Advertisement

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية 001




الكتاب: شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية «لأربعة آلاف شاهد شعري»
المؤلف: محمد بن محمد حسن شُرَّاب
الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1427 ه- 2007 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شَرْح الشَّواهِد الشّعْرية في أُمَّات الكتب النّحويَّة «لأربعَةِ آلافِ شاهِدٍ شِعري»

خرجَ الشّواهد وَصنّفَها وَشرحَهَا
محمَّد محمَّد حَسن شُرّاب

[الجزء الأول]

مؤسسة الرسالة
(/)

[مقدمة الشارح]
بسم الله الرّحمن الرّحيم أما بعد:
فهذا معجم رتبت فيه جلّ الشواهد الشعرية المتداولة في كتب النحو وشروحاتها، بدءا بكتاب سيبويه، إمام أهل النحو المتوفى سنة 180 ه - 796 م، وربّما عرّجت على مصدر يعدّ من أوثق ما كتب في العصر الحديث، وهو كتاب «جامع الدروس العربية» للشيخ مصطفى الغلاييني المتوفى سنة 1364 ه - 1944 م.
وقد سبقني إلى هذا الجمع والترتيب، مؤلّفان، مع الاختلاف في المضمون.
أما الأول: فهو الأستاذ شيخ المحققين، عبد السّلام محمد هارون، حيث صنع «معجم شواهد العربية» جمع فيه بين شواهد النحو وشواهد العروض، وعلوم البلاغة، وخصائص العربية وأسرارها. ولكنه لم يذكر من الشواهد إلا قوافيها، وأثبت أمام كل شاهد مصادره.
وأما الثاني: فهو الدكتور حنّا جميل حداد، (من دائرة اللغة العربية وآدابها) في جامعة اليرموك بالأردن. حيث صنع (معجم شواهد النحو الشعرية) وأثبت الشواهد كاملة، وذكر لكل شاهد مصادره. وطبعته الأولى (1404 ه - 1984 م) كثيرة الأخطاء والتحريفات، ولكن هذه الأخطاء لم تأت من قبل المؤلف، لأنه عالم بما صنع، وإنما جاءت الأخطاء من مأمن المؤلف، «ومن مأمنه يؤخذ الحذر» حيث أوكل أمر «تصحيح النّسخة الأولى» إلى الآنسة ابتسام نجيب حداد، ويظهر أنها لم تكن من أهل اللغة، فلم تستطع تقويم الأخطاء المطبعيّة ... وكلا العملين يستحق الشكر
(1/5)

والتقدير، وكلاهما يستوجب عليّ أن أقول له؛ كما قال ابن مالك في ألفية ابن معطي:
وهو بسبق حائز تفضيلا … مستوجب ثنائي الجميلا
ولكنني وجدت عملهما مقصورا نفعه على العلماء والباحثين الذين يمتلكون المصادر النحوية التي حوت الشواهد، أما طلبة العلم وصغار الباحثين، والمعلمون وهواة قراءة الشعر، والمتأدّبون ... فإنهم لا يستفيدون من المعجمين السابقين، وقد لا يبلّ هذان المصدران عطشهم، لأنّ امتلاك المصادر النحويّة كلها أمر عسير ولأن بيئات المثقفين متباينة: بعضهم يسكن المدينة الكبيرة التي تتوفر فيها المكتبات العامة والخاصة، وبعضهم يسكن القرية أو المدينة الصغيرة التي لا يوجد فيها إلا القليل من المكتبات، وإذا وجدت المكتبة، فلا تضم إلا نماذج قليلة من الكتب.
وعنيت من بين من ذكرتهم المعلمين الذين يعملون في مدارس نائية عن العاصمة والمدن الكبرى، وليس في مكتبات مدارسهم إلا القليل من الكتب، فمثل هؤلاء إذا أراد أحدهم أن يعرف مدلول شاهد نحوي، وكان عنده أحد المعجمين السابقين، فإنه لن يجد ضالته فيهما، وقد يدلانه على مصدر ليس موجودا في مكتبته أو مكتبة مدرسته، وبهذا لا يفيد نفسه ولا يفيد تلاميذه. ولذلك فكّرت في صناعة معجم للشواهد النحوية، خفيف حمله، كثير نفعه، قد يغني عن حمل بعير من كتب النحو، وضمنته ما يلي:
1 - الشواهد التي جاءت في جميع كتب النحو التي ألفت قبل العصر الحديث وضممت إليها شواهد كتاب واحد من كتب المحدثين، هو «جامع الدروس العربية» للشيخ مصطفى الغلاييني، ذلك أنني ورثت حبّ هذا الكتاب عن شيخي سعيد الأفغاني لكثرة ثنائه عليه، ولأن هذا الكتاب جامع حقا لموضوعات العربية، بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع فهم عميق لمدلول النصّ والشاهد.
(1/6)

2 - أثبتّ الشاهد تاما مع ضبط حروفه.
3 - عزوت الشاهد إلى الشاعر، إن كان معلوما، وكثيرا ما ضممت إليه ما قبله وما بعده ليفهم من السياق، إن كان لا يفهم إلا بما سبق أو لحق، وربما ذكرت مطلع القصيدة التي كان الشاهد منها.
4 - ذكرت المصدر النحوي الذي استشهد بالبيت، وإذا تعددت المصادر ذكرتها جميعها أو ذكرت أكثرها.
5 - شرحت ما ظهر لي أنه غامض من معنى البيت.
6 - دللت على موضع الشاهد الذي استشهد النحاة بالبيت من أجله وقد يكون في البيت شاهدان، فأدلّ عليهما أو أكتفي بواحد منهما. وقد أعرب ما ظهر لي أنه يحتاج إلى الإعراب من البيت غير موطن الشاهد.
7 - إذا كان الشاهد محل خلاف بين النحويين، فربما أدليت بدلوي في الدلاء، فانفردت برأي، أو رجحت أحد الأقوال.
8 - مزجت بين الرأي النحوي، والذوق الأدبي، وربما رجحت الذوق الأدبي على الصنعة النحوية؛ لأن الذوق الأدبي هو الدافع إلى التعبير أو هو الموجه للتعبير.
9 - قوّمت قصة ومناسبة البيت، أو القصيدة التي انتخب منها البيت، واعتمدت في التقويم على النقد التاريخي، أو اللغوي أو الأدبي.
10 - قد أنفعل بمضمون البيت، فأستنبط منه عبرة تاريخية، وأربط بين الماضي والحاضر من حوادث الأمّة، وربّما ظنّ القارئ أن بعض الانفعالات كانت ذاتيّة، ولكن هذا ظنّ قصير النظر؛ لأن ما يهمّ فردا أو أفرادا من إقليم أو مجموعة من الناس، لا بدّ أن ينفعل به أهل الأقاليم الأخرى، بعيدة، أو قريبة، وإن تغير المفهوم القومي في
العصر الحديث، أو في أيامنا المعاصرة، وأدّى إلى تقوقع الانفعالات وخصوصيتها، حتى وصلت إلى حدّ الإقليميّة الضيقة.
(1/7)

أرجو الله أن يكتبه في سجل أعمالي التي لا تنقطع، وآمل من القرّاء أن يدعوا لي بالخير إن وجدوا خيرا، وأن يلتمسوا العذر لهفواتي، وما أكثرها. فالعصمة لا تكون إلا لنبي. والحمد لله رب العالمين.
محمد محمد حسن شرّاب داريا الشام في الحادي والعشرين من ربيع المولد النبوي 1417 ه - 1996 م
(1/8)

المصادر النحويّة مرتبة هجائيا
1 - الأشموني (علي بن محمد) المتوفى سنة 900 ه، وهو مؤلف كتاب «منهج السالك إلى ألفية ابن مالك» وهو شرح ألفية ابن مالك، ويذكر في المصادر «الأشموني» ويراد به كتابه «منهج السالك ...».
2 - «الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين» للشيخ كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد «الأنباري» المتوفى سنة 577 ه. والطبعة المعتمدة بشرح محمد محيي الدين عبد الحميد.
3 - «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك». لابن هشام الأنصاري، وقد يعرف بكتاب «التوضيح».
4 - «تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب»، وهو في شرح شواهد كتاب سيبويه، ومطبوع مع كتاب سيبويه في طبعة بولاق سنة 1316 ه. والكتاب منسوب للأعلم الشّنتمري يوسف بن سليمان الأندلسي، المتوفى سنة 476 ه ويعرف بالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا، والشنتمري:
نسبة إلى بلدة شنتمرية.
5 - «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد» لابن مالك ط سنة 1968 بالقاهرة وقد يعرف بكتاب «التسهيل».
6 - «التصريح على التوضيح» للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري المتوفى سنة 905 ه. وهو شرح لكتاب «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» المعروف
(1/9)

«بالتوضيح» ويرمز إليه في المصادر ب «التصريح» أو «شرح التصريح» وهو العنوان المثبت على الكتاب.
7 - «الجنى الداني في حروف المعاني» للمرادي: بدر الدين حسن بن قاسم أو «ابن أم قاسم» المتوفى سنة 749 ه.
8 - «حاشية الأمير على مغني اللبيب» والأمير هو محمد بن محمد بن أحمد السنباوي الأزهري المتوفى سنة 1232 ه - 1817 م وعرف بالأمير؛ لأن جده أحمد كانت له إمرة في الصعيد.
9 - «حاشية الصبّان» محمد بن علي المصري، المتوفى سنة 1206 ه على شرح الأشموني للألفية (منهج السالك ...) وهو مطبوع في أسفل الكتاب السابق.
10 - «حاشية ياسين على كتاب التصريح»، وهو ياسين بن زين الدين العليمي الحمصي المتوفى سنة 1061 ه وهو شرح لكتاب التصريح المارّ ذكره، ومطبوع على جوانب كتاب التصريح.
11 - «خزانة الأدب، ولبّ لباب لسان العرب»: المعروف اختصارا ب «خزانة الأدب» تأليف عبد القادر بن عمر البغدادي المتوفى سنة 1093 ه والخزانة شرح لشواهد الرضيّ على الكافية (محمد بن الحسن) المتوفى سنة 686 ه. [انظر شرح الكافية]. وقد اعتمدت الطبعة المحققة التي نشرها عبد السّلام محمد هارون.
12 - «الخصائص» لابن جني المتوفى سنة 392 ه بتحقيق الشيخ محمد علي النجار في ثلاثة أجزاء ط/ 1952 م.
13 - «الدرر اللوامع» على «همع الهوامع شرح جمع الجوامع» تأليف أحمد بن أمين الشنقيطي، المتوفى سنة 1331 ه - 1913 م.
ويرمز إليه في المصادر بلفظ «الدرر». واعتمدت على الطبعة القديمة، بمطبعة كردستان العلمية سنة 1328 ه.
(1/10)

وطبع الكتاب حديثا طبعة محققة بقلم الدكتور عبد العال سالم مكرم، بالكويت سنة 1401 ه - 1981 م في سبعة أجزاء صغيرة.
14 - سيبويه إمام أهل النحو المتوفى سنة 180 ه. ويذكر في المصادر اسم سيبويه، ويراد به كتابه، ويحيل الباحثون دائما إلى طبعة بولاق سنة 1316 ه.
وقد نشره الأستاذ عبد السّلام هارون سنة 1385 ه - 1966 م، وذيله بحواشي مفيدة توضح بعض الغموض الذي يلفّ عبارات سيبويه، لاختلاف المصطلح النحوي الذي استعمله سيبويه عن المصطلح النحوي المتداول في كتب المتأخرين. ولا يكاد يفهم عبارة سيبويه إلا المتخصصون في علم النحو.
15 - «شذور الذهب في معرفة كلام العرب»، لابن هشام عبد الله بن يوسف بن هشام المتوفى سنة 761 ه. وأشهر طبعاته طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد. وهو في الحقيقة «شرح شذور الذهب» لأن الشذور متن وضعه ابن هشام، ثم شرحه، ويقال: شذور الذهب، اختصارا.
16 - «شرح أبيات مغني اللبيب» صنفه عبد القادر بن عمر البغدادي والطبعة المعتمدة نشرة دار المأمون في
دمشق بتحقيق أحمد الدقاق، وعبد العزيز رباح.
وللسيوطي «شرح شواهد المغني» طبع آخر مرّة سنة 1966 م وهو دون شرح البغدادي في المنزلة.
17 - «شرح الألفية»، للأشموني. (انظر - الأشموني).
18 - «شرح التصريح» (انظر - التصريح على التوضيح).
19 - «شرح الشنتمري» (انظر - تحصيل عين الذهب).
20 - «شرح شواهد الشافية»، لعبد القادر بن عمر البغدادي، طبع سنة 1356 ه.
والشافية، كتاب في الصرف ألفه ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المتوفى سنة 646 ه كان أبوه حاجبا فقيل: ابن الحاجب. وقد شرح الرضيّ (محمد بن الحسن) المتوفى سنة 686 ه، الشافية في علم الصرف.
21 - «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك». وابن عقيل هو عبد الله بن
(1/11)

عبد الرحمن توفي سنة 769 ه. والطبعة المعتمدة بعناية الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.
22 - «شرح الكافية»: من تأليف محمد بن الحسن، المشهور ب «الرضيّ» الأستراباذي، من أهل أستراباذ من أعمال طبرستان (في إيران) تسمى اليوم «مازندران» فتحها العرب على يد سعيد بن العاص، وأطلقوا عليها اسم «طبرستان» و «الكافية» كتاب في النحو ألفه ابن الحاجب، مؤلف كتاب «الشافية» في الصرف، وقد شرح الرضيّ كلا الكتابين، وشرح البغدادي شواهد الكتابين، وسمّى شرح شواهد الكافية ب «خزانة الأدب» وهو موسوعة نحوية شعرية أدبية نقديّة، لا يوجد لها مثيل في المؤلفات العربية، فمن حواها قيل له «كل الصيد في جوف الفرا».
23 - «شرح المفصّل» لابن يعيش، المتوفّى سنة 643 ه وهو يعيش بن علي بن يعيش، ويعرف بابن يعيش، وبابن الصانع، والمفصّل الذي شرحه ابن يعيش من تأليف الزمخشري، محمود بن عمر، المتوفى سنة 538 ه. والطبعة المعتمدة هي الطبعة المصرية سنة 1928 م. في عشرة أجزاء.
24 - الشنتمري: انظر «تحصيل عين الذهب».
25 - الصبّان. انظر «حاشية الصبّان».
26 - العيني: يرمز به لكتاب «المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية».
والعيني مؤلفه، وهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحلبي العيني، نسبة إلى بلدة «عينتاب» في جنوب تركية بالقرب من الحدود السورية. ولعلها تسمى اليوم «غازي عينتاب» أو «غازيناتاب» أو «غازنتاب»، وتوفي بالقاهرة سنة 855 ه.
وكتاب «المقاصد» جمع فيه شواهد أربعة من شروح الألفية، وهي شرح ابن الناظم، وابن أم قاسم، وابن هشام، وابن عقيل.
ورمز بالحرف «ظ» لابن الناظم و «ه» لابن هشام و «ق» لابن أم قاسم و «ع» لابن عقيل. وقد طبع هذا الكتاب على جوانب كتاب خزانة الأدب المطبوع في مطبعة بولاق سنة 1299 ه.
(1/12)

ويعرف الكتاب أيضا باسم «الشواهد الكبرى» واختصره العيني في كتاب آخر سماه «فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد» وهو المعروف «بالشواهد الصغرى».
وقد رأيت للعيني في شروحه أوهاما وعثرات، تدل على أنه ليس حجة في باب الأدب والنحو.
27 - (شرح) «قطر الندى وبل الصدى» لابن هشام. والطبعة المعتمدة بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
28 - «الكتاب» (كتاب سيبويه) انظر «سيبويه».
29 - «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» لابن هشام عبد الله بن يوسف بن هشام المتوفى سنة 761 ه. واعتمدت في ذكر المصادر على شرح البغدادي لأبياته، فما كان في الشرح، فهو موجود في الأصل.
30 - «المقاصد النحوية». (انظر العيني).
31 - «منهج السالك إلى ألفية ابن مالك». (انظر الأشموني).
32 - «همع الهوامع شرح جمع الجوامع»: لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 ه.
33 - ياسين. انظر «حاشية ياسين».
(1/13)

الحصيلة النّقدية، لقراءة الشواهد النحويّة
[تمهيد وارائة الحصيلة]
في هذا المعجم ما يقرب من أربعة آلاف بيت شعر، لنحو تسع مئة شاعر وشاعرة، وراجز وراجزة. وإذا كتب لهذا المعجم أن ينشر، واحتواه الناس في مكتباتهم، فإنهم لن يقرؤوه دفعة واحدة، وإنما يرجعون إليه، كلما عنّ لهم بيت، وأرادوا أن يعرفوا شيئا عنه. وربما قرأه باحث أراد أن يقدم دراسة إحصائية استقرائية لجانب من الجوانب التي تدل عليها الشواهد، وتبقى جوانب أخرى لم يأبه لها هذا الباحث.
أمّا مصنّف هذا المعجم، فلعله القارئ الوحيد الذي أمعن النظر والتدقيق في كل بيت، ولفت انتباهه جوانب متعددة
مما تدل عليها الأبيات. وقد تجمعت عندي ملاحظات نقدية، أحبّ أن أنقلها إلى القارئ، وقد يوافقني عليها بعض القراء، ويدفعها آخرون .. وهذا ليس غريبا في باب الأدب، والنقد، لأنه نقد قد يعتمد على الذوق الذاتي، وقد يعتمد على المحاكمة العقلية المحكومة بالدليل. فما كان معتمدا على الذوق الذاتي تختلف فيه الآراء، لاختلاف الأذواق، ولكن الاختلاف في الأذواق لا يعني فساد ذوق فئة، وصحة ذوق فئة أخرى، وإنما هو اختلاف طبعي، أو اختلاف تربوي، والطبيعة والتربية تؤثران في ذوق الإنسان، ولكنهما لا تفسدانه، وينطبق على حال اختلاف الأذواق، القول:
«وللناس فيما يشتهون مذاهب».
أما الاختلاف المعتمد على المحاكمة العقلية المحكومة بالدليل، فإنه لا يخوض فيه إلا من امتلك دليلا يزعم أنه الأقوى، أو امتلك فهما في نصّ الدليل غاب عن الطرف الآخر.
وإليك الحصيلة النقدية التي سجلتها:
(1/14)

1 - البيت ليس وحدة القصيدة العربية القديمة:
زعم نقّاد الشعر العربي القديم، أن القصيدة العربية مفككة الأوصال، ولا يربطها رابط، وأن البيت وحدة القصيدة وليس بين أبيات القصيدة وأجزائها وحدة عضوية.
وقد شاعت هذه المقولة منذ بداية العصر الحديث، وأصبحت من المسلّمات التي يتناقلها النقاد خلفا عن سلف، وما زالت سائدة في الكتب الجامعية والمدرسية.
وفي المعجم الذي بين يديك أيها القارئ نحو أربعة آلاف شاهد شعري وإذا تتبعت الشواهد التي استلّت من مقطوعة أو قصيدة، فإنك ستجد مئات أو آلافا من الشواهد التي تبطل مقولة النّقاد.
إننا نجد البيت المفرد في كتاب النحو؛ لأن المؤلف لا يهمه إلا كلمة واحدة من هذا البيت، ولذلك يرويه مفردا، ولكن مفهوم البيت لا يتم إلا بقراءة سابقة ولاحقة.
وقد أصدر النقّاد حكمهم بناء على قراءة ناقصة لنماذج قليلة من الشعر الجاهلي مع عدم استشعار الروح الفنية التي تسود في القصيدة الواحدة، ويمكننا أن نقول:
إن الذين أصدروا هذه الأحكام كانوا غرباء عن الحياة العربية، ولم يتقمصوا شخصية الشاعر وهم يقرؤون قصيدته.
ونحن نقول: إنّ قراءة نماذج قليلة من قصائد الشعر الجاهلي، لا تؤدي إلى إصدار حكم عام .. لأن كثيرا من النماذج الجاهلية، جاءها التفكك المزعوم من الرواية، فربما قدم الرواة ما حقه التأخير، وربما أنقص بعضهم أبياتا، وزاد بعضهم أبياتا أخرى. وكيف يقولون إن البيت وحدة القصيدة - يعني أنه يفهم وحده - ونحن نجد آلاف النماذج من الأبيات التي لا تفهم إلا في سياق ما بعدها، وما قبلها. واقرأ قول عنترة بن شداد:
ومدجج كره الكماة نزاله … لا ممعن هربا ولا مستسلم
فهذا البيت لا يفهم إلا إذا قرأت ما بعده، وهو:
جادت يداي له بعاجل طعنة … بمثقّف صدق الكعوب مقوّم
(1/15)

واقرأ قوله:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضّحا … إذ تقلص الشّفتان عن وضح الفم
في حومة الحرب ...
لما رأيت القوم ...
يدعون عنتر والرماح كأنّها … أشطان بئر في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم ..
فازورّ من وقع القنا ..
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ...
فكل هذه الأبيات متعانقة تأخذ برقاب بعضها البعض؛ لأنها تؤدي معاني متسلسلة، وكل بيت يمثل حلقة.
واقرأ مطولات «المفضليات» واقرأ ما كتبه المحققان أحمد محمد شاكر وعبد السّلام محمد هارون، تحت عنوان «جوّ القصيدة» فإن هذا الجوّ يشعرك بالرابط النفسي، والرابط المعنوي بين أبيات القصيدة وأجزائها مهما كانت طويلة.
وقد وضع المرزوقي في مقدمة شرحه «الحماسة»، معيار الشعر الجيد، مستنبطا من نصوص الشعر العربي فقال: «فالواجب أن يتبيّن ما هو عمود الشعر المعروف عند العرب؛ ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث، ولتعرف مواطئ أقدام المختارين فيما اختاروه، ومراسم إقدام المزيّفين على ما زيّفوه، ويعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع ... فنقول، وبالله التوفيق:
إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه
الأسباب الثلاثة، كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكله اللفظ للمعنى، وشدة اقتضائها للقافية حتى لا منافرة بينهما. فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار».
(1/16)

ويعنينا هنا أن نذكر ما قاله في المعيار الدال على وحدة القصيدة والتئام أجزائها، أو ما يسمونه اليوم: «الوحدة العضويّة»، وهو التحام أجزاء النظم - حيث يقول:
«وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن: الطبع واللسان.
فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده ولم يتحبس اللسان في فصوله ووصوله بل استمرا فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال، فذاك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت والبيت كالكلمة تسالما لأجزائه وتقارنا وألّا يكون كما قيل فيه:
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه … لسان دعيّ في القريض دخيل
وكما قال خلف:
وبعض قريض الشعر أولاد علّة … يكدّ لسان الناطق المتحفّظ (1)
وكما قال رؤبة لابنه عقبة وقد عرض عليه شيئا مما قاله فقال:
قد قلت لو كان له قران. [المرزوقي 10/ 11].
ونقتبس بعض ما كتبه ابن قتيبة في مقدمة كتابه «الشعر والشعراء» مما له دلالة على التحام أجزاء النظم في القصيدة العربية، حيث يقول: «وتتبيّن التكلّف في الشعر بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره، ومضموما إلى غير لفقه، ولذلك قال عمر بن لجأ - شاعر أموي - لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذلك؟
فقال: لأني أقول البيت وأخاه، ولأنك تقول البيت وابن عمه. وقال عبد الله بن سالم لرؤبة بن العجاج: مت يا أبا الجحاف إذا شئت! قال رؤبة: وكيف ذلك؟
قال: رأيت ابنك عقبة ينشد شعرا له أعجبني - يريد أنه وجد من يرثك ويخلّد ذكرك - قال رؤبة: نعم، ولكن ليس لشعره قران» يريد أنه لا يقارن البيت بشبهه».
* ونفهم من مجموع الأقوال السابقة: أن من أركان القصيدة العربية: أن تكون مترابطة الأجزاء، ويأتي هذا الترابط: من وحدة القصيدة الموسيقية، باختيار لذيذ
__________
(1) أولاد علّة: بنو رجل واحد من أمهات شتى، فهم مختلفون.
(1/17)

الوزن. وتأتي الوحدة أيضا: من أنّ كلّ بيت، يسلمك إلى ما بعده، لارتباطه به معنى ونظما. وقد تؤدي بعض الأبيات معنى مستقلا، ولكن هذا لا يجعله منفكا عما قبله وعمّا بعده، بل يكون البيت في القصيدة بمنزلة الكلمة في البيت، والكلمة في البيت تؤدي معنى لغويا وهي منفردة، ولكنها لبنة في بناء البيت، لا يتمّ إلا بها. وتكون القصيدة كلها كالبيت منظومة في سلك واحد، كما تنتظم الكلمات في البيت.
فالتفكك إذن عيب في الشعر، فكيف يجعلونه من خصائص قصيدهم. وانظر عشرات المقطعات التي أوردها أبو تمام في الحماسة مع شرحها، فإنك تجد مصداق ما قال المرزوقي في مقدمته. فالبحث يطول ويحتاج إلى كتاب منفرد، لعرض النماذج التي تبين بطلان زعم الزاعمين بتفكّك القصيدة العربية وأن البيت وحدتها .. وحتى أبيات الحكمة التي تؤدي معاني منفردة فإنها مربوطة بخيط دقيق، يتصل بالتجربة التي عاناها الشاعر. فلا تلتفتنّ إلى ما قال النقاد، فهم مقلدون لأول من قال، وأول من قال جاهل بالشعر العربي.

2 - ينحصر زمن شعراء الشواهد بين العصر الجاهلي، ونهاية العصر الأموي
وإذا وجدنا بيتا لشاعر عباسي، قالوا: إنه للتمثيل وليس للاستشهاد. وأنا أرى أنهم حجروا فضيّقوا، وكان أمامهم سعة للاختيار من العصر العباسي، مع صحّة ربّما تضاهي أو تفوق صحة بعض ما استشهدوا به من العصر الذي حددوه، وفي هذا المقام أذكر الملاحظات التالية:
أ - قسموا الشعراء إلى أربع طبقات: ثلاثة منها يستشهد بشعرهم وهم:
الجاهليون، والمخضرمون، وشعراء العصر الأموي. والطبقة الرابعة وهم المولّدون أو المحدثون، ولا يستشهد بشعرهم. وفي مجال الشعر الجاهلي يأخذون كلّ شعر منسوب إلى شاعر جاهلي. وليس عندهم سند متصل موثوق بأن كلّ الشعر الجاهلي منسوب إلى أصحابه. ونذكر على سبيل المثال: شعر امرئ القيس: فقد وصل إلينا من شعره الذي نسب إليه زهاء ألف بيت منسجمة في مئة قطعة، بين طويلة وقصيرة، نجدها في ديوانه ولكن ابن رشيق يقول: «لا يصحّ له إلا نيّف وعشرون شعرا بين طويل وقطعة». [العمدة 1/ 67]. وبعض شعره، الذي نسب
(1/18)

إليه، قاله في طريق رحلته إلى ملك الروم المزعومة، وكان معه في الرحلة عمرو بن قميئة، وقد فطس امرؤ القيس في طريق العودة ومات أيضا عمرو بن قميئة في طريق هذه الرحلة. فمن الذي أوصل إلى الرواة شعره الذي قال
فيه:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه … وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
ومن الذي نقل إلينا عند موته «وإني مقيم ما أقام عسيب»؟! وينقلون شعرا يزعمون أنه قاله في ابنة القيصر، وأن حوارا دار بينه وبينها.
وقصيدة الأعشى في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، مع أنها قريبة العهد من العصر الإسلامي بل زعموا أنه قالها بعد صلح الحديبية. ولكنني لم أجد لها سندا صحيحا متصلا، بل روايات قصتها متعددة ومتضاربة، وفيها من المعاني الإسلامية ما لا يقوله إلا من قرأ القرآن وفهمه، وجالس النبي صلّى الله عليه وسلّم. وليس للأعشى نصيب من هذا ... وقد جاء في كتب النحو عشرات من أبياتها.
وقصيدة أبي طالب في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، لم يصحّ عندنا منها إلا البيت الذي يقول فيه «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» ولكنها قد تصل في بعض المراجع إلى مئة بيت. وفي كتب النحو شواهد كثيرة منها.
ب - نحن لا نرى أن كلّ ما ذكرنا من النماذج موضوع ومنحول، قد يكون لهذا الشعر أصل قليل، ثم زيد عليه، ولكن من الذي زاد وطوّل في هذا القصيد؟.
الجواب: إنّ أكثر من نسب إليهم وضع الشعر ونحله، ينتمون إلى ما بعد العصر الذي يستشهدون بشعر أهله ... فإذا كان الأمر كذلك فلماذا نستشهد بشعر الوضّاعين من أهل العصر العباسي، ولا نستشهد بشعر بعض الشعراء الذين شهروا بفصاحة القول وجزالة اللفظ، وقوة التركيب، من أهل العصر العباسي، أمثال:
بشار بن برد، وأبي نواس، والعباس بن الأحنف، والشريف الرضي، وأبي تمام، والمتنبي.
ج - وقد اختار الزمخشري، والرضيّ، الاستشهاد بشعر بعض من سموهم المولدين ممن يوثق بكلامهم. فقد استشهد الزمخشري في تفسيره ببيت من شعر
(1/19)

أبي تمام وقال: «وهو وإن كان محدثا، لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فأجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: (الدليل عليه ببيت الحماسة) فيقنعون بذلك، لوثوقهم بروايته وإتقانه» [انظر الخزانة 1/ 7]. قال أبو أحمد: أليس الاستشهاد بشعر أبي تمام أولى من الاستشهاد بشعر منسوب إلى الزبّاء؟ وأخبرني من الذي سمع ونقل أن الزبّاء قالت:
ما للجمال مشيها وئيدا … أجندلا يحملن أم حديدا
وهل كانت الزبّاء تتكلم العربية القرشيّة؟
وهناك شعر منسوب إلى رجال من قوم عاد، وهناك شعر منسوب إلى تبابعة اليمن مع أنّ علماء اللغة والتاريخ يقولون إن لغة أهل اليمن القديمة هي اللغة الحميرية وليست اللغة القرشية.

3 - لا يؤخذ التاريخ من القصص الأدبي.
فكل بيت من الشعر له، أو لقصيدته، مناسبة قيل فيها. والمناسبة ذات صلة بالتاريخ والمجتمع. ويجتهد رواة الشعر أن يوجدوا مناسبة لكل بيت أو قصيدة، لتكون عونا على فهم النص، ولكن القصة التي يرويها رواة الشعر بعيدة العهد عنهم، وليس في روايات الأدب أسانيد متصلة إلى زمن قول الشعر، فرواة الشعر، وجدوا نصوصا يرويها الناس، وليس معها قصة، فحرصوا على أن يكون لكل بيت قصة، فوقعوا في شرك الوضع والكذب والاختلاق والظنّ، فرووا ما قيل لهم، أو تخيلوا قصة، إذا قرأها القارئ ظنّها من الواقع التاريخي، فنقلها على أنها من التاريخ، وهي بعيدة عن الواقع التاريخيّ. وقد نبهت في هذا المعجم إلى كثير من المناسبات التاريخيّة المصنوعة، وبينت كذبها.
فقصص مغامرات امرئ القيس مع بنات العرب ومع ابنة القيصر، كاذبة ولا تمثل واقعا، ولا يصحّ وقوعها، وإنما هي من خيالاته.
وقصص عمر بن أبي ربيعة في العصر الإسلامي كاذبة وهي من خيال الشاعر.
والشعر الذي يروونه في فتنة الجمل وصفين أكثره موضوع ولا تصح مناسبته.
(1/20)

والقصص الذي روي مرافقا لشعر قيل في زمن عمر بن الخطاب، قصص موضوع لا يصحّ. ومن ذلك زعمهم أن عمر سمع امرأة تنشد:
ألا سبيل إلى خمر فأشربها … أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فهذه القصة موضوعة، انظر تحقيقها في كتابنا «المدينة في فجر الإسلام والعصر الراشدي».
وفي قصة «سحيم عبد بني الحسحاس» أقوال كثيرة لا تصح، حيث زعموا أن عمر بن الخطاب سمع قصيدة سحيم التي مطلعها:
عميرة ودّع إن تجهزت غازيا … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال عمر: لو قدّمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فهذا لا يصح؛ لأن عمر لم يكن يجيز على الشعر، وإنما يعطي كلّ إنسان حقّه من العطاء السنوي. ثم إن القصيدة عامرة بالفسق والفجور ووصف المغامرات.
ويزعمون أنّ قومه قتلوه وأحرقوه - في زمن عثمان - وهذا لا يصحّ؛ لأنه لو ثبت عليه حدّ الزنا، فليس عليه إلا الجلد والتغريب، أو الرجم، فكيف يقتل ويحرق في العهد الراشدي.
ويزعمون أن سبب تعلّق عميرة به أن أنقذها من يهودي خطفها وحبسها في حصنه ... ولم يكن - زمن عمر، وزمن عثمان - يهود في المدينة.
وألغى ابن قتيبة عقله فقال:
«ويقال سمعه عمر بن الخطاب ينشد:
ولقد تحدّر من كريمة بعضهم … عرق على جنب الفراش وطيب
فقال له عمر: إنك مقتول. فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة فلما مرت به التي كان يتهم بها أهوى إليها فقتلوه!» «الشعر والشعراء» ص 321. وهذا كذب ما كان له أن يرويه. فلو أنّ عمر سمعه يقول كذا؛ لنفاه عن المدينة، كما روي أنه نفى بعض الفجّار، وكيف يسقونه الخمر لاكتشاف من يتّهم بها من النساء والرجل
(1/21)

إذا سقي الخمر لا يفرق بين محارمه وغير محارمه؛ لأنه يضيع وعيه، وكيف يعرضون عليه النساء، وفيه اتهام وقذف للنساء المعروضات؟ ومن الذي سقاه الخمر، هل سقاه عمر الخمر، حيث ذكر «فسقوه» في سياق سماع عمر له ...
كل هذا قصص أدبي من اختراع أهل القصة ولا يصحّ أن يروى في التاريخ والله أعلم. فإن كتب الأدب ليست مكانا لرواية التاريخ أو أخذ التاريخ منها، وإنما هي من مواطن السمر واللهو، والسمر يملحه الكذب الأدبي.

4 - الشواهد الشعرية لا تشمل القواعد النحويّة كلها:
فأكثر ما يأتون بالشاهد في المسائل الخلافية، أو فيما شذّ عن القاعدة التي تعارفوا عليها:
فإذا قالوا: إن «ال» من علامات الاسم، جاؤوا بالشواهد التي دخلت فيها «ال» على الفعل المضارع، شذوذا أو ضرورة. كقول الفرزدق:
«ما أنت بالحكم الترضى حكومته».
وإذا قالوا: إنّ الفعل لا يلحقه ضمير المثنى والجمع إذا كان الفعل مثنى أو مجموعا. استشهدوا بما رأوه شاذا أو أنه لغة من لغات العرب كقول ابن قيس الرقيات في مصعب:
تولى قتال المارقين بنفسه … وقد أسلماه مبعد وحميم
وارجع إلى الشواهد فإنك واجد أكثرها في المسائل الخلافية والشاذ من القواعد، أو في الضرائر الشعرية.

5 - قسّم علماء العربية الأوائل، قواعد النحو، إلى قياسيّة، يصح القياس عليها والنسج على منوالها لكثرة شواهدها عندهم. وإلى سماعيّة، أو قليلة، أو شاذة، أو ضرورة، ولا يصحّ القياس عليها لندرة شواهدها عندهم. وتتابع المؤلفون على هذا التقسيم إلى العصر الحديث.
(1/22)

قلت: وهذا التقسيم صحيح، عند العلماء الأوائل الأقدمين؛ لأن حكمهم قام على استقراء النصوص التي وصلت إليهم. ولكن ظهر فيما بعد أن استقراء هؤلاء كان ناقصا، وأن هناك شواهد لم يطلعوا عليها، فلماذا لم يخرج الشاذ إلى دائرة الكثير الذي يباح الأخذ به وإن كان لا يصل إلى منزلة القياسيّ؟.
فدخول «ال» على الفعل عدوه من الشذوذ، والضرورة؛ لأنهم لم يكونوا يملكون عليها إلا الشاهد أو الشاهدين.
ولكن البغدادي في خزانة الأدب (ج 1/ 32 - هارون) أحصى لدخول «ال» على المضارع ثمانية شواهد شعرية.
أما تكفي ثمانية شواهد - ولعلّ هناك شواهد أخرى لم تبلغنا - لإخراج الأسلوب من حدّ الشذوذ إلى حدّ الكثرة، وإلى إباحته في الشعر والنثر معا؟!.
واللغة التي تجمع بين الفاعل الظاهر والضمير، التي نبزوها بلغة (أكلوني البراغيث) ما زلنا ننبذها، ونخطئ من يستخدمها، مع تعاضد الشواهد القرآنية، والحديثية، والشعريّة على صحتها وجوازها، وقد أحسن ابن مالك النحوي عند ما سماها لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» إشارة إلى ورودها في الحديث النبويّ الذي رواه الإمام مالك في الموطأ بل رواه أيضا بهذا اللفظ الإمام البخاري في صحيحه، وهي لغة موافقة لتخريج الآية «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» [الأنبياء: 3].
وهي - كما أرى - لغة صحيحة، ولا يعدّ مخطئا من يستخدمها وإن كانت ليست الفصحى، ولكنها لغة فصيحة، ولك بعد ذلك أن تخرجها وتؤولها كما يحلو لك، [انظر كتابينا «الشوارد النحوية» و «الإمام الزهري» في الدفاع عن لغة الحديث النبوي].

6 - الموازنة بين رواية الشعر، ورواية الحديث النبويّ:
اعتمد النحويون الأوائل في إثبات قواعدهم على الشواهد الشعرية، ولا تكاد تجد الأحاديث النبوية من شواهدهم إلا قليلا نادرا، وتبعهم على هذا المسلك النحويون المتأخرون - إلى أن جاء ابن خروف النحوي (علي بن محمد بن علي -
(1/23)

609 ه). فأخذ يستشهد بالحديث النبويّ كثيرا، ثم جاء ابن مالك صاحب الألفية (- 672 ه) فأكثر من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب.
فجاء أبو الحسن بن الضائع (علي بن محمد بن علي الإشبيلي - 680 ه) فعاب ابن خروف على صنيعه وقال «وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن وإن كان يرى أنّ من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه فليس كما رأى». [الخزانة 1/ 10].
ثم جاء أبو حيّان النحوي (محمد بن يوسف بن علي الجيّاني - 745 ه) فشنّع على ابن مالك لإكثاره من الاستشهاد بالحديث، وعلّل تشنيعه هذا بمزاعم تدلّ على جهله بالحديث النبويّ وبتاريخ الرواية والتدوين وأخطأ أخطاء فاضحة تحمّل وزرها إلى يوم القيامة؛ لأنه كان بمزاعمه عونا للطاعنين في الحديث النبوي فيما بعد، حيث اتخذوا كلامه حجة للطعن في الحديث، فقالوا إنه ليس حجة في التشريع.
ذلك أن أبا حيّان، زعم أن الأحاديث لم تنقل إلينا بلفظ النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإنما نقلت بالمعنى، وأنه وقع اللحن فيها؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا من العجم، وأن أئمة النحو المتقدمين من المصرين - الكوفة والبصرة - لم يحتجوا بشيء منه.
قال أبو أحمد: إنّ ابن الضائع في عيبه ابن خروف على كثرة استشهاده بالحديث، إنما هو مضيّع علما كثيرا، ولذلك ضلّ ضلالا مبينا. وإنّ أبا حيّان الجيّاني: مدّع جاهل، يدخل أنفه فيما لا يفهمه ويكفيه ضلالا أنه شغل نفسه بتأليف الكتب في لغات كانت أيامه ميتة، فصنع كتابا بعنوان «زهو الملك في نحو الترك». و «الإدراك للسان الأتراك» و «منطق الخرس في لسان الفرس» و «نور الغبش في لسان الحبش». وإذا كان شغل نفسه بلغات الأرض، كيف يحكم على لغة الحديث النبوي، وهو لم يشغل نفسه بها. وإليك تفصيل الجواب عن مزاعم ابن الضائع، وأبي حيّان:
أ - كون الأقدمين لم يحتجوا بالحديث، هذا حجة عليهم لا لهم. فهم وإن لم يحتجوا بالحديث فإنهم لم يصرحوا بالسبب الذي جعلهم يحجمون عن الاحتجاج
(1/24)

به، فمن أين لأبي حيّان ما ذكر من التأويل الفاسد.
ب - إن الحديث النبوي رواية ودراية، والرواية من أهم شروطها: معرفة رجال الإسناد، ومعرفة الصفات القادحة في رجال السند. والدراية تتطلب فهما في فقه الحديث والسنة النبوية، ومعاني القرآن، وآيات التشريع، والحلال
والحرام، والمباح والمكروه. وهذه أمورد يفقدها علماء العربية؛ لأنهم لم يتفرغوا لها، ولذلك لم يحتجوا بألفاظ الحديث، لعدم قدرتهم على التمييز، فخشوا أن ينقلوا حديثا، يقدح أهل العلم بالحديث فيه.
ج - أما قولهم؛ بوقوع اللحن فيما روي من الحديث، لروايته بالمعنى من قبل من لم يكونوا عربا بالطبع .. فهذا كذب على الحديث، وإنما يقع اللحن - إن وقع - في الحديث الموضوع، وربما وقع بسبب تصحيف النساخ في بعض الأحاديث الصحيحة، فإذا قوبل على الأصول الأخرى ظهر التصحيف. بل ربما ظنّه بعضهم لحنا؛ لأنه لم يطلع على اللغة التي جاء بها الحديث.
روى الزبيدي في طبقات النحويين (ص 66) قال: لزم سيبويه حلقة حماد بن سلمة بن دينار (.. - 167 ه) فبينا هو يستملي على حمّاد قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء». فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء» بالرفع. وظنه اسم ليس، فقال حماد: لحنت يا سيبويه ليس هذا حيث ذهبت، وإنما «ليس» هاهنا استثناء. فقال: سأطلب علما لا تلحنّي فيه. فلزم الخليل فبرع.
هذا، ولم يذكروا شاهدا للاستثناء ب «ليس» إلا الحديث السابق، والحديث «ما أنهر الدّم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ليس السنّ والظّفر».
د - أما قولهم إن الحديث روي بالمعنى: فهذا ليس صحيحا؛ لأنه ثبت أن كتابة الحديث بدأت في العهد النبويّ، وإن لم تكن عامّة، ولكن الكتابة كانت موجودة، وانظر «كتاب العلم» في صحيح البخاري تجد أدلة لا تنقض على كتابة الحديث في العهد النبوي.
ه - وعلى فرض رواية الحديث بالمعنى، فإن الذين رووه بالمعنى هم الصحابة
(1/25)

- رضي الله عنهم، وكانوا أهل فصاحة وهم ممن يحتج بكلامهم، ولكن هذا لا يعني أن الصحابة غيّروا كلّ ألفاظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنما التغيير كان يشمل الكلمة أو الكلمتين. وقد وصلنا كلام الصحابي مدونا مكتوبا؛ لأن التدوين الكثير بدأ من عهد التابعين، ولم يكن تدوين التأليف والتصنيف، وإنما كان تدوينا مفرقا على أدوات الكتابة التي كانت متاحة، وبدأ تدوينه في مصنفات مجموعة في عهد تابعي التابعين، ووصلنا من مصنفات تابعي التابعين موطأ الإمام مالك. فقد ثبت أنه كان يكتب عن الزهري، وكان يحقق ما كتبه عن الزهري بقراءته عليه للتحقق من صحة ما كتب.
ورواية الإمام مالك عن الزهري السلسلة الذهبية في الفصاحة: فالإمام مالك عربي، والزهري عربيّ فصيح، بل كان من أفصح أهل زمانه [انظر الإمام الزهري من تصنيفي]، والزهري ما كان يأخذ إلا عن رواة من العرب، من
كبار التابعين.
وخذ مثلا: الإمام مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: فمن أين يأتي اللحن إلى هذه السلسلة.
و- قال الدّماميني (محمد بن أبي بكر - 827 ه) في «شرح التسهيل»: إن من يقول - من المحدثين - بجواز النقل بالمعنى، فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه - فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا. [الخزانة 1/ 14].
ز - وعلى فرض أن بعض الأحاديث رويت بالمعنى، فإن آلافا من الأحاديث رويت باللفظ. ولماذا يقبل النقل بالمعنى في الشعر، ولا يقبل في الحديث مع أنّ التابعين الذين بدّلوا اللفظ في الحديث - على فرض حصوله - كانوا من الصحابة أو التابعين ممن يحتج بكلامهم، أما رواية بيت الشعر بالمعنى فلا يعلم من الذي بدّله، أهو عربي فصيح أم هو من رواة العجم.
ح - قال الميمني: «النقل بالمعنى شيء ليس بمقصور على الأحاديث فحسب، بل إنّ تعدد الروايات في بيت واحد من هذا القبيل، والقول بأنّ منشأه تعدد القبائل
(1/26)

ليس مما يتمشى في كلّ موضوع، على أنّ إثبات ذلك في كل بيت دونه خرط القتاد، زد إلى ذلك ما طرأ على الشعر من التصحيف والوضع والاختلاق من مثل ابن دأب، وابن الأحمر، والكلبي وأضرابهم، ورواة الشعر أيضا فيهم من الأعاجم والشعوبية أمم. على أن المسلمين في القرون الأولى كانوا أحرص على إتقان الحديث من حفظ الشعر والتثبت في روايته، وقد قيض الله لأحاديث رسوله من الجهابذة النقاد من نفى عنه ما كان فيه من شبهة الوضع والانتحال، وهذا حرم الشعر منه».
ط - على فرض أن الحديث بقي يروى شفاها قبل تدوينه، فإن ذلك لا يتجاوز رأس المئة الأولى؛ لأن الثابت أن عمر بن عبد العزيز أمر بتدوين السّنّة أيام خلافته، وبعث بدعوته إلى الأقاليم كلها .. ومعنى هذا أن السّنّة أخذت من أفواه التابعين، وما بين هذا الزمن، ونهاية عصر الصحابة الذين نقلوا الحديث عن رسول الله، لا يتجاوز العقود القليلة. بل إنّ بعض الصحابة عاش إلى العقد الأخير من القرن الأول، مثل أنس بن مالك الذي توفي سنة 83 ه، وعبد الله بن عمر توفي سنة 73 ه، وأبو هريرة توفي سنة 59 ه، والسيدة عائشة توفيت سنة 58 ه، وأم سلمة توفيت سنة 62 ه. وهؤلاء الذين ذكرتهم من أكثر من رووا حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يعني أن النصف الثاني من القرن الأول شهد عددا كبيرا من الصحابة الذين روي عنهم أكثر الحديث النبوي. والزمن الفاصل بين
وفاتهم، وتدوين الحديث كان زمنا قصيرا جدا زد على هذا أن الحديث الواحد له عن الصحابي طرق متعددة، وأخذه عن الصحابي عدد من التابعين، وهذا يعطي النصّ توثيقا أكثر.
فأعطني شاهدا نحويا له هذا القرب من التدوين، وهذه الطرق المتعددة من الرواية، مع الوثوق بالراوي، وأخص بذلك الشعر الجاهلي، الذي يفصله عن زمن التدوين قرون متطاولة، وهناك مئات من الشواهد لا يعرف قائلها.
ي - وتأمّل جيدا الفرق التالي في الرواية:
لو أنّ تابعيا ثقة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو ينسب الحديث إلى معيّن، وهو رسول الله، لم يقبل منه هذا الحديث، ولم يكادوا يقبلون إلا مراسيل سعيد بن
(1/27)

المسيب، وردّوا مراسيل الزهري، وهو الحافظ الثقة.
أما في رواية الشواهد النحوية الشعرية: فقال البغدادي: «إن الشاهد المجهول قائله وتتمته (نصف بيت) إن صدر من ثقة يعتمد عليه قبل، وإلا فلا. ولهذا كانت أبيات سيبويه أصح الشواهد، اعتمد عليها خلف بعد سلف، مع أنّ فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها، وما عيب بها ناقلوها ...» [الخزانة 1/ 16].
أرأيت دقّة الرواية في الحديث النبوي: أهل الحديث يرفضون رواية التابعي الثقة الحافظ إذا أرسل إلى رسول الله، ولم يسقط من السند إلا الصحابي. وأهل اللغة يقبلون رواية ثقتهم، بلا إسناد، وعن مجهول، وتعدّ روايته أصح الشواهد.
وبعد: فقد أخطأ أبو حيّان الجياني، وابن الضائع، ومن لفّ لفهما وأيدهما في حكمهما على لغة الحديث، وأخطأ سيبويه ومن عاصره من البصريين والكوفيين - إن كانوا لم يحتجوا بالحديث لما قاله أبو حيّان.
وأصابا ابن خروف وابن مالك (على لغة: يتعاقبون فيكم) فيما صنعا، وسنّا سنة حسنة، لهما أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

7 - بين البصريين والكوفيين:
لم يصلنا شيء من مؤلفات الكوفيين في النحو، وما وصلنا جاء عن طريق خصومهم البصريين مطعونا فيه. وقد تعصب النحويون على الكوفيين وبالغوا في الردّ عليهم إلى حدّ الغلوّ، ووصل أثر العصبية إلى العصر الحديث، فلا يكاد يعرف المتعلمون في المدارس والجامعات إلا المذهب البصريّ في النحو.
وقد صنع الأنباري كتابا جمع فيه مسائل الخلاف بين أهل المصرين وسماه «الإنصاف في مسائل الخلاف بين
النحويين البصريين والكوفيين» .. والأنباري بصري الميل، ولذلك لم يكن منصفا فيما زعم أنه الإنصاف بل تعصب على الكوفيين في أكثر المسائل، وحرّم على الكوفيين ما أباحه للبصريين. وأذكر لك مسألة واحدة لتعرف التعصب:
قال الأنباري: «مسألة: هل يجوز إظهار «أن» المصدرية، بعد «لكي»؟ ذهب
(1/28)

الكوفيّون إلى أنه يجوز إظهار أن بعد كي، واحتجوا بأن قالوا: الدليل على ذلك.
النقل والقياس:
أما النقل، فقد قال الشاعر [مجهول]:
أردت لكيما أن تطير بقربتي … فتتركها شنّا ببيداء بلقع
[انظر البيت داخل المعجم].
فجاء جواب الأنباري عن هذا الشاهد، على لسان البصريين: [الجواب أن هذا البيت لا يعرف قائله، ولو عرف لجاز أن يكون من ضرورة الشعر]. فالبيت مرفوض، سواء عرف صاحبه أم لم يعرف، وهذا الجواب يشبه قول المعاند «عنز ولو طارت». وأعجبني جواب الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية [الإنصاف/ 583] يوجه الخطاب للأنباري «لا نرى لك أن تقرّ هذا، لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين، فكم من الشواهد التي يستدلّ بها هؤلاء وهي غير منسوبة، ولا لها سوابق ولا لواحق، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معيّن».
قلت: لقد آن الأوان لمراجعة مقررات القواعد، للأخذ بالمذهبين البصري والكوفي، فإن في هذا توسعة وتسهيلا لقواعد العربية التي أخذت تتفلّت من أقلام المثقفين وألسنتهم، للتضييق عليهم في حدود قواعد، لا يعدّ مخالفها من اللحن.

عمود الشعر العربي:
اصطلاح أدبيّ متداول في كتب النّقد الأدبي القديمة. ويراد به: مجموع القوانين الشعرية التي التزمها الشعراء العرب الأقدمون. وقد استنبطها أهل العلم بالشعر من استقراء شعر الجاهلية وصدر الإسلام، والعصر الأموي. وقام استقراء العلماء على قراءة الشعر الموثوق في نسبته إلى قائله، وإلى عصره، وساعدهم على صحة الاستنباط والحكم، قرب عهدهم بالرواية والرواة وإصرارهم على التلقي بالمشافهة عن الموثوقين من أهل الرواية
والدراية مع وجود النّسخ المخطوطة بين أيديهم. وكثيرا ما يوثّق أحدهم كلامه بأنه اعتمد على نسخة خطية مقروءة على المؤلف أو بخط المؤلف، أو أنه قرأ القصيدة الفلانية على راو
(1/29)

موثوق. فلم يكونوا يقنعون بقراءة الكتب مجردة من التوثيق الشفوي أو الكتابي لخوفهم من تحريفات النّسّاخ أولا، ولتوثيق المكتوب ثانيا، ولفهم المكتوب - بقراءته قراءة صحيحة - ثالثا.
* وفي القديم، لم يكن يتصدّر للتدريس والتأليف، والإملاء، والإقراء، والرواية إلا من اكتملت له الأدوات التي تجعله متبحّرا في فنّه. ولو تصدر للتعليم من قصّر عن درجة العلماء، ما أقبل أحد عليه، وما استمع أحد إليه، ولكان افتضح بين الأقران. فالتعليم كان حرّا، وطلبة العلم كانوا يملكون حريتهم في الجلوس إلى ذلك الشيخ، أو الانصراف عنه، ولم يكن - كما في أيامنا - تعليم إلزامي، ومدارس إلزاميّة، يجبر الطالب على الحضور أمام أساتذتها أحبّ أم كره.
ولذلك كان لنا من رصيد الماضي كوكبة من العلماء الأعلام ما زالوا المثل الأعلى، نحثّ الخطى نحوهم، فلا ندرك شأوهم. وتركوا لنا كنزا من المؤلفات فقد منه الكثير، ووصلنا القليل، ومع ذلك ما زلنا عاجزين عن الغوص في أعماق هذا القليل، ونغرق في ضحضاحه.
ومما فاتنا استشراف آفاقه ومعرفة أسراره وأعماقه: التراث الأدبي: شعره ونثره.
* لأن نقّاد الشعر ودارسيه في العصر الحديث، لم يهتدوا إلى «عمود الشعر العربي» فيما وصلنا من الشعر، وما قعّده السابقون من قواعد الأدب، فهم يحومون حول هذا التراث، ولا يقتربون منه، ويصفونه من بعيد ولا يخوضون غماره ليتذوقوا لبابه، ولهذا كانت الدراسات الأدبية الحديثة سطحية، لم تغص في الأعماق، ولم تضع يدها على الأصداف. وصدق (محمد حافظ إبراهيم) القائل - على لسان لغة العرب:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن … فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتي
لقد ظهرت دراسات نقدية في بداية التأليف في العصر الحديث، ومضى عليها اليوم خمسون سنة أو يزيد، ومع ذلك بقي الأخلاف من بعد يعتمدون عليها، ولا يتعدونها، ويجعلون أحكامها الأدبية مسلّمات لا تحتمل النقاش، مع وجود التطور الهائل في الطباعة والتحقيق وفي كميّة الكتب التراثية التي أصدرتها المطابع. وقد
(1/30)

قالوا في الأمثال: «وكم ترك الأوّل للآخر». ومما تابع فيه اللاحقون السابقين في باب النقد الأدبي:
استنباط عمود جديد للقصيدة العربية، معتمدين على نماذج قليلة من الشعر العربي، ومغفلين، أو متغافلين عمّا
استنبطه الأقدمون بعد استقراء شامل للنصوص الشعرية. هذا، وقد وصلتنا مجموعات شعرية قديمة، ونظرات نقدية سجلها الأقدمون في كتبهم، ولا يمكن أن نصدر حكما على الشعر العربي، دون قراءة واعية لما وصلنا من النصوص، والاطلاع على آراء الأقدمين. أما أشهر المجموعات الشعرية، فهي: «المفضليات»، من اختيار المفضل الضبيّ، و «الأصمعيات» من اختيار الأصمعي، و «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي، و «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري. وعشرات الدواوين التي جمعها ورواها أعلام الأدب. وهناك مختارات مبوبة على المعاني، أشهرها «الحماسة» لأبي تمام.

وأما النظرات النقدية:
فهي كثيرة، وقد عرّجنا بالقارئ على شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام التي ضمت (882) مقطوعة شعرية، وقد قدّم المرزوقي لشرحه بمقدمة نقدية تعدّ وثيقة نفيسة في تاريخ النقد الأدبي؛ لأنه ضمنها معايير عمود الشعر العربي الذي يوزن به الشعر. وكذلك نقلنا كلام ابن قتيبة على التحام أجزاء النظم في القصيدة العربية. (انظر ص 15 - 17 من هذا الكتاب).
* ومع هذا ما زال مؤرخو الأدب ونقاده في العصر الحديث، يردّدون مقولة ظهرت في بداية العصر الحديث، ينكر أصحابها وحدة القصيدة، ويزعمون أن القصيدة العربية القديمة مفككة، لا يجمعها خيط معنوي واحد، وزعموا أن البيت وحدة مستقلة في القصيدة أو في جزئها، يمكن تقديمه وتأخيره، وحذفه دون أن يؤثر في نسق القصيدة. وبهذا يكونون قد وضعوا عمودا للقصيدة العربية، مخالفا لما استنبطه القدماء. فهل اطلعوا على ما كتبه القدماء ورأوه خاطئا، لا يوافق النصوص الشعرية التي قرأوها؟ الجواب: إنهم قرأوا شيئا قليلا عن عمود الشعر العربي، ولم يستغرقوا كل ما قاله النّقّاد القدماء، وقرأوا شيئا من الشعر، ولم يقرأوا الشعر كلّه، ولذلك جاءت أحكامهم، مضلّلة، أضلّت طبقات متوالية من
(1/31)

النقّاد الكسالى، الذين يحتطبون ولا يميزون.
* ولعلّ الوهم جاءهم من جهات:
الأولى: المقدمة الطّلليّة أو الغزلية أو الخمرية التي تتصدر قصيدة المدح، أو الفخر، أو الهجاء وتبدو للنظرة العجلى أنها مبتوتة الصلة بالموضوع.
الثانية: كثرة الأبيات السائرة التي يتمثّل بها.
الثالثة: الأبيات الشعرية التي استشهد بها النحويون، وهي في الغالب، أبيات مفردة.
الرابعة: اعتمادهم على قصائد أخلّت الروايات بعدد أبياتها، وترتيبها، وبالزيادة فيها أو النقص منها.
الخامسة: اشتمال القصيدة على وصف لموضوعات متعددة، كوصف الأطلال، والغزل ووصف الراحلة، والحيوانات الوحشية ...
* أما المقدمة الطّلليّه أو الغزلية أو الخمرية، فإنها ليست تقليدا ملتزما في القصائد جميعها. فكيف نعمم حكم فنّ على الفنون كلّها؟ ولو شئت لعددت عشرات القصائد لا تبدأ بمقدمة مما ذكرت، وقد يبدؤون قصائدهم بالتعبير عن مشاعرهم في الموضوع الذي أرادوه. فهذا متمم بن نويرة يبدأ رثاء أخيه مالك بقوله:
لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزع مما أصاب فأوجعا
وهذا أبو ذؤيب الهذلي يبدأ رثاء أولاده بقوله:
أمن المنون وريبه تتوجّع … والدهر ليس بمعتب من يجزع
والأمثلة لقصائد الرثاء التي باشرت موضوعها كثيرة.
وعند ما رثى دريد بن الصمّة أخاه عبد الله، بدأ الرثاء ببيتين من النسيب يلائمان الرثاء، حيث يقول في المطلع:
(1/32)

أرثّ جديد الحبل من أم معبد … بعاقبة وأخلفت كلّ موعد
وبانت ولم أحمد إليك جوارها … ولم ترج فينا ردّة اليوم أو غد
قال أبو الفرج: «إنّ أم معبد التي ذكرها دريد في شعره، كانت امرأته فطلقها لأنها رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك، وصغّرت شأن أخيه وسبّته، فطلقها». هذا، وجلّ قصائد الرثاء، لا تخرج عن ذكر مآثر الميت، وما يتصل بذكر الموت، وذكر شيء مما يسلّي عن ألم المصاب.
وأما قصائد الفخر التي تهجم على موضوع الفخر بلا مقدمة، فهي كثيرة أيضا.
ففي «الأصمعيات» قصيدة لعقبة بن سابق، يفخر في أولها بقطعه البيد على ناقة شديدة، ويصفها، وأنه يغدو أحيانا بفرس، ويصفها، وتبدأ بقوله:
وجرف سبسب يجري … عليه موره جدب
تعسّفت على وجنا … ء حرف حرج رهب
[والجوف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض. والسبسب: المتسع من الأرض. والمور: الغبار. وتعسّفت: قطعت المفازة بغير قصد ولا هداية. يريد أنه يغامر ولا يخشى الفيافي. وقوله: وجناء وحرف ... الخ: من صفات
الناقة]. وبعد ستة أبيات يذكر الفرس قائلا:
وقد أغدو بطرف هي … كل ذي خصل سكب
[والطرف: الفرس كريم الأبوين، والهيكل: الطويل الضخم. والخصل:
خصل الشعر، والسكب: الجواد الكثير العدو]: ويصف الفرس في أحد عشر بيتا.
ثم يصف ما يحقق للبيت من صيد في أربعة أبيات، فعدة القصيدة واحد وعشرون بيتا. وربّما عدّ بعض النقاد هذا من باب الوصف، ولكن الشاعر يصف ما يمتلك، ليفخر به، فالقصيدة كلها في الفخر. وقصيدة عروة بن الورد التي مطلعها:
أقلّي عليّ اللوم يا ابنة منذر … ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
(1/33)

وهذا خطاب لامرأته، ولكنه ليس غزلا أو حنينا، وإنما هو مطلع ممهد للفخر، بل هو من لوازم الفخر، فهو يوجه الخطاب إلى امرأته (ابنة منذر) وكانت تلومه على الخطار بنفسه وإدمانه الغزوات والغارات في أحياء العرب، فرد عليها قولها بأنه إنما يبغي بذلك المجد. ويرسم في القصيدة سياسة للصعاليك، فهو لا يرضيه الصعلوك الخامل، وإنما يريده على أن يكون غازيا جريئا، ويعلن أنه سيواصل الغارات متزعما أصحابه لكي يشبع رغبة الجود والبذل الذي أخذ نفسه به، وهذه كلها من مفاخره الذاتية.
وقصيدة مالك بن حريم في «الأصمعيات» بدأها بإظهار جزعه من الشيب بعد الشباب وهي قصيدة في الفخر.
وقصيدة كعب بن سعد الغنوي من الأصمعيات، وهي قصيدة فخرية، بدأها بخطاب المرأة التي لامته لأنه يجابه الأخطار، وهو ليس مطلعا غزليا، وإنما هو مدخل فنيّ إلى الفخر.
وقصيدة الأسعر الجعفي، عدة أبياتها ثلاثون بيتا في الفخر، وتبدأ بقوله:
أبلغ أبا حمران أن عشيرتي … ناجوا وللقوم المناجين التّوى
هذا، والقصائد الفخرية التي بدأت بالفخر، أو بما يدعو إلى الفخر كثيرة لا حصر لها. وقل مثل ذلك في قصائد النصائح والحكمة، ومنها قصيدة عبد قيس بن خفاف في «المفضليات»، ومطلعها:
أجبيل إنّ أباك كارب يومه … فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
* ولعلّ أول من أوهم النّقاد بأن المقدمة الطّلليّة تقليد لازم، هو ابن قتيبة عند ما قال في مقدمة «الشعر والشعراء»: «وسمعت بعض أهل العلم بالشعر يذكر أنّ مقصّد القصيد، إنما ابتدأ بذكر الديار والآثار ... الخ» فعمم القول على
القصيد كلّه، ولكن آخر كلامه يدل على أن المقدمة الطللية تقليد في قصيدة المدح فقط، لقوله:
«فإذا علم - الشاعر - أنه قد أوجب على صاحبه - الممدوح - حقّ الرجاء، وقرر
(1/34)

عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة ...».
وفيما نقله ابن قتيبة، وصف لمنهج القصيدة العربية وخطواتها، وتفسير لهذا المنهج:
أ - جعل مطلع القصيدة ذكر الديار ليكون سببا لذكر أهلها.
ب - ثم وصل ذلك بالنسيب ليميل نحوه القلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء.
ج - ثم رحل في شعره وشكا النصب وحرّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء.
د - المدح.
* وعلى ما نقله ابن قتيبة ملاحظات:
الأولى: جعل مطلع القصيدة العربية الملتزم، هو ذكر الديار ... وقد ذكرنا قبل قليل أمثلة لقصائد لا تبدأ بالأطلال. ومن يبدأ من الشعراء بتمهيد لموضوع القصيدة، فقد يبدأ بذكر الديار، وقد يبدأ بوصف الخمر، كما في معلقة عمرو بن كلثوم، وقد يبدأ بالغزل دون ذكر الأطلال كما في قصيدة الأعشى:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيها الرجل
وبدأ كعب بن زهير قصيدته المشهورة بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيّم إثرها لم يفد مكبول
الثانية: جعل ذكر الديار سببا لذكر أهلها ... وهذا يوحي بأن الشعراء اصطنعوا ذلك ولم يكن تعبيرا عن خلجات النفس المتصلة بالذكريات الجميلة. والحق أن الديار ومن فيها، أو من كان فيها شيء واحد لا يتجزأ، فالديار تذكر بالعيش فيها والأحباب يذكّرون بالديار. فالشاعر الجاهلي، أو الشاعر البدوي الكثير الارتحال إنما يعبر عن لواعج حقيقيّة، ولم يكن يصطنع أطلالا في خياله، كما فعل الشعراء الحضريون المقلدون ساكنو الحواضر في العصر العباسي، ولذلك فإننا نجد الشعراء
(1/35)

المجددين (أو الشعوبيين) يعيبون معاصريهم بالوقوف على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان تقليدا - ولم ينقل عن هؤلاء المجددين أنهم عابوا الجاهليين لوقوفهم على الأطلال؛ لأن وقوفهم على الأطلال كان جزءا من حياتهم وبيئتهم.
فقال أبو نواس:
مالي بدار خلت من أهلها شغل … ولا شجاني لها أهل ولا طلل
يريد أنه لم يتعلق قلبه بأطلال ليذكرها في شعره، ومعنى هذا أن الجاهليين إنما ذكروا الأطلال لصلتها بذكرى الأحبّة.
وقال بشار بن برد - وفيها دليل على إيمانه بالبعث -:
كيف يبكي لمحبس في طلول … من سيبكي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا … عن وقوف برشم دار محيل
... وهو بهذا يعيب الشعراء المسلمين الذين يقفون على الأطلال.
* ومما يدلّ على أن ذكر الجاهليين الأطلال كان حقيقيا يتصل بذكريات واقعة، أنّ أسماء النساء المذكورات في الشعر إنما هي لنساء لهنّ وجود حقيقيّ: فعنترة يقول:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي … وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
وعبلة حقيقة واقعة في حياة عنترة.
و «خولة» صاحبة طرفة بن العبد التي ذكرها بقوله: «لخولة أطلال ببرقة ثهمد ...» قال الشّرّاح: خولة امرأة من بني كلب. وقالوا: إن «أم أوفى» في شعر زهير هي زوجه، و «هريرة» صاحبة الأعشى قينة كانت لرجل من آل عمرو.
* والبكاء على الأطلال أقدم من الشعر الذي وصلنا، وليس امرؤ القيس أول من وقف واستوقف، وبكى واستبكى على الأطلال كما يزعمون؛ لأن امرء القيس يقول:
عوجا على الطلل المحيل لعلّنا … نبكي الديار كما بكى ابن خذام
(1/36)

قال الآمدي في «المؤتلف»: «ابن خذام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره، هو أحد من بكى الديار قبل امرئ القيس، ودرس شعره». ويغلب على الظنّ أن بكاء ابن خذام لم يكن مقدمة لقصيدة مدح؛ لأنّ الأصل في الشعر أن يكون تعبيرا عن الذات، ومن هنا وصف الشعر العربي بأنه شعر غنائي؛ لأنه يغني المشاعر الذاتية في الحبّ والوفاء والذكريات، ولهذا فإن أقدم بكاء الجاهليين على الأطلال كان بكاء حقيقيا، ولم يكن مقدمة مصطنعة كما فعل الشعراء فيما بعد.
فحياة الجاهليين من أهل البوادي، كانت رحلة دائمة، ومع هذا الرحيل فإنهم لا ينسون ذكرياتهم في المكان
المرتحل عنه، وإذا جمعتهم الأيام بالمكان في طريق سفرهم شدّهم إلى الوقوف فيه وتذكّر ما كان في الأيام الخالية: من ذكريات الشباب واللهو والأهل. وليس هذا الصنيع مقصورا على الشعراء. لأنّ تذكّر الماضي والبكاء عليه، والحنين إليه فطرة في قلب كلّ إنسان، مع تفاوت الناس في التعبير. وما زال الناس حتى يومنا يقفون عند المكان الذي حلّوا فيه مدة طالت أو قصرت ويتذكرون ما كان ويتحسرون على ما فات. وإذا لم يستطع أحدنا أن يقف على مرابع الماضي، استدعاها في خياله ووقف عليها وناجاها. وقد تحوّل الوقوف على الأطلال في العصر الإسلامي، إلى وقوف على أطلال الآباء والأجداد، فالشاعر الإسلامي الحضري الذي يقف على الأطلال، يدفعه إلى ذلك حنين إلى مرابع أجداده. وكان كثير من الأندلسيين يذكرون الأطلال والصحراء ومعالم الجزيرة العربية في شعرهم، وهم يسكنون جنة الدنيا، ولم يكن ذلك إلا حنينا إلى مرابع الجذور، وفي الإسلام طرأ نوع جديد من الوقوف على الأطلال، وهو الوقوف على أطلال المسلمين في أيام مجدهم، أو الوقوف على آثار أهل القدوة من المسلمين. فقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب يتتبع الآثار النبوية في سفره بين مكة والمدينة فيصلي في كلّ مكان صلّى فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم، حتى أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس، وعن نافع - مولى ابن عمر - أن عبد الله بن عمر كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعلّ خفّا يقع على خفّ - يعني خفّ راحلة النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وينقل نافع وصفا لحال ابن عمر وهو يتبع آثار النبي صلّى الله عليه وسلّم فيقول: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع أثر النبي لقلت: هذا مجنون.
(1/37)

وكثر فيما بعد شعر الحنين إلى الحجاز من الشعراء الذين فارقوا الحجاز وهم من أهله أو من الشعراء الذين يحنون إلى آثار المسلمين الأولين، فقال أحدهم:
كفى حزنا أني ببغداد نازل … وقلبي بأكناف الحجاز رهين
إذا عنّ ذكر للحجاز استفزّني … إلى من بأكناف الحجاز حنين
فو الله ما فارقتهم قاليا لهم … ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
ووقف شعراء العرب في العصر الحديث على آثار العرب في الأندلس، فوصفوها، وبكوا على ما كان من المجد .. وهذا كله نوع من الوقوف على الأطلال، وفيه دليل على تعلّق العربي بآثار من يحبّ، أو بآثار الأقدمين، للبكاء عليها، والحنين إليها حينا، ولأخذ العبرة منها حينا آخر. ويروى أن أحد المتقدمين وقف على معاهد فقال: أين من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ ثم قال: إن لم تتكلم حوارا تكلمت اعتبارا.
وقد أطلت في هذه التعليقة، لأقول: إن ابن قتيبة، أو من نقل عنه ابن قتيبة قد فسّر المقدمة الطللية تفسيرا عقليا بعيدا عن العواطف الإنسانية.
وإن النقّاد - من أهل العصر الحديث - الذين نظروا إلى المقدمة الطللية على أنها مبتوتة عن موضوع القصيدة، قدّموا تفسيرا للشعر وهم قابعون في بيوتهم، ولم يذوقوا طعم الترحال الذي ذاقه الأقدمون، ولم يغتربوا عن أوطانهم، ولم يفارقوا أهلهم وأحبابهم. ولو عاشوا حياة الأقدمين تجربة وبيئة، أو خيالا، لتغيرت مفهوماتهم، ولقالوا قولا غير الذي قالوه.
الملاحظة الثانية: حول تفسير ابن قتيبة لمنهج القصيدة: إنّ تعليل ذكر النسيب في القصيدة لإمالة القلوب نحوه، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل ... يمكن ردّه أيضا؛ لأنه جعل نسيب الشاعر مصطنعا لهدف نفعي، وردّ هذا التعليل مبني على ردّنا تفسير المقدمة الطللية، فهو يجعل وظيفة الشعر تهييج مشاعر السامعين وتلبية رغباتهم في المرأة، وكأنه قصة إثارة مصطنعة. والحقّ أن الشاعر يعبر عن عواطفه الخاصة وذكرياته في ميدان الحبّ والاتصال بالمرأة، ودليلنا على ذلك أن النساء اللواتي ذكرن في النسيب، هنّ زوجات، أو فتيات تيّمن
(1/38)

الشعراء، وليس من المعهود في أخلاق العرب أن يعرضوا مفاتن الحليلات على الناس.
الملاحظة الثالثة: جعل شكوى الشاعر من حرّ الهجير، ووصف الراحلة، ووصف ما عانت من تعب الارتحال وسيلة ليوجب على الممدوح حقّ الرجاء والطلب. ولنا هنا تعليقتان: الأولى: كون وصف الراحلة والطريق من خصائص قصيدة المدح فقط لا يصح؛ لأن الوقوف على الأطلال، والنسيب، ووصف الراحلة يوجد في قصائد الفخر أيضا. فقصيدة لبيد في الفخر، تبدأ بالأطلال، وقصيدة الحارث بن حلّزة تبدأ بالأطلال، وهي في الفخر، وقصيدة طرفة بن العبد، يعدّد فيها مفاخره وبدأت بالأطلال ... والأمثلة لذلك لا تحصى.
وليست كلّ قصيدة مدح تتبع الخطوات التي ذكرها. فقصيدة زهير المعلقة في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف: بدأت بالأطلال، ووصف الظعائن، ولم يصف الطريق والراحلة. وقصيدة حسان بن ثابت اللاميّة في مدح الغساسنة، بدأت بالأطلال، وثنّت بالمدح. وقصيدة علقمة بن عبدة في مدح الحارث بن جبلة الغساني مطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشباب عصر حان مشيب
وهو مطلع في النسيب، ولم يذكر الأطلال.
التعليقة الثانية: حول تفسير سلوك الشاعر هذا المنهج في قصيدة المدح: فإن خطوات قصيدة المدح هي التي
أوهمت بتفكك القصيدة العربية. فالقارئ العجل يقول: وما علاقة الأطلال والغزل ووصف الناقة بموضوع المدح؟ إنّ الشاعر أدخل في القصيدة ما ليس منها. وما نقله ابن قتيبة في تفسير هذا المزج بين المدح وغيره ألقى بعض الضوء على سرّ ذلك، ولكنه لا يقنع بوحدة القصيدة. والتفسير عندي:
أ - إن كلّ ما قاله الشاعر قبل الوصول إلى موضوع المدح، يفرضه مقتضى حال قصيدة المدح، وتفرضه السّنّة المتبعة في حال خطاب الطلب. فإنه يغلب على أحوال المادحين، أن يطلبوا من الممدوح عطاء، أو يلمحوا إلى حاجتهم من قصد مجلسه. وليس من حسن الخطاب أن يطلب الإنسان حاجته دون تمهيد. قال
(1/39)

عمر بن الخطاب: «من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته، فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم». وإذا كانت أبيات المديح هي الطلب المباشر، أو تضمنت الطلب، فإن ما يسبق المديح تمهيد للطلب. وقد اصطلح الناس وتعارفوا على أن هذا الأسلوب في التمهيد هو الأسلوب المرغوب فيه، فاتبعوه.
ب - إن وصف الراحلة والطريق ليس مصطنعا ولا متخيلا؛ لأنه يغلب على الشعراء المادحين أن يأتوا إلى الممدوحين من مكان بعيد. ووصف طريق الرحلة والراحلة يحقق الشاعر منه هدفا فنيّا نفعيّا: أما الهدف الفني، فهو تهييج القريحة الشعرية لتصل إلى ذروة عطائها في أبيات المدح، فيكون بمنزلة «التسخين» الذي يقوم به الرياضي قبل المباراة. ومن الهدف الفني إمتاع الممدوح بعرض صور فنيّة مما يوجد في الصحراء العربية، قد يكون متشوقا لرؤيتها، حيث يتضمن الوصف صورا للحيوانات الصحراوية، وطبائعها، وأحوالها مع الصائدين. وربما كان هناك سؤال يجب على الشاعر أن يجيب عنه وهو: كيف وصلت إلينا وكيف كانت الطريق، وماذا رأيت في طريق الرحلة؟
وأما الهدف النفعي: فهو استدرار عطاء الممدوح، لما لقيه في الطريق من أهوال قطعها إليه، وكلما اشتدّ عناء الشاعر، زاد الأمل في العطاء؛ لأن قطع المسافات الطويلة إلى الممدوح يرفع مقامه، ويجعله متفرّدا في صفات الكرم، وكأنه يقول للممدوح: ذكرك في الكرم والجود وصل إلى الأماكن القاصية، وليس في الربوع من يجود غيرك.
ج - رأينا فيما سبق الصلة الوثيقة بين وصف الطريق والراحلة، وبين موضوع المدح ... وليس من الصعب أن تربط بين المقدمة الطللية الغزلية وبين باقي القصيدة. ربما نقول: إنّ المقدمة الطللية نوع من الإثارة الشاعرية، وليس هناك أقدر على الإثارة من التعبير عن المشاعر الذاتية.
وربما تقول: إن الشاعر عند ما تحدث عن ذكرياته الذاتيّة اللصيقة بموطنه، ومرابع القبيلة، أراد أن يقول للممدوح:
إنني خلّفت موطن الذكريات العزيزة إلى
(1/40)

قلبي وقصدتك طالبا جودك، وربما أراد أن يقول: ليس في حياتي ما أقدّمه على ملاقاتك، ولو كانت ألصق الذكريات بي، وأحبّها إليّ. وللدلالة على صلة الأطلال والنسيب بموضوع المدح، يربط الشعراء بين هذه المقدمة وما بعدها برباط فنيّ، يسمونه «حسن التخلّص»، وانظر مثال الربط القوي وحسن التخلص بين الأقسام، المفضلية رقم «25» للحارث بن حلزة اليشكري في مدح الملك قيس بن شراحيل.
والمفضلية رقم «119» لعلقمة بن عبدة، في مدح الحارث بن جبلة.
والخلاصة: أن كلام ابن قتيبة في المقدمة، كان يصح لو قال: «إن مقصّد قصيد «المدح» إذا بدأ بوصف الديار ... الخ».
وقلت: قصيد المدح؛ لأننا وجدنا أن المنهج الذي وصفه لا يعمّ القصيد كلّه. وقلت: «إذا» لأن قصائد المدح لا تتبع كلّها الخطوات التي وصفها: فقصيدة المدح قد تبدأ بالوقوف على الديار، وقد تبدأ بالغزل بدون الوقوف على الأطلال.
وقد يصف الشاعر الراحلة والطريق، وقد يكون المدح بعد الوقوف على الأطلال ..
فالذي قاله ابن قتيبة خاص بقصائد. ورأينا خيوطا فنيّة ومعنوية تربط بين أجزاء قصيدة المدح، بل قل: بين خطوات قصيدة المدح. فهي قصة المادح منذ كان في دياره، إلى أن يرتحل ويصل إلى الممدوح، فيقول له ما قاله، وينال عطاءه. ولم يقل أحد إن القصة ذات لون واحد، فهي تصف الزمان والمكان والحدث، ومع ذلك نعدّها وحدة متكاملة. وإذا وجدت قصيدة لا تربطها الروابط، فليس ذلك من عيب فيها، وإنما جاء العيب من الرواية، فإذا أردت أن تحكم على الشعر، فعليك بالقصائد الصحيحة الرواية التي لم تخلّ الروايات بشيء من عدد أبياتها، أو ترتيبها كما سيأتي بيانه، فقد كان العرب أهل ذوق فنيّ، ولم يكونوا يخلطون بين الألوان المتنافرة. هذا، وإذا عاندت ولم تقنع بما قدمت من تفسير خطوات قصيدة المدح، فإنني أقول: إنّ قصائد المدح في الشعر الجاهلي لا تساوي 1/ 30 من بقية الشعر، فما كثر المدح إلا في زمن خلفاء بني أمية ومن بعدهم، وسوف نرى تعاضدا أشد لا ينكر بين أجزاء القصيدة في الفنون الأخرى، فيما يأتي من الكلام إن شاء الله.
* وأما جهة الوهم الثانية: فهي كثرة الأبيات السائرة التي تدلّ على معنى منفرد:
(1/41)

أقول: إن كلّ بيت من الأبيات السائرة يؤدي معنى منفردا، ولكنك إذا حذفته، أو غيرت ترتيبه اختل التسلسل
المعنوي، واقرأ قول الحطيئة في سياق هجاء الزبرقان، ورفع مقام «بغيض»:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه … لا يذهب العرف بين الله والناس
وقول أبي ذؤيب في سياق رثاء أولاده:
والنفس راغبة إذا رغبتها … وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقول لبيد في سياق رثاء أخيه أربد:
وما المال والأهلون إلّا ودائع … ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
فمع أن هذه الأبيات من سوائر الأمثال، إلا أن سياق القصيدة لا يستغني عنها.
بل إن البيت يكتسب معنى زائدا، إذا قرئ في سياقه، وهذا يدل على أن البيت مربوط بالقصيدة، ودلالته على معنى منفرد، مع ارتباطه ميزة فنية تحسب في محاسن القصيدة.
* وأما أبيات الشواهد النحوية: فإنها تنشد في كتب النحو لتكون حجة للقواعد النحوية، فإذا أنشدتها في باب الأدب نقص معناها، أو اختلّ. ولعلّ سائلا يقول:
وهل ينفصم الأدب عن النحو، أو ينفصل النحو عن الأدب؟ الجواب: إن الشعراء يعدّون النحو موجّها لأساليبهم؛ لأنهم يقولون للإفهام والتأثير. والقارئون والسامعون موجّهون بما عهدوا من قواعد النحو، ولكن مع ذلك، ليست القواعد النحوية هي المتفرّدة بإحداث التأثير الأدبي، بل هناك عوامل أخرى تدخل في باب البلاغة وعلم المعاني.
وأما النحويون: فإنهم لا يعيرون الناحية الأدبية كثيرا من الرعاية عند ما يستشهدون بأبيات الشعر، وذلك راجع إلى طبيعة صنعتهم، وما يرغبون فيه لبناء القواعد عليه. وقد سجّلت على حاشية الشواهد النحوية الملاحظات التالية:
(1/42)

1 - إن مؤلفي كتب النحو يركزون عنايتهم على الكلمة المفردة، أو الجملة، أو الحرف من البيت، ولم يكن يعنيهم أن يقرؤوا البيت في سياق القصيدة - في الغالب - إلا إذا كانت الكلمة محل الشاهد في قافية البيت، أو كان محلّ الشاهد في بيتين:
مثال الأول: الاستشهاد لنصب المضارع بعد «أو» ببيت امرئ القيس:
فقلت له: لا تبك عينك إنّما … نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
- فقالوا: إنّ «نموت» منصوب؛ لأن «فنعذرا» معطوف عليه بالنصب، والقوافي في القصيدة منصوبة.
ومثال الثاني: قول عمر بن أبي ربيعة، أو العرجيّ:
ليت هذا الليل شهر … لا نرى فيه عريبا
ليس إيّاي وإيّا … ك ولا نخشى رقيبا
[عريبا - بالعين المهملة، بمعنى «أحد»]. فجاؤوا بالبيت الأول مع البيت الثاني لأن اسم «ليس» ضمير مستتر يعود على «عريبا» أو لأنّ ليس بمعنى «إلا».
2 - قال أوس بن حجر:
فأمهله حتى إذا أن كأنّه … معاطي يد في لجّة الماء غامر
استشهد بهذا البيت ابن هشام في «المغني» والشيخ خالد في شرح التصريح لزيادة «أن» بعد «إذا»، فنظروا إلى قوله: «إذا أن كأنّه» ولم يتدبروا بقية البيت، ولم يقرؤوا البيت في القصيدة، ولذلك وقعوا في الأوهام التالية:
أ - جاء البيت بقافية الراء «غامر» والحق أن القافية فائية وهي كلمة «غارف» لأن البيت من قصيدة فائية مطلعها:
تنكّر بعدي من أميمة صائف … فبرك فأعلى تولب فالمخالف
(1/43)

مع العلم أن ابن هشام متوفى سنة 761 ه، والشيخ خالد متوفى سنة 905 ه وبين الاثنين حوالي القرن ونصف القرن.
ب - روي البيت في كتب النحو «في لجة الماء» والصحيح «من جمّة الماء» وقد أثّر هذا التحريف في فهم صانعي الحواشي على كتب النحو، كما سيأتي في الملاحظات.
ج - صنع الشيخ ياسين، المتوفى سنة 1061 ه، حاشية على كتاب «شرح التصريح» فشرح البيت كما نقله الشيخ خالد، وأغرب في شرحه لأنه لم يرجع إلى قصيدة البيت. فقال: لجّة الماء: معظمه. والغامر، بالمعجمة: المغطّي وهي مبني للفاعل (اسم فاعل) وأسند إلى المفعول، كراضية في قوله تعالى: عِيشَةٍ راضِيَةٍ* أي: مرضيّة. ونقل عن الدماميني (محمد بن أبي بكر) المتوفى سنة 827 ه من شرحه على «المغني» أنّ المعنى «أنّه ترك هذا الرجل وتمهّل في إنقاذه، كما كان فيه، إلى أن وصل إلى حالة أشبه فيها من هو مغمور في اللجة، يخرج يده ليتناولها من ينقذه، وهذه حالة الغريق» أه. وهذا الفهم بعيد كلّ البعد عن معنى البيت في سياق القصيدة.
د - والحقّ: أن البيت جاء في سياق أبيات يصف الشاعر فيها ناقته، ويشبهها بحمار وحشيّ، ثم يصف الحمار الوحشي، ثم يقول: إن الحمار الوحشي كان في عطش شديد، فورد عين ماء فصادف عليها صيّادا.
فقوله: فأمهله: فاعل أمهل ضمير الصيّاد، والهاء: ضمير الحمار الوحشي. و «حتى»: غاية لما قبلها. والمعاطي: المتناول. وقوله: معاطي يد، أي: معاطي في يد. وجمّة الماء - بفتح الجيم - مجتمعه. ومن جمة: متعلق بغارف، و «إذا» في البيت ظرفية مجرّدة عن معنى الشرط، وفعلها محذوف يفهم من المقام، تقديره: حتى إذا صار الحمار من الماء في القرب مثل الرّجل الذي يتناول بيده غرفا. وفي الأبيات التالية يقول: إن الصيّاد هيّأ سهما، فأرسله ليصيب من الحمار مقتلا، فأخطأ السهم المقتل. [شرح أبيات مغني اللبيب للبغدادي ج 1/ 164].
(1/44)

ه - إنّ قصة هذا البيت، تدلّ دلالة قاطعة على وحدة القصيدة العربية، وأنك لا تستطيع تقديم بيت على بيت، وأن كثيرا من القصائد إذا حذفت منها بيتا اختل التسلسل المعنوي، وقد رأيت أن النحويين ضلّوا طريق فهم البيت عند ما قرؤوه مفردا. ورحم الله عبد القادر البغدادي، فإنه أول من نقد وقوّم أبيات الشواهد النحوية في كتابه «خزانة الأدب» و «شرح أبيات مغني اللبيب»؛ لأنه كان عالما بالأدب، وينظر في البيت بذوق الأديب الناقد. ولذلك نجده ينسب البيت إلى صاحبه، ويرجع إلى قصيدة البيت في ديوان الشاعر، ويرى أن البيت لا يفهم وحده، فيقول: «ولا بدّ من شرح أبيات حتى يتضح المعنى» فذكر وشرح ما قبل البيت وما بعده، فكان مجموع الأبيات ثلاثة وعشرين بيتا، يظهر البيت حلقة منها، لا يفهم إلا بها، وتدرك بعد فهم الأبيات قوة ترابطها.
3 - ومن أثر عناية النحويين بالكلمة المفردة، أو الجملة من البيت المفرد، أنهم قد يركّبون بيتا من بيتين لشاعرين. فقد أنشد ابن هشام في «المغني» هذا البيت، شاهدا للفصل بين «قد» والفعل بجملة القسم:
أخالد قد والله أوطئت عشوة … وما قائل المعروف فينا يعنّف
- والبيت مركب من شعري شاعرين: فالشطر الأول، لأخي يزيد بن بلان البجلي، من ثلاثة أبيات يخاطب بها خالد بن عبد الله القسري، وهي بقافية القاف، والبيت هكذا:
أخالد قد والله أوطئت عشوة … وما العاشق المسكين فينا بسارق
والشطر الثاني من قصيدة للفرزدق مطلعها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف … وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
وصدر البيت الذي أخذ شطره الثاني:
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا … وما قائل ...
(1/45)

4 - ومن الأدلة على أن النحويين يقنعون بالنظر في البيت المفرد، دون البحث عن القصيدة التي ينتمي إليها البيت: أنهم قد يروون القافية المرفوعة منصوبة والقافية المجرورة منصوبة، ويجعلون الشاهد في كلمة القافية المحرّفة. فقد أنشد سيبويه، البيت التالي شاهدا لنصب المضارع بعد «أو»:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
وتوارد النحاة بعد سيبويه على روايته على الصورة التي رواها.
والبيت للشاعر زياد الأعجم، من أبيات هجا بها المغيرة بن حبناء التميمي، وهي ثمانية أبيات، خمسة منها قافيتها مرفوعة، ومنها البيت الشاهد، وهو هكذا:
«كسرت كعوبها أو تستقيم». وثلاثة أبيات قافيتها مجرورة، للإقواء. وهذه الأبيات نقلها صاحب الأغاني في ترجمة المغيرة، ونقلها عنه البغدادي في «شرح أبيات مغني اللبيب». وقال ابن منظور في «اللسان»: قال ابن بري: هكذا ذكر سيبويه هذا البيت، بنصب «تستقيم» بأو. قال: وهو في شعره «تستقيم» بالرفع، والأبيات ثلاثة لا غير. وأنشد بيتين مجروري القافية، ومعهما البيت الشاهد مرفوع القافية، للإقواء. وقال أهل العلم بالشعر: ولا يجوز أن ينشد بعض الأبيات منصوبا، وبعضها مرفوعا أو مجرورا، على طريق الإقواء؛ لأن الإقواء في الغالب إنما يكون بين المرفوع والمجرور، لما بينهما من المناسبة.
وأنشد سيبويه:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
- بنصب «الحديدا» على أنه معطوف على محلّ الجار والمجرور، وهو قوله: «بالجبال» وهو خبر ليس والباء زائدة. والشاهد أول بيت في قصيدة للشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، والأبيات التالية كلّها مخفوضة، حيث يقول بعده:
فهبنا أمة ذهبت ضياعا … يزيد يسوسها وأبو يزيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا … وليس لنا ولا لك من خلود
(1/46)

وقد ردّ ابن قتيبة رواية سيبويه وقال: وقد غلط على الشاعر؛ لأنّ هذا الشعر كلّه مخفوض. [الشعر والشعراء/ 43]. وقال الحسن العسكري في كتاب «التصحيف/ 207»: ومما غلط فيه النحويون من الشعر، ورووه موافقا لما أرادوه، ما روي عن سيبويه (وذكر البيت).
قلت: ولكن النحويين فيهم عصبية وعناد، وما رأيت فئة تتعصب لرئيسها تعصّب البصريين لسيبويه، فإنّهم نزّهوا سيبويه وكتابه عن كل نقيصة أو عيب أو سهو، ولم يعترفوا بقول القائل: «كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه» ولذلك فإنهم قد التمسوا له الأعذار لتكون روايته حجة: فقالوا: إنه سمع من العرب الذين يستشهد بقولهم من ينشد هذين البيتين بالنصب، فكان إنشاده حجة. وهذا الاعتذار ليس مقبولا، وبخاصة في هذين البيتين؛ لأنّ الشاهد يكمن في القافية، وكان الواجب أن يسأل الراوي عن أخ للبيت على الأقل ليعرف حركة القوافي. واعتذروا عن البيت الثاني - بيت عقيبة بن هبيرة - بأن للبيت أخا منصوب القافية، وأن البيتين للشاعر عبد الله بن الزّبير - بفتح الزاي - الأسدي. وقالوا: وليس ينكر أن يكون بيت من قصيدتين معا؛ لأن الشعراء قد يستعير بعضهم من كلام بعض.
وهذا الاعتذار غير مقبول أيضا. لأن وجود بيت واحد برمّته في قصيدتين يغلب أن يكون من خلط الرواة، ثم إنّ عدم اطّلاع النحويّ على القافية الأخرى المجرورة عند الشاعر الآخر، يجعل القاعدة النحوية المستنبطة غير مطردة، فالقواعد المطردة القياسيّة يجب أن تبنى على الاستقراء.
* أما الجهة الرابعة التي جاء منها التوهم بأن القصيدة العربية القديمة غير مترابطة فهي الرواية. فالشعر العربيّ الجاهليّ، والمخضرم، بقي زمنا - الله أعلم به - تتداوله الألسنة، وتتناشده العرب، وينتقل من قاصّ إلى آخر، إلى أن جاء زمن الرواية والتدوين في القرن الثاني الهجري، فرأينا الرواة يختلفون في رواية البيت على وجوه مختلفة، ورأينا القصيدة تطول عند بعضهم، وتقصر عند آخر، ويختلف ترتيب الأبيات في القصيدة باختلاف الراوي. ومع هذه الحال، فإننا لسنا على يقين أنّ كل قصيدة منسوبة إلى شاعر، هي كلّ ما قاله منها فلعلّ أبياتا قد فقدت منها،
(1/47)

فأخلّت بالتسلسل المعنوي، ولعلّ الرواة قدّموا وأخّروا بين أبيات القصيدة، فأخلّ ذلك بالسياق. فإنّ رواة الشعر، كغيرهم من رواة الأخبار، كان يعنيهم في المرحلة الأولى الجمع ثم تأتي مرحلة النّقد، وهذه من عمل الناقد الأدبي، كما أنّ المرحلة الثانية من قراءة الأخبار ونقدها من وظيفة نقّاد السّند والمتن، ليقولوا: هل صحّ هذا الخبر أم لم يصحّ. وقد وصلتنا أخبار المؤرخين مدونة دون نقد، فظنها مؤلفو التاريخ في العصر الحديث صحيحة فنقلوا منها وبنوا عليها الأحكام، فضلّوا وأضلّوا غيرهم. وكذلك وصلتنا الأشعار كما رواها الرواة، دون أن تهذبها نظرات الناقد الأدبي، فأخذها بعض نقدة الشعر في العصر الحديث، كما وصلت إليهم وبنوا عليها الأحكام النقدية، فكان ما كان من الأحكام التي تحتاج إلى نقد على نقد. وقد وقع نظر هؤلاء النقاد على نماذج قليلة مما وصفنا من الروايات، فعمّموا الأحكام على الشعر العربيّ كله، فكان حكمهم الجائر؛ لأنهم لم يصدروا حكمهم بعد استقراء النصوص
جميعها، وربما كان الذي أصدر هذه الأحكام واحدا، وتبعه الآخرون دون تحقيق، ولا يستبعد أن يكون المستشرقون هم أول من أصدر الأحكام النقديّة على الشعر العربي القديم، لأن أكثر الشّبهات والمطاعن التي أثيرت حول الشعر والتراث العربي بعامة، كان مصدرها الاستشراق. فالمستشرقون كانوا من السبّاقين إلى طباعة بعض دواوين ومجموعات الشعر العربي، وتقديم الدراسات عنها، وكانوا محلّ ثقة الرعيل الأول من مؤلفينا في العصر الحديث، وقد جلب بعضهم للتدريس في جامعة القاهرة في عهدها الأول. وللمستشرق (نلّينو 1872 - 1938 م) «تاريخ الآداب العربية» يرجع إليه كثير من المؤلفين العرب، وينهلون من مستنقعه الآسن. وكان قد ألقى محاضرات في جامعة القاهرة.
* والحقّ الذي لا مرية فيه، أنه إذا وجدت قصائد قليلة، يظهر التفكك بين أجزائها بسبب ما ذكرنا، فإنه توجد عشرات القصائد المطولة، يظهر الترابط الوثيق بين أجزائها، وإليك بعض التفصيل:
1 - قلت إن من أسباب التفكك البادي على بعض القصائد القديمة الرواية، حيث كانت عناية بعض الرواة تتّجه إلى الجمع دون التنسيق. وأمامي روايتان
(1/48)

للمعلقات إحداهما رواية الزوزني مع شرحها، ورواية التبريزي (القصائد العشر) مع شرحها. وقد قارنت بين معلقتين الأولى: لزهير، والثانية: للبيد، أما معلقة زهير فإنني وجدت اختلافا في الترتيب في أكثر من عشرة مواضع مع الاختلاف في عدد الأبيات. أما معلقة لبيد، فإن تسلسل الأبيات في الروايتين وعددها، يكاد يكون متفقا، ولم أجد اختلافا في الترتيب إلا في موضع واحد. ولذلك فإن طه حسين اتخذ من معلقة لبيد مثالا، للردّ على من يدّعون افتقار القصيدة الجاهلية إلى الوحدة المعنوية، وأثبت من خلال عرضه القصيدة أنه لا يمكن تقديم بيت على بيت فيها. (حديث الأربعاء 1/ 28 - 39).
2 - وليست قصيدة لبيد يتيمة، فهناك عشرات القصائد المطولات التي رواها المحققون من أهل الرواية. ولعلّ كثيرا من قصائد «المفضليات» التي نشرها وحققها الأستاذان: أحمد شاكر، وعبد السّلام هارون، يعدّ نماذج للقصيدة العربية.
فالمفضّل الضبي - راوي القصائد - كان موثقا في روايته، وكان من العلماء بالشعر. قال فيه محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء: «وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة، المفضّل بن محمد الضبي الكوفي». ولكنّ الرواة والنساخ بعد المفضل لم يتركوا لنا مختاراته كما اختارها ورواها، وإنما زادوا في عدد القصائد، كما زادوا في أبيات القصائد، فاختلطت بغيرها. فالمشهور أن المفضل اختار ثمانين قصيدة، ولكنها وصلت في
المطبوع إلى ثلاثين ومئة قصيدة.
ومما يطمئن النفس أن المحققين قالوا: إن مختارات المفضل، لم تخرج عن هذا المجموع، ولكن الذي يصعب على القارئ التمييز بين مختارات الضبي والدخيل عليها. ومع ذلك فإن في هذا المجموع عشرات القصائد المطولة التي يظهر التلاحم بين أجزائها؛ لأنها وصلت إلينا كما قالها شاعرها. وإذا لم تستطع أن تربط بين أجزاء هذه القصائد، فإنني أوصي بقراءة الأجواء التي كتبها المحققان في حاشية هذه القصائد: قصيدة تأبط شرا، وهي أولى المفضليات، وعدد أبياتها ستة وعشرون بيتا، وقصيدة الحصين بن الحمام المرّي ص 64، وعدد أبياتها اثنان وأربعون بيتا، وقصيدة المرّار بن منقذ ص 82، وعدد أبياتها خمسة وتسعون بيتا، وقصيدة الأسود بن يعفر ص 215، وعدد أبياتها ستة وثلاثون
(1/49)

بيتا، وقصيدة متمّم بن نويرة ص 215 وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتا، وقصيدة المثقّب العبدي ص 287، وعدد أبياتها خمسة وأربعون بيتا، وتعدّ هذه القصيدة - في بعض المصادر - مثالا لخلط الرواة بين القصائد المتشابهة في الوزن والقافية، حيث خلطها بعضهم بمقطوعة سحيم بن وثيل الرياحي «الأصمعية» التي مطلعها:
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قصيدة علقمة بن عبدة ص 391، وعدة أبياتها ثلاثة وأربعون بيتا، قالها يمدح الحارث بن جبلة الغساني، ومطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشباب عصر حان مشيب
تبدأ بالغزل، ثم يصف الراحلة، ثم يختمها بالمديح، ولكن الشاعر أجاد الربط بين الأجزاء، وتسلسلت معاني الأبيات، كلّ بيت يسلمك إلى ما بعده بحيث لو قدّم بيت على الآخر، لفسد المعنى.
وتليها المفضلية ص 397، للشاعر نفسه، ومطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
وعدة أبيات القصيدة سبعة وخمسون بيتا، وهي أيضا قصيدة متماسكة الأجزاء متلاحمة الأبيات، تنساب معانيها من البداية حتى النهاية في رونق جذب؛ لأنها مشاعر وخواطر ذاتيّة فاضت على لسان الشاعر، فقصّها علينا في تسلسل أخّاذ.
* وأقف عند رائعة أبي ذؤيب الهذلي (خويلد بن خالد) المخضرم. هلك بنوه الخمسة في عام واحد بالطاعون، وكانوا رجالا ولهم بأس وشدّة. وكانوا هاجروا إلى مصر، فبكاهم جميعا بهذه القصيدة الرائعة التي تعدّ الذروة
العليا من الشعر.
روى صاحب «الأغاني» أن المنصور لما مات ابنه الأكبر جعفر، طلب من ينشده هذه القصيدة من أهل بيته حتى يتسلّى بها، فلم يجد حاجبه في الحاضرين من بني هاشم من يحفظها ثم وجد له شيخا كبيرا مؤدّبا من غيرهم أنشده إيّاها، وأجازه،
(1/50)

وقال: «والله لمصيبتي بأهل بيتي أن لا يكون فيهم أحد يحفظ هذا لقلّة رغبتهم في الأدب، أعظم وأشدّ عليّ من مصيبتي بابني».
وقد جعل صدر القصيدة حديثا بينه وبين امرأة تسائله عن شحوبه وأرقه، فيجيبها عن سبب حزنه وألمه. ثم رسم لنا ثلاث لوحات فنيّة لثلاثة أنماط من مظاهر القوة والحذر، والحرص، ومع ذلك لا تجدي شيئا أمام الموت، فهو أقوى وأقدر.
ويبدأ كل لوحة بقوله: «والدهر لا يبقى على حدثانه» ... ويرسم لنا في اللوحة الأولى صورة الحمار الوحشي الذي بقي في معزل ثم ساقه القدر إلى عين ماء صادف عندها صيّادا، كان مصرعه على يديه. ويصف في اللوحة الثانية صورة ثور وحشي لم ينفعه حذره، ولم يمنعه من الوقوع في حبائل الصياد. وفي الصورة الثالثة يصف رجلا مدججا بالسلاح شجاعا جريئا، ولكنه يخرّ صريعا أمام قرنه. والشاعر يتخذ من هذه الأنماط الثلاثة عزاء لنفسه وتسلية لها وحضا على الصبر.
وبعد: فإنّ ما أشرت إليه من القصائد المطولة ذات الوحدة المعنوية، أو ذات الترابط النفسي والعاطفي، هي نماذج قليلة من كثير مثبت في الدواوين والمجموعات الشعرية وإنّ استقصاءها لا يكون إلا في بحث مطوّل. والذي أردته من هذه النماذج أن أنبّه نقاد الشعر ودارسيه، إلى أنّ نقد النص والحكم عليه يسبقه عمل أكثر خطرا من نقد النص وتذوقه، وهو تخريج أبيات القصيدة من جميع المصادر الأدبية، والموازنة بين الروايات، والتأكد من أن هذه الأبيات هي كلّ ما قاله الشاعر منها، أو أن الشاعر قد قال هذه القصيدة، أي: صحة نسبة القصيدة إلى صاحبها، وعصرها، وأنها لم ينقص أو يزد فيها، ولم يختلّ ترتيبها، فليس كلّ شعر في ديوان أو مجموعة شعرية يصحّ جعله مثالا للحكم على العصر المنسوب إليه، لأن القصائد القديمة لعبت بها أهواء الرواة وأذواقهم ومزقتها الاختيارات، وأساء إليها النّسّاخ، وشتت شملها أهل النحو والتفسير لاختيارهم البيت والبيتين من القصيدة، بحسب الحاجة إلى الشواهد، وربما وجدت عشرة الأبيات من القصيدة في كتاب التفسير أو كتاب النحو، موزعة في مواطن متفرقة. ولا تغترنّ
(1/51)

بوجود القصيدة في ديوان شعر، أو في مجموعة من المجموعات الشعرية. إلا إذا كان الديوان أو المجموعة مخرّجة وموثقة، ومحققة، على مثال التحقيق الذي سار على نهجه الأستاذان: أحمد محمد شاكر، وعبد السّلام هارون، في تحقيق مجموعات عيون الشعر، وكما ظهر أنموذجه في «المفضليات» و «الأصمعيات».
ومثل تحقيقات عبد القادر البغدادي - في خزانة الأدب - حيث حقق نسبة الأبيات والشواهد، والمقطوعات، وقدّم للنص نقدا توثيقيا لم يسبقه إليه أحد، ولم يستطع أن يزيد عليه أحد في العصر الحديث، لتوفّر المصادر في زمنه أكثر من توفرها في العصر الحديث؛ لأنه أدرك مصادر الشعر قبل تبدّدها وتفرقها في أنحاء الكرة الأرضية الجديدة. وإنه ليذكر مصادر كثيرة كانت موجودة في عصره (1030 - 1093 ه) ولم تصل إلينا.
3 - أشرت في التعليقة السابقة إلى نماذج من القصائد المطولة التي تجمعها وحدة عضوية معنوية، مما يدحض شبهة تفكك القصيدة العربية القديمة. وأشير هنا إلى عشرات النماذج من المقطوعات الشعرية المنتزعة من قصائد مطولة، أو المقطوعات التي كانت هي كل ما جادت به قريحة شاعر، وفي «حماسة» أبي تمام «882» مختارة، وأكثرها من خمسة أبيات فما فوقها، وقد تصل إلى العشرين بيتا، وقد جرى فيها أبو تمام على تبويب معاني الاختيار، وقسمها إلى أبواب هي: باب الحماسة، وباب المراثي، وباب الأدب، وباب النسيب، وباب الهجاء، وباب الأضياف، وباب المديح، وباب السير والنعاس، وباب الملح، وباب مذمّة النساء. وقد صبّ أبو تمام ذوقه الفني على ما وصل إليه من أشعار العرب، فاختار لكل باب من أبواب «الحماسة» ما ارتضاه ذوقه، وأجمع العلماء على تزكية أبي تمام في «الحماسة»، وعلى تزكية «الحماسة» ونصوصها. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل على هذا بيت «الحماسة»، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه؟.
وإن قراءة أبيات هذه المقطوعات ليبطل مزاعم القائلين بأن البيت وحدة القصيدة القديمة، وأن تقديم بيت على بيت لا يفسد المعنى. وأمامك مئات من المختارات، تتحدّى من يزعم أنه يستطيع تقديم بيت على أخيه ومجاوره دون أن
(1/52)

يختل المعنى ويضطرب، مع أنها من أبيات المعاني، بل المشبعة بالمعاني التي تساعد على جعلها من الأمثال السائرة.
4 - أما البيت وأخوه تلاحما، وتتابعا، فأمثلته لا حصر لها. وأخبرني كيف يمكن أن تقدّم وتؤخر بين هذه الأبيات التالية دون أن يفسد المعنى، وهي لتأبط شرا أو لامرئ القيس من معلقته - على خلاف بين الرواة -[انظر شرح
المعلقات للزوزني]:
وواد كجوف العير قفر قطعته … به الذئب يعوي كالخليع المعيّل
فقلت له لما عوى إنّ شأننا … قليل الغنى إن كنت لمّا تموّل
كلانا إذا ما نال شيئا أفاته … ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
وكيف يمكن تقديم البيت الثاني على الأول في قول امرئ القيس من معلقته:
وقد أغتدي والطير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا … كجلمود صخر حطّه السيل من عل
5 - ولعلّ أكبر شبهة ينفذ منها الطعن في وحدة القصيدة العضوية: هي أبيات الحكمة التي تتخلل بعض القصائد. وهذه الأبيات تبدو للنظرة العجلى أنها معزولة عن موضوع القصيدة، كما أنه يسهل التقديم والتأخير فيها. وإليك هذه النظرات، لعلها تبدد شيئا من ظلمة هذه الشبهة، وتنوّر الطريق أمام قارئ أبيات الحكمة ومتذوقها في سياق القصيدة العربية، أو قارئ الحكمة منفردة عن القصيدة، وبخاصة إذا كانت الحكمة موضوع قصيدة مستقلّة:
أ - يجب التأكّد من أن هذه الأبيات منسوبة إلى صاحبها، وأنها قد وضعت في مكانها من سياق القصيدة كما أراده الشاعر، وأنها متتابعة كما ساقها الشاعر. فقبل أن نعيب «القول» يجب أن نتأكد أن صاحبه قد قاله، أو قاله بالصورة التي وصلت إلينا. وقد ألمحنا فيما سبق أن الرواية لعبت بالشعر، بحسن نيّة، أو لهوى، أو لأسباب أخرى. وأنقل هنا موازنة بين روايتين لأبيات الحكمة في معلقة زهير بن
(1/53)

أبي سلمى: فالشاعر بدأ معلقته بالغزل، ثم مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان، لإصلاحهما بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء، وذمّ الحرب، وبغّضها إلى النفوس، وذمّ من لم يدخل في الصلح، ثم ختمت المعلقة بأبيات في الحكمة والنصح. وقد قارنت بين رواية الزوزني المتوفى سنة 486 ه في شرحه، ورواية التبريزي، المتوفى سنة 502 ه في شرحه أيضا، فوجدت اختلافا بيّنا في عدد أبيات الحكمة، وفي ترتيبها. فهي عند الزوزني سبعة عشر بيتا، وعند التبريزي ثلاثة عشر بيتا. وعند الزوزني خمسة أبيات لم ترد في رواية التبريزي، وعند التبريزي، بيت لم يرد في رواية الزوزني. وإليك تسلسلها عند الزوزني، مقابلا بتسلسلها عند التبريزي مع الإشارة إلى الأبيات التي لم ترد في كلتا الروايتين، وجعلت لها أرقاما مستقلة عن القصيدة.
تسلسل البيت عند الزوزني، ومطلع البيت التسلسل عند التبريزي 1. سئمت تكاليف الحياة ... العاشر
2. وأعلم ما في اليوم والأمس قبله الثالث عشر/ آخر القصيدة
3. رأيت المنايا خبط عشواء الحادي عشر
4. ومن لم يصانع في أمور الثامن
5. ومن يجعل المعروف من دون عرضه التاسع
6. ومن يك ذا فضل الرابع
7. ومن يوف لا يذمم الثاني
8. ومن هاب أسباب المنايا الثالث
9. ومن يجعل المعروف في غير أهله لا يوجد عند التبريزي
10. ومن يعص أطراف الزّجاج الأول
11. ومن لم يذد عن حوضه السابع
12. ومن يغترب يحسب السادس
13. ومهما تكن عند امرئ من خليقة الثاني عشر
(1/54)

