Advertisement

شرح ديوان المتنبي للعكبري 004


- 1 الْغَرِيب الإصماء إِصَابَة المقتل فِي الرمى أصماه إِذا قَتله والمرام الْمطلب الْمَعْنى يَقُول إِذا طلب شَيْئا أصَاب خَالص مَا طلبه ويربى عداهُ ريشها هُوَ مثل، وَذَلِكَ أَن السِّهَام إِنَّمَا تنفذ بريشها وأعداؤه يجمعُونَ الْأَمْوَال وَالْعدَد لَهُ لِأَنَّهُ يَأْخُذهَا، فيقوى بهَا على قِتَالهمْ فكأنهم يربون الريش لسهامه حَيْثُ يجمعُونَ المَال لَهُ فالريش مثل لأموالهم والسهام مثل لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون يربون الريش فَإِذا تَكَامل رَمَاه الممدوح بسهامه أَي أَن الطَّائِر يكون فرخا فَلَا يكمل حَتَّى يتم ريشه فهم يربونه إِلَى أَن يصلح أَن يصاد وَالْآخر أَن الْأَعْدَاء يربون ريشهم ليأخذه فيريش بِهِ سهامه فَيكون فعلهم قُوَّة لَهُ وَالْعرب تكنى بالريش عَن حسن الْحَال راش فلَان فلَانا كَأَنَّهُ جعل لَهُ ريشا ينْهض بِهِ
2 - الْغَرِيب الإقطاع مَا أقطعه من الْبِلَاد والطرف الْفرس والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول كل مَا أَنا فِيهِ من مواهبه وإنعامه فيخبر عَن نَفسه أَنى أَسِير إِلَى مَا أقطعني من الأَرْض فِيمَا خلعه عَليّ من الثِّيَاب ممتطيا لما حَملَنِي عَلَيْهِ من الْخَيل خَارِجا مِمَّا أسكننيه من الْمنَازل مُمْتَنعا بِمَا قلدنيه من السِّلَاح وَهَذَا الْمَعْنى قد أجمله النَّابِغَة فِي قَوْله
(لما أغْفَلْتُ شُكْرَكَ فانْتَصِحْنٍ ي ... وَكيَفَ وَمِنْ عَطائِكَ جُلُّ مَا لِي)
وَقد فَصله النَّابِغَة بقوله أَيْضا
(وَإنَّ تِلادِي إِن ذكرتُ وشِكَّتى ... وَمُهْرِي وَمَا ضَمَّتْ إلىَّ الأنامِلُ)

(حبِاؤُكَ وَالعَيَْسُ العتِاقُ كأنَّها ... هِجانُ المَها تَرْدِى علَيها الرَّحائِلُ) قَالَ أَبُو نواس
(وكُلُّ خَير عِنْدَهم مِنْ عِنْدِه ... )
(4/3)

- الْغَرِيب الْبيض السيوف والقنا الرماح وَالروم جمع رومي كزنجي وزنج والعبدي العبيد والغمام السَّحَاب والهاطل المنسكب الْمَعْنى أَسِير فِيمَا أمطرتني سَحَاب جوده وعوائد فَضله من بيض السيوف وَسمر الرماح يحمل ذَلِك روم العبيد والجميع مِمَّا أفادته مواهبه وسهلت السَّبِيل إِلَيْهِ مكارمه
4 - الْغَرِيب الإقليم الْقرى المجتمعة والبلاد المجتمعة فالعراق إقليم وَالشَّام إقليم والفسطاط إقليم والغرب إقليم وأندلس إقليم وخراسان إقليم واليمن إقليم والهند إقليم الْمَعْنى يَقُول هُوَ كريم يهب الْبِلَاد بِمَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالرِّجَال وَالضَّمِير فِي فرسانه وكرامه للإقليم
5 - الْغَرِيب التخويل التَّمْلِيك والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يَجْعَل عَظِيم مَا يملكني من مَاله جَزَاء لعَظيم مَا يخولني من عمله وَأَشَارَ بالْكلَام إِلَى الشّعْر وَأَن سيف الدولة أرشده بِمَا أرَاهُ من فَضله إِلَى بديع مَا قيل فِيهِ من شعره \ وَهُوَ أغرب من قَول حبيب
(نَأْخُذ من مَاله وَمن أدبه ... )

6 - الْغَرِيب اللثام مَا كَانَ على الْوَجْه إِلَى الْعين من القناع والعمامة وأضاف السَّمَاء إِلَيْهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح لإظلالها وإشرافها عَلَيْهِ كَمَا أنْشد أَبُو عَليّ
(إِذا كَوْكَبُ الخرْقاء لاحَ بِسُحْرَةٍ ... سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلها فِي القَرَائِبِ)
أضَاف الْكَوْكَب إِلَيْهَا لجدها فِي الْعَمَل عِنْد طلوعه الْمَعْنى فَلَا زَالَت الشَّمْس المنيرة فِي السَّمَاء تراقب من وَجهه الْمُسْتَتر باللثام شمسا لَا تقاوم حسنها وَلَا تماثل نورها فَهِيَ تطالعها متهيبة لحسنها مستعظمة لأمرها
7 - الْمَعْنى يَقُول وَلَا زَالَت بدور الشُّهُور مجتازة بِوَجْهِهِ متعجبة من نقصانها عَن بُلُوغ رتبته وتصاغرها عَن مماثلة بهجته فَدَعَا لَهُ بِالْبَقَاءِ وَطوله دَالا على مَنْزِلَته من الرّفْعَة والبهاء وَجمع البدور لِأَنَّهُ أَرَادَ بدر كل شهر وَأَنه أكمل مِنْهَا فَهِيَ تتعجب من نقصانها عِنْد تَمَامه
(4/4)

- 1 الْغَرِيب النّيل الْعَطاء والْحَدِيث من الشُّعَرَاء هم الَّذين خالطوا الْحَضَر وتربوا فِي الْبِلَاد كمسلم ومروان وَأبي نواس وبشار وَسلم الخاسر ودعبل وحبِيب والوليد وأقرانهم والقدماء كشعراء الْجَاهِلِيَّة مثل زِيَاد هَذَا وَزُهَيْر وولديه ولبيد وَعَمْرو بن كُلْثُوم وعنترة وطرفة وامرئ الْقَيْس وأقرانهم الْمَعْنى يَقُول رَأَيْتُك تكْثر للشعراء الْعَطاء للقدماء مِنْهُم والمحدثين فذكرك للقدماء هُوَ نيلهم مِنْك ثمَّ بَين ذَلِك بقوله الْبَيْت بعده
2 - الْغَرِيب الجسيم الْعَظِيم الْكَبِير وَقَوله بقى هِيَ لُغَة طَيء يُقَال بَقِي وَبقيت مَكَان بَقِي وَبقيت وَقَرَأَ الْحسن فِي إِحْدَى رواياته وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا وطيء تَقول فِي المعتل كُله مثل هَذَا تَقول فِي بنيت بنت قَالَ البولاني
(تَسْتَوْقدُ النَّبْلَ بِالحَضِيض وتَصْطادُ ... نُفُوسا بُنَتْ عَلى الكَرَمِ)
وَأنْشد زيد الْخَيل:
(لَعَمْرك مَا أخشَْى التَّصَعْلُكَ مَا بَقي ... عَلى الأرْضِ قيْسِىٌّ يسُوقُ الأباعِرَا)
الْمَعْنى يَقُول تُعْطى الماضين شرفا عَظِيما بإنشادك شعرهم فَيكون شرفا لَهُم وتعطى البَاقِينَ عطاءه جزيلا لمن جَاءَ يقصدك
3 - الْمَعْنى يَقُول سَمِعتك تنشد بَيْتَيْنِ هما للنابغة واسْمه زِيَاد والبيتان هما
(وَلا عَيْبَ فِيهمْ غَيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... يبهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتائِبِ)

(تُخُيِّرْنَ مِنْ أزْمانِ يوْمِ حَلِيمَةٍ ... إِلَى اليَوْمِ قَدْ جُرّبنَ كُلَّ التَّجارِبِ)

4 - الْغَرِيب الْغِبْطَة أَن تتمنى مثل حَال المغبوط من غير أَن تُرِيدُ زَوَالهَا عَنهُ وَلَيْسَ يحْسد غبطته أغبطه غبطا وغبطة والرمة بِالْكَسْرِ الْعِظَام البالية وَالْجمع رمم ورمام رم الْعظم يرم بِالْكَسْرِ رمة أَي بلَى فَهُوَ رَمِيم وَقَوله أعظمه الرميم وصفهَا وَهِي جمع بالمفرد لِأَن فعيلا وفعولا يَسْتَوِي فيهمَا الْمُذكر والمؤنث والمفرد وَالْجمع مثل رَسُول وصديق وعدو قَالَ الله تَعَالَى {قَالَ من يحي الْعِظَام وَهِي رَمِيم} الْمَعْنى يَقُول لم أنكر مَوضِع زِيَاد من الشّعْر وَأَنه أهل أَن ينشد شعره وَلَكِنِّي غبطت أعظمه البالية فِي التُّرَاب حَيْثُ أنشدت شعره وَمثل هَذَا يَحْكِي عَن المعتز ملك مصر أَنه دخل عَلَيْهِ بعض شعرائه وَهُوَ ينشد قَول أبي الطّيب
(وَمَا الحُسْنُ فِي وَجْهِ الْفَتى شَرَفا لَهُ ... إذَا لمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ والخَلائِق)
وَهُوَ يكرره اسْتِحْسَانًا فَقَالَ
(لَئِنْ جادَ شِعْرُ ابْنِ الحُسَينِ فَإنَّما ... بِقَدْرِ العَطايا واللُّها تَفْتَحُ اللَّها)

(تَنَبَّأ فِي نَظْمِ القَرِيضِ وَلَوْدَرَى ... بِّأنَكَ تَرْوِى شِعْرَهُ لَتَأَّلها)
(4/5)

- 1 الْإِعْرَاب من روى مرابع بِالْجَرِّ عطفه على الصِّبَا وَمن رَفعه عطفه على ذكر الْغَرِيب الآرام جمع ريم وَهن الظباء الْبيض وَأَرَادَ بِهن النِّسَاء والمرابع حمع مربع وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي يربعون فِيهِ وَمن روى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا أَرَادَ جمع مرتع وَهُوَ المرعى رتعت الْمَاشِيَة ترتع رتوعا أكلت مَا شَاءَت وَخَرجْنَا نرتع وَنَلْعَب أَي نَلْهُو وننعم وإبل رتاع جمع راتع مثل نيام ونائم وَالْحمام الْمَوْت
(4/6)

الْمَعْنى يَقُول ذكر الصِّبَا وَهُوَ جمع ذكرة كسدرة وَسدر ومراتع النِّسَاء اللَّاتِي أهيم بِهن جلبا موتى قبل وقته يُرِيد من شدَّة وجده بِهن وشوقه لفراقهن فَكَأَنَّهُ مَاتَ قبل مَوته
2 - الْغَرِيب الدمن جمع دمنة وَهِي آثَار الْقَوْم بعد رحيلهم والعرصات جمع عَرصَة وَهِي نواحي الدَّار الْمَعْنى يَقُول آثَار دَار المحبوب لما وقفت بهَا تكاثرت همومي شوقا إِلَى من كَانَ بهَا كتكاثر لوامي فِي حبهن
3 - الْغَرِيب عُرْوَة بن حزَام أحد العشاق الْمَشْهُورين صَاحب عفراء الْمَعْنى يَقُول كل سَحَابَة أمْطرت فِي تِلْكَ الدمن كَأَنَّهَا تبْكي بعيني هَذَا العاشق على فِرَاق عفراء قَالَ الواحدي وَهُوَ من قَول حبيب
(كأنَّ السَّحابَ الغُرَّ غَيَّبْنَ تَحتها ... حَبِيبا فَما تَرْقا لَهُنَّ مَدَامِعُ)
وَمثله لمُحَمد بن أبي زرْعَة ( ... كأنَّ صَبَّيْنِ باتا طُولَ لَيْلِهمِا ... يَسْتَطمْطِرَان على غُدْرَانها المُقَلا)

4 - الْغَرِيب الكَعاب (بِالْفَتْح) الكاعب وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي قد كَعْب نهدها الْمَعْنى يَقُول طالما رشفت ريق كعاب تِلْكَ الدمن وأطلت الحَدِيث مَعَ جواري ذَلِك الْموضع وأطالت عتابي أَي أَطَالَت محبوبتي عتابي حَتَّى قطعتني وأفحمتني فَأَنا أذكر من كَانَ بِهَذِهِ الدمن وارتحل عَنْهَا فيزيد وجدي وشوقي
5 - الْغَرِيب الهزء الضحك والمجانة الخلاعة والماجن الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا يتَكَلَّم بِهِ والشرة الحدة والنشاط والغرام أَصله شرس الْخلق يُقَال صبى عَارِم بَين العرام أَي شرس وَقد عرم يعرم ويعرم عرامة بِالْفَتْح وَقيل العرام الْخبث وأنشدوا لشبيب ابْن البرصاء
(كَأنَّها مِنْ بُدُنٍ وَإيفارْ ... دَبَّتْ عَلَيْهَا عارِماتُ الأنْبارْ)
أَي خبيثاتها الْمَعْنى يُخَاطب نَفسه يَقُول حِين كنت شَابًّا مرحا لم تبتل بالفراق وَمَا كنت تَدْرِي شدته وَلَا مضضه فَكنت غافلا تضحك مِنْهُ لَا هيا بشرتك وَقُوَّة شبابك
(4/7)

- الْإِعْرَاب من روى القباب بِالنّصب جعله خبر لَيْسَ وَيكون الْمَعْنى لَيْسَ الَّذِي تعانيه القباب وَمن رفع وَهُوَ الْأَشْهر كَانَ اسْم لَيْسَ وَخَبره فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وموضعه نصب الْغَرِيب القباب الهوادج والركاب الْإِبِل الْمَعْنى يَقُول هَذَا الَّذِي ترَاهُ فَوق الْإِبِل من هوادجهن لَيْسَ هُوَ الهوادج وَإِنَّمَا هِيَ الْحَيَاة ترحلت عَنَّا فَلَا نبقى بعْدهَا وَقَوله بِسَلام أَي بِالتَّسْلِيمِ يُشِير إِلَى أَنه لَا يبْقى بعد الرحيل وَهُوَ معنى كثير
7 - الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والخف يسْتَعْمل لِلْإِبِلِ ويستعار للنعام وَيُقَال أَيْضا للجمل المسن خف قَالَ الراجز
(أعْطَيْت عَمْراً بَعْدَ بَكْرٍ خُفَّا ... وَالدَّلْوُ قَدْ يُسْمَعُ كَيْ يَخِفَّا)
يسمع أَي يَجْعَل لَهُ مسمع بِأَن يشد فِي أَسْفَله عُرْوَة وَالضَّمِير فِي خفافهن لِلْإِبِلِ الْمَعْنى يَقُول متمنيا لَيْت الَّذِي خلق الْفِرَاق جعل عِظَامِي لأخفاف الْإِبِل الَّتِي تحمل عَلَيْهَا الْحَصَى حَتَّى تطأني بإخفاقها
8 - الْإِعْرَاب متلاحظين نصب على الْحَال من فعل مَحْذُوف تَقْدِيره سرنا أَو بَقينَا متلاحظين وَمثله قَوْله تَعَالَى {بلَى قَادِرين} حَال من ضمير فعل مَحْذُوف تَقْدِيره تجمعها قَادِرين وَقَالَ الواحدي قد الْحَال على الْعَامِل وَهُوَ قَوْله نسح وَرَوَاهُ متلاحظين على التَّثْنِيَة الْغَرِيب السح السكب والشؤون جمع شَأْن وَهُوَ مجْرى الدمع والآكام جمع أكمة وَهِي التل من القف من حِجَارَة وَاحِدَة الْمَعْنى يَقُول على رِوَايَة الواحدي تنظر إِلَيّ وَأنْظر إِلَيْهَا وكلانا قد غَلبه الْبكاء وستره خوفًا من الرقباء
9 - الْغَرِيب الانهمال الأنصاب الْمَعْنى يَقُول الدُّمُوع الَّتِي أجريناها لَيست بدموع وَإِنَّمَا هِيَ أَرْوَاحنَا جرت على أَرْجُلنَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول آخر
(وَلَيْسَ الَّذِي يَجرِي منَ العَينِ ماءَها ... وَلكَّنها رُوحي تَذُوبُ فتَقْطُرُ)
(4/8)

- الْإِعْرَاب التَّقْدِير لَو كن كصبرنا وَكن الثَّانِيَة زَائِدَة وَالْعرب تجْعَل الْكَوْن زَائِدا فِي الْكَلَام وَقد حمل قَوْله تَعَالَى {كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا} على زِيَادَة كَانَ وأنشدوا قَول الفرزدق
(جِيادُ بَنى أبي بَكْرٍ تَسامَى ... عَلى كانَ المُسَوَّمةِ العِرَابِ)
الْغَرِيب السجام الغزيرة الْكَثِيرَة الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَت دموعنا يَوْم الرحيل كصبرنا لكَانَتْ قَليلَة لَكِنَّهَا كَانَت غزيرة يخبر عَن قلَّة صبره وَكَثْرَة دُمُوعه
11 - الْغَرِيب الأسى الْحزن والذميل ضرب من السّير سريع والدعبلة النَّاقة السريعة وَأَرَادَ بفحل النعام الذّكر لسرعته الْمَعْنى لما رحلوا خلفوني وحيدا صَاحب حزن وفكر وجدا بهم وصاحبت نَاقَة تشبه الظليم فِي عدوها وسرعتها
12 - الْمَعْنى تعذر وجود الْأَحْرَار وقلتهم صير ظهر هَذِه النَّاقة عَليّ فِي ركُوبهَا إِلَى قصد سواك حَرَامًا كركوب الْفرج الْحَرَام يُرِيد الزِّنَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحكمى
(وَإذا المَطىُّ بِنا بَلَغْنَ مُحمَّداً ... فَظُهوُرُهُنَّ عَلى الرّجالِ حَرَامُ)
وَلَقَد جود هَذَا الْمَعْنى فِي أَخذه مهيار بقوله
(يَا ناقُ وَيحَكِ عَجلي تَصلى ... هَذَا المُنى فَلْيَهْنِكِ الطَّلَبُ)

(فَإِذا وَصَلْتِ بِنَا قِبَابَ قُبا ... لامَسَّ ظَهْرَكِ بَعْدَها قَتَبُ)

13 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنْت الغريبة أَرَادَ الْحَال أَو الْخصْلَة أَو السّلْعَة قَالَ الواحدي أَخطَأ فِي هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُقَال للرجل أَنْت الْحَال الغريبة وَالصَّحِيح أَن يُقَال الْهَاء للْمُبَالَغَة لَا للتأنيث كَمَا يُقَال راوية وعلامة وَيجوز أَن يُقَال أَنْت الْفَائِدَة الغريبة فِي زمَان أَهله كلهم ناقصو كرم لم تتمّ مكارمهم وَيُقَال ولد الْمَوْلُود لتَمام وَتَمام
(4/9)

بِالْكَسْرِ وبالفتح اهـ وَقَالَ الْخَطِيب أَنْت أعجوبة غَرِيبَة كَمَا تَقول داهية دهياء وليل أليل وليل التَّمام بِالْكَسْرِ لَا غير
14 - الْغَرِيب الْعلم الْعَلامَة وَهِي الَّتِي يعرف بهَا الشَّيْء الْمَعْنى لم تزل علما يعرف بِهِ الإفضال والإنعام
15 - الْإِعْرَاب أَدخل لَام التَّأْكِيد عَليّ كَأَن وَهُوَ قَلِيل جدا وَالْقِيَاس لَا يمْنَع مِنْهُ لِأَن كَاف التَّشْبِيه تكون فِي صدر الْكَلَام وقولك كَأَن زيدا عَمْرو مؤد عَن قَوْلك كعمرو زيد فَجَاز دُخُول اللَّام على الْكَاف كَمَا جَازَ فِي قَوْلك لزيد أفضل من بكر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي كَبرت عَن أَن تشبه بِشَيْء فَيُقَال كَأَنَّك كَذَا وَفعلت هَذَا كُله وَأَنت شَاب فَهُوَ أشرف وأمدح وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّه صغر كل كَبِير لِأَن النَّاس إِذا نظرُوا إِلَى أَفعاله استصغروا فعل غَيره وَكَبرت أَن تشبه بِشَيْء وَأَنت مَعَ ذَلِك شَاب
16 - الْغَرِيب رفل يرفل فِي ثِيَابه إِذا أطالها وجرها متبخترا فَهُوَ رافل ورفل بِالْكَسْرِ رفلا أَي خرق فِي لبسته فَهُوَ رفل وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(فِي الرَّكبِ وَشْوَاشٌ وَفِي الحَيّ رَفِلْ ... )
وَالْحلَل جمع حلَّة وَلَا تكون الْحلَّة إِلَّا ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يُرِيد أَن عَلَيْك من الثَّنَاء حللا تتبختر فِيهِنَّ وَعدم الثَّنَاء هُوَ غَايَة الْعَدَم لَا عدم الثراء
17 - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن ترى فَحذف أَن وَقَوله بِسيف أَي مَعَ سيف كَقَوْلِك ركب الْأَمِير بسلاحه الْغَرِيب الوغى أصوات الْحَرْب والصمصام السَّيْف وَهُوَ الصارم لَا ينبو الْمَعْنى يُرِيد أَنْت السَّيْف فَمَا حَاجَتك فِي الْحَرْب إِلَى سيف يُرِيد أَنْت سيف فِي حدتك ومضائك فَلَا تحْتَاج إِلَى سيف
(4/10)

- الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ وَلَا يكون مثلك وَهَذَا يدل على رقة دينه إِلَّا أَنه من شعر الصِّبَا وَقد رفع الْقَلَم عَن الصبى حَتَّى يبلغ والنائم حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَالْمَجْنُون حَتَّى يفِيق
19 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ زهيت فأبدل من الكسرة فَتْحة فَانْقَلَبت الْيَاء ألفا ثمَّ حذفت لالتقائها مَعَ الْيَاء الساكنة على لُغَة طَيء كَقَوْلِهِم بنت على الْكَرم أَي بنيت وَلَا يُمكن أَن يُقَال زهت لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل هَذَا إِلَّا غير مُسَمّى الْفَاعِل كَمَا قَالُوا فِي رضى رضى وَفِي هذي هذي وَحكى قوم زها فَقَالُوا زها يزهو فَهُوَ زاه وَهُوَ ضَعِيف أَو قَول مَرْدُود الْغَرِيب زها تكبر وافتخر وزها لُغَة غربية حَكَاهَا ابْن دُرَيْد وَمِنْه قَوْلهم مَا أزهاه وَلَيْسَ هَذَا من زهى لِأَن مَا لم يسم فَاعله لَا يتعجب مِنْهُ وَأنْشد لخلف الْأَحْمَر
(لنا صاَحِبٌ مُولَعُ بِالخِلافْ ... كَثيرُ الخطاءِ قَليِلُ الصَّوَابْ)

(ألَجَّ لجاجا مِن الخُنْفُسَاءْ ... وَأزْهى إذّا مَا مَشَى مِنْ غُرَابْ)
وَقيل لأعرابي مَا معنى زهى الرجل قَالَ أعجب بِنَفسِهِ الْمَعْنى يَقُول افتخرت بك الْأَيَّام على الْأَيَّام الَّتِي مضين وَلم تكن فِيهِنَّ
20 - الْمَعْنى يَقُول لرجاحة حلمه على أَحْلَام النَّاس كَأَنَّهُ أَخذ أحلامهم إِلَى حلمه والأحلام الْعُقُول
21 - الْغَرِيب أصل الإبرام الفتل فِي الْحَبل وَالْخَيْط والنقض ضِدّه الْمَعْنى تكشفت عزماته عَن رجل لَا نَظِير لَهُ فِي عزماته إِن أبرم أمرا أَو نقضه
22 - الْغَرِيب البنان الْأَصَابِع والنيل الْعَطاء والذمام هُنَا الْحق الْمَعْنى يَقُول إِذا سَأَلته عَطاء لم يرض جَمِيع الدُّنْيَا لَو أَعْطَاهَا قَضَاء حق لسائله
23 - الْإِعْرَاب أَرَادَ عَمْرو بن حَابِس مرخم فِي غير النداء قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي لَا يجوز التَّرْخِيم فِي غير النداء لِأَن التَّرْخِيم حذف يلْحق أَوَاخِر الْأَسْمَاء فِي النداء تَخْفِيفًا والكوفيون يجيزونه فِي غير النداء وأنشدوا
(4/11)

(أَبَا عُرْوَ لَا تَبْعَدْ فَكُلُّ ابْنِ حُرَّة ... سَيَدْعُوهُ دَاعِي مِيتَةٍ فَيُجِبُ)
والبصريون يُنكرُونَ هَذِه الرِّوَايَة وَيَقُولُونَ أيا عرو على النداء اهـ كَلَامهمَا ذهب أَصْحَابنَا إِلَى جَوَاز ترخيم الْمُضَاف وأوقعوا التَّرْخِيم فِي آخر الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ وحجتهم أَنه قد جَاءَ فِي أشعار الْعَرَب القدماء كَقَوْل زُهَيْر بن أبي سلمى
(خُذوا حَظكمْ يَا آل عِكرِمَ واحفظُوا ... أوَاضِرَنا وَالرّحْمُ بالغَيْبِ تُذكَرُ) أَرَادَ يَا آل عِكْرِمَة فَحذف للترخيم وَهُوَ عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر أَبُو قبائل كَثِيرَة من قيس وكقول الآخر
(إمَّا تَرَيْني اليَوْمَ أُمَّ حَمْزِ ... قارَبتُ بَينَ عَنَقِي وَجْمزِى) أَرَادَ أمّ حَمْزَة والشواهد كَثِيرَة وَقد جَاءَ التَّرْخِيم فِي قَول جرير
(أَلا أضْحَتْ خِيامُكُمُ رِماما ... وَأضْحَتْ منْكَ شاسعَةً أُماما) فَهَذَا ترخيم فِي غير النداء على من قَالَ يَا حَار بِالْكَسْرِ الْغَرِيب الأغتام وصف توصيف بِهِ الأغبياء الْجُهَّال من قَوْلهم يَوْم غتم إِذا كَانَ شَدِيد الحرّ قَالَ الراجز
(حَرَّقَها حَمْضُ بِلاد فِل ... وَغَتمُ نَجْمٍ غَيْرِ مُسْتَقِلْ)
أَي غير مُرْتَفع لثبات الْحر الْمَنْسُوب إِلَيْهِ وَالْحر يشْتَد عِنْد طُلُوع الشعري الَّتِي فِي الجوزاء والغتمة العجمة والأغتم الَّذِي لَا يفصح شَيْئا وَالْجمع غتم وأغتام الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الَّذين عصوك أهلكتهم لقلَّة رَأْيهمْ وَكَثْرَة جهلهم حِين عصوك
24 - الْغَرِيب يرْوى الْمنية بدل الأسنة والمنية الْمَوْت والجور خلاف الْعدْل وَجمع الْمنية منايا وَلَيْسَ بِشَيْء وَالأَصَح الأسنة وَلِهَذَا قَالَ وَهن فَجمع الضَّمِير فِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَمن روى الْمنية أَرَادَ بهَا المنايا وَلَيْسَ هُوَ بِشَيْء إِلَّا أَنى وَجدتهَا فِي بعض النّسخ فَذَكرتهَا حَتَّى لَا أخل بِشَيْء على حسب الطَّاقَة
25 - الْغَرِيب خلل الْبيُوت هُوَ حَشْو أَو فِيهِ التَّنْبِيه على غزوهم فِي خلال دُورهمْ الْمَعْنى يَقُول لما عصوك غزوتهم فِي دُورهمْ ومواطنهم وَفرقت بَين رُءُوسهم وأجسامهم
(4/12)

- الْغَرِيب الْبيض المغافر والقتام الْغُبَار الْإِعْرَاب رفع أَحْجَار على الِابْتِدَاء أَي ثمَّ أَحْجَار نَاس فَهُوَ ابْتِدَاء مَحْذُوف الْخَبَر الْمَعْنى يصف المعركة وَكَثْرَة الْقَتْلَى يَقُول مَكَان الْحِجَارَة نَاس قَتْلَى فَوق تِلْكَ الأَرْض وَالْأَرْض دِمَاء وَصَارَت الْبيض نجوما لامعة فِي سَمَاء من الْغُبَار
27 - الْإِعْرَاب نصب كنية على الْحَال من أبي فلَان قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيجوز نصبها بأعنى وَقَالَ الواحدي على الْحَال تَقْدِيره كل أَب لفُلَان لِأَن مَا بعد كل إِذا كَانَ واجدا فِي معنى جمَاعَة لَا يكون إِلَّا نكرَة كَمَا تَقول كل فرس وكل عبد كَقَوْلِك رب وَاحِد أمه لقِيت وَعبد بَطْنه رَأَيْت على تَقْدِير رب وَاحِد لأمه وَعبد لبطنه وَالْإِضَافَة يُرَاد بهَا الِانْفِصَال وذراع عطف على أَحْجَار نَاس أَي وَثمّ ذِرَاع أبي فلَان وَقيل أَبُو فلَان لَيْسَ تَقْدِيره كل أَب لفُلَان لِأَنَّهُ لم يرد بِهَذَا اللَّفْظ هُنَا حَقِيقَة مَعْنَاهُ وَأَنه أَب لفُلَان وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَة الْعلم كَمَا إِذا كَانَ قوم يُسمى كل وَاحِد مِنْهُم بزيد فَتَقول ذِرَاع كل زيد علما ثمَّ جعلت زيدا نكرَة وأخرجته عَن كَونه معرفَة كَذَا هَهُنَا أحرجت الكنية عَن كَونهَا معرفَة الْمَعْنى يَقُول ثمَّ فِي ذَلِك الْموضع كل ذِرَاع أَبى فلَان يكنى حَالَتْ كنيته بعد أبي بكر أَو أبي عَمْرو أَو أبي خَالِد وَرجعت إِلَى أبي الْأَيْتَام فَصَارَ يكنى أَبَا الْأَيْتَام لِأَن وَلَده يَتِيم بهلاكه
28 - الْإِعْرَاب من روى وخيله بِالْجَرِّ عطفه على المعركة ومحجمة بِالنّصب على الْحَال وَمن رَفعه فَهُوَ على الِاسْتِئْنَاف وَالْوَاو وأو الْحَال الْغَرِيب المعركة مَوضِع الْحَرْب وَالنَّقْع الْغُبَار والإحجام التَّأَخُّر أحجم تَأَخّر وأحجم بِتَقْدِيم الْجِيم تَأَخّر أَيْضا والإقدام خلاف الْفِرَار الْمَعْنى يَقُول لم أر معركة إِلَّا وخيله مُتَقَدّمَة مُتَأَخِّرَة عَن الإحجام
29 - الْمَعْنى يَقُول من طلب أَن ينَال مطلبك فقد طلب مَالا يكون وَلَا يُوجد وَسَماهُ سيف دولة هَاشم لِأَنَّهُ سيف للدولة العباسية وَبهَا يصول على الأعادي
(4/13)

- الْغَرِيب قَوْله غير مُودع أَي أَنا مَعَك قلبا وَإِن فَارَقت شخصا وَيجوز أَن يكون من جِهَة الفأل وَيجوز أَن يكون إِن روحي صحبتك فَأَنت مشيع غير مُودع وَسَقَى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق الْقُرْآن بهما قَالَ الله تَعَالَى {لأسقيناهم مَاء غدقا} وَقَالَ الله تَعَالَى {وسقاهم رَبهم شرابًا طهُورا} وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر نسقيكم بِفَتْح النُّون فِي النَّحْل وَقد أَفْلح وَصوب الْغَمَام الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول لازلت سالما نسلم عَلَيْك غير مود عين لَك وَيَدْعُو لقبر أَبَوَيْهِ بالسقيا
31 - الْغَرِيب يَقُول كساك ثوب المخافة حَتَّى يخافك النَّاس والقمقام أَصله الْبَحْر لِأَنَّهُ مُجْتَمع المَاء من قَوْلهم فمقم الله عصبه أَي جمعه وَقَبضه وَأَرَادَ بشقيقه أَخَاهُ نَاصِر الدولة الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِأَن يلْبسهُ ثوب الهيبة حَتَّى يهابه أعداؤه وَأَن يجمع شَمله بأَخيه نَاصِر الدولة
32 - الْغَرِيب الروق الْقرن فاستعاره لأوّل الْعَسْكَر والأرعن الْجَيْش المضطرب لكثرته والغطم الْكثير المَاء واللهام الَّذِي يلتهم كل شَيْء الْمَعْنى يَقُول إِن أَخَاك قد رمى بلد الْعَدو بِنَفسِهِ يُرِيد وَحده لشجاعته وَلم يكن مَعَه من أَهله أحد فَهُوَ قَائِد جَيش يلتهم كل شَيْء وَلَا يخْشَى من شَيْء
33 - الْغَرِيب تفرست تَأَمَّلت والمنايا جمع منية وَهِي الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم قوم تَأَمَّلت المنايا فِيكُم واختبرتكم فرأتكم صابرين فِي الْحَرْب لَا تفرون وَإِذا صَبَرُوا فِي الْحَرْب كَانَت المنايا أقرب إِلَيْهِم وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول فيهم فرأت لَهُم كَمَا تَقول أَنْتُم قوم لَهُم وَفَاء وَلكنه حمله على الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا خاطبهم بِالْكَاف كَانَ أمدح
34 - الْمَعْنى يُرِيد مِنْكُم اسنفاد النَّاس الْكَرم والشجاعة فَأنْتم عرفتموهما النَّاس وَلَوْلَا أَنْتُم مَا عرفا لأنكم كرام شجعان فتعلم النَّاس ذَلِك مِنْكُم
(4/14)

- 1 الْغَرِيب الْإِقْدَام الشجَاعَة وَالْقسم الْيَمين الْمَعْنى يَقُول إِذا حَلَفت أَنَّك تلقى من هُوَ لَيْسَ من أقرانك نَدِمت وَلم يزدك اقسمك شجاعة يَعْنِي أَنه من حلف على الظفر فَإِنَّهُ ينْدَم لَا محَالة لِأَنَّهُ رُبمَا لم يظفر وَفِي الْمثل الْيَمين حنث أَو مندمة فعقبى يَمِين الْحَالِف عَن الْحَرْب إِنَّمَا تعقبه ندما لِأَن فعل لإِنْسَان مَا يُرِيد لَا يفْتَقر إِلَى يَمِين فَإِنَّهُ إِذا حلف أَنه يفعل فَإِنَّهُ لَا يعلم بِأَيّ شَيْء يجْرِي الْقَضَاء وَهَذَا إِشَارَة إِلَى تَكْذِيب البطريق الَّذِي حلف لملك الرّوم أَنه لَا بُد أَن يلقى سيف الدولة فِي بطارقته ويجتهد فِي لِقَائِه بالبطارقة فَفعل فخيب الله ظَنّه وأتعس جده فَذكر ذَلِك أَبُو الطّيب يرد عَلَيْهِ ويهجوه وَيُرِيد لَو كنت مِمَّن إِذا قَالَ وفى لم تحتج إِلَى الْيَمين
2 - الْمَعْنى يَقُول إِذا حَلَفت على مَا تعده من نَفسك دلّت الْيَمين على أَنَّك غير صَادِق فِيمَا تعده لِأَن الصَّادِق لَا يحْتَاج إِلَى الْيَمين
3 - الْغَرِيب آلى حلف وَمن الْإِيلَاء وَقَوله تَعَالَى {للَّذين يؤلون وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل} وَابْن شمشقيق بطرِيق الرّوم والكلم الْكَلَام الْمَعْنى أقسم بطرِيق الرّوم أَنه يلقى سيف الدولة فأحنثه فَتى يُرِيد سيف الدولة تنسى عِنْده أَي عِنْد سيف الدولة من الضَّرْب الْيَمين فَلَا يذكر الْحَالِف أَنه حلف أَنه يلقاه
4 - الْإِعْرَاب فَاعل عطف على قَوْله فَتى الْأَخير وَالضَّمِير فِي يُغْنِيه لَهُ الْمَعْنى يَقُول وأحنثه فَاعل يفعل مَا يُرِيد وَلَا يحْتَاج إِلَى يَمِين لِأَنَّهُ ملك لَا معَارض لَهُ ويغنيه عَن الْقسم على مَا يَفْعَله حُضُور فعله وَكَرمه فَلَا يحْتَاج إِلَى قسم عَمَّا يُريدهُ لي
(4/15)

- الْغَرِيب السأم الضجر الْمَعْنى يَقُول كل السيوف إِذا ضرب بهَا كلت وَنبت إِلَّا هَذَا السَّيْف فَإِنَّهُ لَا يضجر وَلَا يسأم من قراع الْأَبْطَال
6 - الْإِعْرَاب من روى تحمله رفعا وَهُوَ الْمَشْهُور وَالْمُخْتَار أَرَادَ فعل الْحَال أَي حَتَّى هِيَ غير مُحْتَملَة وَمن نصب أَرَادَ إِلَى أَن لَا تحمله الْغَرِيب كلت ضعفت والهمم جمع همة وَهِي الْعَزِيمَة الْمَعْنى يَقُول لَو عجزت الْخَيل عَن تحمله إِلَى أعدائه لسار إِلَيْهِم بِنَفسِهِ لِأَن همته لَا تَدعه يتْرك الْقِتَال
7 - الْغَرِيب البطاريق جمع بطرِيق وَهُوَ الْقَائِد من الرّوم وَجمعه بطارقة وبطاريق وَهُوَ مُعرب وَالْملك لُغَة فِي الْملك ومفرق الْملك رَأسه الْمَعْنى يَقُول أَيْن ذهبت البطارقة وَأَيْنَ مَضَت أَيْمَانهم بِرَأْس ملكهم وَأَيْنَ مَا وعدوا من الْقِتَال وَقَوله الزَّعْم هُوَ كِنَايَة عَن الْكَذِب
8 - الْإِعْرَاب فِي ولى ضمير سيف الدولة الْغَرِيب الصوارم السيوف القواطع والقمم جمع قمة وَهِي الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول ولى سيف الدولة صوارمه أَن تكذبهم فِيمَا قَالُوا من الصَّبْر على الملاقاة وَجعلهَا كالألسنة تعبر عَن كذبهمْ وَلما جعلهَا أَلْسِنَة جعل رُءُوسهم كالأفواه لِأَنَّهَا تتحرك فِي تِلْكَ الرُّءُوس تحرّك اللِّسَان فِي الْفَم
9 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا الْبَيْت تَفْسِير للمصراع الْأَخير من الْبَيْت الَّذِي قبله يُرِيد أَن سيوفه تخبرهم عَن سيف الدولة بِمَا علمُوا مِنْهُ من إقدامه وشجاعته وَصَبره فِي الْحَرْب الْحَرْب وَمَا جهلوا مِنْهُ لأَنهم لم يعرفوا مَا عِنْده من الشجَاعَة تَمام الْمعرفَة
(4/16)

- الْغَرِيب محفاة أَي قد حفيت من الطراد مقودة أَي يَقُودهَا من بلد إِلَى بلد وبار مَدِينَة قديمَة الخراب وَهِي من مسَاكِن الْجِنّ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر مثل حذام وقطام وَرُبمَا أعربوها وَلم يصرفوها وإرم جيل من النَّاس يُقَال إِنَّهُم عَاد وَقَالَ جمَاعَة من أهل التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم} إِن إرم بدل من عَاد وَقَالَ قوم عطف بَيَان فعلى هَذَا يكون عَاد إرم الْمَعْنى قَالَ الواحدي هُوَ الَّذِي رد الْخَيل عَن غَزَوَاته وَقد حفيت من كَثْرَة الْمَشْي يَقُودهَا من كل بلد مثل وبار فِي الْهَلَاك وَأَهْلهَا باروا وهلكوا هَلَاك إرم وَلَيْسَ يُرِيد أَن وبار أَهلهَا إرم بل يُرِيد أَن الديار الَّتِي رد عَنْهَا خيله كَانَت كوبار خرابا وَأَهْلهَا كإرم هَلَاكًا
11 - الْغَرِيب تل بطرِيق مَوضِع بِبِلَاد الرّوم بِقرب ملطية وقنسرون مَدِينَة من أَعمال حلب وَكَذَلِكَ الأجم مَوضِع بِالشَّام الْإِعْرَاب من روى ساكنها على على تَأْنِيث الضَّمِير فَإِنَّمَا أنث وَهُوَ مُذَكّر على إِرَادَة الْبَلدة أَو الْمَدِينَة وَمن روى تذكير الضَّمِير فَهُوَ على اللَّفْظ لِأَن تل بطرِيق مُذَكّر اللَّفْظ وقنسرون الأجود فِيهِ فتح النُّون كَأَنَّهُ جمع قنسر وَمثله فعلل بِوَزْن علكد وهلقف وَيُقَال بِكَسْر النُّون وَلَا يعرف فِي الْكَلَام فعلل بِكَسْر الْعين وَأنْشد أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب
(سَقى اللهُ فِتْيانا وَرَائي تَرَكْتُهُمْ ... بِحاضِرِ قِنَّسْرِينَ مِنْ سَبَلِ القَطْرِ)
الْمَعْنى هَذَا تَفْسِير لقَوْله من كل مثل وبار أَي كتل بطرِيق الَّذِي غر أَهله أَنَّك بعيد عَنْهُم لَا تقدر على قطع مَا بَيْنك وبيهم من الْمسَافَة لِأَن قنسرين بِالشَّام والجم بِقرب الْفُرَات وَبَينهمَا وَبَين تل بطرِيق مَسَافَة بعيدَة
12 - الْإِعْرَاب ظنهم بِالْجَرِّ عطفا على مَا دخلت عَلَيْهِ الْبَاء من قَوْله بِأَن دَارك أَي واغتروا بظنهم وَقد روى بِالرَّفْع فَيكون فَاعِلا تَقْدِيره وغرهم ظنهم الْمَعْنى يَقُول اغتروا بظنهم أَنَّك كالمصباح فِي حلب وَمَتى مَا فَارقهَا أظلمت لِأَنَّك إِن ارتحلت عَنْهَا وبعدت انتقضت عَلَيْك ولايتها
(4/17)

- الْمَعْنى يُرِيد إِنَّمَا أَنْت كَالشَّمْسِ تعم الْأَمَاكِن بالضياء وَإِن كَانَت بعيدَة وغلطوا وَلم يعرفوا أَنَّك الْمَوْت الَّذِي لَا يتَعَذَّر عَلَيْهِ مَكَان
14 - الْغَرِيب سروج مَوضِع بِالْقربِ من الْفُرَات وَهُوَ من أول الشَّام الْمَعْنى يَقُول لم تصبح سروج إِلَّا وجيشك مزدحم عَلَيْهَا وَجعل الصَّباح لَهَا بِمَنْزِلَة فتح النَّاظر
15 - الْإِعْرَاب صرف حران ضَرُورَة لِأَن فِيهِ العلتين فَلَا ينْصَرف إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر الْغَرِيب حران مَوضِع يعد من الجزيرة والبقعة قَالَ أَبُو الْفَتْح هِيَ الْمَكَان الْوَاسِع من الأَرْض وَرَوَاهُ بِضَم الْبَاء أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة وَرَوَاهُ أَبُو الْعَلَاء المعري بِفَتْح الْبَاء وَقَالَ هِيَ مَكَان أفيح كالبطحاء قَالَ وَلَا يجوز أَن تضم الْبَاء فِي هَذَا الْموضع لِأَن النَّقْع وَهُوَ الْغُبَار إِذا أَخذ حران فقد أَخذ بقعتها فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره الْمَعْنى يَقُول حران بعد من سروج وَالْغُبَار قد وصل إِلَيْهَا لعظم الْحَرْب وَكَثْرَة الْجَيْش
16 - الْغَرِيب سحب جمع سَحَاب ككتاب وَكتب فِي لُغَة من سكن الْعين وحصن الران مَوضِع من بِلَاد سيف الدولة والنقم جمع نقمة كنعمة وَنعم الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ إمْسَاك هَذِه السحب بخلا وَإِنَّمَا هُوَ إشفاق على بِلَاده والنقم إِنَّمَا تصب على بِلَاد الْأَعْدَاء
17 - الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي تطاوله للْأَرْض وَالضَّمِير الْمَفْعُول للجيش يُرِيد تطاول الأَرْض جيشك الْغَرِيب الْأُمَم بَين الْقَرِيب والبعيد وَهُوَ من المقاربة والأمم الشَّيْء الْيَسِير يُقَال مَا سَأَلت إِلَّا أمما وَمَا أَخَذته من أُمَم أَي من قريب قَالَ زُهَيْر
(كأنَّ عَيْني وَقدْ سالَ السَّليلُ بِهِمْ ... وَجِيْرَةٌ مَا هُمُ لَوْ أنهُمْ أمَمُ) يُرِيد أيّ جيرة كَانُوا لَو أَنهم بِالْقربِ مني الْمَعْنى يَقُول بَعدت الأَرْض فطالت فَكَأَنَّهَا تطاول جيشك الْبعيد أَطْرَافه وَكِلَاهُمَا كَانَ طَويلا ثمَّ فسره فِيمَا بعده
(4/18)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمُذكر للجيش والمؤنث للْأَرْض الْغَرِيب الْعلم للإرض هُوَ الْجَبَل وللجيش هُوَ الرَّايَة وَجمع علم أَعْلَام فِي الْقلَّة وَقَالُوا علام كجبل وجبال الْمَعْنى يَقُول الْأَعْلَام من الأَرْض وَمن الْجَيْش كَثِيرَة فَإِذا مضى جبل بدا جبل وَإِذا مضى علم بدا علم فَلَا الْجبَال تفنى وَلَا الْأَعْلَام تفنى قَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ ابْن مُحَمَّد بن حَمْزَة الشجري فِي الأمالي لَهُ قَالَ الْخَطِيب لَو قَالَ وَإِن مضى عَالم لَكَانَ أحسن لِأَن تكْرَار الْعلم كثير فِي الْبَيْت وَلَو اسْتعْمل أَبُو الطّيب مَا قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا لَكَانَ قبيحا فِي صناعَة الشّعْر لِأَنَّهُ أَتَى بِذكر الْعلم الَّذِي هُوَ الْجَبَل مرَّتَيْنِ فَوَجَبَ أَن يُقَابله بِذكر الْعلم الَّذِي هُوَ الرَّايَة مرَّتَيْنِ وَإِذا قَالَ مضى عَالم دلّ على كَثْرَة الْجَيْش فَكَذَلِك ذكر الْعلم يدل على كَثْرَة الْجَيْش لِأَن الْعلم يكون تَحْتَهُ أَمِير مَعَه جمَاعَة وَأما كراهيته لتكرار الْعلم فَقَوْل من جهل مَا فِي التّكْرَار من التوكيد والتبيين إِذا تعلق التّكْرَار بعضه بِبَعْض بِحرف عطف أَو شَرط أَو غَيرهمَا من المعلقات وَقد جَاءَ فِي الْكتاب الْعَزِيز {وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله} وَأَيْضًا فِيهِ فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم} والتكرار فِي هَذَا النَّحْو حسن مَقْبُول وَإِذا ورد التّكْرَار فِي الْكتاب الْعَزِيز علمت أَن التّكْرَار فِي بَيت المتنبي غير معيب وَإِنَّمَا يعاب التّكْرَار إِذا ورد اللَّفْظ فِي بَيْتَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَالْمعْنَى وَاحِد
19 - الْإِعْرَاب من روى شرب بِالرَّفْع عطفه على قَوْله علم الْأَخير وَمن جَرّه خفضه بِرَبّ الْمقدرَة فِي القَوْل الْبَصْرِيّ وبالواو فِي القَوْل الْكُوفِي الْغَرِيب الشّرْب جمع شَارِب وَهِي الْفرس الضامر وَشرب الْفرس شروبا وخيل شرب ضوامر وَمَكَان شازب أَي خشن والشعري نجم يطلع فِي فصل الصَّيف وَفِيه يكون شدَّة الْحر والشكائم جمع شكيمة وَهِي رَأس اللجام وَالْحكم جمع حِكْمَة وَهُوَ مَا على أنف الْفرس الْمَعْنى حميت الشكائم من حر الشَّمْس حَتَّى وسمت الْحِكْمَة الْخَيل على أنافها يصف شدَّة الْحر وَأَن الشَّمْس قد أحمت اللجم حَتَّى بقى مَكَان الحكم مثل الوسم
20 - الْغَرِيب سمنين مَوضِع من أفلاذ بِلَاد الرّوم والنشيش صَوت المَاء وَغَيره إِذا غلا ونش الغدير ينش نشيشا إِذا أَخذ مَاؤُهُ فِي النضوب واللجم جمع لجام وَهُوَ الحديدة الَّتِي تجْعَل فِي شدق الدَّابَّة
(4/19)

الْمَعْنى يَقُول حَتَّى وَردت هَذِه الْخَيل بحيرة هَذَا الْموضع وكرعت المَاء فَسمع للجمعها نشيش فِي أشداقها من شدَّة حرارة الْحَدِيد يُرِيد أَنَّهَا كَانَت محماة فَلَمَّا أَصَابَهَا المَاء نشت وَيُشِير إِلَى أَنَّهَا وَردت المَاء بلجمها لسرعتها حَتَّى لم يقدروا أَن ينزعوا عَنْهَا اللجم للسرعة بل كرعت فِي المَاء بلجمها
21 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي ترعى للخيل والظبا مفعول لترعى الْغَرِيب هنزيط من بِلَاد الرّوم والظبا جمع ظبة وَهِي ظبة السَّيْف والخصيب الْمَكَان الْكثير النَّبَات واللمم جمع لمة وَهُوَ مَا ألم بالمنكب من الشّعْر وجائلة تجول للغارة الْمَعْنى يَقُول أَصبَحت هَذِه الْخَيل بِهَذَا الْمَكَان تجول للغارة وَالْقَتْل وَالسُّيُوف ترعى فِي مَكَان خصيب من رُءُوسهم إِلَّا أَن نبته الشّعْر قَالَ الواحدي وَالْمعْنَى أَن السيوف تصل من الرُّءُوس إِلَى مَكَان مثل مَا يصل إِلَيْهِ المَال الرَّاعِي فِي الْبَلَد الخصيب أَي إِن الرُّءُوس تنْبت الشّعْر كَمَا ينْبت الْبَلَد الخصيب الْكلأ وَهُوَ قَول أبي الْفَتْح وَنَقله حرفا فحرفا
22 - الْغَرِيب الْخلد ضرب من الفأر لَيست لَهُ عُيُون الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي يَعْنِي أَن الرّوم كَانُوا قسمَيْنِ قسما دخلُوا المطامير والأسراب كالفأر إِذا فزعت من شَيْء دخلت جحرها وقسما صعدوا الْجبَال واعتصموا بهَا كالبازي يطير علوا من الأَرْض فَجعل من دخل الأسراب خلدا ذَات أعين وَمن تحصن بالجبال بزاة لَهَا أَقْدَام وَالْمرَاد بالفريقين النَّاس قَالَ وَالْمعْنَى مَا تركت السيوف إنْسَانا دخل تَحت الأَرْض فَصَارَ كالخلد وَلَا من تعلق بِرَأْس الْجَبَل كالبازي إِلَّا أهلكته وَقَالَ ابْن القطاع مَا تركن من هُوَ فِي ضعفه وخفاء مَكَانَهُ كالخلد إِلَّا أَنه ذُو بصر يَعْنِي إنْسَانا وَلَا تركن من هُوَ كالبازي فِي ارتفاعه إِلَّا أَنه ذُو قدم يَعْنِي إنْسَانا
23 - الْغَرِيب الهزبر الْأسد واللبد جمع لبدة وَهِي مَا على كَتِفي الْأسد من شعره والمهاة بقرة الْوَحْش والحشم الخدم وَهِي حَاشِيَة الْإِنْسَان الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول وَلَا تركت السيوف هزبرا يَعْنِي فَارِسًا بطلا وَجعل درعه لَهُ بمَكَان اللبدة للأسد وَلَا تركت امْرَأَة حسناء كَأَنَّهَا فِي حسن عينيها بقرة وحشية وَلها من جِنْسهَا وشكلها خدم يخدمونها
(4/20)

- الْغَرِيب الشفرات جمع شفرة وَهِي حد السَّيْف والباترات القاطعات ومكامن الأَرْض الخفيات مِنْهَا والغيطان جمع غَائِط وَهُوَ المطمئن من الأَرْض والأكم جمع أكمة وَجمع الأكم إكام كجبل وجبال وَجمع الإكام أكم ككتاب وَكتب وَجمع الأكم آكام كعنق وأعناق الْمَعْنى يَقُول لقرب حينهم وحلول آجالهم لم يَنْفَعهُمْ الْهَرَب حَتَّى كَأَن مهاربهم من الْغِيطَان وَالْجِبَال تلقيهم على حد السيوف
25 - الْإِعْرَاب صرف أرسناس لضَرُورَة الْوَزْن أرسناس نهر مَعْرُوف ببلادهم الْمَعْنى يَقُول قطعُوا هَذَا النَّهر هاربين وظنوا أَنه يمنعهُم وَكَيف يعْصم من لَا يعْصم نَفسه وَأَرَادَ أَنه لَا ينعصم لِأَنَّهُ يقطعهُ إِلَيْهِم بالجسور والسفن
26 - الْغَرِيب الطود الْجَبَل والشمم الْعُلُوّ الْمَعْنى يَقُول لَا يمنعك من عبور بَحر إِلَيْهِم سعته وَلَا يردك عَن صعُود جبل إِلَيْهِم علوه لِأَنَّك تقطع البحور وَإِن اتسعت وتعلوا الْجبَال وَإِن شمخت وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنهم لَا يعصمهم مِنْهُ شَيْء
27 - الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَفْعُول فِي ضَربته للنهر وَهُوَ أرسناس الْمَعْنى يَقُول ضربت هَذَا النَّهر بصدر خيل حاملة فُرْسَانًا يرَوْنَ تلافهم سَلامَة فِي إقدامهم على الْعَدو وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(يَسْتَعذبِوُنَ منَاياهُمْ كأنَّهُمُ ... لَا يَيْأَسُونَ من الدُّنْيَا إِذا قُتلُوا)
28 - الْغَرِيب التجفل الْإِسْرَاع فِي الذّهاب والغارة الْخَيل الغائرة على الْعَدو وَالنعَم وَاحِد الْأَنْعَام وَهِي المَال الراعية وأكبر مَا يَقع هَذَا الإسم على الْإِبِل قَالَ الْفراء هُوَ ذكر لَا يؤنث يَقُولُونَ هَذَا نعم وَارِد وَيجمع على نعْمَان كحمل وحملان الْمَعْنى يَقُول الموج تنبسط على المَاء صادرة عَن صُدُور حيلهم السابحة فِيهِ كَمَا تنبسط النعم مُتَفَرِّقَة عِنْد الْغَارة إِذا جفلت وأسرعت فِي الذّهاب
29 - الْغَرِيب الرمم البالية من الْعِظَام والحمم جمع حمة وَهِي مَا احْتَرَقَ بالنَّار
(4/21)


وَمِنْه قَول طرفَة
(أشَجاكَ الرَّبْعُ أمْ قِدَمُهْ ... أمْ رَمادٌ دَارِسٌ حُمَمُهْ)
الْمَعْنى يَقُول عبرت تقدم الْجَيْش إِلَى بلد أَي تقدم فرسانك وَقد قتلت أهل الْبَلَد فصاروا عظاما بالية وأحرقت مساكنهم فَصَارَت حمما
30 - الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَجْرُور عَائِد على قوم سيف الدولة الَّذين ذكرهم فِي قَوْله حاملة قوما التَّقْدِير وَفِي أكف الْقَوْم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد سيوفا كالنار فِي الصفاء والجوهر قبل الْمَجُوس يُرِيد أَنَّهَا عَتيق قديمَة وَقَالَ الْخَطِيب يُرِيد بالنَّار السيوف شبهها بالنَّار اضطراما وإهلاكا وعبادتهم السيوف اشتمالهم بهَا كَمَا يشْتَمل الْمُسلمُونَ بالصحف وَالنَّصَارَى بالصلب وَقَالَ الواحدي يَعْنِي السيوف الَّتِي كَانَت مطاعة فِي كل وَقت قبل أَن عبدت الْمَجُوس النَّار وَهِي نَار تضطرم إِلَى هَذَا الْيَوْم أَي توقد وتبرق
31 - الْغَرِيب هندية منسوبة إِلَى الْهِنْد الْأَعْرَاب جزم الشَّرْط وَلم يَأْتِ لَهُ بِجَوَاب مجزوم وَلَا بِمَا يقوم مقَامه وَالْأولَى فِي الشَّرْط وَالْجَوَاب إِذا كَانَا فعلين أَن يَكُونَا مُسْتَقْبلين وَيجوز أَن يَكُونَا ماضيين وَيجوز أَن يكون الشَّرْط مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعا وَبِالْعَكْسِ كَهَذا وَهُوَ أضعفها لِأَن الشَّرْط إِذا أثر فِي الشَّرْط يُرِيد أَن يُؤثر فِي الْجَواب وَذكر عبد القاهر أَن الشَّرْط إِذا كَانَ مَاضِيا وَالْجَوَاب مضارعا جَازَ فِيهِ الْجَزْم وَالرَّفْع وَأنْشد بَيت زُهَيْر
(وَإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لَا غائِبٌ مالِي وَلا حَرْمُ)
وَهَذَا قَول مَرْدُود لِأَن سِيبَوَيْهٍ يَجْعَل هَذَا ضَرُورَة فِي الشّعْر وَالشّرط معترض وَيَقُول خبر لَا جَوَاب وَمَوْضِع الضَّرُورَة يُؤَخر الْخَبَر إِلَى مَوضِع الِاعْتِرَاض وَيقدم الِاعْتِرَاض إِلَى مَوضِع الْخَبَر وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ قَوْله يَقُول وَوجه التَّأْخِير أَن الْمَعْنى يَقُول لَا غَائِب مَالِي إِن أَتَاهُ خَلِيل الْمَعْنى يَقُول هَذِه السيوف من صغرته صغر وَمن عَظمته عظم
32 - الْمَعْنى يُرِيد أَن سيوفك لما قاسمتها هَذِه الْبَلدة أعطيتهَا الْأَبْطَال فأهلكتهم وَأخذت أَنْت النِّسَاء وَالصبيان سهيا فَكَانَت هَذِه الْمُقَاسَمَة بَيْنكُمَا
(4/22)

- الْغَرِيب التيار الموج والمقربة فِي الأَصْل الْخَيل المدناة من الْبيُوت لكرمها وإعدادها للغارة والجحافل جمع جحفلة وَهِي لذِي الْحَافِر كالشفة للْإنْسَان والرئم بَيَاض فِي شفة الْفرس الْعليا والنضخ أَكثر من النَّضْح وَهُوَ أغْلظ جسما مِنْهُ الْمَعْنى يُرِيد بالمقربة السفن جعلهَا كالخيل المقربة يُرِيد أَنه عبر بالسفن المَاء وهم فِي زوارق وَلما سَمَّاهَا مقربة جعل مالصق من زبد المَاء كالرثم فِي جحافل الْخَيل يُرِيد أَن الزّبد قد بلغ إِلَى أعاليها فَصَارَ كالرثم للْفرس
34 - الْإِعْرَاب رفع دهم على الْبَدَل من مقربة فوارسها مُبْتَدأ وركاب خَبره والألم ابْتِدَاء وَخَبره مقدم عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور الْمَعْنى يَقُول هِيَ سود مقربة يركب بَطنهَا لَا ظهرهَا بِخِلَاف المركوب من الدَّوَابّ والتعب يلْحق من يسومها وهم الملاحون وَلَا يلْحقهَا
35 - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد والشيم جمع شِيمَة وَهِي مَا يظْهر من خلق الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول هَذِه السفن من الْخَيل الَّتِي جَعلتهَا كيدا لأعدائك وَلَيْسَ لَهَا خلق الْخَيل وصورها وَلَا أخلاقها
36 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه السفن مِمَّا أحدثه رَأْيك فِي وَقت قريب الْمدَّة كمدة فهم كلمة فِي فهم سامع فَكَأَن مُدَّة عَملهَا كمدة من وعى كلمة وَكَانَ ذافهم قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يُرِيد الْوَاحِد من حُرُوف المعجم مِمَّا لَهُ معنى كع من وعيت ود من وديت
37 - الْغَرِيب الدَّرْب مَوضِع واللجب اخْتِلَاف الْأَصْوَات وبكسر الْجِيم نعت للجيش الْمَعْنى يَقُول تمنوا أَن يبصروك فَلَمَّا أبصروك غضت هيبتك عيونهم فكأنهم عموا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا هَلَكُوا وزالت أَبْصَارهم وَالثَّانِي عموا عَن الرَّأْي والرشد أَي تحيروا
38 - الْغَرِيب الْخَمِيس الْجَيْش والغرة الْوَجْه والسمهرية الرماح وأصل الاسمهرار
(4/23)

الشدَّة من قَوْلهم اسمهر الظلام أشتند وَقيل سمهر رجل كَانَ يصنع الرماح فَهِيَ تنْسب إِلَيْهِ والغمم كَثْرَة الشّعْر وإسباله على الْوَجْه الْمَعْنى أَنه جعل الرماح فِي هَذَا الْجَيْش كالغمم فِي وَجه الْإِنْسَان وَهُوَ من قَول الآخر
(فَلَوْ أنَّا شَهِدنْاكمْ نُصِرْنا ... بِذي لجَبٍ أزَبَّ مِنَ العَوَالي)

39 - الْمَعْنى كَانَت أجسامهم الثَّابِتَة سَاقِطَة بَين يَديك وأرواحهم منهزمة
40 - الْإِعْرَاب نصب ملْء على الْحَال من الضَّمِير فِي الظّرْف وَيجوز أَن يكون بإضمار فعل يُرِيد والأعوجية ترقص فِي حَال ملئها الطّرق الْغَرِيب الأعوجية خيل منسوبة إِلَى أَعْوَج فَحل كَانَ لكندة مَا كَانَ فِي فحول الْعَرَب أَكثر ذكرا مِنْهُ وَكَانُوا يفخرون بِهِ والمشرفية السيوف وَجعل السيوف ملْء الْيَوْم لِأَنَّهَا تعلو فِي الجو وتنزل عِنْد الضَّرْب فِي الْهَوَاء فأينما كَانَ النَّهَار كَانَت السيوف وَهَذَا مُبَالغَة فِي القَوْل وإغراق فِي الْوَصْف
41 - الْغَرِيب تصطدم تفتعل من الصدم وَهُوَ ضرب الشَّيْء بالشَّيْء الْمَعْنى يَقُول إِذا توافقت الضربات من الْأَبْطَال صاعدة فِي الْهَوَاء لِأَن الْيَد ترفع المضرب اتّفقت رُءُوس مَقْطُوعَة فَتلك الضربات متصادمة فِي الْهَوَاء يُرِيد أَنهم لَا يضْربُونَ ضَرْبَة إِلَّا قطعُوا بهَا رَأْسا فالرءوس المقطوعة على قد تِلْكَ الضربات لَا تخطئ لَهُم ضَرْبَة عَن قطع رَأس وَالْمعْنَى إِذا توافقت الضربات فِي حَال الصعُود قطعت الرُّءُوس واصطدمت
42 - الْمَعْنى يَقُول ترك ابْن شمشقيق وَهُوَ بطرِيق من بطارقة الرّوم وَقد آلى أَنه يثبت وَلَا يفر فهرب حِينَئِذٍ وَترك يَمِينه الَّتِي حلف بهَا على الثَّبَات وَأَن لَا ينهزم فَانْهَزَمَ وَأبْعد فِي الْهَزِيمَة فأليته وَهِي يَمِينه تسخر مِنْهُ وتضحك
43 - الْغَرِيب الْأَقْصَى الْأَبْعَد وَهُوَ ضد الْأَدْنَى وطاق بَينهمَا الْمَعْنى يَقُول ليأسه من نَفسه لَا يَرْجُو أَن يدْرك النَّفس الْبعيد فيغتم نَفسه الْأَدْنَى فِي الْحَال وَأَرَادَ فَهُوَ يسرق فرفعه
(4/24)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي عَنهُ لِابْنِ شمشقيق الْغَرِيب سابغة أَي درع سابغة والصوب الْمَطَر والديم جمع دِيمَة وَهُوَ الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون وأثنائها مطاويها الْمَعْنى يَقُول يمْنَع عَن ابْن شمشقيق الرماح من النّفُوذ فِيهِ درع سابغة قد تلطخت بالدماء الَّتِي تمطرها عَلَيْهِ الأسنة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَقع الأسنة فِي هَذِه الدرْع كديمة الْمَطَر تتابعا
45 - الْغَرِيب العوالي الرماح الْمَعْنى أَن الرماح تُؤثر فِيهَا وَلَا تنفذها حَتَّى كَأَنَّهَا قلم فِي كاغد
46 - الْغَرِيب واراه أخفاه والرخم جمع رخمة وَهُوَ طَائِر أبقع يشبه النسْر فِي الْحلقَة الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما هرب دخل فِي الشّجر فاختفى عَن أعين الْقَوْم وَلَوْلَا ذَلِك لقتل وَألقى للطير فَأَكله ودعا على الشّجر الَّذِي أخفاه بِأَن لَا يسقى المَاء
47 - الْغَرِيب ألهاه شغله والممالك جمع مملكة وَهِي جمع ملك كالمشايخ جمع مشيخة وَهُوَ جمع شيخ وَيجوز أَن يُرِيد أَرْبَاب الممالك فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى يَقُول شغلهمْ عَمَّا رجعت بِهِ من الفخار وَالْمجد وَالْغنيمَة فِي هَذِه الْغَزْوَة اللَّهْو بالمدامة والغناء بالأوتار
48 - الْإِعْرَاب مُقَلدًا حَال الْعَامِل فِيهَا قفلت أَي رجعت مُقَلدًا وَالضَّمِير فِي مِنْهُمَا للشكر وَالسيف أَي من الشُّكْر وَالسيف وَقَوله لَا تستدام هُوَ اسْتِئْنَاف وَلَيْسَ بِوَصْف لشكر الله وَذَا شطب لِأَن أَحدهمَا معرفَة وَالْآخر نكرَة والمعرفة لَا تُوصَف وَالْجُمْلَة وَلَا يجمع بَين وصف الْمعرفَة والنكرة فَجرى مجْرى قَوْلك مَرَرْت بزيد وَجَاءَنِي رجل عاقلان أَي هما عاقلان لِأَنَّك استأنفت الْجُمْلَة الْغَرِيب ذَا شطب أَي سَيْفا فِيهِ طرائق وَالنعَم جمع نعْمَة المعني يَقُول جعلت الشُّكْر شعارك وقلدت فَوْقه سَيْفا تُجَاهِد بِهِ أَعدَاء الله وَلَا شَيْء فِي اسْتِدَامَة النعم مثلهَا
(4/25)

- الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة مَا قتلت مِنْهُم أطاعوك وَلم يخالفوك فهم يطيعونك بِغَيْر قتل
50 - الْغَرِيب الْحَادِثَة مَا يُصِيب الْإِنْسَان من مرض أَو زمانة أَو غَيرهمَا والهرم الْعَجز عِنْد الْكبر الْمَعْنى يَقُول إِنَّك تفنيهم بِالْقَتْلِ فَأَنت تسابق الْحَوَادِث فيهم وَالْمَوْت والهرم فَمَا تتْرك مِنْهُم أحدا حَتَّى يَمُوت حتف أَنفه وَلَا تَدعه حَتَّى يكبر فيهرم
51 - الْغَرِيب عَن محاجره عَن محاجر عَيْنَيْهِ والحلم النّوم الْمَعْنى نفى رقاده عَن عَيْنَيْهِ كَبِير همته وَقُوَّة عزمه وَنَفس يفرج عَن غَيرهَا النّوم والدعة وَاللَّهْو وعَلى هُوَ سيف الدولة
52 - الْإِعْرَاب رفع الْقَائِم على خبر الِابْتِدَاء الْمَحْذُوف أَي هُوَ الْقَائِم وروى بِالْجَرِّ بَدَلا من على الْمَعْنى يَقُول هُوَ الْقَائِم بالأمور يدبرها ويمضيها على وَجههَا الْهَادِي إِلَى دين الله الَّذِي حضرت الْعَرَب والعجم قِيَامه بالأمور والحروب وهداه فِي الدّين
53 - الْغَرِيب المعفر الَّذِي عفر الفرسان فِي العفر هُوَ التُّرَاب يُرِيد أَبَاهُ أَبَا الهيجاء لما حَارب القرامطة بِنَجْد ونجد مَا بَين الْكُوفَة والحجاز أَرض كَبِيرَة وأنثه على إِرَادَة الْجِهَة وَيجوز أَن يكون الضَّمِير فِي فوارسها لفرسان الْعَرَب وَهُوَ أَجود من أَن يعود على نجد وكوفان الْكُوفَة وَالْحرم أَرَادَ مَكَّة الْمَعْنى هُوَ ابْن الَّذِي عفر فوارس الْعَرَب وألقاهم فِي التُّرَاب وولايته الْكُوفَة وَطَرِيق مَكَّة وَهُوَ الَّذِي أفنى القرامطة
54 - الْمَعْنى إِذا رَأَيْته فَلَا تطلب بعده كَرِيمًا فَهُوَ خَاتم الكرماء وَنصب يدا على التَّمْيِيز
55 - الْمَعْنى يَقُول لَا تبال أَلا تسمع شعرًا بعد شاعره يَعْنِي نَفسه فَالْقَوْل من هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاء قد أفسد فَالْأولى أَن لَا يسمع فالصمم حِينَئِذٍ قد حمد حَتَّى لَا يسمع شعر هَؤُلَاءِ وَهَذِه القصيدة آخر مَا قَالَ فِيهِ
(4/26)

- 1 الْإِعْرَاب قَالَ الْخَطِيب يحْتَمل المصراع الأول وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مستغنيا بِنَفسِهِ أَي كفى لومك فَأَنِّي أَرَانِي ألوم مِنْك أَي أَكثر مِنْك لوما لنَفْسي وَالْآخر أَن يكون مُتَعَلقا بِالثَّانِي فَيكون هم فَاعل أَرَانِي وَإِذا حمل على الأول كَانَ هم مَرْفُوعا بابتداء مُضْمر أَي هَذَا هم أَو بِفعل يُرِيد أصابني هم قَالَ أَبُو الْفَتْح وفى أنجم ضمير يعود على الْفُؤَاد أَي ذهب بِهِ كَمَا يذهب السَّحَاب النَّجْم وألوم بِمَعْنى أَحَق بالملامة مني وَقَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى أَرَانِي هَذَا الْهم لومك إيَّايَ أَحَق بِأَن يلام مني وعَلى مَا قَالَ ألوم مبْنى من الملوم وأفعل لَا يبْنى من الْمَفْعُول إِلَّا شاذا وَقَالَ قوم ألوم من المليم وَهُوَ الَّذِي يسْتَحق اللوم يقوم الْهم أَرَانِي لومك أبلغ فِي الإلامة وَاسْتِحْقَاق اللوم وَهَذَا أبلغ فِي الشدوذ كَمَا ذكر ابْن جنى انْتهى كَلَامه وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إِنَّه مبْنى من الملوم لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَعْنَاهُ أَحَق بِأَن يلام فَيكون من الإلامة وَابْن جنى أعرف مِنْهُ بالتصريف الْغَرِيب كفى دعى واتركي وَأرَانِي عرفني وأنجم أقلع يُقَال أنجمت السَّمَاء إِذا أقلعت من الْمَطَر وَقَالَ الواحدي ألوم فعل مَاض من الملام وأجراه على الأَصْل كَقَوْل الآخر
(صَدَدْتِ فَأطْوَلْتِ الصُّدُودَ وَقَلَّما ... وِصَالٌ عَلى طُول الصدُود يَدُومُ)
أَرَادَ فأطلت وَقَالَ لَا يُقَال فُؤَاده منجم وَلَا أنجم فُؤَاده وَلكنه اسْتعْمل فِي مُقَابلَة أَقَامَ على الضِّدّ الْمَعْنى يَقُول للعاذلة اتركي عذلي فقد أَرَانِي لومك أبلغ تَأْثِيرا أَو اشد على هم مُقيم على فُؤَاده راحل ذَاهِب مَعَ الحبيب والمحزون لَا يُطيق اسْتِمَاع اللوم فَهُوَ يَقُول لومك أوجع فِي هَذِه الْحَالة فَكفى عَنى وَفِيه نظر إِلَى قَول عمر بن أبي ربيعَة
(تَقُولُ وَتُظْهِر وجدْاً بِنا ... وَوَجْدِىَ لَوْ أظْهَرَتْ أوْجَدُ)
(4/27)

- الْإِعْرَاب وخيال عطف على قَوْله هم وَنصب ينحله لِأَنَّهُ جَوَاب نفى بِالْفَاءِ الْغَرِيب الخيال اسْم لما يتخيل لَك لَا عَن حَقِيقَة فَشبه جِسْمه لنحوله بالخيال وروى قوم فينحله السقام بِالنّصب وَجعله من النحلة وَهِي الْعَطِيَّة أَي لم يتْرك فِيهِ الْهوى شَيْئا فيعطيه السقام وعداه إِلَى مفعولين الْمَعْنى يَقُول لم يتْرك الْهوى بجسمي محلا من لحم ولادم فَيعْمل فِيهِ السقام وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى لم يبْق الْهوى فِي جسمي لَحْمًا وَلَا دَمًا فيهبه للسقام وَهَذَا معنى كثير جدا
3 - الْغَرِيب الخفوق والخفقان اضْطِرَاب الْقلب واللهب مَا يلتهب من النَّار الْمَعْنى انْتقل من خطاب العادلة إِلَى خطاب المحبوبة والقصة وَاحِدَة وَإِن أَرَادَ بالعاذلة المحبوبة لم يكن انتقالا وَيكون كَقَوْل النميري
(عَذلَتْنا فِي عِشْقِها أُمُّ عْمرو ... هَل سَمِعْتمْ بِالعاذِلِ المعْشُوقِ) وَالْمعْنَى يَقُول اضْطِرَاب قلبِي وَمَا فِيهِ من حرارة الوجد لَو رَأَيْت لهيبه يَا جنيتى لظنت فِيهِ جَهَنَّم من شدَّة لهيبه واحتراقه وَفِيه نظر إِلَى قَول عبد الله بن الدمينة فِي وداع محبوبته
(غَدَتْ مُقْلَتِي فِي جَنَّةٍ مِنْ جمَالهَا ... وَقلْبي غَدَا منْ حُبِّها فِي جَهنَمِ)

4 - الْغَرِيب الْحبّ المحبوب وأبرقت أظهرت برقها والعلقم شجر مر وَيُقَال للحنظل وَلكُل شَيْء مر عَلْقَمَة وَمِنْه عَلْقَمَة الإسم الَّذِي يُسمى بِهِ الْعَرَب كعلقمة ابْن عَبدة الشَّاعِر وَهُوَ الْفَحْل وعلقمة الخصى وهما من ربيعَة الْجُوع وعلقمة بن علاتة من بني جَعْفَر الْمَعْنى اسْتعَار للصدود سحابا فَلَمَّا اسْتعَار لَهُ سحابا اسْتعَار لَهُ برقا يَقُول إِذا صد الحبيب عَادَتْ كل حلاوة مرَارَة وقابل بَين الْحَلَاوَة والمرارة وجانس بَين الْحبّ وَالْحب
5 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح داهية اسْم الَّتِي شَبَّبَ بهَا وَلِهَذَا لم يصرفهَا وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ هُوَ باسم علم لَهَا وَلَكِن كنى بِهِ عَن اسْمهَا على سَبِيل التضجر لعَظيم مَا حل بِهِ من بلائها أَي إِنَّهَا لم تكن إِلَّا داهية على قتل الواحدي وَالْقَوْل قَول ابْن جنى لترك صرفهَا وَلَو لم يكن علما لَكَانَ الْوَجْه صرفهَا والضنى السقم والهزال والرض السحق والتكسير
(4/28)

الْمَعْنى يَقُول لوجه محبوبته لولاك مَا أنحلني الْهوى وَلَا تسلط على السقم والهزال وَلما دق عظمي ورضاض كل شَيْء دقاقه يُرِيد ضعفت حَتَّى كَأَنِّي تَكَسَّرَتْ عِظَامِي وَمثله لي
(لَوْلا مُحَيَّاكِ مَا أحْيَيْتُ مُفْتَكِراً ... لَيْلى الطَّوِيلَ وَلا أبْلانِي السَّقَمُ)

6 - الْغَرِيب السلوّ البغض والسآمة والمعدم الْفَقِير وروى ابْن جنى مصرما وَهُوَ بِمَعْنى وَاحِد والمصرم والمعدم والممحق والمماق والمبلط والمعسر والمفتر والمفلس الَّذِي لَا مَال لَهُ وَلَا شَيْء لَهُ وَمن كَلَام الْعَرَب كلأ يبجع لَهُ كبد المصرم وَهُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ حزن أَن لَا يكون لَهُ مَال فيرعاه فأوجعته كبده الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ السلوّ تَركهَا غنية عَن وصالي وَلَا تحْتَاج إِلَى وَصلي فَأَنا مُحْتَاج إِلَيْهَا قد عدمتها وعدمت كَبِدِي يُرِيد إِنَّهَا غنية عني وَأَنا فَقير إِلَيْهَا
7 - الْغَرِيب تقوى تَثْنِيَة نقا يُقَال نقوان ونقيان وَهُوَ الْكَثِيب من الرمل سمى بذلك لِأَن الْمَطَر يُصِيبهُ وينقيه كَمَا ينقى الثَّوْب الْغسْل والفلاة الأَرْض الْبَعِيدَة وتقل تحمل يُقَال أقل الشَّيْء إِذا حمله الْمَعْنى يَقُول محبوبته هِيَ غُصْن نابت يُرِيد قامتها كالغصن ووجهها كَالشَّمْسِ تحمل من شعرهَا لَيْلًا وقابل بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَشبه ردفها بكثيب رمل وقامتها بالغصن ووجهها بشمس النَّهَار وشعرها بِاللَّيْلِ
8 - الْغَرِيب الْغرم الغرام وَهُوَ مَا لزمَه من عَشِقَهَا وهواها والمغنم الْغَنِيمَة وَهُوَ مَا يغتنمه الْإِنْسَان وَأَصله من مَال الْعَدو ثمَّ صَار فِي كل مَا يُصِيبهُ الْإِنْسَان من كسب أَو هبة الْمَعْنى يَقُول لم تجمع هَذِه المحبوبة الأضداد وَهُوَ مَا ذكر فِي الْبَيْت الَّذِي قبله من أَن ردفيها كالنقوين وقامتها كالغصن ووجهها كشمس النَّهَار وشعرها كالليل إِلَّا لتجعلني ملازما لهواها مغرما بهَا وَقَوله فِي متشابه يُرِيد فِي شخص يماثل حسنها وَالْمعْنَى إِلَّا لتستعبدني وترتهن قلبِي وروى الواحدي وَغَيره لم تجمع الأضداد بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول
9 - الْغَرِيب بهر الشَّيْء ظهر وَغلب بظهوره كَالشَّمْسِ تغلب النُّجُوم والإفحام ضد النُّطْق الْإِعْرَاب الْكَاف فِي مَوضِع نصب صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره لم تجمع جمعا مثل صِفَات
(4/29)

الْمَعْنى أَنه شبه الأضداد بِصِفَات الممدوح وَهُوَ تَشْبِيه فِي الْجمع بَينهَا من كَونه قد جمع فِيهِ أضداد فَهُوَ حُلْو لأوليائه مر على أعدائه طلق عِنْد الندى جهم عِنْد اللِّقَاء وأوصافه غلبت واصفيه فَلم يقدروا على وصفهَا فأنطق واصفيه لأَنهم أَرَادوا وصف محاسنه ثمَّ أفحمهم لعجزهم عَن إِدْرَاكهَا فطابق بَين النُّطْق وَالسُّكُوت وَقيل المفحم الَّذِي لَا يَقُول الشّعْر
10 - الْغَرِيب الجرم والجريمة الذَّنب وجرم وأجرم واجترم بِمَعْنى وَأَصله الْكسْب يُقَال جرم يجرم أَي كسب وَفُلَان جريمة أَهله أَي كاسبهم قَالَ أَبُو خرَاش
(جَرِيمَة ناهِضٍ فِي رَأسِ نِيقٍ ... تَرَى لَعَظامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبا)
الْمَعْنى أَنه يعْطى من قبل أَن تسأله فَإِن أعجلته أَعْطَاك معتذرا إِلَيْك كَأَنَّهُ قد أَتَى بذنب
11 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي المتعظم إِظْهَار العظمة وضده التَّوَاضُع وَهُوَ أَن يظْهر الضعة من نَفسه وَوضع أَبُو الطّيب التَّوَاضُع مَوضِع الضعة والخساسة كَمَا وضع التَّعْظِيم مَوضِع العظمة فَهُوَ يَقُول يرى شرفه وارتفاع رتبته فِي تواضعه واتضاعها فِي تكبره والمعي يرى العظمة فِي أَن يتواضع فيتواضع وَيرى الضعة فِي أَن يتعظم فَلَيْسَ يتعظم
12 - الْغَرِيب نَصره رَفعه وَأَعلاهُ وأظهره والفعال بِفَتْح الغاء يسْتَعْمل فِي الْفِعْل الْجَمِيل والمطال المماطلة وَهِي المدافعة وروى الْمقَال وَهُوَ جيد لمقابلته الفعال والنوال الْعَطاء وَهُوَ مَا ينيله الْمُعْطى للمعطى الْمَعْنى يَقُول نصر فعله على قَوْله ووعده وإعطائه على المطل لِأَنَّهُ يُعْطي من غير عدَّة كَأَنَّهُ ظن أَن السُّؤَال حرَام على الْعَطاء فَلَا يحوج إِلَى السُّؤَال بل يسْبق بنواله السُّؤَال وَالْمرَاد أَنه تبَاعد عَن الإلجاء إِلَى السُّؤَال فَهُوَ يعْطى بِغَيْر سُؤال
13 - الْإِعْرَاب أسمى من سما قَالَ أَبُو الْفَتْح مَوْضِعه نصب لِأَنَّهُ منادى مُضَاف وَيجوز أَن يكون مَوْضِعه رفعا أَي أَنْت أسمى من سما أَي أَعلَى من علا الْغَرِيب الْجَوْهَر يُرِيد الأَصْل وَالنَّفس وَذي الملكوت هُوَ الله تَعَالَى وأسمى أَعلَى وسما علا وَمِنْه اشتقاق الِاسْم بِمَعْنى الْعُلُوّ على قَول الْبَصْرِيّ الْمَعْنى يَقُول يَا أَيهَا الْملك الَّذِي خلص الله جوهره أصلا ونفسا من عِنْد الله يُرِيد أَن الله تولى تصفية جوهره لَا غَيره فَهُوَ جَوْهَر مصفى من عِنْد الله تَعَالَى
(4/30)

قَالَ الواحدي وَهَذَا مدح يُوجب الْوَهم وألفاظ مستكرهة فِي مدح الْبشر وَذَلِكَ أَنه أَرَادَ أَن يستكشف الممدوح عَن مذْهبه فَإِن رَضِي بِهَذَا علم أَن مذْهبه رَدِيء وَإِن أنكر علم أَنه حسن الِاعْتِقَاد وأسمى من سما فِي مَوضِع جر لِأَنَّهُ من صفة ذِي الملكوت هَذَا قَول الواحدي
14 - الْإِعْرَاب لاهوتية قَالَ أَبُو الْفَتْح نَصبه على الْمصدر وَيجوز أَن يكون حَالا من الضَّمِير فِي تظاهر وَأنكر عَلَيْهِ الواحدي وَقَالَ هَذَا خطأ فِي اللَّفْظ وَالرِّوَايَة لِأَن النُّور مُذَكّر فَلَا تؤنث صفته واللاهوت لفظ عبراني يُقَال لله لاهوت وللإنسان ناسوت وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ عَرَبيا لَكَانَ اشتقاقه من إِلَه الَّذِي أَدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام فَصَارَ مُخْتَصًّا باسم الله تَعَالَى فِي أحد قولي سِيبَوَيْهٍ وَيكون بِوَزْن الطاغوت إِلَّا أَن الطاغوت مقلوب واللاهوت غير مقلوب وَلَو كَانَ عَرَبيا كَانَ وَزنه فعلوت بِمَنْزِلَة الرهبوت والرحموت وتظاهر ظهر وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى تعاون أَي عاون بعضه بَعْضًا وَمِنْه وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ الْمَعْنى يَقُول قد ظهر فِيك نور إلهي تكَاد تعلم بِهِ الْغَيْب الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى
15 - الْإِعْرَاب فصاحة نصبها قَالَ أَبُو الْفَتْح على الْمصدر وَيجوز على التَّمْيِيز وَأَن يكون مَفْعُولا لقَوْله نطقت ومفعولا لَهُ ويهم فِيك أَي نورك فَالضَّمِير لَهُ الْمَعْنى يَقُول يهم هَذَا النُّور أَن يتَكَلَّم من كل عُضْو وَلَا يقْتَصر على اللِّسَان دون غَيره وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح يهم كل عُضْو من أعضائك أَن يتَكَلَّم بمدحك إِذا نطقت لفصاحتك وَهَذَا عِنْد من يجوز زِيَادَة من فِي الْإِثْبَات وفيك فِي أول الْبَيْت يتَعَلَّق بِأَن يتَكَلَّم فِي آخِره وفيك أَي فِي مدحك ووصفك وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه جعل ظُهُور النُّور فِي كل عُضْو مِنْهُ نطقا وَاللَّفْظ لَا يشْعر بِهِ إِلَّا أَنه يُقَال هم بِهِ وَلم يَفْعَله وَالْآخر أَنه لَا يكون لقَوْله إِذا نطقت فصاحة فَائِدَة لِأَن قَوْله ويهم فِيك كل عُضْو مِنْك أَن يتَكَلَّم أَفَادَ الْمَعْنى المُرَاد فَيبقى ذَلِك الْبَاقِي لَغوا وَالْمعْنَى أَنه جعل النُّطْق عبارَة عَن الظُّهُور وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول هم بِأَن يظْهر وَلكنه لم يظْهر لَا أَنه ظهر النُّور من جَمِيع الْأَعْضَاء بِالْفِعْلِ وَقَالَ قوم لما كَانَ تكلم الْعُضْو بِالنورِ الإلهي أَعنِي بِهِ الْقُوَّة الناطقة وَكَانَ هُوَ الْمُوجب لنطق اللِّسَان وَغَيره أضَاف الْفِعْل إِلَيْهِ وَقَالَ يهم النُّور فِيك أَن يتَكَلَّم وينطق من كل عُضْو من أعضائك بِخِلَاف سَائِر النَّاس الَّذين لَا ينطقون إِلَّا من أَفْوَاههم جعل ظُهُوره فِي كل عُضْو مِنْهُ نطقا وَالْمعْنَى لفصاحتك يفعل النُّور ذَلِك
(4/31)

- الْإِعْرَاب تمّ الْكَلَام عِنْد المصراع الأول ثمَّ استفهم فنصب أحلم لِأَنَّهُ جَوَاب بِالْفَاءِ كَقَوْلِك من أمكنه أَن يطلع إِلَى النُّجُوم فَأطلع إِلَيْهَا وَهَذَا لَا يُسْتَطَاع الْمَعْنى يَقُول أَنا أرى الشَّيْء على حَقِيقَته وَكَأَنِّي فِي نوم والنائم لَيْسَ بَصَره ثَابتا وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل استعظاما لرُؤْيَته وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان إِذا رأى شَيْئا يُعجبهُ وَأنكر رُؤْيَته قَالَ أرى هَذَا حلما يُرِيد أَن مثل هَذَا لَا يرى فِي الْيَقَظَة وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(أبْطَحاءُ مَكَةَ هَذا الَّذِي ... أرَاهُ عيَانًا وَهَذاً أَنا)
وَقَالَ الواحدي استفهم مُتَعَجِّبا مِمَّا رأى ثمَّ حقق أَنه رأى ذَلِك يقظان لَا نَائِما يدل على هَذَا بَاقِي الْبَيْت وَالْمعْنَى لَا يحلم أحد بِرُؤْيَة الله تَعَالَى وَلَا يرَاهُ فِي النّوم أحد حَتَّى أَرَاك أَنا أَي كَمَا لَا يرى الله فِي النّوم كَذَلِك لَا ترى أَنْت وَهَذِه مُبَالغَة مذمومة وإفراط وَتجَاوز حد ثمَّ هُوَ غلط فِي إِنْكَار رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي النّوم فَإِن الْأَخْبَار قد تَوَاتَرَتْ بذلك وَقد ذكر المعبرون حكم تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي كتبهمْ ويروى أَن ملكا من الْمُلُوك رأى فِي نَومه أَن الله تَعَالَى قد مَاتَ فَقص رُؤْيَاهُ على المعبرين فَلم يتكلموا فِيهَا بِشَيْء استعظاما لما رآى حَتَّى قَالَ من كَانَ أعلمهم تَأْوِيل روياك أَن الْحق قد مَاتَ فِي بلدك لظلمك وجورك وَذَلِكَ بِأَن الله هُوَ الْحق فَعلم الْملك أَنه كَمَا قَالَ فَرجع عَن ظلمه وَتَابَ
17 - الْمَعْنى يُؤَكد مَا قَالَ فِي الْبَيْت الأول أَي عظم على مَا أعاينه من الممدوح وحاله حَتَّى شَككت فِيمَا رَأَيْت إِذْ لم أر مثله وَلم أسمع بِهِ حَتَّى صَار المعاين كالمتوهم المظنون الَّذِي لَا يرى قَالَ الواحدي وَالصَّحِيح رِوَايَة من روى إِنَّه بِالْكَسْرِ لِأَن مَا بعد حَتَّى جملَة وَهِي لَا تعْمل فِي الْجمل كَمَا تَقول خرج الْقَوْم حَتَّى إِن زيدا لخارج وَمن روى بِفَتْح الْألف فَهُوَ مخطىء
18 - الْمَعْنى يَقُول جودك ينْتَقم من مَالك فيفرقه كَمَا تنتقم أَنْت من الْعَدو بإهلاكه إِلَّا أَن تِلْكَ النقم عَائِدَة على الْيَتَامَى نعما لِأَنَّهَا مفرقة فيهم
19 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول هُوَ يفرط فِي جوده حَتَّى ينْسبهُ النَّاس إِلَى الْجُنُون وَيَقُول بَيت المَال مَا هَذَا مُسلما لِأَنَّهُ فرق بيُوت أَمْوَال الْمُسلمين وَلم يدع فِيهَا شَيْئا اهـ وَقَالَ الْخَطِيب عظم الممدوح تَعْظِيمًا وَجب مَعَه أَن لَا يكون خاطبه بِهَذَا الْخطاب وَإِنَّمَا تبع قَول أبي نواس
(جُدْتَ بِالأمْوَالِ حَتى ... قِيلَ مَا هَذَا صَحِيحُ)
وَلَعَلَّ أَبَا نواس أَرَادَ مَا هَذَا الْفِعْل صَحِيح انْتهى كَلَامه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو نواس مَا هَذَا صَحِيح الْعقل وَقد صرح بِهِ فِي مَوضِع آخر فَقَالَ
(جادَ بالأمْوَالِ حَتَّى ... حَسِبُوه النَّاسُ حُمْقا)
وَتَبعهُ أَبُو تَمام بقوله
(مَا زَالَ يْهذي بالمكارِمِ وَالنَّدَى ... حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ مَحْمُومُ)
وَالْأَصْل فِي هَذَا قَول عبيد بن أَيُّوب الْعَنْبَري ذكره الجاحظ فِي كتاب الْحَيَوَان
(حَمْرَاءُ تامِكَةُ السَّنامِ كَأنَّها ... جَمَلٌ بِهَوْدَجِ أهْلِهِ مَظْعُونُ)

(جادَتْ بهَا عِنْدَ الوَدَاعِ يَمينُه ... كِلْتا يَدَيْ عُمَرَ الغَداةَ يَمينُ)

(مَا كانَ يُعْطى مِثلها فِي مِثْلِهِ ... إلاَّ كَرِيمُ الخِيمِ أوْ مَجْنُونُ)
20 - الْغَرِيب أذكرته بِمَعْنى ذكرته والمترجم الْمعبر عَن الشَّيْء مثلى الترجمان الْمَعْنى يَقُول مثلك إِذا لم أذكرهُ حَاجَتي فَهُوَ تذكار لَهُ لِأَنَّهُ يعلم مَا يُرِيد فَلَا يحْتَاج إِلَى من يترجم لَهُ عَمَّا فِي مرادي فَترك إذكاره وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(وَإذا الجودُ كانَ عَوْني عَلى المَرْ ... تَقاضَيْتُهُ بِتْركِ التَّقاضِي)
(4/32)

- 1 الْإِعْرَاب كم اسْم مَبْنِيّ على السّكُون وَهُوَ يَقع عبارَة عَن الْإِخْبَار وَعَن الِاسْتِفْهَام وَهنا هُوَ اسْتِفْهَام وحركته للقافية لَا لالتقاء الساكنين فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِلَى كم التواني الْغَرِيب زِيّ الْمحرم هُوَ المتعري من الثِّيَاب وَالَّذِي لَا يلبس الْمُحِيط الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَتى أَنْت عُرْيَان شقي بالفقر وَقَوله إِلَى كم هُوَ اسْتِفْهَام عَن عدد أَي إِلَى أَي عدد من أعداد الزَّمَان وَقَالَ الواحدي يجوز أَن يُرِيد أَن الْمحرم لَا يصيد وَلَا يقتل صيدا فَهُوَ يَقُول حَتَّى مَتى أَنْت كالمحرم عَن قتل الْأَعْدَاد وَقَالَ هُوَ الْوَجْه
2 - الْمَعْنى أَنه يحث على طلب الْعِزّ والإقدام فِي الْحَرْب فَيَقُول إِن لم تقتل فِي الْحَرْب كَرِيمًا مت غير كريم فِي الهوان ذليلا فصبرك على الْحَرْب خير من أَن تهرم ثمَّ لَا تنجو من الْمَوْت فِي الذل
3 - الْغَرِيب الهجا من أَسمَاء الْحَرْب تمد وتقصر وجنى النَّحْل مَا يجنى من خلاياها من الْعَسَل الْمَعْنى يَقُول قُم مبادرا إِلَى الْحَرْب بدار كريم شرِيف النَّفس يستحلى طعم الْمَوْت كَمَا يستحلى الْعَسَل
(4/33)

- 1 الْغَرِيب المحتشم المستحى المنقبض واللمم جمع لمة وَهُوَ الشّعْر الَّذِي ألم بالمنكبين الْإِعْرَاب من روى غير بِالنّصب جعله حَالا وَهُوَ الْأَكْثَر وَمن رَفعه جعله وصف الضَّيْف الْمَعْنى يَقُول هَذَا ضيف ألم أَي نزل رَأْسِي وَالْعرب تعبر عَن المشيب بالضيف كَمَا قَالَ الآخر
(أهْلاً وسَهْلاً بِضَيْفٍ نَزَلْ ... وَأسْتَوْدِعُ الله إلْفا رَحَلُ)
يُرِيد الشيب والشباب وَالْمعْنَى أَن الشيب نزل بِرَأْسِهِ دفْعَة وَاحِدَة من غير تراخ ومهلة وَاخْتَارَ فعل السَّيْف بالشعر على الشيب قَالَ الواحدي وَذَلِكَ أَن الشيب يبيضه وَهُوَ أقبح ألوان الشّعْر وَلذَلِك حسن تَغْيِيره بالحمرة وَالسيف يكسبه حمرَة إِذا قطع اللَّحْم على أَن ظَاهر قَوْله أحسن فعلا يُوجب أَن الشّعْر الْمَقْطُوع بِالسَّيْفِ أحسن من الشّعْر الْأَبْيَض لِأَن السَّيْف إِذا أصَاب الشّعْر قطعه وَإِنَّمَا يكسبه حمرَة إِذا قطع اللَّحْم وَالْمعْنَى للبحتري
(وَدِدتُ بَياضَ السَّيْفِ يَوْمَ لَقينَني ... مكانَ بَياضِ الشَّيْبِ حَبلَّ بِمفرقي)
فَجعل نزُول السَّيْف بِرَأْسِهِ أحب إِلَيْهِ من نزُول الشيب بِهِ وَقد أحسن فِي ذكر البياضين
(4/34)

- الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا يُقَال أسود من كَذَا لِأَن الألوان لَا يَبْنِي مِنْهَا أفعل التَّفْضِيل وَفعل التَّفْضِيل وَفعل التَّعَجُّب على أَن الْكُوفِيّين قد حكى عَنْهُم مَا أسود شعره وَمَا أبيضه فَإِن صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا جَازَ لِكَثْرَة استعمالهم هذَيْن الحرفين وَأما قَول الراجز
(جارِيَةٌ فِي دِرْعِها الفَضْفاضِ ... أبْيَضُ مِنْ أختِ بَنِي إباضِ)
وَقَول طرفَة
(إِذا الرّجالُ شَتَوْا وَاشْتَدَّ أكْلُهُمُ ... فأنْتَ أبْيَضُهُمْ سِرْبالَ طَبَّاخِ)
فَإنَّا نقُول هُوَ أفعل الَّذِي مؤنثه فعلاء وَمَا هُوَ أفعل الَّذِي تصحبه من الَّتِي للمفاضلة فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك هُوَ أحسن الْقَوْم وَجها وَأكْرمهمْ أَبَا فَكَأَنَّهُ قَالَ مبيضهم وَهَذَا أحسن من حمله على الشذوذ وَيُمكن أَن يكون لأَنْت أسود فِي عَيْني كلَاما تَاما ثمَّ ابْتَدَأَ من الظُّلم كَمَا تَقول هُوَ كريم من أَحْرَار وسرى من أَشْرَاف فَمن فِي مَوضِع نصب على الْحَال وَفِي عَيْني فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهَا وصف لأسود كَقَوْل الآخر
(وَأبْيَضُ منْ ماءِ الحَديدِ كَأنَّهُ ... شِهابٌ بَدَا وَالليْلُ دَاجٍ عَساكُرُهُ)
فَمن مَاء الْحَدِيد وصف لأبيض وَلَيْسَ مُتَّصِلا بِهِ كاتصال من بِخَير فِي قَوْلك هُوَ خير مِنْهُ وكقول الآخر
(ولمَّا دَعانِي السَّمْهَرِى أجبتهُّ ... بِأبْيَض مِنْ مَاء الَحديِدِ صَقيِلِ)
فَمن فِي مَوضِع جرّ وصف لأبيض كَأَنَّهُ قَالَ بأبيض كَائِن من مَاء الْحَدِيد وَقَالَ الْعَرُوضِي أسود هُنَا وَاحِد السود وَالظُّلم اللَّيَالِي الثَّلَاث فِي آخر الشَّهْر الَّتِي يُقَال لَهَا ثَلَاث ظلم يَقُول أَنْت عِنْدِي وَاحِد اللَّيَالِي الظُّلم هَذَا مَا قيل فِي إعزاب الْبَيْت وَهُوَ مَجْمُوع كَلَام ابْن جنى وَابْن القطاع والواحدي والخطيب وَكلهمْ ذكر كَلَام أبي الْفَتْح وَأما قَول أَصْحَابنَا الْكُوفِيّين فِي جَوَاز مَا أَفعلهُ فِي التَّعَجُّب من الْبيَاض والسواد خَاصَّة من دون سَائِر الألوان فالحجة لَهُم فِيهِ مَجِيئه نقلا وَقِيَاسًا فَأَما النَّقْل فَقَوْل طرفَة وَهُوَ إِمَام يستشهد بقوله فَإِذا كَانَ يرتضى بقوله فَالْأولى أَن يرتضى بقوله فِي كل مَا يصدر عَنهُ وَلَا ينْسب هَذَا إِلَى شذوذ وَقَول الآخر
(أبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَني إباضِ ... )
وَأما الْقيَاس فَإِنَّمَا جوزناه فِي السوَاد وَالْبَيَاض لِأَنَّهُمَا أصلا الألوان ومنهما يتركب سَائِر الألوان وَإِذا كَانَا هما الأصليين للألوان كلهَا جَازَ أَن يثبت لَهما مَال لم يثبت لسَائِر الألوان الْغَرِيب بَعدت هَلَكت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أَلا بعد الْمَدِين كَمَا بَعدت ثَمُود}
(4/35)

الْمَعْنى أَنه يُخَاطب الشيب يَقُول لَهُ اذْهَبْ واهلك فلأنت وَإِن كنت أَبيض لأسود فِي عَيْني من الظُّلم فَأَنت بَيَاض لَا بَيَاض لَهُ وأسود من كل أسود وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(لَهُ مَنْظَرٌ فِي العَينِ أبْيَضُ ناصِعٌ ... وَلكِنَّهُ فِي الْقلب أسْوَدُ أسْفَعُ)
قَالَ
3 - الْإِعْرَاب قَالَ الشريف هبة الله بن الشجري يحْتَمل مَوضِع هواي وشيبي الرّفْع والجر فالرفع بِأَن يَكُونَا مبتدأين طفْلا وَبَالغ حَالين سدا مسدا الْخَبَرَيْنِ كَقَوْلِك ضربي زيدا جَالِسا وَتَقْدِيره هُوَ أَي إِذْ كنت طفْلا وشيبي إِذْ كنت بَالغ الْحلم والجر على إبدالهما من الْحبّ والشيب وَحسن إِبْدَال الْهوى من الْحبّ إِذْ كَانَ بِمَعْنَاهُ وَالْعَامِل فِي الْحَالين على هَذَا القَوْل المصدران هواي وشيبي وَالتَّقْدِير تغذيتي بحب قاتلتي والشيب بِأَن هويت طفْلا وشبت بَالغ الْحلم وَقد بَين فِي المصراع الآخر وَقت الْمحبَّة وَوقت الشيب وَهَذَا القَوْل ذكره ابْن القطاع وَكِلَاهُمَا معنى قَول أبي الْفَتْح الْمَعْنى قَاتلته حبيبته لِأَن حبها قَتله وَالْبَاء فِي قَوْله بحب من صلَة التغذية يَقُول تغذيتي بِهَذَيْنِ الْحبّ والشيب ثمَّ فسر ذَلِك بقوله هويت وَأَنا طِفْل وشبت حِين احْتَلَمت لشدَّة مَا قاسيت من الْهوى فَصَارَ غذائي
4 - الْغَرِيب الرَّسْم أثر الديار مِمَّا كَانَ لاصقا بِالْأَرْضِ والطلل مَا كَانَ شاخصا والخمار مَا تغطى بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا وَالْجمع خمر قَالَ الله تَعَالَى {وَليَضْرِبن بخمورهن على جُيُوبهنَّ} وأراق وهراق بِمَعْنى إِذا أسَال الْمَعْنى يَقُول مَا أَمر بأثر دَار إِلَّا ذَكرنِي رسم دَار المحبوبة وكل امْرَأَة أَرَاهَا تذكرنيها فأذكرها فيسيل دمي أَي تقتلني
5 - الْغَرِيب المنصدع المنشق والشعب الْفِرَاق من قَوْلهم شعبته إِذا فرقته وَيُقَال أَرَادَ هُنَا بِالشعبِ الْقَبِيلَة وَيكون مَعْنَاهُ فِرَاق شعب غير مُجْتَمع لارتحالهم وتفرقهم فِي كل وَجه والملتئم الْمُجْتَمع الْمَعْنى يَقُول تنفست عِنْد فراقنا أسفا وتحسرا عَن وَفَاء يُرِيد عَمَّا فِي قَلبهَا من وَفَاء صَحِيح غير منشق وفراق مُجْتَمع وَأَرَادَ وحزن فِرَاق فَحذف الْمُضَاف يُرِيد أَنَّهَا كَانَت منطوية على وَفَاء صَحِيح وحزن فِرَاق لَا يجْتَمع وكنى بتنفسها عَن هذَيْن الْحَالين يُرِيد أَنَّهُمَا افْتَرقَا بالأجساد لَا بالقلوب لِأَنَّهَا كَانَت على الْوَفَاء لَهُ
(4/36)

- الْإِعْرَاب نصب فَمَا على الْحَال كَقَوْلِك كَلمته فَاه إِلَى فِي أَي مشافهة وَقَالَ الْخَطِيب نَصبه بِفعل مُضْمر أَو اسْم فَاعل يقوم مقَام الْفِعْل يُرِيد جعلت فمها إِلَى فمي أَو جاعلة فمها إِلَى فمي الْمَعْنى يَقُول لما بكينا جَمِيعًا امتزجت دموعها بدموعي فِي حَال التَّقْبِيل ومزج مصدر بِمَعْنى الْمَفْعُول يُفِيد فَائِدَة المزاج أَي مَا يمزج بالشَّيْء وَلَيْسَ بِمَعْنى الْفَاعِل يَقُول دموعي مازجت أدمعها أَي امتزجت بهَا وَالْمعْنَى أَنَّهُمَا تقاربا حَتَّى اخْتلطت دموعها حَال التَّقْبِيل
7 - الْغَرِيب الْمقبل مَوضِع التَّقْبِيل وصاب أَي نزل من قَوْلهم صاب الْمَطَر يصوب صوبا وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى أصَاب يُقَال صابه وأصابه والأمم جمع أمة الْمَعْنى يَقُول إِن رِيقهَا عذب طيب فَهُوَ مَاء الْحَيَاة إِذا ذاقه العاشق عَاشَ بِهِ حَتَّى لَو أصَاب تربا فِيهِ أموات لأحيا الْمَوْتَى من الْأُمَم السالفة وَهُوَ من قَول الْأَعْشَى
(لوْ أسْنَدَتْ مَيْتا إِلَى صَدْرِها ... عاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى قابِرِ)

8 - الْغَرِيب مجهشة متحيرة قد تغير وَجههَا للبكاء وَلم تبك هَذَا أَصله وترنو تنظر والطل الْمَطَر الصغار وَالْغَم دود أَحْمَر يكون فِي الرمل وَقيل هُوَ نبت فِي الرمل أَحْمَر وَقَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ شجر لين الأغصان يشبه بِهِ أنامل الْجَوَارِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ أَطْرَاف الخروب الشَّامي قَالَ الشَّاعِر
(فَلمْ أْسَمعْ بِمُرْضِعَةٍ أمالَتْ ... لهاةَ الطَّفْلِ بِالعَنمِ المَسُوكِ)
وأنشدوا للنابغة
(بِمُخَضَّبٍ رَخْصِ كأنَّ بَنانَهُ ... عَنمٌ عَلى أغْصَانِهِ لمْ يُعْقَدِ)
وَهَذَا يدل على أَنه نبت لَا دود وبنان معنم أَي مخضوب الْمَعْنى أَنه شبه أَرْبَعَة بأَرْبعَة من غير أَن يَأْتِي بكأن أَو بِمثل شبهها بالظبي ودمعها بالطل وخدودها بالورد وبنانها مخضوبة بالعنم وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الحكمى وَهُوَ أَبُو نواس
(يَا قمراً أبْصَرْتُ فِي مأْتَمٍ ... يَنْدبُ شَجْواً بَينَ أتْرابِ)
(4/37)

(يَبْكي فَيُلْقِي الدُّرَّ منْ نرْجِسٍ ... وَيَلْطُمُ الوَرْدَ بِعُنَّابِ)
وَمثله لِابْنِ الرُّومِي
(كأنَّ تلْك الدمُوعَ قَطرُ نَدىً ... يَقْطُرُ مِنْ نَرْجِسٍ عَلى وَرْدِ)
وَأحسن فِيهِ الوأواء الدِّمَشْقِي بقوله
(فَأمْطرتْ لؤْلؤاً من نَرْجِسْ وَسَقَتْ ... وَرْداً وَعَضَّتْ على العُنَّابِ بالبرَدِ)

9 - الْإِعْرَاب رويد اسْم من أَسمَاء الْفِعْل أَي أمْهل وارفق وَانْظُر مثل صه ومه وَنصب حكمك بِهِ غير منصفه قَالَ ابْن القطاع يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون حَالا من المخاطبة وَالْعَامِل فِيهِ حكمك يُرِيد أَن تحكمي غير منصفة وَالثَّانِي أَن يكون نِدَاء مُضَافا يُرِيد يَا غير منصفة فَحذف حرف النداء وَمن حكم فِي مَوضِع الْحَال أَي أفديك حاكمة الْمَعْنى يَقُول أَنا أفديك بِالنَّاسِ كلهم حاكمة وَإِن جرت عَليّ فِي الحكم فأمهلي وأقلي فَأَنت ظالمة لي
10 - الْغَرِيب أجننت الشَّيْء سترته وكتمته والجزع الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول قد وافقتيني فِي ظَاهر الْجزع للفراق وَلم تضمري مَا أضمرته من وَجَعه كَقَوْل الناشى
(لَفْظي وَلفْظُكِ بالشَّكْوَى قد ائْتلَفا ... يَا لَيْتَ شِعرِي فَقَلْبانا لِمَ اخْتَلفا)

