْمَل الدَّهْر بسلطانه وَيُجِير عَلَيْهِ بإحسانه وَلَو قَالَ من دهره لَكَانَ أحسن من إِضَافَة الدَّهْر إِلَيْهَا وَمعنى يَشْمَل يُحِيط بِهِ ويحويه وَقَوله يَشْمَل من دهرها بِمَعْنى أَن الْخَيْمَة تحيط بِمن يُحِيط بالدهر يَعْنِي علم كل شَيْء فَلَا يحدث الدَّهْر شَيْئا لَا يُعلمهُ وَمن كَانَ بِهَذَا الْمحل لَا يعلوه شَيْء
(3/66)

- الْإِعْرَاب الَّذِي فِي مَوضِع نصب مَعَ صلته وَمَا بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره محَال الْغَرِيب زحل اسْم نجم مَعْرُوف وَهُوَ من السَّبْعَة المدبرات وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَيُقَال فِي الْخَامِسَة وَالسَّادِسَة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تعلو هَذِه الخيمه من تَحْتَهُ زحل فِي علو الْقدر والنباهة ومحال مَا تسأله الْخَيْمَة من ثُبُوتهَا فَوْقه وَمن ضم التَّاء وَهِي روايتنا وَعَلِيهِ الْأَكْثَر أَرَادَ مَا تسْأَل الْخَيْمَة من ذَلِك وَالْمعْنَى وَكَيف تعلو من يتواضع زحل عَن رفعته وَيقصر دون بُلُوغ مَنْزِلَته فمحال مَا تسأله وممتنع مَا تحمله
3 - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع مَا بِمَعْنى الَّذِي وَالضَّمِير فِي خَاتمه لسيف الدولة وَالتَّقْدِير لم لَا تلوم لائمها وَسيف الدولة الَّذِي فص خَاتمه يذبل تحتهَا فَحذف الْخَبَر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا الْبَيْت فَقَالَ مَا بِمَعْنى لَيْسَ وَالتَّقْدِير لم لَا تلوم الْخَيْمَة من لامها على أَنه لَيْسَ فص خَاتمه يذبل فَالضَّمِير على هَذَا القَوْل رَاجع على اللائم الْغَرِيب يذبل جبل مَعْرُوف والخاتم بِكَسْر التَّاء وَفتحهَا: لُغَتَانِ فصيحتان، وَقَرَأَ عَاصِم (وَخَاتم النبين) بتح التَّاء وَيُقَال خَاتم وَخَاتم وخيتام وخاتام وَالْجمع خَوَاتِيم الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع لم لَا تلوم لائمها على سُقُوطهَا وَتقول لَهُ لم لَا يكون فص خاتمك يذبل فَإِنَّهُ يَقُول لَهَا عِنْد ذَلِك لَا يُمكن خيمة وَلَا يَصح لَهَا أَن تشْتَمل على سيف الدولة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِن جَازَ أَن تلام هَذِه الْخَيْمَة على عجزها عَن علوها الممدوح وَهُوَ غير مُمكن لعلوه عَنْهَا فَلم لَا نلوم من لامها على أَنه لَيْسَ فص خَاتمه يذبل وَهُوَ مُسْتَحِيل فِي أَن يكون فص خَاتم إِنْسَان يذبل لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا فِي طاقته فَكَذَا هَذِه الْخَيْمَة لَا تقدر أَن تعلو الممدوح لقصورها عَنهُ وَقَالَ ابْن الأفليلي لم لَا تلوم من لامها وَتقول لَهُ إِن الرئيس تهيبته وأعجزني الأشمال عَلَيْهِ يقصر يذبل مَعَ عَظمته عَن فص خَاتمه ويخف عِنْد رزانته ويقل عِنْد جلالته فَكيف أُطِيق الاشتمال عَليّ من هَذِه حَاله
4 - الْغَرِيب الأرجاء النواحي الْوَاحِد رجا والتثنية رجوان والجحفل الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة كل قطر مِنْهَا يسع جحفلا وَلكنهَا تضيق جَمِيعهَا بشخصك إجلالا لَك وإعظاما لَك أَن تعلوك
(3/67)

- الْغَرِيب الذبل الْيَابِسَة الدقيقة الطَّوِيلَة وَإِنَّمَا خص الذبل لِأَنَّهَا لَا تذبل حَتَّى تطول الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة تقصر مادمت فِي جوفها مكبرة للأشمال عَلَيْك وتضطرب مستعظمة للاستعلاء فَوْقك وَذَلِكَ لجلالتك لَا لصغرها وقصرها ولهيبتك لَا لتطأطئها وَهِي من علوها تركز فِيهَا القنا الذبل
6 - الْغَرِيب الرَّاحَة وسط الْكَفّ والأنمل جمع أُنْمُلَة وَهُوَ من الجموع الَّتِي بَينهَا وَبَين مفردها الْهَاء الْمَعْنى يَقُول باسطا لعذر الْخَيْمَة فِي سُقُوطهَا وَكَيف تقوم مُشْتَمِلَة على من الْبحار كالأنمل لراحته يغمرها بأيسر جوده وَيزِيد عَلَيْهَا بِأَقَلّ بذله
7 - الْمَعْنى يَقُول فليتك أَيهَا الرئيس فرقت وقارك وقسمته وشاركت فِيهِ وحملت الأَرْض مَا تحمله وكلفتها مَا تبلغه فَلَو فرقت وقارك لَكَانَ يخص الْخَيْمَة مِنْهُ مَا يوقرها ويثبتها عَن السُّقُوط
8 - الْمَعْنى يَقُول لَو فرقته صَار الْأَنَام وهم الحلائق كلهم سادة وَفضل لَك مَا تسود بِهِ النَّاس فتسود مَا يفضل مَعَك جَمَاعَتهمْ وتستحق مَعَه رياستهم وَالْمعْنَى أَنه يصف رزانة حلمه وَكَثْرَة وقاره فَلَو فرقه لكفى النَّاس وَفضل مَعَه مَا يسودهم بِهِ وَفضل فِيهِ لُغَات أفضلهَا فضل بِفَتْح الْعين مَاضِيا وَمثله دخل يدْخل وبكسر الْعين مَاضِيا كحذر يحذر وَفِيه لُغَة أُخْرَى مركبة مِنْهُمَا بِكَسْر الْعين مَاضِيا وبالضم مُسْتَقْبلا وَهُوَ شَاذ لَا نَظِير لَهُ قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا إِنَّمَا يحيء على لغتين قَالَ وَكَذَلِكَ نعم ينعم ومت تَمُوت وكدت تكود
9 - الْغَرِيب اصل الغزالة ارْتِفَاع الشَّمْس وَهُوَ وَقت سميت الشَّمْس بِهِ وغزالة الضُّحَى أَولهَا وَمِنْه قَول ذِي الرمة
(فأشْرَفْتُ الغَزَالَةَ رأسَ حُزْوَى ... أُرَاقِبُهُمْ وَما أغْنَى قِبالا)
نصب الغزالة على الظّرْف وَقيل الغزالة الشَّمْس سميت بذلك لِأَن حبالها كالغزل الَّذِي تغزله الْمَرْأَة الْمَعْنى يَقُول لون الممدوح ونوره لَا يلْحقهُ تَغْيِير كلون الشَّمْس الَّذِي لَا يَزُول
(3/68)

عَنْهَا بِالْغسْلِ فَهَذِهِ الْخَيْمَة رَأَتْ لون وَجهه فِي لَوْنهَا وتلألأ حسنه فِي حسنها كنور الشَّمْس تشرق وَلَا يذهب بِغسْل ويضيء وَلَا يتَغَيَّر فاكتسب من نوره مَا صَارَت بِهِ موازية للشمس الَّتِي لَا يَزُول نورها
10 - الْغَرِيب الباذخ العالي وبذخ بِالْكَسْرِ وتبذخ أَي تكبر وَعلا والبواذخ من الْجبَال الشوامخ وبذل الْفَحْل اشْتَدَّ هديره بذخانا وَإنَّهُ لبذاخ الْمَعْنى يَقُول رَأَتْ أَن لَهَا شرفا عَالِيا إِذا سكنتها وَأَن جَمِيع الْخيام تخجل مِنْهَا إِذْ لم تبلغ محلهَا واستعار للخيام خجلا والخجل فِي بني آدم استرخاء يلْحق الْإِنْسَان عِنْد الْحيَاء وَهُوَ مَأْخُوذ من خجل الْوَادي إِذا طَال نبته والتف فَقَالَ هَذِه الْخَيْمَة إِذا نظرت الْخيام إِلَى عظم شرفها خجلت وَعلمت أَنَّهَا مفتضحة إِذا قيست بهَا
11 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة لَا تنكروا سُقُوطهَا لِأَنَّهَا غلب عَلَيْهَا الْفَرح فَلَا غرو أَن يصرعها طرب ويستخفها فَرح فَمن الْفَرح مَا يقتل لِشِدَّتِهِ وَمن الطَّرب مَا يضر بِزِيَادَتِهِ
12 - الْمَعْنى يَقُول لَو بلغ النَّاس الْعُقَلَاء مَا بلغته هَذِه الْخَيْمَة من الصيانة لَك والإتصال بك والإشمال عَلَيْك لخانتهم أَرجُلهم فَلم تحملهم وصرعهم فَرَحهمْ فَلم يمهلهم الْوُقُوف وَالْمعْنَى لم تحملهم قوائمهم هَيْبَة لَك كَمَا خانتها إطنابها وعمدها
13 - الْغَرِيب الإطناب جبال الْبناء والتطنيب مد الإطناب الْمَعْنى يَقُول لما أمرت بِهَذِهِ الْخَيْمَة أَن تنصب وتمد إطنابها شاع أَي ظهر فِي النَّاس بأنك لست راحلا لغزو الْعَدو لأمر وقفك عَن الرحيل وَعذر ثبطك عَن الْغَزْو
14 - الْغَرِيب التَّفْوِيض الْحَط وَرفع الإطناب لقلع الْخَيْمَة وَأَشَارَ من الْإِشَارَة لَا من المشورة فِي الرَّأْي فان قيل الْإِشَارَة إِنَّمَا تكون بِالْإِيمَاءِ بالجارحة وَالله تَعَالَى يرْتَفع عَن الْوَصْف بالجوارح قيل إِنَّمَا أَرَادَ بِالْإِشَارَةِ التَّنْبِيه أَي فنبهك بوقوعها على الرحيل الَّذِي أَعرَضت عَنهُ فالخيمة المشيرة إِلَيْهِ بالوقوع وَقَالَ الْآخرُونَ وَجه جَوَازه أَن يكون الله أَشَارَ إِلَيْهِ بجسم من الْأَجْسَام يحْتَمل الْحَرَكَة إِمَّا حَيّ وَإِمَّا موَات إِذْ لَا جارحه لَهُ تَعَالَى
(3/69)

الْمَعْنى يَقُول لم يرد الله حطها وَلَكِن كَانَ قلعهَا وسقوطها تَنْبِيها من الله تَعَالَى لَك بِمَا تَفْعَلهُ من الارتحال والتوجه إِلَى الْغَزْو لِأَن الْأَمر لَيْسَ على مَا يَقُول النَّاس فَجعل سُقُوط الْخَيْمَة كالإشارة إِلَى مَا تفعل وَأَرَادَ رشدك فِي النهوض الَّذِي أخرت أمره وَقَعَدت عَنهُ
15 - الْغَرِيب من همه أَي من إِرَادَته ورفل يرفل رفلا إِذا سحب أذياله وَمَشى وشمر رفله أَي ذيله ورفل بِكَسْر الْعين رفلا خرق فِي لبسته فَهُوَ رفل وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(فِي الرَّكْب وَشْوَاشٌ وَفِي الْحَيّ رَفِلْ ... )
وَامْرَأَة رفلة ترفل فِي مشيتهَا خرقا فَإِن لم تحسن الْمَشْي فِي ثِيَابهَا قيل رفلاء والرفل الأحمق الْمَعْنى يَقُول عرف الله النَّاس بتقويض الْخَيْمَة أَنه لم يخذلك بل يُرِيد إرشادك وَأَنَّك تمشي فِي نصر دينه فَجعل قلع الْخَيْمَة سَببا لمسيرك وعلامة على أَنه أَرَادَ لَك الارتحال فَأَنت فِي نَصره ترفل وَفِي تأييد دينه تحل وترتحل
16 - الْإِعْرَاب استفهم بِلَفْظ مَا لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام تَصْغِير وتحقير يُرِيد مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الْغَرِيب العاندون جمع سَلامَة وَهُوَ جمع عاند وَعند يعند بِالْكَسْرِ عنودا أَي خَالف ورد الْحق وَهُوَ يعرفهُ فَهُوَ عنيد وعاند وأصل العاند الْبَعِير الَّذِي يجوز عَن الطَّرِيق ويعدل على الْقَصْد وَالْجمع عِنْد مثل رَاكِع وَركع وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة
(إِذا رَكْبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنِّي كَبيرٌ لَا أُطيقُ العُنَّدَا)
وَجمع العنيد عِنْد كرغيف ورغف وعاند معاندة وعنادا الْمَعْنى يَقُول مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الَّذين يميلون عَن الصدْق إِلَى الْكَذِب والحاسدون مَا هم وَمَا قَوْلهم لَا تَأْثِير لعداوتهم وحسدهم وَلَا لما يلقونه من الْأَقْوَال الكاذبة عِنْد تقويض الْخَيْمَة وَلَا لما أملوا وَمن روى اثلو بالثاء الْمُثَلَّثَة أَرَادَ مَا جمعُوا وَقَوله وَمَا قُولُوا قَالَ أَبُو الْفَتْح كرروا القَوْل وخاضوا وقولتني مَا لم أقل أَي نسبته إِلَى كَقَوْلِك موتت الْإِبِل أَي كثر مَوتهَا والتقويل الادعاء وَالْمعْنَى يَقُول مَا قدر العاندون والحاسدون علينا إِذا اقْترن ذَلِك بجلالة سلطانك واستطاف إِلَى علو مَكَانك
17 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هم يطْلبُونَ رتبتك فَمن الَّذين أدركوا مِنْهُم شأوك وَوجه آخر هم يطْلبُونَ بكيدهم فَمن الَّذين أدركوه حَتَّى يطمعوا فِيك أه؟
(3/70)

وَالْمعْنَى هم مجتهدون فِي الطّلب فسلهم عَمَّن يقبل كذبهمْ وَيسمع إفكهم وَهل أُولَئِكَ إِلَّا طغام لَا يحفل بهم وهمج لَا يعرج عَلَيْهِم
18 - الْمَعْنى يَقُول هم يتمنون من الظُّهُور عَلَيْك بِحَسب مَا تبلغه شهواتهم ويعترضهم دون ذَلِك إقبال جدك وَتمكن سعدك وَمَا تكفل الله بِهِ من إعلاء أَمرك
19 - الْإِعْرَاب ملمومة عطف على الْمُبْتَدَأ فِي قَوْله جدك الْمقبل الْغَرِيب الملمومة الكتيبة الْمَجْمُوعَة وخمل الثَّوْب مَعْرُوف وَهُوَ مَا تدلى مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الكتيبة الْمَجْمُوعَة لِبَاس فرسانها الدروع حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْهَا فِي ثوب شَامِل ولباس سابغ إِلَّا أَن ذَلِك الثَّوْب مخمل بِالرِّمَاحِ الْبَادِيَة وَمَتنه متشعب بالقنا المتشاجرة فِيهِ وَالْمعْنَى أَن جيشك يمنعك من وصولهم إِلَى مَا يشتهون وروى ابْن الأفليلي وملمومة خفضا وَقَالَ وَرب ملمومة لَك لِبَاس أَهلهَا الْحَدِيد والزرد حلق الدروع
20 - الْغَرِيب المفاجأة المسارعة والحين الْهَلَاك والقسطل الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول يفاجئ بِهَذِهِ الكتيبة جَيْشًا هَلَاكه بهَا يُرِيد أَنَّهَا تسير لَيْلًا فتباكر جَيْشًا قد دنا حِينه وَهُوَ هَلَاكه فتهلكه لِأَنَّهُ لَا يشْعر بهَا وَتارَة تسير نَهَارا فتثير غبارا فينذر جَيْشًا آخر فيهرب وَقيل إِنَّهَا تحزن تسير فِي الْحزن فَلَا تثير غبارا وَتارَة تسهل تسير فِي السهل فتثير غبارا
21 - الْمَعْنى يَقُول جعلتك بِالْقَلْبِ عدَّة اعتدها وعصمة أعتقدها لِأَنَّك أرفع قدرا من أَن تتَنَاوَل بالجوارح وَإِنَّمَا تنَال بالفكر والاعتقاد فَأَنا أعتقد أَنَّك عدَّة لي فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ لِأَنَّك لست من الْعدَد الَّذِي يعد بِالْيَدِ كالسيوف والأسلحة
22 - الْغَرِيب المنصل بِضَم الصَّاد وَفتحهَا الْمَعْنى يَقُول لقد رفع الله دولة يُرِيد الْخلَافَة جعلتك سيفها وَأَنت ملك الْمُلُوك وجعلتك منصلها وَأَنت أَمِير الْأُمَرَاء فَهَذِهِ الدولة قد أسعدها الله ورفعها على سَائِر الدول
(3/71)

- الْغَرِيب المرهفات جمع مرهف وَهُوَ السَّيْف الرَّقِيق الْحَد والطيع الصِّنَاعَة والمقصل الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمتك السيوف بِزَمَان طبعها وسبقتك بِوَقْت صناعتها فَأَنت سبقتها بنفاد أَمرك وتقدمتها بمضاء عزمك وَقَالَ الواحدي قَالَ ابْن جني معنى الْبَيْت أَنَّك لإفراط قَطعك وظهوره على قطع جَمِيع السيوف كَأَنَّك أول من قطع إِذْ لم ير قبلك مثلك وَقَالَ غَيره يُرِيد أَن قطعهَا بسببك وَلَوْلَا قَطعك مَا قطعت وكلا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيف وَالْمعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ المتنبي أَنَّك سبقتها بِالْقطعِ لِأَنَّك تقطع بِرَأْيِك وعقلك وحكمك مَا لَا يقطعهُ السَّيْف
24 - الْغَرِيب جاد من الْجُود وَهُوَ الْكَرم الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم وتراخت مددهم فَأَنت تقدمتهم بِعُمُوم جودك وسبقتهم بسبوغ كرمك وَإِن تقدموك الزَّمَان فَأَنت تقدمتهم بِالْإِحْسَانِ
25 - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الَّتِي قَرَأنَا بهَا الدِّيوَان على الشَّيْخَيْنِ أبي الْحرم مكي وَأبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم من ليثها جارا ومجرورا وَهُوَ مُتَعَلق بإسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ خبر الِابْتِدَاء وروى من ليثها بِالرَّفْع وَفتح مِيم من وَهُوَ عبارَة عَن الْأُم وَهُوَ خبر الِابْتِدَاء وَمَا بعده صلَة لَهُ الْغَرِيب المشبل الْأُنْثَى من السبَاع وَهِي ذَات أشبال والشبل ولد الْأسد الصَّغِير وَاللَّيْث من أَسمَاء الْأسد الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تقصر عَن غَايَة من الْفضل ومنزلة من الْكَرم والبأس وَقد ولدك الْأسد فأمك أشبلت بك من أَبِيك الَّذِي هُوَ الْأسد وَضرب ذَلِك مثلا لشجاعته ومضائه كَأَن أَبَوَيْهِ سبعان وَقَالَ الواحدي روى ابْن دوست عَن غابة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي تَصْحِيف إِنَّمَا يُقَال قصر عَن الْغَايَة إِذا لم يبلغهَا لَاعن الغابة
26 - الْغَرِيب الورى الْخلق يُقَال مَا أدرى أَي الورى هُوَ أَي أَي الْخلق هُوَ قَالَ ذُو الرمة
(3/72)

(وكائنْ ذَعَرْنا مِنْ مَهاةٍ وَرَامحٍ ... بِلادُ الْوَرَى لَيْسَتْ لَهُ بِبِلادِ)
وتنجل تَلد الْمَعْنى يَقُول لما وَلدتك أمك وَهِي الشَّمْس فِي رفعتها وَعظم قدرهَا وجلالة أمرهَا استعظم النَّاس أَن يلد مثلهَا وَمن سَار فِي عظم منزلهَا نَسْلًا فَكيف بك وأمك الشَّمْس جلالة ورفعة وَأَبُوك الْأسد صرامة وَشدَّة وَقَالَ الواحدي لما وَلدتك أمك كنت شمسا فِي رفْعَة الْمحل ونباهة الذّكر فَقَالَ النَّاس ألم تكن الشَّمْس لَا تولد فَكيف ولدت هَذِه الْمَرْأَة شمسا وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول
(لَأُمٌّ لَكُمٍ نَجَلَتْ مالِكا ... مِنَ الشَّمْسِ لَوْ نَجَلَتْ أكْرَمُ)
والنجل النَّسْل ونجله أَبوهُ وَلَده يُقَال قبح الله ناجليه أَي وَالِديهِ
27 - الْغَرِيب نصب تَبًّا على الْمصدر يُقَال تب تَبًّا وَمن فِي مَوضِع جر عطفا على مَا قبله وَالْجُمْلَة لَا مَوضِع لَهَا صلته الْغَرِيب التب الْهَلَاك والخسار وَمِنْه {تبت يدا أبي لَهب} أَي هَلَكت وخسرت الْمَعْنى يَقُول ضلالا وخسارا لعبدة النُّجُوم الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا عَاقِلَة وَالْمعْنَى أهلك الله أَصْحَاب النُّجُوم والمصدقين بهَا وعبيدها المعظمين لَهَا وَأبْعد الله الْقَائِلين إِنَّهَا عَاقِلَة مُمَيزَة وعالمة مُدبرَة ثمَّ بَين الْعلَّة بعد فَقَالَ
28 - الْمَعْنى يَقُول من زعم أَن النُّجُوم عَاقِلَة وَقد عرفتك فَمَا بالها لَا تنزل إِلَى خدمتك وَهِي تراك ترَاهَا فَلم لَا تنزل خاضعة لَك وتنحط من أماكنها متواضعة عَنْك وَهِي فِي الْحَقِيقَة لَا تبلغ رُتْبَة فضلك وَلَا تقَارب جلالة قدرك فَلَو كَانَت تعقل كَمَا زعم قوم لنزلت حَتَّى تعلو عَلَيْهَا بِحَسب استحقاقك لعلمها أَن محلك فَوق محلهَا لَكِنَّهَا لَا تعقل
29 - الْمَعْنى يَقُول لَو بتما وَمَوْضِع كل وَاحِد مِنْكُمَا على حسب فَضله ومكانه حَيْثُ يسْتَحق بِقَدرِهِ لبت فِي مَوَاضِع النُّجُوم وباتت فِي موضعك تعلوها وتسفل مِنْك وتسبقها وتتواضع عَنْك لشرف قدرك على قدرهَا
30 - الْغَرِيب الْعباد أَكثر مَا تسْتَعْمل مُضَافَة إِلَى الله وَالْعَبِيد للنَّاس والعباد مُخْتَصّ بالخالق وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شَاهدا لهَذَا
(أتُوعِدُنِي بقَوْمِكَ يابنَحَجْل ... أشابات يَخالُونَ الْعِبَادَا)
الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى مننت على عِبَادك بَان حللث بَينهم وَالْكَوَاكِب تَأمل ذَلِك فَلَا تقدر عَلَيْهِ وَهَذَا معنى بعيد وَتَأْويل فَاسد وَالَّذِي أَرَادَهُ أَبُو الطّيب أَعْطَيْت عبيدك يَعْنِي النَّاس جعلهم عبيدا لَهُ لِأَنَّهُ ملك مارجوه من عطائه ثمَّ دَعَا لَهُ بباقي الْبَيْت أَن يُكَافِئهُ الله بِمثل فعله فينيله مَا يؤمله هَذَا هُوَ الْمَعْنى فَأَما الْحُلُول بَين النَّاس فبعيداه وَالْمعْنَى أنلتهم مَا أَملوهُ من فضلك وحققت رجاءهم فِيمَا استدعوه من كرمك أنالك رَبك مَا تَأمله وأيدك على مَا تقصده وتكفل لَك بتقريب مَا تريده وَلما أطلق على النَّاس لفظ الْعُبُودِيَّة لَهُ عطف عَلَيْهِ من آخر الْبَيْت فَجعله مربوبا مثلهم حذقا مِنْهُ وصنعة
(3/73)

- 1 الْغَرِيب الْإِجَابَة الإطاعة والتلبية الْإِقَامَة على الْإِجَابَة والركب الْقَوْم الراكبون على الْإِبِل وَهِي الْجمال لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَهِي مُؤَنّثَة لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين لَزِمَهَا التَّأْنِيث وَإِذا صغرتها أدخلت الْهَاء فَقلت أبيلة وغنيمة وَرُبمَا قَالُوا إبل بِسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف وَالْجمع آبال وَإِذا قَالُوا إبلان وغنمان فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قطعتين من الْإِبِل وَالْغنم والطلل مَا شخص من آثَار الديار الْمَعْنى يَقُول يَسْتَدْعِي الطلل دمعي بدثوره فَكنت أول من أَجَابَهُ بالبكاء من أَصْحَابِي وَقبل الْإِبِل وَالْمرَاد أَن الْإِبِل تعرف ذَلِك الطلل وتبكي عَلَيْهِ كَقَوْل التهامي
(بَكضيْتُ فَبَكَيْت فنحت ناقَتِي فأجابَها ... صَهِيلُ جَوَادِي حينَ لاحَتْ دِيارُها)
وَالْمعْنَى أَنه وقف على ديار محبوبة فشجاه مَا شَاهد من دروس رسومها وَتغَير طولهَا فاستدعى ذَلِك بكاءه فَأجَاب دمعه تِلْكَ الدعْوَة وأسعد على تِلْكَ النِّيَّة قبل أَن يُجيب ذَلِك بعض الركب بالتأسف وَبَعض الْإِبِل بالحنين إِلَى ديار الْأَحِبَّة كَمَا يصفونَ أنفسهم وَقد بَينه أَبُو الطّيب فِي قَوْله
(اثْلثْ فإنَّا أيُّها الطَّلَلُ ... )
(3/74)

- الْغَرِيب يُقَال ظللت بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا ظلولا إِذا ظلّ يَفْعَله بِالنَّهَارِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فظلتم تفكهون} هُوَ من شواذ التَّخْفِيف وَالْأَصْل فظللتم وَأنْشد الْأَخْفَش
(مَسْنا السمَّاءَ فَنِلْناها وَطالَهُمُ ... حَتَّى رأوْا أُحُداً يَهْوِى وَثهْلانا)
وَالْأَصْل مسسنا أكفكفه أكفه ويسفح يجْرِي ويسيل وإصيحابي تَصْغِير عَظمَة الْمَعْنى يَقُول واصفا لانسكاب دمعه واستكفافه لَهُ ظللت أكفكفه ظلّ يسفح بَين مَا أبسطه لَهُم من الْعذر وَمَا يبدونه لي من العذل وَيجوز أَن يكون بَين أَصْحَابِي فَمنهمْ عاذر لي وَمِنْهُم عاذل لما رَأَوْا من عظم وجدي على الطلل
3 - الْإِعْرَاب الْوَاو فِي قَوْله وَمَا وَاو الْحَال الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والفراق الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو الْفِرَاق وهم يتعجبون من بُكَائِي كَذَلِك كَانَت الدُّمُوع تجْرِي بِحَيْثُ لم يكن بيني وَبينهمْ بعد إِلَّا الْحجاب حِين لَا أَشْكُو سوى السّتْر الَّذِي بيني وَبينهمْ فِي حَال دنو الْمسَافَة حِين كَانَت تحجب بَيْننَا الكلل وَهِي جمع كلة وَهِي السّتْر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول لأَصْحَابه لَا تعجبوا من بُكَائِي على فراقها فَلَقَد كنت أبْكِي فِي هجرها وَمَا أَشْكُو مَانِعا دون الكلل الَّتِي تضمها والستور الَّتِي تحجبها وَالدَّار وَاحِدَة والمنازل متجاورة فَكيف ظنكم بِي وَأَنا أَشْكُو النَّوَى الَّتِي تمنع مِنْهَا والبعد الَّذِي يؤيس عَنْهَا
4 - الْغَرِيب الصبابة رقة الشوق الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن المشتاق الَّذِي لَا يأمل لِقَاء حَبِيبه أَشد حَالا مِمَّن يأمل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ على أمل خفف التأميل تبريح اشتياقه قَالَ وَيجوز أَن يكون أخف حَالا لاستراحة إِلَى الْيَأْس وَالْأول أوجه هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى وَمَا صبَابَة مشتاق على أمل من لِقَاء حَبِيبه بِقرب الدَّار ودنو الْمحل كَصُبَابَةِ مشتاق لَا أمل لَهُ لتباعد محبوبة وتنائي دَاره وانتزاح مَحَله وَأَرَادَ كَصُبَابَةِ فَحذف للْعلم بِهِ
5 - الْإِعْرَاب رد ضمير من على الْمَعْنى دون اللَّفْظ فَقَالَ زيارتها وَلَو رده على اللَّفْظ لقَالَ زيارته الْغَرِيب الْبيض السيوف والأسل الرماح والنحاف الإطراف بالهدية
(3/75)

الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه المحبوبة منيعة بِالسُّيُوفِ والرماح فَإِذا زار قَومهَا زائر لأَجلهَا كَانَت تحفته مِنْهُم السيوف والرماح فَدلَّ على تعذر زِيَارَة محبوبته لما بسيلها من المنعة رموضعها من التَّعَذُّر والرفعة
6 - الْمَعْنى يَقُول هجر هَذِه المحبوبة أقتل لي من سرح من أراقبه وموقع مَا أحذره من الرَّقِيب فِي جنب مَا أشكوه من هجران الحبيب كموقع البلل عِنْد الغريق الَّذِي هُوَ أقل مَا يحذرهُ وأهون مَا يخافه ويتوقعه وَهَذَا من قَول بشار
(كمُزِيلٍ رِجْلَيْهِ عَنْ بَلَلِ القَطْرِوما حَوْلهُ مِنَ الأرْضِ بَحْرُ ... )
وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول عدي بن زيد
(لَوْ بغَيرِ المَاء حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعْتصَاري)
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا نَقله من كَلَام الْحَكِيم من علم أَن الفناء مستول على كَونه هَانَتْ عَلَيْهِ المصائب
7 - الْغَرِيب الْعَشِيرَة الْأَهْل والقرابة وَالْجمع عشائر وعشيرات وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم فِي بَرَاءَة {وعشيراتكم} على الْجمع الْمَعْنى قَالَ الواحدي كَانَ حَقه أَن يَقُول مَا بَال فُؤَادِي لَا ينْتَقل عَن حبها وَبِكُل فؤاد من عشيرتها مَا بِي لِأَن التَّعَجُّب يُرِيد أَن يكون من فُؤَاده لمن أفئدتهم وَالْمعْنَى لم لَا ينْتَقل حبها عني وَلَا أسلوها إِذا كَانَ قَومهَا وعشيرتها يحبونها كَحبي يُشِير إِلَى أَنَّهَا محبوبة فِي قَومهَا منيعة فِيمَا بَينهم وَأَنه فِي يأس من الْوُصُول إِلَيْهَا واليأس من الشَّيْء يُوجب السلو عَنهُ كَمَا قَالُوا الْيَأْس إِحْدَى الراحتين وَأَنه مَعَ هَذَا الْيَأْس لَا ينْتَقل عَنهُ حبها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَجود مَا يتَأَوَّل فِي هَذَا أَن يَجْعَل الَّذِي يجده من الشوق كَأَنَّهُ شخص والشخص إِذا حصل فِي مَكَان لم يشغل غَيره فَإِذا صَحَّ ذَلِك صَحَّ إِنْكَاره لثبات وجده لِأَنَّهُ فِي أَمَاكِن كَثِيرَة والشخص لَا يشغل مكانين فإمَّا الْعرض فَلَا يشغل مَكَانا فَإِذا كَانَ فِي قلب وَاحِد جَازَ أَن يكون فِي قُلُوب كَثِيرَة وَالْمعْنَى يصفها بالْحسنِ وَأَنَّهَا معشوقة الدل كل قلب فِي عشيرتها بِهِ الَّذِي بِأبي الطّيب من حبها فَمَا بَال حبها فِي قلبه ثَابت ينْتَقل ومقيم لَا يرتحل يُرِيد أَن حب أَهلهَا لَهَا لبداعة حسنها غير حبه لَهَا وَأَن حبهم يتَغَيَّر وينتقل وحبه لَا يتَغَيَّر وَلَا ينْتَقل بل هُوَ ثَابت
8 - الْمَعْنى يَقُول هِيَ بديعة فِي الْحسن وَأَن ألحاظها مطاعة فِي الألحاظ المعشوفة
(3/76)

وَأَنَّهَا فِي الحسان مالكة لَا تماثل ومقدمة لَا تشاكل وان لمقلتيها عَظِيم الْملك ورفيع الْمنزلَة وَالْقدر فَإِذا نظر إِنْسَان إِلَيْهَا فتنته حَتَّى يصير مُطيعًا لَهَا وَهِي تملك بحسنها كل الْقُلُوب قَالَ ابْن فورجة إِن الْعُيُون إِذا نظرت إِلَيْهَا لم تملك صرف ألحاظها عَنْهَا لِأَنَّهَا تصير عقلة لَهَا فَكَأَن عينيها مالكة الْعُيُون وَهُوَ معنى قَول أبي نواس
(كُلَّ يَوْم يَسْترقُّ لَهَا ... حُسْنُها عَبْداً بِلا ثَمَن)

9 - الْغَرِيب الخفرات النِّسَاء الحييات الْوَاحِدَة خفرة والآنسات الحسان الْوَاحِدَة آنسة الْمَعْنى إِذا كَانَ فِي حسن امْرَأَة تَقْصِير تشبهت بهَا فِي مشيها فَيجْبر حسن الْمَشْي تَقْصِير الْحسن حَتَّى تكون قد نَالَتْ الْحسن بالحيلة وَهَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَن النِّسَاء الحييات يتشبهن بهَا فِي مشيتهَا ويرين حكايتها فِي دلها فيكسبهن ذَلِك نيل الْحسن بالتحيل والوصول إِلَيْهِ بالتعمل
10 - الْغَرِيب الصاب شجر مر يعصر مِنْهُ مَاء مر قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(إنّي أرِقْتُ فَبِت الليَّلَ مُشْتَجِراً ... كأنَّ عَيْنَيَّ فِيها الصَّابُ مَذْبُوح)
الْمَعْنى يَقُول قد ذقت صعوبة أيامي وسهولتها ورفاهيتها فَمَا حصلت على صاب من مرها وَلَا عسل من حلوها لِأَن لذات الْأَيَّام ومكارهها منتقلة فانية ومستحيلة زائلة تتعاقب وَلَا تدوم وتنتقل وَلَا تقيم وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ تقطع على استكراه مره وَلَا تحتم على استعذاب حلوه وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(وَمَنْ عَرَفَ الأيِّامَ لَمْ يَرَ خَفٍ ضَها ... نَعِيما ولْم يَعْدُدْ مَضَرَّتَها بَلْوَى)

11 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد ذهب قوم إِلَى أَنه الْمَعْنى أَنه شَابًّا فَلَمَّا ذهب الشَّبَاب رَآهُ فِي غَيره من النَّاس وَنَقله الواحدي وَقَالَ هُوَ كَقَوْل الآخر
(مَن شابَ قَدْ ماتَ وَهْوَ حَيْ ... يمْشِي على الأرْضِ مَشْيَ هالِكْ)
وَقَالَ ابْن فورجة أحسن مَا يحمل عَلَيْهِ الْبَدَل فِي هَذَا الْبَيْت الْوَلَد لِأَنَّهُ بدل الْإِنْسَان إِذْ كَانَ يشب أَوَان شيخوخة الْأَب وَإِذا مَاتَ وَرثهُ فَيكون بدله فِي مَاله وَالْمعْنَى يَقُول قد صَحِبت الشَّبَاب مَسْرُورا وَأرَانِي الرّوح يَد الْقُوَّة والجلادة
(3/77)

والنهضة فِي بدني ثمَّ صَحِبت الشيب مستكرها لصحبته فَأرَانِي الرّوح فِي بدلي بِتَغَيُّر أحوالي وعجزي عَن النهوض وَالْقِيَام بِسُرْعَة كَمَا كنت أَيَّام الشَّبَاب وصرت أستعين بغيري يساعدني على أحوالي وَكَأَنِّي بِهَذَا قد أَرَانِي الرّوح فِي بدلى يُرِيد الْقُوَّة والنشاط وَالَّذِي كنت افعله وحدي صرت أحتاج فِيهِ إِلَى مساعد وتلخيص الْمَعْنى أَن حَقِيقَة أُمُور الْإِنْسَان أَيَّام شبابه ثمَّ تتبدل بالانتقال إِلَى مشيبه وَكبره
12 - الْغَرِيب رجل عزهاة وعزهاءة وعزهي منون وَالْجمع عزاهي مثل سعلاة وسعالي وعزهون وَهُوَ الَّذِي لَا يطرب للهو وَيبعد عَنهُ والغزل الَّذِي يهوى محادثة النِّسَاء وَهُوَ صَاحب غزل وَقد غزل غزلا وَفِي الْمثل هُوَ أغزل من امْرِئ الْقَيْس الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَتَى حبيبته لَيْلًا مرتديا بِسَيْفِهِ جعله مَوضِع الرِّدَاء وَالسيف لَا يُوصف بِهَذَيْنِ الوصفين فيريد أَنه صَاحب لَا يطرب للسماع وَلَا يحن للهو
13 - الْغَرِيب الترقوة الْعظم الَّذِي بَين الْمنْكب وَبَين ثغرة النَّحْر وَجمعه تراق قَالَ الله تَعَالَى {كلا إِذا بلغت التراقي} والقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول بَات السَّيْف بَين تراقينا وَنحن متعانقان وَلَا علم لَهُ بِمَا يجْرِي بَيْننَا من شكوى الْفِرَاق وَلَا غير ذَلِك مِمَّا يجْرِي بَين المحبين إِذا هما تعانقا وَيُشِير بِهَذَا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الحذر والمخافة وَأَنه لم يخلع السَّيْف حِين عانق محبوبه وأنهما كَانَا يدفعانه عَنْهُمَا
14 - الْغَرِيب الردع أثر الطّيب وَبِه ردع من زعفران أَو دم أَي لطخ وَأثر وردعته بالشَّيْء فارتدع أَي لطخه بِهِ فتلطخ وَمِنْه قَول ابْن مقبل
(يَخدِي بِها بازِلٌ فُتْلٌ مَرَافِقُهُ ... يجْرِي بديباجَتَيْهٍ الرَّشْحُ مُرْتَدعُ)
والخلل وَاحِدهَا خلة بِالْكَسْرِ جُلُود منقوشة بِالذَّهَب وَغَيره يغشى بهَا أعماد السيوف وجفن السَّيْف غمده وذؤابة السَّيْف رَأس فائمه الْمَعْنى يَقُول يردع السَّيْف وَبِه اثر من طيبها ظَاهر على فائمه وجفنه وخلله وَالْمعْنَى أَنه لصق بِهَذِهِ المحبوبة حَتَّى لصق الطّيب الَّذِي طيبت بِهِ
15 - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الَّتِي قَرَأنَا بهَا الدِّيوَان بِإِضَافَة سِنَان إِلَى أَصمّ بِغَيْر تَنْوِين
(3/78)

وَرَوَاهُ جمَاعَة سِنَان بِالتَّنْوِينِ والأجود الْإِضَافَة وَإِذا نون يكون الْمَعْنى وَمن سِنَان أَصمّ كَعبه والكعب للرمح لَا للسنان وَإِذا جوزناه على الِاسْتِعَارَة كَانَ للرمح أشبه وَأَيْضًا فَإِن فِي السنان نونين وَإِذا نون صَار فِيهِ ثَلَاث نونات وَثَلَاث حُرُوف بِمَعْنى فِي كلمة ثقيل الْغَرِيب كعوب الرمْح العقد النَّاشِزَة من أنابيبه والأصم الكعب هُوَ الَّذِي تتصلب تِلْكَ الكعوب مِنْهُ وتكتنز وتتداخل وَلَا تَنْتَشِر وَبِذَلِك يعتدل الْمَعْنى كَأَنَّهُ فال ملغزا فِي السَّيْف ثمَّ أبان مُرَاده فَقَالَ لَا أكسب جميل الذّكر إِلَّا من مضرب هَذَا السَّيْف الَّذِي وَصفه وَمن سِنَان هَذَا الرمْح الَّذِي وَصفه وَالْمعْنَى أَنه لَا يكْتَسب الْمجد إِلَّا بإقدامه وببأسه
16 - الْمَعْنى أَعْطَانِي الْأَمِير هَذَا السَّيْف فِي جملَة مَا وهبه لي فزان بحسنه مَا وهب لي وكساني فِي جملَة مَا أَعْطَانِي من الثِّيَاب الدرْع يَعْنِي أَنه وهبه سَيْفا وَدِرْعًا فِي جملَة مَا وهبه لَهُ
17 - الْمَعْنى يَقُول من عَليّ وَهُوَ سيف الدولة بن عبد الله معرفتي بِحمْل الرمْح والطعن بِهِ لِأَنِّي لما صحبته احتذيت حذوه فِي الْحَرْب وامتثلت أَفعاله فِي الطعْن وَالضَّرْب ثمَّ قَالَ وَمن مثل سيف الدولة وَأَبِيهِ فِي شدَّة بأسهما وشهرة مجدهما يُرِيد لَا مثل لَهما
18 - الْغَرِيب الكواعب من النِّسَاء الَّتِي نبت ثديهن والجرد من الْخَيل الَّتِي يقصر شعر جلودها وَذَلِكَ من شَوَاهِد كرمها والسلاهب مِنْهَا الطوَال والقواضب من السيوف القواطع الْمَاضِيَة والعسالة من الرماح المنعطفة عِنْد هزها المضطربة والذبل الْيَابِسَة مِنْهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه يعْطى سائله الْجَوَارِي الشواب وَالْخَيْل الطوَال وَالسُّيُوف القواطع والرماح اللينة وَالْمعْنَى أَنه يعْطى الْجَوَارِي المصبيات بحسنهن والجرد المعجبات بعتقهن وفواضب السيوف وطوال الرماح وَفد أَشَارَ بوصفه بالإكثار من هَذِه الْأَوْصَاف إِلَى أَنه يستصحب كماة الفرسان وأعلام الشجعان فيعتمدهم فِي هباته بِمَا يوافقهم ويعضدهم بِمَا يشاكلهم
19 - الْمَعْنى يُرِيد أَن الممدوح لغرابة أَفعاله وانفراده بِالْفَضْلِ فِي جَمِيع أَحْوَاله وَمَا يُتَابِعه
(3/79)

من كَثْرَة وقائعه ويخلده من جليل مكارمه وظفره فِي جَمِيع مقاصده يحمل الزَّمَان من ذَلِك مَالا يطيقه ويكلفه مَالا يعهده فيضيق عَن فخامة قدره وَيقصر عَن جلالة مجده وَكَذَلِكَ تضيق الأَرْض عَمَّا يحملهَا من جيوشه ويسير فِيهَا من جموعه فقد مَلأ الزَّمَان بمكارمه ومجده وملأ السهل والجبل بكتائبه وَجمعه
20 - الْغَرِيب الجذل الْفَرح بِالتَّحْرِيكِ وجذل بِالْكَسْرِ يجذل فَهُوَ جذلان وأجذله غَيره أَي أفرحه واجتذل ابتهج والوجل الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول نَحن من الاعتزال بِهِ والنصر فِي فَرح دَائِم وَالروم من التوقع لَهُ فِي خوف لَازم وَالْبر فِي شغل لتضايقه بجيشه وَالْبَحْر فِي خجل لتَقْصِيره عَن جوده
21 - الْغَرِيب تغلب هم قوم الممدوح وَكَذَلِكَ عدى قَبيلَة مَعْرُوفَة وَالْبخل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء شَاهد هَذَا الْبَيْت الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة أَصله من هَذِه الْقَبِيلَة الَّتِي غلبت النَّاس بعزها والانقياد فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام لأمرها وَمَعَ أَنه مِنْهَا هُوَ من بني عدي أطواد فخرها ومعدن مجدها وَقد أحسن فِي هَذَا الْبَيْت بالمجانسة وَالْمعْنَى أَنهم غلبوا النَّاس نجدة وشجاعة وجودا
22 - الْغَرِيب ابْن أبي الهيجاء كنية سيف الدولة وَأَبُو الهيجاء هُوَ عبد الله الْمُتَقَدّم والغي ضد الصَّوَاب والرشد وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا فَسَاد الْكَلَام والخطل الْمنطق الْفَاسِد المضطرب وخطل بِالْكَسْرِ فِي كَلَامه خطلا وأخطل أفحش الْإِعْرَاب تنجده فِي مَوضِع الْحَال الْمَعْنى أَنه يُخَاطب نَفسه يَقُول الْمَدْح لهَذَا الممدوح تنجده وتعينه بأخبار الْجَاهِلِيَّة وَمَا سلف لَهُ من كريم الأولية غي بَين وخطل ظَاهر لِأَنَّهُ غَنِي عَن الشّرف بِغَيْرِهِ وحائز لغاية مَا يبلغهُ الْمَدْح بِنَفسِهِ والكرماء بجملتهم يقصرون عَن أفل مكارمه وَلَا يبلغون أيسر فضيلته وَهَذَا تَعْرِيض بِأبي الْعَبَّاس النامي لِأَنَّهُ مدح سيف الدولة بقصيدة ذكر فِيهَا آباءه الَّذين كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة فَرد عَلَيْهِ بقوله هَذَا وأكده بقوله الْبَيْت الَّذِي بعده
23 - الْإِعْرَاب أَدخل مَا على من يعقل لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّؤَال عَن صفته مَعَ الاحتقار بِشَأْنِهِ الْغَرِيب كُلَيْب هُوَ ابْن ربيعَة رَئِيس بني تغلب وسيدهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت الْعَرَب تضرب بِهِ الْمثل فِي الْعِزّ فَيَقُولُونَ أعز من كُلَيْب بن وَائِل
(3/80)

الْمَعْنى يَقُول لَيْت مَا مدح بِهِ من الشّعْر يَسْتَوْفِي بعض مناقبه وَيَأْتِي على ذكر مكارمه فَمَا كُلَيْب وَسَائِر الْمُلُوك الْأَوَّلين عِنْد مَا خلده من الْفَخر وأبقاه من المكارم على وَجه الدَّهْر
24 - الْمَعْنى يُخَاطب نَفسه وَيَقُول امدحه بِمَا تشاهده من فَضله وتراه من مجده ودع عَنْك شَيْئا سَمِعت بِهِ وَلم تشهده وأخبرت عَنهُ وَلم تبصره ففضل سيف الدولة على الْمُلُوك كفضل الشَّمْس على سَائِر النُّجُوم وَفِيه مَا يُغني عَنْهُم وَهُوَ أكْرم مِنْهُم كَمَا أَن الشَّمْس تغنى عَن زحل وَهَذَا من قَول الْحَكِيم العيان شَاهد لنَفسِهِ والإخبار يدْخل عَلَيْهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَأولى مَا أَخذ مَا كَانَ دَلِيلا على نَفسه وَالْمعْنَى فِيمَا قرب مِنْك عوض عَمَّا بعد عَنْك لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْقرب أفضل من الْبعد وَالْمعْنَى يَقُول قد وجدت فِي الممدوح وَمَا يبديه من فَضله ويتتابع من مجده مَكَانا لِلْقَوْلِ ومجالا وَاسِعًا للوصف فَإِن كنت ذَا لِسَان قَائِل فحسبك وصف فضائله وَذكر مَا خلده من مكارمه وَنسب القَوْل إِلَى اللِّسَان لِأَن القَوْل بِهِ يكون كَمَا جَاءَ فِي الْمثل يداك أوكتا وفوك نفخ فنسب الْفِعْل إِلَى الْجَوَارِح لِأَنَّهَا آلَات لَهُ
26 - الْغَرِيب الْهمام هُوَ الشجاع ذُو الهمة الْعَالِيَة وخيرة تَأْنِيث خبر قَالَ الله تَعَالَى {فِيهِنَّ خيرات حسان} الْوَاحِدَة خيرة والدول جمع دولة الْمَعْنى يَقُول إِن هَذَا الْهمام الَّذِي يفخر بِهِ الفاخرون ويلهج بِذكرِهِ الذاكرون خير السيوف المسلولة بكف خيرة الدول الْمَعْلُومَة يَعْنِي دولة الْخلَافَة لِأَنَّهَا رَأس الْإِسْلَام وعموده وذروة سنامه
27 - الْغَرِيب الْأَمَانِي جمع أُمْنِية الْمَعْنى يَقُول لَا تصل الْأَمَانِي إِلَى قلبه فتستميله وَلَا إِلَى لِسَانه فتجري عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج أَن يتَمَنَّى شَيْئا فَلَا يرى نفيسا إِلَّا وَله خير مِنْهُ أَو صَار لَهُ ذَلِك الشَّيْء فالأماني تقصر عَن بُلُوغ قدره وتصغر عِنْد جلالة أمره وتمسى صرعى دون إِدْرَاك مجده فَمَا يتَمَنَّى فِي الرّفْعَة أَكثر مِمَّا قد بلغه وَلَا يحاول فِي الْفضل مَا يزِيد على مَا يَفْعَله وَقد فسر بِهَذَا الْبَيْت مَا أغلقه البحتري بقوله
(وَمُظَفَّرٌ بالمَجْدِ إدْرَاكاتُهُ ... فِي الْحَظّ زَائِدَةٌ عَلى أوْطارِهِ)
(3/81)

وَهُوَ ضد قَول عنترة
(أَلا قاتَلَ اللهُ الطُّلُولَ البَوَالِيَا ... وَقَاتَلَ ذِكْرَاكَ السِّنِينَ الخَوَالِيا)

(وقَوْلَكَ للشَّيْءِ الَّذِي لَا تَنالُهُ ... إذَا مَا حَلا فِي العَين ياليتَ ذالِيا)

28 - الْغَرِيب السيفان يُرِيد سيف الدولة وَسيف الْحَدِيد والرهج الْغُبَار وأرهج الْغُبَار أثاره والرهوجة ضرب من السّير قَالَ العجاج
(مَيَّاحَةٌ تَمِيحُ مَشْيا رَهْوَجا ... )
الْمَعْنى يَقُول إِذا اجْتمعَا فِي رهج حَرْب ومساجلة جلاد وَضرب فَانْظُر إِلَى تَقْصِير السَّيْف عَن فعله وتأخره عَمَّا يتَبَيَّن من فَضله ومخالفته لَهُ فِي خلقه وَفعله وزيادته عَلَيْهِ فِي غنائه وآثاره لِأَن السيوف فِي الْحَقِيقَة لَا تعْمل شَيْئا إِنَّمَا يعْمل الضَّارِب بهَا وَبَنُو آدم لَا يشبهون بِالسُّيُوفِ فِي الْخلق ثمَّ بَين الْفضل بَينهمَا
29 - الْإِعْرَاب منصلتا حَال من سيف الْحَدِيد وَالْعَامِل فِيهِ أعد تَقْدِيره أعده سيف الدولة منصلتا وَيجوز أَن يكون حَالا من سيف الدولة وَهُوَ أوجه الْغَرِيب المنصلت المتجرد وَقيل الْمَاضِي وجرد السَّيْف من غمده وأصلته بِمَعْنى وضربه بِالسَّيْفِ صَلتا أَي ضربه وَهُوَ مصلت الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة معد لريب الدَّهْر منصلت على خطوبه متجرد لكف صروفه قد أعد السَّيْف المغمود لرأس البطل يضْربهُ بِهِ ويصرفه ويمضيه عَلَيْهِ ويستعمله ويتخذه آلَة يدبرها وبطش على حسب إِرَادَته بهَا فأبان أَن السَّيْف وَإِن وَافقه فِي الِاسْم فَهُوَ مقصر عَنهُ فِي حَقِيقَة الحكم
30 - الْغَرِيب الكدري جنس من القطا وَهُوَ على ثَلَاثَة اضْرِب كدري وجوني وغطاط فالكدري الغبر الألوان الرقش الظُّهُور والبطون الصفر الحلوق الْقصار الأذناب وَهُوَ ألطف من الْجونِي والجوني سود الْبُطُون سود الأجنحة والقوادم قصار والغطاط غبر الظُّهُور والبطون والأبدان سود بطُون الأجنحة طوال الأرجل والأعناق لطاف لَا تَجْتَمِع أسرابا أَكثر مَا تكون ثَلَاثًا واثنين والحجل القبج وَاحِدهَا حجلة تكون فِي الْجبَال
(3/82)

الْمَعْنى إِن القطا من طير السهل والقبج من طير الْجَبَل فَالْمَعْنى إِن الْعَرَب بلادها المفاوز وَالروم بلادها الْجبَال يَقُول إِن أعداءه يعتصمون مِنْهُ بِمَا غمض من الرمال وَبعد من المهامه والقفار وَهُنَاكَ يسْتَقرّ القطا ويأمن ويسكن وَكَذَلِكَ الرّوم تعتصم مِنْهُ بالأوعار وقنن الْجبَال وَتلك مَوَاضِع الحجل ومساكنها وَأَشَارَ بذلك إِلَى مُسْتَقر الطَّائِفَتَيْنِ
31 - الْغَرِيب الأجبال جمع جبل والمعقل الْمَكَان المنيع الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ والوعول شِيَاه الْجَبَل الْوَاحِد وعل الْمَعْنى يَقُول وَكَيف يُنجى الْفِرَار إِلَى الأجبال من أَسد ويروى من ملك أَي من أَسد شَدِيد بأسه أَو ملك نَافِذ أمره تسهل سعادته للنعام التوقل فِي معاقل الأوعال حَتَّى كَأَنَّهَا رمال مبسوطه وسهول مَوْصُولَة فَدلَّ على أَن سيف الدولة فِي قُوَّة سعده وَتمكن أمره لَا يفوتهُ من طلبه وَلَا يمْنَع عَلَيْهِ من قَصده وَقَالَ ابْن القطاع شبه سيف الدولة بالأسد وخيله بالنعام وَالْجِبَال موقع الأوعال يُرِيد أَن خيله تصعد إِلَى أعالي الْجبَال شبهها بهَا فِي سرعَة الْعَدو وَطول السباق وَفِي هَذَا إراب لَا يُوجد مثله وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تمسى النعام بِالسِّين الْمُهْملَة وَقَالَ قد أخرج النعام من الْبر إِلَى الِاعْتِصَام برءوس الْجبَال والنعام تكون فِي السهولة والأوعال فِي الْجبَال فَلَا يَجْتَمِعَانِ لتضاد موضعهما وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي بالنعام خيله العراب لِأَنَّهَا من نتاج البدو وَقد صَارَت تمشي بِسيف الدولة فِي الْجبَال لطلب الرّوم وقتالهم واستنزال من اعْتصمَ بالجبال مِنْهُم
23 - الْغَرِيب الدروب المسالك الَّتِي تكون فِي الْجَبَل الحاجزة بَين بِلَاد الرّوم وبلاده الْمُسلمين وخرشنة مَدِينَة من مدن الرّوم والروع الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يُرِيد أَنه نغلغل فِي بِلَاد الرّوم حَتَّى خلف خرشنة وَرَاءه وفارقها بالانصراف عَنْهَا والروع الَّذِي بِأَهْلِهَا لم يفارقهم لأَنهم كَانُوا يحذرون سطوته وَلَا يأمنون كرته
3 - الْغَرِيب الْحلم بِالضَّمِّ مَا يرَاهُ النَّائِم تَقول مِنْهُ حلم بِالْفَتْح واحتلم وَتقول حلمت بِكَذَا وحلمته أَيْضا قَالَ الأخطل
(فحَلَمْتُها وَبَنُورُ فَيْدَةَ دُوَنها ... لَا يَبْعُدَنَّ خَيالُهَا المَحْلُومُ)
(3/83)

والحلم بِالْكَسْرِ الأناة تَقول مِنْهُ حلم الرجل بِالضَّمِّ وتحلم تكلّف الْحلم قَالَ حَاتِم الطَّائِي
(تَحلَّمْ عَن الأدْنَينَ وَاسْتَبْق وُدَّهُمْ ... وَلَنْ تَسْتَطيعَ الحِلْمَ حَتَّى تَحَلَّما)
وحلم الْأَدِيم بِالْكَسْرِ قَالَ الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط
(فإنَّكَ والكِتابَ إِلَى عَلَى ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأديمُ)
والعذراء الْجَارِيَة الْبكر الشَّابَّة الْمَعْنى يُرِيد أَن الَّذِي استكن فِي قُلُوبهم من الْخَوْف لَا يفارقهم فِي حَال الْيَقَظَة وَالنَّوْم فَكلما حلمت عذراء من خرائدهم ومحجوبة من كرائمهم فَإِنَّمَا تحلم بِالسَّبْيِ الَّذِي تحذر وُقُوعه والجمل الَّذِي تتَوَقَّع ركُوبه وَالْجمال إِنَّمَا يحمل عَلَيْهَا الْعَرَب وَلَا تعرفها الرّوم فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن كَثْرَة مَا اجتلبه سيف الدولة على الْجمال من سَبْيهمْ ذعرت محجبات نِسَائِهِم فاشتغلت بذلك نفوسهن وَمثله لَهُنَّ أحلامهن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا لحقهن من الْخَوْف وَكَثْرَة إستماعهن لذَلِك
34 - الْغَرِيب الجزي جمع جِزْيَة كسدرة وَسدر وَهُوَ مَا يُعْطِيهِ أهل الذِّمَّة ليدفعوا بِهِ عَن أنفسهم ويحفظوا بِهِ دِمَاءَهُمْ قَالَ تَعَالَى {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون} الْمَعْنى يُخَاطب سيف الدولة وَيَقُول إِن كنت ترْضى من الرّوم بجزيتهم وَتقبل مَا يبذلون لَك من طاعتهم بَادرُوا فِي ذَلِك إِلَى أَمرك وَاحْتَملُوا على رَأْيك وَأَنِّي لَهُم بِهَذِهِ الحظوة وَالْبُلُوغ إِلَى تِلْكَ الرُّتْبَة مَعَ مَا أحَاط بهم من الْقَتْل واتصل بهم من السَّبي وَذَلِكَ غَايَة أمانيهم كالأعور يتَمَنَّى الْحول لِأَنَّهُ خير من العور والجزية خير لَهُم من الْقَتْل
35 - الْغَرِيب الانتحال الادعاء والمنتحل من الْمجد وَالشعر مَا أدعى على غير حَقِيقَة الْمَعْنى يَقُول قلت لمجدك وشعري وَقد صَدرا عني وعنك وسارا فِي الْآفَاق إنتما صادقان لَا دَعْوَى عندكما وَالْمعْنَى مَا خلدته فِي شعري من مجدك وقيدت ذكره فِي مدحك قد تيقنت أَنَّهُمَا يسيران مسير الشَّمْس ويبقيان بَقَاء الدَّهْر وَذكر تَمام الْمَعْنى فِي الْبَيْت الثَّانِي
36 - الْمَعْنى يَقُول لمجده ولشعره إنتما سائران شرقا وغربا فتحملا رسالتي إِلَى من أحببنا مشاركته فِي حَالنَا ومطالعته بجملة أمرنَا وكونا أكْرم الْمُرْسلين ثمَّ قَالَ الْبَيْت بعده
(3/84)

- الْغَرِيب الخول جمع خائل وَهُوَ الْخَادِم من قَوْلهم رجل خَال مَال وخائل مَال إِذا كَانَ حسن الْقيام عَلَيْهِ وخولي مَال أَيْضا وخلت المَال أخوله إِذا حفضته وخوله الله الشَّيْء إِذا ملكه إِيَّاه الْمَعْنى يَقُول عرفاهم أَنِّي متقلب فِي إنعام سيف الدولة مغمور بمكارمه متصرف فِي فواضله أقلب الطّرف بَين الْخَيل المسومة والحاشية المكرمة المنعمة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(وَقد سارَ شِعْرِي فيكَ شَرْقا ومَغْرِبا ... كَجُودِكَ لَّما سارَ فِي الشَّرْقِ والغَرْبِ)

38 - الْمَعْنى يَقُول ياأيها المحسن بطبعه المشكور من جهتي بِمَا حَملَنِي من فَضله فالشكر من قبل إحسانه ورفده لَا من قبلي فِيمَا أهديه من مدحه كَأَنَّهُ يَنْفِي الْمِنَّة عَنهُ بشكره
39 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي روى ابْن جني إِلَّا بعد معرفتي وَقَالَ مَا لَحِقَنِي السَّهْو والتفريط إِلَّا بعد سُكُون نَفسِي إِلَى فضلك وحلمك وَقَالَ ابْن فورجة أَقَامَ النّوم مقَام السَّهْو والغفلة يَقُول مَا نمت عَمَّا وَجب عَليّ من صِيَانة مدحك عَن خلطه بالعتاب إِلَّا لِثِقَتِي باحتمالك وسكوني إِلَى جزالة رَأْيك قَالَ هَذَا كَلَامه وَكِلَاهُمَا قد بعد عَن الصَّوَاب وَالْمعْنَى إِنَّمَا أَخَذَنِي النّوم مَعَ عتبك لِثِقَتِي بِحِلْمِك وَلُزُوم التَّوْفِيق لرأيك وَعلمِي أَنَّك لَا تعجل عَليّ وَلَا ترهقني عُقُوبَة وَأَرَادَ النّوم الْحَقِيقِيّ لَا السَّهْو والتفريط كَمَا ذكره أَلا يرى أَنه قَالَ إِلَّا فَوق معرفتي فَجعل الْمعرفَة بِمَنْزِلَة الحشية الَّتِي ينَام فَوْقهَا وَقَوله يُؤْتى من الزلل أَي أَنْت موفق فِي كل مَا تَفْعَلهُ لَا تَأتي الزلل وَالْمعْنَى إِلَّا فَوق مَا كنت أتيقنه من معرفتي بِأَن رَأْيك لَا يستنزله الساعون ببغيتهم وَلَا يحلونه بكذبهم وكنى بِالنَّوْمِ عَن سُكُون نَفسه وبتمهيده بِمَعْرِِفَة رَأْي سيف الدولة عَن حسن ظَنّه
40 - الْغَرِيب أمره بأَرْبعَة عشر أمرا فِي بَيت وَاحِد أقل من الْإِقَالَة وأقلته من عثرته وأقلته من البيع عِنْد النَّدَم فِيهِ أنل من الإنالة نلته وأنلته أقطع من الإقطاع أقطعته أَرض كَذَا احْمِلْ من قَوْلهم حَملته على فرس وَمِنْه حَدِيث عمر بن الْخطاب حملت على فرس فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَقَوله عل من الْعُلُوّ والرفعة وسل من السلو
(3/85)

وَأعد من الْإِعَادَة وزد من الزِّيَادَة وهش من قَوْله هششت إِلَى كَذَا وَهُوَ التهلل نَحْو الشَّيْء وبش من البشاشة وَهِي الطلاقة بششت بِالرجلِ أبش تفضل من الإفضال أدن من الدنو سر من السرُور صل من الصِّلَة وَهِي الْعَطِيَّة الْمَعْنى يَقُول أقل من استنهضك من عثرته وأنل من اسْتَعَانَ بِفَضْلِك على قلته وَفَقره وأقطع الضّيَاع من أملك وقصدك واحمل على سوابق الْخَيل من استحملك وعل قدر من اعتلق بك وسل عَن كل ذِي هم همه بِمَا تجدده من برك وتسبغه من فضلك وَأعد ذَلِك وأدمه وجدده وزد فِي غدك على مَا تفضلت بِهِ فِي يَوْمك وهش ورحب بِمن قصدك وَأظْهر البشاشة لمن اعتمدك وَدم على مَا عهد من تفضلك وأدن الْوَافِد عَلَيْك وسره بمتابعة إحسانك وصل الْجَمِيع بتطولك وإنعامك فَوَقع سيف الدولة تَحت أقل أقلناك وَتَحْت أنل يحمل إِلَيْك من الدَّرَاهِم مَا تحب وَتَحْت أقطع أقطعناك ضَيْعَة كَذَا وَكَذَا بِبَاب حلب وَتَحْت احْمِلْ نحمل إِلَيْك الْفرس الْفُلَانِيَّة وَتَحْت عل قد فعلنَا وَتَحْت سل قد فعلنَا فاسل وَتَحْت أعد أعدناك إِلَى حالك وَتَحْت زد يُزَاد كَذَا وَكَذَا وَتَحْت تفضل قد فعلنَا وَتَحْت أدن أدنيناك وَتَحْت سر قد سررناك قَالَ أَبُو الْفَتْح قَالَ أَبُو الطّيب إِنَّمَا أردْت من التسرية فَأمر لَهُ بِجَارِيَة وَتَحْت صل قد فعلنَا وَكَانَ بجضرة سيف الدولة شيخ يضْحك مِنْهُ يُقَال لَهُ المعقلى حسد المتنبي على مَا أعطَاهُ سيف الدولة فَقَالَ يَا مولَايَ هلا قلت لَهُ لما قَالَ هش بش هئ هئ تحكى الضحك لِأَنَّك قد وَقعت لَهُ بِمَا أَرَادَ فَهَلا ضحِكت فَضَحِك سيف الدولة مِنْهُ وَقَالَ اذْهَبْ يَا مَلْعُون وَقد حذا فِي هَذَا حَذْو أبي العميثل بقوله
(يَا مَنْ يؤَمِّلُ أنْ تَكونَ خِلالُهُ ... كَخِلالِ عَبْدِ اللهِ أنْصِتْ وَاسمَع)
(اصْدُقْ وَعِفَّ وَبَرَّ وَانْصُرْ وَاحْتَمِل ... وَاحْلُمْ وكافِ وَدارِ وَاصْبِرْ وَاشْجَعِ)
ويروى وابذل واشجع وَالْأَصْل فِيهِ قَول امْرِئ الْقَيْس
(أفادَ وَجادَ وَسادَ وَزَادَ ... وَذَادَ وَقادَ وَعادَ وأفْضَلْ)

41 - الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ مَا أحدثه الواشون من عتبك وأوجبوه من موجدتك مَحْمُود الْعَاقِبَة مشكور الخاتمة يُفْضِي إِلَى السَّعَادَة بِحسن رَأْيك وَتعقب الخصو بكرم اختصاصك فَرب عِلّة انقادت بعد شدَّة وَكَانَت سَبَب السَّلامَة وَالصِّحَّة وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم قد يفْسد الْعُضْو لصلاح الْأَعْضَاء كالكي والفصد اللَّذين يفسدان الْأَعْضَاء لصلاح غَيرهمَا وَقد نَقله من قَول الآخر
(لَعَلَّ سَبَّا يُفِيدُ حُبَّا ... فالشَّرُّ للْخّيْرِ قَدْ يَجُرُّ)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن الرُّومِي
(3/86)

(أحمَدِ اللهَ إذْ رُزِقْتَ هِجاءً ... هُوَ بَعْدَ الخُمولِ نَوَّهَ باسمِك)

(قَدْ تذَكَّرْتُ مُوبِقاتِ ذُنُوبِي ... فَرَجَوْتُ الخلاصَ مِنْها بشَتْمكَ)

42 - الْمَعْنى يَقُول لَا سَمِعت وَلَا سمع غَيْرِي بِملك مثلك ومقتدر قبلك بلغ مبلغك فِي رفع الْكَذِب عَن رجل يمْتَحن بِهِ ورد السوء عَن مطَالب يحنق عَلَيْهِ وَلَا يسمع فِي تحريشه على من يُحَرِّش عَلَيْهِ وَقَوله عَن رجل يَعْنِي المغتاب وَلم يقل عَن إِنْسَان وَلَا عَن مغتار لأجل القافية وَجَاء عذبا من أحسن الْكَلَام وَقد بَينه فِيمَا بعد بقوله الْبَيْت بعده
43 - الْغَرِيب التكحل هُوَ الاكتحال والتحسن للعين وَهُوَ مَا يتكلفه لَهَا والكحل هُوَ الَّذِي يكون خلقَة فِي الْعين رجل أكحل بَين الْكحل وَهُوَ الَّذِي يَعْلُو جفون عَيْنَيْهِ سَواد مثل الْكحل من غير اكتحال وَعين كحيلة وَامْرَأَة كحلاء الْمَعْنى يُرِيد أَن حلمه حلم طبع عَلَيْهِ فَهُوَ لَا يتكلفه كالكحل الَّذِي يكون فِي الْعين من غير تكلّف فقد طبعت عَلَيْهِ فَمَا تتكلفه وخصصت بِهِ فَمَا تتكسبه وحسر الْكحل غير حسن التكحل وحلم الطَّبْع غير حلم التَّكَلُّف وَهَذَا من قَول الْحَكِيم مباينة الْمُتَكَلف المطبوع كمباينة الْحق الْبَاطِل
44 - الْغَرِيب ثناه رده وَصَرفه والعارض السَّحَاب قَالَ الله تَعَالَى {قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا} والهطل الْكثير الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول لَا يصرفك كَلَام النَّاس فِي إِفْسَاد مَا بَيْننَا كَمَا لَا يقدرُونَ أَن يصرفوك عَن الْكَرم وَمن يقدر على هَذَا إِلَّا كمن يقدر أَن يرد صوب السَّحَاب الممطر فَالَّذِي يصرفك عَن جودك كَالَّذي يرد السَّحَاب لِأَن جودك أغزر من فيض السَّحَاب
45 - الْغَرِيب المذل الفترة والضجر ومذلت أمذل بِالضَّمِّ مذلا أَي قلقت وَأَصله من إفشاء السِّرّ وَهُوَ أَن لَا يقدر على ضبط مَا عِنْده لقلقه بِهِ من مَال أَو سر قَالَ الْأسود بن يعفر
(وَلَقَدْ أرُوحُ عَلى الثِّجارِ مُرَجَّلاً ... مَذِلاً بِمَالي لَيَّنا أجْيادِي)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت جواد بِلَا من ينقص جودك وَلَا كذب يُعَارض فضلك وَلَا مطل يُنَازع بذلك وَلَا عدَّة وَلَا تَأْخِير وَلَا فَتْرَة وضجر
(3/87)

وَالْمعْنَى أَنه إِذا كثر معروفه كتمه وَلم يبح بِهِ لِأَن الأَصْل فِي المذل النزوح بالسر فنفى ذَلِك عَنهُ وَهُوَ من أحسن الْكَلَام
46 - الْغَرِيب السنور لبوس من قد كالدرع قَالَ لبيد يرثي قَتَادَة بن الْجَعْد الْحَنَفِيّ
(وَجاءُوا بِهِ فِي هَوْدَجٍ وَوَرَاءَ هُ ... كَتائبُ خُضْرٌ فِي نَسيجٍ السَّنَوَّرِ)
والسنور وَاحِد وَلَيْسَ هُوَ جمعا وَسميت بِهِ دروع الْحَدِيد والأشلاء جمع شلو وَهُوَ الْعُضْو من أَعْضَاء اللَّحْم وَفِي الحَدِيث ائتنى بشلوها الْأَيْمن وأشلاء الْإِنْسَان أعضاؤه بعد البلى والتفرق وَبَنُو فلَان أشلاء فِي بني فلَان أَي بقايا فيهم والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول أَنْت الشجاع عِنْد اشتداد الْقِتَال وتجالد الْأَبْطَال وَسُقُوط الْقَتْلَى عَن خيولهم وانفصالهم عَن سِلَاحهمْ وَالْخَيْل لَا تطَأ حِينَئِذٍ إِلَّا أشلاءهم ورءوسهم وسلاحهم وأجسادهم فَأَنت شُجَاع هُنَاكَ
47 - الْإِعْرَاب مقارعة حَال من القنا وَقَالَ الواحدي هُوَ مفعول وَلَيْسَ بمصدر وَالْحَال أَجود الْغَرِيب الجدل والجدال والمجادلة هُوَ مَا يدْفع بِهِ أحد المتجادلين حجَّة صَاحبه وَهُوَ شدَّة الْخُصُومَة وجدل الرجل صَاحبه أَلْقَاهُ بالجدالة وَهِي الأَرْض وَمِنْه قَول الراجز
(قَدْ أرْكَبُ الآلَةَ بَعْدَ الآلَهْ ... وأتْرَكُ الْعاجِزَ بالجَدَالَهْ)
الْمَعْنى يُرِيد أَنْت الشجاع الْمَعْرُوف إِذا رد بعض القنا بَعْضًا بتخالف الطعان وتقارع الأقران حَتَّى كَأَنَّهُ من شدَّة تِلْكَ الْمُعَارضَة واتصال تِلْكَ المقاومة فِي جدل لَا يقْلع وخصام لَا يَنْقَطِع
48 - الْغَرِيب عرض اعْتِرَاض وَنظرت إِلَيْهِ عَن عرض وَعرض مثل عسر وعسر أَي من جَانب وناحية وَخَرجُوا يضْربُونَ النَّاس عَن عرض أَعنِي عَن شقّ وناحية الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالنصر ضَارِبًا أعداءه كَيْفَمَا وجدهم مُقْبِلين ومدبرين ينصر عَاجل فِي أجل مستأخر وَالْمعْنَى لَا زلت تضرب أعداءك مُعْتَرضًا لَهُم مقدما عَلَيْهِم مكنوفا بنصر مَعْصُوما بِأَجل يستأخرك وَهَذَا من قَول بَعضهم وَقد سُئِلَ فِي أَي شَيْء تحب أَن تلقى عَدوك قَالَ فِي اجل مستأخر
(3/88)

- 1 أَن من الأون وَهُوَ الرِّفْق
1 - الْغَرِيب أمره فِي هَذَا الْبَيْت بأَرْبعَة وَعشْرين أمرا زَاد على الْبَيْت الأول عشرَة عش من الْعَيْش وابق من الْبَقَاء وَاسم من السمو وسد من السِّيَادَة وَقد من قَود الْخَيل وجد من الْجُود وَمر من الْأَمر وَأَنه من النهى ور من الورى وَهُوَ دَاء فِي الْجوف يُقَال وَرَاه الله وف من الْوَفَاء واسر من سرى يسري ونل من النّيل وَهُوَ الْعَطاء وغظ من الغيظ وارم من الرمى وصب من صاب السهْم الهدف يُصِيبهُ صيبا واحم من الحماية واغز من الْغَزْو واسب من السَّبي ورع من الروع وَهُوَ الإفزاع وزع من وزعته إِذا كففته ود من الدِّيَة ول من الْولَايَة واثن من ثنيته ونل من نلته أنوله إِذا أَعْطيته وروى ابْن جنى بل من الوابل وَهُوَ أَشد الْمَطَر يُقَال وبلت السَّمَاء فَهِيَ وابلة وَالْأَرْض موبولة ومأبولة الْمَعْنى يَقُول عش فِي نعْمَة سَالِمَة حَتَّى تفني أعداءك وابق فِي عز مؤبد جتى تحي أولياءك وَاسم أَي اعْل على كل الْمُلُوك بالقهر وَالْغَلَبَة وسد أهل زَمَانك بِالْكَرمِ وَالْفضل والشجاعة وَقد الْجَيْش إِلَى أعدائك وجد بِعَطَائِك على أوليائك وَمر مسموعا أَمرك وانه عبر مُخَالف نهيك ورأعداءك بظهورك عَلَيْهِم أَي اصب رئاتهم بإيجاعك لَهُم وف لأوليائك بإحسانك إِلَيْهِم وبنعمك عَلَيْهِم واسر إِلَى أعدائك بجيوشك لتستأصلهم ونل مَا تبغيه بسعدك وإقدامك وتأييدك لِأَنَّك مؤيد بالنصر وغظ بظهورك من يحسدك وارم ببأسك من يخالفك وصف من تعتمده برميك واحم ذمارك بهيبتك وببأسك واسب بجيوشك حَرِيم أعدائك ورع بمخافتك أَمنهم وزع أَي كف بوقائعك مسلطهم ود احْمِلْ الدِّيات متفضلا على تبعك وجشمك ول الْأَمْصَار مشكورا فِي ولايتك واثن الْأَعْدَاء عَنْهَا بحمايتك ونل عفاتك بجدودك وأمطر عَلَيْهِم سحائب فضلك وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى نولهم مَا يطْلبُونَ من عطائك الجزيل
2 - الْمَعْنى يَقُول كل دُعَاء دَعوته لَك مَضْمُون مَعْهُود مَعْلُوم وَلَو سكت عَنهُ لَكُنْت قد كفيت لِأَنِّي إِنَّمَا أَدْعُو الله بِشَيْء قد فعله وأعمل الرَّغْبَة إِلَيْهِ فِيمَا قد مكنه وَهَذَا الْبَيْت من الضَّرْب الطَّوِيل والقافية من المتدارك وَمَا جمع أحد قبله من الْأَلْفَاظ مَا جمع فِي هَذَا الْبَيْت وَجمع ديك الْجِنّ فِي مصراع بَيت أَربع استفهامات فِي قَوْله
(أنَّي ولِمْ وَعَلامَ ذَاكَ وَفِيما ... )
وَقد قَالَ البحتري أَيْضا
(بِمَهْ وَفِيمَ الجَفاءُ مِنْكَ بَدَا ... أوْ مِمَّ أوْ عَمَّ عَلامَ لَمِهْ)
(3/89)

- 1 هَذِه الْقطعَة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر الْإِعْرَاب شَدِيد خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره أَنْت شَدِيد وترنج رَفعه بِالِابْتِدَاءِ تَقْدِيره بَين يَديك أَو فِي مجلسك ترنج الْغَرِيب اللُّغَة الفصيحة أترج وأترجة واحده وَمِنْه الحَدِيث وَمثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كالأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَحكى أَبُو زيد ترنج وترنجة وَقَالَ ابْن فورجة شَدِيد الْبعد من شرب الشُّمُول ترنج الْهِنْد لديك فَحذف لديك واتى بِهِ فِي الْبَيْت الثَّانِي دَالا على حذفه والظروف كثيرا مَا تضمر وَأَرَادَ من شرب النَّاس الشُّمُول عَلَيْهِ وعَلى رُؤْيَته وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول كَقَوْلِك أعجبني دق هَذَا الثَّوْب كَذَلِك تَقول ترنج الْهِنْد بعيد من شرب النَّاس الشُّمُول عَلَيْهِ والشمول من أَسمَاء الْخمر وَقيل هِيَ الْبَارِدَة الَّتِي هبت عَلَيْهَا ريح الشمَال وَقيل هِيَ الَّتِي تَشْمَل الْقَوْم بريحها الْمَعْنى يَقُول ترنج الْهِنْد وطلع النخيل شَدِيد بعدهمَا عَن محلك من شرب الْخمر وَإِن كَانَ غَيْرك يتخذها لذَلِك لِأَن هَذِه الْحَال غير مظنونة بك وَإِنَّمَا استحضارك لَهما وَلما يشاكلهما من الرياحين استمتاعا بِحسن ذَلِك لَا مُخَالفَة فِيهِ إِلَى مَا يكره واستجازة لما لَا يحسن وكل شَيْء طيب حسن يحضر مجلسك الْكَرِيم
(3/90)

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُؤَيّد مَا قَالَ أَولا وَلَكِن استحضارك للترنج والطلع لِأَنَّهُمَا طيبان وكل طيب فِي حضرتك وَغير مَعْدُوم فِيمَا يَقع عَلَيْهِ مشاهدتك مِمَّا دق إِلَى مَا جلّ يُرِيد مَا كَانَ صَغِيرا وَمَا كَانَ كَبِيرا الْغَرِيب ممتحن مَكَان يمْتَحن فِيهِ الفوارس وهم جمع فَارس الْمَعْنى يَقُول وعندك ميدان السباق فِي النّظم والنثر والتباري فِي الفصاحة وَالشعر وممتحن الْخَيل وفرسانها بالتسايف والتجاول والطرد والتساجل هَذَا الَّذِي يعمر بِهِ مجلسك وحضرتك وتنزع إِلَيْهِ همتك ورغبتك زعم بعض الروَاة أَن ابْن خالويه أنكر عَلَيْهِ ترنج وَقَالَ الْمَعْرُوف أترج فاستشهد أَبُو الطّيب بِرِوَايَة أبي زيد أَنَّهُمَا مقولان
4 - الْغَرِيب الْأَصِيل من كل شَيْء الثَّابِت وَالْقَوْل والقيل بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ مِمَّا جَاءَ مثل فعل وَفعل وقلبت الْوَاو فِي قيل يَاء للكسرة الَّتِي قبلهَا الْمَعْنى يُرِيد أَن الَّذِي آتى بِهِ من كَلَام الْعَرَب الثَّابِت فِي العرباء الْقَدِيمَة وَقَوله بِقدر مَا عَايَنت أَي على حسب مَا شاهدت وَإِنَّمَا بيّنت الشّعْر على العيان فأغناني عَن أَن أَقُول أَنْت شَدِيد الْبعد عَن شرب الشُّمُول وَفِي مجلسك ترنج الْهِنْد وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا لَهُ لم لَا قلت
(بَعِيدٌ أنْتَ مِنْ شُربِ الشَّمُول ... عَلى النَّارَنْجِ أوْ طَلْعِ النَّخِيلِ)

(لِشُغْلِكَ بالمَعالي والْعَوَالي ... وكَسْبِ الْحَمْدِ والذّكْرِ الجَميلِ)

(وَقَدْحِ خَوَاطِرِ العُلَماءِ فَحْصاً ... ومُمْتَحَنِ الفَوَارِسِ والخُيُولِ)

5 - الْغَرِيب البعول جمع بعل وَهُوَ زوج الْمَرْأَة الْمَعْنى فعارضه كَلَام سَاقِط وإنكار ضَعِيف فَوَقع ذَلِك الضعْف من قوته وَذَلِكَ السُّقُوط من رفعته موقع النِّسَاء من البعول والرعية من الْملك الْجَلِيل لِأَنِّي قد أتيت بِكَلَام لَا يُنكر صَوَابه وَلَا تدفع صِحَّته وَفِيه نظر إِلَى قَول أبي النَّجْم
(إنّي وكُلُّ شاعِرٍ مِنَ البَشَرْ ... شَيْطانُهُ أُنْثَى وَشَيْطانِي ذَكَر)

6 - الْإِعْرَاب رفع مَأْمُون على الْبَدَل من السَّيْف وَهَذَا مُبْتَدأ والدر نعت لَهُ ومأمون خَبره الْغَرِيب التشظي التكسر والتشقق الْوَاحِدَة شظية والفلول جمع فل وَهُوَ مَا يلْحق السَّيْف من الضَّرْب بِهِ الْمَعْنى يُشِير إِلَى شعره بِأَنَّهُ الدّرّ الَّذِي لَا يخَاف تشظيه وَلَا يُمكن الِاعْتِرَاض فِيهِ والدر إِذا طَال عَلَيْهِ الْأَبَد لابد لَهُ من التَّغَيُّر إِلَّا هَذَا الدّرّ فَإِنَّهُ يزِيد حسنا على مر الْأَيَّام وَأَنت السَّيْف الَّذِي لَا يخْشَى عَلَيْهِ وَقد أَمن فِيهِ الانفلال وَلَا يخَاف نبوه وَلَا تثلم حَده
7 - الْمَعْنى يَقُول إِذا احْتَاجَ أحد إِلَى أَن يعلم النَّهَار بِدَلِيل يدل عَلَيْهِ لم يَصح فِي فهمه شَيْء الْمَعْنى إِذا لم يَصح مَا أنظمه وَيفهم مَا أوردهُ فَكَأَنَّهُ لم يعرف النَّهَار وَأنكر وجوده لِأَنَّهُ كالنهار الَّذِي لَا تطلب الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَلَا يُمكن أحد الْمُخَالفَة فِيهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِم من شكّ فِي المشاهدات فَلَيْسَ بكامل الْعقل
(3/91)

- 1 هَذِه الْقطعَة من المتقارب والقافية من المتدارك الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ الَّذِي يطْلب الْمَعْرُوف الْمَعْنى إِنَّك أَعْطَيْت عفاتك مَا أَملوهُ من جودك وزرت أعداءك بِمَا حذروه من شدَّة بأسك فانصرمت فِي يَديك أعمارهم وَقربت بزيارتك لَهُم آجالهم وَالْمعْنَى أَنَّك تُعْطى المؤمل مَا أمله وتقرب لِلْعَدو أَجله
2 - الْغَرِيب الأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد والليوث جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول وَأَقْبَلت الرّوم يُرِيد رَسُول ملك الرّوم وَمن مَعَه تمشي إِلَيْك بَين الْأسد المقتولة وأشبالها المغنومة
3 - الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَتْ الْمُلُوك الْأسد بَين يَديك مقتولة وأشبالها مغنومة فَأَيْنَ تَفِر مُلُوك الرّوم بأطفالها هربا من بأسك وَهُوَ مَنْقُول من قَول مَحْمُود بن الْحُسَيْن
(وَمَنْ كانَت الأُسْدُ مِنْ صَيْدِهِ ... فَلَنْ يُفْلِتَ الدَّهْرَ مِنْهُ أحَدْ)
(3/92)

- 1 هَذِه الْقطعَة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر الْغَرِيب النزال الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول وصفت لنا سِلَاحا لم نره لِأَنَّهُ رفع قبل دُخُوله عَلَيْهِ فكأنك وصفت الْحَرْب بوصفه وأخبرت عَنهُ بِذكرِهِ لِأَن مثل ذَلِك الْمَوْصُوف لَا يعد إِلَّا للنزال وَلَا يختبر إِلَّا فِي الْقِتَال لِأَنَّهُ إِذا وصف السيوف وبريقها كَأَنَّهُ وصف الْقِتَال وَنصب سِلَاحا على إِعْمَال الْفِعْل الأول على مذْهبه فِي إِعْمَال الْفِعْل الأول وَمثله لذِي الرمة
(وَلْم أمْدَحْ لأُرْضِيَهُ بِشعْرِي ... لَئِيما أنْ يَكُونَ أصَابَ مَالا)

2 - الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وَهِي المغفر من الْحَدِيد يكون على الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول وَذكرت أَن الْبيض صف على دروع فشوق من سَمعه إِلَى الْحَرْب وهيجه على الطعْن وَالضَّرْب
3 - الْإِعْرَاب تا بِمَعْنى هَذِه وتا نعت للنار وَهِي فِي مَوضِع نصب كَمَا تَقول
(3/93)

ضربت زيدا هَذَا فَهَذَا نعت لزيد أَي هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ وَلَو جعل بَدَلا لجَاز وتا إِشَارَة للمؤنث الْحَاضِر كَمَا يشار بذا إِلَى الْمُذكر الْحَاضِر الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة لَو أطفأت نارك أَعنِي السراج أَو الْقَنَادِيل أَو الشمع أَي مَا تستضيء بِهِ فِي ليلك لأغناك لمعان السِّلَاح عَنهُ ولأضاء لَك بريقه حَتَّى لقرأ مَا خطّ فِي الصُّحُف فِي الدياجى الْمظْلمَة والليالي المسودة الحالكة
4 - الْإِعْرَاب استحسنت أَرَادَ استحسنته فَحذف الْهَاء للْعلم بِهِ وَالْمَفْعُول كثيرا مَا يحذف وانشد سِيبَوَيْهٍ
(فأَقْبَلْتُ زَحْفا عَلى الرُّكْبَتَينِ ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أجُرُّ)
أَرَادَ لبسته وأجره فَحذف المفعولين لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِمَا الْمَعْنى يَقُول إِن استحسنت هَذَا السِّلَاح وَهُوَ على بِسَاط فَأحْسن مَا يكون إِذا لبسه الرِّجَال وَأظْهر فَضله الْقِتَال
5 - الْإِعْرَاب الضَّمِير الأول للرِّجَال وَالثَّانِي للسلاح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح التَّأْنِيث للدروع والتذكير للبيض وَقَوله وَإِن بِهِ زَاد إِن الثَّانِيَة توكيدا تَقْدِيره وَإِن بهَا وَبِه لنقصا وَمثله للحطيئة
(قالَتْ أُمامَةُ لَا تَجْزَعْ فَقُلْتُ لَهَا ... إنَّ العَزَاء وَإنَّ الصَّبْرَ قَدْ غُلِبا)
وَيجوز أَن يكون حذف اسْم إِن الأولى وَاسْتغْنى بِالثَّانِيَةِ كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه} وانشد سِيبَوَيْهٍ
(نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرأْيُ مُخْتَلِفُ)
أَرَادَ نَحن راضون وَأَنت رَاض وَكَذَلِكَ {وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه} الْمَعْنى يُرِيد بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح نقص وكمالها بك وَأَنت للرِّجَال نِهَايَة الْكَمَال الَّذِي يكمل الْفَخر الَّذِي بِهِ يتَحَمَّل
6 - الْغَرِيب الدمستق مقدم الفرنجة الْمَعْنى لَو نظر الدمستق ذَلِك السِّلَاح ولاحظ جانبيه وأشرف عَلَيْهِ بمشاهدته لَهُ لأفزعه إفزاعا يقلب الرَّأْي فِي التَّخَلُّص مِنْهُ وَيعْمل الْحِيَل فِي الْفِرَار عَنهُ
(3/94)

- 1 هَذِه الْقطعَة من الطَّوِيل والقافية من الْمُتَوَاتر وَيذكر فِي هَذِه القصيدة وقْعَة الْغَرِيب شكول جمع شكل وشكل الشَّيْء مثله وَجمع الْقلَّة أشكال وأتى هَاهُنَا بِجمع الْكَثْرَة لِأَنَّهُ أبلغ فِي شكوى الْحَال والظاعنين جمع ظاعن وَهُوَ المرتحل الْمَعْنى يَقُول ليَالِي بعد الظاعنين من أَحبَّنِي متشاكلة فِي طولهَا متشابهة فِي تعذبي بهَا وليل العاشقين يطول عَلَيْهِم بِمَا يقاسونه من السهر وَمَا يَتَجَدَّد لَهُم فِيهِ من الْفِكر وَاللَّيْل يطول بقصر بِحَسب الْفُصُول الْأَرْبَعَة وليله طَوِيل لبعد الحبيب عَنهُ وَامْتِنَاع النّوم مِنْهُ قَالَ الواحدي يجوز أَن تكون مشاكلتها من حَيْثُ أَنه لَا يجد رواحا فِيهَا وَلَا نوما يَقُول لَا يتَغَيَّر حَالي فِي ليَالِي بعدهمْ وَلَا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب وَهُوَ ضد قَول الآخر
(إذَا مَا شِئْتَ أنْ تَسْلُو حَبِيبا ... فأكْثِرْ دُونَهُ عَدَدَ اللَّيالي)

2 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه اللَّيَالِي يبن لي بدر السَّمَاء الَّذِي لَا أريده ويظهرنه وَلَا يسترنه ومخفين الْبَدْر الَّذِي لَا أحد إِلَيْهِ سَبِيلا
3 - الْإِعْرَاب نصب سلوة على الْمصدر يُرِيد مَا سلوتهم سلوة وَقيل بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ يُرِيد عَن سلوة وَقيل مفعول لَهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بقائي بعدهمْ لسلوة عَنْهُم وَلَا لخلو عَن ذكرهم وَلَكِنِّي حمول للنائبات صبور على الخطوب الموجعات وَهُوَ كَقَوْل أبي خرَاش الْهُذلِيّ
(فَلا تَحْسَبِي أَنِّي تَناسَيْتُ عَهْدَكمْ ... وَلَكِنَّ صَبْرِي يَا أُمَيْمَ جَمِيلُ)

4 - الْمَعْنى يَقُول وَإِن رحيلا وَاحِدًا غير مضاعف ومفردا غير مردد حَال بيني وَبينهمْ وأيأسني من قربهم وَفِي الْمَوْت الَّذِي أباشره لفقدهم وأشرف عَلَيْهِ من بعدهمْ رحيل يشفع رحيلهم ويعاد يُضَاعف بعادهم وَلَا دَار أبعد من الْقَبْر وَلَا سَبَب أقطع من الْمَوْت
(3/95)

- الْغَرِيب الرّوح نسيم الرّيح الشرقية الَّتِي تَأتي من وَرَاء الْقبْلَة الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى إِذا كُنْتُم تؤثرون شم الرّوح فِي الدُّنْيَا وملاقاة نسيمها فَلَا زلت رَوْضَة وقبولا انجذابا إِلَى هواكم ومصيرا إِلَى مَا تؤثرونه وَيكون سَبَب الدنو مِنْكُم أَرَادَ وَلَا بَرحت وروضة وقبولا فَجعل الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة للقافية وَمن فسر هَذَا التَّفْسِير فقد فَضَح نَفسه وغر غَيره وَقَالَ ابْن فورجة الرّوح يؤثره من يأوي إِلَى هم وينطوي على شوق فَأَما الْأَحِبَّة وَإِن كَانَ إِيثَار الرّوح طبعا من النَّاس فَإِنَّهُم لَا يوصفون بِطَلَب الرّوح وشم النسيم والتعرض لبرد الرّيح والتشفي بنسيم الْهَوَاء وَأَيْضًا فَمَا الْحَاجة إِلَى أَن يكون الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة وَلَيْسَ هَذَا من أَخَوَات كَانَ وَإِنَّمَا هِيَ من برح فلَان من مَكَانَهُ أَي فَارقه يَقُول إِذا لم يكن لي من فراقكم رَاحَة إِلَّا التعلل بالنسيم وَطلب روح الْهَوَاء وتشممي لطيبه بروائحكم وَمَا كَانَ ينالني أَيَّام اللَّهْو والفرح بقربكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يَسُوق إِلَى رَوَائِح تِلْكَ الرَّوْضَة وَهَذَا من قَول البحتري
(يُذَكِّرُنا رَيَّا الأَخِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسَ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ بارِدِ)
وَأَصله من قَول الأول
(إذَا هَبَّ عُلْوِيُّ الرّياحِ وَجَدْتُنِي ... كأنّي لِعُلْوِيّ الرّياحِ نَسِيبُ)
وَالْمعْنَى إِذا كَانَ شم الرّوح أدنى إِلَيْكُم لِأَنَّهَا تذكرني روائحكم وَطيب أَيَّام وصالكم فَلَا فارقتني رَوْضَة أستنشق رائحتها وريح قبُول أتنسم بهَا لأَكُون أبدا على ذكركُمْ انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع برح هُنَا بِمَعْنى زَالَ يَقُول إِذا بعدتم وَلَا أصل إِلَيْكُم إِلَّا بشم الرّوح الَّذِي يشبه رَائِحَة نسيمكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يأتيني برائحتكم وَقد دَعَا لنَفسِهِ بِالْحَيَاةِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ حَيا جَاءَتْهُ الرِّيَاح بروائح أحبته لِأَن قبله
(وَفِي المَوْتِ مِنْ بَعْدِ الرَّحِيلِ رَحِيلُ ... )
وَقَالَ ابْن الإفليلي إِذا كَانَ شم الرّوح أقرب الْأَشْيَاء مِنْكُم وأنفذها بالدنو إِلَيْكُم وتيقنت أَن الرياض فِي تبدلكم مَنَازِلكُمْ والمياه الَّتِي تقاربها مواردكم لما يُوجب لكم علو الْحَال من الْحُلُول فِي كرائم الأَرْض فَلَا برحتي رَوْضَة تذكرني مَنَازِلكُمْ وَقبُول أتنسم مِنْهُ ريح أفقكم وَأَشَارَ بِذكر الْقبُول إِلَى أَن رحْلَة أحبته إِلَى جِهَة الشرق وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا مَأْخُوذ من قَول البحتري
(إذَا خَطَرَتْ رِياحٌ جانِبَيْها ... كمَا خَطَرَتْ عَلى الرَّوْضِ القَبُولُ)
(3/96)

وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سوى ذكر الرَّوْض وَالْقَبُول
6 - الْإِعْرَاب نصب تذكرا على الْحَال أَي متذكرا فَأَقَامَ الْمصدر مقَام اسْم الْفَاعِل أَي شَرْقي بِالْمَاءِ متذكرا لكذا وَكَذَا أَي فِي هَذِه الْحَال كَقَوْلِك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما أَي فِي حَال قِيَامه وَقَالَ الْخَطِيب نَصبه على الْمصدر وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا من أَجله أَي لتذكري وَيجوز رَفعه على أَنه خبر شَرْقي الْغَرِيب الشرق الاختناق بِالْمَاءِ أَو بالريق أَو بِالنَّفسِ الْمَعْنى يَقُول وَمَا أشرق بِالْمَاءِ إِلَّا لعلمي أَن أهل الحبيب الراحلين بِهِ وَقَومه الحافظين لَهُ يعتمدون مَاء ينزلون بِهِ ويستقرون بمنهل يحلونه فيهيج لي المَاء تذكر حُلُوله وأغص بِهِ أسفا على رحيله لِأَنِّي أذكر ذَلِك المَاء الَّذِي هم نزُول بِهِ فَلَا يسوغ لي المَاء
7 - الْمَعْنى يُرِيد وصف مَوضِع من يُحِبهُ من الرّفْعَة وَمَا هُوَ بسبيله من الْعِزّ والمنعة فَقَالَ يحرم هَذَا المَاء الَّذِي يردهُ لمع أسنة قومه المحتلين بِهِ وَامْتِنَاع جهتهم واحتداد شوكتهم فَلَيْسَ لظمآن وُصُول إِلَيْهِ وَلَا لوارد طمع فِيهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن محبوبه مَمْنُوع مِنْهُ على الْقرب والبعد فَلَا يقدر على زيارته
8 - الْغَرِيب الدَّلِيل مَا يسْتَدلّ بِهِ وَالدَّلِيل الدَّال ودله يدله دلَالَة وَدلَالَة ودلولة وَالْفَتْح أفْصح وَأنْشد أَبُو عبيد
(إنَّي امْرُؤٌ بالطُّرْقِ ذُو دَلالاتِ ... )
الْمَعْنى أَنه استطال ليله فَقَالَ مشتكيا لسهره وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من شدَّة كمده أما فِي النُّجُوم وَغَيرهَا مِمَّا يعرف بِهِ أَوْقَات اللَّيْل دَلِيل يدلني على ضوء الصَّباح وتدانيه وانصرام اللَّيْل وتقاضيه
9 - الْإِعْرَاب نصب فتظهر لِأَنَّهُ جَوَاب اسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْمَعْنى أَنه خَاطب محبوبته فَقَالَ ألم ير هَذَا اللَّيْل الْجَلِيل خطبه الْمُتَّصِل طوله عَيْنَيْك كَمَا رأيتهما وَيشْهد مَا شهدته من سحرهما فيقل مِنْهُ مَا كثر وَيقصر مِنْهُ مَا طَال ويرق لمن سحرتاه ويلقى من الضعْف والنحول مَا أَلْقَاهُ فينجلي عني
(3/97)

- الْغَرِيب درب الْقلَّة مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والكمد الْحزن الْمَعْنى يَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع الْفجْر لقية على حَال من الْبَهْجَة وسبيل من الْغِبْطَة شفت حزني بتطاول اللَّيْل وأظهرتني عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَنهُ وَهُوَ كالقتيل الَّذِي نقضت مدَّته وَسَقَطت عَمَّن يحذرهُ مُؤْنَته قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ وافينا الْقلَّة وَقت السحر فَكَأَنِّي لقِيت بهَا الْفجْر ثمَّ سرنا صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْعَصْر أَرْبَعِينَ ميلًا وشننا الغارات وغنمنا وشفيت كمدى لانحسار اللَّيْل عني وَاللَّيْل قَتِيل فِي ذَلِك الْموضع فَكَأَن النَّهَار لما أشرق بضوئه على اللَّيْل قَتله وظفر بِهِ وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فكشفه بقوله
(وَلَّما رأيتُ الصًّبحَ قَدْ سَلَّ سَيْفَهُ ... وَوَلَّى انْهِزَاما لَيْلُهُ وكَوَاكِبُهُ)

(وَلاحَ احْمِرارٌ قُلْتُ قَدْ ذُبِحَ الدُّجَى ... وَهَذا دَمٌ قدْ ضَمَّخَ الأرْضَ ساكِبُهْ)
الْإِعْرَاب نصب يَوْمًا عطفا على مَعْمُول لقِيت الْمَعْنى يُخَاطب محبوبته وَيَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع يَوْمًا على هَذِه اللَّيْلَة تناهت بهجته وراق منظره حَتَّى كَأَن حسنه عَلامَة توجهينها وَكَأن الشَّمْس فِيهِ رَسُول مِنْك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لما ثار الْغُبَار ستر الشَّمْس فَكَأَنَّهَا رَسُول من محبوبته مستخف وَهَذَا الْمَعْنى من أحسن الْكَلَام قَالَ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر
(إذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها ... أمارَةُ تَسْلِيمي عَلَيْكِ فَسلِّمي)

12 - الْغَرِيب آثَار افتعل من الثأر وَأَصله الْهَمْز والذحول جمع ذحل وَهُوَ الحقد والعداوة الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى لَوْلَا سيف الدولة مَا وصلت إِلَى درب الْقلَّة حَتَّى شفيت نَفسِي من اللَّيْل بملاقاة الْفجْر قَالَ ابْن فورجة هَذِه الأبيات من محَاسِن هَذِه القصيدة وَإِذا توبع فِيهَا أَبُو الْفَتْح ضَاعَت وَبَطلَت أفترى أَبَا الطّيب لَوْلَا سيف الدولة لما أصبح ليله وَلما لقى الْفجْر وَلَو لم يصل إِلَى درب الْقلَّة لما شفي عشقه فَأَي قائدة للعاشق فِي الْوُصُول إِلَى درب الْقلَّة وَقد خلط أَبُو الطّيب فِي هَذِه الأبيات تشبيبا بتقريظ وغرضه أَن يصف يَوْم ظفر سيف الدولة بالْحسنِ وَالطّيب وَيذكر سوء صَنِيع اللَّيْل عِنْده فِيمَا مضى وَأَرَادَ بقوله وَاللَّيْل فِيهِ قَتِيل
(3/98)

حمرَة الشَّفق فَكَأَنَّهُ دم فَلَمَّا لقِيه كَذَلِك شمت بِهِ لطول مَا قاسى من همه وَجعل حسن الْيَوْم وَهُوَ ظفر سيف الدولة بسروره بِهِ كالعلامة الَّتِي جَاءَت من المحبوبة وَالشَّمْس كرسولها لشدَّة الجدل بطلوعها ثمَّ ادّعى أَن سيف الدولة قتل اللَّيْل وأثار لأبي الطّيب على مَا جرت بِهِ الْعَادة من نِسْبَة الغرائب إِلَى الممدوحين وَإِن كَانَت من الْمحَال بدل عَلَيْهِ قَوْله الْبَيْت بعده
13 - الْغَرِيب تروق تعجب وتهول تفزع الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة يَأْتِي بِكُل غَرِيبَة فِي مجده وَبِكُل نادرة فِي كرمه فيروق ذَلِك ويعجب ويهول ويفزع ويسلى من شهده عَمَّا سواهُ وينسيه مَا لقِيه وقاساه
14 - الْغَرِيب الدَّرْب الْمدْخل إِلَى أَرض الْعَدو والجرد القصيرة شعر الْجلد وَهُوَ من شَوَاهِد الْكَرم لَهَا والجياد جمع جيد على غير قِيَاس وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ الْمَعْنى يَقُول قَامَت لَهُم الْخُيُول مقَام السِّهَام فِي السرعة والمضاء وَلم يعلمُوا أَن خيلا تسرع إِلَيْهِم إسراع السِّهَام وَالْمعْنَى أَنه رمى درب الرّوم مقدما عَلَيْهِم وغاديا إِلَيْهِم بكتائب بكتائب خيله ومواكب جَيْشه فَصَارَت كالسهام مسرعة ونفذت منافذها وَلم تعلم الرّوم قبل ذَلِك أَن من الْخَيل مَا يفعل فعل هَذِه وَلَا أَن مِنْهَا مَا يسير مثل هَذَا السّير فِي الْإِسْرَاع
15 - الْإِعْرَاب شوائل حَال من الجرد وَالضَّمِير فِي تَحْتَهُ يعود على القنا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَا يمْتَنع أَن يرجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الشوائل الَّتِي ترفع أذنابها عِنْد الجري وَهُوَ دَلِيل على قوتها والمرح لعب يتبعهُ النشاط وَقد مرح بِالْكَسْرِ فَهُوَ مرح ومريح بِالتَّشْدِيدِ مثل سكير وأمرحه غَيره وَالِاسْم المراح بِكَسْر الْمِيم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شبه القنا مَعَ الْخَيل بأذناب العقارب إِذا شالت بهَا والتشوال بِمَنْزِلَة التمساء يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة وَالْكَثْرَة وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا وَالْمعْنَى أَنه يُشِير إِلَى سرعَة سَيرهَا وَكَثْرَة جريها ورفعها الأذناب فِي ذَلِك الجري وَهُوَ دَلِيل على كرمها وَقُوَّة ظهرهَا والتشوال أَكثر مَا يكون فِي الْخَيل عِنْد الجري ثمَّ دلّ على نشاطها بمراحها وعَلى عزة أَنْفسهَا بصهيلها وَقَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول كثير
(وَهُمْ يَضْرِبونَ الصَّفَّ حَتَّى تَبَيَّنُوا ... وَهُمْ يَرْجِعُونَ الخَيْلَ جْمَّا قُرُوُنها)
وَلَيْسَ فِيهِ من معنى المتنبي شَيْء وَلَا يلم بِهِ أبدا
(3/99)

- الْغَرِيب حران بَلْدَة من بِلَاد الجزيرة بِالْقربِ من الرقة والتلبية الْإِجَابَة والنصول جمع نصل وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول وَمَا هِيَ يُرِيد هَذِه الْغَزْوَة الَّتِي رمى بهَا أَرض الْعَدو إِلَّا خطرة عرضت لسيف الدولة يُشِير إِلَى أَنَّهَا كَانَت مَعَ جلالتها وعظمتها عَن بديهة وفعلها مَعَ احتفالها عَن غير روية فلبتها القنا والنصول واقترن بهَا الصنع الْجَمِيل
17 - الْغَرِيب الْهمام الْملك ذُو الهمة وهم أَرَادَ فعل الْأَمر والهموم الإرادات والأرعن الْجَيْش الْكثير الفضول لَهُ رعون كرعون الْجبَال وَهِي أنف الْجبَال الْمَعْنى هُوَ همام إِذا بِأَمْر فعله وَمَا أَرَادَهُ أنفذه بِجَيْش حافل وَجمع غَالب يقدمهُ إِلَى الْأَعْدَاء ويقصدهم بِهِ فِيهِ حتفهم وهلاكهم ويطؤهم الْمَوْت اثقل وَطْأَة ويصرعهم أَشد صرعة
18 - الْإِعْرَاب وخيل عطف على قَوْله بأرعن أَي وبخيل وَأَرَادَ نقِيل فِيهَا فَحذف لدلَالَة الأولى على الثَّانِيَة الْغَرِيب براها أهزلها وأضعفها والتعريس نزُول الركب آخر اللَّيْل للاستراحة والقائلة مَعْرُوفَة وَهُوَ النُّزُول فِي الهاجرة الْمَعْنى يَقُول وبخيل تضمنها ذَلِك الْجَيْش براها لما يحملهَا من الركض ويكلفها من السّير فِي بِلَاد يفتحها إِلَى الْعَدو وَلَا تقيل فِيهَا وتسير وَلَا تستريح
19 - الْغَرِيب دلوك وصنجة بلدان من بِلَاد الرّوم والطود الْجَبَل والرعيل الْجَمَاعَة من النَّاس وَالْخَيْل وَقيل الرَّعْلَة والرعيل الْقطعَة من الْخَيل وَالْجمع رعال قَالَ طرفَة
(ذُلُقٌ فِي غارَةٍ مَسْفُوحةٍ ... كَرِعالِ الطَّيْرِ أسْرابا تَمُرْ)
واسترعل خرج فِي أول الرعيل الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما بلغ هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ انتشرت جيوشه وبدت لَهُ فِي كل جبل راية ماثلة يتلوها جمَاعَة ناهضة
20 - الْمَعْنى يَقُول سلك هَذَا الْجَيْش إِلَى الرّوم على طرق فحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَحْذُوف أَي سلك إِلَى الرّوم على طرق كَانَت ممتنعة لَا تسلك ومجهولة لَا تعرف فَكَانَت مُرْتَفعَة على
(3/100)

الطّرق مشرفة على سَائِر السبل وَفِي ذكرهَا عِنْد النَّاس خمول لجهلهم بهَا وَقلة سلوكهم لَهَا وَلها رفْعَة على الطّرق لِأَنَّهَا فِي رُءُوس الْجبَال
21 - الْإِعْرَاب نصب قباحا صفة لمغيرة الْمَعْنى يَقُول فجأتهم هَذِه الْخَيل فَلم يشعروا بهَا إِلَّا مُغيرَة عَلَيْهِم قباحا أَعينهم لسوء فعلهَا بهم وَهِي مَعَ ذَلِك جميلَة فِي خلقهَا متناهية فِي حسنها
22 - الْإِعْرَاب سحائب نَصبه على الْبَدَل من قباح قَالَه أَبُو الْفَتْح وَيجوز على الْبَدَل من ضمير رأوها الْمَعْنى جعل خيله كالسحائب لما فِيهَا من بريق الأسلحة وأصوات الفرسان وَجعل مطرها الْحَدِيد لِأَنَّهَا تنصب عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ والأسنة وَلما جعل الْحَدِيد مَطَرا جعل الْمَكَان الَّذِي يَقع بِهِ مغسولا بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يَعْنِي بالسحاب الْغُبَار الثائر وَيكون فِي الْكَلَام حذف أَي رَأَوْا وَالْمعْنَى أَنه وصف خيله بِالْكَثْرَةِ فَقَالَ سحائب تمطر الْحَدِيد عَلَيْهِم وتعمل السِّلَاح فيهم فَكل مَكَان تغسله السيوف بِمَا تسفكه من الدِّمَاء وتغشاه بِمَا تحدثه من الْقَتْل
23 - الْغَرِيب الانتحاب الْبكاء وعرقة مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والثاكلات جمع ثاكل وَهِي الَّتِي فقدت ولدا أَو بعلا أَو أَبَا أَو أَخا الْمَعْنى الْجَوَارِي اللَّاتِي سبين من الرّوم بِهَذَا الْموضع يبْكين بعولهن مفجعات قد شققْنَ جُيُوبهنَّ وفرقن شعورهن وثيابهن فَعَادَت جُيُوبهنَّ لسعتها ذيولا تسحب
24 - الْغَرِيب موزار مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والقفول الرُّجُوع وَمِنْه الحَدِيث كَانَ إِذا قفل من غَزْو وقفل يقفل بِالضَّمِّ والقافلة الرّفْقَة الراجعة من السّفر الْمَعْنى لما عَادَتْ خيل سيف الدولة ظَنّهَا الرّوم قافلة منصرفة بموزار وَلَيْسَ لَهَا قفول إِلَّا الدُّخُول إِلَيْهِم والاقتحام عَلَيْهِم فَكَانَ عودتها إِلَى موزار بِخِلَاف مَا ظنوه وَبِغير مَا احتسبوه
25 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي كَأَنَّهُ يعود على الْمصدر والنجيع الدَّم الضَّارِب إِلَى السوَاد وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ دم الْجوف خَاصَّة وَالْكَفِيل الضَّامِن
(3/101)

الْمَعْنى يَقُول خاضت هَذِه الْخَيل بموزار الدَّم الَّذِي سفكت من الرّوم خوضا كَأَنَّهُ يكفل بِظَاهِر الْغَلَبَة فِيهِ واقتران النَّصْر بِهِ مَا خاضته بعد ذَلِك من دِمَائِهِمْ وهزمته من جيوشهم لِأَن من رأى ذَلِك الْخَوْض علم أَنه لَا يتَعَذَّر عَلَيْهَا خوض دم غَيره
26 - الْغَرِيب الطلول مَا بقى من أثار الديار الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْخَيل تسير مَعَ النيرَان الَّتِي تضرمها فِي ديار الرّوم فِي كل مَسْلَك أَهله صرعى بِالْقَتْلِ ومنازله طلول بالخراب يُشِير إِلَى مَا أحدثته هَذِه الْخَيل فِي بِلَاد الرّوم من إحراق شجرهم وَهدم دِيَارهمْ وَكَثْرَة الْقَتْل فيهم
27 - الْغَرِيب ملطية مَدِينَة مَعْرُوفَة من بِلَاد الرّوم وَغَيرهَا لِأَنَّهَا أَعْجَمِيَّة وَالِاسْم الأعجمي إِذا وَقع إِلَى الْعَرَب غيرته وَسكن الطَّاء لإِقَامَة الْوَزْن والثكول الَّتِي تفقد أَوْلَادهَا الْمَعْنى يَقُول كرت هَذِه الْخَيل فمرت فِي دِمَاء أهل ملطية فَأخْبر عَن الْبَلَد كَمَا يخبر عَن أَهله كَقَوْلِه تَعَالَى {واسأل الْقرْيَة} أَي أهل الْقرْيَة يُرِيد أَنَّهَا خاضت فِي دِمَائِهِمْ الَّتِي سفكت وَجعلهَا أما لأَهْلهَا وهم كالبنين لَهَا وَقد فقدتهم حِين قتلوا
28 - الْغَرِيب قباقب اسْم نهر بِبَلَد الرّوم الْمَعْنى يَقُول أضعفت هَذِه الْخَيل هَذَا النَّهر عِنْد عبوره بِشدَّة تزاحمها فِيهِ وَكَثْرَة ترادفها عَلَيْهِ فأضحى مَاؤُهُ كالعليل السَّاقِط الْقُوَّة فَجعلت جري مَائه ضَعِيفا وَالْمعْنَى أضعفت الْخَيل المَاء الَّذِي كلفت قطعه
29 - الْمَعْنى يَقُول لما عبرت الْخَيل الْفُرَات راعته كَثْرَة الْخَيل أَي ذعرته وأخافته وأفزعته حَتَّى كَأَنَّمَا يخر عَلَيْهِ من جماعات الرِّجَال سيول طارقة وأمواج بَحر متلاطمة واستعار للفرات قلبا
30 - الْغَرِيب السابح الْفرس الَّذِي يمد يَدَيْهِ وَعمرَة المَاء مجتمعه ومعظمه والمسيل مجْرى مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول يطارد موج هَذَا النَّهر كل سابح من الْخَيل سَوَاء عِنْده الغمرة والمسيل وَالْكثير والقليل يُشِير إِلَى مَا على هَذِه الْخَيل من شدَّة الْأَمر وَمَا بلغته من قُوَّة الْخلق
(3/102)

- الْغَرِيب التليل الْعُنُق الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفرس إِذا سبح فِي المَاء لم يظْهر مِنْهُ إِلَّا الرَّأْس والعنق وَالْمعْنَى ترى ذَلِك السابح فِي الْفُرَات لِكَثْرَة مَائه وَتعذر خوضه قد استتر جِسْمه وخفى أَكْثَره حَتَّى كَأَن المَاء مر بِنَفسِهِ إِلَّا الْقَلِيل وَهُوَ الرَّأْس والعنق
32 - الْغَرِيب هنزيط وسمنين موضعان فِي بِلَاد الرّوم والظبا جمع ظبة وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ للسيوف والرماح بديل مِمَّن قتلته وَالْمعْنَى أَن وقائع هَذِه الْخَيل فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ مُتَّصِلَة على الرّوم فَكلما غمرتهم مِنْهَا طَائِفَة أفنتهم هَذِه الْخَيل بوقائعها فيهم وإعارتها عَلَيْهِم
33 - الْغَرِيب الْغرَر جمع غرَّة وَهِي الَّتِي تكون فِي وَجه الْفرس والحجول بَيَاض يكون فِي قَوَائِمهَا الْمَعْنى طلعت هَذِه الْخَيل بِهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ من الرّوم طلعة قد 9 عرفُوا مثلهَا وعهدوا مَا يشبهها بجلالتها وعظمتها وشهرتها وَلها غرر لَا تخفي بهَا وحجول لَا تستتر مَعهَا
34 - الْغَرِيب الشم الطوَال المرتفعة الْعَالِيَة الْمَعْنى يَقُول تمل الْحُصُون المستعلية مداومتنا لقتالها وملازمتنا لحصارها فيسهل لنا الظفر بهَا وَلَا تمْتَنع عَمَّا نحاوله من هدمها وتصبح كالزائلة بِتَغَيُّر بنيتها واستحالة هنيئتها
35 - الْغَرِيب حصن الران حصن من حصون الرّوم ورزحي تعبة كليلة والرزاح من الْإِبِل الْهَالِك هزالًا وَقد رزحت النَّاقة ترزح رزوحا ورزاحا سَقَطت من الأعباء هزالًا ورزحتها أَنا ترزيحا وإبل رزحي ورزاحي ومرازيح ورزح الْمَعْنى يَقُول باتت خيل سيف الدولة فِي هَذَا الْموضع تعبة بِمَا لاقته من سفرها وَمَا عاينته من شدَّة تعبها وَقد خضع ملك الرّوم وَقَومه لسيف الدولة فذل عزيزهم ودان منيعهم واعترف بعبوديته كَبِيرهمْ وصغيرهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح اعتذر لَهَا فَقَالَ لم يلْحقهَا ذَاك لِضعْفِهَا وَلَكِن الْأَمِير كلفها من همته صعبا فذلت لَهُ وَإِن كَانَت عزيزة قَوِيَّة
(3/103)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي خلاه لسيف الدولة وموضعه نصب بخلا الْمَعْنى يُرِيد من شدَّة مَا لاقوا فِي هَذِه الْغَزْوَة فِي كل نفس من نفوس الْجَيْش ملالة مَا خلا سيف الدولة فَإِنَّهُ لَا يفتر وَلَا يمل وَلَا يكسل وَكَذَلِكَ كل سيف فِي ذَلِك الْجَيْش قد فَلهُ الضَّرْب وأوهنه الجلاد وَهُوَ السَّيْف الَّذِي لَا ينبو عَن ضريبته وَلَا يضيق عَن جمل عَظمته
37 - الْغَرِيب سميساط بلد من بِلَاد الرّوم والمطامير جمع مطمورة وَهِي حُفْرَة غائرة فِي الأَرْض والملا الفلاة والهجول جمع هجل وَهُوَ المطمئن من الأَرْض قَالَ أَبُو زبيد
(نَحِنُّ للظِّمْءِ مِمَّا قَدْ أَلَمَّ بِهَا ... بالهَجْلِ مِنْها كأصْوَاتِ الزَّنابِيرِ)
الْمَعْنى يُرِيد لما ورد الْخَبَر عَلَيْهِ بِخُرُوج الرّوم إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فأتبعهم وأوقع بهم فَيَقُول وَدون سميساط الَّتِي حل فِيهَا جَيش سيف الدولة مَا اعْتَرَضَهُمْ من المطامير الَّتِي سلكوا بَينهَا والفلاة الَّتِي قطعُوا بعْدهَا وَمَا سلكوا بعد ذَلِك من الأودية المجهولة والهجول الْمُتَّصِلَة
38 - الْغَرِيب مرعش حصن من حصون الرّوم ولبسن الدجى سرن فِي الظلام وَهُوَ من قَول ذِي الرمة
(فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ... الْبَيْت)
الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما نزل بحصن الران ورد عَلَيْهِ الْخَبَر أَن الرّوم خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين يقتلُون ويفسدون فَرجع إِلَيْهِم مسرعا فَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا واسر قسطنطين بن دمستق وجرح إِيَّاه فِي وَجهه فَهَذَا معنى قَوْله وللروم خطب جليل بِمَا فعلوا فِي الْبِلَاد فَذكر أَن الْخَيل لبست الدجى فِي سَيرهَا إِلَى الْعَدو تسرع وتخب نحوهم وتوضع حَتَّى أَتَت أَرض مرعش وخطب الرّوم جليل فِي الْبِلَاد مستشنع ومخوف متوقع وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن الأَرْض الرّوم خطبا جَلِيلًا لِأَن الْوُصُول إِلَيْهَا صَعب لتعذر الطَّرِيق إِلَيْهَا ولشدة شَوْكَة أَهلهَا وَقد داسها سيف الدولة بحوافر خيله وذلل أَهلهَا
39 - الْغَرِيب الفضول الزَّوَائِد الَّتِي لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ جمع فضل وَقد أبدلته الْعَامَّة فَجَعَلته عبارَة عَن الدُّخُول فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيه لَهُ بِغَيْرِهِ وَنقل لَهُ عَن مَوْضِعه وَمِنْه قَول الرَّاعِي
(3/104)

(مِنْ نِعْمَةِ الرَّحَمنِ لامِن حِسلَتِس حليتي ... أّني أُعُدُّ لَهُ عَلَّى فُضُولاً)
الْمَعْنى يَقُول إِن الرّوم لما رَأَوْا سيف الدولة يقدم جَيْشه ويقود جمعه دروا أَن الْعَالمين بعده فضول زَائِدَة ونوافل سَاقِطَة وَأَنه يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَلَا يفْتَقر إِلَى جَيْشه
40 - الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وَهُوَ خطّ هجر تنْسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والكليل الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى علمُوا أَن الرماح لَا تصل إِلَيْهِ وَأَن السيوف تكل عَنهُ إِمَّا لِأَنَّهَا تنْدَفع دونه لعزته ومنعته وَإِمَّا لِأَن هيبته تمنع الضَّارِب والطاعن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى إحجام الضاربين والطاعنين واعتصامهم بالفرار مِنْهُ
41 - الْغَرِيب الحصان الْفَحْل من الْخَيل والجزيل الْكثير الْمَعْنى يُشِير إِلَى لحاق سيف الدولة بالروم وإيقاعه بهم فصيرهم موردا لصدر حصانه ونهبه لحد سَيْفه فَتى بأسه شَدِيد بَالغ كَمَا أَن إعطاءه كثير فبأسه يماثل جوده وإقدامه يشاكل فَضله
42 - الْغَرِيب العلات الْعَوَائِق والدارعون جمع دارع وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدرْع مثل لِأَبْنِ وتامر الْمَعْنى يَقُول جواد على الْعَوَائِق المعترضة بضروب مَاله كُله لَا يستأثر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا وَلَا يدخره وَلَا يمسِكهُ وَلكنه ضنين بفرسانه بخيل شَدِيد الْبُخْل بِأَصْحَابِهِ وَقَالَ الواحدي إِن جعلنَا الدارعين من الْأَعْدَاء كَانَ الْمَعْنى أَنه يقتلهُمْ وَلَا يجود بهم عَلَيْهِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وبخله بالدارعين أَنه يقتلهُمْ بِنَفسِهِ أَو يسلبهم أَو يحميهم اصطناعا
43 - الْغَرِيب الفل المنهزم والحزن مَا غلظ من الأَرْض وَهُوَ ضد السهل وَالْبيض جمع بَيْضَة وَهُوَ مَا ستر الرَّأْس من حَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَنه ودع قتلاهم عِنْد تَركهم وَتبع مهزميهم عِنْد هَرَبهمْ بِضَرْب شَدِيد وجلاد وَكيد يكسر الْبيض فِي رُءُوس الفرسان فَيجْعَل مَا علا مِنْهَا وارتفع كَالَّذي انخفض فَلَا تَدْفَعهُ الْبيض عَن الرُّءُوس فَكَأَن الْحزن مِنْهَا سهل لذَلِك الضَّرْب وطابق بَين التوديع والتشييع والحزن والسهل
(3/105)

- الْغَرِيب قسطنطين هُوَ ابْن الدمستق مقدم الرّوم والكبول جمع كبل وَهُوَ الْقَيْد الضخم كبلت الْأَسير وكبلته إِذا قيدته فَهُوَ مكبول ومكبل الْمَعْنى يَقُول على قلب ابْن الدمستق من ذَلِك الضَّرْب تعجب شاغل وروع غَالب وَإِن كَانَ مَشْغُولًا بالقيد وَذَلِكَ لَا يمنعهُ من التَّعَجُّب مِمَّا يرى من شجاعة سيف الدولة وَقَالَ الْخَطِيب لما أسر سيف الدولة قسطنطين أكْرمه وَأقَام عِنْده بحلب مُدَّة فَمَاتَ فَاغْتَمَّ لذَلِك سيف الدولة فَلَمَّا بلغ مَوته أَبَاهُ دخلت الرّوم الجيوش الَّتِي فِيهَا الْمُسلمُونَ وَقتلُوا جمَاعَة فَكَانَ سيف الدولة يعيب عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم ظنُّوا أَنه سقَاهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظنُّوا
45 - الْغَرِيب الدمستق هُوَ أَمِير الرّوم الْمَعْنى أَنه يهدده يَقُول لَعَلَّك يَوْمًا تعود إِلَى مواقعة سيف الدولة فيحيق بك الْهَلَاك الَّذِي استدفعته بفرارك فَرب هارب منا يَئُول إِلَيْهِ ويتخلص مِمَّا يُورِدهُ الْحِين فِيهِ الْمَعْنى قد يهرب الْإِنْسَان مِمَّا يعود إِلَيْهِ قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مِمَّا نقل من قَول ابْن الرُّومِي
(وَإذَا خَشِيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّراً ... وَهَرَبْتَ مِنْهُ فَنَحْوَهُ تتوَجَّهُ)

46 - الْغَرِيب المهجة الجريحة الدمستق والسائلة ابْنه الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ضرب فِي وَجهه فِي هَذِه الْوَقْعَة فَمضى هَارِبا واسر ابْنه فَجعل مهجته مجروحة وَإِن كَانَت الْجراحَة لَا تكون إِلَّا فِي الْبدن لِأَنَّهَا تسرى إِلَى الرّوح وَقَوله تسيل قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي أَن ابْنه يذوب فِي الْقَيْد هما وغما وَقَالَ الواحدي لَيْسَ قَول أبي الْفَتْح بِشَيْء وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يقتل فيسيل دَمه وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب الدمستق فَيَقُول أَنْت وابنك كالشيء الْوَاحِد ومهجتاكما كالمهجة المفردة وَإِن كنت نجوت بمهجتك بعد الْجرْح الَّذِي نالك وخزى الْفِرَار الَّذِي لحقك فقد تركت مهجتك الثَّانِيَة فِي قبض الْأسر سَائِلَة ولحقيقة الْهَلَاك مُبَاشرَة فَمَا أدْرك ابْنك فقد أدركك وَمَا لحقه فقد لحقك
47 - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ وهاربا حَال من الْمُخَاطب الْغَرِيب الخطية منسوبة إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول للدمستق أتسلم ابْنك للرماح هَارِبا عَنهُ وتتركه فِي قَبْضَة الْأسر متبرئا مِنْهُ ويسكن إِلَيْك بعد هَذَا خَلِيل تألفه وتسر بعيش تستأنفه
(3/106)

- الْغَرِيب المرشة الطعنة الَّتِي يرش مِنْهَا الدَّم إرشاشا والرنة الصَّوْت بالبكاء والعويل الْبكاء الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَاجز عَن نَفسك فَكيف لَك بنصر ابْنك وبوجهك من الْجِرَاحَات الَّتِي لحقتك والآلام الموجعة الَّتِي لازمتك مَا أنساك فَقده وَسَهل عَلَيْك أمره ونصيرك المداومة للرنين والملازمة للعويل
49 - الْمَعْنى يَقُول أغركم احتفال جيوشكم وَكَثْرَة عددكم والجيوش لسيف الدولة كالغذاء الَّذِي يتقوت بِهِ ويتحكم فِي اسْتِعْمَاله فَهُوَ يشرب الجيوش ويأكلها ويتلفها ويهلكها وَالْأكل وَالشرب ذكرهمَا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَهُوَ ينظر فِيهِ إِلَى قَول أبي نواس
(فإنْ يَكُ بَاقِي إفْكِ فِرْعَوْنَ فيكُم ... فإنَّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيبِ)

50 - الْغَرِيب غذاه صَار لَهُ غذَاء وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيْث والفيل مَعْرُوف وَهُوَ عَظِيم الْخلقَة الْمَعْنى هَذَا مثل ضربه للروم يَقُول إِن كُنْتُم أَكثر عددا فَإِن الظفر لَهُ دونكم فَلَا ينفعكم كثرتكم كالفيل مَعَ اللَّيْث فَإِن الْفِيل لَا يَنْفَعهُ عظمه إِذا صَار فريسة للأسد
51 - الْمَعْنى إِذا لم تدخلك الشجَاعَة فِي الطعْن لم يدْخلك فِيهِ العذل يَعْنِي أَن التحريك لَا يُحَرك الجبان وَالْمعْنَى إِذا لم تدخلك فِيهِ شجاعة هِيَ الطعْن وَبهَا يكون الْبَطْش وَالْفِعْل لم يدْخلك فِيهِ عاذل يعذلك على الْجُبْن ويستقسرك على قَبِيح الْفِعْل لِأَن الْخلق غَالب والطباع للْإنْسَان لَازِمَة
52 - الْغَرِيب الصولة حَملَة الباطش وصال عَلَيْهِ إِذا استطال وصال عَلَيْهِ وثب صولا وصولة يُقَال رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة وَكَذَلِكَ الصيال والصيالة والفحلان يتصاولان أَي يتواثبان الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الْأَيَّام أَبْصرت وقائع سيف الدولة وبطشه فقد علمهَا من ذَلِك مَا لم تعلمه وكشف لَهَا مَا لم تعرفه ونهج لَهَا سَبِيل الصول وَالْقُدْرَة ونبهها على حقائق الْغَلَبَة مَعَ أَن هَذِه الْأَحْوَال إِلَى الْأَيَّام تنْسب وآثارها فِيهَا تمثل
(3/107)

- الْمَعْنى يَقُول فدتك مُلُوك تروم مشابهتك وَلم تسم سيوفا مواضي فتماثلك فِي اسْمك وتعادلك فِي قدرك فَإنَّك السَّيْف اسْما وَحَقِيقَة وتلقبا وَحدك ماضي الشفرتين صقيل الصفحتين
54 - الْغَرِيب البوق هُوَ الَّذِي ينْفخ فِيهِ وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(زَمْرَ النَّصَارَى زَمَرَتْ فِي البُوقِ ... )
الْبَاطِل وَمِنْه قَول حسان بن ثَابت
(يَا قاتَلَ اللهُ قَوْما كانَ شأْنُهُمُ ... قَتْلَ الإمامِ الأمينِ المُسْلمِ الفُطنِ)
(مَا قَتَلُوهُ عَلى ذَنْبٍ أَلَّمَّ بِهِ ... إلاَّ الَّذي نطَقُوا بُوقا وَلَمْ يَكُنِ)
والطبل الَّذِي يضْرب بِهِ والطبل الْخلق وَمَا أدرى أَي الطبل هُوَ أَي أَي النَّاس هُوَ قَالَ لبيد
(سَتَعْلَمُونَ مَنْ خِيارُ الطَّبْلِ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عَابَ عَلَيْهِ من لَا مخبرة لَهُ بِكَلَام الْعَرَب جمع بوق وَالْقِيَاس يعضده إِذْ لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة مثل حمام وحمامات وسرادق وسرادقات وَجَوَاب وجوابات وَهُوَ كثير فِي جمع مَالا يعقل من الْمُذكر إِذْ لَا يُوجد لَهُ مِثَال الْقلَّة الْمَعْنى انك إِذا كنت سيف الدولة فغيرك من الْمُلُوك بِالْإِضَافَة إِلَيْك بِمَنْزِلَة البوق والطبل لَا يقومُونَ مقامك وعني بِبَعْض النَّاس سيف الدولة وَهُوَ الظَّاهِر من معنى الْبَيْت وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي أَرَادَ بالبوق والطبل الشُّعَرَاء الَّذِي يَشْعُرُونَ ذكره ويذكرون فِي أشعارهم غَزَوَاته فينتشر بهم ذكره فِي النَّاس كالبوق والطبل اللَّذين هما لإعلام النَّاس بِمَا يحدث
55 - الْغَرِيب كَلَام مقول وَكلمَة مقولة الْمَعْنى يَقُول أَنا السَّابِق إِلَى مَا أبدعه فِي القَوْل الْهَادِي إِلَى مَا أغرب بِهِ من الشّعْر لَا أهتدي إِلَى ذَلِك بِمن سبقني بعمره وفاتني بتقدم عصره إِذْ كَانَ غَيْرِي من الْقَائِلين لَا يخرج عَمَّا قيل قبله وَلَا يُورد إِلَّا مَا قد قَالَه قبله غَيره وَالْمعْنَى أَنه لَا يخترع الْمعَانِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا
(3/108)

- الْمَعْنى يَقُول وَمَا لكَلَام حاسدي من النَّاس فِيمَا أستريبه مِنْهُم ويتصل بِي عَنْهُم أصُول ثابته فِي الصدْق كَمَا أَن مَا لِلْقَائِلين بذلك أصُول ثَابِتَة فِي الْفضل فسقوطهم فِي أَقْوَالهم كسقوطهم فِي أَحْوَالهم وَهَذِه الْعبارَة وَإِن زَادَت على لَفظه فَهِيَ مفهومة من حَقِيقَة قَصده
57 - الْمَعْنى يَقُول أعادي على فضلي وَعلمِي وتقدمي فِي الشّعْر وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الْحبّ لَا الْعَدَاوَة واسكن أَنا والأفكار تجول فِي وَلَا تسكن
58 - الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الْمثل غير مَا يصطنعه الْحَاسِد فداوه بلطفك وَعلمه بِحِلْمِك وَأما وجع الحاسدين فَلَا طمع فِيهِ وَلَا سَبِيل للعلاج عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا حل فِي الْقلب المتخلق بِهِ ثَابت لَا يحول ودائم لَا يَزُول
59 - الْمَعْنى يَقُول لَا تطمعن فِي صدق مَوَدَّة وخلوص محبَّة مِمَّن أتقن حسده وَإِن أظهرت ذَلِك والتزمته وأبديته واعتقدته وبذلت لَهُ مَعَ ذَلِك النّيل والمشاركة والحسد دَاء لَا يبرأ مِنْهُ وَخلق لَا ينْفَصل صَاحبه عَنهُ
60 - الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ من الصَّبْر وَقلة الْجزع لحوادث الدَّهْر وَأَنا لنلقى الْحَوَادِث بأنفس صابرة وعزائم ثَابِتَة تستقل الرزايا الْكَثِيرَة وتحتقر الخطوب الجليلة
61 - الْمَعْنى يَقُول يهون أَن تصاب جسومنا فِي الْحَرْب وَأَن تتعرض للجراح وَالْقَتْل إِذا كَانَت أعراضنا وافرة وعقولنا سَالِمَة وَهَذَا من قَوْله الَّذِي لَا يُشَارك فِيهِ وَأَصله لحبيب
(لاَ يأْسَفُونَ إذَا هُمُ سَمِنَتْ لَهُمْ ... أحْسابُهُمْ أنْ تَهْزُلَ الأعْمارُ)

62 - الْإِعْرَاب نصب تيها وفخرا على الْمصدر وتغلب من رَفعه رَفعه على النداء الْمُفْرد وَجعل ابْنة وَائِل مَنْصُوبًا بالنداء الْمُضَاف وَمن نَصبه جعله مُضَافا إِلَى وَائِل وَابْنَة بَدَلا مِنْهُ وأنث تغلب لِأَنَّهَا قَبيلَة وهم رَهْط سيف الدولة وَبكر
(3/109)

وتغلب ابْنا وَائِل بن قاسط وَمن ولدهما الْجُمْهُور الْأَعْظَم من ربيعَة بن نزار الْمَعْنى يَقُول لتغلب افخري وتيهي على سَائِر الْعَرَب لِأَنَّك قَبيلَة سيف الدولة فَهُوَ قبيل خير الفاخرين وَأكْرم من تدفعين بِهِ الأكرمين
63 - الْغَرِيب تغله تهلكه والغول المهلك والغول الْمنية الْمَعْنى يَقُول هُوَ يغتم إِذا مَاتَ عدوه حتف أَنفه وَلم يقْتله بِسَيْفِهِ وَرمحه مَعَ مَاله فِي ذَلِك من الْكِفَايَة وبلوغ الرَّغْبَة وَسُقُوط المئونة إِذا لم تغله أسنته وتحط بِهِ مقدرته وتهلكه وقائعه لِأَنَّهُ على يَقِين من الظفر بِهِ فَإِذا فَاتَهُ بِالْمَوْتِ سَاءَهُ ذَلِك وَظن أَنه شَيْء سبق إِلَيْهِ وَمنع من بُلُوغ المُرَاد فِيهِ
46 - الْغَرِيب الْغلُول مَا أَخذ من الْمَغَانِم قبل الْقِسْمَة وَقَالَ أَبُو عبيد الْغلُول فِي الْمغنم خَاصَّة وَلَا نرَاهُ من الْخِيَانَة وَلَا من الحقد وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه يُقَال من الْخِيَانَة أغل يغل وَمن الحقد غل يغل بِالْكَسْرِ وَمن الْغلُول غل يغل بِالضَّمِّ وَقد جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل} فِي قِرَاءَة ابْن كثير وَأبي عَمْرو وَعَاصِم قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَعْنى يخون فَهَذَا رد على قَول أبي عبيد وَفِي قِرَاءَة البَاقِينَ يغل بِفَتْح الْغَيْن مَبْنِيا للْمَفْعُول بِمَعْنى يخان وَبِمَعْنى يخون أَي ينْسب إِلَى الْغلُول الْمَعْنى يَقُول هُوَ شريك المنايا فَإِذا مَاتَ من أعدائه أحد حتف أَنفه فَإِن المنايا غَلَّته وَالْمعْنَى أَنه بِكَثْرَة مَا يحدثه من الْقَتْل ويتلفه من النُّفُوس فِي الحروب يُشَارك المنايا والنفوس لَهُ كالغنائم المختارة والأنهاب المتملكة فَكل ممات لَا يُشْرك المنايا فِيهِ يكون كالغلول الْمَأْخُوذَة على غير وَجههَا والأمور الْمَقْصُودَة على غير سَبيله يُشِير إِلَى كَثْرَة وقائعه واتصال ملاحمه
65 - الْغَرِيب الدولات الظفر وَهِي أَيْضا من دولة السُّلْطَان وَهِي بِمَعْنى الْمصدر والدولة فِي الْحَرْب أَن تدال إِحْدَى الفئتين على الْأُخْرَى والجميع الدول والدولة بِالضَّمِّ فِي المَال وبالفتح فِي الْحَرْب وأدالنا الله من عدونا من الدولة والإدالة الْغَلَبَة يُقَال اللَّهُمَّ أدلني على فلَان وَانْصُرْنِي عَلَيْهِ ودالت الْأَيَّام أَي دارت الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الدولات أقساما تسْتَحقّ وحظوظا تستوجب فَإِن أَحَق من دَانَتْ لَهُ دولته فملكت وأسعدنه فَانْفَرد بهَا من ورد الْمَوْت الزؤام وَهُوَ العاجل غير متهيب وأقدم عَلَيْهِ غير متوقع
66 - الْغَرِيب الْبيض السيوف والكماة الشجعان والصليل امتداد الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول الدولة تدول لمن وَطن نَفسه على الْقَتْل وَلم يمل إِلَى الدُّنْيَا بالنكوص عَن الْحَرْب وصبر على الْمَكْرُوه وَهُوَ يسمع صليل الْحَدِيد فِي رُءُوس الشجعان والأبطال تنجالد وكئوس الْمَوْت تتنازع وَأَحْكَام السيوف من الفرسان نَافِذَة وَأَصْوَاتهَا فِي رُءُوس الشجعان عالية
(3/110)

- 1 الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة إِن كنت تسْأَل عَن خير الْأَنَام فَخَيرهمْ أشهرهم بالفضائل وأقعدهم بالمكارم وَخير الْأَنَام أَكْثَرهم فضلا وَهَذِه الْقطعَة من الرجز والقافية من المتدارك
2 - الْإِعْرَاب جعل وَائِل اسْما للقبيلة فَلم يصرفهُ كَقَوْل ذِي الإصبع
(وَممَّنْ وَلَدُوا عَامِرُ ... ذُو الطَّوْلِ وَذُو العَرْضِ)
جعله اسْما لقبيلة عَامر فَلم يصرفهُ ثمَّ قَالَ ذُو فَرجع إِلَى الْحَيّ وأوائل أَصله أواول فهمزت الْوَاو لوقوعها بعد ألف زَائِدَة وَكَذَا مَذْهَب النَّحْوِيين فِيمَا كَانَ كَذَلِك وَلَو سميت رجلا عودا أَو سُودًا لَقلت فِي الْجمع عوايد وسوايد وَإِن جمعت سيدا جمع التكسير همزت مَا بعد الْألف على رَأْي أهل الْبَصْرَة إِلَّا على رَأْي ابْن مسْعدَة فَإِنَّهُ لَا يرى الْهَمْز إِلَّا فِي أول بَابه الْغَرِيب وَائِل بن قاسط أَبُو بكر وتغلب رَهْط سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لسيف الدولة من كنت مِنْهُم يَعْنِي من الْقَبِيلَة الْمَعْرُوفَة بوائل لَهُم الْفضل والرفعة وَفِيهِمْ الْعدَد والمنعة والطاعنين أَوَائِل فِي الْحَرْب والسابقين إِلَى الطعْن وَالضَّرْب وَمن روى هَذِه الرِّوَايَة جعل أَوَائِل حَالا وَمن روى بالتعريف جعله نعتا للطاعنين وَيجوز أَن يكون مفعول الطاعنين يَعْنِي الطاعنين الفرسان الْأَوَائِل الْمُتَقَدِّمين فِي الْحَرْب وهم الْأَبْطَال والسادات والمقدمون
3 - الْغَرِيب الألفات فِي العواذلا والقبائلا والأوائلا على الرِّوَايَة الثَّانِيَة للإطلاق كَمَا قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِإِثْبَات الألفات وَقفا ووصلا فِي قَوْله الظنونا والرسولا والسبيلا فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَقَرَأَ بحذفهن فِي الْوَقْف والوصل أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَقَرَأَ بحذفهن فِي الْوَصْل خَاصَّة ابْن كثير وَحَفْص وَالْكسَائِيّ الْمَعْنى يَقُول أَنْت من الْقَوْم الَّذين يعد لون من عذلهم على الْكَرم ويتفضلون بأوفر وَقد فضلوا الْقَبَائِل بِفَضْلِك وانفردوا بالمكارم بِمَا كسبتهم من مجدك
(3/111)

- 1 الْإِعْرَاب فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير يُرِيد هَذِه الرسائل دروع وَاللَّام مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح يشاغل لَفْظَة غَرِيبَة إِلَّا أَن الْعَامَّة ابتذلها فَلَو تجنبها كَانَ أَجود وَقَوله ملك قيل هُوَ مخفف من ملك يُقَال ملك ومليك وَملك وَالْجمع مُلُوك وأملاك وَالِاسْم الْملك والموضع مملكة والرسائل جمع رِسَالَة الْمَعْنى يُخَاطب سيف الدولة يَقُول رسائل ملك الرّوم دروع تَمنعهُ وحصون تكتنفه لِأَنَّهُ يرد بهَا جيوشك عَن أرضه ويشغل بهَا عزأئمك عَن نَفسه ثمَّ فَسرهَا بعد بقوله
2 - الْغَرِيب الزرد مَعْرُوف والضافي الكثيف السابغ والفضائل جمع فَضِيلَة الْمَعْنى يَقُول هِيَ عَلَيْهِ كالزرد الَّذِي يَشْمَلهُ وَالسِّلَاح الَّذِي يعصمه وَلَكِن أَلْفَاظ تِلْكَ الرسائل فَضَائِل لَك وثناء مخلد عَلَيْك لِأَنَّهَا خضوع منع يرْتَفع بِهِ قدرك واستسلام إِلَيْك يجل مَعَه أَمرك وَالْمعْنَى أَنه يخْطب مِنْك الصُّلْح لخوفه ورهبته لَك
3 - الْغَرِيب القساطل جمع قسطلي وَهُوَ الْغُبَار الَّذِي يثيره الْخَيل بحوافرها الْمَعْنى يَقُول كَيفَ اهْتَدَى إِلَيْك هَذَا الرَّسُول وَأَنِّي لَهُ بالهداية فِي أرضه والتحق لطريق يسلكه فِي قَصده وَمَا سكنت فِي تِلْكَ الْبِلَاد عجاجات خيلك وَلَا فترت فِيهَا قساطل جيشك
(3/112)

- الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وَقد بَيناهُ فِيمَا تقدم والمناهل جمع منهل وَهِي الْمِيَاه الَّتِي يكون فِيهَا النهل وَهُوَ أول الشّرْب والمنازل الَّتِي تكون فِي المفاوز وفيهَا المَاء تسمى مناهل اسْتِعَارَة يُشِير إِلَى قرب عَهده بغزو الرّوم وَسَفك دِمَائِهِمْ فَقَالَ وعَلى أَي مياه فِي بِلَادهمْ كَانَ ينزل وَمن أَيهَا كَانَ يسْقِي وَيشْرب وَهِي بِمَا سفكت من الدِّمَاء ممتزجة وَبِمَا عممتها من ذَلِك جيفة متغيرة
5 - الْغَرِيب الذعر الْفَزع وتنقد تتقطع والمفاصل جمع مفصل وَهُوَ الْعُضْو الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يكَاد يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه على الْوُصُول إِلَيْك هَيْبَة لَك وتتقطع مفاصله بالارتعاد خوفًا مِنْك وَكَذَا نَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَتَاك هَذَا الرَّسُول متخاضعا لهيبتك متضائلا لجلالة قدرك قد صَبر رَأسه بَين مَنْكِبَيْه كَفعل المتخوف للْقَتْل حَتَّى كَأَن عُنُقه لتماثله وُقُوع السَّيْف عَلَيْهِ يكَاد يجْحَد رَأسه ويكاد يغشيه خَوفه وتكاد مفاصله يقطعهَا ذعره هَيْبَة لَك وفرقا مِنْك
6 - الْإِعْرَاب من روى تَقْوِيم بِالنّصب جعله مصدرا وَيكون الضَّمِير فِي يقوم للرسول وَمن رَفعه جعله فَاعِلا الْغَرِيب السماطان الصفان والأفاكل جمع أفكل وَهِي الرعدة الَّتِي تعرض عِنْد الْفَزع الْمَعْنى يَقُول إِذا عوجت الرعدة مشيته وَلم تَسْتَقِر نَفسه بِهِ قومته لصفوف الماثلة وَالْجَمَاعَات الْقَائِمَة
7 - الْغَرِيب سمك يُرِيد السَّيْف والخل الْخَلِيل وَيُقَال للسيف خَلِيل وخل الْمَعْنى أَنه كَانَ ينظر بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ إِلَيْك وبالأخرى إِلَى السَّيْف وَالْمعْنَى قاسمك نظره سميك الَّذِي تأنس بِقُرْبِهِ وتألفه فَمَا يزايلك وتصحبه فَمَا يفارقك فَأَرَادَ أَن رَسُول الرّوم ملكه من هَيْبَة سيف الدولة مَا ملكه من هَيْبَة سَيْفه واستعظم من أمره كَالَّذي استعظم من أَمر سَيْفه فأجال لَحْظَة متهيبا للحالين مُتَعَجِّبا من الْأَمريْنِ ثمَّ ذكر صفة الْمُقَاسَمَة
(3/113)

الْغَرِيب الهائل المفزع الْمَعْنى أَنه ابصر مِنْك بِعُمُوم جودك الرزق المحيي فأطمعه وَأبْصر مِنْك لِكَثْرَة فتكك بِهِ الْمَوْت الهائل فلاحظك بَين الْيَأْس والطمع وَقسم عَيْنَيْهِ بَين التَّأَمُّل والطمع
9 - الْغَرِيب المتضائل المنقبض المخفي شخصه فرقا والكمي الشجاع المكمي شخصه فِي الْحَدِيد الْمَعْنى أَنه قبل الترب قبل تقبيله كم سيف الدولة وخضع فِيهِ قبل خضوعه لَهُ والكماة من أبطال رجالك وقُوف متضائلون والروساء من خدامك مثول متهيبون
10 - الْغَرِيب الْهمام الْملك الرفيع الهمة الْمَعْنى يَقُول أسعد مشتاق بنيل مَا أمله أظفر طَالب ببلوغ مَا حاوله ملك رفيع الهمة وصل إِلَى تَقْبِيل كمك وَرَئِيس جليل الرُّتْبَة خضع فتشرف بقربك
11 - الْغَرِيب المذاكى من الْخَيل الَّتِي كملت أسنانها الْوَاحِدَة مذك والذوابل من الرماح الْيَابِسَة العوالي الْمَعْنى يَقُول كمك مَكَان تمناه الشفاه وتتنافس فِيهِ الأفواه وَدون الْوُصُول إِلَيْهِ والتشرف بالانكباب عَلَيْهِ خُيُول جيشك الْعَالِيَة ورماحك الذابلة فَهُوَ مُتَعَذر الْوُصُول إِلَيْهِ لِكَثْرَة مَا دونه من الْخَيل والرماح
12 - الْمَعْنى يَقُول مَا أوصله إِلَى مَا بذلت لَهُ من سلمك وشرفته بِهِ من تَقْبِيل كمك كرامته عَلَيْك ومنزلته الرفيعة عنْدك وَلكنه سَأَلَك وَأَنت لَا تخيب سَائِلك وأملك وَأَنت لَا تضيع آملك
13 - الْإِعْرَاب نصب أكبر بِفعل مُضْمر تَفْسِيره مَا بعده وَقَالَ قوم هُوَ فِي مَوضِع جر بإضمار رب وَبعثت بِهِ حكى أَبُو عَليّ الْفَارِسِي
(3/114)

بعثت بِهِ لُغَة وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يُقَال بعثت بِهِ إِنَّمَا يُقَال بعثته قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ بعثناهم} و {يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا} وَقَالَ الْخَطِيب يكون أكبر مُبْتَدأ وَمَا بعده خَبرا عَنهُ الْغَرِيب الجحافل جمع جحفل وَهُوَ الْجمع الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول وأكبر من هَذَا الرَّسُول همة وَأَرْفَع مِنْهُ منزلَة ورتبة بعثت بِهِ إِلَيْك طوائف الرّوم الَّذين يطْلبُونَ سلمك ويتوقعون سطوتك وحربك واستنظرته أَي انتظرته جيوشك للقدوم بجوابك واستعلام حَقِيقَة رَأْيك وَقَالَ الواحدي أعداؤك الرّوم استعظمت همة هَذَا الرَّسُول الَّذِي بعثت بِهِ إِلَيْك يَعْنِي أَنه كَانَ عَظِيم الهمة حَيْثُ حَملته همته على أَن يَأْتِيك وعساكرهم طلبُوا مِنْهُ أَن ينظرها ويمهلها ويؤخرها
14 - الْمَعْنى يَقُول أقبل إِلَيْك من أَصْحَابه وَهُوَ رَسُول لَهُم مُعظم لَهُم وَعَاد إِلَيْهِم يزري بهم لما تبين لَهُ من جلالك وعظيم شَأْنك وتيقنه من ضعف الْمُرْسلين لَك عَن مقاومتهم لَك وَمَا لَهُم من الْحَظ فِي الخضوع لَك حِين رأى جنودك وَكَثْرَة عددك
15 - الْغَرِيب طبع السَّيْف صناعته على هَيئته الْمَعْنى يَقُول تحير فِي سيف من سيوف الله ربيعَة هَذِه الْقَبِيلَة أَصله وَالله عز وَجل صانعه وحافظه وَرَافِع قدره وَالْمجد يظْهر حسنه ثمَّ أكد مَا قدمه من تفضيله على السَّيْف
16 - الْمَعْنى يَقُول المقلة لَا تحصل لَونه لِأَنَّهَا لَا تستوفيه بِالنّظرِ هَيْبَة لَهُ وَلَا تجس الأنامل حَده كَمَا تجس حد السَّيْف لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول الأول
(إذَا أبْصَرَتْنِي أعْرَضَتْ عَنّي ... كأنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ)

17 - الْمَعْنى يَقُول إِذا عَايَنت الرُّسُل جلالتك وشاهدت مهابتك تصاغرت عِنْدهَا أَنْفسهَا وهانت عَلَيْهَا رسائلها واستقلت الْمُلُوك الْمُرْسلين لَهَا وَعلمت أَن السَّعَادَة فِي التَّسْلِيم لأمرك وَحَقِيقَة التَّوْفِيق فِي التَّمَسُّك بحبلك وَهُوَ من قَول البحتري
(لَحَظْوكَ أوَّلَ لَحْظَة فاسْتَصْغَرُوا ... مَنْ كانَ يُعْظَمُ عندَهمْ وَيُبَجَّلُ)
(3/115)

- الْغَرِيب الطوائل الأحقاد وَاحِدهَا طائلة وَبينهمْ طائلة أَي عَدَاوَة وترة الْمَعْنى يَقُول رجا الرّوم من سيف الدولة فِي إجَابَته إِلَى الصُّلْح الَّذِي رغبوه مِمَّن يُرْجَى بمسئلته نوافل الْخَيْر وترتهن بِطَاعَتِهِ ضروب الْفضل وَلَا يَرْجُو من عَصَاهُ أَن يدال عَلَيْهِ فَيَأْخذهُ بعداوته ويظفر بادراك ترته لِأَن سعادته تمنع مِنْهُ وإقباله ييئس الْأَعْدَاء مِنْهُ وَالْمعْنَى أَنهم رجوا عَفْو من كل الفواضل عِنْده وَلَا يُرْجَى أَنه يدْرك لَدَيْهِ ثأر وَالْمعْنَى يَقُول إِن كَانَ خوف الْقَتْل سَاق الرّوم متخيرين لما رغبوه من السّلم فقد فعلوا بِأَنْفسِهِم بِمَا أظهروه من الذلة وأبدوه من الخضوع والاستكانة مَا هُوَ كَالْقَتْلِ فِي شدته وَلَا يفعل الْقَتْل أَكثر مِنْهُ فِي حَقِيقَته ثمَّ فسر ذَلِك بقوله الْبَيْت بعده
20 - الْمَعْنى يَقُول أبدوا من مخافتك مَا يزِيد على الْقَتْل وجاءوك طائعين حَتَّى لَا تحْتَاج فِي أسرهم إِلَى السلَاسِل وَفِي الْمثل الحذر أَشد من الوقيعة
21 - الْغَرِيب الجداول جمع جدول وَهُوَ النَّهر الصَّغِير الْمَعْنى يَقُول أرى كل ملك مصيره إِلَى الخضوع لَك وَغَايَة أمله أَن يعتلق بك فَلَا ملك إِلَّا هُوَ وَاقع تَحت ملكك وَلَا رَئِيس إِلَّا وَهُوَ متصرف على حسب أَمرك كَأَنَّك فِي مصير الْمُلُوك وتزاحمها لديك الْبَحْر الَّذِي إِلَيْهِ تئول الجداول الْجَارِيَة وَفِيه مُسْتَقر الْأَنْهَار السائلة
22 - الْغَرِيب السحائب جمع سَحَابَة والطل الْمَطَر الضَّعِيف والوابل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يَقُول أَنْت والمتشبهون بك من الْمُلُوك إِذا ساجلوك فِي جودك وتشبهوا بك فِي فعلك فأمطروا وأمطرت وفعلوا وَفعلت فطل عطائك يسْتَغْرق وابلهم وَالْمعْنَى كثيرهم قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَيْك
23 - الْإِعْرَاب رفع كريم على حذف الْمُبْتَدَأ يُرِيد أَنْت كريم الْغَرِيب لقحت الْحَرْب اشتدت واللاقح من النوق الَّتِي بَدَأَ الْجمل بهَا
(3/116)

الْمَعْنى يُرِيد أَنه جواد كريم مَا يسئل شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ فَيَقُول أَنْت كريم لَا يبخل على من استوهبه وَلَا يمْنَع من سَأَلَهُ فَلَو سُئِلَ فِي أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ شَيْئا لوهبه
24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تعط النَّاس شعري فينسخوا مَعَانِيه وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ ستر مدائحه وأجود الشّعْر مَا كَانَ فِي النَّاس وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء يُرِيد لَا تعط النَّاس شعري فتجعلهم فِي طبقتي فَتَقول أَنْت مثل فلَان وَالْمعْنَى لَا تحوجني إِلَى مدح غَيْرك
25 - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام تعجب وإنكار الْغَرِيب الضبن مَا تَحت الْإِبِط إِلَى الخاصرة وَهُوَ الحضن الْمَعْنى يُرِيد أَنه فِي كل يَوْم يمرس فِي شويعر ضَعِيف فِي صناعته قصير فِي مَعْرفَته يباريني فِي الْقُوَّة وَهُوَ لَا قُوَّة لَهُ ضَعِيف ويطاولني وَهُوَ قصير لَا بسطة لَهُ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى استحقاره ذَلِك الشويعر حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يحملهُ تَحت حضنه لقدر ثمَّ إِنَّه مَعَ قصوره يضاهيه
26 - الْغَرِيب الْهزْل ضد الْجد وهزل يهزل قَالَ الْكُمَيْت
(أرَانا عَلى حُبّ الْحَياةِ وَطُولِهَا ... تَجدُّ بِنا فِي كُلّ يَوْمِ وَنْهزِلُ)
الْمَعْنى يَقُول يعدل عَنهُ لساني فَلَا يكلمهُ وَلَا أهاجيه لِأَنِّي لَا أرَاهُ أَهلا لذَلِك وقلبي يضْحك مِنْهُ ولساني سَاكِت عَنهُ وَالْمعْنَى إِذا نطقت فلساني معرض عَنهُ عَادل عَن مخاطبته وقلبي ضَاحِك مِنْهُ هازل بجهالته وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الَّذين كَانُوا ينازعونه الشّعْر عِنْد سيف الدولة
27 - الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الْمثل أتعب من ناداك يُرِيد أتعب حاسديك بندائه لَك من كنت مرتفعا عَن مجاوبته وأشدهم تعذبا بك من كنت متنزها عَن مخاطبته وأغيظ أعدائك عَلَيْك من لَا يشاكلك وَأكْرمهمْ إِلَيْك من كنت لَا تماثله وَهَذَا من قَول الْحَكِيم لَيْسَ التنائي بمباعدة الْأَجْسَام
28 - الْغَرِيب الطِّبّ الْعَادة والديدن وَمِنْه بَيت الْكتاب
(فَمَا إنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلَكنْ ... مَنايانا وَدَوْلَةُ آخَرِينا)
(3/117)

وَالْمعْنَى يَقُول لَيْسَ الْكبر عادتي غير أنني أبْغض الْجَاهِل الَّذِي يتَكَلَّف وَيرى أَنه عَاقل وَالْمعْنَى بغضي إيَّاهُم يَمْنعنِي كَلَامهم لَا التكبر فَمَا أعرض عَنْهُم مداويا بالتيه لحسدهم وَلَا مُعَارضا بِالْكبرِ لسفههم وَلَكِنِّي أبْغض تعاقلهم مَعَ جهلهم وَمَا يتعاطون من التَّمام مَعَ نقصهم وَمن كَانَت هَذِه حَاله فَأَنا أبغضه وَمن كَانَ على هَذِه السَّبِيل فَأَنا أكرهه وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم حَيْثُ قَالَ إِن الْحَكِيم تريه الْحِكْمَة أَن فَوق علمه علما فَهُوَ يتواضع لتِلْك الزِّيَادَة وَالْجَاهِل يظنّ أَنه قد تناهى فَيسْقط بجهله وتمقته النُّفُوس وَهَذَا من قَول الطرماح
(لَقَدْ زَادَنِي حُبّاً لِنَفْسِيَ أنَّنِي ... بَغيضٌ إِلَى كلّ أمْرِئٍ غَيرِ طائِلِ)

(إِذا مَا رآنِي قَطَّعَ الطَّرْفَ بَيْنَهُ ... وَبَيْنِي كفِعْلِ العارِفِ المُتَجاهلِ)

29 - الْمَعْنى يَقُول أكبر مَا أترفع بِهِ مَا أضمره من الثِّقَة بك وأنفس مَال أدخره مَا أعتقده من التأميل لَك وَإِنَّمَا أتيه بجميل آرائك وأستغني بجزيل عطائك
30 - الْغَرِيب القرم السَّيِّد وَأَصله الْبَعِير المكرم الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَلَكِن يكون للفحلة وَقد اقترمته فَهُوَ مقرم الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ لسيف الدولة انتباها يتَأَمَّل بِهِ مغالطة هَؤُلَاءِ الْمُقَصِّرِينَ فِي أشعارهم فيحى بذلك التَّأَمُّل مَا أهْدى إِلَيْهِ وَيهْلك مَعَه مَا يتزينون بِهِ من الْإِفْك وَالْبَاطِل
31 - الْغَرِيب الغوازي من الْغَزْو جمع غَازِيَة والقواتل من الْقَتْل جمع قاتلة والقوافي جمع قافية وَمرَاده بهَا هَاهُنَا الأبيات الَّتِي فِيهَا القوافي وَالْبَيْت قافية وَالْقَصِيدَة قافية الْمَعْنى يَقُول لما مدحته بنشر فضائله فَكَأَنِّي رميت بِتِلْكَ القوافي الَّتِي ذكرت فِيهَا فضائله أعداءه فقتلتهم غيظا وحسدا وَجعلهَا قواتل غوازي لما قتلت أعداءه بالغيظ والحسد وَجعلهَا سالمات لِأَنَّهَا تصيب وَلَا تصاب وَالْمعْنَى أَنه يَقُول رميت عداهُ بِمَا قيدته من مدحه وَمَا خلدته من مكارمه وفضله فهن الغوازي السالمات فِي غزوهن القاتلات للأعداء لِأَنَّهُنَّ يسرعن بالنصر دون تكلّف ويقتلن من اعتمدنه بِغَيْر تكلّف وتخوف
(3/118)

- الْغَرِيب الثواكل جمع ثاكل وَهِي الَّتِي فقدت وَلَدهَا الْمَعْنى يُرِيد أَن النُّجُوم وَإِن قيل إِنَّهَا خالدة يَعْنِي بَاقِيَة لَو حاربته لقتلها وأفناها وَالْمعْنَى زَعَمُوا أَن النُّجُوم خوالد إِلَى أَن تفنى بجملتها وتنتقص باقتراب السَّاعَة مِنْهَا وَلَو حاربته لانقلبت أحوالها بسعده وأزالها بإقبال جده وَأَشَارَ بِنوح الثواكل إِلَى ذَلِك
33 - الْإِعْرَاب نصب وألطفها عطفا على أدناها لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب خبر كَانَ وَقيل مَا هُنَا للتعجب الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ أدناها لَهُ لَو قَصدهَا وألطفها لَو حاول تنَاولهَا وَالْمعْنَى أَن سعده يقرب لَهُ مَالا يقرب مثله ويبلغه مَا لم يبلغهُ أحد قبله وَهَذَا من إفراط الشُّعَرَاء الَّذين يستجيزون فِيهِ الْكَذِب بِمَا يحاولونه من بُلُوغ غايات الْمَدْح ويرومونه من اسْتِيفَاء أرفع منَازِل الْوَصْف وَقَالَ الواحدي فِي جَمِيع النّسخ وألطفها برد الْكِنَايَة إِلَى النُّجُوم وَلَا معنى لذَلِك وَالصَّحِيح أَن ترد الْكِنَايَة إِلَى الممدوح فَتَقول وألطفه أَي وَمَا ألطفه لَو تنَاول النُّجُوم بِمَعْنى مَا أحذقه وأرفقه بذلك التَّنَاوُل من قَوْلهم فلَان لطيف بِهَذَا الْأَمر أَي رَفِيق بِهِ يَعْنِي أَنه يُحسنهُ وَهُوَ لَيْسَ فِيهِ بأخرق
34 - الْإِعْرَاب القنابل الْجَمَاعَات من الْخَيل وَاحِدهَا قنبلة وَهِي خَمْسُونَ من الْخَيل وَقَالَ الْجَوْهَرِي مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين وَكَذَلِكَ القنبلة من النَّاس الْمَعْنى يُرِيد أَنه قريب عَلَيْهِ كل بعيد على غَيره وَالْمعْنَى إِذا قاد جَيْشه وَنفذ نَحْو الْعَدو خيله ولثمته كتائبه بِمَا تثيره من العجاج وَمَا يتبعهُ من الرهج فَكل مَا يبعد على غَيره قريب عَلَيْهِ مرامه وَغير بعيد مِنْهُ تنَاوله
35 - الْإِعْرَاب من رفع وقتا جعله اسْم لَيْسَ وشاغل نعتا لَهُ وَالْخَبَر فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَعَن الْجُود مُتَعَلق باسم الْفَاعِل وَمن نَصبه جعله ظرفا وَجعل شاغلا اسْم لَيْسَ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يدبر الْمَشَارِق والمغارب والدواني والقواصي وَلَيْسَ يشْغلهُ مَعَ ذَلِك فِي وَقت من الدَّهْر شاغل عَن جوده وَلَا يعوقه عائق عَمَّا يبذله من فَضله وَالْمعْنَى لَا يغْفل عَن الْجُود وَإِن عظم شغله كَقَوْل البحتري
(3/119)

(تَبِيتُ عَلى شُغْلٍ وَلَيْسَ بضَائِرٍ ... لِمَجْدِكَ يَوْما أنْ تَبِيتَ عَلى شُغْلِ)
وَقَالَ الواحدي تهوس ابْن فورجة فِي هَذَا الْبَيْت فروى وقتا بِالرَّفْع قَالَ وَفِيه معنى لطيف لَيْسَ يُؤَدِّيه اللَّفْظ إِذا نصب وَالْوَقْت وَذَلِكَ أَنه يُرِيد لهَذِهِ الْكَفّ الشرق والغرب وَمَا يحويانه وَلَيْسَ لَهَا وَقت يشغلها عَن الْمجد وكف لَا تملأ الشرق والغرب كَانَ بِأَن تملأ مَا هُوَ أَحْقَر مِنْهُمَا أولى قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالَه بَاطِل محَال لَا يَقُوله إِلَّا غمر جَاهِل وَالْوَجْه النصب لِأَنَّهُ ظرف لشاغل
36 - الْغَرِيب الغوائل جمع غائلة وَهِي الداهية الْمهْلكَة الْإِعْرَاب حَربًا حَال أَي مُحَاربًا وَفُلَان حَرْب لفُلَان أَي كَانَ معاديا لَهُ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يساعده جده وَمَا مكنه الله من أمره وَيتبع من هرب عَنهُ من الرِّجَال مَا يُريدهُ سيف الدولة بِهِ ويعترضه مَا يَعْتَقِدهُ لَهُ فَمن فر عَنهُ فِي حريَّة أَدْرَكته فِي مأمنه غوائل حتفه وَالْمعْنَى الَّذين يهربون مِنْهُ تتبعهم همته فيهلكون بِسَبَب من الْأَسْبَاب
37 - الْمَعْنى يُرِيد لعُمُوم نائله فِي الأَرْض فَأَيْنَ فر الْحَاسِد فِي عطائه استقبله حَيْثُ كَانَ من الْبِلَاد وَالْمعْنَى من فر من إحسانه وَأظْهر مشاركته واعتقد مجانبته تَلقاهُ من سيف الدولة حَيْثُمَا سَار عَطاء يَشْمَلهُ وإنعام يعمه إِشَارَة إِلَى أَن جوده يَشْمَل الْحَاسِد والولى ويعم المحسن وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(وَإذا سَرَحْتَ الطَّرْفَ حَوْلَ قِبابِهِ ... لِمْ تَلْقَ إلاَّ نِعْمَةً وَحَسُودَا)

38 - الْمَعْنى يَقُول لَا يرى جليل إحسانه وكامل إفضاله وَإِن بلغ فِيهِ أبعد غاياته كَامِلا حَتَّى يكون شَامِلًا فِي ذَاته عَاما فِي حَقِيقَته وَالْمعْنَى حَتَّى يَشْمَل النَّاس جمعيا
39 - الْغَرِيب العرباء الْقَدِيمَة الْمَحْض الَّتِي لم يشبها هجين وهب الْخَالِصَة الْعرُوبَة ورازت جربت واختبرت والحلاحل السَّيِّد الشجاع الرئيس وَالْجمع الحلاحل بِالْفَتْح
(3/120)

الْمَعْنى يَقُول إِذا الْعَرَب العرباء الصرحاء والجلة مِنْهُم الكرماء جربوا أنفسهم وتحققوا أَمرهم علمُوا أَنَّك سيدهم جودا ونجدة وملكهم إقداما ورفعة
40 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أَطَاعَتك وَفِي أرواحها وَفِي تصرفت رَاجع إِلَى الْعَرَب العرباء الْغَرِيب الْقَبَائِل جمع قَبيلَة وَهِي كالبطن والعمارة وَالْعشيرَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَي فِي بذل أَرْوَاحهم أَي هم لَك مطيعون وَلَو أَمرتهم ببذل الْأَرْوَاح وَمعنى الْتفت عَلَيْك الْقَبَائِل أحاطت بك من حَيْثُ النّسَب وَهُوَ كَقَوْلِه
(يَهُزُّ الجَيْشَ حَوْلَكَ جانِبَيْهِ ... كمَا نَفَضَتْ جَناحَيْها العُقابُ)
قَالَ وَيجوز لإحداق أنسابها بنسبك فَأَنت وسيط فيهم وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَنهم انضموا إِلَيْك وَأَحَاطُوا بك طَاعَة لَك وَالْمعْنَى أَنهم أطاعوك فِي بذل أَرْوَاحهم وتصرفوا على أَمرك فِي إيرادهم وإصدارهم وَاجْتمعت قبائلهم على نصرتك ودانوا أَجْمَعِينَ بالخضوع لطاعتك
41 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي لَهُ عَائِد إِلَى القنا الْغَرِيب النكت الوخز والأنابيب جمع أنبوب وَهِي الْعقْدَة النَّاشِزَة فِي القنا والعوامل جمع عَامل وَهُوَ صدر الرمْح وَهُوَ مَا يَلِي السنان وَهُوَ دون الثَّعْلَب وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ يعْمل بِهِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قَرَأت عَلَيْهِ ينكت بِالْيَاءِ فَقَالَ بِالتَّاءِ أَي تنكت الأنابيب فَلذَلِك أنثت وَالْمعْنَى أَصْحَابك وَإِن كَانُوا أعوانا لَك فَأَنت تولى الْحَرْب بِنَفْسِك وَتقدم إِلَيْهَا كتقدم السنان وَقَالَ الواحدي هَذَا مثل يُرِيد أَن الطعْن إِنَّمَا يَتَأَتَّى بِالرُّمْحِ كُله وَإِذا لم يعاون بعض الرمْح بَعْضًا لم يحصل الطعْن وَلَكِن العوامل هِيَ الَّتِي تصيب الْإِنْسَان لِأَن السنان فِيهَا فَكَذَلِك الْقَبَائِل كلهم مدد لَك وَالْعَمَل مِنْك فَأَنت فيهم كالعامل من الرمْح وَهَذَا من قوم بشار
(خُلِقُوا سادَةً فَكانُوا سَوَاءً ... كَكُعوبِ القَناةِ تَحْتَ السِّنانِ)
قَالَ وكما قَالَ البحتري
(كالرمْحِ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ فَقْرَة ... مُنْقادةً تَحْتَ السِّنانِ الأصْيَدِ)
وَالْمعْنَى أَنه يخاطبه وَيَقُول لَهُ مؤكدا لما ذكره من التحاق الْعَرَب بِهِ وانقيادها لأَمره
(3/121)

كل أنابيب الرمْح مِمَّا تمده وتعينه وتؤيده وَلَكِن الْعَامِل مِنْهَا بِهِ يكون الطعْن وصرع الفرسان فَجعل مَوْضِعه من الْعَرَب وَإِن كَانُوا مدَدا لَهُ مَوضِع الْعَامِل من الرمْح الَّذِي بِهِ يكون الطعْن وَإِلَيْهِ ينْسب الْفِعْل من دون سَائِر الأنابيب
42 - الْغَرِيب الشَّمَائِل جمع شمال وَهِي الطباع والأخلاق وَفُلَان حسن الشَّمَائِل وَذَلِكَ أَنه يشْتَمل على مَا يحمد عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يَجْعَل الْأَخْلَاق مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ وَالنَّاس يستعملون الشَّمَائِل فِي حسن الْخلق وَالْقدر الْمَعْنى إِن لم تطعك النَّاس خوفًا من طعنك أطاعوك حبا لشمائلك يُرِيد أَن كرمك وَحسن أخلاقك أدعى إِلَى طَاعَتك من الطعان والقتال وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم تطعك النَّاس رهبة أطاعوك محبَّة وَالْمعْنَى يُرِيد لَو لم يقتض الطعْن فِي الْحَرْب انقياد أعدائك لَك وخضوعهم لأمرك وحاولوا مدافعتك بأبلغ جهدهمْ وراموا ذَلِك بِظَاهِر فعلهم لاقتضت انقيادهم لَك شمائلك ولقصرت على ذَلِك طبائعهم لِأَن جبلتهم توجب خضوعهم لطاعتك وأنفسهم تلزمهم الِاعْتِرَاف لرياستك
43 - الْغَرِيب المناصل جمع منصل وَهُوَ السَّيْف يُرِيد من لم تعلمه نَفسه الذل لَك وترشده سعادته إِلَّا الاعتلاق بك عَلمته ذَلِك سيوفك وأجبرته عَلَيْهِ جيوشك وكتائبك فَمن لم يطعك بالاعتراف وَالرَّغْبَة أطاعك بالاقتدار وَالْغَلَبَة
(3/122)

- 1 الْمَعْنى يَقُول إِن يكن صَبر من طرقه الدَّهْر بمصيبة وعرضته الْأَيَّام لرزية فضلا فِيهِ وتماما مِنْهُ فَكُن فِي ذَلِك افضل الأفضلين وأعزهم وَأكْرم الأكرمين وأجلهم لزِيَادَة فضلك على فَضلهمْ فَلْيَكُن صبرك زَائِدا على صبرهم
2 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح فَوق الأولى نِدَاء مُضَاف إِلَى أَن تعزى وَالثَّانيَِة ظرف وَقَالَ الْخَطِيب يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون حذف المنادى وَمثله كثير فِي الشّعْر وَغَيره أَي أَنْت يَا سيف الدولة وَالثَّانِي أَن يكون فَوق نعتا لَهُ وَقد أخرجه من بَاب الظروف إِلَى الْأَسْمَاء وَهُوَ أحسن فعلى الْوَجْه الأول فَوق الأولى وَالثَّانيَِة ظرفان وعَلى الْوَجْه الثَّانِي الأولى اسْم وَالثَّانيَِة ظرف وَنصب عقلا على التَّمْيِيز الْمَعْنى يَقُول أَنْت يَا أَيهَا الْجَلِيل مُرْتَفع عَن أَن تعزى بِمن فقدت من الأحباب وأصبت من الألاف فَوق الَّذِي يعزيك عقلا وَمَعْرِفَة ورأيا وتجربة فَكيف يحضك على الصَّبْر من لَا يماثلك فِي درايتك ويندبك إِلَى التجلد من لَا يصل إِلَى معرفتك وإحاطتك فَأَنت غَنِي بمعرفتك بأحوال الدَّهْر عَن التَّعْزِيَة
3 - الْإِعْرَاب نصب قبل على الظّرْف وَجعله نكرَة كَمَا تَقول جَاءَ أَولا إِذا لم تعرفه وَتقول جئْتُك قبلا وبعدا مثل جئْتُك أَولا وأخرا وقرى فِي الشواذ لله الْأَمر من قبل وَمن بعد بِالتَّنْوِينِ والخفض وكقول الآخر
(فَساغَ لي الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً ... أكادُ أَغَصُّ بالمَاء القَرَاح)
وَقد جَاءَت بعد مَضْمُومَة منونة وَهُوَ شَاذ كَقَوْل العداء
(ونحنُ قَتَلْنا الأًسْدَ خَفيًّةٍ ... فَمَا شَرِبَتْ بَعْدٌ على لَذَّةٍ حَمْراً)
الْمَعْنى يَقُول المعزى لَك إِنَّمَا يَهْتَدِي بألفاظك ويخاطبك بِمَا تعلمه من قَوْلك
(3/123)

فقدرك مُرْتَفع عَن التَّعْزِيَة فَإِن حقائق الْأُمُور مستفادة مِنْك وجواهر الْكَلَام مأثورة عَنْك إِنَّمَا يقابلك بِمَا أَنْت أعلم بِهِ ويذكرك بِمَا أَنْت أحفظ لَهُ فَهُوَ كمن جلب إِلَى هجر القطيعاء وَإِلَى الْفُرَات المَاء وَإِلَى الْبَدْر الضياء
4 - الْغَرِيب الْحزن ضد السهل وَهُوَ مَا خشن من الأَرْض وارتفع والخطوب طوارق الْأَيَّام وَفِي الْبَيْت طباقان المر والحلو والحزن والسهل الْمَعْنى يَقُول قد خبرت طوارق الدَّهْر بمعرفتك وَعرفت حلوها ومرها بتجربتك وسرت فِي الْأَيَّام مَالِكًا صعبها تسلك مِنْهَا مَا صَعب وَسَهل وتعاني مَا بعد وَقرب ناهضا بِنَفْسِك مكتفيا بعلمك
5 - الْغَرِيب قتل الشَّيْء علما بُلُوغ غَايَة مَعْرفَته الْمَعْنى يُرِيد أَنْت عرفت الزَّمَان وأحواله وصروفه معرفَة تَامَّة فَلَا يَأْتِي بِشَيْء لم تعرفه وَلَا يفعل جَدِيدا لم تره فقد قتلته علما بأَمْره وإحاطة بِوُجُوه تصرفه فَمَا يسمعك قولا تستغربه وَلَا يجد ذَلِك فعلا تهيبه وَلَا يطرقك إِلَّا بِمَا قد عَرفته وأحطت بأمثاله وجربته وأجرى هَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَمن بديع الْكَلَام
6 - الْغَرِيب الذعر الْفَزع وَالْخَوْف الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة إِذا حزنت على هَالك إِنَّمَا تحزن حفاظا مِنْك لمودة وصحبة ووفاء عهد وَالْوَفَاء والحفاظ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعقل وَغَيْرك يحزن خوفًا من ألم الْفِرَاق وجهلا من غير مَعْرفَته بِالسَّبَبِ الْمُوجب الْحزن قَالَ وَأما تَفْسِير الْعقل والذعر فَلم يصب فِيهِ وَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد بِالْعقلِ الِاعْتِبَار بِمن مضى فَإِن الْعَاقِل إِنَّمَا يحزن بِالْمَيتِ اعْتِبَارا بِهِ وعلما أَنه عَن قريب يتبعهُ وحزن غير الْعَاقِل إِنَّمَا يكون خوفًا من الْمَوْت وَهُوَ جهل لِأَنَّهُ ميت لَا محَالة وَإِن حزن انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى إِنَّمَا تحزن على من تصاب بِهِ من أحبتك حفظا لذمتهم ورعاية لحرمتهم وإنصافا وعقلا ووفاء وكرما وَأرَاهُ فِي غَيْرك خوفًا وجزعا وجهلا الْغَرِيب الإلف السّكُون إِلَى الشئ وَالْغِبْطَة بِهِ ألفت الشَّيْء إلفا وألفة ويجره وروى ابْن جنى بِالتَّاءِ وَقَالَ تسحبه
(3/124)

وَقَالَ الْخَطِيب بِالْيَاءِ أَي يسحب إِلَيْك الْحزن الْمَعْنى يَقُول لَك إلْف يجر إِلَيْك الْحزن وَالْوَفَاء من كرم الأَصْل وَإِن الْكَرِيم أُلُوف وَإِذا كَانَ ألوفا حزن على فِرَاق من يألفه وَالْمعْنَى لَك إلْف لكرم صحبتك يجر الْحزن إِلَيْك مِمَّن تفقده من أحبتك وَيُوجب الإشفاق مِنْك على مواصلك وَكَذَلِكَ الأَصْل إِذا كَانَ كَرِيمًا كأصلك مُتَمَكنًا فِي مثل نِصَاب شرفك كَانَ أصلا لكريم المواصلة والمؤالفة وباعثا على مشكور العاملة فمنزلتك من الشّرف تضمن الْفضل عَنْك ومحلك من الْكَرم يُوجب حسن المؤالفة وَالرِّوَايَة الجيدة بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا
8 - الْإِعْرَاب قَوْله وَلَكِن هُوَ على سَبِيل الأستثناء كَمَا تَقول زيد شرِيف غير أَنه سخى فَهُوَ مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الْمَعْنى لَك وَفَاء نشأت فِيهِ فَلَا تعرف غير الْوَفَاء للأحباب وَالْمعْنَى ويجر عَلَيْك الْحزن بالمفقودة وَفَاء ورثته من آبَائِك وعشيرتك كَانَت فِيهِ نشأتك وَنبت عَلَيْهِ فِي سالف مدتك وَلم يزل أهلك أهل الْوَفَاء وَالْكَرم وأرباب الفواضل وَالنعَم فَأَنت من الْإِنْصَاف على وراثة سالفة وَمن الْوَفَاء وَالْكَرم على أولية متقادمة
9 - الْإِعْرَاب نصب عينا على التَّمْيِيز كَقَوْلِك إِن احسن النَّاس وَجها لزيد وروى الْجَمَاعَة غير أبي الْفَتْح عونا وَهِي أحسن من رِوَايَة أبي الْفَتْح وبرواية أبي الْفَتْح قَرَأت على شَيْخي أبي الْحرم بالموصل وبالروايتين قَرَأت على شَيْخي أبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم الْغَرِيب الرِّعَايَة حسن الْمُحَافظَة والاستهلال الانسكاب الْمَعْنى يَقُول إِن خير الدُّمُوع لدمع سَببه رِعَايَة الْعَهْد وَهُوَ عون على الْحزن وَذَلِكَ أَن الدمع يُخَفف برح الوجد كَمَا قَالَ ذُو الرمة
(لعلَّ انْحِدَارَ الدَّمع يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ تُشْفَى لِدَاء بَلابِلُ)
وَالْمعْنَى إِن خير الدُّمُوع الْجَارِيَة وَأَرْفَع الْعُيُون الباكية دمع بعتت الرِّعَايَة عَلَيْهِ وَأَشَارَ الْوَفَاء وَالْكَرم إِلَيْهِ فانحدر وانسكب وتصبب
10 - الْغَرِيب صل الْحَدِيد يصل إِذا صَوت والصليل امتداد الصَّوْت وصلصلة اللجام صَوته وَيُرِيد إِذا استكره ضرب الْحَدِيد وَفِيه نظر إِلَى قَول لبيد
(أحْكَمُ الجِنْثَّى منْ عَوْرَاتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذَا أُكْرِهَ صَلّ)
(3/125)

الْمَعْنى يَقُول أَيْن هَذِه الرقة الَّتِي نشهدها والشفقة الَّتِي نبصرها مِنْك عِنْد تقلدك الْحَرْب واقتحامك فِي شدائدها ونفاك فِي مضايقها حِين يستكره الْحَدِيد فِي رُءُوس الرِّجَال وَيكثر صليله بتجالد الْأَبْطَال وَهُوَ من قَول البحتري
(لِمْ يكُنْ قَلْبُكَ الرَّقيقُ رَقيقا ... لَا وَلا وَجْهُكَ المَصُونُ مَصُونا)

11 - الْغَرِيب تفلى من فليت رَأسه إِذا فصلت الْقمل مِنْهُ وَأَصله من فلوت الفلو عَن أمه إِذا أَنْت فصلته عَنْهَا وَفِي الحَدِيث كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يدْخل على أم حرَام بنت ملْحَان فتفلي رَأسه وَهَذِه خَالَة أنس بن مَالك وَكَانَت تَحت عبَادَة بن الصَّامِت وَتوفيت مَعَ زَوجهَا فِي غزَاة بِفَارِس فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قبله أَيْن خلفت هَذِه الرقة عِنْد لقائك الرّوم وإيقاعك بهم وإقدامك عَلَيْهِم والرءوس تفلى بِالسُّيُوفِ والنفوس تخترم بالحتوف قَالَ الواحدي ويروى تقلى بِالْقَافِ أَي ترمى كالقلة
12 - الْغَرِيب الْمنون الْمنية والمنون الدَّهْر وَيجوز تذكيره وتأنيثه وَيَأْتِي بِمَعْنى الْجمع وَبِمَعْنى الْإِفْرَاد قَالَ عدي بن زيد
(مَن رأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذَا عَليْهِ مِنْ أنْ تُضَامُ خَفِيرُ)
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(أمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِها تَتَوَجَّعُ ... )
فروى وريبها بالتذكير والتأنيث وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النَّحْوِيّ الْمَقْدِسِي الْمنون اسْم مُفْرد وَلَا يكون جمعا وَقَول عدي بن زيد خلدن فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْألف وَاللَّام الْجِنْس كَقَوْلِه تَعَالَى {أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا} وَقَوله تَعَالَى {ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن} وَسبب ذَلِك كَون الْألف وَاللَّام تصير الطِّفْل بِمَعْنى الْأَطْفَال وَالسَّمَاء بِمَعْنى السَّمَوَات الْمَعْنى أَنه يعزيه بالكبرى الْبَاقِيَة فَيَقُول قاسمك الْمَوْت شَخْصَيْنِ فَذهب بِإِحْدَاهُمَا وَترك الْأُخْرَى فَكَانَت هَذِه الْمُقَاسَمَة جورا لِأَنَّهُ كَانَ من حَقك أَن يتركهما وَلَكِن هَذَا الْجور عدل فِيك حَيْثُ تَركك حَيا وَكَانَت الْمُقَاسَمَة مَعَك فِي الْأُخْتَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كنت أَنْت الْبَقِيَّة فالجور عدل هَذَا إِذا نصيب الْقسم وَجعل الْفِعْل للجور وَمن روى جعل الْقسم نَفسه فِيهِ عدلا يُرِيد أَن الْقسم جعل نَفسه عدلا فِي الْجور لِأَنَّهُ
(3/126)

وَإِن أَخذ الصُّغْرَى فقد أبقى الْكُبْرَى ويصحح هَذَا قَوْله فَإِذا قست وَالْمعْنَى أَن الْمَوْت وَإِن كَانَ لَا بُد مِنْهُ وَلَا مخلص لأحد عَنهُ فقد متعك بالإكرام عَلَيْك وَأبقى لَك أحب الشخصين إِلَيْك
13 - الْغَرِيب أغدرن مثل غادرن وَهُوَ الْإِبْقَاء وَالتّرْك وسرى أذهب وسلى أَي عزى الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لَهُ إِذا تَأَمَّلت تبينت أَن حظك فِي هَذِه الْقِسْمَة أَو فِي وأكمل وَجدك أَعلَى وَأفضل لِأَن الْمنون الَّتِي قاسمك لَا مدفع لَهَا وَقد آثرتك بالحظ الأوفر واقتصرت على الْمَفْقُود الْأَصْغَر وَهَذَا الْكَلَام على تجوز الشُّعَرَاء وتزيدهم
14 - الْمَعْنى يَقُول لقد شغلت المنايا بِمَا تواصله فِي أعدائك من الْقَتْل وَمَا توجبه عَلَيْهِم من الْهَلَاك فِي الْحَرْب فَكيف تطلب المنايا شغلا بغيرهم يُشِير إِلَى أَن الْمَوْت من أعوانه إِلَى أعدائه فَكيف يتخطى إِلَى ذِي قرَابَته وَخَالف مُرَاده فِي أهل عنايته
15 - الْغَرِيب انتاشه من صرعة إِذا نعشه الْمَعْنى يَقُول كم نصرت أَسِيرًا من الزَّمَان بسيفك فاستنقذته من الْأسر وَكم من مقل عديم نصرته بنوالك وجبرته على كره الزَّمَان
16 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي رَآهُ للدهر وَهِي من رُؤْيَة الْقلب كَمَا يَقُول الْأَعْمَى رَأَيْت زيدا ذَا مَال أَي عَلمته وعدها فِيهِ ضمير للدهر وَالْمَفْعُول لأفعال سيف الدولة الْغَرِيب صال وثب واستطال صولا وصولة وَفِي الْمثل رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة والتبل الحقد والعداوة والختل افتراس الشَّيْء على خديعة وَحين غَفلَة الْمَعْنى يَقُول عد الدَّهْر فعلك نصْرَة عَلَيْهِ ومراغمة لَهُ فَلَمَّا استطال عَلَيْك بِأخذ أختك رأى نَفسه قد أدْرك حقدا لِأَنَّهُ قد حقد عَلَيْك مِمَّا فعلته من فك الْأُسَارَى وإعناء المقلين وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر عد فعلك نصْرَة عَلَيْهِ فصَال على أختك مخاتلا غير مجاهر ومخادعا غير مُكَاثِر فَرَأى نَفسه مدْركا مِنْك ثأرا طلبه ومجازيا بضغن اعتقده
(3/127)

- الْمَعْنى يَقُول كذبت الدَّهْر ظنونه فِيمَا رامك من الشكل وعرضك لَهُ من الْحزن أَنْت تبليه بطول سلامتك وتغلبه باتصال سعادتك ويبقيك الله فِي نعْمَة لَا تبلى سابغة لَا تنقص تَامَّة نامية
18 - الْمَعْنى يَقُول لقد رامك أعداؤك بِمثل مَا رامك الزَّمَان من التَّعَرُّض لمساءتك والإقدام على معارضتك فعجزوا عَن التَّأْثِير فِي ظلك فضلا عَن أَن ينالوا بذلك خَاصَّة نَفسك
19 - الْمَعْنى يَقُول طلبت بسعدك وَمَا تكفل الله لَك من إعلاء أَمرك بعض نفوس أعدائك فأدركت كلهَا وحاولت خُصُوصا مِنْهَا فمكن لَك الإقبال جَمِيعهَا فالأقدار تيَسّر لَك أفضل مِمَّا ترغبه وتقرب لَك أفضل وَأكْثر مِمَّا تطلبه
20 - الْغَرِيب القرع الضَّرْب والرامحين جمع رامح وَهُوَ الَّذِي يحمل الرمْح وعزل جمع أعزل وَهُوَ الَّذِي لَا رمح مَعَه الْمَعْنى يَقُول لما ناولت الأقران وطاعنت الفرسان قارعت رمحك رماحهم وَأَنت بِشدَّة قرعك وَزِيَادَة قوتك أطرت رماح الطاعنين لَك وأسقطتها من أَيدي المترسمين بك فصاروا عزلا بَين يَديك عاجزين عَن الْإِقْدَام عَلَيْك يُشِير إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من الحذق بالطعن والاقتدار على التَّصَرُّف فِي الْحَرْب
21 - الْغَرِيب الْقبل جمع أقبل وَهُوَ الَّذِي يقبل إِحْدَى عَيْنَيْهِ على الْأُخْرَى عزة وتشاوسا وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ ضد الْحول لِأَن الْحول أَن تخَالف إِحْدَى الْعَينَيْنِ الْأُخْرَى وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْقبل فِي الْعين إقبال السوَاد على الْأنف وَقد قبلت عينه وأقبلتها أَنا وَرجل أقبل بَين الْقبل وَهُوَ الَّذِي كَأَنَّهُ ينظر إِلَى طرف أَنفه قَالَت الخنساء
(وَلمَّا أنْ رأيْتَ الخَيْلَ قُبْلاً ... تُبارٍ ي بالخُدُودٍ شَبا الْعَوَالِي)
الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الَّذِي أَصَابَك من الرزية طَعنا لأوردته خيلا قبلا جمع أقبل وَالْمعْنَى لَو يكون الَّذِي طرقك من فجيعتك طعانا ومنازلة وقتالا ومفاوزة لأوردت ذَلِك الموطن الْخَيل قبلا مُقَدّمَة ولأقحمتها على الْمَوْت أَشد الإقحام مُكْرَهَة
(3/128)