14. وكائن ترى من صامت لا يوجد عند التبريزي
15. لسان الفتى نصف لا يوجد عند التبريزي
16. وإنّ سفاه الشيخ لا يوجد عند التبريزي
17. سألنا فأعطيتم لا يوجد عند التبريزي
ويتفرد التبريزي بالبيت:
ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه … ولا يعفها يوما من الذّلّ يندم
وقال في الشرح: قال المازني: قال لي أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو بن العلاء فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة، فلم أسمع هذا البيت إلا منك.
وقد يقول قائل: إن وجود هذا التباين في ترتيبها، مع ظهور المعنى وجلائه، يدلّ على أن البيت وحدة معنوية مستقلة، وهذا يؤكد انفراط عقد القصيدة.
قلت: ليس الأمر كذلك. نعم: قد يفهم البيت مستقلا، ولكنك لو وضعت البيت في المكان الذي وضعه الشاعر فيه، فإنك تجد له معنى زائدا، وتجد أنه مرتبط بجسم القصيدة، ومتناسق مع ما قبله ومع ما بعده. ولنقف عند نماذج
من هذه الأبيات.
فقد جعل الزوزني أول بيت في الحكمة، وبعد الانتهاء من الحديث عن الحرب، قوله «سئمت تكاليف الحياة ...» وهو عند التبريزي البيت العاشر. أما أول أبيات الحكمة عند التبريزي فهو قوله: «ومن يعص أطراف الزّجاج ...».
وقبل بيت الزوزني استطرد الشاعر في تقبيح الحرب، ومدح من دفعوا ديات قتلى لم يجترموا بقتلهم. وهذا المقام لا يناسبه بيت «سئمت تكاليف الحياة» وإنما تناسبه رواية التبريزي:
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه … يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
والزجاج: جمع زجّ، وهو أسفل الرمح. والعوالي: جمع عالية، وهي أعلى الرمح. واللهذم: الحادّ. ومعنى البيت: أن من لا يقبل الصلح، وهو الزج الذي لا يقاتل به، فإنه يطيع الحرب، وهو السنان الذي يقاتل به، وقيل: المعنى إنّ
(1/55)

العرب كانوا إذا لقوا قوما لقوهم بالأزجّة ليؤذنوهم أنهم لا يريدون حربهم، فإذا أبوا، قلبوا لهم الأسنّة، فقاتلوهم. قلت: وهذا المعنى يناسب ما قبله في القصيدة. وأما مكانه عند الزوزني، فإنه يجعله قلقا، لا صلة له بما قبله وبما بعده. ويناسبه في التسلسل أيضا ما جاء عند التبريزي في الدعوة إلى الوفاء بعقد الصلح:
ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه … إلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم
ويناسبه في السياق بعد رواية التبريزي:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسلّم
وربما كانت روايته الصحيحة:
ومن يبغ أطراف الرماح ينلنه … ولو رام أن يرقى السماء بسلّم
يريد: من تعرض للرماح نالته ..
قلت: ولعلّ بعض الأبيات التي تأخرت منظومة في قسم الحكمة، تكون متقدمة في قلب القصيدة، فقوله:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم
- قد يناسب مكانه بعد البيتين اللذين يدعو فيهما الأحلاف ألّا يضمروا الغدر في نفوسهم، حيث يقول:
فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم … ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدّخر … ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
ويناسب هذا المقام أيضا قوله:
وأعلم ما في الأمس واليوم قبله … ولكنني عن علم ما في غد عم
يريد أن يقول لهم: إذا كان أحد الفريقين أحرز نصرا فيما مضى، فإنه لا يعلم ما يخبّئ له القدر. وربما أتى في نسقه قوله:
(1/56)

رأيت المنايا خبط عشواء ... البيت.
ويناسب هذا المقام قوله:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة … يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ففيه دعوة إلى مصانعة الناس ومداراتهم، وهذا يناسب الدعوة إلى الصلح.
وقوله:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله .. البيت.
يناسب مقامه بعد مدح من دفعوا ديات القتلى.
ولعلّ بعض الأبيات، التي لا نجدها منسوقة مع المعاني العامة للقصيدة، تكون زيادة من الرواة والله أعلم.
ب - وهكذا وجدنا من الملاحظة السابقة أن أبيات الحكمة تكون منسوقة مع المعاني العامة للقصيدة؛ لأن الحكم نوع من النصح، والنصح يناسب مقتضى حال الكلام، فإن كانت القصيدة في الرثاء، جاءت الحكمة مناسبة لمقام التعزية والصبر، وإن كانت في قصيدة فخر فهي مناسبة لمعاني الفخر. فهذا طرفة بن العبد يقول:
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى … وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
ويفصّل الثلاث التي جعلها هدف الحياة ثم يقول:
فذرني أروّي هامتي في حياتها … مخافة شرب في الحياة مصرّد
ثم يشرح لنا فلسفته هذه في صورة الحكمة المناسبة للمقام فيقول:
أرى قبر نحّام بخيل بماله … كقبر غويّ في البطالة مفسد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدّد
أرى العيش كنزا ناقصا كلّ ليلة … وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى … لكالطّول المرخى وثنياه في اليد
(1/57)

وعاتب ابن عمّه مالكا في أمر كان بينهما ثم قال:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهنّد
وهو بيت مناسب للمقام، ومنسوق مع ما قبله.
... ثم يفخر الشاعر ببعض مناقبه، ويختم ذلك بقوله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له … بتاتا ولم تضرب له وقت موعد
... فهو يقول: إنك لم تعرف كلّ شيء عن مفاخري، وسوف تظهرها لك الأيام القادمة.
ج - على أنه إذا جاءت الحكمة في صورة أبيات يبدو عليها الاستقلال المعنوي، فذلك لموافقته طبيعة هذا الفنّ. فالغزل، والمدح، والفخر، والرثاء فنون تعتمد على الوصف، والوصف يقترب من القصة، والقصة تستجيب للترابط والتسلسل. أما فنّ الحكمة، فإنه يقوم على مجموعة من النصائح تتعدد بتعدد مناحي الحياة، وبخاصة إذا كانت الحكمة موضوع قصيدة مستقلّة كما في قصيدة يزيد بن الحكم الثقفي (- 105 ه) التي ينصح فيها ابنه، ويبدؤها بقوله:
يا بدر والأمثال يض … ربها لذي اللّبّ الحكيم
دم للخيل بودّه … ما خير ودّ لا يدوم
... وفيها أبيات تجري مجرى الأمثال كقوله:
والناس مبتنيان محمود … البناية أو ذميم
وقوله:
والبغي يصرع أهله … والظّلم مرتعه وخيم
وقوله:
(1/58)

كلّ امرئ ستئيم من … ه العرس أو منها يئيم
وقد يتلاحق البيتان والثلاثة في نسق فلا يؤخر المتقدم ولا يتقدم المتأخر، كقوله:
والمرء يبخل في الحقو … ق وللكلالة ما يسيم
ما بخل من هو للمنو … ن وريبها غرض رجيم
ويرى القرون أمامه … همدوا كما همد الهشيم
[والكلالة: الوارث ليس فيه الوالد والولد].
وقل ذلك في الحكمة التي تتخلل القصائد المطولة، فالحكمة لا تأتي دائما في بيت مفرد وإنما تكتمل في البيتين والثلاثة. قال معن بن أوس المزني (مخضرم) يعاتب صديقا:
وكنت إذا ما صاحب رام ظنّتي … وبدّل سوءا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجنّ فلم أدم … على ذاك إلا ريث ما أتحوّل
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … إليه بوجه آخر الدهر تقبل
فالبيت الأخير بمنزلة التذييل لما سبقه، وفيه الحكمة السائرة، ولكنه ذروة ما قبله. فهو يريد أن يقول: إنّي أمدّ نفس التصبّر ما أمكن، فإذا أعجزتني الحال العارضة عن الاحتمال، انصرفت مالكا عناني، ثم لا يثنيني على ما أعرضت عنه شيء أبد الدهر، أي: لم تكد نفسي تقبل إليه بوجه من الوجوه، وعلى لون من الألوان. وفي قصيدة معن بن أوس ما يتمثل به الناس على أنه خطاب عام وبيت منفرد، وهو قوله:
وفي الناس إن رثّت حبالك واصل … وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
ولكن الخطاب في قوله: «حبالك» للصديق المذكور في القصيدة، والبيت مربوط بما قبله، وهو:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني … يمينك فانظر أيّ كفّ تبدّل
(1/59)

د - ليست الحكمة قسما متميزا في القصيدة، ولا تستطيع أن تعدها بمنزلة المقدمة الغزلية في قصيدة المدح، بل هي من نسق القصيدة ومن سياقها المتّحد اللون والمذاق، فالحكمة في قصيدة الفخر مجموعة من التجارب التي جلبت لصاحبها المفاخر. فالشاعر علقمة بن عبدة في القصيدة التي مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
يفخر بحضوره مجلس الشراب، وينعت الخمر والإبريق، ويفخر بغلبته الأقران واشتراكه في الميسر، واختراقه المفاوز، وصبره على رديء الطعام والشراب، وبسيره في الهواجر ... وهذه المفاخر يجمعها الكرم والشجاعة .. وهو يقدّم لهذه المفاخر بأبيات في الحكمة، فيها دعوة إلى الشجاعة والكرم، ونبذ البخل والخوف. وحضور مجالس الشراب من مظاهر الكرم عند طائفة من الجاهليين. ومما قاله في أبيات الحكمة:
والحمد لا يشترى إلّا له ثمن … مما يضنّ به الأقوام معلوم
والجود نافية للمال مهلكة … والبخل باق لأهليه ومذموم
ومن تعرّض للغربان يزجرها … على سلامته لا بدّ مشؤوم
وكلّ حصن وإن طالت سلامته … على دعائمه لا بدّ مهدوم
وفي قصيدة الرثاء يمزج الشاعر نظرته إلى الحياة بالرثاء في صورة حكم. استمع إلى لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد حيث يقول:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع … وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وما الناس إلا كالديار وأهلها … بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه … يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع … ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
وما الناس إلا عاملان فعامل … يتبّر ما يبني وآخر رافع
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه … ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع
وفيما سبق من الملاحظات قدمنا أنموذجا للحكمة في قصيدة زهير، ورأينا أنها متصلة بموضوع القصيدة، وممتزجة مع معانيها.
(1/60)

ه - وأخيرا، فإنّ الحكمة ليست من عمود القصيدة العربية، فهناك مئات القصائد لم تتضمن الحكمة، وعلى فرض أن أبيات الحكمة يبدو عليها التشرذم والانفصال، كما يزعمون، فكيف يعممون الحكم على قصائد الشعر كلها سواء أكانت متضمنة الحكمة أم خلت منها؟!.
* الجهة الخامسة التي جاء منها الوهم: تعدّد الألوان والمشاهد في القصيدة. فقد قال بعضهم: إنّ الروابط قائمة بين أبيات تصف مشهدا من مشاهد القصيدة. فالغزل أبياته متسلسلة ومترابطة، ووصف الناقة تترابط وتتعانق أبياته.
ويزعمون أنّ الوحدة معدومة بين ألوان القصيدة ومشاهدها. وهذا - في رأيي - زعم باطل، وحكم قاصر، لأنه لم يبن على استقراء واستقصاء. وإليك تفصيل ما أجملت:
1 - ربما كان النموذج الذي اعتمدوا عليه في الحكم، هو قصيدة المدح، وجزء الحكمة من القصيدة، أما أبيات الحكمة: فقد بينا فيما سبق قربها ولصوقها بموضوع القصيدة، وانظر مثالها ما قلناه حول أبيات الحكمة في قصيدة زهير. وأما قصيدة المدح: فقد قدمنا فيما سبق رؤيتنا في ترابط أجزاء القصيدة المدحية وأن الوقوف على الأطلال، والغزل، ووصف الراحلة والطريق تبدو أنها ألوان متناسقة مع موضوع المدح، وأنها مجموعة من
الألوان في لوحة فنيّة لا ترى فيها تنافرا. وأزيد هنا على ما سبق: أن قصائد المديح - في الشعر الجاهلي، والمخضرم - لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا، فهذه مجموعة «المفضليات» تضمّ ثلاثين ومئة قصيدة ومقطوعة، أحصيت قصائد المديح فيها، فلم تبلغ عشر قصائد. وفي مجموعة «الأصمعيات» واحدة وسبعون قصيدة ومقطوعة، لم أجد فيها إلا قصيدتين للمدح. وفي ديوان حماسة أبي تمام «882» حماسيّة، في باب المديح نحو ثلاثين مقطوعة، فيها خليط من مدح الذات وهو فخر، ومدح الكرم، ومدح الأصدقاء، وقلة قليلة في مدح العظماء والقواد والأمراء، وجلها منسوبة لشعراء من العصر الأموي، وأظنّ أن كمية الاختيار تتناسب مع كمية ما يوجد من كل نوع في الدواوين. ثم إن هذا المزيج من الألوان في قصيدة المديح، يمكن أن يقال إنه يمثل ذوق العصر، وهم يرون في هذا
(1/61)

المزيج مطلبا فنيا يرضي أذواقهم، وعلى هذا فهم يرون في هذه الألوان تآلفا.
وليس من العدل أن نحكم على أذواق الناس في الأدب والطعام واللباس بالقياس إلى أذواق عصرنا. فإذا رأى بعض الناس في أذواق الماضين ما لا يرضيهم، فإن الماضين أيضا - لو بعثوا وتذوقوا أدبنا، ومطعمنا، وملبسنا، لرأوا فيها ما لا يرضيهم.
قلت: إن الماضين يرون في هذا المزيج مطلبا فنيا، لأنهم كانوا يطلبون التوزيع المتناسق بين الألوان، بحيث يأخذ كلّ لون حقّه من اللوحة. ويرمز إلى هذا المعنى ما نقله ابن قتيبة في «الشعر والشعراء» ص 21: أن بعض الرّجاز أتى نصر بن سيّار، والي خراسان لبني أميّة، فمدحه بقصيدة تشبيبها مئة بيت ومديحها عشرة أبيات. فقال نصر: والله ما بقّيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفا إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك، فإن أردت مديحي فأقصد في النسيب. فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدار لأمّ الغمر … دع ذا وحبّر مدحة في نصر
فقال نصر: لا ذلك ولا هذا، ولكن بين الأمرين.
2 - أما قصيدة الفخر، فلا ينكر وحدتها إلا معاند، ذلك أنّ كلّ معانيها تعدّ من باب المفاخر عند القوم. فالمقدمة التي زعموا أنها مفصولة عن جسم القصيدة، لا تخرج عن الوقوف على الأطلال والغزل، وهما شيء واحد، ووصف مجالس الخمر، ووصف الراحلة، والطريق إلى المفاخر. وقد أجملها طرفة بن العبد في قوله:
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى … وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة … كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّي - إذا نادى المضاف - مجنّبا … كسيد الغضا نبّهته المتورّد
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب … ببهكنة تحت الطّراف المعمّد
على أن قصائد الفخر لا تنهج منهجا واحدا، فبعضها يبدأ بالأطلال، وكثير منها يبدأ بأبيات في النسيب تكون مدخلا لتذكّر أيام الشباب، وما كان فيها من
(1/62)

المفاخر، وبعضها يبدأ بالخمر، ومع ذلك فإن جلّ ما وصلنا من قصائد الشعر القديم في موضوع الفخر. ففي «المفضليات» نحو ثمانين قصيدة في الفخر من أصل (130) مختارة. وفي «الأصمعيات» خمس وأربعون قصيدة في الفخر من أصل سبعين مختارة. وفي «ديوان الحماسة» (261) مختارة في الفخر وهو أوسع أبواب الحماسة. ويمكن أن نضمّ قصائد الهجاء إلى قصائد الفخر؛ لأن قصيدة الهجاء تحتوي مع الهجاء فخرا، فالشاعر يمدح أمجاد المهجوّ ولكنه مع ذلك يذكر أمجاد قومه من باب المقابلة، وهذا المذهب واضح في قصائد النقائض.
3 - أما قصائد الرثاء، فليس فيها الشبهة التي ترد على قصائد المدح والفخر، لأن قصيدة الرثاء تبدأ بالرثاء، أو ما يتصل بالرثاء من مظاهر الحزن، ليكون مدخلا إلى تعداد مآثر الميت، وإليك مطالع أشهر قصائد الرثاء في الشعر العربي القديم:
قال: أعشى باهلة (عامر بن الحارث) يرثي أخاه لأمه:
قد جاء من عل أبناء أنبّئها … إليّ لا عجب منها ولا سخر
فظلت مرتفقا للنجم أرقبه … حرّان مكتئبا لو ينفع الحذر
وقال كعب بن سعد الغنويّ يرثي أخاه:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا … كأنّك يحميك الشراب طبيب
فقلت ولم أعي الجواب ولم ألح … وللدهر في صمّ السّلام نصيب
[لم ألح: لم أحاذر. والسّلام، بكسر السين: الحجارة الصلبة].
تتابع أحداث تخرّمن إخوتي … وشيّبن رأسي والخطوب تشيب
وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:
لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزعا مما أصاب فأوجعا
وقال في مطلع قصيدة أخرى:
أرقت ونام الأخلياء وهاجني … مع الليل همّ في الفؤاد وجيع
(1/63)

وإذا كان هذا حال قصائد الرثاء في شعر الرجال، فإن الرثاء في شعر النساء سيكون كذلك أيضا، فالمرأة لا تقف على أطلال الحبيب، ولا تشبب بحبيبها، ولا ترتحل على ناقة .. فإن وقفت، فإنما تقف على القبر.
وأما مضمون قصيدة الرثاء، فهو إظهار الحزن على الميت، وذكر مآثره، والحكمة التي تقول إن الخلود لا يكون لحيّ، والاتّعاظ بما كان للأمم السابقة من ملوك وشجعان، وضرب الأمثلة لكون كل من على الأرض لا بدّ أن يموت ..
وهذا كله لا يخرج عن موضوع الرثاء، مما يحقق للقصيدة الوحدة العضوية والتلاحم بين الأبيات.
4 - ووصلتنا قصائد مطولة تتضمن نصائح ووصايا، وكلّها ذات وحدة فنية وموضوعية. منها قصيدة عبدة بن الطبيب التي نصح فيها بنيه، ومطلعها:
أبنيّ إني قد كبرت ورابني … بصري وفيّ لمصلح مستمتع
وعدة أبياتها ثلاثون بيتا، وهي من «المفضليات».
وقصيدة عبد قيس بن خفاف التي نصح بها ابنه جبيلا، ومطلعها:
أجبيل إنّ أباك كارب يومه … فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
وعدة أبياتها ثمانية عشر بيتا، وهي من أولها إلى غايتها سياسة رسمها الشاعر لابنه جبيل اقتبسها من خلق العربي ومن تجاربه هو وحنكته، فهي بذلك سجلّ للمثل الأخلاقي العالي عند العرب.
وقصيدة يزيد بن الحكم الثقفي التي نصح فيها ابنه بدرا حيث يقول في مطلعها:
يا بدر والأمثال يض … ربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بودّه … ما خير ودّ لا يدوم
وعدة أبيات القصيدة في «الحماسة» ثلاثة وعشرون بيتا، وربما كانت أطول من ذلك وما في «الحماسة» هو المختار منها.
وبعد: فتلك كانت معالم في طريق دراسة تحتاج إلى مجلد كبير لبسطها. ولعلّ
(1/64)

ما قدمته يكون داعيا النّقاد إلى قراءة الشعر العربي القديم قراءة جديدة، وطرح الأحكام النقدية السابقة، لاستنتاج أحكام جديدة مبنية على قراءة جديدة للشعر العربي، تستغرق أكثر ما وصلنا من المجموعات والدواوين.
وأوصي الدارسين والناقدين ألا يعتمدوا على أحكام سابقة، أو معاصرة؛ لأن النقد الأدبي يصدر عن الذوق الأدبي المثقف، والأذواق والرؤى تتعدّد، ومن مجموع الآراء الصادرة عن الرؤية الذاتيّة يكون لنا أحكام نقديّة صادقة. وبالله التوفيق.
(1/65)

باب الهمزة
1 - سيغنيني الذي أغناك عني … فلا فقر يدوم ولا غناء
ترويه كتب اللغة والنحو بدون نسبة، ومحل الاستشهاد «ولا غناء»، فإن أصل هذه الكلمة ولا «غنى» بكسر الغين مقصورا، ولكن الشاعر مدّه حين اضطر لإقامة الوزن.
وبه استشهد الكوفيون على صحة مدّ المقصور .. وقال قوم: إن «غناء» في البيت بكسر الغين ممدودا مصدر غانيته غناء مثل راميته رماء، إذا فاخرته في الغنى، بكسر الغين وبالقصر. وقال آخرون إنه بفتح الغين من قولهم هذا رجل لا غناء عنده، فيكون ممدودا أصالة .. والحق أن الشاعر أراد «الغنى» ضد الفقر، لأنه قابله به .. والتأويلات الأخرى انتصار للبصريين الذين يمنعون مد المقصور. [الأشموني ج 4/ 110، والإنصاف ص 747، والتصريح ج 2/ 293].

2 - بعشرتك الكرام تعدّ منهم … فلا ترين لغيرهم الوفاء
رويته أيضا في حرف الفاء، لأنه ورد بقافية «ألوفا» من ألف يألف .. وهنا القافية همزية من «وفى يفي». والمصدر وفاء .. وأزيد على ما ذكرته هناك: أنّ، البيت ينشدونه شاهدا على عمل اسم المصدر وهو هنا «عشرة» واسم المصدر، ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، وخالفه بخلّوه - لفظا وتقديرا دون عوض، من بعض ما في فعله ...
فمثل «قتال» مصدر لأن أصله قيتال، فألف «قاتل» قلبت ياء ثم حذفت .. فهي مقدرة ولفظ «عدة» من (وعد) خلا من الواو، لكن عوّض منها التاء فهو مصدر. أمّا «الوضوء» فهم اسم مصدر، لأنّ فعله «توضّأ» لخلوه لفظا وتقديرا من بعض حروف «توضأ» والكلام: اسم مصدر، لأن فعله «تكلّم» .. و (عشرة) في البيت الشاهد: من الفعل «عاشر» حذفت ألف الفعل دون عوض .. فهو اسم مصدر. ولكنه عمل عمل فعله بشروط
(1/67)

عمل المصدر .. وعمل اسم المصدر مذهب الكوفيين والبغداديين، ومنعه البصريون ..
والشواهد تؤيد الكوفيين. ومنه قول الشاعر:
قالوا: كلامك هندا وهي مصغيّة … يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
وقول عائشة رضي الله عنها: «من قبلة الرجل زوجته الوضوء». [الأشموني ج 2/ 288، وابن عقيل ج 2/ 187، والعيني ج 3/ 527].

3 - إنّ من يدخل الكنيسة يوما … يلق فيها جاذرا وظباء
.. البيت منسوب في كتب النحو للأخطل، وهو ليس له، لأن النصراني يحترم مكان عبادته فلن يتغزل بفتيات الكنيسة ..
والبيت في «المغني» شاهد على رفع المبتدأ بعد (إنّ) المكسورة الهمزة، ويكون اسمها ضمير شأن محذوفا .. وفي البيت: من: اسم شرط، مبتدأ، وله الصدراة فلا يعمل فيه ما قبله [الهمع ج 1/ 136 وشرح أبيات المغني ج 1/ 185 والخزانة ج 5/ 420].

4 - لمّا رأيت أبا يزيد مقاتلا … أدع القتال وأشهد الهيجاء
هذا من ألغاز ابن هشام ... يسأل قارئه عن جواب «لمّا» وسبب نصب «أدع»:
أ - أمّا لمّا: فهي مكونه من «لن+ ما» ثم أدغمت النون في الميم للتقارب، ووصلا خطا للإلغاز، وحقهما أن يكتبا منفصلين.
ب - أدع: مضارع منصوب ب: لن، في بداية البيت. و «ما المصدرية الظرفية» وصلتها، رأيت، ظرف فاصل بين «لن» والفعل، للضرورة.
ج - بقي أن يسأل القارئ: كيف يجتمع نفيه ترك القتال، وعطف أشهد على أدع وفيه نقض المعنى؟ والجواب: أنّ أشهد ليس معطوفا على «أدع» بل نصبه بأن مضمرة، وأن والفعل، عطف على القتال، أي: لن أدع القتال، وشهود الهيجاء على حدّ قول ميسون:
ولبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشفوف
[الأشموني ج 3/ 284 وشرح أبيات المغني ج 5/ 154، والخصائص ج 2/ 411].

5 - إنّ هند المليحة الحسناء … وأي من أظهرت لخلّ وفاء
(1/68)

هذا البيت من ألغاز ابن هشام، وجوابه: إنّ: مكونة من «إ» فعل أمر، والنون للتوكيد. والأصل: إينّ، بهمزة
مكسورة، وياء ساكنة للمخاطبة ونون مشددة للتوكيد، ثم حذفت الياء، لالتقائها ساكنة مع النون المدغّمة. وهند: منادى. والمليحة: نعت لها على اللفظ. والحسناء: بالنصب: نعت لها على الموضع. أو على تقدير: أمدح، أو نعت لمفعول به محذوف، أي: عدي، يا هند الخلّة الحسناء، وعلى الوجهين الأولين، فيكون إنما أمرها بإيقاع الوعد الوفيّ، من غير أن يعيّن لها الموعود، وقوله: وأي: مصدر منصوب بفعل الأمر. والأصل: وأيا مثل وأي من .. [عن المغني وشرح أبيات مغني اللبيب ج 1/ 57].

6 - غير أنّي قد أستعين على اله … مّ إذا خفّ بالثّويّ النّجاء
البيت من معلقة الحارث بن حلّزة اليشكري، ومطلعها:
آذنتنا ببينها أسماء … ربّ ثاو يملّ منه الثّواء
آذنتنا ببينها ثمّ ولّت … ليت شعري! متى يكون اللّقاء
.. وقوله: في بيت الشاهد: قد أستعين: متعلق الفعل من الجار والمجرور في بيت تال «بزفوف» أي: ناقة قويّة. وقوله: خفّ: أي: تحرك. والثويّ، مبالغة ثاو، اي:
مقيم. والنجاء: المضيّ. أي: إذا اضطرّ المقيم للسفر وأقلقه السير والمضيّ لعظم الخطب وشدة الخوف.
والشاهد: «غير» يجوز أن تكون مبنية على الفتح، لإضافتها إلى «أنّ» المشددة، ويجوز أن تكون منصوبة لكونها استثناء منقطعا. [خزانة/ 3/ 414 و 6/ 533].

7 - ملك أضلع البريّة لا يو … جد فيها لما لديه كفاء
من معلقة الحارث بن حلّزة. وقبل البيت الشاهد:
فملكنا بذلك الناس حتى … ملك المنذر بن ماء السماء
وهو الرّبّ والشهيد على يو … م الحيارين والبلاء بلاء
... قوله: فملكنا .. البيت .. فيه إقواء، لأنه مكسور القافية. وقوله: بذلك: يعني بالعزّ والامتناع وبالحروب التي كان الغلب لنا فيها ذللنا الناس حتى ملك المنذر بن ماء
(1/69)

السماء. وقوله: وهو الربّ .. الربّ: عنى به المنذر بن ماء السماء، والربّ هنا: السيّد.
والشهيد: الحاضر و «الحيارين» اسم بلد، يخبر أن المنذر كان شهد يوم الحيارين، وكان البلاء في ذلك اليوم بلاء عظيما. وقوله: في البيت الشاهد: ملك: خبر آخر لقوله «هو» في بيت سابق، فيكون مشاركا للربّ في الخبرية، فإن الأخبار يجوز أن يأتي بعضها بالعطف وبعضها بدونه، كما هنا.
وقوله: أضلع البرية: أي: أشدّ البرية إضلاعا لما يحمل، أي: هو أحمل الناس لما يحمل من أمر ونهي وعطاء.
وقوله: لا يوجد فيها: معناه، ليس في البرية أحد يكافئه ولا يستطيع أن يصنع مثل ما يصنع من الخير. والشاهد: على أن إضافة أفعل التفضيل لفظية لا تفيد تعريفا، بدليل أن «أضلع» وقع نعتا لملك، وهو نكرة فلو كانت تفيد التعريف لما صحّ وقوعه نعتا لنكرة.
وروي البيت «ملك أضرع البريّة» على أنه فعل ماض، أي: أذلّ البرية وقهرها، فما يوجد فيهم من يساويه في معاليه. وحينئذ لا شاهد في البيت. [الخزانة/ 4/ 361].

8 - قلت لشيبان ادن من لقائه … كما تغدّي الناس من شوائه
البيت من الرجز، لأبي النجم .. يقوله لشيبان ابنه، ويأمره باتباع ظليم من النعام وأن يدنو منه لعله يصيده فيطعم الناس منه بعد شيّه. والشاهد: كما تغدي .. وهو وقوع الفعل بعد «كما» التي هي كاف التشبيه الموصولة بما، وبذلك هيئت لوقوع الفعل بعدها كما فعل ب ربما وهي بمعنى «لعلّ» ولم ينصبوا بها الفعل، ومن النحويين من يجعلها بمنزلة «كي» ويجيز النصب بها وهو مذهب الكوفيين. [الخزانة/ 8/ 501، وسيبويه/ 1/ 460، والإنصاف/ 591].

9 - من لد شولا فإلى إتلائها.
بيت من الرجز، لم يعرف قائله، رواه سيبويه. وهو في نعت إبل. والشّول التي ارتفعت ألبانها وخفّت ضروعها. وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر واحدها شائلة. وقيل:
شولا، هنا، مصدر شالت الناقة بذنبها رفعته للضراب، فهي شائل. وحذف نون «لدن» لكثرة الاستعمال. والإتلاء: أن تصير الناقة متلية، أي: يتلوها ولدها بعد الوضع. قال السيرافي: يريد سيبويه: أنّ «لد» إنما تضاف إلى ما بعده من زمان متّصل به أو مكان إذا
(1/70)

اقترنت بها «إلى» كقولك: جلست من لد صلاة العصر إلى وقت المغرب، فلما كان الشّول، جمع الناقة الشائل، لم تصلح أن تكون زمانا، فأضمر ما يصلح أن يقدّر زمانا فكأنه قال: من لد أن كانت شولا، والكون مصدر، والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة كقولك: جئتك مقدم الحاج، وخلافة المقتدر، وصلاة العصر، على معنى أوقات هذه الأشياء [الخزانة/ 4/ 24 وسيبويه ج 1/ 134، والهمع ج 1/ 122 والأشموني ج 1/ 243 وشرح المفصل ج 4/ 101].

10 - إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن … لقاؤك إلّا من وراء وراء
ومعناه «لا خير في المودة التي بيننا! إذا كنت لا تجدني أهلا لأن تأمنني على سرّك وسائر شؤونك، وكنت لا تلقاني إلا لقاء من لا يقبل ولا يبشّ ..
وإذا: ظرفيه شرطية، أنا: نائب فاعل لفعل الشرط المحذوف، لأن الفعل المذكور المفسر لفعل الشرط، مبني للمجهول ... والجمهور على أنّ أدوات الشرط لا تدخل على الأسماء.
يكن: مضارع مجزوم، ويجوز أن يكون تاما، فاعله «لقاؤك» أو ناقصا و «لقاؤك» اسمه. إلا: أداة حصر ... والجار والمجرور: (من وراء) متعلقان بمحذوف خبر يكن، أو بمحذوف، حال من الفاعل.
والشاهد: وراء وراء: حيث وردت الكلمة بالضم مع سبقها بحرف الجر فدلّ ذلك على أنها مبنية على الضم، على تقدير حذف المضاف إليه ونيّة معناه لا لفظه ... وراء:
الثانية: توكيد لفظي للأولى. [الخزانة/ 6/ 504]. والبيت لعتيّ بن مالك العقيلي، والهمع ج 1/ 210، وشذور الذهب، واللسان (وري).

11 - ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم المودّة والإخاء
.. البيت للحطيئة من أبيات يهجو بها الزّبرقان بن بدر وقومه، ويمدح آل بغيض بن شماس. (قطر، وشذور) .. يريد أن يقول: كنت جاركم، ثم عدلت إلى غيركم فأنتم غير أهل للجوار والمودة ...
أك: أصلها: أكن: مجزوم بالسكون، والنون المحذوفة للتخفيف. ويكون. مضارع ناقص منصوب بأن المضمرة بعد واو المعية في جواب الاستفهام الإنكاري، وهو شاهد
(1/71)

البيت. والظرف الأول (بيني) خبرها مقدم. والمودة: اسمها، مؤخر. [سيبويه ج 1/ 425 وشذور الذهب، والهمع ج 2/ 13 والأشموني ج 3/ 307].

12 - ليس من مات فاستراح بميت … إنّما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا … كاسفا باله قليل الرجاء
... هذان البيتان من شعر «عديّ بن الرعلاء» شاعر جاهلي منسوب إلى أمّه ..
والبيتان في «الأصمعيات». وقد وردت لفظة «ميت» ثلاث مرات بسكون الياء، ومرّة رابعة بتشديد الياء: فقيل: التشديد والتخفيف، لغتان والمعنى واحد. وقيل: المشدّد: الموت المجازي. والساكن: الموت الحقيقي. وقيل عكس
ذلك.
والشاهد: في البيت الثاني. في قوله: كئيبا، كاسفا، قليل .. وهي منصوبة على الحالية، وهي في «القطر» لبيان أن معنى قولهم «الحال فضلة» يعني الذي يجيء بعد تمام الجملة واستيفاء أركانها، وإن كان محتاجا إليه في كمال المعنى .. وليس معناه إمكان الاستغناء عنها .. ولو حذفنا الأحوال من الكلام، لفسد المعنى هنا، وأخبرت بأن الميت هو من يعيش، وهو تناقض. [اللسان (موت) والأشموني ج 2/ 169 والخزانة ج 6/ 530 وشرح أبيات المغني ج 7/ 16].

13 - ربّما ضربة بسيف صقيل … بين بصرى، وطعنة نجلاء
... هو مطلع القطعة التي منها البيتان السابقان، وهو في «المغني» شاهد على إعمال «ربّ» بعد اتصالها ب (ما) حيث جاء بعدها اسم مجرور، لأنه عطف عليه (وطعنة) بالجرّ، لأن «نجلاء» مجرورة، وهي القافية.
.. وفيه صحة إضافة «بين» إلى المكان الواحد، لاشتماله على عدة أماكن. فقال:
«بين بصرى» أي: بين أماكن بصرى. وبصرى: هي المعروفة في سورية. [شرح أبيات المغني ج 3/ 197، والهمع ج 2/ 38، والأشموني ج 2/ 231].

14 - ولولا يوم يوم ما أردنا … جزاءك، والقروض لها جزاء
... البيت للفرزدق يقول فيه: لولا نصرنا لك في اليوم الذي تعلم، ما طلبنا جزاءك، فجعل نصرهم قرضا، يطالبونه بالجزاء عليه.
(1/72)

وهو في «الشذور» و «الكتاب» .. حيث أجرى لفظ «يوم» الأول على ما تقتضيه العوامل، فرفعه بالابتداء. وأضافه إلى (يوم) الثاني. فجره بالإضافة وذلك لأنه لم يرد بهما الظرفية. قال سيبويه: «والعرب لا تجعل شيئا من هذه الأسماء بمنزلة اسم واحد (مركب) إلا في حال الحال، أو الظرف».
[سيبويه ج 2/ 53، والهمع ج 1/ 197 وشذور الذهب والخزانه ج 6/ 440].

15 - لعلّك والموعود حقّ لقاؤه … بدا لك في تلك القلوص بداء
.. نسب البيت في «اللسان» إلى الشماخ بن ضرار، وفي «الأغاني» منسوب إلى محمد ابن بشير الخارجي، في مدح زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهجاء رجل كان قد وعده قلوصا، ثم مطله .. يقول: لعلك قد تغيّر رأيك في
شأن هذه الناقة (القلوص) وظهر لك في أخريات التفكير ما لم يكن ظاهرا ... وما قضي، لا بدّ كائن.
وهو في «الشذور» والشاهد فيه قوله: «بدا لك بداء» حيث أسند الفعل «بدا» إلى «بداء» وهو مصدر ذلك الفعل. وذلك يرشح أن هذا الفعل لو ورد في كلام آخر وليس معه اسم مرفوع على أنه فاعل، جاز أن يقدر الفاعل ضميرا عائدا على مصدره .. وهو بذلك يردّ على من جعل الفاعل جملة في الآية «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ» [يوسف: 35]. ويرى أن الفاعل في الآية ضمير مستتر عائد، إما على مصدر الفعل «بدا» والتقدير «بدا لهم بداء» كما تقول: (بدا لي رأي) .. وإما على «السّجن» - بفتح السين - المفهوم من قوله تعالى «ليسجننّه» ويدل عليه قوله تعالى: «قالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ...» [يوسف: 33] [الخزانة ج 9/ 213 وشرح المغني ج 6/ 193 واللسان (بدا) والهمع ج 1/ 147 وشذور الذهب].

16 - طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء
.. البيت لأبي زبيد الطائي، حرملة بن المنذر، شاعر مخضرم توفي سنة 62 ه. قوله «ولات أوان» الواو: للحال. و «لات»: حرف نفي يعمل عمل ليس. واسمه محذوف و «أوان» خبر لات، مبني على الكسر في محل نصب، ونوّن لأجل الضرورة، واسمه وخبره في محل نصب، حال.
والشاهد: ولات أوان، حيث أعمل «لات» النافية في لفظ الأوان، وهو من معنى
(1/73)

«الحين» وليس هو لفظه ... وهو رد على سيبويه ومن وافقه حيث اشترطوا في إعمال لات أن يكون اسمها وخبرها لفظ الحين، وسيأتي أن خبرها قد يكون «ساعة» (انظر قافية الميم) «ندم البغاة ... وخيم». وزعم الفرّاء أن «لات» حرف جر، يجر أسماء الزمان خاصة مثل «مذ، ومنذ» ... [الشذور/ 201 والمغني الشاهد/ 455 والخزانة ج 4/ 183 والإنصاف ص 109 والأشموني ج 1/ 256 وشرح المفصل ج 9/ 32 والهمع ج 1/ 26].

17 - وبلد مغبرّة أرجاؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه
... هذا البيت لرؤبة بن العجاج .. وهو شاهد على حذف حرف الجرّ (ربّ) وبقاء عمله بعد الواو .. قوله: وبلد: الواو: واو ربّ. بلد: مبتدأ، مجرور لفظا مرفوع محلا ... والبلد: يذكر ويؤنث. وفي الشطر الثاني تشبيه مقلوب، لأن القصد تشبيه السماء وقد ثار عليها الغبار - بلون الأرض. [الشذور/ 320 والإنصاف ص 377 واللسان (عمى) وشرح المفصل ج 2/ 118 وشرح المغني ج 8/ 111].

18 - إذا كان الشتاء فأدفئوني … فإنّ الشيخ يهرمه الشتاء
.. هذا البيت: من كلام الربيع بن ضبع الفزاري، جاهلي معمّر، شارك في حرب داحس والغبراء وأدرك الإسلام.
و «كان» بمعنى حدث. وهو شاهد على أنّ الفعل إذا كان دالا على حدوث ذات، لا يحتاج إلى المفعول به. وفيه شاهد على مجيء «كان» تامة.
والشتاء: فاعل. [الشذور/ 354، والهمع/ 1/ 116، والخزانة/ 7/ 383].

19 - وأعلم إنّ تسليما وتركا … للامتشابهان ولا سواء
.. البيت لأبي حزام، غالب بن الحارث، العكلي، إنّ: مكسورة الهمزة. تسليما:
اسمها. للامتشابهان: اللام: للابتداء. ولا: نافية. متشابهان: خبر إنّ .. والشاهد عند ابن عقيل، على إدخال لام الابتداء التوكيدية على الخبر المنفي ب لا، وهو شاذ .. ويرى بعضهم فتح همزة (أنّ) وتكون اللام من قوله «للا» زائدة [الخزانة ج 10/ 330 والهمع ج 1/ 140 والأشموني ج 1/ 281، وابن عقيل ج 1/ 315 والعيني ج 2/ 244].

20 - أو منعتم ما تسألون فمن حدّ … ثتموه له علينا الولاء؟
... البيت للشاعر، الحارث بن حلزة اليشكري، من معلقته ...
(1/74)

قوله: من حدّثتموه، من اسم استفهام بمعنى النفي، وهي في محل رفع مبتدأ.
حدثتموه: حدث: ماض مبني للمجهول. والتاء: فاعل، والواو: للدلالة على الجمع، حرف. والهاء: مفعول ثان. و «له علينا»: يتعلقان بمحذوف خبر مقدم. والولاء: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل نصب مفعول ثالث، لحدّث ... والشاهد إعمال حدّث في ثلاثة مفاعيل، [ابن عقيل ج 1/ 389، والأشموني ج 2/ 41، والهمع ج 1/ 159، والدرر ج 1/ 141].

21 - لا أقعد الجبن عن الهيجاء … ولو توالت زمر الأعداء
.. البيت مجهول القائل، واستشهد به ابن مالك، وابن عقيل، على جواز نصب المفعول لأجله المحلى بأل كما في قوله «الجبن» .. والأكثر استخدامه مجرورا باللام.
[ابن عقيل/ 2/ 27، والدرر/ 1/ 167، والهمع/ 1/ 195، وشرح التصريح/ 1/ 336، والأشموني/ 2/ 125].

22 - فجاءت به سبط العظام كأنّما … عمامته بين الرجال لواء
البيت غير منسوب وهو شاهد على ورود الحال وصفا ملازما، على خلاف الغالب فيه من كونه وصفا منتقلا .. فقوله «سبط العظام»، حال من الضمير المجرور «به»، وسبط العظام: أراد أنه سويّ الخلق حسن القامة. و «لواء» هو ما دون العلم، وأراد أنه تام الخلق طويل، فكنى بهذه العبارة عن هذا المعنى. وهو يصف مولودا له.
[المرزوقي/ 270، والأشموني/ 2/ 170، وابن عقيل/ 2/ 69].

23 - يا لك من تمر ومن شيشاء … ينشب في المسعل واللهاء
البيت: لأبي المقدام الراجز، وقيل: لغيره: وقوله: الشيشاء: بكسر الشين الأولى، هو الشيص؛ وهو أردأ التمر، أو التمر الذي لم يلقح. ينشب: يعلق. والمسعل:
موضع السعال من الحلق. واللهاء: بفتح اللام: هنة مطبقة في أقصى سقف الفم ..
وقوله: يا لك: يا: حرف نداء، قصد به هنا التنبيه. لك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، لمبتدأ محذوف: أي: لك شيء. و «من تمر» جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الكاف في «لك» ...
والشاهد في البيت قوله «اللهاء». حيث مدّه للضرورة، وأصلها «اللها» بالقصر، [الهمع
(1/75)

ج 2/ 157، والدرر ج 2/ 211، والأشموني ج 4/ 110، والخصائص ج 2/ 231 والإنصاف/ 746].

24 - دع عنك لومي فإن اللوم إغراء … وداوني بالتي كانت هي الداء
.. البيت لأبي نواس، وذكره ابن هشام في المغني، على أنّ (عن) هنا اسم، في رأي الأخفش، وذلك عند ما يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد .. وأنكر ذلك ابن هشام، لأن شرط اسميتها أن تكون بمعنى (جانب) .. [شرح المغني ج 3/ 319 والخزانة ج 11/ 434].

25 - لوما الإصاخة للوشاة لكان لي … من بعد سخطك في رضاك رجاء
... جاء البيت في المغني، مثالا على ورود «لوما» بمعنى لولا .. حرف شرط. وهو مجهول القائل. [شرح أبيات المغني ج 5/ 131، والأشموني ج 4/ 50، وشرح التصريح ج 2/ 263].

26 - أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
البيت لحسان بن ثابت، شاهد على حذف الموصول الاسمي، في رأي الكوفيين وابن مالك، إذا كان معطوفا على موصول آخر .. والتقدير «ومن يمدحه» [شرح أبيات المغني/ 7/ 305، والدرر/ 1/ 67، والهمع/ 1/ 88].

27 - كأنّ خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء
هو لحسان من مقدمة القصيدة التي منها البيت السابق .. والخبيئة: الخمرة. وبيت رأس: بلد في الأردن عرفت بخمرها في الجاهلية .. والبيت قاله حسان قبل تحريم الخمر. والبيت شاهد على جواز أن يقع اسم «كان» نكرة، وخبرها معرفة، إذا اجتمعا.
«مزاجها: خبر يكون، وعسل: اسم يكون». [سيبويه ج 1/ 23، وشرح المفصل ج 7/ 93 والخزانة ج 9/ 224، وشرح أبيات المغني ج 6/ 349، واللسان (سبأ)].

28 - وما أدري وسوف إخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء
.. البيت، لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة هجا بها قوما من غير إساءة إليه، فلما ظهر له ذلك ندم، وحلف ألا يهجو أهل بيت أبدا ... وهو يهزأ بالقوم ويتوعدهم ويريد:
(1/76)

إن كانوا رجالا فسيوفون بعهدهم، ويبقون على أعراضهم وإن كانوا نساء، فمن عادة النساء الغدر وقلة الوفاء ... وقوله: «أقوم» هذه رواية من ادّعى أنّ «القوم» خاص بالرجال ... والأقوى أنها تجمع بين الرجال والنساء ولذلك رووا البيت: «رجال آل حصن أم نساء»، وتكون الهمزة مقدرة قبل «رجال» وفي البيت شواهد، منها:
1 - إلغاء «إخال» لأنها وقعت بين سوف، وما دخلت عليه، وهنا التقدير، وسوف أدري.
2 - تعليق «أدري» فلم تعمل في «أقوم» بسبب همزة الاستفهام، ويكون عملها في الجملة.
3 - الشاهد الثالث أن «أم» في البيت، متّصلة، أي أن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا «معادلة» لمعادلتها للهمزة في إفادة الاستفهام ...
ولكنها هنا من النوع الذي تقدمت عليها همزة يطلب بها وب أم التعيين .. والاستفهام معها باق على حقيقته. [شرح أبيات المغني ج 1/ 194 والدرر ج 1/ 136، وأمالي ابن الشجري ج 2/ 334].

29 - إنّ سليمى - والله يكلؤها - … ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
.. البيت للشاعر إبراهيم بن علي بن هرمة (170 ه) وهو آخر من يحتج بشعره. وفي البيت شاهد على الجملة الاعتراضية - والله يكلؤها - بين اسم إنّ، وخبرها [شرح أبيات المغني/ 2/ 202، واللسان «كلأ»].

30 - ولا أراها تزال ظالمة … تحدث لي قرحة وتنكؤها
.. البيت لابن هرمة، وهو مع سابقه من قصيدة واحدة .. وفيه شاهد على الجملة تعترض بين حرف النفي ومنفيه ولا - أراها - تزال، والأصل: وأراها لا تزال ظالمة والقرحة: الجراحة. وتنكؤها: تقشرها [شرح أبيات المغني ج 6/ 221].

31 - نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت … ردّ التحية نطقا أو بإيماء
.. البيت مجهول القائل .. وقد أورده ابن هشام في المغني، والشاهد فيه «فتاة» فالمبرد يرى أنها تمييز، وأن التمييز يأتي مؤكدا .. وابن هشام يرى أن التمييز يكون مبينا،
(1/77)

وفتاة هنا: حال مؤكّدة ... وفيه شاهد أيضا على أنه لا يؤنث الفعل «نعم» مع الفاعل المؤنث، استغناء عن التاء بتأنيث التمييز المفسّر. [الأشموني ج 3/ 34 و 4/ 203، والهمع ج 2/ 86، والمغني، وشرح أبياته ج 7/ 29].

32 - غافلا تعرض المنيّة للمر .. … ء فيدعى ولات حين نداء
.. غافلا: حال من المرء. وفيه جواز تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف الجرّ الأصلي. [الأشموني ج 2/ 177، والعيني ج 3/ 161]. ويروى بقافية (إباء).

33 - متى يأت هذا الموت لا تبق حاجة … لنفسي إلّا قد قضيت قضاءها
.. الشاهد قوله: إلا قد قضيت، فقد اقترنت جملة الفعل الماضي بعد إلا، ب (قد) وهو شاذ مخالف للقاعدة، ويخالف المسموع في فصيح الكلام. والبيت لقيس بن الخطيم. [الخزانة/ 7/ 35، والمرزوقي ص 186، والأشموني ج 2/ 192، والعيني ج 3/ 222].

34 - إذا عاش الفتى مئتين عاما … فقد ذهب المسرّة والفتاء
.. الشاهد: مئتين عاما: جاء تمييز المئة منصوبا شذوذا .. وحقه الجرّ بالاضافة.
وثبتت النون في مائتين، ولو أضاف لحذفها: ويروى (تسعين عاما) ولا شاهد فيه. ولكن الشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، ذكره ابن حجر في المعمّرين، يقال: عاش أربعين وثلثمائة عام والله أعلم. [سيبويه ج 1/ 106، والهمع ج 1/ 153، والأشموني ج 4/ 67، والخزانة ج 7/ 379].

35 - والريح تعبث بالغصون وقد جرى … ذهب الأصيل على لجين الماء
.. البيت لابن خفاجة الأندلسي .. والشاهد فيه: «ذهب الأصيل»، و «لجين الماء» فالإضافة هنا تشبيهية، على تقدير كاف التشبيه، حيث أضيف المشبه به إلى المشبه ...

36 - ليت شعري وأين منّي ليت … إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
.. البيت: لأبي زبيد الطائي .. يريد أن يقول: إنّ أكثر التمني يكذب صاحبه ويعنّيه ولا يبلغ فيه مراده ... والشاهد في البيت: تضعيف «لو» حين جعلت اسما وأخبر عنها، لأن الاسم المفرد المتمكن لا يكون على أقل من حرفين متحركين، والواو في «لو» لا
(1/78)

تتحرك، فضوعفت، لتحتمل بالتضعيف الحركة وأراد ب لو هنا التي للتمني .. والبيت من شواهد سيبويه .. و «ليت» في البيت أريد لفظها، فكانت مبتدأ، خبره اسم الاستفهام «أين». وليتا: اسم إن، يريد لفظها [شرح المفصل/ 6/ 30، وسيبويه/ 2/ 32، والخزانة/ 7/ 319].

37 - فقلتم تعال يا يزي بن مخرّم … فقلت لكم إنّي حليف صداء
.. البيت للشاعر يزيد بن مخرّم، دعي إلى الحلف، فأبى أن ينقض حلفه لصداء ويحالف غيرها، وصداء اسم فرسه، أي: لا أحتاج مع فرسي والاعتزاز بها إلى حليف.
وقيل: صداء: حي من بني أسد. والبيت في «الكتاب» شاهد على ترخيم «يزيد». ووصفه ب (ابن) [الخزانة/ 2/ 378، واللسان (صدى) وسيبويه ج 1/ 335].

38 - حشى رهط النبيّ فإنّ منهم … بحورا لا تكدّرها الدلاء
... رواه «اللسان» عن الفرّاء، لغة في «حاشا» التي يستثنى بها.

39 - وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء
البيت لحسان بن ثابت من قصيدته الهمزية، التي هجا فيها المشركين، وخصّ أبا سفيان بن الحارث، لأنه كان يهجو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويشير في البيت إلى نزول الملائكة لنصرة المسلمين. والبيت شاهد على أن «جبريل» إحدى اللغات في اسم الملك. وفي القرآن قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] ومنها «جبرئيل» بفتح الجيم والهمز، وجاء الأخير في المرويّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صاحب الصّور (جبرئيل عن يمينه) [الخزانة ج 1/ 416].

40 - فتجمع أيمن منّا ومنكم … بمقسمة تمور بها الدّماء
البيت لزهير بن أبي سلمى ... والأيمن: جمع يمين. وقوله: فتجمع .. الخ أي:
تحلفون ونحلف، وقوله: بمقسمة: الموضع يحلف فيه. ويروى بفتح الميم ويراد به القسامة. وزن سحابة ... وهو أن يتحالف الفريقان بأن أحدهم لم يفعل القتل، أو أن المدّعى عليه فعله، وعلى هذا يكون المعنى: تؤخذ أيمان مثل الأيمان التي تؤخذ في القسامة. وتمار فيها الدماء، أي: تسيل، والمراد دم البدن التي تنحر.
(1/79)

ومحل الاستشهاد: «أيمن» فإنه جمع يمين، واستشهد به الكوفيون على أن «أيمن الله» في القسم جمع وليس مفردا كما يزعم البصريون [الإنصاف/ 405].

41 - فلا والله ما يلفى لما بي … ولا للما بهم أبدا دواء
.. للشاعر مسلم بن معبد الوالبي، يقوله في ابن عمه عمارة بن عبيد. وقوله: لما بي .. أي: لما استقرّ بي وفي نفسي من الحزن مما يفعل به قومه .. و «ما بهم»، ما في أنفسهم من الغلّ والحقد، ومحل الاستشهاد. للما بهم: حيث أكد
الشاعر اللام الجارة ..
لما بهم، فأعادها بلفظها فقال للما بهم .. وهذا شاذ ... واستشهد به الكوفيون في مجال قولهم إن «كي» حرف نصب فقط وليست جارة، لدخول اللام عليها وحروف الجرّ لا تدخل على بعضها البعض .. وما جاء في البيت شاذ .. ويروى الشطر الثاني (وما بهم من البلوى دواء) فلا شاهد فيه. [الخزانة/ 2/ 308، والهمع/ 2/ 125، والأشموني/ 3/ 83 وشرح المفصل/ 7/ 17، 8/ 43].

42 - كيف نومي على الفراش ولمّا … تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي … عن خدام العقيلة العذراء
لعبد الله بن قيس الرّقيات، وكدت أن أهمل هذا الشاهد لأني أكره أن أنشده، وأكره للناس أن ينشدوه .. فأهلي وموطني في الشام الكبير، وما أحبّ أن أذكر الشام إلا بخير .. والشاعر كان زبيريا حاقدا، ومن أجل حقده على الأمويين تمنى الدمار لأهل الشام، فبئس ما تمنى. ولن يحقق الله له ما طلب ..
وقوله: وتبدي عن: ضمنه معنى تكشف فعدّاه ب عن .. والخدام: بكسر الخاء:
الخلخال. والعقيلة: المرأة الكريمة. وجملة (تذهل) صفة لغارة في البيت الأول. وجملة (وتبدي) معطوفة. والشاهد: «خدام» حذف التنوين في موضع لا يحذف فيه، للضرورة.
والعقيلة: فاعل تبدي. وقيل: حذف التنوين، لأنه على تقدير مضاف إليه وهو الهاء، والأصل «عن خدامها».
[شرح المفصل/ 9/ 36، والإنصاف/ 661].
وفي «معجم الشعراء للمرزباني» نسب البيتين إلى محمد بن الجهم بن هارون السمري صاحب الفراء، آخر أبيات مدح بها الفرّاء، وفضّله في علم النحو. وجاء البيتان في آخر
(1/80)

المدح ويبدو أنهما مزادان في آخر الشعر، لأنهما منبتّان عما قبلهما. ونسبتهما إلى ابن قيس الرقيات مشهور، وهما في ديوانه. وانظر معجم الشعراء، مع المؤتلف ص 450.

43 - فوا كبدا من حبّ من لا يحبّني … ومن عبرات ما لهنّ فناء
البيت لقيس العامري .. والشاهد: وا كبدا: فالواو حرف نداء وندبه و «كبدا» منادى مندوب .. متوجّع له. والألف في آخره زائدة للندبة، وقد تزاد أيضا الهاء للسكت في غير هذا الموضع. [ديوان الشاعر، والأغاني ج 2/ 462، وشرح التصريح ج 2/ 181].

44 - أيها الناطق المرقّش عنا … عند عمرو وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنّا … طالما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشّناءة تنمي … نا جدود وعزّة قعساء
الأبيات من معلقة الحارث بن حلّزة اليشكري. والشاهد في البيت الثاني، وذكرت ما قبله وما بعده ليفهم ..
وقوله: المرقش: المزيّن، أراد الذي يزين القول بالباطل. يقول يا أيها الناطق عند الملك (عمرو) الذي يبلغه عنا ما يريبه في محبتنا إياه ودخولنا تحت طاعته، هل لهذا التبليغ بقاء؟ وهو استفهام إنكاري، لأن الملك يبحث عنه فيعلم ذلك من الأكاذيب.
وقوله: لا تخلنا: أي: لا تحسبنا. وعلى: بمعنى (مع) والغراة بالفتح والقصر، اسم بمعنى الإغراء، وروي على «غرائك» بالمد. وهو مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: الملك. وطالما: أي كثيرا ما، وهو فعل مكفوف عن الفاعل لاتصاله بما الكافة.
والشناءة: بالفتح والمد: البغض. وتنمينا: ترفعنا. والجدود: جمع جدّ، بالفتح، وهو الحظ والبخت. والقعساء: الثابتة.
والشاهد: حذف أحد مفعولي باب «علم» للقرينة. وهنا حذف المفعول الثاني للفعل «تخلنا» (نا) مفعول أول .. والثاني محذوف تقديره لا تخلنا هالكين أو جازعين [الخزانة 1/ 324 و 9/ 138، وشروح المعلقات].

45 - فهم بطانتهم وهم وزراؤهم … وهم الملوك ومنهم الحكماء
.. الشاهد غير منسوب، وهو في الهمع ج 1/ 59، قال السيوطي: قد تكسر ميم
(1/81)

الجمع بعد الهاء قبل ساكن، وإن لم تكسر الهاء وأنشد البيت. بكسر الميم من «وهم» و «منهم» في الشطر الثاني. وانظر: الدرر ج 1/ 34. ونقل عن الفرّاء أن العرب يقولون جميعا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: 12] فيرفعون الميم من «هم» عند الألف إلا بعض بني سليم، فإنهم يكسرون الميم، وفيه أن القافية «ومنهم الحجّاب» فهما روايتان.

46 - فذاك ولم - إذا نحن امترينا … تكن في النّاس يدركك المراء
البيت غير منسوب. وهو شاهد على الفصل بين «لم» الجازمة، والفعل الذي جزمته .. والأصل في البيت: فذاك ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا .. قال أبو أحمد: إنّ البيت لم يقله شاعر، لأن الشاعر يريد ايصال معانيه إلى السامعين .. وهذا الفصل يحول دون ذلك. [شرح شواهد المغني ج 5/ 142 والأشموني ج 4/ 5].

47 - بادت وغيّر آيهنّ من البلى … إلا رواكد جمرهنّ هباء
ومشجّج أمّا سواء قذاله … فبدا وغيّر ساره المعزاء
[البيتان في كتاب سيبويه ج 1/ 173، هارون].
وقوله: بادت، أي: هلكت. ويريد بها المنازل. وآيهن: علامتهنّ. والرواكد: أحجار الأثفية. وهبا الرماد يهبو، إذا اختلط بالتراب ومشجج: المراد به وتد الخباء الذي شجّ رأسه من الدقّ. وساره: بقيته. وسواء قذاله: وسطه. والمعزاء: الأرض الصلبة ذات الحصى. يقول: لم يبق من آثار منازل الأحباب سوى أحجار الأثافي ورمادها المختلط بالتراب ووتد الخباء المكسور الرأس، المتغير بطول بقائه في الأرض.
والشاهد: رفع مشجج، ولم يعطفه على رواكد - المنصوب - على تقدير «وفيها مشجج» وحمل مشجج بالرفع على المعنى، لأن المعنى: بادت إلا رواكد، بها رواكد، فحمل مشجج على ذلك، ومثله بيت الفرزدق الذي سيأتي:
«لم يدع .. من المال إلا مسحتا أو مجلّف»
[وقد استشهد الزمخشري في الكشاف، بالبيتين في تفسير سورة الواقعة عند قوله تعالى وَحُورٌ عِينٌ بالرفع، على تقدير «وفيها حور عين»، والخزانة/ 5/ 147].

48 - هيهات قد سفهت أميّة رأيها … فاستجهلت حلماءها سفهاؤها
(1/82)

حرب تردّد بينها بتشاجر … قد كفّرت آباؤها، أبناؤها
.. البيتان نسبهما ابن منظور إلى الفرزدق. قال: والتكفير: أن يتكفّر المحارب في سلاحه ومنه قول الفرزدق ... قال: رفع «أبناؤها» بقوله «تردّد» ورفع «آباؤها» بقوله «قد كفرت» أي: كفّرت آباؤها في السلاح، [اللسان - مادة كفر، والمقرّب ج 1/ 130].

49 - فكسوت عار لحمة فتركته … جدلا يسحّب ذيله ورداءه
البيت غير منسوب في الهمع ج 1/ 53، وأنشده شاهدا على تقدير الفتحة على الياء في قوله «عار» ولو جرى على الأصل لقال: فكسوت عاريا، وقد أثبت صورة الشاهد كما جاءت في الهمع ولكن محقق الدرر، أثبته هكذا «وكسوت عاري لحمه» بإثبات الياء في «عاري» وإضافته إلى «لحمة» ولا ضرورة في هذه الصورة، لأن البيت من البحر الكامل، ويصحّ في هذه الصورة إظهار الفتحة على الياء. [انظر الدرر بتحقيق عبد العال مكرم ج 1/ 165].

50 - غافلا تعرض المنيّة للمر … ء فيدعى ولات حين إباء
البيت شاهد على تقدم الحال (غافلا) على صاحبه المجرور (للمرء) ولات بمعنى ليس، واسمها محذوف، وحين خبرها، والتقدير: وليس الوقت وقت إباء، وقد مرّ البيت بقافية (نداء) [الأشموني ج 2/ 177 / والعيني 3/ 161].

51 - إنّ الذي - وهو مثر - لا يجود، حر … حر بفاقة تعتريه بعد إثراء
البيت غير منسوب، وهو في الهمع ج 1/ 88، وذكره شاهدا على الفصل بين الموصول وصلته بجملة الحال. (وهو مثر)، و «لا يجود»، جملة الصلة وحر: خبر إن.

52 - لا يني الخبّ شيمة الخبّ ما دا … م فلا تحسبنّه ذا إرعواء
البيت [في الهمع ج 1/ 112، وأنشده شاهدا على إعمال لا يني «عمل» لا يزال، على أن لا تكون من «ونى» بمعنى فتر، [الهمع ج 1/ 112، والدرر ج 1/ 82]. والخب، الأول بالكسر الخداع والخبث. والثاني بالفتح، صفة لمن قام به ذلك، يقال: رجل خبّ.

53 - قالوا أخفت فقلت: إنّ وخيفتي … ما إن تزال منوطة برجائي
(1/83)

البيت أنشده ابن مالك في فصل عقده ل إنّ ترادف «نعم» من شرح التسهيل ونسبه لبعض الطائيين.
والهمزة في قوله «أخفت»؟ للاستفهام. وإنّ، بمعنى «نعم» حذف جملة الكلام بعدها والتقدير، فقلت: نعم، خفت، لكن خيفتي مقترنة بالرّجاء، فليست بخيفة محضة. وإن، بعد «ما» زائدة [شرح أبيات المغني/ 8/ 6].

54 - فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها … ومن بعد أرض بيننا وسماء
.. البيت ليس منسوبا، والشاعر يتوجع لما يصيبه من الأسى والحزن، عند تذكره محبوبته، ولما بينهما من بعد المسافة وطول الشقة ... والشاهد: مجيء أوه بسكون الواو وكسر الهاء، وهو اسم فعل مضارع، وفيه لغات، انظر (شرح المفصل ج 4/ 39 والخصائص ج 2/ 89، والهمع ج 1/ 61)

55 - ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي … كجواري يلعبن بالصحراء
البيت غير منسوب. وقوله: ما إن رأيت: إن، زائدة، مؤّكدة لما النافية. وفي مدتي، أي: في عمري. وجملة «ولا أرى ..» معترضة بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله «كجوار». فإنها اسمية ولا يصّح جعلها حرفّية، والجواري: جمع جارية، وهي الشّابّة. والصحراء: البرّية، والخلاء.
والشاهد «كجواري» على أنّ ظهور الجّر والتنوين على الياء، ضرورة.
[الخزانة/ 8/ 341 وشرح المفصل ج 10/ 101].

56 - ألا أبلغ بنيّ بني ربيع … فأنذال البنين لكم فداء
بأني قد كبرت ودّق عظمي … فلا تشغلكم عنّي النساء
البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، جاهلي عاصر النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يلقه، وكان قد عمّر طويلا.
.. وقوله: فأنذال البنين .. الخ جملة دعائية معترضة .. وقوله بأني .. متعلقة بقوله:
أبلغ في البيت المتقدم [الخزانة ج 7/ 381].

57 - ألا أيّهذا النّابح السّيد إنّني … على نأيها مستبسل من ورائها
(1/84)

البيت في حماسة أبي تمام، للشاعر الأخضر بن هبيرة، والسّيد: بكسر السين:
اسم قبيلة، والنابح: مستعار للمتعرض المؤذي.
قال المرزوقي: وصف أيّ بذا، غير جار على سنن ما يجلب له الصفات، لأن الصفة شرح الكلام وتبيينه ومزيل اللبس عنه، وإذا كان أيّ وذا، مبهمين، فالانشراح غير حاصل، بهما، لكنه لما كان المعول على ما يتبعه من المعرف بالألف والام، صار «ذا» كأنه لا اعتداد به في الشرح.
وقوله: على نأيها: موضعه نصب على الحال، لأن المعنى، استبسل من ورائها بعيدة.
[الحماسة، القطعة 191، والمقرّب ج 1/ 176].
(1/85)

باب الباء
1 - له ملك ينادي كلّ يوم … لدوا للموت وابنوا للخراب
منسوب للإمام علي. والضمير في «له» يعود إلى الله تعالى. والبيت شاهد على أن اللام في قوله للموت تسمى لام العاقبة، أو الصيرورة، وهي فرع لام الاختصاص. وهو مذهب الكوفيين [الخزانة/ 9/ 529، والهمع/ 2/ 32، وشرح التصريح/ 2/ 13].

2 - سراة بني أبي بكر تسامى … على كان المسوّمة العراب
.. مجهول. وسراة: قيل: جمع سريّ، وقيل: اسم جمع له، وهو الشريف.
والمسوّمة: الخيل التي جعلت عليها علامة. وتسامى: أصله تتسامى بتائين، من السمو، وهو العلو، ويريد: الركوب. والعراب: الخيل العربية. والبيت شاهد على أن «كان» فيه زائدة بين الجار والمجرور لا تعمل، ولا تفيد
شيئا إلا محض التوكيد. [شرح المفصل/ 7/ 98، 100، والتصريح/ 1/ 192، والهمع/ 1/ 120، والأشموني/ 1/ 241].

3 - إنّ السيوف غدوّها ورواحها … تركت هوازن مثل قرن الأعضب
.. البيت للأخطل من قصيدة مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس.
والشاهد: غدوّ: فإنّه بدل من السيوف، وهو بدل اشتمال، روعي المبدل منه في اللفظ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل، ولو روعي لقيل: تركا بالتثنية.
ونصب غدوّها: على الظرف كأنه قال: إن السيوف وقت غدوها ورواحها. [اللسان - عضب. والأشموني ج 3/ 132، والخزانة ج 5/ 199].

4 - لا أشتهي يا قوم إلّا كارها … باب الأمير ولا دفاع الحاجب
(1/87)

للشاعر موسى بن جابر الحنفي .. والشاهد «باب الأمير»، منصوب «بلا أشتهي» ..
ونفوا أن يكون «كارها» حال من أشتهي، لأن الشهوة والكره لا يجتمعان ولكنه حال من فعل مقدر، والمعنى: لا أشتهي باب الأمير ولا آتيه إلا كارها.
وليس كما قالوا: فهو يشتهي باب الأمير كارها الذلّ، قال المرزوقي: يصف بهذا الكلام ميله إلى البدو، وتفضيله رجاله على رجال الحضر، فيقول: لا أتمنى ورود باب الأمراء، ومدافعة الحجّاب، ولا أعلّق شهوتي بهما إلا على كره، وعن داعية عارضة، قال: وانتصب كارها على الحال.
هذا: والشاعر موسى: .. شاعر نصراني جاهلي .. قال أبو العلاء: موسى منقول عن العبرانية ولم أعلم أن في العرب من سمي موسى زمان الجاهلية، وإنما حدث هذا في الإسلام .. قال محقّقا الحماسة المرزوقية: وهذا معترض بما ذكره المرزباني في معجمه ..
قال أبو أحمد: ولا اعتراض على كلام أبي العلاء، فقد ذكر المرزباني عشرة شعراء ممن تسمّوا ب (موسى) وتتبّعت هؤلاء الشعراء، فوجدتهم إسلاميين ما عدا موسى بن جابر صاحب الشاهد. وموسى بن حكيم العبشمي، لم يذكر المرزباني زمنه. وعلى هذا، فقول أبي العلاء هو الصحيح. والله أعلم.
[الخزانة ج 1/ 300، والمرزوقي ص 363].

5 - كأنّه وجه تركيّين إذ غضبا … مستهدف لطعان غير تذبيب
البيت للفرزدق من قصيدة رائية، وليست بائية، هجا بها جريرا، يتهكم به، وجعله امرأة ... والبيت في سياق ما قبله
هكذا:
ولا يحامي عن الأحساب منفلق … مقنّع حين يلقى فاتر النّظر
هدرت لما تلقتني بجونتها … وخشخشت لي حفيف الريح في العشر
ثم اتّقتني بجهم لا سلاح له … كمنخر الثور معكوسا من البقر
كأنه وجه ... … ... غير منجحر
.. فهو يتحدث عن فرج المرأة التي وصف جريرا بها: شبّه كل فلقة من الفرج بوجه تركي: قال: والأتراك غلاظ الوجوه عراضها، حمرها، وعند غضبهم تشتدّ وجوههم
(1/88)

حمرة. ومستهدف: صفة لوجه، وهو اسم فاعل من «استهدف». واستهدف: انتصب.
كما قال النابغة:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف … رابي المجسّة بالعبير مقرمد
.. وشيء مستهدف: أي: عريض ... وقوله: غير منجحر: في رواية البيت الصحيحة: اسم فاعل من انجحر، أي: دخل حجره.
والشاهد: كأنه وجه تركيّين ...
على أنه إذا أضيف الجزآن لفظا ومعنى إلى متضمّنيها المتحدين بلفظ واحد، فلفظ الإفراد في المضاف أولى من لفظ التثنية كما في البيت. فإن تركيّين متضمّنان، ولفظهما متّحد، لجزأيهما وهما الوجهان، فإن وجه كل أحد جزء منه، فلما أضيف إليهما أضيف بلفظ المفرد. وهو أولى من التثنية ... والقاعدة: أن كل ما في الجسد منه شيء واحد لا ينفصل: كالرأس والأنف واللسان والظهر والبطن والقلب، فإنك إذا ضممت إليه جاز فيه ثلاثة وجوه:
1 - الجمع، وهو الأكثر، لقوله تعالى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: 4].
2 - الإفراد: كقولك «ضربت ظهر الزيدين». وكما في البيت الشاهد.
3 - التثنية: كقولك: ما أحسن رأسيهما.
... وقوله في الأبيات التي سبقت الشاهد: «منفلق» كناية عن ذات الفرج. والجونة، بضم الجيم: العلبة، ودرج الطيب. والخشخشة: صوت السلاح، ونحوه. وحفيف:
مفعول مطلق، أي خشخشته كحفيف الريح، وهو صوت الريح إذا مرت على الأشجار.
والعشر شجر عظيم له شوك. والهدير: صوت شقشقة الجمل. يقول: لما برزت لمحاربتي، وكان سلاحها جونتها، وكان صوتها مؤنثا ضعيفا كصوت الريح المارة بالأشجار، هدرت عليها كالفحل الهائج، فأدهشتها.
وقوله: ثم اتقتني بجهم لا سلاح له: الجهم: الغليظ الشفتين، كناية عن الفرج وأراد بالسلاح: الشعر النابت حوله، وشبهه بمنخر الثور حالة كونه معكوسا. والعكس: أن يشدّ حبل في منخره إلى رسغ يديه ليذل. وحينئذ يرى شقّه أوسع. [الخزانة/ 7/ 540، واللسان (طعن)].
(1/89)

6 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة … سهيل أذاعت غزلها في القرائب
لم أعرف قائله ... والخرقاء: المرأة التي لا تحسن عملا. أذاعت: فرّقت.
والقرائب: نساء الحيّ. وسهيل: نجم: عطف بيان لكوكب الخرقاء. يريد: أنها لما فرطت في غزلها في الصيف، ولم تستعد للشتاء، استغزلت قرائبها عند طلوع سهيل سحرا، وهو زمن وجود البرد.
والبيت شاهد: على أنّ الشيء قد يضاف إلى الشيء لأدنى ملابسة، فأضاف الكوكب إلى الخرقاء، لأنها بدأت تغزل حين طلع ... وهذه الإضافة: من المجاز اللغوي، وقيل:
من المجاز العقلي [اللسان - قرب، وشرح المفصل ج 3/ 8، والخزانة/ 3/ 112].

7 - كأنّ فعلة لم تملأ مواكبها … ديار بكر ولم تخلع ولم تهب
.. البيت للشاعر الفاسق، المتنبي، يرثى «خولة» أخت سيف الدولة وكنى عنها بلفظ «فعلة». ومنعها من الصرف، لأن موزونها ممنوع كذلك ... ويذكر من مآثرها: المواكب، والأموال التي كانت تمنحها .. وهذه من مساوئها، وليست من محاسنها، ولو كانت شريفة الفعال ما فعلت ذلك، لأن فعلها ينافي الشرع والمصالح العامة. فهذه الأموال التي تنفقها، كانوا يسرقونها من أقوات المظلومين ... وما جرّ النكبات على أمة العرب إلا أمثالها، وأمثال أخيها سيف الدولة، لانفصاله عن جسم الأمة، وتكوين دولة، وكانت عواقب هذا الصنيع وخيمة، مع ما صوّره الشعراء الكاذبون من معارك مع الروم، وما جنينا من تاريخ هذه الدويلات الهزيلة التي قامت في القديم، إلا هذا التمزق الذي نجده اليوم، واعتبار هذا التمزق أمرا شرعيا ندافع عنه، وندعمه بالقوانين والدساتير الأرضية، وقرارات هيئة الأمم مجمع الكفر والضلال ... قبّح الله خولة أخت سيف الدولة، وقبّح الله منافقا، ذكرها بخير ... وصدق الفرزدق في قوله، وهو يهجو جريرا، ويشبهه بامرأة:
ولا يحامي عن الأنساب منفلق … مقنّع حين يلقى فاتر النّظر
وإذا كنت قد مدحت المتنبي في مواطن من هذا الكتاب، فإنني أمدح فصاحته وقوة شعره، ولصوقه بكلام العرب الأعراب. أما أخلاقه فهي غير محمودة عندي. لأنّ أمثاله من الشعراء الذين كانوا يطلبون المال، هم الذين جعلوا الأقزام عماليق.

8 - فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم … وكان إذا ما يسلل السّيف يضرب
(1/90)

البيت للفرزدق، يذكر الحارث بن ظالم، وكنيته أبو ليلى، وهو جاهلي ضرب المثل بفتكه وحمايته الجار .. والبيت شاهد للجزم ب: إذا ما، حيث جزمت فعل الشرط، «يسلل» وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ويضرب: مجزوم، وحرّك بالكسر للشعر.
ولكن البيت يروى أيضا «وكان متى ما يسلل ... الخ».
وقبل البيت الشاهد:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه … على كلّ جار جار آل المهلّب
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث … وصرمته كالمغنم المتنهّب
... وقوله: أوفى: لغة في «وفى بالعهد، كوعى» ضد غدر. والجار: هنا: المجير - اسم فاعل -. وفاعل «أوفى» الأول ضمير سليمان بن عبد الملك، فإنه أجار يزيد ابن المهلب من الحجاج لما هرب من حبسه وجاء إليه، فأرسله مع ابنه أيوب إلى أخيه الوليد ابن عبد الملك، وكتب إليه يشفع فيه، فقبل شفاعته.
وفاعل «أوفى» الثاني، ضمير أبي ليلى، تنازعه هو و «قام» في البيت الشاهد. وابن ديهث: فاعل «ينادي». والصرمة: القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين. يشير إلى قصة امرأة اسمها «ديهث» استجارت بأبي ليلى ومعها ابنها، حيث نهبت إبلها، فأجارها وردّ عليها ما أخذ منها. [الخزانة/ 7/ 77].

9 - كم دون ميّة من خرق ومن علم … كأنّه لامع عريان مسلوب
... البيت للشاعر ذي الرّمّة: وميّة: اسم محبوبة ذي الرمّة، ولقبها الخرقاء.
والخرق: الأرض الواسعة. والعلم: الجبل، والمنار الذي يهتدى به في الطرق. وجملة «كأنّه» صفة للعلم. شبهه برجل عريان سلب ثوبه فهو يشير إلى القوم. واللامع: من لمع الرجل بيده، إذا أشار، والموصوف محذوف أي: رجل لامع. وكم: في البيت للتكثير.
والشاهد: عريان: فقد جاء في ضرورة الشعر ممنوع الصرف، تشبيها بباب «سكران».
ومذهب الكوفيين جواز منع التنوين في كل اسم للضرورة. وعريان: حقّه التنوين، لأنه مذكر عريانة، والذي يمنع
من الصرف ما كان مؤنثه على وزن «فعلى» مثل «سكران، وسكرى، وعطشان وعطشى»، [الخزانة/ 1/ 253].
(1/91)

10 - معاذ الإله أن تكون كظبية … ولا دمية ولا عقيلة ربرب
هذا البيت، من أبيات عشرة للبعيث أوردها أبو تمام في الحماسة، وهي من أرقّ الشعر وأجمله وأصدقه، وأولها:
خيال لأمّ السّلسبيل ودونها … مسيرة شهر للبريد المدئّب
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا … فردّ بتأهيل وسهل ومرحب
معاذ الإله ...
ولكنها زادت على الحسن كلّه … كمالا ومن طيب على كلّ طيّب
... أم السلسبيل: امرأة. والبريد: الدابة المركوبة، معرّب (دم بريدة) أي: محذوفة الذنب، لأن الرسل كانت تركب البغال المحذوفة الذنب، ويطلق على الرسول أيضا لركوبه إياها ... و «معاذ الله» منصوب على المصدر، أي: أعوذ بالله معاذا. وكأنه أنف وتبرّأ من أن تكون هذه المرأة في الحسن. بحيث تشبّه بالظبية، أو الصورة المنقوشة، أو بكريمة من بقر الوحش. والدمية: الصورة من العاج ونحوه، سميت دمية لأنها كانت أولا تصوّر بالحمرة، فكأنها أخذت من الدمّ.
والشاهد: أن «أل» في «الله» بدل من همزة «إله». فلا يجمع بينهما إلا قليلا. كما في هذا البيت. [المرزوقي ص 378، والخزانة ج 2/ 277].

11 - لقد علم الحيّ اليمانون أنّني … إذا قلت أمّا بعد إني خطيبها
البيت لسحبان وائل .. وقد روي «أني» الثانية بكسر الهمزة وفتحها. أما الكسر فعلى أن جملة «إني خطيبها» خبر أنني المفتوحة الهمزة. ولا يجوز فتحها لئلا يؤدّي إلى الإخبار بالحدث عن اسم العين.
وأما فتحها، فعلى أنها تكرير للأولى على وجه التوكيد، وخطيبها خبر أنّ الأولى ولا خبر لأنّ الثانية لأنها جاءت مؤكدة للأولى.
وأما بعد: كلمة يبتدئ بها الخطباء والكتّاب كلامهم، كأنهم يستدعون بها الإصغاء لما يقولونه .. وكثيرا ما تأتي عقب «الحمد لله» وتسمّى حينئذ فصل الخطاب، كأنها فصلت
(1/92)

بين الكلام الأول والثاني. وتأتي عقب البسملة وتأتي ابتداء كأنها عقب الفكر والرّوية [الخزانة/ 10/ 369،
واللسان (سحب)].

12 - ويلمّها روحة والريح معصفة … والغيث مرتجز والليل مقترب
هذا البيت من قصيدة طويلة لذي الرّمّة، وهذا البيت من أواخرها. شبه بعيره بالنعام في شدة العدو، ثم وصف النعام بما يقتضي شدّة إسراعه ... والروحة، تكون عودة المساء، ومعصفة: شديدة، من الفعل المزيد «أعصف» ويقال أيضا: «عصف». والغيث هنا: الغيم. ومرتجز: مصوّت، يريد صوت الرعد. ومقترب: قد قرب. وقوله: ويلمها:
.. هناك كلام في «تركيبها» وإعرابها، وكلام في معناها: أما المعنى: فهو مدح خرج بلفظ الذمّ. والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح يقال: أخزاه الله ما أشعره! ولعنه الله ما أجرأه. ويستعملون لفظ المدح في الذم: يقال للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم ومعنى هذا: يا أيها العاقل عند نفسه، أو عند من يظنه عاقلا. أما قولهم: أخزاه الله ما أشعره! ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم فلهم في ذلك غرضان: أحدهما:
أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه ونطق باستحسانه، فربما أصابه بالعين وأضرّ به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه، لئلا يؤذوه. والثاني: يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده، والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه.
والشاهد: روحة. على أن «روحة» تمييز عن المفرد، لأن الضمير في «ويلمها» مبهم، لم يتقدم له مرجع، فإذا كان الضمير غير مبهم، يكون التمييز عن النسبة كقول امرئ القيس في المعلقة، «فيا لك من ليل» حيث يعود على قوله: «ألا أيها الليل الطويل» [الخزانة/ 3/ 273].

13 - فبيناه يشري رحله قال قائل … لمن جمل رخو الملاط نجيب
والرواية الصحيحة ذلول بدل نجيب
البيت، منسوب للعجير السلولي، وينسب للمخلّب الهلالي، في قصيدتين، تتقارب معانيهما، ولكن القصيدتين بقافية اللام. [الخزانة/ 5/ 257، هارون].
وسبب هذا التحريف، أن النحويين يعتمدون على الأبيات المفردة غالبا، لأنهم يهتمون
(1/93)

باللفظ المفرد في البيت، ولذلك وقعوا في أخطاء كثيرة، وأساءوا إلى القصيدة العربية، لإشاعة فكرة أن البيت وحدة القصيدة وأنّ القصيدة، مفككة المعاني لاستقلال البيت بالمعنى.
وقوله: يشري: هنا بمعنى يبيع، وهو من الأضداد. والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير ورسن .. الخ. والملاط: بكسر الميم الجنب. ورخو الملاط: سهله وأملسه .. وصف بعيرا ضلّ عن صاحبه فيئس
منه، وجعل يبيع رحله، فبينما هو كذلك سمع مناديا يبشّر به، وإنما وصف ما ورد عليه من السرور بعد الأسف والحزن .. ومطلع المقطوعة:
وجدت بها وجد الذي ضلّ نضوه … بمكة يوما والرّفاق نزول
والبيت شاهد على أن واو «هو» قد يحذف ضرورة، كما في البيت في قوله «فبيناه»، فإن الأصل: فبينا هو يشري.
وبينا: ظرف زمان. هو: مبتدأ. وجملة يشري: خبر. والجملة مضاف إليه [الخزانة/ 5/ 257، والخصائص/ 1/ 69، والإنصاف/ 512، وشرح المفصل/ 3/ 96].

14 - فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنّه … سيرضيكما منها سنام وغاربه
.. البيت منسوب لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت .. والنجا: ما سلخته عن الشاة والبعير، يكتب بالألف لأنه من «نجا ينجو» والبيت شاهد على أن الفراء يجيز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، فإن النجاء والجلد مترادفان وقد تضايفا .. والظاهر أنه ليس كما قال الفرّاء، فالخطاب في قوله «انجوا» لضيفين طرقا الشاعر، فنحر لهما ناقة، فقالا: إنها مهزولة، فقال لهما: قشّرا عنها لحمها وشحمها كما يقشّر الجلد فإنها سمينة. وقوله: وغاربه: الغارب: ما بين السنام والعنق. يريد أن السنام والغارب، تجدان فيهما شحما ولحما. فقوله «نجا الجلد»، «النجا» هنا اسم مصدر بمعنى «النجو» منصوب على أنه مفعول مطلق وليس اسما للجلد. لأنه يقول: اقشرا عنها اللحم والشحم مثل قشر الجلد عن الجسم. [الأشموني ج 2/ 243، والخزانة ج 4/ 358].

15 - فهلّا أعدّوني لمثلي - تفاقدوا - … إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب
.. هذا البيت، من أبيات خمسة في الحماسة لبعض بني فقعس، أولها:
(1/94)

رأيت مواليّ الألى يخذلونني … على حدثان الدّهر إذ يتقلّب
وبعد البيت الشاهد:
وهلّا أعدّوني لمثلي - تفاقدوا - … وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب
... وقوله: أبزى: من قولهم: رجل أبزى وامرأة بزواء، وهو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، وأبزى هنا، مثل، ومعناه الراصد المخاتل، لأن المخاتل ربما انثنى فيخرج عجزه. والأنكب: المائل. ومائل الرأس: أي: مصعّر من الكبر ... ومواليّ: في بيت المطلع: أبناء العم. وعلى حدثان .. الخ: حال، أي: يخذلونني مقاسيا لما يحدث.
وقوله: في البيت الشاهد: «تفاقدوا» دعاء، اعترض به بين أول الكلام وآخره. يقول: هلا جعلوني عدة لرجل مثلي - فقد بعضهم بعضا، وقد جاءهم الخصم .. وكني في البيت الثالث عن الأعداء بالشجاع (الحية)، والعقرب.
والشاهد: أن إذا الشرطية، يجوز عند الكوفيين وقوع الجملة الاسمية بعدها، لكن بشرط كون خبرها فعلا، إلا في الشاذ، كهذا البيت، والجملة الاسمية «الخصم أبزى»، وقيل: أبزى: فعل، أي: تحامل على خصمه ليظلمه. وعليه: فالخصم مرفوع بفعل يفسره أبزى. (ومائل الرأس) بدل من الخصم [الخزانة/ 3/ 29، 37، والمرزوقي/ 214].

16 - لنا إبلان فيهما ما علمتم … فعن أيّة ما شئتم فتنكّبوا
.. بيت مفرد أنشده أبو زيد في نوادره، ونسبه الصاغاني في العباب لشعبة بن قمير، شاعر مخضرم، أسلم زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولم يره. وقوله: ما علمتم: أي ما علمتم من قرى الأضياف وتحمل الغرامات، فخذوا عن أيهما ما شئتم فإنها مباحة .. والتنكب: التجنب.
وقد يكون المعنى: فتجنبوا فإنها محفوظة بنا.
والشاهد: أنه يجوز تثنية اسم الجمع، على تأويل: فرقتين وجماعتين. لأن القياس يأبى تثنية الجمع، ذلك أن الغرض من الجمع الدلالة على الكثرة، والتثنية تدل على القلة فإذا جاء شيء من ذلك عنهم تأولوه على الإفراد [شرح المفصل/ 4/ 154، واللسان (نكب)].

17 - ولولا دفاعي عن عفاق ومشهدي … هوت بعفاق عوض عنقاء مغرب
لا يعرف قائله .. وهو شاهد على أن «عوضا» المبني قد يستعمل للمضيّ ومع الإثبات
(1/95)

لفظا، فإن (هوت) ماض مثبت وهو عامل في عوض، لكنه منفي معنى.
وعفاق: الذي دافع عنه الشاعر، لم يعرف، وممن سمي «عفاق» رجل كان على الشرطة مع على بي أبي طالب. والعنقاء: طائر خرافي لا وجود له. فإذا قيل: «عنقاء مغرب» بالوصف أو الإضافة، أرادوا «الداهية» وهذا ما يريده الشاعر هنا [الخزانة/ 7/ 129].

18 - ولو ولدت قفيرة جرو كلب … لسبّ بذلك الجرو الكلابا
هذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق، مطلعها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا … وقولي إن أصبت لقد أصابا
وهو من الشواهد في حرف الباء. وقبل البيت الشاهد:
وهل أمّ تكون أشدّ رعيا … وصرّا من قفيرة واحتلابا
... وقفيرة: أم الفرزدق .. ذم الشاعر قفيرة بأنها لو ولدت جروا لسبّت جميع الكلاب بسبب ذلك الجرو، لسوء خلقه
وخلقه.
والبيت شاهد، على أن الكوفيين وبعض المتأخرين أجازوا نيابة الجار والمجرور عن الفاعل، مع وجود المفعول الصريح.
وقيل: «الكلاب» ليست مفعولا للفعل «سبّ» بل مفعول «ولدت» و «جرو» نصب على النداء، أو على الذم وقيل: الكلاب: نصب على الذم، وجمع لأن قفيرة، وجروا، وكلبا، ثلاثة ... وهو تخريج فيه بعد، لأنهم تمحّلوه للردّ على الكوفيين. [الهمع ج 1/ 162، والخصائص ج 1/ 397، والخزانة ج 1/ 337].

19 - دعني فأذهب جانبا … يوما وأكفك جانبا
البيت منسوب للشاعر الفارس عمرو بن معديكرب ... وهو شاهد على أنه عطف «أكفك» مجزوما على جواب الأمر المنصوب بأن، بعد الفاء السببية، وهو (فأذهب)، أو على توهم سقوط الفاء وجزم أذهب في جواب الأمر ... وانتصب: «جانبا» الأول على الظرف، والثاني على أنه مفعول ثان لأكفك كأنّه خطاب لمن عذله على السفر والبعد،
(1/96)

أي: اتركني أذهب في جانب من الأرض، وأكفك جانبا من الجوانب التي تتوجّه إليها [الخزانة/ 9/ 100 وشرح المفصل ج 7/ 56].

20 - أنشأت أسأله ما بال رفقته … حيّ الحمول فإنّ الركب قد ذهبا
البيت لعمرو بن أحمر، من شعراء الدولة الأموية.
وقوله: أنشأت: من أفعال الشروع .. أي شرعت أسأل غلامي، كيف أخذ الركب.
وقوله: ذهبا: جعل الركب بمنزلة الواحد، ولو راعى معناه لقال ذهبوا. وقوله: حيّ الحمول: أي: فقال الغلام حيّ الحمول، والشاهد في قوله «حيّ» بفتح الحاء وتشديد الياء مع فتحها. وهي التي تأتي مركبة مع «حيّهل». وتستعمل «حيّ» مركبة وغير مركبة، فإن كانت غير مركبة كانت بمنزلة أقبل، فتتعدى ب على «حيّ على الفلاح» وإذا كانت مركبة كانت متعدية، بمنزلة ائت.
ولكن الشاعر جاء بها هنا غير مركبة ومتعدية بنفسها، فنصبت الحمول، جمع حمل.
فالشاعر: أخذ يسأل غلامه: ما بال الرفقة، وأين أخذت؟ ثم قال له:
حيّ الحمول يا غلام، أي ائتها وحثّها.
ولكن البيت مروي برواية أخرى:
أنشأت أسأله عن حال رفقته ... … فقال: حيّ فإن الركب قد ذهبا
وعليه، فليس بمتعد [الخزانة/ 6/ 251، واللسان «حيا» وشرح المفصل/ 4/ 37].

21 - لا يمنع الناس منّي ما أردت ولا … أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
البيت للشاعر الفارس سهم بن حنظلة الغنويّ، من المخضرمين ... من قصيدة في «الأصمعيات»، مطلعها:
إنّ العواذل قد أتعبنني نصبا … وخلتهنّ ضعيفات القوى كذبا
... وأقرب شروح البيت إلى المعنى المراد، أن الشاعر ينكر على نفسه أن يعطيه الناس، ولا يعطيهم ويمنعهم، لأن ما قبله يدل عليه، وهو قوله:
(1/97)

قد يعلم الناس أنّي من خيارهم … في الدّين دينا وفي أحسابهم حسبا
والشاهد: «حسن ذا ..» على أن «حسن» للمدح والتعجب، ويجوز في مثله أن تنقل ضمة العين إلى الفاء كما فعل الشاعر، ويجوز فتح الحاء وسكون السين وأصلها «حسن» فشبّه بنعم، وبئس في نقل الحركة، وأصلهما «نعم وبئس» لأنه جاء للمدح. و «ذا» فاعل، و «أدبا»: تمييز. ومن الفوائد اللغوية في «أدبا» أن الأدب الذي كانت العرب تعرفه هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم، مثل ترك السفه وحسن اللقاء .. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على أن يسمّوا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أديبا، ويسمّون هذه العلوم، الأدب. وذلك كلام مولد، لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام.
واشتقاقه من «الأدب» وهو العجب، أو من الأدب، بمعنى الدعوة إلى المحامد. [اللسان (حسن) والخصائص ج 3/ 40، والخزانة/ 9/ 432].

22 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به … أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا
للأسود بن يعفر، وصعّد في الجبل إذا علاه. والهواء: ما بين السماء والأرض.
والتصوّب: النزول. والشاهد: (عن بما به) على أنه من الغريب زيادة الباء في المجرور، فإنها زيدت مع (ما) المجرور ب (عن) [الأشموني/ 3/ 83، والهمع/ 2/ 22، والخزانة/ 9/ 527، واللسان «صعد»].

23 - فيا لرزام رشّحوا بي مقدّما … على الحرب خوّاضا إليها الكرائبا
البيت لسعد بن ناشب المازني، في الحماسة، شاعر إسلامي في الدولة المروانية.
قوله: يا لرزام: اللام مفتوحة للاستغاثة. ورزام: اسم قبيلة. والترشيح: التربية والتهيئة للشيء. ورشّح للأمر: ربّي
له وأهّل، يقال فلان يرشّح للخلافة: إذا جعل وليّ العهد. والكرائب: جمع كريبة، الأمر الشديد، فالكرائب: الشدائد. والمعنى: يا بني رزام هيئوا بي رجلا، يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الشدائد غير متنكب عنها، وتلخيصه: رشّحوا بترشيحكم رجلا هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
والبيت شاهد: على أنّ «خوّاضا» صيغة مبالغة حوّل من اسم الفاعل الثلاثي، وهو خائض، ونصب الكرائبا.
وكان الشاعر قتل له حميم، فأوعده الأمير بهدم داره إن طالب بثأره فقال قبل البيت:
(1/98)

سأغسل عني العار بالسيف جالبا … عليّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها … لعرضي من باقي المذمّة حاجبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنّها … تراث كريم لا يبالي العواقبا
إذا همّ لم تردع عزيمة همّه … ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
[الخزانة/ 8/ 141، والمرزوقي/ 72].

24 - سيري أمام فإن الأكثرين حصى … والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يسوّي بأنف الناقة الذّنبا
.. الشاهد للحطيئة يمدح بني أنف الناقة، وذكرت البيت الثاني، لتمام المعنى والإعراب به.
وقوله: أمام: منادى مرخم، أي: يا أمامة. وحصى: تمييز للأكثرين، وأبا: تمييز للأكرمين. ومعنى الحصى: العدد، وأطلق على العدد لأن العرب كانوا يعدون بالحصى، واشتق منه الفعل أحصى. وخبر «إنّ الأكرمين» في البيت الثاني: (قوم). والشاهد: «أبا» وحّد الأب لأنهم كانوا أبناء أب واحد، والظاهر أن يقول «آباء» إذا لم يجمعهم أب واحد. والبيت الثاني كان سبب افتخار بني أنف الناقة بنسبهم، وكانوا يخفون هذا اللقب، فعدّوا في باب من رفعهم الشعر. [الهمع ج 2/ 97، والدرر ج 2/ 131، والخزانة ج 3/ 288].

25 - فأضحى ولو كانت خراسان دونه … رآها مكان السّوق أو هي أقربا
.. البيت للشاعر عبد الله بن الزّبير الأسدي، من العصر الأموي: والزبير هنا: بفتح الزاي، ومعناها الحمأة والطين الأسود المنتن، والكدر. قال الشاعر:
وقد جرّب الناس آل الزّبير … فلاقوا من آل الزّبير الزّبيرا
أي: الحمأة والكدر. وأما «الزّبير» بضم الزاي، مع التصغير، فهو من «الزّبر» وهو طيّ البئر بالحجارة وقيل للرجل العاقل، ذو زبر، كأن العقل قد شدده وقواه. وزبرة الحديد:
القطعة منه .. وللبيت قصة تقول: لما قدم الحجاج الكوفة، أمر الناس أن يلحقوا بابن المهلب لقتال الخوارج، فاعتذر له عمير بن ضابئ البرجمي بأنه شيخ، وطلب أن يرسل ابنه بدلا منه، فشهد شاهد أنّ عميرا كان من قتلة عثمان بن عفان، فأمر السياف أن يقطع
(1/99)

رأسه .. فخاف الناس، ولحقوا بابن المهلب، فقال عبد الله بن الزّبير:
أقول لعبد الله لما لقيته … أرى الأمر أمسى منصبا متشعّبا
تجهز فإمّا أن تزور ابن ضابئ … عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه … يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى ... البيت.
وقوله: فأضحى: الفاء سببية، تسبّب ما بعدها عن قوله قبل البيت: تجهّز ...
وأضحى: فعل ناقص. اسمه ضمير مستتر يعود على عبد الله في البيت الأول.
وجملة رآها خبرها. وتكون «لو» وصلية، لا جواب لها. لأنه يريد أن عبد الله صار كأنه رأى خراسان مكان السوق، قريبة منه، أو هي أقرب من السوق فذهب إليها من غير تأهب واستعداد، لشدة خوفه، وإن كانت خراسان دونه بمراحل. - والسوق - مكان البيع.
وقيل: خبر أضحى محذوف، «ولو» شرطية، و «رآها» جوابها. والأول أقوى.
وقوله: دونه .. الضمير للسفر المفهوم من المقام، يعني: دون السفر، رأى خراسان مكان السوق للخوف.
والشاهد في: أو هي أقربا: وفيها أقوال: الأول: هي: توكيد للضمير في رآها.
وأقربا مفعول ثان. الثاني: ضمير فصل، بين (هاء) مفعول أول لفعل محذوف تقديره: أو رآها، والمفعول الثاني: أقرب. والثالث: أن يكون «أقرب» ظرفا، فتكون: هي، مبتدأ، و «أقربا» خبر والتقدير: أو هي أقرب من السوق ومثله قوله تعالى «والركب أسفل منكم» [الأنفال: 42]. [الخزانة ج 7/ 50، والأغاني/ 13/ 40].

26 - فذاك وخم لا يبالي السّبّا … الحزن بابا والعقور كلبا
هذا من رجز رؤبة بن العجاج. والحزن: الغليظ. وصف رجلا بشدة الحجاب ومنع الضيف كأنّ بابه وثيق لا يستطاع فتحه وأنّ كلبه عقور لمن ينزل بساحته باغيا معروفه، ولا يبالي أن يسبّ، ويرى المال أحبّ إليه من عرضه.
والشاهد فيه: نصب «بابا» و «كلبا» على حدّ قولهم «الحسن وجها» وهو من باب
(1/100)

التمييز. [الخزانة/ 8/ 227 والأشموني/ 3/ 14، وسيبويه/ 1/ 103].

27 - بأعين منها مليحات النّقب … شكل التّجار وحلال المكتسب
من شواهد سيبويه .. يصف الراجز جواري ... والنّقب: بالضم: دوائر الوجه، ويروى بكسر النون: أراد جمع نقبة، من الانتقاب بالنقاب. وشكل التّجار: أي: هنّ مما يصلح للتجارة ويحلّ للكسب.
والشاهد: شكل التجار، وحلال المكتسب: بالجر، نعتا لما قبله ولو قطع بالنّصب والرفع لما فيه من معنى المدح لجاز [سيبويه/ 1/ 250، واللسان «نقب»].

28 - بنا تميما يكشف الضّباب
رجز لرؤبة بن العجاج، وهو من تميم. والشاهد: نصب «تميما» على الإختصاص، وأنه ربما كان علما.
والضّباب: جمع ضبابة، ندى كالغبار يغشي الأرض بالغدوات. وأضبّ يومنا:
بالهمزة، إذا صار ذا ضباب: فضرب الضباب مثلا لقمة الأمر وشدته، أي: بنا تكشف الشدائد في الحروب وغيرها. [الخزانة/ 2/ 413، وسيبويه/ 1/ 255، وشرح المفصل/ 4/ 302].

29 - إنّ لها مركّنا إرزبّا … كأنّه جبهة ذرّى حبّا
.. المركّن: الضرع المنتفخ. والإرزبّ: الغليظ. والشاهد: «ذرّى حبّا» فهو علم مركب تركيبا إسناديا. مثل «تأبط شرا» فيحكى على حاله. بحركات مقدرة.
.. [وهذا الرجز لراجز من بني طهية [سيبويه ج 2/ 64، وشرح المفصل ج 1/ 28، واللسان، حبب، ورزب].

30 - والله ما ليلي بنام صاحبه … ولا مخالط اللّيان جانبه
... البيت مجهول القائل، مع كثرة استشهاد النحويين به ... وقائله يصف أنه أرق ليلته وطال سهره وجفا جنبه عن الفراش فكأنّه نائم على شيء خشن لا لين فيه.
.. والشاهد فيه: «بنام» حيث دخلت الباء على الفعل «نام» وحروف الجرّ لا تدخل على
(1/101)

الأفعال .. وإذا وجد في كلام العرب مثل هذا يؤولونه على أنّ الحرف داخل على اسم محذوف .. وتقديره هنا: «ما ليلي بليل نام صاحبه» ... ولذلك يعرب «ليلي» مبتدأ، أو اسم ما الحجازية. والاسم المحذوف خبر .. وقوله: «ولا
مخالط» معطوف على محل قوله «بليل نام صاحبه» وفيها النصب إن جعلت (بليل) خبر ما. والرفع إن جعلته خبر المبتدأ ... و «جانبه» فاعل، لاسم الفاعل «مخالط» ويرى ابن منظور أنّ الباء داخلة على كلام محكي، كالأعلام المحكية مثل «شاب قرناها» [الهمع/ 1/ 6، وشرح المفصل/ 3/ 62، والإنصاف/ 112، والأشموني/ 3/ 27 والخصائص/ 2/ 366].

31 - يسرّ المرء ما ذهب الليالي … وكان ذهابهنّ له ذهابا
ليس للبيت قائل، إلا كتب النحو، وهو شاهد على «ما» المصدرية التي تسبك مع ما بعدها بمصدر، وهو هنا «ما ذهب»، والتقدير: يسرّ المرء ذهاب الليالي، فالمصدر المؤول فاعل الفعل «يسرّ»، [الهمع/ 1/ 81، وشرح المفصل 1/ 97، والدرر/ 1/ 54].

32 - إذن والله نرميهم بحرب … تشيب الطفل من قبل المشيب
.. البيت منسوب إلى حسان بن ثابت، وليس فيه مذاق شعره. وتذكره كتب النحو شاهدا على نصب المضارع إذا فصل عن (إذن) بالقسم .. وهو هنا الفعل «نرميهم» ولم يفطن أحد إلى أن البيت يستقيم وزنه برفع الفعل «نرميهم»، [شذور الذهب/ 291، والهمع/ 2/ 7، والأشموني/ 3/ 289، وشرح أبيات المغني/ 8/ 108].

33 - أضحى يمزّق أثوابي ويضربني … أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا؟
.. البيت غير منسوب ... وقد استشهد به ابن هشام على أنّ الفعل الناقص «أضحى» يمكن أن يستعمل بمعنى «صار» التي تفيد التحويل من حال إلى حال ... وليس ببعيد أن تكون «أضحى» هنا على معناها الأصلي، وهو تقييد وقوع الخبر على المبتدأ بوقت الضحى.

34 - ألا ليت الشباب يعود يوما … فأخبره بما فعل المشيب
.. البيت لأبي العتاهية، للتمثيل لا للإحتجاج، ... وفيه شاهدان: الأول: ليت:
الناسخة، ومعناها، التمني، وهو طلب ما لا طمع فيه ...
(1/102)

والثاني: نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية (فأخبره) في جواب التمني ...

35 - لكلّ عيش قد لبست أثوبا.
رجز صاحبه (معروف بن عبد الرحمن)، ومعناه تصرفت في ضروب العيش وذقت حلوه ومرّه. والشاهد: جمع ثوب على أثوب والأكثر تكسيره على أثواب، [اللسان (ثوب)، وسيبويه/ 2/ 185، والأشموني/ 4/ 122، والعيني/
4/ 522].

36 - ومعتد فظّ غليظ القلب … كأن وريديه رشاء خلب
غادرته مجدّلا كالكلب
.. رجز لرؤبة بن العجاج. وقوله: وريديه: الوريدان: عرقان يكتنفان جانبي العنق.
والرشاء: الحبل. والخلب: بالضم: الليف .. ورشاء، بالإفراد، وهو جائز في كلام العرب، فقد يخبر بالمفرد عن المثنى ويروى «رشاءا» ... بالتثنية.
والشاهد: إعمال (كأن) مخفّفة كإعمالها مشدّدة، تشبيها لها بالفعل الذي يخفّف ولا يتغير عمله، كما تقول: لم يك زيد منطلقا. والوجه الرفع إذا خفّفت لخروجها عن شبه الفعل في اللفظ، [سيبويه/ 1/ 480، واللسان (خلب) وشرح المفصل/ 8/ 83، والخزانة/ 10/ 392، والإنصاف ص 198].

37 - وبعض الأخلّاء عند البلا … ء والرّزء أروغ من ثعلب
وكيف تواصل من أصبحت … خلالته كأبي مرحب
من شعر النابغة الجعدي، والخلالة: بضم الخاء وكسرها وفتحها الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل. وأبو مرحب: كنية الظلّ وهو سريع التحول، وقيل: كنية «عرقوب» المشهور بخلف الوعد.
والشاهد: «كأبي مرحب» فالجار والمجرور خبر لأصبح، وأصل معمولي أصبح مبتدأ وخبر، ولا يصلح أن يكون «كأبي مرحب» خبرا عن الخلالة التي هي الصداقة لأن هذا الخبر ليس هو عين المبتدأ، فلزم أن يكون ثمة مضاف محذوف، تقديره: أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب [سيبويه/ 1/ 110، والإنصاف ص 62، ونوادر أبي زيد/ 189].
(1/103)

38 - ولمّا أن تحمّل آل ليلى … سمعت ببينهم نعب الغرابا
.. مكان الشاهد: «سمعت نعب الغرابا»، وهذه العبارة من باب الاشتغال حيث تقدم فعلان، كلاهما يطلب «الغرابا» معمولا له، الأول يطلبه مفعولا والثاني يطلب فاعلا، فعمل فيه الأول، حيث جاء مفعولا لسمعت، وأضمر فاعل «نعب» وإعمال الأول منهما مذهب الكوفيين أما إعمال الثاني فهو مذهب البصريين .. وكلا المذهبين جاءت به الشواهد، فلا يفضّل أحدهما على الآخر [الإنصاف ص 86].

39 - زعمتني شيخا ولست بشيخ … إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا
.. هذا البيت، لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس. يقول: ظنت هذه المرأة أنني قد كبرت سني، وضعفت قوّتي، ولكنها لا
تعلم حقيقة الأمر، لأن من كان مثلي يسير سيرا قويا لا يقال عنه شيء من ذلك ... والشاهد في البيت «زعم» التي تدل على الرجحان، ونصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر - الأول: الياء - والثاني «شيخا». [شذور الذهب، والأشموني/ 2/ 223، وشرح أبيات المغني/ 7/ 261].

40 - القوم في أثري ظننت فإن يكن … ما قد ظننت فقد ظفرت وخابوا
.. البيت مجهول القائل. ويقول: إني أظنّ أن القوم يتعقبونني وهم خلفي، فإن كان هذا الذي أظنه واقعا فسوف أفلت منهم، أو أوقع بهم أعظم وقيعة فأخيّب فألهم وأظفر عليهم .. والبيت شاهد على إلغاء «ظنّ» لأنها تأخرت عن المبتدأ والخبر: «القوم في أثري ظننت» فلم تنصب المبتدأ والخبر وبقيا مرفوعين .. أما «ظننت» في الشطر الثاني، فقد حذف مفعولاها -[قطر الندى/ 243].

41 - وإنّما يرضي المنيب ربّه … ما دام معنيّا بذكر قلبه
.. هذا من الرجز المجهول قائله .. وقد ذكره النحويون شاهدا على إنابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول به في الكلام، وهو قوله «معنيا بذكر قلبه» معنيا: اسم مفعول يحتاج إلى نائب فاعل .. بذكر: جار ومجرور، نائب فاعل، قلبه:
مفعول به منصوب ل «معنيا» والدليل على نصبه، أنه نصب، (ربّه) .. وهذا الذي فعله الشاعر، شاذ، لضرورة الشعر [الأشموني/ 2/ 68، والعيني 2/ 519، وشرح التصريح/ 1/ 291].
(1/104)

42 - يبكيك ناء بعيد الدار مغترب … يا للكهول وللشبّان للعجب
.. البيت من شواهد النحويين يقول: إني أبكي عليك ولست من أهلك لأنني من ديار بعيدة عن ديارك، وأنا ناء شديد البعد عن أهلي، ثم دعا الكهول والشبان ليعجبوا من هذه الحال ... والشاهد فيه: يا للكهول وللشبان، حيث جرّ الشبان بلام مكسورة، لكونه معطوفا من غير أن يعيد معه «يا» الاستغاثة، وقوله: يا للكهول: يا: حرف نداء واستغاثة.
للكهول: اللام مفتوحة، حرف جرّ، والجار والمجرور متعلقان ب (يا) لأن فيها معنى الفعل، أو بفعل محذوف، أو زائدة لا تحتاج إلى متعلق .. للعجب: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف أي: أدعوكم للعجب ... والبيت في باب «الاستغاثة»، فالمستغاث يجرّ بلام مفتوحة، والمستغاث له يجر بلام مكسورة، والعطف على المستغاث به بدون تكرار ياء النداء، يجعل المعطوف مجرورا بلام مكسورة. [الخزانة/ 2/ 154، والهمع ج 1/ 180، والأشموني/ 3/ 165، والدرر/ 1/ 155].

43 - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها … جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
... البيت للشاعر طفيل بن كعب الغنوي، من شعراء الجاهلية، اشتهر بوصف الخيل، حتى قال عبد الملك بن مروان، من أراد أن يتعلم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل .. والبيت في وصف الخيل أيضا.
والكمت: جمع أكمت، وإن لم يكن هذا المفرد مستعملا، وإنما المستعمل كميت بزنة المصغر. وهو الذي لونه الحمرة يخالطها سواد. ومدمّاة: شديدة الحمرة. وجرى:
سال. واستشعرت لون مذهب: جعلت هذا اللون شعارها، وأصل الشعار: بوزن كتاب:
العلامة يتخذها المحارب ليعرف بها، أو هو ما يلي الجسد من الثياب. والمذهب:
المموه بالذهب.
والشاهد: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، فإن هذا الكلام من التنازع، فقد تقدم عاملان هما: جرى - واستشعرت وتأخر عنهما معمول - وهو لون مذهب - وكلاهما يطلبه وقد أعمل الشاعر العامل الثاني في لفظ المعمول، فنصبه على المفعولية. ولو أعمل الأول لرفع «لون مذهب» لأن الأول يطلبه فاعلا، ولأتى بضمير المعمول بارزا مع العامل الثاني، فكأنه يقول: جرى فوقها واستشعرته لون مذهب [سيبويه/ 1/ 39، والإنصاف ص 88، والأشموني/ 2/ 104].
(1/105)

44 - ألا يا اسلمي يا ترب أسماء من ترب … ألا يا اسلمي حيّيت عني وعن صحبي
.. للشاعر الكميت بن زيد الأسدي ... والترب: بكسر التاء وسكون الراء الذي يساويك في سنّك ... والشاهد في البيت: «يا اسلمي»، حيث اقترن حرف النداء بالفعل «اسلمي» ويرى الكوفيون أن المنادى إنما يقدر إذا دخلت ياء النداء على الأمر، وما جرى مجراه ... أما دخولها على «نعم»، فلا يقدر معه منادى، لأنها في رأيهم اسم [الإنصاف/ ص 101].