11 - الْإِعْرَاب تَأْوِيل إِذا إِن كَانَ الْأَمر كَمَا جرى أَو كَمَا ذكرت يَقُول الْقَائِل زيد يصير إِلَيْك فَتَقول إِذا أكْرمه أَي إِن كَانَ الْأَمر على مَا تصف وَقع إكرامه وَهُوَ هَاهُنَا أَنه ذكر أَنَّهَا لم تستر الْأَلَم كَأَنَّهُ قَالَ لَو سترت من الْأَلَم مَا سترته إِذا لبزك الْغَرِيب بزه سلبه وَفِي الْمثل من غز بز الْمَعْنى يَقُول لَو أخفيت وسترت من الْأَلَم مَا سنرت إِذا لسلبك أقل جُزْء مِنْهُ الْحسن فَأذْهب حسنك وكساك ثوبي السقم وثنى الثَّوْب على عَادَة النَّاس إِزَار ورداء للْعَرَب وهم يسمونهما الْحلَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ وكساك حلَّة السقم
(4/38)

- الْغَرِيب التعلل ترجية الْوَقْت بالشَّيْء الْيَسِير بعد الشَّيْء يُقَال فلَان يتعلل بِكَذَا أَي يمْضِي بِهِ وقته ودهره والإقلال الْفقر وَالْحَاجة يُقَال أقل إِذا صَار إِلَى حَالَة قلَّة الْوُجُود للشَّيْء وَهُوَ ضد الْإِكْثَار الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ من عادتي أَن أترجى بالأمل وأدافع الْوَقْت بالشَّيْء الْيَسِير يُرِيد أَنه يطْلب الْكثير ويسافر فِي طلب المَال كَقَوْل أبي الْأسود
(وَما طَلَبُ المَعِيشَةِ بِالتَّمَنِّي ... وَلكنْ ألْقِ دَلْوَكَ فِي الدلاء)

13 - الْغَرِيب بَنَات الدَّهْر صروفه وحوادثه وشدته وَالْعرب تسْتَعْمل الْبُنُوَّة والأخوة فِيمَن فعل شَيْئا يعرف بِهِ فَيَقُولُونَ هَذَا ابْن سفر إِذا كَانَ مُعْتَادا للأسفار وَهُوَ أَخُو مَعْرُوف وَأَبُو الأضياف الْمَعْنى يَقُول لَا تدعني شَدَائِد الدَّهْر حَتَّى أدفعها عَن نَفسِي بسد طريقها وَهُوَ أَنه يتقوى بِالْمَالِ وَالرِّجَال
14 - الْغَرِيب الْجدّة الْغنى ورقة الْحَال الْفقر وأخني عَلَيْهِ الدَّهْر أَتَى عَلَيْهِ وأهلكه وَمِنْه قَول لبيد
(أضْحتْ خَلاءً وَأضْحى أهْلُها احْتملوا ... أخي عَلَيْهَا الَّذي أخْنَى عَلى لُبَدِ)
الْمَعْنى يَقُول لمن لامه فِي الْفقر لَا تلمني وَلم الدَّهْر الَّذِي أتلف مَالِي
15 - الْغَرِيب الْمَحْصُول مصدر نقل من اسْم الْمَفْعُول كَقَوْلِهِم وَلَيْسَ لَهُ مَعْقُول أَي عقل ولي لَهُ مجلود أَي جلد الْمَعْنى يَقُول أرى أُنَاسًا وَإِنَّمَا حصولي على غنم لأَنهم لَا عقول لَهُم كالأنعام كَقَوْلِه تَعَالَى {إِن هم إِلَّا كالنعام بل هم أضلّ} وَذكر جود تَقْدِيره وأسمع ذكر جود وَهُوَ من بَاب علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي وأسمع ذكر الْجُود وأتحصل على الْكَلَام دون الْفِعْل وتلخيصه أرى نَاسا غير أَنهم عِنْد الْحُصُول كالغنم وأسمع ذكر جود وَهُوَ عِنْد التَّحْصِيل كَلَام دون فعال وَهُوَ من قَول السَّيِّد الْحِمْيَرِي
(4/39)

(قَدْ ضَيَّعَ الله مَا جَمَّعْتُ منْ أدَب ... بَينَ الحَمير وَبينَ الشَّاءِ وَالبَقَرِ)
وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم من كَانَ همته الْأكل وَالشرب وَالنِّكَاح فَهُوَ بطبع الْبَهَائِم لأَنا نعلم أَنَّهَا مَتى خلى بَينهَا وَبَين مَا تريده لم تفعل شَيْئا غير ذَلِك
16 - الْإِعْرَاب وَرب مَال عطف على قَوْله أُنَاسًا وَذكر جود وَالضَّمِير فِي مروته عَائِد على رب مَال الْغَرِيب الإثراء كَثْرَة المَال وأصل الْمَرْوَة الْهَمْز يُقَال امْرُؤ بَين الْمُرُوءَة وتخفف الْهَمْز فَيبقى واوان فتدغم الأولى فِي الثَّانِيَة الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ رب المَال لَا مُرُوءَة لَهُ فقد أثري من الْعَدَم أَي اسْتغنى من الْفقر وافتقر من الْمُرُوءَة يُرِيد إِذا كَانَ رب المَال لَا كرم عِنْده وَلم يستكثر مِنْهُ كَمَا استكثر من المَال حَتَّى أثرى بعد الْفقر أَي فَلم يكثر الْمُرُوءَة عِنْد كَثْرَة المَال قَالَ أَبُو الْفَتْح أرى أُنَاسًا يجوز أَن يكون من رُؤْيَة الْعين ورؤية الْقلب وَهُوَ من قَول حبيب
(لَا يَحْسَبُ الإقْلالَ عُدْما بَلْ يَرَى ... أنَّ المُقِلَّ مِنَ المُرُوءَةِ مُعْدمُ)
وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم من أثرى من الْعَدَم افْتقر من الْكَرم
17 - الْغَرِيب النصل نصل السَّيْف والصمة الْحَيَّة الشجاع وَبِه سمى أَبُو دُرَيْد ابْن الصمَّة لشجاعته والصمم جمعه الْمَعْنى يَقُول السَّيْف سيصحب مني رجلا كحدته فِي مضائه ويتبين للنَّاس أَنِّي أَشْجَع الشجعان يُرِيد أَنه إِذا قصد الْحَرْب مضى مضاء السَّيْف وَعمل عَم الأشجع أَي أَنه أَشْجَع الشجعان والانجلاء الانكشاف
18 - الْإِعْرَاب التَّاء فِي لات زَائِدَة وَقد تزاد فِي الْحُرُوف كثم وثمت وَرب وربت والجر بِهِ شَاذ وَقد جر بِهِ الْعَرَب وأنشدوا
(طَلَبُوا صُلْحَنا وَلاتَ أوَانٍ ... فأجَبْنا أنء لاتَ حيِنَ بَقاءِ)
وَأما قَوْله تَعَالَى {ولات حِين مناص} فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هِيَ زَائِدَة على حِين لَا دَاخِلَة على لَا وَالْوَقْف عِنْده على لَا والابتداء بتحين مناص وَكَانَ الْكسَائي يقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ فَيَقُول ولاه وَكَانَ الزّجاج يقف على التَّاء فالكسائي يَرَاهَا تَاء التَّأْنِيث نَحْو قَاعد وَقَاعِدَة والزجاج يَقُول هِيَ مثل ذهبت وَضربت وَهُوَ اخْتِيَار أبي عَليّ لِأَن هَذِه التَّاء دخلت
(4/40)

على الْحَرْف والحرف بِالْفِعْلِ أشبه بِالِاسْمِ من حَيْثُ إِن الْفِعْل جَاءَ ثَانِيًا وَالِاسْم أَولا فالحرف بِهَذَا الثَّانِي أشبه مِنْهُ بِالْأَصْلِ وَقَالَ الْكَلْبِيّ لات بلغَة الْيمن بِمَعْنى لَيْسَ فَهَذَا يُشِير إِلَى أَن التَّاء أَصْلِيَّة لَا زَائِدَة وَقَالَ الْفراء مَا بعد لات نصب بلات لِأَنَّهَا فِي معنى لَيْسَ أَي لَيْسَ الْوَقْت حِين مناص وَقَالَ الزّجاج الرّفْع جَائِز على أَنه اسْم لَيْسَ وَالْخَبَر مُضْمر أَي لَيْسَ حِين منجى ذَلِك الْغَرِيب المصطبر بِمَعْنى الاصطبار والمقتحم كَذَلِك بِمَعْنى الاقتحام وَهُوَ الدُّخُول فِي الشَّيْء الْمَعْنى يَقُول تكلفت الصَّبْر حَتَّى لم يبْق اصطبار فَالْآن أقحم وَأورد نَفسِي المهالك وأوقعها فِي الحروب حَتَّى أدْرك مرادي فَلَا يبْقى اقتحام يُرِيد أَنه يحمل نَفسه على العظائم وَيَرْمِي بهَا فِي المهالك
19 - الْغَرِيب ساهمة متغيرة الْوُجُوه وَسَهْم وَجهه يُسهم إِذا تغير سهوما وَقَامَت الْحَرْب على سَاق إِذا اشتدت الْمَعْنى يَقُول لأكلفن الْخَيل من الْحَرْب مَا يُغير ألوانها ولأتركن الْحَرْب قَائِمَة كانتصاب السَّاق على الْقدَم لشدتها
20 - الْإِعْرَاب الطعْن ابْتِدَاء وَالْوَاو وَاو الِابْتِدَاء الْغَرِيب الزّجر الصياح عِنْد الاقتحام فِي الْحَرْب أَو فِي المَاء ويروى وَالضَّرْب ويروى بخرقها بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة واللمم الْجُنُون يُرِيد أَنَّهَا تضطرب لما يلْحقهَا من ألم الطعْن الْمَعْنى الطعْن يعْمل فِيهَا عمل النَّار حَتَّى كَأَنَّهُ يحرقها وَالضَّرْب والزجر يمْنَعهَا عَن التَّأَخُّر ويقلقها أَي يحركها فَكَأَن بهَا جنونا من شدَّة اضطرابها
21 - الْغَرِيب كلمتها من الْجراح أَي جرحتها كالحة قد فتحت أفواهها لما بهَا من الْجراح والصاب نبت مر قَالَ أَبُو ذويب الْهُذلِيّ
(إِنِّي أرقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ متشجراُ ... كأنَّ عينيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ)
واللجم جمع لجام الْمَعْنى الْخَيل عابسة فَاتِحَة أفواهها لما بهَا من ألم الْجراح كَأَن الصاب ذَر على لجمها فَهِيَ تكره أَن تطلق أفواهها ويروى معصور بالراء
(4/41)

- الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بقوله لأتركن وُجُوه الْخَيل فِي الْبَيْت الرَّابِع قبل هَذَا الْغَرِيب المنصلت المتجرد وأدلت لَهُ أَي أعنته عَلَيْهِ حَتَّى جعلت لَهُ الدولة والخدم الَّذين لَا يسْتَحقُّونَ الْإِمَارَة الْمَعْنى يَقُول لأتركن الْحَرْب قَائِمَة بِكُل رجل مَاض فِي الْأُمُور ينْتَظر خروجي على السُّلْطَان حَتَّى أعينه فَأعْطِيه الدولة من الأنذال الَّذين لَا يستحقونها وهم الَّذين تملكوا الْعرَاق وَخَرجُوا على السطلان
23 - الْإِعْرَاب شيخ هُوَ صفة لمنصلت الْغَرِيب قَالَ ابْن القطاع كل من فسر الدِّيوَان قَالَ الشَّيْخ هُنَا وَاحِد الشُّيُوخ من النَّاس يَقُول انتصر على أعدائي بِكُل شيخ مَاض فِي أُمُوره لَا يُبَالِي بالعواقب مستحل للمحارم سافك للدماء وَهَذَا بالهجاء أشبه وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَن الشَّيْخ هُنَا السَّيْف فَإِن الشَّيْخ من أَسْمَائِهِ وَكَذَلِكَ الْعَجُوز قَالَ أَبُو الْمِقْدَام الْبَصْرِيّ
(رُبّ شَيْخٍ رَأيتُ فِي كف شيخ ... يضْرب المعلمين والأبطال)
وعجوز رَأَيْت فِي فَمْ كَلْبٍ ... جَعَلَ الكَلْبَ للأميرِ جَمالا)
سمى السَّيْف شَيخا لقدمه لأَنهم يمدحون السيوف بالقدم وَقيل سمى شَيخا لبياضه تَشْبِيها بالشيب وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي الْعَجُوز سَوَاء وَالْكَلب مِسْمَار من ذهب أَو فضَّة يَجْعَل فِي قَائِم السَّيْف انْتهى كَلَامه وَقد ذكر الَّذِي ذكره الواحدي والخطيب وَأَبُو الْعَلَاء
24 - الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة ورامته زَالَت عَنهُ وَهُوَ لَا يبرح وَأَرَادَ عَنهُ فَحذف وَوصل الْفِعْل وَهُوَ لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِحرف الْجَرّ كَقَوْل الْأَعْشَى
(أَبَانَا فَلا رِمْتَ مِنْ عِنْدِنا ... فإنَّا بخيْرٍ إِذا لمْ تَرَمْ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا يَلِيق النطح بالأسد وَلَو قَالَ كلما صدمت أَو رميت لَكَانَ أليق يُرِيد أَن الْأَبْطَال تنهزم عَنهُ وَلَا ينهزم هُوَ وَذكر الواحدي مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَقَالَ أَرَادَ بالنطح الْقِتَال
25 - الْغَرِيب الجو مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم
(4/42)

الْمَعْنى يَقُول إِذا برقتْ سيوفي فِي حَرْب أعدائي فَإِن ضوءها يزِيد على ضوء بروق السَّحَاب حَتَّى تنسى النَّاس البروق وَيكثر مَعَ ذَلِك سيلان الدِّمَاء حَتَّى تَسْتَغْنِي الْبِلَاد عَن الأمطار بِمَا صبه من الدِّمَاء وَهَذَا كَلَام مشبع بالحماقة حَتَّى لَو قَالَه أحد بنى بويه أَو بنى أرتق أَو بنى أَيُّوب لنسب إِلَى ذَلِك وهم مُلُوك الأَرْض وحملتها وأرباب الْمَغَازِي وولاتها
26 - الْغَرِيب ردى من ورد المَاء والحياض جمع حَوْض وَهُوَ مَا يسقى فِيهِ الْإِبِل وَغَيرهَا وَالشَّاء جمع شَاة وَالنعَم يُقَال هُوَ وَاحِد الْأَنْعَام وَقيل النعم يُرَاد بِهِ الْإِبِل خَاصَّة ويروى حوباء واتركي والحوباء النَّفس وَحذف على هَذِه الرِّوَايَة حرف النداء وَأَرَادَ يَا حوباء ويروى يَا نفس بِالرَّفْع وَيُرِيد بِهِ نَفسه فَلهَذَا رَفعهَا الْمَعْنى يَقُول ردى المهالك والحروب واتركي خوف وُرُود الْهَلَاك للأهام وَالشَّاء الَّتِي لَا تقَاتل عَن نَفسهَا وَقَالَ ابْن القطاع قد صحف هَذَا الْبَيْت جمَاعَة فرووا حِيَاض خوف الردى بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ لي شَيْخي قَالَ لي صَالح بن رشدين لما قَرَأت هَذَا الْبَيْت قرأته بِالْحَاء الْمُهْملَة فَقَالَ لي لم أقل كَذَلِك قلت فَكيف قلت قَالَ قلت خياض بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة لِأَنِّي لَو قلته بِالْمُهْمَلَةِ كنت قد نقضت قولي ردى حِيَاض الردى فَإِنَّهَا هِيَ حِيَاض خوف الردى وكل من ورد المَاء فَلَا بُد أَن يخوضه إِمَّا بيد أَو فَم وَالْمعْنَى ردى يَا نفس حِيَاض الْمَوْت فَإِن الْمَوْت فِي الْعِزّ حَيَاة واتركي حِيَاض خوف الردى للحيوان الَّذِي لَا يعقل وَلَو قَالَ المتنبي خياض غير الردى بِالْخَاءِ أَو قَالَ واتركي وُرُود خوف الردى الخ لم يحْتَج إِلَى هَذَا إِلَّا أَن مذْهبه أَنه يغمض مَعَانِيه حَتَّى لَا يفهمها إِلَّا الْعلمَاء
27 - الْمَعْنى يَقُول لنَفسِهِ إِن لم أدعك سَائِلَة الدَّم على الرماح أَي لم أحضر الْحَرْب حَتَّى يسيل الدَّم من جَسَدِي على الرماح فَلَا دعيت أَخا الْمجد وَالْكَرم وَهُوَ من قَول ابْن أَيُّوب
(إِن تَقْتُلوُني فَآجالُ الكُماةٍ كَمَا ... خُبِرتُ قَبْلُ وَما بالقتلِ منْ عارِ)

(وَإن نَجوْتُ لوَقتٍ غَيرِهِ فَعَسَى ... وكُلُّ نَفْسٍ إِلَى وَقْتٍ وَمِقْدَارِ)

28 - الْإِعْرَاب لحم فَاعل أيملك أَي يملك لحم على وَضم الْملك الْغَرِيب الْوَضم كل شَيْء يوضع عَلَيْهِ اللَّحْم وَيضْرب مثلا للضعيف الَّذِي لَا امْتنَاع عِنْده وَفِي الحَدِيث النِّسَاء لحم على وَضم إِلَّا ماذب عَنهُ والظامئ العطشان الْمَعْنى يَقُول لَا يملك الْملك ضَعِيف لَا يمْتَنع وَلَا يدْفع عَن نَفسه والأسياف عطاش إِلَى دَمه وَالطير لم تشبع من لَحْمه قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن مُلُوك عصره لَيْسَ فيهم من يدْفع عَن نَفسه وَقَالَ الْخَطِيب أيملك الْملك قوم أذلاء كَاللَّحْمِ على الْوَضم وأسيافنا ظامئة إِلَى دِمَائِهِمْ وَالطير جائعة وَلَا نشبعها مِنْهُم قَالَ الْوَضم الْخَشَبَة الَّتِي يقطع عَلَيْهَا اللَّحْم
29 - الْإِعْرَاب من بدل من قَوْله لحم على وَضم يُرِيد أيملك من لَو رَآنِي الْغَرِيب مثل ظهر وَغَابَ وَهُوَ من الأضداد الْمَعْنى يَقُول من لَو رَآنِي وَهُوَ عطشان مَاء لمَنعه خَوفه مني أَن يشرب فَيَمُوت عطشا وَلَو رَآنِي فِي الْمَنَام لهجر النّوم خوفًا من أَن يراني فِي النّوم وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم
(فَإِذا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإذَا غَفا ... سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الأحْلامُ)

30 - الْغَرِيب رَقِيق الشفرتين هُوَ الَّذِي رقت مضاربه بِكَثْرَة الصقل الْمَعْنى يَقُول ميعاد الْأَعْدَاء غَدا أحاربهم وأقود إِلَيْهِم الجيوش وَمن عصى أَي من عَصَانِي الْمَعْنى يَقُول إِن أطاعوني وَأَجَابُوا إِلَى مَا أدعوهم إِلَيْهِ فلست أقصدهم بسيوفي وَإِنَّمَا أقصد غير مُطِيع فَأَقْتُلهُ بهَا وَإِن أدبروا عني فَلَا أقتصر على قَتلهمْ وحدهم بل أقتلهم وقوما آخَرين
(4/43)

- 1 معَاذ هَذَا هُوَ أَبُو عبد الله معَاذ بن إِسْمَاعِيل اللاذقي ذكر أَن أَبَا الطّيب قدم عَلَيْهِ اللاذقية سنة سِتّ وَعشْرين وَثَلَاث مئة وَأَنه ادّعى النُّبُوَّة وَذكر عَنهُ حِكَايَة قبيحة وَأَنه كَانَ يعلم طرفا من السيمياء وَمَا استجزت أَن أذكرها
(4/44)

الْمَعْنى يَقُول يَا معَاذ يخفى عَلَيْك مَكَاني فِي الْحَرْب لِأَنِّي ملتبس بالأبطال مختلط بالأقران بِحَيْثُ لَا تراني أَنْت ومعاذ مَرْفُوع بِالْبَدَلِ من أبي عبد الله وَلَو كَانَ عطف بَيَان لَكَانَ مَنْصُوبًا منونا لأَنهم أجروا عطف الْبَيَان مجْرى الصّفة
2 - الْإِعْرَاب مَا يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تكون زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى {فِيمَا رَحمَه من الله} وكقول الشَّاعِر
(وَإنْ أُمْسِ مَا شَيْخا كَبيراً فَطالمَا ... عُمَّرْتُ وَلكنْ لَا أرَى العُمرَ يَنْفَعُ)
وَالْآخر أَن تكون بِمَعْنى الَّذِي أَو نكرَة فيضمر هُوَ بعْدهَا فَإِذا كَانَت نكرَة فتقديره جسيم شَيْء هُوَ طلبي الْغَرِيب الجسيم الْعَظِيم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَصله مَا ثقل من الْكَلَام ثمَّ استعبر فِي كل أَمر عَظِيم فَقَالُوا جسيم وَإِن لم يكن لَهُ شخص الْمَعْنى يَقُول عاتبتني على طلب الْأَمر الْعَظِيم ومخاطرتنا فِيهِ بالأرواح الْعَظِيمَة وَهَذَا لندرك الْفضل والشرف
3 - الْمَعْنى يَقُول مثلي لَا تصيبه النكبات وَهِي الشدائد الَّتِي تنكب الْإِنْسَان يَقُول لَا تصيبني وَهَذَا إِمَّا لِأَنَّهُ حَازِم يَدْفَعهَا عَن نَفسه بحزمه أَو أَنه صابر عَلَيْهَا فَلَيْسَتْ تُؤثر فِيهِ
4 - يَقُول الزَّمَان هُوَ مَحل النكبات والنوائب وَلَو كَانَ شخصا ثمَّ برز إِلَيّ للحرب لخضبت شعر رَأسه
5 - الْمَعْنى يَقُول لم يبلغ الزَّمَان مُرَاده مني من تَغْيِير حَالي وتوهين أَمْرِي وَمَا انقدت لَهُ انقياد من أعْطى زمامه وَهُوَ من قَول البحتري
(لَعَمْرُ أبي الأيَّامِ مَا جارَ صَرفُها ... عَلي وَلا أعْطَيْتُها ثِنْىَ مقْوَدي)

6 - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَصْحَاب الْخَيل فَحذف كَقَوْلِه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَا خيل الله أَي يَا خيل أَصْحَاب الله فَحذف وَأَرَادَ فويل لَهَا فَحذف للْعلم بِهِ الْمَعْنى يَقُول هم يخافونني فَإِذا رأوني فِي النّوم ذهبت لَذَّة نومهم فَلَا ينامون وَإِذا ذكروني ذهبت أَمَنَة يقظتهم
(4/45)

- 1 الْغَرِيب الْخمر الصّرْف الْخَالِصَة غير ممزوجة بِشَيْء وَالَّذِي من مثله شرب الْكَرم هُوَ المَاء الْمَعْنى يَقُول إِذا شربت أَنْت الْخمر خَالِصَة فَأَنا أشْرب المَاء وَكَانَ الْأَحْسَن بِمن جمع هَذَا الدِّيوَان أَن لَا يذكر مثل هَذِه المقاطيع المرتجلة السخيفة وَلَوْلَا أَن ينسبني النَّاس إِلَى عجز لما ذكرتها وَأَيْضًا فَإِنَّهَا روايتي من طريقتي
2 - الْإِعْرَاب حب فعل مَاض لَا يتَصَرَّف وَأَصله حبب وَذَا فَاعله وَهُوَ اسْم مُبْهَم من أَسمَاء الْإِشَارَة وَجعلا شَيْئا وَاحِدًا فصارا بِمَنْزِلَة اسْم أَو هُوَ اسْم يرفع مَا بعده وموضعه رفع بِالِابْتِدَاءِ وَزيد خَبره فِي قَوْلك حبذا زيد وَلَا يجوز أَن يكون بَدَلا من ذَا لِأَنَّك تَقول حبذا امْرَأَة وَلَو كَانَ بَدَلا نقلت حبذت امْرَأَة قَالَ جرير
(وَحَبذَا نَفَحاتٌ مِنْ يَمانِيَةٍ ... تَأتْيكَ مِنْ قِبلِ الرَّيَّانِ أحيْانا)
الْغَرِيب نداماهم جمع النديم ندام وَجمع الندمان ندامى الْمَعْنى يَقُول نداماهم الْأَبْطَال الَّذين يُقَاتلُون بِالرِّمَاحِ ويلازمونها كَمَا يلازم النديم نديمه ويسقونها مَا يروونها من الدِّمَاء فهم سقاة رماحهم وعزمهم على الْحَرْب يسقيهم دِمَاء الْأَعْدَاء
236

- 1 الْغَرِيب الخرطوم من أَسمَاء الْخمر وَقد فسر قَوْله تَعَالَى {سنسمه على الخرطوم} أَي على شربه الْخمر وَسميت بهَا لأخذها بخراطم شرابها
(وَلقَدْ شرِبْتُ الخمْرَ حَتَّى خِلْتُها ... أفْعَى تَكِشُّ عَلىَّ طَرِيقِ المَنْخَرِ)
والألية الْقسم وَالْجمع ألايا والعلل السقى مرّة بعد أُخْرَى الْمَعْنى يَقُول رب أَخ لنا حلف بِالطَّلَاق على لتشر بن هَذِه الكأس وَقَالَ الواحدي سميت الخرطوم لِأَنَّهَا فِي الدن تنصب فِي صُورَة الخرطوم
2 - الْمَعْنى يَقُول فَجعلت ردى امْرَأَته وإبقاءها عَلَيْهِ كَفَّارَة فشربتها غير أثيم حَيْثُ كَانَ قصدي بالشرب بَقَاء الزَّوْجِيَّة عَلَيْهِ
(4/46)

- 1 الْغَرِيب النَّوَى الْبعد الْمَعْنى يَقُول ملام النَّوَى ظلم وَلَعَلَّ النَّوَى يعشقها كعشقي فَكَأَنَّهُ يختارها لنَفسِهِ ويحول بَينه وَبَينهَا يُعَاتب نَفسه على لوم النَّوَى وَيَقُول يَا نفس هلا جوزت النَّوَى عاشقة لَهَا مثلي وَقد فسره فِيمَا بعده وَهُوَ من قَول مُحَمَّد بن وهيب
(وَحارَبَنِي فِيهِ صَرْفُ الزَّمانِ ... كَأنَّ الزَّمانَ لَهُ عاشِقُ)
وَقَالَ البحتري
(قدْ بَّينَ البَينُ المُفَرَّقُ بَيْنَنا ... عِشْقَ النَّوَى لرَبيبِ ذَاك الرَّبْرَبِ)

2 - الْغَرِيب أصل الزوى الْجمع وَفِي الحَدِيث زويت لي وَهُوَ أَيْضا بِمَعْنى الدّفع وَالْمَنْع وزوى فلَان المَال عَن وَارثه زويا أَي مَنعه وَدفعه عَنهُ والخصم المخاصم وَهُوَ للمجمع وَالْوَاحد والمؤنث بِمَعْنى هم خصم وَهُوَ خصم وهما خصم وَهِي خصم الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَت النَّوَى لَا تغار عَلَيْكُم لما منعت عني لقاءكم وطوته عني وَلما كَانَت تخاصمني فِيكُم بتبعيدها لكم عني
(4/47)

- الْإِعْرَاب يجوز أَن تكون الظبية مُبْتَدأ أَي الظبية منعمة كَقَوْلِك أقائم زيد وَالْمعْنَى أَزِيد قَائِم وَيجوز أَن يرفع بِمَنْعه لِأَن منعمة مُعْتَمدَة على الْهمزَة وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز إِلَّا أَن تكون خَبرا مقدما على رَأْي سِيبَوَيْهٍ وَيجوز أَن يرْتَفع بِفِعْلِهَا إِذا لم يكن ثمَّ اسْتِفْهَام وتسد الظبية مسد الْخَبَر ومنعمة مُبْتَدأ الْغَرِيب الوسمي أول الْمَطَر وَالْوَلِيّ مَا يَلِيهِ والنائل الْعَطاء الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا بدأت بوصل ثمَّ لم تعد إِلَيْهِ فليتها أَنْعَمت عَليّ برجوعها إِلَى الْوَصْل مرّة أُخْرَى وَهُوَ مَنْقُول من قَول ذِي الرمة
(لِنِى وَلْيَةً تُمْرِعْ جَنانِي فَإنَّنِي ... لِما نِلْتُ منْ وَسمِيِّ نُعْماكِ شاكِرُ)
وَقَالَ بشار
(قَدْ زُرْتِني زَوْرَةً فِي الدَّهْرِ وَاحدَةً ... ثَنِّى وَلا تَجْعَلِيها بَيْضَةَ الدّيكٍ)

4 - الْغَرِيب الترشف المص وَالظُّلم مَاء الْأَسْنَان وبريقها وَالْجمع ظلوم
(إِذا ضَحْكَتْ لمْ تَنْبهِرْ وَتَبَسَّمَتْ ... ثَنايا لَهَا كالْبَرَقِ غُرٌّ ظُلُومُها)
الْمَعْنى يَقُول هِيَ طيبَة النكهة لِأَنَّهَا إِذا كَانَت آخر اللَّيْل طيبَة النكهة فَهِيَ أَوله أطيب لِأَن الأفواه تَتَغَيَّر آخر اللَّيْل فَإِذا كَانَت النكهة طيبَة آخر اللَّيْل كَانَ أمدح أَلا ترى إِلَى قَول امْرِئ الْقَيْس
(كأنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمامٍ ... ورِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ)

(يُعَلُّ بهِ بَرْدُ أنْيابِها ... إِذا طَرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحرّ)
وَقَالَ الْحَارِثِيّ
(كأنَّ بِفيها قَهْوَةً بابِليَّةً ... بِماء سماءٍ بَعْدَ وَهْنٍ مِزَاجُها)
قَالَ الواحدي العاشق إِذا مص ريق معشوقه زَادَت نَار حَبَّة تلهبا فَلذَلِك قَالَ
(تَرَشَّفْتُ حَرَّ الوَجْدِ مِنَ بارِدِ الظَّلْمِ ... )
(4/48)

- الْغَرِيب العقد قلادة من در الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد اسْتَوَى كَلَامهَا وقلادتها فِي نطقها وثغرها فِي تبسمها فِي الْحسن وَالنّظم وَهَذَا الْمَعْنى كثير جدا قَالَ البحتري
(فَمنْ لُؤْلُؤٍ تُبْدِيه عِنْدَ ابْتِسامها ... وَمنْ لُؤْلُؤٍ عِنْدَ الحَديثِ تُساقِطُهْ)
فَذكر شَيْئَيْنِ وَقَالَ المؤمل بن أميل
(وَإنْ نَطَقَتْ دُرٌّ فَدُرُّ كلامُها ... وَلمْ أدْرِ دُراً قَبْلَها يَنْظِمُ الدّرا)
وَأخذ أَبُو المطاع بن نَاصِر الدولة هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ
(وَمُفارِق نَفْسِي الفِداءُ لِنَفْسِهِ ... وَدَّعْتُ صَبرِي عَنْهُ فِي تَوْدِيعِهِ)

(وَرَأيْتُ مِنْهُ مِثلَ لُؤْلُؤِ عِقْدِهِ ... منْ ثَغْرِهِ وَحَديثِهِ وَدُمُوعِهِ)
فَزَاد ذكر الدمع على أبي الطّيب وَأحسن فِي الْأَخْذ
6 - الْغَرِيب المندلي هُوَ الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى منْدَل مَوضِع بِالْهِنْدِ وَكَذَلِكَ قمار ينْسب إِلَيْهِ الْعود قَالَ ابْن هرمة
(كَأنَّ الرَّكْبَ إذْ طَرَقَتْكَ باتُوا ... بِمنْدَلَ أوْ بِقارِعَتْي قِمارِ)
وَقد يُقَال المندل على إِرَادَة يَاء النِّسْبَة وطرحها وَهُوَ الْعود أَيْضا قَالَ كثير
(بِأطْيَبَ مِنْ أرْدّانِ عَزَّةَ مَوْهِنا ... وَقَدْ أوْقَدَتْ بِالمَنْدلِ الرطْبِ نارَها)
وَقَالَ الآخر
(إذَا مَا أُوقِدَتْ يُلْقَى ... عَلَيْها المَنْدَلُ الرَّطْبُ)
أَرَادَ كِلَاهُمَا المندلي لكنهما حذفا يَاء النّسَب والقرقف من أَسمَاء الْخمر وَكَذَلِكَ الصَّهْبَاء وَسميت بذلك للونها وأصل الصهوبة الشقرة فِي شعر الرَّأْس والأصهب من الْإِبِل الَّذِي يخالط بياضه حمرَة الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول قد اسْتَوَت مِنْهَا هَذِه الْأَشْيَاء فِي طيب الرَّائِحَة والذوق وَإِنَّمَا يَسْتَوِي فِي الذَّوْق شَيْئَانِ النكهة وَالْخمر لِأَن الْعود مرّ المذاق وَلكنه جمع بَينهَا
(4/49)

فِي الرّيح وَأَرَادَ فِي الطّعْم شَيْئَيْنِ والنكهة أَيْضا لَا طعم لَهَا لِأَنَّهَا رَائِحَة الْفَم واستقام الْكَلَام إِلَى ذكر الرّيح ثمَّ احْتَاجَ إِلَى القافية وَإِقَامَة الْوَزْن فَذكر الطّعْم فأفسد لاخْتِلَاف مَا ذكره فِي الطّعْم انْتهى وَلَيْسَ كَمَا ذكر لِأَنَّهُ قَالَ اسْتَوَت نكهتها والمندلي وقرقف فَلَمَّا وصف القرقف احْتَاجَ أَن يَقُول فِي الرّيح والطعم وَلم يرد سوى الْخمر فِي الطّعْم
7 - الْغَرِيب الشهب من الْخَيل الَّتِي يخالطها فِي ألوانها بَيَاض والدهم السود يُرِيد أَنَّهَا تَغَيَّرت ألوانها من الدِّمَاء والعجاج كَقَوْل الْجَعْدِي
(وتُنْكِر يوْمض يَوْم الرَّوعِ ألْوانَ خَيْلنا ... منَ الطَّعْنِ حَتَّى تَحْسَبَ الجونَ أشقرا)
الْمَعْنى يَقُول هِيَ غادرة ناقضة الْعَهْد كعادة النِّسَاء رمتي بالجفاء وَأَنا الْأَفْصَح الأِشجع من عشيرتها وَهَذَا على عَادَة نسَاء الْعَرَب يملن إِلَى الشجاع الفصيح كَمَا قَالَ الْعَنْبَري لما رَأَتْهُ امْرَأَته يطحن فازدرته
(تَقُولُ وَصَكَّتْ وَجْهَها بِيَمِينها ... أبَعْليَ هَذَا بالرَّتحَى المُتقَاعِسُ)

(فَقُلْتُ لَها لَا تَعْجَلي وَتَبَييَّني ... بَلائي إذَا التَفَّتْ عَلىَّ الفَوَارِسُ)

8 - الْغَرِيب الحتف الْهَلَاك والنكز كالغرز بِشَيْء محدد الطّرف قَالَ أَبُو زيد نكزته الْحَيَّة أَي لسعته بأنفها فَإِذا عضته بنابها قيل نشطته قَالَ رؤبة
(يَأيُّها الجاهِلُ ذُو النَّبزِ ... لَا تُوعِدُني حَيَّةً بِالنَّكْزِ)
والأفعى جنس من الْحَيَّات الْمَعْنى يَقُول حتفي يحذر مني وَهَذَا مُبَالغَة فِي وصف شجاعته وَالْمعْنَى قَرْني الَّذِي ينازلني وحتفي رُبمَا كَانَ مِنْهُ يحذرني فَلَا يقابلني وتنكزني الأفعى يُرِيد يعْتَرض لي الْأَعْدَاء فأهلكتهم وَلما جعل المتنبي عدوه أَفْعَى سمى قُوَّة نَفسه وشجاعته سما لشدَّة تَأْثِيره فِي عدوه وَقَالَ الواحدي جعل عدوه حاذرا يحذرهُ
9 - الْغَرِيب الردينيات رماح تنْسب إِلَى ردينة امْرَأَة سمهر كَانَا يقومان الرماح بِخَط هجر والسريجيات سيوف منسوبة إِلَى قين اسْمه سُرَيج الْمَعْنى يَقُول الرماح تقصفت قبل الْوُصُول إِلَى إِرَاقَة دمى وَالسُّيُوف تقطع قبل أَن تقطع لحمى فَجعل دَمه يقصفها لما كَانَ السَّبَب فِي قصفها وَكَذَلِكَ لَحْمه وَالْفِعْل قد ينْسب إِلَى من كَانَ سَببا فِيهِ
(4/50)

قَالَ الْخَطِيب الْمَعْنى أَنا من نَفسِي وعشيرتي فِي مَنْعَة فَإِذا أصابني طعن كبر الطعْن فِي طلب ثَأْرِي حَتَّى تنقصف الرماح وَإِذا ضربت تتكسر السيوف حَتَّى يدْرك ثَأْرِي
10 - الْإِعْرَاب من روى أخف بِالرَّفْع وَهُوَ اخْتِيَار أبي الْفَتْح قَالَ أخف مُبْتَدأ وجرمي خَبره وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال من الضَّمِير فِي رددني كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد ثَوْبه حسن أَو أبدل جُرْمِي من الضَّمِير الْمَفْعُول فِي رددنني وأخف حَال مِنْهُ مُقَدّمَة عَلَيْهِ كَقَوْلِك كلمت قَائِمَة هندا وَهَذَا على رِوَايَة من روى أخف بِالنّصب وَفِي أخف على هَذَا ضمير مَرْفُوع بِهِ وَلَا يقبح رفع أخف للمضمر كَمَا قبح رَفعه الْمظهر لِأَن الْمُضمر لما لم يظْهر إِلَى اللَّفْظ صَار كَأَنَّهُ لَا شَيْء وَالْقِيَاس لَا يجوز رفع الظَّاهِر بأفعل مِنْك فَلَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل خير مِنْك أَبوهُ وَلَا بِغُلَام أظرف مِنْك صَاحبه لِأَن أفعل لما اتَّصَلت بِمن أكسبها ذَلِك تحصينا فباعدها عَن مشابهة الْفِعْل بالإبهام والتنكير الْغَرِيب المدى جمع مدية وَهِي السكين والجرم الْجَسَد وَجمع لأسرى لِأَنَّهُ اسْم يدل على الْجِنْس أَو على أَنَّهَا اسْم سَرِيَّة وبرى المدى مصدر أضيف إِلَى الْفَاعِل هَذَا كَلَام الواحدي وَالصَّحِيح أَن السرى الِاسْم من سرى سَرِيَّة تَقول سرينا سَرِيَّة وَاحِدَة فالاسم السّريَّة بِالضَّمِّ والسرى هَذَا كَلَام الْجَوْهَرِي والأزهري إمامي اللُّغَة الْمَعْنى يَقُول أذهبت السرى لحمي فجعلتني فِي خفتي على المركوب كنفسي الَّذِي يخرج من فمي
11 - الْإِعْرَاب عطف أبْصر على أخف فِي رِوَايَة من نصب وعَلى وضع الْجُمْلَة فِي رِوَايَة من رفع لِأَن الْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب برددني على الْمَفْعُول الثَّانِي أَو على الْحَال الْغَرِيب جو قَصَبَة الْيَمَامَة وزرقاء اسْم امْرَأَة من أهل جو حَدِيدَة الْبَصَر كَانَت تدْرك ببصرها الشَّيْء الْبعيد فَضربت الْعَرَب بهَا الْمثل فَقَالُوا أبْصر من زرقاء الْيَمَامَة وَقيل اسْمهَا الْيَمَامَة وَبهَا سميت الْيَمَامَة وَهِي من بَنَات لُقْمَان بن عَاد وَقَالَ قوم هِيَ من جديس وقصدهم طسم فِي جَيش حسان بن تبع فَلَمَّا صَارُوا بالجو على مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام أبصرتهم وَقد حمل كل رجل مِنْهُم شَجَرَة يسْتَتر بهَا فَأَخْبَرتهمْ فكذبوها ثمَّ قَالَت بِاللَّه لقد أرى رجلا ينهش كَتفًا أَبُو يخصف نعلا فكذبوها فصبحهم جَيش حسان فاجتاحهم وَأَخذهَا فشق عينيها وَإِذا فِيهَا عرق من الأثمد فوصفها الْأَعْشَى بقوله
(قالَتْ أرَى رَجُلاً فِي كَفِه كَتِفٌ ... أوْ يخْصَفُ النَّعْلَ لَهْفي إنَّهُ صَنَعا)
(4/51)

(فَكَذَّبُوها بِما قالَتْ فَصَبَّحَهُمُ ... ذُو آل حَسَّانَ يُزْجى الموْتَ وَالسِّرعا)
وَمن روى شأواهما فالشأو الْغَايَة والامد وَبهَا روى أَبُو الْفَتْح وَمن روى شاءهما أَي سبقهما فَهُوَ مقلوب شأي كَمَا تَقول رَاء فِي رَأْي وناء فِي نأي الْمَعْنى أَنه فضل نَفسه فِي الرُّؤْيَة على الزَّرْقَاء فَقَالَ إِذا نظرت عَيْنَايَ فَإِنَّهُمَا لَا تسبقان علمي فَإِذا رَأَيْت الشَّيْء ببصري عَلمته بقلبي لِأَنِّي عَالم بالأمور وَفِي رِوَايَة أبي الْفَتْح إِذا نظرت عَيْنَايَ فغايتها وأمدهما أَن يريَا مَا قد عَلمته بقلبي لِأَنِّي قد عرفت الْأَشْيَاء
12 - الْغَرِيب الدحو الْبسط والخبرة الْعلم بالشَّيْء والإسكندر هُوَ ذُو القرنين قبل كَانَ نَبيا وَقَالَ على عَلَيْهِ السَّلَام لم يكن نَبيا بل كَانَ رجلا صَالحا وَاخْتلفُوا فِي تَسْمِيَته بِذِي القرنين فَقَالَ عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْمر قومه بالصلاح فضربوه ضَرْبَة على قرنه الْأَيْمن ثمَّ ضربوه ثَانِيَة الْأَيْسَر أَو كَانَت لَهُ ضفيرتان وَقَالَ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ بلغ قَرْني الشَّمْس أَي مطْلعهَا وَمَغْرِبهَا وَقيل بلغ قطري الأَرْض من الْمشرق إِلَى الْمغرب وَحكى عَن ابْن سَمَاء وَقيل عَاشَ فِي قرنين من النَّاس فَلهَذَا سمى ذَا القرنين وَذكر الْمَاوَرْدِيّ أَنه عبد الله بن الضَّحَّاك بن معد وَاخْتلفُوا فِي زَمَانه فَقيل كَانَ فِي وَقت إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام وَقيل كَانَ بعد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقيل كَانَ فِي الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا السَّلَام والسد مَا يسد بِهِ مَا بَين الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ فِي شعر أبي الطّيب السد الَّذِي بناه الْإِسْكَنْدَر ليسد بَين النَّاس وَبَين يَأْجُوج وَمَأْجُوج قَالَ أَبُو الْفَتْح السد بِالضَّمِّ من فعل الله وبالفتح من قَول المخلوقين وَيرد عَلَيْهِ أَن الْقُرَّاء اخْتلفُوا فِي السدين وهما بِمَعْنى الجبلين من مفعل الله فَقَرَأَ بِالْفَتْح ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص عَن عَاصِم وَاخْتلفُوا فِي قَوْله أَن تجْعَل بَيْننَا وَبينهمْ سدا وَهُوَ فعل ذِي القرنين فَقَرَأَ بِضَم السِّين نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر وَكَانَ على مَا ذكر أَبُو الْفَتْح يجب أَن يقْرَأ الأول بِالضَّمِّ من غير خلاف وَالثَّانِي بِالْفَتْح من غير خلاف الْمَعْنى أَنه يصف أَسْفَاره وَكَثْرَتهَا وَأَنه قد خبر الأَرْض وَعرفهَا فَكَأَنَّهُ بسطها لعلمه بهَا وَيذكر عزمه على الْأُمُور
13 - الْغَرِيب اللَّام مُتَّصِلَة بقوله برتني أَي برتني السرى لألفي الممدوح الْمَعْنى يَقُول كابدت شَدَائِد الْأَسْفَار وَقطعت اللَّيْل وَالنَّهَار لألقي الْحُسَيْن
(4/52)

ابْن إِسْحَاق وَهُوَ الممدوح الَّذِي دق فهمه فارتفع عَن إِدْرَاك دقة الْفَهم إِيَّاه وأبدع فِي دقة فهمه حَتَّى جلّ عَن أَن يُوصف بِهِ فَيُقَال إِنَّه عَالم بِالْغَيْبِ
14 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مستحلى اللَّفْظ فصيح الْكَلَام يلتذ السّمع بِكَلَامِهِ وَلَو شتم بِهِ لصِحَّته وعذوبته يُقَال لذذت الشَّيْء ولذذت بِهِ أَي استلذذت بِهِ ويروى يلذ لَهَا ويروى ضمنت بِفَتْح الضَّاد مخففا
15 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه فِي هَؤُلَاءِ كاليمين من الْجَسَد وَفِي هَؤُلَاءِ كالرأس والعرنين لِأَنَّهُ رئيسهم وَبِه عزهم فَجعل مثلا فِي الْعِزّ وَكَذَلِكَ الْأنف وَجعله كالبدر فِي بنى فهم الَّذين هم كَالنُّجُومِ
16 - الْغَرِيب البيات أَن يطْرق الْعَدو لَيْلًا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لنبيتنه وَأَهله} أَي نطرقة لَيْلًا فنقلته والصرير والقعقعة الْأَصْوَات الْمَعْنى قَالَ ابْن جنى يُبَادر إِلَى أَخذ الرمْح فَإِن لحق إسراج فرسه فَذَاك وَإِلَّا رَكبه عُريَانا قَالَ الواحدي وَهَذَا هذيان المبرسم والنائم وَكَلَام من لَا يعرف الْمَعْنى وَالْمعْنَى إِذا أَتَاهُم لَيْلًا أخْفى تَدْبيره ومكره وَتحفظ من قبل أَن يفْطن بِهِ فيأخذهم على غَفلَة حَتَّى يسمعوا صرير رماحه بَين ضلوعهم قبل أَن يسمعوا أصوات اللجم متحركة فِي أحناك خيله قَالَ وَلم يعرف ابْن دوست هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيره رماحه تصل إِلَيْهِم قبل وُصُول خيله إِلَيْهِم وَلَيْسَ يتَصَوَّر مَا قَالَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم رَاجِلا وَالْمعْنَى أَنه يهجم عَلَيْهِم فَلَا يَشْعُرُونَ بِهِ إِلَّا إِذا طعنهم برماحه لإخفائه ذَلِك بلطف تَدْبيره
17 - الْإِعْرَاب مذل خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الأعزاء جمع عَزِيز يُقَال أعزاء وعزاز وأعزة ويئن يحن من قَوْلهم أَن الشَّيْء يئين أَيّنَا أَي حَان وَقَوله يَئِن بِهِ يتمهم أَي على يَدَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ مذل الأعزة ومعز الأذلاء يرفع قوما وَيَضَع آخَرين فَهُوَ الموتم الجابر الْيُتْم يُرِيد أَنه يقتل الْآبَاء ثمَّ يحسن إِلَى الْأَبْنَاء الْأَيْتَام ويصطنعهم
18 - الْغَرِيب من روى ممسكها بِفَتْح السِّين أَرَادَ مَوضِع الْإِمْسَاك وَهُوَ الْكَفّ
(4/53)

مثل الْمدْخل والمخرج مَوضِع الإدخال والإخراج وَمن كسر أَرَادَ نَفسه والعدم الْفقر الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن أردى قُلُوب المطعونين بقناته فَإِن الَّذِي أمْسكهَا هُوَ الَّذِي يشفى من الْفقر بعطائه وَقد قَابل بَين الدَّاء والشفاء
19 - الْغَرِيب الشفرتان حدا السَّيْف والهام الرَّأْس والجور خلاف الْعدْل والطاغي الْبَاغِي الَّذِي يتَجَاوَز الْحَد الْمَعْنى يَقُول هُوَ مقلد سَيْفا جائرا فِي حكمه لِأَنَّهُ يقتل الْجَمِيع فَلَا يبْقى أحدا وَلِأَنَّهُ لما تحكم فِي الرُّءُوس أفناها وجار فِي الحكم
20 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي لما وَصفه بِكَثْرَة الْقَتْل ذكر أَنه لَا يقتل إِلَّا من يسْتَحق الْقَتْل كجده لِأَنَّهُ كَانَ غازيا يقتل الْكفَّار وَكَانَ بريا من إِثْم الْقَتْل على كَثْرَة مَاله من الْقَتْلَى وروى أَبُو الْفَتْح كحده بِالْحَاء يُرِيد حد السَّيْف الْمَذْكُور أَي إِن الممدوح كثير الْقَتْل وَهُوَ غير آثم لِأَنَّهُ لَا يضع الشَّيْء إِلَّا فِي مَوْضِعه كَمَا أَن حد السَّيْف كثير الْقَتْل وَهُوَ غير آثم كَقَوْل الطَّائِي فِي الرماح
(إنْ أجْرَمتْ لمْ تَنَصَّلْ منْ جَرَائِمها ... وَإنْ أساءَتْ إِلَى الأقْوَامِ لمْ تُلَم)

21 - الْإِعْرَاب فِي تحرج ضمير يرجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب التحرج الْكَفّ عَن الشَّيْء والإمساك عَنهُ وحقن الدِّمَاء حفظهَا وَتركهَا فِي أبدانها الْمَعْنى يُرِيد أَنه يريق دِمَاء الْأَعْدَاء وَلَا يحفظها فَكَأَنَّهُ يرى ترك رَأس عدوه على جِسْمه مثل مَا يقتل نفسا بِغَيْر حق فَهُوَ يتحرج من هَذَا كَمَا يتحرج من ذَاك
22 - الْغَرِيب الحزم قُوَّة الرَّأْي وَالتَّدْبِير الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو ضيع الحزم مرّة من الدَّهْر لضيعه بتسليط الْجُود على مَاله وبتدبره فِي طلب الْمجد فَكَانَ تضييعه بالتدبر مِمَّا يبْنى بِهِ الْمجد وَالْمعْنَى لَو أَرَادَ ترك الحزم لم يُمكنهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفْ حَتَّى لَوَانَّهُ ... ثَناها لِقَبْضٍ لمْ تُطِعْهُ أنامِلُهْ)
(4/54)

- الْإِعْرَاب يتَعَلَّق الظّرْف بوجدنا وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله مَعَ الحزم أَي وَجَدْنَاهُ مَعَ الحزم وَفِي الْحَرْب الْغَرِيب الْقدَم الْإِقْدَام الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ عِنْده غير التَّقَدُّم كَقَوْلِهِم تحيتك الضَّرْب وعتابك السَّيْف أَي عنْدك السَّيْف مَكَان العتاب وَالضَّرْب مَكَان التَّحِيَّة فَلَو أَرَادَ التَّأَخُّر كَانَ تَأَخره تقدما أَي لَو أَرَادَ تأخرا لأخره الطَّبْع الْكَرِيم عَن التَّأَخُّر إِلَى التَّقَدُّم
24 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا غضب على مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم فَكَانَت أعظم مِنْهُ فإمَّا احتقره فَلم يُجَازِهِ وَإِمَّا جازاه فَتَجَاوز عَن قدر جرمه فَأَهْلَكَهُ قَالَ الواحدي هَذَا هوس لَا يُسَاوِي ذكره وَالْمعْنَى بلغت رَحمته إِلَى أَنَّهَا تكَاد تحيي الْعِظَام الْميتَة أَي فضلت عَن الْأَحْيَاء وَأدْركت الْأَمْوَات وغضبه فضل عَن صَاحب الجرم فضلَة هِيَ للجرم مفنية يَعْنِي أَنه يهْلك بغضبته المجرم ويفنى ذَلِك الَّذِي جناه حَتَّى لَا يجنى أحد تِلْكَ الْجِنَايَة وَلَا يَأْتِي بِمثل ذَلِك الجرم خوفًا من غَضَبه فغضبه يفنى المجرم وجرمه الْمَعْنى يَقُول هُوَ رَقِيق الْوَجْه لكرمه وحيائه فَلَو نظر إِلَيْهِ نَاظر لظهر أثر ذَلِك النّظر على رقة وَجهه كأثر الْخَتْم ثمَّ لَا يذهب ذَلِك الْأَثر وَلَا يمحى
26 - الْإِعْرَاب أسكن الغواني ضَرُورَة لِأَنَّهَا مفعول أذاق الْغَرِيب الغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن الحلى وَقيل بزوجها وَقيل الَّتِي غنيت بِبَيْت أَبَوَيْهَا فَلم يَقع عَلَيْهَا سباء والصرم الِاسْم من صرمت الرجل إِذا قطعت كَلَامه وأصل الانصرام الِانْقِطَاع الْمَعْنى يَقُول هُوَ عفيف تعشقه النِّسَاء ويعف فَلَا يواصلهن فيكافهن عني بِمَا فعلن بِي
27 - الْغَرِيب الفدى يقصر إِذا فتحت الْفَاء وَإِذا كسرت قصر وَمد والغبراء الأَرْض والأبى بِمَعْنى الآبي وَهُوَ الَّذِي يَأْبَى الدنايا والجائد الْفَاعِل من جاد يجود وَالْقَرْمُ السَّيِّد وَأَصله الْبَعِير المكرم الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ بل يكون للفحلة الْمَعْنى يَقُول كل من على الأَرْض يفدون هَذَا الممدوح وأولهم أَنا لِأَنَّهُ سيدهم
(4/55)

- الْغَرِيب حَال منع ورد وَالْعرب وَالْعرب وَاحِد كالسقم والسقم وَكَذَلِكَ الْعَجم والعجم الْمَعْنى يَقُول أَخَاف الْجِنّ وَالْإِنْس سَيْفه فحال بَينهم وَبَين أَن يأمنوه فَكيف ظَنك بالعرب والعجم
29 - الْغَرِيب أرهب أَخَاف والجزع الْخَوْف والفزع وَيُقَال فَحم وفحم بِالتَّحْرِيكِ والسكون وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يجوز فِيهِ سوى فتح الْحَاء وَأنْشد للنابغة
(كالهَبرِ فيّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفَحَما ... )
وَيُقَال فحيم أَيْضا وَأنْشد أَبُو عبيد
(وَإذْ هيَ سَوْداءُ مثْلُ الفَحْيمِ ... تُغَشّى المَطانِبَ وَالمَنْكِبا)
الْمَعْنى يَقُول كل من رَآهُ هابه حَتَّى لَو أَنه نظر إِلَى درعه لذابت جزعا من خَوفه وَجَرت جرى المَاء وَهُوَ من قَول آخر
(لَوْ صالَ منْ غَضَبِ أَبُو دُلَفٍ عَلى ... بِيضِ السُّيُوفِ لَذُبْنَ فِي الأغمادِ)

30 - الْمَعْنى يَقُول جاد بالأموال فَأكْثر فلولا أننا رَأَيْنَاهُ صَاحِيًا لقلنا كريم هيجته الْخمر فتكرم شاربا وبعثته الْخمر على الْكَرم وجانس بَين الْكَرِيم وَالْكَرم وَهُوَ من قَول البحتري
(صَحَا وَاهْتزَّ لِلْمَعْرُوفِ ... حَتَّى قِيلَ نَشْوَانُ)

31 - الْإِعْرَاب ارْتَفع الحاسدون عطفا على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أطعناك وَحسن الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع من غير تَأْكِيد طول الْكَلَام كَقَوْلِه تَعَالَى {لَو شَاءَ الله مَا اشكرنا وَلَا آبَاؤُنَا} وَقَوله {الحاسدو} حذف النُّون لِأَنَّهُ شبهه بِالِاسْمِ الْمَوْصُول كَأَنَّهُ قَالَ وَالَّذين حسدوك وَقد جَاءَ مثله فِي الشّعْر الفصيح قَالَ عبيد بن الأبرص
(وَلَقدْ يَغْنَى بِهِ جِيرَانُكِ المُمسِكُو ... مِنْكِ بِأسْبابِ الوِصالْ)
أَرَادَ الممسكون وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(4/56)

(الحَافِظُو عَوْرَةَ العشيرَة لَا ... يَأتِيهِمُ مِنْ وَرَائهِمْ وَكْفُ)
أَرَادَ الحافظون لذَلِك نصب الْعَوْرَة وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن والمقيمي الصَّلَاة بِالنّصب الْمَعْنى يَقُول أطعناك نِهَايَة الطَّاعَة شَهْوَة منا وأطاعك حاسدوك رغما خوفًا مِنْك قَالَ الواحدي أطعناك كَمَا أطاعك الدَّهْر وَيجوز أَن يكون أطعناك كَمَا نطيع الدَّهْر وَلَا يَنْفَكّ أحد عَن طَاعَة الدَّهْر
32 - الْغَرِيب الْوَهم الظَّن تَقول وهمت فِي الشَّيْء بِالْفَتْح أهم وهما إِذا ذهب وهمك إِلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ غَيره ووهمت فِي الْحساب بِالْكَسْرِ أوهم وهما إِذا غَلطت فِيهِ الْمَعْنى يَقُول وثقنا بِأَن تُعْطِينَا لما تحققنا من جودك فَلَو لم تُعْطِنَا لظننا أَنَّك قد أَعطيتنَا
33 - الْغَرِيب التقريظ مدح الرجل حَيا والتأبين مدحه مَيتا وَأَرَادَ وَظن الَّذِي يدعوني فَحذف الْمَفْعُول وَحذف الْمَفْعُول كثير فِي الْكَلَام الْمَعْنى يَقُول قد عرفت بالثناء عَلَيْك حَتَّى صَار كَأَنَّهُ اسْم لي قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنا أمدحك بالشعر فَيَقُول النَّاس هَذَا شَاعِر الْأَمِير فاشتق لي من مدحك اسْم وَهَذَا الْمَعْنى من قَول النَّاس من أَكثر من شَيْء عرف بِهِ وَقد قَالَ جَعْفَر بن كثير لجميل قد مَلَأت الْبِلَاد بِذكر بثينة وَصَارَ اسْمهَا لَك نسبا وَإِنِّي لأظنها حَدِيدَة العرقوب دقيقة الظنوب وَقد نَقله أَبُو الطّيب من البحتري
(وَما أَنا إلاَّ عَبْدُ نِعْمَتكِ الَّتي ... نُسِبتُ إِلَيْهَا دُونَ رَهْطِي وَمعْشرِي)

34 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول قد نلْت بجودك كل مَا أردْت وَلما أدْركْت ذَلِك طمعت فِيمَا لَا ينَال لِأَن من نَالَ مَا أَرَادَ طمع فِيمَا وَرَاءه مِمَّا لَا يَنَالهُ وَلم يزل بِي هَذَا الطمع حَتَّى صرت أطع فِي إِدْرَاك النُّجُوم كَمَا قَالَ البحتري
(لمَ لَا أمُد يَدِي كَيماَ أنالَ بِها ... زُهْرَ النُّجُومِ إِذا مَا كُنْتَ لي عَضُدَا)

35 - الْغَرِيب الْقرن كُفْء الرجل فِي شجاعنه والجائزة مَا يعطاها الشَّاعِر والكلم الْجرْح الْمَعْنى يَقُول إِذا أجزيتني أَعْطَيْتنِي جَائِزَة وَهِي الْعَطاء فَكل لي ذَهَبا فِي جرح الْقرن إِذا نازلته وجرحته يُرِيد أَنَّك وَاسع الضَّرْبَة فَأعْطى مِقْدَار مَا تسع الضَّرْبَة من الذَّهَب
36 - الْغَرِيب النخوة الْكبر يُرِيد تكبره عَن الدنايا وَعَما يورثه عَيْبا وَيَمِينه ويمان نِسْبَة إِلَى الْيمن والمازق الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول تكبرك عَن النقائض ونفسك الَّتِي ترمي بهَا أبدافي المضايق من الْحَرْب يأبيان ذمِّي لَك يُرِيد لَا مَوضِع للذم فِيك لِأَنَّك مترفع عَن كل مَا يزرى بك لِأَنَّك كريم شُجَاع
37 - الْغَرِيب الْقرى الظّهْر والمكمن المخفي والمستتر والدهم الْكَبِير الْمَعْنى يَقُول كم من قَائِل يَقُول لَو كَانَ جسمك على قدر نَفسك وهمتك لسترت وَرَاء ظهرك عسكرا عَظِيما
38 - الْإِعْرَاب نصب الأَرْض بأعنى تَقْدِيره وقائله أعنى الأَرْض وتعجبا مصدر فِي مَوضِع الْحَال الْمَعْنى يَقُول تعجبت الأَرْض وَقَالَت على رجل ثقيل حلمه كثقلى يصف رزانته وَثقل حلمه
39 - الْإِعْرَاب نصب عظما على الْمصدر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح نَصبه بعظمت على الْحَال كَقَوْلِك أقبل زيد ركضا فَكَأَنَّهُ قَالَ تعظمت متعظما عَن الْعظم الْمَعْنى تعظمت عظما عَن الْعظم أَي وَهَذَا هُوَ الْعظم لَا طلب الْعظم وَقَالَ الواحدي أَنْت عَظِيم الْقدر وَالنَّفس والهمة فَلم يكلمك النَّاس مهابة لَك فَلَمَّا هابوك تواضعت عَن تِلْكَ العظمة وَهُوَ العظمة لِأَن تواضع الشريف عَن شرفه أشرف من شرفه وَقَوله عظما عَن الْعظم أَي تَعَظُّمًا عَن التعظم
(4/57)

- 1 الْغَرِيب الْعَافِي الدارس الذَّاهِب عَفا درس والهمم جمع همة والقدم خلاف الْحُدُوث
(4/58)

الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ أَحَق مَا صرف إِلَيْهِ بكاءك همم النَّاس لِأَنَّهَا قد عفت ودرست فَصَارَ أحدثها عهدا قَدِيما وَقَالَ الْخَطِيب أَحَق عاف بِأَن يبكي عَلَيْهِ همم الْكِرَام لِأَنَّهَا قد عفت كَمَا تَعْفُو الربوع فَهِيَ أَحَق بدمعك من كل الدراسات وَجعل الْقدَم أحدث الْأَشْيَاء عهدا بالهمم أَي دروسها قديم فَلَا همم فِي الأَرْض وَقَالَ الواحدي أولى ذَاهِب دارس ببكائك الهمم الَّتِي قد درست وَذَهَبت أَي إِنَّهَا أولى بالبكاء من الدمن والأطلال ثمَّ ذكر قدم وجودهَا بالمصراع الثَّانِي فَقَالَ لَا عهد لأحد بالهمم لِأَن المحدثات تتأخر عَن الْقدَم وَإِذا كَانَ الْقدَم أحدث الْأَشْيَاء عهدا بهَا فَلَا عهد بهَا لأحد وَهَذَا كَمَا تَقول أحدث النَّاس عهدا بهَا آدم دلّ هَذَا على أَنه لَا عهد بهَا لأحد من النَّاس
2 - الْغَرِيب أصل الْفَلاح الْبَقَاء ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي كل خير حَتَّى جعلُوا سَعَة الرزق فلاحا وَقَضَاء الْحَاجة فلاحا الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا يرْتَفع النَّاس بِخِدْمَة الْمُلُوك وينالون بهَا الرّفْعَة وَالْعرب إِذا ملكهم الْعَجم لم يفلحوا لما بَينهمَا من التنافر والتباين وَاخْتِلَاف الطباع واللغة
3 - الْغَرِيب الْحسب الْكَرم وَالْمَال والذمم جمع ذمَّة وَهِي الْأمان وَالْعقد الْمَعْنى يَقُول مُلُوك الْعَجم لَا أدب لَهُم وَلَا عهود وَلَا يرعون ذمَّة
4 - الْغَرِيب الْأُمَم جمع أمة وَهِي الطَّائِفَة من النَّاس الْمَعْنى يُرِيد العبيد الَّذين كَانُوا يؤمرون على النَّاس من الأتراك وَغَيرهم الَّذين كَانُوا أُمَرَاء
5 - الْغَرِيب الْخَزّ ثِيَاب تعْمل من الإبريسم لَا يخالطها قطن وَلَا كتَّان وَلَا تعْمل إِلَّا بِالْكُوفَةِ وَكَانَت تعْمل بِالريِّ قَدِيما الْمَعْنى يَقُول صَار يتكبر حَتَّى أَنه يرى الخرخشنا وَكَانَ قبل يلبس الصُّوف حافيا طَوِيل الْأَظْفَار
6 - الْمَعْنى يَقُول حسادي معذورون فِي حدسهم لي وَأَنا لَا أنكر أَنِّي عُقُوبَة عَلَيْهِم لأَنهم يظْهر نقصهم بزيادتي عَلَيْهِم بفضلى وهم معاقبون بتقدمي عَلَيْهِم فَأَنا غيظ لَهُم
(4/59)

- الْغَرِيب الْعلم هُوَ الْجَبَل المنيف أَرَادَ بِهِ هُنَا شهرته فِي النَّاس والهامة الرَّأْس الْمَعْنى هَذَا يُؤَكد مَا قدم من عذرهمْ فِي الْحَسَد لَهُ أَي كَيفَ لَا يحسدون من صَار كَالْعلمِ فِي كل فضل واشتهر وَصَارَ الْمشَار إِلَيْهِ وَعلا النَّاس كلهم فَصَارَت قدمه فَوق الرُّءُوس يُرِيد علو دَرَجَته وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(واْعْذُرْ حَسُودَكَ فِيما قدْ خُصِصْتَ بِهِ ... إنَّ العُلا حَسَنٌ فِي مِثْلِهَا الحَسَدُ)

8 - الْغَرِيب أبسأ الرِّجَال آنسهم بِهِ تَقول بسأت الرجل وبسئت بِهِ بسئا وبسوءا إِذا استأنست بِهِ وناقة بِسوء لَا تمنع الحالب والبهم الْأَبْطَال الْوَاحِد بهمة وَهُوَ الْفَارِس الَّذِي لَا يدْرِي من أَن يُؤْتى من شدَّة بأسه الْمَعْنى يَقُول يهابه أنيسه الَّذِي لَا يُفَارِقهُ وإلفه الَّذِي يألفه فَكيف لَا يحْسد من كَانَ من الهيبة بِحَيْثُ يهابه أنيسه وإلفه وَمن الشجَاعَة بِحَيْثُ تهابه الْأَبْطَال
9 - الْغَرِيب كفاني بِمَعْنى منعنى وَجعل الْكَرم مَالا كَقَوْلِك لَا مَال لزيد إِلَّا الْكَرم فأقامه مقَام المَال الْمَعْنى يَقُول منع عني الذَّم كرمي لِأَنِّي أبذل المَال وأصون بِهِ الْكَرم وَلما جعل الْكَرم مَالا كَانَ يصونه وَيبْخَل بِهِ كَمَا يبخل الْبَخِيل بِالْمَالِ وصيانة الْكَرم بذل المَال
10 - الْغَرِيب اللئام جمع لئيم وَهُوَ الْبَخِيل والعدم الْفقر الْمَعْنى يَقُول لؤم الْغنى يكسبه المذمة لَو كَانَ عَاقِلا وَلَو كَانَ فَقِيرا لسقط عَنهُ المذام لِأَن فقره يقطعهَا عَنهُ وَلَا يظْهر لؤمه لِأَنَّهُ يقْصد والغنى يتَّصل بِهِ الأطماع واللؤم يمْنَع من تحقيقها فَيتَوَجَّه عَلَيْهِ الذَّم وَقَوله يجنى أَي يكْسب لَهُم المذمة
11 - الْغَرِيب التأم الْجرْح إِذا التحم وانسد الْمَعْنى يَقُول اللئام عبيد لأموالهم يخدمونها لأَنهم يتعبون فِي حفظهَا وَجَمعهَا وَكَأن الْأَمْوَال لَيست لَهُم لِأَنَّهَا رُبمَا أَصَابَهَا حَادث فِي حَال حياتهم فَلَا يَنْتَفِعُونَ بهَا
(4/60)

وَرُبمَا تصير للْوَارِث فَلَيْسَتْ لَهُم لأَنهم لَا يَكْسِبُونَ بهَا محمدة فِي الدُّنْيَا وَلَا أجرا ومثوبة فِي الْآخِرَة فهم للأموال وَلَيْسَت لَهُم وَبِهَذَا يُوصف اللَّئِيم المكثر كَقَوْل حَاتِم
(إذَا كانَ بَعْضُ المالِ رَبَّا لأهْلِهِ ... فَإني بِحَمْدِ اللهِ مَالِي مُعَبَّدُ وَقَالَ الآخر
(ذرِيِني أكُنْ لِلْمالِ رَبَّا وَلا يَكُنْ ... لِيَ المَالُ رَبَّا تَحْمَدِي غِبَّهُ غَدَا)
وَقَالَ أَبُو نواس
(أنْتَ لِلْمالِ إذَا أمْسَكْتَهُ ... فإذَا أنْفَقْتَهُ فالمالُ لَكْ)
وَقَالَ المَخْزُومِي
(إنَّ رَبَّ المالِ آكِلُهْ ... وَهْوَ لِلْبُخَّالِ أكَّالُ)
وَقَوله الْعَار أبقى من الْجرْح لِأَن الْجرْح يبرأ وَيذْهب والعار لَا يذهب وَلَا يَزُول قَالَ أَبُو الْفَتْح أحسن أَحْوَالهم أَن تصير أَمْوَالهم إِلَى الْوَرَثَة وَرُبمَا سر الْوَارِث بِمَوْتِهِ كَمَا قَالَ
(يَبْكي الغَرِيبُ عَلَيْهِ لَيسَ يَعْرِفُهُ ... وّذُو قَرَابَتِهِ فِي الحيّ مَسْرُورُ)

12 - الْإِعْرَاب الْكَاف فِي مَوضِع نصب خبر كَانَ أَي مثل على وَهُوَ يبتسم جملَة ابتدائية فِي مَوضِع الْحَال الْمَعْنى يَقُول من أَرَادَ الْمجد وَهُوَ الرّفْعَة وَحسن الذّكر فَلْيَكُن مثل هَذَا الممدوح يهب الْألف مُبْتَسِمًا للوفاد يلقاهم بالطلاقة والبشر
13 - الْإِعْرَاب يُرِيد أَصْحَاب الْخَيل كل طعنة نَافِذَة فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب الوحاء السرعة يمد وَيقصر وَتقول توح يَا هَذَا أَي أسْرع الْمَعْنى إِن المطعون لَا يحس بالطعنة أَي بألمها لِأَنَّهَا تقتله من قبل أَن يصل إِلَيْهِ الْأَلَم وَلَا ألم بعد الْمَوْت قَالَ أَبُو الْفَتْح لم تُوصَف الطعنة بوحاء أسْرع من هَذَا وَقد قَالَ غَيره فِي السَّيْف
(تَرَى ضَرَباتِهِ أبَداً خِطابا ... إِلَى أنْ يَسْتَبينَ لَهُ قَتِيلُ)
(4/61)

- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا حمل هَذَا الْبَيْت على صِحَة الظَّن كَانَ كَمَا قَالَ أَوْس بن حجر
(الأَلَمعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ... كأنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعا)
أَي هَذَا الممدوح لَا ينْدَم لِأَنَّهُ لَا يفرط فِي الْأُمُور وَإِنَّمَا ينْدَم من ضيع حزمه وَقت الْمَنْفَعَة وَقد شرح هَذَا الْغَرَض من قَالَ
(إِذا أنتَ لمْ تَزْرَعْ وأبصرْتَ حاصِدا ... نَدِمْتَ على التَّفرِيطِ فِي زَمنِ البَذْرِ)
والموقع هَهُنَا مصدر بِمَعْنى الْوُقُوع
15 - الْإِعْرَاب الْأَمر وَمَا عطف عَلَيْهِ ابْتِدَاء وَخَبره الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ مُتَعَلق بالاستقرار الْغَرِيب السلاهب جمع سلهبة وسلهب وَهُوَ الْفرس الطَّوِيل الذَّنب والحشم أَتبَاع الرجل الَّذين يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه
16 - الْغَرِيب السطوات جمع سطوة وَهِي الْقَهْر بالبطش والفصم الْكسر من غير أَن يبين تَقول فصمته فانفصم قَالَ الله تَعَالَى {لَا انفصام لَهَا} وَقَالَ ذُو الرمه يشبه غزالا نَائِما بدملج فضَّة
(كأنَّهُ دُمْلُجُ مِنْ فَضَّةٍ نَبَهٌ ... فِي مَلعبٍ منْ جَوارِي الحَيّ مَفْصُومُ)
الْمَعْنى يَقُول وَله السطوات الَّتِي سَمعهَا النَّاس فتكاد الْجبَال تتصدع لَهَا لشدّتها وهيبتها
17 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ الدَّاعِي فَحذف الْيَاء تَخْفِيفًا وَقد رَوَاهُ غير أبي الْفَتْح بِإِثْبَات الْيَاء وَقد حذف الْقُرَّاء يَاء الدَّاعِي فِي مَوَاضِع وأثبتوها فِي مَوَاضِع فَأثْبت أَبُو عَمْرو وورش عَن نَافِع الدَّاعِي فِي الْبَقَرَة {دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان} وصلا وحذفاها وَقفا اتبَاعا للمصحف وَفِي سُورَة الْقَمَر {يدع الدَّاعِي} أثبتها وَقفا ووصلا البزي وأثبتها وصلا أَبُو عَمْرو وورش و {إِلَى الدَّاعِي} أثبتها فِي الْحَالين الْحَالين ابْن كثير وَفِي الْوَصْل نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَحذف الْجَمِيع الْبَاقُونَ وصلا ووقفا اتبَاعا للمصحف الْغَرِيب أرعني سَمعك أَي أسمع مني واجعله لكلامي بِمَنْزِلَة الْموضع الَّذِي يرْعَى وبتصرف فِيهِ والصمم انسداد السّمع وَهُوَ الطرش
(4/62)

الْمَعْنى يَقُول هُوَ يسمع الدَّاعِي إِذا دَعَاهُ لنصرة أَو فعل مكرمَة فَهُوَ سميع عِنْد ذَلِك وَبِه صمم إِذا سمع الحنا وَهُوَ الْفُحْش من الْكَلَام
18 - الْإِعْرَاب غَرَائِبه نصب بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ خلقه يُرِيد إِذا خلق غَرَائِبه الْغَرِيب النسم جمع نسمَة وَهِي النَّفس وَالروح قَالَ
(مَا صَوَّرَ اللهُ حِينَ صَوَّرَها ... فِي سائِرِ النَّاسِ مِثْلِها نَسْمَه)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَاك كَيفَ يخلق الله النُّفُوس يعظم قدر مَا يَأْتِيهِ كَأَنَّهُ شبه أَفعاله بِأَفْعَال الله تَعَالَى وَقَالَ الْخَطِيب هَذَا الممدوح من ابتداعه غرائب المكارم يُرِيك من نَفسه مَا يدلك على قدرَة الله تَعَالَى أَنه يخلق النسم لِأَن الْمَخْلُوق إِذا قدر على خلق شَيْء كَانَ الْخَالِق أولى
19 - الْمَعْنى يُخَاطب صَاحِبيهِ وَيجوز أَن يكون خَاطب صَاحبه مُخَاطبَة الِاثْنَيْنِ وَهِي من عَادَة الشُّعَرَاء أَي إِنِّي عدلت إِلَى زِيَارَة رجل لَو جئتما تسألانه يكَاد يَنْقَسِم بَيْنكُمَا فَصَارَ لكل وَاحِد مِنْكُمَا نصفه إِن سألتماه نَفسه وَهَذَا مُبَالغَة فِي الْكَرم
20 - الْغَرِيب الشنف مَا كَانَ فِي أَعلَى الْأذن والقرط مَا كَانَ فِي الشحمة والخدم جمع خدمَة وَهِي الخلخال الْمَعْنى يَقُول عدلت إِلَى زيارته بعد مَا وصل إِلَى عطاؤه فصغت لمن أحب الشنوف والخلاخيل أَي إِن مواهبه وعطاياه وصلت إِلَى قبل زيارته
21 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَجود النَّاس وأفصحهم فَمَا بذلت يَد مَا يجود بِهِ وَلَا لِسَان يتَكَلَّم بِمَا يَقُول
22 - الْإِعْرَاب بَنو العفرني مُبْتَدأ وَخَبره الْأسد ومحطة بدل من العفرني وَلكنه لم يصرفهُ لكَونه جد الممدوح والأسد صفة لمحطة الْغَرِيب العفرني من أَسمَاء الْأسد وَأَصله من العفر لِأَنَّهُ يعفر صَيْده لقُوته وَالنُّون وَالْألف للإلحاق بسفرجل وناقة عفرناة قَوِيَّة قَالَ الشَّاعِر
(4/63)

(حَمَّلْتُ أثْقالِي مُصَمِّماتها ... غُلْبَ الذَّفارَى وَعَفَرْ نِياتِها)
والأجم جمع أجمة وَهِي خيس الْأسد وبيته الْمَعْنى يَقُول بَنو محطة الْأسود يُقَال إِن الْمَنْصُور ضرب عنق محطة هَذَا على الْإِسْلَام عرض الْإِسْلَام عَلَيْهِ فَلم يسلم فَقتله أَي أَنْتُم أسود لَكِن رماحكم الآجام الَّتِي تمتنعون بهَا عَن الْأَعْدَاء كَمَا تمْتَنع الْأسد بالجمة من الْأسد فَهِيَ بدل لَهُم من الآجام كَقَوْل حبيب
(آسادُ مَوْتٍ مُخَدَّرَاتٌ مالَها ... إلاَّ الصَّوَارِم وَالقَنا آجامُ)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(أُسْدُ العَرِينِ إذَا مَا المَوْتُ صَبَّحها ... أوْ صَبَّحَتْهُ وَلكنْ غابُها الأسَلُ)
وكقول عَليّ بن جبلة
(كَأنَّهُمْ وَالرّماح شائِلَةٌ ... أًسْدٌ عَلَيْها أظَلَّتِ الأجَمُ) وروى الْخَوَارِزْمِيّ محطة بالخفض جعله من الْحَط وَهُوَ الْوَضع أَي أَنه يخط الْأسد عَن مَنْزِلَته وشجاعته
23 - الْغَرِيب النحور جمع نحر وَهُوَ مَوضِع القلادة والكماة جمع كمي وَهُوَ الْمُسْتَتر فِي سلاحه والحلم الْبلُوغ قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم الْحلم} وعلامات الْبلُوغ الشَّرْعِيّ ثَلَاث الإنبات وبلوغ السن خمس عشرَة سنة وَقيل سبع عشرَة وَقيل ثَمَانِي عشرَة سنة وَأَن يرى فِي النّوم أَنه بِجَامِع فَينزل المَاء وَأخذ عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِخمْس عشرَة وَقَالَ هُوَ حد الْبلُوغ وَفرض الْعَطاء لمن بلغ خمس عشرَة سنة أخذا بِحَدِيث عبد الله بن عمر عرضت على رَسُول الله
فِي أحد فردني وَكَانَ عمري أَربع عشرَة سنة ثمَّ عرضت عَلَيْهِ فِي الخَنْدَق فأجازني ولي خمس عشرَة سنة الْمَعْنى يَقُول بُلُوغ الْغُلَام عِنْدهم أَن يحمل على الْأَعْدَاء فِي الْحَرْب فيطعنهم فَهَذَا حد الْبلُوغ عِنْدهم وَهُوَ من قَول أبي دلف
(عَلامَةُ القَوْم فِي بُلُوغِهِمُ ... أنْ يُرْضِعُوا السيَّفَ مُهْجةَ البَطلِ)
وكقول يحيى بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن
(خَرَجْنا نُقيمُ الديّنَ بَعْدَ اعْوِجاجه ... سَوِيَّا وَلمْ نَخْرُجْ لجَمْعِ الدَّرَاهِمِ)
(إِذا أحْكَمَ التَّنزِيلُ وَالحِلْمُ طِفْلنا ... فَإن بَلُوغَ الطِّفلِ ضرْبُ الجماجِمَ)
(4/64)

- الْغَرِيب الندى الْكَرم والهرم الْكبر وَالْعجز عَن التَّصَرُّف الْمَعْنى يَقُول كرمهم مَوْجُود مَعَهم فهم أجواد فِي أَوَائِل أعمارهم وأواخرهم وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(عرِيقُونَ فِي الإفْضَالِ يُؤْتَنفُ النَّدَى ... لِناشِئهمْ منْ حَيثُ يؤتنَفُ العُمُرُ)

25 - الْغَرِيب الصنيعة مَا يصنعون من الْمَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول إِذا عَادوا فَإِنَّهُم يظاهرون بالعداوة وَلَا يأْتونَ الْعَدو على غرَّة وغفلة وَإِذا اصطنعوا صَنِيعَة أخفوها وَلم يفتخروا بهَا لِأَن صنائعهم كَثِيرَة
26 - الْغَرِيب الِاعْتِدَاد مَا يعْتد بِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لَا يعتدون بصنيعهم وإنعامهم كَأَنَّهُمْ لم يعلمُوا بذلك لتناسيهم وغفلتهم عَنهُ كَقَوْل الخريمي
(زَادَ مَعْرُوفَكَ عِندِي عَظَما ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حَقِيرْ)

(تَتناساهُ كأنْ لمْ تَأْتِهِ ... وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مَشْهُورٌ كَبير)
وكقول يزِيد بن حمَار
(وَمِنْ تَكَرُّمِهِمْ فِي المْحلِ أنَّهُمُ ... لَا يَعْلَمُ الجارُ فيهمْ أنّهُ الجارُ)

27 - الْغَرِيب برقوا خوفوا وتهددوا والحتوف جمع حتف وَهُوَ الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول إِذا هددوا الْأَعْدَاء حضر هلاكها وَإِن تكلمُوا رَأَوْا الصَّوَاب وَالْحكمَة
28 - الْغَرِيب الْغمُوس هِيَ الْيَمين الَّتِي من كذب فِيهَا غمسته فِي الْإِثْم الْمَعْنى إِذا حلفوا بِيَمِين يخَافُونَ فِيهَا الْإِثْم عِنْد الْحِنْث حلفوا بخيبة سائلهم لِأَنَّهَا أعظم شَيْء عَلَيْهِم كَقَوْل الأشتر النَّخعِيّ
(4/65)

(بَقَّيْتُ وَفْرى وَانحرَفْتُ عَن العُلا ... وَلَقِيتُ أضْيافي بِوَجْهِ عبُوسٍ)

(إنْ لمْ أشُنَّ على ابنِ هِنْد غارَةً ... لمْ تَخْلُ يوْما مِن ذَهابِ نُفُوسٍ)

29 - الْمَعْنى أَنهم إِذا ركبُوا الْخَيل عريا لِكَثْرَة مَا يطرقهم المستغيث لَيْلًا أَو نَهَارا فَلم يمهلهم حَتَّى يسرجوا خيلهم فهم قد تعودوا ركُوبهَا عريا وَصَارَت أَفْخَاذهم حزما لَهَا تمنعهم من الْوُقُوع إِذا أجروها كَمَا يمْنَع الحزام السرج أَن يَقع فَيَقَع الرَّاكِب
30 - الْغَرِيب اللاقح الْحَرْب الشَّدِيدَة شبهت بالناقة إِذا حملت والدارعون لَا بسو الدرْع الْمَعْنى يَقُول إِذا شهدُوا الْحَرْب الشَّدِيدَة تحكموا فِي أَرْوَاح الْأَبْطَال فَقتلُوا من أَرَادوا
31 - الْغَرِيب عرض الرجل مَوضِع الذَّم والمدح والشيم الْخَلَائق واحدتها شِيمَة الْمَعْنى يَقُول كَأَن أعراضهم خلائق تشرق فِي أنفسهم وَهَذَا وصف لَهُم بِبَقَاء الْأَعْرَاض وَالْوُجُوه وَالْخَلَائِق قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا من قَول أبي الطمحان
(أضَاءَتْ لهمْ أحْسابُهُمْ وَوُجُوهم ... دُجَى اللَّيلِ حَتَّى نَظَّمَ الجزْعَ ثاقبُه)
وَمن قَول الآخر
(فإنْ كانَ خَطب أوْ ألَّمتْ مُلمَّةٌ ... كَفى خابِط الظَّلْماءِ فَقْدَ المصَابِحِ)

32 - الْغَرِيب الْبحيرَة هِيَ بحيرة طبرية مَوضِع بِالشَّام وبحيرة تَصْغِير بحرة وَهِي الواسعة وَلَيْسَت تَصْغِير بَحر لِأَن الْبَحْر مُذَكّر قَالَ الله تَعَالَى {وَالْبَحْر يمده من بعده} والغور مَوضِع بِالشَّام وكل مَا انخفض من الأَرْض يُسمى غورا والشيم الْبَارِد الْمَعْنى يَقُول لولاك لم أترك الْبحيرَة وماؤها بَارِد فِي الْحر والغور بلدك دفىء فلولاك مَا جِئْت الْغَوْر لِأَنَّهُ حَار
33 - الْإِعْرَاب مزبدة حَال من الفحول وتهدر الضَّمِير للموج وَبهَا وفيهَا الضميران للبحيرة وَقَالَ قوم يجوز أَن تكون مزبدة حَالا من الموج أَو الْبحيرَة أَي الْبحيرَة
(4/66)

مزبدة فَيكون كَقَوْلِه تَعَالَى {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} فَجَاز أَن يكون الْحَال من إِبْرَاهِيم أَو من مُحَمَّد
الْغَرِيب هدر الْفَحْل إِذا هاج وَأخرج زبده والقطم شَهْوَة الضراب وَمِنْه فَحل قطم والموج جمع موجة فَلهَذَا قَالَ كالفحول كَقَوْلِه تَعَالَى {موج كالظلل} الْمَعْنى يصف الْبحيرَة وَيذكر موجها وَأَنه يهدر وَيزِيد كهدير الْفَحْل من غير قطم وشهوة ضراب
34 - الْغَرِيب الْحباب طرائق المَاء والأبلق مَا كَانَ فِيهِ سَواد وَبَيَاض وَشبههَا ببلق الْخَيل لِأَن زبده أَبيض وَمَا لَيْسَ بمزيد فَهُوَ يضْرب إِلَى الخضرة الْمَعْنى شبه الطير على المَاء فِي حَال رفرفها وانغماسها فِيهِ بفرسان مضطربة على ظُهُور الْخَيل وَشبه الموج ببلق الْخَيل عِنْد اخْتِلَاف الأمواج وَقَوله {تخونها اللجم} أَي تقطع أعنتها فَهِيَ تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تخونها فَهِيَ تكبو يُرِيد رفرفة الطير على المَاء ثمَّ انغماسها فِيهِ قَالَ الواحدي وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء لِأَن الْفرس إِذا انْقَطع لجامه لم يكب وَلَيْسَت الرفرفة والانغماس مِمَّا ذكر فِي الْبَيْت وَإِنَّمَا بناه على الكبو
35 - الْمَعْنى أَنه شبه الطير وَهِي يتبع بَعْضهَا بَعْضًا على وَجه المَاء إِذا ضربهَا الرّيح بجيشين هازم ومهزوم فالهازم يتبع المنهزم وَإِنَّمَا تنشط وَتَطير فَوق المَاء إِذا ضربتها الرّيح يُرِيد أَنَّهَا تضرب الموج فتهزمه ثمَّ تعود فَكَأَنَّهَا منهزمة من بَين يَدَيْهِ
36 - الْغَرِيب حف أحَاط بهَا وجنانها جمع جنَّة وَهِي الْبُسْتَان الْإِعْرَاب قَالَ الواحدي كَانَ حَقه أَن يَقُول حفه كَمَا روى فِي الحَدِيث حفت الْجنَّة بالمكاره الْمَعْنى شبه المَاء فِي صفائه وَقد أحَاط بِهِ سَواد الْجنان وخضرتها بقمر أحَاط ظلم وَخص النَّهَار لِأَن هَذَا الْوَصْف لَهَا بِالنَّهَارِ دون اللَّيْل وَشبه شدَّة الخضرة حولهَا بِالسَّوَادِ كَقَوْلِه تَعَالَى {مدهامتان} أَي سوداوان وَقَالَ حف بِهِ وَلم يقل حفه لِأَنَّهُ ضمنه معنى أحَاط فعداه تعديته كَقَوْلِه تَعَالَى {وَقد أحسن بِي إِذْ أخرجني} أَي لطف بِي وَكَقَوْلِه تَعَالَى {فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره} أَي يخرجُون عَن أمره
(4/67)

- الْمَعْنى لما وصف الْبحيرَة ألغز فِيهَا فَقَالَ لَا عِظَام لَهَا وَهِي ناعمة الْجِسْم وبناتها السّمك أَي إِن الْبحيرَة مَاء والسمك بناتها فَهِيَ أمهن وَمَا لَهَا رحم وَهَذَا عجب
38 - الْغَرِيب يبقر يشق والبطن مُذَكّر وَحكى أَبُو حَاتِم تأنيثه لُغَة الْمَعْنى لما جعلهَا ناعمة الْجِسْم وَجعل لَهَا بَنَات كنى عَن اسْتِخْرَاج مَا فِيهَا من الْحَيَوَان بالصيد بالبقر وَهُوَ الشق
39 - الْغَرِيب جَادَتْ من الْجُود وَهُوَ الْمَطَر والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون الْمَعْنى يَقُول الطير تغني فِي جوانبها لما جادتها الديم وأنبتت الرَّوْض
40 - الْغَرِيب الماوية الْمرْآة شبهت بِالْمَاءِ لصفائها ومطوقة لَهَا طوق فضَّة أَو ذهب والغشاء الغطاء والغلاف الَّذِي تكون فِيهِ الْمرْآة والأدم جمع الْأَدِيم مثل أفق وأفيق وَقد يجمع على أدمة مثل رغيف وأرغفة الْمَعْنى أَنه شبه مَا حولهَا من الْجنان مَعَ صفاء المَاء بالمرآة المطوقة إِذا أخرجت من غلافها
41 - الْغَرِيب يشينها يعيبها والقزم هم رذال النَّاس والأدعياء هم الَّذين ينسبون إِلَى غير آبَائِهِم الْمَعْنى يَقُول عيب هَذِه الْبحيرَة أَنَّهَا فِي بلد أَهله لئام خساس
42 - الْمَعْنى يَقُول مدحكم لحسنه يثني عَلَيْكُم لِأَن فعلكم يمدحكم قبل أَن يَنْتَظِم فِي الشّعْر ويروى فِي الْعقل يُرِيد أَن النَّاس عقلوا مدحكم قبل أَن تكلمُوا بِهِ
43 - الْغَرِيب العهاد جمع عهد وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يكون بعد الْمَطَر وَيجمع أَيْضا على عهود وَقيل هِيَ أمطار بَعْضهَا فِي أثر بعض والمطرة الَّتِي تسم هِيَ الوسمى وَهِي الَّتِي تكون فِي أول السّنة فَهِيَ الَّتِي تسم الأَرْض بالنبات الْمَعْنى شبه مَا اتجه فيهم بأمطار متتابعة لِأَنَّهَا تنْبت لَهُ إنعامهم عَلَيْهِ وَأَرَادَ بِالَّتِي تسم هَذِه القصيدة
44 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أدعوكم وأسأل الله أَن يعيذكم من صروف الزَّمَان فَإِن الزَّمَان مولع بالكرام يفنيهم ويهلكهم وَمثله للبحتري
(ألمْ ترَ لِلنَّوائِبِ كيْفَ تَسْمُو ... إِلَى أهْلِ النَّوافلِ وَالفُضُولِ)
وأصل الْمَعْنى لحبيب
(إِن ينْتحلْ حَدَثانُ الدَّهْرِ أنفسَكمْ ... وَيَسْلمِ النَّاسُ بينَ الحَوْضِ وَالعَطَنِ)

(فالماءُ لَيْس عَجِيبا أنَّ أعْذَبَهُ ... يَفْنى وَيمْتدُّ عُمْرُ الآجِنِ الأَسِنِ)
(4/68)

- 1 الْإِعْرَاب فؤاد خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون ابْتِدَاء مَحْذُوف الْخَبَر فَإِن عَنى نَفسه فتقديره لي فؤاد أَو فؤاد بَين جَنْبي وَإِن عَنى بِهِ غَيره فتقديره فؤاد لكل أحد أَو لكل إِنْسَان فؤاد والعموم أحسن قَالَ أَبُو الْفَتْح وَذَلِكَ لِأَن أَعمار أهل هَذَا الْعَصْر إِذا نسبت إِلَى الْقدَم فَإِنَّهَا كالشيء الحقير المتناهي فِي الْقصر الْغَرِيب سلوت عَنهُ سلوا وسليت بِالْكَسْرِ سليا وسلاني وأسلاني عَن همي تَسْلِيَة أَي كشفه وأذهبه وانسلى عَنهُ الْهم وتسلى انْكَشَفَ والمدام الْخمر واللئام جمع لئيم وَهُوَ الْبَخِيل الَّذِي جمع الشُّح ومهانة النَّفس والآباء الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَن عرضي بعيد ومرامي مُتَعَذر إِذْ لست كالناس أرْضى بِمَا يرضون بِهِ ويلهني السكر ثمَّ قَالَ وَعمر مثل مَا تهب اللئام وَهَذَا تأسف مِنْهُ يَقُول لَو كَانَ الْعُمر طَويلا رَجَوْت أَن أدْرك أغراضي لطول الْعُمر وَلَكِن الْعُمر قصير ومدته قَليلَة فَهِيَ كَهِبَة اللئام يسيرَة حقيرة فَمَا أخوفني أَن لَا أدْرك طلبي بِقدر مَا أَجِدهُ من الْعُمر قَالَ وَكَأن هَذَا من قَول الطَّائِي
(وَكأنَّ الأنامِلَ اعْتَصَرَتْهَا ... بَعْدَ كَدَّ منْ ماءِ وَجْهِ البَخيِل)
(4/69)

- الْغَرِيب الجثة جسم الرجل وَقَالَ قوم لَا يُسمى جثة إِلَّا إِذا كَانَ قَاعِدا أَو قَائِما وَقيل جثة الرجل شخصه على سرج أورحل وَيكون معتما كَذَا نَقله أَبُو الْفَتْح وَقَالَ لم يسمع بِهَذَا والضخم الغليظ من كل شَيْء وَالْجمع ضخام وَالْأُنْثَى ضخمة وَالْجمع ضخمات بالتسكين لِأَنَّهُ صفة وَلَو كَانَ اسْما لحرك مثل جَفْنَة وجفنات الْمَعْنى يَقُول هُوَ فِي دهر أَهله صغَار الْقدر والهمم وَلَكنهُمْ غِلَاظ الْأَجْسَام يذمهم غَايَة الذَّم وَهُوَ كَقَوْل حسان
(لَا عَيْبَ بِالقَوْمِ منْ طُولِ وَمن قِصرٍ ... جِسْمُ البِغالِ وَأحْلامُ العَصَافِيرِ)
وَقَالَ الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ
(فَما عِظَمُ الرجالِ لَهُمْ بِفَخْرٍ ... وَلكِنْ فَخْرُهُمُ كَرَمٌ وَخِيرُ)

3 - الْغَرِيب الرغام التُّرَاب والمعدن مَوضِع الْإِقَامَة وعدن بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ وتوطنه وَلِهَذَا قيل لَهُ مَعْدن بِكَسْر الدَّال لِأَن النَّاس يُقِيمُونَ فِيهِ الْمَعْنى يَقُول مَا أَنا مِنْهُم وَإِن كنت حَيا مُقيما فيهم فَأَنا فَوْقهم كالذهب مقَامه فِي التُّرَاب وَهُوَ أشرف مِنْهُ
4 - الْغَرِيب الأرانب جمع أرنب وَهُوَ جنس من الْوَحْش صَغِير الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْمَعْهُود فِي مثل هَذَا أَن يُقَال هم مُلُوك إِلَّا أَنهم فِي صُورَة الأرانب فتزايد وَعكس الْكَلَام مُبَالغَة فَجعل الأرانب حَقِيقَة لَهُم والملوك مستعارا فيهم وَهَذَا عَادَة لَهُ يخْتَص بهَا ثمَّ قَالَ هم وَإِن تفتحت عيونهم نيام من حَيْثُ الْغَفْلَة كالأرانب نيام مفتحة الْأَعْين كَمَا قَالَ
(وَأنتَ إِذا اسْتَيْقَظْتَ أيْضاً فَنائمُ)
وكقول أبي تَمام
(أيْقَظْتَ نائمَهُمْ وَهَلْ يُغْنيهمُ ... سَهَرُ النَّواَظِرِ وَالعُيُونُ نِيامُ)
(4/70)

هَذَا كَلَام أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي
5 - الْغَرِيب يحر يشْتَد من قَوْلهم حر يَوْمنَا يجر حرارة الْمَعْنى يَقُول أَكْثَرهم يَمُوت بالتخمة لَيْسَ لَهُم أَقْرَان إِلَّا الطَّعَام فَهُوَ يقتلهُمْ أَي إِنَّهُم من كَثْرَة الْأكل يتخمون فيموتون
6 - الْإِعْرَاب خيل مَعْطُوف على قَوْله بأجسام الْغَرِيب خر يخر سقط والثمام نبت ضَعِيف مَعْرُوف لَهُ خوص أَو شَبيه بالخوص وَرُبمَا حشى بِهِ وسد بِهِ خصاص الْبيُوت الْوَاحِدَة ثُمَامَة الْمَعْنى وبخيل لَا يخر لَهَا أَي لَا يسْقط لَهَا طعين لِأَنَّهَا لَا تلاقي عدوا وَلَا تخرج عَن موطنها
7 - الْغَرِيب الْخَلِيل الصّديق وَالْأُنْثَى خَلِيلَة والخليل أَيْضا الْفَقِير المختل الْحَال قَالَ زُهَيْر
(وَإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لَا غائبٌ مالِي وَلا حَرِمُ)
الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ لأحد صديق إِلَّا نَفسه فِي الْحَقِيقَة وَلَيْسَ من تَقول هُوَ خليلي خَلِيلًا لَك وَإِن كثر تملقه ولان لَك قَوْله
8 - الْغَرِيب الْحفاظ هُوَ الْمُحَافظَة على الْحُقُوق ورعى الذمام والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول لَو ملكت الْمُحَافظَة على الْحُقُوق وَكَانَ الْإِنْسَان يُمَيّز بِلَا عقل وتمييز لَكَانَ السَّيْف لَا يقطع عنق صيقله وَالْمعْنَى أَنهم لَا عقل لَهُم وَلَيْسَ لَهُم حفاظ
9 - الْغَرِيب الطغام جمع طغامه وَهُوَ الْجَاهِل الَّذِي لَا يعرف شَيْئا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الطغام رذال النَّاس وسفلتهم وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ الْجَاهِل وروى ابْن السّكيت أَن رجلا كَانَ يتَرَدَّد إِلَى أبي مهدية الْأَعرَابِي وَأَنه سَافر فَلَمَّا قدم قَالَ لَهُ أَبُو مهدية كَيفَ حَال النَّاس أَو نَحْو ذَلِك فَقَالَ لَهُ وَمَا الْحَال فَقَالَ أَبُو مهدية يَا طغامة لقد أحفيتني فِي المسئلة وَأَنت لَا تَدْرِي مَا الْحَال ولزمت ذَلِك الرجل الطغامة فَقَالَ فِيهِ بعض النَّحْوِيين
(من كانَ يُعْجبُهُ الطَّغامَةُ كُلُّها ... فَعَلَيْه مَيْمُونا أَبَا الضَّحاكِ)

(رَجُلاً تَجَمَّعَتِ الطَّغامَة كلهاُ ... فِيهِ وَحالَفَها بَرَاكِ بَرَاكِ)
(4/71)

وَبَيت أبي الطّيب مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم الأشكال لاحقة بأشكالها كَمَا أَن الأضداد مباينة لأضدادها الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا لَا عقل لَهَا وَكَذَلِكَ أَهلهَا فَشبه الشَّيْء يُقَارِبه أَي إِن الشَّيْء يمِيل إِلَى شكله وَالدُّنْيَا خسيسة فَلذَلِك ألفت الخساس لأَنهم أشكالها فِي اللؤم والشكل إِلَى الشكل أميل وَمن أَمْثَال الْعَامَّة الْجَوْز الفارغ يتدحرج بعضه إِلَى بعض
10 - الْغَرِيب القتام العجاج وقابل بَين الْعُلُوّ والانحطاط الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعُلُوّ لَا يدل على شرف الْمحل وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْغُبَار سافلا والجيش عَالِيا
11 - الْغَرِيب سامت السَّائِمَة إِذا رعت وأسمتها إِذا رعيتها والمسام الرّعية وَقَوله أسامهم الضَّمِير فِيهِ للملوك الْمُتَقَدِّمين فِي أول القصيدة والرتبة الْمنزلَة الْعَالِيَة فِي شرف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح المسيم الَّذِي يدبر أُمُور النَّاس مُحْتَاج إِلَى من يديره وَهُوَ مهمل بِلَا نَاظر فِي أمره فَلَو لم يل الْأَمر إِلَّا من يسْتَحقّهُ لخلا النَّاس من خَليفَة يَلِي أَمرهم لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق أَن يَلِي عَلَيْهِم وَقَالَ الواحدي رعيتهم أَحَق وَأولى بالإمارة مِنْهُم لَو كَانَت الْإِمَارَة بِالِاسْتِحْقَاقِ وَقَالَ ابْن فورجة المسام المَال الْمُرْسل فِي مراعيه يَقُول هَؤُلَاءِ شَرّ من الْبَهَائِم فَلَو ولى بِالِاسْتِحْقَاقِ لَكَانَ الرَّاعِي لَهُم الْبَهَائِم لِأَنَّهَا أشرف مِنْهُم وأعقل
12 - الْغَرِيب الغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن حليها أَو بزوجها الْمَعْنى يَقُول من كَانَ قد جرب الغواني فَإِنَّهُنَّ ضِيَاء فِي الظَّاهِر ظلام فِي الْبَاطِن يُرِيد أَنَّهُنَّ يتعبن من يمِيل إلَيْهِنَّ ويعلق قلبه بحبهن
13 - الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت وَالْبَيْت مدرج الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ الْإِنْسَان فِي شبيبته كَالسَّكْرَانِ وَعند مشيبه مَا يُفَارق الْهم وَالْغَم فالحياة هِيَ الْمَوْت فِي الْحَقِيقَة يُرِيد أَن الْحَيَاة مكدرة لِأَنَّهُ يهتم عِنْد المشيب لما فَاتَ من عمره وَهُوَ فِي غَفلَة
(4/72)

- الْمَعْنى قَالَ الواحدي لَيْسَ كل أحد يعْذر إِذا بخل لِأَن الْوَاحِد الْغنى لَا عذر لَهُ فِي الْمَنْع وَالْبخل وَلَيْسَ كل أحد يلام على الْبُخْل فَإِن الْمُعسر الْمُحْتَاج إِلَى مَا فِي يَده لَا يلا فِي بخله قَالَ وَوجه آخر وَهُوَ أَن الَّذِي لَا يعْذر فِي بخله من وَلدته الْكِرَام وَالَّذِي لَا يلا فِي بخله من وَلدته اللثام لِأَنَّهُ لم يتَعَلَّم غير الْبُخْل وَلم ير فِي آبَائِهِ الْجُود وَالْكَرم وَيكون هَذَا من قَول الطَّائِي
(لكُل مِنْ بَنى حَوَّاءَ عُذْرٌ ... وَلا عُذْر لِطائي لَئِيمِ)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَول أبي نواس
(كَفى حَزَنا أنَّ الجَوَادَ مُقَترٌ ... عَلَيْهِ وَلا مَعْرُوقَ عِنْدَ بَخيِلِ)

15 - الْمَعْنى يذم جِيرَانه وَيَلُوم نَفسه على الْإِقَامَة بَينهم حَيْثُ لَا يجودون بِشَيْء وَهُوَ مفتقر إِلَى جود الْكِرَام فَوَجَبَ أَن لَا يكون مثل مُقيما بَينهم وَقد بَين فِي الْبَيْت الَّذِي بِعْ هَذَا
16 - الْمَعْنى بَين مَا أَرَادَ فِي هَذَا الْبَيْت وَأَن متله لَا يُقيم بَين هَؤُلَاءِ يُرِيد أَن بِهَذِهِ الأَرْض مَا أَرَادَ من الْخيرَات وَالْأَمْوَال فَمَا يفوتها شَيْء إِلَّا أَن يكون فِيهَا كرام
17 - الْمَعْنى يَقُول هلا كَانَ نقص الْأَهْل فِي الأَرْض وتمامها فِي أَهلهَا أَي لَيْت كَمَال الأَرْض كَانَ لساكنيها ونقصانهم كَانَ فِيهَا وَالضَّمِير فِي مِنْهَا للكرام وَالتَّقْدِير هلا كَانَ أهل هَذِه الأَرْض أقل مِمَّا هم عَلَيْهِ من الْعدَد وَكَانَ من الْكِرَام فِيهَا قوم
18 - الْغَرِيب أنافا أشرفا وطالا واللكام جبل يُقَال لَهُ جبل الْإِبْدَال والمغيث هُوَ الممدوح الْمَعْنى يَقُول بهَا جبلان الْمَعْرُوف بجبل الْإِبْدَال والجبل الآخر الْفَخر وَقدم الصخر على الْفَخر صَنْعَة وحذاقة لما اسْتعَار للفخر جبلا عطفه على الْجَبَل الْحَقِيقِيّ
19 - الْغَرِيب المواطن جمع موطن وَهُوَ مَا يتوطنه الْإِنْسَان للإقامة فِيهِ والغمام السَّحَاب الْوَاحِدَة غمامة
(4/73)

الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْبَلدة الَّتِي ذمها لَيست من مواطنه نفى عَنْهَا أَن يكون مسَاكِن هَذَا الممدوح وَجعله يمر بهَا كَمَا يمر السَّحَاب فتصيب من نَفعه فميزه من بَينهم بِهَذَا الْبَيْت وَأَنه لَا يُقيم بِهَذِهِ الأَرْض المذمومة الَّتِي لَيْسَ يفوتها إِلَّا الْكِرَام وَهُوَ من قَول حبيب
(إنْ حَنَّ نَجْدٌ وَأهْلُوهُ إلَيْكَ فَقَدْ ... مَرَرْتُ فِيهمْ مُرُورَ العارِضِ الهَطِلِ)

20 - الْغَرِيب سقى وأسقى لُغَتَانِ فصيحتان نطق بهما الْكتاب الْعَزِيز وَقَوله ابْن منجبة يُرِيد أَنَّهَا أنجبت فِي وِلَادَتهَا لهَذَا الممدوح لِأَنَّهُ نجيب يُقَال أَنْجَب فلَان إِذا كَانَ وَلَده نجيبا والفطام انْفِصَال الْوَلَد عَن ثدي أمه والدر اللَّبن وَكَثْرَة سيلانه وللسحاب درة أَي صب وَالْجمع دُرَر قَالَ النمر بن تولب
(سَلامُ الإلهِ وَرْيحانُهُ ... وَرَحْمَتُهُ وَسَماءٌ درَرْ)
الْمَعْنى يَقُول سقَاهُ الله أَي يَدْعُو لَهُ بالسقيا وَذكر دوَام عطاياه وَأَنَّهَا تدر عَلَيْهِ من غير انْفِصَال
21 - الْإِعْرَاب إِحْدَى ابْتِدَاء العطايا خَبره وَمن فِي مَوضِع نصب بدل من ابْن منجبة وروى وَمن إِحْدَى بِكَسْر الْمِيم فَيكون حرف جر مُتَعَلقا بسقاني وَيجوز أَن يتَعَلَّق بِمَحْذُوف إِذا جعلت سقى الله بن منجبة كلَاما تَاما ثمَّ استأنفت أسقاني وَيجوز أَن يكون حرف الْجَرّ وَمَا عمل فِيهِ خبر ابْتِدَاء والعطايا الِابْتِدَاء الْمَعْنى يَقُول معروفه وعطاياه لَا تَنْقَطِع عني
22 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد اشْتَمَل على الزَّمَان فخفى بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَشبهه بالدر إِذا اكتنف السلك لنفاسته وشرفه فَاجْتمع فِيهِ الْأَمْرَانِ الاشتمال والنفاسة وَقَالَ الْخَطِيب قَرَأت على أبي الْعَلَاء خفى الزَّمَان بهَا وَكَذَلِكَ النّسخ الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا وَذكر أَن الضَّمِير رَاجع إِلَى عطاياه وَقَالَ قد أودعني أَنَّهَا قد انتظمت الزَّمَان فغطته كَمَا يغطى الدّرّ مَا نظم فِيهِ من السلك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير رَاجع إِلَى الممدوح وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَنه غطى بمحاسنه مساوى الدَّهْر وتجمل الزَّمَان بِهِ تجمل السلك إِذا نظم فِيهِ الدّرّ
(4/74)