- الْغَرِيب الحنين صَوت يَبْعَثهُ الْحزن والاشتياق وَهُوَ الشوق أَيْضا يُقَال من إِلَيْهِ يحن حنينا فَهُوَ حَان الْمَعْنى يَقُول ولكشفت عَن نَفسك ذَا الحنين الَّذِي تَجدهُ على الْمَفْقُود بِضَرْب كشف الكروب عَن أَصْحَابك وجلاها عَنْهُم وَالْمعْنَى يَقُول لَو كَانَ هَذَا الحنين الْمُتَّصِل على رزيتك مِمَّا يستدفع بمغالبة ويستكشف بمكاثرة لكشفته بِضَرْب بَالغ وإقدام على الْمَوْت صَادِق فطالما كشف الكروب الموجعة وجلى المخافات المفزعة وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِشدَّة وَلَا يعتصم مِنْهُ بِقُوَّة
23 - الْإِعْرَاب من روى الْمُسَمَّاة بِالرَّفْع جعل ثكلا خبر كَانَ وَمن نصب الْمُسَمَّاة جعلهَا خبر كَانَ وَنصب ثكلا بالمسماة كَقَوْلِك ضربت المعاطاة درهما الْغَرِيب الْخطْبَة الْإِرْسَال فِي طلب النِّكَاح وَالْحمام الْمَوْت والثكل الْمُصِيبَة بِالْوَلَدِ وَمَا أشبهه من الْأَحِبَّة وَذَوي الْقَرَابَة الْمَعْنى يَقُول كَانَت هَذِه الْوَفَاة خطْبَة من الْمَوْت لَا ترد وَلَا تمنع ورغبة وَإِن كَانَ أسمها ثكلا وفجعة ورزاءا ومصيبة فَهِيَ للْمَوْت فَائِدَة ومنزلة ورفعة بجلالة من ظفر بهَا وعلو مَنْزِلَته الَّتِي عرض لَهَا
24 - الْغَرِيب الكفو الْمثل والخدر الْخَيْمَة والكلة والحجال والبعل الزَّوْج الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَت ذَات الخدر لَا تَجِد من النَّاس كفوا أَرَادَت الْمَوْت أَن يكون بعلا لَهَا يتكفل بصيانها وَيذْهب بهَا موفيا لحق جلالتها دون أَن تتملك بِالنِّكَاحِ تملك سَائِر النَّاس وَذَوَات النظراء والأكفاء وَقَالَ الواحدي أَرَادَت الْمَوْت لِأَنَّهَا إِذا عاشت وَحدهَا لم تنْتَفع بلذة الْحَيَاة وشبابها فَاخْتَارَتْ الْمَوْت على الْحَيَاة إِذْ لم تَجِد كفوا من الْأزْوَاج
25 - الْغَرِيب اللذيذ الْمُسْتَحبّ والنفيس الرفيع الْمَطْلُوب الْمَعْنى يَقُول الْحَيَاة لَا تمل وَهِي أعز وَأحلى من أَن يملها صَاحبهَا
(3/129)

وَالْمعْنَى مَا تستلذه انفس النَّاس من الْحَيَاة أنفس فِيهَا وأشهى إِلَيْهَا من أَن يمل ذَلِك ويستطال وَيكرهُ وَلَا يستدام وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم إِذا تجوهرت النَّفس تعلّقت بالعالم الْعلوِي فَلَا تسكن إِلَى الهمم الترابية وَلَا يعترضها ملل
26 - الْغَرِيب أُفٍّ كلمة المتضجر وآف لَهُ بِمَعْنى ويل لَهُ فِيهَا لُغَات بالحركات الثَّلَاث مَعَ التَّنْوِين وَغير التَّنْوِين واف بِالْمدِّ وَقد قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر بِالْفَتْح من غير تَنْوِين وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص بِالْكَسْرِ والتنوين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ من غير تَنْوِين وَفِي الضعْف لُغَتَانِ فتح الضَّاد وَضمّهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قدم وَإِذا قَالَ الشَّيْخ أُفٍّ لنَفسِهِ وَأظْهر الاستطالة لمُدَّة عمره فَلم يكن ذَلِك لِأَنَّهُ مل الْحَيَاة وسئمها فَإِنَّمَا مل الضعْف والهرم واستكره الْكبر والألم وَهَذِه إِشَارَة إِلَى أَن الْحَيَاة تألفها طباع الْبشر وتستحب فِي الشبيبة وَالْكبر وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم الكلال والملال يتعلقان بالأجسام لضعف آلَة الْجِسْم
27 - الْمَعْنى إِن الْعَيْش إِنَّمَا يطيب بالشباب وَصِحَّة الْجِسْم فَإِذا ذَهَبا عَن الْإِنْسَان فسد عيشه وَالْمعْنَى آلَة الْعَيْش وبهجته وَحَقِيقَته الشَّبَاب وَالصِّحَّة والإقبال وَالْقُوَّة فَإِذا ذهب ذَلِك ولى وَأدبر وتنغص عَلَيْهِ وتكدر
28 - الْإِعْرَاب الدُّنْيَا مَرْفُوعَة بتسترد عندنَا وبتهب عِنْد الْبَصرِيين لأَنهم يعْملُونَ الثَّانِي وَبِه جَاءَ الْقُرْآن وإعمال الأول جَاءَ فِي الْأَشْعَار كثيرا الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا تسترد مَا تهب فليتها تخلت وَمَا جَادَتْ وَالْمعْنَى أَن الدُّنْيَا مستحيلة منتقلة متغيرة تسترد هبتها وتكدر مشربها وَتعقب الْبَقَاء بالفناء والسراء بالضراء فيا لَيْت الْحَيَاة الَّتِي جَادَتْ بهَا واخترعت الْأَنْفس بحبها لم تكن وَاقعَة وَلم تُوجد النُّفُوس إِلَيْهَا سَاكِنة وليتها بخلت بِمَا جَادَتْ ببذله ومنعت مَا تسرعت إِلَى فعله وَهَذَا كَقَوْل الجلاح
(وَللْمَنْعٌ خَيرٌ من عَطاءِ مُكَدَّر ... )
وكما قَالَ الآخر
(الدَّهُر آخذُ مَا أعطَى مُكَدِّرُ مَا ... أصْفَى وَمُفْسِدٌ ماأهْوَى لًهُ بيد)

(فَلا يَغُرَّنْكَ مِنْ دَهْرٍ عَطِيَّتُهُ ... فليسَ يَترُكُ مَا أعْطى عَلى أحَد)
وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الدُّنْيَا تطعم أَوْلَادهَا وتأكل ولادها
(3/130)

- الْغَرِيب الْخلّ الْخَلِيل والصاحب الْمَعْنى يَقُول لَو بخلت وَلم تَجِد لكفتنا فرحة بِوُجُود شَيْء يعقب لفقده عَمَّا فَكَانَت تكفى أَهلهَا بذلك فرحة تُؤدِّي إِلَى غم ومسرة تئول إِلَى حزن وَكَون خَلِيل يؤنس بِقُرْبِهِ وتتأكد البصيرة فِي حبه ثمَّ تخترمه الْمنية وتغادر الْهم خَلِيلًا للحازن عَلَيْهِ وإلفا لذِي الوجد المشتاق إِلَيْهِ فالدنيا مثل رجل وهب لرجل شَيْئا فَلَمَّا فَرح بِهِ أَخذه مِنْهُ فَكَانَ أسفه عَلَيْهِ أَكثر من فرحه بِهِ
30 - الْمَعْنى يَقُول هِيَ على هَذِه الْحَالة من الْغدر وَالرُّجُوع فِي الْهِبَة محبوبة وَالْمعْنَى أَنَّهَا محبوبة عِنْد أَهلهَا على كَثْرَة غدرها ومحبوبة أَيْضا على قلَّة وفائها لَهُم لَا تتمّ وَصلهَا وَلَا يشْكر من صحبها فعلهَا
31 - الْمَعْنى يُرِيد كل من أبكته الدُّنْيَا إِنَّمَا يبكي عَلَيْهَا وَلَا يخلى الْإِنْسَان يَدَيْهِ عَنْهَا إِلَّا قسرا يحل بديه مِنْهَا وَالْمعْنَى كل دمع تسيا فَإِنَّمَا هُوَ أَسف على مفارقتها وكل حزن تَبعته فَإِنَّمَا ذَلِك إشفاق على مباعدتها وبحل الْيَدَيْنِ المتمسكتين تتْرك وتزايل وبفكها عَنْهَا تخلى وتباين وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْمَوْت الَّذِي يغلب أهل الدُّنْيَا على قربهَا ويخرجهم عَنْهَا مَعَ كلفهم بحبها
32 - الْغَرِيب الشيم الطبائع وَاحِدهَا شِيمَة والغانيات النِّسَاء الشواب الْوَاحِد غانية وَقيل هِيَ ذَات الزَّوْج الَّتِي قد غنيت بزوجها قَالَ جميل
(أُحِبُّ الأَيامَي إذْ بُثَيْنَةُ أيّمُ ... وأحْبَبْتُ لَمَّا أنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا)
وَقيل غنيت بحسنها وجمالها الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا طبعها طبع الغواني يُشِير إِلَى مَا هن عَلَيْهِ من عدم الصيانة لود وَقلة الْإِقَامَة على الْعَهْد وتخلق الدُّنْيَا بِهَذِهِ الخليقة واحتمالها على هَذِه الطَّرِيقَة فَلَا أدرى لهَذَا التَّمْثِيل أنث اسْمهَا النَّاس وَهَذَا من بَاب التجاهل لعذوبة اللَّفْظ وصنعة الشّعْر كَمَا قَالَ زُهَيْر
(وَما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أدْرِي ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ)
يدْرِي أَنهم رجال وَلكنه تعامى عَن هَذَا لِأَن فِيهِ ضربا من الهزء بهم
(3/131)

- الْإِعْرَاب فِي بعض النّسخ المفرق بِالرَّفْع وَهُوَ خطأ لِأَن الْمُضَاف إِذا وصف بمفرد لَا يجوز فِيهِ سوى النصب الْمَعْنى يَقُول يَا مليك والمليك وَالْملك وَالْمَالِك بِمَعْنى يُرِيد يَا أَيهَا المليك الْجَلِيل قدره الْمَشْهُور فَضله الَّذِي تسلم الْحَيَاة بموالاته ويتعرض للْمَوْت وَالْقَتْل بمعاداته وَيقسم الْعِزّ بِطَاعَتِهِ والذل بمعصيته وتفرق هَذِه الْأَحْوَال فِيمَن وَالَاهُ وَوَافَقَهُ ونابذه وَخَالفهُ
34 - الْمَعْنى يَقُول قد قلد الله دولة جعلك سيفها المحامي عَن حوزتها وحائطها المدافع عَن بيضها حساما حلاه بالمناقب والفضائل وزينه بالمحاسن والمكارم فَهُوَ يحمي تِلْكَ الدولة ويزينها ويعز تِلْكَ المملكة ويمكنها
35 - الْمَعْنى يَقُول بذلك السَّيْف أغنت هَذِه الدولة أولياءها بذلا ومكارمة وَبِه أفنت أعاديها قتلا ومراغمة فَهُوَ يحي الموَالِي بِمَالِه وَيُمِيت الأعادي بِسَيْفِهِ وَرِجَاله
36 - الْغَرِيب الاهتزاز الارتياح والوغى الْحَرْب والنصل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول إِذا اهتز للعطاء كَانَ كالبحر فِي كَثْرَة مواهبه وَعُمُوم مكارمه وَإِذا اهتز للحرب كَانَ كالسيف فِي نَفاذ عزمه وقوته فِيمَا يحاوله من أمره
37 - الْغَرِيب الْمحل قلَّة النَّبَات فِي الأَرْض من عدم الْمَطَر والوبل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة إِذا أَمْحَلت الأَرْض وأعتمت خطوبها كَانَ كَالشَّمْسِ المشرقة وَإِذا اتَّصَلت محولها كَانَ جوده كالسحاب المغدقة فينير إِذا استبهم الْأَمر ويجود إِذا بخل الدَّهْر
38 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يضْرب الْجَيْش إِذا اشْتَدَّ الْأَمر وصعب الْحَال وغلت الطعنة أَي عز وجودهَا وَإِذا غلت الطعنة كَانَ الضَّرْب أغْلى من الطعْن لحَاجَة الضَّارِب إِلَى مزِيد إقدام وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد إِذا لم يقدر على الدنو من الْعَدو قيد رمح فالدنو إِلَيْهِ قيد سيف أصعب يُرِيد أَنه يضْرب بِسَيْفِهِ حِين لَا يقدم الطاعن والضارب
(3/132)

وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد إِن كَانَ الطعْن صعبا على الطاعن فَهُوَ ايسر من الضَّرْب لِأَن بعد الطاعن عَن عدوه أَكثر من يعد الضَّارِب والرامي ابعد من الطاعن وَقد رتبه زُهَيْر بقوله
(يطْعُنْهُمْ مَا ارْتَمُوا حَتَّى إذَا اطَّعَنُوا ... ضَارَبَ حَتَّى إِذا مَا ضَارَبُوا اعْتَنَقا)
وَمعنى الْبَيْت يَقُول هُوَ الضَّارِب الْجَمَاعَة من الْخَيل والكتيبة من الْجَيْش وَالْحَرب متوقدة ونيرانها مضطرمة والطعن بَين الفرسان يغلو ويشرف ويشتد ويفرط وَالضَّرْب أَعلَى وأفرط وَأَشد وأبلغ فَدلَّ على أَن سيف الدولة عِنْد اشتداد الْحَرْب يقتحم الْكَتَائِب بِنَفسِهِ ويستخف ذَلِك بِشدَّة باسه
39 - الْإِعْرَاب الْعُقُول بِالنّصب هُوَ الأَصْل وبالخفض تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَنصب وَصفا على التَّمْيِيز وروى ابْن جنى يدْرك بِالْيَاءِ وروى غَيره بِالتَّاءِ وَكسر الرَّاء وَالضَّمِير للعقول وروى جمَاعَة تدْرك على الْخطاب للمدوح وَهُوَ الْأَحْسَن الْغَرِيب الباهر الْغَالِب الْمَعْنى يَقُول يَا من غلب الْعُقُول بِمَا ظهر من بَدَائِع أَفعاله فَمَا تدْرك الْعُقُول على الرِّوَايَة بِكَسْر الرَّاء وَصفا لَهُ أَتعبت فكري فمهلا أَي ارْفُقْ وَالْمعْنَى أَيهَا الْملك الَّذِي بهر الْعُقُول بِكَثْرَة فضائله وأعجز الْأَوْصَاف بتتابع مكارمه مهلا على فكري فقد أتعبته ورفقا بِمَا أنظم فِيك فقد أَعْجَزته
40 - الْمَعْنى يَقُول وَكَيف لَا يكون ذَلِك وَمن أَرَادَ أَن يتشبه بك فِي كرمك أعجزه ذَلِك فَلم يقدر على التَّشَبُّه بك وَمن أَرَادَ الدّلَالَة فِي طرقك فقد ضللته فضائلك لِأَنَّك تسبق وَلَا تسبق وتتقدم فَلَا تلْحق وَالْمعْنَى لَا يقدر أحد على مجاراتك فِيمَا تسكله
41 - الْمَعْنى يَقُول إِذا دَعَا لَك دَاع بالخلود قَالَ لَا مت حَتَّى ترى لَك نظيرا فَإنَّك لَا ترى لَك نظيرا فَلَا تزَال بَاقِيا وَالْمعْنَى إِذا اشْتهى أحد أَن يَدْعُو لَك بطول الْعُمر واتصال الْبَقَاء على مر الدَّهْر فَلْيقل بقيت حَتَّى ترى لنَفسك شَبِيها وملكا يعادلك فِي مجدك يُشِير إِلَى أَنه لَا يظفر الزَّمَان بِمثلِهِ وَلَا يبلغ أحد إِلَى غَايَة فَضله
(3/133)

- 1 الْإِعْرَاب ذِي اسْم مُبْهَم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث كَمَا يشار بذا إِلَى الْمُذكر وَتَقْدِيره هَذِه الْمَعْنى يَقُول مُشِيرا إِلَى مَا فعله سيف الدولة فِي بداره إِلَى جيوش الرّوم وانهزامهم من بَين يَدَيْهِ وَمنعه لَهُم مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من حِصَار الْحَدث هَذِه الْمَعَالِي الَّتِي تُؤثر والمكارم الَّتِي تخلد على أثبت حقائقها وَأبْعد غاياتها فَمن تعاطى الْإِقْدَام وَالْقُوَّة والتعالي والرفعة فلينهض بِمِثْلِهَا وليتقدم إِلَى فعلهَا هَكَذَا سَبِيلهَا ووجهها وطريقها وَإِلَّا فَلَا يتَعَرَّض الرؤساء لَهَا وَلَا يتميزوا بهَا وَكرر لَا على سَبِيل التوكيد وَكَانَ سَبَب عمل هَذِه القصيدة أَن سيف الدولة ورد عَلَيْهِ أَن الدمستق وجيوش النَّصْرَانِيَّة قد نزلُوا على حصن الْحَدث ونصبوا عَلَيْهِ مكايد وَقد روا أَنَّهَا فرْصَة فِيهِ لما تدَاخل أَهله من الانزعاج والقلق وَكَانَ ملكهم قد ألزمهم قَصده وأنجدهم بأصناف الْكفْر من البلغر والروس والصقلب وأنفذ مَعَهم الْعدَد الْكثير وَالْعدَد فَركب سيف الدولة نافرا وانتقل إِلَى غير الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ وَنظر فِيمَا يجب أَن ينظر فِيهِ وَسَار عَن حلب فِي جُمَادَى الأول فَنزل رعبان وأخبار الْحَدث عَلَيْهِ مستعجمة لأَنهم ضبطوا الطّرق ليخفى عَلَيْهِ خبرهم فَلَمَّا ضجر لبس سلاحه وَأمر أَصْحَابه بِمثل ذَلِك وَسَار زحفا فَلَمَّا قرب من الحَدِيث عَادَتْ الجواسيس تعلمه أَن الْعَدو لما أشرفت عَلَيْهِ خُيُول الْمُسلمين من عقبَة يُقَال لَهَا العبري رَحل وَلم تَسْتَقِر بِهِ دَار وَامْتنع أهل الْحَدث من البدار بالْخبر خوفًا من كمين يعْتَرض الرُّسُل فَنزل سيف الدولة بِظَاهِرِهِ وأتهم طلائعهم تخبر سيف الدولة بانصرافهم إِلَى حصن رعبان وَوَقعت الضجة وَظهر الِاضْطِرَاب وَولى كل فريق على وَجهه وَخرج أهل الْحَدث فأوقعوا ببعضهم وَأخذُوا آلَة سِلَاحهمْ وأعدوه فِي حصنهمْ 2
الْغَرِيب الروق الْقرن والقلقة الْحَرَكَة وَجمع جبل جبال وأجبال الْمَعْنى أَنه فسر معاليه بِهَذَا الْبَيْت فَقَالَ شرفك يزاحم النُّجُوم فِي الْعُلُوّ وعزك أثبت من الْجبَال وأرسى يُرِيد أَن شرفك يبلغ الثريا بعلوه ويزاحمها بجلالة قدره ويناطحها بقرنيه واستعار لشرفه قرنين لِأَنَّهَا فِي الْحَيَوَان من أَسبَاب الْقُوَّة ودواعي الْإِقْدَام والمنعة مَعَ عز تتقلقل الْجبَال من هيبته وتضطرب إعظاما لرفعته وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن سُلْطَانه ينفذ فِي كل شَيْء حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يزِيل الْجبَال لحركها
(3/134)

- الْمَعْنى يَقُول حَالهم عَظِيم فِي كثرتهم وشدتهم ومنعتهم وَلَكِن سيف الدولة ابْن الْمُلُوك العظماء وَالسُّيُوف الْمَاضِيَة على الْأَعْدَاء أعظم وَأَرْفَع وأنفذ وَأَمْنَع
4 - الْغَرِيب النذير الَّذِي ينذر أَصْحَابه ويحذرهم وَأَرَادَ بالنذير هُنَا الجاسوس الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كلما عَاد إِلَيْهِم نذيرهم سابقوه بالهرب قبل وُصُوله ثمَّ تلتهم خيل سيف الدولة فسبقت النذير قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة أعجلته بِمَعْنى استعجلته فَأَما سبقته فَيُقَال فِيهِ عدلته يَقُول كلما استعجلوا النذير بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِم وإخبارهم بقدوم جَيش سيف الدولة أطلت عَلَيْهِم خيله قبل قدوم النذير عَلَيْهِم وَيجوز أَن يُرِيد أَن الْعَدو كلما أعجاوا النذير بهم وَبَادرُوا المتقلدين لأطراف أَعمال سيف الدولة والمتصرفين فِي أقاصي بِلَاده ورجوا أَن يُصِيبُوا مِنْهُم غرَّة وينهزوا فيهم فرْصَة بادرتهم خيوله ولحقتهم جيوشه وأعجلتهم عَن ذَلِك الإعجال فصرفهم على أَسْوَأ الْأَحْوَال
5 - الْغَرِيب خوارق الأَرْض الْخَيل لشدَّة وَطئهَا وَمثله
(إذَا وَطِئَتْ بأيْدِيها صُخُوراً ... بَقِينَ لِوَطْءِ أرْجُلِها رِمالاً)
_ الْمَعْنى يَقُول أتهم خيل سيف الدولة تخرق الأَرْض نحوهم مسرعة وتطويها إِلَيْهِم مبادرة لَا تحمل إِلَّا الشجعان وَالْحَدِيد الَّذِي يشملهم وَالسِّلَاح الَّذِي يعمهم ويسترهم
6 - الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار وبراقع الْخَيل وجلالها مَعْرُوف والبرقع مَا ستر الْوَجْه وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا العينان والجل مَا كَانَ على ظهر الدَّابَّة تَحت السرج _ الْمَعْنى يَقُول أتهم خيل سيف الدولة وَقد خَفِي لَوْنهَا فَلَا يعرف الأدهم من الْكُمَيْت وَلَا الْأَشْهب وَلَا الْأَشْقَر من الْغُبَار الَّذِي يثيره ركضها ويبعثه سَيرهَا حَتَّى كَانَ عَلَيْهَا من ذَلِك القتام براقع تستر وَجههَا وجلالا تَشْمَل جسومها يُشِير إِلَى مَا تجشمه من التَّعَب وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من قُوَّة الطّلب وَهُوَ من قَول عدي بن الرّقاع
(يَتَعاوَرَانِ مِنَ الْغُبارِ مًلاءَة ... دَكْناءَ مُحْدَثَةً هُمَا نَسَجاها)
وَفِيه نظر إِلَى قَول عَوْف بن عَطِيَّة
(كأنَّ الظِّباءَ بِها وَالنِّعاجَ ... أُلْبِسْنَ مِنْ رَازِقَّي شِعاراً)
(3/135)

- الْغَرِيب المحالفة المعاهدة والعوالي الرماح والأهوال جمع هول وَهُوَ الْأَمر الشَّديد الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح طَال الْكَلَام بيني وَبَينه فِي قَوْله ليخوضن فَقَالَ هُوَ مثل قولي وَقُلْنَا للسيوف هلمن بِضَم الْمِيم وَذَلِكَ أَنه لما وصفهَا بالمحالفة أجراها مجْرى من يعقل مثل الْجَمَاعَة المذكرين وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّمْل أدخلو مَسَاكِنكُمْ ورأيتهم لي ساجدين وكل فِي فلك يسبحون} كل هَذَا أجْرى مجْرى من يعقل لما خُوطِبَ وَأخْبرهمْ عَنهُ بِالسُّجُود والسباحة وَالْأَفْعَال فِي الْأَكْثَر إِنَّمَا تكون لِذَوي الْعقل فَإِنَّمَا يَصح الْفِعْل من بعضه كالفرس وَنَحْوه وَمِنْه مَا لَا يَصح مِنْهُ الْفِعْل كَالدَّارِ وَشبههَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ روح فإحراق النَّار لما وَقع فِيهَا لَيْسَ بِفعل لَهَا فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهَذَا يعرفهُ أهل الْكَلَام الْمَعْنى يُرِيد أَن صُدُور خيله وعوالي رماحه حالفته على أَن تخوض مَعَه المهالك وَالْمعْنَى أَنَّهَا حَلَفت لتمتثلن أمره ولتخوضن الْأَهْوَال دونه ولتبلغن فِي ذَلِك مُرَاده لَا نحمل إِلَّا الْأَبْطَال ناهضة غير عاجزة ومجدة غير وانية وَلَو كَانَ قَالَ لتخوضن بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا لَكَانَ أولى
8 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول لتمضين كَمَا تَقول حَلَفت هِنْد لتقومن وَهِي وَإِن كَانَت جمَاعَة الصُّدُور والعوالي لكنه أجراها مجْرى الْوَاحِدَة وَقد أجَاز الْكُوفِيُّونَ مثل ذَلِك لتمضن ولترمن فعلى هَذَا حذفت الْيَاء لسكونها وَسُكُون النُّون الأولى بعْدهَا وَلم تحرّك الْيَاء بِالْفَتْح وَجرى مجْرى قَوْله
(كأنَّ أيْدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ)
قَالَ وَفِي بعض النّسخ ليخوضن وليمضن بِكَسْر الضَّاد وَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ إِذا أجراها مجْرى جمَاعَة المذكرين فقياسه ضم الضَّاد كَقَوْلِهِم حلف الزيدون ليفرن فأصله ليقرون فَحذف الْوَاو بِدُخُول نون التوكيد فبقى ليفرن وَإِن أَرَادَ يمضين هن فخطأ لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُول ليمضينان كَمَا تَقول فِي جمَاعَة النِّسَاء ليضربنان فَإِن قيل إِنَّمَا أَرَادَ ليمضين سيف الدولة على لُغَة من قَالَ ليمضن زيد قيل على هَذَا وضع الْكَلَام إِنَّمَا أَرَادَ أَن الرماح وصدور الْخَيل حالفته الْغَرِيب الحصان الْفرس الذّكر وَالْجمع حصن وَفرس حصان بِالْكَسْرِ بَين التحصن والتحصين وَيُقَال إِنَّمَا سمي حصانا لِأَنَّهُ ضن بِمِائَة فَلم ينز إِلَّا على
(3/136)

كَرِيمَة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سموا كل ذكر من الْخَيل حصانا _ الْمَعْنى يَقُول لتمضين مُقَدّمَة ولتنزلن الْأَعْدَاء مقتحمة حَتَّى تصير فِي لاحم الْقرعَة ومضايق الْحَرْب المتوقعة إِلَى الْمَكَان الَّذِي لَا يجد الرمْح فِيهِ مدارا لشدَّة المجالدة وَلَا الحصان مجالا لِكَثْرَة الْمُزَاحمَة وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَوضِع سيف الدولة من الشدَّة وتقدمه بَين أهل الْبَأْس والنجدة
9 - الْمَعْنى يَقُول لَا ألوم ملك الرّوم على تمنيه محالا من تخريب هَذِه القلعة وَذَلِكَ أَن ملك الرّوم قصد حصن الْحَدث طلبا لغرة سيف الدولة وَإِن كَانَ الَّذِي حاوله محالا لَا طمع فِيهِ وشططا لَا سَبِيل إِلَيْهِ ثمَّ بَين مَا قدمه بقوله الْبَيْت بعده
10 - الْغَرِيب البنية بِمَعْنى المبنية وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة من بني يَبْنِي بِنَاء وبنيا كَمَا فِي كتب يكْتب كتبا وكتابا والباغي الطَّالِب _ الْمَعْنى يُرِيد أَن ملك الرّوم أقلقه بُنيان هَذَا الْحصن الَّذِي كَأَنَّمَا ثبته سيف الدولة بَين أُذُنَيْهِ وَأقرهُ على قمة رَأسه لما ثَبت فِيهِ من هتك أرضه وَشدَّة أَرْكَان ملكه وَمَا شيده من ذَلِك الْبُنيان وَبلغ فِيهِ من غَايَة الإتقان
11 - الْغَرِيب القذال مُؤخر الرَّأْس وَهُوَ مَا يكون بَين جَنْبي الْقَفَا _ الْمَعْنى يَقُول كلما رام ملك الرّوم أَن يحط من ذَلِك الْحصن مَا أَعْلَاهُ سيف الدولة وَرَفعه وأتقنه وحصنه اتَّسع ذَلِك الْبُنيان عَلَيْهِ فغلبه وَعظم فِي نَفسه وقهره وَصَارَ لشدَّة إقلاقه إِيَّاه كَأَنَّمَا هُوَ على رَأسه قد غشى جَبينه وقذاله وأعجز طاقته وإحتياله
12 - الْغَرِيب الرّوم والصقالب والبلغر كل هَؤُلَاءِ كفرة والصقالب والبلغر طَائِفَتَانِ من الْعَجم تستضيف مَعَ الرّوم إِلَى طَاعَة ملكهم _ الْإِعْرَاب قَوْله فِيهَا فِي نَوَاحِيهَا وجوانبها فَحذف الْمُضَاف والآجال جمع أجل الْمَعْنى يَقُول يجمع ملك الرّوم فِي هَذِه الأَرْض هَذِه الطوائف من أَصْنَاف حزبه وأصناف كفره مستمدا لَهُم ومستجيشا على أهل هَذِه الْمَدِينَة وَيَقُول لسيف الدولة وَأَنت تجمع لهَؤُلَاء الطوائف آجالا حَاضِرَة ومنايا متوافقة إِشَارَة إِلَى وقائع سيف الدولة عَلَيْهِم وَمَا واصله من الْقَتْل فيهم
(3/137)

- الْغَرِيب الصلال جمع صلَة وَهِي الأَرْض الممطورة بَين الأَرْض غير المطمورة كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح والواحدي _ وَقَالَ الْجَوْهَرِي الصِّلَة الأَرْض الْيَابِسَة والصلة وَاحِدَة الصلال وَهِي الْقطع من الأمطار المتفرقة يَقع مِنْهَا الشَّيْء بعد الشَّيْء والصلال العشب سمى باسم الْمَطَر المتفرق _ الْمَعْنى يَقُول توافيهم ببأسك الْآجَال فِي رماحك الْمَشْرُوعَة نحوهم المتبادرة إِلَيْهِم كَمَا وافت العطاش الأمطار أَو الأَرْض الممطورة فتفنيها غير مكتفية بِهَذَا _ وَقَالَ الواحدي تأتيهم بمناياهم فِي الرماح وَهِي ظامئة إِلَى دِمَائِهِمْ فتسرع إِلَيْهِم إسراع العطاش إِلَى الأَرْض الممطورة
14 - الْمَعْنى يَقُول قصد الرّوم هدم سور هَذِه الْمَدِينَة وَفرقُوا جمعهَا فضعفت عَن ذَلِك قوتهم وعجزت طاقتهم وانهزموا بَين يَدَيْهِ على أَسْوَأ حَال فبنوا من سورها مَا حاولوا هَدمه وأطالوا من بنائها مَا حاولوا حطه فَكَانَ قصدهم الْهدم وَالتَّقْصِير سَببا للْبِنَاء وإطالته لأَنهم بعثوا سيف الدولة على تحصينها
15 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي لَهَا للقلعة _ الْغَرِيب الوبال الشدَّة _ الْمَعْنى يَقُول استجروا مكايد الْحَرْب يَعْنِي آلاتها الَّتِي يُقَاتلُون بهَا ويستعملونها حَتَّى تركوها وانهزموا لأهل الْمَدِينَة وبالا عَلَيْهِم لأَنهم لما انْهَزمُوا صَارَت تِلْكَ الْآلَات زَائِدَة فِي عدتهمْ موكدة لَا متناعهم فَصَارَت الْآلَات الَّتِي أعدوها لأهل الْحَدث وبالا على الرّوم يُقَاتلُون بهَا
16 - الْمَعْنى يَقُول رب أَمر أَتَاك بِهِ أعداؤك قَاصِدين لحربك محاولين لكيدك فذممت رَأْيهمْ وَلم تحمد فعالهم وأفضت الْأَفْعَال مِنْهُم إِلَى إرادتك فَصَارَ تدبيرهم ورأيهم أغرى الْحَوَادِث بهم وَالْمعْنَى أَن الفعال هم الرّوم وَالْأَفْعَال حملهمْ مكايد الْحَرْب فهم غير محمودين وفعائلهم غير محمودة فِي الْعَاقِبَة لأَنهم لَو لم يحملوها لما ظفر بهَا المسلون وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم إِذا كَانَت الْأَشْيَاء فاعلة بالطبع لم تحمد على فعلهَا لِأَن الشَّمْس لَا تحمد على حَرَارَتهَا وَلَا على ضوئها
(3/138)

- الْغَرِيب القسى جمع قَوس والنصال جمع نصل وَهِي حدائد السِّهَام _ الْمَعْنى يَقُول رب قسى كَانُوا يرمونك عَنْهَا فَلَمَّا هربوا أخذت تِلْكَ القسى فقوتلوا بهَا _ وَالْمعْنَى رب قسى رماك أعداؤك عَنْهَا وقصدوك بالمكاره مِنْهَا فَردَّتْ تِلْكَ القسى عَنْك فِي قُلُوبهم حَدِيد سهامك وقادت إِلَيْك أعداءك يُرِيد أَن قُوَّة سعده وإقبال جده يجعلان قسى أعدائه عَلَيْهِم ويقودان بهَا المهالك إِلَيْهِم قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول الْحَارِث
(قَوْمي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخي ... فإذَا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمي)

18 - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم قطعُوا الطّرق حَتَّى لَا يصل الْخَبَر إِلَى سيف الدولة وَذَلِكَ أَن سيف الدولة استبطأ الْأَخْبَار لما تَأَخَّرت عَن عَادَتهَا فَتَطلع إِلَى الْأَخْبَار فَوَقع على الْأَمر فَكَانَ الِانْقِطَاع كالإرسال _ وَالْمعْنَى أَنهم أخذُوا الطّرق موكلين بهَا وقاطعين الرُّسُل مِنْهَا فَكَانَ ذَلِك الْقطع إشعارا لَك وَقَامَ ذَلِك الضَّبْط مقَام الْإِرْسَال إِلَيْك فأنكرت فعلهم واستربت فعلهم أسرعت إِلَيْهِم وبادرت بِنَفْسِك وجيشك إِلَيْهِم
19 - الْغَرِيب الغوارب أعالي الأمواج والآل السراب وَقيل الْآل فِي آخر النَّهَار والسراب فِي أَوله الْمَعْنى يُرِيد أَن حَالهم يتلاشى عنْدك وَإِن كَانَ عَظِيما _ وَالْمعْنَى أَنهم كالبحر ذِي الموج لتكاثف جمعهم وتكاثر عَددهمْ إِلَّا انهم صَارُوا عِنْد قوتك وعديدك وبأسك وجيوشك كالآل الَّذِي يتخيل وَلَا يصدق ويتمثل وَلَا يتَحَقَّق فَفرُّوا هاربين وولوا عَنْك مُدبرين وَهُوَ مثل قَوْله
(حالُ أعْدَائِنا عَظِيمٌ ... )

20 - الْمَعْنى يَقُول انْهَزمُوا غير مقاتلين فَلم يُقَاتِلُوك فِي الْحَال وَلَكِن الْقِتَال الَّذِي قَاتلهم قبل هَذَا كَفاك الْقِتَال لأَنهم لما بلوك قبل هَذَا أشعر قُلُوبهم الرعب وخافوا فَانْهَزَمُوا فَمَا مضوا غير مقاتلين لجيشك وَلَا ولوا غير متيقنين لأمرك وَلَكِن الْقِتَال عِنْد التَّأَمُّل والنزال الشَّديد عَن التبين مَا أسكنت قُلُوبهم وقائعك من الهيبة وأودعتها من المخافة حَتَّى صَار اسْمك يهْزم عساكرهم وذكرك يثنى عزائمهم
(3/139)


- الْمَعْنى يَقُول سَيْفك الَّذِي قطع رِقَاب من قبلهم من الرّوم هُوَ الَّذِي قطع آمالهم مِنْك فَلَا يرجون ظفرا بك الْآن يُرِيد الضَّرْب الَّذِي قطعت بِهِ رِقَاب الرّوم فِي وقائعهم وأفنيت بِهِ أبطالهم فِي حروبك قطع مَا أَملوهُ فِي حصن الْحَدث من مكايدتك وأكذب مَا حاولوه من مغاليتك
22 - الْغَرِيب الإجفال الْإِسْرَاع والهزيمة _ قَالَ أَبُو الْفَتْح لما أجادوا ثباتهم قَدِيما وَأدّى إِلَى هلاكهم علم من كَانَ عَادَته الثَّبَات الْإِسْرَاع فِي الْهَزِيمَة خوفًا مِنْك وَقَالَ يفضله فِي هَذِه الأبيات على قوم ذِي شجاعة وثبات ليَكُون أمدح لَهُ وَكَذَا نَقله الواحدي وَالْمعْنَى الثَّبَات الَّذِي فَعَلُوهُ فِي قتالك وأفضى بهم إِلَى المهالك وأعقبهم أَشد الهزائم علم الثابتين من رِجَالهمْ وَأهل الْبَأْس من حماتهم وأبطالهم الْهَرَب مِنْك
23 - الْغَرِيب النّدب ذكر الْمَيِّت بجميل أَفعاله _ الْمَعْنى يَقُول نزلُوا فِي مَوَاضِع عرفوها تقدّمت فِيهَا مصَارِع أَهَالِيهمْ بإيقاع سيف الدولة بهم فَجعلُوا يَبْكُونَ بهَا من قتل من أبطالهم وفرسانهم وتمثلوا تِلْكَ فِي أنفسهم وتوقعوا أَن يحدث مَا يشبهها بهم لما ذكرُوا بهَا مَا صنعت بآبائهم وأعمامهم وأخوالهم
24 - الْغَرِيب تذرى تنثر وتفرق والأوصال جمع وصل وَيُرِيد بِهِ الْعُضْو _ الْمَعْنى يُرِيد أَنه لم يبعد عهد الْقَتْلَى بِهَذَا الْموضع فالريح تحمل شُعُورهمْ وأوصالهم مَوْجُودَة هُنَاكَ وَالرِّيح تلقى عَلَيْهِم أَعْضَاء المقتولين _ وَالْمعْنَى أَن الرّيح تذرى عَلَيْهِم عِظَام الْقَتْل الَّذين قتلوا بالموضع الَّذِي نزلُوا فِيهِ فيخيفهم ذَلِك ويفزعهم ويقلقهم فيهربون من بَين يَديك
25 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فِي تنذر للمصارع وَنَقله الواحدي وَيجوز أَن يكون الضَّمِير للأوصال أَي تنذر الأوصال الْجِسْم بِأَن يَزُول إِلَى مثالها قَالَ تنذر المصارع الْإِقَامَة بهَا وتريهم لكل عُضْو عضوا من المقتولين أَو الْمَعْنى تنذر بالأوصال
(3/140)

الْجِسْم بِأَن يصير لمثلهَا وَيُقِيم لَدَيْهَا فِي مثل حَالهَا وتريه لكل عُضْو من أَعْضَائِهِ مِثَالا شَاهدا ونظيرا حَاضرا وَأَشَارَ بذلك إِلَى وقْعَة سيف الدولة على الرّوم عِنْد بنائِهِ الْحَدث وَقد وصفهَا فِي قَوْله
(عْلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ ... ... القصيدة)
وَلم تكن ببعيدة من هَذِه الْوَقْعَة فَلَمَّا اشرفوا على مَوضِع تِلْكَ الْوَقْعَة وَذكروا عظم تِلْكَ البلية أشفقوا من أَن يعاودهم سيف الدولة بِمِثْلِهَا فَوَلوا مُدبرين وفروا من بَين يَدَيْهِ منهزمين
26 - الْغَرِيب الدراك التَّتَابُع والخيال مَا يرى على غير حَقِيقَة _ الْمَعْنى فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير أبصروا الطعْن فِي قُلُوبهم دراكا خيالا قبل أَن يرَوا الرماح يُرِيد لشدَّة خوفهم تصوروا مَا صنعت بهم قَدِيما فَرَأَوْا الطعْن تخيلا فِي قُلُوبهم قبل رُؤْيَة الرماح حَقِيقَة _ قَالَ الْخَطِيب اعْتبر الْمُتَأَخّرُونَ بالمتقدمين فكأنهم تخيلوا الطعْن دراكا وَبينهمْ وَبَين من يطلبهم مَسَافَة بعيدَة فَفرُّوا قبل أَن ينْظرُوا إِلَى خيال الرماح _ وَالْمعْنَى يَقُول لَهُ مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم وأرتهم طعان رماحك دراكا فِي قُلُوبهم قبل أَن يتخيلوا ذَلِك ويتحققوه ويتمثلوه ويشاهدوه فعادوا بالفرار مِنْك وولوا منهزمين عَنْك
27 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي الْأَعْدَاء إِذا حاولوا طعانك رَأَوْا أَذْرع قناك لطولها وَسُرْعَة وصولها إِلَيْهِم أميالا يعْنى أَنَّهَا تطول فتصل إِلَيْهِم سريعة وَهَذَا ضد قَوْله
(طِوَالُ قَنا تُطاعِنُها قِصَارُ ... )
_ قَالَ وَقَالَ ابْن جنى أَي لشدَّة الرعب قَالَ وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى {يرونهم مثليهم} قَالَ وَقَوله لشدَّة الرعب كَلَام حسن وَأما احتجابه بِالْآيَةِ فخطأ قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد بالقنا قِنَا الْأَعْدَاء الَّذين يحاولون الطعان وَالْمعْنَى أَنهم كلما حاولوا طعانك برماحهم استطالوها فَرَأَوْا أذرعها أميالا أَي أَنَّهَا تثقل عَلَيْك جبنا وخوفا مِنْك هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى إِذا حاولت فرسَان طعانك ومثلت لأنفسها قتالك أَرَاهُم الْفَزع أَذْرع رماحك أميالا مُتَّصِلَة لما تتوقعه من طَعنهَا وتحذره من مخوف فعلهَا
(3/141)

- الْغَرِيب الرعب الْفَزع يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته وَيجوز فِيهِ سُكُون الْعين وَضمّهَا وَقَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِضَم الْعين _ الْمَعْنى قَالَ الواحدي شاع الْخَوْف فيهم شيوعا عَاما فَكَأَن الْخَوْف بسط يَمِينه فِي ميامن عساكرهم وشماله فِي مياسرهم حَتَّى انْهَزمُوا وَهُوَ معنى قَول أبي الْفَتْح وَقَالَ ابْن الإفليلي بسط الرعب فِي أَيْديهم أيديا مثلهَا تمنعها من الْبَطْش وتقصرها عَن الْكَفّ فَوَلوا مخذولين وَهَذَا ضد قَول الآخر
(إنَّا وَجَدْنا بَني جُلاَّنَ كُلَّهُمُ ... كَساعِدِ الضَّبّ لَا طُولٌ وَلا قِصَرُ)

29 - الْغَرِيب الروع الْخَوْف والفزع والأغلال جمع غل وَهُوَ رِبَاط تشد بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق الْمَعْنى يَقُول يرعش الْخَوْف أَيْديهم فقد صَارَت فِي قلَّة الْغناء وَإِن كَانَ فِيهَا سيف بِمَنْزِلَة الْيَد المغولة وَالْمعْنَى ينفض الْفَزع من أَيْديهم السِّلَاح فَيسْقط ويسلبهم إِيَّاه الذعر فَيذْهب حَتَّى كَأَن سيوفهم فِي أَيْديهم أغلال تَملكهَا وموانع تمنعهم من التَّصَرُّف بهَا وَهُوَ من قَول جرير فِي الفرزدق
(ضَرَبْتَ بهِ عِنْدَ الإمامِ فأُرْعِشَتْ ... يَدَاكَ فَقالُوا مُحْدِثٌ غَيرُ صَارِمِ)

30 - الْإِعْرَاب نصب وُجُوهًا بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ قَوْله ينفض تَقْدِيره ويغير وُجُوهًا يُرِيد أَنه يُغير ألوانها وَهَذَا من بَاب قَوْله تَعَالَى {فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم} أَي وَادعوا شركاءكم وَكَقَوْلِه {وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان} يُرِيد وأحبوا الْإِيمَان وكقول الشَّاعِر
(ورأيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفا وَرُمْحا)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَوْله
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
_ الْمَعْنى يَقُول للمدوح وَغير الروع وُجُوهًا قد انتقعها الْخَوْف وأذهب جمَالهَا الذعر فَهِيَ ترْعد متغيرة وتعبس متوقعة قد أخافها مِنْك وَجه قد أحرز غايات الْحسن وغلبها على الْجمال وَالْفضل فالحسن وَالْجمال لوجهك لَا لَهَا
(3/142)

- الْغَرِيب الجلى الظَّاهِر المكشوف الْمَعْنى يَقُول مُشِيرا إِلَى الرّوم وفرارهم بَين يَدَيْهِ وَبعدهَا تكلفوه من غزوهم وتعاطوه من حِصَار الْحصن إِن مَا تيقنوه من قصد سيف الدولة وتسابقه نحوهم أكذب مَا ظنوه وأراهم الجلية فِيمَا حاولوه وعرفهم أَن حظهم الِانْتِقَال عَمَّا أضمروه من الْإِقْدَام إِلَى الْفِرَار والانهزام فأزال العيان مَا كَانَ الظَّن يحدث لَهُم ثمَّ ضرب لَهُم مثلا بقوله
32 - الْإِعْرَاب وَحده الضَّمِير للجبان لَا لِلطَّعْنِ لقَوْله والنزال وَهُوَ فِي مَوضِع نصب على الْحَال أَي مُنْفَردا _ الْغَرِيب الجبان ضد الشجاع وَهُوَ الَّذِي يجبن عِنْد لِقَاء الْعَدو وَجبن بِالْفَتْح فَهُوَ جبان وَجبن بِالضَّمِّ فَهُوَ جبين وَامْرَأَة جبان كَمَا قَالُوا حصان ورزان والنزال فِي الجرب أَن يتنازل الْفَرِيقَانِ ونزال بِالْكَسْرِ مثل قطام بِمَعْنى انْزِلْ لِأَنَّهُ معدول عَن المنازلة وَلِهَذَا أنث زُهَيْر فِي قَوْله
(وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنْتَ إذَا ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ)
وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْجُبْن ذلة كامنة فِي نفس الجبان فَإِذا خلا بِنَفسِهِ أظهر شجاعتها _ الْمَعْنى يُرِيد إِذا مَا خلا الجبان بأرضه وَبعد عَن الأقران بِنَفسِهِ طلب الطعْن والمنازلة وتعاطى الْقِتَال والمبارزة فَإِذا أحس بِمن يقاتله رَجَعَ إِلَى طبعه واعتصم بالفرار من قرنه فَكَذَا كَانَ شَأْن الرّوم وشأن سيف الدولة أظهرُوا الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَلَمَّا أحسوا بِهِ فروا من بَين يَدَيْهِ وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا كل مجر فِي الْخَلَاء يسر أَي إِذا أجْرى الْإِنْسَان فرسه وَحده سر بجريه فَإِذا قاربه مثله ذهب سروره
33 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد بقلب أَي إِلَّا وَالْقلب مَعَهم حلفوا ليحضرن عُقُولهمْ وليعملن أفكارهم فِي قتالك ثمَّ قَالَ لطالما غرت الْعُيُون يُرِيد كذبهمْ عَنْك كثيرا مَا رَأَوْهُ بعيونهم مغترين مِنْك فطالما اغتروا بمواقعتك فأفنيت جيوشهم وَكَثِيرًا مَا أقدموا فِي الْحَرْب على معاناتك فأتلفت نُفُوسهم
34 - الْغَرِيب آل رَجَعَ يُقَال طبخت الشَّرَاب فآل إِلَى قدر كَذَا أَي رَجَعَ
(3/143)

ورنا إِلَيْهِ يرنوا رنوا إِذا أدام النّظر يُقَال ظلّ رانيا وأرناه غَيره وأرناني حسن مَا رَأَيْت أَي حَملَنِي على الرنو وكأس رنوناة أَي دائمة ووزنها فعللة وَأَصلهَا رنونوة تحركت الْوَاو وَانْفَتح مَا قبلهَا فَانْقَلَبت ألفا فَصَارَت رنوناة وَقَالَ أَبُو عَليّ فعوعلة قَالَ ابْن أَحْمَر
(مَدَّتْ عَلَيْهِ المُلْكُ أطْنابَها ... كأسٌ رَنَوْناةٌ وَطِرْفٌ طِمِرَ)
_ الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا متناقض الظَّاهِر لِأَنَّهُ أنكر أَن تديم عين النّظر إِلَيْهِ فِي المصراع الأول وَأنكر فِي الثَّانِي أَن يعود طرف رنا إِلَيْهِ وَلم يشخص قَالَ هَذَا يحمل على عُيُون الْأَعْدَاء والأولياء فعين الْعَدو لَا تديم النّظر إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ وَعين الْوَلِيّ تتحير فِيهِ وَتبقى شاخصة فَلَا ترجع إِلَى صَاحبهَا قَالَ وَقَوله فلاقتك من لَاق الشَّيْء والاقه إِذا أمْسكهُ قَالَ وَهَذَا مِمَّا لم يتَكَلَّم فِيهِ أحد من الشُّرَّاح وَصدق فِي قَوْله لِأَن أحدا من الشُّرَّاح لَا يستحسن أَن يَقُول مثل هَذَا وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يَقُول أَي عين بَطل تأملتك فلاقاك من اللِّقَاء صَاحبهَا وأقدم على مواقعتك النَّاظر بهَا وَأي شُجَاع مجرب أَو كمي مقدم رنا إِلَيْك طرفه ولاحظتك عينه فَرجع عينه قَاصِدا إِلَيْك وَتعرض للكر مقدما عَلَيْك
35 - الْإِعْرَاب يرْوى للعين بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَاعل يشك ويروى بِالنّصب على الذَّم بإضمار أَعنِي أَو أَشمّ اللعين وَقَوله فَهَل هُوَ اسْتِفْهَام تجاهل لِأَنَّهُ علم أَنه لَا يبْعَث الجيوش للنوال _ الْغَرِيب النوال الْعَطاء _ الْمَعْنى يَقُول لم يشك هَذَا اللعين فِي أَنَّك تغلب جَيْشه وتتحكم فِيهِ وتأخذه وتتملكه وتشمل أَهله بِالْقَتْلِ والأسر وَالله تكفل لَك عَلَيْهِ بأبلغ النَّصْر إفتراه إِنَّمَا يجْهر الجيوش إِلَيْك عَطاء لَك يَقْصِدهُ وإتحافا بهم يعتمده
36 - الْإِعْرَاب يرْوى ومرجاه بِالْإِضَافَة وموضعه رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره أَن يصيد أَي صيد الْهلَال ويروى مرجاة بتاء التَّأْنِيث مَنْصُوبَة نصب الْمَفْعُول مَعَه كَقَوْلِك مَالك وزيدا وَأَجَازَ أَبُو الْفَتْح الْخَفْض عطفا على من فالواو فِي الْوَجْه الأول وَاو الْحَال وَفِي الثَّانِي وَاو مَعَ وَفِي الثَّالِث وَاو الْعَطف _ الْغَرِيب الحبائل جمع حبالة وَهِي الْإِشْرَاك ومرجاة مفعلة من الرَّجَاء رَجَوْت فلَانا رَجَاء ورجاوة ومرجاة مثل مسعاة ومعلاة _ الْمَعْنى يَقُول مَا لمن ينصب الْإِشْرَاك فِي الأَرْض وَهَذَا اسْتِفْهَام تعجب يتعجب مِمَّن يفعل هَذَا وَهَذَا مثل يُرِيد بِهِ امْتنَاع سيف الدولة وَبعده عَن أَن تناله يَد عَدو بِسوء فَالَّذِي يفعل هَذَا كمن يروم صيد الْهلَال فِي الأَرْض وَهَذَا إزراء على فعل ملك الرّوم بإقدامه
(3/144)

على قتال سيف الدولة وَجعله قمرا لعلو مَنْزِلَته ورفعة قدره فيقولى كَيفَ لملك الرّوم أَن يُؤثر فِي الْقَمَر ويعترض على سَابق الْقدر لِأَن الله قد قضى لسيف الدولة بالنصر عَلَيْهِ
37 - الْغَرِيب الدَّرْب الْمدْخل من أَرض الْعَدو والأحدب جبل بِقرب حصن الْحَدث وَالنّهر مَوضِع بِقرب الْحصن والاختلاط بالشَّيْء الالتباس بِهِ وَفُلَان مخلط مزيال أَي مَوْصُوف بالشجاعة وجودة الرَّأْي وَقد وصفوا بِهِ الْفرس إِذا طلب الْخَيل لغارة خالطها وَإِذا طلبته وجدته مزيالا لَا تلْحقهُ قَالَ أَبُو زِيَاد الأيادي
(مِخْلَطٌ مِزْيَلٌ مِكَرٌّ مفَرٌّ ا ... أجْوَلِيّ ذُو مَيْعَةٍ إضْرِيجُ)
_ الْمَعْنى يَقُول هَذِه القلعة دونهَا وَدون الْوُصُول إِلَيْهَا رجل مخلط مزيال كثير المخالطة للأمور يخالطها ثمَّ يزايلها يحمي حريمها وَيُقَاتل الْأَعْدَاء عَنْهَا أَو دونهَا ملك مقتدر مزيال عَن أَطْرَاف بِلَاده فَهُوَ يَثِق بِمَا يحميها من هيبته نخلط بالأعداء فِيهَا عِنْد قصدهم لَهَا سريع لَا يتَأَخَّر من سطوته فَهُوَ وَإِن بعد أدنته مِنْهُم قوته وَإِن انتزح قربته مِنْهُم مقدرته
38 - الْإِعْرَاب خالا نَصبه على الْحَال _ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه استنقذها من الدَّهْر وَمن الْمُلُوك عصبته على كَذَا أَي قهرته وبناها فِي وجنة الدَّهْر خالا قَالَ الواحدي يجوز أَن يُرِيد بِهِ الشُّهْرَة كشهرة الْخَال فِي الْوَجْه وَيجوز أَن يُرِيد ثُبُوتهَا ورسوخها فَيكون كَقَوْل مزرد
(فَمَنْ أرْمِهِ مِنْها بسَهْمٍ يَلُحْ بِهِ ... كَشامَةِ وَجْهٍ ليْسَ للشام للشَّامِ غاسِلُ)
_ وَالْمعْنَى أَنه بناها فِي وَجه الدَّهْر كالخال الَّذِي يتزين بِهِ الْوَجْه مَعَ مُخَالفَته للونه ويحسنه مَعَ مَا ثَبت فِيهِ من حسنه فَالْمَعْنى أَن هَذِه الْمَدِينَة قد جلّ قدرهَا فَكَأَن الدَّهْر زين بهَا وَجهه ووسم برفعتها نَفسه وَهَذِه اسْتِعَارَة حَسَنَة لم يعْمل فِي بَيته مثلهَا
39 - الْإِعْرَاب اختيالا ودلالا مصدران فِي مَوضِع الْحَال _ الْغَرِيب الاختيال الزهو والتكبر والدلال الشكل والغنج ودلت الْمَرْأَة تدل بِالْكَسْرِ وتدللت فَهِيَ حَسَنَة الدل والدلال
(3/145)

_ الْمَعْنى يَقُول هَذِه القلعة لَا تكلم وَلَا تثني وَلَكِن لَو مشت لمشت اختيالا وَلَو تَكَلَّمت لتدللت دلالا تدل على الزَّمَان حَيْثُ لم يقدر عَلَيْهَا أحد فَهِيَ تختال بِمَنْع سيف الدولة لَهَا وَتثني على الزَّمَان دلالا بمدافعته واستعار لَهَا الْمَشْي والدلال لعزتها بِسيف الدولة
40 - الْغَرِيب المطرد الْمُتَّصِل الَّذِي لَا عوج فِيهِ والأكعب العقد الَّتِي تكون بَين أنابيب الرمْح وَاحِدهَا كَعْب والأوجال المخاوف الْوَاحِد وَجل وَهُوَ الْخَوْف والفزع _ الْمَعْنى يَقُول حفظهَا من جور الزَّمَان وَمن المخاوف فقد حماها جور الزَّمَان ومخاوفة بِالرِّمَاحِ المستقيمة يُرِيد أَنه حماها من الرّوم بمسارعته إِلَيْهَا دونهم وإيقاعه عَلَيْهِم فِيهَا
41 - الْغَرِيب الْخَمِيس الْعَسْكَر الْعَظِيم وسمى خميسا لِأَنَّهُ يُخَمّس مَا يجد أَي يَأْخُذهُ وَقيل لِأَنَّهُ خمس فَوق الْمُقدمَة وَالْقلب والميمنة والميسرة والساقة والبئيس الشَّديد الْكثير الشجعان أولى الْبَأْس والافتراس الْأَخْذ وَأَصله دق الْعُنُق _ الْإِعْرَاب نصب الْأَمْوَال بِفعل مُضْمر تَقْدِيره وَيَأْخُذ الْأَمْوَال فَهُوَ من بَاب
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
الْمَعْنى أَنه أَرَادَ أَن هَذَا الْخَمِيس فِيهِ رجال أَو لَو يأس وَقُوَّة تفترس النُّفُوس وَتَأْخُذ الْأَمْوَال فَالْمَعْنى هِيَ فِي خَمِيس من جَيْشه وَكَثْرَة من جمعه كالأسود الضارية وَالسِّبَاع العادية يفترسون نفوس الْأَعْدَاء وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالهم ويقربون إِلَيْهِم حتوفهم وآجالهم
42 - الْإِعْرَاب ظبا فِي مَوضِع خفض بالْعَطْف على قَوْله فِي خَمِيس وَنصب حَلَالا على الْحَال الْغَرِيب الظيا جمع ظبة وَهِي طرف السهْم وَالسيف قَالَ بشامة بن حزن النَّهْشَلِي
(إِذا الكُماةُ تَنَحَّوا أنْ يُصِيبَهُمُ ... حَدُّ الظُّباةِ وَصَلْناها بأيْدِينا)
_ وَأَصلهَا ظبو وَالْجمع أظب فِي أقل الْعدَد مثل أدل وظبات وظبون بِالْوَاو وَالنُّون قَالَ كَعْب
(تَعاوَرٌ أيَمانُهُمْ بَيْنَهُمْ ... كُئوسَ المَنايا بِجَدَ الظُّبِينا)
_ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مثل ضربه أَي سيوفه معودة للضرب فَهِيَ تعرف بالدربة الْحَلَال من الْحَرَام _ قَالَ ابْن فورجة الْعَادة والدربة ليستا مِمَّا يعرف بِهِ الْحَلَال وَالْحرَام فِي النَّاس
(3/146)

فَكيف فِيمَا لَا يعقل وَإِنَّمَا يَعْنِي أَن سيف الدولة غاز للروم فَلَا يقتل إِلَّا كَافِرًا قد حل دَمه فنسب ذَلِك إِلَى سيوفه _ قَالَ الواحدي هَذَا كَلَامه وَأظْهر مِنْهُ أَن يُقَال الْمَعْنى بِمَعْرِِفَة الْحَلَال من الْحَرَام أَصْحَابهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ وَذَوي ظبا فَلَمَّا حذف الْمُضَاف عَاد الْكَلَام إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ
43 - الْغَرِيب الأنيس جمَاعَة النَّاس والتفارس التقاتل والاغتيال الْقَتْل بالخديعة الْمَعْنى يُرِيد أَن أنفس الأنيس كالسباع فِيمَا تبتغيه من الْغَلَبَة وتطلبه من الاستعلاء وَالْقُدْرَة فَهِيَ تتفارس سرا وجهرة ومكاشفة وغيلة
44 - الْغَرِيب الغلاب الْغَلَبَة والاغتصاب الْأَخْذ بالقهر _ الْمَعْنى يَقُول من أطَاق أَن يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا قهرا لم يَأْخُذهُ سؤالا ومخادعة وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الْغَلَبَة طبع الْحَيَاة والمسئلة طبع الْمَوْت وَالنَّفس لَا تحب الْمَوْت فَلذَلِك تحب أَخذ الشَّيْء بالغلبة
45 - الْغَرِيب الغضنفر والرئبال اسمان من أَسمَاء الْأسد معروفان _ الْمَعْنى يَقُول كل غاد مِنْهُم لِحَاجَتِهِ ومعتمد لبغيته يود لَو أَنه أَسد بَأْسا وَشدَّة واقتدارا وَقُوَّة ليتناول مَا يَقْصِدهُ بعضله ويستظهر عَلَيْهِ ببأسه وشدته وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الرّوم لم يَفروا من بَين يَدي سيف الدولة أنفًا ومكارهة وَإِنَّمَا كَانَ فرارهم فرقا ومحاذرة لِأَن طبائع الْبشر أَن يستعملوا فِيمَا يطلبونه غَايَة قوتهم وَأَن يتناولوا ذَلِك بأبلغ قدرتهم
(3/147)

- 1 الْغَرِيب الجوى الَّذِي أَصَابَهُ الجوى وَهُوَ دَاء فِي الْجوف والمتبول الَّذِي هيمه الْحبّ وأفسده وأسقمه وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(تَبَلَتْ فُؤَادَكَ فِي المَنامِ خَرِيدَةٌ ... تَشْفِي الضَّجِيعَ بِبارِدٍ بَسَّامِ)
_ الْمَعْنى يتهم رَسُوله الَّذِي يُرْسِلهُ إِلَى محبوبته بمشاركته فِي حبها فَيَقُول أَن العاشق وقلبك الْفَاسِد وكلنَا مُبْتَدأ وَخَبره جو وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لِأَن بَعضهم خفضه على التَّأْكِيد _ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَا يجوز لِأَنَّهُ يُوجب نصب جو على الْحَال فَيَقُول جويا وَإِن لم يفعل فَهُوَ ضَرُورَة وَمعنى الْبَيْت يَقُول لرَسُوله مالنا أَيهَا الرَّسُول الَّذِي استحفظته إِلَى من أحبه الرسَالَة كلنا جو مَشْغُول بِنَفسِهِ فَأَنا وامق عاشق وَأَنت رَسُول وَالْحب قد قتل قَلْبك وَملك لبك فمالك تشبهني فِيمَا أَلْقَاهُ وتماثلني فِيمَا أقاسيه وأتشكاه
2 - الْمَعْنى يَقُول كلما عَاد إِلَيْهَا من أبعثه وشاهدها من أقصده نَحْوهَا وأرسله ملكه الافتتان بحسنها وشاركني فِي الشغف بحبها وَأظْهر الْغيرَة مني عَلَيْهَا فخانني فِي قَوْله وخالفني فِي جملَة أمره لِأَنَّهُ لما فتنه حسنها حمله على الْخِيَانَة
3 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قلوبهن قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يعود على الْأَمَانَات وَيجوز أَن يعود على الْعُقُول لما تقدم الضَّمِير الْمَفْعُول كَقَوْلِك لبس ثَوْبه زيد أَي وخانت الْعُقُول قلوبهن _ الْمَعْنى يَقُول لما أفسدت عَيناهَا بسحرهما وَمَا تودعه الْقُلُوب يفنون لحظهما الْأَمَانَات بيني وَبَين من أنزل الثِّقَة بِهِ وأعتقد الْخَلَاص لَهُ وخانت فِيهَا الْعُقُول بفنون لحظها مَا الْأَمَانَات بيني وَبَين من أنزل الثِّقَة بِهِ وأعتقد الْخَلَاص لَهُ وخانت فِيهَا الْعُقُول قلوبها وخذلت الْأَلْبَاب نفوسها فعميت عَن رشدها وَعدلت عَن سَبِيل قَصدهَا وَمعنى خِيَانَة الْعُقُول أَنَّهَا لَا تصور للقلوب حفظ الْأَمَانَة لِأَن الرَّسُول إِذا نظر إِلَيْهَا غلب عَلَيْهِ هَواهَا على الْأَمَانَة
(3/148)

- الْإِعْرَاب النحول رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره مَوْجُود لِأَن حَيْثُ لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجمل _ الْغَرِيب الطَّرب خفَّة تحدث عِنْد الْفَرح والحزن وروى الواحدي من ألم الشوق وروايتنا طرب الشوق على شَيْخي _ الْمَعْنى يَقُول المحبوبة الَّتِي أحبها تَشْكُو من الشوق مَا أَشْكُو إِلَيْهَا ثمَّ إِنَّه كنى عَن تكذيبها وَلم يُصَرح بِأَحْسَن الْكِنَايَات بِأَن نحولي يدل على اشتياقي وَمن لم يكن ناحلا لم يكن مشتاقا لِأَن النحول دَلِيل الشوق والمحبة _ وَقَالَ ابْن الإفليلي فِي شَرحه يَقُول لرَسُوله وَهُوَ يعاتبه تظهر من شكوى الْحبّ مَا أظهره وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الشوق على حَقِيقَته النحول
5 - الْغَرِيب خامر خالط وَلَا بس والصب الشَّديد الشوق وَهُوَ الَّذِي يصبو إِلَى حَبِيبه _ الْمَعْنى يَقُول إِذا خالط قلب محب هوى من يُحِبهُ فملكه وَاسْتولى عَلَيْهِ وغلبه فَفِيمَا يظْهر من تغير حَاله وَيبين من تقسم باله دَلِيل لكل عين على مَا يضمره ومخبر على مَا يجنه ويستره
6 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح مادام هُنَا بِمَعْنى ثَبت كَقَوْلِه تَعَالَى {مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض} أَي ثبتَتْ وَبقيت وتحول تذْهب وتفنى الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته زودينا من حسن وَجهك غير معرضة ومتعينا بِالنّظرِ إِلَيْهِ غير مخيبة فَحسن الْوُجُوه حَال تذْهب وتفنى وتحول ويتبدل جمَالهَا وَيَزُول لِأَن الشبيبة يتلوها الْكبر والأقتبال يُعَاقِبهُ التَّغَيُّر والهرم
7 - الْغَرِيب الْمقَام وَالْمقَام بِالْفَتْح وَالضَّم كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى الْإِقَامَة وَقد يكون بِمَعْنى مَوضِع الْقيام لِأَنَّك إِذا جعلته من قَامَ يقوم فمفتوح الْمِيم وَإِذا جعلته من أَقَامَ يُقيم فَهُوَ مضموم الْمِيم لِأَنَّهُ شبه ببنات الْأَرْبَع نَحْو دحرج وَقد دحرجنا وَهَذَا مدحرجنا وَقد اخْتلفت الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى {خير مقَاما} فِي سُورَة الدُّخان فَقَرَأَ بِضَم الْمِيم ابْن كثير وَحده وَقَرَأَ حَفْص لَا مقَام لكم بِضَم الْمِيم وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر فِي الدُّخان بِضَم الْمِيم
(3/149)

فَهَذَا بِمَعْنى الْإِقَامَة وَلم يَخْتَلِفُوا فِي قَوْله {حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما} لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْموضع وَعَلِيهِ قَول لبيد
(عَفَتِ الدّيارُ مَحَلُّها فَمُقامُها)
_ الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته أَو جدينا السَّبِيل إِلَى وصلك نصلك معجبين بك وصلينا فِي هَذِه الدُّنْيَا نسر بذلك ونعترف لَك وَالْإِقَامَة فِي الدُّنْيَا قَليلَة والرحلة عَنْهَا متدانية سريعة
8 - الْإِعْرَاب روى الواحدي بِعَيْنِه وَهُوَ عَائِد إِلَى من وروايتنا بِعَينهَا رَاجع إِلَى الدُّنْيَا _ الْغَرِيب الْقطَّان المقيمون واحدهم قاطن والحمول الْأَحْمَال وَيجوز أَن يكون المتحملين وَقد جَاءَت الحمول بِمَعْنى النِّسَاء المتحملات فِي قَول الْبَارِقي
(أمِنْ آلِ شَعْثاءَ الْحُمُولُ البَوَاكِرُ ... معَ الصُّبْحِ قدْ زَالَتْ بِهِنَّ الأباعِرُ)
_ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح من رأى الدُّنْيَا بِالْعينِ الَّتِي يجب أَن ينظر بهَا إِلَيْهَا فَإِنَّهَا ترَاهَا رزية فالعين فِي هَذَا الْوَجْه للْإنْسَان وَيجوز أَن يكون للدنيا من قَوْلهم هَذَا عين الشَّيْء أَي حَقِيقَته أَي من عرف الدُّنْيَا حق مَعْرفَتهَا تَيَقّن أَن أَهلهَا راحلون لَا محَالة فَلم يجد بَين القاطن والراحل فرقا فَهَذَا يشوقه وَهَذَا يشوقه لِأَن الرحيل قد شملهما وَالْمعْنَى من رأى الدُّنْيَا بِعَينهَا وتوسمها بحقيقتها شاقة القاطن فِيهَا لقلَّة مقَامه كَمَا يشوقه الظاعن عَنْهَا لسرعة زَوَالهَا كَأَنَّهُ أَرَادَ ذَوي الحمول فَحذف الْمُضَاف وَهُوَ مَنْقُول من قَول عَبدة بن أَيُّوب
(وفَارَقْتُهُمْ والدَّهْرُ مَوْقِفُ فُرْقَةٍ ... عَوَاقِبُهُ دارُ الْبِلَى وأوَائِلُهْ)

9 - الْغَرِيب أَدَم بِضَم الدَّال وَفتحهَا إِذا شحب لَونه وَتغَير وَنزع إِلَى السوَاد ظَاهره والقناة قناة الرمْح والذبول اليبس والدقة _ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن كَانَت الْأَسْفَار غيرت وَجْهي فَلَيْسَ ذَلِك بِعَيْب فِي وَإِن كَانَ عَيْبا فِي غَيْرِي بل هُوَ وصف مَحْمُود فِي كَمَا أَن الذبول وَإِن كَانَ مذموما فَهُوَ فِي الْقَنَاة مَحْمُود لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى صلابتها كَقَوْل الطَّائِي
(لانَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّمَا ... يَشْتتَدُّ رأسُ الرُّمْحِ حِينَ يَلِينُ)
قَالَ وَقَوله بعد بَيَاض لَيْسَ هُوَ مُعْتَرضًا بل هُوَ مُسَدّد للمعنى لِأَنَّهُ لم يبال بِتَغَيُّر لَونه وَإِن كَانَ غَيره من النَّاس هُوَ يستوحش فَإِنَّهُ يحمده من نَفسه وَإِن كَانَ لم يزل آدم لما مدح نَفسه بقلة الفكرة فِي تغير لَونه بعد بياضه ونضرته أَي تَغَيَّرت بعد حسن وشبيبة وَذَلِكَ لما عاينته من الْأَسْفَار وتقلبت فِيهِ من الْأَحْوَال وَأَنا فِي ذَلِك مثل الرمْح الَّذِي تعرب سمرته عَن عتقه وتدل ذبلولته على صلابته وَصدقه
(3/150)

- الْغَرِيب الفتاة الشَّمْس جعلهَا فتاة لِأَن الزَّمَان لَا يُؤثر فِيهَا كَمَا يُقَال للدهر الأزلم الْجذع أَي طرى لَا يَسْتَحِيل والتبديل التَّغْيِير _ الْمَعْنى يَقُول صحبتني على الفلاة الَّتِي قطعتها فِي سيري والأسباب الَّتِي عاينتها وتجشمتها فتاة لَا يهرم شخصها وَلَا ينتقص حسنها عَادَتهَا فِي الألوان أَن تبدلها وتنقلها إِلَى الأدمة وتغيرها وَقَوله فتاة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة لِأَن طُلُوعهَا يَتَجَدَّد فِي كل يَوْم فَهِيَ بكر فِي كل يَوْم
11 - الْغَرِيب الحجال جمع حجلة وَهُوَ بَيت يزين بالثياب والستور وَهُوَ بَيت الْعَرُوس واللمى سَمُرَة تكون فِي الشفتين _ الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته سترتك الحجال عَن هَذِه الفتاة الَّتِي غيرت لوني لِأَنَّك فِي كن عَنْهَا لَا يصيبك حرهَا وَلَكِن بك مِنْهَا تَقْبِيل لما فِي شفتيك من الأدمة كَأَنَّهَا قبلتك فأورثتك هَذَا اللمى الَّذِي فِي شفتيك
12 - الْغَرِيب التَّلْوِيح تَغْيِير الْجِسْم واللون والعطبول الطَّوِيلَة الْعُنُق التَّامَّة الْجِسْم وَجَمعهَا عطابل وعطابيل _ الْمَعْنى يَقُول أَنْت مثل الشَّمْس غيرت لوني وَأَنت أسقمت جسمي وزادت فِي تَأْثِيرا أبهاكما وَهِي أَنْت وَالْمعْنَى أَنْت مماثلة لَهَا بحسنك وَغير بعيدَة مِنْهَا فِي فعلك وكلاكما لَهُ فِي جسمي فعل غَيره وتأثير بُد لَهُ فالشمس لوحته وَأَنت أسقمته وأذهبت نضرته وأنحلته وزدت أَنْت فِي قُوَّة التَّأْثِير وأفرطت فِيمَا أوجبته من التَّغْيِير وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن محبوبته بزيادتها على الشَّمْس فِي حسنها زَادَت عَلَيْهَا فِي فعلهَا
13 - الْغَرِيب نجد مَوضِع بَين الْكُوفَة وَمَكَّة الْمَعْنى أَنه أظهر تجاهلا وَهُوَ عَارِف وَهَذِه طَريقَة الشُّعَرَاء وَالْإِنْسَان إِذا اشتاق إِلَى الشَّيْء سَأَلَ عَنهُ مَعَ علمه بِهِ وَإِذا أحب شَيْئا أَكثر ذكره وَأكْثر السُّؤَال عَنهُ وَإِن كَانَ يعرفهُ كَقَوْل بشر بن أبي خازم
(أسائِلُ صَاحِبي وَلَقَد أرَانِي ... يَصِيراً بالظَّعائِنِ حَيْثُ صَارُوا)
وكقول الآخر
(وخَبَّرَنِي عَن مَجْلِسٍ كُنتَ زَيْنَهُ ... بِحَضْرَةِ قَوْمٍ وَالمَلاءُ شُهُودُ)

(فقُلتُ لهُ كُرَّ الحَديثَ الَّذي مَضَى ... وَذِكْرَكَ مِن كَرَ الحَديثِ أُرِيدُ)

(أُناشِدُهُ إلاَّ أعادَ حَدِيثَهُ ... كأنّي بَطيءُ الفَهْمِ حِينَ يُعِيدُ)

14 - الْمَعْنى يُرِيد أَن كثيرا من السُّؤَال يبْعَث عَلَيْهِ شدَّة الشوق ويقود إِلَيْهِ استحكام التطلع والتوق دون جَهَالَة توجب القَوْل بِهِ وَقلة معرفَة تحمل على الِاسْتِعْمَال لَهُ وَكثير من الْجَواب تَعْلِيل للسَّائِل دون جهل بِحَقِيقَة مَا يَطْلُبهُ وتأنيس لَهُ مَعَ الاستبانة بجملة مَا يرغبه وَالْمعْنَى الَّذِي حَملَنِي على السُّؤَال الاشتياق وَلَكِن أتعلل بالسؤال عَن الْجَواب
15 - الْإِعْرَاب لَا أَقَمْنَا أَي لم نقم كَقَوْلِه تَعَالَى {فَلَا صدق وَلَا صلى} أَي لم يصدق وَقَالَ الشَّاعِر
(وأيَّةُ لَيْلَةٍ لَا كُنْتَ فِيها ... كخاوِي النَّجْمِ يُحْرِقُ مَنْ يُلاقِي)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون على الْقسم أَي وَالله لَا أَقَمْنَا _ الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى لَا نُقِيم على مَكَان وَإِن طَابَ وَلَا يُمكنهُ الرحيل مَعنا أَي لَا نُقِيم الْبَتَّةَ لِأَن الْمَكَان لَا يرحل مَعنا فَلَا نُقِيم على مَكَان أبدا حَتَّى نَلْقَاهُ إِلَّا أَن يسير الْمَكَان مَعنا فَكَذَلِك نَحن لَا نُقِيم فِي مَكَان وَإِن طَابَ وَقيل نفي النَّفْي إِيجَاب فِي كَلَام الْعَرَب فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا نُقِيم فِي مَكَان إِلَّا أَن يرحل مَعنا وَهَذَا مثل قَول الفرزدق
(بأيدي رجال لم يشيمسوا سيوفهم ... وَلم يكثروا بهَا حِين سلت)
قيل مَعْنَاهُ لم يشيمسوا سيوفهم إِلَّا بعد أَن كثرت الْقَتْلَى وَفِي الْبَيْت معنى آخر وَهُوَ على التَّقْرِير بِأَن تقرر صفة الشئ وَالْمرَاد ضِدّه فَكَأَنَّهُ قَالَ لم يشيموا وَلم يكثروا الْقَتْلَى أى كثرت جدا وَمِنْه قَول الشنفري
(صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيْلٌ بِخِرْقٍ لَا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا)
مَعْنَاهُ على مَذْهَب التَّقْرِير لَا يمل الشَّرّ وَإِن ملوه وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا مَعْنَاهُ لَا يجازيكم جَزَاء الْملَل وَإِن مللتم وَجَاء فِي الحَدِيث وَإِن صهيبا لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ مَعْنَاهُ لَو لم يخف أَي أَمن فَكَأَنَّهُ قيل لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَن نفي النَّفْي إِيجَاب فَيكون الْمَعْنى أَن صهيبا لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ
(3/151)

أَي لم يَعْصِهِ وعَلى مَذْهَب التَّقْرِير لَو لم يخف الله مَا عَصَاهُ أَي لم يَعْصِهِ أبدا وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَن لَو فِي الْكَلَام تدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره فَيكون الْمَعْنى الْعِصْيَان امْتنع لأجل الْخَوْف أَي لما خَافَ لم يعْص وَالْمعْنَى الأول وَمَا بعده أبلغ من هَذَا لِأَن مَعْنَاهَا لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ وَمعنى هَذَا الآخر أَن الْعِصْيَان امْتنع من أجل الْخَوْف _ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْمَكَان الَّذِي لَا يُمكنهُ الرحيل مَعنا إِلَى سيف الدولة شوقا إِلَيْهِ وَقد بَينه فِيمَا بعد وَقَالَ الواحدي وَيجوز ان يكون على الدُّعَاء كَمَا تَقول لَا فض الله فَاك يَقُول لم تقم فِي الطَّرِيق إِلَيْهِ بمَكَان وَإِن طَابَ ذَلِك الْمَكَان ثمَّ قَالَ وَلَا يُمكن الْمَكَان أَن يرتحل أَي لَو أمكنه لارتحل مَعنا
16 - الْغَرِيب الترحيب بالزائر الاستبشار بِهِ والسبيل الطَّرِيق _ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْتَذِرُونَ إِلَى الْأَمَاكِن وَالرَّوْض إِذا رَحبَتْ بهم لأَنهم لَا يقدرُونَ على الْإِقَامَة وَهِي لَا يُمكنهَا الرحيل _ وَقَالَ الواحدي كلما طَابَ لنا مَكَان كَأَنَّهُ يرحب بِنَا لطيب الْمقَام بِهِ قُلْنَا لذَلِك الْمَكَان لَا نُقِيم عنْدك لِأَن قصدنا حلب وَأَنت الْمَمَر فَلَا نقدر أَن نُقِيم عنْدك وَالْمعْنَى كلما رَحبَتْ الرياض بِنَا بِمَا تظهر من حسنها وَمَا تستميلنا بِهِ من زهراتها وطيبها قُلْنَا لَهَا حلب مُسْتَقر سيف الدولة فصدنا الَّذِي نرغبه وغرضنا الَّذِي نعتمد عَلَيْهِ ونطلبه وَأَنت طَرِيق نسلكه وَلَا ننزل فِيهِ ونعمره وَلَا نعرج عَلَيْهِ
17 - الْغَرِيب الوجيف والذميل ضَرْبَان من السّير سريعان _ الْمَعْنى يُخَاطب الرَّوْض يَقُول فِيك مرعى مطايانا وخيلنا وَبِك نستعين على مَا نحاوله من سيرنا إِلَى حلب نوجف مُسْرِعين وإليها نبادر غير متوقفين
18 - الْمَعْنى يُرِيد وَمن يُسمى بالأمير غَيره وَيتَعَاطَى التَّمَكُّن فِي الرّفْعَة كثير مِمَّا نشهده غير مَعْدُوم فِيمَا نعلمهُ وَلَكِن الْأَمِير الَّذِي بحلب نأمل مكارمه وَهُوَ المرجو الَّذِي لَا يُنكر فَضله وفضائله
19 - الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة سَافَرت عَنهُ وفارقته فِي شَرق الْبِلَاد وغربها وعطاؤه لم يزل عني وَذَلِكَ أَنه انفذ إِلَيْهِ هَدِيَّة عِنْد وُرُوده الْعرَاق وَهَذَا مثل قَوْله فِيهِ
(وَمَنْ فَرَّ مِنْ إحْسانِهِ حَسَداً لهُ ... تَلَقَّاهُ مِنْهُ حَيْثُما سارَ نائِلُ)
(3/153)

- الْغَرِيب الْوَجْه مَا تَوَجَّهت إِلَيْهِ وَالْكَفِيل الضَّامِن _ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد لُزُوم عطائه إِيَّاه وَأَنه لَا يتَوَجَّه وَجها إِلَّا واجهه جوده فَكَأَن كل طَرِيق كَفِيل لنداه بِوَجْهِهِ وَهَذَا مَحْمُول على الْقلب أَرَادَ لي كَفِيل بِوَجْه نداه يرينيه وياتيني بِهِ وَالْقلب شَائِع فِي الْكَلَام كثير فِي الشّعْر يَقُول كل وَجه توجهته كَفِيل لي يُوَجه نداه وَيصِح الْمَعْنى من غير حمل اللَّفْظ على الْقلب وَذَلِكَ أَن مِمَّن واجهك فقد واجهته وَمن استقبلك فقد استقبلته وَالْأَفْعَال الْمُشْتَرك فِيهَا يَسْتَوِي الْمَعْنى فِي إسنادها إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك لقِيت زيدا ولقيني زيد وأصبت مَالا وأصابني مَال وَإِذا كَانَ للندى كَفِيل بِوَجْهِهِ كَانَ لوجهه كَفِيل بالندى وَقَالَ ابْن الإفليلي يَقُول كل وجهة أقصدها وناحية اعتمدها تتكفل بِي لسيف الدولة مزعجة لي إِلَيْهِ وتضمني لَهُ بِكَثْرَة الحض عَلَيْهِ
21 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يسمع العذل فِي الْجُود وَغَيره يسمع وَالْمعْنَى إِذا عذل جواد فِي الْجُود فَسمع ذَلِك ووعاه ففداء هَذَا الممدوح العاذلون والمعذولون وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد فُؤَادك كل من عذل فِي جوده فَسَمعهُ أَو رده لِأَنَّك فَوْقه جودا وَالْمعْنَى إِذا عذل جواد على جوده وكريم على كرمه ففداؤك الْجواد وعاذله لِأَنَّك نهج سَبِيل الْكَرم وَالْمُنْفَرد بإسداء العوارف وَالنعَم
22 - الْإِعْرَاب موَالٍ مَعْطُوف على قَوْله العذول الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الموَالِي يُرِيد بهَا العبيد هَاهُنَا أَي ينعم على العبيد وَغَيرهم بِتِلْكَ النعم مقتول حسدا وَالْمعْنَى وفداه موَالٍ شملتهم مكارمه وأحيتهم مواهبه وَمن جملَة تِلْكَ الْمَوَاهِب مَا غَيرهم من أعاديه مقتول بهَا يُرِيد أَنه يسلبها من الْأَعْدَاء ويعطيها الْأَوْلِيَاء والموالي الْأَوْلِيَاء وَبَين تِلْكَ النعم بقوله
23 - الْإِعْرَاب قَوْله فرس سَابق هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره هِيَ فرس وَيجوز أَن يكون بَدَلا من نعم الْغَرِيب من روى سابح فَهُوَ الَّذِي يمد يَدَيْهِ فِي الْحَرْب والدلاص الدروع البراقة الملساء والزغف المحكمة النسيج وَقيل اللينة اللَّمْس
(3/154)

الْمَعْنى يُرِيد انه يعْطى أولياءه هَذِه الْأَشْيَاء فَتَصِير عونا لَهُم على قتل أعدائه فَهُوَ معنى قَوْله غَيرهم بهَا مقتول فَبين مَا يَهبهُ بِأَنَّهُ من الْخَيل وَالسِّلَاح مِمَّا يُؤذن للَّذي يَهبهُ لَهُ بمقارعة الْأَعْدَاء والتوطين على الصَّبْر عِنْد اللِّقَاء
24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي بالغيوث سيف الدولة وبالسيول موَالِيه ضربه مثلا وَذَلِكَ أَن السَّيْل يكون عَن الْغَيْث فَكَذَلِك موَالِيه بِهِ اقتدوا وغزوا وَقَالَ الواحدي إِذا أَتَت موَالِيه ديار عَدو للغارة قَالَ الْعَدو تِلْكَ الَّتِي رأيناها قبل كَانَت بِالْإِضَافَة إِلَى هَؤُلَاءِ غيوثا بِالْإِضَافَة إِلَى السُّيُول يذكر كَثْرَة موَالِيه
25 - الْغَرِيب دهمته جَاءَتْهُ على بَغْتَة وفجأة والزرد حلق الدرْع والنسيل والنسال بِالضَّمِّ مَا يسْقط من ريش الطير ووبر الْبَعِير وَغَيره الْمَعْنى يُرِيد أَن درع الْعَدو صَارَت كالريش والوبر لقلَّة إغنائها عَنْهُم يُرِيد أَنَّهُمَا غشيتهم بِقُوَّة من الضَّرْب وَشدَّة من الطعْن يتطاير مَعهَا حلق الدرْع الَّتِي قد أحكم سردها وضوعف نسجها كتطاير النسيل عَن الطير وَالدَّابَّة فَيذْهب وَلَا ينْبت وَيسْقط وَلَا يسْتَمْسك
26 - الْغَرِيب الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والرعيل الْقطعَة من الْخَيل تقدم الْجَيْش والقنص الصَّيْد الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله تصيد خيل الْعَدو والقليل من جَيْشه يأسر الْكثير من عدوه والقطعة من خيله تستأسر الْخَمِيس الَّذين هم خمس كتائب الْقلب والجناحان والمقدمة والساقة فتقتنصها مقتدرة عَلَيْهَا وتغلبها مسرعة إِلَيْهَا ويغلب الْيَسِير مِنْهَا الْجمع الْعَظِيم يُشِير إِلَى سعادته وَأَن سعده يضمن لَهُ ذَلِك
27 - الْإِعْرَاب من روى أَنه فَالضَّمِير رَاجع إِلَى الهول وَمن روى أَنَّهَا فَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْحَرْب ويقوى التَّذْكِير أَن زعم الهول يُوجب رد الضَّمِير إِلَيْهِ ويقوى التَّأْنِيث أَن أَعرَضت للحرب فَحسن تَأْنِيث الضَّمِير لأجل تأنيثها الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يهوله شَيْء يرَاهُ وَكَأن الهول يَقُول لَهُ لَا يهولنك مَا ترى وَذَلِكَ أَن التهويل يكون بالْكلَام أَي أَن الْحَرْب إِذا اعترضت لسيف الدولة بادية وعنت لَهُ مسعرة صَار هولها فِي عَيْنَيْهِ لشدَّة جراءته وَمَا يحذر مِنْهَا لإقدامه وأنفته كالتهويل الَّذِي يسْتَقلّ فَلَا تحذر عاقبته ويؤمن فَلَا يعلق بالنفوس مخافته
(3/155)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الزَّمَان مَحْمُول على حَاله صائر إِلَى مثل مآله فَإِذا صَحَّ فالزمان فِي صِحَة وسلامة ودعة واستقامة وَإِذا اعتل فالزمان وَأَهله فِي تشك وَعلة واضطراب وَهَذَا كَمَا يرْوى عَن مُعَاوِيَة انه قَالَ نَحن الزَّمَان فَمن رفعناه ارْتَفع وَمن وضعناه اتضع وروى أَنه سمع رجلا يذم الزَّمَان فَقَالَ لَو يعلم مَا يَقُول لضَرَبْت عُنُقه إِن الزَّمَان هُوَ السُّلْطَان
29 - الْغَرِيب الثَّنَاء الْخَيْر كَيفَ يصرف وَمَا يثني من حَدِيث أَي ينشر الْمَعْنى يَقُول إِذا غَابَ عَن مَكَان فَإِنَّهُ يذكر بِالْخَيرِ وَالْفِعْل الْحسن فَكَأَنَّهُ شَاهد فِيهِ وَقيل إِذا غَابَ عَن مَكَان وَجهه وانتقل إِلَى غَيره شخصه فَفِي الْمَكَان الَّذِي يُفَارِقهُ من طيب خَيره وكرم أَثَره وَجه جميل لَا يعْدم وَذكر كريم لَا يفقد
30 - الْإِعْرَاب إلاك الأجود أَن يَقُول إِلَّا إياك وَلكنه أَتَى بالضمير الْمُتَّصِل فِي مَوضِع الْمُنْفَصِل وَهُوَ جَائِز فِي ضَرُورَة الشّعْر الْمَعْنى يَقُول أَنْت الشجاع فَلَيْسَ أحد من الْمُلُوك يقي عرضه بِسَيْفِهِ إِلَّا أَنْت ملك عالي الهمة رفيع الْقدر سَيْفه مسلول دون عرضه فَهُوَ يغلب من غالبه وَلَا يفوتهُ من طلبه
31 - الْغَرِيب سراياك جمع سَرِيَّة وَقيل هِيَ مَا بَين خمس وَتِسْعين إِلَى ثَلَاث مئة الْمَعْنى يُرِيد أَنه فِي وَجه الْعَدو يدفعهم عَن بِلَاد الْمُسلمين فَكيف لَا يَأْمَن الْعرَاق ومصر وَمَا اتَّصل بهما من بِلَاد الْعَرَب وسراياك دونهمَا وخيولك وفرسانك وجنودك يمْنَعُونَ من أرادها ولولاك لاستبيحت تِلْكَ الْبِلَاد وَلم يتَعَذَّر على الْعَدو فِيهَا المُرَاد
32 - الْغَرِيب التحرف الْميل والسدر جمع سِدْرَة والنخيل جمع نَخْلَة وهما ضَرْبَان تخْتَص كثرتهما بالعراق ومصر أَرَادَ حَتَّى يربطوا خيولهم فِي السدر والنخيل فَكَأَنَّهُ قلب الْمَعْنى فجعهما يربطان خُيُول الْأَعْدَاء وَجعل الْفِعْل للسدر والنخيل توسعا الأنها هِيَ الممسكة إِذا ربط إِلَيْهَا فَكَأَنَّهَا ربطتها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من بَاب الْقلب كَقَوْلِك سَاءَنِي أَمر كَذَا أَي وَقع السوء فِيهِ وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَنه وصف سيف الدولة بالسعادة حَتَّى لَو تحرف عَن طرق من يعاديه لربط السدر والنخيل خيولهم كَقَوْل الآخر
(تَرَكُوا جارَهُمُ يَأكُلُهُ ... ضَبُعُ الْوَادِي وَيَرْمِيهِ الشَّجَرْ)
(3/156)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فيهمَا للعراق ومصر وَيَعْنِي بِهِ كافورا وَآل بويه الْمَعْنى ودرى أَي علم من هُوَ عَزِيز بِالدفع عَنهُ بك وبجيوشك فِي الْعرَاق ومصر أَنه حقير ذليل بِغَلَبَة الْعَدو لَهُ فأولاك لأتاه الْعَدو فَرَأى نَفسه حَقِيرًا ذليلا
34 - الْغَرِيب القفول الرُّجُوع من الْغَزْو وَمِنْه الحَدِيث كَانَ إِذا قفل من غَزْو أَو سفر الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي طول حياتك وَمُدَّة عمرك غاز للروم لَا تتركهم وتلح عَلَيْهِم فَلَا تغفلهم فَمَتَى وَعدك بقفول جيشك وإراحة خيلك مَا أرى غزواتك تَنْقَطِع
35 - الْمَعْنى يُرِيد لَيْسَ أعداؤك الرّوم دون غَيرهم وَإِنَّمَا أعداؤك كثير يُرِيد سوى الرّوم مِمَّن يخالفك من أُمَرَاء الْمُسلمين روم يتربصون بك فعلى أَي جانبيك تميل فِي حربك وَإِلَى أَي ناحيتيك تقصد فِي غزوك
36 - الْغَرِيب المساعي المطالب فِي الْجُود وَالْكَرم وَطلب الْمجد والقنا الرماح والنصول جمع نصل وَهُوَ السَّيْف الْمَعْنى يَقُول لم يبلغ أحد من الْمُلُوك مطالبك الَّتِي قَامَت بهَا رماحك وسيوفك فَالْمَعْنى قعد الْمُلُوك عَن مشكور معاليك وَقصرُوا عَن جليل مساعيك وعجزوا عَن إِدْرَاك شأوك وتأخروا عَن مُسَاوَاة فضلك وَقَامَت السيوف والرماح لَك فِيمَا تطلبه ومكنت جَمِيع مَا تحاوله وترغبه
37 - الْغَرِيب الشُّمُول الْخمر الْبَارِدَة وَهِي الَّتِي ضربتها ريح الشمَال الْمَعْنى يُرِيد أَن غَيره من الْمُلُوك يشتغلون باللهو وَشرب الْخمر وَهُوَ مَشْغُول بِالْحَرْبِ أَي لست كمن يتعاطى مماثلتك من الْأُمَرَاء ويحاول مساواتك من الرؤساء وَهُوَ تدار عِنْده الْخمر وَلَا يقْلع عَن النَّعيم وَاللَّهْو وَأَنت تدار عنْدك أَحَادِيث الْحَرْب
38 - الْمَعْنى يُرِيد لَا أرْضى بِأَن يصل إِلَى عطاؤك وَأَنا بعيد عَنْك لَا أَرَاك وَالزَّمَان يبخل على برؤيتك وَلَا يُوجد لي سَبِيلا إِلَى الِاتِّصَال بك
(3/157)

- الْغَرِيب التنغيص التكدير والمرتع مَوضِع المرعى والمخصب الْكثير العشب والمرعى وَهُوَ اسْتِعَارَة والهزيل الْبَالِي الْمَعْنى يَقُول نغص بعدِي عَنْك مَا أحَاط بِي من مواهبك وَمَا اتَّصل بِي من عوارفك ومكارمك فمرتعي بِعَطَائِك خصب لَا يجدب وجسمي ببعدي عَنْك هزيل لَا يسمن يُشِير إِلَى اشْتِغَال نَفسه بِقَصْدِهِ وأسفه على فِرَاقه وَبعده يَقُول لست أتهنأ بِعَطَائِك وَلَا أَرَاك فَإِنِّي فِي قرب عطائك مني وبعدي عَنْك كمن يرتعي فِي مَكَان مخصب وَهُوَ مَعَ ذَلِك هزيل
40 - الْغَرِيب التبوؤ الْقَصْد إِلَى الْمنزل وَالْإِقَامَة فِيهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أَن تبوآ لقومكما بِمصْر بُيُوتًا} والنيل الْعَطاء والمنيل الْمُعْطِي الْمَعْنى يَقُول إِن تبوأت دَارا غير دَارك ويروى إِن تبوأت غير أَرْضك دَارا يَقُول إِن تبوأت غير دَارك دَارا واستوطنت بَلَدا غير بلدك وأصبت فِيهِ مَالا وسعة وَعَطَاء ومكرمة فَأَنت الْمُعْطِي لذَلِك النّيل وَالْمُنْفَرد بذلك الْفضل لِأَن أوكد وسائلي تدنيني مِنْك وَأَنا مَعْدُود عَلَيْك وَإِن بَعدت عَنْك
41 - الْغَرِيب الرِّيف هُوَ مَا أحدق بسواد الْعرَاق وَهُوَ أَيْضا إقليم عَظِيم بِأَرْض مصر فِي ظَاهرهَا والنيل أَيْضا بِمصْر وَالْأَصْل فِيهِ الأَرْض يكون فِيهَا زرع وخصب وَالْجمع أرياف ورافت الْمَاشِيَة إِذا رعت الرِّيف وأرريفنا إِذا صرنا إِلَى الرِّيف وأرافت الأَرْض إِذا أخصبت وَهِي أَرض ريفة بتَشْديد الْيَاء الْمَعْنى يَقُول إِذا بقيت لي فلي من عَبِيدِي ألف كافور مثل الَّذِي رغبت عَن صحبته وكرهت الْبَقَاء فِي جملَته ولى من نداك عوض من الرِّيف والنيل اللَّذين بهما شرف بَلَده وَفِيهِمَا بسط يَده
42 - الْغَرِيب الرزايا جمع رزية وَهِي الْمُصِيبَة والخبل بِسُكُون الْبَاء الْفساد وَالْجمع خبول وَفِي بني فلَان دِمَاء وخبول يَعْنِي قطع الْأَيْدِي والأرجل وَرجل مخبل كَأَنَّهُ قد قطعت أَطْرَافه وَالْحَبل بِكَسْر الْحَاء الداهية وَالْجمع حبول قَالَ كثير
(فَلا تَعْجَلِي يَا عَزُّ أنْ تَتَفَهَّمي ... بِنُصْحٍ أَتى الوَاشُونَ أمْ بِحُبُولِ)
الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع قَالَ لي شَيْخي قَالَ على بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ قَرَأت على أبي الطّيب هَذَا الْبَيْت فَقَالَ إِنَّمَا قلت تقتك يُقَال تقيت الشَّيْء واتقيته وَقَالَ غَيره من جَمِيع الروَاة اتقتك وَالْمعْنَى إِذا تخطتك وَلم تنلك وتعدتك ومتعني الله ببقائك ودوام رفعتك وأسعدني باتصال مدتك فَلَا أُبَالِي من أَصَابَته آفَات الدَّهْر وخطوبه وَمن قصدته دواهيه وصروفه فَإِن أملي إِنَّمَا هُوَ مَعْقُود بك
(3/158)