45 - وقالت: ألا يا اسمع نعظك بخطّة … فقلت: سميعا، فانطقي وأصيبي
.. لا يعرف قائله: ونعظك: مجزوم في جواب الأمر. وسميعا: مفعول ثان لفعل محذوف تقديره: وجدتني سميعا. أو حال حذف عامله. والشاهد: دخول ياء النداء على فعل الأمر «اسمع» ... وكون المنادى محذوف ودخول ياء النداء على كلمة لا يدل على اسميتها، لجواز أن يكون في الكلام حذف، [الإنصاف ص 102].

46 - ألا يا قوم للعجب العجيب … وللغفلات تعرض للأريب
البيت من شواهد ابن هشام، والمعنى: يدعو قومه ليتدبروا في العواقب، وينتبهوا لما يجري من الأمور، ويعجبهم أشد العجب من غفلة المجرب عن عقبى الأمور مع علمه بما يترتب على ذلك من فساد ... والشاهد فيه «يا قوم» حيث استعمل المستغاث به استعمال المنادى، فلم يلحق به اللام في أوله، ولا الألف في آخره، وهذا الاستعمال أول الاستعمالات الثلاثة .. ويجوز في «يا قوم» البناء على الضم ... ويجوز نصبه بفتحة مقدرة على الميم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ياء المتكلم المحذوفة.
[الأشموني ج 3/ 166، والعيني/ 4/ 263].

47 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة … وما لي، إلا مذهب الحقّ مذهب
... البيت للكميت بن زيد الأسدي، من قصيدة هاشمية يمدح بها آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والشاهد فيه «إلا آل أحمد» و «إلا مذهب الحقّ» حيث تقدم المستثنى على المستثنى منه، فوجب نصبه في جميع حالات الاستثناء، وأصل التركيب:
«وما لي شيعة إلا آل أحمد» و «ما لي مذهب إلا مذهب الحق». [الإنصاف/ 275،
(1/106)

واللسان (شعب)، والأشموني ج 2/ 149، وابن عقيل، والخزانة ج 4/ 314 (مشعب)، وشرح أبيات المغني/ 6/ 333].

48 - وابأبي أنت وفوك الأشنب … كأنّما ذرّ عليه الزّرنب
... البيت لراجز من بني تميم، لم يعيّنوا اسمه .. وقوله: وا: معناه أعجب بأبي:
يريد: أفديك بأبي. والأشنب: الذي فيه الشّنب - بفتحتين - وهو عبارة عن رقة الأسنان وعذوبتها، أو نقط بيض فيها. والزرنب: نبات طيب الرائحة ... والشاهد فيه «وا» اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، فاعله ضمير مستتر.
وقوله: بأبي: جار ومجرور، خبر مقدم. وأنت: ضمير في محل رفع مبتدأ مؤخر.
وفوك: معطوف عليه. [الأشموني/ 3/ 198، والهمع/ 2/ 106، والمغني/ 6/ 143].

49 - وعدت وكان الخلف منك سجيّة … مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
.. هذا البيت نسبه في اللسان للأشجعي، ولا نعلم من هو .. : وعرقوب: رجل يضرب به المثل في خلف الوعد. ويثرب: ضبطه بعضهم بفتح الراء: مكان في اليمامة، ومنهم من كسر الراء، وهو الاسم القديم لمدينة رسول الله ... والشاهد في البيت:
«مواعيد عرقوب أخاه» فإنّ مواعيد، جمع ميعاد، أو موعد - مصدر ميمي - وقد أعمل الشاعر هذا الجمع في فاعل، ومفعول، فأضافه إلى الفاعل، ثم نصب المفعول به (أخاه) فدلّ على أنّ المصدر إذا جمع جاز أن يعمل كما يعمل وهو مفرد .. وهو مذهب بعض النحويين، ويرى ابن مالك أن المصدر المجموع لا يعمل، وأن البيت شاذ لا يقاس عليه.
[سيبويه/ 1/ 137، وشرح المفصل/ 1/ 113، والهمع/ 2/ 92، ونسب البيت للشماخ أيضا].

50 - فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل … من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه
.. البيت للأخطل، في هجاء كعب بن جعيل. وضجر: بسكون الجيم هو الفعل «ضجر» بكسر الجيم. والبازل من الجمال الذي انشقت نابه إذا بلغ التاسعة. والأدم:
جمع آدم: الأسمر اللون. ودبرت: أصل الفعل (دبر) بكسر الباء، أصابه الدّبر وهو جروح مع قيح يصيب الدابة من أثر الرحل. والشاهد: ضجر - ودبر: (بسكون وسطهما ..) ذكرا، توجيها لمن قال: «نعم» بسكون العين في «نعم» مع فتح أولها ..
(1/107)

حيث حذفت كسرة العين من «نعم» لأن أصلها كذلك عند البصريين (نعم) [اللسان (ضجر) والإنصاف ص 123، والمنصف ج 1/ 21].

51 - ولمّا تعيّا بالقلوص ورحلها … كفى الله كعبا ما تعيّا به كعب
قاله رجل من الأزد، وتعيّا عليه الأمر: أثقله وأعجزه .. والشاهد: كفى الله كعبا ما تعيّا: فإن كفى هنا بمعنى «وفى» تتعدى إلى مفعولين ولا يقترن فاعلها بالباء نحو وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: 25] ... وتكون كفى بمعنى «حسب» وهي قاصرة لا تتعدى، وهي التي يغلب اقتران فاعلها بالباء الزائدة (نحو/ «كفى بالله شهيدا». وتكون «كفى») بمعنى أجزأ وأغنى، فتتعدى إلى واحد ولا يقترن فاعلها بالباء الزائدة نحو:
قليل منك يكفيني ولكن … قليلك لا يقال له قليل
[الإنصاف ص 167].

52 - إنّ من لام في بني بنت حسّا … ن ألمه وأعصه في الخطوب
.. هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس من قصيدة يمدح فيها أبا الأشعث بن قيس الكندي ... وحسّان: أحد تبابعة اليمن .. والشاهد: دخول إنّ، على (من) اسم الشرط، واسم الشرط له الصدارة في جملته، ولذلك يقدّر اسم (إنّ)
ضمير الشأن. ومن: مبتدأ، تصدرت جملتها، والجملة خبر (إنّ)، ومثله بيت الأخطل:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما … يلق فيها جآذرا وظباء
... وبيت الأعشى يروى (من يلمني على بني بنت حسان). ولا شاهد فيه [سيبويه/ 1/ 439، والإنصاف ص 180، وشرح المفصل ج 3/ 115، والخزانة ج 5/ 420].

53 - أجدّك لست الدهر رائي رامة … ولا عاقل إلّا وأنت جنيب
ولا مصعد في المصعدين لمنعج … ولا هابط ما عشت هضب شطيب
.. لم ينسبا لقائل .. ورامة، وعاقل، ومنعج وشطيب: أماكن بأعينها.
وقوله: أجدّك: الهمزة للاستفهام. وجدّ: مفعول مطلق لفعل محذوف، أو منصوب
(1/108)

على نزع الخافض. والشاهد: ولا مصعد، فهو مجرور معطوف على خبر ليس المنصوب، متوهّما جرّ خبر ليس بالباء. وربما توهم العطف على «ولا عاقل». [الإنصاف ص 191 - 192].

54 - وداويّة قفر يحار بها القطا … أدلّة ركبيها بنات النجائب
يحايي بها الجلد الذي هو حازم … بضربة كفّيه الملا نفس راكب
.. الداوية: الصحراء الواسعة .. يحايي. يحيي. الجلد: الصبور. والملا: التراب ..
وليس للبيتين قائل معين .. والمعنى: ربّ صحراء واسعة لا أنيس فيها - يستعمل المسافر فيها الماء لإحياء نفسه للشرب، ويتيمم بدلا من الوضوء .. وأصل التركيب: «يحيي الجلد نفسه بالماء، بضربة كفيه التراب».
وقوله: بضربة: جار ومجرور متعلقان ب «يحايي». وهو مضاف - وكفيه: مضاف إليه مجرور بالياء، والهاء مضاف إليه. الملا: مفعول به ل: ضربة. نفس: مفعول به للفعل يحايي ..
والشاهد فيه: قوله: ضربة كفيه الملا، فإن ضربة: مصدر محدود، بسبب لحاق تاء الوحدة به .. والمصدر المحدود، لا يعمل عمل فعله، لبعد شبهه بالفعل، لأن الفعل يدل على الحدث من غير تقيّد بمرة واحدة أو مرتين، والمصدر ذو التاء يدل على الحدث مقيدا بالمرة الواحدة .. وكذلك يقال في المصدر المصغّر والمجموع .. وعمل المصدر في البيت هنا، شاذ.
[الهمع/ 2/ 92، والأشموني ج 2/ 286، والدرر ج 2/ 122].

55 - يا للرجال ليوم الأربعاء أما … ينفكّ يحدث لي بعد النّهى طربا
إذ لا يزال غزال فيه يفتنني … يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب … يا ليت عدّة حول كلّه (رجب) رجبا
.. الأبيات للشاعر عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي .. وقافية الأبيات منصوبة ..
وفي البيت الثالث نصبت ليت الجزئين، وهي لغة ضعيفة لبعض العرب ولكن البيت الثالث ترويه النحاة بالرفع، لأنهم لم يطلعوا على ما قبله، ولأن الشاهد ليس في القافية، ..
والشاهد في البيت قوله «حول كلّه» حيث أكّد النكرة «حول» ب «كلّ» وهو شاذ عند بعض
(1/109)

النحويين، ويرى ابن مالك صحة توكيد النكرة إن أفاد توكيدها، وتحصل الفائدة بأن تكون النكرة محدودة والتوكيد من ألفاظ الإحاطة ... و «حول» هنا، نكرة محدودة، لها أول وآخر معروفان، والتوكيد من ألفاظ الإحاطة وهو «كلّه» ... ، وقصة الأبيات في معجم البلدان (أحزاب) شذور الذهب، والأشموني/ 3/ 77، والإنصاف/ 451، وشرح المفصل/ 3/ 35، والأشموني ج 3/ 66، ويروى في كتب النحو (رجب) بالضم والصواب ما أثبت.

56 - أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا … أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
.. هذا البيت من كلام طالب بن أبي طالب، أخي علي بن أبي طالب، من قصيدة، يمدح فيها رسول الله، ويبكي على أصحاب القليب، أوردها ابن هشام في السيرة.
... والشاهد فيه: أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا، فإن قوله «عبد شمس» عطف بيان على قوله: أخوينا، ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأنه لو كان بدلا لكان حكمه وحكم المعطوف بالواو عليه واحدا، واستلزم أن يكون كل واحد منهما كالمنادى المستقل، لأن البدل من المنادى يعامل معاملة نداء مستقل، لكونه على نية تكرار العامل الذي هو هنا حرف النداء، وهذا يستدعي أن يكون قوله «نوفلا» مبنيا على الضم، لكونه علما مفردا، ولكن الرواية وردت بنصبه، فدلت على أنه لا يكون قوله «عبد شمس» بدلا. وإنما هو عطف بيان .. لكونه عطف عليه بالنصب، ولو قال «ونوفل» لجاز أن يكون بدلا.
[الهمع/ 2/ 121، والدرر/ 2/ 153، والأشموني/ 3/ 87].

57 - كأنّ كبرى وصغرى من فقاقعها … حصباء درّ على أرض من الذّهب
.. هذا البيت لأبي نواس، يصف فيه الخمر في الكأس .. وقد أورده النحويون لإظهار خطأ أبي نواس في قوله «صغرى وكبرى». لأنهم عدّوا اللفظتين من أفعل التفضيل، وحقّ أفعل التفضيل إذا كان مجردا من أل والإضافة أن يكون مفردا مذكرا، مهما يكن أمر الموصوف به، فكان عليه أن يقول: أصغر، وأكبر، من فقاقعها، أو «كأن
الكبرى والصغرى ..» ولكن الشاعر لم يرد معنى التفضيل وإنما أراد معنى الصفة المشبهة، اي:
كأنّ الفقاعة الصغيرة والفقاعة الكبيرة .. والصفة المشبهة تطابق ما تجري عليه .. وعلى هذا، لم يلحن أبو نواس. [شرح المفصل/ 6/ 100، والأشموني/ 3/ 48، والعيني/ 4/ 54].
(1/110)

58 - لم تتلفّع بفضل مئزرها … دعد ولم تسق دعد في العلب
.. البيت منسوب إلى جرير، وإلى عبيد الله بن قيس الرقيات، وهو من شواهد سيبويه/ 2/ 22.
.. ومعنى: تتلفع: تتقنّع. والعلب: جمع علبة، وعاء من جلد يشرب فيه الأعراب، يصف هذه المرأة بأنها حضريّة رقيقة العيش، فهي لا تلبس لباس الأعراب، ولا تتغذى غذاءهم ..
والشاهد: (دعد) علم مؤنث ثلاثي ساكن الوسط غير أعجمي، وقد أتى به الشاعر منونا في أول الشطر الثاني، وغير منون بعده، فدل ذلك على جواز صرفه وعدمه ولكن هذا شعر ويجوز للشاعر صرف الممنوع، ومنع المصروف. [وشرح المفصل/ 1/ 170].

59 - عجب لتلك قضية وإقامتي … فيكم على تلك القضية أعجب
.. البيت منسوب إلى ثلاثة شعراء، ولم يتفقوا على واحد منهم، ونسبه سيبويه لرجل من مذحج ولم يعينه. والشاهد فيه: كلمة «عجب» فهي نكرة دلت على معنى التعجب، ولذلك جاز الابتداء بها، وكان ذلك مسوّغا لها .. وأما خبرها فهو الجار والمجرور بعدها، أو خبره محذوف، وقضية: حال من اسم الاشارة.
وفيه أقوال أخرى فانظر [الخزانة/ 2/ 34، وسيبويه/ 1/ 161، وشرح المفصل ج 1/ 114، والهمع/ 1/ 191، والدرر/ 1/ 164، والأشموني/ 2/ 188]، ويروى البيت للشاعر هنيّ بن أحمر، وهو جاهلي، وله أبيات في المؤتلف ص 38، على الوزن والقافية. وقد ظنّ هارون أنّ البيت فيها، وليس كذلك وهو في قطعة أوردها البغدادي في الخزانة ج 2/ 37 ومنها البيت المشهور:
وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

60 - لك الخير علّلنا بها علّ ساعة … تمرّ وسهواء من الليل يذهب
.. البيت للعجير السلولي .. والسهواء: بفتح السين ممدودا، ساعة من الليل وصدر منه .. والشاهد في «علّ ساعة» فإن استعمال (عل) في معنى لعلّ، دليل عند البصريين على أنّ اللام الأولى زائدة، [الإنصاف ص 220].
(1/111)

61 - يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي … مكان من أشتى على الركائب
هذا رجز يرويه أهل اللغة، وهم موثّقون فيما يروون من الأبيات المفردة إذا لم يذكروا أصحابها، لأنهم كانوا يجوبون البوادي لسماع اللغة من أصحابها، أو يتلقون الأعراب في الأسواق. والشاهد: أم العمرو، حيث أدخل الألف واللام على العلم، وهذا عند البصريين قليل لا يقاس عليه.
قالوا ذلك في مجال الردّ على الكوفيين الذين نقلوا أن العرب يعرّفون جزئي العدد المركب، فيقولون: «جاء الخمسة العشر راعيا». قال أهل اللغة: وقد يشيع العلم، ويكون واحدا من الأمّة المسماة به، ويجري مجرى رجل وفرس فتصحّ إضافته وإدخال اللام عليه، وعندها يخرج عن أن يكون معرفة .. فيقولون: جاء المحمدون، وللقفطي كتاب «الشعراء المحمدون».
قلت: وإخواني الخمسة، سمّى كل واحد منهم ابنه باسم والدنا «محمد» رحمه الله تبركا بالاسم، ولإظهار الحبّ والودّ للوالد، بإبقاء ذكراه بين الأسرة، وكان الإخوان الخمسة متجاورين في السكن، فإذا نودي «محمد» أجاب اثنان أو ثلاثة، وإذا تحدثت المجالس عن «محمد» من أبناء الأسرة، حصل لبس، أي: المحمّدين يريد المتحدث، فاهتدت سليقتهم البدوية إلى طريقة في التمييز عن طريق الإضافة، فقالوا: محمد حسن، ومحمد عبد الله، ومحمد حسني .. بإضافة «محمد» إلى أبيه. وأظنّ أن صنيعهم هذا عربي، وقد يؤول على حذف «ابن» ويكون التقدير محمد بن حسن، ومحمد بن عبد الله، وليس هو من مثل «محمد عليّ» لأن الأخير يفسد المعنى المقصود بإضافته، إذ المقصود، البركة من الاسم النبويّ، وفيه إضافة الأعلى إلى الأدنى، وهو فاسد، ولعلّ أول من عرف ب (محمد علي) في بلاد العرب هو محمد علي باشا، مؤسس الأسرة التي حكمت مصر، وجلبت الويلات إلى بلاد العرب. [الإنصاف ص 316، وشرح المفصل/ 1/ 44].

62 - فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله … ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
.. هذا البيت للشاعر، نصيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان، يمدح سليمان ابن عبد الملك: يقول: إن هؤلاء الناس الذين لقيتهم وسألتهم عنك قد أثنوا عليك، وذكروا من كرمك ومحاسن أخلاقك ما أنت أهل له، ولو أنهم لم يمدحوا بألسنتهم لتكلّمت حقائبهم، يريد أن حقائبهم كانت ممتلئة بعطاياه.
(1/112)

وشاهده: «أثنت عليك الحقائب». فإنه قد أثبت للحقائب ثناء، والحقائب لا تتكلم بلسان المقال، وإنما كلامها بلسان الحال، والمراد أن ما في الحقائب يحدث بلسان الحال عن جودك وكرمك إذا سكت المعطون .. وهو من
شواهد (الشذور). على أن الكلام منه ما هو لفظي، ومنه ما هو لغويّ. [شذور الذهب ص 30].

63 - إنّ الشباب الذي مجد عواقبه … فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب
.. هذا البيت للشاعر سلامة بن جندل السعدي .. شاعر جاهلي، والبيت من قصيدة في المفضليات مطلعها:
أودى الشباب حميدا ذو التّعاجيب … أودى وذلك شأو غير مطلوب
.. يقول في بيت الشاهد: إذا تعقبت أمور الشباب وجدت في عواقبه العزّ وإدراك الثأر والرحلة في المكارم، وليس في الشيب ما ينتفع به، إنما فيه الهرم والعلل.
والشاهد فيه: قوله «لا لذات» فهو جمع مؤنث سالم وقد وقع اسما للا النافية للجنس، ووردت فيه روايتان، الأولى بالفتح، والثانية بالكسر، فيدل مجموع هاتين الروايتين على أنّ جمع المؤنث السالم إذا وقع اسما ل (لا) جاز فيه أمران البناء على الفتح، والبناء على الكسر نيابة عن الفتحة، كما هو الحال حين يكون معربا منصوبا ...
وقوله: (مجد عواقبه): مجد: خبر مقدم. وعواقبه: مبتدأ مؤخر. [شذور الذهب ص 85 والهمع/ 146، والدرر/ 1/ 126، والخزانة ج 4/ 27].

64 - هذا لعمركم الصّغار بعينه … لا أمّ لي - إن كان ذاك - ولا أب
.. ينسب البيت، لهمّام بن مرّة، وينسب لضمرة بن ضمرة بن قطن، وينسب لغيرهما.
.. هذا: مبتدأ. الصغار: خبره مرفوع، لأنه لا يشير إلى الصغار، والصغار خبر لأنه يريد الإخبار عن معنى الصغار .. لعمركم: اللام للابتداء، وعمر: مبتدأ خبره محذوف وجوبا. والكاف مضاف إليه.
وقوله: (إن كان ذاك) كان: تامة فعل الشرط. وذاك: اسم اشارة فاعل.
(1/113)

والشاهد: لا أمّ لي ولا أب، لا: نافية للجنس، أمّ: اسمها مبني على الفتح.
لي: الجار والمجرور خبرها. (ولا أب) فيه ثلاثة أوجه:
الأول: ولا: الواو: عاطفة، لا زائدة للتوكيد، أي توكيد النفي. أب: معطوف على محل لا، مع اسمها.
الثاني: لا: نافية عاملة عمل ليس .. أب: اسمها.
الثالث: لا: مهملة غير عاملة. أب: مبتدأ ...
فهذه الوجوه الثلاثة يخرج عليها رفع الاسم الواقع بعد «لا» الثانية إذا كان الاسم الواقع بعد «لا» الأولى، مفتوحا. [شذور الذهب/ 86، والأشموني ج 2/ 9] والخزانة/ 4/ 37 وهو في قطعة منها الشاهد رقم (58) في حرف الباء، ومنها البيت المشهور:
وإذا تكون كريهة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

65 - فإني وقفت اليوم والأمس قبله … بابك حتى كادت الشمس تغرب
البيت للشاعر نصيب بن رباح الأموي. والشاهد فيه: «الأمس». فإن الظرف في اللفظ قد دخلت عليه «أل» وليس في العرب من يبنيه في هذه الحال. وذلك لأنّ أل من خصائص الأسماء، فوجودها في الكلمة مبعد من شبهها بالحرف الذي هو علّة البناء ..
وقد وردت الكلمة في البيت بروايتين: الأولى «بالفتح» وهذه لا إشكال فيها، فيكون معربا منصوبا معطوفا على ما قبله .. والثانية: بالكسر وهي محلّ إشكال: وخرّجها العلماء على أحد وجهين: الأول: البناء .. باعتبار «أل» زائدة غير معرّفة. والثاني: أنه معرب، وإنما جرّه بالتوهم، على أنه وضع «في» قبل اليوم. [الإنصاف/ 320، وشرح المفصل/ 2/ 260، والشذور/ 101، والهمع/ 1/ 209].

66 - ربّه فتية دعوت إلى ما … يورث المجد دائبا فأجابوا
.. البيت غير منسوب، وقد أنشده ابن هشام في الشذور ..
ربّه: ربّ: حرف جر شبيه بالزائد، والهاء: في محل رفع بالابتداء. فتية: تمييز للضمير. وجملة (دعوت) خبر المبتدأ.
(1/114)

والشاهد فيه: «ربّه فتية» حيث دخلت ربّ على الضمير ... والضمير معرفة وربّ لا تجر إلا النكرات ... ولكن ابن هشام يرى أن الضمير هنا نكرة لأنه يعود على نكرة، وتعرب (فتية) تمييزا والتمييز لا يكون إلا نكرة .. ولكن الذي يرجّحه النحويون أن الضمير لا يكون إلا معرفة، ودخول ربّ عليه، شاذ. [الشذور/ 133، والأشموني/ 2/ 60، 208، والهمع/ 2/ 27].

67 - فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه … يمرّ كخذروف الوليد المثقّب
.. البيت من قطعة لامرئ القيس، كان قد ساجل بها علقمة الفحل أمام امرأة اسمها أم جندب وتحاكما إليها في أن يصف كل واحد منهما فرسه بقصيدة. ومطلع قصيدة امرئ القيس:
خليليّ مرّا بي على أم جندب … لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
.. يصف في البيت الأول فرسه بأنه أدرك الصيد من غير أن يجهد، وأنه كان سريعا سرعة تشبه خذروف الوليد. والخذروف: لعبة للصبيان يديرونها بخيط في أكفّهم فلا تكاد ترى لسرعة دورانها.
والشاهد في هذا البيت: قوله: «كخذروف الوليد المثقّب» فإن قوله «المثقب» نعت لقوله «خذروف الوليد». وهذا
النعت محلى بأل، والمنعوت مضاف إلى المحلى بأل، والنعت لا يجوز أن يكون أعرف من المنعوت، فدلنا ذلك على أن المحلى بأل ليس أعرف من المضاف إلى المحلى بأل، وثبت أن المضاف إلى معرفة يكون في رتبة هذه المعرفة. [شرح شذور الذهب/ 156].

68 - نتج الربيع محاسنا … ألقحنها غرّ السّحائب
هذا البيت لأبي فراس الحمداني، ويورد النحويون أشعار المولّدين للتمثيل لا للاحتجاج ... ومحل التمثيل: «ألقحنها غرّ السحائب»، حيث ألحق بالفعل ألقح نون النسوة، مع ظهور الفاعل «غرّ». وتخريج مثل هذا البيت أن نجعل نون النسوة علامة تأنيث، حرفا، وغرّ: فاعل. أو: نون النسوة هي الفاعل وغرّ: بدل منها. وهي التي يسمونها لغة «أكلوني البراغيث» وسيأتي لها شواهد كثيرة .. ، بل عليها شواهد من القرآن الكريم، ومنها حديث «يتعاقبون فيكم ملائكة».
(1/115)

69 - كرب القلب من جواه يذوب … حين قال الوشاة: هند غضوب
... هذا البيت لرجل من طيء، وقيل إنه للكلحبة اليربوعي أحد فرسان بني تميم.
وهو من شواهد ابن عقيل، والأشموني .. والشاهد فيه «كرب القلب يذوب» حيث جاء الشاعر بخبر «كرب» جملة فعلية فعلها مضارع مجرد من أن المصدرية .. وكرب: فعل ناقص، من أخوات (كاد) خبرها يكون مضارعا. [شذور الذهب/ 272، والأشموني ج 1/ 105].

70 - لولا توقّع معترّ فأرضيه … ما كنت أوثر إترابا على ترب
.. البيت غير منسوب وهو عند الأشموني وابن عقيل .. والمعترّ: هو الفقير الذي يتعرض للمعروف. إترابا: مصدر أترب الرجل إذا استغنى. الترب: بفتحتين هو الفقر والحاجة، وهو مصدر ترب الرجل، إذا افتقر.
.. والشاهد فيه: «فأرضيه» حيث نصب الفعل المضارع بأن المضمرة جوازا بعد الفاء العاطفة، لأنها مسبوقة باسم خالص من التقدير بالفعل وهو قوله «توقّع» الذي هو «مصدر». [الشذور/ 315، والهمع/ 2/ 17، والدرر/ 2/ 11].

71 - فقلنا لفتيان كرام: ألا انزلوا … فعالوا علينا فضل ثوب مطنّب
فلما دخلناه أضفّنا ظهورنا … إلى كلّ حاريّ جديد مشطّب
.. البيتان لامرئ القيس من قصيدته التي ساجل بها علقمة الفحل .. يريد أن يقول:
إنه طلب من الغلمان أن يصنعوا له خيمة، فلما دخل البيت أسند ظهره إلى كلّ رحل منسوب إلى الحيرة مخطط فيه طرائق .. وهو شاهد لغوي، حيث ذكره ابن هشام في الشذور لتفسير معنى الإضافة في اللغة، وهو الإسناد.

72 - يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهم … أن ليس وصل إذا انحلّت عرى الذّنب
البيت لأبي الغريب، أدرك الدولة الهاشمية كما في (شرح أبيات المغني) قوله: يا صاح: منادى مرخّم وأصله صاحب، أو صاحبي .. أن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف والتقدير (أنّه) أي: الحال والشأن .. (وليس وصل) فعل ناقص، واسمه، والخبر محذوف والجملة خبر أن.
(1/116)

وقوله: إذا انحلت ... الخ يريد استرخاء القضيب بذبول العروق والأعصاب.
والشاهد: كلّهم .. فهي توكيد لذوي، لا للزوجات، وإلا لقال: كلّهن، وذوي منصوب على المفعولية، وكان حقّ كلهم النصب، ولكنه ورد مجرورا، لمجاورته المجرور، أي مجرور للمجاورة، وهو شاذ لا يقاس عليه. وربما لحن بعضهم في إنشاده فأوجدوا لهذا اللحن علّة. والله أعلم. [شذور/ 331، والهمع/ 2/ 55، والدرر ج 2/ 70].

73 - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب
... البيت لعمرو بن معد يكرب الزّبيدي، وهو من شواهد سيبويه .. والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها. وأراد بالمال الذي ذكره قبل ذلك، الإبل خاصة لأنها غالب أموال العرب ..
والشاهد فيه: قوله: أمرتك الخير. وقوله: أمرت به، فقد تعدى الفعل «أمر» في العبارة الأولى إلى المفعولين بنفسه. وفي الثانية، تعدى للأول بنفسه (التاء - نائب الفاعل) وتعدى للثاني بحرف الجرّ (به) .. ويفهم من كلام سيبويه أن الفعل «أمر» يتعدى إلى ثاني مفعوليه بحرف الجرّ، ثم قد يحذف حرف الجرّ فيصل الفعل إلى المفعول الثاني بنفسه ..
وعلى هذا فالنصب يكون على نزع الخافض.
وقال الأعلم: أراد الشاعر «أمرتك بالخير» فحذف ووصل الفعل ونصب، وسوغ الحذف والنصب أنّ «الخير» اسم دال على الحدث، يمكن وضع أن والفعل، موضعه «وأن» يحذف معها حرف الجرّ كثيرا، تقول: أمرتك أن تفعل، تريد بأن تفعل فإن قلت:
أمرتك بزيد، لم يجز أن تقول «أمرتك زيدا، لأن زيدا ليس اسم حدث، ولا تحلّ «أن والفعل» مكانه. [سيبويه/ 1/ 17، وشرح المفصل/ 2/ 44، والخزانة/ 9/ 124].

74 - أقلّي اللوم - عاذل - والعتابن … وقولي - إن أصبت -: لقد أصابن
.. البيت لجرير بن عطية، يقول: اتركي أيتها العاذلة هذا اللوم، والتعنيف، فإني لن استمع لما تطلبين من الكفّ عما آتي من الأمور، والخير لك أن تعترفي بصواب ما أفعل.
وقوله: (عاذل) منادى مرخم، أصله يا عاذلة .. والشاهد فيه قوله: والعتابن و «أصابن». حيث دخلهما في الإنشاد تنوين الترنّم، وآخرهما حرف العلة، وهو هنا ألف
(1/117)

الإطلاق، والقافية التي آخرها حرف علة تسمّى «مطلقة». [سيبويه/ 2/ 298، والإنصاف/ 655، وشرح المفصل ج 4/ 115، والهمع/ 2/ 157، والخزانة ج 1/ 338، و 3/ 151، و 7/ 432].

75 - فلست بذي نيرب في الصديق … ومنّاع خير وسبّابها
ولا من إذا كان في جانب … أضاع العشيرة فاغتابها
.. هكذا رواها الأنباري في «الإنصاف»، والمعنى فيها يضطرب، وصحتها كما في اللسان:
ولست بذي نيرب في الكلام … ومنّاع قومي وسبّابها
ولا من إذا كان في معشر … أضاع العشيرة واغتابها
ولكن أطاوع ساداتها … ولا أعلم الناس ألقابها
.. والأبيات من كلام عديّ بن الخزاعي .. والنّيرب؛ بوزن جعفر الشرّ والنميمة ..
والشاهد: (منّاع خير): فقد وردت، مناع: منصوبة معطوفة على «بذي نيرب» الذي هو خبر ليس، مزيدا فيه الباء وإنما أتى الشاعر بالمعطوف منصوبا، لأنّ موضع المعطوف عليه، النصب لكونه خبر ليس. والدليل على أنّ «مناع» منصوب، أنّ القافية منصوبة، وإذا صح في البيت الأول الرفع، ورفع القافية، فإن قافية البيت الثاني، لا يصح رفعها، لأن قوله «اغتابها» فعل ماض مبني على الفتح. [الإنصاف ص 331].

76 - أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّة … سيدعوه داعي ميتة فيجيب
قوله: أبا عرو: يعني: أبا عروة .. لا تبعد: أي: لا تهلك .. وميتة: تروي: موتة.
بفتح الميم. والشاهد: أبا عرو: فإنه منادى بحرف نداء محذوف، وهو مركب إضافي، وقد رخّم الشاعر المضاف إليه بحذف التاء من «عروة» وهو من شواهد الكوفيين على جواز ترخيم المركب الإضافي بحذف آخر المضاف إليه، لأنّ المضاف والمضاف إليه بمنزلة الشيء الواحد .. وأنكر هذا، البصريون وعدوه شاذا، والنقل والذوق يؤيدان أهل الكوفة. [الخزانة/ 2/ 336، والإنصاف/ 348، وشرح المفصل/ 2/ 20].

77 - أرقّ لأرحام أراها قريبة … لحار بن كعب لا لجرم وراسب
قاله بعض بني عبس ... و (حار) يريد (حارث) وجرم، وراسب قبيلتان. والشاهد
(1/118)

«لحار» رخّم «حارث» في غير النداء. [الإنصاف ص 335] وفي معجم الشواهد، لهارون نسبه للقطامي.

78 - أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلّغهم … عنّي حديثا وبعض القول تكذيب
بأنّ ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا … ببطن شريان يعوي حوله الذيب
.. البيتان لجنوب، أخت عمرو ذي الكلب بن العجلان أحد بني كاهل، وهما من قصيدة لها، ترثيه بها .. وبطن شريان: مكان بعينه، وقولها: يعوى حوله الذيب، كناية عن موته ..
ذا: اسم أنّ منصوب بالألف .. عمرا: بدل. خيرهم: صفة ل «عمرو». حسبا: تمييز.
ببطن شريان: الجار والمجرور خبر أنّ.
والشاهد فيه: قولها: «ذا الكلب عمرا»، حيث قدمت اللقب «ذا الكلب» على الاسم «عمرو». والقياس أن يكون الاسم مقدما على اللقب .. وإنما وجب في القياس تقديم الاسم وتأخير اللقب، لأنّ الاسم يدلّ على الذات وحدها، واللقب: يدل عليها وعلى صفة مدح أو ذمّ، فلو جئت باللقب أولا، لما كان لذكر الاسم بعده فائدة بخلاف ذكر الاسم أولا، فإن الاتيان بعده باللقب، يفيد هذه الزيادة. [الهمع/ 11/ 71، والدرر ج 1/ 146، والأشموني ج 1/ 129].

79 - أهابك إجلالا وما بك قدرة … عليّ ولكن ملء عين حبيبها
.. البيت منسوب إلى نصيب بن رباح الأكبر، ومنسوب إلى مجنون بني عامر.
والمعنى: إني لأهابك وأخافك، لا لاقتدارك عليّ، ولكن إعظاما لقدرك لأنّ العين تمتلئ بمن تحبه فتحصل المهابة ..
والشاهد فيه: «ولكن ملء عين حبيبها»، لكن: حرف استدراك غير عامل. ملء: خبر مقدم. حبيبها: مبتدأ مؤخر. فقدم الخبر وجوبا، لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس للخبر وهو العين، حتى لا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. [الأشموني ج 1/ 213، والعيني ج 1/ 537، والتصريح ج 1/ 176، والمرزوقي 1363].

80 - فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
(1/119)

هذا البيت لسواد بن قارب الأسدي الدوسي، يخاطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: فتيلا: وهو الخيط الرقيق الذي يكون في شقّ النواة.
والشاهد: إدخال الباء الزائدة على خبر «لا» العاملة عمل ليس. «لا ذو شفاعة بمغن» بمغن: مجرور لفظا منصوب محلا خبر لا النافية. والباء: زائدة. وفتيلا مفعول به ل «مغن»، لأنه اسم فاعل يعمل عمل فعله. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 6/ 271، والهمع/ 1/ 127، 218، والدرر ج 1/ 101، 188، والأشموني ج 1/ 251 / وج 2/ 256].

81 - كلانا يا معاذ يحبّ ليلى … بفيّ وفيك من ليلى التراب
.. هذا البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي، وكان مجنونا من مجانين ليلى، ومعاذ، منهم. قوله: بفيّ وفيك التراب، دعاء على نفسه وصاحبه بأن يرجع كلاهما بالخيبة من غير أن ينال حظا من مودّتها.
والشاهد: كلانا يحبّ ليلى .. حيث أعاد الضمير من «يحبّ» مفردا إلى «كلانا» فدلّ ذلك على أنّ «لكلا» جهة إفراد، هي جهة اللفظ، ومعناها التثنية. [الإنصاف/ 433، والأغاني ج 2/ 425].

82 - حتى إذا قملت بطونكم … ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا … إنّ اللئيم العاجز الخبّ
.. رواهما ابن منظور ولم ينسبهما، وكفى به راويا .. ومعنى «قملت»: شبعت وضخمت، وقيل: كثرت قبائلكم ... ويروى (وشبعت بطونكم).
والشاهد: «وقلبتم ظهر المجنّ لنا»: فإن هذه الجملة جواب (إذا) في البيت الأول، عند الكوفيين، وعلى هذا تكون الواو زائدة .. أما البصريون، فلا يرون زيادة الواو، ويقولون إنّ جواب الشرط محذوف وتقديره في الشاهد: حتى إذا امتلأت بطونكم. وكان كذا وكذا تحقق منكم الغدر واستحققتم اللوم. [الإنصاف/ 458، وشرح المفصل/ 8/ 94].

83 - ومصعب حين جدّ الأم … ر أكثرها وأطيبها
(1/120)

المصعب في الأصل: الفحل، ورجل مصعب: سيّد، ثم سمّوا مصعبا.
ومن أشهر من سمي بذلك، مصعب بن الزبير، ولشهرته غلّبوه على غيره فقالوا:
المصعبان، يعنون مصعبا وأخاه عبد الله، أو مصعبا وابنه عيسى .. والشاهد: «مصعب» حيث جاء غير منوّن، وممنوع من الصرف مع أنّه ليس فيه إلا علة واحدة وهي العلمية ..
وترك صرف المصروف في ضرورة الشعر، رأي الكوفيين، ومن وافقهم ..
ويرى البصريون أن لا يجوز ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر .. وتعللوا بعلل تأولوها وقواعد وضعوها، والشواهد التي تؤيد الكوفيين كثيرة، ورأي البصريين هو نوع من المماحكة والجدل العقيم.
والبيت لابن قيس الرقيات (عبيد الله) [الإنصاف ص 501، وشرح المفصل ج 1/ 68، وديوان الشاعر].

84 - عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
... البيت لهدبة بن خشرم العذري من قصيدة قالها وهو في الحبس، حبسه سعيد ابن العاص والي المدينة لدم عليه، ثم أقيد منه سنة 50 ه. والقصيدة في أمالي القالي ومطلعها:
طربت وأنت أحيانا طروب … وكيف وقد تعلّاك المشيب
.. عسى: فعل ماض جامد ناقص. الكرب: اسمه .. الذي: في محل رفع صفة.
يكون: مضارع ناقص واسمه مستتر. وراءه: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم. فرج:
مبتدأ مؤخر. والجملة خبر يكون ... والشاهد: وقوع خبر عسى فعلا مضارعا مجردا من (أن) وذلك قليل. [الخزانة/ 9/ 328، وشرح المفصل/ 7/ 117، والأشموني ج 1/ 260].

85 - فموشكة أرضنا أن تعود … خلاف الأنيس وحوشا يبابا
وتوحش في الأرض بعد الكلام … ولا تبصر العين فيه كلابا
.. البيتان للشاعر أبي سهم الهذلي .. وقوله: «خلاف الأنيس» أي: بعد المؤنس، وحوشا: قفرا خاليا. وقد ضبطه بعض العلماء بضم الواو على أنه جمع وحش.
(1/121)

والوحش: صفة مشبهة، تقول: أرض وحش، تريد: خالية، وضبطه آخرون بفتح الواو على أنه صفة على وزن صبور. واليباب: الذي ليس فيه أحد ..
والشاهد في البيت الأول فقط ..
موشكة: خبر مقدم - اسم فاعل من أوشك، ويحتاج إلى اسم وخبر، واسمه ضمير مستتر فيه. أرضنا: مبتدأ مؤخر. (أن تعود) أن، ومنصوبها، مصدر مؤول خبر (موشكة) ... خلاف: ظرف منصوب .. وحوشا: حال. ويبابا: حال ثانية أو توكيد للحال لأنه بمعناه. والشاهد: استعمال اسم الفاعل (موشكة) من أوشك وعمله عمل الفعل. [الهمع/ 1/ 129، والأشموني ج 1/ 264] ونسب لأسامة بن الحارث.

86 - أمّ الحليس لعجوز شهربه … ترضى من اللحم بعظم الرّقبه
.. البيت منسوب إلى عنترة بن عروس مولى بني ثقيف. وقيل: لرؤبة بن العجاج.
الحليس: تصغير «حلس» كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأم الحليس، كنية الأتان - أنثى الحمير - أطلقها الراجز على امرأة تشبيها لها بالأتان.
و «شهربة» كبيرة طاعنة في السنّ. وقوله من اللحم: «من» هنا بمعنى البدل كما في قوله تعالى: لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً [الزخرف: 60] أي: بدلكم.
والشاهد في البيت: لعجوز: حيث زاد اللام في خبر المبتدأ، والأصل أن تكون على المبتدأ.
ومثله قول الشاعر:
فإنّك من حاربته لمحارب … شقيّ ومن سالمته لسعيد
و «من»، اسم موصول مبتدأ، في الموضعين، ودخلت اللام على الخبر في الموضعين.
[شرح المفصل ج 3/ 130، وج 7/ 57، والخزانة ج 10/ 323، وشرح أبيات المغني ج 4/ 345، واللسان (شهرب)، والهمع/ ج 1/ 140].

87 - وربّيته حتى إذا ما تركته … أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه
البيت لأبي منازل فرعان بن الأعرف، شاعر لص مخضرم، وله مع عمر بن الخطاب
(1/122)

حديث في عقوق ابنه منازل (الإصابة 7009) .. ولفرعان أخ يسمى منازل أيضا، ومن عجب أن يروي له الآمدي في «المؤتلف» شعرا يذكر فيه عقوق ابنه له، لكن هذا الشعر رواه أبو رياش منسوبا إلى منازل بن فرعان بن الأعرف يشكو فيه عقوق ابنه المسمى «خليج» .. فكأنّ هذه الأسرة عريقة في أن يعقّ الولد منهم أباه .. وقد ذكرت لك ذلك، لتحذر من عقوق الوالدين فإنه دين عليك إذا فعلته، ولعله يصبح فيما بعد وراثة في دم الأسرة كلها .. فكما أنّ البرّ، والحنان يورثان، فكذلك العقوق، وقد قرأت أن من حكمة الإسلام في طلب المال الحلال، لأنّ ذلك يرضعه الأطفال مع لبان أمهاتهم ... والله أعلم. ومما قاله أبو منازل في الشكوى من عقوق ابنه منازل:
جزت رحم بيني وبين منازل … جزاء كما يستنزل الدّين طالبه
تربّيته حتى إذا عاد شيظما … يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تغمّط حقي ظالما ولوى يدي … لوى يده الله الذي هو غالبه
وكان له عندي إذا جاع أو بكى … من الزاد أحلى زادنا وأطايبه
وربيته ... (والشاهد) ...
وجمّعتها دهما جلادا كأنّها … أشاء نخيل لم تقطّع جوانبه
فأخرجني منها سليبا كأنّني … حسام يمان فارقته مضاربه
أأن أرعشت كفّا أبيك وأصبحت … يداك يدي ليث فإنّك ضاربه
[أنظر الأبيات في الحماسة، شرح المرزوقي ج 3/ 1445].
.. وقوله في الشاهد: «واستغنى عن المسح شاربه»: كناية عن أنه كبر، واكتفى بنفسه ولم تعد به حاجة إلى الخدمة ..
والشاهد في البيت: «تركته أخا القوم ..» حيث نصب ب (ترك) مفعولين لأنه في معنى فعل التصيير .. ويرى التبريزي في شرحه أنّ «أخا القوم» حال، وسوغ مجيء الحال مضافا إلى المعرف بأل، (القوم) لأنه لا يعني قوما بأعيانهم، وإنما عنى أنه تركه قويا مستغنيا لاحقا بالرجال، فإذا كان كذلك فلا شاهد في البيت .. والذوق لا يرفض رأي التبريزي، كما لا يرفض رأي جمهور النحاة. [الإصابة 7009 /، والهمع ج 1/ 150، والأشموني ج 2/ 25، والمرزوقي 1445].
(1/123)

88 - أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبّه والسوءة اللّقب
كذاك أدّبت حتى صار من خلقي … إنّي وجدت ملاك الشيمة الأدب
.. هذان البيتان في حماسة أبي تمام، لبعض الفزاريين، ولم يعيّنه، يصف حسن عشرته لصاحبه وجليسه فيقول: إذا خاطبته، خاطبته، بأحبّ الأسماء إليه وهو الكنية وأعدل عن نبزه ولقبه، لأني على هذا أدّبت حتى تطبّعت به فصار خلقا ثانيا لي.
وإن كان أصله تخلّقا، إني وجدت الأدب ملاك الأخلاق، والملاك اسم لما يملك به الشيء ..
ويروى هذان البيتان في شرح المرزوقي بنصب القافية، ولا شاهد في البيت الثاني حينئذ. وقد حاول الشارح إيجاد التعليل لهذه الرواية، فأغرب، وكانت بعيدة عن الذوق وبخاصة في البيت الأول. [انظر ج 3/ 1146].
وفي رواية التبريزي، بالرفع، والشاهد في البيت الثاني: .. وإعرابه: كذاك: الكاف في مثل هذا التعبير، اسم، بمعنى (مثل) صفة لمصدر محذوف .. واسم الإشارة مضاف إليه .. أو: الكاف جارة لمحل اسم الإشارة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف يقع نعتا لمصدر محذوف، يقع مفعولا مطلقا ل «أدبت». والتقدير: تأديبا مثل هذا التأديب أدبت.
صار: فعل ناقص. وفي اسمها روايتان: الأولى: ضمير مستتر - (ومن خلقي) الجار والمجرور خبرها. وعلى هذا
تكون رواية الشطر الثاني بكسر همزة إنّ في أوله، على الابتداء. والرواية الثانية: من خلقي: خبرها مقدم. و «أني» - بفتح الهمزة - واسمها وخبرها مصدر مؤول اسم صار.
(وجدت ملاك الشيمة الأدب)، وفيها الشاهد: وجدت: فعل وفاعل، والفعل أصله ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ... وفي عملها، وجهان؛ بل ثلاثة وجوه، الأول:
(ملاك .. الأدب) مبتدأ وخبر سدّا مسدّ مفعولي وجد، على تقدير لام ابتداء علّقت الفعل عن العمل في لفظي المبتدأ والخبر والأصل: وجدت لملاك الشيمة الأدب، الثاني:
الجملة الاسمية في محل نصب مفعول ثان لوجد ومفعوله الأول ضمير شأن محذوف وأصل الكلام «وجدته»، أي: الحال والشأن، والثالث: وجد - فعل ملغى، والكوفيون
(1/124)

يرون أن إلغاء الأفعال الناصبة مفعولين جائز، مع تقدم الفعل، مثل جوازه مع التوسط والتأخر ..
والقولان السابقان للبصريين .. ورأي الكوفيين أوفق وأقرب، لأن الإعراب مع عدم التقدير، أولى من الإعراب مع التقدير والحذف.
ولكن، بقيت نقطة هامة في الموضوع: وهي أن الكوفيين والبصريين يتخاصمون فيما لا خصومة فيه، لأنّ الأبيات مروية بالنصب، وبهذا تكون «وجد» عملت في المفعولين (وجدت ملاك الشيمة الأدبا) .. والغريب أن كثيرا من الشواهد التي يأتي بها النحويون دليلا على بعض افتراضاتهم، تكون محرّفة، ومعدولة عن طريقها التي نطق بها الشاعر ... وكثيرا ما يكون سبب ذلك، أنهم يعتمدون على الأبيات المفردة، ولا ينظرون ما قبلها وما بعدها، أو أنّ القطعة الشعرية تكون غائبة عنهم، ولا يبحثون عنها لمعرفة البيت في سياقه، وهذه نقطة هامة يجب أن نتنبّه إليها عند ما نحرر القواعد للناشئة، فلا نأتي بالأمثلة من الأبيات المفردة، ... وقد مرّ معنا أمثلة مما حرف النحويون قافيته، انظر أبيات عبد الله بن مسلم، التي مطلعها «يا للرجال ليوم الأربعاء ... قافية الباء» وسيأتي فيما بعد في قافية الميم البيت:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
.. هكذا روى سيبويه ومن جاء بعده، البيت منصوب القافية، مع أن البيت مع مجموعة أبيات، وجاءت قافية البيت مرفوعة، وبنى عليه النحويون حكما نحويا أنّ (أو)، بمعنى «إلا» تضمر بعدها (أن) وجوبا ... وقد اعتذر العلماء لسيبويه أنه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله، وأنه سمعه مفردا .. موقوفا على آخره .. وهو اعتذار غير مقبول، لأن من واجب واضع القانون أن يراعي حال الكلمة في مجتمعها، بل في سياقها، والبيت في قصيدته. [الخزانة ج 9 /
139، والهمع/ 1/ 153، والأشموني ج 2/ 29، والمرزوقي 1146].

89 - بأيّ كتاب أم بأيّة سنة … ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب
.. البيت للكميت بن زيد الأسدي من قصيدة هاشمية يمدح فيها آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأولها:
(1/125)

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب؟
والشاهد في البيت: حذف مفعولي «تحسب» لدلالة سابق الكلام عليهما والتقدير:
تحسب حبّهم عارا عليّ. [الخزانة ج 9/ 137، والهمع/ 1/ 152، والعيني/ 2/ 413].

90 - يمرّون بالدهنا خفافا عيابهم … ويرجعن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جلّ أمورهم … فندلا - زريق - المال، ندل الثعالب
.. البيتان لأعشى همدان، عبد الرحمن بن عبد الله، المتوفى سنة 83 ه .. وهما من قصيدة يهجو فيها لصوصا ..
وقوله: عيابهم، جمع عيبة، وهي وعاء الثياب. دارين: جزيرة في المنطقة الشرقية من السعودية، قرب القطيف، في الخليج العربي، وكانت مشهورة بالمسك، وفيها سوق يؤمه الناس. بجر: بضم فسكون، جمع بجراء، وهي الممتلئة .. ندلا: خطفا في خفّة وسرعة. والمعنى أن هؤلاء اللصوص يمرون بالدهناء في حين ذهابهم إلى دارين، وقد صفرت عيابهم من المتاع، ولكنّهم عند ما يعودون من دارين يكونون قد ملؤوا هذه العياب حتى انتفخت، وذلك ناشئ من أنهم يختلسون غفلة الناس بمهامّهم وبمعظم أمورهم، فيسطون على ما غفلوا عنه من المتاع وينادي بعضهم بعضا، اخطف خطفا سريعا، وكن خفيف اليد سريع الروغان ...
... يمرون: مضارع مرفوع .. خفافا: حال. عيابهم: فاعل لخفاف .. بجر: حال من الفاعل.
.. على حين: ظرف مبني على الفتح لمجاورته الفعل المبني ... فندلا: مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف. زريق: منادى. المال: مفعول به ل: ندلا. ندل: مفعول مطلق مبيّن للنوع. والشاهد: فندلا: حيث ناب مناب فعله، وهو مصدر، وعامله محذوف وجوبا. [سيبويه/ 1/ 59، والإنصاف 293، والعيني/ 3/ 46، 523].

91 - حلفت بربّ الراكعين لربّهم … خشوعا وفوق الراكعين رقيب
لئن كان برد الماء هيمان صاديا … إليّ حبيبا إنّها لحبيب
وقلت لعرّاف اليمامة داوني … فإنك - إن أبرأتني - لطبيب
.. الأبيات لعروة بن حزام العذري، صاحب عفراء - توفي مضنى بالحبّ لعفراء ابنة
(1/126)

عمّه التي حرم من الزواج بها. وقصصه أكثرها موضوعة. والشاهد في البيت الثاني: لئن:
اللام موطئة للقسم. وإن: شرطية. كان: فعل ناقص، وهو فعل الشرط برد: اسمها.
خبره «حبيبا». هيمان صاديا: حالان من ياء المتكلم المجرورة في «إليّ».
وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور: وهو شاهد البيت، وهو مذهب بعض النحويين. وجملة «إنها لحبيب» جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه جواب القسم، فإذا اجتمع شرط وقسم، يكون الجواب للسابق. [الخزانة/ 3/ 212، والعيني/ 3/ 156].

92 - أتهجر ليلى بالفراق حبيبها؟ … وما كان نفسا بالفراق تطيب
.. البيت منسوب لأعشى همدان، ولقيس بن الملوّح، وللمخبّل السعدي .. يقول: ما ينبغي لليلى أن تهجر محبّها وتتباعد عنه، وعهدي بها أن نفسها لا تطيب بالفراق ولا ترضى عنه.
ما كان: ما نافية، كان: ماض ناقص، واسمها ضمير الشأن. نفسا: تمييز متقدم على العامل فيه وهو قوله «تطيب»، وجملة تطيب: خبر كان ... والشاهد: تقديم التمييز «نفسا» على عامله «تطيب» ... وجوّز ذلك الكوفيون وابن مالك. أرأيت كيف يبني النحويون أحكامهم على روايات لا تثبت؟ فقد روي البيت:
«وما كان نفسي بالفراق تطيب»، ولا شاهد في هذه الرواية، حيث لا تمييز ويروى أيضا:
أتؤذن سلمى بالفراق حبيبها … ولم تك نفسي بالفراق تطيب
[الإنصاف ص 828، وشرح المفصل ج 2/ 73، والهمع ج 1/ 252، والأشموني ج 2/ 201].

93 - وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة … لعلّ أبي المغوار منك قريب
.. هذان البيتان لكعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي بها أخاه أبا المغوار والقصيدة في «الأصمعيات، ص 96». وهو شاعر إسلامي.
(1/127)

قوله: ادع أخرى: أخرى: مفعول به، وهي صفة أقيمت مقام موصوفها بعد حذفه وأصل الكلام: ادع دعوة أخرى .. وهناك من يعربها: نائب مفعول مطلق، لأن مرّة تعرب كذلك. وجهرة: مفعول مطلق. وقد تعرب حالا مؤولة بمعنى: جاهرا. «لعلّ أبي المغوار ... قريب» لعلّ في هذه الرواية حرف جرّ شبيه بالزائد، وأبي: مبتدأ، مرفوع تقديرا. قريب: خبر. والشاهد في «لعلّ أبي ..» حيث رووا «أبي» مجرورا، ولعلّ حرف جرّ. في لغة عقيل .. وفي كثير من
المصادر يروى البيت (لعلّ أبا المغوار) بالنصب بالألف، و «لعلّ» حرف ناسخ ... وبهذا يبطل القول بأن (لعل) حرف جرّ. [الخزانة/ 10/ 426، وشرح أبيات المغني/ 5/ 66، والهمع/ 2/ 33، والأشموني/ 2/ 205، والأصمعيات/ 96، وشرح التصريح/ 1/ 213، وابن عقيل/ 2/ 110] وروي في الأصمعيات، «لعلّ أبا المغوار» ومن رواه «لعلّ أبي» كسر اللام الثانية من لعلّ.

94 - واه رأيت وشيكا صدع أعظمه … وربّه عطبا أنقذت من عطبه
.. هذا البيت، أنشده ثعلب، ولم يعزه لقائل معين، وجاء في اللسان «ربّ» يقول:
ربّ شخص ضعيف أشفى على الهلاك والسقوط، فجبرت كسره، ورشت جناحه.
وقوله: واه: أي: ربّ واه. مبتدأ مرفوع تقديرا .. وجملة رأيت: خبره. وشيكا:
مفعول مطلق عامله رأيت، أي: رأيت رأيا وشيكا، أي: عاجلا. وربّه: ربّ: حرف جر شبيه بالزائد. والهاء: في محل رفع مبتدأ. عطبا: تمييز. وجملة أنقذت: خبر.
والشاهد: ربّه عطبا: حيث جرّت ربّ الضمير، وهو شاذ. [الأشموني ج 2/ 208، والهمع/ 1/ 66، وابن عقيل/ 2/ 116، واللسان «رب»].

95 - خلّى الذّنابات شمالا كثبا … وأمّ أوعال كها أو أقربا
.. البيت للعجّاج يصف حمار وحش وأتنه، وقد أراد هذا الحمار ورود الماء معهنّ فرأى الصياد فهرب منه. والذنابات: جمع ذنابة - بكسر الأول، وهي آخر الوادي الذي ينتهي إليه السيل. وقيل: بفتح الذال اسم مكان بعينه. كثبا: قريبا. أمّ أوعال: مكان بعينه. والمعنى أنه جعل في هربه الذنابات عن طريقه في جانب شماله، وجعل أم أوعال في جانب يمينه قريبا منه قربا مثل قرب الذنابات أو أقرب.
.. خلى: فعل ماض. الذنابات: مفعول أول. شمالا: مفعول فيه. كثبا: صفة لشمال ..
(1/128)

وأمّ أوعال: بالنصب عطف على ذنابات - كها: مفعول ثان، وتروى أم أوعال: بالرفع على الابتداء - و «كها» خبرها ...
والشاهد: كها: حيث جرّ بالكاف الضمير، وهو شاذ، لأن الكاف لا تجر إلا الأسماء الظاهرة غالبا. [سيبويه/ 1/ 292، وشرح المفصل/ 8/ 16، والخزانة ج 10/ 202، والأشموني/ 2/ 208].

96 - تخيّرن من أزمان يوم حليمة … إلى اليوم قد جرّبن كلّ التجارب
هذا البيت من قصيدة النابغة الذبياني التي مطلعها:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقبل البيت المختار قوله:
فهم يتساقون المنية بينهم … بأيديهم بيض رقاق المضارب
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب
.. وقوله: تخيّرن؛ أي السيوف. ويوم حليمة: من أيام العرب، حدثت فيه حرب بين لخم (المناذرة) وغسان (الغساسنة). وحليمة: هي بنت الملك الغساني .. أضيف إليها اليوم، لأنهم يقولون، إن أباها حين عزم على توجيه جيشه إلى المناذرة، أمرها، فجاءت فطيبتهم .. وفي يوم حليمة جاء المثل «ما يوم حليمة بسرّ»، يضرب للأمر المشهور المعروف الذي لا يستطاع كتمانه.
.. تخيّرن: مضارع مبني للمجهول، ونون النسوة فاعل. كلّ: نائب مفعول مطلق.
والشاهد: من أزمان: حيث وردت (من) لابتداء الغاية في الزمن .. وهو رأي الكوفيين وابن مالك .. ويرى البصريون أنها لا تجيء لذلك. [شرح المفصل/ 5/ 128، والأشموني/ 2/ 211، وشرح أبيات المغني/ 5/ 304].

97 - وما زال مهري مزجر الكلب منهم … لدن غدوة حتى دنت لغروب
البيت منسوب لأبي سفيان بن حرب، ومزجر الكلب: أصله اسم مكان من الزجر، أي المكان الذي يطرد وينحّى الكلب إليه، والمراد به البعد. يقول: ما زال مهري بعيدا عنهم
(1/129)

من أول النهار إلى آخره ..
مزجر: ظرف مكان .. خبر ما زال. لدن: ظرف لابتداء الغاية مبني على السكون في محل نصب متعلق بزال أو خبرها. غدوة: منصوب على التمييز لأن غدوة تدل على أول زمان مبهم، وقصدوا تفسير هذا الإبهام ب غدوة ... دنت: ماض، فاعله مستتر يعود على الشمس المفهومة من المقام كما في قوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32].
والشاهد: قوله: «لدن غدوة» حيث نصب غدوة بعد لدن على التمييز ولم يجرّ بالإضافة .. وهو أحد استعمالات (غدوة) .. ويجوز الجرّ بالإضافة (لدن غدوة) وهو القياس. ويجوز الرفع (لدن غدوة) مرفوع بكان المحذوفة التامة.
وفي كل استعمال معنى لا يكون في الآخر. [الهمع/ 1/ 215، والأشموني ج 2/ 263، والتصريح ج 2/ 46].

98 - نجوت وقد بلّ المراديّ سيفه … من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
.. البيت منسوب إلى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ..
والمرادي: نسبة إلى مراد، قبيلة يمنية ويريد بالمرادي عبد الرحمن بن ملجم، قاتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب .. والأباطح: جمع أبطح، وهو المكان الواسع، أو المسيل فيه دقاق الحصى، وأراد بالأباطح: مكة، وأراد بشيخها، أبا طالب عم رسول الله. ويشير إلى مقتل علي رضي الله عنه، وكانت المكيدة قد دبّرت لقتل معاوية، وعمرو بن العاص، وعلي بن أبي طالب في ليلة واحدة، فنجا معاوية، وعمرو، وأصيب عليّ.
والشاهد: قوله: أبي شيخ الأباطح طالب. حيث فصل بين المضاف (أبي) والمضاف إليه (طالب) بالنعت، وهو شيخ الأباطح. [الهمع/ 2/ 52، والأشموني ج 2/ 278، والعيني/ 3/ 478، والتصريح ج 2/ 59].

99 - فقالت لنا: أهلا وسهلا، وزوّدت … جنى النحل، بل ما زودت منه أطيب
.. البيت للفرزدق من أبيات يقولها في امرأة من بني ذهل، قرته وحمّلته وزودته وكان قد نزل من قبل بامرأة من ضبّة فلم تكرمه ولم تزوده.
أهلا وسهلا: منصوبان بفعل محذوف، والأصل أنهما وصفان لموصوفين محذوفين
(1/130)

أي: أتيتم قوما أهلا، ونزلتم موضعا سهلا .. جنى: مفعول لزودت. بل: حرف دال على الإضراب الإبطالي. ما: اسم موصول مبتدأ، وصلته جملة زودت. منه: جار ومجرور متعلقان ب (أطيب) وأطيب خبر المبتدأ.
والشاهد: «منه أطيب» حيث قدم الجار والمجرور المتعلقين بأفعل التفضيل عليه.
والتقديم شاذ في غير الاستفهام .. فإذا علقت الجار والمجرور ب (زودت) أي: بل الذي زودت منه، أي: من شبيه جنى النحل ... فلا شاهد في البيت. [شرح المفصل/ 2/ 60، والهمع/ 2/ 104، والأشموني ج 3/ 52، وديوان الشاعر].

100 - وما أدري أغيّرهم تناء … وطول الدّهر أم مال أصابوا
البيت للحارث بن كلدة من قطعة أولها:
ألا أبلغ معاتبتي وقولي … بني عمّي، فقد حسن العتاب
يقول في معنى الشاهد: أنا لا أعلم ما الذي غيّر هؤلاء الأحبة، أهو التباعد وطول الزمن أم الذي غيرهم، مال أصابوه وحصلوا عليه، فأبطرهم الغنى وأنساهم حقوق الألفة وواجب المودّة، ونسبه العيني إلى جرير، وليس في ديوانه.
قلت: إن العيني يقع في أوهام، فلا تأخذنّ كل ما يقوله إلا بعد مقارنة وتحقيق.
وما: نافية. أدري: مضارع ينصب مفعولين، بمعنى أعلم، وعلّق عن العمل في مفعوليه بسبب الاستفهام بعده .. وجملة أغيّرهم تناء: الفعل والفاعل سدّت مسدّ مفعولي أدري .. أصابوا: فعل وفاعل - والجملة في محل رفع صفة لمال. وقد حذف المفعول به والأصل «أصابوه». والشاهد: (أصابوا) حيث أوقع الجملة نعتا لما قبلها وحذف الرابط الذي يربط النعت بالمنعوت، والذي سهّل الحذف أنّه مفهوم من الكلام. وهو شاهد على جواز حذف الرابط في جملة الصفة. [سيبويه ج 1/ 45، وشرح المفصل ج 6/ 89، وابن عقيل ج 2/ 262، والعيني/ 4/ 60].

101 - فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب
.. البيت من شواهد سيبويه التي لم يعزها، وقالوا: إن مجاهيل سيبويه حجّة، لأنه سمعها ممن يوثق بفصاحتهم. ويروى (أنشأت تهجونا) و «قد بتّ» ..
(1/131)

والمعنى: قد شرعت اليوم في شتمنا والنيل منا، إن كنت قد فعلت ذلك فاذهب فليس ذلك غريبا منك، لأنك أهله، وليس عجيبا من هذا الزمان الذي فسد كلّ من فيه.
قرّبت: فعل ماض يدل على الشروع، والتاء: اسمه. وجملة تهجونا: خبره.
.. فما بك: الفاء للتعليل، ما نافية. بك: جار ومجرور خبر مقدم. والأيام: معطوف على الكاف المجرورة، محلا. من عجب: من زائدة. عجب: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة.
والشاهد: بك والأيام: حيث عطف الأيام على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وقد أجازه ابن مالك. وجمهور النحويين على أنّ الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار له نحو «مررت بك وبزيد» ولا يجوز عندهم «مررت بك وزيد» وقد جاء في قراءة حمزة تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: 1] بجر الأرحام عطفا على الهاء المجرورة بالباء. [س/ 1/ 392، والإنصاف 464، وشرح المفصل/ 3/ 78، والخزانة/ 5/ 123].

102 - تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن … سوالك نقبا بين حزمي شعبعب
.. هذا البيت للشاعر امرئ القيس، وصدره مرويّ لعدد من الشعراء ..
والظعائن: جمع ظعينة، والمراد بها المرأة. النقب: الطريق في الجبل. حزمي: تثنية حزم، وهو ما غلظ من الأرض. شعبعب: اسم مكان.
من ظعائن: من: حرف جر زائد. ظعائن: مفعول به ل ترى، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الزائد.
والشاهد: ظعائن: حيث صرفه ونونه مع أنه على صيغة منتهى الجموع .. ويجوز هذا في الشعر خاصة. [الأشموني ج 3/ 274، والعيني ج 4/ 368].

103 - أنخ فاصطبغ قرصا إذا اعتادك الهوى … بزيت كما يكفيك فقد الحبائب
أنخ: من أناخ فلان بعيره أي: أبركه. واصطبغ: فعل أمر من الاصطباغ وأصله:
الصّبغ - بكسر الصاد وسكون الباء، وهو ما يصطبغ به من الإدام ومنه قوله تعالى:
(1/132)

تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [المؤمنون: 20]، يعني: زيت الزيتون. أو الزيتون نفسه. والقرص: الرغيف .. وكما: بمعنى: كيما ..
وفيها الشاهد: حيث يرى الكوفيون أن «كما» تأتي بمعنى «كيما» وقد ينصب المضارع بعدها .. وشواهدهم على ذلك كثيرة ... وفي هذا الشاهد جاء الفعل ساكن الياء (يكفيك) فيحتمل الرفع بضمة مقدرة، ويحتمل النصب بفتحة مقدرة، ولم يحرك الشاعر الياء بالفتحة للضرورة .. وهم يفعلون ذلك كثيرا. [الإنصاف/ 592].

104 - وإنّي امرؤ من عصبة خندفيّة … أبت للأعادي أن تذلّ رقابها
العصبة: الجماعة من الناس، وخندفيّة: بكسر الخاء والدال، منسوبة إلى خندف: وهي امرأة إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، وأصل اسمها ليلى بنت حلوان .. لقّبت خندف في قصة مشهورة، وأصل: الخندفة: الإسراع في السير. خندف الرجل: أسرع.
والشاهد: «أبت للأعادي أن تذلّ رقابها» فيكون الجار والمجرور، معمول صلة أن المصدرية تذلّ، تقدّم على «أن» والجمهور لا يجوّز تقديم معمول صلة «أن» المصدرية، ولذلك جعلوا الجار والمجرور متعلّقين بفعل محذوف يقدّر مثله، ويكون المذكور تفسيرا للمحذوف. والتقدير: أبت أن تذل رقابها للأعادي أن تذلّ رقابها .. وهذا تأويل للبصريين مردود، لأنه مستقبح، حيث أرادوا به نقض قول الكوفيين بجواز تقديم معمول الفعل المنصوب بلام الجحود عليه، وقالوا: إنه منصوب بفعل مقدر، في قولك «ما كنت فريدا لأضرب .. والنصوص تشهد للكوفيين وهي أقوى من قياس البصريين المبني على الوهم، والتعليلات التي لم يردها العرب .. والحقّ أنهم وضعوا قواعدهم وعمموها قبل أن يستغرقوا النظر في النصوص جميعها، فلما جابههم خصمهم بالنصوص، تأوّلوها وأخضعوها لمقاييسهم، ولكن من حفظ حجّة على من لم يحفظ.
[الإنصاف ص 596، وشرح المفصل ج 7/ 29].

105 - فأمّا القتال لا قتال لديكم … ولكنّ سيرا في عراض المواكب
هذا البيت للحارث بن خالد المخزومي، من قطعة يهجو بها بني أسد بن أبي العيص ..
(1/133)

أما: حرف شرط يفيد التفصيل. القتال: مبتدأ. لا: نافية للجنس. قتال: اسمها مبني على الفتح. لدى: ظرف خبر لا. والجملة خبر المبتدأ (القتال). لكنّ: حرف استدراك. واسمه محذوف أي: لكنكم ... سيرا: مفعول مطلق لفعل محذوف. وجملة الفعل المحذوف خبر لكن.
والشاهد: قوله: «لا قتال» حيث حذف الفاء من جواب (أمّا) وذلك للضرورة في الشعر وأما في النثر فتحذف الفاء على تقدير القول معها كما في قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ .. [آل عمران: 106]. أي: فيقال .. وحديث رسول الله:
أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله. والتقدير: أما بعد: فأقول.
[الخزانة/ 1/ 452، وشرح المفصل/ 7/ 134 وج 9/ 120، وشرح أبيات المغني ج 1/ 369، والهمع/ 2/ 76، والأشموني ج 1/ 196].

106 - قلّما يبرح اللبيب إلى ما … يورث المجد داعيا أو مجيبا
.. قلما يبرح، أي: لا يبرح. قلما: تفيد النفي. يبرح: مضارع ناقص، اللبيب اسمه.
داعيا خبره. والشاهد فيه: إلغاء «قلّ» وكفها عن العمل لاتصالها بما ووليها الفعل، وبقيت (قلّ) على معنى النفي بعد اتصال (ما) بها .. وقلّ: في الأصل فعل ماض جامد، للنفي المحض .. ترفع فاعلا، فإذا دخلت عليها (ما) كفّت عن العمل. [شرح أبيات المغني ج 5/ 245، وشرح التصريح ج 1/ 185].

107 - كهزّ الرّدينيّ بين الأكفّ … جرى في الأنابيب ثم اضطرب
هذا البيت لأبي دؤاد الإيادي - جارية بن الحجاج - شاعر جاهلي، من قصيدة وصف بها فرسه ... والرديني: الرمح. والأنابيب: أجزاء الرمح .. يشبه اهتزاز فرسه ونشاطه وسرعته، كما يسرع الاهتزاز في الرمح ..
والشاهد: استخدام «ثم» بمعنى «الفاء» للترتيب مع التعقيب دون تراخ، أما «ثم» فأصل معناها «الترتيب مع التراخي» ... ذلك أنّ الهزّ متى جرى في أنابيب الرمح يعقبه الاضطراب ولم يتراخ عنه .. والبيت والقصيدة في «شرح أبيات المغني». للبغدادي.
[ج 3/ 53، والهمع/ 2/ 131، والأشموني/ 3/ 94].

108 - رددت بمثل السّيد نهد مقلّص … كميش إذا عطفاه ماء تحلّبا
(1/134)

هذا البيت للشاعر ربيعة بن مقروم .. عاش في الجاهلية، وأسلم، وشهد القادسية، والبيت من قصيدة في المفضليات مطلعها:
تذكرت والذكرى تهيجك زينبا … وأصبح باقي وصلها قد تقضّبا
والسّيد: الذئب. نهد: عال، صفة لفرس المحذوف، إذ التقدير: رددت خيل عدوّي بفرس مثل السّيد نهد. مقلّص: طويل القوائم. كميش: سريع. عطفاه: جانباه .. وقد أورد ابن هشام في المغني البيت على أنّ ابن مالك استدل به على جواز تقدم التمييز على عامله المتصرف، كالحال. فإنّ: «ماء» تمييز، وعامله «تحلّب» ... ويرى ابن هشام أن «عطفاه» مرفوع بمحذوف يفسره المذكور، والناصب للتمييز هو المحذوف. [شرح أبيات المغني ج 7/ 22، والأشموني ج 2/ 202].

109 - وحديثها كالقطر يسمعه … راعي السّنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا … ويقول من طمع هيا ربّا
.. ينسب البيتان للراعي ... وليسا في ديوانه: القطر: المطر. السنين: الأعوام.
والحيا: الخصب والمطر .. شبه محبوبته في شدة رغبته في مجيئها إليه، بقطر قد اشتدت حاجة راعي الماشية إليه لتوالي أعوام المحل عليه، فلما سمع صوت قطرات المطر أمال أذنه ليسمعه ويتحقق نزوله راجيا أن يكون خصبا مريعا أو غيثا سريعا وقائلا من شدة فرحه: يا ربّ حقق رجائي. والمعنى: أنّ حديث هذه المحبوبة كالقطر إذ به حياة النفوس كما أنّ بذاك حياة البقاع ..
جملة يسمعه: صفة، لقطر، لأن اللام فيه للجنس، والهاء ضميره، وفيه مضاف محذوف. أي: يسمع صوت نزوله. وجملة: تتابعت: صفة للسنين أيضا، واللام فيها للجنس. وجدبا: تمييز محوّل عن الفاعل، والأصل: تتابع جدب السنين عليه. قوله:
فأصاخ: الفاء لمحض السببية، وجملة يرجو: حال من ضمير أصاخ .. واسم يكون:
ضمير مستتر. خبرها: حيا. ويجوز أن تكون «يكون» تامة، فاعلها «حيا». أي: يحصل الخصب والمطر.
والشاهد في البيت الثاني: «هيا ربّا»: هيا: حرف لنداء القريب والبعيد وأصلها «أيا» أبدلت همزتها هاء. ربّا: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المنقلبة ألفا. [شرح أبيات المغني
(1/135)

ج 1/ 74].

110 - فيا شوق ما أبقى ويالي من النوى … ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
هذا البيت من قصيدة للمتنبي يمدح فيها سيف الدولة، ومطلعها:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا … فإنّك كنت الشرق للشمس والغربا
.. يريد: يا شوقي ما أبقاك فلا تنفد، ويالي من النوى، استغاثة، كأنه يقول: يا من لي، يمنعني من ظلم الفراق، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أصباك ... وقد حذف الياءات من يا قلبي، يا دمعي، يا شوقي، تخفيفا، والشاهد ذكره ابن هشام في المغني، على احتمال أن تكون اللام في «يالي» هي اللام المفتوحة للاستغاثة كأنه استغاث بنفسه من النوى، ويحتمل أن يكون المراد اللام المكسورة التي للمستغاث من أجله، كأنه قال:
يا قوم اعجبوا لي من النوى.

111 - وكائن بالأباطح من صديق … يراني لو أصبت هو المصابا
.. البيت لجرير بن عطية من قصيدة يمدح بها الحجاج بن يوسف الثقفي، مطلعها:
سئمت من المواصلة العتابا … وأمسى الشّيب قد ورث الشبابا
.. وكائن: هي كأيّن التي بمعنى كم الخبرية. وتعرب هنا مبتدأ. ومن صديق: تمييز.
بالأباطح: الجار والمجرور حال من صديق، لأنه تقدم عليه، وكان في الأصل صفة مؤخرة (من صديق بالأباطح) ... وجملة يراني: خبر المبتدأ. والياء: في يراني: مفعول أول. والمصابا: مفعول ثان.
وذكر ابن هشام البيت في المغني، على أن (هو) لو كان ضمير فصل، كان قياسه أن يقال «أنا» فهو ليس ضمير فصل وإنما هو توكيد للفاعل في يراني، لأن من شرط ضمير الفصل أن يطابق ما قبله .. ولو قال: (يراه، أو تراه) لصح أن يكون ضمير فصل، ويروى البيت باللفظين الأخيرين، ولا إشكال حينئذ. [شرح أبيات المغني ج 7/ 75، والخزانة/ 5/ 397، وشرح المفصل ج 3/ 11، وج 4/ 135، والهمع/ 1/ 68، وج 2/ 76، والأشموني ج 4/ 87].

112 - لن تراها - ولو تأملت - إلّا … ولها في مفارق الرأس طيبا
(1/136)

البيت للشاعر عبد الله بن قيس الرقيات، وأنشده سيبويه، وابن هشام شاهدا على حذف فعل نصب به «طيبا» في آخر البيت .. والشاعر يصف هذه المرأة بإدامة استعمال الطيب .. وقد دلّ على الفعل المحذوف، الفعل المذكور في أول البيت. ولابن جنّي، تعليق ألمعيّ على الفعل المحذوف هنا، ووجوب كونه فعلا قلبيا، وليس من نوع الرؤية
العينية، حيث يقول: ولعمري إنّ الرؤية إذا لحقتها فقد لحقت ما هو متصل بها وفي ذلك شيئان: أحدهما: أن الرؤية وإن كانت مشتملة عليها، فليس لها طريق إلي الطيب في مفارقها، اللهم إلا أن تكون حاسرة غير مقنّعة، وهذه مبتذلة لا توصف به الخفرات، ألا ترى إلى قول كثيّر:
وإني لأسمو بالوصال إلى التي … يكون سناء وصلها وازديارها
ومن كانت من النساء هذه حالها، فليست رذلة ولا مبتذلة، وبه وردت الأشعار القديمة والمولّدة، وهي طريق مهيع، وإذا كان كذلك، وكانت الرؤية لها ليس مما يلزم معه رؤية طيب مفارقها، وجب أن يكون الفعل المقدر لنصب (الطيب) مما يصحب الرؤية لا الرؤية نفسها، فكأنه قال: لن تراها إلا وتعلم لها، أو تتحقق لها في مفارق الرأس طيبا ...
والآخر: أنّ هذه الواو في قوله «ولها كذا» هي واو الحال، وصارفة للكلام إلى معنى الابتداء، فقد وجب أن يكون تقديره: لن تراها إلا وأنت تعلم أو تتحقّق أو تشمّ، فتأتي بالمبتدأ وتجعل ذلك الفعل المقدر خبرا عنه ... وقد ردّ ابن هشام على هذا القول فقال:
وأما قول المعرب في البيت، فمردود وأحوال الناس في اللباس والاحتشام مختلفة، فحال أهل المدر يخالف حال أهل الوبر، وحال أهل الوبر مختلف، وبهذا أجاب الزمخشري عن إرسال شعيب عليه السّلام ابنتيه لسقي الماشية وقال: العادات في مثل ذلك متباينة وأحوال العرب خلاف أحوال العجم، اه.
ولكن كلام ابن جني أجمل وأعمق في معرفة أحوال العرب، وفهم عاداتهم وأشعارهم، وإنما قدم لنا ابن جني الصفة الغالبة على العرب، وهي الحشمة والخفر والتصون. والشعراء الذين وصفوا مغامراتهم المكشوفة مع محبوباتهم هم قلة ولا يمثلون حياة العرب. [سيبويه ج 1/ 144، وشرح المفصل ج 1/ 125، وشرح أبيات المغني ج 7/ 272].

113 - أرى الدّهر إلا منجنونا بأهله … وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا
(1/137)

هذا البيت لبعض العرب، ولم يعيّنوه، ونقله ابن هشام في المغني على أنّ ابن مالك حمل (إلا) فيه على الزيادة، وبخاصة في الشطر الأول حيث الاستثناء مفرّغ غير منفي .. ولكن رواية البيت الأشهر (وما الدهر إلا ...) وبذلك يبطل الاستدلال به، وإذا صحت روايته تخرّج على أنّ، أرى، جواب لقسم مقدّر، وحذفت (لا) كحذفها في تَاللَّهِ تَفْتَؤُا .. [يوسف: 85] والمنجنون: الدولاب الذي يستقى عليه، وجعل الدهر كذلك لأنه يتقلب بأهله، تارة يرفعهم وتارة
يخفضهم، وعلى رواية (وما الدهر) فيه شاهد على إعمال «ما» مع انتقاض نفيها بإلا. وقيل: التقدير: إلا يشبه كذا، فتكون منجنونا، مفعولا.
[شرح أبيات المغني ج 2/ 116، والأشموني ج 1/ 248، والتصريح ج 1/ 197].

114 - إنّ امرءا رهطه بالشام منزله … برمل يبرين جار شدّ ما اغتربا
البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر من بني أنف الناقة، ويعرّض بالزّبرقان بن بدر .. والبيت شاهد على حذف حرف العطف، وأن جملة (منزله برمل يبرين) معطوفة بواو محذوفة .. قال ابن هشام: ولك أن تقول: الجملة الثانية صفة ثانية، لا معطوفة .. وجار: خبر إنّ. وشدّ ما اغتربا: أصله: ما أشدّ ما اغترب. فحذف ما التعجبّية، والهمزة من «أشدّ»، لضرورة الشعر. و «ما» في (شدّ ما) مصدرية، أي: ما أشدّ اغترابه. ويبرين: قرية في شرق السعودية.
وقوله: بالشام: أي: بناحية الشام. يريد بعد المسافة بين منزله الأصلي، ومكان ارتحاله الذي جاور فيه آل بغيض. [شرح أبيات المغني ج 7/ 326، وديوان الشاعر].

115 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها … ويعرف لها أيامها الخير تعقب
من قصيدة لطفيل الغنوي، ويلقب (طفيل الخيل) لكثرة وصفه إياها ... وللخيل أيام:
خبر مقدم، ومبتدأ مؤخر. من: اسم شرط. يصطبر: فعل الشرط. ويعرف: مجزوم معطوف على فعل الشرط. وجواب الشرط: تعقب: مجزوم وحرك بالكسر للقافية.
والخير: مفعول مقدم للفعل تعقب ... فدلّ هذا على جواز تقديم الاسم المنصوب بجواب الشرط، مع أنّ جواب الشرط مجزوم .. وهو ردّ على الفرّاء الذي ينكر تقديم منصوب جواب الشرط، وبقاء الجواب مجزوما حيث يرى الرفع. أما المرفوع، فاتفق الكوفيون أنّ تقدّمه، يمنع جزم الجواب، فتقول: إن تأتني زيد يكرمك، بالرفع. ويرى البصريون جواز تقديم المرفوع والمنصوب، مع تقدير فعل. [الإنصاف/ 621، والخزانة/ 9/ 44].
(1/138)

116 - أرى رجلا منهم أسيفا كأنّما … يضمّ إلى كشحيه كفّا مخصّبا
.. للأعشى ميمون بن قيس، والأسيف: الأسير .. أو من التأسف لقطع يده. أو هو أسير كبّلت يداه .. وقيل: جرح يده الغلّ. والكشح: الخاصرة. والكفّ: اليد، وهي مؤنثة. ومحل الشاهد: قوله: كفا مخضّبا: فإن الظاهر أنّ «مخضبا» نعت لقوله «كفا» ومخضب وصف مذكر .. والكف مؤنث ... والتخريج على أنه ذكّر النعت حملا على المعنى، لأن
الكفّ عضو، والعضو مذكّر .. ويجوز أن يكون حالا من ضمير (يضمّ) أو من الضمير في كشحيه. [الإنصاف/ 776، واللسان (خضب) و «كفف»].

117 - خذي العفو منّي تستديمي مودّتي … ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فإني رأيت الحبّ في الصدر والأذى … إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
.. البيتان لشريح القاضي .. وذكرهما الخليل في كتاب «الجمل» شاهدا على الرفع على فقدان الناصب، في قوله «لم يلبث الحبّ يذهب» على معنى «أن يذهب» فلما نزع حرف الناصب ارتفع.

118 - وأغضي على أشياء منك لترضني … وأدعى إلى ما سرّكم فأجيب
.. عن كتاب «الجمل» للخليل ... والشاهد «لترضني» جزم الفعل بلام التعليل، لضرورة الشعر، وحقه أن يقول: لترضيني.

119 - كأنّ هندا ثناياها وبهجتها … يوم التقينا على أرحال عنّاب
.. عن كتاب «الجمل» للخليل .. والعنّاب: شجر ثمره أحمر. والشاهد: كأنّ هندا ثناياها: أبدل ثناياها، وبهجتها، من (هند) فنصب ومعناه: كأنّ هندا وكأنّ ثناياها وكأن بهجتها، فنصب على البدل.

120 - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا … أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا
.. البيت غير منسوب: واستشهد به النحويون على أن (إن) بعد (ألا) زائدة ..
وسرى: بمعنى: سار، وإسناده إلى الليل مجاز. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة. وغضوب: اسم امرأة ممنوع من الصرف، مجرور بالفتحة، والباء فيه للتعدية.
(1/139)

وقيل: (إن) في البيت بمعنى (قد) وهو قول وجيه. [شرح أبيات المغني ج 1/ 114، والهمع ج 1/ 124، والدرر ج 1/ 97].

121 - ما الحازم الشهم مقداما ولا بطل … إن لم يكن للهوى بالحقّ غلّابا
البيت غير منسوب وذكره ابن هشام، على أنّ قائله عطف (بطل) بالجرّ على (مقدام) المنصوب، على توهّم أنه مجرور بالباء الزائدة بعد ما النافية. وهذا البيت، إشغال للناس بدون فائدة، فالبيت غير منسوب، ولم يسمع أحد قائله قال: «ولا بطل»، بالجرّ ... ولو رويناه بالنصب ما فسد البيت معنى ونظما .. والذي يبدو لي والله أعلم، أنهم سمعوه ممن توهم أن الباء في (بطل) حرف جرّ فجرّه .. كمن سئل: ماذا فعل الله بحمار أبيك؟
فقال: (باعه) بكسر العين، ظنا أنّ الباء حرف جرّ. ويحدث كثيرا مثل هذا في أيامنا لغلبة العجمة على عقول الناس، ولأنهم يتعلمون النحو قواعد، بدون تطبيق، ولا فهم لمعاني الكلمات التي يعربونها .. وقد سألت مرة أحدهم أن يعرب (أدّب بنيك) فأعرب الباء حرف جرّ .. وأعرب أحدهم (في فلك ماخر)، ماخر: ما اسم موصول. وأعرب أحد الطلاب في مدرسة ثانوية (عليّ بن أبي طالب) عليّ: جار ومجرور. [شرح أبيات المغني/ 7/ 49، والهمع ج 2/ 141، والدرر ج 2/ 1196].

122 - فإن أهلك فذي حنق لظاه … عليّ تكاد تلتهب التهابا
البيت لربيعة بن مقروم، شاعر مخضرم، وهو من ثمانية أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة، وجاء منها:
أخوك أخوك من يدنو وترجو … مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي … وزاد سلاحه منك اقترابا
فإن أهلك ..
مخضت بدلوه حتى تحسّى … ذنوب الشرّ ملأى أو قرابا
قوله: إن أهلك: هذا الكلام تسلّ عن العيش بعد قضاء حاجته وإدراك ثأره ولولا ما تسهل له من ذلك لكان لا يسهل عليه انقطاع العمر، فيقول: إن أمت فربّ رجل ذي غيظ عليّ وغضب تكاد نار عداوته تتوقد توقدا .. أن فعلت به كذا.
(1/140)

إن: أداة شرط. فذي .. فربّ ذي .. ذي: مجرور بحرف الجرّ الشبيه بالزائد المحذوف .. لظاه: مبتدأ .. وجملة تكاد، خبره وجواب ربّ، قوله مخضت في البيت التالي ..
والشاهد في البيت اقتران جواب الشرط بالفاء، لأن جملته اقترنت بحرف له الصدر وهو (ربّ) المقدرة. [شرح أبيات المغني ج 4/ 34، والخزانة ج 1/ 26].

123 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه … فيه كما عسل الطريق الثّعلب
.. البيت لساعدة بن جؤية الهذلي، يصف رمحا. واللدن: الليّن الناعم. يعسل: يشتد اهتزازه ويضطرب .. شبه أطراف الرمح عند اهتزازه باضطراب الذئب في الطريق ..
قوله: بهزّ: الباء بمعنى عند. متعلق ب يعسل.
والشاهد فيه: حذف الجار من قوله «عسل الطريق» ونصب الطريق بالفعل عسل ..
وأكثر النحويين على أنّ الطريق ليست ظرف مكان، لأنها ليست مبهمة فالإبهام شرط لنصب ظرف المكان. [سيبويه ج 1/ 16، 109، والخزانة ج 3/ 83، وشرح أبيات المغني ج 1/ 9، والهمع/ 1/ 200، وج 2/ 81، والأشموني ج 2/ 91، 97، وأشعار الهذليين ج 1 /].

124 - أربّ يبول الثّعلبان برأسه … لقد هان من بالت عليه الثّعالب
البيت لراشد بن عبد ربه، أو ابن عبد الله كما سماه رسول الله، إذ كان اسمه الغاوي ابن عبد العزّى، وكان سادنا لصنم، فرأى ثعلبا يبول عليه، فقال: والله لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، وأنشد البيت والتحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. الثعلبان: بضم الثاء واللام، ذكر الثعالب .. والشاهد فيه: أن الباء في قوله «برأسه» بمعنى «على» للاستعلاء. [شرح أبيات المغني ج 2/ 304، والهمع/ 2/ 22، واللسان/ (ثعلب)].

125 - فلا تتركنّي بالوعيد كأنني … إلى الناس مطليّ به القار أجرب
البيت للنابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها لملك الحيرة، مطلعها:
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني … وتلك التي أهتمّ منها وأنصب
(1/141)

قوله: إلى الناس: متعلقان ب: مطليّ، لتأويله بمبغض، وهو خبر كأنّ. والقار: نائب فاعل، لمطلي (اسم مفعول). وأجرب: بدل كلّ من مطلي.
والشاهد: استخدام (إلى) بمعنى «في» ... وتناوب حروف الجرّ إنما يكون إذا صح تأويل المتعلّق بما يصحّ تعلّق الحرف به. [الخزانة ج 9/ 465، وشرح أبيات المغني ج 2/ 123، والهمع ج 2/ 20، والأشموني ج 2/ 214، وديوان النابغة].

126 - وإياك إياك المراء فإنّه … إلى الشرّ دعّاء وللشرّ جالب
البيت، للفضل بن عبد الرحمن القرشي، يقوله لابنه القاسم بن الفضل ... عاش في العصر العباسي، ولكن سيبويه احتجّ بشعره .. والبيت من شواهد سيبويه .. والشاهد فيه:
أنّه أتى بالمراء، وهو مفعول به بغير حرف عطف. وعند سيبويه أن نصب (المراء) بإضمار فعل، لأنه لم يعطف على إياك، تقديره «اتق المراء» ويكون إياك منصوبا بفعل محذوف آخر .. وبعضهم ينصب (المراء) بالفعل الذي نصب إياك. وقال الأعلم: إسقاط الواو من الاسم بعد إياك ضرورة والمعروف إياك والمراء وإياك والأسد، ولا يجوز إياك الأسد ...
والخلاصة:
إياك ... أسلوب تحذير. وتنصب إياك بفعل محذوف وجوبا إذا كانت للتحذير. وإذا كانت إياك للتحذير، يأتي بعدها «أن» أو «من» أو «الواو» نحو: إياك والكسل: .. الواو عاطفة، والكسل: منصوب بفعل محذوف غير الفعل الذي نصب إياك، والعطف يكون عطف جمل.
وإياك من الكسل: ... والتقدير: ق نفسك من الكسل.
ونحو: إيّاك أن تكسل ... المصدر المؤول في محل جّر بمن المحذوفة.
... أما إياك المراء: فالأفصح، المقيس أن يقول: إياك من المراء، أو إياك والمراء .. فحذف للضرورة .. أو أنه أجرى المصدر (المراء) مجرى (المصدر المؤول) (أن تماري) في كثرة حذف حرف الجرّ قبله. [سيبويه/ 1/ 141، وشرح المفصل ج 2/ 25، والأشموني ج 3/ 80، 189، والخزانة ج 3/ 63، والمرزباني/ 310].

127 - يرجّي المرء ما إن لا يراه … وتعرض دون أدناه الخطوب
(1/142)

البيت، لجابر بن رألان الطائي، أو لإياس بن الأرت، وتعرض: أي: تحول أو تظهر.
ودون: بمعنى أمام. وأدناه: أقربه: يعني: إذا كان أقرب ما يتمناه الإنسان، تحول الأمور الشاقة عن الوصول إليه، فما ظنك بأبعدها.
والشاهد زيادة (إن) المكسورة الهمزة، والساكنة النون - بعد (ما) الموصولة. ويروى البيت (ما لا أن يلاقي) على أن (لن) أصلها (لا أن). [الخزانة/ 8/ 440، والهمع/ 1/ 125، والتصريح/ 2/ 23، وشرح أبيات المغني ج 1/ 107].

128 - أتت حتاك تقصد كلّ فجّ … ترجّي منك أنها لا تخيب
البيت مجهول .. والفجّ: الطريق الواسع. وفاعل أتت: ضمير الناقة، أو طلّاب المعروف. وفي البيت شاهدان: الأول: ظهور اسم أن المفتوحة المخففة «أنها» بدون تشديد، وهو لا يظهر.
والثاني: كون مجرور (حتى) ضميرا. والكوفيون والمبرد يجيزون ذلك. ويقولون:
حتاي، وحتاه وحتاهما .. الخ قال: شارح أبيات المغني:
ولا ينبغي القياس على حتاك من هذا البيت فيقال ذلك في سائر الضمائر .. وانتهاء الغاية في «حتاك» هنا لا أفهمه، ولا أدري ما عنى ب (حتاك) فلعل هذا البيت مصنوع.
أقول: معنى حتاك: أتت إليك، فاستخدم حتى بمعنى (إلى) .. وإذا أجازها الكوفيون والمبرد، فذلك حجة، والذوق لا يرفضها فلماذا ندخل كلّ جحر ضب خرب وراء البصريين، وعند ما يظهر الحق مع الكوفيين نرفض متابعتهم؟
[شرح أبيات المغني/ 3/ 93، والهمع/ 2/ 23، والأشموني/ 2/ 210].

129 - هذا سراقة للقرآن يدرسه … والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
.. هذا البيت مجهول القائل، ومع ذلك فالنحاة يتناقلونه، وبخاصة الشطر الأول، والشطر الثاني يروى: «يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا» .. ولعل هذا التلفيق بين الشطرين ناتج من أن بعض الرواة، ظنوا (سراقة) في الشطر الأول هو سراقة بن مالك الصحابي، فوجدوا من غير اللائق أن يهجى بما في الشطر الثاني، فغيروه ... وربما انتصر أحد النحويين لقرّاء القرآن، وأراد أن يبعد عنهم الذم، بقبول الرشوة، لأن هذا مطعن كبير وبخاصة إذا كان المرتشي ممن يقرأ القرآن .. وعلى كل حال، فسراقة هنا رجل اسمه
(1/143)

سراقة، وليس الصحابي الجليل، والشاعر يهجو قارئ القرآن، ودارسه، الذي لا تردعه زواجر القرآن، ولا تهديه آياته، وهذا لا يقدح في مقام القرآن، ولا يقدح في رجاله المنكبّين على دراسته. وقد وردت الأحاديث التي تحذر من هؤلاء الذين يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، ويتخذونه صنعة ومهنة لكسب المال .. والشاهد في البيت، (يدرسه) حيث قالوا: إن الضمير في «يدرسه» مفعول مطلق، لا ضمير القرآن. ذلك أن الفعل يدرس تعدى للقرآن بحرف الجر فلا يعود إلى التعدية مرة أخرى، فلا يعرب الضمير مفعولا به، لأن الضمير يعود على مصدر مقدر، وتقديره: «هذا سراقة للقرآن يدرسه درسا».
.. وهو كما يظهر تكلّف في التقدير حتى لا تخرم قاعدة قعّدوها، فالمانع عندهم شكلي، وليس معنويا، فالحقّ أن الهاء تعود على القرآن، وقد جاء الشاعر باللام لاضطراره إليها، والتعبير نوع من الاشتغال، وأصله (القرآن يدرسه)، ولو أعربت (القرآن) مبتدأ، واللام زائدة، لابتعدت عن المعنى .. أو أنّ اللام في «للقرآن» للبيان بمنزلة «سقيا لك». والهاء تعود على القرآن. وقد يستقيم المعنى والإعراب إذا قرأنا الشطر كالتالي «هذا سراقة للقرآن» ... نريد أن القرآن امتلك على سراقة كلّ وقته أو كأنك قلت: هذا سراقة قارئا للقرآن، ثم تستأنف، وكأن سائلا سأل: ماذا يفعل سراقة للقرآن؟ فتقول: يدرسه.
[سيبويه/ 437، والخزانة ج 2/ 3 / وج 5/ 226، وج 9/ 48، 61].

130 - كتبت أبو جاد وخطّ مرامر … وخرّقت سربالا ولست بكاتب
عن كتاب «الجمل» للخليل. والشاهد: كتبت (أبو جاد) حيث أبقى «أبو جاد» مرفوعا، على الحكاية. قال: والأفعال التي يحكى بها، سمعت - وقرأت - ووجدت - وكتبت ..
قال: ذو الرّمة:
سمعت: الناس ينتجعون بحرا … فقلت لصيدح انتجعي بلالا
ورفع «الناس» على الحكاية.

131 - أطوف بها لا أرى غيرها … كما طاف بالبيعة الراهب
.. الشاهد «الراهب» جرّه بالقرب والجوار، كما قالوا: هذا جحر ضبّ خرب.

132 - فيا معشر العزّاب إن حان شربكم … فلا تشربوا ما حجّ لله راكب
(1/144)

شرابا لغزوان الخبيث فإنّه … يباهتكم منه بأيمان كاذب
.. الشاهد: خفض «راكب» على القرب والجوار، ومحلّه الرفع.

133 - لا تصيب الصديق قارعة التأ … نيب إلا من الصديق الرّغيب
غير أنّ العليل ليس بمذمو … م على شرح ما به للطبيب
لو رأينا التوكيد خطّة عجز … ما شفعنا الأذان بالتّثويب
.. لأبي تمّام من قصيدة يمدح سليمان بن وهب .. والرغيب: الكثير الطمع يقول في البيت الأول: لا يوبّخ الصديق على تقصير منه في أمر إلا من كان كثير الطمع، لا يصادقه لمودته. ويقول في البيت الثاني: لم أذكر ما أذكره استزادة لكم ولكن أذكر معتقدي لكم توكيدا وزيادة بيان، فلا لوم عليّ في ذلك كما أنّ العليل لا يلام على أن يشرح للطبيب العالم بعلته ما يجده لما في ذلك من توكيد البيان. والتثويب: في البيت الثالث: الدعاء الثاني، من قولهم ثوّب الرجل بأصحابه إذا دعاهم مرّة بعد مرّة ...
وذكرت الأبيات لما في ثالثها، من بيان الغرض من التوكيد في الكلام، واستشهد الشاعر، بتكرار ألفاظ الأذان، وهي إشارة لطيفة من الشاعر المبدع أبي تمام.

134 - ومنّا لقيط وابنماه وحاجب … مؤرّث نيران المكارم لا المخبي
قاله الكميت الأسدي. والبيت شاهد على تثنية «ابنم» وهو لفظ «ابن» والميم زائدة ...
ومثاله في الإفراد: قول حسان:
«فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما» أي: أكرم بنا ابنا. [المقتضب/ 2/ 93، واللسان (خبا)].

135 - لما اتّقى بيد عظيم جرمها … فتركت ضاحي جلدها يتذبذب
البيت مجهول القائل .. وقوله: جرمها: بضم الجيم: الذنب. وبكسر الجيم: الجسم.
ضاحي: ظاهر. يتذبذب: يذهب ويجيء ولا يثبت في موضع واحد. والشاهد: زيادة الفاء (فتركت) لأنها لا تدخل في جواب لمّا، وتركت: هنا قد تنصب مفعولين إذا كانت بمعنى صيّر. [شرح أبيات المغني/ 4/ 54].

136 - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا … ومن دون رمسينا من الأرض سبسب
(1/145)

لظلّ صدى صوتي وإن كنت رمّة … لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب
.. البيتان لأبي صخر الهذلي عبد الله بن سالم الهذلي، شاعر إسلامي. ومطلع القصيدة:
ألمّ خيال طارق متأوّب … لأمّ حكيم بعد ما نمت موصب
.. ألمّ: زار زيارة خفيفة. والطارق: الذي يأتي ليلا. والمتأوب: الراجع. وموصب:
من أوصبه إذا أمرضه. والرمّة: العظام البالية.
والأصداء: جمع صدى وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، والمراد:
لو أنّ إنسانا رفع صوته باسمي، وآخر رفع صوته باسمها في موضع يرجع فيه الصّدى والتقى صديانا، لظل صدى صوت اسمي يهش لصدى صوت اسمها. والرمس: القبر.
والسبسب: القفر والمفازة. والشاهد استخدام «لو» حرف شرط للاستقبال مرادفة (إن) الشرطية. [شرح أبيات المغني/ 5/ 38، والأشموني ج 4/ 37، والتصريح ج 1/ 255].

137 - قد أشهد الغارة الشعواء تحملني … جرداء معروقة اللّحيين سرحوب
.. البيت لامرئ القيس. والجرداء: الفرس المعروقة. سرحوب: نحيلة طويلة.
والشاهد: استخدام «قد» للدلالة على التكثير، مع الفعل المضارع، فالشاعر يفخر، ولا معنى لغير التكثير في الفخر. [الخزانة/ 6/ 105].

138 - منّا الذي هو ما إن طرّ شاربه … والعانسون ومنّا المرد والشّيب
البيت لأبي قيس بن رفاعة، أو قيس بن رفاعة، وقيل اسمه «دثار» أحد يهود المدينة في الجاهلية، لعنهم الله، وما كنت ذاكره في هذا المعجم، لولا نيّة لعنه، ليلعنه كل من قرأ هذا الكتاب .. فاليهود - لعنهم الله - آفة المجتمع العربي، وما أحبّ أن أضيف أحدهم إلى موطن عربيّ، لأنهم لا وطن لهم في ديار العرب وإنما تسربوا كما يتسرب الوباء إلى أرض العرب. ويفخر الخبيث في هذا البيت بكثرة العدد، وأنّ منهم الكبار والصغار. وطرّ الشارب: إذا ابتدأ نبات شعره .. ورجل عانس، وامرأة عانس: إذا طال مكث أحدهما في منزل أهله بعد إدراكه، ولم يتزوج .. وما
أكثر العنوسة في هؤلاء القوم، لأنهم لا يعرفون حرمة ولا رحما .. فتوراتهم المحرفة تدّعي أنّ بنات لوط عليه السّلام قد أسكرا أباهما،
(1/146)

ليزني بهما، لإنجاب النسل ... فلا عجب إن فعلوا بأنفسهم ذلك .. وقد ذكر النحويون هذا البيت .. وما كنت أريد أن يذكروه - للاستشهاد به، .. - وليس ليهوديّ شهادة مقبولة - على أنّ «ما» في البيت اسم بمعنى (حين) .. والذي: مبتدأ، خبره شبه الجملة قبله.
و «هو»: مبتدأ. خبره: جملة طرّ شاربه. وإن: زائدة. وجملة: هو طر شاربه: صلة الموصول. ويرى التبريزي أن (ما) هنا نافية. [الهمع/ 45، والأشموني ج 1/ 82، وشرح أبيات المغني ج 5/ 242].

139 - شربت بها والديك يدعو صباحه … إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
.. البيت للنابغة الجعدي، من أبيات يصف في أولها الخمر .. والشاعر مخضرم عاش في الإسلام طويلا، دعا له رسول الله ب «لا فضّ فوك» فعاش عمره لم تسقط له سنّ.
وقوله شربت بها: أي منها، ويريد الخمر، وهذا في الجاهلية، أو قبل أن ينزل تحريمها ...
وقوله: والديك يدعو صباحه: أي: يدعو في وقت إصباحه كناية عن وقت البكور، أو قبيل الفجر حيث يصيح الديك في هذا الوقت. وقوله: دنوا: أي: مالت بنات نعش للغروب. والتصوّب: الانحدار. [الخزانة/ 8/ 82].
والشاهد: استعمال الواو (تصوبوا) في غير ضمير العقلاء. وجمع «ابن» من غير ما يعقل جمع العقلاء المذكرين، فقال: بنو. وكان ينبغي أن يقول: بنات نعش، واحدها «ابن نعش». لأن ما لا يعقل من المذكر والمؤنث يجمع جمع السلامة والتكسير، كحمّام وحمامات.
وقالوا: وحمل بنو نعش على ما يعقل لما كان دورها على مقدار لا يتغير، فكأنّها تقدر ذلك الدور وتعقله، فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمر وتطيع وتفهم الكلام. وقال: دنوا، فتصوبّوا: وكان ينبغي أن يقول: دنون فتصوبن. ومما يستجاد من هذه القصيدة قوله:
فإن تأخذوا مالي وأهلي بظنّة … فإنّي لحرّاب الرّجال مجرّب
صبور على ما يكره المرء كلّه … سوى العار إني إنّ ظلمت سأغضب
[شرح أبيات المغني ج 6/ 130، وكتاب سيبويه ج 1/ 240، وشرح المفصل
(1/147)

ج 5/ 105، والخزانة ج 8/ 82].

140 - لا بارك الله في الغواني هل … يصبحن إلا لهنّ مطّلب
.. البيت لعبيد الله بن قيس الرقيّات. والشاهد: (لا بارك). لم يكرر لفظ «لا» مع أنها دخلت على الماضي، كما هو المعروف، لأنّ الماضي هنا ماض في اللفظ، مستقبل في المعنى، فالمراد: الدعاء. [سيبويه ج 2/ 59، والهمع/ 1/ 53، واللسان (غنا)، وشرح أبيات المغني ج 4/ 386].

141 - ما إن وجدنا للهوى من طبّ … ولا عدمنا قهر - وجد - صبّ
.. أضاف «قهر» إلى مفعوله، وهو صبّ، وفصل بينهما بفاعل المصدر وهو «وجد».
والأصل: ما وجدنا للهوى طبّا ولا عدمنا قهر صبّ وجد. والصبّ: العاشق.
[الهمع/ 2/ 53، والأشموني ج 2/ 279، والتصريح ج 4/ 59].

142 - رأيت بني عمّي الأولى يخذلونني … على حدثان الدّهر إذ يتقلّب
.. والشاهد: الأولى، مقصور بدون مدّ الواو - اسم موصول لجمع المذكر العاقل ..
بمعنى: الذين. وحدثان: مصدر، وليس مثنى. [الهمع ج 1/ 83، والتصريح ج 1/ 132، وقال هارون: إنه للشاعر مرّة بن عدّاء الفقعسي].

143 - فإن تسألوني بالنساء فإنني … بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله … فليس له من ودّهنّ نصيب
.. البيتان لعلقمة بن عبدة. والشاهد في البيت الأول: تسألوني بالنساء، فالباء هنا بمعنى المجاوزة، مثل «عن» كقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان: 59]. [سيبويه ج 1/ 107، والمقتضب ج 2/ 173، والمفضليات 394].

144 - أجارتنا إنّ الخطوب تنوب … وإنّي مقيم ما أقام عسيب
البيت لامرئ القيس .. وعسيب: اسم جبل .. والشاهد: (ما أقام)، ما: مصدرية ظرفية، تؤوّل بظرف: أي: مدة إقامة عسيب.

145 - إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها … جرى دون ليلى مائل القرن أعضب
(1/148)

ليس للبيت قائل معروف .. والأعضب: المكسور القرن .. والعرب تتشاءم وتتطير إذا مرّ بين يديها حيوان قرنه ملتو أو كان مكسورا، ودون بمعنى قدّام ... والمعنى: إذا قيل: سيروا، لعلّ ليلى قريبة برح لنا ظبي ذو قرن معوجّ وقرن مكسور، فآذن ببعدها، وهذا ليس على الحقيقة، وإنما هو كقولهم لمن يتقاتلون (دقّوا بينهم عطر منشم). يريد
حصل حادث شؤم حال دون تحقيق الهدف. وإذا: شرطية .. جوابها جملة جرى.
ومائل: فاعل جرى.
والشاهد: حذف خبر لعلّ، والتقدير: لعلها قريبة. وخبر إنّ: جملة لعلها قريبة. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 7/ 320].

146 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإنّي وقيار بها لغريب
هذا البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، من أبيات قالها وهو محبوس في سجن المدينة - زمن عثمان بن عفّان، رضي الله عنه - لهجاء قاله في خصومه ... ومطلع الأبيات:
دعاك الهوى والشوق لما ترنّمت … هتوف الضحى بين الغصون طروب
يجاوبها ورق الحمام لصوتها … فكل لكلّ مسعد ومجيب
.. وقوله: من يك: أصلها: من يكن، حذفت النون للتخفيف ..
ورحله: اسم أمسى، وبالمدينة: خبرها. وجملة أمسى: خبر يك. والرحل: المنزل، وما يحتاج إليه المسافر من الأثاث .. وقيّار: اسم جمل، أو فرس. يقول: من كان بالمدينة بيته ومنزله، فلست من أهلها، ولا لي بها منزل.
والشاهد: قوله: لغريب، خبر إنّ، وخبر: قيار، محذوف. والتقدير: فإني لغريب بها، وقيار كذلك. [سيبويه ج 1/ 38، والإنصاف/ 94، وشرح المفصل/ 8/ 68، والهمع/ 2/ 144، والأشموني ج 1/ 286، وشرح أبيات المغني ج 7/ 43، والخزانة ج 10/ 312].

147 - أين المفرّ والإله الطالب … والأشرم المغلوب ليس الغالب
هذا الرجز قاله نفيل بن حبيب، يخاطب أبرهة الحبشي عند ما غزا الكعبة، والأشرم في
(1/149)

اللغة: المشقوق الأنف، وهو لقب أبرهة أمير جيش الحبشة ...
والشاهد في البيت: (ليس الغالب) حيث يرى الكوفيون أنّ (ليس) حرف عطف بمعنى «لا»، ويرى غيرهم: أنّ «الغالب» اسم ليس والخبر محذوف، وهو في الأصل ضمير متصل عائد على الأشرم، أي: ليسه الغالب، ثم حذف لاتصاله .. ورأي الكوفيين أقرب إلى المعنى والصنعة؛ لأنّ الضمير المستتر أو المتصل حقه أن يكون اسم ليس. وليس خبرها .. [الهمع/ 2/ 138، والسيرة 1/ 36، وشرح أبيات المغني ج 5/ 211].

148 - ولست بنازل إلا ألمّت … برحلي أو خيالتها الكذوب
فقد جعلت قلوص بني زياد … من الأكوار مرتعها قريب
الشعر لرجل من بني بحتر بن عتود، وقد رواه أبو تمام في الحماسة.
وقوله: «ألمّت»: الفاعل ضمير مستتر يعود على الحبيبة. والخيالة: الطّيف، يقال:
خيال وخيالة. والكذوب: صفة الخيالة، ووصفها بالكذوب: لأنه لا حقيقة لها. ولم يؤنث الكذوب، لأن «فعولا» يستوي فيه المذكر والمؤنث .. يقول: لا أنزل محلا إلا رأيت الحبيبة تتصور لي من شدة شوقي إليها، أو رأيت خيالها في النوم، ولا أنفكّ منها في يقظة أو نوم.
وقوله: «أو خيالتها»: معطوف على الضمير المستتر في ألمّت، مع عدم توكيد المستتر بمنفصل، واكتفى بوجود الفصل بالجار والمجرور.
... والقلوص: الناقة الشابّة. والأكوار: جمع كور - بالضم - وهو الرحل بأداته يقول:
إذا سرحت لم تبعد في المرعى لشدة كلالها.
وقد اختلفوا في معنى «جعل» في البيت الثاني. منهم من قال: إنها بمعنى «طفق» من أفعال المقاربة، يكون خبره جملة فعلية. ومنهم من قال: إنها بمعنى «صيّر» تنصب مفعولين. وعلى الرأي الأول: يكون خبر طفق الجملة الاسمية (مرتعها قريب) وتكون قد نابت الجملة الاسمية مناب الفعلية .. وهو قول مهلهل.
وعلى الرأي الثاني: يكون فاعل «جعلت»: ضميرا مستترا يعود على المرأة، في البيت السابق. وتكون «قلوص» منصوبة، مفعولا أولا. وجملة مرتعها قريب: مفعول ثان ..
(1/150)

وهذا الإعراب أجود، وبه يرتبط البيتان .. [الهمع/ 2/ 141، والمرزوقي/ 310، والخزانة ج 5/ 119].