وَقَالَ ابْن القطاع هَذَا الْبَيْت على الْقلب يَقُول قد خفينا بأفعاله عَن حوادث الزَّمَان فَلَا يَرَانَا وَلَا نرَاهُ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى استخفى الزَّمَان عَنَّا فَلم نر أَذَاهُ وَلَا حوادثه واستتر عَنَّا فَمَا نرَاهُ خوفًا من هَذَا الممدوح
23 - الْغَرِيب الْمَرْوَة الْكَرم والغرام الْمُلَازمَة وَأَرَادَ بالغرام هُنَا الْعَذَاب ولذ الشَّيْء يلذ لَذَّة الْمَعْنى يَقُول الْكَرم يُؤْذى صَاحبه بهَا فِيهِ من التكاليف وَهُوَ مَعَ هَذَا لذيذ كالعشق مَعَ مَا فِيهِ من النصب والهم
24 - الْغَرِيب قيس هُوَ ابْن ذريح الْمَجْنُون على رِوَايَة من روى للبنى وَمن روى لليلى أَرَادَ قيس بن الملوح وعشق الْمَجْنُون أَشد من عشق ابْن ذريح فعلى هَذَا تكون الرِّوَايَة الجيدة لليلى الْمَعْنى يَقُول عشق الْمَرْوَة كَمَا عشق قيس الْمَجْنُون ليلى العزمرية إِلَّا أَنه وَاصل الْمَرْوَة فَلم يورثه حبها سقما مَا أورث عشق ليلى قيسا سقما لِأَنَّهُ لم يصل إِلَيْهَا وَلم يجد لَهُ سَبِيلا إِلَى وَصلهَا
25 - الْغَرِيب يروع يفرع والركانة الْوَقار يُقَال رجل ركين أَي وقور والظريف الْحسن الْمَعْنى هُوَ قد جمع بَين وقار الشُّيُوخ وظرافة الفتيان
26 - الْغَرِيب الْجِدَال الجدل جادلت فلَانا وجادلني أَي ناظرني وناظرته الْمَعْنى يَقُول هُوَ كريم يملكهُ فِي كرمه الْمسَائِل الْوَارِدَة عَلَيْهِ من جِهَة السُّؤَال فَهُوَ منقاد لسؤال من يسْأَله صَعب لَا يرام عِنْد الْمسَائِل فِي الْجِدَال فالمسائل الْوَارِدَة عَلَيْهِ من جِهَة السُّؤَال لَا يُمكنهُ رد هَا بالخيبة فَهِيَ تملكه وَأما الْمسَائِل فِي الْعلم عِنْد الْجِدَال فَهُوَ لَا يُطَاق فِيهَا يصفه بِالْكَرمِ وَقُوَّة الْعلم والفهم
27 - الْغَرِيب النوال الْعَطاء والذام المذمة وَالْعَيْب الْمَعْنى يَقُول إِذا أَخذنَا عطاءه كَانَ شرفا لنا وَعزا وفخرا وَإِذا أَخذنَا عَطاء غَيره كَانَ عَيْبا علينا وَهُوَ كَقَوْل أُميَّة
(عَطاؤُكَ زَيْنٌ لَا مْرِىءٍ إنْ أصَبْتَه ... بِخَيرٍ وَما كُلُّ العَطاءِ يَزِين)
(4/75)

(وَلَيْسَ بِعارٍ لامِرْىءٍ بَذْلُ وَجْهِهِ ... إلَيْكَ كَمَا بَعْضُ السُّؤَالِ يَشيِنُ)
وكقول البحتري
(وَيُعْجبُني فَقْرِي إليَكَ وَلمْ يَكُنْ ... لِيُعْجِبَني لَوْلا مَحبَّتُكَ الفَقْرُ)

28 - الْغَرِيب الْحمام عِنْد الْعَرَب القمارى والفواخت وسَاق حر وَهِي ذَوَات الأطواق والأيادي جمع يَد من النِّعْمَة وَجمع الْجَارِحَة أيذى الْمَعْنى يَقُول نعْمَته لَا تفارق رِقَاب النَّاس لِأَنَّهَا لَازِمَة لَهَا كلزوم الأطواق الْحمام فَإِن النَّاس تَحت منته وأياديه وَهُوَ كَقَوْل حبيب
(أبْقَيْنَ فِي الأعنْاقِ فِعْلَكَ جَوْهَراً ... أبْقى مِنَ الأطْوَاقِ فِي الأعنْاقِ)
وَقَالَ السّري
(وَطَوَّقْتَ قَوْما فِي الرّقابِ صَنائِعا ... كأنَّهُمُ مِنها الحَمامٌ المُطَوَّقُ)

29 - الْغَرِيب الأنواء جمع نوء وَهُوَ سُقُوط نجم من منَازِل الْقَمَر فِي الْمغرب مَعَ الْفجْر وطلوع رقيبه من الْمشرق يُقَابله وَيُسمى النَّجْم نوءا وَفِي الأنواء خلاف فَمن الْعَرَب من يَجْعَل لكل كَوْكَب من الثَّمَانِية وَالْعِشْرين أعنى منَازِل الْقَمَر نوءا مُخَالفا لنوء صَاحبه فِي الْعدة فَيجْعَل نوء كَوْكَب ثَلَاثَة أَيَّام ونوء آخر خَمْسَة أَيَّام ونوء آخر سَبْعَة أَيَّام على قدر تجاربها وإتيان سُقُوطه أَو طُلُوع رقيبه حرا وبردا ومطرا وريحا أَو غير ذَلِك وَمِنْهُم من يَجْعَل لكل كَوْكَب طلع مِنْهَا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا بعد طلوعه مَعْدُودَة فِي نوئه وَكلما حدث فِيهَا من الْغَيْر الَّتِي ذَكرنَاهَا عدوه من إحداثه وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين منزلَة ثَلَاث مئة وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَهِي أَيَّام السّنة ينقص يَوْم شَذَّ عَن قسمته وَأي المذهبين سلك أَبُو الطّيب فَالْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ حَاصله هَذِه الأنواء إِذا حصلت كلهَا كَانَت عَاما وَفِي الْعَام يكمل فَكَذَلِك الْكِرَام إِذا عدوا كَانُوا عجلا وَهِي هَذِه الْقَبِيلَة أَي كلهم كرام وَلَيْسَ كريم إِلَّا عجليا فهم كمنازل الْقَمَر إِذا حصلت كلهَا كَانَت عَاما والكرام إِذا حصلوا كَانُوا عجلا فَهَذَا من أحسن مَعَانِيه الْمَعْنى يَقُول إِذا عد الْكِرَام فَعجل يجمعها كَمَا أَن الأنواء يجمعها السّنة من سُقُوط أَولهَا إِلَى آخرهَا وَالْمعْنَى من أَرَادَ أَن يعد الْكِرَام فِي الدُّنْيَا فَلْيقل هم بَنو عجل فَإِنَّهُم يشملون جَمِيع الْكِرَام كَمَا أَن الأنواء بطلوعها وسقوطها تَشْمَل جَمِيع الْعَام وَأما منَازِل الْقَمَر فهن ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ منزلَة مِنْهَا أَربع عشرَة شامية وَأَرْبع عشرَة يَمَانِية فالشامية
(4/76)

الشَّرْطَيْنِ والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك وَأما اليمانية فالغفر والزبانا والإكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وَسعد بلع وَسعد الذَّابِح وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وَفرغ الدَّلْو الْمُقدم وَفرغ الدَّلْو الْمُؤخر والرشاء وَلكُل نجم مِنْهَا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا من السّنة إِلَّا الْجَبْهَة فَإِن لَهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا
30 - الْغَرِيب الذرى الْعُلُوّ جمع ذرْوَة وذروة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر وَهِي أَعلَى كل شَيْء وَمِنْه ذرْوَة السنام والذرى كل مَا استترت بِهِ يُقَال أَنا فِي ذرى فلَان أَي فِي كنفه وستره والشفار السيوف وأضمرها فَلم يجرلها ذكرا لدلَالَة الْحَال عَلَيْهَا واللطام المصادمة بهَا الْمَعْنى من روى جبهاتهم بِالنّصب فَإِنَّهُم يتلقون السيوف بِوُجُوهِهِمْ وَيكون مَنْقُولًا من بَيت الحماسة
(نُعَرْضُ لِلسّيوفِ إذَا التَقَيْنا ... خُدُوداً لَا تُعَرَّضُ لِلَّطامِ)

31 - الْغَرِيب يمم قصد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام} الْمَعْنى يَقُول من جودهم وكرمهم لَا يردون سَائِلًا فَلَو قصدهم فِي الْقِيَامَة سَائل لأعطوه من صلَاتهم وصيامهم وَخص الْحَشْر لِأَنَّهُ موقف عَظِيم فِيهِ يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ كَمَا فِي الْآيَة وَهَذَا من قَول حبيب
(وَلَوْ نَصُرَتْ أمْوَالهُ عَنْ سَمَاحَةٍ ... لَقاسَمَ مَنْ يَرْجُوهُ شَطْرَ حَياتِهِ)

(وَلَوْ لمْ يَجِدْ فِي قِسْمَةِ العُمْرِ حِيلَة ... وَجازَ لَهُ الإعطاءُ مِنْ حَسَناته)

(لجادَ بِها مِنْ غَيرِ كٌ فْرٍ بِرَبِّهِ ... وَوَاساهُمُ مِنْ صَوْمِهِ وَصَلاتِهِ)
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(فَمنْ لي بِهذا لَيْتَ أنِّي أصَبْتُه ... فَقاسَمْتُهُ مَالِي مِنَ الَحسَناتٍ)
وَأَخذه بَعضهم فَقَالَ
(وَلَوْ جاءهُ يَوْمَ القِيامةِ سائِلٌ ... تَعَرَّى لَهُ عَنْ صَوْمِهِ وَصَلاتِهِ)

32 - الْغَرِيب حلم بِالضَّمِّ فَهُوَ حَلِيم وحلم بِالْفَتْح واحتلم بِكَذَا إِذا رَآهُ فِي النّوم وحلم الْأَدِيم بِالْكَسْرِ إِذا تثقب وَفَسَد وَمِنْه بَيت الْكتاب وَهُوَ للوليد بن عقبَة
(4/77)

(فَإنَّكَ وَالكِتابَ إِلَى عَليّ ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأديمُ)
والعرام الشراسة وصبى عَارِم بَين العرام أَي شرس الْمَعْنى يَقُول إِن كَانُوا حلماء ذَوي وقار وعقل ورزانة فَإِن خيلهم خفاف فِي الْعَدو ورماحهم فِيهَا نشاط تسرع إِلَى الْأَعْدَاء فتهلكهم
33 - الْإِعْرَاب مكللات حَال الْغَرِيب الجفان جمع جَفْنَة وَيجمع على جفنات فِي الْقَلِيل والشزر مَا أدرته عَن الصَّدْر والتؤام جمع توءم على غير قِيَاس وَالْقِيَاس توائم وَقَوله مكللات يُرِيد أَن اللَّحْم فَوْقهَا كالإكليل وَمِنْه قَول زِيَاد بن منقذ
(تَرَى الجِفانَ منَ الشَّيزَى مُكلَّلَةً)
الْمَعْنى يَقُول عِنْدهم الجفان مَمْلُوءَة وَعِنْدهم الضَّرْب المتوالي المتدارك وَالْمعْنَى أَنهم مطاعيم مطاعين
34 - الْغَرِيب تنبو ترْتَفع والسهام جمع سهم وَهُوَ مَا يرْمى بِهِ من الْقوس وَهُوَ اسْم مُشْتَرك الْمَعْنى يُرِيد أَنهم رقاق الْأَوْجه من الْحيَاء إِذا نَظرنَا إِلَيْهِم صرعناهم يُرِيد قَدرنَا عَلَيْهِم وهم شجعان عِنْد الْحَرْب لَا يقدر أحد عَلَيْهِم فترتفع عَن وُجُوههم السِّهَام وَهُوَ كَقَوْلِه حييون إِلَّا أَنهم الْبَيْت وَفِيه نظر إِلَى قَول العطوي
(أهابُ الرَيمَ أرْمُقُهُ ... وَأضْرِبُ هَامَهَ الأسَدٍ)

(وَيجْرَحُنِي بِمُقْلَتِهِ ... وَيَنْبُو السَّيْفُ عَنْ جَسدِي)

35 - الْغَرِيب الْقَبِيل الْجَمَاعَة تكون من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا من قوم شَتَّى وَالْجمع قبل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا} قَالَ الْأَخْفَش أَي قبيلا قبيلا والقبيلة وَاحِدَة قبائل الرَّأْس وَبِه سميت الْقَبِيلَة وَاحِدَة قبائل الْعَرَب وهم بَنو أَب وَاحِد الْمَعْنى يَقُول إِن الْمَعَالِي الْمُشْتَملَة عَلَيْهِم اشْتِمَال اللَّحْم وَالْجَلد على الْعِظَام وهم للمعالي كالعظام للأجساد
(4/78)

- الْإِعْرَاب أخر حرف الْعَطف وَهُوَ قَبِيح جدا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَظِيره قَامَت زيد وَهِنْد أَي قَامَت هِنْد وَزيد قَالَ وَيجوز أَن أَن يكون جعل مَا بعد قبيل وَصفا لَهُ وَلم ينْو تَقْدِيم بعضه وَفِيه قبح وَقَالَ الْخَطِيب أَنْت فِي مَوضِع الْحَال أَي أَنْت منتسبا إِلَيْهِم فَلَا تَقْدِيم فِيهِ الْمَعْنى يَقُول قبيل أَنْت على شرف قدرك أَنْت مِنْهُم وَأَنت أَنْت وَإِذا كنت مِنْهُم وَجدك بشر كفاهم بذلك فخرا وشرفا فهم يفخرون بك وبأبيك 37 - الْمَعْنى يَقُول لمن هَذَا المَال الَّذِي نرَاهُ عنْدك وعطاياك تفرقه وَالنَّاس شُرَكَاء فِي رغيبته
38 - الْإِعْرَاب أَرَادَ بِصُحْبَتِهِ فَحذف الْهَاء ضَرُورَة وَهُوَ جَائِز الْغَرِيب الذمام الْعَهْد وَقيل هُوَ جمع ذمَّة وَهِي الْأمان وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وأذمه أجاره الْمَعْنى إِذا كنت لَا ترْضى بِأَن تنْسب إِلَيْك هَذَا المَال وعطاياك تفرقه وتمزقه فَلِمَنْ هَذَا المَال وروى فيرضى بِالْيَاءِ وَالضَّمِير لِلْمَالِ وَمَعْنَاهُ فيرضى المَال بذلك حَتَّى يجب لَهُ مِنْك الْأمان
وَقَالَ الواحدي معنى الْبَيْت الأول لمن مَال هَذِه حَالَته يَعْنِي لَا مَال لأحد بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا لَك وَأَرَادَ لمن مَال هَذِه حَاله غير حالك فَحذف لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ ثمَّ ينْفَرد معنى الْبَيْت الثَّانِي بِمَا ذَكرْنَاهُ
39 - الْغَرِيب جاد عَن الشَّيْء يحيد حيودا وحيدودة مَال عَنهُ وَعدل وحايده محايدة جَانِبه والسامري هُوَ الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ سامري وَقَالَ الوحدي كَانَ حَقه أَن يَقُول كَأَنَّك السامري مُعَرفا لِأَن هَذَا نسب لَهُ لَيْسَ باسم علم وَهُوَ فِي الْقُرْآن معرف بأل إِلَّا أَن يكون أَرَادَ وَاحِدًا من قبيلته وَهَذَا الَّذِي قَالَ فِي الْأَخير هُوَ الَّذِي أَرَادَ أَبُو الطّيب أَي كَأَنَّك رجل سامري كَمَا تَقول هُوَ محمدي وداودي وهاروني فتنسبه إِلَى أحد من هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِك حَنَفِيّ وشافعي وَلَيْسَ للْوَجْه الأول وَجه والجذام برص لَيْسَ لَهُ دَوَاء إِذا استولى أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهُ وَهُوَ دَاء يقطع الْأَطْرَاف من الجذم وَهُوَ الْقطع
(4/79)

الْمَعْنى يَقُول أَنْت تجانب هَذَا المَال وتنفر عَنهُ كَمَا ينفر السامري من مصافحة رجل فِي يَده جذام وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى {لَا مساس} أَي لَا تمسني
40 - الْغَرِيب عراه واعتراه قَصده وَأَتَاهُ وَمِنْه قَول النَّابِغَة
(أتَيْتُكَ عارِيا خَلَقا ثِيابِي ... عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنونُ)
والحبر الْعَالم وَالْجمع أَحْبَار قَالَ الله تَعَالَى {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله وَيُقَال حبر وَحبر بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَالْكَسْر أفْصح لِأَنَّهُ يجمع على أَفعَال دون الفعول وَقَالَ الْفراء هُوَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَالم بتحبير الْكَلَام وتحسينه الْمَعْنى يَقُول إِذا قصدك الْعلمَاء استفادوا مِنْك وتعلموا لِأَنَّك إِمَام فِي جَمِيع الْأَشْيَاء فِي الْقُرْآن والْحَدِيث واللغة والعربية وَالْفِقْه
41 - الْغَرِيب الْمعلم صَاحب الْعَلامَة فِي الْحَرْب وَهُوَ عَلامَة الْجَيْش فِي الْحَرْب يُرِيد أَنه الَّذِي يشهر نَفسه بعلامة يعرف بهَا وَأعلم نَفسه إِذا شهرها فِي الْحَرْب وَمن روى بِفَتْح اللَّام أَرَادَ الَّذين علمُوا بالعلامة واللهام الْكثير الَّذِي يلتهم كل مَا يمر بِهِ الْمَعْنى يَقُول إِذا رآك الْأَبْطَال الشجعان قَالُوا هَذَا عَلامَة الْجَيْش الْعَظِيم لأَنهم لَا يَجدونَ أشهر مِنْك وَقَالَ الواحدي يجوز أَن يكون يعلم بِفَتْح اللَّام من الْعلم أَي بِهَذَا يعرف الْجَيْش أَي أَنه صَاحب الْجَيْش وفارسه وَمن روى بِكَسْر اللَّام فَمَعْنَاه الْجَيْش يعلمُونَ أنفسهم بِهَذَا الرجل أَنهم شجعان إِذْ كَانَ هُوَ قائدهم ومتقدمهم
42 - الْمَعْنى يَقُول كَانَت الْأَيَّام عابسة متجهمة فَلَمَّا أظهرك الله طابت بك الْأَيَّام وَزَالَ عبوسها وَظَهَرت بشاشتها فكأنك ابتسام لَهَا وطلاقة وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(وَيَضْحَكُ الدَّهرُ مِنْهُمْ عنْ غَطارِفة ... كَأنَّ أيَّامَهُمْ مِنْ حَسُسْنِها جُمَعُ}

43 - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بمغفرة الله وَأَن يُسلمهُ من المخاوف وَيَقُول لَهُ قد أَعْطَيْت مَا لم يُعْطه أحد من أَبنَاء الدُّنْيَا لِأَنَّك تُعْطى الْأَمْوَال الجزيلة وتفيد الْأَمْوَال النبيلة
(4/80)

- 1 الْغَرِيب الْبَين الْبعد والفراق والواشون جمع واش وَهُوَ الَّذِي يشي بأخبارك ويظهرها الْمَعْنى يَقُول نرى الْبَين عَظِيما وَلَيْسَ كَذَلِك وَرُبمَا قطعت مسافته فَقرب والصد لَا تقطع لَهُ مَسَافَة وَقَالَ الشريف هبة الله بن الشجري فِي أَمَالِيهِ نرى عظما بالصد والبين أعظم وَالْمعْنَى أَن الحبيب إِذا صد فالعين تنظره وَإِذا فَارق حَال الْبعد بِهِ عَن النّظر إِلَيْهِ وَهُوَ معنى حسن وَقَوله نهم الوشاة فِي إذاعة أَسْرَارنَا والدمع من أعظمهم لِأَنَّهُ لَا يرقأ وَيظْهر مَا فِي الْقلب من الوجد فَالْأولى أَن لَا نتهم بإذاعة أَسْرَارنَا سوى الدمع
2 - الْغَرِيب اللب الْعقل الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ عقلك مَعَ غَيْرك كَيفَ يكون حالك وَإِذا كَانَ سرك فِي جفنك كَيفَ تقدر على كِتْمَانه يُرِيد أَن الدمع يظهره وَهُوَ تَفْسِير الْعَجز الَّذِي فِي الْبَيْت الأول
3 - الْإِعْرَاب الْوَاو فِي والنوى وَاو الْحَال وَهُوَ ابْتِدَاء الْمَعْنى يَقُول لما الْتَقَيْنَا وَكَانَ الرَّقِيب والفراق غافلين عَنَّا ظلت أبكى وَهِي تَبَسم تَعَجبا من حَالي ودلالا عَليّ
4 - الْمَعْنى يَقُول لما الْتَقَيْنَا وضحكت وبكيت فَلم أر قبلهَا بَدْرًا ضَاحِكا وَلم تَرَ قبلي مَيتا متكلما
(4/81)

- الْغَرِيب تظلم الرجل إِذا اشْتَكَى الظُّلم والمتنان الجانبان الأسفلان من الظّهْر والخصر مَا فَوْقهمَا الْمَعْنى يَقُول هَذِه المحبوبة ثَقيلَة الأرداف فردفاها يظلمان خصرها وَشبه ظلمها لصب عاشق يحِيل بظُلْم متنيها لخصرها ثمَّ وصف نَفسه بِأَنَّهُ ضَعِيف القوى يتظلم مِمَّا يفعل بِهِ وَالْمعْنَى أَنَّهَا تظلم عاشقها كَمَا أَن متنيها يظلمان خصرها وَهُوَ من قَول خَالِد الْكَاتِب
(صَبَّا كَئِيبا يَتِشكى الهَوَى ... كَمَا اشْتَكى خَصُركَ مِنْ رِدْفِكا)

6 - الْإِعْرَاب الْبَاء تتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره تسبى أَو تقبل بفرع وَيجوز أَن يكون مُتَعَلقا بيعيد أَي يُعِيد اللَّيْل بفرع وَالصُّبْح بِوَجْه وَقَالَ الواحدي الْبَاء بِمَعْنى مَعَ الْمَعْنى يَقُول قد جمعت فِيهَا الأضداد فَهِيَ تجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار تريك النَّهَار لَيْلًا بشعرها وَاللَّيْل نَهَارا بوجهها وَفِيه نظر إِلَى قَول بكر بن النطاح
(بَيْضاءُ تَسْحَبُ مِن قيامٍ شَعْرَها ... وَتَغِيبُ فِيهِ وَهْوَ جَثْلٌ أسْحَمُ)
(فَكَأنها فِيهِ نَهارٌ مُشرِق ... وَكأنَّهُ لَيْلٌ عَلَيْها مُظْلِمُ)
وكقول حبيب
(بَيْضَاءُ تَبْدُ وَفِي الظَّلامِ فَيَكْتَسِي ... نُوراً وَتحْسِرُ فِي النَّهارِ فيُظْلِمُ)
ولحبيب أَيْضا
(فَرُدَّتْ علَينا الشَّمس واللَّيلُ رَاغِمٌ ... بشَمسٍ لهُم منْ جانِبِ الخِدر تطلعٌ)

(نَضَا ضَوْؤُها صِبْغَ الدُّجُنَّةِ وانْطَوَى ... بِبَهْجَتِها ضَوْءُ السَّماءِ المُجزَّع)

(فَوَاللهِ مَا أدْرِى أأحْلامُ نائمٍ ... ألَّمتْ بِنا أمْ كانَ فِي الركبِ يوُشعُ)

7 - الْغَرِيب العرمرم الْعَظِيم الْكثير
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ قلبِي خَالِيا كخلو دارها
(4/82)

وَقَالَ الْخَطِيب لَو كَانَ قلبِي خَالِيا خلو دارها لِأَنَّهَا قد خلت عَنْهَا وَلَكِن قلبه مَمْلُوء بالشوق وَفِيه مِنْهُ جَيش عَظِيم شَدِيد وَالْمعْنَى لَو كَانَ قلبِي مثل دارها كَانَ خَالِيا لِأَنَّهَا قد خلت وَلكنه ملآن بحبها والشوق إِلَيْهَا فحبها ملازم لَهُ لَا يُفَارِقهُ
8 - الْغَرِيب الأثافي جمع أثفية وَهِي الَّتِي تنصب تَحت الْقدر وَالْعرب تجمعه على تخفيفها وَقَالَ الْأَزْهَرِي إِن شِئْت خففت وَإِن شِئْت شددت تَقول أثاف وأثافي والأثفية أفعولة وثفيت الْقد تثفية وَضَعتهَا على الأثافي والصلى الاصطلاء بالنَّار إِذا فتحت قصرت وَإِن كسرت مددت والرسم مَا بَقِي من آثَار الدَّار الْمَعْنى ديارها فِيهَا أثاف بهَا مَا بفؤادي فَهِيَ محترقة بالنَّار قد أثرت النَّار فِيهَا كَمَا أحرق الْحبّ والشوق قلبِي فأثافي دارها مسودة محترقة كقلبي وكما أَن رسم دارها بَال مهدم كَذَلِك قلبِي لفراقها
9 - الْغَرِيب ردنا الْقَمِيص كماه والغيم السَّحَاب وَالْعبْرَة تحلب الدمع عبر الرجل بِالْكَسْرِ يعبر عبرا فَهُوَ عَابِر وَالْمَرْأَة أَيْضا عَابِر قَالَ الْحَارِث بن وَعلة
(يَقُولُ لي النَّهْدِيُّ هلْ أنْتَ مُرْدَفي ... وكْيفَ رِدافُ الفَرّ أُمُّكَ عابِرُ)
وعبرت عينه واستعبرت دَمَعَتْ وَالصرْف الْخَالِصَة من المزاج الْمَعْنى يَقُول وقفت على دارها والسحاب تمطر فَبَكَيْت فَكَانَ دمع السَّحَاب خَالِصا وَكَانَ دمعي ممزوجا بِالدَّمِ
10 - الْغَرِيب انهل سَالَ وَجرى والسقام الْمَرَض والسقم والسقم كالحزن والحزن لُغَتَانِ وسقم بِالْكَسْرِ يسقم سقما فَهُوَ سقيم وأسقمه الله الْمَعْنى يَقُول هَذَا الَّذِي يجْرِي فِي الخد من عَيْني هُوَ دمي لِأَنَّهُ يسيل وَكلما سَالَ سقمت وبليت
11 - الْإِعْرَاب الزائري الْألف وَاللَّام بِمَعْنى الَّذِي الْغَرِيب الخيال مَا يتخيله الْإِنْسَان وَهُوَ الَّذِي يرَاهُ الرجل فِي نَومه والهجعة النّوم وأتيت فلَانا بعد هجعة أَي بعد نومَة خَفِيفَة من أول اللَّيْل وهجيع من اللَّيْل مثل هزيع الْمَعْنى يَقُول قَالَ لي الخيال معاتبا أتنام بعد فراقنا وَكَيف تقدر على الْمَنَام
(4/83)

- الْإِعْرَاب سَلام ابْتِدَاء مَحْذُوف الْخَبَر أَي قَالَ الخيال لي سَلام وَقد روى سَلاما نصبا أَي سلم على سَلاما الْمَعْنى قَالَ الخيال سَلام عَلَيْك ثمَّ قَالَ لَوْلَا أَنه بخيل جبان لَقلت الْمُسلم الممدوح إجلالا لَهُ واستعظاما قَالَ أَبُو الْفَتْح لَوْلَا خوفي من مُفَارقَته أَو مُعَاتَبَته على نومي وَلَوْلَا بخله لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَة لزيارته لَقلت الْمُسلم على أَبُو حَفْص الممدوح قَالَ الواحدي أَخطَأ ابْن جنى فِي تَفْسِيره لِأَنَّهُ جعل الْخَوْف للمتنبي وَأَن لَا حَقِيقَة لزيارته وَمَا هُوَ كَذَلِك لَا يُوصف ببخل وَالْمَرْأَة تُوصَف بالبخل والجبن وهما من شَرّ أَخْلَاق الرِّجَال وَمن خير أَخْلَاق النِّسَاء وَقَوله بَعدنَا الغمض تطعم من قَول الصنوبري
(قَالَ وَالنَّوْمُ مُمْكنٌ غُرَّ غَيْرِي ... لَا تُمَوَّهْ فَلَسْتُ بِالمُستْهامِ)

13 - الْغَرِيب صبا يصبو إِذا مَال إِلَى الْجَهْل صبوا وصبى صباء كسمع سَمَاعا إِذا لعب مَعَ الصّبيان وتيمه الْحبّ أَي عَبده وذلله فَهُوَ متيم وَيُقَال تامه الْحبّ وتامته فُلَانَة قَالَ لَقِيط بن زُرَارَة
(تامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ ... إحْدَى نِساءِ بَنى ذُهْلِ بنِ شيبانا)
الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يعشق إِنْفَاق المَال كرما ويميل إِلَى ذَلِك ميل الْمُحب الذَّلِيل إِلَى محبوبة
14 - الْغَرِيب الضيغم مُشْتَقّ من الضغم وَهُوَ العض الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا مَا فِيهِ من الشجَاعَة وَالْقُوَّة يزِيد على الْأسد بِعَدَد شعر بدنه لقلنا لَهُ أَنْت أَسد وَلكنه تفضل شجاعته الْأسد
15 - الْغَرِيب البخس النَّقْص بخسه حَقه يبخسه فَهُوَ باخس أَي نَقصه الْمَعْنى يَقُول إِذا جَعَلْنَاهُ كالأسد وَقد زَاد عَلَيْهِ قُوَّة وشجاعة فقد نقصناه حَظه لِأَنَّهُ يسْتَحق فَوق ذَلِك
16 - الْغَرِيب المخدم السَّيْف الْقَاطِع واللجة مُعظم الْبَحْر والضرغام الْأسد
(4/84)

الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعظم من أَن يشبه كَفه بالبحر ورأيه بِالسَّيْفِ الْقَاطِع وَنَفسه بالأسد لِأَن كَفه فَوق الْبَحْر ورايه أنقذ من السَّيْف فَلَا يشبه بِشَيْء من ذَلِك
17 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح عطف بِلَا فِي هَذَا الْبَيْت على مَدْخُول لَا فِي الَّذِي قبله فِي ظَاهر اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَن قَوْله لَا الْكَفّ لجة أَي فِيهَا مَا فِي الْبَحْر وَزِيَادَة عَلَيْهِ وَلَا هُوَ ضرغام أَي فِيهِ مَا فِي الضرغام من الشجَاعَة وَزَاد عَلَيْهِ وَلَا الرَّأْي مخدم لرأيه مضاء السَّيْف وَفَوق ذَلِك وَأما قَوْله وَلَا جرحه يوسيى فَلَيْسَ يُرِيد أَنه يوسى وَيُزَاد عَلَيْهِ وَكَذَا وَلَا غوره وَلَا حَده وَلَيْسَ يُرِيد أَنه يتثلم وَيزِيد كَمَا أَرَادَ فِي الْبَيْت فَهُوَ فِي الْبَيْت الأول مُثبت فِي الْمَعْنى لما نَفَاهُ فِي اللَّفْظ وَفِي الثَّانِي ناف فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا أَلا ترى إِلَى إحسانه الصَّنْعَة وَصِحَّة نظمه وتوفيقه بَين الأضداد المتباينة وَنَقله الواحدي كَمَا نَقَلْنَاهُ الْغَرِيب يوسى يداوي أسوت العليل أسوه أسوا والآسي الطَّبِيب وينبو يرْتَفع عَن الضريبة الْمَعْنى يَقُول جرحه أوسع من أَن يعالج لِأَنَّهُ لَا يبرأ بالعلاج وَلَا يرى غوره أَي عمقه قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وَلَا غور الممدوح يرى أَي يعلم أَي أَنه بعيد الْغَوْر فِي الرَّأْي وَالتَّدْبِير فَلَا يدْرك غوره واستعار لَهُ حدا لمضائه ونفاذه فِي الْأُمُور وَجعل حَده غير نَاب وَلَا متثلم لحدته
18 - الْإِعْرَاب أظهر التَّضْعِيف فِي حالل وَهُوَ من بَاب الضرورات وَلَو قَالَ مَكَانَهُ نَاقض لسلم من الضَّرُورَة وَرُبمَا فعل الشَّاعِر هَذَا ليشعر أَنه يعلم بالضرورات كَقَوْل قعنب
(مَهْلاً أعاذِلَ قدْ جَرَّبْتِ منْ خُلُقِي ... أَنِّي أجُودُ لأقْوَامٍ وَإنْ ضَنِنُوا)
وكقول زُهَيْر
(لمْ يَلْقَها إلاَّ بِشِكَّةِ باسِلٍ ... يَخْشَى الحَوَادِثَ حازِمٍ مُسْتَعْدِدِ)
الْغَرِيب أبرمت الْأَمر وبرمته أحكمته وَأَصله من فتل الْحَبل الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ لِلْأَمْرِ الَّذِي يحكمه نَاقض وَلَا للَّذي نقضه مبرم وَالْمعْنَى أَنه لَا يُخَالف فِيمَا أَرَادَ
19 - الْغَرِيب يرمح الأذيال يُرِيد الْخُيَلَاء يُقَال للمختال إِنَّه ليرمح الأذيال إِذا كَانَ يُطِيل ثَوْبه وَلَا يرفعهُ ويضربه بِرجلِهِ وَمِنْه قَول القحيف
(4/85)

(يقُولُ ليَ المَغْنى وَهُنَّ عَشِيَّةً ... بِمكةَ يرْمَحْنَ المُهدََّبةَ السُّحْلا)
والجبرية الْكبر يُقَال فِي فلَان تجبر وجبورة وَجَبْرِيَّة وَجَبْرِيَّة وجبروت وأجبرته على الْأَمر وجبرته وَرجل جَبَّار وَجبير وَالْجمع جبابرة وجبابير وأنشدوا فِي جُبَير
(حَتى إذَا جازَ المنازِلَ وَاسْتَوَى ... يَدَعُ الزَّمانَ كأنَّهُ جِبَّيرُ)
الْمَعْنى يَقُول لَا يختال فِي مشيته تكبرا وَلَا يرمح ذيل ثَوْبه وَلَا يخْدم أهل الدُّنْيَا وهم يخدمونه
20 - الْمَعْنى يَقُول لَا يَشْتَهِي أَن يسلم وَسلم أعداؤه وَلَكِن يُرِيد أَن يسلم فِي نَفسه وتهلك أعداؤه وَلَا يَشْتَهِي أَن يبْقى وَلَا عَطاء لَهُ وَإِنَّمَا يحب الْبَقَاء ليُعْطى إِذا لم يكن لَهُ عَطاء لم يحب الْبَقَاء وَالْمعْنَى لَا يحب الْبَقَاء إِلَّا للعطاء وَيُحب أَن يقتل الْأَعْدَاء وَإِن كَانَ فِيهِ هَلَاكه
21 - الْغَرِيب الصَّهْبَاء من أَسمَاء الْخمر والمعدم الْفَقِير الْمَعْنى يَقُول ذكره ألذ من الْخمر إِذا مزجت بِالْمَاءِ وَهُوَ أحسن من يسر وَهُوَ غنى ناله فَقير
22 - الْغَرِيب عنقاء مغرب يُقَال على الْإِضَافَة وعَلى الصّفة وَهُوَ طَائِر ذهب وبقى اسْمه وَسميت عنقاء لبياض كَانَ فِي عُنُقهَا كالطوق الْمَعْنى يَقُول هُوَ أغرب من هَذَا الطَّائِر فِي الطير واشد إعوازا وَأَقل وجودا من سَائل مِنْهُ شَيْئا فيحرمه وَلَا يُعْطِيهِ أَي فَكَمَا أَن هذَيْن لَا يوجدان كَذَلِك نَظِيره وَمثله وَقَالَ الْخَطِيب شكله مَفْقُود كفقد عنقاء مغرب وأعوز من مسترفد يحرمه لِأَنَّهُ لَا يحرم أحدا استرفده أَي استعطاه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ الْوَجْه أَن يُقَال أَشد إعوازا لِأَن ماضيه أعوز وَلكنه جَاءَ على حذف الزِّيَادَة
23 - الْغَرِيب أَرَادَ هُوَ أَكثر أياديا بعد الأيادي من الْقطر وأثجمت السَّمَاء دَامَ مطرها الْمَعْنى يَقُول هُوَ أَكثر أياديا من الْقطر فِي حَال انثجام دمعه والوبل الْمَطَر والوابل أَيْضا
(4/86)

- الْغَرِيب السناء ممدودا الرّفْعَة والسنى الرفيع وأسناه رَفعه وسناه فَتحه وسهله والتهويم اختلاس أدنى النّوم وَأَصله النّوم الْقَلِيل كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ أَخذ النّوم فِي هَامة الْإِنْسَان لِأَنَّهُ يبْدَأ بِرَأْسِهِ ثمَّ ينتشر فِي سَائِر الْجَسَد واللؤم هُوَ الْبُخْل الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ النّوم الَّذِي لَا بُد للْإنْسَان مِنْهُ بخلا لحلف أَنه لَا ينَام
25 - الْمَعْنى يَقُول لَو طلب درهما لم يكن من عطاياه لأعجز وجوده النَّاس يُرِيد أَن جَمِيع مَا فِي أَيدي النَّاس مِنْهُ وَهَذَا من الْمُبَالغَة
26 - الْغَرِيب الْمَرْء الرجل تَقول هَذَا امْرُؤ ومررت بامرىء وَتقول هَذَا مرء ومررت بمرء بِفَتْح الْمِيم وَقد جَاءَ بضَمهَا وَهِي لُغَة والمرء تأنيثه مرأة وَلَا يجمع على لَفظه وَإِذا صغرت قلت مرىء ومريئة الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ يضرّهُ مَا يسره لضره الْكَرم والإقدام وَقَالَ الواحدي لَو كَانَ يضر بِمَا يسر بِهِ الْإِنْسَان لَكَانَ الْبَأْس والتكرم قد أضرا بِهَذَا الممدوح لِأَنَّهُ يسر بهما
27 - الْإِعْرَاب بيضًا صفة ليتامى ويتامى فِي مَوضِع نصب بيروى ويوتم عطف على يرْوى الْغَرِيب الفرصاد التوت يُرِيد بِدَم كالفرصاد فِي حمرته واليتامى السيوف الَّتِي فَارَقت أغمادها فَجَعلهَا يتامى لِأَنَّهَا فَارَقت مَا كَانَ يؤويها ويحوطها كالوالدين الْمَعْنى يَقُول يرْوى بِمثل الفرصاد سيوفا قد فَارَقت أغمادها فَصَارَت كاليتامى ويوتم أَوْلَاد من يقْتله بهَا فِي كل غَارة يغيرها على الْأَعْدَاء وَقد روى وتوتم وَالضَّمِير لِلْيَتَامَى يَعْنِي السيوف
28 - الْإِعْرَاب مذ ومنذ مركبان من من وَإِذ فغيرا عَن حَالهمَا فِي إِفْرَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا فحذفت الْهمزَة ووصلت من بِالذَّالِ وضمت الْمِيم للْفرق بَين حلَّة الْإِفْرَاد والتركيب وَالدَّلِيل على أَن كلا مركب من من وَإِذ قَول بعض الْعَرَب مذ ومنذ بِكَسْر الْمِيم فَدلَّ على أَنَّهُمَا مركبان وَإِذا ثَبت أَنَّهُمَا مركبان كَانَ الرّفْع بعدهمَا بِتَقْدِير فعل لِأَن الْفِعْل يحسن بعد إِذْ وَالتَّقْدِير مَا رَأَيْته مذ مضى يَوْمَانِ ومنذ مضى شَهْرَان وَمن خفض بهما فقد اعْتبر من وَلِهَذَا كَانَ الْخَفْض بمنذ أَجود لظهر نون من فِيهَا
(4/87)

تَغْلِيبًا لمن وَالرَّفْع بمذ أَجود لحذف نون من مِنْهَا تَغْلِيبًا لإذ وَيدل على أَن أصل مذ مُنْذُ أَنَّك لَو سميت بهَا قلت فِي تصغيره منيذ وَفِي تكسيره أمناذ فَترد النُّون المحذوفة لِأَن التصغير والتكسير يرد ان الأشِياء إِلَى أُصُولهَا هَذَا قَول أَصْحَابنَا الْكُوفِيّين وَقَالَ الْفراء يرْتَفع الِاسْم بعدهمَا بِتَقْدِير مُبْتَدأ مَحْذُوف وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مركبان من من وَذُو الَّتِي بِمَعْنى الَّذِي وَهِي لُغَة مَشْهُورَة قَالَ الشَّاعِر
(وقُولا لِهذَا المرْءِ ذُو جاءَ ساعِيا ... هَلُمَّ فإنَّ المشْرِفَّي الفَرَائِضُ)

(أظُنكَ دُونَ المالِ ذُو جئتَ تبتغي ... سَتَلْقاكَ بِيضٌ للنُّفوسِ قَوَابِضُ)
أَرَادَ الَّذِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَالَ سِنَان بن الْفَحْل
(فإنَّ الماءَ ماءُ أبي وَجَدّي ... وَبْئْرِي ذُو حَفَرْتُ وّذُو طَوَيتُ)
وَقَالَ البصريون هما اسمان فيرتفع مَا بعْدهَا لِأَنَّهُ خبر عَنْهُمَا ويكونان حرفي جر فَيكون مَا بعدهمَا مجرورا بهما وَإِنَّمَا بنيا لتضمنهما معنى من وَإِلَى فِي قَوْلك مَا رَأَيْته مذ يَوْمَانِ مَعْنَاهُ مَا رَأَيْته من أول هَذَا الْوَقْت إِلَى آخِره وبنيت مذ على السّكُون لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الْبناء ومنذ على الضَّم لِأَنَّهُ لما وَجب تحريكها لالتقاء الساكنين حركت بِالضَّمِّ لِأَن من عَادَتهم أَن يتبعوا الضَّم الضَّم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح من رفع الْغَزْو رَفعه بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره مذ الْغَزْو وَاقع أَو كَائِن وَمن جَرّه أَرَادَ مذ زمن الْغَزْو فَحذف الْمُضَاف وَقَالَ الْخَطِيب يجر مَا بعْدهَا فَيكون الْغَزْو مجرورا لِأَنَّهَا بِمَعْنى فِي كَقَوْلِك أَنْت عندنَا مذ الْيَوْم أَي فِي الْيَوْم الْغَرِيب الْفِدَاء مَا كَانَ بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَكَانَ يتَوَلَّى الْفِدَاء بَين الْمُسلمين وَالروم من الْأُسَارَى الْمَعْنى يَقُول هُوَ مشتغل بِعَمَلِهِ فِي الْفِدَاء فَمَا حط الْفِدَاء سروجه يُرِيد أَنه يذهب إِلَى الرّوم ويفادي الْأُسَارَى قَالَ الواحدي وَلَيْسَ فِي هَذَا مدح وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه لَا يقبل الْفِدَاء وَلَا يدع الْغَزْو بل يَغْزُو وَلَا يمنعهُ الْفِدَاء
29 - الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار والأدهم الْأسود
(4/88)

الْمَعْنى يَقُول يقطع بِلَاد الرّوم وَالْغُبَار أبلق بأسيافه يُرِيد سَواد الْغُبَار ولمعان السيوف والجو أسود بالغبار لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لمعان
30 - الْإِعْرَاب إِلَى الْملك مُتَعَلق بيشق الْمَعْنى يَقُول يشق بِلَاد الرّوم إِلَى الْملك الطاغي فكم من كَتِيبَة للروم تعارضه فِي السّير وَهِي تعلم أَنه حتفها
31 - الْغَرِيب العاتق الْبكر وَجمعه عواتق ونصرانة تَأْنِيث نصران وخد أسيل حسن طَوِيل الْمَعْنى يَقُول كم جَارِيَة بكر لَهَا خد حسن برزت للممدوح عَن سترهَا لِأَنَّهَا سبيت فَهِيَ تلطم وتهان وَإِن كَانَت حَسَنَة الخد
32 - الْإِعْرَاب صُفُوفا حَال من عاتق لِأَنَّهُ فِي معنى الْجمع كَقَوْلِك كم رجل جَاءَنِي فالرجل هُنَا بِمَعْنى جمَاعَة وَيجوز أَن يكون حَالا من قَوْله فكم من كَتِيبَة الْغَرِيب المذاكي الْخَيل المسنة والوشيخ شجر الرماح وَأَصله عرق الشَّجَرَة وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة
(وَلَقَدْ جَرَى لَهُمُ فَلمْ يَتَعَيَّفُوا ... تَيْسٌ قَعِيدٌ كالْوَشِيجَةِ أغْضَبُ)
ووشجت الْعُرُوق والأغصان اشتبكت الْمَعْنى يَقُول برزت أَي الْكَتَائِب لهَذَا الممدوح الَّذِي هُوَ فِي شجاعته كالأسد فِي جمع كالأسود شجاعة وإقداما قد تحصنت بالخيول والرماح
33 - الْمَعْنى يَقُول إِذا غَابَ عَن غزوهم غَابَ عَنْهُم الْمَوْت وَيقدم الْمَوْت دِيَارهمْ عِنْد قدومه لغزوهم
34 - الْإِعْرَاب أجدك نَصبه على الْمصدر تَقْدِيره أتجد جدك وَمَعْنَاهُ أبجد هَذَا مِنْك فَهَذَا اصله ثمَّ صَار افتتاحا للْكَلَام وَقل الْخَطِيب يَنْبَغِي أَن يكون عان مُبْتَدأ وَخَبره تفكه وَلَوْلَا الْوَزْن لَكَانَ نَصبه أوجه وَتَقْدِيره على هَذَا مَا تنفك تفك عانيا ومالا مَنْصُوب بتقسم وَقَوله عَم ترخيم
(4/89)

عمر على رَأْي أهل الْكُوفَة وَهُوَ لحن عِنْد الْبَصرِيين كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَذهب أَصْحَابنَا الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز ترخيم الثلاثي من الْأَسْمَاء إِذا كَانَ متحرك الْوسط كعمر وَزفر وَقَالَ البصريون وَالْكسَائِيّ لَا يجوز وَحجَّة الْكُوفِيّين إِذا كَانَ وَسطه متحركا مَا جَاءَ من نَحْو يَد وَدم إِذْ الأَصْل فِي يَد يَدي وَفِي دم دمو بِدَلِيل قَول بعض الْعَرَب تثنيته دموان وَقيل أَصله دمى قَالَ الشَّاعِر
(فَلَوْ أنَّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحْنا ... جَرَى الدَّمَيانِ بِالخبِر اليَقيِنِ)
فَهُوَ من ذَوَات الْيَاء والترخيم إِنَّمَا وضع للتَّخْفِيف بالحذف والحذف قد جَازَ فِي مثله للتَّخْفِيف فَوَجَبَ أَن يكون جَائِزا وَلَا يجوز التَّرْخِيم فِي الِاسْم الثلاثي السَّاكِن الْوسط كزيد لِأَنَّهُ إِذا حذف الْأَخير وَجب حذف السَّاكِن فَيبقى على حرف وَاحِد وَذَلِكَ لَا نَظِير لَهُ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ متحرك الْوسط وَحجَّة الْبَصرِيين أَن التَّرْخِيم حذف آخر الِاسْم المنادى إِذا كثرت حُرُوفه تَخْفِيفًا والثلاثي فِي غَايَة الخفة الْغَرِيب العاني الْأَسير وتنفك تَبْرَح الْمَعْنى يَقُول مَا تَبْرَح تفك عانيا وتقسم مَالا وَقد روى يَنْفَكّ بِالْيَاءِ وَمَال بِالرَّفْع
35 - الْغَرِيب مكافيك أَصله الْهَمْز وَلكنه أبدل بِالْيَاءِ اضطرارا وَكَذَلِكَ شانيك الْمَعْنى يَقُول مكافيك من أَعْطيته دين النَّبِي
يَعْنِي أسلمته من الْكفَّار يُرِيد أَنه يكون شفيعك يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الله حَتَّى يدْخلك الْجنَّة فَحِينَئِذٍ جازاك يدا أَي نعْمَة لَا يُؤَدِّي شكرها يَد وَلَا فَم
36 - الْمَعْنى يَقُول ارْفُقْ بِنَفْسِك فَإِن كنت لَا ترحمها فَإِن النَّاس يرحمونك لِأَنَّك تجود بِنَفْسِك وتبذلها فِي الْحَرْب كجودك بِكُل شَيْء تملكه فارفق بِنَفْسِك
37 - الْغَرِيب المفحم السَّاكِت والشاني الْمُبْغض وَأَصله الْهَمْز قَالَ الله تَعَالَى {إِن شانئك هُوَ الأبتر} والخضرم الْكثير والنيل الْعَطاء الْمَعْنى يَقُول محلك أَي موضعك مَقْصُود يَقْصِدهُ السُّؤَال ومبغضك لَا يقدر على النُّطْق فَلَا يقدر أَن ينْطق فِيك بِعَيْب لِأَنَّهُ لَا يجد لَك عَيْبا يعيبك بِهِ وَأَنت مَفْقُود الْمثل لِأَنَّك قد تفردت بأَشْيَاء لم يقدر عَلَيْهَا غَيْرك وعطاؤك كثير
38 - الْغَرِيب التحرج التَّضْيِيق وَالتَّيَمُّم الْقَصْد الْمَعْنى يَقُول تحرجي عَن قصد غَيْرك من الْمُلُوك حَملَنِي على زيارتك وتركي إياك إِلَى مدح غَيْرك كَتَرْكِ المَاء مَعَ وجوده إِلَى الصَّعِيد وَهَذَا غير جَائِز تَقول زرتك يزِيد وزرت زيدا وأزرت زيدا إياك وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(لَبِسْتُ سِوَاهُ أقْوَاما فَكانُوا ... كَمَا أغْنى التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ)

39 - الْمَعْنى يَقُول الْمُسلمُونَ كلهم عبيدك فَكيف غَيرهم من أهل الْأَدْيَان فَلَو كَانَ الْمَمْلُوك فدَاء عَن مَالِكه مَا فقدت وَوَاحِد من الْمُسلمين حَيّ فكلهم مملوكون لَك فهم يفدونك بِأَنْفسِهِم
(4/90)

- 1 الْإِعْرَاب فتسكن جَوَاب الِاسْتِفْهَام فنصبه بِالْفَاءِ الْغَرِيب الفراديس مَوضِع بِالشَّام الْمَعْنى يَقُول على عَادَة الْعَرَب فِي مُخَاطبَة الوحوش وَالسِّبَاع لِمَكَانِهِمْ من الْبَريَّة لأسود هَذَا الْمَكَان هَل يكون من جاورك عَزِيزًا مكرما فتسكن نَفسِي إِلَى جوارك أم يكون ذليلا مخذولا
2 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أطلب جوارك لآمن من الَّذين أَخَافهُم وَأحذر مِنْهُم
3 - الْغَرِيب الْحلف المعاقدة والمعاهدة وَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ قبل الْإِسْلَام بترك الرجل عشيرته ويحالف غَيرهم ليحموه من عدوه الْمَعْنى يَقُول لَو حالفتني لأتاك الرزق فَحذف لدلَالَة أول الْكَلَام على آخِره أَي هَل لَك رَغْبَة فِي عهدي فَأَنا أعلم بِأَسْبَاب الْمَعيشَة مِنْك 4 الْغَرِيب أثريت من الثرى وَهُوَ كَثْرَة المَال والوجهة الْجِهَة والموضع الْمَعْنى يَقُول إِن رغبت فِي جواري أقبل إِلَيْك الْخَيْر والرزق وَكثر عنْدك المَال مِمَّا تغنمينه من الصَّيْد وأكسبه من المَال وَالْغنيمَة وَلَوْلَا أَن من تقدمني شرح هَذَا المقاطيع لما ذكرتها لِأَنَّهَا من الشّعْر الرَّدِيء بَارِدَة العاني وَلَا رونق لَهَا وَلَا معنى حسن وَإِنَّمَا اقتديت بِمن سبقني وَلَوْلَا ذَلِك لتركت الارتجال كُله
(4/91)

- 1 الْمَعْنى يَقُول هَذِه اللعبة لَيست تشَاء شَيْئا فتنقل قدمهَا فِيهِ ويروى مَشِيئَة تَصْغِير مشْيَة وَهِي لَا تَشْتَكِي الْأَلَم من دورانها لِأَنَّهَا يديرها سواهَا
2 - الْمَعْنى يَقُول لم أر شخصا قبل هَذِه يفعل أفعالها يَعْنِي من الدوران
3 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْبَيْت يُنَاقض الأول لِأَنَّهُ وصفهَا بِأَنَّهَا لَا تشَاء وَلَا تحس بألم ثمَّ جعلهَا تطرب لَا بتسام الممدوح وَلَيْسَ بِعَيْب فِي صناعَة الشّعْر لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على الْمحَال
243

- 1 الْإِعْرَاب لَا افتخار أَرَادَ أَن يَقُول لَا افتخار بِالْفَتْح كَقَوْلِك لَا رجل فِي الدَّار وَإِنَّمَا الرّفْع جَائِز مَعَ النَّفْي بِلَا إِذا عطف عَلَيْهِ فيرفع وينون كَقَوْلِك لَا رجل فِي الدَّار وَلَا امْرَأَة وَإِنَّمَا أجَازه بِغَيْر عطف لِأَنَّهُ جعل لَا بِمَعْنى لَيْسَ كبيت الْكتاب
(مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِها ... فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ)
(4/92)

وَقَوله لمن نكرَة وجر صفتهَا كَقَوْلِك مَرَرْت بِمن عَاقل أَي بِإِنْسَان عَاقل وكقول الآخر
(إِنِّي وَإيَّاكَ إذْ حَلَّتْ بأرْحُلِنا ... كمَنْ بواديِهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورِ)
فدخول رب عَلَيْهِ يُؤَيّد أَنه نكرَة الْمَعْنى يَقُول لَا فَخر إِلَّا لمن لَا يظلم بامتناعه من الظُّلم وعزته وقوته فَهُوَ إِمَّا أَن يدْرك مَا طلبه بِغَيْر حَرْب أَو يحارب وَلَا ينَام وَلَا يغْفل حَتَّى يدْرك مَا طلبه
2 - الْمَعْنى يَقُول العازم على الشَّيْء لَا يقصر عَنهُ وَإِذا قصر فِيهِ لم يكن ذَلِك عزما وَكَذَلِكَ مَا مَنعك الظلام عَن طلبه لَيْسَ ذَلِك همة لِأَن العازم إِذا هم بِأَمْر لم يعقه دونه شَيْء
3 - الْغَرِيب تضوى تهزل وَغُلَام ضاو وَامْرَأَة ضاوية وَفِيهِمَا ضوى الْمَعْنى يَقُول الصَّبْر على الْأَذَى وإبصار من يَفْعَله غذَاء ينْحل مِنْهُ الْبدن أَي أَنه يشق على الْإِنْسَان حَتَّى يُؤْذِيه النحول
4 - الْإِعْرَاب رفع أخف لِأَنَّهُ خبر مقدم تَقْدِيره الْحمام أخف مِنْهُ الْغَرِيب غبطت الرجل أغبطه إِذا تمنيت أَن تكون مثله من غير أَن تتمنى زَوَال مَاله وَالْحمام الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول الْحَيَاة فِي الذل لَا يطْلبهَا عَاقل والحياة فِي الذل الْمَوْت خير مِنْهَا فَمن عَاشَ ذليلا لم يغبط بحياته وَإِنَّمَا يغبط على الْحَيَاة فِي الْعِزّ وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم إِذا لم تتصرف النُّفُوس فِي شهواتها ومرادها فِي فحياتها موت ووجودها عدم وَمن قَول تأبط شرا
(هُما خُطَّتا إمَّا إسارٌ وَمِنَّةٌ ... وَإمَّا دَمٌ وَالقَتْلُ بِالحُرّ أجْدَرُ)

5 - الْمَعْنى الْحلم إِنَّمَا يحسن مَعَ الْقُدْرَة وَأما من لَا قدرَة لَهُ فاعتصامه بالحلم حجَّة للؤمه واللئام يسمون عجزهم عَن مُكَافَأَة الْعَدو حلما وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(إنَّ منَ الحِلْمِ ذُلاً أنْتَ عارِفُهُ ... وَالحِلمُ عنْ قُدْرَة فَضْلٌ مِنَ الكَرَمِ)
وَقد نَقله أَبُو الطّيب من كَلَام الْحَكِيم الْفرق بَين الْحلم وَالْعجز أَن الْحلم لَا يكون إِلَّا عَن قدرَة وَالْعجز لَا يكون إِلَّا عَن ضعف فَلَيْسَ للعاجز أَن يتسمى باسم الْحَلِيم وَهُوَ عَاجز
(4/93)

- الْمَعْنى يَقُول الْإِنْسَان إِذا كَانَ هينا فِي نَفسه سهل عَلَيْهِ احْتِمَال الهوان كالميت الَّذِي لَا يتألم بالجراحة وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَلَو خرس بعده كلفاه وَهُوَ من قَول جَابر بن مُوسَى الْحَنَفِيّ
(إذَا مَا علا المَرْءُ رَامَ العُلا ... وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كانَ دُونا)

7 - الْغَرِيب ضَاقَ ذرعا بِكَذَا إِذا لم يطقه وَهُوَ من الذِّرَاع وَأَصله أَن يمد الرجل ذراعه إِلَى شَيْء فَلَا يصل إِلَيْهِ فَيُقَال ضَاقَ ذرعا كَمَا يُقَال حسن وَجها الْمَعْنى يَقُول الزَّمَان عَاجز أَن يحملني مَالا أحتمله فلست أضيق مِنْهُ ذرعا وَإِن كثرت ذنُوبه وإساءته إِلَيّ وَقد وجدني الْكِرَام كَرِيمًا واستكرمتني أَي وجدتني كَرِيمًا صبورا على نَوَائِب الدَّهْر
8 - الْإِعْرَاب وَاقِفًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ نصب على الْحَال الْغَرِيب الأخمصان للقدم هما باطناه الْمَعْنى يَقُول أَنا وَإِن كنت فَوق جَمِيع الْأَنَام فَإِنِّي فِي تِلْكَ الْحَال وَاقِف تَحت أخمصي همتي لم أبلغ مَا بلغته همتي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح نَفسِي عالية فِي السَّمَاء وَإِن كَانَ جسمي يرى بَين النَّاس فَأَنا وَاقِف تَحت قدر نَفسِي والأنام وقُوف تَحت أخمصي
9 - الْغَرِيب الشرار مَا تطاير من النَّار واحده شرارة والشرر مثله واحده شررة وَتجمع الشرارة على شرائر أَيْضا وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(وَمَرْوَةٌ تُطَيَّرُ الشَّرائِرَا ... )
والمرام الْمطلب الْمَعْنى يَقُول لَا أستلذ الْقَرار على شرار النَّار أَي لَا أَصْبِر على مقاساة الذل وَلَا أبغي مطلبا مَا دَامَ ظلمي يرام وَيطْلب فَأَنا لَا أطلب مراما دون دفع الضيم عَن نَفسِي ويروى أنفي أَي أترك وَالْكثير أبغي بالغين
(4/94)

- الْإِعْرَاب الشآم الشَّام وَأَصله الْهَمْز لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْيَد الشؤمى وَهِي الشمَال وَذَلِكَ أَنَّك إِذا وقفت بِمَكَّة مُسْتَقْبلا مطلع الشَّمْس كَانَ الشَّام عَن شمالك واليمن عَن يَمِينك الْغَرِيب الْحجاز من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة ونجد أَرض بَين الْكُوفَة والحجاز وَالْعراق الأول من الْكُوفَة إِلَى حلوان عرضا وَمن تكويت إِلَى الْبَحْر طولا وَالْعراق الثَّانِي من حلوان إِلَى الرّيّ وَهُوَ عراق الْعَجم وَالشَّام من غَزَّة إِلَى الْفُرَات طولا الْمَعْنى يَقُول لَا ألذ قرارا دون أَن تشرق هَذِه الْمَوَاضِع بِالرِّمَاحِ وَأَن أملأ الْبِلَاد بِالْخَيْلِ وَالرجل وأقاتل الْمُلُوك وآخذ بِلَادهمْ ولعلها قد كَانَت لِآبَائِهِ فاغتصبت مِنْهُم وَهَذَا من حماقته الْمَعْرُوفَة وَلَا بُد لَهُ فِي كل قصيدة من هَذَا
11 - الْغَرِيب القمقام السَّيِّد والقمقام الْعدَد الْكثير والقمقام الْبَحْر قَالَ الفرزدق
(فَغَرِقْتُ حينَ وَقَعْتُ فِي القُمْقام ... )
والأصيد الْملك الْعَظِيم الَّذِي لَا يلْتَفت كبرا وَالضَّرْب الْخَفِيف اللَّحْم والهمام الَّذِي ينفذ مَا يهم بِهِ الْمَعْنى يُرِيد شَرق الجو بالغبار إِذا سَار الممدوح نَحْو الْأَعْدَاء لِأَنَّهُ ذكى جعد أَي كريم وَإِذا ذكر الْجَعْد مُضَافا لِلْيَدَيْنِ كَانَ بِمَعْنى الْبَخِيل وَإِذا ترك بِغَيْر إِضَافَة كَانَ بِمَعْنى الْكَرِيم والسرى من السرُور وَهُوَ سخاء فِي مُرُوءَة تَقول سرو يسري وسرى بِالْكَسْرِ يسري سروا فيهمَا وسرويسر وسراوة إِذا صَار سريا قَالَ الشَّاعِر
(تَلْقى السَّريَّ منَ الرْجالِ بِنَفْسهِ ... وَابنُ السَّرِي إذَا سَرَى أسْرَاهُما)

13 - الْمَعْنى يَقُول الَّذِي صروف الزَّمَان قد أسرها وحبسها عَن النَّاس فَلَا يتَمَكَّن من إِحْدَاث شَيْء إِلَّا بِمَا يُريدهُ وَلَا يُصِيب أحدا بل لَا ينفع وَلَا يضر إِلَّا بِإِذْنِهِ
14 - الْإِعْرَاب جودا نصب على الْمصدر أَي يجود جودا يدل عَلَيْهِ ظَاهر الْكَلَام الْمَعْنى يَقُول هَذَا يبْذل المَال ليصير معلا وَيصير ذَلِك دَوَاء من الدَّاء الَّذِي هُوَ الْإِكْثَار فَكَأَن أَمْوَاله الْكَثِيرَة دَاء لَهُ وسقام
(4/95)

- الْإِعْرَاب فِي عُيُون أعدائه ظرف لأقبح لَا لحسن قدمه عَلَيْهِ كَقَوْلِك زيد فِي الدا أحسن مِنْك فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ حسن وَسكت ثمَّ قَالَ فِي عُيُون أعدائه أقبح الْغَرِيب السوام المَال المرعى الْمَعْنى يَقُول هُوَ أقبح فِي عُيُون أعدائه من ضَيفه فِي عُيُون مَاله الرَّاعِي لِأَنَّهُ ينْحَر إبِله للأضاف فَهِيَ تكرههم وَهَذَا كَمَا قيل فِي الضَّيْف
(حَبِيب إِلَى كَلْبِ الكَرِيمِ مُناخُهُ ... بَغِيض إِلَى الكْوماءِ وَالكَلبُ أبْصَرُ)
قَالَ أَبُو الْفَتْح يُمكن أَن يكون فِي عُيُون أعدائه ظرفا لحسن فَالْمَعْنى هُوَ فِي عُيُون أعدائه حسن إِن قيل كَيفَ يكون حسنا فِي عُيُون أعدائه وأقبح من ضَيفه إِذا رَأَتْهُ الْإِبِل لِأَنَّهُ يذبحها للأضياف فَهِيَ تكرههم فَجَوَابه أَن أعداءه يرونه حسن الصُّورَة قَبِيح الْفِعْل بهم فهم يرونه حسنا وقبيحا وَفِي الأول قبيحا لَا غير
16 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لَو كَانَ سيدا محميا من الْمَوْت لحماك وحفظك مِنْهُ إجلال النَّاس إياك وإعظامهم لَك أَي إِنَّهُم يفدونك بنفوس من الْمَوْت لَو قبل الْمَوْت فدَاء فَكنت لَا تَمُوت قَالَ وَقَالَ ابْن دوست لأَنهم يهابونك فَلَا يقدمُونَ عَلَيْك وَلَيْسَ الْمَعْنى فِي إجلال النَّاس إِيَّاه مَا ذكر لِأَنَّهُ لَيْسَ كل الْمَوْت الْقَتْل حَتَّى يَصح مَا ذكره
17 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ عَن عوار فَقَالَ أردْت السيوف ودينها الْحل حَتَّى لَا تتحرج عَن شَيْء وإحرامها تجريدها من الأغماد
18 - الْإِعْرَاب رفع بِسم لِأَنَّهُ أجْرى الْكَلِمَة مَعَ الْبَاء بِمَنْزِلَة كملة وَاحِدَة فَرَفعهَا كَمَا أنْشد الغراء
(فَلا وَاللهِ لَا يُلْفِي لما بِي ... وَلا لِلِمَابِهِمْ أبَداً دَوَاءُ)
وَأنْشد الآخر
(وَكاتِبٍ قَطَّطَ أقْلاما ... وَخَطَّ بِسمْا ألِفا وَلاما)
وَمن قَالَ بِسم بالخفض وخفضه بِالْبَاء فَهُوَ قَبِيح جدا أَن يَجْعَل مَا لَيْسَ من الْكَلِمَة كالجزء مِنْهُ وَترك صرف قيس لِأَنَّهُ ذهب بِهِ إِلَى الْقَبِيلَة
(4/96)

الْمَعْنى يُرِيد لَا يُسمى عِنْد تَسْمِيَة الْمجد غير قيس فَيكْتب بِسم الله ثمَّ اسْم هَذِه الْقَبِيلَة ثمَّ السَّلَام الَّذِي يكْتب فِي أَوَاخِر الْكتب فَأَرَادَ أَن الْمجد انْتهى إِلَى هَذِه الْقَبِيلَة وَفرغ من السَّلَام
19 - الْغَرِيب النعام تشْتَهي الْجَمْر لفرط برودة فِي طبعها وجمرات الْعَرَب ثَلَاث بنوضبة بن أد وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو نمير بن عَامر فطفئت مِنْهُم جمرتان طفئت ضبة لِأَنَّهَا حالفت الربَاب وطفئت بَنو الْحَارِث لِأَنَّهَا حالفت مذْحج وَبقيت بَنو نمير لم تطفأ لِأَنَّهَا لم تحالف وكل قَبيلَة كَانُوا كلهم يدا وَاحِدَة وَلم يحالفوا غَيرهم فهم جَمْرَة وَقيل الجمرات عبس والْحَارث وضبة وهم إخْوَة لأم وَذَلِكَ أَن امْرَأَة من الْيمن رَأَتْ فِي الْمَنَام أَنه خرج من فرجهَا ثَلَاث جمرات فَتَزَوجهَا كَعْب بن عبد المدان رجل من الْيمن فَولدت لَهُ الْحَارِث بن كَعْب وهم أَشْرَاف الْيمن ثمَّ تزَوجهَا بغيض بن ريث فَولدت لَهُ عبسا وهم فرسَان الْعَرَب ثمَّ تزَوجهَا أد فَولدت لَهُ ضبة فجمرتان فِي مُضر وجمرة فِي الْيمن الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم أَصْحَاب بَأْس وشجاعة فَلَا يقدر أحد أَن يُضَاف لكم لأنكم أَفْخَر النَّاس كرما وشجاعة
20 - الْغَرِيب كل ليل طَال من مرض أوهم فَهُوَ تَمام وَأكْثر مَا جَاءَ ليل التَّمام بِالْألف وَاللَّام وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ للقافية وَإِلَّا فقد تمّ الْكَلَام بِدُونِهِ الْمَعْنى يَقُول يوقدون النَّار بِاللَّيْلِ للقرى فالليل كُله صبح لزوَال الظلام والإصباح ليل لأَنهم يوقدون بِالنَّهَارِ النَّار لأجل الْقرى وَإِن ضيافتهم لَا تَنْقَطِع لَيْلًا وَلَا نَهَارا فدخان النَّار يستر ضِيَاء الشَّمْس وَيجوز أَن يُرِيد أَنهم يغيرون فِي النَّهَار ويحاربون فيزول نور النَّهَار بالغبار وَهُوَ معنى حسن وَقد أَخذه الحيص بيص بقوله
(نَفى وَاضحَ التشْرِيقِ عنْ شَمْسِ أرضِهِ ... دُخانُ قُدورٍ أوْ عجاجَةُ قَسْطَلِ)

21 - الْمَعْنى يَقُول لكم همم عالية قد بلغتكم أَعلَى الْمَرَاتِب مَرَاتِب لاتبلغها الوهام وَلم يخْطر فِي وهم أحد أَنه يبلغهَا
22 - الْغَرِيب الانبراء التَّعَرُّض للشَّيْء والنفاد الفناء قَالَ الله تَعَالَى {لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي}
(4/97)

الْمَعْنى يَقُول وَلكم نفوس إِذا تعرضت للحرب أنفدتها الْحَرْب وإقدامها لم ينفذ وَقَالَ الواحدي يعلمُونَ النَّاس الْإِقْدَام فيفنون وإقدامهم بَاقٍ
23 - الْغَرِيب موطنات مسكنات والروع هُنَا الْحَرْب وَلم يرد الْفَزع والاقتحام الدُّخُول فِي الْحَرْب والاستسلام طلب الصُّلْح الْمَعْنى يَقُول هم شجعان يقتحمون الْمَوْت وَقد عودوا أنفسهم الْإِقْدَام فكأنهم لَا سترسالهم وانبساطهم على الْحَرْب يطْلبُونَ الصُّلْح وَالسّلم
24 - الْغَرِيب الشطبة الْفرس الطَّوِيلَة وبراها هزلها وأنحلها الْمَعْنى يَقُول يقودون إِلَى الْحَرْب كل فرس طَوِيلَة وحصان لِكَثْرَة مُلَازمَة الْحَرْب قد نحلت
25 - الْغَرِيب التمتام الَّذِي يتَرَدَّد لِسَانه بِالتَّاءِ وَامْرَأَة تمتامة وَقيل التمتام الَّذِي يعجل بالْكلَام وَقيل الَّذِي تسبقه كملته إِلَى حنكه الْأَعْلَى والفأفاء الَّذِي يتَرَدَّد لِسَانه بِالْفَاءِ الْمَعْنى يَقُول خيولهم تعثر برءوس الْقَتْلَى فيمنعها ذَلِك من الْعَدو منعا شَدِيدا كتردد التمتام فِي التَّاء إِذا حاول النُّطْق بهَا يُرِيد من كَثْرَة الْقَتْل لم يبْق للخيل مجَال إِلَّا بَين رُؤُوس الْقَتْلَى
26 - الْغَرِيب الكرائه جمع كريهة وَهِي فعلية فِي معنى مقتولة والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة مَا يقاسي فِي الْحَرْب ولازمها يكَاد السَّيْف أَن يَقُول كَمَا أَقُول وَيشْهد لقولي بانفلاله قَالَ الواحدي فَجعل ذَلِك كالقول من السَّيْف قَالَ وَلم يعرف ابْن دوست الْمَعْنى فَقَالَ السَّيْف قَالَ فِيك مَا أَقُول من الْمَدْح بالشجاعة
27 - الْغَرِيب الصفائح جمع صفيحة وَهِي السيوف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتَغْنَيْت بسيوفك عَن نصْرَة النَّاس لَك ثمَّ استعنيت بأقلامك عَن سيوفك لما اسْتَقر من الهيبة لَك فِي قُلُوب النَّاس فلست تحْتَاج مَعهَا إِلَى السيوف وَقَالَ ابْن دوست كفتك سيوفك النَّاس من العساكر وَغَيرهَا حَتَّى اسْتَغْنَيْت عَنْهُم وَلم تحتج إِلَيْهِم وَهَذَا فِيهِ ضعف لِأَن السيوف تحْتَاج إِلَى من يحملهَا ليحصل لَهُ الهيبة وَهِي بمجردها لَا تكفيه النَّاس ويروى الباس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالْمعْنَى كفتك سيوفك الْحَرْب
(4/98)

- الْغَرِيب التجارب جمع تجربة وَهِي التجريب والإلهام مَا يلهمه الله الْمَعْنى يَقُول لم تزل تعْمل التجارب حَتَّى انطبعت على الصَّوَاب فصرت تَأتيه كالملهم الَّذِي ألهمه الله الصَّوَاب فكفاك إلهام الله الصَّوَاب التجارب وَهَذَا وَمَا قبله من قَول البحتري
(يَوْمَ أرْسَلْتَ منْ كتائِبِ آرَائِكَ ... جُنْداً لَا يَأخُذُونَ عَطاء)

(وَيَوَدُّ الأعْدَاءُ لوْ تُضْعِفُ الجَيْشَ ... عَلَيْهمْ وَتَصْرِفُ الآرَاءَ)

29 - الْغَرِيب البرَاز المبارزة وَهِي أَن يبارز الرجل قرنه الْمَعْنى يَقُول من طلب مبارزتك بقتْله لَا يلام على ذَلِك لِأَنَّهُ يطْلب الْفَخر بِكَوْنِهِ قرنا لَك فَإِن قتلته كَانَ فخرا لَهُ فَلَا يلام عَلَيْهِ فَيسْتَحق الْفَخر بِهَذَا حَتَّى يَقُول النَّاس قد قدر على مبارزته
30 - الْمَعْنى يَقُول لَو لم ينل غير النّظر إِلَيْك لَكَانَ فقره منعما عَلَيْهِ أَي لما كَانَ فقره سَببا إِلَى إبصارك كَانَ فقره منعما عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن الْفَقِير إِذا سَاقه إِلَيْك الْفقر كَانَ فقره منعما عَلَيْهِ برؤيتك لِأَن رؤيتك الْغَايَة وَالْمطلب لمن رَآهَا
31 - الْمَعْنى يَقُول الرَّأْس خير عُضْو فِي الْإِنْسَان لِأَنَّهُ مجمع الْحَواس وَفِيه مَحل الْعقل وَلَكِن صَارَت الْأَقْدَام أفضل مِنْهَا لقصدك إياك وَهَذَا كَقَوْلِه أَيْضا
(فإنَّ الفِئامَ الَّتِي حَوْلَهُ ... لَتَحْسُدُ أرْجْلَها الأرْؤُسُ)

32 - الْغَرِيب الْوَفْد اسْم جنس وهم الوافدون على الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول لما ازدحمت عَلَيْك الْوُفُود وازدحمت عطاياك عَلَيْهِم أقصرت عَنْك وَقد بَينه فِيمَا بعده
33 - الْمَعْنى يَقُول أقصرت عَنْك خوفًا إِن صرت فِي يَمِينك أَن تأخذني الْوُفُود فِي بعض
(4/99)

هباتك يُشِير إِلَى كَثْرَة عطاياه حَتَّى يخَاف شاعره وزائره أَن يُؤْخَذ فِيمَا يُؤْخَذ من الْهِبَة وَهُوَ كَقَوْل البحتري
(وَمَنْ لَوْ تُرَى فِي مِلْكِهِ عُدْتَ نائلا ... لأوَّلِ عافٍ مِنْ مُرِجَيَّهِ مُقْتِرِ)

34 - الْإِعْرَاب على الْقرب تمّ الْكَلَام عِنْده ثمَّ اسْتَأْنف مَا بعده الْمَعْنى يَقُول كنت بِالْقربِ فَلم أزره فَلَمَّا بَعدت عَنهُ زرته يَقُول من إِصَابَة الرشد أَن لم أزرك وَأَنا على الْقرب مِنْك لِأَن حق الزِّيَارَة إِنَّمَا يعرف إِذا كَانَ بعد
35 - الْغَرِيب البطء اسْم من الإبطاء وَهُوَ التَّأَخُّر والسيب الْعَطاء والجهام السَّحَاب الَّذِي لَا مَاء فِيهِ الْمَعْنى بطء سيبك عني مَحْمُود غير مَذْمُوم والسحاب إِذا قل مَاؤُهُ وصف بِسُرْعَة السّير
36 - الْغَرِيب الود بِالْفَتْح التَّمَنِّي وبالضم الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول للممدوح قل وَتكلم فَإِن الْجَوْهَر المنظوم يتَمَنَّى أَن يكون كلَاما لَك لحسن نطقك وَبَيَان كلامك
37 - الْمَعْنى يَقُول اللَّيْل وَالنَّهَار يخافانك يمتثلان أَمرك ونهيك فَلَو نهيتهما عَن الْمُرُور لم يمرا أَي لَو أَشرت إِلَى الدَّهْر وأمرته أَن يقف لوقف
38 - الْمَعْنى يَقُول الله يَكْفِيك كل شَرّ وغائله وَأَنت مَعَ الْحق لَا تضل عَنهُ والآثام لَا تصل إِلَيْك لِأَنَّك لَا تَأتي مَا تأثم بِهِ
39 - الْغَرِيب الدنايا جمع دنية الْمَعْنى يَقُول أَنْت تقدم على المهالك وكل شَيْء وَلَا تتفكر فِي عَاقِبَة شَيْء إِلَّا مَا كَانَ من دنية أَو شَيْء حرَام فَإنَّك لَا تقدم عَلَيْهِ يُرِيد لم تفعل ذَلِك وروى أَبُو الْفَتْح أَو مَا بِأَلف الِاسْتِفْهَام وَقَالَ لإفراطك فِي توقي الدنايا صَار كَأَنَّك لَا حرَام عَلَيْك غَيرهَا يُرِيد أَنه لَا بتفكر فِي عَاقِبَة شي سوى الدنايا
(4/100)

وَقَالَ الْخَطِيب إِلَّا فِي أَمر دنيء يهاب أَن يَفْعَله أَو ماعليك حرَام أَو مَا هُوَ عَلَيْك حرَام فَحَرَام خبر الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف وَلَو كَانَت القافية مجرورة لجَاز جر حرَام وَتجْعَل مَا نكرَة وَيكون التَّقْدِير فِي غير الدنايا أَو شَيْء عَلَيْك حرَام وَإِذا رفع حرَام جَازَ أَن تكون مَا معرفَة ونكرة وَقَالَ ابْن القطاع لم تلقى نَفسك فِي المهالك أَو مَا تظن أَن ذَلِك حرَام يُشِير إِلَى شجاعته
40 - الْمَعْنى يَقُول ينهاك عَن مُوَاصلَة من يعذرك فِي حبه كل أحد لنفاسته وَحسنه تقاك والمعتى كم حبيب يسْتَحق المواصلة وَلَا يلام على مواصلته تقاك ينهاك عَنهُ حَتَّى كَأَن التَّقْوَى لوام تلومك فِي وَصله يصفه بتقوى الله وخشيته وأكده بقوله الْبَيْت بعده
41 - الْغَرِيب أصل التَّنَزُّه التباعد عَن السوء وَفُلَان ينزه عَن الأقذار ونزه نَفسه عَنْهَا أَي تبَاعد والجسام الْعِظَام الْمَعْنى يَقُول تباعدك عَن الآثام رفع قدرك عَن مواصلته وَصرف قَلْبك عَنهُ الْأُمُور الْعَظِيمَة الَّتِي تسْعَى فِيهَا
42 - الْغَرِيب القريض الشّعْر وَهُوَ مَأْخُوذ من قرض الشَّيْء إِذا قطعه كَأَن الْإِنْسَان يقطعهُ من فكرة وَفِي الْمثل حَال الجريض دون القريض قيل هُوَ قَول عبيد ابْن الأبرص لما لقِيه عمر وبن هِنْد فِي بؤسه فَقَالَ لَهُ أَنْشدني أقفر من أَهله ملحوب فَقَالَ حَال الجريض دون القريض وَهَذَا يهذي هذاء وهذيانا إِذا قَالَ قولا لَا فَائِدَة لَهُ وَالْأَحْكَام جمع حكم بِمَعْنى الْحِكْمَة الْمَعْنى يَقُول بعض الشّعْر هذيان وَبَعضه حِكْمَة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِن من الشّعْر لحكما أَي حِكْمَة
43 - الْغَرِيب برع وبرع بِالْفَتْح وَالضَّم بارعة فاق أَصْحَابه فِي الْعلم فَهُوَ بارع والبرسام عِلّة مَعْرُوفَة يُقَال برسم إِذا خلط فِي مَرضه الْمَعْنى هُوَ تَفْسِير للبيت الَّذِي قبله أَي من الشّعْر مَا يكون عَن فضل وَمَعْرِفَة وَمِنْه مَا يكون عَن مرض وجنون فَهَذَا هذيان كهذيان المبرسم
(4/101)

- 1 الْغَرِيب الْأَحْدَاث جمع حدث وَهِي المصائب والبطش الْأَخْذ بِغَلَبَة وَقُوَّة الْمَعْنى يَقُول لَا أَحْمد الْحَوَادِث وَلَا أذمها فَإِنَّهَا إِذا بطشت بِنَا لم يكن ذَلِك جهلا مِنْهَا وَإِذا كفت عَن الضّر لم يكن ذَلِك حلما مِنْهَا لِأَن الْفِعْل فِي هَذَا كُله لله عز وَجل وَإِنَّمَا تنْسب الْأَفْعَال إِلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز والاستعارة
2 - الْغَرِيب بَدَأَ الشَّيْء وأبدأ وَالله بَدَأَ الْخلق وأبدأهم ويكرى ينقص وأكرى زَاد وَنقص من الأضداد وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي للبيد
(كذِى زَادٍ مَتى مَا يُكْرِمَنْهُ ... فَلَيْسَ وَرَاءَ هـ ثِقَةٌ بِزَادِ)
الْمَعْنى يَقُول كل أحد لَا بُد لَهُ من أَن ينقص كَمَا زَاد وَيرجع إِلَى حَاله الأول كَقَوْلِه تَعَالَى {ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين} فَلَا ذَنْب للمصائب حَتَّى أذمها أَو أمدحها
3 - الْغَرِيب الوصم الْعَيْب وَلَك الله دُعَاء لَهَا وحبيبها يَعْنِي نَفسه الْمَعْنى يَدْعُو لَهَا وَيَقُول هِيَ مفجوعة قلتهَا شوقها إِلَيْهِ وَلم يلْحقهَا عيب لِأَنَّهَا اشتاقت إِلَى وَلَدهَا وَلم تشتق حبيبا ينالها بشوقه عيب وَإِنَّمَا اشتاقت من تئاب على شوقه وَلَيْسَ الْأجر إِلَّا بِالصبرِ عَلَيْهِ
4 - الْغَرِيب الكأس الْمَوْت وَهِي مُؤَنّثَة قَالَ الله تَعَالَى {بكأس معِين بَيْضَاء}
(4/102)

وَقَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت
(مَنْ لمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَما ... لِلْمَوْتِ كَأسٌ فالمَرْءُ ذَائِقُها)
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي لَا تسمى الكأس كأسا إِلَّا وفيهَا الشَّرَاب وَجَمعهَا كؤوس وأكؤس وكئاس الْمَعْنى يَقُول أحن إِلَى الْمَوْت الَّذِي شربت كأسه فَلَا أحب الْبَقَاء بعْدهَا وَأحب لأجل مقَامهَا التُّرَاب وَمَا ضمه يَعْنِي شخصها أَو كل مدفون فِي التُّرَاب يجوز أَن يكون يحب التُّرَاب حَيا للدفن فِيهِ وَيجوز أَن يحب التُّرَاب لِأَنَّهَا فِيهِ
5 - الْمَعْنى يَقُول كنت أبْكِي عَلَيْهَا فِي حَيَاتهَا خوفًا من فقدها فتغربت عَنْهَا فطال تغربي فثكلتها قبل الْمَوْت وثكلتني وَفِي المصراع الأول نظر إِلَى بَيت الحماسة
(فأبْكى إنْ نَأوْا شَوْقا إليِهمْ ... وَأبْكى إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِرَاقِ)

6 - الْغَرِيب أَجدت بِمَعْنى جدت والصرم الْبعد والقطيعة الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لَو كَانَ الهجر يقتل كل محب لقتل بَلَدهَا يَعْنِي أَن الْبَلَد كَانَ يُحِبهَا لافتخاره بهَا وَلَكِن الهجر إِنَّمَا يقتل بعض المحبين دون بعض وَقد نفى فِي هَذَا الْبَيْت مَا أثْبته فِي قَوْله
(لَا تَحْسَبُوا رَبْعَكُمْ وَلا طَلَلَه ... أوَّلَ حَيّ فِرَاقُكُمْ قَتَلَهْ)

7 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَنَافِع الْأَحْدَاث أَن تجوع وَأَن تظمأ وَهَذَا ضار بغَيْرهَا لِأَن جوعها وعطشها أَن يهْلك النَّاس فتخلو مِنْهُم الدُّنْيَا كَقَوْلِه
(كالمَوْتِ لَيْسَ لَهُ رِيٌّ وَلا شِبَعُ ... )
وَقَالَ ابْن فورجة الضَّمِير فِي مَنَافِعهَا للجدة المرثية يَعْنِي أَنَّهَا كَانَت قَليلَة الْمطعم تُؤثر بطعامها على نَفسهَا وتجوع لينْتَفع غَيرهَا وَتمّ الْكَلَام ثمَّ جعل المصراع الثَّانِي مُفَسرًا للْأولِ فَقَالَ غذاؤها فِي جوعها وريها فِي عطشها لِأَن سرورها بإطعام غَيرهَا يقوم مقَام شبعها وريها وَقَالَ الواحدي أما كَلَام ابْن جنى فَلَا وَجه لَهُ وَلَا وَجه لجوع الْأَحْدَاث وظمها على مَا ذكر وَأما قَول ابْن فورجة فَيصح على تَقْدِير مَنَافِعهَا مَا ضرّ فِي نفع غَيرهَا وَهُوَ الْجُوع والعطش بايثار غَيرهَا بِالطَّعَامِ وَالشرَاب وَذَلِكَ ينفع غَيرهَا فَهَذَا صَحِيح من هَذَا الْوَجْه غير أَن الأولى رد الْكِنَايَة على الْأَحْدَاث والليالي لَا إِلَى الْجدّة وَالْمعْنَى مَنَافِع
(4/103)

اللَّيَالِي فِي مضرَّة غَيرهَا من النَّاس ثمَّ ذكر ذَلِك وَفَسرهُ فَقَالَ غذاؤها وريها فِي أَن تجوع أَيهَا الْمُخَاطب وتظمأ لولوعها بالإساءة بِنَا كَأَن ريها وشبعها فِي جوعنا وظمئنا ويروى نجوع ونظما بالنُّون فيهمَا على مَا ذكرنَا من التَّفْسِير وَيجوز أَن يكون تجوع وتظمأ بِالتَّاءِ خَبرا عَن اللَّيَالِي وَالْمعْنَى غذاؤها وريها جوعها وعطشها أَي لارى لَهَا وَلَا شبع لِأَنَّهَا لَا تروى وَلَا تشبع من إهلاك الْأَنْفس وإزهاق الْأَرْوَاح وَتَقْدِير الْبَيْت مَا ضرّ فِي نفع غَيرهَا مَا أثر فِي نفع غَيرهَا بِالضَّرَرِ كَأَنَّهُ قَالَ مَنَافِعهَا فِي ضرّ غَيرهَا
8 - الْمَعْنى يَقُول كنت عَالما بالليالي وتفريقها بَين الْأَحِبَّة قبل أَن تفعل بِنَا هَذَا التَّفْرِيق فَلَمَّا دهتني هَذِه الْمُصِيبَة لم تزدني بهَا علما وَهُوَ من قَول الْحَكِيم من نظر بِعَين الْعقل وَرَأى عواقب الْأُمُور قبل حلولها لم يجزع بحلولها وَمن قَول الْقَائِل
(حَلَّمَتْنِي زَعْمُتُم وَأرَانِي ... قَبْلَ هَذَا التَّحْليِمِ كُنْتُ حَليماً)
وَهُوَ أَيْضا من قَول بعض الْعَرَب وَقد مَاتَ وَلَده فَحسن عزاؤه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَمر كُنَّا نتوقعه فَلَمَّا وَقع لم ننكره
9 - الْغَرِيب التَّرَحِ الْحزن وترحه تتريحا أحزنه الْمَعْنى يَقُول كثر حزني بهَا فَكَأَنِّي مت عَلَيْهَا غما وَمَاتَتْ هِيَ من شدَّة سرورها بحياتي بعد إياسها مني
10 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بِهِ رَاجع إِلَى السرُور الْمَعْنى يَقُول السرُور حرَام عَليّ فإنني بعد مَوتهَا بالسرور أعده سما فأتباعد مِنْهُ وأحرمه على نَفسِي
11 - الْغَرِيب أغربة جمع غراب والأعصم الَّذِي فِي أحد جناحيه ريشة بَيْضَاء وَقيل هُوَ الَّذِي إِحْدَى رجلَيْهِ بَيْضَاء وَهُوَ قَلِيل الْوُجُود وأغربة جمع قلَّة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شبه الْبيَاض الَّذِي بَين الأسطر بالبياض فِي الْغُرَاب الأعصم وَقَالَ الْخَطِيب تعجبت من كتابي حَتَّى كَأَنَّهَا تنظر إِلَى مَالا يُوجد كالغراب الأعصم وَوجه تعجبها مِنْهُ أَنه سَافر عَنْهَا حَتَّى يئست مِنْهُ فَلَمَّا نظرت إِلَى كِتَابه أكثرت النّظر شغفا
(4/104)

بِهِ لَا عجبا حَقِيقِيًّا قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(غَضَبٌ أسَحٌّ مِنَ الغَمام الأسْحَمِ ... وَرِضاً أعَزُّ منَ الغُرَابِ الأعْصَمٍ)
وَلَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا شَاركهُ فِي لَفْظَة من أَلْفَاظ الْبَيْت
12 - الْغَرِيب اللثم الْقبْلَة يُقَال لثمت بِكَسْر الْعين وَبِفَتْحِهَا وَأنْشد الْمبرد قَول عمر بن أبي ربيعَة بِالْفَتْح
(فَلَثَمْتُ فاها آخِذا بِقُرُوِنها ... شُرْبَ النزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ)
والأنياب الْأَسْنَان وسحما سُودًا الْمَعْنى يَقُول لم تزل تقبل كتابي وتضعه على عينيها حَتَّى اسود مَا حول عينيها وأنيابها بمداده
13 - الْغَرِيب رقأ الدَّم والدمع يرقأ رقوءا إِذا انْقَطع وأرقأ الله عينه قطع دمعها وَأَصله الْهَمْز وإبدال الْهمزَة إِجْرَاء للوصل مجْرى الْوَقْف كَمَا يفعل حَمْزَة بن الزيات المقرى فِي وَقفه على المهموز الْمَعْنى يَقُول لما مَاتَت انْقَطع دَمهَا الْجَارِي على فراقي ويبست جفونها عَن الدمع وسلت حَتَّى بعد مَا أدْمى قَلبهَا
14 - الْمَعْنى يَقُول لم يسلها عني إِلَّا الْمَوْت وَالْمَوْت الَّذِي أذهب سقمها بالحزن لأجلي كَانَ أَشد من السقم وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(أقولُ وَقَدْ قالُوا اسْتَرَاحَ بِمَوْتِها ... منَ الكْرْبِ رُوحُ المْوتِ شَرّ من الكْرب)
وَمثله لَهُ
(أجارَكَ المَكْرُوهُ مِنْ مِثْلِهِ ... فاقِرَةٌ نَجَّتْكَ مِنْ فاقِرَهْ)

15 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَافَرت عَنْهَا لأفيد مَا يكون لَهَا حظا وسعة فقاتت هِيَ وَفَاتَ الْحَظ وَكَانَت راضية لَو أَنِّي رضيت لَهَا بذلك وروى بهَا وَنَقله الواحدي
16 - الْغَرِيب الاسْتِسْقَاء طلب السقيا من الله بالمطر والغمام السَّحَاب لِمَعْنى يَقُول كنت أستسقى الْحَرْب والقنا دِمَاء الْأَعْدَاء فصرت أستسقى الله
(4/105)

لقبرها على عَادَة الْعَرَب فِي الدُّعَاء للقبور سقيا السَّمَاء وَقَالَ الواحدي بعد مَا نقل هَذَا تركت الْحَرْب وجدا بموتها واشتغلت بِالدُّعَاءِ لَهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(وَبِرَغمِي أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الوُدَّ ... وَأهْدِي إلَيْكَ صَوْبَ الغَمامِ)

17 - الْمَعْنى يَقُول كنت قبل مَوتهَا أستعظم فراقها فَصَارَت حَادِثَة الْفِرَاق صَغِيرَة عِنْد مَوتهَا وَكَانَت قبله عَظِيمَة فَصَارَ مَوتهَا أعظم من فراقها
18 - الْغَرِيب هبيني اجعليني وَالْعرب تَقول وهبني الله فداءك أَي جعلني والثار الذحل وثأرت الْقَتِيل بالقتيل ثأرا وثؤورة أَي قتلت قَاتله قَالَ
(شفْيتُ بهِ نفْسِي وَأدرَكْتُ ثُوْتي ... بَنِي مالكٍ هَل كُنْتُ فِي ثُؤرَتي نِكسا)
والثائر الَّذِي لَا يبْقى على شَيْء حَتَّى يدْرك ثَأْره الْمَعْنى يَقُول اجعليني واحسبيني بِمَنْزِلَة من أَخذ ثأرك من الْأَعْدَاء لَو أَنهم قتلوك فَكيف آخذ ثأرك من هَذِه الْعلَّة وَفِيه نظر إِلَى قَول عمرَان بن حطَّان
(وَلمْ يُغْنِ عَنْكَ الموْتُ يَا حَمْزَ إذْ أَتَى ... رِجالٌ بِأيْديِهِم سُيُوفٌ قَوَاضِبُ)
وَأحسن فِيهِ أَبُو الْحسن التهامي
(لَوْ كُنْتَ تُمْنَعُ خاضَ نَحْوَكَ فِتيَةٌ ... مِنَّا بِحارَ عَوَامِلٍ وَشِفارٍ)

19 - الْمَعْنى يَقُول الْأَعْمَى تنسد المسالك عَلَيْهِ وَالدُّنْيَا لم تنسد عَليّ لضيقها بل هِيَ وَاسِعَة وَلَكِنِّي كالأعمى لفقدك فالمسالك عَليّ منسدة
20 - الْإِعْرَاب تَقول أكب زيد على الْأَمر وكبه الله لوجهه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه} وَفِي حَدِيث معَاذ وَهل يكب النَّاس فِي النَّار إِلَّا حصائد ألسنتهم بِفَتْح الْيَاء من الثلاثي وَالَّذِي أَرَادَ اللَّذين فَحذف النُّون لطول الِاسْم وَقَالَ قوم بلَى هِيَ لُغَة فِي تَثْنِيَة اللذ بِحَذْف الْيَاء فَإِنَّهُ يُقَال اللذا وَالَّذِي وأنشدوا عَلَيْهِ قَول الأخطل
(أبَنِي كلَيْبٍ إنَّ عمَّىَّ اللَّذَا ... كَسَرَا القُيُود وفَكَّكا الأغْلالا)
(4/106)

الْمَعْنى مَا أَشد حزني حَيْثُ إِنِّي غبت عَن وفاتك فَكنت لَا أنكب على رَأسك مُقبلا وعَلى صدرك اللَّذين ملئا حزامة وعقلا والدماغ مأوى الْعقل والصدر مأوى الرَّأْي
21 - الْغَرِيب الرّوح يذكر وَيُؤَنث فالتأنيث يُرَاد بِهِ النَّفس وَشَيْء ذكى وَذَاكَ شَدِيد الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول وَا أسفي أَنِّي لَا ألْقى روحك الطَّاهِر الَّذِي كَأَن جِسْمه الْمسك الذكي الشَّديد الرَّائِحَة
22 - الْغَرِيب الضخم الْعَظِيم وَالْجدّة تسمى أما وَتقوم فِي الْمِيرَاث مقَام الْأُم الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يكن أَبوك عَظِيم الْقدر فولادتك إيَّايَ بِمَنْزِلَة أَب عَظِيم تنسبين إِلَيْهِ إِذا قيل لَك أَنْت أم أبي الطّيب فَقَامَ ذَلِك مقَام نسب عَظِيم لَو لم يكن لَك نسب
23 - الْغَرِيب لذ طَابَ والشامت الْفَرح بمصيبة عدوه وشمت بِكَسْر الْعين يشمت شماتة وَبَات فلَان بليلة الشوامت أَي بليلة تشمت الشوامت وَقَوله بيومها أَي بِيَوْم مَوتهَا وَمِنْه لَا أَرَانِي الله يَوْمك الْمَعْنى يَقُول إِذا شمتوا بموتها فقد خلفت لَهُم مني من يرغم أنوفهم أَي يَجْعَلهَا فِي التُّرَاب ذلة وقهرا
24 - الْمَعْنى يَقُول ولدت مني رجلا تغرب أَي خرج من بَلَده إِلَى الغربة وَهُوَ لَا يستعظم أحدا إِلَّا نَفسه فَلهَذَا تغرب وَفَارق الَّذين كَانُوا يتعظمون عَلَيْهِ بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَلم يقبل حكم أحد إِلَّا حكم الله الَّذِي خلقه وَهُوَ من بَاب التكبر والحمق المعروفين لَهُ
25 - الْمَعْنى يَقُول وَلَا سالكا أَي لَا أسلك طَرِيقا إِلَّا قلب عجاجة اسْتعَار لَهَا قلبا وَلَا أجد طعما أستلذه إِلَّا طعم المكارم وَالْمعْنَى لَا أجد شَيْئا لذيذا إِلَّا الْحَرْب والمكارم
26 - الْإِعْرَاب مَا وَاقعَة على صِفَات من يعقل فَإِذا قَالَ مَا أَنْت فَالْمُرَاد أَي شَيْء أَنْت فَتَقول كَاتب أَو شَاعِر أَو فَقِيه قَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن فِرْعَوْن قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين وَمَا تبتغي أَي أَي شَيْء تبتغي وَمَا أَبْتَغِي ابْتِدَاء أَي فَقلت الَّذِي أَبْتَغِي جليل
(4/107)

الْمَعْنى يُرِيد أَنه كثير الْأَسْفَار فِي كل بَلْدَة وَأَنه يُقَال لَهُ مَال الَّذِي تطلبه فَيَقُول الَّذِي أطلبه أجل من أَن يذكر اسْمه يَعْنِي قتل الْمُلُوك والاستيلاء على ملكهم قَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ من قَول الآخر
(وَسائِلةٍ بالغَيْبِ عَنَّي وَسائِلٍ ... وَمنْ يَسألُ الصُّعُلوك أينَ مذاهبهُ)

27 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بَينهم رَاجع إِلَى الَّذين يَقُولُونَ مَا أَنْت حَكَاهُ الْخَطِيب وَقَالَ غَيره هُوَ رَاجع إِلَى الشامتين الْغَرِيب جلوب بِمَعْنى جالب الْمَعْنى يَقُول هم يبغضونني وَإِن بَينهم قد علمُوا أَنِّي أجلب الْيُتْم إِلَيْهِم من معادته بقتل آبَائِهِم فَلهَذَا أبغضوني
28 - الْغَرِيب الْجد الْحَظ وَالْبخْت والفهم معرفَة الْعُلُوم الْمَعْنى يَقُول جمع الضدين على يسير وَإِنَّمَا الصعب الَّذِي لَا أقد عَلَيْهِ الْجمع بَين الْجد والفهم لِأَن الْعقل وَالْعلم بتدبير الْأُمُور لَا يجْتَمع مَعَ الْحَظ فِي الدُّنْيَا وَالْجَاهِل الْمَحْفُوظ فِي الدُّنْيَا أسعد من الْعَالم وَمَا أحسن قَول حسان
(رُبَّ حلْمٍ أضاعَهُ عَدَمُ المَالِ ... وَجَهلِ غَطَّى عَلَيْهِ النَّعيمُ)
وَأحسن فِيهِ بن دُرَيْد بقوله
(لَا يَرْفَعُ اللبُّ بِلا جِدّ وَلا ... يَحُطكَ الجَهْلُ إذَا الْجد عَلا)
وَقيل لحكيم لم لَا تجمع بَين الْعلم وَالْمَال فَقَالَ لعز الْكَمَال وَأحسن فِيهِ الحمدوني بقوله
(إنَّ المُقَدَّمَ فِي حِذْقٍ بِصَنْعَتهِ ... أَنِّي تَوَجَّهَ فِيها فَهْوَ مَحْرُومُ)
الْمَعْنى يَقُول لكنني أستنصر بذبابه أَي طرف السَّيْف فأضمره لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ أَي إِن لم أقدر على الْجمع بَين الْجد والفهم فَأَنا أطلب النُّصْرَة بذباب السَّيْف وأرتكب بِهِ الظُّلم فِي كل حَال للأعداء
(4/108)

- الْغَرِيب البطل الشجاع وَالْقَرْمُ السَّيِّد مَأْخُوذ من الْبَعِير القرم وَهُوَ الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ بل هُوَ معد للفحولة الْمَعْنى يَقُول وَأَجْعَل سَيفي يَوْم لِقَاء الْأَعْدَاء تحيتي أَي أجعله لَهُم بدل التَّحِيَّة وَهُوَ كَقَوْل عَمْرو بن معدي كرب
(وَخَيْلً قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ... تَحيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجيعُ)

31 - الْإِعْرَاب يرْوى قل بِالْفَاءِ وَالْقَاف فبالفاء يرْتَفع خوف لِأَنَّهُ فَاعل وبالقاف ينْتَصب على الْمَفْعُول لَهُ والمدى الْغَايَة والبعد الْمَعْنى يَقُول إِذا لم يكن عزم فَلَا يُوصل إِلَى شَيْء وَوُجُود الْمُمكن مَعَ عدم الْعَزْم أبعد فِي الْوُقُوع من وجود عزم مَعَ بعد الْمطلب أَي إِذا منع عزمي عَن بُلُوغ غَايَة خوف بعْدهَا فَإِن الْمُمكن وجوده لَا يدْرك أَيْضا إِذا لم يكن عزم وَإِذا كنت تحْتَاج إِلَى الْعَزْم لنيل الْقَرِيب فاعزم على الْبعيد لتناله وَلَا يمنعك خوف بعده فَإِنَّهُ يقرب بالعزم وَيُمكن وَهُوَ من قَول الْحَكِيم لحقوق البغية فِي نيل الشَّهَوَات اصعب الْأَشْيَاء وأعجز من الْعَجز من لم يقو عزمه فِي طلب الْغَايَة
32 - الْغَرِيب الْأنف الاستنكاف من الشَّيْء وَلَو قَالَ نُفُوسهم كَانَ أوجه لإعادة الضَّمِير على لفظ الْغَيْبَة لكنه قَالَ نفوسنا لِأَنَّهُ أهم الْقَوْم الَّذين عناهم وَهُوَ أمدح الْمَعْنى يَقُول أَنا من قوم يأنفون من الْعَار فَكَأَن نُفُوسهم تستنكف أَن تبقى مجاورة للحمها ودمها بل يحبونَ الْقِتَال فيسارعون إِلَى الْحَرْب فكأنهم لَا يحبونَ نُفُوسهم بل يبذلونها طلبا للمحامد
33 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول للدنيا أَنا كَمَا وصفت نَفسِي لَا أقبل ضيما وَلَا آسَف لدنية فاذهبي عني إِن شِئْت فلست أُبَالِي بك ويانفس زيدي تقدما فِيمَا تكرههُ الدُّنْيَا من التعظم عَلَيْهَا وَترك الانقياد لَهَا وَإِن شِئْت قلت فِي كَرَاهِيَة أَهلهَا أَي مَا تكرههُ يَعْنِي فِي الْحَرْب وَهِي مَكْرُوهَة عِنْد أهل الدُّنْيَا وَلذَلِك تسمى الْحَرْب الكريهة فَيكون هَذَا من بَاب حذف الْمُضَاف
34 - الْغَرِيب يرْوى عبرت بِالْعينِ الْمُهْملَة ويروى بِالْمُعْجَمَةِ أَي لَا بقيت وغبر من الأضداد بِمَعْنى بَقِي وَذهب والضيم الذل الْمَعْنى يَقُول لَا بقيت بِي سَاعَة لَا أنال فِيهَا الْعِزّ وَلَا غبرت على سَاعَة لَا أكون
(4/109)

- عَزِيزًا وَلَا صحبني نفس تقبل الذل يَدْعُو على نَفسه
1 - الْغَرِيب المعالم ديار الْأَحِبَّة جمع معلم حَيْثُ ظَهرت عَلَامَات النازلين من آثَار الدَّوَابّ والخيام وَالنَّار الْمَعْنى يَقُول أَنا لَا ئمي أَي أَنا مثله إِن فعلت كَذَا وَفِيه معنى الْقسم أَي إِن كنت وَقت وُقُوفِي بالديار علمت بِمَا بِي فَأَنا لائمي يُرِيد أَن رَأْيه لَيْسَ كرأي اللوائم قَالَ الواحدي لما وقف بالديار أَصَابَهُ من الوجد والدهش لفرقتهم مَا أذهب عقله حَتَّى لم يشْعر بِمَا جرى عَلَيْهِ من الْجزع والبكاء وَالْمعْنَى إِن كنت حِين يلومني اللوام على فرط جُرْمِي علمت مَا بِي وَمَا الَّذِي دهاني هُنَاكَ فَأَنا لائمي أَي فقد لمت نَفسِي فِي قُصُور محبتي لِأَن ثبات علمي وعقلي فِي دِيَارهمْ دَلِيل أَن هواي قَاصِر قَالَ وَيجوز أَن يكون أَنا لائمي فِي النُّقْصَان والسلوان وَهُوَ اخْتِيَار ابْن جنى لِأَنَّهُ قَالَ هُوَ كَقَوْلِك أَنا مثلك إِن فعلت كَذَا قَالَ وَنَظِيره
(عُيُونُ رواحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني ... )
وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(أظَلَّهُ البَيْنُ حَتَّى إنّهُ رَجُلٌ ... لَوْ ماتَ مِنْ شُغْلهِ بالبَيينِ مَا علما)

2 - الْغَرِيب يرْوى شدهت وذهلت والشده التحير وشده فَهُوَ مشدوه إِذا تحير الْمَعْنى يَقُول وَلَكِنِّي متيم مِمَّا تحيرت كسال أَي أفرط ذهولي فصرت كالسالي وقلبي بائح وَهُوَ مَعَ ذَلِك كالكاتم لِأَنَّهُ لَا يقْصد الإذاعة كَمَا يقْصد البائح فَهُوَ بِلَا قصد فِي كلتا حالتيه
3 - الْغَرِيب الأذواد جمع ذود وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَمِنْه الحَدِيث لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود من الْإِبِل صَدَقَة الْمَعْنى يَقُول أطلنا الْوُقُوف من الْحيرَة والوجد بِأَهْل المعالم فَكَأَن هوى قُلُوبنَا تمكن فِي قَوَائِم إبلنا فتحيرت فَلم تَبْرَح فوقفت بِنَا
(4/110)

الْغَرِيب المنسم للخف كالسنبك للحافر واللثم التَّقْبِيل الْمَعْنى يَقُول الثم مناسم إبلى طَالبا شِفَاء مَا بِي لِأَنَّهَا وطِئت تُرَاب مَنَازِلهمْ وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(أمْسحُ الرَّبْعَ بِخَدي ... إنّ مَشىَ فِيهِ الخَليلُ)

5 - الْغَرِيب التمائم جمع تَمِيمَة وَهِي العوذة وَيجمع أَيْضا على تَمِيم الْمَعْنى يَقُول ديارهن منيعة لَا يتَوَصَّل إلَيْهِنَّ مِنْهَا وَهن يحفظن بِالرِّمَاحِ لَا بالعوذ
6 - الْغَرِيب الوشى النقش وَهِي الثِّيَاب المنقوشة ومسن تبخترن الْمَعْنى يَقُول لنعومة أجسادهن ورقهن يُؤثر الوشى فِيهَا مثله إِذا تبخترن وَمثله
(رَقَّ فَلَوْ مَرَّتْ بِه نَمْلَةٌ ... مُنْعَلَةٌ أرْجُلُها بالحَريرْ)

(لأثَّرَتْ فِيهِ كَمَا أثَّرَتْ ... مُدَامَةٌ فِي عارِضٍ مُسْتَديِرْ)
وللسرى الْموصِلِي
(رَقَّتْ عَنِ الوَشْىِ نِعْمَةٌ فإذَا ... صافَحَ مِنْها الجُسوُمَ وَشَّاها)

7 - الْغَرِيب التراقي جمع ترقوة وَهِي الْعِظَام الَّتِي فَوق الصَّدْر والمباسم جمع مبسم وَهُوَ الثغر الْمَعْنى يَقُول هن يبسمن عَن در من ثغورهن قد تقلدن فِي قلائدهن مثله لصفاته وَحسنه فَكَأَن تراقيهن حلين بثغورهن وَمثله قَول الآخر
(تِلْكَ الثَّنايا مِنْ عِقْدِها نُظِمَتْ ... أمْ نُظِمَ العِقْدُ مِنْ ثَناياها)

8 - الْإِعْرَاب طلابي مُبْتَدأ ونجومها خَبره أَي الَّذِي أطلب نجومها فَقَامَ الْمصدر مقَام الْمَفْعُول فَكَأَنَّهُ قَالَ مطلوبي نجومها وَلَو نصب جَازَ كَقَوْلِك ضربي زيدا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون طلابي بَدَلا من الْيَاء فِي قَوْله لي فينصب نجومها لَا غير الْغَرِيب شدوق جمع كَثْرَة وأشداق جمع قلَّة والأراقم جمع أَرقم وَهُوَ ضرب من الْحَيَّات
(4/111)