- 1 الْغَرِيب الوفرة الشّعْر التَّام على الرَّأْس الضفرين الضفائر سَمَّاهَا بِالْمَصْدَرِ الْمَعْنى يَقُول لَا يحسن الشّعْر إِلَّا إِذا نشرت ذوائبه وَيَعْنِي بِهَذَا أَنه شُجَاع صَاحب حروب يستحسن شعره إِذا انْتَشَر على ظَهره يَوْم الْقِتَال وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك تهويلا لِلْعَدو
2 - الْغَرِيب يَقُول اعتقل الرمْح وتنكب الْقوس وتقلد السَّيْف والصعدة الرمْح القصيرة ويعلها يسقيها الدَّم مرّة بعد أُخْرَى الْمَعْنى يَقُول حَتَّى تكون منشورة على فَتى فعلى تتَعَلَّق بمنشورة وَهُوَ عيب فِي صَنْعَة الشّعْر يُسمى التَّضْمِين يُرِيد على فَتى يعتقل صعدة وَهِي الْقَنَاة المستوية يسقيها الدَّم من كل رجل أتام السبلة وَهُوَ مَا تقدم من اللِّحْيَة واسترسل من مقدمها فَيَقُول إِنَّمَا يحسن الشّعْر إِذا كَانَ على هَذِه الْحَالة
(3/159)

- 1 الْإِعْرَاب بريا وسليما حالان ومحبي منادى مُضَاف أَي يَا محبي قيامي الْغَرِيب الْقيام الْإِقَامَة وَالْقِيَام الْوُقُوف من قَامَت الدَّابَّة إِذا وقفت وَجمع الْكِنَايَة فِي ذَلِكُم لِأَنَّهُ يُخَاطب جمَاعَة وَقيل الْقيام هَاهُنَا الْقيام إِلَى الشَّيْء أَو بالشَّيْء الْمَعْنى يَقُول أَيهَا المحبون قيامي إِلَى الْحَرْب مَا لنصلكم لَا يقتل وَلَا يجرح وَلَيْسَ فِيهِ آثَار الضَّرْب يُرِيد لم لَا تُعِينُونِي بِالضَّرْبِ إِن أَحْبَبْتُم مقَامي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَا من يحب مقَامي وتركي الْأَسْفَار والمطالب وَلم أجرح بنصلي أعدائي وأقتلهم بِهِ
2 - الْغَرِيب الفرند يُقَال بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَهُوَ مُعرب وَهُوَ جَوْهَر يسْتَدلّ بِهِ على جودة السَّيْف كالآثار والنقط والهام الرَّأْس والنصل السَّيْف الْمَعْنى يُرِيد أرى من قوتي ونشاطي قِطْعَة من فرند هَذَا السَّيْف يُرِيد أَن للسيف حِدة ومضاء كحدته ومضائه وَإِذا لم يكن السَّيْف جيد الصقل لم يجد بِهِ الضَّرْب وَإِذا نصب وجودة فَمَعْنَاه أرى جودة الضَّرْب فِي جودة صقله أَي قد أجيد صقله ليجود بِهِ الضَّرْب
3 - الْغَرِيب خضرَة ثوب الْعَيْش اسْتِعَارَة من خضرَة النَّبَات والنبات إِذا كَانَ أَخْضَر كَانَ رطبا نَاعِمًا ويحمد من السَّيْف مَا كَانَ مشربا خضرَة كَقَوْل الشَّاعِر
(مُهَنَّدٌ كأنَّمَا طابِعُهُ ... اشْرَبَهَ بالهِنْدِ ماءَ الهِنْدَبا)
وَقد قَالَ البحترى
(حَمَلَتْ حَمائِلُهُ القَدِيِمَةُ بَقْلَةً ... مِنْ عَهْدِ عادٍ غَضَّةً لَمْ تَذْبُلِ)
واحمرار الْمَوْت شدته وَمَوْت أَحْمَر أَي شَدِيد وَأَصله من الْقَتْل وجريان الدَّم ومدرج النَّمْل مدبه وَهُوَ حَيْثُ درج فِيهِ بقوائمه فأثر آثارا دقيقة الْمَعْنى جعل النصل مدرج النَّمْل لما فِيهِ من آثَار الفرند فَيَقُول طيب الْعَيْش فِي السَّيْف أَي فِي اسْتِعْمَاله وَالضَّرْب بِهِ
(3/160)

- الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع الصَّحِيح من معنى هَذَا الْبَيْت أَن مَا نكرَة بِمَعْنى شَيْء مَوْضُوعَة للْعُمُوم كَأَنَّهُ قَالَ أمط عَنْك تشبيهي بِشَيْء من الْأَشْيَاء كَمَا أَنَّك تَقول مَرَرْت بِمَا معجب لَك أَي بِشَيْء معجب لَك وَقَالَ الجراجاني لَا تقل مَا هُوَ إِلَّا كَذَا وَكَأَنَّهُ كَذَا وَإِذا قلت مَا هُوَ إِلَّا الْأسد وَكَأَنَّهُ الْأسد فقد أثبت مَا لتحقيق التَّشْبِيه كَقَوْل لبيد
(وَما المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وَضَوْئهِ ... )
وَقَالَ الربعِي عَن المتنبي أردْت مَا أشبه فلَانا بفلان وَقَالَ عَليّ بن فورجة هَذِه مَا الَّتِي تصْحَب كَأَن إِذا قلت كَأَنَّمَا زيد الْأسد وَإِلَيْهِ ذهب الْخَطِيب قَالَ يُرِيد أمط عَنْك تشبيهي بِأَن تَقول كَأَنَّهُ الْأسد وكأنما هُوَ اللَّيْث وَهُوَ قَول رَدِيء بعيد عَن الصَّوَاب لِأَن أَبَا الطّيب قد فصل مَا من كَأَن وقدمها عَلَيْهِ وأتى فِي مَكَانهَا بِالْهَاءِ فاتصال مَا بكأنه غير مُمكن لفظا وَلَا تَقْديرا وَهِي مَعَ ذَلِك لَا تفِيد معنى إِذا اتَّصَلت بكأن فَكيف إِذا انفصلت مِنْهُ وقدمت عَلَيْهِ وَهِي فِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مُنْفَصِلَة قَائِمَة بِنَفسِهَا تفِيد معنى وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هِيَ استفهامية وَفِي قَول الْجِرْجَانِيّ نَافِيَة وَفِي قَول الربعِي تعجبية والكافة إِنَّمَا تدخل لتكف عَن الْعَمَل لَا لِمَعْنى تحدثه بِمَنْزِلَة الزَّائِدَة وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري اللفظان اللَّذَان مثل بهما أَبُو زَكَرِيَّا يحيى ابْن عَليّ التبريزي كَأَنَّهُ وكأنما فهما كَأَن وَحدهَا لِأَن معنى كَأَن وكأنما وَاحِد فَلَا فرق بَين أَن يَقُول أمط عَنْك تشبيهي بكأن وكأنما فَهُوَ فَاسد من كل وَجه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُجيب بِهِ إِذا سُئِلَ عَن هَذَا أَنه يعْتَبر كَأَن قَائِلا قَالَ بِمَا يشبه فَيَقُول الآخر كَأَنَّهُ الْأسد فَقَالَ هُوَ معرضًا عَن هَذَا القَوْل أمط عَنْك تشبيهي بِمَا وَكَأَنَّهُ فَلَمَّا جَاءَ بِحرف التَّشْبِيه ذكر مَا فِي التَّشْبِيه وَقَالَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ مَا هَاهُنَا اسْم بِمَعْنى الَّذِي يُقَال لمن يشبه بالبحر كَأَنَّهُ مَا هُوَ نصف الدُّنْيَا يعنون الْبَحْر لِأَن الدُّنْيَا بر وبحر وَيَقُولُونَ كَأَنَّهُ مَا هُوَ سراج الدُّنْيَا يعنون الشَّمْس وَالْقَمَر وَلما كَانَ لَفظهَا فِي الْمُشبه بِهِ ذكره المتنبي مَعَ كَأَن الْغَرِيب الإماطة الرّفْع والتنحية وَمِنْه إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق الْمَعْنى يَقُول لَا تشبهني بِأحد وَلَا تقل كَأَنَّهُ وَمَا مثله فَأَنا مَا فَوقِي أحد فَلَا يشبهني بِشَيْء وَهَذَا قَوْله فِي حَال الصِّبَا مَعَ شدَّة حمقه فِي الكهولة
5 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي إِيَّاه للسيف الْغَرِيب الطّرف الْفرس الْكَرِيم وَجمعه طروف والذابل مَا لَان واهتز من الرماح الْمَعْنى يَقُول دَعْنِي وسيفي وفرسي حَتَّى تَجْتَمِع فنكون فِي رَأْي الْعين شخصا وَاحِدًا وَمن روى نَكُنْ وَاحِدًا ونلق بالنُّون فَهُوَ مجزوم لِأَنَّهُ بدل من قَوْله نَكُنْ كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى عبد الله بن عَامر وَأبي بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب بِالْجَزْمِ بدل من قَوْله {يلق أثاما} وَمن روى يلقى بِالْيَاءِ فَهُوَ وصف لوَاحِد النكرَة وَهُوَ مَرْفُوع وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَقد لَاذَ فِي هَذَا الْبَيْت بقول ذِي الرمة
(وَليْلِ كجِلْبابِ العَرُوسِ ادَّرَعْتُهُ ... بأرْبَعَةٍ والشَّخصُ فِي العَينِ وَاحِدُ)

(أحَمُّ غُدَافِيّ وأبْيَضُ صَارِمٌ ... وأعْيَسُ مَهْرِيّ وأرْوَعُ ماجِدُ)
(3/161)

- 1 الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أخبر عَن نَفسه فَقَالَ أَنا أعيش وأيسر مَا قاسيت مَا قتل وَيحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون فِي معنى أفعل الَّتِي للتفضيل أَي أَشد مَا يكون فِي الْإِنْسَان وأيسر مَا قاسيت شَيْء قَاتل فَكَأَن الْكَلَام على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي الشَّيْء الَّذِي يقتل أحيى وأيسر مَا لاقيت أَو مَا أَلْقَاهُ وَإِذا حمل على هَذَا الْوَجْه فقد حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي أحيى مَا لاقيت وأيسر مَا لاقيت وهم يستعملون هَذَا فِي الشّعْر وَلَو قلت فِي النثر أفضل وَأكْرم النَّاس زيد تُرِيدُ أفضل النَّاس وَأكْرمهمْ لقبح وَإِنَّمَا الفصيح أكْرم النَّاس وأفضلهم وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري أَحْيَا فعل الْمُتَكَلّم وَالْجُمْلَة الَّتِي هِيَ ايسر الخ فِي مَوضِع النصب على الْحَال من الْمُضمر فِي أَحْيَا أَي أعيش وَأَقل مَا قاسيت وأهون الْأَشْيَاء الَّتِي قاسيتها فِي الْهوى الشَّيْء الَّذِي قتل المحبين الْغَرِيب الْجور ضد الْعدْل وَهُوَ الْعُدُول عَن الْقَصْد والميل عَنهُ وجوره تجويرا نسبه إِلَى الْجور
(3/162)

الْمَعْنى يَقُول أَحْيَا وأهون مَا قاسيت الَّذِي قتل وَهَذَا الْفِرَاق جَائِر عَليّ مَعَ ضعْفي وَقَوله وَمَا عدلا كرر الْمَعْنى يُقَال جَار وَمَا عدل وَالْمَفْهُوم أَن الجائر قد علم مِنْهُ أَنه لم يعدل وَإِنَّمَا كَرَّرَه لِأَن الجائر فِي وَقت قد يعدل فيوصف بالجور إِذا جَار وبالعدل إِذا عدل وَهَذَا جَار عَلَيْهِ وَمَا عدل وَمثله فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى {أموات غير أَحيَاء} فتوصيفها بِالْمَوْتِ يدل أَنَّهَا أموات فَالْمَعْنى أَنَّهَا أموات لَا تحيا فِي الْمُسْتَقْبل كَمَا يحيا النَّاس عِنْد الْبَعْث وَالْمعْنَى أَنه جَار على ضعْفي بمقاساة الْهوى وَلم يعدل حِين فرق بيني وَبَين أحبتي
2 - الْغَرِيب الوجد الْحزن والشوق والنوى الْبعد الْمَعْنى يَقُول الشوق والحزن زائدان كَمَا يزْدَاد الْبعد كل سَاعَة وَالصَّبْر قَلِيل ضَعِيف كَمَا يضعف الْجِسْم ويقل ويبلى
3 - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع لَهَا هِيَ الفاعلة والمنايا فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وَالْمعْنَى وجدت لَهَوَات المنايا فلهَا جمع لهاة وَقَالَ قَالَ لي شَيْخي مُحَمَّد ابْن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ لي أَبُو عَليّ بن رشدين قلت للمتنبي عِنْد قراءتي عَلَيْهِ أضمرت قبل الذّكر قَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَيْسَت المنايا فاعلة وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَوضِع خفض وَقَالَ الشريف هبة الله بن مُحَمَّد فِي أَمَالِيهِ لَهَا من الحشو لِأَن الْمَعْنى غير مفتقر إِلَيْهَا الْغَرِيب المنايا جمع منية وَهِي الْمَوْت والسبل جمع سَبِيل وَهِي الطَّرِيق وَإِنَّمَا جمعهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ صِحَة الْمَعْنى لِأَن فِرَاق الحبيب يُوجد للمنية سَبِيلا مباينة للسبل الَّتِي جرت عَادَة الْمنية بِهِ وَذَلِكَ أَن فِرَاقه إِنَّمَا يكون فِي الْأَغْلَب مَعَ الهجر والمنية تدْرك بِهِ من طَرِيق الْعِشْق وَطَرِيق الْفِرَاق وَطَرِيق الشوق وَطَرِيق الْعَجز طرقا شَيْء فَلذَلِك اسْتعْمل الْجمع والسبيل تذكر وتؤنث قَرَأَ أَبُو بكر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وليستبين سَبِيل بِالْيَاءِ وَقَرَأَ نَافِع بِالتَّاءِ وَنصب السَّبِيل على الْخطاب للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ على التَّأْنِيث وَرفع السَّبِيل الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا الْفِرَاق لما كَانَ للمنية طَرِيق إِلَى الْأَرْوَاح وَإِنَّمَا توسلت إِلَيْهَا بطرِيق فِرَاق الأحباب وَهَذَا من قَول أبي تَمام
(لَو جاءَ مُرتادُ المَنِيَّةِ لَم يَجد ... إلاَّ الفرَاقَ عَلى النُّفُوسِ دَليلاً)

4 - الْإِعْرَاب الْفَاء جَوَاب أما لِأَنَّهَا أسبق وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ
(3/163)

الْجَواب الْمَذْكُور وَمثله قَوْلك وَالله إِن تزرني لأكرمنك بِجعْل الْجَواب للقسم لتقدمه وسد جَوَاب الْقسم مسَّد جَوَاب الشَّرْط وَإِذا قدمت الشَّرْط جعلت الْجَواب لَهُ فَتَقول إِن تزرني وَالله أكرمك وَجَاء فِي التَّنْزِيل من ذكر جَوَاب الأسبق لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم لما كَانَت اللَّام مؤذنه بالقسم كَانَ الْجَواب لَهُ وَقَوله يهوى يجوز فِيهِ الْجَزْم وَالرَّفْع فَمن رَفعه جعله وَصفا لدنف وَمن جزمه جعله جَوَاب صلى لِأَن الْأَمر أحد الْأَشْيَاء الَّتِي تنوب عَن الشَّرْط فَهُوَ فِي الرّفْع والجزم كَقَوْلِه تَعَالَى {أرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني} بِالْجَزْمِ كَقِرَاءَة نَافِع وبالرفع وَكَقَوْلِه {فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي} بِالْجَزْمِ كَقِرَاءَة أبي عَمْرو وَعلي بن حَمْزَة وبالرفع كَقِرَاءَة البَاقِينَ الْغَرِيب الدنف الْمَرِيض والدنف بِالتَّحْرِيكِ الْمَرَض الملازم وَرجل دنف بِفَتْح النُّون وَامْرَأَة دنف أَيْضا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع والتثنية فَإِن قلت دنف بِكَسْر النُّون ثنيت وجمعت وَذكرت وأنثت ودنف بِالْكَسْرِ ثقل فِي الْمَرَض وأدنفه الْمَرَض يتَعَدَّى وَلَا يتعدي الْمَعْنى أَنه أقسم عَلَيْهَا بِسحر ألحاظها أَن تصل مَرِيضا يهوى الْحَيَاة بوصالها وَأما مَعَ صدودها فَلَا يهوى الْحَيَاة وَلَا يريدها وَيُرِيد بِسحر الجفون أَنَّهَا إِذا نظرت تغلب عقول الرِّجَال وتصيد قُلُوبهم فَكَأَنَّهَا سحرتهم وَهُوَ من قَول دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ الْكُوفِي
(مَا أطْيَبَ العَيْشَ فأمَّا عَلى ... أَن لَا أرَى وَجْهَكِ يَوْما فَلا)

(لَوْ أنَّ يَوْما مِنْكِ أوْ ساعَةً ... تُباعُ بالدُّنْيا إذَنْ مَا غَلا)

5 - الْغَرِيب النصول ذهَاب الخضاب تَقول نصل الخضاب إِذا ذهب والسلوة ذهَاب الْمحبَّة سلا يسلو سلوا إِذا أقلع عَن الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول هَذَا الدنف إِلَّا يشب رَأسه أَو لحيته فَلَقَد شابت كبده واستعار شيب الكبد وَهُوَ قَبِيح نَقله من شيب الْفُؤَاد وَالْمعْنَى شَاب فُؤَاده من حرارة الشوق فَإِذا خضبت السلوة ذَلِك الشيب ذهب الخضاب وَلم يثبت لِأَن سلوته لَا تدوم وَلَا تبقى وَإِذا زَالَت السلوة زَالَ خضاب فُؤَاده وَعَاد شَيْبه إِلَى أَكثر مَا كَانَ وَهَذَا من قَول أبي تَمام
(شابَ رأسِي وَما رأيْتُ مَشِيبَ الرْأْسِ ... إلاَّ مِنْ فَضْلِ شَيْبِ الفُؤادِ)

6 - الْمَعْنى من روى يحن بِالْحَاء فَهُوَ من حن يحن حنينا أَي يشتاق وَمن روى يجن بِضَم الْيَاء وَفتح الْجِيم فَهُوَ من الْجُنُون وَبِه قَرَأت الدِّيوَان على شَيْخي
(3/164)

أبي الْحرم وَأبي مُحَمَّد وَبدل عَلَيْهِ قَوْله عقلا وَيكون فِيهِ الْمُطَابقَة بَين الْجُنُون وَالْعقل وَالْمعْنَى أَن هَذَا الدنف يصير مَجْنُونا لشدَّة شوقه ووجده فلولا أَنه يجد رَائِحَة شرقية من قبل أحبائه لما رَجَعَ إِلَيْهِ الْعقل وَلكنه إِذا وجد ريح الْمشرق من قبل أحبائه خف جُنُونه وَقد نظر فِيهِ إِلَى قَول عبد الله بن الدمينة
(وأسْتَنشِقُ النَّسْماءَ مِنْ نحوِ أرْضِكُم ... كأَني مَريضٌ والنَّسِيمُ طَبِيبُ)

7 - الْإِعْرَاب هَا للتّنْبِيه وَالْمعْنَى هَا أَنا ذَا وَترى جَوَاب الْأَمر وَقَوله فقد وَألا جَوَاب الشَّرْط الْغَرِيب الحرق جمع حرقة وَقَوله وأل تَقول وأل الرجل يئل إِذا نجا الْمَعْنى يَقُول هَا أَنا ذَا فانظري إِلَى أَو فكري فِي إِن لم تنظري أَي استعملي نَفسك فِي الرُّؤْيَة والروية ترى من أَمْرِي مَا يسوءك فَعَسَى أَن ترحميني لما تَرين بِي من حرق من حبك من لم يجد الْقَلِيل مِنْهَا فقد نجا من بلَاء الْحبّ وَقد وصف فِي عجز الْبَيْت مَا ذكره من الحرق مُجملا مَا فَصله البحتري فِي قَوْله
(أعِيدِي فيَّ نَظْرَةَ مُسْتَشِيبٍ ... تَوَخَّى الأجْرَ أوْ كره الأثاما)

(تَرَى كَبِداً مُحَرَّقَةً وَعَيناً ... مُؤَرَّقَةً وَقَلْبا مُسْتَهاما)

8 - الْإِعْرَاب عل حرف ذهب أَصْحَابنَا الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن لامه الأولى أَصْلِيَّة وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة حجتهم أَنَّهَا حرف والحروف كلهَا حروفها أَصْلِيَّة لِأَن حُرُوف الزِّيَادَة الْعشْرَة الَّتِي يجمعها الْيَوْم تنساه إِنَّمَا تخْتَص بالأسماء وَالْأَفْعَال فَأَما الْحُرُوف فَلَا يدخلهَا شَيْء من هَذِه الْحُرُوف على سَبِيل الزِّيَادَة بل يحكم على حروفها كلهَا بِأَنَّهَا أَصْلِيَّة فِي كل مَكَان على كل حَال أَلا ترى أَن الْألف لَا تكون فِي الِاسْم وَالْفِعْل إِلَّا زَائِدَة أَو منقلبة وَلَا يجوز أَن يحكم عَلَيْهَا فِي مَا وَلَا بِأَنَّهَا زَائِدَة أَو منقلبة بل يحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا أَصْلِيَّة فَدلَّ على أَن اللَّام الأولى فِي لَعَلَّ أَصْلِيَّة وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَن اللَّام خَاصَّة لَا تكَاد تزاد إِلَّا على سَبِيل الشذوذ فَكيف يحكم عَلَيْهَا بِزِيَادَة فِيمَا لَا يجوز فِيهِ الزِّيَادَة بِحَال وَحجَّة الْبَصرِيين أَنهم وجدوها فِي كَلَام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا كَقَوْل نَافِع الطَّائِي
(وَلَسْتُ بلَوَّامٍ عَلى الأمْرِ بَعْدَما ... يَفُوتُ وَلَكِنْ عَلَّ أنْ أتَقَدَّما)
وكقول الآخر
(لَا تُهينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْما والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ)
(3/165)

وَمن روى فَيشفع بِالرَّفْع عطفه على قَوْله يرى وَمن نَصبه جعله جَوَابا لِلتَّمَنِّي كَقِرَاءَة حَفْص عَن عَاصِم لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع بِالنّصب الْغَرِيب الشَّفَاعَة السُّؤَال لصَاحب الْأَمر فِي عَفْو وَغَيره تَقول تشفعت إِلَيْهِ فِي زيد فشفعني فِيهِ تشفيعا واستشفعته إِلَى فلَان سَأَلته أَن يشفع لي إِلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ الْأَمِير الممدوح إِذا رأى ذلي وضعفي فِي الْهوى يشفع لي إِلَى من أحبها يضْرب فِي الْمثل فِي الْعِشْق لتواصلي بِشَفَاعَتِهِ قَالَ الواحدي هُوَ من قَول أبي نواس
(سأشْكو إِلَى الفضْل بنِ يَحْيى بنِ خالِدٍ ... هَوَاها لَعَلَّ الفَضْلَ يَجْمَعُ بَيْنَنا)
وَقَول أبي نواس احسن من قَول المتنبي لِأَن الْجمع يُمكن بَان يُعْطِيهِ مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى محبوبته والشفاعة تكون بِاللِّسَانِ وَذَلِكَ نوع قيادة على أَنِّي سَمِعت الْعَرُوضِي يَقُول سَمِعت الشعراني يَقُول لم أسمع أَبَا الطّيب ينشده إِلَّا فيشفعني من قَوْلهم كَانَ وترا فشفعته بآخر وَإِلَى آخر فَيكون كَقَوْل أَبى نواس
9 - الْغَرِيب الاعتقال أَن يحمل الرمْح بَين سَاقه وركابه الْمَعْنى يَقُول علمت وتيقنت أَن الممدوح يطْلب بدمى إِن سفكته الحبيبه وَيَأْخُذ مِنْهَا ثَأْرِي وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْته قد اعتقل رمحه عِنْدَمَا توجه لقِتَال الْأَعْدَاء فَعلمت أَنه يدْرك ثأر أوليائه قَالَ الواحدي هُوَ من قَول المؤمل
(لَمَّا رَمَتْ مًهْجَتِي قالَتْ لِجارِتِها ... إنّي قَتَلْتُ قَتِيلاً مَا لَهُ خَطَرُ)

(قَتَلْتُ شاعِرَ هَذَا الحَيَ مِنً مُضَرٍ ... وَاللَهِ وَاللَهِ مَا تَرْضَى بِهِ مُضَرُ)

10 - الْغَرِيب يروي فضل نائله وَهُوَ الْعَطاء وزحل نجم من النُّجُوم السيارة وَهُوَ أبعدها عَن الأَرْض وسمى زحلا لِأَنَّهُ زحل وتنحي وَهُوَ معدول عَن زاحل كعمر عَن عَامر الْمَعْنى يَقُول علمت أنني فَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله أَن سعيدا أَي وأنني غير قَادر على إحصاء فَضله وَفضل أَبِيه أَو فضل عطائه وَإِنِّي أنال زحلا دون نيلي لوصفه وَهَذَا من الْمُبَالغَة
11 - الْإِعْرَاب رفع قيل على حذف الِابْتِدَاء أَي هُوَ قيل وَقَالَ قوم هُوَ بدل من قَوْله طَالب خبر أَن فِي الْبَيْت الأول ومثواه مُبْتَدأ خَبره بمنبج ونائله
(3/166)

مُبْتَدأ وَخَبره فِي الْأُفق وَيسْأل فِي مَوضِع الْحَال وَالْبَاء مُتَعَلقَة بالاستقرار وَعَن مُتَعَلق بيسأل الْغَرِيب منبج بلد بِالشَّام يبعد عَن الْفُرَات مرحلة والقيل بلغَة حمير الْملك الْعَظِيم والمثوى الْمنزل ثوى بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ وَنزل بِهِ وَمِنْه قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ {لنثوينهم من الْجنَّة غرفا} الْمَعْنى يُرِيد أَنه مُقيم بمنبج وعطاؤه يطوف الْآفَاق يسْأَل عَمَّن سَأَلَ غَيره من النَّاس ليغنيه عَن مسئلتهم أَو يعتبه إِذْ لم يسْأَل هَذَا الممدوح فَهُوَ يَأْتِي إِلَى كل سَائل وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الطَّائِي
(فأضْحَت عَطاياهُ نَوَازِعَ شُرَّدَا ... تْائِلُ فِي الآفاقِ عَنْ كُل سائِلِ)
وَمن قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(وَإنْ نَحْنُ لَمْ نَبْغِ مَعْرُوفَهُ ... فَمَعْرُوفُهُ أبَداً يَبْتَغِينَا)
وَمن قَول الطَّائِي أَيْضا
(وَفَدَتْ إِلَى الأقْطارِ مِنْ مَعْرُوفهِ ... نِعَمٌ تُسائِلُ عَنْ ذَوِي الإقْتارِ)
وَمن قَوْله أَيْضا
(فإنْ لم يَفِدء يَوْما إلَيْهِنَّ طالِبٌ ... وَفَدْنَ إِلَى كْلّ امْرِئٍ غَيرِ طالِبِ)
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى السرئ الْموصِلِي بقوله
(بَعَثَ النَّدَى فِي الخافِقَيْنِ ... مُسائِلاً عَنْ كْلّ سائِلْ)

12 - الْغَرِيب الْغرَّة غرَّة الْوَجْه وَهُوَ الْبيَاض الَّذِي يكون فِي وَجه الْفرس والهيجاء الْحَرْب يقصر ويمد الْمَعْنى يُرِيد أَن وَجهه لحسنه يضئ كالبدر فِي ظلام اللَّيْل وَإِذا لَقِي الْأَعْدَاء فَإِن الْمَوْت يحمل مَعَه ويصول عَلَيْهِم فيقتلهم فالموت من أعوانه
13 - الْغَرِيب كلاب قَبيلَة وجناب قَبيلَة عدوه وَقَوله يسْبق العذلا هُوَ مثل يُقَال سبق السَّيْف العذل وَأَصله من قَول رجل قتل فِي الْحَرْب فعذل على ذَلِك فَقَالَ سبق سَيفي عذلكم الْمَعْنى يَقُول ترابه كحل لأعين كلاب يكتحلون بِهِ هَذَا قَول الواحدي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ترابه فِي أعين كلاب لِأَنَّهُ لَا تغبهم غاراته وقساطله وَلَا يغمد عَنْهُم سَيْفه
(3/167)

- الْغَرِيب سَمَاء الْفَخر اسْتِعَارَة حَسَنَة والمخترق مَوضِع الاحتراق وَيُرِيد بِهِ المصعد فِي الْهَوَاء كَأَنَّهُ يشق الْهَوَاء والنور مَا أشتهر وَسَار من فَضله الْمَعْنى يَقُول لفخره علو وارتفاع فنوره يصعد فِي سَمَاء الْفَخر وَلَو صعد فكر واصفه فِي ذَلِك النُّور طول دهره مَا نزل لِأَنَّهُ يصعد على إِثْر ذَلِك النُّور فَلَا يلْحقهُ لِأَنَّهُ قد علا فَوق كل شَيْء ذكره وَصيته علوا لَا يدْرك بالوهم والفكر
15 - الْإِعْرَاب لم يصرف تَمِيم لِأَنَّهُ أَرَادَ الْقَبِيلَة فَاجْتمع فِيهِ التَّعْرِيف والتأنيث وقدما بِمَعْنى قديم وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ نعت ظرف مَحْذُوف يُرِيد زَمَانا قَدِيما الْغَرِيب الْحِين الْهَلَاك وبادت هَلَكت وَكَانَ حَقه أَن يَقُول ساقت إِلَيْهِم آجالهم حينهم لِأَن الْأَجَل يَسُوق الْحِين وَلكنه قلب فَجعل الْحِين يَسُوق الآجل وَهُوَ جَائِز لقرب أَحدهمَا من الآخر لِأَن الْأَجَل إِذا تمّ وانقضى حصل الْحِين فَكَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا سائق للْآخر الْمَعْنى يُرِيد أَنه الْأَمِير المطاع فِي قومه الَّذِي كَانَ هَلَاك بني تَمِيم بِهِ وعَلى يَده زَمَانا قَدِيما وَبِه سَاق الْحِين إِلَيْهِم آجالهم
16 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ طيب الأَصْل لِأَن جده كَانَ مبرأ من الْعُيُوب وَهُوَ مبارك يسْتَنْزل بِهِ الْقطر من الْغَمَام فيسقى الله بِهِ وَهُوَ عذب الْأَخْلَاق يستحلى خلقه كَأَنَّهُ معسول ممزوج بالعسل
17 - الْغَرِيب الْعوَان الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة بعد أُخْرَى وَالْحلَل جمع حلَّة وَهِي الْمنَازل الَّتِي حلوها الْمَعْنى يَقُول لما رأى بَنو تَمِيم هَذَا الممدوح وخيله المنصورة قد أَقبلت إِلَيْهِم وَلم تقَاتلهمْ بعد تركُوا مَنَازِلهمْ وَهُوَ بوافي أول الْأَمر قبل الْقِتَال وَقَالَ الواحدي لَا يجوز أَن يكون خيل النَّصْر اسْتِعَارَة لِأَنَّهُ يلْزم من وجود النَّصْر وإقباله انهزام الْعَدو فَلَا يكون فِيهِ مدح وَإِنَّمَا مُرَاده أَنهم لما رَأَوْا خيله مقبلة انْهَزمُوا لعلمهم أَنهم المنصورون فِي جَمِيع الحروب
18 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ رأى فِي هَذَا الْبَيْت لَيست من رُؤْيَة الْعين
(3/168)

وَإِنَّمَا هُوَ من رُؤْيَة الْقلب يُرِيد بِهِ التَّوَهُّم وَغير الشَّيْء يجوز أَن يتَوَهَّم وَمثله كثير وَقَالَ ابْن القطاع قد أوخذ فِي هَذَا الْبَيْت فَقبل كَيفَ يرى غير شَيْء وَغير شَيْء مَعْدُوم ولمعدوم لَا يرى وَفِيه تنَاقض وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا بل أَرَادَ غير شَيْء يعبأ بِهِ وَالصَّحِيح أَن شَيْئا فِي هَذَا الْبَيْت يُرِيد بِهِ إنْسَانا خَاصَّة يُرِيد إِذا رأى غير إِنْسَان ظَنّه رجلا يَطْلُبهُ لِأَن خَوفه من الْإِنْسَان وَقَالَ الواحدي إِذا رأى غير شَيْء يعبأ بِهِ أَو يفكر فِي مثله ظَنّه إنْسَانا يَطْلُبهُ وَكَذَلِكَ عَادَة الهارب الْخَائِف كَقَوْل جرير
(مَا زَالَ يَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بعْدَهْم ... خَيْلاً تَكُرُّ عَلَيْهمُ وَرِجالاً)
قَالَ أَبُو عبيد لما أنْشد الأخطل قَول جرير هَذَا قَالَ سَرقه وَالله من كِتَابهمْ يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم الْآيَة وَيجوز حذف الصّفة وَترك الْمَوْصُوف دَالا عَلَيْهَا كَقَوْلِه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد أَجمعُوا على أَن الْمَعْنى لَا صَلَاة كَامِلَة فاضلة وَيَقُولُونَ هَذَا لَيْسَ بِشَيْء يُرِيدُونَ شَيْئا جيدا وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن الله خلق الْأَشْيَاء من لَا شَيْء فَقيل هَذَا خطأ لِأَن لاشيء لَا يخلق مِنْهُ شَيْء وَمن قَالَ إِن الله يخلق من لَا شَيْء جعل لاشيء شَيْئا يخلق مِنْهُ وَالصَّحِيح أَن يُقَال يخلق لَا من شَيْء لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا من شَيْء نفى أَن يكون قبل خلقه شَيْء يخلق مِنْهُ الْأَشْيَاء انْتهى كَلَامه وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَي إِذا رأى غير شَيْء يخَاف مِنْهُ وَمِنْه {حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا} مَعْنَاهُ يُريدهُ أَو يَطْلُبهُ أَو يُغْنِيه عَن المَاء أَي شَيْئا نَافِعًا مغنيا الْمَعْنى يَقُول لشدَّة خوفهم وَمَا لحقهم من الْخَوْف ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض فَلم يَجدوا مهربا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ} فهاربهم إِذا رأى غير شَيْء مفزع فزع مِنْهُ لخوفه وَهَذَا كَقَوْلِه الْبَيْت بعده
19 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد قل قدرهم وعددهم وذلوا حَتَّى لَو ركضوا بخيلهم فِي لَهَوَات صبي مَعَ صغر حلقه لما سعل وَإِذا غص الْإِنْسَان بِشَيْء صَغِير لم يسعل وَإِنَّمَا يسعل الْإِنْسَان بِشَيْء كَبِير الْجِسْم لَا بِشَيْء صَغِير الْقدر وَلكنه حمل الْكَلَام على لفظ الْقلَّة كَقَوْلِه
(أماتَكُمُ مِنْ قَبْلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ ... وَجَرَّكُمُ مِنْ خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ)
اعْتمد على اللَّفْظ وَجعل الْمجَاز بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة كَذَا هَاهُنَا وَيجوز أَن يَجْعَل الطِّفْل مِنْهُم أَي مَا جسر الطِّفْل مِنْهُم أَن يسعل خوفًا وإشفاقا مَعَ أَنه لَا عقل لَهُ فَكيف الظَّن بكبيرهم فِي أَمر الْخَوْف وَله عقل بالخوف وعَلى هَذَا ركضت فعل خيل النَّصْر وقبيلته وَقَومه
(3/169)

قَالَ الواحدي أَي بعد الْيَوْم الَّذِي بادت بَنو تَمِيم أَو بعد إسْلَامهمْ الْحلَل إِلَى يَوْمنَا هَذَا الَّذِي نَحن فِيهِ لَو ركضت خيلهم فِي لَهَوَات صبي مَا شعر بهم حَتَّى يسعل يُرِيد خيل بني تَمِيم لقلتهم وذلتهم وَقد بَالغ رَحمَه الله حَتَّى أَحَالهُ انْتهى كَلَامه وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ الأجود وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الشَّاعِر
(لَوْ أنَّهُ حَرَّكَ الجُرْدَ الجِيادَ عَلى ... أجْفانِ ذِي حُلُمٍ لَمْ يَنْتَبِهْ فَرَقا)
وَفِيه نظر إِلَى قَول خَالِد الْكَاتِب
(وَمَرَّ بِفِكْرِي خاطِراً فجَرَحْتُهُ ... وَلْم أرَ شَيْئا قَطُّ يَجْرَحُهُ الفِكْرُ)

20 - الْغَرِيب الأولى بِمَعْنى الَّذين والجزر مَا ألْقى للسباع وَمِنْه قَول عنترة
(فَتْركْتُهُ جَزَرَ السبِّاعِ يَنُشْنَهُ ... )
وَيُقَال مَا كَانُوا إِلَّا جزرا لسيوفنا أَي الَّذين نقتلهم فنلقيهم للسباع الْمَعْنى يُرِيد إِن الَّذين لقوك مِنْهُم أفنيتهم بِالسَّيْفِ وَكَانُوا جزرا للسباع وَالَّذين لم يلقوك مَاتُوا خوفًا مِنْك وَمن جيشك فَقَتلهُمْ وجلا والوجل شدَّة الْخَوْف
21 - الْغَرِيب المهمة مَا بعد واتسع من الأَرْض وَالْقَذْف الْبعيد الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قضاني عَائِد إِلَى المهمة أَي هَذَا المهمة قضاني بعد أَن مطل لبعده ومشقة قطعه الْمَعْنى يَقُول كم طَرِيق بعيد شاق قطعه قلب من يدل فِيهِ كقلب العاشق لاضطرابه وخوفه من الْهَلَاك فِيهِ قطعته بالسير فِيهِ بعد مَا طَال على وصعب واستعارة لَهُ المطل وَالْقَضَاء لِأَن الْمَطْلُوب مِنْهُ انْقِطَاعه بالسير فَهُوَ بِطُولِهِ وَبعد انْقِطَاعه كالماطل الَّذِي يمطل بِمَا يَقْتَضِي مِنْهُ وَهَذَا المهمة لطوله وشدته كَأَنَّهُ يمطل وَقَالَ ابْن القطاع غلط ابْن جنى فِي هَذَا الْبَيْت فَرَوَاهُ قلب الْمُحب بِفَتْح الْحَاء يُرِيد المحبوب وَهُوَ من الْغَلَط الْفَاحِش لِأَن قلب المحبوب سَاكن الجأش وَإِنَّمَا الْخَائِف الْمُحب بِكَسْر الْحَاء وَلِهَذَا شبهه بقلب الدَّلِيل لخوفه فِي هَذَا المهمه يَقُول قطعته بعد شدَّة فَكَأَنَّهُ مطلني ببعده وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا لم أسمعها من اُحْدُ عَن ابْن جنى
22 - الْغَرِيب المفاوز جمع مفازة وَسميت بذلك تفاؤلا بالفوز وَقيل بل من قَوْلهم فوز الرجل إِذا مَاتَ فِي مهلكة وحر الْوَجْه أشرف شَيْء فِيهِ وأفل النَّجْم غَابَ قَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين}
(3/170)

الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ ينظر إِلَى النَّجْم نظرا مُتَّصِلا خوفًا من الظلال فَجعله لدوامه كالعقد لطرفه يُرِيد أَنه لم يزل ينظر إِلَى النَّجْم حَتَّى كَأَنَّهُ قد عقد طرفه بِهِ وَإِذا غَابَ النَّجْم عقد حر وَجهه بَحر الشَّمْس وَالْمعْنَى أَنه سَافر فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى بلغ مَا أَرَادَ وجانس بَحر الشَّمْس حر الْوَجْه
23 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي حصاها عَائِد على الْمَفَازَة الْغَرِيب الصم الشداد الصلاب من كل شَيْء واليعملة النَّاقة القوية إِلَى يعْمل عَلَيْهَا فِي السّير وَالْجمع يُعَامل ويعملات وتغشمرت تعسفت والسهل مَا سهل من الأَرْض والجبل الْحزن وَهُوَ مَا صَعب قطعه من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول أوطأت نَاقَتي الْحَصَى من هَذِه المفاوز كَمَا تُوطأ الْمَرْأَة أَي جمعت بَينهمَا وَركبت نَاقَتي على غير قصد تَارَة سهلا وَتارَة جبلا فَلم تزل تعسف بِي حَتَّى وصلت إِلَيْك
24 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي غيطانها للمفاوز أَيْضا الْغَرِيب الْغِيطَان جمع غَائِط وَهُوَ الَّذِي اطْمَأَن من الأَرْض وانخفض والزجل الصياح وَالصَّوْت والجلبة والنمرق نمرق الكور وَهُوَ الَّذِي يلقى عَلَيْهِ الرَّاكِب فَخذه للاستراحة وحشو الشَّيْء مَا فِي بَاطِنه الْمَعْنى يَقُول لَو كنت بدلي تَحت ثِيَابِي وَفرق نمرق نَاقَتي لسمعت جلبة الْجِنّ وأصواتهم فِي منخفض هَذِه المفاوز لِأَنَّهَا مأوى الْجِنّ لبعدها عَن الْإِنْس وَالْعرب إِذا وصفت الْمَكَان الْبعيد تَجْعَلهُ مسكن الْجِنّ كَمَا قَالَ الأخطل
(مَلاعِبُ جِنَّانِ كأنَّ تُرَابَها ... إذَا اطَّرَدَتْ فِيها الرّياحُ مُغَرْبَلُ)
وَالْمعْنَى مَأْخُوذ من قَول ذِي الرمة
(لِلْجِنّ باللَّيْلِ فِي حافاتِها زَجَلٌ ... كمَا تَجاوَبَ يَوْمَ الرّيحِ عَيْشُومُ)
والعيشوم مَا يبس من الحماض
25 - الْمَعْنى يَقُول وصلت إِلَى الممدوح بِنَفس قد ذهب أَكْثَرهَا أَي ذهب لَحمهَا ودمها من شدَّة النصب وَالْخَوْف لمقاساتها فِي هَذِه الطَّرِيق الْبَعِيدَة ثمَّ تمنى أَن يعِيش بِمَا بقى مِنْهَا ليقضى حق الممدوح بخدمته لَهُ
196

- 26 الْمَعْنى يُخَاطب الممدوح وَيَقُول لَهُ أَنا أطلب عطاءك الَّذِي هُوَ مُبَاح لكل طَالب لَا يخْشَى مِنْك مطالا وَيُرِيد أَنه يسْتَقلّ كثير مَا يعْطى وهمتك فِي الْجُود فَوق كل همة فَإِذا وهبت الدُّنْيَا كلهَا كنت بَخِيلًا لعلو همتك فالدنيا حقيرة بِالْإِضَافَة إِلَى همتك وَهُوَ من قَول حسان
(يُعُطى الجَزِيلَ وَلا يَرَاهُ عِنْدَهُ ... إلاَّ كَبَعْضِ عَطِيَّةِ المَذْمُومِ)
وَمن قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(إنّي لأَيأَسُ مِنْها ثُمَّ يُطْمِعُنِي ... فِيها احْتِقارُكَ للدُّنْيا وَما فِيها)
(3/171)

- 1 الْغَرِيب المكرمات جمع مكرمَة وَهُوَ مَا يتكرم بِهِ الْإِنْسَان وشغل يجوز فِيهِ التثقيل وَالتَّخْفِيف فثقله أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر الْمَعْنى يَقُول النَّاس مشتغلون بِكَثْرَة الأمل والطمع بِمَا يأخذونه من أموالك وَلَكِنَّك مَشْغُول بتحقيق آمالهم وتصديق أطماعهم فَهَذَا شغلك بالمكرمات
2 - الْمَعْنى يَقُول تمثلوا بحاتم فَحذف الْجَار ضَرُورَة يُرِيد ان النَّاس يتمثلون فِي الْجُود بحاتم الطَّائِي فَيُقَال هُوَ اكرم من حَاتِم وأجود من حَاتِم وَلَو نظر النَّاس بِعَين الْعقل لضربوا بك الْمثل لِأَنَّك الْغَايَة فِي الْجُود
3 - الْإِعْرَاب الرُّسُل عطفه على الْجَار وَالْمَجْرُور فِي قَوْله بِمَا بعثت وَأهلا وسهلا منصوبان بِفعل مُضْمر الْغَرِيب يُقَال أَيهَا بِالنّصب أَي كف ودع وأيه بالخفض الاستزادة من الْمُتَكَلّم فَإِذا أردْت أَن تستزيده قلت إيه وَإِذا أردْت أَن تكفه قلت أَيهَا
(3/172)

الْمَعْنى يَقُول أَهلا وسهلا ومرحبا بِالَّذِي أرْسلت بِهِ وَهُوَ كالتحية فَكف عَمَّا تهدي إِلَى فقد غمرني إحسانك وعمني أفضالك
4 - الْإِعْرَاب من نصب هَدِيَّة نصبها على الْمصدر أَي أهديت هَدِيَّة أَو أرْسلت إِلَى هَدِيَّة فَتكون مفعولة وَمن رَفعهَا جعلهَا خبر ابْتِدَاء الْمَعْنى يُرِيد هَذِه هديتك الَّتِي بعثت إِلَى بهَا مَا رَأَيْت مهديها يعْنى الممدوح إِلَّا رَأَيْت النَّاس كلهم فِي شخص رجل وَاحِد يَعْنِي أَن الله جمع مَا فِي النَّاس من مَعَاني الْفضل وَالْكَرم وَهُوَ من قَول أبي نواس
(لَيْسَ عَلى الله بِمُسْتَنْكَرِ ... أنْ يَجْمَعَ الْعالَم فِي وَاحِدِ)
وَقد كرر أَبُو الطّيب هَذَا الْمَعْنى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة
5 - الْغَرِيب الْبركَة الْحَوْض وَالْجمع برك الْمَعْنى يَقُول أقل شَيْء فِي أقل هَذِه الْهَدِيَّة سمك بِهَذِهِ الصّفة وَأَرَادَ بِالْبركَةِ الْإِنَاء الَّذِي كَانَ فِيهِ الْعَسَل وَيُرِيد أَنَّهَا كَانَت كظيمه
6 - الْإِعْرَاب أكافي أَصله أكافي إِلَّا أَنه أبدل الْهمزَة على غير قِيَاس يَاء وأجراها مجْرى الْوَقْف فِي الْوَصْل الْغَرِيب الْيَد النِّعْمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {بل يَدَاهُ مبسوطتان} أَي نعمتاه على عباده بالرزق فِي الدُّنْيَا وَالرَّحْمَة فِي الْآخِرَة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ أكافي من لَا يعْتَقد فِي أجل نعْمَة لَهُ عِنْدِي أَنَّهَا نعْمَة اسْتِخْفَافًا بهَا وتصغيرا والمكافأة مُقَابلَة الشَّيْء بِمثلِهِ وَمِنْه زيد كُفْء لهِنْد أَي مثلهَا
(3/173)

- 1 الْإِعْرَاب هاتا اسْم إِشَارَة إِلَى المخايل الْغَرِيب المخابل الْبَرْق وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على الْمَطَر وَيُقَال المخيلة السحابة الخليقة بالمطر والودق الْمَطَر وَالْخلف الِاسْم من الإخلاف فِي الْوَعْد الْمَعْنى يَقُول لصاحبيه اصبرا قَلِيلا تريا من أَمْرِي شَأْنًا عَظِيما فقد ظَهرت مخايله وَمَا شهد لي بتحقيق مَا كنت أعلم وأعدكما من نَفسِي من قتل الْأَعْدَاء وبلوغ الآمال وَإِنِّي لَا أخلف الْوَعْد وَلَا القَوْل فقد بَان مَا كنت أَقُول لَكمَا
2 - الْإِعْرَاب من روى آخر بِالرَّفْع فَهُوَ عطف على الْموضع من قَوْله صائب كَقِرَاءَة الْجَمَاعَة سوى على بن حَمْزَة مالكم من إِلَه غَيره بِالرَّفْع وَمن نَصبه جعله عطفا عل لفظ صائب وَمن صائب كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم من ضَاحِك وَبَاكٍ فَهِيَ للتَّبْعِيض الْغَرِيب خساس النَّاس أراذلهم والصائب بِمَعْنى الْمُصِيب يُقَال صابه يُصِيبهُ وأصابه يُصِيبهُ فَهُوَ صائب ومصيب فصائب من الثلاثي ومصيب من الرباعي وَجَاء من الثلاثي قَول بشر بن أبي خازم
(تُسائِلُ عَنْ أخِيها كُلَّ رَكْبٍ ... وَلمْ تَعْلَمْ بأنَّ السَّهْم صَابا)
الْمَعْنى يَقُول رماني أَي عابني أراذل النَّاس فَمنهمْ من رماني بِعَيْب هُوَ فِيهِ وَهُوَ الِابْنَة فَانْقَلَبَ قَوْله عَلَيْهِ فَأصَاب استه بِالْعَيْبِ الَّذِي رماني بِهِ وَآخر لم يُؤثر فِي كَلَامه لحقارته فَهُوَ كمن يرميني بِقِطْعَة قطن لعدم التَّأْثِير وَقَالَ الربعِي من صائب استه يُرِيد من ضعفه إِذا رمى يُصِيب استه فَحَمله على قَوْله
(وآخَرُ قُطْنٍ مِن يدَيْهِ الجَنادِل ... )
وَهُوَ قَول فَاسد لأَنا لَا نرى فِي الموصوفين بالضعف من يَرْمِي بِحجر أَو غير حجر مِمَّا ترمي بِهِ الْيَد فَيُصِيب استه وَإِنَّمَا هُوَ مثل ضربه لعائبه
3 - الْإِعْرَاب علمي مفعول يجهل وَقَوله أَنه مفعول علمي أَي يجهل معرفتي بجهله بِي الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد وَمن رجل آخر لَا يعرفنِي وَلَا يعرف جَهله فهاتان
(3/174)

جَهَالَتَانِ ويجهل أَنِّي أعلم أَنه جَاهِل بِي وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الَّذِي لَا يعلم بعلته لَا يتَوَصَّل إِلَى برئها
4 - الْإِعْرَاب مَالك الأَرْض نصب على الْحَال كَقِرَاءَة مُحَمَّد بن السميفع الْيَمَانِيّ أنقلب على وَجهه خاسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِالنّصب وعَلى ظهر السماكين فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره رَاكِبًا ظهر السماكين الْغَرِيب الْمُعسر الْقَلِيل المَال من الْعسر وَهُوَ خلاف الْيُسْر والسماكان السماك الرامح والسماك الأعزل وهما سِتَّة أنجم كل سماك ثَلَاثَة الْمَعْنى يَقُول لَا يعلم الْجَاهِل أَنِّي إِذا ملكت الأَرْض كلهَا كنت فِي حَال الْعسر عِنْد نَفسِي وَمُقْتَضى همتي وَإِذا عَلَوْت ظهر السماكين كنت رَاجِلا لاقْتِضَاء همتي مَا فَوق ذَلِك ومثليه للخليل بن أَحْمد
(لوْ كنْتَ تعْلَمُ مَا أقُولُ عَذرْتَنِي ... أوْ كنتَ أجْهَلُ مَا تَقُولُ عَذَلْتُكا)

(لَكِنْ جَهِلْتَ مَقالَتِي فعَذَلْتَنِي ... وَعَلِمْتُ أنَّكَ جاهِلً فَعذَرْتُكا)
وَمثله للْآخر
(جَهِلْتُ ولَمْ تَعْلَمْ بأنَّكَ جاهِلً ... فَمنْ لي بأنْ تَدَرى بأنَّكَ لَا تَدْرى)

5 - الْمَعْنى يَقُول همتي تحقر عِنْدِي الْأَشْيَاء النفيسة فتريني كل شَيْء أطلبه حَقِيرًا والغاية الْبَعِيدَة فِي عَيْني قَصِيرَة وَذَلِكَ لشرف همته وعلوها وَهَذَا من حمقه المتزايد
6 - الْغَرِيب الطود الْجَبَل الْعَظِيم ومناكبه أعاليه والضيم الذل والزلازل جمع زَلْزَلَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه لم يزل ثَابتا ذَا وقار طودا لَا يحركه شَيْء حَتَّى ظلم فَلم يصبر على الظُّلم فَكَأَنَّهُ حرك لدفع الضيم عَنهُ وَهَذَا كُله يعظم شَأْن نَفسه
7 - الْغَرِيب قلقل حرك وَيُرِيد بالحشا مَا فِي دَاخل جَوْفه وقلاقل عيس جمع قلقل وَهِي النَّاقة الْخَفِيفَة وناقة قلقل وَفرس قلقل إِذا كَانَا سريعي الْحَرَكَة والقلاقل الثَّانِيَة جمع قلقلة وَهِي الْحَرَكَة قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فِي كُلهنَّ للعيس لَا للقلاقل يَقُول قلاقل القلاقل كَمَا تَقول سراع السراع وخفاف الْخفاف وكقولك أفضل الْفُضَلَاء وَهُوَ أبلغ فِي الْوَصْف من أَن يعود على القلاقل
(3/175)

الْمَعْنى قَالَ الواحدي حركت بِسَبَب الْهم الَّذِي حرك نَفسِي نوقا خفافا فِي السّير يَعْنِي سَافَرت وَلم أعرج بالْمقَام الَّذِي يلحقني فِيهِ الضيم قَالَ وَيجوز أَن تكون القلاقل الثَّانِيَة بِمَعْنى الأولى فَيَقُول خفاف إبل كُلهنَّ خفاف وَنقل مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَعَابَ الصاحب إِسْمَاعِيل بن عباد أَبَا الطّيب بِهَذَا الْبَيْت وَقَالَ مَاله قلقل الله أحشاءه وَهَذِه القافات الْبَارِدَة وَلَا يلْزمه من هَذَا عيب فقد جرت الْعَادة بذلك وَقَالَ أَبُو نصر بن الْمَرْزُبَان ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء رُؤَسَاء شلشل أحدهم وسلسل الثَّانِي وقلقل الثَّالِث فَالَّذِي شلشل الْأَعْشَى وَهُوَ من رُؤَسَاء شعراء الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(وَقدْ غَدَوْتُ إِلَى الحْانُوت يَتْبَعُنِي ... شاوٍ مِشَل شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ)
وَالَّذِي سلسل مُسلم بن الْوَلِيد وَهُوَ من رُؤَسَاء الْمُحدثين
(سُلَّتْ وَسَلَّتْ ثُم سَّلَّ سَّليلُها ... فَأتى سَليِلُ سَليِلها مسَْلُولا)
وَأما الَّذِي قلقل فالمتنبي قَالَ الثعالبي فَقَالَ لي أَبُو نصر فبلبل أَنْت فَقلت لَهُ أخْشَى أَن أكون رَابِع الشُّعَرَاء أعنى قَول من قَالَ
(الشُعَرَاءُ فاعْلَمَنَّ أرْبَعَهْ ... )

(فشاعِرٌ يَجْري وَلا يُجْرَى مَعَهْ ... )

(وَشاعِرٌ يُنْشِدُ وسْطَ المَعْمَعَهْ ... )

(وشاعِرٌ مِنْ حَقِّه أنْ تَسْمَعَهْ ... )

(وشاعِرٌ مِنْ حَقِّه أنْ تَصْفَعَهْ ... )
قَالَ ثمَّ قلت بعد مُدَّة من الدَّهْر
(وإذَا البَلابِلُ أفْصَحَتْ بلْغاتهَا ... فانْفِ الَبَلابِلَ باحتِساءِ بَلابلِ)
وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَا يرد قَول ابْن عباد ويبطله مَا جَاءَ مثله عَن رُؤَسَاء الشُّعَرَاء
8 - الْغَرِيب واراه ستره والمشاعل جمع مشعلة وَهِي النَّار الموقدة والمشعلة (بِكَسْر الْمِيم) الْآلَة الَّتِي تحمل فِيهَا النَّار الْمَعْنى يَقُول إِذا سترنا اللَّيْل بظلامه أسرعت هَذِه الْإِبِل حَتَّى تصطك الْحِجَارَة بَعْضهَا بِبَعْض وتنقدح النَّار فنرى مَالا نرَاهُ بضوء المشاعل وَهَذَا من الْمُبَالغَة
9 - الْغَرِيب الوجناء النَّاقة الغليظة الوجنات وَيُقَال هُوَ من الوجين وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض
(3/176)

الْمَعْنى جعل النَّاقة كالموج والمفازة لسعتها كالبحر وَجعل نَفسه إِذا ركب النَّاقة فِي ظهر هَذِه الْمَفَازَة فِي موجة ترميه فِي بَحر لَا سَاحل لَهُ وَالضَّمِير فِي رمت للموجة
10 - الْمَعْنى يَقُول يشبه لي أَن الْبِلَاد وَلَا يُرِيد بالبلاد هُنَا المفاوز أَي لَا تَسْتَقِر فِي بلد وَأخرج إِلَى أُخْرَى كَمَا أَن العذل لَا يسْتَقرّ فِي أذن وَإِنَّمَا يدْخل فِي أذن وَيخرج من الْأُخْرَى وَأَرَادَ مِمَّا تَقول العواذل فَحذف للْعلم بِهِ وَقد نَقله من قَول الآخر
(كأّني قَذَّى فِي عَينِ كُلّ بِلادِ)
وكقول البحتري
(تَقاذَفُ بِي بِلادٌ عَنْ بِلاد ... كأّنيَ بَيْنَها عيْر شَرُّودُ)

11 - الْإِعْرَاب أَرَادَ تتساوى فَحذف تَاء المضارعة دون الْأَصْلِيَّة عِنْد أَصْحَابنَا الْكُوفِيّين وَعند الْبَصرِيين الْمَحْذُوف الْأَصْلِيَّة وَحجَّتنَا أَن حذف الزَّائِدَة أولى لِأَن الزَّائِد أَضْعَف فَحَذفهُ أولى من الْأَصْلِيّ وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الزَّائِد دخل لِمَعْنى وَهُوَ المضارعة فَحذف مَا دخل لغير معنى أولى وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي تسكن فتدغم كَمَا رَأَيْت فِي فاد ارأتم وَهِي الَّتِي يفعل بهَا ذَلِك فِي تذكرُونَ فَكَمَا أَنَّهَا اعتلت هُنَا كَذَلِك تحذف هُنَاكَ وتاء المضارعة لاتعل وتساوى فِي مَوضِع جزم لِأَنَّهَا وَقعت جَوَابا للشّرط الْغَرِيب الْعلَا تَأْنِيث الْأَعْلَى كالكبر فِي جمع الْكُبْرَى والمحابي جمع الْمحيا وَهُوَ مفعل من الْحَيَاة كَقَوْلِه تَعَالَى {ومحياي ومماتي} الْمَعْنى يَقُول من يطْلب مَا أطلب من الشّرف والرتب الْعَالِيَة اسْتَوَى عِنْده الْحَيَاة وَالْقَتْل لِأَنَّهُ علم أَن الْأُمُور الْعَالِيَة فِيهَا المخاوف والمهالك فَهُوَ قد وَطن نَفسه على الْهَلَاك فَهُوَ يصبر عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِهِ وَمن جعل تَسَاوِي فعلا مَاضِيا أثبت الْيَاء وَهُوَ فِي مَوضِع جزم وَهُوَ روايتي عَن شيخى أبي مُحَمَّد وَمن رَوَاهُ بِإِسْقَاط الْيَاء جعله مُسْتَقْبلا كَمَا ذكرنَا وَهُوَ مجزوم بِجَوَاب الشَّرْط
12 - الْإِعْرَاب نصب السيوف لِأَنَّهَا اسْتثِْنَاء مقدم كبيت الْكُمَيْت
(ومَالِيَ إِلَّا آلَ أحُمَدَ شِيْعَةٌ ... وَما لِي إلاَّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبُ)
الْغَرِيب الْوَسَائِل جمع وَسِيلَة وَهِي مَا يتوسل بِهِ الْإِنْسَان الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يتْرك قتال الْأَعْدَاء وَلَا يطْلب إِلَّا أنفسهم وَلَا يتوسل إِلَى أحد بل يتوسل إِلَى بُلُوغ مُرَاده بسيوفه وَقَالَ الواحدي يَقُول لملوك عصره لَا نطلب إِلَّا أَرْوَاحهم وَلَا نتوسل إِلَّا بسيوفنا اهـ وَلَا يَقُول هَذَا القَوْل إِلَّا لدلالته على حمقه
13 - الْمَعْنى يَقُول مَا وَردت السيوف وَالضَّمِير فِي وَردت وصدرت رَاجع لَهَا يُرِيد إِذا وَردت روح امْرِئ كَانَت أملك بهَا مِنْهُ وَصَارَ وَإِن كَانَ بَخِيلًا غير بخيل لِأَن السَّيْف ينَال مِنْهُ مَا يطْلب بِهِ أَو أَنه يفتدى بِمَالِه وباخل وبخيل بِمَعْنى كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا
14 - الْإِعْرَاب من نصب غثاثة نصبها بإضمار فعل تَقْدِيره أرى أَو نَحوه وَمن رَفعهَا جعلهَا ابْتِدَاء وَالْخَبَر أَن تغث الْغَرِيب غث الشَّيْء يغث غثاثة ويغث بِفَتْح الْغَيْن وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل والمصدر غثا وغثوثة وغثاثة وَأَصله الهزال وغث اللَّحْم إِذا كَانَ مهزولا فَهُوَ غثيث وغث أَي فسد وأغث الرجل فِي مَنْطِقه وأغثث الشَّاة هزلت الْمَعْنى يَقُول أرى غثاثة عيشي أَي هزالة فِي هزل كَرَامَتِي لافي هزال مطاعمي وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم عدم الْغنى من النَّفس أَشد من عدم الْغنى من الْملك وَالْمَال
(3/177)

- 1 الْغَرِيب الْبر الْإِعْطَاء بره إِذا أعطَاهُ والرحيل الِاسْم من الارتحال الْمَعْنى يَقُول أردْت أَن أبرك وَقت سفرك فَوجدت أَكثر مَا عِنْدِي قَلِيلا بِالْإِضَافَة إِلَى عظم قدرك
(3/178)

- الْغَرِيب الصب العاشق المشتاق وَقد صببت يَا رجل بِالْكَسْرِ قَالَ الشَّاعِر
(وَلست تَصّبُّ إِلَى الظَّاعِنيِنَ ... إذَا مَا صَديِقُكَ لَمْ يَصْبَبِ)
ورغبت فِي الشَّيْء طلبته وأردته رَغْبَة ورغبا بِالتَّحْرِيكِ ورغبت عَن الشَّيْء إِذا لم ترده والبكرة أول النَّهَار والأصيل آخِره وَالْمعْنَى يَقُول علمت أَنَّك تُرِيدُ المكارم وتطلبها وَأَنت مشتاق إِلَيْهَا تحبها وملازمها بكرَة وَأَصِيلا
3 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا ذكره يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن يكون أهْدى إِلَيْهِ شَيْئا كَانَ أهداه إِلَيْهِ صديقه الممدوح وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ أَنِّي جعلت مَا كَانَ من عادتك أَن تهديه إِلَيّ وتزودينه وَقت فراقك هَدِيَّة مني إِلَيْك أَي أَسأَلك أَن لَا تتكفله لي وَقَالَ الْعَرُوضِي فِيمَا أملاه مِمَّا استدركه على أبن جنى أَرَادَ أَنَّك تحب أَن تُعْطِينِي فَجعلت قبُول هديتك إِلَى هَدِيَّة مني إِلَيْك لحبك ذَاك قَالَ الواحدي وَقَول الْعَرُوضِي أمدح وأليق بِمَا قبله من رغبته فِي المكارم وأشتياقه إِلَيْهَا وَقَوله وظرفها التأميلا الظّرْف وعَاء الشَّيْء يَقُول جعلت تأميلي مُشْتَمِلًا على قبُول الْهَدِيَّة كاشمال الظّرْف على مَا فِيهِ والهدية مُخْتَلفَة على الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة فعلى الأول هَدِيَّة أهداها الممدوح فَعَادَت إِلَيْهِ وعَلى القَوْل الثَّانِي الْهَدِيَّة أَن لَا يهدي الممدوح إِلَى المادح شَيْئا وعَلى القَوْل الثَّالِث أَن لَا يهدي إِلَى المتنبي شَيْئا فَتكون كَمَا لَو أهْدى إِلَيْهِ لحبه الإهداء للمتنبي
4 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَي لَا كلفة لَهُ عَلَيْك لِأَنِّي لم أتكلف لَك شَيْئا من مَالِي وَإِنَّمَا هُوَ من مَالك عَاد إِلَيْك وبقى بِحَالَة عنْدك وَيكون تحمل شكري على قبُوله ثقيلا عَليّ لتكامل صنيعك بِهِ وَقَالَ الْعَرُوضِي هَذَا الْبَيْت تَأْكِيدًا لما فسرته لِأَنَّهُ يَقُول هَذِه الْهَدِيَّة بر تحبه فيخفف عَلَيْك قبُوله لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة إِعْطَاء لي وَأَنت تخف إِلَى الْإِعْطَاء لي وَلَا منَّة عَلَيْك لِأَنَّك إِذا أَعْطَيْتنِي أثقلت رقبتي بالشكر
(3/179)

- 1 الْإِعْرَاب روى أسى منونا ونصبه بالتمييز كَمَا تَقول عَزِيز دَوَاء وَمن رفع بِالِابْتِدَاءِ وعزيز خَبره مقدم عَلَيْهِ إِذا جعلت من معرفَة وَإِذا جعلت من نكرَة كَانَ عَزِيز مُبْتَدأ وَذهب بعض النَّحْوِيين إِلَى ان المبتداء وَالْخَبَر إِذا كَانَا نكرتين فالمبتدأ هُوَ الأول لَا غير وَقد يكون الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر نكرتين وَأَحَدهمَا أخص من الآخر كَقَوْلِك ذهب خَاتم فِي إصبعه فخاتم هُنَا أخص من ذهب وَهُوَ ثَان فَيكون مُبْتَدأ أولى من ذهب وَمن تُوصَف على وَجْهَيْن بِالْجُمْلَةِ والمفرد فوصفها فِي قَول عَمْرو بن قميئة بِالْجُمْلَةِ
(يَا رُبّ مَنْ يُبْغِضُ إذْ وأدَْنا ... رُحْنا عَلى بَغْضَائه وَاعْتَدْنا)
وبالمفرد فِي قَول حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ
(وكفَى بِنا فَضْلاً عَلى مَنْ غَيرِنا ... حُبُّ النَّبِيّ محَمَّدٍ إيَّانا)
فَمن نكرَة فِي الْبَيْتَيْنِ لِأَن رب لَا يليهاالمعرفة وَقَول حسان على من أَي على قوم أَو نَاس وَيجوز رفع غَيرنَا على أَنه خبر مَحْذُوف يُرِيد من هُوَ غَيرنَا كَقِرَاءَة الْأَعْمَش من أَعمال أسم الْفَاعِل وَالصّفة المشبهة باسم الْفَاعِل من غير اعْتِمَاد كَقَوْلِك قَائِم غلامك وروى قوم أسى من داؤه الحدق النجل عَزِيز وَقَوله عياء فِي رَفعه ثَلَاثَة وَجه إِن شِئْت جعلته خَبرا بعد خبر كَقَوْلِهِم هَذَا حُلْو حامض أَي قد جمع الطعمين وَإِن شِئْت أبدلته من الحدق لِأَنَّهَا الدَّاء فِي الْمَعْنى كَأَنَّك قلت من داؤه عياء وَإِن شِئْت أضمرت لَهُ ابْتِدَاء الْغَرِيب عَزِيز من عز إِذا قل وجوده وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى شَدِيد صَعب غَالب للصبر من قَوْلهم عزه يعزه إِذا غَلبه وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى {عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} والأسى فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الْحزن وَفعله أسى يأسى وَالْآخر العلاج والإصلاح وَفعله أسا يأسو وَمِنْه أسوت الْجرْح إِذا أصلحته أسيا وأسوا والحدق جمع حدقة وَهِي السوَاد الَّذِي فِي العبن والنجل الواسعات جمع نجلاء وَهِي الواسعة والعياء الدَّاء الَّذِي لَا علاج لَهُ قد أعيا الْأَطِبَّاء الْمَعْنى يَقُول عَزِيز يُرِيد صَعب من داؤه الحدق أَي عَزِيز دَوَاء من داؤه الحدق أَو عَزِيز مداواة من دواه الحدق الواسعة وداؤه قد أعيا الْأَطِبَّاء وَمَات بِهِ
(3/180)

المحبون من قبلنَا وَقَالَ من قبل فَحذف الْمُضَاف وبناه رفعا على الْغَايَة وَقَوله أسى أحسن مَا يُقَال فِيهِ من أسوت الْجرْح إِذا أصلحته وَعَلِيهِ بَيت الْأَعْشَى
(عِنْدَهُ الْبِرُّ والتُّقَى وأسا الصَّدْعِ ... وحَمْلً لُمضْلِعِ الأثَقْالِ)

2 - الْغَرِيب النذير الْمُنْذر والنذير الْإِنْذَار وَهُوَ الإبلاغ وَلَا يكون إِلَّا فِي التخويف وَالِاسْم النّذر قَالَ الله تَعَالَى {فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر} أَي إنذاري والنذير الْعُرْيَان هُوَ رجل من خثعم حمل عَلَيْهِ يَوْم ذِي الخلصة عَوْف بن عَامر فَقطع يَده وَيَد امْرَأَته وَنذر الْقَوْم بالعدو بِكَسْر الذل علمُوا بِهِ والسهل ضد الصعب الشَّديد ومنظري مَوضِع النّظر مني وَيجوز أَن يكون مصدرا مُضَافا إِلَى الْمَفْعُول الْمَعْنى يَقُول من أَرَادَ أَن يعشق فَلْينْظر إِلَى حَالي وَمَا أَنا فِيهِ فمنظري دَلِيل لَهُ ونذير يبلغهُ أَن الْهوى صَعب شَدِيد لَا تُطِيقهُ الْجبَال لما فِيهِ من مقاساة الْأَهْوَال فالنظر إِلَى نَذِير مبلغ لمن ظن أَن الْهوى سهل
3 - الْمَعْنى يَقُول نظرات الْمُحب إِذا نظر نظرة بعد أُخْرَى وتمكنت فِي قلبه زَالَ عَنهُ عقله لِأَن الْعقل والهوى لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب
4 - الْغَرِيب المفاصل جمع مفصل وَهِي الْأَعْضَاء والشغل مَا يشغل الْإِنْسَان عَن غَيره ويخفف ويثقل وَقد خففه أَبُو عَمْرو والحرميان الْمَعْنى يَقُول جرى حب هَذِه المحبوبة وأضمرها وَلم يجر لَهَا ذكرا وَهُوَ من عَادَة الْعَرَب الْإِضْمَار من غير الذّكر كَقَوْلِه تَعَالَى {فوسطن بِهِ جمعا} يُرِيد بِهِ الْوَادي وَلم يذكرهُ يَقُول جرى حب هَذِه المحبوبة فِي قلبِي ومفاصلي وامتزج بلحمي وَدمِي فلست أنسى ذكرهَا وَلَا أسلو هَواهَا لِأَن حبها أمتزج بلحمي وَدمِي فَأصْبح لي بهَا عَن كل مَا أعانيه من إصْلَاح نَفسِي وَمَالِي وَأَهلي شغل يشغلني بهَا عَمَّن سواهُ
5 - الْغَرِيب السقم والسقم بِالتَّحْرِيكِ والتسكين وَضم السِّين لُغَتَانِ فصيحتان وَمَا فَوْقهَا يجوز ان يكون مَا هُوَ أعظم مِنْهَا وَيجوز أَن يُرِيد مَا دونهَا فِي الصغر وَقد قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى {بعوضة فَمَا فَوْقهَا} الْوَجْهَانِ اللَّذَان ذكرنَا الْمَعْنى يَقُول لم يتْرك السقم من جَسَدِي قَلِيلا وَلَا كثيرا إِلَّا وَله فِيهِ فعل لما أقاسي من حبها وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى من قَول الآخر
(3/181)

(خطَراتُ ذِكْرِكِ تَسْتَفِزُّ مَسامعي ... فأحِسُّ مِنها فِي الفُؤَادِ ذَبِببا)

(لَا عُضْوَ لي إلاَّ وفَيه صَبابَةٌ ... فَكأنَّ أعْضَائي خُلِقْنَ قُلُوبا)

6 - الْإِعْرَاب حُرُوف النداء يَا وأيا وهيا وَأي والهمزة وَحذف حرف النداء كَقَوْلِك زيد قَالَ أَبُو الْفَتْح أبدل الْيَاء من حبيبتا فِي النداء ألفا تَخْفِيفًا وَقَلْبًا بدل من قَوْله حبيبتا وفؤادا بدل من قلبا كَقَوْلِك أخي سَيِّدي مولَايَ نِدَاء بعد نِدَاء وَقَالَ هُوَ فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ نِدَاء مُضَاف أَرَادَ يَا حبيبتي يَا قلبِي يَا فُؤَادِي وَالْقلب والفؤاد هما الحبيبة وَقَالَ الواحدي يجوز أَن تكون الْألف فِيهِ للندبة أَرَادَ يَا حبيبتاه يَا قلباه يَا فؤاداه فَحذف الْهَاء للدرج فِي الْكَلَام قَالَ وَكَذَا ذكر ابْن فورجة وَقَالَ قلبا وفؤادا يدعوهما لِأَنَّهُ يتشكاهما شكوى العليل كَمَا قَالَ ديسم بن شاذلويه الْكرْدِي
(أنِيِني أنِيسِي وَشَجوِى وِسادِي ... وَعَيْني كَحِيلٌِ بشَوْكِ القتاد)

(إذاَ قِيلَ دَيْسَمُ مَا تَشْتَكي ... أقُلُ بِشجْوِ فُؤَادِي فُؤَادِي)
قَالَ وَقَالَ بَعضهم قلبِي فُؤَادِي فِي مَوضِع رفع وَالتَّقْدِير حبيبتي قلبِي فُؤَادِي أَي هِيَ لي بِمَنْزِلَة الْقلب والفؤاد وعَلى هَذَا جمل أسم امْرَأَة من العواذل تعذله يَقُول لَهَا يَا جمل هِيَ فُؤَادِي أَي فَلَا اسْمَع عذلك فِيهَا وَلَا افارقها الْغَرِيب أَرَادَ حَبِيبَة فصغرها للتقريب من قبله كَقَوْل أبي زبيد
(يَا أبْنَ أُمِّي وَيا حُبيَّبَ نَفْسِي ... أنْتَ خَلَّفْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ)
وتصغير التَّعْظِيم كَقَوْل لبيد
(وكلُّ أناسٍ سَوّفَ تَدخُلُ بيتَهُمُ ... دُوَيْهِيَّةٌ تَصْفَرٌ مِنها الأنامِلُ)
وكقول الْحباب بن مُنْذر الْأنْصَارِيّ يَوْم السَّقِيفَة أَنا جذيلها المحكك أَنا عذيقها المرجب وتصغير التحقير مثل أنيسان وَنَحْوه وجمل من أَسمَاء نسَاء الْعَرَب كهند وليلى وسلمى وسعدى وسعاد وَقَوله بِأَنَّهُ هِيَ فعلة من الأنين وَيكون من شدَّة الوجع أَن يَئِن أنينا إِذا أشتكى الْمَرَض الْمَعْنى يَقُول إِذا عذلوا فِي هَذِه المحبوبة لم ألتفت إِلَى كَلَامهم وَإِنَّمَا أُجِيبهُم بالأنين
(3/182)

أَنه بعد أنة وَأَقُول يَا حبيبتا يَا قلبا يَا فؤادا ياجمل فَبِهَذَا أُجِيب العذال فِي هَذِه المحبوبة وَقد فسره فِي الْبَيْت الْآتِي بعده
7 - الْغَرِيب الرَّقِيب الْحَافِظ والرقيب المنتظر تَقول رقبت الشَّيْء أرقبه رقوبا ورقبة ورقبانا بِكَسْر الرَّاء فيهمَا إِذا رصدته والرقيب الْمُوكل بِالضَّرْبِ ورقيب النَّجْم الَّذِي يغيب بطلوعه كالثريا رقيبها الإكليل إِذا طلعت الثريا عشَاء غَابَ الأكليل وَإِذا طلع الإكليل عشَاء غَابَتْ الثريا والرقيب الثَّالِث من سِهَام الميسر الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته لَا أسمع فِيك عذلا فَكَأَن حَافِظًا لَك على مسامعي يرصد مسامعي فَلَا يدخلهَا عذل عاذل فِيك وَهُوَ من قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(أقامَتْ عَلى قَلْبِي رَقِيبا ونَاظِرِي ... فَلَيْسَ يؤَدّي عَنْ سِوَاها إِلَى قَلْبِي)
ولمحمد بن دَاوُد
(كأنَّ رَقيبا مِنْكِ يَرْعَى خَوَاطِرِي ... وآخَرَ يَرْعى ناظري ولساني)

8 - الْإِعْرَاب وصل أبتداء تقدم خَبره عَلَيْهِ وَهُوَ الظّرْف تَقْدِيره فَبين مقلتي والسهاد وصل فِي كل هجر لنا الْغَرِيب السهاد الأرق وَقد سهد الرجل بِالْكَسْرِ يسهد سهدا والسهد بِضَم السِّين وَالْهَاء الْقَلِيل النّوم قَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ
(فأَتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤَادِ مُبطَّنا ... سُهُداً إذَا مَا نامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا تهاجرنا لم أنم لشدَّة الشوق والوجد فيواصل السهاد عَيْني لفقد من أحبه قَالَ الواحدي هَذَا كَقَوْلِه
(إّني لَأُبْغِضُ طَيْفَ مَنْ أحْبَبْتُهُ ... إِذا كانَ يَهْجُرُنا زَمانَ وِصَاله)
فَجعل الطيف يهجر عِنْد الْوِصَال كَمَا يصل السهاد عِنْد الهجر
9 - الْغَرِيب الشكل الشبيه والنظير والمشابه جمع شبه كالمحاسن فِي جمع حسن الْمَعْنى يُرِيد أَن فِي الْبَدْر أنواعا من شبه هَذِه المحبوبة مِنْهَا الْحسن والضياء والعلو والبعد عَن النَّاس وَقَالَ وأشكو إِلَى رجل لَا يُوجد لَهُ نَظِير وَلَا مثل يشكو إِلَيْهِ هَواهَا ليعطيه مَا يصل بِهِ إِلَيْهَا وَهَذَا مخلص حسن لِأَنَّهُ خرج من الْغَزل إِلَى الْمَدْح وفضله على المحبوبة بالكمال بقوله لَا يصاب لَهُ نَظِير والمحبوبة فِي الْبَدْر مِنْهَا أَنْوَاع مشابه
(3/183)

- الْإِعْرَاب شُجَاع بدل من أبن وَحذف مِنْهُ التَّنْوِين على مذْهبه وَمثله كثير فِي الشّعْر الْقَدِيم والْحَدِيث وَمِنْه مَا ذكره مُسلم وَالْبُخَارِيّ وأبن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي من قَول الْعَبَّاس بن مرداس السلمى بالجعرانة للنَّبِي
حِين أعْطى الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي وعيينة بن بدر الفزازي من أَمْوَال هوَازن كل وَاحِد مِنْهُمَا مئة من الأبل وَأعْطى الْعَبَّاس دونهمَا فَقَالَ
(أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ الْعُبيدِ ... بَينَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ)

(ومَا كانَ حِصْنٌ وَلا حابِسٌ ... يَفُوقانِ مرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ)

(ومَا كُنْتُ دُونَ امْرِئ مِنْهُما ... وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ)
فَترك تَنْوِين مرداس وَهُوَ أسم منصرف وَمثله قَول الآخر
(عَمْرُو الَّذي هَشَمَ للَّثرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجالُ مَكَّةَ مُسْنتِونَ عِجافُ)
فَهَذَا حجَّة الْكُوفِيّين فِي ترك صرف مَا ينْصَرف ضَرُورَة وَالْقِيَاس إِذا كَانَ يجوز حذف الْوَاو المتحركة للضَّرُورَة فِي قَول الشَّاعِر وَهُوَ بَيت الْكتاب
(فَبَيْناهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قالَ قائِلٌ ... لِمَنْ جَمِلٌ رِخْوُ المِلاطِ نَجِيبُ)
فجواز حذف التَّنْوِين للضَّرُورَة أولى لَان الْوَاو من هُوَ متحركة وَالتَّقْدِير فَبينا هُوَ والتنوين سَاكن وَلَا خلاف إِن حذف السَّاكِن أسهل من حذف المتحرك وَحجَّة بعض نحاة الْبَصرِيين أَن الأَصْل فِي الْأَسْمَاء الصّرْف فَلَو جَوَّزنَا لَأَدَّى ذَلِك إِلَى رده عَن الأَصْل إِلَى غير الأَصْل وَإِلَّا الْتبس مَا ينْصَرف بِمَا لَا ينْصَرف وَالَّذين وافقوا الْكُوفِيّين من الْبَصرِيين الْأَخْفَش وَأَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَأَبُو الْقَاسِم بن برهَان وَالَّذين خالفوا الْخَلِيل بن أَحْمد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بسيبويه وَعبد الله بن إِسْحَاق الخضرمي وَعِيسَى بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَيُونُس بن حبيب وَأَبُو عمر صَالح بن إِسْحَاق الْجرْمِي وَأَبُو عُثْمَان بكر بن مُحَمَّد الْمَازِني وَأَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد أبن يزِيد الثمالِي وَهُوَ الْمبرد وَأَبُو مُحَمَّد عبيد الله بن جَعْفَر بن درسْتوَيْه الْفَارِسِي وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن السّري الزّجاج وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن السراج وَأَبُو الْحسن عَليّ أبن عِيسَى الرماني وَأَبُو سعيد الْحسن السيرافي وَأَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جي وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى الربعِي فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّة النَّحْو الْقَائِلُونَ بِمذهب اهل الْبَصْرَة وَالنَّاس الْيَوْم على مَذْهَب أهل الْبَصْرَة قرأته على الشَّيْخ أبي الْحرم مكي بالموصل الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو هَواهَا إِلَى وَاحِد الدُّنْيَا وفريدها شجاعة وكرما إِلَى شُجَاع أبن مُحَمَّد الَّذِي لله الْفضل وَله لِأَنَّهُ تفرد فِي عصره فَصَارَ فريدا
(3/184)

- الْغَرِيب قحطان بن هود هُوَ أَبُو قبائل الْيمن وعدنان أَبُو قبائل الْعَرَب يُرِيد أَن قحطان هُوَ اصل هَذَا الثَّمر وَالْمرَاد بِهِ الممدوح الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو إِلَى الثَّمر الحلو يَعْنِي الممدوح الَّذِي طي لَهُ فروع ولأصل قحطان بن هود جعله كالثمر الحلو الطّيب فِي جوده وَحسن خلقه وَمن روى لَهُ أصل أَرَادَ الثَّمر وَمن روى لَهَا أَرَادَ الْفُرُوع
12 - الْغَرِيب الْبشَارَة بِكَسْر الْبَاء وَضمّهَا تَقول بَشرته بِكَذَا وبشرته بمولود فابشر إبشارا أَي سر وبشرت بِكَذَا بِكَسْر الشين أَي استبشرت بِهِ قَالَ عَطِيَّة بن زيد الجاهلي
(فأعنْهُمُ وَأبْشَرْ بِمَا بَشِروا بِهِ ... وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بضَنْكِ فانْزل)
وَبشر يبشر قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ فِي آل عمرَان وَفِي الْإِسْرَاء والكهف بالتخفيفووافقهما أَبُو عَمْرو وَابْن كثير فِي الشورى على التَّخْفِيف وقرا حَمْزَة جَمِيع مَا فِي الْقُرْآن بِالتَّخْفِيفِ الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الله مبشرا أمة من الْأُمَم بِغَيْر نَبِي لَكَانَ يبشرنا بك إِلَّا ان الله لَا يبشر إِلَّا بالأنبياء على لِسَان كل نَبِي بشر أمته بِأَنَّهُ يكون بعده نَبِي وَالله تَعَالَى بشر جَمِيع الْأَنْبِيَاء بِمُحَمد
فِيمَا أنزل عَلَيْهِم وَأوحى إِلَيْهِم
13 - الْإِعْرَاب من روى الْأَرْوَاح بِالنّصب نَصبه بإسم الْفَاعِل وَمن رَوَاهُ بالخفض جعله مثل الْحسن الْوَجْه ووقفاته جمع وَقْفَة وفعلة تجمع على فعلات إِذا كَانَت اسْما وَإِذا كَانَت صفة جمعت على فعلات بِسُكُون الْعين قَالَ أَبُو الْفَتْح سكن الْقَاف للضَّرُورَة الْغَرِيب الضيغم من أَسمَاء الْأسد قيل لانه يضغم النَّاس أَي يعضهم الْمَعْنى يَقُول اشكوا إِلَى قَابض الْأَرْوَاح يُرِيد لِكَثْرَة غَزَوَاته وَوَقَائعه وَقَتله الْأَعْدَاء وَالْخَيْل أَي أَصْحَاب الْخَيل وَالرجل جمع راجل يُرِيد أَنه شُجَاع كثير الوقائع
14 - الْغَرِيب شت تفرق والرب الصاحب الْمَالِك وَلَا يُقَال لغير الله إِلَّا بِالْإِضَافَة لَا يُقَال زيد الرب وَقد قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة للْملك قَالَ الْحَارِث بن حلزة
(وَهُوَ الرَّبُّ والشَّهِيدُ عَلى يَوْم ... الحِيارَيْن والْبَلاءُ بَلاءُ)
(3/185)

الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَالك مَال كلما تفرق شَمل مَاله تجمع شَمل معاليه وطابق بَين التَّفْرِيق وَالْجمع يُرِيد كلما جمع مَالا من غَزَوَاته وفرقه على أوليائه تجمع لَهُ شَمل الْمَعَالِي
15 - الْغَرِيب الغمد جفن السَّيْف وقرابه والنصل السَّيْف والهمام الْملك الرفيع الهمة إِذا هم بِشَيْء لَا يتْركهُ الْإِعْرَاب من خفض هماما جعله بَدَلا مِمَّا تقدم يُرِيد إِلَى همام وَمن رَفعه قطعه عَمَّا قبله وَرَفعه بإضمار أبتداء الْمَعْنى يَقُول إِذا أبصرته وَقد جرد سَيْفه من غمده لم تدر أَيهمَا النصل لمضائه وجرأته لِأَنَّهُ يمْضِي فِي الْأُمُور مضاء السَّيْف وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(يَمُدونَ بالبِيضٍ القَوَاطعِ أيْديِا ... وَهُنَّ سَوَاءُ والسُّيُوفُ القَوَاطعُ)

16 - الْغَرِيب أبن أم الْمَوْت أَخُو الْمَوْت وَجعله أَخا الْمَوْت لِكَثْرَة مَا يقتل وَخص الْأُم لِأَن الْأُم أخص بالمولود من الْأَب أَلا ترى أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ولد من غير أَب وَلم يُولد أحد من غير أم فَإِن قيل إِن حَوَّاء من غير أم قُلْنَا حَوَّاء لم تولد وَإِنَّمَا خلقت كخلقة آدم من ضلعه وَأكْثر الْحَيَوَانَات تعرف بِالْأُمِّ لَا بِالْأَبِ والبأس الشدَّة وَفَشَا طهر والنسل مَا ينسل من الْأَوْلَاد الْمَعْنى يَقُول لَو أَن باس هَذَا الممدوح ظهر فِي النَّاس لَكَانَ يقتل بَعضهم بَعْضًا فَلَا يبقي أحد ينسل نَسْلًا وفني الْخَلَائق بِكَثْرَة الْقَتْل
17 - الْإِعْرَاب أَرَادَ فِي موج المنايا فَحذف حرف الْجَرّ وأوصل سابحا إِلَى الموج فنصبه كَقَوْل الآخر
(بأسْرَعِ الشَّدِّ مِنِّي يَوْمَ لانِنةٍ ... لَمَّا لَقِيتُهُمُ وَاهْتزَّتِ اللِّمَمُ)
أَرَادَ بأسرع فِي الشد مني فَحذف وَنصب وَقَوله غذاة كَأَن أضَاف غذاة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا وظروف الزَّمَان تُضَاف إِلَى الْجمل تَقول رَأَيْتُك يَوْم جَاءَ الْحَج وَيَوْم ضربت زيدا وَيَوْم قدم أَبوك الْغَرِيب السابح الَّذِي يسبح كَأَنَّهُ من حسن جريه يسبح والموج مَا يكون فِي الْبَحْر من شدَّة الرِّيَاح وَهُوَ من ماج يموج إِذا تحرّك والنبل السِّهَام والوبل الْمَطَر الشَّديد يُقَال وبل الْمَطَر يبل وَبلا فهم وابل الْمَعْنى لما اسْتعَار لفرسه السباحة اسْتعَار للمنايا الموج وَهُوَ جمع منية يَقُول
(3/186)

رَأَيْت هَذَا الممدوح على فرس سابح شَدِيد الجري يسبح فِي موج الْمَوْت فِي وَقت تَأتيه السِّهَام من كل مَكَان وَهُوَ لإقدامه وشجاعته لَا يرجع فَكَانَ السِّهَام فِي صَدره وبل لقلَّة فكرته بِهِ
18 - الْغَرِيب الْقرن بِكَسْر الْقَاف الْكُفْء والمثل وَفُلَان قرن فلَان أَي كفؤه والتحديق وَشدَّة النّظر والنزال الْقِتَال وَهُوَ من منازلة الأقران وَكَانُوا إِذا أَشْتَدّ الْقِتَال نزل بَعضهم إِلَى بعض بِالسُّيُوفِ وَقيل كَانُوا يركبون الْإِبِل ويجنبون الْخَيل إِذا غزوا فَإِذا وصلوا إِلَى الْعَدو تداعوا نزال فينزلون عَن الْإِبِل ويركبون الْخَيل وَمِنْه بَيت الحماسة
(وَدَعَوا نَزَالِ فكُنتُ أوَّلَ نازِلٍ ... وَعلامَ أرْكَبُهُ إذَا لَمْ أنْزِلِ)
ثمَّ سمى الْقِتَال نزالا والمقاتلة منازلة وَإِن لم يكن هُنَاكَ نزُول وأغضت الْعين غمضت والسنان طرف الرمْح وَالْجمع أسنة الْمَعْنى يَقُول كم شُجَاع يتعاطى شجاعته إِذا رَآهُ فِي مأزق غض طرفه هَيْبَة لَهُ فَلم يغضها إِلَّا وَكَانَ طرف السنان كحلا لَهَا وَالْمعْنَى كم من فَارس قصد لقتاله فَلم يغمض عينه إِلَّا والسنان لَهَا كحل جعل السنان لعينيه بِمَنْزِلَة الْكحل
19 - الْإِعْرَاب الأَصْل فِي قيل قَول بِكَسْر الْوَاو كضرب فَثقلَتْ الكسرة على الْوَاو وَالْفِعْل اصله معتل وأعلوه فنقلوا كسرة الْوَاو إِلَى الْقَاف فسكنت الْوَاو وانكسر مَا قبلهَا فقلبت يَاء وَمن الْعَرَب من يشم الضمة تَنْبِيها على الأَصْل وَمِنْهُم من يَقُول قَول بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول بِسُكُون الْوَاو وَضم الْقَاف وَهُوَ رَدِيء وَقَرَأَ عَليّ بن حَمْزَة وَهِشَام عَن ابْن عَامر بإشمام الْقَاف الضَّم تَنْبِيها على الأَصْل ورفقا مصدر رفق الْمَعْنى يَقُول إِذا أَمر بالرفق وَقَالَ لَهُ الأقران ارْفُقْ رفقا قَالَ مَوضِع الْحلم غير الْحَرْب والرفق والحلم يستعملان فِي السّلم وَأما الْحَرْب فَلَا رفق فِيهَا بالأقران والحليم فِيهَا جَاهِل كواضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَهَذَا معنى مطروق وَقد طرقه كثير من الشُّعَرَاء قَالَ الفند الزماني
(وَبَعْضُ الحلْمِ عنْدَ الجَهْلِ ... للذِّلِّةِ إذْعانُ)
وَقَالَ سَالم بن وابصة
(إنَّ مِنَ الحِلْمِ ذُلاّ أنتَ عارِفُهُ ... والحلمُ عَن قُدرَةٍ فضْلٌ مِن الكَرَم)
وَقَالَ الخزيمي
(أرَى الحلمَ فِي بَعضِ المَوَطنِ ذلِّةً ... وَفِي بَعْضِها عِزّا يُسَوّدُ صَاحِبَه)
(3/187)

وَقَالَ الْأَعْوَر الشني
(خُذِ العَفْوَ وَاغْفِرْ أَيهَا المرْءُ إِنَّنِي ... أرَى الحلمَ مَا لم تَخْشَ مَنقَصه غُنْما)

20 - الْغَرِيب انهدت سَقَطت وناء بِهِ الْحمل أَي أثقله وَمِنْه قَوْله تَعَالَى لتنوء بالعصبة أَي تثقل وَالْحمل بِالْكَسْرِ مَا كَانَ على ظهر وبالفتح مَا كَانَ فِي بطن أَو شَجَرَة أَو نَخْلَة وَيُقَال فِي النّخل وَالشَّجر أَيْضا بِالْكَسْرِ وناء نَهَضَ وناء أَيْضا سقط وَهُوَ من الأضداد الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أَن الممدوح تولت نَفسه حمل حلمه عَن الأَرْض ونهضت بِهِ دونهَا لعجزت الأَرْض عَن حمله وأثقلها وَلم تطق حمله وَلما كَانَ الْحلم يُوصف بالثقل والحليم بالرزانة وَيُشبه بالطود شاع هَذَا الْكَلَام فِي وصف الْحَلِيم وَالْمعْنَى لَو كَانَ الْحلم جسما لَكَانَ من الثّقل بِهَذِهِ الصّفة
21 - الْغَرِيب الآمال جمع أمل وَهُوَ مَا يَرْجُو الْإِنْسَان من الْخَيْر والحياة والسبل جمع سَبِيل وَهُوَ الطَّرِيق الْمَعْنى يَقُول تَبَاعَدت آمال النَّاس عَن جَمِيع الْمَقَاصِد لِأَنَّهَا تَوَجَّهت إِلَيْك وَإِلَى قصدك دون غَيْرك من النَّاس فَلم تَجِد سَبِيلا إِلَّا إِلَى قصدك وَقصد بابك
22 - الْغَرِيب هَب الرجل من نَومه إِذا أستيقظ قَالَ الشَّاعِر
(أَلا أَيهَا النُّوَّامُ مِنْ نَوْمِكُمْ هُبُّوا ... أُسائِلْكُمُ هَل يَقْتلُ الرَّجلَ الحُبُّ)
وَهُوَ فعل مَوْضُوع لقُوَّة الشَّيْء ونشاطه فَمِنْهُ هَب النَّائِم من نَومه لِأَنَّهُ يُفَارق السّكُون وهبت الرّيح إِذا جَاءَت بعد سُكُون وهب التيس إِذا نشط للسفاد وهب السَّيْف إِذا أهتز للْقطع وَالسري مصدر سرى والندى الْكَرم الْمَعْنى يَقُول من كَثْرَة عطاياه وَكَرمه قد شاع فِي الْآفَاق فَهِيَ تنادي القاعدين عَن طلبه استيقظوا من نومكم واسروا إِلَيْهِ فَهُوَ يُغني عَن قَصده وَاعْلَمُوا أَن الْبُخْل قد هلك بِوُجُودِهِ وجوده
23 - الْغَرِيب الإنجاز من نجز الشَّيْء بِالْكَسْرِ ينجز نجازا انْقَضى وفنى قَالَ النَّابِغَة
(وكُنْتَ رَبيِعا للْيتَامى وَعِصْمَةً ... فُملكُ أبي قابوسَ أضْحى وَقدْ نَجُزْ)
(3/188)