149 - طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب
البيت مطلع قصيدة الكميت التي يمدح فيها - آل رسول الله - والشاهد فيه حذف همزة الاستفهام من قوله «ذو الشيب» أراد «أو ذو الشيب» ويروى البيت بهمزة الاستفهام مع حذف الواو، «أذو الشيب يلعب؟»، [الخزانة ج 4/ 313 - 314، وشرح أبيات المغني ج 1/ 29، والهمع/ 1/ 195، وج 2/ 69].

150 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي … ولكن يكن للخير منك نصيب
.. هذا البيت مجهول القائل، ولكنه معلوم القائلين، حيث يعبّر هذا البيت عن لسان حال آباء لا يحصون، يجدون العقوق من أبنائهم .. فقد خاطب أب ابنه بهذا البيت لما سمع أنه يتمنى موته .. وقد أنشده النحويون شاهدا على
جواز حذف لام الأمر الجازمة، في قوله «ولكن يكن» والتقدير (ليكن)، وهو كثير في أقوال العرب. [شرح أبيات المغني/ 4/ 333، والأشموني ج 4/ 5].

151 - تطاول هذا الليل تسري كواكبه … وأرّقني إذ لا ضجيع ألاعبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه … لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكّلا … بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربّي والحياء يصدّني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
روي: أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف في المدينة، إذ مرّ بامرأة من نساء العرب، مغلقا عليها بابها وهي تقول: (الأبيات). فقال عمر لحفصة بنت عمر: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت ستة، أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا ... وكان زوج المرأة في جيوش الفتح. والقصة لا تصحّ سندا، ولا متنا.
والشاهد في البيت الثاني: (لولا الله تخشى .. لزعزع) .. لولا: حرف شرط .. ، الله:
لفظ الجلالة مبتدأ .. والعلماء يرون أن خبر المبتدأ بعد لولا يكون محذوفا وجوبا إذا كان كونا مطلقا كالوجود والحصول .. ولكن وردت شواهد ذكر فيها الخبر ومنها الشاهد: لأن (تخشى) خبر المبتدأ. وجواب الشرط (لزعزع).
(1/151)

وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا قومك حديثو عهد بكفر ...»، وعلى عادة النحويين، فإنهم يحاولون إيجاد تأويلات بعيدة، إذا وجدوا نصوصا تخالف قواعدهم ... وكان عليهم أن يعترفوا، أن كلام العرب كثير، وقد وصلهم منه شيء وغابت عنهم أشياء، فإذا ظهر فيما بعد، ما ينقض القاعدة، فلا بأس في إضافة ما كشف عنه النص الجديد ...
ولذلك نجدهم يؤولون هذا الشاهد وغيره ويعربون (تخشى) بدل اشتمال، على أن الأصل (أن يمسكه) ثم حذف أن وارتفع الفعل - أو تقدير (تخشى) جملة معترضة، ومنهم من قال، بأنها حال .. ورفض ذلك الأخفش، لأنهم لا يذكرون الحال بعدها لأنه خبر في المعنى .. ويعجبني في هذا المقام ابن مالك صاحب الألفية، الذي اتخذ الحديث الشريف مصدرا أصيلا من مصادر اللغة والنحو فقال عند حديث (لولا قومك حديثو عهد بكفر ..): تضمّن هذا الحديث ثبوت الخبر بعد لولا، وهو مما خفي على النحويين، وجعل المبتدأ بعد لولا على ثلاثة أضرب:
الأول: مخبر عنه بكون غير مقيّد نحو «لولا زيد لزارنا عمرو» فمثل هذا يحذف خبره، لأن المعنى، لولا زيد على كلّ
حال من أحواله لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها.
الثاني: مخبر عنه بكون مقيّد، لا يدرك معناه إلا بذكره نحو «لولا زيد غائب لم أزرك». فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأنّ معناه يجهل عند حذفه، ومنه الحديث «لولا قومك حديثو عهد بكفر ..» فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظنّ أنّ المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم، لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم، بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة.
الثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيّد يدرك معناه عند حذفه، كقولك: «لولا أخو زيد ينصره، لغلب» فيجوز في مثل هذا إثبات الخبر وحذفه لأنّ فيها شبها ب (لولا زيد لزارنا عمرو) وشبها ب (لولا زيد غائب لم أزرك). فجاز فيها ما وجب فيهما من الحذف والثبوت .. ، اه.
ويمكن أن يقال في (لولا الله تخشى ...) ما قيل في النوع الثالث .. فلو قالت: «لولا الله لزعزع» استقام المعنى، وفهم المقصود .. ولمّا قالت: (لولا الله تخشى ..) عينت حالة من الحالات التي تعتري المسلم عند ذكر ربّه، وهي الخشية، بل إن الإخبار عن الله
(1/152)

(بالمخشيّ) هنا أقوى من حذف الخبر .. فالله يذكر، للخشية منه، ولرحمته، وجبروته، ونعمائه .. الخ .. ولكل حال خبر .. والمرأة هنا ذكرت الخشية من الله، لأنها في مقام وسوسة الشيطان لها بالذنب .. والله أعلم. [شرح أبيات المغني ج 5/ 122، والخزانة ج 10/ 333، وشرح المفصل/ 9/ 23].

152 - أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد … كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
هذا البيت، من قصيدة لنهشل بن حرّيّ الدارمي، رثى بها أخاه مالكا الذي قتل بصفّين وهو في جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
وقوله: أخ ماجد: أي: هو أخ .. أو: أخي أخ ماجد .. والمشهد: شهود الحرب أي: لم يشهد مشهدا إلا أحسن فيه البلاء فلا أستحيي، أي: أفتخر به .. وسيف عمرو:
الصمصامة .. لعمرو بن معدي كرب الصحابي .. والمضارب: جمع مضرب، وهو موضع القطع .. وقد ضرب المثل بسيف عمرو فقيل: هو أمضى من الصمصامة ..
والشاهد في البيت: «كما سيف عمرو» ... على أنّ الكاف مكفوفة عن الجر ب (ما) الزائدة، وارتفع الاسم بعدها على الابتداء .. ومن رأى أنها غير مكفوفة ب (ما) رأى أن (ما) مصدرية. والجملة بعدها في محل جرّ .. ولكنهم قالوا: إن
ما المصدرية لا توصل إلا بالجملة الفعلية، فإذا وليتها الجملة الاسمية كانت كافة ليس غير .. وهو أولى من جلب التأويلات البعيدة. [شرح أبيات المغني ج 4/ 127، والهمع ج 2/ 38].

153 - وما زرت سلمى أن تكون حبيبة … إليّ ولا دين بها أنا طالبه
البيت للفرزدق من قصيدة في مدح المطّلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي كان عامل الصدقات لمروان بن الحكم على صدقات طيّئ، من جهات جبلي أجأ وسلمى، وقد وقع النحويون في خطأ فاحش عند ما رووه «ليلى» بدل «سلمى» ولم يطلعوا على قصة القصيدة وسبب قولها، ولم يقرؤوا البيت في سياقه، فجعلوا ليلى امرأة، ينفي الفرزدق أن يكون زارها لحبه لها .. والصحيح «وما زرت سلمى» وسلمى أحد جبلي طيّئ ويريد:
وما زرت ديار جبل سلمى لأنها حبيبة إليّ ولا لأنّ لي دينا أطلبه، ولكن:
ولكن أتينا خندفيا كأنه … هلال غيوم زال عنه سحائبه
والشاهد في البيت: «ولا دين» حيث رويت «دين» بالجرّ. عطفا على محلّ «أن
(1/153)

تكون»، إذ أصله «لأن تكون». والمعروف أن محلّ (أن وأنّ) وصلتهما بعد حذف الجار، النصب. فالعطف عليهما يكون بالنصب وقد أجيب عن هذه الرواية، بأنه عطف على توهّم دخول اللام على «أن تكون» .. وخير من هذا وذاك، أن نرويها بالنصب (ولا دينا) وينتهي الإشكال. [الإنصاف/ 395، وشرح أبيات المغني/ 7/ 136، والهمع/ ج 2/ 81، والأشموني ج 2/ 92].

154 - وقد طفت من أحوالها وأردتها … سنين فأخشى بعلها وأهابها
ثلاثة أحوال فلما تجرّمت … علينا بهون واستحار شبابها
دعاني إليها القلب إني لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها
.. الأبيات لأبي ذؤيب الهذلي، خويلد بن خالد (- 27 ه) شاعر مخضرم قدم على الرسول، فوصل المدينة وهو مسجى، وحضر الصلاة عليه ودفنه.
والأبيات يصف فيها ما لاقاه في سبيل محبوبته، وقوله: أحوالها: أي: حولها، لتعدد الأماكن التي طاف فيها.
وقوله: ثلاثة: انتصب على البدل من سنين .. قوله: استحار شبابها: أي برعت محبوبته وبلغت النهاية، وقوله: دعاني إليها: جواب لمّا.
ويروى: عصاني القلب: أي عصاني القلب ماثلا إليها وذاهبا نحوها. فانقدت لهواه وآثرت العدول إلى رضاه .. ، وقوله: فما أدري: أراد: التبس الأمر عليّ، فلم أدر، أطلابها رشد أم غيّ، وهذا بيان حاله حين عصاه القلب وركبه
الهوى. فتمكن منه، وذلك لأنه فارقه الجلد والحزم، فاستوى لديه الحسن والقبيح.
.. وجملة: إنّي لأمره سميع: استئناف بياني، والتأكيد للشك، ويجوز أن تكون اعتراضية، ويجوز أن تكون حالا من الياء في (دعاني) وجملة (فما أدري) معطوفة على (دعاني) وطلابها: مبتدأ. ورشد: خبره. والجملة منصوبة المحل بفعل الدراية المعلق عنها بالاستفهام .. والشاهد في البيت الثاني: حذف المعادل للهمزة في قوله: أرشد طلابها، تقديره: أم غيّ. وقيل: لا حذف في الكلام، لصحة الكلام بدون تقديره. [شرح أبيات المغني ج 1/ 21، والهمع/ 2/ 132، والأشموني/ 3/ 116، وديوان الهذليين 1/ 71].

155 - لأنكحنّ ببّه … جارية خدبّة
(1/154)

مكرمة محبّه … تحبّ أهل الكعبة
.. هذا كلام كانت أمّ عبد الله بن الحارث، تغنيه لابنها، وقد وضعت لابنها عبد الله اسم «ببّه» وهو صوت، لعلّ الطفل كان يلفظه قبل أن يحسن الكلام، فغلب عليه .. وهو الشاهد في هذا الرجز حيث عدوه علما منقولا عن صوت .. والجارية الخدبّة: الضخمة.
تريد ممتلئة الجسم. [شرح المفصل/ 1/ 32، والهمع ج 1/ 72، واللسان (ببب) و (خدب)].

156 - صريع غوان راقهنّ ورقنه … لدن شبّ حتى شاب سود الذّوائب
قاله القطامي: والشاهد: «لدن» فهي بجميع لغاتها لأول غاية زمان أو مكان، ومعناها وإضافتها: كعند، إلا أنها أقرب مكانا من (عند) وتجرّ ما بعدها بالإضافة لفظا إن كان معربا ومحلا إن كان مبنيا أو جملة ... والبيت مثال لإضافتها إلى الجملة، فتكون جملة «شبّ» في محل جرّ. وإذا أضيفت إلى الجملة تمخّضت للزمان، لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلّا «حيث». [شرح أبيات المغني ج 3/ 391، والخزانة ج 7/ 86، والهمع/ 1/ 215، والأشموني ج 2/ 263].

157 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلا ببين غرابها
البيت للأخوص - بالخاء المعجمة - زيد بن عمرو، شاعر إسلامي معاصر للفرزدق ..
وهو يذم في هذا البيت بني دارم بن مالك .. يقول: لا يصلحون أمر العشيرة إذا فسد بينهم ولا يأتمرون بخير، فغرابهم لا ينعب إلا بالتشتت والفراق، وهذا مثل للتطير منهم ..
والشاهد: عطف (ناعب) بالجرّ على خبر ليس المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة. وقد روي بنصب (ناعبا) ولا إشكال حينئذ. [سيبويه/ 1/ 83، 154، 418، والإنصاف/ 193، وشرح المفصل/ 2/ 52، وج 5/ 68، وشرح أبيات المغني/ 7/ 56، والخزانة/ 4/ 158].

158 - في ليلة لا نرى بها أحدا … يحكي علينا إلا كواكبها
.. البيت لأحيحة بن الجلاح الأنصاري .. يتشوق إلى صاحبته، وقبله:
(1/155)

يا ليتني - ليلة إذا هجع ال … نّاس ونام الكلاب - صاحبها
والبيت شاهد على استخدام (على) بمعنى (عن) أو على تضمين (يحكى)، معنى «ينمّ» وفيه شاهد آخر، وهو إعراب (كواكبها) بدل من الضمير في (يحكي) لأنه عائد على (أحدا). [سيبويه ج 1/ 361، والخزانة ج 3/ 348، وشرح أبيات المغني ج 3/ 233، والهمع ج 1/ 225].

159 - فما سوّدتني عامر عن وراثة … أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
البيت لعامر بن الطفيل .. والشاهد فيه العطف ب (ولا) بعد الإيجاب لأنّ معناه: قال الله لي: لا تسمو بأم ولا أب .. ولم ينصب المضارع (أسمو) بأن لضرورة الشعر. وكان حقه فتح الواو لظهور الفتحة عليها. [سيبويه/ 1/ 127، وشرح المفصل/ 10/ 100، والأشموني ج 1/ 101، وشرح أبيات المغني ج 8/ 46، والخزانة/ 8/ 343].

160 - ثم قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا … عدد الرّمل والحصى والتراب
البيت لعمر بن أبي ربيعة .. وهو شاهد على حذف الهمزة الاستفهامية من قوله:
تحبها .. والأصل: أتحبها؟
وقوله: بهرا: مصدر لا فعل له، منصوب بعامل لازم الإضمار. [سيبويه/ 1/ 157، وشرح المفصل/ 1/ 121، والدرر ج 1/ 162].

161 - إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا … تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب
البيت لامرئ القيس، ويستشهد به الكوفيون على عمل (أن) الجزم .. ولكن يروى البيت (تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب) ولا شاهد فيه.

162 - وكلّ مصيبات الزّمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب - هيّنة الخطب
البيت لقيس بن ذريح .. وهو شاهد على أنّ (كلّ) تأخذ معناها مما تضاف إليه وقد أضيفت في البيت إلى مؤنث فعاد الضمير عليها مؤنثا مجموعا .. وسوى: في البيت مستثنى مقدم على المستثنى منه وهو قوله: هينة الخطب، فهو
منصوب بفتحة مقدرة على الألف. [شرح أبيات المغني ج 4/ 217، والهمع/ ج 2/ 74].
(1/156)

163 - كلاهما حين جدّ السير بينهما … قد أقلعا، وكلا أنفيهما رابي
.. البيت للفرزدق يعرض فيه بجرير بن عطية، وكان قد زوج جرير ابنته من أحد أقارب زوجته، ثم خلعها منه ... وقبله:
ما كان ذنب التي أقبلت تعتلها … حتى اقتحمت بها أسكفّة الباب
.. تعتلها: أي تجذبها جذبا عنيفا .. و «كلاهما» في البيت الشاهد: يريد ابنة جرير وزوجها .. جدّ السير: اشتد. أقلعا: أي: تركا الجري. رابي: النفس العالي المتتابع.
وهذا تمثيل وتشبيه. يقول: إنّ بنت جرير وزوجها افترقا حين وقعت الألفة بينهما، ولم يمضيا على حالهما، فهما كفرسين جدّا في الجري ووقفا قبل الوصول إلى الغاية .. وقد وهم شرّاح الشاهد فقالوا إن الوصف لفرسين، لأنهم لم يقرؤوا البيت في سياقه من القصيدة. والشاهد فيه: على أنه يجوز مراعاة لفظ «كلا» ومراعاة معناها، وقد اجتمعا في البيت. وكلاهما: مبتدأ، وجملة قد أقلعا خبره، وأتى بالألف ضمير الاثنين لرعاية معنى (كلا) وقوله: وكلا أنفيهما: كلا: مبتدأ مضاف، ورابي: خبره، وأفرد الضمير فيه لرعاية لفظ «كلا». [الإنصاف/ 262، وشرح المفصل ج 1/ 54، وشرح أبيات المغني/ 4/ 260، والهمع/ 1/ 41، والأشموني ج 1/ 78].

164 - ألا حبّذا، لولا الحياء وربّما … منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
البيت للشاعر مرداس بن همّام الطائي، وقيل: مرداس بن همّاس، وهو في حماسة أبي تمام ..
وقوله: حبذا: المخصوص بالمدح محذوف، والمراد: حبيب إليّ التهتّك في الهوى لولا الحياء، على أنني ربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوّه. ويروى: من ليس بالمتقارب، أي: أحببت من لا ينصفني، ولا مطمع فيه.
والبيت شاهد على حذف مخصوص (حبذا). [الهمع/ 2/ 89، والأشموني ج 3/ 41، والمرزوقي/ 1408].

165 - إليك وإلّا ما تحثّ الركائب … عنك وإلّا فالمحدّث كاذب
هذا بيت لا يعرف قائله، وقد ذكروه شاهدا على نوع من الاستثناء سموه «استثناء
(1/157)

الحصر»، قالوا: والمعنى: لا تحثّ الركائب إلا إليك، ولا يصدق المحدّث إلا عنك ..
وليس المعنى كما قالوا، وإنما هو شرط. والتقدير: وإن لا نذهب إليك، فما تحثّ ..
حذف الفاء الرابطة ضرورة .. وقد أثبت فاء الربط في الشطر الثاني، في جواب الشرط الجملة الاسمية.

166 - وقال متى يبخل عليك ويعتلل … يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
قاله امرؤ القيس، والشاهد: ويعتلل .. قال: إنّ نائب الفاعل ضمير مصدر مختص بلام العهد، والمعنى: ويعتلل الاعتلال المعهود أو أنّ نائب الفاعل ضمير مصدر مختص بصفة محذوفة، والتقدير: ويعتلل اعتلال عليك. [شرح أبيات المغني/ 7/ 113، والأشموني/ 2/ 15، والعيني/ 4/ 506].

167 - ولست بنحويّ يلوك لسانه … ولكن سليقيّ أقول فأعرب
.. لم أعرف قائله، ويبدو أنه لشاعر محدث يهجو أهل النحو بفساد السليقة العربية، وهو قول مبالغ فيه .. لأن أعلام النحو أهل ذوق، وقد أعطاهم الله الدّقة في الفهم للتفريق بين المعاني، ولا ننكر أن الخليل نحوي، وهو إمام في العربية، وشيخ النحويين سيبويه، فإنه تمرس بكلام العرب حتى أجاد فنونه، وقس على ذلك الأئمة المتقدمين:
كالفراء والأخفش والكسائي، ومن المتأخرين، فإننا لا ننكر إمامة ابن مالك صاحب الألفية، وابن هشام صاحب المغني، وشارح «بانت سعاد». فإنهما بحران لا ينزفان ...
ويكفي أن يكون في كل عصر علم مثل من ذكرت، ليدرأ عن أهل النحو تهمة فساد الذوق .. وكما أن في النحويين من ماتت سليقته، كذلك في أهل الأدب من أساء إلى الأدب. والشاهد في البيت: «سليقيّ» فإنّ ياء فعيلة، إذا كانت صحيحة العين غير مضعّفة، تحذف هذه الياء، وينسب إلى سليقة «سلقي» ولكن الذوق لا يمجّ، سليقيّ، وطبيعي، وعقيدي. فهذه ألفاظ لم يعرفها عرب الجاهلية، ولو عرفوها، لاستساغوا النسبة إليها بدون حذف الياء. [الأشموني/ 4/ 86، واللسان (سلق)، والتصريح/ 2/ 231، والعيني/ 4/ 543 / وشرح شواهد الشافية/ 112].

168 - أفيقوا بني حزن وأهواؤنا معا … وأرماحنا موصولة لم تقضّب
.. هذا البيت، للأخوص - بالخاء المعجمة - زيد بن عمر، شاعر إسلامي عاصر
(1/158)

الفرزدق. يقوله من قصيدة وقد ضرب بنو عمه مولى يقال له: حوشب، .. يقول: اصحوا يا بني حزم من سكركم وجهلكم في حين مقاصدنا متحدة وكلمتنا متفقة وأسباب الرحم موصولة غير منقطعة. يدعوهم إلى عدم إثارة الحرب بين الإخوان.
والشاهد: على أنّ (معا) ظرف متعلق بمحذوف هو الخبر: (أهواؤنا معا)، وقيل: حال سدت مسدّ الخبر. [الحماسة/ 311، وشرح أبيات المغني ج 6/ 8، والهمع/ 1/ 218].

169 - أما والّذي لو شاء لم يخلق النّوى … لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
البيت للشاعر العباس بن الأحنف .. عاصر هارون الرشيد. قيل إنه أشعر أهل زمانه في قوله:
تعتلّ بالشغل عنّا ما تكلّمنا … الشغل للقلب ليس الشّغل للبدن
والشاهد في البيت الأول على أن جواب القسم المنفي قد دخله اللام بقلّة، وهو قوله (لئن .. لما غبت) فاللام موطئة للقسم - وإن شرطية .. ولما: اللام في جواب القسم، وما: نافية. [شرح أبيات المغني/ 5/ 112، والهمع/ 2/ 42].

170 - وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه … وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
البيت لأبي الأسود الدؤلي .. وهو شاهد عند ابن عصفور على أن (مؤتيك) الضمير فيه مجموع، عائد على المضاف إليه (كل ذي لبّ) لأنه أراد الحكم على كلّ واحد .. وأن مؤتيك أصله (مؤتين لك) فحذفت النون للإضافة. وهو كلام باطل لأنه قال بعده (نصحه) بالإفراد وقال بعده (وما كلّ مؤت). [سيبويه/ 409، والهمع/ 2/ 95، وشرح أبيات المغني ج 4/ 227، والمؤتلف ص 151].

171 - وأدفع عن أعراضكم وأعيركم … لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
ثمّت لا تجزونني عند ذاكم … ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
.. البيتان للأعشى .. والشاهد: في البيت الثاني، حيث نصب الفعل «يعقب» بعد الفاء في ضرورة الشعر، فيما ليس فيه معنى النفي أو الطلب، ويجوز أن يريد الشاعر نون التوكيد الخفيفة .. يقول الشاعر: لا أبتغي بما أصنع منكم جزاء، ولكنما أجري على الله.
يقال: أعقبه الله بطاعته، أي: جازاه. [سيبويه/ 1/ 422].
(1/159)

172 - ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى … مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ … يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
.. البيتان للأعشى .. وقوله: مجرّا، ومسحبا: مصدران ميميان، أو اسما مكان من الجرّ والسحب ... وكبكب: اسم جبل بمكة. والنار في رأس الجبل أظهر وأشهر ..
يقول: من اغترب عن قومه جرى عليه الظلم، فاحتمله لعدم ناصره، وأخفى الناس حسناته، وأظهروا سيئاته. والشاهد فيه نصب تدفن، على إضمار (أن) لأن جواب الشرط قبله، وإن كان خبرا، فإنه لا يقع إلا بوقوع الفعل الأول، فأشبه غير الموجب، فجاز النصب في مثل ما عطف عليه لذلك، وهذا تعليل لإحدى ثلاث حالات تجوز في العطف على جواب الشرط، وهو النصب، ويجوز الرفع على الاستئناف، والجزم على العطف.
[سيبويه/ 1/ 499، واللسان (كبب)].

173 - تداركن حيّا من نمير بن عامر … أسارى تسام الذّلّ قتلا ومحربا
.. البيت لعمرو بن أحمر، من باهلة، من قيس: يذكر أنّ خيله أدركت حيا من نمير، وهم من قيس أيضا، وقعوا أسرى، وسيموا الذل بالقتل والسلب، فاستنقذتهم الخيل من أيدي أعدائهم وفكت إسارهم، لأنهم إخوتهم.
والشاهد قوله «محربا» فهو مصدر ميمي للحرب، يجري مجراه، والحرب، بالتحريك، السلب، حربه يحربه حربا مثل، طلبه يطلبه طلبا. [سيبويه 1/ 119].

174 - تركتني حين لا مال أعيش به … وحين جنّ زمان الناس أو كلبا
.. البيت لأبي الطفيل عامر بن واثلة، يرثي ابنه الطفيل: وجنّ زمان: اشتد. وكذا كلب، وأصل الكلب داء يشبه الجنون، يأخذ الإنسان فيعقر الناس. والشاهد في البيت إضافة «حين» إلى «مال» مع إلغاء «لا» وزيادتها في اللفظ، على حد قولهم جئت بلا زاد .. ويجوز فيما بعدها الرفع على تشبيه «لا» بليس أو إهمال «لا» وعدم الاعتداد بالإضافة فيها. وجوّز أبو علي الفارسي وجها ثالثا هو البناء على الفتح مع عدم إعمال إضافة الحين كما تقول: جئت بخمسة عشر، فلا تعمل الباء. [سيبويه/ 1/ 357، والهمع/ 1/ 218، والخزانة/ 4/ 39، 40، 50].

175 - عاود هراة وإن معمورها خربا … وأسعد اليوم مشغوفا إذا طربا
(1/160)

هذا البيت لشاعر من مطلع قصيدة قالها عند ما افتتح عبد الله بن خازم هراة سنة 66 ه. وهراة بلدة بخراسان. والشاهد فيه تقديم الاسم على الفعل بعد (إن) الشرطية.
قال السيرافي: الذي عند أصحابنا البصريين أن الاسم الذي بعد (إن) يرتفع بإضمار فعل، ما ظهر تفسيره، كأنه قال في البيت: وإن خرب معمورها خرب، والفعل الذي بعد الاسم تفسير الفعل المضمر، وموضع هذا الفعل المذكور، جزم وإن كان ماضيا، يقوم في التقدير مقام الفعل الذي هو تفسيره، والدليل على ذلك أنه يجزم إذا كان مضارعا.
وأمّا الفرّاء وأصحابه فلا يقدرون فعلا قبل الاسم المرفوع. [سيبويه/ 1/ 457، والمرزوقي/ 1/ 174، واللسان (هرا) والخزانة/ 9/ 39].

176 - هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة … محطوطة جدلت شنباء أنيابا
البيت لأبي زبيد الطائي .. والهيفاء: الضامرة الخصر. والعجزاء: العظيمة العجيزة، والمحطوطة: الملساء الظهر. جدلت: أحكم خلقها. والشنباء: من الشّنب وهو بريق الثغر وبرده. ينعت صاحبته بصفات الحسن عندهم من
ضمور البطن وكبر العجيزة وحسن الخلقة وطيب الثغر .. وهو من شواهد سيبويه على النصب بنية التنوين في الصفة التي تعمل عمل الفعل .. فنصب «أنيابا» على نية تنوين «شنباء». حيث لم يظهر التنوين لمنع الصرف. [سيبويه/ 1/ 102، وشرح المفصل ج 6/ 83، والأشموني ج 3/ 14].

177 - أثعلبة الفوارس أو رياحا … عدلت بهم طهيّة والخشابا
.. البيت لجرير يهجو الفرزدق .. فثعلبة ورياح من قوم جرير، وطهيّة والخشاب من قوم الفرزدق، فهو ينكر عليه أن يجعل أهله في منزلة أهل جرير. والبيت من شواهد سيبويه على نصب الاسم بعد همزة الاستفهام إذا وليها الاسم، وذلك بالفعل المذكور والتقدير: أعدلت بثعلبة الفوارس طهيّة والخشاب، وفيه أن (أو) بمعنى الواو.
[سيبويه/ 1/ 52، 489، والأشموني ج 2/ 78، والتصريح/ 1/ 300].

178 - أعبدا حلّ في شعبى غريبا … ألؤما لا أبالك واغترابا
البيت لجرير، يعيّر العباس بن يزيد الكندي بحلوله في (شعبى) لأنه كان حليفا لبني فزارة، وشعبى من بلادهم، والحلف عار عند العرب، جعله عبدا لئيما نازلا في غير أهله، فأنكر عليه أن يجمع بين اللؤم والغربة.
(1/161)

والشاهد فيه: نصب لؤما، واغترابا، لوقوعهما موقع الفعل، والتقدير أتلؤم لؤما وتغترب اغترابا، فحذف الفعلين، لأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل ...
وقوله: أعبدا: الهمزة للنداء، وعبدا: منادى. [سيبويه/ 17، 173، والخزانة/ 2/ 183، والأشموني/ 2/ 118،/ 3/ 145].

179 - فما قومي بثعلبة بن سعد … ولا بفزارة الشعرى رقابا
هذا البيت من شواهد سيبويه، وهو للشاعر الحارث بن ظالم، والشعرى، مؤنث الأشعر وهو الكثير شعر القفا ومقدم الرأس، فهذا عندهم مما يتشاءم به. يصف ما كان من انتقاله عن ذبيان إلى ثعلبة، وفزارة ...
والشاهد فيه نصب «الرقابا» بالشّعرى، على حدّ قولهم «الحسن وجها» وفي البيت رواية أخرى، «الشعر الرقابا»، وهو شاهد على إعمال الصفة المقرونة بأل، في اسم منصوب مقرون بها. [سيبويه/ 1/ 103، والإنصاف/ 133، وشرح المفصل/ 6/ 89، والخزانة/ 7/ 492].

180 - رأيت الصّدع من كعب وكانوا … من الشنآن قد صاروا كعابا
الصدع: التفرق. والشنآن: البغض. وصاروا كعابا: أي: فرقا مختلفة الأهواء، كل فرقة تزعم أنها كعب القبيلة. والبيت شاهد على جمع العلم المذكر على جمع تكسير.
فكعاب جمع كعب .. يقول سيبويه: أنت بالخيار في أسماء الرجال، إن شئت جمعتها بالواو والنون في الرفع، والياء والنون في النصب والجر، أو كسرتها: فتقول: زيد، وزيدون، وأزياد، وزيود. وعمرو: عمرون .. وعمور والأعمر. [سيبويه/ 2/ 97، والمفضليات/ 358، والبيت ملفق من بيتين، من المفضلية رقم (105)، لمعاوية بن مالك ابن جعفر، الملقب (معوّد الحكماء)].

181 - ليت هذا الليل شهر … لا نرى فيه عريبا
ليس إيّاي وإيّا … ك ولا نخشى رقيبا
البيتان لعمر بن أبي ربيعة. وقوله: عريبا، بالعين المهملة، أي: أحدا، فعيل بمعنى مفعل، أي: متكلما يخبر عنا ويعرب عن حالنا .. وهما عند سيبويه والشاهد في البيت الثاني: إتيانه بالضمير بعد ليس منفصلا، لوقوعه موقع خبرها وهذا هو المختار، ولو وصل
(1/162)

لقال: ليسني، وهو جائز، لأن ليس فعل، و «ليس» في هذا البيت تحتمل تقديرين: أحدهما أن تكون في موضع الوصف للاسم قبلها، بمعنى: عريبا غيري وغيرك. والآخر أن تكون استثناء بمنزلة إلا. [سيبويه/ 1/ 367، وشرح المفصل/ 3/ 75، والخزانة/ 5/ 322].

182 - وبالسّهب، ميمون النقيبة قوله … لملتمس المعروف: أهل ومرحب
البيت للشاعر طفيل الغنوي، يرثي رجلا دفن بموضع السّهب. والشاهد فيه رفع «أهل» و «مرحب» بتقدير مبتدأ، أي: هذا أهل ومرحب. [سيبويه/ 1/ 149، وشرح المفصل/ 2/ 29، والهمع/ 1/ 169].

183 - وجدنا لكم في آل حاميم أية … تأوّلها منّا تقي ومعرب
البيت للكميت الأسدي، يقوله في بني هاشم، وكان متشيعا لهم، وأراد بآل حاميم السور التي أولها «حم» فجعل حاميم اسما، ثم أضاف السّور إليها إضافة النسب إلى القرابة. كما تقول: آل فلان. والآية التي أشار إليها من سورة الشورى، رقم 23. قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.
يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع في آل النبي من بني هاشم وإظهار المودة لهم، على تقيّة كان، أو غير تقيّة. والمعرب: الذي يفصح بما في نفسه وبما يذهب إليه .. والشاهد في البيت: ترك صرف «حاميم» لشبهه بما لا ينصرف للعلمية ..
والعجمة، نحو هابيل وقابيل. [سيبويه/ 2/ 30، واللسان (عرب) و «حمم»].

184 - وما حلّ سعديّ غريبا ببلدة … فينسب إلا الزّبرقان له أب
.. قائل البيت: اللعين المنقري. يقول: إن الزبرقان بن بدر السعدي، سيد قومه وأعرفهم، فإذا حلّ رجل من بني سعد في قوم غريبا فسئل عن نسبه، لم ينتسب إلا إليه واسم الشاعر «منازل بن زمعة» شاعر إسلامي في الدولة الأمويّة.
والشاهد فيه: نصب ما بعد الفاء على الجواب، والرفع جائز على القطع، ويروى:
الزبرقان، بالنصب على نزع الخافض، أي: إلا إلى الزبرقان. وجملة «له أب» حال من الزبرقان. وفيه شاهد على جواز تنكير صاحب الحال إذا سبقه نفي وهو «ما حلّ سعديّ غريبا». [الخزانة/ 3/ 207 / 8/ 541، وسيبويه/ 1/ 420].
(1/163)

185 - فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي … إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
البيت للشاعر مقّاس العائذي، من شواهد سيبويه. ويوم أشهب: يوم الحرب جعله كالليل تبدو فيه الكواكب ... وشاهد البيت: ورود (كان) تامة بمعنى (وقع) فيعرب ما بعدها فاعلا. [شرح المفصل/ 7/ 98، وسيبويه/ 1/ 21].

186 - كذبتم وبيت الله لا تنكحونها … بني شاب قرناها تصرّ وتحلب
البيت لرجل من بني أسد، أورده سيبويه، أراد: لن تتمكنوا من نكاحها يا بني المرأة التي يقال لها «شاب قرناها» والتي تصرّ الماشية أي: تشدّ ضروعها ليجتمع الدرّ فتحلب.
والقرن: الفود من الشعر في جانب الرأس، يعني العجوز الراعية. والشاهد فيه أنه حمل «شاب قرناها» على الحكاية فأضافها إلى (بني) وكأنها اسم امرأة. وتعرب بحركات مقدرة. [سيبويه/ 1/ 259 / وج 2/ 7، 64].

187 - فلا تجعلي ضيفيّ ضيف مقرّب … وآخر معزول عن البيت جانب
البيت للعجير السلولي، يطلب من زوجته أن تسوّي بين ضيفه في الإكرام والتقريب.
والجانب: الغريب. يقال: جنب فلان في بني فلان: نزل فيهم غريبا.
والشاهد فيه: رفع «ضيف» على القطع، ولو نصب في غير هذا البيت لجاز والقطع هنا لزيادة الكلام فائدة. ويعرب مبتدأ لخبر محذوف، أو خبر لمبتدأ، والجملة مفعول ثان.
[الخزانة/ 5/ 34 وس/ 1/ 222].

188 - فما هو إلّا أن أراها فجاءة … فأبهت حتى ما أكاد أجيب
.. البيت لعروة بن حزام .. فجاءة: بضم الفاء، أي: بغتة، وهو مصدر منصوب على الحال من الفاعل، أو المفعول. وأبهت: أي: أدهش وأتحيّر .. وحتى هنا، ابتدائية، ومعناها الغاية. ومفعول أجيب محذوف تقديره أجيبها، أو معناه،
لا تكون مني إجابة ما.
والشاهد عند سيبويه، في البيت جواز الرفع على القطع من «أبهت» والنصب عطفا على «أن أراها». [شرح المفصل/ 7/ 38، والخزانة/ 8/ 560].

189 - بها جيف الحسرى فأما عظامها … فبيض وأما جلدها فصليب
(1/164)

البيت لعلقمة بن عبدة، الفحل. والحسرى: جمع حسير وهي المعيية يتركها أهلها فتموت، وابيضت عظامها لما أكلت السباع والطير ما عليها من لحم فبدت وصارت بيضا.
وجلد صليب: يابس لم يدبغ .. يصف أرضا فلاة قطعها إلى الممدوح. والشاهد في البيت، أنّ «جلدها» مفرد، أريد به الجمع، أي: جلودها. [المفضليات/ 394].

190 - وخبّر تماني أنما الموت في القرى … فكيف وهاتا هضبة وقليب
.. البيت لكعب الغنوي .. وكان قد قيل لكعب، اخرج بأخيك إلى الأمصار فيصحّ، فخرج إلى البادية فرأى قبرا، فعلم أنّ الموت ليس منه نجاة. والهضبة الجبل. وأراد بالقليب: القبر، وأصله البئر.
والشاهد فيه (هاتا) ومعناه هذه. [سيبويه/ 2/ 139، وشرح المفصل/ 3/ 136، والأصمعيات/ 97].

191 - وقفت على ربع لميّة ناقتي … فما زلت أبكي حوله وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثّه … تكلّمني أحجاره وملاعبه
.. البيتان لذي الرّمة .. وقوله: وقفت الناقة: جعلتها تقف. وأسقيه: أدعو له بالسقيا. وهو من الماضي: أسقى، الرباعي. وهو من شواهد سيبويه، وشاهده «أسقيه».
قال السيراقي: يريد أنّ الباب في نقل الفعل وتغييره: «أفعلت» وقد استعملوا فيه، فعّلت، كفرّحت وفزّعت. والباب في الدعاء والتسمية والنسبة إلى الشيء، «فعّلت» وقد أدخلوا عليه «أفعلت»، فقالوا: أسقيته، في معنى دعوت له بالسّقيا. [سيبويه/ 2/ 235، والأشموني/ 1/ 263].

192 - ولكن ديافيّ أبوه وأمه … بحوران يعصرن السّليط أقاربه
.. البيت للفرزدق، يهجو عمرو بن عفراء الضبيّ، بأنه قروي من «دياف» - قرية بالشام - يعمل لإقامة عيشه وليس كما عليه العرب الخلّص من الانتجاع والحرب.
والسليط: الزيت. وقوله: يعصرن السليط: أي: يعصرن الزيتون لاستخراج الزيت.
والشاهد في البيت، كونه جاء بنون النسوة (يعصرن) ثم أتى بالفاعل الظاهر «أقاربه».
ويرى سيبويه أنّ النون في «يعصرن» علامة التأنيث للجمع .. فقال: واعلم أنّ من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في «قالت
(1/165)

فلانة» وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة، كما جعلوا للمؤنث، وهي قليلة، وهذا إقرار من سيبويه، بأن «لغة أكلوني البراغيث» لغة فصيحة صحيحة. [سيبويه/ 1/ 326، وشرح المفصل/ 3/ 89، والهمع/ 1/ 160، والخزانة/ 5/ 234].

193 - كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة … فيصبح ملقى بالفناء إهابها
.. البيت لرجل من بني دارم .. والإهاب: الجلد، ما لم يدبغ. والشاهد فيه، نصب ما بعد الفاء على الجواب، وإن كان معناه الإيجاب، لأنه كان قبل دخول (كأنّ) منفيا على تقدير، لم تذبح نعجة، فيصبح إهابها ملقى، ثم دخلت عليه «كأنّ» فأوجبت، فبقي على لفظه منصوبا، أي: أنّ المعنى قبل فاء السببيّة ليس نفيا، ولا طلبا، وهما شرطان لإضمار أن بعدها. [سيبويه/ 1/ 421، والمقتضب/ 2/ 18].

194 - ديار ميّة إذ ميّ مساعفة … ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
البيت لذي الرّمة .. ومساعفة: مواتية. ورخم مية: فقال: ميّ، في غير النداء ضرورة، وقيل: كانت تسمى: ميّا، وميّة.
والشاهد فيه نصب «ديار» بفعل مقدر، تقديره: أذكر، ديار ميّة وأعينها، ولا يذكر هذا الفعل لكثرته في كلامهم. كما قالوا: كليهما وتمرا .. لجريان ذلك مجرى المثل.
[الخزانة/ 2/ 339، وسيبويه/ 1/ 141، والهمع/ 1/ 168].

195 - تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة … حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
.. البيت لذي الرمّة، يذكر ناقته، أنها مؤدبة، تسكن إذا شدّ عليها الرحل فإذا استوى راكبها عليها سارت في سرعة، والجانحة: المائلة في شقّ، والغرز للرحل، كالركاب للسرج.
والشاهد في البيت، رفع جواب «إذا» لأنها تدخل على وقت بعينه، أما حرف الشرط فهو مبني على الإبهام في الأوقات وغيرها .. فأنت تقول: «آتيك إذا احمرّ البسر»، فيكون حسنا. ولو قلت: «إن احمرّ البسر» كان قبيحا لأن «إن» مبهمة. [سيبويه/ 1/ 433، واللسان (صغا)].

196 - اردد حمارك لا تنزع سويّته … إذن يردّ وقيد العير مكروب
(1/166)

البيت لابن عنمة الضبّي، يقول: انته عنا وازجر نفسك عن التعرض لنا، وإلا رددناك مضيّقا عليك. والسويّة: شيء يجعل تحت برذعة الحمار .. يهدده بذلك.
والمكروب: المداني المقارب، كناية عن تقييد حركته.
والشاهد فيه: نصب ما بعد (إذن) لأنها مصدرة في الجواب، والرفع جائز على إلغائها، وتقدير الفعل واقعا للحال، أي للزمن الحاضر، .. وعند الكسائي (لا تنزع) مجزوم بلا الناهية، لا في جواب الأمر. [الخزانة/ 8/ 462، وسيبويه/ 1/ 411، وشرح المفصل/ 7/ 16، والحماسة/ 586، والمفضليات/ 383].

197 - عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر … بمنهمر جون الرّباب سكوب
الجون: الأسود. والرباب: ما تدلّى من السحاب دون سحاب فوقه. والسكوب من السكب: الصبّ. والشاهد في البيت، إسقاط (أن) من خبر «عسى» ضرورة. وإجراء «عسى» مجرى «كان». والبيت لهدبة بن خشرم. [سيبويه/ 1/ 478، وشرح المفصّل/ 7/ 118، والأشموني/ 4/ 229].

198 - ولقد طعنت أبا عيينة طعنة … جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
البيت لعطية بن عفيف، والشاهد فيه «جرمت» ومعناه على مذهب سيبويه حقّتها للغضب، لأنه فسّر قولهم «لا جرم» أنه سيفعل، على معنى «حقّ» أنّه يفعل، و «لا» عنده زائدة، إلا أنها لزمت «جرم» لأنها كالمثل. [الخزانة/ 10/ 283، وسيبويه/ 1/ 469، واللسان جرم].

199 - أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا … وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
قاله مالك بن أبي كعب، أبو كعب بن مالك الأنصاري ومقاتلا: بضم الميم، وفتح التاء، أي: قتالا والمعنى أقاتل حتى لا أرى موضعا للقتال، أو لتزاحم الأقران وضيق المعترك ... والشاهد: مقاتلا، فهي مصدر ميمي أو اسم مكان للقتال، وكلاهما يجيء في وزن واحد. [سيبويه/ 2/ 250، وشرح المفصل/ 6/ 50، واللسان/ قتل].

200 - إذا قصرت أسيافنا كان وصلها … خطانا إلى أعدائنا فنضارب
البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري، أي: إذا قصرت سيوفنا في لقاء الأعداء عن
(1/167)

الوصول إليهم وصلناها بخطانا في إقدامنا عليهم حتى تنالهم.
والشاهد فيه جزم «فنضارب» عطفا على موضع «كان» لأنها في محل جزم جواب (إذا) التي أعملها الشاعر عمل
(إن) ضرورة. [الخزانة/ 7/ 25، وشرح المفصل/ 4/ 97، و 7/ 74].

201 - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب
البيت للنابغة الذبياني، يمدح ملوك غسان. وفي البيت ما يسميه البلاغيون، المدح بما يشبه الذم. والشاهد في البيت نصب «غير» على الاستثناء المنقطع. [الهمع/ 1/ 232، والخزانة/ 3/ 327، وشرح أبيات المغني ج 3/ 16].

202 - سألت هذيل رسول الله فاحشة … ضلّت هذيل بما جاءت ولم تصب
.. البيت لحسان بن ثابت. وكانت هذيل سألت رسول الله أن يباح لها الزنى. والشاهد فيه: إبدال الهمزة ألفا في «سالت». [س/ 2/ 130، وشرح المفصل/ 4/ 122].

203 - كم فيهم ملك أغرّ وسوقة … حكم بأردية المكارم محتبي
البيت مجهول القائل، والشاهد فيه خفض «ملك» بإضافة «كم» مع الفصل بالجار والمجرور للضرورة، ولو رفع أو نصب لجاز: والرفع على أنّ «ملك» مبتدأ، والنصب على التمييز، لقبح جرّه مع الفصل، وكم هنا، خبرية. [س/ 1/ 296].

204 - حلفت يمينا غير ذي مثنوية … ولا علم إلا حسن ظنّ بصاحب
البيت للنابغة الذبياني. والمثنوية، الاستثناء في اليمين، أي: يمينا قاطعة لا يستثني الحالف فيها، يقول: حسن ظني بصاحبي وثقتي به يقوم مقام العلم.
والشاهد فيه: نصب «حسن» على الاستثناء المنقطع، لأن حسن الظنّ ليس من العلم.
ورفع «حسن ظن» على البدل من موضع «لا علم» جائز، كأنه أقام الظنّ مقام العلم اتساعا ومجازا. ولا يحسن الإنسان الظنّ إلّا لعلمه بصفات صاحبه. [سيبويه/ 1/ 365، والتصريح/ 2/ 227، والخصائص/ 2/ 228].

205 - فإما تري لمّتي بدّلت … فإنّ الحوادث أودى بها
(1/168)

البيت للأعشى، واللّمّة: الشعر الذي يلم بالمنكب، والمراد إن رأيتني الآن ولمّتي متغيرة بالشيب، أودى بها: ذهب بها، أو بمعظمها، الحوادث.
وشاهده: حذف التاء من «أودى» لضرورة القافية، إذ أنّ الفعل متحمل للضمير العائد إلى المؤنث المجازي، جمع التكسير، وقد يسوغه أنّ الحوادث بمعنى الحدثان.
والحدثان، مفرد. [الخزانة/ 11/ 430، وس/ 1/ 239، والإنصاف/ 464].

206 - وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى … وإلى الذي يعطي الرّغائب فارغب
البيت للشاعر النمر بن تولب ... والرغائب: جمع رغيبة وهي العطاء الكثير. والبيت شاهد على عمل «إذا» الجزم في الشعر. فقد جزم الفعل «تصبك». [الخزانة/ 1/ 322].

207 - لدوا للموت وابنوا للخراب … فكلّكم يصير إلى ذهاب
.. البيت للإمام علي رضي الله عنه، وهو شاهد على أنّ اللام تأتي بمعنى الصيرورة.
في قوله: لدوا للموت، وابنوا للخراب، أو تسمى لام العاقبة، ولام المآل.
[الهمع/ 2/ 32، والتصريح/ 2/ 12].

208 - فها أنا تائب من حبّ ليلى … فما لك كلّما ذكرت تذوب
الشاهد في البيت «ها أنا» استخدام «ها» حرفا للتنبيه دخل على ضمير الرفع، ولم يكن بعده اسم إشارة .. والأكثر أن يكون خبره اسم إشارة، فتقول: ها أنا ذا فاعل، وها نحن أولاء فاعلون وها هما ذان فاعلان [جامع الدروس العربية/ 3/ 262].

209 - أحقّا عباد الله أن لست صاعدا … ولا هابطا إلا عليّ رقيب
ولا سالك وحدي ولا في جماعة … من الناس إلا قيل: أنت مريب
.. الشاهد في قوله «ولا سالك» فعطف على التوهم، حيث توهم الشاعر أنه زاد الباء في خبر ليس، فعطف عليه بالجرّ توهما، وحقه أن ينصبه، والجرّ على التوهم سماعي لا يقاس عليه. [الأشموني/ 2/ 235].

210 - جارية من قيس بن ثعلبة … كأنها حلية سيف مذهبة
.. الشاهد قوله: من قيس بن ثعلبة: حيث نوّن (قيس) لضرورة الوزن، والمعروف أن
(1/169)

القاعدة، إذا وقع ابن أو ابنة بين علمين - في غير النداء - وأريد بهما وصف العلم، أو الإبدال منه، فسبيل ذلك أن لا ينون العلم قبلهما، تخفيفا وتحذف همزة ابن، فتقول:
أحبّ عليّ بن أبي طالب. ورضي الله عن عليّ بن أبي طالب.
أما إذا أريد الإخبار عن العلم، نوّن العلم وجوبا وثبتت همزة ابن تقول: محمد ابن محمد. وإن محمدا ابن محمد، وظننت خالدا ابن سعيد. [سيبويه/ 2/ 148، والإنصاف/ 2/ 491، وشرح المفصل/ 2/ 6، وشرح أبيات المغني/ 7/ 366].

211 - لو أنّ قوما - لارتفاع قبيلة … دخلوا السماء - دخلتها لا أحجب
الشاهد قوله: «لا أحجب» فالجملة هنا في محل نصب حال، وهي مكونة من مضارع منفيّ بلا وفي مثل هذا التركيب تمتنع واو الحال، و (قد) مجتمعتين ومنفردتين، فإذا كان النفي (بلم) جاز. [الأشموني ج 2/ 188، والعيني/ 3/ 191].

212 - أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته … والزم توقّي خلط الجدّ باللعب
.. قوله: مصيخا: حال. عاملها: فعل الأمر «أصخ». والحال هنا جاءت لتؤكد عاملها، فهي حال مؤكّدة، لأنه يستفاد معناها بدونها، ويؤتى بها للتوكيد، ومنه قوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:
25]، وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [النساء: 79]. وضابطها أن تكون موافقة العامل في المعنى فقط أو في المعنى واللفظ، كما في الشاهد، والآية الأخيرة. [الأشموني/ 2/ 185، والعيني/ 3/ 185، والتصريح/ 1/ 387].

213 - وهلّا أعدّوني لمثلي، تفاقدوا … وفي الأرض مبثوثا شجاع وعقرب
يقول: هلّا جعلوني عدّة لرجل مثلي. تفاقدوا: دعاء عليهم بأن يفقد بعضهم بعضا.
والشجاع: الخبيث من الحيات. وأراد بالشجاع والعقرب من يشبههما طباعا من الناس.
والشاهد قوله «مبثوثا» فهي حال من شجاع، وعقرب، وهما نكرتان غير مستوفيين للشروط. فوجب تقديم الحال على صاحبه، ولو تأخر لكان صفة فقط. والبيت منسوب في الحماسة لبعض بني فقعس. وفيه روايات أخرى.

214 - فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه … فإنّ لنا الأمّ النجيبة والأب
(1/170)

يك: مضارع مجزوم بالسكون، على النون المحذوفة للتخفيف .. وقوله: لم ينجب، الأب المنجب، والأم المنجبة، من يأتي بأولاد نجباء كرماء شجعان.
والشاهد قوله: «والأب». مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: ولنا الأب النجيب أيضا. فقد رفع «الأب» بعد حرف العطف، مع أنه معطوف على اسم (إنّ)، والأصل فيه أن ينصب، إلا أنه يجوز رفع ما بعد حرف العطف، بعد استكمال الخبر، على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وذلك بعد: إنّ، وأنّ، ولكنّ. [الهمع/ 2/ 144، والأشموني/ 1/ 285، والتصريح/ 1/ 227].

215 - ألا ليت شعري كيف جادت بوصلها … وكيف تراعي وصلة المتغيّب
ليت شعري: أي (علمي) حاصل، والمعنى ليتني أشعر بذلك، أي: أعلمه وأدريه.
والشاهد في البيت: حذف خبر (ليت) بعد ليت شعري إذا وليها استفهام. وجملة الاستفهام في موضع نصب على أنها مفعول به ل «شعري» لأنه مصدر شعر.
[الهمع/ 1/ 136]، والبيت منسوب لامرئ القيس.

216 - أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا … أم راجع القلب من أطرابه طرب؟
البيت لذي الرّمة. والشاهد فيه: «أستحدث» فعل ماض مكون من همزة الاستفهام الطارئة، وهمزة الوصل التي هي من تركيب الفعل، والأصل (هل استحدث) .. وإذا وقعت همزة الاستفهام قبل همزة الوصل، أسقطت همزة الوصل من الكتابة، وتسقط من اللفظ، لضعفها وقوة همزة الاستفهام كقوله تعالى أَطَّلَعَ الْغَيْبَ؟ [مريم: 78].
[الخزانة/ 2/ 342، والخصائص/ 1/ 595].

217 - قد يعلم الناس أني من خيارهم … في الدّين دينا وفي أحسابهم حسبا
لا يمنع الناس مني ما أردت ولا … أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
الشاهد في البيت الثاني، وإنما أتيت بالبيت الأول، لنفهم البيت الثاني من السياق.
يقول: ما أحسن أن لا يمنع الناس مني ما أردت من مالهم، مع بذلي لهم ما يريدون مني من مال ومعونة، يقول ذلك منكرا على نفسه أن يعينه الناس ولا يعينهم، و «حسن» هنا للمدح والتعجب، وأراد هنا التعجب الإنكاري. وقيل معناه يريد أنه يقهر الناس فيمنعهم ما يريدون منه ولا يستطيعون أن يمنعوه مما يريد منهم لعزته وسطوته. وجعل هذا أدبا
(1/171)

حسنا، والصواب في المعنى الأول، لأن البيت الأول يؤيده.
والشاهد «حسن ذا أدبا»، فلفظ «حسن» فيه شاهدان:
الأول: أن أصله، «حسن» بفتح الأول وضم الثاني، وزن (فعل) سكنت عينه، وانتقلت حركتها (الضمة) إلى «فائه» وذلك جائز في كلّ فعل يجري مجرى نعم وبئس في المدح والذم، فقوله «حسن ذا»: حسن: فعل ماض. و «ذا» فاعل. وأدبا: تمييز.
والشاهد الثاني: قد يجري مجرى نعم وبئس في إنشاء المدح والذم، كل فعل ثلاثي مجرّد على وزن «فعل» المضموم العين، على شرط أن يكون صالحا لأن يبنى منه فعل التعجب، نحو «كرم الفتى زهير» و «لؤم الخائن
فلان». فإن لم يكن في الأصل على وزن «فعل» حوّلته إليه، لأن هذا الوزن يدل على الخصال والغرائز التي تستحق المدح أو الذم، فنقول في المدح من «كتب وفهم» «كتب الرجل خالد» و «فهم التلميذ زهير» وتقول في الذم، «كذب الرجل فلان». ومنه الفعل «ساء». و «حسن» الذي نحن بصدده .. ويكون فاعل هذه الأفعال كفاعل نعم وبئس اسما ظاهرا معرّفا بأل: نحو: عقل الفتى زهير. أو مضافا إلى مقترن بها نحو «قرؤ غلام الرجل خالد». وإما ضميرا مستترا مميزا بنكرة بعده، منصوبة على التمييز نحو: هدؤ رجلا علي ...
ونعود إلى البيت: فالواو في قوله «ولا أعطيهم» واو المعية التي ينتصب الفعل بعدها بأن مضمرة. فأعطيهم منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية المسبوقة بنفي، وكان حقه أن يظهر الفتحة على الياء لخفتها، ولكنه أضمرها ضرورة، والبيتان للشاعر سهم بن حنظلة من المخضرمين. [الخزانة/ 9/ 431].

218 - نعم امرأين حاتم وكعب … كلاهما غيث وسيف عضب
الشاهد قوله: امرأين: تمييز منصوب بالياء لأنه مثنى .. وقد جاء التمييز مثنى، لأن من شروطه في باب «نعم وبئس» أن يكون مطابقا للمخصوص إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا ... وقد جاء مثنى، لأن المخصوص «حاتم وكعب». [الأشموني/ 3/ 32].

219 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو … ولكنّ المضيّع قد يصاب
الشاهد قوله: «أهلا لتسمو» لتسمو: مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود المسبوق ب (لم تكن). ومذهب البصريين: أن لام الجحود جارّة لمصدر منسبك من أن
(1/172)

المقدرة والفعل، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) أو (يكون) .. وقد صرّح في هذا البيت بالخبر المحذوف وهو «أهلا». وهو قليل في كلام العرب.
ولم تظهر الفتحة على آخر الفعل «تسمو» لضرورة الوزن. [شرح التصريح/ 2/ 235].

220 - أخلّاء لو غير الحمام أصابكم … عتبت ولكن ما على الدهر معتب
البيت للشاعر الغطمّش الضبّي: والأخلّاء: جمع خليل، وحذفت أداة النداء قبله، كما حذفت ياء المتكلم، وأصله «أخلائي» وهذا كثير. فهو منادى منصوب. والحمام: بكسر الحاء - الموت.
والشاهد: مجيء الاسم بعد لو، ويكون فاعلا لفعل محذوف، يفسره الفعل الظاهر.
[الأشموني/ 4/ 39، والتصريح/ 2/ 258].

221 - ما بأس لو ردّت علينا تحيّة … قليل على من يعرف الحقّ عابها
.. البيت مجهول القائل ... والبأس: الشدة. والعاب: العيب.
والشاهد: تركيب (ما) مع النكرة تشبيها لها ب (لا) وهو نادر. «وقليل» خبر مقدم.
و «عابها» مبتدأ مؤخر، وبعضهم نصب «قليلا» صفة ل تحية. و «عابها» فاعل.
[الهمع/ 1/ 124، وشرح أبيات المغني ج 5/ 239].

222 - فلئن صرت لا تحير جوابا … لبما قد ترى وأنت خطيب
البيت من أبيات منسوبة لمطيع بن إياس الكوفي، وتعزى أيضا لصالح بن عبد القدوس، والاثنان من العصر العباسي. وهي في رثاء يحيى بن زياد الحارثي. وقيل: إنها ترجمة لكلام قاله أرسطاليس في رثاء الاسكندر. والله أعلم. وقبل البيت:
وينادونه وقد صمّ عنهم … ثم قالوا وللنساء نحيب
ما الذي عاق أن تحير جوابا … أيها المصقع الخطيب الأديب
فلئن ... البيت ...
في مقال وما وعظت بشيء … مثل وعظ بالصمت إذ لا تجيب
.. ويروى البيت في الشطر الثاني: (فيما قد ترى ..) ورواية «لبما» للبصريين الذين
(1/173)

يجعلون الجملة بعد (لئن) جوابا للقسم المقدر، لسبقه، لا للشرط، لأن الشرط متأخر عن اللام الموطئة للقسم. ورواية «فبما» للكوفيين، الذين يجعلون الجملة بعد (لئن) جوابا للشرط دون القسم. وهذا الخلاف يجعل القارئ يقضي من العجب لأنّ الشاعر قال واحدة فقط، وتكون الرواية الثانية محرّفة لتوافق المذهب وهذا يجعلنا لا نثق في قواعدهم التي قعّدوها. ثم إنّ البيت يروى هكذا أيضا:
إن تكن لا تطيق رجع جواب … فبما قد ... الخ
وعلى هذا فليس في البيت قسم.
والبيت شاهد على أنّ «ما» في قوله «لبما» كفّت الباء عن العمل. وأنّ ما الكافّة تحدث في الباء معنى «ربّما» وعلى هذا فإنّ «ما» ليست مصدرية. وقيل إنّ «ما» مصدرية، والباء جارّة، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب .. وهو تأويل بعيد. [شرح أبيات مغني اللبيب ج 5/ 258، والهمع/ 2/ 38، والعيني/ 3/ 347].

223 - إذا لم يكن إلا الأسنّة مركب … فلا رأي للمحمول إلا ركوبها
هذا البيت للكميت بن زيد، وهذه رواية ابن هشام. وفي «جمهرة أشعار العرب»:
وإن لم يكن إلا الأسنّة مركب … فلا رأي للمحمول إلا ركوبها
وفي «الشعر والشعراء»: «فلا رأي للمضطر». والبيت من قصيدة عدد أبياتها ثمانية وثمانون بيتا، ومطلعها:
ألا لا أرى الأيام يقضي عجيبها … بطول ولا الأحداث تفنى خطوبها
والبيت لم يذكروه لشاهد نحوي، وإنما تمثلوا به عند بيان اضطرار العرب إلى الحذف في كلامهم.

224 - يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي … مكان من أمسى على الركائب
.. أنشده ابن الأعرابي، والشاهد: إدخال الألف واللام على «عمرو» لتأوله بواحد من الأمة المسماة به، فجرى مجرى فرس ورجل. [الإنصاف/ 316، وشرح المفصل/ 1/ 44].
(1/174)

225 - فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه … فإنّ لنا الأمّ النجيبة والأب
البيت غير منسوب، وهو في [الهمع/ ج 2/ 144. والعيني ج 2/ 265، والأشموني/ 1/ 285] وفي البيت حذف نون «يكن» المجزوم. ورفع «الأب» بالعطف على محلّ إنّ واسمها وخبرها.

226 - يا ربّ ذي لقح ببابك فاحش … هلع إذا ما الناس جاع وأجدبوا
.. البيت غير منسوب وهو في [الهمع ج 1/ 58]. وفي البيت قوله «جاع» وأصلها «جاعوا» فحذف واو الجماعة، واجتزأ بالضمة. وقوله: فاحش: أي بخيل.

227 - لا كعبة الله ما هجرتكم … إلّا وفي النفس منكم أرب
البيت ليس منسوبا لشاعر، وهو في [الهمع ج 2/ 39]. وفي البيت حذف واو القسم.
ونصب (كعبة) بفعل القسم المحذوف.

228 - إني أرقت على المطلى وأشأزني … برق يضيء أمام البيت أسكوب
البيت للشاعر سكب أو أبو السكب المازني، أو لزهير بن عروة بن جلهمة. وقد أورده سيبويه في باب الأبنية وما يلحقه من الزوائد، على أنه وصف على أفعول «أسكوب» أي:
منسكب. وأشأزني: الشأز: القلق من مرض أو همّ. والمطلى: قال ياقوت: واحدة المطالي، وهو الموضع الذي
تطلى فيه الإبل بالقطران والنفط .. وهو هنا علم على مكان بعينه في ذهن الشاعر.
وقوله: برق أسكوب، أي: كأنّ هذا البرق يسكب المطر. [سيبويه/ 2/ 316، واللسان سكب].

229 - إليكم ذوي آل النبيّ تطلّعت … نوازع من قلبي ظماء وألبب
هذا البيت للكميت بن زيد من قصيدته المشهورة، في مدح آل النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومطلعها:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا منّي وذو الشيب يلعب؟
وقوله: تطلعت: معناه، تشوقت. ونوازع: جمع نازعة، من قولهم: نزعت نفسه إلى الشيء، أي رغبت فيه: وطلبته. والبيت شاهد على أن إضافة ذوي آل النبي، من إضافة
(1/175)

المسمّى إلى الاسم، أي: يا أصحاب هذا الاسم. [شرح المفصل ج 3/ 12، والخزانة/ 4/ 307].

230 - تخدي بنا نجب أفنى عرائكها … خمس وخمس وتأويب وتأويب
البيت للشاعر جرير في ديوانه، [والهمع ج 1/ 40]. قال السيوطي: وألحق بالمثنى في الإعراب ألفاظ تشبهه، وليست بمثناة حقيقة، لفقد شرط التثنية، منها ما يراد به التكثير، نحو: «ارجع البصر كرتين» [الملك: 4] ... قال: وهذا النوع يجوز فيه التجريد من الزيادة والعطف. كقوله (البيت). تخدي: تسرع. والعرائك: جمع عريكة، وهي الطبيعة، وأراد لين الانقياد. والخمس: أن ترعى الإبل ثلاثة أيام، وترد اليوم الرابع.

231 - أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها … ويا حاطبا في غير حبلك تحطب
البيت غير منسوب، وهو في [الهمع ج 1/ 172]. شاهد على نصب المنادى الشبيه بالمضاف.

232 - قتلننا بعيون زانها مرض … وفي المراض لنا شجو وتعذيب
البيت لجرير. وعين مريضة، فيها فتور. والمراض: جمع مريض، ويجمع أيضا على مرضى، ومراضى. [شرح المفصل/ 5/ 81].

233 - على أحوذيّين استقلّت عليهما … فما هي إلا لمحة فتغيب
البيت لحميد بن ثور، في وصف جناحي قطاة. والأحوذي: الخفيف في الشيء بحذقه. والأحوذيّ: الذي يسير مسيرة عشر في ثلاث ليال.
والبيت رواه البغداديّون شاهدا على تحريك نون التثنية بالفتح إذا وقعت بعد ياء. فرووا أحوذيّين، مثنى أحوذيّ، بفتح النون. ولكنه ضبط في اللسان بكسر النون على الأصل.
انظر [الخزانة/ 7/ 458].

234 - فإنّ السّلم زائدة نوالا … وإنّ نوى المحارب لا يؤوب
غير منسوب وهو في المخصص.

235 - طعامهم لئن أكلوا معدّ … وما إن لا تحاك لهم ثياب
(1/176)

البيت نسبه ابن جني في الخصائص (2/ 282) إلى أميّة بن أبي الصلت، وهو أيضا في [الهمع ج 2/ 158]. والشاهد في قوله: «وما إن لا تحاك» قال ابن جني: فإن «ما» وحدها للنفي، و «إن» و «لا» جميعا للتوكيد، ولا ينكر اجتماع حرفين للتوكيد لجملة الكلام، وعدّ السيوطي من الضرائر زيادة النافي، أي: زيادة «لا».

236 - لكلّ أناس من معدّ عمارة … عروض إليها يلجؤون وجانب
البيت للأخنس بن شهاب التغلبيّ، الجاهلي من قصيدة مطلعها:
لابنة حطّان بن عوف منازل … كما رقّش العنوان في الرّقّ كاتب
.. وقوله: «عمارة»، العمارة الحيّ العظيم يقوم بنفسه. والعروض: الناحية. وعمارة:
بالرفع على الابتداء. والجرّ: على البدل من أناس. [المفضليات برقم 41، ص 204].
قال أبو أحمد: وفي مطلع القصيدة، شبه منازل الحبيبة، بما نمقه الكاتب في الصحيفة البيضاء. وتشبيه آثار الديار بالكتابة، كثير في الشعر الجاهلي، وبخاصة شعر الهذليين، وهذا يدلّ على شيوع الكتابة وانتشارها بين العرب منذ وقت طويل بعيد، لأن المشابهة تبنى على ما تعارف عليه الناس، وأصبح مألوفا، وهذا ينفي ما يذاع من أن العرب في جاهليتهم كانوا لا يعرفون الكتابة إلا قليلا.

237 - فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت … أم النّوم أم كلّ إليّ حبيب
.. البيت غير منسوب، ونقله ابن منظور في اللسان (أمم) عن الفرّاء. قال الفرّاء:
وربما جعلت العرب «أم» إذا سبقها استفهام، ولا يصلح فيه «أم» على جهة «بل» فيقولون: هل لك قبلنا حقّ، أم أنت رجل معروف بالظلم، يريدون بل أنت رجل معروف بالظلم .. وأنشد ... البيت. يريد بل كلّ. والتغوّل: التلوّن. يقال: تغوّلت المرأة إذا تلوّنت. وقال السيوطي: قال الفراء إن «أم» مثل «بل» إذا وقعت بعد استفهام، وأنشد البيت. [الهمع/ 2/ 133].

238 - وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة … فحقّ لشأس من نداك ذنوب
البيت لعلقمة بن عبدة (علقمة الفحل) من قصيدته التي مطلعها:
طحا بك قلب في الحسان طروب … بعيد الشباب عصر حان مشيب
(1/177)

وهي في مدح الحارث بن جبلة الغساني، وكان أسر أخاه شأسا، فرحل إليه يطلب فيه.
وقوله: خبطت بنعمة: يقال: خبطه بخير، أعطاه من غير معرفة بينهما. والذّنوب:
بفتح الذال: الدلو، أراد: حظا ونصيبا. والبيت رواه سيبويه «خبطّ» شاهدا لقلب التاء طاء، ثم قال: وأعرب اللغتين وأجودهما، أن لا تقلبها طاء، لأن هذه التاء علامة الإضمار، وإنما تجيء لمعنى. [المفضليات برقم 119، وشرح المفصل/ 5/ 48، وسيبويه/ 2/ 423].

239 - كحلاء في برج صفراء في نعج … كأنّها فضّة قد مسّها ذهب
البيت لذي الرّمة. وقوله: في برج: البرج سعة العينين، وقيل: البرج: سعة العينين في شدة بياض صاحبها. وقوله: في نعج: يقال: امرأة ناعجة: حسنة اللون. والنّعج أيضا:
السّمن. والبيت يذكره العلماء في بيان مناسبة تشبيه المرأة بالبيضة. قالوا: وربما شبّهت النساء ببيض النعامة، وأريد أنهنّ بيض يشوب ألوانهنّ صفرة، وكذلك بيض النعامة، ومنه قول ذي الرّمّة. كأنها فضة .. الخ.

240 - لا تعجبنّك دنيا أنت تاركها … كم نالها من أناس ثم قد ذهبوا
البيت منسوب للفرزدق، وليس في ديوانه. ولكن الفرزدق لا يقول مثل هذا المعنى، لأن البيت يدعو إلى الزهد في الدنيا، والفرزدق لم يكن زاهدا. وفي البيت «كم» خبرية، ولم تباشر تمييزها، وهو في شواهد التوضيح ص 81.

241 - أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلّغها … عنّي رسولا، وبعض القول تكذيب
بأنّ ذا الكلب عمرا خيرهم نسبا … ببطن شريان يعوي حوله الذّيب
البيتان من قطعة للشاعرة، جنوب، أو عمرة، أو ريطة بنت العجلان ترثي أخاها عمرا ذا الكلب .. وبطن شريان: واد في بلاد هذيل. والشاهد: تقديم اللقب «ذا الكلب على الاسم» وهو نادر في الكلام. [الخزانة/ 10/ 390، والهمع/ 1/ 271، والأشموني ج 1/ 12].

242 - يأوي إليكم بلا منّ ولا جحد … من ساقه السّنة الحصّاء والذيب
(1/178)

البيت للشاعر جرير. والسّنة الحصاء: الجدبة القليلة النبات لا خير فيها.
وقوله: والذيب: قال ابن منظور: كأنه أراد أن يقول: والضّبع، وهي السّنة المجدبة، فوضع الذئب موضعه لأجل القافية. قال أبو أحمد: كان جرير كأنه يغرف من بحر، ولا يعجز عن الإتيان بقافية بيت، فيها معنى السنة المجدبة،
ومن الواجب أن نقول: إننا لم نفهم مراد الشاعر من لفظ «الذيب» ولعل الشاعر يريد من ذكر الذيب في السنة المجدبة، أن الذئاب تصبح شرسة ضارية في سنوات الجدب، فيخشاها الناس على أنفسهم، وعلى ما بقي من مواشيهم. والله أعلم.

243 - وخبّرت أنّ أنّما بين بيته … ونجران أحوى والجناب رطيب
لا يعرف قائله، واستشهد به السيوطي في [الهمع ج 1/ 135]. على جواز وقوع أنّ بالفتح ومعموليها اسما لأنّ، فأنما ومعمولاها اسم أنّ المتقدمة.

244 - يهدي الخميس نجادا في مطالعها … إمّا المصاع وإمّا ضربة رغب
البيت للزبرقان، أو لمزاحم العقيلي. ويهدي: يعرّف. والخميس: الجيش. والنجاد:
جمع نجد، وهو الطريق في الجبل. والمصاع: المجالدة بالسيف. والضّربة الرغب:
الواسعة. وشاهده: عطف «ضربة» على المصاع، على معنى إمّا أمره المصاع وإما ضربة، وأما نصب المصاع، فعلى أنه مصدر نائب عن فعله، يماصع. [سيبويه/ ج 1/ 172، هارون].

245 - كأنّها لقوة طلوب … تيبس في وكرها القلوب
باتت على أرّم عذوبا … كأنها شيخة رقوب
البيتان لعبيد بن الأبرص. واللّقوة: العقاب. والضمير في باتت يعود على اللقوة، شبه بها فرسه إذا انقضّت للصيد. وعذوب: لم تأكل شيئا. والرّقوب: التي ترقب ولدها خوفا أن يموت. والأرّم: الأضراس. كأنه جمع آرم، ويقال: فلان يحرق عليك الأرّم، إذا تغيّظ فحكّ أضراسه بعضها ببعض، وقيل: الأرّم: أطراف الأصابع، وقال ابن سيده:
وقالوا: هو يعلك عليك الأرّم، أي: يصرف بأنيابه عليه حنقا. والشاهد في البيت الثاني:
شيخة، مؤنث شيخ. [اللسان (شيخ)].

246 - تراد على دمن الحياض فإن تعف … فإنّ المندّى رحلة فركوب
(1/179)

البيت للشاعر علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) من قصيدته التي مدح بها الحارث بن جبلة الغساني. ومطلعها (طحا ... حان مشيب) وهو يصف ناقته التي أوصلته إلى الممدوح.
وتراد: تعرض على الماء. والدّمن والدّمنة: البعر والتراب يسقط في الماء، فيسمى الماء دمنا أيضا. والجمع دمن، بكسر الدال وفتح الميم. والمندّى: أن ترعى الإبل قليلا حول الماء، ثم تردّ ثانية للشرب، وهي التندية. يقول: يعرض
عليها ماء الدّمن فإن عافته فليس إلا الركوب.
والشاهد فيه: وضع المندّى، موضع التندية. وعطف الركوب بالفاء دون الواو ليؤذن بأن ذلك متصل لا ينقطع. [شرح المفصل ج 6/ 54].

247 - أنّى ومن أين آبك الطّرب … من حيث لا صبوة ولا ريب
البيت للكميت بن زيد، وهو مطلع إحدى هاشمياته، وأنّى: بمعنى كيف. وآبك:
معناه أتاك، والشاهد: استعمال «أنّى» بمعنى «كيف». [شرح المفصل ج 4/ 105].

248 - لمياء في شفتيها حوّة لعس … وفي اللّثات وفي أنيابها شنب
البيت لذي الرّمة من قصيدة مطلعها:
ما بال عينك منها الماء ينسكب … كأنّه من كلى مفريّة سرب
قوله: لمياء .. الخ: قال الدينوري: والعرب يستحسنون أن يكون في لثة المرأة وشفتيها حوّة، وهي حمرة إلى سواد يسير، وإذا كانت كذلك فهي اللعساء واللمياء، وتلك الحمرة لعس ولمى. والشّنب: البرد والعذوبة في الفم. وذكروا البيت شاهدا على بدل الغلط. قال السيوطي: قال المبرد - على سعة حفظه - بدل الغلط، لا يكون مثله في كلام الله، ولا في شعر، ولا في كلام مستقيم. وقال خطاب: لا يوجد في كلام العرب، لا نثرها ولا نظمها، وقد عنيت بطلبه في الكلام والشعر، فلم أجده وطلبت غيري به فلم يعرفه، وادعى أبو محمد بن السيد أنه وجد في قول ذي الرّمة (البيت) قال: فلعس، بدل غلط لأن الحوّة السواد بعينه، واللّعس سواد مشرب بحمرة. وردّ بأنه من باب التقديم والتأخير، والتقدير: في شفتيها حوّة، وفي اللّثات لعس، وفي أنيابها شنب. [الهمع/ 2/ 126].
(1/180)

249 - بكيت أخا اللأواء يحمد يومه … كريم رؤوس الدارعين ضروب
.. نسبه ابن يعيش إلى أبي طالب. وصف رجلا شجاعا كريما فقده، فبكى عليه والشاهد: إعمال «فعول» كفاعل، ونصب رؤوس بقوله «ضروب»، وتقديم معمول ضروب عليه. [شرح المفصل ج 6/ 71].

250 - أتاني فلم أسرر به حين جاءني … كتاب بأعلى القنّتين عجيب
.. البيت للشاعر جزء بن ضرار، أخي الشماخ بن ضرار؛ والشاهد: أتاني ... جاءني كتاب. حيث اجتمع فعلان، فأعمل الأول: وأصل التركيب: أتاني كتاب عجيب بأعلى القنتين فلم أسرر به حين جاءني. [الحماسة، القطعة 115، والعيني/ 3/ 38].

251 - تقول ابنتي لما رأت وشك رحلتي … كأنّك فينا يا أبات غريب
البيت لأبي الحدرجان. والشاهد «يا أبات» أراد يا أبتاه، فقدم الألف وأخّر التاء.
[اللسان - أبي].

252 - وما أنت أم ما ذكرها ربعيّة … يخطّ لها من ثرمداء قليب
.. البيت لعلقمة بن عبدة (الفحل) وربعيّة: امرأة من بني ربيعة. وثرمداء: قرية.
والقليب: البئر. يريد أنه يشقّ لها هناك بئرا تشرب منها أو أراد بالقليب القبر، كأنها لا تبرح من ثرمداء حتى تموت فتدفن فيه. [المفضليات والهمع/ 2/ 133].

253 - فراشة الحلم فرعون العذاب وإن … تطلب نداه، فكلب دونه كلب
البيت للضحاك بن سعد، أو سعيد بن العاصي. والبيت شاهد على تضمين الجامد معنى المشتق، وإعطائه حكم الصفة المشبهة، فضمّن «فراشة»، معنى طائش، وفرعون معنى أليم. [الأشموني ج 3/ 16، والهمع/ 2/ 101].

254 - والعيس ينغضن بكيرانها … كأنّما ينهشهنّ الكليب
البيت غير منسوب. والشاهد قوله «الكليب»، حيث جمع «الكلب» عليه شذوذا.
[شرح المفصل ج 5/ 17].

255 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها … رجال فبذّت نبلهم وكليب
(1/181)

البيت لعلقمة بن عبدة الفحل. من المفضلية رقم (119). وتعفّق: استتر. والأرطى:
شجر. وبذّت: سبقت وغلبت. يصف ناقته ويشبهها ببقرة وحشية، ترصد لها الصائدون والكلاب .. وفي البيت: جمع كلبا على كليب وهو من الجموع النادرة لوزن «فعل».
والشاهد فيه: «تعفّق» أي استتر وأرادها حيث تنازعا «رجال». واحتج به الكسائي على وجوب حذف الفاعل، لأنه أعمل الثاني، ولو أعمل الأول: لقيل: تعفق بالأرطى رجال ثم أرادوها، لأنه عائد على جمع، فيجب كونه على وفق الظاهر. ولو أعمل الثاني لأبرز الضمير في تعفق على وفق الظاهر لأنه ضمير جمع، فعدم الإبراز دليل على حذف الفاعل .. وللبصريين ردّ على هذا .. انظر [العيني، والأشموني، والصبان ج 2/ 102، والمفضليات/ 393].

256 - أفينا تسوم الشاهريّة بعد ما … بدا لك من شهر المليساء كوكب
البيت في لسان العرب: وأنشده الباهليّ. وتسوم: تعرض. والشاهرية: ضرب من العطر. وشهر المليساء: وقت
تنقطع فيه الميرة. يقول: تعرض علينا الشاهرية في وقت ليس فيه ميرة. ويروى «الساهريّة» بالسين المهملة.

257 - وما لي إلا آل أحمد شيعة … ومالي إلا مشعب الحقّ مشعب
.. البيت للكميت بن زيد .. وقد مرّ في حرف الباء بقافية «مذهب».

258 - أخلّاء لو غير الحمام أصابكم … عتبت ولكن ما على الموت معتب
وقبل البيت:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني … أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
والبيتان في حماسة أبي تمام برقم 299، للغطمش الضبي.
قال المرزوقي: لقد صرف شكواه عن الناس إلى الله يأسا من معونتهم. وفي البيت الشاهد أقبل على الذاهبين معتذرا إليهم من استسلامه للحكم الجاري عليهم ومن عجز قواه عن نصرتهم فيما أصابهم فقال: لو كان القاصد لكم غير الموت لتسخطت الحال ولكن ما على الموت طريق للعتب.
(1/182)

وقوله: «أخلاء» يروى أخلاي، على قصر الممدود. والأجود أن تترك مدّته على حالها وتحذف الياء من آخره في النداء، لأن الكسرة تدلّ عليه. [الأشموني/ 4/ 39].

259 - وكلّ من ظنّ أنّ الموت مخطئه … معلّل بسواء الحقّ مكذوب
البيت للشاعر أبي دواد، جارية بن الحجاج. والبيت شاهد لمذهب الكوفيين من أنّ (سواء) إذا استثني بها خرجت عن الظرفية، وصارت اسما، بدليل أن حرف الجرّ يدخل عليها. [شرح المفصل ج 2/ 84، والخزانة ج 3/ 438].

260 - فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي … ولكن يكن للخير منك نصيب
لا يعرف قائله، وأنشدوه شاهدا على أنّ اللام الجازمة محذوفة، تقديرها «ولكن ليكن».

261 - وربّ أمور لا تضيرك ضيرة … وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
للشاعر ضابئ بن الحارث البرجمي، من أبيات قالها وهو محبوس بالمدينة زمن عثمان بن عفّان. ويقال: ضاره يضيره ولا ضير عليه، وضرّه يضرّه، ولا ضرّ عليه.
ويقال: أصابه ضرّ وأصابه ضرّ، بمعنى واحد. والمخشاة: مصدر ميمي، بمعنى الخشية، وهو الخوف. والوجيب: الخفقان والاضطراب. [الخزانة/ 10/ 322].

262 - العارفو الحقّ للمدلّ به … والمستقلّو كثير ما وهبوا
إذا حلّي الوصف المشتق، المجموع أو المثنى بأل، جاز فيما بعده النصب على المفعولية، والجرّ على الإضافة مع حذف النون في الوجهين، كما في (العارفو الحقّ) (والمستقلو كثير). [الأشموني ج 2/ 247].

263 - يسرّ الكريم الحمد لا سيّما لدى … شهادة من في خيره يتقلّب
البيت شاهد على أن «لا سيما» قد يليها الظرف وهو «لدى». [الهمع/ 1/ 234].

264 - رأيت مواليّ الألى يخذلونني … على حدثان الدهر إذ يتقلّب
البيت لبعض بني فقعس، في الحماسة برقم 124، والموالي هنا: أبناء العمّ. والألى:
بمعنى الذين، «يخذلونني» صلته. يقول: رأيت أبناء عمي هم الذين يقعدون عن نصرتي
(1/183)

على تقلب الزمان. وقوله «على حدثان» حال. أي يخذلونني مقاسيا لما يحدث في أوان تقلبه وتغيره. وفيه «الألى» بوزن العلى اسم موصول بمعنى «الذين» للعقلاء المذكرين.
[الهمع/ 1/ 83].

265 - عوذ وبهثة حاشدون عليهم … حلق الحديد مضاعفا يتلهّب
البيت لزيد الفوارس ابن حصين الضبّي من أهل الجاهلية. وعوذ، بفتح العين المهملة، اسم قبيلة. وبهثة: اسم قبيلة. وحلق الحديد: جمع الحلقة. بتسكين اللام، الدرع.
والجمع: الحلق: بفتحتين على غير قياس. وزعم الأصمعي أن الجمع بكسر الحاء. ونقل بعضهم أن المفرد قد يأتي بفتح اللام «الحلقة».
وقوله: يتلهب: يلمع. والشاهد: «مضاعفا» زعم قوم أنها حال من المضاف إليه «الحديد». والأقوى أنها حال من المضاف «حلق». [الخزانة/ 3/ 173، والهمع/ 1/ 240]. ونقول: حشد القوم: إذا اجتمعوا. ويأتي متعديا، فتقول: حشدتهم، أي: جمعتهم.

266 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو … ولكنّ المضيّع قد يصاب
البيت غير منسوب والشاهد: لتسمو: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل. وحقّ الفتحة أن تظهر على الواو، ولكن الواو بقيت ساكنة للضرورة. [شرح التصريح/ 2/ 235].

267 - فلست لإنسيّ ولكن لملأك … تنزّل من جوّ السماء يصوب
البيت منسوب لرجل من عبد القيس يمدح النعمان، ومنسوب لأبي وجزة يمدح عبد الله ابن الزبير. وقوله: يصوب، من «صاب» أي: نزل. وفي البيت شاهد على أن قولهم «ملك» حذفت منه همزته وخففت بنقل حركتها على ما قبلها
بدليل قولهم: ملائكة، فأعيدت الهمزة في الجمع، وبقول الشاعر «ولكن لملأك» فأعاد الهمزة. والأصل في الهمزة أن تكون قبل اللام، لأنه من الألوكة، وهي الرسالة، فكأنّ أصل «ملأك» أن يكون «مألكا» وإنما أخّروها بعد اللام ليكون طريقا إلى حذفها، لأن الهمزة متى ما سكن ما قبلها، جاز حذفها، وإلقاء حركتها على ما قبلها. هذا ما نقله ابن منظور في «اللسان» مادة «صوب» والحقيقة علمها عند الله. فتأويلات أهل النحو، أشبه بلعبة الشطرنج، وما
(1/184)

أظن العرب كانوا يفكرون فيما نسبناه إليهم، لأن السليقة والمعنى هما الدافعان للتعبير، ثم صار أمرهم كما قال المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
[وانظر المفضليات/ 394].

268 - ضحيان شاهقه يرفّ بشامه … نديان يقصر دونه اليعقوب
ويروى الشطر الثاني «عال يقصّر دونه اليعقوب» قال ابن منظور: واليعقوب الذكر من الحجل والقطا. وهو مصروف لأنه عربي لم يغيّر وإن كان مزيدا في أوله، فليس على وزن الفعل. والجمع: اليعاقيب. وقيل: إنه ذكر العقاب، لأن الحجل لا يعرف لها مثل هذا العلوّ في الطيران. [اللسان - عقب].

269 - وأزور يمطو في بلاد عريضة … تعاوى به ذؤبانه وثعالبه
البيت لذي الرّمة في ديوانه (848). وأزور: الطريق فيه عوج. يمطو: يمدّ.

270 - فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى … فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
البيت لابن ميادة، الرماح بن أبرد، من شعراء الدولتين. وقبل البيت:
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى … إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
والشاهد في البيت الأول (الذي لاقيت) قال السيوطي: وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته. [الحماسة برقم 534، والهمع/ 1/ 85].

271 - كلا السيف والساق التي ضربت به … على دهش ألقاه باثنين صاحبه
لم أعرف قائله، وقد روي الشطر الثاني (على مهل يا بثن ألقاه صاحبه) فزعم بعضهم أنه لجميل بثينة، وليس في ديوانه. والذي نقلته رواية البغدادي في [الخزانة/ 5/ 171، وشرح المفصل ج 3/ 3]. وجاء لفظ «باثنين» مضبوطا في شرح المفصل وفي حاشية الخزانة قال المحقق: (وكذا في نسخة إعراب الحماسة «باثنين»).
والشاهد: إضافة «كلا» إلى السيف، وهو مفرد، وهي لا تضاف إلا إلى المثنى، وجاز
(1/185)

ذلك، لأنه عطف على المفرد مفردا آخر، فصار كأنه أضافها إلى المثنى لأنّ مجموعهما اثنان.

272 - وبالمحض حتّى آض جعدا عنطنطا … إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه
البيت لفرعان التميمي، وقد مضى البيت السابق عليه بقافية (شاربه) والشاعر يتحدث عن ابنه منازل. وآض: بمعنى صار، فعل ناقص. والجعد العنطنط: الطويل. وقوله وبالمحض بالحاء المهملة: ويروى بالخاء، والمعنى متقارب، وهو اللبن. ويروى:
تربيته حتى إذا آض شيظما … يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
والشيظم: الطويل: وقد وهم الصبّان في حاشيته على الأشموني، فظنّ أنه يصف بعيرا، وقد جاءه هذا من نظره في البيت المفرد، دون قراءة البيت في سياقه .. وانظر الأبيات في حماسة أبي تمام، بشرح المرزوقي ص 1445، والشاهد: استعمال آض بمعنى صار، فعلا ناقصا. [الأشموني/ 1/ 229].

273 - فصدقته وكذبته … والمرء ينفعه كذابه
البيت للأعشى. والشاهد: «كذاب» بزنة كتاب، مصدر لكذب. [شرح المفصل/ 6/ 44].

274 - فلما جلاها بالأيام تحيّزت … ثباتا عليها ذلّها واكتئابها
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، والأيام كغراب، وكتاب: الدخان. وثبات: بضم الثاء الجماعات المتفرقة. والضمير المؤنث في قوله: جلاها وقوله: تحيزت، يعود على النحل وأراد أن يبين حالها حين يؤخذ عسلها، والمعنى أنّ المشتار وهو الذي يأخذ العسل حين طرد النحل بالدخان خرجت من الخلايا جماعات متفرقة وانحازت كل جماعة في ناحية.
والاكتئاب: الذل. فهو عطف تفسير.
والشاهد: «ثباتا» حيث يرويه بعض النحويين منصوبا بالفتحة، ويستشهدون به على أنه قد يجيء عن العرب نصب جمع المؤنث السالم بالفتحة، إما مطلقا وإما إذا كان اللفظ محذوف اللام ولم ترد إليه في الجمع، كما حكى الكسائي «سمعت لغاتهم» بفتح التاء كما حكى ابن سيده «رأيت بناتك» بفتح التاء أيضا. [شرح المفصل ج 5/ 8].
(1/186)

275 - فقلت أيا ربّاه أول سؤلتي … لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
البيت: لمجنون ليلى، قيس العامري. قوله «يا ربّاه» الهاء للسكت. وقد قعّد لها بعض النحويين بالقول: لا تكون هذه الهاء إلا ساكنة، لأنها موضوعة للوقف والوقف إنما يكون على الساكن، وتحريكها لحن.
قال أبو أحمد: لعلهم وضعوا القاعدة قبل أن يستغرق بحثهم نصوص العرب كلها. لأن النصوص المنسوبة إلى العرب المحتج بقولهم، أثبتت هذه الهاء في الوصل متحركة.
وبيت مجنون ليلى دليل وشاهد على ذلك. ومنه أيضا قول عروة بن حزام، صاحب عفراء:
يا مرحباه بحمار عفراء … إذا أتى قرّبته لما شاء
من الشعير والحشيش والماء
[الخزانة/ 11/ 458، وشرح المفصل ج 9/ 47].

276 - وجدّاء لا يرجى بها ذو قرابة … لعطف ولا يخشى السّماة ربيبها
البيت منسوب للعنبري، في كتاب سيبويه. قال النحاس: هذا حجة لإضمار ربّ كأنه قال: وربّ جداء. والجدّاء: المفازة التي لا شيء فيها. ومعنى البيت: من سلك تلك المفازة فلا يرج بها قريبا لأنّها لا تسلك ولا يخاف وحشها أحداثها. والسّماة: الصيادون:
يعني إن وحوشها لا تخاف الصيادين لأنها لا تسلك.

277 - ورثت أبي أخلاقه عاجل القرى … وعبط المهاري كومها وشبوبها
البيت للفرزدق، والكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. والمهاري: جمع مهريّة وهي الإبل تنسب إلى مهرة بن حيدان. وعبطها: أن تنحر لغير علة. والشبوب:
المسنة. والشاهد: كومها وشبوبها بالرفع مقطوعة عما قبلها. ولو جرّ على البدل من «المهاري» لجاز. [سيبويه/ 2/ 16، هارون].

278 - لم أر مثل الأقوام في غبن ال … أيام ينسون ما عواقبها
البيت لعدي بن زيد، أو لأحيحة بن الجلاح. قال ابن الشجري: قوله: في غبن الأيام
(1/187)

يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرك الوسط في البيع، والأشهر: غبنه في البيع غبنا بسكون وسطه، والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل في الرأي، وفعله غبن يغبن مثل فرح يفرح، يقال: غبن رأيه، والمعنى في رأيه. ومفعول الغبن في البيت محذوف أي:
في غبن الأيام إياهم. وقوله: ما عواقبها: ما استفهامية، وينسون: معلّق، والتقدير:
ينسون أيّ شيء عواقبها. [الخزانة/ 3/ 353، وشرح المفصل/ 3/ 152، وشرح أبيات المغني/ 5/ 342].

279 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة … لضغمهماها يقرع العظم نابها
البيت للشاعر مغلّس بن لقيط (جاهلي) من قصيدة يرثي بها أخاه، ويشتكي أخوين له.
وكان أخوه بارا به، واسمه أطيط، وكان الآخران يظهران له العداوة. والضغمة: العضة، يقول: جعلت نفسي تطيب لعضة أعضهما بها يقرع لها الناب العظم، والهاء في قوله:
لضغمهماها عائدة على الضغمة. وجعل: فعل شروع، خبره جملة تطيب. والبيت استشهد به الرضي على أنّ الضمير الثاني إذا كان مساويا للأول شذّ وصله كما في البيت، فإنه جمع بين ضميري الغيبة في الاتصال، وكان القياس لضغمهما إياها. وقال سيبويه: إذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه، جاز وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت .. وهذا ليس بالكثير في كلامهم والكثير في كلامهم أعطاه إياها. على أن الشاعر قال .. (البيت) ولكن البيت يروى أيضا:
وقد جعلت نفسي تهمّ بضغمة … على علّ غيظ يقصم العظم نابها
وهذه الرواية أولى بالاتباع، لأن قصيدة البيت فيها شكوى وألم ورقّة تعبير .. والبيت نفسه يمثل ذروة الانفعال العاطفي، ورواية النحويين فيها صناعة، تمنع من تدافع المعاني، وتعقّد الكلام. [الخزانة/ 5/ 301، وسيبويه/ 2/ 365، وشرح المفصل/ 3/ 105، والأشموني/ 1/ 141].

280 - فماله من مجد تليد وماله … من الريح فضل لا الجنوب ولا الصّبا
البيت للأعشى ميمون، يهجو رجلا بأنه لئيم الأصل لم يرث مجدا، ولا كسب خيرا، فضرب له المثل بنفي حظه من الريحين، الجنوب والصّبا، فالجنوب تلقح السحاب، والصبا تلقح الأشجار. ومحل الشاهد: «فماله من مجد» حيث اختلس ضمة الهاء، ولم
(1/188)

يشبعها حتى تنشأ عنها واو .. ولكن رواية الديوان، «وما عنده مجد تليد وماله»، والهاء مشبعة من (عنده). [سيبويه/ 1/ 30، والإنصاف/ 516].

281 - ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت … يميني بإدراك الذي كنت طالبا
البيت لسعد بن ناشب المازني. وكان أمير البصرة قد هدم داره وحرقّها، لأنه كان قد أصاب دما. وقبل البيت:
سأغسل عنّي العار بالسيف جالبا … عليّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها … لعرضي من باقي المذمّة حاجبا
والبيت شاهد على حذف العائد المجرور بالإضافة إن كان المضاف وصفا بمعنى الحال أو الاستقبال، فإن الأصل: كنت طالبه، فحذف الضمير. [الأشموني/ 1/ 172، الخزانة/ 8/ 141، والحماسة/ 69].

282 - حتى إذا الكلاب قال لها … كاليوم مطلوبا ولا طلبا
البيت لأوس بن حجر. وهو شاهد على حذف العامل، والتقدير: «لم أر كاليوم مطلوبا». [شرح المفصل ج 1/ 125].

283 - في ليلة من جمادى ذات أندية … ما يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا
البيت للشاعر مرّة بن محكان من شعراء الدولة الأموية. وقبله:
يا ربّة البيت قومي غير صاغرة … ضمّي إليك رحال القوم والقربا
.. يدعو امرأته للاحتفاء بالأضياف، وقوله: في ليلة: إن شئت جعلت الجار متعلقا ب (ضمّي) وإن شئت جعلته متعلقا ب (قومي). وقوله: (غير) انتصب على الحال. وجعل الليلة من ليالي جمادى من شهور البرد. والمراد في ليلة من ليالي جمادى ذات أنداء وأمطار. وكانوا يجعلون شهر البرد جمادى وإن لم يكن جمادى في الحقيقة كأنّ الأسماء وضعت في الأصل مقسمة على عوارض الزمان والحرّ والبرد والريح والمطر. ثم تغيرت فصارت تستعار. وقوله: «ذات أندية» جرى فيها خلاف، لأن جمع الندى، أنداء فكان المبرد يقول: هو جمع نديّ المجلس. وكان أماثل الناس وأغنياؤهم، إذا اشتد الزمان وجدّ القحط والجدب يجلسون مجالس، يدبّرون أمر الضعفاء. فيريد: في ليلة توجب
(1/189)

ذلك. وقال غيره: هو جمع (ندى) كأنه جمع فعلا على «فعال»، ثم جمع «فعال» على أفعلة. [شرح الحماسة للمرزوقي برقم 676، والأشموني/ 4/ 108، والخصائص/ 3/ 52].

284 - انطق بحقّ ولو مستخرجا إحنا … فإنّ ذا الحقّ غلّاب وإن غلبا
البيت في [الهمع ج 1/ 121]. وهو شاهد على حذف كان واسمها، وبقاء خبرها بعد «لو» الشرطية.

285 - يا عمرك الله إلّا قلت صادقة … أصادقا وصف المجنون أو كذبا
البيت لمجنون ليلى، في ديوانه. وهو في [الهمع ج 2/ 54]. شاهد على تلقي جواب القسم ب (إلّا).

286 - وهل كنت يا ابن القين في الدّهر مالكا … لغير بعير بله مهريّة نجبا
البيت لجرير. وهو شاهد على مجيء ما بعد «بله» منصوبا. وهو مذهب الكوفيين والبغداديين. [الخزانة/ 6/ 231،
والهمع/ 1/ 236] والدليل على نصب ما بعدها، أن القافية منصوبة، وهي صفة (مهرية).

287 - يمشي القطوف إذا غنّى الحداة به … مشي الجواد فبله الجلّة النّجبا
.. البيت للشاعر إبراهيم بن علي بن هرمة. والقطوف: من الدواب وغيره: البطيء.
والجلة: بكسر الجيم، جمع جليل، كصبية جمع صبيّ: وهو المسنّ من الإبل. والنّجب:
بضمتين، جمع نجيب، وهو الأصيل الكريم. والمعنى أنّ البطيء يمشي كمشي الجواد من الخيل مع الحداء، فدع الإبل الكرام، فإنها مع الحداء تسرع أكثر من غيرها والبيت شاهد على كون «بله» اسم فعل، ينصب ما بعده. والدليل على نصبه ما بعده إتباعه بالوصف المنصوب. [شرح المفصل ج 4/ 49، والخزانة/ 6/ 214].

288 - تالله لا يحمدنّ المرء مجتنبا … فعل الكرام ولو فاق الورى حسبا
الشاهد، بلا نسبة في [الأشموني ج 3/ 215]، وفيه توكيد جواب القسم المنفي بالنون، وهو ضرورة.
(1/190)

289 - ثمّت لا تجزونني عند ذاكم … ولكن سيجزيني الإله فيعقبا
البيت للأعشى. والشاهد فيه: نصب «يعقب» بعد الفاء في ضرورة الشعر فيما ليس فيه معنى النفي أو الطلب، ويجوز أن يريد النون الخفيفة، وهو أسهل في الضرورة.
[سيبويه/ 3/ 39، هارون].

290 - كذب العتيق وماء شنّ بارد … إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
.. البيت منسوب لعنترة بن شداد، وللشاعر خزز بن لوذان السدوسي. والعتيق: هنا، التمر القديم. والشنّ: القربة الخلق، والماء يكون فيها أبرد منه في القربة الجديدة.
يقول: عليك بالتمر فكليه، والماء البارد فاشربيه، ودعيني أوثر فرسي باللبن، وإن تعرضت لشرب اللبن فاذهبي. وإنما يتوعدها بالطلاق. ويروى «العتيق» بالنصب والرفع.
فإن نصبت فعلى أن كذب، اسم فعل بمعنى الزم وفاعله مستتر. وإن رفعت، فهو فاعل كذب، ويراد بقوله «كذب العتيق» الإغراء ومنه قولهم: كذب عليك العسل، ويريدون:
كل العسل، وتفسيره: أخطأ تارك العسل، فغلب المضاف إليه على المضاف وقال عمر ابن الخطاب «كذب عليكم الحجّ، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم» معناه الزموا الحج والعمرة والجهاد .. وانظر تفصيلا مغنيا في [الخزانة ج 6/ 184، وسيبويه/ 2/ 302].

291 - أما أقاتل عن ديني على فرسي … أو هكذا رجلا إلّا بأصحاب
البيت في [شرح المفصل ج 5/ 133]، ذكره شاهدا على أنّ «رجلا» بمعنى «راجلا» وهو في [الحماسة/ 464، ونوادر أبي زيد ص 5، منسوب إلى حيي بن وائل].

292 - إنّ السّيوف غدوّها ورواحها … تركت هوازن مثل قرن الأعضب
البيت للأخطل التغلبي من قصيدة مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس.
وقوله: غدوّها، ورواحها: بدل اشتمال من السيوف، وقد روعي المبدل منه في اللفظ بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل، ولو روعي لقيل «تركا» بالتثنية. ويحتمل نصب غدوّها على الظرف، ك (خفوق النجم)، وكأنه قال: إنّ السيوف وقت غدوها ورواحها. [الخزانة/ 5/ 199، والأشموني/ 3/ 132].
(1/191)

293 - بالله ربّك إن دخلت فقل له … هذا ابن هرمة واقفا بالباب
البيت لابن هرمة .. وهو شاهد على أن قوله «بالله ربك» وما يشبهه، ليس قسما لأن القسم لا يتصوّر إلا حيث يتصوّر الصدق والحنث.
والصورة التي توجد في البيت لا تحتمل ذلك. وقد يسمونه القسم الاستعطافي. وليس له جواب والباء في قوله «بالله» اسمها باء الطلب ويجوز ذكر متعلقها مثل «نشدتك بالله» و «أسألك بالله» وحذفه أكثر، ومنه قول قيس:
بربّك هل ضممت إليك ليلى … قبيل الصبح أو قبّلت فاها
[الخزانة/ 10/ 47 - 52، وشرح المفصل/ 9/ 101].

294 - ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا … واللّحن يفهمه ذووا الألباب
البيت للقتال الكلابي في شرح شواهد الشافية 179. وفي لسان العرب جاء الشطر الثاني، ولحنت لحنا ليس بالمرتاب. [اللسان - لحن]. واللحن هنا، التكلم بالشيء وإرادة غيره. واللحن: الفطنة.

295 - ولو أرادت لقالت وهي صادقة … إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب
البيت للجميح الأسدي (منقذ بن الطمّاح) فارس جاهلي. وكانت زوجه مرّت براكب فأفسدها على زوجها وحثها على مخالفة زوجها ليطلقها فيتزوجها.
وقوله: تنصبك: مضارع أنصبه، أي: أتعبه. والرياضة: تهذيب الأخلاق النفسية.
وللشيب: جمع أشيب، متعلق برياضة. وقوله «لا تنصبك» دعاء في صورة النهي. يريد:
إن تأديب الكبير لا يفيد، كما قال بعضهم:
كبر الكبير عن الأدب … أدب الكبير من التعب
والشاهد: وقوع الجملة الطلبية خبرا لإنّ. [الخزانة/ 10/ 246].

296 - يومان يوم مقامات وأندية … ويوم سير إلى الأعداء تأويب
البيت للشاعر سلامة بن جندل، فارس جاهلي. والبيت من قصيدة مطلعها:
(1/192)

أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب … أودى وذلك شأو غير مطلوب
وقبل البيت الشاهد:
أودى الشباب الذي مجد عواقبه … فيه نلذّ ولا لذات للشّيب
وقوله: يومان: فسّر العواقب في البيت السابق بقوله «يومان» فقال: يوم في المجالس خطيبا ويوم سير إلى الأعداء، والكبير يعجز عن هذا. وتأويب: صفة السير، وهو السرعة في السير والإمعان فيه. [الخزانة/ 4/ 27، المفضليات ص 120].

297 - قديديمة التجريب والحلم إنني … أرى غفلات العيش قبل التّجارب
البيت للقطامي عمير بن شييم وهو أول من لقب «صريع الغواني» ثم مسلم بن الوليد.
وقبل البيت:
صريع غوان راقهنّ ورقنه … لدن شبّ حتى شاب سود الذوائب
وقوله: «قديديمة» منصوب على الظرف والعامل فيه راقهنّ ورقنه، أي: أعجبهنّ وأعجبنه وقديديمة التجريب والحلم: أي: أمام التجريب والحلم. ثم قال: أرى غفلات العيش قبل التجارب، يقال: إنما يستلذّ بالعيش أيام الغفلة وفي أيام الشباب قبل التجارب. والتجارب، إنما هي في الكبر، وهو وقت أن يزهد فيهن لسنّه وتجريبه وأن يزهدن فيه لشيبه.
والشاهد: تصغير «قدّام» قديديمة، بالهاء. [الخزانة ج 7/ 88، واللسان (قدم)، والمقتضب ج 2/ 273].

298 - ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه … زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب
البيت للشاعر الجاهلي أبي جندب بن مرّة القردي. وكان لأبي جندب جار من خزاعة فقتله زهير اللحياني. والشاهد: قومه زهيرا. حيث عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة وهو «زهيرا». [الخزانة/ 1/ 291].

299 - ما إن رأيت ولا سمعت به … كاليوم هانئ أينق جرب
البيت لدريد بن الصمة، قتل يوم حنين كافرا، زعم أهل الأدب، وهم يكذبون فيما
(1/193)

يروون من أسباب قول الشعر، أن الخنساء (تماضر بنت عمرو) طلت بعيرا لها، ثم تجردت واغتسلت، وكان دريد ينظر إليها، وهي لا تراه، فأعجبته فهويها، فقال أبياتا أولها:
حيّوا تماضر واربعوا صحبي … وقفوا فإن وقوفكم حسبي
ما إن رأيت ... البيت.
مبتذلا تبدو محاسنه … يضع الهناء مواضع النقب
.. ولو قالوا: إنه أحبها لرؤيته لها وهي تهنأ البعير، لكان أوقع في النفس، ولكن أبا الفرج الأصبهاني، والقالي، صاحب الأمالي، اللذان رويا القصة، كانا يثيران غرائز فئة أماتت الإماء بقية الرجولة في نفوسهم، ونقلها البغدادي في شرح أبيات المغني، ليروّح عن طلاب النحو الذين أكدت عقولهم مسائل النحويين وخلافاتهم.
والشاهد في البيت «ما، إن» قالوا: إن «ما» نافية، و «إن» زائدة لتوكيد النفي. [شرح المفصّل/ 5/ 82، وشرح أبيات المغني/ 8/ 51].

300 - حناني ربّنا وله عنونا … نعاتبه لئن نفع العتاب
البيت غير منسوب. قال النحاس: كأنه قال: تحننا بعد تحنن، لأنه مصدر، وثناه لأنه يريد مرة بعد مرّة. [شرح أبيات سيبويه/ 152].

301 - لقد حملت قيس بن عيلان حربها … على مستقلّ للنوائب والحرب
أخاها إذا كانت عضوضا سمالها … على كلّ حال من ذلول ومن صعب
.. في كتاب سيبويه: وزعم عيسى بن عمر أنه سمع ذا الرمّة ينشد هذا البيت نصبا - يريد البيت الثاني - والبيتان ليسا لذي الرّمة.
وقوله: على مستقلّ: أي: ناهض بما حمّل. والنوائب: ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به، من المهمات والحوادث.
.. وقوله: أخاها: أي: أخا الحرب. وعضوضا: شديدة. وسمالها: أي: للحرب، ارتفع لها راكبا لذلولها وصعبها، لا يتهيبه شيء.
(1/194)

والشاهد: أخاها. منصوب بفعل محذوف تقديره «أعني» قال الخليل: إنّ نصب «أخاها» على أنك لم ترد أن تحدث الناس ولا من تخاطب بأمر جهلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمت، فجعله ثناء وتعظيما، ونصبه على الفعل كأنه قال: أذكر أهل ذاك، ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره.
[سيبويه ج 2/ 65، هارون، وملحق ديوان ذي الرمة/ 1847].

302 - بأعين منها مليحات النّقب … شكل التّجار وحلال المكتسب
رجز لا يعرف قائله. النقب: بالضم: دوائر الوجه، وبالكسر، جمع نقبه من الانتقاب بالنقاب. وشكل التجار: أي هنّ مما يصلح للتجارة، ويحل للكسب، يصف جواري.
ويروى «النجار» بالنون، أي: تشاكل نجارها وتشبهه، والنجار: الأصل واللون، ولا يعلم ماذا قال الراجز إلا الله.
والشاهد فيه: جرّ «شكل التجار» و «حلال المكتسب»، على ما قبله نعتا، ولو قطع بالنصب والرفع لما فيه من معنى المدح لجاز. [سيبويه/ 2/ 67، هارون].

303 - وما غرّني حوز الرّزاميّ محصنا … عواشيها بالجوّ وهو خصيب
لا يعرف قائله. وحوز الإبل: جمعها للعلف. والرزامي: نسبة إلى رزام، وهم حيّ من العرب. والعواشي: جمع عاشية، وهي التي ترعى بالعشي من المواشي. يقول:
جمعها للعلف ليمنع الضيف في حال خصب الزمان، لأنها لا تحلب وهي تعلف.
والشاهد: نصب «محصن» بإضمار فعل يجوز إظهاره وهو أعني، ولم يقصد مدحا ولا ذما فينصبه عليه. ومحصن، هو اسم الرزامي. [سيبويه/ 2/ 74، هارون].

304 - عليّ دماء البدن إن لم تفارقي … أبا حردب ليلا وأصحاب حردب
لرجل من بني مازن يخاطب ناقته ويحثها على مفارقة أبي حردبة، وكان هذا لصا، وكان الشاعر من أصحابه، فتاب. والبدن: جمع بدنة، وهي الناقة تتخذ للنحر، أراد نحر البدن بمكة نذرا منه إن لم تطعه ناقته، وخاطب ناقته وهو يريد نفسه على المجاز. وأراد: وأصحاب أبي حردبة فحذف «أبي» لعلم السامع. والشاهد فيه: ترخيم «حردبة» في غير النداء للضرورة، وإجراؤه بعد الترخيم مجرى غير المرخم في الإعراب. [سيبويه/ 2/ 255، هارون]
(1/195)

305 - ليس بيني وبين قيس عتاب … غير طعن الكلى وضرب الرّقاب
البيت للشاعر عمرو بن الأيهم التغلبي، شاعر نصراني من العصر الأموي، ربما كان هو أعشى تغلب. والبيت في هجاء قبيلة قيس، وقبله:
قاتل الله قيس عيلان طرّا … ما لهم دون غارة من حجاب
والشاهد: «غير» فيها الرفع وفيها النصب: فالطعن ليس من جنس العتاب، فهو استثناء منقطع، والأصل فيه وجوب النصب (نصب غير) ولكن بني تميم، يجيزون رفع الاستثناء المنقطع على البدلية فأبدلوا (غير) من (عتاب)، بجعل
الطعن والضرب من العتاب اتساعا.
[سيبويه/ 2/ 323، هارون، وشرح المفصل/ 2/ 80، والمرزباني/ 242].

306 - كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة … فيصبح ملقى بالفناء إهابها
لرجل من بني دارم لم يعيّن. والشاهد فيه: نصب ما بعد الفاء على الجواب، وإن كان معناه الإيجاب، لأنه كان قبل دخول «كأنّ» منفيا على تقدير: لم تذبح نعجة فيصبح إهابها ملقى، ثم دخلت عليه كأنّ فأوجبت فبقي على لفظه منصوبا. [سيبويه/ 3/ 35، هارون].