الْمَعْنى يَقُول مَالِي وللدنيا أطلب معالي الْأُمُور ومسعاي مِنْهَا فِي مَوَاضِع الهلكة الَّتِي لَا تُؤدِّي إِلَى فَائِدَة قَالَ الواحدي لم يقل أحد فِي تَفْسِير هَذَا الْبَيْت مَا يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا يُسَاوِي الْحِكَايَة لِأَن جَمِيع مَا قيل فِيهِ من الْمَعْنى لَا يُوَافقهُ اللَّفْظ وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنه يشكو الدُّنْيَا وَيَقُول مَالِي وَلها أطلب معاليها وَأَنا مرتبك فِي نوائبها وخطوبها يَعْنِي أَنَّهَا عكست عَلَيْهِ الْأَمر فَهُوَ يطْلب الْمَعَالِي وَهِي تَدْفَعهُ عَنْهَا وتوقعه فِي النوائب والطلاب بِمَعْنى الطّلب وَالْمرَاد بِهِ الْمَطْلُوب وكنى بنجوم الدُّنْيَا عَمَّا فِيهَا من الشّرف وَالذكر وبشدوق الأراقم عَن الخطوب الْمهْلكَة والنوائب المفظعة وَهَذَا ظَاهر صَحِيح بِحَمْد الله
9 - الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ حلمك دَاعيا إِلَى ظلمك فَمن الْحلم أَن تجْهَل إِذا اتسعت طرق الظُّلم عَلَيْك لِأَن الْمَظَالِم جمع الْمظْلمَة وَهِي الظُّلم وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم ثَلَاثَة إِن لم نظلمهم ظلموك ولدك وزوجتك وَعَبْدك فسبب صَلَاحهمْ التَّعَدِّي عَلَيْهِم قَالَ الشَّاعِر
(فَلا خيرَ فِي حِلمْ إذَا لمْ يَكُنْ لَهُ ... بَوَادِرُ تَحْمى صَفْوَهُ أنْ بُكَدَّرَا)

10 - الْمَعْنى ترد المَاء الَّذِي كثر الْقَتْل عَلَيْهِ حَتَّى امتزج بدماء الْقَتْلَى أَي تزاحم على الْأَمر المنافس عَلَيْهِ وَهُوَ من من قَول الْعلوِي النضري
(لَا يَشْرَبُ الماءَ إلاَّ مِنْ قَلِيبِ دَمٍ ... وَلا يَبِيتُ لَهُ جارٌ عَلى وَجَلِ)

11 - الْمَعْنى إِذا عرف أحد الْأَيَّام معرفتي بهَا وبأهلها قَتلهمْ غير رَاحِم لَهُم
12 - الْمَعْنى يَقُول هم إِذا ظفروا بِهِ أَي من عرفهم لم يرحموه وَهُوَ غير آثم فِيمَا يفعل بهم
13 - الْغَرِيب صال عَلَيْهِ إِذا استطال وصال عَلَيْهِ وثب عَلَيْهِ صولا وصولة يُقَال رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة الْمَعْنى يُرِيد أَنه فِي غَايَة الشجَاعَة والبلاغة فَإِذا صال لَا يرد وَإِن قَالَ كفى غَيره القَوْل وأفحم من يُعَارضهُ
(4/112)

- الْمَعْنى يَقُول إِن كنت كَاذِبًا فِيمَا قلت فَلَا وفت لي القوافي حَتَّى أعجز عَن نظمها أَو ضعفث عزيمتي فِي قصد المدوح حَتَّى يعوقني عَنهُ ضعف عزمي يَعْنِي أَنه إِذا قعد عَنهُ وَلم يَأْته لم يصل إِلَى الْمَطْلُوب
15 - الْغَرِيب التلاد المَال الْمَوْرُوث الْقَدِيم الأَصْل وَهُوَ نقيض الطارف وَاصل التَّاء فِيهِ وَاو تَلد المَال يتلد ويتلد تلودا وأتلد الرجل إِذا اتخذ مَالا الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَقَامَ بذل تلاده مقَام مَا يقتنيه فلازمه مُلَازمَة التلاد وَقَالَ الْخَطِيب كَأَنَّهُ قَالَ إِلَى الْجَاعِل بذل التلاد تلادا لَهُ يهب التلاد وَيجْعَل بذله تلادا لَهُ وَنقل الواحدي قَول أبي الْفَتْح
16 - الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ طَالب الْمَعْرُوف وَقد عَفا يعْفُو وَفُلَان تعفوه الأضياف وتعفيه والغمائم جمع غمامة وَهِي السحابة الْمَعْنى يَقُول أعداؤه تمنى أَن تكون فِي مَحل عفاته مِنْهُ لِأَن عفاته مِنْهُ فِي أَمَان من نَوَائِب الدَّهْر وأعاديه يتمنون ذَلِك وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أَنهم يغيرون على أَمْوَاله وَهُوَ أقْصَى مَا يتمناه أعاديه وَمعنى قَوْله والغمائم تحسد كفيه أَنَّهُمَا أندى من الْغَمَام وَأكْثر عطايا مِنْهُ فَلهَذَا تحسده لعجزها عَن إِدْرَاكه
17 - الْمَعْنى يَقُول لَا يسْتَقْبل الْحَرْب إِلَّا بمهجة مَرْفُوعَة عَن الدنايا وَهِي مذخورة لكفاية الْأُمُور العظائم الَّتِي لَا تكفى إِلَّا بِمثلِهِ ومهجة نَفسه
18 - الغرب اللجب الْكثير الْأَصْوَات فِي الْحَرْب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الْجَيْش يصيد الْوَحْش والغزلان والعقبان فَوْقه تسايره فتخطف الطير أَمَامه ورد عَلَيْهِ ابْن فورجة وَقَالَ صيد الطير بِالنَّبلِ والسهام مُسْتَمر مُعْتَاد فَلم نسبه إِلَى العقبان وَلَا مدح فِي ذَلِك من فعلهَا فَإِنَّهَا تصيد الطير وَإِن لم تصْحَب جَيش الممدوح قَالَ وَالْمعْنَى عِنْدِي أَن هَذَا الْجَيْش جَيش الْمُلُوك تصحبه الفهود
(4/113)

والبزاة وَالْكلاب فَلَا يسلم الطَّائِر مِنْهُ وَلَا الْوَحْش وَقَوله المثار يُرِيد أَن الْجَيْش الْكثير يثير مَا كمن من الْوَحْش وَلأَجل ذَلِك قَالَ مَالك بن الريث
(بجَيْشٍ لهامٍ يَشْغَلُ الأرْضَ جمعهُ ... عَلى الطَّيرِ حَتى مَا يَجِدْنَ مَنازِلا)
وَقَالَ الْخَطِيب إِذا طَار ذُو الْجنَاح أَمَامه فَلَيْسَ بناج لِكَثْرَة الرُّمَاة فِي الْجَيْش وَإِن ثار وَحش أَخذ وَذكر الْوَجْه الآخر الَّذِي ذكره ابْن فورجة
19 - الْغَرِيب القشاعم النسور الْكِبَار وَاحِدهَا قشعم الْمَعْنى يَقُول تمر الشَّمْس على هَذَا الْجَيْش ضَعِيفَة من غباره أَو من طيره أومن ضوء أسلحته فَلَا يَقع ضوءها عَلَيْهِ إِلَّا من بَين ريش النسور لِكَثْرَة مَا أظلتهم الطير وَهُوَ من قَول الطرماح
(تَجَنَّبُهُ الكُماةُ بِكُلّ يَوْمٍ ... مَرِيضِ الشَّمْسِ مُحْمَرً الحَوَامي)

21 - الْغَرِيب الهماهم جمع همهمة وَهِي صَوت يتَرَدَّد فِي الصَّدْر لَا يفهم وحافاته جوانبه الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة أسلحة هَذَا الْجَيْش وبريقها ولمعانها يخفى الْبَرْق عَلَيْك فَلَا تعرفه ولكثرة مَا فِيهِ من الْأَصْوَات يخفى عَلَيْك الرَّعْد يصفه بِالْكَثْرَةِ فَإِذا برقتْ السَّمَاء ورعدت أخْفى لمع أسلحته برقها ورعدها وعلت هماهمه رعدها فَلَا يسمع
22 - الْغَرِيب الْفُرَات مَعْرُوف وَهُوَ أحد الْأَنْهُر الْكِبَار الَّتِي فِي الحَدِيث نهران ظاهران ونهران باطنان فالباطنان النّيل والفرات والظاهران سيحان وجيحان وبرقة مَوضِع ذُو حِجَارَة وَرمل وطين الْمَعْنى يَقُول أرى فِي هَذَا الْموضع محاربة بِالسُّيُوفِ يكثر فِيهَا قطع الرُّءُوس حَتَّى تطأها الْخَيل فتمشى فَوق جماجم الْقَتْلَى
23 - الْغَرِيب الغطاريف جمع غطريف وَهُوَ السَّيِّد الْكَرِيم وَمِنْه بازغطريف وغطارف للكريم مِنْهَا والردينات جمع رديني وَهُوَ الرمْح مَنْسُوب إِلَى ردينة امْرَأَة من الْعَرَب كَانَت تقوم الرماح والمعصم مَوضِع السوار من الساعد وَمَا يَجْعَل فِيهِ من خرز
(4/114)

وَغَيره يُسمى معصما وَهُوَ مَا يلْبسهُ الْغُلَام وَالْجَارِيَة فِي الصغر الْمَعْنى يَقُول وارى طعن سادة كرام قد عرفُوا الطعْن ونشئوا عَلَيْهِ فعرفوه قبل مَا يلبسُونَ المعاصم وَهُوَ أَشد مُبَالغَة من قَوْله أَيْضا
(وكأنَّها نُتِجَتْ قِياما تَحْتَهُمْ ... وكأنَّهُمْ وُلِدُوا عَلى صَهَوَاتِها)

24 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي حمته يعود إِلَى ذِي لجب وَهُوَ الْجَيْش أَي جعلت سيوفهم هَذَا الْمَكَان حمى على الْأَعْدَاء فَلَا يحومون حوله وَترك صرف طغج وجف وهما اسمان أعجميان وَهَذَا جَائِز عِنْد أَصْحَابنَا الْكُوفِيّين والبصريون لَا يختارونه وَيَقُولُونَ الِاسْم الأعجمي الثلاثي ينْصَرف نَحْو هود وَلُوط ونوح قَالَ أَبُو الْفَتْح الأجود أَن تكسرها وتحذف التَّنْوِين لالتقاء الساكنين كَقَوْل الآخر
(وَحاتِمُ الطَّائيُّ وَهَّابُ المِئي ... )
وَهُوَ كثير فِي الشّعْر وعَلى هَذَا تكون قِرَاءَة الْقُرَّاء سوى عَاصِم وَعلي بن حَمْزَة عُزَيْر ابْن الله بِغَيْر تَنْوِين الْغَرِيب طغج الأَصْل فِيهِ ضم الْغَيْن وَإِنَّمَا غَيره على عَادَة الْعَرَب فِي تَغْيِير الْأَسْمَاء الأعجمية والقماقم جمع قماقم وَهُوَ السَّيِّد الْعَظِيم والقمقام أَيْضا الْبَحْر والقمقام الْعدَد الْكثير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح حذف الْيَاء من القماقيم ضَرُورَة الْمَعْنى يَقُول حمت سيوفهم هَذَا الْمَكَان من الْأَعْدَاء فَلَا يصلونَ إِلَيْهِ لشجاعتهم وقوتهم فَلَا يقدر أحد أَن يصل إِلَيْهِم من جَمِيع نواحيهم
25 - الْغَرِيب الْكر هُوَ تكْرَار الْإِقْدَام فِي الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول هم شجاعتهم وكرمهم يَفْعَلُونَ ذَلِك مرّة بعد مرّة وَلَا يقتصرون على مرّة وَاحِدَة فهم محسنون فِي اللِّقَاء وَالعطَاء
26 - الْغَرِيب الْغرم اسْم للغرامة مَا يلْزم الرجل أَدَاؤُهُ من دِيَة أَو ضَمَان أَو غير ذَلِك وَالرجل غَارِم أَي لزمَه مَا يغرم عَنهُ الْمَعْنى يَقُول هم قوم يحسنون الْعَفو عَن كل من أذْنب ويحتملون أَدَاء الغرامة لمن عَلَيْهِ غَرَامَة فهم فِي كل أَحْوَالهم محسنون
(4/115)

- الْغَرِيب الشفار جمع شفرة والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول هم حييون إِلَّا فِي وَقت الْحَرْب فَإِنَّهُم لاحياء عِنْدهم فِي الْحَرْب وَلَا يلينون لأقرانهم وَهُوَ مَنْقُول من قَول بكر بن النطاح
(يَتَلَقى النَّدَى بِوَجْهٍ حَيِيٍ ... وَصَدُورَ القَنا بِوَجْهٍ وَقاحِ)

28 - الْمَعْنى يَقُول الْأسد وَهِي جمع أَسد مَعْدُودَة من الْبَهَائِم وَلَوْلَا ذَلِك لَكُنْت أشبههَا بهم وَأَقُول الْأسد مثلهم وَإِنَّمَا يَقع التَّشْبِيه للمفضول بالفاضل إِذا كَانَت بَينهمَا مُنَاسبَة وَلَا مُنَاسبَة بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الْأسود إِلَّا بالإقدام وَهَذَا الْبَيْت مِمَّا وَقع فِيهِ جمَاعَة من النَّاس فينشدونه شبهتهم بهَا وَهُوَ على الظَّاهِر بَين وَإِنَّمَا أغرب أَبُو الطّيب
29 - الْغَرِيب سريت سرى ومسرى وأسريت بِمَعْنى إِذا سرت لَيْلًا وبالألف لُغَة أهل الْحجاز وَجَاء الْقُرْآن بهما جَمِيعًا وَقَالَ حسان بن ثَابت
(حَيَّ النَّضِيرَةَ ربَّةَ الخدْرِ ... أسْرَتْ إليَّ وَلْم تَكُنْ تَسْرِي)
والصنائع العطايا وَهُوَ مَا يصنعه الْإِنْسَان إِلَى الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول ذهب النّوم عني لِكَثْرَة مَا شهِدت فِي سَفَرِي إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي تسير عطاياه إِلَى كل نَائِم عَن السرى إِلَيْهِ
30 - الْغَرِيب الأسرى جمع أَسِير يُقَال أسرى وأسارى وَبِهِمَا قَرَأَ الْقُرَّاء قَرَأَ أَبُو عمر وَحده أَن يكون لَهُ أُسَارَى وَقَرَأَ الْبَاقُونَ أسرى واخترمهم الدَّهْر وتخرمهم أَي استأصلهم فَهُوَ مخترمهم ومشكى من أشكيت الرجل إِذا نزعت عَمَّا يشكوه وأشكيته أَيْضا إِذا أحوجته إِلَى الشكوى والمراغم الَّذِي يرغم غَيره وَأَصله الرغام وَهُوَ التُّرَاب الْمَعْنى يَقُول هُوَ يُطلق الأسرى وَيهْلك العدا ويستأصلهم ويشكي أهل الشكوى ويرغم المراغم وَالْمعْنَى يمن على الْأُسَارَى فيطلقهم ويختطف الْأَعْدَاء بسيوفه ويزيل شكوى من يَأْتِيهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ
(4/116)

- الْمَعْنى نفضت النَّاس لما وصلت إِلَيْهِ نفض القادم حثالة زَاده لاستغنائه عَنهُ بعد الْقدوم فَكَذَلِك أَنا اسْتَغْنَيْت بِهَذَا الممدوح عَن غَيره فَلَزِمته ورفضت غَيره
32 - الْمَعْنى يَقُول لما اتَّصَلت بِهِ وسررت بِهِ فكاد سروري لَا يُوفى بندامتي على انقطاعي عَن خدمته فِي عمري الْمَاضِي فلآن أعد عمري من يَوْم صرت إِلَيْهِ لِأَنِّي نلْت السَّعَادَة مِنْهُ وَهَذَا الْمَعْنى مثل قَول أبي فراس
(أيَّامُ عِزّي وَنَفاذِ أمْرِي ... هيِ الَّتِي أحْسبها مِنْ عُمْرِي)

33 - الْإِعْرَاب قَالَ الْخَطِيب الضَّمِير فِي بهَا للتربة وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب نعت لَهَا الْغَرِيب شَرّ الأَرْض قيل طبرية لِأَن فِيهَا أَعدَاء الممدوح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح طبرية وفيهَا أَعدَاء أبي الطّيب الَّذين قَالَ فيهم أَتَانِي وَعِيد الأدعياء الْبَيْت وهَاشِم هُوَ ابْن عبد منَاف جد رَسُول الله
الْمَعْنى يَقُول لما اتَّصَلت بِهِ فَارَقت شَرّ الأَرْض وَهِي طبرية وَبهَا قوم يدعونَ الشّرف فَأقر لَهُم بالعلوية ثمَّ نفى عَنْهُم الشّرف وَقَالَ هم قوم يدعونَ نسبهم إِلَى عَليّ وَلَيْسَ هم من وَلَده
34 - الْمَعْنى يَقُول ابْتَلَاهُم الله بحلمه حَيّ لَا يقتلهُمْ وَرَفعه فَوْقهم حَتَّى يكون على رُءُوسهم وَذَلِكَ أَن بقاءهم أصعب عَلَيْهِم من الْمَوْت لأَنهم يعيشون فِي ذلة وَخَوف وتمم الْمَعْنى بقوله بعده
35 - الْغَرِيب الغلاصم جمع غلصمة وَهِي الْحُلْقُوم الناتي فِي الْحلق وغلصمه قطع غلصمته الْمَعْنى يَقُول مَوْتهمْ رَاحَة لَهُم لِأَن فِي عيشهم وحياتهم قطع حلاقيمهم
36 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا تَعْرِيض بالذين يبارون الممدوح بالجود والسماحة من حساده يَقُول أَيهَا الْإِنْسَان الَّذِي يباريه فِي الْجُود وَيظْهر عَلَيْك جوده كَأَنَّك مَا جاودته لِأَن الْفضل وَالْغَلَبَة لَهُ عَلَيْك وكأنك لم تقَاتل من لم تقاومه فِي الْحَرْب لِأَن من غلبك فِي الْحَرْب لم تنفعك محاربتك إِيَّاه أَي إِن مفاخرتهم إِيَّاه لَا تنفهم إِذْ كَانَت الْغَلَبَة لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح جاودني فجدته أجوده أَي كنت أَجود مِنْهُ وَقَالَ الْخَطِيب كل من جاودته زِدْت عَلَيْهِ وكل من حاربته غلبته فكأنك اخْتَرْت مِنْهُمَا مَا شقّ بظهورك عَلَيْهِ وَلم تنفعل ذَلِك وَلَكِنَّك كنت الظَّاهِر عَلَيْهِمَا بمزيتك وفضلك
(4/117)

- 1 الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي لَهُ عَائِد على الْمقسم فَقَوله أَمْسَى الْأَنَام جملَة فِي مَوضِع الْحَال من الْمقسم وَقيل هُوَ عَائِد على الْقسم وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع حفض على الصّفة للقسم الْمَعْنى يَقُول أَنا أفدي الْمقسم أَي الممدوح الَّذِي هُوَ جليل مُعظم عِنْد الْأَنَام بشرفه وفضله
2 - الْمَعْنى يَقُول مُخَالفَته أحرم من شربهَا أَي هِيَ حرَام وَأَنا تركت عصيانه لِأَنَّهُ أحرم من شرب الْخمر وَهَذَا كذب بِغَيْر خلاف
247

- 1 الْمَعْنى يَقُول لَا يُنكر أحد إقدامك وشجاعتك فَلم تحدث وَتعلم بِهَذَا وَالنَّاس عالمون بِهِ
2 - الْمَعْنى نَحن من قبل هَذَا نعلم أَنَّك لَا يمنعك شَيْء وَلَا تخشى أحدا لَيْلًا وَلَا نَهَارا
(4/118)

- 1 الْغَرِيب المغامرة الدُّخُول فِي المهالك والغمرات الشدائد والمروم الْمَطْلُوب الْمَعْنى يَقُول إِذا طلبت أمرا شريفا فَلَا تقنع بِمَا دون أَعْلَاهُ وَلَا ترض بالدون
2 - الْمَعْنى يَقُول طعم الْمَوْت فِي الْأَمر الهين كطعمه فِي الْأَمر الشَّديد الصعب
3 - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن الْقطع فرسي ومهري بدل من ضمير شجوها أَي ستبكي الصفائح فرسي ومهري شجوا لِأَنَّهَا كَانَت تبلغها الرّيّ من الدِّمَاء الْغَرِيب الشجو الْحزن وشجاه الْأَمر أحزنه والصفائح جمع صفيحة وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول أقتل أعدائي فتجري سيوفي دِمَاء كَأَنَّهَا الدُّمُوع وَلما جعل السيوف باكية جعل الدِّمَاء دموعا جَارِيَة أَي ستبكي سيوفي حزنا عَلَيْهِمَا وَهَذَا كُله مجَاز واستعارة وَلَو أَنَّهَا مِمَّن تبْكي لبكت عَلَيْهِمَا دموعا
4 - الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح قرين من قربت الْإِبِل المَاء إِذا دنت مِنْهُ فِي صبحها والقرب سير اللَّيْل لورد الْغَد يُقَال قرب بصباص وَذَلِكَ أَن الْعَرَب يسيمون الْإِبِل وهم فِي ذَلِك يَسِيرُونَ نَحْو المَاء فَإِذا بقيت بَينهم وَبَين المَاء عَشِيَّة عجلوا نَحوه فَتلك اللَّيْلَة لَيْلَة الْقرب قد أقرب الْقَوْم إِذا كَانَت إبلهم قوارب فهم قاربون وَلَا يُقَال مقربون وَهَذَا الْحَرْف شَاذ قَالَ الواحدي يُرِيد أَن هَذِه السيوف وَردت النَّار وَهَذَا قلب للمعهود لِأَن الْقرب إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي وُرُود المَاء فَجعل النَّار لهَذِهِ السيوف كَالْمَاءِ الَّذِي ترده الشاربة وَالنَّار تهْلك وتفنى وَقد أنمت هَذِه السيوف وريتها تربية النَّعيم العذارى يُرِيد أَنَّهَا تخلصت من الْخبث وَحسنت صنعتها بِحسن تَأْثِير النَّار فِي تَخْلِيصهَا فطبعت وَصَارَت سيوفا بعد أَن كَانَت زبرا فَذَلِك أَنْشَأَهَا إنْشَاء العذارى فِي النَّعيم وَمن روى قرين بِالْيَاءِ من الْقرى فَإِنَّمَا أَرَادَ قرين بالنَّار فنشأن يحسن الْقرى وَقَالَ جعل السيوف
(4/119)

بِمَا تُؤَدِّيه إِلَى النَّار من الْخبث قارية لَهَا وَكَانَ حكم النَّمَاء أَن يكون للمقري لَا للقاري فعكس مُوجب الْقرى بِأَن جعل النشء للقاري
5 - الْغَرِيب الصياقل جمع صيقل وَهُوَ الفين والكلوم جمع كلم وَهِي الْجراح الْمَعْنى يَقُول إِن الصياقل لم تقدر أَن تحفظ أيديها من هَذِه السيوف لحدتها فبأيدي الصياقل جراح مِنْهَا
6 - الْغَرِيب الْجُبَنَاء جمع جبان وَيُقَال جبان وجبين وَالْجمع جبناء ككريم وكرماء وشريف وشرفاء الْمَعْنى يَقُول لؤم طبع الجبان يرِيه الْعَجز عقلا حَتَّى يظنّ أَن عَجزه وجريه على حكم الْجُبْن عقل وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا ذَلِك لسوء طبعه الرَّدِيء
7 - الْمَعْنى يَقُول الشجَاعَة فِي غير الْحَكِيم لَيست مثل الشجَاعَة فِي الْحَكِيم وكل الشجَاعَة حَسَنَة مغنية فِي أَي شخص كَائِنا مَا كَانَ وَكَيف كَانَت فَإِذا كَانَت فِي الْحَكِيم الْعَاقِل كَانَت أتم وَأحسن لَا نضمام الْعقل إِلَيْهَا وتغنى من الْغناء لامن الْغنى
8 - الْمَعْنى يَقُول كم من إِنْسَان يعيب قولا حسنا لجهله بِهِ وَإِنَّمَا أَتَى الْعَيْب من سوء فهمه كَمَا قَالَ أَبُو تَمام وَقد قَالَ لَهُ أَبُو سعيد الضَّرِير يَا أَبَا تَمام لم لَا تَقول مَا يفهم فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا سعيد لم لَا تفهم مَا يُقَال وَهَذَا الْبَيْت من أحسن الْكَلَام قَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري فِي أَمَالِيهِ وكتبته بخطى لَا يصدر هَذَا الْكَلَام إِلَّا عَن فُضَيْل غزير وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ لم يهتدوا بِهِ 000} الْآيَة
9 - الْغَرِيب القريحة خَالص الطَّبْع وَأَصله من قريحة الْبِئْر وَهِي مَا يخرج من مَائِهَا وَفُلَان فِي قرح عمره أَي فِي أَوله وَمَاء قراح خَالص لَا يخالطه شَيْء الْمَعْنى يَقُول كل أحد يَأْخُذ على قدر فهمه وكل أذن تَأْخُذ من الْكَلَام الَّذِي تسمعه على قدر طبع صَاحبهَا فَإِن كَانَ عَارِفًا فهمه وَقَبله بطبعه وَإِن كَانَ جَاهِلا نفر عَنهُ طبعه فَكل أذن تدْرك من الْكَلَام مَا يُنَبه عَلَيْهِ الطَّبْع وَهَذَا الْمَعْنى كثر جدا وَأحسن مَا فِيهِ قَوْله تَعَالَى {وَإِذا لم يهتدوا بِهِ فسيقولون هَذَا إفْك قديم} وَقَالَ الشَّاعِر
(وَالنَّجمُ تَسْتَصْغرُ الأبصارُ طَلْعَته ... وَالذَّنبُ للعينِ لَا للِنَّجمِ فِي الصّغَرِ)
وَمثله
(إنْ عابَ نَاسٌ عَلىَّ قَوْلي ... فَلَيْسَ بِي قَوْلُهُم يَضِيرُ)

(قَدْ قَيلَ إنَّ القُرْآنَ سِحْرٌ ... وَما يَقُولُ الرَّسُولُ زُورُ)
(4/120)

- 1 الْإِعْرَاب عرضا نصب على أَنه مفعول مُطلق أَي نظرت نظرا عرضا فَيكون صفة مصدر مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا بِهِ أَي نظرت عرضا الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا يدْرِي الْإِنْسَان من أَيْن يَأْتِيهِ الْهوى فيحترز مِنْهُ يعرض فِي هَذَا بِمَا يذكرهُ بعد وَعَلِيهِ بنى القصيدة وَمثله التَّحْمِيد فِي أول الرسائل فَإِذا كَانَ المراسل حاذقا أَشَارَ فِي تحميده إِلَى مَا يُريدهُ ويراسل من أَجله وَقَالَ الواحدي سريرة الْهوى لَا تعلم وَلَا تَدْرِي من أَيْن تَأتي كَمَا قَالَ
(إنَّ المَحَبَّةَ أمْرُها عَجَبُ ... تُلْقى عَلَيْكَ وَمَا لَها سَبَبُ)
وعرضا فَجْأَة واعتراضا عَن غير قصد كَقَوْل عنترة علقها عرضا يَقُول نظرت إِلَيْهَا نظرة عَن فَجْأَة وخلت أَنِّي أسلم من هَواهَا
(4/121)

- الْغَرِيب ثمَّ إِشَارَة إِلَى الْمَكَان ومعتنق الفوارس وصف للشجاع لِأَنَّهُ يعتنقهم عِنْد الضَّرْب بِالسَّيْفِ والوغى الْحَرْب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يرميه بأخته وبالابنة وَثمّ إِشَارَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي تفعل فِيهِ الْأَحْوَال الْمَكْرُوهَة وَيجوز أَن تكون إِشَارَة إِلَى مَوضِع الْحَرْب يصفه بالجبن قَالَ الواحدي وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا أَتَاهُ من الْبَيْت الثَّانِي
3 - الْغَرِيب رنا إِلَيْهِ يرنو رنوا إِذا أدام النّظر يُقَال ظلّ رانيا وأرناه غَيره وَيُقَال أرناني حسن مَا رَأَيْت أَي حَملَنِي على الرنو وكأس رنوناة أَي دائمة سَاكِنة وَأَصلهَا نونوة فتحركت الْوَاو فَانْقَلَبت ألفا قَالَ أَبُو عَليّ وَزنهَا فعوعلة وَقيل فعلعلة وَالْمَجُوس كاليهود جِنْسَانِ وَإِنَّمَا عرفا على حد يَهُودِيّ ويهود ومجوسي ومجوس فَجمع على قِيَاس شعيرَة وشعير ثمَّ عرف الْجمع بِالْألف وَاللَّام وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا معرفتان مؤنثتان فجرتا فِي الْكَلَام مجْرى القبيلتين وَلم تجعلا كالحيين فِي بَاب الصّرْف وَأنْشد أَبُو عَليّ لامرىء الْقَيْس
(أحارِ أُرِيكَ يَرْقا هَبَّ وَهْنا ... كَنارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ اسْتعاراً)
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن بزِي النَّحْوِيّ صدر الْبَيْت لامرىء الْقَيْس وعجزه للتوأم الْيَشْكُرِي الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ الْعَرُوضِي شَبَّبَ بِامْرَأَة أَخُوهَا مبارز فتاك فَقَالَ لَهَا أَخُوك على قساوة قلبه وإراقته الدِّمَاء أرْحم مِنْك وَكَيف يرميه بالابنة وبأخته وَهُوَ يَقُول يرنو إِلَيْك مَعَ العفاف وَهَذِه الْعِفَّة من جِهَة الْإِسْلَام وَإِلَّا فَهُوَ يرى أَن تزوج الْأَخَوَات عِنْد الْمَجُوس من حكمهم فَمن حسنها يرى أَن الْمَجُوس أَصَابُوا فِي حكمهم وَقد روى أَن بشارا كَانَ فِي جمَاعَة من نسَاء يداعبهن فَقُلْنَ لَهُ ليتنا بناتك فَقَالَ وَأَنا على دين كسْرَى وَقَالَ ابْن فورجة شَبَّبَ بِامْرَأَة ومدح أَخَاهُ وَزعم أَنَّهَا من بَيت الفوارس الأنجاد كَمَا قَالَ
(مَتى تَزرْ قَوْمَ مَنْ تَهْوَى زِيارَتها ... )
وَكَقَوْلِه
(ديارُ اللَّوَاتِي دارُهُنَّ عَزيزَةٌ ... )
وَكَقَوْلِه
(تَحُولُ رِماحُ الخَطّ دُونَ سِبائِهِ ... )
ثمَّ قَالَ لحبيبته أَنْت قاسية الْقلب وأخوك على بسالته إِذا لقى الْعَدو كَانَ أرْحم مِنْك وأرق
(4/122)

مِنْك عَليّ تمّ بَالغ فِي حسنها فَقَالَ أَخُوك يود لَو كَانَ على دين الْمَجُوس فَيَتَزَوَّج بك وَمن الدَّلِيل على النِّهَايَة فِي الْحسن أَن يود أَخُوهَا وأبوها أَنَّهَا تحل لَهُ وَلِهَذَا قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ (تَخْشَى عَلَيها أمُّها أَبَاهَا ... )
وَقَالَ الطَّائِي
(بِأبي مَنْ إِذا رَآها أَبوهَا ... قالَ حُبا يَا لَيْتَ أنَّا مَجُوسُ)
ويروى
(شَغَفا قالَ لَيْتَ أنَّا مَجُوسُ)
وَكَانَ لعبد الصَّمد جَارِيَة يسميها بنته فَقَالَ
(أُحِبُّ بُنَيّتي حُبا أرَاهُ ... يَزِيدُ عَلى مَحَبَّاتِ البَناتِ)

(أرَاني مِنْكِ أهْوَى قُرْصَ خَدّ ... وَرَشْفا لِلثَّنايا وَاللَّثاتِ)

(وَإلصاقا بِبَطْنٍ مِنكِ بَطْنِي ... وَضَماً لِلْقُرونِ الوَارِدَاتِ)

(وَشَيْئا لَسْتُ أذْكُره مَليِحا ... بِهِ يَحْظَى الفَتى عِنْدَ الفَتاةِ)

(أرَى حُكْمَ المَجُوسِ إذَا التَقَيْنا ... يكُون أحَلَّ مِنْ ماءِ الفُراتِ)

4 - الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح راعية بِتَقْدِيم الْعين وَقَالَ هِيَ أول شَعْرَة تطلع من الشيب وَجَمعهَا رواع وَأنْشد
(أهْلاً بِرَاعيةٍ للشَّيْبِ وَاحِدَة ... تَنْعَى الشَّبابَ وَتنهانا عَنِ الغَزَلِ)
وروى غَيره رائعة وَهِي الَّتِي تروع النَّاظر وَهُوَ أصوب والأسحم الْأسود والعارض مَعْرُوف وَهُوَ مَا يَلِي الخد الْمَعْنى يَقُول لَا يروعك شيبي فَلَو كَانَ أول لون الشّعْر بَيَاضًا ثمَّ أسود لراعك الْأسود إِذا ظهر فَلَا ترع للبياض فَإِنَّهُ كالسواد
5 - الْغَرِيب سفرت أظهرت وكشفت وأسفر الصُّبْح أَضَاء وسفروجه زيد أشرق والتلثم ستر الْوَجْه الْمَعْنى يَقُول لَو أمكنني كشفت عَن صباي لِأَنِّي حَدِيث السن وَلَكِن الشيب جَار عَليّ عَاجلا فَستر شَبَابِي فَكَأَنَّهُ تلثم لستر مَا تَحْتَهُ من سَواد شعري يَعْنِي كَأَن على شبابه لثاما من الشيب أَي إِن الشيب عجل إِلَيْهِ قبل وقته
(4/123)

- الْمَعْنى يَقُول الْبيَاض فِي الشّعْر لَا يكون مُوجبا للْمَوْت فقد يعِيش الشَّيْخ والسواد لَا يحفظ من الْمَوْت فقد يَمُوت الشَّاب وَيُقَال أَبيض يقق أَي شَدِيد الْبيَاض
7 - الْغَرِيب يخترم يهْلك ويستأصل والجسيم الْعَظِيم الْجِسْم والنحافة الهزال ونصبه على التَّمْيِيز والهرم الضعْف وَالْعجز عَن الحركات الْمَعْنى يَقُول الْحزن يذهب جَسَد الْعَظِيم الْجَسَد هزالًا ويهرم الصَّبِي قبل أَوَانه وَهُوَ من قَول الحكمى
(وَما إنْ شِبْتُ منْ كِبَرٍ وَلكِنْ ... لَقِيتُ مِنَ الحَوَادِثِ مَا أشابا)

8 - الْمَعْنى يَقُول الْعَاقِل يشقى وَإِن كَانَ فِي نعْمَة لفكره فِي عَاقِبَة الْأُمُور وَعلمه بتحول الْأَحْوَال وَالْجَاهِل إِذا كَانَ فِي الشقاوة فَهُوَ ينعم لِغَفْلَتِه وَقلة تفكره فِي العواقب وَمِنْه قَوْلهم مَا سر عَاقل قطّ لِأَنَّهُ يتفكر فِي عواقب أمره ويتخوفها وَيُقَال شفوة وشقاوة وَقَرَأَ الْقُرَّاء بهما فَقَرَأَ حَمْزَة وعَلى شقاوتنا بِفَتْح الشين وَالْقَاف وَألف وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم الْعَاقِل لَا يساكن شَهْوَة الطَّبْع لعلمه بزوالها وَالْجَاهِل يظنّ أَنَّهَا خالدة وَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهَا فَهَذَا يشقى بِعِلْمِهِ وَهَذَا ينعم بجهله وَمَا أحسن قَول مُسلم
(مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ ماتَ عَمَّا ... وَفازَ بالِلَّذةٍ الجسَورُ)
وَقَالَ البحتري
(أرَى الحِلْمَ بُؤْسا فِي المَعيِشَةِ للفتى ... وَلا عَيْشَ إِلَّا محبَاكَ بِهِ الجَهْلُ)
وَلآخر
(من لي بعيش الأغبياء فَإِنَّهُ ... لَا عَيْش إِلَّا عَيْش من لم يعلم)
وَلابْن المعتز
(وَحَلاوَةُ الدُّنيا لجاهِلِها ... وَمرَارَةُ الدنْيا لِمَنْ عقَلا)
وَلآخر
(وَأخُو الدرَايَةِ وَالنبَّاهَةِ مُتْعَبٌ ... وَالعَيْشُ عَيْشُ الجاهِلِ المجْهولِ)
(4/124)

- الْغَرِيب نبذت الشَّيْء أَلقيته والحفاظ الْمُحَافظَة على العهود وَغَيرهَا وعاف من الْعَفو عَن الْإِسَاءَة الْمَعْنى يَقُول النَّاس لَا يُحَافِظُونَ على مُرَاعَاة الْحُقُوق وَقد تركُوا الْإِحْسَان وَالشُّكْر فَإِذا أَحْسَنت إِلَى أحد نسي إحسانك إِلَيْهِ وَإِذا عَفَوْت عَن مسيء ترك شكرك فتندم بعد ذَلِك على إحسانك إِلَيْهِ لِأَن صنيعك إِلَيْهِ لم يشْكر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح النَّدَم على كل حَال غير مستحسن قَالَ الحطيئة
(منْ يفْعَلِ الخيرَ لَا يعْدَم جَوَازِيَهُ ... لَا يَذْهبُ العَرْفُ بينَ اللهِ والنَّاسِ)

10 - الْمَعْنى يَقُول لَا تنخدع ببكاء الْعَدو وَاحْذَرْ نَفسك من عَدو ترحمه فَهُوَ إِذا ظفر بك لم يَرْحَمك
11 - الْمَعْنى يَقُول لَا يسلم للشريف شرفه من أَذَى الحساد والمعاندين حَتَّى يقتل أعداءه فَإِذا أراق دِمَاءَهُمْ سلم شرفه لِأَنَّهُ يصير مهيبا فَلَا يتَعَرَّض لَهُ قَالَ أَبُو الْفَتْح اشْهَدْ بِاللَّه لَو لم يقل إِلَّا هَذَا لَكَانَ أشعر المجيدين ولكان لَهُ أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِم وَهُوَ مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم الصَّبْر على مضض الرياسة ينَال بِهِ شرف النفاسة
12 - الْغَرِيب اللئام جمع لئيم وَهُوَ الَّذِي لَا قدر لَهُ وَلَا أصل والقليل هُنَا لَيْسَ قَلِيلا لعدد وَإِنَّمَا هُوَ الخسيس الحقير الْمَعْنى يَقُول اللَّئِيم مطبوع على أَذَى الْكَرِيم لعدم المشاكلة بَينهمَا
13 - الْغَرِيب الشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة الْمَعْنى يَقُول الظُّلم فِي طبائع النُّفُوس وَقد جبلوا عَلَيْهِ فَإِذا رَأَيْت عفيفا لَا يظلم فَإِنَّمَا تَركه لعِلَّة وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم الظُّلم من طبع النَّفس وَإِنَّمَا يصدها عَن ذَلِك إِحْدَى علتين إِمَّا عِلّة دينية أَو عِلّة سياسية كخوف الانتقام مِنْهَا
(4/125)

- الْمَعْنى أَنه كَانَ أَخذ الطَّرِيق على أبي الطّيب حِين سَأَلَهُ أَن يمدحه فاعتل عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد حلف أَلا يمدح إِلَى مُدَّة فَأخذ عَلَيْهِ الطَّرِيق حَتَّى تَنْقَضِي الْمدَّة فهرب مِنْهُ وَمضى قَالَ الواحدي معي الْبَيْت من قَول الفرزدق
(وَأنختَ أُمَّكَ يَا جَرِيرُ كأَّنها ... لِلنَّاس بارِكَةً طَرِيقٌ مُعْمَلُ)
وَقد أبدع عَليّ الربعِي فِي مثل هَذَا فِي امْرَأَة يُوسُف بن الْمعلم
(وَتَبِيتُ بَينَ مُقابِلٍ وَمُدَابِر ... مِثْلَ الطَّرِيق لِمُقْبِلٍ وَلُمدْبرِ)

(كأجِيرَي المِنْشارِ يَعْتَوِرانِهِ ... مُتنَازِعَيْه فِي فَلِيجِ صَنَوْبَرِ)

(وَتَقولُ لِلضَّيْفِ المُلِمّ بِساحَةٍ ... إِن شِئتَ فِي إستي فائتْني أوْ فِي حِرِى)

(أَنا كَعْبَةٌ النَّيْكِ الَّتِي خُلِقتْ لَهُ ... فَتَلَقَّ مِنَّي حَيْثُ شِئْتَ وَكبِّرِ)

(أَنا زَوْجَةُ الأعمَى المُباحِ حَريمُهُ ... أَنا عِرْس ذُي القَرْنينِ لَا الإسْكنْدرِ)

(قالتْ إِذا أفْرَدْتُ عِدَّةَ نَيْكِها ... تَدعو عَدمتُ الفَرْد عينَ الأعْوَرِ)

(فَإِذا اضَفْتُ إِلَى الفَرِيدِ قَرِينَهُ ... قالتْ عدِمتُ مُصَلِّيا لمْ يُوتِرِ)

(مازَالَ دَيْدَنها وَذلكَ دَيْدَني ... حَتَّى بَدَا عَلم الصَّباحِ الأزْهَرِ)

(أرْمي مَشِيمَتَها برَأسٍ مُلَمْلَمٍ ... رَيَّانَ منْ ماءِ الشَّبِيَبةِ أعْجَرِ)

15 - الْغَرِيب المسالح جمع مسلحة وَزنهَا مفعلة وَهُوَ مَوضِع يعلق عَلَيْهِ السِّلَاح والخضرم الْبَحْر الْكثير المَاء الْمَعْنى يَقُول أقِم فَوق شفرها وَهُوَ حرف الْفرج المسالح وَيُرِيد بحلقيها حلقتي الْفرج وَالرحم وَهِي ملاقية لَهَا من دَاخل شبه الْمَنِيّ لكثرته فِي رَحمهَا بالبحر
16 - الْمَعْنى يَقُول ارْفُقْ بِنَفْسِك فخلقك نَاقص أَعور قصير واترك ذكر أَبِيك لِأَن أصلك أصل لئيم فَلَا تعرض للشعراء فيذكروا أَبَاك ويذكروا قبح صُورَتك
17 - الْغَرِيب الكمر جمع كمرة وَهِي رَأس الذّكر والمناواة المعاداة وَأَصله الْهَمْز لِأَنَّهُ من النوء وَهُوَ النهوض
(4/126)

الْمَعْنى يَقُول لَا تُعَاد الرِّجَال فَإنَّك لَا تقدر عَلَيْهِم وَلَا لَك بهم طَاقَة وَإِنَّمَا قدرتك وإقدامك على ذُكُور العبيد يصفه بالابنة
18 - الْغَرِيب فيشلة وفيشة وَهُوَ الذّكر الْمَعْنى يَقُول غناك فِي مسئلة النَّاس وَلَيْسَ وَرَاء طيشك حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ نفخة نفخت فِيك ورضاك أَن ترى ذَا فيشلة من عبد أَو مماثلة وَرَبك الَّذِي تعبده دِرْهَم يصفه بالبخل
19 - الْمَعْنى يَقُول من البلية الَّتِي يبتلى بهَا الْإِنْسَان عذل الْجَاهِل الَّذِي لَا يرجع وَلَا يقْلع عَن غيه وجهله وخطابك من لَا يفهم مَا تَقول لجهله أَو غيه
20 - الْغَرِيب العلوج جمع علج وهوا لرجل العجمي وَالْحمار الوحشي وَهُوَ من المعالجة كَأَنَّهُ لِشِدَّتِهِ يعالج الشَّيْء الثقيل وَالْحمار الوحشي علج لِأَنَّهُ يعالج أتانه حِين يعاركها وَقَوله يمشي بأَرْبعَة كَانَ الْقيَاس أَن يَقُول بِأَرْبَع لكنه ذهب باليدين وَالرّجلَيْنِ مَذْهَب الْأَعْضَاء فَلهَذَا ذكر على الْمَعْنى كَقَوْل الْأَعْشَى
(يَضُم إِلَى كَشْحَيْهِ كَفا مُخَّّضبا ... )
وَقد أنثوا الْمُذكر على الْمَعْنى فَقَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء سَمِعت أَعْرَابِيًا يَمَانِيا يَقُول فلَان لغوب أَي أَحمَق جَاءَتْهُ كتابي فاحتقرها فَقلت لَهُ أَتَقول كتابي فَقَالَ أَلَيْسَ بِصَحِيفَة وَمن تَأْنِيث الْمُذكر على الْمَعْنى تَأْنِيث الْأَمْثَال فِي قَوْله تَعَالَى فَلهُ عشر أَمْثَالهَا لِأَن الْأَمْثَال فِي الْمَعْنى حَسَنَات فالتقدير عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا وَإِذا أنث الْمُذكر فتذكير الْمُؤَنَّث اسهل لِأَن حمل الْفَرْع على الأَصْل أسهل من حمل الأَصْل على الْفَرْع وَقَوله على أعقابه جمع فِي مَوضِع التَّثْنِيَة وَحقه أَن يَقُول على عَقِبَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل نكص على عَقِبَيْهِ وَلَكنهُمْ قد جمعُوا فِي مَوضِع الْإِفْرَاد فَقَالُوا شابت مفارقه وَقَالَ الشَّاعِر
(والزَّعفرانُ عَلى تَرَائِبِها ... شَرِقٌ بِهِ اللَّبَّاتُ وَالنَّحْرُ)
فَجمع التربية واللبة بِمَا حولهما وَإِذا كَانَ هَذَا جَائِزا فِي مَوضِع الْوَاحِد فالجمع فِي مَوضِع التَّثْنِيَة أجوز الْإِعْرَاب من وَرَاء حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ والظروف إِذا حذفت مِنْهَا المضافات بنيت على الضَّم كقبل وَبعد وَفَوق وَتَحْت وَإِنَّمَا بنيت لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مُقَدّر عِنْدهم حَتَّى إِنَّهَا متعرفة بِهِ محذوفا فَلَمَّا اقتصروا على الْمُضَاف جَعَلُوهُ نِهَايَة فَصَارَ كبعض الِاسْم وَبَعض الِاسْم لَا يعرب فَإِن نكروا شَيْئا مِنْهَا أعربوه فَقَالُوا جِئْت قبلا وَمن قبل
(4/127)

وبعدا وَمن بعد قَالَ الشَّاعِر
(فَساغَ ليَ الشَّرَابُ وكُنْت قَبْلاً ... أكادُ أغَصُّ بالماءِ الفُراتِ)
وقرىء من قبل وَمن بعد فأعرب لنِيَّة التنكير فَقَوله من وَرَاء على نِيَّة التنكير كَأَنَّهُ قَالَ من جِهَة تخَالف وَجهه الْمَعْنى يَقُول هُوَ يمشي القهقهرى إِلَى خَلفه حبا للاستدخال وَلَو قَالَ بأَرْبعَة لاستراح من التَّذْكِير وَاسْتَرَحْنَا من التَّوْجِيه والتحيل لَهُ أَي أَنه كَانَ تركبه العلوج ويمشى إِلَى خَلفه على غير الْعَادة فَإِن من عَادَة المركوب أَن يمشي إِلَى قُدَّام وَهُوَ بِخِلَاف المركوب لِأَنَّهُ يلجم من وَرَائه
21 - الْإِعْرَاب عطف فت على مطروفة لَيْسَ من حق الْفِعْل أَن يعْطف على الِاسْم وَلَا الِاسْم على الْفِعْل وَلَكِن سَاغَ ذَلِك فِي اسْم الْفَاعِل وَاسم الْمَفْعُول لما بَينهمَا وَبَين الْفِعْل من التقارب بالاشتقاق وَالْمعْنَى وَلذَلِك عملا فِيهِ وَقد عطف الْفِعْل على الِاسْم فِي الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى {صافات ويقبضن والمصدقين والمصدقات وأقرضوا الله} وَقَالَ الراجز
(تَبِيتُ لَا تَأْوَى وَلا نُفَّاشا ... )
أَي لَا تأوى وَلَا تنتفش وَكَذَلِكَ صافات وقابضات وَالَّذين تصدقوا وأقرضوا الْمَعْنى يَقُول هُوَ يُحَرك جفونه يُشِير بِهن إِلَى العلوج فَتبقى كَأَنَّهَا قد أُصِيبَت بقذى أَو عصر فِيهَا الحصرم لِأَنَّهَا لَا تفتر من التحريك
22 - الْمَعْنى قَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري عيب على أبي الطّيب قَوْله هَذَا وَقَالُوا لَا معنى لتشبيهه الحَدِيث باللطم وَإِنَّمَا كَانَ حَقه أَن يضع فِي مَوضِع تلطم تولول أَو تبْكي أَو نَحْوهمَا لَكِن لما شبه صَوت حَدِيثه بقهقهة الْفَرد وَهِي صَوت شبهه بلطم عَجُوز وَلَطم النِّسَاء لابد أَن يَصْحَبهُ صَوت فَلَمَّا اضطرته القافية إِلَى ذكر اللَّطْم الدَّال على الولولة وَالنوح اكْتفى بِذكر الدَّلِيل عَن الْمَدْلُول عَلَيْهِ وأو للْإِبَاحَة أَي إِن شِئْت شبهت حَدِيثه بقهقهة القرد وَإِن شِئْت شبهته يعجوز تلطم وَقَول ثَان وَهُوَ أَنه شبه شَيْئَيْنِ بشيئين شبه حَدِيثه بقهقهة القرد وَشبه إِشَارَته فِي أثْنَاء حَدِيثَة بلطم الْعَجُوز لِأَنَّهُ من عيه لَا يفهم وَجعله مُشِيرا بيدَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يقدر على الإفصاح فَهُوَ يَسْتَعِين بِالْإِشَارَةِ إِذا حدث كَمَا أَشَارَ بِأَقَلّ لما عجز عَن الْجَواب وَقد مر بِقوم وَمَعَهُ ظَبْي قد اشْتَرَاهُ بِأحد عشر درهما وَهُوَ متأبطه فَقَالُوا لَهُ بكم اشْتَرَيْته فَمد يَدَيْهِ وَفرق أَصَابِعه وَأخرج لِسَانه يُرِيد بإصابعه عشرَة وبلسانه درهما فشرد الظبي وَفِي هَذَا التَّشْبِيه معنى آخر وَهُوَ أَنه أَرَادَ قبح وَجهه وَكَثْرَة تشنجه فَهُوَ فِي الْقبْح كوجه الْفَرد وَفِي التشنج كوجه الْعَجُوز فَإِن قيل كَيفَ شبه شَيْئَيْنِ بشيئين وَعطف بِأَو وَهِي لأحد الشَّيْئَيْنِ وَحقه أَن يعْطف بِالْوَاو قُلْنَا إِن أوقد وَردت فِي كَلَامهم بِمَعْنى الْوَاو وأنشدوا
(4/128)

(أَلا فالبَثا شَهرَيْن أوْ نِصْفَ ثالِثٍ ... إِلَى ذَاكَ مَا قدْ عَيَّبتْني غيابيا)
يُرِيد وَنصف ثَالِث وَكَقَوْلِه تَعَالَى ( {إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ} أَي وَيزِيدُونَ
23 - الْغَرِيب يقلى مثل رمى يَرْمِي وقليه يقلاه مثل رضيه يرضاه وَهُوَ من اليائي وَلَو كَانَ من الواوي لَكَانَ يقلوا وأنشدوا فِي يقلى
(وَترْمِينَنَي بالطَّرْفِ أيْ أنتَ مُذنِبُ ... وَتقْليِنَني لكِنَّ إيَّاكِ لَا أقْلى)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قلاه يقلوه قلاء مثل رجاه يرجوه رَجَاء وَأنْشد
(فإنْ تَقْلُ بَعْدَ الوُدّ أُم مُحَلَّمٍ ... فَسِيَّانِ عِنْدِي وُدُّها وَقَلاؤُها)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ صفعان وَقد تعود أَن يصفع فيكاد يتعمم على يَد تصفعه
24 - الْإِعْرَاب يَقُول أكذب مَا يكون مقسمًا فَوضع الْمُضَارع مَوضِع الْحَال وَزَاد واوا وَالْمعْنَى أَحْقَر مَا ترَاهُ إِذا نطق لعيه فَلَا يكَاد يبين وأكذب مَا يكون إِذا حلف كَمَا قَالَ الآخر
(فَلا تَحْلِفْ فَإنَّكَ غَيْرُ بَرِّ ... وَاكْذَبُ مَا تَكُونُ إِذا حَلَفْنا)
قَالَ الشريف هبة الله بن على الشجري فِي أَمَالِيهِ ونقلته بخطى فعل الرُّؤْيَة من الْعين يعدى إِلَى مفعول وَاحِد واصغر نصب على الْمصدر لِأَنَّهُ أضيف إِلَى مَا المصدرية وناطقا نصب على الْحَال وأفعل الْمُضَاف إِلَى الْمفضل عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ فَصَارَ كَقَوْلِك سرت اشد الْمسير واكذب حكمه حكمه فِي ذَلِك حكم أَصْغَر وناصب ناطقا ترى الأول من الرُّؤْيَة وانتصابه على الْحَال وَتَقْدِيره وتراه ناطقا أَحْقَر رؤيتك إِيَّاه فالتحقير تنَاول الرُّؤْيَة فِي اللَّفْظ والمارد تحقير الْمَرْء وَالْمعْنَى ترَاهُ ناطقا أَحْقَر مِنْهُ إِذا رَأَيْته ساكتا وَيكون كِلَاهُمَا بِمَعْنى يُوجد وَإِن جعلت يكون الأول نَاقِصا وَخَبره أكذب لم يجز لما ذكرته من انتصاب أكذب على الْمصدر لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمصدر والمضمر فِي يكون عَائِد على المهجو وَخبر كَانَ إِذا كَانَ مُفردا فَهُوَ وَاسْمهَا عبارَة عَن شَيْء وَاحِد بَطل أَن يَجْعَل يكون نَاقِصا لفساد الْإِخْبَار عَن الجثث بالأحداث أَو الْوَاو فِي قَوْله وَيقسم وَاو الْحَال وَالْجُمْلَة بعده حَال عمل فِيمَا يكون الأول وَهِي جملَة ابْتِدَاء والمبتدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير وَهُوَ يقسم فَحذف هُوَ كَمَا حذفه الْأَعْشَى
(4/129)

(وَرَدَتْ عَلى قَيْسِ بنِ سعْدٍ نَاقَتي ... وَلِما بِها 000000)
أَرَادَ وَهِي لما بهَا من الْجهد فَحذف الْمُبْتَدَأ من جملَة الْحَال وَالتَّقْدِير يُوجد وَهُوَ مقسم وجودا أكذب وجوده غير مقسم الْمَعْنى يُوجد مقسمًا أكذب مِنْهُ إِذا وجد غير مقسم وَإِنَّمَا أضافوا الْكَذِب إِلَى وجوده وَكَونه كَمَا أضافوا الخطابة إِلَى الْأَمِير فِي قَوْلهم أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما وَالتَّقْدِير عِنْد النَّحْوِيين أَخطب أكوان الْأَمِير إِذا كَانَ قَائِما وَهَذَا على الاتساع كَمَا وصف النَّهَار بمبصرا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالنَّهَار مبصرا} أَي مبصرا فِيهِ
25 - الْغَرِيب الْمَوَدَّة الْمحبَّة والأرقم ضرب من الْحَيَّات فِيهِ سَواد وَبَيَاض الْمَعْنى يَقُول الذَّلِيل يظْهر الْمَوَدَّة لمن يبغضه وَلَو كَانَ ذَا أَنَفَة لما شاتره وَلمن يود أَي يظْهر وده عَدَاوَة فَهُوَ يظْهر الْمَوَدَّة لذله لمن يخافه إِذْ لَيْسَ يقدر على مكافأته وَلَا امْتنَاع عِنْده فيتودد إِلَيْهِ والحية أقرب إِلَى المصافاة من الذَّلِيل إِذا أظهر الْمَوَدَّة لمن يود وَهُوَ من قَول سديف
(ذُلُّها أظْهَرَ المَوَدَّةَ مِنها ... وَبِها مِنْكُمُ كَحَزَّ المَوَاسِي)

26 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي أَن عَدَاوَة السَّاقِط تدل على مباينة طبعه فتنفع وصداقته تدل على مناسبته فتضر وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَهُوَ من قَول صَالح بني عبد القدوس
(عَدُوْكَ ذُو العَقْلِ خَيرٌ مِنَ الصَّديِقِ ... لكِ الوَامِقِ الأحْمَقِ)

27 - الْغَرِيب صفراء اسْم أمه الْمَعْنى يَقُول من جهلك أرْسلت تطلب مني الْمَدْح وأمك على مَا فِيهَا أخس حَالا مِنْك فَكيف يتَّجه لي الْمَدْح فِيك
28 - الْغَرِيب الأعير تَصْغِير أَعور وَيجوز أعيور وَكَانَ أَبوهُ أَعور الْمَعْنى يَقُول يَا بن الْأَعْوَر يَعْنِي أَبَاهُ إِبْرَاهِيم القيادة فِي غَيْرك كسب وَأَنت تتكرم بهَا أَي تطلبها كرما
29 - الْغَرِيب شدّ مَا بِمَنْزِلَة نعما وبئسما فِي التَّقْدِير وعني بالخيم أَبْيَات شعره
(4/130)

الْمَعْنى يَقُول مَا أَشد مَا تجاوزت قدرك حَتَّى بعثت تَسْأَلنِي المديح ومسئلتك إيَّايَ مدحك تجَاوز مِنْك لقدرك حِين طلبت مني الأنجم يُرِيد الأبيات
30 - الْإِعْرَاب نصب خَالِصا على الْحَال وَلَا يجوز نَصبه بأرغت لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرِيد طلبه خَالِصا وَالْعَامِل اللَّام فِي لأبي العشائر أَي الَّذِي ثَبت لَهُ خَالِصا لَا لَك لِأَنَّك غير مُسْتَحقّ الثَّنَاء وَإِنَّمَا يسْتَحق الثَّنَاء الْمُنعم على قصاده وزواره والإراغة الطّلب
31 - الْغَرِيب الأخدعان عرقان فِي الْعُنُق معروفان والوجء القط والنهم الزّجر الشَّديد الْمَعْنى يَقُول إِذا أَقمت على بَابه مهانا يوجأ أخدعاك يَعْنِي بِكَثْرَة الصفع لِأَنَّك ذليل كل من رآك صفعك وَهُوَ من قَول جرير
(قوْمٌ إذَا حضَرَ المُلُوكَ وَفُودُهُمْ ... نُتْفَتْ شَوَارِبُهُمْ عَلى الأبْوَابِ)

32 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي وَهُوَ مكرم يعود على المَال يُرِيد أَنه مكرم يضن بِمثلِهِ وَيجوز أَن يكون للمدوح أَي يهين مَاله وَيكرم عِنْد النَّاس وَمثله قَوْله تَعَالَى {ويطعمون الطَّعَام على حبه} فَالضَّمِير محتم لله تَعَالَى وللطعام الْغَرِيب العرمرم الْكَبِير الْعَظِيم الْمَعْنى الْمَدْح وَالثنَاء لمن يزار فينعم وَلمن يهين المَال فَهُوَ عطف عَلَيْهِ وَالْمَال مكرم مَحْبُوب وَأَنه يهين المَال وَهُوَ مكرم وَلَا يصل إِلَيْهِ ذمّ لِأَنَّهُ عَار من الذَّم وَلمن يجر الْجَيْش الْعَظِيم إِلَى الْأَعْدَاء فَهَذَا يسْتَحق الْمَدْح
33 - الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الْمُسْتَتر بِالسِّلَاحِ والمازق الْمضيق وَمِنْه سمى مَوضِع الْحَرْب مأزقا وَقَالَ الْفراء تأزق صَدْرِي أَي ضَاقَ والمعلم الَّذِي عَلَيْهِ عَلامَة فِي الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول المديح وَالثنَاء لهَذَا الَّذِي إِذا الْتَقت الشجعان فِي الْمضيق من الحروب والشدائد كَانَ نصِيبه مِنْهَا الْأَبْطَال لَا الأسلاب وَفِيه نظر إِلَى قَول الطَّائِي
(إنَّ الأُسُودَ أُسُودَ الغابِ همَّتُها ... يوْمَ الكرِيهَةِ فيا لمَسْلُوبِ لَا السَّلبِ)

34 - الْغَرِيب أطر عوج وتأطر الرمْح تثنى وأطرت الْقوس حنيتها أطرها أطرا الْمَعْنى يَقُول إِذا اعوجت قناته فِي مطعون طعن بهَا آخر فتقومت
35 - الْغَرِيب الْأَزْهَر النير الْأَبْيَض والمشيع الجريء والمصمم السَّيْف الَّذِي لَا ينبو عَن الضريبة الْمَعْنى يَقُول إِذا التقى هُوَ الكماة فِي مأزق فوجهه أَزْهَر وفؤاده قوى جريء وَرمحه يطعن بِهِ وسيفه مصمم لَا ينبو وَلَا يفتر من الضَّرْب
36 - الْغَرِيب حكى ابْن زيد رجل أعجم وَقوم أعجم والأعاجم عِنْد الْعَرَب لئام وهم يسمون من لم يتَكَلَّم بلغتهم أعجم من أَي جيل كَانَ قَالَ الراجز
(سَلُّومُ لوْ أصْبَحْتِ وَسْطَ الأعْجم ... فِي الرُّومِ أوْ فارِسَ أوْ بِالدَّيْلمِ)
وَقَالَ حميد بن ثَوْر
(وَلم أرَ مِثْلي شاقَهُ صَوْتُ مِثْلِها ... وَلا عرَبِياً شاقَهُ صَوْتُ أعْجَمِ)
الْمَعْنى يَقُول الْفِعْل يشابه النّسَب فَمن كرمت مناسبه كرمت أَفعاله وعَلى الضِّدّ من هَذَا من كَانَ لئيم النّسَب كَانَت أَفعاله لئيمة
(4/131)

- 1 الْإِعْرَاب الْهمام بدل من ابْن عَسْكَر فنصبه الْغَرِيب الهيام الْعَطش والهيام أَيْضا مثل الْجُنُون من الْعِشْق والهيام أَيْضا دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فتهيم فِي الأَرْض لَا ترعى يُقَال نَاقَة هيماء قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن
(فَلا يَحْسَبِ الوَاشُونَ أَن صَبابَتِي ... بِعَزَّةَ كانَتْ غَمْرَةٍ فَتَجَلَّتِ)

(وَإني قدْ أبْلَلْتُ مِنْ دَنف بهَا ... كَمَا أدنفتْ هيماءُ ثمَّ اسْتَبَلَّت)
الْمَعْنى يَقُول يَا بن عَسْكَر لما نزلنَا بفنائك روينَا من عطشنا فَلم تتْرك بِنَا عطشا يُرِيد أَنهم اكتفوا من إنعامه وإحسانه إِلَيْهِم
2 - الْغَرِيب القلى البغض وَمِنْه مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى الْمَعْنى يَقُول قد استغنينا عَن الْهَدَايَا وأردنا الارتحال وَأحب مَا تهديه إِلَيْنَا أَن وَدعك ونسلم عَلَيْك
2 - الْغَرِيب الموَالِي الَّذِي يَلِي بعضه بَعْضًا والأيادي جمع يَد بِمَعْنى النِّعْمَة تجمع على أيادي والجسام الْعِظَام الْمَعْنى لم نرحل عَنْك لملال وَلَا أَنا ذممنا إنعامك المتوالي علينا
4 - الْغَرِيب الغيوث جمع غيث وَهُوَ الْمَطَر وتوالت تَتَابَعَت والغمام السَّحَاب نَحن عطاياك تَأْتِينَا وَأَنت قيدتنا باحسانك وَلَوْلَا أننا على سفر لم نملل إنعامك فالمطر يسْأَله كل أحد إِلَّا الْمُسَافِر هَذَا كَلَام الواحدي وَقَالَ غَيره وَقد نَقله إِن الْمُسَافِر إِذا كثرت عَلَيْهِ الأمطار بِالْأَرْضِ الَّتِي هُوَ بهَا اشتقاق إِلَى وَطنه وَكره الْمقَام بِأَرْض السّفر كَذَلِك نَحن قد أَحْسَنت إِلَيْنَا كل الْإِحْسَان فَنحْن نشتاق أَن نأتي الوطن ونسرع الارتحال وَقَالَ الواحدي الأول أوجه وَأظْهر
(4/132)

- 1 الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار الْغَرِيب الرهو السَّاكِن وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {واترك الْبَحْر رهوا} الْمَعْنى يَقُول لَا تهب الرّيح سَاكِنة سهلة بإذني وَكَذَا الْغَمَام لَا يسري على على مشيئتي وَيُرِيد بِالرِّيحِ والغمام الممدوح أَي هُوَ فِي سرعته فِي الْعَطاء والجود مثلهمَا يَعْنِي أَن الَّذِي يَفْعَله لَا يَفْعَله بإذني أَبُو بمشيئتي إِنَّمَا يَفْعَله طيعا طبع عَلَيْهِ كَمَا قَالَ
2 - الْغَرِيب التبجس التفجر وَمِنْه فانبجست مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا أَي تَفَجَّرَتْ الْمَعْنى يَقُول هَذَا الَّذِي تَفْعَلهُ طبع لَا تطبع كالغمام طبعه الانهلال بِالْمَاءِ وَكَذَا الْكِرَام
(4/133)

- 1 الْإِعْرَاب فِرَاق خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف وَيجوز رَفعه بإضمار فعل أَي حدث فِرَاق الْغَرِيب مذمم مفعل من المذمة والذم ويمت قصدت الْمَعْنى يَقُول هَذَا فِرَاق أَي هَذِه الْحَالة فِرَاق وَمن فارقته يَعْنِي سيف الدولة غير مَذْمُوم وَهَذَا الْفِرَاق هُوَ قصد لإِنْسَان آخر هُوَ خير مَقْصُود يَعْنِي الْأسود كافورا
2 - الْغَرِيب أبجل أعظم وَيرْفَع قري الْمَعْنى يَقُول لَا أقيم بمنزل لطيب الْعَيْش والحياة إِذا لم أكن مُعظما مكرما لِأَنَّهُ مَعَ الذل لَا يطيب لي
3 - الْإِعْرَاب رفع سحبية على حذف الِابْتِدَاء وَلَو نصبها جَازَ بإضمار فعل وَيجوز نصبها على الْبَدَل من مصدر مَحْذُوف أَي مرميا بهَا رميا سجية الْغَرِيب مليحة مشفقة من أَن تضام وَتخَاف وألاح من الْأَمر إِذا أشْفق مِنْهُ وَالْمحرم الطَّرِيق فِي الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْفِرَاق سجية نَفسِي الَّتِي هِيَ أبدا خائفة من أَن تظلم وتبخس حَقّهَا من الْإِكْرَام وَأَنا أرمى بهَا كل طَرِيق هَارِبا من الذل والضيم
4 - الْغَرِيب الشادن ولد الغزال وَهُوَ فَوق الطلا والضيغم من أَسمَاء الْأسد الْمَعْنى كم رجال يَبْكُونَ على ويجزعون لارتحالي عَنهُ فالباكي يجفن الشادن الْمَرْأَة المليحة والباكي بأجفان الضيغم الرجل الشجاع الْكَرِيم
(4/134)

قَالَ أَبُو الْفَتْح بأجفان ضيغم يُرِيد سيف الدولة وَهَذَا وَفَاء لما أوعد بِهِ من قَوْله
(لَيَحْدُثَنَّ لِمَنْ فارَقْتُهُ نَدَمُ ... )

5 - الْإِعْرَاب مَكَانَهُ فَاعل وَلَيْسَ للقرط ضمير لِأَن مليح قد رفع الظَّاهِر القرط الَّذِي يعلق فِي شحمة الْأذن وَالْجمع قرطة وقراط مثل رمح ورماح والمصمم صفة للحسام وَيجوز أَن يكون لرب وَهُوَ أولى وَأحسن الْمَعْنى يَقُول لَيست هَذِه الْمَرْأَة لفراقي بأجزع من الرجل الشجاع لِأَن الرجل يبكي عَليّ لمكاني عِنْده
6 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الَّذِي أشكوه من الْغدر بِي من امْرَأَة عذرتها لِأَن شِيمَة النِّسَاء الْغدر وَلكنه من رجل والمعمم أَرَادَ بِهِ الرجل لِأَن الْمَرْأَة لَا تعمم
7 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لم يحسن إِلَيّ وَلم أهجه لحبي إِيَّاه فَضرب الْمثل لإساءته إِلَيْهِ بالرمى ولأمنه من الْمُكَافَأَة بالهجاء بالاتقاء وَالْمعْنَى أَن حبي إِيَّاه مَنَعَنِي عَن الْمُكَافَأَة بالإساءة فَكَانَ كرام يرميي وَهُوَ وَرَاء جنَّة تمنعني أَن أرميه
8 - الْمَعْنى يَقُول الْمُسِيء يسيء الظَّن لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن مِمَّن أَسَاءَ إِلَيْهِ وَمَا يخْطر بِقَلْبِه من التَّوَهُّم على إساءة غَيره يصدق ذَلِك فَكلما سمع عَن شخص كَلَام سوء يَظُنّهُ فِيهِ لسوء وهمه وَفعله وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(وَما فَسدَتْ لي يشْهدُ اللهُ نيَّةٌ ... عَلَيْك بَلِ اسْتفْسدتني فاتهمْتَني)

9 - الْمَعْنى يَقُول وبسوء ظَنّه عادي محبيه بقول الْأَعْدَاء وَأصْبح فِي كل أُمُوره حائرا
10 - الْمَعْنى يُرِيد بِالنَّفسِ الهمة والمعاني الَّتِي فِي جسم الْإِنْسَان من أخلاقه فَهُوَ يذكر لطف حسه ودقة علمه وَأَنه قبل أَن يَقع بَينه وَبَين من يُحِبهُ معرفَة يصادق نَفسه أَولا ويستدل عَلَيْهَا بِكَلَامِهِ وَفعله وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الائتلاف بالجواهر قبل الائتلاف بالأجسام
(4/135)

- الْمَعْنى يَقُول اصفح عَن خليلي علما بِأَنِّي إِذا جازيته على سفهه بالحلم تدم على قَبِيح فعله فَاعْتَذر إِلَيّ وَرجع إِلَى مرادي وَهُوَ من قَول سَالم بن وابصة
(وَنَيْرَبٍ منْ موَالِي السُّوءِ ذِي حسَد ... يَقْتابُ لَحمِي وَمَا يَشْفِيه من قَرَمِ)

(دَوايْتُ صَدْراً طوِيلا غمُرُ حَقِداً ... منهُ وقَلَّمتُ أظْفارا بِلا جَلمِ)

(بالجَزْمِ وَالخيرِ أُسْديِهِ وَأُلحِمُهُ ... تَقَوى الْإِلَه وَما لمْ يْرعَ مِنْ رَحِمِ)

(فأصْبَحتْ قَوْسُهُ دُونَي مُوتَّرة ... تَرْمي عَدُوّى جِهارا غَيرَ مُكتَمِمِ)

(إنَّ منَ الحِلْمِ ذلاً أنْتَ عارفُهُ ... وَالحِلْمُ عنْ قدْرةٍ فضْلٌ من الكَرمِ)

وَمن روى
(0000000 أنَّنِي ... مَني أجْزِهِ يوْما عَلى الجَهْلِ أندمِ)
يُرِيد إِن جهلت عَلَيْهِ كَمَا جهل عَليّ نَدِمت على ذَلِك لِأَن السَّفه وَالْجهل ليسَا من أخلاقي فِي شَيْء وَأَصله هَذَا كُله قَوْله تَعَالَى {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم}
12 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا آخذ من الْإِنْسَان الصِّلَة حَتَّى يكون مَعهَا بشر وبشاشة وَإِن بذلها وَهُوَ عَابس جزيته عَن جوده بجود وَهُوَ تركي مَعَ تَبَسم مني أَزِيد على مَا فعل لِأَنَّهُ بذل جوادا يعبوس وجزيته جودا بتبسم قَالَ ابْن القطاع صحف هَذَا الْبَيْت سَائِر الروَاة فَرَوَوْه بجود التارك وَلَا معنى للتارك وَإِنَّمَا هُوَ الْبَاذِل وَمَعْنَاهُ وَإِن بذل الْإِنْسَان لي جوده وَهُوَ عَابس الْوَجْه غير منشرح الصَّدْر جازيته مجازاة من بذل لي جوده وَهُوَ ضَاحِك وَلم أكافئه
13 - الْغَرِيب السميذع السَّيِّد الْكَرِيم والسمهري من الرماح الْقوي الصلب من اسمهر الْأَمر إِذا اشْتَدَّ الْمَعْنى أحب من الفتيان كل كريم يغشى النَّاس بَيته للقرى نجيب طَوِيل كصدر الرمْح الْمُقَوّم الشَّديد
14 - الْغَرِيب خطت قطعت والعيس الْإِبِل الْبيض والفلاة الأَرْض الْبَعِيدَة
(4/136)

عَن المَاء وَقَوله كبات جمع كبة وَهِي الصدمة والحملة والعرمرم الْكثير والكبة بِالضَّمِّ الْجَمَاعَة من الْخَيل وبالفتح الدفعة من الْقِتَال والحملة والكبة الزحام الْمَعْنى يَقُول الَّذِي قد سَافر الْكثير وَقطع الفلوات وَشهد الحروب فخالطت بِهِ الْخَيل الْجَيْش والكبة من قَوْلهم كَبه لوجهه إِذا أَلْقَاهُ قَالَ بعض الْعَرَب طعنته فِي الكبة طعنة فِي السبة فأخرجتها من اللبة فَقيل لَهُ كَيفَ طعنته فِي السبة وَهِي حَلقَة الدبر فَقَالَ إِن رمحه سقط من يَده فأكب ليأخذه فطعنته
15 - الْمَعْنى هُوَ عفيف إِلَّا فِي سَيْفه وَرمحه فَإِنَّهُ إِذا شهد الْحَرْب قتل الأقران وَلم يعف عَنْهُم وَإِنَّمَا عفته فِي كَفه لَا يَأْخُذ من مَال أحد شَيْئا وَفِي فرجه لَا يقرب الزِّنَا وَفِي فَمه فَهُوَ يمسك لِسَانه عَن الْغَيْبَة وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِالصّدقِ وَلَا يَأْكُل إِلَّا من حَلَال لِأَنَّهُ لَا يُصِيب مَالا إِلَّا من حلّه
16 - الْغَرِيب هويت الشَّيْء أهواه فَأَنا هُوَ وهاو كحذر وحاذر الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل من أحب الْأَمر الْجَمِيل يصنعه وَلَا كل من يصنعه يتممه
17 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة فَإِنَّهَا وَالضَّمِير عَائِد على الْكِرَام وَقَالَ يجوز أَن يكون الَّذِي حمله على ذَلِك أَنه شبههم بالسوابق وَقَالَ يهتدين فَجعل الضَّمِير عَائِدًا عَلَيْهَا قَالَ وَلَو قَالَ فَإِنَّهُم سوابق لَكَانَ جيدا وَقد رَوَاهُ جمَاعَة فَإِنَّهُم وَلم يعرفهُ أَبُو الْفَتْح وَلَا ذكر فِيهِ خلافًا الْغَرِيب أَبُو الْمسك كافور وَهُوَ الممدوح والأدهم الْأسود الْمَعْنى لما جعل الْكِرَام خيولا سوابق جعل الممدوح أدهم يتَقَدَّم السوابق وَهِي تجْرِي على أَثَره يَعْنِي أَنه إِمَام الْكِرَام وسابقهم ومتقدمهم
18 - الْإِعْرَاب أغر بدل من أدهم الْغَرِيب شخصن رفعن أبصارهن ورحب وسيع ومطهم حسن الْمَعْنى يَقُول لَا بَيَاض على الْحَقِيقَة فِي وَجهه وَإِنَّمَا مجده يشرق فِي وَجهه إشراق الْغرَّة والسوابق قد شخصت أعينها وَرَاء هَذَا الْأَغَر تنظر إِلَى خلق وَاسع وَخلق تَامّ حسن يُرِيد أَن خلقه حسن وَوَجهه حسن
(4/137)

- الْمَعْنى يَقُول إِذا لم تحسن السياسة فاخدمه بِالْقيامِ قدامه مرّة تتعلم حسن السياسة
20 - الْغَرِيب المساعي جمع مسعاة وَهِي السَّعْي فِي طلب الْمجد الْمَعْنى يَقُول من رَآهُ وَرَأى أَفعاله لم يكن لَهُ عذر أَن يكون ضَعِيف المساعي قَلِيل التكرم يُرِيد أَنه مِنْهُ تتعلم هَذِه الْأَشْيَاء فن رَآهُ وَلم يتعلمها مِنْهُ فَهُوَ غير مَعْذُور وأبوا لفتح يَجْعَل هَذَا دَاخِلا فِي الهجاء على معنى أَن مثله خسة ولؤم أصل إِذا كَانَ لَهُ تكرم فَلَا عذر لأحد بعده فِي تَركهَا كَقَوْل الآخر
(لَا تَيْأسَنَّ منَ الإمارَةِ بَعْدَما ... خَفَقَ الَّلوَاءُ عَلى عِمامَةِ جَرْوَلِ)
وَقَالَ ابْن القطاع الهجاء هُوَ أَن يَقُول إِن كافورا قد ضيق على وَلَا نفع لي مِنْهُ لي مِنْهُ ولاجاه لي عِنْده وَأَنه ينْتَفع بخدمتي وَلَا أنتفع بِهِ وَلَو أَنه قَالَ هَذَا لشخص لخاف أَن يتَّصل بكافور فَيكون فِيهِ هَلَاكه
21 - الْغَرِيب يُقَال أجحم بِتَقْدِيم الْجِيم مثل أحجم بتأخيرها عَن الْأَمر كف عَنهُ وَمن روى اقدمي بِفَتْح الدَّال فَمَعْنَاه ردى الْحَرْب من قدم يقدم قدومًا وَمن روى بضَمهَا كَانَ ن قدم يقدم إِذا تقدم الْمَعْنى يَقُول إِذا وقفت الكتيبة وتأخرت عَن الْإِقْدَام وَقل من يحثها على وُرُود المعركة فَمن مثله أَي أَنه يحث الْخَيل عِنْد الإحجام ويشجعها على لِقَاء الْعَدو
22 - الْغَرِيب الطّرف بِكَسْر الطَّاء هُوَ الْفرس وَمن روى بِفَتْح الطَّاء أَرَادَ طرف الْعين وَالنَّقْع الْغُبَار واللهوات جمع لهاة وَهِي مَا فَوق اللِّسَان والمتلثم الَّذِي على فِيهِ اللثام وَهُوَ مَا يستره من الْغُبَار والهواء الْمَعْنى يَقُول هُوَ ثَابت فِي حَال الْحَرْب وَالنَّقْع قد وصل إِلَى لَهَوَات المتلثم وَهُوَ فِي المعركة ثَابت لَا يحجم وَلَا يتَأَخَّر وَلَا يتداخله الْفَزع
23 - الْمَعْنى يُخَاطب كافورا ويناديه يَا أَبَا الْمسك أَنا راج مِنْك عزا أتمكن بِهِ من قتل أعدائي
(4/138)

- الْغَرِيب الشقا يمد وَيقصر وهمزته منقلبة عَن وَاو الْمَعْنى يَقُول أَرْجُو أَن أدْرك بعزك حَالَة شقائي فِيهَا مثل التنعم أَي أَشْقَى فِي حَرْب الْأَعْدَاء فأتنعم بذلك وَقَالَ الواحدي أبدل تنعم الْأَعْدَاء بالشقاء لما أورد عَلَيْهِم من الْحَسَد لنعمتي والغيظ لمكاني فيشقون بِي وَيجوز أبدل بالشقاء تنعما
25 - الْمَعْنى أَنْت أهل أَن يُرْجَى عنْدك مَا أرجوه وَلم أَضَع الرَّجَاء فِي غير مَوْضِعه لِأَنِّي لم أرج إِلَّا من مُتَمَكن كمن يطْلب الْمَطَر من السَّحَاب وَلم يَطْلُبهُ من غير السَّحَاب
26 - الْمَعْنى فَلَو لم تكن فِي مصر مَا كنت أقصدها مستهاما متيما
27 - الْإِعْرَاب أسكن حملات ضَرُورَة لِأَنَّهَا جمع حَملَة وَجمع فعله إِذا كَانَ إسما كَانَ متحركا الْغَرِيب عبر باسم الديلم عَن الْأَعْدَاء وهم جيل من النَّاس وَالْعرب تعبر بالديلم عَن الْأَعْدَاء لِأَنَّهَا كَانَت بَينهَا وَبَين الْعَرَب عَدَاوَة فَصَارَ اسمهم عبارَة عَن الْأَعْدَاء وَمِنْه قَول عنترة
(زَوْرَاءُ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلمِ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قلت لَهُ أَتُرِيدُ بالديلم الْأَعْدَاء أم هَذَا الجيل من الْعَجم فَقَالَ بل الْعَجم الْمَعْنى يَقُول إِنَّه كَانَ يمر بِاللَّيْلِ فِي طَرِيقه إِلَى مصر على الْقَبَائِل وتصول كلابها على خيله كَأَنَّهَا أَعدَاء تحمل عَلَيْهَا
28 - الْغَرِيب الْقَائِف التَّابِع الَّذِي يقفو الْآثَار والمنسم لذِي الْخُف كالحافر الْمَعْنى يَقُول الْقَائِف إِذا اتَّبعنَا ليرد عَن الْمسير إِلَيْك لم ير إِلَّا آثَار الْإِبِل وَالْخَيْل أَي أَنه لم يدركهم لسرعة السّير وَمن عَادَة الْعَرَب أَن يجنبوا الْخَيل ويركبوا الْإِبِل يَعْنِي إِلَّا أثر حافر فَوق أثر خف كَقَوْل الشَّاعِر
(أوْلى فأوْلى يَا امرَأ القَيْسِ بَعْدَما ... خَصَفْنا بآثارِ المَطِيِّ الحَوَفِرَا)
(4/139)

- الْغَرِيب التغمر الشّرْب الْقَلِيل وَهُوَ من الْغمر وَهُوَ الْقدح الصَّغِير وَإِنَّمَا قل شربهَا لِأَنَّهَا وصلت مكدودة وَمِنْه قَول طفيل
(أنخْنا فَسِمنْاها النَّطافَ فَشارِبٌ ... قَلِيلاً وَآبٍ صَدَّ عَنْ كُل مشرَبٍ)
واستذرت نزلت فِي ذراه أَي ناحيته والمقطم جبل مَعْرُوف بِمصْر وَهُوَ المشرف على مَقْبرَة القرافة والقلعة الْمَعْنى يَقُول وَسمنًا الْبَيْدَاء بآثار خَيْلنَا وسرنا فِي أَرض غفل لَا أثر بهَا لسالك فَصَارَت آثَار الْخَيل وَالْإِبِل كالسمة لَهَا وَهِي الْعَلامَة حَتَّى وَردت النّيل مكدودة فَشَرِبت شربا قَلِيلا
30 - الْغَرِيب الأبلخ بِالْخَاءِ هُوَ الْعَظِيم وَهُوَ من صفة الْمُلُوك وبالجيم الْجَمِيل الْوَجْه الْإِعْرَاب وأبلخ فِي مَوضِع جر عطفا على ظلّ المقطم أَي وبظل أبلخ ولومي يُرِيد رجَالًا وَهَذَا هُوَ الأِشهر فِي بَاب فَاعل وفاعلة من الْوَصْف وَمثله عاذل وعذل وَلَو أَرَادَ نسَاء لقَالَ لوائمي الْمَعْنى يَقُول واستذرت بِظِل أبلخ يعْصى من يُشِير عَلَيْهِ وَهُوَ وزيره ابْن الْفُرَات لِأَن المتنبي لم يمدحه وعصيت بقصديه قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ مِمَّا يجوز نَقله إِلَى الهجاء وَظَاهر اللَّفْظ الَّذِي بنى عَلَيْهِ أَنه أَرَادَ عصيت من كَانَ يُشِير عَليّ بالْمقَام شحا مِنْهُ عَليّ وَكَرَاهَة لبعدي عَنهُ والأبلج هُوَ كافور والأبلج المفترق الحاجبين وَمَا بَينهمَا يُسمى بلجة هَذَا قَوْله وَقَالَ الواحدي يعْصى من يُشِير عَلَيْهِ بتركي بِأَن يختصني دون غَيْرِي كَمَا أَنِّي عصيت من أَشَارَ عليّ بترك المير إِلَيْهِ
31 - الْغَرِيب المجمجم الَّذِي لَا يفهم وَلَا يَأْتِي على الْوَجْه وجمجم كَلَامه إِذا عماه وستره وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَيْسَ فِيهِ عيب وَلَا إِشَارَة إِلَى ذمّ الْمَعْنى يَقُول لم يكدر إحسانه إِلَيّ بالمن وَلم ينغصه بالأذى وَلم يكدره عَليّ كَغَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا النَّفْي يشْهد بِمَا ذكرته من قلب المديح إِلَى الهجاء
32 - الْإِعْرَاب أَرَادَ من الْأَمْلَاك فَحذف وأوصل الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَاخْتَارَ مُوسَى قومه} أَي من قومه
(4/140)

الْمَعْنى يَقُول قد اخْتَرْتُك من الْأَمْلَاك أَي من مُلُوك الأَرْض بِالْقَصْدِ إِلَيْك فاختر لَهُم بِنَا حَدِيثا من مدح أَو هجاء أَو منع أَو عَطاء يُرِيد أَنهم يتحدثون بِنَا فاختر مَا تُرِيدُ من ثَنَاء وإطراء بِالْإِحْسَانِ أَو ذمّ أَو هجاء بالبخل والحرمان قَالَ الواحدي لم يعرف ابْن جنى هَذَا فَقَالَ افْعَل بِي فعلا إِذا سَمِعُوهُ كَانَ مُخْتَارًا مستحسنا عِنْدهم وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي يَقُوله فِي الْبَيْت أَلا ترى إِلَى قَوْله وَقد حكمت رَأْيك يُرِيد أَنْت الْمُحكم فِي مَا تخْتَار وَلَو أَرَادَ مَا قَالَه لما كَانَ محكما
33 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا الْبَيْت يوري عَن هجائه بقبح الصُّورَة فَإِنَّهُ لَا منقبة لَهُ يمدح بهَا إِلَّا أَنه إِذا أحسن بالعطاء فوجهه أحسن الْوُجُوه بِالْإِحْسَانِ وَيَده أَيمن الْأَيْدِي بالإنعام وَكَذَلِكَ الْبَيْت الَّذِي بعده
34 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه خَال عَمَّا يمدح بِهِ الْمُلُوك من نسب أَو حسب أَو شرف تليد فَإِن لم يستحدث لنقشه شرفا مطرفا بعلو همة وإقدام لم يكن لَهُ خصْلَة يمدح بهَا
35 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا تطلب الدُّنْيَا وتقاتل عَلَيْهَا وتنافس فِيهَا لهذين الشَّيْئَيْنِ إِمَّا لنفع الْأَوْلِيَاء أَو لضر الْأَعْدَاء وَلَيْسَت تصلح لغير هذَيْن وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم إِذا لم تصن بِالْمَالِ أَبنَاء الْجِنْس وَتقتل بِهِ أَعدَاء النَّفس فَمَا تصنع بالأعراض
36 - الْغَرِيب الْمهْر هُوَ الصَّغِير السن من الْخَيل يُقَال مهر ومهرة وَجمع الْمُذكر أمهار ومهار ومهارة وَجمع الْمُؤَنَّث مهر ومهرات قَالَ الرّبيع بن زِيَاد الْعَبْسِي
(وَمَجنَّباتٍ مَا يَذُقْنَ عَذوقا ... يَفْذِفْنَ بالمهُرَاتِ وَالأمْهارِ)
والمعصم مَوضِع السوار من الزند الْمَعْنى يَقُول قد وصل إِلَى الْمهْر الَّذِي أهديته لي وَعَلِيهِ وسم بِاسْمِك الَّذِي هُوَ سمة لكل حَيَوَان يُرِيد أَنه ملك مَالك لكل حَيّ أَلا ترى قَوْله الْبَيْت بعده
37 - الْغَرِيب الْحَيَوَان يُطلق على كل حَيّ فَمنهمْ النَّاطِق وهم بَنو آدم وماعداهم فحيوان غير نَاطِق والموسم الْمعلم الْمَعْنى يَقُول لَك الْخَيل وَمن يركبهَا وَإِن كَانُوا خالين من الْعَلامَة
38 - الْمَعْنى أَنه استبطأ مَا يَرْجُو مِنْهُ فَقَالَ لَو كنت أعرف كم قدر حَياتِي فِي الدُّنْيَا لجعلت ثلتي ذَلِك الْقدر مُدَّة انْتِظَار عطائك وَهَذَا من قَول مُسلم
(لوْ كانَ عِندَك ميثاقٌ يُخَلِّدُنا ... إِلَى المشِيبِ انْتَظَرْنا سَلْوَةَ الكبرِ)

39 - الْمَعْنى يَقُول الْفَائِت من الْعُمر غير مرتجع وَلَا يعود على أحد أَي لَا تطول مُدَّة الْبَقَاء فَإِن الْمَاضِي غير مُسْتَدْرك فجد لي بِخَط من يستعجل ويغتنم الْقُدْرَة والإمكان
40 - الْمَعْنى هَذَا كالعود من عتاب الاستبطاء يَقُول إِن كنت ترْضى بِتَأْخِير مَا أرجوه فَأَنا أرْضى بِهِ أَيْضا محبَّة لَك وانجذابا إِلَى هَوَاك لِأَنِّي قدت نَفسِي إِلَيْك قَود من يسلم لَك مَا تَفْعَلهُ وَالْمُسلم لَا يُعَارض بِشَيْء
41 - الْمَعْنى يَقُول مثلك فِي كرمك وسماحتك يكون فُؤَاده بَينه وبيني وَسِيطًا فيكلمه عني وَلَا يحوجني إِلَى الْكَلَام
(4/141)

- 1 الْغَرِيب جلّ الْأَمر عظم وَقل أَيْضا وَالْكَلَام هُوَ الْمَعْرُوف وَقَالَ ابْن القطاع أَرَادَ الْكَلَام وَهِي الْجِرَاحَات الْمَعْنى يَقُول لصاحبيه اللَّذين يلومانه على الإخطار بِنَفسِهِ وتجشم الْأَسْفَار فِي طلب الْمَعَالِي ملومكما يَعْنِي نَفسه أجل من أَن يلام لِأَن فعله جَازَ طوق القَوْل فَلَا يدْرك فعله بِالْوَصْفِ وَالْقَوْل وَلِأَنَّهُ لَا مطمع للائم فِيهِ بِأَن يطيعه أَو يخدعه
وَقَالَ ابْن القطاع ملومكما يجل عَن لومكما وَوَقع فعال لومكما فَوق الْكَلَام أَي الْجِرَاحَات
(4/142)

- الْإِعْرَاب نصب الفلاة والهجير لِأَنَّهُمَا مفعولان مَعَهُمَا أَي اتركاني مَعَ الفلاة والهجير الْغَرِيب الفلاة الأَرْض الْبَعِيدَة عَن المَاء والهجير شدَّة الْحر واللثام مَا يستر بِهِ الْوَجْه الْمَعْنى يَقُول اتركاني مَعَ الفلاة فَإِنِّي أسلكها بِغَيْر دَلِيل لاهتدائي فِيهَا وذراني مَعَ الهجير أَسِير فِيهِ بِغَيْر لثام على وَجْهي لِأَنِّي قد اعْتدت ذَلِك
3 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أستريح بالفلاة والهجير وراحتي فيهمَا وتعبي فِي النُّزُول وَالْمقَام وَأَنا أستريح بِهَذَيْنِ اللَّذين قد تعودتهما
4 - الْغَرِيب حرت تحيرت والبغام صَوت النَّاقة للتعب بغمت تبغم بِالْكَسْرِ وَهُوَ صَوت لَا يفصح بِهِ والرازح من الْإِبِل الْهَالِك هزالًا وَقد رزحت النَّاقة ترزح رزوحا ورزاحا سَقَطت من الإعياء هزالًا ورزحتها أَنا ترزيحا. الْمَعْنى أَنه شبه نَفسه فِي التحير بالبهيمة لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَيْن تذْهب وَهُوَ كَذَلِك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِن حارت عَيْني فَأَنا بَهِيمَة عَيْني عينهَا وصوتي صَوتهَا كَمَا تَقول إِن فعلت هَذَا فَأَنا حمَار وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد أَنه بدوي عَارِف بدلالات النُّجُوم بِاللَّيْلِ فَيَقُول إِن تحيرت فِي الْمَفَازَة بعيني البصيرة عين رَاحِلَتي ومنطقي الفصيح بغامها وَقَالَ الْخَطِيب عُيُون رواحلي تنوب عني إِذا ضللت اهْتَدَى بهَا وصوتها إِذا احتجت إِلَى أَن أصوت ليسمع الْحَيّ يقوم مقَام صوتي وَإِنَّمَا قَالَ بغامي على الِاسْتِعَارَة
5 - الْغَرِيب قَالَ ابْن السّكيت الْعَرَب إِذا عدت للسحاب مائَة برقة لم تشك فِي أَنَّهَا ماطرة قد سقت فتتبعها على الثِّقَة بالمطر وَقَالَ الْخَطِيب قَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي النَّوَادِر الْعَرَب كَانُوا إِذا لَاحَ الْبَرْق عدوا سبعين برقة فَإِذا كملت وثقوا بِأَنَّهُ برق ماطر فرحلوا يطْلبُونَ مَوضِع الْغَيْث وَأنْشد عمر بن الْأَعْوَر
(سقى اللهُ جِيرَانا حَمِدْتُ جوَارِهمْ ... كراما إِذا عُدُّوا وَفَوْقَ كرَامِ)

(يَعدُّونَ بَرْقَ المُزْنِ قي كلّ مَهْمَةٍ ... فَمَا رِزْقُهُمْ إلاَّ بُرُوقُ غَمامِ)
الْمَعْنى يَقُول لَا أحتاج فِي وُرُود المَاء إِلَى دَلِيل يدلني سوى أَن أعد برق الْغَمَام فَأتبعهُ كعادة الْعَرَب فِي عدهَا بروق الْغَمَام
(4/143)

- الْغَرِيب الذمام الْعَهْد والخفارة الْمَعْنى يَقُول من احْتَاجَ فِي السّفر إِلَى ذمام وَجوَار وَعبد ليأمن بذلك فَأَنا فِي جوَار الله وَجوَار سَيفي يُرِيد أَنه لَا يصحب أحدا فِي سَفَره
7 - الْمَعْنى يَقُول لَا أمسي ضيفا لبخيل وَإِن لم أجد زادا أَلْبَتَّة لِأَنَّهُ لَا مخ للنعام وَيجوز أَن يُرِيد بِهَذَا أَن الْبَخِيل لَا قرى عِنْده ويروي مح بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْمعْنَى لَو لم يكن لي قرى إِلَّا بيض النعام شربته وَلم آتٍ بَخِيلًا أتضيف بِهِ
8 - الْغَرِيب الخب الْمَكْر والود الْحبّ والصداقة الْمَعْنى يَقُول لما صَار ود النَّاس غير صَادِق صرت كأحدهم أفعل بهم كَمَا يَفْعَلُونَ فَإِذا تبسموا إِلَيّ تبسمت لَهُم
9 - الْمَعْنى يَقُول لم أكن على ثِقَة من مَوَدَّة من أوده لعلمي أَنه من جملَة النَّاس يُرِيد لعُمُوم فَسَاد الْخلق كلهم إِذا اخْتَرْت أحدا للمودة لم أَثِق بمودته
10 - الْغَرِيب الوسام والوسامة الْحسن وسم يوسم وسامة ووساما الْمَعْنى يَقُول الْعَاقِل إِنَّمَا يحب من يُحِبهُ على صفاء الود فَمن أصفى لَهُ الود أحبه وَالْجَاهِل يحب على جمال الصُّورَة وَذَلِكَ حب الْجُهَّال لِأَنَّهُ لَيْسَ كل جميل المنظر يسْتَحق الْمحبَّة كخضراء الدمن رائق اللَّوْن وَبِي المذاق
11 - الْغَرِيب آنف أستنكف الْمَعْنى يَقُول أبْغض البخلاء وَأحب الْكِرَام حَتَّى أبْغض أخي إِذا لم أَجِدهُ كَرِيمًا
12 - الْمَعْنى يَقُول الْخلق اللَّئِيم قد يغلب الأَصْل الطّيب حَتَّى يكون صَاحبه لئيما وَإِن كَانَ من أصل كريم كَقَوْل الآخر
(4/144)

(أبُوكَ أبٌ حُرً وَأمُّكَ حُرَّةٌ ... وَقْدْ يَلِدُ الحُرَّانِ غَيرَ نَجِيبِ)
وكقول الآخر
(لَئِنْ فَخَرْتَ بِآباءٍ لهُمْ شَرَفٌ ... لقَدْ صَدَقْتَ وَلكنْ بِئِْسَ ماوَلدُوا)

13 - الْمَعْنى يَقُول لَا أقنع من الْفضل بِأَن أنسب إِلَى جد فَاضل إِذا لم أكن فَاضلا بنفسي وَلم يغن عني فضل جدي وَهُوَ من قَول البحتري
(وَعَدلهُمُ عَنْ آخِرِ المَجْدِ غالبٌ ... فأفْعالهُمْ تَحْذُو قَديِمَ المناصِبِ)

14 - الْغَرِيب القضم بِالسَّيْفِ المفلل وَفِيه قضم وينبو يرْتَفع الْمَعْنى يَقُول عجبت لمن لَهُ حد النصل وَقد الرِّجَال ثمَّ لَا ينفذ فِي الْأُمُور وَلَا يكون مَاضِيا والكهال الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى يَقُول عجبت لمن وجد الطَّرِيق إِلَيّ معالي الْأُمُور فَلَا يقطع إِلَيْهَا الطَّرِيق وَلَا يتعب مطاياه فِي ذَلِك الطَّرِيق حَتَّى تذْهب أسنمتها
16 - الْمَعْنى يَقُول لَا عيب أبلغ من عيب من قدر أَن يكون كَامِلا فِي الْفضل فَلم يكمل أَي لَا عذر لَهُ فِي ترك الْكَمَال إِذا قدر على ذَلِك ثمَّ تَركه وَالْعَيْب ألزم لَهُ من النَّاقِص الَّذِي لَا يقدر على الْكَمَال
18 - الْمَعْنى يَقُول إِن مَرضه قد طَال حَتَّى مله الْفراش وَإِن لاقاه جنبه فِي الْعَام مرّة وَاحِدَة لِأَنَّهُ أبدا كَانَ فِي السّفر
19 - الْمَعْنى يَقُول قَلِيل عائدي لِأَنِّي غَرِيب لم يعدني أحد إِلَّا قَلِيل من النَّاس وفؤادي سقيم لِكَثْرَة الأحزان وحسادي كثير لكثير فضلى ومطلبي صَعب لِأَنِّي أطلب الْملك
(4/145)

- الْغَرِيب المدام الْخمر والمدام الْمَطَر الدَّائِم كَأَنَّهُ أَدِيم أَي أدامه الله الْمَعْنى يَقُول أَنا على هَذِه الْحَالة فِي الغربة عليل الْجِسْم عَاجز عَنَّا لقِيَام سَكرَان من غير خمر بل من ضعف
21 - الْمَعْنى يكنى عَن الْحمى الَّتِي كَانَت تَأتيه لَيْلًا فَيَقُول كَأَنَّهَا حيية فَلَيْسَتْ تزور إِلَّا فِي اللَّيْل
22 - الْغَرِيب المطارف جمع مطرف وَهُوَ الَّذِي فِي جنبه علمَان والحشايا جمع حشية وَهُوَ مَا حشى من الْفرش مِمَّا يجلس عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الزائرة يَعْنِي بهَا الْحمى الَّتِي كَانَت تَأْخُذ فِي مصر لَا تبيت فِي الْفراش وَإِنَّمَا تبيت فِي عِظَامِي
23 - الْمَعْنى يضيق جلدي فَلَا يَسعهَا وَلَا يسع أنفاسي الصعداء والحمى تذْهب لحمى فتوسع جلدي بِمَا تورده على من أَنْوَاع السقام
24 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يعرق عِنْد فراقها فَكَأَنَّهَا تغسله لعكوفهما على مَا يُوجب الْغسْل وَإِنَّمَا خص الْحَرَام للقافية وَإِلَّا فالجماع على الْحَلَال كالجماع على الْحَرَام فِي وجوب الْغسْل وَقَالَ ابْن الشجري وَإِنَّمَا خص الْحَرَام لِأَنَّهُ جعلهَا زائرة غَرِيبَة وَلم يَجْعَلهَا زَوْجَة وَلَا مَمْلُوكَة
25 - الْغَرِيب بأَرْبعَة سجام أَي ذَات سجام فَحذف وَأَرَادَ بالأربعة اللحاظين والموقين للعينين فَإِن الدمع يجْرِي من الموقين فَإِذا غلب وكتر جرى من اللحاظ أَيْضا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ الْغُرُوب وَهِي مجارى الدمع والغروب لَا تَنْحَصِر بأَرْبعَة الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا تفارق عِنْد الصُّبْح فَكَأَن الصُّبْح يطردها وَأَنَّهَا إِذا فارقته تجْرِي مدامعها من أَرْبَعَة سجام يُرِيد كَثْرَة الرحضاء وَهُوَ عرق الْحمى فَكَأَنَّهَا تبْكي عِنْد فِرَاقه محبَّة لَهُ
(4/146)

- الْمَعْنى يَقُول أَنا أنْتَظر وَقت مجيئها كَمَا ينْتَظر المشوق مَجِيء حَبِيبه وَذَلِكَ أَن الْمَرِيض بجزع لوُرُود الْحمى فَهُوَ يراقب وَقتهَا خوفًا لَا شوقا
27 - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا صَادِقَة الْوَعْد فِي الْوُرُود وَذَلِكَ الصدْق شَرّ من الْكَذِب لِأَنَّهُ صدق يضر وَلَا ينفع كمن أوعد ثمَّ صدق فِي وعيده
28 - الْغَرِيب يُرِيد ببنت الدَّهْر الْحمى وببنات الدَّهْر شدائده الْمَعْنى يَقُول للحمى عِنْدِي كل شَدِيدَة فَكيف وصلت إِلَيّ وَقد تزاحمت الشدائد عَليّ ألم يمنعك زحامها من الْوُصُول إِلَيّ وَهَذَا من قَول الآخر
(أتَيْتُ فُؤَادَها أشْكُو إلَيْهِ ... فَلمْ أخْلُصْ إلَيْهِ منَ الزّحامِ)

29 - الْمَعْنى يَقُول قد خرجت رجلا من كَثْرَة ملاقاته الحروب لم يبْق فِيهِ مَكَان لضرب السيوف وَلَا للسهام
30 - الْغَرِيب الْعَنَان للْفرس والزمام لِلْإِبِلِ الْمَعْنى يَقُول يَا لَيْت يَدي علمت هلت تصرف بعد هَذَا فِي عنان الْفرس أَو زِمَام الْإِبِل يَعْنِي لَيْتَني علمت هَل أصح فأسافر وأتصرف فِي أزمة الْإِبِل وأعنة الْخَيل
31 - الْغَرِيب الراقصات الْإِبِل تسير الرقص وَهُوَ ضرب من الخبب يُقَال رقص الْبَعِير رقصا إِذا خب واللغام زبد يخرج من فَم الْبَعِير أَبيض وَجمع لغام لغم الْمَعْنى يَقُول المقاود حليت من اللغام فَجعله لبياضه كالفضة وَهِي ترقص فِي سَيرهَا فَهَل أبلغ مرادي بسيرها وَهَذَا من قَول النميري
(وَيَقْطَعُ البيدَ مِنْها كُلُّ يَعْمَلةٍ ... خُرْطُومُها بِاللغُّامِ الجَعْدِ مُلتفعُ)

32 - الْغَرِيب الغليل حر الصَّدْر يكون من عشق وَغَيره والحسام السَّيْف الْقَاطِع
(4/147)

الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما كَانَ صَحِيحا كَانَ مُسَافِرًا وَيُقَاتل فيشفى غليله بالسير إِلَى مَا يهواه بِالرُّمْحِ وَالسيف
33 - الْغَرِيب الْفِدَام شَيْء يَجْعَل على رُءُوس الأباريق الَّتِي يكون فِيهَا الْخمر الْمَعْنى يَقُول رُبمَا ضَاقَ أَمر عَليّ فَكَانَ خلاصي مِنْهُ خلاص الْخمر من النسج الَّذِي يشد على رَأس الإبريق لتصفية الْخمر
34 - الْمَعْنى يَقُول رُبمَا فَارَقت الحبيب بِلَا وداع يُرِيد أَنه قد هرب من أَشْيَاء كرهها دفعات فَلم يقدر على توديع الحبيب ول أَن يسلم على أهل ذَلِك الْبَلَد الَّذِي هرب مِنْهُ
35 - الْمَعْنى يَقُول الطَّبِيب يظنّ سَبَب دائي الْأكل وَالشرب فَيَقُول لي أكلت كَذَا وَكَذَا يَعْنِي مِمَّا يضر فسبب دائك الْأكل وَالشرب
36 - الْغَرِيب الجمام أَن يتْرك الْفرس فَلَا يركب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ فِي طب الطَّبِيب أَن الَّذِي أضرّ بِي وبجسمي طول لبثي وقعودي عَن السّفر كالفرس الْجواد يضر بجسمه طول قِيَامه فَيصير بِهِ مجموما والجمام ضد التَّعَب
37 - الْغَرِيب القتام الْغُبَار والسرايا جمع سَرِيَّة وَهِي الَّتِي تسري إِلَى الْعَدو الْمَعْنى يَقُول تعود هَذَا الْجواد أَن يثير الْغُبَار فِي العساكر وَيدخل من هَذِه الْحَرْب إِلَى حَرْب أُخْرَى وَأَرَادَ بِدُخُول القتام حُضُور الْحَرْب
38 - الْمَعْنى أمسك هَذَا الْجواد لَا يرخى لَهُ الطول فيرعى فِيهِ وَلَا هُوَ فِي السّفر فيعتلف من المخلاة وَلَيْسَ هُوَ فِي اللجام وَهَذَا مثل ضربه لنَفسِهِ وَأَنه حَلِيف الْفراش مَمْنُوع الْحَرَكَة ظَاهر الْكَلَام مُتَعَلق بِالْعِلَّةِ وَيجوز أَن يَعْنِي بِهِ كافورا إِذْ مَنعه إِيَّاه مِمَّا طلب من الْإِنْصَاف
39 - الْمَعْنى إِنِّي إِن مَرضت فِي بدني فَإِن صبري وعزمي على مَا كَانَا عَلَيْهِ من الصِّحَّة
(4/148)

- الْمَعْنى: يَقُول فَإِن أسلم من مرض لم أبق خَالِدا وَلَكِن سلمت من الْمَوْت بِهَذَا الْمَرَض إِلَى الْمَوْت بِمَرَض وَسبب آخر وَهُوَ كَقَوْل طرفَة
(لعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ مَا أخْطَأ الفَتى ... لَكالطَّوَلِ المُرْخي وَثِنْياهُ بِاليَدِ)
وكقول آخر
(إِذا بُل مِنْ دَاء بِهِ خالَ أنَّهُ ... تَجاذَبَهُ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قاتِلُهُ)

41 - الْغَرِيب الرجام القبو وَاحِدهَا رجم قَالَ كَعْب بن زُهَيْر
(أَنا ابْنُ الذِي لمْ يُخْزِني فِي حَياتِهِ ... وَلمْ أُخْزِهِ لَمَّا تَغيَّبَ فِي الرَّجْمِ)
وَأَصله حِجَارَة ضخام تجْعَل على الْقَبْر وَمِنْه قَول عبد الله بن مُغفل لَا ترجموا قَبْرِي يُرِيد لَا تجْعَلُوا عَلَيْهِ الرَّجْم أَي لَا تسنموه بل سوّوه بِالْأَرْضِ الْمَعْنى يَقُول مَا دمت حَيا تمتّع من حالتي النّوم والسهاد فَإنَّك لَا تنام فِي الْقَبْر وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(تَمَتَّع بِالرُّقادِ عَلى شِمالٍ ... فنَوْمُكَ قَدْ يَطُولُ عَلى اليَمِينِ)

42 - الْمَعْنى يُرِيد بثالث الْحَالين الْمَوْت يَقُول الْمَوْت غير الْيَقَظَة والرقاد فَلَا تَظنن الْمَوْت نوما
(4/149)