أَي انْقَضى ونجز بِالْفَتْح حَاجته ينجزها بِالضَّمِّ نجزا إِذا قَضَاهَا ونجز الْوَعْد وأنجز حر مَا وعد وَفِي الْمثل المحاجزة قبل المناجزة الْمَعْنى يَقُول لَا وعد لَهُ فينجزه وَلَا مطل يمطل بِهِ والمطل المدافعة فقد منعت عطاياه دون الْوَعْد فحصولها عَاجلا يمْنَع من الْوَعْد وَإِذا لم يكن وَعدا لم يكن إنجاز وَلَا مطل كَقَوْل أَشْجَع السّلمِيّ
(يَسْبِقُ الوَعدَ بالنَّوال كَمَا يَسْبِقُ ... بَرْقَ الغُيُوث صَوْبَ الغَمامِ)

24 - الْمَعْنى يَقُول عطاياه كَثِيرَة فَلَا يقدر أحد على تحديدها بِأَن يَجْعَل لَهَا حدا إِلَيْهِ تَنْتَهِي كَمَا لَا يقدر أحد على رد مَا فَاتَ بل رد الْفَائِت أقرب من تحديدها وَلَا يقدر أحد على أَن يحصي مكارمه وأيسر من إحصائها إحصاء الْمَطَر والرمل وهما لَا يحصيان
25 - الْإِعْرَاب مَا يجوز أَن يكون أستفهاما مَعْنَاهُ الْإِنْكَار وَيجوز أَن يكون نفيا وأخبارا ونعل خبر وجوهها وَاللَّام تتَعَلَّق بِهِ وَفِي كل نائبة مُتَعَلق بِفعل مَحْذُوف تَقْدِيره يطَأ بِهِ وَمِمَّنْ بتعلق بتنقم الْغَرِيب نقمت الشَّيْء بِالْفَتْح أَنْقم بِالْكَسْرِ أَي كرهته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى وَمَا نقموا مِنْهُم أَي كَرهُوا وعابوا والاخمص بَاطِن الْقدَم الْمَعْنى يَقُول هُوَ عَزِيز شَدِيد الْبَأْس وَالْقُدْرَة فَلَا تقدر الْأَيَّام على مُخَالفَته فقد ذلت لَهُ ذل من يطوءه بأخمص قَدَمَيْهِ حَتَّى تصير تحتهما كالنعل فِي الذل وَلَا تقدر الْأَيَّام أَن تعيبه وَلَا ترد عَلَيْهِ مَا يفعل
26 - الْغَرِيب عزه غَلبه وقهره من قَوْلهم من عز بز وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وعزني فِي الْخطاب} الْمَعْنى يَقُول لم يَقْهَرهُ مُرَاد أَرَادَهُ وَلَا أمتنع عَلَيْهِ فِي طول الْأَيَّام وَإِن كَانَ قَلِيل الْوُجُود إِلَّا أَن يكون لَهُ نَظِير فَأَنَّهُ يمْتَنع عَلَيْهِ وَلَا يُوجد لعدم نَظِيره كَقَوْل البحتري
(كُلُّ الذَّي تَبْغي الرّجالُ تُصيبهُ ... حَتَّى تُبَغِّى أنْ تَرَى شَرْوَاهُ)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(وَلِئنْ طَلَبْتُ شَبِيهَةُ إِنِّي إِذا ... لَمُكَلِّفٌ طَلَبَ المُحالِ رِكابِي)
وَجمع أَبُو الطّيب بَين وَجْهَيْن من الْمَدْح الاقتدار والانفراد عَن الْأَمْثَال
(3/189)

- الْإِعْرَاب كفى إِذا كَانَ بِمَعْنى أَجْزَأَ وأغنى تعدى إِلَى مفعول كَقَوْلِك كفاني دِرْهَم أَي أجزأني وكفاني قرص أَي أغناني وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَنْع والكف فَهُوَ يعتدي إِلَى مفعولين نَحْو قَوْلك كفيت فلَانا شَرّ فلَان أَي منعته وَمِنْه فَسَيَكْفِيكَهُم الله وهما مُخْتَلِفَانِ معنى وَعَملا وَكفى فِي هَذَا الْبَيْت من النَّوْع الأول وثعلا مفعول كفى وفخرا نصب على التَّمْيِيز وَالْفَاعِل أَن بصلتها وَالْبَاء زَائِدَة كزيادتها فِي كفى بِاللَّه وَفِي دُخُولهَا قَولَانِ أَحدهمَا أَن يكون بِمَعْنى اكتفوا وَالثَّانِي لاتصال التَّأْكِيد لِأَن الِاسْم فِي قَوْلك كفى الله يتَّصل بِالْفِعْلِ اتِّصَال الفاعلية وَإِذا قلت كفى بِاللَّه اتَّصل اتِّصَال الْإِضَافَة واتصال الفاعلية وفعلوا ذَلِك للإيذان بِأَن الْكِفَايَة من الله لَيست كالكفاية من غَيره فِي عظم الْمنزلَة فضوعف لَفظهَا لتضاعف مَعْنَاهَا فَإِذا قلت كفى بزيد عَالما حَملته على معنى اكتفيت بِهِ وَيجوز فِي دهر الرّفْع وَالنّصب فالرفع راوية أبي الْفَتْح وَبِه قَرَأت قَالَ أَبُو الْفَتْح ارْتَفع دهر بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ أول الْكَلَام فَكَأَنَّهُ قَالَ وليفخر دهر أهل فَأهل صفة لدهر وَلَا وَجه لَهُ إِلَّا هَذَا وَلَا يجوز رَفعه على الأبتداء إِلَّا على حذف الْخَبَر وَقَالَ المعري وَغَيره ودهرا بِالنّصب عطفا على قَوْله ثعلا وَرفع أهل على تَقْدِير هُوَ أهل وَقَالَ الربعِي نصب دهرا على أسم أَن وَأهل خبر عَنهُ وَالْمعْنَى كفى ثعلا فخرا بأنك وَأَن دهرا لِأَن أمسيت من أَهله أهل وَإِن رفعته بِالِابْتِدَاءِ أضمرت لَهُ خَبرا مدلولا عَلَيْهِ بِأول الْكَلَام فَحسن وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ متخصص بِالصّفةِ تَقْدِيره ودهر أهل فاخر بك وَقد يجوز رفع دهر عطفا على فَاعل كفى وَهُوَ الْمصدر الْمُقدر لِأَن أَن مَعَ خَبَرهَا بِمَعْنى الْكَوْن لتَعلق مِنْهُم باسم الْفَاعِل الْمُقدر الَّذِي هُوَ كَائِن تَقْدِيره كفى ثعلا فخرا كونك مِنْهُم ودهر مُسْتَحقّ لِأَن أمسيت من أَهله أَي وكفاهم فخرا دهر أَنْت فِيهِ أَي أَنهم فَخَروا بكونك مِنْهُم وفخروا بزمانك لنضارة أيامك كَقَوْل حبيب
(كأنَّ أيَّامَهُم مِنْ حُسْنِها جُمَعُ)
وَعطف دهرا وَهُوَ أسم حدث على الْكَوْن الْمُقدر وَهُوَ أسم حدث ودهر مَوْصُوف بِصفة فِيهَا ضمير عَائِد على أسم أَن وَهُوَ التَّاء من أمسيت فَهَذَا وَجه فِي الرّفْع صَحِيح لَيْسَ فِيهِ تَقْدِير مَحْذُوف وَالْوُجُوه الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا وَجه خَال من حذف وَقَالَ الشريف هبة الله بن الشجري يجوز رفع فَخر بِإِسْنَاد كفى إِلَيْهِ وَتخرج الْبَاء عَن كَونهَا زَائِدَة فتجعلها متعدية مُتَعَلقَة بالفخر وجر الدَّهْر بالْعَطْف على مجرور الْبَاء وَيرْفَع أهل بِالِابْتِدَاءِ فَيصير اللَّفْظ كفى ثعلا فَخر بأنك مِنْهُم وبدهر وَالْمعْنَى أَنهم اكتفوا بفخرهم بِهِ وبزمانه الْغَرِيب ثعل بطن من طي وهم قَبيلَة الممدوح الْمَعْنى يُرِيد كفاهم الْفَخر على سَائِر الْعَرَب بكونك مِنْهُم وَكَذَلِكَ الدَّهْر كَفاهُ الْفَخر على الْأَزْمِنَة الَّتِي قبله وَبعده لكونك من أَهله وَأهل الْأَخير فِي الْبَيْت مَعْنَاهُ مُسْتَحقّ ومستأهل قَالَه الواحدي
28 - الْإِعْرَاب ويل ابْتِدَاء وَخَبره مَا بعده وَهُوَ من النكرات الَّتِي يجوز بهَا الأبتداء كَقَوْلِك سَلام عَلَيْكُم الْغَرِيب يُقَال ويل لَهُ فِي الدُّعَاء وويح لَهُ فِي الترحم والتحنن عَلَيْهِ كَقَوْلِه
وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية وحاولت طلبت وغرة غَفلَة الْمَعْنى يَقُول طوبي لعين لَا تَخْلُو من إبصارك وويل النَّفس طلبت مِنْك غَفلَة
29 - الْغَرِيب شام الْبَرْق تطلع إِلَيْهِ وَإِلَى سَحَابَة أَيْن يمطر وشمت مخايل الشَّيْء إِذا تطلعت إِلَيْهِ ببصرك منتظرا لَهُ والفاقة الْحَاجة والصيب الْمَطَر الشَّديد قَالَ تَعَالَى {أَو كصيب من السَّمَاء} وَالْمحل الجدب الْمَعْنى يَقُول من يَرْجُو مواهبك ويقصدك لَا تناله فاقة لِأَنَّك تحقق رَجَاءَهُ وَإِذا كنت بمَكَان فَلَا جَدب فِيهِ لِأَن عطاياك تقوم لأَهله مقَام الْغَيْث وَضرب الْبَرْق وَالْمحل مثلا لقصد الآمال إِلَيْهِ كَمَا يشام برق السَّحَاب
(3/190)

- 1 الْغَرِيب السقم والسقم لُغَتَانِ فصيحتان والنكس بِضَم النُّون الِاسْم وَبِفَتْحِهَا الْمصدر الْمَعْنى يَقُول كنت زَائِدا كَمَا يزِيد الْهلَال فِي أول الشَّهْر ثمَّ نقصت كَمَا ينقص إِلَى أَن يلْحقهُ السرَار وَالْمعْنَى كنت صَحِيح الْجِسْم كَامِل الْخلق فنكسني وصل الهجر وَبعد الْوِصَال إِلَى أَن أعادني إِلَى السقم كَمَا يُعَاد الْهلَال إِلَى المحاق بعد تَمَامه ونكس الْمَرِيض ينكس نكسا أَي أُعِيد إِلَى الْمَرَض
(3/191)

- الْغَرِيب البلبال شدَّة الْهم والحزن الْمَعْنى يَقُول بِقدر مَا ينقص من جسمي من الوجد يزِيد فِي همي وحزني فبقدر زِيَادَة الْحزن نُقْصَان فِي الْجِسْم وطابق بَين الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
3 - الْغَرِيب قَوْله الدمنتين تَثْنِيَة دمنة وَجَمعهَا دمن وَهِي آثَار الدَّار والدو الأَرْض الواسعة المستوية القفرة من ريا هِيَ أسم امْرَأَة وَالْمرَاد من دمن ريا فَحذف للْعلم بِهِ كَقَوْل زُهَيْر
(أمِنْ أُمّ أوْ فَي دِمْنَةٌ لم تَكَلَّمِ)
يُرِيد من دمن أم أوفى وَالْحَال شامة تخَالف لون الْوَجْه والشامة تكون فِي الْوَجْه والجسم الْمَعْنى يَقُول قف بدمن هَذِه المحبوبة لتنظر آثارها وتذكر مَا كَانَ فِيهَا من اهلها فقد بقيت كَأَنَّهَا خالان فِي خد فَشبه آثَار سَواد الديار فِي سَعَة الأَرْض بخالين فِي خد
4 - الْغَرِيب الطلول مَا بقى من آثَار الدَّار وَاحِدهَا طلل وَهُوَ الَّذِي بقى شخصه يُقَال طلل وأطلال وطلول الْمَعْنى يُرِيد أَن الطلول الشاخصة الْبَاقِيَة تلوح فِي العراص كَالنُّجُومِ فِي اللَّيَالِي الْمظْلمَة والعراص لَا تدرس بل هِيَ وسط الدَّار وَالْمعْنَى طلول الأحباب لائحات فِي عراص خاليات فَهِيَ تلوح فِيهِنَّ كَمَا تلوح النُّجُوم فِي اللَّيَالِي المظلمات
5 - الْغَرِيب النؤى جمع نؤى كدلو ود لي وحقو حَقي وَأَصلهَا نؤوي فاجتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت أحداهما بِالسُّكُونِ فقلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِي لَام الْكَلِمَة وَكسرت الْهمزَة الَّتِي هِيَ عين الْكَلِمَة لأجل الْيَاء فَجرى مجْرى عصي وحلي وَلَو قيل نئي لجَاز كَمَا قيل فِي نَظَائِره والنؤى مَا يحْفر حول الْبَيْت ليقيه أَن يدحله مَاء الْمَطَر كالخندق حول الْبَلَد والخدام جمع خدمَة وَأَصله سير يشد فِي رسغ الْبَعِير وَبِه سمي الخلخال خدمَة لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ من سيئور يركب فِيهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة والخدال السمان وَهِي جمع خدلة وَهِي الممتلئة وَمثلهَا خد لجة الْمَعْنى شبههن حول الْبَيْت بالخلاخيل على الأسؤق الْغِلَاظ لِأَن السَّاق إِذا غلظت لَا يَتَحَرَّك عَلَيْهَا الخلخال وَلم يسمع لَهُ صَوت قَالَ الواحدي وَهَذَا أَخْبَار بِأَن النؤي لم يدْفن فِي التُّرَاب وَأَن مَا أحدقت بِهِ ملأها
(3/192)

كَمَا تملأ السَّاق الْعَظِيمَة الْخدمَة وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(أثافٍ كالخُدُودِ لُطِمْنَ حُزْنا ... وَنُؤْيٌ مِثْلُ مَا انْقَصَمَ السوار)
فَنقل السوار إِلَى الخدام وَأَصله من قَول الأول
(نُؤْيٌ كَمَا نَقَصَ الهِلالَ مَحَاقُهٌ ... أوْ مِثْلُ مَا قَصَمَ السِّوَارَ المِعْصَمُ) وَجعل أَبُو الطّيب الخدام خرسا لِأَن السَّاق إِذا امْتَلَأَ لم تتحرك والخلخال كالنؤي يمْلَأ مَا أحدق بِهِ من الأَرْض وَهُوَ تَشْبِيه حسن
6 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قَوْله فِيهَا رَاجع إِلَى ريا وَهِي المحبوبة الْمَعْنى يَقُول أَنا أعشق العشاق فِي هَواهَا وَأَنت أعذل العذال لي يُرِيد كَثْرَة لومه إِيَّاه فَلَا تعذلني وأترك عني عذلك فلست أرجع عَنْهَا
7 - الْغَرِيب النوي الْبعد والفراق والحية الذواق يُرِيد نَفسه وَهُوَ كالحية الذّكر لَا يسْتَقرّ فِي مَوضِع والفلا جمع فلاة وَهِي الأَرْض الواسعة والظلال جمع ظلّ قَالَ تَعَالَى {هم وأزواجهم فِي ظلال} وَقَرَأَ الأخوان ظلل جمع ظلة الْمَعْنى يَقُول مَا تُرِيدُ النوي مني وَقد ذقت الْأَشْيَاء وجربتها وَقد ضجرت مني الْأَسْفَار وتعودت حر فلواتها وَبرد ظلالها وَالْمعْنَى حر النَّهَار وَبرد اللَّيْل لِأَن اللَّيْل كُله ظلّ وَهَذَا شكاية من الْفِرَاق وَأَنه مبتلى بِهِ
8 - الْغَرِيب الروع الْفَزع الهول الْمَعْنى يَقُول لقِيت الشدائد على اختلافها وَأَنا أَشد إقداما فِي الْخَوْف من إقدام ملك الْمَوْت لأَخذه الْأَرْوَاح فَأَنا أخوض غمار الحروب من غير خوف والخيال يُوصف بالسري يُقَال أسرى من خيال الخيال لِأَن يقطع من الشرق إِلَى الغرب
9 - الْغَرِيب الحتف الْهَلَاك والقالي الْمُبْغض وقلاه أبغضه قَالَ الله تَعَالَى {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} أَي وَمَا أبغضك وَمِنْه بَيت الحماسة
(كُلّ لَهُ نِيةٌ فِي بغْضِ صَاحِبِهِ ... بِنِعْمَةِ اللهِ نَقْلُوكُمُ وتُقْلُونا)
(3/193)

الْمَعْنى يَقُول يُرِيد انه محب للهلاك الَّذِي يدينه من الْعِزّ ومبغض للعمر الَّذِي يطول فِي الذل وَالْمعْنَى هُوَ محب للهلاك فِي الْعِزّ ومبغض للعمر الطَّوِيل فِي الذل وَقَوله ولحتف أَي وَهُوَ الحتف
10 - الْغَرِيب يُرِيد من الْجِنّ فَحذف النُّون لسكونها وَسُكُون اللَّام من الْجِنّ كَمَا قَالُوا بلعنبر فِي بني العنبر والزي الشكل والمثل الْمَعْنى يَقُول نَحن ركب وهم ركاب الْإِبِل يُقَال ركب وركبان من الْجِنّ فِي زِيّ النَّاس فَوق طير إِلَّا أَنَّهَا فِي صُورَة الْجمال يُرِيد لسرعة سَيرهَا كَأَنَّهُ تطير كَمَا يطير طير كَقَوْل الطَّائِي
(فِي ثُبَة إنْ سَرَوْا فَجِنٌ ... أوْ يَّمُموا شُقَّةٌ فَطَيْرُ)

11 - الْغَرِيب الجديل فَحل كريم كَانَت الْعَرَب تنْسب إِلَيْهِ الْإِبِل الْكِرَام والبيد الأرضي الْبَعِيدَة وَهِي جمع بيداء وَهِي المفاوز والآجال جمع أجل الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْجمال الَّتِي هِيَ كالطير فِي السرعة من بَنَات هَذَا الْفَحْل الْكَرِيم تسرع بِنَا فِي المفاوز كمشي الْأَيَّام فِي الْآجَال وَهُوَ من أبلغ الْكَلَام وأفصحه وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(مُوفٍ على مُهَجٍ فِي يوْمِ ذِي رَهَجٍ ... كأنَّهُ أجَلٌ يَسْعَى إِلَى أمَلِ)

12 - الْغَرِيب الهوجاء النَّاقة الَّتِي ترمي بِنَفسِهَا فِي السّير للنشاط وَلَا يُوصف بِهِ الذّكر فَلَا يُقَال بعير أهوج والدياميم جمع ديمومة وَهِي الفلاة والسليط الدّهن والذبال جمع ذبالة وَهِي الفتيلة الْمَعْنى يَقُول كل نَاقَة سريعة السّير قد أثرت فِيهَا الفلوات كتأثير النَّار فِي دهن الفتيلة وَالْمعْنَى قد أفناها السّير كَمَا تفني النَّار دهن الفتيلة
13 - الْغَرِيب عامدات قاصدات والضراغامة الْأسد وضرغم الْأَبْطَال بَعضهم بَعْضًا فِي الْحَرْب والمفضال مفعال من الْفضل الْمَعْنى هَذِه النوق عامدات تقصد جناب الممدوح الَّذِي هُوَ فِي الْحسن والشرف والعلو كالبدر وَفِي الْجُود وَالْكَرم كالبحر وَفِي الْيَأْس والشجاعة كالأسد وَهُوَ بفضله يعم الْخَلَائق فَهُوَ مفضال
(3/194)

- الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح إِذا زرته فَكَأَنَّمَا زرت سُلَيْمَان فِي كَثْرَة ملكه ويوسف فِي جماله وبهائه لِأَنَّهُ ملك كَبِير الْملك ذُو جمال لَا يشا كُله إِلَّا جمال يُوسُف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وجلالا تَمْيِيز
15 - الْإِعْرَاب نصب ربيعا بالْعَطْف على مفعول يرز الْغَرِيب الرّبيع الخصب وَهُوَ مَا ينْبت من كَثْرَة الْمَطَر وَالربيع أَيْضا الشَّهْر والرياض جمع رَوْضَة يُقَال رَوْضَة وَروض ورياض الْمَعْنى انه اسْتعَار لمعاليه رياضا لما جعله ربيعا وَجعل إعطاءه غيث ذَلِك الرّبيع وَجعل شكر الشَّاكِرِينَ زهرا يضاحكه الْغَيْث لِأَن الزهر ينفتح وَيحسن بعد مَجِيء الْغَيْث كالشكر يكون بعد الْعَطاء وَلَوْلَا حبه للوجود لما أثنى عَلَيْهِ الشاكرون فَأَقَامَ النِّعْمَة مقَام الرَّوْض وشكره مقَام الزهر وَهَذَا من أحسن الِاسْتِعَارَة
16 - الْغَرِيب نفخ الْمسك وَغَيره إِذا فاحت رِيحه وَالضَّمِير فِي مِنْهُ عَائِد على الرّبيع الْمَعْنى يَقُول نفحتنا من ذَلِك الرّبيع نفحة أحيت لنا آمالنا بعد مَوتهَا واستعار الصِّبَا لذكر النَّاس محاسنة وَكَرمه وَأَنه يُغني من قَصده فَقَالَ من طيب أخباره نفحتنا نسمَة دلتنا على إنْجَاح قصدنا لَهُ فأحيت آمالنا وَهَذَا من البديع
17 - الْغَرِيب الموَالِي جمع مولى والبوار الْهَلَاك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {دَار الْبَوَار} أَي الْهَلَاك {وكنتم قوما بورا} أَي هلكي الْمَعْنى يَقُول همته لم تزل مَقْصُورَة على دفع الْإِحْسَان إِلَى الْأَوْلِيَاء والإساءة إِلَى الْأَعْدَاء فَهُوَ يحي بجوده أولياءه وَيهْلك ببأسه أعداءه
18 - الْغَرِيب الرئبال الْأسد وَهُوَ مَهْمُوز وَالْجمع رآبيل وَفُلَان يترأبل أَي يُغير على النَّاس وَيفْعل فعل الْأسد وَقد ترك الْهمزَة النميري فِي قَوْله
(ونُلْفَى كمَا كُنَّا يَدَّا فِي قِتالِنا ... رَيابيلَ مَا فِينا كَهامٌ وَلا نِكْسُ)
(3/195)

الْمَعْنى يَقُول اكبر عيب يعيب بِهِ أحد عِنْده الْبُخْل لانه كريم فَلَا يحب بَخِيلًا فَإِذا عَابَ إنْسَانا قَالَ هُوَ بخيل والطعن عَلَيْهِ أَن تشبهه بالأسد لِأَنَّهُ أَكثر قُوَّة وبأسا من الْأسد وأقدم فِي الهيجاء على الْأَعْدَاء من إقدام الْأسد
19 - الْغَرِيب الْجِرَاحَات جمع جِرَاحَة وَهِي مَا يكون بِسيف أَو رمح أَو سهم أَو مدى والنغمات جمع نَغمَة وَهُوَ الصَّوْت والسيب الْعَطاء وَالسُّيُوف الرِّكَاز والسيب مصدر سَاب والسيب بِكَسْر السِّين مجْرى المَاء الْمَعْنى يَقُول إِذا سبق صَوت السَّائِل قبل أَن يُعْطِيهِ فَكَأَنَّمَا هِيَ جراح فِي جسده وَقَالَ الواحدي نَغمَة السَّائِل تُؤثر فِي قلبه تَأْثِير الْجِرَاحَات تأسفا كَيفَ أَن نواله لم يسْبق إِلَيْهِ وَتَأَخر حَتَّى أَتَى يَطْلُبهُ لِأَن عَادَته أَن يُعْطي السُّؤَال بِغَيْر سُؤال وَلَا طلب فَإِذا بلغت نَغمَة سَائل وسبقت قبل نواله بلغ ذَلِك مِنْهُ مبلغ الْجراحَة من الْمَجْرُوح وَقَالَ الْخَطِيب يلتذ نغمات السَّائِل كَمَا يلتذ الْجراح وَالْمعْنَى أَنه يشق عَلَيْهِ نَغمَة السَّائِل قبل الْإِعْطَاء ويحكى أَن الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام أَتَاهُ مَال من مُعَاوِيَة فَقَسمهُ فَلم يبْق إِلَّا خَمْسمِائَة دِينَار فَأَرَادَ أَن يقوم بهَا من مَجْلِسه فَالْتَفت وَإِذا أَعْرَابِي قد جَاءَ على نَاقَة لَهُ فَقَالَ الْحسن لغلامه أدفَع إِلَيْهِ هَذِه الدَّنَانِير وَقل لَهُ إِنَّك أتيت وَلم يبْق عندنَا سواهَا فَأَخذهَا الْأَعرَابِي وَقَالَ لَهُ يَا بن بنت رَسُول الله وَالله مَا أَتَيْتُك إِلَّا قَاصِدا فَمَاذَا أعلمك بحالي فَقَالَ لَهُ إِنَّا أنَاس تُعْطِي قبل السُّؤَال شحا على مَا رجاه السَّائِل لنا ثمَّ أنْشد
(نَحْنُ أُناسٌ جنَابُنا خَضِلٌ ... يُسْرِعُ فِيهِ الرَّجاءُ والأَمَلُ)

(نَبْذُلُ قَبْلَ السُّؤَالِ نائِلَنا ... شُحَّا عَلى مَا رَجاهُ مَنْ يَسَلُ)
وَمثل هَذَا الْمَعْنى قَول مَرْوَان بن أبي حَفْصَة يرثي بِهِ معن بن زَائِدَة
(ثَوَى مَنْ كانَ يَحْمِلُ كُلُ ثِقْلٍ ... وَيَسْبِقُ فَيْضُ رَاحَتِهِ السؤالا)

20 - الْغَرِيب النقي الجيب عبارَة عَن الطَّاهِر من الْعَيْب وَقيل الجيب الْقلب والأبدال جمع بدل وَبُدَيْل مثل شرِيف وأشراف وطوى وأطواء وشرير وأشرار وشهيد وأشهاد وَهَذَا جمع فعيل على أَفعَال وهم الْعباد سموا إبدالا لأَنهم إِبْدَال الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي إِجَابَة دعواتهم ونصحهم لِلْخلقِ وَقيل إِذا مَاتَ حَدهمْ أبدل الله مَكَانَهُ آخر فهم لَا ينقصُونَ حَتَّى تقوم السَّاعَة وَيُقَال هم أَرْبَعُونَ رجلا فِي أقطار الأَرْض الْمَعْنى يَقُول هُوَ سراج مُنِير يَهْتَدِي بِرَأْيهِ فِي مُشكل الخطوب وظلمات الْأُمُور
(3/196)

وبعلمه يَهْتَدِي إِلَى مَا أشكل من مسَائِل الدّين وَهُوَ نقي الْقلب لَا غش عِنْده وَهُوَ بَقِيَّة الأبدال يُرِيد أهل الصّلاح
21 - الْغَرِيب نضح المَاء إِذا رشه على الأَرْض أَو الثَّوْب ينضحه بِالْكَسْرِ والنضح أَيْضا الشّرْب دون الرّيّ يُقَال نضح عطشه ينضحه والنضيح الْحَوْض وَالْجمع نضح وَكَذَلِكَ النَّضْح بِالتَّحْرِيكِ وَالْجمع أنضاح وَإِنَّمَا سمي بذلك لِأَنَّهُ ينضح عَطش الْإِبِل أَي يبله والنضيح الْعرق قَالَ الراجز
(تَنْضَحُ ذِفْرَاهُ بِمِاءِ صَبٍّ ... مِثْلِ الكُحَيْلِ أَو عَقيد الرُّبِّ)
والمدن جمع مَدِينَة وَسميت مَدِينَة لَان أَهلهَا يُقِيمُونَ بهَا وَمِنْه مدن بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ والبوائق جمع بائقة وَهِي الداهية يُقَال باقتهم الداهية تبوقهم بوقا بِالْفَتْح وباقتهم بؤوقا على فعول وانباق عَلَيْهِم هجم عَلَيْهِم بالداهية كَمَا يخرج الصَّوْت من البوق وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يُؤمن من لم يَأْمَن جَاره بوائقه أَي ظلمه وغشمه وغوائله وشره والزلزال بِالْفَتْح الِاسْم وبالكسر الْمصدر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا} الْمَعْنى يُخَاطب صَاحِبيهِ يَقُول لَهما خذا مَاء رجل هَذَا الممدوح فرشاه فِي الْبِلَاد فَأَنَّهَا تأمن الزلزلة لِأَنَّهُ رجل صَالح من أهل الصّلاح
22 - الْغَرِيب البقير ثوب لَا كم لَهُ وَهُوَ الَّذِي يلْبسهُ الصّبيان ويلبس للأموات عِنْد الْكَتِفَيْنِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ رجل مبارك يستشفي بِثَوْبِهِ من جَمِيع الدَّاء وَذَلِكَ لما يرجون من بركته لِأَنَّهُ ثوب مبارك فَهُوَ يشفي من الإعلال
23 - الْإِعْرَاب مالئا نصب على الْحَال والشرق والغرب مَفْعُوله وَكَذَا قُلُوب الْغَرِيب النوال الْعَطاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ كريم شُجَاع فقد مَلأ الشرق والغرب بجوده وَكَرمه وَقُلُوب الرِّجَال ببأسه وشدته
24 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ يزهد فِي الدُّنْيَا فَلَا يطْلبهَا وَلَا يريدها وَلَو شَاءَ ضمهَا إِلَيْهِ كلهَا فملكها وَلكنه يزهد فِيهَا لحقارتها عِنْده
(3/197)

- الْمَعْنى يَقُول شجاعته وبسالته تقوم لَهُ مقَام الْجَيْش وتدبيره بإصابته فِي الرَّأْي توجب لَهُ النَّصْر وَمن هيبته إِذا نظر قَامَ لَهُ نظره مقَام السيوف والرماح والظبا السيوف وَهُوَ جمع ظبة والعوالي الرماح المستقيمة
26 - الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي الرؤوس والأبطال جمع بَطل وَهُوَ الشجاع الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جني يهب المَال فيقتدر بذلك على ضرب رُؤُوس الْأَبْطَال وَهَذَا فَاسد وَكَلَام من لَا يعرف الْمَعْنى وَالرجل يُوصف بِضَرْب رُؤُوس الْأَعْدَاء من حَيْثُ الشجَاعَة لَا من حَيْثُ الْجُود وَالْهِبَة وَالْمعْنَى أَنه يفرق مَاله بالعطاء فَإِذا فني المَال آتى أعداءه فَضرب جماجمهم وأغار على أَمْوَالهم كَمَا يُقَال هم مُفِيد متلاف فَوَقع ضربه فِي رُؤُوس أَمْوَاله يكون فِي الْحَقِيقَة فِي رُؤُوس الْأَعْدَاء لِأَنَّهُ لَو لم يفرق مَاله مَا عَاد إِلَى قِتَالهمْ واستباحة أَمْوَالهم وَهُوَ كَقَوْلِه
(فالسَّلْمُ يَكْسِر مِن جَناحَيْ مالِهِ ... بِنَوَالِهِ مَا تَجْبُرُ الهَيْجاءُ)

27 - الْغَرِيب النزال الْمُحَاربَة وَالنُّزُول إِلَى لِقَاء الْأَعْدَاء الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جني أَي فهم الدَّهْر يتقونه لإعماله رَأْيه ومضائه فيهم وَإِن لم يباشرهم بِحَرب وَلَا لِقَاء قَالَ وَهَذَا كَلَامه وَلَيْسَ لإعمال الرَّأْي ومضائه هَاهُنَا معنى إِنَّمَا يَقُول هم أبدا يخافونه حَتَّى كَأَنَّهُمْ فِي وَيَوْم حَرْب لشدَّة خوفهم وَلَيْسَ الْوَقْت يَوْم حَرْب
28 - الْغَرِيب العنبر الْورْد وَهُوَ الَّذِي يضْرب لَونه إِلَى الْحمرَة والصلصال الطين الْيَابِس الَّذِي لَهُ صَوت وَأَصله الطين الْحر خلط بالرمل فَصَارَ يتصلصل وَإِذا طبخ بالنَّار فَهُوَ البخار الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح خلق من العنبر الْأَحْمَر فَهُوَ طيب طَاهِر وَبَقِيَّة الْخَلَائق خلقُوا من طين صلصال فَلهُ فضل على الْخلق لِأَنَّهُ خلق من غير مَا خلقُوا مِنْهُ
29 - الْغَرِيب العذب الطّيب وَالْمَاء الزلَال الْبَارِد الْمَعْنى يُرِيد أَن مَا بَقِي من الطين الَّذِي خلق مِنْهُ هَذَا الممدوح خالط المَاء فأكسبه طيبا وعذوبة
(3/198)

- الْغَرِيب البقايا جمع بَقِيَّة وعفت الشَّيْء كرهته والركانة الشدَّة والصلابة وَسمي الرُّكْن ركنا لِشِدَّتِهِ ولإسناد الشَّيْء إِلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول مَا بَقِي من حلمه الَّذِي أعطَاهُ الله كره النَّاس فَلم يحل بهم فَحل فِي الْجبَال فَصَارَ ركَانَة فِيهَا وثبوتا
31 - الْغَرِيب اغْترَّ بالشَّيْء ركن إِلَيْهِ ووثق بِهِ وَالسّلم الصُّلْح وَهُوَ ضد الْحَرْب وَيكسر وَيفتح وَيذكر وَيُؤَنث وَقَرَأَ الحرميان وَعلي بن حَمْزَة ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة بِالْفَتْح الْمَعْنى يَقُول لست مِمَّن يغره مَا رأى من محبتك للصلح وَإِن لَا تحضر الْقِتَال فَأَقُول إِنَّمَا ذَلِك من الْجُبْن وَإِنَّمَا أَقُول ذَلِك لِأَنَّك لَا ترى لَك قرنا فتنازله وَقد بَينه فِيمَا بعده بقوله
32 - الْإِعْرَاب الْإِشَارَة بقوله ذَاك إِلَى الْقِتَال وَنصب ذليلا على الْحَال الْغَرِيب كَفاهُ أغناه وَمنعه كَمَا تَقول كفيت مَكَان فلَان أَي أغنيت عَنهُ وكفيته شَرّ فلَان منعته والشانئ الْمُبْغض قَالَ الله تَعَالَى {إِن شانئك هُوَ الأبتر} والأشكال جمع شكل وَهُوَ النظير والمثل الْمَعْنى يَقُول ذَاك الْقِتَال أَغْنَاك عَنهُ ومنعك مِنْهُ أَن شانئك وَهُوَ الْعَدو ذل فَلم تحتج إِلَى قِتَاله لِأَنَّهُ أذعن بطاعتك وَلَيْسَ لَك نَظِير يسْتَحق أَن تنازله فِي حَرْب فقد أَغْنَاك عَن الْحَرْب قله نظرائك لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يحارب من يدانيه فِي الْعِزّ والشجاعة
33 - الْإِعْرَاب عطف اغتفار على قَوْله قلَّة الأشكال وَالْكِنَايَة فِي هامهم ترجع إِلَى الْأَعْدَاء المرادة بقوله عَيْش شانيك الْغَرِيب الاغتفار افتعال من الغفران غفر لَهُ واغتفر الْمَعْنى يَقُول كَفاك الْقِتَال عفوك وتجاوزك وَلَو غَيْرك السخط دست رُؤُوس الْأَعْدَاء بحوافر خيلك حَتَّى تصير نعالا لنعالها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو أحفظكوك وحملوك على ترك الاغتفار لأهلكتهم وَأحسن فِي كنايته عَن الحفيظة بقوله لَو غير السخط وَمثله
(وَلَوْ ضَرَّ خَلْقا قَبْلَهُ مَا يَسُرُّهُ ... لَأَثَّرَ فِيهِ بأْسُهُ والتَّكَرُّمُ) كنى عَن الضَّرَر بأثر فِيهِ وَهَذَا لفظ عذب تقبله النُّفُوس
(3/199)

- الْإِعْرَاب هَذَا تضمين لما قبله تَقْدِيره نعال لنعال لجياد وَقد عابه عَلَيْهِ قوم وَقَالُوا هُوَ تضمين فَاحش لَان الأول لم يكن شَدِيد الْحَاجة إِلَى الثَّانِي فَاللَّام مُتَعَلقَة بِالْأولِ الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على غير قِيَاس وَهُوَ مَذْكُور فِي مَوَاضِع من كتَابنَا وأعراء جمع عري وَهُوَ الَّذِي لَا سرج عَلَيْهِ وَمِنْه حَدِيث انس رَضِي الله عَنهُ ركب رَسُول الله
على فرس عري لأبي طَلْحَة يُقَال لَهُ مَنْدُوب وَقيل فِي بَيت رُؤْيَة بن العجاج
(يَغْشَى قَراً عارِيَة أعْرَاؤُهُ ... )
ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن يكون جمع عراء وَهُوَ الْمَكَان الْخَالِي كَقَوْلِه تَعَالَى {فنبذناه بالعراء} وَالثَّانِي أَن يكون جمع عري وَالثَّالِث أَن يكون جمع عرا وَهُوَ النَّاحِيَة من قَوْلهم لَا يقرب عراه والجلال جمع جلّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْجلَال وَاحِد وَذكرهَا فِي الْآحَاد وَقَالَ جُمُعَة أجلة فعلى هَذَا إِذا كَانَ جمعا كَانَ مفرده جلا وَإِذا كَانَ وَاحِدًا كَانَ جمعه أجلة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الجل وَاحِد جلال الدَّوَابّ وَجمع الْجلَال أجلة والجل الْورْد وَهُوَ فَارسي مُعرب قَالَ لأعشي
(وَشاهِدنُا الجُلُّ والْياسمِينُ ... والمُسْمعاتُ بأقْصَابِها)
يُرِيد الزامرات الْمَعْنى يَقُول لجعلت رؤوسهم نعالا لجياد صفتهَا أَنَّهَا تدخل الْحَرْب عَارِية من الْجلَال وَلَا يحسن أَن يُقَال عَارِية من السُّرُوج واللبد فيخرجن من الْحَرْب وَهن قد لبسن الدَّم عوضا من الْجلَال لِأَن الدَّم لما جف عَلَيْهِنَّ صَار كالجلال لَهُنَّ وَهُوَ مَنْقُول من قَول جرير
(وتُنْكِرُ يْومَ الرَّوعِ ألوان خَيلنا ... مِن الطَّعنِ حَتَّى تَحْسِبَ الجْونَ أشْقَرَ)

35 - الْغَرِيب الذوائب جمع ذؤابة وَهِي شعر الرَّأْس والأطفال جمع طِفْل وَهُوَ الصَّغِير وَيكون وَاحِدًا وجمعا قَالَ الله تَعَالَى {أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا} الْآيَة الْمَعْنى يَقُول أَن السيوف والرماح تُوصَف بالبياض فَلَمَّا باشرت الْقَتْل اكتست الدَّم وَلم يكن عَلَيْهَا فَصَارَت سَوْدَاء فَكَأَنَّهَا أستعارت لونا غير ألوانها وَأَلْقَتْ ألوانها وَهِي الْبيَاض فِي ذوائب الْأَطْفَال لأَنهم يشيبون من شدَّة مَا ينالهم من الْفَزع وَهُوَ مَأْخُوذ من الْآيَة {فَكيف تَتَّقُون إِن كَفرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَل الْولدَان شيبا}
36 - الْإِعْرَاب طورا نَصبه على الظّرْف يُرِيد فِي طور الْغَرِيب الطّور التارة والحين قَالَ النَّابِغَة
(تَناذَرَها الرَّاقُونَ مِن سُوء سَمّها ... تُطَلِّقُهُ طَوْراً وطَوْراً تُرَاجعُ)
والسلسال المَاء العذب الَّذِي يتسلسل فِي الْحلق الْمَعْنى يَقُول أَنْت تَارَة سم لأعدائك والسم يضم وَيفتح وَيجمع على سمام وَتارَة أَنْت حُلْو لأوليائك وَهَذَا الْمَعْنى قد طرقه كثير من الشُّعَرَاء قَالَ أَبُو دؤاد
(فَهُمُ لِلْمُلايِنِينَ أناةٌ ... وعُرَامٌ إذَا يُرَامُ عُرَامُ)
وَقَالَ بشار
(يَليِنُ حِينا وحِينا فِيهِ شِدَّتُهُ ... كالدَّهْرَ يَخْلِطُ إيساراً بإعْسارِ)
وَقَالَ أَبُو نواس
(حَذَرَ امْرِئ نُصِرَتْ يَداه عَلى العِدا ... كالدَّهْرِ فِيهِ شَرَاسَةٌ وَلَيانَ)
وَنَقله أَبُو الشيص إِلَى السَّيْف
(وكالسَّيْفِ إنْ لَا يَنْتَهِ لانَ مَتْنُهُ ... وحَدَّاهُ إنْ خاشَنْتَهُ خَشِنانِ)

37 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت النَّاس فَإِذا غبت عَن مَوضِع غَابَ عَنهُ النَّاس
(3/200)

- 1 الْإِعْرَاب ومنزل مخفوض بواو رب وَهِي الخافظة بِنَفسِهَا عندنَا وَعند مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد وَقَالَ البصريون الْعَمَل لرب مقدرَة وَحجَّتنَا أَنَّهَا تائبة عَن رب فَصَارَت تعْمل عَملهَا كواو الْقسم لِأَنَّهَا نابت عَن الْبَاء وَالدَّلِيل على أَنَّهَا لَيست عاطفة ان حرف الْعَطف لَا يجوز الِابْتِدَاء بِهِ وَنحن نرى الشَّاعِر يَبْتَدِئ بِالْوَاو فِي أول القصيدة كَقَوْلِه
(وَبَلْدَةٌ ليْسَ بِها أنِيِسُ ... )
وَمثل هَذَا كثير وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الْوَاو وَاو عطف وحرف الْعَطف لَا يعْمل شَيْئا لَان الْحَرْف لَا يعْمل إِلَّا إِذا كَانَ مُخْتَصًّا وحرف الْعَطف غير مُخْتَصّ فَوَجَبَ أَن لَا يكون
(3/201)

عَاملا وَإِذا لم يكن عَاملا فالعامل رب مقدرَة وَبدل على أَنَّهَا وَاو عطف وَأَن رب مضمرة جَوَاز إظهارها مَعهَا نَحْو وَرب بَلْدَة الْغَرِيب الغاديات السحب والهطل جمع هاطلة وَهِي الْكثير المَاء الْمَعْنى يَقُول رب منزل نزلناه لَيْسَ هُوَ لنا بمنزل فِي الْحَقِيقَة لأَنا نرتحل عَنهُ وَلم يكن منزلا لشَيْء سوى السحابات الباكرة الماطرة يصف روضا نزلوه وَهُوَ معنى قَوْله الْبَيْت بعده
2 - الْإِعْرَاب ملوحش يُرِيد من الْوَحْش فَحذف النُّون بسكونها وَسُكُون اللَّام وَقد بَيناهُ فِي قَوْله نَحن ركب الْغَرِيب الخزامى والقرنفل نبتان طيبان والندى الرطب والذفر الذكي الرَّائِحَة إِذا كَانَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فَهُوَ للريح الطّيبَة والخبيثة وَأكْثر اسْتِعْمَاله فِي الطّيبَة وَإِذا كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ فَهُوَ للمنتنة لَا غير ومحلل هُوَ الَّذِي كثر بِهِ الْحُلُول الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْموضع هُوَ مُحَلل من الْوَحْش غير مُحَلل من الْإِنْس وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(كَبِكْرِ المُقاناةِ البْياضِ بِصُفْرَةٍ ... غَذَاها نَمِيرُ المَاءِ غَيرَ مُحَلَّلِ)
وَالْمعْنَى هَذَا الْموضع قد حلّه الْوَحْش وَلم يحله الْإِنْس
3 - الْغَرِيب المراعي ظَبْي يُقَال راعت الظبية أُخْتهَا إِذا رعت مَعهَا والمغزل الَّتِي مَعهَا غزالها والمحين مفعل من الْحِين وَهُوَ الْهَلَاك والموئل المنجي الْمَعْنى يَقُول ظهر لنا فِي هَذَا الْمَكَان ظَبْي يرْعَى مَعَ ظَبْيَة ذَات غزال وَهُوَ محين للهلاك بعيد المنجي لانه لَا ينجو من صيدنا إِيَّاه
4 - الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق وَجمعه أجياد والحلى مَا تزين بِهِ المراة من ذهب وَفِضة وجوهر وَفِيه ثَلَاث لُغَات ضم الْحَاء وَكسر اللَّام وَبِه قَرَأَ الْجَمَاعَة سوى حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وكسرهما وَبِه قرا الْكسَائي وَحَمْزَة وَفتح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبِه قَرَأَ يَعْقُوب الخضرمي والتفضل هُوَ أَن تلبس الْمَرْأَة ثوبا للْخدمَة وَالتَّصَرُّف وتنام فِيهِ وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(وَيُضْحى فَتيِتُ المِسْكِ فوْقَ فِراشَها ... نَئُومَ الضُّحَى لم تنْتَطِقْ عَن تفَضلِ)
(3/202)

وَمِنْه حَدِيث امْرَأَة أبي حُذَيْفَة يَا رَسُول الله كُنَّا أَن سالما ابْن لنا وَإنَّهُ يدْخل عَليّ وَأَنا فضل وَلَيْسَ لنا إِلَّا بَيت وَاحِد فَمَا تَأْمُرنِي فِي شَأْنه فَقَالَ أرضعيه خمس رَضعَات الْمَعْنى يَقُول هَذَا الظبي قد غَنِي بِحسن عُنُقه أَن يلبس حليا يتزين بهَا وَقد تعود العري فَلَا يحْتَاج إِلَى ثوب زِينَة أَو ثوب خدمَة ونوم وَهُوَ مزين بجلده لَا بِثَوْبِهِ
5 - الْغَرِيب التضميح الطلاء ضمخته بالطيب أَي طليته بِهِ وَشبهه بالصندل فِي لَونه وَهُوَ جنس من الطّيب وَبِه يشبه الظباء والأيل الشَّاء الوحشية وَجمعه أيايل وأيل وَرُبمَا قَالُوا أجل بِالْجِيم يبدلون الْيَاء جيما قَالَ أَبُو النَّجْم
(كأنَّ فِي أذْنا بِهِنَّ الشُّوُّلِ ... مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الإجَّلِ)
والأيل والإجل الذّكر من الأوعال الْمَعْنى أَنه شبه لَونه بلون الصندل فَيَقُول اعْترض لنا هَذَا الظبي بقرن طَوِيل كقرن الذّكر من الأوعال وَنصب مُعْتَرضًا على الْحَال أَي مزينا مُعْتَرضًا
6 - الْغَرِيب الْكلاب الَّذِي يَسُوق الْكلاب ويصيد بهَا والوثاق جمع بِكَسْر الْوَاو وبالفتح الْمصدر فَمن كسر الْوَاو قَالَ وثيق ووثاق كطويل وطوال والأحبل جمع حَبل فِي أقل الْعدَد وَفِي الْكثير حبال الْمَعْنى يحول بَين الْكَلْب والتأمل يُرِيد أَنه لسرعته لَا يتَمَكَّن الْكَلْب من النّظر إِلَيْهِ فَلم يقدر على تَأمله فَحل الْكلاب مَا كَانَ يشد بِهِ الْكَلْب وَأطْلقهُ عَلَيْهِ
7 - الْغَرِيب الْأَشْدَق الْوَاسِع الشدق والمسوجر الَّذِي فِي رقبته ساجور والمسلسل الَّذِي فِي رقبته سلسلة والأقب الضامر الْبَطن والساطي الَّذِي يَسْطُو على الصَّيْد ويصول عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ الْبعيد الْأَخْذ من الأَرْض والشرس العضوض السيء الْخلق والشمردل الطَّوِيل الْمَعْنى يُرِيد أَنه حل الأحبل عَن كلب بِهَذِهِ الصِّفَات على الظبي ليصيده
8 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قَوْله مِنْهَا للكلاب ويغزل جعله جَوَابا لإذا لِأَنَّهُ شَرط بهَا الْغَرِيب يثغ من الغثاء وَهُوَ الصياح وَلَا يغزل لَا يلهي وَلَا يتحير غزل يغزل غزلا إِذا لهى وفتر والفقرة خرزة الصلب وَالْجمع فقر وَمن قَالَ فقار
(3/203)

فواحدتها فقارة ومؤجد قوي وموثق وَمِنْه نَاقَة أجد إِذا كَانَت شَدِيدَة الْخلق رخو الْمفصل أَي شَدِيد الْمَتْن لين المفاصل الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْكَلْب لَا يفرق من صَوت الغزال وَلَا يفتر عَنهُ إِذا ثغا وَذَلِكَ أَن من الْكلاب مَا إِذا دنا من الغزال فصاح الغزال فِي وَجهه صياحا ضَعِيفا تحير ووقف مَكَانَهُ فَقَالَ هَذَا الْكَلْب لَا يفزع وَهُوَ قوي شَدِيد الظّهْر لين الْمفصل سريع الْأَخْذ يصفه بالإقدام على الصَّيْد
9 - الْغَرِيب السنجل الْمرْآة الْمَعْنى يَقُول إِذا أدبر يرى كَمَا يرى الْمقبل قدامه وَذَلِكَ لسرعة نظره والتفاته وَشبه صفاء حدقته بالمرآة
10 - الْغَرِيب أَحْزَن وَقع فِي الْحزن وَهِي الأَرْض الشَّدِيدَة الصلبة وأسهل إِذا وَقع فِي السهل وَهِي الأَرْض اللينة وتلا تبع والمدى الْغَايَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْكَلْب إِذا وَقع فِي الأَرْض الصلبة عداكما يعدو فِي الأَرْض السهلة وَإِذا تبع صيدا وَمَعَهُ كلاب بلغ الْغَايَة وَهُوَ متلو أَي متبوع يصفه بالسرعة يُرِيد انه يقدم الْكلاب وَكَانَ فِي أول الْعَدو تَابعا ثمَّ صَار فِي آخِره متبوعا
11 - الْغَرِيب الإقعاء أَن يجلس الْكَلْب على أليته والبدوي الَّذِي فِي الْبَادِيَة وَهُوَ إِذا أصطلى بالنَّار أقعى على أسته وَنصب رُكْبَتَيْهِ لتصل الْحَرَارَة إِلَى بَطْنه وصدره وَقَوله مجدولة أَي مفتولة لم تجدل يُرِيد بقوائم محكمَة من خلق الله لامن صَنْعَة وَلَا تصنع الْمَعْنى يُرِيد انه يقعى لأخذ الصَّيْد بقوائم مفتولة محكمَة من خلق الله فَهُوَ شَدِيد القوائم
12 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي آثارها لأيدي الْكَلْب وَرجلَيْهِ الْغَرِيب فتلاء جمعهَا فتل وَهِي الْيَد الَّتِي بَانَتْ عَن الصَّدْر فَلم يَمَسهَا عِنْد الْعَدو وَهُوَ مَحْمُود فِي الْإِبِل والأيادي جمع أيد وَأكْثر مَا تستعملها الْعَرَب فِي النعم يُقَال لفُلَان عِنْدِي يَد وأياد وَذكر يَدَيْهِ بِلَفْظ الْجمع وهما يدان وَكَذَلِكَ رجلَيْهِ وَالْعرب تفعل مثل ذَلِك فِي التَّثْنِيَة كَقَوْلِه تَعَالَى {فقد صغت قُلُوبكُمَا} وهما قلبان يدل عَلَيْهِ قَول {إِن تَتُوبَا} وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ هما حَفْصَة وَعَائِشَة وَفِي الصَّحِيح الحَدِيث
(3/204)

ابْن عَبَّاس مَا كنت أعلم من الْمَرْأَتَانِ اللَّتَان قَالَ الله فيهمَا إِن تَتُوبَا حَتَّى حججْت مَعَ عمر فَسَأَلته الحَدِيث والربذات الخفيفات السريعات والجندل الصحر الْمَعْنى يَقُول قوائمه مفتولة سريعة فِي الْعَدو شَدِيدَة الْوَطْء وَلم يُوصف كلب بِمثل هَذَا فِي ثقل الْوَطْء وَإِنَّمَا جَاءَ فِي هَذَا فِي الْخَيل وَالْإِبِل فنقله أَبُو الطّيب إِلَى الْكَلْب فَقَالَ لقُوَّة وَطئه على الْحِجَارَة أثرت فِيهَا كأمثال مواطئ رجلَيْهِ وَمن روى فتل بِالرَّفْع كَانَ على حذف الأبتداء وَمن خفض جعله نعتا لأَرْبَع يُرِيد بِأَرْبَع فتل
13 - الْغَرِيب التفتل الانفتال والكلكل الصَّدْر والمتن عِنْد الْعَجز الْمَعْنى يكَاد من سرعَة وثبه على الصَّيْد يجمع بَين صَدره وعجزه فِي حَالَة وَاحِدَة وَهَذَا من أحسن الْوَصْف وَهُوَ يشبه قَوْله فِي صفة الْأسد
(حَتَّى حَبا بالعَرْضِ مِنْهُ الطُّولا ... )

14 - الْغَرِيب الوسمي أول الْمَطَر والوني مَا يَلِيهِ والحضار الِاسْم من الْحَضَر والإحضار الْمصدر أحضر الْفرس إحضارا كَذَا قَالَ الْخَلِيل والجوهري وَابْن دُرَيْد وَأنكر أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب هَذَا وَقَالَ هُوَ الْإِحْضَار والحضر وَأما الحضار فَمن المحاضرة إِذا حَاضر غَيره الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا لأوّل عدوه وَآخره يَعْنِي لَا يتَغَيَّر لضبارته وصلابته وانه لَا يفتر وَلَا يعيا وَهَذَا من احسن الْكَلَام وأبدعه
15 - الْغَرِيب المضبر المشدد من إضبار الْكتب إِذا جمعت وشدت والجرول الْحجر قدر الْكَفّ وَمِنْه سمي الحطيئة جرولا كَمَا يسمون حجرا وصخرا وفهرا والذبل جمع ذابل وَهِي الرماح الْمَعْنى يَقُول كَانَ خلقه أحكم من الْحِجَارَة وَشبه قوائمه بِالرِّمَاحِ لطولها وَهُوَ أمدح وَهُوَ مَحْمُود فِي الْإِبِل وَالْخَيْل
16 - الْإِعْرَاب ذِي ذَنْب خفضه على الْبَدَل من قَوْله أشدق أَي فَحل كلابي عَن أشدق ذِي ذَنْب أجرد الْغَرِيب الأجرد الْقَلِيل الشّعْر والأعزل الَّذِي لَا يكون ذَنبه على اسْتِوَاء فقاره وَذَلِكَ عيب فِي الْخَيل وَالْكلاب وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(3/205)

(بِضَافٍ فُوَيْقَ الأرْضِ ليسَ بأعْزَلِ ... )
وَإِذا لم يكن أعزل كَانَ أَشد لمتنه وحساب الْجمل حِسَاب يفهمهُ الْحساب وَهُوَ حِسَاب الْجمل الصَّغِير والجمل الْكَبِير على حِسَاب أبجد هوز وَأكْثر مَا يَسْتَعْمِلهُ المنجمون الْمَعْنى يُرِيد أَن كلاب الصَّيْد تكون جرد الأذناب وَأَن آثَار ذَنبه فِي الأَرْض كآثار الْكَاتِب إِذا خطّ حِسَاب الْجمل لِأَنَّهُ يَحْكِي حروفا غير حُرُوف الْكِتَابَة يعلم بهَا العشور والمتين والألوف وَهُوَ خطّ قبْطِي وَلَقَد أحسن فِي هَذَا التَّشْبِيه
17 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي جعل ابْن جنى كَأَنَّهُ من جِسْمه من صفة الْكَلْب على مَا فسر وَهُوَ من صفة ذَنبه يَقُول كَأَن الذَّنب متنح متباعد عَن جِسْمه أَلا ترى أَنه يَقُول يتلوى فِي عدوه أخف تلو فَكَأَنَّهُ مُتَّصِل بجسمه وَقَوله لَو كَانَ يبلي السَّوْط هَذَا من صفة الذَّنب وَجعله ابْن جنى من صفة الْكَلْب أَيْضا فَقَالَ هُوَ كالسوط فِي الصلابة فَلَا يُؤثر فِيهِ الْعَدو كَمَا لَا يُؤثر فِي السَّوْط التحريك وَلَيْسَ على مَا قَالَ وَالْمعْنَى ان الْكَلْب يكثر تَحْرِيك ذَنبه ثمَّ لَا يبليه ذَلِك كَمَا ان السَّوْط يكثر تحريكه وَلَا يبليه التحريك وَقد لَاذَ فِي هَذَا بقول ذِي الرمة
(لَا يَذْخِرِانِ مِنَ الإيغالِ باقِيةً ... حَتَّى تَكادَ تَفَرَّى عَنْهُما الأُهُبُ)
وَبقول أبي نواس
(تَرَاهُ فِي الحُضْرِ إذَا هاهَي بِهِ ... يَكادُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ إهابِهِ)

18 - الْإِعْرَاب نيل المنى يجوز أَن يكون أبتداء حذف خَبره أَي بِهِ نيل المنى وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب عقلة الظبي أَي قَيده يمنعهُ من الْعَدو والتتفل ولد الظبي وَقيل ولد الثَّعْلَب والحتف الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول بِهِ ينَال المنى الصَّائِد والمرسل الَّذِي يُرْسِلهُ على الصَّيْد يدْرك بِهِ حكم نَفسه فَهُوَ عقلة الظبي يُقَيِّدهُ بِمَنْعه لَهُ عَن الْفَوْت وَهُوَ هَلَاك التتفل وَقد نَقله من صفة الْفرس إِلَى صفة الْكَلْب من قَول امْرِئ الْقَيْس
(بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ ... )

19 - الْغَرِيب انبريا اعترضا يُرِيد الْكَلْب والظبي فذين فردين منفردين والقسطل الْغُبَار الْمَعْنى يُرِيد أَن الأول هُوَ الظبي لِأَنَّهُ السَّابِق بالعدو فِرَارًا من الْكَلْب وبالآخر الْكَلْب وَأَرَادَ أَنَّهُمَا اعترضا للنَّاظِر فِي عدوهما وَأَن الْكَلْب لم يكن مَعَه كلب آخر وَكَذَلِكَ الظبي لم يكن مَعَه ظَبْي آخر وَضَمان الآخريريد شدَّة جريه وعدوه خَلفه فَجعل ذَلِك ضمانا مِنْهُ
20 - الْإِعْرَاب لافي أَن لَا يأتلي زَائِدَة كزيادتها فِي قَوْله تَعَالَى {لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب} وَتَقْدِيره ليعلم وَهِي تزاد فِي مثل هَذَا الْعلم بزيادتها وكزيادتها فِي قَوْله تَعَالَى {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ} على بعض الْوُجُوه وكزيادتها فِي قَول العجاج
(فِي بْئرٍ لَا حُورٍ سَرَى وَما شَعَرْ ... بإفكِهِ حَتَّى رأى الصُّبْحَ جَشَرْ)
تَقْدِيره فِي بِئْر حور وَلَا زَائِدَة الْغَرِيب الهبوة الغبرة وَمَا ألوت فِي كَذَا وَمَا ائتليت وَمَا أليت أَي قصرت والذهول الغفول عَن الشَّيْء الْمَعْنى يَقُول كل وَاحِد مِنْهُمَا لم يشْتَغل عَن صَاحبه فالظبي يجد فِي الْهَرَب وَالْكَلب يجد فِي الطّلب وَالْكَلب لَا يقصر فِي ترك التَّقْصِير
21 - الْإِعْرَاب مُقْتَحِمًا حَال من الْكَلْب وَالْعَامِل فِيهِ لَا يأتلي الْغَرِيب الاقتحام الدُّخُول فِي الْأَمر الْعَظِيم الشَّديد والجدول النَّهر الصَّغِير الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى أَي حَامِلا نَفسه على الْأَمر الشَّديد بِمَعْنى أَخذ الظبي جعل الْمَكَان الأهول أَخذ الظبي وَلَيْسَ على مَا زعم لِأَن أَخذ الْكَلْب الظبي لَيْسَ الْأَمر الأهول بل هُوَ مَا ذكره من قَوْله يخال طول الْبَحْر يَقُول هَذَا الْكَلْب فِي وثوبه وَسُرْعَة عدوه يقتحم فِي الَّذِي يستقبله من هول حَتَّى لَو استقبله بَحر ظن طوله عرض جدول وَالْمعْنَى أَنه يثب إِلَى الْبَحْر كَمَا يثب إِلَى قطع النَّهر
22 - الْغَرِيب المذروبة الأنياب المحددة والأنصل جمع نصل الْمَعْنى يَقُول إِذا دنا الْكَلْب من الصَّيْد وَقيل لَهُ أدْركْت فافعل مَا نُرِيد فعله من القنص كشر عَن أَنْيَاب محددة كَأَنَّهَا نصول
23 - الْإِعْرَاب مركبات فِي مَوضِع جر صفة لمذروبة الْمَعْنى يَقُول هَذِه الأنياب لَا عهد لَهَا بصقل صقيل وَهِي مركب فِيهَا الْعَذَاب وَأَرَادَ بِالْعَذَابِ حطم الْكَلْب فَأَنَّهُ كالعذاب الْمنزل على الصَّيْد
24 - الْغَرِيب الشمَال ريح يهمز وَلَا يهمز وَهِي الَّتِي عَن شمال الْقبْلَة ويذبل جبل عَظِيم فِي الْحجاز الْمَعْنى يُرِيد كَأَن الأنياب مركبة فِي ريح الشمَال من خفَّة الْكَلْب وسرعته فِي الْعَدو وَكَأَنَّهَا من ثقل الْكَلْب على الصَّيْد كالجبل جعل الْكَلْب فِي خفَّة عدوه كَالرِّيحِ وَفِي ثقله كالجبل
25 - الْغَرِيب الهوجل الأَرْض الواسعة الْمَعْنى يَقُول كَأَن الأنياب من سَعَة فَمه فِي أَرض وَاسِعَة وَكَأَنَّهُ من علمه بالمقتل
26 - الْغَرِيب بقراط حَكِيم قديم وَبِه يضْرب الْمثل فِي الطِّبّ وَالْحكمَة والأكحل عرق فِي الذِّرَاع من عروق الفصاد كالباسليق والقيفال الْمَعْنى نقد الصاحب على المتنبي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ لَيْسَ الأكحل بمقتل لِأَنَّهُ من عروق الفصاد وَهُوَ يصف الْكَلْب بِالْعلمِ بالمقتل وَهَذَا خطأ ظَاهر قَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن لم يُخطئ لِأَن فصد الأكحل من أسهل أَنْوَاع الفصد فَإِذا أحتاج بقراط إِلَى تعلم فصد الأكحل فهم إِلَى الْعلم بِغَيْرِهِ أحْوج وَهَذَا قَالَ الواحدي لَيْسَ بِجَوَاب شاف وَالْجَوَاب أَن الْكَلْب إِذا كَانَ عَالما بالمقاتل كَانَ عَالما أَيْضا بِمَا لَيْسَ بمقتل وَإِنَّمَا يحْتَاج بقراط إِلَى تعلم مَا لَيْسَ بمقتل فَلذَلِك ذكر أَبُو الطّيب فصد الأكحل فِي تَعْلِيم بقراط الْغَرِيب حَال انْقَلب والقفز والوثوب والتجدل السُّقُوط على الأَرْض والجدالة الأَرْض والمرجل الْقدر يكون من نُحَاس الْمَعْنى يَقُول انْقَلب مَا كَانَ يقفز بِهِ ويثب وَهُوَ قوائمه إِلَى أَن صَار يفحص بِهِ الأَرْض لما أَخذه الْكَلْب وَصَارَ لَحْمه فِي الْقدر
27 - الْغَرِيب ضاره يضيره وَهُوَ من الضير وَبِه قَرَأَ الحرميان وَأَبُو عَمْرو وَسكن مَعَ للضَّرُورَة وَقد تسكن والأفصح فَتحه والأجدل الصَّقْر الْمَعْنى يَقُول لم يضرنا مَعَ هَذَا الْكَلْب فَقدنَا الصَّقْر لِأَنَّهُ عمل عمله ودعا للممدوح بالسلامة فَقَالَ الْبَيْت بعده
28 - الْمَعْنى يَقُول يَا أَبَا على إِذا بقيت سالما فَأَنا ذُو ملك فالملك لله الْآن ثمَّ لي بسلامتك
(3/206)

- 1 الْغَرِيب النأي لبعد والفراق وَالْبخل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان وبهذه اللُّغَة قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْإِبِل الْجمال وَهُوَ أسم جنس لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه الْمَعْنى يَقُول أبعد بعد المحبوبة بخلها وَهَذَا بعد لَا تكلفه الْإِبِل وَلَا لَهَا فِيهِ عمل لِأَنَّهَا لَا يُمكنهَا قطع مَسَافَة الْبُخْل وَلَا تقدر أَن تقرب هَذَا الْبعد فالمليحة وَهِي مُقِيمَة مَعَ منعهَا وبخلها كَأَنَّهَا بعيدَة وَقَالَ فِي الْبعد أَي فِي أَنْوَاع الْبعد وَهَذَا مَنْقُول من قَول حبيب
(لَا أَظْلمُ النَّأْيَ قَدْ كانَتْ خَلائِقُها ... مِنْ قَبْلِ وَشْكِ النَّوىَ عِنْدي نَوِّي قُذُفا)
وَمن قَول حبيب أَيْضا
(فَفِراقٌ جَرَعْتُهُ مِنْ فِرَاقِ ... وَفِرَاقٌ جَرَعْتُهُ مِنْ صُدودِ)
وَمن قَول البحتري
(على أنِّ هجْرَان الحَبِيبِ هُوَ النوَى ... لَدىِّ وعِرْفان المُسيِىءِ هُوَ العَذْلُ)
وكقول إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس
(وإنَّ مُقيماتٍ بِمُنْعَرجِ اللِّوَى ... لأقْرَبُ مِنْ فيّ وَهاتيكَ دَارها)
وَمن قَول البحتري أَيْضا
(دَنَتْ بِأُناسٍ عَنْ تَناءٍ زِيارَةٌ ... وَشَطَّ بلَيْلَى عَنْ تَدَانٍ مَزَارُها)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول المثقب الْعَبْدي
(أفاطمُ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتِّعِيني ... وَمَنْعُك مَا سألْتُ كأنْ تَبيني)

2 - الْإِعْرَاب ملولة خبر أبتداء مَحْذُوف وَمَا يَدُوم فِي مَوضِع نصب وَمن روى مَا تدوم بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا كَانَت مَا نَافِيَة وَالْمعْنَى لَيست تدوم على حَال وملل أسم لَيْسَ وَالْخَبَر تقدم عَلَيْهِ فِي الْجَار وَالْمَجْرُور
(3/209)

الْغَرِيب يُقَال رجال ملول وَامْرَأَة حُلُول وَدخُول الْهَاء للْمُبَالَغَة الْمَعْنى يَقُول هِيَ تمل كل شَيْء دَامَ لَهَا إِلَّا مللها الدَّائِم فَأَنَّهَا لَا تمله فَلَو مِلَّته لتركته وعادت إِلَى الْوَصْل فَأَنَّهَا تمل الْأَشْيَاء كلهَا إِلَّا مللها
3 - الْغَرِيب انفتلت تثنت وتمايلت والثمل السَّكْرَان ثمل الرجل ثملا إِذا أَخذ مِنْهُ الشَّرَاب فَهُوَ ثمل وَهُوَ من الثميلة وَهِي الْبَاقِيَة من المَاء فِي الصَّحرَاء والغدير والثمل بِالتَّحْرِيكِ مَا بَقِي فِي أَسْفَل الْإِنَاء من طَعَام أَو شراب الْمَعْنى يَقُول إِذا قَامَت تمايل فِي مشيها كتمايل النشوان فَكَأَن قوامها نظرا إِلَى طرفها فَسَكِرَ كَمَا يسكر طرفها محبيها
4 - الْغَرِيب الوجل الْخَائِف وَالْعجز يذكر وَيُؤَنث وَالْعجز أَسْفَل كل شَيْء الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن عجزها ثقيل فَهُوَ يجذبها إِذا هَمت بالنهوض هَذَا معنى يجذبها تَحت خصرها وَقَوله كَأَنَّهُ من فراقها وَجل أَخطَأ فِي تَفْسِيره ابْن جنى وَابْن دوست قَالَ ابْن جنى كَأَن عجزها وَجل من فراقها فَهُوَ متساقط قد ذهبت منته وتماسكه هَذَا كَلَامه وَلم يعرف وَجه تَشْبِيه الْعَجز بالوجل ففسر بِهَذَا التَّفْسِير وَإِنَّمَا يصير الْعَجز بِالصّفةِ بِالصّفةِ الَّتِي وصف عِنْد الْمَوْت وَمَا دَامَت الْحَيَاة بَاقِيَة لَا يصير ذَاهِب الْمِنَّة وَقَالَ ابْن دوست عجزها يجذبها إِلَى الْقعُود لِأَنَّهُ خَائِف من فراقها وَأَيْنَ رأى ذَلِك وَلكنه أَرَادَ وصف عجزها بِكَثْرَة اللَّحْم فشبهه فِي ارتعاده واضطرابه بخائف من فراقها والخائف يُوصف بالارتعاد وَكَذَلِكَ الْعَجز إِذا كثر لَحْمه كَقَوْلِه
(إِذا ماسَتْ رأيْتَ لَهَا ارِتْجاجا ... )
فهما متشابهان من هَذَا الْوَجْه وَتَقْدِيره كَأَنَّهُ إِنْسَان وَجل من فراقها فَلذَلِك ارتعد وَفِي قَول ابْن جنى وَابْن دوست الوجل الْعَجز
5 - الْمَعْنى يُرِيد ترشف فمها وَهُوَ المص فَيَقُول لي نَار شوق إِلَى ترشفها ينْفَصل صبري عني إِذا اتَّصَلت بِي يُرِيد أَن صبره يُفَارِقهُ إِذا اتَّصل بِهِ ذَلِك الشوق وطابق بَين الِانْفِصَال والاتصال
(3/210)

- الْغَرِيب المخلخل مَوضِع الخلخال والمعصم من الْيَد مَوضِع السوار والفاحم لأسود وَالرجل الشّعْر يُقَال شعر رجل وَرجل وسبط وسبط الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَشْيَاء دائي وَأَنا أحبها فَهِيَ دائي ودوائي وَهِي تلفي وحياتي
7 - الْغَرِيب المهمة مَا بعد من الأَرْض واتسع جبته قطعته وَمِنْه جابوا الصخر بالواد والعرامس النوق الصلاب الشَّدِيدَة والذلل المدللة بِالْعَمَلِ المروضة بالسير وَهِي جمع ذَلُول نَاقَة ذَلُول ونوق ذلل وَعجز عَن الْأَمر يعجز عَجزا ومعجزة ومعجزة ومعجزا ومعجزا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وعجزت الْمَرْأَة تعجز بِالضَّمِّ عجوزا صَارَت عجوزا وعجزت بِالْكَسْرِ تعجز عَجزا وعجزا بِالضَّمِّ عظمت عجيزتها الْمَعْنى أَنه يصف شدَّة سيره فَيَقُول رب أَرض بعيدَة قطعتها على قدمي تعجز عَن قطعهَا النوق الصلبة الْمُعْتَادَة السّير وَجَبت على قدمي الفلاة المتسعة الطَّوِيلَة
8 - الْإِعْرَاب مُرْتَد ومجزئ ومشتمل كلهَا أَخْبَار حذف ابْتِدَاؤُهَا تَقْدِيره أَنا مُرْتَد بسيفي وحروف الْجَرّ مُتَعَلقَة باسم الْفَاعِل الْغَرِيب فلَان جيد المخبرة إِذا كَانَ خَبِيرا بالشَّيْء والاشتمال هَذَا من شَمله الشَّيْء إِذا عَمه الْمَعْنى يَقُول أَنا مُرْتَد بسيفي أَي متقلد بِهِ مكتف بعلمي لم أحتج إِلَى دَلِيل يدلني ويهديني الطَّرِيق لابس ثوب الظلام مُشْتَمل كَمَا يشْتَمل الرجل بِثَوْبِهِ أَو كسائه
9 - الْغَرِيب نكرت وَأنْكرت لُغَتَانِ وعييت بأَمْري إِذا لم أهتد إِلَيْهِ وأعياني هُوَ قَالَ عَمْرو بن حسان
(فإنَّ الكُثْرَ أعْيانِي قَديِما ... ولمْ أُقْترْ لَدُنْ أنّي غُلامُ)
وأعيا الرجل فِي الْمَشْي فَهُوَ معي وَلَا يُقَال عيان وأعيا عَلَيْهِ الْأَمر وتعيا وتعايا بِمَعْنى الْمَعْنى يَقُول إِذا تغير عَليّ صديق وَحَال عَن ودي وَأنْكرت أَحْوَاله لم تعجزني الْحِيلَة فِي فِرَاقه بل أفارقه وَلم أقِم عَلَيْهِ
10 - الْغَرِيب الْخَافِقين الشرق والغرب لَان الرّيح تخفق فيهمَا وَيُقَال قطر الْهَوَاء والمضطرب مَوضِع الإضطراب وَهُوَ الذّهاب والمجيء الْمَعْنى يَقُول الْبِلَاد كَثِيرَة وَالْأَرْض وَاسِعَة فَإِذا لم يطب مَوضِع كَانَ لي غَيره بَدَلا وَهَذَا معنى مطروق وَقد قَالَ الشَّاعِر
(إذَا تَنَكَّرَ خلٌ فاتَخِذْ بَدَلاً ... فالأرْضُ مِن تْربَةٍ والنَّاسُ مِن رَجلِ)
وَقَالَ البحتري
(وَإذَا مَا تَنَكَّرَتْ لي بِلادٌ ... أَو صَديقٌ فانَّنِي بالخِيارِ)
وَقَالَ عبد الصَّمد بن المعذل
(إذَا وَطَنٌ رَابَنِي ... فَكُلُّ بلادٍ وَطَنْ)

11 - الْغَرِيب من روى اعتمار بالراء فَهُوَ الزِّيَارَة أَي فِي زيارته وَمِنْه قَول العجاج
(لَقَدْ سَما ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعتْمَرْ ... مَغْزًى بَعيِدا مِنْ بَعَيدٍ وضَبَرْ)
وَقَالَ أعشى باهلة
(وجاشَتِ النَّفسُ لَمَّا جاءَ فَلَّهُمُ ... وَرَاكبٌ جاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرُ)
وَمن روى بِالدَّال فَمَعْنَاه الِاعْتِمَاد إِلَيْهِ بِالْقَصْدِ وَالسير الْمَعْنى يَقُول قصدي إِلَيْهِ شغلني عَن كل قصد لِأَنِّي علقت رجائي وأملي بِهِ
12 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن كل من ورد عَلَيْهِ أَخذ من مَاله بِلَا ابْتِدَاء وَلَا مسئلة من الْوَارِد فَكَمَا أَن مَاله لَا يسْتَأْذن فِي أَخذه فَكَذَلِك هُوَ لَا يسْتَأْذن فِي الدُّخُول عَلَيْهِ وَنَقله الواحدي وَابْن القطاع حرفا فحرفا وَالْمعْنَى أَنه أصبح للنَّاس نَافِعًا يرد عَنْهُم الْعَدو ويحميهم كَمَا أصبح مَاله نَافِعًا لِذَوي الْحَاجَات فَهُوَ نَافِع النَّاس كلهم وَمَاله نَافِع ذَوي الْحَاجَات إِلَيْهِ وَإِذا عرضت حَاجَة نَهَضَ لَهَا
13 - الْغَرِيب الجذل الْفَرح الْمَعْنى يَقُول لصِحَّة عقله هان على قلبه فعل الدَّهْر لعلمه أَن الْفَرح لَا يَدُوم وَالْغَم لَا يَدُوم فَلَا يبطر عِنْد السرُور وَلَا يجزع عِنْد الْحزن وَهَذِه صفة الْعَاقِل اللبيب
(3/211)

- الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول أَن الْمَوْت طائع لأَمره فَلَو أَرَادَ أَن يقتل من لم يسم أَجله لساعده على ذَلِك طَاعَته إِيَّاه
15 - الْمَعْنى يَقُول فعله يكَاد يسابقه لصِحَّة تَقْدِيره ونفاذ عزيمته فَمَا يَفْعَله ينفعل قبل فعله وَهُوَ من قَول الشَّاعِر
(سَدِكَتْ بِهِ الأقْدَارُ حَتَّى إنَّها ... لَتَكادُ تَفْجؤُهُ بِمَا لَمْ يُقْدَرِ)

16 - الْمَعْنى يَقُول الْمعَانِي الَّتِي خلقهَا الله فِيهِ تعرف بِالنّظرِ إِلَى عينه فَكَأَن ذكاءه وحدة ذهنه وفطنته مَوْجُودَة فِي عينه كالكحل
17 - الْإِعْرَاب حذف أَن وَرفع الْفِعْل وَكَانَ التَّقْدِير أَن يشتعل الْمَعْنى يَقُول إِذا اضطرمت فكرته واحتد ذهنه أشفقت عَلَيْهِ أَن يشتعل بِنَار فكرته فَتَصِير نَارا متوقدة كَقَوْل ابْن الرُّومِي
(أخْشَى عَلَيْكَ اضْطرامَ الذّهْنِ لَا حَذّراَ ... )

18 - الْإِعْرَاب هُوَ أغر وأعداوه ابْتِدَاء وَمَا بعده الْخَبَر الْغَرِيب الْأَغَر السَّيِّد الْكَرِيم وَفُلَان غره قومه أَي سيدهم والاغر الشريف الْمَعْنى يَقُول هُوَ سيد شرِيف وأعداؤه إِذا سلمُوا من الْقَتْل بهربهم من بَين يَدَيْهِ يَسْتَكْبِرُونَ ويستكثرون فعلهم لِأَن الْهَرَب من بَين يَدَيْهِ شجاعة لَهُم
19 - الْغَرِيب أَقبلت إِلَيْهِ وَجْهي أَي حولته إِلَيْهِ وقبلته إِلَيْهِ الْمَعْنى يستقبلهم بِكُل سابحة وَهِي الْفرس الَّتِي تسبح فِي جريها وَالْمعْنَى يَقُول إِن أَربع هَذِه الْفرس تسبق الطّرف قَالَ أَبُو الْفَتْح أسرف فِي الْمُبَالغَة حَتَّى خرج إِلَى مَا يَسْتَحِيل وُقُوعه لَان القوائم إِذا
(3/213)

وصلت قبل الطّرف فقد وصف النّظر بالضعف وَهُوَ من قبل ابي نواس
(يَسْبِقُ طَرْفَ العَيْنِ فِي التهابِهِ ... )

20 - الْغَرِيب الجرداء القليلة الشّعْر وَقيل متجردة من الْخَيل لتقدمها ومجفرة وَاسِعَة الْجوف فَهِيَ تملأ الحزام لسعة جنبيها وَعظم بَطنهَا والخصل جمع خصْلَة والعسيب عظم الذَّنب وَيسْتَحب قصره وَطول شعره الْمَعْنى يَقُول بِكُل جرداء تملأ الحزام لعظم جنبيها وسعة بَطنهَا وعسيبها قصير طَوِيل الشّعْر وَهُوَ وصف جيد فِي الْخَيل
21 - الْغَرِيب التليل الْعُنُق والكفل الردف وَيسْتَحب فِيهَا الإشراف أَي من حَيْثُ تأملتها رَأَيْتهَا مشرفة عِنْد إقبالها بعنقها وَعند أدبارها بعجزها فتهز مقبلة وتنصب مُدبرَة الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْفرس من حَيْثُ تأملتها رَأَيْتهَا حَسَنَة فِي إقبالها وأدبارها وَهُوَ من قَول عَليّ بن جبلة
(تَحْسِبُهُ أقْعَدَ فِي اسْتِقْبالِهِ ... حَتَّى إِذا اسْتَدْبَرْتَهُ قُلتَ أكَبّ)

22 - الْغَرِيب أصل الشرز أَن يقبل يَده فِي الطعْن وَهُوَ مَا أدير بِهِ عَن الصَّدْر واجفة مضطربة والوهل الْفَزع الْمَعْنى يَقُول الطعْن شرز يقبل الْفَارِس يَده عَن يَمِين وشمال وَهُوَ أَشد الطعْن فَيرى أَن الأَرْض تميد كَأَن فِي قَلبهَا فَزعًا فَهِيَ ترتعد من الْخَوْف وَجعل الأَرْض متحركة فاستعار لَهَا قلبا والطعن وَاو الْحَال أَي تقبلهم كل سابحة فِي هَذِه الْحَال
23 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي خدها يعود على الأَرْض الْغَرِيب الخريدة الْمَرْأَة الحيية وَجَمعهَا خرد وخرائد الْمَعْنى يَقُول الدِّمَاء قد صبغت خد الأَرْض فَشبه خد الأَرْض مُلَطَّخًا بِالدَّمِ بخد الْجَارِيَة الحيية إِذا خجلت واحمر وَجههَا وَاسْتعْمل أَلْفَاظ النسيب فِي وَقت الشدَّة والحماسة ثقافة مِنْهُ واقتدارا فِي الْكَلَام
(3/214)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الْخَيل من شدَّة الطراد قد عرقت فَجعل جلودها باكية بالعرق وَهُوَ مثل الدمع إِلَّا أَنه لم ينزل من عُيُون وَلَا جفون
25 - الْإِعْرَاب سَار صفة لأغر فِي أول الأبيات الْغَرِيب القفر جمعه قفار وَهِي الأَرْض المقفرة من النَّاس وَالسَّبَب المتسع المستوى من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول قد عَم القفار والأماكن الحالية بجيوشه فَلم يبْق قفر وَلَا سبسب إِلَّا ملأَهُ فَكَأَن السباسب جبال وَشبهه بِالْجَبَلِ لكثافة جيوشه وارتفاعها بالأسلحة والرماح
26 - الْغَرِيب الأسل رماح تصنع من شجر الأسل وَقيل كل شجر لَهُ شوك طَوِيل فشوكه أسل وَمِنْه سميت الرماح الأسل الْمَعْنى يَقُول يمْنَع خيله وجيوشه أَن ينالها الْمَطَر مَا قد عَمها من تضايق الرماح وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول قيس بن الخطيم
(لَوَ انَّكَ تُلْقى حَنْظَلاً فْوقَ هامنا ... تدَحْرَجَ عّن ذِي سامِهِ المُتَقارِبِ)
يُرِيد بِذِي سامه بيضه المطلي بِالذَّهَب والسام عروق الذَّهَب وَقَالَ ابْن الرُّومِي
(فَلَوْ حَصَبَتَهُمْ بالفَضَاءِ سَحابَةٌ ... لظَلَّتْ على هاماتِهمْ تتَدحْرَجُ)
وَأَخذه السّري الْموصِلِي فَقَالَ
(تضَايقَ حَتَّى لوْ جَرَى الماءُ فوْقهُ ... حَماهُ ازْدِحامُ البيضِ أنْ يَتَسربا)
فنقله ابْن الرُّومِي من الحنظل إِلَى الْبرد وَنَقله المتنبي عَن الْبرد إِلَى الْمَطَر وَنَقله السّري إِلَى المَاء والمطر أبلغ وَجعل مانعه من الْوُصُول إِلَيْهِم تضايق الأسل وتكاثفه عَلَيْهِم
27 - الْغَرِيب الشرى هُوَ طَرِيق فِي سلمى كثير الْأسد تنْسب إِلَيْهِ الْأسود وَالْحمام الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي جمالك بدر وَفِي جودك بَحر وسحاب وَفِي أقدامك وشجاعتك لَيْث وَفِي إقدامك على قتل الْأَعْدَاء موت وَقد جمعت هَذِه الصِّفَات وَأَنت رجل
(3/215)

- الْغَرِيب البنان الأنامل وَيُقَال بنان وبنام بالنُّون وَالْمِيم قَالَ رؤبة
(وكَفَّكِ المُخَضَّبِ البُنَامِ ... )
يُقَال بنان وبنانة وَجمع الْقلَّة بنانات وَقد يستعار بِنَاء أَكثر الْعدَد لأقله قَالَ ابْن أَحْمَر
(قَدْ جَعَلَتْ فِّي عَلى الطراَزِ ... خَمْسَ بنانٍ قانِيءَ الأظْفارِ)
يُرِيد خمْسا من البنان الْمَعْنى يَقُول كفك الَّذِي تقبله وَأَنت فِي بلدك بِهِ يضْرب الْمثل فِي الْجُود وروى فِي بعض النّسخ نقلبه من التَّقْبِيل أَي نقبله نَحن وَالنَّاس أَجْمَعُونَ
29 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بخلوا عِنْد أنفسهم لأَنهم لم يَفْعَلُوا الْوَاجِب عِنْدهم وَيجوز أَن يكون بخلوا نسبهم النَّاس إِلَى الْبُخْل لأقتصارهم على مَا دون أعمارهم أَي من عَادَتهم بذل أعمارهم وَالْأول أقوى وَنقل الواحدي الأول قَالَ
30 - الْغَرِيب امتشق افتعل من الْمشق وَهُوَ أَن يسل السَّيْف بِسُرْعَة والأعتقال أَن تجْعَل الرمْح بَين السَّاق والركاب الْمَعْنى يُرِيد أَن قُلُوبهم فِي مضاء سيوفهم وقدودهم فِي طول رماحهم والعائد إِلَى الموصلين مَحْذُوف يُرِيد مَا امتشقوا بِهِ واعتقلوه وَقَالَ ابْن وَكِيع أَخذ هَذَا من قَول أبي محلم عَوْف بن محلم
(إِن الثَّمانِينَ وّبُلِّغْتَها ... قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعي إِلَى تَرْجُمانِ)

(وَبَدَّلَتْنِي بالشِّطاطِ انحِنأ ... وكنتُ كالصَّعْدةِ تَحتَ السِّنانِ)

31 - الْغَرِيب قواضب جمع قاضب وَهِي القواطع منسوبة إِلَى حَدِيد الْهِنْد والذبل الطوَال الصلاب الْمَعْنى يَقُول أَنْت بدر وَلَكِنَّك فِي الْحَرْب نقيض اسْمك وَفَسرهُ بِمَا بعده فَقَالَ
32 - الْغَرِيب حومة الوغى شدَّة الْحَرْب ورحل نجم من الْكَوَاكِب السَّبْعَة
(3/216)

المدبرات وَهُوَ كَوْكَب نحس وَالْقَمَر سعد الْمَعْنى يَقُول أَنْت سعد لِأَن الْقَمَر سعد وَلَكِنَّك إِذا اشْتَدَّ الْحَرْب كنت على أعدائك زحل لِأَنَّك هَلَاك لَهُم فَأَنت بدر وَهُوَ الْقَمَر وَالْقَمَر سعد وزحل نحس فَلهَذَا قَالَ أَنْت نقيض اسْمه والمنجمون يَزْعمُونَ أَن الْقَمَر سعد وزحل نحس وَهُوَ لَا ينْصَرف كعمر وَزفر وَالْمعْنَى يُوصف بِالنورِ فيهتدي بِهِ فِي الْأَسْفَار وَأَنت فِي الْحَرْب نقيض اسْمك تقتل النَّاس وتشير الْغُبَار بِالْخَيْلِ فتظلم الأَرْض ففعلك فِي الْحَرْب نقيض فعلك فِي السّلم وزحل يُوصف بابطء السّير فَأَنت فِي الْحَرْب كزحل لَا يسْرع السّير وَفِي غَيرهَا كَالْقَمَرِ وَقيل رَحل ملك الْمَوْت لِأَنَّهُ كَوْكَب كثير الهلكة
33 - الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل وَالنَّفْل الْغَنِيمَة والعطل الَّتِي لَا حلى عَلَيْهَا الْمَعْنى يَقُول كل جمَاعَة لست أميرها فَهِيَ غنيمَة لمن وجدهَا وكل بَلْدَة لست زينتها فَهِيَ عاطل
34 - الْغَرِيب الركاب الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا الْوَاحِدَة رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَالْجمع الركب مثل الْكتب والسبل جمع السَّبِيل وَهِي الطّرق قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله} الْمَعْنى يَقُول قصدك النَّاس من مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا طَمَعا فِي عطائك وحرصا على لقائك حَتَّى أَن الْإِبِل اشتكت لِكَثْرَة مَا امتطيت إِلَيْك والطرق بِكَثْرَة مَا وطِئت وَذَلِكَ بالجفاف والحوافر والأقدام قَالَ الواحدي قَالَ ابْن دوست لِأَنَّهَا ضَاقَتْ بِكَثْرَة القاصدين والسالكين وَلَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أما شكوى الركاب فكثير وَأما شكوى الطّرق فأظنه لم يسْبق إِلَيْهِ فاشتكاء الْمطِي كَقَوْل أبي الْعَتَاهِيَة
(إنَّ المَطايا تَشْتَكيكَ لِأَنَّهَا ... قَطَعَتْ إلَيْكَ سَبابا وَرِمالاً)
وكقول البحتري
(تَشَكَى الوَجَى واللَّيْلُ مُلْتَبِسُ الدُّجَى ... )
وَقَوله وشرقها وَمَغْرِبهَا يُرِيد الأَرْض وَلم يجر لَهَا ذكر وَذَلِكَ للْعلم بِهِ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالشعر
(3/217)

- الْغَرِيب تجتديكها تطلبها ونستوهبها والعلل جمع عِلّة الْمَعْنى يَقُول قد أذهبت مَالك بالعطاء فَلم يبْق إِلَّا قَلِيل من الْعَافِيَة فقد قدمت عَلَيْك الْعِلَل تستوهبه وَهُوَ كَقَوْلِه
(وَبذَلْتَ مَا ملَكَتْهُ نفسُكَ كُلَّهُ ... حَتَّى بَذَلْتَ لِهَذهِ صِحَّاتِها)

36 - الْغَرِيب الآسى الطَّبِيب والمبضع حَدِيدَة الفاصد والبطل الشجاع الْمَعْنى أَرَادَ ان الطَّبِيب لما فصده أَخطَأ فِي فصده فنفذت حديدته فِي يَده وأصابه لذَلِك مرض وَجعل الطَّبِيب والمبضع ملومين للخطأ الَّذِي كَانَ مِنْهُمَا ثمَّ بَين عُذْرهمَا فَقَالَ كَانَ الطَّبِيب جَبَانًا والمبضع شجاعا فتولدت بَينهمَا هَذِه الْعلَّة ثمَّ أَقَامَ للطبيب عذرا آخر فَقَالَ
37 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن عروق كفك تتصل بهَا اتِّصَال الآمال فَكَأَنَّهَا آمال وَهَذَا كَلَام فَاسد وَكَلَام من لَا يعرف الْمَعْنى وَإِنَّمَا الْمَعْنى إِنَّمَا وَقع لَهُ الْخَطَأ لِأَن يدك أمل كل أحد وَمِنْهَا يرجون الْإِحْسَان وَالعطَاء وَلم يدر الطَّبِيب كَيفَ يقطع الأمل وَإِنَّمَا تعود قطع الْعُرُوق لاقطع الآمال وَقد أَكثر النَّاس فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ عبد الله بن المعتز للقاسم بن عبيد الله
(يَا فاصداً لِيدٍ جَلَّتْ أياديِها ... وَنَالَ مِنْها الَّذي يَرْجُوهُ رَاجِيها)

(يَدُ الغِنَى هيَ فارْفُقْ لَا تُرِقْ دَمَها ... فإنَّ أرْزاقَ طُلاَّبِ الغِنى فِيها)
وَقَالَ أَيْضا للمعتمد
(يَا دَما سالَ مِنْ ذِراعِ الإمامِ ... أنتَ أذْكى مِنْ عَنْبَرٍ ومُدَامِ)

(قَدْ حَسِبْناكَ إذْ جَرَيْتَ إِلَى الطَّسْتِ ... دُمُوعا منْ مُقْلَتيْ مُسْتَهامِ)

(إَنمَا غَيَّبَ الطَّبِيبُ شَبا المِبْضَعِ ... فِي نَفْسِ مُهْجَةِ الإسْلامِ)
وَقَالَ آخر
(لَقَدْ غَدَا الصَّارِمُ فِي حَيْرَةٍ ... يَعْجَبُ مِمَّا صَنَعَ المِبْضَعُ)

38 - الْغَرِيب الْقبل جمع قبْلَة وَهِي اللثم بالفم
(3/218)

الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ النَّفْع وَهُوَ الفصد وروى قوم الْبضْع وَهُوَ جيد ظَاهر الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ الفصد ضرّ بَاطِنهَا فَهِيَ يَد كَرِيمَة متعودة التَّقْبِيل فَرُبمَا كَثْرَة التَّقْبِيل تضر ظهرهَا وَلم يذكر أحد أَن التَّقْبِيل يضر الْيَد إِلَّا هُوَ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا من مبالغاته وَقد أَكثر النَّاس من ذكر تقبيلها قَالَ ابْن الرُّومِي
(فامْدُدْ إلىَّ يّداً تَعَوَّدَ بَطْنُها ... بَذْلَ النَّوَالِ وظَهْرُها التَّقْبِيلا)
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس للفضل بن سهل
(لَفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ يَدٌ ... تَقاصَرَ عَنْها المَثَلْ)

(فَباطُنها للِنَّدَى ... وَظاهرُها لِلْقُبَلْ)
وَقَالَ أَبُو الضياء الْحِمصِي
(وَما خُلِقَتْ كَفَّاكَ إِلَّا لأرْبَعٍ ... وَما فِي عبادِ اللهِ مِثْلُكَ ثانِ)

(لِتَجْرِيدِ هِنْدِيّ وَإسْداءِ نائلٍ ... وَتَقْبِيلِ أفْوَاهِ وأخْذِ عِنانِ)
وَقد أحسن الْقَائِل بقوله
(يَدٌ نَرَاها أبَداً ... فَوْقَ يَدٍ وَتْحتَ فَمْ)

(مَا خُلقَتْ بَناُنها ... إلاَّ لسَيْفٍ أوْ قَلَمْ)
قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا علمت أَن أحدا جعل الْقبل تضر إِلَّا المتنبي فِي الْمُبَالغَة قَالَ ابْن المعتر
(وَيْحَ الطَّبيبِ الَّذي بالجَهلِ مسَّ يَدَكْ ... مَا كانَ أجْهَلَهُ فِيمَا بِهِ اعْتَمَدَكْ)

(لَوْ أنَّ ألحاظَهُ كانَتْ مَباضِعَهُ ... ثُمَّ انْتَحاكَ بِها مِنْ رِقةٍ فَصَدَكْ)
واللحظ دون الْقبل وأبلغ من هَذَا كُله
(ومَرَّ بِفكْرِي خاطراً فَجَرَحْتُ ... وَلْم أرَ شَيْئاً قَط يَجْرَحُهُ الفِكْرُ)

39 - الْغَرِيب الفصاد والفصد سَوَاء والشق التَّأْثِير والعذل والعذل لُغَتَانِ كالسقم والسقم الْمَعْنى يَقُول ينفذ فِي عروقها فَلهَذَا عداهُ بفي واستعار لجوده عرقا لما ذكر عرق الفصاد ليعطي الشّعْر حَقه وَالْمعْنَى ينفذ فِيهَا الفصد وَلَا ينفذ فِيهَا كَلَام العذال وَقد نظر فِيهِ إِلَى قَول حبيب بن أَوْس الطَّائِي
(خَلائِق كُالزَّغْفِ المُضاعَفِ لَمْ يكُنْ ... لِيَنْفُذَها يَوْما شَباةُ اللَّوَاثمِ)
(3/219)