307 - عجبت والدّهر كثير عجبه … من عنزيّ سبّني لم أضربه
رجز لزياد الأعجم، من شعراء العصر الأموي، واسم أبيه سليمان، ولقب بالأعجم لعجمة كانت في لسانه، توفي سنة 100 ه. والعنزي: منسوب إلى قبيلة عنزة، بفتح العين والنون. والشاهد: في نقل حركة هاء «أضربه» إلى الباء قبلها، ليكون أبين للهاء في الوقف، لأن مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها. [سيبويه/ 4/ 180، هارون، وشرح المفصل/ 9/ 70، والهمع/ 2/ 208، والأشموني/ 4/ 210].

308 - ديار التي كادت ونحن على منى … تحلّ بنا لولا نجاء الركائب
البيت للشاعر قيس بن الخطيم، شهد الإسلام، ومات على كفره، ولقى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم يسلم، والبيت ثاني أبيات قصيدة مطلعها:
أتعرف رسما كالطراز المذهّب … لعمرة وحشا غير موقف راكب
وفي البيت الشاهد «ديار» بالنصب على البدل من «رسما» في البيت السابق. أو
(1/196)

منصوبة بفعل محذوف. و «تحل» خبر كادت، مجرد من «أن» .. [الخزانة/ 7/ 27].

309 - ما أنس لا أنساه آخر عيشتي … ما لاح بالمعزاء ريع سراب
البيت غير منسوب. وريع السراب: قيل: هو اضطرابه. والمعزاء: أرض ذات حجارة.
و «ما» شرطية. و «أنس» فعل الشرط مجزوم بحذف الألف. و «لا» نافية و «أنساه» جواب الشرط، وكان يجب حذف الألف، ولكنه أثبتها لإقامة الوزن ... وأحسن مما ذكروه أن نقول: إن الشاعر قال: «لن أنساه» ولم يقترن الجواب بالفاء للضرورة، أو لأن له أمثلة من الكلام العربي، وجاء في الحديث: «من غشّ ليس منّا» وقال الشاعر:
ومن لا يزل ينقاد للغيّ والصبا … سيلفي على طول السلامة نادما
[شرح المفصل/ 10/ 104، وشرح شواهد الشافية/ 413].

310 - فوافيناهم منّا بجمع … كأسد الغاب مردان وشيب
البيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه. ومردان: جمع أمرد. وشيب: جمع أشيب. قال ابن مالك في الألفية.
ونعت غير واحد إذا اختلف … فعاطفا فرقه لا إذا ائتلف
ومثال المختلف: مررت برجلين: كريم وبخيل. ومثال المؤتلف: مررت برجلين كريمين. قال الأشموني: قيل: يندرج في غير الواحد ما هو مفرد لفظا مجموع معنى، وأنشد البيت. على أن «مردان» و «شيب» نعتان مختلفان فرق بينهما بالواو العاطفة. وردّ عليه، بأنه ليس من هذا الباب. لأنه قال: يفرق نعت غير الواحد بالعطف إذا اختلفا والمنعوت هنا ليس مثنى ولا مجموعا، بل هو اسم مفرد، وهو «بجمع» فلا يطلق عليه أنه غير الواحد، بل هو اسم مفرد وإن كان مدلوله كثيرا. ولذلك صحت تثنيته في قوله تعالى:
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران: 155]. [الأشموني/ 3/ 65، وعليه العيني، والصبّان].

311 - باتت فؤادي ذات الخال سالبة … فالعيش إن حمّ لي عيش من العجب
مجهول القائل: والشاهد في الشطر الأول، إذ الأصل: باتت ذات الخال سالبة فؤادي. ولا يجوز تقدير «ذات» مبتدأ، لنصب «سالبة» فتقدم معمول الخبر عليه. [العيني ج 2/ 28، والأشموني ج 1/ 138، والخزانة ج 9/ 269].
(1/197)

312 - يهولك أن تموت وأنت ملغ … لما فيه النّجاة من العذاب
مجهول القائل، [في الهمع/ 1/ 8]، وهو شاهد لتعين المضارع للاستقبال، لأنه مسند إلى متوقّع.

313 - صاح هل ريت أو سمعت براع … ردّ في الضّرع ما قرى في العلاب
البيت لإسماعيل بن يسار. العلاب: جمع علبة، وهي القدح الذي يحلب فيه. وقيل:
العلاب: جفان تحلب فيها الناقة. ويروى «الحلاب» بالحاء المهملة: وهو الإناء الذي يحلب فيه اللبن.
وقوله: ريت: أصله رأيت، حذفت الهمزة وهي عين الفعل تخفيفا. قال البغدادي:
ومن استعمالات «سمع» أن تتعدى إلى مسموع. وقد حقق السهيلي أن جميع الحواس الظاهرة لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد. نحو سمعت الخبر وأبصرت الأثر ومسست الحجر، وذقت العسل، وشممت الطيب.
ومن استعمالات سمع: تعديتها بإلى أو اللام، وهي حينئذ بمعنى الإصغاء والظاهر أنه حقيقة لا تضمين. قال
الزمخشري في تفسير قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى [الصافات: 8] فإن قلت: أي فرق بين سمعت فلانا يتحدث وسمعت إليه يتحدث وسمعت حديثه وإلى حديثه قلت: المعدّى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك .. وأما قوله «سمع الله لمن حمده» فإنه مجاز عن القبول. والأخيرة فيها خلاف بين العلماء.
والاستعمال الثالث ل «سمع» تعديتها بالباء، ومعناه الإخبار، ويدخل حينئذ على غير المسموع، وليست الباء فيه زائدة. تقول: ما سمعت بأفضل منه، وفي المثل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» قابله بالرؤية، لأنه بمعنى الإخبار عنه المتضمن للغيبة .. قال الشاعر (صاح هل .. البيت). [الخزانة/ 9/ 172].

314 - فما أنت باليقظان ناظره إذا … نسيت بما تهواه ذكر العواقب
الشاهد غير منسوب. [العيني 1/ 215، والأشموني 1/ 96]. و «ما» نافية عاملة عمل ليس. و «باليقظان»: اليقظان: الحذر. والباء فيه زائدة، للتوكيد، وهو ممنوع من الصرف لكنه جرّ بالكسرة لأنه محلّى بالألف واللام. وناظره: الناظر: إنسان العين والمراد هنا، القلب.
(1/198)

وقوله: بما تهواه، ويروى (بمن تهواه) الباء للسببية، والمعنى: إذا نسيت ذكر العواقب بسبب هواك، وجواب «إذا» محذوف، دلّ عليه ما سبقه والتقدير: إذا نسيت، فما أنت باليقظان. وناظره: فاعل، ل «باليقظان».

315 - ربّ حيّ عرندس ذي شباب … لا يزالون ضاربين القباب
مطلع قصيدة لعمرو بن الأيهم التغلبي النصراني، من شعراء العصر الأموي.
والعرندس: الشديد. والقباب: جمع قبة، وهي الخيمة.
وقد استشهد بهذا البيت على أن من العرب من يجعل الإعراب على النون في جمع المذكر السالم، إجراء له مجرى المفرد، ولو أنه في البيت أجري مجرى الجمع لحذفت النون من «ضاربين» للإضافة. [شرح أبيات المغني/ 7/ 364، والهمع/ 1/ 47، والتصريح/ 1/ 77، والأشموني/ 1/ 87].

316 - فه بالعقود وبالأيمان لا سيما … عقد وفاء به من أعظم القرب
البيت غير منسوب. و «فه» أمر بالوفاء، من وفى يفي، والهاء للسكت، لا ينطق به في الوصل، وإنما رسم لاعتبار النطق به في الوقف، كما هو قاعدة الخط. وقوله: وفاء:
بدل اشتمال من «عقد» ويجوز في «عقد» الرفع والنصب، والجرّ.
والبيت شاهد على أن قولهم «ولا سيّما» تخفف ويحذف واو العطف. [شرح أبيات المغني/ 3/ 219، والهمع/ 1 /
135، والأشموني/ 2/ 168].

317 - وكم ليلة قد بتّها غير آثم … بناحية الحجلين منعمة القلب
عزاه عبد السّلام هارون في معجمه إلى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية، عاصر المأمون.
.. والشاهد: مجيء تمييز كم الخبرية مفردا. [الأشموني/ 4/ 80، والعيني/ 4/ 496].

318 - أبلغ أبا دختنوس مألكة … عن الذي يقال م الكذب
البيت غير منسوب. قال ابن بري: أبو دختنوس: هو لقيط بن زرارة. ودختنوس، ابنته، سمّاها باسم ابنة كسرى. واستشهدوا بالبيت على أنه قد تحذف النون من «من»
(1/199)

الجارّة. ومحلّ الشاهد في البيت «م الكذب» أراد «من الكذب» فحذف النون الساكنة لأنها تشبه حروف العلة في أمور كثيرة، ولذلك كان وجودها علامة إعراب وحذفها علامة إعراب في الأفعال الخمسة. [شرح المفصل/ 8/ 35، واللسان «ألك»].

319 - أحلامكم لسقام الجهل شافية … كما دماؤكم تشفي من الكلب
البيت للكميت بن زيد. وأنشده السيوطي شاهدا على جواز وصل «ما» المصدرية بجملة اسمية كما في «كما دماؤكم» وقيل: «ما» هنا كافة وليست مصدرية.
[الهمع/ 1/ 81].

320 - كأنّها من حجار الغيل ألبسها … مضارب الماء لون الطّحلب اللّزب
البيت غير منسوب. والغيل: بالفتح: الماء الجاري على وجه الأرض. وبالكسر الشجر الكثير الملتف. واللزب: وصف من لزب يلزب، أي: لصق والمعروف «اللازب» شبه حوافر الفرس في صلابتها وامّلاسها بحجارة الماء المطحلبة.
والشاهد: جمع حجر على «حجار» والقياس «أحجار». [سيبويه/ 3/ 572، وشرح المفصل/ 5/ 18].

321 - أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته … والزم توقّي خلط الجدّ باللّعب
البيت غير منسوب. وهو شاهد للحال المؤكدة لعاملها، الموافقة للعامل في اللفظ والمعنى، وهو قوله «أصخ مصيخا». [الأشموني/ 2/ 185، والعيني/ 3/ 185].

322 - إذا ما المهارى بلّغتنا بلادنا … فبعد المهارى من حسير ومتعب
قال السيوطي: ولا تستعمل المصادر التي يحذف عاملها مضافة إلا في قبح من الكلام، وإذا أضيفت فالنصب حتم، ومما جاء مضافا (بعدك) .. وأنشد الكسائي (البيت). والمهارى: جمع «مهرية» وهي إبل منسوبة إلى قبيلة تسمى «مهرة».
[الهمع/ 1/ 189].

323 - فو الله ما نلتم وما نيل منكم … بمعتدل وفق ولا متقارب
البيت لعبد الله بن رواحة الأنصاري، رضي الله عنه. وقوله: ما نلتم: أراد من النيل
(1/200)

الإصابة في الحرب من القتل والتجريح، وهو خطاب للمشركين. والمعتدل: المعادل.
والوفق: الموافق: يقول: إنّ ما أصبتم منا في الحرب ليس يعادل ما أصبنا منكم فيها بل إصابتنا فيكم أشنع وأهول.
والشاهد: (ما نلتم وما نيل) أراد: ما الذي نلتم وما الذي نيل منكم. وقد حذف «ما» النافية وأبقى «ما» الموصولة. وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة على الخبر ولدلالة العطف.
ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون «ما» الباقية، هي النافية، والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين لأنه لا يجوز حذف الموصول وبقاء صلته عندهم.
[شرح أبيات المغني ج 7/ 346].

324 - وقالت متى يبخل عليك ويعتلل … يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
البيت من قصيدة، اختلفوا في قائلها، فمن رواها لامرئ القيس جعل مطلعها:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب … لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
ومن رواها لعلقمة بن عبدة التميمي كان مطلعها:
ذهبت من الهجران في غير مذهب … ولم يك حقا كلّ هذا التّجنّب
ومن رواها له، لم يرو البيت الشاهد له .. والقصيدتان تتصلان بقصة المبارزة الشعرية التي جرت بين امرئ القيس وعلقمة، وحكما فيها زوجة امرئ القيس. ولا أعرف من الذي حفظها من ذلك الزمن حتى أوصلها إلى زمن الرواية.
وقوله: تدرب: أي: تتعود وتصير ذا دربة. ونائب الفاعل في قوله «يعتلل» ضمير المصدر المستتر فيه. أي: ويعتلل هو، أي: الاعتلال. وقال ابن هشام لا بدّ من تقدير «عليك» مدلولا عليها بالمذكورة وتكون حالا من المضمر.
[المغني برقم 905، والأشموني ج 2/ 65، والتصريح/ 1/ 289].

325 - فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها … فإنّك ممّا أحدثت بالمجرّب
من قصيدة البيت السابق، وفي المناسبة نفسها، وهو يتحدث عن أم جندب، التي بدأ بها مطلع القصيدة .. والشاهد دخول الباء الزائدة على خبر (إنّ) فإنك بالمجرّب.
[الأشموني ج 1/ 252، والهمع/ 1/ 127، وديوان امرئ القيس].
(1/201)

326 - أحبّ لحبّها السّودان حتى … أحبّ لحبّها سود الكلاب
البيت غير معروف القائل. وذكروه شاهدا لحبّ كلّ ما يتصل بالمحبوب، اسما ولونا، وعلاقة قريبة أو بعيدة. [شرح المفصل/ 9/ 47، والخزانة/ 7/ 273].

327 - لخطّاب ليلى يا لبرثن منكم … أدلّ وأمضى من سليك المقانب
البيت منسوب لمجنون ليلى، ولقرّان الأسدي. وبرثن: اسم قبيلة. وسليك المقانب:
هو سليك بن السلكة الشاعر اللص الصعلوك. واستشهد ابن يعيش بالبيت على لام التعجب التي تلحق المنادى في قوله «يا لبرثن» قال: كأنه رأى عجبا من كثرة خطاب ليلى وإفسادها عليه فقال: يا لبرثن، على سبيل التعجب، أي: مثلكم من يدعى للعظيم.
[شرح المفصل ج 1/ 131، وسيبويه/ 1/ 229].
ولكن البيت يروى أيضا (لزوار ليلى منكم آل برثن). [اللسان، برثن، ومعجم الشعراء للمرزباني]. والمقانب: جمع مقنب، جماعة الفرسان.

328 - تدلّت على حصّ ظماء كأنّها … كرات غلام من كساء مؤرنب
البيت للشاعرة ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحميّر. تصف قطاة تدلت على فراخها وهي حصّ الرؤوس، لا ريش عليها. وكرات: جمع كرة. والشاهد: مؤرنب. مؤفعل من الأرنب وأرنب عند سيبويه «أفعل» وإن لم يعرف اشتقاقه، لغلبة الزيادة على الهمزة أولا في بناة الثلاثة، وغيره. يزعم أنها «فعلل» وأن همزتها أصلية، ويحتج بهذا البيت، والصحيح قول سيبويه لما يعضده من القياس في كثرة زيادة الهمزة في هذا المثال. ولقول العرب: كساء مرنباني إذا عمل من أوبار الأرانب، فمؤرنب بمنزلة: مرنباني ولا همزة فيه، فهمزة مؤرنب زائدة. [سيبويه/ 4/ 280، هارون].

329 - فذر ذا ولكن هتّعين متيّما … على ضوء برق آخر الليل ناصب
البيت لمزاحم العقيلي، والمتيم: الذي ذلله الحبّ وجعله سهلا منقادا. والناصب:
المتعب، وهو جار على معنى النسب مثل «لابن، وتامر» وجعل البرق ناصبا لأنه يعنّيه ويؤلمه بمراعاته والنظر إليه والتعرف لمكان صوب مطره، أهو في جهة من يهواه أم في غيرها، ومن هذا سأل المعونة عليه.
(1/202)

والشاهد: هتّعين: وأصله هل تعين، فأدغم اللام من حرف الاستفهام في التاء التي هي حرف المضارعة. وساغ هذا الإدغام لأن اللام والتاء متقاربان في المخرج، فإنهما من حروف طرف اللسان. وقرئ «بتؤثرون الحياة الدنيا» من قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأعلى: 16]. [شرح المفصل ج 10/ 142، وكتاب سيبويه ج 2/ 417].

330 - ما المرء أخوك إن لم تلفه وزرا … عند الكريهة معوانا على النّوب
البيت في [الهمع ج 1/ 39] لرجل من طي. والشاهد: أخوك: بسكون الخاء على وزن (دلوك).

331 - وأنت - أراني الله - أمنع عاصم … وأرأف مستكفى وأسمح واهب
لم يعرف قائله. وأنت: مبتدأ. وأمنع عاصم: خبره. والشاهد في (أراني الله) حيث ألغى عمل «أرى» الذي يستدعي ثلاثة مفاعيل، بتوسطه بين مفعوليه. ومستكفى: اسم مفعول، من استكفيته الشيء فكفانيه. والأصل في تركيب البيت: أراني الله إياك أمنع عاصم، فلما قدم المفعول الثاني، أبدل بضمير الرفع، وجعل مبتدأ. [الأشموني ج 2/ 39، والهمع/ 1/ 58، والتصريح ج 1/ 261].

332 - لزجرت قلبا لا يريع إلى الصّبا … إنّ الغويّ إذا نها لم يعتب
البيت لطفيل الغنوي، وقوله: لم يعتب، أي: لم يجب مرضيا لمن نهاه بانتهائه يقال:
عتب يعتب، إذا سخط، وأعتب يعتب: إذا صار إلى العتبى، وهي الرضى. والشاهد (نها) أراد «نهي»، بصيغة المبني للمجهول، فقلب الكسرة فتحة للتخفيف، وليتمكن من قلب الياء ألفا، وهذه لغة فاشية في (طيّئ). [شرح المفصل ج 9/ 76، وسيبويه/ 2/ 291].
(1/203)

قافية التاء
1 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا … أكاد أغصّ بالماء الفرات
البيت منسوب لعبد الله بن يعرب، وقيل: إنه ليزيد بن الصعق، ويروى شطره الثاني (أكاد أغصّ بالماء الحميم).
والشاهد فيه «قبلا» ظرف زمان منصوب .. وجاء منونا، لأنّ الشاعر قطع هذه الكلمة عن الإضافة في اللفظ، ولم ينو المضاف إليه، لا لفظه ولا معناه، ولو نرى المضاف إليه ما نوّنه، لأنّ المنويّ كالثابت، فإذا نوى معناه، كان حقه البناء على الضمّ. [شرح المفصل/ 4/ 88، والشذور/ 104، والهمع/ 1/ 210، والأشموني/ 2/ 269].

2 - قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة … حتى ألمّت بنا يوما ملمّات
نسب البيت إلى أبي شنبل الأعرابي، ونسب إلى تميم بن أبي مقبل .. وأحجو: بمعنى أظنّ .. ويروى بتنوين (أخا) ونصب (ثقة) من باب الوصف بالمصدر .. يقول: كنت أظنّ أبا عمرو صديقا يركن إليه في الشدائد، فاكتشفت أنه في الشدائد لا وداد له.
والشاهد فيه: أحجو أبا عمرو أخا ثقة، حيث استعمل المضارع المأخوذ من «حجا» بمعنى (ظنّ) ونصب مفعولين. [شذور/ 357، والهمع/ 1/ 148، والأشموني/ 2/ 210].

3 - وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا … ولا موجعات القلب حتى تولّت
هذا البيت للشاعر كثيّر بن عبد الرحمن المعروف بكثيّر عزة. والشاهد قوله: «ما البكاولا موجعات». فإنّ «أدري»: فعل مضارع ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ..
وقوله: ما البكى: جملة من مبتدأ وخبر .. سدت مسدّ مفعولي (أدري) عمل الفعل في محلهما. لأنّ (ما) اسم استفهام لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله، فيعلقه عن العمل لفظا ..
(1/205)

والدليل على أن الفعل عمل فيهما النصب، عطف «موجعات» منصوبا بالكسرة، على محل المبتدأ والخبر وهو النصب. [شرح أبيات المغني/ 6/ 271، والخزانة ج 9/ 144، والعيني/ 2/ 408].

4 - هي الخمر لا شكّ تكنى الطّلا … كما الذئب يكنى أبا جعدة
هذا البيت من شعر عبيد بن الأبرص .. هي الخمر: مبتدأ وخبر. لا شك - لا واسمها وخبرها محذوف. وجملة تكنى الطلا: صفة للخمر، لأنه محلّى بأل الجنسية فهو شبيه بالنكرة. كما: الكاف حرف تشبيه - وما: كافّة. الذئب: مبتدأ، جملة يكنى: خبر المبتدأ. والشاهد: تكنى الطلا: و «يكنى أبا جعدة». حيث عدّى الفعل في الموضعين إلى مفعولين، من غير أن يوسط بينه وبين أحدهما حرف جرّ. وأول المفعولين، ضمير مستتر نائب فاعل، وثانيهما الاسم الظاهر بعدهما. ولكن قوله «الطّلا» ليس كنية لأنها لم تصدر بأب ولا أم .. ولذلك يحسن الأخذ برواية «هي الخمر تكنى بأمّ الطّلاء». ويكون تعدّى للثاني بحرف الجرّ .. وقالوا: إنّ أصل رواية البيت «هي الخمر تكنى الطلاء» فيكون مختل الوزن .. وابتداء من الخليل بن أحمد، وانتهاء بآخر نحوي .. أصلح في البيت ليستقيم وزنه، وكلّ
أصلحه باللفظ الذي يروق له والرواية المثبتة، هي رواية ابن هشام ..
وأما إصلاح الخليل فهو «هي الخمر يكنونها بالطلاء». ورواية أخرى «هي الخمر حقا وتكنى الطلاء». [الشذور/ 372، واللسان «جعد» و «طلا»].

5 - فإنّ الماء ماء أبي وجدّي … وبئري ذو حفرت وذو طويت
من قول سنان بن فحل الطائي، من أبيات في حماسة أبي تمام .. وذو حفرت: التي حفرتها. وطويت البئر: إذا بنيت بالحجارة عليها: يريد أن يقول: إنه لا حقّ لكم في ورود الماء، لأنه ماء كان يرده أبي وجدّي من قبل وكان خاصا بهما وهذه البئر أنا الذي حفرتها، وأنا الذي بنيت دائرها.
قوله: وبئري: إما مبتدأ خبره ذو (الاسم الموصول) أو معطوف على اسم إنّ .. والواو في الحالين عاطفة إما عطف جملة على جملة في الأول، أو مفرد على مفرد في القول الثاني.
وشاهده: «وبئري ذو حفرت، وذو طويت». حيث استعمل (ذو) مرتين اسما موصولا
(1/206)

بمعنى (التي) لأنّ البئر مؤنثة .. وله شواهد في الشعر العربي. [الإنصاف/ 773، وشرح المفصل/ 3/ 147، والهمع/ 1/ 84، والأشموني/ 1/ 158، والحماسة/ 591، واللسان (ذا) والخزانة/ 6/ 34].

6 - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا … مقالة لهبيّ إذا الطير مرّت
منسوب إلى رجل من طيئ دون تعيين، وبنو لهب: من الأزد، يقال: إنهم أزجر قوم، وقال فيهم كثير عزّة.
تيممت لهبا أبتغي العلم عندها … وقد صار علم العائفين إلى لهب
ومعنى الشاهد: إن بني لهب عالمون بالزجر والعيافة فإذا قال أحدهم كلاما فصدقه، ولا تهمل ما يذكره لك إن زجر أو عاف ..
قوله: فلا تك: الفاء حرف دال على التفريع. لا: ناهية. تك: أصلها تكن، مجزوم بالسكون على النون المحذوفة للتخفيف. ملغيا: خبرها. مقالة: مفعول به لاسم الفاعل، والطير: فاعل لفعل محذوف، وهو فعل الشرط، يفسره الموجود.
والشاهد: خبير بنو لهب: فيه إعرابان: الأول للأخفش: خبير: مبتدأ. بنو: فاعل سدّ مسد الخبر، وهو يرى أن الوصف يعمل عمل الفعل وإن لم يسبقه نفيّ أو استفهام.
والثاني للجمهور: خبير: خبر مقدم .. بنو: مبتدأ مؤخر .. والأصل: بنو لهب خبير، وصيغة فعيل، ربما استعملت للمفرد والمثنى والجمع، فيسقط الاعتراض على أنه يكون إخبارا بمفرد عن جمع .. والقولان عندي متوازيان لا
يرجح أحدهما. [الهمع/ 1/ 94، والأشموني/ 1/ 192، والتصريح/ 1/ 157].

7 - يا لعن الله بني السّعلات … عمرو بن ميمون شرار النات
هذا رجز لعلباء بن أرقم اليشكري أحد شعراء الجاهلية .. والسعلات: بكسر السين، أنثى الغول. أو ساحرة الجنّ .. وعمرو .. بدل من بني السعلاة. والنات .. بالتاء، أراد الناس .. والشاهد: يا لعن الله. حيث اقترن حرف النداء بجملة فعلية دعائية ... واتفق العلماء أنّ النداء لا يكون جملة، فلزم تقدير اسم مفرد ليكون هو المنادى. والتقدير: يا قوم .. لعن الله .. وقد تعدّ «يا» حرف تنبيه، لا حرف نداء، وحرف التنبيه يدخل على الجملة
(1/207)

الاسمية والفعلية. [الإنصاف/ 119، وشرح المفصل/ 10/ 36، والخصائص/ 2/ 53].

8 - كلّف من عنائه وشقوته … بنت ثماني عشرة من حجّته
رجز لنفيع بن طارق، والعناء: التعب. والشّقوة: بكسر الشين: مثل الشقاء. والحجة:
السنة. والشاهد: بنت ثماني عشرة، فقد أنشد الكوفيون هذا البيت للاستدلال به على جواز إضافة الجزء الأول من الأعداد المركبة إلى العشرة، فقال عشرة بالجر والتنوين، وإذا صح هذا الرجز، فإنه يكون للضرورة، ذلك أن الإضافة تفسد المعنى، فأنت إذا قلت: قبضت (خمسة عشر) من غير إضافة، دلّ على أنك قبضت الخمسة والعشر، فإذا أضفت دلّ على أنك قبضت الخمسة دون العشرة. [الخزانة/ 6/ 430، والإنصاف/ 309، والهمع/ 2/ 149، والأشموني/ 4/ 72].

9 - يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا … أنت الذي طلّقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا … أقبلت معتادا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
هذا رجز لسالم بن دارة يقوله في مرّ بن واقع. والشاهد في قوله: يا مرّ يا ابن واقع ..
وقوله «يا أنتا» فإن النداء الثاني (يا أنتا) يدلّ على النداء الأول .. فيكون الاسم العلم المنادى واقعا موقع الضمير والضمير مبني، فيكون الواقع موقعه مبنيا، وهذا سرّ بناء المنادى المفرد العلم على الضم عند البصريين، أما الكوفيون فيرون أنه معرب مرفوع ..
وكلا القولين مقبول، وفي الموضوع تفصيلات. [الخزانة/ 2/ 139، الإنصاف ص 325، وشرح المفصل/ 1/ 127، والهمع/ 1/ 174، والأشموني/ 3/ 135].

10 - والله أنجاك بكفّي مسلمت … من بعد ما، وبعد ما، وبعدمت
كانت نفوس القوم عند الغلصمت … وكادت الحرّة أن تدعى أمت
.. هذان البيتان من كلام الفضل بن قدامة، أبي النجم العجلي. قوله: مسلمت: هو مسلمة، وقوله: مت: أصلها (ما) فقلب الألف هاء، ثم قلب هذه الهاء تاء تشبيها لها بهاء التأنيث.
والغلصمت: الغلصمة، وهي اللحم بين الرأس والعنق. وجماعة القوم، وسادة القوم، يقال: هو في غلصمة من قومه، أي: في شرف وعدد. وغلصمه غلصمة قطع غلصمته.
(1/208)

الله: مبتدأ. وجملة أنجاك: خبره. ومسلمت: مضاف إليه مجرور بالفتحة بدل الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، وسكن لأجل الوقف .. قوله: من بعد ما .. وبعد ما .. ومت ..
«ما» مصدرية، دخلت على كانت في بداية البيت الثاني. والمصدر المؤول من (ما وكان) .. مضاف إليه .. والغلصمة: مضاف إليه.
والشاهد: في البيتين: «مسلمت» و «مت» و «الغلصمت» وأمت» أصلها: (مسلمة) و (ما) و (الغلصمة) و (أمة)، أما: مسلمت، وأمت، والغلصمت .. فقلبت هاء التأنيث تاء في الوقف. وقد نصّ ياقوت الحموي في معجم البلدان (ظفار) على أن الوقف على هاء التأنيث بالتاء، لغة حمير، وأما (مت) فأصله (ما) فقلبت الألف هاء ثم قلب هذه الهاء تاء تشبيها لها بهاء التأنيث .. وقد سمعت هذه اللهجة في ديار الجزيرة العربية في أيامنا.
فيقولون (سيارت) و «طيارت» للسيارة والطيارة ..
والمعروف في قاعدة الوقف على ما فيه تاء التأنيث، إذا كانت ساكنة لا تتغير نحو «قامت وقعدت». وإن كانت متحركة، فإن كانت الكلمة جمعا نحو (مسلمات) وقف عليها بالتاء. وإن كانت مفردة، فالأفصح الوقف بإبدالها هاء. تقول: (هذه رحمه) (وهذه شجره). وبعضهم يقف بالتاء، وقد وقف بعض السبعة بالتاء في قوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ [الأعراف: 56] إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الدخان: 43] وسمع بعضهم يقول:
«يا أهل سورة البقرت»، فقال بعض من سمعه «والله ما أحفظ منها آيت». ومنه البيتان السابقان. [الخزانة/ 4/ 177، وشرح المفصل/ 5/ 89، وج 9/ 81، والهمع/ 2/ 209، والأشموني/ 4/ 214، واللسان «ما»].

11 - فلو أنّ الأطبّا كان حولي … وكان مع الأطبّاء الشّفاة
إذن ما أذهبوا ألما بقلبي … وإن قيل الشّفاة هم الأساة
الشفاة: جمع شاف. وتروى «السقاة» جمع ساق، وهو الذي يسقي الدواء للمريض.
والأساة: جمع آس، وهو الطبيب المعالج. والشاهد في البيت الأول «كان» بضم النون، فإنّ هذه الضمة، بدل واو الجماعة المحذوفة والأصل «كانوا حولي». وجواب «لو» إذن ما أذهبوا.، في أول البيت الثاني. وهذا الشعر تناقله كثير من الرواة، بدون عزو. ونسبة الشعر إلى قائل، لا يدلّ دائما على صحته، فكم من شعر منحول. وكثير من الشواهد المفردة في كتب النحو واللغة، لم تعز لقائل، ولكنها مسموعة من أهل الفصاحة الذين
(1/209)

نقلت اللغة عنهم. حيث كان علماء اللغة يرحلون إلى أعماق البادية لسماع اللغة ..
وحذف واو الجماعة من (كان) التي نقلنا البيت الأول شاهدا لها، نقل الفرّاء في «معاني القرآن» أنها من لغة هوازن وعليا قيس. ونقل هذه اللغة، ثعلب في أماليه، وابن الأنباري في الإنصاف، وابن يعيش في شرح المفصل، وابن هشام في المغني. وعلى هذه اللغة يخرّج الرسم القرآني، وقراءته التي جاء فيها حذف الضمير من آخرها. فقد أورد الفرّاء البيت الشاهد عند قوله تعالى في سورة البقرة فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [البقرة: 150]، قال: قوله: واخشوني: أثبت فيها الياء، ولم تثبت في غيرها.
وكلّ ذلك صواب، وإنما استجازوا حذف الياء، لأن كسرة النون تدل عليها، وليست العرب تهاب حذف الياء من آخر الكلام، إذا كان ما قبلها مكسورا. من ذلك «أكرمن» و «أهانن» في سورة الفجر.
وقوله أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ [النمل 36]. ومن غير النون «المناد» [ق 41] و «الداع» [القمر 6 - 8]. وهو كثير. يكتفى من الياء بكسرة ما قبلها. ومن الواو، بضمة ما قبلها، مثل قوله سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق 18]. ويَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء 11] .. وما أشبهه.
وقد تسقط العرب الواو، وهي واو جمع، اكتفاء بالضمة مثلها، فقالوا: في «ضربوا» قد ضرب. وفي قالوا: قد قال. وأنشدني بعضهم:
إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا … ولا يألو لهم أحد ضرارا
وأورد صاحب «الكشاف» البيت في سورة (المؤمنون) شاهدا لقراءة من قرأ «قد أفلح» بضم الحاء، اجتزاء بالضمة عن الواو والأصل: قد أفلحوا، على لغة «أكلوني البراغيث».
ونقل ابن هشام في المغني، في الجهة الرابعة من الكتاب الخامس عن التبريزي في قراءة يحيى بن يعمر عَلَى الَّذِي
أَحْسَنَ
[الأنعام 154]. بالرفع، أن أصله «أحسنوا» فحذفت الواو اجتزاء عنها بالضمة. كما قال: إذا ما شاء ضروا .. البيت.
ثم قال: وحذفت الواو. وإطلاق «الذي» على الجماعة ليس بالسهل. والأولى قول الجماعة إنه بتقدير مبتدأ. أي: هو أحسن. وأما قول بعضهم في قراءة ابن محيصن لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ. [البقرة 233]. إنّ الأصل، أن يتموا بالجمع، فحسن، لأنّ الجمع على معنى (من) ولكن أظهر منه قول الجماعة: إنه جاء على إهمال أن الناصبة ..
(1/210)

أقول: ومجموع هذه الأقوال، يدلّ على أنّ ما جاء في بيت الشعر، ليس ضرورة شعرية، وإنما هو لغة. وقد أطنبت في نقل الأقوال السابقة لأنني سعدت بالعثور عليها، وأردت أن أسعد قرّاء القرآن بها ذلك أن حذف الضمائر من بعض آيات الكتاب العزيز، يظنّه كثير من الناس رسما قرآنيا موروثا عن المصحف العثماني، لا دلالة له. وأنه يصحّ رسمه بالخط العربيّ المتداول، ولا يغيّر المعنى .. والصحيح أن الرسم القرآني، ليس موروثا وإنما هو منقول عن الصحف التي كتبت في العهد النبويّ. ولذلك نقل عن الإمام مالك، والإمام أحمد، النهي عن كتابة القرآن بالرسم الإملائي الذي استحدث في زمن الخليل بن أحمد، وفي الأزمنة التالية. فكلّ رسم قرآني له دلالته اللغوية والمعنوية، وهو لغة من لغات العرب، قد يكون وصلنا شاهد لها، وما لم يصلنا شاهده، فإنه قد يكون ضاع وفقد، ولم يصل إليه علماء اللغة، وقد قالوا إنه لم يصلنا من شعر العرب إلا أقلّه.
ذلك أن القرآن وصلنا مسموعا ومكتوبا بتواتر لم يثبت لشيء من اللغة.
أقول: وفي الذي نقلته حول هذا الشاهد، دليل على جهل ابن خلدون الذي يزعم في مقدمته أن الصحابة الذين كتبوا المصحف، لم يكونوا يحذقون الخط العربي، فوقع منهم ما يخالف الرسم. فابن خلدون أعطي منزلة في تاريخ الثقافة الإسلامية لا يستحقها، وما رفعه فوق قدره إلا جهلة العرب الذين تتلمذوا على الأوربيين والمستشرقين. والله أعلم.
[الإنصاف/ 385، وشرح المفصل/ 7/ 5 وج 9/ 80، والهمع/ 1/ 58، والخزانة/ 5/ 229، 233].

12 - من يك ذا بتّ فهذا بتّي … مقيّظ مصيّف مشتّي
.. ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجّاج .. والبتّ: الكساء الغليظ المربّع وقيل:
طيلسان من خزّ، وجمعه بتوت .. يريد أن يقول: إذا كان لأحد من الناس كساء فإن لي كساء أكتفي به في زمان القيظ وزمان الصيف وزمان الشتاء. يعني أنه يكفيه الدهر كلّه ..
من: اسم شرط .. يك: فعل الشرط مجزوم بالسكون على النون المحذوفة للتخفيف، وهو فعل ناقص، اسمه مستتر. ذا: خبره منصوب بالألف. فهذا .. الفاء رابطة: وهذا:
مبتدأ بتّي: خبره، والجملة جواب الشرط. ومن: مبتدأ: خبره الجملة الشرطية.
والشاهد: قوله: فهذا بتّي مقيظ مصيّف مشتّي .. فإنها أخبار متعددة لمبتدأ واحد من غير عاطف .. على خلاف من يقول ... إن الأخبار لا تتعدد إلا بعاطف. ولكن هل يصح
(1/211)

الإخبار ب «مقيظ» عن هذا؟ فلا بدّ معه من التأويل. ويظهر أنّ الذي جعلهم يميلون إلى هذا الإعراب، كون قافية الشطر الأول مضافة إلى ياء المتكلم، وكذلك قافية الشطر الثاني وأحسن منه أن يجعل: (مقيظ) وما بعده أخبارا لمبتدأ جديد تقديره: (أنا) أو رفعه على البدل، ولو كان في غير هذا الشعر لكان الوجه نصبها على الحال. [سيبويه 1/ 258، والإنصاف/ 725، وشرح المفصل/ 1/ 99، والهمع/ 1/ 108 وج 2/ 67، والأشموني/ 1/ 222، واللسان (بتت)].

13 - ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه … فيرأب ما أثأت يد الغفلات
.. هذا البيت غير منسوب .. وقوله: يرأب: يجبر، ويصلح: وأثأت: فتقت وصدعت .. وقوله: ألا: كلمة واحدة للتمني، أو: الهمزة للاستفهام وأريد بها التمني، و «لا» النافية للجنس. عمر: اسمها .. ومذهب سيبويه، أن «ألا» إذا كانت للتمني، لا خبر لها، لا لفظا ولا تقديرا .. وجملة ولّى: صفة (عمر) .. ومستطاع رجوعه، جملة اسمية صفة ثانية، فيرأب: الفاء للسببية والفعل منصوب بأن مضمرة. و «ما» اسم موصول في محل نصب مفعول به.
والشاهد: (ألا عمر) حيث أريد بالاستفهام مع (لا) التمني .. [شرح أبيات المغني/ 2/ 92، والأشموني/ 2/ 15، والتصريح/ 1/ 245].

14 - ليت - وهل ينفع شيئا ليت … ليت شبابا بوع فاشتريت
.. البيت لرؤبة بن العجّاج .. قوله .. : ينفع شيئا: شيئا: مفعول به .. ليت: فاعل أراد لفظها. ليت: الثانية في بداية الشطر الثاني: توكيد ل «ليت» الأولى. شبابا اسم ليت الأولى، بوع: ماض مبني للمجهول، وجملته خبر ليت .. وجملة فاشتريت معطوفة على جملة (بوع).
والشاهد: بوع .. فإنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص ضمّ فائه، وهي لغة جماعة من العرب .. ومثله «قول». [شرح المفصل/ 7/ 70، وشرح أبيات المغني/ 6/ 219، والهمع/ 2/ 165، والأشموني/ 2/ 63].

15 - كلا أخي وخليلي واجدي عضدا … وفي النّائبات وإلمام الملمّات
يقول: كل من أخي وصديقي يجدني عونا له وناصرا عند ما تنزل به نازلة.
(1/212)

[الهمع/ 2/ 50، والأشموني/ 2/ 260، والتصريح/ 2/ 43، وشرح أبيات المغني/ 4/ 257]. وجاء البيت الشاهد في قصيدة لأبي الشعر الهلالي، قال البغدادي: الظاهر أنه إسلامي من شعراء الدولة الأموية، ومطلع القصيدة:
جدّ الرحيل وما قضّيت حاجاتي … وما التّخابر إلّا في الملمّات
وقبل البيت:
ولم أكن عند نوبات الغنى بطرا … ولم أكن جزعا عند الشّديدات
وبعد البيت الشاهد:
لقد علمت وخير العلم أنفعه … أنّي إلى أجل يأتي وميقات
.. كلا: مبتدأ. مرفوع بضمة مقدرة .. واجدي: خبر المبتدأ، وهو مضاف إلى مفعوله الأول في المعنى، الياء. عضدا: مفعول ثان ل (واجدي) .. وأفرد الخبر (واجدي) مع أن المبتدأ مثنى، لأن «كلا» لفظه لفظ الواحد، ومعناه معنى المثنى، وتجوز مراعاة لفظه، كما تجوز مراعاة معناه .. والشاهد: «كلا أخي وخليلي» حيث أضاف «كلا» إلى متعدد، مع التفرق بالعطف، وهو شاذّ، فإن «كلا وكلتا» تضاف إلى أسماء لها ثلاثة شروط:
1 - المعرفة.
2 - أن يدل على اثنين أو اثنتين.
3 - أن يكون لفظا واحدا كرجلين وامرأتين وخليلين.

16 - يا قوم قد حوقلت أو دنوت … وشرّ حيقال الرجال الموت
وحوقلت: كبرت وضعفت، أو دنوت: قربت، يقول: إني قد كبرت سني وضعفت عن القيام بأمور نفسي أو قربت من ذلك، وشرّ الكبر الموت، أي: القرب منه، والكلام خبر لفظا ولكن المعنى، على إنشاء التحسر والتحزن على الفارط من شبابه وقوته.
يا قوم: منادى منصوب، بفتحة مقدرة، قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف ..
والشاهد: حيقال على وزن فعلال بكسر فسكون، وهو مصدر حوقل الملحق بدحرج فحقّ مصدره أن يكون بزنة الفعللة. [شرح المفصل/ 7/ 155، والعيني/ 3/ 573].

17 - ألا رجلا جزاه الله خيرا … يدلّ على محصّلة تبيت
(1/213)

البيت لعمرو بن قعاس، شاعر جاهلي، وقعاس، بكسر القاف. وقوله «محصّلة» على وزن اسم الفاعل من الفعل
المزيد، قالوا: هي التي تحصّل الذهب فتميزه من تراب المعدن، وتخلصه منه. وقوله: تبيت: يقال: بات الرجل يبيت بيتا، إذا تزوج. وقيل:
تبيت: فعل ناقص، مضارع بات، واسمها مستتر، والخبر جملة «ترجّل جمتي» في البيت التالي:
ترجّل جمتي وتقمّ بيتي … وأعطيها الإتاوة أن رضيت
ويكون فيه عيب التضمين، وهو توقف بيت على آخر.
ويروى: تبيت: بضم أوله من أبات، أي تجعل لي بيتا، أي: امرأة بنكاح .. وعلى هذه الرواية فلا تضمين ..
والشاهد: في البيت أنّ «ألا» فيه للتحضيض، وهو طلب بحثّ. والفعل الذي يليها محذوف تقديره «ألا ترونني رجلا» بضم التاء .. وهناك خلاف في سبب نصب «رجلا» وتنوينه على أقوال كثيرة .. فصّلها البغدادي في «شرح أبيات المغني». [سيبويه/ 1/ 359، وشرح المفصل/ 2/ 101، والأشموني/ 2/ 16، وشرح أبيات المغني/ 2/ 94، والخزانة/ 3/ 51، وج 4/ 195].

18 - ربّما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات
البيت لجذيمة بن مالك بن فهم الملقب بالأبرص، أو الأبرش توفي نحو 268 م ..
وهو الذي عاصر الملكة زنوبيا، وكان جذيمة من تنوخ قضاعة من ملوك العرب في الجاهلية، وملك ستين سنة، واستولى على ما بين الحيرة والأنبار والرّقة وما جاور بادية العراق ..
وقد قتلته الزبّاء، فورثه ابن أخته عمرو بن عديّ جدّ مؤسسي دولة آل نصر اللخميين ...
أقول: إنّ نقل أهل اللغة والنحو، شعر جذيمة الأبرش، والزباء، دليل على ثبوت هذا الشعر عندهم، ودليل على صلاحيته للاستشهاد به في قضايا اللغة والنحو، ودليل أيضا على أن لغة العرب المضرية - لغة القرآن - كانت سائدة في بلاد العراق وديار الشام، قبل الإسلام بمدة طويلة. وقوله: علم: أي: جبل. والشمالات: جمع الشمال من الرياح، وخصّها لأنها تهبّ بشدة في أكثر أحوالها. وقوله: أوفيت أي: أشرفت، يقول: أشرفت على مكان عال في جبل. وجمع ريح الشمال: للإشارة إلى شدة الريح أو للدلالة على
(1/214)

تعدد المرات التي كان يصعد فيها الجبل. فالمعنى: أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل، فيكون طليعة لهم، والعرب تفخر بهذا، لأنه دال على شهامة النفس وحدة النظر.
والشاهد في البيت: على أن (ربّ) فيه للتكثير، فهو يفخر بذلك، ويناسب الفخر التكثير. وفي البيت شاهد آخر وهو توكيد «ترفعن» بنون التوكيد الخفيفة للضرورة، وقالوا: للضرورة، لأنهم شرطوا للتوكيد بالنون أن يسبق الفعل
بطلب، أو نفي، أو قسم، ولم يسبق الفعل بشيء من هذا. [الخزانة/ 11/ 404، وسيبويه/ 1/ 154، وشرح المفصل/ 9/ 40، والهمع/ 2/ 38، والأشموني/ 2/ 131، وج 3/ 217، وشرح أبيات المغني ج 3/ 163].

19 - ألا أبلغ أبا إسحق أنّي … رأيت البلق دهما مصمتات
أري عينيّ ما لم ترأياه … كلانا عالم بالتّرّهات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا … عليّ قتالكم حتى الممات
الأبيات للشاعر سراقة بن مرداس البارقي (ت - 79 ه) .. وهو يخاطب المختار الثقفي وكان قد خرج الشاعر مع من خرج على المختار الثقفي، فأسر وأتي به إلى المختار فقال له: الحمد لله الذي أمكنني منك .. فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أسروني فأين هم؟ إنّا لما التقينا رأينا قوما عليهم ثياب بيض وتحتهم خيل بلق، تطير بين السماء والأرض، فقال المختار: خلّوا سبيله ليخبر الناس. وكان المختار يدّعي تأييد السماء له، وأنّ الملائكة تحارب معه، فتخلص الشاعر من المأزق، بالاعتراف بما يدّعيه المختار، حيلة. وقوله: كفرت بوحيكم: أي: ما تدّعونه من نزول الوحي عليكم .. وقد انقطع الوحي منذ وفاة محمد عليه السّلام.
والشاهد في البيت الثاني: على أنه جاء بالفعل «ترأى» على الأصل من تحقيق الهمزة دون حذفها، والمشهور أن تقول «ترياه» بإسقاط الهمزة، وقوله: أري: مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره «أنا». يتعدى لمفعولين. ويروى البيت (ما لم تبصراه) ولا شاهد فيه.
[شرح المفصل/ 9/ 110، وشرح أبيات المغني/ 5/ 139].

20 - حنّت نوار ولات هنّا حنّت … وبدا الذي كانت نوار أجنّت
قائل البيت شبيب بن جعيل حين وقع في الأسر مع أمه نوار بنت عمرو بن كلثوم،
(1/215)

وقيل هو حجل بن نضلة حين أسر نوار وفرّ بها إلى المفاوز. ولك في «نوار» وجهان الرفع مع المنع من الصرف. والبناء على الكسر مثل حذام. ومعنى أجنّت: أخفت أما هنّا: فهي لغة في «هنا» بضم الهاء وتشديد النون، وهي في الأصل اسم إشارة للمكان، ولكنهم في هذا البيت توسعوا فيها واستعملوها للزمان، فخرجت عن كونها اسم إشارة، فصح لديهم إعرابها خبر (لات) وإضافتها إلى الجملة بعدها .. ذلك أن «لات» لا تدخل إلا على الزمان، ويكون اسمها محذوفا. وللعلماء في هذا البيت أقوال أخرى منها:
1 - (لات) مهملة، و «هنا» خبر مقدم، وحنت مبتدأ مؤخر، بتقدير (أن) مثل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه».
2 - (هنّا) اسم لات، و (حنّت) خبرها، بتقدير «أيّ وقت حنّت» وقد جمع هذا الإعراب بين معموليها. وجملة (ولات ..) حال. [الخزانة/ 4/ 195، وشرح المفصل/ 3/ 15، وشرح أبيات المغني/ 7/ 247، والهمع/ 1/ 78، والأشموني/ 1/ 145، 256].

21 - وإنّي - وتهيامي بعزّة بعد ما … تخلّيت فيما بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما … تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
البيتان للشاعر كثيّر بن عبد الرحمن الخزاعي (- 150 ه) صاحب عزّة.
يقول: إنّي مع وجدي المفرط بها الآن بعد ما تركتها، وتركتني، مثل الذي يرجو ظل الغمامة وقاية لحرّ الشمس، فهو كلما جلس تحتها زالت عنه، فهو لا ينتفع بظلها أبدا، فكذلك وجدي بها الآن، لا ينفعني بعد انقطاع الوصل بيننا ..
وإنّي: إنّ واسمها. لكالمرتجي: خبرها. والخلاف جار في المعترض بين الاسم والخبر: على قولين: الأول: تهيامي مبتدأ - بعزّة متعلق بمحذوف خبر - والجملة معترضة. وفي هذا الاعتراض توكيد للكلام. والقول الثاني: وتهيامي: الواو للقسم ومقسم به، بعزة: الجار والمجرور متعلقان بالمصدر (تهيام). ويكون الاعتراض بجملة قسميّة فعلية. [الخزانة/ 5/ 215، وشرح المغني/ 6/ 205، والخصائص/ 1/ 43].

22 - ألا إنّ قتلى الطّفّ من آل هاشم … أذلّت رقاب المسلمين فذلّت
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم … ولم تكثر القتلى بها حين سلّت
هذان البيتان للفرزدق، وقيل لسليمان بن قتة في رثاء الحسين رضي الله عنه.
(1/216)

والشاهد في البيت الثاني، ويروي النحويون مطلعه (بأيدي رجال). ولكن ما أثبتّه يتناسب ونسق الأبيات المرويّة.
والبيت الثاني من المشكل في معناه، قالوا: شام: من الأضداد: شام سيفه: إذا سلّه وشام سيفه، إذا أغمده. ولذلك أعطوه تفسيرين: الأول: لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن عليّ، أي: إلا بعد أن جنيت عليّ.
والمعنى الثاني: لم يسلّوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك، أي: إلا وقد أحسنت إليك. والقولان صحيحان .. والشاهد في البيت الثاني: أنّ الواو دخلت على الجملة الفعلية الحالية، وهي هنا جملة (ولم تكثر القتلى) فهي حال من الواو في (يشيموا). والأصل أنّ الواو الحالية تدخل على الجملة الاسمية، وتكون مع (قد) مع جملة الحال الفعلية ولذلك يقدرون: (وقد لم) .. قالوا: ووجب أن تكون الواو هنا للحال، لأن تقدير
العطف يفسد المعنى، وينقلب المدح ذما. والله أعلم. [الإنصاف/ 667، وشرح المفصل/ 2/ 67، وشرح أبيات المغني/ 6/ 108].

23 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلّت
هذا البيت من قصيدة فريدة النسج والمحتوى، للشاعر كثيّر عزّة، وقد مضى منها شاهدان، وهذا الثالث؛ وهي التي يقول في بعض أبياتها:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا … قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
ومسّا ترابا كان قد مسّ جلدها … وبيتا وظلّا حيث باتت وظلّت
ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما … ذنوبا إذا صليتما حيث صلّت
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا … ولا موجعات القلب حتى تولّت
...
كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت … من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها … وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
فليت قلوصي عند عزّة قيّدت … بقيد ضعيف فرّ منها فضلّت
وغودر في الحيّ المقيمين رحلها … وكان لها باغ سواي فبلّت
وكنت كذي رجلين ...
(1/217)

أريد الثواء عندها وأظنّها … إذا ما طلبنا عندها المكث ملّت
فما أنصفت أما النساء فبغّضت … إلينا وأما بالنوال فضنّت
يكلفها الغيران شتمي وما بها … هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزّة من أعراضنا ما استحلت
وإني وتهيامي بعزّة بعد ما … تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلما … تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
كأني وإياها سحابة ممحل … رجاها فلما جاوزته استهلّت
أما معنى الشاهد ففيه قولان: قيل: أراد أنها عاهدته وواثقته أن لا تحول عنه فثبت هو على عهده ولم تثبت هي. وقيل: إنما تمنى أن تضيع قلوصه فيجد سبيلا إلى بقائه عندها، فيكون من بقائه عندها كذي رجل صحيحة ومن ذهاب قلوصه الحاملة له وانقطاعه عن سفره كذي رجل شلّاء.
وقوله: رمى فيها الزمان: المفعول محذوف، تقديره «الداء». وشلّت: مبني للمعلوم.
والفاء عطفت جملة على جملة «رمى».
والشاهد في البيت: قوله «رجل» في الموضعين، بالجرّ بدل من «رجلين» ويسمى بدل مفصّل من مجمل. ويجوز فيهما الرفع، بتقديرهما خبرين لمبتدأين محذوفين أو مبتدأين لخبرين محذوفين تقديرهما: «منهما رجل صحيحة، ومنهما رجل ...». [سيبويه/ 1/ 215، وشرح المفصل/ 3/ 68، وشرح أبيات المغني/ 7/ 38، والخزانة/ 5/ 211].

24 - وأيّ فتى هيجاء أنت وجارها … إذا ما رجال بالرجال استقلّت
البيت مجهول، وأنشده سيبويه في كتابه. قوله: فتى هيجاء. الهيجاء: الحرب.
وفتاها: القائم بها، وجارها: المجير منها، الكافي لها، ومعنى استقلت: نهضت.
والشاهد فيه: عطف «جارها» بالجرّ على «فتى هيجاء». والتقدير أيّ فتى هيجاء، وأيّ جارها أنت. فجارها نكرة، لأنّ «أيّ» إذا أضيفت إلى واحد، لم يكن إلا نكرة، لأنّه في معنى الجنس «فجارها» وإن كان مضافا إلى ضمير «هيجاء». فهو نكرة في المعنى، لأن ضمير «الهيجاء» في الفائدة مثلها، فكأنه قال: أي فتى هيجاء، وأيّ جار هيجاء أنت ...
ولا يجوز رفع (وجارها) لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إما أن يكون عطفا على
(1/218)

«أيّ». أو عطفا على «أنت». فإن كان عطفا على «أيّ». وجب أن يكون بإعادة حرف الاستفهام، وخرج عن معنى المدح فيصير: أي فتى هيجاء، وأيّ جارها أنت. وإن كان عطفا على «أنت» صار التقدير: أيّ فتى هيجاء أنت، والذي هو جار الهيجاء، وكأنه قال:
أنت ورجل آخر جار هيجاء، ولم يقصد الشاعر إلى هذا والله أعلم. [سيبويه/ 1/ 244].

25 - علام تقول: الرمح يثقل عاتقي … إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت
هذا البيت للشاعر الفارس، عمرو بن معد يكرب، وقبله:
ولما رأيت الخيل زورا كأنها … جداول زرع أرسلت فاسبطرّت
فجاشت إليّ النفس أول مرة … فردّت على مكروهها فاستقرت
علام ... والأبيات في الحماسة الطائية، يصف الشاعر نفسه في الحرب.
وقوله: زورا: جمع أزور، وهو المعوجّ الزّور، أي: الصدر. يقول: رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلّوا أعنة دوابّهم وأرسلوها علينا كأنها أنهار زرع أرسلت مياهها، فاسبطرت أي: امتدت. والتشبيه وقع على جري الماء في
الأنهار، لا على الأنهار فكأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن، بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتويا ومضطربا. وهذا تشبيه بديع. وقوله: فجاشت: أي: ارتفعت من فزع، وهذا ليس لكونه جبانا، بل هذا بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع سواء فيما يدهمها عند الوثبة الأولى، ثم يختلفان، فالجبان يهرب، والشجاع يدفع نفسه فيثبت، وقوله: فجاشت:
الفاء زائدة. وجاشت: جواب «لمّا»، أو: الفاء عاطفة، والجواب في بيت سابق هذا البيت، حذفه أبو تمام من مختاره، وهو قوله:
هتفت فجاءت من زبيد عصابة … إذا طردت فاءت قريبا فكرّت
وقوله: علام: على حرف جرّ، و «ما» استفهامية، ولهذا حذفت ألفها، وهي متعلقة ب «تقول»، والعاتق: ما بين المنكب والعنق. وهو موضع الرداء. وأما جواب (إذا) الأولى فهو يثقل. والثانية: أطعن. وقيل: جواب الأول محذوف، وإذا الأولى وما ناب عن جوابها في موضع جواب الثانية كأنه قال: إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركي الطعن به.
وفي البيت شاهدان: الأول: أن «على» فيه للتعليل. وهو مذهب ابن مالك والكوفيين.
(1/219)

والثاني: استعمال: قال، بمعنى ظنّ، ونصب «الرمح» ويجوز رفع (الرمح) على الابتداء.
[الهمع/ 1/ 157، والأشموني/ 2/ 36، 222، وشرح المغني/ 3/ 236].

26 - بعد اللّتيّا واللّتيّا والّتي … إذا علتها أنفس تردّت
البيت من رجز العجّاج، وقوله: اللّتيا: تصغير «التي» ويصغرون «التي» على هذا اللفظ للدلالة على معنى شناعة الشيء وعظمه، وقد وصف العجاج دواهي شنيعة. والعجاج:
اسمه عبد الله، ولقب بالعجّاج ببيت قاله وهو:
«حتى يعجّ عندها من عجعجا»
وهو راجز مجيد، عده الجمحي من الشعراء الإسلاميين، قيل: ولد في الجاهلية ومات أيام الوليد بن عبد الملك، وهو أول من رفع الرجز، وشبهه بالقصيد وجعل له أوائل، قال ابن رشيق: تسمى الأرجوزة قصيدة، طالت أبياتها أم قصرت، ولا تسمى القصيدة أرجوزة، إلا أن تكون من أنواع الرجز ولو كانت مصرّعة الشطور، فالقصيدة تطلق
على كل الرجز، لا العكس.
وقوله في البيت «تردّت» من الردى، وهو الهلاك، فعله «ردي يردى». وإن شئت جعلته من التردّي الذي هو السقوط من علوّ، ومنه «المتردية» الشاة التي تسقط من جبل أو في بئر فتموت. وقوله: علتها؛ من العلوّ والضمير لأسماء الموصولات التي هي بمعنى الدواهي، وإذا: شرطية، علتها: شرطها. وتردّت: جزاؤها، والجملة الشرطية صلة «التي».
والشاهد في هذا البيت: حذف صلة الموصولين الأولين، لأن صلة الموصول الثالث دلّت على ما أراد. [شرح المفصل/ 5/ 140، وشرح المغني/ 7/ 310، واللسان (لتى) والمقتضب/ 2/ 289].

27 - علّ صروف الدهر أو دولاتها … تدلننا اللّمّة من لمّاتها
فتستريح النفس من زفراتها
الرجز مجهول القائل: وصروف الدهر: حوادثه. والدولة: بالفتح والضم: الانتقال من حال البؤس إلى حال السرور. وتدلننا: من الإدالة، وهو النصر، يتعدى إلى مفعولين أحدهما ب (على) ف (اللمة) في البيت منصوبة على نزع الخافض وهو «على» والتقدير:
تدلننا على اللمة. وزفرات: جمع زفرة، بسكون الفاء، وهي تردد النفس في الجوف،
(1/220)

وسكنت الفاء للضرورة.
وفي الرجز شاهد على أنه يجوز نصب جواب «لعل» بعد الفاء عند الكوفيين، و «علّ» بمعنى «لعلّ» .. وشاهد آخر في «علّ» روي بنصب «صروف» على أن «علّ» من أخوات إنّ، وروي بالجرّ على أنها حرف جرّ. [الإنصاف/ 220، والأشموني/ 3/ 312، واللسان «لمم» وشرح المفصل/ 5/ 29، والأشموني/ 3/ 312، وشرح أبيات المغني/ 3/ 384].

28 - شهدت بأن قد خطّ ما هو كائن … وأنّك تمحو ما تشاء وتثبت
لا أعرف قائل البيت، وذكروه شاهدا على الفصل بين (أن) المخففة والفعل ب (قد) واسمها في مذهب الجمهور ضمير محذوف. وفي مذهب سيبويه والكوفيين تعدّ ملغاة.
[الأشموني/ 2/ 292].

29 - أفي الولائم أولادا لواحدة … وفي العيادة أولادا لعلّات
البيت غير منسوب، وأولاد العلات: أولاد الرجل من نسوة شتّى.
والشاهد: كونه نصب «أولادا» بإضمار فعل كأنه قال: أتثبتون مؤتلفين في الولائم؟
ونصب أولادا الثانية، بإضمار فعل، كأنه قال: أتمضون متفرقين في وقت الشدّة؟ وهو يهجوهم بالشراهة وخسة النفس. [سيبويه/ 1/ 172، واللسان «علل»].

30 - رحم الله أعظما دفنوها … بسجستان طلحة الطّلحات
البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات يرثي طلحة بن عبد الله الخزاعي. والشاهد فيه «طلحة» يروى بالجر على حذف مضاف، وبقاء المضاف إليه على حاله، ويروى بالنصب بالرد على الأعظم والحمل على إعرابها. وفيه شاهد على أن طلحة يجمع على طلحات، ويرى الكوفيون أنه يقال «طلحون». [الإنصاف/ 41، وشرح المفصل/ 1/ 47، والهمع/ 2/ 127، والخزانة/ 8/ 10].

31 - إذا روّح الراعي اللقاح معزّبا … وأمست على آنافها عبراتها
البيت للأعشى، يصف شدة الزمان وكلب الشتاء. واللقاح: جمع لقحة، بالكسر وهي من الإبل ذات اللبن. معزّبا: مبعدا بإبله في المرعى لعدم الكلأ، وتطلبه. والعبرات:
(1/221)

الدموع، أي: انحدرت دموعها على أنوفها لشدة البرد.
والشاهد: جمع أنف على آناف، شذوذا. والمشهور «أنوف». [سيبويه/ 2/ 176، وشرح المفصل/ 5/ 17].

32 - فلست أبالي بعد موت مطرّف … حتوف المنايا أكثرت أو أقلّت
البيت من شواهد سيبويه المجهولة. والحتوف: جمع حتف: المنية. وأضاف الحتوف إلى المنايا، توكيدا، وسوّغ ذلك اختلاف اللفظين: يقول: لا أبالي بعد فقد مطرف كثرة من أفقد أو قلّته، لعظم رزيته، وصغر كلّ رزء عنده.
والشاهد فيه: جواز الإتيان ب (أو) مجردا عن الهمزة، بعد «سواء» و «لا أبالي» بتقدير حرف الشرط، والتقدير: إن أكثرت أو أقلت فلست أبالي. [سيبويه/ 1/ 490، والخزانة/ 11/ 169].

33 - أتيت مهاجرين فعلموني … ثلاثة أحرف متتابعات
وخطّوا لي أبا جاد وقالوا … تعلّم صعفصا وقريشيات
البيتان استشهد بهما سيبويه على جري (أبي جاد) بوجوه الإعراب وعلى لفظ لا يجوز أن يكون إلا عربيا، تقول: هذا أبو جاد ورأيت أبا جاد ومررت بأبي جاد. وفرّق بين أبي جاد، وهوّاز وحطّي، فجعل الأوليين عربيين والبواقي عجميات، لأن الأوليين مفهومتان عربيا، ولهما اشتقاق عربي أما غيرهما فلا يعرف معناها .. وهي معارف لا
تدخلها الألف واللام.

34 - لحا الله جرما كلّما ذرّ شارق … وجوه كلاب هارشت فازبأرّت
هذا البيت للشاعر الفارس عمرو بن معد يكرب الزبيدي، قوله: لحا الله: أصل اللحو، نزع قشر العود، يدعو عليهم بالهلاك، وهارشت: الهراش: تحريش بعضها على بعض.
وازبأرت: أي: انتفشت حتى ظهر أصول شعرها، وتجمعت للوثب، وهذه الحالة أشنع حالات الكلاب، وهذا تحقير للمشبّه وتصوير لقباحة منظره، شبه وجوههم بوجوه الكلاب في هذه الحالة.
والبيت شاهد على أن قوله «وجوه كلاب» منصوب على الذمّ. [الحماسة/ 160، والأصمعيات 122، والخزانة/ 2/ 436].
(1/222)

35 - قل لابن قيس أخي الرّقيّات … ما أحسن العرف في المصيبات
البيت في ديوان أبي دهبل الجمحي.
والعرف: بكسر العين: الصّبر.
والبيت شاهد على أن هذا البيت يدل على أنّ «الرقيات» في قولهم قيس الرقيات بالإضافة، ليس من باب إضافة الاسم إلى اللقب، بل هو من باب الإضافة لأدنى ملابسة، لنكاحه لنسوة اسم كل منها «رقيّة»، وقيل: هنّ جداته، وقيل: شبب بثلاث كذلك. ولو كان الرقيات لقبا لقيل: قل لابن قيس الرقيات. والله أعلم. [اللسان، عرف، والخزانة/ 7/ 278].

36 - فمن يك سائلا عني فإنّي … بمكّة مولدي وبها ربيت
وقد ربيت بها الآباء قبلي … فما شنئت أبيّ وما شنيت
القائل، قصيّ بن كلاب، والشاهد: «أبيّ» فإنها جمع «أب» على «أبين» فلما أضافه إلى الياء أسقط النون للإضافة.

37 - يا لقوم لزفرة الزّفرات … ولعين كثيرة العبرات
الشاهد: لزفرة: بكسر اللام وهي لام الاستغاثة، تكسر لام المستغاث له، وتفتح لام المستغاث به.

38 - زعمت تماضر أنّني إمّا أمت … يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي
البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة بن زبّان (من أهل الجاهلية) وقد أورد أبو تمام في حماسته قصيدة البيت، ومطلعها:
حلّت تماضر غربة فاحتلّت … فلجا وأهلك باللّوى فالحلّة
وتماضر: زوجه. وكانت غاضبة عليه، فارتحلت إلى أهلها وهو يقول: إنّ تماضر تظنّ أن أولادها الصغار يسدّون مكانة الشاعر، وهو يريد القول: لا يسدّ مكانه أحد.
والبيت شاهد على تصغير الجمع «بنون» لقوله «أبينوها» ووصفوا هذا التصغير بأنه شاذّ. وليس كما قالوا، لأنّ الشاعر قال ما قال، وهو يعلم أنّ الذين يسمعونه من بني
(1/223)

قومه، يستخدمون هذا الأسلوب ويفهمونه، وإلا، فكيف يخاطبهم بلغة لا يفهمونها، وهو حريص على أن يوصل لهم المعنى الذي يريده؟
أنظر تفصيل المسألة في [الخزانة/ 8/ 30، وشرح المفصل/ 9/ 5، 41، والهمع/ 2/ 63، والحماسة/ 547].

39 - ألا يا بيت بالعلياء بيت … ولولا حبّ أهلك ما أتيت
البيت مطلع قصيدة للشاعر عمرو بن قعاس المرادي. وهو من شواهد سيبويه. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه ولم يصفه بالمجرور بعد فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك.
وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه، المعنى: بالعلياء بيت، ولولا حبّ أهلك ما أتيت ألا يا بيت، ولولا هذا المعنى لنصب، كما تقول: ألا يا رجلا بالمدينة.

40 - ليت شعري وأشعرنّ إذا ما … قرّبوها منشورة ودعيت
البيت منسوب للسموأل: وفيه توكيد «أشعرنّ» شذوذا بدون مسوّغ. [الهمع/ 2/ 79، والأشموني/ 3/ 221].

41 - يا أيها الراكب المزجي مطيّته … سائل بني أسد ما هذه الصوت
البيت لرويشد بن كثير الطائي في الحماسة برقم 166 بشرح المرزوقي.
قال ابن جني: إنما أنث الصوت لأنه أراد الاستغاثة، وهذا من قبيح الضرورة. أعني تأنيث المذكر، لأن التذكير هو الأصل. [الخزانة/ 4/ 221].

42 - ألا يا ليتني والمرء ميت … وما يغني عن الحدثان ليت
البيت لعمرو بن قعاس المرادي. قال البغدادي: جعل المخفف (ميت) الحيّ الذي لم يمت، ألا ترى أن معناه، والمرء سيموت. فجرى مجرى قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] وقوله «ليت» أراد اللفظ، فتعرب فاعلا.
[الخزانة/ 6/ 530].

43 - في فتوّ أنا كالئهم … في بلايا عورة باتوا
(1/224)

البيت لجذيمة الأبرش، وقد مضى قبله:
ربّما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات
وقوله: في فتوّ: جمع فتى، وهو السخيّ الكريم، والشاب أيضا، جمع على فعول و «في» بمعنى مع. متعلقة بأوفيت بالبيت الذي سبقه، وكالئهم: حارسهم. والبلايا: جمع بلية، و «في بلايا» متعلقان بباتوا. والعورة: موضع خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب.
و «بات» له معنيان، أشهرهما اختصاص الفعل بالليل، كما اختص الفعل في «ظلّ» بالنهار، فإذا قلت: بات يفعل كذا فمعناه فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سهر. والثاني:
بمعنى صار. يقال: بات بموضع كذا، أي: صار. سواء أكان في ليل أم في نهار. هذا والبيت له روايات أخرى، وقوافي مختلفة. فشعر ينسب إلى جذيمة الأبرش، لا بدّ أن يكون فيه هذا الخلاف. فمن يجزم بأنه قال هذا الشعر؟ ونحن لا نعرف له ولادة أو وفاة، ولا نعرف من الذي سمعه فنقله إلى الرواة، فأكثر ما ورد في كتب الأدب من قصص جذيمة يمتزج بالخيال والأسطورة، وبخاصة قصته مع الزبّاء.

44 - أبلغ أمير المؤمنين … - أخا العراق - إذا أتيتا
أنّ العراق وأهله … سلم إليك فهيت هيتا
لم ينسبوا البيتين، وأمير المؤمنين هنا: قال ابن يعيش: يريد علي بن أبي طالب. وقوله:
«أخا العراق» منادى، حذف منه حرف النداء. وقوله «سلم» بالتحريك: هو الانقياد والطاعة.
وأراد: أنهم مطيعون منقادون لأوامره. والمعنى: إذا جئت أمير المؤمنين، يا أخا العراق، فقل له: إن العراق وأهله قد انقادوا لأمرك وخضعوا لرأيك فأسرع إليهم. والشاهد: هيت هيت. حيث أراد «أسرع أسرع» وهيت: اسم فعل أمر بمعنى أسرع. لازم لا يتعدى إلى مفعول، وفي غير هذا المكان فيه ثلاث لغات «هيت» بالفتح وهيت، بالضم. وهيت، بالكسر. و «لك» من قولك «هيت لك» تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه، كما كان كذلك في «سقيا لك» فقد جيء ب (لك) تأكيدا فهي في هيت لك كذلك. [شرح المفصل ج 4/ 32، وسيبويه ج 1/ 337، واللسان «هيت»].

45 - قلت إني كأنت ثمّة لمّا … شبّت الحرب خضتها وكععتا
البيت في الهمع 2/ 31، والشاهد، دخول الكاف على ضمير الرفع. وكععت: جبنت.
(1/225)

46 - وذلك حين لات أوان حلم … ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
مجهول القائل. وهو شاهد على إضافة «حين» إلى «لات» لفظا. [الخزانة ج 4/ 178].

47 - من كان أسرع في تفرّق فالج … فلبونه جربت معا وأغدّت
إلا كناشرة الذي ضيعتم … كالغصن في غلوائه المتنبّت
البيتان في كتاب سيبويه لعنز بن دجاجة. وفي الخزانة ج 6/ 362، للشاعر كابية بن حرقوص بن مازن، والله أعلم. والبيتان يتصلان بقصة حرب جاهلية كان أحد طرفيها عمرو بن معد يكرب، والطرف الثاني بنو مازن. وكان بنو مازن قتلوا أخا عمرو، فأكب عليهم قتلا، وتفرقت بطونهم، مازن وفالج، وناشرة، فقال القائل في ذلك. وقوله: وأغدّت:
أصابتها الغدّة، وهي من أدواء الإبل. وقوله: المتنبّت: المتأصل. وقوله: «إلا كناشرة» قال النحاس في (شرح أبيات سيبويه): هذا حجة أنه جعل «إلا» في معنى الواو كأنه قال:
وكناشرة، وفي «اللسان - نبت»: وقوله: إلا كناشرة أراد إلا ناشرة فزاد الكاف. ورواية الخزانة ج 6/ 362، هلّا كناشرة، وهو المعنى المناسب، فكأنه قال: هلّا أعطيتموني مثالا لناشرة، يريد: لا يوجد مثلها. وقوله: (كناشرة الذي .. ، وصف ناشرة بالذي، كأنه يريد اسم الجدّ، ولو أراد القبيلة لقال: كناشرة التي. [سيبويه ج 1/ 368، واللسان (نبت)].

48 - ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها … وكفيت جانيها اللّتيّا والّتي
البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة. من أبيات في حماسة أبي تمام. وفي «الأصمعيات» لعلباء ابن أرقم، وفي الحيوان: لعمرو بن قميئة. وقوله: رأبت: أي: أصلحت، والثأى:
الفساد، وقوله: جانيها، من جنى يجني: إن فتحت الياء كان واحدا وإن أدى معنى الجمع، وإن سكّنت الياء جاز أن يكون جمعا سالما وأن يكون واحدا قد حذفت فتحته.
وفي رواية (جانبها) بالباء. وقوله «اللتيا» تصغير التي فجعلهما اسمين للكبيرة من الدواهي والصغيرة، ولهذا استغنيا عن الصلة، وانتقلا عن كونهما وصليّتين، ويذهب بعضهم إلى أن صلتيهما محذوفتان لدلالة الحال عليهما. يقول لقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة ولمّ شعثها، وكفيت من جنى منها الجناية الصغيرة والكبيرة
بالمال والنفس والجاه والعزّ. [الحماسة/ 551].
(1/226)

49 - وكأنّ في العينين حبّ قرنفل … أو سنبلا كحلت به فانهلّت
البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة من قصيدة البيت السابق. وكان الشاعر قد فارقته امرأته عاتبة عليه في استهلاكه المال وتعريضه النفس للمعاطب، فلحقت بقومها، وأخذ هو يتلهف عليها ويتحسر في أثرها ... والقرنفل والسنبل، من أنواع الطيب، ولكنه قال:
كحلت به ... ولا أدري كيف تكحل العينان بهما. فهو يقول: ألفت البكاء لتباعد زوجتي، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعهما، فكأن في العينين أحد هذين المهيجين الحاليين للعيون. وقوله «كحلت» إخبار عن إحدى العينين. قال المرزوقي: وساغ ذلك لما في العلم من أنّ حالتيهما لا تفترقان. وقال البغدادي: كان الظاهر أن يقول: كحلتا، فأفرد لأنهما لا يفترقان. [الخزانة/ 5/ 197، والحماسة/ 547].

50 - كأنّ بها البدر ابن عشر وأربع … إذا هبوات الصّيف عنها تجلّت
غير منسوب وهو في الهمع 2/ 150، وفيه تقديم العشر على أربع في العدد «أربع عشرة».

51 - إنّ العداوة تستحيل مودّة … بتدارك الهفوات بالحسنات
الشاهد غير منسوب في الهمع 1/ 112، وفيه «تستحيل» فعل ناقص، من «استحال».

52 - فرم بيديك هل تسطيع نقلا … جبالا من تهامة راسيات
البيت غير منسوب، وهو في الهمع 2/ 92، وفيه أن المصدر «نقل» يقدر بأن والفعل المستقبل. (هل تستطيع أن تنقل).

53 - وإذا العذارى بالدّخان تقنّعت … واستعجلت نصب القدور فملّت
دارت بأرزاق العفاة مغالق … بيديّ من قمع العشار الجلّة
البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة، وذكرت تاليه لأن جواب الشرط فيه. وهو من قطعة في حماسة أبي تمام، مضت بعض أبياتها. يقول الشاعر في الشاهد: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لوجهها، لتأثير البرد فيها ولم تصبر على إدراك القدور بعد تهيئتها ونصبها، فشوت في الملّة قدر ما تعلل به نفسها من اللحم، لتمكن الحاجة والضّرّ منها، ولإجداب الزمان واشتداد السّنة على أهلها، أحسنت. وجواب إذا في البيت
(1/227)

بعده. وخصّ العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة انقباضهن ولتصونهنّ عن كثير مما يتبذل فيه غيرهنّ. وجعل «نصب القدور» مفعول (استعجلت) على المجاز والسعة، ويجوز أن يكون المراد استعجلت غيرها بنصب القدور، فحذف. ويريد في البيت الثاني أنه يطعم الناس من شحم العشار وأنه يذبح صحاح الإبل وخيارها. [الحماسة/ 550، وشرح المفصل/ 5/ 104، والهمع/ 1/ 60].

54 - ألا ليت شعري ما يقولن فوارس … إذا حارب الهام المصيّح هامتي
البيت بلا نسبة في الهمع 2/ 78، وفيه توكيد المضارع «يقولن» بنون التوكيد الخفيفة بعد «ما» الاستفهامية، ورواه أبو زيد في النوادر: «ألا ليت شعري ما يقول مخارق» وعليه فلا شاهد فيه. والهام: طائر يخرج من قبر المقتول إذا لم يؤخذ بثأره ويقول: اسقوني اسقوني (زعموا).

55 - لو صنت طرفك لم ترع بصفاتها … لمّا بدت مجلوّة وجناتها
البيت بلا نسبة في الهمع 2/ 101، وفيه رفع «وجناتها» ب «مجلوّة» قال السيوطي:
وأجري، كعمل الصفة المشبهة، في رفع السببي ونصبه وجرّه، اسم مفعول المتعدي لواحد، وأنشد البيت. وانظر [التصريح 2/ 72].
(1/228)

قافية الثاء
1 - فعادى بين هاديتين منها … وأولى أن يزيد على الثلاث
البيت مجهول القائل، ولكنه مروي على ألسنة رواة اللغة، أمثال الأصمعي، وثعلب.
وهما لا ينقلان إلا عن الأعراب، وقوله: عادى: من العداء، بكسر العين، وهو الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما على أثر الآخر في طلق واحد، ومنه قول امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة … دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
والهادية: أول الوحش. وأولى أن يزيد: قارب أن يزيد. وأولى: من مرادفات «كاد» ولا تستعمل إلا مع «أن» والظاهر أنه فعل تام متعد و «أن يزيد» مفعوله. وذلك للزوم «أن» معه أما أفعال المقاربة الناقصة فلا تلزمها أن.
وأما أولى المستعمل مع اللام في قولهم «أولى لك، وأولى له» فهو اسم للوعيد غير منصرف، لأنه على وزن أفعل، وهو من الولي، وهو القرب. [الخزانة/ 9/ 345، والهمع/ 1/ 128، واللسان «ولي»].

2 - كم عمّة لك يا خليد وخالة … خضر نواجذها من الكرّاث
البيت منسوب لجرير من قصيدة هجا بها خليد عينين العبدي. قال المبرد: وإنما هجاه بالكراث لأن قبيلة عبد القبس يسكنون البحرين (نواحي القطيف في شرق السعودية) والكراث من أطعمتهم. [الخزانة/ 6/ 493].

3 - لروضة من رياض الحزن أو طرف … من القريّة حزن غير محروث
أشهى وأحلى لعيني إن مررت به … من كرخ بغداد ذي الرّمان والتوث
(1/229)

البيتان لمحبوب النهشلي، والبيت الثاني شاهد على ان التوث، بالثاء المثلثة في آخره، لغة في التّوت، بالتاء المثناة. [الخزانة/ 11/ 258].

4 - فأنت طلاق والطلاق أليّة … بها المرء ينجو من شباك الطوامث
هذه رواية أخرى لبيت سيأتي في حرف الميم بقافية (أعقّ وأظلم) [الخزانة/ 3/ 460].

5 - متى ما تنكروها تعرفوها … متى أقطارها علق نفيث
البيت لصخر الغيّ الهذلي. وهو شاهد على أن «متى» بمعنى «من» أراد: من أقطارها.
وقيل: بمعنى «وسط» وروي قول أحدهم «جعلته في متى كمّي». وقيل معناها «في».
[الخزانة/ 7/ 98].

6 - الحمد لله الذي … لم يخلق الخلق عبث
ولم يخلّنا سدى … من بعد عيسى واكترث
أرسل فينا أحمدا … خير نبيّ قد بعث
صلى عليه الله ما … حجّ له ركب وحثّ
الأبيات منسوبة إلى هاتف من الجنّ، [الخزانة/ 2/ 82].
(1/230)

قافية الجيم
1 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
قوله: تأججا: التأجج الاحتراق والالتهاب، وهو فعل مسند لألف الاثنين هما الحطب والنار ... يصف الشاعر أنفسهم بالكرم وأنهم يقرون الأضياف. فمن جاءهم وجدهم يوقدون النار، ومن عادة العرب، إذا كانوا في جدب، أن يوقد كرامهم النار ليهتدي بها إليهم السالك، والبيت لعبيد الله بن الحرّ، أو الحطيئة.
والشاهد فيه: متى تأتنا تجد، فعل الشرط وجوابه، وقوله تلمم: فعل مضارع مجزوم، لأنه بدل من فعل الشرط،
ولو أمكن رفعه على تقدير الحال لجاز.
والبيت لعبيد الله بن الحرّ، أو للحطيئة. [سيبويه/ 446، والإنصاف/ 583، وشرح المفصل/ 7/ 53].

2 - سقى أمّ عمرو كلّ آخر ليلة … حناتم سود ماؤهنّ ثجيج
شربن بماء البحر ثم ترفّعت … متى لجج خضر لهنّ نئيج
البيتان من شعر أبي ذؤيب الهذلي، يدعو لامرأة اسمها أمّ عمرو بالسقيا بماء سحب موصوفة بأنها شربت من ماء البحر، وأخذت ماءها من لججه ولها في تلك الحال صوت عال مرتفع.
والشاهد في البيت الثاني، وإنما ذكرت الأول لتوضيح معنى البيت الثاني: وفي البيت شاهدان: الأول: قوله «بماء»، الباء بمعنى (من) الابتدائية أو على تضمين «شرب» معنى روي، فتكون الباء سببية.
والشاهد الثاني: (متى لجج) متى هنا حرف جرّ، حيث جرّت (لجج) في لغة هذيل،
(1/231)

وتكون بمعنى (من) والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول (بماء) إذا قدرت الباء بمعنى (من) وإلا فالجار والمجرور متعلقان ب (شرب). [الهمع/ 2/ 34، والأشموني/ 2/ 205، وشرح المغني/ 2/ 309، والخزانة/ 7/ 97].

3 - أومت بعينيها من الهودج … لولاك في ذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتني … ولو تركت الحجّ لم أخرج
البيتان للشاعر عمر بن أبي ربيعة، وقوله: أومت: أي: أومأت: والهودج: مركب يوضع فوق البعير يركب فيه النساء، يقول: أشارت هذه الفتاة بعينيها من داخل مركبها مخافة الرقباء، وحدثتني أنها لم تخرج للحج إلا رغبة في لقائي.
والشاهد: في البيت الأول فقط، قوله «لولاك» لولا: حرف جرّ شبيه بالزائد لا يحتاج إلى متعلق، والكاف ضمير المخاطب: مبتدأ في محل رفع، والخبر محذوف، وقس عليه، (لولاه) و (لولاي). وللتذكير: إن قول الشاعر هذا، إن صحّت نسبته إليه هو خيال محض، ليس له شيء من الواقع الاجتماعي. [الخزانة/ 5/ 333، والإنصاف/ 693، وشرح المفصل/ 3/ 118، والهمع/ 2/ 33].

4 - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب … بدومة تجر دونه وحجيج
قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها … على الشّوق إخوان العزاء هيوج
البيتان للراعي، وقوله: دومة: هي دومة الجندل، في شمال السعودية. تجر: اسم جمع لتاجر، مثل شرب، وصحب،
وسفر، وحجيج: اسم جمع لحاج، قلى: كره.
يقول: كان الأمر الفلاني في العشيّة التي لو ظهرت فيها سعدى لراهب من عبّاد النصارى مقيم بدومة الجندل، وكان عنده تجار وحجاج يلتمسون ما عنده لأبغض دينه وتركه، وثار شوقا لها.
وقوله: بدومة: الجار والمجرور متعلقان بصفة الراهب، وتجر: مبتدأ، ودونه:
الظرف خبر، وجملة المبتدأ والخبر، صفة ثانية لراهب، وسعدى: في أول البيت: مبتدأ، وقلى: جواب شرط «لو»، والجملة: لو الشرطية خبر المبتدأ (سعدى). إنها هيوج: إنّ واسمها وخبرها، وهيوج: وزن فعول، من صيغ المبالغة، نصبت «إخوان» على المفعولية قبلها.
(1/232)

والشاهد: قوله «إخوان العزاء هيوج»: حيث أعمل قوله «هيوج» وهو من صيغ المبالغة إعمال الفعل، فنصب المفعول به «إخوان» وهو معتمد على المسند إليه الذي هو اسم (إنّ) وفي البيت دليل على أنّ هذا العامل وإن كان فرعا عن الفعل، لم يضعف عن العمل في المعمول المتقدم عليه، وهو خلاف مذهب الكوفيين، ومنه في رواية سيبويه «أما العسل فأنا الشرّاب» بنصب العسل، لصيغة المبالغة (شرّاب). [س/ 1/ 56، والأشموني/ 2/ 297، واللسان (هيج)].

5 - نحن بنو جعدة أرباب الفلج … نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج
هذا الرجز للنابغة الجعدي، مما قيل في يوم الجمل، والفلج: موضع بعينه أو الماء الجاري، ولعله المسمى اليوم الأفلاج، في منطقة الرياض بالسعودية، والشاهد فيه زيادة الباء في المفعول به (نرجو بالفرج) وقيل: ضمّن نرجو معنى (نطمع) فتعدّى بالباء.
وبنو جعدة: خبر المبتدأ، وأرباب: منصوب على الاختصاص، ويروى: بني جعدة منصوب على الاختصاص وأرباب: خبر. [الإنصاف/ 384، وشرح أبيات المغني/ 2/ 366، والخزانة/ 9/ 520].

6 - أخيل برقا متى حاب له زجل … إذا تفتّر من توماضه حلجا
قائله ساعدة بن جؤية، وهو في ديوان الهذليين، يصف سحابا، وقوله: أخيل:
مضارع أخال البرق، أي: نظر إليه أين يمطر. والحابي: السحاب سمّي بذلك لثقله في الحركة فكأنه يحبو، وقيل: الحابي المرتفع، والتّوماض: اللمع الضعيف، وحلج: أمطر، نقول: حلج السحاب حلجا: أمطر، ويروى «خلجا»
ويروى أوله:
أخال برقا: فعل ماض أيضا. وهو الصحيح، لأن الشاعر يقول لصاحبته في سياق الأبيات إنه يحبّها حبّ إنسان فقير، ووصف الفقر بأنه مثل حمار وحش رأى سحابا ..
الخ.
وقوله: متى حاب، متى: حرف جرّ بمعنى من، في لغة هذيل، وقد مرّ بيت آخر في حرف الجيم «متى لجج خضر لهن نئيج»، والجار والمجرور صفة لبرق، أي: برقا لامعا من سحاب، وقوله «له زجل» الجملة الاسمية صفة للسحاب الموصوف في قوله «حاب» أي: سحاب حاب، وجملة إذا الشرطية صفة ثالثة للسحاب. [شرح أبيات
(1/233)

المغني/ 6/ 16، واللسان (حلج)، والأشموني/ 2/ 334].

7 - قالت وعيش أبي وحرمة إخوتي … لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسّمت … فعلمت أنّ يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها … شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
الأبيات لعمر بن أبي ربيعة، يصف أحد خيالاته، وليس فيها من الحقيقة شيء لأنّ الشاعر عاش في النصف الثاني من القرن الأول، حيث كانت الحجاز تعجّ بالعلماء والأتقياء، وكانت المدينة ومكة مشغولتين بثوراتها على الأمويين، وليس من المعقول أن يكون لعمر هذا الميدان الذي يجول فيه ويصول ... وتنسب الأبيات لجميل بن معمر في الكامل وغيره، وهي نسبة لا تكون، لأننا لم نعهد في الغزل العذري هذا الوصف.
والشاهد في البيت الثالث، وقوله: النزيف: المحموم الذي منع من الماء، وقوله:
الحشرج: الحسي يكون في حصى، وهو مناسب، لأنه جعل تقبيل ثغرها وامتصاص ريقها - وفي الثغر الأسنان - كأنه ماء بارد على حصى. والقرون: جمع قرن بالفتح، وهو الضفيرة من شعر الرأس، ونصب «شرب» على المصدر المشبه به كأنه قال: شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد.
والشاهد فيه: (ببرد) على أن الباء فيه للتبعيض بمعنى (من) وقيل: الباء زائدة، وقد تتضمن (شرب) معنى (الريّ) فتكون الباء أصلية، لأن روي يتعدى بالباء. [شرح أبيات المغني/ 2/ 313، والهمع/ 2/ 21].

8 - إني أتيحت لي يمانية … إحدى بني الحارث من مذحج
تمكث حولا كاملا كلّه … لا نلتقي إلا على منهج
الحجّ إن حجّت وماذا منى … وأهله إن هي لم تحجج
الأبيات للشاعر العرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، منسوب إلى «العرج» بالطائف، لإقامته به. وقوله على منهج: أي: طريق ... يتغزل الشاعر بامرأة ويقول: بعد هذا المكث الطويل لا نلتقي في خلوة، وإنما نلتقي في الطريق، وقوله:
الحج إن حجت، أي: الحج الكامل إن حجّت، وماذا: أي شيء، وأهله: بالرفع يقول:
إن لم تحج هذه المرأة فليس الحج حجا معتدا به، وهو كاذب فيما قال، وما كان لمثله أن يحجّ، وهو لم يقصد تطهير نفسه من الآثام.
(1/234)

والشاهد في البيت الثاني: على أنّ النكرة (حولا) أكدت بكلّ، وأراد النكرة المؤقتة المحدودة، كالحول والشهر والدهر. وهو مذهب ابن مالك ويرى البصريون امتناع تأكيد النكرة، مؤقتة كانت أو غيره، لأنّ التأكيد يشبه النعت من حيث كونه تابعا بلا واسطة حرف، ومن غير أن ينوى معه تكرار العامل وألفاظ التوكيد معارف، ويرون أنّ هذا ضرورة ... وقول ابن مالك مقبول معنى وسماعا وقياسا ما دام قد جاء في النصوص، وفي المثال المذكور، وصف النكرة، قد قرّبها من المعرفة. [شرح أبيات المغني/ 4/ 187].

9 - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته … ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
الشاهد في البيت قوله: ومدمن القرع، حيث حذف حرف الجرّ قياسا من قوله ومدمن القرع، أي: وبمدمن القرع، بعد كلام مشتمل على حرف جرّ مثله حيث سبقها: أخلق بذي الصبر. [الأشموني/ 334].

10 - أضحت ينفّرها الولدان من سبأ … كأنّهم تحت دفّيها دحاريج
البيت للنابغة الجعدي، وصف ناقة مرّ بها بحيّ سبأ مجتازا عليهم في زيّ الأعراب، فعرض له الصبيان منكرين له محيطين به تعجبا، فجعلوا ينفّرون ناقته عن يمين وشمال، فشبههم بالدحاريج، جمع دحروجة، بالضم، وهي ما يدحرجه الجعل، والدفان:
الجنبان، تثنية جنب.
والشاهد فيه تنوين (سبأ) على نية الحيّ، أو الأب: فإن أردت القبيلة منعته من الصرف، وقد جاءت في القرآن مصروفة. [سيبويه/ 2/ 28، واللسان «دحرج»].

11 - ودوّيّة قفر تمشّي نعامها … كمشي النّصارى في خفاف الأرندج
البيت للشماخ، والدوية: الصحراء. والأرندج: الجلد الأسود، وتمشي: تكثر المشي، شبّه أسوق النعام في سوادها بخفاف الأرندج، وخصّ النصارى، لأنهم كانوا معروفين بلبسها. والشاهد فيه حذف جواب «ربّ» لعلم السامع، والمعنى: وربّ دوية قطعت أو نحو ذلك، والبيت من شواهد سيبويه، ولم يصل إلى سيبويه رحمه الله البيت الذي فيه الجواب، فنفى، ولكن بعد البيت:
قطعت إلى معروفها منكراتها … وقد خبّ آل الأمعز المتوهج
(1/235)

والآل: السراب، والأمعز: بفتح العين: المكان الكثير الحصى، الصّلب.
[سيبويه/ 1/ 454، والهمع/ 2/ 28، واللسان «ردج»].

12 - أما النّهار ففي قيد وسلسلة … والليل في قعر منحوت من السّاج
هذا البيت من شواهد سيبويه التي لم تنسب. وصف الشاعر سجينا يقيّد بالنهار، ويغلّ في سلسلة، ويوضع بالليل في بطن محبس منحوت، أي: محفور من الساج، وهو شجر من شجر الهند، وشاهده: المجاز في جعل النهار في سلسلة، وإنما السجين هو المجعول فيها. [سيبويه/ 1/ 80، والمقتضب/ 4/ 331].

13 - كأنّ أصوات - من إيغالهنّ بنا - … أواخر الميس أصوات الفراريج
البيت للشاعر ذي الرّمة، يصف صوت الرّحل على البعير: وأوغل في الأرض، إذا أبعد فيها، يعني الإبل، و (من) قبله، للتعليل. والأواخر: جمع آخرة الرّحل، وهي العود في آخره يستند إليه الراكب، والميس: شجر يتخذ منه الرحال، والأقتاب. والفراريج:
صغار الدجاج، ويروى: «إنقاض الفراريج»، أي: تصويتها، وذلك من شدة السّير.
والشاهد في البيت: الفصل بالجار والمجرور، بين المضاف والمضاف إليه، وهو أصوات، وأواخر، فصل بينهما «من إيغالهنّ بنا». [الخزانة/ 4/ 108، والإنصاف/ 433، وشرح المفصل/ 1/ 103، وج 2/ 108، والديوان/ 996].

14 - وأمّا قولك الخلفاء منّا … فهم منعوا وريدك من وداج
ولولاهم لكنت كحوت بحر … هوى في مظلم الغمرات داج
وكنت أذلّ من وتد بقاع … يشجّج رأسه بالفهر واجي
الأبيات لعبد الرحمن بن حسان، من قصيدة يهجو فيها عبد الرحمن بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وكان عبد الرحمن بن الحكم افتخر على الشاعر بأن الخلفاء منهم، أي: من قريش وابن حسان من الأنصار، فقال له الشاعر: لولا الخلفاء وانتسابك إليهم لكنت مغمورا كحوت في بحر مظلم، وكنت أذلّ من الوتد بقاع، أي: ما استوى من
الأرض وصلب يدقّ رأسه بالحجر، والفهر: الحجر ملء الكف، والعرب تضرب المثل في الذلة بالوتد. ويشجج: يضرب ويكسر، وذلك في أثناء غرزه في الأرض، وقوله:
واجي بالياء: أصله واجئ بالهمزة، وصف من وجأ عنقه، أي: دقّها.
(1/236)

والشاهد في البيت الثالث: إبدال الياء من الهمزة (واجئ) ضرورة. [سيبويه/ 2/ 170، وشرح المفصل/ 9/ 111، 114، والهمع/ 2/ 33، والخصائص/ 3/ 152].

15 - يحدو ثماني مولعا بلقاحها … حتى هممن بزيغة الإرتاج
البيت للشاعر ابن ميّادة: شبه ناقته في سرعتها بحمار وحش، يحدو ثماني أتن أي يسوقها، مولعا بلقاحها حتى تحمل، وهي لا تمكّنه فتهرب منه، لأن الأنثى من الحيوان، لا تمكّن الفحل إذا حملت، والزّيغة: الميلة، عنى بها إسقاطها ما أرتجت عليه أرحامها، أي: أغلقتها، يقول: ساقها العير سوقا عنيفا حتى هممن بإسقاط الأجنّة.
والشاهد فيه: ترك صرف (ثماني) تشبيها لها بما جمع على وزن (مفاعل) كأنّه توّهم واحدتها، ثمنية، كحذرية - الأرض الغليظة - ثم جمع فقال ثمان، كما يقال: حذار جمع حذرية، والمعروف صرفها على أنها اسم واحد أتى بلفظ المنسوب نحو: ثمان ورباع، فإذا أنّث قال: ثمانية. [سيبويه/ 2/ 17، والخزانة/ 1/ 159، والأشموني/ 3/ 248].

16 - ما زال يوقن من يؤمّك بالغنى … وسواك مانع - فضله - المحتاج
الشاهد: «مانع - فضله - المحتاج» فإنّ فضله: مفعول به لاسم الفاعل «مانع» فصل به بين المضاف «مانع» والمضاف إليه «المحتاج» والشواهد على الفصل بين المتضايفين كثيرة. [الأشموني/ 2/ 276، والتصريح/ 2/ 58].

17 - يا ربّ بيضاء من العواهج … أمّ صبيّ قد حبا أو دارج
العواهج: جمع عوهج، وهي في الأصل: الطويلة العنق من الظباء، وأراد بها المرأة، حبا: زحف، ودرج الصبي: قارب بين خطاه.
والشاهد: «قد حبا أو دارج» حيث عطف الاسم «دارج» على الفعل: «حبا» لتقاربهما في المعنى. ومنه قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام: 95] [الأشموني/ 3/ 120، والتصريح/ 1/ 142، واللسان (عهج)].

18 - فيا ليتي إذا ما كان ذاكم … ولجت وكنت أوّلهم ولوجا
البيت لورقة بن نوفل، والشاهد «ليتي» ليت، متصلة بياء المتكلم، ولم تفصل بينهما نون الوقاية، وقد أوجب النحويون اتصالها بنون الوقاية لقوة شبهها بالفعل، وعدّوا البيت
(1/237)

من الشذوذ، أو الشاذ، والله أعلم. [السيرة النبوية 1/ 192، والعيني/ 1/ 365، والتصريح/ 1/ 111].

19 - ألا سبيل إلى خمر فأشربها … أم لا سبيل إلى نصر بن حجّاج
البيت شاهد على أن «ألا» للتمنّي، ولهذا سمّيت قائلة هذا البيت «المتمنّية».
ونصر بن حجاج بن علاط السلمي، من أولاد الصحابة، فأبوه حجاج صحابي، ونصر هذا، تقول الروايات إنه كان جميل المحيّا، فتمنته امرأة في المدينة سمعها عمر بن الخطاب تنشد هذا البيت وهو يعسّ ليلا، فطلبه عمر، فوجده كذلك، فأمر بنفيه إلى البصرة. هذا القدر من القصة، نقله ابن حجر في الإصابة عن ابن سعد في الطبقات، والخرائطي: وقال إن سنده صحيح، ولكن أهل الأدب والقصة والتاريخ، يذكرون أشياء ليس لها سند صحيح، ولا تصحّ روايتها.
1 - فقد زادوا إلى البيت أبياتا مصنوعة لا تصح، وإذا صحت القصة فإن المرأة لم تقل إلا البيت الذي ذكرناه شاهدا.
2 - وسمّى بعض الرواة اسم المرأة، فقالوا اسمها «الذلفاء» وأنها أم الحجاج ابن يوسف، وكانت يوم تمنت تحت المغيرة بن شعبة الصحابي رضي الله عنه، وهذا افتراء على زوجة الصحابي، يقصد منه الإساءة إلى الحجاج بن يوسف، وقالوا إن عبد الملك ابن مروان كتب إلى الحجاج مرة يقول له «يا ابن المتمنّية»، وهذا لا يصحّ سندا.
3 - وأساؤوا أيضا إلى صحابيّ آخر عند ما قالوا: إن نصر بن حجاج عند ما نفاه عمر إلى البصرة، قرّبه أميرها مجاشع السلمي، للقربى بينهما وأنّ زوجة مجاشع عشقت نصر ابن حجاج، وعشقها، وكان قد أخدمه إياها، وهي أجمل نساء البصرة، وإنهما تكاتبا على الأرض بحضرة مجاشع الذي كان أميّا لا يحسن القراءة. قالوا: ثم مرض نصر بن حجاج بعد فراقه دار مجاشع، لشدة حبه، فأمر زوجته بالذهاب إليه، وإطعامه وإسناده إلى صدرها، فانتعش ... وكل هذا يحدث من صحابي، وزوجة صحابي، في عهد عمر ابن الخطاب، أليس ذلك غريبا.
4 - ونقلوا القصة إلى الشام، وأن زوجة الصحابي الأعور السلمي عشقت نصر ابن حجاج ..
(1/238)

5 - وقول آخر إن أبا موسى الأشعري لما علم بقصة نصر، أمره أن يخرج إلى فارس، فجرت له هناك قصة تشبه ما سبق، فطلب منه أن يرحل، فهددهم بأن يلحق بأرض الشرك، فلما علم عمر أمر بحلق شعره، وأن يلزم المسجد ... فالقصة فيها شيء من قصة يوسف عليه السّلام، لأن بعض رواياتها تقول أنه تمنّع ... وفيها شيء من قصة
المجانين، وفيها دعوة إلى تبريز العشق ... فلا تسمع كلام أهل الأدب، فإذا قرأتها، فعدّ رجالها أشخاصا رمزيين لا حقيقة لهم، ولا تأخذ منها واقعا تاريخيا ... وقد أطلت في نقد القصة، وذكر رواياتها، في كتابي «المدينة النبوية، فجر الإسلام والعصر الراشدي» فانظرها هناك. [الخزانة/ 4/ 80، وشرح المفصل/ 7/ 27].

20 - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه … ولا مشربا أروى به فأعيج
البيت غير منسوب، وعاج يعيج: انتفع، وزعموا أن هذا الفعل لا يأتي إلا منفيا فيقال: ما عاج بالدواء، أي: ما انتفع، وجاء الفعل في البيت مثبتا، ورواه أبو علي القالي عن ثعلب عن ابن الأعرابي. [شرح التصريح/ 2/ 92].

21 - يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة … منّي ولم أقض ما فيها من الحاج
البيت منسوب إلى الفريعة بنت همّام المعروفة بالذلفاء، في القصّة الموضوعة التي جعلت عمر بن الخطاب طرفا فيها، ونحن نروي ما جاء فيها من الشعر، ولا نلتفت إلى أحداث القصّة، لأنها غير ثاتبة، وأنشدوا هذا البيت على أنّ خبر ليت محذوف.

22 - فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة … ولا في بيوت الحيّ بالمتولّج
البيت للشماخ من قطعة في حماسة أبي تمام يصف مضيفا، يقول: هو فتى لا يرضى في دنياه بأقرب الهمتين وأدنى المعيشتين، ولكن يطلب غايات الكرم ونهايات الفضل، ولا يداخل بيوت الحيّ المجاورة ولا يخالط النساء للريبة والمغازلة، وقوله: «ولا في بيوت الحيّ» جعل (في بيوت) تبيينا، وقد حصل الاكتفاء بقوله «المتولج» فيكون موقعه منه كموقع بك بعد «مرحبا بك» لئلا يحصل تقديم الصلة على الموصول، وإن شئت جعلت الألف واللام في قوله: «المتولج» للتعريف، لا بمعنى الذي، فلا يحتاج إلى تقدير الصلة في الكلام. [شرح الحماسة للمرزوقي ج 4/ 1752، والهمع 1/ 88].

23 - قطعت إلى معروفها منكراتها … إذا خبّ آل الأمعز المتوهج
(1/239)

للشماخ، يصف الصحراء. وهو أيضا من مطلع قصيدة ذي الرمّة الحائية بقافية «المتوضح». [ديوانه 1189].

24 - كأنّما ضربت قدّام أعينها … قطنا بمستحصد الأوتار محلوج
لا يعرف قائله، والقطن: هو الذي نعرفه، ومستحصد الأوتار: من إضافة الصفة للموصوف، أي: الأوتار المستحصدة، ونقول: هذا حبل أحصد، كأحمر وحصد كفرح ومحصد ومستحصد، بكسر الصاد إذا كان قد أحكم فتله وصنعته، وهذا اللفظ يقال في كلّ ما أحكمت صناعته من الحبال والأوتار والدروع، وقالوا: هذا رجل محصد
الرأي، أي: سديد الرأي، على التشبيه، وقالوا: هذا رأي مستحصد، أي: محكم وثيق، وهو في هذا بفتح الصاد.
ومحلوج: اسم مفعول، من قولهم، حلج القطن، إذا ندفه، وقطن حليج ومحلوج، أي: مندوف، أي: قد استخرج منه الحب. والشاهد: قوله «محلوج» فإن الرواية بالجرّ، مع أنه نعت لقوله «قطنا» المنصوب، على أنه مفعول لقوله: ضربت، وذلك لأن هذه الكسرة ليست الحركة التي اقتضاها العامل، وإنما هي كسرة المجاورة، فهو منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل، بحركة المجاورة.
[الإنصاف/ 605].

25 - رأى الناس - إلا من رأى مثل رأيه - … خوارج ترّاكين قصد المخارج
البيت في «الهمع» ج 1/ 150، وأنشده السيوطي شاهدا على أنّ «رأى» بمعنى اعتقد، تنصب مفعولين، والناس: مفعوله الأول، وخوارج: مفعوله الثاني.

26 - يا عديّا لقلبك المهتاج … أن عفا رسم منزل بالنّباج
البيت لأبي دواد الإيادي، والشاهد «يا عديّا» أنشدوه شاهدا على أن المنادى المفرد إذا نوّن لضرورة الشعر، فسبيله النصب، لأنه في موضع نصب، وإنما بني على الضم لمضارعته المضمر، فإذا نوّن فقد زال عنه البناء، وسبيله أن يرجع إلى أصله، ويرى بعضهم: أن يترك مضموما، ويروون بيت الأحوص «سلام الله يا مطر عليها» بالرفع، والنصب، كلّ فريق يؤيد به مذهبه، مع أن الشاعر قاله مرّة واحدة إما بالرفع، أو النصب، فأيّ القولين وافق نطق الشاعر؟ والله أعلم. [الخزانة/ 6/ 508].
(1/240)

27 - نحن - بني جعدة أرباب الفلج … نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
لا يعرف صاحب هذا الرجز. والفلج موضع. وقال ياقوت مدينة بأرض اليمامة ولعلها «الأفلاج» في يومنا. والشاهد: ونرجو بالفرج. وفيه أن الباء زائدة في المفعول به سماعا، وربما ضمن نرجو معنى «نطمع» فتكون الباء أصليّة. وربما غيّر النساخ هذا الرجز، فقالوا «نحن بني ضبة أرباب الفلج» ولكن الرجز الذي يذكر منه بنو ضبة، قافيته لاميّة، وهو «نحن بني ضبة أصحاب الجمل». ونحن: مبتدأ، وأرباب: خبر، وبني جعدة، منصوب على الاختصاص [الإنصاف/ 284، والخزانة/ 9/ 520، وشرح أبيات المغني/ 2/ 366].
(1/241)

حرف الحاء المهملة
1 - إذا غيّر النأي المحبّين لم يكد … رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
البيت للشاعر ذي الرّمة: ورسيس الهوى: مسّه، ويبرح: يزول وهو فعل تام لازم، وميّة: اسم معشوقته، يقول: إنّ العشاق إذا تعدوا عمّن يحبون دبّ السلوّ إليهم، وزال عنهم ما كانوا يقاسون وأمّا أنا، فلم يقرب زوال حبّها عني، فكيف يمكن أن يزول.
والبيت شاهد: على أن بعضهم قال: إنّ النفي إذا دخل على «كاد» تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وقوله: للإثبات، أي: لإثبات الفعل الذي دخل عليه كاد، في الماضي، وقوله: في المستقبل كالأفعال، أي: إن نفي فهو منفي وإن لم ينف فهو مثبت. والمسألة خلافية، والخلاف نابع من تفاوت الأفهام في إدراك المعاني، فقال قوم إن الإثبات حاصل بعد «كاد ويكاد» المنفيين. أما «كاد» الماضي، فقد استدلوا له بقوله تعالى في سورة البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [الآية: 71] وزعموا أن المراد، أنهم فعلوا الذبح وأما المضارع، فاستدلوا له بقول ذي الرّمة في البيت الشاهد «لم يكد رسيس الهوى يبرح» فزعموا أن ذا الرّمة أنشد قصيدته التي منها البيت، في مجلس شعراء، فقال له أحدهم: يا ذا الرّمة، أراه قد برح، يريد أنك أثبّت زوال الحب. قالوا: ففكّر ساعة ثم قال:
إذا غيّر النأي المحبين لم أجد .. البيت.
فأبدل «لم أجد» ب «لم يكد» أقول: ربّما كانت القصة مصنوعة، لأنهم رووها عن عبد الصمد بن المعذل (- 240 ه) وهو شاعر فاسق خمير، ما كان يفيق من سكره، والصحيح أن النفي نفي، والإثبات إثبات، والمعنى في الآية، أنّ بني إسرائيل ما قاربوا أن يفعلوا للإطناب في السؤالات، وهذا التعنت دليل على أنهم كانوا لا يقاربون فعل الذبح فضلا عن نفس الفعل. ونفي المقاربة قد يترتب عليه الفعل، وقد لا يترتب. وأما إثبات الذبح
(1/243)

فمأخوذ من خارج النفي، وهو قوله «فذبحوها».
أما البيت، فمعناه أنّ حبها لم يقارب أن يزول فضلا عن أن يزول، وهو مبالغة في نفي الزوال، فإنك إذا قلت «ما كاد زيد يسافر» فمعناه أبلغ من «ما يسافر زيد»، ومما أكّد معنى الإثبات في البيت قول الشاعر في القصيدة نفسها:
أرى الحبّ بالهجران يمحى فينمحي … وحبّك ميّا يستجدّ ويربح
أي: يزيد الحبّ كما يزيد الربح، والبيت من قصيدة مطلعها وتابعه:
أمنزلتي ميّ سلام عليكما … على النأي والنائي يودّ وينصح
فلا القرب يبدي من هواها ملالة … ولا حبّها - إن تنزح الدار - ينزح
[الخزانة/ 9/ 309، وشرح المفصل/ 7/ 124، والأشموني/ 3/ 52، وديوانه/ 1192].

2 - أفي أثر الأظعان عينك تلمح … نعم لات هنّا إنّ قلبك متيح
البيت للراعي، والمتيح: الذي يأخذ في كل جهة، ورجل متيح: إذا كان قلبه يميل إلى كل شيء.
والبيت شاهد على أن «هنّا» ظرف زمان مقطوع عن الإضافة، والأصل: لات هنّا تلمح، فحذف تلمح لدلالة ما قبله عليه، فهنّا، في موضع نصب على أنه خبر «لات» واسمها محذوف والتقدير: ولات الحين حين لمح عينك.
ومعنى البيت: أن الشاعر خاطب نفسه لما رآها ملتفتة إلى حبائبها ناظرة إلى آثارها بعد الرحيل، فاستفهمها بهذا الكلام ثم أجاب جازما بأنّ عينها ناظرة إلى أثرهن، وسفهها في هذا الفعل، بأن اللمح ليس صادرا في وقته، لأنّ صاحبهن ملتزم أسفار ومقتحم أخطار، شأنه الذهاب وعدم الإياب، فلا ينبغي لها أن تكتسب من النظرة شدائد الحسرة.
[الخزانة/ 4/ 203، واللسان «تيح»، «هنن».