- 1 الْغَرِيب المحاجم جمع محجمة وَهِي آلَة الْحجام والحجام مَأْخُوذ من الحجم وَهُوَ المص يُقَال حجم الصَّبِي ثدي أمه إِذا مصه والجلم الَّذِي يجر بِهِ وهما جلمان الْمَعْنى يَقُول أَنْت أهل أَن تكون حجاما مزينا فَأَيْنَ آلَة الْحجامَة حَتَّى تشتغل بهَا وَأي طَرِيق لَك إِلَى الْكَرم فَأَنت لست مِنْهُ فِي شَيْء وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(إنَّ المَكارِمَ وَيْكَ عَنْكَ بَعيدةٌ ... وَاللُّؤْمُ أضْحَى وَهْوَ مِنْكَ قَريبُ)

2 - الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الَّذين تجاوزوا تقدرهم حَتَّى ملكهم كلب فقد بجاوزوا قدرهم بِالنّظرِ إِلَيْك فملكت عَلَيْهِم تحقيرا لَهُم ووضعا عَن قدرهم
3 - الْغَرِيب يُرِيد بالفحل الَّذِي لَهُ ذكر عسكره وبالأمة الَّتِي لَا رحم لَهَا الْأسود الْمَعْنى يَقُول توبيخا لَهُم بانقيادهم للأسود لَا شَيْء أقبح فِي الدُّنْيَا من رجل ينقاد لأمه حَتَّى تقوده إِلَى مَا تريده
4 - الْغَرِيب القزم رذال النَّاس وسفلتهم قَالَ زِيَاد بن منقذ
(وَهمْ إذَّا الخيْل حالُوا فِي كَوَاثِبها ... فَوَارِسُ الخيلْ لَا مِيلٌ وَلا قَزَمُ)
يُقَال رجل قزم وَرِجَال قزم يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْوَاحد وَالْجمع الْمَعْنى يَقُول كل جيل وَأمة يملكهم من هُوَ من جنسهم فَكيف سَاد هَؤُلَاءِ الْمُسلمين عبد من رذال النَّاس وَلَيْسَ من نُفُوسهم
قَالَ الواحدي روى ابْن جنى القزم بِالْفَتْح والتحريك وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي
5 - الْمَعْنى يَقُول لأهل مصر لَا شَيْء عنْدكُمْ من الدّين إِلَّا إحفاء الشَّوَارِب حَتَّى ضحِكت مِنْكُم الْأُمَم بطاعتكم الْأسود وَتَقْرِيره فِي المملكة ثمَّ حرض على قَتله وكل هَذَا إغراء بِهِ وتحفوها تستأصلوها والشوارب جمع شَارِب وَهُوَ الشّعْر السَّائِل على الشّفة وسمى بذلك لِأَنَّهُ يشرب مَعَ غَيره
6 - الْمَعْنى يَقُول أَلا رجل يقْتله مِنْكُم حَتَّى يَزُول عَن الْعَاقِل الشَّك والتهمة وَذَلِكَ أَن تمْلِيك مثله يشكك النَّاس فِي حِكْمَة الله تَعَالَى حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى أَن يظنّ أَن النَّاس معطلون عَن صانع يدبرهم فيكفرون بذلك
7 - الْمَعْنى الدهري يَقُول لَو كَانَ للْإنْسَان أَو للأشياء مُدبر وَكَانَت الْأُمُور جَارِيَة على تَدْبِير حَكِيم مَا ملك هَذَا الْأسود وَإِنَّمَا حكم لِأَن النَّاس بِغَيْر مُدبر
8 - الْمَعْنى يَقُول الله قَادر على إخزاء خليقته بِأَن يملك عَلَيْهِم لئيما سَاقِطا من غير أَن تصدق الملحدة فِي قَوْلهم وهم الَّذين يَقُولُونَ بقدم الدَّهْر وَمرَاده أَن تأمير كافور خزي للنَّاس وَالله تَعَالَى فعل ذَلِك عقوبه لَهُم وَمَا هُوَ كَمَا تَقول الملحدة
(4/150)

- 1 الْمَعْنى يَقُول إِن الدُّنْيَا قد خلت من الْكِرَام فَمَا فِيهَا كريم يأنس بِهِ فَاضل فيزول همه بِهِ
2 - الْمَعْنى يُرِيد أَن جَمِيع الْأَمْكِنَة قد عَمها اللؤم والجور فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَكَان أَهله يحفظون الْجَار فيسر بجوارهم جارهم
3 - الْغَرِيب الْعَبْدي العبيد والصميم الصَّرِيح الْخَالِص النّسَب والموالي جمع مولى وَهُوَ يَقع على أَشْيَاء كَثِيرَة الْمَعْنى يَقُول قد عَم الْجَهْل الْعِيد والأحرار حَتَّى أشبهوا الْبَهَائِم فِي الْجَهْل وَملك المملوكون والتبس الصَّرِيح النّسَب بِالْمَوَالِي يَعْنِي الأحرارا بِالْمَوَالِي يَقُول إِنَّمَا يسْتَحق الْملك الْكِرَام فَإِذا صَار إِلَى اللئام ظنُّوا كراما
(4/151)

- الْمَعْنى يَقُول مَا أدرى هَذَا الَّذِي أصَاب النَّاس من تملك العبيد واللئام عَلَيْهِم أحدث الْآن أم هُوَ قديم كَانَ فِيمَا تقدم من قبلنَا
5 - الْمَعْنى يَقُول أَقمت بِأَرْض مصر عِنْد عبيد يَعْنِي كافورا وَأَصْحَابه مهانا مجفوا كاليتيم
6 - الْغَرِيب اللابي مَنْسُوب إِلَى اللابة وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود وَجمع اللابة لوب ولاب والسودان ينسوب إِلَيْهَا الْمَعْنى شبهه بالغراب وَهُوَ طير خسيس كثير الْعَيْب وَشبه أَصْحَابه بخساس الطير حول الْغُرَاب وَيُقَال أسود لوبي
7 - الْمَعْنى يَقُول أكرهت على مدحه فرأيتني لاهيا أَن أصف الأحمق بالحيم وَأَن أمدحه بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَهُوَ غَايَة اللَّهْو
8 - الْغَرِيب العي هُوَ عيب فِي النُّطْق وَهُوَ ضد الفصاحة وَابْن آوى دويبة أَصْغَر من الْكَلْب تنذر بالسبع بصياحها الْمَعْنى يَقُول هُوَ ظَاهر اللؤم فَكَأَن نسبتي إِلَيْهِ اللؤم عيا لِأَن التَّكَلُّم بِمَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى بَيَان عي وَمن قَالَ لِابْنِ آوى يَا لئيم وَهُوَ من أخس السبَاع كَانَ متكلفا لِأَنَّهُ خسيس لئيم
9 - الْمَعْنى يَقُول هَل من عاذر لي يقوم بعذرى فِي مدحه وهجائه فَإِنِّي كنت مُضْطَرّا لم أكن فيهمَا مُخْتَارًا كالسقم يطْرَأ على السقيم من غير اخْتِيَار ثمَّ ذكر عذره فِي الهجاء
10 - الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ اللَّئِيم يسيء إِلَى لم يتَوَجَّه اللوم على غَيره وَهَذَا من قَوْله الطَّائِي
(إذَا أنَا لمْ أُلمْ عَثَرَاتِ دَهْرٍ ... أُصِبْتُ بِهِ الغَدَاةَ فَمَنْ ألُومُ)
(4/152)

- 1 الْغَرِيب الند شَيْء من الطّيب وَالضَّمِير فِي اسْمه لفاتك الْمَعْنى يَقُول يذكرنِي فاتكا حلمه أَي مَاله عِنْدِي من النعم وَالْإِحْسَان
2 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي رِيحه لفاتك وَفِي شمه للند
3 - الْغَرِيب الْمنون هِيَ الْمنية وَسميت بذلك لِأَنَّهَا تذْهب بالمنة وَقيل لِأَنَّهَا شَدِيدَة الْمِنَّة الْمَعْنى يَقُول وَأي فَتى سلبني الْمَوْت وَلم أنس عَهده وَإِنَّمَا ريح فاتك يذكرنِي شم الند
4 - الْمَعْنى يَقُول لَو علمت أم فاتك الَّتِي كَانَت تضمه إِلَى صدرها فِي صغره أَنه شُجَاع فتاك لهالها ضمه ولفزعت عِنْد ذَلِك
5 - الْمَعْنى يَقُول فِي مصر مُلُوك يعرض بكافور لَهُم مَاله من الْأَمْوَال والبلاد وَلَكِن لَيْسَ لَهُم همته وشجاعته ورأيه وَهَذَا من قَول الآخر
(فَلمْ يَكُ أكْثَر الفِتْيانِ مَالا ... وَلكِنْ كانَ أوْسَعَهُمْ ذِرَاعاً)
وَمن قَول أَشْجَع
(وَلَيْسَ بِأوْسَعِهِمْ فِي الغِنَى ... وَلكِنَّ مَعْرُوفَهُ أوْسَعُ)

6 - الْمَعْنى يَقُول إِذا بخل كَانَ أَجود مِنْهُم وَإِذا ذمّ كَانَ أَحْمد مِنْهُم هَذَا قَول الواحدي وَالْمعْنَى أَنه لَا يبخل بِشَيْء تمتد يَده إِلَيْهِ فَإِذا لم يجد شَيْئا يَهبهُ كَانَ يعده من نَفسه بخلا وَقَوله أَحْمد من حمدهم أَي لَا يذم إِلَّا بالإسراف فِي الْجُود والمخاطرة بِنَفسِهِ فِي الْإِقْدَام وَهَذَا أَحْمد من حمدهم
(4/153)

- الْغَرِيب الوجد الْغنى وَرجل وَاجِد غنى وَمِنْه أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم والعدم الْفقر الْمَعْنى يَقُول هُوَ ميت أشرف مِنْهُم وهم أَحيَاء وَهُوَ عادم أَنْفَع مِنْهُم وهم أَغْنِيَاء لِأَنَّهُ كَانَ يجود بِمَا كَانُوا يَبْخلُونَ بِهِ من الْمَعْرُوف مَعَ غناهم
8 - الْغَرِيب الْخمر يذكر وَيُؤَنث فَمن ذكرهَا ذهب بهَا إِلَى النَّبِيذ لِأَنَّهُ مُذَكّر الْمَعْنى يَقُول إِن الْمنية كَانَت مِنْهُ تنبث فِي النَّاس وتتفرع بَينهم ثمَّ إِنَّهَا عَادَتْ عَلَيْهِ فأهلكته فجرت لذَلِك مجْرى الْخمر الَّتِي أَصْلهَا الْكَرم ثمَّ عَادَتْ فسقيها الْكَرم 9 الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَفْعُول فِي ذاقه قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ عَائِد على فاتك وعبه كَذَلِك وَقَالَ ابْن القطاع وَابْن فورجه لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قد قَالَ فِي الْبَيْت الَّذِي قبله إِن الْمَوْت الَّذِي أَصَابَهُ هُوَ بِمَنْزِلَة الْخمر سقيها الْكَرم يُرِيد أَن الْمنية سقت النَّاس بِسَيْفِهِ فَصَارَت شرابًا لَهُ ثمَّ قَالَ فَذَاك الَّذِي عبه يَعْنِي الْخمر هُوَ مَاء الْكَرم بِعَيْنِه وَذَاكَ الَّذِي ذاقه هُوَ طعم نَفسه الَّذِي كَانَ يَمُوت بِهِ الْخلق الْغَرِيب عبه تجرعه والعب شدَّة الجرع الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن الزَّمَان أَتَى من مَوته بِمَا فِيهِ نقض الْعَادة وَذَلِكَ أَن المَاء مشروب لَا شَارِب والطعم مذوق لَا ذائق فموته مثل انقلاب الْأَمر وَهُوَ أَن يعب المَاء مَعَ كَونه مشروبا وَيَذُوق الطّعْم مَعَ كَونه مذوقا وَقَالَ الواحدي هَذَا مثل وَهُوَ أَن الْكَرم إِذا سقى الْخمر فشربه فقد شرب مَاء نَفسه وَالَّذِي ذاقه من طعم الْخمر هُوَ طعم الْكَرم كَذَلِك موت فاتك لما أهلكه فَشرب شراب الْمَوْت وذاق طعمه فَكَأَنَّهُ شرب شراب نَفسه وذاق طعم نَفسه
10 - الْغَرِيب حرى خليق وحقيق الْمَعْنى يَقُول من ضَاقَتْ الأَرْض عَن همته لخليق أَن يضيق جِسْمه عَن همته فَلَا يَسعهَا فَإِذا لم يَسعهَا لم يطق احتمالها وَإِذا لم يطق احتمالها هلك لعظم مَا يَطْلُبهُ كَقَوْل الآخر
(عَلى النّفُوسِ جِناياتٌ مِنَ الهِمَمِ ... )
(4/154)

- 1 الْإِعْرَاب حتام إِلَى مَتى وحذفت الْألف من مَا لاختلاطها بحتى وَكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا وَكَذَلِكَ فيمَ وعلام وإلام وَعم ومم وَيجوز الْإِثْبَات فِي الْجَمِيع على الأَصْل الْغَرِيب النَّجْم اسْم جنس وَلم يرد الثريا وَإِنَّمَا أَرَادَ النُّجُوم وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى {وبالنجم هم يَهْتَدُونَ} الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَتى نسري مَعَ النُّجُوم فِي ظلم اللَّيْل وَنحن نتألم بالسير والسهر وَهِي لَا تحس بألم لِأَنَّهَا تسير بِغَيْر خف وَقدم لِأَن الْخُف لِلْإِبِلِ والقدم لبني آدم فَهِيَ لَا ينالها الكلال وَلَا الضعْف وَلَا التَّعَب كَمَا يُصِيب الْإِنْسَان وَالْإِبِل
2 - الْمَعْنى أَي هَذَا الَّذِي يلقاه من السهر والتعب لَا يحس بِهِ النَّجْم وَلَا يُؤثر فِيهِ عدم النّوم كَمَا يُؤثر فِي غَرِيب بعيد عَن أَهله بَات يسرى ساهرا يُرِيد نَفسه
3 - الْغَرِيب الْعذر جمع عذار وأسكن الذَّال وَالْأَصْل عذر لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ على كتاب وَكتب فِي لُغَة من أسكن الْعين وَرَسُول ورسل والعذار مَأْخُوذ من عذار الدَّابَّة وَهُوَ السّير الَّذِي يكون على خديها فاستعير للشعر النَّابِت فِي مَوضِع العذار واللمم جمع لمة وَهِي الشّعْر الَّذِي يلم بالمنكب الْمَعْنى يَقُول الشَّمْس تغير ألواننا الْبيض وتؤثر فِي أوجهنا بِالسَّوَادِ وَلَا تُؤثر مثل ذَلِك التَّأْثِير فِي شعورنا الْبيض وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(تَرَى قَسَماتِنا تَسْوَدُّ فِيها ... وَما أخْلاقُنا فِيها بسُودِ)

4 - الْغَرِيب الحكم بِمَعْنى الْحَاكِم الْمَعْنى يَقُول لَو احتكمنا إِلَى حَاكم من حكام الدُّنْيَا لحكم بِأَن مَا يسود الْوَجْه يسود الشّعْر وَلَكِن الله حكم بِأَن الشَّمْس تسود الْوُجُوه وَلَا تسود الشُّعُور
(4/155)

- الْغَرِيب الْأدم جمع الْأَدِيم كأفيق وأفق وَيجمع على آدمه كرغيف وأرغفة الْمَعْنى يَقُول نعترف المَاء من أعقاب السَّحَاب فنوعية فِي الأداوى وَالْمَاء يُسَافر مَعنا إِمَّا فِي الْغَيْم وَإِمَّا فِي المزاود فَهُوَ مُسَافر حَيْثُمَا سافرنا
6 - الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض الْمَعْنى يَقُول العيس لَا أبغضها يُرِيد أَن إتعابها فِي السّفر لم يكن بغضا لَهَا مَتى وَلَكِن أسافر عَلَيْهَا لأقي قلبِي وأحفظه من الْحزن وجسمي من السقم إِذا غير الْهَوَاء وَالْمَاء وسافر صَحَّ جِسْمه وَكَذَلِكَ المحزون يتنسم بِروح الْهَوَاء أَو يصير إِلَى مَكَان يسر بالإكرام فِيهِ
7 - الْإِعْرَاب اسكن الْيَاء من أيديها ضَرُورَة وَمثله بَيت الْكتاب
(كَأنَّ أيْديِهِنَّ بِالقاعِ الفَرِقْ ... )
الْغَرِيب جوش وَالْعلم موضعان وهما جبلان ومرقن شبهها بِالسَّهْمِ لسرعة سَيرهَا فاستعار لَهَا المروق الْمَعْنى يَقُول لما خرجت من مصر وأسرعت السّير وَكَانَت الْإِبِل تعدو فَكَأَن أرجلها تطرد أيديها وَذَلِكَ أَن الْيَد أَمَام الرجل كالمطرودة أما م الطارد وَشبه خُرُوجهَا من هذَيْن المكانين بِخُرُوج السهْم من الرَّمية لسرعة سَيرهَا وَهُوَ كَقَوْلِه الآخر
(كأنَّ يَدَيها حِينَ جَدَّ نَجاؤُها ... طَرِيدَان وَالرجْلانِ طالبِتَا وِتْرِ)

8 - الْغَرِيب تبرى تعَارض الدو الفلاة المستوية وَيُقَال بَرى لَهُ وانبرى إِذا عراضه قَالَ أَبُو النَّجْم
(تَبِري لَها مِنْ أيْمُنِ وَأشمُلِ ... )
يُرِيد تعارضها من جَانبهَا وَأَرَادَ بنعام الدو الْخَيل شبهها بالنعام لسرعتها والعلو أعناقها وإشرافها تعَارض أَعْنَاق الْإِبِل والجدل جمع جديل وَهِي الأزمة الْمَعْنى تعَارض نعام الدو وَهِي الْخَيل لَهُنَّ يَعْنِي الْإِبِل مسرجة أَي فِي حَال إسراجها فتعارض أزمة العيس بلجمها فَتكون اللجم فِي أعناقها كالأزمة فِي أَعْنَاق الْإِبِل لعلوها وإشرافها فأعناق الْخَيل تعَارض أَعْنَاق الْإِبِل
(4/156)

- الْغَرِيب الأيسار جمع وهم الَّذين ينحرون الْجَزُور ويتقارعون عَلَيْهَا بِالْقداحِ وَهُوَ شَيْء كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة واحدهم يسر والزلم السهْم الْمَعْنى يَقُول سرت من مصر فِي غلمة حملُوا أَرْوَاحهم على الْخطر لبعد الْمسَافَة وصعوبة الطَّرِيق وَرَضوا بِمَا يستقبلون من هَلَاك وَغَيره كَمَا يرضى المقامر بِمَا يخرج لَهُ من القداح
10 - الْمَعْنى يَقُول إِن غلمانه مرد فَإِذا ألقوا عمائمهم الَّتِي على رُءُوسهم ظَهرت من شُعُورهمْ عمائم تقوم مقَام العمائم إِلَّا أَنَّهَا مَالهَا لثم وَهُوَ جمع لثام وَهُوَ مَا يلقى على الْوَجْه من طرف الْعِمَامَة وَالْعرب من عَادَتهَا أَن تجْعَل العمائم بَعْضهَا لثما على الْوَجْه وَبَعضهَا على الرَّأْس وَقد بَين أَنهم مرد لم تتصل شُعُور الْعَوَارِض بِشعر الرَّأْس بقوله الْبَيْت بعده
11 - الْغَرِيب الْعَوَارِض جمع عَارض وَالنعَم تطلق على الْإِبِل وَغَيرهَا وَقيل على الْإِبِل وَحدهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنهم قتالون للفوارس يغيرون على أَمْوَال النَّاس أَيْنَمَا وجودهَا وطاردون للنعم ويروى طعانين وشلالين على الْمَدْح وَيجوز على الْحَال
12 - الْمَعْنى يَقُول قد استفرغوا وسع القنا طَعنا وَلم يبلغ القنا مَعَ ذَلِك غَايَة الهمم
13 - الْغَرِيب الْأَشْهر الْحرم أَرْبَعَة ثَلَاثَة سرد وَوَاحِد فَرد السرد الْقعدَة وَالْحجّة وَالْمحرم والفرد رَجَب الْمَعْنى يَقُول هم فِي الْقِتَال والغارة كَفعل أهل الْجَاهِلِيَّة إِلَّا أَن أنفسهم طابت بِالْقَتْلِ وسكنت إِلَيْهِ فكأنهم فِي الْأَشْهر الْحرم أمنا وشكونا لِأَن الْجَاهِلِيَّة كَانَت تسكن فِي الْأَشْهر الْحرم عَن الْقِتَال وَقَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى أَنهم لتمرنهم فِي الْحَرْب وَالْقَتْل فِي مثل أَحْوَال الْجَاهِلِيَّة إِلَّا أَن أنفسهم غير خائفة من الْحَرْب لشجاعتهم واثقة بظهورهم على أعدائهم فكأنهم فِي الْأَشْهر الْحرم وَبِه الضَّمِير للقنا
14 - الْغَرِيب ناشوا تناولوا والبهم جمع بهمة وَهُوَ الشجاع وصياح الطير يُرِيد صَوت الرماح إِذا طعنوا بهَا الْأَبْطَال كصوت الطير
(4/157)

الْمَعْنى يَقُول تناولوا الرماح وَهِي جماد لَا تنطق فَاسْمَعُوا النَّاس صريرها فِي الْأَبْطَال فَصَارَت كَأَنَّهَا فرقة طير تصيح وَهُوَ من قَول الآخر
(تَصيِحُ الرُّدَينْيِاتِ فِينَا وَفِيِهُمُ ... صِياحَ بَناتِ الماءِ أصْبَحْنَ جُوَّعا)
ولبعض الْعَرَب
(زُرْقٌ تَصايَحْنَ فِي المَنُونِ كَمَا ... هاجَ دَجاجَ المدِينَةِ السَّحَرُ)

15 - الْغَرِيب خدعت النَّاقة تخدى أَي أسرعت مثل وخذت وخودت كُله بِمَعْنى قَالَ الرَّاعِي
(حَتَّى غَدَتْ فِي بَياضِ الصُّبحِ طَيِّبة ... رِيحَ المَباءَةَ تَخْدِى وَالثرَى عَمِدُ)
وَإِنَّمَا نصب ريح المباءة لما نون طيبَة وَكَانَ حَقّهَا الْإِضَافَة فضارع قَوْلهم هُوَ ضَارب زيدا والفراسن جمع فرسن وَهُوَ للبعير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للدابة والرغل والينم نبتان الْوَاحِدَة ينمة الْمَعْنى يَقُول الركاب تخدى بِنَا أَي تسرع ومشافرها بيض لِأَنَّهَا تمنع من المعرى لشدَّة السّير وفراسنها خضر لِأَنَّهَا تسير فِي هذَيْن النبتين
16 - الْإِعْرَاب معكومة حَال الْعَامِل فِيهَا نَضْرِبهَا الْغَرِيب معكومة مشدودة الأفواه الْمَعْنى يَقُول السِّيَاط تمنعها الْأكل لِأَن العكام هُوَ الَّذِي يشد بِهِ فَم الْبَعِير لِئَلَّا يعَض فَيَقُول نَحن نَضْرِبهَا عَن المرعى نبغي منبت الْكَرم لِأَنَّهُ قصدنا وَالْبَيْت من قَول الأسدى
(إلَيْكَ أمِيرَ المُؤْمِنينَ رَحَلْتهَا ... مِنَ الطَّلِحْ تَبْغي مَنبِتَ الزَّرَجونِ)

17 - الْغَرِيب القريع الْفَحْل لِأَنَّهُ مقترع من الْإِبِل أَي مُخْتَار وَلِأَنَّهُ يقرع النَّاقة قَالَ ذُو الرمة
(وَقدْ لاحَ للِسَّارِي سُهَيْلٌ كأنَّهُ ... قَريعُ هِجانٍ عارَضَ الشَّوْلَ جافُر)
والقريع السَّيِّد وَفُلَان قريع دهره الْمَعْنى يَقُول أَيْن منبت الْكَرم بعد موت هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ منبت الْكَرم وَكَانَ سيد الْعَرَب والعجم
18 - الْإِعْرَاب لَا بِمَعْنى لَيْسَ وفاتك مَخْصُوص فَلهَذَا نونه وَلَيْسَ بنكرة مَبْنِيا مَعَ لَا فَيكون مَنْصُوبًا بِغَيْر تَنْوِين
(4/158)

الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ لنا بِمصْر رجل آخر نقصده فِي جوده مثل فاتك لِأَنَّهُ لم يخلف مثله بعده كرما وشجاعة
19 - الْغَرِيب الرمم الْعِظَام البالية والشيم الْخَلَائق الْمَعْنى يَقُول من لم يكن لَهُ شبه فِي الْأَحْيَاء فِي أخلاقه صَار تشابهه الْأَمْوَات فِي الْعِظَام البالية فَمَاتَ فَأشبه الْأَمْوَات فِي الْعِظَام البالية
20 - الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة أسفاري وترددى فِي الدُّنْيَا كَأَنِّي أطلب لَهُ نظيرا وَلَا أحصل إِلَّا على الْعَدَم لِأَنِّي لَا أجد مثله بعده
21 - الْمَعْنى يَقُول مازلت أسافر عَلَيْهَا إِلَى من لَا يسْتَحق الْقَصْد إِلَيْهِ فَلَو كَانَت الْإِبِل مِمَّا تضحك لضحكت إِذا نظرت من قصدته اسْتِخْفَافًا بِهِ وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف بِهِ يتم الْمَعْنى تَقْدِيره اختضبت أخفافها بِدَم فِي قَصده أَو الْمسير إِلَيْهِ وَفِيه تعويض بِبَعْض أهل بَغْدَاد
22 - الْغَرِيب يُقَال أساردابته بسيرها ويروى أَسِيرهَا بِمَعْنى أَسِير عَلَيْهَا والأصنام صور لَا تعقل جماد وعنى بِهَذَا هَهُنَا قوما يطاعنون ويعظمون وهم كالجماد الْمَعْنى يَقُول أَسِير دَابَّتي بَين أصنام كالجماد مطاعين لَا اهتزاز فيهم للكرم وَلَا أربحية للجود والصنم أفضل مِنْهُم لأَنهم لَيست لَهُ لَهُم من عفة الصَّنَم لِأَن الصَّنَم وَإِن لم ينفع فَهُوَ غير مَوْصُوف بالفضائح والقبائح وَهَؤُلَاء لَا يعفون عَن مُنكر وَلَا قَبِيح
23 - الْإِعْرَاب قطع ألف الْوَصْل فِي أول النّصْف الثَّانِي وَقد ذكره سِيبَوَيْهٍ فِي الضرورات وَأنْشد الْأَعْشَى
(إذْ سامَهُ خُطَّتيْ خَسْفٍ فَقَالَ لهُ ... إعْرِضْهُما هَكَذَا أسْمَعْهمُا حارِ)
وَحسن هَذَا أَنه حِكَايَة عَن قَائِل ولقطع ألف الْوَصْل أَربع مَرَاتِب الأولى أَن تكون فِي أول الْبَيْت وَلَا ضَرُورَة فِيهِ كَقَوْل الْقطَامِي
(الضَّارِبُونَ عُمَيْراً عَنْ بُيُوِتهِم ... بِالنَّبْلِ يَوْمَ عُمَيرٌ ظالِمٌ عادِي)
وَالثَّانيَِة هَكَذَا لِأَنِّي الطّيب وَالثَّالِثَة أَن تكون بعد حرف سَاكن كَقَوْل جميل
(أَلا لَا أرَى اثْنَينِ أحْسَنَ شِيمَةً ... عَلى حَدَثانِ الدَّهْرِ مِنَّي وَمن جمل)
وكقول قيس بن الخطيم
(4/159)

(إِذا جاوَزَ الإثْنَيْنِ سرٌّ فإنَّه ... بِكُثرٍ وَتكثيرُ الوُشاةٍ قَمِينُ)
وَالرَّابِعَة وَهِي أقبح الضرورات أَن تكون ألف الْوَصْل بعد متحرك كَقَوْل الراجز
(يَا نفسُ صَبراً كلُّ حَتى لاقِ ... وكُلُّ اثْنَينِ إِلَى افْتِراقِ)
وَلَو ترك قيس الِاثْنَيْنِ وَقَالَ الخلين لتخلص من الضَّرُورَة وَكَذَلِكَ الراجز وَقد قيل إنَّهُمَا نطقا بِهِ على الصَّوَاب وَغَيره الروَاة الْمَعْنى يَقُول عدت إِلَى وطني وَأَنا أعلم أَن الْمجد يدْرك بِالسَّيْفِ لَا بالقلم لِأَن الْقَلَم غير مُعظم وَلَا مهيب هَيْبَة السَّيْف وَلَا يُدْرِكهُ من أُمُور الْمجد والشرف مَا يُدْرِكهُ وَلِهَذَا قيل لَا مجد أسْرع من مجد السَّيْف وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... )

24 - الْغَرِيب الْكتاب مصدر يُقَال كتبت كتابا وكتبا الْمَعْنى هَكَذَا حِكَايَة قَول الْقَلَم وَالْمعْنَى قَالَت لي الأقلام اخْرُج على النَّاس بِالسَّيْفِ واقتلهم ثمَّ اكْتُبْ بِنَا مَا تَقول من الشّعْر فيهم فَإِن الْقَلَم كالخادم للسيف وَجعل الضَّرْب بِالسَّيْفِ كالكتابة بِهِ وَهُوَ من قَول البحتري
(تَعْنُو لَهُ وُزَراءُ المُلْكِ خاضعِةً ... وَعادَةُ السَّيْفِ أنْ يَسْتَخْدِم القلما)

25 - الْمَعْنى أَنه جاوب الأقلام بِهَذَا الْجَواب فَقَالَ لَهَا أسمعتني قَوْلك ودوائي هُوَ إشارتك عَليّ بِالصَّوَابِ وَإِن تركت إشارتك وَلم أفهمها صَار ذَلِك دائي ثمَّ أكده بِمَا أشارت عَلَيْهِ الأقلام بِهِ من اسْتِعْمَال السَّيْف بقوله
26 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح جعل هَل وَلم اسْمَيْنِ فجرهما وَهل حرف اسْتِفْهَام وَلم حرف نفي قَالَ وَيجوز أَن تكون الكسرة لم كسرة السَّاكِن إِذا احْتج إِلَى تحريكه للقافية كَقَوْل النَّابِغَة
(00000 ... وَكأنْ قَدِ)
وَحكى الْخَلِيل قَالَ قلت لأبي الدقيش هَل لَك فِي ثريدة كَأَن ودكها عُيُون الضياون فَقَالَ أَسد الْجَواب لهل أوحاه أَي أسرعه الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول من طلب حَاجته بِغَيْر السَّيْف أجَاب سائله عَن قَوْله هَل أدْركْت حَاجَتك بقوله لم أدْرك
(4/160)

وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن بن عبد الْعَزِيز كَانَ الْوَاجِب أَن يَقُول عَن هَل يَلِي لِأَن الطَّالِب بِغَيْر السَّيْف يَقُول هَل تتبرع لي بِهَذَا المَال فَيَقُول الْمَسْئُول لَا فَأَقَامَ لم مقَام لَا لِأَنَّهُمَا حرفا نفي وَهَذَا ظلم مِنْهُ للمتنبي وَقلة فهم من القَاضِي وَلَو أَرَادَ ذَلِك الَّذِي ظَنّه لقَالَ أُجِيب عَن كل سُؤال بهل بِلَا لِأَن الْمُقْتَضى مجاب لَيْسَ هُوَ الْمُجيب وَالَّذِي أَرَادَ المتنبي أَن النَّاس يسألونه هَل أدْركْت حَاجَتك هَل وصلت إِلَى بغيتك فيجيب وَيَقُول لم أدْرك لم أبلغ لم أظفر لم أصل إِلَى مَا أطلب
27 - الْمَعْنى الْقَوْم الَّذين قصدناهم بالمديح توهموا أَن الْعَجز عَن طلب الرزق قرينا ثمَّ قَالَ والتقرب قد يَدْعُو إِلَى التُّهْمَة لِأَنَّك إِذا تقربت إِلَى إِنْسَان توهمك عَاجِزا محتجا إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَنْبَغِي أَن يتهمونا فِي قصدهم وَلَا يتهمونا فِي أَنا مستهجنون
28 - الْمَعْنى يَقُول ترك الْإِنْصَاف دَاعِيَة القطيعة بَين النَّاس وَإِن كَانُوا أقَارِب وَهُوَ من قَول الآخر
(إِذا أنْتَ لمْ تُنْصِفْ أخاكَ وَجَدْتَه ... عَلى طَرَفِ الهِجْرَانِ إِن كانَ يعقلُُ)

29 - الْغَرِيب الخذم جمع خذوم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِذا لم ينصفونا فَلَا نزورهم إِلَّا بِالسُّيُوفِ القواطع
30 - الْمَعْنى يَقُول من كل سيف تقضي شفرته وَهِي حَده بِالْمَوْتِ بَين الْفَرِيقَيْنِ الظَّالِم والمظلوم
31 - الْغَرِيب اللؤم خسة الأَصْل وَالْبخل والكزم قصر الْيَد وناقة كزماء إِذا قصر خطامها الْمَعْنى يَقُول صنا قَوَائِم السيوف فَمَا وَقعت إِلَّا فِي أَيْدِينَا الَّتِي لَا لؤم فِيهَا وَلَا قصر يَعْنِي أَنهم لَا يحسنون الْعَمَل بِالسُّيُوفِ وَنحن أَرْبَابهَا نشأت أَيْدِينَا مَعهَا وَالْمعْنَى أَنهم لم يسلبونا سُيُوفنَا فَتَقَع فِي أَيْديهم الَّتِي هِيَ مواقع اللؤم وَالْقصر عَن بُلُوغ الْحَاجة وَقَالَ ابْن القطاع قد صحف هَذَا الْبَيْت جمَاعَة فَرَوَوْه الْكَرم ضد الْبُخْل وَلَا معنى لَهُ هُنَا وَإِنَّمَا الصَّحِيح الكزم بالزاي وَهُوَ قصر الْيَد بالبخل وَمَا رَأَيْت أحدا روا بالراء كَمَا ذكر
(4/161)

- الْغَرِيب يقظات جمع يقظة وَهِي الانتباه والحلم مَا يرى فِي النّوم الْإِعْرَاب من روى منظره بِالرَّفْع يُرِيد مَا صعبت رُؤْيَته وَمن روى بِالْفَتْح فَإِن المُرَاد شقّ الْبَصَر وفتحه باقتضائه النّظر إِلَيْهِ وَالْكِنَايَة على هَذَا لِلْبَصَرِ وَفِي الرِّوَايَة الأولى الْكِنَايَة لما وَمعنى شقّ من قَوْلهم شقّ على هَذَا الْأَمر الْمَعْنى يَقُول هون على الْعين مَا شقّ عَلَيْهَا النّظر إِلَيْهِ مِمَّا ترَاهُ من المكاره وهب أَنَّك ترَاهُ فِي الْحلم لِأَن مَا ترَاهُ فِي الْيَقَظَة يشبه مَا ترَاهُ فِي الْمَنَام لِأَنَّهُمَا يبقيان قَلِيلا تمّ يزولان أَلا ترى إِلَى قَول أبي تَمام
(ثمَّ انْقَضَتْ تِلْك السِّنُونَ وَأهلُها ... فكأنَّها وَكأنَّهُمْ أحْلامُ)
قَالَ الواحدي وَلم يعرف ابْن جنى شَيْئا من هَذَا وَقَالَ يُقَال شقّ بصر الْمَيِّت شقوقا الْفِعْل لِلْبَصَرِ قَالَ وَمعنى الْبَيْت هون عَليّ بَصرك شقوقه ومقاساة النزع وَهَذَا كَلَام كَمَا ترَاهُ فِي غَايَة الْفساد والبعد عَن الصَّوَاب وَقَالَ ابْن القطاع قَول ابْن جنى هون عل بَصرك شقوقه ومقاساته النزع والحشرجة صَحِيح فَإِن الْحَيَاة كَالْحلمِ وَهُوَ من قَول الْحَكِيم كرور الْأَيَّام أَحْلَام وغذاؤها أسقام والآلام
33 - الْغَرِيب الْغرْبَان جمع غراب يُقَال غربان وأغربة وغرابيب والرخم خسيس الطير الْمَعْنى يَقُول لَا تشك إِلَى أحد من النَّاس مَا تَلقاهُ لِأَنَّك لَا تأمن أَن يكون المشكو إِلَيْهِ شامتا إِذا علم بالشكية وَقَالَ الْخَطِيب النَّاس بَعضهم أَعدَاء بعض فَمن شكا حَاله إِلَيْهِم فَهُوَ كَمثل جريح اجْتمعت عَلَيْهِ الطير لتأكل لَحْمه فَهُوَ يشكو إِلَيّ من لَيْسَ عِنْده رَحْمَة لِأَن الْغرْبَان والرخم إِنَّمَا يَجْتَمِعَانِ حول الجريح ليأكلا لَحْمه
34 - الْمَعْنى يَقُول احذر النَّاس واستر حذرك مِنْهُم وَلَا تغتر بابتسامهم إِلَيْك فَإِن خدعهم فِي صُدُورهمْ فهم يضمرون فِي قُلُوبهم مَالا يبدون لَك من الْمَكْر وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْحَيَوَان كُله متغلب وَلَيْسَ من السياسة شكوى بعض إِلَى بعض
35 - الْإِعْرَاب غاض مُتَعَدِّيا ولازما سَوَاء بِمَعْنى
(4/162)

الْمَعْنى نقص الْوَفَاء فَمَا ترَاهُ فِي عدَّة يَعْنِي إِذا وَعدك أحد بِشَيْء لم يَفِ بِهِ وَقد أوعز الصدْق أَي قل فَمَا يُوجد فِي أَخْبَار وَلَا قسم إِذا أخْبرك أحد بِشَيْء فَمَا يصدق فِيهِ وَإِذا حلف لم يصدق
36 - الْمَعْنى يتعجب من أَن الله تَعَالَى جعل لذته فِي وُرُود المهالك وَقطع المفاوز وَهُوَ غَايَة ألم النَّفس وَهُوَ من قَول الْحَكِيم النَّفس الشَّرِيفَة ترى الْمَوْت بَقَاء لدركها أَمَاكِن الْبَقَاء وَهَذِه حَالَة تعجز الْخلق عَن ركُوبهَا
37 - الْغَرِيب الحطم بِالضَّمِّ جمع حطوم وبالفتح جمع حطمة وَهِي من أَسمَاء النَّار لِأَنَّهَا تحطم مَا يلقى فِيهَا وَاصل الحطم الْكسر حطمته كَسرته وَيُقَال حوادث وأحداث فحوادث جمع حادثه وأحداث جمع حدث الْمَعْنى يَقُول من شدَّة صبري على نَوَائِب الدَّهْر فالدهر يتعجب من حملي وصبري على حوادثه لِأَنِّي لَا أَشْكُو إِلَى أحد مَا بِي
38 - الْإِعْرَاب وَقت خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره هُوَ وَقت وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير لي وَقت فَيكون ابْتِدَاء الْمَعْنى يَقُول لي وَقت يضيع فِي مُخَالطَة أهل الدَّهْر ومصاحبتهم لأَنهم سفل أنذال يضيع الْوَقْت بصحبتهم وليت مُدَّة عمري كَانَت فِي أمة أُخْرَى من الْأُمَم السالفة وَهَذَا شكاية من أهل الدَّهْر
الْغَرِيب الْهَرم الْكبر وَالْعجز وَالْخَوْف وَهُوَ مَا ينَال الشَّيْخ عِنْد كبره الْمَعْنى يَقُول الْأُمَم السَّابِقَة كَانُوا قبلنَا فِي حدثان الدَّهْر وجدته فسرهم وأتاهم بِمَا يفرحون وَنحن أتيناه وَقد كبر وَعجز فَلم نجد عِنْده مَا يسرنَا وَقد نظر إِلَى قَول من قَالَ
(وَنْحنُ فِي عدََمٍ إذْ دَهْرُنا جَذَعٌ ... فَالْآن أمْسَى وَقدْ أوْدَى بهِ الخوَفْ)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْفَتْح البستي فِي قَوْله
(لَا غَرْوَ إنْ لمْ نَجِدُ فِي الدَّهْرِ مُخْتَرَفا ... فَقَدْ أتَيْناهُ بَعدْ الشَّيْبِ وَالخرَفِ)
(4/163)

- 1 الْغَرِيب الديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الساكب الدَّائِم الْمَعْنى كَانَ قد نثر وردا والورد لم يزْعم شَيْئا فَقَوله زعم هُوَ على الْمجَاز أَي لَو زعم لقَالَ هَذَا أَنه يَنْثُرهُ كنثر الْمَطَر
2 - الْغَرِيب الْعلم شجر لين الأغصان يشبه بِهِ بنان الْجَوَارِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ أَطْرَاف الخروب الشَّامي وَأنْشد بَيت النَّابِغَة
(بِمُخَضَّبٍ رَخْصِ البَنانِ كأنَّهُ ... عَمٌ عَلى أغْصانِهِ لمْ يُعْقَدِ)
الْمَعْنى يَقُول كَأَن الْهَوَاء وَهُوَ مائج بِهِ عِنْد نثره وَهُوَ يفرقه بَحر من العنم يُرِيد كَثْرَة الْورْد فِي الْهَوَاء شبهه ببحر جمع من الْغم مثل مَائه فِي الْكَثْرَة
3 - الْإِعْرَاب من نصب السيوف فبأعمال اسْم الْفَاعِل وَمن خفضها كَانَ على الْإِضَافَة كالحسن الْوَجْه ودما جعله فِي مَوضِع الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ ناثر السيوف متلطخة بِالدَّمِ وَمن خفض كل عطفه على السيوف وَمن نَصبه قَالَ أَبُو الْفَتْح عطف على الْمَعْنى كَقَوْلِك هُوَ ضَارب زيد وعمرا وَكَقَوْلِه تَعَالَى {وجاعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر} يُرِيد فِي قِرَاءَة الحرميين وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر وَأما أهل الْكُوفَة فقرءوا وَجعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر عطفا على اللَّيْل وَقَالَ الْخَطِيب إِنَّمَا هُوَ عطف على السيوف الْمَعْنى يَقُول الَّذِي نثر الْورْد ينثر السيوف أَي يفرقها فِي أعدائه وَهِي دم لِأَنَّهَا متلطخة بِالدَّمِ وَإِذا قَالَ قولا كَانَ حِكْمَة
4 - الْإِعْرَاب الْخَيل عطف على مَا قبله وَكَذَلِكَ النعم والنقم الْغَرِيب فصل العقد إِذا نظم فِيهِ أَنْوَاع الْحِرْز فَجعل كل نوع مَعَ نوع ثمَّ فصل بَين الْأَنْوَاع بِذَهَب أَو غَيره وَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي تَفْصِيل الْعُقُود ثمَّ سمى نظم العقد تَفْصِيلًا يُقَال عقد مفصل إِذا كَانَ منظوما وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس الوشاح الْمفصل الْمَعْنى يَقُول جمع هَذِه الِأشياء بِالْخَيْلِ أَي تمكن من جمعهَا بِالْخَيْلِ وَجعل جمعهَا تَفْصِيلًا لِأَنَّهَا أَنْوَاع فَجعل ذَلِك كتفصيل العقد وَالْمعْنَى أَنه ينثر الْخَيل فِي الْغَارة ثمَّ ذكر أَنه جمع بهَا هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرهَا من النعم لأوليائه والنقم لأعدائه
5 - الْإِعْرَاب أحسن نصب بيرنا وَالضَّمِير فِي مِنْهُ للورد وَفِي جوده من رَوَاهُ مذكرا رَجَعَ إِلَى الممدوح وَمن رَوَاهُ جودها يعود على يَده الْمَعْنى يَقُول فليرنا الْورْد أحسن مِنْهُ سلم من جود الممدوح أَو من جود يَده يُرِيد أَنه ينثر الدَّنَانِير وَلَا تسلم من جود يَدَيْهِ وَهِي احسن من الْورْد يَعْنِي الدَّنَانِير
6 - الْغَرِيب العودة والمعاذة والتعويذ كُله بِمَعْنى وعذت إِلَى الشَّيْء إِذا لجأت إِلَيْهِ وَفُلَان عياذي أَي ملجئي الْمَعْنى يَقُول قل للورد لست خيرا مِمَّا نثرت يَدَاهُ وَإِنَّمَا جعلك لما نثرك عوذة للكرم
7 - الْغَرِيب عين الرجل إِذا أَصَابَته الْعين فَهُوَ معِين ومعيون قَالَ الشَّاعِر
(قدْ كانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونك سيداً ... وَإخالُ أنَّكَ سَيدٌ مَعْيونٌ)
الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أعمى الله عينا يعان بهَا وَهَذِه قِطْعَة فِي نثر الْورْد غير مليحة وَلَيْسَ المتنبي من أهل الْأَوْصَاف وَهِي كالقطعة الَّتِي وصف بهَا كَلَام ابْن العميد انْتهى كَلَامه قلت إِنَّمَا المتنبي مِمَّن يحسن الْأَوْصَاف فِي كل فن وَإِنَّمَا هَذَا الَّذِي يَأْتِي لَهُ فِي البديهة والارتجال أَو فِي وَقت يكون على شراب أَو غَيره فَلَا يعْتد بِهِ وَلَو كَانَ أَبُو الْفَتْح عمل لصوابا لَكَانَ أسْقطه من شعره وَلَوْلَا أَن من تقدمني شرح هَذِه المقطعات وأثبتها لما ذكرتها فِي كتابي هَذَا
(4/164)

حرف النُّون
259

- 1 الْغَرِيب المغنى وَاحِد المغاني وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ بهَا أهلوها
(4/165)

الْمَعْنى يَقُول نَحن نزور ديار الْأَعْدَاء وَلَا نحب مغنى من مغانيها والزيارة تَقْتَضِي الْمحبَّة إِلَّا أَنا نزور هَذِه الديار غير محبين لَهَا لِأَنَّهَا ديار أَعْدَائِنَا ونسأل الْإِذْن من غير سكانها لأَنا نسْأَل سيف الدولة أَن يَأْذَن لنا لنسرع إِلَيْهَا فنقتل من بهَا ونسلبهم أَمْوَالهم
2 - الْغَرِيب المدى الْبعد وَهُوَ الْغَايَة والكماة جمع كمى وَهُوَ الْمُسْتَتر فِي السِّلَاح الْمَعْنى نقود إِلَى هَذِه الديار خيلا تَأْخُذ لنا الْغَايَة وتحوز لنا قصب السَّبق فرسانها قد جربوها وعرفوها فهم يحسنون الظَّن بهَا لِكَثْرَة مَا ظفروا عَلَيْهَا
3 - الْغَرِيب كنيت فلَانا إِذا دَعوته بكنيته تَعْظِيمًا لَهُ أَن تَدعُوهُ باسمه وَالْعرب كَانَت تكنى أَوْلَادهَا وهم صغَار تفاؤلا أَن يصيروا آبَاء وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله
كَانَ يدْخل بَيت أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ لَهُ ولد صَغِير من أم سليم وَهِي أم أنس بن مَالك فَكَانَ يَقُول لَهُ يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير وَفِي الحَدِيث فقه كثير لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَأَبُو الْحسن هر على بن عبد الله سيف الدولة الممدوح وَأكْثر مَا تقع هَذِه الكنية لمن اسْمه على الْمَعْنى يَقُول نقود إِلَيْهَا الْخَيل وَنرْضى الله بفعلنا ونصفي الْمحبَّة لهَذَا الممدوح فنقاتل أعداءه ونقيه بِأَنْفُسِنَا ونعلمه أننا نختاره على أَنْفُسنَا وَقَوله يُسمى الْإِلَه وَلَا يكنى من أحسن الْكَلَام لِأَن الله سُبْحَانَهُ جلّ عَن الكنية وَتَعَالَى عَن الْوَلَد وَالْوَالِد فَهُوَ فَرد وَاحِد أزلي صَمد أحد وَقَوله يُسمى الْإِلَه حسن لِأَن الله تبَارك وَتَعَالَى لم يشركهُ أحد فِي هَذَا الِاسْم أعنى الله فَإِن الْمُلُوك قد شركوه فِي غَيره من الْأَسْمَاء تكبرا وعلوا وعتواً
4 - الْغَرِيب الْغَرِيب جمع شقي شقيون وأشقياء وشقاة الْمَعْنى يَقُول لَا تغتر الرّوم بتركنا أَرضهم خلفنا عودنا إِلَيْهَا أسْرع من رجوعنا عَنْهَا الْغَرِيب صرح برز وَظهر وكشف وصرحت بِالْأَمر أظهرته والوغى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول إِذا صَار الْمَوْت صَرِيحًا فِي الْحَرْب بارزا لَيْسَ دونه قناع توسلنا إِلَى مَا نطلب ونريد من الْحَوَائِج بالطعن بِالرِّمَاحِ وَالضَّرْب بِالسُّيُوفِ فِي لأعداء
6 - الْإِعْرَاب لقاؤه مَرْفُوع بالحبيب فَهُوَ فَاعل وَقَوله هلمنا قَالَ الواحدي قُلْنَا للسيوف هَلُمِّي إِلَيْنَا فَأدْخل عَلَيْهَا النُّون الشَّدِيدَة فَحذف الْيَاء لالتفاء الساكنين
(4/166)

ثمَّ أشْبع فَتْحة النُّون فَصَارَ هلمنا وَمن ضم الْمِيم خَاطب السيوف مُخَاطبَة من يعقل كَقَوْلِه تَعَالَى {ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ} ثمَّ أسقط الْوَاو من هلموا لِاجْتِمَاع الساكنين ثمَّ اشبع الفتحة انْتهى كَلَامه قَالَ الْخَلِيل أَصله لم من قَوْلهم لم الله شعثه أَي جمعه كَأَنَّهُ قَالَ لم نَفسك إِلَيْنَا أَي أقرب وَهَا للتّنْبِيه وحذفت ألفها لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَجعلا اسْما وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والتأنيث والتذكير فِي لُغَة أهل الْحجاز قَالَ الله تَعَالَى {والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا} وَأهل نجد يصرفونها يَقُولُونَ للاثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هَلُمِّي وللنساء هلممن وَالْأول أفْصح وَقد توصل بِاللَّامِ فَيُقَال هَلُمَّ لَك وهلم لَكمَا كَقَوْلِهِم هيت لَك وَإِذا أدخلت عَلَيْهِ النُّون الثَّقِيلَة قلت هلمن يَا رجل وللمرأة هلمن بِكَسْر الْمِيم وَفِي التَّثْنِيَة هلمان للمذكر والمؤنث جَمِيعًا وهلمن يَا رجال وهلممنان يَا نسْوَة وَإِذا قيل لَك هَلُمَّ إِلَى كَذَا قلت إلام أهلم بِفَتْح الْألف وَالْهَاء كَأَنَّك قلت إلام ألم وَتركت الْهَاء على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَإِذا قَالَ لَك هَلُمَّ كَذَا وَكَذَا قلت لَا أهلمه أَي لَا أعطيكه الْمَعْنى يَقُول قصدنا الْمَوْت كَمَا يقْصد من يحب لقاؤه وَقُلْنَا للسيوف هَلُمِّي إِلَيْنَا نبعثك فِي الْأَعْدَاء
7 - الْغَرِيب التكدس التجمع وتكدسن اجْتَمعْنَ وَركب بَعْضهَا بَعْضًا من كثرتها وَهنا يمعنى هَهُنَا وَهُوَ غَرِيب فِي التصريف وَلَيْسَ هُوَ من لَفظه وَمِنْه قَوْله العجاج
(هُنا وَهَنَّا وَعَلى المَسْجُوحِ ... )
يصفه بالعطاء يَقُول يعْطى يَمِينا وَشمَالًا وعَلى سجيته أَي طَبِيعَته الْمَعْنى يَقُول جعلنَا الأسنة حَشْوًا لَهَا أَي طعناها وَهِي تَجْتَمِع علينا ويركب بَعْضهَا بَعْضًا من كثرتها يَمِينا وَشمَالًا وَهُوَ من قَول الْوَلِيد بن الْمُغيرَة
(فَكْم مِن كريِم الجَدّ يَركبُ رَدْعَهُ ... وآخرَ يَهْوِي قَدْ حَشَوْناهُ ثَعْلَبا)

8 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا يعود على السِّيَاط الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَغَيره كَانَت خيل الرّوم قد رَأَتْ خيلا لسيف الدولة فظنوهم روما فَأَقْبَلُوا نحوهم مسترسلين فَلَمَّا تحققوا الْأَمر ولوا هاربين فَلهَذَا قَالَ جَهَالَة وَقَالَ إِلَيْنَا وعنا
9 - الْغَرِيب تعد تجَاوز وروى أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة نيارى والمباراة أَن يفعل
(4/167)

الرجل كَمَا يفعل الْأُخَر وباراه إِذا جر بِهِ واختبره وَكَذَا الابتيار قَالَ الْكُمَيْت (قَبِيحٌ بِمِثْليَ نَعْتُ الفَتاةِ ... إمَّا ابْتِهاراً وَإمَّا ابْتِياراً)
يُرِيد إِمَّا بهتانا وَإِمَّا اختبارا بِالصّدقِ وروى الواحدي نبادر من الْمُبَادرَة وَهِي الْإِسْرَاع الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة تجَاوز الْقرى إِلَى الصَّحرَاء وَحَارب بِنَا جَيش الرّوم وأدننا إِلَيْهِم دنو الملامس تظفر يدلك بِمَا تشْتَهي من ضرب وَطعن وَسبي
10 - الْغَرِيب اللقان مَوضِع والسخن ضد الْبَارِد وطابق بَينهمَا الْمَعْنى يَقُول نَحن أنَاس قد تقادم عهدنا يسفك دِمَائِهِمْ وَقد برد مَا سفكناه وعادتنا أَن نتبع الْبَارِد من دِمَاء الْأَعْدَاء السخن مِنْهَا يعْنى لاننفك من سفك دِمَائِهِمْ وَإِذا برد دمهم أتبعناه دَمًا طريا حارا
11 - الْغَرِيب العضب الْقَاطِع وعضبه قطعه وَمِنْه العضب للسيف الْقَاطِع واللدن صفة للرماح تَقول رمح لدن ورماح لدن بِفَتْح اللَّام للْوَاحِد وضمه للْجمع وَهُوَ الدَّقِيق الْمُسْتَقيم الْمَعْنى يَقُول إِن كنت السَّيْف الَّذِي يعول عَلَيْهِ فَدَعْنَا نَكُنْ قدامك كَمَا أَن الرمْح يطعن بِهِ قبل الضَّرْب بِالسَّيْفِ فاجعلنا القنا نتقدمك وَكَانَ سيف الدولة لما أحرق الْبقْعَة توجه إِلَى قلعة سمندر وبلغه أَن الْعَدو بهَا مَعَه أَرْبَعُونَ ألفا فتهيب جَيْشه المير إِلَيْهِم فَمَا أنْشدهُ أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة وَبلغ هَذَا الْبَيْت قَالَ لَهُ سيف الدولة قل لهَؤُلَاء وَأَشَارَ إِلَى الْجَيْش لِيَقُولُوا كَمَا قلت لنسير إِلَيْهِم
12 - الْمَعْنى نَحن قوم لَا نقصر فِي نصرتك وَقد عرفت ذَلِك منا مرَارًا وَأَنت وَحدك تقوم مقامنا فَلَو اكتفيت وَحدك بقتالهم لَا ستغنيت عَنَّا
13 - الْغَرِيب الردى الْمَوْت والأدنى الدون وَهُوَ الْقَلِيل الْمَعْنى يَقُول يقيك الْمَوْت من يطْلب بخدمته لَك الْعُلُوّ والرفعة وَمن لَا يرضى من خدمته بالعيش الدنيء وَيُرِيد بِهَذَا القَوْل نَفسه فَكَأَنَّهُ يَقُول أَنا أقيك الْمَوْت بنفسي
14 - الْغَرِيب اللها جمع لهوة وَهِي الْعَطِيَّة الْمَعْنى يَقُول لولاك لم تجر دِمَاء الْأَعْدَاء وَلم يسْتَغْن الْأَوْلِيَاء وَالْمعْنَى لولاك لم تكن شجاعة وَلَا جود لِأَن الدِّمَاء لَا تجْرِي إِلَّا بشجاعتك وقتلك الْأَعْدَاء والعطايا تجْرِي من جودك ولولاك مَا كَانَ يظْهر للنَّاس وَلَا للدنيا معنى يُرِيد إِنَّمَا النَّاس وَالدُّنْيَا بك وَأَنت مَعْنَاهُمَا
15 - الْمَعْنى يَقُول الْخَوْف مَا رَآهُ الرجل خوفًا وَإِن كَانَ أمنا وَكَذَلِكَ الْأَمْن يَعْنِي أَن حَقِيقَة الْخَوْف مَا يخافه الْإِنْسَان وَإِن خَافَ شَيْئا غير مخوف فقد صَار خوفًا وَإِن أَمن غير مَأْمُون فقد تعجل الْأَمْن وَهَذَا تَعْرِيض بِجَيْش سيف الدولة وَذَلِكَ أَنه راودهم على الذّهاب نَحْو الرّوم فنكلوا خوفًا على أنفسهم وَهُوَ من قَول دعبل
(هيَ النَّفْسُ مَا حَسَّنْتَهُ فَمُحَسَّنٌ ... لدَيها وَما قَبَّحْتَهُ فَمُقَبَّحُ)
(4/168)

- 1 الْإِعْرَاب رفع ثِيَاب على تَقْدِير عِنْدِي ثِيَاب أَو أَتَتْنِي ثِيَاب الْغَرِيب الصوان التخت وَهُوَ مَا يحفظ الثِّيَاب الْمَعْنى يَقُول أَتَتْنِي ثِيَاب من كريم لَا يصون الثِّيَاب الْحَسَنَة وَلَكِن يَهَبهَا فَلَيْسَ لَهَا صوان إِلَّا الهبات فَلَا يَتْرُكهَا فِي التخت بل يَهَبهَا قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون مَا يصومها من منديل وَنَحْوه يكون هبة أَيْضا كَقَوْلِه
(أوَّلُ مَحْمُولِ سَيْبِه الحَمَلهْ)

2 - الْغَرِيب الصناع الحاذقة الَّتِي قد صورت الصُّور وَهِي حاذقة بِالْعَمَلِ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَرْأَة الحاذقة الَّتِي قد صورت الصُّورَة بالصنعة أرتنا من صنعتها فِي هَذِه الثِّيَاب مُلُوك الرّوم وقيانها وَجَمِيع مَا قد صورت فِيهَا من الْمُلُوك وَغَيرهَا فَهِيَ مرقومة فِيهَا
3 - الْمَعْنى يَقُول لم يكفها تَصْوِير الْخَيل وَحدهَا بل صورت الْأَجْسَام وَمَا أمكنها تَصْوِيره وَلم تقدر على تَصْوِير الزَّمَان لِأَنَّهُ لَا جثة لَهُ فيحكي فَلم تتْرك شَيْئا لم تصَوره إِلَّا الزَّمَان
(4/169)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي ادخرتها يعود على الصناع وَالْمَفْعُول يعود على الصُّورَة وَقَوله ادخرتها لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين لكنه أضمر فعلا فِي مَعْنَاهُ فعداه عَال مفعولين كَأَنَّهُ قَالَ حرمتهَا قدرَة الْمَعْنى يَقُول لم تقدر هَذِه الصناع على شَيْء إِلَّا فعلته فِي هَذِه الصُّورَة إِلَّا أَنَّهَا لم تقدر على إنطاق مَا صورت من الْحَيَوَان
5 - الْإِعْرَاب عطف سمراء على قَوْله ثِيَاب كريم لِأَنَّهَا كَانَت فِي جملَة الهبات الْغَرِيب الاستغواء الإمالة والإطماع الْمَعْنى يَقُول قناة سمراء يطْمع قدها الفوارس وَيذكر الفوارس كراتها وطعانها
6 - الْغَرِيب ردينية منسوبة إِلَى ردينة امْرَأَة كَانَت تعْمل الرماح والزج الَّذِي يكون فِي أَسْفَل الرمْح والسنان الَّذِي فِي أَعْلَاهُ الْمَعْنى يَقُول لحسن نباتها الَّذِي، أبنة الله كَاد نباتها يَجْعَلهَا ذَات زج وَسنَان
7 - الْغَرِيب أم عَتيق فرس أُنْثَى لَهَا مهر كريم أَبوهُ أكْرم من أمه عانها أَصَابَهَا بِالْعينِ الْمَعْنى يَقُول هَذِه فرس لَهَا مهر كريم خَال ذَلِك الْمهْر فِي الشف دون عَمه وَإِذا كَانَ الْعم أكْرم من الْخَال كَانَ الْأَب أكْرم وَقَالَ الواحدي كَأَنَّهَا مصابه بِالْعينِ لقبح خلقهَا لِأَن الْمهْر كَانَ حسن الْخلقَة وَأمه قبيحة المنظر
8 - الْمَعْنى يَقُول إِذا سايرت الْمهْر لم يلتبس خلقه بخلقه لِأَنَّهَا قد بابنته وبابنها وَهُوَ بعيد مِنْهَا فِي الشّبَه وشانته عابته وزانها حسنها فَهِيَ تشينه بقبح خلقهَا وَهُوَ يزينها بحسنه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي عين الْبَصِير يُرِيد الْبَصِير بِأَمْر الْخَيل دون غَيره وَيحْتَمل أَن يكون الْبَصِير من أبصرهَا وَلم يكن لَهُ علم لِأَن بَصَره قد كَفاهُ وَالْمعْنَى أَن الْمهْر خير من أمه
9 - الْمَعْنى يَقُول هلا قدب إِلَى فرسا هَذِه صفتهَا إِذا ركبتها لَا يُؤمن شَرها وَلَا شري وَلَا يحسن ركُوبهَا غَيْرِي أَي لَا تنقاد لغيري يُرِيد أَيْن الَّتِي تصلح للحروب
10 - الْمَعْنى يَقُول أَيْن الْفرس الَّتِي تصلح للحرب والطعان فَلَا ترد المرح خائبا فِي الْحَرْب إِذا طاعنت عَلَيْهَا وأرخيت عنانها بيَدي الْيُسْرَى
11 - الْمَعْنى يَقُول قد أَعطيتك أفضل ثنائي ورأيتك أَهلا لَهُ فَمَا يَنْبَغِي أَن يكون لَك إنعام لَا تراني مُسْتَحقّا لَهُ فتدخره عني
(4/170)

- 1 هَذَا من مشطور الرجز وَيُسمى ذَا الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّك إِذا شِئْت أطلقت هاءه وَإِن شِئْت وقفتها الْمَعْنى يُرِيد بالبحر سيف الدولة وبالبحار أمواه النَّهر نهر قويق الَّذِي بحلب يُرِيد أَن الأمواه قد حَجَبته ونعت الزِّيَارَة مِنْهُ وَالدُّخُول عَلَيْهِ وَيُقَال إِن سيف الدولة رأى فِي الْمَنَام أَن حَيَّة تطوقت على دَاره فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ ففسر ذَلِك أَنه مَاء فأر أَن يحْفر بَين دَاره وَبَين قويق وَهُوَ نهر بحلب حَتَّى أدَار المَاء حول الدَّار وَكَانَ يحمص رجل ضَرِير من أهل الْعلم يُفَسر المنامات فَدخل على سيف الدولة فَقَالَ لَهُ كلَاما مَعْنَاهُ إِن الرّوم تحتوي على دَارك فَأمر بِهِ فَأخْرج بعنف وَقدر الله تَعَالَى أَن الرّوم فتحُوا حلب واحتووا على دَار سيف الدولة فَدخل عَلَيْهِ الضَّرِير بعد ذَلِك فَقَالَ هَذَا مَا كَانَ من الْمَنَام فَأعْطَاهُ شَيْئا
2 - الْغَرِيب الْمعِين اسْتِعَارَة وَهُوَ المَاء الَّذِي يخرج من الأَرْض من عين أَو نَحْوهَا والقرين المماثل الْمَعْنى يَقُول حسدتنا عَلَيْهِ فحجبت بَيْننَا وَبَينه أم أردْت أَن تكون مثله فزخزت وزدت
3 - الْغَرِيب الانتجاع طلب المرعى والقطين الحشم وَالْجَمَاعَة قَالَ الشَّاعِر
(نَهَتْهُ فَلَمَّا لمْ تَرَ النَّهْيَ عاقَهُ ... بَكَتْ فَبكَى مِمَّا شَجَّاهَا قَطِينُها)
الْمَعْنى يَقُول أم جِئْته تطلب معروفه لتصير غَنِيا أم أَتَيْته زَائِرًا لتكثير من عِنْده فِي مَجْلِسه
(4/171)

- الْغَرِيب الخَنْدَق مَعْرُوف وَهُوَ مَا يكون حول الْمَدِينَة وَلم تكن الْعَرَب تعرفه وَأول من عمله من الْعَرَب رَسُول الله
لما جَاءَت الْأَحْزَاب مَعَ صَخْر بن حَرْب إِلَى الْمَدِينَة وَقيل إِنَّمَا أَشَارَ بِعَمَلِهِ سلمَان الْفَارِسِي لِأَنَّهُ كَانَ من فَارس والخنادق حول بلادها والحصون جمع حصن وَهُوَ مَا يتحصن بِهِ الْإِنْسَان من الْعَدو الْمَعْنى يَقُول أم جِئْته لتحفر خَنْدَقًا لحصونه وَلَا حَاجَة إِلَى الخَنْدَق فَإِن جياده وَهِي جمع جواد على غير قِيَاس ورماحه تغنيه عَن اتِّخَاذ الخَنْدَق
5 - الْغَرِيب اللج جمع لجة الْبَحْر وَهِي معظمه والعازب الْبعيد وتوفت أهلكت وَعون جمع عانة وَهِي الْقطعَة من الْوَحْش وتوفته قيل أَخَذته وافيا لما اصطادت وحشه الْمَعْنى يَقُول لما عبر عَليّ خيله الْأَنْهَار جعلن كالسفينة وَقَوله سَفِينِهِ السفين جَمِيع سفينة فَالْمَعْنى رب مَاء عَظِيم عبرته خيله فَكُن لَهُ كالسفين وَرب روض بعيد الْمَكَان أهلكت حمره وغزلانه وَجَمِيع مَا فِيهِ من أَنْوَاع الْوَحْش فَأَخَذته وافيا
6 - الْغَرِيب الشّرْب جمع شَارِب يَقُول قوم شرب مثل صَاحب وَصَحب وَيجمع الشّرْب على شروب قَالَ الْأَعْشَى
(هُوَ الوَاهِبُ المُسْمِعاتِ الشَّرُوبَ ... بَينَ الحَرِيرِ وَبَينَ الكَتَنْ)
وَالشرب مصدر وبالضم الِاسْم وبالضم قَرَأَ عَاصِم وَنَافِع وَحَمْزَة والرنين شدَّة الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول رب ذِي جُنُون يَعْنِي عَاصِيا مُخَالفا لِأَنَّهُ لَا بعصيه عَاقل لعلمه أَنه لَا ينجو مِنْهُ إِذا طلبه أذلته خيله حَتَّى انْقَادَ وأطاع وَرب قوم يشربون الْخمر هجمت عَلَيْهِم خيله فَقتل مِنْهُم حَتَّى كثر رنين أهلهم بالبكاء على قتلاهم
7 - الْغَرِيب الأنين صَوت ضَعِيف يكون من وجع والضيغم الْأسد والعرين بَيت الْأسد الْمَعْنى يَقُول بدلت عناء الشّرْب وطربه بالأنين لما ناله من الْجراح وَقتل أَهله وَرب رجل مثل الْأسد عزة وَقُوَّة أَدخل عَلَيْهِ خيله عرينه فوطئت أرضه وَأخذت بَلَده
8 - الْإِعْرَاب مسهدا حَال وعداه إِلَى الجفون فنصها
(4/172)

الْمَعْنى يَقُول وَرب ملك عَظِيم من الْمُلُوك قَتله فوطئت خيله جَبينه وَهُوَ يَقُود إِلَيْهِ مسهدا جفونه لشدَّة السّير إِلَيْهِ
9 - الْمَعْنى يَقُول إِذا طعن إنْسَانا شرفه بطعنه إِيَّاه لِأَنَّهُ رَآهُ أَهلا للمبارزة والمحاربة وَهُوَ عفيف الْفرج أَي مَأْمُون الْفرج بعيد عَن الزِّنَا
10 - الْغَرِيب النُّون الْحُوت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَذَا النُّون} لِأَنَّهُ ابتلعه الْحُوت الْمَعْنى يَقُول هُوَ أَبيض الْوَجْه مباركه وَهُوَ بَحر أَي كثير الْعَطاء يصغر كل ملك بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ
11 - الْإِعْرَاب ذكر الضَّمِير وَالشَّمْس مُؤَنّثَة لِأَنَّهُ ذهب بالتذكير إِلَى الممدوح وَهُوَ مُذَكّر وَكَانَ الأولى أَن تكون إِيَّاه مَوضِع تكونه
الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّمْس تمنى أَن تكون مثل هَذَا الممدوح لِأَنَّهُ أشرف من الشَّمْس وَأكْثر مناقبا
12 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي سينه للسيف وَفِي تستعينه للمدوح الْمَعْنى يُرِيد سرعَة الْإِجَابَة لِأَنَّك إِذا دَعوته يَا سيف أجابك قبل تَمام السِّين فَأَنت إِن تنطق بِحرف النداء يجبك إِلَى مَا تُرِيدُ
13 - الْإِعْرَاب من فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهُ فَاعل أدام أَي أدام الله الَّذِي صان هَذَا الممدوح من أعدائه وصان نفس سيف الدولة وَدين الله فَالضَّمِير فِي نَفسه للمدوح وَفِي دينه لله تَعَالَى الْمَعْنى يَقُول أدام الله تَمْكِينه من أعدائه كَمَا أَنه تَعَالَى قد صان دينه وصان نفس الممدوح مِنْهُم
(4/173)

- 1 الْغَرِيب الشجعان جمع شُجَاع وَهُوَ الشَّديد الْقلب عِنْد الْبَأْس وشجع بِالضَّمِّ فَهُوَ شُجَاع وشجيع وَيجمع على شجعة كغلام وغلمة وشجعان كغلام وغلمان وشجعاء كفقيه وفقهاء وَحكى فِيهِ شُجَاع وشجاع بِضَم الشين وَكسرهَا وَكَذَا فِي شجعان وَحكى أَبُو عُبَيْدَة قوم شجعة وشجعة بِضَم الشين وَفتحهَا وَحكى غَيره شجعة بِالتَّحْرِيكِ الْمَعْنى يَقُول الْعقل مقدم على الشجَاعَة فَإِنَّهَا إِذا تصدر عَن عقل أَنْت على صَاحبهَا فأهلكته وَتسَمى خرقا وَالْمعْنَى أَن الْعقل فِي تَرْتِيب المناقب هُوَ الأول ثمَّ الشجَاعَة ثَانِيَة لَهُ
2 - الْغَرِيب النَّفس الْمرة هِيَ القوية الشَّدِيدَة من مر الْحَبل والمرة الشذة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {ذُو مرّة فَاسْتَوَى} وَالنَّفس الْمرة هِيَ الَّتِي لَا تقبل الضيم الْمَعْنى يَقُول إِذا مَا اجْتمع الْعقل والشجاعة لرجل يَأْبَى الضيم لَا يذل للأعداء بلغت نَفسه من الْعلَا والشرف أَعلَى الْمَرَاتِب
3 - الْمَعْنى يَقُول الْعقل أفضل من الشجَاعَة وَذَلِكَ أَنه رُبمَا طعن الْفَتى أقرانه بالمكيدة ولطف التَّدْبِير ودقة الرَّأْي قبلا لطعن بالأرماح وَيجوز أَن يرد على الْقِتَال بِالرَّأْيِ لَا بِالرِّمَاحِ
4 - الْغَرِيب أدنى ضغيم يُرِيد الدون من السبَاع والضيغم الْأسد وَأدنى إِلَى شرف أَي أقرب الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْعقل لَكَانَ أقل سبع كَالْكَلْبِ وَنَحْوه أقرب إِلَى أَعلَى مَا فِي الْإِنْسَان من الشّرف وَلَكِن الْعقل يمْنَع عَنهُ كل منع لَهُ وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم الْإِنْسَان شبح نور روحاني ذُو عقل غريزي لَا مَا ترَاهُ الْعُيُون من ظَاهر الصُّورَة
(4/174)

- الْغَرِيب المران القنا وَهُوَ فعال الْوَاحِدَة مرانة وَأَصله من مرن مرونا إِذا لَان والعوالي جمع عالية وَهِي على قدر ذراعين من أَعلَى الرمْح والكماة جمع كمي وَهُوَ الْمُسْتَتر فِي السِّلَاح الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْعقل لما تفاضلت النُّفُوس بَعْضهَا على بعض لِأَن الْآدَمِيّ أفضل من الْبَهِيمَة لعقله وَقد قَالَ الْمَأْمُون الأجساد أبضاع وَلُحُوم وَإِنَّمَا تتفاضل بالعقول فَإِنَّهُ لَا لحم أطيب من لحم وَقَوله ودبرت يُرِيد وَلما دبرت يُرِيد أَنهم لم يتصلوا إِلَى اسْتِعْمَال الرماح فِي الْحَرْب إِلَّا بِالْعقلِ وَحكى الْخَطِيب قَالَ غزت تَمِيم حنيفَة فاستاقت أَمْوَالًا ورجالا فباتت حنيفَة ثَلَاثًا ثمَّ تبعوهم فَقيل لغلام مِنْهُم كَيفَ صنع قَوْمك بحوافر الْخَيل حَتَّى لحقوهم بعد ثَلَاث ثمَّ تبعوهم فَقيل لغلام مِنْهُم كَيفَ صنع قَوْمك بحوافر الْخَيل حَتَّى لحقوهم بعد ثَلَاث قَالَ جهلوا المران أرشية الْمَوْت فاستسقوا بهَا أَرْوَاحهم
6 - الْغَرِيب الجفان جمع جفن وَهُوَ غمد السَّيْف وَهُوَ اسْم مُشْتَرك فَهُوَ لغمد السَّيْف وللعين وَهُوَ اسْم مَوضِع والأجفان أَيْضا قضبان الْكَرم الْوَاحِدَة جَفْنَة الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا سيف الدولة مَا كَانَت تغني السيوف شَيْئا ولكانت فِي قلَّة الْغناء كأجفانها وَالسيف لَا يفعل بِنَفسِهِ شَيْئا إِنَّمَا يفعل الضَّارِب بِهِ وَهَذَا مثل فول عَمْرو ابْن معد يكرب الزبيدِيّ أحد فرسَان الْعَرَب وَقد أعْطى سَيْفه الصمصامة لرجل فَلم يعْمل بِهِ شَيْئا فَقَالَ إِنَّمَا يفعل الساعد لَا السَّيْف
7 - الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت والخوض الاقتحام فِي الشَّيْء والاحتقار الامتهان الْمَعْنى يَقُول خَاضَ الْمَوْت بسيوفه حَتَّى مَا علم أذلك الْخَوْض من احتقار للْمَوْت أم نِسْيَان لَهُ وغفلة عَنهُ الْغَرِيب المدى الْبعد الْمَعْنى يَقُول لما سعى فِي طلب العلياء وَهُوَ مَا يكسبه من الْمَعَالِي قصر عَن بُلُوغه فِي بعد مَا طلب أهل زَمَانه وَأهل كل زمَان
9 - الْغَرِيب تخذوا بِمَعْنى اتَّخذُوا وَتقول تخذت الشَّيْء واتخذته وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو
(4/175)

وَابْن كثير لتخذت عَلَيْهِ أجرا بِكَسْر الْخَاء على هَذِه اللُّغَة الْمَعْنى يَقُول أهل الزَّمَان تخذوا الْبيُوت مجَالِس ومجالسة السُّرُوج فَلهَذَا قصروا عَن اللحاق بِهِ
10 - الْغَرِيب الوعى والهيجاء من أَسمَاء الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول ظنُّوا أَن الْحَرْب لعب والطعن فِي اللّعب غير الطعْن فِي الْحَرْب لِأَن طعن اللّعب طعن فِي إبْقَاء وَلَا إبْقَاء فِي الْحَرْب
11 - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على غير قِيَاس والأوطان جمع وَطن وَهُوَ مَا مَا يستوطنه الْإِنْسَان الْمَعْنى يَقُول قاد خيله إِلَى الطعان يُرِيد طعان الْأَبْطَال وَإِنَّمَا قادها إِلَى مَا تعودت فَكَأَنَّهُ قادها إِلَى عَادَتهَا ووطنها
12 - الْغَرِيب يُرِيد بِابْن سَابِقَة فرسا وَلدته سَابِقَة من كرام الْخَيل الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْفرس الَّذِي هُوَ من نجل السابقات إِذا رَآهُ صَاحبه فَرح بِهِ وَذهب الْحزن من قلبه
13 - الْغَرِيب الوغى الْحَرْب وَأَصله شدَّة اصوات أهل الْحَرْب والأرسان جمع رسن وَهُوَ مايكون فِي رَأس الدَّابَّة تمنع بِهِ من التَّصَرُّف الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله قد تعودت الحروب فَهِيَ وَإِن كَانَ مخلاة مربوطة بِمَا فِيهَا من الْأَدَب إِذا دعوتها فَلَا تحاج إِلَى جذبها بالأرسان بل تنقاد لَك بِالدُّعَاءِ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَهَذَا كَقَوْلِه
(وَأدَّ بهَا طُولُ القِيادِ 0000 ... )
الْبَيْت وَكَقَوْلِه
(تُعَطَّفُ فِيهِ وَالأعِنَّةُ شَعْرُها ... وتُضْرِبُ فِيهِ وَالسَّياطُ كُلامُ)

14 - الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش الْعَظِيم مَأْخُوذ من تجحفل الْقَوْم أَي اجْتَمعُوا وَرجل جحفل أَي عَظِيم الْقدر الْمَعْنى يُرِيد أَن الْغُبَار الَّذِي أثارته حوافرها قد منع أبصارها أَن تبصر فَهِيَ تسمع
(4/176)

تسمع الْأَصْوَات بآذانها وَتفعل مَا يَقْتَضِيهِ الصَّوْت فَكَأَنَّمَا تبصر بِهن وَالْمعْنَى أَنَّهَا إِذا أَحْسَنت بِشَيْء نصبت آذانها فَكَأَنَّهَا تبصر بهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري
(وَمُقَدِّمِ الأُذنينِ تَحْسِبُ أنَّهُ ... بِهما رَأى الشَّخْصَ الذِي لأَمامه)

15 - الْمَعْنى طابق بَين الْبعد والقرب وَيُرِيد أَنه رجل مَنْصُور قد عوده الله لظفر والنصر فَلَا يبعد عَلَيْهِ شَيْء فالبعد عِنْده كالقريب عِنْد غَيره لعزمه على الْأُمُور
16 - الْغَرِيب منبج بَلْدَة بِالشَّام من أَعمال حلب على مرحلَتَيْنِ مِنْهَا وحصن الران من بِلَاد الرّوم
الْمَعْنى يُرِيد سرعَة خطوها وَبعد مَا بَين أيديها وأرجلها فِي الخطو فَكَأَنَّهَا تُرِيدُ أَن تبلغ الرّوم بخطوة وَاحِدَة قَالَ أَبُو الْفَتْح وَبَينهمَا مسيرَة خمس لَيَال
17 - الْغَرِيب إرسناس نهر بِالشَّام بَارِد المَاء جدا يسيل من ذوب الثَّلج الْمَعْنى يَقُول مازالت تسرع حَتَّى عبرت هَذَا النَّهر قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَإِنَّمَا ينشرن عمائم الفرسان فِيهِ لسرعتهن فِي السباحة لاعتيادها ذَلِك
18 - الْغَرِيب يقمصن يثبن لشدَّة برده والمدى جمع مدية وَهِي السكين والخصيان جمع خصى من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول هَذَا النَّهر لبرودة مَائه وَقد ضربه الرّيح حَتَّى صَار طرائق يذر الذكران كالخصيان فَشبه الطرائق بالمدى وَجعل تقليص خصى الفحول من شدَّة الْبرد كَأَنَّهَا خصيان لِأَنَّهَا قد تَسَاوَت هِيَ والخصيتان بذهاب الخصى فَهَذِهِ الطرائق جعلت الفحول بِلَا خصى كالخصيان
19 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَن الْجَيْش صَار فريقين فِي عبور النَّهر فريق عبروا وفريق لم يعبروا وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا عجاج وَالْمَاء بَينهمَا فالعجاجتان تفترقان وتلتقيان
(4/177)

قَالَ وَقَالَ ابْن جنى يَعْنِي عجاجة الْمُسلمين وعجاجة الرّوم وَلَيْسَ كَمَا ذكر لأَنهم عِنْد عبور النَّهر مَا كَانُوا فَاقْتُلُوا الرّوم بعد وَقَالَ أَبُو الْفَتْح رُبمَا حجز المَاء بَين عجاجتين وَرُبمَا جازتاه فالتقيتا وقلما تثور الْعَجَاجَة فِي الشتَاء قَالَ وَسَأَلته عِنْد الْقِرَاءَة عَن هَذَا فَذكر أَنه شَاهده قَالَ وَكَانَ فِي حزيران وَقَالَ هُوَ من أبرد الْمِيَاه فِي كل وَقت لِأَنَّهُ يذوب من الثَّلج وَقَالَ شَيخنَا لَا وَجه لرد الواحدي على أبي الْفَتْح بِدَلِيل الْبَيْت الثَّانِي وَإِذا قَاتلُوا عِنْد النَّهر كَانَ لما قَالَ أَبُو الْفَتْح ألف وَجه لَا وَجه
20 - الْغَرِيب اللجين الْفضة والعفيان الذَّهَب والأعنة جمع عنان وَهُوَ مَا يكون فِي رَأس الْفرس والأعنة للخيل كالأرسان لغَيْرهَا الْمَعْنى يَقُول عبر هَذَا النَّهر الْأَمِير سيف الدولة وحباب هَذَا النَّهر وَهُوَ مَا يعلوه من الْهَوَاء وَمن الْخَوْض وَهُوَ شَيْء يَعْلُو عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنه عبره وماؤه أَبيض كالفضة فَلَمَّا قَتلهمْ جرت إِلَيْهِ الدِّمَاء فَعَاد أَحْمَر كالذهب
21 - الْغَرِيب الغدائر جمع غديرة وَهِي الذؤابة من الشّعْر والسفين جمع سفينة والصلبان جمع صَلِيب وَهُوَ الَّذِي تعظمه النَّصَارَى وَيكون فِي كنائسهم وبيعهم الْمَعْنى يَقُول إِنَّه اتخذ حبال سفينة من شعر الْقَتْلَى وَبنى السفن من صلبانهم لِكَثْرَة مَا غنهم مِنْهُم
22 - الْغَرِيب الْعَقِيم الَّذِي لَا يلد والحوالك جمع حالكة وَهِي السَّوْدَاء والحالك الْأسود من كل شَيْء الْمَعْنى يُرِيد أَنه حَشا المَاء فِيهِ سفنا عَادِية بِغَيْر قَوَائِم وبطونها عقم لِأَنَّهُ لَا تَلد وَهِي سود الألوان لِأَنَّهَا مقيرة فَشبه السفن بِالْخَيْلِ العادية وَكَانَ لَهَا قَوَائِم وَمن عَادَتهَا أَن تنْتج فَبين أَنه أَرَادَ السفائن وَلَقَد أحسن فِي هَذَا
23 - الْغَرِيب الحسان جمع حسناء والمرابض جمع مربض وَهُوَ مأوى الْغنم والوحش فَكل مَا تأوى إِلَيْهِ من بَيت أَو غَيره فَهُوَ مربض وَجمع على مرابض وأرباض قَالَ العجاج
(واعتْادَ أرْباضاً لَها آرِىُّ ... )
(4/178)

الْمَعْنى يُرِيد أَن السفن تحمل الْجَوَارِي الَّتِي سبتها الفوارس فشبههن بالغزلان والسفن لَهَا مرابض
24 - الْإِعْرَاب رفع بَحر على حذف الِابْتِدَاء أَي هُوَ بَحر وَيجوز أَن يكون فَاعِلا وَالْفِعْل الَّذِي بعده مُفَسّر وَالضَّمِير فِي دهره للبحر وَهُوَ النَّهر وَأَن يذم فِي مَوضِع الْمَفْعُول الْغَرِيب الذمام الْعَهْد وَالْحِفْظ وَفُلَان فِي ذمَّة الله أَي فِي حفظه والحدثان والحادثة وَالْحَدَث والحدثي كُله بِمَعْنى وَهُوَ حوادث الدَّهْر الْمَعْنى يَقُول هَذَا المَاء الَّذِي عبره سيف الدولة بَحر تعود أَن يَجْعَل من وَرَاءه فِي ذمَّته فَلَا يصل إِلَيْهِم أحد وهم فِي جواره من الدَّهْر وحوادثه إِلَّا إِنَّه لم يقدر أَن يذم لَهُم مِنْك
25 - الْغَرِيب أَذمّ أَجَارَ وَبَنُو حمدَان هم قبائل سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول تركت هَذَا النَّهر وَقد عبرت إِلَيْهِم وسبيتهم يجير أَله مِمَّن يقصدهم بِسوء إِلَّا من قَوْمك فَإِنَّهُ لَا يقدر على إجارتهم مِنْك وَالْمعْنَى أَن غَيْرك لَا يقدر على عبوره إِلَيْهِم
26 - الْغَرِيب خفرت الرجل إِذا أجرته وأخفرته إِذا نقضت عَهده والأبيض السَّيْف والصارم الْقَاطِع والذمم جمع ذمَّة والتيجان جمع تَاج وَهُوَ مَا يلْبسهُ الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول بَنو حمدَان هم الَّذين ينقضون عهود الدروع الَّتِي أجارت الْمُلُوك بسيوفهم وَلما جعل الْمُلُوك قد تحَصَّنُوا بدروعهم وَكَانُوا فِي إِجَارَتهَا وذمتها جعل سيوف هَؤُلَاءِ تنقض عهودها وَتصل إِلَى أرواحها
27 - الْغَرِيب الصعلوك الْفَقِير الَّذِي لَا مَال لَهُ والكثافة الْكَثْرَة والشان الْقدر والعو الْمَعْنى يُرِيد أَنهم على كَثْرَة ملكهم وَعظم قدرهم كالصعاليك لِكَثْرَة غزواتهم لَا يبْقى مَعَهم مَال بل كل مَا يغنمونه يخرجونه وهم على عظم قدرهم يتواضعون تقربا إِلَى النَّاس وهم أعظم النَّاس قدرا
28 - الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح يتقيلون بِالْقَافِ وَمَعْنَاهُ يتبعُون من قَوْلهم فلَان يتَقَبَّل أَبَاهُ إِذا تبعه يُرِيد أَنهم يتبعُون آبَاءَهُم فِي الشّرف والسبق إِلَيْهِ كالفرس المطهم وتقيل إباه أَي أشبهه والمطهم الْفرس التَّام كل شَيْء مِنْهُ على حِدته فَهُوَ
(4/179)

بارع الْجمال وَوجه مطهم أَي مُجْتَمع مدور وَمِنْه الحَدِيث فِي وصف النَّبِي
لم يكن بالمطهم وَلَا بالمكلثم يُرِيد لم يكن بالمدور الْوَجْه وَلَا بالموجن والظليم ذكر النعام والسرحان الذِّئْب والربقة مَا يكون فِي رَقَبَة الشَّاة تحبسها من التَّصَرُّف قَالَ ابْن القطاع صحف كل الروَاة هَذَا الْبَيْت فَرَوَوْه بِالْقَافِ من القيلولة وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة يتفيئون من قَوْله تَعَالَى يتفيؤ ظلاله قَالَ ابْن فورجة يتقيلون أَي أَنهم كثيرو الْغَزْو فَلَا يتقيلون إِلَّا على سروج خيلهم وَقت القائلة فهم يَسْتَظِلُّونَ بأفياء خيلهم فِي شدَّة الْحر الْمَعْنى أَنَّهَا إِذا طردت النعام والذئاب أدركتها فقتلتها ومنعتها من الْعَدو وَهُوَ من قَول امْرِئ الْقَيْس
(0000 قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ ... )
إِلَى أَن المتنبي زَاد عَلَيْهِ بقوله أجل الظليم فَاسْتحقَّ الْمَعْنى بِالزِّيَادَةِ وَقد قَالَت الْعلمَاء بِهَذَا الشَّأْن إِن أَخذ الْأَلْفَاظ لَيْسَ بِسَرِقَة وَإِنَّمَا السّرقَة أَخذ الْمعَانِي فَإِذا أَخذ الشَّاعِر معنى من غَيره فَزَاد فِيهِ اسْتحق الْمَعْنى بِالزِّيَادَةِ وَإِذا أَتَى بِالْمَعْنَى وَأَلْفَاظه أحسن من الْأَلْفَاظ الأول فَهِيَ سَرقَة وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا فضل جودة اللَّفْظ وَإِذا أَخذ الْمَعْنى وأتى بالألفاظ مثل الْأَلْفَاظ الأول أَو دونهَا فَهِيَ السّرقَة الْمَكْرُوهَة الْمَحْضَة وَقَول المتنبي ربقة السرحان هِيَ قيد الأوابد وأجمعت الروَاة على أَن امْرأ الْقَيْس أول من قَالَ قيد الأوابد ثمَّ اقتدت بِهِ الشُّعَرَاء وَقَالَ ابْن الرُّومِي فِي الْغَزل
(وَحَديِثها السَّحْرُ الحَلالُ لَو انَّهُ ... لمْ يَجْنِ قَتْلَ المُسْلِمِ المتَحَرِزِ)
(إنْ طالَ لِم يُملَلْ وَإن هيَ أوْجَزَتْ ... وَدَّ المُحَدَّثُ أنَّها لمْ تُوجِزِ)
شَرَكُ العَقولِ وَنُزْهَةٌ مَا مِثلها ... لِلمُطْمَئِنّ وَعُقْلَةُ المُسْتَوْفِزِ)

29 - الْغَرِيب الخضوع التذلل والمنصل السَّيْف والعنوة الْقَهْر الْمَعْنى يَقُول ذلت لسيفك السيوف وأذل دينك كل دين لِأَنَّهُ علا فذلت لَهُ الْأَدْيَان وَالروم وَغَيرهَا ذليلة بِهِ
30 - الْغَرِيب الغضاضة الْعَيْب وَهُوَ مَا يغض من الْإِنْسَان الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا فَقَالَ مَعْنَاهُ وَكَانَ هَذَا الَّذِي ذكرته على الدروب أَيْضا إِذْ فِي الرُّجُوع غَضَاضَة أَي عيب على الرَّاجِع وَإِذ السّير مُمْتَنع من الْإِمْكَان وَقَالَ أَبَوا لفضل الْعَرُوضِي لعوذ بِاللَّه من الخطل لَو كَانَ سَأَلَهُ لأجابه بِالصَّوَابِ وَالْجَوَاب ظَاهر فِي قَوْله نظرُوا إِلَى زبر الْحَدِيد وَالْقَوْل مَا قَالَه أَبُو الْفضل لِأَنَّهُ
(4/180)

لَو كَانَ كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْح لما احْتَاجَ إِلَى الْوَاو فِي قَوْله وعَلى الدروب لِأَنَّهُ يُقَال كَذَا وَكَذَا على الدروب وَالْوَاو هِيَ وَاو الْحَال وَكَذَا مَا بعْدهَا من الواوات وَالْمعْنَى حِين كُنَّا على الدروب يَعْنِي مضايق الرّوم اشْتَدَّ الْحَال حَتَّى تعذر الِانْصِرَاف والتقدم
31 - الْمَعْنى يَقُول قد ضَاقَتْ الطّرق فَلَا يقدر أحد أَن يخلص مِنْهَا لِكَثْرَة القنا واشتباكها وَأهل الْكفْر قد أحاطوا بِأَهْل الْإِيمَان يصف كثرتهم وَشدَّة الْأَمر
32 - الْغَرِيب الزبر جمع زبرة وَهِي الْقطعَة من الْحَدِيد والعقبان جمع عِقَاب وَهُوَ من سِبَاع الطير الْمَعْنى يَقُول فِي هَذِه الْأَحْوَال الَّتِي ذكرهَا وَفِي الْمَكَان الَّذِي ذكره نظرُوا إِلَى الْمُسلمين وهم مقنعون فِي الْحَدِيد حَتَّى كَأَنَّهُمْ قطع الْحَدِيد لَا شتماله عَلَيْهِم وهم فَوق خيل كالعقبان شبه خيلهم بالعقبان لسرعتها قَالَ الواحدي يُرِيد بزبر الْحَدِيد السيوف وبصعدت صعودها فِي الْهَوَاء بِرَفْع الْأَبْطَال إِيَّاهَا للضرب وَهَذَا أولى لِأَنَّهُ ذكر الفوارس بقوله وفوارس الْبَيْت
33 - الْإِعْرَاب عطف فوارس على قَوْله زبر الْحَدِيد أَي وَإِلَى فوارس الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت وَالْحَيَوَان ذُو الرّوح فالناطق بَنو آدم وَالَّذِي هُوَ غير نَاطِق الدَّوَابّ وَالطير الْمَعْنى يَقُول نظرُوا إِلَى فوارس حياتهم فِي قَتلهمْ لأَنهم شُهَدَاء وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله} (أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ} وَقَوله لَيست من الْحَيَوَان لِأَن الْحَيَوَان لَا يحيا بهلاكه وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ من الْحَيَوَان إِذا مَاتُوا كَانُوا أَحيَاء عِنْد رَبهم مرزقين وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(يَسْتَعْذبِونَ منَاياهُمْ كَأَنَّهُمُ ... لَا يَيْأسُونَ مِنَ الدُّنْيا إِذا قُتِلُوا)
وَقَالَ ابْن القطاع هُوَ مَأْخُوذ من قَول زُهَيْر نَقله نقلا
(تَرَاه إذَا ماجِئْتَهُ مُتَهَللا ... كأنَّكَ تُعطيهِ الَّذِي أنْتَ سائلُهْ)
وَهُوَ من الْأَخْذ الْخَفي لِأَن زهيرا جعل الممدوح يسر بِمَا يعْطى سائله حَتَّى كَأَنَّهُ يَأْخُذهُ وَجعل المتنبي هَؤُلَاءِ الفرسان يسرعون إِلَى الْقَتْل فِي الْحَرْب حَتَّى كَأَنَّهُ حَيَاة
(4/181)

- الْغَرِيب ذرى الشَّيْء أَعْلَاهُ والدراك التَّتَابُع الْمَعْنى يَقُول مازلت تضربهم ضربا مُتَتَابِعًا فِي أعالي أبدانهم يعْمل فِي السَّيْف الْوَاحِد فِيهِ عمل سفين قَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَنَّك سيف ومعك سيف فالضرب ضرب سيفين
35 - الْإِعْرَاب فِي قَوْله خص ضمير يعود على الضَّرْب يُرِيد يَضْرِبهُمْ ضربا يخص وُجُوههم ورءوسهم الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي أَعلَى الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول هَذَا الضَّرْب لَا يَقع إِلَّا فِي وَجه أَو فِي رَأس وَلَا يتَعَرَّض لسَائِر الْجَسَد فَكَأَن الجسام أخذت مِنْك أَمَانًا وَأَتَتْ إِلَيْك بِأَمَان
36 - الْغَرِيب الحنية الْقوس والمرنان المصوتة الْمَعْنى أَنهم رموا بقسيهم ثمَّ انهزلوا مُدبرين يطئون فِي هزيمتهم القسي الَّتِي رموك بهَا ثمَّ ولوا على أدبارهم
37 - الْغَرِيب المثقف الرمْح الْمُقَوّم والمهند السَّيْف وَمرَاده بِالسِّنَانِ الزج الَّذِي فِي أَسْفَل الرمْح الْمَعْنى شبه الْجَيْش بكثرته وكثافته بالسحاب فيريد أَن وَقع السِّلَاح كوقع الْمَطَر يَأْتِي دفْعَة دفْعَة فَهِيَ تقع بهم مفصلة تَارَة بِالرِّمَاحِ وَتارَة بِالسُّيُوفِ فَلهَذَا قَالَ مفصلا
38 - الْغَرِيب أملت الشَّيْء تأميلا وأملته آمله أملا وأملا وعاذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من قَوْلهم عذت بالشَّيْء امْتنعت بِهِ وَمِنْه العوذة وَمن روى بِالدَّال الْمُهْملَة فَهُوَ من الرُّجُوع والحرمان حرمَان الْغَنِيمَة وَأَن يرجع بالخيبة الْمَعْنى يَقُول حرمُوا مَا أملوا من الظفر بك وَأدْركَ آماله مِنْهُم من سلم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أمل النجَاة فَرجع بِمَا أمله مِنْهَا وَإِن كَانَ قد حرم مَا كَانَ قَدِيما أمله فقد أدْرك أمه بنجاته سالما ورضى بحرمان الْغَنِيمَة
(4/182)

- الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع هَذَا الْبَيْت من مَعَانِيه الغامضة وَذَلِكَ أَنه فِي مدح سيف الدولة وَظَاهره هجاء مَحْض لِأَنَّهُ يَقُول شغلت سيف الدولة مهجته عَن إخوانه وَهَذَا غَايَة الهجو لِأَن الْعَرَب مدحت الرئيس بقتاله عَن أَصْحَابه وبذله مهجته دونهم وَقد قَالَ إِن سيف الدولة اشْتغل بالدفاع عَن الإخوان فَحذف الْجَار وَقد قيل فِيهِ إِن مَعْنَاهُ إِذا الرماح شغلن مهجة ثَائِر مَشْغُول بمهجته اشْتغل سيف الدولة بالدفاع عَن الإخوان فَالْأول يَكُونَا لضمير فِيهِ لسيف الدولة وَالثَّانِي يكون شغلته صفة لثائر وَهَذَا إِن سلم من الهجاء صَحَّ بِهِ الْمَعْنى فَإِن الْكَلَام يحْتَمل من الْحَذف مَا لَا يحْتَملهُ وَالصَّحِيح من معنى هَذَا الْبَيْت أَن قَوْله عَن بِمَعْنى الْبَاء فَيكون الْمَعْنى شغلت سيف الدومة مهجته بإخوانه وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى {وَمَا ينْطق عَن الْهوى} أَي بالهوى وَهَذَا الْبَيْت يدل على علم المتنبي وفصاحته واتساعه فِي لِسَان الْعَرَب وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا هَذَا الْبَيْت لكفاه وَقَالَ الواحدي الْمَعْنى شغلوا بِأَنْفسِهِم عَن إِدْرَاك ثأر قتلاهم فعلى هَذَا يكون الضَّمِير للروم وَلَا يكون لسيف الدولة فِيهِ شَيْء وَإِنَّمَا يصف هزيمتهم فَيَقُول إِذا تناوشت الرماح لطلب ثأر شغلت كل وَاحِد من عَسْكَر الرّوم صِيَانة روحه عَن إِدْرَاك ثأر إخوانه
40 - الْغَرِيب عَاق منع والعواد المعاودة والقواضب السيوف جمع قاضب وقضيب وَيجمع أَيْضا على قضب وَهُوَ القطاع والعاني الْأَسير وَقوم عناة ونسوة عوان الْمَعْنى يَقُول هَيْهَات لَهُم العودة تمنعهم مِنْهَا سيوف قواطع كثرت بهَا الْقَتْلَى وَقل الْأَسير لِأَنَّهُ الْمُسلمين لم يَأْسِرُوا بل قتلوا من وجدوا فهم يرَوْنَ الْقَتْل أبلغ من الْأسر
41 - الْإِعْرَاب عطف مهذبا على قواضب الْغَرِيب الْمُهَذّب الطَّاهِر من الْعَيْب وَيُرِيد بِهِ سيف الدولة والرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرَّحْمَة والرحمن أبلغ وَأعظم مُبَالغَة من الرَّحِيم والرحيم ألطف وأسماه الله تَعَالَى كلهَا قد طَرَأَ فِيهَا الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ إِلَّا الله والرحمن قد سمى بِهِ مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَكَانُوا يَقُولُونَ رَحْمَن الْيَمَامَة الْمَعْنى يُرِيد أَنهم يمنعهُم من العودة مهذب يَأْمر المنايا فيهم بِمَا يُرِيد فتطيعه فِي طَاعَة الله تَعَالَى
42 - الْغَرِيب المسنة الدانية من الأَرْض أَسف الطَّائِر إِذا دنا من الأَرْض فِي طبرانه
(4/183)

والغربان جمع غراب يُقَال غراب وأغربة وغربان وأغربة فِي الْقلَّة الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة الْقَتْلَى وطيران شُعُورهمْ على الْأَشْجَار اسودت بهَا فَكَأَن الْأَشْجَار لسوادها بشعورهم قد دنت مِنْهَا الْغرْبَان فَشبه سَواد شُعُورهمْ على الْأَشْجَار بالغربان السود وَالضَّمِير الَّذِي فِي الظّرْف للشجر وَهُوَ يذكر ويونث أَي فَكَأَن فِي الشّجر
43 - الْغَرِيب النجيع الدَّم الطري وَقيل دم الْجوف والقاني الْأَحْمَر الشَّديد الْحمرَة والنارنج مَعْرُوف وَلَيْسَ بعربي الْمَعْنى يَقُول لما قتلوا وتمزقت شُعُورهمْ على شجر الْجبَال اسودت وَلما جرى على ورق شجر الْجبَال دماوهم أَحْمَر فَصَارَ لحمرته كَأَنَّهُ النارنج فِي الأغصان وَهُوَ حسن
44 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا تفعل السيوف إِذا كَانَ الضَّارِب بهَا مثلهَا يُرِيد إِذا كَانَ قلبه كقلبها يُرِيد أَنَّهَا تعين الشجاع الَّذِي لَا يفزع فِي الْحَرْب وَلما ذكر قُلُوبهم اسْتعَار لَهَا قلوبا وَهُوَ من قَول البحتري
(وَما السَّيْفُ إلاَّ بَزُّغادِ لِزِيِنَةٍ ... إذْا لم يكن أمْضَى منَ السيفِ حاملُه)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قَوْله إِن السيوف مَعَ يدل على معنى النَّصْر والمعونة كَمَا تَقول الله مَعنا أَي معِين وناصر وَلَيْسَت فِي معنى الصُّحْبَة لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لم يكن لَهَا نفع وَالْمرَاد أَن السيوف تنصر الَّذين قُلُوبهم كقلوبها وَإِنَّمَا يُرِيد إِذا كَانُوا ماضين فِي الْحَرْب كَانَت السيوف قَاطِعَة مَاضِيَة
45 - الْغَرِيب الحسام السَّيْف الْقَاطِع والجراءة الْإِقْدَام والجبان ضد الشجاع الْمَعْنى يَقُول السَّيْف لَا ينفع وَلَا يُغني إِذا لم يكن حامله شجاعا وَقد يكون السَّيْف مَاضِيا فِي كف من لَا يعْمل بِهِ كَغَيْرِهِ من السيوف فَهُوَ مثل الجبان يكف الجبان وَإِنَّمَا يُغني السَّيْف إِذا كَانَ مَعَ الشجاع
46 - الْغَرِيب الْعِمَاد الْعُلُوّ زَمَنه عماد الْبَيْت وَهُوَ مَا يرفعهُ والقمم جمع قمة وَهِي أَعلَى الرَّأْس وقمة كل شَيْء أَعْلَاهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن الْعَرَب ارْتَفَعت بك وشرفت وقاتلوا الْمُلُوك وأوقدوا على رُءُوسهم نَار الْحَرْب زَمَنه فلَان رفيع الْعِمَاد إِذا كَانَ فِي قومه شريفا
47 - الْمَعْنى يُرِيد أَن شرفهم مِنْك فهم منتسبون إِلَى شرفك وأنسابهم الْمَعْرُوفَة من آبَائِهِم إِلَى عدنان وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي النّسَب وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله
كَانَ يَنْتَهِي إِلَى عدنان وَيَقُول كذب النسابون مَا فَوق عدنان
48 - الْمَعْنى يخاطبه بِأَنَّهُ يقتل من أَرَادَ بِسَيْفِهِ أَي غير مُمْتَنع مِنْهُ قتل من أَرَادَ لَكِن أَبَا الطّيب يَقُول أَنا قد أَصبَحت من قتلاه بِالْإِحْسَانِ أَي قد غمرني بِالْإِحْسَانِ
49 - الْغَرِيب حَار يحار حيرة وحيرا أَي تحير فِي أمره فَهُوَ حيران وحيرته أَنا فتحير وَقوم حيارى وَرجل حائر إِذا لم يهتد لشَيْء الْمَعْنى إِذا نظرت إِلَيْك وَرَأَيْت جمالك تحيرت فَإِذا أَبْصرت خلائقك وسيرتك وَأَرَدْت أَن أمدحها تحيرت فَلَا أَدْرِي لإجلالها مَا أَقُول
(4/184)

- 1 الْإِعْرَاب أسفا نَصبه على الْمصدر أَي أسفت أسفا وَدلّ على فعله مَا تقدمه لِأَن إبلاء الْهوى يدل بدنه على أسفه كَأَنَّهُ قَالَ أسفت أسفا وَمثله صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء وَيَوْم النَّوَى ظرف لأبلى وَيجوز أَن يكون مَعْمُول الْمصدر الَّذِي هُوَ قَوْله أسفا الْغَرِيب يُقَال بلَى الثَّوْب يبْلى بلَى وبلاء وأبلاه غَيره إبلاء والنوى الْبعد والوسن النّوم والأسف الْحزن أَسف يأسف فَهُوَ أسيف وآسف الْمَعْنى يَقُول أدّى الْهوى بدني إِلَى الأسف والهزال يَوْم الْفِرَاق وَبعد هجر الحبيب بَين جفني وَالنَّوْم وإبلاء الْهوى الْبدن أَن يذهب قوته ولحمه لما يُورد عَلَيْهِ من شدائده وَخص يَوْم النَّوَى لِأَن أَشد مَا يكون الوجد والألم يَوْم الْفِرَاق وَقَالَ الواحدي الْهوى عذب مَعَ الْوِصَال سم مَعَ الْفِرَاق وَأنْشد للسرى
(وَأرَى الصَّبابَةَ أرْيَةً مَا لمْ يَشُبْ ... يَوْما حَلاوَتها الفِراقُ بِصَابِه)
(4/185)

- الْإِعْرَاب فِي مثل صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره فِي بدن مثل الْخلال وَالضَّمِير فِي عَنهُ وَفِي يبن رَاجع إِلَى الْبدن وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الرّوح تذكر وتونث فَمن أنث أَرَادَ النَّفس الْمَعْنى يَقُول قد صرت فِي النحول مثل الْخلال وَهُوَ الْعود الدَّقِيق لَا أرى فَإِذا أطارت الرّيح الثَّوْب الَّذِي عَليّ لَا يراني أحد لدقتي ونحولي وَلم تبْق إِلَّا روح تَجِيء وَتذهب فِي جسم بَال إِنَّمَا يرى الثَّوْب الَّذِي علىّ فَلَو ذهب الثَّوْب لم أبْصر قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون لم يبن لم يُفَارق أَي أَن الرّيح تذْهب بِالْبدنِ مَعَ الثَّوْب لخفته فالبدن لم يُفَارق الثَّوْب لخفته قَالَ وأقرأني أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي فِي مثل الخيال قَالَ وأقرأني الشعراني خَادِم المتنبي الخيال قَالَ وَلم أسمع الْخلال إِلَّا بِالريِّ وَبدل على صِحَة هَذِه الرِّوَايَة أَن الوأواء الدِّمَشْقِي سمع هَذَا الْبَيْت فَأَخذه فَقَالَ
(وَمَا أبقى الهَوَى وَالشَّوْقُ مِنَّي ... سِوَى رُوحٍ تَرَدَّدُ فِي خَيالِ)

(خَفيِتُ عَنِ النوَّائِبِ أنْ تَرَاني ... كَانَّ الرُّوحَ مِنَّي فِي مُحالِ)
وَهَذَا الْمَعْنى كثير قد ألمت بِهِ الشُّعَرَاء القدماء والمحدثون وَأحسن مَا قيل فِيهِ قَول بَعضهم
(بَرَاني الهَوَى بَرْىَ المُدَى وَأذَابَني ... صُدُودُكِ حَتى صِرْتُ أنحَلَ من أمس)

(فَلَسْتُ أُرَى حَتَّى أرَاكِ وَإنَّما ... يَبينُ هَباءُ الذَرّ فِي ألَقِ الشَّمْسِ)
وَقَول الآخر
(لمْ يبْقَ إلاَّ نَفَسٌ خافِتُ ... وَمُقْلَةٌ إنْسانُها باهِتُ)
وَلم يُبَالغ فِيهِ أحد مَا بَالغ أَبُو الطّيب بِهَذَا وَبِقَوْلِهِ
(فَلَوْ قَلَمٌ أُلقِيت فِي شِقّ رَأسِه ... ِ)