- الْغَرِيب خامر خالط والجزع الْفَزع وحذاقة وحذق مصدران الْإِعْرَاب من روى عجل بِكَسْر الْجِيم أَرَادَ انه عجل من حذقه وَمن روى بِفَتْح الْجِيم أَرَادَ ذَا عجل فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى لما مددت يدك أَصَابَهُ جزع من هيبتك فَعجل فِي الفصد وَلم يتأن كَأَنَّهُ عجل من حذاقته
41 - الْغَرِيب الهبل الثكل وَهُوَ مصدر هبلته أمه أَي ثكلته والإهبال الإثكال والهبول من النِّسَاء الثكول الْمَعْنى يَقُول بَالغ فِي الِاجْتِهَاد حَتَّى جَازَ حَده فَفعل مَا هُوَ غير اجْتِهَاد لَان الْخَطَأ من فعل الْمُقَصِّرِينَ ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ لأمه الثكل
42 - الْغَرِيب الطَّبْع الْعَادة والتعمق بُلُوغ عمق الشَّيْء وَهِي كلمة غَرِيبَة فصيحة الْمَعْنى يَقُول إِذا فعل الْإِنْسَان الشَّيْء بعادته وجد النجاح فِيهِ وَإِذا بَالغ وتعمق وتكلف أَخطَأ وَزَل وَهَذَا من أحسن الْأَمْثَال وَهُوَ من قَول عبد القدوس
(فَدَعِ التَّعَمُّقَ فِي الأمُورِ فإَّنمَا ... قَرُبَ الهَلاكُ بِكُلّ مَنْ يَتَعَمَّقُ)

43 - الْغَرِيب أرث لَهَا أَي رق ورثيت الْمَيِّت بَكَيْت عَلَيْهِ وأسلت المَاء وسال المَاء والأنهمال الانسكاب الْمَعْنى يَقُول ارْفُقْ بهَا فَأَنَّهَا تجود بِمَا تملك ورق لَهَا
44 - الْغَرِيب الدول جمع دولة وَقَالَ قوم الدولة بِالْفَتْح وَالضَّم سَوَاء فِي الْحَرْب وَهُوَ من تداول الشَّيْء الْمَعْنى يَقُول يَا بدر لَا يخلق الله مثلك وَلَا تصلح الدولات إِلَّا لَك وَمثله صلَة فِي الْكَلَام لِأَنَّك فَرد فِي جودك وشجاعتك وإحسانك إِلَى النَّاس وَصَاحب الدولة يصلح أَن يكون فِيهِ خصالك لينْتَفع بدولته النَّاس
(3/220)

- 1 الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اسْم لَيْسَ مُضْمر فِيهَا وهم ابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف أَي لَيْسَ الْأَمر وَالْخَبَر هم شَاءُوا فَحذف شَاءُوا لتقدمه فِي أول الْكَلَام قَالَ وَيجوز أَن يكون هم اسْم لَيْسَ إِلَّا أَنه اسْتعْمل الضَّمِير الْمُنْفَصِل مَوضِع الْمُتَّصِل ضَرُورَة وَالتَّقْدِير بقائي شَاءَ الارتحال لَيْسُوا شاءوه وكقول الراجز
(إلَيْكَ حَتَّى بَلَغْتُ إيَّاكا ... )
أَي حَتَّى بلغتك الْغَرِيب زموا الْجمال خطموها بالأزمة وزم تقدم فِي السّير وَأَصله من زموها إِذا قادوها بالأزمة للسير الْمَعْنى يَقُول لما رحلوا إِنَّمَا ارتحل بقائي فَكَأَن بقائي شَاءَ ارتحالا لَا هم شاءوه وَكَأَنَّهُم زموا صبري للسير لأجمالهم لِأَنِّي فقدت الصَّبْر لما ارتحلوا إِنَّمَا نفي الارتحال عَنْهُم لِأَن ارتحال بَقَائِهِ أهم وَأعظم فَكَأَن ارتحالهم عِنْد ارتحال بَقَائِهِ لَيْسَ ارتحالا لأَنهم رُبمَا عَادوا والبقاء إِذا ارتحل لم يعد ومسير صبره أعظم من مسير الْجمال فَلم يعْتد بسير جمَالهمْ مَعَ سير صبره وَقَالَ ابْن القطاع بقائي شَاءَ أَي سبق ارتحالهم يُقَال شاءه وشآه إِذا سبقه وَلَوْلَا ذَلِك لمت أسفا وَهَذَا على الْمُبَالغَة وَقيل مَعْنَاهُ بقائي أَرَادَ رحيلهم فشاء من الْمَشِيئَة فليتني مت وَلم أره يتأسف إِذا لم يمت عِنْد رحيلهم وَقيل مَعْنَاهُ بقائي أَرَادَ أَن يرحل عني وهم لم يشاءوا الرحيل
2 - الْغَرِيب غاله واغتاله إِذا أهلكه الْمَعْنى يَقُول كَأَن الْبَين هابني ففاجأني باغتياله يُرِيد أَنه أغتاله اغتيال مفاجأة
3 - الْغَرِيب الذميل سير وسط والعيس الْإِبِل والأنهمال الانسكاب الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى سبقت دموعي عيسهم وَقَالَ ابْن فورجة ظن أَبُو الْفَتْح أَنه يُرِيد دمعي كَانَ أسْرع من سير العيس وَلَيْسَ
(3/221)

كَمَا ظن وَلَكِن جمع ذكر سيرهم وسيلان دمعه على أَثَرهم فِي بَيت وَاحِد توجعا وتحسرا وَلَيْسَ يُرِيد السَّبق وَلَا التَّأَخُّر وَمثله لِابْنِ الرُّومِي
(لهُمْ على العِيْسِ إمْعانٌ يَشُطّ بِهمْ ... وللدمُّوُعِ عَلى الحَدَّيْنِ إمعان)

4 - الْمَعْنى يَقُول كنت لَا أبْكِي قبل فراقهم فَكَأَن أبلهم ببروكها كَانَت تمسك بُكَائِي ودمعي عَن السَّيْل فَلَمَّا أَثَارُوهَا للرحيل سَالَتْ دموعي فَكَأَنَّهَا كَانَت مناخة فَوق جفني قَالَ أَبُو الْفَتْح وَمَا قيل فِي سَبَب الْبكاء أظرف من هَذَا وَأدْخل كَأَن لتخليص اللَّفْظ من الْكَذِب
5 - الْغَرِيب النَّوَى الْفِرَاق والظبيات جمع ظَبْيَة والبراقع مَا يَجْعَل على الْوَجْه كالنقاب وَهِي جمع برقع والحجال الخدر الْمَعْنى يَقُول لما ارتحلوا حجبتهم النَّوَى عَن عَيْني فساعدت النَّوَى مَا كَانَ يحجبهن عني قبل من البراقع والخدور
6 - الْغَرِيب الوشي ضرب من الثِّيَاب وَالْجمع وَشاء على فعل وفعال وشى بِهِ إِلَى السُّلْطَان سعى والوشي كَلَام الواشي بَين المحبين والواشي ضراب الدَّنَانِير وَجمعه وشَاة وَأنْشد أَبُو عَمْرو الزَّاهِد عَن ثَعْلَب
(وَما هِبْرِزِيّ مِنْ دَنانيرِ أيْلِةِ ... بأيْدْي الوُشاةِ ناصِعٌ يتَأكَّلُ)

(بأحْسَنَ مِنْهُ يَوْمَ أصْبَحَ غادِيا ... وَنَفَّسَنِي فِيهِ الحمامُ المُعَجَّلُ)
الْمَعْنى يَقُول مَا لبسن الديباج لحَاجَة إِلَى التزين بِهِ وَلَكِن لصون جمالهن بِهِ قبل للصاحب أغرت عَليّ أبي الطّيب فِي قَوْلك
(لَبِسْنَ بُرُودَ الوَشي لَا لِتَجَمُّلٍ ... وَلكِنْ لصَوْنِ الحُسْنِ بَينَ بُرُودِ)
فَقَالَ نعم كَمَا أغار هُوَ فِي قَوْله
(مَا بالُ هَذِي النُجُومِ حائِرَةً ... كأنَّها العُمْي مَا لَهَا قائِدْ)
على بشار فِي قَوْله
(والشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّماءِ كأنَّها ... أعْمَى تَحَيَّيرَ مَا لَدَيْهِ قائِدُ)
(3/222)

- الْغَرِيب الضفر فتل الشّعْر والغدائر الذوائب وَقَالَ الْخَطِيب الضلال أَرَادَ أَن يغبن فِي الشّعْر من قَوْله تَعَالَى {أئذا ضللنا فِي الأَرْض} أَي غبنا الْمَعْنى يَقُول مَا ضفرن الشُّعُور إِلَّا وخفن ضلالهن فِيهَا لَو أرسلنها وَقد زَاد فِي هَذَا على امْرِئ الْقَيْس
(تَضِلُ العِقاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَل ... )
لِأَنَّهُ جَعلهنَّ يضللن قَالَ أَبُو الْفَتْح قد وصفت الشُّعَرَاء الشّعْر بِالْكَثْرَةِ وَلَكِن لم نفرط فِي ذَلِك مثل هَذَا قَالَ ابْن المعتز
(دَعَتْ خَلاخيلها ذَوَائِبهَا ... فَجِئْنَ مِنْ قَرْنِها إِلَى القَدَمِ)

8 - الْإِعْرَاب من فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهُ ابْتِدَاء تقدم خَبره وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع نصب بِتَقْدِير أفدى بجسمي من برته الْغَرِيب يُقَال إشاح ووشاح وَالْجمع وشح وأوشحة كحمار وأحمرة الْمَعْنى يَقُول أفدى بجسمي من هزلته حَتَّى لَو جعلت قلادتي فِي ثقب لؤلؤة لجالت يصف شدَّة نحوله ودقته وَهَذَا من قَول الآخر
(قَدْ كانَ لي فِيما مَضَى خاتَمٌ ... والآنَ لَوْ شَئْتُ تَمَنْطَقْتُهُ)

9 - الْغَرِيب تَقول الْعَرَب ظننتني وخلتني وعلمتني وَلم يرو عَنْهُم ضربتني لِأَن الْفِعْل لما كَانَ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين اتسعوا فِي أَحدهمَا لقُوَّة تعديته وعدمتني جَاءَت شَاذَّة قَالَ جران الْعود
(لقدْ كانَ لي فِي ضَرَّتَيِنِ عَدِمْتُنِي ... وَما أَنا لاقٍ مِنْهُما مُتَزَحْزَحُ)
الْإِعْرَاب قَالَ الواحدي قَوْله مني مُتَعَلق بقوله خيالا كَقَوْلِك جَاءَنِي خيال من المحبوب وَالْيَاء فِي أظنني كِنَايَة عَن جِسْمه وَفِي منى كِنَايَة عَن نَفسه فَكَأَنَّهُ قَالَ أَظن جسمي خيالا من نَفسِي وَيجوز أَن الْيَاء كِنَايَة عَنْهُمَا الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أنني يقظان لَكُنْت أَظن نَفسِي خيالا يَعْنِي أَنه كالخيال فِي الدقة إِلَّا أَن الخيال لَا يرى فِي الْيَقَظَة وَقَوله منى أَي من دقتي وَيبعد أَن يُقَال من نَفسِي لِأَنَّهُ قَالَ أظنني وَمَعْنَاهُ أَظن نَفسِي وَلَا يُقَال أَظن نَفسِي من نَفسِي خيالا
(3/223)

- الْإِعْرَاب هَذِه الْأَرْبَعَة أَحْوَال تتأول بمشتقات فَيُقَال بَدَت مشرقة وماست متثنية وفاحت طيبا ورنت مليحة وَيجوز أَن تكون وَهُوَ الْأَوْجه بِتَقْدِير مثل وَالدَّلِيل على هَذَا وُقُوع الْمعرفَة بعد لَا النافية للْجِنْس مِثَاله لَا هَيْثَم اللَّيْلَة للمطي وَقَضِيَّة وَلَا أَبَا حسن وَتَقْدِيره وَلَا مثل هَيْثَم وَلَا مثل أبي حسن الْغَرِيب الخوط الْقَضِيب وَجمعه خيطان ككوز وكيزان والعنبر ضرب من الطّيب الْمَعْنى يَقُول بَدَت هَذِه المحبوبة قمرا فِي حسنها ومالت مشبهة غصنا فِي ثنيتها وَحسن مشيها وفاحت مشبهة عنبرا فِي طيب رِيحهَا ورنت مشبهة غزالا فِي سَواد مقلتها وَهَذَا من أحسن التَّشْبِيه لِأَنَّهُ جمع أَربع تشبيهات فِي بَيت وَاحِد وَمثله
(سَفَرنَ بُدُوراً وانْتَقَيْنَ أهِلَّةً ... وَمِسْنَ غُصُونا والتْفَنْنَ جآذْرَا)
وَهَذَا من بَاب التدبيج فِي الشّعْر وَهُوَ من البديع
11 - الْغَرِيب شعف فُؤَاده أحرقه وشعفت الْبَعِير بالقطران إِذا طليته بِهِ وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس
(أيَقْتُلُنِي وَقَدْ أشْعَفْتُ فُؤَادَها ... كَمَا شَعَفَ المَهْنُوْءةَ الرَّجُلُ الطَّالي)
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس قد شعفها حبا أَي بَطنهَا وَقيل أحرق قَلبهَا الْمَعْنى يَقُول كَأَن الْحزن يعشق قلبِي وَإِنَّمَا يجد الْوِصَال إِذا هجرتني فَكلما هجرتني وَاصل الْحزن قلبِي
12 - الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا كَانَت على من كَانَ قلبِي كَمَا آراها الْآن ثمَّ بَين ذَلِك فَقَالَ هِيَ صروف لَا تدوم على حَالَة وَاحِدَة
13 - الْمَعْنى يحث على الزّهْد فِي الدُّنْيَا لمن رزق فِيهَا سُرُورًا ومكانة لعلمه أَنه زائل عَنْهَا يَقُول السرُور الَّذِي تَيَقّن صَاحبه الِانْتِقَال عَنهُ هُوَ أَشد الْغم لِأَنَّهُ يُرَاعِي وَقت زوالة وَلَا يطيب لَهُ ذَلِك السرُور وَهَذَا من أبلغ الْكَلَام وأوعظه
14 - الْغَرِيب قتودى جمع قتد وَهُوَ خشب الزحل والغريري فَحل كَانَ
(3/224)

فِي الْجَاهِلِيَّة تنْسب إِلَيْهِ كرام الْإِبِل كَمَا تنْسب إِلَى الجديل وشذقهم والجلال الْجَلِيل كطوال وطويل وَالْأُنْثَى جلالة وَقيل الْجلَال الضخم الْمَعْنى يَقُول تعودت الارتحال فَجعلت ظهر هَذَا الْبَعِير بِمَنْزِلَة الأَرْض لَا أفارقه فأرضي ظهر بَعِيري لِأَنِّي أبدا على ظَهره كالأرض للمقيم الَّذِي لَا يفارقها
15 - الْغَرِيب حاولت طلبت أزمعت على أَمر فَأَنا مزمع عَلَيْهِ إِذا ثَبت على عزمك وَقَالَ الْكسَائي يُقَال أزمعت الْأَمر وَلَا يُقَال أزمعت عَلَيْهِ قَالَ الْأَعْشَى
(أأزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلى ابْتكارا ... وَشَطَّتْ عَلى ذِي هَوًى أنْ تُزَارا)
وَقَالَ الْفراء أزمعته وأزمعت عَلَيْهِ بِمَعْنى كأجمعته وأجمعت عَلَيْهِ الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى إِذا كَانَ ظَهره كالوطن لي فَأَنا وَإِن جبت الْبِلَاد كالقاطن فِي دَاره هَذَا قَوْله وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى مَا طلبت الْإِقَامَة فِي أَرض لِأَنِّي أبدأ على السّفر وَلَا عزمت على الزَّوَال عَنْهَا وَلست أقيم حَتَّى أزول وَيدل على صِحَة هَذَا الْمَعْنى قَوْله فِيمَا بعده
16 - الْمَعْنى يَقُول أسيره على قلق ويروي قلق بِكَسْر اللَّام صفة لبعير كَأَنَّهُ ريح تحتي لسرعة مروره أوجهها مرّة إِلَى جَانب الْجنُوب وَمرَّة إِلَى جَانب الشمَال فَعبر بالريحين عَن الْجَانِبَيْنِ ويروى يَمِينا أَو شمالا يُرِيد تَارَة إِلَى صوب الْيَمين وَتارَة إِلَى صوب الشمَال عَن يَمِين الْقبْلَة وشمالها
17 - الْغَرِيب الْغرَّة الْوَجْه وَأول كل شَيْء غرته وَأَرَادَ أول الشَّهْر وَيُسمى الْهلَال هلالا إِلَى ثَلَاث لَيَال الْإِعْرَاب الْبَدْر يرْوى بِغَيْر لَام التَّعْرِيف لِأَنَّهُ علم وَمن روى بلام التَّعْرِيف أَرَادَ بدر السَّمَاء لَا الِاسْم الْعلم يَعْنِي إِلَى الرجل الَّذِي هُوَ كالبدر ثمَّ نسبه إِلَى أَبِيه لِأَنَّهُ لم يكن بَدْرًا فِي الْحَقِيقَة وَترك التَّنْوِين من عمار ضَرُورَة لسكونه وَسُكُون اللَّام الْمَعْنى يَقُول أَسِير وأقطع الْبِلَاد يَمِينا وَشمَالًا إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ كالبدر وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَقِيقَة بَدْرًا لِأَن الْبَدْر يلْحقهُ المحاق حَتَّى يصير هلالا وَهَذَا الْبَدْر لم يزل كَامِلا وَلَا بدر إِلَّا وَهُوَ هِلَال وَهَذَا لم يكن قطّ هلالا وَقد فسر هَذَا بقوله الْبَيْت بعده
(3/225)

- الْمَعْنى يَقُول بِلَا مثل لم يجد لَهُ نَظِير أَي لم يجمتع فِي أحد مَا اجْتمع فِيهِ وَإِن كَانَت أشاهه مُتَفَرِّقَة فِي أَشْيَاء كَثِيرَة كَفه كالبحر وعضده وَقَلبه كالأسد وَوَجهه كالبدر
20 - الْإِعْرَاب حسام الثَّانِي بدل من ابْن رائق الْغَرِيب صال إِذا تسلط وقهر الْمَعْنى يَقُول هُوَ حسام لأبي بكر بن رائق وَهُوَ حسام أَمِير الْمُؤمنِينَ المتقي الَّذِي صال بِهِ على بني اليزيدي حِين حاربهم المتقى بِهِ
21 - الْإِعْرَاب بني أَسد بدل من قَوْله بني معد الْمَعْنى قَالَ الواحدي بَنو معد هم الْعَرَب لِأَن نسبهم يعود إِلَى معد بن عدنان وَاخْتلفُوا فِي بني أَسد هَهُنَا فَرَوَاهُ بنى أَسد على أَنه جمع أَسد وَقَالُوا يَعْنِي أَن بني معد بَنو أسود يصفهم بالشجاعة قَالَ وَذكر ابْن جنى وَجْهَيْن آخَرين وَقَالَ بني أَسد مَنْصُوب لِأَنَّهُ منادى مُضَاف وَمَعْنَاهُ أَن بني معد إِذا نازلوا الْأَعْدَاء قَالُوا يَا بني أَسد فَيقوم لَهُم قَوْلهم فِي الْغناء وَالدَّفْع عَنْهُم مقَام سِنَان مركب فِي قناتهم لأَنهم إِذا دعوهم أغنوا عَنْهُم هَذَا كَلَامه فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَمَعْنَاهُ على مَا قَالَ أَن قَول بني معد عِنْد نزال الأقران يَا بني أَسد كالسنان فِي قناتهم قَالَ وَيجوز أَن يكون بَدَلا من قناة بني معد كَأَنَّهُ قَالَ سِنَان فِي قناة بني أَسد الَّذين هم قناة بني معد يُرِيد نصرتهم إيَّاهُم وَهَذَا كُله تكلّف وتمحل وَكَلَام من لم يعرف وَجه الْمَعْنى والمتنبي يَقُول الممدوح سِنَان فِي قناة الْعَرَب الَّذين هم بَنو معد ثمَّ خصص بعض التَّخْصِيص وأبدل من بني معد بني أَسد فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ سِنَان قناة بني أَسد عَن الْحَرْب وَبَنُو أَسد هم أَيْضا من بني معد وَلِهَذَا جَازَ إبدالهم من بني معد الأشتمالهم عَلَيْهِم كَمَا تَقول هَذَا من قُرَيْش بني هَاشم وَهَذَا من بني هَاشم بني أبي طَالب والممدوح كَانَ أسديا لذَلِك خص بني أَسد والنزال منازلة الأقران بَعضهم إِلَى بعض من الْخَيل عِنْد شدَّة الْقِتَال يَقُول هُوَ رئيسهم وصدرهم الَّذِي بِهِ يُقَاتلُون وَاخْتَارَ ابْن فورجة الْوَجْه الثَّانِي من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا ابْن جنى قَالَ وَقد قصر أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْبَيْت عَن النامي حَيْثُ قَالَ
(إذَا للخَرَتْ بِالمَكْرُماتِ قَبِيلةٌ ... فَتَغْلِبُ أبْناءُ العُلا بِكَ تَغْلِبُ)
(3/226)

(قَناةٌ منَ الْعَليْاءِ أنْتَ سِناُنها ... وَتِلكَ أنابِيِبٌ إلَيْكَ وَأكْعُبُ)

22 - الْإِعْرَاب نصب المنصوبات الْخمس على التَّمْيِيز الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعز من يغالب الأقران كفا لِأَن يَده فَوق كل يَد وسيفه أغلب السيوف وَقدرته فَوق قدرَة النَّاس وحمايته للْجَار والحليف وَمن يجب عَلَيْهِ الذب عَنهُ زَائِدَة على حماية غَيره وَآله وَأَصْحَابه أغلب آل وأعز عترة بِهِ
23 - الْغَرِيب الانتماء أَن يرفع فِي نسبه والاعتزاز أَن يَقُول أَنا ابْن فلَان الْمَعْنى يَقُول هُوَ شرِيف إِذا انتسب كَانَ لَهُ الشّرف من أَبِيه وَأمه
24 - الْمَعْنى يَقُول الْمَدْح الَّذِي يستعظم للدنيا وأهليها حَتَّى يكون لإفراطه محالا إِذا أطلق عَلَيْهِ كَانَ حَقًا لاستحقاقه غَايَة الثَّنَاء قَالَه أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَالْمعْنَى كل النَّاس يسْتَحقُّونَ أدنى مَا يسْتَحقّهُ هُوَ من الثَّنَاء
25 - الْغَرِيب ضعف الشَّيْء مثله وَالْجمع أَضْعَاف وَتركت الشَّيْء وأتركته كَمَا يُقَال قَرَأت الْقُرْآن واقترأته الْمَعْنى يَقُول إِذا بَالغ النَّاس فِي مدحه وَلم يتْركُوا مقَالا يصلونَ إِلَيْهِ فقد خَفِي عَنْهُم ضعف مَا فِيهِ من المحاسن الَّتِي لم يهتد إِلَيْهَا الواصفون وَالْمعْنَى أَن المادح والمثنى لَا يبلغ فِي مدحه مَا يسْتَحقّهُ وَهُوَ من قَول الخنساء
(وَمَا بَلَغَ المُهْدُونَ نَحْوَكَ مِدْحةٌ ... وَإنْ أطْنَبُوا إلاَّ وَمَا فَيكَ أفْضَلُ)
وكقول أبي النواس
(إذَا نَحْنُ أثْنَينْا عَلَيْكَ بِصالحٍ ... فأنْتَ كَمَا نُشْنِي وَفَوْقَ الَّذي نُشْنِي)

26 - الْغَرِيب اللدن اللين المهز والسعال من وجع يكون فِي الصَّدْر من بلغم يجْتَمع على قَصَبَة الرئة الْمَعْنى يَقُول يَا بن الطاعنين صُدُور الْأَبْطَال وَقيل الرئة وَقيل أَرَادَ الْمَوَاضِع الَّتِي لَا يَجْسُر البطل فِيهَا على السعال وَأَخذه من قَول البحتري
(وَأتْبَعْتها أُخْرَى فأضْلَلْتُ نَصلَها ... بِحَيْثُ يَكُونُ اللُّبُّ والرُّعْبُ وَالحقدُ)
(3/227)

- الْغَرِيب الأسافل الارجل والقلال الرُّءُوس وَاحِدهَا قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس تشبيهها بقلة الْجَبَل وَهِي أَعْلَاهُ الْمَعْنى يَقُول يَا بن الضاربين بِكُل سيف قَاطع رُءُوس الْعَرَب وأرجلها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَذَلِكَ لأَنهم إِذا ضربوا الْفَارِس فِي قلَّة رَأسه نزل السَّيْف إِلَى أَسْفَل جسده وَقيل أَرَادَ بالقلال الْكِرَام وَقيل يُرِيد بالأسافل اللئام فيضربون الشريف والدنيء حَتَّى لَا يتركون أحدا
28 - الْغَرِيب المتشاعرون المتشهون بالشعراء والداء العضال والعقام الَّذِي لَا دَوَاء لَهُ الْمَعْنى يَقُول المتشبهون بالشعراء وَلَيْسوا مِنْهُم أولعوا بذمي يذمونني وَلَيْسَ الْعَيْب فِي وَإِنَّمَا هُوَ فيهم لِأَنَّهُ يجهلون مقداري فيهم فهم يحسدونني
29 - الْغَرِيب الزلَال الَّذِي يزل فِي الْحلق لعذوبته مثل السلسال الْمَعْنى هَذَا مثل ضربه يَقُول مثلهم كَمثل الْمَرِيض الَّذِي يجد المَاء الزلَال مرا من مرَارَة فَمه يَقُول هم يذمونني لنقصهم وَقلة معرفتهم بِي وبفضلي وبشعري فالنقص فيهم لافي وَلَو صحت حواسهم لعرفوا فضلى وَلَقَد جود فِي هَذَا الْمَعْنى لِأَن الْمَرِيض يجد كل حُلْو وَطيب فِي فَمه مرا نغصا فالمرارة من فَمه لَا من شَيْء يدْخلهُ وَإِنَّمَا الْعَيْب مِنْهُ لَا من الدَّوَاء فَأَبُو الطّيب والأعداء كَذَلِك وَهُوَ من قَول الْحَكِيم النَّفس الْكَرِيمَة ترى الْأَشْيَاء حَسَنَة
30 - الْغَرِيب الثريا يُقَال هِيَ سِتَّة أنجم وَمِنْه قَول العطوي
(خَلِيليَّ إنّي للّثُرَيَّا لَحاسِدُ ... وَإنّي عَلى رَيْبِ الزَّمانِ لَواجِدُ)

(أُيجْمَعُ مِنها شْملُها وَهْيَ سِتَّةٌ ... وَأفقِدُ مِنْ أحْجَبْتُهُ وهْوَ وَاحِدُ)
الْمَعْنى يَقُول قَالَ الحاسدون حسدا لَهُ عَليّ وحسدا لي عَلَيْهِ هَل يرفعك إِلَى الثريا فَإِن أستفلت عَن إِنْكَار فَقلت نعم إِذا شِئْت أَن أنحط لِأَنِّي بخدمته فَوق الثريا فَإِن استلفت عَن منزلتي صرت عِنْد الثريا لِأَنِّي أَعلَى مِنْهَا دَرَجَة ورفعة
31 - الْغَرِيب المذاكي الْخَيل المسنة وَاحِدهَا مذك وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ بعد
(3/228)

الْقرح سنة أَو سنتَانِ وبيض الْهِنْد السيوف والسمر الرماح الْمَعْنى يَقُول هُوَ مفنى الْخَيل والأعادي يفنى الْخَيل بالطرد فِي الحروب وَقيل بِالْهبةِ وَالسُّيُوف والرماح بِالضَّرْبِ والطعن وَيجوز بِالْهبةِ
32 - الْغَرِيب المسومة المعلمة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {مسومين} بِفَتْح الْوَاو فِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن عَامر وَحَمْزَة وَعلي وَقيل هِيَ الْمُرْسلَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر الْوَاو وَمَعْنَاهُ سوموا خيلهم أَي علموها بعلامة والحي وَاحِد أَحيَاء الْعَرَب وَهُوَ الْجَمَاعَة من النَّاس ينزلون فِي الْبَادِيَة الْمَعْنى أَنه يَقُود الْخَيل المسومة خفافا سرَاعًا إِلَّا أَنَّهَا ثقال على من تصبحه من الأعادي فَتحل بساحته صباحا
33 - الْغَرِيب جوائل بدل من قَوْله مسومة وَجمع القنا قنى يُقَال قِنَا وقنوات وقني وجوائل جمع جائلة وعوامل جمع عَامل وَهُوَ عَامل السنان وَهُوَ مَا قرب مِنْهُ والذبال جمع ذبالة وَهِي الفتيلة الْمَعْنى يَقُول تحرّك بالقنا فرسانها وَهِي مثقفة أَي مقومة بالثقاف وَشبه أسنتها فِي اللمعان بالفتائل الَّتِي فِي السرج وَهُوَ تَشْبِيه حسن
34 - الْمَعْنى روى الواحدي يفين بِالْفَاءِ وَالْيَاء الْمُثَنَّاة تحتهَا وَمَعْنَاهُ يعدن ويرجعن يَقُول هَذِه الْخَيل إِذا وطِئت الصخور لشدَّة وَطئهَا تصير رملا وَأَرَادَ إِذا وطِئت بأيديها وأرجلها فَدلَّ الْمَحْذُوف فِي آخر اليبت على الْمَحْذُوف فِي أَوله وَمثله كثير
35 - الْإِعْرَاب هَذَا من بَاب التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَأَرَادَ لَا وَلَا لَك ضَرُورَة كَقَوْل الآخر
(عَليْكِ وِرَحْمَةُ الله السَّلامُ ... )
وَمثله قَوْله تَعَالَى {أنزل على عَبده الْكتاب وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا قيمًا} وَالتَّقْدِير قيمًا وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا وَقَوله {وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك لَكَانَ لزاما وَأجل مُسَمّى} وَالتَّقْدِير لَوْلَا كلمة وَأجل مُسَمّى وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق
(وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إلاَّ مُملَّكا ... أبُو أُمِّهِ حَتَّى أَبوهُ يُقارِبُهْ)
(3/229)

تَقْدِيره وَمَا مثله فِي النَّاس حَتَّى يُقَارِبه لَا مملكا أَبُو ذَلِك المملك أَبوهُ وَمثله قَول الآخر
(إِن الكَرِيمَ وَأبيكَ يَعْتَمِلْ ... إنْ لَمْ يَجِدْ يَوْما عَلى مَنْ يَتَّكِلْ)
وَأنْشد أَيْضا سِيبَوَيْهٍ
(وَكَرَّارِ خَلْفِ المُجْحَرِين جَوَادَهُ ... إِذا لَمْ يُحامِ دُونَ أُنْثَى حَليِلُها)
الْمَعْنى يَقُول إِذا سَأَلَني سَائل فَقَالَ هَل لَهُ نَظِير فَجَوَابه لَا وَلَا لَك نَظِير فِي سؤالك عَن هَذَا لِأَن أحدا لَا يجهل هَذَا غَيْرك فَإِذا أَنْت فِي جهلك بِلَا نَظِير وَكرر النَّفْي بقوله أَلا لَا إِشَارَة إِلَى أَن جهل هَذَا السَّائِل يُوجب إِعَادَة الْجَواب عَلَيْهِ
36 - الْمَعْنى يَقُول كل نفس رجتك وأملت عطاءك فعدت ذَلِك مَالا فقد أمنت الإعدام لِأَنَّك تبلغها أملهَا وَفَوق مَا تَأمل
37 - الْغَرِيب الوجل الْخَوْف والوجال جمع وَجل كوجع ووجاع الْمَعْنى يَقُول قُلُوب أعدائك خائفة مِنْك حَتَّى خَافَ خوفها ووجلت اوجالها وَهَذَا كَقَوْلِهِم جن جُنُونه وَشعر شَاعِر وَمَوْت مائت وَهَذَا من الْمُبَالغَة
38 - الْمَعْنى يَقُول سرورك وفرحك إِنَّمَا يحصل لَك بِأَن تسر جَمِيع النَّاس فَأَنت تعلمهمْ الدَّلال عَلَيْك بِهَذَا حَتَّى لَو قَالَ قَائِل أَنا غير مسرور اجتهدت حَتَّى تسرهُ وترضيه فهم قد عرفُوا هَذَا من طباعك الْكَرِيمَة فهم يدلون عَلَيْك
39 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت من كرمك تحب السُّؤَال فَإِذا سألوك الْعَطاء شكرنهم عَلَيْهِ وَإِن هم سكتوا عَن مطالبتك بالعطاء سَأَلتهمْ السُّؤَال
40 - الْغَرِيب الاستماحة طلب الْعَطاء والسماحة الْجُود وَرجل سمح وسميح وَجمعه سمحاء ومساميح جمع مسماح وينيل وَيُعْطى الْمَعْنى يَقُول أسعد النَّاس سَائل يعْطى مسئوله بِأَن يسْأَل مِنْهُ وَالْمعْنَى يفرح بِأخذ عطائه وَالتَّقْدِير أسعد النَّاس من أَخذ من معط يعْتَقد أَن الْأَخْذ مِنْهُ نيل فيراه حَقًا عَلَيْهِ وَهُوَ مسرور بالعطاء لَهُ وَقد نقل هَذَا الْمَعْنى من البحتري حَيْثُ يَقُول
(3/230)

(فَيَكُونُ أوَّلّ سُنَّةٍ مْأثُورَةٍ ... أنْ يَقْبَلَ المَمْدُحُ رِفْدَ المَادِحِ)

41 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا لاقي مَوضِع نصب على الظّرْف تَقْدِيره الْأَمر كَذَلِك مُدَّة ملاقاة الرِّجَال كَمَا تَقول لَا أُكَلِّمك مَا طَار طَائِر أَي مُدَّة هَذَا الْمَعْنى يَقُول إِذا وَقع سهمك فِي رجل يلقاه فَارقه وَنفذ عَنهُ كَمَا يخرج عَن كبد الْقوس فِي الشدَّة يصفه بِشدَّة نزع الْقوس وَقُوَّة الرَّمْي فَإِذا رمي رجلا بِسَهْم خرج مِنْهُ بعد النَّفاذ فِيهِ الْمُرُور وَفِيه قُوَّة كقوته حِين خرج عَن كبد الْقوس قَالَ الواحدي وَقد نقل كَلَام أبي الْفَتْح وَيجوز أَن تكون مَا نَافِيَة
42 - الْغَرِيب النصال جمع نصل وَهُوَ الحديدة الَّتِي تكون فِي السهْم الْمَعْنى يَقُول إِذا رميت بسهامك لَا تَسْتَقِر لِأَنَّهَا تخلص من رجل إِلَى رجل فَكَأَن ريشها يطْلب نصالها حَتَّى يلْحقهَا ونصالها تَفِر مِنْهُ قَالَ الواحدي هَذَا مَنْقُول من قَول الخنساء
(ولمَّأ أنْ رأيْنا الخَيْل قُبِلاً ... تُبارِي بالحُدودِ شَبا العَوَالي)
نَقله عَن الْخَيل وَالْحُدُود والعوالي إِلَى السِّهَام والريش والنصال وَالْبَيْت لليلى الأخيلية لَا للخنساء قالته ليلى فِي فائض بن أبي عقيل وَقد كَانَ فر عَن تَوْبَة يَوْم قتل وَلم ينشده الواحدي على الصِّحَّة وَصَوَابه وَلما أَن رَأَيْت تخاطب فائضا وَبعده
(نَسِيتَ وصَالهُ وَصَدَدٍْتَ عَنْهُ ... كَمَا صَدَّ الأََبَّ عَنِ الضِّلالِ)

43 - الْمَعْنى سبقت الْأَوَّلين فَمَا تجاري وَيجوز سبقت السَّابِقين إِلَى المكارم فَمَا تجاري أَي تلْحق وجاوزت الْعُلُوّ فَمَا يقدر أحد أَن يعاليك ويساميك وَمعنى الْبَيْت الثَّانِي يَقُول أَنه أفضل النَّاس فَلَو كَانَ يَمِين شَيْء مَا صلح النَّاس كلهم أَن يَكُونُوا شمال ذَلِك الشَّيْء وَهَذَا من بَاب الْمُبَالغَة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي النَّجْم
(لَوْ كانَ خَلْقُ الله جَنْبا وَاحدا ... وكُنْتَ فِي جَنْبٍ لَكُنْتَ زَائِداً)

(نَباهَةً وَنائِلاً وَوَالداً ... )

45 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي علو قدرك وَحسن خصالك سَمَاء وَإِن كَانَت كواكبها خِصَالًا فَجعله فِي الشُّهْرَة كالسماء وخصاله نجومها وَهُوَ من قَول البحتري
(وَبَلَوْتُ منْك خَلائقا مَحْمُودةً ... لَوْ كُنَّ فِي فَلَكٍ لَكُنَّ نُجُوما)
وَنصب خِصَالًا على الْحَال
46 - الْإِعْرَاب وأعجب فعل مضارع عطفه على مثله وَهُوَ قَوْله أقلب والكمال مفعول ثَان الْمَعْنى يَقُول أَنْت قد أَعْطَيْت الْكَمَال صَغِيرا فَكيف ازددت بعد الْكَمَال
(3/231)

- 1 الْإِعْرَاب أَن عزم إِذا عزم وَقيل لِأَن عزم وَلأَجل وَمثله زرتك أَن تكرمني أَي لِأَن تكرمني وَمن أجل وَمثله أَن كَانَ ذَا مَال وبنين فِي قِرَاءَة الْحَرَمَيْنِ وَعلي وَأبي عَمْرو وَحَفْص لأَنهم قرءوا بِهَمْزَة وَاحِدَة مَفْتُوحَة وَقَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر بهمزتين محققتين وَقَرَأَ ابْن عَامر فِي رِوَايَته بِهَمْزَة وَمُدَّة قَالَ الْمُفَسِّرُونَ من أجل ذَلِك كفر بِآيَاتِنَا وَأما قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأَضْيافِ منَّا ... فَعَجَّلنْا القِرَى أنْ تَشْتُمُونا)
فَقيل مَعْنَاهُ لِئَلَّا فَحذف لَا وَحسن لَهُ ذَلِك أَن الْمَعْنى مَعْرُوف وَقيل بل تَقْدِيره مَخَافَة أَن تشتمونا إِلَّا أَنه حذف الْمُضَاف الْغَرِيب الخليط هُوَ الَّذِي يخالطك وَأَرَادَ بِهِ هَهُنَا الحبيب والخليط المخالط كالجليس والمجالس والنديم والمنادم وَهُوَ وَاحِد وَجمع قَالَ الشَّاعِر
(إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْينَ فانجَرَدوا ... وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الذَّيِ وَعَدُو) وَيجمع أَيْضا على خلطاء وخلط قَالَ وَعلة الْجرْمِي
(سائِلْ مُجَاوِرَ جَرْمٍ هلْ جنَيْتُ لَهُم ... حْربا تُفَرِّقُ بَيْنَ الجِيِرةِ الخُلُط)
(3/232)

الْمَعْنى يَقُول فِي الخد لأجل رحيل الحبيب مطر يزِيد الدُّمُوع إِلَّا أَنه لَا يثبت بل يمحل ومحول الخدود هُوَ ذهَاب نضارتها وشحوبها والمطر من شَأْنه الأخصاب وَلَكِن هَذَا الْمَطَر بِخِلَاف الْمَطَر الْمَعْهُود فَشبه دُمُوعه لغزارتها بالمطر السَّائِل والمطر ينْبت الرّبيع ويخصب وَهَذَا يمحل الخدود ويخددها وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَوْ نَبَتَ العُشْبُ مِنْ دُموعٍ ... لَكانَ فِي خَدْيَّ الرَّبِيعُ)

2 - الْغَرِيب نفت أذهبت الرقاد النّوم والفاول مَا يلْحق حد السَّيْف من كَثْرَة الضَّرْب الْمَعْنى يقو النظرة الَّتِي نظرت إِلَى الحبيب عِنْد الْفِرَاق نفت رقادي وأذهبت حِدة عَقْلِي وقلبي يُرِيد أَنَّهَا أثرت فِي عقله وَقَلبه وَيجوز أَن تكون النظرة الأولى الَّتِي نظر الحبيب واستدام الْعِشْق بهَا
3 - الْإِعْرَاب فِي كَانَت ضمير عَائِد على النظرة تَقْدِيره كَانَت النظرة وَفِي الْكَلَام حذف تَقْدِيره كَانَت نظرة غير نافعة مثلت لي أَجلي الْغَرِيب الكحلاء الَّتِي بعينيها كحل من غير تكحل والسول أَصله الْهمزَة إِلَّا انه خفه وَالْأَجَل الْمدَّة الَّتِي يؤخرها الْإِنْسَان حَتَّى تنفد الْمَعْنى يَقُول كَانَت هَذِه النظرة من المحبوبة سؤلي وطلبي وَإِنَّمَا طلبت قرب أَجلي بِالنّظرِ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أسقمني وقربني من الْأَجَل فَكَانَت فِي الْحَقِيقَة أَجلي تصور مرَادا فِي قلبِي لَا سؤلا وَالسُّؤَال مَا يَطْلُبهُ الْإِنْسَان ويتمناه
4 - الْغَرِيب أَرَادَ بالجفاء الِامْتِنَاع فَلهَذَا عداهُ بعلي والمروءة الْكَرم وَالْفِعْل الْحسن والنوى الْبعد الْمَعْنى يَقُول أجد الِامْتِنَاع مُرُوءَة عِنْدِي إِلَّا عَلَيْك وَالصَّبْر جميلا إِلَّا فِي بعْدك كَقَوْل البحتري
(مَا أحْسَنَ الصَّبْرَ إلاَّ عنْدَ فرْقة مَن ... بِيَنيْه صِرْتُ بَينَ البَثّ وَالحَزَنِ)

5 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أبْغض قَلِيل تدلل من غَيْرك وَأحب دلالك الْكثير كَقَوْل جرير
(إنْ كانَ شَأنُكُمُ الدَّلالَ فإنَّهُ ... حَسَنٌ دَلالُكِ ياأُمَيمَ جَمِيلُ)
(3/233)

- الْإِعْرَاب شكوى مصدر يشكو وَقيل التَّقْدِير مثل الشكوى الْغَرِيب الروادف الكفل وَمَا حوله جمع رادفة لِأَنَّهُ يردف الْإِنْسَان أَي يكون خلقه وَهُوَ من الردف خلف الرَّاكِب الْمَعْنى يَقُول تَشْكُو المطية ثقل روادفك فَوْقهَا شكوى النَّفس الَّتِي وجدت هَوَاك مداخلها لَان روافدك على المطية ثقال وهواك على العاشق أثقل
7 - الْغَرِيب يُقَال غَار الرجل على أَهله وأغرته وأغار أَهله تزوج عَلَيْهَا وَهُوَ من غَار النَّهَار إِذا أَشْتَدّ حره والفارة الْغيرَة قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يشبه غليان الْقُدُور بصخب الضرائر
(لَهُنَّ نَشِيجٌ بالنَّشِيلِ كأنَّها ... ضَرَائِرُ حِرْمِيً تَفاحَش غارُها)
وَقَوله حرمى نِسْبَة إِلَى الْحرم لِأَن أول من أَتَّخِذ الضرائر أهل الْحرم الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته يحملني على الْغيرَة جذبك الزِّمَام إِلَيْك لِأَن النَّاقة تقلب فمها إِلَيْك كَأَنَّهَا تطلب قبْلَة والفم أَكثر مَا يسْتَعْمل بِغَيْر الْمِيم مَعَ الْإِضَافَة فَإِذا أضيف قلت فِيك وفاك وفوك إِلَّا أَنه قد جَاءَ بِالْمِيم مُضَافا عَن الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر
(كالحوُتِ لَا يَكُفِيهِ شَيءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبحُ عَطْشانَ وِفي البَحْرِ فُمهُ)
وَإِذا أفرد فَهُوَ بِالْمِيم لَا غير وَمعنى الْبَيْت من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(وَالعِيسُ عاطفَةُ الرُّءوسِ كَأَّنما ... يَطْلُبْنَ سرَّ مُحَدَّثٍ فِي الأحْلُسِ)
وَقد قَالَت الشُّعَرَاء وَأَكْثرُوا فِي الْغيرَة وَأحسن مَا قيل قَول ابْن الْخياط
(وَمُحْتَجبٍ بَيْنَ الأسِنَّةِ مُعْرِضٍ ... وَفي القَلْبِ من إعْراضِهِ مِثلُ حجبهِ)

(أغارُ إِذا آنَسْتُ فِي الحيّ أنَّةً ... حِذاراً وَخَوْفا أنْ يكُونَ لِحُبِّهِ)

8 - الْغَرِيب الغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بزوجها وَيُقَال بجمالها عَن التجمل والصبابة رقة الشوق والغليل وَالْغلَّة حرارة الْعَطش الْمَعْنى يَقُول حدق الحسان الْوَاحِدَة حسناء هجن لي بفراقهن رقة الشوق وحرارة فِي الْقلب لبعدهن عني
(3/234)

- الْغَرِيب يذم يجير وَيُعْطِي الذمام وأذمه أجاره وأذمه وجده مذموما وأذم بِهِ تهاون وأذم الرجل أَتَى بِمَا يذم عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول يذم بدر بن عمار أَي يجير وَيمْنَع مني كل مَا يقتل سوى هَذِه الإحداق فَإِنَّهُ لَا يقدر على الْإِجَارَة مِنْهَا وَهُوَ كَقَوْلِه
(وُقِيَ الأمِيرُ هَوَى العُيُونِ فَإنَّهُ ... مَالا يَزُولُ بِبأْسِهِ وَسَخائِهِ)
قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَقد تجَاوز هَذَا فِي مدح عضد الدولة بأمن بِلَاده حَيْثُ قَالَ
(فَلَوْ طُرِحَتْ قُلُوبُ الْعِشق فِيها ... لَما خافتْ مِنْ الحَدَقِ الحِسانِ)
أثبت فِي هَذَا مَا اسْتثْنى فِي مدح بدر بن عمار
10 - الْإِعْرَاب الكرب وَمَا بعده بِالنّصب فِي روايتنا وَهُوَ مَنْصُوب بإعمال اسْم الْفَاعِل وروى جمَاعَة بالخفض تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه الْغَرِيب فرج عَنهُ يفرج وَأَفْرج يفرج وَفرج يفرج تفريجا إِذا كشف عَنهُ الْغم الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفرج الكرب عَن أوليائه بِمِثْلِهَا ينزلها بأعدائه يعْنى أَنه يقتل الْأَعْدَاء ليدفعهم عَن أوليائه ويفقرهم ليغنى أولياءه فيزيل عَنْهُم الْفقر
11 - الْغَرِيب المحك اللجوج وَسمع الْأَصْمَعِي امْرَأَة ترقص ابْنهَا وَتقول
(إِذا الخُصُومُ اجْتَمَعَتْ حُثِيا ... وُجِدْتَ ألْوَي مَحكا أبِيَّا)
والمحك اللجاج محك يمحك فَهُوَ محك ومماحك وتماحك الخصمان الْمَعْنى يَقُول هُوَ يطْلب الْحق ويلج فِي طلبته فَمن مطلة بِهِ جعل سَيْفه كَفِيلا لَهُ بِقَضَائِهِ وَهَذَا مثل وَالْمعْنَى إِذا مطل الْغَرِيم وَلم يقْض دينه طَالبه سَيْفه مُطَالبَة الْكَفِيل وَإِذا كَانَ السَّيْف متقاضيا صَار الْغَرِيم قَاضِيا بِغَيْر رِضَاهُ
12 - الْغَرِيب النُّطْق جيد النُّطْق وَالْقَوْل والمنطيق البليغ واللثام مَا يَجْعَل على الْوَجْه من الْعِمَامَة كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ لأجل حر الشَّمْس وَإِذا أَرَادوا أَن يتكلموا كشفوا اللئام الْمَعْنى إِذا حط لثامه ليَتَكَلَّم بِالْأَمر فَإِنَّهُ يُعْطي من يسمع كَلَامه عقلا لِأَنَّهُ يتَكَلَّم بالحكمة وَمَا هتدي بِهِ الضالون وَيعلم النَّاس بمنطقه حسن الْكَلَام وَصِحَّة الرَّأْي
(3/235)

- الْغَرِيب السخاء الْكَرم والجود سخا يسخو وسخى يسخى وَمِنْه قَول عَمْرو بن كُلْثُوم
(مُشَعْشَعَةً كَأنَّ الحُصَّ فَيها ... إِذا مَا المَاءُ خالطَها سخِينا)
على بعض الْأَقْوَال من سخا يسخي وَقَالَ قوم هُوَ من السخونة ونصبه على الْحَال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تعلم الزَّمَان من سخائه فسخا بِهِ وَأخرجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَلَوْلَا سخاءوه الَّذِي استفاده مِنْهُ لبخل بِهِ على أهل الدُّنْيَا واستبقاه لنَفسِهِ قَالَ فَإِن قيل السخاء لَا يكون إِلَّا فِي مَوْجُود وَهَذَا مَعْدُوم فَالْجَوَاب أَن الزَّمَان كَأَنَّهُ علم مَا يكون فِيهِ من السخاء إِذا وجد فَكَأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْهُ مَا تصور كَونه فِيهِ بعد وجوده وَلَوْلَا مَا تصَوره من السخاء لبقي أبدا بَخِيلًا وَالشَّيْء إِذا تحقق كَونه لَا محَالة أجري عَلَيْهِ فِي حَالَة عَدمه كثير من الْأَوْصَاف الَّتِي يَسْتَحِقهَا بعد وجوده قَالَ ابْن فورجة هَذَا تَأْوِيل فَاسد وغرض بعيد والسخاء بِغَيْر الْمَوْجُود لَا يُوصف بالعدوى وَإِنَّمَا الْمَعْنى سخا بِهِ على وَكَانَ بَخِيلًا بِهِ على فَلَمَّا أعداه سخاؤه أسعدني الزَّمَان يضمي إِلَيْهِ وهداني تحوه وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الطَّائِي
(هَيْهاتَ أنْ يَسْخُو البزمانُ بِمِثْلهِ ... إنَّ الزمانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ)
ولحبيب أَيْضا
(عَلَّمَنِي جُودُكَ السَّماحَ فَما ... أبْقَيْتُ شَيْئا لَدَىَّ مِنْ صِلَتَكْ وَلابْن الْخياط
(لَمْستُ بِكَفَّي كَفَّهُ أبْتَغِى الغِنَى ... وَلْم أدْرِ أَن الجُوَدَ مِنْ كَفِّه يُعدى)

(فَلا أَنا مِنْهُ مَا أفادَ ذَوُو الغِنَى ... أفَدْتُ وَأعْدَاني فَأتْلَفْتُ مَا عنْدي)

14 - الْإِعْرَاب جعل اسْم كَأَن نكرَة وخبرها معرفَة وَقد جَاءَ فِي بَاب إِن فِي قَول الفرزدق
(وَإن حَراما أنْ أسُبَّ مُقاعِسا ... بِآبائي الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ)
وَنصب مسلولا على الْحَال الْغَرِيب الغمامة السحابة وهندية سَيْفه الْمَصْنُوع من حَدِيد الْهِنْد الْمَعْنى يَقُول كَأَن برقا سَيْفه وَهُوَ من المعكوس لِأَن السَّيْف يشبه بالبرق وَهَذَا شبه الْبَرْق بِالسَّيْفِ فَقَالَ كَأَن برقا فِي ظُهُور الْغَمَام سَيْفه إِذا سَله فِي يَده
(3/236)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قائمه يعود على السَّيْف ومواهبا قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْفَتْح هُوَ مفعول يسيل وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري فِي أَمَالِيهِ لَا يجوز أَن يكون مَفْعُولا لِأَن يسيل لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول بِهِ بِدلَالَة أَنه لَا ينصب الْمعرفَة فَتَقول سَالَ الْوَادي رجَالًا وَلَا تَقول سَالَ الْوَادي الرِّجَال وسالت الطّرق خيلا وَلَا تَقول الْخَيل فَلَمَّا لزمَه نصب النكرَة خَاصَّة وَالْمَفْعُول يكون نكرَة وَمَعْرِفَة والمميز لَا يكون إِلَّا نكرَة ثَبت أَن مواهبا تَمْيِيز ويوضح هَذَا أَنَّك إِذا أدخلت همزَة النَّقْل على سَالَ تعدِي إِلَى مفعول وَاحِد تَقول أسَال الوادى المَاء فاو كَانَ قبل الْهمزَة يتَعَدَّى إِلَى مفعول لتعدي بعد النَّقْل إِلَى مفعولين فَإِن قيل من شَأْن الْمُمَيز أَن يكون وَاحِد قُلْنَا هَذَا هُوَ الْأَغْلَب وَيكون جمعا قَالَ الله تَعَالَى {بالأخسرين أعمالا} و {نَحن أَكثر أَمْوَالًا وأولادا} الْمَعْنى يَقُول مَحل قائمه يَعْنِي قَائِم السَّيْف وَهِي يَد الممدوح تسيل مواهبا للنَّاس فَلَو أَنَّهَا كَانَت سيلا لم تصب موضعا تسيل فِيهِ لكثرتها وَهُوَ من قَول حبيب
(أفادَ منَ العَلْيا كُنُوزاً لوَ إِنَّهَا ... صَوَامِتُ مالٍ مَا دَرَي أيْنَ تُجْعَلُ)

16 - الْغَرِيب رقت خفت ومضاربه حداه وَهُوَ مَا يضْرب بِهِ الرّقاب الْمَعْنى أَرَادَ أَن سيوفه مُلَازمَة للرقاب فوصفها بالعشق لِأَنَّهُ أدعى الْأَشْيَاء إِلَى اللُّزُوم فَيَقُول كَأَنَّمَا هِيَ لرقتها تبدين نحولا من عشق الرّقاب كَمَا ينْحل العاشق من عشق حَبِيبه
17 - الْغَرِيب عفره إِذا رَمَاه فِي العفر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ التُّرَاب يعفره عفرا وعفره تعفيرا أَي مرغه والهزبر الْأسد وَرجل هزنبر وهزنبران أَي سيء الْخلق والصارم السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَن بدر بن عمار أهاج أسدا عَن بقرة افترسها فَوَثَبَ الْأسد على كفل دَابَّته فأعجله فَضَربهُ بِسَوْطِهِ وَدَار بِهِ الْجَيْش فَقتل الْأسد فَقَالَ إِذا كنت تلقى هَذَا الْأسد وَهُوَ أقوى الْحَيَوَانَات وأشجعها بسوطك فَلِمَنْ خبأت سَيْفك
18 - الْغَرِيب الْأُرْدُن مَوضِع بِالشَّام وَهُوَ نهر يُقَال لَهُ نهر الْأُرْدُن والرفاق جمع رفْقَة والتلول جمع تل وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير والبلية هُوَ الْأسد
(3/237)

الْمَعْنى يَقُول وَقعت على أهل هَذَا النَّهر بلية وَهُوَ الْأسد نضدت وَقعت بَعْضهَا على بعض فَهَذِهِ البلية وَهُوَ الْأسد هام أَي رُؤُوس الرفاق تلالا والبلية هُوَ الْأسد فَلهَذَا أسْند الْفِعْل إِلَيْهِ
19 - الْغَرِيب الْورْد ذُو اللَّوْن الَّذِي يضْرب إِلَى الْحمرَة فَكَأَن لون الْأسد هَذَا يضْرب إِلَى الْحمرَة والبحيرة بحيرة طبرية والفرات نهر الشَّام الَّذِي يجْرِي إِلَيّ الْعرَاق والنيل نيل مصر الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْأسد من شدته وَعظم زئيره إِذا ورد الْبحيرَة شاربا ورد أَي وصل صَوته إِلَى الْفُرَات وَإِلَى النّيل وجانس بَين ورد وَورد
20 - الْغَرِيب الغيل الأجمة وَهِي شجر ملتف بعضه على بعض وَقَوله لبدتيه يُرِيد الشّعْر الَّذِي على كَتفيهِ لعظم كثافته عَلَيْهِمَا الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة مَا افترس من الفوارس قد تلطخ بدمائهم ولكثرة مَا على كَتفيهِ من الشّعْر كَأَنَّهُ فِي غيله فِي غيل من لبدتيه
21 - الْإِعْرَاب حلولا حَال من الْفَرِيق وَالْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ قَلِيل ضَعِيف وَإِن كَانَ قد جَاءَ فِي شعر الْعَرَب الْقَدِيم كَقَوْل تأبط شرا
(سَلَبْتَ سِلاحِي يَابسا وشَتَمَتْنِي ... فَيا خَيْرَ مَسْلُوبٍ وَيا شَرَّ سالِبٍ)
وكقول النَّابِغَة الْجَعْدِي يصف فرسا
(كَأنَّ حَوَامِيَهُ مُدْبِراً ... خُضِبْنَ وَإنْ كانْ لمْ يُخْضَبِ)
وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل الشيرازيات أنْشد أَبُو زيد
(عَوْدٌ وَنْهسَة حاسِدُون عَليهم ... حِلَقُ الحَدِيدِ مُضاعَفا يَتلَهَّبُ)
قَالَ وَيجوز أَن يَجْعَل يتلهب فِي مَوضِع الْحَال ومضاعفا حَال من الْمُضمر فِي ويتلهب يتلهب حَال من الْحلق فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِم حلق الْحَدِيد يتلهب مضاعفا الْغَرِيب الْفَرِيق الْجَمَاعَة وَهُوَ أَكثر من الْفرْقَة وحلولا حَالين بِهِ أَي نازلين الْمَعْنى يَقُول عين هَذَا الْأسد لحمرتها إِذا رَأَيْتهَا فِي اللَّيْل ظننتها نَارا أَو قدت بِجَمَاعَة نزلُوا موضعا وَيُقَال عين الْأسد وَعين السنور وَعين الْحَيَّة تتراءى فِي ظلمَة اللَّيْل بارقة كَأَنَّهَا نَار
(3/238)

- الْغَرِيب الرهبان جمع رَاهِب وهم زهاد النَّصَارَى وهم يوصفون بالوحدة والانقطاع عَن النَّاس وهم الَّذين قَالَ الله فيهم {عاملة ناصبة تصلى نَارا حامية} الْمَعْنى يَقُول هُوَ فِي وحدة لشجاعته لِأَنَّهُ لَا يخَاف شَيْئا فَهُوَ فِي غيله مُنْفَرد انْفِرَاد الرهبان فِي متعبداتهم إِلَّا أَنه لَا يعرف حَلَالا وَلَا حَرَامًا والأسد إِذا كَانَ قَوِيا لم يسكن مَعَه فِي غيله غَيره من الْأسود
23 - الْغَرِيب الْبري التُّرَاب قَالَ مدرك بن حصن
(بَفَيكَ مِنْ سارٍ إِلَى القَوْمِ البَري ... )
وَمِنْه الْبَريَّة فِي قِرَاءَة من ترك همزَة وهم الْأَكْثَر وهمزها نَافِع وَابْن ذكْوَان والتيه التَّعَجُّب والآسى الطَّبِيب الْمَعْنى يَقُول هُوَ لعزته فِي نَفسه وقوته لَا يسْرع فِي مَشْيه لِأَنَّهُ لَا يخَاف شَيْئا فَكَأَنَّهُ فِي لين مشيته طَبِيب يجس عليلا يرفق بِهِ دولا يعجل
24 - الْغَرِيب الغفرة الشّعْر اجْتمع على قَفاهُ واليافوخ الرَّأْس والإكليل التَّاج الَّذِي يكون على رُؤُوس الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول يرد شعر الغفرة إِلَى رَأسه حَتَّى يصير لَهُ كالأكليل يصف عظم شعر مَنْكِبَيْه يرد ذَلِك الشّعْر فيجتمع على هامته وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك إِذا غضب يجمع قوته إِلَى أَعلَى بدنه وَقَالَ ابْن دوست الغفرة شعر الناصية يَعْنِي أَن هَذَا الْأسد رفع رَأسه فِي مشيته حَتَّى يرد ناصيته إِلَى أَعلَى رَأسه وَقَالَ الواحدي القَوْل هُوَ قَول أبي الْفَتْح لِأَنَّهُ وصف بعده غيظ الْأسد بقوله بعده
25 - الْغَرِيب الزمجرة تردد الصَّوْت وَكَذَا التزمجر وَهُوَ شدَّة الصياح الْمَعْنى يَقُول تظنه نَفسه عَنْهَا مَشْغُولًا من صياحه قَالَ ابْن القطاع وَقع فِي بعض الرِّوَايَات نَفسه بِالنّصب أَي يزمجر لنَفسِهِ وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالرَّفْع أَي تظنه نَفسه من كَثْرَة صياحه مَشْغُولًا عَنْهَا
26 - الْغَرِيب قصر هَهُنَا ضد الطول وَمِنْه قصر الصَّلَاة فِي قَوْله تَعَالَى (أَن تقصرُوا
(3/239)

من الصَّلَاة} والمخافة مصدر أضيف إِلَى الْمَفْعُول والكمى الشجاع الْمُسْتَتر فِي سلاحه من كمى الشَّهَادَة إِذا كنمها الْمَعْنى يَقُول قَالَ الواحدي ذُو الْحَافِر إِذا رأى الْأسد وقف وفحج وبال يَقُول كَأَن الشجاع ركب فرسه مشكولا حَيْثُ لَا يقدر على الْحَرَكَة خوفًا مِنْهُ هَذَا تَفْسِير النَّاس لهَذَا الْبَيْت قَالَ وَقَالَ ابْن فورجة مَعْنَاهُ لما خَافَ مِنْك الْأسد تقاصرت خطاه ونازعته نَفسه إِلَيْك جَرَاءَة فخلط إقداما بإحجام فَكَأَنَّهُ فَارس كمى ركب فرسه مشكولا فَهُوَ يهيجه للإقدام بجرأة وَالْفرس يحجم عَجزا عَمَّا يسومه لمَكَان شكاله وَهُوَ من قَول امرىء الْقَيْس قيد الأوابد ألخ
27 - الْغَرِيب الفريسة صيد الْأسد وَهِي الْبَقَرَة الَّتِي أهاجه عَنْهَا والبربرة الصياح وَالصَّوْت وَالْجمع برابر الْمَعْنى يَقُول لما قصدته ألْقى فريسته وَصَاح دونهَا فَعَاد عَنْهَا لانه ظن أَنَّك تطفل عَلَيْهِ لتأكل صَيْده فَغَضب من ذَلِك قَالَ الواحدي التطفل من كَلَام أهل الْعرَاق يَقُولُونَ هُوَ يتطفل فِي الأعراس
28 - الْغَرِيب الخلقان الفعلان والطبعان والإقدام والشجاعة الْمَعْنى يَقُول تشابهتما فِي الشجَاعَة وتخالفتما فِي الشيح لِأَن الْأسد يشح بمأكوله وَأَنت تجود بمأكولك وَمَا هُوَ لَك وَهُوَ من قَول البحتري
(شارَكْتَهُ فِي البَأسِ ثُمَّ فَضَلْتَهُ ... بالجُودِ مَحْقُوقا بِذاك زَعيما)
وللبحتري أَيْضا
(هِزَبْرٌ مَشِي يَبْغِي هِزَبْراً وَأغْلَبٌ ... مِنْ القَوْم يَبْغِي باسلِ الوَجْهِ أغْلبا)

29 - الْغَرِيب الْأَزَل الْمَمْسُوح الْقَلِيل اللَّحْم وَامْرَأَة زلاء إِذا كنت ممسوحة العجيزة وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْأَزَل الضّيق وَالْحَبْس وأزلوا مَا لَهُم أَي حبسوه والمفتول الْقوي الشَّديد الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْأسد يرى قوته وشجاعته فِيك فمتنه مَمْسُوح شَدِيد وساعده مفتول قوي
(3/240)

- الْغَرِيب الطمرة الْفرس الوثابة وَقيل المرتفعة وطامئة الفصوص عطاش لَيست برهلة رخوة وَكَذَا خُيُول الْعَرَب الْمَعْنى يَقُول لَقيته فِي سرج ظامئة أَي فرس مضمرة دقيقة المفاصل من خُيُول الْعَرَب وتفردها بالكمال يَأْبَى أَن يكون لَهَا نَظِير وَمثل
31 - الْغَرِيب الطلبات جمع طلبة وَهِي الْحَاجَات الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه الْفرس نطلب مَا أردْت فَتُدْرِكهُ وَهِي مَعَ هَذَا طَوِيلَة الْعُنُق لَوْلَا أَن تحط رَأسهَا للجام مَا نيل وَقَالَ الْخَطِيب هَذِه الْفرس إِذا طلبت عدوا أَو وحشا نالته وَهِي مَعَ هَذَا عزيزة النَّفس تذل للراكب مَا قدر عَلَيْهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول زُهَيْر
(وَمُلُجَمُنا مَا إنْ يَنَالُ قَذَالَهُ ... وَلا قَدَمَاهُ الأرْضَ إلاَّ أنامِلُهُ)

32 - الْغَرِيب السوالف جمع سالفة وَهِي صفحة الْعُنُق استحضرتها من الْحَضَر وَهُوَ الْعَدو الْمَعْنى يصف هَذِه الْفرس بلين الرَّأْس إِذا جذبت عنانها جَاءَ مَعَك كَأَنَّهُ محلول العقد وَالْمعْنَى يعرق عَنْهَا وَمَا حوله إِذا ركضتها وَإِذا جذبت وَافَقت وطاوعت ولان عُنُقهَا حَتَّى تظن الْعَنَان محلول العقد لِأَنَّهَا لَا تجاذبك الْعَنَان قَالَ الواحدي هَذَا وصف بطول الْعُنُق يَعْنِي إِذا رفعت رَأسهَا استرخى الْعَنَان وَطَالَ فَيصير كَأَنَّهُ محلول وَقَالَ ابْن دوست إِنَّهَا تدير عُنُقهَا ورأسها كَيفَ شَاءَت وتغلب فارسها فَلَا يقدر على رد رَأسهَا بالعنان فَكَأَن عقد الْعَنَان محلول غير مشدود لانه لَو كَانَ مشدود قدر الْفَارِس على ضَبطهَا قَالَ وَمَا ابعد مَا وَقع إِذْ فسر بِغَيْر المُرَاد وَوصف الْفرس بالجماح
33 - الْغَرِيب الزُّور عظم الصَّدْر الْمَعْنى عَاد إِلَى وصف الْأسد فَقَالَ مَا زَالَ هَذَا الْأسد لما لقيك يجمع نَفسه وينظم بعضه إِلَى بعض حَتَّى صَار عرضه فِي قدر طوله وَكَذَا يفعل الْأسد إِذا أَرَادَ الْوُثُوب على الفريسة
(3/241)

- الْغَرِيب تَقول حجر وأحجار وحجارة وحجار والحضيض قَرَار الأَرْض عِنْد مُنْقَطع الْجَبَل وَكتب يزِيد بن الْمُهلب إِلَى الْحجَّاج إِنَّا لَقينَا الْعَدو فَفَعَلْنَا واضطررناهم إِلَى عرْعرة الْجَبَل وَنحن بحضيضه الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُ من غيظه وغضبه يدق بصدره الْحِجَارَة فَكَأَنَّهُ يطْلب سَبِيلا إِلَى قَرَار الأَرْض
35 - الْغَرِيب فادني افتعل من الدنو الْمَعْنى يَقُول كَأَن هَذَا الْأسد غرته عينه فَلم يبصر لإقدامه عَلَيْك وَلم تصدقه عينه النّظر وَلَو تصور الْأَمر بصورته لفر من هيبتك وَلكنه مغرور ظن مَا جلّ وَعظم من الْأَمر غير جليل وعظيم
36 - الْغَرِيب الْأنف الاستنكاف أنف يأنف أنفًا وأنة أَي استنكف وَمَا رَأَيْت أحمى أنفًا وَلَا آنف من فلَان الْمَعْنى يَقُول الْكَرِيم يأنف من الدنية فَلهَذَا لَا يهرب بل يقدم وَهَذَا عذر للأسد يَقُول لم يهرب الْأسد وأنفته جعلت فِي عينه الْعدَد الْكثير قَلِيلا حَتَّى كَأَنَّهُ فِي عينه قَلِيل قَالَ أَبُو الْفَتْح من عَادَته ان يعْتَرض مَا هُوَ فِيهِ بِمثل يضر بِهِ إِذْ أَرَادَ أَنه مسدود لما هُوَ فِيهِ كَقَوْل الآخر
(وَقدْ أدْركَتَنْي والَحَوادثُ جَمَّةٌ ... أسنَّةُ قَوْمٍ لاَ ضِعافٌ وَلا عُزْلُ)
فالحوادث جمة جملَة اعْترض بهَا بَين الْفَاعِل وَفعله وَهُوَ تسديد لما هُوَ فِيهِ
37 - الْغَرِيب مضاض موجع ومحرق مضني الْأَمر وأمضني والحتف الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول الْعَار محرق موجع وَمن خَافَ الْعَار لم يخف من الْهَلَاك وَفِي الْمثل من أنف من الدنية لم يحجم عَن الْمنية وَهُوَ مثل الْبَيْت الَّذِي قبله فِي الِاعْتِرَاض
38 - الْغَرِيب المصادمة مفاعلة من الصدم وَهُوَ الصَّك والميل ثَلَاث فراسخ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْمسَافَة من الأَرْض المتراخية لَيْسَ لَهُ حد مَعْرُوف
(3/242)

الْمَعْنى يَقُول عجل الْأسد بوثبة على ردف فرسك قبل التقائك فجهم عَلَيْك بوثبة فاو لم تصادمه لجازك بِمِقْدَار ميل
39 - الْغَرِيب الخذلان ضد النَّصْر والتجديل من قَوْلهم جدله إِذا صرعه الْمَعْنى يَقُول لما لاقيته وواجهته خذلته قوته أَي خانته وَقَعَدت عَنهُ فَطلب النَّصْر من التَّسْلِيم وَهُوَ الانقياد وَترك الْخُصُومَة وانجدل فَكَأَنَّهُ رأى النَّصْر فِي ذَلِك وطابق بَين الخذلان والنصر
40 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي أَسَاءَ أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْبَيْت حَيْثُ لم يَجْعَل أثر للممدوح وَقَالَ كَأَنَّهُ كَانَ مغلول الْيَد والعنق بِقَبض الْمنية عَلَيْهِ
41 - الْغَرِيب ابْن عمته أَسد من جنسه وَلم يرد تَحْقِيق نسب والهرولة الِاضْطِرَاب فِي الْعَدو والمهول الْمخوف وَهُوَ من الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لما سمع ابْن عمته بقتلك لَهُ وَبِمَا فعلت بِهِ نجا بِرَأْسِهِ هَارِبا من بَين يَديك خَائفًا
42 - الْإِعْرَاب فِي الْبَيْت تَقْدِيم وَتَأْخِير تَقْدِيره فراره أَمر مِمَّا فر مِنْهُ وَأمر فِي أول الْبَيْت خبر مقدم الْمَعْنى يَقُول فراره أَمر من هَلَاكه الَّذِي فر مِنْهُ وَخَافَ وَمثل قَتله ان لم يقتل لِأَن الْمَقْتُول بِالسَّيْفِ خير من الْمَقْتُول بالذم وَالْعَيْب وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(ألِفوا المَنايا فالقَتيلُ لَدَيْهمُ ... مَنْ لْم يُخَلّ العَيْشَ وَهْوَ قَتِيلُ) وَله أَيْضا
(لوْ لمْ يَمُتْ بَينَ أطْراَفِ الرّماحِ إِذا ... لَمات إذْ لمْ يَمُتْ مِنْ شدَّةِ الحزَنِ)

43 - الْغَرِيب الجراءة الشجَاعَة والإقدام والخلة الْخَلِيل يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر قَوْلك خَلِيل بَين الْخلَّة والخلولة قَالَ أوفى بن مطر الْمَازِني
(ألاَ أبْلِغا خُلَّتِي جابِراً ... بِأنَّ خَلِيلَك لمْ يُقْتَلِ)
الْمَعْنى يَقُول الْأسد الَّذِي اجترأ عَلَيْك هلك وَلم تَنْفَعهُ الجراءة وَوعظ الَّذِي فر
(3/243)

وحبب إِلَيْهِ الْفِرَار فَالَّذِي اخْتَار الْفِرَار واتخذه صاحبا خير من الَّذِي اجترأ عَلَيْك
44 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ النَّاس كلهم يعْرفُونَ الله مثل معرفتك لم يبْعَث الله رَسُولا يَدعُوهُم إِلَيْهِ وَيُعلمهُم دينهم وَقد قَالَ بعض الْأُصُولِيَّة لم يحْتَج النَّاس إِلَى رَسُول فِي معرفَة الله وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَيْهِ فِي تَعْلِيم الشَّرَائِع والحلال وَالْحرَام وَقد أَخطَأ أَبُو الطّيب فِي هَذَا الإفراط وَتجَاوز الْحَد
45 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ لفظك فِي النَّاس لم يحتاجوا إِلَى هَذِه الْكتب وَكَانَ كل مِلَّة يغنون بلفظك عَن كتبهمْ وَأَرَادَ أَنه يعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَالْحكم وَكَانَ الْيَهُود يغنون بك عَن التَّوْرَاة وَالنَّصَارَى عَن الْإِنْجِيل وَالْمُسْلِمين عَن الْقُرْآن وَهَذِه مُبَالغَة تدخل النَّار نَعُوذ بِاللَّه من الإفراط وَهَذَا الغلو
46 - الْإِعْرَاب أسكن الْيَاء من الْفِعْل الْمَنْصُوب ضَرُورَة وَهَذَا كثير إِذا كَانَ فِي حرفي الْعلَّة وَالْوَاو وَالْيَاء وَمثله بَيت الْكتاب
(كأنَّ أيْديِهنَّ بالقَاعِ الفَرقْ ... )
وَخبر كَانَ وَالْمَفْعُول الثَّانِي من مفعولي تعطيهم محذوفان وَتَقْدِير خبر كَانَ لَهُم والعائد إِلَى الْمَوْصُول من تعطيهم الأول مَحْذُوف وَالتَّقْدِير لَو كَانَ لَهُم الَّذِي تعطيهموه من قبل أَن تعطيهم إِيَّاه لم يعرفوا التأميل الْمَعْنى يَقُول لَو وصل النَّاس وَتقدم إِلَيْهِم عطاؤك قبل أَن تعطيهم لما جرت الآمال فِي قُلُوبهم وَلما أملوا لِأَنَّك تُعْطِي فَوق الأمل فَكَانُوا يستغنون بِمَا نالوا مِنْك عَن الأمل فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تأميل وَقد أَخذه أَبُو نصر بن نباتة فَقَالَ
(لمْ يُبْق جُودُكَ لِي شيئْا أُؤَملُه ... تَرَكْتَنِي أْصَحبُ الدُّنيا بِلَا أمَلِ)
وَقَالَ أَبُو الْفرج الببغاء وَكَانَ فِي عصر أبي نصر بن نباتة
(لمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئا أُؤَمِّلُه ... دَهري لأنَّكَ قّدْ أفْنّيْتَ آمالِي)

47 - الْإِعْرَاب حَقِيقَة مصدر حق يحِق قيل وخمولا مصدر وَقيل هُوَ مفعول لأَجله أَي لأجل الخمول الْغَرِيب الخامل السَّاقِط الَّذِي لَا نباهة لَهُ وَحمل يحمل حمولا وأخملته أَنا الْمَعْنى يَقُول مَا عرفوك حق معرفتك وَذَلِكَ لأَنهم لَا يقدرُونَ على ذَلِك وَلَا لَهُم معرفَة بكنه قدرك وهم إِذا لم يعرفوك حق الْمعرفَة فقد جهلوك وَمَا جهلوك لأجل سقوطك
48 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي تجثمها للجياد وَهِي فاعلة أَي تجثم نَفسهَا وَتَغَنِّيًا وصهيلا مصدران فِي مَوضِع الْحَال الْغَرِيب السودد السِّيَادَة والرفعة وتجشمت الْأَمر تكلفته على مشقة وجشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وجشمته الْأَمر تجشما وأجشمته إِذا كلفته إياء قَالَ عبد الْمطلب
(مَهْما تُجَشَّمْنِي فإنّي جاشِمٌ ... )
الْمَعْنى يَقُول إِذا غنت الْحمام فَإِنَّمَا تغني بسيادتك ورفعتك وَكَذَلِكَ الْخَيل إِذا صهلت وَهَذَا من الْمُبَالغَة لِأَن الْبَهَائِم لَا تعقل فقد عقلت فضلك وسيادتك فنطقت بهما وَهَذَا من أبلغ الْمَدْح
49 - الْإِعْرَاب نَافِذا وفحولا منصوبان بِمَا على لُغَة الْحجاز كَقَوْلِه تَعَالَى {مَا هَذَا بشرا} وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن وَلم يَأْتِ بِغَيْر الحجازية إِلَّا فِي قِرَاءَة الْمفضل بن عَاصِم {مَا هن أمهاتهم} بِالرَّفْع فَإِنَّهُ أَتَى بهَا على التميمة الْغَرِيب نفذ الشَّيْء إِذا خرقه وَبلغ غَايَته وَنفذ السهْم فِي الرَّمية نفاذا وَنفذ الْكتاب نفاذا ونفوذا وَفُلَان نَافِذ فِي أمره مَاض وَأمره نَافِذ أَي مُطَاع الْمَعْنى لَيْسَ كل من طلب الْعُلُوّ والرفعة بلغَهَا وَلَا كل الرِّجَال أبطال شجعان وَإِنَّمَا الرّفْعَة والسيادة خص الله تَعَالَى بهَا أَقْوَامًا
(3/244)

- 1 الْغَرِيب الْحلَل جمع حلَّة والحلة عِنْد الْعَرَب ثَوْبَان وعداني مَنَعَنِي الْمَعْنى يُرِيد أَن رأى الْخلْع مطواة إِلَى جَانِبه وَلم يره فِيهَا لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِك الْيَوْم الَّذِي لَيْسَ فِيهِ الخلعة عليلا وَقَوله أَرَاك بهَا أَي أَرَاك وَهِي عَلَيْك ومعك كَمَا يُقَال ركب بسلاحه وَخرج بثيابه
2 - الْمَعْنى يَقُول أحب أَنَّك طويتها لم تلبسها أتقدر أَن تزيل جمالك إِذا زَالَت ثِيَابك لِأَنَّهُ لَا يتجمل بثيابه وَإِنَّمَا يتجمل بجماله فَلهُ جمال لَا يطوى وَلَا يزَال
4 - الْغَرِيب ظلت دَامَت وأقامت وظلت بِالْمَكَانِ أَقمت عَلَيْهِ وظلتم تفكهون أَي أقمتم وَمِنْه فيظللن رواكد على ظَهره والأعالي الَّتِي تظهر للنَّاس وَالْأولَى الَّتِي تباشر جسده الْمَعْنى يَقُول أَقَامَت أعالي ثِيَابك الَّتِي تظهر للنَّاس تحسد الْأَقْرَب من جسدك وَهِي الَّتِي تباشر جسدك فبينهما قتال لذَلِك
5 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هم يحبونك كَمَا يحب الرجل فُؤَاده وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي اسْتِحْسَان الْقُلُوب وتعلقها بِهِ من حَيْثُ الِاسْتِحْسَان وَقَالَ الواحدي يديمون النّظر إِلَيْك فَإِن الْعين تبع للقلب تنظر إِلَى حَيْثُ يمِيل الْقلب إِلَيْهِ فالعيون إِنَّمَا تنظر إِلَيْك لِأَن الْقُلُوب تحبك كَمَا قَالَ ابْن جنى أَو تستحسن الْخلْع كَمَا قَالَ ابْن فورجة
6 - الْمَعْنى يَقُول فضائلك لَا تحصى وَإِن قلت إِنِّي أحصيها فَكَأَنِّي أَقُول أَنا أحصى الرمل وَهَذَا لَا تقبله الْعُقُول لِأَنَّهُ محَال
(3/245)

- 1 الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي شربهَا للخمرة أَو الراح وأضمرها قبل ذكرهَا وَهُوَ جَائِز لدلَالَة المنادمة عَلَيْهَا الْغَرِيب المنادمة مقلوب من المدامنة لانه يدمن شرب المدام مَعَ نديمه وَالْقلب فِي كَلَامهم كثير كجذبه وحبذه وَمَا أطيبه وأيطبه وخزن اللَّحْم وخنز ونادمني فلَان على الشَّرَاب فَهُوَ نديمي وندماني قَالَ النُّعْمَان بن عدي
(فإنْ كُنْتَ نَدْماني فَبالأكبْرِ اسقِني ... وَلا تَسْقِني بِالأصْغَرِ المُتثَلِّمِ)
وَجمع النديم ندام وَجمع الندمان ندامي وَالْمَرْأَة ندمانة والنسوة ندامي الْمَعْنى يَقُول منادمة الْأَمِير إِذا وَصلهَا الْإِنْسَان وَصحت لَهُ فقد وصل إِلَى رُتْبَة عَظِيمَة فَلَمَّا وصلتها عذلت عواذلي الَّذين يعذلوني على شرب الْمُسكر وكفتني منادمته جَوَاب السَّائِل الَّذِي قَالَ لم شربت الْمُسكر وَقَالَت لَهُ منادمة الْأَمِير شرف والشرف مَطْلُوب وَلَيْسَ للعذال أَن يعذل فِيمَا يكْسب الشّرف وَإِنَّمَا منادمته حصلت لي الشّرف
2 - الْغَرِيب الجوانح الأضلاع الَّتِي تحب الترائب وَهِي مَا يَلِي الصَّدْر الْوَاحِدَة جانحة والاصطناع الْمَعْرُوف الْمَعْنى كَانَت جوانحي ظامئة فأروتها سَحَاب يَديك وَقد حملت شكرك وَهُوَ عَظِيم ثقيل اصطناعك قد حَملَنِي مَعَ شكرك فَدلَّ ذَلِك على أَن اصطناعك يزِيد فِي الْقُوَّة لِأَنَّهُ قد حَملَنِي وَحمل شكرك وَالْمعْنَى حملت شكرك على إنعامك وإحسانك حَملَنِي لِأَنَّهُ يحمل أثقالي
3 - الْغَرِيب قَوْله مَتى هُوَ سُؤال عَن الزَّمَان فَكَأَنَّهُ قَالَ أَي زمَان أقوم يشكرك الْمَعْنى يَقُول أَي زمَان أقوم بشكر مَا أَعْطَيْتنِي أَي لأَقوم بِهِ لِأَنِّي كلما اثنيت عَلَيْك وشكرتك حصلت على نعْمَة جَدِيدَة وَإِذا شكرتك فَإِنَّمَا أرفع قدري بشكرك وَكَيف أصل إِلَى مكافأتك إِذا كَانَ شكرك يُوجب لي إحسانا مِنْك وَقد نَقله من قَول مَحْمُود الْوراق
(إذَا كانَ شُكْرِي نِعْمَةً الله ... عَلىَّ لَهُ فِي مِثْلِها يَجِبُ الشُكْرُ)

(فكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلاَّ بِعَوْنِهِ ... وَإنْ طالَتِ الأَّيامُ واتَّصَلَ الدَّهْرُ)
(3/246)

- 1 الْمَعْنى يَقُول هُوَ يَأْخُذ من مَاله أقل مِمَّا يَأْخُذ السَّائِل لَان السَّائِل يَأْخُذ من مَال بدر أَكثر مِمَّا يَأْخُذ بَدْرًا فَلَو كَانَ من سُؤال نَفسه لَكَانَ حَظه أوفر من مَاله
(3/247)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن أَفعَال النَّاس تتحير فِيمَا يَفْعَله لقصورها عَنهُ وَزِيَادَة مَا يَفْعَله على فعلهم ويقل ذَلِك فِي دولته لاقتضائها الزِّيَادَة على مَا فعل
3 - قَالَ أَبُو الْفَتْح يَمِينه تسح الْعَطاء وشماله تسح الدِّمَاء قَالَ ابْن فورجة الرجل لَا يُقَاتل بِشمَالِهِ وَالْفِعْل يكون للْيَمِين فِي كل شَيْء وَإِنَّمَا يكون عمل الشمَال كالمعونة للْيَمِين وَإِنَّمَا يُرِيد أَن يَدَيْهِ جَمِيعًا كالسحابتين عَطاء وسح دِمَاء
4 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا قتل الْأَعْدَاء كرما لَا بَأْسا لتأكل الطير لحومهم لانه ضمن أرزاق الطير فَقَتلهُمْ للطير لَا للْحَاجة إِلَيْهِم وَزَاد بالجود والعيال على مَا قَالَه الشُّعَرَاء من إطْعَام لجوم الْأَعْدَاء الطير قَالَ أَبُو الْفَتْح أبلغ من هَذَا فِي الْمَدْح أَنه ينْحَر ويذبح ليَأْكُل الطير مِمَّا يجده من اللَّحْم فَكَأَنَّهُ سفك الدِّمَاء بجوده لَا ببأسه
5 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ دون زَوَاله لَكَانَ أحسن وَكَانَ مثل قَول الآخر
(بِقَلْبِي غَرامٌ لَسْتُ أبْلغُ وَصْفَهُ ... عَلى أنَّهُ مَا كانَ فَهْوَ شَديدُ)

(تَمُرُ بِهِ الأيَّامُ تَسْحَبُ ذَيْلَها ... فَتَبْلي بِهِ الأيَّامُ وَهْوَ جَديدُ)
قَالَ وَله أَن يحْتَج عَنهُ فَيُقَال إِن الْأَيَّام بعض الدَّهْر وَلَيْسَت هَذِه الْأَيَّام جَمِيعه وَقد يجوز أَن يذهب بعض الدَّهْر وَيبقى بعضه فَيبقى الغرام بِحَالهِ مَعَ بَقَاء الْمُحب فَقَالَ إِن الغرام بَاقٍ بقلبي فَإِذا مَا زَالَ مَعَه الذّكر وَقَول أبي الطّيب بَقِي الذّكر لَهُ إِنَّمَا يَصح بِبَقَاء النَّاس فَإِذا زَالَ النَّاس والدهر عدم الذّكر
(3/248)

- 1 الْغَرِيب أَبَت رجعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فباءوا بغضب من الله} أَي رجعُوا وعفت كرهت الْمَعْنى يَقُول لم أطول فِي جلوسي عِنْده وكرهت التَّطْوِيل لِأَنِّي رجعت وَقد قضيت حَاجَتي
2 - الْمَعْنى يَقُول طول حياتك لي خير من حَيَاة نَفسِي لنَفْسي لِأَنَّك تعينني على الزَّمَان والشدائد
209

- 1 الْغَرِيب أقفرت خلوت وأقفز الرّبع إِذا رَحل عَنهُ أَهله والأهوال العامرة الَّتِي بهَا الْأَهْل الْمَعْنى يَقُول فِي مُخَاطبَة الْمنَازل لَك فِي قلبِي منَازِل أَنْت خَالِيَة ومنازلك فِي الْقلب ذَات أهل عامرة يُرِيد لم تذكرين منازلك الَّتِي فِي الْقُلُوب وَأَنت قد أقفرت يُرِيد تجدّد ذكرهَا فِي قلبه وَهُوَ معنى قَول أبي تَمام
(وَقَفْتُ وَأحشْائي مَنازِلُ لِلأسَى ... بِهِ وَهْوَ قَفْرٌ قدْ تَعَفَّتْ مَنازِلُهْ)
وَمثله للبحتري
(عَفَتِ الدّيارُ وَما عَفَتْ أحْشاؤُهُ ... )
وَلابْن الْمعز
(بُؤْسا لِدَهْرِ غَيَّرَتْكَ صُرُوفُهُ ... لمْ يَمْحُ مِن قَلبِي الهَوَى وَمَحاكا)
قَالَ أَبُو الْفَتْح بَيت المتنبي أرجح من بَيت الطَّائِي لِأَنَّهُ ذكر منَازِل الْحزن فَخص والمتنبي ذكر الْمنَازل فعمم فَهُوَ أرجح من بَيت الطَّائِي وَلَقَد أحسن ابْن الْمعز بقوله
(لمْ بَمْحُ مِن قَلْبي الهَوَى وَمحاكا ... )
جمع الْمَعْنى فِي كَلِمَتَيْنِ
(3/249)

- الْغَرِيب الأولى الأحق والعاقل يُرِيد بِهِ الْفُؤَاد ويروي يبكي على مَا لم يسم فَاعله وروى أَبُو الْفَتْح ببكى على الْمصدر وَبهَا قَرَأت على شَيْخي الْمَعْنى يَقُول منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وَأَنت مقفرة من ذكر أهلك وَلست تذكرين منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد فأولاكما بالبكاء عَلَيْهِ الْعَاقِل يَعْنِي منَازِل الْقلب يُرِيد أَن قلبِي أولى بالبكاء لِأَنَّك جماد لَا تعلمين مَا حل بك من فرقة أهلك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح منَازِل الْحزن بقلبي تعلم مَا يمر بهَا من ألم الْهوى وَأَنت لَا تعلمين ذَاك
3 - الْغَرِيب اجتلب افتعل من الجلب وجلبت الشَّيْء أجلبه جلبا وجلبا وجلبت واجتلت بِمَعْنى وَأَصله فِيمَا يجلب للْبيع من بلد إِلَى بلد وَهُوَ فِي الْبَيْت بِمَعْنى سقته إِلَى نَفسِي والمنية من أَسمَاء الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول طرفِي جلب موتِي بِالنّظرِ فَمن أطلب بدمي وَأَنا قتلت نَفسِي وَهُوَ مَنْقُول من قَول قيس بن ذريح
(وَما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكوُنَ منِيَّتي ... بكفى إِلَّا أَن من حَان حائن)
وَقد أحسن دعبل بن على الْخُزَاعِيّ بقوله
(لَا تعجبني يَا سلم من رجل ... ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكى)

(لَا تأخذُا بظلامَتِي أحَداً ... قَلْبِي وَطَرْفي فِي دَمِي اشْتركا)

4 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي الظّرْف عَائِدًا إِلَى قَوْله الَّذِي اجتلب وَهُوَ صلته يُرَاد بِهِ الشَّاعِر المجتلب الْغَرِيب الظباء جمع ظَبْيَة فِي الْكَثْرَة وَيجمع ظَبْي على فعول وظبيات والتابعة الَّتِي تتبع أمهَا فِي المرعى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الصَّغِيرَة من الظباء والخاذل الْمُتَأَخر وَمِنْه ظَبْيَة خاذل وخذول إِذا تَأَخَّرت عَن المرعى الْمَعْنى يَقُول تَخْلُو دِيَارهمْ من حسانها وتفارقها وخيال من أهواه لَا يفارقني وَقَالَ الواحدي تَخْلُو الديار من الحسان وَعِنْدِي من كل تَابِعَة أَي صَغِيرَة مِنْهُنَّ خيال يأتيني فَكَأَنَّهُ تَأَخّر عَنْهُن وَقَالَ تَابِعَة لِأَنَّهُ أَرَادَ صغر سنّهَا
(3/250)

- الْإِعْرَاب اللاء قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون نعتا للظباء وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَحْمُولا على قَوْله من كل تَابِعَة لِأَن كل قد دلّت على معنى الْجمع فَإِذا حمله على الظباء كَانَ فِي مَوضِع خفض لِأَنَّهُ نعت وَإِذا حمله على كل فَهُوَ بدل معرفَة من نكرَة قَالَ وَلَو أمكنه أَن يقدم بمهجتي على الجبان لَكِن أوجه وَالْبَاء مُتَعَلقَة بأفتك وأفعل إِذا كَانَ لتفضيل لَا يعْمل شَيْئا وَهَذَا الْبَيْت مثل قَوْلك مَرَرْت بالذين أحبهم فلَان إِلَيّ فَالْوَجْه تَقْدِيم إِلَى على فلَان لِئَلَّا يفصل بَينه وَبَين أحب وَقَالَ الْخَطِيب الْبَاء مُتَّصِلَة فِي الْمَعْنى بأفتكها إِلَّا أَنه لَا يُمكن تعلقهَا بِهِ لِأَنَّهُ قد اخبر عَنهُ بقوله الجبان ومحال أَن يخبر عَن الِاسْم وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة فَلَمَّا امْتنع ذَلِك علق الْبَاء بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ أفتكها فَكَأَنَّهُ أضمر بعد ذكر الجبان فتكت بمهجتي الْغَرِيب اللاء جمع فِي الْمُؤَنَّث كَالَّذِين فِي الْمُذكر وَقد اخْتلف الْقُرَّاء فِي يائها فَقَرَأَ قنبل عَن ابْن كثير وقالون عَن نَافِع بِالْهَمْز من غير يَاء وَقَرَأَ ورش بياء مختلسة بَدَلا من الْهَمْز وَإِذا وقف صيرها يَاء سَاكِنة وقرا البزي وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء بياء سَاكِنة بَدَلا من الْهمزَة فِي الْحَالين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز وياء بعْدهَا فِي الْحَالين والفاتك الجريء وَالْجمع الفتاك والفتك أَن يَأْتِي الرجل صَاحبه وَهُوَ غافل فيشد عَلَيْهِ فيقتله وَفِيه ثَلَاث لُغَات فتك بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ سُكُون التَّاء فيهمَا وبكسر الْفَاء مَعَ سُكُون التَّاء والجبان خلاف الشجاع الْمَعْنى يَقُول أفتك هَؤُلَاءِ الظباء بمهجتي هِيَ النافرة الَّتِي أَنا مغرم بهَا والبخيلة مِنْهُنَّ بالوصل أحبهنَّ قربا إِلَيّ
6 - الْغَرِيب نوافر جمع نافرة وَأَرَادَ بهَا الْبَعِيدَة وأصل النفور الْخُرُوج إِلَى طلب الشَّيْء والختل الخدع وختلة وخاتلة أَي خدعة والتخاتل التخادع الْمَعْنى يَقُول ترميننا بلحاظهن وَهن بعيدات عَنَّا لَا يقصدننا وتخدعننا بحسنهن وَهن غافلات لَا يعلمن ذَلِك
7 - الْغَرِيب المها بقر الْوَحْش تشبه النِّسَاء بِهن لسواد أعينهن والحبائل جمع حبالة الضائد الْمَعْنى يَقُول نَحن نصيد بقر الْوَحْش وَهَؤُلَاء المشبهات لبقر الْوَحْش كافأننا وأخذن بثأرهن فِي صيدنا لمشابهن فصدننا بأعينهن من غير حبائل فِي التُّرَاب
(3/251)

- الْغَرِيب الثغر جمع ثغرة وَهِي نقرة النَّحْر الَّتِي بَين الترقوتين والجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية والدملج والدملوج المعضد وَجمعه دماليج والخلخال مَا يكون من ذهب أَو فِي فضَّة فِي السَّاق الْإِعْرَاب جآذر يجوز أَن يكون فَاعل كأفاننا وَيجوز ان يكون مُبْتَدأ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ ودمالج وخلاخل مُبْتَدأ وَمن الرماح الْخَبَر يُرِيد لَهُنَّ دمالج وخلاخل يكتفين بهَا عَن الرماح الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح نسَاء مثل الجآذر بحليهن يفعلن مَا يفعل الطاعن بِالرُّمْحِ وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَفِي مَعْنَاهُ
(هَل يَغْلِبَني وَاحِدٌ أقاتلُهُ ... رِيم عَلى لَبَّاتَهِ سَلاسلُهْ)

(سلاحُهُ يَوْمَ الْوَغَى مَكاحلُهُ ... )
وَنَقله من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(بارَزْتُهُ وَسِلاحُهُ خَلْخالُهُ ... حَتى فَضَضْت بِكَفِّي الخَلخْالا)

9 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا سميت أغطية الْعُيُون جفونها لِأَنَّهَا ضمنت أحدقا تعْمل عمل السيوف
10 - الْغَرِيب يروي سجرتك بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم يُرِيد ملأتك وَمِنْه الْبَحْر الْمَسْجُور وَيجوز أوقدتك فقد قيل فِي الْآيَة إِنَّه الموقد ويروي شجرتك بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم أَي حبستك وصرفتك وَمِنْه شَجَرَة الدَّابَّة إِذا أصبت بشجرها اللجام وَهُوَ مَا بَين اللحيين لتكفها وتمنعها ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة والحاء أَي جعلتك مسحورا بالشوق حَتَّى صرت كالواله الْمَجْنُون أَو أَنَّهَا أَصَابَت سحرك أَي رئتك وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة توفى رَسُول الله
بَين سحرِي وَنَحْرِي الْمَعْنى كم لَك من وَقْفَة سجرتك ملانك شوقا أَو كفتك أَو منعتك أَو سحرتك حَتَّى صرت والها لَا تعقل وَقد ولع بك الوشاة وهم جمع واش يشي بك إِلَى من تريده وَيصْلح بك حَاله وَتَمام الْكَلَام فِيمَا يَأْتِي أَي كم وَقْفَة دون التعانق
11 - الْإِعْرَاب ناحلين حَال من وَقْفَة أَي كم وَقْفَة وقفناها ناحلين
(3/252)