3 - كأن لم يمت حيّ سواك ولم تقم … على أحد إلا عليك النوائح
البيت للشاعر أشجع السلمي، عباسي، عاصر الرشيد، وشعره لا يستشهد به، وقوله:
«كأن لم يمت» كأن مخففة، واسمها ضمير شأن، يقول: أفرط الحزن عليك حتى كأنّ
(1/244)

الموت لم يعهد قبل موتك، وكأن النياحة لم تقم على من سواك.
والبيت شاهد على أنه إذا وقع مرفوع بعد المستثنى في الشعر، أضمروا له عاملا من جنس الأول، أي: قامت النوائح.
والبيت من قطعة في حماسة أبي تمام برقم (280) من شرح المرزوقي، وهي في رثاء (ابن سعيد) حيث يقول في أول القطعة:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق … ولا مغرب إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفّه … على الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح في لحد من الأرض ميّتا … وكانت به حيّا تضيق الصحاصح
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض … فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح
وما أنا من رزء وإن جلّ جازع … ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت ... البيت.
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها … لقد حسنت من قبل فيك المدائح
يرثي عمرو بن سعيد بن قتيبة الباهلي ولكنني أسأل: هل كانت لابن سعيد هذا مزارع، ينفق على المحتاجين من ريعها، وهل كانت له تجارة يديرها فتدر عليه ربحا ويتصدق على المحتاجين؟ فإذا لم يكن زارعا أو تاجرا، وكان ذا مال وفير، نسأله: من أين لك هذا؟ وليس عنده جواب إلا القول: إنه سرق حقوق الناس في بيت مال المسلمين، ثم فرّقه على من لا يستحقه من المادحين الكاذبين!! [الحماسة/ 589، والخزانة/ 1/ 295 وشرح الحماسة للأعلم/ 1/ 473].

4 - أتى دونها ذبّ الرّياد كأنّه … فتى فارسيّ في سراويل رامح
هذا البيت من قصيدة لتميم بن أبيّ بن مقبل، يصف الثور الوحشي، وضمير دونها، لأنثاه، ودون بمعنى «قدّام» والذبّ: الثور الوحشي ويقال له: ذب الرياد: لأنه يرود، أي: يذهب ويجيء، ولا يثبت في موضع، شبه الشاعر ما على قوائم الثور الوحشي من الشعر، بالسراويل، وهو من لباس الفرس، ولهذا شبهه بفتى فارسي، وشبه قرنه بالرّمح، ولهذا قال: رامح، أي: ذو رمح. في سراويل: حال من ضمير «فارسي» إذ هو بمعنى منسوب إلى الفرس، أو صفة لفارسي، ورامح: صفة ثانية لفتى وجرّ سراويل بالفتحة لأنه
(1/245)

لا ينصرف، وهو مفرد، لكنه جاء على وزن صيغة منتهى الجموع «قناديل».
والشاعر تميم: أدرك الجاهلية والإسلام، وكان يهاجي النجاشيّ الشاعر، وله مع عمر ابن الخطاب قصة. [الخزانة/ 1/ 232، وشرح المفصل/ 1/ 64].

5 - سواء عليك اليوم أنصاعت النّوى … بصيداء أم أنحى لك السيف ذابح
البيت لذي الرمّة، وقوله: أنصاعت: الهمزة للاستفهام، وأصله: أإنصاعت حذفت الهمزة الثانية لأنها همزة وصل، وانصاعت، أي: انشقت وذهبت بها النيّة إلى مكان بعيد، وعليك: متعلق بسواء، والنوى، والنية: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وقوله: بصيداء: متعلق بانصاعت وصيداء: اسم امرأة شبب بها ذو الرمة، وهي غير خرقاء، لقب ميّة التي يشبب بها غالبا، وأنحى: قصد نحوك.
والبيت شاهد على أن الفعل بعد همزة التسوية وأم يستهجن ألا يكون ماضيا. كما في البيت. [الخزانة/ 11/ 152، والديوان/ 873].

6 - وإنّي لأكنو عن قذور بغيرها … وأعرب أحيانا بها فأصارح
البيت دون عزو، وقذور: امرأة، وأعرب: أبيّن، وأكنو: أذكرها باسم غيرها.
والشاهد: أكنو، يقال: كنوته - وكنيته، بالواو والياء. [الخزانة/ 6/ 465].

7 - أخو بيضات رائح متأوّب … رفيق بمسح المنكبين سبوح
الرائح: الذي يسير ليلا، والمتأوب: الذي يسير نهارا، يصف ظليما وهو ذكر النعام، شبه به ناقته، فيقول: ناقتي في سرعة سيرها كظليم له بيضات يسير ليلا ونهارا ليصل إلى بيضاته، وسبوح: حسن الجري، وجعله أخا بيضات ليدل على زيادة سرعته في السير لأنه موصوف بالسرعة وإذا قصد بيضاته يكون أسرع.
والبيت شاهد على أن هذيلا تفتح عين «فعلة» الاسميّ في الجمع بالألف والتاء كبيضات، بفتحات ثلاث. [الخزانة/ 8/ 102، وشرح المفصل/ 5/ 30، والهمع/ 1/ 23، والأشموني/ 4/ 118].

8 - رمى الله في عيني بثينة بالقذى … وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح
(1/246)

البيت لجميل صاحب بثينة، القوادح: جمع قادح، وهو السواد الذي يظهر في الأسنان والبيت شاهد على أن الشيء إذا بلغ غايته، يدعى عليه، صونا عن عين الكمال، لأن الناس يحسدون الشيء الكامل، كقولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه.
ولكنهم اختلفوا في تفسير هذا البيت: فقيل: أراد بالعينين: رقيبيها، وبالغرّ من أنيابها كرام ذويها وعشيرتها، والمعنى: أفناهم الله وأراهم المنكرات، فهو في الظاهر يشتمها وفي النية يشتم من يتأذى به فيها.
وقيل: أراد: بلغها الله أقصى غايات العمر حتى تبطل عواملها وحواسها، فالدعاء على هذا لها، لا عليها.
وقال قوم: إنه يدعو عليها حقيقة، ويستدلون على ذلك، بما رواه أبو الفرج في الأغاني (ج 7/ 79 - 80) أن جميلا لقي بثينة بعد تهاجر بينهما طالت مدّته، فتعاتبا فقالت له: ويحك يا جميل، أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:
رمى الله في عيني بثينة .. البيت
فأطرق جميل طويلا يبكي.
وروى أبو الفرج قصة أخرى، تدل على أن جميلا انصرف عن بثينة وهجرها وقال البيت.
قلت: تفسير البيت بأنه دعاء على بثينة حقيقة: ينافي قواعد الحبّ العذري العفيف ولعلّ الشاعر أراد من قوله ذاك، أن تبدو كذلك في عيني زوجها فيكرهها، ولا يستمتع بجمالها، ولكنه لا يتمنى أن تكون كذلك في واقع الحال. والله أعلم. [الخصائص/ 2/ 122، والخزانة/ 6/ 398].

9 - وانضح جوانب قبره بدمائها … فلقد يكون أخا دم وذبائح
البيت لزياد الأعجم يرثي المهلب بن أبي صفرة، وقبل البيت:
إنّ الشجاعة والسّماحة ضمّنا … قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به … كوم الجلاد وكلّ طرف سابح
(1/247)

والبيت شاهد على أن المضارع (فلقد يكون) مؤول بالماضي، أي: ولقد كان.
[الخزانة/ 10/ 4] وانظر الشعر والشعراء، ترجمة زياد الأعجم.

10 - يا لقومي من للعلا والمساعي … يا لقومي من للندى والسماح
يا لعطّافنا ويا لرياح … وأبي الحشرج الفتى النفّاح
من شواهد سيبويه المجهولة، والبيت الثاني شاهد على أنّ اللام في المعطوف فتحت ك «لام» المعطوف عليه لإعادة «يا»، فأبي الحشرج معطوف على يا لعطّافنا، وعطّاف ورياح وأبو الحشرج أعلام رجال، والنفّاح: الكثير النفح، أي: العطية.
رثى هذا الشاعر رجالا من قومه وقال: لم يبق للعلا والمساعي من يقوم بها بعدهم.
[الخزانة/ 2/ 154، وسيبويه/ 1/ 319، والمقتضب/ 4/ 257].

11 - وأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرجال بمنتزاح
لإبراهيم بن هرمة يرثي ابنه، وقوله: منتزاح مصدر ميمي فعله انتزح. ينتزح، أي:
بعد، وأنت بمنتزح من كذا، أي: بعيد منه، والشاهد «منتزاح» أصله «منتزح» لكنه لما اضطر لإقامة الوزن أشبع فتحة الزاي، فنشأت عن هذا الإشباع ألف، ولا يعجبني هذا القول في تعليل مجيء القافية على هذه الصورة، فالشاعر لم يضطر إلى ذلك وزنا، لأن الشاعر الفحل لا يعجز عن الإتيان بكلمة مناسبة لوزن بيته، وتكون متمشية على سنن العربية، ولولا أن الشاعر سمع أهل الفصاحة يقولون الكلمة ما قالها بل إن ذوقه الأدبي هذاه إلى هذا الاستعمال، فالشاعر حزين على فراق ولده، وما من حزين إلا يمدّ صوته في أواخر الكلمات التي يندب بها الفقيد، فهو لا يتصوّر نفسه واقفا على منبر يخطب الناس وإنما هو يبكي، وقد اختار الشاعر مدّ فتحة الزاي، ولم يختر مدّ كسرة الحاء، لأن الفتحة التي صارت ألفا أرأف بحال الحزين، حيث إنّ مدة الألف أرقّ من مدّة الياء.
أقول هذا: لأنّ النحويين سامحهم الله أكثروا من القول بلجوء الشعراء إلى الضرورات، ليساير الشعر رأيهم الذي وضعوه في النحو، فنسبوا فحول الشعراء إلى الخطأ ... وما دام هذا المدّ قد كثر في الشعر لماذا لم يجعلوه قاعدة مباحة، بدلا من القول إنه من الضرورة الشعرية؟ وبذلك ندفع عن شعرنا هجمات الأعداء الذين قصّوا قوافي القصائد ولجؤوا إلى الشعر الحرّ، ركونا إلى ما يقال: إن القافية تؤدي إلى الحشو، والضرائر. [الإنصاف
(1/248)

25، والخصائص/ 2/ 316، والخزانة/ 7/ 557].

12 - فتى ما ابن الأغرّ إذا شتونا … وحبّ الزاد في شهري قماح
قاله مالك بن خالد الهذلي، وقوله: فتى ما، معناه فتى أيّ فتى، فما، صفة لفتى، وقوله: إذا شتونا، لأن الشتاء عند العرب زمن القحط، لهذا يكون الكرم نادرا وقوله:
حبّ - بضم الحاء: فعل مدح مثل نعم، وشهرا قماح - بضم القاف وكسرها هما كانون الأول، وكانون الثاني، آخر شهر وأول شهر من السنة الشمسية، والشاهد: «فتى ما، ابن الأغرّ» تقدم فيها الخبر «فتى» على المبتدأ (ابن الأغرّ) ولا يصح جعل «فتى» مبتدأ، لأنه نكرة، وابن الأغرّ معرفة، وأصل الكلام «ابن الأغر فتى ما إذا شتونا». [الإنصاف/ 66، واللسان «قمح»، وأشعار الهذليين/ 3/ 5].

13 - إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا … قبرا بمرو على الطريق الواضح
البيت من شعر زياد الأعجم، من قصيدة يرثي بها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ومرو: أشهر مدن خراسان.
والشاهد فيه: قوله «ضمنا» فإنّ ضمّن: فعل ماض مسند إلى ضمير المؤنث وهو الألف العائدة إلى السماحة والمروءة، وكان من حقه أن يؤنث هذا الفعل فيقول: ضمّنتا، لأن كل فعل أسند إلى ضمير مؤنث يجب تأنيثه، فترك الشاعر في هذا البيت تأنيث الفعل، وذلك شاذّ لا يقاس عليه وربما أعاد الضمير إلى مضاف محذوف تقديره: إن خلق السماحة وخلق المروءة. [الإنصاف/ 763، والشذور/ 169، والعيني/ 2/ 502].

14 - أخاك أخاك إنّ من لا أخا له … كساع إلى الهيجا بغير سلاح
البيت منسوب إلى إبراهيم بن هرمة، أو لمسكين الدارمي.
أخاك: الأولى: مفعول به لفعل محذوف وجوبا تقديره الزم أخاك، والثانية: توكيد للأولى، لا أخا له: لا نافية للجنس، أخا: اسمها مبني على فتح مقدر على الألف، خبره (له) الجار والمجرور، والشاهد: (أخاك أخاك) فإنّ الشاعر ذكرهما على سبيل الإغراء، وهذا من النوع الذي يجب معه حذف العامل، لأنه كرر اللفظ المغرى به. [سيبويه/ 1/ 129، والشذور/ 222، والهمع/ 1/ 170، والخزانة/ 3/ 65].
(1/249)

15 - سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا
هذا البيت للشاعر المغيرة بن حبناء، وحبناء أمه: كنى بتركه منزله لبني تميم عن أنهم لا يحافظون على حرمة
جارهم، ولا يرعون حقوقه.
والشاهد: قوله «فأستريحا» حيث نصب المضارع، الذي هو «أستريح» بعد فاء السببية، مع أنها ليست مسبوقة بطلب أو نفي، وذلك ضرورة في الشعر، وقد يروى البيت «لأستريحا» ولا ضرورة فيه حينئذ. [سيبويه/ 4/ 23، والمفصل/ 1/ 279، والشذور/ 222، والهمع/ 1/ 77، وج 2/ 10، 16، والأشموني/ 3/ 305، وشرح المغني/ 4/ 114، والخزانة/ 8/ 522].

16 - يا ناق سيري عنقا فسيحا … إلى سليمان فنستريحا
البيت لأبي النجم العجلي، واسمه الفضل بن قدامة، وقوله: ناق، مرخّم ناقة، عنقا:
بفتح العين والنون، ضرب من السير السريع. فسيحا: واسع الخطى، سليمان: هو سليمان بن عبد الملك، يأمر ناقته أن تسرع السير به حتى يصل إلى ممدوحه، ليعطيه العطاء الجزل. يا ناق: منادى مرخم مبني على الضم في محل نصب ... عنقا: مفعول مطلق مبيّن للنوع وأصله صفة لموصوف محذوف وتقدير الكلام سيري سيرا عنقا.
والشاهد: قوله فنستريحا، حيث نصب المضارع الذي هو نستريح بأن مضمرة وجوبا، بعد فاء السببية الواقعة في جواب الأمر (سيري). [سيبويه/ 1/ 421، وشرح المفصل/ 7/ 26، والشذور/ 305، والهمع/ 1/ 182، والأشموني/ 3/ 302].

17 - فكلتاهما قد خطّ لي في صحيفة … فلا العيش أهواه ولا الموت أروح
الشاهد: كلتاهما قد خطّ، حيث أعاد الضمير إلى كلتاهما مفردا في قوله «قد خطّ» فدلّ ذلك على أن لكلتا جهة إفراد، وهي جهة لفظه، لأنه من جهة المعنى، مثنى باتفاق العلماء، وكان على الشاعر أن يقول «قد خطت» بتاء التأنيث، لأن الفاعل ضمير يعود على «كلتاهما» المؤنثة اللفظ. [الإنصاف/ 446].

18 - بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى … وصورتها أو أنت في العين أملح
بدت: أي: ظهرت، وقرن الشمس: أولها عند طلوعها، أو أول شعاعها ورونق الضحى: أوله، والشاهد: أو أنت أملح، فقد استدل الكوفيون بهذا البيت على أن «أو»
(1/250)

بمعنى «بل» فكأنّ الشاعر قال (بدت مثل) ثم رأى أنها أعلى من ذلك، فأضرب عما قال أولا، فقال: بل أنت أملح، والمعنى يطلب ما قال الكوفيّون. [الخزانة/ 11/ 65، الإنصاف/ 478، وديوان ذي الرمة/ 857].

19 - ربع عفاه الدهر طولا فانمحى … قد كاد من طول البلى أن يمصحا
منسوب إلى رؤبة بن العجاج، والربع: المنزل، ويروى «رسم»، وهو ما بقي من آثار الديار، وعفا: درس، وقوله: عفاه، يكون الفعل متعديا، مثل محاه يمحوه، وقوله:
يمصح: أي: يذهب. والشاهد قوله: أن يمصحا حيث اقترن المضارع الواقع خبرا لكاد بأن المصدرية، ومذهب سيبويه أنّ الأكثر بدون (أن) وأن ما جاء مقرونا بأن، ضرورة شعرية، وتشبيها بعسى، وسيبويه صادق في حدود ما وصل إليه من النصوص، ولكن اقتران خبر كاد بأن كثير ومنه في الحديث الشريف، في شأن أمية بن أبي الصلت «كاد أن يسلم» وفي حديث عمر «ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب»، وأما الشعر فهو كثير. [الإنصاف/ 566، وشرح المفصل/ 7/ 121، والخزانة/ 9/ 347].

20 - يا ليت بعلك قد غدا … متقلّدا سيفا ورمحا
البيت لعبد الله بن الزّبعري، والشاهد: «متقلدا سيفا ورمحا»، فعطف «رمحا» على «سيفا» والرمح لا يتقلد، فلا يقال: تقلّد فلان رمحه، والتخريج في مثل هذا: أن ينصب «رمحا» بفعل مقدر مناسب، أو يتضمن العامل الأول «متقلد» معنى يصلح تسليطه على المعطوف. [الإنصاف/ 612، وشرح المفصل/ 2/ 50، والهمع/ 2/ 51، والأشموني/ 2/ 172، والخصائص/ 2/ 431].

21 - أبت لي عفّتي وأبى بلائي … وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإمساكي على المكروه نفسي … وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات … وأحمي بعد عن عرض صحيح
الأبيات للشاعر عمرو بن الإطنابة، والإطنابة اسم أمه، وهو عمرو بن زيد مناة، والشاهد في البيت الثالث، يخاطب الشاعر نفسه، ويقول لها اثبتي عند الخوف في المعركة، و «مكانك» اسم فعل أمر، و «تحمدي» مضارع مجزوم في جواب الأمر، مع أنه
(1/251)

مدلول عليه بصيغة اسم الفعل. [المفصل/ 4/ 74، والشذور/ 335، وشرح أبيات المغني/ 4/ 243، والهمع/ 2/ 13، والأشموني/ 3/ 312].

22 - نحن اللذون صبّحوا الصّباحا … يوم النّخيل غارة ملحاحا
البيت منسوب إلى عدد من الشعراء، ولم يتفقوا أو يرجحوا واحدا منهم. وقوله:
صبّحوا الصباحا، معناه: جاؤوا بعددهم وعددهم في وقت الصباح مباغتين للعدو.
والنّخيل: بالتصغير اسم مكان، لعله شرق المدينة النبوية على بعد مائة كيل.
والصباحا: تعرب ظرف زمان. غارة: مفعول لأجله ويجوز أن يكون حالا بتأويل المشتق، أي: مغيرين. وملحاحا: مأخوذ من قولهم: ألحّ المطر، إذا دام وأراد أنها غارة شديدة تدوم طويلا. والشاهد «اللذون» حيث جاء به بالواو في حالة الرفع، ولكنه لا يكون معربا بالواو، وإنما يكون مبنيا على هذه الصورة كما يبنى على صورته بالياء والنون، ولم أعرف من الذي سمعه من فصحاء البادية، بهذه الصورة. [الأشموني/ 1/ 149، وشرح أبيات المغني/ 6/ 253، والخزانة/ 6/ 23].

23 - وقد كنت تخفي حبّ سمراء حقبة … فبح لان منها بالذي أنت بائح
البيت لعنترة بن شداد، وقوله: لان: أي: الآن. فحذف همزة الوصل والهمزة التي بعد اللام، ثم فتح اللام لمناسبة الألف. وقيل: هي لغة في (الآن).
والشاهد: قوله: (بالذي أنت بائح) حيث استساغ الشاعر حذف العائد على الاسم الموصول من جملة الصلة، لكونه مجرورا بمثل الحرف الذي جرّ الموصول وهو الباء.
والعامل في الموصول متحد مع العامل في العائد مادة، الأول: «بح»، والثاني: (بائح) ومعنى: لأنهما جميعا من البوح، بمعنى الإظهار والإعلان. [الخصائص/ 3/ 90، والأشموني/ 1/ 93، والعيني/ 1/ 478].

24 - هلّا سألت النّبيتيّين ما حسبي … عند الشتاء إذا ما هبّت الريح
وردّ جازرهم حزما مصرّمة … في الرأس منها وفي الأصلاء تمليح
إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتها … ولا كريم من الولدان مصبوح
هذه الأبيات لرجل من بني النّبيت بن مالك - من اليمن - وكان قد اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند امرأة يقال لها «ماوية» يخطبونها، فآثرت حاتما عليهما ... والرجل
(1/252)

يفخر بقومه حين الجدب، حيث يكونون كرماء. والشاهد في البيت الثالث. وقوله:
اللقاح: النوق الحلوب. أصرّتها: جمع صرار، وهو خيط يشدّ بها رأس الضرع لئلا يرضعها ولدها، وإنما تلقى الأصرة حين لا يكون فيها درّ في سنيّ القحط، وقوله:
مصبوح: شرب اللبن في الصباح.
إذا: أداة شرط، اللقاح: اسم للفعل «غدت» المحذوف، فعل الشرط يدل عليه المذكور بعده، وخبره محذوف يدل عليه
ما بعده والتقدير: إذا غدت اللقاح ملقى أصرّتها. وغدت الثانية: فعل ناقص واسمها مستتر. وملقى: خبره وهو اسم مفعول.
وأصرّتها: نائب فاعل ل ملقى.
لا: نافية للجنس، كريم: اسمها مبني على الفتح، من الولدان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لكريم. مصبوح: خبر لا.
والشاهد فيه: ذكر خبر لا النافية، لكونه ليس يعلم إذا حذف، وقد يحذف إذا دلّ عليه دليل، كقولهم: لا بأس - ولا ضير. [شرح المفصل/ 1/ 107، والخزانة/ 4/ 217].

25 - إذا سايرت أسماء يوما ظعينة … فأسماء من تلك الظعينة أملح
هذا البيت لجرير، وقوله: سايرت: جارت وباهت، الظعينة: أصله الهودج تكون فيه المرأة، ثم نقل إلى المرأة في الهودج بعلاقة الحالّية والمحلّية، ثم أطلقوه على المرأة مطلقا، راكبة أو غير راكبة.
والشاهد «من تلك .. أملح» حيث قدم الجار والمجرور، على أفعل التفضيل (أملح) في غير الاستفهام، وذلك شاذ، لأن أفعل التفضيل إذا كان مجردا من (أل والإضافة) جيء بعده ب (من) جارة للمفضّل عليه، نحو «زيد أفضل من عمرو»، ولا يتقدم الجار والمجرور على اسم التفضيل إلا إذا كان المجرور اسم استفهام نحو «ممن أنت خير»؟.
[الأشموني/ 3/ 52، والتصريح/ 2/ 103].

26 - ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت … عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا … إليها صدى من جانب القبر صائح
البيتان لتوبة بن الحميّر، صاحب ليلى الأخيلية. والجندل: الحجر. والصفائح:
الحجارة العراض التي تكون على القبور. زقا: صاح. الصدى: ذكر البوم، أو ما تسمعه
(1/253)

في الجبال كترديد لصوتك. يريد: أن ليلى الأخيلية لو سلّمت عليه بعد موته وهو في القبر، لسلّم عليها أو لناب عنه في تحيتها صدى يصيح من جانب القبر.
والشاهد: وقوع الفعل المستقبل في معناه بعد «لو» وهذا قليل، وهو مستقبل وإن كان معناه ماضيا، لأنه لم يمت بعد. وقوله: ولو أن ليلى .. أن واسمها وخبرها، والمصدر المؤوّل: إمّا مبتدأ خبره محذوف، أو فاعل لفعل محذوف، تقديره: لو ثبت. [شرح المغني/ 5/ 39، والهمع/ 2/ 64، والأشموني/ 4/ 38].

27 - الآن بعد لجاجتي تلحونني … هلّا التقدّم والقلوب صحاح
البيت مجهول القائل يقول: أبعد لجاجتي وغضبي وامتلاء قلوبنا بالحقد تلومونني، وتتقدمون إليّ بطلب الصلح وغفران ما قدمتم من الإساءة. وهلا كان ذلك منكم قبل أن تمتلئ القلوب إحنة، وتحمل الضغينة عليكم بسبب سوء عملكم.
والشاهد: قوله: هلّا التقدّم، حيث ولي أداة التحضيض اسم مرفوع، فيجعل هنا فاعلا لفعل محذوف، لأنّ أدوات التحضيض مخصوصة بالدخول على الأفعال وهذا الفعل ليس في الكلام فعل آخر يدلّ عليه ... ومثل هذا البيت، بيت في حرف «التاء» «إلا رجلا ...
تبيت»، في بعض تخريجاته. [العيني/ 4/ 474، وابن عقيل/ 3/ 116].

28 - وضيف جاءنا والليل داج … وريح القرّ تحفز منه روحا
فطرت بمنصلي في يعملات … خفاف الأيد يخبطن السّريحا
البيتان للشاعر مضرّس بن ربعي الأسدي، يفخر بكرمه. قوله: وضيف الواو: واو ربّ، وجملة جاءنا صفة، وجملة والليل داج: حال، وجملة ريح القرّ: معطوفة على جملة الحال، والقرّ: البرد، وتحفز: تدفع، كأنّ هذا الضيف لما قاسى من شدة البرد ضعفت روحه، فصارت ريح القرّ، تدفع روحه من جثته لتخرجها منه. وقوله: فطرت: الجملة معطوفة على جواب ربّ المحذوف، أي: وربّ ضيف جاءنا، تلقيته بالإكرام، والمنصل:
السيف، اليعملات: بفتح أوله وثالثه، جمع يعمله، وهي الناقة القوية على العمل.
وخفاف: جمع خفيفة ويروى (دوامي الأيدي) دميت أيديها من شدة السير ووطئها على الحجارة، ويخبطن السريحا: أي: يطأن بأخفافهنّ الأرض، وفي الأخفاف السريح وهي خرق تلفّ بها أيدي الإبل إذا دميت وأصابها وجع، وقوله: بمنصلي: في موضع الحال
(1/254)

من (التاء)، أي: أسرعت ومعي سيفي، وأقبلت على اليعملات فعقرت ناقة منها، وأطعمت لحمها لضيفي، يريد أنه نحر لضيفه راحلة من رواحله وهو مسافر مع احتياجه لهنّ.
والشاهد في البيت الثاني: حذف الياء من (الأيدي) لضرورة الشعر واكتفى بالكسرة الدالة عليها، ويروى: خفاف الوطء ولا حذف فيه. [سيبويه/ 1/ 9، و 2/ 291، والإنصاف 545، وشرح المغني 4/ 336].

29 - تغيّرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذي طعم ولون … وقلّ بشاشة الوجه المليح
هذان البيتان منسوبان إلى أبينا آدم عليه السّلام، وقد يكون قالهما، ولكن ليس بلفظهما، وإنما قال معناهما، أو أن الشاعر ترجم عن حال آدم عليه السّلام عند ما قتل قابيل أخاه هابيل، أما واضع لفظ البيتين فهو من المتقدمين، وقد يكون من أهل القرن الثاني الهجري، وفي النصف الثاني على وجه التحديد، عند ما بدأت مسائل النحو في الظهور، وبدأ الصراع بين الآراء. ولأنّ البيتين ذكرا في قصة بمجلس ابن دريد، المتوفى سنة 325 ه، وكان أبو بكر ابن دريد يحفظهما، وقد أنشدهما واحد ممن يحضر مجلسه، فشيوع البيتين في أيام ابن دريد دليل على أنّ واضعهما متقدم.
والشاهد: وقلّ بشاشة بنصب «بشاشة» دون تنوين، حيث حذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة. وبشاشة: نكرة منتصبة على التمييز. والوجه: مرفوع، فاعل «قلّ» والمليح: بالرفع صفة الوجه، ومنهم من يرفع «بشاشة» مضافة إلى الوجه، وتكون فاعل «قلّ» والمليح: مجرور، ويكون في البيت إقواء، والرواية للشاهد، على نصب «بشاشة».
[الإنصاف/ 662، والهمع/ 2/ 156].

30 - فما حسن أن يمدح المرء نفسه … ولكنّ أخلاقا تذمّ وتمدح
قال في كتاب «الجمل» وإذا قدموا خبر «ما» كان في تقديم الخبر رفع ونصب، فالرفع على الابتداء، وخبره، والنصب على تحسين الباء، (كذا) وذكر البيت، قال: «وينصب».

31 - دامنّ سعدك لو رحمت متيّما … لولاك لم يك للصبابة جانحا
البيت مجهول القائل، والمتيّم: الذي جعله الحب تيما وهو العبد، والصبابة: الشوق،
(1/255)

وقيل: رقته، وجانحا: مائلا، ولو: للتمني، وقيل: للشرط وجوابها محذوف، يدل عليه ما قبلها.
والشاهد في البيت: تأكيد الفعل الماضي بنون التوكيد، وهو شاذ، وهو من الضرائر الشعرية، وجملة دامنّ سعدك: دعائية، والمعنى: ليدم سعدك. [الهمع/ 2/ 78، والأشموني/ 3/ 213، وشرح أبيات المغني/ 6/ 43].

32 - لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى … تباريح من ليلى فللموت أروح
البيت للشاعر ذي الرّمة، والتباريح: العذاب والمشقة، ويذكرون البيت شاهدا على زيادة لام القسم قبل أداة
الشرط (إن) والجواب (فللموت أروح) يكون للشرط، لأنه جاء مقرونا بالفاء والمذهب السائد أنه إذا اجتمع قسم وشرط، يكون الجواب للسابق، وأقرب ما قيل: مذهب ابن مالك، بجواز الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره وتبقى اللام للقسم.
[شرح أبيات مغني اللبيب ج 4/ 366، وديوان الشاعر/ 1212].

33 - أتقرح أكباد المحبّين كالذي … أرى كبدي من حبّ ميّة تقرح
البيت للشاعر ذي الرّمة، ومعنى «تقرح» تضعف، وقد ذكر ابن هشام هذا البيت شاهدا على أن أحد النحويين يرى أنّ (الذي) في البيت بمعنى (أن) وأنّ (أن) تأتي بمعنى الذي ويكون المعنى كرؤية كبدي تقرح، ومع قبول المعنى، فإنه يكون مقبولا أيضا قولنا: مثل الذي أرى كبدي تقرح. [ديوان ذي الرّمة/ 1194، وفيه (.. المحبين كلهم .. كما كبدي من ..) فلا شاهد فيه وشرح أبيات المغني/ 7/ 175].

34 - رأيت رجالا يكرهون بناتهم … وفيهنّ - لا تكذب - نساء صوالح
وفيهنّ - والأيام يعثرن بالفتى - … عوائد لا يمللنه ونوائح
البيتان للشاعر معن بن أوس المزني؛ مخضرم عاش حتى أيام ابن الزبير، وقوله في البيت الأول - لا تكذب - لا: ناهية، وتكذب، بالبناء للمجهول، ومعناه «لا يقل لك كذبا»، أي: لا تسمع كذبا فيكذبوا في القول عندك. وجملة - لا تكذب - معترضة بين المبتدأ والخبر (وفيهن نساء).
وعوائد: جمع عائدة من عيادة المريض. وقد ذكر ابن هشام البيت الثاني شاهدا على
(1/256)

أنّ جملة «والأيام يعثرن بالفتى» معترضة بين المبتدأ والخبر. [الهمع/ 1/ 247، وشرح أبيات المغني/ 6/ 186].

35 - فلا، وأبي دهماء، زالت عزيزة … على قومها ما فتّل الزّند قادح
البيت مجهول القائل، ودهماء: اسم امرأة. وذكره ابن هشام شاهدا على اعتراض الجملة القسمية (وأبي دهماء) بين «لا» وبين «زالت». والأصل «فو أبي دهماء لا زالت عزيزة» وأحسن منه أن نقول إن «لا» التي تسبق «زال» محذوفة، كما في قوله تعالى:
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: 85]، ويؤيّد هذا التفسير رواية أخرى للبيت هي «لعمر أبي دهماء زالت عزيزة»، وعلى هذا تكون «لا» في أول البيت، لردّ شيء ذكر قبلها، أي: فليس الأمر كذلك، وأبي دهماء. كما قيل في قوله تعالى: لا، أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: 1] على أنّ «لا» لنفي كلام سابق، وجملة «لا زالت» في البيت، جواب القسم. و (ما) من
قول «ما فتّل» مصدرية ظرفية، يريد بها استمرار الحدث، وقد بقي هذا المصدر الظرفي مستمرا حتى أيامنا هذه، مع أنه متعلق ببعض العادات البائدة، إلا أنّ هذه العادة رجعت مع الحضارة في صورة القدّاحة. [الخزانة/ 9/ 237، شرح أبيات المغني/ 6/ 223، والهمع/ 2/ 156].

36 - لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم … فلا يك منكم للخلاف جنوح
البيت مجهول القائل، وفيه شاهد على أنّ «لدن» مضاف إلى الجملة الفعلية، و «وفاقكم» مفعول «لزمنا» والجنوح: الميل. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 6/ 286].

37 - تركت بنا لوحا ولو شئت جادنا … بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
البيت لجرير بن عطية من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان، واللوح: العطش، فعله لاح يلوح، وجادنا: أروانا، بعيد: تصغير لتقريب الزمن، وشبه ريقها بالثلج وأضافه إلى كرمان، لأنّ ثلجه كثير لا ينقطع عنه، ناصح: خالص، صفة للثلج، يعني: أن ريقها يوجد باردا كالثلج عقب النوم بلا فاصلة، وهذا غاية في اعتدال المزاج، لأن الريق ورائحة الفم يتغيران في النوم، والشاهد في البيت (جادنا بعيد الكرى ثلج) حيث نقل ابن هشام أنّ الظرف «بعيد» لا يتعلق بالفعل «جاد» لضعفه في المعنى. وقالوا: ربما يكون الظرف متعلقا ب «ثلج» لما فيه من معنى الفعل وهو وإن كان جامدا فإن فيه معنى «بارد»،
(1/257)

وهو تكلّف لا يغني، والأحسن منه أن يضمن الفعل جاد معنى «سقى» ويكون المعنى «سقانا بعيد الكرى». [شرح أبيات المغني/ 7/ 153، والخزانة/ 5/ 267].

38 - ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطّوائح
البيت للشاعر نهشل بن حرّي من قصيدة رثى بها يزيد بن نهشل، والشاعر إسلامي عاصر الفرزدق وجريرا، والضارع: الذليل، والمختبط: طالب الحاجة من غير وسيلة لها.
تطيح: تهلك، والطوائح: الدواهي، والمعنى: يبكي عليه اثنان، مظلوم وطالب حاجة. والخلاف جار في «ليبك» أما من بناه للمعلوم، أعرب «ضارع» فاعلا ويزيد:
مفعول به مقدم، ومن بناه للمجهول: جعل «ضارع» فاعلا لفعل محذوف، يزيد: نائب فاعل للفعل «يبكى».
والرواية الأولى هي الأصح عند أهل الرواية، والرواية الثانية من تصحيفات النحويين.
[سيبويه/ 1/ 145، والهمع/ 1/ 160، والأشموني/ 2/ 49، والخزانة/ 1/ 303].

39 - وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما … أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح
البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، يرثي صديقا. وقوله: سيّان؛ مثنى «سيّ» بالكسر، بمعنى «مثل»، وسرحت الإبل. رعت بنفسها، وسرحتها: يتعدى، ولا يتعدى، والنّعم: الإبل، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقوله: (بها) الضمير يعود على السنة المجدبة، أو على البقعة التي يصفها بالجدب في القصيدة. واغبرّت: اسودّت في عين من يراها، والسوح: جمع ساحة. والواو: للحال، و «قد» مقدّرة، أي: وقد اغبرت السوح.
وسيّان: مبتدأ: خبره المصدر المؤول «أن لا يسرحوا» أو «سيّان» خبر، والمبتدأ ...
المصدر المؤول، وهو الأقوى في المعنى، لأنّ قصده الإخبار عن السرح وعدمه بأنهما سيّان، وليس المراد الإخبار عن سيّين بأنهما السّرح وعدمه.
والشاهد في البيت: أنّ «أو» في البيت بمعنى الواو، أي: لمطلق الجمع لأن سواء، وسيين يطلبان شيئين، فلو جعلت (أو) لأحد الشيئين - كما هو معناها الأصلي - لكان المعنى: سيّان أحدهما، وهذا مستحيل. والذي حسّن استخدام «أو» بمعنى الواو، لأننا نقول: «اقرأ الفقه أو الحديث». ويجوز الجمع بينهما، فيقرأ العلمين معا. [الخزانة/ 5/ 134، وشرح أبيات المغني/ 2/ 30، وشرح المفصل/ 2/ 86، وج 8/ 91 وشعر الهذليين/ 1/ 197].
(1/258)

40 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو … بعاقبة وأنت إذ صحيح
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، يخاطب قلبه، ويذكّره بما كان من وعظه له في ابتداء الأمر، وزجره من قبل استحكام الحبّ، فيقول: دفعتك عن طلب هذه المرأة بعاقبة، أي:
بآخر ما وصيتك به.
وقد ذكر ابن هشام هذا البيت شاهدا على أن الأخفش قال: الأصل في «إذ» في البيت «حينئذ» فحذف (حين) المضاف وبقي الجرّ.
ولكن ابن جني، قال في «سرّ الصناعة» (إذ) في البيت مبنية، وكذلك شأنها عند ما تكون مركّبة من (حينئذ) فالسكون هنا لالتقاء الساكنين، سكون الذال، وسكون العوض من الجملة التي حذفت بعدها. [الخزانة/ 6/ 539، وشرح المفصل/ 3/ 29، وج 9/ 31، وشرح أبيات المغني/ 2/ 198، والأشموني/ 1/ 56].

41 - فقد والله بيّن لي عنائي … بوشك فراقهم صرد يصيح
لم يعرف قائل البيت، وقوله: عنائي: العناء الحبس في شدة وذلّ، يقال: عنا الرجل يعنو، عنّوا وعناء، إذا ذلّ لك، وعنّيته أعنّيه، تعنية: إذا أسرته فحبسته مضيقا عليه، قال عليه السّلام «اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان»، أي:
كالأسرى، وقوله: بوشك فراقهم، الباء: متعلقة ب «يصيح» ووشك البين: سرعة الفراق، والصّرد: بضم الصاد وفتح الراء: وهو طائر أبقع يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم، ولا تراه إلا في شعبة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد. وكان من عادة العرب في الجاهلية التشاؤم بأصوات الطيور، كالغراب والبوم، والصّرد. وقد نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن قتل أربع: «النملة، والنحلة، والصّرد والهدهد» ونهى عن قتل الصّرد، لأن العرب كانت تطيّر بصوته وهو الواقي عندهم فنهي عن قتله ردّا للطيرة.
والشاهد في البيت: الفصل بين (قد) الحرفية والفعل «بيّن» بالقسم، وهي في الأصل مع الفعل كالجزء لا تفصل عنه إلا بالقسم. [شرح أبيات المغني/ 4/ 89، والخصائص/ 1/ 330، ج 2/ 390].

42 - يا بؤس للحرب التي … وضعت أراهط فاستراحوا
البيت من قطعة للشاعر سعد بن مالك، جدّ طرفة بن العبد، وهي الحماسية 167،
(1/259)

يقولها الشاعر بمناسبة حرب البسوس، يعرّض بقعود الحارث بن عباد عن الحرب، فإن الحارث كان قد اعتزل الحرب مع قومه حين هاجت بين بكر وتغلب، لقتل كليب. قال المرزوقي: ومعنى البيت أنه على وجه التعجب، دعا بؤس الحرب التي حطت أراهط فأذلتهم حتى استسلموا للأعداء وحالفوا الراحة وآثروا السلامة. وهذا الكلام فيه مع القصد إلى التعجب تهكم وتعيير كأنه أراد: ما أبأس الحرب التي فعلت ذلك، وقوله:
فاستراحوا، فيه تهكم وبيان لاستغنامهم ذلك وميلهم إليه.
والشاهد في البيت على أن اللام في قوله (يا بؤس للحرب) مقحمة بين المتضايفين لتوكيد الاختصاص. [حماسة/ 500، وسيبويه/ 1/ 315، وشرح المفصل/ 2/ 10، 105].

43 - من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح
البيت للشاعر سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس، شاعر جاهلي، وهو يفخر بخوضه الحرب. وقوله: لا براح، مصدر برح الشيء براحا إذا زال من مكانه. والشاهد في قوله (لا براح) على أنّ «لا» هنا عاملة عمل ليس، وبراح: اسمها والخبر محذوف تقديره:
لي، ولم يقدروها مهملة والرفع بالابتداء، لأنها إذا أهملت، واجبة التكرار، قالوا:
ويجوز ترك التكرار في الشعر، وجملة «لا براح» حال مؤكدة لقوله «أنا ابن قيس» كأنه قال: أنا ابن قيس ثابتا في الحرب، وإتيان الحال بعد «أنا ابن فلان» كثير، كقوله: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي» وقيل الجملة في محل رفع خبر بعد خبر، ويجوز نصب «ابن قيس» على الاختصاص، فيتعين جملة (لا براح) كونها خبرا لأنا، وهو أفخر
وأمدح.
[سيبويه/ 1/ 28، 354، والإنصاف/ 367، وشرح المفصل/ 1/ 108، والخزانة/ 1/ 467، وج 4/ 39، وشرح أبيات المغني/ 4/ 376، والأشموني ج 1/ 254، والهمع/ 1/ 125، والحماسة/ 506].

44 - ما باله لاحظته فتضرّجت … وجناته وفؤادي المجروح
ورمى وما رمتا يداه فصابني … سهم يعذّب والسهام تريح
البيتان للمتنبي من قصيدة مدح بها مساور بن محمد الرومي. يقول في البيت الأول:
إن فؤادي هو المجروح بنظره إليه، فما بال وجناته تضرّجت بالدم.
والشاهد في البيت الثاني، على أن الألف في «رمتا» حرف يدل على اثنين. ويداه
(1/260)

فاعله، وسهم: فاعل صابني، وهو لغة في «أصاب»، وقد تنازع في «سهم» عوامل ثلاثة «رمى» و (ما رمتا) و «صابني» والأولان يطلبانه مفعولا والثالث يطلبه فاعلا، فأعمل الثالث لقربه، وأضمر للأولين وحذف لأنه فضلة، يقول: رماني بلحظه، ولم يرمني بيديه، فأصابني سهم لحظه ولم أمت فبقيت معذّبا، وعادة السهام تقتل، فتريح.

45 - وقبل غد يا لهف نفسي من غد … إذا راح أصحابي ولست برائح
البيت لأبي الطّمحان القيني؛ شاعر إسلامي اسمه حنظلة بن الشرقي. والبيت من قطعة يرثي فيها نفسه، ويصف قبره وما يكتب على القبر، أوردها صاحب العقد الفريد وهي في الحماسة أيضا. وقوله: وقبل غد، أي: قبل موتي في غد، وقوله: من غد: أي: على نفسي إذا متّ في غد. والشاهد في البيت، على أنّ «إذا» في موضع جرّ بدلا من (غد).
ولا يجوز أن تكون «إذا» ظرفا (للهف) لانقلاب المعنى، ألا ترى أنه لا يريد أن يتلهف وقت رواح أصحابه وتأخره عنهم، وإنما يريد: أتلهف الآن لغد ومن أجله وأجل ما يحدث فيه. [شرح أبيات المغني/ 2/ 229].

46 - عسى طيّئ من طيّئ بعد هذه … ستطفئ غلّات الكلى والجوانح
البيت للشاعر الجاهلي قسامة بن رواحة السّنبسي، من قطعة في كتاب الحماسة.
وطيّئ مهموز الآخر على وزن «السيد»، وقد تخفف الهمزة فيبقى على وزن «ميّ»، والكلى: جمع كلية، أو كلوة. والغلّة: حرارة العطش، قالوا: والغلّة تكون في القلب، ولكنه أراد المبالغة، أي: تجاوز القلب، والكبد إلى الكلية، وقال الخوارزمي: إن سئل:
أيّ غلة للكلى حتى أضيفت إليها؟
أجيب: بأن المزاج عند ورود الهموم والأحزان عليه مما ينفعل ويسخن، فإذا سخن المزاج حمي البول واحتدّ، والبول ممره على الكلى، فكأنه قال: ستطفى الغلل التي يظهر أثرها في البول.
والشاهد في البيت: قوله: (ستطفئ) على أنّ اقتران الفعل الواقع خبرا، ل «عسى» بالسين، نادر وسهل اقترانها به، كونها قائمة مقام «أن» لكونهما للاستقبال حيث أن خبر عسى يكون مقرونا ب (أن).
وإنما قال: عسى طيئ من طيئ، لأن القتال كان بين بطنين منهما. وقوله: «بعد
(1/261)

هذه» إشارة إلى الحالة الحاضرة، والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع القصار، والمعنى: المطموح فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل وإن كانوا أخروه إلى هذه الغاية، فتسكن نفوس وتبرد قلوب. [الخزانة/ 9/ 341، شرح المفصل/ 7/ 118].

47 - ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح
البيت لجرير بن عطية، من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان، مطلعها:
أتصحو أم فؤادك غير صاح … عشيّة همّ صحبك بالرواح
والشاهد في البيت قوله «ألستم» على أن الهمزة فيه للإنكار الإبطالي فإن كان ما بعدها نفيا كما هنا، لزم ثبوته، لأن نفي النفي إثبات، وبهذا صار البيت مدحا، ومعناه التقرير:
أي: أنتم خير من ركب المطايا، وقد قالوا: إنّ هذا البيت أمدح بيت قاله جرير، أو قالته الشعراء، وليس كما قالوا: لأن الشاعر كاذب في هذا البيت، فأندى العالمين بطون راح، هو محمد صلّى الله عليه وسلّم. ولا يصحّ تفضيل عبد الملك على عالمي أهل زمانه، فقد كان في عصره الصحابة، وهم أندى منه وأكرم وأشجع، لأنهم جاهدوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا أجوادا مع قلة ما بأيديهم، بل كان ما بأيديهم من كدّ يمينهم وعملهم، أما عبد الملك فقد كان يجود على الشعراء من بيت مال المسلمين، وليس للشعراء حقّ فيه. فقد كانوا يعطون الأموال للشعراء لإذاعة المحامد الكاذبة، كما تعطي الدول اليوم الأموال للصحف ووكالات الأنباء لتضليل الناس بإذاعة منجزات من نسج الخيال. أقول: ولا يدخل هذا البيت في قولهم «أعذب الشعر أكذبه» لأن المراد بالكذب، هو الكذب الفنّي، والخيال التصويري، والاستعارات البديعة، كقول الشاعر:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس … وسقت وردا وعضت على العنّاب بالبرد
[شرح أبيات المغني/ 1/ 47، وشرح المفصل/ 8/ 123، والخصائص/ 2/ 463].

48 - أبحت حمى تهامة بعد نجد … وما شيء حميت بمستباح
البيت لجرير في مدح عبد الملك بن مروان، ويقول له: ملكت العرب وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهامة: ما سفل من بلاد العرب، ونجد: ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب. و (ما) حرف نفي.
وشيء: مرفوع بالابتداء، وحميت: الجملة صفة، بمستباح: خبر المبتدأ. ولا يجوز
(1/262)

نصب «شيئا» ب «حميت» لأنه لو فعل ذلك لوجب أن يقول: وما شيئا حميت مستباحا، ويكون مستباحا نعتا لشيء، والنعت لا يكون. فيه الباء زائدة، وينقلب معنى المدح، ويصير: وما حميت شيئا مستباحا، أي: حميت شيئا محميّا، وليس فيه مدح. [سيبويه/ 1/ 45، 66، والتصريح/ 2/ 112، وشرح أبيات المغني ج 7/ 82].
والشاهد في البيت: أنّ جملة «حميت» صفة (لشيء) والرابط محذوف، أي: حميته، لأن النعت مع المنعوت كالصلة مع الموصول، والحذف في الصلة حسن، فضارعه النعت في الحذف.

49 - فما أدري وظنّي كلّ ظنّ … أمسلمني إلى قوم شراح
ليزيد بن مخرّم الحارثي، وقد روي بلفظ «أمسلمني» للاستشهاد به على أن إلحاق نون الوقاية للوصف المضاف إلى الياء شاذّ. والرواية على أنه «أيسلمني» ولا شاهد فيه، وقوله شراح: يريد (شراحيل) حذفت الياء واللام، من باب الضرورة الشعرية. [الهمع/ 1/ 65، وشرح أبيات المغني/ 6/ 56].

50 - هم اللاؤون فكّوا الغلّ عنّي … بمرو الشاهجان وهم جناحي
البيت لأحد الهذليين وذكروه شاهدا على أنّ بني هذيل، يقولون اللاؤون في الرفع، واللائين في الجرّ والنصب. [شرح المغني/ 6/ 255، والهمع/ 1/ 83].

51 - فإن لا مال أعطيه فإني … صديق من غدوّ أو رواح
والشاهد فيه: أنّ الأصل «فإن أكن» و «لا» النافية للجنس، وجملة «أعطيه» خبرها، وجملة «لا مال أعطيه» خبر أكن المحذوفة، والمفعول الأول من أعطيه محذوف تقديره:
أعطيكموه، وجملة (فإني) جواب الشرط، و «من» في البيت بمعنى (في). [شرح أبيات المغني/ 7/ 223].

52 - لو أنّ حيّا مدرك الفلاح … أدركه ملاعب الرّماح
البيت من شعر لبيد، وملاعب الرماح: أراد: ملاعب الأسنة، عامر بن مالك وهو عمّ لبيد بن ربيعة، وهو شاعر صحابي، والشاهد فيه على أنّ خبر (أنّ) بعد لو، قد جاء وصفا، اسم فاعل. [شرح أبيات المغني/ 5/ 102].
(1/263)

53 - بعيد الغزاة فما إن يزا … ل مضطمر طرّتاه طليحا
البيت لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الزبير، وكان الشاعر قد صاحبه في غزو إفريقية، وبها مات أبو ذؤيب. وقوله: بعيد الغزاة، أي: يبعد في غزو الأعداء، والغزاة: الغزوة، والمضطمر: الضامر، والطّرّة: الكشح والجنب، والطليح:
المعيى، من عناء الغزوة.
والشاهد فيه حذف الهاء من «مضطمرة» لأن فاعله «طرتاه» مؤنث مجازي، كما قرأ أبو عمرو «خاشعا أبصارهم». [سيبويه/ 1/ 238، والخصائص ج 2/ 413].

54 - دأبت إلى أن ينبت الظلّ بعد ما … تقاصر حتى كاد في الآل يمصح
وجيف المطايا ثم قلت لصحبتي … ولم ينزلوا أبردتم فتروّحوا
البيت للراعي، يذكر مواصلته السير إلى الهاجرة وأنه نزل بعد ذلك مبردا بأصحابه ثم راح سائرا. ودأبت: واصلت السير، ينبت الظل: يأخذ في الزيادة بعد زوال الشمس، والآل: الشخص، يمصح: يذهب، يصف الظهيرة عند ما ينتعل كلّ شيء ظله، والوجيف:
سير سريع، أبردتم: دخلتم في برود العشي، تروحوا: سيروا رواحا.
والشاهد: نصب «وجيف» على المصدر المؤكد لمعنى «دأبت». [سيبويه/ 1/ 191، والإنصاف/ 231].

55 - وما الدهر إلا تارتان فمنهما … أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
البيت للشاعر تميم بن مقبل. تارتان: مثنى تارة: وهي الحين، والمرّة وألفها واو، يقول: لا راحة في الدنيا، فوقتها قسمان: موت مكروه لدى النفس وحياة كلها كدح ومعاناة المشقة للكسب، وقدّم الموت ليعبر عن ضجره.
والشاهد في البيت حذف الاسم لدلالة الصفة عليه، والتقدير: فمنها تارة أموت فيها.
[سيبويه/ 1/ 376، والمقتضب/ 2/ 138، والهمع/ 2/ 120].

56 - إذا لقي الأعداء كان خلاتهم … وكلب على الأدنين والجار نابح
البيت مجهول القائل، من شواهد سيبويه، والخلاة: الرطبة من الحشيش وهي واحدة
(1/264)

الخلا، يصفه بضعفه عن مقاومة أعدائه، فهو سهل المأكل إذا لقوه ولكنه إذا لقي أهله وعشيرته تنمّر وصار
كالكلب النابح.
والشاهد فيه: رفع «وكلب» حيث حملت على الابتداء، والتقدير وهو كلب. [سيبويه/ 1/ 251].

57 - وعلمي بأسدام المياه فلم تزل … قلائص تخدي في طريق طلائح
وأني إذا ملّت ركابي مناخها … فإني على حظّي من الأمر جامح
البيتان للشاعر ابن مقبل (تميم)، وأسدام: جمع سدم بالتحريك: وهو الماء المتغير لقلة الورّاد. أراد أنه عالم بمياه الفلوات حسن الدلالة بها. وتخدي: تسرع، والطلائح:
المعيية لطول السفر، جمع طليح، وصف للبعير والناقة.
وفي البيت الثاني: يريد: إذا ملّت الإبل الإناخة والارتحال، يعني توالي الأسفار، والجامح: الماضي على وجهه، أي: لا يكسرني طول السفر ولكنني أمضي قدما لما أرجو من الحظ من أمري.
والشاهد في البيت الثاني: كسر (إنّ) الثانية على الاستئناف، ولو فتحت حملا على (أنّ) الأولى تأكيدا أو تكريرا، لجاز. [سيبويه/ 1/ 467].

58 - فإن تمس في قبر برهوة ثاويا … أنيسك أصداء القبور تصيح
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، يرثي رجلا. وثاويا: مقيما، والأصداء: جمع صدى، وهو طائر يقال له الهامة، تزعم الأعراب أنه يخرج من رأس القتيل إذا لم يدرك بثأره فيصيح:
اسقوني، اسقوني، حتى يثأر به. وهذا مثل، وإنما يراد به تحريض وليّ المقتول على طلب دمه، فجعله جهلة الأعراب حقيقة.
والشاهد في البيت: جعله الأصداء، أنيس المرثيّ، اتساعا ومجازا، لأنها تقوم في استقرارها بالمكان وعمارتها له مقام الأناسي، وهو تقوية لمذهب بني تميم في إبدال ما لا يعقل ممن يعقل، فيجعلون «ما في الدار أحد إلا حمار» بمنزلة «ما في الدار أحد إلا فلان» والنصب في مثل هذا أجود، لأنه استثناء منقطع، وهو لغة الحجازيين.
[الخزانة/ 3/ 315، وسيبويه/ 1/ 364].
(1/265)

59 - بل هل أريك حمول الحيّ غادية … كالنّخل زيّنها ينع وإفضاح
البيت لأبي ذؤيب الهذلي. والحمول: الإبل عليها الهوادج أو: هي الهوادج، وينع:
من أينع، أي: أدرك، والإفضاح: من أفضح: حين تدخل ثمرة النخلة الحمرة والصفرة، يعني: البسر. والشاهد في
البيت وقوع (بل) للإضراب، أي لترك شيء من الكلام وأخذ في غيره. والبيت بلغ قمة الجمال الفني في الصورة المبهجة المفرحة. [سيبويه/ 2/ 306].

60 - والحرب لا يبقى لجا … حمها التخيّل والمراح
إلا الفتى الصبّار في النّ … جدات والفرس الوقاح
البيتان نسبهما سيبويه للحارث بن عباد، وفي الحماسة لسعد بن مالك. وقد مضى من القطعة بيت في حرف الحاء (لا براح). وجاحم الحرب: معظمها وأشدها، وقوله:
لجاحمها، أي: بسبب جاحمها أو عند جاحمها، التخيّل: الخيلاء والتكبّر. والمراح:
بالكسر، المرح واللعب. والنجدات: جمع نجدة وهي الشدة. الوقاح: وزن سحاب:
الصلب الحافر، وإذا صلب حافره صلب سائره. والشاهد فيه إبدال «الفتى» من التخيّل والمراح، على الاتساع والمجاز. [سيبويه/ 1/ 366، والحماسة/ 501، والخزانة/ 3/ 317].

61 - إن ترينا قليّلين كما ذي … دعن المجربين ذود صحاح
البيت لقيس بن الخطيم. وقوله: ذيد: من الذود، وهو الدفع والتنحية. والمجرب:
الذي جربت إبله. والذّود: القطيع من الإبل من الثلاث إلى العشر. يقول: نحن وإن قلّ عددنا، فليس بيننا لئيم، فنحن كالإبل الصحيحة التي قلل عددها تنحية الجرب عنها.
والشاهد فيه تحقير قليل: على قليّل وجمعه بالواو والنون، لئلا يتغير بناء التحقير لو كسّر. [سيبويه/ 2/ 141].

62 - ألا ربّ من قلبي له الله ناصح … ومن هو عندي في الظّباء السوانح
البيت للشاعر ذي الرّمة. وقوله: الظباء السوانح: ما أخذ عن يمين الرامي فلم يمكنه رميه حتى ينحرف له، فيتشاءم به. ومن العرب من يتيمّن به، لأخذه من الميامن. وقد جعله ذو الرمة مشؤوما لمخالفة قلبها وهواها لقلبه وهواه، والمعنى: ألا ربّ من قلبي له
(1/266)

بالله ناصح، أي: أحلف بالله، فحذف حرف الجرّ الذي هو الباء.
والشاهد فيه هنا: تنكير (من) ووصفها بقوله «ناصح» كما أنّ لفظ الجلالة في البيت منصوب على نزع الخافض، وهو باء القسم. [سيبويه 1/ 271، 2/ 144، وشرح المفصل/ 9/ 103، وديوانه/ 1861].

63 - وارتشن حين أردن أن يرميننا … نبلا بلا ريش ولا بقداح
ونظرن من خلل الخدور بأعين … مرضى مخالطها السّقام صحاح
البيتان للشاعر ابن ميّادة المرّي من غطفان. ويقال: ارتاش السهم إذا ركّب عليه الريش. والنبل: السهام. والقداح: جمع قدح - بالكسر - وهو السهم قبل أن يراش.
يصف نساء أصبن القلوب، بفتور أعينهنّ وحسنها وشبه أشفارهن - أشفار العيون - بالريش. وخلل الخدور: فرجها. يعني أنهنّ مصونات. وذكر أنّ فتور أعينهنّ لغير علّة بها.
والشاهد في البيت الثاني: «مخالطها» إذ وصف بها النكرة «أعين» لما في مخالطها من نيّة التنوين وإغفال الإضافة ولذا جرى مجرى الفعل، ورفع ما بعده. [سيبويه/ 1/ 227، والخزانة/ 5/ 24].

64 - يا لقوم من للعلى والمساعي … يا لقوم من للنّدى والسّماح
البيت من شواهد سيبويه المجهولة القائل، يرثي رجالا من قومه، والمساعي: مآثر أهل الشرف والفضل واحدها: مسعاة. يقول: ذهب من يقوم بذلك بعدهم، ويتلوه بيت آخر وهو:
يا لعطّافنا ويا لرياح … وأبي الحشرج الفتى النّفّاح
وهو يذكر أسماء رجال من قومه، والنّفاح: الكثير العطاء.
والشاهد فيه: إدخال لام الاستغاثة على المستغاث به مفتوحة. [سيبويه/ 1/ 319، وشرح المفصل/ 1/ 128، والهمع/ 1/ 180].

65 - ونبكي على زيد ولا زيد مثله … بريء من الحمّى سليم الجوانح
(1/267)

والشاهد فيه «ولا زيد مثله»، أريد بالعلم واحد ممن سمي به، فصحّ أن يكون اسما ل «لا» النافية للجنس. ومنه قول عمر: قضية ولا أبا حسن لها. أي: هذه قضية ولا فيصل لها يفصلها. [الهمع/ 1/ 145، والخزانة/ 4/ 57].

66 - إنّ قوما منهم عمير وأشبا … ه عمير ومنهم السفّاح
لجديرون بالوفاء إذا قا … ل أخو النجدة: السلاح السلاح
الشاهد: قوله: السلاح السلاح، حيث رفع المكرر في الإغراء، على أنه خبر لمبتدأ محذوف. [الأشموني/ 3/ 193، والهمع/ 1/ 170].

67 - لها أذن حشر وذفرى أسيلة … ووجه كمرآة الغريبة أسجح
البيت لذي الرّمة. وأذن حشر: صغيرة لطيفة مستديرة. ويستحب في البعير أن يكون حشر الأذن، وكذلك يستحبّ
في الناقة. والذّفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وهما ذفريان ووجه أسجح: حسن معتدل. وخصّ مرآة الغريبة: وهي التي تتزوج غريبة في غير قومها، فلا تجد في نساء ذلك الحيّ من يعنى بها ويبيّن لها ما تحتاج إلى إصلاحه من عيب أو نحوه، فهي محتاجة إلى مرآتها التي ترى فيها ما ينكره فيها من رآها، فمرآتها لا تزال أبدا مجلوّة.
ويروى البيت (وخدّ كمرآة الغريبة ..). وذفرى: لا تنون لأن ألفها للتأنيث. [لسان - سجح، والديوان/ 1217، وشرح المفصل/ 4/ 62].

68 - لو كان مدحة حيّ منشرا أحدا … أحيا أباكنّ يا ليلى الأماديح
البيت لأبي ذؤيب، من قصيدة رثى بها رجلا، كان صديقا له قتل في وقعة. وأنشده السيوطي على أن فيه ضرورة تذكير المؤنث. ولكن الشطر الأول يروى: لو أنّ مدحة حيّ أنشرت أحدا، ولا ضرورة فيه. [الهمع/ 2/ 157، واللسان (مدح)].

69 - فبينا الفتى في ظلّ نعماء غضّة … تباكره أفياؤها وتراوح
إلى أن رمته الحادثات بنكبة … يضيق بها منه الرّحاب الفسائح
البيتان للشاعر: مصاد بن مذعور. وأنشدهما السيوطي، على أن «بينا» تستدعي جوابا، وقد يحذف هذا الجواب. [الهمع/ 1/ 212].
(1/268)

70 - وإنّ من النّسوان من هي روضة … تهيج الرياض قبلها وتصوّح
البيت لجران العود ... ، وهذا لقبه، ولا يعرف اسمه. والجران: بالكسر: باطن العنق الذي يضعه البعير على الأرض، إذا مدّ عنقه لينام، وكان يعمل منه الأسواط. والعود:
المسنّ من الإبل. وإنما قيل له جران العود، لأنه تزوج امرأتين فرأى منهما أذى، فقال في ذمهما:
عمدت لعود فالتحيت جرانه … وللكيس أمضى في الأمور وأنجح
خذا حذرا يا ضرّتيّ فإنني … رأيت جران العود قد كاد يصلح
وقال من الأبيات:
خذا نصف مالي واتركا لي نصفه … وبينا بذمّ فالتعزّب أروح
وقوله في البيت ... الشاهد: وتصوّح: يقال صوّح البقل: تمّ يبسه. [العيني - ج 1/ 492، وشرح التصريح ج 1/ 140].

71 - لولا زهير جفاني كنت منتصرا … ولم أكن جانحا للسّلم إن جنحوا
والبيت في الأشموني ج 4/ 50، أورده شاهدا على أن جواب لولا المثبت قد يخلو من اللام.

72 - بنا أبدا لا غيرنا يدرك المنى … وتكشف غمّاء الخطوب الفوادح
البيت بلا نسبة في العيني/ 4/ 166.

73 - وما أنا من رزء وإن - جلّ - جازع … ولا بسرور بعد موتك فارح
للشاعر أشجع السّلمي، من قصيدة رثائية في حماسة أبي تمام، مضت بعض أبياتها.
قال المرزوقي: ولو قال بدل «جازع» و «فارح» جزع وفرح، كان أفصح وأكثر لأن فعل إذا كان لازما فالأجود والأقيس في مصدره «فعل» وفي اسم الفاعل «فعل» وإذا كان متعديا فبابه «فاعل» وقد قيل في المريض مارض، وفي السليم سالم. وقوله «ولا بسرور» أي:
ولا بذي سرور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. [الحماسة بشرح المرزوقي ج 2/ 858].
(1/269)

74 - فكأنّما نظروا إلى قمر … أو حيث علّق قوسه قزح
البيت للحكم بن عبدل الأسدي، من شعراء الدولة الأموية. والبيت من قطعة في حماسة أبي تمام يمدح رجلا اسمه ابن بشر، ويذكر موكبه. يقول: عند ما مر موكب الممدوح، فكأنما نظر الناس إلى قمر، أو نظروا إلى حيث يتراءى للناظرين قوس قزح.
فقوله: أو حيث: يجوز أن يكون معطوفا على قمر، فيكون المعنى: نظروا إلى قمر أو إلى مكان قوس قزح. ويجوز أن يكون «حيث» في موضع الظرف، وكأنه قال: نظروا إلى قمر أو نظروا حيث علق قوسه قزح وجعل قزح فاعلا على اعتقاد من يعتقد أن قزح اسم شيطان، وعند النحويين أن قولهم قوس قزح، كحمار قبان وما أشبهه، وإذا كان كذلك لم يصلح الإخبار عن المضاف إليه. [شرح الحماسة للمرزوقي ص 1884، والهمع/ 2/ 146].

75 - أقام ببغداد العراق وشوقه … لأهل دمشق الشام شوق مبرّح
البيت بلا نسبة في الهمع/ 2/ 49، والأشموني 2/ 244.

76 - لقد كان لي عن ضرّتين - عدمتني … وعمّا ألاقي منهما متزحزح
البيت لجران العود، قيل: اسمه «المستورد»، وقيل: «عامر» يقول: لقد كان لي متزحزح عن الجمع بين ضرّتين بأن لا أتزوج ثنتين لو كنت أعلم ما سيكون لي من الشقاء وما ينالني من التعب.
والشاهد: عدمتني: حيث استعمله كأفعال القلوب فجمع معه بين ضمير الفاعل وضمير المفعول وهما لواحد، وهو المتكلم. والأصل أن المفعول إذا كان ضمير الفاعل اتصل به لفظ النفس فتقول: أكرمت نفسي، ولا تقول: أكرمتني - بضم التاء، وتقول: أكرمت نفسك ولا يجوز أن تقول: أكرمتك بفتح التاء، ويغتفر هذا في أفعال القلوب وما حمل عليها. [شرح المفصل ج 7/ 89].

77 - ألا إنّ جيراني العشيّة رائح … دعتهم دواع للهوى ومنادح
البيت لحيّان بن جبلة المحاربي في الهمع 2/ 182، ومعجم ما استعجم 173.
والشاهد «منادح» حذف الياء منها، والأصل «مناديح» لأنها جمع «مندوحة»
(1/270)

والمندوحة: السعة، وأرض مندوحة: واسعة بعيدة.

78 - مرّت بنا في نسوة خولة … والمسك من أردانها نافحه
... والشاهد «والمسك ... نافحه» والتقدير: «ورائحة المسك نافحة»، حيث قام المضاف إليه مقام المضاف في التأنيث. [الهمع/ 2/ 51، والأشموني/ 2/ 272].

79 - دان مسفّ فويق الأرض هيدبه … يكاد يدفعه من قام بالراح
البيت لأوس بن حجر، أو لعبيد بن الأبرص، وهو في وصف سحاب. والمسف:
شديد الدنوّ من الأرض. وهيدب السحاب، ما تهدّب منه كالخيوط.
[الخصائص/ 2/ 126، والشعر والشعراء ج 1/ 136].

80 - قلت لقوم في الكنيف تروّحوا … عشيّة بتنا عند ما وان رزّح
البيت لعروة بن الورد من ثلاثة أبيات في حماسة أبي تمام ج 1/ 464. والكنيف:
الحظيرة من الشجر، و «ماوان» اسم مكان. ورزّح: جمع رازح، وهو المهزول الضعيف.
والمعنى: بعثتهم على السير في الرواح وإن كانوا متساقطي القوى، كالّين. وتقدير البيت:
قلت لقوم رزح عشية بتنا عند ماوان في الكنيف، تروّحوا ففصل بأجنبي بين الموصوف «لقوم» والصفة «رزّح» وهذا شاذ. [الهمع/ 2/ 116].

81 - بينا كذاك رأيتني متلفّعا … بالبرد فوق جلالة سرداح
البيت لابن ميادة. والجلالة: الناقة العظيمة. والسرداح: الناقة الطويلة، وقيل: الكثيرة اللحم. نقل البغدادي في شرح أبيات المغني ج 2/ 181 «وقال: أبو حيان في تذكرته أنشد أبو علي البيت ...»، الكاف: زائدة، وذاك: مبتدأ خبره
محذوف، تقديره: بينا ذاك شأني. وقال البغدادي في الخزانة ج 7/ 73: وقال أبو علي في إيضاح الشعر أنشد ثعلب أحمد بن يحيى قول الشاعر (البيت أضاف «بينا» إلى الكاف. كما يضاف إلى المصدر، ولا يكون الكاف حرفا لأن الاسم لا يضاف إلى حرف). [والهمع/ 1/ 212].

82 - أريد صلاحها وتريد قتلي … وشتّا بين قتلي والصلاح
البيت لجميل بثينة. وهو شاهد على وقوع «بين» منصوبة فاعلا. فقوله: (وشتا) أصله
(1/271)

شتان، وحذفت النون للضرورة. ويجوز رفع «بين» إذا لم يسبقها «ما». [الخزانة/ 6/ 278، والهمع/ 2/ 156].

83 - جاء شقيق عارضا رمحه … إنّ بني عمّك فيهم رماح
الشاهد لحجل بن نضلة، في المؤتلف والمختلف، ودلائل الإعجاز/ 213.

84 - إنّما نحن كشيء فاسد … فإذا أصلحه الله صلح
البيت للأعشى.
(1/272)

قافية الخاء
1 - إذا الرّجال شتوا واشتدّ أكلهم … فأنت أبيضهم سربال طبّاخ
رواه أهل اللغة الموثقون، ونسبة بعضهم إلى طرفة بن العبد، يهجو عمرو بن هند.
وقوله: شتوا، أي: صاروا في زمن الشتاء، وهو زمن القحط. وقوله: واشتد أكلهم، أي: تعسّر على أكثرهم الحصول على الأكل. وأبيضهم سربال طباخ، كناية عن البخل، لأن طباخه لا تتسخ ثيابه لأنه لا يطبخ. والشاهد: «أبيضهم» حيث اشتق أفعل التفضيل من البياض، وهذا ما يقول به الكوفيون ويأباه البصريون، وحجة الكوفيين قوية في جواز التعجب، والتفضيل من البياض والسواد، وحجج البصريين مبنية على علل من صنعهم.
[الإنصاف/ 149، والمفصل/ 6/ 93، واللسان (بيض)].

2 - ألا يا غراب البين قد هجت لوعة … فويحك خبّرني بما أنت تصرخ
أبا لبين من لبنى؟ فإن كنت صادقا … فلا زال عظم من جناحك يفضخ
ولا زلت من عذب المياه منفّرا … ووكرك مهدوم وبيضك مشدخ
ولا زال رام قد أصابك سهمه … فلا أنت في أمن ولا أنت تفرخ
وأبصر ت قبل الموت لحمك منضجا … على حرّ جمر النار يشوى ويطبخ
الأبيات لقيس بن ذريح، وهي من أرقّ الشعر وأعذبه، يلين لها الصخر ويجاوبها كلّ جماد وأعجم.
والشاهد في الأبيات في أغلب جملها، فإنها خبريّة لفظا إنشائية معنى، لأن المقصود بها الدعاء. ومعنى يفضخ: يكسر، وكذلك «مشدخ». [الإنصاف/ 255].

3 - والله لولا أن تحشّ الطّبّخ … بي الجحيم حين لا مستصرخ
هذا رجز رواه أهل اللغة، ولم ينسبوه، وحشّ النار يحشّها حشّا، أي: جمع لها ما
(1/273)

تفرق من الحطب وأوقدها. والطبّخ: الملائكة الموكلون بعذاب الكفار. والشاهد: «لا مستصرخ» حيث رفع الاسم الواقع بعد «لا» النافية التي بمعنى ليس، وأجاز قوم رفع ما بعدها على الابتداء. وتكون «لا» ملغاة. وقال قوم بل هي عاملة عمل ليس، ولكنها لو كانت مهملة لوجب تكرارها، وبهذا يرجح قول من أعملها. [سيبويه/ 357، والإنصاف/ 368، والهمع/ 1/ 125، واللسان «طبخ، حشش»].
(1/274)

قافية الدال المهملة
1 - وفي كتب الحجّاج أنساب معشر … تعلّمها، منّا يزيد ومزيدا
الشاهد: (منّا) فعل ماض بمعنى «كذّبنا» ولذلك نصب به «يزيد».

2 - إنّما أمّ خالد يوم جاءت … بغلة الزّينبيّ من قصر زيدا
أم: أي شجّ، وهو فعل مبني للمجهول، خالد: نائب فاعل. وقوله: من: فعل أمر من المين، وهو: الكذب، ومن: كذّب وفاعله مستتر. زيدا: مفعول به، أي: كذب زيدا. وقصر: منادى مبني على الضم.

3 - إنّا بني تغلب قوم معاقلنا … بيض السيوف إذا ما أقرع البلد
الشاهد نصب «بني» على الاختصاص. إنّا: إنّ واسمها. قوم: خبرها، معاقلنا:
مبتدأ، أو خبر مقدم. بيض: خبر، أو مبتدأ مؤخر.

4 - فإن لم أصدّق ظنّهم بتيقّن … فلا سقت الأوصال منّي الرواعد
ويعلم أعدائي من الناس أنّني … أنا الفارس الحامي الذّمار المذاود
الأوصال: جمع وصل، وهو المفصل. والرواعد: جمع راعدة، وهي السحابة ذات الرعد. والشاهد: «ويعلم» ويجوز فيها الرفع على الاستئناف، والنصب بأن مضمرة بعد الواو. والجزم بالعطف على جواب الشرط، ولكن الجزم هنا في الشعر يكسر البيت.
هكذا وجدته في كتاب «الجمل» المنسوب للخليل والبيتان في ديوان حسان بن ثابت.

5 - يا قلّ خير الغواني كيف رغن به … فشربه وشل فيه وتصريد
قاله الأخطل. وراغ به: خدعه، والوشل: بفتحتين: ماء في الجبل يقطر شيئا بعد شيء، وأراد به القليل. والتصريد: التقطيع.
(1/275)

والشاهد: «يا، قلّ»، أراد: يا رجل قلّ خير الغواني، اكتفى بحرف النداء عن إظهار الاسم.

6 - ما أنت لي قائما فتجبرني … ولا أمير عليّ مقتلد
قوله: لي قائما: من قولهم: قام للأمر، إذا تولاه وتفرد به. ويجبر: يهين ويذل.
والمقتلد: المفوض المستبدّ، والشاهد: ما أنت ... قائما. ولا أمير. قال في كتاب «الجمل» فإن قلت «ما زيد قائما ولا منطلق عمرو» رفعت على الابتداء لأنه ليس من سبب الأول فتحمل عليه.

7 - آت الرزق يوم يوم فأجمل … طلبا وابغ للقيامة زادا
البيت مجهول القائل. آت: اسم فاعل من «أتى» و «أجمل» أمر من الإجمال، وهو الإحسان.
و «آت»: خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة. الرزق: مبتدأ مؤخر. والشاهد قوله: «يوم يوم» حيث ركب الظرفين معا وجعلهما بمنزلة اسم واحد، فتضمنا معنى حرف العطف فبناهما على فتح الجزءين، ولو لم يركبهما معا لأعربهما وأضاف الأول إلى الثاني.
[الشذور/ 73، والهمع/ 1/ 196، والدرر/ 1/ 167].

8 - تباعد منّي فطحل إذ سألته … أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
البيت مجهول القائل (1). وفطحل: اسم رجل. سألته، أي: دعوته ليغيثني من المكروه. والشاهد قوله «أمين» بوزن قدير، وبصير، بهمزة واحدة ليس بعدها ألف، وهي لغة في «آمين» الممدودة، وهو اسم فعل أمر مبني على الفتح وقوله: بعدا: مفعول ثان للفعل: (زاد). [شذور، والأشموني/ 3/ 197، والمفصل/ 4/ 34].

9 - سعاد التي أضناك حبّ سعادا … وإعراضها عنك استمرّ وزادا
البيت مجهول القائل، والشاهد فيه قوله: «التي أضناك حب سعاد» حيث وضع الاسم الظاهر «سعاد» في آخر
الشطر الأول موضع الضمير، فربط به جملة الصلة والأصل أن
__________
(1) البيت لجبير بن الأضبط، انظر: المشوف المعلم 1/ 79 (الناشر).
(1/276)

يقول: سعاد التي أضناك حبها، وهو ضرورة في الشعر ولا يجوز في غيره. [الشذور/ والأشموني/ 1/ 146، 162].

10 - ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغى … وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
البيت من معلقة طرفة بن العبد. أراد: هل تضمن لي البقاء بزجرك إياي ومنعك لي من منازلة الأقران.
ألا: أداة استفتاح، أيهذا: أي: منادى بحرف نداء محذوف، مبني على الضم. وهذا:
اسم إشارة، نعت لأي. الزاجري: بدل من اسم الإشارة. وأحضر: مضارع يروى بالنصب بأن المصدرية المحذوفة، ويروى مرفوعا لتجرده من الناصب والجازم. والشاهد قوله: أيّ هذا الزّاجري: حيث نعت أي: باسم الإشارة، ثم نعت اسم الاشارة بالاسم المحلى بأل، وهذا هو الغالب إذا نعت «أي» باسم الإشارة. وشاهد آخر: نصب (أحضر) بحرف مصدري محذوف في لغة الكوفيين، وذلك لعطف (وأن أشهد) عليه، ومنه المثل:
(تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، والبصريون يرفعون الفعلين في البيت والمثل. [شذور الذهب/ 153، وابن عقيل/ 4/ 89، والدرر/ 2/ 12، والهمع/ 2/ 17، وسيبويه/ 1/ 452].

11 - لقد علم الأقوام ما كان داءها … بثهلان إلّا الخزي ممّن يقودها
قال صاحب كتاب «الجمل» ويرفعون ما كان أهمّ إليهم، لا يبالون اسما كان أم خبرا، إذا جعلوه اسما، وهنا: جعل «الخزي» اسما و «داءها» خبرا. وثهلان: اسم جبل.

12 - فيا ساريا بالليل لا تخش ضلّة … سعيد بن سلم ضوء كلّ بلاد
شاهد على نصب النكرة غير المقصودة في النداء وهو قوله «يا ساريا».

13 - ألم تر أنّا بني دارم … زرارة فينا أبو معبد
البيت للفرزدق. والشاهد: بني دارم، نصب (بني) على الاختصاص لأنه لا يريد أن يخبر وإنما أراد أن يخصّ قوما بالمدح. [سيبويه/ 1/ 327].

14 - كأنّه خارجا من جنب صفحته … سفّود شرب نسوه عند مفتأد
(1/277)

قاله النابغة الذبياني. والسفود: حديدة يشوى بها اللحم، والشرب: شاربو الخمر والمفتأد: مكان الشيّء، يصف قرن ثور في صفحة الكلب، والشاهد: (خارجا) نصبه على الحال، مع أنه نعت لسفود لأن النعت تقدم على المنعوت. [الخزانة/ 3/ 185، والخصائص/ 2/ 275].

15 - فإني لآتيكم بشكري ما مضى … من العرف واستيجاب ما كان في غد
البيت للطرمّاح. والشاهد: (ما كان في غد) جاءت كان بمعنى «يكون»، لأن غدا لم يأت. [الخصائص/ 3/ 331].

16 - كنّا ثمانية وكانوا جحفلا … لجبا فشلّوا بالرّماح بداد
لحسان بن ثابت. ومعنى: فشلّوا، أي: طردوا. والشاهد: بداد: على وزن فعال، بني الاسم على الكسر لأنه بناه على وزن فعال، مثل: نزال، حذام، وإنما خفضها لما فتح أولها، وهي هنا في محل نصب حال، لأنها بمعنى «مبدّدين». [سيبويه/ 2/ 39، والخزانة/ 6/ 363، والهمع/ 1/ 29، والأشموني/ 3/ 270، واللسان «بدد»].

17 - أبت قضاعة أن تعرف لكم نسبا … وابنا نزار، فأنتم بيضة البلد
للراعي النميري. وبيضة البلد، أي: منفردون لا ناصر لهم بمنزلة بيضة قام عنها الظليم ليس لها من يحميها، وكل من رمي بالذل والقلة قيل له: بيضة البلد. والشاهد:
(أن تعرف) حيث جزم الفعل «تعرف» (بأن) فجزم آخر الفعل، كما هو ظاهر من وزن البيت (البسيط). [الخصائص/ 1/ 74 - 2/ 341، والحيوان/ 2/ 336].

18 - ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا … فأخزى الله رابعة تعود
قال في «الجمل» وقد يضمرون في الفعل الهاء، فيرفعون المفعول به، كقولك: «زيد ضربت» على معنى: ضربته، فيرفع زيد بالابتداء، ويوقع الفعل على المضمر، وقوله في البيت (قتلت)، أي: قتلتهنّ. [سيبويه/ 1/ 44، والخزانة/ 1/ 366].

19 - أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن ولا أمية في البلاد
هذا البيت من كلام عبد الله بن الزّبير - بفتح الزاي - الأسدي يقوله في عبد الله بن الزبير ابن العوام، وكان قد طلب جدواه فلم يمنحه شيئا. وأبو خبيب: كنية عبد الله بن
(1/278)

الزبير، وقوله: نكدن: من النكد، وهو شدة العيش وضيقه.
وأرى: ينصب مفعولين، الأول: الحاجات، ... وعند: ظرف متعلق بمحذوف حال من الحاجات، وجملة نكدن: مفعول
ثان، ولا .. الواو: للحال، ولا: نافية للجنس، والشاهد: (لا أمية) حيث أوقع اسم «لا» معرفة لأنّ (أمية) علم، وهو مؤول بأحد تأويلين: إما بأن المراد ما اشتهر به هذا العلم من الصفات، فكأنه قال: ولا كريم في البلاد. وإما بتقدير مضاف، لا يتعرف بالإضافة ل (مثل) فكأنه قال: «ولا مثل أمية في البلاد» فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. [سيبويه/ 1/ 355، والمفصل/ 2/ 102، والشذور/ 210، والهمع/ 1/ 145، والأشموني 1/ 4، والخزانة/ 4/ 61].

20 - لنا معشر الأنصار مجد مؤثّل … بإرضائنا خير البرية أحمدا
قوله: خير: مفعول به للمصدر. أحمد: بدل من خير البرية. والشاهد قوله: معشر الأنصار: حيث نصب معشر، - على الاختصاص - ليفيد به الفخر، واعترضت جملته بين الخبر والمبتدأ (لنا .. مجد). [شذور الذهب/ 217، والهمع/ 1/ 171].

21 - جزى الله ربّ الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا … فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجازى وسؤدد
هذا شعر مروي في قصة الهجرة النبوية، على أنّ الجنّ أنشدته من كان في مكة من المسلمين، فعرفوا به مكان الرسول وصاحبه. وقوله: قالا: نزلا وقت القيلولة. أم معبد:
اسمها عاتكة بنت خالد الخزاعية، فيا لقصيّ: أراد آل قصيّ بن مرّة، وهو أحد أجداد النبي صلّى الله عليه وسلّم. ما زوى الله عنكم، يريد: أي شيء صرفه عنكم من المجد والرفعة بسبب خلافكم على رسول الله وإلجائكم إياه إلى الهجرة.
ربّ الناس: صفة للفظ الجلالة. خير: مفعول ثان ل جزى، ورفيقين: مفعول أول.
قالا: فعل ماض وفاعله. خيمتي: منصوب على الظرفية المكانية بالياء. فيالقصي: يا:
أداة نداء واستغاثة، لقصي: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف نابت عنه (يا)، أو ب (يا) نفسها. ما: استفهامية وهي مبتدأ، خبرها جملة زوى، به: جار ومجرور متعلقان بزوى. (من فعال) متعلقان بحال محذوفة من (ما) الاستفهامية الواقعة مبتدأ.
(1/279)

الشاهد قوله: «قالا خيمتي أم معبد»، فإنه نصب «خيمتي» على معنى (في)، أي: قالا في خيمتي أم معبد، أي: قضيا وقت القيلولة في خيمتي أم معبد ونصب مثل ذلك ضرورة وقعت في شعر من يحتج بكلامهم ولا يقاس عليها، لأن
ظروف المكان المحددة لا تنصب على الظرفية. [السيرة/ 330، والشذور/ 235، والهمع/ 1/ 200].

22 - كادت النفس أن تفيض عليه … مذ ثوى حشو ريطة وبرود
البيت للشاعر محمد بن مناذر يرثي رجلا. ريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، وبرود: جمع برد وهو الثوب، وأراد هنا الأكفان. وقوله: حشو: حال من فاعل ثوى.
والشاهد: «كادت النفس أن تفيض» حيث أتى بخبر كاد فعلا مضارعا مقترنا بأن، وهذا نادر في خبر هذا الفعل. [الشذور/ 273، والأشموني/ 1/ 261، واللسان/ فيظ، وشرح المغني/ 8/ 26].

23 - أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما … أضاءت لك النار الحمار المقيّدا
البيت للفرزدق من قصيدة يهجو فيها جريرا، ويندد بعبد قيس، وهو رجل من عدي ابن جندب وكان جرير قد ذكره في قصيدة له يفتخر فيها.
والشاهد: قوله «لعلما أضاءت» حيث اقترنت «ما» ب «لعل» فكفتها عن العمل في الاسم والخبر وأزالت اختصاصها بالجملة الاسمية ولذلك دخلت على الجملة الفعلية.
[شرح المفصل/ 8/ 54، والشذور/ 279، والهمع/ 1/ 143، والأشموني/ 1/ 284، وشرح المغني/ 5/ 169].

24 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
البيت للنابغة الذبياني من معلقته التي مطلعها:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقوله: فقد، قد: هنا، اسم فعل بمعنى يكفي، أو اسم بمعنى كاف. وهو يذكر زرقاء اليمامة التي كانت تنظر من بعد. وقوله: إلى حمامتنا: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من اسم ليت. فقد: الفاء: فاء الفصيحة، و «قد» خبر لمبتدأ محذوف وتقدير الكلام، إن حصل ذلك فهو كاف لنا. والشاهد: قوله: «ليتما هذا الحمام»، يروى
(1/280)

بنصب حمام، ورفعه، أما النصب فعلى أن ليت عاملة، لم تلغ باتصالها بما، والرفع على أن ليت مهملة، وهو في الحالين بدل. وبناء عليه يروى أو نصفه. بالعطف على النصب أو الرفع. وفيه شاهد أيضا على أن «أو» بمعنى الواو، عند الكوفيين. [سيبويه/ 1/ 272، والإنصاف/ 479، والمفصل/ 8/ 54، والشذور/ 280، والخزانة/ 10/ 251، وشرح أبيات المغني/ 2/ 46].

25 - ودوّيّة مثل السماء اعتسفتها … وقد صبغ الليل الحصى بسواد
هذا البيت للشاعر ذي الرمة (غيلان بن عقبة). والدويّة: الصحراء، واعتسفتها:
قطعتها على غير قصد واضح.
ودوية: الواو واو ربّ. ودوية: مجرور لفظا مرفوع محلا مبتدأ. مثل: صفة، وجملة «اعتسفتها» خبر المبتدأ. وجملة (وقد صبغ الليل): في محل نصب حال.
والشاهد: ودوّيّة: حيث حذف حرف الجرّ الذي هو (ربّ) وأبقى عمله بعد الواو.
[شذور الذهب/ 321، وديوانه/ 685].

26 - ولست بحلّال التّلاع مخافة … ولكن متى يسترفد القوم أرفد
البيت من معلقة طرفة بن العبد. والتلاع: ما ارتفع من الأرض، ويسترفد القوم:
يطلبون الرفد، وهو العطاء. يريد أنني لا أسكن الأماكن المرتفعة بعيدا عن طرق الأضياف، وقوله: بحلال: الباء زائدة، وحلال: خبر ليس. مخافة: مفعول لأجله.
والشاهد: «متى يسترفد .. أرفد»، حيث جزم ب متى فعلين. [سيبويه/ 1/ 442، وشرح المغني/ 7/ 170، والخزانة/ 9/ 66].

27 - إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة … ولم تجدي من أن تقرّي بها بدّا
البيت للشاعر زائد بن صعصعة الفقعسي. و «ما» بعد إذا، زائدة. وقوله: من أن تقرّي: المصدر المؤول مجرور، متعلق بقوله «بدّا» الآتي. وقوله «بدّا» مفعول به للفعل «تجدي». والشاهد: قوله: «لم تلدني»: فإنّ ظاهره أنه ماض في المعنى، حيث نقلت (لم) زمن المضارع إلى الماضي، ولكن هذا الظاهر غير مراد لأن الشاعر يريد أن يقول: إننا إذا تفاخرنا بأنسابنا تبيّن أنني لم تلدني لئيمة، والتبيّن، مستقبل لا ماض.
(1/281)

والشاهد وإن كان في جواب الشرط فإن النحاة ذكروه دليلا على أن الفعل ماضي المعنى في ظاهر الأمر ولكنه عند التأمل يرى مستقبلا، وذلك في سياق ما شرطوه من كون فعل الشرط لا يكون ماضي المعنى، فلا يجوز أن نقول: إن قام زيد أمس أقم معه، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [المائدة: 116] المعنى: «إن يتبين أني كنت قلته».
وقولك: إن قام زيد أقم، سيكون القيام مستقبلا إن شاء الله. [شذور الذهب/ 336، وشرح أبيات المغني/ 1/ 124].

28 - دريت الوفيّ العهد يا عرو فاغتبط … فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد
البيت مجهول القائل. ودريت: مبني للمجهول من «درى» إذا علم، عرو: مرخم عروة. والشاهد: «دريت الوفيّ»، حيث
استعمل الفعل «درى» بمعنى علم، ونصب مفعولين، أولهما: تاء المخاطب الواقعة نائبا عن الفاعل، وثانيهما: الوفيّ. قالوا:
والأكثر في «درى» أن تتعدى إلى واحد بالباء، تقول: دريت بكذا وقال تعالى: وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [يونس: 16] وقد تعدت هنا إلى الكاف بواسطة الهمزة. [الشذور/ 360، والهمع/ 1/ 149، والأشموني/ 2/ 23].

29 - تعلّم رسول الله أنك مدركي … وأنّ وعيدا منك كالأخذ باليد
هذا البيت من قصيدة لأنس بن زنيم الديلي، يقولها بعد فتح مكة معتذرا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأولها قوله:
أنت الذي تهدى معدّ بأمره … بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها … أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
وهي في السيرة لابن هشام.
وتعلّم: فعل أمر بمعنى اعلم. ورسول الله: منادى. والشاهد: تعلم أنك مدركي، حيث استعمل «تعلّم» بمعنى اعلم، ونصب به مفعولين بواسطة أنّ المؤكدة المصدرية.
وهذا هو الأكثر في تعدّي هذا الفعل. فالمصدر المؤول (أنك مدركي) سدّ مسدّ المفعولين. [الشذور/ 362، وشرح المغني/ 7/ 258].
(1/282)

30 - وسمّيته يحيى ليحيا فلم يكن … لأمر قضاه الله في الناس من بدّ
البيت مجهول. يريد أنه سماه يحيى، تفاؤلا له بالحياة، ولكن الموت عاجله. وقوله:
لم يكن، مضارع ناقص مجزوم، لأمر: خبرها مقدم. من بدّ: من: حرف جر زائد، بدّ:
اسم يكن مرفوع بضمة مقدرة، والشاهد: «سميته يحيى»، حيث عدّى الفعل لمفعولين.
[شذور الذهب/ 374].

31 - أتاني أنهم مزقون عرضي … جحاش الكرملين لها فديد
البيت للشاعر زيد الخير، وكان اسمه زيد الخيل فسماه الرسول حين وفد عليه (زيد الخير). وقوله: الكرملين: تثنية كرمل، اسم ماء، وفديد: صوت. يقول: بلغني أن هؤلاء الناس أكثروا من تمزيق عرضي بالطعن والقدح وإنهم عندي بمنزلة الجحاش التي ترد ماء الكرملين وهي تصيح، يريد أنه لا يعبأ بهم لأن أصواتهم تشبه أصوات صغار
الحمير.
قوله: جحاش: خبر لمبتدأ محذوف أي: هم جحاش، و «لها فديد» خبر ومبتدأ، والجملة حال، صاحبها: جحاش الكرملين. والشاهد: «مزقون عرضي»: حيث أعمل صيغة المبالغة وهو قوله «مزقون» عمل الفعل، فنصب به المفعول به (عرضي)، وفيه دليل على أن جمع صيغة المبالغة يعمل كمفردها. [شذور الذهب/ 394].

32 - لأنّ ثواب الله كلّ موحّد … جنان من الفردوس فيها يخلّد
هو شاهد على إعمال اسم المصدر (ثواب) عمل الفعل فنصب المفعول به «كلّ موحد»، بعد أن أضافه لفاعله. [شذور الذهب/ 413، والهمع/ 2/ 95]، والبيت من قصيدة مكسورة الرويّ، وهو فيها على الإقواء بالضم، منسوب لحسان بن ثابت.

33 - أرجو وأخشى وأدعو الله مبتغيا … عفوا وعافية في الرّوح والجسد
البيت مجهول القائل. الشاهد فيه: أرجو وأخشى وأدعو الله، حيث تنازع ثلاثة عوامل وهي الأفعال الثلاثة المتعاقبة، معمولا واحدا وهو لفظ الجلالة، ويجوز أن تجعله معمولا لأيّها شئت، والأولى أن تجعله معمولا لآخرها. وقوله: مبتغيا: حال، من الضمير في «أرجو»، عفوا: مفعول به لقوله: مبتغيا. [شذور الذهب/ 421].
(1/283)

34 - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب … جهارا فكن في الغيب أحفظ للودّ
البيت مجهول. وقوله: جهارا: منصوب على الظرفية عامله أحد الفعلين السابقين.
والشاهد: «ترضيه ويرضيك صاحب»: حيث تنازع العاملان الاسم الذي بعدهما وهو «صاحب» الأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا وقد أعمل فيه الثاني فرفعه على الفاعلية، ثم أضمر مع الأول ضميره، وهذا مما لا يجوز إلا في الشعر. [الشذور/ 423، وشرح المغني/ 6/ 7، والهمع/ 2/ 110، والأشموني/ 2/ 105].

35 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن … تقضى فيرتدّ بعض الروح للجسد
البيت غير منسوب. وهو شاهد على نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، والفعل هو «فأرجو». [الأشموني/ 3/ 302].

36 - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
البيت من معلقة طرفة بن العبد. يقول: إنّ الأيام ستكشف لك ما كان مستترا عنك وستأتيك الأخبار من غير أن تكلف نفسك البحث عنها. وقوله: لم تزوّد: أي: الذي لم ترسله ليبحث عن الأخبار، أو الذي لم تسأله عنها.
والشاهد فيه: «ما كنت جاهلا» حيث حذف العائد إلى الاسم الموصول الذي هو «ما»، وكذلك العائد في قوله «من لم تزود». [شرح المعلقات].

37 - ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد
البيت لأبي نواس. ومعناه: لا ينكر أحد أنّ الله تعالى قادر على أن يجعل جميع الصفات المحمودة في الناس كافة في رجل واحد.
وقوله: بمستنكر: خبر ليس مقدم، و «أن يجمع» المصدر المؤول اسمها مؤخر. وليس في البيت شاهد نحوي، وإنما هو شاهد معنوي على استغراق الكلام للمعاني.

38 - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا … أخنى عليها الذي أخنى على لبد
البيت للنابغة الذبياني. أخنى عليها: أفسدها، ولبد: اسم نسر وكان لبد، فيما زعموا آخر نسور لقمان بن عاد. السبعة التي طلب إلى الله أن يعمّر عمرها. يصف دار أحبابه
(1/284)

بأنها قد تحولت من حال إلى حال، فقد خلت من الإنس ولم يبق بها من سكانها أحد.
والشاهد: استخدام «أمسى» بمعنى «صار» لأنها تدل على التحول، والانتقال من حالة إلى أخرى، فكأنه قال: صارت خالية. [الهمع/ 1/ 114، والأشموني/ 1/ 230، والخزانة/ 4/ 5].

39 - تطاول ليلك بالإثمد … وبات الخليّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة … كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني … وخبّرته عن بني الأسود
هذه الأبيات لامرئ القيس بن عانس، أو عابس بن المنذر، شاعر جاهلي وهو غير امرئ القيس الشاعر المشهور. والإثمد: مكان، والخليّ: الخالي من العشق. العائر:
القذى في العين، الأرمد: المصاب بالرمد.
والشاهد قوله «وبات الخليّ»، وقوله: وبات، وباتت له ليلة حيث استعمل «بات» ثلاث مرات فعلا تاما مكتفيا بفاعله. [الأشموني/ 1/ 236، وشرح أبيات المغني/ 5/ 308].

40 - أزف الترحّل غير أنّ ركابنا … لمّا تزل برحالنا وكأن قد
البيت للنابغة الذبياني. يقول: قد دنا وقت الرحيل ومفارقة الديار ولكن الإبل التي سنرحل عليها لا تزال واقفة لم تفارق ديارنا وهي كالتي قد فارقت لأنها مهيأة معدّة.
والشاهد: وكأن قد: حيث خفف كأنّ وحذف اسمها وأتى بخبرها جملة فعلية، وفصل بين كأن وخبرها ب (قد) وحذف الفعل الذي تدخل (قد) عليه. [شرح المفصل/ 8/ 5، 110، والهمع/ 1/ 143، والأشموني/ 1/ 31].

41 - رأيت الله أكبر كلّ شيء … محاولة وأكثرهم جنودا
البيت للشاعر خداش بن زهير، أحد بني بكر بن هوازن. وقوله: محاولة: تطلق المحاولة على طلب الشيء بحيلة، وتطلق أيضا على القوة، والمعنى الأول لا يليق بجانب الله تعالى، وتعرب في البيت «تمييز» وكذلك «جنودا».
والشاهد استخدام «رأى» دالة على اليقين، فنصبت مفعولين، «الله .. أكبر».
(1/285)

[الأشموني/ 2/ 19، والمقتضب/ 4/ 97].

42 - يا ابن أمّي ويا شقيّق نفسي … أنت خلّفتني لدهر شديد
البيت لأبي زبيد الطائي، واسمه حرملة بن المنذر، من قصيدة رثى بها أخاه.
والشاهد فيه «يا ابن أمي» حيث أثبت ياء المتكلم مع كون المنادى مضافا إلى مضاف إلى ياء المتكلم، ومع كون المضاف إلى ياء المتكلم هو لفظ (أم) وثبوت الياء في هذه الحالة قليل. ويجوز في المنادى المضاف إلى (أم) و (عم) مضافين إلى ياء المتكلم، أربع لغات: نقول: يا ابن أمّ ويا ابن أمّ، وقد قرأت السبعة بهما. والثالثة إثبات الياء - كالشاهد - والرابعة قلب الياء ألفا، يا ابن أما، ويا ابن عما، والأخيرتان قليلتان. [سيبويه/ 1/ 318، وشرح المفصل/ 2/ 12، والهمع/ 2/ 54، والأشموني/ 3/ 157].

43 - فما كعب ابن مامة وابن أروى … بأجود منك يا عمر الجوادا
البيت لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز. وكعب بن مامة: رجل من إياد يضرب به المثل في الكرم والإيثار. وابن أروى: عثمان بن عفان رضي الله عنه. ما: مجازية، كعب: اسمها، بأجود: خبرها، والباء زائدة.
والشاهد فيه قوله: الجوادا: فإنه نعت لعمر، وعمر: منادى مبني على الضم، وقد ورد في البيت بنصب الجوادا، بدليل قوافي القصيدة، فدلّ ذلك على أن نعت المنادى المبني إذا كان مقترنا بأل، جاز فيه النصب، مراعاة لمحل المنادى. ويروى البيت (وابن سعدى بدل ابن أروى) وهو أوس بن حارثة الطائي أحد المشهورين بالكرم، وهو أوثق وأصح، وإلا كان الشاعر كاذبا، فمع تقديرنا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فإننا لا نقدمه على الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو الرجل الذي وردت في حقه الأحاديث النبوية، وكان مضرب المثل في الجود والكرم في سبيل الله، وانظر مناقبه في (صحيح البخاري). [شرح المفصل/ 2/ 299 و 3/ 143، والخزانة/ 4 /
442].

44 - يا لقومي ويا لأمثال قومي … لأناس عتوّهم في ازدياد
البيت مجهول القائل، والمعنى: إني أستغيث بقومي وبأمثالهم في العديد والعدة وفي
(1/286)

الاستجابة لمن يدعوهم، ليدفعوا عني قوما ما يزال طغيانهم يتزايد.
والشاهد قوله: «يا لقومي، ويا لأمثال قومي»، فإنه جرّ المستغاث في الكلمتين بلام مفتوحة، وسبب جره في الثانية بلام مفتوحة لأنه أعاد معه «يا» وإذا لم تعد «يا» في المعطوف كسرت اللام، كما مرّ في البيت المقفى بالباء «للعجب»، والمستغاث المجرور متعلق ب (يا) لأن فيها معنى الفعل، أو بفعل محذوف تقديره «أدعو» ضمّن معنى:
ألتجيء أو أعجب أو نحوهما، لأنها تتعدى باللام، أما أدعو، فتتعدى بنفسها.
[الأشموني/ 3/ 164، والتصريح/ 2/ 181].

45 - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني … إلى نسوة كأنهنّ مفائد
البيت من كلام زيد الفوارس واسمه الحصين بن ضرار الضبي، من قطعة في الحماسة. وقوله: ليردّني: اللام، إما للتعليل، وإمّا للقسم، وترك توكيد المضارع بالنون إما لأنه للحال، أو لجواز ذلك ضرورة. وتألى: حلف، ومفائد: جمع مفأد وزن منبر، وهنّ المساعير.
وقوله: حلفة: مفعول مطلق مؤكد لعامله «تألّى» أو مبيّن للعدد. والشاهد: «تألّى حلفة»: فإن «حلفة» مفعول مطلق، والفعل العامل فيه، من معناه، لا من لفظه. [الخزانة/ 10/ 65، والهمع/ 2/ 42، والحماسة/ 557].

46 - لا، لا، أبوح بحبّ بثنة إنّها … أخذت عليّ مواثقا وعهودا
هذا البيت منسوب إلى جميل بن عبد الله بن معمر العذري. والشاهد فيه: «لا، لا»، فإن الثاني من هذين الحرفين توكيد لفظيّ للأول منهما. [الخزانة/ 5/ 159، والهمع/ 2/ 125، والأشموني/ 3/ 4].

47 - وإياك والميتات لا تقربنّها … ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
البيت للأعشى بن ميمون بن قيس، من قصيدة هيأها لمدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكنه مات قبل أن يصل إلى رسول الله حيث منعته قريش وأغرته بالمال. إياك والميتات: إيا: في محل نصب لفعل محذوف وجوبا، والميتات معطوف على المفعول به منصوب بالكسرة، والله فاعبدا: لفظ الجلالة، منصوب على التعظيم.
(1/287)

والشاهد: «اعبدا»، فإن أصله: اعبدن، بنون التوكيد الخفيفة، فلما أراد الوقف قلب النون ألفا. [سيبويه/ 2/ 149، والإنصاف/ 657، وشرح المفصل/ 9/ 39].

48 - دعاني من نجد فإنّ سنينه … لعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا
البيت للشاعر الصمّة بن عبد الله، أحد شعراء عصر بني أمية. وقوله: دعاني: أي:
اتركاني، وشيب: جمع أشيب والمرد: جمع أمرد، وهو من لم ينبت بوجهه شعر.
وقوله: شيبا: حال من الضمير في «بنا»، و «مردا» حال من المفعول به في قوله «شيّبننا».
والشاهد: فإن سنينه: حيث نصبه بالفتحة الظاهرة، بدليل بقاء النون مع الإضافة إلى الضمير. فجعل هذه النون الزائدة على بنية الكلمة كالنون في «مسكين» ولو عدّ النون زائدة لحذفها فقال: فإن سنيّه، ومثله قول الرسول عليه السّلام: «اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف». [الخزانة/ 8/ 58، وشرح المفصل/ 5/ 11، والأشموني/ 1/ 86، واللسان «سنة»].

49 - فقلت: أعيراني القدوم لعلّني … أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد
مجهول القائل، أورده ابن عقيل. والقدوم: الآلة التي ينجر بها الخشب. وقد فسّر الشيخ محمد محيي الدين رحمه الله، الشطر الثاني، بأن الشاعر يريد بالقبر، قراب السيف، وأن الأبيض هو السيف. وأظنّه يريد قبرا حقيقيا لإنسان ماجد، وقد يمدح الرجال بهذا الوصف، كما قال حسان «بيض الوجوه كريمة أحسابهم». والله أعلم.
والشاهد في البيت «لعلني» حيث جاء بنون الوقاية مع لعلّ، وهو قليل، والأكثر مع الياء فقط (لعلّي). [الهمع/ 1/ 64، والأشموني/ 1/ 124، واللسان «قدم»].

50 - قدني من نصر الخبيبين قدي … ليس الإمام بالشّحيح الملحد
هذا البيت للشاعر حميد بن مالك بن الأرقط، شاعر أموي، من أرجوزة يمدح بها الحجاج بن يوسف، ويعرّض بعبد الله بن الزبير. فإن صحت نسبة الشعر إلى قائله، فالشاعر فاسق لأنه فضّل الحجاج على عبد الله بن الزبير، وأراد، بالخبيبين: مثنى: عبد الله بن الزبير، وكنيته أبو خبيب، وأخاه مصعبا، وغلّب الأول لشهرته، ويروى بصيغة الجمع، يريد أبا خبيب وشيعته و «قدني» كفاني. وقوله: ليس الإمام، يعرّض بعبد الله
(1/288)

ابن الزبير، وكان موصوفا بالتقتير في العطاء. وقوله: الملحد: يريد: المائل عن الحقّ.
قدني: اسم بمعنى «حسب» مبتدأ، والنون للوقاية، والياء في محل جرّ. (من نصر) الجار والمجرور ومتعلقان بمحذوف خبر.
(قدي) يجوز أن يكون (قد) هنا اسم فعل مضارع (يكفيني) أو ماض (كفاني) وياء المتكلم مفعول به.
ويجوز أن يكون اسما بمعنى (حسب) مبتدأ، والياء: مضاف إليه والخبر محذوف والجملة مؤكدة لجملة المبتدأ الأولى.
والشاهد: «قدني»، و «قدي» حيث أثبت النون في الأولى وحذفها في الثانية. ويرى بعضهم أنّ حذف النون شاذ من (قدني) وهو ضرورة شعرية.
قالوا: وإنما تزاد النون في الأسماء والحروف وقاية لحركة أو سكون، فزيدت هنا:
لتبقى الدال على سكونها. [شرح أبيات المغني/ 4/ 83، وسيبويه/ 1/ 387، والإنصاف/ 131، والخزانة/ 5/ 382].

51 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني … ولا أهل هذاك الطّراف الممدّد
هذا البيت لطرفة بن العبد، من معلقته. والغبراء: الأرض، وأراد ببني الغبراء: الفقراء الذين لصقوا بالأرض لشدّة فقرهم، أو الأضياف. الطّراف: بكسر الطاء وزن (كتاب) البيت من الجلد، وأهل الطراف الممدد: الأغنياء.
قوله: «ولا أهل» الواو عاطفة، و «لا» زائدة، لتأكيد النفي. أهل: معطوف على الواو الذي هو ضمير الجماعة في قوله «لا ينكرونني»، هذاك: اسم إشارة مضاف إليه.
الشاهد: هذاك: حيث جاء بهاء التنبيه مع الكاف وحدها، لتقدّم حرف التنبيه «ها» على اسم الإشارة، كما قرر ابن مالك، وهو مبنيّ على مثال واحد لا نظير له. [الهمع/ 1/ 76، وشرح المعلقات].

52 - من القوم الرسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معدّ
البيت مجهول القائل، وبنو معدّ: معدّ بن عدنان. من القوم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو، فالبيت يبدو كأنه مقطوع عن سابقه بكلام فيه
(1/289)

مدح لفلان من الناس. الرسول: الألف واللام: (أل) اسم موصول، بمعنى الذي، صفة للقوم، رسول: مبتدأ خبره شبه الجملة (منهم)، والجملة صلة الموصول.
والشاهد: قوله: (الرسول الله منهم) حيث وصل (أل) بالجملة الاسمية، وهي جملة المبتدأ والخبر، وذلك شاذ. [شرح أبيات المغني/ 1/ 291، والهمع/ 1/ 85].

53 - قد ثكلت أمّه من كنت واجده … وبات منتشبا في برثن الأسد
البيت لحسان بن ثابت. وثكلت أمّه: من الثكل وهو فقد المرأة ولدها. منتشبا:
عالقا، برثن الأسد: مخلبه، وهو يفخر بشجاعته. «ثكلت أمه» الجملة الفعلية خبر مقدم. من: اسم موصول مبتدأ مؤخر .. وهنا الشاهد: حيث قدم الخبر (الجملة الفعلية على المبتدأ (من) وفي جملة الخبر المتقدم ضمير يعود على المبتدأ المتأخر. وسهّل ذلك، أنّ المبتدأ وإن وقع متأخرا - بمنزلة المتقدم في اللفظ فإنّ رتبته التقدم على الخبر، هكذا ذكره ابن عقيل في شرح الألفيّة، وفي هذا الإعراب نظر. [والعيني/ 1/ 553].

54 - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهنّ أبناء الرجال الأباعد
نسب هذا البيت للفرزدق، وقيل: لا يعلم قائله. يريد أن يقول: بنو الأبناء كالأبناء، أما أبناء البنات فهم غرباء. بنونا: خبر مقدم، وبنو أبنائنا: مبتدأ مؤخر، وبناتنا: مبتدأ أول، بنوهنّ مبتدأ ثان، أبناء: خبر المبتدأ الثاني، وجملته خبر المبتدأ الأول.
والشاهد: بنونا بنو أبنائنا، حيث قدم الخبر على المبتدأ مع استوائهما في التعريف وساغ ذلك لوجود قرينة معنوية تعيّن المبتدأ منهما، لأنه يريد أن يقول: بنو أبنائنا مثل أبنائنا (ابن الابن مثل الابن) ولا يريد العكس. لأن وجه الشبه في الابن (الخبر) أقوى من (ابن الابن) الذي هو مشبّه. [الإنصاف/ 66، وشرح المفصل/ 1/ 99 / و 9/ 132، والهمع/ 1/ 102، والأشموني/ 1/ 210، وشرح أبيات المغني/ 6/ 344، والخزانة/ 1/ 444].