3 - الْإِعْرَاب قَالَ الشريف هبة الله بن الشجري الحسني فِيهِ سُؤال فِي الْإِعْرَاب بَين كفى بجسمي نحولا وَبَين كفى بِاللَّه وَأَن المفتوجة تكون مَعَ مدخولها فِي تَأْوِيل الْمصدر كَقَوْلِك بَلغنِي أَنَّك ذَاهِب أَي ذهابك فَبِأَي مصدر تتقدر وَجُمْلَة لَوْلَا مخاطبتي وصف لرجل وَرجل من قبيل الْغَيْبَة فَكيف عَاد إِلَيْهِ مِنْهَا ضمير مُتَكَلم وَكَانَ الوبه أَن يُقَال لَوْلَا مخاطبته إياك لم تره الْجَواب أَن كفى مِمَّا علمت فِيهِ زِيَادَة الْبَاء
(4/186)

تَارَة مَعَ فَاعله وَتارَة مَعَ مَفْعُوله ودخولها على مَفْعُوله قَلِيل فزيادتها مَعَ الْفَاعِل مثل كفى بِاللَّه وَالْمعْنَى كفى الله وَالَّذِي يدلك على أَنَّهَا مزيدة فِي كفى بِاللَّه قَول سحيم
(كَفى الشَّيْبُ ولإسْلامُ للِمْرَْءِ ناهِيا ... )
وَأما زيادتها مَعَ الْمَفْعُول فَفِي مثل قَول حسان
(وكَفى بِنَا فَضْلاً عَلى مَنْ غَيرُنا ... )
وَكفى بجسمي لِأَن فَاعل كفى أَن وَمَا بعْدهَا وأسبك لَك من ذَلِك فَاعِلا بِمَا دلّ الْكَلَام عَلَيْهِ من النَّفْي بلم وَامْتِنَاع الشَّيْء لوُجُود غَيره بلولا وَالتَّقْدِير كفى بجسمي نحولا انْتِفَاء رؤيتي لَوْلَا وجود مخاطبي ونحولا نصب على التَّفْسِير وَالتَّفْسِير فِي هَذَا النَّحْو للْفَاعِل دون الْمَفْعُول وَقَوله كفى بِاللَّه وَكيلا فوكيلا تَفْسِير لاسم الله ونحولا تَفْسِير لانْتِفَاء الرُّؤْيَة كَمَا أَن فضلا فِي بَيت حسان تَفْسِير لحب النَّبِي
إيَّاهُم فَهَذَا فرق فِي الْإِعْرَاب بَين كفى بِاللَّه وَبَين كفي بجسمك من حَيْثُ كَانَ بِاللَّه فَاعِلا ووكيلا وبجسمي مَفْعُولا وَإِنَّمَا زيدت الْبَاء فِي نَحْو كفى على مَعْنَاهُ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ اكتف بِاللَّه وَنَظِيره حَسبك بزيد وَأما قَوْله أنني رجل فخبر موطىء وَالْخَبَر فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْجُمْلَة الَّتِي وصف بهَا رجل وَالْخَبَر الموطىء هُوَ الَّذِي لَا يُفِيد بِانْفِرَادِهِ عَمَّا بعده كالحال الموطئة فِي نَحْو {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} أَلا ترى أَنَّك لَو اقتصرت هُنَا على رجل لم تحصل بِهِ فَائِدَة وَإِنَّمَا الْفَائِدَة مقرونة بصفتنه فَالْخَبَر كالزيادة فِي الْكَلَام فَلذَلِك عَاد الضميران اللَّذَان هما الياءان فِي مخاطبتي وترني إِلَى الْيَاء فِي أنني وَلم يعودا على رجل لِأَن الْجُمْلَة فِي الْحَقِيقَة خبر عَن الْيَاء فِي أنني وَإِن كَانَت بِحكم اللَّفْظ صفة لرجل وَلَو قلت إِن رجل لما كَانَ هُوَ الْيَاء الَّتِي فِي أنني من حَيْثُ وَقع خَبرا عَنْهَا عَاد الضميران إِلَيْهِ على الْمَعْنى كَانَ قولا وَنَظِيره عود الْيَاء إِلَى الَّذِي فِي قَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام
(أَنا الَّذي سَمَّني أُميّ حَيْدَرَهْ ... )
لما كَانَ فِي الْمَعْنى أَنا وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يحمل على الضَّرُورَة لِأَنَّهُ قد جَاءَ مثله فِي الْقُرْآن {بل أَنْتُم قوم تجهلون} فتجهلون فعل خطاب وصف بِهِ قوم وَقوم من قبيل الْغَيْبَة كَمَا ترى وَلم يَأْتِ بِالْيَاءِ وَلكنه جَاءَ وفْق الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ أَنْتُم فِي الْخطاب وَلَو قيل {بل أَنْتُم قوم} لم تحصل بِهَذَا الْخَبَر فَائِدَة وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر بِغَيْر ضَرُورَة قَوْله
(أأكَرمُ مِنْ لَيلى عَلىَّ فَتَبْتَغِي ... بِهِ الجاهَ أمْ كُنْتُ أمْرَأً لَا أُطِيعها)
؟ أعَاد من أطيعها ضمير مُتَكَلم وَلم يعد ضمير غَائِب وفَاقا لَا مرىء فَهَذَا دَلِيل إِلَى دَلِيل التَّنْزِيل الْمَعْنى يَقُول قد بلغ فِي النحول الْغَايَة وَكفى أنني رجل لَوْلَا كَلَامي لم يَقع نَاظر الْعَائِد عليّ إِنَّمَا يسْتَدلّ الْعَائِد عَليّ بصوتي وَهُوَ مَنْقُول من قَول الأخطل
(ضفَادع فِي ظَلْماءِ لَيْلٍ تَجاوَبَتْ ... فَدَلَّ عَلَيها صَوْتُها حَيَّةَ البَحْرِ)
وَقَالَ الصنوبري
(ذبْت حَتى مَا يُسْتدل عَلى أنىَ ... حَيّ إلاَّ بِبَعْضِ كَلامِي)
وَقَالَ الآخر
(لَوْلم أقُلْها أَنا لِلنَّاسِ لمْ أبِنْ ... )
(4/187)

- 1 الْإِعْرَاب الْفَتى وَالْجُمْلَة الَّتِي بعده فِي مَوضِع رفع خبر أَن وَاللَّام تتَعَلَّق بادخرت الْغَرِيب قضاعة بطن من حمير وَهُوَ قضاعة بن عَمْرو بن مرّة بن زيد بن مَالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان والفتى أَصله الْكَرِيم الشجاع القوى الْمَعْنى يَقُول قضاعة قومِي تعلم أَنِّي فتاها الَّذِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ويدخرونه لدفع مَا نزل بهم من الحروب والحوادث لما يعلمُونَ من شجاعته وسداد رَأْيه
2 - الْغَرِيب خندف هِيَ بنت عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَهِي امْرَأَة إلْيَاس بن مُضر ولدت لَهُ مدركة وطابخة وقمعة وَكَانَ اسْم مدركة عَامِرًا وَاسم طابخة عمرا قيل إِنَّهُم كَانُوا فِي إبل لَهُم يرعونها فصاد عَامر وَعَمْرو صيدا فَقعدَ يطبخانه فعدت عَادِية على إبلهما فَقَالَ عَامر لعَمْرو أتدرك الْإِبِل أم تطبخ هَذَا الصَّيْد فَقَالَ بل أطبخ فلحق عَامر بِالْإِبِلِ فجَاء بهَا فَلَمَّا رجعا على أَبِيهِمَا حَدَّثَاهُ بشأنهما فَقَالَ لعامر إِنَّك مدركة وَقَالَ لعَمْرو أَنْت طابخة فَجَاءَت أمهما تمشي فَقَالَ لَهَا أَنْت خندف وَأما قمعة فَيُقَال إِن خُزَاعَة من وَلَده من ولد عَمْرو بن لحى الَّذِي هُوَ ابْن قمعة ابْن إلْيَاس وَهُوَ عَمْرو الَّذِي قَالَ رَسُول الله
رَأَيْته يجر قصبه فِي النَّار وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب الْمَغَازِي فِي أول كِتَابه ولد معد بن عدنان أَرْبَعَة نزار بن معد وقضاعة بن معد وَكَانَ قضاعة بكر معد وَكَانَ بِهِ يكنى وقنص بن معد فَأَما قضاعة فيامنت إِلَى حمير بن سبأ وَكَانَ اسْم سبأ عبد شمس وَإِنَّمَا سمى
(4/188)

سبأ لِأَنَّهُ أول من سبى فِي الْعَرَب واليمن تَقول قضاعة بن مَالك وَأنْشد عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ
(نَحْنُ بَنُو الشَّيْخِ الهِجانِ الأزْهَر ... قُضاعَة بْنِ مالِكِ بنِ حِمْيَرِ)

(النَّسَبِ المعْرُوفِ غَيرِ المُنْكَرِ ... )
وَأما قنص فَهَلَكت وهم مُلُوك الْحيرَة الَّذين مِنْهُم النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَقَوله كل كريم يمَان يُرِيد من قبائل الْيمن الَّذين ينسبون إِلَى سبأ وَقد جَاءَ فِي مدح الْيمن مَا فِيهِ كِفَايَة ويكفيهم فخرا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْإِيمَان يمَان وَأَجد ريح الرَّحْمَن من قبل الْيمن وَالْحكمَة يَمَانِية وَأهل الْيمن أَلين قوبا الْمَعْنى يَقُول كرمي وشرفي دَلِيل على أَن كل كريم يمنى من قبائل الْيمن لِأَنِّي مِنْهُم وَذَلِكَ أَن الشّعْر على لِسَان غَيره وَهُوَ من أهل الْيمن وَأما أَبُو الطّيب فقد قيل إِنَّه جعفى وَلم أتحققه
3 - الْغَرِيب اللِّقَاء ملاقاة الأقران فِي الْحَرْب والسخاء الْكَرم والضراب مصدر ضَارب يضارب ضرابا وَهُوَ من ضرب السَّيْف والطعان أَيْضا مصدر طَاعن يطاعن طعانا وَهُوَ من الطعْن بِالرُّمْحِ وَقَوله أَنا ابْن هَذِه الْأَشْيَاء يُرِيد أَنا ملازمها وكل من لزم شَيْئا يُقَال هُوَ ابْنه كَقَوْلِهِم لطير المَاء ابْن المَاء لملازمته لَهُ الْمَعْنى يَقُول أَنا صَاحب هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرت لِأَنِّي مَنْسُوب إِلَيْهَا فَلَا أعرف إِلَّا بهَا
4 - الْغَرِيب الفيافي جمع فيفاء وَهِي الأَرْض الملساء والفيف الْمَكَان المستوى وجمعة أفياف وفيوف قَالَ رؤبة
(مَهِيلُ أفْيافٍ لَها فُيُوفُ ... )
والمهيل الْمخوف والقوافي جمع قافية الشّعْر وَهِي آخر الْبَيْت وَرُبمَا قَالُوا للقصيدة قافية والرعان جمع رعن وَهُوَ أنف الْجَبَل الَّذِي ينْدر مِنْهُ وَيُقَال لَهُ رعل بِاللَّامِ أَيْضا وَقد ينشد هَذَا الْبَيْت بطرح الْيَاء اكْتِفَاء بالكسرة كَقِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَالشَّام وقالون والبزي جابوا الصخر بالواد لِأَن أَبَا عَمْرو أثبتها فِي الْحَالين وأثبتها ورش وقنبل وصلا وحذفاها وَقفا انباعا للمصحف الْمَعْنى يَقُول أَنا ابْن هَذِه أَي مَنْسُوب إِلَيْهَا لِأَن الأَرْض الْبَعِيدَة الصعبة أَنا أعاينها وَقد كثر قَطْعِيّ لَهَا وَكَذَلِكَ الْجبَال لِكَثْرَة سلوكي فِيهَا فصرت أعرف بهَا كَمَا يعرف الرجل بِأَبِيهِ
(4/189)

- الْغَرِيب النجاد حمائل السَّيْف فَإِذا طَالَتْ الحمائل دلّ على طول الْقَامَة والطول مِمَّا تمدح بِهِ الْعَرَب وَمَا أحسن مَا قَالَ الحكمى فِي الْأَمِير مُحَمَّد بن زبيدة
(سَبْطُ البَنان إذَا احْتَبى بِنجادِهِ ... عَمَرَ الجَماجِمَ وَالصُّفُوفُ قِيامُ)
والعماد عَمُود الْخَيْمَة تقوم عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يمدح بِهِ لِأَنَّهُ إِذا طَال كَانَ دَلِيلا لمن يَقْصِدهُ ويزوره وَطول الْقَنَاة يدل على شدَّة ساعد حاملها لِأَنَّهُ لَا يقدر على حمل الْقَنَاة الطَّوِيلَة إِلَّا القوى الشَّديد الْمَعْنى يَقُول أَنا شُجَاع كريم قوي حمائل سَيفي طوال وعماد بَيْتِي طَوِيل يُرَاد القاصد من بعيد فيأتيه ورمحي طَوِيل لِأَنِّي قوي شَدِيد
6 - الْغَرِيب اللحاظ طرف الْعين مِمَّا يَلِي الصدغ والحفاظ الْمُحَافظَة على مَا يجب حفظه والجنان الْقلب والحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا مني حَدِيدَة أَي قويه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فبصرك الْيَوْم حَدِيد} أَي لحاظي حَدِيدَة لِأَنَّهَا ترى فِي الْحَرْب مقَاتل الْأَعْدَاء فَأَنا قويها وقوى الْحِفْظ وَالْقلب وَالسيف وَقد نَقله من قَوْله حبيب
(وَهْوَ غَضُّ الإباءِ وَالرَّأيِ غضُّ الحَزْمِ ... غَضُّ النَّوَالِ غَضُّ الشَّبابِ)

7 - الْغَرِيب المنايا جمع منية وَهِي الْمَوْت والرهان من قَوْلهم راهنت فلَانا على كَذَا أَي خاطرته وَهُوَ الرَّهْن الَّذِي كَانُوا يرهنون فِي سباق الْخَيل وَقد جَاءَ رهنته وأرهنته بِمَعْنى وأنشدوا لعبد الله بن همام السلولى
(فَلَمَّا خَشِيتُ أظافيِرَهُمْ ... نجَوْتُ وَأرْهَنْتُهُمْ مالِكا)
قَالَ ثَعْلَب كل الروَاة قَالُوا أرهنتهم إِلَّا الْأَصْمَعِي فَإِنَّهُ رَوَاهُ وأرهنهم عطفا لفعل مُسْتَقْبل على فعل مَاض وَشبهه بقَوْلهمْ قُمْت وأصك وَجهه لِأَن الْوَاو وَاو الْحَال فَيجْعَل أصك حَالا للْفِعْل وَقد عَابَ الْأَخْفَش قِرَاءَة ابْن كثر وَابْن الْعَلَاء فرهن وَقَالَ هِيَ قبيحة لِأَنَّهُ لَا يجمع فعل على فعل إِلَّا شاذا إِلَّا أَن يكون جمع رهن على رهان وَجمع رهان على رهن كفرش وفراش وَغَابَ عَن الْأَخْفَش جمعه سقفا على سقف فقد قَرَأَ أهل الْكُوفَة وَنَافِع وَابْن عَامر ولبيوتهم سقفا من فضَّة وَهَذَا جمع سقف فَكَانَ الأولى أَن يعيب على هَؤُلَاءِ جمعهم سقفا على سقف الْمَعْنى يَقُول سَيفي يُبَادر آجال الْعباد مسابقة فيقتلهم قبل انْقِضَاء أيامهم الْمَكْتُوبَة
(4/190)

لَهُم وَهَذَا من الْمُبَالغَة وَقد نَقله من قَول عنترة
(وَأنا المَنِيَّةُ فِي المَوَاقِفِ كُلَّها ... وَالطَعْنُ مِنَّي سابِقُ الآجالِ)
وَأَخذه الطَّائِي فَقَالَ
(يَكادُ حِينَ يُلاقى القِرْنَ منْ حَنقٍ ... قبلَ السَّنانِ عَلى حَوْبائِهِ يَرِدُ)

8 - الْغَرِيب قد عيب عَلَيْهِ قَوْله لَا أَرَانِي وَهَذَا لَا يكون إِلَّا فِي أَفعَال الشَّك وَالْيَقِين نَحْو ظننتني وحسبتني وَقد جَاءَ شاذا فقدتني وعدمتني وَلَا يُقَال ضرتني وَلَا رَأَيْتنِي وَلَا أكرمتني وَإِنَّمَا يُقَال ضربت نَفسِي وأكرمت نَفسِي فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول لَا أرى نَفسِي وَقد جَاءَ رَأَيْتنِي فَحَمله على هَذَا والهبوة الغبرة وَالضَّمِير فِي حَده للسيف الْمَعْنى يَقُول يرى حد سَيفي قُلُوب الْأَعْدَاء إِذا اشْتَدَّ العجاج وأظلم فَلَا يرى أحد نَفسه وَهُوَ من قَوْله تَعَالَى {إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا} وَقَالَ الْخَطِيب يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يبلغ بِهِ غامضات الْقُلُوب فَكَانَ السَّيْف يَرَاهَا فِي وَقت لَا يرى فِيهِ حامله من شدَّة الْغُبَار نَفسه وَهَذَا من الْمُبَالغَة فِي الْأَمر وَمعنى الْبَيْت من قَول زيد الْخَيل الطَّائِي
(وَأسَمَر مَرْفُوعٍ يَرَى مَا أرَيْتُهُ ... بَصِيرٍ إِذا صَوَّبْتُهُ بِالمقاتِلِ)
يُرِيد إِذا هيأته نَحْو الْعَدو وَقد قَالَ أَبُو تَمام
(مِن كلّ أزْرَقَ نَظَّارٍ بِلَا نَظَرٍ ... إِلَى المقاتِل مَا فِي مَتنْهِ أوَدُ)

9 - الْغَرِيب الحكم بِمَعْنى الْحَاكِم وناب فلَان عَن فلَان إِذا كَانَ عوضه فِيمَا يُريدهُ الْمَعْنى يَقُول لساني مثل سَيفي فِي الْإِقْدَام والحدة فَأَنا أقتل من أعدائي من شِئْت وَأَنا قَادر أَن أبلغ من أعدائي بلساني مَا أبلغ بِالسَّيْفِ قَالَ الواحدي وَلَو نَاب اللِّسَان عَن السَّيْف بِأَن يطيعوا أَمْرِي لم أسْتَعْمل السَّيْف فيهم وَهُوَ معنى حسن
(4/191)

- 1 - الْإِعْرَاب تكرمة نصب على الْمصدر أَي وتكرمت تكرمة الْمَعْنى يَقُول كتمت حَتَّى عَن محبوبي حَتَّى غلب الْأَمر فَاسْتَوَى إعلامي وإسراري وَقَالَ الواحدي تكرمت بكتمان حبك حَتَّى كتمته مِنْك وَيجوز أَن يكون المغنى إِكْرَاما للحب وإعظاما لَهُ حَتَّى لَا يطلع عَلَيْهِ ثمَّ تَغَيَّرت الْحَال حَتَّى ظهر بالشواهد الدَّالَّة عَلَيْهِ وَبَطل الكتمان وَهَذَا معنى جيد
2 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي كَأَنَّهُ للحب وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هِيَ رَاجِعَة إِلَى الكتمان فأضمر لدلَالَة كتمت عَلَيْهِ الْغَرِيب السقم والسقم كالحزن والحزن لُغَتَانِ وَقَرَأَ حَمْزَة وَعلي ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا بِضَم الْحَاء الْمَعْنى قَالَ الواحدي لم يعرف الشَّيْخَانِ معنى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَأَنَّهُ أَي كَأَن الكتمان ثمَّ قَالَ وَمَا علمت أحدا ذكر استتار سقمه وَأَن الكتمان أخفاه غير هَذَا الرجل وَقَالَ أَبُو عَليّ بن فورجة كَأَنَّهُ زَاد يَعْنِي الكتمان وَقَوله فَصَارَ سقمي كَأَنَّهُ فِي وعَاء من الكتمان فَكَأَنَّهُ يَقُول كَأَن كتماني فِي جسمي فَصَارَ جسمي فِي كتماني وَهَذَا مثل قَول أبي الْفَتْح قَالَ وَإِنَّمَا ذكرت كَلَامهمَا ليعرف أَنَّهُمَا لم يقفا على معنى الْبَيْت وأخطا حَيْثُ جعلا الْخَبَر عَن الكتمان وَإِنَّمَا هُوَ عَن الْحبّ يَقُول كَأَن الْحبّ زَاد حَتَّى لَا أقدر على إِمْسَاكه وكتمانه ثمَّ فاض عَن جَسَدِي كَمَا يفِيض المَاء إِذا زَاد عَليّ ملْء الْإِنَاء وَصَارَ سقمي بالحب فِي الكتمان أَي سقم كتماني وَضعف وَإِذا سقم الكتمان صَحَّ الإفشاء ووضح الإعلان قَالَ والأستاذ أَبُو بكر فسر هَذَا التَّفْسِير وَهُوَ على مَا قَالَ وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري فِي أَمَالِيهِ شبه أَبُو الطّيب حبه الْأَشْيَاء المائعة فوصفه بالفيض ثمَّ قَالَ فَصَارَ سقمي لما افرط حبي فِي الزِّيَادَة وَصَارَ كالشيء الفائض فقوى سقمي بِهِ وانتقل إِلَى جسم كتماني فأذابه وأضعفه فَلَمَّا ضعف الكتمان ظهر الْحبّ لضعف مخفيه قَالَ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح دلّ الكتمان عَليّ قَالَ وَهَذَا من بدائعه فِي هَذَا القَوْل اختلال فِي الْإِعْرَاب وَفَسَاد فِي الْمَعْنى وتناقض فِي اللَّفْظ وَذَلِكَ أَنه إِذا عَاد الضَّمِير من كَأَنَّهُ إِلَى الكتمان وَجب إِعَادَة الضمائر الَّتِي بعده إِلَى الكتمان فَيصير التَّقْدِير كَأَن الكتمان زَاد حَتَّى فاض فَصَارَ سقمي بِهِ أَي بِالْكِتْمَانِ فِي جسم كتماني فَفِي هَذَا اختلال فِي الْإِعْرَاب كَمَا ترى وَقد جعل الكتمان هُوَ الَّذِي أسقمه مَعَ أَن الْحبّ هُوَ المسقم لَهُ وَقَوله ذكر استتار سقمه وَأَن الكتمان أخفاه أَي مَعَ أَنه مُنَاقض لمساواة إسراره إعلانه
(4/192)

- 1 الْإِعْرَاب أَرَادَ بيني وَبَين عَقْلِي فَحذف الْمُضَاف قَالَ أَبُو الْفَتْح وَجَاء بِهِ من طرز كَلَام الصُّوفِيَّة كَقَوْل قَائِلهمْ
(عَجِبْتُ مِنْكَ وَمِنَّي ... أفْنَيْتَني بكَ عَنَّي)

(أقَمْتَنِي بِمقامٍ ... ظَنَنْتُ أنَّكَ أَنِّي)
هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا الْغَرِيب أرعشت حركت من الرعشة وَهِي الرعدة الْمَعْنى يَقُول لَا أشربها إِذْ كَانَت تحول بيني وَبَين عَقْلِي
2 - الْغَرِيب اللجين الْفضة وقابل بَينهَا وَبَين الذَّهَب والمزن الْغَمَام وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {ءأنتم أنزلتموه من المزن} الْمَعْنى يَقُول قد هجرت الْخمر الصافية الْحَمْرَاء وَجعلت خمري مَاء أَبيض وَهُوَ مَاء الْغَمَام فَلَا أشْرب خمرًا أبدا
3 - الْمَعْنى يَقُول أَنا أغار من مر الزجاجة على شفة الْأَمِير وَهَذَا من الْغيرَة الْبَارِدَة الَّتِي لَا معنى لَهَا وَإِنَّمَا نَقله من قَول حبيب وَهُوَ جيد فِي مَعْنَاهُ
(4/193)

(أغارُ مِنَ القْمِيصِ إذَا عَلاهُ ... مخافَةَ أَنْ يُلامِسَهُ القْمِيصً)
وَقَالَ الْخبز أرزى وَهُوَ جيد فِي مَعْنَاهُ
(مِنْ لُطْفِ إشْفاقِي وَدِقَّةِ غَيْرتِي ... أنَّي أَغَارُ عَلَيْكَ مِنْ مَلَكَيْكا)

(وَلَو اسْتَطَعْتُ جَرَحْتُ لَفْظَكَ غَيْرَةً ... أَنَّي أَرَاهُ مُقَبَّلاً شَفَتَيْكا)
وَقَالَ الواحدي وَقد أَسَاءَ أَبُو الطّيب لِأَن الْأُمَرَاء لَا يغار على شفاههم وَيَقُول من يعذرهُ إِنَّمَا يغار لِأَنَّهُ يرفع شَفَتَيْه عَن رُتْبَة الْخمر والكأس لِأَنَّهُمَا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي والألفاظ الْحَسَنَة وَالْأَمر بالصلة وَيجوز أَن الزجاجة نَالَتْ مَا لم ينله أحد
1 - الْغَرِيب الراح الْخمر الصافي وَالضَّمِير فِي بياضها رَاجع إِلَى الزجاجة وَكَذَلِكَ الضَّمِير الَّذِي فِي الظّرْف
2 - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخمْرَة السَّوْدَاء الَّتِي فِي الزجاجة الْبَيْضَاء كَأَن الزجاجة وَهِي فِيهَا بَيَاض محدق بسواد عين وَهُوَ قريب فِي التَّشْبِيه
2 - الْغَرِيب الرفد الْعَطاء تَقول رفدت زيدا وأرفدته إِذا أَعْطيته وأعنته الْمَعْنى يَقُول الرفد الَّذِي نطالبه بِهِ يرَاهُ دينا عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(غَرِيمٌ لِلْمُسلِمَّ بِه وَحاشَى ... نَدَاءُ مِنْ مماطَلَةِ الغْرَيم)
وَله أَيْضا
(إلاَّ نَدَى كالدَّيْنِ حَلَّ قَضاؤُهُ ... إنَّ الكَرِيمَ لِمُعْنَفيهِ غَرِيمُ)
(4/194)

- 1 الْإِعْرَاب يرْوى الألسن والألسن بِفَتْح السِّين وَضمّهَا وَمَا قَالَ الواحدي يكون على رِوَايَة من فتح السِّين بِمَعْنى الَّذِي قَالَ وَيجوز أَن يكون على رِوَايَة من ضم السِّين بِمَعْنى الَّذِي وَالظَّاهِر أَن مَا نفى لِأَن المصراع الثَّانِي حث على إعلان الْعِشْق وَإِنَّمَا يعلن من قدر على الْكَلَام هَذَا كَلَامه وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَيكون موضعهما بصلتهما رفعا خبر الِابْتِدَاء الْغَرِيب الألسن بِالْفَتْح الفصيح وَقد لسن بِالْكَسْرِ فَهُوَ لسن وألسن وَقوم لسن والألسن بِالضَّمِّ جمع لِسَان وَاللِّسَان الْجَارِحَة واللغة أَيْضا قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه} وَقد يؤنث وَيذكر قَالَ أعشى باهلة
(إِنِّي أتتْنِي لِسانٌ لَا أُسَرُّ بهَا ... مِنْ عَلْوَ لَا عَجَبٌ مِنْهَا وَلا سَحرُ)
فَمن أنثه قَالَ فِي جمعه ثَلَاث ألسن كذراع وأذرع وَمن ذكره قَالَ فِي جمعه ثَلَاثَة أَلْسِنَة كحمار وأحمرة وَهَذَا قِيَاس مَا جَاءَ على فعال من الْمُذكر والمؤنث الْمَعْنى يَقُول الْحبّ غَايَته أَن يمْنَع لِسَان الْمُحب من الْكَلَام فَلم يقدر على وصف مَا فِي قلبه إِذا رأى المحبوب وَإِنَّمَا يبهت ويخرس فَلَا يقدر على الْكَلَام كَقَوْل قيس ابْن ذريح
(فَما هُوَ إلاَّ أنْ أرَاها فُجاءَةً ... فأُبهَتَ حَتى لَا أكادُ أُجِيبُ)
وكقول الْمَجْنُون
(فَما الحُبُّ حَتَّى يلصَق الجلدُ بالحَشَى ... وَتخرَسَ حَتَّى لَا تُجيِبَ المُناديا)
والمصراع الثَّانِي يَقُول ألذ الشكوى الإعلان لمن قدر على الْكَلَام كَقَوْل عَليّ بن الجهم
(تَهتَّكْ وَبحْ بالعشْقِ جَهرا فَقَلَّما ... يَطيبُ الهَوَى إلاَّ لمُنْهَتِكِ السَّترِ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول أبي نواس
(فَبحْ باسْمِ مَنْ تَهْوَى وَذَرْني منَ الْكُنَى ... فَلا خَيْرَ فِي اللَّذاتِ مِنْ دُونِها سِترُ)
وأخده السرى الْموصِلِي فَقَالَ
(ظَهرَ الهَوى وَتهَتَّكَتْ أسْتارُهُ ... وَالحُبُّ خَيرُ سَبيلهِ إظْهارُهُ)
أعْصِي العَوَاذِلَ فِي هَوَاهُ جهَارَةً ... فَألَذُّ عَيْشِ المُسْتَهامِ جِهارُهُ)
(4/195)

- الْإِعْرَاب هجر وصلَة مصدران وحرف الْجَرّ يتَعَلَّق باسم الْفَاعِل وَتَقْدِيره الَّذِي هجرني هجر الْكرَى وواصلي فِي مَوضِع رفع خبر الْغَرِيب الجرم الذَّنب والجريمة مثله تَقول مِنْهُ جرم وأجرم واجترم وأصل الجرم الْقطع وَمِنْه جرام النّخل الْمَعْنى يَقُول متمنيا لَيْت حَبِيبِي الَّذِي قد هجرني كهجر الْكرَى من غير ذَنْب وصلني كوصل الضنى جَسَدِي من أجل بعده عَن وصده يُرِيد أَن الضنى ملازم لَهُ فتمنى أَن يكون وصل الحبيب ملازما لَهُ مُلَازمَة الضنى جسده وَهُوَ معنى حسن ومطابقة جَيِّدَة بَين الهجر والوصل
3 - الْإِعْرَاب نصب تلونا على التَّفْسِير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون مَفْعُولا لَهُ وَقَالَ الْخَطِيب على الْمصدر وَإِذا كَانَ قَوْلهم جَاءَ زيد مشيا ينْتَصب على الْحَال فأحرى أَن يكون تلونا كَذَلِك الْغَرِيب بِنَا تفرقنا من الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق وحليتنا وصفتنا وَيُقَال حليت الرجل إِذا أظهرت حليته وامتقع لَونه إِذا تغير حَيَاء أَو خيفة الْمَعْنى يَقُول تفرقنا فلعظم مَا نالنا من ألم الْفِرَاق لَو أردْت أَن تصفنا مَا قدرت لتغير ألواننا فَكنت لَا تَدْرِي بِأَيّ لون تصفنا
4 - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن تخترق فَحذف أَن وبقى الْفِعْل مَرْفُوعا وَيجوز نَصبه بإضمار أَن على مَذْهَبنَا وروايتنا قَول طرفَة
(أَلا أيُّهذا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى ... )
بِنصب أحضر مَعَ إِسْقَاط الناصب الْغَرِيب الشَّفَقَة الخيفة والمحبة وَهِي الِاسْم من الإشفاق وَكَذَلِكَ الشَّفق قَالَ ابْن الْمُعَلَّى
(تَهْوَى حَياتي وَأهْوَى مَوْتها شفَقَا ... وَالمُوتُ أكْرَمُ نَزَّالٍ عَلى الحرَمِ)
وأشفقت عَلَيْهِ فَأَنا مُشفق وشفيق وَإِذا قلت أشفقت مِنْهُ فَإِنَّمَا تعنى حذرته وَأَصلهَا وَاحِد وَلَا يُقَال شفقت وَقَالَ ابْن دُرَيْد شفقت واشفقت بِمَعْنى وَأنْكرهُ أهل اللُّغَة الْمَعْنى يَقُول لشدَّة مَا لَقينَا من الْفِرَاق وحرارة الوجد صَارَت أنفاسنا كالنار المتوقدة حَتَّى خفت أَن تحترق العواذل
(4/196)

قَالَ الواحدي وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ ينم على مَا فِي قُلُوبهم من حرارة الْهوى وَقَالَ الْخَطِيب وَجه الإشفاق أَن ينم إحراقهن على مَا كَانُوا فِيهِ من حر أنفاسهم
5 - الْإِعْرَاب سكن زفرات ضَرُورَة وفعلة تجمع على فعلات بتحريك الْعين فِي الصَّحِيح نَحْو جَمْرَة وجمرات وثناء مَمْدُود وَإِنَّمَا قصره لِأَنَّهُ قافية وعنى الْوَقْف وفرادى اسْم جمع لفرد الْمَعْنى يَقُول أفدي بنفسي هَذِه المحبوبة الَّتِي قد ودّعتني فَكلما نظرت إِلَيْهَا نظرة أتبعتها زفرتين لشدَّة مَا فِي قلبِي من نَار الوجد
6 - الْغَرِيب الديدن الْعَادة تَقول مَا زَالَ ديدنه وديدانه وهجيراه أَي عَادَته قَالَ الراجز
(وَلا تَزَال عِنْدَهُمْ جَفانُهُ ... دَيْدانُهُمْ ذَاكَ وَذَا دَيْدَانُه)
والحوادث جمع حَادِثَة وَهِي مَا يحدثه الزَّمَان من شَرّ الْمَعْنى يَقُول أول مَا طرقني الدَّهْر بحوادثه أنكرتها وَقلت لم يقصدني وَإِنَّمَا أَخطَأ فِي قصدي فَلَمَّا كثرت عِنْدِي حوادثه عرفتها وَصَارَت عَادَة لي أَنْفك عَنْهَا وَلَا تُفَارِقنِي فألفها قَالَ الواحدي وَقد رَوَاهُ الْخَوَارِزْمِيّ ديدان بِكَسْر الدَّال الأولى كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنه مُعرب ديدن وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب فيعل بِكَسْر الْفَاء وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر
(رُوّعْتُ بِالبَينِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ ... وَبالحَوَادِثِ فِي أهْلِي وَجِيرَاني)

7 - الْغَرِيب الفلا جمع فلاة وَتجمع أَيْضا على فلوات وفلى وَهِي الأَرْض الْبَعِيدَة والركائب جمع ركاب وَهِي الْإِبِل والموهن والوهن الْقطعَة من اللَّيْل وَالضُّحَى بعض النَّهَار فَإِن ضحوة النَّهَار بعد طُلُوع الشَّمْس ثمَّ بعده الضُّحَى وَهِي حِين تشرق الشَّمْس وَهِي مَقْصُورَة وتذكر وتؤنث فَمن أنث ذهب إِلَى أَنَّهَا جمع ضحوة وَمن ذكر ذهب إِلَى أَنه اسْم على فعل نَحْو صرد ونغر وَهُوَ ظرف غير مُتَمَكن مثل سحر تَقول لَقيته ضحى وضحى إِذا اردت بِهِ ضحى يَوْمك لم تصرفه ثمَّ بعده الضحاء بِالْمدِّ وَهُوَ عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار الْأَعْلَى تَقول مِنْهُ أَقمت بِالْمَكَانِ حَتَّى أضحيت كَمَا تَقول من الصَّباح حَتَّى أَصبَحت وَمِنْه حَدِيث عمر بن الْخطاب يَا عباد الله أضحوا بِصَلَاة الضُّحَى يَعْنِي لَا تصلوها أَلا إِلَى ارْتِفَاع الضُّحَى الْمَعْنى يصف جلادته وشجاعته وَكَثْرَة أَسْفَاره وَأَنه قطع الدُّنْيَا شرقا وغربا وَقطع الفلا والركاب بِكَثْرَة الأتعاب وَقطع اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنه قطع الزَّمَان وَالْمَكَان وأفنى كلا مِنْهُمَا بِكَثْرَة أَسْفَاره
(4/197)

- الْإِعْرَاب حذف التَّنْوِين من عمار لالتقاء الساكنين كَقَوْلِه تَعَالَى {وآتينا ثَمُود النَّاقة} قَرَأَهُ الْقُرَّاء كلهم بِغَيْر تَنْوِين وَكلهمْ صرف ثَمُود إِلَّا حَمْزَة وحفصا وَوَافَقَهُمَا أَبُو بكر فِي آخر سُورَة النَّجْم وَصرف الْكسَائي فِي مَوضِع الْجَرّ فِي هود عِنْد قَوْله لثمود وَقد يجوز عندنَا إِسْقَاط التَّنْوِين فِي الشّعْر وشاهدنا مَا رَوَاهُ الإمامان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأَبُو الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان السجيتاني فِي سنَنه قَول الْعَبَّاس بن مرداس يَوْم حنين للنَّبِي

(وَما كَانَ حِصْنٌ وَلا حابسٌ ... يَفُوقانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ)
فكلهم رَوَوْهُ مرداس من غير تَنْوِين الْغَرِيب يُقَال وقفت ووقفني زيد ووقفت دَابَّتي ووقفت وَقفا للْمَسَاكِين قَالَ الله تَعَالَى {وقفوهم إِنَّهُم مسئولون} وَأما قَوْله أوقفني فَمَعْنَاه عرضي الندى للوقوف الْمَعْنى يَقُول وقفت من الدُّنْيَا وَقد روى وقفت فِيهَا أَي فِي الدُّنْيَا حَيْثُ حَبَسَنِي الْجُود وَأدْركت من المدوح مَا تمنيت والمنى جمع منية وَهِي مَا يتمناه الْإِنْسَان من الْخَيْر وَهُوَ من المخالص الْحَسَنَة
9 - الْغَرِيب الجدي مَا أَعْطَيْت مجتديك والوعاء مَا يضم الشَّيْء ويحفظه وَمِنْه وعيت الْكَلَام كَأَنَّك جعلته فِي وعَاء والأزمن جمع زمَان تَقول زمَان وأزمن وأزمنة الْمَعْنى يَقُول لهَذَا الممدوح عَطاء يضيق عَنهُ الْوِعَاء وَلَو كَانَ الدهور أوعيته وَإِذا كَانَ الزَّمَان يضيق عَن شَيْء فحسبك بِهِ عظما وَكَثْرَة وسعة
10 - الْإِعْرَاب رفع شجاعة عطف على الْمُبْتَدَأ الَّذِي فِي الْبَيْت قبله وَهُوَ جدي وَأَن يجبنا فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مصدر الْغَرِيب الجبان الضَّعِيف الْقلب الَّذِي يخَاف عِنْد ملاقاة الحروب الْمَعْنى يَقُول لَهُ شجاعة عَظِيمَة قد مَلَأت قُلُوب الرِّجَال فقد أغنته بذكرها عَن ملاقاتهم فَهِيَ لشهرتها فِي النَّاس تغنيه عَن إظهارها واستعمالها فَكل شُجَاع يخافه لما يسمع من شجاعته والجبان إِذا سمع مَا يتَكَرَّر من الثَّنَاء عَلَيْهِ من أجلهَا تمنى أَن يثنى عَلَيْهِ كَمَا أثنى على الممدوح فَيتْرك حِينَئِذٍ الْجُبْن
(4/198)

- الْغَرِيب نيطت علقت والعانق أصل الْعُنُق من الْإِنْسَان ووالمحرب صَاحب الْحَرْب الممارس لَهَا وَالْكر خلاف الغر وَهُوَ أَن يحمل مرّة بعد أُخْرَى وَقَوله وَمَا أنثنى أَي عَمَّا يُرِيد الْمَعْنى ذكر الضَّمِير وَلم يذكر مَا يعود إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد ذكر الْحَرْب وَالسيف أول آلانها فَقَالَ علقت حمائل سَيْفه بعانق رجل محرب ممارس للحرب قد عرفهَا وخبرها وجر بهَا مَا كرّ قطّ لِأَنَّهُ لم ينثن عَن حَرْب فَيحْتَاج إِلَى الْكر قَالَ أَبُو الْفَتْح الشُّعَرَاء الفصحاء القدماء والمحدثون قد يصفونَ الْكر بعد الانحياز لِأَن الْحَرْب خدعة وتحتاج إِلَى الإطراد والطرد إِلَّا أَنه بَالغ وَلم يَجعله يكر لِأَنَّهُ لَا ينثني وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَقَالَ الواحدي هَذَا مَنْقُول من قَول الآخر
(وكَيْفَ أذْكُرُهُ إذْ لَسْتُ أنْساهُ ... )

12 - الْإِعْرَاب أَن يطعن فِي مَوضِع نصب الْمَعْنى يَقُول هُوَ لشدَّة إقدامه فِي الْحَرْب لَا يرجع وَلَا يلْتَفت إِلَى خَلفه فَهُوَ أبدا مقدم فَكَأَنَّهُ يخَاف طَعنا من خَلفه فَهُوَ من خوف مَا وَرَاءه مقدم كَقَوْل بكر بن النطاح
(كأنَّكَ عنْدَ الطَّعنِ فِي حوْمةِ الوَغى ... تَفِرُّ منَ الصَّفّ الَّذِي مِنْ وَرَائِكا)
13 - الْغَرِيب التَّوَهُّم خلاف التيقن والذهن الْعقل والفطنة وطابق بَين التَّوَهُّم والتيقن الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اعتذر فِي هَذَا الْبَيْت من إفراطه وإقدامه وَجعله عَارِفًا بأعقاب الْأُمُور وأفرط فِيهِ أَيْضا وَنَقله الواحدي كَمَا ذكره أَبُو الْفَتْح وَزَاد أَن فطنته تقفه على عواقب الْأُمُور حَتَّى يعرفهَا يَقِينا لَا وهما
14 - الْغَرِيب الْجَبَّار الْعَظِيم الشَّديد الْبَطْش وبغتاته جمع بَغْتَة وَهُوَ مَا يَفْعَله فجاة وظل إِذا أَقَامَ بِالْمَكَانِ وَأقَام على فعل الشَّيْء والمتكفن لَا بس الْكَفَن الْمَعْنى يَقُول إِن الرجل الْعَظِيم الْبَطْش يخَاف أَن يَأْخُذهُ الممدوح بَغْتَة ويهجم عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يدْرِي فيظل لابس كَفنه توقعا لبغتته قَالَ الواحدي وَيرى متلفنا والتلفن التندم على مَا فَاتَ يَعْنِي أَنه ينْدَم على معاداته
(4/199)

- الْإِعْرَاب سَوف للاستقبال وَقد لما مضى وَجعلهَا بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء فأعربها وَثمّ للمكان الْبعيد وَهنا للقريب الْغَرِيب الْأَقْصَى الْبعيد الْمَعْنى يَقُول إِذا نوى أمرا فَكَأَنَّهُ يسابق نِيَّته بِوُقُوعِهِ فَيصير مَاضِيا وَالْمَكَان الْبعيد يصير عِنْده قَرِيبا فَمَا هُوَ عِنْد غَيره مُسْتَقْبل مَاض عِنْده وَمَا هُوَ عِنْد غَيره بعيد قريب عِنْده
16 - الْغَرِيب البضاضة مثل الغضاضة يُقَال غض بض أَي طري لين وَهِي رقة الْجِسْم مَعَ بَيَاض الْمَعْنى يَقُول لِكَثْرَة ملامسته الدروع ولبسها فِي الْحَرْب قد صَار يجدهَا أخف من أَثوَاب الْحَرِير والين مَعَ أَنه ناعم الْجِسْم وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري
(مُلُوكٌ يَعُدُّونَ الرّماحَ مَخاصِراً ... إذَا زَعْزَعُوها وَالدرُّوُعَ غَلائلا)

17 - الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير أَي فقد السيوف عِنْده أَمر من فقد الْأَحِبَّة فَقَوله فقد السيوف ابْتِدَاء خَبره أَمر وَالْجَار مُتَعَلق باسم التَّفْضِيل الْغَرِيب الأجفن جمع جفن وَيجمع على أجفان وجفون أَيْضا وَهُوَ غمد السيوف الْمَعْنى يَقُول فقد السيوف الْمُجَرَّدَة أَشد عَلَيْهِ من فقد أحبته وصفهَا بِأَنَّهَا فاقدة لغمودها لِأَنَّهَا أبدا مستعملة فِي الحروب
18 - الْإِعْرَاب أَن لَا يحسن فِي مَحل نصب لِأَنَّهُ مفعول الْإِحْسَان قَالَ الواحدي وَلَو قَالَ وَلَا إِحْسَان لَكَانَ أقرب إِلَى الْفَهم من اسْتِعْمَاله بالتعريف وَإِن كَانَ الْمَعْنى سَوَاء فَإِن قَوْلك أعجبني ضرب زيد أقرب من قَوْلك أعجبني الضَّرْب زيدا الْغَرِيب الْإِحْسَان الأول مصدر من أَحْسَنت الشَّيْء إِذا حذفته وعلمته وَالثَّانِي ضد الْإِسَاءَة قَالَه أَبُو الْفَتْح واستكن الشَّيْء إِذا خفى وَلم يظْهر والرعب الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يَقُول الرعب لَا يستكن بَين ضلوعه أبدا لِأَنَّهُ شُجَاع لَا يخَاف من مَخْلُوق وَهُوَ لَا يحسن إِلَّا بِفعل الْجَمِيل
(4/200)

وَقَالَ ابْن فورجة لَا يصبر حَتَّى يحسن وعَلى هَذَا الْإِحْسَان الْهم بِهِ أَي فَإِذا هم بِالْإِحْسَانِ لَا يثبت وَلَا يصبر حَتَّى يَفْعَله وَقَالَ الواحدي هُوَ لَا يحسن أَلا يحسن يُرِيد أَنه لَا يعرف ترك الْإِحْسَان فَلَو رام أَن لَا يحسن لَا يعرف ذَلِك وَلم يُمكنهُ وَقَالَ ابْن القطاع لَا يحسن ترك الْإِحْسَان وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري الْإِحْسَان ضد الْإِسَاءَة يتَعَدَّى بِحرف الْجَرّ بِالْبَاء وَإِلَى قَالَ كثير
(أسِيئي بِنا أوْ أحْسِني لَا مَلُومَةٌ ... لَدَيْنا وَلا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ)
وَالثَّانِي يكون بِمَعْنى إجادة الْعَمَل إِذا كَانَ حاذقا فِي فعله وَفعله يتَعَدَّى بِنَفسِهِ قَالَ الله تَعَالَى {وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا} قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَقدْ زَعَمتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنِني ... كَبِرْتُ وَأنْ لَا يُحْسِنُ اللَّهوَ أمثالي)
وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر
(يُحْسِنُ أنْ يُحْسِنَ حَتَّى إِذا ... رَام سِوَى الإحسْانِ لمْ يُحْسِنِ)

19 - الْغَرِيب الاستنباط الاستخراج ونبط المَاء ينبط وينبط نبوطا نبع وأنبط الحفار أَي بلغ المَاء ودونت الشَّيْء إِذا جمعته فِي ديوَان أَي فِي كتاب الْمَعْنى يَقُول هُوَ من ذكائه وفطنته يسْتَخْرج بِعِلْمِهِ مَا فِي عده فِي يَوْمه أَي الَّذِي يَقع فِي غَد فَكَأَن مَا سَيكون قد كتب فِي علمه وَالْمعْنَى أَن علمه صَحْفَة الكائنات وَقد روى فِي يَوْمه مَا فِي غَد وَالْمعْنَى أَنه يسْتَدلّ بِمَا فِي يَوْمه على مَا يَقع فِي غده فيعرفه
20 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْحسن عفيف الدّين عَليّ بن عَدْلَانِ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة مثل بِالرَّفْع وَيكون على تَقْدِير هُوَ مثل يَعْنِي أَن الأفهام تتقاصر عَن هَذَا الممدوح فِي معرفَة حَقِيقَته فَهُوَ مثل علم الله تَعَالَى وَمن رَوَاهُ بِالنّصب يحْتَاج إِلَى حذف كثير يخل حذفه بِالْمَعْنَى وَيكون التَّقْدِير مثل تقاصر الأفهام عَن علم الله تَعَالَى الْغَرِيب الدنا جمع دنيا كالعلا جمع عليا والقصا جمع قصيا وَقَالَ الواحدي مثل الْكبر والصغر فِي جمع الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى الْمَعْنى يَقُول إفهام النَّاس قَصِيرَة فَهِيَ لَا تدْرك صفة هَذَا الرجل فقد تقاصرت عَن إِدْرَاكه كَمَا تقاصرت عَن علم الشَّيْء الْمُحِيط بالأفلاك وَالدُّنْيَا لِأَن أحدا لَا يعلم
(4/201)

مَا وَرَاء الأفلاك ووراء الْعَالم إِلَى مَا يَنْتَهِي من الْأَعْلَى والأسفل وَالْمعْنَى تتقاصر الأفهام عَن إِدْرَاك الشَّيْء الَّذِي فِيهِ الأفلاك وَحذف لدلَالَة مَا تقدم على مَا حذف قَالَ أَبُو الْفَتْح لقد افرط جدا لِأَن الَّذِي فِيهِ الدُّنْيَا والأفلاك هُوَ علم الله تَعَالَى وتقدس
21 - الْغَرِيب الطليق الَّذِي أطلق من الْقَتْل وَجمعه طلقاء وَمِنْه الطُّلَقَاء الَّذين أطلقهُم رَسُول الله
من الْقَتْل يَوْم فتح مَكَّة بقوله من دخل الْحرم فَهُوَ آمن وَمن دخل بَيت ابْن حَرْب فَهُوَ آمن ودان أطَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَا يدينون دين الْحق} وَحين بِضَم الْحَاء على رِوَايَة من رَوَاهُ بِهِ بمعي أهلك وَمن رَوَاهُ بِالْفَتْح على الْمَاضِي يُرِيد حِينه أَي أهلكه الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح من أفلت من سَيْفه فَهُوَ طليقة وَالَّذِي لَا يطيعه أحد المحينين يَعْنِي الهالكين وَالْمعْنَى من كَانَ لَا يطيعه وَلَا هُوَ من أهل طَاعَته فَهُوَ مِمَّن يهلكه
22 - الْغَرِيب القفول الرُّجُوع من سفر أَو غَزْوَة والسواحل بِلَاد السَّاحِل وَهُوَ جمع سَاحل كجامع وجوامع وَخَاتم وخواتم وصارم وصوارم الْمَعْنى يَقُول لما غبت عَنَّا اعترتنا لَك وَحْشَة فَلَمَّا رجعت إِلَيْنَا ذهبت تِلْكَ الوحشة إِلَى الْمَكَان الَّذِي فارقته
23 - الْغَرِيب أرج الطّيب بِالْكَسْرِ يأرج أرجا وأريجا إِذا فاح والأرج والأريج توهج ريح الطّيب قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(كأنَّ عَلَيْها بَالَةً لَطَمِيَّةً ... لَها مِنْ خِلالِ الدَّأيَتَينِ أرِيجُ)
البالة وعَاء الطّيب والدأية فقار الظّهْر والشذا الْمسك والشذا كسر الْعود والشذا شجر قَالَ عَمْرو بن الإطنابة
(إذَا مَا مَشَتْ نادَى بِما فِي ثِيابها ... ذَكِيٌّ الشَّذَا وَالمَنْدَلِيُّ المُطَيرُ)
وَيُقَال الشذا حِدة الرَّائِحَة الْمَعْنى يَقُول لما رجعت إِلَيْنَا طَابَ الطَّرِيق الَّذِي سلكته ففاحت رَائِحَته فَمَا مَرَرْت بطرِيق إِلَّا صَارَت فِيهِ الرَّائِحَة الطّيبَة مُقِيمَة مستوطنة لَا تُفَارِقهُ
(4/202)

- الْإِعْرَاب محيية حَال الْعَامِل فِيهَا مدت الْمَعْنى يُرِيد أَن الشّجر جماد وَأَنه لَا يعقل فَلَو عقل الشّجر لما قابلته كَانَ مد إِلَيْك أغصانه تحييك وَلكنه لَا يعقل وَالشَّجر جمع شَجَرَة كتمرة وتمر وَهُوَ من الجموع الَّذِي بَينه وَبَين مفرده الْهَاء وَهَذَا الْمَعْنى كثير للشعراء قَالَ الفرزدق
(يكادُ يُمسْكِهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ ... )
الْبَيْت وَقَالَ البحتري
(فَلَوْ أنَّ مُشتْاقا تَكَلَّفَ فَوْقَ مَا ... فِي وُسْعِهِ لَسَعَى إلَيْكَ المِنْبرُ)
وَقَالَ كثير
(لَوْ كانَ حَيَّا قَبْلَهُن ظَعائِنا ... حَيَّا الحَطييمُ وُجوُهَهُنَّ وَزَمْزَمُ)
الْغَرِيب التَّمَاثُل جمع تِمْثَال وَهِي الصُّور المنقوشة على القباب والقباب جمع قبَّة كحربة وحراب وجعبة وجعاب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بدر قد خرج من مَدِينَة ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فَضربت القباب فَقَالَ إِن الصُّور الَّتِي فِيهَا تكَاد من صِحَّتهَا كَأَن الْجِنّ سلكتها فأدارت أعينها وَقَالَ الواحدي اشتاقت إِلَيْك الْجِنّ فتورات بماثيل القباب للنَّظَر إِلَيْك وتماثيل القباب هِيَ القباب قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد بتماثيلها الصُّور الَّتِي تقشت فِيهَا أَي أَنَّهَا تَضَمَّنت من الْجِنّ أرواحا وَهَذَا معنى قَول ابْن حَنى لِأَنَّهُ قَالَ مَا أعلم أَنه وصفت صُورَة أَنَّهَا تكَاد تنطق بِأَحْسَن من هَذَا
26 - الْمَعْنى يَقُول لفرحنا بقدومك سالما طربت بِنَا مراكبنا وَهِي الْخُيُول حَتَّى أننا ظننا أَنَّهَا لَوْلَا الْحيَاء لرقصت بِنَا وَالْمعْنَى أَن فرحنا بقدومك غلب حَتَّى ظهر فِي الْبَهِيمَة الَّتِي لَا تعقل
27 - الْإِعْرَاب تَبَسم فِي مَوضِع الْحَال أَي باسما والجياد مُبْتَدأ وعوابس الْخَبَر الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على غير قِيَاس وَهِي الْخَيل والعوابس جمع
(4/203)

عَابس وَهُوَ المكلح الْوَجْه والعبوس ضد التبسم وقابل فِيهِ بَين التبسم والعبوس وَالْحلق جمع حَلقَة وَهِي حَلقَة الْحَدِيد الَّتِي فِي الدروع والمضاعف الْكثير وضاعفت الشَّيْء إِذا جعلته أضعافا كَثِيرَة الْمَعْنى يَقُول لما قدمت إِلَى بلدك أَقبلت ضَاحِكا وجيادك عوابس لطول سَيرهَا وإثقالها بالدروع والقنا الطوَال وَمَا لاقت من شدَّة الحروب
28 - الْغَرِيب السنابك جمع سنبك وَهُوَ طرف مقدم الْحَافِر والعثير الْغُبَار والعنق ضرب من السّير شَدِيد قَالَ أَبُو النَّجْم
(يَا ناقُ سِيرِي عَنَقا فَسيِحا ... إِلَى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا)
وَنصب نستريح لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر بِالْفَاءِ وَقَالَ قوم بل هونون التَّأْكِيد فَلَمَّا وقف أبدل مِنْهَا ألفا كَقَوْلِه تَعَالَى {ليسجنا} أَو عنق الْفرس وَفرس معناق جيد الْمَعْنى يَقُول عقدت سنابك الْخَيل فَوْقهَا غبارا كثيفا لَو طلب عَلَيْهِ السّير لأمكن من كثافته قَالَ الواحدي وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(لَما أتاكَ يَقُودُ جَيْشا أرْعَنا ... يَمْشِي عَلَيهِ كَثافَةً وَجُمُوعا)
فنقله أَبُو الطّيب إِلَى الرهج لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا أَخذه من معنى العتابي
(تَبْنى سَنابِكُها مِنْ فوْقِ أرْؤُسهِمْ ... سَقْفا كَوَاكِبُهُ البِيضُ البَوَاتِيرُ)
وَأَخذه العتابي من قَول الأول
(وَأرْعَنُ فِيهِ لِلسَّوَابِغِ لُجَّةٌ ... وَسَقْفُ سَمَاءٍ أنْشَأتْهُ الحَوَافُر)

29 - الْغَرِيب خوافق مضطربة والمنية الْمَوْت والمنى جمع أُمْنِية وَهُوَ مَا يتمناه الْإِنْسَان من الْخَيْر الْمَعْنى يَقُول أَمرك مُطَاع فِي كل حَال حَتَّى فِي هَذِه الْحَالة عِنْد اضْطِرَاب الْقُلُوب فِي الحروب وَالنَّاس بَين قَاتل ومقتول قد وافقته منيته وَالْقَاتِل قد نَالَ أمْنِيته
30 - الْغَرِيب الظبي السيوف وَقَالَ الْجَوْهَرِي الظبة طرف السهْم وظبة السَّيْف طرفه وَأنْشد قَول بشامة بن حرى النَّهْشَلِي وَيُقَال فِيهِ ابْن حزن
(4/204)

(إِذا الكُماةُ تَنَحَّوْا أنْ يَنالَهُمُ ... حَدُّ الظباةِ وَصَلنْاها بأيْدِيِنا)
والسنى الْمَقْصُور الضَّوْء قَالَ تَعَالَى {يكَاد سنا برقه يذهب بالأبصار} الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول عجبت من كَثْرَة السيوف حَتَّى زَالَ تعجبي لما كثرت وَرَأَيْت من الضَّوْء وتألق الْحَدِيد مَا خطف بَصرِي يُرِيد يَوْم قدومه رأى الأسلحة وَالسُّيُوف مَعَ الْعَسْكَر وَنَقله الواحدي وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(عَلى أنَّها الأيَّامُ قَدْ صِرْنَ كُلُّها ... عَجائِبُ حَتى لَيْس فِيها عَجائبُ)

31 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي نَفسك عَسْكَر وحولك من مكارمك عَسْكَر آخر وأراك معدنا من الْمَعَالِي أَي أصلأ لَهَا فالمعالي تُؤْخَذ مِنْك لِأَنَّك أَصْلهَا
32 - الْمَعْنى يَقُول قد عرفت مَا كَانَ من شكري وَالثنَاء عَلَيْك فِي حَال غَيْبَتِك وَلم أتعرض لضد ذَلِك لِئَلَّا ينمي إِلَيْك فَلَو لم أتركه إِلَّا لهَذَا لتركته فَكيف وَأَنا شَاكر لَك مثن عَلَيْك محب لآبائك وَكَانَ قد وشى إِلَيْك بِهِ فَكَأَنَّهُ مَعَ هَذَا قد اعْترف بتقصير كَانَ مِنْهُ وَقد بَينه بعد لِأَن سِيَاق الأبيات يدل عَلَيْهِ
33 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي عَلَيْهِ يعود على مَا فعله وَقَالَ أَبُو الْفَتْح على مَا تَركه مَخَافَة أَن يفْطن الممدوح الْمَعْنى يَقُول صَار فراقك عُقُوبَة لي على مَا فعلته مِمَّا كرهته وَالضَّمِير فِي مِنْهُ يعود على الْفِرَاق وَقَوله قاسيت المقاساة الممارسة للشَّيْء بِمَشَقَّة وصعوبة
34 - الْغَرِيب حباه أعطَاهُ والحباء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ الْعَطاء قَالَ الفرزدق
(خَالِي
(خَالِي الَّذِي اغتَصَبَ المُلوكَ نُفوسَهم ... وَإلَيْهِ كَانَ حَباءُ جَفْنَةَ يُنقلُ)
الْمَعْنى يَقُول فَاغْفِر لي ذَنبي الَّذِي جنيته فدى لَك نَفسِي وَأَهلي وَمَالِي وَأَعْطِنِي يعد عفوك عني عَطِيَّة تكون نَفسِي مِنْهَا لِأَنَّك إِذا عَفَوْت عني وأعطيتني كنت قد خصصتني بعطية هِيَ نَفسِي لِأَنَّهَا قد سلمت بسلامتها مِنْك فَهِيَ الْآن من عطيتك
(4/205)

- الْغَرِيب الضلة ارْتِكَاب الضلال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي كَانَ الْأَعْوَر بن كروس قد وشى بِهِ إِلَى بدر بن عمار لما سَار وَتَأَخر عَنهُ المتنبي وَجعل قبُوله مِنْهُ ضلة يُرِيد إِن أطعته فيّ ضللت يهدده بالهجاء وَيجوز أَن يكن أَرَادَ بالضلال مَا يَأْمر بِهِ من هجران المتنبي وحرمانه وَهَذَا أولى مِمَّا ذكره ابْن جنى من التهديد وعنى بِالْحرِّ نَفسه وبأولاد الزِّنَا الوشاة وَفِيه نظر إِلَى قَول مَرْوَان بن أبي حَفْصَة
(مَا ضَرَّني حَسَدُ اللِّثامِ وَلمْ يَزَلْ ... ذُو الفَضْلِ يَحْسُدُ ذَووُ التقصِيرِ)
وَإِلَى قَول حبيب
(وّذُو النَّقْصِ فِي الدَنيا بِذِي الفَضْلِ مُولَعُ ... )

36 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اللذ عَنَّا يُرِيد الَّذِي عني وَفِي الَّذِي أَربع لُغَات الَّذِي واللذ بِلَا يَاء واللذ بِسُكُون الآخر وَالَّذِي بتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخَطِيب اللذ عَنَّا كلمة وَاحِدَة وَهِي الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مواراة وَالْعَامِل فِي الظّرْف الْفِعْل الْمَاضِي الْمَعْنى لما ذكر فِي الْبَيْت الَّذِي قبله أَوْلَاد الزِّنَا بَين أَنه قد عرض بأولاد الزِّنَا وَقد فهمه من عناه بِهَذَا الْكَلَام
37 - الْغَرِيب السُّفَهَاء جمع سَفِيه وَهُوَ الَّذِي لَا عقل لَهُ وَلَا رأى أَصله الَّذِي لَا يعرف أَن يدبر أمره وَالْأَصْل فِيهِ الخفة وَالْحَرَكَة وتسفهت الرّيح الشّجر أَي مَالَتْ بِهِ قَالَ ذُو الرمة
(جَريْنَ كَمَا اهْتزتْ رِماحٌ تَسَفَّهتْ ... أعاليِها مَرُّ الرّياحِ النَّوَاسِمِ)
وتسفهت فلَانا عَن مَاله إِذا خدعته عَنهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن السَّفِيه كَيده رَاجع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يحسن التَّدْبِير فَإِذا فعل شَيْئا فعله شَيْئا فعله جَاهِلا من غير روية وَلَا نظر وعنى بالسفهاء الَّذين وشوا بِهِ إِلَى بدر وعداوة الشُّعَرَاء تهديد بالهجاء يُرِيد أَنه إِذا عودي الشَّاعِر جعل فِي عرض عدوه مَا يبْقى عَلَيْهِ بَقَاء الدَّهْر
(4/206)

- الْغَرِيب الضيفن الَّذِي يَجِيء مَعَ الضَّيْف ونونه زَائِدَة وَهُوَ فعلن إِذا أَخذ من الضِّيَافَة وَإِن أَخذ من الضفن وَهُوَ الثقيل الْكثير اللَّحْم فوزنه فيعل وَالْمَرْأَة ضفنة بِكَسْر الضَّاد قَالَ الشَّاعِر
(إذَا جاءَ ضَيْفٌ جاءَ للضَّيْفِ ضَيْفَنٌ ... فأودَى بِمَا تُقْرَى الضُّيُوفُ الضَّيافِنُ)
الْمَعْنى يَقُول معاشرة اللَّئِيم ومخالطته مذمومة تجر لصَاحِبهَا الندامة فَهِيَ كضيف مَعَه ضيفن فعاقبتها غير محمودة وَالْأَصْل فِي هَذَا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جليس السوء كصاحب الْكِير إِن لم يصبك من شرره أَصَابَك من دخانه والجليس الصُّلْح كالداري يَعْنِي الْعَطَّار إِن لم يصبك طيبه أَصَابَك من رِيحه
39 - الْغَرِيب الرزء الْمُصِيبَة وَكَذَلِكَ الرزية والحسود الَّذِي يتَمَنَّى زَوَال نِعْمَتك والغابط الَّذِي يتَمَنَّى أَن يكون لَهُ مثلك من النِّعْمَة الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَيْتُك رَاضِيا عني هُوَ مُصِيبَة تحل بحاسدي وبلاء أعظم مَا يكون من الْبلَاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يتَمَنَّى أَن تسخط على
40 - الْمَعْنى يَقُول أجمع على فضلك ألسن الْمُخْتَلِفين فِي الْأَدْيَان فَالَّذِي يكفر بِاللَّه من غَيرنَا مُؤمن من بِفَضْلِك مقرّ بِهِ أَي الَّذِي يخالفنا فِي الْإِيمَان يوافقنا فِي الْإِقْرَار بِفَضْلِك
41 - الْغَرِيب الغزالة الشَّمْس وعضت زيدا من كَذَا وأعضته وعوضته الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا سِيبَوَيْهٍ لَا يُجِيز تَقْدِيم ضمير الْغَائِب الْمُتَّصِل على الْحَاضِر وَالصَّوَاب عِنْده أعاضها إياك وَأَبُو الْعَبَّاس يُجِيزهُ وَالصَّوَاب عِنْد أهل النَّحْو إِذا اجْتمع ضمير الْمُخَاطب وَالْغَائِب فَالْوَاجِب تَقْدِيم ضمير الْمُخَاطب فَكَانَ الْوَاجِب فأعاضكها الله وَعند الْأَخْفَش يجب أَن يكون ضمير الْغَائِب مُنْفَصِلا يُرِيد إِيَّاه وَإِيَّاهَا الْمَعْنى يَقُول الْبِلَاد إِذا خلت من الشَّمْس فِي اللَّيْل جعلك الله عوضا مِنْهَا للبلاد قَالَ الْخَطِيب وَأَبُو الْفَتْح قَالَ من يوثق بِهِ إِن أَبَا الطّيب أنْشدهُ
(خَلَتِ البَلادُ مِنَ النَّبيّ مُحَمَّدٍ ... )
ثمَّ غَيره بقوله من الغزالة لَيْلهَا
(4/207)

- 1 الْإِعْرَاب يُرِيد ذُو شجون أَي ذُو فنون فَحذف الْمُضَاف وَفصل بَين اسْم إِن وخبرها بِالْجُمْلَةِ لما فِيهِ من الشدائد وأجراه مجْرى التوكيد كَقَوْل الآخر
(وَقدْ أدْركَتْني وَالحَوادثُ جَمَّة ... أسِنَّةُ قَوْمٍ لَا ضِعافٍ وَلا عُزْلِ)
الْغَرِيب الحَدِيث ذُو شجون أَي يدْخل بعضه فِي بعض وَهُوَ من الشجنة بِكَسْر الشين وَضمّهَا عروق الشّجر المشتبكة وشجنة رحم أَي قرَابَة مشتبكة وَفِي الحَدِيث الرَّحِم شجنة من الله أَي الرَّحِم مُشْتَقَّة من الرَّحْمَن يَعْنِي أَنَّهَا قرَابَة من الله عز وَجل مشتبكة كاشتباك الْعُرُوق الْمَعْنى يَقُول يَا بدر إِنَّك من لم يكن مثله وَأَشَارَ بقوله والْحَدِيث شجون إِلَى أَن تَحت قولي من لم يكن الخ مَعَاني كَثِيرَة لَا تحصى لِأَنَّك من لم يكون الله مثله
2 - الْغَرِيب جبرين اسْم أعجمي للْعَرَب فِيهِ لُغَات وَقد قَرَأت الْقُرَّاء بهَا فَقَرَأَ عبد الله بن كثر جِبْرِيل بِفَتْح الْجِيم من غير ز وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو بِكَسْر الْجِيم من غير همز وَكَذَلِكَ ابْن عَامر وَحَفْص وَقَرَأَ أَبُو بكر بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء والهمز وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ مثله إِلَّا أَنَّهُمَا أَتَيَا بياء بعد الْهمزَة وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ جبرين بالنُّون وَفِي رِوَايَة عَن الْحسن جبرال بِفَتْح الْجِيم وَزِيَادَة ألف من غير همز وَقد قَالُوا فِي إِسْرَائِيل وَإِسْمَاعِيل إسرائين وإسمعين الْمَعْنى يَقُول لَو كنت أَمَانَة لَكُنْت عَظِيما لَا يؤتمن عَلَيْهَا الْأمين جِبْرِيل مَعَ أَنه مؤتمن على وَحي الله قَالَ الواحدي وَهَذَا إفراط وَتجَاوز حد يدل على رقة دين وسخافة عقل بل يدل على زندقة وَكفر
3 - الْإِعْرَاب جعل الظرفين اسْمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا مَا تُعْطى الْأَسْمَاء وَنصب خَالِيا على الْحَال الْغَرِيب الْبَريَّة الْخلق قَالَ الْفراء إِن أخذت من الْبري وَهُوَ التُّرَاب فأصله غير الْهَمْز تَقول مِنْهُ براه الله يبروه بروا أَي خلقه وَقيل أَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَلِهَذَا اخْتلف الْقُرَّاء فِيهِ فقرأه بِالْهَمْز نَافِع وَابْن ذكْوَان عَن ابْن عَامر وقرأت بهما على شَيْخي الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ النَّاس بَعضهم مَعَ بعض وَكنت خَالِيا مِنْهُم لم تكن مَعَهم يرفع بَعضهم على بعض وَإِذا حضرت كَانَ الَّذِي هُوَ فَوق النَّاس دُونك لشرفك عِنْدهم ولعظم قدرك أَي إِذا خلا النَّاس اخْتلفُوا وتباينوا فَإِذا حضرت اسْتَووا كلهم فِي التَّقْصِير عَنْك وَصَارَ أَشْرَفهم وأعظمهم صَغِيرا عِنْد قدرك
(4/208)

- 1 الْغَرِيب أغراض جمع غَرَض وَهُوَ الهدف الَّذِي يَرْمِي فِيهِ والفطن جمع فطنة وَهِي الْعقل والذكاء الْمَعْنى يَقُول الْفُضَلَاء من النَّاس للزمان كالأغراض يرميهم بنوائبه وصروفه ويقصدهم بالمحن فَلَا يزالون محزونين وَإِنَّمَا يَخْلُو من الْحزن والفكر من كَانَ خَالِيا من الفطنة والبصيرة وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم على قدر الهمم تكون الهموم وَذَلِكَ أَن الْعَاقِل يفكر فِي عواقب الْأُمُور فَلَا يزَال مهموما وَأما الْجَاهِل فَلَا يفكر فِي شَيْء من هَذَا وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِيهِ قَالَ ذُو الإصبع
(أطافَ بِنا رَيبُ الزَّمانِ فَدَاسَنا ... لَهُ طائِفٌ بالصّالِحين بَصِيرُ)
وَقَالَ البحتري
(ألم تَرَ لِلنّوَائِب كَيْفَ تَسْمُو ... إِلَى أهْلِ النَّوَافِلِ وَالفُضُولِ)

2 - الْغَرِيب الجيل ضرب من النَّاس وَلَقَد أضلّ مِنْكُم جيلا بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت
(4/209)

وسواسية متساوون فِي الشَّرّ دون الْخَيْر الْوَاحِد سَوَاء من غير لَفظه والسقم الْمَرَض يُقَال سقم وسقم كحزن وحزن الْمَعْنى يَقُول نَحن فِي قرن من النَّاس قد تساووا فِي الشَّرّ دون الْخَيْر فَمَا فيهم أحد يركن إِلَيْهِ
3 - الْغَرِيب يرْوى خلق بِالْخَاءِ وَبِالْحَاءِ فبالحاء الْجَمَاعَة من النَّاس جمع حَلقَة وَبِالْحَاءِ جمع خلقَة وَهِي الصُّورَة والاستفهام عَمَّن يعقل بِمن وَعَما لَا يعقل بِمَا تَقول للْجَمَاعَة من النَّاس من أَنْتُم وَتقول لمالا يعقل مَا هَذِه الْقطعَة أغنم أم إبل أم خيل فَمن لما يعقل وَمَا لما لَا يعقل وَأما قَوْله تَعَالَى {فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع} فتقديره فَمنهمْ الْجِنْس الَّذِي يمشي وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مُعَارضَة وَمن على بَابهَا وَمَا على بَابهَا الْمَعْنى يَقُول حَولي من هَؤُلَاءِ النَّاس جمَاعَة كَالْبَهَائِمِ فَإِذا قلت من أَنْتُم أَخْطَأت فِي القَوْل لِأَنَّك خاطبت مَالا يعقل بِمَا يُخَاطب بِهِ من يعقل بل إِذا أردْت أَن تَقول لَهُم من أَنْتُم فَقل مَا أَنْتُم وَفِيه نظر إِلَى قَوْله تَعَالَى {إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا}
4 - الْغَرِيب قروت الْمَكَان واستقريته واقتريته إِذا تتبعته فَقَوله لَا أفتري أَي لَا أتتبع الْبِلَاد أَي لَا أخرج من بلد إِلَى بلد والمضطغن هُوَ من الضغن وهوا لحقد الْمَعْنى يَقُول لَا أسافر من بلد إِلَى بلد إِلَّا على غرر أَي خطر أخاطر بنفسي فَأَنا أسافر على خطر على نَفسِي من الحساد والأعداء وَلَا أَمر بِأحد إِلَّا وَله عَليّ حقد وعداوة وَذَلِكَ أَنه يعاديني لفضلي وجهله والجهال أَعدَاء لِذَوي الْفضل
5 - الْغَرِيب الْأَمْلَاك جمع ملك كجمل وأجمال والوثن الصَّنَم وَجمعه وثن وأوثان مثل أَسد وَأسد وآساد الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لَا أخالط أحدا من مُلُوكهمْ إِلَّا وَهُوَ يسْتَحق الْقَتْل كالصنم الَّذِي يسْتَحق أَن يكسر ويفصل بَين رَأسه وبدنه حَتَّى لَا يكون على خلقَة الْإِنْسَان قَالَ وَيجوز أَن يكون ضرب الرَّأْس كِنَايَة عَن الإذلال يَقُول هُوَ أَحَق بالإذلال من الوثن إِنَّمَا خص الوثن لِأَنَّهُ صُورَة لَا معنى لَهُ يفتن قوما يعبدونه وتمثال لَا يضر وَلَا ينفع
6 - الْغَرِيب التعنيف التَّعْبِير واللوم وَقَوله أَنِّي أَي أفتر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
(4/210)

{وَلَا تنيا فِي ذكري} وَمِنْه الأناة من النِّسَاء وَهِي الَّتِي فهيا فتور عِنْد الْقيام وتأن قَالَ النميري
(رَمَتْهُ أناةٌ منْ رَبِيعَةِ عامِرٍ ... نَؤُومُ الضُّحَى فِي مأتمٍ أيّ مأتمِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنا ألومهم وأعيرهم بِمَا هم فِيهِ من الْغَفْلَة والجهالة وأعذرهم وأعود على نَفسِي باللوم وأترك لومهم لأَنهم جهال وَمن كَانَ جَاهِلا لَا يلام على ترك الْفَضَائِل والمكارم وَالرَّغْبَة عَن الْمَعَالِي
7 - الْغَرِيب الرسن الْحَبل وَجمعه أرسان ورسنت الْفرس فَهُوَ مرسون وأرسنته أَيْضا إِذا شددته بالرسن قَالَ ابْن مقبل
(هَرِيْتٌ قَصِيرُ عِذَارِ اللِّجامِ ... أسِيلٌ طَوِيلُ عِذَا الرَّسَنْ)
وَاسْتعْمل فَصَارَ مَخْصُوصًا بالحبل الَّذِي تقاد بِهِ الدَّابَّة الْمَعْنى يَقُول الْجَاهِل لَا يحْتَاج وَلَا يفْتَقر إِلَى أدب لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عقل فَأول مَا يحاج إِلَيْهِ الْإِنْسَان الْعقل الَّذِي يعقل بِهِ ثمَّ بعد ذَلِك يتأدب فَإِذا عدم الْعقل لم يحْتَج إِلَى أدب كالحمار ألذ لَيْسَ لَهُ رَأس لَا يحْتَاج إِلَى حيل يُقَاد بِهِ وَهَذَا كَلَام حسن من كَلَام الْحَكِيم الْحسن قبل المحسوس وَالْعقل قبل الْمَعْقُول
8 - الْإِعْرَاب ومدقعين فِي وضع جر بِتَقْدِير رب أَو بِالْوَاو على المذهبين الْغَرِيب المدقع الَّذِي لَا شَيْء لَهُ فَهُوَ من دقع بِالْكَسْرِ إِذا لصق بِالتُّرَابِ والدقعاء التُّرَاب والدقع سوء احْتِمَال الْفقر وَفِي الحَدِيث إِذا جعتن دفعتن أَي لزقين بِالتُّرَابِ وخضعتن والبروت الأَرْض الَّتِي لَا نبت بهَا وَمِنْه قيل للقبر سبروت وَالْحلَل جمع حلَّة وَمِنْه قَول عمر لما أعطَاهُ رَسُول الله
حلَّة مَا أصنع بهَا وَقد قلت فِي حلَّة عُطَارِد مَا قلت وَكَانَ عمر قد رأى حلَّة سيراء تبَاع فِي السُّوق فَقَالَ يَا رَسُول الله لَو اشْتَرَيْتهَا تلبسها للْجُمُعَة وللوفود فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا يلبسهَا من لَا خلاق لَهُ والدرن الْوَسخ والقذر الْمَعْنى رب قوم صعاليك يَجْلِسُونَ لفقرهم على التُّرَاب صحبتهم عارين من الثِّيَاب كاسين من الْوَسخ والقذر
9 - الْإِعْرَاب خراب صفة لمدقعين
(4/211)

الْغَرِيب خراب جمع خارب وَهُوَ الَّذِي يسرق الْإِبِل خَاصَّة وغرثى جمع غرثان وَهُوَ الجائع وَمكن جمع مكنة وَهُوَ بيض الضَّب الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ قوم يسرقون الْإِبِل وَلَيْسَ لَهُم طَعَام يَأْكُلُونَهُ فَمن جوعهم أكلون بيض الضباب يأخذونه من الفلاة بِلَا ثمن
10 - الْغَرِيب طاش السهْم إِذا لم يصب وَخرج عَن صوب الرَّمية والظنن من الظَّن وَهُوَ جمع ظنة الْمَعْنى يَقُول هم يستخبرون عَن خبري وَأَنا أكتمهم أَمْرِي وهم لَا تخطىء ظنونهم بِأبي المتنبي الَّذِي سمعُوا بِهِ وَلَكِنِّي أكتم خبري مِنْهُم خوفًا من غائلتهم وَهُوَ من فوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتَعِينُوا على أُمُوركُم بِالْكِتْمَانِ
11 - الْغَرِيب الْخلَّة الْخصْلَة المحمودة والمذمومة والوهن من وَهن يهن ووهن يوهن الْمَعْنى يَقُول رب خصْلَة مذمومة فِي جليس لي استقبلته بِمِثْلِهَا يُرِيد أتخلق بِمِثْلِهَا حَتَّى يظنّ أنني مثله فِي ضعف الرَّأْي لِأَنِّي أفعل كَفِعْلِهِ يُرِيد أَنه يفعل مَا يخفى بِهِ عَن أَصْحَابه أمره حَتَّى لَا يعرفونه وَمعنى الْبَيْت من قَول الآخر
(أُحامِقُهُ حَتى يَقُولَ سَجيَّةٌ ... وَلوَ كانَ ذَا عَقْلٍ لكنتُ أُعاقلُهُ)

12 - الْغَرِيب اصل الْإِعْرَاب التَّبْيِين وَمِنْه وَالثَّيِّب تعرب عَن نَفسهَا وأصل اللّحن الْعُدُول عَن الظَّاهِر وَالْقَصْد ولحن فِي مَنْطِقه يلحن لحنا إِذا ترك الصَّوَاب وَيُسمى الفطن لحنا وَمِنْه الحَدِيث وَلَعَلَّ أحدكُم أَلحن بحجته أَي أفطن لَهَا الْمَعْنى يَقُول رب كَلَام أردْت ترك الْإِعْرَاب فِيهِ لِئَلَّا يَهْتَدِي إليّ وَلَا يعلم أَنِّي أَنا المتنبي فَلم أقدر على ذَلِك يُرِيد أَنه مطبوع على الفصاحة لَا يقدر أَن يفارقها إِلَى الْخَطَأ
13 - الْغَرِيب النَّازِلَة الْحَادِثَة والمصيبة تنزل بالإنسان الْمَعْنى يَقُول صبري قد جعل كل حَادِثَة تنزل بِي سهلة وعزمي على الْأَشْيَاء الصعبة ألان لي كل مركب خشن فَلَا أستخشن الخطوب الصعبة بل أَصْبِر عَلَيْهَا وَلَا أشتكي النَّوَازِل وَإِذا عزمت على أَمر عَظِيم صغره عزمي
(4/212)

- الْغَرِيب القتلة بِالْفَتْح الْمرة الْوَاحِدَة وَهِي اسْم لحالة الْمَقْتُول الْمَعْنى يَقُول كم من خلاص وعلو لمن خَاضَ المهالك وَكم من قتل مَعَ الذَّم للجبان يَعْنِي كثيرا مَا يخلص خائض المهالك مَعَ مَا يكْسب من الرّفْعَة وَكَثِيرًا مَا يقتل الجبان مذموما
15 - الْغَرِيب المضيم الْمَظْلُوم وَالْبزَّة اللبَاس الْحسن وَيُقَال أَيْضا اللبَاس الْخلق وراقه الشَّيْء أعجبه والدفين المدفون الْمَعْنى يَقُول الْمَظْلُوم الَّذِي لَا يقدر على الدّفع عَن نَفسه كالميت فالميت لَا يعجب يعجب بِحسن كَفنه فَكَذَلِك الْمَظْلُوم لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يعجب بِحسن بزته وَقَالَ الْخَطِيب لَا يعجب الذَّلِيل بِحسن ثَوْبه فَهُوَ مثل الَّذِي دفن وَالْمَيِّت لَا يعجب بِحسن الْكَفَن وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم لَيْسَ جمال الظَّاهِر من الْإِنْسَان مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على حسن فعله وفضله
16 - الْغَرِيب يُقَال عِنْد التَّعَجُّب من شَيْء لله هُوَ وَهَذَا كثير فِي الْكَلَام وَالشعر والإخلاف ضد الإنجاز والمطل تردد الْغَرِيم مطله بِدِينِهِ إِذا مَا داه وَلم يقضه وطابق بَين الِاقْتِضَاء والمطل الْمَعْنى يَقُول الْحَال الَّتِي أطلبها وَأَرْجُو بُلُوغهَا يخلفني فِيهِ الْقَادِر على قَضَائهَا فَلَا ينجز وعدى وَإِذا سَأَلت الدَّهْر أَن يكونها لي مطلني فَكلما اقتضيت دهري بهَا مطلني
17 - الْغَرِيب الْحصن جمع حصان وَهُوَ الذّكر من الْخَيل وَلَا يُسمى بِهِ إِلَّا الذّكر الْفَحْل من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول مدحت قوما لم يستحقوا الْمَدْح لبخلهم وجهلهم وَلَكِن إِن عِشْت غزوتهم بخيل إناث وذكور وَجعل الْخَيل كالقصائد الْمُؤَلّفَة الَّتِي مدحهم بهَا
18 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قوافيها للقصائد وَهِي ابْتِدَاء وَالْخَبَر مقدم وَالْمعْنَى قوافيها تَحت العجاج ومضمرة حَال
(4/213)

الْغَرِيب القوافي جمع قافية وَهِي الْكَلِمَة الَّتِي تكون فِي آخر الْبَيْت والقافية أَيْضا القصيدة وَالْأُذن الْجَارِحَة وتخفف وتثقل وَقَرَأَ نَافِع بِالتَّخْفِيفِ الْمَعْنى يَقُول قوافي القصائد خيل مضمرة تَحت العجاج وَلَيْسَت من القوافي الَّتِي إِذا أنشدت دخلت فِي الْأذن لِأَن هَذِه القوافي خيل ووصفها بالتضمير وَهُوَ مدح للخيل وَكَذَا القوافي فِي الشّعْر إِذا جَادَتْ جاد الشّعْر قَالَ ابْن الْأَعرَابِي استجيدوا القوافي فَإِنَّهَا حوافر الشّعْر وَهَذَا من عَادَة المتنبي التهدد والقعقعة عَن غير أصل
19 - الْإِعْرَاب مدفوعا نصب على الْحَال وَكَذَلِكَ مغرورا الْغَرِيب الْجدر جمع جِدَار وَهُوَ الْحَائِط والدخن الْفساد والعداوة فِي الْقلب وَمِنْه الحَدِيث هدنة على دخن وَكَذَلِكَ الدخل وَهُوَ الْفساد والغش الْمَعْنى يَقُول لست مِمَّن يعتصم فِي الْحَرْب بالجدر فَيدْفَع عَلَيْهَا قَالَ الواحدي روى ابْن جنى مَرْفُوعا بالراء أَي يرفع إِلَى الْجدر فيحارب عَلَيْهَا أَي لَا أصالح أعدائي على بذل الرِّضَا إِذا غدروني ونافقوني
20 - الْغَرِيب الْبَيْدَاء الأَرْض الْبَعِيدَة والصهر الإذابة ويصهره يذيبه وصهرت الشَّمْس دماغه أذابته والهواجر جمع هاجرة الْمَعْنى يَقُول أَنا مخيم على هَذِه الْحَال لَا أركن إِلَى الدعة فِي عَسْكَر عَظِيم تضيق بِهِ الصَّحرَاء يذيبهم حر الهواجر فِي فتن صم شَدِيدَة وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى فِي فتن لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا كالحية الصماء الَّتِي تعجز الراقي
21 - الْغَرِيب باد الشَّيْء هلك وأباده غَيره أهلكه والخصيبي هُوَ الممدوح نِسْبَة إِلَى الْجد الْمَعْنى يَقُول الْكِرَام الَّذين هَلَكُوا ورثوه مكارمهم فَهُوَ يستعملها عِنْد مَا يلْزمه من الْفَرِيضَة وَالسّنة فَصَارَت مَكَارِم الْكِرَام عِنْده تَحت تصرفه
22 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي فهن يعود على المكارم
(4/214)

الْغَرِيب أصل الْحجر الْمَنْع وَحجر القَاضِي على فلَان مَنعه من التَّصَرُّف والمنن جمع مِنْهُ وَهُوَ مَا يمن بِهِ الْإِنْسَان على صَاحبه الْمَعْنى يَقُول المكارم تَحت حجره وتصرفه يستعملها كَيفَ شَاءَ حَيْثُ شَاءَ ولكما عرضت لَهُ الْأَيْتَام بَدَأَ هم بالمجد فِيمَن عَلَيْهِم وَيحسن إِلَيْهِم قَالَ الواحدي وَإِنَّمَا ذكر الْيَتَامَى لِأَنَّهُ يمدح قَاضِيا وَالْقَاضِي متكفل أَمر الْيَتَامَى وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَن المكارم قل راغبوها وَكَانَ لَهَا من الْكِرَام آبَاء فَلَمَّا هَلَكُوا كفلوها هَذَا الممدوح لِأَنَّهُ قَاض والقضاة يتكفلون الْأَيْتَام فجعلوه كفيلها فَهُوَ يُرَبِّيهَا مَعَ سَائِر الْأَيْتَام غير أَنه يُؤثر المكارم بِحسن التربية على سَائِر الْأَيْتَام وَهَذَا معنى قَوْله كلما عرضت لَهُ الْيَتَامَى بَدَأَ بالمجد والمنن أَرَادَ بَدَأَ بالمكارم فَأَقَامَ الْمجد والمنن مقَامهَا لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهَا قَالَ الواحدي قد تكلّف وَلم يعرف الْمَعْنى
23 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ قَاض ذكى فطن إِذا اخْتلف الْأَمْرَانِ عَلَيْهِ واشتبها ظهر لَهُ رأى يفصل بِهِ بَين مَالا يُمكن الْفَصْل فِيهِ وَهُوَ المَاء إِذا اخْتَلَط بِاللَّبنِ
24 - الْغَرِيب الوسن النعاس وَالسّنة مثله وَقد وَسن يوسن فَهُوَ وَسنَان واستوسن مثله والغض الطري الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ليلته طَوِيلَة لسهره فِيمَا يكسبه من الدّين والشرف وَالْفَخْر وَلَيْسَ هُوَ مِمَّن يقصر ليله باللذات وَقَالَ الواحدي فِيهِ وَجْهَان فَذكر هَذَا وَقَالَ الثَّانِي أَرَادَ بِالْفَجْرِ بَيَاض الشيب وبالليل سَواد الشَّبَاب لِأَن بَيَاض الشيب بعيد عَنهُ لِأَنَّهُ شَاب غض الشَّبَاب وَقَوله مُجَانب الْعين أَي عينه بعيدَة عَن النّظر إِلَى مَالا يحل وَعَن النّوم أَيْضا لطول سهره
25 - الْغَرِيب النشح الشَّرَاب الْقَلِيل دون الرّيّ نشح نشحا ونشوحا قَالَ ذُو الرمة
(فانْصَاعتِ الحُقْبُ لمْ تُقْصَعْ ضرَائرُها ... وَقدْ نَشَحْنَ فَلا رِيٌّ وَلا هِيَمُ)
الْمَعْنى يَقُول طَعَامه قَلِيل وَشَرَابه قَلِيل يطعم الطَّعَام الَّذِي يُقيم بِهِ جِسْمه لِأَنَّهُ لَا يَأْكُل للشبع وَلَا يشرب للري وَقَالَ الْحَكِيم النَّاس يحبونَ الْحَيَاة ليأكلوا وَأَنا آكل لأحيا والنشح أول
(4/215)

الشّرْب ثمَّ التغمير ثمَّ الرّيّ ثمَّ النَّقْع والتحبيب ثمَّ البغر - // \. وَهُوَ عَطش يَأْخُذ الْإِبِل فَتَشرب فَلَا تروى وتمرض وَتَمُوت قَالَ الفرزدق
(فَضُلْتُ مَا هُوَ إلاَّ السَّامُ تَرْكَبُهُ ... كَأنَّما المْوتُ فِي أجنْادِهِ البَغرُ)

26 - الْإِعْرَاب الصدْق بِالْجَرِّ وَالنّصب فالنصب على معنى الَّذِي يَقُول الصدْق فَهُوَ يَقُول الصدْق فِي الْحَال والاستقبال فَهُوَ صَادِق على الدَّوَام وَمن جر وَجعله الْمَاضِي مَعْنَاهُ الَّذِي قان الصدْق وَدَلِيل الْخَفْض عجز الْبَيْت وَالْوَاحد الْحَالَتَيْنِ السِّرّ والعلن على الْبَدَل مِنْهُمَا الْغَرِيب السِّرّ مَا يسره الْإِنْسَان والإعلان ضِدّه وأضر بِهِ إِذا حمله على الضّر الْمَعْنى يَقُول هُوَ يَقُول الصدْق وَإِن كَانَ مضرا بِهِ وَلَا يضمر خلاف مَا يظْهر فسره كعلنه والصدق نَافِع وَإِن كَانَ فِيهِ ضَرَر فقد روى أَن الْحجَّاج طلب ولد الربعِي ابْن حِرَاش الْكُوفِي وَكَانَ صَادِقا مَا كذب قطّ فَقيل لَهُ سَله عَنهُ فَإِنَّهُ يصدقك فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج يَا ربعي أَيْن ابْنك فَقَالَ فِي بَيْتِي فَقَالَ قد عَفَوْنَا عَنهُ لصدقك
27 - الْغَرِيب عي بِالْأَمر إِذا عجز عَنهُ والساهي الغافل والذهن الفطن الذكي الْمَعْنى يَقُول يفصل بِرَأْيهِ وَعلمه الحكم الَّذِي عجز عَنهُ السَّابِقُونَ وَيظْهر حق الْخصم الغافل على الْخصم الذكي
28 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مَعْرُوف عِنْد النَّاس بأفعاله الْكَرِيمَة وَقد عرف أَنه من ولد الخصيب فَلَو لم ينتسب مَعَ أَفعاله لعرفناه كَمَا يسْتَدلّ بالغصن على الأَصْل وَهَذَا كَقَوْل حبيب
(فَرُوعٌ لَا تَرِفُّ عَلَيْكَ إلاَّ ... شَهِدْتَ فَانْظُرْ إِلَى طيب الأروم)
وكقول الآخر
(وَإِذا جهلت من امْرِئ أعراقه ... وأصوله فَانْظُر إِلَى مَا يَصْنَعُ)

29 - الْغَرِيب الْعَارِض السَّحَاب والهتن الْكثير الصب هتن الْمَطَر والدمع يهتن
(4/216)

هتونا وهتنا وتهتانا إِذا قطر مُتَتَابِعًا وسحاب هاتن وسحالب هتن كراكع روكع وسحاب هتون وَالْجمع هتن مثل صبور وصبر وَقَالَ ابْن القطاع غلط المتنبي فِي هَذَا الْبَيْت وَكرر غلطه أَربع مَرَّات وَقد أجمع الْعلمَاء أَن اسْم الْفَاعِل من هتن هاتن وَلَا جَاءَ عَن أحد من الْعلمَاء الهتن وَلم يذكرهُ أحد من جَمِيع الروَاة حَتَّى نبهت عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد ابْن جواد كالسحائب جودهم يصب على النَّاس كَمَا يصب السَّحَاب وَعَابَ قوم هَذَا الْبَيْت عَلَيْهِ وَقَالُوا من العي تكْرَار اللَّفْظ فَسمِعت شَيْخي أَبَا الْفَتْح نصر بن مُحَمَّد الْوَزير الْجَزرِي يَقُول إِن كَانَ هَذَا عيا فَحَدِيث النَّبِي
أَصله فقد قَالَ رَسُول الله
يُوسُف الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم وَإِنَّمَا تكَرر الْأَلْفَاظ لشرف الْآبَاء
30 - الْغَرِيب المغار الْحَبل الشَّديد الفتل والقرن الْحَبل الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مثل يُرِيد أَنهم ضبطوا الْعلم وقيدوا بِهِ الْأَحْكَام فَيكون التَّقْدِير على مَا قَالَ أول أَحْكَام الدُّنْيَا أَي الْأَحْكَام الَّتِي تكون فِي الدُّنْيَا وتجري فِيهَا وَالْمعْنَى أَن آباءه كَانُوا عُلَمَاء وَقَالَ ابْن فورجة مدحهم بِرِوَايَة الحَدِيث يَعْنِي أَنهم ضابطون للأيام عارفون بالأخبار وَقَالَ الواحدي أظهر من الْقَوْلَيْنِ أَنه مدحهم بِكَثْرَة التجارب وَالْعلم بالدنيا يَقُول أحاطوا علما بأحوال الدُّنْيَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا وَيدل على صِحَة هَذَا قَوْله كَأَنَّهُمْ الخ
31 - الْإِعْرَاب كَانَ هُنَا تَامَّة بِمَعْنى حدث وَوَقع تكتفي بالفاعل الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّهُمْ شاهدوا أَولهَا فقضوا فِيهَا بِخَبَر وعيان لعلمهم بأحوال الدُّنْيَا والأمور كَأَنَّهُمْ قد شاهدوا أَولهَا فَكَانُوا قبل أَن كَانُوا لأَنهم إِذا علمُوا أَحْوَال الماضين فكأنهم كَانُوا مَعَهم فِي عصرهم أَو كَانَ فهمهم مَوْجُودا فِي الْأَيَّام الَّتِي لم يكن فِيهَا مَوْجُودا لأَنهم فَهموا مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام
32 - الْغَرِيب خطر يخْطر إِذا مَشى خطرانا وخطر يخْطر بِالضَّمِّ إِذا خطر ببالي وَقد جمعه الحريري وَأحسن بقوله
(4/217)

(فَكَمْ أخْطِرُ فِي بالٍ ... وَلا أخْطُرُ فِي بالٍ)
والجنن جمع جنَّة وَهِي مَا استتر بِهِ من السِّلَاح والمحامد جمع محمدة وَهُوَ مَا يحمد بِهِ الْإِنْسَان من فعل الْمَعْنى يَقُول محامدهم تَقِيّ أعراضهم فهم يَمرونَ على أعدائهم متبخترين وَعَلَيْهِم من المحامد مَا هُوَ أمنع من الجنن يقي أعراضهم الذَّم
33 - الْغَرِيب الجباه جمع جبهة وَهِي مَوضِع السُّجُود من الْوَجْه والغضن تكسر جلد الْجَبْهَة وَيكون ذَلِك عِنْد العبوس وَيَزُول عِنْد الْفَرح والاستبشار الْمَعْنى يَقُول إِذا أقبل على الوافدين إقبالا يفرحون بِهِ فيزول بذلك حزنهمْ وتنبسط وُجُوههم وَوجه المسرور يكون طلقا بشا والمحزون أبدا يكون وَجهه معبسا منزوى جلدَة الْوَجْه
34 - الْمَعْنى يُرِيد أَن مَاله يقرب من القَاضِي كقربه من الداني وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عرفه يُسَافر ويصل إِلَى من نأى عَنهُ فَكَأَنَّهُ يوصله إِلَيْهِم من راحتيه فعطاؤه بالبعد كعطائه بِالْقربِ وَكَذَا ذكره الواحدي وَأما ذكره هذَيْن الإقليمين دون غَيرهمَا فَلَمَّا بَينهمَا من الْبعد فإقليم الرّوم هُوَ الْقَرِيب مِنْهُ واليمن هُوَ الْبعيد عينه ليطابق بَين الْقرب والبعد وَأَن عطاءه يعم الْقَرِيب والبعيد
35 - الْغَرِيب اللثق الوحل الَّذِي يبْقى من أثر السَّحَاب وَهُوَ الطين الَّذِي يصير ن تُرَاب الأَرْض بِمَاء السَّحَاب والمزن جمع مزنة وَهِي السَّحَاب قَالَ الله تَعَالَى {ءأنتم أنزلتموه من المزن} والسفن جمع سفينة الْمَعْنى يَقُول لم نعدم من الْغَمَام بِوُجُود هَذَا الممدوح إِلَّا الطين الَّذِي يبْقى فِي الأَرْض وَلَا من الْبَحْر إِلَّا الرّيح الَّذِي يكون فِيهِ السفن وَهَذَا غمام وبحر وَقَوله بك بِمَعْنى فِيك وحروف الْجَرّ يقوم بَعْضهَا مقَام بعض
36 - الْمَعْنى وَلم نعدم بوجودك من اللَّيْث وشجاعته وإقدامه إِلَّا قبح منظره وَلم نعد م برؤيتك شَيْئا من الْأَشْيَاء الْحَسَنَة فَجَمِيع محَاسِن الدُّنْيَا فِيك مجتمعة وَأجل بعد التَّفْصِيل بقوله وَمن سواهُ فيمَ يبْق شَيْئا وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
(4/218)

- الْإِعْرَاب مُنْذُ ومذ عِنْد أَصْحَابنَا مركبان من من وَإِذ فيرتفع مَا بعدهمَا بِفعل مُقَدّر مَحْذُوف وَقَالَ الْفراء بِتَقْدِير مُبْتَدأ وَقَالَ البصريون هما اسمان يرْتَفع مَا بعده أخبرا عَنْهُمَا ويكونان حرفي جر فَيكون مَا بعدهمَا مجرورا بهما وَلنَا فِي هَذَا كَلَام طَوِيل وَلَهُم كَذَلِك وَقد ذكرنه قل هَذَا فأغنى عَن الْإِعَادَة الْغَرِيب الاحتباء أَن يجمع الرجل ظَهره وساقيه بحمائل سَيْفه أَو بغَيْرهَا وَقد يحتبي بيدَيْهِ وَالِاسْم الحيوة والحبوة يُقَال حل حبوته وحبوته وَالْجمع حبي بِكَسْر الْحَاء عَن يَعْقُوب وَبِضَمِّهَا ذكرهَا فِي الْإِصْلَاح وأنشدوا بَيت الفرزدق فِي الْوَجْهَيْنِ
(وَما حُلَّ مِنْ جَهْلٍ حِبي حُلمائنا ... وَلا قائِلُ المعْرُوفِ فيِنا يٌ عَنَّفُ)
والأوتار جمع وتر وَهِي الْعَدَاوَة والهدن جمع هدنة وَهِي السّكُون بَين الْمُحَاربين الْمَعْنى يَقُول للممدوح مُنْذُ جَلَست مُحْتَبِيًا للْحكم بِهَذِهِ الْبَلدة وَهِي أنطاكية وَكَانَت من أَعمال حلب وَهِي بِالْقربِ مِنْهَا بَينهمَا ثَلَاثُونَ ميلًا اسْتَوَى أمرهَا واستقام أَهلهَا وَزَالَ مَا كَانَ بَينهم من الْخلاف وَالظُّلم والحقد وَذَلِكَ بعد لَك وَحسن سيرتك فيهم
38 - الْغَرِيب الأطواد جمع طود وَهُوَ الْجَبَل وقرعت من قرع الرَّأْس إِذا لم ينْبت الشّعْر وَالسُّجُود أَصله الخضوع والقنن جمع قنة وَهِي أَعلَى الْجَبَل وَقيل أَيْضا القنة الْجَبَل المستطيل الْمَعْنى يَقُول للممدوح لما مَرَرْت على الْجبَال وَإِن كَانَت لَا تعقل عرفت أَنَّك فَوْقهَا وَأَعْلَى مِنْهَا وارجح حلما فخضعت لَك وَهَذَا من الْمُبَالغَة وَبَالغ فِي السُّجُود حَتَّى عداهُ من الجبين إِلَى الرَّأْس أَي فَمن كَثْرَة توالي السُّجُود عَلَيْهَا قرعت لِكَثْرَة الخضوع فَهِيَ لَا نبت فِي أَعلَى رءوسها
39 - الْغَرِيب الْمَوَاهِب جمع موهبة والصنع الصَّانِع الحاذق بِيَدِهِ وَمِنْه قَول أبي ذويب
(وَعَلَيْهما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ... دَاوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوَابغِ تُبَّعُ)
والمهن جمع مهنة وَهِي الْخدمَة والتبذل فِي التَّصَرُّف الْمَعْنى يَقُول للممدوح قد أغنت مواهبك الصناع عَن الْعَمَل وَأَن يخْدم النَّاس بَعضهم بَعْضًا فقد خلت الْأَسْوَاق من الصناع اسْتغْنَاء بِعَطَائِك لِأَن عطاءك قد انْتَشَر بَين النَّاس حَتَّى أصَاب أهل الْأَسْوَاق مِنْهُ مَا استغنوا بِهِ عَن المعاش وَالْعَمَل وَاسْتغْنى الْفَقِير بِهِ عَن خدمَة النَّاس
40 - الْمَعْنى يَقُول جودك هَذَا جود من يعلم أَن المَال حَادث فَهُوَ يجود بِهِ ليحرز الْحَمد وَالْأَجْر لِأَنَّهُ لَيْسَ من دهر على ثِقَة وزهدك زهد من يعلم أَن الدُّنْيَا دَار فنَاء وَمحل نقلة وَدَار رحْلَة فَلَا يشْتَغل بعمارتها وَلَا يجمع فِيهَا مَالا وَقد جمع فِي هَذَا الْبَيْت مَعَاني كَثِيرَة فِي ذمّ الدُّنْيَا وَبَالغ فِي الْوَعْظ مَعَ اخْتِصَار اللَّفْظ
41 - الْغَرِيب المنن جمع منَّة وَهِي الفوة والبشر الْخلق يُقَال للْجمع وَالْوَاحد قَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن أهل مَكَّة إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر وَقَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن النسْوَة مَا هَذَا بشرا الْمَعْنى لَك هَيْبَة وعظمة فِي قُلُوب النَّاس لم يؤتها أحد واقتدار على الفصاحة إِذا نطقت لم تكن فِي قُوَّة لِسَان
42 - الْإِعْرَاب الأَصْل أومىء قَالَ أَبُو الْفَتْح حذف الْهَمْز ة ضَرُورَة وَيحْتَمل أَن يكون جَاءَ بِهِ على أَو ميت وَقد جَاءَ فِيمَا روينَاهُ وأومىء بِالْهَمْزَةِ وَيصِح بِهِ الْوَزْن الْغَرِيب حضن جبل بِأَعْلَى نجد وَقد جَاءَ فِي الْمثل أنجد من رأى حضينا يُرِيد من رَآهُ حصل بِنَجْد وَيُقَال هَذَا الْمثل للَّذي يبلغ حَاجته وَإِن كَانَ فِي غير بِلَاد نجد وَلَا قَرِيبا مِنْهَا الْمَعْنى يَقُول لَهُ مر من شِئْت وأوم فَإنَّك مُطَاع وَجعله جبلا لثباته ووقاره
(4/219)

- 1 الْغَرِيب الْبَين الْبعد والفراق والأجفان جمع جفن الْإِعْرَاب تدمي فِي مَوضِع نصب صفة لأجفانا كَأَنَّهُ قَالَ أجفانا دامية وَقَالَ الحطيب أَرَادَ أَن تدمى فَحذف أَن
(4/220)

الْمَعْنى يَقُول الْفِرَاق قد علم أجفانا الْفِرَاق فَمَا تلتقي سهرا وَجعل الْفِرَاق يؤلف الْحزن إغرابا فِي الصَّنْعَة وَمثله
(تَصَارَمَت الأجفْانُ لَمَّا صَرَمتْنِي ... فَما تَلَْقِي إلاَّ عَلى عَبَرةٍ تَجْرِي)

2 - الْغَرِيب المعصم مَوضِع السوار ولبث يلبث أَقَامَ والحي النَّاس النازلون والظاعنون وَالْجمع أَحيَاء وحار يحار حيرة وحيرا تحير فِي أمره فَهُوَ حيران وَقوم حيارى وحيرته أَنا فتحير وَرجل حائر بائر إِذا لم يتَّجه لشَيْء الْمَعْنى يَقُول تمنيت ورجوت عِنْد رحيلهم أَن تكشف معصمها ليراه الْقَوْم فيففوا عَن الرحيل متحيرين فأتزود سَاعَة من مقَامهَا
3 - الْغَرِيب تاه يتوه ويتيه إِذا تحير وأتاهه غَيره وتيهه وتوهه والصون الْحِفْظ وصنته حفظته وأخفيته الْمَعْنى يَقُول لَو ظَهرت هَذِه المحبوبة لَهُم لحيرتهم وَلَكِن حجبها صون صان عُقُولهمْ من لحظها يُرِيد أَنَّهَا صانت نَفسهَا عَن البروز والظهور واللحظ مصدر يجوز أَن يكون هُنَا مُضَافا إِلَى الْفَاعِل ومضافا إِلَى الْمَفْعُول أَي لَو لحظتهم لأخذت عُقُولهمْ من لحظها أَو لحوظها لطارت عُقُولهمْ
4 - الْغَرِيب الواخدات الْإِبِل وأصل الوخد للنعام وَاسْتعْمل فِي سير الْإِبِل وخد الْبَعِير يخد وخدا ووخدانا وَهُوَ أَن يَرْمِي بقوائمه مثل مَشى النعام فَهُوَ وأخد ووخاد والخدر خدر الْمَرْأَة وَهُوَ مَا يكنها ويحجبها وحشى بِكَسْر الشين فَهُوَ حش وحشيان إِذا أَصَابَهُ الربو وعلاه البهر قَالَ الشماخ
(تُلاعِبُنِي إذَا مَا شِْتُ خَوْدٌ ... عَلى الأنْماطِ ذَاتُ حَشىً قَطيِعِ)
أَي ذَات نفس مُنْقَطع من سمنها وَأنكر بعض من لَا يعرف اللُّغَة على أبي الطّيب لَفْظَة حشيان وَقَالَ لم أسمعها وَلم يسمع قَول الآخر
(فَنْهنَهْتُ أولى القومْ عني بِضَرْبَةٍ ... تَنَفَّسَ مِنها كُلُّ حَشْيانَ مُحْجِرِ)
الْمَعْنى أفدى بِالْإِبِلِ الواحدات وبحاديها وبنفسي قمرا يظل من سير الْإِبِل حشيان لترفه وَلِأَنَّهُ لم يتعود السّير وَلَا ركُوب الْإِبِل
(4/221)