وَقَالَ الْخَطِيب هِيَ حَال من الضَّمِير فِي بِنَاء يُرِيد بِهِ وبالمحبوبة الْغَرِيب الشكلة أَرَادَ الشكلة الَّتِي تكون فِي الْإِعْرَاب وَهِي الفتحة وَهِي من قَوْلهم شكلت الدَّابَّة أَي ضبطتها والشكلة تضبط الْحُرُوف وَضم الشاكل الْكَاتِب يُرِيد بِالضَّمِّ الْقرب وَلم يرد الضَّم الَّذِي فِي الْإِعْرَاب الْمُسَمّى رفعا الْمَعْنى يَقُول وقفنا دون التعانق قرب بَعْضنَا من بعض وَلم نتعانق فكأننا لقربنا شكلتان دقيقتان جمع الْكَاتِب بَينهمَا وَهُوَ تَشْبِيه حسن شبه تقاربهما بتقرب الشكلتين ونحولهما بنحول الشكلة ووصفها بالنحول مثله لَان بهَا مَا بِهِ من الوجد وَمثل هَذَا فِي قرب التعانق لِأَنِّي إِسْحَاق الْفَارِسِي
(ضَممَنهْا ضَمَّةً عُدنا بهَا جَسَدَاً ... فلَوْ رَأتْنا عُيونٌ مَا خَشِيناها)
وَمثله الآخر
(إنّي رَأيْتُكَ فِي نَوْمي تعانِقُنِي ... كَمَا تُعانِقُ لامُ الكاتِبِ الألِفا)

12 - الْمَعْنى يَقُول تمتّع بِالنعْمَةِ واللذة مَا دَامَ لَك الشَّبَاب فَكل مَا كَانَ لَهُ أول لَا بُد لَهُ من آخر فَإِنَّهُ يفنى حَتَّى يَأْتِي آخِره وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم كل مَا كَانَ لَهُ أول تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى أَن لَهُ آخرا
13 - الْغَرِيب الأرب الْحَاجة وَكَذَلِكَ الإربة وروق الشَّبَاب وريقه أَوله الْمَعْنى يَقُول مَا دَامَ للحسان فِيك حَاجَة وَطلب يَعْنِي مَا دمت شَابًّا أنعم ولذ فَإِنَّهُ ظلّ زائل عَنْك
14 - الْغَرِيب آونة جمع أَوَان وَمِنْه بَيت الْكتاب
(أَبُو حَنَشٍ يُؤَرّقُنِي وَطلْقٌ ... وَعمَّارٌ وَآوِنَةً أُثالا)
وَذكر هَذَا الْبَيْت سِيبَوَيْهٍ على ترخيم أثالة فِي غير النداء ضَرُورَة على قَول من قَالَ يَا حَار وَقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول للهو واللعب أَو أَن يمر سَرِيعا كزويد الحبيب الراحل من عنْدك قبلا فَهِيَ لذيذة وَلكنهَا وشيكة الذّهاب كَذَلِك سَاعَات اللَّهْو وَأَيَّام السرُور قصار
(3/253)

- الْغَرِيب الْجِمَاع الْإِسْرَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون} أَي يسرعون} والجموح من الرِّجَال الَّذِي يركب هَوَاهُ فَلَا يُمكن رده قَالَ الشَّاعِر
(خَلَعْتُ عذاَرِي جامِحا مَا يَبرُدُّني ... عَنِ البيِضِ أمثْالِ الدُّمى زَجْرُ زَجِرِا)
وجمح الْفرس إِذا غلب فارسه وجمحت الْمَرْأَة إِذا خرجت من بَيت زَوجهَا إِلَى أَهلهَا بِغَيْر طَلَاق قَالَ الراجز
(إِذا رَأتْنِي ذاتُ ضِعنٍ حَنَّتِ ... وجّمَحَتْ مِن زَوْجِها وَأنَّتِ)
والمشوب الْمُخْتَلط الْمَعْنى يَقُول جمح الزَّمَان أَي قهر وَغلب فَمَا تخلص اللَّذَّة من أَذَى يشوبها بِهِ الدَّهْر فَلَا يكمل سرُور الْإِنْسَان وَهُوَ من قَول الآخر
(وَكَذاكَ لَا خَيْرٌ على الدُّنيا وَلا شَرٌّ يُداَم ... )

16 - الْغَرِيب الهائل المهيب المخيف والمنى جمع منية الْمَعْنى يَقُول كل شَيْء لَا تخلص اللَّذَّة فِيهِ وَلَا بُد من شَيْء ينغصه حَتَّى أَبُو الْفضل هَذَا الممدوح رُؤْيَته أماني النَّاس فَإِذا وصلوا إِلَيْهَا تغصتها عَلَيْهِم هيبته وَهُوَ منظره قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا خُرُوج مَا روى أعرب مِنْهُ
17 - الْإِعْرَاب الْهَاء فِي إِلَيْهَا ودونها للرؤية فِي رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأت وروى غَيره إِلَيْهِ دونه رَاجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع والوابل الْمَطَر الْكثير قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن لم يصبهَا وابل فطل} الْمَعْنى يَقُول طرق إِلَى رُؤْيَة الممدوح أَو إِلَى الممدوح ممطورة بآثار إحسانه فَالنَّاس يصلونَ إِلَى إحسانه قبل الْوُصُول إِلَيْهِ
18 - الْغَرِيب السرادق مَا كَانَ حول الشَّيْء يمنعهُ وَيمْنَع مَا فِيهِ والسرادق الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق قَالَ رؤبة بن العجاج
(3/254)

(يَا حَكمَ بنِ المُنْذِرِ بن الجارُودْ ... سُرادقُ المْجدِ علَيْك ممْدُود)
والأزمة جمع زِمَام والذوامل السائرات سير الذميل وَهُوَ الْمُرْتَفع عَن الْعُنُق وَمثله الرسيم الْمَعْنى يَقُول رُؤْيَته محجوبة بسرادق من هيبته قَالَ الواحدي أَي الطّرق إِلَيْهِ محجوبة وَالْبَيْت يدل على أَنه يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهِ لهيبته وان هيبته ترد عَنهُ الْمطِي الذوامل إِلَيْهِ وَهَذَا إِلَى الهجاء أقرب مِنْهُ إِلَى الْمَدْح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ على الطّرق إِلَيْهِ سرادقا يمْنَع من الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره وَالنَّاس أبدا ينحون نَحوه وَقَالَ ابْن فورجة أَلا يعلم أَبُو الْفَتْح أَن الهيبة تثنى الزائر عَن الألتقاء بِهِ وَلَا تثنى زائر غَيره إِلَيْهِ وَمَا قيل فِي هَذَا الْبَيْت يدل على هَذَا يَقُول رُؤْيَته محجوبة بالهيبة الَّتِي لَو أَن مطيا ذملت فِي سَيرهَا واعترضتها هَذِه الهيبة لَا نثنت وَعدلت وَلم تقدم إشفاقا من الْإِقْدَام واستعظاما للهجوم
19 - الْغَرِيب الشَّمَائِل جمع شمال وَهِي الْخَلَائق الْمَعْنى يَقُول فِيهِ إضاءة الشَّمْس ومنفعتها وبهاؤها وَعُمُوم الرِّيَاح وتصرفها وجود السَّحَاب وَهُوَ السخاء وإقدام الْأسود وَالْمعْنَى يُرِيد عُمُوم نَفعه
20 - الْإِعْرَاب يُرِيد من العقيان وَكَذَا من الْحَيَاة وَمن الْمَمَات فَحذف النُّون لسكون وَسُكُون اللَّام الْغَرِيب العقيان الذَّهَب والمناهل المشارب الْمَعْنى يَقُول كَانَ النَّاس يردون مِنْهُ على هَذِه الْأَشْيَاء كَمَا يردون المناهل وَقَوله من الْحَيَاة أَي لأوليائه وَمن الْمَمَات أَي لأعدائه وَقد زَاد على بَيت أبي تَمام
(نَرمِي بِأشباحنِا إِلَى مَلِكٍ ... نَأْخُذُ مِنْ مالِهِ وَمِنْ أدَبِهِ)
لِأَنَّهُ ذكر الْمَوْت والحياة
21 - الْغَرِيب لجب أصوات الْوُفُود وهم الَّذين يفدون عَلَيْهِ يطْلبُونَ الْعَطاء وَيُقَال حوله وحواليه وحواله وحوليه والناهل الشَّارِب الأول دون العال الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم تخف القطا أصوات الْوُفُود لسرت إِلَيْهِ لتشرب مِنْهُ وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَن القطا يرَاهُ مَاء معينا فيهم يوروده ويشفق من لجب الْوُفُود على عَادَة الطير
(3/255)

قَالَ الواحدي لعُمُوم نَفعه تهم الطير بالوفود عَلَيْهِ لتنقع غَلَّتهَا وَلَيْسَ هُوَ مَاء يشرب أَو يرَاهُ الطير كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ
22 - الْإِعْرَاب أَرَادَ قبل أَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَمَّا حذف حرف النصب رد الْفِعْل إِلَى الرّفْع الْمَعْنى يَقُول هُوَ لذكائه يدْرِي مَا تطلب قبل أَن تظهره لَهُ وَمن حِدة ذهنه يجب قبل أَن تسائل
23 - الْغَرِيب حَار يحور حورا وحئورا إِذا رَجَعَ الْمَعْنى ترَاهُ أحداقنا إِذا اعْترض وَتَوَلَّى وَإِذا واجهته ترجع متحيرة وَلم تسوف النّظر إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ترَاهُ فِي جال اعتراضه وتوليه لانحرافه عَنْهَا يَعْنِي أَن الْأَبْصَار إِذا قابلته حارت لنوره فَلم تره
24 - الْغَرِيب قضب جمع قاضب فواصل تفصل كَمَا يفصل بَين الْخُصُوم والمفاصل جمع مفصل الْمَعْنى يَقُول كَلِمَاته سيوف فواصل أَيْنَمَا أَصَابَت فصلت كالسيوف الَّتِي تقضب المفاصل يُرِيد أَنَّهَا تفصل بَين الْخُصُوم فِي الْأَحْكَام كَمَا تفصل السيوف إِذا ضربت على المفاصل
25 - الْمَعْنى يُرِيد أَن مكارمه هزمت مَكَارِم النَّاس فَكَأَن المكارم قبائل غلبت قبائل يُرِيد أَن مكارمه كَثِيرَة تغلب مَكَارِم النَّاس كلهَا
26 - الْغَرِيب دفر والدهيم اسمان من أَسمَاء الداهية والدفر النن وَسميت الداهية بِهِ لخبثها وَيُقَال للدنيا أم دفر لخبثها وأصل الدهيم أَن نَاقَة كَانَ أسمها الدهيم حملت رُؤُوس قوم فَقَالُوا أثقل من حمل الدهيم فَصَارَت مثلا وَكَانَت الدهيم لعَمْرو بن ربان وَكَانَ لَهُ جمَاعَة بَنِينَ فَقتلُوا وحملت رؤوسهم على الدهيم وخليت فَذَهَبت إِلَى بَيت أَبِيهِم عَمْرو فرأت النَّاقة أمة لَهُ وفوقها الرؤوس وَهِي لَا تعلم مَا هِيَ فَقَالَت لقد جنى بنوك اللَّيْلَة بيض النعام فَضربت الْعَرَب بهَا الْمثل وَتقول أم الدهيم وَالْعرب تَقول صحبتهم الدهيم وهابل ثاكل وهبلت الْمَرْأَة وَلَدهَا ثكلته فَهِيَ هابل والهبل الثكل وَقيل سميت الدُّنْيَا أم دفر لأجل رِيحهَا فَتكون من كَرَاهَة الرَّائِحَة يُرِيدُونَ أَنَّهَا خبيثة وَيجوز أَن يكون من الدّفع من دفرت أَي تدفع النَّاس فتخرجهم مِنْهَا
(3/256)

الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ فَمَا تريان فاكتفي بضمير الْوَاحِد من الِاثْنَيْنِ وَقَالَ صدر الْبَيْت يتم بِهِ الْكَلَام وَأم الدهيم ابْتِدَاء وهابل خير لأم دفر وَأم الدهيم وَتَقْدِيره أم الدهيم هابل وَأم دفر كَذَلِك وَيجوز أَن يكون اكْتفى بضمير الْوَاحِد كَمَا قَالَ الآخر
(لِمَنْ زُحْلُوفَةٌ زَلُّ ... بِها العَينْان تَنْهلُّ)
وَلم يقل تنهلان لاكتفائه بِأحد الضميرين دون الآخر وَقَول الْخَطِيب أوجه من قَول أبي الْفَتْح أَن يكون النّصْف الثَّانِي مُتَعَلقا بالاول وَأم الدهيم مَرْفُوع مَا لم يسم فَاعله وَالْوَاو فِي وَأم دفر وَاو عطف عطف جملَة على جملَة وَأم دفر مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ وَالْمعْنَى فَمَا ترى أم الدهيم يَعْنِي أَنَّهَا نفدت وَلَيْسَت ترى وَأم دفر هابل وَقد استغنينا عَن تكلفه فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مكارمه أفنت وأذهبت الْأُمُور الشدائد والدواهي حَتَّى نفدت فَكَأَن أمهَا صَارَت ثاكلة فَلَا تعرف الخطوب لِأَن مكارمه أعدمتها وانفدتها
27 - الْغَرِيب اللج مُعظم المَاء والساحل المرسى الَّذِي يرسى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعلم النَّاس وَالْعُلَمَاء وَهُوَ فِي جوده لج لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى وكل لج لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى
28 - الْغَرِيب القوابل جمع قَابِلَة وَهِي الَّتِي تشارف الْمَرْأَة عِنْد الْولادَة الْمَعْنى لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا الممدوح لولد النِّسَاء وَلَا قوابل لَهُنَّ يشاهدنهن يَعْنِي لِأَنَّهُ أَرَادَ مثل مولده فِي الطّيب وَالطَّهَارَة وَلِهَذَا نصب مثله يُرِيد لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا
29 - الْإِعْرَاب أَرَادَ أذكر أم أُنْثَى فَحذف همزَة الإستفهام لدلَالَة أم عَلَيْهَا كَقَوْل عمر بن أبي ربيعَة
(فَوَ اللهِ مَا أدرِي وَإنْ كُنْتُ دارِيا ... بسَبْعٍ رَمَينَ الجَمْر أمْ بثمانِ)
الْغَرِيب الْجَنِين الْوَلَد إِذا كَانَ فِي الْبَطن وَالْجمع أجنة قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم} الْمَعْنى يَقُول لَو بَان الْجَنِين بَيَانه بِالْكَرمِ لعرف الذّكر من الْأُنْثَى وَالْمعْنَى لما بَان كرمه حِين كَانَ جَنِينا ظَاهر الْكَرم عرف أَنه مَوْلُود كريم فَلَو بَان حَال الْجَنِين تبيان كرمه لعرف الذّكر من الْأُنْثَى
(3/257)

- الْإِعْرَاب يَقُول زَاد الشَّيْء وزدته أَنا قَالَ الله تَعَالَى {وزدناهم هدى} وَأَرَادَ لِيَزْدَادَ الْغَرِيب المشاعل جمع مشعل وَهُوَ مَا يضرم فِيهِ النَّار ليهتدي بِهِ فِي الْأَسْفَار وَغَيرهَا الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَأْمُرهُم بِأَن يزدادوا تواضعا فَإِن فضائلهم لَا تكْتم بالتواضع وَضرب بذلك مثلا بكتمان المشاعل فِي الظلام فَإِنَّهَا لَا تخفى وَمَتى كَانَ الظلام أَشد كَانَت أظهر كَذَلِك مَتى كَانَ تواضعهم أَكثر كَانَت فضائلهم اكثر وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ لهَذَا الممدوح نسب فِي ولد الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام فامرهم بالتواضع لأَنهم كلما ازدادوا فِي التَّوَاضُع ظهر شرفهم وَإِن أخفوا نسبهم لَا ينكتم كَمَا ان المشاعل لَا تنكتم فِي الظلام
31 - الْغَرِيب سفد بِالْكَسْرِ يسفد سفادا وَهُوَ نزو الذّكر على الْأُنْثَى يُقَال ذَلِك فِي التيس وَالْبَعِير والثور وَالطير وَالسِّبَاع وَحكى أَبُو عُبَيْدَة سفد بِالْفَتْح وأسفده غَيره والرباب غيم يتَعَلَّق بأسافل السَّحَاب إِذا كثر مَاءَهُ الْمَعْنى يَقُول هم يكتمون معروفهم كَمَا يكتم الْغُرَاب سفاده ثمَّ ذَلِك لَا يكتم كَمَا لَا يخفي السَّحَاب الهاطل
32 - الْغَرِيب الجفخ الْفَخر جفخ تكبر وفخر مثل جخف وجمح فَهُوَ جفاخ وحماح وَذُو جفخ والشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة والعلامة والأغر الْأَبْيَض الْوَاضِح الْمَعْنى هَذَا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير تَقْدِيره جفخت بهم شيم وفخرت وهم لَا يفخرون بهَا وشيمهم دَلَائِل على حسبهم الظَّاهِر وَهُوَ مَا يعد من مآثر الْآبَاء وَقَالَ ابْن وَكِيع فِي معنى الْبَيْت الاول وَهَذَا من قَول حبيب
(أرَادُوا لِيُخْفُوا قَبرَهُ عَنْ عَدُوّه ... وَطِيبُ تُرابِ القَبرِ دَلّ عَلى القَبرِ)

33 - الْغَرِيب يُقَال عف وعفيف والحلاحل السَّيِّد الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هم ورعون يشبه ورعهم ورع بعض وشا بهم عفيف الْإِزَار كِنَايَة عَن ترك الزِّنَا وعف مثل طب وعفيف مثل طَبِيب وَالْمعْنَى أَنهم أهل ورع كبارهم وصغارهم عفيفون
(3/258)

- الْمَعْنى يُرِيد يَا هَذَا افخر فَحذف المنادى كَقِرَاءَة عَليّ بن حَمْزَة أَلا يسجدوا لله الَّذِي يخرج الخبء وَيجوز أَن يكون جعله تَنْبِيها بِمَنْزِلَة أَلا كَقَوْل ذِي الرمة
(أَلا يَا اسْلمَى يَا دَارَ مَيَّ على البِلَي ... وَلَا زَالَ مُنهَلاً يَجَزْعائِكِ القْطرُ)
وَمثله فِي الشّعْر كثير الْمَعْنى يَقُول النَّاس فِيك ثَلَاثَة أَقسَام إِمَّا مستعظم يستعظمك لما يرى من عظمتك أَو حَاسِدًا يحسدك على فضلك أَو جَاهِل يجهل قدرك
35 - الْمَعْنى يَقُول شرفك وعلو قدرك قد ظهر وعرفه النَّاس فَلَا تبالي بذم الْحَاسِد فَإِنَّهُ لَا يزيدك علوا وَلَا ينْقصك من قدرك وَلَا بِحَمْد الحامد فَإِنَّهُ لَا يزيدك شرفا وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الْخَطِيب
(وَمَا زِلْتَ تُعْطِي النَّفْسَ حَتَّى تجاوَزَتْ ... مُناها فأعْطِ الْآن إنْ شِئْتَ أوْدَعِ)

36 - الْمَعْنى يَقُول إمساكك عَن إسكاتي نائل مِنْك عِنْدِي بعد مَا عرفت تقصيري
37 - الغربي الهزبر الْأسد والباسل الشَّديد الْمَعْنى يَقُول من هيبتك ومعرفتك وانتقادك الشّعْر جيده من رديئه لَا يهجم أحد من الشُّعَرَاء الفصحاء على الإنشاد بَين يَديك وَلَكِنِّي لجودة شعري أجسر على الْإِنْشَاء بَين يَديك قَالَ الواحدي أَجود مَا قبل فِي هَذَا قَول أبي نصر بن نباتة
(ويْلمَّها عِنْد السُّرادِقِ هَيْبّةً ... لَوْ سالمَتْ قَصب العِظامِ خَصائلِي)

(نَفَضَتْ عَلىَّ مِنَ الْقُبوَلِ محبَّةً ... قامَتْ بِضبْعِي فِي المَقامِ الهَائِلِ)
38 - الْغَرِيب بابل مَوضِع بالعراق بَين الْكُوفَة وبغداد وَإِلَيْهِ ينْسب السحر وَفِيه كَانَ نزُول الْملكَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الله تبَارك وَتَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة الْمَعْنى يَقُول مَا نَالَ شعراء الْجَاهِلِيَّة شعري كامرئ الْقَيْس وَزُهَيْر وطرفة
(3/259)

ولبيد وَغَيرهم وَلَا سمع أهل بابل بسحري يصف نَفسه بالفصاحة
39 - الْمَعْنى يَقُول مذمة النَّاقِص دلَالَة على كمالي وفضلي وَذَلِكَ لِأَن النَّاقِص أبدا ضد الْفَاضِل وَبَينهمَا تبَاين وأصل هَذَا الْمَعْنى من قَول الطرماح
(لَقَدْ زَادَني حُباً لِنَفْسِي أنَّنِي ... بّغَضٌ إِلَى كُلّ امْرِئ غير طائلِ)
وَإِنِّي شَقّيِ باللَّئامِ وَلا تَرَى ... شَقِياً بِهِمْ إلاَّ كَرِيمَ الشَّمائِلِ)
وأخذوه مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ
(مَا ضَرَّنِي حَسَدُ اللَّئام وَلمْ يَزَلْ ... ذُو الفَضْلِ يَحْسدُهُ ذَوُو التَّقْصِير)
وَأَخذه ابو تَمام فَقَالَ
(لَقَدْ آسَفَ الأعْداءَ فَضْلُ ابنِ يوسفٍ ... وّذُو النَّقْصِ فِي الدُّنيا بِذِي الْفضل مولَعُ)
وَأَخذه ابْن الْمعز فَقَالَ
(مَا عابَني إلاَّ الحَسُودُ ... وَتِلكَ مِن إحْدى المناقِبْ)
فَأتى أَبُو الطّيب فِي الْمَعْنى بِلَفْظ مُخَالف للفظ مَرْوَان وأتى أَبُو تَمام بِالْمَعْنَى فِي جُزْء من لفظ مَرْوَان وتممه بِلَفْظ من عِنْده وأتى ابْن المعتز بِالْمَعْنَى فِي لفظ سوى لفظيهما
40 - الْغَرِيب بِأَقَلّ رجل يُوصف بالعي من الْعَرَب يضْرب بِهِ الْمثل وَذَلِكَ أَنه اشْترى ظَبْيًا بِأحد عشر درهما فَمر بِقوم فَقيل لَهُ بكم اشْتَرَيْته فعيي عَن الْجَواب فَفتح يَدَيْهِ وَفرق أصابعهما وَأخرج لِسَانه يُرِيد أحد عشر درهما فَأَفلَت الظبي فَصَارَ مثلا فِي العي قَالَ حميد الأرقط يهجو ضيفا
(أَتَانَا وَما دَاناهُ سَحْبانُ وَائلٍ ... بَيانا وَعلْما بالذِّي هُوَ قائِلُ)

(فَما زَالَ عَنْهُ اللَّقْمُ حَتى كأنَّهُ ... مِنَ العيّ لِّما أنْ تَكَلَّمَ باقِلُ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بَاقِل لم يُؤْت من سؤ حسابه وَإِنَّمَا أَتَى من سؤ عِبَارَته وَلَو قَالَ أَن يفحم الخطباء فيهم بَاقِل أَو نَحْو هَذَا لَكَانَ أسوغ قَالَ الواحدي وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِن باقلا كَمَا أَتَى من الْبَيَان أَتَى من الْحساب فَإِنَّهُ لَو بنى من سبابته وإبهامه دَائِرَة وَمن خِنْصره عقدَة لم يفلت مِنْهُ الظبي فصح قَول أبي الطّيب فِي نسبته إِلَى جهل الْحساب وَمعنى الْبَيْت يَقُول من يكفل لي بفهم أهل عصر يدعونَ أَن باقلا كَانَ يعلم حِسَاب الْهِنْد مَعَ سؤ علمه بِالْحِسَابِ يُرِيد أَنهم جهال لَا يعْرفُونَ الْجَاهِل من الْعَالم وَلَا النَّاقِص من الْفَاضِل وَصغر الْأَهْل تحقيرا لَهُم
(3/260)

- الْغَرِيب مقسم بِكَسْر السِّين الْحلف وَبِفَتْحِهَا الْقسم الْمَعْنى يَقُول لَهُ وَيقسم إِنَّك الْحق وَمَا سواك بَاطِل
42 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح بِنصب المَاء وَهِي روايتنا وَتَقْدِيره أَنْت إِذا اغْتَسَلت الْغَاسِل المَاء إِلَّا ان انتصابه على هَذَا لَيْسَ على الْغَاسِل لِأَن الصِّلَة لَا تعْمل فِيمَا قبل الْمَوْصُول كَمَا لَا يجوز زيدا أَنْت الضَّارِب وَلكنه مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْغَاسِل أَي وتغسل المَاء إِذا اغْتَسَلت وَصَارَ قَوْله أَنْت إِذا اغْتَسَلت بَدَلا مِنْهُ ودالا عَلَيْهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى {إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى} لِأَنَّهُ نَصبه بالرجع فَهُوَ من صلته وَلَا يفصل بَين الصِّلَة والموصول بالْخبر وَإِذا لم يُمكن حمله فِي الْإِعْرَاب عَلَيْهِ وَكَانَ الْمَعْنى مَعَ ذَلِك يَقْتَضِيهِ أضمر لَهُ فعل ينصبه دلّ عَلَيْهِ الرجع تَقْدِيره يرجعه يَوْم تبلى السرائر يقدر بعد الْخَبَر وروى غير أبي الْفَتْح بِرَفْع المَاء عطفا على الطّيب وَقَالَ أَنْت مُبْتَدأ والغاسل خَبره وَالتَّقْدِير الغاسله بِإِرَادَة الْهَاء إِذا اغْتَسَلت وإعراب الْبَيْت الطّيب مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان وطيبه خبر أَنْت وَتَقْدِيره الطّيب أَنْت طيبه إِذا أَصَابَك وَالْمَاء وَأَنت الغاسله إِذا اغْتَسَلت الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك أطيب من الطّيب وأطهر من المَاء إِذا اغْتَسَلت وَهُوَ من قَول ابْن الجويرية
(تَزِينُ الحَلْىَ إنْ لَبِسَتْ سُلَيْمي ... وَتحْسُنُ حِينَ تَلْبَسُها الثِّيابُ)
وكقول الآخر
(وَإذا الدُّرُّ زَانَ حُسْنَ وُجُهٍ ... كانَ لِلدُّرّ حُسْنُ وَجْهكِ زَيْنا)

(وَتَزِيدينَ أطْيَبَ الطيبِ طِيبا ... أنْ تَمَسَّيهِ أينَ مِثْلُكَ أيْنا)

43 - الْإِعْرَاب النثا بِتَقْدِيم النُّون هُوَ الْخَبَر وَهُوَ مَقْصُور قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ يسْتَعْمل فِي الْمَدْح والذ والممدوح فِي الْمَدْح لَا غير ونشوت الْخَبَر أظهرته ونشوا الشَّيْء أظهروه الْمَعْنى يَقُول مَا تكلم وَلَا كتب بِأَحْسَن من أخبارك وَهَذَا غَايَة الْمَدْح
(3/261)

- 1 الْمَعْنى يُرِيد أَنكُمْ موتى بجهلكم قبل مفارقتكم الدُّنْيَا وَإِن كُنْتُم أَحيَاء وَلَا قدر لكم وَلَا زنة فلخفة أحلامكم وَقلة قدركم وعددكم يجركم النَّمْل وَالسَّفِيه الْخَفِيف الْعقل يُوصف بخفة الْوَزْن كَمَا أَن الْحَلِيم الرزين يُوصف بثقل الْوَزْن بالجبال وَشبههَا
2 - الْإِعْرَاب نصب وليد وليداً لِأَنَّهُ نِدَاء مُضَاف الْغَرِيب تَصْغِير ولد وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنى الْجَمَاعَة وَالْولد يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ} الْآيَة وَلِهَذَا اخْتلف الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم {مَالا وَولدا للرحمن ان يتَّخذ ولدا} 6 وَفِي الزخرف {ولدا} فقرأهن حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم الْوَاو على الْجمع وقرا الْبَاقُونَ بِفَتْح الْوَاو وَالْمعْنَى وَاحِد وَاخْتلفُوا فِي سُورَة نوح فِي قَوْله تَعَالَى {مَاله وَولده} فَقَرَأَ بِضَم الْوَاو ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْح الْوَاو وَالْولد جمع ولد كأسد وَأسد ووثن ووثن الْمَعْنى يَقُول يَا وليد أبي الطّيب الْكَلْب وَهُوَ صفة لَهُ كَيفَ فطنتم إِلَى دَعْوَى وَهُوَ الإدعاء فِي النّسَب إِلَى نسب لَسْتُم من ذَلِك النّسَب وَأَنْتُم لَا عقل لكم تفطنون بِهِ فَكيف فطنتم إِلَى الادعاء
3 - الْإِعْرَاب رفع أصلا لِأَنَّهُ جعل لَا بِمَعْنى لَيْسَ كبيت الْكتاب قَول سعد بن مَالك
(مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها ... فَأنا ابنُ قَيسِ لَا بَراحُ)
الْغَرِيب المنجنيق يذكر وَيُؤَنث وتفتح قيمها وتكسر وَهِي معربة وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ من جينيك أَي مَا اجودني قَالَ زفر بن الْحَارِث
(لَقَدْ تَركَتَنْي مَنْجَنَيقُ ابنُ بَحْدلِ ... أحِيدُ مِنْ العُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ)
قَالَ الْفراء من النَّاس من يقدرها مفعليل لقَولهم كُنَّا نجتق مرّة ونرشق أُخْرَى وَالْجمع منجنيقات وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هِيَ فنعليل الْمِيم من نفس الْكَلِمَة لقَولهم فِي الْجمع مجانيق وَفِي التصغير منجنيق وَلِأَنَّهَا لَو كَانَت زَائِدَة وَالنُّون زَائِدَة لاجتمعت زائدتان فِي أول الِاسْم وَهَذَا لَا يكون فِي الْأَسْمَاء وَلَا الصِّفَات الَّتِي لَيست على الْأَفْعَال المزيدة وَلَو جعلت النُّون من نفس الْكَلِمَة صَار الِاسْم رباعيا والزيادات لَا تلْحق بَيِّنَات لأربعة أَولا إِلَّا الْأَسْمَاء الْجَارِيَة على أفعالها نَحْو مدحرج الْمَعْنى لَو ضربتكم منجنيقي يُرِيد هجاءه أَي لَو ضربتكم بهجائي وأصلكم قوي لكسرتكم وأهلكتكم فَكيف تَكُونُونَ وَلَا أصل لكم مَعْرُوف
4 - الْمَعْنى يَقُول لَو أَنكُمْ تعقلون وتفهمون لما كُنْتُم تنتسبون إِلَى من يعرف أَنه لَا نسل لَهُ وَلَا عقب فقد ظَهرت دعواكم بِهَذَا الانتساب وَإِنَّكُمْ كَذبْتُمْ فِيمَا ادعيتم وَهُوَ يهجو قوما يَزْعمُونَ انهم شرفاء
(3/262)

- 1 الْمَعْنى يَقُول أَنْت اكرم النَّاس فِي كل مَا تفعل وافصحهم فِي كل مَا تَقول لِأَنَّك أفضلهم
2 - الْغَرِيب قلت بِمَعْنى أَشرت يُقَال قَالَ بكمه أَي أَشَارَ وَقَالَ بِرَأْسِهِ نعم أَي أَشَارَ والنوال الْعَطاء الْمَعْنى إِن أَشرت إِلَى بالبخور وَهِي الرَّائِحَة الطّيبَة تسوقها إِلَى فَهَكَذَا تفعل فِي الْعَطاء لي والبخور بِفَتْح الْبَاء لَا غير والعامة تضمها وَهُوَ خطأ وَفِي جمعه أبخرة كَمَا يُقَال فِي جمع البخار أبخرة فهما يَجْتَمِعَانِ فِي الْجمع ويفترقان فِي الْإِفْرَاد
212

- 1 الْغَرِيب الْحزن الأَرْض الصعبة الوعرة والسهول جمع سهل وَهِي الأَرْض الطّيبَة اللينة يجوب بِقطع الأَرْض الْمَعْنى يَقُول أَتَانِي وعيده من مَسَافَة بعيدَة بَيْننَا
2 - الْغَرِيب صفراء أسم أمة وَقَالَ ابْن فورجة صفراء كِنَايَة عَن الأست وَالْعرب تنْسب الرجل إِلَى الأست الْمَعْنى هُوَ على الْبعد يوعدني وَلَو كَانَ بيني وَبَينه قدر رُمْحِي لَكَانَ مَا بَيْننَا طَويلا لانه لَا يتَمَكَّن من الْوُصُول إِلَى لجبنه وَلَا يقدر على الْإِقْدَام عَليّ
3 - الْمَعْنى يَقُول إِسْحَاق بن كيغلغ مَأْمُون على من أهانه وَلكنه يتسلى بالبكاء عَن إهانة من أهانه وَلَا يأوى فِي الْحَرْب لنا إِلَى غير الْبكاء فَهُوَ لم يزل يتسلى بالبكاء
4 - الْمَعْنى يَقُول الْجَمِيل يصلح أَن يجمل ويصان وَعرضه لَيْسَ بجميل فَلَا يحسن أَن يجمل
213

- 1 الْمَعْنى يَقُول إِن قَالَ إِنَّه ذل بالهجاء لقد كذب بل كَانَ من قبل هجائي لَهُ ذليلا حَقِيرًا الْغَرِيب الرّبع الْمنزل صيفا وشتاء والطلل مَا شخص من آثَار الديار والحي الْجَمَاعَة النازلون والراحلون وَحسب مستقبله يجوز الْكسر وَالْفَتْح فِي سينه وَالْأَفْعَال السالمة الَّتِي جَاءَت فِي الْمَاضِي بِكَسْر الْعين تكون فِي الْمُسْتَقْبل بِالْفَتْح نَحْو علم يعلم إِلَّا أَرْبَعَة أَفعَال فَإِنَّهَا جَاءَت نَوَادِر مثل حسب يحْسب ويبس ييبس ويئس ييئس وَنعم ينعم فَإِنَّهَا جَاءَت من السَّالِم بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَجَاء من المعتل الْمَاضِي والمستقبل بِالْكَسْرِ ومق يمق ووفق يفق ووثق يَثِق وورع يرع وورم يرم وَورث يَرث وروى الزنديري وَولى يَلِي وَحسب يحْسب بِالْفَتْح لُغَة فصيحة وَبهَا قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة كل فعل مُسْتَقْبل فِي الْقُرْآن الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبوا ربعكم أول قَتِيل قَتله فراقكم فَإِنَّكُم قد قتلتم نفوسا كَثِيرَة وأطلالا كَثِيرَة إِذْ رحلتم عَنْهَا وخلت مِنْكُم فَجعل رحليهم عَن الرّبع موتا لَهُ لِأَنَّهُ زَالَ جماله عَنهُ بزوالهم والأمكنة إِنَّمَا حَيَاتهَا بالعمارة فَإِذا خلت من الْعِمَارَة فَهِيَ ميتَة
(3/263)

وَلِهَذَا قيل من أَحْيَا مواتا يُرِيد أَرضًا خرابا فعمرها وسمى الداثر الخراب مواتا فَلَقَد أحسن أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْمَعْنى بِذكرِهِ قتل الرّبع بالخلو عَنهُ
2 - الْغَرِيب العذلة جمع عاذل وعذول الْمَعْنى يَقُول قبل قتلكم الرّبع أتلفتم نفوس العشاق بالبعد والهجر وَأكْثر العاذلون العذل فِي هواكم لما رَأَوْا من التهالك فِيكُم
3 - الْغَرِيب الصرم الْجَمَاعَة من الْبيُوت بِمن فِيهَا وَجمعه اصرام والصرمة بِالْهَاءِ الْقطعَة من الْإِبِل ومروج إبِله من المرعى الْمَعْنى يَقُول ربعهم قد خلا مِنْهُم وَإِن كَانَ قد حلّه نَاس بعدهمْ فَهُوَ موحش خَال لارتحال الْأَحِبَّة عَنهُ فَهُوَ خَال فِي حق الْمُحب وموحش لَهُ وَإِن كَانَ فِيهِ جمَاعَة من النَّاس تروج عَلَيْهِم الْإِبِل فَكَأَنَّهُ قفر لَا أحد فِيهِ
4 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي برجه للحبيب تَقْدِيره لَو سَار الحبيب عَن برج من بروج السَّمَاء لم يرض برجه الشَّمْس تحله بَدَلا مِنْهُ ورضى بِمَعْنى أخْتَار وَأحب فَلذَلِك عداهُ بِغَيْر حرف الْجَرّ الْمَعْنى يَقُول هَذَا الحبيب بجماله لَو سَار عَن فلك لما اخْتَار الشَّمْس عوضا عَنهُ لانه لَا يقوم فِي الْمنزل مقَامه غَيره
5 - الْإِعْرَاب والهوى يجوز ان يكون فِي مَوضِع نصب عطفا على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله أحبه وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع خفض على الْقسم كَقَوْل الآخر
(أما وَالهَوَىَ النَّجْدِيُّ أعْظَمَ حِلْفَةٍ ... )
وآدؤره عطف على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي أحبه وَهِي جمع دَار وأختار الْمَازِني الْهمزَة لأجل ضمة الْوَاو الْغَرِيب الصباية رقة الشوق والوله ذهَاب الْعقل الْمَعْنى يَقُول أَنه أحبه يَعْنِي الحبيب الراحل عَن الرّبع وَأحب دوره وَالْحب هُوَ رقة شوق وَذَهَاب عقل
(3/265)

- الْغَرِيب أَرض منصورة إِذا أَصَابَهَا الْمَطَر قَالَ كثير
(نَصَرَ الغَيْثُ مُنْتأَى أُمّ عَمْرِو ... )
وَأنْشد الْفراء
(مَنْ كانَ أخْطأَهُ الرَّبِيعُ فإنَّما ... نُصرَ الحِجازُ بِغَيْثِ عَبْدِ الوَاحِدِ)
والهطل والهطال والهاطل وَاحِد وَهُوَ الْكثير السكب الْمَعْنى يَقُول السحب تسقيها وَهِي عَطْشَانَة إِلَى الحبيب الَّذِي سَار عَنْهَا فعطشها إِلَى غير الْمَطَر وَهُوَ الحبيب الَّذِي كَانَ يحلهَا
7 - الْإِعْرَاب نصب مُقِيمَة على الْحَال الْغَرِيب الجداية بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا ولد الظبي وَالْحَرب الْهَلَاك فَإِذا وَقع الرجل فِي الْهَلَاك قَالَ واحربا الْمَعْنى يَقُول واحربا مِنْك يَا ظَبْيَة هَذِه الدَّار أَقمت أَو رحلت فرحيلك حَائِل بيني وَبَيْنك وَإِذا أَقمت منعت من الْوُصُول إِلَيْك فمقامك كرحيلك فَأَنت تهجرين عِنْد الْإِقَامَة وتفارقين عِنْد الرحيل فقربك وبعدك سيان
8 - الْإِعْرَاب الضَّمِير للأدؤر فِي الْبَيْت الثَّالِث قبل هَذَا الْغَرِيب العبير يُقَال للزعفران وَقيل أخلاط تجمع من الطّيب والتفلة المتغيرة الرّيح وَامْرَأَة متفال وَهِي ضد العطرة الْمَعْنى يَقُول لم تطب الدّور إِلَّا بالمحبوب فَإِذا خلت مِنْهُ وَلَو خلطت بأصناف الطّيب كَانَت عِنْدِي كريهة الرّيح لبعده عَنْهَا وَإِنَّمَا تطيب إِذا كَانَ الحبيب بهَا والسجن مَعَ الحبيب طيب
(سَمُّ الخِياطِ مَعَ الأحْبابِ مَيْدَانُ ... )

9 - الْغَرِيب بحثت عَن الشَّيْء وابتحثت عَنهُ أَي فتشت عَنهُ وَفِي الْمثل كالباحث عَن الشَّفْرَة والنجل الْوَلَد والنسل ونجله أَبوهُ وَيُقَال قبح الله ناجليه وَفرس ناجل إِذا كَانَ كريم النجل
(3/266)

الْمَعْنى يَقُول إِنَّه فَوق أبي الَّذِي يفتش عَن نسبه إِلَّا أَن صَنْعَة الشّعْر لإِقَامَة الْوَزْن ألجأته إِلَى هَذَا النّظم وَمثله فِي النّظم
(قالتْ مَن أنتِ على ذُكرٍ فقُلتُ لَهَا ... أَنا الَّتِي أنْتَ مِنْ أعْدائها زَعُموا)
وَالْمعْنَى أَنا فَوق قوم يفتشون عَن نسبي وَأَرَادَ بِبَعْضِه الْوَلَد لِأَن الْوَلَد بعض الْوَالِد
10 - الْغَرِيب نافرني فنفرته وأصل المنافرة أَن الرجلَيْن من الْعَرَب كَانَا يحتكمان فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى من عرف بالرياسة وَالْفضل والصدق فَيَقُولَانِ لَهُ أَي نفرينا أفضل فَإِذا فضل أَحدهمَا الآخر فالمغلوب منفور وَالْغَالِب نافر ونافره ينفره بِالضَّمِّ لَا غير قَالَ الْأَعْشَى يمدح عَامر بن الطُّفَيْل فِي منافرة عَلْقَمَة بن علاثة إِلَى هرم بن سِنَان المري
(بانَ الذِي فيهِ تَمارَيْتمُا ... وَاعْتَرَفَ المَنْفُورُ للِنَّافرِ)
وَقَوله أنفذوا أَي أفنوا والنفاد الفناء قَالَ الله تَعَالَى {لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ} الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا يذكر الأجداد والأباء للمفاخرين من غلبوه بالفخر وَلم يجد حِيلَة فافتخر بِالْآبَاءِ فَيحْتَاج إِلَى الْفَخر بجدوده من لَا فَخر لَهُ وَلَا فَضِيلَة فِي نَفسه فَيحْتَاج إِلَى فَضِيلَة آبَائِهِ وَقد كرر هَذَا الْمَعْنى أَنه يفخر بِنَفسِهِ لَا بقَوْمه لِأَن فَضله كَانَ مَشْهُورا وَلم يكن لَهُ شرف من قومه فَلهَذَا كرر هَذَا الْمَعْنى
11 - الْإِعْرَاب فخرا نَصبه على الْمصدر أَي أَفْخَر فخرا وَيجوز أَن يكون بإضمار فعلت من غير لَفظه وصرع فِي الْبَيْت وَقَالَ مشتمله والأجود لَو كَانَ قَالَ مُشْتَمِلًا بِهِ إِلَّا أَنه حذف حرف الْجَرّ كبيت الْكتاب
(أمَرْتُكَ الخْيرَ فافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... )
وَكَقَوْلِه تَعَالَى {وَاخْتَارَ مُوسَى قومه} أَي من قومه الْغَرِيب الْغَضَب السَّيْف والسمهري الرمْح والاشتمال أَن يتقلد السَّيْف فَتكون حمائله على مَنْكِبه كَالثَّوْبِ الَّذِي يشْتَمل بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَخذه فِي الشمَال لِأَن السَّيْف يُقَلّد من ناحيتها واعتقل الرمْح إِذا ضمه إِلَيْهِ وَرُبمَا جعله تَحت فَخذه وَهُوَ مَأْخُوذ من عقلت الشَّيْء إِذا حَبسته الْمَعْنى يَقُول سَيفي ورمحي بفخران بِي لَا أَفْخَر بهما وَالْفَخْر تحتي وفوقي فَكَأَنِّي مُرْتَد ومنتعل بِهِ وَقد بَينته فِيمَا بعده وَأَرَادَ أَنه منغمس فِي الْفَخر وَحده
(3/267)

- الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفَخر يفخر بِهِ حَيْثُ صَار فَوْقه وَتَحْته فَصَارَ رِدَاء على مَنْكِبه ونعلا فِي رجله
13 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه بَين الله لَهُ مقادير النَّاس فِي الْفضل فَهُوَ يصف كل أحد بِمَا فِيهِ قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى فِي بَيَان الأقدار لَهُ أَن من أحسن إِلَيْهِ وأكرمه دلّ على مروءته وميله إِلَى ذَوي الْفضل وَمن استخفه وَلم يبال بِهِ دلّ ذَلِك على خبثه وخسة قدره ولؤمه كَمَا قَالَ البحتري
(وَإنَّ مُقامِي حَيْثُ خَيَّمْتَ مِحْنةٌ ... تَدْلُّ عَلى فَهْمِ الكِرامِ الأجاوِدِ)
وَيدل على صِحَة هَذَا الْمَعْنى قَوْله والمرء حَيْثُمَا جعله أَي حَيْثُ جعل نَفسه فَمن صان نَفسه وَرفع قدرهَا رفع النَّاس قدره وَمن تعرض للهوان هَين كَمَا قَالَ
(إذَا مَا أهانَ أمْرُؤٌ نَفْسَهُ ... فَلا أكْرَمَ اللهُ مَنْ أكْرمَهْ)
وَيجوز أَن يكون والمرء حَيْثُمَا جعله الله أَي لَا يقدم أحد مَنْزِلَته الَّتِي وَضعه الله بهَا
14 - الْإِعْرَاب جَوْهَرَة يجوز أَن يكون بَدَلا من الَّذِي بعد تَمام صلته وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي أَنا جَوْهَرَة الْغَرِيب الغصة مَا يغص بِهِ الْإِنْسَان فَلَا يسيغه والسفلة جمع سافل وَهُوَ الدنيء من النَّاس ككاتب وكتبة والسفلة السقاط الْمَعْنى يَقُول أَنا جَوْهَرَة يفرح بِي كرام النَّاس لِأَنِّي أمدحهم بِمَا فيهم من الْفَضَائِل وَأَنا غُصَّة فِي حاوق اللئام لَا يقدرُونَ على إساغتي لِأَنِّي أَقُول فيهم مَا أذلّهم بِهِ عِنْد النَّاس
15 - الْغَرِيب الْكذَّاب مصدر كذب يُقَال كذبه كذبا وكذبا وكذبا وكذابا فَهُوَ كَاذِب وَكَذَّاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة وكذبذب مُخَفّفَة ومشددة قَالَ جريبة بن الأشيم
(فَإذا سمعْتَ بِأنَّنِي قَدْ بِعْتُها ... بِوِصَالِ غانيَة فَقُلْ كُذَّبْذُبُ)
وَالْكذب جمع كَاذِب مثل رَاكِع وَركع قَالَ أَبُو دَاوُد
(3/268)

(مَتى يَقُلْ تَنْفَعُ الأقْوَامَ قَوْلَتُهُ ... إِذا اضْمَحَلَّ حَدِيثُ الكُذَّبِ الوْلعهْ)
وَالْكذب جمع كذوب مثل صبور وصبر وَقَرَأَ الْحسن لَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب نعتا للألسنه وَقَوله وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا هُوَ أحد المصادر الْمُشَدّدَة لِأَن مصدره قد يَجِيء على التفعيل مثل التكليم وعَلى فعال مثل كَذَّاب وعَلى تفعلة مثل توصية وعَلى مفعل مثل ومزقناهم كل ممزق وَقد شدده الْقُرَّاء كلهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا الثَّانِي فَإِن الْكسَائي خففه الْمَعْنى يَقُول لقوم وشوا بِهِ إِلَى أبي العشائر ذَلِك الْكَذِب أَهْون عِنْدِي من رِوَايَة وناقله لَا أُبَالِي بِهِ وَلَا بِمن رَوَاهُ وَنَقله وأكاذيبه أقصد بِهِ على وَجه الْكَذِب
16 - الْغَرِيب المداجي السَّاتِر المخادع وَهُوَ مفاعل من الدجى وَهِي الظلمَة والفاني الْكَبِير السن الَّذِي أفنته الْأَيَّام ويروى وان أَي مقصر فِي أَمْرِي والتكلة الَّذِي يكل أمره إِلَى غَيره وَأَصله وكلة فقلبت الْوَاو تَاء وَأَصله الضَّعِيف وذمت امْرَأَة من الْعَرَب زَوجهَا فَقَالَت وكلة تكلة الْمَعْنى يَقُول لَا أُبَالِي وَلَا أدجى وَلَا أتوانى فِي أَمْرِي وَلَا أَضْعَف وَلَا أعجز عَن مُكَافَأَة من كفأني بِخَير أَو شَرّ وَلَا أَنا ضَعِيف أكل نَفسِي إِلَى غَيْرِي
17 - الْغَرِيب سفته ضَربته بِالسَّيْفِ واستاف الْقَوْم وتسايفوا إِذا تضاربوا بسيوفهم والمسيف الَّذِي مَعَه السَّيْف فَإِذا ضرب بِهِ فَهُوَ سائف سافه يسيفه فَهُوَ سائف والدارع لابس الدرْع واللقى الشَّيْء الْمَطْرُوح والعجلة من الاستعجال الَّذِي يكون من الضَّارِب والطاعن فِي الضَّرْب والطعن وَيجوز ان يكون بِمَعْنى الثكل من قَوْلهم نَاقَة عجول إِذا فقدت وَلَدهَا وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(إِذا مَا دَعا الدَّاعي علِياًّ وَجَدْتُنِي ... أُرَاعَ كَمَا رَاعَ العَجُولَ مُهِيبُ)
وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الطين قَالَ قطرب وثعلب خلق الْإِنْسَان من عجل أَي من طين الْمَعْنى يَقُول رب دارع ضَربته بِالسَّيْفِ فتركته مطروحا كالشيء الْملقى فِي وَقت التقائنا
18 - الْغَرِيب رعته أخفته ويحار يتحير والقافية القصيدة والمنقح الَّذِي يهذب القَوْل ويختاره والقولة الْجيد القَوْل رجل قؤول ومقوال وتقوالة إِذا أَجَاد القَوْل
(3/269)

الْمَعْنى يَقُول رب سامع أخفته بقافية من شعري يتحير من حسنها الْمُهَذّب أَلْفَاظه القؤل الفصيح فَلَا يدْرِي مَا يَقُول إِذا سَمعهَا
19 - الْإِعْرَاب روى الْخَوَارِزْمِيّ أشهد فَيكون على هَذِه الرِّوَايَة وَمَعِي وَهِي وَاو الْحَال فحذفها كَمَا تَقول مَرَرْت بزيد على يَده باز وَمن روى يشْهد فَهُوَ أحسن وأجود الْمَعْنى يَقُول هَذَا فِي رجل أوصله يعرف بالمسعودي إِلَى أبي العشائر فَصَارَ نديما لَهُ وَصَارَ يتَنَاوَلهُ عِنْد أبي العشائر وَيَقَع فِيهِ فَهَذَا كُله تَعْرِيض بِهِ
20 - هَذَا من قَول جميل
(إذَا مَا رَأوْني طالعِا مِنْ ثَنيِةٍ ... يَقُولُونَ مَنْ هَذَا وَقدْ عرفوني)

21 - الْإِعْرَاب يَقُول إِنَّمَا أفعل ذَلِك مستحيا فَهُوَ حَال الْعَامِل فِيهَا مُقَدّر الْغَرِيب حلله جمع حلَّة وأصل الْحلَّة أَن تكون ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أَقمت مَعَ الْأَعْدَاء فِي بلد لِأَنِّي أستحيي من أبي العشائر أَن ألبس خلعته فِي غير بَلَده وَفِيه نقص عَن مدح غَيره كَقَوْلِه
(إنَّ البِلادَ وَإنَّ العَالمِينَ لَكا ... )
لِأَنَّهُ جعل الْبِلَاد وَالنَّاس لذاك وَجعل لأبي العشائر أَرضًا محدودة
22 - الْغَرِيب الوجل الْخَائِف الْفَزع الْمَعْنى يَقُول ثِيَابه فزعة خائفة أَن يُعْطِيهَا جليسه فَهِيَ لَا تشْتَهي أَن تُفَارِقهُ لشرفها بِهِ
23 - الْغَرِيب السيب الْعَطاء والنائل الْعَطاء أَيْضا الْمَعْنى يَقُول هُوَ يهب معروفه وَمن يحملهُ من غلمانه فَيَقُول أول مَا حمله إِلَيْك من الْعَطاء الَّذين يحملونه وجعلهم محمولين وَإِن كَانُوا حاملين لأَنهم اشْتَمَلت عَلَيْهِم الْهِبَة مَعَ الْمَحْمُول فصاروا كَأَنَّهُمْ محمولون
24 - الْإِعْرَاب يُرِيد من الود فَحذف النُّون لسكونها وَسُكُون اللَّام وَمَا هَهُنَا بِمَعْنى التَّقْرِير والتوبيخ
(3/270)

الْمَعْنى يُعَاتب نَفسه ويوبخها يَقُول مَالِي لَا أمدح أَبَا العشائر الْحُسَيْن وَمَا لي لَا أبذل لَهُ من الود مثل الَّذِي بذل لي وَجعل يوده كالصديق تفخيما لنَفسِهِ
25 - الْغَرِيب يُقَال أمل خَيره يأمله أملا وَكَذَا التأميل أَي رجاه قَالَ الشَّاعِر
(أمَّلْتُ خَيرك يأتيِني مَواعِدَهُ ... فَالْآن قَصَّر عَنْ تِلْقائِك الأمَلُ)
وَقَالَ ذُو الرمة
(إذَا البَيْنُ أخْلى مِن شِتاءٍ عَن النَّوى ... أمَلْتُ إجْتمِاع الحّي فِي صيْف قابٍ لِ)
والكيذبان الْكذَّاب وَقد بَيناهُ قبل هَذَا وَيجوز أَن يكون الْعين الرَّقِيب وَأَنت على اللَّفْظ الْمَعْنى يَقُول أكذبتني عَيْني فِيمَا أدَّت إِلَى من محاسنة أم وجد الْكَاذِب فرْصَة فَغير مَا بَيْننَا وَإِن أَرَادَ الرَّقِيب فَالْمَعْنى هَل أخْفى الرَّقِيب خَبرا من أخباري فِي حبي لَهُ وميلي إِلَيْهِ وَهُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار يُرِيد لَيْسَ الْأَمر على هَذَا وَدلّ عَلَيْهِ قَوْله بعده أَلَيْسَ
26 - الْإِعْرَاب ضراب خبر لَيْسَ وَالِاسْم مُضْمر فِيهَا أَي أَلَيْسَ هُوَ الْغَرِيب الجمجمة الرَّأْس والمنخوة الَّتِي لَهَا نخوة نخا الرجل ينخو إِذا تكبر وأخذته النخوة وَلَا يُقَال نخوت زيدا إِنَّمَا يسند الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول دون الْفَاعِل والزعلة البطرة الأشرة والزعل النشاط والبطر وأزعلت الرجل أبطرته الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ أَبُو العشائر ضراب كل رَأس متكبر بطر فِي يَوْم الوغى
27 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد فَكَأَن الْجُود رَفِيقه لَا يُفَارِقهُ فَلَو قدر على النُّطْق لعذله على إسرافه
28 - الْغَرِيب الهول الْأَمر الْعَظِيم الشَّديد وَالْجمع أهوال وهزله أفناه الْمَعْنى يَقُول الهول لَا يفنيه وَإِن كثر ركُوبه إِيَّاه فقد تعود الْخَوْض فِي الْأَهْوَال
29 - الْإِعْرَاب المشرع نعت للمكلل والقنا فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع كَقَوْلِك مَرَرْت بِالرجلِ المكرم الْأَب وكقولك بِالرجلِ الْحسن الْوَجْه بِالرَّفْع والخفض والبصريون يقدرُونَ مَعَ الرّفْع لَهُ أَو مِنْهُ والكوفيون يقدرُونَ المكرم أَبوهُ وَالْحسن وَجهه وَيجوز النصب فِي الْأَب وَالْوَجْه على التَّشْبِيه
(3/271)

بالمفعول لانه معرفَة لَا يجوز حمله على التَّمْيِيز وَجَاز أَن يكون نعتا للمكلل لرجوع الْهَاء إِلَيْهِ وَذكر القنا لِأَن كل جمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء يجوز تذكيره وتأنيثه كتمرة وتمر وشعيرة وشعير ونخلة ونخل وشجرة وَشَجر وقناة وقنا الْغَرِيب الْأَحْمَر فرسه الَّذِي رَكبه فِي وقْعَة أنطاكيا والمكلل الجاد يُقَال حمل فكلل أَي مضى قدما وَلم يحجم وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(حَسْمُ عِرْقِ الدَّاءِ عَنْهُ فقَضَبْ ... تَكْليلُهُ اللَّيْثَ إذَا اللَّيثُ وَثَبْ)
وَقد يكون كلل بِمَعْنى جبن يُقَال حمل فَمَا كلل أَي فَمَا كذب وَلَا جبن كَأَنَّهُ من الاضداد وَأنْشد أَبُو زيد لجهم بن سَبِيل
(وَلا أكَلِّلُ عَنْ حَرْبٍ مُجَلَّحَةٍ ... وَلا أُخَدّرُ للِمُلْقِينَ بالسَّلَمِ)
وانكل الرجل انكلالا تَبَسم قَالَ الْأَعْشَى
(وَتَنْكَلُّ عَنْ غُرِّ عِذابٍ كَأَّنها ... جَنْىُ أقْحُوَانٍ نَبْتُهُ مُتَناعِمُ)
الْمَعْنى يُرِيد أَلَيْسَ هُوَ فَارس الْفرس الْأَحْمَر الجاد النشيط فِي جمَاعَة طَيء وَقد أشرعت القنا نَحوه
30 - الْمَعْنى لما قابلهم بِوَجْهِهِ فِي حومة الوغى أقسم أَنه لَا يرجع عَنْهُم حَتَّى لَا يبقي مِنْهُم أحد وَهُوَ من قَول الآخر
(حَتَّى يَظُنُّوهُ إنْسانا بِغَيِرِ قَفا ... وَأنَّهُ رَاكِبٌ طِرْفا بِلا كَفَلِ)

31 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله وأصغره واستأنف أكبر أَي هُوَ أكبر الْغَرِيب أكبرت الشَّيْء إِذا استكبرته قَالَ الله تَعَالَى {فَلَمَّا رأينه أكبرنه} الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح استكبروا فعله واستصغره هُوَ ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ أكبر من فعله الَّذِي فعله أَي هُوَ أكبر من فعله قَالَ الْعَرُوضِي فِيمَا أملاه على هَذَا التَّفْسِير لَا يكون مدحا لِأَن من الْمَعْلُوم أَن كل فَاعل أكبر من فعله والخالق تَعَالَى ذكره فَوق المخاوقين وَقَالُوا إِن خيرا من الْخَيْر فَاعله وَإِن شرا من الشَّرّ فَاعله وَمعنى الْبَيْت أَن النَّاس استكبروا فعله واستصغره هُوَ فَكَانَ استصغاره لما فعل أحسن من فعله كَمَا تَقول أَعْطَانِي فلَان كَذَا وَكَذَا واستقله فَكَانَ استقلاله لذَلِك أحسن من إِعْطَائِهِ ثمَّ الْعجب أَنه غلط فِي صناعَة هُوَ إمامها الْمُقدم فِيهَا
(3/272)

وَذَلِكَ أَن الَّذِي يصلح أَن يكون بِمَعْنى من وَبِمَعْنى ماكما تَقول رَأَيْت الَّذِي دخل وَرَأَيْت الَّذِي فعلت وَكَانَ يجب أَن يذهب فِي هَذَا إِلَى مَا فَذهب إِلَى من ففسد الْمَعْنى وروى الْخَوَارِزْمِيّ وأصغره بِالرَّفْع يُرِيد وأصغر فعله أكبر مِمَّا استعظموه
32 - الْغَرِيب الكميل الْكَامِل أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(عَلى أنَّنِي بَعْدَ مَا قَدْ مَضَى ... ثَلاثُونَ للِهَجْرِ حَوْلاً كَسِيلا)
وكمل بِفَتْح الْعين وَضمّهَا يكمل بِالضَّمِّ فِي مستقبلهما وكمل بِكَسْر الْعين يكمل بِالْفَتْح لَا غير الْمَعْنى يَقُول هُوَ الْقَائِل الفول الصَّوَاب المطاع الْوَاصِل بالعطاء الْكَامِل لَا يشْغلهُ فعل جميل عَن فعل غَيره
33 - الْغَرِيب تشجره تنفذ فِيهِ وتخالطه وَمِنْه بَيت الحماسة
(يُذَكَِرُني حامِيم وَالِّمْحُ شاجِرٌ ... فَهلاَّ تَلا حاميِم قَبْلَ التَّقَدُّمِ)
والهبات جمع هبة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ واهب والرماح تدخل فِيهِ وَأَصْحَاب الرماح تطعنه وَيجوز أَن يكون الْفِعْل للرماح على المجار كَقَوْلِك ليل نَائِم ينَام فِيهِ ورمح طَاعن يطعن بِهِ أَي لَا يشْغلهُ الْحَرْب عَن الْجُود والهبات عَن الْقِتَال
34 - الْمَعْنى يَقُول إِذا خيف مَكَان نزله لِبَأْسِهِ وقوته وشجاعته
35 - الْغَرِيب الختل الْأَخْذ خدعة على بَغْتَة الْمَعْنى يَقُول كلما حَارب أعدائه جهارا تمكن مِنْهُم وظفر بهم حَتَّى كَأَنَّهُ خادعهم وأتاهم بَغْتَة
36 - الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وَهِي المغافر والخوذ الَّتِي تجْعَل على الرؤوس واللذان جمع لدن وَهِي الرِّيَاح اللينة وَشن صب وَمِنْه شنوا على التُّرَاب شنا
(3/273)

أَي صبوه فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ والدلاص الدروع البراقة وَشن درعه صبها ونثل درعه أَلْقَاهَا عَنهُ وهم مَأْخُوذ من نثلت تُرَاب الْبِئْر نثلا أَي استخرجت مِنْهَا الْمَعْنى هُوَ يحتقر المغافر والرماح على رِوَايَة من روى الْبيض بِفَتْح الْبَاء وَهِي الخوذ وَلَيْسَت بِرِوَايَة جَيِّدَة وَالصَّحِيح كسر الْبَاء وَهِي السيوف وَإِنَّمَا ذَكرنَاهَا وَهِي لَا نحل بِرِوَايَة صَالِحَة كَانَت أَو فَاسِدَة وَالْمعْنَى يحتقر السيوف والرماح دارعا كَانَ أَو حاسرا قَالَ أَبُو الْفَتْح ذكر الدروع بقوله نثله ضَرُورَة أَو يكون ذهب إِلَى الْبدن وَقَالَ الواحدي لَو قَالَ نَسْله بِمَعْنى نَزعه لمَكَان أمدح لَان الْمَعْنى يحتقر السيوف والرماح حاسرا ودارعا يَعْنِي رِوَايَة الْبيض بِفَتْح الْبَاء أَنه يحتقرها أَن يلبسهَا فِي الْحَرْب وَكَذَا الدروع والرماح فَلَا يُقَاتل بهَا لشجاعته وإقدامه وَإِنَّمَا يُقَاتل بِالسُّيُوفِ فَهُوَ يحتقر هَذِه الْأَشْيَاء أَن يستعملها فِي حروبه
37 - الْغَرِيب الْفِقْه الْفَهم قَالَ أَعْرَابِي لعيسى بن عمر شهِدت عَلَيْك بالفقه تَقول فقه الرجل بِكَسْر الْعين وَفُلَان لَا يفقه بِالْفَتْح وأفقهتك الشَّيْء ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وَفقه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم الْمَعْنى يَقُول فهمه وفقاهته هذبت لي فهمه فَهُوَ يفهم شعري وَيعرف جيده وفصاحتي هذبت شعري لَهُ فَأَنا أحملهُ إِلَيْهِ فصيحا لِأَنِّي فصيح قَادر على الفصاحة
38 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أَحْمَده كَمَا يحمده السَّيْف لِأَنَّهُ لَا يضْرب إِلَّا فِي مضرب قَاتل وَالسيف لَيْسَ يحمد كل حَامِل فصرت أَحْمَده حمد سَيْفه لَهُ
(3/274)

- 1 الْغَرِيب أحاول أطلب الْمَعْنى يَقُول لَهُ أتحلف لَا تكلفني مسيرًا كَأَنَّهُ حكى قَوْله لَا وَالله لَا نكلفك وَذَلِكَ أَن أَبَا الطّيب استأذنه فِي الْمسير إِلَى الشَّام وَأَرَادَ أَن يعلم مَا عِنْده فَأَجَابَهُ لَا وَالله لَا نكلفك نَحن نبعث رَسُولا قَاصِدا بِقَبْضِهِ لَك وَلَا نكلفك مشقة السّير وَالسّفر
2 - الْإِعْرَاب أَرَادَ أنني مِنْهُ مَكَانا وابعد مِنْهُ شقة وَأَشد مِنْهُ حَالا فَحذف للْعلم بِهِ وَهَذَا كَقَوْلِك نظرت إِلَى زيد وَعَمْرو فَكَانَ عَمْرو أحسن وَجها أَي أحسن وَجها من زيد فَحذف للْعلم بِهِ وَلَا يجوز زيد أحسن وجد لِأَنَّهُ لَيْسَ بعض الْوَجْه الْغَرِيب أنني أجفى نبا الشَّيْء ينبور تجافي وتباعد ونبا السَّيْف إِذا لم يعْمل فِي الضريبة ونبا بَصرِي عَن الشَّيْء الْمَعْنى يَقُول أَنْت تكلفني أصعب من هَذَا وأجفى وَذَلِكَ أَنَّك تكلفني الْإِقَامَة عنْدك وَهِي أَشد عَليّ من السّفر الْبعيد
3 - الْغَرِيب الْفسْطَاط مصر وَفِيه لُغَات فسطاط وفستات بالتاءين وفساط بإدغام الطَّاء فِي السِّين وتشديدها وفسطاط بِكَسْر الْفَاء وَهَذِه لُغَات ذكرهَا الْأَزْهَرِي وَالرِّجَال الرجالة لقَوْله تَعَالَى {فرجالا أَو ركبانا} وَيُقَال أراجل وأراجيل ورجلي ورجالي ورجلان وَرجل وَرِجَال لي فَهَذَا كُله خلاف الْفَارِس فَرجل مثل صَاحب وَصَحب ورجالة وَرِجَال وَالرجلَانِ أَيْضا الراجل وَالْجمع رجْلي وَرِجَال مثل عجلَان وعجلي وعجال وَيُقَال رجل ورجالي مثل عجل وعجالي وَامْرَأَة رجْلي مثل عجلى ونسوة رجال مثل عِجَال ورجالي مثل عجالي وَالرجل خلاف الْمَرْأَة وَجمعه رجال ورجالات مثل جمال وجمالات وأراجل قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(أهَمَّ بَنِيه صَيْفُهُم وشِتاؤهم ... وَقالُوا تَعَدَّ واغْرُ وَسْطَ الأرَاجلِ)
هَذَا اسْتشْهد بِهِ الْجَوْهَرِي فِي جمع رجل وَقَالَ غَيره فِي معنى الْبَيْت إِنَّمَا هُوَ جمع راجل فَقَالَ فِي جمعه اراجيل وَأَصله أَن يجمع على أرجال مثل صَاحب وَأَصْحَاب ثمَّ يجمع أرجال على أراجيل مثل أَعْرَاب وأعاريب وَإِنَّمَا حذف أَبُو ذُؤَيْب الْيَاء للضَّرُورَة وأنشدوا
(يَا صَخْرُ وَرَّادَ ماءِ قَد تَتابَعَهُ ... سَوْمُ الأرَاجِيلِ حَتى ماؤُهُ طَحِل)
وَيُقَال للْمَرْأَة رجلة قَالَ الشَّاعِر
(كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطا ... غَيرَ جِيرَانِ بَنِي جَبَلةْ)

(خَرَقُوا جَيْبَ فَتَاتهمُ ... لَمْ يُبالُوا حُزْمةَ الرَّجُله)
وَقَوله فلقني يُرِيد فَأَبِنْ لي وَأرَانِي الْمَعْنى يَقُول إِذا سرت عَن مصر أَرَانِي الفوارس والرجالة بَان تبعثهم خَلْفي ليردوني إِلَيْك يُرِيد أَنه لَا يقدر على رده وَكَذَلِكَ كَانَ لانه انهزم عَن مصر
4 - الْغَرِيب الضيم الظُّلم وضامه يضيمه واستضامه فَهُوَ مضيم ومستضام أَي مظلوم وضيم فِيهِ ثَلَاث لُغَات ضيم وضيم بالإشمام وضوم وَقد بَيناهُ فِيمَا قبل هَذَا الْمَعْنى يَقُول إِنَّك ستعلم من فَارَقت وَأَنَّك عَاجز عَن رده وفوارسك ورجالتك لَا يقدرُونَ على رده يُرِيد أَنه شُجَاع بَطل وَلَا يقدر أحد على ظلمه وَلَا هُوَ قَابل للظلم
(3/275)

- 1 الْإِعْرَاب نصب الْخَيل بِلَا لِأَنَّهَا تنصب النكرات بِغَيْر تَنْوِين وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ والخليل يجوز أَن ترفع النكرات بِالتَّنْوِينِ وَأنْشد للعجاج
(تاللهِ لَولا أنْ تَحُشَّ الطُّبَّخُ ... بِي الجَحِيم حَيْثُ لَا مُسْتَصْرَخُ)
وَمَا ارْتَفع بعْدهَا عِنْد بعض النُّحَاة على الأبتداء وَفِي قِرَاءَة من قَرَأَ فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال بِرَفْع الثَّلَاثَة أَنه على الأبتداء وَالْخَبَر فِي الْحَج وَهِي قِرَاءَة يزِيد بن الْقَعْقَاع وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن وَكثير يرفع الرَّفَث والفسوق وَنصب الْجِدَال وَهُوَ كَقَوْل
(3/276)

أُميَّة بن أبي الصَّلْت
(فَلا لَغْوٌ وِلا تأْثِيمَ فِيها ... وَمَا فاهُوا بِهِ أبَداً مُقِيمُ)
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء العطاردي بِنصب الْأَوَّلين وَرفع الثَّالِث وَهُوَ كبيت أبي الطّيب وَمثله
(هَذَا وجَدّكُمُ الصِّغارُ بِعيْنيهِ ... لَا أُمَّ لي إنْ كَانَ ذَاك وَلا أبُ)
وَهَذَا مَحْمُول على الْموضع لِأَن مَوضِع الأول رفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون لَا بِمَعْنى مَا فكأنك قلت مَا رجل وَلَا غُلَام فِي الدَّار الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لنَفسِهِ لَيْسَ عنْدك من الْخَيل وَالْمَال مَا تهديه إِلَى الممدوح تجازيه بِهِ على إحسانه إِلَيْك فَإِذا لم يكن عنْدك هَذَا فليسعدك النُّطْق يُرِيد فامدحه وجازه بالثناء عَلَيْهِ إِن لم يعنك الْحَال على مجازاته بِالْمَالِ وَهَذَا معنى قَول يزِيد بن الْمُهلب
(إنْ يُعْجزِ الدَّهْرُ كَفِّى عَن جزَائكمُ ... فإنَّني بالثَّنا وَالشُكْرِ مُجْتَهِدُ)
وكقول الحطيئة
(فَإِن لمْ يكُنْ مالٌ يُثابُ فَإنَّهُ ... سَيأْتِي ثَنائِي زَيْداً بنَ مُهَلهْلِ)
وَهَذَا من الأبتداء الَّذِي بكرهه السَّامع بِأَن يَقُول للممدوح لَا خيل عنْدك تهديها وَلَا مَال وَهُوَ أول مَا يَقُول لَهُ
2 - الْغَرِيب النعمى إِذا كَانَت على فعلى قصرت وَإِذا كَانَت على فعلاء مدت وَهِي الْيَد والصنيعة وَمَا انْعمْ الله بِهِ عَلَيْك الْمَعْنى أجزه بالثناء والمدح وَالشُّكْر وَذَلِكَ أَن إنعامه يَأْتِيك فجاءة من غير أَن تقدم سؤالا وانتظارا وَغَيره من النَّاس اقْتصر على قَول دون فعل كَقَوْل الحبيب
(الجُودُ عِنْدَهُمُ قَول بِلا عَمل ... )
وكقول المهلبي
(وَكَمْ لَكَ نائِلاً لَمْ أحْتَسِبهُ ... كَمَا يُلْقى مُفاجأةً حَبِيبُ)

3 - الْغَرِيب جزاه بِمَا صنع جَزَاء وجازيته أَيْضا وجازيته فجزيته أَي غلبته وجزى عني هَذَا أَي قضى وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا} وَفِي حَدِيث أبي بردة بن نيار تجزي عَنْك وَلَا تجزى عَن غَيْرك فِي الْأُضْحِية أَي تقضى وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ أَجْزَأت عَنْك بِالْهَمْز وتجازيت ديني على فلَان أَي تقاضيته
(3/277)

والمتجازى المتقاضى والخريدة الجاريية الحيية وَالْجمع خرائد وخرد والعذارى جمع عذراء وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي لم تفتض والمكسال الفاترة القليلة التَّصَرُّف الْمَعْنى يَقُول رُبمَا جَازَت على الْإِحْسَان إِلَى من يوليه جَارِيَة ضَعِيفَة الْحَرَكَة عاجزة عَن كل شَيْء وَهَذَا كُله حث لنَفسِهِ على الْجَزَاء وَترك التَّقْصِير فِيمَا يُمكن ثمَّ ضرب لهَذَا مثلا فَقَالَ الْبَيْت بعده
4 - الْغَرِيب الصهيل والصهال للْفرس مثل النهيق والنهاق للحمار وصهل يصهل بِالْكَسْرِ صهيلا فَهُوَ صهال وَقد ضرب الْمثل لنَفسِهِ فِي عَجزه عَن الْمُكَافَأَة بِالْفِعْلِ بفرس أحكم شكاله فعجز عَن الجري لكنه يصهل الْمَعْنى يَقُول إِن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور فَأَنِّي أمدحك وأشكرك إِلَى أَوَان قدرتي على النُّصْرَة فَإِن الْجواد إِذا شكل عَن الْحَرَكَة صَهل شوقا إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء إِن كَانَت حالتي ضيقَة عَن مكافأتك فعلا جازيتك قولا وَجعل التصهال مثلا لثنائه على الممدوح وَكَانَ فاتك هَذَا الممدوح ينطوي عَليّ بغض كافور ومعاداته وَكَانَ أَبُو الطّيب يُحِبهُ ويميل إِلَيْهِ وَلَا يُمكنهُ إِظْهَار ذَلِك خوفًا من الْأسود
5 - الْغَرِيب السيان المثلان وإكثار وإقلال بِمَعْنى الْكثير والقليل الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا رَأَيْت أَبَا الطّيب أشكر لأحد مِنْهُ لفاتك وَكَانَ يَقُول حمل إِلَيّ فِي وَقت وَاحِد مَا قِيمَته ألف دِينَار وَالْمعْنَى يَقُول مَا شكرتك عَن فَرح بِمَا أهديته لي لِأَن الْقَلِيل وَالْكثير عِنْدِي سَوَاء
6 - الْغَرِيب البخال جمع باخل ككاتب وَكتاب وصائم وَصِيَام وحاسب وحساب الْمَعْنى يَقُول أَنا أشكر لِأَنِّي أستقبح الْبُخْل بِقَضَاء الْحق وَكَيف أسكت عَن شكر من يجود إِلَيّ بِمَالِه ووده وَالْبر وَالنعْمَة وَأَنا فِي إنعامه
7 - الْغَرِيب روض الْحزن هِيَ الأَرْض الْبَعِيدَة وخصها لبعدها عَن الْغُبَار وسباخ الأَرْض هِيَ الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت لملوحتها وَاحِدهَا سبخَة الْمَعْنى يَقُول زكتْ عِنْدِي صنيعته كَمَا يزكو الْمَطَر الْكثير فِي الأَرْض الطّيبَة وَالْمعْنَى أَن مطر جوده لَا يُصَادف مني سبخَة لَا تنْبت
(3/278)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول موقع إحسانه مني بَين للمحسنين أَنهم يخطئون مواقع الصَّنَائِع وَمن نصب موقعه فَمَعْنَاه أَنْت غيث بَين موقعه للناظرين لِأَنَّهُ أَتَى على مَكَان أثر فِيهِ أحسن تَأْثِير ثمَّ قَالَ مبتدئا إِن الغيوث يُرِيد أَنَّهَا تَأتي على الأَرْض السبخة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح والخطيب الْغَيْث كالجاهل فَهُوَ يمطر الْمَكَان الطّيب والقبيح وَهَذَا يُعْطي من هُوَ أهل للعطاء وَهُوَ ضد قَوْله فِي سيف الدولة
(وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتي قَنَصٌ ... شُهْبُ الُبزَاةِ سَوَاءٌ فيهِ والرَّخَمْ)

9 - الْمَعْنى يَقُول لَا يدْرك السِّيَادَة وعلو الْقدر إِلَّا من يفعل مَا يشق على الكرماء الْفُضَلَاء
10 - الْغَرِيب يمناه يَمِينه الْمَعْنى لَا يدْرك الْمجد وَارِث ورث أَبَاهُ مَالا لِأَن الممدوح لم يَرث أَبَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ جوادا فَلم يخلف مَالا ويمناه جهلت مَا وهبت لكثرته وَلَيْسَ هُوَ سئالا وَلَا كسوبا بِغَيْر سَيْفه لَا يطْلب حَاجته إِلَّا بِالسَّيْفِ
11 - الْإِعْرَاب الضميران فِي لَهُ وأفهمه يعودان على السَّيِّد الفطن الْمَعْنى يَقُول عرفه الزَّمَان أَن المَال لَا يبْقى ففهم ذَلِك عَن الزَّمَان فَفرق مَاله فِيمَا يُورث الْمجد وَلم يكن ثمَّ قَول وَلكنه اتعظ وَاعْتبر بتصاريف الزَّمَان وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أكْرم النَّاس من تَعب فِي جمع الْأَمْوَال بِالسَّيْفِ ثمَّ يَهَبهَا بعد وَقَالَ الْخَطِيب من رأى الممسكين وموتهم عَن الْأَمْوَال وتخليتها للأعداء فقد أرَاهُ الزَّمَان فيهم العبر فَكَأَنَّهُ حذره عَن الْإِمْسَاك وَالزَّمَان لم يقل قولا حَقِيقَة وَإِنَّمَا رأى تصاريفه فاتعظ فَكَانَ كمن قَالَ لَهُ الْبَيْت بعده
12 - الْمَعْنى يَقُول تعلم الفناة إِذا هزها أَن بهَا أشقياء خيل وأبطال لِكَثْرَة مَا قد عودهَا
13 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا قبل كفاتك وَدخُول الْكَاف منقصة جعل لَهُ شَبيه فانتقص بذلك وَإِنَّمَا قولي كَالشَّمْسِ وَإِن كَانَت لَا شَبيه لَهَا وَالْكَاف زَائِدَة كَقَوْل
(3/279)

رؤبة
(لَو أحِقُ الأقْرَابِ فِيهَا كالمَقَقْ ... )
أَي فِيهَا مقق وَهُوَ الطول وَلَا يُقَال فِيهَا كالطول إِلَّا على زِيَادَة الْكَاف وَأنْكرهُ الواحدي وَقَالَ لم يعرف ابْن جنى مَعْنَاهُ وَقَالَ الْكَاف زَائِدَة وَجَمِيع الْبَيْت مَبْنِيّ على الْكَاف فَكيف يُمكن زيادتها أَلا يرى أَنه قَالَ وَدخُول الْكَاف منقصة أَي أَنَّهَا توهم أَن لَهُ شَبِيها وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ كَالشَّمْسِ وَلَا مثل للشمس وَقَالَ الْخَطِيب لَا يدْرك الْمجد إِلَّا رجل صِفَاته هَذِه الَّتِي ذكرت ثمَّ شبهه بفاتك ثمَّ استدرك ذَلِك بقوله وَدخُول لكاف منقصة إِذا قلت هُوَ كفلان فقد جعلت لَهُ مثلا وَإِنَّمَا ذَلِك مجَاز وَتوسع كالشيء المستحسن يشبه بالشمس على الظَّاهِر وَلَيْسَ لَهَا مثل وَاجعَل أَبُو الْفَتْح الْكَاف زَائِدَة وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك إِنَّمَا هُوَ بضده
14 - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَبهَا قَرَأت نصب الْأسد بإعمال إسم الْفَاعِل الْغَرِيب البراثن من السبَاع وَالطير بِمَنْزِلَة الْأَصَابِع من الْإِنْسَان والمخلب ظفر البراثن والأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يَقُود إِلَى الْحَرْب ورجالا كالأسود غذتهم براثنه أَي سيوفه وسلاحه فهن كالبراثن لَهُ وَيُشِير إِلَى غلمانه الَّذين رباهم وضراهم بإسلاب أعدائه مُنْذُ كَانُوا أشبالا إِلَى ان صَارُوا أسدا
15 - الْمَعْنى يَقُول لجودة ضربه يقتل الْمَقْتُول وَمَا يقْتله بِهِ وَهُوَ السَّيْف يُرِيد أَنه يكسرهُ فِي جِسْمه فَجعل ذَلِك قتلا للسيف وَجعل للسيوف آجالا كالناس وَغَيرهم
16 - الْغَرِيب الأهمال والهمال الإيل بِلَا رَاع مثل النفش إِلَّا أَن النفش لَا يكون إِلَّا لَيْلًا والهمل لَيْلًا وَنَهَارًا وإبل همل هاملة وهمال وهوامل وتركتها هملا أَي سدى إِذا أرسلتها ترعى لَيْلًا وَنَهَارًا بِلَا رَاع وَفِي الْمثل اخْتَلَط المرعى بالهمل والمرعى الَّذِي لَهُ رَاع الْمَعْنى يَقُول يهابه أهل الغارات أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاراتهم وَمَاله همل لَا راعي لَهُ وَلَا يغار عَلَيْهِ لهيبته وَقَالَ الواحدي يجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن الأقوام يغيرون على الْأَمْوَال فيحملونها إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاره غَيره وَالْمعْنَى أَنه لجلالة قدره وعلو ذكره تهيبه الفرسان فِي غاراتها فتحجم عَن مقاتلة أهماله
(3/280)

- الْغَرِيب العير حمَار الْوَحْش والهيق ذكر النعام والخنساء الْبَقَرَة الوحشية والخنس انخفاض قَصَبَة الْأنف وَعرض أرنبته وَالذَّيَّال الثور الوحشي الْمَعْنى يَقُول مَا طلب من الْوَحْش قدر عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ ملازم الحروب فِي الفلوات وَكَانَ يتقوت بلحوم الْوَحْش وَكَانَ عَارِفًا بصيد الْوَحْش والاقتدار على جَمِيع صنوفه فَمَا اخْتَارَهُ وَاعْتمد عَلَيْهِ لَا يفوت رغبته وَلَا يسْبق أسنته بل يملك جَمِيع أصنافه بركضه وكرم خيله
18 - الْغَرِيب المشهى الَّذِي يُعْطي مَا اشْتهى والعقوة مَا حول الدَّار وَالْآصَال العشايا وَهِي جمع أصيل كيتيم وأيتام وَهُوَ آخر النَّهَار وَإِنَّمَا يستطاب لشدَّة الْحر قبله وَأَنه وَقت هبوب الرّيح وَانْقِطَاع الْحر بأفول الشَّمْس الْمَعْنى يَقُول إِذا أمست الضيوف بأفنية دَاره باتوا مكرمين لَا يشتهون شَهْوَة إِلَّا جَاءَتْهُم كَأَن أوقاتهم آصال لطيبها وَبرد نسيمها وَمَا يتَّصل بهم من شهواتها وَنَعِيمهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(أيَّامُنا مَصْقُولَةٌ أطْرافُها ... بِكَ وَالَّليالِي كُلُّها أسحارُ)

19 - الْغَرِيب الْقَارِي المضيف بادرها عاجلها خراذل بِالذَّالِ وَالدَّال الْقطع والأوصال جمع وصل وَهُوَ كل عظم لَا يكسر وَلَا يخلط بِهِ غَيره والشيزي جفان تصنع من خشب أسود وَقيل من الْجَوْز الْمَعْنى يُرِيد لَو اشتهت أضيافه لَحْمه لما بخل عَلَيْهِم بِهِ ولبادرهم بِهِ لِحِرْصِهِ على مسرتهم وَهَذَا من الإفراط الَّذِي يَجْسُر فِيهِ بِمَا لَا يكون إِشَارَة إِلَى اسْتِيفَاء الْغَايَة فِيمَا يُمكن
20 - الْغَرِيب الرزء الْمُصِيبَة وحفزه واحتفزه دَعَاهُ وَدفعه حفزه يحفزه حفزا إِذا دَفعه قَالَ الراجز
(تُرِيحُ بَعْد النَّفَسِ المَحْفُوزِ ... إراحَة الجَدايَةِ النَّفُوزِ)
الْمَعْنى يَقُول الْمُصِيبَة عِنْده ترحل الضَّيْف عَنهُ لَا توجعه الْمُصِيبَة فِي مَاله وَولده وَلَا يوحشه ذَلِك كإيحاش الضَّيْف إِذا ترحل عَنهُ وَالْمعْنَى إِذا رَحل الضَّيْف عَنهُ ناله من ذَلِك مَا ينَال من فقد مَاله وَولده
(3/281)

- الْغَرِيب الصدى الْعَطش والمحض الَّذِي لم يشب بِمَاء واللقاح جمع لقحة وَهِي النَّاقة الحلوب والسلسال الَّذِي يسهل جريه فِي الْحلق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا انْصَرف أضيافه أراق بقايا مَا شربوه وَلم يدخروه لغَيرهم لِأَنَّهُ يلقى كل وَارِد بقري جَدِيد من اللَّبن وَالْخمر وَأَرَادَ بصافي اللَّوْن الْخمر وَقَالَ ابْن الإفليلي يروي عَطش الأَرْض بفضلات مَا يسقه أضيافه من اللَّبن وَالْخمر وَمَا يُتَابع لَهُم من الألطاف وَالْبر فيفضل عَنْهُم من ذَلِك مَا يقوم للْأَرْض مقَام السَّقْي وَمَا يحل لَهَا مَحل الْمَطَر
22 - الْغَرِيب القري الضِّيَافَة وعبط آدم إراقته عبيطا والعبيط والعبط الطري من الدَّم وَاللَّحم والساع جمع سَاعَة والنزال والقفال الأضياف مِنْهُم من يرحل ومهم من ينزل الْمَعْنى قَالَ الواحدي كل سَاعَة تَأتي عَلَيْهِ تجدّد ذبحا كَأَن السَّاعَات قفال ونزال يُرِيد أَنه لَا يطعم أضيافه اللَّحْم الغب بل يجدد لَهُم النَّحْر وَالذّبْح كل سَاعَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كل سَاعَة يريق دَمًا طريا من أعدائه فَكَأَنَّهُ يقري السَّاعَات وَكَأَنَّهَا قوم ينزلون عَلَيْهِ فَجعل أَبُو الْفَتْح الدَّم من الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى أَنه يعم سَاعَات زَمَانه بدماء يسفكها فِيهَا
23 - الْمَعْنى يُرِيد بالنفوس الدِّمَاء وَمِنْه سَالَتْ نَفسه وَمِنْه بَيت الحماسة للسمؤل
(تَسِيلُ عَلى حَدّ الظَّباةِ نُفُوسُنا ... وَلَيْستْ على غَيرِ الظُّباةِ تَسيلُ)
وأغنام جمع غنم وآبال جمع إبل على التكثير الْمَعْنى تجْرِي النُّفُوس حوله مختلطة وَيكثر إِتْلَافه لَهَا ممتزجة مِنْهَا نفوس أَعدَاء يبلغهَا بِالْقَتْلِ وأغنام وإبل يذهبها بالعقر وَالذّبْح فَمِنْهَا نفوس تذْهب بالإكرام والضيافة وأنفس تذْهب بالإيقاع والمخافة فساعاته مشمومة بالحالتين مغمورة بِهَذَيْنِ الْأَمريْنِ وَهُوَ من قَول البحتري
(مَا انْفكَّ مُنتْصَيا سَيْفي وَغًى وَقِري ... عَلى الكَوَاهِلٍ تَدمي والعَوَاقِيِبٍ)

24 - الْغَرِيب النائل الْعَطاء والأطيفال جمع طِفْل وهم صغَار الصّبيان وَصغر الْجمع على اللَّفْظ الْمَعْنى يصف عُمُوم بره وَأَن الْبعيد والقريب فِيهِ سَوَاء والطفل الَّذِي لَا يقدر على
(3/282)

النهوض والتعريض لمعروفه فَهُوَ يعم الْقَرِيب والبعيد وَالْكَبِير وَالصَّغِير فَهُوَ يعم عُمُوم الْغَيْث وَيفِيض كفيض الْبَحْر فَهُوَ يدْرك النائي الْبعيد كَمَا يَشْمَل الداني الْقَرِيب وَلَيْسَ يعجز صغَار عَن الاطفال بِهِ وَلَا يُخرجهَا الصغر عَن التَّنَاوُل لَهُ لِأَنَّهُ عَام لَا خُصُوص فِيهِ
25 - الْغَرِيب الْفَرِيقَانِ الجيشان والأقران جمع قرن وَهُوَ الْعَدو المكافئ وَالْبيض السيوف والظبة حد السَّيْف الْمَعْنى هُوَ أمضى الجيشين سَيْفا فِي أقرانه عِنْد المصادمة إِذا ضلت الرماح وهدت السيوف لِأَنَّهَا تمْضِي على اسْتِوَاء والرماح تذْهب يَمِينا وَشمَالًا وَأَرَادَ أَن الْبيض هادية تهتدي فِي ظلمَة النَّقْع لِأَن النَّهَار قد استتر بالغبار واستعار الْهدى للسيوف والظلال للرماح وَأحسن فِي الْمُقَابلَة وَأَرَادَ أَن الْقَوْم دنا بَعضهم من بعض يتجادلون بِالسُّيُوفِ فَكَانَ الرماح ضَالَّة فِي الرِّجَال فقصرت الرماح وضلت عَن مقاصدها وضاق المجال عَن التطاعن بهَا وَصَارَ الْأَمر إِلَى المجادلة بِالسُّيُوفِ ومباشرة الحتوف فَصَارَت السيوف هادية مبصرة والرماح ضَالَّة مقصرة فَحِينَئِذٍ يكون أمضى الْفَرِيقَيْنِ من أَصْحَابه وأعدائه
26 - الْغَرِيب الْآل السراب وَقيل هُوَ الَّذِي يتخيل فِي قيعان الأَرْض عِنْد شدَّة الْحر وَقيل الْآل الَّذِي يرفع الْأَشْخَاص ويرقصها أول النَّهَار وَآخره الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ قد جمع الْبَهَاء والوسامة والجلال وَالْجمال فَإِنَّهُ يُرِيك مَا تخبره من فَضله وتؤديه الْمحبَّة إِلَيْك من كرمه وبأسه أَضْعَاف مَا يُؤَدِّيه ظَاهره فِي الرِّجَال وَمَا ترى فِيهِ من الْبَهَاء وَالْجمال وَفِي الرِّجَال من هُوَ كَالْمَاءِ وَفِيهِمْ من هُوَ كالآل من لَهُ حَقِيقَة وَرُجُوع إِلَيْهِ كَالْمَاءِ وَمن لَا حَقِيقَة لَهُ كالآل يكذب وَلَا يصدق ويخدع وَلَا ينفع فَهُوَ يشبه المَاء وَلَيْسَ بِمَاء وَهُوَ يشبه الرِّجَال صُورَة وَلَيْسَ بِرَجُل
27 - الْغَرِيب العقال دَاء يَأْخُذ الدَّوَابّ فِي أرجلها يمْنَعهَا من الْمَشْي الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز اخْتلطت السيوف والرماح عِنْد الْحَرْب وَلم يفضل الْجُنُون على الْعقل بِأَحْسَن من هَذَا وَلَو بَالغ فِي التَّصْرِيح بِأَن لقبه الْمَجْنُون لخلص من ذَلِك أحسن تخلص وَأَصله من قَول الفند الزماني
(وَبَعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجهْل ... للذّلَّة إذْعانُ)
وَفِيه مَعْنَاهُ لحبيب
(وَإنْ يَمْينِ حبطانا عَلَيْه فَإَّنها ... أُولَئكَ عُقَّالاتُهُ لَا مَعاقلُهْ)
(3/283)

أنْتَهى كَلَامه كَانَ فاتك يلقب بالمجنون ففسره أَبُو الطّيب تَفْسِيرا أذهب قبحه وَحسن عِنْد النكر لَهُ أَن يتلقب بِمثلِهِ وأصل الْبَيْت من قَول الْكلابِي
(أَلا أُّيها المُغْتابُ عِرْضِي تَعِيبُني ... تُسَمِّينِيَ المْجنُونَ فِي الجِدّ وَاللَّعْب)

(أَنا الرّجُلُ المْجنُونُ وَالرَّجُلُ الَّذي ... بِهِ تُتَّقَي يَوْمَ الوَغَى غِرَّةُ الحَرْب)

28 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَيجوز أَن يكون لنَفسِهِ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَرْمِي بخيله للجيش وَلَا بُد لَهما من شقّ ذَلِك الْجَيْش وَلَوْلَا كَانُوا أجبالا وَقَالَ ابْن الأفليلي يَرْمِي بِالسَّيْفِ الَّذِي قدم ذكرهَا الْجَيْش الَّذِي يناصبه وَالْجمع الَّذِي يتَعَرَّض لَهُ وَلَا بُد لَهُ ولتلك السيوف المطيفة بِهِ من شقّ ذَلِك الْجَيْش
29 - الْغَرِيب الرئبال الْأسد الْمَعْنى يعْتَذر لمن لقبه بالمجنون بِأَنَّهُ إِذا قَاتل الْأَعْدَاء ونشبت فيهم مخالبه وَأظْهر سطوته عَلَيْهِم لم يجْتَمع لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت أَسد تحذر عاديته وحلم تؤمن بادرته وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الاستهال للْمَوْت والاقتحام للحرب لَيْسَ من طَرِيق الْحلم وَلَا يحمل عَلَيْهَا أَحْكَام الْعقل والأسد لَا يُوصف بالحلم كَذَلِك الرجل الَّذِي يبعد عَنهُ الْحلم إِذا قَاتل الْأَعْدَاء وَقَالَ ابْن القطاع إِذا نشبت مخالبه فِي قوم ذهب عَنْهُم التَّدْبِير والشجاعة
30 - الْغَرِيب يروعهم يفزعهم وصروف الدَّهْر حوادثه والمجاهرة الإعلان والاغتيال الإهلاك على غَفلَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا دهر يغول الْأَعْدَاء جهارا وصروف الدَّهْر تهلكهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَجعله كالدهر تَعْظِيمًا لشأنه وَالْمعْنَى يروعهم ملك وَهُوَ كالدهر فِي قدرته عَلَيْهِم مغالبة والدهر يغتال بصروفه وَلَا يُؤذن بخطوبه فَجعل لفاتك على الدَّهْر مزية بَيِّنَة وَزِيَادَة ظَاهِرَة
31 - الْمَعْنى يَقُول انْتهى بِهِ تقدمه وجرأته إِلَى نيل الشّرف الْأَعْلَى واحترام أعداؤه أَن يصلوا إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ بتوقيهم مَا أرتكبه من الْأَهْوَال فغنم هُوَ وخابوا هم فَبلغ من الشّرف أَعلَى منازلة وَمن السُّلْطَان أرفع مراتبه بإقدامه وجرأته واقتحامه المهالك فَمَا الَّذِي ناله أعداءه بتوقيهم لما قدم عَلَيْهِ وإبطائهم عَمَّا تسرع إِلَيْهِ
(3/284)