55 - لولا أبوك ولولا قبله عمر … ألقت إليك معدّ بالمقاليد
البيت لأبي عطاء مرزوق السندي، وقيل: أفلح بن يسار، وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، يمدح ابن يزيد بن عمر بن هبيرة. المقاليد: جمع لا مفرد له من لفظه، وقيل: مفرده «إقليد» على غير قياس، وهو المفتاح. وقد كنى بإلقاء المقاليد عن الخضوع والطاعة وامتثال أمر الممدوح، والمعنى: أنت خليق بأن يخضع لك بنو معدّ
(1/290)

كلهم، لكفايتك وعظم قدرك. وإنما تأخر خضوعهم لك، لوجود أبيك «يزيد» ووجود جدّك من قبل أبيك، «عمر». وأبوك: مبتدأ حذف خبره وجوبا. والشاهد: ولولا قبله عمر، قبله: خبر مقدم، وعمر: مبتدأ مؤخر، فقد ذكر الخبر، مع كون المبتدأ واقع بعد لولا، التي يجب حذف الخبر بعدها، لأنه قد عوّض عنه بجملة الجواب، ولا يجمع في الكلام بين العوض والمعوض عنه. وقد يتعلق الظرف (قبله) بمحذوف حال، ويبقى الخبر محذوفا. [ابن عقيل، والعيني/ 1/ 560].

56 - وأبرح ما أدام الله قومي … بحمد الله منتطقا مجيدا
البيت للشاعر خداش بن زهير، ومنتطقا، يقال: جاء فلان منتطقا فرسه إذا جنّبه، أي:
جعله إلى جانبه ولم يركبه، أو: منتطقا بمعنى ناطقا متكلما. يريد أنه سيبقى مدى حياته فارسا، أو ناطقا بمآثر قومه، ذاكرا ممادحهم لأنها كثيرة لا تفنى، وسيكون الحديث عنهم، لأنّ صفاتهم الكريمة تنطق الألسنة بذكرهم. وعلى المعنى الأول، تكون «مجيدا» صفة لموصوف محذوف، أي: فرسا مجيدا، وعلى المعنى الثاني، يكون وصفا آخر.
وأبرح: فعل مضارع ناقص، عمل عمل (كان) دون أن يسبقه نفي، واسمه مستتر فيه.
منتطقا: خبره. مجيدا: على معنى انتطاق الفرس، يكون مفعولا لاسم الفاعل، وعلى معنى (ناطقا) يكون خبرا بعد خبر.
والشاهد: أبرح: حيث استعمله بدون نفي مع كونه غير مسبوق بقسم، حيث يحذف النفي مع القسم كقول امرئ القيس:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا … ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
ولعلّ النفي مقدر قبل الفعل، ويكون معطوفا على فعل منفي سابق. [الهمع/ 1/ 111، والأشموني/ 1/ 228، والعيني/ 2/ 64].

57 - وما كلّ من يبدي البشاشة كائنا … أخاك إذا لم تلفه لك منجدا
البيت مجهول القائل. والشاهد قوله: كائنا أخاك، حيث عمل اسم الفاعل من كان عمل الفعل، واسمه مستتر، وأخاك: خبره. [الأشموني/ 1/ 231، والهمع/ 1/ 114].

58 - قنافذ هدّاجون حول بيوتهم … بما كان إيّاهم عطية عوّدا
(1/291)

البيت للفرزدق يهجو جريرا. والقنافذ: جمع فنفد، الحيوان المعروف، يضرب به المثل في السرى بل لا ينام الليل. هدّاجون: جمع هدّاج، على وزن المبالغة، من الهدج وهو مشية الشيخ، أو مشية فيها ارتعاش. والمعنى: يريد وصف قوم جرير بأنهم خونة فجّار يشبهون القنافذ حيث يسيرون في الليل طلبا للسرقة أو للفحشاء وإنما السبب في ذلك تعويد أباهم إياهم ذلك.
وقوله: بما كان، الباء حرف جرّ، وما: إما موصول حرفي، أو اسمي. كان: ماض ناقص، عطية: اسمها. وعوّد: فعل ماض، وجملته خبر كان، وإيّاهم: مفعول مقدم للفعل عوّد. وعند البصريين «كان» إما شأنية، وإما زائدة. وعطية: مبتدأ وخبره جملة عوّد. والجملة الاسمية خبر كان واسمها ضمير الشأن. [الخزانة/ 9/ 268، ج 7/ 278، والهمع/
1/ 118، والأشموني/ 1/ 237].

59 - وأنا النذير بحرّة مسودّة … تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكنّفون أباهم … حنقو الصدور وما هم أولادها
والحرّة: أراد بها هنا الكتيبة السوداء لكثرة ما تحمل من السلاح. أقوادها: جمع قود، وهي الجماعة من الخيل. أبناؤها: أي: أبناء هذه الكتيبة، متكنفون: محيطون. والشاهد في البيت الثاني: (وما هم أولادها) أعمل (ما) الحجازية عمل ليس. [ابن عقيل/ 1/ 260، والعيني/ 2/ 137].

60 - أموت أسى يوم الرّجام وإنني … يقينا لرهن بالذي أنا كائد
البيت لكثيّر بن عبد الرحمن (كثيّر عزة) والرجام: موضع بعينه. وقوله: أسى: مفعول لأجله. يقينا: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (أوقن).
والشاهد: (كائد) اسم فاعل من (كاد) حيث استعمل اسم الفاعل من الفعل (كاد) والمعروف أنها لا يأتي منها إلا الماضي والمضارع. [الأشموني/ 1/ 265، والهمع/ 1/ 129].

61 - يلومونني في حبّ ليلى عواذلي … ولكنّني من حبّها لعميد
البيت مجهول القائل، ويبدو أنه ملفّق بين شطريه. يلومونني: مضارع، والواو:
فاعل، أو الواو حرف جمع، وعلى الأول: الجملة خبر مقدم. عواذلي: مبتدأ مؤخر، أو
(1/292)

فاعل، أو بدل من الواو، كما يخرجون لغة أكلوني البراغيث. والشاهد: لعميد: حيث دخلت لام الابتداء على خبر لكن، وهو مذهب الكوفيين ويأبى ذلك البصريون.
[الإنصاف/ 209، والهمع/ 1/ 140، والأشموني/ 1/ 280، والخزانة/ 10/ 362].

62 - مرّوا عجالى فقالوا: كيف سيّدكم … فقال من سألوا: أمسى لمجهودا
لم ينسبه أحد إلى قائل. عجالى، ويروى: عجالا، وسراعا: وهي حال. قوله: من سألوا: يروى: سئلوا: مبني للمجهول. والشاهد في البيت دخول لام الابتداء على خبر أمسى، وهي زيادة شاذّة. [شرح المفصل/ 8/ 64، والهمع/ 1/ 144، والأشموني/ 2/ 214، والخزانة/ 10/ 327].

63 - شلّت يمينك إن قتلت لمسلما … حلّت عليك عقوبة المتعمّد
البيت لعاتكة بنت زيد ترثي زوجها الزبير بن العوّام رضي الله عنه، وتدعو على عمرو ابن جرموز، قاتله. شلّت:
بفتح الشين، وأصله (شللت) بكسر العين، ويقرأه الناس خطئا بضم الشين. وقوله (إن) مخففة من الثقيلة، (لمسلما) اللام فارقة، ومسلما:
مفعول ل قتلت. والشاهد: إن قتلت لمسلما: حيث ولي (إن) المخففة من الثقيلة فعل ماض غير ناسخ، وذلك قليل والأكثر أن يليها فعل ناسخ. [شرح المفصل/ 8/ 71، والإنصاف/ 641، والهمع/ 1/ 142، والأشموني/ 1/ 290، والخزانة/ 10/ 373، وشرح أبيات المغني/ 1/ 89].

64 - رمى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضا … وردّ وجوههنّ البيض سودا
البيتان للشاعر عبد الله بن الزّبير - بفتح الزاي - الأسدي، من شعراء الدولة الأموية.
والحدثان: بكسر فسكون، أو بفتحتين، مفرد وليس مثنى، وهو نوازل الدهر وحوادثه، وآل حرب: بنو أمية، والسمود: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه، وفي القرآن:
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ [النجم: 61]، أي: ساهون لاهون. وفي الكلام قلب فالأصل أن يقول: رمى المقدار بحدثان، لأن المقدار، هو المقدّر من الله، يقول: جرّت المقادير على نسوة آل حرب نوبة من نوائب الدهر، أثّرت في عقولهن حتى غفلن عن أسباب الدين والدنيا.
(1/293)

والشاهد: قوله: «فردّ شعورهنّ»، «وردّ وجوههن»، حيث استعمل الفعل «ردّ» في معنى التصيير والتحويل، ونصب به مفعولين. [الأشموني/ 2/ 26، والحماسة/ 941].

65 - وخبّرت سوداء الغميم مريضة … فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
البيت للعوّام بن عقبة بن كعب بن زهير، وكان قد عشق امرأة، فخرج إلى مصر في ميرة فبلغه أنها مريضة، فترك ميرته، وكرّ نحوها راجعا. والغميم: اسم موضع بعينه، ويروى: (سوداء القلوب) فيكون اسمها سوداء وأضافها إلى القلوب، وربما أراد أنها تحل من القلوب محل السويداء.
والشاهد: «خبرت سوداء القلوب مريضة»، حيث أعمل الفعل في ثلاثة مفاعيل، أحدها: تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، والثاني: سوداء، والثالث: مريضة. أقول: إن كانت المرأة زوجه، فهو وفيّ، وإن كانت غير ذلك فهو شقيّ. [الهمع/ 1/ 159، والأشموني/ 2/ 41].

66 - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد … ورقّى نداه ذا الندى في ذرى المجد
البيت مجهول القائل. السؤدد: السيادة، رقّى: بتشديد القاف، رفعه وأعلى منزلته بين نظرائه.
والشاهد قوله: «كسا حلمه ذا الحلم»، «ورقّى نداه ذا الندى»، فالمفعول متأخر عن الفاعل، وفي الفاعل ضمير يعود على المفعول، فيكون فيه إعادة الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة جميعا، وذلك ممنوع عند جمهور البصريين، خلافا لابن جني، وابن مالك في بعض كتبه.
وقد يكون الضمير عائدا على ممدوح ذكر في أبيات متقدمة، ولا شاهد في البيت.
[الهمع/ 1/ 66، والأشموني/ 2/ 59].

67 - لم يعن بالعلياء إلا سيّدا … ولا شفى ذا الغيّ إلا ذو هدى
البيت لرؤية بن العجاج. في زيادات ديوانه. والمعنى: لم يشتغل بمعالي الأمور، ولم يولع بخصال المجد، إلا أصحاب السيادة والطموح، ولم يشف ذوي النفوس المريضة والأهواء المتأصلة، من دائهم الذي أصيبت به نفوسهم إلا ذوو الهداية والرشد.
(1/294)

والشاهد فيه: قوله: «لم يعن بالعلياء إلا سيدا»، حيث أناب الجار والمجرور - بالعلياء - عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو قوله «سيدا». والداعي لذلك أنّ القوافي كلها منصوبة، ومثله قول الراجز:
وإنما يرضي المنيب ربّه … ما دام معنيا بذكر قلبه
فنصب «قلبه»، على المفعولية، وأناب «بذكر» مناب الفاعل، لاسم المفعول «معنيا».
[شرح التصريح/ 1/ 291، والهمع/ 1/ 162، والأشموني/ 2/ 68، وابن عقيل/ 1/ 432].

68 - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب … جهارا فكن في الغيب أحفظ للعهد
وألغ أحاديث الوشاة فقلّما … يحاول واش غير هجران ذي ودّ
ليس للبيتين قائل معروف. والمعنى إذا كانت بينك وبين أحد صداقة وكان كل واحد منكما يعمل في العلن على إرضاء صاحبه، فتمسك بأواصر هذه المحبة في حال غيبة صديقك عنك، ولا تقبل في شأنه أقوال الوشاة فإنهم إنما يريدون إفساد هذه الصداقة وتعكير صفوها.
وقوله: صاحب: فاعل للفعل يرضيك، جهارا: منصوب على الظرفية. والشاهد:
«ترضيه ويرضيك صاحب»، حيث تنازع الفعلان على «صاحب»، فالأول بطلبه مفعولا به، قبل دخول الضمير عليه، والثاني يطلبه فاعلا. وقد أعمل الشاعر فيه الثاني، وأعمل الأول في ضميره الذي هو الهاء. والجمهور يرى أنه كان يجب على الشاعر ألا يعمل الأول في الضمير، لأنه فضلة يستغنى عنه في الكلام وذكر الضمير مع العامل
الأول يترتب عليه الإضمار قبل الذكر، وهذا لا يجوز. [الأشموني/ 2/ 105، والشذور/ 423، وابن عقيل/ 2/ 7].

69 - لما حططت الرحل عنها واردا … علفتها تبنا وماء باردا
البيت غير منسوب، والشاهد فيه: «علفتها تبنا وماء»، فقوله: وماء لا يمكن عطفه على ما قبله لكون العامل (علف) في المعطوف عليه (تبنا) لا يتسلط على المعطوف «ماء» إذ لا يقال «علفتها ماء»، ومن أجل ذلك كان نصب «وماء» على ثلاثة أوجه: النصب على المعية، أو تقدير فعل يعطف على علفتها، والتقدير «وسقيتها» أو على تضمين علفتها معنى أنلتها، أو قدمت لها، وهو كما في الآية: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
(1/295)

[يونس: 71]، فلا تعطف وشركاءهم على «أمركم» لأن العطف على نية تكرار العامل، فلا يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: أجمعت أمري، وجمعت شركائي، فأمركم:
منصوب على المعية، أو بفعل محذوف. [ديوان ذي الرّمة/ 1862، وشرح أبيات المغني/ 6/ 92].

70 - وقد بعدت بالوصل بيني وبينها … بلى إنّ من زار القبور ليبعدا
البيت استشهد به الرضيّ في شرح «الكافية» ولم ينسبه، وأورده الرضي على أن بعض العلماء يرى أن «بلى» تستعمل بعد الإيجاب، في موضع «نعم» وقوله: «بعدت بالوصل» بعد الشيء، بضم العين، ويعدّى بالباء، وفاعل بعدت ضمير الحبيبة، وبعدها عنه، إنما هو موتها وزيارتها القبر، ولهذا قال: بلى إنّ من زار القبور .. الخ وبيني وبينها: ظرف متعلق بمحذوف، حال من الوصل، وقوله: ليبعدا: اللام للتأكيد، وهي التي تأتي في خبر إنّ، والألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، وفاعل يبعد: ضمير من.
واستعمال «بلى» بدل «نعم» جاء في الحديث الصحيح، فأخرج البخاري في كتاب «الإيمان والنذور» عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مضيف (مسند ظهره) إلى قبة من أدم يمان إذ قال لأصحابه: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا:
بلى .. الحديث» وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة عن النعمان بن بشير، انطلق بي أبي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء، قال بلى ...»
وجاء أيضا في قول الكميت بن ثعلبة:
نشدتك يا فزار وأنت شيخ … إذا خيّرت تخطئ في الخيار
أصيحانيّة أدمت بسمن … أحبّ إليك أم أير الحمار
بلى أير الحمار وخصيتاه … أحبّ إلى فزارة من فزار
والتمر الصّيحانيّ، تمر معروف. وهذا الشعر ليس من الهجاء المقذع، فالشاعر يتهم بني فزارة بالبخل، وأنهم يأكلون أير الحمار، وهو مما لا يؤكل من الحيوان. [الخزانة/ 11/ 212].

71 - فبتّ والهمّ تغشاني طوارقه … من خوف رحلة بين الظاعنين غدا
البيت لجرير. وهو شاهد على أن «غدا» يحتمل أن يكون منصوبا بأحد عوامل ثلاثة
(1/296)

وهي «رحلة» و «بين» من «بان يبين بينا» و «الظاعنين» فاسم الفاعل يعمل وهو بمعنى الماضي والحال والاستقبال، كما يرى المبرد وغيره. [الخزانة/ 8/ 139].

72 - حتى إذا أسلكوهم في قتائدة … شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا
البيت للشاعر عبد مناف بن ربع الجربيّ، نسبة إلى جريب بن سعد، وقوله:
أسلكوهم: بمعنى سلكوهم، تقول: أسلكت الشيء في الشيء، وسلكته بمعنى أدخلته، والقتائدة: الثنيّة الضيقة، والشلّ: الطرد والجمّالة: فاعل تطرد، وهم أصحاب الجمال، كما نقول: الحمّارة، والبغّالة. الشردا: جمع شارد. وعبد مناف: شاعر جاهلي من هذيل. والبيت شاهد على أن جواب (إذا) محذوف لتفخيم الأمر. [الإنصاف/ 461، والهمع/ 1/ 207، والخزانة/ 7/ 39].

73 - وهذا ثنائي بما أوليت من حسن … لا زلت عوض قرير العين محسودا
البيت لربيعة بن مقروم الضبيّ. والبيت شاهد على أن «عوض» قد لا يستعمل في القسم، كما هنا، وهو هنا، ظرف بمعنى أبدا، متعلّق بلا زلت، وقوله: محسودا، أي:
لا زلت ذا نعمة تحسد عليها. [الخزانة/ 10/ 101، والمفضليات/ 214].

74 - أشلى سلوقيّة باتت وبات بها … بوحش إصمت في أصلابها أود
البيت من قصيدة للراعي النميري (عبيد بن حصين) مدح بها عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان أولها:
طاف الخيال بأصحابي وقد هجدوا … من أمّ علوان لا نحو ولا صدد
فأرّقت فتية باتوا على عجل … وأعينا مسّها الإدلاج والسّهد
وهجدوا: رقدوا، والنحو: التوجه، والصدد: القرب، وخبر «نحو» محذوف، أي:
منها، والإدلاج: السير من أول الليل، والسّهد: بفتحتين: الأرق والسهر.
والبيت الشاهد من وصف الشاعر، للثور الوحشي الذي يشبه ناقته التي حملته إلى الممدوح. ويقول: إن هذا الثور صادف صيادا، معه كلاب. وقوله: أشلى: أي: دعا، وسلوقية: أي: كلابا سلوقية منسوبه «سلوق» موضع في اليمن تنسب إليه الكلاب.
وقوله: باتت: استئناف بياني، كأنه قيل: فما صنعت السلوقية؟ قال: باتت. وبات هنا
(1/297)

تامة، وقوله: وبات بها: أي: وبات الصياد مع السلوقية. فالباء بمعنى «مع» والضمير للسلوقية. وقوله: بوحش إصمت: الباء بمعنى «في» والوحش: المكان الخالي وإصمت:
مكان أو صحراء، والأود: الاعوجاج.
والبيت شاهد على أنه إذا سمّي بفعل فيه همزة وصل، قطعت مثل «إصمت» بكسر الهمزة والميم، فإصمت: منقول من فعل أمر لبريّة معينة، وقلنا منقول: لأن المسموع في هذا الفعل ضم ميم اصمت لأنه من فعل يفعل، وقد تغير الأعلام عند النقل. [الخزانة/ 7/ 324، وشرح المفصل ج 1/ 29، والأشموني/ 1/ 133، واللسان «صمت»، ومعجم البلدان «اصمت»].

75 - إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد
البيت لرجل من بني قريع، المعلوط بن بدل القريعيّ، من قصيدة في الحماسة.
والشاهد: «كهلا» فهو حال، صاحبها الضمير المجرور في «عليه» فيكون قد تقدمت الحال على صاحبها المجرور. [الخزانة/ 3/ 219].

76 - بسود نواصيها وحمر أكفّها … وصفر تراقيها وبيض خدودها
البيت للحسين بن مطير من شعراء الدولتين الأموية والعباسية. وقوله: وصفر تراقيها، جمع ترقوة، وهي أعلى الصدر، وصفه بالصفرة من الطيب، كالزعفران.
والبيت شاهد على أنّ رجوع الضمير من نواصيها على الموصوف ب «سود» المقدر خاص بالضرورة، والقياس: بنساء سود نواصيها، والبيت في سياقه كذا:
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى … على كبدي نارا بطيئا خمودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي … إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا … عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
[الخزانة/ 5/ 470، والمرزوقي/ 1330، وأمالي القالي/ 1/ 165].

77 - حتى استقامت له الآفاق طائعة … فما يقال له هيد ولا هاد
البيت للشاعر ابن هرمة - بفتح الهاء - من مخضرمي الدولتين. و «هيد، وهاد» زجر
(1/298)

للإبل. وقد أنشد الجوهريّ البيت، مرفوع القافية. وأخذه عنه بعض النحويين، شاهدا على أنّ الشاعر لما قصد لفظ «هيد» و «هاد» أعربهما بالرفع على جعل الأول نائب فاعل «يقال» والثاني معطوفا عليه. وهيد، وهاد في الأصل من أسماء الأصوات، وهي مبنية.
ولكن البيت من قصيدة مجرورة القافية، وجاء اللفظان فيها مكسورين، وهي:
أربع علينا قليلا أيها الحادي … قلّ الثّواء إذا نزّعت أوتادي
ورواية البيت كالتالي:
إنّي إذا الجار لم تحفظ محارمه … ولم يقل دونه هيد ولا هاد
لا أخذل الجار بل أحمي مباءته … وليس جاري كعشّ بين أعواد
وقد يكون بيت الجوهريّ من قصيدة أخرى لا نعرفها، والله أعلم. [شرح المفصل/ 4/ 80، والخزانة/ 6/ 389].

78 - ولستم فاعلين إخال حتّى … ينال أقاصي الحطب الوقود
البيت للشاعر عقيل بن علّفة، من قطعة في الحماسة. وقوله: ولستم فاعلين: أي:
لستم فاعلين شيئا ذكره في بيت سابق. والوقود: بضم الواو: إيقاد النار، وبالفتح:
الحطب. وهذا مثل تمثل به في انتهاء الشرّ يقول: لستم متناهين عمّا أكرهه منكم حتى يعمكم الشرّ ويبلغ البلاء أقصى المبلغ، فيتعدّى من الأقارب إلى الأباعد ومن السقيم إلى البريء وذكر الحطب والوقود مثلا لتفاقم الشرّ واتساع المكروه. والبيت شاهد على أن «إخال» الملغاة، وقعت معترضا بها بين اسم الفاعل، وهو «فاعلين» وبين معموله وهو «حتى» فإنها جارة بمعنى «إلى» متعلقة به، وينال: منصوب بأن مضمرة بعدها.
[الخزانة/ 9/ 156].

79 - يثني عليك وأنت أهل ثنائه … ولديك إن هو يستزدك مزيد
البيت لعبد الله بن عنمة الضبّي، في الرثاء.
وهو شاهد على أن مجيء الشرط المفصول باسم من أداة الشرط، مضارعا شاذ، وحقه أن يكون ماضيا، سواء كان لفظا ومعنى نحو: إن زيد قام قمت، أو معنى نحو:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها … فليس إلى حسن الثناء سبيل
(1/299)

وروي البيت «ولديك إما يستزدك مزيد»، فلا شاهد فيه، فإمّا، هي إن الشرطية، وما الزائدة. [الخزانة/ 9/ 41 وحماسة المرزوقي/ 1041، والهمع/ 2/ 59].

80 - تريدين كيما تجمعيني وخالدا … وهل يجمع السّيفان ويحك في غمد
البيت لأبي ذؤيب الهذلي. وهو شاهد على أن «كي» جاءت من غير سببيّة، بعد فعل الإرادة، و «ما» بعدها زائدة، والفعل منصوب بحذف النون والنون الموجودة للوقاية، وخالد: رسول أبي ذؤيب إلى امرأة أحبها، فعلقت بالرسول وتركت المرسل. [الخزانة/ 8/ 514].

81 - يقول وقد ترّ الوظيف وساقها … ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد
البيت لطرفة بن العبد. و «ترّ» قطع، أو انقطع، على أن «ترّ» متعد ولازم، والمؤيد:
الداهية. والبيت شاهد على أنّ جملة «وقد ترّ الوظيف» حالية وعاملها «يقول» ولا صاحب لها، لأن فاعل «يقول» المستتر ليس صاحب الحال لأنها لم تبيّن هيئته، إذ ليست من صفاته، هذا إذا قيل إن الحال يبين الهيئة. [الخزانة/ 3/ 151].

82 - رحيب قطاب الجيب منها رفيقة … لجسّ الندامى بضّة المتجرّد
البيت لطرفة بن العبد من معلقته، وقبل البيت الشاهد:
نداماي بيض كالنجوم وقينة … تروح علينا بين برد ومجسد
يصف الشاعر مجلس شرابه، فيذكر أهل مجلس شرابه بأنهم سادات مشاهير بيض كالنجوم، ويذكر المغنية، وأنها تأتي إليهم مرة بثوب وشي، ومرة بالثوب الذي يلي الجسد، ويتابع وصفها في البيت الشاهد: فيصف أولا ثوبها، وأنه رحيب (واسع)، قطاب الجيب. والجيب: مدخل الرأس من الثوب، والقطاب من الجيب: مجتمعه حيث قطب، أي: جمع، ووصف قطاب جيبها بالسعة، لأنها كانت توسّعه ليبدو صدرها فينظر إليه، ويتلذذ به. وقوله:
رفيقة: من الرفق، وهو اللين، والجسّ: قيل: لمس أوتار العود، وقيل: جس الندامى: هو أن يحسوا بأيديهم، فيلمسوها تلذذا، وكانت القينة، يفتّق فتيق في كمها إلى الإبط، فإذا أراد الرجل أن يلمس منها شيئا أدخل يده فلمس، ثم يصف جسمها بأنه ناعم أبيض رقيق الجلد.
(1/300)

والشاهد: «رحيب قطاب الجيب منها»: فقد روي بإضافة رحيب إلى قطاب وهي إضافة رديئة، كما يرون، والصحيح في إنشاد البيت:
«رحيب» بالتنوين، وقطاب: يرتفع ب (رحيب)، وضمير «منها» يعود إلى الأول، ويكون رحيب: نعت سببي لقينة، ويكون «الرحب» وصفا للقينة في اللفظ، ووصفا لقطاب الجيب في المعنى، والمعنى: رحب قطاب جيبها، أي: اتسع، وضمير منها للقينة. [اللسان «قطب»، والخزانة/ 4/ 303].

83 - مؤلّلتان تعرف العتق فيهما … كسامعتي شاة بحومل مفرد
البيت لطرفة بن العبد، من معلقته. وصف ناقته بعدّة أبيات إلى أن وصف أذنيها.
وقوله: مؤللتان، أي: محددتان كتحديد الألّة، وهي الحربة يريد أنّ أذنيها كالحربة في الانتصاب، والعتق: الكرم والنجابة، وهو أن لا يكون في داخلهما وبر، والسامعتان:
الأذنان، والشاة هنا: الثور الوحشي، ولهذا قال (مفرد) بلا هاء، وحومل: اسم رملة، لا ينصرف. شبه أذني ناقته بأذني ثور وحشي، لتحديدهما وصدق سمعهما وأذن الوحشيّ، أصدق من عينه، وجعله مفردا، لأنه أشدّ توجسا وحذرا، إذ ليس معه وحش يلهيه ويشغله.
والشاهد: قوله «مفرد» على أنه إذا كان المؤنث اللفظي حقيقي التذكير جاز في ضميره التذكير والتأنيث. و «شاة» هنا مؤنثة لفظا، ومعناها الثور الوحشي، وقد رجع إليه ضميره في وصفه وهو «مفرد» مذكر رعاية لجهة المعنى. [الخزانة/ ج 7/ 436].

84 - وإن يلتق الحيّ الجميع تلاقني … إلى ذروة البيت الكريم المصمّد
البيت لطرفة بن العبد من معلقته. والمصمد: الذي يصمد إليه الناس لشرفه ويلجؤون إليه في حوائجهم، والصّمد: القصد. وقد اختلفوا في قوله «إلى ذروة» فذكروا ثلاثة معان: الأول: بمعنى الغاية، وهي مع مجرورها حال من الياء في «تلاقني» متعلقة بمحذوف تقديره: تلاقني منتسبا إلى ذروة البيت .. الخ. الثاني: بمعنى «في» أي: في ذروة البيت، والثالث: بمعنى «مع» أي تجدني معهم. [الخزانة/ ج 9/ 471].

85 - فويلمّ أيام الشباب معيشة … مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندي
البيت للشاعر علقمة الفحل، وقيل لغيره «انظر الحماسة ص 1202».
(1/301)

قال المرزوقي: لفظة «ويل» إذا أضيفت بغير اللام، فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى: ألزم الله زيدا ويلا.
فإذا أضيفت باللام، فقيل: ويل لزيد، فحكمه أن يرفع، فيصير مع ما بعده جملة ابتدئ بها، وهي نكرة لأن معنى الدعاء منه مفهوم، والمعنى: الويل ثابت لزيد. وإذا كان حكم ويل هذا، وقد ارتفع في «ويلمّ لذّات الشباب» فمن الظاهر أن أصله، ويل لأمّ لذات الشباب، فحذف من أم الهمزة، واللام من ويل وقد أبقى حركة الهمزة على اللام الجارة فصار «ويلمّ».
وقصده إلى مدح الشباب وحمد أيامه ولذاته بين لذات المعايش، وقد طاع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى، والشباب له، وهو سخي مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا.
وقال البغدادي: قوله «ويلمّ أيام» دعاء في معنى التعجب، أي: ما ألذّ الشباب مع الغنى. والفتى: السخي الكريم، والمتلف: المفرق لماله، والندي: السخيّ. وقوله: مع الكثر: في موضع النصب صفة لمعيشة، وجملة يعطاه: حال من الكثر، والمتلف، والندي: صفتان للفتى.
والشاهد: «معيشة». وهي تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة. [الخزانة/ 3/ 279، والحماسة بشرح المرزوقي/ 1202، واللسان «نجد»].

86 - أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة … دعائم الزّور نعمت زورق البلد
البيت للشاعر ذي الرّمة من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة، والبيت من مقدمة يصف فيها الناقة. والشاهد: «نعمت زورق البلد»: على أنه قد يؤنث (نعم) لكون المخصوص بالمدح مؤنثا، وإن كان الفاعل مذكرا، وهو «زورق البلد» وقد شبه الناقة بالزورق، كما قيل: «الجمل سفينة الصحراء».
والحرّة: الكريمة، وأراد بها الناقة، والعطيل: الطويلة العنق، والثبجاء: الضخمة الصدر، أو عظيمة السنام، والمجفرة: العظيمة الجنب الواسعة الجوف، والجفر:
الوسط، والدعائم: القوائم، والزّور: أعلى الصدر ودعائم الزور: الضلوع، وكل ضلع، دعامة، وانتصب «دعائم» على التشبيه بالمفعول به، فهو من باب «الحسن الوجه»
(1/302)

والزورق: السفينة، والبلد: الأرض والمفازة. [الخزانة/ 9/ 420، وشرح المفصل/ 7/ 136، وديوان ذي الرّمة].

87 - كأنّه خارجا من جنب صفحته … سفّود شرب نسوه عند مفتأد
هذا البيت من معلقة النابغة الذبياني التي يمدح فيها النعمان بن المنذر. وقد وصف النابغة ناقته التي ارتحل عليها النعمان، ثم شبهها بثور وحشي، ثم تخيّل معركة بين الثور الوحشي وكلب صيد، فشكّ الثور الكلب بقرنه، فقدّم لنا لوحة فنيّة نادرة المثال. وقوله (كأنه) في البيت الشاهد، الهاء عائدة على قرن الثور، والضمير في صفحته راجع إلى الكلب، والسفّود: خبر كأنّ، وهي الحديدة التي يشوى بها اللحم.
والشّرب: جمع شارب، ونسوه: أي: تركوه حتى نضج ما فيه. شبه قرن الثور النافذ في الكلب بسفّود فيه شواء، والمفتأد: مكان الشواء، والفأد: الطبخ، سواء أكان في قدر أو شواء، والشاهد في البيت قوله «خارجا» فقالوا: إنه حال من الفاعل المعنوي وهو الهاء، لأن المعنى: يشبه خارجا، وعامل الحال: ما في كأنّ من معنى الفعل. [الخزانة/ ج 3/ 186].

88 - أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا … أخنى عليها الذي أخنى على لبد
البيت للنابغة الذبياني من معلقته الدالية التي مطلعها:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقوله: أضحت خلاء، أي: أضحت الدار، واحتملوا: ارتحلوا، وأخنى عليها:
أهلكها، ولبد: آخر نسور لقمان بن عاد، وهو غير لقمان المذكور في القرآن.
والشاهد في البيت: أنّ خبر (أضحى) يجوز أن يكون فعلا ماضيا بدون «قد» ويرى بعضهم أن خبر كان، وأضحى ... الخ لا يكون إلا اسما أو ما ضارع الاسم، والماضي لا يضارع الاسم. ويرى المبرّد وابن مالك أننا نقدّر «قد» قبل الماضي. [الخزانة/ ج 4/ 5].

89 - فلا لعمر الذي قد زرته حججا … وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير يمسحها … ركبان مكة بين الغيل والسّند
(1/303)

البيتان للنابغة الذبياني من معلقته. والشاهد في البيت الثاني، وذكرت الأول ليفهم الشاهد من السياق. فالشاعر في البيت الأول يقسم بالبيت الحرام (الكعبة) ويقسم بالأضاحي (الذبائح) التي تراق دماؤها عند الأصنام، و «ما» في الشطر الثاني معطوفة على الذي في الشطر الأول. وكذلك قوله «والمؤمن» في بداية البيت الثاني، والمؤمن:
بمعنى الذي جعل الخلق آمنا، والعائذات: ما عاذ بالبيت من الطير، والغيل والسند: مكانان، وقوله: يمسحها: الخ، أي: تمسح الركبان على الطير ولا تهيجها بأخذ.
والشاهد في البيت الثاني: (العائذات الطير) أنّ العائذات كان في الأصل نعتا للطير، فلما تقدم، وكان صالحا لمباشرة العامل أعرب بمقتضى العامل، وصار المنعوت بدلا منه، فالطير: بدل من العائذات، وهو منصوب إن كان «العائذات» منصوبا بالكسرة على أنه مفعول به ل «المؤمن»، ومجرور، إن كان «العائذات»، مجرورا بإضافة المؤمن إليه.
والأصل على الأول: والمؤمن الطير العائذات بنصب الأول بالفتحة والثاني بالكسرة، وعلى الثاني «والمؤمن الطير العائذات» بجرهما بالكسر فلما قدّم النعت أعرب بحسب العامل، وصار المنعوت بدلا منه، وفي المفصل للزمخشري (باب الإضافة) رأي آخر.
[الخزانة/ 5/ 71].

90 - قالت أمامة لما جئت زائرها … هلّا رميت ببعض الأسهم السّود
لا درّ درّك إني قد رميتهم … لولا حددت ولا عذرى لمحدود
ينسب هذان البيتان إلى الجموح، أحد بني ظفر من سليم بن منصور، وأمامة:
زوجه. والأسهم السود: أسهم كانت في كنانته وكانت زوجه لامته لفراره وأنه لم يرم أعداءه بالنبل، فاعتذر بأبيات منها هذان البيتان، وقوله: حددت، أي: منعت، والعذرى: بمعنى المعذرة، وذكروا البيت الثاني شاهدا لدخول «لولا» على الجملة الفعلية. [الخزانة/ ج 1/ 462، وشرح المفصل/ 1/ 95، والإنصاف/ 73، واللسان «عذر»].

91 - وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ وإنّ أخاهم لم يقصد
البيت لعامر بن الطفيل العامري وقبله:
ولأثأرنّ بمالك وبمالك … وأخي المروراة الذي لم يسند
(1/304)

وقوله: مرّة: أبو قبيلة. فرغ: بكسر الفاء: الهدر، يقال: ذهب دم فلان فرغا وهدرا إذا لم يقتل قاتله، وقوله: لم يقصد، أي: لم يقتل. وقتيل: يروى بالرفع، على الابتداء.
والجرّ: وتكون الواو للقسم، والنصب: بالعطف على محل مالك. والقتيل: يريد أخاه الحكم بن الطفيل.
ويذكرون البيت شاهدا لخلوّ المضارع من لام القسم استغناء بالنون في قوله «أثأرنّ»، وسيأتي البيت في قافية
الراء (لم يثأر) فقد رواه ابن هشام في المغني بقافية رائية.
والصحيح أنه من قصيدة دالية. [شرح أبيات المغني ج 8/ 3، والخزانة/ ج 10/ 61، والهمع/ 2/ 42، والدرر/ 2/ 47].

92 - ها إنّ تاعذرة إن لم تكن نفعت … فإنّ صاحبها قد تاه في البلد
هذا البيت آخر معلقة النابغة الذبياني. وقوله: «ها إنّ تا» الخ ... ها: للتنبيه. و «تا» اسم إشارة، لما ذكره في قصيدته من يمينه على أنه لم يأت بشيء يكرهه. وهي مبتدأ خبره: عذرة. والعذرة: بكسر العين، اسم للعذر. وقوله: «إنّ صاحبها» أي: صاحب العذرة، ويعني به نفسه، وتاه: أي: ضلّ، والبلد: الأرض، أو المفازة.
والشاهد: أن الفصل بين (ها) وبين (تا) بغير إنّ وأخواتها قليل. وقد روي البيت «وإنّ ها عذرة» فلا شاهد فيه. [الخزانة/ ج 5/ 459].

93 - مهلا فداء لك الأقوام كلّهم … وما أثمّر من مال ومن ولد
البيت للنابغة الذبياني، يخاطب النعمان بن المنذر. وذكروا البيت شاهدا لكسر «فداء» على أنه اسم فعل منقول من المصدر. ولكن كلمة «فداء» تقرأ «فداء» بالرفع على أنه خبر الأقوام. وتقرأ بالنصب «فداء» وتقرأ «فداء» بالكسر. والأقوام في القراءتين الأخيرتين:
فاعل. [الخزانة ج 6/ 182].

94 - من يكدني بسيّئ كنت منه … كالشّجا بين حلقه والوريد
... البيت من قصيدة لأبي زبيد الطائي النصراني رثى بها ابن أخته ... ، ويذكرون البيت شاهدا لمجيء الشرط مضارعا مجزوما، وجواب الشرط ماضيا. وقال بعضهم إنه خاصّ بالشعر. وقال ابن مالك: الصحيح الحكم بجوازه لثبوته في كلام أفصح الفصحاء.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». [الخزانة
(1/305)

ج 9/ 76، والأشموني/ 4/ 17، والعيني/ 4/ 427].

95 - يديان بيضاوان عند محلّم … قد يمنعانك أن تضام وتضهدا
غير منسوب. ومحلّم: من ملوك اليمن. وضهده: قهره. والبيت شاهد على أنّ «يديان» مثنى «يدا» بالقصر، فلما ثنّي قلبت ألفه ياء، كفتيان في مثنى «فتى»، لأن أصلها الياء، فإنّ التثنية من جملة ما يردّ الشيء إلى أصله. وإنما قلبت في المفرد ألفا لانفتاح ما قبلها، وتقلب واوا في النسبة إليها عند الخليل وسيبويه، فيقال يدويّ. وبعض العرب
تقول لليد «يدا» مثل «رحا» والرحا، يائية، وواوية، يقال: رحيان، ورحوان. [الخزانة/ 7/ 477، وشرح المفصل ج 5/ 83، وج 6/ 5].

96 - ما إن جزعت ولا هلع … ت ولا يردّ بكاي زندا
... البيت من قصيدة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، جاءت في الحماسة. وهو شاهد على أنّ «إن» تزاد بعد ما النافية. [المرزوقي/ 179].

97 - وشقّ له من اسمه ليجلّه … فذو العرش محمود وهذا محمّد
لحسان بن ثابت يمدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وهو شاهد على أنه يمكن لمح الوصف مع العلمية، أي: يمكن أن يلاحظ بعد العلمية الوصف الذي كان قبلها وبملاحظته يوضع علما، فإن «محمدا» وضع علما لنبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم بملاحظة معناه، فإن معناه في اللغة، الذي كثرت خصاله المحمودة: كما قال الأعشى في مدح النعمان بن المنذر:
إليك - أبيت اللعن - كان كلالها … إلى: الماجد الفرع الجواد المحمّد
الخزانة/ 1/ 223].

98 - فإن تمس مهجور الفناء فربّما … أقام به بعد الوفود وفود
البيت لأبي عطاء السندي، يرثي يزيد بن هبيرة الفزاري، والبيت شاهد على أن «ربّما» فيه للتكثير. [المرزوقي/ 80، والخزانة/ ج 9/ 539].

99 - وبالجسم منّي بيّنا لو علمته … شحوب وإن تستشهدي العين تشهد
البيت مجهول القائل، ومعناه: إنّ بجسمي من آثار حبك لشحوبا ظاهرا لو أنك علمته
(1/306)

لأخذتك الشفقة عليّ، وإذا أحببت أن تري الشاهد فانظري إلى عيني فإنهما تحدثانك حديثه.
وقوله: بالجسم: خبر مقدم. وشحوب: مبتدأ مؤخر. و «مني»: جار ومجرور متعلقان بحال من الجسم.
والشاهد: «بيّنا» حيث وقعت الحال من النكرة «شحوب» على مذهب سيبويه والمسوغ تقدم الحال على صاحبها. [سيبويه/ 1/ 276، والأشموني/ 2/ 175].

100 - وما لام نفسي مثلها لي لائم … ولا سدّ فقري مثل ما ملكت يدي
البيت مجهول القائل، والمعنى: إنّ اللوم الذي يكون له الأثر الناجع في رجوع الإنسان عما استوجب اللوم عليه. هو لوم الإنسان نفسه، لأن ذلك يدل على شعوره بالخطأ، وإن ما في يد الإنسان من المال، لأقرب منالا له مما في
أيدي الناس. وقوله:
مثلها: حال من «لائم». و «لي» جار ومجرور متعلقان بمحذوف، حال من لائم، و «لائم» فاعل.
والشاهد: مثلها لي لائم، حيث جاءت الحال وهي «مثلها» و «لي» من النكرة وهي قوله «لائم»، والذي سوغ ذلك تأخر النكرة عن الحال. [العيني/ 3/ 213، وابن عقيل].

101 - فلا والله لا يلفي أناس … فتى حتّاك يا ابن أبي زياد
البيت ... مجهول ... ، ويلفي: مضارع ألفى، ومعناه وجد. والمعنى: إن الناس لا يجدون فتى يرجونه لقضاء مطالبهم حتى يبلغوا الممدوح، فإذا بلغوه فقد وجدوا ذلك الفتى ...
وقوله: لا .. زائدة لتوكيد القسم. أو أنها تنفي شيئا سابقا. وحتاك: حتى حرف جرّ.
والضمير في محل جرّ. والشاهد: قوله «حتاك» حيث دخلت «حتى» الجارة على الضمير، وهو شاذ. [الهمع/ 2/ 23، والخزانة/ 9/ 475].

102 - تزوّد مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزاد زاد أبيك زادا
البيت لجرير، من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز.
(1/307)

والشاهد: فنعم الزاد زادا، حيث جمع في الكلام بين الفاعل الظاهر لنعم وهو «الزاد».
والتمييز «زادا». وهو غير جائز عند البصريين. ومنهم من يعرب «زادا» في آخر البيت مفعولا به لقوله «تزود» في أول البيت. وعلى هذا تكون «مثل» حالا، من «زادا»، وأصله نعت له فلما تقدّم عليه صار حالا. [شرح المفصل/ 7/ 132، والأشموني/ 2/ 203، وشرح أبيات المغني/ 7/ 27، والخزانة/ 9/ 394].

103 - وماذا ترى في عيال قد برمت بهم … لم أحص عدّتهم إلا بعدّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية … لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي
.. البيتان لجرير من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك، ويريد بالعيال: أولاده، ومن يمونهم ويعولهم. والشاهد في البيت الثاني «أو زادوا» حيث استعمل «أو» للإضراب بمعنى (بل). [شرح أبيات المغني/ 2/ 54، والهمع/ 2/ 134، والأشموني/ 3/ 106، والعيني/ 4/ 144].

104 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد
البيت للحطيئة من قصيدة يمدح فيها بغيض بن عامر، ومطلعها:
آثرت إدلاجي على ليل حرّة … هضيم الحشا حسّانة المتجرّد
وقوله: تعشو: تجيئه على غير هداية، أو تجيئه على غير بصر ثابت.
والشاهد: قوله: متى تأته - تجد - حيث جزم ب متى فعلين. [سيبويه/ 1/ 445، والمفصل/ 2/ 66، و 4/ 148، والشذور/ 64].

105 - من يكدني بسيّء كنت منه … كالشّجا بين حلقه والوريد
... هذا البيت لأبي زبيد الطائي من قصيدة أولها:
إنّ طول الحياة غير سعود … وضلال تأميل نيل الخلود
ومعنى البيت الشاهد: يرثي ابن أخته ويعدد محاسنه، فيقول: كنت لي بحيث إن من أراد أن يخدعني ويمكر بي فإنك تقف في طريقه ولا تمكنه من نيل مأربه، كما يقف الشجا في الحلق، فيمنع وصول شيء إلى الجوف، وكنى بذلك عن انتقامه له ممن يؤذيه.
(1/308)

والشاهد: من يكدني .. كنت: حيث جزم ب «من» الشرطية فعلين أحدهما: يكدني ..
مضارع. وثانيهما: ماض .. كنت .. ويرى قوم أن مجيء فعل الشرط مضارعا والجواب ماضيا، ضرورة شعرية .. ولكن ابن مالك يرى تسويغ مجيئه في الكلام دائما.
[خزانة/ 9/ 76، والأشموني/ 4/ 17، والعيني/ 4/ 427].

106 - رهبان مدين والذين عهدتهم … يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها … خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا
.. البيتان لكثيّر عزة .. ، يتحدث فيهما عن تأثير عزّة فيه. و «مدين» هي قرية النبي شعيب. وقعودا: جمع قاعد، مأخوذ من قعد للأمر، أي: اهتمّ له واجتهد فيه. والشاعر كاذب فيما قال، فلا يبلغ تأثير المرأة في العابد ما قاله، وقاله: والذين: معطوف على المبتدأ «رهبان». وجملة «يبكون» حال من المفعول في «عهدتهم». وقعودا: منصوب على الحال، من فاعل: يبكون. وجملتا الشرط والجواب «لو يسمعون .. خروا» خبر المبتدأ.
والشاهد قوله «لو يسمعون». حيث وقع المضارع بعد «لو» فصرفت معناه إلى المضيّ فهو في معنى قولك «لو سمعوا». [الأشموني/ 4/ 42، والخصائص/ 1/ 27].

107 - أبصارهنّ إلى الشّبان مائلة … وقد أراهنّ عنّي غير صدّاد
.. البيت للقطامي عمير بن شييم بن عمرو التغلبي، وقبل البيت:
ما للكواعب. ودّعن الحياة كما … ودّعنني وجعلن الشّيب ميعادي
أراد أنّ الكواعب يدمن النظر إلى الشبان لما يرجون عندهم، وقد كان شأنهّنّ معه كذلك يوم كان شبابه غضا.
والشاهد قوله: صدّاد، الذي هو جمع «صادة» حيث استعمل فعّال في جمع فاعلة.
[الأشموني/ 4/ 133، والعيني/ 4/ 521، والتصريح/ 2/ 308].

108 - ألم يأتيك والأنباء تنمي … بما لاقت لبون بني زياد
البيت من كلام قيس بن زهير بن جذيمة العبسي ... وقوله: تنمي: تزيد وتكثر. وبنو زياد: هم الكملة من الرجال: الربيع وعمارة وقيس وأنس. بنو زياد بن سفيان بن عبد الله
(1/309)

العبسي، وكان قيس قد طرد إبلا للربيع في قصة مشهورة.
والشاهد: ألم يأتيك: حيث دخل عليه الجازم فلم تحذف ياؤه: ويرى قوم أن الشاعر جزم الفعل بالسكون، ويرى آخرون أنه حذف الياء، ثم أشبع الحركة لإقامة الوزن، وقوله «بما» الباء زائدة و «ما» فاعل يأتيك، وزيادة الباء هنا غير مقيس. [سيبويه/ 2/ 59، والإنصاف/ 30، والمفصل/ 8/ 24، و 10/ 104، والهمع/ 1/ 52، والأشموني/ 1/ 103، والخزانة/ 8/ 361، وشرح المغني/ 2/ 353].

109 - قالت أمامة لما جئت زائرها … هلا رميت ببعض الأسهم السّود
لا درّ درّك إني قد رميتهم … لولا حددت ولا عذرى لمحدود
البيتان منسوبان إلى الجموح الظفري، ويقال: لراشد بن عبد ربه، وكان اسمه غاويا فسماه رسول الله راشدا. وقوله: الأسهم السود: يقال: هي كناية عن الأسطر المكتوبة، يعني هلا كتبت لي كتابا. ويقال: الأسهم السود: نظر مقلتيه. وحددت: معناه حرمت ومنعت وفارقني الجد والحظ. والعذرى: بضم العين وسكون الذال - المعذرة.
ويستشهد البصريون بهذا البيت لقوله «لولا حددت» حيث دخلت لولا على الفعل وذلك يدل على أنها ليست مختصة بالاسم، ولا مختصة بالفعل، ولذلك لا تكون عاملة .. وأن الاسم بعدها مرفوع بالابتداء وليس بها .. والكوفيون يرون أنّ الاسم بعدها مرفوع بها. [شرح المفصل/ 1/ 95، والإنصاف/ 73، والخزانة/ 1/ 462].

110 - على مثلها أمضي إذا قال صاحبي … ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
.. البيت من معلقة طرفة بن العبد، يصف ناقته .. وقوله: ألا ليتني أفديك منها، الضمير عائد على الفلاة أي: الصحراء، وقد أتى بضمير الفلاة وإن لم يجر ذكرها في الكلام قبل هذا لأن المراد يفهم من السياق، ومنه قوله تعالى حَتَّى
تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ص: 32]، فأضمر ضميرا يعود إلى الشمس وإن لم يجر لها ذكر في الكلام ارتكازا على أنّ السامع سيفهم المقصود من سياق الكلام. [الإنصاف/ 96، وشرح معلقته].

111 - وقفت فيها أصيلا كي أسائلها … عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
... البيت من قصيدة النابغة الذبياني التي مطلعها:
(1/310)

يا دار مية بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأمد
... والاستشهاد بالبيت في قوله: وما بالربع من أحد، فإنها جملة من مبتدأ وخبر، فالخبر قوله: ... بالربع ... والمبتدأ (من أحد) وقد أدخل على المبتدأ (من) الزائدة.
وهو في الكلام كثير. وتزاد (من) على المبتدأ بشرطين: الأول: أن يكون نكرة، والثاني:
أن يتقدم نفي أو استفهام ب (هل) خاصة. [سيبويه/ 1/ 364، والإنصاف/ 170، وشرح المفصل/ 2/ 80 و 8/ 12 و 9/ 143 و 10/ 45، والهمع/ 1/ 223، والأشموني/ 4/ 28].

112 - شدخت غرّة السوابق فيهم … في وجوه إلى اللّمام الجعاد
... البيت للشاعر ابن مفرغ الحميري، يزيد بن ربيعة ... وشدخت: أي: اتسعت في الوجه، ويريد غرّة الفرس. والسوابق: جمع سابق، وهو الفرس. واللمام: جمع لمة، وتجمع أيضا على «لمم» بكسر اللام في المفرد والجمع. واللمة: الشعر إذا نزل من الرأس فجاوز شحمة الأذن. والجعاد: جمع جعدة: بفتح فسكون وهي مؤنث الجعد، والجعد: ضد السّبط، والسّبط: المسترسل من الشعر، وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب، وعلى هذا يمدح الرجل بأنه جعد الشعر، تعني أنه عربي، فإذا أردت أن شعره مفلفل كشعر الزنج كان ذمّا، والاستشهاد بالبيت في قوله «إلى اللمام»، فإنّ (إلى) هنا تدل على معنى «مع» ويدل على ذلك أن البيت روي في مكان سابق مع (اللمام).
[الأشموني/ 4/ 17، والعيني/ 4/ 427].

113 - وقفت فيها ... (الشاهد رقم (111) من هذا الحرف.
إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنها … والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
... البيتان للنابغة من معلقته. وقد مضى مطلعها، قبل الشاهد السابق. الأواريّ:
جمع آريّ أو آرية، وهو محبس الخيل، .. وقوله: لأيا ما أبينها: أي: ما أعرفها إلا بعد لأي، أي؛ بطء. والنؤي: حفيرة حول الخيمة، والمظلومة: الصحراء التي حفر فيها الحوض لغير إقامة. والجلد: الصلبة.
والشاهد: إلا الأواري: فهو استثناء منقطع، لأنه ليس من جنس المستثنى منه، ويجوز فيه وجهان: النصب على الاستثناء، وهو الأشهر، والرفع على البدل، على أن تتوسع في
(1/311)

المستثنى منه فتجعله شاملا المستثنى، من باب المجاز. [سيبويه/ 1/ 364، والإنصاف/ 269، والهمع/ 1/ 33، و/ 2/ 158، والعيني/ 4/ 496].

114 - ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه … وما أحاشي من الأقوام من أحد
.. البيت للنابغة من معلقته ... والبيت شاهد عند الكوفيين على أن «حاشا» في الاستثناء، فعل ماض، لأنه يتصرف وقد جاء منه المضارع في البيت، والدليل أيضا على فعليته أنه يتعلق به الجار والمجرور في قولنا «حاشا لله» .. وهي في الحق فعل، وتدخل عليه «ما» كما في قول الفرزدق:
رأيت الناس ما حاشا قريشا … فإنّا نحن أكثرهم فعالا
فهي إذن في أحوالها مثل «خلا، وعدا» .. و «من»، في قوله: «من أحد» زائدة على المفعول به. [شرح المفصل/ 2/ 85 و 8/ 48، والإنصاف/ 278، والهمع/ 1/ 233، والأشموني/ 2/ 167، والخزانة/ 3/ 403، وشرح المغني/ 3/ 86].

115 - أزمان من يرد الصنيعة يصطنع … فينا ومن يرد الزهادة يزهد
.. الصنيعة: كل معروف تسديه إلى غيرك تصطنعه به، أي: تجعله من أنصارك.
والاستشهاد بالبيت في قوله «أزمان من يرد ..» فإنه يجوز في «أزمان» أن يكون مبنيا على الفتح لكونه ظرفا مبهما قد أضيف إلى جملة مصدّرة باسم مبني وهو «من» ويجوز أن يكون منصوبا على الظرفية. [الإنصاف/ 291].

116 - معاوي إنّنا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا (الحديدا)
أكلتم أرضنا فجرزتموها … فهل من قائم أو من حصيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا … وليس لنا ولا لك من خلود
.. الأبيات للشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، يشكو إلى معاوية بعض عمّاله .. والأبيات - والله أعلم - مختلقة. لما فيها من الطعن على معاوية رضي الله عنه. والدلالة على اختلاقها، اختلاف النحاة في رواية بيت الشاهد «الأول» فقد نقله سيبويه منصوب القافية، للاستدلال به على نصب «الحديدا» على موضع «بالجبال» لأن موضعها النصب بأنها خبر ليس .. مع أن قافية الأبيات مجرورة كما رأيت في البيتين التاليين، وإن صحت نسبة الأبيات إلى صاحبها، فهي تدل على عيب في بعض قواعد النحاة، لأنهم يبنون قواعدهم
(1/312)

على البيت المفرد، دون النظر في القصيدة كلها، وقد مضى أمثال هذا البيت. [سيبويه/ 1/ 34، والمفصل/ 2/ 109، و 4/ 9 وشرح المغني/ 7/ 53، والخزانة/ 2/ 260].

117 - ألا حيّ ندماني عمير بن عامر … إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
.. الندمان: كالنديم - الذي يجالسك ويسامرك، والشاهد قوله: (أو غدا) حيث جاء به منصوبا تبعا لمحل «من اليوم» أو اعتبار «من اليوم»، من: حرف جر زائد، واليوم منصوب على الظرفية، والبيت لكعب بن جعيل. [سيبويه/ 1/ 35، والإنصاف/ 335].

118 - هذيليّة تدعو إذا هي فاخرت … أبا هذليّا من غطارفة نجد
الشاهد قوله: هذيلية، و .. هذليا فقد جمع بين إثبات الياء في الكلمة الأولى وحذف الياء في الثانية والقياس في مثله إبقاء الياء وعدم حذفها، لأن الياء تحذف في وزن «فعيلة وفعيلة» وتبقى في وزن «فعيل، وفعيل»، ولكنهم قالوا: ثقفيّ نسبة إلى ثقيف، وقرشيّ نسبة إلى قريش حتى أصبح وكأنه قياس. [الإنصاف/ 351، والمفصل/ 6/ 10].

119 - وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه … ويكنّ أعداء بعيد وداد
البيت للأعشى - ميمون .. والغواني: جمع غانية وهي المرأة الجميلة، خلقة دون زينة صناعية .. يصف النساء بالغدر وقلة الوفاء والصبر .. ومحل الشاهد «الغوان» أراد أن يقول: الغواني .. فحذف الياء ضرورة. واكتفى بالكسرة دليلا عليها. وقد مضت أبيات شاهدة على أنها لغة، وليست ضرورة. [سيبويه/ 1/ 10، والإنصاف/ 387، والهمع/ 2/ 157].

120 - وقائلة ما بال دوسر بعدنا … صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند
.. البيت للشاعر دوسر بن دهبل القريعي .. وصحا قلبه: تريد أنه سلا أحبابه وترك ما كان عليه من الصبابة .. والشاهد منع (دوسر) من الصرف مع أنه ليس فيه إلا علة العلمية. [الإنصاف/ 500، والأشموني/ 3/ 275].

121 - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما … وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خفّ محملها … وتصنعا نعمة عندي بها ويدا
أن تقرآن على أسماء ويحكما … منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا
(1/313)

الأبيات غير منسوبة .. وشاهدها «أن تقرآن» حيث رفع الفعل بعد أن المصدرية، وقد أهملت حملا لها على أختها
«ما» المصدرية. وقيل: هي مخففة من الثقيلة، وكان حقها الفصل من الفعل بقد، أو السين أو سوف، فترك الفصل لإقامة الوزن.
[الإنصاف/ 563، والمفصل/ 7/ 15، وشرح المغني/ 1/ 135، والخزانة/ 8/ 420].

122 - إنّما الفقر والغناء من الله … فهذا يعطى وهذا يحدّ
.. الشاهد - الغناء - بكسر الغين، وأصل الغنى بالقصر، فمده للضرورة ومثله:
سيغنيني الذي أغناك عنّي … فلا فقر يدوم ولا غناء
[الإنصاف/ 747].

123 - إذا اسودّ جنح الليل فلتأت ولتكن … خطاك خفافا إنّ حراسنا أسدا
.. البيت لعمر بن أبي ربيعة .. وهو شاهد على أن الحرف الناسخ (إنّ) نصب المبتدأ والخبر (حراسنا أسدا) قال البغدادي: والصحيح أن الخبر محذوف تقديره: «تجدهم أسدا» أو تلقاهم. [الخزانة/ 4/ 167، وشرح المغني/ 1/ 183، والهمع/ 1/ 134].

124 - فيا ربّ إن لم تقسم الحبّ بيننا … سواءين فاجعلني على حبّها جلدا
البيت لقيس بن الملوح، مجنون ليلى .. والشاهد تثنية «سواء» شذوذا لأنهم استغنوا عن تثنية «سواء» بتثنية «سيّ» فقالوا «سيّان»، فكلمة «سواء» إفرادها واجب وإن كانت خبرا عن متعدد، لأنه في الأصل مصدر بمعنى الاستواء، فحذف زائده ونقل إلى معنى الوصف .. وفي القاموس: هما سواءان وسيّان: مثلان، فسوى بينهما. [شرح أبيات المغني/ 3/ 215].

125 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وعادك ما عاد السليم مسهّدا
وما ذاك من عشق النساء وإنّما … تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خاتر … إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار ونزوة … فلله هذا الدهر كيف تردّدا
(1/314)

الأبيات من أول القصيدة التي مدح بها الأعشى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يتمّ له إنشادها أمام رسول الله ... وقوله: السليم: أي: الملدوغ. والخلّة: بالضم: الصداقة والمحبة.
ومهدد: اسم امرأة. والخاتر: الغادر. وقوله: شباب وشيب: أي: هذه أحوال الدهر وتصرفه، وقوله: شباب .. خبر
لمبتدأ محذوف، والتقدير: أحوال الدهر شباب .. ولله:
الجار والمجرور: خبر مقدم. وهذا الدهر: مبتدأ مؤخر.
والشاهد في البيت الأخير: على أن اللام في «لله» للتعجب. وكيف في البيت أيضا يراد بها التعجب. [الأشموني/ 2/ 97، وشرح أبيات المغني/ 4/ 302].

126 - له نافلات ما يغبّ نوالها … وليس عطاء اليوم مانعه غدا
البيت للأعشى من قصيدته التي سبق ذكرها بعد الشاهد السابق، والشاهد أنّ «ليس» في البيت لنفي المستقبل. [شرح أبيات المغني/ 5/ 204].

127 - متى ما تناخي عند باب بن هاشم … تراحي وتلقي من فواضله ندا
للأعشى من قصيدته السابقة، وشاهده «ما» زائدة بعد (متى). [شرح أبيات مغني اللبيب/ 5/ 277].

128 - وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع … وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
البيت للأعشى - من القصيدة التي تقدم منها الشاهد السابق، والشاهد فيه «مذ أنا يافع» على أنّ «مذ» وليتها الجملة الاسمية .. وتكون «مذ» ظرفا مضافا إلى الجملة الفعلية، وقيل: إنّ مذ مضاف إلى الجملة. وقوله: وليدا: نصب على أنه خبر كان المقدرة، أي: وقد كنت وليدا. وقوله: وكهلا: معطوف على «أمرد» في التقدير، لأن الكهولة بعد الأمردية. ويروى البيت: مذ كنت يافعا. ف (وليد) معطوف بواو محذوفة.
[شرح أبيات المغني/ 6/ 30 والهمع/ 1/ 216، والأشموني/ 2/ 228، والعيني 3/ 326].

129 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا … وبتّ كما بات السليم مسهّدا
البيت من قصيدة الأعشى التي مدح بها رسول الله، ولم يوفّق للإسلام، والشاهد: قوله «ليلة أرمدا» على أنّ فيه حذفا تقديره: اغتماض ليلة رجل أرمد. وليلة: منصوبة نصب
(1/315)

المصادر، وليست ظرفا، لأن المعنى لا يحتمل الظرفية .. وهناك من فسّر «أرمدا» اسم مكان، وعليه لا حذف في البيت ... وقوله: السليم: هو الذي لدغته الحية، وسمي سليما للتفاؤل بالسلامة. [شرح المفصل/ 10/ 102، وشرح أبيات مغني اللبيب ج 7/ 301، والهمع/ 1/ 188، والعيني/ 3/ 57].

130 - خليليّ رفقا ريث أقضي لبانة … من العرصات المذكرات عهودا
الشاهد: أنّ «ريث» مضافة إلى الجملة الفعلية .. وخليليّ: منادى مثنى خليل مضاف إلى ياء المتكلم .. رفقا: مفعول
مطلق، عامله محذوف، أي: ارفقا رفقا. واللّبانة:
بالضم: الحاجة. والعرصة: المكان المتسع أمام الدار. [الهمع/ 1/ 213، وشرح أبيات مغني اللبيت ج 6/ 287].

131 - هويت سناء مستطابا مجدّدا … فلم تخل من تمهيد مجد وسوددا
... الشاهد: أن (سوددا) معطوف على موضع «مجد» لأن «تمهيد» مصدر مضاف إلى مفعوله، والتقدير: من تمهيدك مجدا وسوددا. [شرح أبيات المغنى/ 7/ 46].

132 - ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرحيل غدا
.. البيت لعمر بن أبي ربيعة: والشاهد أنّ اللام في قوله «لئن» زائدة والتقدير: قلّ الثواء إن كان الرحيل غدا، ومعنى: أفد: قرب، والثواء: الإقامة. وألمّ به: نزل عنده واجتمع معه. [شرح أبيات المغني ج 4/ 372].

133 - آل الزّبير سنام المجد قد علمت … ذاك القبائل والأثرون من عددا
مجهول القائل، آل: مبتدأ. وسنام: خبره. والأثرون: معطوف على الخبر. وجملة «قد علمت ذاك القبائل» اعتراضية لتقوية المعنى. وذاك: مفعول به لعلمت. والقبائل:
فاعل. والأثرون: جمع الأثرى، أفعل تفضيل، من ثريت بك - بكسر الراء - أي: كثرت بك.
والشاهد: أن «من» زائدة، عند الكسائي. [الخزانة/ 6/ 128].

134 - كأنني، حين أمسي لا تكلّمني … متيّم يشتهي ما ليس موجودا
(1/316)

البيت من قصيدة ليزيد بن الحكم الثقفي، مدح بها سليمان بن عبد الملك. والشاهد أنّ «كأنّ» للتحقيق، بمعنى «أنّ». وليس فيها معنى التشبيه. [المفصل/ 4/ 77، وشرح أبيات المغني/ 6/ 149].

135 - ما للجمال مشيها وئيدا … أجندلا يحملن أم حديدا
هذا الرجز للزّباء، قالته لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة ... ، ويرى الكوفيون: أنّ الفاعل (مشيها) تقدم على عامله «وئيدا» ... و «وئيدا» وردت منصوبة، حال ..
ويرى البصريون: أنّ «مشيها» مبتدأ، حذف خبره، وبقي معمول الخبر، والتقدير:
مشيها يكون وئيدا، أو يوجد وئيدا ...
ومنهم من قرأ «مشيها» بالجر، وأعربه بدل اشتمال من الجمال، ومنهم من قال:
مشيها مبتدأ. وئيدا: حال سدت مسدّ الخبر. [الهمع/ 1/ 159، والأشموني/ 2/ 46، وشرح أبيات مغني اللبيب/ 7 /
216].

136 - فإن يكن الموت أفناهم … فللموت ما تلد الوالدة
البيت للشاعر نهيكة بن الحارث المازني، والشاهد فيه أنّ اللام في قوله: «للموت» هي لام الصيرورة. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 4/ 296].

137 - ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته … على السّنّ خيرا لا يزال يزيد
... البيت للشاعر الإسلامي المعلوّط بن بدل القريعي ... رجّ: فعل أمر، من الترجية. والفتى: مفعوله. والسنّ: مقدار العمر. وقوله: على السن: أي: على زيادة العمر. و «يزيد» يكون لازما كقولك: زاد المال، ويكون متعديا لمفعولين، فإن عدّا هنا لازما كان «خيرا» تمييزا مقدما للضرورة. وإن عدّ متعديا: كان مفعوله الأول محذوفا وخيرا مفعوله الثاني، والتقدير: ولا يزال يزيد خيره خيرا. وقوله «ما إن» (إن) بعد «ما» زائدة، و «ما» مع الفعل في تأويل مصدر في منزلة الظرف. على تقدير رجّه رؤيتك إياه، والأكثر زيادة (إن) بعد (ما) النافية. أما زيادتها بعد ما المصدرية فهو قليل.
[سيبويه/ 2/ 306، والمفصل/ 8/ 130، والهمع/ 1/ 125، والأشموني/ 1/ 234، وشرح المغني/ 1/ 111].
(1/317)

138 - عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا … كذا وكذا لطفا به نسي الجهد
.. فيه شاهد على أن «كذا» لا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها ... ولطفا: تمييز، كذا، ولا يجيء مميزها إلا منصوبا. [شرح المغني/ 4/ 169، والهمع/ 1/ 256].

139 - على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى … قضيّته أن لا يجور ويقصد
... البيت للشاعر اللص الجاهلي أبو اللّحّام، حريث، التغلبي. وقوله: على الحكم:
خبر مقدم. و «أن لا يجور» المصدر المؤول مبتدأ مؤخر. والمعنى: يجب على حاكم بين الناس يؤتى لفصل الخصومات أن لا يجور في حكمه إذا قضى قضيته وحكم حكمه، وهو يقصد ويعدل في قضاياه .. وهذا من الشاعر إرشاد للحكام إلى العدل في الحكم.
والشاهد فيه: أن الواو في «ويقصد» للاستئناف. لأن العطف على «يجور» غير مستقيم، فغرضه أن ينفي الجور ويثبت القصد وهو العدل فإذا عطفنا، نفينا الجور والقصد، وهو لا يريد ذلك. [الخزانة/ 8/ 555، وسيبويه/ 1/ 431، وشرح المفصل/ 7/ 38، وشرح أبيات المغني/ 6/ 106].

140 - إذا كانت الهيجاء وانشّقت العصا … فحسبك والضحاك سيف مهّند
.. البيت مجهول القائل ... والعصا: مستعار للجماعة، والاجتماع والائتلاف.
وانشقاق العصا: عبارة عن اختلاف الكلمة .. لأنّ العصا، لا تدعى كذلك حتى تكون مجتمعة، فإذا انشّقت لم تدع عصا ... والضحاك: اسم رجل. والشاهد: أن «الضحاك» روي بالحركات الثلاث: أما الرفع: فعلى أنه قام مقام مضاف محذوف، أي: وحسب الضحاك. والنصب: على أنه مفعول معه. والجّر: عطفا على الضمير. تقول: حسبك وعبد الله درهمان: على معنى: يكفيك وعبد الله درهمان. ولكن الجّر قبيح لأنك تعطف ظاهرا على ضمير مجرور. فإن أضفت «حسب» إلى اسم ظاهر، قلت: حسب زيد وأخيه درهمان، وقبح عندئذ النصب والرفع لأنك لم تضطر إليهما. [شرح المفصل/ 2/ 48، 51، وشرح ابيات المغني/ 7/ 191].

141 - وليل بدت للعين نار كأنها … سنا كوكب لا يستبين خمودها
فقلت عساها نار كأس وعلّها … تشكّى فأمضي نحوها فأعودها
... البيتان للشاعر صخر بن الجعد الخضري، من قصيدة رقيقة، يتشوق فيها إلى
(1/318)

صاحبته «كأس». والشاهد في البيت الثاني: أن خبر عسى ظهر مرفوعا ... وهو ردّ على الأخفش الذي يرى أنّ الضمير المنصوب في موضع رفع اسمها، وأنه وضع الضمير المنصوب موضع المرفوع.
قال في شرح أبيات «المغني»، وهذا البيت قاطع ببطلان مذهب الأخفش، لأن الشاعر قال: «نار» بالرفع، ولو كان في موضع نصب لقال «نارا» بالنصب.
أقول: ومذهب الأخفش هو الأقوى، لأننا لم نسمع أن الشاعر قال «نار» بالرفع. ولا يصح أن يقول «نارا» بالتنوين، لأنها مضافة ... وما يدرينا أنه نطقها منصوبة؟ والضمير المنصوب قد يأتي اسما للأفعال التي ترفع وتنصب، كما في قولنا «كونه عالما» ..
فالهاء: في موضع المضاف إليه، ولكنها في معنى الاسم، والهاء من ضمائر النصب والجّر. [شرح أبيات المغني/ 3/ 350، والهمع/ 1/ 132، والعيني/ 2/ 227، وشرح التصريح/ 1/ 213].

142 - كم ملوك باد ملكهم … ونعيم سوقة بادوا
البيت لعدي بن زيد العبادي، من نصارى العرب في الجاهلية. ولكن القصيدة التي منها البيت «رائية» وقافية البيت «بارا» من البوار وهو الهلاك والتلف .. وقد ذكره ابن هشام بالدال .. فالنعيم هو الذي (بار) وليست السوقة هي التي (بادت).
والبيت شاهد على أن تمييز «كم» الخبرية يجوز أن يأتي جمعا كما في الشطر الأول.
ويجوز أن يأتي مفردا كما في الشطر الثاني «ونعيم سوقه» «وكم نعيم». [شرح أبيات المغني/ 4/ 163، والعيني/ 4/ 495، والهمع/ 1/ 254].

143 - إخوتي لا تبعدوا أبدا … وبلى والله قد بعدوا
كل ما حيّ وإن أمروا … واردو الحوض الذي وردوا
... البيتان لفاطمة بنت الأحجم الخزاعية، من قصيدة في حماسة أبي تمام، من باب المراثي. والشاعرة جاهلية. وقولها: لا تبعدوا: نهي يراد به الدعاء، وفعله من باب (فرح)، أي: لا تهلكوا .. والمراد بقولها: التحسر والتوجع، ولهذا استدركت بقولها:
«وبلى والله قد بعدوا» وقوله: «أمروا» من أمر الشيء: من باب (فرح)، بمعنى كثر واشتد.
وجواب (إن) ما دل عليه قوله: واردو الحوض. تقول: كل قبيلة، أو كل حّي، وإن
(1/319)

تناسلوا وكثروا فمصيرهم إلى ما صار إليه أمر إخوتي إذ لا ينجو أحد من الموت.
والشاهد: أن قولها: «أمروا» يحتمل أن يكون من الإتيان بضمير الجمع مع إرادة الحكم على كل واحد في قولها: «كل ما حيّ» و «ما» زائدة. و «حيّ» ضدّ الميت.
[الحماسة/ 912، وشرح أبيات المغني/ 4/ 230].

144 - وبالصّريمة منها منزل خلق … عاف تغيّر إلا النؤي والوتد
البيت للشاعر الأخطل النصراني من قصيدة مدح بها عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان، وأخاه يزيد بن معاوية .. والّصريمة: الرملة المتقطعة. والخلق: البالي. وعاف:
دارس، وذاهب أثره. والنؤي: حفيرة حول الخيمة؛ وجمعه «نئيّ» بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء. وبالصريمة: خبر مقدم، ومنزل: مبتدأ مؤخر. و «منها» حال من منزل، أو من فاعل «تغيّر».
والشاهد: على أنه رفع ما بعد إلا، وكان القياس نصبه، لأنه بعد موجب تام، وإنّما رفع لأنّ «تغيّر» معناه لم يبق على حاله، وهذا يطلب فاعلا، فرفع ما بعد إلا على الفاعلية، بطريق الاستثناء المفرّغ. [العيني/ 3/ 103، والأشموني/ 2/ 144، وشرح أبيات المغني/ 5/ 126].

145 - يلقاك مرتديا بأحمر من دم … ذهبت بخضرته الطّلى والأكبد
البيت للمتنبّي .. وقوله «بأحمر» الظاهر أنه أفعل تفضيل، وتأويله أنّ «من دم» في موضع الصفة، جعله منه لكثرة تلبّسه بالدم، أو «من دم» للتعليل، أي: هو محمرّ من أجل الدم. وقوله: يلقاك مرتديا: أي: متقلدا بسيف قد احمرّ من الدم وزالت خضرة جوهره بدماء الأعناق والأكباد. والطّلى: جمع طليه: مقدم العنق. والأكبد: جمع كبد وهو جمع غير معهود، والمعروف: أكباد، وكبود. [شرح أبيات المغني/ 7/ 174].

146 - نبّئت أخوالي بني يزيد … ظلما علينا لهم فديد
... والشاهد: على أن «يزيد» علم محكيّ، لكونه سمي بالفعل مع فاعله الضمير المستتر فيه ... ونبئت: ينصب ثلاثة مفاعيل، الأول: الضمير وهو نائب فاعل، والثاني:
أخوالي، والثالث: جملة (لهم فديد) و «بني يزيد» نعت لأخوالي، أو بيان له، أو بدل، والفديد: التصويت، مصدر (فدّ، يفدّ)، بالكسر، أي: أن أصواتهم علت علينا لا يوقروننا
(1/320)

في الخطاب. [شرح المفصل/ 1/ 28، وشرح أبيات المغني/ 7/ 313، والخزانة/ 1/ 270].

147 - قفا قليلا بها عليّ فلا … أقلّ من نظرة أزوّدها
البيت للمتنبي، وقوله: قفا بها، أي: احبساها عليّ زمانا قليلا لأنظر إليها، وأتزود منها نظرة، فلا أقل منها. والشاهد: على أن «أقلّ» مبني مع «لا» على الفتح، ويجوز رفعه، على أنها عاملة عمل ليس. وضمير بها: للعير، ويجوز أن يكون لمحبوبته، وأزودها: مبني للمجهول من (زوّدته) أي: أعطيته زادا. [شرح أبيات المغني/ 4/ 375].

148 - قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه … قبله ثم قبل ذلك جدّه
.. البيت لأبي نواس: .. وفيه إشكال: في «ثم» فهي، للترتيب مع التراخي .. ولكنها هنا لا تدل على ذلك، فكيف تكون سيادة الأب من سيادة الابن، وسيادة الجد من سيادة الأب، وحل الإشكال: أن تكون ثمّ هنا للترتيب الإخباري، وترتيب اللفظ بحسب الذكر والإخبار، أو تكون بمعنى الواو. [الهمع/ 2/ 131، والأشموني/ 3/ 94، وشرح المغني/ 3/ 37، والخزانة/ 11/ 37].

149 - ألا إنّ قرطا على آلة … ألا إنني كيده لا أكيد
.. البيت للشاعر الأخرم السّنبسي، في الحماسة ... وقرطا: اسم رجل، و «على آلة» على حالة .. أي: تنكّر وتغيّر عما كان عليه من قبل. والشاهد أن «لا» النافية لا صدارة لها، ولهذا تقدم مفعول الفعل الذي بعدها عليها، وهو «كيده».، والمعنى: لا أكيده كما كادني لأكون خيرا منه. ويروي البيت «ما أكيد»، وتخرج على أن «ما» زائدة لأن «ما» النافية،
لا يعمل ما في حيّزها فيما قبلها، والمعنى: إنني أقابل كيده بكيد مثله، يريد أنني لا ابتدئه بمساءة ولا أباديه بمكر وخيانة بل أقتدي به فيما عاملني به، وأجازيه صاعا بصاع. [شرح أبيات المغني/ 2/ 255، والحماسة/ 600].

150 - بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا … على أنّ قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع … إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
.. البيتان لابن الدّمينة عبد الله بن عبيد الله، من مقطوعة في حماسة أبي تمام. من أرقّ الشعر وأعذبه، وكانت محلّ معارضة الشعراء: ومطلعها:
(1/321)

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد … لقد زادني مسراك وجدا على وجد
.. وقوله: بكلّ تداوينا: أي: بالقرب والبعد من دار الحبيب .. وقوله: يشفى يجوز أن يكون مبنيا للمعلوم، ويجوز بناؤه للمجهول.
والشاهد في البيتين على أن «على» هنا، للاستدراك والإضراب .. فهي في البيت الأول، إضراب عن قوله «لم يشف» فجعل قرب الدار فيه بعض الشفاء وفي البيت الثاني، استدراك لعموم معنى البيت الأول، ويريد أنه لا يكون قرب الدار خيرا إلا مع الودّ .. أما تعلق على ومجرورها ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أن تتعلق بالفعل المتقدم قبلها، كما تعلّقت (حاشا) الاستثنائية بما قبلها، لكونها أوصلت معنى ما قبلها إلى ما بعدها على وجه الإضراب والإخراج، الثاني: أنها مع مجرورها في موضع خبر لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: والتحقيق على أن الأمر، والوجه الثالث: في موضع نصب على الحال. [الأشموني/ 2/ 223، والحماسة/ 1299، وشرح أبيات مغني اللبيب/ 3/ 259].

151 - وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
.. البيت من شعر الأشهب بن رميلة، شاعر مخضرم ... وقوله «حانت» .. من «الحين» بفتح الحاء، وهو الهلاك، وأراد بحين دمائهم، كونها هدرا لم تؤخذ دياتهم، ولا أخذ بثأرهم. و «فلج» اسم مكان، في طريق البصرة إلى مكة، وكانت فيه منازل للحاج، وقوله: يا أمّ خالد: هو من عادة العرب، خطاب النساء بهذا، لحثهنّ على البكاء. كما يقولون: يا ابنة القوم.
والشاهد فيه: أنّ «كلّ» في الشطر الثاني، نعت لمعرفة، دلت على كماله .. إذا أضيفت إلى اسم ظاهر يماثل الموصوف، وهو «القوم». وفيه شاهد آخر عند سيبويه في «الذي» قال أصلها «الذين» فحذفت منه النون تخفيفا. [سيبويه/ 1/ 96، والمفصل/ 3/ 154، والهمع/ 1/ 249، والخزانة/ 6/ 25].

152 - إذا قلّ مال المرء لانت قناته … وهان على الأدنى فكيف الأباعد
البيت مجهول القائل، ولا يعرف له سابق أو لاحق، وهو مرويّ بكسر القافية للاستدلال به على أن «كيف» حرف عطف: - ولا يصح الاستشهاد به، لأنه مجهول، ولأن القافية يحتمل أن تكون مرفوعة: مبتدأ، وكيف: خبر مقدم. [الهمع/ 2/ 138،
(1/322)

وشرح المغني/ 4/ 273].

153 - إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له … أكيلا فإني لست آكله وحدي
البيت منسوب إلى حاتم، وإلى عروة بن الورد، وإلى الصحابي قيس بن عاصم.
والشاهد أنّ اللام في «له» زائدة للتقوية .. لتأخر العامل «أكيل» والأصل (التمسي أكيله) ... والأقوى: أنها للتعليل، متعلقة ب التمسي. [الحماسة/ 1668، وشرح أبيات المغني/ 4/ 313].

154 - إن الحقّ لا يخفى على ذي بصيرة … وإن هو لم يعدم خلاف معاند
البيت لم يسمّ قائله، وهو شاهد على أنّ اللام الفارقة يجب حذفها مع نفي الخبر ..
واللام الفارقة هي التي تدخل على الخبر وجوبا إذا خففت (إنّ) للتفريق بين المخففة والثقيلة والنافية، وأقصد (إن). [أبيات المغني/ 4/ 354].

155 - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها … لكالهائم المقصى بكلّ مراد
البيت لكثير عزّة ... والهائم من الإبل: الذي يصيبه داء فيهيم، أي: يذهب على وجهه في الأرض ولا يرعى. والمراد: بفتح الميم: محل الرود، أي: طلب الكلأ. شبه نفسه في طرد ليلى له، بالبعير الذي يصيبه داء الهيام، فيطرد من الإبل خشية أن يصيبها ما أصابه .. والمقصى: المبعد. وفي البيت شاهدان: الأول: زيادة اللام في خبر «ما زال» للضرورة. والثاني: استعمال (لدن) بغير (من) ولم تأت في القرآن إلا مقرونة بمن. [شرح أبيات المغني/ 4/ 358، والخزانة/ 10/ 328 (بقافية مذاد)، والعيني ج 2/ 249، والهمع/ 1/ 141، والأشموني/ 1/ 280].

156 - فلو كان حمد مخلد الناس لم يمت … ولكنّ حمد الناس ليس بمخلد
... البيت لزهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان ... يقول: لو أن الفعل المحمود يخلّد صاحبه في الدنيا، لخلّدك ولم تمت. غير أنّ منه ما يبقى ويتوارث فيقوم مقام الحياة لصاحبه ... فأورث بعض مكارمك ومحامدك، وتزوّد بعضها لما بعد موتك، وفي هذا يقول بعد البيت السابق:
ولكنّ منه باقيات وراثة … فأورث بنيك بعضها وتزوّد
(1/323)

تزوّد إلى يوم الممات فإنّه … ولو كرهته النفس آخر موعد
.. وفيه دليل على إيمان الشاعر بالحشر والجزاء، وهو جاهلي ... وفي البيت شاهد على أنّ «لو» يفهم منها عدم وقوع الفعل، ولهذا يصحّ تعقيبه بحرف الاستدراك.
[الهمع/ 2/ 66، وشرح أبيات المغني/ 5/ 37].

157 - تقي نقي لم يكثّر غنيمة … بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد
البيت لزهير في مدح هرم بن سنان .. والحقلّد: اختلفوا في معناها، وإنما هي صفة ذم ينفيها عن الممدوح ... يقول: لم يكثر غنيمة بأن ينهك ذا قرابة ولا هو بلئيم سيء الخلق .. والشاهد فيه: أن قوله: بحقلّد: معطوف على شيء متوهم، كأنه قال: ليس بمكثر غنيمة، فعطف عليه قوله: بحقلّد، بناء على توهّم جرّ خبر ليس بالباء الزائدة ..
ويحتمل أن تكون معطوفة على بنهكة، على تضمين «حقلّد» معنى سوء الخلق .. أي:
لا يكثر ماله بإنهاك الأقارب، ولا بسوء الخلق، والله أعلم. [شرح أبيات المغني/ 7/ 146].

158 - إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم … ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
البيت لعديّ بن زيد العبادي، وينسب لطرفة بن العبد أيضا ... وليس في البيت شاهد نحويّ وإنما أورده ابن هشام في مجال الجواب بالتلميح. وانظر قصته في بيت النابغة الذبياني حرف العين المهملة (المسامع). [شرح أبيات المغني/ 7/ 130].

159 - فقد ذاقت الأوس القتال وطرّدت … وأنت لدى الكنّات - كلّ مطرّد
تناغي لدى الأبواب حورا نواعما … وكحّل مآقيك الحسان بإثمد
البيتان لحسان بن ثابت رضي الله عنه، من قصيدة أجاب بها قصيدة لقيس بن الخطيم في العصر الجاهلي ... وطرّدت: بالبناء للمجهول مبالغة في طردته، وجملة «وأنت لدى الكنات» حال من ضمير (طرّدت)، أو من الأوس. والكنات:
جمع كنّة بالضم وتشديد النون، السقيفة أمام البيت. وجملة «تناغى» خبر ثان ل «أنت»، والمناغاة: محادثة النساء، والصغار باللين والرفق .. وفي البيت الثاني سخرية بقيس بن الخطيم، وأنه من النساء، لا يشارك في الحروب. والإثمد: كحل أسود.
(1/324)

وقد استشهدوا بالبيت الثاني على أن بعض النحويين استدل به على عطف الإنشاء، «وهو قوله: وكحل» على الخبر، وهو قوله «تناغي» ... ويحتمل أن تكون رواية البيت بالفاء (فكحل) والكلام على الاستئناف أو تكون الفاء للتعليل، والمعنى: إنك لست رجلا ... فكحل عينيك، لأنك مثل النساء، وهناك رواية للبيت «فغنّ» وعندئذ، فلا شاهد في البيت. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 7/ 62].

160 - وعند الذي واللات عدنك إحنة … عليك فلا يغررك كيد العوائد
- البيت مجهول القائل .. واللات: لغة في «اللاتي» والإحنة: الحقد، وهو مبتدأ مؤخر خبره المقدم «عند»، وقد ذكره ابن هشام شاهدا على حذف الصلة، لدلالة صلة أخرى .. أي: الذي عادك .. وعدنك: من العيادة وهي زيارة المريض. والعوائد: جمع عائدة، ويدخل فيه المذكر بطريق التغليب. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 7/ 310].

161 - وناهدة الثديين قلت لها اتّكي … على الرمل من جنباته لم توسّد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة … وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
... البيتان لعمر بن أبي ربيعة .. وقوله: وناهدة: أي: ورب ناهدة .. واتكي:
توسدي. وجملة: لم توسّد: حال من الهاء في «لها» والمعنى قلت لها غير موسدة.
وقوله: على اسم الله: متعلق بمحذوف على أنه حال و «على» بمعنى «مع» والمقول محذوف تقديره: فقالت: أفعل مع ذكر الله .. وقد ذكر النحويون البيت الثاني شاهدا على تقدير المبتدأ المحذوف في قوله تعالى طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد: 21] عند من قدّر المحذوف مبتدأ. وفي البيت: أمرك مبتدأ - وطاعة: خبره.
والبيتان مع بقية القصيدة، يمثلان إحدى مغامرات عمر بن أبي ربيعة، المختلقة الصادرة عن أحلام اليقظة، أو من خيالات الشاعر، ومؤرخو الحياة الاجتماعية في الحجاز، يجعلون هذه القصيدة، وغيرها من شعر عمر، دليلا على فشو الفساد الاجتماعي في المدينة في عهد عمر .. والقصيدة مع كونها خيال شاعر كاذب، هي أيضا قصة غير محبوكة، ولا تتلاءم مع الطبيعة المعروفة للمرأة، فالشاعر يذكر فتاة ناهدة الثديين، أمرها بالاتكاء على الرمل، فما أن سمعت قوله حتى استجابت، ويحكي بعد ذلك قصة ليلة معها .. أقول: إن القصة غير محبوكة، لأن من طبيعة الفتاة، حتى وإن كانت راغبة في الشهوة أن تتمنع وتظهر الدلال، لإثارة شوق صاحبها، وإظهار منزلتها.
(1/325)

وفي رأيي أن الشاعر لم يوفق في كتابة قصته، لأنه لم يوفر لها عنصر التشويق، حيث هجم على موضوعه، فلم
يستمتع القارئ بفنية الحوار الذي يكون بين عاشقين .. وهذا يعطيك دليلا على أن كثيرا من قصص عمر، قد تكون موضوعة عليه. [شرح أبيات مغني اللبيب/ 7/ 321].

162 - وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت … غويت إن ترشد غزيّة أرشد
البيت من قصيدة لدريد بن الصمّة، رثى بها أخاه وأوردها أبو تمّام في الحماسة ودريد، قتل في غزوة حنين، كافرا، وغزيّة: رهط الشاعر. والبيت لا يستقيم معناه إلا في سياق أبيات سبقته، لأن قراءته مفردا يعني أنه يتابع قومه على غيهم ورشدهم ..
وليس هذا مراد الشاعر .. وإنما يريد أن يرسم الشاعر مبدأ جماعية القرار، بحيث يكون الفرد ملزما باتباع رأي الغالبية وإن كان يخالفهم في الرأي، وكان الحق معه وهم على غير الحقّ فيما يرى .. ولكن الفرد هنا ليس تابعا سائما وإنما هو ملزم بأن يعلن رأيه ويوضح للجماعة موقفه، فإن قبلوا فذاك هو المراد، أما إن عافوا رأيه فعليه الإذعان لرأي الجماعة وليس الانشقاق والعصيان .. ولذلك يقول قبل البيت السابق:
وقلت لعرّاض وأصحاب عارض … ورهط بني السّوداء والقوم شهّدي
علانية ظنّوا بألفي مدجّج … سراتهم في الفارسيّ المسرّد
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى … غوايتهم وأنني غير مهتد
وهل أنا ..
والشاهد في البيت على أنّ «هل» للاستفهام الصّوري، بمعنى النفي كما في رواية «ما أنا إلا من غزيّة». [شرح أبيات المغني/ 8/ 9، والخزانة/ 11/ 278].

163 - ولكنما أهلي بواد أنيسه … ذئاب تبغّى الناس مثنى وموحد
.. البيت للشاعر ساعدة بن جؤيّة من قصيدة يرثى بها، ابن عمّ له، وقيل يرثي ابنه، وهي في أشعار الهذليين .. يقول: ولكنّ الذي يعظم مصابي أن أهلي بواد لا أنيس به إلا السباع التي تطلب الناس لتأكلهم اثنين اثنين وواحدا واحدا .. وقوله: «تبغّى»: تطلب، وأصله تتبغى، بتائين. ومثنى، وموحد: صفتان للذّئاب.
(1/326)

والشاهد: في ترك صرف مثنى وموحد، لأنهما صفتان لذئاب معدولتان عن اثنين اثنين، وواحد واحد. [سيبويه/ 2/ 15، وشرح المفصل 1/ 62، و 8/ 57، والعيني/ 4/ 350 وشرح أبيات المغني/ 8/ 14].

164 - أنحويّ هذا العصر ما هي كلمة … جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة النفي أثبتت: … وإن أثبتت قامت مقام جحود
هذان البيتان فيهما لغز من صناعة أبي العلاء المعري .. وهو لغز نحوي في «كاد»، فقد شاع بين النحويين - كاد - أنّ إثباتها نفي، ونفيها إثبات، فإذا قيل: كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعل، وإذا قيل «لم يكد يفعل فمعناه أنّه فعله. ودليل الأول قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: 73]».
ودليل الثاني: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71] ...
ولابن هشام في المغني رأي مخالف ذكره في «التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها». [الهمع/ 1/ 132، والأشموني/ 1/ 268، وشرح أبيات المغني/ 8/ 28].

165 - لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى … ولكنما الفتيان كلّ فتى ندي
قال البغدادي في «شرح أبيات المغني» البيت ملفق من مصراعين من أبيات لابن بيض، وقافيتها الراء: وهي:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى … وتعظم أبدان الرجال من الهبر
ولكنما الفتيان كل فتى ندي … صبور على الآفات في العسر واليسر
.. وذكر ابن هشام البيت الأول شاهدا على تأويل أن «تنبت» بمصدر، ثم تأويل المصدر باسم فاعل، للإخبار به عن المبتدأ (الفتيان) وكأنه يرد على من يجيز الإخبار عن الإنسان، بالمصدر ... ولكن قد يفهم الفتيان، هنا، بمعنى الكامل الجزل من الرجال، وليس بمعنى الفتى الذي هو الشاب والحدث .. فيصح الإخبار عنه بالمصدر.
[شرح أبيات مغني اللبيب/ 8/ 96].

166 - ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه … إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
(1/327)

البيت للنابغة الذيباني، يعتذر للنعمان ..
وقوله: «ما إن أتيت»: الجملة جواب القسم قبله (لعمر الذي قد زرته حججا) ..
و «ما» نافية. وإن زائدة للتأكيد. وقوله «إذن فلا رفعت ..» فيه شاهد على أنّ «إذن» إذا كانت للشرط في المستقبل جاز دخول الفاء في جوابها. كأنه قال: إن أتيت .. فلا رفعت». فجملة «فلا رفعت» دعائية وقعت جزاء. واقترنت بما يقترن به جواب الشرط، لما في (إذن) من معنى الشرط.
[شرح أبيات مغنى البيب/ 1/ 95، والخزانة/ 8/ 449.].

167 - عمّمتهم بالندى حتى غواتهم … فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد
.. البيت مجهول القائل. وهو شاهد على رواية ما بعد حتى بالأوجه الثلاثة. النصب على العطف، والجرّ بحتى، والرفع على الابتداء [الهمع/ 1/ 85].

168 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله … كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد
البيت من قصيدة لعبيد بن الأبرص .. والفرصاد: التوت الشاميّ. شبه الدم بحمرة عصارته .. ومجّت: رميت. والمراد: صبغت.
والشاهد فيه على أنّ «قد» فيه للتكثير.

169 - يا عمرو أحسن نماك الله بالرّشد … واقر السّلام على الأنقاء والثّمد
وابكنّ عيشا تقضّى بعد جدّته … طابت أصائله في ذلك البلد
.. ليس للبيتين قائل معلوم. وقوله: أحسن: أمر من الإحسان. ونماك: رفعك والرشد: الصلاح. وقوله: اقر السّلام: أصله (اقرأ) بالهمز، خفف الهمزة بإبدالها ألفا، ثم حذفها للجزم .. وقرأ السّلام: أبلغه. والأنقاء: جمع نقا، وهو الكثيب من الرمل.
والثّمد: الماء القليل. والكلام على حذف مضاف .. أي: أهل الأنقاء والثّمد. واقر:
معطوف على أحسن - وجملة (نماك) معترضة. وتقضّى: فني وانصرم. والأصائل: جمع أصيل: ما بعد صلاة العصر إلى الغروب والبلد: يطلق على كل موضع من الأرض - عامرا كان أو خلاء. وفي التنزيل: لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف: 57]. [سيبويه/ 2/ 307، وشرح المفصل/ 8/ 147، والخزانة/ 11/ 253].
(1/328)

والشاهد في البيت الثاني: «وابكنّ». على أن أصله «وابكينّ» فحذفت الياء وهي لام الفعل، والأمر للمذكر .. بل هي محذوفة في الأصل، لأن الأمر هنا مبني على حذف حرف العلة قبل دخول نون التوكيد عليه .. وإنما القياس أن يعود مع نون التوكيد، وهو «الياء» ويبنى على الفتح. فبقي هنا على أصل الحذف وهو مذهب الكوفيين .. وقيل هي لغة طيئ. حيث يقولون» لا يخفنّ عليك - أي لا يخفينّ. [الهمع/ 2/ 79، وشرح أبيات المعنى/ 4/ 280].

170 - تركت ضأني تودّ الذئب راعيها … وأنّها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدة … وكلّ يوم تراني مدية بيدي
البيتان في حماسة أبي تمام، غير منسوبين.
والضأن: الغنم - وتركت: بمعنى: جعلت. يتعدى لمفعولين. أصلهما المبتدأ والخبر الأول: ضأني. والثاني: جملة: تودّ. وتودّ: فعل ينصب مفعولين. الذئب: أولهما.
وراعيها الثاني، وقيل: راعيها: حال .. لأنّه وإن كان معرفة فإن فيه معنى النكرة، لأنه لا يريد راعيا معّينا. وكأنه قال: تودّ الذئب راعيا. وآخر: منصوب على الظرفية .. وإنما كانت ضأنه تتمنى أن يكون الذئب راعيا لها وأنها لا ترى صاحبها أبدا. لأنه شرّ من الذئب عليها.
والبيت الثاني: استئناف بياني لإظهار العلة في المواددة .. ويطرقها: يأتيها ليلا.
وقوله: في الدهر: الدهر يطلق على الزمن، قلّ أو كثر. وقوله: واحدة: منصوب على الظرف، أي: مرة واحدة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر منصوب، أي: طرقة واحدة ..
والشاهد في البيت الثاني: «مدية بيدي» على أنّ مدية: مبتدأ - و «بيدي» خبر وصح الابتداء بالنكرة لوقوعها في أول جملة حالية. ويجوز نصب «مدية».
على بدل الاشتمال من الياء، أي: ترى مدية بيدي. و «بيدي»: الجار والمجرور صفة [الحماسة/ 1570، والأشموني/ 1/ 206، وشرح أبيات المغني/ 7/ 33.].

171 - أحاد أم سداس في أحاد … لييلتنا المنوطة بالتنادي
البيت مطلع قصيدة للمتنبي يمدح بها عليّ بن إبراهيم التنوخي.
(1/329)

وقوله: أحاد: معدول: واحد، وسداس: معدول، ستة. والمنوطة: المعلقة والتنادي: يريد يوم التنادي أي: يوم القيامة. يريد أن هذه الليلة قد طالت، وكأنها ست ليال.
والشاهد في البيت: أن «أم» فيه محتملة لأن تكون متصلة بتقدير الهمزة أي: أأحاد، ومحتملة أن تكون منقطعة بتقدير مبتدأ بعدها. ومع كثرة الشواهد على حذف الهمزة المعادلة، فإن النحويين مولعون بالقول: إنه شاذ، وما كانت شواهده كثيرة فلا شذوذ فيه، ويصحّ شعرا ونثرا، فتقول: زيد أبوك أم عمرو، على تقدير «أزيد».
وقد قلت: والشاهد في البيت مع أن أهل النحو لا يسمون هذا البيت شاهدا لأن المتنبي متأخر، لا يحتج بشعره عندهم. ولعمري: إنّ أبياته شواهد الشواهد، وقد أجبر النحاة على التمثيل بشعره، وشغلهم بأبياته السائرة. وما رأيت شاعرا متأخرا استشهد النحاة بشعره، كما استشهدوا بشعر المتنبي. وما رأيت شاعرا عني الناس بشعره
كما عنوا بشعر المتنبي، شرحا وتذوقا، وتمثيلا. وكان المتنبي شاعرا حقا عند ما كشف عن المستقبل فقال:
أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
وقد كتب البغدادي في «شرح أبيات المغني» عشر صفحات حول هذا البيت وبقي في الجعبة كثير مما لم يقله. وقال العكبري: قال الواحدي: قد أكثروا في معنى هذا البيت ولم ياتوا ببيان مفيد، ولو حكيت ما قالوا فيه لطال الكلام، رحم الله أبا الطيب: فقد ترك لنا شعرا، لا تفنى جدّته، ويبقى للقول فيه مجال مهما قال القائلون، وأكثروا. [شرح أبيات المغني/ 1/ 265].

172 - فما جمع ليغلب جمع قومي … مقاومة ولا فرد لفرد
البيت من قصيدة لعمرو بن معدي كرب الزبيدي الصحابي، افتخر فيها بقومه وقبائله من اليمن. والشاهد على أنّ «كان» محذوفة قبل لام الجحود، والتقدير: فما كان جمع ليغلب. وقيل: إنّ «ما» عاملة عمل ليس، والتقدير: فما جمع متأهلا لغلب قومي، ولا فرد غالبا لفرد قومي. [شرح أبيات المغني/ 4/ 284].

173 - أرأيت أيّ سوالف وخدود … برزت لنا بين اللّوى فزرود
(1/330)

البيت لأبي تمام، من قصيدة مدح بها أحمد بن أبي دواد .. والسوالف:
جمع سالفة وهي صفحة العنق. واللوى، وزرود: مكانان. والتمثيل بهذا البيت على أن (أيّ) فيه للاستفهام، في معنى التعجب، فهو يتعجب من جوار عرضت له ذوات سوالف وخدود، يقول: أعلمت أيّ جوار عرضت لنا بين هذين المكانين، فبدت لنا خدودها وأعناقها .. وقد تكون «أيّ» دالة على معنى الكمال.
وأبو تمام، لا يحتج أهل اللغة والنحو بشعره، لأنه مولد، ويذكرون شعره للتمثيل فقط. ولكن بعض النحويين يرى أن شعر أبي تمام، يساوي ما يرويه من الشعر. ألا ترى أنهم وثقوه في أشعار حماسته. [شرح أبيات المغني/ 2/ 156].

174 - كنواح ريش حمامة نجديّة … ومسحت باللّثتين عصف الإثمد
البيت للشاعر: خفاف بن ندبة، وقيل لغيره، وهو من شواهد سيبويه. وقوله: كنواح:
أصلها «نواحي» بالياء، فحذف الياء للضرورة، لأنها تحذف في التنوين وهنا مضاف غير منون .. ، وصف في البيت شفتي المرأة فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها وحوّتها، وأراد أن لثاتها تضرب إلى السّمرة، فكأنها مسحت بالإثمد. وعصف الإثمد: ما سحق منه، والإثمد: الكحل.
والشاهد على أنّ في البيت قلبا، والأصل: ومسحت اللثتين بعصف الإثمد.
[سيبويه/ 1/ 9، والمفصل/ 3/ 140، والإنصاف/ 546، وشرح أبيات مغني اللبيب/ 2/ 323].

175 - إنّ المنيّة والحتوف كلاهما … يوفي المخارم يرقبان سوادي
البيت من قصيدة للأسود بن يعفر في المفضليات. وقوله: يوفي: أي:
يعلو، والمخارم: جمع مخرم - وهو منقطع أنف الجبل. شبه الموت بمن يربأ فوق مرقب عال لينظر من يمرّ من أسفل، فإذا رأى من يريده نزل إليه فأخذه. وسواده: أي:
شخصه .. والشاهد: في البيت على أن «كلا» في البيت روعي فيها لفظها، المفرد، ومعناها المثنى، فقال: كلاهما يوفي، ثم قال: يرقبان [شرح أبيات المغني/ 4/ 262].
(1/331)

176 - إنّ الرزيّة لا رزيّة مثلها … فقدان مثل محمد ومحمّد
البيت للفرزدق، يعزّي الحجاج في موت أخيه محمد، وابنه محمد.
والشاهد: أنّ من خصائص الواو، عطف ما حقه التثنية، وكان القياس تثنيتهما.
[الهمع/ 2/ 129، وشرح أبيات المغني/ 6/ 80].

177 - وملكت ما بين العراق ويثرب … ملكا أجار لمسلم ومعاهد
البيت من قصيدة لابن ميّادة، مدح بها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان أمير المدينة المنورة ..
وقوله: ملكا: المصدر من «ملك»، ويعرب مفعولا مطلقا. والعراق؛ سميت بذلك، لأنها على عراق النهرين، دجلة والفرات، أي: شاطئهما.
والشاهد: زيادة اللام على المفعول به، في قوله: «أجار لمسلم» وأصله: أجار مسلما. [شرح المغني/ 4/ 307، والعيني/ 3/ 278، والهمع/ 2/ 33، والأشموني/ 2/ 216].

178 - نام الخليّ فما أحسّ رقادي … والهمّ محتضر لديّ وسادي
من غير ما سقم ولكن شفّني … همّ أراه قد أصاب فؤادي
البيتان من مطلع قصيدة للشاعر الأسود بن يعفر الجاهلي، في المفضليات.
.. الخليّ: الخالي من الهموم. وأحسّ: أي: أجد. و «وسادي» مثلث الواو:
المخدة. وهو بدل اشتمال من الياء في «لديّ». أي: محتضر وسادي. وشفني:
أنحلني.
والشاهد على أن «ما» زائدة بين المضاف، والمضاف إليه. «من غير (ما) سقم».
[المفضليات/ 216، وشرح أبيات المغني/ 5/ 279].

179 - فأجبت قائل: كيف أنت ب: صالح … حتى مللت وملّني عوّادي
قائل: مفعول أجبت. وهو مضاف وجملة «كيف أنت»: مضاف إليها.
و «صالح» بالرفع على الحكاية، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «أنا». ويجوز جره
(1/332)

على الظاهر؛ ويكون صفة لموصوف محذوف تقديره: «بقول صالح، وجواب حسن». [العيني/ 4/ 503، والهمع/ 1/ 157، وشرح أبيات المغني/ 6/ 289].

180 - نعم الفتى المريّ أنت إذا هم … حضروا لدى الحجرات نار الموقد
البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة مدح بها سنان بن أبي حارثة، والد هرم ابن سنان، يريد أنّه أشدّ الناس إكراما لضيوفه إذا حضروا دار الضيافة، واستدلوا عليها بالنار التي يوقدها خادمه. وإذا: للمفاجأة. وهم: مبتدأ. وحضروا:
خبره.
والشاهد على أنّ «المريّ» هنا ليس وصفا، وإنما هو بدل من الفتى، لأن فاعل نعم لا يوصف. وأجازه ابن جني. [شرح أبيات المغني/ 7/ 235، والعيني/ 4/ 21، والأشموني/ 3/ 31، والخزانة/ 9/ 404].

181 - يا من رأى عارضا أسرّ به … بين ذراعي وجبهة الأسد
البيت للفرزدق ... والعارض: السحاب. وذراعا الأسد: أربعة كواكب من كل كوكبين منها ذراع .. والأسد: برج الأسد، وجبهة الأسد: كواكب كأنها مصطفة تسمى جبهة الأسد، وعندهم أن السحاب الذي ينشأ بنوء من منازل الأسد يكون مطره غزيرا، فلذلك يسرّ به .. وقد استشهد سيبويه بالبيبت على أن الشاعر فصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: «وجبهة الأسد». أي: بين ذراعي الأسد وجبهته. [سيبويه/ 1/ 92، والمفصل/ 3/ 21، وشرح المغني/ 6/ 177، والخزانة/ 2/ 319].

182 - ما ترى الدهر قد أباد معدّا … وأباد القرون من قوم عاد
.. البيت مجهول القائل.
والشاهد أنّ أصله «أما ترى» فحذفت ألف «أما».

183 - أيّ يوم سررتني بوصال … لم ترعني ثلاثة بصدود
البيت للمتنبي من قصيدة مطلعها:
(1/333)

كم قتيل - كما قتلت - شهيد … ببياض من الطّلى وورد الخدود
.. يقول في البيت الشاهد: أي يوم سررتني بوصال لم يفزعني بثلاثة أيام صدودك.
والشاهد فيه أن «أيّ» للاستفهام الإنكاري. وهي منصوبة. [شرح المغني/ 2/ 152].

184 - فإن شئت آليت بين المقا … م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي … أمدّ به أمد السّرمد
البيبتان للشاعر أمية بن أبي عائذ الهذلي، وهو شاعر مخضرم.
وقوله: آليت: حلفت. والمقام: مقام إبراهيم عليه السّلام. أمدّ: أزيد. والضمير في «به» لدوام العقل. أي: أصل بدوام عقلي أبد السرمد. والسرمد: دوام الزمان من ليل ونهار. والسرمد: الدائم.
والشاهد في البيت الثاني: قوله: «نسيتك» حذف أداة النفي قبل الفعل الماضي عند أمن اللبس، والتقدير: لا نسيتك، وهو المعنى المطلوب. [شرح المغني/ 7/ 333].

185 - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانه … عنم يكاد من اللطافة يعقد
البيتان للنابغة، وفي البيت الثاني أحد موطني الإقواء الذي كان لا يعلمه النابغة - زعموا - ثم عرفه عند ما غنته جارية في المدينة، وأنا لا أصدق هذه الحكاية. [الخزانة/ 2/ 133].

186 - وكان وإياها كحرّان لم يفق … عن الماء إذ لاقاه حتى تقدّدا
البيت لكعب بن جعيل: يقول: كان متشوقا إليها فلما لقيها قتله الحبّ سرورا بها.
والحران: شديد العطش. لم يفق عن الماء: لم يقلع عنه لشدة عطشه. وتقدد: انقدّ بطنه وتشقق من شدة الامتلاء.
والشاهد فيه أن الواو في (وإياها) بمعنى مع. [سيبويه/ 1/ 150].

187 - لنا مرفد سبعون ألف مدجّج … فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا
(1/334)

البيت لكعب بن جعيل، يصف جموع ربيعة وحلفاءهم في الحروب التي كانت بينهم وبين تميم بالبصرة. والمرفد:
الجيش من قولهم: رفدته إذا قويته وأعنته، أراد: فهل في معدّ مرفد فوق ذلك. فحذف «مرفد» لدلالة وصفه عليه وهو «فوق». والشاهد: نصب «مرفدا» في آخر البيت على التمييز لنوع الاسم المبهم المشار إليه، وهو «ذلك». [سيبويه/ 1/ 299، وشرح المفصل/ 2/ 114].

188 - أتوعدني بقومك يا ابن حجل … أشابات يخالون العبادا
بما جمّعت من حضن وعمرو … وما حضن وعمرو والجيادا
البيتان من شواهد سيبويه المنقولة عن العرب، بدون تعيين، والأشابات: الأخلاط من الناس، ها هنا: جمع أشابة، بالضم. ونصب «أشابات» على الذمّ. والعباد:
جمع عبد، وحضن: بطن من العرب، وعمرو: قبيلة أيضا. والجياد: جمع الجواد، من الخيل، أي: ليسا من الجياد وركوبها في شيء وليسوا فرسانا معروفين.
والشاهد: نصب «الجيادا» حملا على معنى الفعل، أي: وملابستهما الجياد. [سيبويه/ 1/ 153].

189 - غلب المساميح الوليد سماحة … وكفى قريش المعضلات وسادها
البيت لعديّ بن الرقاع في مدح الوليد بن عبد الملك الأموي، والشاهد: منع صرف «قريش» حملا على معنى القبيلة. والصرف فيها أكثر وأعرف، لأنهم قصدوا بها قصد الحيّ وغلب ذلك عليها. [سيبويه/ 2/ 26، والإنصاف/ 506].

190 - فكيف لنا بالشّرب إن لم تكن لنا … دوانيق عند الحانويّ ولا نقد
البيت للفرزدق، أو لذي الرمّة. وهو من شواهد سيبويه، والدوانيق: جمع دانق بفتح النون وكسرها. وهو عشر الدرهم. وقياس جمعه «دوانق». [سيبويه/ 2/ 71، والمفصل/ 5/ 151، والأشموني/ 4/ 180، واللسان: «حنا»].
والشاهد: الحانوي: نسبه إلى «الحانة» على غير قياس. والقياس: حانيّ.

191 - مفدّمة قزّا كأنّ رقابها … رقاب بنات الماء أفزعها الرّعد
البيت لإبي عطاء السندي ... يصف أباريق الخمر، فدمت رؤوسها، أي: سدّت بالقزّ
(1/335)

وهو الحرير. وعدّى (فدّم) بتضمينه معنى ألبس وكسا، وشبه رقاب الأباريق برقاب بنات الماء، وهي الغرانيق إذا فزعت بصوت الرعد فنصبت أعناقها.
والشاهد: تعريف «بنات الماء» بأل. وهو دليل تنكيرها. [سيبويه/ 1/ 265، وشرح المفصل/ 1/ 35، واللسان: «فدم»].