قَالَ الواحدي ويروى خشيان بِالْخَاءِ أَي أَنه يخْشَى من سرعَة سير الْإِبِل وهزها لَهُ وَهُوَ غير متعود لذَلِك
5 - الْغَرِيب نضا الشَّيْء عَنهُ خلعه وأزاله ونضا ثَوْبه خلعه قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فَجِئْتُ وَقدْ نضتْ لِنَوْمٍ ثِيابها ... لَدى السَّترِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضلِّ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا خلع الثِّيَاب عريت من محاسنه لِأَنَّهُ يزين الثِّيَاب بحسنه وَإِذا عرى من الثِّيَاب كَانَ مكسوا بِحسن تَقول كسوته ثوبا وكسى يكسى فَهُوَ كاس
6 - الْغَرِيب الأعكان جمع عكنة وَهُوَ مَا يتكسر فِي أَسْفَل الْبَطن من الشَّحْم وَيجمع على عُكَن أَيْضا وَمِنْه الحَدِيث أَن رجلا كَانَ عِنْد أم سَلمَة وَكَانَ يُقَال إِنَّه من غير أولى الإربة فَقَالَ لعبد الله بن أبي أُميَّة أخي ام سَلمَة إِذا فتح الله عَلَيْكُم الطَّائِف أدلك على ابْنة غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان فَلَمَّا سَمعه رَسُول الله
قَالَ لَا يدْخل هَذَا عليكن الْمَعْنى يَقُول إِن الْمسك المحبته لَهَا يضمها ضم المستهام بهَا حَتَّى يصير الْمسك أعكانا على أعكان بَطنا الْمَعْنى يَقُول كنت أَخَاف على عَيْني من الْبكاء فَلَمَّا افترقنا هان على كل عَزِيز لبعدكم وَهَذَا مَنْقُول من قَول أبي نواس الْحسن بن هانىء فِي الْأمين
(وكُنْتُ عَلَيْهِ أحْذرُ المَوْتَ وَحْدَهُ ... فَلَمْ يَبْقَ لي شَيءٌ عَلَيْهِ أُحاذِرُ)
وَأَخذه أَبُو نواس من قَول امْرَأَة من الْعَرَب
(كُنْتَ السَّوادَ لنِاظرِي ... فَعَلَيْكَ يَبْكِي النَّاظِرُ)

(مَنْ شَاءَ بَعْدَك فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحاذِرُ)

8 - الْغَرِيب البوارق جمع بارقة وَهِي الَّتِي تكون فِي السَّحَاب والأخلاف الضروع واستعار لَهَا أخلافا الأنها تَغْدُو النَّبَات كَمَا تَغْدُو الْأُم بالإرضاع وَلَدهَا
(4/222)

الْمَعْنى يَقُول هَذِه البوارق إِذا برقتْ بشرتكم بالقطر فَهِيَ تهدي إِلَيْكُم المَاء وتنبت لكم الْكلأ وتهدي لمن يحبكم نيران الشوق بتذكركم لِأَنَّهَا تلمع من نحوكم الَّذِي ارتحلتم إِلَيْهِ فيتجدد عِنْدهَا الشوق وَالْعرب تذكر موَاضعهَا وديارها بلمع البروق وَهُوَ فِي أشعارها
9 - العريب قدمت تقدّمت وقدمت وَردت وشيعني تَبِعنِي وَمِنْه شيعَة الرجل التابعون لَهُ الْمَعْنى يَقُول لي قلب يطيعني ويتبعني فِي كل هول إِلَّا على السلو فَإِنَّهُ لَا يطيعني بل يخوني وَفِيه نظر إِلَى قَول البحتري
(أحْنُو عَلَيْكِ وَفي فُؤَادي لَوْعَةٌ ... وَأصُدُّ عَنْكِ وَوَجْهُ وُدّيَ مُقبِلُ)

(وَإذا طَلَبْتُ وِصالَ غيرِكِ رَدَّني ... وَلَهٌ عَلَيْكِ وَشافعٌ لكِ أوَّلُ)

10 - الْغَرِيب أبدو أظهر وإهوانا جَاءَ بِهِ على الأَصْل أهونته إهوانا كَقَوْل آخر
(صَدَدْتَ فاطْوَلتَ الصدُودَ وَقلَّما ... وِصالٌ عَلى طولِ الصدُّودِ يَدُومُ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا طهرت للَّذي يذكرنِي بالسوء فِي غيبتي عظمني وخضع لي وَأعْرض عَنهُ وَعَن عتابه إهانة لَهُ واحتقار بِهِ لِأَنَّهُ لَا يقدر أَن ينظر إِلَى فِي حضرتي إِذا كنت شَاهدا
11 - الْغَرِيب الوطن الْمنزل الَّذِي يتوطنه الْإِنْسَان والنفيس الْعَزِيز الْكَرِيم الْمَعْنى يَقُول أَنا فِي وطني وَبَين أَهلِي غَرِيب قَلِيل الْمُوَافق والمساعد وَالرجل الْعَزِيز الْكَرِيم غَرِيب فِي وَطنه وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(غَرَّبَتْهُ الْعلَا عَلى كَثرَتِ الأهْلِ ... فَأضْحَى فِي الأقْلاَبِين جَنَيبا)

(فَلْيَطُلْ عُمْرُهُ فَلَوْ ماتَ فِي مرْ ... وَمُقِيما بِها لَماتَ غِرِيبا)

12 - الْإِعْرَاب رفع محسد على خبر ابْتِدَاء تَقْدِيره أَنا محسد الْفضل الْغَرِيب أثرى خَلْفي وَوقت خروجي من مشْهد والكمى الرجل الْمُسْتَتر بسلاحه وحان حِينه إِذا قرب أَجله وَوَقته قَالَت بثينة
(4/223)

(وَإنَّ سُلُوّى عَنْ جَمِيلٍ لَساعَةٌ ... منَ الدَّهرِ مَا حانَتْ وَلا حَان حِينْها)
الْمَعْنى يَقُول أَنا مَحْسُود لفضلى ومكذوب على إِذا خرجت من مَوضِع لخوفهم مني وَلَا يقدر أحد أَن يدركني والشجاع إِذا حَان وقته وأجله لَقِيَنِي فِي معركة وَصدر الْبَيْت من قَول التغلبي
(يَغْتاب عِرْضِيَ خالِيا ... وَإذا يُلاقِينا اقْشَعَرْ)
وَمن قَول سُوَيْد بن أبي كَاهِل
(وَيُحَيِّيِي إذَا لاقَيْتُهُ ... وَإذَا يَخْلُو لَهُ لَحمِي رَتَعْ)

13 - الْإِعْرَاب ذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن همزَة أشرئب أَصْلِيَّة وَهِي تزاد فِي مثل هَذَا الْموضع كثيرا نَحْو قَوْله اطْمَأَن وازمأر إِذا تهَيَّأ لِلْقِتَالِ واشمأز من الشَّيْء إِذا تقبض وَهَذِه الْأَمَاكِن تشهد لَهَا بِالزِّيَادَةِ لَا سِيمَا وَالْعرب إِذا اضطرت همزت أفعالا فَقَالَت أحمأر واسوأد الْغَرِيب أشرئب أتطلع إِلَى الشَّيْء وحسران فعلان من الْحَسْرَة الْمَعْنى يَقُول لَا أتطلع إِلَى شَيْء وَلَا أتحسر على شَيْء فَلَا أتطلع إِلَى مَا لم يفت وَلَا أتحسر على مَا فَاتَ وَهُوَ من قَول عبد القدوس
(إنَّ الغَنِيَّ الَّذِي يَرْضَى بِعِيشَتِهِ ... لَا منْ يَظَلُّ عَلى مَا فاتَ مُكْتئبا)

14 - الْمَعْنى يَقُول لَا أفرح بِمَا آخذه من غَيْرِي لِأَنَّهُ هُوَ الْمَحْمُود على عطائه وَلَو مَلأ الدَّهْر لي عَطاء والحميد هُوَ الْمَحْمُود
15 - الْغَرِيب الركاب الْإِبِل وقلقلن خركن والكيران جمع كور هُوَ رَحل الْجمل يُقَال كور وأكوار وكيران الْمَعْنى يَقُول لَا أقصد مَا حييت وَلَا قلقك ركابي أكوارها وَهَذَا قَوْله وَقد قصد بعد هَذَا جمَاعَة بل يشْهد لَهُ آخر الشّعْر
16 - الْإِعْرَاب بعرانا حَال من النَّاس
(4/224)

الْغَرِيب الْبَعِير من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان من النَّاس يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير وَحكى عَن بعض الْعَرَب صرعتي بَعِيري أَي نَاقَتي وشربت من لبن بَعِيري وَالْجمع أَبْعِرَة وأباعرة وبعران الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لَو قدرت لأظهرت مَا وَرَاء ظواهرهم من الْمعَانِي الْبَهِيمَة وَإِظْهَار ذَلِك بإجرائهم مجْرى سَائِر الْحَيَوَان بالركوب وَإِنَّمَا كنت أفعل ذَلِك لِأَنَّهُ أَعقل لَهُم وَقَالَ ابْن عباد فِي هَذَا الْبَيْت أَرَادَ أَن يزِيد على الشُّعَرَاء فِي ذكر المطايا فَأَنِّي بأخزى الخزايا فَقَالَ مَا قَالَ وَمن النَّاس أمة فَهَل ينشط لركوبها وللمدوح عصبية لَا يحب أَن يركبهم إِلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالَ لِأَن الشَّاعِر إِذا ذكر النَّاس فَإِنَّهُ يخرج من جُمْلَتهمْ كثيرا من النَّاس كَمَا قَالَ السّري
(إِلَّا أنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيَّاً ومَيتا ... أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاسِلِ)
لم يفضل السرى أحدا على رَسُول الله
وَأَصْحَابه بِهَذَا الْبَيْت وَإِن كَانَ قد أكد بقوله حَيا وَمَيتًا وَقد خصص أَبُو الطّيب فِي الْبَيْت الثَّانِي
17 - الْغَرِيب العيس الْجمال الْبيض يخالط بياضها شَيْء من الشقرة وَاحِدهَا أعيس وَالْأُنْثَى عيساء قَالَ الشَّاعِر
(أقُولُ لِخازِبيْ هَمْدَانَ لَمَّا ... أثارَا صِرْمّةً حُمْراً وعِيسا)
وَقَوله عميانا أفعل إِذا كَانَ وَصفا فَجَمعه على فعل كأحمر وحمر قَالَ الله تَعَالَى {صم بكم عمي} وَقد جَاءَ فِي جمع أَحْمَر وأقرع حمْرَان وقرعان وَكَذَلِكَ عُمْيَان وَقد نطق بِهِ أفْصح الْكَلَام فِي قَوْله صمًّا وعميانا الْمَعْنى أَنه لما ذكر الْإِبِل شفعه بتفضيل العيس على قوم رَآهُمْ عميانا عَمَّا يرَاهُ هَذَا الممدوح لَا يَهْتَدُونَ إِلَى فعله وَأَرَادَ أَنه يمتطي النَّاس اللئام إِلَى هَذَا الممدوح صَاحب الْإِحْسَان الَّذِي عمى عَنهُ هَؤُلَاءِ
18 - الْغَرِيب الْجواد الَّذِي يجود بِمَالِه والأقران جمع قرن بِالْفَتْح إِذا كَانَ على سنه وبالكسر إِذا كَانَ كفؤه فِي الْحَرْب الْمَعْنى يُرِيد أَنه فَوق كل جواد وَفَوق كل شُجَاع وَإِن قل أَن يُقَال لَهُ
(4/225)

أَنْت الْجواد وَأَن الشجاع وَإِن لم يرض قرناؤه من النَّاس فَهُوَ فِي جوده وشجاعته لم يلْحقهُ جواد وَلَا شُجَاع
19 - الْغَرِيب الْمعد بِالْكَسْرِ الَّذِي يَجْعَل الْأَشْيَاء عدَّة والمعد بِالْفَتْح الَّذِي يَجْعَل عدَّة فَمن كسر فَهُوَ وصف للمدوح وَمن فتح كَانَ وَصفا لِلْمَالِ وقنوت الشَّيْء أقنوه قنوا وعزيت الرجل سليته عَن حزنه الْمَعْنى يَقُول مَاله لنا وَنحن أَحَق بِهِ وَهُوَ عدَّة لمن يَقْصِدهُ فَلَو أُصِيب بِشَيْء مِنْهُ صلح أَن يعزى العافين لِأَنَّهُ مَا لَهُم وَإِنَّمَا ذهب من أَيْديهم لَا من يَده وَقَوله عزانا مَاض مُرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل أَي يصلح أَن يغرينا كَمَا تَقول لمن وَقع فِي هلكة قد هلك فلَان وَلم يهْلك بعد وَإِنَّمَا قَارب الهلكة
20 - الْغَرِيب الأنامل أَطْرَاف الْأَصَابِع الْوَاحِدَة أُنْمُلَة الْمَعْنى يَقُول إِن الزَّمَان فِي يَده وَفِي تصرفه فَهُوَ يصرفهُ على إِرَادَته فَكَأَن أنامله أزمان للأزمان لتقليبها إِيَّاه والأزمان يقلب الْأَحْوَال وأنامله تقلب الزَّمَان فَكَأَنَّهَا أزمان للأزمان
21 - الْغَرِيب الوغى الْحَرْب والنازلات جمع نازلة وَهِي مَا ينزل بالإنسان من الْحَوَادِث وجذلانا فَرحا مُسْتَبْشِرًا الْمَعْنى يَقُول هُوَ شُجَاع جلد يلقى الْأَشْيَاء الصعبة فَرحا مَسْرُورا
22 - الْغَرِيب قَوْله محتميا يُرِيد موقدا شَدِيد الْحَرَارَة لحدة قلبه وذكائه والبشر طلاقة الْوَجْه وتهلله وَمِنْه سميت الْبشَارَة لِأَن الَّذِي يبشر يحسن وَجهه والنشوان السَّكْرَان من الْخمر وَرجل نشوان بَين النشوة وَقَالَ يُونُس يجوز فِيهِ النشوة بِالْكَسْرِ الْمَعْنى يَقُول تحسبه من توقد ذكائه متو قداو من كرمه وَظُهُور بشره كَأَنَّهُ سَكرَان
23 - الْغَرِيب الحبر جم حبرَة وَهِي ثِيَاب تعْمل بِالْيمن جمعهَا حبر وحبرات والقينات جمع قينة وَهِي الْمُغنيَة ورفل فِي ثِيَابه يرفل إِذا أطالها وجرها متبخترا فَهُوَ رافل ورفل بِالْكَسْرِ رفلا خرق فِي لبسه فَهُوَ رفل والأرسان جمع رسن وَهُوَ الْحَبل الْمَعْنى يَقُول جَمِيع مَا نَحن فِيهِ من النعم وَمَا يلْبسهُ الْجَوَارِي وتجره الْخَيل من نعْمَته
(4/226)

- الْغَرِيب المبشر الَّذِي يَأْتِي بالبشارة والقصاد جمع قَاصد وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدهُ لنواله الْإِعْرَاب نصب عطشانا على الْحَال من الممدوح الْمَعْنى يَقُول لكرمه ومحبته لمن يَقْصِدهُ إِذا بشره أحد بقدومه أعطَاهُ قبل مَا يعْطى القاصد وَيكون كمن بشره بِالْمَاءِ وَهُوَ فِي فلاة عطشان لفرحه بالقصاد وَهُوَ من قَول حبيب
(تُبَشِّرُهُ خُدَّامُهُ بِعُفاتِهِ ... كَمَا بَشَّرَ الظَمْآنَ بالماءِ وَاشِلُهْ)

25 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مثلهم عَائِد على الْقَوْم وعدنان فِي مَوضِع جر لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف وَهُوَ بدل من الغر الْغَرِيب بني الْحسن قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ الممدوح من ولد الْحسن بن عَليّ عَلَيْهِمَا السَّلَام وَالْحُسْنَى الْجنَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى} وَقَوله {فَلهُ جَزَاء الْحسنى} فِي قِرَاءَة حَفْص وَحَمْزَة وَعلي بِنصب الْمصدر وتنوينه وَتَقْدِيره فَلهُ الْحسنى جَزَاء والغر الْكِرَام الْمَعْنى يَقُول جَزَاء بني الْحسن الْجنَّة لأَنهم من قوم كرام فهم خير قَومهمْ وقرمهم خير بني عدنان الغر
26 - الْغَرِيب شيد رفع والإشادة رفع الصَّوْت بالشَّيْء وأشاد بِذكرِهِ أَي رفع من قدره والسالف وَاحِد السّلف وهم الَّذين مَاتُوا والآن السَّاعَة وَالْوَقْت الَّذِي أَنْت فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى {آلآن وَقد عصيت} الْآيَة الْمَعْنى يَقُول قد ورثرا مجد آبَائِهِم فَمَا رفع الله لِآبَائِهِمْ من مجد فَهُوَ لَهُم الْيَوْم نرَاهُ لأَنهم حاموا على شرف آبَائِهِم وأحسابهم فَلم يهدموه فَمَا اجْتمع فِي آبَائِهِم من الشّرف وَالْفضل فَهُوَ فيهم الْآن
27 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا تَفْصِيل مَا أجمله فِي الْبَيْت الَّذِي قبله يَعْنِي أَنهم كتاب فضلاء شجعان كآبائهم فهم فرسَان البلاغة وَالْكِتَابَة وَالْحَرب وَلَيْسَ يُرِيد بقوله لقوا من ملاقاة الأقران فِي الْحَرْب لِأَنَّهُ ذكر الْحَرْب بعده وَإِنَّمَا يُرِيد ملاقاة الأقران فِي المخاطبة والمكالمة وَقد فسر فِي المصراع الثَّانِي
(4/227)

- الْغَرِيب الخرصان جمع خرص وَهُوَ هُنَا السنان وَفِي غير مَا هُنَا مَا على الْجُبَّة من حَلقَة السنان وَوَاحِد الخرصان خريص وخرص الْمَعْنى يَقُول ألسنتهم مَاضِيَة نَافِذَة كَأَنَّهَا أسنتهم وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(وَإذا تألَّقَ فِي النَّدِىّ كَلامُهُ ... المَصْقُولُ خِلْتَ لِسانَهُ منْ عضْبهِ)

29 - الْغَرِيب الظمأ الْعَطش ونشقت أنشق مثل شمت أَشمّ والخطى وَاحِد الرماح الخطية تنْسب إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول لسُهُولَة أَمر الْحَرْب عَلَيْهِم صَار عِنْدهم الْمَوْت كَالْمَاءِ العطشان والرماح كالريحان الَّذِي يشم كل هَذَا لحرصهم على الْمَوْت وَهُوَ من قَول البحتري
(يَتَزَاحَمُونَ عَلى القِتالِ لَدَى الوَغَى ... كَتزَاحُمِ الإبِلِ العِطاشِ بمَوْرِدِ)

30 - الْإِعْرَاب الكائنين نصب على الْمَدْح الْغَرِيب العدى جمع عَدو وطابق بَين الْعَدو وَالْأَخ يُقَال آخيت وواخيت الْمَعْنى يَقُول أعنى الكائنين أَي يكونُونَ لمن عاديت أَعدَاء وَلمن آخيت إخْوَانًا وَمثل هَذَا قَول أبي عبَادَة البحتري
(أخٌ ليَ لايُدْني الَّذِي أَنا مُبْعِدٌ ... لِشَيْء وَلا يْرضَى الَّذِي أَنا ساخِطهْ)

31 - الْغَرِيب خلائق جَمِيع خَلِيقَة وَهِي الْخلق وَلَيْسَت من الْخِصَال لِأَن السجايا الحسان قد تكون فِي الصُّور القبيحة والزنج جنس من السودَان فهم أقبح السودَان وُجُوهًا وأغلظهم شفاها وظمى الشفاه دقاق الشفاه مَعَ سَمُرَة وَقيل هُوَ مثل اللمى وغران جمع أغر وَهُوَ الْأَبْيَض وَلَا تَجْتَمِع جعودة الشّعْر مَعَ بَيَاض الْوَجْه والزنج يُوصف بغلط الشفاه تَشْبِيها بمشافر الْجمل قَالَ الفرزدق
(فَلوْ كُنْتَ ضَبيِّا عرَفْتَ قَرَابَتِي ... وَلكِنَّ زَنجِيا عَظِيمَ المشافِرِ)
الْمَعْنى يَقُول لَو أَن خلقهمْ للزنج حسنت مَعَ جعودة شُعُورهمْ قَالَ الواحدي هَذَا القَوْل وَقَالَ كَانُوا أحسن خلق الله إِلَّا أَن الخليقة بِمَعْنى الْخلقَة
(4/228)

لَا تصح وَإِذا حملت الخليقة على السجايا فسد معنى الْبَيْت لِأَن الْخلقَة لَا تَتَغَيَّر بالسجية انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع قد أَخذ عَلَيْهِ فِي قَوْله خلائق الخ إِذْ كَأَنَّهُ قَالَ لَا نقلبوا من الجعودة إِلَى الجعودة لِأَن شُعُور الزنج جعاد وَالْمعْنَى أَنهم انقلبوا إِلَى جد الِاعْتِدَال لِأَن شُعُور الزنج زَائِدَة الجعودة وَالْمعْنَى أَنهم قوم لَهُم محامد وخصال جميلَة فَلَو حواها الزنج على قبح صورهم غطت قبائحها وصاروا عِنْد النَّاس لمحبتهم كمن خلقتهمْ خلقَة حَسَنَة وصاروا مَعَ سوادهم مثل الْبيض وَمَعَ غلظ شفاههم مثل ظمى الشفاه وَيدل على مَا قُلْنَاهُ مَا بعده
32 - الْغَرِيب اليلمعي والألمعي الحاد الفطنة وَهُوَ الَّذِي يظنّ الشَّيْء فَيصح ظَنّه وَقَوله اضطرارا هُوَ ضد الِاخْتِيَار ونصبه على الْحَال من الضَّمِير فِي تحبهم الْمَرْفُوع وأقصيت الشَّيْء أبعدته والشنآن البغض ويحرك ويسكن وبالتسكين قَرَأَ عبد الله بن عَامر وَأَبُو بكر عَن عَاصِم الْإِعْرَاب رفع أنفس عطف على خلائق وَهُوَ خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَي لَهُم خلائق وأنفس وَنصب شنآنا لِأَنَّهُ يحْتَمل ثَلَاثَة أوجه أَن يكون مصدرا وَأَن يكون تمييزا وَأَن يكون مَفْعُولا لأَجله الْمَعْنى يَقُول لَهُم أنفس ذكية فطنة تحبهم لأَجلهَا ضَرُورَة وَلَو أبعدوك وأبغضوك
33 - الْإِعْرَاب نصب الواضحين على الْمَدْح الْغَرِيب أبوات جمع أبوة وأجبنة جمع جبين وألبابا جمع لب وَهُوَ الْعقل والذهن الفطنة الْمَعْنى يَقُول هم معروفو الْآبَاء وأنسابهم ظَاهِرَة فهم وضاح الْوُجُوه وأحوالهم وأمورهم ظَاهِرَة غير مستترة وَفُلَان وَاضح الجبين حسن المنظر قَالَ
(كأنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ ... )

34 - الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش الْعَظِيم والمرهوب الْمخوف أحدانا جمع وَاحِد وَالْأَصْل وحدان الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَنْت تصيد الْجَيْش كُله وَاللَّيْث يصيد النَّاس وَاحِدًا فواحدا وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا
(4/229)

- الْإِعْرَاب كل ابْتِدَاء وَخَبره الْوَقْت الثَّانِي الْغَرِيب النائل الْعَطاء وَأَحْيَانا جمع حِين والوهاب جمع واهب وَقد روى على التَّوْحِيد على وزن فعال بِفَتْح الْوَاو الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الجوده وَقت مَحْدُود بل يجود كل الْأَوْقَات وَالْإِنْسَان إِنَّمَا يجود حينا بعد حِين
36 - الْغَرِيب سبك صفى وَجمع والخزان جمع خَازِن وَالسُّؤَال جمع سَائل الْمَعْنى يَقُول أَنْت الَّذِي جمع الْأَمْوَال وخلصها وصفاها ثمَّ أَعْطَاهَا لمن يَقْصِدهُ فكأنهم خزان لَهَا فتسلموها كَمَا يتسلمها الخازن وَهُوَ من قَول البحتري
(جُمَلٌ مَنْ لُها يُشَكِّكْنَ فِي القَوْمِ ... أهُمْ مُجْتَدُوهُ أم خُزَّانُهْ)

37 - الْإِعْرَاب يرْوى أخليت أَي وجدت خَالِيا ويروى أخليت بِفَتْح الْهمزَة أَي وجدت مَكَانا خَالِيا يُقَال أكذبته صادفته كذابا وأجبنته صادفته جَبَانًا وأفحمته وجدته مفحما والمرتقب الرَّقِيب الْمَعْنى يَقُول أَنْت رَقِيب على نَفسك فلست تفعل فِي السِّرّ غير الَّذِي تَفْعَلهُ فِي العلن وَهَذَا من قَول عبد الله بن الدمينة
(وَإني لأسْتَحْيِيكَ حَتَّى كأنَّما ... عَلىَّ بظَهْرِ الغَيْبِ مِنْكَ رَقِيبُ)

38 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت كريم فَوق كل كريم إِن استزدتك كرما كنت كمن نبه يقظان لِأَن النَّائِم هُوَ الَّذِي يُنَبه وَالْيَقظَان لَا يُنَبه كَذَلِك أَنْت لَا تستزاد كرما وَقَوله نَام وَلم يقل نمت هرب من هَذَا لما كَانَ فِي الضَّمِير ذمّ لم يردهُ إِلَى نَفسه وَلم يُؤثر الْإِخْبَار بِهِ عَن نَفسه وَهَذَا من أدق مَا فِي شعره وأدله على حكمه واستيلائه على قصب السَّبق فِي شعره وَلَو تَأَمَّلت شعره وجدت فِيهِ كثيرا من هَذَا وَإِذا كَانَ فِي الضَّمِير مدح أَعَادَهُ إِلَى نَفسه أَلا ترى إِلَى قَوْله
(وَإِنِّي لَمِن قَوْمٍ كَأنَّ نُفُوسَنا ... )
فَأَعَادَ الضَّمِير إِلَيْهِ وَلم يقل نُفُوسهم وَهَذَا عَادَته فِي شعره وَهُوَ من البلاغة والحذق
(4/230)

- الْغَرِيب المباهاة الافتخار وتباهوا تفاخروا ورضوان مصدر يُقَال بِضَم الرَّاء وَكسرهَا وبالضم قَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم الْمَعْنى يَقُول بمثلك أفاخر الْكِرَام وأرضى عَن الدَّهْر يُرِيد أَنَّك ترد الساخط على الْأَيَّام رَاضِيا بإحسانك وإنعامك وَهُوَ من قَوْله
(أزَالَتْ بِكَ الأيَّامُ عَتْبِي 0000 الْبَيْت)

40 - الْإِعْرَاب ذكرا وَقدرا وبنيانا نصب على التَّمْيِيز الْمَعْنى يَقُول أَنْت أبعدهم ذكرا يُرِيد أَن ذكرك قد سَار إِلَى أبعد الْبِلَاد وَإِن قدرك فَوق أقدارهم وَإِن شرفك أَعلَى من شرفهم
41 - الْمَعْنى يَقُول ارْض أَنْت فِيهَا مُقيم قد شرفها الله على غَيرهَا وَشرف الله النَّاس إِذا كنت مِنْهُم قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ عوض سواك أنشاك لَكَانَ حسنا ورد عَلَيْهِ الْخَطِيب وَقَالَ قد قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ سواك رجلا وَنَفس وَمَا سواهَا} وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي سُبْحَانَ الله أتليق هَذِه الْكَلِمَة بشرف الْقُرْآن وَلَا تلِيق بِلَفْظ المتنبي قَالَ الله تَعَالَى {الَّذِي خلق فسوى} وَقَالَ {بشرا سويا} وَقَالَ {فسواك فعدلك ثمَّ سواك رجلا} وَقَالَ ابْن فورجة نِهَايَة مَا يقدر عَلَيْهِ الفصيح أَن يَأْتِي بِأَلْفَاظ الْقُرْآن وألفاظ الرَّسُول
أَو أَلْفَاظ الصَّحَابَة بعده وَعند أَي الْفَتْح أَنه يقدر على تَبْدِيل أَلْفَاظ هَذَا الشّعْر بِمَا هُوَ خير مِنْهُ قَالَ وقرأت على أبي الْعَلَاء المعري ومنزلته فِي الشّعْر مَا قد علمه من كَانَ ذَا أدب فَقلت لَهُ يَوْمًا فِي كملة مَا ضرّ أَبَا الطّيب لَو كَانَ قَالَ مَكَان هَذِه الْكَلِمَة كلمة أُخْرَى أوردتها فأبان لي عوار الْكَلِمَة الَّتِي ظننتها ثمَّ قَالَ لَا تَظنن أَنَّك تقدر على إِبْدَال كلمة وَاحِدَة من شعره بِمَا هُوَ خير مِنْهَا فجرب إِن كنت مُرْتَابا وَهَا أَنا أجرب هَذَا الْعَهْد فَلم أقدر وليجرب من لم يصدق يجد الْأَمر كَمَا قلت
(4/231)

- 1 الْغَرِيب جنه اللَّيْل وجن عَلَيْهِ جنونا وأجن إجنانا وجنح اللَّيْل بِضَم الْجِيم وَكسرهَا طَائِفَة مِنْهُ وجنوح اللَّيْل إقباله الْمَعْنى يَقُول قد أقبل اللَّيْل وَلَكِن نور وَجهك يوهمنا أَن النَّهَار بَاقٍ وَأَنه لم يزل مَعَ أَن الظلمَة قد أَقبلت وَنور وَجهك يغلب فيظن أَن النَّهَار بَاقٍ
2 - الْغَرِيب الْبُسْتَان مُفْرد وَجمعه بساتين وَهُوَ الْموضع الَّذِي فِيهِ الشّجر النخيل وضده القراح الْمَعْنى يَقُول إِن يمسكنا طلب الْقعُود فِي هَذَا الْمَكَان فَكل مَوضِع تكون فِيهِ هُوَ بُسْتَان بك
272

- 1 الْإِعْرَاب من رفع الْخمر عطفه على الْمُبْتَدَأ وَمن نصب جعله بِمَعْنى مَعَ الْخمر وبطيخة إعرابها إِعْرَاب الْخمر وأنشدوا
(يَا زِبْرِقانُ أجابَني خَلَفٌ ... مَا أنْتَ وَيلُ أبيكَ وَالفَخْرُ)
وَقَالَ الآخر
(فَما أَنا وَالسَّيْرُ فِي مَتْلَفٍ ... يٌ بّرحُ بالذَّكَرِ الضَّابِطِ)
الْغَرِيب الخيزران أصُول الرماح وَقيل هُوَ عروق تكون فِي الأَرْض وَالْعرب تجْعَل الْعرق خيزرانة قَالَ شَاعِرهمْ يصف حمامة
(هَتُوفٌ دعَتْ أُخرَى على خيزَرانة ... يكادُ يُدَنَّيها مِن الأرْضِ لِينها)
الْمَعْنى يَقُول مَالِي ولهذه البطيخة وَإِنَّمَا أشتغل بالطعن وَالضَّرْب فِيمَا بَينه بعده بقوله
2 - الْمَعْنى يَقُول يشغلني عَنْهَا أَي عَن هَذِه البطيخة مَا أسوى وأهييء ليَوْم الْحَرْب فَعم بقوله عَن غَيرهَا وَهُوَ يُرِيد التَّخْصِيص وَقَوله توطيني أَي أقرها وأثبتها لِلطَّعْنِ يَوْم الطعْن
الْإِعْرَاب وكل من رَفعه عطفه على توطيني وَمن خفضه عطفه على الطعان الْغَرِيب النجلاء الواسعة وصائك لازق صاك بِهِ الطّيب إِذا لصق بِهِ قَالَ الْأَعْشَى
(وَمِثْلُكِ مُعْجَبَةٌ بِالشَّبابِ ... وَصَاكَ العَبِيرُ بِأجْلادِها)
الْمَعْنى ويشغلني كل طعنة وَاسِعَة لَهَا دم يلصق بالمطعون ويخضب الزج
(4/232)

- 1 الْإِعْرَاب حُرُوف الْجَرّ إِذا دخلت على مَا الاستفهامية حذفت ألفها وَإِذا وقفت عَلَيْهَا تقف بِالْهَاءِ وَكَذَلِكَ وقف أَحْمد البزي عَن ابْن كثير بِالْهَاءِ فِي مثل بِمَ وَلم وفيم وَعم وَنَحْوه الْغَرِيب الوطن مَا يتوطنه الْإِنْسَان من مسكن والنديم الصاحب وَأكْثر مَا يكون فِي الْخمر والسكن الصاحب وكل مَا سكنت إِلَيْهِ والسكن بِسُكُون الْكَاف أهل الدَّار قَالَ ذُو الرمة
(فَيا كَرَمَ السَّكْنِ الذينَ تَحَمَّلُوا ... عَنِ الدَّارِ وَالمسْتَخْلِفِ المُتَبَدّلِ)
وَفِي الحَدِيث حَتَّى إِن الرمانة لتشبع السكن الْمَعْنى يَقُول عِنْد شكواه الزَّمَان بِمَ أتعلل وَأَنا عَن أَهلِي بعيد وَعَن وطني فَلم يبْق لي مَا أعلل بِهِ نَفسِي فَبِأَي شَيْء أتعلل وَكتب رجل إِلَى امْرَأَته من مصر وَهِي بِبَغْدَاد مستشهدا بِهَذَا الْبَيْت فكنبت إِلَيْهِ لست كَمَا قلت وَإِنَّمَا أَنْت كَمَا قَالَ صَاحب هَذِه القصيدة
(سَهِرْتُ بعدَ رَحيلي وَحشَة لَكُمُ ... ثُم استمرَّ مَرِيرِي وَارْعوَى الوَسنُ)
(4/233)

- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح ذهب إِلَى أَن الزَّمَان كَالَّذي يعقل فيختار أَن يكون كُله ربيعا لِأَنَّهُ أطيب الزَّمَان يظْهر فِيهِ من الرَّوْض والزهر مَالا يظْهر فِي غَيره من الْأَزْمِنَة وَقَالَ الواحدي أطلب من الزَّمَان استقامة الْأَحْوَال وَالزَّمَان لَا يبلغ هَذَا من نَفسه لِأَنَّهُ أَرْبَعَة فُصُول كل فصل ضد الآخر قَالَ وَيجوز أَن يكون أَرَادَ أَن همته أَعلَى من أَن يكون فِي وسع الزَّمَان الْبلُوغ إِلَيْهَا وَهُوَ يتَمَنَّى على الزَّمَان أَن يبلغهُ همته وَيجوز أَنه يُطَالب الزَّمَان أَن يخليه من الأضداد وَالزَّمَان لَيْسَ يبلغ هَذَا من نَفسه فَإِن اللَّيْل وَالنَّهَار ضدان وَيجوز أَن يُرِيد أَنِّي أقترح على الزَّمَان الاستبقاء وَهُوَ لم ينل فِي نَفسه الْبَقَاء فَيكون قد ألم بقول البحتري
(تُنابُ النَّائِبات إذَا تَناهَتْ ... وَيَدْمُرُ فِي تَصَرُّفِهِ الدَّمار)

3 - الْغَرِيب تَقول مَا أكترث لَهُ أَي مَا أُبَالِي الْمَعْنى يَقُول مادمت حَيا فَلَا تبالي بِالزَّمَانِ وصروفه ونوائبه فَإِنَّهَا تَزُول وَلَيْسَت دائمة وَالَّذِي إِذا فَاتَ فَلَا عوض مِنْهُ هُوَ الرّوح وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم أَيَّام الْحَيَاة لَا خوف فِيهَا كَمَا أَن أَيَّام المصائب لَا بَقَاء فِيهَا
4 - الْمَعْنى يَقُول السرُور وَهُوَ الْفَرح لَا يَدُوم وَلَا بُد لَهُ من انْقِضَاء وَإِذا حزنت على فَائت تعبت وَلَا يردهُ عَلَيْك حزنك وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الْأَيَّام لَا تديم الْفَرح وَلَا التَّرَحِ والأسف على الْمَاضِي يضيع الْعقل لَا غير
5 - الْمَعْنى يُرِيد بِأَهْل الْعِشْق الَّذين عشقو الدُّنْيَا وَلم يعرفوا أَنَّهَا غدارة وَلَا توَافق محبا وَلَا تساعده وَلَا تبقى عَلَيْهِ وَأَنَّهُمْ لَو فطنوا لما تعبوا فِي جمع مَالا يبْقى لَهُم وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الْعِشْق ضَرُورَة دَاخِلَة على النَّفس والعاشق جَاهِل بِتِلْكَ الضَّرُورَة
6 - الْمَعْنى يَقُول هم يَبْكُونَ حَتَّى تهْلك عيونهم بالبكاء وأنفسهم بالحزن على كل مستحسن فِي الظَّاهِر قَبِيح عِنْد الاختبار يُرِيد بذلك الدُّنْيَا وَأحسن من هَذَا كُله قَول الحكمى
(إذَا اختَبرَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفتْ ... لَه عنْ عَدوّ فِي ثِيابِ صدَيِق)
(4/234)

- الْغَرِيب النَّاجِية النَّاقة المسرعة والبين الْفِرَاق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا تعنت من أضمر فِي نَفسه عتبا وموجدة فَقَالَ ارتحلوا عني حملتكم كل مسرعة على طَرِيق الدُّعَاء فالفراق مؤتمن عَليّ أَي أرْضى بِحكمِهِ وَلَا تضرني غائلته أَي لَا أَحْزَن على فراقكم وَقَالَ الْخَطِيب دَعَا لنَفسِهِ بِأَن يتحملوا عَنهُ وتحملهم النواجي وَهَذَا ضد قَوْله
(ليتَ الَّذِي خلَق النوَى جَعلَ الحصَى ... لِخِفانِهِنَّ مَفاصِلِ وَعِظامِي)

8 - الْغَرِيب الهودج مركب النِّسَاء الْمَعْنى يَقُول لَسْتُم أَهلا أَن تبذل فِيكُم الْأَرْوَاح شوقا إِلَيْكُم ومحبة لكم فلستم بَدَلا لي عَن الرّوح إِن فاتتني
9 - الْغَرِيب الناعون جمع ناع وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت نعاه نعيا بِفَتْح النُّون وَضمّهَا والنعي على فعيل يُقَال جَاءَ نعي فلَان واصله أَن الْعَرَب كَانَت إِذا مَاتَ مِنْهَا من لَهُ قدر جليل ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير يَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(نعاءِ جُذَاما غيرَ مَوْتٍ وَلا قَتْل ... وَلكن فِراقا لِلدَّعائمِ وَالأصْلِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنا قد نعيت بمجلسكم على الْبعد وكل أحد مُرْتَهن بِالْمَوْتِ فَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
10 - الْمَعْنى يَقُول تعريضا لسيف الدولة كم قد أخبرتم بموتي وَتحقّق ذَلِك عنْدكُمْ ثمَّ بَان لكم الْأَمر بِالْخِلَافِ فكأنني كنت مَيتا ثمَّ خرجت من الْقَبْر
11 - الْمَعْنى قبل قَوْلهم الضَّمِير يعد على الناعين أَي من قبل قَول الناعين يُرِيد أَن قوما قبل قَول الناعين شاهدوا دَفنه ثمَّ مَاتُوا والمتنبي حييّ وهم كاذبون فِي مشاهدتهم
(4/235)

- الْإِعْرَاب يجوز فِي كل الرّفْع وَالنّصب فالنصب بِفعل مُضْمر يُرِيد مَا يدْرك الْمَرْء كل مَا يتَمَنَّى فَلَمَّا أضمر الْفِعْل فسره بقوله يُدْرِكهُ كَقَوْلِك مَا زيدا ضَربته فيختار النصب لأجل النَّفْي ومضارعته وَهَذَا فِي لُغَة تَمِيم لِأَن مَا عِنْدهم غير عاملة فتجري مجْرى لَا فِي نَحْو قَول الْقَائِل
(لَا الدَّارُ غَيَّرَها بَعْدِي الأنِيسُ وَلا ... بِالدّارِ لوْ كَلَّمَتْ ذَا حاجةٍ صَمَمٌ)
أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ بِنصب الدَّار لأجل حرف النَّفْي وَأما أهل الْحجاز فيرفعون كل بِمَا لِأَنَّهَا عاملة عِنْدهم كليس وَيكون الْخَبَر يُدْرِكهُ وَمثله مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ لمزاحم الْعقيلِيّ
(وَقالُوا تَعَرَّفْها المَنازِلَ مِنْ مِني ... وَمَا كُلُّ مَنْ وَافى مِني أَنا عارِفُ)
أنْشدهُ بِالرَّفْع على إِرَادَة الْهَاء وَبَنُو تَمِيم ينصبون كلا على مَا تقدم وَالْقُرْآن قد جَاءَ بالحجازية فِي قَوْله تَعَالَى {مَا هَذَا بشرا} وَفِي قِرَاءَة السَّبْعَة {مَا هن أمهاتهم} بِكَسْر التَّاء الْمَعْنى يَقُول أعدائي يتمنون وَلَا يدركون مَا يتمنون فالرياح تجْرِي وَلَيْسَ كل مَا تجْرِي ترْضى بهَا السفن وَإِنَّمَا ترْضى السفن بالرياح الطّيبَة وَهَذَا مثل ضربه وَهُوَ من أحسن الْكَلَام
13 - الْغَرِيب الْعرض النَّفس ودر اللَّبن يدر الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم لَا تمْنَعُونَ جاركم وتشتمون جاركم فَمن جاوركم لَا يقدر على صون عرضه مِنْكُم وَالنعَم إِذا رعى أَرْضكُم لم يدر اللَّبن على ذَلِك المرعى لوخامته وَهَذَا من أوجع الهجاء
14 - الْغَرِيب الضغن والضغن الحقد الْمَعْنى يَقُول من قرب مِنْكُم مللتموه وأبغضتموه وَمن أحبكم حقدتم عَلَيْهِ يُرِيد أَنهم لَا يجاوزون الْمُحب والغريب بِمَا يسْتَحقّهُ
15 - الْغَرِيب الرفد الْعَطاء والمنن جمع منَّة الْمَعْنى يَقُول لَا يخلوا عطاؤكم من الْمَنّ والأذى وَهَذَا كُله تَعْرِيض بِسيف الدولة
16 - الْغَرِيب اليهماء الأَرْض الَّتِي لَا يَهْتَدِي فِيهَا يُقَال برأيهم وفلاة يهماء
(4/236)

الْمَعْنى يَدْعُو بالبعد بَينهم وَبَينه بِأَرْض لَا يَهْتَدِي بهَا تسمع الآذان فِيهَا مَالا حَقِيقَة لَهُ وَترى الْعين مَالا حَقِيقَة لَهُ وسالك المفاوز والقفاز تخيل لعَينه الْأَشْيَاء ولسمعه الْأَصْوَات وَهَذَا من قَول ذِي الرمة
(إِذا قالَ حاديِنا لِيَسْمَعَ نَبْأةً ... صَهٍ لمْ يكُنْ إلاَّ دَوِىَّ المسامِع)

17 - الْغَرِيب الرواسم الْإِبِل الَّتِي سَيرهَا الرسيم وَهُوَ ضرب من السّير والثفن جمع ثفنة وَهِي وَاحِدَة ثفنات الْبَعِير وَهُوَ مَا يَقع على الأَرْض من أَعْضَائِهِ إِذا استناخ كالركبتين وَغَيرهمَا قَالَ العجاج
(خَوَى عَلى مُسْتَوِياتٍ خَمْسٍ ... كِركِرَةٍ وَثَفِناتٍ مُلْسِ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا كلت أَخْفَاف الْمطِي وحفيت لشدَّة الشَّمْس حبت وَسَأَلت الأَرْض الثفنات عَن الْخفاف استراحة إِلَيْهَا وَهَذَا مثل ضربه لقُوَّة السّير وَلَا سُؤال فِي الْحَقِيقَة كَمَا قَالَ الراجز
(قَدْ قالَتِ الأنْساعُ للْبَطْنِ الحَقِ ... )

18 - الْمَعْنى يَقُول أحلم عَمَّن يُؤْذِينِي مَا دَامَ حلمي كرما فَإِذا كَانَ يعد جبنا لم أحلم وَهَذَا كَقَوْل الفند الزماني
(وَبَعْضُ الحِلْمِ عِنْدَ الجَهْلِ لِلذّلَّةِ إذْعانُ)

19 - الْغَرِيب الدَّرن الْوَسخ لِمَعْنى يَقُول لَا آخذ المَال بالذل فَإِذا حصل لي مَال بذل تركته وَلَا أستلذ بِشَيْء يلطخ عرضي بِأَخْذِهِ
20 - الْغَرِيب المرير جمع مريرة وَهِي الْقُوَّة من الْحَبل وَاسْتمرّ استقام وارعوى انزجر والوسن النعاس الْمَعْنى يَقُول لما فارقتكم سهرت وَاسْتَوْحَشْت ثمَّ تصبرت واستقام أمرى وَرجع النّوم إِلَى عَيْني فَنمت وَذهب مَا كَانَ بِي
(4/237)

- الْغَرِيب الود الْمحبَّة وقمن أَي خليق وجدير فَإِن فتحت ميمه لم تثنه وَلم تجمعه وَلم تؤنثه وَإِن كسرت الْمِيم جمعت وثنيت وأنثت وَكَذَا إِذا قلت قمين الْمَعْنى يَقُول إِن كنت فِي قوم آخَرين وعاملوني معاملتكم فَارَقْتهمْ كَمَا فارقتكم قَالَ الواحدي هَذَا تَعْرِيض بالأسود يَعْنِي كافورا يُرِيد إِن جرى على رسمكم ألحقته بكم فِي الْفِرَاق وَأنْشد أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد مثل هَذِه الأبيات
(لَا تَطْلُبِ الرّزْقَ بِامْتِهانِ ... وَلا تُرِدْ عُرْفَ ذِي امْتنانِ)

(وَاسْترْزِقَ اللهَ وَاسْتَعنْهُ ... فَإنَّهُ خَيْرُ مُسْتَعانِ)

(أشَدُّ مِنْ فاقَةٍ وَجُوعٍ ... إغْضاءُ حُرّ عَلى هَوَانِ)

(فَإنْ نَبا مَنْزِلٌ بِقَومٍ ... فَمِنْ مَكانٍ إِلَى مَكانِ)

22 - الْغَرِيب الأجلة جمع جلّ وَيُقَال جلّ وإجلال وَهُوَ مَا يتجلل بِهِ الْفرس والعذر جمع عذار والفسطاط اسْم لمصر وَفِيه سِتّ لُغَات فسطاط وفستاط بِالتَّاءِ أبدل من الطَّاء وفساط بِإِسْقَاط الطَّاء وبالتشديد وَكسر الْفَاء فِي الثَّلَاث والرسن الْحَبل الْمَعْنى يَقُول طَال بِمصْر مقَامي عنْدكُمْ حَتَّى أبلى إجلال فرسي وعذره ورسنه فبدل بغَيْرهَا
23 - الْغَرِيب الْهمام الْعَظِيم الهمة وَأَبُو الْمسك كنية كافور وَمُضر الْحَمْرَاء يرْوى بِالْإِضَافَة وبالصفة وَهُوَ مُضر بن نزار وَإِنَّمَا سموا مُضر الْحَمْرَاء لِأَن نزاراً لما مَاتَ ترك أَوْلَادًا أَرْبَعَة مُضر وَرَبِيعَة وإياد وأنمار فتحا كموا إِلَى جرهم فَأعْطى مُضر الذَّهَب وقبة حَمْرَاء فسموا بذلك وأنشدوا
(إِذا مُضرُ الحَمْرَاءِ عَبَّ عُبابُها ... فَمَنْ يَتَصَدَّى مَوْجَها حِينَ تَزْخَرُ)
وَأعْطى ربيعَة الْخَيل فمسوا ربيعَة الْفرس وأنشدوا
(قُولُوا لِقَحْطانَ مِنْ ذَوِي يمَنِ ... كَيْفَ وَجَدُتمْ رَبِيعَةَ الفَرْسِ)
وَأعْطى إياد الْإِبِل وَالْغنم فسموا إياد الشمط وأنشدوا
(إِذا مَا إيادُ الشَّمْطِ يَوْماً تَجشَّمَتْ ... ظَنَنْتَ لَها صُمَّ الجيادِ تمِيدُ)
وَأعْطى أَنْمَار الْحمار وَالْأَرْض وَمَا شاكلها فسميت أَنْمَار الْحمار وأنشدوا
(فَلَوَ أنَّ أنمارَ الحِمارِ تَناصَرَتْ ... لَكانَ لَها مِنْ بَينَ فَيدٍ إِلَى هَجَرْ)
واشتقاق مُضر من اللَّبن الماضر وَهُوَ الحامض وَقيل من الشَّيْء المضر وَهُوَ وَهُوَ الرَّائِق الْحسن يُقَال دُنْيَاهُ خضرَة مضرَّة الْمَعْنى يَقُول طَال مقَامي عِنْد أبي الْمسك الَّذِي نعْمَته قد عَمت النَّاس الْعَرَب العرباء بني نزار واليمن وأفرد الْيمن لأَنهم من غير ولد نزار فَأَرَادَ أَن مَعْرُوفَة قد وسع جَمِيع الْعَرَب
24 - الْغَرِيب وَهن يهن ووهن يوهن وَهنا ضعف وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَا تهنوا} الْآيَة الْمَعْنى يَقُول آمالي بموعده لَا تضعف وَلَا يتَأَخَّر عني مَا أؤمله من موعده وَلَا يضعف رجائي عِنْده ثمَّ ذكر عذر تَأَخره بقوله الْبَيْت بعده
25 - الْغَرِيب الْمَوَدَّة الْمحبَّة والابتلاء الاختبار وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَوْم تبلى السرائر} وَكَذَلِكَ الامتحان هُوَ الاختبار الْمَعْنى يَقُول هُوَ الوفي بِمَا وَعَدَني غير أَنه يختبر مَا ذكرت لَهُ من الْمحبَّة فَلهَذَا يتَأَخَّر عني مَا وَعَدَني بِهِ
(4/238)

- 1 الْغَرِيب عناه يعنيه إِذا أتعبه وأهمه يُقَال عني بِالْكَسْرِ يَعْنِي عناء إِذا تَعب الْمَعْنى يَقُول قد صحب النَّاس زمانهم قبلنَا وأتعبهم فِي شَأْنه الَّذِي أتعبنا يُرِيد أَن كل النَّاس يهمهم الزَّمَان
2 - الْغَرِيب الغصة مَا يتجرعه الْإِنْسَان من مرارات الزَّمَان وسر افرح وَأَحْيَانا جمع حِين وَهُوَ الْوَقْت والحين على وُجُوه الأول بِمَعْنى سنة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة إِبْرَاهِيم {تؤتي أكلهَا كل حِين} أَي كل سنة وَالثَّانِي يَوْم الْقِيَامَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين} وَالثَّالِث سَاعَات النَّهَار وَمِنْه قَوْله تَعَالَى
(4/239)

{فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ} الرَّابِع بِمَعْنى أَرْبَعِينَ سنة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} وَهُوَ بَقَاء آدم جسدا من غير روح وَأما قَوْله {ولتعلن نبأه بعد حِين} فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَرَادَ يَوْم بدر الْمَعْنى يَقُول صحبوا الزَّمَان ثمَّ مَاتُوا بغصة لم يبلغُوا مَا أملوا من الزَّمَان وَإِن كَانَ قد فَرَحهمْ حينا فقد نغصهم أَكثر مِمَّا فَرَحهمْ وَالْمعْنَى يُرِيد أَن أحدا لم ينل مُرَاده من الزَّمَان
3 - الْغَرِيب الصَّنِيع الْإِحْسَان الْمَعْنى يَقُول الدَّهْر إِن أحسن أَولا كدر وأساء آخرا هَذِه عَادَته يعْطى ثمَّ يرجع وَإِذا أحسن لَا يتم الْإِحْسَان وَهَذَا يشبه قَول الآخر
(الدَّهْرُ آخِذُ مَا أعْطَى مُكَدّرُ مَا ... أصْفى وَمُفْسِدُ مَا أهْوَى لَهُ بيدِ)

4 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح فِي يرضى ضمير فَاعل يفسره من أعانا وأضمره قبل الذّكر على شريطة التَّفْسِير ويروى لم ترض بِالتَّاءِ وَالضَّمِير اللَّيَالِي الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا وَالَّذِي قبله أحسن مَا قيل أحسن مَا قيل فِي الزَّمَان وَأَن طباعة الشَّرّ وَفعل الزَّمَان مَنْسُوب إِلَى الْقَضَاء فالزمان لَا يفعل شَيْئا وَإِنَّمَا يفعل فِيهِ وَكَذَا قَوْلهم يَوْم سعيد فاليوم لَا يُوصف بِسَعْد وَإِنَّمَا يُوصف بِهِ من يشْتَمل عَلَيْهِ الْيَوْم وَقَالَ الواحدي يُرِيد هُوَ الَّذِي أعَان على الدَّهْر كَأَنَّهُ لم يرض بِمَا يُصِيبنِي من محنة حَتَّى أَعَانَهُ عليّ وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل
(أعانَ عَليَّ الدَّهْرَ إذْ حَكَّ بَركَهُ ... كَفى الدَّهْرُ لَوْ رَكَّلتْهُ بِيَ كَافِيا)

5 - الْغَرِيب السنان زج الرمْح الَّذِي يطعن بِهِ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول إِذا ابتدر الزَّمَان للإساءة بِمَا جبل عَلَيْهِ صَارَت عَدَاوَة المعادى مدَدا لقصده نَحْوك فَجعل الْقَنَاة مثلا لما فِي طبع الزَّمَان والسنان مثلا للعداوة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح والخطيب الزَّمَان إِذا أنبت قناة إِنَّمَا ينبتها بالطبع وَلَا يشْعر لأي شَيْء تصلح فيتكلف بَنو آدم اتِّخَاذ الْقَنَاة توصلا إِلَى هَلَاك النُّفُوس فالزمان يفعل وَلَا يشْعر مَا يُرَاد بِهِ وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم يَقُول من صِحَة السياسة أَن يكون الْإِنْسَان كلما ظَهرت سنة عمل بهَا بِحَسب السياسة
(4/240)

- الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا فانية وَالْمرَاد فِيهَا فان وَهِي أقل من أَن يعادي بَعْضنَا بَعْضًا لأجل مُرَاد النَّفس وَهُوَ ذَاهِب فان وَهَذَا نهى عَن التحاسد والمعاداة وَفِيه نظر إِلَى قَول النَّبِي
الْمجمع على صِحَّته حَدِيث أنس وَغَيره لَا تدابروا وَلَا تباغضوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا وَمَا أحسن هَذَا وَلَقَد أحسن أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم لَيْسَ الحزم إفناء النُّفُوس فِي طلب الشَّهَوَات بل فِي دَرك الْعَالم الْعلوِي
7 - الْغَرِيب كالحات معبسات الْمَعْنى يَقُول لِقَاء الْمَوْت الكريه أَهْون من ملاقاة الْهون لِأَن الحريري الْمَوْت أَهْون عَلَيْهِ من الهوان وَللَّه دره وَمَا أحسن هَذَا وَمَا أخفه على الْأَلْسِنَة فَلَا ترى أحدا يَنَالهُ أدنى شَيْء إِلَّا اسْتشْهد بِهِ
8 - الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الجبان يسلم من الْمَوْت ويلقاه الشجاع كَانَ الشجاع ضَالًّا فِي إقدامه لِأَنَّهُ يتَعَرَّض للْقَتْل وَلَكِن الْحَيَاة لَا تبقى لشجاع وَلَا لجبان بل الْمَوْت ينَال الْجَمِيع ثمَّ أكد بقوله وَإِذا
9 - الْمَعْنى يَقُول الْمَوْت لابد مِنْهُ فَإِذا كَانَ كَذَلِك فالجبان لَا يَنْفَعهُ جبنه والشجاع لَا يضرّهُ إقدامه فَمن الْعَجز يكون الْجُبْن وَهَذَا من قَول خَالِد بن الْوَلِيد لما حَضَره الْمَوْت قَالَ فِي جَسَدِي مائَة طعنة وضربة وَهَا أَنا قدمت حتف أنفي فَلَا أقرّ الله أعين الْجُبَنَاء وَلَقَد سعد أَبُو الطّيب فِي هَذِه الْقطعَة وَهِي الدرة الْيَتِيمَة
10 - الْإِعْرَاب سهل خبر الِابْتِدَاء وَهُوَ كل شَيْء وَتَقْدِير الْكَلَام كل شَيْء لم يكن صعبا فِي النَّفس سهل إِذا وَقع الْمَعْنى يَقُول الْأَمر الشَّديد إِنَّمَا يصعب على النَّفس قبل وُقُوعه فَإِذا وَقع سهل وَهَذَا مثل قَول البحتري
(لَعَمْرُكَ مَا المَكْرُوهُ إلاَّ ارْتقابُهُ ... وأبْرَحُ ممَّا حَلَّ مَا يُتَوَقَّعُ)
وكقول الآخر
(لَا يَصْعُبُ الأمْرُ إلاَّ رَيْثَ يَركَبُهُ ... وكلَّ شَيءٍ سِوَى الفَحشاءِ يأتمِرُ)
(4/241)

- 1 الْغَرِيب القمران الشَّمْس وَالْقَمَر تَغْلِيبًا لأَحَدهمَا على الآخر كَقَوْلِهِم الْعمرَان أَبُو بكر وَعمر بن الْخطاب الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول من عاداك دلّ على جهالته وَسَقَطت مَنْزِلَته عِنْد النَّاس وعاداه كل أحد وذمه وَلَو كَانَ من أعدائك القمران لصارا مذمومين مَعَ عُمُوم نفعهما وارتفاع منزلتهما وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَغَيره هَذَا الْمَدْح ينعكس هجاء يَقُول أَنْت رذل سَاقِط والساقط لَا يضاهيه إِلَّا مثله وَإِذا كَانَ معاديك مثلك فَهُوَ مَذْمُوم بِكُل لِسَان كَمَا أَنَّك كَذَلِك وَلَو عاداك القمران
2 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز فِيهِ أَن يَنْقَلِب هجاء لِأَنَّهُ يجوز أَن يصرف إِلَى أَن يغِيظ بِهِ الْأَحْرَار وَقَالَ الواحدي لله تبَارك وَتَعَالَى سر فِيمَا أَعْطَاك من الْعُلُوّ والبسطة لَا يطلع النَّاس على ذَلِك السِّرّ وَلَا يعلمُونَ مَا هُوَ وَمَا يَخُوض الْأَعْدَاء فِيهِ من الْكَلَام نوع من الهاذيان بعد أَن أَرَادَ الله فِيك مَا أَرَادَ وَهَذَا إِلَى الهجاء أقرب لِأَنَّهُ نسب علوه على النَّاس إِلَى قدر جرى بِهِ من غير اسْتِحْقَاق وَالْقدر قد يُوَافق بعض النَّاس فيعلوا ويرتفع على الأقران وَإِن كَانَ سَاقِطا بِاتِّفَاق من الْقَضَاء الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح الهذيان من فصيح كَلَام الْعَرَب وَلم يذكرهُ الْجَوْهَرِي وَلَا ابْن فَارس فِي مجمله
3 - الْمَعْنى يَقُول هَل بَقِي للأعداء أَن يَقُولُوا شَيْئا بعد مَا قدر أَو إِمَّا أَعْطَاك الله من السِّيَادَة وَرفع قدرك على أعدائك فَهَل يطْلبُونَ بعد ذَلِك دَلِيلا أَو وضوح بَيَان
(4/242)

- الْمَعْنى يَقُول الْأَعْدَاء قد رَأَتْ كل من نوى لَك غدرا أَنه يباوه الله بِالْمَوْتِ أَو بغدره الزَّمَان فَيهْلك وَالْمَوْت خير للعاقل من غدر زَمَانه
5 - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما هلك فَارقه سَيْفه وَكَانَ رَفِيقه فِي كل حَال وشبيب هَذَا هُوَ ابْن جرير الْعقيلِيّ من قوم كَانُوا من القرامطة وَكَانُوا مَعَ سيف الدولة وَولى شبيب معرة النُّعْمَان دهرا طَويلا وَاجْتمعَ إِلَيْهِ جمَاعَة من الْعَرَب فَوق عشرَة آلَاف وَأَرَادَ أَن يخرج على كافور وَقصد دمشق فحاضرها فَيُقَال إِن امْرَأَة أَلْقَت عَلَيْهِ رَحا فصرعته فَانْهَزَمَ من كَانَ مَعَه لما مَاتَ وَيُقَال إِنَّه حدث بِهِ صرع من شرب الْخمر فَحدث بِهِ تِلْكَ السَّاعَة فصرع فَتَركه أَصْحَابه ومضوا فَأَخذه أهل دمشق فَقَتَلُوهُ فَعرض بِهِ أَبُو الطّيب بِهَذَا الْبَيْت يُرِيد أَن من عاداك رَمَاه الله بِالْمَوْتِ أَبُو بغدر الزَّمَان بِهِ
6 - الْغَرِيب قيس من عدنان واليمن من قحطان وَبَينهمَا بعد وتنازع وَاخْتِلَاف وَكَأن الرّقاب قَالَت مجَازًا لسيفه أَنْت يمني والنصل الْجيد ينْسب إِلَى الْيمن الْمَعْنى يَقُول الرّقاب لما كثر تقطيعها بِسَيْفِهِ أغرت مَا بَينه وَبَين سَيْفه ليغترقا وشبيب الَّذِي يصاحبك قيسي وَأَنت يماني وَهُوَ مُخَالف لَك ففارقه لما علم أَنه يُخَالف الأَصْل
7 - الْغَرِيب الْحَيَوَان كل مَا كَانَ فِيهِ روح كبني آدم وَغَيرهم والمنايا جمع منية وَهِي الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول الْمَوْت غَايَة كل حَيّ فَإِذا هلك شبيب فَلَا عَار عَلَيْهِ من ذَلِك
8 - الْمَعْنى يَقُول كَانَ نَارا على الْأَعْدَاء غير أَن دخانه الْغُبَار وَهُوَ من قَول الآخر
(ماوِيَّ يارُبما غارةْ ... شَعْوَاءَ كاللذْعَةِ بالميسَمِ)

9 - الْإِعْرَاب يشهي لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَإِنَّمَا يتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِحرف جر فَحَذفهُ وَهُوَ يُريدهُ كَأَنَّهُ قَالَ إِلَى كل جبان الْمَعْنى يَقُول عَاشَ فِي عز ومنعة يتمناهما الْعَدو ثمَّ مَاتَ موتا من غير عِلّة وَلَا ألم فَهُوَ يشهي الْمَوْت إِلَى الْجُبَنَاء
(4/243)

- الْغَرِيب النَّجْم الثريا وَهُوَ اسْم لَهَا على مثل زيد وَعَمْرو والدبران خَمْسَة كواكب من الثور يُقَال إِنَّهَا سنامه وَهُوَ من منَازِل الْقَمَر الْمَعْنى يَقُول نفى عَن نَفسه الرماح بشجاعته وَلم يكن نافيا نحس النَّجْم والدبران وهما من مناحس النُّجُوم فِي حِسَاب المنجمين وزعمهم قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه دفع عَن نَفسه نحوس الأَرْض وَلم يقدر أَن يدْفع نحوس السَّمَاء وَهَذَا خلاف قَول لبيد
(أخْشَى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ وَلا ... أرْهَبُ نَوْءَ السِّماك وَالأسَدِ)

11 - الْغَرِيب شواته جلدَة رَأسه وَمِنْه نزاعة للشوى قَرَأَ حَفْص نزاعة بِالنّصب يرْوى جناحي وَجَنَاح الْمَعْنى وَلم يدر أَن الْمَوْت قد أعير جنَاحا فَهُوَ يرفرف حَتَّى يَقع عَلَيْهِ من علو وَهَذَا معنى مَا قيل إِن امْرَأَة أَلْقَت عَلَيْهِ من فَوق رَأسه رحى من سور دمشق
12 - الْغَرِيب الأقران جمع قرن وَهُوَ مثلك فِي السن والقرن بِالْكَسْرِ وَهُوَ كفؤك فِي الْحَرْب الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لما أنْشد أَبُو الطّيب هَذَا الْبَيْت بِحَضْرَة كافور قَالَ كافور لَا وَالله إِلَّا بأشذ قرن فِي أعز مَكَان فَرَوَاهُ النَّاس كَقَوْل كافور قَالَ الواحدي ذكر فِي قصَّته أَنه كَانَ يحارب أهل دمشق وَيُرِيد الْغَلَبَة عَلَيْهَا فَسقط على الأَرْض وثار من سقطته فَمشى خطوَات ثمَّ وَقع مَيتا وَلم يصبهُ شَيْء فتعجب النَّاس من ذَلِك حَتَّى قَالَ قوم إِنَّه كَانَ مصروعا وأصابه الصرع فِي تِلْكَ السَّاعَة فَانْهَزَمَ أَصْحَابه وَقَالَ قوم بل ركب وَقد شرب سويقا مسموما فَلَمَّا حمى عَلَيْهِ الْحَدِيد عمل فِيهِ السم فَهُوَ فَهُوَ قَوْله بأضعف قرن يَعْنِي السم فِي أذلّ مَكَان فِي غير الْحَرْب ومعركة الْقِتَال
13 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَاتَ بَغْتَة وَلم يدر كَيفَ مَاتَ وَلم يسْتَدلّ أحد على مَوته بمرأى أَو مسمع كَقَوْل يزِيد المهلبي
(جاءَتْ مَنيَّتُهُ وَالعَينُ هاجِعَةٌ ... هَلاَّ أتَتْهُ المَنايا وَالقَنا قصِدُ)
(4/244)

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي سلكت للمنية الْمَعْنى يَقُول لَو أَتَتْهُ منيته من طَرِيق السِّلَاح أَي بالمحاربة لدفعها عَن نَفسه بطول يَده وسعة صَدره لِأَنَّهُ شُجَاع لَا يغالب
15 - الْغَرِيب تقصده أَي قَصده وتعمده وتوخاه وتحراه فَهُوَ بِمَعْنى قَصده قَالَ
(أَبَا عَينُ مَالِي لَا أرَى الدَّمعَ جامِداً ... وَقَدْ قَصَّدتْ رَيْبُ المَنِيَّةِ خَالِدا)
والمقدار الْقدر وَهُوَ الْقَضَاء الْمَعْنى يَقُول كَانَ واثقا بِالْحَيَاةِ فقصده الْمَوْت دون أَصْحَابه فَأَهْلَكَهُ وَكَانَ لم يفكر فِي الْمَوْت كَأَنَّهُ كَانَ على ثِقَة من الدَّهْر وأمان
16 - الْغَرِيب الالتفاف الِاجْتِمَاع والتف النَّاس على فلَان ازدحموا حوله الْمَعْنى يَقُول الْجَيْش الْكثير لَا ينْتَفع بكثرته إِذا لم يكن منصورا من الله ومعانا بتأييد ضربه مثلا لِكَثْرَة جَيش شبيب وَأَنه لم ينْتَفع بكثرته وَإِنَّمَا الِانْتِفَاع بنصر الله أَلا ترى أَن رَسُول الله
لَقِي صَنَادِيد قُرَيْش بثلثمائة وَبضْعَة عشر رجلا وَيَوْم حنين كَانَ فِي أَكثر من عشرَة آلَاف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ إِذْ أعجبتهم كثرتهم ثمَّ أعَاد الله لَهُم النَّصْر فقهروا هوَازن وَأخذُوا أَمْوَالهم وذار أريهم
17 - الْغَرِيب ودي من الدِّيَة أَي أعْطى الدِّيَة وَالْمَبِيت اللَّيْل والجامل اسْم للجمال الْكَثِيرَة كالباقر اسْم لجَماعَة الْبَقر والتامر اسْم للتمار قَالَ ابْن الْأَعرَابِي يُقَال جمالتهم وجمالاتهم وجاملهم وجواملهم وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وعَلى جمالة صفر بِكَسْر الْجِيم موحدا والعنكنان بِفَتْح الْكَاف وسكونها والسكون أَكثر وَهِي الْإِبِل الْكَثِيرَة وَنعم عكنان أَي كَثِيرَة قَالَ
(وَصَبَّحَ الماءَ بوِرْدٍ عَكَنانْ ... )
الْمَعْنى يَقُول أدّى دِيَة من قتل من النَّاس من قبل اللَّيْل بِنَفسِهِ وَلم يؤد الدِّيَة بِالْإِبِلِ الْكَثِيرَة فَصَارَ بِهَلَاك نَفسه كَأَنَّهُ أَدَّاهَا دِيَة إِلَى من قَتله
(4/245)

- الْإِعْرَاب عطف تمسك على تمسك ويركب على يركب وَلَو نصبهما لجَاز أَي يجْتَمع هَذَانِ مَعَ هذَيْن كَقَوْلِك أتأكل السّمك وتشرب اللَّبن أَي أتجمع بَينهمَا وَقَوله أتمسك اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا كفر نِعْمَتك من أَحْسَنت إِلَيْهِ لم يقبض يَده على عنانه تخاذلا وحيرة وَقَالَ الواحدي الْعَاقِل لَا يجمع بَين إمْسَاك مَا أَعْطيته من النعم وإمساك الْعَنَان فِي الكفران لِأَن من كَانَ عَاقِلا لم يكفر نعْمَة الْمُنعم عَلَيْهِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن شبيبا كفر نعْمَة كافور فصرعه شُؤْم الكفران حَتَّى هلك
19 - الْمَعْنى يَقُول لَا يجْتَمع لأحد إكرامك ومعصيتك وَكَيف يقدر على هَذَا من تكرمه ويعصيك لِأَنَّهُ إِذا خَالف أَمرك وعصاك هلك
20 - الْغَرِيب ثنى يَده ردهَا والسنان الْأَصَابِع واحدتها بنانة الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول إحسانك إِلَيْهِ رد يَده عَمَّا امتدت فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهَا وَهِي مَقْبُوضَة لم تبسط فِيمَا أَرَادَ كَانَت بِغَيْر بنان لِأَن الْقَبْض يحصل بالأصابع فَإِذا كَانَ الْيَد بِغَيْر أَصَابِع لم يحصل الْقَبْض وَكَأَنَّهَا مَفْتُوحَة لَا تقدر على الْقَبْض والانبساط ويروى قبضت بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهَا وَيكون الْمَعْنى كَانَت قابضة فَلَمَّا صرفت عَمَّا قصدت صَارَت كَأَنَّهَا بِغَيْر بنان وَغير قابضة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ملئت يَده بِالْإِحْسَانِ حَتَّى ثناها إِلَى وَرَائِهَا كَأَنَّهَا كَانَت لما قبضت مَا وهبت لم يكن لَهَا بنان يطبقها على الْمَوْهُوب فأرسلته
21 - الْإِعْرَاب يرْوى نرى بالنُّون وَترى على الْخطاب وَعند من هُوَ اسْتِفْهَام يدل على النَّفْي أَي مَا عِنْد أحد وَفَاء لصَاحب وشبيب ابْتِدَاء أوفى عطف عَلَيْهِ وَالْخَبَر أَخَوان كَمَا تَقول زيد وَبكر أَخَوان الْمَعْنى لم يبْق فِي النَّاس واف لمن يَصْحَبهُ أَي من يَفِي لصَاحبه يَوْمنَا هَذَا وأوفى النَّاس غادر كشبيب فِي الْغدر
22 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا أَجود مَا مدح بِهِ ملك يَقُول قضى الله أَنَّك أول فِي المكارم
(4/246)

والمعالي لم يسبقك أحد إِلَى مَا سَبَقَك إِلَيْهِ وَلم يقْض يلحقك أحد أَو يكون لَك مثل فَيكون ثانيك
23 - الْغَرِيب القسى جمع قَوس والثقلان الْجِنّ وَالْإِنْس وَفِي الحَدِيث خلقت فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله وعترتي أهل بَيْتِي فالثقلان فِي الحَدِيث نثنية ثقل من حط ثقله أَي مَتَاعه وَأَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن كتاب الله وعترته ثقلاه اللَّذَان يهمه حفظهما الْمَعْنى يَقُول لَا تحْتَاج أَن تستجيد القسى لرمى الْأَعْدَاء فَإِن قسى سعادتك هِيَ ترمي عَنْك من شِئْت من الْأَعْدَاء فالجن وَالْإِنْس يُقَاتلُون عَنْك من عاديت وَإِذا كَانَت سعادتك هِيَ الَّتِي تساعدك فَلَا حَاجَة إِلَى اتِّخَاذ سلَاح
24 - الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان والقنا الرماح وَالْجد الْحَظ والسعادة الْمَعْنى يَقُول لَا تغني بالأسنة وَلَا الرماح فسعادتك تطعن عَنْك الْأَعْدَاء بِغَيْر سِنَان وَهُوَ بِمَعْنى الْبَيْت الأول يُنكر عَلَيْهِ اتِّخَاذ السِّلَاح للأعداء لِأَن السَّعَادَة تقَاتل عَنهُ
25 - الْغَرِيب النجاد حمائل السَّيْف وَإِذا وصف النجاد بالطول دلّ على طول حامله والحدثان حوادث الدَّهْر والحادثة والحدثي والحدثان بِمَعْنى الْمَعْنى يَقُول لم تحمل السَّيْف وَأَنت غير مُحْتَاج إِلَى حمله لِأَن حوادث الدَّهْر تقَاتل عَنْك الْأَعْدَاء وَهَذَا إِشَارَة إِلَى قتل شبيب لما خرج عَلَيْهِ بِغَيْر سلَاح فَكَانَ هَلَاكه بِغَيْر سلَاح قيل وَقع عَلَيْهِ رحى وَقيل بل صرع وَكَانَ مسموما فَهَلَك بحوادث الدَّهْر
26 - الْمَعْنى يَقُول الأقدار جَارِيَة بحكمك فَإِذا أردْت شَيْئا كَانَ وَإِذا أردْت أَن تُعْطِينِي شَيْئا وصل إِلَيّ وَإِن لم تَجِد بِهِ لِأَن الْأَقْضِيَة تجْرِي بأحكامك يُرِيد أَن الْقَضَاء مُوَافق لإرادته فَإِذا أَرَادَ بِهِ خيرا أَتَاهُ ذَلِك وَأي لم يجد بِهِ عَلَيْهِ وَهَذَا من قَول حبيب
(فالدَّهْرُ يَفْعَلُ صاغِراً مَا تَأمُرُهُ ... )

27 - الْإِعْرَاب يرْوى الْفلك بِالرَّفْع وَالنّصب وَالنّصب أَجود لِأَن لَو تَقْتَضِي الْفِعْل فَيجب أَن تضمر لَهُ فعلا ينصبه وَيكون الْفِعْل الَّذِي نصب سعى الْمُضَاف إِلَى الضَّمِير وَهُوَ أبْغض تَفْسِيرا للمضمر كَقَوْلِك لَو أَخَاك أكرمت غُلَامه لجازاك عَنهُ وَتَقْدِير الْفِعْل الناصب لذَلِك لَو كرهت الْفلك أَي دورانه لِأَنَّك تَقول أَنا أكره زيد وَأَنت تُرِيدُ فعله وأبغضت مُفَسّر فَلَا مَوضِع لَهُ من الْإِعْرَاب كَقَوْلِه تَعَالَى فِي قِرَاءَة الْكُوفِيّين وَابْن عَامر وَالْقَمَر بِالنّصب قدرناه فقددنا هُوَ الناصب للضمير وَهُوَ مُفَسّر فَلَا مَوضِع لَهُ من الْإِعْرَاب تَقْدِيره قَدرنَا الْقَمَر وَمن رفع الْقَمَر قبالابتداء أَو بضمر لَهُ فعل يرفعهُ فِي معنى الظَّاهِر وَالظَّاهِر تَفْسِير لَهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَو خالفك الْفلك لعوقه شَيْء وَصَارَ أبغضت تَفْسِيره ودليلا عَلَيْهِ كَقَوْل ذِي الرمة
(إِذا ابْنُ أبي مُوسَى بِلالٌ بَلغْتِهِ ... فَقامَ بِفأسٍ بَينَ أُذْنَيْك جازِرُ)
أَي إِذا بلغ ابْن أَي مُوسَى ثمَّ فسره ببلغته وَهَذَا فِيهِ خلاف بَيْننَا وَبَين الْبَصرِيين فَإِن أَصْحَابنَا يَقُولُونَ فِي الإسم الْمَرْفُوع بعد إِن وَإِذا الشرطيتين إِنَّه يرْتَفع بِمَا عَاد إِلَيْهِ من الْفِعْل من غير تَقْدِير فعل وَذهب البصريون إِلَى أَنه يرْتَفع بِتَقْدِير فعل وَالْفِعْل الْمظهر تَفْسِير لَهُ وَحجَّتنَا أَن إِن هِيَ الأَصْل فِي بَاب الْجَزَاء ولقوتها جَازَ تَقْدِيم لمرفوع مَعهَا فيرتفع بالعائد لِأَن المكنى الْمَرْفُوع فِي الْفِعْل الِاسْم الأول فَيَنْبَغِي أَن يكون مَرْفُوعا بِهِ كَمَا قَالُوا جَاءَنِي الظريف زيد وَإِذا كَانَ مَرْفُوعا بِهِ لم يفْتَقر إِلَى تَقْدِير فعل وَقَالَ البصريون إِنَّه لَا يجوز أَن يفصل بَين حرف الْجَزْم وَبَين الْفِعْل باسم لم يعْمل فِيهِ ذَلِك الْفِعْل وَلَا يجوز أَن يكون الْفِعْل هُنَا عَاملا فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يجوز تَقْدِيم مَا يرْتَفع بِالْفِعْلِ عَلَيْهِ فَلَو لم يقدر مَا يرفعهُ لبقي الِاسْم مَرْفُوعا بِلَا رَافع وَذَلِكَ لَا يجوز فَدلَّ على أَن الِاسْم ارْتَفع بِتَقْدِير فعل وَقَالَ الْأَخْفَش من الْبَصرِيين هُوَ الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ الْمَعْنى يَقُول لَو كرهت دوران الْفلك لحَدث شَيْء يمنعهُ عَن الدوران وَهَذَا مُبَالغَة وَقَالَ الواحدي هَذِه أَبْيَات لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا لَهَا مثل
(4/247)

- 1 الْغَرِيب الأزواد جمع زَاد وَهُوَ مَا يتزوده الْإِنْسَان فِي سَفَره وَفِي الحَدِيث فجمعنا أزوادنا على نطع الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْأسود الَّذِي يَأْكُل زادي لَو كَانَ عِنْدِي ضيفا لأكثرت إِلَيْهِ الْإِحْسَان أَي لَو أَنه أَتَانِي وقصدني ضيفا لأحسنت إِلَيْهِ وَهُوَ كَقَوْلِه
(جَوْعانَ يَأكُلُ مِنْ زَادي 000 ... )
وَقَالَ الواحدي فِي الْآكِل أزوادنا وَجْهَان أَحدهمَا أَنه أَتَاهُ بِهَدَايَا فَلم يُكَافِئهُ عَلَيْهَا وَالْآخر أَن أَبَا الطّيب يَأْكُل عِنْده من خَاصَّة مَاله وَينْفق على نَفسه مِمَّا حصل مَعَه وَهُوَ يمنعهُ الارتحال فَكَأَنَّهُ يَأْكُل زَاده حِين لم يبْعَث إِلَيْهِ شَيْئا ويمنعه من الطّلب
2 - الْغَرِيب الزُّور الْكَذِب وَيُقَال بَهته بهتا وبهتانا فَهُوَ باهت قَالَ عَلَيْهِ مَا لم يَفْعَله فَهُوَ بهتان الْمَعْنى يَقُول نَحن فِي الظَّاهِر أضيافه لأَنا قصدناه وَلَيْسَ يُعْطِينَا قرى غير الزُّور والمواعيد الكاذبة
3 - الْغَرِيب السبل جمع سَبِيل وَهُوَ الطَّرِيق وَيُقَال سبل وسبل بِالتَّخْفِيفِ والتثقيل وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالتَّخْفِيفِ حَيْثُ وَقع والسبيل يذكر وَيُؤَنث قَالَ الله تَعَالَى {قل هَذِه سبيلي} وَقَالَ {وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا} الْمَعْنى يَقُول متمنيا ياليته أطلقنا أَعَانَهُ الله على التَّخْلِيَة لنا وَالْإِطْلَاق وأعاننا الله على الذّهاب
(4/248)

- 1 الْإِعْرَاب أَرَادَ لتقرر على الْأَمر فَحذف اللَّام كبيت الْكَاتِب
(مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نفسٍ ... إِذا مَا خِفْت مِنْ أمْرٍ تَبالا)
وكقول الآخر
(عَلى مِثْلِ أصحابِ البْعُوضُة فاخْمشِي ... لكِ الوَبلُ حوَّ الوَجِهِ أوْيَبكِ من بَكَى)
أَرَادَ ليبك فَحذف اللَّام الْغَرِيب بلبيس بلد قريب من مصر وَقَالَ الواحدي هُوَ مَوضِع بِالشَّام وَهُوَ مَعْذُور لِأَنَّهُ لم يعرفهُ وَلَا رَآهُ وَتقول قررت بِهِ عينا وقررت بِهِ عينا أقرّ قُرَّة وقرورا وَالْأول أفْصح قَالَ الله تَعَالَى
(4/249)

{وقري عينا} والمسعاة وَاحِدَة المساعي وَهُوَ مَا يسْعَى فِي الْخَيْر وَيحصل الْمجد وَهُوَ السَّعْي فِي الْجُود وسعى سعيا إِذا عدا وَإِذا عمل وَكسب وكل من ولى شَيْئا فَهُوَ ساع وَأكْثر مَا يُقَال فِي وُلَاة الصَّدَقَة سعى عَلَيْهَا أَي عمل عَلَيْهَا وهم السعاة قَالَ عَمْرو بن العداء الْكَلْبِيّ فِي عَمْرو بن عتبَة بن أبي سُفْيَان
(سَعَى عِقالاً فَلمْ يَترُكْ لَنا سبداً ... فَكَيْف لوْ قد سَعى عَمرو عِقَالَيْنِ)
الْمَعْنى يَقُول جزى رب الْعَرَب الْعَرَب الَّتِي تكون فِي هَذِه الْبقْعَة جَزَاء تقربه عيونها فَإِنَّهَا تسْعَى فِي الْأَمْوَال الَّتِي يسْعَى لَهَا الْكِرَام
2 - الْإِعْرَاب كراكر بدل من عرب وَهُوَ جمع لَا ينْصَرف كمساجد وقبائل الْغَرِيب الْكَرَاكِر الْجَمَاعَات الْوَاحِدَة كركرة بِكَسْر الْكَاف قَالَه الْجَوْهَرِي وهم الْجَمَاعَة من النَّاس وَقيس بن عيلان اسْمه إلْيَاس بن مُضر بن نزار ولقبه قيس وَيُقَال لقب أَبِيه مُضر عيلان قَالَ زفر بن الْحَارِث الْكلابِي
(أَلا إنَّما قَيْسُ بنُ عَيلانَ بَقَّةٌ ... إِذا وَجَدَتْ رِيحَ العَصِيرِ تَغَنَّتِ)
وَقَالَ قوم بل كَانَ لَهُ فرس اسْمه عيلان فَسمى بِهِ وَأكْثر مَا يَأْتِي مُضَافا قيس عيلان وعيلان الدكر من الضباع والظبا السيوف الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لما وصف جفونهم بالسهر فِي طلب الْعلَا وصف جفون سيوفهم بالسهر على التَّمْثِيل يُرِيد أَنَّهَا قد فقدت نصولها فَكَأَنَّهَا ساهرة مَعَ جفون عيونهم فِي طلب الْمَعَالِي والفخار فاستعار لَهَا السهر لما ذكر جفون الْعين وَكَذَا نَقله الواحدي وَقَالَ قد ألم يهذا بَعضهم فَقَالَ
(وَطالَما غابَ عَنْ عَيْنِي لِزَوْرَتها ... وَجَفْنِ سَيْفي غِرَارُ السَّيْفِ والوسَن)
3 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بِهِ يعود على الْجَزَاء الْغَرِيب الْعين من الشَّيْء خَيره وأفضله والمعين المَاء الصافي الَّذِي لَا كدر فِيهِ وَقيل الْمعِين الْجَارِي وَهُوَ مفعول من عنت المَاء إِذا استنبطته وكلأ ممعون جرى فِيهِ المَاء الْمَعْنى يمول وَخص بِهَذَا الْجَزَاء يُوسُف الممدوح الَّذِي هُوَ أفضلهم وسيدهم فَهُوَ كَالْعَيْنِ من الْإِنْسَان وَهُوَ لَهُم كَالْعَيْنِ يبصرون بآرائه ويقتدون بِهِ
4 - الْغَرِيب الْقَبِيلَة الْجَمَاعَة تكون من أَب وَاحِد وَالْجمع قبائل قَالَ الله تَعَالَى {وجعلناكم شعوبا وقبائل} والقبيل من الثَّلَاثَة فَصَاعِدا من قوم شَتَّى مثل الْعَرَب وَالروم والزنج وَجمعه قيل والحلة الْجَمَاعَة يحلونَ بِالْمَكَانِ الْمَعْنى يَقُول هَذَا الرجل زين عشيرته ورهطه وَإِن تباعدوا عَنهُ فِي النّسَب وَغَيره من السَّادة لَا يزين قومه
(4/250)

- 1 الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح الشاميون ينصبون طيبا بإضمار فعل أَي تزيد طيبا أَو تطيب طيبا كَقَوْلِك زنيد سيرا أَي يسير سيرا والبغداديون يَرْفَعُونَهُ وَيمْنَعُونَ من نَصبه أَو من نَصبه فعلى التميير لِأَنَّهُ لَيْسَ ثمَّ فعل وَلَو كَانَ ثمَّ فعل لجَاز تَقْدِيمه مَنْصُوبًا كَقَوْل الآخر
(وَما كانَ نَفْسا بِالفِرَاقِ تَطيِبُ ... )
وَوجه الرّفْع أَن المغاني مُبْتَدأ وَطيب خَبره الْغَرِيب مغاني وَاحِدهَا مغنى وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي فِيهِ أَهله وَالربيع الزَّمَان الطّيب وَهُوَ الْفَصْل الَّذِي بعد فصل الشتَاء تخرج فِيهِ الأزهار وتورق الْأَشْجَار الْمَعْنى يَقُول مغاني الشّعب وَهُوَ شعب بوان وَهُوَ مَوضِع كثر الشّجر والمياه يعد من جنان الدُّنْيَا كنهر الأبلة وسغد سَمَرْقَنْد وغوة دمشق طيبَة فِي المغاني بِمَنْزِلَة أَيَّام الرّبيع من الزَّمَان فَهِيَ تفوق سَائِر الْأَمْكِنَة طيبا كَمَا يفوق الرّبيع سَائِر الْأَزْمِنَة
2 - الْغَرِيب الْفَتى الْعَرَبِيّ يُرِيد نَفسه وغريب الْوَجْه لِأَنَّهُ أسمر لَا يعرف وهم شقر وغريب الْيَد لِأَن سلاحه الرمْح وأسلحة أهل الشّعب القسي وغريب اللِّسَان لِأَنَّهُ عَرَبِيّ وهم عجم فَلَا يعرف مَا يَقُولُونَ وَلَا يعْرفُونَ مَا يَقُول
(4/251)

الْمَعْنى يَقُول هَذِه المغاني طيبَة إِلَّا أَنِّي فِيهَا غَرِيب بَينهم بِكُل حَال فَأَنا من دونهم أسمر وَأَنا أَتكَلّم بِغَيْر لغتهم فَلَا أعلم مَا يَقُولُونَ وَلَا يعلمُونَ مَا أَقُول فَأَنا غَرِيب بَينهم بِكُل حَال
3 - الْغَرِيب الملاعب جمع ملعب وَالْجنَّة الْجِنّ وَسموا بذلك لاستتارهم عَن النَّاس والترجمان بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا لُغَتَانِ وَالْجمع التراجم مثل زعفران وزعافر وصحصحان وصحاصح وَهُوَ الَّذِي يُفَسر كَلَام غَيره بِلِسَانِهِ وَهُوَ الَّذِي يعرف يُغير لِسَانه فيفسره بِلِسَانِهِ وأنشدوا
(فَهْنَّ يُلْغِطْنَ بِهِ إلْغاطا ... كالترْجُمانِ لَقِيَ الأنْباطا)
الْمَعْنى يَقُول هَذَا الشّعب طيب وَأَهله شجعان فَهُوَ كملاعب الْجِنّ يَلْعَبُونَ فِيهِ وَالْعرب إِذا أفرطت فِي مدح شَيْء نسبته إِلَى الْجِنّ كَقَوْلِه
(بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ... )
وَهُوَ مَعَ طيبه فِيهِ قوم لغتهم غَرِيبَة لَو أَتَاهُم سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ مَعْرفَته بِجَمِيعِ اللُّغَات لاحتاج إِلَى من يفهمهُ لغتهم
4 - الْإِعْرَاب طبت فِيهِ ضمير يعود على المغاني أَي هَذِه المغاني دعت فرساننا وخيولنا إِلَى الْمقَام الْغَرِيب طباه يطبوه ويطيبه طبيا وطبوا إِذا دَعَاهُ قَالَ ذُو الرمة
(َلباليَ اللَّهُوُ يَطْبِيني فَأتْبَعُهُ ... كأنَّنِي ضارِبٌ فِي غَمْرَةٍ لَعِبُ)
أَي يدعوني اللَّهْو فَأتبعهُ والحران الِاسْم من حرن بِالضَّمِّ إِذا صَار حرونا وَفرس حرن لَا ينقاد وَإِذا اشْتَدَّ بِهِ الجرى وقف الْمَعْنى يَقُول دعت هَذِه المغاني لطيبها خَيْلنَا وفرساننا إِلَى الْمقَام فاستمالت قُلُوبنَا وَقُلُوب خَيْلنَا حَتَّى خشيت على خَيْلنَا أَن تقف فَلَا تَبْرَح ميلًا إِلَيْهَا وَإِن كَانَت كَرِيمَة لَا يعتريها الْعَيْب وَلَكِن قد خفنا عَلَيْهَا من طيب هَذَا الْمَكَان أَن يلْحقهَا هَذَا الحران
5 - الْغَرِيب الْأَعْرَاف جمع عرف وَهُوَ عرف الْفرس وَهُوَ الشّعْر الَّذِي على ناصيته والجمان حب صغَار يشبه اللُّؤْلُؤ الْمَعْنى يَقُول الشّجر الَّذِي فِي هَذَا الشّعب يسْقط عَلَيْهِ فِي اللَّيْل الندى فَهُوَ ينفض على أعراف الْحِيَل مثل الجمان وَهُوَ يشبه اللُّؤْلُؤ وَهُوَ يكون من فضَّة يصف أَنَّهَا كَثِيرَة الشّجر وَالْمَاء
(4/252)

- الْمَعْنى يَقُول سرت وَهَذِه الأشجارا لكثرتها قد حجبن الشَّمْس عني وأعطيتني من الضَّوْء مَا قد كفاني وَقَالَ الواحدي تحجب عَن حر الشَّمْس وتلقى عليّ من الضياء مَا أحتاج إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد أَن الجمان الَّذِي يَقع على الْخَيل هُوَ مَا يَقع عَلَيْهَا من بَين الأغصان من ضوء الشَّمْس
7 - الْغَرِيب الشرق الشَّمْس يُقَال طلع الشرق وَلَا يُقَال غَابَ الشرق والبنان الْأَصَابِع الْمَعْنى يَقُول هَذِه الأغصان تلقى على الشَّمْس من بَينهَا قطعا شَبيهَة بِالدَّنَانِيرِ وَلَكِن لَا تثبت فِي الْأَصَابِع وَقَالَ الْخَطِيب يَقُول هَذَا الشّجر كثر الْوَرق ملتف فضوء الشَّمْس يدْخل من خلله فَيكون على الثِّيَاب كَأَنَّهُ الدَّنَانِير إِلَّا أَنه يفر من البنان وَلَيْسَت الدَّنَانِير كَذَلِك وَهَذَا معنى لم يسْبق إِلَيْهِ
8 - الْغَرِيب الْأَوَانِي جمع آنِية وَهِي الَّتِي تضم الشَّيْء وتجمعه الْمَعْنى يَقُول هَذِه الأغصان ثَمَرَتهَا رقيقَة فَهِيَ تُشِير إِلَى النَّاظر بأشربة واقفة بِلَا إِنَاء لِأَن ماءها يرى من تَحت قشرها كَمَا يبين المَاء فِي الزّجاج وَقد نَقله من قَول البحتري
(يُخْفِي الزُّجاجَةَ لَوْنُها فَكَأنَّها ... فِي الكَفّ قائِمة بِغَيْرِ إناءِ)
يَقُول هَذِه الأغصان ثمارها كَأَنَّهَا أشربة قَائِمَة بنفوسها وَلَا أواني لَهَا
9 - الْغَرِيب صل إِذا صَوت وصلصلة اللجام صَوته والحلى مَا يلْبسهُ النِّسَاء من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجوهر وَفِيه ثَلَاث لُغَات بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَبِه قَرَأَ الْقُرَّاء الْخَمْسَة وبكسرهما وَبِه قَرَأَ حَمْزَة وعَلى وبفتح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبِه قَرَأَ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ والغواني جمع غانية وَهِي الْمَرْأَة الَّتِي غنيت بحسنها وَقيل بزوجها الْمَعْنى يَقُول لَهَا مياه يصوت حصاها من تحتهَا كصوت الحلى فِي أَيدي الْجَوَارِي
10 - الْغَرِيب لبيق حسن مليح طيب والجفان جمع جَفْنَة يُقَال جَفْنَة وجفان وجفنات والثرد والثريد وَاحِد
(4/253)

الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَت هَذِه المغاني كغوطة دمشق فِي الطّيب لثني عناني عَنْهَا واجتذبني إِلَيْهَا هَذَا الممدوح الَّذِي ثرده لبيق وجفانه صينية لِأَنَّهُ ملك وَلَيْسَ هُوَ من أهل الْبَادِيَة وَقَالَ الواحدي لثنى عناني إِلَيْهِ رجل ثريده لبيق وجفانه صينية يَعْنِي لإضافتي هُنَاكَ رجل ذُو مُرُوءَة يحسن إِلَى الضيفان لِأَنَّهَا من بِلَاد الْعَرَب وَهَذَا الشّعب للعجم ورد على أبي الْفَتْح قَوْله وَقَالَ لَيْسَ الْأَمر على مَا قَالَ لِأَن الْبَيْت لَيْسَ بمخلص وَلم يذكر الممدوح بعد وَالْمعْنَى أَنه يبين فضل دمشق وَأَهْلهَا وإحسانهم إِلَى الضيفان وَخص دمشق من سَائِر الْبلدَانِ لِأَن شعب بوان يضاهيها فِي الطّيب وَكَثْرَة الْمِيَاه وَالْأَشْجَار
11 - الْغَرِيب اليلنجوج الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ وندى تشم مِنْهُ رَائِحَته الند الْإِعْرَاب قَالَ الْخَطِيب مَوضِع مَا رفع وَلم يجر بِإِضَافَة يلنجوجي وَلم يتعرف يلنجوجي بِالْإِضَافَة لِأَن التَّقْدِير لثناني لبيق ثرده صبني جفانه يلنجوجي مَا رفعت بِهِ لضيف ناره ندى دخانه الْمَعْنى يَقُول يوقدون النَّار لأضيافهم بِالْعودِ اليلنجوجي ودخانها يشم مِنْهُ الند
12 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يسر بأضيافه فتقوى نَفسه بالسرور فَإِذا رحلوا اغتنم فضعفت نَفسه قَالَ ابْن فورجة كَأَنَّهُ يظنّ أَنَّهُمَا قلبا عضد الدولة وَلَو أَرَادَ مَا قَالَ لقَالَ يجل بِهِ على قلب مسرور ويرحل مِنْهُ عَن قلب مهموم فَأَما الشجَاعَة والجبن فَلَهُمَا معنى غير غير مَا ذهب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُرِيد أَنَّك إِذا حللت بِهِ كنت ضيفا لَهُ وَفِي ذمامه وَأَنت شُجَاع الْقلب لَا تبالي بِأحد وتفارقه وَلَا ذمام لَك فَأَنت جبان تخشى من لقيك وَمثله لَهُ
(وَإنَّ نَفُوسا أمَّمَتْكَ مَنِيعَةٌ ... )
والقلبان فِي الْبَيْت قلبا من يحل بِهِ ويرحل عَنهُ قَالَ الواحدي وَقد يجوز أَن يكون القلبان للمضيف على غير مَا ذكره أَبُو الْفَتْح يَقُول تحل بِهِ أَنْت أَيهَا الرجل على قلب شُجَاع جرىء على الْإِطْعَام غير بخيل لِأَن الْبَخِيل جبان من أجل خوف الْفُقَرَاء وترحل عَنهُ عَن قلب جبان خَائِف فراقك وارتحالك وَظَاهر اللَّفْظ يدل على أَن القلبين للمضيف لِأَنَّهُ قَالَ يحل بِهِ وَإِذا جعلت القلبين للضيف فقد عدلت عَن ظَاهر اللَّفْظ
13 - الْغَرِيب النو بندجان مَوضِع فِي طَرِيق وَقيل بلد بِفَارِس ويشيعني يَتبعني
(4/254)

الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يرى دمشق فِي النّوم وه بِفَارِس فخيال منَازِل دمشق يتبعهُ وَالْمعْنَى أَنه يُحِبهَا وَيكثر ذكرهَا ويحلم بهَا وَقَالَ وَيجوز أَن يُرِيد خيال حبيب لَهُ بِدِمَشْق ونواحيها يَأْتِيهِ فِي مَنَامه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه الْمنَازل لما شاهدت حسنها لَا أَزَال أرى خيالها فِي النّوم فَكَأَنَّهَا تشيعني إِلَى ذَلِك الْمَكَان
14 - الْغَرِيب الْوَرق جمع وَرْقَاء وَهِي الَّتِي فِي لسنها بَيَاض إِلَى سَواد وَقيل للرماد أَوْرَق وللحمامة وللذئبة وَرْقَاء قَالَ رؤبة
(فَلا تَكُونِي يَا بْنَةَ الأشَمّ ... وَرْقاءَ دَمي ذِئْبَها المُدِمي)
والأغاني جمع أغنية وَقد قَالُوا أغان ومخففا والقيان جمع قينة وَهِي الْمُغنيَة الْمَعْنى يَقُول لطيبها قد اجْتمع أصوات الْحمام والقيان بهَا يُجَاوب بَعْضهَا بَعْضًا
15 - الْغَرِيب الشّعب هُوَ الشّعب الأول وَهُوَ شعب بوان مَوضِع من أَعمال شيراز وَهُوَ بِالْقربِ مِنْهَا وأصل الشّعب الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالْجمع شعاب وغنى الْحمام وناح هُوَ مَوْجُود فِي أشعار الْعَرَب فَتَارَة تَقول غنى الْحمام إِذا طرب وَتارَة تَقول ناح إِذا شجى الْمَعْنى يُرِيد أهل الشّعب أحْوج إِلَى الْبَيَان من حمامها فِي غنائها ونوحها لِأَنَّهُ لَا يبان لَهَا وَلَا فصاحة فَلَا تفهم الْعَرَب كَلَامهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أعاجم الشّعب نَاس قد بعدوا عَن الإنسانية مثل الْحمام إِلَّا أَن أوصافهما فِي عدم الإفصاح والاستعجام مُتَقَارِبَة جدا وَفِي الْخلق متباعدة
16 - الْمَعْنى هُوَ مَا قَالَه أَبُو الْفَتْح وكتبناه فِيمَا قبله يُرِيد أَنهم قد بعدوا عَن الْحمام بالإنسانية ووصفها لَكِن العجمة تجمعهما فالحمام أعجم وهم الْأَعَاجِم
17 - الْإِعْرَاب أهوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار الْمَعْنى يَقُول فرسي يَقُول وَأَنا بِهَذَا الْمَكَان مُنْكرا عَليّ أَعنِي هَذَا الْمَكَان يسَار إِلَى المطاعنة وَالتَّقْدِير لَو نطلق لقَالَ لي ذَلِك
(4/255)

- الْمُغنِي قَالَ الواحدي السّنة فِي الارتحال عَن الْأَمَاكِن الطّيبَة وَفِي مَعْصِيّة الله سنّهَا لكم أَبُو كم آدم حِين عصى وَأخرج من الْجنَّة وَإِنَّمَا ذكر هَذَا لكَي يتَخَلَّص إِلَى ذكر الممدوح فَيَقُول هَذَا الْمَكَان وَإِن طَابَ فَإِنِّي لم أعرج بِهِ عَمَّا كَانَ سبيلي إِلَيْهِ كَمَا قَالَ
(لَا أقمنْنا عَلى مَكانٍ وَإنْ طابَ ... )
الْبَيْت
19 - الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَيْت الممدوح وَهُوَ أَبُو شُجَاع عضد الدولة نسيت الْعباد وَهَذَا الْمَكَان الَّذِي قد ذكرته ووصفته بالطيبة والنزهة
20 - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مقصد النَّاس فَالنَّاس وَالدُّنْيَا كلهم طَرِيق يتركون فِي الْقَصْد إِلَى هَذَا الممدوح
21 - الْغَرِيب الطراد المطاعنة فِي الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول علمت نَفسِي القَوْل فِي النَّاس بالشعر فِي مدائحهم كَمَا يتَعَلَّم الطعان أَولا بِغَيْر سِنَان ليصير المتعلم ماهرا بالطعان بِالسِّنَانِ كَذَلِك تعلمت الشّعْر ومدح النَّاس لأتدرج إِلَى مدحه وخدمته وَقَوله لَهُ أَي لأَجله وَهُوَ أظهر فِي الْمَعْنى
22 - الْمَعْنى يَقُول الدولة يُرِيد الْملك امْتنعت وعزت بِهَذَا الممدوح وَهُوَ للْمَالِك عضد وَيَد وَمن لَهُ عضد وَيَد يدْفع بهما عَن نَفسه وَعَن الْملك وَلَا يَد لمن لَا عضد لَهُ فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِك قَالَ أَبُو الْفَتْح يعرض بدولة غَيره من الْمُلُوك الَّتِي لَا يذب عَنْهَا وَلَا يحميها لِأَنَّهُ لَا عضد لَهُ مِنْهُ وأودع كَلَامه رمزا خَفِيفا وتعريضا بِجَمِيعِ من لَا عضد لَهُ دولة كَانَ أَو إنْسَانا بقوله لَيْسَ لغير ذِي عضد يدان وَلم يخص دولة من غَيرهَا
23 - الْغَرِيب السمر الرماح واللدان جمع لدن وَهُوَ اللين المثني وَالْبيض السيوف والمواضي القواطع
(4/256)

الْمَعْنى يَقُول من لم يكن لَهُ يدان لم يقبض على السيوف وَلم يطعن بِالرِّمَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِك وَالْمعْنَى أَن غَيره لَا يقوم مقَامه فِي الدّفع عَن الدولة لِأَنَّهُ عضدها وَمن لَا عضد لَهُ لَا بُد لَهُ وَمن لَا يَد لَهُ لم يضارب وَلم يطاعن ولاحظ لَهُ من الشمر أَي لَا حَظّ لَهُ من الطعان
قَالَ الواحدي يرْوى ولاحط بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَهُوَ خفض الرماح لِلطَّعْنِ
24 - الْغَرِيب اصل الْبكر الْعَذْرَاء وَالْجمع أبكار وَالْبكْر الْمَرْأَة الَّتِي ولدت بَطنا وَاحِدًا وبكرها وَلَدهَا وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالْبكْر أول كل شَيْء من ثَمَرَة وَغَيرهَا والعوان من الْحَرْب الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة كَأَنَّهُمْ جعلُوا الأولى بكرا الْمَعْنى قَالَ الواحدي روى ابْن جنى بِموضع لِأَن الواحدي روى بمفزع قَالَ وَقَالَ دَعَتْهُ السيوف بمقابضها والرماح بأعقابها لِأَنَّهَا مَوَاضِع الْأَعْضَاء مِنْهَا وَحَيْثُ يمسك الطاعن والضارب قَالَ وَيحْتَمل عِنْدِي أَن يُرِيد دَعَتْهُ الدولة بمواضع الْأَعْضَاء من السيوف والرماح أَي اجتذبته واستمالته وَقَالَ ابْن فورجة هَذَا مسخ للشعر لَا شرح لَهُ وَمَا قَالَ الشَّاعِر إِلَّا بمفزع يَعْنِي دَعَتْهُ الدولة عضدا والعضد مفزع الْأَعْضَاء كَأَنَّهُ شرح قَوْله
(بِعَضْدِ الدوَّلَةٍ امْتَنَعَتْ وَعَزَّتْ ... )
انْتهى كَلَامه وَهُوَ على مَا قَالَ يُرِيد أَن الدولة سمته عضدها وَهِي مفزع الْأَعْضَاء لِأَن الْأَعْضَاء عِنْد الْحَرْب تفزع إِلَى الْعَضُد والعضد هِيَ الدافعة عَنْهَا الحامية لسَائِر الْأَعْضَاء وَقَوله بكر هُوَ صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره ليَوْم الْحَرْب حَرْب بكر أَو عوان
25 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح الْوَجْه أَن يكون فناخسر اسْمَيْنِ مركبين كجرى بَحر وَيجوز أَن يكون اسْما وَاحِدًا أعجميا طَالَتْ حُرُوفه وَهُوَ وَجه ضَعِيف الْغَرِيب الْمُسَمّى الَّذِي يَدْعُو بِالِاسْمِ والكاني الَّذِي يَدْعُو بالكنية الْمَعْنى يَقُول هُوَ وَاحِد فِي النَّاس لَا نَظِير لَهُ فَمَا يدعى أحد باسم وَلَا كنية مثله
26 - الْإِعْرَاب كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول عَنْهَا وَلكنه حمله على الْمَعْنى أَرَادَ وَلَا يُحْصى فَضله وَيجوز أَن يكون ذكر الْفَضَائِل لِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ كَقِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ يخفى مِنْكُم خافية بالتذكير وَمثله كثير
(4/257)

الْمَعْنى يَقُول الظَّن على كثرته وسعته وَالْأَخْبَار لَا يحيطان بوصفه والأعيان إِذا عَايَنت فَضله لَا تطِيق حصره
27 - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح قد صرح سِيبَوَيْهٍ أَن الْعَرَب قد امْتنعت من تكسير أَرض اسْتغْنَاء بقَوْلهمْ أرضات وأرضون بِفَتْح الرَّاء كَمَا قَالُوا سنُون بِكَسْر السِّين فألزموهما ضربا من التَّغْيِير تَنْبِيها على أَنَّهُمَا جمعا على أبنية لم تكن لَهما فِي الأَصْل وَحكى أَبُو زيد فِي نوادره فِي أَرض أروض وَأَرَادَ بِالنَّاسِ الْمُلُوك وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا الْمَعْنى يُرِيد أَن أَرض الْمُلُوك مخلوقة من التُّرَاب وَالْخَوْف لملازمة الْخَوْف لَهَا فَكَأَنَّهَا قد جعلت مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى {خلق الْإِنْسَان من عجل} لما كَانَ فِي أَكثر أَحْوَاله عجلا كَأَنَّهُ مَخْلُوق من عجل وَأَرْض الممدوح كلهَا كَأَنَّهَا مخلوقة من أَمَان للُزُوم الْأمان لَهَا وَالْمعْنَى أَن أحدا لَا يعبث فِي ولَايَته وَلَا يُفْسِدهَا هَيْبَة لَهُ وخوفا مِنْهُ وَهَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا حرفا
28 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي تذم يعود على الأَرْض الْغَرِيب التَّجر جمع تَاجر كصحب وَصَاحب وَركب وراكب وتذم تجير أذمه أجاره والجاني الَّذِي يجنى جِنَايَة فيهرب مِنْهَا كسارق وَقَاتل وَغَيرهمَا واللصوص جمع لص وَهُوَ السَّارِق الْمَعْنى يَقُول أَرض هَذَا الممدوح تجير كل تَاجر من سَارِق وذاعر فَلَا يقدر عَلَيْهِ أحد وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهَا قد ضمنت لسيوفه كل مُفسد يفْسد فِيهَا وَيقطع فِيهَا
29 - الْغَرِيب المحاني جمع محنية وَهِي منعطف الْوَادي والرعان جمع رعن وَهُوَ أنف الْجَبَل الْمَعْنى يُرِيد أَن ودائع التُّجَّار إِذا تركوها فِي هَذِه الْأَمَاكِن أمنُوا عَلَيْهَا وَلم يخَافُوا أحدا عَلَيْهَا وَهُوَ معنى غَرِيب الْمَعْنى يُرِيد أَن بضائع التُّجَّار باتت فِي هَذِه الْأَمَاكِن آمِنَة من غير حَافظ لَهَا سوى هيبته تصيح بالمار عَلَيْهَا هَلُمَّ أما تراني وَلَيْسَ دوني حرز وَلَا مَانع
31 - الْغَرِيب الْأَبْيَض السَّيْف والمشرفي نِسْبَة إِلَى مشارف وَهِي قرى من أَرض
(4/258)