- الْإِعْرَاب من رفع حليته جعل كَانَ فِيهَا ضمير الشان والقصة وحليته ابْتِدَاء وَمَا بعْدهَا الْخَبَر وَقَالَ الْخَطِيب اسْم كَانَ مُضْمر فِيهَا أَي كَانَ هُوَ هَذِه حَالَته وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع خبر كَانَ وَمن نصب حليته جعل اسْم كَانَ مهندا وَعطف عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَصفه فقربه من الْمعرفَة الْغَرِيب المهند السَّيْف الْقَاطِع وأصم الكعب الرمْح والعسال المهتز الْمَعْنى يُرِيد إِذا تزين الْمُلُوك بالتاج وَغَيره تزين هُوَ بِالسَّيْفِ المهند وَالرمْح الْعَسَّال وَالْمعْنَى أَنه احتاز الرياسة مغالبة بِسَيْفِهِ واستحقها بشجاعة نَفسه
33 - الْغَرِيب قاطبة جَمِيعًا والهول مَا أَخَاف وأفزع وَجمعه أهوال ونمته غذته وربته الْمَعْنى يَقُول أَبُو شُجَاع كنيته وَهِي لَهُ صفة ثَابِتَة وحقيقية ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَبُو شُجَاع برياسته فيهم وعلوه عَلَيْهِم وَهُوَ قدوتهم وسيدهم وَهُوَ هول فِي الْحَرْب فِي أعين الْأَعْدَاء فالحروب قد ربته لانه رَبِّي فِيهَا من وَقت أَن كَانَ صَغِيرا وَقد نمته مِنْهَا أهوال لَا يعْهَد مثلهَا لَا يُشَارك فِي شرفها وفضلها فالشجعان كلهم دونه وَفِي كل هول يَتَّقُونَ بِهِ ويقدمونه
34 - الْمَعْنى الْحَمد كُله ينْصَرف إِلَيْهِ وَلَيْسَ لأحد جُزْء مِنْهُ فَهُوَ الْمَحْمُود فِي أَقْوَاله وأفعاله وَلَيْسَ يحمد دونه أحد وَالْمعْنَى تملك الْحَمد وأحاط بِهِ وَاخْتَارَهُ واصبح خَالِصا لَهُ فَمَا لأحد فِيهِ نصيب يعلم وَجعل ذكر الْحُرُوف إِشَارَة إِلَى انْفِرَاده بجملته
35 - الْغَرِيب الماذي الدروع اللينة شبه لينها بلين الْعَسَل الماذي والسربال الثَّوْب وَالْجمع سرابيل الْمَعْنى يَقُول عَلَيْهِ من الْحَمد سرابيل كَثِيرَة لِأَنَّهُ يتوقى الذَّم بِأَكْثَرَ مِمَّا يتوقى الْحَرْب فَعَلَيهِ مِنْهُ سرابيل مضاعفة وحلل متتابعة يُشِير إِلَى رغبته فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الدروع إِلَّا وَاحِد فَأَشَارَ إِلَى أَنه مكثر مِمَّا يشْتَمل عَلَيْهِ من كرم الذّكر ومقل مِمَّا يدْفع بِهِ عَنهُ عَادِية الْحَرْب فوصفه بالرغبة وبالإحسان وَقلة التوقي عِنْد لِقَاء الأقران
36 - الْغَرِيب النوال الْعَطاء والنال الْكثير الْعَطاء وَرجل نَالَ إِذا كَانَ كثير
(3/285)

النوال مَا يُقَال رجل مَال إِذا كَانَ كثير المَال قَالَه يَعْقُوب وكبش صَاف كثير الصُّوف وَيَوْم طان كثير الطين وَرجل صات شَدِيد الصَّوْت وَيَوْم رَاح كثير الرّيح وَرجل خَافَ كثير الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لَا أقدر أستر إنعامك هُوَ أشهر من أَن يستر فَكيف أقدر على ستر مَا أوليتني وَقد أفضت عَليّ بجوار لَهُ غمرتني من جودك وحملتني أعباء أثقلتني من برك أَيهَا النال الَّذِي لَا يَنْقَطِع نواله وَلَا يتَأَخَّر تطوله وإفضاله
37 - الْغَرِيب لطفت بلغت الْغَايَة من اللطف وتوصلت إِلَى إكرامي بِالْبرِّ والصلة بلطف رَأْي وتدبير والكريم يحتال أبدا حَتَّى يحصل لنَفسِهِ الْعُلُوّ وَكَانَ يراسل أَبَا الطّيب وَلَا يُجَاهر بإكرامه وبره وخوفا من الْأسد فاتفق لقاؤهما بسفر فَأحْسن إِلَيْهِ وأكرمه إِكْرَاما عَظِيما فَقَالَ إِن الْكَرِيم محتال لَا تعجز حيلته ومجتهد لَا تضعف نِيَّته
38 - الْمَعْنى يَقُول لم تزل تحتال على الْإِكْرَام وَطلب الْعُلُوّ حَتَّى غَدَوْت وَالْأَخْبَار تجول فِي الْآفَاق بِحسن ذكرك وَالثنَاء عَلَيْك لكل أحد أمل فِي كفيك حَتَّى الْكَوَاكِب تأملك وَيجوز لَو تمنينا الْوُصُول إِلَيْهَا لأوصلتنا
39 - الْغَرِيب التنبال الْقصير وَالْجمع تنابلة وتنابل الْمَعْنى قَالَ الواحدي مدح الشريف يشرف الشّعْر ومدح اللَّئِيم يُؤَدِّي إِلَى لؤم الشّعْر وَالْمعْنَى إِن شعري قد شرف بشرف الممدوح وَالْمعْنَى قد أَطَالَ لساني بالثناء وَفتح لي بَاب الْمَدْح والإطراء جلالة قدر من مدحته وَكَثْرَة فَضَائِل من وَصفته وَإِنَّمَا أَنا فِي ذَلِك ذَاكِرًا لما عانيت ومخبر عَمَّا شاهدت وَالثنَاء إِنَّمَا يقصر عَن الْقصير الْحَال الرَّاغِب عَن الْكَرم والإفضال
40 - الْغَرِيب اختال الرجل إِذا مشي الْخُيَلَاء وَهُوَ إِظْهَار الْعجب الْمَعْنى يَقُول إِن كنت لتواضعك وفضلك لَا تختال فِي بشر أَنْت فيهم فَإِن قدرك يختال فِي قدرهم من حَيْثُ لَا تعلم وَالْمعْنَى إِن كنت تكبر عَن اسْتِعْمَال الْكبر والزهو وَهُوَ تكلّف التعظم فِي قوم أَنْت فيهم فقدرك فِي أقدار الْمُلُوك المتشبهين بك يختال بجلالته وينفرد برفعته وفخامته
41 - الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك يُرِيد همتك ومناقبك الشَّرِيفَة الَّتِي فِيك لَا ترْضى
(3/286)

بك صباحا حَتَّى تزيد على كل كثير الْفضل فضلا وَالْمعْنَى كَانَ نَفسك لَا ترضاك وتألفك راضية بفعلك وَلَا تصحبك شاكرة لسعيك حَتَّى يكون كل مفضال وَهُوَ كثير الْعَطاء وَالْفضل إِنَّمَا يفضل لما تهبه لَهُ ويجود بِمَا تعطيه لَهُ وتبذله
42 - الْغَرِيب الروع والفزع والبذال خلاف الصائن الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك لَا تعدك صائنا لَهَا وَلَا تعتقدك ساعيا فِي مسرتها إِلَّا إِذا ابتذلتها فِي الروع تقتحم المهالك وعرضتها فِي الْحَرْب لمواجهة المتآلف
43 - الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْمَشَقَّة تمنع من السِّيَادَة لساد النَّاس كلهم ثمَّ بَين الْعلَّة فِيهَا فَقَالَ الْجُود يُورث الإقلال والفقر والشجاعة توجب التّلف وَالْقَتْل وَذَلِكَ أَن المجدو السِّيَادَة يصعبان وَلَوْلَا الصعوبة سَاد النَّاس بأسرهم وَهُوَ من قَول النمري
(الجُود أخْشَنُ مَساًّ يَا بَنِي مَطَرٍ ... مِنْ أنْ تَبزَّ كُمو كَفُّ مُسْتَلِبِ)

(مَا أعْلَمَ النَّاسَ أنَّ الجُودَ مَكْسَبَةً ... للِمْجْدِ لَكِنَّهُ يأتْي عَلى النَّشَبِ)

44 - الْغَرِيب الشملال النَّاقة القوية السريعة من النوق الْمَعْنى يَقُول كل أحد يجْرِي فِي السِّيَادَة على قدر طاقته وَلَيْسَ كل من يمشي على رجله شمالا يقدر على السرعة وَالْمعْنَى لَيْسَ كل كريم يبلغ غَايَة الْكَرم وَلَا كل شرِيف يبلغ غَايَة الشّرف وَلَيْسَ كل من سعى من الرؤساء يبلغ مبلغ فاتك الَّذِي لَا يعادل فِي فَضله وَلَا يماثل فِي جَلَاله قدره
45 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّا فِي زمَان من فِيهِ أَن لم يعاملنا بالقبيح فقد أحسن إِلَيْنَا واجمل لِكَثْرَة من يُعَامل فِيهِ بالقبيح وَالْمعْنَى أَنه نبه على انْفِرَاد فاتك فِي دهره وانفراده بِالْكَرمِ عَن أَبنَاء عصره وَهَذَا من أدبار الزَّمَان وزهد أَهله فِي الرياسة وَالْإِحْسَان فَقَالَ إِنَّا لفي زمن إمْسَاك أَهله عَن قبح الْفِعْل وتأخرهم عَن مَذْمُوم السَّعْي فضل يُؤثر وإحسان يحمد ويشكر فَكيف اتّفق فِيهِ فاتك وَهُوَ رَئِيس الْمُحْسِنِينَ وزعيم الكرماء المنعمين وَالْمعْنَى أَخذه أَبُو فراس فَقَالَ
(3/287)

(وَصِرنْا نَرَى أنَّ المُتارِكَ مُحْسِنٌ ... وَأنَّ خَلِيلا لَا يَضُرُّ وَصولُ)
واصله من قَول الْحَكِيم من لم يقدر على فعل الْفَضَائِل فَلْيَكُن فضائله ترك الرذائل
46 - الْغَرِيب قَالَ ابْن القطاع صحف الروَاة هَذَا الْبَيْت فَرَوَوْه فَاتَهُ بِالْفَاءِ وَالصَّوَاب بِالْقَافِ وَعَلِيهِ قسر الواحدي فَقَالَ إِذا ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته كَانَ ذَلِك حَيَاة ثَانِيَة لَهُ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ قدر الْقُوت وَمَا فضل من الْقُوت فَهُوَ شغل كَقَوْل سَالم بن وابصة
(غِنَىِ النَّفس مَا يكْفِيكَ مِنْ سَدّ خَلةٍ ... فإنْ زَاد شَيئا عادَ ذاكَ الغِنَيِ فَقراً)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَنْبَغِي أَن يلْحق بالأمثال لِأَنَّهُ قد أوجز فِيهِ وَجمع وَمثله مَا يحْكى عَن بعض ولد عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ أَنه رُؤِيَ يَسْتَقِي مَاء فَقيل لَهُ بعد الْخلَافَة فَقَالَ إِنَّمَا فَقدنَا الفضول انْتهى كَلَامه الْمَعْنى يُشِير إِلَى مَا خلده فاتك من الْفضل وَأبقى لَهُ من جميل الذّكر وَأَن التَّوْفِيق فِي ذَلِك موصل بِرَأْيهِ وَالصَّوَاب مَقْصُور على فعله يَقُول ذكر الْفَتى جميل مساعيه وَمَا يخلده من كرمه ومعاليه عمره الثَّانِي لعمره وخلقه من الدُّنْيَا المبقى لذكره وَحَاجته فِيمَا عدا هَذَا قوت يبلغهُ وكفاف من الْعَيْش يستره وَمن طلب من الدُّنْيَا غير ذَلِك فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِفُضُول شغله وأباطيل تموله وَالْمَطْلُوب من الدُّنْيَا العفاف والكفاف وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام الْحَكِيم تخليد الذّكر فِي الْكتب عمر لَا بيد وَهُوَ كل يَوْم جَدِيد
(3/288)

- 1 الْمَعْنى يَقُول للعاذلة كل أحد يدعى دعواك من صِحَة الْعقل ويظن مَا تظنينه فِي عذلك من صَوَاب الْفِعْل فيدعيه كل ذِي رأى سواك وَمن ذَا الَّذِي يشْعر بِمِقْدَار جَهله وَينظر بِعَين الْحَقِيقَة فِي نَفسه
2 - الْغَرِيب لهنك كلمة تسْتَعْمل عِنْد التوكيد وَأَصله لِأَنَّك فأبدلوا الْهمزَة هَاء لِئَلَّا يجْتَمع حرفا توكيد اللَّام وَإِن الْمَعْنى يَقُول أَنْت أولى بالملام وَأَنت أحْوج إِلَى العذل مني لِأَن من أَحْبَبْت لايلام على حبه وَقد بَينه بعد هَذَا
3 - الْإِعْرَاب نصب مثلك على الْحَال من عاشق لَان وصف النكرَة إِذا قدم عَلَيْهَا نصب على الْحَال الْمَعْنى يَقُول إِن وجدت لمحبوبي مثلا فِي الْحسن وجدت لي مثلا فِي الْعِشْق فَإِن حَبِيبِي بِغَيْر مثل كَذَلِك أَنا وَالْمعْنَى يَقُول لَهَا تَقُولِينَ مَا فِي النَّاس عاشق على مثل بصيرتك وَلَا محب يحْتَمل على طريقتك وقولك فِي ذَلِك لَا يدْفع عَن الصدْق ورأيك لَا يعذل عَن الْحق فجدي مثل حَبِيبِي فِي جلالة الْقدر تجدي مثلي فِيمَا بلغته من الْحبّ
4 - الْغَرِيب الْبيض النِّسَاء والمرهفات السيوف الْمَعْنى يَقُول أَنا محب كني بالبيض يُرِيد النِّسَاء عَن السيوف والمرهفات لَا النِّسَاء وبالحسن فِي أجسامهن عَن الصقل للسيوف
(3/289)

- الْمَعْنى يُرِيد وأكني أَيْضا بالسمر والرماح السمر وَيَعْنِي بجناها مَا يجتني بهَا من الْمَعَالِي الَّتِي يرتقي إِلَيْهَا بالعوالي يَقُول فالمعالي هِيَ أحبائي ورسلي الَّتِي تَتَرَدَّد بيني وَبَينهَا الأسنة فَأَنا خَاطب للمعالي بِالرِّمَاحِ وَالْمعْنَى أَن يَجْعَل مَا يظهره من الضعْف والمحبة خَالِصا للرماح ويعتقد أَن مَا يجتنيه بهَا كالأحباب الَّذين ينحو نحوهم وَيجْعَل كعاب أطرافها إِلَيْهِم الرُّسُل
6 - الْغَرِيب الغر الْبيض والنجل الواسعة الْمَعْنى يَقُول أعدمني الله قلبا لَا يكون فِيهِ فضلَة عَن الِاشْتِغَال بالحبيب وَالتَّصَرُّف فِي أَسبَاب الْعِشْق والكلف بِحسان النِّسَاء ذَوَات الثنايا الْوَاضِحَة والعيون النجل الفاترة وأعدمني الله قلبا لَا ينْزع من الْأُمُور إِلَى أرفعها وَيحل من منَازِل الشّرف فِي أجلهَا وَأَكْرمهَا
7 - الْغَرِيب حسناء امْرَأَة نكرَة هُنَا وَالْهَاء فِي بلغتهَا تعود على الْغِبْطَة الْمَعْنى قَالَ الْخَطِيب نهى عَن الْحِرْص فِي طلب النِّسَاء يَقُول إِذا هجرتهَا ثمَّ وصلتها كنت أحسن موقع عِنْدهَا وَأنْشط لَهَا فزادت الْغِبْطَة وَإِذا شَكَوْت إِلَيْهَا الهجر وتذللت لَهَا وهنت فِي عينهَا فحرمتك وَصلهَا فضلا عَن تبليغك الْغِبْطَة وَقَالَ الواحدي الْمَرْأَة الْحَسْنَاء إِذا هجرت لم تحرم المهجور غِبْطَة لِأَنَّهَا لَو أَنْعَمت لَهُ بالوصل مَا بلغته الْغِبْطَة وَمن شكا الهجر وَهُوَ العاشق مفعول ثَان لبلغت يُرِيد إِن وصلته لم تبلغه غِبْطَة
8 - الْمَعْنى يَقُول للعاذلة دعيني من لومك أنل من الْعلَا مَا لم ينل قبلي فَإِن الْعلَا الصعبة وَهِي الَّتِي لم يبلغهَا أحد فِي الْأَمر الصعب الَّذِي لم يُدْرِكهُ أحد وَالْأَمر السهل الَّذِي يُدْرِكهُ كل أحد فِي السهل الْوُصُول إِلَيْهِ وَالْمعْنَى لَا يدْرك من الْمَعَالِي مَا تجل قِيمَته إِلَّا بتكليف مَا تعظم مشقته وَمَا كَانَ مِنْهَا يقرب تنَاوله فبحسب ذَلِك يكون تسافله
9 - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة لقيان بِضَم اللَّام وَقد خطئَ أَبُو الطّيب فِيهِ
(3/290)

وَقَالُوا قد ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي المصادر قَالَ هُوَ مثل الْعرْفَان والحرمان والإتيان والوجدان تَقول لَقيته لقية ولقيا ولقيانا وَلَقي ولقاء وَهِي ضَعِيفَة ولقيانة الْغَرِيب الشهد الْعَسَل والنحل جمع نحلة وَهِي زنابير الْعَسَل الْمَعْنى يَقُول للعاذلة تريدين إِن املك الْمَعَالِي رخيصة وَمن جتني الشَّهِيد قاسي لسع النَّحْل وَلَا يبلغ حلاوة الْعَسَل إِلَّا بمقاساة اللسع وَهُوَ من قَول العتابي
(وإنَّ جَسِيماتِ الأمُورِ مَثوبَةٌ ... بِمُسْتْوْدعاتٍ فِي بُطُنِ الأسَاوِدِ)

10 - الْغَرِيب تجلى تكشف والإجلاء الْكَشْف وَرُوِيَ وَالْخَيْل تدعى يُرِيد وَأَصْحَاب الْخَيل وَهُوَ الفرسان يدعونَ بالانتساب على طَرِيق الْفَخر وَطلب الاشتهار الْمَعْنى يَقُول للعاذلة تحذرين علينا الْمَوْت وَالْحَرب تستعر والفرسان فِي غمراتها تفتخر وَلم تعلمي مَا تجلى عَنهُ من الظُّهُور وَالْغَلَبَة وَمَا تعقب من الْكَرَامَة والرفعة وَلم تعلمي أَن الدائرة علينا أَو عَلَيْهِم وَهَذَا يُشِير إِلَى الْوَقْعَة الَّتِي شَهِدَهَا فِي الْكُوفَة مَعَ الْخَارِجِي قبل وُرُود هَذَا الممدوح إِلَيْهَا
11 - الْإِعْرَاب جعل الاسمين اسْما وَاحِدًا فَفتح الرَّاء وَصرف الِاسْم ضَرُورَة الْغَرِيب دلير ولشكروز اسمان من أَسمَاء الديلم وهما الشجاع بِالْعَرَبِيَّةِ والغبين المغبون وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول كَمَا تَقول قَتِيل بِمَعْنى مقتول وشريت الشَّيْء إِذا بِعته وشريته ابتعته وَهَاهُنَا أَرَادَ الابتياع الْمَعْنى يَقُول إِذا حصلت لنَفْسي إكرام هَذَا الممدوح بمهجتي لم أغبن وَكنت رابحا وَالْمعْنَى لَو ابتعت الْمنية مغتبطا بهَا ولقيتها غير كَارِه لَهَا جَزَاء لما أولاني هَذَا الممدوح من كرامته لما غبنت فِي ذَلِك وَكنت اربح النَّاس بِهَذَا
12 - الْغَرِيب الأنابيب جمع أنبوب وَهُوَ مَا بَين كعوب الْقَنَاة وحلا واحلو لي واستحليته واحلوليته بِمَعْنى وَأمر الشَّيْء يمر إمرارا الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحَرْب شَدِيدَة المرارة وَهَذَا أَشَارَ إِلَى الْوَقْعَة الَّتِي جرت بِالْكُوفَةِ وَلم يشهدها الممدوح وَكَانَت سَبَب قدومه إِلَى الْكُوفَة وَالْمعْنَى يَقُول تمر الرِّيَاح الَّتِي تخطر بَيْننَا ثمَّ نذْكر إقبال الممدوح وَمَا يَدْعُو ذَلِك إِلَيْهِ عِنْد قدومه فيحلو لنا الْقِتَال فنقدم على الْأَعْدَاء وَقد عَابَ قومه عَلَيْهِ فتحلولي مَعَ قَوْله تجلى وَقَالُوا كَيفَ جمع بَينهمَا فِي القافية وَلَا صِحَة للواو وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الْوَاو وَالْيَاء إِذا سكتنا وَانْفَتح مَا قبلهمَا
(3/291)

جرتا مجْرى الصَّحِيح مثل القَوْل والمين وَكَذَلِكَ إِذا انفتحا وَسكن مَا قبلهمَا مثل أسود وابيض وَهَذَا مثل قَول الكسعي
(يَا رَبّ وَفَّقْنِي لِنَحْتِ قَوْسِي ... فإنَّها مِنْ أرَبِي لِنَفْسي)

(وانْفَعْ بَقَوْسِي وَلَدِي وعرْسي ... )
وَقَالَ البحتري
(إنْ سَيْرَ الخَليطِ لَما اسْتَقَلاَّ ... )
ثمَّ قَالَ فِي هَذِه القصيدة
(ذاكَ فَضْلٌ أُوتِيتَهُ كُنْتَ مِنْ بيْنِ ... الْبَرَايا بِهِ أحَقَّ وأوْلَي)
وَقَالَ ابْن جنى هَذَا عيب وَقد جَاءَ فِي الشّعْر الْقَدِيم قَالَ الشَّاعِر
(إذَا كُنْتَ فِي حاجةَ مُرْسِلاً ... فأرْسلْ حَكِيما وَلا تُوصِهِ)

(وإنْ نابَ أمْرٌ عَليكَ التَوىَ ... فَشاوِرْ لَبيبا وَلا تَعْصيهِ)

13 - الْمَعْنى يَقُول لَو كنت أَدْرِي دراية تَيَقّن أَن مَا باشرته فِي الْحَرْب سَبَب إِلَى قربه وَمُوجب للنَّظَر إِلَى وَجهه لزاد سروري بوفور حظي من الْقَتْل الَّذِي كنت أحذره واقتحامي على الْهَلَاك الَّذِي كنت أتوقعه
14 - الْإِعْرَاب كاشف نصب على النداء الْمُضَاف وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَن يكون حَالا الْغَرِيب العراقان الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَقيل الْعرَاق الأول الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَمَا بَينهمَا إِلَى حلوان وَمن حلوان إِلَى الرّيّ الْعرَاق الثَّانِي وَالْمحل الجدب الْمَعْنى يَقُول فَلَا عدم الْعرَاق فتْنَة كَانَت سَببا لقدومك إِلَيْهَا فَأَنت كاشف الْخَوْف عَنْهَا بهيبتك وبركة سياستك وصارف الْمحل عَنْهَا بكرمك وجود راحتك
15 - الْغَرِيب النبو التَّأَخُّر عَن النَّفاذ والنصول السيوف الْمَعْنى يَقُول أَقَمْنَا فِي الْوَقْعَة الَّتِي قدمت على أَثَرهَا إِذا نبت السيوف بِأَيْدِينَا عِنْد المجالدة وَعَلَيْهَا كَثْرَة جنن أَعْدَائِنَا المتظاهرة نجرد فيهم من ذكراك مَا هُوَ أنفذ من السيوف الصارمة وَأَشد عَلَيْهِم من النصول الْمَاضِيَة وَالْمعْنَى إِذا لم تنفذ سُيُوفنَا على أسلحة أَعْدَائِنَا ذكرناك فنفذت عَلَيْهِم بهيبتك
(3/292)

- الْإِعْرَاب سكن الْيَاء فِي نَوَاصِيهَا للضَّرُورَة وَمثله
(كأنَّ أيْديِهنَّ بالقْاعِ القَرقْ ... )
وَالضَّمِير فِي نَوَاصِيهَا لخيل الْأَعْدَاء وَإِن لم يجر لَهَا ذكر الْغَرِيب النبل سِهَام الْعَرَب وصاحبها نابل ونبال وَسَائِر سِهَام الْعَجم النشاب قَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ يذكر عجم الْفرس يَوْم ذِي قار
(لَمَّا أمالُوا إِلَى النُّشَّابِ أيْديِهُمْ ... مِلْنا ببِيِضٍ تَظَلُّ الهَامَ يخْتطِفُ)
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(ولَيْس بذِي سَيْفٍ ولَيس بنَبَّالِ ... )
الْمَعْنى يَقُول نرمي نواصي خيل الْأَعْدَاء إِذا سميناك بِمَا هُوَ أقتل لَهَا من نشابنا والنشاب عَرَبِيّ مَأْخُوذ من نشب فِي الشَّيْء علق
17 - الْإِعْرَاب جعل الظّرْف نكرَة فأعربه فَكَأَنَّهُ قَالَ أَولا وَقد قَرَأَ الْجعْفِيّ والجحدري لله الْأَمر من قبل وَمن بعد وَقَالَ الشَّاعِر
(فَساغ لَي الشَّرابُ وكُنْت قَبْلاً ... أكادُ أَغَصُّ بالمَاء الحْميمِ)
وَأنْشد أَبُو زيد لخاله بن سعد الْمحَاربي وَكَانَ جاهليا
(حَبَوْتُ بِها بني سَعْدِ بْنِ عَوْفٍ ... على مَا كَانَ قَبْلٌ منْ عِتابِ)
الْمَعْنى يَقُول للممدوح إِن كنت أَتَيْتنَا على عقيب وقعتنا وَلم تشهد مَا قصدت لَهُ من نصرتنا فَلم يهْزم الْأَعْدَاء قبل ورودك إِلَّا بذكرك ولولاك لما قَدرنَا عَلَيْهِم وَلما ظهرنا عَلَيْهِم إِلَّا بِمَا أحَاط بِنَا من سعدك وعلو جدك فَأَنت الْغَالِب لَهُم فِي الْمَعْنى
18 - الْغَرِيب السنابك مقادم الحوافر وَاحِدهَا سنبك والسبل الطّرق الْوَاحِد السَّبِيل الْمَعْنى يَقُول مازلت قبل اجتماعي بك أطوي الْقلب على نِيَّة فِي قصدك وحاجة من النهوض إِلَى أَرْضك فَصَارَ ذَلِك الْوَفَاء بِعْ بَين سنابك الْخَيل الَّتِي يسْتَعْمل ركضها ومناهج السبل الَّتِي يسْتَأْنف قطعهَا فَهِيَ حَاجَة لَا تدْرك إِلَّا بِقطع الْمسَافَة وَمَا أحسن مَا كنى بِهِ عَن الْمسير إِلَيْهِ
(3/293)

- الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وَهِي الْخَيل الْكِرَام وغرائب جمع غَرِيبَة وَهِي الغريبة من النَّاس بِمَا حازت من الْأَخْلَاق الَّتِي لَا تُوجد فِي سواهَا الْمَعْنى يَقُول لَو لم تسر نحونا لبادرنا إِلَيْك مُسْرِعين بأنفس تُؤثر الْجِيَاد على الْأَهْل وَلَا تأنس إِلَّا بِمَا يوفر حظها من الْفضل وَالْمعْنَى أَنه يخْتَار السّفر على الْإِقَامَة وَالنّصب على الدعمة تحصيلا للذّكر والشرف
20 - الْغَرِيب الْمرجل الْقدر يغلي من الغليان بالطبخ الْمَعْنى يَقُول ولبادرنا نَحْوك بخيل تصيد قبل المرعى فَلَا ترعى الرياض قبل صيد الْوَحْش وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا يلْحقهَا الكلال فيمنعها من صيد الوحوش بعد طي المراحل وَالْمعْنَى كُنَّا نقصدك بأنفس الْكِرَام وخيل كرام لَا يُنكر سبقها عتاق لَا يستكره خلقهَا إِذا عنت لَهَا سوانح الْوَحْش وأحاطت بهَا خمائل الرَّوْض أَبَت أَن تطمئِن راتعة وتستقر وَادعَة حَتَّى تدْرك مَا تحاول من الْوَحْش قَالَ الواحدي وَهَذَا من قَول امْرِئ الْقَيْس
(إذَا مَا رَكِبْنا قالَ وِلْدَانُ أهْلِنا ... تَعالَوْا إِلَى أنْ يَأتِيَ الصَّيدُ يخَطْبِ)

21 - الْمَعْنى يَقُول كَانَ فِي عزمنا ان نقصدك وَالْقَصْد مقترن بِفضل القاصد فَلَمَّا اتّفق ورودك كَانَ الفضلان لَك لِأَنَّك جئتنا وَلم تحوجنا إِلَى مسير إِلَيْك فلك فضل تنفرد بِهِ دون النَّاس وَفضل كسبته بقصدك إِلَيْنَا
22 - الْإِعْرَاب أَرَادَ يتتبع فأدغم التَّاء فِي أُخْتهَا لما أسكنها وَمثله يطير الْغَرِيب الوبل الْمَطَر الْكثير والرائد الَّذِي ترسيله الْقَوْم فيطلب لَهُم الْكلأ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ من يقْصد الْخَيْر كمن يَأْتِيهِ بِلَا قصد وَلَا تَعب فَلَيْسَ من يطْلب الْمَطَر كمن يمطر فِي دَاره وَقَالَ الواحدي إِنَّهُم بِسَبَب إِتْيَانه إِلَيْهِم صَارُوا كالمطور ببلدته لَا يتعنى فِي الرياد وَطلب الْموضع الممطور وَقَالَ الْخَطِيب أَنْت كالسحاب الَّذِي جَاءَنَا مطره وَلم يجوجنا إِلَى السّفر لترعى مَا أَنْبَتَهُ فِيمَا بعد من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة الَّتِي تقصد للمرعى
(3/294)

- الْمَعْنى يَقُول وَلست مِمَّن يَدعِي الشوق وَلَا يصدق ذَلِك يظاهر فعله ويحتج فِي ترك الزِّيَارَة بِمَا ترادف عَلَيْهِ من شغله يُرِيد أَنه لَو تَأَخّر عَن قدومه الْكُوفَة لقصده أَبُو الطّيب وَلم يحْتَج بشغل فالمدعي الشوق إِذا تعلل بِالشغلِ كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ وَلِأَن المشتاق الصَّادِق لَا يمنعهُ عَن الزِّيَارَة مَانع وَلَا يقطعهُ عَنْهَا قَاطع وَمَا أحسن قَول من قَالَ
(بعيدٌ عَن الكَسْلانِ أوْ ذِي مَلالَةٍ ... وأمَّا عَلى المُشْتاقِ فَهْوَ قَرِيبُ)

24 - الْغَرِيب الشويهات تَصْغِير شَاة يرد على الْوَاحِد وَجَمعهَا بِالتَّاءِ وَالْألف كجفان وجفنات وَالْإِبِل وَالْإِبِل وَاحِد الْمَعْنى يَقُول أَرَادَت كلاب هَذِه الْقَبِيلَة وَهِي من قيس عيلان وهم الَّذين قصدُوا الْكُوفَة وَقَاتلهمْ أَهلهَا قبل قدوم هَذَا الديلمي الممدوح يُرِيد أَنهم قَبيلَة ضَعِيفَة يرعون الْإِبِل وَالشَّاء تعرضوا بجهلهم إِلَى طلب دولة ثمَّ قَالَ وَلمن تركُوا رعي الْإِبِل وَالْغنم إِذا أَرَادوا أَن يَكُونُوا ملوكا يُرِيد أَن الْملك لَا يَلِيق بهم وَإِنَّمَا يَلِيق بهم الرَّعْي
25 - الْغَرِيب الضَّب دَابَّة وَجمعه ضباب واضب مثل كف وأكف وَفِي الْمثل أعق من ضَب لِأَنَّهُ يَأْكُل حسوله وَالْأُنْثَى ضبة وَسَماهُ خبيثا لِأَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي أكله فَمنهمْ من قَالَ هُوَ حَلَال لِأَنَّهُ أكل على مائدة رَسُول الله
فِي الصَّحِيح من حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد وَعبد الله بن عَبَّاس فِي بَيت مَيْمُونَة خالتهما وَلم يَأْكُل مِنْهُ رَسُول الله
وَقَالَ إِنَّه لم يكن بِأَرْض قومِي فأجدني أعافه وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه مَكْرُوه لِأَن رَسُول الله
لم يَأْكُلهُ وعافه فَالْأولى اتِّبَاع الرَّسُول
الْمَعْنى يَقُول أبي الله أَن يظفرها من ذَلِك بِمَا طلبته ويعيها على مَا محاولته وَأَن يتْرك الْوَحْش مُنْفَردا عَن مجاورتها عادما لما هُوَ عَلَيْهِ من مساكنتها وَأَن يُؤمن الضَّب الْخَبيث من تصيدها لَهُ وَمن تقومها بِهِ يُرِيد أَنهم أهل بادية هَذَا شَأْنهمْ فيأبى الله لَهُم إِلَّا هَذَا ويأبى لَهُم أَن يَكُونُوا ملوكا
26 - الْغَرِيب الطمرة الْفرس العالمية الْكَرِيمَة والسحوق النَّخْلَة الطَّوِيلَة يُقَال
(3/295)

نَخْلَة سحوق وجبارة ومجنونة وباسقة يُرِيدُونَ الْعُلُوّ وَأَنَّهَا ممتنعة لَا يصل إِلَيْهَا أحد إِلَّا بالتعب قَالَ
(يَا رَبّ أرْسِلْ خارِفَ المساكيِنْ ... عَجاجةً مُسْبَلَةً العَثانِينْ)

(تَحُتُّ تَمْرَ السُّحْقِ المَجانِينْ ... )
هَذَا يَدْعُو الله أَن يُرْسل ريحًا على النّخل لتسقط الرطب فيأكل الْمَعْنى يَقُول قاد لَهُم هَذَا الممدوح كل فرس كَرِيمَة عالية طَوِيلَة الْعُنُق كَأَن مَا يشرف برأسها من عُنُقهَا نَخْلَة سحوق وَأَشَارَ بالخدين إِلَى الرَّأْس لِأَنَّهُمَا مِنْهُ غير منفصلين عَنهُ وَهُوَ من قَول الآخر
(كَأنَّ الجسْمَ للِرائِينَ طَوْدٌ ... وَهاديها كَأنْ جِذَعٌ سَحُوقُ)

27 - الْمَعْنى وقاد لَهَا كل حصان جواد قوي أسره شَدِيد خلقه تلطم الأَرْض كَفه لصلابته وقوتها لما هِيَ عَن النَّعْل وَالْحَدِيد أغْنى من ذَلِك النَّعْل عَن نعل آخر وَلما هِيَ أثبت مِنْهُ فِي خلقه وجنسه واستعار للحافر الْكَفّ كَمَا يستعار للْإنْسَان الْحَافِر من الْفرس فِي قَول الشَّاعِر
(فَما رَقَدَ الوِلْدانُ حَتَّى رَأيتُهُ ... عَلى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِساقِ وَحافِرِ)

28 - الْغَرِيب الإراغة الارتياد والمحاولة وارتاغ طلب وَأَرَادَ وماذا تريغ أَي مَاذَا تطلب وراغ إِلَيْهِ مَال الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى يُرِيد لَو ظَفرت بِالْكُوفَةِ وَمَا قصدت لَهُ لوصلت إِلَى تنَاول الْغَيْث بِالْيَدِ عَن قرب قَالَ الْعَرُوضِي هَذَا تَفْسِير من لم يخْطر الْبَيْت بِبَالِهِ لِأَنَّهُ ظَاهر وللمتدبر أَن يَقُول قد كَانَت كلاب فِي أَمن ونعمة ثمَّ شبه مَا كَانُوا فِيهِ بالغيث فأرادوا طلب الْملك وَجَاءُوا محاربين فهزموا فَلَمَّا توَلّوا هاربين قصدُوا بأرجلهم مَا كَانَ فِي أَيْديهم من مواطنيهم ونعمهم فَذَلِك قَوْله وتطلب مَا قد كَانَ فِي الْيَد بِالرجلِ وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَنَّهَا كَانَت فِي غيث من إقطاع السُّلْطَان وإنعامه فَلَمَّا عصوا وحاربوا وانهزموا وولوا هاربين يطْلبُونَ مأمنا وحصنا وَقد خلفوا أمنا كَانَ حَاصِلا لَهُم وَقَوله تطلب بأرجلها مَا كَانَ فِي أيديها أَي تطلب بهربها وعدوها على أرجلها مَا كَانَ حَاصِلا فِي أيديها وَالْمعْنَى أَنَّهَا تطلب مَا كَانَ فِي أيديها آمِنَة مطمئنة بالانتقال والرحلة خائفة متوقعة وَأَشَارَ بِالْيَدِ وَالرجل إِلَى الْحَالَتَيْنِ
(3/296)

- الْغَرِيب المَال السَّائِمَة من الْإِبِل وَغَيرهَا والهزال الضعْف والإضاعة يُقَال هزل فلَان إبِله هزلا إِذا أضاعها حَتَّى تهزل والهزل ضد السّمن يُقَال هزلت الدَّابَّة على مَا لم يسم فَاعله هزالًا وهزلته أَنا هزالًا فَهُوَ مهزول وأهزل الْقَوْم أَصَابَت مَوَاشِيهمْ سنة فهزلت الْمَعْنى يَقُول حذرت الهزال على نعمهم وَقد ذلوا بِالْقَتْلِ والهزيمة وَمَا لحقهم من الذل شَرّ مِمَّا يحذرون على أَمْوَالهم من الهزال وَالْمعْنَى أَنَّهَا تحاذر على أموالها الضّيَاع والهزال وتستهل لأنفسها الصغار والإذلال وَأشْهد أَن الذل أَشد من الهزال وَإِن الصغار أوجع لقلوب الْأَحْرَار من الْفقر
30 - الْغَرِيب السجايا الْخَلَائق وَاحِدهَا سجية الْمَعْنى يَقُول أَهْدَت ألينا لِأَنَّهَا كَانَت سَببا لقدومه وَمَا أحسن مَا قَالَ غير قاصدة وَالْمعْنَى أَهْدَت إِلَيْنَا بَنو كلاب بِمَا أظهرته من الْعِصْيَان وأعلنت بِهِ من خلاف السُّلْطَان غير عامدة إِلَى مَا أهدته وَلَا قاصدة إِلَى مَا أوجبته من قدوم الْأَمِير دلير كريم الْخَلَائق مشكور الْمذَاهب يسْبق فِي الإفضال فعله قَوْله ويتقدم فِي الْإِحْسَان إنجاز وعده
31 - الْغَرِيب الرزايا الفجائع وآثار الأسنة الْجِرَاحَات الَّتِي تحدثها الرماح والفتل جمع فَتِيلَة وَهِي الَّتِي تجْعَل فِيهَا الطَّبِيب المرهم ليوصله إِلَى الْجرْح الْمَعْنى يُرِيد أَنه تتبع أثار الفجائع فسلى عَنْهَا بجوده وتقصي بقايا المكاره فعزى عَنْهَا بِفِعْلِهِ وتلافى ذَلِك كَمَا تتلافى جراح الأسنة بالفتل الَّتِي تجبر وتدفع عواديها وألمها وَفِيه نظر إِلَى قَول بشامة بن حزن
(بِيضٌ مَفارِقُنا تَغْليِ مرِاجِلنا ... نَاْسو بأمْوالِنَا آثارَ أيْديِنا)
32 - الْإِعْرَاب الثاكلات فِي مَوضِع نصب عطفا عَن كل تَقْدِير شفي كل والثاكلات وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع جر والعطف أولى وَأظْهر الْغَرِيب الثاكلات جمع ثاكلة وَهِي الَّتِي ثكلت وَلَدهَا بِمَوْت أَو قتل وَهن المفجعات والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يَقُول أدْرك آثَار النَّاس وشفاهم بِسَيْفِهِ وشفى الثاكلات من ثكلهن وَالْمعْنَى أَنه عَم بِالْإِحْسَانِ وَالْفضل وأجار بكرمه من نَوَائِب الدَّهْر
(3/297)

- الْغَرِيب تروق تعجب وتحسن وحاد مَال وَرجع الْمَعْنى يَقُول هُوَ عفيف عَن كل شَيْء وَعَن كل أُنْثَى فَلَو نزلت الشَّمْس لشوقها إِلَيْهِ لمَال عَنْهَا إِلَى الظل وَهَذَا من الْمُبَالغَة فِي الْعِفَّة وَأَنه أحسن من الشَّمْس لِأَنَّهُ جعل الشَّمْس تشتاقه فَلَو نزلت مشتاقة إِلَى غرته لمَال إِلَى الظل غير مسعد لَهَا
34 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ شُجَاع كَأَن الْحَرْب عاشقة لَهُ فَهِيَ عِنْد زيارته لَهَا وَمَا يتسرع إِلَيْهِ من الْإِلْمَام بهَا تفديه من الْخَيل وَالرجل بِمَا يَطْلُبهُ وَتمكن لَهُ من الصنع افضل مَا يرغبه وَهَذَا من غَرِيبه الَّذِي لم يسْبق إِلَيْهِ
35 - الْغَرِيب تصدى تعطش والصدى الْعَطش والبذل الْعَطاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ رَيَّان الْجَوَارِح بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من صيانته مبرقع عَن الْمَحَارِم بِمَا تؤثره من توفير مروءته نَفسه لَا تعطش إِلَّا الْخمر ورأيه لَا يعدل بِهِ إِلَى الْبَاطِل وَاللَّهْو لكنه عطشان من الْكَرم فيداه لَا تروى مِنْهُ ورغبته لَهُ تتأكد فِيهِ ورأيه لَا ينْصَرف ويروي نداه بالنُّون أَي كرمه
36 - الْمَعْنى يَقُول تَمْلِيكه وتمكين الله لأَمره وتأييده على مَا يُوجب لَهُ تَعْظِيم قدره مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من إِيثَار الْإِحْسَان وَمَا يعْتَقد من مُوَاصلَة التطول والأنعام شَهِيد بوحدانية الله وعدله وَمَا جدد لِعِبَادِهِ من لطائفه وصنعه وَحَيْثُ ملك عَلَيْهِم من هُوَ عفيف محسن
37 - الْغَرِيب اللَّيْث الْأسد والشبل ولد الْأسد الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى لَا تعْمل أَنْيَاب الْأسد مَا يعْمل سَيْفه فِي كَفه فَكَأَنَّهَا لَيست مَوْجُودَة وَلَيْسَ الْمَعْنى مَا ذكره وَإِنَّمَا الْمَعْنى مَا دَامَ قَائِم سَيْفه فِي كَفه لم يتسلط أَسد على فريسة لانه يصده بِسَيْفِهِ أَن يعدو على النَّاس وَالْمعْنَى مَا دَامَ يهز سَيْفه الْأسود ذليلة لَا تخَاف عاديتها وأنيابها كليلة لَا تتَوَقَّع مضرتها
38 - الْمَعْنى مَا دَامَ يقلب كَفه بالبذل فَلَا يحل لأحد دَعْوَى المكارم وَالْمعْنَى مَا دَامَ يقلب كَفه بِمَا يستعملها فِيهِ من الْكَرم ويمطره من سحائب النعم فَلَا أحد فِي حل من دَعْوَى المكارم وَلَا من الانتساب إِلَى مَا انْفَرد بِهِ من الْفَضَائِل لِأَنَّهُ المستولى على ذَلِك وَالْمُنْفَرد فِيهِ بجميل الذّكر
39 - الْغَرِيب الطَّهَارَة التبري من الدنس الْمَعْنى يَقُول هُوَ مستبصر فِي إِيثَار الْفضل مجبول على الْكَرم والبذل يكره الْبُخْل وينافره ويبغضه وَيُخَالِفهُ وَلَا يعد الدنس إِلَّا فِي الالتباس بِهِ وَلَا الطَّهَارَة إِلَّا فِي المجانبة لَهُ
40 - الْمَعْنى يُرِيد لَا قطع الله أصلا أَنْجَب لنا مثله وحرس النَّسْل الَّذِي نشر علينا فَضله فَإِنِّي رَأَيْت الْفُرُوع إِنَّمَا تطيب بِحَسب طيب أُصُولهَا وتكرم بِمِقْدَار كرم من إِلَيْهِ مصيرها
(3/298)

- 1 الْغَرِيب ثلثت الرجلَيْن صرت ثالثهما والإرزام حنين الْإِبِل وَمِنْه الرزمة صَوت السَّحَاب والطلل مَا أشرف من بقايا الديار الْمَعْنى كن أَيهَا الطلل ثَالِثا فِي الْبكاء على فقد الْأَحِبَّة فَنحْن نبكي وَالْإِبِل تحن مَعنا تساعدنا بالبكاء على مَا غيرته الْأَيَّام من بهجتك وأذهبت من غضارتك وَجَدْتُك ووصلته من بعد أحبائنا العامرين لَك الجامعين شَمل السرُور بك فَإنَّا نبكي فِيك ونوقنا ترزم ونندب ساكنيك ودموعنا تسجم وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري
(اطْلُبا ثالِثا سِوَايَ فإّني ... رَابِعُ العِيسِ وَالدُّجَى وَالبِيدِ)
(3/299)

وَأخذ التهامي معنى قَول أبي الطّيب فِي قَوْله
(بَكَيْتُ فَحَنَّتْ نَاقَتي فأجاَبها ... صَهِيلُ جَوَادِي حينَ لاحَتْ دِيارُها)

2 - الْمَعْنى يَقُول لَا عتب عَلَيْك فِي ترك الْبكاء فَإِن الطلول لَيْسَ من عَادَتهَا الْبكاء فَهِيَ فاعلة لمثل هَذِه الفعلة فِي ترك المساعدة على الْبكاء يعذرهُ فِي ترك الْبكاء
3 - الْمَعْنى يَقُول لَو كنت تنطق لَقلت صَادِقا غير مكذب ومعذورا غير مؤنب إِن الَّذِي أشكوه وأظهره تَقول عِنْد الَّذِي تخفيه وتضمره وَأَن دَلَائِل مَا تطويه من الأسف بادية وَأَن شواهده وَإِن صمت منادية
4 - الْغَرِيب الشغف إحراق الْحزن للقلب الْمَعْنى يَقُول لَقلت الَّذِي بِي أَكثر من الَّذِي بك لأَنهم شغفوك حبا فأذهبوا قَلْبك وقتلوني بارتحالهم عني والقتيل لَا يقدر على الْبكاء قَالَ أَبُو الْفَتْح فَإِن قيل فَإِذا قدر على أَن يجِيبه فَهَلا بَكَى مَعَه قُلْنَا إِن كلفة الْبكاء أَشد من كلفة الْكَلَام وَلَيْسَ على أبي الطّيب فِي هَذَا دخل لِأَنَّهُ مَا قَالَ لَو قدر على الْكَلَام لقدر على الْبكاء
5 - الْإِعْرَاب إِن الَّذين يجوز أَن يكون من كَلَام الطلل مُتَّصِلا بالْكلَام المحكي عَنهُ وَلَا يمْتَنع أَن يكون من خطاب أبي الطّيب لَهُ فَيجوز ضم التَّاء وَفتحهَا من أَقمت الْغَرِيب الدول جمع دولة وَهِي مُدَّة مقَام الْأَحِبَّة فِي الطلل الْمَعْنى يَقُول للطلل إِن الَّذين رحلوا عَنْك وبعدوا بجماعتهم أيامهم للديار الَّتِي يحلونها والمنازل الَّتِي يتخيرونها دوَل سرُور مُسْتَقْبلَة وَأَيَّام جذل مستأنفة وَالَّذِي صرف عَنْك من ذَلِك يوحشك وَمَا منعته مِنْهُم لَا محَالة يؤلمك
6 - الْمَعْنى يَقُول الْحسن يرحل مَعَ الَّذين هاجنا الْحزن لرحيلهم وَينزل مَعَهم بِالْمَكَانِ الَّذِي ينزلونه فَلَا يفارقهم انقياد لأمرهم وَلَا يتَأَخَّر عَنْهُم كلفا بهم
(3/300)

- الْإِعْرَاب الظّرْف يتَعَلَّق بِمَا قبله يُرِيد أَن الْحسن فِي مقلتي رشأ يرحل برحيله الْغَرِيب الرشأ ولد الظبية الصَّغِير وَالْحلَل جمع حلَّة وَهِي الْقَوْم المجتمعون فِي بيُوت مجتمعة للنزول والبدوية الساكنة البدو والبداوة بِالْفَتْح وَالْكَسْر الْإِقَامَة فِي الْبَادِيَة وَهِي خلاف الْحَاضِرَة وَقَالَ ثَعْلَب لَا أعرف الْفَتْح إِلَّا عَن أبي زيد وَحده وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بداوي الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحسن يرحل فِي مقلتين مستعارتين من ظَبْي صَغِير تدبرهما امْرَأَة سَاكِنة البدو وَقد فتنت بهما أهل الْحلَل الَّذين حلوا مَعهَا يُرِيد أَن الْجَمِيع الْحسن الَّذِي أرفع فِي وَصفه وَأَطْنَبَ فِيمَا اجتلب من ذكره فِي مقلتي ظَبْي تديرهما سَاحِرَة الطّرف ناعمة ظَاهِرَة الظّرْف تفتن من رَآهَا
8 - الْإِعْرَاب روايتنا فِي صدودها بِالنّصب والجر عَن شَيْخي فالنصب عطف على طول والجر عطف على هجرتهَا الْمَعْنى يَقُول إِن المطاعم وَهِي الْأَطْعِمَة تَشْكُو قلَّة رغبتها فِيهَا وَهُوَ حميد فِي النِّسَاء وَدَلِيل على الخفر يُرِيد أَنَّهَا قَليلَة الْأكل ثمَّ قَالَ إِن هجرت الطَّعَام فَإِن من عاداتها الهجر فَإِنَّهَا لَا تواصل أحدا وَمن الَّذِي تواصله مَعَ موضعهَا من الْجَلالَة والرفعة والمنعة
9 - الْإِعْرَاب الْجُمْلَة الابتدائية فِي مَوضِع الْحَال من تركته وَمَا أسأرت بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ مُبْتَدأ وَخَبره تركتهه كَقَوْلِك مَا ضربه زيد عَمْرو الْغَرِيب السؤر مَا أبقاه الشَّارِب لغيره وَالْجمع الإسار وَإِذا شربت فأسئر أَي أبق والنعت مِنْهُ سآر على غير قِيَاس وَقِيَاسه مسئر وَنَظِيره أجْبرهُ فَهُوَ جَبَّار قَالَ الأخطل
(وشارِبٍ مُربِحٍ بالكأسِ نادمَنِي ... لَا بالحصُورِ وَلَا فِيها بسَئَّارِ)
يُرِيد لَا يسئر كثيرا وَأدْخل الْبَاء فِي الْخَبَر لانه ذهب بِلَا مَذْهَب لَيْسَ لمضارعته لَهُ فِي النَّفْي والقعب قدح من خشب مقعر وحافر مقعب مشبه بِهِ وَالْجمع قعبة الْمَعْنى يَقُول الَّذِي أبقته فِي الْقدح من شرابها تركته مسكا وَعَسَلًا يُرِيد عذوبة رِيقهَا وَطيب نكهتها وان سؤرها كالمسك فِي أرجه وفوحه وَالْعَسَل فِي حلاوته وطيبه وَفِيه نظر إِلَى قَول جميل
(فَلَو تَفَت فِي البَحْرِ وَالبَحْرُ مالِحٌ ... لَعادَ أُجاجُ البَحْرِ مِن رِيقِها عَذْبا)
(3/301)

- الْغَرِيب الثمل السَّكْرَان والثمل السكر الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَت لي عاذلتي على الْعِشْق أَلا تصحو من بطالتك فَقلت لَهَا أَخْبَرتنِي فِي فحوى كلامك حِين أَمرتنِي بالصحو إِن الْهوى سكر لَان الصحو لَا يكون من غير السكر وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ غافلا عَن حَال نَفسه لشدَّة هيمانه وَإِنَّمَا نبهته على أَنه سَكرَان من الْهوى انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى قلت لَهَا إِن الْهوى سكر يغلب على الْعقل والمبتلى بِهِ لَا يصغي إِلَى الْمَلَامَة والعذل
11 - الْغَرِيب فناخسر من أَسمَاء الدليم وَهُوَ اسْم عضد الدولة وصبحكم أَتَاكُم صباحا للغارة يُقَال صبحهمْ وصبحهم مشددا ومخففا إِذا أَتَاهُم صباحا للغارة قَالَ الشَّاعِر
(ونْحنُ صبَحْنا آل نجْران غَارة ... تمِيم بْن مُرّ والرّماح الدَّواعسا)
تَمِيم بن مر بدل من غَارة والرماح معطوفة عَلَيْهِ والغزل الكلف بِأُمُور النِّسَاء الْمَعْنى يَقُول لَو أصبح أَرْضك هَذَا الممدوح مَعَ عفته وجده فِي الْأُمُور واعتبرنا جيشان بجيوشه وبرزت لَهُ وَحدك لعافه غزل الْحبّ عَمَّا استظهر بِهِ من الجموع للحرب قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا أحسن مَا كنى عَن الْهَزِيمَة بقوله عاقه الْغَزل وَقَالَ ابْن فورجة لَو كَانَت هَذِه إِحْدَى السعالي لما هزمت أحد فَكيف عضد الدولة وَمَا وَجه الْهَزِيمَة عَمَّن تُوصَف بالْحسنِ وَيُقَال فِيهَا بدوية فتنت بهَا الْحلَل وَإِنَّمَا هَذَا وصف لعضد الدولة بالرغبة عَن النِّسَاء والتوفر على الْجد ثمَّ لما بَالغ فِي وصف هَذِه وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْمَدْح أَتَى بالغاية فِي ذكر حسنها حَتَّى لَو أَن عضد الدولة مَعَ توفره وجده على تَدْبِير الْملك لَو تعرضت لَهُ هَذِه الْمَرْأَة لقدحت فِي قلبه غزلا عاقه عَن الرُّجُوع عَنْهَا أَلا ترَاهُ يَقُول بعده مَا كنت فاعلة وضيفكم وَكَيف يُضَاف المنهزم وَإِنَّمَا غلط أَبُو الْفَتْح لما سمع قَوْله وَتَفَرَّقَتْ عَنْكُم كتائبه وَإِنَّمَا تتفرق عَنْكُم حِينَئِذٍ عَنْهُم لتوفرها على الْغَزل وَاللَّهْو وَلَذَّة الظفر بالحبيب
12 - الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهِي جمَاعَة من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول لتفرقت كتائبه عَنْكُم ويئست عَمَّا تحاوله مِنْكُم والملاح خوادع الْعُقُول والكلف بِهن من أَسبَاب الذهول
(3/302)

- الْمَعْنى يَقُول مَا كنت فاعلة وضيفك ملك الْمُلُوك وَسيد السادات وسبيل من حل بِهِ أَن يظْهر إجلاله وإعظامه وَأَن يلْتَزم مبرته وإكرامه وشأنك الْإِعْرَاض وَالْبخل وخلقك التثاقل والكسل
14 - الْغَرِيب الْقرى مَا يتَكَلَّف للضيف من الطَّعَام وَغَيره الْمَعْنى يَقُول أَكنت تمنعين من قراه فتفتضحى فِي فعلك أم تسمحين بذلك فتخرجي عَن الْمَعْهُود من أَمرك
15 - الْغَرِيب الْجور خلاف الْعدْل وَأَصله الْميل عَن الْحق وَعَن الطَّرِيق والوجل وَالْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لَا يحل بِحَيْثُ حل من مَنَازِله وَلَا يصير فِيمَا يسْتَقرّ بِهِ من موَاضعه بخل وَلَا وَجل يعْتَرض فِيمَا بسط الله لَهُ من الدعة والأمن
16 - الْغَرِيب الطنب اعوجاج فِي الرمْح الْمَعْنى يَقُول لاستقامته واعتداله فِي الْأُمُور إِذا ذكرنَا اسْمه اعتدل لَهُ الرمْح المعوج
17 - الْمَعْنى يَقُول أَنه سَاس الْملك وَأحسن سياسته وعمرت الأَرْض بِهِ أحسن عمَارَة وأربى فِي إحاطته على الْمُلُوك الَّذين كَانُوا قبله وَزَاد على سير الْحُكَمَاء الْأَوَّلين فَإِن لم يكن من قبله من الْمُلُوك عجز عَمَّا أبداه فِي السياسة وَأظْهر فقد قصر فِي أَن أهمل ذَلِك وأغفله وَالْمعْنَى غفلوا عَن ذَلِك حَيْثُ لم يَسِيرُوا فِي الرَّغْبَة بسيرته الْكَرِيمَة
18 - الْغَرِيب ابْن بجدتها عَالم بدخلها وَمَا يشكل من أمورها يُقَال هُوَ عَالم بيجدة أَمرك بِفَتْح الْبَاء وَبِضَمِّهَا وبضم الْبَاء وَالْجِيم أَيْضا أَي بدخلة أَمرك يُقَال عِنْده بجدة ذَلِك أَي علمه وَيُقَال للْعَالم بالشَّيْء هُوَ ابْن بجدته الْمَعْنى يَقُول حَتَّى ملك الدُّنْيَا عضد الدولة وَكَانَ عَالما بهَا وبضبط أمورها وسياسة أَهلهَا فَشَكا إِلَيْهِ سهلها وجبلها فدبر أَمر الدُّنْيَا الرئيس الْجَلِيل الْبَصِير بمصالحها لما شكا إِلَيْهِ السهل والجبل مَا لحقهما من الْخلَل
(3/303)

- الْمَعْنى يَقُول كَمَا يشكو العليل إِلَى الطّيب الَّذِي يضمن لَهُ أَن يشفيه من كل دَاء وَعلة حَتَّى لَا تعاود عِلّة يَعْنِي أَن الدُّنْيَا بِمَا كَانَ من الِاضْطِرَاب وَالْفساد فِيهَا كَأَنَّهَا شاكية إِلَى عضد الدولة وَهُوَ يقْصد تسكين الْفِتْنَة وَحسن السياسة كَأَنَّهُ ضَامِن أَن لَا يعاود الدُّنْيَا مَا تشتكيه وَهُوَ من قَول الأخيلية
(إذَا هَبطَ الحَجَّاجُ أرَضاً مَرِيضَة ... تَتَبَّعَ أقْصَى دائِها فَشَفاها)

20 - الْغَرِيب فَلَا كذبت دُعَاء اعْتِرَاض بَين الْفِعْل وَالْفَاعِل الْمَعْنى يَقُول قَالَت شجاعته أَقْدَام فَمَا لنَفسك أجل تخشاه كآجال النَّاس وَقَوله لَا كذبت قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ دُعَاء لَهُ بِالْبَقَاءِ هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى قَالَت شجاعته فِيمَا مثلته لنَفسِهِ وانعقدت عَلَيْهِ حَقِيقَة أمره من الجراءة أَقْدَام فَلَا أكذبها الله فِيمَا ضمنته لَهُ من الْفَوْز وصدقها فِيمَا حسنته عِنْده من الْإِقْدَام أَي أقدم فالسلامة مَضْمُونَة لَك وَأَشْجَع فالغلبة مقرونة بك فأجلك مُؤخر لَا تحذره وَالْمَكْرُوه مَصْرُوف عَنْك فَلَا تتوقعه
21 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ النِّهَايَة عِنْد ضرب الْمثل فِي الشجَاعَة إِذا ضرب الْمثل بإعلام الشجعان وهتف فِي الْحَرْب بأبطال الفرسان فَهُوَ شُجَاع الَّذِي لَا يعدل أحدبه والبطل الَّذِي لَا تخضع رِقَاب الْأَبْطَال إِلَّا لَهُ
22 - الْغَرِيب الْوُفُود جمع وَافد وهم الَّذين يفدون على الْمُلُوك للعطاء والشكل جمع شكال وَهُوَ مَا يَجْعَل فِي قَوَائِم الْفرس وَالْعقل جمع عقال وَهُوَ مَا يرْبط بِهِ يَد الْبَعِير الْمَعْنى يَقُول الْوُفُود الَّذين يفدون عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهم سلَاح لِأَنَّهُ لَا مطمع فِيهِ بِالسِّلَاحِ وَلَكِن ترد عَلَيْهِ زواره وَمَعَهُمْ الشكل للخيل وَالْعقل لِلْإِبِلِ فيظفرون ببغيتهم هَذَا كَلَام أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَنهم قد غنوا عَن تحمل السِّلَاح فِي الْبِلَاد لما شملها من الدعة وَمَا عَمها من السّكُون والأمنة وَأَنَّهُمْ لَا يحملون مَعَهم إِلَّا الشكل وَالْعقل متيقنين لما يختارون من هباته من الْخَيل وَالْإِبِل فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى غير ذَلِك
23 - الْمَعْنى يَقُول إِن الْوُفُود القادمين إِلَيْهِ قد ظنونهم بِمَا شملهم من الْفضل وتتابع
(3/304)

وتتابع عِنْدهم من الْإِحْسَان والبذل فللشكل الَّتِي جلبوها عمل فِي خيله وللعقل الَّتِي حملوها تصرف فِي بخته وَالْبخْت الْإِبِل العجمية وَهِي غير الْعَرَبيَّة وَهِي صُورَة على الْبرد والمطر غير صابرة على الْحر والعطش
24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تلى مواهبه أَمر خيله وَإِبِله كَمَا يُقَال فلَان على يَدي عدل أَي قد ملك أمره عَلَيْهِ فَصَارَ أَحَق بِهِ مِنْهُ وَهِي يَعْنِي الْإِبِل وَالْخَيْل وَمَا بَقِي مِنْهَا بعد مَا وهبه لقوم آخَرين أَو الْبَدَل عينا أَو وَرقا وَقَالَ الْخَطِيب خيله وَإِبِله الَّتِي تأخذها الْوُفُود ثَلَاثَة أَصْنَاف فإمَّا أَن تكون موفورة قد كَانَ قبلهَا غَيرهَا فَهِيَ تسلم إِلَيْهِم وَإِمَّا أَن تكون قد بقيت مِنْهَا بَقِيَّة فهم المحكومون فِيهَا وَإِمَّا أَن تكون استبدال غَيرهَا فهم يَأْخُذُونَ الْبَدَل وَقَالَ المعري يهب أَوَائِل خيله وَإِبِله لأوائل الْوُفُود وبقيتها لمن يُفِيد بعد فَإِذا لم يبْق شَيْء وهب فِي الْوَقْت بدلهَا من الْعين وَالْوَرق وَقَالَ الواحدي تملك مواهبه مَاله من الْخَيل وَالنعَم فَهِيَ أَي الْخَيل تمسي على أَيدي مواهبه أَي تلى أمرهَا وتتصرف فِيهَا أَو بقيتها يَعْنِي مَا فضل مِنْهَا من قوم آخَرين أَو بدلهَا من الْعين وَالْوَرق يُرِيد أَن جَمِيع مَاله فِي تصرف مواهبه وَالْمعْنَى أَن تِلْكَ الْخَيل وَالْبخْت تمسي مَقْبُوضَة من قاصديه محوزة فِي تملك مؤمليه وَأَصله إِلَيْهِم على أَيدي مواهبه وَمَا بَقِي من حمل مواهبه فَإِن سبق إِلَى بَعْضهَا المتقدمون من عفاته والأولون من وفوده كَانَ لمن تلاهم من قصاده مَا بَقِي من حملهَا أَو مَا يعتاضه من بذل بدلهَا
25 - الْغَرِيب السبل بِالتَّحْرِيكِ الْمَطَر وَهُوَ بَين السَّحَاب وَالْأَرْض حِين يخرج من السَّحَاب وَلم يصل إِلَى الأَرْض والأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول النَّاس مشتاقون إِلَى عَطاء يَده والرماح تنْبت شوقا إِلَى أَن يُبَاشِرهَا ويستعملها فِي الْحَرْب وَفِي الْبَيْت التَّقْدِيم وَتَأْخِير يُرِيد ينْبت الأسل شوقا إِلَى الممدوح يُرِيد إِلَى مباشرتها بِيَدِهِ يَعْنِي يشتاق إِلَى سبل يَده الَّتِي تنسكب بِالنعَم وَتفِيض بالآلاء والمنن وينبت الأسل رَغْبَة فِيمَا يتَّصل بذلك البل من الحكم وَمَا يتَصَرَّف بِهِ فِي الْحَرْب وَالسّلم وَفِيه تَنْبِيه على انه جواد شُجَاع
26 - الْإِعْرَاب روى من سبل بِالْحجرِ أبدله من الأول وَمن رَفعه جعله خير أبتداء مَحْذُوف
(3/305)

الْغَرِيب الحواذن نبت وَالنَّفْل نبت طيب الرّيح قَالَ الْقطَامِي
(ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِها الحادِي وَجَنَّبّها ... بَطْنَ الَّتِي بَطْنُها الحواذِنُ وَالنَّفلُ)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ مطر ينْبت بِهِ الْكَرم وَالْمجد وَيكثر عَلَيْهِ الشُّكْر وَالْحَمْد وَلَيْسَ ينْبت بِهِ الحواذن وَالنَّفْل وَلَا يرتعيه الشَّاء وَالْإِبِل
27 - الْغَرِيب اليلل قصر الْأَسْنَان الْعليا وَيُقَال انعطافها إِلَى دَاخل الْفَم رجل إيل وَامْرَأَة يلاء وَرِجَال يل وَنسَاء يل قَالَ لبيد
(رَقَميَّاتٌ عَلَيْها ناهِضٌ ... تُكْلِحُ الأرْوَقَ مِنْهُمْ وَالأيَلُ)
والأروق الَّذِي تطول ثناياه الْعليا السُّفْلى الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فيهم يال من كَثْرَة مَا قببل النَّاس حَصى الأَرْض الَّتِي أَقَامَ بهَا بَين يَدَيْهِ كَأَنَّهُمْ قد حدث فيهم أنحاء وانعطاف إِلَى ذَلِك الْحَصَى كَمَا تنعطف الْأَسْنَان على بَاطِن الْفَم وَقَالَ الواحدي بعد نقل كَلَام أَبُو الْفَتْح أَخطَأ ابْن جنى فِي تَفْسِير اليلل بالانعطاف وَقد ذكر الْجَوْهَرِي فِي صحاحه مثل مَا ذكر أَبُو الْفَتْح وَإِلَى عطف على إِلَى الأول
28 - الْغَرِيب الضاحك جمعهَا ضواحك وَهِي الَّتِي بَين الأنياب والأضراس وَهِي ارْبَعْ ضواحك الْمَعْنى يَقُول إِن لم تخالط الْأَسْنَان حَصى أرضه عِنْد الْقبل فَلِمَنْ تصان الْقبل يُرِيد أَنه يسْتَحق التَّقْبِيل إعظاما لَهُ وإجلالا لقدره
29 - الْغَرِيب قَوْله هِيَ الْآيَات وَالرسل كَقَوْلِهِم أَبُو يُوسُف أَبُو حنفية وَكَقَوْلِه تَعَالَى {وأزواجه أمهاتهم} الْمَعْنى يَقُول على وَجهه من نور خالقه قدره تدل على الإعجاز كَمَا تدل الْآيَات وَفِيه إِشَارَة إِلَى بَيته فِي بدر بن عمار
(لَوْ كانَ عِلْمُكَ بِالإلَهِ مُقسَّما ... فِي النَّاسِ مَا بَعَثَ الإلهُ رَسُولا)
وَالْمعْنَى أَن الله ألْقى على وَجه هَذَا الممدوح من الْإِشْرَاق والبهجة والإجلال والمحبة مَا فِيهِ دَلِيل بَين على الْقُدْرَة وتصديق لما أخْبرت بِهِ من الرُّسُل عَن الله تَعَالَى من بَالغ الْحِكْمَة
30 - الْغَرِيب القلل جمع قلَّة وَهِي الرؤوس
(3/306)

الْمَعْنى يَقُول إِذا أَبَت قُلُوب الْأَعْدَاء مَا يحكم بِهِ رضيت رؤوسهم أَن تصيبهم سيوفه
31 - الْغَرِيب الذبل الْيَابِسَة الدقاق الْمَعْنى إِذا عَصَاهُ جَيش فَلم يخفضوا لَهُ خفض أسنته لطعنهم بهَا يَعْنِي إِذا الْجَيْش توقف أَهله عَن أَن يسجدوا لَهُ سُجُود الإعصار ويعترفوا بِطَاعَتِهِ اعْتِرَاف الأقدار حكمت لَهُ رماحه بِمَا يُريدهُ ويرغبه وانقادت لأوامره فِيمَا قَصده
32 - الْغَرِيب وهسوذان هُوَ ابْن مُحَمَّد كَانَ قد هَزَمه أَبُو عضد الدولة بالطرم وَهُوَ مَوضِع فِي عراق الْعَجم والهبل الثكل تَقول الْعَرَب لأم فلَان الهبل الْمَعْنى يَقُول أرضيت يَا هوسوذان مَا حكمت بِهِ سيوف ركن الدولة واسْمه الْحسن بن بويه وَفِي حكمت ضمير يعود على السيوف أم تستزيد لأصحابك وَلَك من الْقَتْل والخزي والذل الثكل لأمك وَالصغَار لمثلك
33 - الْغَرِيب شعل جمع شعلة وَهِي القبس من النَّار الْمَعْنى يَقُول وَردت بلادك سيوفه مصلته ومعملة غير ممسكة فَكَأَنَّهَا بَين الرماح شعل نَار مضطرمة وسرج تضيء متقدة وَقد احسن فِي التَّشْبِيه
34 - الْغَرِيب الخرز ضيق الْعين والقبل إقبال إِحْدَى الْعَينَيْنِ على الْأُخْرَى وَذَلِكَ تَفْعَلهُ الْخَيل لعزة أَنْفسهَا والأعيان جمع عين تَقول أعين وأعيان وعيون قَالَ يزِيد بن عبد المدان
(ولَكِننَّيِ أغْدُوا عَلَّى مُفاضَةٌ ... دِلاصٌ كَأعْيانِ الجَرادِ المُنَظَّمِ)
وَقَالَ الآخر
(وَقَدْ أرُوعُ فُؤادَ الغانِيات بِهِ ... حَتَّى يَملْنَ بِأجْيادِ وَأعْيانِ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْقَوْم ترك وخيلهم عزيزة الْأَنْفس أَي أتوك عَلَيْهَا قَالَ ابْن فورجة كَيفَ خص التّرْك بِالذكر دون سَائِر أَجنَاس الْعَسْكَر سِيمَا وَأَكْثَرهم دَيْلَم والممدوح ديلمي وَذهب إِلَى أَن الغضبان يتخارز وَقد سمع من ذكر خرز الغضبان
(3/307)

مَا لَا يحصي كَقَوْلِه
(خُزرٌ عُيُونهُم إِلَى أَعْدَائِهم ... )
وَكَقَوْلِه
(فَلأنْظُرنَّ إِلَى الجِبالِ وَأهْلِها ... وَإلى مَنابِرها بِطرْفِ أخْزَرِ)

35 - الْغَرِيب الْخَال الاختلال الْمَعْنى يُرِيد أَتَاك قومه وَلَيْسَ لَك بهم طَاقَة وَلَيْسَ بهم من الْقَوْم الَّذين بعدوا مِنْهُم وانفصلوا من جُمْلَتهمْ اختلال يُرِيد كَثْرَة عَسْكَر أبي عَليّ الْحسن أبي عضد الدولة وَذَلِكَ ان جمَاعَة من عَسْكَر أبي عضد الدولة انفصلوا عَنهُ ومضوا إِلَى وهسوذان وَلم يلْحق عَسْكَر ركن الدولة بهم اختلال وَأَرَادَ لمن أَتَوْهُ فَحذف عائده وَمن نأوا عَنهُ فَحذف عائده وَالْمعْنَى أَنه أَرَادَ أَن عَسْكَر ركن الدولة كَبِير لَا يخْتل بِمن مضى عَنهُ
36 - الْغَرِيب الرّيّ مَدِينَة مَعْرُوفَة مَا بَين أَرض فَارس وخراسان وَكَانَت قَاعِدَة ركن الدولة وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا رازي والفصل الْخُرُوج من قَاعِدَة الِاسْتِقْرَار إِلَى الْعَدو والقفول الرُّجُوع عَن الْعَدو والغزو الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة جيوشه بِالريِّ لم يشعروا بِخُرُوج هَؤُلَاءِ وَلَا رجوعهم إِلَيْهِم يُرِيد أَنهم لم يعلمُوا بالجيش الَّذِي هزم وهسوذان لقلتهم فِي الْجَيْش وَلَا علمُوا أَنهم قَفَلُوا إِلَيْهِ
37 - الْغَرِيب الوعل التيس الْبري الْمَعْنى يَقُول أَقبلت إِلَى الْحَرْب كالأسد تقدم إقدامه ومضيت مُنْهَزِمًا وَلَا وعل ينهزم انهزامك فَحذف الْخَبَرَيْنِ للْعلم بهما
38 - الْغَرِيب راحهم جمع رَاحَة وَهِي رَاحَة الْكَفّ والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول لَو هسوذان تُعْطِي سِلَاحهمْ واكفهم فِي قتل جيشك وبلوغ المُرَاد من تَفْرِيق جمعك مَا لم تكن الْعُيُون تطمح إِلَى رُؤْيَة مثله وَلَا النُّفُوس تطمع بادراك نيله
39 - الْمَعْنى يَقُول أَحَق الْمُلُوك بترك مملكة ونقلها إِلَى من يغضبها مِنْهُ من خَافَ أَن تنْتَقل الرَّأْس عَنهُ وَإنَّك خفت أَن يقطع رَأسك فنجوت لِئَلَّا ينْتَقل الرَّأْس عَنْك قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ بترك مملكة لَكَانَ أوجه إِلَّا انه اخْتَار النَّقْل لقَوْله آخرا ينْتَقل
(3/308)

- الْغَرِيب الدلوف الزَّحْف والتفل البصاق وَقيل دلف مشي مشيا متقاربا كمشي الشَّيْخ الْكَبِير ودلف إِلَيْهِ دنا مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا جهالتك مَا قصدت قوما تنهزم عَنْهُم بِأَدْنَى حَرْب مِنْهُم فَضرب لَهُ مثلا بِالْغَرَقِ والتفل وَالْمعْنَى لكثرتهم لَو بزقوا عَلَيْك لغرقوك وَلَو أشاروا نَحْوك لأهلكوك
41 - الْغَرِيب الغيل جمع غيلَة وَهُوَ الْقَتْل على غَفلَة الْمَعْنى يُرِيد أَن جَيْشه لَا يأْتونَ أحدا فِي خُفْيَة ليظهروا غدرا وليغتالوا عدوهم فانهم لَا يَحْتَاجُونَ فِي قهر عدوهم إِلَى الْغدر والاغتيال وَالْمعْنَى لَا يقصدون الْأَعْدَاء سرا ومخاتلة وَلَا يظفرون بهم غدرا ومحادعة
42 - الْمَعْنى يُخَاطب وهسوذان لَا تلق أَفرس مِنْك على ظُهُور الْخَيل وأنفذ مِنْك فِي شَدَائِد الْحَرْب إِلَّا إِذا ضَاقَتْ الْحِيَل بك وانقطعت طرق النجَاة دُونك يعرض بوهسوذان أَنه تعرض لِحَرْب ركن الدولة وَابْنه وَهُوَ عَاجز عَن حربهما
43 - الْغَرِيب اسْتَحى يستحي بِمَعْنى استحيا ونضلوك غلبوك والتناضل الْمُسَابقَة فِي الرَّمْي نضل الرجل إِذا ظهر عَلَيْهِ بِكَثْرَة الرَّمْي الْإِعْرَاب نضلوك أَتَى بعلامة الْجمع قبل الْفَاعِل على لُغَة أكلوني البراغيث وَيجوز أَن يكون بَدَلا من الضَّمِير كَقِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ إِمَّا يبلغان عنْدك الْكبر أَحدهمَا واستحى أَرَادَ استحيا فَحذف أجدى الياءين الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بمستح من كَانَ مَغْلُوبًا بآل بويه لأَنهم يغلبُونَ كل أحد فَلَا يستحي من قيل لَهُ فضلوك واستولوا عَلَيْك وغلبوك فيعترف بالتقصير عَنْهُم وَيجْعَل الإذعان وَسِيلَة فِي أَن يَأْخُذ يحظه مِنْهُم
44 - الْمَعْنى يَقُول هم يعفون عَن قدرَة لما قدرُوا وَاعْفُوا وَلما عدوا وفوا بِالَّذِي وعدوه فِيمَا بَينهم وَلما سئلوا أغنوا من سَأَلَهُمْ وَلما علوا أعلوا أولياءهم وَلما ولوا النَّاس عدلوا فِيمَا بَينهم وَالْمعْنَى يُرِيد إِن بنى يويه قدرُوا بِعظم المملكة فعفوا وحمدت قدرتهم ووعدوا من انقادلهم بسعة الإفضال فوفوا وأنجزوا عدتهمْ وسئلوا التشريف
(3/309)

بسلطانهم والمشاركة فِي أَمْوَالهم فأغنوا وشرفوا سائلهم وعلت أَحْوَالهم فِي الْملك وجلالة الْأَمر فأعلوا قدر المتصلين بهم وَرفعُوا منَازِل المؤملين لَهُم واتصلت بهم ولَايَة أُمُور النَّاس فشملوهم بِالْإِحْسَانِ والمعدلة ودبروا أُمُورهم فعمهم ذَلِك التَّدْبِير بِالْمَصْلَحَةِ فَمن خالفهم فَهُوَ ظَالِم وَمن ناصبهم فَهُوَ شَدِيد الاغترار بهم
45 - الْإِعْرَاب الظّرْف يتَعَلَّق بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام أَي علت مَنَازِلهمْ فَوق السَّمَاء الْمَعْنى يَقُول هم قوم علو فَوق السَّمَاء وَفَوق مَا يطْلبُونَ من الْمَعَالِي فَإِذا أَرَادوا غَايَة لَا يصل إِلَيْهَا سواهُم نزلُوا إِلَيْهَا من مَرَاتِبهمْ إِذا كَانَت أشرف مَا يَلْتَمِسُونَ أَي هم وَرَاء كل غَايَة
46 - الْغَرِيب تعذر تكلّف الْعذر يُقَال تعذر وَاعْتذر وَعذر وَعذر وَمثلهَا ارتدف وردف وخصم واختصم وخصم واهتدى وَهدى وَهدى الْمَعْنى يَقُول كرمهم غلب غضبهم وكفهم عَن اسْتِعْمَال السيوف فالكاذب لكرمهم وحلمهم إِذا اعتذر إِلَيْهِم قبلوا عذره يُرِيد أَن سيوفهم حكمت عَلَيْهَا مكارمهم لشمُول عُقُولهمْ وَعُمُوم فَضلهمْ
47 - الْغَرِيب شهر السَّيْف إِذا جرده من غمده الْمَعْنى يَقُول إِذا انْقَادَ الْمُخَالف لَهُم بالْكلَام لَا يعجلون إِلَى الْحَرْب يصفهم بالحلم يُرِيد أَنهم لَا يقصدون الْمُخَالف بمساءة وضر مادام العذل يُؤثر فِيهِ وَلَا يبعد عَنهُ عفوهم إِذا استدعى عطفهم وفضلهم وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول بعض الْمُلُوك إِذا كفاني الْكَلَام لم أرفع السَّوْط وَإِذا كفاني السَّوْط لم أشهر السَّيْف
48 - الْغَرِيب كمل فِيهِ ثَلَاث لُغَات فتح الْعين وَضمّهَا وَكسرهَا وَالْكَسْر أقلهَا وَيُقَال تَكَامل وَأَبُو عَليّ هُوَ الْحسن بن بويه ركن الدولة وَالِد عضد الدولة وَأَبُو شُجَاع هُوَ فَنًّا خسر عضد الدولة الْمَعْنى يَقُول أَبُو عَليّ هُوَ الَّذِي قهر الْمُلُوك وسادهم فَهُوَ الَّذِي ظفرهم بالمملكة وَتمّ لَهُم الْكَمَال بِابْنِهِ أبي شُجَاع فَبِأَي على قهروا أعداءهم بقوته وأذلوا من خالفهم برفعته واستظهروا على مطاولهم بجلالة قدره وبأبي شُجَاع كملت لَهُم مملكتهم واستنبات على من خالفهم قوتهم وبلغوا بِهِ أرادتهم
49 - الْغَرِيب الْغرَّة الطلعة وَالْوَجْه وَالصُّورَة وَمِنْه حَدِيث الْجَنِين قضى فِيهِ رَسُول الله
بغرة عبد أَو أمة وروى نَغمَة يُرِيد بَرَكَات نَغمَة أبي شُجَاع وَهُوَ الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول حَلَفت لركن الدولة بَرَكَات غرَّة ابْنه عضد الدولة وَهُوَ مُسْتَقر فِي مهده فِي النِّهَايَة من صغر سنه بِمَا ظهر من شَوَاهِد الْبركَة والنجابة ومحايل الإقبال والسعادة أَنه لَا يفوت الْوَالِد وَولده وَمن لَاذَ بهما من أهل وَأَصْحَاب مَا يؤماون وَلَا يعجزهم مَا يحاولون وَالْمعْنَى أَن أَبَاهُ لما ولد ابْنه علم أَن الآمال انْحَازَتْ عَلَيْهِم وحصلت لَهُم فَكَأَن وَجهه وَهُوَ فِي المهد كفل لَهُم إِدْرَاك جَمِيع الآمال وَأَن لَا يعجزهم عَن بُلُوغهَا حَال
(3/310)

- 1 الْغَرِيب تَقول فلَان جدير بِكَذَا أَي خليق وَأَنت جدير بِكَذَا وَالْجمع جدراء وجديرون وَقَوله مَالِي وَقد ذكر جمعين الْأَيَّام والليالي وَكَانَ حَقه أَن يَقُول وَمَا لنا إِلَّا انه ذهب بالجمعين إِلَى الدَّهْر فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا أَجْدَر الدَّهْر الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر خليق بِأَن يَقُول مَا للمتنبي وَمَالِي يتظلم الدَّهْر مني وَلَا أتظلم مِنْهُ لِأَنِّي أكلف اللَّيَالِي وَالْأَيَّام مَا لَيْسَ فِي وسعهما وَالنَّاس يتظلمون من الدَّهْر وَهُوَ يَقُول الدَّهْر حقيق بِأَن يتظلم مني لِأَنِّي أظلمه اكلفه مَا لَيْسَ فِي وَسعه
(3/311)

- الْإِعْرَاب يُرِيد لَا أَن يكون هَذَا مقالي لَهَا فَحذف للْعلم بِهِ وَلَوْلَا هَذَا التَّقْدِير لما صَحَّ الْكَلَام كَمَا تَقول مَا أَجْدَر زيدا بِأَن يقوم إِلَيْك لَا أَن تقوم تُرِيدُ إِلَيْهِ فتحذنه للْعلم بِهِ الْغَرِيب الصالي للحرب الَّذِي يقاسي شدتها فشبهها بَحر النَّار الْمَعْنى أَنه أخبر عَن نَفسه بِأَنَّهُ فَتى يصلى بِنَار الحروب يقاسي شدتها
3 - الْغَرِيب الْفَحْشَاء الْإِقْدَام على مَا حرمه الله والبال الخاطر وَالنَّفس وَالْقلب والبال الْحَال تَقول مَا بالك وَفُلَان رخي البال أَي رخي النَّفس الْمَعْنى يُرِيد إِنِّي شُجَاع فماء الْحَرْب شربي وَبِه اغتسالي لشدَّة مخالطتي لَهَا وَهَذَا من الْمُبَالغَة لانغماسه فِيهَا وَأَرَادَ بالفحشاء هُنَا الزِّنَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم}
4 - الْغَرِيب الجذب الشد والزراد صانع الزرد وَهِي الدروع والأذيال أسافل الثِّيَاب وَاحِدهَا ذيل وَهُوَ الَّذِي يَقع على الأَرْض والسربال الْقَمِيص وَرُبمَا سمي بِهِ الدرْع اسْتِعَارَة وَجمعه سرابيل الْمَعْنى يَقُول لَو جذب الزراد فضول ثِيَابِي حرصا على الِاتِّصَال ورغبة فِي الْمُوَافقَة مُخَيّر بَين سربال وَدرع وَلِهَذَا ثنى صنعتي سربال مُشِيرا إِلَى عمل السربالين من الْقَمِيص والدرع وَيجوز من عمل الْحَدِيد والكتان والكرسف
5 - الْإِعْرَاب مَا نَافِيَة وَهِي جَوَاب لَو وَقَوله وَكَيف لَا أَي كَيفَ لَا أكون كَذَلِك فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب السرد مداخلة حلق الدروع بَعْضهَا فِي بعض والسروال عجمي مُعرب وَهُوَ وَاحِد وَكَذَلِكَ السَّرَاوِيل وَعند بَعضهم جمع وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ لَا ينْصَرف لِأَنَّهُ أشبه مَا لَا ينْصَرف وَهُوَ الْجمع الْمَعْنى يَقُول لَو خيرني الزراد بَين صنعتي سربال وَدرع لما اخْتَرْت سوي سربال من حَدِيد أحصن بِهِ عورتي وَلَا أُبَالِي بعد ذَلِك بانحسار جَسَدِي وَهَذَا مَأْخُوذ من فعل على عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ درعه صَدرا بِلَا ظهر لِأَنَّهُ كَانَ لَا يولي قطّ والإدلال الْفَخر والتيه يُقَال فلَان مدل بِكَذَا
(3/312)

- الْغَرِيب الْمَجْرُوح وَالشمَال فرسَان كَانَتَا لعضد الدولة الْمَعْنى وَكَيف لَا أكون كَذَلِك وَأَنا أَفْخَر بِفَارِس الْعَرَب والعجم سيد الْأَبْطَال وهازم الرِّجَال وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا وَهُوَ إدلالي
7 - الْغَرِيب الجريال صبغ أَحْمَر يشبه بِهِ الْخمر والقفص جبل من الأكراد أَصْحَاب أخبية والخالي الذَّاهِب الْمَعْنى يُرِيد أَنه يسْقِي الْأَوْلِيَاء الْخمر والأعداء الْمَوْت وَأَنه صَبر هَذَا الجيل كأمخس الْمَاضِي لأخبر لَهُم لِأَنَّهُ أفناهم بِالْقَتْلِ
8 - الْغَرِيب الإجفال الِاجْتِهَاد فِي الْهَرَب بِسُرْعَة والفر الْفِرَار الْإِعْرَاب عَن بِمَعْنى الْبَاء يُرِيد بِالْقِتَالِ كَمَا تَقول مرض زيد عَن شرب كَذَا أَو أكله أَي بشر بِهِ أَو أكله وَيجوز أَن تكون على بَابهَا فَيكون مَنعهم عَن الْقِتَال بجيشه وقوته حَتَّى اتَّقوا بالفرار والإسراع فِي الْهَرَب من بَين يَدَيْهِ وَقَالَ الواحدي قَتلهمْ ذللهم وَمِنْه
(فِي أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ ... )
وشراب مقتل إِذا سكنت سورته بِالْمَاءِ
9 - الْغَرِيب الجالي الهارب عَنهُ بالجلاء وَأَصله الْإِخْرَاج من الوطن كرها والفرسان جمع فَارس والعوالي الرماح الْمَعْنى أَنه صيرهم بَين هَالك أهلكه التَّعَرُّض لحربه وطائع أَنْجَاهُ التَّسْلِيم لأَمره وجال هارب فِي الأَرْض على وَجهه قد لج فِي الفراز يطْلب الْخَلَاص لنَفسِهِ وَعَاد إِلَى الممدوح فَقَالَ لما فرغ من إهلاك القفص عَاد إِلَى اقتناص الفرسان من أعدائه أعدائه بعوالي رماحه ومواضي سيوفه
10 - الْغَرِيب الْعتْق جمع عَتيق وَهِي السيوف الْقَدِيمَة المحدثة الحديثة الْعَهْد بالصقال الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما أفنى الْأَعْدَاء برماحه وسيوفه سَار يصيد الْوَحْش المعتصمة بالجبال الشامخة حَتَّى لَا يسلم مِنْهُ ذُو مَنْعَة
(3/313)

- الْإِعْرَاب عطف الظّرْف على الظّرْف الأول وَهَذِه الأبيات مُتَعَلقَة بَعْضهَا بِبَعْض وَقَوله سَار فعل مَاض جَوَاب الظّرْف فِي قَوْله لما أصار القفص الْغَرِيب رقاق الأَرْض اللينة الوطيئة والأوصال جمع وصل من أَعْضَاء الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول سَار للصَّيْد يطَأ الدِّمَاء لِكَثْرَة الْقَتْلَى الَّذين قَتلهمْ وَتَطَأ خيله وَرِجَاله مَا سفك من دِمَاء الْإِنْس فِي وقائعه وَمَا انْفَصل من أَعْضَاء أعدائه فِي ملامحه
12 - الْإِعْرَاب مُنْفَرد نَصبه على الْحَال من قَوْله سَار الْغَرِيب الْمهْر الْفرس الصَّغِير السن والرعال الْقطعَة من الْخَيل وَاحِدهَا رعلة والملال والملل وَاحِد الْمَعْنى يَقُول سَار وَحده مُنْفَردا عَن جَيْشه يتقدمهم من غير مَال لَهُم لعظم همته أَن يدنو مِنْهُ أحد وليتأمل عسكره ويميزه ويتفقده وَلَو اخْتَلَط بِهِ لم يتَبَيَّن لَهُ قدر عسكره
13 - الْغَرِيب الضن والضنة والضنانة لُغَات فِي الْبُخْل وَمِنْه قِرَاءَة نَافِع وَعَاصِم وَابْن عَامر وَحَمْزَة وَمَا هُوَ على الْغَيْب بضنين أَي بخيل وَالْقِرَاءَة الْأُخْرَى بالظاء والانسلال مصدر انْسَلَّ بِمَعْنى خرج من بَين أَصْحَابه فِي خُفْيَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لوذا} الْمَعْنى يَقُول فعل ذَلِك بخلا بِنَفسِهِ عَن صحبتهم لَا أَنه يُرِيد أَن يسْتَبْدل بهم غَيرهم ويصف جَيْشه بالوقار فَلَا أحد ينْطق وَلَا فرس يصهل إجلالا لَهُ وتعظيما
14 - الْغَرِيب التصهال تفعال من الصهيل والمختال المعجب بِنَفسِهِ والمتكبر فِي مَشْيه الْمَعْنى يَقُول الْخَيل تضرب على الصهيل تأديبا لَهَا وفوقها كل رجل عليل فِي سُكُوته وتصاغره هَيْبَة لعضد الدولة وَهُوَ فِي همته مختال
15 - الْمَعْنى يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم يمسك فَاه أَن يسعل هَيْبَة لَهُ وَقد طَال مقَامه من الْغَدَاة إِلَى الزَّوَال كل هَذَا إجلال لَهُ ولحرمته وَيُقَال مطلع بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا وبالكسر قَرَأَ الْكسَائي
(3/314)

- الْغَرِيب يثل ينسج وَيرجع إِلَى موئل والآلي المقصر والأدغال الآجام وَهِي الشّجر الملتف الْوَاحِد دغل وانغل دخل فِي الشّجر الْمَعْنى يَقُول لم ينج من الطير مَا لم يقصر فِي طيرانه فَكيف بِمَا قصر وَلم ينج من الْوَحْش مَا عدا فَدخل الآجام واستتر بالأدغال
17 - الْغَرِيب الرِّجَال جمع دحلة وَهِي هوية من الأَرْض يجْتَمع فِيهَا مَاء وتنبت الْقصب وَتجمع أَيْضا على أدحل وَحرَام اللَّحْم كالخنزير والسبع والنمر وَغَيرهَا الْمَعْنى يَقُول وَلَا نجا من الْوَحْش الَّذِي احتمى بالدحال يُرِيد لِكَثْرَة جَيْشه لَا يفوتهُمْ من الطير والوحش شَيْء
18 - الْإِعْرَاب سقيا مصدر وَهُوَ دُعَاء لَهَا أَن يسقيها الله سقيا الْغَرِيب الدشت بِالْفَارِسِيَّةِ الصَّحرَاء وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّيْد والطول بِكَسْر الطَّاء وَهُوَ جمع الطَّوِيل الْمَعْنى يَقُول النُّفُوس معدة للآجال حَتَّى تأخذها ثمَّ دَعَا لدشت الأرزن وَهُوَ مَوضِع فِي بِلَاد طبرستان فِيهِ الأرزن وَهُوَ شجر يطول ويعظم
19 - الْغَرِيب الفيح جمع فيحاء وَهِي الواسعة والأغيال جمع غيل وَهِي الأجمة للأسد وَالْخِنْزِير وَغَيرهمَا والريبال الْأسد وَيجوز فِي مجاور الحركات الثَّلَاث فالرفع خبر ابْتَدَأَ مَحْذُوف وبالجر نعت لدشت وَبِالنَّصبِ حَال الْمَعْنى يَقُول هَذَا الدشت بَين المروج وَالْآجَام مجاور السَّبع وَالْخِنْزِير وَفِيه كل نوع من الصَّيْد وَالْحَيَوَان فخنزير مجاور أسده
20 - الْغَرِيب الخنانيص جمع خنوص وَهُوَ ولد الْخِنْزِير والأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد والدب مَعْرُوف والاستشراف الإطلال يُرِيد أَن أَوْلَاد الْخَنَازِير قريبَة من جراء الْأسد والدب مشرف على الغزال لِأَن الدب جبلي والغزال سهلي ويروي مشرف بِمَعْنى المشرف يُقَال أشرف واشترف وَمِنْه قَول جرير
(3/315)

(مِنْ كُلّ مُشْتَرِفٍ وَإنْ طالَ المَدَى ... )

21 - الْمَعْنى يُرِيد الأضداد والأشكال مجتمعة فِي هَذَا الْمَكَان مَوْجُودَة كالأرانب والثعالب والظباء فَهِيَ أشكال بَعْضهَا مُوَافق لبَعض وَهِي أضداد للسباع وَالسِّبَاع أشكال يُرِيد أَن هَذَا الْموضع خَال لانعزاله وَبعده عَن الْإِنْس والأضداد والأشكال فِيهِ مُتَقَارِبَة وَالسِّبَاع والظباء والنوق متسالمة
22 - الْغَرِيب فناخسر اسْم بِالْفَارِسِيَّةِ لعضد الدولة الْمَعْنى يَقُول كَأَن الممدوح ذَا الْإِحْسَان وَالْفضل الْمُقدم فِي جلالة الْقدر خَافَ على أَجنَاس هَذَا السبَاع والوحوش مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ من الْكَثْرَة واتفاق الأضداد والأشكال فِيهَا بِالْجُمْلَةِ حَال النُّقْصَان وَأَرَادَ أَن يحملهَا من التَّمام بأرفع مَكَان فجَاء بالفيال وفيله وأردفها بمقانب خيوله ليكمل أمرهَا باجتماع الْحَيَوَانَات فِيهَا فَأَتَاهَا بِمَا لم يكن فِيهَا وَهُوَ الْفِيل يُرِيد أَنَّهَا قد جمعت الأضداد قَالَ
(زُرْجانب القَصْر نِعْمَ القَصرُ والوادي ... مَا شِئْت مِنْ حاضرٍ فِيه ومِنْ بادى)

(تجْرِي قَراقُرهُ والعِيْسُ واقفَةٌ ... والضّبُّ والنُّونُ والملاَّحُ والحادِي)

23 - الْغَرِيب الأيل جمع أيل وَهُوَ التيس الْجبلي والوهق حَبل يثنى على صناعَة تُؤْخَذ فِيهِ الدَّابَّة وَالْإِنْسَان إِذا رام من يَقع فِيهِ عدم التَّخَلُّص شدّ عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَيْت الرِّوَايَة فِيهِ أيل بِضَم الْهمزَة وَقيل هُوَ جمع إيل وَالْمَعْرُوف أياييل وَوزن أيل فعل مثل القنب و