192 - فلاقى ابن أنثى يبتغي مثل ما ابتغى … من القوم مسقيّ السّمام حدائده
البيت لرجل من بني أسد، رواه سيبويه، يصف لصا مثله يبتغي مثل ما يبتغيه.
والسّمام: السمّ. والحدائد: نصال السهام.
وشاهده: حذف الهاء من مسقية، لأن الفاعل مؤنث مجازي. [سيبويه/ 1/ 239].
وسمي الشاعر أشعث بن معروف.

193 - فلما أتى عامان بعد انفصاله … عن الضّرع واحلولى دماثا يرودها
البيت لحميد بن ثور. يذكر ولد ناقة مضى عامان بعد فصاله. واحلولى: استمرأ واستطاب. والدماث: جمع دمث، وهو السهل من الأرض الكثير النبات. ويرودها:
يجيء فيها ويذهب.
والشاهد: تعدية «احلولى» وهو على زنة «افعوعل». [سيبويه 2/ 242، وشرح المفصل/ 7/ 162].

194 - سبحانه ثم سبحانا يعود له … وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد
البيت لأمية بن أبي الصلت. والجوديّ: جبل بالموصل. والجمد: بضمتين جبل في بلاد العرب.
والشاهد: مجئ «سبحانا»: منونا مفردا لضرورة الشعر. والمعروف فيه أن يضاف إلى ما بعده، أو يجعل مفردا معرفة غير مضاف. [سيبويه/ 1/ 164، وشرح المفصل/ 1/ 37، والهمع/ 1/ 190، والخزانة/ 3/ 388].

195 - فلا حسبا فخرت به لتيم … ولا جدّا إذا ازدحم الجدود
البيت لجرير بن عطية، يهجو أحد خصومه عمر بن لجأ التيمي. يقول له: لم تكسب
(1/336)

لهم حسبا يفخرون به ولا لك جدّ شريف تعتزّ به إذا ازدحم الناس للمفاخر، أي: ليس لك قديم ولا حديث.
والشاهد: نصب «حسبا» بفعل يدل عليه الفعل المفسر، تقديره: ولا ذكرت حسبا.
[سيبويه/ 1/ 73، وشرح المفصل/ 1/ 109 - 2/ 36، والخزانة/ 3/ 25].

196 - أخالد قد علقتك بعد هند … فشيّبني الخوالد والهنود
البيت لجرير بن عطية. وخالد: ترخيم «خالدة». والخوالد: جمع خالدة. وكذلك الهنود جمع «هند». وهما موضع الشاهد، والأكثر في كلام العرب جمع التصحيح في المذكر والمؤنث. [سيبويه/ 2/ 98، واللسان «هند»].

197 - نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني … ولا قرار على زأر من الأسد
للنابغة الذبياني، من قصيدته التي يعتذر فيها للنعمان بن المنذر. ونبّئ: تنصب ثلاثة مفاعيل، الأول نائب فاعل، والثاني والثالث المصدر المؤول. [الخزانة/ 2/ 137].

198 - وكلّ خليل راءني فهو قائل … من اجلك: هذا هامة اليوم أو غد
البيت لكثيّر عزّة. وقوله: هامة اليوم أو غد: أي: سيموت اليوم أو غدا، وذلك من تأثير الشوق والحزن فيه. وأصل الهامة: طائر يخرج من رأس الميت، كما تزعم الأعراب.
والشاهد في البيت: قلب «رآني» إلى: «راءني». [سيبويه/ 2/ 130، واللسان «رأى»].

199 - فلولا رجاء النصر منك ورهبة … عقابك قد صاروا لنا كالموارد
يقول: لوطئناهم وأذللناهم، كما توطأ الموارد، وهي الطرق إلى الماء.
والشاهد فيه: إعمال «رهبة» المصدر المنون، حيث نصب «عقابك». [سيبويه/ 1/ 97، والمفصل/ 6/ 61].

200 - احكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت … إلى حمام شراع وارد الثّمد
البيت للنابغة الذبياني، يخاطب النعمان بن المنذر، يقول له: كن حكيما في أمري
(1/337)

مصيبا للحق والعدل، كما أصابت فتاة الحيّ - وهي زرقاء اليمامة - في حزرها للحمام الذي مرّ بها طائرا، فقدرت عدده، فأصابت الحقيقة. والشراع: من الشريعة، وهو المورد. والثمد: الماء القليل على وجه الأرض.
والشاهد فيه: إضافة «وارد» إلى «الثمد» إضافة غير محضة، لم تكتسب تعريفا فوصفت بها النكرة قبلها وهي «حمام». [سيبويه/ 1/ 85، والتصريح/ 1/ 225].

201 - مقذوفة بدخيس النحض بازلها … له صريف صريف القعو بالمسد
البيت للنابغة الذبياني. وصف ناقة بالقوة والنشاط، فيقول: كأنما قذفت باللحم لتراكمه عليها. والنحض: اللحم. ودخيسه: ما تداخل منه وتراكب. والبازل: السن تخرج عند بزول الناقة وذلك في التاسعة من عمرها. والصريف: صوت أنيابها إذا حكت بعضها ببعض نشاطا أو إعياء وأراد هنا: النشاط. والقعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإذا كان من حديد، فهو خطاف، والمسد: حبل من ليف أو جلد.
والشاهد: نصب «صريف» الثانية. على المصدر التشبيهي، والعامل فيه مضمر دلّ عليه ما قبله، أي: يصرف صريف القعو، وذكره سيبويه في باب «ما ينتصب فيه المصدر المشبّه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره». [سيبويه/ 1/ 178، والهمع/ 1/ 193، والأشموني/ 1/ 228].

202 - يا كعب صبرا على ما كان من حدث … يا كعب لم يبق منّا غير أجلاد
إلا بقيّات أنفاس نحشرجها … كراحل رائح أو باكر غادي
البيتان لحارثة بن بدر .. وكعب: مولى حارثة بن بدر، وكان حارثة قد اشتكى وأشرف على الموت، فجعل قومه يعودونه، فقالوا: هل لك من حاجة. قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب، لئلا يبرح من عندي فإنه يؤنسني، ففعلوا، فأنشأ يقول هذا الشعر.
والأجلاد جسم الإنسان وجماعة شخصه. ونحشرجها: نرددها في حلوقنا.
والشاهد: إبدال «إلا» وما بعدها من قوله: «غير أجلاد» لأنه أنزل «غير» منزلة «مثل» في وضعها للإخبار عنها، ولم يقصد بها معنى الاستثناء فينصبها، لتقذمها على «إلّا».
وتقديره: لم يبق منا شيء هو غير أجلادنا إلا بقيات أنفاسنا. [سيبويه/ 1/ 373].

203 - أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد
(1/338)

البيت لعمرو بن معدي كرب، يقوله لرجل من مراد. والحباء: ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به. والحباء أيضا: النصرة والاختصاص بالتكريم. عذيرك: أي: هات عذرك. ومذهب سيبويه أن العذير، مصدر. وهو الوجه، لأن المصدر يطّرد وضعه موضع الفعل. وجعل غيره، العذير بمعنى «العاذر».
والشاهد: نصب «عذيرك» على تقدير فعل، ووضعه موضعه، فهو مصدر نائب عن فعله. [سيبويه/ 1/ 139، وشرح المفصل/ 2/ 26، والهمع/ 1/ 169].

204 - عمّرتك الله الجليل فإنني … ألوي عليك لو ان لبّك يهتدي
البيت لعمر بن أحمر، وقوله: ألوي: أعطف، وأعرّج. واللب: العقل. أي: أعظك وأهمّ بإرشادك لو اهتديت. وقوله: عمّرتك الله: أي: سألته تعميرك، وطول بقائك.
والشاهد في البيت: عمرتك الله، وضعت موضع «عمرك الله». [سيبويه/ 1/ 163، والمقتضب/ 2/ 329].

205 - فصفحت عنهم والأحبّة فيهم … طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
البيت للحارث بن هشام، يقول: لم يترك القتال جبنا ولم يعف عنهم ويصفح إلا طمعا في أن يعدّ لهم ويعاقبهم بيوم يوقع بهم فيه فيفسد أحوالهم، وهو يعتذر من فراره يوم بدر، وقد قتل فيه أخوه أبو جهل، ولم يأخذ بثأره.
والشاهد: نصب «طمعا» على المفعول له (لأجله). [سيبويه/ 1/ 185، وشرح المفصل/ 2/ 54].

206 - فلأبغينّكم قنا وعوارضا … ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
البيت لعامر بن الطّفيل .. وقوله: أبغينكم: أطلبكم. وقنا، وعوارض: أمكنة، واللابة: الحرّة ذات الحجارة السود، وضرغد: حرّة أو جبل بعينه. وأقبلنّ: أوردنّها.
يتوعد أعداءه بالإيقاع بهم وتتبّعهم حيث حلّوا.
والشاهد: نصب «قنا، وعوارضا» بحذف الخافض للضرورة، لأنهما مكانان مختصان، لا ينصبان نصب الظروف، فهما بمنزلة: ذهبت الشام في الشذوذ. [سيبويه/ 1/ 82، 109، والخزانة/ 3/ 74].
(1/339)

207 - فكأنه لهق السّراة كأنه … ما حاجبيه معيّن بسواد
البيت للأعشى يصف ثورا وحشيا شبه به بعيره في حدته ونشاطه. واللهق: الأبيض، والسراة: أعلى الظهر. والمعيّن: الثور بين عينيه سواد، والشاهد في «حاجبيه» أنها بدل من الهاء في «كأنه» مع زيادة «ما». [سيبويه/ 1/ 80، وشرح المفصل/ 3/ 67، والهمع/ 2/ 157].

208 - مستحنّ بها الرياح فما يج … تابها في الظلام كلّ هجود
البيت لأبي زبيد الطائي، يصف فلاة واسعة يسمع للرياح بها حنين وهي في ذلك موحشة يخافها الساري، والهجود: الساهر، والشاهد: حذف الهاء من «مستحنة» لأن الفاعل مؤنث مجازي. [سيبويه/ 1/ 239].

209 - إيّاك أنت وعبد المسيح … أن تقربا قبلة المسجد
البيت لجرير، يخاطب الفرزدق لميله مع الأخطل، وعبد المسيح: يريد به الأخطل.
والشاهد فيه: عطف «عبد المسيح» على إيّاك. [سيبويه/ 1/ 140].

210 - لولا رجاء لقاء الظاعنين لما … أبقت نواهم لنا روحا ولا جسدا
لم أعرف قائله. والنوى: الوجهة التي ينوون. والشاهد: دخول اللام على جواب لولا، المنفي ب (ما). [الأشموني/ 4/ 50].

211 - عزمت على إقامة ذي صباح … لأمر ما يسوّد من يسود
البيت للشاعر أنس بن مدركة. وقوله: على إقامة ذي صباح، أي: عزمت على الغارة صباحا. والشاهد فيه: «ما» منبّهة على وصف لائق، للتعظيم والتهويل، وهي هنا حرف زائد، دلّ على وصف لائق بالمحل، وعوّض عن كلام محذوف، وهو مذهب ابن مالك.
وقال قوم: إنها اسم، تصف بنفسها. [سيبويه/ 1/ 116، وشرح المفصل/ 3/ 12، والهمع/ 1/ 197، والخزانة/ ج 3 /
87].

212 - فقام يذود الناس عنها بسيفه … وقال: ألا، لا من سبيل إلى هند
لم أعرف قائله، والشاهد قوله: لا من سبيل إلى هند، دخول (من) الجارة على اسم
(1/340)

«لا» النافيه للجنس. [الهمع/ 1/ 146، والأشموني/ 2/ 3، والعيني/ 2/ 332].

213 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته … من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد
لم أعرف قائله وهو في «الجنى الداني» شاهد لمجيء (من) الجارة بمعنى «في» عند الكوفيين.

214 - ها إنّ ذي عذرة إلا تكن نفعت … فإنّ صاحبها مشارك النّكد
البيت للنابغة الذبياني. والعذرة: المعذرة. والشاهد استخدام «ها» حرف التنبيه في غير الأماكن المعهودة، حيث دخلت على (إنّ) وقيل: إن أصلها «أن هذي» فقدم التنبيه وفصل ب (إنّ). [الهمع/ 2/ 70].

215 - أبى كرما لا آلفا «جير» أو «نعم» … بأحسن إيفاء وأنجز موعد
البيت في «الجنى الداني» منسوب لبعض الطائيين، وهو شاهد على أن جير حرف جواب بمعنى «نعم»، وذلك لعطف «نعم» عليها. [الهمع/ 2/ 44].

216 - ما كان أسعد من أجابك آخذا … بهداك مجتنبا هوى وعنادا
الشاهد في البيت زيادة «كان» بين «ما» وفعل التعجب. والبيت لعبد الله بن رواحة.
[الأشموني/ 3/ 25، والعيني/ 3/ 663].

217 - تجلّدت حتى قيل لم يعر قلبه … من الوجد شيء قلت: بل أعظم الوجد
البيت شاهد لحذف الفعل وبقاء فاعله، لأنه جاء في جواب النفي وهو قوله: بل أعظم الوجد، والتقدير: بل عراه أعظم الوجد. [العيني/ 2/ 453، والأشموني/ 2/ 50، والتصريح/ 1/ 273].

218 - وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده … إذا نحن جاوزنا حفير زياد
الشاهد في البيت: عسى الحجاج يبلغ جهده، جاء خبر عسى فعل مضارع مسند إلى اسم ظاهر مشتمل على ضمير يعود على اسم عسى .. والأصل في أخبار كاد وأخواتها أن تكون فعلا مضارعا مسندا إلى ضمير يعود إلى الاسم. [العيني/ 2/ 180، والتصريح/ 1/ 205، والهمع/ 1/ 131، والأشموني/ 1/ 264].
(1/341)

219 - يعجبه السّخون والعصيد … والتمر حبّا ماله مزيد
.. السّخون: مرق يسخّن .. والشاهد في البيت «يعجبه حبّا» حيث نصب «حبّا» نائبا عن المفعول المطلق، لأنه مرادف للفعل «يعجب» ويروى «حتى ماله مزيد». [شرح المفصل/ 1/ 112، والعيني/ 3/ 45، والأشموني/ 2/ 113].

220 - خمولا وإهمالا؟ وغيرك مولع … بتثبيت أركان السيادة والمجد
الشاهد قوله: خمولا: مصدر ناب مناب الفعل المحذوف، لوقوعه بعد استفهام مقدر، للتوبيخ. [الهمع/ 1/ 192].

221 - تسلّيت طرّا عنكم بعد بينكم … بذكراكم حتى كأنّكم عندي
الشاهد قوله: «تسليت طرّا عنكم» طرا: حال من الكاف في «عنكم» متقدمة على صاحبها. قالوا: وتقدم الحال على صاحبها المجرور بحرف جرّ أصلي، مخصوص بالشعر. ولكن ابن مالك أجازه في النثر وجعل منه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: 28]. فكافّة حال من الناس مقدمة، فهي بمعنى جميعا. وقال آخرون:
«كافة» في الآية وصف من الكفّ بمعنى المنع، لحقته التاء للمبالغة مثل: رجل راوية وداهية، وجعلوه حالا من الكاف في «أرسلناك». [الأشموني/ 2/ 177، والعيني/ 3/ 160، والتصريح/ 1/ 379].

222 - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتّقتنا باليد
البيت للنابغة الذبياني في وصف المتجردة زوج النعمان بن المنذر. والنصيف: خمار تختمر به المرأة. والشاهد (ولم ترد إسقاطه) فجملة المضارع منفية ب لم جاءت حالا مرتبطة بالواو. [العيني/ 3/ 201، والأشموني/ 2/ 191].

223 - وما قتل الأحرار كالعفو عنهم … ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا
البيت للمتنبي، والتمثيل به على أنّ «الكاف» في قوله «كالعفو» اسم في محل رفع فاعل، والعفو: مضاف إليه.

224 - وقد علتني ذرأة بادي بدي … ورثية تنهض في تشدّدي
(1/342)

الراجز أبو نخيلة .. والذرأة: بالضم: أول بياض الشيب، والرثية: انحلال الركب والمفاصل. وتنهض: من قولهم: نهضنا إلى القوم في القتال، والشاهد: «بادي بدي» وهي لغة في «بادي بدا» وهو مركب تركيب (خمسة عشر) وليست مضافة. والياء في «بادي: ساكنة» وقد ركب اللفظان فجعلا كاسم واحد. ويكون التركيب في محل نصب حالا. [سيبويه/ 2/ 54].

225 - أسقى الإله عدوات الوادي … وجوفه كلّ ملثّ غادي
كلّ أجشّ حالك السواد
رجز منسوب لرؤبة: - والعدوات: جمع عدوة، بتثليث العين: وهي شاطئ الوادي.
وجوفه: وسطه. والملثّ: السحاب يدوم أياما والغادي: الذي يكون في الغداة.
والأجش: الشديد صوت الرعد.
والشاهد: رفع «كلّ» لأن «أسقى» تدل على سقاها، وكأنه قال سقاها كلّ أجش.
[سيبويه/ 1/ 146، والأشموني/ 2/ 50، والعيني/ 2/ 475].

226 - على مثلها أمضي إذا قال صاحبي … ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
من معلقة طرفة بن العبد، يصف ناقته. وعلى مثلها: يريد على مثل هذه الناقة، وقوله: ليتني أفديك منها: «الضمير عائد إلى الفلاة»: أي الصحراء. وقد أتى بضمير الفلاة وإن لم يجر لها ذكر في الكلام قبل هذا وقول طرفة «ألا ليتني .. الخ» واقع موقع، إنا هالكون، لأن السير في هذه الصحراء شاق. [الإنصاف/ 96].

227 - رعيتها أكرم عود عودا … الصّلّ والصّفصلّ واليعضيدا
والخازباز السّنم المجودا … بحيث يدعو عامر مسعودا
... رجز رواه ابن منظور ... والصل، والصفصل، واليعضيد، والخازبار: أسماء نبات، والسّنم: العالي المرتفع. يريد طول النبات الذي أرعاه إبله. والمجود: اسم مفعول من جادة الغيث، إذا أصابه الجود: بفتح فسكون: وهو القوي الشديد من المطر، وعامر ومسعود راعيان وكنى بقوله: يدعو عامر مسعودا: عن طول النبات طولا يواري كل راع منهما
(1/343)

عن الآخر فلا يعرف أحدهما مكان صاحبه حتى يدعوه فيسمع صوته فيعرف مكانه.
والشاهد: الخازباز: فهو في إحدى لغاته مبني على الكسر، وهو اسم مركب عرّف أوله، ولم يعرفوا الجزء الثاني، وهو ردّ على الكوفيين الذين يرون تعريف الجزء الثاني مع الأول، من الأعداد المركبة. [الإنصاف/ 314].

228 - أودى ابن جلهم عبّاد بصرمته … إنّ ابن جلهم أمسى حيّة الوادي
للأسود بن يعفر .. وأودى بها: ذهب بها. والصّرمة: القطعة من الإبل ما بين الثلاثين والأربعين. وحيّة الوادي: كناية عن كونه يحمي ناحيته، ويتقى منه كما يتقى من الحية الحامية لواديها. والشاهد: (ابن جلهم) على أن أصلها ابن جلهمة، فرخّم المضاف إليه في غير النداء، لضرورة الشعر. وأبقى الفتحة على لغة من ينتظر. أو جعله ممنوعا من الصرف سواء أكانت فيه التاء أو حذفها. [سيبويه/ 1/ 344، والإنصاف/ 352، واللسان «جلهم»].

229 - فزججتها بمزجّة … زجّ القلوص أبي مزاده
زججتها: طعنتها بالزّج، والزج: حديدة تركب في أسفل الرمح، فأما الحديدة التي تركب في أعلى الرمح، فهي السنان، والمزجّة: الرمح القصير. والقلوص: الناقة الشابة.
وأبو مزادة: كنية رجل.
والشاهد: زجّ القلوص أبي مزادة، حيث فصل بين المضاف (زجّ) وبين المضاف إليه (أبي مزادة) بمفعول المصدر (القلوص) ويكون المصدر مضافا إلى فاعله (أبي مزادة) وفصل بينهما. ويجوز ان يضيف المصدر إلى مفعوله (القلوص) والإتيان بالفاعل مرفوعا بأن يقول: زجّ القلوص أبو مزادة. ويبدو أن إضافة المصدر إلى فاعله هي الأقوى في نفوسهم فارتكبوا من أجلها الضرورة. والبيت شاهد للكوفيين على صحة الفصل بين المتضايفين بغير الظرف والجار والمجرور. [الخصائص/ 2/ 406، والإنصاف/ 427، وشرح المفصل/ 3/ 19، والأشموني ج 2/ 276، والخزانة/ 4/ 415].

230 - في كلت رجليها سلامى واحده … كلتاهما مقرونة بزائدة
.. السّلامى: بضم السين وتخفيف اللام، واحدة السلاميات، وهي العظام التي تكون
(1/344)

بين كل مفصلين من مفاصل الأصابع في اليد أو الرجل. والشاهد «كلت رجليها» حيث يرى الكوفيون أن «كلت» هنا مفردة. وأن «كلا وكلتا» مثنيان لفظا ومعنى، والألف فيهما زائدة للدلالة على التثنية، والتاء في كلتا، للتأنيث، وأصل كل واحد منهما مثل اللواحق (كلّ) بتشديد اللام فحذفت لامها الثانية، وكسرت الكاف منها فإذا أردت المفرد المؤنث قلت: «كلت» كقول الراجز في البيت الشاهد. وإذا أردت المثنى المذكّر زدت الألف وإذا أردت المثنى المؤنث زدت التاء والألف .. ويرى البصريون أنّ (كلا وكلتا) مفردان لفظا مثنيان معنى، والألف منهما لام الكلمة. [الخزانة/ 1/ 129، والإنصاف/ 439، والعيني/ 1/ 159، والهمع/ 1/ 41، والأشموني/ 1/ 77، واللسان «كلا»].

231 - إذا القعود كرّ فيها حفدا … يوما جديدا كلّه مطرّدا
رواه أهل اللغة ولم ينسبوه. والقعود: بفتح القاف، البكر من الإبل حين يركب، أي:
يمكّن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان. و «حفد» فعل ماض معناه:
خفّ في العمل وأسرع. واليوم المطرّد: الطويل، أو الكامل التام. والشاهد: يوما جديدا كله، حيث أكّد «يوما» وهو نكرة محدودة بقوله «كله» فدل ذلك على جواز توكيد النكرة المحدودة بألفاظ التوكيد المعارف. ويرى البصريون أن توكيد النكرة يكون بلفظها فقط.
فتقول: «جاء رجل رجل»، والرأي الأول للكوفيين. [الإنصاف/ 452، وشرح المفصل/ 3/ 45].

232 - ولا تجعليني كامرئ ليس همّه … كهمّي ولا يغني غنائي ومشهدي
لطرفة بن العبد من معلقته ... وقوله: ليس همه كهمي: يريد: ليس عزمه مثل عزمي، ولا طلبه للمعالي مثل طلبي. ولا يغنى غنائي: أي: لا ينفع في المواطن التي أنفع فيها ولا يسد كما أسد. والشاهد: غنائي: بفتح الغين، وهو ممدود أصالة، معناه النفع والكفاية. وقد استشهد البصريون بهذا البيت للرد على الكوفيين الذين يجيزون مدّ المقصور، واستشهدوا بالبيت «فلا فقر يدوم ولا غناء» انظره في حرف الهمزة. وقال البصريون إن شاهد الكوفيين يحتمل أن يكون ممدودا في الأصل وأن يكون بفتح العين، كهذا البيت، وهو تعسف من البصريين، فذاك معنى، وهذا معنى، وبينهما بون.
[الإنصاف/ 750].

233 - هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي … بناقة سعد والعشية بارد
(1/345)

الشاهد: والعشية بارد: حيث أخبر عن العشية وهي مؤنثة، ببارد، وأسقط تاء التأنيث. والذي سوّغ ذلك عند الشاعر أنّ العشية يطلق عليها «عشيّ» فلحظ المعنى ..
وهذا أحد الآراء في سبب حذف علامة التأنيث من «طالق» وحائض. حملا على المعنى كأنهم قالوا: شيء حائض .. ويرى البصريون أن السبب في الحذف لأنهم قصدوا به النسب .. ويرى الكوفيون أنّ سبب الحذف، اختصاص المؤنث به، وهو أقوى الآراء.
[الإنصاف/ 768].

234 - فوقعت بين قتود عنس ضامر … لحّاظة طفل العشيّ سناد
لزهير بن أبي سلمى .. والقتود: عيدان الرحل. واحدهما قتد. والعنس: الناقة.
والضامر: يقال للذكر والأنثى. والضمور: لحوق البطن بالظهر .. ولحّاظه: صيغة مبالغة من اللحظ، ومعناه أن هذه الناقة تنظر وتتلفت حين اصفرت الشمس للمغيب، وهو الوقت الذي تكلّ فيه الإبل. وطفل العشي: منصوب على الظرفية وهو الوقت قبيل الغروب، والسناد: بكسر السين: الشديدة. والشاهد: عنس ضامر: وصف العنس، وهو مؤنث، ب ضامر، بدون تاء لأن هذا اللفظ يقال للمذكر والمؤنث بصيغة واحدة، لإرادة النسب. [الإنصاف/ 778].

235 - قد جرّبوه فألفوه المغيث إذا … ما الرّوع عمّ فلا يلوى على أحد
الشاهد: ألفوه: جاءت بمعنى «وجد» وتتعدى إلى مفعولين، وتفيد في الخبر يقينا، والهاء: مفعوله الأول. المغيث:
مفعوله الثاني. ومنه قوله تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ [الصافات: 69]. [العيني/ 2/ 388، والهمع/ 1/ 149].

236 - أبا وهب جزاك الله خيرا … نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معاد … وظنّي بابن أروى أن يعودا
لابنة لبيد بن ربيعة، تخاطب الوليد بن عقبة، وقد أعان لبيدا بمائة ناقة ليوفي نذره إذا هبّت الصبا أن ينحر ويطعم .. وأروى: أم الوليد، وهي أم عثمان بن عفان، فهو أخو عثمان من أمّه. [الخزانة/ ج 2/ 249].

237 - إخالك - إن لم تغضض الطرف - ذا هوى … يسومك ما لا يستطاع من الوجد
(1/346)

الشاهد: إخال: مضارع دال على الرجحان، نصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر أولهما الكاف والثاني (ذا هوى). [العيني/ 2/ 385، والتصريح/ 1/ 249، والهمع/ 1/ 150، والأشموني/ 2/ 20].

238 - لوجهك في الإحسان بسط وبهجة … أنا لهماه قفو أكرم والد
... الشاهد: هماه: هما: ضمير غيبة للمثنى - والهاء: ضمير غيبة آخر، وقد أبيح وصل الضميرين لاتحادهما في الغيبة واختلاف لفظ الضميرين، والأصل وجوب الفصل إذا اتحدت رتبة الضميرين في التعريف كقول الأسير لمن أطلقه، ملّكتني إيّاي، وقول السيد لعبده: «ملّكتك أيّاك» وإذا أخبر قال: «ملّكته إيّاه». [العيني/ 1/ 342، والهمع/ 1/ 63، والأشموني/ 1/ 121، والتصريح/ 1/ 109].

239 - ربّيته حتى إذا تمعددا … وآض نهدا كالحصان أجردا
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
.. هذا رجز منسوب إلى العجاج. يقال: تمعدد الغلام: إذا شبّ وغلظ، والنهد:
العظيم الجسم من الخيل، وإنما يوصف به الإنسان على وجه التشبيه. والأجرد: الذي لا شعر له.
وروى ابن هشام هذا الرجز شاهدا ل «آض» بمعنى صار، حيث عمل عمل (كان).
وروى الجوهري الشعر «وصار نهدا». ومن معاني آض، «رجع» وهو فعل تام. وهذا الفعل هو المستعمل مصدره في قولنا «وقال أيضا». ويعرب «أيضا» مفعولا مطلقا حذف عامله. أو حالا حذف عاملها وصاحبها. [شرح المفصل/ 9/ 151، والعيني/ 4/ 410، والهمع/ 1/ 112، والأشموني/ 3/ 284، والخزانة/ 8/ 429].

240 - فما حسن أن يمدح المرء نفسه … ولكنّ أخلاقا تذمّ وتحمد
.. لا يعرف قائله. وقد ذكره صاحب همع الهوامع، شاهدا على إلغاء عمل «ما» الحجازية، لأن خبرها تقدم على اسمها. فقوله: حسن: خبر مقدم. والمصدر المؤول من (أن يمدح) مبتدأ مؤخر. ولكن قد يعرب «حسن» مبتدأ،
والمصدر المؤول فاعل سد مسدّ الخبر. [الهمع ج 1/ 124].
(1/347)

241 - دعاني أخي والخيل بيني وبينه … فلما دعاني لم يجدني بقعدد
البيت لدريد بن الصمة القشيري، والقعدد: اللئيم القاعد عن الحرب جبنا، والشاهد:
بقعدد: فالباء زائدة على المفعول الثاني ل «وجد» والذي سوّغ زيادة الباء، أنّ الفعل منفي، وهو فعل ناسخ، ينصب مفعولين، ومن زيادة الباء على خبر الفعل الناسخ المنفي، قول الشنفرى، من لامية العرب:
وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن … بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وإذ في بيت الشنفرى: حرف للتعليل، أو ظرف منصوب ب «أعجل». [اللسان - قعد، والهمع/ 1/ 127، والعيني/ 2/ 121].

242 - وكأنّ برقع والملائك حولها … سدر تواكله القوائم أجرد
... البيت لأميّة بن أبي الصلت. و «برقع» على وزن زبرج، وقنفذ: السماء السابعة.
وسدر: يريد البحر، وتواكله: يقال: تواكله القوم إذا تركوه. وأجرد: بلا موج، شبه السماء بالبحر عند سكونه وعدم تموجه.
ويروى البيت بقافية بائية (أجرب) ويروى بقافية عينية (تواكله قوائم أربع) والقوائم:
أراد بها الرياح، ويقال هي الملائكة. [اللسان - سدر].

243 - وأبغض من وضعت إليّ فيه … لساني معشر عنهم أذود
البيت بلا نسبة في الهمع 1/ 88، وفيه الفصل بين الصلة ومعمولها بأجنبي (إليّ) ومحله بعد لساني فيكون التركيب «وأبغض من وضعت فيه لساني إليّ ...

244 - زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا … وبذاك خبرنا الغداف الأسود
البيت للنابغة الذبياني من قصيدة مكسورة القافية، وزعم الرواة أن النابغة الذبياني كان ينشد القصيدة ولا يفطن إلى (الإقواء) إلى أن غنته جارية في يثرب، فمدت ما قبل البيت، ثم مدّت قافية البيت فقالت: «الأسودو» ففطن، وغيّر البيت إلى قوله:
«وبذاك تنعاب الغراب الأسود»، وهذه القصة لا تصحّ لأنها تصف النابغة بأنه فاسد الذوق منعدم الإحساس الموسيقي. مع أن الشادي في علم الأدب يدرك الإقواء بأذنه ..
وقوله: «البوارح» جمع بارح، ومعناه ذو البرح والشدّة. والبوارح عند العرب من الظباء
(1/348)

والطير وغيرها التي تأتي من يمين الرجل إلى مياسره، فتوليه مياسيرها وأهل نجد يتشاءمون بها، والسوانح: التي تأتي من يساره إلى يمينه فتوليه ميامنها، وأهل نجد يتيمنون بها، وأما أهل الحجاز فيتشاءمون بالسوانح ويتيمّنون بالبوارح، والغداف:
الغراب الضخم.
وزعم: من الأفعال القلبية الناصبة لمفعولين، قد تنصب المفعولين مباشرة وقد تدخل على أنّ مع معموليها، فيكون المصدر المؤول سادا مسدّ المفعولين، وهذا هو الأغلب في «زعم».
وزعم: قد تكون بمعنى اليقين، وقد تكون بمعنى الاعتقاد من غير دليل، كقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: 7] وقد تدل على الرّجحان، وقد تستعمل للدلالة على الشكّ، وهو الغالب في استعمالها وقد تستعمل في القول الكاذب.
[النحو الوافي ج 2/ 7].

245 - يضحي على سوق الجذول كأنّه … خصم أبرّ على الخصوم يلندد
البيت للطرمّاح يصف الحرباء. وقوله: أبرّ على الخصوم: غلبهم، والإبرار الغلبة.
واليلندد، والإلندد، كالألدّ، أي الشديد الخصومة، ورواية كتاب سيبويه «ألندد» على أن النون فيه زائدة مع الهمزة في أوله. [سيبويه/ 2/ 113، 317، وشرح المفصل/ 6/ 121، واللسان «لدد»].

246 - نرضى عن الله إنّ الناس قد علموا … أن لا يدانينا من خلقه أحد
البيت لجرير من قصيدة رائية يهجو بها الأخطل بقافية «بشر» ونرضى عن الله وتروى «على الله» بمعنى نثني عليه. والبيت شاهد على جواز نصب «أن» المضارع بعد «علم» والمشهور أنّ «أن» لا تنصب المضارع بعد أفعال اليقين، وتكون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن، نحو: «علم أن سيكون» [المزمل: 20] «أفلا يرون ألّا يرجع» [طه:
89]. [الهمع/ 2/ 2، والأشموني/ 3/ 282].

247 - ألا حبّذا هند وأرض بها هند … وهند أتى من دونها النأي والبعد
البيت للحطيئة، وهو شاهد على صرف «هند» في موضعين، لغير ضرورة، لأن العلم المؤنث الثلاثي الساكن
الوسط، يجوز صرفه. [شرح المفصل/ 1/ 70].
(1/349)

248 - أأبيّ لا تبعد وليس بخالد … حيّ ومن تصب المنون بعيد
البيت لعبد الله بن عنمة الضبي، وهو شاعر إسلامي مخضرم، وقوله: أأبي: الهمزة للنداء وأبيّ: منادى. وقوله: لا تبعد، أي: لا تهلك، وأخبر أن ذلك ليس بكائن من أجل أنه لا يبقى على الدهر ذو حياة. والمنون: المنية، وبعيد: خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو بعيد. والشاهد: الجزم ب (من) ولم يأت للشرط بالجواب، وهذا على إرادة الفاء كأنه قال: ومن تصب المنون فهو بعيد، ومثله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشرّ بالشرّ عند الله مثلان
[شرح الحماسة للمرزوقي ج 3/ 1041 والخزانة/ 9/ 42].

249 - نظّارة حين تعلو الشمس راكبها … طرحا بعيني لياح فيه تحديد
البيت للراعي النميري، يصف ناقة، وطرحا: أي: تطرح بصرها يمينا وشمالا.
واللياح: بالفتح والكسر: الثور الأبيض. شبه عيني الناقة بعيني هذا الثور. والتحديد:
حدة النظر. نعت الناقة بالنشاط وحده البصر في شدة الهاجرة. والشاهد: طرحا: فهو مصدر مؤكد لفعل لم يذكر، كما أنه بدل من اللفظ بالفعل لوجود ما يدل عليه، وهو «نظارة». [سيبويه/ 1/ 232 هارون].

250 - ترفع لي خندف - والله يرفع لي - … نارا إذا خمدت نيرانهم تقد
البيت للفرزدق .. وخندف، امرأة ينتهي إليها نسب تميم، يقول: ترفع لي قبيلتي من الشرف ما هو في الشهرة كالنار الموقدة، إذا قعدت بغيري قبيلته، وقوله «والله يرفع لي» أي: إلى الرافع في الحقيقة هو الله.
والبيت شاهد ل عمل «إذا» الجزم، خمد: فعل الشرط. و «تقد» مجزوم جواب الشرط، والكسر للقافية. ويروى البيت «إذا ما خبت نيرانهم»، وعليه فلا ضرورة، لأنهم أجازوا الجزم ب «إذا ما» كما أجازوه ب (إذ ما). [شرح المفصل ج 7/ 47].

251 - إذا ما الخبز تأدمه بلحم … فذاك أمانة الله الثريد
البيت مصنوع .. والشاهد «أمانة» يروى بالنصب على تقدير حذف الجرّ، أو بتقدير أحلف أو أقسم ونحوهما من الأفعال التي تدلّ على القسم، ويروى بالرفع، على أنه مبتدأ
(1/350)

خبره محذوف. [شرح المفصل ج 9/ 92، 102].

252 - فلا حسبا فخرت به لتيم … ولا جدّا إذا ازدحم الجدود
البيت من قصيدة طويلة لجرير، هجا بها الفرزدق وتيم الرّباب. ويجوز في «حسبا» النصب والرفع، لوقوعه بعد حرف النفي. أما النصب، فبفعل مقدّر متعد إليه بنفسه في معنى الفعل الظاهر، والتقدير: فلا ذكرت حسبا فخرت به. ولا جدا: معطوف على قوله: حسبا، وهو بمنزلة قولك: أزيدا مررت به، وإنما لم يجز إضمار الفعل المتعدي بحرف الجرّ لأن ذلك يؤدي إلى إضمار حرف الجرّ، ولا يجوز إضماره، لأنه مع المجرور كشيء واحد، وهو عامل ضعيف، فلا يجوز فيه بالإضمار والإظهار كما يتصرف في الفعل.
وأما الرفع: فعلى الابتداء وجملة (فخرت) به، صفته، و «لتيم» هو الخبر. [الخزانة/ 3/ 25، وسيبويه/ 1/ 73، وشرح المفصل/ 1/ 109، وديوان جرير].

253 - متى ما ير الناس الغنيّ وجاره … فقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى … ولكن أحاظ قسّمت وجدود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد
وكائن رأينا من غنيّ مذمّم … وصعلوك قوم مات وهو حميد
... البيت الشاهد للشاعر المعلوط السعدي القريعي، وذكرت ما بعده لصحة معناها وشرفه. قال المرزوقي: أخرج هذا الكلام مخرج الإنكار لما تعوده الناس في الحكم على الأغنياء والفقراء فيقول: مما يقضي به الناس على الغني وإلى جنبه فقير أن يقولوا: هذا من عجزه أتي، وهذا لجلادته أغني، وهذا خطأ، لأنّ الغنى والفقر مما قدّر الله.
وجملة (وجاره فقير) من المبتدأ والخبر حال من الغنيّ، ويقولوا: جواب الشرط، وقوله: عاجز، وجليد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذان عاجز وجليد، والجملة: مقول القول. [شرح الحماسة للمرزوقي ج 3/ 1148].

254 - ألا يا ليل ويحك نبّئينا … فأما الجود منك فليس جود
البيت لعبد الرحمن بن حسان: يقول: خبرينا بما أنت عليه من مودّة أو غيرها، وأمّا جودك لنا بالوصل فليس مما نطمع فيه، لما عهدنا من بخلك.
(1/351)

والشاهد: حذف العائد من «جود» أي: فليس لنا جود منك، وفيه شاهد على جواز حذف خبر ليس إذا كان اسمها نكرة عامة، تشبيها لها ب «لا». [سيبويه/ 1/ 386، هارون، والهمع/ 1/ 116].

255 - وربّ أسيلة الخدّين بكر … مهفهفة لها فرع وجيد
لهوت بها زمانا من شبابي … وزارتها النّجائب والقصيد
للمرقش الأكبر، عمرو بن سعد، من شعراء الجاهلية. والشاهد في البيت الأول:
حذف النعت وإبقاء المنعوت، أي: فرع فاحم، وجيد طويل، بدليل أن البيت للمدح وهو لا يحصل بإثبات الفرع والجيد مطلقين، بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين.
والفرع: الشعر. والفاحم: الأسود، والجيد: العنق، وكأنه قال: لها شعر أسود وعنق طويل. [شرح التصريح/ 2/ 119، والأشموني/ 3/ 72، والمفضليات/ 224].

256 - فذرني أجوّل في البلاد لعلّني … أسرّ صديقا أو يساء حسود
البيت غير منسوب، وأنشده الشيخ خالد شاهدا على أن جميع حروف العطف يحصل بها الربط، قال: واحتجوا ببيت أنشده ثعلب. (البيت)، قال: وخرّج على أن التقدير: أو يساء بي حسود. [التصريح/ 1/ 305].

257 - مستحقبي حلق الماذيّ يحفزه … بالمشرفيّ وغاب فوقه حصد
البيت للزبرقان بن بدر (مخضرم) وصف جيشا وفرسانه. استحقبوا الحلق، جعلوه في حقائبهم وهي مآخير الرحال، والمراد لبسهم للدروع كأنه استحقاب، والحلق: جمع حلقة، والماذي: الدروع الصافية الحديد، اللينة الملمس، واحدته ماذية، يحفزه: أراد:
يحفز الماذي يرفعه ويشمره، والضمير المستتر للجيش ولذلك وحّد الضمير، والمشرفي:
السيف، وأراد: يحفزه بحمائل المشرفي، يرفع بها الدروع، والغاب: الرماح، سميت بمنبتها وهو الغاب، جمع غابة، والحصد: الصلب الشديد المحكم، والشاهد: حذف النون من «مستحقبي» للإضافة، كما يحذف التنوين من المفرد. [سيبويه/ 1/ 167، هارون].

258 - أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا … وهذا عروس باليمامة خالد
البيت غير منسوب والشاهد: عروس: يستعمل للمذكر والمؤنث.
(1/352)

259 - وإن قال مولاهم على جلّ حادث … من الدهر ردّوا فضل أحلامكم ردّوا
البيت للحطيئة، يمدح آل قريع، وهم حيّ من تميم. والمولى هنا: ابن العم، وجلّ حادث، أي: حادث جليل. أي: إذا احتاج المولى إليهم عادوا عليه بفضل حلومهم ولم يخذلوه، والشاهد: كسر الكاف من أحلامكم تشبيها لها بهاء «أحلامهم» لأنها أختها في الإضمار ومناسبة لها في الهمس، وهي لغة ضعيفة، لأن أصل الهاء الضمّ والكسر
عارض عليها، بخلاف الكاف، فحمل الكاف عليها بعيد ضعيف لأنها أبين منها وأشدّ. [سيبويه/ 4/ 197، هارون].

260 - أقفر من أهله عبيد … فاليوم لا يبدي ولا يعيد
لعبيد بن الأبرص. وقوله: لا يبدي ولا يعيد. هذا مثل في الهلاك، من غير نظر إلى مفرداته وهو في الأصل كناية، لأن الهالك لم يبق له إبداء ولا إعادة. [الخزانة/ 2/ 218].

261 - فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها … فما اختتنت إلا ومصّان قاعد
البيت لزياد الأعجم، والمهجو خالد بن عتاب بن ورقاء، ومصان: هو الحجام، لأنه يمصّ الدم. ومصّان: شتم للرجل يعيّر برضع الغنم من أخلافها بفيه حتى لا يسمع صوت الحلب، والموسى: مؤنث يعود الضمير عليها مؤنثا. [اللسان - مصص، والشافية/ 291].

262 - جاءت كبير كما أخفّرها … والقوم صيد كأنهم رمدوا
البيت لصخر الغيّ. والبيت شاهد عند الكوفيين على أن «كما» تأتي بمعنى (كيما) وينصبون بها ما بعدها، ولا يمنعون جواز الرفع، وقال البصريون: إن البيت مروي برفع «أخفرها». [الإنصاف 585. والخزانة/ 10/ 224].

263 - فإنّك من حاربته لمحارب … شقيّ ومن سالمته لسعيد
البيت لأبي عزة عمرو بن عبد الله، وهو في [الهمع ج 1/ 139]، وفيه دخول اللام على الجزء الثاني من خبر (إنّ).

264 - تستنّ أعداد قريان تسنّمها … غرّ الغمام ومرتجّاته السّود
(1/353)

البيت لذي الرّمة، والقريان: جمع قريّ على وزن فعيل مجرى الماء في الروض أو مجرى الماء في الحوض. [اللسان - قرا].

265 - ألا أيّهذا المنزل الدارس الذي … كأنّك لم يعهد بك الحيّ عاهد
البيت لذي الرّمة. وهو شاهد على نداء «أيّ» ووصفها باسم الإشارة «ذا» ووصف ذا بما فيه (ال) كما في البيت. [شرح المفصل ج 2/ 7، وشرح أبيات سيبويه ص 216].

266 - أبني لبينى لستم بيد … إلّا يدا ليست لها عضد
البيت لطرفة بن العبد، وقيل: لأوس بن حجر. والشاهد نصب «يدا» الثانية لوقوعها بعد «إلا» بدلا من محل الجار والمجرور، لتعذر حمله على لفظ المخفوض لأن ما بعد إلا موجب، والباء مؤكدة للنفي. ويروى «مخبولة العضد».
والخبل: الفساد، والمعنى أنتم في الضعف وقلة الانتفاع كيد لا عضد لها. [شرح المفصل ج 2/ 90، وشرح أبيات سيبويه ص 240 وسيبويه/ 2/ 317].

267 - تالله يبقى على الأيام مبتقل … جون السّراة رباع سنّه غرد
البيت شاهد على حذف حرف النفي «لا» بعد القسم، والتقدير «والله لا يبقى» ونسبه ابن منظور في اللسان لمالك بن خويلد الخزاعي الهذلي. [اللسان، بقل، شرح المفصل/ 7/ 111].

268 - ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا الناس كيف لبيد
.. البيت للشاعر لبيد بن ربيعة. والشاهد نيابة اسم الإشارة الذي هو للمفرد عن اسم الإشارة الدال على الجمع، فقوله «هذا الناس» أشار بالمفرد إلى الجمع. [شرح التصريح/ 1/ 129].

269 - من رامها حاشا النبيّ ورهطه … في الفخر غطمطه هناك المزبد
منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة، وليس فيه مذاق شعر عمر. والغطمطمة: اضطراب الأمواج، وصوت السيل في الوادي، وصوت غليان الماء. والبيت شاهد على جرّ «حاشا» ما بعدها، ويجوز نصبه. [الهمع/ 1/ 232، واللسان «حشا»].
(1/354)

270 - إني لعند أذى المولى لذو حنق … وإنّ حلمي إذا أوذيت معتاد
لا يعرف قائله، وأنشده السيوطي شاهدا لدخول اللام على معمول الخبر، المتوسط بين اسم «إنّ» وخبرها. وهو قوله: «لعند أذى المولى» وبهذا تكون دخلت اللام على الخبر «لذو» وعلى معموله «لعند». [الهمع/ 1/ 139].

271 - إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا … فحسبك والضّحاك سيف مهنّد
.. منسوب لجرير، وهو شاهد على نصب، «والضحاك» على أنه مفعول معه، لتضمن الكلام، ما هو بمعنى الفعل وهو «حسبك» قال ابن يعيش: فنصب الضحاك، لامتناع حمله على الضمير المخفوض، وكأن معناه: يكفيك ويكفي الضحاك. [شرح المفصل/ ج 2/ 51].

272 - إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا … وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
للفضل بن العباس بن عتبة اللهبي، نسبة إلى أبي لهب. والخليط: صاحب الرجل الذي يخالطه .. وانجردوا: اندفعوا، والشاهد في قوله: «عدا» فقد جاء مرة مرسوما، بعد الدال ألف. ومرة بدون ألف. فإن كان بالإلف فهو جمع (عدوة) أي ناحية، وإن رسم بدون ألف، فهو المصدر «عدة» حذفت التاء التي للتأنيث، للإضافة تخفيفا. [الأشموني/ ج 2/ 237 وج 4/ 341 وشرح التصريح/ 2/ 296].

273 - أماتوا من دمي وتوعّدوني … وكنت ولا ينهنهني الوعيد
منسوب لمالك بن رقية، بالياء أو بالباء. ويروى الشطر الأول هكذا: «تفانى مصعب وبنو أبيه»، والشاهد مجيء المضارع المنفي حالا، وكنت في البيت تامّة. [الأشموني/ 2/ 189، وعليه حاشية العيني].

274 - لحبّ المؤقدان إلي مؤسى … وجعدة إذ أضاءهما الوقود
لجرير من قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك. وقوله: لحبّ: اللام في جواب قسم مقدّر، وحبّ: فعل للمدح، والمؤقدان بالهمزة، فاعل، ومؤسى وجعدة مخصوصان بالمدح، وهما ولداه، والوقود: الحطب المشتعل، والبيت شاهد لهمز الواو الساكنة المسبوقة بضمة. وليست هذه لغة جرير، ولكنّهم نقلوها عن أبي حية النميري، وأنه كان
(1/355)

يقرأ هذا البيت بهمز (الموقدان وموسى)، واستشهدوا بهذه الرواية لصحة قراءة ابن كثير «بالسؤق والأعناق». الآية (33) من سورة ص. والأصح أن نستشهد بالقراءة على صحة بيت الشعر، لأن القراءة أوثق. [شرح أبيات المغني/ 8/ 77، والهمع والخصائص/ 2/ 175].

275 - متى تؤخذوا قسرا بظنّة عامر … ولا ينج إلا في الصّفاد يزيد
لا يعرف قائله. والظّنة: بكسر الظاء، التهمة، والصفاد: القيد. والبيت شاهد لحذف فعل الشرط بعد (متى)، والتقدير: متى تثقفوا تؤخذوا. [الأشموني ج 4/ 26، والهمع/ 2/ 63].

276 - يبدو وتضمره البلاد كأنّه … سيف على شرف يسلّ ويغمد
البيت للطرماح في وصف الثور. [الشعر والشعراء/ ص 104].

277 - فلو أنّ ما أبقيت مني معلّق … بعود ثمام ما تأوّد عودها
البيت منسوب لأبي العوام بن كعب بن زهير، ولكثير عزّة، وللحسين بن مطير، والبيت مثل للمبالغة والإفراط في وصف النحافة بسبب الحبّ والحرمان، ومثله قول المجنون:
ألا إنما غادرت يا أمّ مالك … صدى أينما تذهب به الريح يذهب
وقوله عمر بن أبي ربيعة:
قليلا على ظهر المطيّة ظلّه … سوى ما نفى عنه الرّداء المحبّر
وقال آخر: (بشار):
إنّ في برديّ جسما ناحلا … لو توكّأت عليه لانهدم
وقال المتنبي:
روح تردّد في مثل الخلال إذا … أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
وقال:
كفى بجسمي نحولا أنني رجل … لولا مخاطبتي إياك لم ترني
(1/356)

والثمام في البيت الشاهد، نبت ضعيف، له خوص، ربما حشى به، وتأوّد: أي:
ما تعوج .. فصاحبنا صار من فراق الحبيبة وهجرانها، كأنه هباءة، إذ علقت على عود الثمام، ما تعوج، لأنه لا ثقل له. والشاهد في البيت وقوع خبر (أنّ) بعد «لو» اسما.
وقد زعم الزمخشري أن «أنّ» إذا جاءت بعد «لو» يجب أن يكون خبرها فعلا .. وهذا باطل، دفعه قبل البيت، قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لقمان:
27]. [الأشموني ج 4/ 42].

278 - وما هاج هذا الشوق إلا حمامة … تغنّت على خضراء سمر قيودها
البيت لعليّ بن عميرة الجرمي، وروي لفظ «سمر» بالرفع، نعت ل «حمامة» المرفوع، وروي بالجرّ، على اعتبار «إلا» بمعنى «غير» وما بعدها مجرور. [الهمع/ 1/ 231].

279 - تناولها كلب بن كلب فأصبحت … بكفّ لئيم الوالدين يقودها
البيت منسوب للكميت، وإلى كثير: - والشاهد: «كلب» الأولى، حيث جاء مضموما بدون تنوين، لأنه موصوف ب (ابن) وقاسوا عليه المنادى العلم الموصوف (بابن) المضاف إلى علم، في جواز الضمّ بدون تنوين. [الهمع/ 1/ 179].

280 - لقد علم الأقوام ما كان داءها … بثهلان إلا الخزيّ ممّن يقودها
.. البيت غير منسوب في كتاب سيبويه، وشرح المفصّل، باب الأفعال الناقصة. قال ابن يعيش، ولك في «الخزي» الرفع والنصب، الرفع على أنه اسم كان مؤخر و «داءها» خبرها مقدم. والنصب على أنه هو الخبر. ذلك أن الاسم والخبر معرفتان، وهو مثل قوله تعالى: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [الأعراف: 82] وقوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [الجاثية: 25] ففي قوله تعالى «جواب» قرأ بعضهم برفع «جواب» وقرأ بعضهم برفع «حجتهم»، والشاعر في البيت يتحدث عن كتيبة، ويقول: لم يكن داء هذه الكتبية وسبب انهزامها في جبل ثهلان إلا جبن قائدها، جعل
الفعل للخزي، والمراد صاحبه. [سيبويه/ 1/ 50، هارون، وشرح المفصل/ 7/ 96].

281 - ما دام حافظ سرّي من وثقت به … فهو الذي لست عنه راغبا أبدا
البيت غير منسوب وفيه تقديم خبر «ما دام»، وهو «حافظ» على اسمها «من». [شرح التصريح/ 1/ 188].
(1/357)

282 - أعنّي بخوّار العنان تخاله … إذا راح يردي بالمدجّج أحردا
وأبيض مصقول السّطام مهنّدا … وذا شطب من نسج داود مسردا
.. البيتان لكعب بن جعيل التغلبي، وهما في كتاب سيبويه ج 1/ 76، قال النحاس:
في ذيل البيتين: وإنما الحجة في النصب، ولو جاء به على الأصل لقال: وأبيض مصقول السطام مهنّد، والسطام: حديدة الرمح، وخوار العنان، يعني فرسا لين العطف.

283 - وأين ركيب واضعون رحالهم … إلى أهل نار من أناس بأسودا
لعبد قيس بن خفاف. وأنشده ابن يعيش شاهدا على أن «ركيب» تصغير «ركب» وأن «ركب» اسم مفرد واقع على الجمع، ولو كان جمعا لراكب، لقيل في التصغير:
«رويكبون» لجمع المذكر، ورويكبات، لجمع المؤنث، لأن تصغير جمع الكثرة يكون لمفرده، ثم يجمع. [شرح المفصل/ 5/ 77، ونوادر أبي زيد/ 114].

284 - سرينا إليهم في جموع كأنّها … جبال شرورى لو تعان فتنهدا
غير منسوب، وقوله: فتنهدا: من نهد إلى العدو، أي: نهض، والشاهد: نصب فتنهدا: بأن مضمرة بعد الفاء، في جواب التمني المفهوم من «لو». [الأشموني/ 4/ 33، والعيني/ 4/ 413، 465].

285 - أتيت حريثا زائرا عن جناية … وكان حريث في عطائي جاهدا
للأعشى، وحريث: يريد الحارث بن وعلة. وأنشده السيوطي، على أن التصغير لا يبطل العلمية، ولو كان منكرا لأدخل عليه ال. [الهمع/ 1/ 74].

286 - إذا تأوّب نوح قامتا معه … ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
لعبد مناف بن ربع الجربيّ. يذكر حال أختين له، والسّبت: بكسر السين: الجلد المدبوغ، كان النساء يلطمن خدودهن به، ويلعج: يحرق، يقال: وجد لاعج الحزن، أي: حرقته. والجلد: بكسر اللام، لغة في سكونها، أراد: جلد وجهها.
وقوله: ضربا، أي: وضربتا ضربا. وأنشده السيوطي في الهمع شاهدا على أن تحريك لام (الجلد) ضرورة شعرية. فكيف تكون ضرورة، وهي لغة فيه. [الهمع/ 2/ 157، والخزانة/ 7/ 46].
(1/358)

287 - رجالي حتى الأقدمون تمالؤوا … على كل أمر يورث المجد والحمدا
.. غير منسوب، وتمالؤوا: أي: اجتمعوا، وفيه شاهد على أن «حتى» لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب في العطف، وفي البيت عطف «الأقدمون» وهم سابقون. [الأشموني/ 3/ 98، والهمع/ 2/ 136].

288 - ما إن جزعت ولا هلع … ت ولا يردّ بكاي زندا
البيت للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدته التي مطلعها:
ليس الجمال بمئزر … فاعلم وإن ردّيت بردا
وقبل البيت الشاهد:
كم من أخ لي صالح … بوّأته بيديّ لحدا
وقوله: ولا هلعت، الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزع مع قلّة الصبر. وقوله: ولا يرد .. زندا: أراد ولا يرد بكاي شرره، فذكر الزند وأراد ما يخرج منه عند القدح.
وقيل: ذكر الزند تقليلا لعائدة الحزن، والشاهد: ما إن جزعت .. جاءت (إن) زائدة.
[شرح الحماسة للمرزوقي ج 1/ 180].

289 - رمى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سمودا
البيت منسوب لعبد الله بن الزبير - بفتح الزاي - من أبيات تختلط بغيرها، والحدثان:
بالتحريك، الحادثة ونائبة الدهر، والمقدار: ما قدّره الله، وفيه قلب، أي: رمى تقدير الله نسوة آل حرب بحدثان، والسّمود: تغيّر الوجه من الحزن. [الخزانة/ 2/ 264]. والبيت التالي:
فردّ شعورهنّ السّود بيضا … وردّ وجوههنّ البيض سودا

290 - لقد نلت (عبد الله) وابنك غاية … من المجد من يظفر بها نال سؤددا
البيت بلا نسبة في همع الهوامع 2/ 138، وفيه العطف على ضمير الرفع المتّصل مع الفصل بالنداء، وهو «عبد الله».

291 - أتوعدني بقومك يا ابن حجل … أشابات يخالون العبادا
(1/359)

بما جمّعت من حضن وعمرو … وما حضن وعمرو والجيادا
البيتان للشاعر شقيق بن جزء بن رياح الباهلي. والأشابات: الأخلاط من الناس ها هنا: جمع أشابة بالضم. ونصبها على الذمّ. والعباد: هنا: جمع عبد، وهي بمعنى العبيد، وحضن وعمرو، قبيلتان. والجياد: جمع الجواد من الخيل. أي: ليسا من الجياد وركوبها في شيء، ليسوا فرسانا معروفين، والشاهد: في البيت الثاني، نصب «الجيادا» حملا على معنى الفعل، أي: وملابستهما الجياد. [سيبويه/ 1/ 304 هارون].

292 - تمنّى لقائي الجون مغرور نفسه … فلما رآني ارتاع ثمّة عرّدا
غير منسوب، والشاهد «مغرور نفسه» حيث أجري اسم المفعول كالصفة المشبهة في رفع السببي أو جره أو نصبه. [الهمع/ 2/ 101، والتصريح/ 2/ 72].

293 - لو كنتم منجدي حين استعنتكم … لم تعدموا ساعدا منّي ولا عضدا
غير منسوب. وفيه حذف نون جمع المذكر السالم من «منجدي» ضرورة، لغير سبب مقبول في قواعد النحو. [الهمع/ 1/ 50].

294 - ما كان أسعد من أجابك آخذا … بهداك مجتنبا هوى وعنادا
لعبد الله بن رواحة يخاطب النبي صلّى الله عليه وسلّم، والشاهد: زيادة كان بين «ما» وفعل التعجب، وآخذا: حال، وكذا مجتنبا، وهوى: مفعول مجتنبا وعنادا، معطوف. [الأشموني/ 3/ 25، والعيني/ 3/ 663].

295 - أجرى قلائدها وخدّد لحمها … أن لا تذوق مع الشكائم عودا
.. البيت لجرير يصف خيلا هزلت. وخدد لحمها: أي: أهزله. وتخديد اللحم: إذا ضمرت الدواب. والشكائم: جمع شكيمة، وهي من اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس. يقول: إن الذي أهزلها أنها دائما ملجمة. وأن: مخففة، اسمها ضمير شأن.
وجملة تذوق خبرها. وفي اللسان، أن لا يذقن ... [اللسان - خدد والديوان ج 1/ 339].

296 - آليت لا أعطيه من أبنائنا … رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا
حتّى يفيدك من بنيه رهينة … نعش، ويرهنك السّماك الفرقدا
(1/360)

للأعشى ميمون. والبيت الأول شاهد على جمع «رهن» على «رهن» والبيت الثاني شاهد على جواز القول: رهنته الشيء. [اللسان - رهن].

297 - حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة … تفكّر آإيّاه يعنون أم قردا
أنشده أبو زيد في نوادره، قال: أنشدناه الأعراب، وأنشده الجوهري في معجمه.
والحزقّ بوزن عتلّ: القصير الذي يقارب الخطو. والفكاهة: ما يتفكه به من الحديث.
يقول: إذا تفاكه القوم وتمازحوا ووصفوا القصير، تفكّر هذا الرجل، هل هو المعنيّ، أم القرد.
والشاهد: آإياه: بإدخال الألف بين همزة الاستفهام، وبين الهمزة من إيّاه، وقرأ ابن عامر «آأنذرتهم أم لم تنذرهم» [البقرة: 6] و «آئنك لأنت يوسف» [يوسف: 90]. [شرح المفصل/ 9/ 119، والهمع/ 1/ 155، والشافيه/ 349، والبيت لجامع بن عمرو].

298 - بربّك هل للصبّ عندك رأفة … فيرجو بعد اليأس عيشا مجدّدا
غير منسوب، وفيه تلقّي القسم، بالطلب، الذي هو الاستفهام من قوله: «هل للصبّ».
[الهمع/ 2/ 41].

299 - سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت … لهم فما زال عنها الخير مجدودا
البيت غير منسوب. والحيا: المطر، وعزيت: نسبت. والمجدود: بالدال المهملة، والمعجمة. المقطوع. وذكر ابن هشام البيت على أنّ فيه قرينة على عدم دخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها، لأن قرينة دعائه على أمكنتهم بدوام قطع الخير عنها يقتضي عدم دخولها في الأرض المدعوّ لها بالسقيا. [شرح أبيات المغني ج 3/ 99، والأشموني/ 2/ 214].

300 - أريني جوادا مات هزلا لعلّني … أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
.. قاله حطائط بن يعفر، أخو الأسود. يخاطب أمه أو زوجه، وقد عاتبنه على جوده.
ويروى في كتب النحو «لأنّني» بدل «لعلني» بفتح لام «لأنني» وهي بمعنى لعلني، يقال:
ائت السوق لأنك تشتري لنا شيئا. أي: لعلك، ويقال: أنك تشتري، كما تقول: علّك،
(1/361)

ولعلّك. ويقال في هذا المعنى «لعنّك» وإبدال الهمزة من العين والعين من الهمزة كثير لا ينكر. [المرزوقي/ 1733، وشرح المفصل/ ج 8/ 78].

301 - لنا مرفد سبعون ألف مدجّج … فهل من معدّ فوق ذلك مرفدا
البيت لكعب بن جعيل، وهو في كتاب سيبويه. قال النحاس: البيت حجة لنصب «مرفد» الثاني، ونصبه على الحال، كأنه أراد: فهل من معدّ مرفد فوق ذلك، وهذا كلام تام. والمرفد: ما يرفدهم، أي: يقويهم. وفي شرح المفصل أن «مرفدا» منصوب على التمييز لنوع الاسم المبهم المشار إليه. [شرح المفصل/ 2/ 114].

302 - ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا … فعرّدت فيمن كان عنها معرّدا
البيت بلا نسبة في الأشموني 2/ 21، وشرح التصريح 1/ 248، وعرّد: انهزم، والشاهد: ظنّ: من أفعال الرجحان، نصب مفعولين، الأول: الكاف والثاني «صاليا» من (صلي النار)، إذا قاسى حرّها.

303 - ألا أيّهذا السائلي أين يمّمت … فإنّ لها من أهل يثرب موعدا
للأعشى من قصيدته التي قالها في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكتب له اللقاء والإسلام لقصة ليس لها سند صحيح، وفيها اضطراب. وانظرها في السيرة ... وقوله: ألا: أداة تنبيه.
وأيّ: منادى. وهذا: وصف. والسائلي: وصف لاسم الإشارة. قال في «الهمع» وشرط أبو الحسن الصائغ لجواز وصف «أي» باسم الإشارة - في النداء - أن يكون اسم الإشارة منعوتا بما فيه ال .. وأنشد البيت. [الهمع/ 1/ 175، والمقتضب/ 4/ 259].

304 - لم يبق إلا المجد والقصائدا … غيرك يا ابن الأكرمين والدا
.. لم أعرف قائله. قال الكسائي في نحو «ما قام إلّا زيد» مع الرفع على الفاعلية، النصب على الاستثناء، قال أبو حيّان: وهو مبنيّ على ما أجازه من حذف الفاعل، وجوّز أيضا بناء عليه، الرفع على البدل من الفاعل المحذوف. ووافق الكسائي على إجازة النصب طائفة واستدلوا بقوله: (البيت) يروى بنصب المجد، و «غير» أي: لم يبق أحد غيرك. وأجيب بأنّ «غير» فاعل مرفوع، والفتحة بناء، لإضافته إلى مبني .. قال أبو أحمد: وقول الكسائي ومن وافقه، مقبول ومعقول، .. والكسائي عالم فهّامة وذوّاقة، ولكن عميت عنا آراؤه، بسبب التعصب للمذهب البصري، وقد ضللنا أشياخنا أيام
(1/362)

الطلب، فأوهمونا أن رأي الكوفيين في النحو «كخ» ورأى البصريين هو «الدّح».
[الهمع/ 1/ 223].

305 - لئن أمست ربوعهم يبابا … لقد تدعو الوفود لها الوفودا
غير منسوب، قال السيوطي: وشذّ دخول اللام في جواب القسم المضارع المسبوق ب (قد) وأنشد البيت. [الهمع/ 2/ 42، والخزانة/ 10/ 76].

306 - ومن فعلاتي أنّني حسن القرى … إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها
لعبد الواسع بن أسامة، أو «أمامة» والليلة الشهباء: المجدبة الباردة. وأضحى جليدها، أي: دخل جليدها في وقت
الضحى، يريد أنه طال مكثه لشدة البرد، ولم يذب عند ارتفاع النهار. والبيت شاهد لأضحى التامة، تكتفي بالمرفوع، لأن المعنى:
بقي جليدها حتّى أضحى. يصف الشاعر نفسه بالكرم وأنه حسن القرى للأضياف حتّى عند عزّة الطعام والجدب. [شرح المفصل/ 7/ 103، والأشموني ج 1/ 236، والهمع/ 1/ 116].

307 - متى تأتني أصبحك كأسا رويّة … وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد
من معلقة طرفة. والاستشهاد به لاستعمال «متى» شرطية، جزمت فعلين: (تأت، وأصبحك. [شرح المفصل/ 7/ 46، وسيبويه/ 2/ 303، والمعلقة].

308 - وعرق الفرزدق شرّ العروق … خبيث الثرى كابي الأزند
لجرير في هجاء الفرزدق، والشاهد: ظهور الضمة على آخر الاسم المنقوص (كابي).
[الهمع/ 1/ 53، والعيني/ 1/ 224].

309 - ملئت رعبا وقوم كنت راجيهم … لمّا دهمتك من قومي بآساد
البيت بلا نسبة في الهمع 2/ 138، وفيه العطف على ضمير الرفع المتصل، مع الفصل بالتمييز فقوله «وقوم» معطوف على التاء في ملئت، ورعبا: تمييز.

310 - أسود شرى لاقت أسود خفيّة … تساقوا على حرد دماء الأساود
البيت للأشهب بن رميلة. والشرى: مكان كثير الأسد، وخفيّة: مأسدة أيضا، وحرد:
(1/363)

بفتح الحاء وسكون الراء، مصدر حرد، بمعنى قصد، وبمعنى غضب، ودماء: مفعول تساقوا، أي: سقي كل منهم دم الأساود. والأساود: إما جمع أسود، وهو العظيم من الحيّات وإما جمع أسود، وهو جمع أسد، فيكون جمع الجمع، والمراد بالأساود الشجعان، وقيل: الأساود: شخوص الموتى. ويروى البيت هكذا:
وكانوا بني ساداتنا فكأنّما … تساقوا على لوح دماء الأساود
واللوح: العطش. [الخزانة ج 6/ 27، واللسان «حرد»].

311 - نسيتك ما دام عقلي معي … أمدّ به أبد السّرمد
البيت لأميّة بن أبي عائذ الهذليّ. وأمدّ: أزيد. وضمير (به) لدوام العقل، أي: أصل بدوام عقلي أبد السرمد. وأبد: بالباء الموحدة، والأبد: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. إذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد من لدن تكلمت إلى آخر
عمرك، والسرمد:
دوام الزمان من ليل ونهار، والسرمد: الدائم. [شرح أبيات المغني ج 7/ 334].

312 - لعلّ الله يمكنني عليها … جهارا من زهير أو أسيد
البيت لخالد بن جعفر بن كلاب من هوازن، فارس شاعر جاهلي. وزهير، هو ابن جذيمة العبسي، كان يأخذ الأتاوة من هوازن، فأساء إليها. وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين، أخو زهير، وقول الشاعر: يمكنني عليها: الضمير راجع إلى فرس ذكرها في أبيات سابقة. فهو يرجو أن تكون له هذه الفرس، ليتمكن عليها من زهير وأخيه، والشاهد: لعلّ الله، قالوا: إن لعلّ هنا حرف جرّ، ولفظ الجلالة مجرور. وهي رواية سماعية، أي: سمعوا العرب ينشدونها كذلك، ويجوز في لعل الجارة، فتح لامها الأخيرة وكسرها «لعلّ»، فإن صح هذا السماع، تكون لعلّ حرف جر شبيه بالزائد، ومجرورها مبتدأ، وجملة يمكنني خبر المبتدأ، والله أعلم. [الخزانة/ 10/ 438، وشرح التصريح/ 2/ 2].

313 - إلى هادرات صعاب الرؤوس … قساور للقسور الأصيد
البيت للفرزدق،. وهادرات: يعني جماعات تفخر ويعلو صوتها ويتسع. فشبهها بالفحول التي تردد أصواتها. صعاب الرؤوس: لا تنقاد ولا تذل. والقسور: الشديد.
والأصيد: الرافع رأسه عزة وكبرا، والشاهد: جمع قسور على قساور، وتصحيح الواو
(1/364)

في الجمع وإن كانت زائدة، وذلك لقوتها فيه بالحركة وجريها مجرى الأصلي حيث كانت للإلحاق، فإذا صغّر سلمت فيه الواو كما سلمت في الجمع. [سيبويه/ 3/ 470، هارون].

314 - كيف القرار ببطن مكة بعد ما … همّ الذين تحبّ بالإنجاد
أم كيف صبرك إذ ثويت معالجا … سقما خلافهم وسقمك باد
البيتان لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه، [والمقتضب/ 3/ 291].

315 - لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدى … بل أولياء كفاة غير أوغاد
البيت غير منسوب. والوغد: الذي يخدم بطعام بطنه. ويروى «أوكال» جمع «وكل» وهو العاجز، وأنشده السيوطي لردّ قول المبرد أن «بل» تنقل حكم ما قبلها لما بعدها في النفي والنهي. [الهمع/ 2/ 136].

316 - فأمّا واحدا فكفاك مثلي … فمن ليد تطاوحها الأيادي
نسب أبو زيد في نوادره هذا البيت إلى رجل من عبد شمس، جاهلي، وذكر أنّ اسمه نفيع، بالنون والفاء على زنة التصغير، وقال أبو حاتم إن اسمه «نقيع، بالنون المفتوحة والقاف». وتطاوحها الأيادي، أي: ترامى بها، والأيادي:
جمع يد. وطاح الشيء:
ذهب. أي: أكفيك واحدا، فأما إذا كثرت الأيادي، فلا طاقة لي بها ونصب «واحدا» ب «كفاك» كما تقول: أما درهما فأعطاك زيد، وليس نصبه بفعل مضمر، كما أضمروا في قوله:
ألا رجلا جزاه الله خيرا … يدلّ على محصّلة تبيت
والمحصلة: التي تحصل تراب المعدن. وذكر ابن يعيش البيت شاهدا على جمع «اليد» على الأيادي. [شرح المفصل ج 5/ 75].

317 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة … تكون وإيّاها بها مثلا بعدي
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وكان يعشق امرأة، فأرسل إليها ابن اخته رسولا فعشقته، وعفّت عن أبي ذؤيب، فلما أيقن أبو ذؤيب بغدر خالد، صرمها فأرسلت تترضاه فلم يفعل، فقال قطعة منها هذا البيت. والبيت من شواهد النحويين في باب المفعول معه.
(1/365)

وأحدو: بدال مهملة، من حدوت البعير إذا سقته وأنت تتغنى في أثره، لينشط في السير.
ويروى «أحذو» بالذال المعجمة، أي: أصنع وأهيّئ، كما تحذى النعل على المثال، إذا سويت عليه، والضمير في «وإياها» يعود على المرأة، كأنه قال: حلفت لا أزال أصنع قصيدة تكون مع هذه المرأة مثلا بعدي، أي: إنها تبقى ما بقي الدهر، ونصب وإياها:
على المفعول معه، بتوسط الواو، لمّا لم يمكنه العطف. ويروى الشطر الثاني: أدعك وإياها، ويروى: «تكونان فيها للملا مثلا بعدي» وعلى هذا فلا شاهد فيه، والله أعلم [الخزانة/ 8/ 515].

318 - إذا الخمس والخمسين جاوزت فارتقب … قدوما على الأموات غير بعيد
البيت بلا نسبة في الهمع 2/ 150، وفيه دخول «أل» على المتعاطفين من الأعداد.

319 - يلاعب الريح بالعصرين قصطله … والوابلون وتهتان التجاويد
البيت في لسان العرب لصخر الغيّ، ولأبي صخر الهذلي في أشعار الهذليين. وقال الأصمعي: الجود: أن تمطر الأرض حتى يلتقي الثّريان. وقول صخر الغي «التجاويد» يكون جمعا لا واحد له، كالتعاجيب والتعاشيب، والتباشير، وقد يكون جمع تجواد.
[اللسان - جود، والعيني/ 1/ 162].

320 - ردّت عليه أقاصيه ولبّده … ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
البيت للنابغة الذبياني من قصيدة مدح بها النعمان بن المنذر، واعتذر إليه مما بلغه عنه، وهذا أولها:
يا دار مية بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلا كي أسائلها … عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلا الأواريّ لأيا ما أبّينها … والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
ردّت عليه ... البيت
والأواريّ: محبس الدابة. والنؤي: حفيرة حول الخباء والبيت يجعل ترابها حاجزا حولهما لئلا يصل إليهما ماء المطر. والمظلومة: الأرض التي حفر فيها في غير موضع
(1/366)

الحفر، والجلد: الصلبة.
وقوله: ردّت: مبني للمجهول. وأقاصيه: نائب فاعل، والضمير للنؤي والأقاصي:
الأطراف، وما بعد عنه. ولبّده: سكّنه. والثأد: الموضع النديّ التراب، والوليدة: الأمة.

321 - إليه تلجأ الهضّاء طرّا … فليس بقائل هجرا لجاد
البيت لأبي دواد يرثي أبا بجاد، الهضاء: الجماعة من الناس. ورجل جاد: سائل طالب للجدوى. [اللسان - جدا - هضض].

322 - إنّ اختيارك ما تبغيه ذا ثقة … بالله مستظهرا بالحزم والجلد
البيت بلا نسبة في الهمع 1/ 136. وفيه حذف الخبر، وجوبا إذا سدّ مسدّه حال وهو قوله «مستظهرا» وحذف خبر (إنّ).

323 - كم دون ميّة موماة يهال لها … إذا تيمّمها الخرّيت ذو الجلد
البيت منسوب لذي الرّمة. وهو في الأشموني ج 4/ 81، وفيه الفصل بين (كم) الخبرية، وتمييزها بالظرف، مع جرّ التمييز والأكثر نصبه.

324 - جماد لها جماد ولا تقولن … طوال الدهر ما ذكرت: حماد
البيت من قصيدة للمتلمس، وقبل البيت مما يفهم به المعنى:
صبا من بعد سلوته فؤادي … وسمّح للقرينة بانقياد
كأنّي شارب يوم استبدّوا … وحثّ بهم وراء البيد حادي
عقارا عتّقت في الدّنّ حتّى … كأنّ حبابها حدق الجراد
جماد لها ..
وقوله: «سمّح» بمعنى ذلّ، وفاعله ضمير الفؤاد. والقرينة: النفس، واستبدّوا: الضمير يعود على قوم حبيبته. واستبد: أي انفرد بالأمر. وقوله: جماد - بالجيم: الجمود.
والكلمة الأخيرة «حماد» بالمهملة: الحمد. وهما اسمان للجمود والحمد معدولان، ولذلك بنيا على الكسر. ويقال للبخيل: جماد له، مثل قطام - أي: لا يزال جامد الحال.
وفي البيت يقول: أجمد الله خيرها، أي: قلّله، يعني: الخمر. وزعم بعض الشرّاح أنه
(1/367)

دعا على امرأة، وليس كذلك، وإنما قال من قال هذا لأنه لم يقرأ البيت في سياقه.
وروي البيت (ولا تقولي) وهو محرف من نون التوكيد الخفيفة، لأنه خطاب لمذكر.
ويؤيده رواية «ولا تقولوا». [الخزانة/ 6/ 339].

325 - فمن نال الغنى فليصطنعه … صنيعته ويجهد كلّ جهد
البيت لأحيحة بن الجلاح، شاعر جاهلي من يثرب. والشاهد: حذف لام الأمر مع إعمالها في قوله «ويجهد» على أنه إذا خرّج على العطف على المجزوم قبله لم يكن فبه ضرورة. [سيبويه/ 3/ 9، هارون].

326 - دار الفتاة التي كنّا نقول لها … يا ظبية عطلا حسّانة الجيد
البيت للشماخ، وحسّانة، أي: حسنه، ونصب «دار» بإضمار أعني، ويروى بالرفع.
[اللسان - حسن، وشرح المفصل/ 5/ 66].

327 - ولو علم الأقوام كيف خلفتهم … لربّ مفدّ في القبور وحامد
البيت بلا نسبة في الهمع 2/ 26، وفيه وقوع «ربّ» جوابا (للو) فلم تصدّر.

328 - وقد أعددت للعذّال عندي … عصا في رأسها منوا حديد
البيت بلا نسبة في الأشموني 4/ 112. ومنوا: مثنى المنا: وهو الكيل أو الميزان الذي يوزن به، بفتح الميم، مقصور يكتب بالألف، وتثنيتنه منوان، ومنيان، قالوا: وهو أفصح من «المنّ» وبنو تميم يقولون «منّ» وجمعه أمنان،
وتثنيته منّان. [اللسان - مني].

329 - أهان دمّك فرغا بعد عزّته … يا عمرو بغيك إصرارا على الحسد
.. غير منسوب، ويقال: ذهب دمه فرغا، أي: باطلا هدرا، لم يطالب به، وفي البيت تضعيف ميم «دمّ» لغة في تخفيفها. [الهمع 1/ 40].

330 - وأنت الذي يا سعد أبت بمشهد … كريم وأثواب السيادة والحمد
لحسان بن ثابت، وفيه الفصل بين الموصول وصلته بالنداء. [الهمع 1/ 88].

331 - أليس أكرم خلق الله قد علموا … عند الحفاظ بنو عمرو بن حنجود
(1/368)

غير منسوب، وأكرم: خبر ليس مقدم، وبنو عمرو: اسمها مؤخر. [سيبويه/ 1/ 235، واللسان «حنجد»].

332 - فما سبق القيسيّ من سوء سيرة … ولكن طغت علماء غرلة خالد
للفرزدق في مدح عمر بن هبيرة الفزاري، وهجاء خالد بن عبد الله القسري. والشاهد «علماء» أصله «على الماء» حذفت من «على» اللام والألف للتخفيف، وركبت العين مع الماء.
وأراد الشاعر بالقيسي: عمر بن هبيرة، لأن فزراة من قيس، وكان قد عزل عن العراق، وولي خالد بن عبد الله القسري في مكانه، فمدح الفرزدق عمر بن هبيرة وهجا خالدا. ومعنى طفت: ارتفعت وعلت. والغرلة: جلدة الذكر وإنما ذكر هذا تعريضا بأم خالد، لأنها نصرانية فجعله على ملتها، وجعله في رفعته عليه بالولاية، وإن كان أفضل منه، كالجيفة تطفو على الماء وتعلو. [سيبويه/ 4/ 485، هارون، والخزانة/ 7/ 106، وشرح المفصل/ 10/ 155].

333 - فكنت كالساعي إلى مثعب … موائلا من سبل الراعد
البيت لسعيد بن حسان. والمثعب: مجرى الماء من الميزاب. والموائل: اللاجئ الهارب، والسّبل: بفتحتين: المطر. والراعد: سحاب ذو رعد. يقول: أنا في التجائي إليه كالهارب من السحاب ملتجئا إلى الميزاب، ومثله قول الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته … كالمستجير من الرمضاء بالنار
.. وقبل البيت الشاهد:
فررت من معن وإفلاسه … إلى اليزيديّ أبي واقد
[الخزانة/ 1/ 322].

334 - في خمس عشرة من جمادى ليلة … لا أستطيع على الفراش رقادي
البيت بلا نسبة في الهمع 1/ 254، وفيه الفصل بين العدد والتمييز، للضرورة.

335 - إذا ما عدّ أربعة فسال … فزوجك خامس وأبوك سادي
(1/369)

البيت منسوب لامرئ القيس، وهو في الأشموني 4/ 336، والهمع 2/ 157، واللسان (فسل)، وفسال: جمع فسل: وهو الرّذل، النذل، الذي لا مروءة له، وقوله: سادي:
يريد السادس، فأبدل من السين ياء، والأصل في العدد ست وستة، سدس، وسدسة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين، فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليها، كما غلبت الحاء على العين في لغة سعد، فيقولون: «محهم» في معنى معهم، ولذلك تصغر «ستة» «سديسة».

336 - إلى ردح من الشّيزى ملاء … لباب البرّ يلبك بالشّهاد
البيت في لسان العرب: «ردح» منسوب إلى أمية بن أبي الصلت. وفي «شيز» منسوب إلى ابن الزّبعرى. والرّدح: جمع «رداح» وجفنة رداح، عظيمة. والشيزى: شجر تعمل منه القصاع والجفان. قيل: هو شجر الجوز. والشّهاد: جمع واحدته شهدة، وشهدة وهو العسل في شمعه، وقيل: العسل مطلقا. وفيه زيادة «ال» على المضاف إليه التمييز، في قوله «لباب البرّ». [الهمع/ 1/ 80، وديوان أميّة بن أبي الصلت].

337 - الضاربون عميرا عن ديارهم … بالتلّ يوم عمير ظالم عادي
البيت بلا نسبة في شواهد التوضيح ص 89، وفيه نصب «عميرا» باسم الفاعل المجموع، لأنّه لم يحذف النون من الجمع، وإضافة «يوم» إلى الجملة الاسمية «عمير ظالم».

338 - علم القبائل من معدّ وغيرها … أنّ الجواد محمد بن عطارد
البيت في كتاب سيبويه ج 2/ 27، وفي كتاب الإنصاف/ 505 والممدوح، أحد بني تميم وسيدهم في الاسلام، وفيه ترك صرف «معدّ» حملا على معنى القبيلة، والأكثر في كلامهم صرفه اسما للحيّ.

339 - وفاء يا معيّة من أبيه … لمن أوفى بعهد أو بعقد
البيت غير منسوب، وهو في شرح المفصل ج 5/ 126. والشاهد فيه، قوله «معيّة» بميم مضمومة وعين مهملة مفتوحة وياء مشددة في تصغير «معاوية» بحذف الألف وقلب الواو ياء.
(1/370)

340 - فإنّك موشك أن لا تراها … وتعدو دون غاضرة العوادي
البيت لكثير عزّة في ديوانه، وهو في الأشموني 1/ 265. والهمع 1/ 129، وغاضرة اسم امرأة، والشاهد استعمال
«موشك» من أوشك، و «أن لا تراها» خبر موشك.

341 - ومن يتّق فإنّ الله معه … ورزق الله مؤتاب وغادي
البيت غير منسوب وهو في اللسان «وقى، وأوب»، وقوله «يتق» قال ابن منظور إنما أدخل جزما على جزم. وقال ابن سيده: فإنه أراد «يتق» فأجرى «تقف» من «يتق فإنّ» مجرى علم، فخفف، كقولهم «علم في علم»، ومؤتاب من آب، بمعنى رجع.
[الهمع/ 1/ 52، والخصائص/ 1/ 306].

342 - قامت به تنشد كلّ منشد … فايتصلت بمثل ضوء الفرقد
البيت غير منسوب، والشاهد قوله: فايتصلت: وأصله فاتصلت، فلما استثقل الشاعر اجتماع التاءين وادغامهما، قلب الأولى منهما ياء. هذا، وأصل اتصلت اوتصلت فالفاء واو في الأصل، فلما وقعت قبل تاء الافتعال قلبت تاء وأدغمت في تاء الافتعال. [شرح المفصل/ 10/ 26، والأشموني/ 4/ 337، واللسان/ وصل].

343 - قرنبى يحكّ قفا مقرف … لئيم مآثره قعدد
.. البيت للفرزدق. والقرنبى: الجعل. والمقرف: اللئيم الأب. والقعدد: اللئيم، قال النحاس: البيت حجة لتذكير «لئيم» وكان وجهه أن يقول: لئيمة، لأن المآثر مؤنث.
والبيت من مناقضة يناقض بها جريرا، وقد جعل أبا جرير كالقرنبى. والمقرف أراد به عطية والد جرير، وقد أساء الفرزدق وجرير في هذه النقائض إلى آبائهما، لأنهما كانا سببا في سبّ من ليس لهما ذنب في هذه المعركة الخاسرة في الدنيا والآخرة. ولو قصرا الهجاء على شخص الخصم لكان أولى. وقد أحدثا في الأمّة شرخا لم يلئم بعد، وزادا على ما كان في الجاهلية الجهلاء، وما هذه النعرات التي نسمعها في الإذاعات إلا من عقابيل هذا الداء الوبيل، الذي استشرى واستوطن، ونعوذ بالله من عواقبه. [سيبويه/ 2/ 44، هارون].

344 - ولا يرهب ابن العمّ منّي صولة … ولا أختتي من صولة المتهدّد
وإني إن أوعدته أو وعدته … ليأمن ميعادي ومنجز موعدي
(1/371)

البيتان لعامر بن الطفيل، وقوله: أختتي: من اختتأ من فلان، أختبأ منه، واستتر خوفا، أو حياء، وإنما ترك همزة ضرورة. [اللسان ختأ].

345 - أنا الرّجل الضّرب الذي تعرفونه … خشاش كرأس الحيّة المتوقّد
من معلقة طرفة بن العبد. والضرب: الخفيف اللحم. والخشاش: الماضي.
والمتوقد: السريع. والشاهد: إعادة ضمير الغيبة على الموصول الواقع خبرا عن متكلم، وهو الأكثر. [شرح المعلقات، والهمع/ 1/ 86].

346 - خمولا وإهمالا وغيرك مولع … بتثبيت أسباب السّيادة والمجد
البيت بلا نسبة في الهمع 1/ 192، وفيه حذف عامل المصدر وجوبا، في أسلوب التوبيخ.

347 - إن قلت خيرا قال شرّا غيره … أو قلت شرّا مدّه بمداد
البيت للأسود بن يعفر، وقبل البيت:
إنّ امرأ مولاه أدنا داره … فيما ألمّ وشرّه لك بادي
وقوله: إنّ امرأ مولاه: المولى هنا، ابن العم، أو الجار، وأدنا: بمعنى أضعف وأذل من الدناءة، فسهّل، وفي: للسببية، وألمّ من اللمم، وهو مقاربة الذنب، وبادي: ظاهر.
ومولاه: مبتدأ، وأدنا: خبره والجملة صفة لاسم إنّ، وخبرها الجملة الشرطية في البيت الشاهد، والشاهد «غيره» فإنها لم تعرّف بإضافتها إلى الضمير لوقوعها صفة لقوله «شرا» النكرة. [الخزانة/ 4/ 207].

348 - فتركن نهلا عيّلا أبناؤها … وبني كنانة كاللّصوت المرّد
البيت منسوب لرجل من طيئ. ونهل: اسم قبيلة. وعيّل: فقراء. واللصوت: لغة في اللصوص. ومفرده اللصّ، وهي لغة طيئ. والمرّد: جمع مارد كراكع وركّع، وهو المتمرّد. [شرح المفصل ج 1/ 41، واللسان «لصت»].

349 - إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم … إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
هذا البيت أورده ابن الأعرابي في نوادره لضمرة بن ضمرة بن جابر، ورواه ابن دريد
(1/372)

للنمر بن تولب في بني سعد، وهم أخواله، وكانوا أغاروا على إبله فقال:
إذا كنت في سعد وأمّك منهم … غريبا فلا يغررك خالك من سعد
إذا ما دعوا .. وبعده:
فإنّ ابن الأخت مصغى إناؤه … إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
والشاهد: تسمية الغدر بكيسان، فهو يهجو قوما وصفهم بانهماك الكبير والصغير في الغدر. فالعقلاء منهم وهم الكهول أسرع إليه من ذوي الجهل وهم المرد، الشباب.
فالاسم هنا «كيسان» لا ينصرفا للتعريف وزيادة الألف والنون وكنوا عن الضربة بالرّجل على مؤخر الإنسان
«بأم كيسان» لأن ذلك يدل على نذلية وغدر، مأخوذ من الكيس.
[شرح المفصل ج 1/ 38].

350 - فقدني وإيّاهم فإن ألق بعضهم … يكونوا كتعجيل السّنام المسرهد
البيت للشاعر أسيد بن أبي إياس الهذلي، في شرح أشعار الهذليين 2/ 628، وهو في الأشموني 2/ 136. وسنام مسرهد: مقطع قطعا. وفيه وقوع «وإياهم» مفعولا معه، ولم يتقدّم عليه فعل، بل تقدم عليه ما تضمن معنى الفعل، وهو اسم الفعل «قدني».

351 - ولكنّ مولاي امرؤ هو خانقي … على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي
البيت لطرفة بن العبد من معلقته. ومولاي: ابن عمّي، وخانقي: مضيّق عليّ، إن شكرته أو سألته أو سكتّ. والشاهد: القطع في «أو أنا مفتدي» يعني أنه لم يتبع ما قبله واستشهد به سيبويه على جواز القطع بعد «أو» التي ينصب المضارع بعدها. [سيبويه/ 3/ 49، هارون، وشرح الزوزني للمعلقات].

352 - إنّ من الحيّ موجودا خليفته … وما خليف أبي وهب بموجود
البيت لأوس بن حجر. وهو شاهد على أنّ «خليف» لغة في «خليفة» الذي يستخلف ممّن قبله. [اللسان (خلف)].

353 - لو كان لي وزهير ثالث وردت … من الحمام عدانا شرّ مورود
البيت غير منسوب، وهو في البحر المحيط 2/ 148، وشواهد التوضيح ص 56.
(1/373)

354 - إذا رأيت بواد حيّة ذكرا … فاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي
البيت منسوب لعبيد بن الأبرص في ديوانه، وهو لجساس بن بدر، أو حارثة بن بدر الغداني في الوحشيات 111.

355 - تجلّدت حتى قيل لم يعر قلبه … من الوجد شيء، قلت: بل أعظم الوجد
البيت بلا نسبة في [الأشموني 2/ 50، والعيني 2/ 453]. والشاهد في «أعظم الوجد» حيث حذف فيه الفعل الرافع، تقديره: بل عراه أعظم الوجد.

356 - إخالك إن لم تغضض الطّرف ذاهوى … يسومك ما لا يستطاع من الوجد
البيت بلا نسبة في [الهمع 1/ 150، والأشموني 2/ 20]، وفيه إخالك بمعنى أظنّك.

357 - إذا قلت علّ القلب يسلوّ قيّضت … هواجس لا تنفكّ تغريه بالوجد
البيت بلا نسبة في [الهمع 1/ 53، والعيني 1/ 252]، وفيه ظهور الضمة على الواو للضرورة في قوله، يسلوّ، بمعنى: يسلو.

358 - أمن بعد رمي الغانيات فؤاده … بأسهم ألحاظ يلام على الوجد
الشاهد بلا نسبة في [الهمع 2/ 92، والدرر 2/ 123]، وفيه إعمال المصدر «رمي» مضافا إلى فاعله، فالغانيات مضاف إليه، وفؤاده: مفعول للمصدر.

359 - ردوا فو الله لاذدناكم أبدا … ما دام في مائنا ورد لورّاد
الشاهد بلا نسبة في [الهمع 1/ 9، والدرر 1/ 4]، وفيه دلالة الماضي على الاستقبال إذا نفي ب لا وبعد قسم، وهو الفعل «ذدناكم».

360 - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتّقتنا باليد
البيت للنابغة الذبياني، من قصيدته التي مطلعها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتدي … عجلان ذا زاد وغير مزوّد
والبيت - زعموا - أنه في وصف المتجرّدة امرأة النعمان التي رمي بها فهرب إلى
(1/374)

الغساسنة، والنصيف: كلّ ما غطى الرأس من خمار أو عمامة ونحوهما: والبيت يدلّ على عفّة هذه المرأة، لأنه يقول إن خمارها سقط وهي لا تريد إسقاطه، وأنها فوجئت بذلك فسترت نفسها بيدها، وهذه حركة عفوية تفعلها المرأة العفيفة.

361 - ولو عن نثا غيره جاءني … وجرح اللسان كجرح اليد
البيت لامرئ القيس في ديوانه، والنثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيء، يقال: فلان حسن النثا، وقبيح النثا.

362 - فقمنا ولما يصح ديكنا … إلى جونة عند حدّادها
البيت لأعشى بكر، والجونة: خابية الخمر، جعلها جونة لاسودادها من القار.
والحدّاد: الخمّار، لأنه يمنع من الخمر ويحفظها، وكلّ من حفظ شيئا ومنع منه فهو حدّاد. ويصح: مجزوم ب «لمّا». [الخزانة/ 8/ 226].

363 - وجدت إذا اصطلحوا خيرهم … وزندك أثقب أزنادها
البيت للأعشى. ميمون، يخاطب قيس بن معديكرب الكندي، يقول: إذا اصطلح القبائل كنت خيرها، وأدعاها إلى
الصلح واجتماع الشمل، وجعل ثقوب زنده مثلا لكثرة خيره واتساع معروفه. والزند الثاقب: هو الذي إذا قدح ظهرت ناره. والشاهد فيه: جمع زند على «أزناد» وهو جمع شاذ، لأنّ الأسماء الثلاثية الصحيحة العين الساكنة إنما تجمع جمع القلة على «أفعل». [سيبويه/ 3/ 568 هارون، وشرح المفصل/ 5/ 16، والأشموني/ 4/ 125].

364 - وكم دون بيتك من صفصف … ودكداك رمل وأعقادها
ووضع سقاء وإحقابه … وحلّ حلوس وإغمادها
البيتان للأعشى من قصيدة يمدح بها سلامة ذا فائش، والصفصف: المستوي من الأرض لا ينبت. والدكداك: ما تكبس واستوى. والأعقاد: جمع عقد، بالتحريك: وهو المتراكم. والسقاء: القربة للماء أو للبن. ووضعه: حطّه عن الراحلة. وإحقابه:
وضعه على الحقيبة، وهي مؤخرة الرحل. والحلوس: جمع حلس، وهو نسيج من شعر يوضع تحت الرحل في مؤخرة البعير. وإغمادها: شدّها تحت الرحل.
والشاهد: أعقادها، وإحقابه وإغمادها، وحملها كلها على معنى التنكير، لأنها
(1/375)

معطوفة على صفصف الواقعة موقع المنصوب على التمييز. [سيبويه/ 2/ 56، هارون].

365 - كلّ غرّاء إذا ما برزت … ترهب العين عليها والحسد
مجهول القائل، وصف امرأة حسناء، إذا بدت للناظرين خيف عليها الأخذ بالعين لحسنها، والشاهد: تخفيف الهمزة الثانية، وهي همزة «إذا» وجعلها بين بين، لأنها مكسورة بعد فتحة، فتجعل بين الهمزة والياء وتحقيقها جائز، لأنهما منفصلتان في التقدير، لا تلزم إحداهما الأخرى، والبيت من بحر الرمل. [سيبويه/ 3/ 549، هارون، وشرح المفصل/ 10/ 118].

366 - عاضها الله غلاما بعد ما … شابت الأصداغ والضّرس نقد
البيت مجهول القائل. وعاض: لغة في عرّض. كما أن «ماز» و «ميّز» لغتان. كل واحد منهما بمعنى الآخر. والأصداغ: جمع صدغ، بالضم، ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، ويطلق على الشعر الذي يتدلى على هذا الموضع مجازا. والنّقد: بفتح النون والقاف: تآكل الأسنان. وفعله من باب فرح، يقال: نقدت أسنانه وضرسه. ففعله، ووصفه «نقد» بكسر القاف. وروي في البيت «نقد» بكسر القاف وفتحها، فالمكسور يجوز أن يكون ماضيا ووصفا. يقول: عوّض الله هذه المرأة من مات من أولادها غلاما، ولدته بعد ما أسنّت وشاب رأسها، وتكسرت
أسنانها، فمحبتها له أشدّ محبة، لأنها يئست أن تلد غيره.
ونقل ابن هشام البيت في «المغني» شاهدا على منع عطف الجملة الاسمية على الفعلية، وأن ابن جني قال: إن الضرس - في البيت - فاعل لمحذوف يفسره المذكور.
وليس بمبتدأ. والصحيح أن ابن جني يجوّز العطف بالواو فقط. وأن (والضرس نقد) جملة اسمية معطوفة بالواو على (شابت الأصداغ). [شرح أبيات المغني/ ج 7/ 66].

367 - فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا … وعضت على العنّاب بالبرد
منسوب إلى يزيد بن معاوية، وإلى الوأواء الدمشقي، مع ما بينهما من بعد في الزمن، والحقّ أنه إن كان قاله شاعر، فإنه يكون للوأواء، لأنه أليق بزمنه، والبيت يذكر في باب
(1/376)

الاستعارة التصريحية، ولا أعلم فيه شاهدا نحويا. [العمدة ج 1/ 200، وديوان الوأواء، ونهاية الأرب ج 2/ 234].

368 - نحن الّذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا
لرجل من الأنصار، والشاهد فيه: إعادة ضميرين، أحدهما بلفظ الغيبة وهو «بايعوا» مراعاة للفظ، وثانيهما بلفظ التكلم مراعاة للمعنى. [الهمع/ 1/ 87].
(1/377)

قافية الذال
1 - ألا حبّذا حبّذا حبّذا … حبيب تحمّلت منه الأذى
الببيت لعمر بن أبي ربيعة، في ديوانه، وفي الهمع 2/ 89، وفيه تكرار «حبذا» للتوكيد اللفظي.

2 - سقى الحيا الأرض حتى أمكن عزيت … لهم فلا زال عنها الخير مجذوذا
مضى البيت في حرف الدال المهملة (مجدودا) وذكرته هنا لروايته (بالذال).

3 - لكلّ جديد لذّة غير أنّني … وجدت جديد الموت غير لذيذ
البيت للشاعر ضابئ بن الحارث، وكان البيت محلّ إعجاب الحطيئة في وصيته قبيل موته. [الخزانة/ 2/ 411].
(1/379)

باب الراء
1 - إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
البيت من قطعة قالها الشاعر لبيد بن ربيعة لما حضرته الوفاة وهي:
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما … وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه … ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
وقولا: هو المرء الذي لا صديقه … أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول .. الخ
وقوله: تمنى: هو فعل مضارع، وأصله «تتمنّى» بتاءين. وقوله: إلى الحول: متعلق بقوله «قوما» أي: امتثلا ما قلت لكما إلى الحول.
وقوله: «ثم اسم السّلام عليكما»، جرى فيه خلاف بين أهل النحو، فقال قائل «إن اسم» مقحم، وقيل غير ذلك. وهناك شاهد آخر في قوله «من ربيعة أو مضر» فالكوفيون يرون أنّ «أو» بمعنى الواو؛ لأنه جمع بين ربيعة أبيه، ومضر الجدّ الأعلى، وقال البصريون إنّ «أو» هنا لأحد الأمرين على الإبهام. [الخزانة/ 4/ 337، وشرح المفصل/ 3/ 14، والهمع/ 2/ 49، والأشموني/ 2/ 243، والعيني/ 3/ 375].

2 - قتلنا ونال القتل منّا وربّما … يكون على القوم الكرام لنا الظّفر
البيت شاهد أن المضارع بعد ربّما بمعنى الماضي. لأن مراد الشاعر: إن فشا فينا القتل فكثيرا ما قتلنا قوما كراما قبل، فإن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا. وبهذا يحسن الاعتذار والتمدّح، لا بأنه سيحصل لهم الظفر. [الخزانة/ ج 10/ 3].

3 - أيقنت أنّي لا محا … لة حيث صار القوم صائر
(1/381)

البيت من قطعة قالها قسّ بن ساعدة، وقوله أيقنت: جواب «لمّا» في بيت سابق:
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر
والشاهد في البيت الأول: أنّ «صار» تامّة، بمعنى انتقل، والقوم فاعله. [الخزانة/ 9/ 188].

4 - لم يك الحقّ على أن هاجه … رسم دار قد تعفّى بالسّرر
.. البيت شاهد على أن حذف نون «يكن» المجزوم الملاقي للساكن جائز وقال بعضهم هو شاذّ، ومن أمثلة الحذف قول الخنجر بن صخر الهذلي:
فإن لا تك المرآة أبدت وسامة … فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
والبيت الشاهد منسوب إلى حسيل بن عرفطة، من أهل الجاهلية. يقول: ليس بلائق بالعاشق أن يهيج حزنه الرسم الداثر. (والسّرر) يروى بفتح أوله: وهو واد يدفع من اليمامة إلى أرض حضر موت. ويروى بكسر أوله وهو موضع على أربعة أميال من مكة، عن يمين الجبل بطريق منى، زعموا أنه كان به شجرة سرّ تحتها سبعون نبيا، أي: قطعت سررهم، وبعض أهل الحديث يضمّ السين في أوله، ويروى «ودثر» بدل بالسرر، أي: درس ولم يبق منه شيء. [الخزانة/ 9/ 304، والهمع/ 1/ 122، والخصائص/ 1/ 90].

5 - ففداء لبني قيس على … ما أصاب الناس من سرّ وضرّ
ما أقلّت قدمي إنّهم … نعم الساعون في الأمر المبرّ
البيتان لطرفة بن العبد، قوله: ففداء: أي: أنا فداء لهذه القبيلة. والسرّ والضرّ: السرّاء والضرّاء، و «ما» في البيت الثاني: المصدرية الظرفية التي تدل على الدوام، وأقلت قدمي: رفعت، والمبرّ: اسم فاعل من أبرّ فلان على أصحابه، أي: غلبهم، والمبرّ:
الأمر الغالب الذي عجز الناس عن دفعه.
والشاهد: (نعم) فعل مدح، وقد استعمله طرفة على الأصل، بفتح النون وكسر العين، فالبيت من بحر الرمل، وعليه قراءة «فنعم عقبى الدار» الآية 24. من سورة الرعد.
[الخزانة/ ج 9/ 376، والإنصاف/ 122، وشرح المفصل ج 7/ 127، والهمع/ 2/ 84].
(1/382)

6 - لا تفزع الأرنب أهوالها … ولا ترى الضّبّ بها ينجحر
البيت للشاعر عمرو بن أحمر الباهلي، وهو شاعر إسلامي أدرك الجاهلية والإسلام، وليس له صحبة.
ويصف في هذا البيت الفلاة، واستشهدوا بهذا البيت على أنّ قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] النفي فيه منصبّ على مثل مثله وعلى مثله جميعا، فليس لله مثل حتى يكون لمثله شيء يماثله، فالمنفيّ المثل ومثل المثل جميعا.
قالوا: وهذا كقول عمرو بن أحمر في وصف فلاة. وأنا أقول: إنّ قول الشاعر كقوله تعالى .. فقول الله تعالى، مشبّه به، لأنه الأثبت والأقوى، ذلك أن الشاعر لم يرد أنّ بها أرانب لا تفزعها أهوالها، ولا ضبابا غير منجحرة ولكنه نفى أن يكون بها حيوان.
وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً. [آل عمران 151]. فالله تعالى يريد نفي السلطان، يعني الحجة، والنزول جميعا، لا نفي التنزيل فقط بأن يكون ثمة سلطان لكنه لم ينزّل، كما أنّ المنفيّ في البيت الضبّ والانجحار جميعا، لا الانجحار فقط، إذ المراد وصف هذه المفازة بكثرة الأهوال بحيث لا يمكن أن يسكنها حيوان. [الخزانة/ ج 10/ 192، والخصائص/ 3/ 165].

7 - إذا أقبلت قلت دبّاءة … من الخضر مغموسة في الغدر
البيت لامرئ القيس في وصف فرسه، والدّبّاءة: واحدة الدّبّاء وهو القرع، شبه الفرس بالدّباءة، لدقّة مقدمها وضخامة مؤخرها وهذا يستحبّ في الفرس، وقوله: مغموسة في الغدر: يريد أنها في ريّ فهو أشدّ لملاستها، كقولك: فلان مغموس في الخير.
والشاهد: أن «دبّاءة» ليست وحدها محكية بالقول، بل هي خبر مبتدأ محذوف، أي:
هي دبّاءة، والمجموع هو المحكيّ. [الخزانة/ ج 9/ 175].

8 - ولم أر قوما مثلنا خير قومهم … أقلّ به منّا على قومنا فخرا
قاله زيادة الحارثي، شاعر إسلامي. وانتصب قوله: خير قومهم: على أنه بدل من
(1/383)

قوله: «قوما»، ويجوز أن يكون صفة، وأقلّ: مفعول ثان، وفخرا: تمييز، وتقدير البيت:
لم أر خير قوم مثلنا أقلّ بذاك فخرا منا على قومنا، والمعنى: إنّا لا نبغي على قومنا، ولا نتكبر عليهم، بل نعدّهم أمثالنا، وكون «خير» صفة ل «قوما» النكرة، يدل على أن إضافة «خير» إضافة لفظية، لم يتعرف بها ولو استفاد التعريف لما كان صفة للنكرة. [الخزانة/ 4/ 364، والمرزوقي/ 244].

9 - ألا هل أتاها - والحوادث جمّة … بأنّ امرأ القيس بن تملك بيقرا
.. البيت للشاعر امرئ القيس من قصيدة قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجدا بقيصر للأخذ بثأر أبيه، وإذا صحت قصة استنجاده بالروم على بني قومه، فإنّه يعدّ أول من فعل ذلك من العرب .. فأورث ذوي النفوس المريضة من بني قومه هذا الخلق الذميم، لقد دامت الحرب بين مشركي مكة وبين المسلمين عشر سنوات، قتل فيها صناديد قريش، وكثير من القرشيين قتل آباؤهم وأبناؤهم، وأخوالهم وأعمامهم، وكانت لقريش إلى بلاد الروم رحلات، ولا يخلو أن يكون لهم مع تلك الديار صداقات ومع ذلك لم نسمع أنّ القرشيين فكروا في الاستعانة بالروم أو الفرس لمحاربة أهل المدينة، ذلك أنهم - مع كفرهم - كانوا ذوي أنفة وإباء، وامرؤ القيس كغيره من
شعراء الجاهلية، يتعاقرون الخمر، ويصفون مجالس الفجور، ولكن امرأ القيس زاد عليهم في هذه النقيصة التي تأباها النفوس العظيمة، ولعلّ هذا السبب هو الذي جعل امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى النار لما روى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار». [ج 2/ 228].
.. وقوله: بن تملك: هي إحدى أمهاته. وبيقر الرجل: إذا هاجر من أرض إلى أرض، والشاهد: أن الباء قد تزاد بقلة مع «أنّ» الواقعة مع معموليها في تأويل مصدر مرفوع، على أن «بأن امرأ القيس» فاعل أتاها، وأرى أن لا نستشهد بشعر هذا الشاعر الخبيث. [الخزانة/ 9/ 524، وشرح المفصل/ 8/ 23، والإنصاف/ 171، واللسان (بقر)].

10 - فلمّا رأى أن ثمّر الله ماله … وأثّل موجودا وسدّ مفاقره
البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يعاتب بها بني مرّة، ويحكي في القصيدة قصة الأخوين والحيّة التي يقال لها «ذات الصفا» فيقول:
(1/384)

فإني لألقى من ذوي الضّغن منهم … بلا عثرة والنفس لا بدّ عاثره
كما لقيت ذات الصّفا من حليفها … وكانت تديه المال غبّا وظاهره
فلما رأى .. البيت.
أكبّ على فأس يحدّ غرابها … مذكّرة من المعاول باتره
... وتقول القصة إن أخوين كانا يرعيان بواد فيه حيّة، فقتلت الحيّة أحدهما، فجاء الثاني ليقتلها، فعرضت عليه أن يتركها وتعطيه في كل يوم دينارا وتتركه يرعى، فأعطاها الميثاق على ذلك، فلما كثر ماله، تذكّر أخاه، وأعدّ فأسا لقتلها، فأهوى عليها ولكنه أخطأها، فقطعت عنه ما اتفقا عليه فعاد إليها يطلب الصلح فقالت: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك، وأنت ترى قبر أخيك وأنت فاجر لا تبالي بالعهد.
والشاهد في البيت الأول: أنّ الفراء وابن الأنباري جوّزا وقوع أن المصدرية بعد فعل علم غير مؤول بالظنّ كما في البيت، فإن رأى فيه علميّة، ويجوز أن تكون «أن» في البيت مخففة من غير فصل بينها وبين «ثمّر» على الشذوذ، فأن وما بعدها في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي رأى، إلا أنها في القول الثاني مخففة واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة «ثمّر الله» خبرها. [الخزانة/ 8/ 414].

11 - يا أيها النابح العاوي لشقوته … إليك أخبرك عمّا تجهل الخبرا
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها … إذن للام ذوو أحسابها عمرا
هذان البيتان من قصيدة للفرزدق هجا بها عمر بن هبيرة الغطفاني أحد عمال سليمان بن عبد الملك.
والشاهد: في البيت الثاني قوله «لا ذنوب لها» على أنّ «لا» هنا زائدة، مع أنّ النكرة بعدها مبنيّة معها على الفتح، والمعنى: لو لم تكن ذنوب لغطفان، أي: لو كانت غطفان غير مسيئة إليّ، للام أشرافها عمر بن هبيرة في تعرّضه إلي ومنعوه عنّي. [الخزانة/ 4/ 30].

12 - أو راعيان لبعران شردن لنا … كي لا يحسّان من بعراننا أثرا
.. من أبيات الشواهد التي يتناقلها العلماء بدون عزو، وهو شاهد أن «كي» فيه بمعنى «كيف» أو أن أصلها كيف، فحذفت الفاء لضرورة الشعر. [الخزانة/ 7/ 102].
(1/385)

13 - وما حبّ الديار شغفن قلبي … ولكن حبّ من سكن الديارا
البيت لمجنون بني عامر، وفيه شاهد أن المضاف وهو «حبّ» اكتسب التأنيث والجمعيّة بإضافته إلى الديار، وهو جمع (دار) وهو مؤنث سماعي. [الخزانة/ 4/ 227].

14 - بانت لتحزننا عفاره … يا جارتا ما أنت جاره
هذا البيت مطلع قصيدة للأعشى ميمون:
وبانت: فارقت. وعفارة: اسم امرأة. وقوله «يا جارتا»، أي: يا جارتي، فأبدل من الكسرة فتحة فانقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويجوز أن تكون الألف للنّدبة، وحذف الهاء بعدها، كأنه لما فقدها، ندبها، والجارة: هنا: الزوجة.