الْعَرَب يدنو من الرِّيف والصل ضرب من الْحَيَّات وَيُشبه بهَا الرجل إِذا كَانَ داهيا مُنْكرا فَيُقَال إِن فلَانا لصل أصلال والأفعوان ذكر الأفاعي الْمَعْنى أَنه لما ذكر الصل والأفعوان أَتَى بِذكر الرقى وَجعل اللُّصُوص كالأفاعي وَجعل سيوفه رقاة للأفاعي فَكَمَا أَن الْحَيَّات تدفع بالرقي كَذَلِك تدفع اللُّصُوص بسيوفه
32 - الْإِعْرَاب يرْوى يرقى بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهِ فينصب المَال ونعته ويروى على إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول فيرتفعان الْغَرِيب اللها جمع لهوة وَهِي الْعَطِيَّة من أَي شَيْء كَانَ الْمَعْنى يَقُول يرقى بسيوفه الأفاعي من اللُّصُوص وَغَيرهم وَلَا بِقدر أَن يرقى مَاله من كرمه وَلَا مَاله الْكَرِيم من هوانه
3 - الْغَرِيب فَارس يُرِيد أَرض فَارس وَهُوَ لَا ينْصَرف والشمري الْكثير التشمير وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ مَنْسُوب إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ شمر وَقد تكسر ميمه ورد عَلَيْهِ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي بِأَن عضد الدولة لم يكن من مَكَان يُقَال لَهُ شمر وَلَا سمعنَا بِهِ وَلَا مدح بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ الْكثير التشمير الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَقُول لأَصْحَابه أفنوا أَنفسكُم ليبقى ذكركُمْ فكأنكم باقون بِبَقَائِهِ قَالَ الْعَرُوضِي هَذَا التَّفْسِير طَاهِر الاستحالة وَلكنه يَقُول حمى فَارس بقتل اللُّصُوص فَاعْتبر غَيرهم فَلم يؤذوا النَّاس وَلم يستحقوا الْقَتْل فبقوا يعْنى أَنه إِذا قتل أهل الْفساد كَانَ فِي ذَلِك زجر لغَيرهم فَيصير ذَلِك حثا لَهُم على اغتنام التباقي وَهُوَ الْبَقَاء والتفاني الفناء وَهُوَ جناس خطى وَيدل على مَا قَالَه أَبُو الْفَتْح مَا بعده يضْرب
34 - الْغَرِيب المثاني والمثالث ضَرْبَان من الْغناء يكونَانِ فِي الْعود وَنَحْوه الْمَعْنى يَقُول حمى فَارس بِضَرْب يطرب المنايا فيحركها بِكَثْرَة من يقْتله وَذَلِكَ الضَّرْب سوى ضرب أوتار الْعود فَهُوَ يضْرب بِالسَّيْفِ وَلَا يمِيل إِلَى ضرب الْعود وَنَحْوه
35 - الْغَرِيب العناصي جمع عنصوة وَهُوَ الشّعْر المتفرق فِي جَانب الرَّأْس والحيقطان ذكر الدراج وريشة ألوان الْمَعْنى يَقُول من كَثْرَة الْقَتْلَى قد تساقطت شُعُورهمْ من رُءُوسهم وَعَلَيْهَا الدَّم
(4/259)

فَهِيَ حمر وَقد صَارَت الأَرْض حَمْرَاء فشبهها بريش الدراج فَجمع بَين الشّعْر الْأسود والأبيض وَالدَّم فَجعله كصدر ذكر الدراج وَهُوَ من أحسن التَّشْبِيه لِأَنَّهُ جعل الشّعْر الأشمط وَالدَّم والعناصي نواحي الرَّأْس كريش الحقيطان وَمِنْه قَول أبي النَّجْم
(إنْ يُمْسِ رَأسِي أشْمَطَ العَناصِي ... )

36 - الْإِعْرَاب يُرِيد أهل الْعِشْق فحدف وَالضَّمِير فِي فِيهَا واجع إِلَى أَرض فَارس الْمَعْنى يَقُول هَذِه هَذِه الأَرْض آمِنَة لِأَن الْأَمْن قد عَمها قريبها وبعيدها حَتَّى لَو كَانَت قُلُوب أهل الْعِشْق فِيهَا لما خَافت من العهون وَهُوَ معنى حسن
37 - الْغَرِيب الشبل ولد الْأسد وَالْمهْر الصَّغِير من الْخَيل والرهان السباق الْمَعْنى لم أر فِي النَّاس مثل ولديه اللَّذين كشبلي أَسد فِي الشجَاعَة ومهري رهان فِي الْمُسَابقَة إِلَى الْكَرم وارتفاع الْمجد
38 - الْغَرِيب الهجان الْخَالِص الْكَرِيم وَأَرْض هجان طيبَة الترب الْمَعْنى يَقُول لم أر أَشد تنَازعا أَي تجاذبا لأصل كريم وَأب كريم مِنْهُمَا يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يجاذب صَاحبه فِي كرم الأَصْل فيريد أَن يكون أكْرم من صَاحبه وَأَن يكون حَظه أوفر من حَظّ صَاحبه فِي الْكَرم وَلم أر وَلَدي أَب أشبه مِنْهُمَا بأب كريم خَالص النّسَب
39 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مجالسه يعود إِلَى أَب تَقْدِيره لم أر وَلدين أَكثر استماعا فِي مجَالِس الْأَب مِنْهُمَا الْمَعْنى يَقُول لَا يجْرِي فِي مجْلِس أَبِيهِمَا إِلَّا ذكر المطاعنة فهما لَا يستعملان غير ذَلِك وَلَا يستمعان سوى ذكر الشجَاعَة وَالْكَرم
40 - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح داية وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا الظِّئْر وَهِي الَّتِي ترْضع الْمَوْلُود وروى الواحدي وَغَيره راية وَهِي فعلة من الرَّأْي الْمَعْنى يَقُول فِي رِوَايَة أبي الْفَتْح إِن الْمَعَالِي تولت تربيتهما فَلَا يميلان إِلَّا إِلَيْهَا ويحبانها حب الصَّبِي من رباه وَفِي رِوَايَة الواحدي وَغَيره أول شَيْء رأياه الْمَعَالِي فقد عشقاها قبل أَوَان الْعِشْق
(4/260)

- الْغَرِيب الصَّارِخ هُوَ المستصرخ بالقوم لينصروه والعاني الْأَسير ويروى لَفْظَة وَكلمَة وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى الْمَعْنى يُرِيد أول كَلَام فهموه إِجَابَة من استغاثهم ونصرته وَفك الْأَسير من وثَاقه أَو فقره
42 - الْغَرِيب بهره بهرا أَي غَلبه والبهر بِالضَّمِّ تتَابع النَّفس يُقَال بهره الْحمل بهرا أَي أوقع عَلَيْهِ البهر الْمَعْنى بَدَت مَعَك شمسان يَعْنِي ولديه فَكنت شمسا تغلب على كل عين ببهائك فَكيف الْآن وَقد ظهر من ولديك شمسان أخريان
43 - الْمَعْنى يَدْعُو لَهما بِالْبَقَاءِ الدَّائِم بَقَاء الشَّمْس وَالْقَمَر ينْتَفع النَّاس بضوئهما وَلَا يكون بَينهمَا تحاسد وَلَا اخْتِلَاف
44 - الْمَعْنى هَذَا دُعَاء أَيْضا لأبيهما بطول الْحَيَاة يَقُول لَا ملكا ملكك بل ملك الأعادي وَلَا ورثاك إِنَّمَا يرثان من يقتلانه من الأعادي
45 - الْمَعْنى يَقُول عَدوك الَّذِي لَهُ ولدان وكاثر يهما كياءين زائدتين فِي أنيسيان لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مكبرا كَانَ خَمْسَة أحرف فَإِذا صغر زيد فِيهِ ياءان فِي عدده وَنقص فِي مَعْنَاهُ وفخره فهما زائدتان فِي نَقصه كَذَلِك إِذا كَانَ لهَذَا الممدوح عَدو لَهُ ابْنَانِ فكاثره بهما ليكونان زِيَادَة فِي عدده فهما ناقصان لتخلفهما وسقوطهما عَن قدره كياءي أنيسيان قد زادتا فِي حُرُوفه وضغرتاه
46 - الْإِعْرَاب رفع دُعَاء لِأَنَّهُ خبر الِابْتِدَاء أَي هَذَا دُعَاء الْغَرِيب الْجنان الْقلب والرياء ضد الخلوص الْمَعْنى يَقُول الَّذِي ذكرته دُعَاء وَهُوَ ثَنَاء خَالص من قلبِي لَا يخالطه رِيَاء فَهُوَ من قلبِي تفهمه عني بقلبك وَتعلم أَنه إخلاص لَا رِيَاء فِيهِ
(4/261)

- الْغَرِيب فرند السَّيْف وإفرنده ربده وشيه والعضب السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه شبه شعره بفرند السَّيْف دَالا على جودته وَشبه الممدوح بِسيف قَاطع يُرِيد أَنَّك كسيف قَاطع وشعري فرنده وَذَلِكَ أَنَّك كريم جواد وشعري جيد لَا عيب فِيهِ
48 - الْغَرِيب الهراء يُقَال منطق هراء إِذا كَانَ فَاسِدا قَالَ ذُو الرمة
(لَها بَشَرق مِثْلُ الحَرِيرِ ومَنْطِقٌ ... رَخِيمُ الحَوَاشِي لَا هُراءٌ وَلا نَزْرُ)
وهراء الْكَلَام إِذا أَكثر مِنْهُ فِي خطأ وهراء الرجل فِي مَنْطِقه هراء إِذا قَالَ الْخَنَا والقبيح الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أَن تَكُونُوا فِي النَّاس كانو لَغوا وَلما كُنْتُم فيهم صَارَت لَهُم معَان فبكم تُوجد الْمعَانِي فِي النَّاس
(4/262)

- 1 الْغَرِيب الحيز فيعل من حَاز يجوز وَهُوَ الْمَكَان وسيبويه يجمعه حياييز والأخفش حياوز وتحيز تحيزا قَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ تفعل من حزت الشَّيْء يُرِيد أَن وزن تحيز تفعل وَكَانَ أَصله تحيوز ثمَّ قلب وأدغم قَالَ الْقطَامِي
(تَحَيَّزُ مِنِّي خَشْيَةً أنْ أُضِيفَها ... كَمَا انْحازَتِ الأفْعَى مَخافَةَ ضَارِب)
ونميت الشَّيْء على الشَّيْء رفعته عَلَيْهِ وَمِنْه قَول النَّابِغَة
(فَعَدّ عَمَّا تَرَى إذْ لَا ارِْتجاعَ لَهُ ... وَانمِ القُتودَ على عَيْرَانَةٍ أُجُدِ)
الْمَعْنى يَقُول الْجَانِب الَّذِي أَنْت فِيهِ أغلب الْجَانِبَيْنِ يُرِيد أَن عشيرتك الَّتِي تنْسب إِلَيْك يغلبُونَ بك غَيرهم عِنْد المساماة وَمن ترفعه أَنْت فَهُوَ فِي كل يَوْم فِي زِيَادَة ورفعة
2 - الْغَرِيب يُقَال هُوَ ابْن عمي دنية وَدُنْيا بِالتَّنْوِينِ وبإسقاطه وَهُوَ الْقَرِيب الْمَعْنى يَقُول أَبُو العشائر الَّذِي هُوَ ربيب نِعْمَتك وغذى دولتك أَنْت جده وَأَبوهُ دنية لَا أَبَوَاهُ اللَّذَان ولداه واتصاله بك فِي الْقَرَابَة يُغْنِيه عَن ذكر الْأَب وَالْجد فَأَنت أقرب إِلَيْهِ وأعطف عَلَيْهِ من الْأَب وَالْجد
280

- 1 الْمَعْنى يَقُول النَّاس أَمْثَال بَعضهم لبَعض فَإِذا رأوك اخْتلفُوا بك لِأَنَّك لَا نَظِير لَك فيهم وَأَنت معنى الدَّهْر لِأَنَّهُ يحسن إِلَى أَهله بك وبسيء وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن دُرَيْد
(اللهُ يَعْلَمُ وَالرَّاضي وَشِيعَتُهُ ... أنَّ الوَزَارَةَ لَفْظٌ أنْتَ مَعْاهُ)
(4/263)

- الْغَرِيب الباع قدر مد الْيَدَيْنِ وبعت الْحَبل أبوعه بوعا إِذا مددت باعك بِهِ كَمَا تَقول شبرته من الشبر وَرُبمَا عبر بالباع عَن الشّرف وَالْكَرم قَالَ العجاج
(إذَا الكِرَامُ ابْتَدَروُا الباع بَدرْ ... )
وَقَالَ حجر بن خَالِد
(نُدهْدِقُ بضْعَ اللحمِ للبْاعِ وَالندى ... وَبَعْضُهمْ تَغْلِي بِذَمٍّ مَناقِعُهْ)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت من الْجُود بِمَنْزِلَة النَّاظر من الْعين وَمن الْبَأْس بِمَنْزِلَة اليميني من الباع وَهُوَ من قَول عَليّ بن جبلة
(وَلَوْ جَزَأ اللهُ العُلى فَتَجَزَّأتْ ... لكانَ لكَ العَيْنانِ وَالأُذُنانِ)

3 - الْإِعْرَاب أغبر صفة لمأزق وفرسانه ابْتِدَاء وَالْخَبَر تحاماه وَفِيه ضمير يعود على الَّذِي والضيمر فِي فرسانه يعود على المأزق وَالَّذِي وصلته فِي مَوضِع نصب بأفدى الْغَرِيب المأزق الضّيق فِي الْحَرْب وحرج ضيق وأغبر كثير الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول أفدى الَّذِي تحاماه الْأَبْطَال فِي الْحَرْب لشجاعته لِأَنَّهَا تكره ملاقاته
4 - الْغَرِيب الكمي الشجاع الْمُسْتَتر فِي سلاحه الْمَعْنى يَقُول فِيهِ أَي فِي ذَلِك المأزق يُرِيد أَنه يحملهُ برمحه فيتأطر الرمْح للينه حَتَّى يصير أوسطه أَعْلَاهُ وَيكون الكمي مُنَكسًا قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ هُوَ مثل الْبَيْت الآخر
(ولرَّبما أطرَ القناةَ بِفارسٍ ... وثَنى فَقوَّمها بآخر منهمُ)

5 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يخلع عَلَيْهِم ثيابًا تنشد مدائحهم فِيهِ بألسن مالهن أقواه تقَعْقع لجدتها والأصم يَسْتَغْنِي برؤيتها عون صَوتهَا فقد اجْتمع فِيهَا الْحسن والقعقعة قَالَ الْعَرُوضِي هَذَا كَلَام من لم ينظر فِي مَعَاني الشّعْر وَلم يرو الْكثير مِنْهُ وَكنت أربأ بِأبي الْفَتْح عَن مثل هَذَا القَوْل ألم يسمع قَول نصيب
(4/264)

(فَعاجُوا فَأثْنَوْا بِالَّذِي أنتَ أهْلُهُ ... وَلوْ سكَتُوا أثْنَتْ عَليكَ الحقائبُ)
وَلم يكن للحقائب قعقعة وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنهم يرونها ممتلئة كَذَلِك أَرَادَ المتنبي بألسن خلعه وأثوابه فيراها النَّاس علينا فيعلمون أَنَّهَا من هداياه فَكَأَنَّهَا قد أثنت عَلَيْهِ وأنشدت مدائحه بألسن لَا تتحرك فِي أَفْوَاه لِأَنَّهَا لَا تنطق فِي لحقيقة إِنَّمَا يسْتَدلّ بهَا على جوده فَكَأَنَّهَا أخْبرت ونطقت
6 - الْغَرِيب الْأَصَم الَّذِي لَا يسمع والمسمعان الأذنان الْمَعْنى هَذَا يُؤَكد مَا قبله وَذَاكَ لِأَن الْأَصَم وَغَيره سَوَاء فِي النُّطْق من الثَّوْب فَإِن الْأَصَم يرَاهُ كَمَا يرَاهُ غَيره فَإِذا رَآهُ اسْتغنى عَن أَن يسمع أَنه أعْطى فَيكون كالسامع
7 - الْغَرِيب خار الله لَهُ كَذَا اخْتَار لَهُ والجدوى الْعَطِيَّة ونلن بِالْكَسْرِ أفْصح من الضَّم وَمِنْهُم من يَجْعَلهَا بَين الْكسر وَالضَّم مثل قيل كَقِرَاءَة عَليّ وَهِشَام عَن ابْن عَامر الْمَعْنى يَقُول سُبْحَانَ الله الَّذِي اخْتَار للنجوم الْبعد عَن النَّاس فَلَو نيلت لأخذها وَجعلهَا فِي عطاياه وهباته
8 - الْغَرِيب صاعه فرقه تَقول صعته فانصاع أَي فرقته فَتفرق وَجمع الشموس على تَقْدِير أَن لكل يَوْم شمسا أَو لكل فصل شمسا الْمَعْنى لَو ملك ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر وَغَيرهمَا لفرقه جوده وأفناه
9 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه لَا دين إِلَّا بِهِ لحفظه على النَّاس وَلَا دنيا إِلَّا مَعَه لِأَنَّهُ ملك فَمن ودعه فقد ودعهما جَمِيعًا
10 - الْمَعْنى يَقُول لَا مزِيد على كرمك فَإِن كَانَ فِيهِ مزِيد فزادك الله تَعَالَى
(4/265)

- 1 الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح فِي الْبَيْت اختلال فِي صناعَة الْإِعْرَاب وَذَلِكَ أَنهم قد عرفُوا أَنه لم يكنه فحكايته عَنْهُم أَنهم قَالُوا ألم تكنه إِنَّمَا هُوَ على مَذْهَب التَّقْرِير لأَنهم لم يشكوا فِي أَنه لم يكنه فيستفهموه فَصَارَ كَقَوْلِك ألم تأت فأعطيك وَلم ترد استفهامه وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنه أَتَاك وأعطيته وَإِذا كَانَ تقريرا فَفِيهِ نقص واختلال وَذَلِكَ أَن التَّقْرِير إِذا دخل على لفظ النَّفْي رده إِلَى الْإِيجَاب فِي الْمَعْنى وَإِذا دخل على الْإِيجَاب رده إِلَى النَّفْي فِي الْمَعْنى أَلا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى {أَأَنْت قلت للنَّاس} وَهُوَ تَعَالَى لم يشك وَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِير وَمَعْنَاهُ أَنَّك لم تقل فَهَذَا لفظ الْإِيجَاب الَّذِي عَاد إِلَى النَّفْي وَأما لفظ النَّفْي الَّذِي أَعَادَهُ التَّقْرِير إِلَى الْإِيجَاب فكقوله تَعَالَى {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ} أَي فِيهَا مثوى لَهُم وَإِذا كَانَ الْأَمر على هَذَا فَقَوله ألم تكنه يَنْبَغِي أَن يعود على الْمَعْنى أَي أَنهم قَالُوا قد كنيته وَهَذَا محَال لأَنهم أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ترك كنيته فَلم يضع الْكَلَام مَوْضِعه وَلم يَأْتِ بِهِ على وَجهه انْتهى كَلَامه أَي كَانَ حَقه أَن يَقُول قَالُوا وَلم تكنه وَلَا يَأْتِي بِحرف الِاسْتِفْهَام قَالَ ابْن فورجة هُوَ اسْتِفْهَام صَرِيح وَلَيْسَ فِيهِ تَقْرِير كَأَن وَاحِدًا من الْقَوْم سَأَلَ أَبَا الطّيب فَقَالَ ألم تكنه أَي هَل كنيته قَالَ الواحدي والاستفهام الصَّرِيح لَا يكون بِالنَّفْيِ لِأَنَّك إِذا استفهمت أحدا هَل فعل شَيْئا قلت هَل فعلت كَذَا وَلم تقل ألم تَفْعَلهُ الْغَرِيب كنيت الرجل إِذا دَعوته بكنيته والعي ضد الفصاحة الْمَعْنى يُرِيد أَنه يعرف بصفاته لَا بكنيته فَإِذا ذكرنَا كنيته مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا بخصائص صِفَاته كَانَ ذَلِك عيا فِي كلامنا
2 - الْغَرِيب العشائر جمع عشيرة وَيُقَال فِي جمعهَا عشيرات وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم فِي بَرَاءَة {وعشيراتكم} جمع عشيرة الْمَعْنى يَقُول لَا يحذر أَبُو العشائر من لَيْسَ مَعَاني الورى بِمَعْنَاهُ أَي اخْتِلَاط صِفَاته بِصِفَات غَيره ومعانيه لِأَنَّهُ قد انْفَرد عَن النَّاس بخصائص لَا يُشَارك فِيهَا فَإِذن لَا يحْتَاج فِي مدحه إِلَى ذكر كنيته وروى الواحدي لَا يتوفى أَبُو العشائر وَمَعْنَاهُ لَا تستوفي هَذِه الكنية وَهَذَا اللَّفْظ رجلا يزِيد مَعْنَاهُ على مَعَاني الورى كلهم لِأَن فِيهِ من معنى الْكَرم والمدح مَا لَيْسَ فيهم
3 - الْإِعْرَاب أَفرس خبر ابْتِدَاء أَي هُوَ أَفرس وَنصب الْحَدِيد على أَنه اسْتثِْنَاء مقدم وَاسم لَيْسَ أمواه تَقْدِيره لَيْسَ أمواه فِي الأَرْض إِلَّا الْحَدِيد وَإِن جعلته خبر لَيْسَ كَانَ فِيهِ ضَرُورَة لِأَن الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة وَهُوَ جَائِز فِي الضَّرُورَة كبيت حسان
(يَكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وَماءُ ... )
وَقد حيل لَهُ وصرفوه عَن هَذَا الْوَجْه الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على غير قِيَاس الْمَعْنى يَقُول أَفرس الفرسان فِي الْحَرْب وَلما جعل الْخَيل سابحة جعل لَهَا الْحَدِيد مَاء اسْتِعَارَة وَالْمعْنَى أَنَّهَا تسير فِي بَحر من حَدِيد لِكَثْرَة الأسلحة وَالسُّيُوف وكل شَيْء كثر وَجَاوَزَ الْحَد يشبه بالبحر
(4/266)

- 1 الْغَرِيب الْملك وَالْملك لُغَتَانِ وَالْمبَارك من الْبركَة وكل مَا يتيمن بِهِ الْإِنْسَان جَازَ أَن يُوصف بِالْبركَةِ الْمَعْنى يَقُول أَحَق الديار أَن تدعى وَتسَمى مباركة دَار ملكهَا الَّذِي فِيهَا مبارك يُرِيد إِن كَانَ صَاحب الدَّار مُبَارَكًا فداره أَحَق الدّور بِأَن تدعى مباركة
2 - الْغَرِيب أَجْدَر أَحَق وأخلق الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَ السكان يسقون النَّاس وينفعونهم ويبرونهم فدارهم تكون مسقيمة بهم تَشْمَل بركاتهم الدَّار فأعظم الدّور بركَة دَار سكانها سقاة النَّاس
3 - الْمَعْنى يَقُول نَحن نهنىء دَارك الَّتِي انْتَقَلت إِلَيْهَا بعودك إِلَيْهَا فَمن يسلى الأولى الَّتِي فارقتها فيعزيها بِفِرَاقِك عَنْهَا لِأَنَّهَا فِي حزن لفقدك
4 - الْغَرِيب حللت نزلت وتاه فلَان تيها إِذا تكبر وافتخر الْمَعْنى يَقُول أَنْت إِذا ارتحلت عَن مَكَان إِلَى سواهُ أَعْطَيْت ذَلِك الْمَكَان حزن لفراقك وَأعْطيت الَّذِي نزلت فِيهِ تكبرا وفخرا على الْمَكَان الَّذِي ارتحلت عَنهُ
5 - الْغَرِيب المغاني جمع مغنى وَهُوَ الْمنزل والمسكن الْمَعْنى يَقُول لَا تستبعد أَن تكون الدَّار الَّتِي فارقتها وَالَّتِي حللتها عَاقِلَة حِين تفرح بنزولك وتحزن على فراقك فَإِن رِيحك لَهَا روح وجانس بَين الرّيح وَالروح
6 - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بإتمام السَّعَادَة وَطول الْبَقَاء وَهُوَ أحسن مَا يكون من الدُّعَاء
(4/267)

- 1 الْغَرِيب فِي هَذَا الْبَيْت خرم وَيُسمى العضب وَهُوَ كثير فِي أشعار الْعَرَب وطيء قَبيلَة عَظِيمَة وَلها بطُون كَثِيرَة وسمى الرجل لربيعه بربيعة الْحَدِيد وَهِي الْبَيْضَة وَمِنْه ربيعَة الْفرس وَهُوَ ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان أعْطى من مِيرَاث أَبِيه الْخَيل الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَت طَيء لِئَامًا فألأمهم ربيعَة أَو بنوه وَيجوز أَن يكون أَبُو بِمَعْنى الْوَاو
2 - الْغَرِيب وردان اسْم مُشْتَقّ من الْورْد وَلَو سميت رجلا بوردان تَثْنِيَة ورد جَازَ لَك فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن تجريه مجْرى مَرْوَان فتعربه كإعرابه وَلَا تصرفه وَالثَّانِي أَن تلفظ بِهِ بِلَفْظ التَّثْنِيَة تَقول فِي رَفعه جَاءَنِي وردان وَفِي نَصبه رَأَيْت وردين وَفِي جَرّه مَرَرْت بوردين الْمَعْنى يَقُول وَإِن كَانُوا كراما فوردان لم يكن مِنْهُم لِأَنَّهُ غير كريم فَيكون دعيا فيهم
3 - الْغَرِيب حسمي بِالْكَسْرِ اسْم رض بالبادية غَلِيظَة لَا خير فِيهَا ينزلها جذام وَيُقَال آخر مَاء صب من مَاء الطوفان بحسمي فَبَقيت مِنْهُ هَذِه الْبَقِيَّة إِلَى الْيَوْم وفيهَا جبال شَوَاهِق ملس الجوانب لَا يكَاد القتام يفارقها قَالَ النَّابِغَة
(فَأصْبَحَ عاقِلاً بِجِبالِ حِسْمِي ... دِقاقَ التْربِ مُحْتزِمِ القَتامِ)
ويمجّ المجّ من فَوق والبج من أَسْفَل قَالَ
(لَدَدْتهم النَّصِيحَةَ كُلَّ لدَ ... فَمَجُّوا النُّصْحَ ثُمَّ ثَنَوْا فَقاءُوا)
الْمَعْنى يَقُول مَرَرْنَا مِنْهُ بِهَذَا الْموضع بِعَبْد يقذف اللؤم من منخره وَفِيه
4 - الْغَرِيب شَذَّ العَبْد إِذا هرب وأشذه غَيره هربه الْمَعْنى يَقُول فرق بِسَبَب امْرَأَته عني عَبِيدِي يُرِيد أَنه دعاهم إِلَى الْفُجُور بهَا فاتلفهم لِأَنَّهُ حملهمْ على الْفُجُور وأتلفوا مَالِي لأَنهم أنفقوه على امْرَأَته
5 - الْغَرِيب الْجِيَاد الْخَيل والمنصل السَّيْف الْمَعْنى يُرِيد العَبْد الَّذِي أَخذ فرسه تَحت اللَّيْل فانتبه أَبُو الطّيب وَضرب وَجهه السَّيْف وَأمر الغلمان فَقَتَلُوهُ
(4/268)

- 1 الْغَرِيب أوه كلمة للتوجع قَالَ
(فَأوْهِ لِذكْرَاها إذَا مَا ذَكَرْتُها ... )
وواها كلمة للتعجب وَمِنْه قَول أبي النَّجْم
(وَاها لرَيا ثمَ وَاها وَاها ... )
ونأت ونأت فَارَقت وَقَوله لمن نأت أَي لأجل من نأت
(4/269)

الْمَعْنى يَقُول كنت أتعجب من وصالها فصرت أتوجع لفراقها وَصَارَ التأوه بَدَلا من التَّعَجُّب فَصَارَ هَذَا بديلا من ذَاك يُرِيد ذكرى إِيَّاهَا صَار بَدَلا مِنْهَا بعد أَن فارقتني وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى هدا البديل الَّذِي هُوَ التوجع ذكرى لَهَا أَي كلما ذكرتها توجعت وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أتألم لما لاقيت من بعْدهَا وفقدي إِيَّاهَا أولى من تعجبي وَالْمعْنَى نأت والبديل مني ذكرهَا
2 - الْإِعْرَاب أضَاف أصل وَنصب واها على الْحِكَايَة الْمَعْنى يَقُول أتوجع لِأَنِّي لَا أرى محاسنها وأصل توجعي وتعجبي أنني رَأَيْتهَا فهويتها والتوجع والتعجب بِسَبَب رؤيتي لَهَا
3 - الْغَرِيب شامية نِسْبَة إِلَى الشَّام والمحيا الْوَجْه الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا يُرِيد فرط قربه مِنْهَا حَتَّى إِنَّهَا مِنْهُ بِحَيْثُ يرى وَجههَا فِي ناظره وَهَذَا عبارَة عَن غَايَة الْقرب وَالْآخر أَنه أَرَادَ لحبها إِيَّاه فَهِيَ تنظر إِلَى وَجهه وتدنو مِنْهُ حَتَّى ترى وَجههَا فِي ناظره
4 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح معنى الْبَيْت أَن النَّاظر وَهُوَ مَوضِع الْبَصَر من الْعين كالمرآة إِذا قابله شَيْء أدّى صورته أَي أوهمتني أَنَّهَا قبلت عَيْني وَإِنَّمَا قبلت فاها الَّذِي رَأَتْهُ فِي ناظري أَلا ترَاهُ قَالَ
(تبصر فِي ناظري محياها ... )

5 - الْغَرِيب آويه ذكر وَهِي مُؤَنّثَة لِأَنَّهُ أَرَادَ لَا تزَال شخصا آويه كَقَوْل الآخر
(قامَتْ وَتَبْكِيهِ عَلى قَبْرِهِ ... مَنْ ليَ مِنْ بَعْدِكَ يَا عامِرُ)

(تَركْتَنِي فِي الدَّارِ ذَا غرْبَةٍ ... قَدْ ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لهُ ناصِرُ)
أَرَادَ تَرَكتنِي شخصا ذَا غربَة الْمَعْنى يَقُول لَيْت ناظري مأواها الَّذِي يَأْوِيهَا ويضمها وَهُوَ الْمسكن والمنزل قَالَ الله تَعَالَى {مأواهم النَّار} قَالَ الواحدي يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه تمنى الْقرب الَّذِي ذكره وَالْآخر أَنه يرضى بِأَن يكون بَصَره مأواها من حبه لَهَا يَقُول لَو أوت إِلَى ناظري فاتخذته مأوى
(4/270)

لَهَا كَانَ ذَلِك مناي قَالَ وَابْن جنى روى آويه بالتذكير وَالْإِضَافَة وَقد احتال على التَّذْكِير بِوَجْه وَالرِّوَايَة آوية على التَّأْنِيث
6 - الْمَعْنى من دهته أَي أَصَابَته بعينيها لم ترج سَلَامَته وَقد نظرت إِلَى هَذَا الْمَعْنى فَقلت
(لَستُ أخْشَىَ وَخْزَ السِّنانِ وَلكِنِّي ... أخْشَى مِنْ طَرْفِهِ الوَسنانِ)

7 - الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى دلّ بِهَذَا الْبَيْت على أَنَّهَا كَانَت متكئة عَلَيْهِ وعَلى غَايَة الْقرب مِنْهُ وَقَالَ ابْن فورجة أظنها وَقعت عَلَيْهِ تبْكي فَوَقع دمعها عَلَيْهِ وَمعنى الْبَيْت أَن دموعي كالمطر تبل خدي كلما ابتسمت بَكَيْت فَكَانَ دموعي مطربرقه بريق ثناياها أَي كَانَ بُكَائِي فِي حَال ابتسامها كَقَوْلِه ظلت أبكى وَتَبَسم وكقول عنترة
(أبكى وَيضْحكُ من بكايَ وَلنْ تَرَى ... عَجبا كَحاضرِ ضِحْكِهِ بَكُائي)
وَنَحْوه قَول الْخَوَارِزْمِيّ
(عذيرِيَ منْ ضِحكٍ غَدا سببَ الرَّدى ... ومِنْ جَنَّةٍ قَدْ أوْقَعَتْ فِي جَهَّنمِ)

8 - الْإِعْرَاب مَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى الَّذِي فَتكون ابْتِدَاء وَالْخَبَر جعلته وَمَا اتَّصل بِهِ وَيجوز أَن تكون شَرْطِيَّة ونفضت فِي مَوضِع جزم وَجَعَلته جَوَابه الْغَرِيب الغدائر الضفائر وَهِي الذوائب من الشّعْر والمدام الْخمر وأفواه الطّيب أخلاطه واحدتها فوه الْمَعْنى يَقُول ضفائرها لِكَثْرَة الطّيب فِيهَا ينتفض الطّيب مِنْهَا فَالَّذِي ينتفض على مِنْهَا من الطّيب بِطيب بِهِ الْخمر
9 - الْغَرِيب الحجال جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيت يزين بالثياب والأسرة والستور للعروس والحسان جمع حسناء وَهِي الْمَرْأَة الْكَامِلَة الْحسن الْمَعْنى يَقُول هَذِه فِي مَوضِع فِيهِ حسان وَلَكِن لَا يشبهنها فِي حسنها فَهِيَ مُنْفَرِدَة بالْحسنِ بِمَا لَا يشاركها فِيهِ سواهَا قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَة فِي الْحسن لم تشاركها فِيهِ غَيرهَا فَلَا يشبه بَعضهنَّ بَعْضًا
(4/271)

- الْإِعْرَاب يحْتَمل نصب أمواها وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مَفْعُولا وَالثَّانِي أَن يكون حَالا الْغَرِيب الحمول بِضَم الْحَاء من غير هَاء هِيَ الْإِبِل الَّتِي تحمل الهوادج كَانَ فِيهَا نسَاء أَو لم يكن الْمَعْنى يَقُول لقيننا هَؤُلَاءِ الحسان وَقد سَارَتْ الركاب فهن لرقهن وصيانهن در فصرن سرابا لما بعدن عَنَّا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَي أَجْرَيْنِ دُمُوعهنَّ أسفا علينا وَقَالَ غَيره نَزَلْنَ فِي الْوَادي سائرات فاستحيين منا فذبن أمواها قَالَ الواحدي يجوز أَن يكون المعني غبن عَنَّا فَإِن الدز جامد والدوب يسيله وَقَالَ غَيره يكدن يذبن أَي قاربن وَيجوز أَن يكون بكين فَجعل بكاءهن الكذوب
11 - الْغَرِيب المهاة الْبَقَرَة الوحشية وَالْجمع مها ومهوات وَقد مهت تمهومها فِي بياضها والمهاة بِضَم الْمِيم مَاء الْفَحْل فِي رحم النَّاقة الْمَعْنى يَقُول هَذِه المهاة صائدة للأنفس لَا مصيدة فَكَأَن مقلتها تَقول للناظرين احذورا أَن تصيدكم وتسبيكم
12 - الْإِعْرَاب الضَّمِير الَّذِي فِي الظّرْف يعود على كل مهاة الْمَعْنى يَقُول فِيهِنَّ من هِيَ منيعة وقومها لَهُم غيرَة فَلَا يقدر العاشق أَن يذكرهَا وَلَو ذكرهَا لقطرت السيوف دَمًا لِكَثْرَة من يمْنَعهَا ويحفظها بِسَيْفِهِ أَي إِن كَانَ لَهُ قوم ينصرونه فَذكرهَا شبت بَين قومه وقومها الْحَرْب فقطرت السيوف دَمًا
13 - الْغَرِيب حمص وخناصرة بِضَم الْخَاء بلدان بِالشَّام ومحياها حَيَاتهَا الْمَعْنى يَقُول أحب هذَيْن البلدين وكل نفس تحب الْموضع الَّذِي نشأت بِهِ
14 - الْغَرِيب لبنان جبل بِالشَّام من جبال بعلبك وَهُوَ كثير الْجنان والمياه والحميا الْخمر وَقيل سورتها
(4/272)

الْمَعْنى يَقُول أخب هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُ التقى خدها وتفاح الشَّام وَالْخمر وثغري يُرِيد حَيْثُ اجْتمعت لي هَذِه الطَّيِّبَات خد الحبيب وتفاح الشَّام وَهُوَ أَحْمَر وَالْخمر
15 - الْغَرِيب الصحصحان الْمَكَان المستوى سفت أَقمت الصَّيف وشتوت أَقمت الشتَاء الْمَعْنى يَقُول أَقمت صيفا كصيف الْبَادِيَة وأقمت بالصحصحان شتاء كشتاء أهل الْبَادِيَة على رسم أهل الْبَادِيَة فِي الصَّيف والشتاء
16 - الْغَرِيب الرَّوْضَة من البقل والعشب وَالْجمع روض ورياض صَارَت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا والحلة الْجَمَاعَة النازلون بمَكَان وَالْجمع حَلَال الْمَعْنى هَذَا يُفَسر مَا تقدم يَقُول نَحن نَعِيش عَيْش أهل الْبَادِيَة فِي تتبع مساقط الْغَيْث وَإِذا ذكر لنا قوم نازلون بمَكَان أغرنا عَلَيْهِم فأخذنا أَمْوَالهم وأهلهم
17 - الْغَرِيب الْعَانَة الْقطعَة من حمر الْوَحْش ومقزعة خَفِيفَة مفرقة كالقزع وَهِي قطع السَّحَاب ويروى مفزعة بِالْفَاءِ أَي فزعت فَهِيَ أَشد على قانصها لحفة عدوها الْمَعْنى يَقُول إِن عرضت قِطْعَة من حمر الْوَحْش صدناها بآخر خيولنا يُرِيد أَن خيلهم سريعة يلْحق آخرهَا أول الْعَانَة فَنحْن نَفْعل كَفعل الْعَرَب فِي الْبَادِيَة من صيد الْوَحْش وَأكله
18 - الْغَرِيب الهجمة الْقطعَة من الْإِبِل وَهُوَ مَا بَين السّبْعين إِلَى الْمِائَة وكاس الْبَعِير بكوس إِذا عقرت إِحْدَى قوائمه فَمشى على ثَلَاث والشروب جمع شرب وَوَاحِد شرب شَارِب وهم الَّذين يشربون الْخمر وعقراها المعقورة الْمَعْنى وَإِذا مر بِنَا قطيع من الْإِبِل عقرناه وَتَرَكْنَاهُ للشاربين وَيُرِيد بعقراها جمع عقر يَنْحَرهَا للأضياف
19 - الْغَرِيب فعلى إِذا كَانَت تَأْنِيث أفعل مثل الطولي تَأْنِيث أطول والقصرى تَأْنِيث أقصر لَا يجوز اسْتِعْمَالهَا إِلَّا مُضَافَة أَو معرفَة بلام التَّعْرِيف وَإِن كَانَ قد قَرَأَ
(4/273)

الْأَعْمَش وَعِيسَى بن عَمْرو قُولُوا للنَّاس حسني بِغَيْر تَنْوِين فَهُوَ على إِرَادَة الْإِضَافَة أَي حسني القَوْل وَكَذَلِكَ أَتَى فِي شعر الْحكمِي
(كأنَّ صُغْرَى وكبْرَى مِنْ فَقاقِعِها ... حَصْباءُ دُرّ عَلى أرْض مِنَ الذَّهبِ)
أَرَادَ صغرى وكبرى فقاقعها على إِسْقَاط حرف الْجَرّ الْمَعْنى يَقُول الْخَيل فِي مطاردة الفرسان بَعْضهَا مطرودة وَبَعضهَا طاردة فِي لعبهم بِالرِّمَاحِ تجر الطَّوِيلَة مِنْهَا والقصيرة
20 - الْغَرِيب يعجبها أَي يعجب فرسانها قتل الكماة وهم الشجعان الَّذين اكتموا فِي الأسلحة وأنظره إِذا أَخّرهُ وأمهله وَمِنْه قِرَاءَة حَمْزَة أنظرونا نقتبس من نوركم بِقطع الْألف وَكسر الظَّاء أَي أمهلوا علينا الْمَعْنى يعجب فرسَان الْخَيل قَتلهمْ الكماة وَلَا يلبثُونَ أَن يقتلُوا بعدهمْ لِكَثْرَة المعاودة وفشو الْحَرْب فِي طلب الثأر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يعجب خَيْلنَا قتل الكماة كَمَا يعجب فرسانها أَلا ترَاهُ يَقُول فِي مَوضِع آخر
(تَحْمَى السُّيوفُ عَلى أعْدائِهِ مَعه ... كَأنهُنَّ بَنُوهُ أوْ غَشائِرُهُ)
فَإِذا جَازَ أَن تُوصَف الجمادات بِأَنَّهَا تَحْمِي فالحيوان الَّذِي يعرف كثيرا من أغراض صَاحبه أَحْرَى لِأَنَّهُ معلم مؤدب وَقَالَ فِي قَوْله وَلَا ينظرها الدَّهْر أَنه إِذا قتل الْفَارِس عفرت بعده فرسه قَالَ زِيَاد الْأَعْجَم
(وَإذا مَرَرْتَ بِقَبْرِهِ فاعْقِرْ لَهُ ... كُومَ الهِجانِ وكُلَّ طِرْف سابحِ)
ورد عَلَيْهِ ابْن فورجة هَذَا القَوْل وَقَالَ لَيْسَ هُوَ بِشَيْء يُرِيد بقتلاها من قَتله يُرِيد خيل القاتلين لَا خيل المقتولين وَالْمعْنَى أَن أَصْحَابهَا يهلكونها بالتعب وَكَثْرَة الركض بعد الَّذين قتلوهم فَلَا بَقَاء لَهَا بعدهمْ
21 - الْإِعْرَاب قاطبة حَال وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف الْغَرِيب قاطبة جَمِيعًا من قطبت الشَّيْء بالشَّيْء إِذا جعلتهما جَمِيعًا الْمَعْنى يَقُول قد رَأَيْت جَمِيع الْمُلُوك حَتَّى رَأَيْت مَوْلَاهَا
22 - الْمَعْنى رَأَيْت الْمُلُوك بأجمعهم وسرت حَتَّى رَأَيْت أعظمهم الَّذِي يحي من شَاءَ مِنْهُم وَيُمِيت من شَاءَ ومناياهم بكفه يَقُول يصرفهَا فيهم كَيفَ يَشَاء
(4/274)

- الْإِعْرَاب أَبَا شُجَاع بدل من قَوْله مَوْلَاهَا الْمَعْنى يَقُول رَأَيْت أَبَا شُجَاع وَهَذَا الْبَيْت قَالَ أَبُو الْفَتْح على أَنه قصير الْوَزْن قد جمع فِيهِ كنية الممدوح وبلده واسْمه ونعته وَسَماهُ بِملك الْمُلُوك شاهنشاه وَهُوَ من أحسن الْجمع والمدح
24 - الْإِعْرَاب أساميا نصبها بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ ذكرت أساميا دلّ عَلَيْهِ ذَكرنَاهَا وَهُوَ مَا ذكر قبل هَذَا الْبَيْت وَلَذَّة نصبها على الْمصدر الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح الْوَصْف يَجِيء على ضَرْبَيْنِ الْإِيضَاح والتخصيص كَقَوْلِك مَرَرْت بِأبي مُحَمَّد الْكَاتِب وَالثَّانِي للإسهاب والإطناب كَقَوْلِك بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فالنعت هُنَا لم يَجِيء للإيضاح لِأَن اسْم الله تَعَالَى لَا يشركهُ فِيهِ غَيره فَيحْتَاج إِلَى الْوَصْف وَإِنَّمَا ذكر للإطناب فِي الثَّنَاء فَكَذَلِك هُنَا لِأَنَّهُ قَالَ وسرت حَتَّى رَأَيْت مَوْلَاهَا فقد علم أَنه لَا يَعْنِي لَا أَبَا شُجَاع فَإِنَّمَا هُوَ ثَنَاء وإسهاب وإطناب وَلَا يُرِيد التَّعْرِيف لِأَنَّهُ غير مَجْهُول وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ ذكرته استلذاذا للثناء
25 - الْغَرِيب عظماها أَي معظمها والسحاب يكون مُفردا وجمعا قَالَ الله تَعَالَى فِي الْجمع {حَتَّى إِذا أقلت سحابا ثقالا وينشىء السَّحَاب الثقال} وَقَالَ فِي الْمُفْرد {ألم تَرَ أَن الله يزجى سحابا ثمَّ يؤلف بَينه الله الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح فتثير سحابا فيبسطه فِي السَّمَاء} الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْأَسَامِي تحمل على الْمعَانِي إِذا ذكرت ووصفت لَهُ يحسن الْكَلَام بهَا قَالَ الواحدي يُرِيد بقودها مستحسن الْكَلَام أَنَّهَا سبقت إِلَى الذّكر فَهِيَ مُقَدّمَة معَان أذكرها بعد وأصفها كَمَا يَقُود مُعظم السَّحَاب الْبَاقِي
26 - الْغَرِيب النفيس الْعَظِيم وأنفس أَمْوَاله أعظمها وأسناها أرفعها الْمَعْنى يَقُول هُوَ جليل الْقدر عَظِيم ومواهبه عَظِيمَة جليلة قَالَ أَبُو الْفَتْح قَالَ بعض خزان عضد الدولة أَمر لَهُ بِأَلف دِينَار عددا فَلَمَّا أنْشد هَذَا الْبَيْت أَمر أَن تبدل بِأَلف موازنة فَأعْطى ألف مِثْقَال موازنة
(4/275)

- الْمَعْنى يَقُول لَو علمت خيله بجوده وفطنت إِلَيْهِ لم يرضها أَنه يرضاها لِأَنَّهُ يَهَبهَا لِأَنَّهُ إِذا رأى شَيْئا جيدا وهبه لمن يَقْصِدهُ فتفارق مربطها
28 - الْغَرِيب انتشى فَهُوَ نشوان يُرِيد إِذا سكر والخلة الْخصْلَة وتلافاها تداركها الْمَعْنى يَقُول هُوَ قبل شرب الْخمر كريم يتكرم بالبذل وَالعطَاء فَلَا يزِيد تكرمه بشربها وَلَيْسَ فِي مكارمه خلة يتلافاها الْخمر قَالَ الواحدي أول هَذَا الْمَعْنى لعنترة
(وَإذا صَحْوتُ فَما أُقصَّرُ عنْ نَدىً ... وكما عَلِمْتِ شمائِلي وَتَكَرُّمي)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول زُهَيْر
(أخُو ثِقةٍ لَا يُهْلِكُ الخَمْرُ مالَه ... وَلكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ)
وَقَول البحتري
(تكرَّمتَ من قبل الكؤُوسِ عَلَيْهِمِ ... فَما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فِيك تكرّما)
وَقَول أبي نواس
(فَتى لَا يُذيِبُ الخَمْرُ شَحْمةَ مَاله ... وَلكنْ أيادِ عُوَّدٍ وَبَوادِي)
وألم الصابي بِبَيْت المتنبي فَقَالَ فِي بعض محاوراته وَلَقَد آتَاهُ الله فِي اقتبال الْعُمر جَوَامِع الْفضل وسوغه فِي عنفوان الشَّبَاب محامد الاستكمال فَلَا تَجِد الكهولة خلة يتلافاها بتطاول الْمدَّة وثلمة يسدها بمزايا الْحِكْمَة وَلَقَد أحسن أَبُو عبَادَة فِي قَوْله هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أَجود من الْجَمِيع
29 - الْغَرِيب الراح من أَسمَاء الْخمر والأريحية الاهتزاز للكرم والنشاط للجود الْمَعْنى أريحيته فَوق فعل الراح فَإِذا اجْتمعت الراح مَعَ نشاطه للكرم فأدنى أريحيته تجلب من السخاء مَا لَا يجلبه الراح فَلَا تطِيق الراح أَن تسامى أريحيته فَإِذا طلبت أَن تساميها سَقَطت
30 - الْغَرِيب الكرائن جمع كرينة وَهِي الْجَارِيَة الْمُغنيَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هِيَ الأعواد والكران الْعود الْمَعْنى يَقُول إِذا طرب فَرح العودات بطربه ثمَّ يَزُول فرحهن لِأَنَّهُ يهبهن فيخرجن عَن ملكه فيزول سرورهن لأجل ذَلِك لِأَنَّهُنَّ لَا يخترن فِرَاقه
(4/276)

- الْغَرِيب المولولة الداعية بِالْوَيْلِ من ثكل أَو غَيره والزير الْوتر الدَّقِيق قَالَ الواحدي والمثاني الأوتار الْمَعْنى يَقُول يزِيل سرُور هن بِكُل جَارِيَة قد وَهبهَا وَهِي تولول حزنا على فِرَاقه وتقطع أوتار الْعود غَضبا لزوَال ملكة عَنْهَا
32 - الْغَرِيب تعود تسبح والقذاة الشَّيْء الْيَسِير وَهُوَ الَّذِي يُصِيب الْعين فتدمع مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْجَارِيَة الَّتِي وَهبهَا فِي عَطاء جم كالبحر الزّبد فَهِيَ كالقذاة فِي بَحر مُزْبِد وروى أَبُو الْفَتْح زبد بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ الْكثير الزّبد لِكَثْرَة مَائه
33 - الْغَرِيب عرته وَجهه والتيجان جمع تَاج وَهُوَ مَا يلْبسهُ الْمُلُوك الْمَعْنى يَقُول إِذا لبس تاجه وارتفع التَّاج على رَأسه أشرق تاجه بإشراق وَجهه كإشراق أَلْفَاظه بمعناها
34 - الْإِعْرَاب الضميران فِي شرقها وَمَغْرِبهَا يعودان على الدُّنْيَا الْغَرِيب دَان لَهُ أطَاع الْمَعْنى يَقُول أطاعه أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَنَفسه تستقل جَمِيع الدُّنْيَا قَالَ الواحدي وَكَذَا كَانَ يَقُول عضد الدولة سيفان فِي غمد محَال يَعْنِي أَن الدُّنْيَا تكتفي بِملك وَاحِد وَكَانَ يقْصد أَن يستولي على جَمِيع الأَرْض
35 - الْغَرِيب الهمم جمعه همة وَاصل الهمة من الهميم وَهُوَ الدبيب هَمت الْهَوَام على وَجه الأَرْض إِذا دبت فالهم يهم فِي الْقلب أَي يدب قَالَ الْهُذلِيّ
(تَرى أثْرَهُ فِي صَفْحَتَيْهِ كأنَّهُ ... مَدَارِجُ شِبْثانٍ لَهُنَّ هَمِيمُ)
الْمَعْنى يَقُول قد اجْتمع فِي فُؤَاده همم إِحْدَاهَا تملأ الزَّمَان وَلَا شي أوسع من الزَّمَان وَلم ذكر فؤاد الممدوح اسْتعَار للزمان فؤادا وَإِذا كَانَ الزَّمَان مَعَ سعته لَا يسع إِلَّا إِحْدَاهَا لم تظهر بَاقِي هممه إِلَّا أَن يَقع اتِّفَاق كَمَا ذكر فِيمَا بعد
(4/277)

- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح حظها يَعْنِي الدُّنْيَا إِن كَانَ لَهَا حَظّ فَأَتَاهَا زمَان أوسع من زمانها الَّذِي هُوَ فِيهِ أظهر هَذَا الممدوح هممه وَقَالَ الواحدي إِن أَتَى بخت هممه بِزَمَان أوسع مِمَّا ترى أبدى تِلْكَ الهمم وَهَذَا كَقَوْلِه
(ضاقَ الزَّمانُ وَوَجْهُ الأرْضِ عَنْ مَلِكٍ ... )

37 - الْغَرِيب الفليقان الجيشان الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شن الْغَارة فِي جَمِيع الأَرْض فخلط الْجَيْش بالجيش فصارا لاختلاطهما كالجيش الْوَاحِد وَقَالَ ابْن فورجة لَيْسَ أَبُو الطّيب من ذكر الْغَارة وشنها فِي شَيْء وَإِنَّمَا هُوَ يَقُول فِي فُؤَاده همم إِحْدَاهَا أعظم من فؤاد الزَّمَان فَهُوَ لَا يبديها لِأَنَّهُ لَا يجد زَمَانا يَسعهَا فَإِن قضى لَهَا وَجَاء حظها وبختها بأزمنة أوسع من هَذَا الزَّمَان فَحِينَئِذٍ أظهر تِلْكَ الهمم وَاجْتمعَ أهل هَذَا الزَّمَان وَأهل تِلْكَ الْأَزْمِنَة فَصَارَ شَيْئا وَاحِدًا وَضَاقَتْ الأَرْض بهم حَتَّى عثر حيهم بميتهم للزحمة وَكَثْرَة النَّاس وَمثله قَوْله أَيْضا فِي ذكر الزحمة
(سُبِقْنا إِلَى الدُّنْيا فَلَوْ عاشَ أَهلهَا ... مُنِعْنا بِها مِنْ جَيْئَةٍ وَذُهُوبِ)
وَأَنت الفيلق على إِرَادَة الكتيبة وَالْجَمَاعَة
38 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شبه الجيوش لما اخْتَلَط بَعْضهَا بِبَعْض بفلك تَدور فِيهِ نجومه وَشبه مُلُوك الجيوش بالأقمار وَشبه عضد الدولة بالشمس لِأَنَّهُ أَشْرَفهم وأشهرهم وتسجد تذل وتخضع وَالضَّمِير فِي أبهاها يعود على النيرات وَقَالَ الواحدي لم يَأْتِ ابْن جنى وَلَا ابْن فورجة فِي هَذَا الْبَيْت بِشَيْء يفهم وَالْمعْنَى أَنه يُرِيد بالنيرات والأقمار مُلُوك الدُّنْيَا إِذا عَادوا واجتمعوا فِي زمَان وَاحِد وَأَرَادَ بأبهاها عضد الدولة فَحِينَئِذٍ يُبْدِي هممه هَذَا كَلَامهم وَهُوَ معنى قَول أبي الْفَتْح إِلَّا أَنه أحسن الْعبارَة وَلم يَأْتِ بِشَيْء
39 - الْإِعْرَاب يجوز فِي الْفَارِس الحركات الثَّلَاث فالرفع على خبر الْمُبْتَدَأ وَمن نَصبه أضمر لَهُ فعلا ينصبه وَمن جَرّه جعله مُتَّصِلا بأبهاها فَيكون بَيَانا للضمير
(4/278)

الْمَعْنى يَقُول هُوَ الْفَارِس الَّذِي يَتَّقِي بِهِ السِّلَاح وَالْمعْنَى أَنه يَتَّقِي بِهِ جَيْشه سلَاح الْأَعْدَاء يُرِيد أَنه يتَقَدَّم الْجَيْش إِلَى الْأَعْدَاء دون أَصْحَابه وَهَذَا من قَول عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْس اتقينا برَسُول الله
وَكَانَ أقربنا إِلَى الْعَدو قَالَ أَبُو عَليّ يَتَّقِي بِهِ السِّلَاح فَلَا يعْمل مَعَه شَيْئا وَمثل تَثْنِيَة الْخَيل قَول الآخر
(خيْلانِ منْ قومْي ومِنْ أعْدَائهِمْ ... خفَضُوا أسِنَّتهُمْ وكُلّ باغِي)

40 - الْمَعْنى ذكر الواحدي يَقُول إِن المُرَاد لَو أَن يَده أنْكرت جراحاتها لعرفناها من آثَار يَده لِأَن غَيره لَا يقدر على مثلهَا يُرِيد ضرباته تعرف من ضربات غَيره وَكَذَا طعناته وَالْمرَاد بِالْيَدِ صَاحبهَا لِأَن الْيَد لَا تُوصَف بالإنكار
41 - الْغَرِيب المُرَاد بِالزِّيَادَةِ السَّوْط قَالَ الواحدي هُوَ مَأْخُوذ من قَول المرار
(وَلمْ يُلْقُوا وَسائِدَ غَيْرَ أيْدٍ ... زِيادُ تُهنَّ سَوْطٌ أوْ جَدِيلُ)
والنافع الثَّابِت وَالسَّمَاء الْعَلامَة وَمِنْه {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود} الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تخفى الْيَد الَّتِي سوطها يقتل بِهِ فَكيف سيفها وَالْمعْنَى كَيفَ تخفى آثَار يَد الْمَوْت من علاماتها
42 - الْغَرِيب تاه الرجل إِذا تكبر وتعظم الْمَعْنى يمول هُوَ عَظِيم شرِيف فَلَو تكبر وتعظم على أهل الدُّنْيَا لَكَانَ لَهُ الْعذر الْوَاسِع فِي ذَلِك لبَيَان شرفه وفضله عَلَيْهِم وَلكنه لم يفعل ذَلِك وَهُوَ كَقَوْل الآخر
(وَما تَزْدَهِينا الكِبْرِياءُ علَيْهِمُ ... إذَا كَلَّمُونا أنء نُكَلِّمَهُمْ نزْراً)

43 - الْغَرِيب الْكفْر الْجحْد والتغطية والسجايا جمع سجية وَهِي الطبيعة والخلق الْمَعْنى يَقُول لَو كفر النَّاس نعْمَته وجحدوها لما أثر ذَلِك عِنْده وَلَا قطع عَنْهُم الْأَنْعَام لِأَن نَفسه مجبولة على فعل الْإِحْسَان فَهُوَ يُعْطي طبعا وَلَا يعْطى طلبا للشكر وَهُوَ من قَول بشار
(لَيْس يُعطِيكَ لِلرَّجاءِ وَللْخَوْفِ ... وَلِكنْ يَلَذُّ طَعْمَ العَطاءِ)
(4/279)

- الْمَعْنى ضرب الْمثل لَهُ بالشمس وَهِي من أحسن الْأَشْيَاء يُرِيد أَن كَثْرَة مَنَافِع الدُّنْيَا بالشمس وَهِي لَا تطلب بذلك جاها عِنْد النَّاس وَلَا نفعا مِنْهُم لِأَن الله تَعَالَى سخرها للنَّاس وَكَذَا الممدوح مطبوع على فعل الْإِحْسَان
45 - الْغَرِيب الحديا بِالدَّال الْمُهْملَة هِيَ الْوَاحِد والمباراة تَقول تحديت فلَانا إِذا باريته فِي فعل ونازعته الْغَلَبَة وَيُقَال أَنا حدياك أَي أبرز لي وَحدك قَالَ عَمْرو ابْن كُلْثُوم
(حُديَّا النَّاس كُلِّهِمِ جَميعا ... مُقارَعَةً بَنيِهِمْ عَنْ بَنيِنا)
ويروى بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بَيت أبي الطّيب على تَصْغِير حداء فلَان إِذا كَانَ بازائه وَأَلْجَأَ إِلَيْهِ اسْتندَ واعتصم الْمَعْنى يَقُول كل أَمر الْمُلُوك إِلَى من يتولاهم واستند إِلَى هَذَا الممدوح تكن وَاحِدًا مِنْهُم أَو مثلهم فَإنَّك إِذا استندت إِلَيْهِ ساميت الْمُلُوك وصرت مثلهم وَهُوَ من قَول بعض الوعاظ يَا هَذَا صانع وَجها وَاحِدًا تقبل عَلَيْك الْوُجُوه كلهَا
46 - الْغَرِيب باهي من المباهاة وَهِي الْمُفَاخَرَة وتباهوا تفاخروا الْمَعْنى يَقُول لَا تعتقد الْإِمَارَة فِي غير الْأَمِير وَإِن رَأَيْت مفاخرا بالإمارة فَلَا يغرنك مفاخرته فَهُوَ الْأَمِير حَقًا وَمن سواهُ مجَازًا
47 - الْغَرِيب فَعم مَلأ وساعد فَعم أَي ممتليء وَقد فَعم بِالضَّمِّ فعامة وفعومة وأفعمت الْإِنَاء ملأته قَالَ الراجز
(فَصَبَّحْتَ وَالطَّيرُ لمْ تَكَلَّمِ ... جابِيَةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفعَم)
وأفعمت الْبَيْت برِيح الطّيب ملأته بِهِ وَقَالَ قوم فِي بَيت أبي الطّيب فغم بغين مُعْجمَة وَهُوَ بِمَعْنى الولوع من قَوْلهم فغمت بِهِ إِذا ولعت وفغمة الطّيب رِيحه وفغمتي الطّيب إِذا سد خياشيمك والفغم بِالتَّحْرِيكِ الولوع والحرص قَالَ الْأَعْشَى
(تَؤُمُّ دِيارَ بَنِي عامِرٍ ... وَأنْتَ بِآلِ عَقِيلٍ فَغِمْ)
والخافقان أفقا الْمشرق وَالْمغْرب لِأَن اللَّيْل وَالنَّهَار يخفقان فِيهِ والريا الرَّائِحَة خبيثة كَانَت أَو طيبَة الْمَعْنى بقول إِنَّمَا الْملك هَذَا الممدوح الَّذِي مَمْلَكَته قد مَلَأت الدُّنْيَا شرقا وغربا فَهُوَ الْملك على الْحَقِيقَة وَغَيره مجَازًا
48 - الْغَرِيب العابس المنقبض الكالح وَالسّلم ضد الْحَرْب وَقد طابق فِي الْبَيْت بَينهمَا بِذكر الهيجاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ محتقر الْأَعْدَاء لَا يُبَالِي بهم كَثُرُوا وأقلوا فَهُوَ واثق بشجاعته فَإِذا كَانَت الْوُجُوه عابسة ف يُحَال الْحَرْب وضيق الْأَمر كَانَ هُوَ ضَاحِكا مُسْتَبْشِرًا فَالصُّلْح عِنْده وَالْحَرب سَوَاء
49 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح النَّاس الَّذين فِي طَاعَة غَيره كَأَنَّهُمْ يعْبدُونَ آلِهَة مُخْتَلفَة وعبيده الَّذين يطيعونه كَأَنَّهُمْ الموحدون لله لَا يشركُونَ بِهِ فَلَا يرجون سواهُ وَمن يخْدم سواهُ لم تَنْفَعهُ تِلْكَ الْخدمَة كَالَّذِين يعْبدُونَ الْآلهَة دون الله وَهَذَا كَقَوْلِه
(وَلَسْتَ مَلِيكا هازِما لِنَظِيره ... وَلكِنَّكَ التَّوْحِيدُ لِلشِّرْكِ هازِمُ)
وَقَالَ الواحدي يَعْنِي بِعَبْدِهِ نَفسه يَقُول خدمتي مَقْصُورَة عَلَيْهِ فَأَنا فِي خدمته كمن يعبد الله عز وَجل
(4/280)

- 1 الْإِعْرَاب الْبَاء تزاد فِي الْمَفْعُول هَهُنَا كَمَا تزاد فِي الْفَاعِل نَحْو قَوْله {وَكفى بِاللَّه} وَقد ذَكرْنَاهُ قبل هَذَا وَقَالَ الْخَطِيب الْبَاء فِي مَوضِع رفع كَقَوْلِك كفى بفلان صديقا فَأَما فِي التَّعَجُّب فِي قَوْلك أكْرم بزيد فقد اخْتلف فِيهِ النحويون فَقيل الْبَاء وَمَا بعْدهَا فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مؤد معنى قَوْلك مَا أكْرم زيدا وَقيل فِي مَوضِع رفع لِأَن الْمَعْنى كرم زيد ويحج صَاحب هَذَا القَوْل بِأَن الْفِعْل لَا يَخْلُو من فَاعل وَقد يَخْلُو من الْمَفْعُول وَأَن ترى فِي مَوضِع رفع لِأَنَّهُ فَاعل أَي كفى رؤيتك
(4/281)

الْغَرِيب أصل الْأَمَانِي التثقيل وتخفيفها لُغَة والمحذوفة الْيَاء الأولى الزَّائِدَة المنقلبة عَن الْوَاو لِأَن أَصْلهَا أمنوية ثمَّ غيرت الْمَعْنى كَفاك دَاء رؤيتك الْمَوْت شِفَاء أَي إِذا أفضت بك الْحَال إِلَى أَن تمنى المنايا فَذَلِك غَايَة الشدَّة وَإِن دَاء شفاؤه الْمَوْت أقْصَى الأدواء وَإِن الْمنية إِذا صَارَت أُمْنِية فَهِيَ غَايَة البلية وَالْمعْنَى كَفاك من أذية الزَّمَان مَا تتمنى مَعَه الْمَوْت
2 - الْغَرِيب أعيا صَعب وَعز والمداجي المساتر للعداوة وَهُوَ من الدجى وَهِي الظلمَة الْمَعْنى يَقُول تمنيت الْمَوْت لما طلبت صديقا مصافيا فأعجزك أَو عدوا ساترا للعداوة وَعند عدم الصّديق المصافي والعدو الْمُوَافق يتَمَنَّى الْمَرْء الْمنية قَالَ الواحدي هَذَا تَفْسِير الدَّاء الْمَذْكُور فِي الْبَيْت الأول
3 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتعْمل النهى مَوضِع الِاسْتِفْهَام الَّذِي اسْتَعْملهُ غَيره فِي قَوْله
(فَلِمْ طالَ حَمْلِي جَفْنَهُ وَنجادهُ ... إذَا أَنا لمْ أضْرَبْ بِهِ مَنْ تَعَرَّضَا)
الْغَرِيب الحسام الْقَاطِع واليماني مَنْسُوب إِلَى صَنْعَة أهل الْيمن الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لنَفسِهِ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى عمل السَّيْف ليرْفَع بِهِ الذل فَإِذا رضيت أَن تعيش ذليلا فَمَا تصنع بِالسَّيْفِ الْقَاطِع
4 - الْغَرِيب الْعتاق الْكِرَام وَفرس عَتيق كريم والمذاكي الْخَيل الْقرح الَّتِي قد تمت أسنانها الْمَعْنى يُرِيد لَا تتَّخذ الرماح الطوَال وَلَا تتَّخذ الْخَيل الْكِرَام إِذا رضيت أَن تعيش فِي ذل وَإِنَّمَا تتَّخذ هَذِه لنفي الذل
5 - الْغَرِيب الْأسد جمع أَسد والطوى الْجُوع وضرى الْكَلْب بالصيد يضرى ضراوة تعود وكلب ضار وكلبة ضاربة وأضراه صَاحبه إِذا عوده وَأَصله الجراءة والوقاحة الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا وَهُوَ من أَجود الْكَلَام وأحثه على طلب الرزق بِالسَّيْفِ وَغَيره يَقُول إِذا كَانَ الْأسد فِيهِ حَيَاء لم يَنْفَعهُ وَلَا يَأْتِيهِ بالشبع وَإِنَّمَا ينَال الشِّبَع إِذا افترس فَلَو لزم عرينه وَلم يصد لبقي جائعا غير مهيب وَإِنَّمَا يخَاف وَيَتَّقِي إِذا كَانَ ضَارِبًا مفترسا
(4/282)

- الْغَرِيب حببتك شَاذ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي المضاعف يفعل بِالْكَسْرِ إِلَّا ويشركه يفعل بِالضَّمِّ إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا مَا خلا هَذَا وأنشدوا لغيلان النَّهْشَلِي
(أُحِبُّ أَبَا مَرْوَانَ مِنْ أجْلِ تَمْرِهِ ... وَأعْلَمُ أنَّ الجارَ بالجارِ أرْفَقُ)
(وَوَاللهِ لَوْلا تمْرهُ مَا حَبَبْتُهُ ... وَلا كانَ أدنى منْ عُبَيدٍ وَمُشرِقِ)
وَقَوله نأى بعد الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول لِقَلْبِهِ أحببتك قبل أَن أَحْبَبْت هَذَا الَّذِي بعد عَنَّا يعرض بِسيف الدولة وَقد كَانَ عذارا فَلَا تكن أَنْت غدارا تشتاق إِلَيْهِ وَلَا محباله فَإنَّك إِن أَحْبَبْت الْغدر لم تف لي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُعَاتب قلبه على حنينه إِلَى من فَارق
7 - الْغَرِيب شَكَوْت فلَانا أشكوه شكوى وشكاية وشكية وشكاة إِذا أخْبرت عَنهُ بِسوء فعله بك فَهُوَ مشكو ومشكى وَالِاسْم الشكوى وأشكيت فلَانا إِذا فعلت بِهِ فعلا أحوجه إِلَى الشكوى وأشكيته أَيْضا إِذا أعتبته من شكواه ونزعت عَن شكايته وأزلته عَمَّا يشكوه وَهُوَ من الأضداد قَالَ الشَّاعِر
(تَمُدُّ بِالأعْناقِ أوْ تُلْوِيها ... وَتَشْكِى لَوْ أنَّنا نُشْكيِها)
الْمَعْنى يَقُول لِقَلْبِهِ إِن شَكَوْت فِرَاقه تبرأت مِنْك يهدده بذلك لعلمه مِنْهُ أَنه يشكو فِرَاقه لإلفه إِيَّاه
8 - الْغَرِيب غدر جمع غادر وَأَرَادَ بالظاعنين الراحلين الَّذين فارقوه الْمَعْنى يَقُول إِذا جرت الدُّمُوع فِي إِثْر فِرَاق الغادر فَهِيَ غادرة بصاحبها لِأَنَّهُ لَيْسَ من حق الغادر أَن يبكي عَلَيْهِ فَإِذا جرت الدُّمُوع فِي إِثْر الغادر وَفَاء لَهُ فَذَلِك الْوَفَاء غدر بِصَاحِب الدُّمُوع وَالْمعْنَى لَا تف لغادر
9 - الْإِعْرَاب شبه لَا يلبس فنصب الْخَبَرَيْنِ كتشبيه ابْن قيس فِي بَيت الْكتاب
(مَنْ فَرَّعْنَ نِيرِانها ... فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحْ)
الْمَعْنى يُرِيد إِذا لم يتَخَلَّص الْجُود من الْمَنّ بِهِ لم يبْق المَال وَلم يحصل الْحَمد
(4/283)

لِأَن المَال يذهبه الْجُود والأذى يذهب الْحَمد فَالَّذِي يمن بالجود غير مَحْمُود وَلَا مأجور وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَقد نظر فِيهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى {لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى} وَذكر الْحَاتِمِي أَن هَذَا الْبَيْت من قَول الْحَكِيم إِذا لم تتجرد الْأَفْعَال من الذَّم كَانَ الْإِحْسَان إساءة
10 - الْغَرِيب السخاوة والسخاء الْجُود يُقَال سخا يسخو وسخى يسخي قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
(مُشَعْشَعَةً كَأنَّ الحُصَّ فِيها ... إِذا مَا الماءُ خالَطَها سَخِينا)
وأخلاق أَفعَال وخصال الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح جمجم عَمَّا فِي قلبه من إفراط العتب وَلم يُصَرح بِهِ وَقَالَ الْخَطِيب نفس الْإِنْسَان لَهَا أَخْلَاق تدل عَلَيْهِ أسخى هُوَ أم متشبه بالأسخياء فأخلاقه تدل عَلَيْهِ فَيعرف أَن جوده طبع أم تطبع وَهَذَا من قَول الْحَكِيم تغير الْأَفْعَال الَّتِي تَأتي غير مطبوعة أَشد انقلابا من الرّيح الهبوب
11 - الْإِعْرَاب يجوز فِي أقل فتح اللَّام وكسره وكل ذَلِك لالتقاء الساكنين فالكسر الْأَجَل كسرة الْقَاف فأتبع الكسرة الكسرة وَالْفَتْح طلبا للخفه مَعَ التَّضْعِيف وَقد قَرَأَ بَعضهم قُم اللَّيْل بِفَتْح الْمِيم الْغَرِيب الود الْمحبَّة وتصفى تخلص الْمَعْنى يَقُول لِقَلْبِهِ لَا تشتق إِلَى من لَا يشتاق إِلَيْك فانك تحب من لَا يجازيك بالمحبة كَقَوْل البحتري
(لَقَدَّ حَبَوَتُ صَفاءَ الوُدّ صائِنَهُ ... عَنَّى وَأقْرَضْتُهُ مَنْ لَا يجازِيِني)

12 - الْغَرِيب تَقول ألفت الْموضع بِالْكَسْرِ آلفه إلفا وألفت الْموضع أولفه إيلافا وآلفت الْموضع أؤالفه مؤالفة وإلافا فَصَارَ صُورَة افْعَل وفاعل فِي الْمَاضِي وَاحِدَة وَتقول آلف وألاف ككافر وكفار الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا شرح لما قبله وَدَلِيل على أَنه فَارق ذاما لِأَنَّهُ جعله كالشيب أَي لَو فَارَقت الشيب الذميم برحيلي إِلَى الصِّبَا وَهُوَ خير حَيَاة الْإِنْسَان لَكَانَ ذَلِك الْفِرَاق موجعا لقلبي مبكيا لعَيْنِي
(4/284)

وَقَالَ الواحدي هَذَا الْبَيْت رَأس فِي صِحَة الإلف وَذَلِكَ أَن كل أحد يتَمَنَّى مُفَارقَة الشيب وَهُوَ يَقُول لَو فارقني شيبي إِلَى الصِّبَا لبكيت عَلَيْهِ لإلفي إِيَّاه لِأَنِّي خلقت ألوفا
13 - الْغَرِيب الْفسْطَاط مَدِينَة مصر وَفِيه سِتّ لُغَات فسطاط وفستاط بِالتَّاءِ بَدَلا من الطَّاء وفساط بِالتَّشْدِيدِ وَكسر الْفَاء وَضمّهَا فِي الثَّلَاث وأزرته حَملته على الزِّيَارَة والقوافي جمع قافية وَقد تكون القصيدة الْمَعْنى قَالَ الواحدي ذكر فِي الْبَيْت الأول أَنه أُلُوف لما يَصْحَبهُ فِي أَي حَال كَانَت مَكْرُوهَة أَو محبوبة ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ لكني على هَذِه الْحَالة من الألفة قصدت مصر وحملت هواي والنصح وَالشعر على زِيَارَة جواد بهَا كالبحر
14 - الْإِعْرَاب عطف جردا على مَا تقدم من قَوْله حَياتِي الْغَرِيب جردا يُرِيد خيلا قليلات الشّعْر وَهُوَ مدح فِي الْفرس والعوالي الرماح الْمَعْنى وأزرته خيلا جردا تركنَا الرماح بَين آذانها فباتت تتبع عوالي الرماح فِي سَيرهَا كَقَوْل الخنساء
(وَلمَّا أنْ رَأيْتُ الخيْل قُبْلاً ... تُباري بِالخُدُودِ شَبا العَوَالي)

15 - الْغَرِيب الصَّفَا الصخر وواحده صفاة يُقَال فِي الْمثل مَا تندى صِفَاته وَالْجمع صفا بِالْقصرِ وأصفاء وصفى على فعول قَالَ الأخيل
(كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النّفِىّ ... مِنْ طُولِ إشْرافً عَلى الطَّوِىّ)

(مَوَاقِعُ الطَّيرِ عَلى الصُّفِىّ ... )
والصفواء الْحِجَارَة اللينة الملمس قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(كميِتٍ يزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَال متْنِهِ ... كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّل)
والبزاة جمع باز وحوافيا جمع حاف ونصبه على الْحَال الْمَعْنى يَقُول إِذا وطِئت هَذِه الجرد فِي الصخر وَهِي حافية بِغَيْر نعال أثرت فِيهِ مثل صُدُور البزاة وَهُوَ من التَّشْبِيه الْجيد وَوصف حوافرها بالشدة والصلابة وَأَنَّهَا تُؤثر فِي الصخر حافية وَهُوَ مَنْقُول من قَول الراجز
(4/285)

(يَرْفَعْنَ فِي الركض أمامَ السُّبَّقِ ... حَوَافِراً كالعَنْبرِ المُفَلَّقِ)

(يَنْقُشْنَ فِي الصَّخرِ صُدُورَ الزُّرَّقِ ... )

16 - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح بعيدات جمع مَا لَا يعقل فِي الصَّحِيح مذكرا أَو مؤنثا بِالْألف وَالتَّاء وَرُوِيَ أَبُو الْفَتْح وَتنظر بِالتَّاءِ أَي وَتنظر هَذِه الجرد وَهِي روايتي عَن شَيْخي أَنِّي الحزم وَأبي مُحَمَّد الْمَعْنى تنظر هَذِه الجرد من عيوني سود صوادق فِيمَا تنظره فِي ظلمَة اللَّيْل فترى الشَّخْص الْبعيد كَهَيْئَته فِي الْقرب وَذَلِكَ بِخِلَاف الْعَادة لِأَن الشَّخْص إِذا أبْصر من بعيد صغر فِي الْعين وَالْخَيْل تُوصَف بحدة النّظر وَقد قَالُوا أبْصر من فرس فِي غلس فوصفها بِأَنَّهَا ترى الشَّخْص الْبعيد عَنْهَا كَمَا يكون قَرِيبا
17 - الْغَرِيب الجرس الصَّوْت الْخَفي وَهُوَ السرَار والسوا مَعَ جمع سامعة وَهِي الْأذن والمناجاة السرَار والتنادي تفَاعل من قَوْلك فلَان أندى صَوتا من فلَان وَمِنْه الحَدِيث لقنها بِلَالًا فَهُوَ أندى صَوتا ويخلن يَحسبن الْمَعْنى وصفهن بحدة السّمع كَمَا وصفهن بِالنّظرِ الْحَدِيد فَهِيَ إِذا سَمِعت الْخَفي نصبت آذانها فَسَمعته وَهَذَا من عاداتها أَنَّهَا إِذا سَمِعت أخْفى مَا يكون نصبت آذانها حَتَّى إِن مَا يُنَاجِي بِهِ الضَّمِير عِنْدهَا كالمناداة لحدة سَمعهَا
18 - الْغَرِيب فرسَان الصَّباح فرسَان الْغَارة الَّتِي تغير عِنْد الصَّباح والغارة تكون عِنْد ذَاك الْوَقْت لِأَن الْقَوْم يكونُونَ غافلين فِي ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ الصَّباح اسْما للغارة وأفاعي جمع أَفْعَى وَهُوَ ذكر الْحَيَّات وأعنة جمع عنان وَهُوَ للْفرس خَاصَّة وَهِي السيور الَّتِي تكون فِي اللجام الْمَعْنى أَنه يصف نَفسه وَأَصْحَابه بالنجدة إِذا دعوا لغارة فَيَقُول هَذِه الْخَيل تجاذب فرسانها أعنتها لقوتها ونشاطها وَشبه أعنتها وَهِي فِي طولهَا ممتدة على الْأَعْنَاق بالأفاعي وَنَقله من قَول ذِي الرمة
(رَجِيعَةُ أسْفار كَأنَّ زِمِامَها ... شُجاعٌ لَدى يُسرَى الذّرَاعَينِ مطرق)

19 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لقُوَّة الْعَزْم يكَاد الْقلب يَتَحَرَّك عَن مَوْضِعه وَلَو تحرّك فِي الْحَقِيقَة لمات صَاحبه وَفِي مَعْنَاهُ لحبيب
(4/286)

(مَشَتْ قُلُوبُ أُناس فِي صُدُورِهمِ ... لمَّا رَأوْكَ تَمشّى نَحْوَهُمْ قَدَما)
وَطَرِيق أبي تَمام أسلم لِأَنَّهُ ذكر تحرّك الْقلب فِي مَوضِع الشدَّة الْمهْلكَة أَلا تراهم يَقُولُونَ انخلع قلبه فَمَاتَ وَالْمعْنَى لقُوَّة عزمنا إِذا سَار الْفَارِس فِي سَرْجه سَار قلبه فِي جِسْمه يَعْنِي ذكاءه وتيقظ فُؤَاده فَكَأَن قلبه ماش فِي جسده وَقَالَ الواحدي سرنا بعزم قوى كَأَن الْجِسْم وَهُوَ مُقيم فِي السرج يسْبق السرج وَكَأن الْقلب وَهُوَ مُقيم فِي الْجِسْم يسْبق الْجِسْم لقُوَّة الْعَزْم على السّير
20 - الْإِعْرَاب قوا صد حَال من الجرد أَي هن يقصدنه توارك غَيره الْغَرِيب الْقَصْد الطّلب والسواقي جمع ساقية وَهِي النَّهر الصَّغِير الْمَعْنى يُرِيد أَن الجرد وَهِي الَّتِي تحتنا قاصدة هَذَا الْبَحْر وَتركت السواقي وطالب الْبَحْر بِغَيْر سلاف يرى غَيره قَلِيلا لِأَن السواقي تستمد من الْبَحْر وَيُقَال إِن سيف الدولة لما سمع هَذَا الْبَيْت قَالَ لَهُ الوبل جعلني ساقية وَجعل الْأسود بحرا وَإِن كَانَ المتنبي قصد هَذَا فَلَقَد أبان عَن نقض عهد وَقلة مُرُوءَة لِأَنَّهُ مدح خلقا فَلم يُعْطه أحد مَا أعطَاهُ عَليّ بن حمدَان وَلَا كَانَ فيهم من لَهُ شرفه وفضله لِأَنَّهُ عَرَبِيّ من سَادَات تغلب عَالم بالشعر وَلم يمدح مثله فِي الشّرف والحسب إِلَّا مُحَمَّد بن عبد الله الْكُوفِي الْحسنى وَمعنى الْبَيْت من قَول أبي عبَادَة البحتري
(وَلم أرْض فِي رَنقِ الصرَى ليَ مَوْرِداً ... فَحاوَلتُ وُرْدَ النِّيلِ عِنْدَ احِتفاله)

21 - الْغَرِيب موق الْعين طرفها مِمَّا يَلِي الْأنف واللحاظ طرفها الَّذِي يَلِي الْأذن وَالْجمع آماق وأمآق مثل آبار وأبآر ومأقي الْعين لُغَة فِي موق الْعين وَهُوَ فعلى وَلَيْسَ بمفعل لِأَن الْمِيم من نفس الْكَلِمَة وَإِنَّمَا زيد فِي آخِره الْيَاء للإلحاق فَلم يَجدوا لَهُ نظيرا يلحقونه بِهِ لِأَن فعلى بِكَسْر اللَّام نَادِر لَا أُخْت لَهَا فَألْحق بمفعل فَلهَذَا جَمَعُوهُ على مآق على التَّوَهُّم كَمَا جمعُوا مسيل المَاء أمسلة ومسلانا وجمعوا الْمصر مصرانا تَشْبِيها لَهما بفعيل على التَّوَهُّم وَقَالَ ابْن السّكيت لَيْسَ فِي ذَوَات الْأَرْبَعَة مفعل بِكَسْر الْعين إِلَّا حرفان مأقى الْعين ومأوى الْإِبِل قَالَ الْفراء سمعتهما وَالْكَلَام كُله مفعل بِالْفَتْح نَحْو رميته مرمى ودعوته مدعى وغزوته مغزى وَقَالَ قوم إِن ابْن السّكيت وهم فِي مأقى الْعين وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد ثَبت أَن الْمِيم أَصْلِيَّة فَيكون أَصْلهَا فعلى كَمَا قيل أَولا الْمَعْنى قَالَ الْخَطِيب شبه النَّاس ببياض الْعين لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بِهِ فِي النّظر وَجعل
(4/287)

كافورا إِنْسَان الْعين لِأَن الخاصية فِيهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الْبَيْت فِي مَعْنَاهُ قَول ابْن الرُّومِي
(أكْسَبها الحُبَّ أنَّها صُبِغَتْ ... صِبغَةً حَبّ القُلُوبِ وَالحدَقِ)
إِلَّا أَن المتنبي فضل السود على الْبيض لِأَنَّهُ قَابل السوَاد فِي الحدقة وَهُوَ أشرف مأقى الْعين بالبياض وَقَالَ الواحدى جعله إِنْسَان عين الزَّمَان كِنَايَة عَن سَواد لَونه وَهُوَ الْمَعْنى الْمَقْصُود من الدَّهْر وأبنائه وَأَن من سواهُ فضول لَا حَاجَة بِأحد إِلَيْهِم كَالَّذي حول الْعين جفون ومآق وَقَالَ ابْن الشجري مَا مدح أسود بِأَحْسَن من هَذَا
22 - الْغَرِيب الأيادي جمع يَد بِمَعْنى النِّعْمَة وَهِي تجمع على أياد بِخِلَاف الْجَارِحَة فَهِيَ تجمع على أيد وَتقول لَهُ عِنْدِي يَد أَي نعْمَة وَبِه فسر قَوْله تَعَالَى {بل يَدَاهُ مبسوطتان} الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيل تجوز عَلَيْهَا الْمُحْسِنِينَ أَي تتخطاهم إِلَى هَذَا الممدوح الَّذِي عَادَته أَن يحسن إِلَيْهِم وَقد رَأينَا إنعامه عَلَيْهِم فاخترنا قَصده على قصدهم لِأَنَّهُ فَوْقهم وَقَالَ الواحدى يَعْنِي بالمحسنين سيف الدولة وعشيرته وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ نتخطى عَلَيْهَا أُنَاسًا فِي ولَايَة الْأسود نرى عَلَيْهِم إحسانه خلعه وعطاياه وَلم يكن للأسود على سيف الدولة وَلَا قومه إِحْسَان وَأما لَو قَالَ ترى عِنْده إحسانهم والأياديا لَكَانَ قَول الواحدى الْمَعْنى وَذَلِكَ أَنه كَانَ يُرِيد تَتَخَطَّى سيف الدولة وعشيرته إِلَى الَّذِي يرى عِنْده إنعام أُولَئِكَ وإحسانهم إِلَى من يقصدهم وَكَذَلِكَ هَذَا يفعل بِمن يَقْصِدهُ فَيحسن إِلَيْهِ فإحسان الْجَمِيع نرَاهُ عِنْد هَذَا الممدوح
22 - الْإِعْرَاب فَتى يجوز أَن يكون فِي مَوضِع جر بدل من قَوْله إِلَى الَّذِي وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع بِتَقْدِير هُوَ الَّذِي وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع نصب بدل من قَوْله إِنْسَان عين زَمَانه أَو نقصد فَتى ونرجى فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره مرجين فَصَرفهُ إِلَى الِاسْتِقْبَال الْمَعْنى يَقُول مازلنا نرجو لقاءه مُنْذُ زمَان قديم ننتقل من ظهر إِلَى بطن حَتَّى تلقيناه
24 - الْغَرِيب العون جمع عوان وَهِي خلاف الْبكر وَهِي الَّتِي بَين السنين فَوق الْبكر وَدون الفارض والعذارى جمع عذراء وَهِي الْبكر الَّتِي لم يَمَسهَا بعل الْمَعْنى يَقُول قدره جليل فَلَا يفعل شَيْئا إِلَّا ابتكار وَلَا يفعل شَيْئا قد سبق إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يفعل المكرمات ابتداعا واختراعا وَهُوَ كَقَوْلِه
(تَمْشِى الكِرَامُ عَلى آثارِ عيرِهمِ ... وَأنْتَ تَخْلُقُ مَا تَأتي وَتَبْتَدعُ)
(4/288)

- الْغَرِيب الْبُغَاة جمع بَاغ ويبيد يهْلك أباده أهلكه الْمَعْنى يَقُول هُوَ برفقة ولطفه يحسن إِلَيْهِم فَإِن بلغ مَا يُرِيد من زَوَال الْعَدَاوَة وَإِلَّا أباد العدا
26 - الْمَعْنى يُرِيد بِأبي الْمسك كنية كافور وتاق يتوق توقانا إِذا نازعه الحنين إِلَى الوطن وَغَيره يخاطبه ويناديه يَا أَبَا الْمسك هَذَا الْوَجْه الَّذِي كنت أشتاق إِلَيْهِ وأحن إِلَيْهِ وَهَذَا الْوَقْت الَّذِي كنت أَرْجُو لقاءه وأتمناه حَتَّى أَرَاك فِيهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَهَذَا الْبَيْت يتَأَوَّل فِيهِ الهجاء
27 - الْغَرِيب المروري جمع مروراة وَهِي الفلاة الواسعة والشناخيب جمع شنخوب وَهِي الْقطعَة الْعَالِيَة من الْجَبَل والهجير شدَّة الْحر والصادي العطشان وَقَالَ الْجَوْهَرِي الشنخوبة والشنخوب وَاحِد شناخيب الْجَبَل وَهِي رءوسه الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لَقِي من التَّعَب فِي الطَّرِيق وَأَنه قاسي شدَّة عَظِيمَة من حر الهواجر الَّتِي تنشف المَاء وَالْمَاء لَا يكون صاديا وَلكنه ذكره مُبَالغَة وَإِذا عَطش المَاء فحسبك بِهِ وَيجوز أَن يكون بِحَذْف الْمُضَاف أَي تتْرك مُسْتَقر المَاء صاديا لِأَنَّهُ لما كثر عَلَيْهِ الْحر شرب المَاء ونقصه فَكَانَ كالعطشان الَّذِي تشرب المَاء قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مِمَّا يَنْقَلِب هجاء لِأَن دونه وَدون هَذَا الْوَجْه مَا ذكر من الشدَّة فَكَأَنَّهُ يُرِيد عظم مشافره وغلظها وَوَجهه وقبحه كَقَوْلِك لَئِن لقِيت فلَانا لتلْقين دونه الْأسد أَي مثل الْأسد ويؤكده قَوْله لما هجاه وأسود مشفراه الْبَيْت وقلما يسلم لَهُ شعر من هَذَا
28 - الْإِعْرَاب وكل سَحَاب من جَرّه عطفه على كل الأول وَمن نَصبه جعله على النداء الْغَرِيب الغوادي جمع غادية وَهِي سَحَابَة تنشأ صياحا الْمَعْنى يَقُول لَهُ مُخَاطبا يَا أَبَا الطّيب كُله لَا أُرِيد الْمسك وَإِنَّمَا أُرِيد جنس الظيب وَيَا أَبَا كل سَحَاب لَا أخص سحابا بِعَيْنِه وَإِن شِئْت يَا كل سَحَاب
29 - الْمَعْنى يُرِيد أَن كل فاخر من النَّاس يفخر بِمَعْنى وَاحِد وَأَنت قد جمع الله فِيك كل المناقب والمفاخر وَهُوَ مَنْقُول من قَول الحكمى
(4/289)

(كَأنَّما أنْتَ شَىءٌ ... حَوَى جَميعَ المعَانِي)
قَالَ أَبُو الْفَتْح لما وصلت إِلَى هَذَا الْبَيْت ضحِكت وَضحك وَعرف غرضي
30 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح عطاك يعلي مَحل آخذه وَهَذَا مِمَّا يُمكن قلبه يُرِيد إِذا اتّفق لَك كسب معلاة انسلخت مِنْهَا لِأَنَّك لَا تحسن تدبيرها فكأنك قد سلمتها إِلَى من يحسن تدبيرها فَهِيَ تقيم عِنْده وَقَالَ الواحدى الْجواد إِنَّمَا جاد ليحصل لَهُ الْعُلُوّ بالجود وَإنَّك تعلى من تعطيه وتشرفه بِعَطَائِك فالآخذ مِنْك يكْسب بِالْأَخْذِ شرفا كَقَوْل البحتري
(وَإذَا احْتَذَاهُ المُحْتَذُونَ فإنَّهُ ... يُعْطي العُلا فِي نَيْلِهِ المَوْهُوبِ)
وَيدل على صِحَّته مَا بعده من قَوْله الْبَيْت بعده
31 - الْغَرِيب العراقان عراق الْعَجم وعراق الْعَرَب وَآخر عراق الْعَجم أَعمال الرّيّ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا ظَاهره أَن من رآك اسْتَفَادَ مِنْك كسب الْمَعَالِي وباطنه أَن من رآك على مَا بك من النَّقْص وَقد صرت إِلَى هَذَا الْعُلُوّ ضَاقَ ذرعه أَن يقصر عَمَّا بلغته وَأَن لَا يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى كسب المكارم وَكَذَلِكَ إِذا رآك راجل لَا ستكثر لنَفسِهِ أَن يرجع واليا على العراقين لِأَنَّهُ لَا يُوجد أحد دُونك وَقد بلغت هَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح العراقان الْكُوفَة وَالْبَصْرَة
32 - الْغَرِيب الْجَيْش الْعَسْكَر الْعَظِيم والعافي السَّائِل وَهُوَ وَاحِد العفاة وهم الطلاب الْمَعْنى يَقُول إِذا غزاك جَيش أَخَذته فَوَهَبته لسائل وَاحِد وأصل الْغَزْو الْقَصْد وَمِنْه غزونا الْعَدو أَي قصدناهم
33 - الْغَرِيب التحقير التصغير والمجرب الَّذِي جرب الْأُمُور وحنكته التجارب الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَظِيم الْقدر فَلهَذَا تحتقر الدُّنْيَا احتقار من جربها وَعرفهَا وَعلم أَنَّهَا فانية وَلَا يبْقى إِلَّا ذكر الْجَمِيل بَين النَّاس فَأَنت تجود بِمَا فِيهَا وَلَا تدخرها وحاشاك من أحسن مَا خُوطِبَ بِهِ فِي هَذَا الْموضع والأدباء يَقُولُونَ هَذِه اللَّفْظَة حشْوَة وَلكنهَا حشْوَة فستق وسكر وَمثلهَا فِي الحشوات قَول المحلم
(إنَّ الثمانِينَ وَبُلِّغْتَها ... قَدْ أحْوَجتْ سْمعي إِلَى تَرْجُمان)
(4/290)

- الْغَرِيب الْأَيَّام يُرِيد الوقائع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَذكرهمْ بأيام الله} يُرِيد الوقائع بالأمم الخالية والنواصي وَاحِدهَا نَاصِيَة وَهِي مقدم شعر الرَّأْس وَمِنْه قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مالكم تنصون ميتكم أَي تمدون ناصيته كَأَنَّهَا كرهت تَسْرِيح الرَّأْس من الْمَيِّت والناصاة الناصية بلغَة طَيء قَالَ جرير بن عتاب الطَّائِي
(لَقَدْ آذَنَتْ أهلَ اليمامَةِ طَّيءٌ ... بِحَرْبٍ كَناصاةِ الحِصانِ المُشَهَّرِ)
الْمَعْنى يَقُول لَهُ أَنْت لم تدْرك الْملك بالتمني وَلَا بالِاتِّفَاقِ وَلَكِن بالسعي والجهد والوقائع الشَّدِيدَة الَّتِي تشيب نواصي الْأَعْدَاء وَهُوَ من قَول البحتري
(فَتي هَزَّ القَنا فَحَوَى سَناءً ... بِها لَا بِالأحاظِى وَالجُدُودِ)
وَمِنْه قَول يزِيد المهبلي
(سَعَيْتمْ فأدْركُتمْ بِصالح سعيِكُم ... وَأدْرَكَ قَوْمٌ غَيرُكُمْ بِالمقادِرِ)
وَله أَيْضا
(إِذا قَدَّم السُّلْطانُ قوْما عَلى الهَوى ... فَإنَّكُمُ قُدّمْتمُ لِلْمَناقِبِ)

35 - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي ترَاهَا للأيام وَقَالَ الْخَطِيب وَغَيره للأفعال الْغَرِيب المراقي وَاحِدهَا مرقاة وَهِي الدرج الَّتِي تكون فِي السّلم والمساعي فِي فعل الْخَيْر وَهُوَ من سِعَايَة السَّاعِي على الصَّدَقَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح تعتقد فِي الْمَعَالِي أَضْعَاف مَا يَعْتَقِدهُ النَّاس فيحسب ذَلِك يكون طَلَبك لَهَا وشحك عَلَيْهَا قَالَ الواحدى وَقد حكى كَلَام أَبى الْفَتْح فَيكون على مَا قَالَ إِن أعداءك يرَوْنَ الْأَيَّام والوقائع مساعي فِي الأَرْض وَأَنت ترَاهَا مراقي فِي السَّمَاء لِأَنَّك بهَا تنَال الْعُلُوّ
36 - الْغَرِيب الجو مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَهُوَ الفضاء الَّذِي بَينهمَا الْمَعْنى يَقُول لبست للأيام والحروب والمساعي عجاجا مظلما فلست ترى صفاء إِذا رَأَيْت الجو صافيا من العجاج فَأَنت أبدا تثير العجاج فِي الْحَرْب فكأنك إِذا رَأَيْت الجو صافيا من العجاج رَأَيْته غير صَاف لكراهيتك لصفائه
(4/291)

- الْغَرِيب الأجرد الْقَلِيل شعر الْجَسَد والسابح الَّذِي يسبح فِي جريه الْمَعْنى قدت إِلَى الْحَرْب كل فرس جواد يوردك الْحَرْب غَضْبَان ويصدرك رَاضِيا بِمَا نلْت من الْغَنِيمَة وَأدْركت من الْمَطْلُوب
38 - الْإِعْرَاب مخترط عطف على أجرد وآمرا نصب على حَال الْغَرِيب المخترط السَّيْف السَّيْف إِذا اخترطته من غمده الْمَعْنى وكل مخترط إِذا أَمرته بِالْقطعِ أطاعك فَمضى فِي الضريبة وَإِن نهيته أَو استثنيت شَيْئا من الْقطع عصاك وَلم يقف لسرعة نفاذه فِي الضريبة وَالْمعْنَى إِن عَن لَك توقف عَن الضَّرْب عصاك
39 - الْغَرِيب الأسمر الرمْح وَذي عشْرين يُرِيد كَعْبًا أَو ذِرَاعا الْمَعْنى أَنه يُرِيد هُنَا الرمْح الطَّوِيل إِذا أوردته دِمَاء الْأَعْدَاء وَهُوَ يرضاك ساقيا إِذا أوردته فرسَان الْأَعْدَاء وَهُوَ مَنْقُول من قَول عبد الله بن طَاهِر فِي السَّيْف
(أخُو ثِقَةٍ أرْضاهُ فِي الرَّوْعِ صاحبا ... وَفَوْقَ رِضَاهُ أنَّنِي أَنا صاحِبُهْ)
يُرِيد أَنه يرضى بِهِ صاحبا فَوق الرِّضَا
40 - الْإِعْرَاب كتائب يروي بِالرَّفْع وَالنّصب وَالنّصب على قدت إِلَى الْحَرْب كتائب وَقد ذكره فِيمَا قبل من قَوْله وقدت إِلَيْهَا كل أجرد وَمن رفع فعلى تَقْدِير لَك كتائب أَو مَا انفكت لَك كتائب الْغَرِيب الْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهِي الْجَيْش تَقول كتب فلَان الْكَتَائِب تكتيبا إِذا عباها كَتِيبَة كَتِيبَة وتجوس تدوس وَتَطَأ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فجاسوا خلال الديار} وعمائر جمع عمَارَة وَهِي الْقَبِيلَة وَالْعشيرَة من النَّاس قَالَ الْأَخْنَس بن شهَاب الثَّعْلَبِيّ
(لِكُلّ أُناسٍ مِنْ مَعَدٍّ عِمارَةٍ ... عَرُوضٌ إلَيها يَلْجَئُونَ وجانبُ)
وَعمارَة بالخفض على الْبَدَل من أنَاس وَتَقْدِيره لكل قَبيلَة من معد عرُوض وجانب والفيافي الفلوات الْمَعْنى يَقُول كتائبك لَا تزَال وَلَا تَبْرَح تدوس وَتَطَأ قبائل من النَّاس قد وطِئت إِلَيْهِم الفلوات للغارة عَلَيْهِم وَالْمعْنَى أَن عساكره لَا تزَال محاربة
(4/292)

- الْأَعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للكتائب ويروى دور الْمُلُوك فَيكون الضَّمِير فِي هاماتهم للملوك لِأَن الْمُلُوك لم تغزهم لأَنهم لم يقدروا على إقدامك وَمن روى دون الْمُلُوك فَيكون الضَّمِير للعمائر وَيكون غزوتهم دون الْمُلُوك الْغَرِيب السنبك للحافر كالظفر للطير والمخلب للسبع والمغاني جمع مغنى وَهُوَ الْمنزل الْمَعْنى غزوت الْأَعْدَاء بكتائب لم تغز قبلك الْمُلُوك بهَا حَتَّى قَتلتهمْ فوطئت خيلك رُءُوسهم وديارهم
42 - الْغَرِيب يُقَال غشى يغشى غشيانا إِذا جَاءَهُ وَغَشيتهُ بِالسَّيْفِ ضَربته وأنف من الشَّيْء يأنف أنفًا وأنفة أَي استنكف الْمَعْنى يَقُول أَنْت أول من يَأْتِي الْحَرْب وَأول من يبارز وتأنف أَن تَأتيه ثَانِيًا لِأَنَّك مِقْدَام فَلَا يتقدمك أحد فِي الْحَرْب
43 - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا طبعت الْهِنْد سيفين فَجَعَلتهمَا سَوَاء فِي الحدة والمضاء فالسيف الَّذِي يصاحبك يكون أمضى لِأَنَّك تزيل مساواتهما بِشدَّة الضَّرْب وَكَذَا قَالَ الواحدى وَقَالَ الْخَطِيب هَذَا الْمَعْنى ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل معنى آخر وَهُوَ أَن الْهِنْد سوت بَين السيفين فَإِذا ضربت بِالسَّيْفِ علم أَن فضيلته فِي المضاء أعظم من فَضِيلَة السَّيْف الْمَضْرُوب بِهِ
44 - الْإِعْرَاب روى فدى بِكَسْر الْفَاء وَالْإِضَافَة إِلَى ابْن فَهُوَ ابْتِدَاء وَخَبره نسلى وَمَا بعده وَمن رَوَاهُ بِفَتْح الْفَاء جعله فعلا مَاضِيا وَنصب ابْنا وَكَانَ الْفَاعِل نسلى وَمَا بعده الْغَرِيب سَام هُوَ ابْن نوح وَهُوَ أَبُو الْبيض وَحَام ابْن نوح أَبُو السودَان الْمَعْنى يَقُول لَو رآك سَام بن نوح أَبُو الْبيض أَنَّك من وَلَده لَكَانَ من قَوْله فدَاك أَهلِي وَنَفْسِي وَمَالِي أَي كَانَ يفديك بِنَفسِهِ فَيَقُول أَنا ونسلى وَأَهلي فدى هَذَا
45 - الْغَرِيب المدى الْغَايَة والأستاذ جمعه أساتيذ وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي الْعرَاق للمعلم وَالشَّيْخ وَيسْتَعْمل للخدم أَيْضا الْمَعْنى يَقُول الَّذِي ذكرته من مناقبك غَايَة بلغك الله أقصاها أَي غايتها وَلَك نفس لَا ترْضى إِلَّا أَن تبلغ النِّهَايَة
46 - الْمَعْنى يَقُول دَعَتْهُ نَفسه إِلَى الْمجد فلباها وأجابها وَغَيره إِذا دَعَتْهُ نَفسه إِلَى الْمجد لم يجب لِأَنَّهُ لم يَأْتِ مَا يكسبه الْمجد والشرف من الْجُود والشجاعة والأخلاق الحميدة كَمَا أتيتها أَنْت
47 - الْمَعْنى يُرِيد أَنه فَوق النَّاس قدرا بَعيدا عَنْهُم وَلَكِن التكرم يُدْنِيه مِنْهُم
(4/293)

- 1 الْمَعْنى قَالَ الواحدي لَو أخفت النَّفس مَا فِيهَا من كراهتك لأريتك الرِّضَا أَي لَو قدرت على إخفاء مَا فِي نَفسِي من السخط والكراهية لقصدك لَكُنْت أريك الرِّضَا وَلَكِن لست براض عَن نَفسِي فِي قصدك إِلَيْك وَلَا عَنْك أَيْضا لتقصيرك فِي شأني والخافي ضد الظَّاهِر
2 - الْإِعْرَاب كل هَذِه مصَادر فنصبها على الْمصدر بِأَفْعَال مِنْهَا أَي أتمين مينا وتخلف إخلافا وتغدر غدرا الْغَرِيب المين الْكَذِب والإخلاف خلف وعد والمخازي جمع مخزية وَهُوَ مَا يَفْعَله الْإِنْسَان من الْفِعْل المذموم وخزي بِالْكَسْرِ يخزي خزيا إِذا ذل وَهَان وَقَالَ يَعْقُوب وَقع فِي بلية وأخزاه الله وخزي أَيْضا يخزي خزاية استحيا فَهُوَ خزيان وَقوم خزايا وَامْرَأَة خزيا قَالَ جرير
(وَإنَّ حِمىً لمْ يحْمِهِ غَيرُ فَرْتَنيَ ... وَغيرُ ابنِ ذِي الكيرَينِ خزْيانُ ضَائعُ)
فرتني هِيَ أم البعيث الْمَعْنى يَقُول قد جمعت بَين هَذِه الْعُيُوب والمخازي وَهُوَ كَمَا تَقول الْعَرَب أحشفا وَسُوء كيلة أَي جمعت بَين سوء الْكُلية وَإِعْطَاء الحشف فَأَنت لاشك مخازي لاجتماعها فِيك ووجودها
3 - الْغَرِيب التبسم دون الضحك وَهُوَ أَن يَبْدُو مبسمه وَهُوَ ثغره وَجَمعهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ مرّة بعد مرّة وَرجل باسم وبسام كثير التبسم
(4/294)

الْمَعْنى يَقُول أَنا أضْحك وضحكي على نَفسِي من رجائي مثلك لِأَنَّك لَا ترجى فتظن ضحكي فَرحا وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا هُوَ ضحك على رجائي لَك
4 - الْغَرِيب تعجبني مَعْنَاهُ التَّعَجُّب لَا الِاسْتِحْسَان الْمَعْنى يَقُول إِذا كنت حافيا فَأَنت منتعل لغلظ جلد رجليك وَأَنا أتعجب من قبح صُورَتك وشين سيرتك ويروي أنني بِفَتْح الْهمزَة بِمَعْنى لأنني ويروي بِكَسْرِهَا على الِاسْتِئْنَاف
5 - الْمَعْنى يَقُول أَنْت جَاهِل فِي كل الْأَشْيَاء حَتَّى إِنَّك لَا تعرف نَفسك وَمَا تَدْرِي من جهلك ألونك لون العبيد السودَان أم لون البيضان
6 - الْإِعْرَاب نصب عَارِيا على حَال ويروي تخييط رفعا ونصبا فالرفع على إِضْمَار الْمَفْعُول الثَّانِي ليذكرني أَي يذكرنيك حياطتك شقّ كعبك وروى ابْن فورجة تخييط ومشيك بِالنّصب فيهمَا قَالَ وفاعل يذكرنِي رجلاك وتخييط مفعول ثَان وَكَذَلِكَ مشيك وَأَرَادَ تخييط شقّ كعبك فَقدم الكعب ثمَّ كني عَنهُ الْمَعْنى يَقُول كلما رَأَيْت كعبك ذَكرنِي تشققه وَقت مَا كنت مجلوبا وَيُقَال إِن مَوْلَاهُ كَانَ زياتا وَأَن الْأسود كَانَ يحمل الزَّيْت عَارِيا وَيَمْشي متلطخا فَكَأَنَّهُ فِي ثوب من الزَّيْت هَذَا معنى قَول ابْن جنى وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي انه كَانَ أسود إِلَى لون الصُّفْرَة كلون الزَّيْت وَأهل الْعرَاق يسمون كل من كَانَ غير مشبع السوَاد زيتيا يُرِيد أَنَّك فِي حَال كونك عَارِيا فِي ثوب من الزَّيْت لِأَنَّهُ أصفر والحبش الْغَالِب عَلَيْهِم الصُّفْرَة
7 - الْمَعْنى يُرِيد أنني أهجرك فِي سري وَأَنت أهل للهجاء لَا للمدح فلولا فضول النَّاس لأظهرت ذمك وَقلت إِنِّي أمدحك وَأَنت جَاهِل لَا تعلم الْمَدْح من الذَّم وَلَكِن النَّاس فيهم فضول فهم كَانُوا يَقُولُونَ لَك هَذَا هجاء لَا مدح
8 - الْمَعْنى يَقُول كنت تصبح مَسْرُورا فَرحا بإنشادي هجوك تظنه مدحا وَإِن كَانَ يغلو هجوك بالإنشاد لِأَنَّك أقل وأحقر من أَن تهجى وينشد هجوك
(4/295)

- الْغَرِيب المشفر وَاحِد مشافر الْبَعِير وَهُوَ من الْإِبِل كالجحفلة من الْفرس ومشافر الْفرس مستعارة مِنْهُ والملاهي من اللَّهْو الْمَعْنى يَقُول إِن كنت مَا أفدتني فِي مقَامي عنْدك خيرا فإنني قد اسْتَفَدْت بنظري إِلَى قبح صُورَتك ومشافرك اللَّهْو وَقَالَ الواحدي يُرِيد إِن لم تفدني خيرا وتحسن إِلَى فإنني اسْتَفَدْت الملاهي برؤيتي صُورَتك ومشفريك قَالَ هَذَا إِذا جعلت أفدت بِمَعْنى اسْتَفَدْت وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى أفدت نَفسِي الملاهي بلحظي مشفريك فَيكون الْمَفْعُول الأول مُقَدرا
10 - الْغَرِيب ربات الْحداد لابسات الْحداد وَهِي ثِيَاب سود يلبسهَا النِّسَاء ربات الْحزن وَهن اللواتي مَاتَت أَزوَاجهنَّ للْحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث زَيْنَب ربيبة رَسُول الله
بنت أم سَلمَة عَن أمهَا وَأم حَبِيبَة عَنهُ
لَا يحل لامْرَأَة أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث لَيَال إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا والبواكي جمع باكية وَهِي الثاكلة الَّتِي فقدت حبيبا الْمَعْنى يَقُول أَنْت إِذا نظرت إِلَيْك طربت وضحكت لِأَنَّك يُؤْتى يَك من الْبِلَاد الْبَعِيدَة ليضحك الحزان والبواكي لِأَنَّك عجب من رآك ضحك وَقد صرح فِي هَذَا الْبَيْت بِجَمِيعِ مَا كَانَ أخفاه فِي مدحه بقوله فِي غير هَذِه
(وَما طَرَبِي لَمَّا رَأيْتُكَ بِدْعَةً ... لَقَدْ كنْتُ أرْجُو أنْ أرَاك فأطَربُ)
(4/296)